{"pages":[{"id":1,"text":"بسم الله الرحمن الرحيم\rاسم الكتاب / جامع لطائف التفسير\rالعاجز الفقير\rعبد الرحمن بن محمد القماش\rإمام وخطيب بدولة الإمارات العربية\rعفا الله عنه وغفر له\rالجزء الأول\rحقوق النسخ والطبع والنشر مسموح بها لكل مسلم\r{ يا قوم لا أسألكم عليه أجرا }","part":1,"page":3},{"id":2,"text":"الجزء الأول\rمن الآية { 1 } من سورة الفاتحة\rوحتى الآية { 118} من سورة البقرة","part":1,"page":4},{"id":3,"text":"إلى كم تطوف على ساحل البحر مغمضا عينيك عن غرائبها أو ما كان لك أن تركب متن لجتها لتبصر عجائبها وتسافر إلى جزائرها لاجتناء أطايبها وتغوص في عمقها فتستغني بنيل جواهرها أ ما تعير نفسك في الحرمان عن دررها وجواهرها بإدمان النظر إلى سواحلها وظواهرها أو ما بلغك أن القرآن هو البحر المحيط ومنه يتشعب علم الأولين والآخرين كما يتشعب عن سواحل البحر المحيط أنهارها وجداولها أو ما تغبط أقواما خاضوا في غمرة أمواجها فظفروا بالكبريت الأحمر وغاصوا في أعماقها فاستخرجوا الياقوت الأحمر والدر الأزهر والزبرجد الأخضر وساحوا في سواحلها فالتقطوا العنبر الأشهب والعود الرطب الأنضر وتعلقوا إلى جزائرها واستدروا من حيواناتها الترياق الأكبر والمسك الأذفر أهـ.\rجواهر القرآن - الغزالي ج1/ص21\rلوذاب أهل السموات وأهل الأرض حين يسمعون كلام الله عز وجل أوماتوا خمودا أجمعون لكان ذلك حق لهم ولما كان ذلك كثيرا إذ تكلم الله عز وجل به تكليما من نفسه من فوق عرشه من فوق سبع سمواته فإذا عظم في صدرك تعظيم المتكلم به لم يكن عندك شيء أرفع ولا أشرف ولا أنفع ولا ألذ ولا أحلى من استماع كلام الله جل وعز وفهم معاني قوله تعظيما وحبا له وإجلالا إذ كان تعالى قائله فحب القول على قدر حب قائله أهـ.\rفهم القرآن - للحارث المحاسبي ج1/ص302","part":1,"page":5},{"id":4,"text":"تقديم الدكتور عبد الوهاب المشهدانى\rبسم الله الرحمن الرحيم\rمن المعلوم بالضرورة عند أهل العلم الشرعى الشريف ، أن أعمالنا ووظائفنا وتخصصاتنا كلها توقيفية على الله ـ عز وجل ـ ولهذا أودع الله تعالى فى كل كيان ما يساعده على القيام بالمهمة التى خصص لها ، فهو بعد ذلك يعمل ويعمل ويبدع ويأتى بما هو نافع وناجح وطيب لدينه ووطنه وأمته ، بل وللعالم كله ؛ لأن الإنسان يعيش مدة عمره ليزرع الخير ، ويلفظ الرديئة ويقضى عليها والناس للناس وخيرهم من قام لتقديم الخير لهم ، ثم الشىء لا يسمى خيرا ولا صالحا إلا إذا أريد به وجهة الخالق الموجود المنعم جل جلاله ، فالإيمان أساس كل خير ، ذلك كانت أروع الأعمال وأسمى الأقوال المستنبطة من محيط العلم الذى جاء به رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ وحينما أجد طلاب العلوم الشرعية وبعد تخرجهم سيما طلاب الأزهر الشريف بعد أن أضاء لهم الطريق وأنار لهم الدرب ، حين درسهم علوم الآلة من نحو وصرف وبلاغة وعلوم القرآن والحديث وما ينضبط به الفكر ، وهذه كلها علوم استنبطها علماء الأمة فى الصدر الأول من كتاب الله وسنة رسول الله عليه السلام ، وهى علوم يجب على طلاب الشريعة معرفتها والوقوف على ما فيها ؛ لأن الغوص فى محيط كتاب الله وبحر سنة رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ لاستنباط القضايا المستجدة إلى يوم القيامة متوقفة على ذلك ، وما لا يتم الواجب المطلق إلا به فهو واجب ؛ لذلك كان قتل العلماء وازدراؤهم وإبعاد المجتمع عنهم قتلا وإنهاء للإسلام العظيم ؛ لأن استمرار وجود هذه الأمة الإسلامية بوجود علمائها المستنبطين الربانيين ، فخلودها علقه الله تعالى بوجودهم ، فحين أدرك أعداء الإسلام ذلك قاموا بمحاربة علماء الأمة بعد أن شوهوا سمعتهم وغيروا صورهم البهية الجميلة فى أذهان الأميين والدهماء فى أذهانهم ؛ لذلك سار هؤلاء ومعهم مرضى القلوب والمنافقون خلف المنهج الذى رسمه لهم أعداء الإسلام ، وحين وفق الله تعالى طلاب العلوم الشرعية أزهريين كانوا","part":1,"page":6},{"id":5,"text":"وغيرهم لوظيفة الإمامة والخطابة وأفسح لهم المجال وقدم لهم الوقت الكافى ليعيشوا بين مظان الكتب الشرعية والمطولات الشريفة وملاحقة العلماء الربانيين أصحاب القدرة والتمكن ليأخذوا عنهم بما فتح الله عليهم وبما أفهمهم وألهمهم فى شرح كتابه وسنة رسوله ـ صلى الله عليه وسلم ـ فنجد أحدهم وقد جعل القرطاس تحت إبطه وامتلأت جيوبه بالأقلام ، فيأخذ من هذا الربانى تارة ومن ذلك المرشد تارة أخرى حتى إذا استقام عوده وصلب كيانه وتم علمه فتح الله تعالى له أبواب الاستنباط والتنقيب والغوص بعد أن ملكه أدوات العلم والتحقيق ومكنه من تحقيق المعانى وصياغة قوالب الألفاظ لتشق طريقها إلى مسامع المسلمين ثم تتداخل لتصل بعد ذلك إلى سويداء قلوبهم لتستقر هنالك مع التمكن والجلال وهى فى زى البهجة ولباس النور ممزوجة مع كمال التوفيق.\rوبهؤلاء فحسب دون غيرهم سوف تعيش حياتها ومجدها وهما محاطان بالحب لبعضهم والأخوة والتوقير ؛ لذا خلق هؤلاء الأفذاذ ، ولهذا وجدوا ولهذا أخرجوا من ظلمات العدم إلى نور الوجود ، وإلا فسيأخذ مجالهم ومكانهم الجليلين الجميلين من لا علم عنده ولا تربية لديه ، ومن لم يخلقوا لذلك ولم يحدثوا له من الذين لا توفيق لكلامهم ولا قبول لهم اللهم إلا عند مرضى القلوب ومن يريد الكيد للإسلام ، ثم يحارب الإسلام أهله ويذبح المسلمين أبناؤهم ويخرب البلاد شبابهم عملا بما يتلفظ به هؤلاء الأغراب عن العلم والدين والفقه والعقيدة ، والذى فسح لهم المجال أنتم يا من خصصكم الله تعالى للعلم والدين والإرشاد حين تركتم ما خلقتم له وما وجدتم لأجله ؛ لذا أرجو من كل إمام وخطيب أن يجعل من هذا الكتاب أسوة حسنة.","part":1,"page":7},{"id":6,"text":"من زمن الرسول الأعظم ـ صلى الله عليه وسلم ـ إلى يومنا هذا يقتدى كل جيل بما قبله وكلهم آخذ من عند رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ ولكن هى الأمانة يسلمها جيل لمن بعده هكذا ما دامت الدنيا باقية ، والمسلمون بأشد الشوق إليكم ولما تقومون به من إرشاد واستنباط وإنارة عقولهم للوصول إلى رضى الله تعالى والفوز بالسعادتين يا أصحاب العلم الشريف وأصحاب الأقلام الطاهرة المخلصة التى تخاف الله رب العالمين وتعظم رسوله محمدا الأمين وتحافظ على وجود الأمة وتقف أمام كل من يريد شتاتها وتمزيقها وتخريب بلادها.\rوكم سرنى وأثلج قلبى وأعاد الثقة لنفسى وأن الخير ما زال موجودا فى أمة محمد ـ صلى الله عليه وسلم ـ حين قدم لى أحد طلاب الأزهر الشريف ـ وقد أسند الله تعالى إليه وظيفة الإمامة والخطابة فى دولة الإمارات العربية المتحدة ـ كتابه المبارك المسمى (جامع لطائف التفسير) لمؤلفه الشيخ الفاضل / عبدالرحمن بن محمد بن عبدالحميد القماش وله جزيل الشكر والتوفيق.\rوه وكتاب مشحون باللطائف البهية والحكم العلية ؛ لذا أتمنى أن يكون فى كل بيت من بيوت المسلمين ؛ لأنه سيكون سببا لتوسيع مداركهم وسم وأفكارهم وسعة مجال استنباطهم وينير الدرب والطريق للوصول إلى الهيمنة على الدنيا والسيطرة على السماء لنقوم بإرشاد الأمم على اختلاف لغاتها وتغيرات أمزجتها بما جاء به رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ لأن الذى يسيطر على السماء يسيطر على الأرض ولا عكس ونحن مأمورون بذلك بنص القرآن العظيم (وسخرلكم ما فى السماوات وما فى الأرض) والتسخير هو التذليل والانتفاع ، وقدم السماوات على الأرض لشدة أهميتها وتوقف الأرض فى الإرشاد عموما عليها ، فغز والسماء والوصول إليها فرض فرضه الله على هذه الأمة بمحض الأخبار والأوامر التى جاءت فى كتاب الله تعالى وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم","part":1,"page":8},{"id":7,"text":"ولا يحتمل هذا المختصر فى هذه المقدمة تفصيل ذلك ، ثم إنى أحب أن أذكر لطيفة وقعت عليها عينى فى هذا الكتاب تشدنا إلى معرفة الله والخوف منه والعمل بمقتضى كتاب الله العزيز وهى تختص بلفظ الجلالة (الله) وهو علم مرتجل لم يؤخذ من أصل ولم يشتق من شىء ، كما قال الإمام الأعظم أبو حنيفة النعمان ـ رضى الله عنه ـ وهو الجامع جميع الصفات والأسماء وهو اسم الله الأعظم ، كما قاله الإمام الربانى جدنا الشيخ عبدالقادر الجيلانى ـ قدس سره العزيز ـ فالله هو المستغنى عن كل ما سواه والمفتقر إليه كل من عداه إذا حذفت الألف منه كان الباقى على صورة (لله) وهو مختص به سبحانه وتعالى (ولله جنود السماوات والأرض) وقوله تعالى (ولله خزائن السماوات والأرض )\rفالجنود متمكنون منا ، ولا نعلم حقيقتهم والخزائن بيد الله عز وجل ، فماذا نملك وبماذا نتحكم وكل ذلك بيد الله ، إذن فلابد من العودة إلى الله مع الخضوع والخشوع.\rوإن حذفت عن هذه الصورة اللام الأولى بقيت على صورة( له) فقد قال الله تعالى (له مقاليد السماوات والأرض) وقوله (له الملك وله الحمد) ، فمن نحن بالنسبة للسماوات والأرض ؛ لذا يجب على كل مسلم أن يعرف مقدار نفسه ولا يعل وولا يتكبر ولا يظلم ؛ بهذا الفهم تعيش الأمة بأمن وأمان واطمئنان ، وإذا كان له الملك والعظمة وله الحمد ، فمعناه أن أفعالنا التى نقوم بها خيرا للأمة إنما هى مخلوقة لله ، أما صورة الكسب فهى للعبد التى لا يتوصل بها إلا بخلق الله قال تعالى (وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى) فلم يبق لنا شىء.","part":1,"page":9},{"id":8,"text":"إذن الكل لله تعالى ، فّإذا حذفت اللام الباقية كانت البقية هى قولنا (هو) وتحذف الواو إذا اتصلت هذه الهاء بكلمة تدل على نفسها ولم تقترن بزمن وهى الاسم إذ لا يوجد اسم من أسماء اللغة العربية مختوما بواو ؛ لذلك إذا انفردت الهاء عادت إليها الواو فقال (هو) كما قال الله تعالى (قل هو الله أحد) وقوله (هو الحى لا إله إلا هو) معناه لا تطلب الحوائج حقيقة إلا من الله ؛ لأنه هو السيد الصمد ولا تعطى الحياة إلا من قبله ، فالأمر كله لله ، وبهذا التصور وبهذا الإذعان نعيش جنودا مخلصين مستعدين ظاهرا وباطنا ؛ لذلك نشعر بلذة ونشوة لا مثيل لهما لأننا لا ندرى ولا نعلم من أى مكان تتنزل علينا الفيوضات الربانية والتجليات الإلهية فتنعش منا القلوب وتربى فينا الأرواح وتغذى فينا العقول والأفكار ، فما أسعد البشرية بما جاء به رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ من عند الله عز وجل لخيرنا وصالحنا واطمئنان قلوبنا.\rفأرجو الله أن يوفق صاحب الكتاب أن يكتب لهذه الأمة المزيد من الكتب النافعة ' وستكون فى ميزان حسناته يوم القيامة ـ إن شاء الله تعالى ـ وهو علم ينتفع به. وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.\rخادم العلم الشريف\rد / عبد الوهاب المشهدانى\rالواعظ الأول ومسؤول الفتوى بالوزارة برأس الخيمة\r25جمادى الأولى 1426 هـ الموافق 2 يولي و2005","part":1,"page":10},{"id":9,"text":"بسم الله الرحمن الرحيم\rمقدمة الكتاب\rالحمد لله المتصف بصفات الكمال والمنعوت بنعوت الجلال والجمال والمنفرد بالإنعام والأفضال والعطاء والنوال سبحانه لا يزال في نعوت جلاله منزها عن الزوال وفى صفات كماله مستغنيا عن زيادة الاستكمال أحمده تعالى على ما ألهم وعلم من العلم ما لم نعلم من علينا بالإيمان وشرفنا بتلاوة القرآن فأشرقت علينا بحمد الله أنواره وبدت لذوى المعارف عند التلاوة أسراره وفاضت على المتقين عند التدبر والتأمل بحاره والصلاة والسلام على البشير النذير والسراج المنير سيد الأولين والآخرين سيدنا محمد الذي جعله الله نورا ومنيرا فقال تعالى (قد جاءكم من الله نور وكتاب مبين) وقال (ياأيها النبى إنا أرسلناك شاهدا ومبشرا ونذيرا وداعيا إلىالله بإذنه وسراجا منيرا) فهونور [كامل فى ذاته] وهو منير [مكمل لغيره] سيد الأصفياء وعلم الأولياء وخاتم الأنبياء ونور أهل الأرض والسماء بلغه الله رضاه في الدنيا فقال له (فلنولينك قبلة ترضاها) وتأمل كيف قال الله (ترضاها) ولم يقل أرضاها وفى الآخرة أقر عينه بأن أعطاه المقام المحمود بقوله (عسى أن يبعثك ربك مقاما محمودا) ومنحه أسمى درجات الرضا بقوله (ولسوف يعطيك ربك فترضى) اللهم صل عليه وعلى آله الأطهار وصحابته الأبرار الذين منهم من آواه ونصره ومنهم من هجر لأجله ماله وأهله ووطنه وعلى كل من تبعهم بإحسان في جميع الأزمان ممن اتخذ طاعة ربه سكنه ووافق في الصلاح سره علنه وبعد اعلم نور الله باطنك بأنوار الإيمان وزين ظاهرك بوظائف الإسلام واستعملك في الدنيا بمتابعة السنة وأسعدك في الأخرى بجواره في الجنة أن أولى ما أفنى فيه المكلف عمره وعلق به خاطره وأعمل فيه فكره تحصيل العلوم الشرعية واستعمالها في الأعمال المرضية وإن أعلى هذه العلوم كتاب الله ، ثم العلوم المتعلقة به كثيرة وفوائد كل علم منها غزيرة ، وإن من أجلها وأنفسها علم التفسير وهو جنة في الدنيا وكيف يروق لعاقل أن يطلب جنة الخلد في الآخرة","part":1,"page":11},{"id":10,"text":"قبل أن يسبح في أنهار جنة التفسير ويطوف في حدائقها ويقتطف من ثمارها ؟!! وكيف يعد نفسه من الأحياء من لم يرتع في هذه الجنة ؟!! ولو كشف عنه الغطاء ورأى الأمور على حقائقها بعين بصيرته لطار لبه ولهامت روحه ولتاقت نفسه للنزول بساحة الكرم ـ جنة القرآن وروضة التفسير ـ (ولكن أكثر الناس لا يعلمون) والعمرـ لاشك ـ يتقاصر عن نيل المقاصد والنهايات ويضيق عن تحصيل المطالب والغايات ؛ لذا فإن اللائق البحث والفحص في تحصيل ما الفائدة في تحصيله أعم ، والدنيا تنقضى على أهلها ، وتبقى الأعمال قلائد في رقاب أهلها.","part":1,"page":12},{"id":11,"text":"واعلم أن كل قول مكرر مملول إلا القرآن العزيز ، فإنه كلما كرر حلا وعلا واقتبس من فوائده وأنواره مالا يدخل تحت الحصر ، وكيف يمل حديثه وهو أحسن الحديث قال تعالى (الله نزل أحسن الحديث كتابا متشابها) [الزمر / 23] وهو أحسن القصص قال تعالى (نحن نقص عليك أحسن القصص بما أوحينا إليك هذا القرآن) [يوسف /3] فلا شرف ولا عز إلا لأهل القرآن ؛ لأنه عز لا ذل معه وغنى لا فقر يتبعه وأهله هم أهل التجارة الرابحة وهى لا تكسد عنده حتى يوفيهم أجورهم من الجنة قال تعالى (إن الذين يتلون كتاب الله وأقاموا الصلاة وأنفقوا مما رزقناهم سرا وعلانية يرجون تجارة لن تبور [فاطر /29] وهم أهل الله وخاصته ، وهم أشراف هذه الأمة ، وهم أهل الحلل والكرامة يوم القيامة وهم الملأ بحق ، كما قال الإمام الشاطبى عنهم : أولئك أهل الله والصفوة الملا. والصفوة : الخالص من كل شىء ، والملأ مهموز أبدل همزه ألفا للوقف ، وإنما سمى الملأ بذلك ؛ لأنهم أشراف الناس وعظماؤهم ولأنهم يملئون العين رهبة ، وكأنه يقول إن أردت ناسا بحق فهم أهل القرآن ، وانظرـ أكرمك الله ـ كيف ارتقى بهم القرآن حتى سموا وعلوا فسادوا وقادوا ، فهذا صنيع القرآن بأهله فكيف يكون صنيعه بمن غاص في أعماق بحار التفسير لاستخراج جواهر المعاني من صدف المباني التي أودعها الله تعالى في كتابه العزيز الذي هو منتهى الحكمة البالغة ولا يفنى ولا ينفد ولا تنقضي عجائبه ، فقد حوى من المعاني الأنيقة والحكم الرشيقة ما بهر القلوب عجبا ، وتأمل ـ أشرق الله قلبي وقلبك بأنوار اليقين وجعلني وإياك من أوليائه المتقين ـ فى قوله تعالى (ولو أن ما فى الأرض من شجرة أقلام والبحر يمده من بعده سبعة أبحر ما نفدت كلمات الله) [لقمان /27] كيف استغنى القرآن العظيم فى الآية الكريمة عن ذكر المداد بقوله (يمده) فجعل البحر المحيط بمنزلة الدواة ، والأبحر السبعة مملوءة مدادا أبدا صبا لا ينقطع ، ونظيره قوله تعالى (قل لو","part":1,"page":13},{"id":12,"text":"كان البحر مدادا لكلمات ربى لنفد البحر قبل أن تنفد كلمات ربى ولو جئنا بمثله مددا) [الكهف /109] ثم تدبر كيف قال (من شجرة أقلام) ولم يقل من شجر ، يتجلى لك أنه أراد تفصيل الشجر وتقصيها شجرة شجرة حتى لا يبقى من جنس الشجر شجرة إلا وقد بريت أقلاما ، ثم انظر كيف قال : ( ما نفدت كلمات الله) [جمع قلة]ولم يقل : كلم الله [جمع كثرة]يتبين لك أن جمع القلة أبلغ في المقصود ؛ لأن جمع القلة إذا لم يغن بتلك الأقلام وذلك المداد ، فكيف يغنى جمع الكثرة أه [انظر تفسير الرازى\rصـ 402ـ 403 ]\rومع هذا كله نرى بعض خصوم الإسلام يحاولون الطعن في القرآن ولم تتوقف هجماتهم ضد القرآن من أول وهلة قرع أسماعهم فيها وحى الله وأنفقوا كل نفيس وعزيز للنيل من القرآن لكن نقول لهم : ما يضير الشمس أن لا يرى ضوءها الأعمى والخفافيش لا يزيدها النور والضياء إلا تخبطا وتحيرا وهؤلاء قوم طمس على قلوبهم وأعمى أبصارهم فلا قيمة لهم ولا وزن وهم من خلال تلك المطاعن يخدمون القرآن من حيث لا يشعرون فيضيفون له ـ وإن لم يشعروا ـ كمالا إلى كماله ونورا إلى نوره وبهاء إلى بهائه وذلك من خلال أجوبة العلماء المحققين الذين أذن الله لهم ومكنهم من إبراز بعض المكنون في الكتاب العزيز من لطائف وأسرار تبهر العقول وتأخذ بمجامع القلوب فيظهر ـ بحمد الله ـ علو القرآن وكماله ويتبين في المقابل نقصان الخصم وانحطاطه وانقطاع وتينه ولو تأمل القارىء لوجد أن كل ما يوجه للقرآن من مطاعن وإلى يوم القيامة ليس جديدا وقد أجاب عنه الأئمة الأعلام ولكن الخصوم جمعوا تلك الشبه ـ المزعومة ـ ورتبوها وحذفوا الأجوبة وفى كل عصرـ والحمد لله ـ لا يرجعون إلا بالخزي والعار وسبحان الله ما من آية يطعنون فيها إلا وللقرآن فيها حكم وإحكام وتبيان وإنعام.\rوإذا أراد الله نشر فضيلة طويت …… أتاح لها لسان حسود\rولولا اشتعال النار فيما جاورت… ما كان يعرف طيب عرف العود","part":1,"page":14},{"id":13,"text":"مع الفارق وبدون تشبيه ـ ولله المثل الأعلى ـ وبعد فإنه لما دعاني داعى المشيئة والإلهام لجمع مؤلف يحوى أكثر ما اشتملت عليه أرحام أمهات كتب التفسير من فرائد وروائع وبدائع ولطائف ورقائق جمعت أبكار الأفكار وغوامض الأسرار حقها أن تكتب بسواد العيون على صفحات الخدود ، بل إن شئت فقل : حقها أن تكتب بحروف من نور على وجنات الحور استخرت الله تعالى في ذلك فمنحنى الإجابة والتوفيق ومع ذلك فالفقير مقر بقصر باعه وقلة بضاعته وعدم أهليته ومعترف بأنه مغترف من بحر غيره وقد ضمنته ـ بفضل الله ـ أبحاثا قيمة لكثير من العلماء المحققين ذكرتها كاملة حرصا على المنفعة وتيسيرا على القارىء ولم أر بأسا في ذكرها كاملة ـ وإن طالت ـ لذا ما رمت اختصارها لأهميتها فقد يذهب اختصارها بجليل مرادها ، وباهر جمالها ، كذلك لم أحل القارىء على مراجعها لصعوبة الحصول على بعضها ولضعف همم البعض في مواصلة البحث ، ومن يطالع كتب السادة الأوائل يجدهم أحالوا القارىء في بعض الموضوعات على كتب قد اندثرت ولم يبق منها اليوم إلا اسمها ومن أهم الأبحاث التي حواها هذا المؤلف أبحاث قيمة تتعلق بإعجاز القرآن وأخرى عن الشفاعة وعصمة الأنبياء والملائكة وأبحاث[لغوية] حسبما تقتضيه الحاجة.\rوأيضا فقد تعرضت لبعض الأقوال التي وضعت في كتب التفسيرـ على سبيل التلبيس والتدليس لطمس الحقائق ، وذلك من خلال ما وضع من إسرائيليات قد اغتر بها البعض لذكرها في كتب كبار المفسرين ـ رحمهم الله أجمعين ـ وبتوفيق من الله ذكرت فيها كلام المحققين من العلماء الأعلام النبلاء لبيان وهنها وضعفها ولعدم الاغترار بها ومن ذلك ـ على سبيل المثال ـ ما ورد في قصة آدم ـ عليه السلام ـ وما ورد في وصف عصا موسى ـ عليه السلام ـ وما ورد في قصة هاروت وماروت وقصص يوسف وأيوب وداود وسليمان ـ صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين ـ وأيضا فقد تضمنت كتب التفسير بعض الآراء التي قد تضر بالعقيدة ـ إن أخذنا بها ـ","part":1,"page":15},{"id":14,"text":"ذكرها العلماء دون أن يقصدوا ما قد تؤدى إليه.\rمنها على سبيل المثال ما ذكره السيوطى في الدر المنثور[ج1ص110] حيث قال : وأخرج ابن جرير عن الضحاك قال : كل شيء في القرآن [جعل] فهو خلق. انتهى كلامه وهذا المعنى قد ينطبق على بعض الآيات كقوله تعالى (وجعل الظلمات والنور) لكن كيف ينطبق هذا المعنى على قوله تعالى (إنا جعلناه قرآنا عربيا) [الزخرف /3] أي خلقناه قرآنا عربيا وهذا رأى المعتزلة ـ معاذ الله أن نقرهم أو نوافقهم على تلك الضلالة وعلى العكس من ذلك فقد يتضمن بعض التفاسير استطرادا في تفسير آية يجيب به على إشكالات طال فيها الكلام وكثر ومن ذلك ما ذكره الإمام السمرقندى فى تفسيره [بحر العلوم] فى قوله تعالى عن اليهود (قل إن كانت لكم الدار الآخرة عند الله خاصة من دون الناس فتمنوا الموت إن كنتم صادقين ولن يتمنوه أبدا بما قدمت أيديهم) فقال : وفى قوله (ولن يتمنوه أبدا) دليل على أن [لن] ليست للنفى على التأبيد كما يقول المعتزلة. انتهى كلامه ملخصا ومن المعلوم أن المعتزلة استدلوا على نفى رؤية المؤمنين لله تعالى في الجنة بقوله تعالى لموسى لما طلب الرؤية (قال لن ترانى)\r[ الأعراف /143] فقالوا إن [لن] للنفى على التأبيد أى فى الدنيا والآخرة وفيما ذكره السمرقندى رد عليهم لأن نفى تمنيهم الموت قاصر على الدنيا فقط بدليل قوله تعالى على لسان أهل النار (ونادوا يا مالك ليقض علينا ربك) [الزخرف/77]فكما أن نفى تمنيهم قاصر على الدنيا فقط فكذلك نفى الرؤية قاصر على الدنيا فقط ومن العجيب المبهر أن المعتزلة استدلوا على نفى الرؤية ب[لن] في قوله تعالى (لن تراني) [الأعراف/143] و[لا] في قوله تعالى (لا تدركه الأبصار )[الأنعام/103] والقرآن نفى تمنى اليهود الموت ب[لن] فى قوله تعالى (ولن يتمنوه أبدا )[البقرة /95] و[لا] في قوله تعالى","part":1,"page":16},{"id":15,"text":"( ولا يتمنونه أبدا) [الجمعة/7].\rفتأمل هذه اللطيفة ـ أسعدك الله بتقواه ومتعك في الجنة برؤياه ـ هذا وقد حاولت جاهدا ذكر كلام السادة المفسرين بعباراتهم الرشيقة كما وردت خوفا من الوقوع في الزلل ، ولم أتصرف فيها إلا في القليل النادر ، والنادر لا حكم له ، مثل حذف الأسانيد مراعاة للإيجاز وتيسيرا على القارىء ، فإنه أقرب لفهم المراد ، وكذلك لم أذكر ترجيح بعض الأقوال على بعض إلا من خلال كلام المفسرين إلا في النادر أيضا ، وقد رجعت ـ ويعلم الله ـ في أكثر المواضع إلى ما يقرب من أربعين تفسيرا ـ مرشحة للزيادة في الأجزاء القادمة ـ إن شاء الله ـ وهذا فضلا عن مئات الكتب في مختلف الفنون ، فإن وجدت أحدا منهم انفرد بلطيفة ذكرتها ، وإن وجدتهم متفقين على المراد اكتفيت بذكرها عند أحدهم.\rوفى الختام ما كان في هذا المؤلف من خير وعلم ، فالفضل فيه لله تعالى وحده ، ثم لأولئك العلماء النجباء النجوم الزواهر والقمم العوالى الذين تألق نجمهم وتلألأ نورهم ، فرضى الله عنهم أجمعين وأجزل لهم المثوبة ، وما كان من خطأ وتقصير فمن العاجز الفقير كثير الزلات ، ومن الشيطان ، فمن رأى شيئا من ذلك فليدركه بفضلة من الحلم وليصلحه من جاد مقولا ـ على حد تعبير الإمام الشاطبى ـ ولا يصلحه من رأيه ، بل يرجع إلى كتب أولئك الأعلام ، فهم أهل الذكر في هذا التخصص ، وهم المهرة في هذا السباق وما أحسن ما قيل :\rوإن تجد عيبا فسد الخللا … فجل من لاعيب فيه وعلا\rوالقرآن بحر متلاطم الأمواج لا قعر له ولا ساحل ، تذهب فيه حيلة السابح قال الإمام السمرقندى فى مقدمة تفسيره [حـ1 صـ 25] : وقد روى عن على ـ رضى الله عنه ـ أنه قال : ما من شيء إلا وعلمه في القرآن غير أن آراء الرجال تعجز عنه انتهى كلامه ـ رحمه الله ـ.\rوالله أسأل أن يجعل هذا العمل المتواضع خالصا لوجهه الكريم ، وأن ينفع به كل المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها ، وأن يجعله لمن رام دخول جنة التفسير سراجا للمبتدئين ، وعونا للباحثين وتذكارا للعلماء المحققين ، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.\r… أبو إبراهيم\rعبد الرحمن بن محمد بن عبد الحميد القماش\rإمام وخطيب بدولة الإمارات العربية","part":1,"page":17},{"id":16,"text":"ذاقوا حلاوة القرآن فقالوا\rقال الإمام الشاطبي ـ رحمه الله ـ في مقدمة الشاطبية :\rوإن كتاب أوثق شافع\rوأغني غناء واهباً متفضلاً\rوخير جليس لا يمل حديثه\rووترداده يزداد فيه تجملاً\rوحيث الفتي يرتاع في ظلماته\rمن القبر يلقاه سنا متهللاً\rهنالك يهنيه مقيلاً وروضة\rومن أجله في ذروة العز يجتلي\rيناشد في أرضائه لحبيبه\rوأجدر به سؤلاً إليه موصلاً\rفيا أيها القارئ به متمسكاً\rمجلاً له في كل حال مبجلاً\rهنيئاً مريئاً والداك عليهما\rملابس أنوار من التاج والحلا\rفما ظنكم بالنجل عند جزائه\rأولئك أهل الله والصفوة الملا\rأول والبر والإحسان والصبر والتقى\rحلاهم بها جاء القرآن مفصلاً\rعليك بها ماعشت فيها منافساً\rوبع نفسك الدنيا بأنفاسها العلا\rإلى أن قال :\rأقول لحر والمروءة مرؤها\rلإخوته المرآت ذ والنور مكحلاً\rج\rأخي أيها المجتاز نظمي ببابه\rينادي عليه كاسد السوق أجملا\rوظن به خيراً وسامح نسيجه\rبالإغضاء والحسني وإن كان هلهلا\rوسلم لإحدى الحسنيين إصابة\rوالأخرى اجتهاد رام صوباً فأمحلا\rوإن كان خرق فأدركه بفضله\rمن الحلم وليصلحه من جاد مقولا\rوقل صادقاً لولا الوئام وروحه\rلطاح الأنام الكل في الخلف والقلا","part":1,"page":18},{"id":17,"text":"وعش سالماً صدرا وعن غيبة فغب\rتحضر حظار القدس أنقي مغسلاً\rوهذا زمان الصبر من لك بالتي\rكقبض على جمر فتنج ومن البلا\rولو أن عيناً ساعدت لتوكفت\rسحائبها بالدمع ديما وهطلا\rولكنها عن قسوة القلب قحطها\rفيا ضيعة الاعمار تمشي سبهللا\rبنفسي من استهدى إلى الله وحده\rوكان له القرآن شرباً ومغسلا\rوطابت عليه أرضه فتفقت\rبكل عبير حتى اصبح مخضلا\rفطوبى له والشوق يبعث همه\rوزند الأسى يهتاج في القلب مشعلا\rهو المجتبي يغد وعلى الناس كلهم\rقريباً غريباً مستمالا مؤملا\rيعد جميع الناس مولي لأنهم\rعلى ما قضاه الله يجرون أفعلا\rيري نفسه بالذم أولى لأنها\rعلى المجد لم تلعق من الصبر والألا\rوقد قيل كن كالكلب يقصيه اهله\rوما يأتلي في نصحهم متبذلا\rلعل إله العرش يا أخوتى يقي\rجماعتنا كل المكاره هو لا\rويجعلنا ممن يكون كتابه\rشفيعاً لهم إذا ما نسوه فيمحلا\rوبالله حولي واعتصامى وقوتي\rومالي إلا ستره متجللا\rفيارب أنت الله حسبي وعدتي\rعليك اعتمادي ضارعا متوكلاً(1)\rوقال حجة الإسلام الإمام الغزالى ـ رحمه الله ـ فى الإحياء ما نصه :\rالباب الثالث في أعمال الباطن في التلاوة وهي عشرة فهم\rأصل الكلام ثم التعظيم ثم حضور القلب ثم التدبر ثم التفهم ثم التخلي عن موانع الفهم ثم التخصيص ثم التأثر ثم الترقي ثم التبري\rفالأول فهم عظمة الكلام وعلوه وفضل الله سبحانه وتعالى ولطفه بخلقه في نزوله عن عرش جلاله إلى درجة إفهام خلقه\rفلينظر كيف لطف بخلقه في إيصال معاني كلامه الذي هو صفة قديمة قائمة بذاته إلى أفهام خلقه ، وكيف تجلت لهم تلك الصفة في طي حروف وأصوات هي صفات البشر إذ يعجز البشر عن الوصول إلى فهم صفات الله عز وجل إلا بوسيلة صفات نفسه\r__________\r(1) - مقدمة الشاطبية للإمام الشاطبي","part":1,"page":19},{"id":18,"text":"ولولا استتار كنه جلالة كلامه بكسوة الحروف لما ثبت لسماع الكلام عرش ولا ثرى ولتلاشى ما بينهما من عظمة سلطانه وسبحات نوره ، ولولا تثبيت الله عز وجل لموسى عليه السلام لما أطاق لسماع كلامه كما لم يطق الجبل مبادي تجليه حيث صار دكا ولا يمكن تفهيم عظمة الكلام إلا بأمثلة على حد فهم الخلق\rولهذا عبر بعض العارفين عنه فقال : إن كل حرف من كلام الله عز وجل في اللوح المحفوظ أعظم من جبل قاف وإن الملائكة ـ عليهم السلام ـ لو اجتمعت على الحرف الواحد أن يقلوه ما أطاقوه حتى يأتي إسرافيل ـ عليه السلام ـ وهو ملك اللوح فيرفعه فيقله بإذن الله ـ عز وجل ـ ورحمته لا بقوته وطاقته ولكن الله عز وجل طوقه ذلك واستعمله به ولقد تألق بعض الحكماء في التعبير عن وجه اللطف في إيصال معاني الكلام مع عل ودرجته إلى فهم الإنسان وتثبيته مع قصور رتبته وضرب له مثلا لم يقصر\rفيه وذلك أنه دعا بعض الملوك حكيم إلى شريعة الأنبياء ـ عليهم السلام ـ فسأله الملك عن أمور فأجاب بما لا يحتمله فهمه فقال الملك أرأيت ما تأتي به الأنبياء إذا ادعت أنه ليس بكلام الناس وأنه كلام الله ـ عز وجل ـ فكيف يطيق الناس حمله ؟ فقال الحكيم : إنا رأينا الناس لما أرادوا أن يفهموا بعض الدواب والطير ما يريدون من تقديمها وتأخيرها وإقبالها وإدبارها ورأوا الدواب يقصر تمييزها عن فهم كلامهم الصادر عن أنوار عقولهم مع حسنه وتزيينه وبديع نظمه ، فنزلوا إلى درجة تمييز البهائم وأوصلوا مقاصدهم إلى بواطن البهائم بأصوات يضعونها لائقة بهم من النقر والصفير والأصوات القريبة من أصواتها لكي يطيقوا حملها ، وكذلك الناس يعجزون عن حمل كلام الله عز وجل بكنهه وكمال صفاته فصاروا بما تراجعوا بينهم من الأصوات التي سمعوا بها الحكمة كصوت النقر","part":1,"page":20},{"id":19,"text":"والصفير الذى سمعت به الدواب من الناس ولم يمنع ذلك معاني الحكمة المخبوءة في تلك الصفات من أن شرف الكلام أي الأصوات لشرفها وعظم لتعظيمها ، فكان الصوت للحكمة جسدا ومسكنا ، والحكمة للصوت نفسا وروحا فكما أن أجساد البشر تكرم وتعز لمكان الروح فكذلك أصوات الكلام تشرف للحكمة التي فيها\rوالكلام على المنزلة رفيع الدرجة قاهر السلطان نافذ الحكم في الحق والباطل وهو القاضي العدل والشاهد المرتضى يأمر وينهى ولا طاقة للباطل أن يقوم قدام كلام الحكمة كما لا يستطيع الظل أن يقول قدام شعاع الشمس ولا طاقة للبشر أن ينفذوا غور الحكمة كما لا طاقة لهم أن ينفذوا بأبصارهم ضوء عين الشمس ولكنهم ينالون من ضوء عين الشمس ما تحيا به أبصارهم ويستدلون به على حوائجهم فقط\rفالكلام كالملك المحجوب الغائب وجهه النافذ أمره ، وكالشمس الغزيرة الظاهرة مكنون عنصرها ، وكالنجوم الزهرة التي قد يهتدي بها من لا يقف على سيرها فهو مفتاح الخزائن النفيسة وشراب الحياة الذي من شرب منه لم يمت ، ودواء الأسقام الذي من سقى منه لم يسقم ، فهذا الذي ذكره الحكيم نبذة من تفهيم معنى الكلام والزيادة عليه لا تليق بعلم المعاملة فينبغي أن يقتصر عليه\rالثاني التعظيم للمتكلم فالقارئ عند البداية بتلاوة القرآن ينبغي أن يحضر في قلبه عظمة المتكلم ويعلم أن ما يقرؤه ليس من كلام البشر وإن في تلاوة كلام الله ـ عز وجل ـ غاية الخطر فإنه تعالى قال [لا يمسه إلا المطهرون] وكما أن ظاهر جلد المصحف وورقه محروس عن ظاهر بشرة اللامس إلا إذا كان متطهرا فباطن معناه أيضا بحكم عزه وجلاله محجوب عن باطن القلب إلا إذا كان متطهرا عن كل رجس ومستنيرا بنور التعظيم والتوقير ، وكما لا يصلح لمس جلد المصحف كل يد فلا يصلح لتلاوة حروفه كل لسان ولا لنيل معانيه كل قلب ، ولمثل هذا التعظيم كان عكرمة بن أبي جهل إذا نشر المصحف غشي عليه ويقول : هو كلام ربي هو كلام ربي.","part":1,"page":21},{"id":20,"text":"فتعظيم الكلام تعظيم المتكلم ولن تحضره عظمة المتكلم ما لم يتفكر في صفاته وجلاله وأفعاله فإذا حضر بباله العرش والكرسي والسموات والأرض وما بينهما من الجن والإنس والدواب والأشجار وعلم أن الخالق لجميعها والقادر عليها والرازق لها واحد وأن الكل في قبضة قدرته مترددون بين فضله ورحمته وبين نقمته وسطوته إن أنعم فبفضله وإن عاقب فبعدله وأنه الذي يقول : هؤلاء إلى الجنة ولا أبالي ، وهؤلاء إلى النار ولا أبالي وهذا غاية العظمة والتعالي فبالتفكر في أمثال هذا يحضر تعظيم المتكلم ثم تعظيم الكلام\rالثالث حضور القلب وترك حديث النفس. أهـ. [الإحياء حـ1ص180 ـ 181].\rوقال الحارث المحاسبى - رحمه الله - في فضائل القرآن الكريم : ","part":1,"page":22},{"id":21,"text":"فإن العاقل عند الله - عز وجل - بدلائل الكتاب مستبصر بحبله من كل هلكة معتصم ولربه ، بتلاوته في الخلوات مناج لأنه بمناجات نفسه مهتم ففزع إلى فهم كلام الرب - جل وعز - ليحيي به قلبه ، وينج وبه من عقابه في يوم يندم فيه الغافلون ويتحسر فيه المبطلون ، فكفي بكتاب الله - عز وجل - عن غيب الآخرة مخبراً وببصائره للعوام موضحاً لأن من فهم عن الله - عز وجل - ذاق طعم حلاوته ، وخالط فهم لذة مناجاته ، إذا عرف من تحاوره ، فعقل عن الله - عز وجل - ما به خاطبه ، فاتخذ معاذا فسكن إلى الله - عز وجل - وأنس به من كل وحشة ، فلم يؤثر شيئاً عليه ، فكان للمتقين الماضين قبله في الدنيا خلفا وللآخرين المريدين من بعده سلفاً فتدبر القرآن أيام حياته ، فصار الله - جل وعز - به مستفيداً ، لأنه الدليل الهادي للعباد قبل نزول المحل وحادي المشتاقين إلى جوار الكريم ، فبه نطق الحكماء وبه أنس المنفردون إلى إدمان الفكر في معانيه لا يضل السالك بإتباع دلائله ، لأنه النور الذي استضاء به الموقنون ، والغاية التي يتسابق إليها المتسابقون ، والمنهج الذي لا يصل السالك إلا بإتباع دلائله ، ولا يعلم له طريق النجاة إلا من تقرب إلى الله عز وجل برعايته ، وحفظ حدوده وصبر لله - عز وجل - على أحكامه ، وهو الماحل لمن لم يكن في قلبه منه إلا حفظ حروفه ، وفي جوارحه منه إلا تلاوته ، وهو القول الذي فصلت آياته ، والفرقان الذي يميز بين الحق والأباطيل بشواهد بيناته حكمة بالغة منزلة من حكيم الحكماء ، وعليم العلماء ، انزله الله - تعالي - دواء للقلوب شافياً ، ولمن حرم حرامه وأحل حلاله عن النار عادلاً ، ولمن حذر مخاوفه من الادناس ، وأهل الخاصة من الله عز وجل الذين اشعروا فهمه قلوبهم ، وتدبروا آياته عند تلاوته بألباسهم فتزودوا لبعد سفرهم إلى معادهم ، وفهموا من شدة إجهادهم يوم القيامة ، ففزعوا وذكروا به السؤال من الله عز وجل فاستعدوا","part":1,"page":23},{"id":22,"text":"للجواب عما عملوا فتابوا إلى الله - عز وجل - عن كل ذنب ، وتطهروا له من كل دنس ، وأخلصوا له النيات في أعمالهم ليجيبوه عما سلف من ذنوبهم بالتوبة وعن إرادتهم في طاعته بصدق النية ، فاستعدوا بالقرآن للعرض والسؤال منقادين له بذلتهم وخاشعين له باستكانتهم ، لأنهم وقروه لإجلال المتكلم به غير مغيبين عن تلاوته لطلب حقائق معانيه ، ولا مستهينين بحرماته فانتعشوا به من كل صرعة ، وجبر الله لهم به من كل مصيبة ، فما زال ذلك دأب العاقلين عن ربهم - عز وجل - لأنه ربيع قلوب المؤمنين ، وراحة الراجين ومستراح المحزونين ن لا ينقص نوره لدوام تلاوته ولا يدرك قدر فهمه ولا يبلغ له غاية نهاية تالية أبداً لأنه كلام الله - جل ثناؤه - الذي تعلق المتقون بعروته والملجأ الذي آوى الراهبون إلى كنف رحمته.(1)\rتحدثوا عن التفسير فقالوا : \rقال الإمام الراغب الأصفهاني في مقدمة تفسيره : أشرف صناعة يتعاطاها الإنسان تفسير القرآن وتأويله. وذلك أن الصناعات الحقيقية إنما تشرف بأحد ثلاثة أمور : إما بشرف موضوعاتها وهي المعمول فيها ، نحو أن يقال : الصياغة أشرف من الدباغة لأن موضوعها - وهو الذهب والفضة - أشرف من جلد الميتة - الذي هو موضوع الدباغة.\rوإما بشرف صورها ، نحو أن يقال : طبع السيوف أشرف من طبع القيود\rوإما بشرف أغراضها وكمالها ، كصناعة الطب - التي غرضها إفادة الصحة - فإنها أشرف من الكناسة - التي غرضها تنظيف المستراح.\r__________\r(1) - فهم القرآن للمحاسبي صـ271 - 274","part":1,"page":24},{"id":23,"text":"فإذا ثبت ذلك فصناعة التفسير قد حصل لها الشرف من الجهات الثلاث ، وهو أن موضوع التفسير كلام الله تعالى : الذي هو ينبوع كل حكمة معدن كل فضيلة ، وصورة فعله : إظهار خفيات ما أودعه منزله من أسراره ليدبروا آياته وليتذكر أول والألباب ، وغرضه التمسك بالعروة الوثقى التي لا انفصام لها ، والوصول إلى السعادة الحقيقية التي لا فناء لها - ولهذا عظم الله محله بقوله : \" ومن يؤت الحكمة فقد أوتي خيراً كثيراً \" البقرة : 269 قيل هو تفسير القرآن الكريم (1).\rوقال ابن عطية - رحمه الله - في مقدمة تفسيره : فلما أردت أن أختار لنفسي ، وانظر في علم أعد أنواره لظلم رمسي ، وسبرتها بالتنويع والتقسيم ، وعلمت أن شرف العلم على قدر شرف المعلوم فوجدت أمتنها حبالاً ، وأرسخها جبالاً ، وأجملها آثاراً ، وأسطعها نوراً ، علم كتاب الله جلت قدرته ، وتقدست أسماؤه ، الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه ، تنزيل من حكيم حميد ، الذي استقل بالسنة والفرض ، ونزل به آمين السماء إلى أمين الأرض ، هو العلم الذي جعل للشرع قواماً ، واستعمل سائر المعارف خداماً منه تأخذ مبادئها وبه تعتبر نواشئها ، فما وافقه منها نصع وما خالفه رفض ودفع فهو عنصرها النمير وسراجها الوهاج وقمرها المنير.\rوأيقنت أنه أعظم العلوم تقريباً إلى الله عز وجل وتخليصاً للنيات ، ونهياً عن الباطل وحضاً على الصالحات ، إذ ليس من علوم الدنيا فيختل حامله من منازلها صيداً ويمشي في التلطف لها رويداً.\rورجوت أن الله تعالي يحرم على النار فكراً عمرته أكثر عمره معانيه ولساناً مرن على آياته ومثانيه ونفساً ميزت براعة رص فهو مبانيه ، وجالت سومها في ميادينه ومغانيه فثنيت إليه عنان النظر وأقطعته جانب الفكر وجعلته فائدة العمر ، وما ونيت - علم الله - إلا عن ضرورة بحسب ما يلم في هذه الدار من شغوب ، ويمس من لغوب أو بحسب تعهد نصيب من سائر المعارف.\r__________\r(1) - القاسمي حـ2 - صـ239 - 240","part":1,"page":25},{"id":24,"text":"فما سلكت سبيله بفضل الله ذللاً ، وبلغت فيه من اطراد الفهم أملاً ، رأيت أن نكته وفوائده تغلب قوة الحفظ وتفدح ، وتسنح لمن يروم تقييدها في فكرة وتبرح أنها قد أخذت بحفظها من الثقل ، فهي تتفصي من الصدر تفصي الإبل من العقل(1). ا-هـ\rوقال الإمام الآلوسي - رحمه الله - في تفسيره :\rإن العلوم وإن تباينت أصولها ، وغربت وشرقت فصولها ، واختلفت أحوالها ، واتهمت وانجدت أقوالها ، وتنوعت أبوابها واشأمت وأرعقت أصوابها وتغايرت مسائلها وأيمنت وأيسرت وسائلها فهي بأسرها مهمة ، ومعرفتها على العلات نعمة إلا أن أعلاها قدراً وأغلاها مهراً وأسناها مبني وأسماها معنى وأدقها فكراً وأرقها سراً وأعرقها نسباً وأعرفها أبا وأقومها قيلا وأقواها قبيلا وأحلاها لساناً وأجلاها بياناً وأوضحها سبيلاً وأصحها دليلا وأفصحها نطقاً وأمنحها رفقاً العلوم الدينية والفهوم اللدنية ن فهي شمس ضحاها وبدر دجاها وخال وجنتها ولعس شفتها ودعج عيونها وغنج جفونها وحبب رضاها وتنهد كعباها ورقة كلامها ولين قوامها على نفسه فليبك من ضاع عمره وليس له منها نصيب ولا سهم فلا ينبغي لعاقل أن يستغرق النهار والليل إلا في غوص بحارها أو يستنهض الرجل والخيل إلا في سبر أغوارها أو يصرف نفائس الأنفاس إلا في مهور أبكارها أو ينفق بدر الأعمار إلا لتشوق بدر أسرارها إذا كان هذا الدمع يجري صبابة على غير مسمي فهو دمع مضيع ، وإن من ذلك علم التفسير الباحث عما أراده الله - سبحانه وتعالى - بكلامه المجيد الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد فهو الحبل المتين والعروة الوثقي والصراط المستقيم والوزر الأقوى والأوقي (2). أ هـ\rوقال الإمام الفخر الرازي ـ رحمه الله ـ :\r__________\r(1) - المحرر الوجيز لابن عطية حـ1 - صـ34\r(2) - مقدمة تفسير روح المعاني للآلوسي حـ1 - صـ2","part":1,"page":26},{"id":25,"text":"ولقد اختبرت الطرق الكلامية فما رأيت فيها فائدة تساوي الفائدة التي وجدتها في القرآن الكريم العظيم ، لأنه يسعى في تسليم العظمة والجلال بالكلية لله تعالي ، ويمنع عن التعمق في إيراد المعارضة والمتناقضات ، وما ذاك إلا للعلم بأن العقول البشرية تتلاشي وتضمحل في تلك المضايف العميقة والمناهج الخفية.\rولهذا أقول كلما ثبت بالدلائل الظاهرة من وجوب وجوده ووحدته وبراءته عن الشركاء في القدم والأزلية والتدبير والفعالية ، فذلك هو الذي أقول به وألقي الله تعالي عليه وأما ما أشهي الأمر فيه إلى الدقة والغموض فكل ما ورد في القرآن والأخبار الصحيحة المتفق عليها بين الأئمة المتبعين للمعني الواحد فهو كما هو والذي لم يكن كذلك أقول : يا إله العالمين إني أرى الخلق مطبقين على إنك أكرم الاكرمين وأرحم الراحمين فلك مامر به قلمي ، أو خطر ببالي ، فأشهد علمك وأقول : إن علمت مني أني أردت تحقيق باطل أو إبطال حق ، فافعل بي ما أنا أهله وإن علمت مني أني ما سعيت إلا في تقرير ما اعتقدت أنه هو الحق وتصورت أنه القصد فلتكن رحمتك مع قصدي لا مع حاصلي ، فذاك جهد المقل ، فأنت أكرم من أن تضايق الضعيف ، والواقع في الزلة : فاغشني وارحمني واستر زلتي وامح حوبتي ، يا من لا يزيد ملكه عرفان العارفين ولا ينقص بخطأ المجرمين.\rوأقول : ديني متابعة \" سنة \" محمد سيد المرسلين وكتابي هو القرآن الكريم العظيم ، وتعويلي في طلب الدين عليهما.\rاللهم يا سامع الأصوات ويا مجيب الدعوات ، ويا مقيل العثرات ويا راحم العبرات ويا قيوم المحدثات والممكنات ، أنا كنت حسن الظن بك ، عظيم الرجاء في رحمتك ، وأنت قلت \" أنا عند حسن ظن عبدي بي \" وأنت قلت \" أم من يجيب المضطر إذا دعاه \" {النمل 62} وأنت قلت \" وإذا سألك عبادي عني فإني قريب \" البقرة 186 فهب أني ما جئت بشيء فأنت الغني الكريم وأنا المحتاج اللئيم (1). 1 هـ\r__________\r(1) - الفخر الرازي حـ1 - صـ18","part":1,"page":27},{"id":26,"text":"وقال الزركشي : \rأما بعد فإن أولى ما أعملت فيه القرائح ، وعلقت به الأفكار واللواقح : الفحص عن أسرار التنزيل ، والكشف عن حقائق التأويل الذي تقوم به المعالم ، وتثبت الدعائم. فهو العصمة الواقية ، والنعمة الباقية والحجة البالغة ، والدلالة الدامغة ، وه وشفاء الصدور ، والحكم العادل عن مشتبهات الأمور والكلام الجزل وهو الفصل الذي ليس بالهزل ، سراج لا يخب وضياؤه ، وشهاب لا يخمد نوره وسناؤه وبحر لا يدرك غوره ، بهرت بلاغته العقول ، وظهرت فصاحته على كل مقول ، وتظاهر إيجازه وإعجازه ، وتظاهرت حقيقته ومجازه ، وتقارن في الحسن مطالعه ومقاطعه ، وحوت كل البيان جوامعه وبدائعه ، قد أحكم الحكيم صيغته مبناه ، وقسم لفظه ومعناه ، إلى ما ينشط السامع ويقرط المسامع من تجنيس أنيس وتطبيق لبيق ، وتشبيه نبيه وتقسيم وسيم ، وتفصيل أصيل ، وتبليغ بليغ ، وتصدير بالحسن جدير ، وترديد ما مزيد ، إلى غير ذلك مما أجري الصياغة البديعة ، والصناعة الرفيعة ، فالآذان بأقراطه حالية ، والأذهان من أسماطه غير خالية ، فهو من تناسب ألفاظه ، وتناسق أغراضه ، قلادة ذات اتساق ، ومن تبسم زهره ، وتنسم نشره ، حديقة مبهرة للنفوس والأسماع والأحداق ، كل كلمة منه لها من نفسها طرب ، ومن ذاتها عجب ، ومن طلعتها غرة ، ومن بهجتها درة لاحت عليه بهجة القدرة ، ونزل ممن له الأمر ، فله على كل كلام سلطان وإمرة ، بهر تمكن فواصلة ، وحسن ارتباط أواخره وأوائله ، وبديع إشاراته ، وعجيب انتقالاته ، من قصص باهرة ، إلى مواعظ زاجرة وأمثال سائرة ، ومواقع تعجب واعتبار ، ومواطن تنزيه واستغفار ، وإن كان سياق الكلام ترجيه بسط ، وإن كان تخويفاً قبض ، وإن كان وعداً أبهج ، وإن كان دعوة حدب ، وإن كان كان زجرة أرعب وإن كان موعظة أقلق وإن كان ترعيباً شوق.\rهذا ، وكم فيه من مزايا وفي زواياه خبايا\rويطمع الحير في التقاضي فيكشف الخبر عن قضايا","part":1,"page":28},{"id":27,"text":"فسبحان من سلكه ينابيع في القلوب ، صرفه بأبدع معنى وأغرب أسلوب ، لا يستقصي معانيه فهم الخلق فلا يحيط بوصفه على الإطلاق ذو اللسان الطلق فالسعيد من صرف همته إليه ووقف فكره وعزمه عليه ، والموفق من وفقه الله لتدبيره واصطفاه للتذكير به وتذكره فهو يرتع من رياض ، ويكرع منه في حياض.\rأندي على الأكباد من قطر الندي وألذ في الاجفان من سنة الكري\rيملأ القلوب بشرا ويبعث القرائح عبيراً ونشراً ، ويحيي القلوب بأوراده ولهذا سماه روحاً ، فقال : \" يلقي الروح من أمره على من يشاء من عباده \" {غافر : 15 }\rفسماه الله روحاً ، لأنه يؤدي إلى حياة الأبد ولولا الروح لمات الجسد فجعل هذا الروح سبباً للاقتدار وعلماً على الاعتبار.\rيزيد على طول التأمل من بهجة كأن العيون الناظرات صياقل (1)\rهكذا صنع بهم القرآن\r__________\r(1) - البرهان في علوم القرآن حـ1 - صـ 21 ، 22 ، 23","part":1,"page":29},{"id":28,"text":"أحمد بن نصر الخزاعى الذى أبى القول بخلق القرآن وقدم نفسه فداء للقرآن ذكره الإمام أحمد بن حنبل يوما فقال : رحمه الله ما كان أسخاه بنفسه لله لقد جاد بنفسه له وقال جعفر بن محمد الصائغ بصرت عيناي وإلا فقئتا وسمعت أذناي وإلا فصمتا أحمد بن نصر الخزاعي حين ضربت عنقه يقول رأسه : لا إله إلا الله وقد سمعه بعض الناس وهو مصلوب على الجذع ورأسه يقرأ : (الم أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا آمنا وهم لا يفتنون) قال فاقشعر جلدي ورآه بعضهم في النوم فقال له مافعل بك ربك فقال ما كانت إلا غفوة حتى لقيت الله عز وجل فضحك إلى ورأى بعضهم رسول الله صلى الله عليه وسلم في المنام ومعه أبو بكر وعمر قد مروا على الجذع الذي عليه رأس أحمد بن نصر فلما جاوزوه أعرض رسول الله صلى الله عليه وسلم بوجهه الكريم عنه فقيل له يارسول الله مالك أعرضت عن أحمد بن نصر فقال : أعرضت عنه استحياء منه حين قتله رجل يزعم أنه من أهل بيتى. ولم يزل رأسه منصوبا من يوم الخميس الثامن والعشرين من شعبان من هذه السنة أعني سنة إحدى وثلاثين ومائتين إلى بعد عيد الفطر بيوم أو يومين من سنة سبع وثلاثين ومائتين فجمع بين رأسه وجثته ودفن بالجانب الشرقي من بغداد بالمقبرة المعروفة بالمالكية رحمه الله وذلك بأمر المتوكل على الله الذي ولى الخلافة بعد أخيه الواثق وقد دخل عبد العزيز بن يحي الكتائي صاحب كتاب الحيدة على المتوكل وكان من خيار الخلفاء لأنه أحسن الصنيع لأهل السنة بخلاف أخيه الواثق وأبيه المعتصم وعمه المأمون فإنهم أساؤا إلى أهل السنة وقربوا أهل البدع والضلال من المعتزلة وغيرهم فأمره أن ينزل جثة أحمد بن نصر ويدفنه ففعل وقد كان المتوكل يكرم الإمام أحمد بن حنبل إكراما زائدا جدا كما سيأتي بيانه في موضعه والمقصود أن عبد العزيز صاحب كتاب الحيدة قال للمتوكل يا أمير المؤمنين ما رأيت أو مارئى أعجب من أمر الواثق قتل أحمد بن نصر وكان لسانه يقرأ إلى أن دفن","part":1,"page":30},{"id":29,"text":"فوجل المتوكل من كلامه وساءه ما سمع في أخيه الواثق فلما دخل عليه الوزير محمد بن عبد الملك بن الزيات قال له المتوكل في قلبي شيء من قتل أحمد بن نصر فقال يا أمير المؤمنين أحرقني الله بالنار إن قتله أمير المؤمنين الواثق إلا كافرا ودخل عليه هرثمة فقال له في ذلك فقال قطعني الله إربا إربا إن قتله إلا كافرا ودخل عليه القاضي أحمد بن أبي دؤاد فقال له مثل ذلك فقال ضربني الله بالفالج إن قتله الواثق إلا كافرا قال المتوكل فأما ابن الزيات فأنا أحرقته بالنار وأما هرثمة فإنه هرب فاجتاز بقبيلة خزاعة فعرفه رجل من الحي فقال يا معشر خزاعة هذا الذي قتل ابن عمكم أحمد بن نصر فقطعوه فقطعوه إربا إربا وأما ابن أبي دؤاد فقد سجنه الله في جلده يعني بالفالج ضربه الله قبل موته بأربع سنين وصودر من صلب ماله بمال جزيل جدا.أهـ البداية والنهاية ج10ص306.\r\" فائدة في عدد سور القرآن وآياته وكلماته وحروفه \"\rقال الإمام أبو بكر أحمد بن الحسين بن مهران المقرئ عدد سور القرآن مائة وأربع عشرة سورة.\rوقال بعث الحجاج بن يوسف إلى قراء البصرة فجمعهم فاختار منهم الحسن البصري وأبا العالية ونصر بن عاصم وعاصما الجحدري ومالك بن دينار رحمة الله عليهم ،\rوقال : عدوا حروف القرآن ، فبقوا أربعة أشهر يعدون بالشعير فأجمعوا على أن كلماته سبع وسبعون ألف كلمة وأربعمائة وتسع وثلاثون كلمة ، وأجمعوا على أن عدد حروفه ثلاثمائة ألف وثلاثة وعشرون ألفا وخمسة عشر حرفاً. أ.هـ.\rوقال غيره : أجمعوا على أن عدد آيات القرآن ستة ألاف آية ثم اختلفوا فيما زاد على ذلك على أقوال فمنهم من لم يزد علي ذلك ومنهم من قال ومائتا أية وأربع آيات. وقيل مائتان وست وثلاثون آية. حكي ذلك أبو عمر والداني في كتابه \" البيان \" وأما كلماته فقال الفضيل بن شاذان : عن عطاء بن يسار : سبع وسبعون ألف كلمة وأربعمائة وسبع وثلاثون كلمة.","part":1,"page":31},{"id":30,"text":"وأما حروفه فقال عبد الله بن جبير عن مجاهد : ثلاثمائة ألف حرف وأحد وعشرون ألفا وقال سلام أبو محمد الحماني : إن الحجاج جمع القراء والحفاظ والكتاب فقال : اخبروني عن القرآن كله ، كم حرف هو ؟ قال : فحسبناه ، فأجمعوا على أنه ثلاثمائة ألف وأربعون ألاف وسبعمائة وأربعون حرفاً.\rقال فأخبروني عن نصفه : فإذا هو إلى الفاء من قوله في الكهف : [وليتلطف{الكهف : آية : 19] وثلثه الأول : عند رأس مائة من براءة والثاني على رأس مائة أو إحدى ومائة من الشعراء والثالث إلى آخره.\rوسبعه الأول من الدال في قوله \" فمنهم من آمن به ومنهم من صد عنه \". {النساء : 57}\rوالسبع الثاني : إلى التاء من قوله في الأعراف : \" حبطت أعمالهم \" {الأعراف : 147 }\rوالثالث إلى الألف الثانية من قوله في الرعد : أكلها \" {الرعد : 35 }\rوالرابع : إلى الألف في الحج : \" جعلنا منسكاً \" {الحج 34 ، 67 }\rوالخامس إلى الهاء من قوله في الأحزاب : \" وما كان لمؤمن ولا مؤمنة \" {الأحزاب : 36 }\rوالسادس : إلى الواو من قوله في الفتح : \" الظانين بالله الظن السوء \"{الفتح : 6}\rوالسابع : إلى آخر القرآن الكريم قال سلام علمنا ذلك في أربعة أشهر.\rقالوا : وكان الحجاج يقرأ في كل ليلة ربع القرآن ، فالأول إلى آخر الأنعام والثاني : \" إلى وليتلطف \" \" الكهف \" والثالث إلى آخر المؤمن والرابع إلى آخر القرآن ، وحكي الشيخ أبو عمر والداني في كتاب \" البيان \" خلافا في هذا كله (1). أ.هـ.\rواعلم أن سبب اختلاف العلماء في عدد الآي والكلم والحروف أن النبي \" صلى الله عليه وسلم\" كان يقف على رءوس الآي للتوقيف. فإذا علم محلها وصلها للتمام فيحسب السامع أنها ليست فاصلة.\rوأيضا البسملة نزلت مع السورة في بعض الأحرف السبعة فمن قرأ بحرف نزلت فيه عدها ومن قراها بغير ذلك لم يعدها.\r__________\r(1) - البرهان في علوم القرآن حـ1 - صـ 314 - 316","part":1,"page":32},{"id":31,"text":"وسبب الاختلاف في الكلمة أن الكلمة لها حقيقة ومجاز ، ورسم واعتبار كل منها جائز وكل من العلماء اعتبر أحد الجوائز.\rوأطول سورة في القرآن سورة البقرة واقصرها سورة الكوثر.\rوأطول آية فيه آية الدين \" البقرة : 282 \" مائة وثمانية وعشرون كلمة وعدد الحروف خمسمائة وأربعون حرفاً.\rوأقصر آية فيه \" والضحي \" ثم \" والفجر \" كل كلمة خمسة أحرف تقديراً ثم لفظاً ستة أحرف رسماً ، لا \" مدهامتان \" \" الرحمن : 64 \" لأنها سبعة أحرف لفظاً ورسماً وثمانية تقديراً ولا \" ثم تطر \" لأنها كلمتان \" المدثر : 21 \" خمسة أحرف رسماً وكتابة وستة أحرف تقديراً خلافاً لبعضهم.\rوأطول كلمة فيه لفظاً وكتابة بلا زيادة \" فأسقيناكموه \" {الحجر : 22} أحد عشر لفظاً ثم \" اقترفتموها \" {التوبة : 24} عشرة وكذا \" أنلزمكموها \" {هود : 28 }\r\" والمستضعفين \" {النساء : 75} ثم ليستخلفنهم \" {النور : 55} تسعة لفظاً وعشرة تقديراً.\rوأقصرها نحو باء الجر ، حرف واحد ، لا حرفان ، خلافاً للداني فيهما(1).أ.هـ\rفائدة في نزول القرآن\r__________\r(1) - البرهان في علوم القرآن حـ1 - صـ 318 - 319","part":1,"page":33},{"id":32,"text":"فائدة : اعلم أن الله تعالى أنزل القرآن المجيد في اللوح المحفوظ جملة واحدة إلى سماء الدنيا في شهر رمضان في ليلة القدر ، ثم كان ينزله مفرقاً على لسان جبريل عليه السلام إلى النبي \" صلى الله عليه وسلم \" مدة رسالته نجوما عند الحاجة ، وبحدوث ما يحدث على ما يشاء الله ، وترتيب نزول القرآن غير ترتيبه في تلاوة المصحف فأما ترتيب نزوله على رسوله \" صلى الله عليه وسلم \" فأول ما نزل من القرآن بمكة : \" اقرأ باسم ربك الذي خلق \" ثم \" ن والقلم \" ثم \" يا أيها المزمل \" ثم \" المدثر \" ثم تبت يدا أبي لهب وتب \" ثم \" إذا الشمس كورت \" ثم \"سبح اسم ربك الأعلى \" ثم \" والليل إذا يغشي \" ثم \" والفجر\" ثم \" والضحي \" ثم \" ألم نشرح \" ثم \" والعصر \" ثم \" والعاديات \" ثم \" إنا أعطيناك الكوثر \" ثم \" ألهاكم التكاثر \" ثم \" أرأيت \" ثم \" قل يأيها الكافرون \" ثم \" الفيل \" ثم \" قل هو الله أحد \" ثم \" النجم ثم عبس ثم سورة القدر ثم البروج ثم التين ثم \" لإيلاف قريش \" ثم \" القارعة \" ثم \" القيامة \" ثم الهمزة ثم المرسلات ثم ق ثم البلد ، ثم الطارق ، ثم \" اقتربت الساعة \" ثم ص ، ثم الأعراف ، ثم الجن ، ثم يس ، ثم الفرقان ، ثم فاطر ، ثم مريم ، ثم طه ، ثم الواقعة ، ثم الشعراء ، ثم النمل ، ثم القصص ، ثم بني إسرائيل ، ثم يونس ، ثم هود ، ثم يوسف ، ثم الحجر ، ثم الأنعام ، ثم الصافات ، ثم لقمان ، ثم سبأ ، ثم الزمر ، ثم المؤمن ، ثم حم السجدة ، ثم حم عسق ، ثم الزخرف ، ثم الدخان ، ثم الجاثية ، ثم الأحقاف ، ثم الذاريات ، ثم الغاشية ، ثم الكهف ، ثم النحل ثم نوح ، ثم إبراهيم ، ثم الأنبياء ، ثم المؤمنون ، ثم تنزيل السجدة ، ثم الطور ، ثم الملك ، ثم الحاقة ، ثم سأل سائل ، ثم عم يتساءلون ، ثم النازعات ، ثم \" إذا السماء انفطرت ، ثم \" إذا السماء انشقت \" ، ثم الروم ، ثم العنكبوت. واختلفوا في آخر ما نزل بمكة فقال ابن عباس : العنكبوت وقال الضحاك","part":1,"page":34},{"id":33,"text":"وعطاء : المؤمنون وقال مجاهد : ويل للمطففين. فهذا ترتيب ما نزل من القرآن بمكة فذلك ثلاثة وثمانون سورة على ما استقرت عليه روايات الثقات وأما ما نزل بالمدينة فإحدى وثلاثون سورة ، فأول ما نزل بالمدينة سورة البقرة ، ثم الأنفال ، ثم آل عمران ، ثم الأحزاب ، ثم الممتحنة ثم النساء ، ثم \" إذا زلزلت الأرض \" ثم الحديد ثم محمد - صلى الله عليه وسلم - ، ثم الرعد ، ثم الرحمن ، ثم هل أتى على الإنسان حين من الدهر ، ثم الطلاق ، ثم لم يكن ، ثم الحشر ، ثم الفلق ، ثم الناس ، ثم \" إذا جاء نصر الله والفتح \" ، ثم النور ، ثم الحج ، ثم المنافقون ، ثم المجادلة ، ثم الحجرات ، ثم التحريم ، ثم الصف ، ثم الجمعة ، ثم التغابن ، ثم الفتح ، ثم التوبة ، ثم المائدة ، ومنهم من يقدم المائدة على التوبة فهذا ترتيب ما نزل من القرآن بالمدينة (1). أ-هـ.\rفائدة في تفصيل حروف القرآن\rفائدة : في تفصيل حروف القرآن ذكرها الإمام النسقي في كتابه مجموع العلوم ومطلع النجوم.\rالألف : ثمانية وأربعون الفاً وسبعمائة وأربعون\rالباء : أحد عشر ألفاً وأربعمائة وعشرون\rالتاء : ألف وأربعمائة وأربعة\rالثاء : عشرة آلاف ومائة وثمانية وثلاثون\rالجيم : ثلاثة آلاف وثلاثمائة واثنان وعشرون\rالحاء : أربعة آلاف ومائة وثمانية وثلاثون\rالخاء : ألفان وخمسمائة وثلاثة\rالدال : خمسة آلاف وتسعمائة وثمانية وتسعون\rالذال : أربعة آلاف وتسعمائة وأربعة وثلاثون\rالراء : ألفان ومائتان وستة\rالزاي : ألف وستمائة وثمانون\rالسين : خمسة آلاف وسبعمائة وتسع وتسعون\rالشين : ألفان ومائة وخمسة عشر\rالصاد : ألفان وسبعمائة وثمانون\rالضاد : ألف وثمانمائة واثنان وثمانون\rالطاء : ألف ومائتان وأربعة\rالظاء : ثمانمائة واثنان وأربعون\rالعين : تسعة آلاف وأربعمائة وسبعون\r__________\r(1) - نفسير الخازن - حـ1 - صـ9 ، والفتوحات الإلهية حـ1 - صـ10","part":1,"page":35},{"id":34,"text":"الغين : ألف ومائتان وتسعة وعشرون\rالفاء : تسعة آلاف وثمانمائة وثلاثة عشر\rالقاف : ثمانية آلاف وتسعة وتسعون\rالكاف : ثمانية آلاف واثنان وعشرون\rاللام : ثلاثة وثلاثون ألفاً وتسعمائة واثنان وعشرون\rالميم : ثمانية وعشرون ألفاً وتسعمائة واثنان وعشرون\rالنون : سبعة عشر ألفاً\rالهاء : ستة وعشرون ألفاً وتسعمائة وخمسة وعشرون\rالواو : خمسة وعشرون ألفاً وخمسمائة وستة\rلام ألف : أربعة عشر ألفاً وسبعمائة وسبعة\rالياء : خمسة وعشرون الفاً وسبعمائة وسبعة عشر (1).\r…\rأسباب اختلاف المفسرين\rأسباب الخلاف بين المفسرين والوجوه التي يرجح بها أقوالهم فأما أسباب الخلاف فهي أثنى عشر :\rالأول : اختلاف وجوه الإعراب وإن اتفقت القراءات.\rالثاني : اختلاف القراءات.\rالثالث : اختلاف اللغويين في معني الكلمة.\rالرابع : اشتراك اللفظ بين معنيين وأكثر.\rالخامس : احتمال الإضمار أو الاستقلال.\rالسادس : احتمال التقييد أو الإطلاق.\rالسابع : احتمال الحقيقة أو المجاز.\rالثامن : احتمال العموم والخصوص.\rالتاسع : احتمال الكلمة زائدة.\rالعاشر : احتمال حمل الكلام على الترتيب وعلى التقديم والتأخير.\rالحادي عشر : احتمال يكون الكلام منسوخاً أو محكماً.\rالثاني عشر : اختلاف الرواية في التفسير عن النبي \" صلى الله عليه وسلم \" وعن السلف رضي الله عنهم.\rوأما وجوه الترجيح فهي اثني عشر :\rالأول : تفسير بعض القرآن ببعض فإذا دل موضع من القرآن على المراد بموضع آخر حملناه عليه ورجحنا القول بذلك على غيره من الأقوال.\rالثاني : حديث النبي \" صلى الله عليه وسلم \" فإذا ورد عن النبي تفسير شيء من القرآن عولنا عليه - لاسيما - إن ورد في الحديث الصحيح.\rالثالث : أن يكون القول قول الجمهور وأكثر المفسرين فإن كثرة القائلين بالقول يقتضي ترجيحه.\r__________\r(1) - الفتوحات الإلهية - حـ1 - صـ12","part":1,"page":36},{"id":35,"text":"الرابع : أن يكون القول قول من يقتدي به من الصحابة كالخلفاء الأربعة.\rوعبد الله بن مسعود لقول النبي \" صلى الله عليه وسلم \" : \" اللهم فقهه في الدين وعلمه التأويل \".\rالخامس : أن يدل على صحة القول كلام العرب من اللغة والإعراب أو التصريف أو الاشتقاق.\rالسادس : أن يشهد بصحة القول سياق الكلام ويدل عليه ما قبله أو ما بعده.\rالسابع : أن يكون ذلك المعنى المتبادر إلى الذهن فإن ذلك دليل على ظهوره ورجحانه.\rالثامن : تقديم الحقيقة على المجاز. فإن الحقيقة أولى أن يحمل عليها اللفظ عند الأصوليين.\rوقد يترجح المجاز إذا كثر استعماله حتى يكون أغلب استعمالاً من الحقيقة ويسمى مجازا راجحا والحقيقة مرجوحة. وقد اختلف العلماء أيهما يقدم فمذهب أبو حنيفة تقديم الحقيقة لأنها الأصل ومذهب أبو يوسف تقديم المجاز الراجح ، لرجحانه وقد يكون المجاز أفصح وأبرع فيكون أرجح.\rالتاسع : تقديم العمومي على الخصوصي : ، لأن العمومي أولى لأنه الأصل إلا أن يدل دليل على التخصيص.\rالعاشر : تقديم الإطلاق على التقييد : إلا أن يدل دليل على التقييد.\rالحادي عشر : تقديم الاستقلال على الإضمار إلا أن يدل دليل على الإضمار.\rالثاني عشر : حمل الكلام على ترتيبه : إلا أن يدل دليل على التقديم والتأخير(1). أ-هـ.\rباب التنبيه على أحاديث وضعت في فضل سور القرآن وغيره\r__________\r(1) - التسهيل لعلوم التنزيل - حـ1 - صـ9","part":1,"page":37},{"id":36,"text":"لا التفات لما وضعه الواضعون ، واختلقه المختلقون من الأحاديث الكاذبة ، والأخبار الباطلة في فضل سور القرآن وغير ذلك من فضائل الأعمال ، قد ارتكبها جماعة كثيرة ، اختلفت أغراضهم ومقاصدهم في ارتكابها ، فمن قوم الزنادقة مثل : المغيرة بن سعيد الكوفي ، ومحمد بن سعيد الشامي المصلوب في الزندقة وغيرهما ، وضعوا أحاديث وحدثوا بها ليوقعوا بذلك الشك في قلوب الناس ، فما رواه محمد بن سعيد عن أنس بن مالك في قوله - صلى الله عليه وسلم - أنا خاتم الأنبياء لا نبي بعدي إلا ما شاء الله \" فزاد هذا الاستثناء لما كان يدعوا إليه من الإلحاد والزندقة.\rقلت وقد ذكره ابن عبد البر في كتاب \" التمهيد \" ولم يتكلم عليه ، بل تأول الاستثناء على الرؤيا فالله أعلم.\rومنهم قوم وضعوا الحديث لهوى يدعون الناس إليه ، قال شيخ من شيوخ الخوارج بعد أن تاب إن هذه الأحاديث دين فانظروا ممن تأخذوا دينكم ، فإنا كنا إذا هوينا أمراً صيرناه حديثاً ومنهم جماعة وضعوا الحديث حسبة كما زعموا يدعون الناس إلى فضائل الأعمال ، كما روي عن أبي عصمة نوح بن أبي مريم المروزى ، ومحمد بن عكاشة الكرماني ، وأحمد بن عبد الله الجويباري وغيرهم ، قيل لأبي عصمة : من أين لك عن عكرمة عن ابن عباس في فضل سور القرآن سورة سورة ؟ \rفقال : إنى رأيت الناس قد أعرضوا عن القرآن وانشغلوا بفقه أبي حنيفة ومغازي محمد بن إسحاق ، فوضعت هذا الحديث حسبة.\rفقال أبو عمر وعثمان بن الصلاح في كتاب \" علوم الحديث \" له : وهكذا الحديث الطويل الذي عن أبي بن كعب عن النبي \" صلى الله عليه وسلم \" في فضل القرآن سورة سورة ؟ ","part":1,"page":38},{"id":37,"text":"وقد بحث باحث عن مخرجه حتى انتهى إلى أن اعترف بأنه وجماعة وضعوه ، وأن أثر الوضع عليه لبين. وقد أخطأ الواحدي المفسر ومن ذكره من المفسرين في إيداعه تفاسيرهم ومنهم قوم من السؤال والمكدين يقفون في الأسواق والمساجد فيضعوا على رسول الله \" صلى الله عليه وسلم \" أحاديث بأسانيد صحاح قد حفظوها فيذكرون الموضوعات بتلك الأسانيد.\rقال جعفر بن محمد الطيالسي : صلى أحمد بن حنبل ويحيي بن معين في مسجد الرصافة فقال بين أيديهم قاص فقال : حدثنا أحمد بن حنبل ويحيي بن معين قالا : أنبأنا عبد الرزاق قال أنبانا معمر عن قتادة عن أنس قال قال رسول الله \" صلى الله عليه وسلم \" : من قال لا إله إلا الله يخلق من كل كلمة منها طائر منقاره من ذهب وريشه مرجان وأخذ في قصة نحو من عشرين ورقة فجعل أحمد ينظر إلى يحيي ويحيي ينظر إلى احمد فقال : أأنت حدثته بهذا ؟ فقال والله ما سمعت به إلا الساعة. قال : فسكتا جميعاً حتى فرغ من قصصه فقال له يحي : من حدثك بهذا الحديث ؟ فقال : أحمد بن حنبل ويحيي بن معين.\rفقال له : أنا ابن معين وهذا أحمد بن حنبل ما سمعنا به قط في حديث لرسول الله \" صلى الله عليه وسلم \" فإن كان ولا بد من الكذب فعلى غيرنا. فقال له : أنت يحي بن معين. قال : نعم ، قال : لم أزل أسمع أن يحي بن معين أحمق وما علمته إلا هذه الساعة فقال له يحيي : وكيف علمت أنى أحمق ؟ قال : كأنه ليس في الدنيا يحيي بن معين ولا أحمد بن حنبل غيركما كتبت عن سبعة عشر أحمد بن حنبل غير هذا. قال فوضع أحمد كمه على وجهه وقال : دعه يقوم ، فقام كالمستهزئ بهما.","part":1,"page":39},{"id":38,"text":"فهؤلاء الطوائف كذبة على رسول الله \" صلى الله عليه وسلم \" ومن يجري مجراهم يذكر أن الرشيد كان يعجبه الحمام والله وبه فأهدي إليه حمام وعنده أبو البحتري القاضي فقال : روي أبو هريرة عن النبي \" صلى الله عليه وسلم \" أنه قال : لا سبق إلا في خف أو حافر أو جناح \" فزاد : أو جناح. وهي لفظة وضعها للرشيد فأعطاه جائزة سنية ، فلما خرج قال الرشيد : والله لقد علمت أنه كذاب وأمر بالحمام أن يذبح فقيل له وما ذنب الحمام ؟ قال : من أجله كذب على رسول الله \" صلى الله عليه وسلم \" فترك العلماء حديثه لذلك. ولغيره من موضوعاته فلا يكتب العلماء حديثه بحال.\rقلت : فل واقتصر الناس على ما ثبت في الصحاح والمسانيد وغيرهما من المصنفات التي تداولها العلماء ورواها الأئمة الفقهاء لكان لهم في ذلك غنية وخرجوا عن تحذيره \" صلى الله عليه وسلم \" حيث قال : \" اتقوا الحديث عني إلا ما علمتم فمن كذب على متعمداً فليتبوأ مقعده من النار ؟ فتخويفه \" صلى الله عليه وسلم \" أمته بالنار على الكذب دليل على أنه يعلم أنه سيكذب عليه.\rفحذار مما وضعه أعداء الدين وزنادقة المسلمين في باب الترغيب والترهيب وغير ذلك وأعظمهم ضرراً أقوام من المنسوبين إلى الزهد وضعوا الحديث حسبة فيما زعموا فتقبل الناس موضوعاتهم ثقة منهم بهم وركوناً إليهم فضلوا وأضلوا (1) أ.هـ.\rفائدة في فهم القرآن\rقال صاحب البرهان :\rكتاب الله بحره عميق ، وفهمه دقيق ، لا يصل إلى فهمه إلا من تبحر في العلوم وعامل الله بتقواه في السر والعلانية وأجله عند مواقف الشبهات واللطائف والحقائق لا يفهمها إلى من ألقى السمع وهو شهيد فالعبارات للعموم وهي السمع والإشارات للخصوص وهي للعقل واللطائف للأولياء وهي المشاهد والحقائق للأنبياء وهي الاستسلام.\r__________\r(1) - تفسير القرطبي - حـ1 - صـ 65 ، 66","part":1,"page":40},{"id":39,"text":"ولكل وصف ظاهر وباطن وحد ومطلع فالظاهر التلاوة والباطن الفهم والحد إحكام الحلال والحرام والمطلع – أي الإشراف – من الوعد والوعيد فمن فهم هذه الملاحظة بان له بسط الموازنة وظهر له حال المعاينة وفي صحيح ابن حبان عن ابن مسعود قال : قال رسول الله \" صلى الله عليه وسلم \" \" أنزل القرآن على سبعة أحرف لكل آية منه ظهر وبطن \".\rثم فوائده على قدر ما يؤهل له سمعه ، فمن سمعه من التالي ففائدة فيه علم أحكامه ومن سمعه كأنما يسمعه من النبي \" صلى الله عليه وسلم \" يقرؤه على أمته بموعظته وتبيان معجزته وانشراح صدره بلطائف خطابه ومن سمعه كأنما سمعه من جبريل عليه السلام يقرؤه على النبي صلى الله عليه وسلم يشاهد في ذلك مطالعات الغيوب والنطق إلى ما فيه من الوعود ومن سمع الخطاب فيه من الحق فنى عنده وأمحت صفاته وصار موصوفاً بصفات التحقيق عن مشاهدة علم اليقين وعين اليقين وحق اليقين.\rوقد قال أبو الدرداء رضي الله عنه : \" لا يفقه الرجل حتى يجعل للقرآن وجوهاً.\rوقال ابن مسعود : من أراد علم الأولين والآخرين فليثور القرآن.\rقال ابن سبع في \" شفاء الصدور \" : \rهذا الذي قاله أبو الدرداء ، لا يحصل بمجرد تفسير الظاهر وقد قال بعض العلماء : لكل آية ستون ألف فهم وما بقى من فهمها أكثر وقال آخر : \" يحوي سبعة وسبعين ألف علم ومائتي علم. إذ لكل كلمة علم ثم يتضاعف ذلك أربعة إذ لكل كلمة ظاهر وباطن وحد ومطلع.","part":1,"page":41},{"id":40,"text":"وبالجملة : فالعلوم كلها داخلة في أفعال الله تعالى وصفاته وفي القرآن شرح ذاته وصفاته وأفعاله فهذه الأمور تدل على أن في فهم معاني القرآن مجالاً رحباً ومتسعاً بالغاً ، وأن المنقول من الظاهر التفسير ليس ينتهي الإدراك فيه بالنقل والسماع لا بد منه في ظاهر التفسير ليتقى به مواضع الغلط ، ثم بعد ذلك يتسع الفهم والاستنباط ، والغرائب التي لا تفهم إلا باستماع فنون كثيرة ، ولا بد من الإشارة إلى جمل منها ليستدل بها على أمثالها ويعلم أنه لا يجوز التهاون بحفظ التفسير الظاهر أولاً ولا مطمع في الوصول إلى الباطن قبل إحكام الظاهر.\rومن ادعى فهم أسرار القرآن ولم يحكم التفسير الظاهر فهو كمن ادعى البلوغ إلى صدر البيت قبل تجاوز الباب ، فظاهر التفسير يجري كمجرى تعلم اللغة التي لا بد منها للفهم وما لا بد فيها من استماع كثير لأن القرآن نزل بلغة العرب فما كان الرجوع فيه إلى لغتهم فلا بد من معرفتها أو معرفة أكثرها ، إذ الغرض مما ذكرناه التنبيه على طريق الفهم ليفتح بابه.\rويستدل المريد بتلك المعاني التي ذكرناها من فهم باطن علم القرآن وظاهره على أن فهم كلام الله تعالى لا غاية له ، كما لا نهاية للمتكلم به ، فأما الاستقصاء فلا مطمع فيه للبشر ومن لم يكن له علم وفهم وتقوى وتدبر لم يدرك من لذة القرآن شيئاً.\rومن أحاط بظاهر التفسير - وهو معنى الألفاظ في اللغة - لم يكف ذلك في فهم حقائق المعاني ، ومثاله قوله تعالى : \" وما رميت إذا رميت ولكن الله رمى \" {الأنفال : 17 }\rفظاهر تفسيره واضح وحقيقة معناه غامضة فإنه إثبات للرمى ونفي له وهما متضادان في الظاهر ما لم يفهم أنه رمى من وجه ولم يرم من وجه ، ومن الوجه الذي لم يرم ما رماه الله عز وجل.\rوكذلك قال : \" قاتلوهم يعذبهم الله بأيديكم \" {التوبة : 14 }","part":1,"page":42},{"id":41,"text":"فإذا كانوا هم القاتلين كيف يكون الله سبحانه هو المعذب ، وإن كان الله هو المعذب بتحريك أيديهم فما معنى أمرهم بالقتال !\rفحقيقة هذا تستمد من بحر عظيم من علوم المكاشفات ، فلا بد أن يعلم وجه ارتباط الأفعال بالقدرة وتفهم وجه ارتباط القدرة بقدرة الله سبحانه وتعالى حتى تنكشف وتتضح ومن هذا الوجه تفاوت الخلق في الفهم بعد الاشتراك في معرفة ظاهر التفسير (1). أ- هـ.\rباب ما جاء في فضل تفسير القرآن وأهله\rقال علماؤنا - رحمة الله عليهم - : وأما ما جاء في فضل التفسير عن الصحابة والتابعين :\r__________\r(1) - البرهان في علوم القرآن حـ2 - صـ 170 ، 172","part":1,"page":43},{"id":42,"text":"فمن ذلك : أن على بن أبي طالب - رضي الله عنه - ذكر جابر بن عبد الله ووصفه بالعلم ، فقال له رجل : جعلت فداك ! تصف جابراً بالعلم وأنت ! فقال : إنه كان يعرف تفسير قوله تعالى : \" إن الذي فرض عليك القرآن لرادك إلى معاد \" {القصص : 85} وقال مجاهد : أحب الخلق إلى الله تعالي أعلمهم بما أنزل ، وقال الحسن : والله ما أنزل الله آية إلا أحب أن أعرف فيما أنزلت وما يعنى بها. وقال الشعبي : رحل مسروق إلى البصرة في تفسير آية فقيل له : إن الذي يفسرها رحل إلى الشام ، فتجهز ورحل إلى الشام حتى علم تفسيرها. وقال عكرمة في قوله عز وجل (ومن يخرج من بيته مهاجراً إلى الله ورسوله) {النساء : 100} طلبت اسم هذا الرجل \" الذي خرج مهاجراً إلى الله ورسوله \" أربعة عشر سنة حتى وجدته ، وقال ابن عبد البر : هو ضمرة بن حبيب وسيأتى. وقال ابن عباس : مكثت سنتين أريد أن أسأل عمر بن الخطاب عن المرأتين اللتين تظاهرتا على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ما يمنعني إلا مهابته فسألته فقال : حفصة وعائشة. وقال إياس بن معاوية : مثل الذين يقرؤون القرآن وهم لا يعلمون تفسيره ، كمثل قوم جاءهم كتاب من ملكهم ليلاً ليس عندهم مصباح ، فقد أخلتهم روعته ولا يدرون ما في الكتاب ، ومثل الذي يعرف تفسيره كمثل رجل جاءهم بمصباح فقرؤوا ما في الكتاب (1). ا هـ.\rفائدة في تنزيه ساحة القرآن عن التعارض\rقال الزركشي : \r__________\r(1) - تفسير القرطبي - حـ1 - صـ31","part":1,"page":44},{"id":43,"text":"قال القاضي أبو بكر في \" التقريب \" : لا يجوز تعارض أي القرآن والآثار وما توجبه أدلة العقل ، فذلك لم يجعل قوله عز وجل : \" الله خالق كل شيء \" {الزمر : 62} معارضاً لقوله : \" وتخلقون إفكاً \" {العنكبوت : 17} وقوله : \" وإذ تخلق من الطين \" {المائدة : 110} وقوله : \" فتبارك الله أحسن الخالقين \" {المؤمنون : 14} لقيام الدليل العقلي أنه لا خالق غير الله تعالي ، فيتعين تأويل ما عارضه ، فيؤول قوله \" وتخلقون \" {العنكبوت : 17} بمعنى تكذبون لأن الإفك نوع من الكذب وقوله : \" وإذ تخلق من الطين \" {المائدة : 110} أي تصور ومن ذلك قوله : \" إن الله بكل شيء عليم \" {المجادلة : 7} لا يعارض قوله \" أتنبؤن الله بما لا يعلم \" {يونس : 18} فإن المراد بهذا ما لا يعلمه أنه غير كائن ويعلمونه وقوع ما ليس بواقع لا على أن من المعلومات ما هو غير عالم به وإن علمتموه.\rوكذلك لا يجوز جعل قول الله تعالي : \" إن الله لا يخفى عليه شيء \" {آل عمران : 7} معارضاً لقوله : \" حتى نعلم المجاهدين منكم والصابرين \" {محمد 31} وقوله : \" إلى ربها ناظرة \" {القيامة : 23} معارضاً لقوله : \" لا تدركه الأبصار \" {الأنعام : 31} في تجويز الرؤيا وإحالتها لأن دليل العقل يقضي بالجواز ويجوز تخليص النفي بالدنيا والإثبات بالقيامة.\rوكذلك لا يجوز جعل قوله : \" وما مسنا من لغوب \" {ق : 38} معارضاً لقوله : \" وهو أهون عليه \" {الروم : 37} بل يجب تأويل \" أهون \" على هين.\rولا جعل قوله تعالى : \" ما يجادل في آيات الله إلا الذين كفروا \" {غافر : 4} معارضاً لأمر نبيه وأمته بالجدال في قوله : \" وجادلهم بالتي هي أحسن \" {النحل : 125} فيحمل الأول على ذم الجدال الباطل.","part":1,"page":45},{"id":44,"text":"ولا يجوز جعل قوله : \" ويبقى وجه ربك ذ والجلال والإكرام \" {الرحمن : 26} معارضاً لقوله : \" كل من عليها فان \" {الرحمن : 27} (1) ا هـ\rفوائد في الاستعاذة\r( فائدة 1) إنما جاء أعوذ بالمضارع دون الماضي ، لأن معنى الاستعاذة لا يتعلق إلا بالمستقبل لأنها كالدعاء وإنما جاء بهمزة المتكلم وحده مشاكلة للأمر به في قوله : \" فاستعذ \".\r( فائدة2) : الشيطان يحتمل أن يراد الجنس فتكون الاستعاذة من جميع الشياطين ، أو العهد فتكون الاستعاذة من إبليس. وهو من شطن إذا بعد فالنون أصلية والباء زائدة وزنه فيعال. وقيل من شاط إذا هاج فالنون زائدة والياء أصلية وزنه فعلان وإن سميت به لم ينصرف على الثاني لزيادة الألف والنون والصرف على الأول.\r( فائدة 3) : الرجيم : فعيل بمعني مفعول ويحتمل معنيين أن يكون بمعني لعين وطريد وهذا يناسب إبليس لقوله \" وجعلناها رجوما للشياطين \" والأول أظهر.\r( فائدة 4) من استعاذ بالله صادقاً أعاذه فعليك بالصدق ألا تري امرأة عمران لما أعاذت مريم وذريتها عصمها الله ففي الحديث الصحيح أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : \" ما من مولود إلا نخسه الشيطان فيستهل صارخاً إلا ابن مريم وأمه \".\r( فائدة 5) الشيطان عدو وحذر الله منه إذا لا مطمع في زوال علة عداوته وهو يجري من ابن آدم مجرى الدم فيأمره أولاً بالكفر ويشككه في الإيمان فإن قدر عليه وإلا أمره بالمعاصى فإن أطاعه وإلا ثبطه عن الطاعة فإن سلم من ذلك أفسدها عليه بالرياء والعجب.\r( فائدة 6) القواطع عن الله أربع : الشيطان ، النفس ، الدنيا ، والخلق فعلاج الشيطان : الاستعاذة والمخالفة ، وعلاج النفس : بالقهر ، وعلاج الدنيا : بالزهد ، وعلاج الخلق : بالانقباض والعزلة (2). ا هـ\rمن لطائف الاستعاذة\r__________\r(1) - البرهان في علوم القرآن - حـ2 - صـ 60 ، 61\r(2) - التسهيل لعلوم التنزيل - حـ1 ، صـ30","part":1,"page":46},{"id":45,"text":"ذكر الإمام فخر الدين الرازي - رحمه الله - في تفسيره الكبير تسع عشرة لطيفة في الاستعاذة واخترت منها ما يلي : \rإن قوله : \" أعوذ بالله \" اعتراف بعجز النفس وبقدرة الرب وهذا يدل على أنه لا وسيلة إلى القرب من حضرة الله إلا بالعجز والانكسار.\rومنها : الشيطان عد والإنسان كما قال تعالي : \" إن الشيطان لكم عد وفاتخذوه عدواً \" {فاطر : 6} والرحمن مولى الإنسان وخالقه ومصلح مهماته ثم إن الإنسان عند شروعه في الطاعات والعبادات خاف العد وفاجتهد في أن يتحرى مرضاة الله مالكه ليخلصه من زحمة ذلك العد ووأقبل بالكلية على خدمة الحبيب ، فالمقام الأول هو الفرار وهو قوله : \" أعوذ بالله من الشيطان الرجيم} والمقام الثاني وهو الاستقرار في حضرة الملك الجبار فهو قوله : \" بسم الله الرحمن الرحيم \"\rومنها : قال : أرباب الإشارات : لك عدوان أحدهما ظاهر والآخر باطن وأنت مأمور بمحاربتهما قال تعالي في العد والظاهر : \" قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله واليوم الآخر \" {التوبة : 29} وقال في العد والباطن : \" إن الشيطان لكم عد وفاتخذوه عدواً \" {فاطر : 6} فكأنه تعالى قال : إذا حاربت عدوك الظاهر كان مددك الملك {بفتح اللام} كما قال تعالى \" يمددكم بخمسة آلاف من الملائكة مسومين \" {آل عمران : 125}.\rوإذا حاربت عدوك الباطن كان مددك الملك {بكسر اللام} كما قال تعالي \" إن عبادي ليس لك عليهم سلطان \" {الحجر : 42} وأيضاً فمحاربة العد والباطن أولى من محاربة العد والظاهر لأن العد والظاهر إن وجد فرصة ففي متاع الدنيا والعد والباطن إن وجد فرصة ففي الدين واليقين وأيضاً العد والظاهر إن غلبنا كنا مأجورين أما العد والباطن إن غلبنا كنا مفتونين وأيضا من قتله العد والظاهر كان شهيداً ومن قتله العد والباطن كان طريداً فكان الاحتراز من العد والباطن أولى وذلك لا يكون إلا بأن يقول الرجل بقلبه ولسانه \" أعوذ بالله من الشيطان الرجيم \".","part":1,"page":47},{"id":46,"text":"ومنها إن نظرت إلى قصة أبيك فإنه أقسم بأنه له من الناصحين ثم كان عاقبة ذلك الأمر أنه سعى في إخراجه من الجنة ، وأما في حقك فإنه أقسم بأنه يضلك ويغويك فقال : \" فبعزتك لأغوينهم أجمعين إلا عبادك منهم المخلصين \" {ص : 82 ، 83} فإذا كانت هذه معاملته مع أنه قد أقسم أنه من الناصحين فكيف تكون معاملته مع أنه أقسم أنه يضل ويغوي ؟!\rومنها : لما قال العبد \" أعوذ بالله من الشيطان الرجيم \" دل ذلك على أنه لا يرضي بأن يجاور الشيطان وإنما لم يرض بذلك لأن الشيطان عاص وعصيانه لا يضر المسلم في الحقيقة فإذا كان العبد لا يرضي بجوار العاص فبأن لا يرضي بجوار عين المعصية أولى.\rومنها : لقائل أن يقول : \" لم لم يقل : أعوذ بالملائكة مع أن أدون ملك من الملائكة يكفي في دفع الشيطان. فما السبب في أن جعل ذكر هذا الكلب في مقابلة ذكر الله - تعالى - ؟ وجوابه كأنه تعالي يقول : عبدي إنه يراك وأنت لا تراه بدليل قوله تعالى : \" إنه يراكم هو وقبيله من حيث لا ترونهم \" {الأعراف : 27} وإنما نفذ كيده فيكم لأنه يراكم وأنتم لا ترونه فتمسكوا بمن يري الشيطان والشيطان لا يراه وهو الله سبحانه وتعالي فقولوا \" أعوذ بالله من الشيطان الرجيم \"","part":1,"page":48},{"id":47,"text":"ومنها : الشيطان مأخوذ من شطن إذا بعد فحكم عليه بكونه بعيداً وأما المطيع فقريب قال الله تعالي \" واسجد واقترب \" {العلق : 19} والله قريب منك : \" وإذا سألك عبادي عنى فإني قريب أجيب دعوة الداع إذا دعان \" {البقرة : 186} وأما الرجيم فهو المرجوم بمعني كونه مرمياً بسهم اللعن والشقاوة وأما أنت فموصول بحبل السعادة قال الله تعالي \" وألزمهم كلمة التقوى \" {الفتح : 26} فدل هذا على أنه جعل الشيطان بعيداً مرجوماً وجعلك قريباً موصولاً ثم إنه تعالى أخبر أنه لا يجعل الشيطان الذي هو بعيد قريبا لأنه تعالي قال : \" ولن تجد لسنة الله تحويلا\" {فاطر : 43} فاعرف أنه لما جعلك قريباً فإنه لا يطردك ولا يبعدك عن فضله ورحمته.\rومنها : كأنه تعالي يقول : إنه شيطان رجيم وأنا رحمن رحيم فابعد عن الشيطان الرجيم لتصل إلى الرحمن الرحيم\rومنها : الشيطان عدوك وأنت عنه غافل غائب قال تعالي : \" إنه يراكم هو وقبيله من حيث لا ترونهم \" {الأعراف : 27} فعلى هذا لك عد وغائب ولك حبيب غالب لقوله : \" والله غالب على أمره \" {يوسف : 21} فإذا قصدك العد والغائب فافزع إلى الحبيب الغالب والله سبحانه وتعالي - اعلم بمراده (1) ا هـ\r\"بسم الله الرحمن الرحيم\"\rمن لطائف البسملة\rالباء في \" بسم الله \" حرف التضمين أي بالله ظهرت الحادثات وبه وجدت المخلوقات (2). ا هـ\rفإن قيل لك لم قال \" بسم الله \" ولم يقل بالله ؟ الجواب على وجه التبرك بذكر اسمه عند قوم وللفرق بين هذا وبين القسم عند الآخرين ولأن الاسم هو المسمى عند العلماء ولاستصفاء القلوب من العلائق ولاستخلاص الأسرار عن العوائق عند أهل العرفان ليكون ورود قوله على قلب منقى وسر مصفى(3). ا هـ\r__________\r(1) - التفسير الكبير للفحر الرازي [حـ1 - 91 : 95] بتصرف يسير\r(2) - لطائف الإشارات للقشيري [حـ1 : صـ44 ]\r(3) - نفس المرجع السابق.","part":1,"page":49},{"id":48,"text":"فإن قلت : بم تعلقت الباء في \" بسم الله \" قلت بمحذوف تقديره بسم الله أقرأ أو أتل ولأن الذي يتل والتسمية مقروء كما أن المسافر إذا حل أو ارتحل فقال بسم الله والبركات كان المعني بسم الله أحل وبسم الله أرتحل (1) ا هـ\rفإن قلت : لم قدرت المحذوف متأخراً (2) ؟ قلت لأن الأهم من الفعل والمتعلق به هو المتعلق به لأنهم كانوا يبدءون بأسماء آلهتهم فيقولون : باسم اللات ، باسم العزى فوجب أن يقصد الموحد معنى الاختصاص لاسم الله - عز وجل - بالابتداء وذلك بتقديمه وتاخير الفعل كما في قوله {إياك نعبد} حيث صرح بتقديم الاسم إرادة للاختصاص والدليل عليه قوله {بسم الله مجراها ومرساها} [هود : 41]\rفإن قلت : فقد قال\"اقرأ باسم ربك الذي خلق \"{العلق : 1} فقدم الفعل قلت : هناك تقديم الفعل أوقع لأنها أول سورة نزلت فكان الأمر بالقراءة أهم (3).اهـ\rفإن قيل لم أسقط من الاسم [الألف ]. والجواب : طلبا للخفة لكثرة استعمالها وإن قيل لم طولت الباء والجواب : قال الطيبي ليكون افتتاح كلام الله بحرف معظم وقيل لما أسقطوا الألف ردوا طول الألف على الباء ليكون دالا على سقوط الألف ألا ترى أنه لما كتب الألف في اقرأ باسم ربك الذي خلق \" ردت الباء إلى صيغتها ولا يحذف الألف إذا أضيف الاسم إلى غير الله ولا مع غير الباء (4) ا هـ\rقال الخازن : وأثبتت الألف في قوله \" فسبح باسم ربك العظيم \" {الحاقة : 52} لقلة استعماله (5) ا هـ\rفإن قيل ما معنى التسمية من الله لنفسه ؟ قيل : هو تعليم العباد كيف يستفتحون القراءة ا هـ\rمن لطائف لفظ الجلالة\r__________\r(1) - الكشاف للزمخشري [حـ1 : صـ12 ]\r(2) - قال صاحب [الانتصاف] لأنك تبدأ بالفعل في التقدير لما كان الاسم مبتدأ به فيفوت الفرص من التبرك باسم الله تعالى أول نطقك. أهـ. [هامش الكشاف - حـ1 : صـ13 ]\r(3) الكشاف حـ1 : صـ13\r(4) - تفسير البغوي حـ1 - صـ24 بتصرف يسير\r(5) - تفسير البغوي - حـ1 : صـ24","part":1,"page":50},{"id":49,"text":"اعلم أن هذا الاسم مختص بخواص لم توجد في سائر أسماء الله - تعالى - نحن نشير إليها : فالخاصية الأولى أنك إذا حذفت الألف من قولك \" الله \" بقي الباقي على صورة \" لله \" مختص به سبحانه كما في قوله \" ولله جنود السماوات والأرض \" {الفتح : 4} \" ولله خزائن السماوات والأرض \" {المنافقون : 7 }\rوإن حذفت عن هذه البقية اللام الأولى بقيت البقية على صورة \" له \" كما في قوله تعالى : \" له مقاليد السماوات والأرض \" {الزمر : 63} وقوله : \" له الملك وله الحمد \" {التغابن : 1} فإن حذفت اللام الباقية كانت البقية هي قولنا \" هو \" وهو أيضاً يدل عليه سبحانه وتعالى كما في قوله : \" قل هو الله احد \" {الإخلاص} وقوله : \" هو الحي لا إله إلا هو \" {غافر : 65} والواو زائدة بدليل سقوطها في التثنية والجمع فإنك تقول هما وهم فلا تبقي الواو فيهما فهذه الخاصية موجودة في لفظ \" الله \" غير موجودة في سائر الأسماء وكما حصلت هذه الخاصية بحسب اللفظ فقد حصلت أيضاً بحسب المعنى فإنك إذا دعوت الله بالرحمن فقد وصفته بالرحمة وما وصفته بالقهر وإذا دعوته بالعليم فقد وصفته بالعلم وما وصفته بالقدرة وأما إذا قلت يا الله فقد وصفته بجميع صفاته لأن الإله لا يكون إلها إلا إذا كان موصوفاً بجميع الصفات فثبت أن قولنا \" الله \" قد حصلت له هذه الخاصية التي لم تحصل لسائر الأسماء.\rالخاصية الثانية : أن كلمة الشهادة وهي الكلمة التي بسببها ينتقل الكافر من الكفر إلى الإيمان \" الإسلام \" لم يحصل فيها إلا هذا الاسم ، فل وأن الكافر قال أشهد أن لا إله إلا الرحمن أو الرحيم أو الملك أو القدوس لم يخرج من الكفر ولم يدخل في الإسلام أما إذا قال أشهد أن لا إله إلا الله فإنه يخرج من الكفر ويدخل في الإسلام وذلك يدل على اختصاص هذا الاسم بهذه الخاصية الشريفة. والله الهادي إلى الصواب. اهـ\rفائدة في أن لفظ الجلالة علم لا مشتق","part":1,"page":51},{"id":50,"text":"قال الإمام الفخر - رحمه الله - المختار عندنا أن هذا اللفظ اسم علم لله - تعالي - وانه ليس بمشتق ألبتة ، وهو قول الخليل ، وسيبويه وقول أكثر الأصوليين والفقهاء (1). ا هـ\rوقال فى البحر المديد : [لفظ الجلالة] ليس باسمٍ مشتق من صفة ، كالعالِم والحق والخالق والرازق ، فالألف واللام على هذا في (الله) من نفس الكلمة ، كالزاي من زيد ، وذهب إلى هذا جماعة ، واختاره الغزالي ، وقال : كل ما قيل في اشتقاقه فهو تعسُّف ، وقيل : مشتق من التَّأَلُّهِ وهو التعبد ، وقيل : من الوَلَهَان ، وهو الحيرة ؟ لتحيُّر العقول في شأنه. وقيل : أصله : الإلهُ ، ثم حذفت الهمزة ونقلت حركتها إلى اللام ، ثم وقع الإدغام وفُخمت للتعظيم ، إلا إذا كان قبلها كسر.\rأهـ [البحر المديد فى تفسير القرآن المجيد لابن عجيبة حـ1 صـ5]\rهل يجوز إطلاق لفظ الموجود على الله ؟ \rلفظ الوجود يقال بالاشتراك على معنيين : أحدهما أن يراد بالوجود الوجدان والإدراك والشعور ، والثاني : أن يراد بالوجود الحصول والتحقق في نفسه وإطلاق لفظ الموجود على الله - تعالى - يكون على وجهين. أحدهما كونه تعالي معلوماً مشعوراً به والثاني كونه في نفسه ثابتاً متحققاً أما بحسب المعني الأول فقد جاء في القرآن قال تعالى : \" ولو أنهم إذ ظلموا أنفسهم جاؤك فاستغفروا الله واستغفر لهم الرسول لوجدوا الله تواباً رحيما \" {النساء : 64} ولفظ الوجود هنا بمعنى الوجدان والعرفان وأما بالمعني الثاني فهم غير موجود في القرآن(2). اهـ.\rفائدة\rقال ابن عطية في تفسيره : والمكتوبة التي لفظها الله أبهر أسماء الله - تعالى - وأكثرها استعمالاً وهو المتقدم لسائرها في الأغلب وإنما تجئ الأخر أوصافاً (3) اهـ.\rفائدة لغوية\r__________\r(1) - التفسير الكبير للفخر الرازي حـ1 - صـ113 باختصار يسير.\r(2) - التفسير الكبير حـ1 صـ113\r(3) - المحرر الوجيز ط1 - صـ63","part":1,"page":52},{"id":51,"text":"قال الخازن : وقيل الباء حرف منخفض الصورة فلما اتصل باسم الله ارتفع واستعلى (1). اهـ\rفائدة لغوية\rذكر أبو حيان الاندلسي - رحمه الله - في تفسيره ما نصه : \rباء الجر تأتي لمعان : \r\" للإلصاق والاستعانة ، والقسم ، والسبب ، والحال ، والظرفية ، والنقل.\rفالإلصاق : حقيقة \" مسحت برأسي \" ، ومجازاً \" مررت بزيد \"\rوالاستعانة : \" ذبحت بالسكين \" والسبب : \" فبظلم من الذين هادوا حرمنا عليهم طيبات أحلت لهم \" {النساء : 160} والقسم بالله لقد قام والحال : \" جاء زيد بالبصرة \" والنقل \" قمت بزيد \" وتأتي زائدة للتأكيد : \" شربت بماء البحر \".\rوالبدل \" فليت لي بهم قوماً \" أي بدلهم والمقابلة : \" اشتريت الفرس بألف \" والمجاورة : \" ويوم تشقق السماء بالغمام \". {الفرقان : 25} أي عن الغمام والاستعلاء \" ومن أهل الكتاب من أن تامنه بقنطار يؤده إليك \" {آل عمران : 75}.\rوكنى بعضهم عن الحال بالمصاحبة وزاد فيه كونها للتعليل وكنى عن الاستعانة بالسبب وعن الحال بمعنى مع بموافقة اللام.\rوالبدل \" فليت لي بهم قوماً \" أي بدلهم والمقابلة : \" اشتريت الفرس بألف \" والمجاورة : \" ويوم تشقق السماء بالغمام \". {الفرقان : 25} أي عن الغمام والاستعلاء \" ومن أهل الكتاب من أن تامنه بقنطار يؤده إليك \" {آل عمران : 75}.\rوكنى بعضهم عن الحال بالمصاحبة وزاد فيه كونها للتعليل وكنى عن الاستعانة بالسبب وعن الحال بمعنى مع بموافقة اللام (2). أهـ.\rالرحمن - الرحيم\r__________\r(1) - الخازن ط1 - صـ12\r(2) - البحر المحيط لأبي حيان الأندلسي 1 - صـ25","part":1,"page":53},{"id":52,"text":"قال ابن عباس : هما اسمان رقيقان أحدهما أرق من الآخر(1) وقيل هما بمعني واحد مثل ندمان ونديم ومعناهما الرحمة وإنما جمع بينهما للتأكيد وقيل ذكر أحدهما بعد الآخر تطميعاً للقلوب الراغبين إليه وقيل الرحمن فيه العموم والرحيم فيه معني الخصوص فالرحمن يعني الرازق في الدنيا وهو على العموم لكافة الخلق المؤمن والكافر والرحيم بمعني الغفور الكافي للمؤمنين في الآخرة فهو على الخصوص ولذلك قيل رحمن الدنيا ورحيم الآخرة ورحمة الله إرادة الخير والإحسان لأهله وقيل هي ترك عقوبة من يستحق العقاب وإسداء الخير والإحسان إلى من لا يستحق فهو على الأول صفة ذات وعلى الثاني صفة فعل وقيل الرحمن يكشف الكروب والرحيم يغفر الذنوب وقيل الرحمن بتبيين الطريق والرحيم بالعصمة والتوفيق(2).اهـ.\rفإن قيل : لم قدم الرحمن على الرحيم ؟ فالجواب : \rقال ابن جزي \" وإنما قدم الرحمن لوجهيين ، أحدهما : اختصاصه بالله وثانيهما جريانه مجري الأسماء التي ليست بصفات (3). اهـ.\rوقال الإمام الفخر - رحمه الله - الرحمن أعظم (4) فلم ذكر الأدنى بعد الأعلى ؟ \r__________\r(1) - قال الخطابي : وهذا مشكل ، لأن الرقة لا مدخل لها في شيء من صفات الله - تعالى - وقال الحنين بن الفضل البجلي : هذا وهم من الراوي ، لأن الرقة ليست من صفات الله - تعالى - في شيء ، وإنما هما اسمان رفيقان أحدهما أرفق من الآخر ، والرفق من صفات الله - عز وجل - قال النبي صلى الله عليه وسلم \" إن الله رفيق يحب الرفق ويعطى على الرفق مالا يعطى على العنف. أهـ القرطبي حـ1 - صـ83.\r(2) - تفسير الخازن - حـ1 - صـ13\r(3) - تفسير التسهيل لعلوم التنزيل لابن جزي - حـ1 - صـ31\r(4) - أي من الرحيم ، وعادة العرب أنها ترتقي من الأدنى إلى الأعلى وقد انتقل القرآن هنا على خلاف ذلك.","part":1,"page":54},{"id":53,"text":"لأن الكبير العظيم لا يطلب منه الشيء الحقير اليسير ، وحكي أن بعضهم ذهب إلى بعض الأكابر فقال : جئتك لمهم يسير فقال : أطلب للمهم اليسير رجلاً يسيراً وكأنه تعالى يقول : \" لو اقتصرت على ذكر الرحمن لاحتشمت عنى ولتعذر عليك سؤال الأمور اليسيرة ولكن كما علمتني رحمانا تطلب من الأمور العظيمة (1) فأنا أيضاً رحيم فاطلب منى شراء نعلك وملح قدرك (2). اهـ.\rومن لطائف هذين الاسمين الجليلين\rما ذكره الفخر الرازي أيضاً :\rمنها أنه تعالى رحمن لأنه يخلق ما لا يقدر عليه العبد ، ورحيم لأنه يفعل ما لا يقدر العبد على جنسه ، فكأنه تعالي يقول : \" أنا رحمن لأنك تسلم إلى نطفة مذرة فأسلمها إليك صورة حسنة كما قال تعالى : \" وصوركم فأحسن صوركم \" {غافر : 64} وانا رحيم لأنك تسلم إلى طاعة ناقصة فأسلم إليك جنة خالصة.\rوهذه لطيفة أخري :\rلقد اشتهر أن النبي - صلى الله عليه وسلم - لما كسرت رباعيته قال : \" اللهم اهد قومي فإنهم لا يعلمون \" فظهر يوم القيامة يقول : \" أمتى. أمتى ، فهذا كرم عظيم منه في الدنيا والآخرة وإنما حصل فيه هذا الكرم وهذا الإحسان لكونه رحمة كما قال تعالى : \" وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين \" {الأنبياء : 107} فإذا كان أثر الرحمة الواحدة بلغ هذا الحد المبلغ فكيف كرم من هو رحمن رحيم (3) ؟! اهـ.\rوجه غريب\rوقد ذكر الإمام القرطبي - رحمه الله - وجهاً غريباً عند الكلام عن هذين الاسمين الكريمين \" الرحمن - الرحيم \" قال ما نصه :\r__________\r(1) - ينبغي على العبد أن يطلب من الله تعالى - كل ما يحتاج إليه من صغير وكبير وعظيم وحقير وهكذا فعل الكليم - عليه السلام - فقد طلب من الله الرؤيا بقوله \" رب أرني أنظر إليك \" وهي أسمى المطالب وأعلاها وكذلك طلب أقل الأشياء من الطعام \" قال رب إني لما أنزلت إلي من خير فقير.\r(2) - التفسير الكبير - حـ1 - صـ202\r(3) - التفسير الكبير - حـ1 - صـ203","part":1,"page":55},{"id":54,"text":"\" وقيل (1) أن معني \" الرحيم \" أي بالرحيم وصلتهم إلى الله وإلى الرحمن فـ الرحيم نعت محمد - صلى الله عليه وسلم - وقد نعته الله تعالي بذلك فقال : \" رؤوف رحيم \" {التوبة : 128} فكأن المعني يقول بسم الله الرحمن وبالرحيم أي وبمحمد - صلى الله عليه وسلم - وصلتهم إلي أي بإتباعه وبما جاء به وصلتهم إلى ثوابي وكرامتي والنظر إلى وجهي (2). والله اعلم (3). اهـ\rمن لطائف البسملة\rذكر الإمام الفخر الرازي-رحمه الله - في تفسيره الكبير أربعاً وعشرين لطيفة في البسملة اخترت منها ما يلي :\r- مرض موسى عليه السلم واشتد وجع بطنه فشكا إلى الله تعالي فدل على عشب في المغازة فأكل منه فعوفي بإذن الله تعالي ثم عاوده ذلك المرض في وقت آخر فأكل ذلك العشب فازداد مرضه فقال يا رب أكلته أولاً فانتفعت به وأكلته ثانياً فازداد مرضي فقال : لأنك في المرة الأولى ذهبت منى إلى الكلأ فحصل فيه الشفاء وفي المرة الثانية ذهبت منك إلى الكلأ فازداد المرض أما علمت أن الدنيا كلها سم قاتل وترياقها اسمى (4).\rومنها باتت رابعة ليلة في التهجد والصلاة فلما انفجر الصبح نامت فدخل السارق دارها وأخذ ثيابها وقصد الباب فلم يهتد إلى الباب فوضعها فوجد الباب ففعل ذلك ثلاث مرات فنودي من زاوية البيت : ضع القماش واخرج فإن نام الحبيب فالسلطان يقظان.\r__________\r(1) - هذا الوجه وإن كان معناه صحيحاً إلا أنه بعيد عن ظاهر القرآن الكريم ، وفيه تكلف لسنا بحاجة إليه ، والمشهور أن الرحمن الرحيم في البسملة - وصف لله تعالى كما قوله تعالى : \" هو الله الذي لا إله إلا هو عالم الغيب والشهادة هو الرحمن الرحيم \". [الحشر : 22] والله أعلم بالصواب.\r(2) - الجامع لأحكام القرآن حـ1 - صـ84\r(3) - لا يخفى ما في هذا الوجه من البعد والتكلف مع تسليمنا بصدق ما يتضمنه من معان نفيسة والله أعلم\r(4) - هذا المعنى صحيح ولكنه يحتاج إلى سند صحيح","part":1,"page":56},{"id":55,"text":"ومنها قوله \" بسم الله \" معناه أبدأ باسم الله فأسقط منه قوله \" أبدأ \" تخفيفاً فإذا قلت بسم الله فكأنما قلت أبدأ باسم الله والمقصود التنبيه على أن العبد من أول ما شرع في العمل كان مدار أمره على التسهيل والتخفيف والمسامحة فكأنه تعالى في أول كلمة ذكرها لك جعلها دليلاً على الصفح والإحسان.\rومنها سمي نفسه رحماناً رحيماً فكيف لا يرحم ؟\rروي أن سائلاً وقف على باب رفيع فسأل شيئاً فأعطي قليلاً فجاء في اليوم التالي بفأس وأخذ يخرب الباب فقيل له : لم تفعل ؟ قال : إما أن يجعل الباب لائقاً بالعطية أو العطية لائقة بالباب.\rإلهنا إن بحار الرحمة بالنسبة إلى رحمتك أقل من الذرة بالنسبة إلى العرش فكما ألقيت في أول كتابك على عبادك صفة رحمتك فلا تجعلنا محرومين عن رحمتك وفضلك.\rومنها : \" الله \" إشارة إلى القهر والقدرة والعل وثم ذكر عقيبة الرحمن الرحيم وذلك يدل على أن رحمته أكثر من قهره.\rومنها كثيراً ما يتفق لبعض عبيد الملك أنهم إذا اشتروا شيئاً من الخيل والبغال والحمير وضعوا عليها سمة الملك لئلا يطمع فيها الأعداء فكأنه تعالي يقول إن لطاعتك عدواً وهو الشيطان فإذا شرعت في عمل فاجعل عليه سمتي وقل بسم الله الرحمن الرحيم حتى لا يطمع العد وفيها.\rومنها أن نوحاً عليه السلام لما ركب السفينة قال : \" بسم الله مجراها ومرساها \". {هود : 41} فوجد النجاة بنصف هذه الكلمة فمن واظب على هذه الكلمة طول عمره كيف يبقي محروماً عن النجاة ؟!\rوأيضاً أن سليمان عليه السلام نال مملكة الدنيا والآخرة بقوله : \" إنه من سليمان وإنه بسم الله الرحمن الرحيم \" {النمل : 30} فالمرج وأن العبد إذا قاله فاز بملك الدنيا والآخرة.","part":1,"page":57},{"id":56,"text":"ومنها إن قائل لم قدم سليمان عليه السلام اسم نفسه على اسم الله تعالي في قوله : \" إنه من سليمان \" فالجواب من وجوه : الأول : أن بلقيس لما وجدت ذلك الكتاب موضوعاً على وسادتها ولم يكن لأحد إليها طريق ورأت الهدهد واقفاً على طرف الجدار علمت أن ذلك الكتاب من سليمان فأخذت الكتاب وقالت : \" إنه من سليمان ، فلما فتحت الكتاب ورأت بسم الله الرحمن الرحيم قالت وإنه بسم الله الرحمن الرحيم فقوله : \" إنه من سليمان \" من كلام بلقيس لا كلام سليمان ، الثاني : \" لعل سليمان كتب على عنوان الكتاب \" إنه من سليمان \" وفي داخل الكتاب ابتدأ بقوله \" بسم الله الرحمن الرحيم \" كما هو العادة في جميع الكتب فلما أخذت بلقيس ذلك الكتاب قرأت ما في عنوانه فقالت إنه من سليمان فلما فتحت الكتاب قرأت بسم الله الرحمن الرحيم فقالت : وإنه بسم الله الرحمن الرحيم ، الثالث : \" أن بلقيس كانت امرأة كافرة فخاف سليمان أن تشتم الله إذا نظرت في الكتاب فقدم اسم نفسه على اسم الله تعالى ليكون الشتم له لا لله تعالي.\rأما قوله \" الله \" فاعلموا أيها الناس أنى أقول طول حياتي الله فإذا مت أقول الله وإذا سألت في القبر أقول الله وإذا جئت يوم القيامة أقول الله وإذا أخذت الكتاب أقول الله وإذا وزنت أعمالي أقول الله وإذا أجزت الصراط أقول الله وإذا دخلت الجنة أقول الله وإذا رأيت الله أقول الله.\rومنها الحكمة في ذكر هذه الأسماء الثلاثة أن المخاطبين في القرآن ثلاثة أصناف كما قال تعال : \" فمنهم ظالم لنفسه ومنهم مقتصد ومنهم سابق بالخيرات \" {فاطر : 32 }\rفقال : \" أنا الله للسابقين والرحمن للمقتصدين والرحيم للظالمين وأيضاً الله هو معطى العطاء والرحمن هو المتجاوز عن زلات الأولياء والرحيم هو المتجاوز عن الجفاء.","part":1,"page":58},{"id":57,"text":"ومن كمال رحمته كأنه تعالي يقول : أعلم منك ما لو علمه أبواك لفارقاك ولو علمته المرأة لجفتك ولو علمته الأمة لأقدمت على الفرار منك ولو علمه الجار لسعى في تخريب الدار وأنا أعلم كل ذلك وأستره بكرمي لتعلم أني إله كريم.\rومنها : الله يوجب ولايته قال الله تعالى : \" الله ولي الذين آمنوا \" {البقرة : 256} والرحمن يوجب محبته ، قال تعالى : \" إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات سيجعل لهم الرحمن وداً \" {مريم : 96} والرحيم يوجب رحمته \" وكان بالمؤمنين رحيماً \" {الأحزاب : 43 }\rومنها : كتب قيصر إلى عمر - رضي الله عنه - إن بي صداعاً لا يسكن فابعث لي دواء فبعث إليه عمر قلنسوة فكان إذا وضعها على رأسه يسكن الألم وإذا رفعها عن رأسه عاوده الصداع فعجب منه ففتش القلنسوة فإذا فيها كاغد مكتوب فيه : \" بسم الله الرحمن الرحيم \".\rومنها طلب بعضهم آية من خالد بن الوليد فقال : إنك تدعي الإسلام فأرنا آية لنسلم فقال : ائتوني بالسم القاتل فأتى بطاس من السم فأخذها بيده وقال بسم الله الرحمن الرحيم وأكل الكل وقام سالماً بإذن الله فقال المجوس هذا دين حق.\rومنها سئلت عمرة الفرغانية - وكانت من كبار العارفات - ما الحكمة من أن الجنب والحائض منهيان عن قراءة القرآن دون تسمية فقالت لأن التسمية ذكر اسم الحبيب والحبيب لا يمنع من ذكر الحبيب.\rومنها : قيل في قوله \" الرحيم \" هو تعالى رحيم بهم في ست مواضع في القبر وحشراته والقيامة وظلماتها والميزان ودرجاته وقراءة الكتاب وفزعاته والصراط ومخافاته والنار ودركاته.\rومنها : \" كتب عارف \" بسم الله الرحمن الرحيم \" وأوصى أن تجعل في كفنه فقيل له : أي فائدة لك فيه فقال : \" أقول يوم القيامة إلهي بعثت كتاباً وجعلت عنوانه بسم الله الرحمن الرحيم فعاملني بعنوان كتابك.","part":1,"page":59},{"id":58,"text":"ومنها : قيل بسم الله الرحمن الرحيم \" تسعة عشر حرفاً وفيه فائدتان إحداهما : أن الزبانية تسعة عشر ، فالله تعالى يدفع بأسهم بهذه الحروف التسعة عشر(1) ، والثانية : خلق الله الليل والنهار أربعة وعشرين ساعة ثم فرض خمس صلوات في خمس ساعات فهذه الحروف التسعة عشر تقع كفارات للذنوب التي تقع في هذه الساعات التسعة عشر.\r* ومنها : لما كانت سورة التوبة مشتملة على الأمر بالقتال لم يكتب في أولها \" بسم الله الرحمن الرحيم \" وأيضا السنة أن يقال عند الذبح \" باسم الله ، والله أكبر \" ولا يقال \" بسم الله الرحمن الرحيم \" لأن وقت القتال والقتل لا يليق به ذكر الرحمن الرحيم ، فلما وفقك لذكر هذه الكلمة في كل يوم سبعة عشر مرة في الصلوات المكتوبة دل ذلك على أنه ما خلقك للقتل والعذاب ، وإنما خلقك للرحمة والفضل والإحسان ، والله تعالى الهادي إلى الصواب (2).\rسورة \" الفاتحة \"\r\" الحمد لله \" الذي له ما في السماوات \" رب العالمين \" بحسب كل الذوات والصفات \" الرحمن الرحيم \" على أصحاب الحاجات وأرباب الضرورات \" مالك يوم الدين \" في إيصال الأبرار إلى الدرجات ، وإدخال الفجار في الدركات.\r__________\r(1) - قال ابن عطية : وهذه من ملح التفسير ، وليست من متين العلم ، وهي نظير قولهم في ليلة القدر : \" إنها ليلة سبع وعشرين \" ، مراعاة للفظة [هي] في كلمات سورة \" إنا أنزلناه \" [القدر : 1] ونظير قولهم في عدد الملائكة الذين ابتدروا قول القائل \" ربنا ولك الحمد حمداً كثيراً طيباً مباركاً فبه \" فإنها بضعة وثلاثون حرفاً ، قالوا : فتلك قال النبي صلى الله عليه وسلم : \" لقد رأيت بضعة وثلاثين ملكاً يبتدرونها أيهم يكتبها أولاً \" أ ه ـ المحرر - الموجيز حـ1 - صـ61\r(2) - الفخر الرازي حـ1 صـ 152 : 156","part":1,"page":60},{"id":59,"text":"\" إياك نعبد \" وإياك نستعين \" بالقيام في أداء جملة التكليفات \" اهدنا الصراط المستقيم \" بحسب كل أنواع الهدايات \" صراط الذين أنعمت عليهم \" في كل الحالات والمقامات \" غير المغضوب عليهم ولا الضالين \" من أهل الجهالات والضلالات (1). أهـ.\r\" أسماء سورة الفاتحة \"\rيقال لها : الفاتحة أي فاتحة الكتاب خطاً وبها تفتح القراءة في الصلوات ويقال لها أيضاً \" أم الكتاب \" عند الجمهور قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الحمد لله رب العالمين أم الكتاب والسبع المثاني والقرآن العظيم \" (2) ويقال لها الحمد ويقال لها الصلاة لقوله - صلى الله عليه وسلم - عن ربه : \" قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين - الحديث \" (3) فسميت الفاتحة صلاة لأنها شرط فيها ويقال لها الشفاء لما رواه الدارمي عن أبي سعيد مرفوعا : \" فاتحة الكتاب شفاء من كل سقم \"(4) ويقال لها \" الرقية \" لحديث أبي سعيد في الصحيح حين رقي بها الرجل السليم اللديغ فقال له رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : \" وما يدريك أنها رقية \" (5).\rويقال لها \" أساس القرآن \" ويقال لها \" الوافية \" و\" الكافية \" لأنها تكفي عما عداها ولا يكفي ما سواها عنها ويقال لها \"سورة الصلاة والكنز\"(6).أهـ.\r__________\r(1) - مقدمة التفسير الكبير للإمام الفخر الرازي حـ1- صـ21\r(2) - أخرجه البخاري في [التفسير ، 4474 ، فتح ]\r(3) - أخرجه مسلم في [الصلاة ، 395 ، عبد الباقي ]\r(4) - أخرجه الدارمي بلفظ شفاء من كل داء [3370] وقال الألباني \" موضوع \" ، ضعيف الجامع [3950]\r(5) - أخرجه البخاري في [الإجارة ، 2276 ، فتح] ، [مسلم في السلام ، 2201 ، عبد الباقي ]\r(6) - تفسير القرآن العظيم للإمام الحافظ ابن كثير حـ1 - صـ11 ، بتصرف يسير","part":1,"page":61},{"id":60,"text":"وذكر القرطبي رحمه الله أسماء أخري للفاتحة إضافة إلى هذه الأسماء منها : \" أم القرآن - المثاني لأنها تثني في كل ركعة وقيل سميت بذلك لأنها استثنيت لهذه الأمة فلم تنزل على احد قبلها ذخراً لها. ومنها : \" القرآن العظيم سميت بذلك لتضمنها جيع علومه والقرآن (1). أهـ.\rالحمد لله رب العالمين\rالحمد : هو النعت بالجميل على الجميل اختياريا كان أو مبدأ له على وجه يشعر ذلك بتوجيهه إلى المنعوت (2). أهـ\rوقال شقيق بن إبراهيم في تفسيره \" الحمد لله \" قال هو على ثلاثة أوجه : أولها إذا أعطاك الله شيئاً تعرف من أعطاك ، والثاني أن ترضي بما أعطاك والثالث : ما دامت قوته في جسدك ألا تعصيه فهذه شرائط الحمد (3). أهـ\rفمعني الحمد لله رب العالمين أي سبق الحمد مني لنفسي قبل أن يحمدني أحد من العالمين ، وحمدي نفسي لنفسي في الأزل لم يكن بعلة وحمدي الخلق مشوب بعلل وقيل حمد نفسه في الأزل لما علم من كثرة نعمه على عبادة وعجزهم عن القيام بواجب حمده فحمد نفسه عنهم ، لتكون النعمة أهنأ حيث أسقط عنهم به ثقل المنة (4). أ هـ\rسئل على رضي الله عنه عن الحمد : فقال : كلمة أحبها الله - تعالى - لنفسه ورضيها لنفسه وأوجب أن تقال (5). أهـ.\rمعنى اللام في \" الحمد لله \" اللام في قوله \" الحمد لله \" يحتمل وجوهاً : احدها : الاختصاص اللائق وثانيها : الملك ، وثالثها : القدرة والاستيلاء فالحمد بمعني أن الحمد لا يليق إلا بالله وبمعني أن ملكه وملكه وبمعني أنه هو المستوي على الكل والمستعلي على الكل(6)\r__________\r(1) - تفسير القرطبي حـ1 - صـ87 - 88 ، بتصرف يسير\r(2) - تفسير أبي السعود حـ1 - صـ11\r(3) - القرطبي حـ1 - صـ102\r(4) - تفسير القرطبي حـ1 - صـ102\r(5) - ابن كثير حـ1 - صـ30\r(6) - الفخر الرازي حـ1 - صـ192 ، بتصرف يسير","part":1,"page":62},{"id":61,"text":"وقال الخازن اللام في \" لله \" لام الاستحقاق كقولك : الدار لزيد يعني أنه المستحق للحمد لأنه المحسن المتفضل على كافة الخلق على الإطلاق (1). أهـ.\rقال الإمام القشيري - رحمه الله - حقيقة \" الحمد \" : الثناء على المحمود بذكر نعوته الجليلة ، وأفعاله الجميلة واللام هاهنا للجنس ومقتضاها الاستغراق فجميع المحامد لله سبحانه إما وصفاً وإما خلقاً له الحمد لظهور سلطانه وله الشكر لوفور إحسانه والحمد لله لاستحقاقه لجلاله والشكر لله لجزيل نواله وعزيز إفضاله \" ثم قال : هذا خطيب الأولين والآخرين سيد الفصحاء وإمام البلغاء لما سمع حمده لنفسه ومدحه سبحانه وتعالي لحقه علم النبي - صلى الله عليه وسلم - أن تقاصر اللسان أليق به في هذه الحالة فقال : \" لا أحصي ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك \" (2) أ هـ.\rوقال فى البحر المديد {الحمد} مبتدأ ، و{ الله} خبر ، وأصله النصب ، وقرئ به ، والأصل : أحمد الله حمداً ، وإنما عدل عنه إلى الرفع ليدل على عموم الحمد وثباته ، دون تجدده وحدوثه ، وفيه تعليم اللفظ مع تعريض الاستغناء. أي : الحمد لله وإن لم تحمدوه. ولو قال (أحمد الله) لما أفاد هذا المعنى.أهـ [البحر المديد فى تفسير القرآن المجيد لابن عجيبة حـ1 صـ5]\rالفرق بين الحمد والشكر والمدح\rالفرق بين الحمد والمدح من وجوه : الأول : أن المدح قد يحصل للحي ولغير الحي ألا ترى أن من رأي لؤلؤة في غاية الحسن أو ياقوتة في غاية الحسن فإنه قد يمدحها ,ويستحيل أن يحمدها ,فثبت أن المدح أعم من الحمد.\r__________\r(1) - تفسير الخازن حـ1 - صـ15\r(2) - لطائف الإشارات للتقشيري حـ1 - صـ45","part":1,"page":63},{"id":62,"text":"الثاني : أن المدح قد يكون قبل الإحسان وقد يكون بعده, وأما الحمد فإنه لا يكون إلا بعد الإحسان.الثالث : أن المدح قد يكون منهيا عنه (1), وأما الحمد فإنه مأمور به مطلقا الرابع : أن المدح يختص بنوع من أنواع الفضائل ,وأما الحمد فإنه يختص بفضيلة معينة وهي فضيلة الإنعام والإحسان (2).\rوأما الفرق بين الحمد والشكر (3) فهو أن الحمد يعم ما إذا وصل ذلك الإنعام إليك أم إلى غيرك ,وأما الشكر فهو مختص بالإنعام الواصل إليك.أهـ\rوقال صاحب مجمع البيان : الحمد والمدح والشكر متقاربة المعنى , والفرق بين الحمد والشكر أن الحمد نقيض الذم ,كما أن المدح نقيض الهجاء والشكر نقيض الكفران والحمد قد يكون من غير نعمة والشكر يختص بالنعمة ألا نزى أن الحمد يوضع موضع الشكر ويقال : الحمد لله شكرا فينصب شكرا على المصدر , ولو لم يكن الحمد في معنى الشكر لما نصبه فإذا كان الحمد يقع موقع الشكر فالشكر هو الاعتراف بالنعمة مع ضرب من التعظيم , ويكون بالقلب وهو الأصل ويكون أيضا باللسان وإنما يجب باللسان لنفي تهمة الجحود والكفران وأما المدح فهو القول المنبئ عن عظم حال الممدوح مع القصد إليه (4).أهـ.\rفوائد ولطائف في الحمد\r__________\r(1) - كما قال تعالى : \" فلا تزكوا أنفسكم هو أعلم بمن اتقى \" [النجم : 32 ]\r(2) - التفسير الكبير حـ1 - صـ 190 : 191 ، بتصرف يسير\r(3) - قال الخازن والحمد يكون بمعنى الشكر على النعمة ويكون بمعنى الثناء بجميل الفعال تقول حمدت الرجل على علمه وكرمه والشكر لا يكون إلا على النعمة فالحمد اعم من الشكر إذ لا تقول شكرت فلان على علمه فكل حامد شاكر وليس كل شاكر حامداً وقيل الحمد باللسان قولاً والشكر بالإحسان فعلاً. أ هـ الخازن - حـ1 - صـ 15\r(4) - مجمع البيان للطبرسي حـ1 - صـ94","part":1,"page":64},{"id":63,"text":"(الحمد لله) له تعلق بالماضي وتعلق بالمستقبل ,أما تعلقه بالماضي فهو أن يقع شكرا على النعم المتقدمة ,وأما تعلقه بالمستقبل فهو أنه يوجب تجدد النعم في الزمان المستقبل لقوله تعالى : \"لئن شكرتم لأزيدنكم \"{إبراهيم : 7}(1) اهـ\rلطيفة : أول كلمة ذكرها أبونا آدم عليه السلام هي قوله \"الحمد لله \"وآخر كلمة يذكرها أهل الجنة قولنا الحمد لله أما الأول فلأنه لما بلغ الروح إلى سرته عطس فقال الحمد لله رب العالمين ,وأما الثاني فهو قوله سبحانه وتعالى \"وآخر دعواهم أن الحمد لله رب العالمين \"{يونس : 10}ففاتحة العالم مبنية على الحمد وخاتمته مبنية على الحمد فاجتهد حتى يكون أول أعمالك وأخرها مقرونا بهذه الكلمة فإن الإنسان عالم صغير فيجب أن تكون أحواله موافقة لأحوال العالم الكبير (2).أهـ\rلقائل أن يقول : التسبيح مقدم على التحميد ، لأنه يقال : سبحان الله والحمد لله فما السبب ها هنا في وقوع البداية بالتحميد ؟\rالجواب : إن التحميد يدل على التسبيح دلالة التضمن ، فإن التسبيح يدل على كونه مبرأ في ذاته وصفاته عن النقائض والآفات والتحميد يدل مع حصول تلك الصفة على كونه محسناً إلى الخلق منعما عليهم رحيما بهم فالتسبيح إشارة إلى كونه تاماً ، والتحميد يدل على كونه تعالي فوق التمام ، لهذا السبب كان الابتداء بالتحميد أولى. أهـ\rفإن قيل : لم خص الحمد بالله ولم يقل الحمد للخالق ؟ أو نحوه من بقية الصفات ؟\rالجواب : لئلا يتوهم الاختصاص واستحقاق الحمد بوصف دون وصف(3).أهـ\r__________\r(1) - التفسير الكبيرحـ1- - صـ195\r(2) - التفسير الكبير حـ1- - صـ195\r(3) - السراج المنير للخطيب الشربيني - حـ1 - صـ9 دار المعرفة - بيروت","part":1,"page":65},{"id":64,"text":"قال الإمام الفخر - رحمه الله - : إذا قال العبد \" الحمد لله \" كان معناه أن كل حمد أتى به أحد من الحامدين فهو لله ، وكل حمد لم يأت به أحد من الحامدين وأمكن في حكم العقل دخوله في الوجود فهو لله ، وذلك يدخل فيه جميع المحامد التي ذكرها ملائكة العرش والكرسي. وساكن وأطباق السماوات وجميع المحامد التي ذكرها جميع الأنبياء من آدم إلى محمد - صلوات الله عليهم - وجميع المحامد التي ذكرها الأولياء والعلماء وجميع الخلق وجميع المحامد التي سيذكرونها إلى وقت قولهم : \" دعواهم فيها سبحانك اللهم وتحيتهم فيها سلام وآخر دعواهم أن الحمد لله \" ثم جميع هذه المحامد متناهية ، وأما المحامد التي لا نهاية لها هي التي سيأتون بها أبد الآباد ودهر الداهرين (1) أ هـ\rوقال الخازن : \" الحمد لله لفظة خبر بأنه سبحانه وتعالي يخبر بأنه المستحق للحمد سبحانه وتعالى ، ومعناه الأمر أي قولوا : \" الحمد لله \" ، وفيه تعليم للخلق كيف يحمدونه (2). أهـ.\rقال الإمام ابن القيم - رحمه الله - في طريق الهجرتين (3) : \r\" الملك والحمد في حقه تعالي متلازمان فكل ما شمله ملكه وقدرته شمله حمده فهو محمود في ملكه وله الملك والقدرة مع حمده ، فكما يستحيل خروج شيء من الموجودات عن ملكه وقدرته يستحيل خروجها عن حمده وحكمته ثم قال : فالحمد أوسع الصفات وأعم المدائح ، والطرق إلى العلم به في غاية الكثرة والسبيل إلى اعتباره في ذرات العالم وجزيئاته وتفاصيل الأمر والنهى واسعة جداً لأن جميع أسمائه تبارك وتعالي حمد ، وصفاته حمد ، وأفعاله حمد ، وأحكامه حمد ، وعدله حمد ، وانتقامه من أعدائه حمد ، وفضله في إحسانه إلى أوليائه حمد ، والخلق والأمر إنما قام بحمده ، ووجد بحمده وظهر بحمده وكان الغاية هي حمده \" أهـ.\r__________\r(1) - التفسير الكبير حـ1 - صـ194\r(2) - الخازن - حـ1 - صـ15\r(3) - طريق الهجرتين وباب السعادتين للإمام ابن القيم صـ125 - 126 بتصرف يسير","part":1,"page":66},{"id":65,"text":"طبقات الحامدين\rوتتفاوت طبقات الحامدين في تباينهم في أحوالهم ، فطائفة حمدوه على ما نالوا من إنعامه وإكرامه من نوعي صفة نفعة ودفعه ، وإزاحته وإتاحته ، وما عقلوا من إحسانه بهم أكثره ما عرفوا من أفضاله معهم ، قال جل ذكره : \" وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها \" {إبراهيم : 34}. وطائفة حمدوه على ما لاح لقلوبهم من عجائب لطائفه ، وأودع سرائرهم من مكنونات بره وكاشف أسرارهم به من خفي غيبه ، وأفرد أرواحهم به من بواده مواجده ، وقوم حمدوه عند شهود ما كاشفهم به من صفات القدم ، ولم يردوا من ملاحظة العز والكرم إلى تصفح أقسام النعم ، وتأمل خصائص القسم ، وفرق بين من يمدحه بعز جلاله وبين من يشكره على وجوب أفضاله كما قال قائلهم :\rوما الفرق عن أرض العشيرة ساقنا … ولكننا جئنا بلقياك نسعد(1) أ هـ\rلطيفة\rقوله : \" الحمد لله \" ثمانية أحرف وأبواب الجنة ثمانية ، فمن قال هذه الثمانية عن صفاء قلبه استحق ثمانية أبواب الجنة (2). أهـ\rفإن قيل لماذا كان التعبير بقوله : \" الحمد لله \" ولم يكن بـ {أحمد الله} ؟\rالجواب : لو قال أحمد الله أفاد ذلك كون ذلك القائل قادراً على حمده أما لما قال : \" الحمد لله \" فقد أفاد ذلك أنه كان محموداً قبل حمد الحامدين وقبل شكر الشاكرين فهؤلاء سواء حمدوا أو لم يحمدوا وسواء شكروا أو لم يشكروا فهو تعالي محمود منذ الأزل إلى الأبد لحمده القديم وكلامه القديم وأيضا لو قال \" أحمد الله \" لكان قد حمد لكن لا حمداً يليق به ، وأما إذا قال الحمد لله فكأنه قال : من أنا حتى أحمده لكنه محمود بجميع حمد الحامدين(3).أهـ\r__________\r(1) - لطائف الإرشادات حـ1- صـ46\r(2) - التفسير الكبير - حـ1 - صـ192\r(3) - التفسير الكبير - حـ1 - صـ 191 ، بتصرف يسير","part":1,"page":67},{"id":66,"text":"قال ابن جزى - رحمه الله - ما نصه : الحمد أعم من الشكر لأن الشكر لا يكون إلا بجزاء النعمة والحمد يكون جزاء كالشكر ويكون ثناء ابتداءا كما أن الشكر قد يكون أعم من الحمد لأن الحمد باللسان والشكر بالقلب واللسان والجوارح. فإذا فهمت عموم الحمد علمت أن قولك \" الحمد لله \" يقتضي الثناء عليه لما هو من الثناء والعظمة والوحدانية والإفضاء والعلم وغير ذلك من الصفات. ما يتضمن معاني أسمائه الحسني التسعة والتسعين ويقتضي شكره والثناء عليه بكل نعمة ورحمة أولى جميع خلقه في الآخرة والأولى ، فيا لها من كلمة جمعت ما تضيق عنه المجلدات.\rواتفق دون عدة عقول الخلائق ويكفيك إن الله جعلها أول كتابه وأخر دعوى أهل الجنة ، الشكر باللسان هو الثناء على المنعم والتحدث بالنعم ، قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : \" التحدث بالنعم شكر \" والشكر بالجوارح هو العمل بطاعة الله وترك معاصيه والشكر بالقلب هو معرفة مقدار النعمة. والعلم بأنها من الله وحده ، والعلم بأنها أفضل لا باستحقاق العبد ،\rواعلم أن النعم التي تجب الشكر عليها لا تحصى ، ولكنها تنحصر في ثلاثة أقسام :\rنعم دنيوية : كالعافية والمال ، نعم دينية : كالعلم والتقوى. ونعم أخروية : هي جزاؤه بالثواب الكثير على العمل القليل في العمر القصير. والناس في الشكر على مقامين : منهم من يشكر على النعم الواصلة إليه خاصة ومنهم من يشكر الله عن جميع خلقه على النعم الواصلة إلي جميعهم ، والشكر على ثلاث درجات : فدرجات العوام الشكر على النعم ودرجة الخواص الشكر على النعم والنقم على كل حال ودرجة خواص الخواص أن يغيب عن النعمة بمشاهدة المنعم ، قال رجل لإبراهيم بن آدهم : الفقراء إذا منعوا شكروا وإذا أعطوا أثروا. ومن فضيلة الشكر أنه من صفات الحق ومن صفات الخلق فإن من أسماء الله : الشاكر والشكور (1). أهـ.\r__________\r(1) - التسهيل - حـ1 - صـ32 ، 33","part":1,"page":68},{"id":67,"text":"رب العالمين\rقال الخازن - رحمه الله -(1) \" الرب بمعنى المالك كما يقال : رب الدار ، ورب الشيء أي مالكه ، ويكون بمعنى التربية والإصلاح يقال : رب فلان الضيعة يربها إذا أصلحها ، فالله مالك العالمين ، ومربيهم ، ومصلحهم ، ولا يقال الرب للمخلوق معرفاً بل يقال : \" رب الشيء مضافاً \". أ هـ\rوقال ابن عطية - رحمه الله - (2) \" والرب في اللغة : المعبود ، والسيد المالك ، والقائم بالأمور المصلح لما يفسد منها - ثم قال : وهذه الاستعمالات قد تتداخل فالرب على الإطلاق الذي هو رب الأرباب على كل جهة هو الله تعالى.\rو[ العالمين] جمع عالم ، وهو كل موجود سوى الله تعالى - ولفظة العالم جمع لا واحد له من لفظه وهو مأخوذ من العلم والعلامة ، لأنه يدل على موجده كذا قال الزجاج. أ هـ\rقال الزجاج : العالم كل ما سوى الله في الدنيا والآخرة (3). أ هـ\rوقال القشيري - رحمه الله - \" الرب هو السيد ، والعالمون جميع المخلوقات ، واختصاص هذا الجمع بلفظ العالمين لاشتماله على العقلاء والجمادات فهو مالك الأعيان ومنشيها ، وموجد الرسوم والديار بما فيها.\rويدل اسم الرب أيضاً على تربية الخلق ، فهو مرب نفوس العابدين بالتأييد ومرب قلوب الطالبين بالتسديد ، ومرب أرواح العارفين بالتوحيد وهو مرب الأشباح بوجود النعم ، ومرب الأرواح بشهود الكرم.\rويدل اسم الرب أيضاً على إصلاحه لأمور عباده من ربيت العديم أربه ، فهو مصلح أمور الزاهدين بجميل رعايته ، ومصلح أمور العابدين بحسن كفايته ، ومصلح أمور الواجدين بقديم عنايته ، أصلح أمور قوم فاستغنوا بعطائه ، وأصلح أمور آخرين فاشتاقوا للقائه ، وثالث أصلح أمورهم فاستقاموا للقائه(4).أ هـ\r__________\r(1) تفسير الخازن حـ1 ص15\r(2) المحرر الوجيز حـ1 ص67\r(3) تفسير القرطبي حـ1 ص 105\r(4) لطائف الإشارات حـ1 ص 46-47","part":1,"page":69},{"id":68,"text":"فائدة\rقال السعدي - رحمه الله - \" وتربيته لخلقه نوعان : عامة وخاصة فالعامة هي خلقه للمخلوقين ورزقهم ، وهدايتهم لما فيه مصالحهم التي فيها بقاؤهم في الدنيا ، والخاصة : تربيته لأوليائه ، فيربيهم بالإيمان ، ويوفقهم له ، ويكملهم ، ويدفع عنهم الصوارف ، والعوائق الحائلة بينهم وبينه ، وحقيقتها : تربية التوفيق لكل خير ، والعصمة من كل شر ، ولعل هذا المعنى هو السر في كون أكثر أدعية الأنبياء بلفظ الرب ، فإن مطالبهم كلها داخلة تحت ربوبيته الخاصة (1) \".\rلطيفة\rفإن قيل لم جمع [العالمين] جمع قلة مع أن المقام يستدعي الإتيان بجمع الكثرة ؟ أجيب بأن فيه تنبيهاً على أنهم وإن كثروا قليلون في جنب عظمته وكبريائه - تعالى - (2). أ هـ\rقال القاسمي - رحمه الله - و\"العالمين\" جمع عالم وهو : الخلق كله وكل صنف منه وإيثار صيغة الجمع لبيان شمول ربوبيته تعالى لجميع الأجناس ، والتعريف لاستغراق أفراد كل منها بأسرها (3). أ هـ\rوقال الإمام البغوي - رحمه الله - ما نصه : \r__________\r(1) تفسير السعدي ص33\r(2) تفسير السراج المنير للخطيب الشربيني حـ1 ص9\r(3) تفسير القاسمي حـ 2 ص247 ط دار الحديث - القاهرة.","part":1,"page":70},{"id":69,"text":"فالله تعالى مالك العالمين ومربيهم ولا يقال للمخلوق الرب معرفاً ، إنما يقال رب كذا مضافاً لأن الألف واللام للتعميم ، وهو لا يملك الكل ، والعالمين جمع عالم والعالم جمع لا واحد له من لفظه ، واختلفوا في العالمين ، قال ابن عباس : هم الجن والإنس لأنهم مكلفون بالخطاب ، قال الله تعالى << ليكون للعالمين نذيرا >> [الفرقان : 1] وقال قتادة ومجاهد والحسن : جميع المخلوقين. قال الله تعالى : << قال فرعون وما رب العالمين ؟ قال رب السموات والأرض وما بينهما >> [الشعراء : 24 ، 23] واشتقاقه من العلم والعلامة سمواً به لظهور أثر الصنعة فيهم. قال أبو عبيدة : أربع أمم الملائكة ، والإنس ، والجن ، والشياطين ، مشتق من العلم ولا يقال للبهائم عالم ، لأنها لا تعقل ، واختلفوا في مبلغهم. قال سعيد بن المسيب : لله ألف عالم ستمائة في البحر وأربعمائة في البر ، وقال مقاتل بن حيان : لله ثمانون ألف عالم ، ألفاً في البحر ، وأربعون ألفاً في البر ، وقال وهب : لله ثمانية عشر ألف عالم ، الدنيا عالم منها ، وما العمران في الخراب إلا كفسطاط في صحراء ، وقال كعب الأحبار (1) لا يحصى عدد العالمين أحد إلا الله ، قال << وما يعلم جنود ربك إلا هو >> [المدثر : 31] (2). أ هـ\rمن اللطائف والأسرار\rما ذكره الفخر الرازي - رحمه الله - في الربوبية حيث قال : \r__________\r(1) هذا أرجح الأقوال - والله أعلم - لأن الأقوال السابقة تفتقر إلى سند صحيح ، وأيضاً فإنها قد تتعارض مع ظاهر قوله تعالى \"وما يعلم جنود ربك إلا هو\" ، وأيضاً فكل قرن أو جيل من الناس يعتبر عالماً. قال تعالى لبني إسرائيل \" وأنى فضلتكم على العالمين\" والمراد عالمي زمانهم فمن يحصي هذه العوالم إلا الله الذي أحاط بكل شيء علما.\r(2) معالم التنزيل حـ1 ص27","part":1,"page":71},{"id":70,"text":"واعلم أن تربيته تعالى مخالفة لتربية غيره ، وبيانه من وجود : الأول : ما ذكرناه أنه تعالى يربي عبيده لا لغرض نفسه وغيره يربون لغرض أنفسهم لا لغرض غيرهم ، الثاني : أن غيره إذا ربى فبقدر تلك التربية يظهر النقصان في خزائنه وفي ماله وهو متعال عن النقصان والضرر ، كما قال تعالى : \"وإن من شيء إلا عندنا خزائنه وما ننزله إلا بقدر معلوم \" [الحجر : 21] الثالث : أن غيره من المحسنين إذا ألح الفقير عليه أبغضه وحرمه ومنعه ، والحق تعالى بخلاف ذلك ، كما قال عليه الصلاة والسلام إن الله تعالى يحب الملحين في الدعاء. الرابع : أن غيره من المحسنين ما لم يطلب منه الإحسان لم يعط ، أما الحق تعالى فإنه يعطي قبل السؤال ، ألا ترى أنه رباك حال ما كنت جنيناً في رحم الأم ، وحال ما كنت جاهلاً غير عاقل ، لا تحسن أن تسأل منه ووقاك وأحسن إليك مع أنك ما سألته وما كان لك عقل ولا هداية. الخامس : أن غيره من المحسنين ينقطع إحسانه إما بسبب الفقر أو الغيبة أو الموت ، والحق تعالى لا ينقطع إحسانه ألبتة. السادس : أن غيره من المحسنين يختص إحسانه بقوم دون قوم ولا يمكنه التعميم أما الحق تعالى فقد وصل تربيته وإحسانه إلى الكل كما قال : \" ورحمتي وسعت كل شيء \" [الأعراف : 156] فثبت أنه تعالى رب العالمين ومحسن إلى الخلائق أجمعين ، فلهذا قال تعالى في حق نفسه الحمد لله رب العالمين.","part":1,"page":72},{"id":71,"text":"أن الذي يحمد ويمدح ويعظم في الدنيا إنما يكون كذلك لأحد وجوه أربعة ، إما لكونه كاملاً في ذاته وفي صفاته منزهاً عن جميع النقائص والآفات وإن لم يكن منه إحسان إليك ، وإما لكونه محسناً إليك ومنعماً عليك ، وإما لأنك ترج ووصول إحسانه إليك في المستقبل من الزمان ، وإما لأجل أنك تكون خائفاً من قهره وقدرته وكمال سطوته ، فهذه الحالات هي الجهات الموجبة للتعظيم ، فكأنه سبحانه وتعالى يقول : إن كنتم ممن يعظمون الكمال الذاتي فاحمدوني فإني إله العالمين ، وهو المراد من قوله الحمد لله ، وإن كنتم ممن تعظمون الإحسان فأنا رب العالمين ، وإن كنتم تعظمون للطمع في المستقبل فأنا الرحمن الرحيم ، وإن كنتم تعظمون للخوف فأنا مالك يوم الدين.\rأضاف الحمد إلى نفسه فقال تعالى الحمد لله ، ثم أضاف إلى العالمين والتقدير : إني أحب الحمد فنسبته إلى نفسي بكونه ملكاً لي ثم لما ذكرت نفسي عرفت نفسي بكوني رباً للعالمين ، ومن عرف ذاتاً بصفة فإنه يحاول ذكر أحسن الصفات وأكملها ، وذلك يدل على أن كونه رباً للعالمين أكمل الصفات ، والأمر كذلك ، لأن أكمل المراتب أن يكون تاماً ، وفوق التمام ، فقولنا الله يدل على كونه واجب الوجود لذاته في ذاته وبذاته وهو التمام ، وقوله رب العالمين معناه أن وجود كل ما سواه فائض عن تربيته وإحسانه وجوده وهو المراد من قولنا أنه فوق التمام.","part":1,"page":73},{"id":72,"text":"أنه يملك عباداً غيرك كما قال : \"وما يعلم جنود ربك إلا هو\" [المدثر : 31] وأنت ليس لك رب سواه ، ثم أنه يربيك كأنه ليس له عبد سواك وأنت تخدمه كأن لك رباً غيره ، فما أحسن هذه التربية أليس أنه يحفظك في النهار عن الآفات من غير عوض ، وبالليل عن المخافات من غير عوض ؟ واعلم أن الحراس يحرسون الملك كل ليلة ، فهل يحرسونه عن لدغ الحشرات وهل يحرسونه عن أن تنزل به البليات ؟ أما الحق تعالى فإنه يحرسه من الآفات ، ويصونه من المخافات ، بعد أن كان قد زج أول الليل في أنواع المحظورات وأقسام المحرمات والمنكرات ، فما أكبر هذه التربية وما أحسنها (1). أ هـ\rوقال السلمى : وقيل أيضًا : الحمد لله رب العالمين عن العالمين قبل العالمين لعلمه بعجز العالمين عن أداء حمد رب العالمين.\rوقيل هذا رحمة للعالمين بإضافته إياهم إليه أنه ربهم.أهـ [حقائق التفسير للسلمى حـ 1 صـ 34 ـ ط العلمية ـ بيروت ]\rوقال فى تنوير الأذهان ما نصه : {رب العالمين} لما نبه على استحقاقه الذاتى بجميع المحامد بمقابلة الحمد باسم الذات أردفه بأسماء الصفات جمعا بين الاستحقاقين وهو أى [رب العالمين] كالبرهان على استحقاقه جميع المحامد الذاتى والصفاتي والدنيوىوالأخروى. أهـ {تنوير الأذهان حـ1 صـ 9}\rالرحمن الرحيم\rفإن قيل : إنه تعالى ذكر الرحمن الرحيم في التسمية ثم ذكرهما مرة ثانية دون الأسماء الثلاثة الباقية ، فما الحكمة في ذلك ؟ \rأجيب بأن الحكمة في ذلك كأنه قال تعالى : أذكر أني إله ورب مرة واحدة وأذكر أني رحمن رحيم مرتين ليعلم أن العناية بالرحمة أكثر منه بسائر الأمور (2). أ هـ\rوقال القاسمي - رحمه الله - إيرادهما عقب وصف الربوبية من باب قرن الترغيب بالترهيب الذي هو أسلوب التنزيل الحكيم (3). أ هـ\rمالك يوم الدين\r__________\r(1) التفسير الكبير حـ1 ص199 : 201 باختصار يسير.\r(2) السراج المنير للخطيب الشربيني حـ1 ص9\r(3) تفسير القاسمي حـ2 ص247","part":1,"page":74},{"id":73,"text":"قراءة الجمهور بغير ألف \"ملك يوم الدين\" أرجح من القراءة بالألف \"مالك يوم الدين\" وذلك من ثلاثة أوجه : \rالأول : أن الملك أعظم من المالك إذ قد يوصف كل أحد بالمالك لماله ، وأما الملك فهو سيد الناس. الثاني : قوله تعالى \"وله الملك يوم ينفخ في الصور\" [الأنعام : 73]. والثالث : لا تقتضي حذفاً بخلاف الأخرى فإنها تقتضيه لأن تقديرها مالك يوم الدين ، أو مالك مجيء يوم الدين - والحذف على خلاف الأصل (1). أ هـ\rقال الخازن \" والمالك هو المتصرف بالأمر والنهي ، وقيل : هو القادر على اختراع الأعيان من العدم إلى الوجود ، ولا يقدر على ذلك إلا الله تعالى ، وقيل : مالك أوسع من ملك ، لأنه يقال : مالك للعبد والدابة ، ولا يقال ملك هذه الأشياء ، ولأنه لا يكون ملكاً لشيء إلا وهو يملكه ، وقد يكون مالكاً لشيء ولا يملكه ، وقيل ملك أولى ، لأن كل ملك مالك ، وليس كل مالك ملك ، وقيل هما بمعنى واحد مثل فرهين وفارهين (2). أ هـ\rفإن قيل : لم خص يوم الدين بالذكر مع كونه مالكاً للأيام كلها ؟ \rوالجواب : لأن الأملاك يومئذ زائلة ، فلا ملك ولا أمر إلا له قال الله تعالى \" الملك يومئذ الحق للرحمن \" [الفرقان : 26] وقال : \"لمن الملك اليوم لله الواحد القهار \" [غافر : 16] وقال : \"والأمر يومئذ لله \" [الانفطار : 19] (3). أ هـ.\rوقال القاسمي : وتخصيصه بالإضافة إما لتعظيمه وتهويله أو لبيان تفرده تعالى بإجراء الأمر وفصل القضاء (4). أ هـ\rوقال القرطبي : إن وصف الله سبحانه وتعالى بأنه ملك كان ذلك من صفات ذاته وإن وصف بأنه مالك كان ذلك من صفات فعله (5). أ هـ\r__________\r(1) التسهيل لعلوم التنزيل لابن جزي حـ1 ص33.\r(2) تفسير الخازن حـ1 ص16\r(3) تفسير البخري حـ1 ص28\r(4) محاسن التأويل للقاسمي حـ2 ص248\r(5) تفسير القرطبي حـ1 ص107.","part":1,"page":75},{"id":74,"text":"لطيفة\rإن السياسات على أربعة أقسام : سياسة الملاك ، وسياسة الملوك ، وسياسة الملائكة ، وسياسة ملك الملوك : فسياسة ملك الملوك أقوى من سياسة الملاك ، لأنه لو اجتمع عالم من المالكين فإنهم لا يقاومون ملكاً واحداً ، ألا ترى أن السيد لا يملك إقامة الحد على مملوكه عند أبي حنيفة وأجمعوا على أن الملك يملك إقامة الحدود على الناس ، وأما سياسة الملائكة فهي فوق سياسات الملوك ، لأن عالماً من أكابر الملوك لا يمكنهم دفع سياسة ملك واحد ، وأما سياسة ملك الملوك فإنها فوق سياسات الملائكة ، ألا ترى إلى قوله تعالى : \" يوم يقوم الروح والملائكة صفاً لا يتكلمون إلا من أذن له الرحمن وقال صوابا\" [النبأ : 38] وقوله تعالى : \" من ذا الذي يشفع عنده إلا بإذنه\" [البقرة : 255] وقال في صفة الملائكة : \" ولا يشفعون إلا لمن ارتضى \" [الأنبياء : 28] فيا أيها الملوك لا تغتروا بما لكم من المال والملك فإنكم أسراء في قبضة قدرة مالك يوم الدين ويا أيها الرعية إذا كنتم تخافون سياسة الملك أفما تخافون سياسة ملك الملوك الذي هو مالك يوم الدين.\rمن أحكام كونه تعالى ملكاً أنه ملك لا يشبه سائر الملوك لأنهم إن تصدقوا بشيء انتقص ملكهم ، وقلت خزائنهم ، أما الحق سبحانه وتعالى فملكه لا ينقص بالعطاء والإحسان ، بل يزداد ، بيانه أنه تعالى إذا أعطاك ولداً واحداً لم يتوجه حكمه إلا على ذلك الولد الواحد ، أما لو أعطاك عشرة من الأولاد وكان حكمه وتكليفه لازماً على الكل ، فثبت أنه تعالى كلما كان أكثر عطاء كان أوسع ملكاً.","part":1,"page":76},{"id":75,"text":"من أحكام كونه ملكاً كمال الرحمة ، والدليل عليه آيات : إحداها : ما ذكر في هذه السورة من كونه رباً رحماناً رحيماً : وثانيها : قوله تعالى : \"ه والله الذي لا إله إلا هو عالم الغيب والشهادة هو الرحمن الرحيم \" ثم قال بعده : \"ه والله الذي لا إله إلا هو الملك \" [الحشر : 23 ، 22] ثم ذكر بعده كونه قدوساً عن الظلم والجور ، ثم ذكر بعده كونه سلاماً ، وهو الذي سلم عباده من ظلمه وجوره ، ثم ذكر بعده كونه مؤمناً ، وهو الذي يؤمن عبيده عن جوره وظلمه ، فثبت أن كونه ملكاً لا يتم إلا مع كمال الرحمة. وثالثها : قوله تعالى : \"الملك يومئذ الحق للرحمن \" [الفرقان : 26] لما أثبت لنفسه الملك أردفه بأن وصف نفسه بكونه رحماناً ، يعني إن كان ثبوت الملك له في ذلك اليوم يدل على كمال القهر ، فكونه رحماناً يدل على زوال الخوف وحصول الرحمة.\rأنه لما وصف نفسه بكونه ملكاً ليوم الدين أظهر للعالمين كمال عدله فقال \"وما ربك بظلام للعبيد \" [فصلت : 46] ثم بين كيفية العدل فقال : \"ونضع الموازين القسط ليوم القيامة فلا تظلم نفس شيئاً\" [الأنبياء : 47] فظهر بهذا أن كونه ملكاً حقاً ليوم الدين إنما يظهر بسبب العدل ، فإن كان الملك المجازي عادلاً كان ملكاً حقاً وإلا كان ملكاً باطلاً ، فإن كان ملكاً عادلاً حقاً حصل من بركة عدله الخير والراحة في العالم وإن كان ملكاً ظالماً ارتفع الخير من العالم.\rقراءة المالك أرجى من قراءة الملك ، لأن أقصى ما يرجى من الملك العدل والإنصاف وأن ينج والإنسان منه رأساً برأس ، أما المالك فالعبد يطلب منه الكسوة والطعام والرحمة والتربية فكأنه تعالى يقول : أنا مالككم فعلي طعامكم وثيابكم وثوابكم وجنتكم.","part":1,"page":77},{"id":76,"text":"الملك وإن كان أغنى من المالك غير أن الملك يطمع فيك والمالك أنت تطمع فيه ، وليست لنا طاعات ولا خيرات فلا يريد أن يطلب منا يوم القيامة أنواع الخيرات والطاعات ، بل يريد أن نطلب منه يوم القيامة الصفح والمغفرة وإعطاء الجنة بمجرد الفضل ، فلهذا السبب قال الكسائي : اقرأ مالك يوم الدين لأن هذه القراءة هي الدالة على الفضل الكثير والرحمة الواسعة.\rأن الملك إذا عرض عليه العسكر لم يقبل إلا من كان قوي البدن صحيح المزاج ، أما من كان مريضاً فإنه يرده ولا يعطيه شيئاً من الواجب ، أما المالك إذا كان له عبد فإن مرض عالجه وإن ضعف أعانه وإن وقع في بلاء خلصه ، فالقراءة بلفظ المالك أوفق للمذنبين والمساكين\rالملك له هيبة وسياسة ، والمالك له رأفة ورحمة ، واحتياجنا إلى الرأفة والرحمة أشد من احتياجنا إلى الهيبة والسياسة.\rأنه تعالى ذكر في هذه السورة من أسماء نفسه خمسة : الله ، والرب ، والرحمن ، والرحيم ، والمالك. والسبب فيه كأنه يقول خلقتك أولاً فأنا إله. ثم ربيتك بوجوه النعم فأنا رب ، ثم عصيت فسترت عليك فأنا رحمن ، ثم تبت فغفرت لك فأنا رحيم ، ثم لا بد من إيصال الجزاء إليك فأنا مالك يوم الدين (1). أ هـ\rإياك نعبد وإياك نستعين\rقال الواحدى :\r[ نعبد] من العبادة وهى الطاعة مع الخضوع ، ولا يستحقها إلا الله عز وجل ، وسمى العبد عبدا لذلته وانقياده لمولاه ، وطريق معبد إذا كان مذللا بالأقدام.أهـ [الوسيط للواحدى النيسابورى حـ1 صـ68].\rقال القشيري (2) - رحمه الله - معناه نعبدك ونستعين بك ، والابتداء بذكر المعبود أتم من الابتداء بذكر صفته - التي هي عبادته واستعانته - وهذه الصيغة أجزل في اللفظ ، وأعذب في السمع.\rوالعبادة : الإتيان بغاية ما في بابها من الخضوع ، ويكون ذلك بموافقة الأمر ، والوقوف حيثما وقف الشرع.\r__________\r(1) التفسير الكبير حـ1 ص205 : 208 بتصرف يسير\r(2) لطائف الإشارات حـ1 ص48-49","part":1,"page":78},{"id":77,"text":"والاستعانة : طلب الإعانة من الحق.\rوالعبادة تشير إلى بذل الجهد والمنة ، والاستعانة تخبر عن استجلاب الطول والمنة.\rفبالعبادة يظهر شرف العبد ، وبالاستعانة يحصل اللطف للعبد.\rفي العبادة وجود شرفه ، وبالاستعانة أمان تلفه ، والعبادة ظاهرها تذلل وحقيقتها تعزز وتحمل :\r…وإذا تذللت الرقاب تقرباً………منا إليك فعزها في ذلها\rوفي معناه :\r…حين أسلمتني لذال ولام………ألقيتني في عين وزاي. أهـ\rوقال البغوي (1) - رحمه الله - : [نعبد] أي نوحدك ونطيعك خاضعين ، والعبادة : الطاعة مع التذلل والخضوع ، وسمي العبد عبداً لذلته وانقياده يقال : طريق معبد أي مذلل.\rقوله تعالى : [وإياك نستعين]. نطلب منك المعونة على عبادتك ، وعلى جميع أمورنا. أ هـ\rوقال ابن عطية (1)- رحمه الله - [إياك نعبد] نطق بالمؤمن به إقرار بالربوبية وتذلل وتحقيق لعبادة الله ، إذ سائر الناس يعبدون سواء من أصنام وغير ذلك وقدم المفعول على الفعل اهتماما وشأن العرب تقديم الأهم.\rويذكر أن إعرابياً سب آخر فأعرض المسبوب عنه ، فقال له الساب : إياك أعني ، فقال الآخر : وعنك أعرض ، فقدما الأهم. أ هـ\rوأضاف القرطبي - رحمه الله - وجهاً آخر إضافة لما ذكر ابن عطية - رحمه الله - قال القرطبي (2) \" وأيضاً لئلا يتقدم ذكر العبد والعبادة على المعبود ، فلا يجوز نعبدك ونستعينك ، ولا نعبد إياك ونستعين إياك ، فيقدم الفعل على كناية المفعول ، وإنما يتبع لفظ القرآن. أ هـ\r__________\r(1) تفسير البغوي حـ1 ص28-29\r(2) تفسير القرطبي حـ1 ص109","part":1,"page":79},{"id":78,"text":"فإن قيل : فما معنى النون في قوله تعالى \"إياك نعبد وإياك نستعين\" فإن كانت للجمع فالداعي واحد وإن كانت للتعظيم فلا يناسب هذا المقام ؟ وقد أجيب بأن المراد من ذلك الإخبار عن جنس العباد والمصلي فرد منهم ولاسيما إن كان في جماعة أو إمامهم فأخبر عن نفسه وعن إخوانه المؤمنين بالعبادة التي خلقوا لأجلها وتوسط لهم بخير ، ومنهم من قال : يجوز أن تكون للتعظيم كأن العبد قيل له : إن كنت داخل العبادة فأنت شريف وجاهك عريض فقل : \"إياك نعبد وإياك نستعين\" وإن كنت خارج العبادة فلا تقل نحن ولا فعلنا ولو كنت في مائة ألف أو ألف ألف لاحتياج الجميع إلى الله - تعالى - وفقرهم إليه ، ومنهم من قال [إياك نعبد] ألطف في التواضع من إياك أعبد لما في الثاني من تعظيمه نفسه وحده أهلاً لعبادة الله - تعالى - الذي لا يستطيع أحداً أن يعبده حق عبادته ولا يثني عليه كما يليق به.\rوالعبادة مقام عظيم يشرف به العبد لانتسابه به إلى جناب الله تعالى(1). أ هـ\rوقال الإمام الفخر الرازي - رحمه الله - بعد أن أجاب عن هذا السؤال (2) : \"فإن قال قائل : جميع ما ذكر تم قائم في قوله : \"الحمد لله\" مع أنه قدم فيه ذكر الحمد على ذكر الله ؟\rفالجواب : أن قوله الحمد يحتمل أن يكون لله ولغير الله فإذا قلت لله فقد تقيد الحمد بأن يكون لله أما لو قدم قوله [نعبد] احتمل أن يكون لله واحتمل أن يكون لغير الله وذلك كفر ، والنكتة أن الحمد لما جاز لغير الله في ظاهر الأمر كما جاز لله ، فلا جرم حسن تقدم الحمد أما ها هنا فالعبادة لما لم تجز لغير الله لا جرم قدم قوله \"إياك\" على نعبد ، فتعين الصرف للعبادة فلا يبقى في الكلام احتمال أن تقع العبادة لغير الله. أ هـ. فإن قيل : لم أطلقت الاستعانة ؟ أجيب بأنها إنما أطلقت لأجل أنها تتناول المعرفة في المهمات كلها أو في أداء العبادات (3). أ هـ\r__________\r(1) ابن كثير حـ1 ص35\r(2) التفسير الكبير حـ1 ص212\r(3) تفسير السراج المنير حـ1 ص11","part":1,"page":80},{"id":79,"text":"فإن قيل لم تكرر الضمير المنصوب [إياك] ؟ فالجواب : كما قال أبو السعود - رحمه الله - للتنصيص على تخصصه تعالى بكل واحدة من العبادة والاستعانة ، ولإبراز الاستلذاذ بالمناجاة والخطاب. أ هـ\rوإن قيل : لم قدم العبادة على الاستعانة ؟ فالجواب لأن العبادة من مقتضيات مدلول الاسم الجليل وإن ساعدته الصفات المجراة عليه أيضاً ، وأما الاستعانة فمن الأحكام المبينة على الصفات المذكورة ولأن العبادة من حقوق الله تعالى ، والاستعانة من حقوق المستعين ، ولأن العبادة واجبة حتماً ، والاستعانة تابعة للمستعان فيه في الوجوب وعدمه ، وقيل لأن تقديم الوسيلة على المسئول أدعى إلى الإجابة والقبول هذا على تقدير كون إطلاق الاستعانة على المفعول فيه ليتناول كل مستعان فيه كما قالوا وقد قيل إنه لما أن المسئول هو المعونة في العبادة والتوفيق لإقامة مراسمها على ما ينبغي وهو اللائق بشأن التنزيل والمناسب لحال الحامد فإن استعانته مسبوقة بملاحظة فعل من أفعاله ليستعينه تعالى في إيقاعه (1). أ هـ\rوأجاب الخازن عن ذلك بأوجه منها : إن الاستعانة نوع تعبد فكأنه ذكر جملة العبادة أولاً ثم ذكر ما هو من تفاصيلها ثانياً ، ومنها كأن العبد يقول شرعت في العبادة فأنا أستعين بك على إتمامها فلا يمنعني من إتمامها مانع ، ومنها أن العبد إذا قال إياك نعبد حصل له الفخر وذلك منزلة عظيمة فيحصل بسبب ذلك العجب فأردف ذلك بقوله : وإياك نستعين ليزول ذلك العجب الحاصل بسبب تلك العبادة (2).\rأ هـ\r__________\r(1) تفسير أبي السعود حـ1 ص17\r(2) تفسير الخازن باختصار يسير.","part":1,"page":81},{"id":80,"text":"لقائل أن يقول : قوله الحمد لله رب العالمين الرحمن الرحيم مالك يوم الدين كله مذكور على لفظ الغيبة ، وقوله إياك نعبد وإياك نستعين انتقال من لفظ الغيبة إلى لفظ الخطاب ، فما الفائدة فيه ؟ قلنا فيه وجوه : الأول : أن المصلي كان أجنبياً عند الشروع في الصلاة ، فلا جرم أثنى على الله بألفاظ المغايبة إلى قوله مالك يوم الدين ، ثم إنه تعالى كأنه يقول له حمدتني وأقررت بكوني إلهاً رباً رحماناً رحيماً مالكاً ليوم الدين ، فنعم العبد أنت قد رفعنا الحجاب وأبدلنا البعد بالقرب فتكلم بالمخاطبة وقل إياك نعبد.\rالوجه الثاني : أن أحسن السؤال ما وقع على سبيل المشافهة ، ألا ترى أن الأنبياء عليهم السلام لما سألوا ربهم شافهوه بالسؤال فقالوا : \"ربنا ظلمنا أنفسنا\" [الأعراف : 23] ، و\"ربنا اغفر لنا\" [آل عمران : 147] ، و\"رب هب لي \" [آل عمران : 38] ، و\"رب أرني \" [الأعراف : 143] والسبب فيه أن الرد من الكريم على سبيل المشافهة والمخاطبة بعيد وأيضاً العبادة خدمة ، والخدمة في الحضور أولى ، الوجه الثالث : أن من أول السورة إلى قوله إياك نعبد ثناء ، والثناء في الغيبة أولى ، ومن قوله إياك نعبد وإياك نستعين إلى آخر السورة دعاء والدعاء في الحضور أولى الوجه الرابع : العبد لما شرع في الصلاة وقال نويت أن أصلي تقرباً إلى الله فينوي حصول القربة ، ثم إنه ذكر بعد هذه النية أنواعاً من الثناء على الله ، فاقتضى كرم الله إجابته في تحصيل تلك القربة ، فنقله من مقام الغيبة إلى مقام الحضور ، فقال : إياك نعبد وإياك نستعين (1). أ هـ\r__________\r(1) التفسير الكبير حـ1 ص215 ، 216","part":1,"page":82},{"id":81,"text":"قال فى التيسير {إياك نعبد} إظهار التوحيد {وإياك نستعين} طلب العون عليه ، وقوله {اهدنا} لسؤال الثبات على دينه ، وهو تحقيق عبادته واستعانته ، وذلك لأن الثبات على الهداية أهم الحاجات ؛ إذ هو الذى سأله الأنبياء والأولياء ، كما قال يوسف ـ عليه السلام ـ {توفنى مسلما} وسحرة فرعون {توفنا مسلمين} والصحابة {وتوفنا مع الأبرار} وذلك لأنه لا ينبغى أن يعتمد على ظاهر الحال ، فقد يتغير فى المآل ، كما لإبليس وبرصيصا وبلعام بن باعوراء. أهـ {تنوير الأذهان حـ1 صـ 13}\rمن أسرار الالتفات في قوله تعالى :\r[ إياك نعبد وإياك نستعين] ما ذكره أبو السعود - رحمه الله - في تفسيره حيث قال ما نصه :","part":1,"page":83},{"id":82,"text":"التفات من الغيبة إلى الخطاب وتلوين للنظم من باب جار على نهج البلاغة في اقتنان الكلام ومسلك البراعة حسبما يقتضي المقام لما أن التنقل من أسلوب أدخل في استجلاب النفوس واستمالة القلوب يقع من كل واحد من المتكلم والخطاب والغيبة إلى كل واحد من الآخرين كما في قوله عز وجل \" الله الذي أرسل الرياح فتثير سحاباً \" الآية ، وقوله تعالى \" حتى إذا كنتم في الفلك وجرين بهم \" إلى غير ذلك من الالتفاتات الواردة في التنزيل لأسرار تقتضيها ومزايا تستدعيها ومما استأثر به هذا المقام الجليل من النكت الرائقة الدالة على أن تخصيص العبادة والاستعانة به تعالى لما أجرى عليه من النعوت الجليلة التي أوجبت له تعالى أكمل تميز وأتم ظهور بحيث تبدل خفاء الغيبة بجلاء الحضور فاستدعى استعمال صيغة الخطاب والإيذان بأن حق التالي بعد ما تأمل فيما سلف من تفرده تعالى بذاته الأقدس المستوجب للعبودية وامتيازه بذاته عما سواه بالكلية واستبداده بجلائل الصفات وأحكام الربوبية المميزة له عن جميع أفراد العالمين وافتقار الكل إليه في الذات والوجود ابتداء وبقاء على التفصيل الذي مرت إليه الإشارة أن يترقى من رتبة البرهان إلى طبقة العيان وينتقل من عالم الغيبة إلى معالم الشهود ويلاحظ نفسه في حظائر القدس حاضراً في محاضر الأنس كأنه واقف لدى مولاه ماثل بين يديه وهو يدع وبالخضوع والإخبات ويقرع بالضراعة باب المناجاة قائلاً يا من هذه شئون ذاته وصفاته نخصك بالعبادة والاستعانة فإن كل ما سواك كائناً من كان بمعزل عن استحقاق الوجود فضلاً عن استحقاق أن يعبد أو يستعان ولعل هذا هو السر في اختصاص السورة الكريمة بوجوب القراءة في كل ركعة من الصلاة التي هي مناجاة العبد لمولاه ومئنة للتبتل إليه بالكلية (1). أ هـ\rفائدة\rالعبودية نوعان : عامة ، وخاصة.\r__________\r(1) تفسير أبي السعود حـ1 ص16","part":1,"page":84},{"id":83,"text":"فالعبودية العامة : عبودية أهل السموات والأرض كلهم لله ، برهم وفاجرهم ، مؤمنهم وكافرهم. فهذه عبودية القهر والملك. قال تعالى \"وقالوا اتخذ الرحمن ولدا. لقد جئتم شيئاً إدا. تكاد السموات يتفطرن منه وتنشق الأرض وتخر الجبال هدا. أن دعوا للرحمن ولدا. وما ينبغي للرحمن أن يتخذ ولدا. إن كل من في السموات والأرض إلا آتى الرحمن عبدا\" [مريم : 88-93] فهذا يدخل فيه مؤمنهم وكافرهم.\rوأما النوع الثاني : فعبودية الطاعة والمحبة ، وإتباع الأوامر. قال تعالى \" يا عباد لا خوف عليكم ولا أنتم تحزنون\" [الزخرف : 68] وقال \"وعباد الرحمن الذين يمشون على الأرض هوناً. وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاما\" [الفرقان : 63-64] فالخلق كلهم عبيد ربوبيته ، وأهل طاعته وولايته : هم عبيد إلهيته (1). أ هـ\rقال الإمام القشيري - رحمه الله -\rالعبادة نزهة القاصدين ، ومستروح المريدين ، ومربع الأنس للمحبين ، ومرتع البهجة للعارفين. بها قرة أعينهم ، وفيها مسرة قلوبهم ، ومنها راحة أرواحهم.\rوإليه أشار - صلى الله عليه وسلم - بقوله : \"أرحنا بها يا بلال \"\rوالاستعانة إجلالك لنعوت كرمه ، ونزولك بساحة جوده ، وتسليمك إلى يد حكمه ، فتقصده بأمل فسيح ، وتخط وإليه بخط ووسيع ، وتأمل فيه برجاء قوي ، وتثق بكرم أزلي ، وتتكل على اختيار سابق ، وتعتصم بسبب جوده (2). أ هـ\r\" اهدنا الصراط المستقيم \"\rومعنى اهدنا يحتمل أمرين :\rأحدهما ـ (أرشدنا) كما قال طرفة\rللفتى عقل يعيش به حيث يهدي ساقه قدمه\rوالثاني ـ( وفقنا) كما قال الشاعر :\rفلا تعجلن هداك المليك فان لكل مقام مقالا\r__________\r(1) مدارج السالكين حـ1 ص91 ، 90 باختصار يسير.\r(2) لطائف الإشارات حـ1 ص49","part":1,"page":85},{"id":84,"text":"أي وفقك والآية تدل على بطلان قول من يقول : لا يجوز الدعاء بأن يفعل الله ما يعلم أنه يفعله لأنه عبث لأن النبي (صلى الله عليه وآله) كان عالما بأن الله يهديه الصراط المستقيم ، وأنه قد فعل ومع ذلك كان يدع وبه ، وقد تكون الهداية بمعنى أن يفعل بهم اللطف الذي يدعوهم إلى فعل الطاعة ، والهدى يكون أيضا بمعنى العلم لصاحبه لأنه مهتد على وجه المدح والهدى يكون أن يهديه إلى طريق الجنة كما قال الله تعالى : \" وقالوا الحمد لله الذي هدانا لهذا \" وأصل الهداية في اللغة الدلالة على طريق الرشد\rفان قيل : ما معنى المسألة في ذلك وقد هداهم الله الصراط المستقيم ومعلوم أن الله تعالى يفعل بهم ما هو أصلح لهم في دينهم ؟\rقيل : يجوز أن يكون ذلك عبادة وانقطاعا إليه تعالى كما قال : \" رب احكم بالحق \" وإن علمنا أنه لا يحكم إلا بالحق ويكون لنا في ذلك مصلحة كسائر العبادات ، وكما تعبدنا بأن نكرر تسبيحه وتحميده والإقرار بتوحيده ، ولرسوله بالصدق وإن كنا معتقدين لجميع ذلك ، ويجوز أن يكون المراد بذلك الزيادة في الألطاف كما قال تعالى : \" والذين اهتدوا زادهم هدى \" وقال : \" يهدي به الله من اتبع رضوانه \" ويجوز أن يكون الله تعالى يعلم أن أشياء كثيرة تكون أصلح لنا وأنفع لنا إذا سألناه وإذا لم نسأله لا يكون ذلك مصلحة وكان ذلك وجها في حسن المصلحة ، ويجوز أن يكون المراد استمرار التكليف والتعريض للثواب ؛ لأن إدامته ليست بواجبة بل هو تفضل محض جاز أن يرغب فيه بالدعاء ويلزم المخالف أن يقال له : إذا كان الله تعالى قد علم أنه يفعل ذلك لا محالة فما معنى سؤاله ما علم أنه يفعله فما أجابوا به فهو جوابنا.\rوالصراط المستقيم هو الدين الحق الذي أمر الله به من توحيده وعد له وولاية من أوجب طاعته. أهـ [التبيان فى تفسير القرآن لأبى جعفر الطوسى حـ1 صـ40 ـ 41]\rوقال الواحدى :","part":1,"page":86},{"id":85,"text":"و[الصراط] أصله بالسين ؛ لأنه من الاستراط ، بمعنى الابتلاع ، فالسراط يبتلع السابلة ، فمن قرأ بالسين فعلى أصل الكلمة ، ومن قرأ بالصاد فلأنها أخف على اللسان ؛ لأن الصاد حرف مطبق كالطاء ، فيتقاربان ويحسنان فى السمع.\rومن قرأ بالزاى : أبدل من السين حرفا مجهورا حتى يشبه الطاء فى الجهر ، ويحتج بقول العرب [زقر] فى [صقر]\rومن قرأ بإشمام الزاى : فإنه لم يجعلها زايا خالصة ولا صادا خالصة لئلا يلتبس أصل الكلمة بأحدهما ، وكلها لغات.أهـ [الوسيط للواحدى النيسابورى حـ1 صـ68]\rفإن قيل : كيف يطلبون الهداية من الله وهم مهتدون ، لأن الله تعالى يقول : \"فمن يرد الله أن يهديه يشرح صدره للإسلام\" [الأنعام : 125] ؟ والجواب : هذا سؤال من يقول بتناهي الألطاف من الله - تعالى - ومذهب أهل السنة أن الألطاف والهدايات من الله - تعالى - لا تتناهى ، فيكون ذلك بمعنى طلب مزيد الهداية (1) ويكون بمعنى سؤال للتثبيت \"اهدنا\" بمعنى تثبتنا كما يقال القائم : قم حتى أعود إليك أي اثبت قائماً (2). أ هـ\rوقال ابن الجوزي - رحمه الله - [اهدنا] فيه أربعة أقوال : أحدها : ثبتنا قاله علي وأبي والثاني : أرشدنا ، والثالث : وفقنا ، والرابع : ألهمنا ، وهذه الثلاثة عن ابن عباس (3) - رضي الله عنهما - أ هـ\r__________\r(1) ومنه قوله تعالى \"ويزيد الله الذين اهتدوا هدى\" [مريم : 76] وقوله \"إنهم فتية آمنوا بربهم وزدناهم هدى\" [الكهف : 13] وقوله \"والذين اهتدوا زادهم هدى وآتاهم تقواهم\" [محمد : 17].\r(2) تفسير السمعاني حـ1 ص38\r(3) تفسير زاد السير لابن الجوزي حـ1 ص14","part":1,"page":87},{"id":86,"text":"وقال السمرقندي - رحمه الله - قال ابن عباس - رضي الله عنهما - \"اهدنا الصراط المستقيم\" وهو الإسلام ، فإن قيل : أليس هذا الطريق المستقيم وهو الإسلام فما معنى السؤال ؟ قيل له : الصراط المستقيم هو الذي ينتهي بصاحبه إلى المقصود ، فإنما يسأل العبد ربه أن يرشده الثبات على الطريق الذي ينتهي به إلى المقصود ويعصمه من السبل المتفرقة (1). أ هـ\rوقال النسفي - رحمه الله - \"اهدنا الصراط المستقيم\" أي ثبتنا على المنهاج الواضح كقولك للقائم : قم حتى أعود إليك أي أثبت على ما أنت عليه أو اهدنا في الاستقبال كما هديتنا في الحال (2). أ هـ\rوقال ابن جزي - رحمه الله - في جوابه عن هذا السؤال : إن ذلك طلب للثبات عليه إلى الموت ، أو الزيادة منه فإن الارتقاء في المقامات لا نهاية له (3). أ هـ\rوقال السعدي - رحمه الله - \"اهدنا الصراط المستقيم\" أي : دلنا وأرشدنا ووفقنا إلى الصراط المستقيم ، وهو الطريق الواضح الموصل إلى الله وإلى جنته ، وهو معرفة الحق والعمل به ، فاهدنا إلى الصراط واهدنا في الصراط ، فالهداية إلى الصراط لزوم دين الإسلام ، وترك ما سواه من الأديان ، والهداية في الصراط ، تشمل الهداية لجميع التفاصيل الدينية علماً وعملاً ، فهذا الدعاء من أجمع الأدعية ، وأنفعها للعبد ، ولهذا وجب على الإنسان أن يدع والله به في كل ركعة من صلاته لضرورته إلى ذلك(4). أهـ\rوقال الثعالبى - رحمه الله - : فمعنى قوله \"اهدنا\" فيما هو حاصل عندهم التثبيت والدوام ، وفيما ليس بحاصل ، إما من جهة الجهل به ، أو التقصير في المحافظة عليه طلب الإرشاد إليه فكل داع به إنما يريد الصراط بكامله في أقواله وأفعاله ومعتقداته (5). أ هـ\rما المراد بالصراط المستقيم ؟\r__________\r(1) بحر العلوم للسمرقندي حـ1 ص44\r(2) تفسير النسفي حـ1 ص8\r(3) التسهيل حـ1 ص33\r(4) تفسير السعدي ص33\r(5) تفسير الثعالبى حـ1 ص25","part":1,"page":88},{"id":87,"text":"قال البغوي - رحمه الله - والصراط المستقيم هو الإسلام ، وقيل هو القرآن ، وقيل : كتاب الله ، وقيل : طريق الجنة ، وقيل طريق السنة والجماعة ، وقيل : طريق رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، وقيل : رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وآله وصاحباه ، وأصله في اللغة الطريق الواضح (1). أ هـ\rوعلق الإمام الفخر - رحمه الله - على بعض هذه الأقوال بقوله : قال بعضهم : الصراط المستقيم الإسلام ، وقال بعضهم القرآن ، وهذا لا يصح ، لأن قوله : صراط الذين أنعمت عليهم. من المتقدمين ، ومن تقدمنا من الأمم ما كان لهم القرآن والإسلام وإذا بطل ذلك ثبت أن المراد اهدنا صراط المحقين المستحقين للجنة (2). أ هـ\rوقال الطبري - رحمه الله - فالمعنى مل بقلوبنا إلى الحق ، وقال الفضيل بن عياض : [الصراط المستقيم] طريق الحج ، وهذا خاص والعموم أولى ، وقيل \"الصراط المستقيم\" دين الله الذي لا يقبل من العباد غيره ، وهذا منسوب إلى محمد بن الحنفية. أ هـ\rوقال الطبرسى ما نصه : و( الصراط المستقيم) هو الدين الحق الذي لا يقبل الله من العباد غيره ، وإنما سمي الدين صراطا لأنه يؤدي بمن يسلكه إلى الجنة كما أن الصراط يؤدي بمن يسلكه إلى مقصده. أهـ [جوامع الجامع للطبرسى حـ1 صـ57]\r\"الصراط المستقيم\"\rقال العلامة ابن القيم - رحمه الله - عن (الصراط المستقيم) ما نصه :\rوه وطريق الله الذي نصه لعباده على ألسن رسله ، وجعله موصلاً لعباده إليه ، ولا طريق لهم إليه سواه ، بل الطرق كلها مسدودة إلا هذا ، وهو إفراده بالعبودية وإفراد رسوله بالطاعة ، فلا يشرك به أحداً في عبوديته ، ولا يشرك برسوله أحداً في طاعته فيجرد التوحيد ويجرد متابعة الرسول.\r__________\r(1) تفسير البغوي حـ1 ص29\r(2) تفسير الطبري حـ1 ص110","part":1,"page":89},{"id":88,"text":"وهذا معنى قول بعض العارفين إن السعادة والفلاح كله مجموع في شيئين : صدق محبته وحسن معاملته ، وهذا كله مضمون شهادة : (أن لا إله إلا الله ، وأن محمداً رسول الله) فأي شيء فسربه الصراط فهو داخل هذين الأصلين ونكتة ذلك وعقده : أن تحبه بقلبك كله ، وترضيه بجهدك كله ، فلا يكون في قلبك موضع إلا معمور بحبه ، ولا تكون لك إرادة إلا متعلقة بمرضاته.\rالأول : يحصل بالتحقيق بشهادة (أن لا إله إلا الله) ، والثاني : يحصل بالتحقيق بشهادة أن (محمداً رسول الله) ، وهذا هو الهدى ودين الحق ، وهو معرفة الحق والعمل له ، وهو معرفة ما بعث الله به رسله والقيام به.\rفقل ما شئت من العبارات التي هذا أحسنها وقطب رحاها ، وهي معنى قول من قال : علوم وأعمال ، ظاهرة وباطنة ، مستفادة من مشكاة النبوة ، ومعنى قول من قال : متابعة رسول الله ظاهراً وباطناً علماً وعملاً ، ومعنى قول من قال : الإقرار لله بالوحدانية والاستقامة على أمره.\rوأما ما عدا هذا من الأقوال كقول من قال : الصلوات الخمس ، وقول من قال : حب أبي بكر وعمر ، وقول من قال : هو أركان الإسلام الخمس التي بني عليها ، فكل هذه الأقوال تمثيل وتنويع ، لا تفسير مطابق له ، بل هي جزء من أجزائه وحقيقته الجامعة ما تقدم... والله أعلم (1). أ هـ\r__________\r(1) بدائع الفوائد حـ1 ص269","part":1,"page":90},{"id":89,"text":"لقائل أن يقول : لم قال اهدنا ولم يقل اهدني ؟ والجواب من وجوه : الأول : أن الدعاء كلما كان أعم كان إلى الإجابة أقرب. كان بعض العلماء يقول لتلامذته : إذا قرأتم في خطبة السابق \"رضي الله عنك وعن جماعة المسلمين \" إن نويتني في قولك \"رضي الله عنك\" فحسن ، وإلا فلا حرج ، ولكن إياك وأن تنساني في قولك \"وعن جماعة المسلمين\" لأن قوله رضي الله عنك تخصيص بالدعاء فيجوز أن يقبل ، وأما قوله وعن جماعة المسلمين فلا بد وأن يكون في المسلمين من يستحق الإجابة ، وإذا أجاب الله الدعاء في البعض فهو أكرم من أن يرده في الباقي ، ولهذا السبب فإن السنة إذا أراد أن يذكر دعاء أن يصلي أولاً على النبي – صلى الله عليه وسلم – ثم يدع وثم يختم الكلام بالصلاة على النبي – صلى الله عليه وسلم – ثانياً : لأن الله تعالى يجيب الداعي في صلاته على النبي – صلى الله عليه وسلم - ، ثم إذا أجيب في طرفي دعائه امتنع أن يرد في وسطه.\rالثاني : قال عليه الصلاة والسلام : \"ادعوا الله بألسنة ما عصيتموه بها ، قالوا : يا رسول الله ومن لنا بتلك الألسنة ، قال : يدع وبعضكم لبعض ، لأنك ما عصيت بلسانه وهو ما عصى بلسانك \".\rالثالث : كأنه يقول : أيها العبد ، ألست قلت في أول السورة الحمد لله وما قلت أحمد الله فذكرت أولاً حمد جميع الحامدين فكذلك في وقت الدعاء أشركهم فقل اهدنا (1). أ هـ\rفإن قيل : لم قدم الحمد والثناء على الدعاء ؟ والجواب : لأن تلك السنة في الدعاء وشأن الطلب أن يأتي بعد المدح ، وذلك أقرب للإجابة ، وكذلك قدم الرحمن الرحيم على مالك يوم الدين ، لأن رحمة الله سبقت غضبه(2). أهـ\r__________\r(1) التفسير الكبير حـ1 ص219 باختصار يسير\r(2) التسهيل لابن جزي حـ1 ص33","part":1,"page":91},{"id":90,"text":"ذكر الإمام القاسمي في \"محاسن التأويل\" نقلاً عن الإمام الراغب في تفسيره ما نصه : والهداية هي الإرشاد إلى الخيرات قولاً وفعلاً ، وهي من الله تعالى على منازل بعضها يترتب على بعض ، لا يصح حصول الثاني إلا بعد الأول ، ولا الثالث إلا بعد الثاني.\rفأول المنازل : إعطاؤه العبد القوي التي بها يهتدي إلى مصالحه إما تسخيراً وإما طوعاً – كالمشاعر الخمسة والقوة الفكرية ، وبعض ذلك قد أعطاه الحيوانات ، وبعض خص به الإنسان ، وعلى ذلك دل قوله تعالى : \"أعطى كل شيء خلقه ثم هدى\" [طه : 50] ، وقوله تعالى : \"الذي قدر فهدى\" الأعلى : 3]. وهذه الهداية إما تسخير وإما تعليم ، وإلى نحوه أشار قوله تعالى : \"وأوحى ربك إلى النحل\" [النحل : 68] ، وقوله تعالى : \"بأن ربك أوحى لها\" [الزلزلة : 5]. وقال في الإنسان بما أعطاه من العقل ، وعرفه من الرشد : \"إنا هديناه السبيل\" [الإنسان : 3]. وقال : \"وهديناه النجدين\" [البلد : 10]. وقال في ثمود : \"فهديناهم فاستحبوا العمى على الهدى\" [فصلت : 17]\rوثانيها : الهداية بالدعاء وبعثة الأنبياء عليهم السلام. وإياها عنى بقوله تعالى : \"وجعلنا منهم أئمة يهدون بأمرنا\" [السجدة : 24] وبقوله : \"ولكل قوم هاد\" [الرعد : 7] وهذه الهداية تنسب تارة إلى الله تعالى عز وجل ، وتارة إلى النبي عليه السلام ، وتارة إلى القرآن. قال تعالى : \"إن هذا القرآن يهدى للتي هي أقوم\" [الإسراء : 9].\rوثالثها : هداية يوليها صالحي عباده بما اكتسبوه من الخيرات ، وهي الهداية المذكورة في قوله عز وجل : \"وهدوا إلى الطيب من القول وهدوا إلى صراط الحميد\" [الحج : 24].","part":1,"page":92},{"id":91,"text":"وقوله : \"أولئك الذين هدى الله فبهداهم اقتده\" [الأنعام : 90]. وقوله : \"والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا\" [العنكبوت : 69] ، وهذه الهداية هي المعنية بقوله : \"ويجعل لكم نوراً تمشون به\" [الحديد : 28]. ويصح أن ننسب هذه الهداية إلى الله عز وجل فيقال : هو آثرهم بها من حيث إنه هو السبب في وصولهم إليها. ويصح أن يقال : اكتسبوها من حيث إنهم توصلوا إليها باجتهادهم. فمن قصد سلطاناً مسترقداً فأعطاه ، يصح أن يقال : إن السلطان خوله. ويصح أن يقال : فلان اكتسب بسعيه ، ولانطواء ذلك على الأمرين ، 4قال تعالى : \"والذين اهتدوا زادهم هدى وآتاهم تقواهم\" [محمد : 17]. وقال : \"إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات يهديهم ربهم بإيمانهم\" [يونس : 9]. فنبه أن ذلك بجهدهم وبفضله جميعاً.\rوهذه الهداية يصح أن بقال : هي مباحة للعقلاء كلهم ، ويصح أن يقال : هي محظورة إلا على أوليائه ، لما كان في إمكان جميع العقلاء أن يترشحوا لتناولها. ومن ذلك قيل : إنها لا يسهل تناولها قبل أن يتشكل الإنسان بشكل مخصوص ، بتقديم عبادات. وقد قال بعض المحققين : الهدى من الله كثير ، ولا يبصره إلا البصير ، ولا يعمل به إلا اليسير. ألا ترى إلا نجوم السماء ما أكثرها ولا يهتدي بها إلا العلماء. وقال بعض الأولياء : إن مثل هداية الله مع الناس كمثل سيل مر على قلات وغدران ، فيتناول كل قلت منها بقدر سعته – ثم تلا قوله - : \"أنزل من السماء ماء فسالت أودية بقدرها\" [الرعد : 17]. وقال بعضهم : هي كمطر أتى على أرضين فينتفع كل أرض بقدر ترشيحها للانتفاع به.","part":1,"page":93},{"id":92,"text":"والمنزلة الرابعة من الهداية : التمكين من مجاورته في دار الخلد ، وإياها عني الله بقوله : \"ونزعنا ما في صدورهم من غل تجري من تحتهم الأنهار وقالوا الحمد لله الذي هدانا لهذا\" [الأعراف : 43]. فإذا ثبت ذلك فمن الهداية ما لا ينفي عن أحد بوجه. ومنها ما ينفي عن بعض ويثبت لبعض ، ومن هذا الوجه قال تعالى لنبيه – صلى الله عليه وسلم - : \"إنك لا تهدي من أحببت\" [القصص : 56]. وقال : \"ليس عليك هداهم ولكن الله يهدي من يشاء\" [البقرة : 272].\rوقال : \"وما أنت بهاد العمي عن ضلالتهم\" [الروم : 53]. فإنه عنى الهداية – التي هي التوفيق وإدخال الجنة – دون التي هي الدعاء لقوله تعالى : \"وإنك لتهدي إلى صراط مستقيم\" [الشورى : 52] وقال في الأنبياء : \"وجعلناهم أئمة يهدون بأمرنا\" [الأنبياء : 73].","part":1,"page":94},{"id":93,"text":"فقوله : \"اهدنا الصراط المستقيم\" فسر على وجوه بحسب أنظار مختلفة إلى الوجوه المذكورة : الأول : أنه عنى الهداية العامة ، وأمر أن ندعوا ذلك - وإن كان هو قد فعله لا محالة - ليزيدنا ثواباً بالدعاء ، كما أمرنا أن نقول : اللهم صلي على محمد. والثاني : قيل : وفقنا لطريقة الشرع. والثالث : احرسنا عن استغواء القوة واستهواء الشهوات ، واعصمنا من الشبهات - الرابع : زدنا هدى استنجاحاً لما وعدت بقولك : \"ومن يؤمن بالله يهد قلبه\" [التغابن : 11] وقولك \"والذين اهتدوا زادهم هدى\" [محمد : 17]. الخامس : قيل علمنا العلم الحقيقي فذلك سبب الخلاص ، وهو المعبر عنه بالنور في قوله : \"يهدي الله لنوره من يشاء\" [النور : 35]. السادس : قيل : هو سؤال الجنة ، لقوله تعالى : \"والذين قتلوا في سبيل الله فلمن يضل أعمالهم. سيهديهم ويصلح بالهم\" [محمد : 5 ، 4] - وقال : \"إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات يهديهم ربهم بإيمانهم\" الآية [يونس : 9]. فهذه الأقاويل اختلفت باختلاف أنظارهم إلى أبعاض الهداية وجرئياتها ، والجميع يصح أن يكون مراداً بالآية - إذ لا تنافي بينها - وبالله التوفيق\" أ هـ كلام الراغب. وبه يعلم تحقيق معنى الهداية في سائر مواقعها في التنزيل الكريم ، وأن الوجوه المأثورة في آية ما - إذا لم تتناف - صح إرادتها كلها ، ومثل هذا يسمى : اختلاف تنوع لا اختلاف تضاد (1). أ هـ\r__________\r(1) محاسن التأويل. حـ2 ص254 ، 252","part":1,"page":95},{"id":94,"text":"فائدة\rإنه تعالى كرر في كلامه ذكر الصراط والسبيل ، ولم ينسب لنفسه أزيد من صراط مستقيم واحد ، وعد لنفسه سبلاً كثيرة فقال عز من قائل \"والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا\" [العنكبوت : 69]. وكذا لم ينسب الصراط المستقيم إلى أحد من خلقه إلا ما في هذه الآية (صراط الذين أنعمت عليهم الآية) ولكنه نسب السبيل إلى غيره من خلقه ، فقال تعالى : \"قل هذه سبيلي أدع وإلى الله على بصيرة\" [يوسف : 108] وقال تعالى : \"سبيل من أناب إلي\" [لقمان : 15] وقال : \"سبيل المؤمنين\" [النساء : 114] ، ويعلم منها : أن السبيل غير الصراط المستقيم فإنه يختلف ويتعدد ويتكثر باختلاف المتعبدين السالكين سبيل العبادة بخلاف الصراط المستقيم كما يشير إليه قوله تعالى : \" قد جاءكم من الله نور وكتاب مبين يهدي به الله من اتبع رضوانه سبل السلام ويخرجهم من الظلمات إلى النور بإذنه ويهديهم إلى صراط مستقيم\" [المائدة : 16] ، فعد السبل كثيرة والصراط المستقيم إما هي السبل الكثيرة وإما أنها تؤدي إليه باتصال بعضها إلى بعض واتحادها فيها (1). أ هـ\rفائدة في مراتب الهداية الخاصة والعامة\rوهي عشر مراتب : \rالمرتبة الأولى : مرتبة تكليم الله - عز وجل - لعبده يقظة بلا واسطة بل منه إليه وهذه أعلى مراتبها ، كما كلم موسى بن عمران - صلوات الله وسلامه على نبينا وعليه - قال الله - تعالى - \" وكلم الله موسى تكليما\" [النساء : 163]\rالمرتبة الثانية : مرتبة الوحي الخاص بالأنبياء.\rالمرتبة الثالثة : إرسال الرسول الملكي إلى الرسول البشري فيوحي إليه عن الله ما أمره أن يوصله إليه. فهذه المراتب الثلاث خاصة بالأنبياء ، لا تكون لغيرهم.\rالمرتبة الرابعة : مرتبة التحديث وهو دون مرتبة الوحي الخاص ، وتكون دون مرتبة الصديقين كما كانت لعمر - رضي الله عنه -.\r__________\r(1) الميزان في تفسير القرآن. حـ1 ص31","part":1,"page":96},{"id":95,"text":"المرتبة الخامسة : مرتبة الإفهام : قال الله – تعالى – \" وداود وسليمان إذ يحكمان في الحرث إذ نفشت فيه غنم القوم وكنا لحكمهم شاهدين ففهمناها سليمان وكلاً آتينا حكماً وعلماً \" [الأنبياء : 79 : 78] فذكر هذين النبيين الكريمين فأثنى عليهما بالعلم والحكم ، وخص سليمان بالفهم في هذه الواقعة المعينة.\rالمرتبة السادسة : مرتبة البيان العام. وهو تبيين الحق وتمييزه من الباطل بأدلته وشواهده وأعلامه ، بحيث يصير مشهوداً للقلب ، كشهود العين للمرئيات ، وهذه المرتبة هي حجة الله على خلقه التي لا يعذب أحداً ولا يضله إلا بعد وصوله إليها. قال الله – تعالى – \"وما كان الله ليضل قوماً بعد إذ هداهم حتى يبين لهم ما يتقون\" [التوبة : 115] فهذا الإضلال عقوبة منه لهم ، حين بين لهم فلم يقبلوا ما بينه لهم ولم يعملوا به ، فعاقبهم بأن أضلهم عن الهدى وما أضل الله أحداً قط إلا بعد هذا البيان.\rالمرتبة السابعة : البيان الخاص ، وهو البيان المستلزم للهداية الخاصة ، وهو بيان تقارنه العناية والتوفيق والاجتباء ، وقطع أسباب الخذلان وموادها عن القلب فلا تتخلف عنه الهداية ألبتة قال تعالى في هذه المرتبة \"إن تحرص على هداهم فإن الله لا يهدى من يضل\" [النحل : 37] وقال \"إنك لا تهدى من أحببت ولكن الله يهدى من يشاء\" [القصص : 56] فالبيان الأول شرط وهذا موجب.","part":1,"page":97},{"id":96,"text":"المرتبة الثامنة : مرتبة الإسماع. قال الله - تعالى - \"ول وعلم الله فيهم خيراً لأسمعهم ولو أسمعهم لتولوا وهم معرضون\" [الأنفال : 23]. وهذا الإسماع أخص من إسماع الحجة والتبليغ ، فإن ذلك حاصل لهم ، وبه قامت الحجة عليهم. لكن ذاك إسماع الآذان ، وهذا إسماع القلوب ، فإن الكلام له لفظ ومعنى وله نسبة إلى الأذن والقلب وتعلق بهما ، فسماع لفظه حظ الأذن ، وسماع حقيقة معناه ومقصوده حظ القلب ، فإنه سبحانه نفى عن الكفار سماع المقصود والمراد الذي هو حظ القلب ، وأثبت لهم سماع الألفاظ الذي هو حظ الأذن في قوله \"ما يأتيهم من ذكر من ربهم إلا استمعوه وهم يلعبون لاهية قلوبهم\" [الأنبياء : 2] وهذا السماع لا يفيد السامع إلا قيام الحجة عليه ، أو تمكنه منها ، وأما مقصود السماع وثمرته ، والمطلوب منه ، فلا يحصل مع له والقلب وغفلته وإعراضه.\rالمرتبة التاسعة : مرتبة الإلهام قال تعالى \"ونفس وما سواها فألهمها فجورها وتقواها\" [الشمس : 8 ، 7]\rالمرتبة العاشرة : الرؤيا الصادقة : وهي أجزاء من أجزاء النبوة كما ثبت عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال (1) : \"الرؤيا الصادقة جزء من ستة وأربعين جزء من النبوة\" (2). أ هـ\rفائدة في تعدية الفعل [اهدنا] بنفسه\rتعدية الفعل هنا بنفسه دون حرف [إلى].\rفجوابها أن الفعل الهداية : يتعدى بنفسه تارة كقوله تعالى : \"ويهديك صراطاً مستقيماً\" [الفتح : 2] وبحرف [إلى] تارة كقوله تعالى : \"وإنك لتهدى إلى صراط مستقيم\" [الشورى : 52] وباللام تارة كقوله تعالى : \"وقالوا الحمد لله الذي هدانا لهذا وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله \" [الأعراف : 43] وقوله تعالى \"إن هذا القرآن يهدي للتي هي أقوم\" [الإسراء : 9].\r__________\r(1) أخرجه البخاري بلفظ : الرؤيا الصالحة (8566) ومسلم (2263).\r(2) مدارج السالكين لابن القيم حـ1 ص37-48 باختصار ط دار الحديث القاهرة.","part":1,"page":98},{"id":97,"text":"وفعل الهداية متى عدى بـ [إلى] تضمن الإيصال إلى الغاية المطلوبة ، فأتى بحرف الغاية ، ومتى عدى باللام تضمن التخصيص بالشيء المطلوب فأتى باللام الدالة على الاختصاص والتعيين فإذا قلت : هديته لكذا ، فهم معنى ذكرته له وجعلته له وهيأته... ونحو هذا ، وإذا تعدى بنفسه تضمن المعنى الجامع لذلك كله ، وهو التعريف والبيان والإلهام (1). أ هـ\rفائدة في معاني الهدى في القرآن\rذكر الهدى في القرآن على سبعة عشر وجهاً وهي كما يلي :\rبمعنى البيان ، كقوله تعالى : \"أولئك على هدى من ربهم\" [البقرة : 5]\rوبمعنى الدين : \"إن الهدى هدى الله\" [آل عمران : 73]\rوبمعنى الإيمان : \"ويزيد الله الذين اهتدوا هدى\" [مريم : 76]\rوبمعنى الداعي : \"ولكل قوم هاد\" [الرعد : 7]. \"وجعلناهم أئمة يهدون بأمرنا\" [الأنبياء : 73]\rوبمعنى الرسل والكتب : \"فإما يأتينكم مني هدى\" [البقرة : 38]\rوبمعنى المعرفة : \"وبالنجم هم يهتدون\" [النحل : 16]\rوبمعنى الرشاد : \"اهدنا الصراط المستقيم\" [الفاتحة : 6]\rوبمعنى محمد صلى الله عليه وسلم : \"إن الذين يكتمون ما أنزلنا من البينات والهدى\" [البقرة : 159] \"من بعد ما تبين لهم الهدى\" [محمد : 32]\rوبمعنى القرآن : \"ولقد جاءهم من ربهم الهدى\" [النجم : 23]\rوبمعنى التوراة : \"ولقد آتينا موسى الهدى\" [غافر : 53]\rوبمعنى الاسترجاع : \"وأولئك هم المهتدون\" [البقرة : 57] ، ونظيرها في التغابن : \"ومن يؤمن بالله\" [التغابن : 11] أي في المصيبة أنها من عند الله \"يهد قلبه\" [التغابن : 11] للاسترجاع.\rوبمعنى الحجة : \"والله لا يهدى القوم الظالمين\" بعد قوله \"ألم تر إلى الذي حاج إبراهيم في ربه\" [البقرة : 258] ، أي لا يهديهم إلى الحجة.\rوبمعنى التوحيد : \"إن نتبع الهدى معك\" [القصص : 57]\rوبمعنى السنة : \"وإنا على آثارهم مهتدون\" [الزخرف : 22]\rوبمعنى الإصلاح : \"وأن الله لا يهدي كيد الخائنين\" [يوسف : 52]\r__________\r(1) بدائع الفوائد لابن القيم حـ2 ص253 : 252. بتصرف يسير.","part":1,"page":99},{"id":98,"text":"وبمعنى الإلهام : \"أعطى كل شيء خلقه ثم هدى\" [طه : 50] ، هدى كلاً في معيشته.\rوبمعنى التوبة : \"إنا هدنا إليك\" [الأعراف : 156] أي تبنا (1). أ هـ\r\"صراط الذين أنعمت عليهم\"\rقيل هم الأنبياء - عليهم الصلاة والسلام - ، وقيل : هم كل من ثبت الله على.. الإيمان من النبيين والمؤمنين الذين ذكر الله - تعالى - في قوله \"فأولئك مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين\" [النساء : 69]. وقيل هم قوم موسى وعيسى -عليهما السلام- قبل أن يغيروا دينهم ، وقيل هم النبي - صلى الله عليه وسلم - وقيل : هم الرسول -صلى الله عليه وسلم - وأبو بكر وعمر - رضي الله عنهما - وقيل : إنه رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وأهل بيته ، وقيل : هم أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم -وأهل بيته (2). أ هـ\rفإن قلت : ما فائدة البدل ؟ وهلا قيل اهدنا صراط الذين أنعمت عليهم ؟ قلت : فائدته التوكيد لما فيه من التثنية والتكرير ، والإشعار بأن الطريق المستقيم بيانه وتفسيره : صراط المسلمين ، ليكون ذلك شهادة لصراط المسلمين بالاستقامة على أبلغ وجه وآكده (3). أ هـ\rفإن قيل : لم أطلق الإنعام ؟ أجيب : ليشمل كل إنعام (4) ، لأن من أنعم عليه بنعمة الإسلام لم تبق نعمة إلا أصابته واشتملت عليه (5). أ هـ\rوقال فى الدر المصون :\r__________\r(1) البرهان في علوم القرآن. حـ1 ص136 : 134\r(2) معالم التنزيل للبغوي حـ1 ص29 بتصرف يسير.\r(3) الكشاف للزمخشري حـ1 ص25\r(4) قال صاحب الانتصاف - رحمه الله - والتحقيق أن الإطلاق إنما يقتضي إبهاماً وشيوعاً ، والنفس إلى المبهم أشوق منها إلى المفيد لتعلق الأمل مع الإبهام لكل نعمة تخطر بالبال أ هـ [هامش الكشاف حـ1 ص25]\r(5) الكشاف حـ1 ص26 ، 25","part":1,"page":100},{"id":99,"text":"فإن قيل : لِمَ أتى بصلة الذين فعلاً ماضياً ؟ قيلٍ : لِيَدُلَّ ذلِك على ثبوتِ إنعام الله عليهم وتحقيقه لهم ، وأتى بصلة [أل] اسماً ليشمل سائرَ الأزمانِ ، وجاء به كبنياً للمفعول ؛ تَحْسِيناً للفظ ؛ لأنَّ مَنْ طُلِبتْ منه الهدايةُ ونُسِب الإنعامُ إليه لا يناسِبُه نسبةُ الغضبِ إليه ، وترفُّق لطلبِ الإحسانِ ، فلا يُحْسُنُ مواجَهَتُه بصفةِ الانتقام. أهـ [الدر المصون فى علم الكتاب المكنون حـ1 صـ 75 ـ 76 ]\rفائدة\rاعلم أن كل ما يصل إلى الخلق من النفع ودفع الضرر فهو من الله تعالى على ما قال تعالى : \"وما بكم من نعمة فمن الله \" [النحل : 53] ثم إن النعمة على ثلاثة أقسام أحدها : نعمة تفرد الله بإيجادها ، نحو أن خلق ورزق. ثانيها : نعمة وصلت من جهة غير الله في ظاهر الأمر ، وفي الحقيقة فهي أيضاً إنما وصلت من الله تعالى ، وذلك لأنه تعالى هو الخالق لتلك النعمة ، والخالق لذلك المنعم ، والخالق لداعية الإنعام بتلك النعمة في قلب ذلك المنعم ، إلا أنه تعالى لما أجرى تلك النعمة على يد ذلك العبد كان ذلك العبد مشكوراً ، ولكن المشكور في الحقيقة هو الله تعالى ولهذا قال : \"أن أشكر لي ولوالديك إلي المصير\" [لقمان : 14] فبدأ بنفسه تنبيهاً على أن إنعام الخلق لا يتم إلا بإنعام الله ، وثالثها : نعم وصلت من الله إلينا بسبب طاعتنا ، وهي أيضاً من الله تعالى ، لأنه لولا أن الله سبحانه وتعالى وفقنا للطاعات وأعاننا عليها وهدانا إليها وأزاح الأعذار عنا وإلا لما وصلنا إلى شيء منها ، فظهر بهذا التقرير أن جميع النعم في الحقيقة من الله تعالى (1).\rأ هـ\r__________\r(1) التفسير الكبير حـ1 ص221 ، 220","part":1,"page":101},{"id":100,"text":"ونعم الله تعالى مع استحالة إحصائها ينحصر أصولها في دنيوي وأخروي والأول قسمان وهبي وكسبي ، والوهبي أيضاً قسمان روحاني كنفخ الروح فيه وإمداده بالعقل وما يتبعه من القوى المدركة فإنها مع كونها من قبيل الهدايات نعم جليلة في أنفسها وجسماني كتخليق البدن والقوى الحالة فيه والهيئات العارضة له من الصحة وسلامة الأعضاء والكسبي تخلية النفس عن الرذائل وتحليتها بالأخلاق السنية والملكات البهية وتزيين البدن بالهيئات المطبوعة والحلي المرضية وحصول الجاه والمال. والثاني مغفرة ما فرط منه والرضى عنه وتبوئته في أعلى عليين مع المقربين والمطلوب هو القسم الأخير وما هو ذريعة إلى نيله من القسم الأول اللهم ارزقنا ذلك بفضلك العظيم ورحمتك الواسعة(1).أ هـ\rفإن قيل : ما السر في إضافة [الصراط] في قوله تعالى \"صراط الذين أنعمت عليهم \" إلى الموصول المبهم ، دون أن يقول صراط النبيين والمرسلين ؟ \rأجاب عنه العلامة ابن القيم -رحمه الله- بثلاثة أجوبة : اكتفى منها بالأخير حيث قال -رحمه الله-\rإن الآية عامة في جميع طبقات المنعم عليهم ، ولو أتى باسم خاص لكان لم يكن فيه سؤال الهداية إلى صراط جميع المنعم عليهم ، فكان في الإتيان بالاسم العام من الفائدة أن المسئول الهدى إلى جميع تفاصيل الطريق التي سلكها كل من أنعم عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين.\rوهذا أجل مطلوب وأعظم مسئول ، ولو عرف الداعي قدر هذا السؤال لجعله هجيراً ، وقرنه بأنفاسه ، فإنه لم يدع شيئاً من خير الدنيا والآخرة إلا تضمنه. ولما كان بهذه المثابة فرضه الله على جميع عباده فرضاً متكرراً في اليوم والليلة ، لا يقوم غيره مقامه (2).\rأ هـ\r__________\r(1) تفسير أبي السعود حـ1 ص18\r(2) بدائع الفوائد لابن القيم حـ2 ص249 باختصار يسير","part":1,"page":102},{"id":101,"text":"فإن قيل : لم قال : (أنعمت عليهم) ولم يقل (المنعم عليهم) كما قال : المغضوب عليهم ؟ وجوابه من وجوه إحداها : أن هذا جاء على الطريقة المعهودة في القرآن الكريم ، وهي أن أفعال الإحسان والرحمة والجود تضاف إلى الله –سبحانه وتعالى- فيذكر فاعلها منسوبة إليه ، ولا يبنى الفعل معها للمفعول ، فإذا جيء بأفعال العدل والجزاء والعقوبة حذف وبني الفعل معها للمفعول أدباً في الخطاب وإضافته إلى الله تعالى أشرف قسمي أفعاله.\rفمنه : هذه الآية فإنه ذكر النعمة فأضافها إليه ولم يحذف فاعلها ، ولما ذكر الغضب حذف الفاعل وبنى الفعل للمفعول فقال \"المغضوب عليهم\" وقال في الإحسان : \"الذين أنعمت عليهم\".\rونظيره قول إبراهيم الخليل صلوات الله وسلامه عليه : \"الذي خلقني فهو يهدين (78) والذي هو يطعمني ويسقين (79) وإذا مرضت فهو يشفين (80) \" [الشعراء : 78-80] فنسب الخلق والهداية والإحسان بالطعام والسقي إلى الله تعالى ولما جاء ذكر المرض قال : وإذا مرضت ، ولم يقل : أمرضني ، وقال فهو يشفين.\rومنه قوله تعالى حكاية عن مؤمني الجن : \"وأنا لا ندري أشر أريد بمن في الأرض أم أراد بهم ربهم رشدا(10)\" [الجن : 10] ، فنسبوا إرادة الرشد إلى الرب ، وحذفوا فاعل إرادة الشر وبنوا الفعل للمفعول.\rومنه قول الخضر –عليه الصلاة والسلام- في السفينة فأردت أن أعيبها فأضاف العيب إلى نفسه. وقال في الغلامين : \"فأراد ربك أن يبلغا أشدهما\" [الكهف : 82]\rومنه قوله تعالى : \"أحل لكم ليلة الصيام الرفث إلى نسائكم\" [البقرة : 275] ، لأن في ذكر الرفث ما يحسن منه أن لا يقترن بالتصريح بالفاعل.\rومنه : \"حرمت عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير\" [المائدة : 3] ، وقوله : \"قل تعالوا أتل ما حرم ربكم عليكم ألا تشركوا به شيئا وبالوالدين إحسانا \" [الأنعام : 151] ، إلى آخرها.","part":1,"page":103},{"id":102,"text":"ومنه وهو ألطف من هذا وأدق معنى قوله : \"حرمت عليكم أمهاتكم وبناتكم وأخواتكم \" [النساء : 23] ، إلى آخرها ، ثم قال : \"وأحل لكم ما وراء ذلكم\" [النساء : 24] ، وتأمل قوله : \"فبظلم من الذين هادوا حرمنا عليهم طيبات أحلت لهم\" [النساء : 160] ، كيف صرح بفاعل التحريم في هذا الموضع ، وقال في حق المؤمنين \"حرمت عليكم الميتة والدم\" ؟\rومنها : أن الإنعام بالهداية يستوجب شكر المنعم بها ، وأصل الشكر ذكر المنعم والعمل بطاعته ، وكان من شكره إبراز الضمير المتضمن لذكره تعالى الذي هو أساس الشكر ، وكان في قوله : \"أنعمت عليهم\" من ذكره وإضافته النعمة إليه ما ليس في ذكر المنعم عليهم لو قاله ، فضمن هذا اللفظ الأصلين وهما : الشكر والذكر المذكوران في قوله : \"فاذكروني أذكركم واشكروا لي ولا تكفرون\" [البقرة : 152].\rومنها : أن النعمة بالهداية إلى الصراط لله وحده وهو المنعم بالهداية دون أن يشرك أحد في نعمته فاقتضى اختصاصه بها أن يضاف إليه بوصف الإفراد فيقال : \"أنعمت عليهم\" ، أي : أنت وحدك المنعم المحسن المتفضل بهذه النعمة ، وأما الغضب فإن الله سبحانه غضب على من لم يكن من أهل الهداية إلى الصراط ، وأمر عباده المؤمنين بمعاداتهم ، وذلك يستلزم غضبهم عليهم موافقة لغضب ربهم عليهم ، فموافقته تعالى تقتضي أن يغضب على من غضب عليه ، ويرضى عمن رضي عنه ، فيغضب لغضبه ، ويرضى لرضاه ، وهذه حقيقة العبودية.\rواليهود قد غضب الله عليهم فحقيق بالمؤمنين الغضب عليهم فحذف فاعل الغضب ، وقال : \"المغضوب عليهم\" ، لما كان المؤمنين نصيب من غضب الله عليه بخلاف الإنعام فإنه لله وحده فتأمل هذه النكت البديعة.","part":1,"page":104},{"id":103,"text":"ومنها : أن المغضوب عليهم في مقام الإعراض عنهم وترك الالتفات والإشارة إلى نفس الصفة التي لهم والاقتصار عليها ، وأما أهل النعمة فهم في مقام الإشارة إليهم وتعيينهم والإشادة بذكرهم ، وإذا ثبت هذا فالألف واللام في المغضوب ، وإن كانتا بمعنى الذين فليست مثل الذين ، في التصريح والإشارة إلى تعيين ذات المسمى ، فإن قولك : الذين فعلوا ، معناه : القوم الذين فعلوا ، وقولك : الضاربون والمضروبون ، ليس فيه ما في قولك الذين ضربوا أو ضربوا.. فتأمل ذلك.\rفالذين أنعمت عليهم إشارة إلى تعريفهم بأعيانهم ، وقصد ذواتهم ، بخلاف المغضوب عليهم ، فالمقصود التحذير من صفتهم والإعراض عنهم ، وعدم الالتفات إليهم (1). أ هـ\r\"غير المغضوب عليهم ولا الضالين\" قال الأصفهاني : وإنما ذكر تعالى هذه الجملة لأن الكفار قد شاركوا المؤمنين في إنعام كثير عليهم ، فبين بالوصف أن المراد بالدعاء ليس هو النعم العامة ، بل ذلك نعمة خاصة (2).أهـ\r__________\r(1) بدائع الفوائد حـ2 ص251 ، 250 بتصرف يسير\r(2) محاسن التأويل حـ2 ص257","part":1,"page":105},{"id":104,"text":"\"غير المغضوب عليهم ولا الضالين\"\rقال القرطبي -رحمه الله- : اختلف في \"المغضوب عليهم\" و\"الضالين\" من هم ؟ فالجمهور أن المغضوب عليهم اليهود ، والضالين النصارى ، وجاء ذلك مفسراً عن النبي -صلى الله عليه وسلم- في حديث عدي بن حاتم وقصة إسلامه أخرجه أبو داوود الطيالسي في مسنده ، والترمذي في جامعه (1) ، وشهد لهذا التفسير أيضاً قوله سبحانه في اليهود \"وباءوا بغضب من الله\" [آل عمران : 112] وقال : \"وغضب الله عليهم\" [الفتح : 6] وقال في النصارى : \"قد ضلوا من قبل وأضلوا كثيراً وضلوا عن سواء السبيل\" [المائدة : 77]. وقيل \"المغضوب عليهم \"المشركون ، و\"الضالين\" المنافقون ، وقيل : [المغضوب عليهم] من أسقط فرض هذه السورة في الصلاة و[الضالين] عن بركة قراءتها حكاه السلمي في حقائقه والماوردي في تفسيره ، وليس بشيء. قال الماوردي : وهذا وجه مردود ، لأن ما تعارضت فيه الأخبار وتقابلت فيه الآثار وانتشر فيه الخلاف لم يجز أن يطلق عليه هذا الحكم (2) ، وقيل : [المغضوب عليهم] باتباع البدع و[الضالين] عن سنن الهدى ، ثم قال -رحمه الله- وهذا حسن ، وتفسير النبي -صلى الله عليه وسلم- أولى وأعلى وأحسن (3). أ هـ\rلطيفة\rوقال فى البحر المديد ما نصه : \r__________\r(1) أخرجه الترمذي (2953) وابن حبان (6246) والطبراني في الكبير (237) والبيهقي في الشعب (2329) وأحمد (4/378)\r(2) هذه قاعدة وفائدة جليلة ، فالكثير من الناس في هذا الزمان يحكمون بالبدع على كثير من الأمور المختلف فيها بين العلماء وخصوصاً فقهاء المذاهب الأربعة الذين تلقت الأمة علمهم بالقبول.\r(3) الجامع لأحكام القرآن حـ1 ص112","part":1,"page":106},{"id":105,"text":"واعلم أن الحق - سبحانه - قسم خلقه على ثلاثة أقسام : قسم أعدَّهم للكرم والإحسان ، ليُظْهِرَ فيهم اسم الكريم أو الرحيم ، وهو المنعم عليه بالإيمان والاستقامة. وقسم أعدَّهم للانتقام والغضب ، ليُظهر فيهم اسمه المنتقم أو القهار ، وهم المغضوب وعليهم والضالون عن طريق الحق عقلاً أو عملاً ، وهم الكفار ، وقسم أعدَّهم الله للحِلْم والعفو ، ليُظهر فيهم اسمه تعالى الحليم والعفو ، وهم أهل العصيان من المؤمنين.\rفمن رَامَ أن يكونَ الوجودُ خالياً من هذه الأقسام الثلاثة ، وأن يكون الناس كلهم سواء في الهداية أو ضدها ، فهو جاهل بالله وبأسمائه ؛ إذ لا بد من ظهور آثار أسمائه في هذا الآدمي ، من كرم وقهرية وحِلْم وغير ذلك. والله تعالى أعلم. أهـ [البحر المديد المجيد حـ1 صـ25].\rوقال ابن أبي حاتم في تفسيره [حـ1 ص31] : ولا أعلم في هذا الحرف اختلافاً بين المفسرين. أ هـ. وقال ابن جزي -رحمه الله- مرجحاً القول الأول بقوله : والأول أرجح لأربعة أوجه روايته عن النبي -صلى الله عليه وسلم- ، وجلالة قائله ، وذكر [ولا] في قوله \"ولا الضالين\" دليل على تغاير الطائفتين ، وأن الغضب صفة اليهود في مواضع من القرآن ، كقوله \"فباؤا بغضب\" والضلال صفة النصارى لاختلاف أقوالهم الفاسدة في عيسى ابن مريم -عليه السلام- ولقول الله فيه \"قد ضلوا من قبل وأضلوا كثيراً وضلوا عن سواء السبيل\" (1) أ هـ\rفائدة جليلة\rقال الإمام البغوي -رحمه الله- وغضب الله لا يلحق عصاة المؤمنين إنما يلحق الكافرين.\r__________\r(1) التسهيل حـ1 ص34","part":1,"page":107},{"id":106,"text":"قال القرطبي - رحمه الله - [لا] في قوله : [ولا الضالين] اختلف فيها ، فقيل : هي زائدة ، قاله الطبري (1) ، ومنه قوله تعالى \"ما منعك ألا تسجد\" [الأعراف : 12] وقيل : هي تأكيد دخلت لئلا يتوهم أن الضالين معطوف على الذين ، حكاه مكي والمهدوي ، وقال الكوفيون \"لا\" بمعنى غير ، وهي قراءة عمر وأبي (2). أ هـ\rقال الطبري (3) : فإن قال قائل أليس الضلال من صفة اليهود ، كما أن النصارى عليهم غضب فلم لم يخص كل فريق بذكر شيء مفرد ؟ قيل : هم كذلك ولكن رسم الله لعباده كل فريق بما قد تكررت العبارة عنه به وفهم به أمره \".\rقال القاضي أبو محمد عبد الحق : وهذا غير شاف ، والقول في ذلك أن أفاعيل اليهود من اعتدائهم ، وتعنتهم ، وكفرهم مع رؤيتهم الآيات ، وقتلهم الأنبياء أمور توجب الغضب في عرفنا ، فسمى تعالى ما أحل بهم غضباً ، والنصارى لم يقع لهم شيء من ذلك ، إنما ضلوا من أول كفرهم دون أن يقع منهم ما يوجب غضباً خاصاً بأفاعيلهم ، بل هو الذي يعم كل كافر وإن اجتهد ، فلهذا تقررت العبارة عن الطائفتين بما ذكر (4). أ هـ\rما فائدة زيادة [لا] بين المعطوف والمعطوف عليه ؟ ففي ذلك أربع فوائد : \rأحدها : أن ذكرها تأكيد للنفي الذي تضمنه (غير) فلولا ما فيها من معنى النفي لما عطف عليها بـ (لا) مع الواو ، فهو في قوة لا المغضوب عليهم ولا الضالين ، أو غير المغضوب عليهم وغير الضالين.\rالفائدة الثانية : أن المراد المغايرة الواقعة بين النوعين ، وبين كل نوع بمفرده ، فل ولم يذكر (لا)وقيل : غير المغضوب عليهم والضالين ، أوهم أن المراد ما غاير المجموع المركب من النوعين لا ما غاير كل نوع بمفرده ، فإذا قيل ولا الضالين كان صريحاً في أن المراد صراط غير هؤلاء وغير هؤلاء.\r__________\r(1) تفسير الطبري حـ1 ص81\r(2) تفسير القرطبي حـ1 ص113\r(3) تفسير الطبري حـ1 ص84\r(4) المحرر الوجيز حـ1 ص78","part":1,"page":108},{"id":107,"text":"وبيان ذلك أنك إذا قلت ما قام زيد وعمرو ، فإنما نفيت القيام عنهما ، ولا يلزم من ذلك نفيه عن كل واحد منهما بمفرده.\rالفائدة الثالثة : رفع توهم أن الضالين وصف للمغضوب عليهم ، وأنهما صنف واحد وصفوا بالغضب والضلال ، ودخل العطف بينهما كما يدخل في عطف الصفات بعضها على بعض ، نحو قوله تعالى : \"قد أفلح المؤمنون (1) الذين هم في صلاتهم خاشعون (2) والذين هم عن اللغ ومعرضون (3) \" [المؤمنون : 1-3]... إلى آخرها فإن هذه صفات المؤمنين ، ومثل قوله : \"سبح اسم ربك الأعلى (1) الذي خلق فسوى (2) والذي قدر فهدى (3) [الأعلى : 1-3]... ونظائره.\rفلما دخلت (لا) علم أنهما صنفان متغايران مقصودان بالذكر ، وكانت (لا) أولى بهذا المعنى من (غير) لوجوه :\rأحدها : أنها أقل حروفاً. الثاني : التفادي من تكرار اللفظ. الثالث : الثقل الحاصل بالنطق بـ (غير) مرتين من غير فصل إلا بكلمة مفردة ، ولا ريب أنه ثقيل على اللسان. الرابع : أن (لا) إنما يعطف بها بعد النفي ، فالإتيان بها مؤذن بنفس الغضب عن أصحاب الصراط المستقيم ، كما نفى عنهم الضلال ، و(غير) وإن فهمت هذا فـ (لا) أدخل في النفي منها (1).أ هـ\rفإن قيل :\rلم أتى في أهل الغضب باسم المفعول ، وفي الضالين باسم الفاعل ؟ فجوابهما ظاهر ، فإن أهل الغضب من غضب الله عليهم وأصابهم غضبه ، فهم مغضوب عليهم ، وأما أهل الضلال فإنهم هم الذين ضلوا وآثروا الضلال واكتسبوه ، ولهذا استحقوا العقوبة عليه ، ولا يليق أن يقال : ولا المضلين مبنياً للمفعول ، لما في رائحته من إقامة عذرهم ، وأنهم لم يكتسبوا الضلال من أنفسهم بل فعل فيهم (2). أ هـ\rفائدة\r__________\r(1) بدائع الفوائد حـ2 ص263 ، 264\r(2) بدائع الفوائد حـ2 ص263 بتصرف يسير","part":1,"page":109},{"id":108,"text":"الغضب : تغير يحصل عند غليان دم القلب بشهوة الانتقام ، واعلم أن هذا على الله تعالى محال ، لكن ههنا قاعدة كلية ، وهي أن جميع الأعراض النفسانية -أعني الرحمة ، الفرح ، والسرور ، والغضب ، والحياء ، والغيرة ، والمكر والخداع ، والتكبر ، والاستهزاء - لها أوائل ، ولها غايات ، ومثاله الغضب فإن أوله غليان دم القلب ، وغايته إرادة إيصال الضرر إلى المغضوب عليه ، فلفظ الغضب في حق الله تعالى لا يحمل على أوله الذي هو غليان دم القلب ، بل على غايته الذي هو إرادة الإضرار ، وأيضاً ، الحياء له أول وهو انكسار يحصل في النفس ، وله غرض وهو ترك الفعل ، فلفظ الحياء في حق الله يحمل على ترك الفعل لا على انكسار النفس ، وهذه قاعدة شريفة في هذا الباب (1). أ هـ\rما الحكمة في أته تعالى جعل المقبولين طائفة واحدة وهم الذين أنعم الله عليهم ، والمردودين فريقين : المغضوب عليهم ، والضالين ؟ \rوالجواب أن الذين كملت نعم الله عليهم هم الذين جمعوا بين معرفة الحق لذاته والخير لأجل العمل به ، فهؤلاء هم المرادون بقوله : أنعمت عليهم ، فإن اختل قيد العمل فهم الفسقة وهم المغضوب عليهم كما قال تعالى \"ومن يقتل مؤمناً متعمداً فجزاؤه جهنم خالداً فيها وغضب الله عليه ولعنه\" [النساء : 93] وإن اختل قيد العلم فهم الضالون لقوله تعالى : \"فماذا بعد الحق إلا الضلال\" [يونس : 32] وهذا آخر كلامنا في تفسير كل واحدة من آيات هذه السورة على التفصيل ، والله أعلم (2). أ هـ\r( فائدة )\rدلت هذه الآية الكريمة على أن المكلفين ثلاث فرق : أهل الطاعة ، وإليهم الإشارة بقوله : أنعمت عليهم وأهل المعصية وإليهم الإشارة بقوله غير المغضوب عليهم ، وأهل الجهل في دين الله والكفر وإليهم الإشارة بقوله ولا الضالين (3). أ هـ\r__________\r(1) التفسير الكبير حـ1 ص223\r(2) التفسير الكبير حـ1 ص224\r(3) التفسير الكبير حـ1 ص223","part":1,"page":110},{"id":109,"text":"قوله : \"غير المغضوب عليهم ولا الضالين\" يدل على أن أحداً من الملائكة والأنبياء عليهم السلام ما أقدم على عمل يخالف قول الذين أنعم الله عليهم ، ولا على اعتقاد الذين أنعم الله عليهم ، لأنه لو صدر عنه ذلك لكان قد ضل عن الحق ، لقوله تعالى : \"فماذا بعد الحق إلا الضلال\" [يونس : 32] ولو كانوا ضالين لما جاز الاقتداء بهم ، ولا الاهتداء بطريقهم ، ولكانوا خارجين عن قوله : \"أنعمت عليهم\" ولما كان ذلك باطلاً علمنا بهذه الآية عصمة الأنبياء والملائكة عليهم السلام (1). أ هـ\rوتأمل كيف قال : المغضوب عليهم ولا الضالين ، ولم يقل اليهود والنصارى ، مع أنهم هم الموصوفون بذلك تجريداً لوصفهم بالغضب والضلال الذي به غايروا المنعم عليهم ولم يكونوا منهم بسبيل ، لأن الإنعام المطلق ينافي الغضب والضلال ، فلا يثبت لمغضوب عليه ولا لضال ، فتبارك من أودع في كلامه من الأسرار ما يشهد بأنه تنزيل من حكيم حميد (2). أ هـ\rلم قدم المغضوب عليهم على الضالين ؟\rوأما تقديم المغضوب عليهم على الضالين فلوجوه :\rأحدها : أنهم متقدمون عليهم بالزمان.\rالثاني : أنهم كانوا الذين يلون النبي -صلى الله عليه وسلم- من أهل الكتابين فإنهم كانوا جيرانه في المدينة ، والنصارى كانت ديارهم نائية عنه ، ولهذا تجد خطاب اليهود والكلام معهم في القرآن الكريم أكثر من خطاب النصارى كما في سورة (البقرة والمائدة وآل عمران).. وغيرها من السور.\rالثالث : أن اليهود أغلظ كفراً من النصارى ، ولهذا كان الغضب أخص بهم واللعنة والعقوبة ، فإن كفرهم عن عناد وبغي كما تقدم فالتحذير من سبيلهم ، والبعد منها أحق وأهم بالتقديم ، وليس عقوبة من جهل كعقوبة من علم.\r__________\r(1) التفسير الكبير حـ1 ص223\r(2) بدائع الفوائد حـ2 ص255 ، 254 بتصريف يسير","part":1,"page":111},{"id":110,"text":"الرابع : وأحسنها أنه تقدم ذكر المنعم عليهم والغضب ضد الإنعام ، والسورة هي السبع المثاني التي يذكر فيها الشيء ومقابله ، فذكر المغضوب عليهم مع المنعم عليهم فيه من الازدواج والمقابلة ما ليس في تقديم الضالين ، فقولك : الناس منعم عليه ومغضوب عليه ، فكن من المنعم عليهم أحسن من قولك : منعم عليه وضال (1). أ هـ\rفإن قيل : لم قال (غير المغضوب عليهم) ولم يقل (لا المغضوب عليهم) ؟\rقال : \"غير المغضوب عليهم\" ، ولم يقل (لا المغضوب عليهم) فيقال : لا ريب أن \"لا\" يعطف بها بعد الإيجاب ، كما تقول : جاءني زيد لا عمرو ، وجاءني العالم لا الجاهل ، وأما (غير) فهي تابع لما قبلها ، وهي صفة ليس إلا.\rوإخراج الكلام هنا مخرج الصفة أحسن من إخراجه مخرج العطف ، وهذا إنما يعلم إذا عرف فرق ما بين العطف في هذا الموضع ، والوصف ، فتقول : لو أخرج الكلام مخرج العطف ، وقيل : صراط الذين أنعمت عليهم لا المغضوب عليهم ، لم يكن في العطف بها أكثر من نفي إضافة الصراط إلى المغضوب عليهم ، كما هو مقتضى العطف ، فإنك إذا قلت : جاءني العالم لا الجاهل ، لم يكن في العطف أكثر من نفي المجيء عن الجاهل وإثباته للعالم وأما الإتيان بلفظ (غير) فهي صفة لما قبلها ، فأفاد الكلام معها وصفهم بشيئين :\rأحدهما : أنهم منعم عليهم ، والثاني : أنهم غير مغضوب عليهم ، فأفاد ما يفيد العطف مع زيادة الثناء عليهم ومدحهم ، فإنه يتضمن صفتين ثبوتية هي كونهم منعماً عليهم ، وصفة سلبية : وهي كونهم غير مستحقين لوصف الغضب ، وأنهم مغايرون لأهله.\r__________\r(1) بدائع الفوائد حـ2 ص262 بتصرف يسير","part":1,"page":112},{"id":111,"text":"ولهذا لما أريد بها هذا المعنى جرت صفة على المنعم عليهم ، ولم تكن صفة منصوبة على الاستثناء ، لأنه يزول منها معنى الوصفية المقصود ، وفيها فائدة أخرى : وهي أن أهل الكتاب من اليهود والنصارى ادعوا أنهم هم المنعم عليهم دون أهل الإسلام ، فكأنه قيل لهم : المنعم عليهم غيركم لا أنتم ، وقيل للمسلمين المغضوب عليهم غيركم لا أنتم فالإتيان بلفظة غير في هذا السياق أحسن وأدل على إثبات المغايرة المطلوبة... فتأمله.\rآمين\rقال الإمام القرطبي - رحمه الله - في تفسيره [حـ1 ص97] ويسن لقاريء القرآن أن يقول بعد الفراغ من الفاتحة بعد سكتة على النون : \"ولا الضالين\" آمين ، ليتميز ما هو قرآن مما ليس بقرآن.\rثم قال : ثبت في الأمهات من حديث أبي هريرة أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال \"إذا أمن الإمام فأمنوا فإنه من وافق تأمينه تأمين الملائكة غفر له ما تقدم من ذنبه\" (1). قال علماؤنا - رحمة الله عليهم - فترتبت المغفرة للذنب على مقدمات أربع ، تضمنها هذا الحديث : الأولى : تأمين الإمام ، الثانية : تأمين من خلقه ، والثالثة : تأمين الملائكة ، الرابعة : موافقة التأمين ؛ قيل في الإجابة ، وقيل في الزمن ، وقيل في الصفة من إخلاص الدعاء. أ هـ.\rوقال علي بن أبي طالب - رضي الله عنه - آمين خاتم رب العالمين ، يختم بها دعاء عبده المؤمن (2). أ هـ.\rمعنى آمين عند أكثر أهل العلم (اللهم استجب لنا) ، وضع موضع الدعاء - وفي آمين لغتان المد على وزن فاعيل كياسين. والقصر على وزن يمين(3)\r__________\r(1) - أخرجه البخاري [747] ، ومسلم [410] ، وأبو داوود [936] ، والترمذي [250] ، والنسائي [927] ، وابن ماجه [851] و[852] ، ومالك [190] وأحمد [7203] ، [9605] وابن أبي شيبة [2/314] وأبو يعلى [5874] وابن خزيمة [750] والبيهقي [2485] من حديث أبي هريرة - رضي الله عنه-\r(3) 1- المحرر الوجيز حـ1 صـ79\r2- الجامع لأحكام القرآن حـ1 صـ97 - 98 باختصار يسير","part":1,"page":113},{"id":112,"text":".أ هـ.\rوقال القشيري - رحمه الله - والتأمين سنة ، ومعناه يارب افعل واستجب ، وكأنه يستدعي بهذه القالة التوفيق للأعمال ، والتحقيق للآمال ، وتحط رجله بساحات الافتقار ، ويناجي حضرة الكرم بلسان الابتهال ، ويتوسل بتبريه عن السؤال والطاقة والمنة والاستطاعة إلى حضرة الجود ، وبأقوى وسيلة للفقير تعلقه بدوام الاستعانة لتحققه بصدق الاستغاثة (1). أ هـ.\r__________\r(1) - لطائف الإشارات حـ1 صـ52","part":1,"page":114},{"id":113,"text":"سورة البقرة\rقوله تعالى (الم )\rمن لطائف فواتح السور\rذكرالآلوسي حـ1/صـ [100] ما نصه : \r\"وقال الشعبي سر الله تعالى فلا تطلبوه بين المحبين سر ليس يفشيه قول ولا قلم للخلق يحكيه فلا يعرفه بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا الأولياء الورثة فهم يعرفونه من تلك الحضرة وقد تنطق لهم الحروف عما فيها كما كانت تنطق لمن سبح بكفه الحصى وكلمه الضب والظبي صلى الله عليه وسلم \"\rثم قال الآلوسى حـ1/ص[103]\rوإذا علمت أن هذه الفواتح السر الأعظم والبحر الخضم والنور الأتم صفاء ولا ماء ولطف ولا هواء ونور ولا نار وروح ولا جسم فأعلم أن كل ما ذكر الناس فيها رشفة من بحار معانيها ومن ادعى قصرا فمن قصوره أو زعم أنه أتى بكثير فمن قلة نوره والعارف يقول باندماج جميع ما ذكروه في صدف فوائدها وامتزاج سائر ما سطروه في طمطام فوائدها. انتهى كلامه.\rوقال العلامة ابن القيم رحمه الله فى بدائع الفوائد ج : 3 ص : [669]ما نصه\rفائدة : السر في حروف (الم) تأمل سر [الم] كيف اشتملت على هذه الحروف الثلاثة فالألف إذا بدىء بها أولا كانت همزة وهي أول المخارج من أقصى الصدر واللام من وسط مخارج وهي أشد الحروف اعتمادا على اللسان والميم آخر الحروف ومخرجها من الفم وهذه الثلاثة","part":1,"page":115},{"id":114,"text":"هي أصول مخارج الحروف أعني الحلق واللسان والشفتين وترتيب في التنزيل من البداية إلى الوسط إلى النهاية فهذه الحروف معتمد المخارج الثلاثة التي تتفرع منها ستة عشر مخرجا فيصير منها تسعة وعشرون حرفا عليها دار كلام الأمم الأولين والآخرين مع تضمنها سرا عجيبا وهو أن اللألف البداية واللام التوسط والميم النهاية فاشتملت الأحرف الثلاثة على البداية والنهاية والواسطة بينهما وكل سورة استفتحت بهذه الأحرف الثلاثة فهي مشتملة على بدء الخلق ونهايته وتوسطه فمشتملة على تخليق العالم وغايته وعلى التوسط بين البداية والنهاية من التشريع والأوامر فتأمل ذلك في [البقرة وآل عمران وتنزيل السجدة وسورة الروم] وتأمل اقتران الطاء بالسين والهاء في القرآن فإن الطاء جمعت من صفات الحروف خمس صفات لم يجمعها غيرها وهي الجهر والشدة والاستعلاء والإطباق والسين مهموس رخ ومستفل صفيري منفتح فلا يمكن أن يجمع إلى الطاء حرف يقابلها كالسين والهاء فذكر الحرفين اللذين جمعا صفات الحروف وتأمل السور التي اشتملت على الحروف المفردة كيف تجد السورة مبنية على كلمة ذلك الحرف فمن ذلك [ق] والسورة مبنية على الكلمات القافية من ذكر القرآن وذكر الخلق وتكرير القول ومراجعته مرارا والقرب من ابن آدم وتلقي الملكين قول العبد وذكر الرقيب وذكر السائق والقرين والإلقاء في جهنم والتقدم بالوعيد وذكر المتقين وذكر القلب والقرون والتنقيب في البلاد وذكر القيل مرتين وتشقق الأرض وإلقاء الرواسي فيها وبسوق النخل والرزق وذكر القوم وحقوق الوعيد ولو لم يكن إلا تكرار القول والمحاورة وسر آخر وهو أن كل معاني هذه السورة مناسبة لما في حرف القاف من الشدة والجهر والعل ووالانفتاح وإذا أردت زياة إيضاح هذا فتأمل ما اشتملت عليه سورة [ص] من الخصومات المتعددة فأولها خصومة الكفار مع النبي (أجعل الآلهة إلها واحدا) إلى آخر كلامهم ثم اختصام الخصمين عند داود ثم تخاصم أهل النار ثم","part":1,"page":116},{"id":115,"text":"اختصم الملأ الأعلى في العلم وهو الدرجات والكفارات ثم مخاصمة إبليس واعتراضه على ربه في أمره بالسجود لآدم ثم خصامه ثانيا في شأن بنيه حلفه ليغوينهم أجمعين إلا أهل الإخلاص منهم فليتأمل اللبيب الفطن هل يليق بهذه السورة غير [ص] وسورة [ق] غير حرفها وهذه قطرة من بحر من بعض أسرار هذه الحروف والله أعلم. انتهى كلامه. وسيأتى تفصيل ذلك إن شاء الله فى فاتحة سورة [الأعراف].\rقوله تعالى(ذلك الكتاب)\rسؤال : لقائل أن يقول : المشار إليه ها هنا حاضر ، ذلك اسم مبهم يشار به إلى البعيد ؟ \rقال الفخر الرازي - رحمه لله - [حـ2 ص 259 : 260 ].\rوالجواب من وجهين : الأول : لا نسلم أن المشار إليه حاضر وبيانه من وجوه أحدهما : ما قاله الأصم وهو أن الله تعالي أنزل الكتاب بعضه بعد بعض فنزل قبل سورة البقرة سور كثيرة ، وهي كل ما نزل بمكة ، فقوله \" ذلك \" إشارة إلى تلك السور التي نزلت قبل سورة البقرة وقد يسمى بعض القرآن قرآناً قال الله تعالي \" وإذا قرئ القرآن فاستمعوا له \" {الأعراف : 204} وقال حاكيا عن الجن \" إنا سمعنا قرآناً عجباً} {الجن : 1} وقوله إنا سمعنا كتاباً أنزل من بعد موسي \" {الأحقاف : 30} وهم ما سمعوا إلا بعضه وهو الذي كان قد نزل إلى ذلك الوقت ومنها أنه وقعت الإشارة بذلك إلى \" ألم \" بعد ما سبق التكلم به وانقضى والمنقضي فى حكم المتباعد.\rومنها : أنه لما وصل من المرسل إلى المرسل إليه وقع فى حد البعد كما تقول لصاحبك وقد اعطيته شيئاً : احتفظ بذلك.\rومنها أن القرآن لما اشتمل على حكم عظيمة وعلوم كثيرة يتعسر إطلاع القوة البشرية عليها بأسرها والقرآن وإن كان حاضراً نظراً إلى صورته لكنه غائب نظراً إلى أسراره وحقائقه فجاز أن يشار إليه كما يشار إلى البعيد وأما الوجه الثاني فهو : سلمنا أن المشار إليه حاضر لكن لا نسلم أن لفظة ذلك لا يشار بها إلا إلى البعيد.","part":1,"page":117},{"id":116,"text":"وبيان ذلك أن هذا وذلك قد يستعمل أحدهما في موضع الآخر قال تعالي \" واذكر عبادنا إبراهيم وإسحاق ويعقوب - إلى قوله - وكل من الأخيار \" ص : 45 : 48 \" ثم قال : \" هذا ذكر وقال \" وعندهم قاصرات الطرف أتراب هذا ما توعدون ليوم الحساب \" ص 52 - 53 \" وقال : \" وجاءت سكرة الموت بالحق ذلك ما كنت منه تحيد \" {ق : 19} وقال : \" فأخذه الله نكال الآخرة والأولى إن في ذلك لعبرة لمن يخشى \" [النازعات : 26] وقال \" وما تلك بيمينك يا موسي\" {طه : 17} أي ما هذه التى بيمينك(1).أهـ\rوقال أبو السعود ـ رحمه الله ـ ما نصه : \" ذلك \" ذا اسم إشارة واللام عماد جيء به للدلالة على بعد المشار إليه والكاف للخطاب والمشار إليه هو المسمي ، فإنه منزل منزلة المشاهد بالحس البصري وما فيه من معني البعد مع قرب العهد بالمشار إليه للإيذان بعل وشأنه وكونه في الغاية القاصية من الفضل والشرف(2). أهـ.\rوقال القاسمي : \" قال بعض المحققين : اختصاص ذلك بالإشارة للبعيد حكم عرفي لا وضعي ، فإن العرب تعارض بين اسمي الإشارة فيستعملون كلا منهما مكان الآخر وهذا معروف في كلا مهم ، وفي التنزيل من ذلك آيات كثيرة (3). أهـ\rسؤال : لقائل أن يقول : لم ذكر اسم الإشارة والمشار إليه مؤنث وهو سورة ؟\rالجواب : لا نسلم أن المشار إليه مؤنث ، لأن المؤنث إما المسمي أو الاسم والأول باطل ، لأن المسمي هو ذلك البعض من القرآن وهو ليس بمؤنث ، وأما الاسم فهو ألم وهو ليس بمؤنث نعم ذلك المسمى له اسم آخر وهو السورة وهو مؤنث ولكن المذكور السابق هو الاسم الذي ليس بمؤنث وهو \" ألم \" لا الذي هو مؤنث وهو السورة (4). أهـ\r__________\r(1) - التفسير الكبير حـ2 - صـ259 - 260 - بتصرف يسير\r(2) - تفسير أبي السعود حـ1 - صـ23\r(3) - تفسير القاسمي حـ2 - صـ269\r(4) - التفسير الكبير حـ2 - صـ260","part":1,"page":118},{"id":117,"text":"سؤال : فإن قلت أخبرني عن تأليف \" ذلك الكتاب \" قلت : إن جعلت \" ألم \" اسماً للسورة ففي التأليف وجوه : أن يكون \" ألم \" مبتدأ أو \" ذلك \" مبتدأ ثانياً و\" الكتاب \" خبره والجملة خبر المبتدأ الأول ومعناه : أن ذلك الكتاب هو الكامل ، وكأن ما عداه من الكتب في مقابلته ناقص ، وانه يستأهل أن يسمى كتاباً كما تقول : \" هو الرجل أي الكامل في الرجولة ، الجامع لما يكون في الرجال من مرضيات الخصال. والوجه الثاني : أن يكون الكتاب صفة ومعناه هو ذلك الكتاب الموعود (1). أهـ\r\" لا ريب فيه \"\rقال ابن الجوزي - رحمه الله - : \" واختلف العلماء في معني هذه الآية علي ثلاثة أقوال أحدها : إن ظاهر النفي ومعناه النهي ، وتقديرها لا ينبغي لأحد أن يرتاب فيه لإتقانه وإحكامه ، ومثله \" ما كان لنا أن نشرك بالله من شيء \" {يوسف : 38}.\rأي ما ينبغي لنا ومثله : \" فلا رفث ولا فسوق ولا جدال في الحج \" {البقرة : 196 }\rوالثاني : أن معناه لا ريب فيه أنه هدي للمتقين.\rوالثالث : أن معناه لا ريب فيه أنه من عند الله (2) أهـ\rوقال الإمام الفخر (3)- رحمه الله - : \" الريب \" قريب من الشك وفيه زيادة كأنه ظن السوء تقول : \" رابني أمر فلان إذا ظننت به سوءً \".\rفقوله تعالي : \" لا ريب فيه \" نفي كونه مظنة للريب بوجه من الوجوه والمقصود أنه لا شبهة في صحته ، ولا في كونه من عند الله ولا في كونه معجزاً. أهـ\rسؤال : فإن قيل كيف قال : \" لا ريب فيه \" على سبيل الاستغراق وكم من ضال قد ارتاب فيه ؟ ويؤيد ذلك قوله تعالى \" وإن كنتم في ريب مما نزلنا على عبدنا.\r{البقرة : 23}وقوله \"وارتابت قلوبهم فهم في ريبهم يترددون\" {التوبة : 45}\rوقوله : \"بل هم في شك يلعبون\" {الدخان : 9}\r__________\r(1) - الكشاف حـ1 - صـ42 - 43 - باختصار يسير\r(2) 1 - زاد المسير حـ2 - صـ22\r(3) - التفسير الكبير حـ2 - صـ265","part":1,"page":119},{"id":118,"text":"والجواب كما ذكره الإمام الفخر(1) رحمه الله- أنه بلغ في الوضوح إلى حيث لا ينبغي لمرتاب أن يرتاب فيه ، والأمر كذلك ، لأن العرب مع بلوغهم في الفصاحة إلى النهاية عجزوا عن معارضة أقصر سورة من القران ، وذلك يشهد بأنه بلغت هذه الحجة في الظهور إلى حيث لا يجوز للعاقل أن يرتاب فيه أهـ\rوقال أبو السعود رحمه الله -\"ومعنى نفيه عن الكتاب أنه في عل والشأن وسطوع البرهان بحيث ليس فيه مظنة أن يرتاب في حقيقته وكونه وحيا منزلا من عند الله تعالى لأنه يرتاب فيه أحد أصلا ,ألا ترى كيف جوز ذلك في قوله تعالى : \" وإن كنتم في ريب مما نزلنا على عبدنا \"فإنه من قوة أن يقال : وإن كان لكم ريب فيما نزلنا ,أ وإن ارتبتم فيما نزلنا. الخ إلا أنه خولف في الأسلوب حيث فرض كونه في الريب لا كون الريب فيه لزيادة تنزيه ساحة التنزيل عنه مع نوع إشعار بأن ذلك من جهتهم لا من جهته العالية(2).أهـ\rوقال ابن جزي (3) - رحمه الله - : إن المراد لا شك أنه من عند الله في نفس الأمر في اعتقاد أهل الحق ولم يعتبر أهل الباطل.اهـ\rوقال محمد بن أبي بكر الرازي(4) في قوله تعالى \"لا ريب فيه \"أي لا ريب فيه عند الله ورسوله والمؤمنين.\rأ ونفي معناه النهي أي لا ترتابوا فيه ؛ إنه من عند الله ونظيره قوله تعالى \"وأن الساعة آتية لا ريب فيها \"{الحج : 7}.\r__________\r(1) - التفسير الكبير حـ2 - صـ 266\r(2) - تفسير أبي السعود حـ1 - صـ25\r(3) - التسهيل - حـ1 - صـ35\r(4) - ولم يعتبر أهل الباطل لأنهم لا قدر لهم ولاوزن ، فالفاسق لا تقبل شهادته ولا يعتبر قوله ، والكافر أولى بذلك ، وكل كلمة في القرآن ، بل كل حرف فيه يحمل دليلاً على نزوله من عند الله ، وأنه لا يتطرق إليه الشك فضلاً عن أن يقع فيه وهذا عند المؤمنين وعند المنصفين من العقلاء فضلاً عن الفضلاء ، ولا عبرة بأهل الضلال فهم أموات غير أحياء - تفسير الرازي صـ21","part":1,"page":120},{"id":119,"text":"وقال الشيخ الشنقيطي رحمه الله في كتابه [دفع إيهام الاضطراب عن آيات الكتاب صـ 7] ما نصه :\rإن القران بالغ من وضوح الأدله وظهور المعجزة ما ينفي تطرق أي ريب إليه, وريب الكفار فيه إنما هو لعمي أبصارهم كما بينه تعالى بقوله \"أفمن يعلم أنما أنزل إليك من ربك الحق كمن هو أعمى\"{الرعد : 19 }\rفصرح بأن من لا يعلم أنه الحق أن ذلك إنما جاءه من قبل عماه ومعلوم أن عدم رؤية الأعمى للشمس لا ينافي كونها لا ريب فيها لظهورها.\rإذا لم يكن للمرء عين صحيحة… فلا غر أن يرتاب والصبح مسفر أهـ\rوقال ابن الجوزي(1) : فان قيل : فقد ارتاب فيه قوم , فالجواب : أنه حق في نفسه فمن حقق النظر علم قال الشاعر :\rليس في الحق يا أمامه ريب ……إنما الريب ما يقول الكذوب أهـ\rوأجاب فى تنوير الأذهان بقوله :\rإن هذا نفى الريب عن الكتاب لاعن الناس ، والكتاب موصوف بأنه لا يتمكن فيه ريب فهو حق صدق معلوم ومفهوم ـ شك فيه الناس ا ولم يشكوا ـ كالصدق صدق فى نفسه وإن وصفه الناس بالكذب ، والكذب كذب وإن وصفه الناس بالصدق ، فكذا الكتاب ليس مما يلحقه ريب ا ويتمكن فيه عيب. أهـ {تنوير الأذهان حـ1 صـ 18}\rسؤال : فان قيل لم قال ها هنا : \"لا ريب فيه \"وفي موضع آخر : \"لا فيها غول\" {الصافات : 47} أي فهلا قدم الظرف على الريب كما قدم الغول ؟\rوأجاب عنه الفخر الرازي بقوله : لأتهم يقدمون الأهم فالأهم وها هنا الأهم نفي الريب بالكلية عن الكتاب ولو قلت لا فيه ريب لأوهم أن هناك كتاباً أخر حصل الريب فيه لا ها هنا كما قصد في قوله, : \"لا فيها غول \" تفضيل خمر الجنة على خمور الدنيا , فإنها لا تغتال العقول كما تغتالها خمرة الدنيا(2).أهـ\r__________\r(1) - زاد المسير حـ1 - صـ22\r(2) - التفسير الكبير حـ2 - صـ266","part":1,"page":121},{"id":120,"text":"فائدة : .قال السعدي (1)- رحمه الله - : ونفى الريب عنه يستلزم ضده , إذ ضد الريب والشك اليقين , فهذه الكتاب مشتمل على اليقين المزيل للشك والريب ,وهذه قاعدة مفيدة أن النفي المقصود به المدح ولابد أن يكون متضمنا لضده , وهو الكمال ,لأن النفي عدم , والعدم المحصن لا مدح فيه فلما اشتمل على اليقين وكانت الهداية لا تحصل إلا باليقين قال : \" هدي للمتقين. أهـ\rالفرق بين الريب والشك\rقال الألوسي : \" وبعض فرق بين \" الريب والشك \" بأن الريب شك مع تهمته وقال الراغب : الشك وقوع النفس بين شيئين متقابلين بحيث لا يرجح أحدهما على الآخر بأمارة ثم قال : \" ولذا حسن هنا لا ريب للإشارة إلى أنه لا يحصل فيه ريب فضلاً عن الشك \" ونفي سبحانه الريب فيه مع كثرة المرتابين - لا كثرهم - الله تعالى على معني أنه في عل والشأن ، وسطوع البرهان بحيث لا يرتاب العاقل بعد النظر في كونه وحياً من عند الله(2). أهـ\r\" هدي للمتقين \"\rسؤال : \" فإن قلت : فلم قال \" هدى للمتقين \" والمتقون مهتدون ؟\rقلت : هو قولك للعزيز المكرم أعزك الله وأكرمك تريد طلب الزيادة إلى ما هو ثابت فيه واستدامته كقوله : \" اهدنا الصراط المستقيم \" ووجه آخر وهو أنه سماهم عند مشارفتهم لاكتساء لباس التقوى متقين كقول رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : \" من قتل قتيلاً فله سلبه \" وعن ابن عباس : \" إن أراد أحدكم الحج فليعجل فإنه يمرض المريض وتضل الضلالة وتكون الحاجة\"\rفسمي المشارف للقتل والمرض والضلال ، قتيلاً ومريضاً وضالاً ومنه قوله تعالي : \" ولا يلدوا إلا فاجراً كفاراً \" {نوح : 27} أي صائراً إلى الفجور والكفر (3) أهـ\rوأجاب صاحب الأمثل عن هذا السؤال قائلا :\rواضح أن القرآن هداية للبشرية جمعاء ، فلماذا خصت الآية الكريمة المتقين بهذه الهداية ؟\r__________\r(1) - تفسير للسعدي - صـ34\r(2) - روح المعاني حـ-1 - ص106\r(3) 2- الكشاف حـ1 - صـ 44 - 45","part":1,"page":122},{"id":121,"text":"السبب هو أن الإنسان لا يتقبل هداية الكتب السماوية ودعوة الأنبياء ، مالم يصل إلى مرحلة معينة من التقوى (مرحلة التسليم أمام الحق وقبول ما ينطبق مع العقل والفطرة).\rوبعبارة اُخرى : الأفراد الفاقدون للإِيمان على قسمين : \rقسم يبحث عن الحق ، ويحمل مقداراً من التقوى يدفعه لأن يقبل الحق أنّى وجده.\rوقسم لجوج متعصب قد استفحلت فيه الأهواء ، لا يبحث عن الحق ، بل يسعى في إطفاء نوره حيثما وجده.\rومن المسلم به أن أفراد القسم الأول هم الذين يستفيدون من القرآن أو أيّ كتاب سماوي آخر ، أما القسم الثاني فلا حظّ لهم في ذلك. أهـ [الأمثل فى تفسير الكتاب المنزل للشيرازى حـ1 صـ96 ]\rسؤال فإن قيل لم حذف المعمول فلم يقل : \" هدى للمصلحة الفلانية ولا للشيء الفلاني ؟ \rفالجواب : لإرادة العموم ، وانه هدى لجميع مصالح الدارين(1). أهـ سؤال : فإن قلت : فهلا قيل : هدى للضالين : قلت : لأن الضالين فريقان فريق علم بقاؤهم على الضلالة وهم المطبوع علي قلوبهم وفريق علم أن مصيرهم إلى الهدى فلا يكون هدى للفريقين الباقيين على الضلالة فبقي أن يكون هدى لهؤلاء وأيضاً فقد جعل ذلك سلماً إلى تصدير السورة التي هي أول الزهراوين وسنام القرآن وأول المثاني بذكر أولياء الله والمرتضين من عباده(2). أهـ\r__________\r(1) 3- تفسير السعدي - صـ34\r(2) - الكشاف حـ1 - صـ45 باختصار يسير","part":1,"page":123},{"id":122,"text":"وقال السعدي (1) - رحمه الله - : \" وقال في موضع آخر \" هدي للناس \" فعم وفي هذا الموضع وغيره \" هدى للمتقين \" لأنه في نفسه هدي لجميع الخلق فالأشقياء لم يرفعوا به رأساً ولم يقبلوا هدى الله ، فقامت عليهم به الحجة ولم ينتفعوا به لشقائهم وأما المتقون الذين أتوا بالسبب الأكبر لحصول الهداية وهو التقوي التي حقيقتها اتخاذ ما يقي سخط الله وعذابه بامتثال أوامره واجتناب نواهيه فاهتدوا به وانتفعوا غاية الانتفاع قال تعالي : \" يأيها الذين آمنوا إن تتقوا الله يجعل لكم فرقاناً \" {الأنفال : 29} فالمتقون هم المنتفعون بالآيات القرآنية والآيات الكونية ولأن الهداية نوعان : هداية البيان وهداية التوفيق فالمتقون حصلت لهم الهدايتان وغيرهم لم تحصل لهم هداية التوفيق وهداية البيان بدون توفيق للعمل بها ليست هداية حقيقية تامة. أهـ\rسؤال : فإن قيل : فيه بيان لجميع الناس فكيف أضاف إلى المتقين خاصة ؟ \rوالجواب : لأن المتقين هم الذين ينتفعون بالبيان ويعملون به. أهـ\rوقال البغوي [حـ1 صـ59] : \" وتخصيص المتقين بالذكر تشريف لهم أو لأنهم المنتفون بالهدي. أهـ\rوقال أبو السعود(2) : \" للمتقين \" أي المتصفين بالتقوى حالاً أو مآلا وتخصيص الهدي بهم لما أنهم المقتبسون من أنواره المنتفعون بآثاره. أهـ\rوقيل : إنما صاروا مهتدين بما استفادوا به من الهدي أو إنه ثبات لهم على الهدي وزيادة فيه أو خصهم بالذكر لأنهم هم الفائزون بمنافعه حيث قبلوه واتبعوه كقوله \" إنما أنت منذر من يخشاها \" {النازعات : 45} أو أراد الفريقين واقتصر على أحدهما كقوله تعالي : \" سرابيل تقيهم الحر \" {النحل : 81} أي والبرد(3). أهـ\r__________\r(1) - تفسير السعدي صـ34\r(2) - تفسير أبو السعود حـ1 - صـ27\r(3) - تفسير الرازي صـ21","part":1,"page":124},{"id":123,"text":"فائدة في معاني التقوى في القرآن\rجاءت التقوى في القرآن والغرض منها الإيمان تارة والتوبة تارة أخرى والطاعة ثالثة وترك المعصية رابعاً والإخلاص خامساً.\rأما الإيمان : فقوله تعالي : \" وألزمهم كلمة التقوى \" {الفتح : 26} أي التوحيد \" أولئك الذين امتحن الله قلوبهم للتقوى \" {الحجرات : 3} وأما التوبة فقوله : \" ولو أن أهل القرى آمنوا واتقوا \" {الأعراف : 96} أي تابوا.\rوأما الطاعة فقوله في النحل : \" أن أنذروا أنه لا إله إلا أنا فاتقون \" {النحل : 2} وأيضاً : \" أفغير الله تتقون \" {النحل : 52 }\rوأما ترك المعصية فقوله في الحج : \" فإنها من تقوى القلوب \" {الحج : 32} أي من إخلاص القلوب ، هكذا قوله \" وإياي فاتقون \"(1) {البقرة : 41} أهـ\rلطائف في التقوى\rقال الحسن : التقوى أن لا تختار على الله سوي الله ، وتعلم أن الأمور كلها بيد الله وقال إبراهيم بن آدهم التقوى أن لا يجد الخلق في لسانك عيباً ولا في الملائكة في أفعالك عيباً ولا ملك العرش في سرك عيباً.\rول ولم يكن للمتقي فضيلة إلا في قوله تعالي : \" هدي للمتقين \" كفاه لأنه تعالي بين أن القرآن هدي للناس في قوله تعالي : \" شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن هدي للناس \" [البقرة : 185 ]\rثم قال ها هنا في القرآن : هدي للمتقين فهذا يدل على أن المتقين هم كل الناس فمن لا يكون متقياً كأنه ليس بإنسان (2) أهـ.\rالفرق بين التقوى والورع\rالتقوى اخذ عدة والورع دفع شبهة فالتقوى محققة السبب والورع مظنون السبب. أهـ.\r__________\r(1) - التفسير الكبير حـ2 - صـ267 - بتصرف يسير\r(2) - التفسير الكبير ح ـ صـ268 - بتصرف يسير","part":1,"page":125},{"id":124,"text":"فصل في التقوى والبواعث عليها ودرجاتهاوفضائلها المستنبطة من القرآن وهي خمس عشرة : الهدي كقوله : \" هدي للمتقين \" والفطرة لقوله : \" إن الله مع الذين اتقوا \" {النحل : 128} والولاية لقوله : \" والله ولى المتقين \" {الجاثية : 19} والمحبة لقوله : \" إن الله يحب المتقين \" {التوبة : 7} والمغفرة لقوله : \" إن تتقوا الله يجعل لكم فرقاناً \" {الأنفال : 29} والمخرج من الغم والرزق من حيث لا تحتسب لقوله \" ومن يتق الله يجعل له مخرجاً \" {الطلاق : 4} وتيسير الأمور : \" ومن يتق الله يجعل له من أمره يسرا \" {الطلاق : 4} وغفران الذنوب وإعظام الأجور لقوله \" ومن يتق الله يكفر عنه سيئاته ويعظم له أجرا \" وتقبل الأعمال : \" إنما يتقبل الله من المتقين \" {المائدة : 27} والفلاح لقوله : \" واتقوا الله لعلكم تفلحون \" {البقرة : 189} والبشرى لقوله \" لهم البشري في الحياة الدنيا وفي الآخرة \" {يونس : 64} ودخول الجنة لقوله : \" إن للمتقين عند ربه جنات النعيم \" {القلم : 34} والنجاة من النار لقوله : \" ثم تنجي الذين اتقوا \" {مريم : 72 ]\rالبواعث على التقوى عشرة : خوف العقاب الأخروي. وخوف العقاب الدنيوي ، رجاء الثواب الدنيوي ، رجاء الثواب الأخروي ، خوف الحساب ، الحياء من نظر الله ، وهو مقام المراقبة ، الشكر على نعمه بطاعته ، والعلم لقوله : \" إنما يخشي الله من عباده العلماء \" [فاطر : 28} وتعظيم جلال الله ، وهو مقام الهيبة ، وصدق المحبة لقول القائل : -\rتعصى الإله وأنت تظهر حبه …هذا لعمري في القياس بديع\rل وكان حبك صادقاً لأطعته…إن المحب لمن يحب مطيع\rولله در القائل :\rقالت وقد سألت عن حال عاشقها… لله صفة ولا تنقص ولا تزد\rفقلت لو كان يطن الموت من ظمإ وقلت قف ورود الماء لم يرد","part":1,"page":126},{"id":125,"text":"* درجات التقوى خمس : أن يتقي العبد الكفر ، وذلك مقام الإسلام ، وأن يتقي المعاصي ، والحرمات ، وهو مقام التوبة ، وأن يتقي الشبهات ، وهو مقام الورع ، وأن يتقي المباحات وهو مقام الزهد وأن يتقي حضور غير الله على قلبه وهو مقام المشاهدة (1). أهـ.\rوقال أبو السعود :\rوالمتقي اسم فاعل من باب الافتعال من الوقاية وهي فرط الصيانة والتقوى في عرف الشرع عبارة عن كمال التوقي عما يضره في الآخرة قال عليه السلام جماع التقوى في قوله : \" إن الله يأمر بالعدل والإحسان \"{النحل : 90} الآية وعن عمر بن عبد العزيز أنه ترك ما حرم الله وأداء ما فرض الله وعن شهر بن حوشب المتقي من يترك مالا بأس به حذراً من الوقوع فيما فيه بأس وعن أبي يزيد أن التقوى هي التورع عن كل ما فيه شبهة وعن محمد بن حنيف أنه مجانبة كل ما يبعدك عن الله تعالي وعن سهل المتقي كل من تبرأ عن حوله وقدرته وقيل التقوى أن لا يراك الله حيث نهاك ولا يفقدك حيث أمرك وعن ميمون بن مهران لا يكون الرجل تقياً حتى يكون أشد محاسبة لنفسه من الشريك الشحيح والسلطان الجائر وعن أبي تراب بين يدي التقوى خمس عقبات لا يناله من يجاوزهن إيثار الشدة على النعمة وإيثار الضعف على القوة وإيثار الذل على العزة ، وإيثار الجهد على الراحة وإيثار الموت على الحياة وعن بعض الحكماء أنه لا يبلغ الرجل سنام التقوى إلا أن يكون بحيث لو جعل ما في قلبه في طبق فطيف به في السوق لم يستح ممن ينظر إليه وقيل التقوى أن نزين سرك للحق كما تزين علانيتك للخلق والتحقيق أن للتقوى ثلاث مراتب : الأولى التوقي عن العذاب المخلد بالتبروء عن الكفر وعليه قوله تعالي \" وألزمهم كلمة التقوى \" والثانية التجنب عن كل ما يؤثم من فعل أو ترك حتى السائر عند قوم وهو المتعارف بالتقوى في الشرع وهو المعنى بقوله تعالي : \" ولو أن أهل القرى آمنوا واتقوا \" ، المأمورية في قوله : \" يا أيها الذين\r__________\r(1) - التسهيل حـ1 - صـ35 ، 36","part":1,"page":127},{"id":126,"text":"آمنوا اتقوا الله حق تقاته \" ولهذه المرتبة عرض عريض يتفاوت طبقات أصحابها حسب تفاوت درجات استعداداتهم الفائضة عليهم بموجب المشيئة الإلهية المبنية على الحكم الأبية أقصاها ما انتهي إليه همم الأنبياء عليهم السلام حيث جمعوا بذلك بين رياستي النبوة والولاية وما عاقهم التعلق بعالم الأشباح عن العروج إلى معالم الأرواح ولم يصدهم الملابسة بمصالح الخلق عن الاستغراق في شئون الحق لكمال استعداد نفوسهم الزكيةالمؤيدة بالقوة القدسية وهداية الكتاب المبين شاملة لأرباب هذه المراتب أجمعين (1). أهـ\rومن لطائف قوله : \" هدى للمتقين \"\rما نقله السيوطي - رحمه الله - في الدرر المنثور بقوله : \r\" كتب رجل إلى عبد الله بن الزبير بموعظة أما بعد ؛ فإن لأهل التقوى علامات يعرفون بها ، ويعرفونها من أنفسهم من صبر على البلاء ، ورضي بالقضاء ، وشكر على النعماء وذل لحكم القرآن.\rوأخرج ابن أبي الدنيا عن ابن المبارك قال : قال داود لابنه سليمان - عليهما السلام - \" يا بني إنما يستدل على تقوي الرجل بثلاث أشياء : لحسن توكله على الله فيما نابه ، ولحسن رضاه فيما آتاه ، ولحسن زهده فيما فاته ، وأخرج ابن أبي الدنيا عن مالك بن دينار قال : \" القيامة عرس المتقين \" (2). أهـ\rقوله تعالى [ويقيمون الصلاة]\rقال فى زاد المسير حـ1ص25 ما نصه : \rالصلاة في اللغة الدعاء وفي الشريعة أفعال وأقوال على صفات مخصوصة وفي تسميتها بالصلاة ثلاثة أقوال\rأحدها أنها سميت بذلك لرفع الصلا وهو مغرز الذنب من الفرس\rوالثاني أنها من صليت العود إذا لينته فالمصلي يلين ويخشع\rوالثالث أنها مبنية على السؤال والدعاء والصلاة في اللغة الدعاء وهي في هذا المكان اسم جنس\rقال مقاتل أراد بها هاهنا الصلوات الخمس\rوفي معنى إقامتها ثلاثة أقوال\rأحدها أنه تمام فعلها على الوجه المأمور به روي عن ابن عباس ومجاهد\r__________\r(1) - تفسير أبي السعود حـ1 - صـ27 ، 28\r(2) - الدر المنثور حـ1 - صـ62","part":1,"page":128},{"id":127,"text":"والثاني أنه المحافظة على مواقيتها ووضوئها وركوعها وسجودها قاله قتادة ومقاتل\rوالثالث إدامتها والعرب تقول في الشيء الراتب قائم وفلان يقيم أرزاق الجند قاله ابن كيسان انتهى كلامه رحمه الله.\r\"موعظة\"\rاعلموا - إخواني - أن الله عز وجل قد قدر الصلوات وقدمها على غيرها من العبادات وإنما يحافظ عليها من يعرف قدرها ويرج وأجرها ويخاف العقاب على تركها وهذه صفة المؤمن وإنما يتوانى عنها ناقص الإيمان إن تكاسل وكافر إن تهاون\rقد روى مسلم في صحيحه من حديث جابر عن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ أنه قال : [بين العبد وبين الكفر ترك الصلاة ]\rوروى في صحيحه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : [عليك بكثرة السجود فإنك لا تسجد لله سجدة إلا رفعك الله بها درجة وحط عنك بها خطيئة ]\rوروى أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : [جعلت قرة عيني في الصلاة ]\rوقد كان لله عز وجل عباد يحبون خدمته لشدة محبتهم إياه فيحضرون في الصلاة قلوبهم ويجمعون لأدائها هممهم\rوروى عن ابن الزبير أنه كان إذ قام في الصلاة فكأنه عود من الخشوع وكان يسجد فتنزل العصافير على ظهره لا تحسبه إلا جزعا أو حائطا أو وجه حجر أو رحل فدقه وهو في الصلاة فذهبت ببعض ثوبه فما التفت وكان إذا دخل بيته سكت أهل البيت فإذا قام إلى الصلاة تحدثوا وضحكوا\rواعلموا - إخواني - أن من أحب المخدوم أحب الخدمة له لو عرف العبد من يناجي لم يقبل على غيره والصلاة صلة بين العبد وبين ربه\rالستر الأول : الأذان كالإذن في الدخول\rوستر التقريب الإقامة : فإذا كشف ذلك الغطاء لاح للمتقي قرة العين فدخل في دائرة دار المناجاة [أرحنا بها يا بلال] فقد [جعلت قرة عيني في الصلاة] اكشف يا بلال ستر التقريب عن الحبيب\rيا بطال : لو سافرت بلدا لم تربح فيه حزنت على فوات [ربحك] وضياع وقتك أفلا يبكي من دخل في الصلاة على قرة العين ثم خرج بغير فائدة\rيصلي فيرسلها كالطيور إذا أرسلت من حصار القفص","part":1,"page":129},{"id":128,"text":"يقوم ويقعد مستعجلا كمثل الطروب إذا ما رقص\rإخواني : لا تقنعوا بالحركات فإن الله لا ينظر إلى صوركم\rيا هذا : إنما يصاد الطائر بمحبوبه من الحب ومحبوب القلب الطاهر ذكر الله عز وجل فحرام على قلبك الحائم حول جيف الهوى ألق له حب الذكر على فخ الصدق في حديقة الصور لعله يقع في شبكة المعرفة انتهى الياقوتة لابن الجوزى حـ1ص133.… من لطائف الإمام الفخرالرازى ـ رحمه الله ـ (الصلاة معراج العارفين )\rمن لطائف الإمام الفخر الرازى اعلم أنه كان لرسول الله صلى الله عليه وسلم معراجان : أحدهما من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى والآخر من الأقصى إلى أعالي ملكوت الله تعالى فهذا ما يتعلق بالظاهر وأما ما يتعلق بعالم الأرواح فله معراجان : أحدهما : من عالم الشهادة إلى عالم الغيب. والثاني : من عالم الغيب إلى عالم غيب الغيب وهما بمنزلة قاب قوسين متلاصقين فتخطاهما محمد عليه السلام وهو المراد من قوله تعالى : {فكان قاب قوسين أو أدنى} [النجم : 9] وقوله أو أدنى إشارة إلى فنائه في نفسه أما الانتقال من عالم الشهادة إلى عالم الغيب فاعلم أن كل ما يتعلق بالجسم والجسمانيات فهو من عالم الشهادة لأنك تشاهد هذه الأشياء ببصرك فانتقال الروح من عالم الأجساد إلى عالم الأرواح هو السفر من عالم الشهادة إلى عالم الغيب وأما عالم الأرواح فعالم لا نهاية له وذلك لأن آخر مراتب الأرواح هو الأرواح البشرية ثم تترقى في معارج الكمالات ومصاعد السعادات حتى تصل إلى الأرواح المتعلقة بسماء الدنيا ثم تصير أعلى وهي أرواح السماء الثانية وهكذا حتى تصل إلى الأرواح الذين هم سكان درجات الكرسي وهي أيضا متفاوتة في الاستعلاء ثم تصير أعلى وهم الملائكة المشار إليهم بقوله تعالى : {وترى الملائكة حافين من حول العرش} [الزمر : 75] ثم تصير أعلى وأعظم وهم المشار إليهم بقوله تعالى : {ويحمل عرش ربك فوقهم يومئذ ثمانية }","part":1,"page":130},{"id":129,"text":"[ الحاقة : 17] وفي عدد الثمانية أسرار لا يجوز ذكرها ههنا ثم تترقى فتنتهي إلى الأرواح المقدسة عن التعلقات بالأجسام وهم الذين طعامهم ذكر الله وشرابهم محبة الله وأنسهم بالثناء على الله ولذتهم في خدمة الله وإليهم الإشارة بقوله : {ومن عنده لا يستكبرون عن عبادته} وبقوله : {يسبحون الليل والنهار لا يفترون} [الأنبياء : 20] ثم لهم أيضا درجات متفاوتة ومراتب متباعدة والعقول البشرية قاصرة عن الإحاطة بأحوالها والوقوف على شرح صفاتها ولا يزال هذا الترقي والتصاعد حاصلا كما قال تعالى {وفوق كل ذي علم عليم} [يوسف : 76] إلى أن ينتهي الأمر إلى نور الأنوار ومسبب الأسباب ومبدأ الكل وينبوع الرحمة ومبدأ الخير وهو الله تعالى فثبت أن عالم الأرواح هو عالم الغيب وحضرة جلال الربوبية هي غيب الغيب ولذلك قال عليه الصلاة والسلام إن لله سبعين حجابا من النور لو كشفها","part":1,"page":131},{"id":130,"text":"لأحرقت سبحات وجهه كل ما أدرك البصر وتقدير عدد تلك الحجب بالسبعين مما لا يعرف إلا بنور النبوة. فقد ظهر بما ذكرنا أن المعراج على قسمين : أولهما : المعراج من عالم الشهادة إلى عالم الغيب والثاني : المعراج من عالم الغيب إلى عالم غيب الغيب وهذه كلمات برهانية يقينية حقيقية. إذا عرفت هذا فلنرجع إلى المقصود فنقول : إن محمدا عليه السلام لما وصل إلى المعراج وأراد أن يرجع قال : يا رب العزة إن المسافر إذا أراد أن يعود إلى وطنه احتاج إلى محمولات يتحف بها أصحابه وأحبابه فقيل له : إن تحفة أمتك الصلاة وذلك لأنها جامعة بين المعراج الجسماني وبين المعراج الروحاني : أما الجسماني فبالأفعال وأما الروحاني فبالأذكار فإذا أردت أيها العبد الشروع في هذا المعراج فتطهر أولا لأن المقام مقام القدس فليكن ثوبك طاهرا وبدنك طاهرا لأنك بالوادي المقدس طوى وأيضا فعندك ملك وشيطان فانظر أيهما تصاحب ؛ ودين ودنيا فانظر أيهما تصاحب ؛ وعقل وهوى فانظر أيهما تصاحب ؛ وخير وشر وصدق وكذب وحق وباطل وحلم وطيش وقناعة وحرص ؛ وكذا القول في كل الأخلاق المتاضدة والصفات المتنافية فانظر أنك تصاحب أي الطرفين وتوافق أي الجانبين فإنه إذا استحكمت المرافقة تعذرت المفارقة ألا ترى أن الصديق اختار صحبة محمد عليه السلام فلزمه في الدنيا وفي القبر وفي القيامة وفي الجنة وأن كلبا صحب أصحاب الكهف فلزمهم في الدنيا وفي الآخرة ولهذا السر قال تعالى {يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وكونوا مع الصادقين} [التوبة : 119] ثم إذا تطهرت فارفع يديك وذلك الرفع إشارة إلى توديع عالم الدنيا وعالم الآخرة فاقطع نظرك عنهما بالكلية ووجه قلبك وروحك وسرك وعقلك وفهمك وذكرك وفكرك إلى الله ثم قل : الله أكبر والمعنى أنه أكبر من كل الموجودات وأعلى وأعظم واعز من كل المعلومات بل هو أكبر من أن يقاس إليه شيء أو يقال إنه أكبر ثم قل : سبحانك اللهم وبحمدك وفي هذا المقام تجلى","part":1,"page":132},{"id":131,"text":"لك نور سبحات الجلال ثم ترقيت من التسبيح إلى التحميد ثم قل : تبارك اسمك وفي هذا المقام انكشف لك نور الأزل والأبد لأن قوله تبارك إشارة إلى الدوام المنزه عن الإفناء والإعدام وذلك يتعلق بمطالعة حقيقة الأزل في العدم ومطالعة حقيقة الأبد في البقاء ثم قل : وتعالى جدك وهو إشارة إلى إنه أعلم وأعظم من أن تكون صفات جلاله ونعوت كماله محصورة في القدر المذكور ثم قل : ولا إله غيرك وهو إشارة إلى أن كل صفات الجلال وسمات الكمال له لا لغيره فهو الكامل الذي لا كامل إلا هو والمقدس الذي لا مقدس إلا هو وفي الحقيقة لا هو إلا هو ولا إله إلا هو والعقل ههنا ينقطع واللسان يعتقل والفهم يتبلد والخيال يتحير والعقل يصير كالزمن ثم عد إلى نفسك وحالك وقل : وجهت وجهي للذي فطر السموات والأرض فقولك سبحانك اللهم وبحمدك معراج الملائكة المقربين وهو المذكور في قوله : {ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك} [البقرة : 30] وهو أيضا معراج محمد عليه السلام لأن معراجه مفتتح بقوله سبحانك اللهم وبحمدك وأما قولك وجهت وجهي فهو معراج إبراهيم الخليل عليه السلام وقولك إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله فهو معراج محمد الحبيب عليه السلام فإذا قرأت هذين الذكرين فقد جمعت بين معراج أكابر الملائكة المقربين وبين معراج عظماء الأنبياء والمرسلين ثم إذا فرغت من هذه الحالة فقل : أعوذ بالله من الشيطان الرجيم لتدفع ضرر العجب من نفس","part":1,"page":133},{"id":132,"text":"نفسك ، واعلم أن للجنة ثمانية أبواب ففي هذا المقام انفتح لك باب من أبواب الجنة وهو باب المعرفة ، والباب الثاني هو باب الذكر وهو قولك بسم الله الرحمن الرحيم ، والباب الثالث باب الشكر وهو قولك الحمد لله رب العالمين ، والباب الرابع الرجاء وهو قولك الرحمن الرحيم ، والباب الخامس باب الخوف وهو قولك مالك يوم الدين ، والباب السادس باب الإخلاص المتولد من معرفة العبودية ومعرفة الربوبية وهو قولك إياك نعبد وإياك نستعين ، والباب السابع باب الدعاء والتضرع كما قال : {أمن يجيب المضطر إذا دعاه} [النمل : 62] وقال : {ادعوني أستجب لكم} [غافر : 60] وهو ههنا قولك اهدنا الصراط المستقيم والباب الثامن باب الاقتداء بالأرواح الطيبة الطاهرة والاهتداء بأنوارهم وهو قولك صراط الذين أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالين وبهذا الطريق إذا قرأت هذه السورة ووقفت على أسرارها انفتحت لك ثمانية أبواب الجنة وهو المراد من قوله تعالى : [جنات عدن مفتحة لهم الأبواب] [ص : 50] فجنات المعارف الربانية انفتحت أبوابها بهذه المقاليد الروحانية فهذا هو الإشارة إلى ما حصل في الصلاة من المعراج الروحاني. وأما المعراج الجسماني فالمرتبة الأولى أن تقوم بين يدي الله مثل قيام أصحاب الكهف وهو قوله تعالى : [إذ قاموا فقالوا ربنا رب السموات والأرض] [الكهف : 14] بل قم قيام أهل القيامة وهو قوله تعالى : [يوم يقوم الناس لرب العالمين] [المطففين : 6] ثم اقرأ سبحانك اللهم وبعده وجهت وجهي وبعده الفاتحة وبعدها ما تيسر لك من القرآن واجتهد في أن تنظر من الله إلى عبادتك حتى تستحقرها وإياك أن تنظر من عبادتك إلى الله فإنك إن فعلت ذلك صرت من الهالكين وهذا سر قوله إياك نعبد وإياك نستعين. واعلم أن النفس الآن جارية مجرى خشبة عرضتها على نار خوف الجلال فلانت فاجعلها محنية بالركوع فقل : سمع الله لمن حمده ثم اتركها لتستقيم مرة أخرى فإن هذا","part":1,"page":134},{"id":133,"text":"الدين متين فأوغل فيه برفق ولا تبغض إلى نفسك عبادة الله فإن المنبت لا أرضا قطع ولا ظهرا أبقى فإذا عادت إلى استقامتها فانحدر إلى الأرض بنهاية التواضع واذكر ربك بغاية العل ووقل : سبحان ربي الأعلى فإذا أتيت بالسجدة الثانية فقد حصل لك ثلاثة أنواع من الطاعة : الركوع الواحد والسجودان وبها تنج ومن العقبات الثلاث المهلكة فبالركوع تنج وعن عقبة الشهوات وبالسجود الأول تنج وعن عقبة الغضب الذي هو رئيس المؤذيات وبالسجود الثاني تنج وعن عقبة الهوى الذي هو الداعي إلى كل المهلكات والمضلات فإذا تجاوزت هذه العقبات وتخلصت عن هذه الدركات فقد وصلت إلى الدرجات العاليات وملكت الباقيات الصالحات وانتهيت إلى عتبة جلال مدبر الأرض والسموات فقل عند ذلك التحيات المباركات الصلوات الطيبات لله فالتحيات المباركات باللسان والصلوات بالأركان والطيبات بالجنان وقوة الإيمان ثم في هذا المقام يصعد نور روحك وينزل نور روح محمد صلى الله عليه وسلم فيتلاقى الروحان ويحصل هناك الروح والراحة والريحان فلا بد لروح محمد عليه الصلاة والسلام من محمدة وتحية فقل : السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته فعند ذلك يقول محمد عليه الصلاة والسلام : السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين وكأنه قيل لك فهذه الخيرات والبركات بأي وسيلة وجدتها ؟ وبأي طريق وصلت إليها ؟ فقل بقولي : أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدا رسول الله فقيل لك إن محمدا هو الذي هداك إليه فأي شيء هديتك له ؟ ","part":1,"page":135},{"id":134,"text":"فقل : اللهم صل على محمد وعلى آل محمد فقيل لك : إن إبراهيم هو الذي طلب من الله أن يرسل إليك مثل هذا الرسول فقال {ربنا وابعث فيهم رسولا منهم} [البقرة : 129] فما جزاؤك له ؟ فقل : كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم فيقال لك : فكل هذه الخيرات من محمد أو من إبراهيم أو من الله ؟ فقل : بل من الحميد المجيد إنك حميد مجيد. ثم إن العبد إذا ذكر الله بهذه الأثنية والمدائح ذكره الله تعالى في محافل الملائكة بدليل قوله عليه الصلاة والسلام حكاية عن الله عز وجل إذا ذكرني عبدي في ملأ ذكرته في ملأ خير من ملئه فإذا سمع الملائكة ذلك اشتاقوا إلى هذا العبد فقال الله : إن ملائكة السماوات اشتاقوا إلى زيارتك وأحبوا القرب منك وقد جاؤك فابدأ بالسلام عليهم لتحصل لك فيه مرتبة السابقين فيقول العبد عن يمينه وعن شماله : السلام عليكم ورحمة الله وبركاته فلا جرم أنه إذا دخل الجنة الملائكة يدخلون عليه من كل باب فيقولون : سلام عليكم بما صبرتم فنعم عقبى الدار. انتهى التفسير الكبير حـ1ص234ـ236\rقوله تعالى \" ومما رزقناهم ينفقون \"\rفي قوله : \" ومما رزقناهم ينفقون \" فوائد : \rأحدها : أدخل \" من \"التبعيضية صيانة لهم ، وكفي عن الإسراف والتبذير المنهي عنه\rوثانيها : قدم مفعول الفعل دلالة على كونه أهم ، كأنه قال ويخصون بعض المال بالتصدق به.\rوثالثها : يدخل في الإنفاق المذكور في الآية ، الإنفاق الواجب ، والإنفاق المندوب والإنفاق الواجب أقسام : احدها : الزكاة وثانيها : الإنفاق على النفس وعلى من تجب عليك نفقته.\rوثالثها : الإنفاق في الجهاد.\rوأما الإنفاق المندوب فالمراد به الصدقة (1). أهـ\r__________\r(1) - التفسير الكبير حـ2 - بتصرف يسير","part":1,"page":136},{"id":135,"text":"وقال السعدي رحمه الله : \" ومما رزقناهم ينفقون \" يدخل فيه النفقات الواجبة كالزكاة والنفقة على الزوجات والأقارب والمماليك ونحو ذلك والنفقات المستحبة بجميع طرق الخير ولم يذكر المنفق عليهم لكثرة أسبابها وتنوع أهلها ولأن النفقة من حيث هي قربة إلى الله وأتى بمن الدالة على التبعيض لينبههم أنه لم يرد منهم إلا جزءا يسيراُ من أموالهم غير ضار لهم ولا مثقل بل ينتفعون هم بإنفاقه وينتفع به إخوانهم.\rوفي قوله \" رزقناهم \" إشارة إلى أن هذه الأموال التي بين أيديكم ليست حاصلة بقوتكم ولا ملككم وإنما هي رزق الله الذي خولكم وأنعم به عليكم فكما أنعم عليكم وفضلكم على كثير من عباده فاشكروه بإخراج بعض ما أنعم به عليكم وواسوا إخوانكم المعدمين ، وكثيراً ما يجمع تعالي بين الصلاة والزكاة في القرآن لأن الصلاة متضمنة الإخلاص للمعبود والزكاة والنفقة متضمنة الإحسان على عبيده فعنوان سعادة العبد إخلاصه للمعبود وسعيه في نفع الخلق (1). أهـ\r\" لطائف في الإنفاق \"\rقال القشيري(2)- رحمه الله - :\rالزاهدون أنفقوا في طريقة متابعة هواهم ، فآثروا رضاء الله على مناهم والعابدون أنفقوا في سبيل الله وسعهم وقواهم فلازموا سراً وعلناً نفوسهم والمريدون أنفقوا في سبيله ما يشغلهم عن ذكر مولاهم فلم يلتفتوا إلى شيء من دنياهم وعقباهم والعارفون أنفقوا في سبيل الله ما هو سوي مولاهم فقربهم الله الحق سبحانه وأجزاهم وبحكم الإفراد به لقاهم.\rوقال أيضاً الأغنياء أنفقوا من نعمهم على عاقبتهم والفقراء أنفقوا من هممهم على منابتهم ويقال : العبد بقلبه وببدنه وبماله فبإيمانهم قاموا بقلوبهم وبصلاتهم قاموا بنفوسهم وبإنفاقهم قاموا بأموالهم فاستحقوا خصائص القربة من معبودهم وحيث قاموا لحقه بالكلية استوجبوا كمال الخصوصية. أ هـ\r__________\r(1) - تفسير السعدي صـ35\r(2) - لطائف الإرشادات حـ1 - صـ57 - 58","part":1,"page":137},{"id":136,"text":"\" أولئك على هدى من ربهم \"\rسؤال : فإن قيل : ما معني الاستعلاء في قوله : \" على هدي من ربهم \" ؟\rفالجواب : \" بيان لتمكنهم من الهدى واستقرارهم عليه حيث شبهت حالهم بحال من اعتلى الشيء وركبه ، ونظيره فلان على الحق أو على الباطل(1). أهـ\rسؤال : فإن قيل ما السبب في تنكير الهدي في قوله : \" على هدي \" ؟\rفالجواب : ليفيد ضرباً مبهماً لا يبلغ كنهه ولا يقدر قدره كما يقال لو أبصرت فلان لأبصرت رجلاً.\rقال عون بن عبد الله : الهدي من الله كثير ولا يبصره إلا بصير ولا يعمل به إلا يسير ، ألا تري أن نجوم السماء يبصرها البصراء ولا يهتدي بها إلا العلماء (2). أهـ\rوقال أبو السعود :\r\" أولئك \" إشارة إلى الذين حكيت خصائصهم الحميدة من حيث اتصافهم بها وفيه دلالة على أنهم متميزون بذلك أكمل تمييز منتظمون بسببه في سلك الأمور المشاهدة ، وما فيه من معني البعد للإشارة بعل ودرجتهم وبعد منزلتهم في الفضل (3).أهـ\rوقال - الفخر الرازي (4)- رحمه الله - في تكرير \" أولئك \" تنبيه على أنهم كما ثبت لهم الاختصاص بالهدي ثبت لهم الاختصاص بالفلاح أيضاً فقد تميزوا عن غيرهم بهذين الاختصاصين.\rفإن قيل : فلما جاء بالعاطف وما الفرق بينه وبين قوله : \" أولئك كالأنعام بل هم أضل أولئك هم الغافلون \"{ الأعراف : 179} قلنا : قد اختلف\rالخبران هنا فلذلك دخل العاطف بخلاف الخبرين ثمت فإنهما متفقان لأن التسجيل عليهم بالغفلة وتشبيههم بالبهائم.شيء واحد وكانت الجملة الثانية مقررة لما في الأولى فهي من العطف بمعزل.\r{ هم} فصل وله فائدتان : إحداهما : الدلالة على أن الوارد بعد خبر لا صفة وثانيتهما : حصر الخبر في المبتدأ. أهـ\r__________\r(1) - التفسير الكبير حـ2 - صـ276\r(2) - التفسير الكبير حـ2 - صـ279\r(3) - تفسير أبي السعود حـ1- صـ33\r(4) - التفسير الكبير حـ2 - صـ279 - بتصرف يسير","part":1,"page":138},{"id":137,"text":"وقال السعدي (1) : \" أولئك \" أي الموصوفون بتلك الصفات الحميدة \" على هدي من ربهم \" أي على هدي عظيم لأن التنكير للتعظيم وأي هداية أعظم من تلك الصفات المذكورة المتضمنة للعقيد الصحيحة والأعمال المستقيمة وهل الهداية في الحقيقة إلا هدايتهم وما سواها مما خالفها فهي ضلالة.\rوآتى بـ \" على \" في هذا الموضع الدالة على الاستعلاء وفي الضلالة يأتي بـ \" في \" كما في قوله \" وإنا أو إياكم لعلى هدى أو في ضلال مبين \" {سبأ : 24} لأن صاحب الهدي مستعل بالهدي مرتفع به وصاحب الضلالة منغمس فيها محتقر.\rثم قال : \" أولئك هم المفلحون \" والفلاح هو الفوز بالمطلوب والنجاة من المهروب وحصر الفلاح فيهم لأنه لا سبيل إلى الفلاح إلا بسلوك سبيلهم.أهـ\rقوله تعالى [وأؤلئك هم المفلحون ]\rقال ابن إسحاق أي الذين أدركوا ما طلبوا ونجوا من شر ما منه هربوا\rوأصل الفلاح في اللغة البقاء وقيل للمؤمن مفلح لبقائه في الجنة\rوقال عبيد\rأفلح بما شئت فقد يدرك بالضعف وقد يخدع الأريب أي ابق بما شئت من كيس وحمق ثم اتسع في ذلك حتى قيل لكل من نال شيئا من الخير مفلح.انتهى [معانى القرآن للنحاس حـ1ص86]\rكلام نفيس للإمام الزمخشري \"\rومعني التعريف في \" المفلحون \" الدلالة على أن المتقين هم الناس الذين عنهم بلغك أنهم يفلحون في الآخرة كما إذا بلغك أن إنساناً قد تاب من أهل بلدك ، فاستخبرت من هو ؟ فقيل زيد التائب ، أي هو الذي أخبرت بتوبته. أو على أنهم الذين إن حصلت صفة المفلحين وتحققوا ما هم تصوروا بصورتهم الحقيقية فهم هم لا يعدون تلك الحقيقة كما تقول لصاحبك : هل عرفت الأسد وما جبل عليه من الإقدام ؟ إن زيد أه وهو فانظر كيف كرر\r__________\r(1) - تفسير السعدي صـ35","part":1,"page":139},{"id":138,"text":"الله عز وجل التنبيه على الاختصاص المتقين بنبيل ما لا يناله أحد على طرق شتى وهي ذكر اسم الإشارة وتكريره وتعريف المفلحين وتوسيط الفصل بينه وبين أولئك ببصرك مراتبهم ويرغبك في طلب ما طلبوه وينشطك لتقديم ما قدموه ويثبطك عن الطمع الفارغ والرجاء الكاذب والتمني على الله ما لا تقتضيه حكمته ولم تسبق به كلمته. اللهم زينا بلباس\rالتقوى واحشرنا في زمرة من صدرت بذكرهم سورة البقرة.\rوالمفلح : الفائز بالبغية كأنه الذي انفتحت له وجوه الظفر ولم تستغلق عليه (1). أهـ\rوقد وصفهم بأنهم على هدى من ربهم فدل ذلك على أن تلبسهم بهذه الصفات الكريمة تلبسهم بلباس الهداية من الله سبحانه وتعالي ، فهم إنما صاروا متقين أولى هذه الصفات بهداية منه تعالي ثم وصف الكتاب بأنه هدي لهؤلاء المتقين بقوله تعالي : \" ذلك الكتاب لا ريب فيه هدى للمتقين \" فعلمنا بذلك : أن الهداية غير الهداية ، وأن هؤلاء وهم متقون محفوفون بهدايتين هداية أول : صاروا متقين ، وهداية ثانية أكرمهم الله سبحانه وتعالي بها بعد التقوى وبذلك صحت المقابلة بين المتقين وبين الكفار والمنافقين ، فإنه سبحانه يجعلهم في وصفهم بين ضلالين وعمائين ضلال أول هو الموجب لأ وصفاهم الخبيثة من الكفر والنفاق وضلال ثان يتأكد به ضلالهم الأول ويتصفون به يعد تحقق الكفر والنفاق كما يقوله تعالي في حق الكفار : \" ختم الله على قلوبهم وعلى سمعهم وعلى أبصارهم غشاوة \" البقرة : 7} فنسب الختم إلى نفسه تعالي والغشاوة إلى أنفسهم وكما يقول في حق المنافقين : \" في قلوبهم مرض فزادهم الله مرضاً \" [البقرة : 10] فنسب المرض الأول إليهم والمرض الثاني إلى نفسه على حد ما يستفاد من قوله تعالى : \" يضل به كثيراً ويهدي به كثيراً وما يضل به إلا الفاسقين \" [البقرة : 26] وقوله تعالي : \" فلما زاغوا أزاغ الله قلوبهم \"[الصف : 5]\r__________\r(1) - تفسير الميزان حـ1 - صـ55","part":1,"page":140},{"id":139,"text":"وبالجملة المتقون واقعون بين هدايتين كما أن الكفار والمنافقين واقعون بين ضلالين.\rثم إن الهداية الثانية لما كانت بالقرآن فالهداية الأولى قبل القرآن وبسبب سلامة الفطرة (1). أهـ\r\" إن الذين كفروا سواء عليهم أأنذرتهم أم لم تنذرهم لا يؤمنون \"\rمعني الكفر مأخوذ من قوله كفر إذا غطي وستر ومنه قول الشاعر لبيد بن ربيعة : في ليلة كفر النجوم غمامها - أي سترها ومنها سمي الليل كافراً ، لأنه يغطي كل شيء بسواده ومنه قيل للزراع كفار لأنهم يغطون الحب ، وكفر في الدين معناه غطي قلبه بالرين عن الإيمان أو غطي الحق بأقواله وأفعاله.\rواختلف فيمن نزلت هذه الآية بعد الاتفاق على أنها غير عامة لوجود الكفار قد أسلموا بعدها\rفقال قوم : \" هي فيمن سبق في علم الله أنه لا يؤمن أراد الله تعالى أن يعلم أن في الناس من هذه حالة دون أن يعين أحد ، وقيل نزلت في حيي بن أخطب وأبي ياسر وابن الأشرف ونظرائهم\rوقيل نزلت في قادة الأحزاب وهم أهل القليب ببدر وقد خطأ ابن عطية هذا القول الأخير ، لأن قادة الأحزاب قد أسلم منهم كثير ورجح القول الأول (2). أهـ\rوقال ابن الجوزى : \" قال شيخنا على بن عبيد الله : هذه الآية وردت بلفظ العموم والمراد بها الخصوص لأنها آذنت بأن الكافر حين أنذرناه لا يؤمن ومن آمن كثير من الكفار عند إنذارهم ولو كانت على ظاهرها في العموم لكان خبر الله لهم خلاف مخبره ولذلك وجب نقلها إلى الخصوص (3). أهـ\rسؤال : إن قال قائل : إذا علم الله تعالي بأنهم لا يؤمنون وكانوا قادرين على الإيمان عندكم فما أنكرتم أن يكونوا قادرين على إبطال علم الله بأنهم لا يؤمنون.\r__________\r(1) - الميزان حـ1 - صـ44\r(2) - المحرر الوجيز حـ1 - صـ87 - بتصرف يسير\r(3) - زاد المسير حـ1 - صـ27","part":1,"page":141},{"id":140,"text":"والجواب أنه لا يجب ذلك كما أنه لا يجب إذا كانوا مأمورين بالإيمان أن يكونوا مأمورين بإبطال علم الله كما لا يجب إذا كان الله قادراً على أن يقيم القيامة الساعة أن يكون قادراً على إبطال علمه بأنه لا يقيمها الساعة والصحيح أن نقول إن العلم يتناول الشيء على ما هو به ولا يجعله على ما هو به ، فلا يمتنع أن يعلم حصول شيء بعينه وإن كان غيره مقدوراً(1)أهـ\rوقال صاحب الميزان (2) : هذا التعبير وهو قوله \" أأنذرتهم أولم تنذرهم لا يؤمنون \" لا يمكن استطراده في حق جميع الكفار وإلا انسد باب الهداية والقرآن ينادي على خلافه \" أهـ\r\" كلام نفيس عن الكفر ومعانيه \"\rقال البغوي : والكفر على أربعة أنحاء : كفر إنكار ، وكفر جحود ، وكفر عناد ، وكفر نفاق ، فكفر الإنكار هو أن يعرف الله أصلاً ولا يعترف به وكفر به.\rوكفر الجحود هو أن يعرف الله بقلبه ولا يعترف بلسانه ككفر إبليس وكفر اليهود قال الله تعالي : \" فلما جاءهم ما عرفوا كفروا به \" {البقرة : 89 }\rوكفر العناد هو : أن يعرف الله بقلبه ويعترف بلسانه ولا يدين به ككفر أبي طالب حيث قال :\rولقد علمت بأن دين محمد …من خير أديان البرية ديناً\rلولا الملامة أو حذار مسبة…لوجدتني سمحاً بذالك مبيناً\rوأما كفر النفاق : فهو : أن يقر باللسان ولا يعتقد بالقلب وجميع هذه الأنواع سواء في أنه من لقي الله تعالي بواحد منها لا يغفر له (3).أهـ\rوقال صاحب الميزان (4) :\r__________\r(1) - مجمع البيان في تفسير البيان للطبرسي حـ1 - صـ128 ط دار المعرفة لبنان.\r(2) - الميزان حـ1 - صـ52\r(3) - معالم التنزيل حـ1 - صـ40\r(4) - الميزان في تفسير القرآن حـ1 - صـ53 بتصرف يسير","part":1,"page":142},{"id":141,"text":"الكفر في كتاب الله على خمسة أوجه : كفر الجحود والجحود على وجهيين الكفر بترك ما أنزل الله وكفر البراءة وكفر النعم أما كفر الجحود فهو الجحود بالربوبية وهو قول من يقول : \" لا رب ولا جنة ولا نار \" وأما الوجه الآخر فهو الجحود على معرفة ومنه قوله : \" فلما جاءهم ما عرفوا كفروا به فلعنة الله على الكافرين \" {البقرة : 89 }\rالوجه الثالث : من الكفر : كفر النعم {ترك الشكر} ومنه قوله تعالي : \" حكاية عن سليمان – عليه السلام – هذا من فضل ربي ليبلوني أأشكر أم اكفر ومن شكر فإنما يشكر لنفسه ومن كفر فإن ربي غني كريم \" {النمل : 40} وقوله تعالي : \" فاذكروني أذكركم واشكروا لي ولا تكفرون \" {البقرة : 152} وقوله : \" لئن شكرتم لأزيدنكم ولئن كفرتم إن عذابي لشديد \" {إبراهيم : 7}.\rوالوجه الرابع من الكفر : ترك أمر الله عز وجل ومنه قوله : \" وإذا أخذنا ميثاقكم لا تسفكون دماءكم \" إلى قوله \" أفتؤمنون ببعض الكتاب وتكفرون ببعض \" {البقرة : 84 ، 85 ْ }.\rالوجه الخامس من الكفر : كفر البراءة ومنه قوله تعالي حكاية عن إبراهيم – عليه السلام - : \" كفرنا بكم وبدا بيننا وبينكم العداوة والبغضاء أبداً حتى تؤمنوا بالله وحده..... الآية \" {الممتحنة : 4} ومنه قوله تعالي : \" حكاية عن إبليس – عليه لعنة الله – لأهل النار \" إنى كفرت بما أشركتمون من قبل \" {إبراهيم : 22}.\rوقوله تعالي : \" ثم يوم القيامة يكفر بعضكم ببعض ويلعن بعضكم بعضاً \"[ العنكبوت : 25] يعني يتبرأ بعضكم من بعض أهـ.","part":1,"page":143},{"id":142,"text":"وذكر الإمام العلامة الفخر الرازي - رحمه الله - في تفسيره حـ2 صـ 48 هذه القصة قال : ويحكي أن الإمام أبا القاسم الأنصاري سئل عن تكفير المعتزلة في هذه المسألة (1) فقال لا لأنهم نزهوه فسئل عن أهل السنة فقال لا لأنهم عظموه والمعني أن كلا الفريقين ما طلب إلا إثبات جلال الله وعل وكبريائه إلا أن أهل السنة وقع نظرهم على العظمة فقالوا ينبغي أن يكون هو الموجد ولا موجود سواه والمعتزلة وقع نظرهم على الحكمة فقالوا لا يليق بجلال حضرته هذه القبائح. أهـ.\rوقال القاضى عياض فى هذا الشأن بعد كلام مطول ما نصه : وقال غيرهما[أب والمعالى وأبو محمد عبد الحق] من المحققين : الذي يجب الاحتراز عن التكفير في أهل التأويل فإن استبحاة الموحدين خطأ والخطأ في ترك ألف كافر أهون من الخطأ في سفك محجمة من دم مسلم واحد\rوقد قال صلى الله عليه وسلم : [فإذا قالوها ـ يعني الشهادة ـ عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها وحسابهم على الله ]\rفالعصمة مقطوع بها من الشهادة ولا ترتفع ويستباح خلافها إلا بقاطع ولا قاطع من شرع ولا قياس عليه]. أهـ. [الشفا للقاضى عياض حـ2صـ232]\rفائدة\rأخبرنا عبد الرزاق عن معمر عمن سمع الحسن قال لما قتل علي رضي الله عنه الحرورية قالوا من هؤلاء يا أمير المؤمنين أكفار هم ؟ قال : من الكفر فروا قيل فمنافقين قال : إن المنافقين لا يذكرون الله إلا قليلا وهؤلاء يذكرون الله كثيرا قيل فما هم ؟ قال : قوم أصابتهم فتنة فعموا فيها أو صموا]أخرجه عبد الرزاق [18656].\rوقال شيخ الإسلام ـ رحمه الله ـ فى مجموع الفتاوى حـ7ص 326ـ ص330\r__________\r(1) - المراد مسألة خلق أفعال العباد وفيها خلاف عريض بين المعتزلة وأهل السنة.","part":1,"page":144},{"id":143,"text":"ما نصه : قالوا فمن ثم قلنا إن ترك التصديق بالله كفر وإن ترك الفرائض مع تصديق الله أنه قد أوجبها كفر ليس بكفر بالله إنما هو كفر من جهة ترك الحق كما يقول القائل كفرتنى حقى ونعمتى يريد ضيعت حقى وضيعت شكر نعمتى قالوا ولنا فى هذا قدوة بمن روى عنهم من أصحاب رسول الله والتابعين إذ جعلوا للكفر فروعا دون أصله لا ينقل صاحبه عن ملة الإسلام كما أثبتوا للإيمان من جهة العمل فروعا للأصل لا ينقل تركه عن ملة الإسلام من ذلك قول ابن عباس فى قوله (ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون) قال محمد بن نصر حدثنا ابن يحيى حدثنا سفيان ابن عيينة عن هشام يعنى ابن عروة عن حجير عن طاووس عن ابن عباس[ ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون] ليس بالكفر الذى يذهبون إليه حدثنا محمد بن يحيى ومحمد بن رافع حدثنا عبدالرزاق أنبأنا معمر عن ابن طاووس عن أبيه قال سئل ابن عباس عن قوله [ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون] قال هى به كفر قال ابن طاووس وليس كمن كفر بالله وملائكته وكتبه ورسله\rحدثنا إسحاق أنبأنا وكيع عن سفيان عن معمر عن ابن طاووس عن أبيه عن ابن عباس قال هو به كفر وليس كمن كفر بالله وملائكته وكتبه ورسله وبه أنبأنا وكيع عن سفيان عن معمر عن ابن طاووس عن أبيه قال قلت لابن عباس [ومن لم يحكم بما أنزل الله] فهو كافر قال هو به كفر وليس كمن كفر بالله واليوم الآخر وملائكته وكتبه ورسله\rحدثنا محمد بن يحيى حدثنا عبدالرزاق عن سفيان عن رجل عن طاووس عن ابن عباس قال كفر لا ينقل عن الملة\rحدثنا إسحاق انبأنا وكيع عن سفيان عن سعيد المكى عن طاووس قال ليس بكفر ينقل عن الملة\rحدثنا إسحاق أنبأنا وكيع عن سفيان عن ابن جريج عن عطاء قال كفر دون كفر وظلم دون ظلم وفسق دون فسق","part":1,"page":145},{"id":144,"text":"قال محمد بن نصر قالوا وقد صدق عطاء قد يسمى الكافر ظالما ويسمى العاصى من المسلمين ظالما فظلم ينقل عن ملة الإسلام وظلم لا ينقل قال الله تعالى [الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم] وقال [إن الشرك لظلم عظيم] وذكر حديث ابن مسعود المتفق عليه قال لما نزلت[ الذين آمنوا ولم يلبسوا ايمانهم بظلم] شق ذلك على أصحاب النبى وقالوا أينا لم يظلم نفسه قال رسول الله ليس بذلك ألم تسمعوا إلى قول العبد الصالح [إن الشرك لظلم عظيم] إنما هو الشرك حدثنا محمد بن يحيى حدثنا الحجاج بن المنهال عن حماد بن سلمة عن على بن زيد عن يوسف بن مهران عن ابن عباس أن عمر بن الخطاب كان إذا دخل بيته نشر المصحف فقرأ فيه فدخل ذات يوم فقرأ فأتى على هذه الآية [الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم] إلى آخر الآية فانتعل وأخذ رداءه ثم أتى إلى أبى بن كعب فقال يا أبا المنذر أتيت قبل على هذه الآية [الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم] وقد نرى أنا نظلم ونفعل فقال يا أمير المؤمنين إن هذا ليس بذلك يقول الله [إن الشرك لظلم عظيم] إنما ذلك الشرك\rقال محمد بن نصر وكذلك الفسق فسقان : فسق ينقل عن الملة وفسق لا ينقل عن الملة فيسمى الكافر فاسقا والفاسق من المسلمين فاسقا ذكر الله إبليس فقال [ففسق عن أمر ربه] وكان ذلك الفسق منه كفرا وقال الله تعالى [وأما الذين فسقوا فمأواهم النار] يريد الكفار دل على ذلك قوله [كلما أرادوا أن يخرجوا منها أعيدوا فيها وقيل لهم ذوقوا عذاب النار الذى كنتم به تكذبون] وسمى الفاسق من المسلمين فاسقا ولم يخرجه من الإسلام قال الله تعالى [والذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا بأربعة شهداء فاجلدوهم ثمانين جلدة ولا تقبلوا لهم شهادة أبدا وأولئك هم الفاسقون] وقال تعالى [فمن فرض فيهن الحج فلا رفث ولا فسوق ولا جدال فى الحج] فقال العلماء فى تفسير الفسوق ها هنا هى المعاصى قالوا فلما كان الظلم ظلمين والفسق فسقين كذلك الكفر كفران","part":1,"page":146},{"id":145,"text":"أحدهما ينقل عن الملة والآخر لا ينقل عن الملة وكذلك الشرك شركان شرك فى التوحيد ينقل عن الملة وشرك فى العمل لا ينقل عن الملة وهو الرياء قال تعالى [فمن كان يرج ولقاء ربه فليعمل عملا صالحا ولا يشرك بعبادة ربه أحدا] يريد بذلك المراءاة بالأعمال الصالحة وقال النبى (الطيرة شرك)\rقال محمد بن نصر فهذان مذهبان هما فى الجملة محكيان عن أحمد بن حنبل فى موافقيه من أصحاب الحديث حكى الشالنجى إسماعيل بن سعيد أنه سأل أحمد بن حنبل عن المصر على الكبائر يطلبها بجهده إلا أنه لم يترك الصلاة والزكاة والصيام هل يكون مصرا من كانت هذه حاله قال هو مصر مثل قوله [لا يزنى الزانى حين يزنى وهو مؤمن] يخرج من الإيمان ويقع فى الإسلام ومن نحو قوله [لا يشرب الخمر حين يشربها وهو مؤمن ولا يسرق حين يسرق وهو مؤمن] ومن نحو قول ابن عباس فى قوله [ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون] فقلت له ما هذا الكفر فقال كفر لا ينقل عن الملة مثل الإيمان بعضه دون بعض وكذلك الكفر حتى يجئ من ذلك أمر لا يختلف فيه وقال ابن أبى شيبة [لا يزنى الزانى حين يزنى وهو مؤمن] لا يكون مستكمل الإيمان يكون ناقصا من إيمانه قال وسألت أحمد بن حنبل عن الإسلام والإيمان فقال الإيمان قول وعمل والإسلام إقرار قال وبه قال أبو خيثمة وقال ابن أبى شيبة لا يكون الإسلام إلا بإيمان ولا إيمان إلا بإسلام قلت وقد تقدم تمام الكلام بتلازمهما وإن كان مسمى أحدهما ليس هو مسمى الآخر وقد حكى غير واحد إجماع أهل السنة والحديث على أن الإيمان قول وعمل قال أبو عمر بن عبد البر فى التمهيد أجمع أهل الفقه والحديث على أن الإيمان قول وعمل ولا عمل إلا بنية والإيمان عندهم يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية والطاعات كلها عندهم إيمان إلا ما ذكر عن أبى حنيفة وأصحابه فإنهم ذهبوا إلى أن الطاعة لا تسمى إيمانا قالوا إنما الإيمان التصديق والإقرار ومنهم من زاد المعرفة وذكر ما احتجوا به إلى أن","part":1,"page":147},{"id":146,"text":"قال\rوأما سائر الفقهاء من أهل الرأى والآثار بالحجاز والعراق والشام ومصر منهم مالك بن أنس والليث بن سعد وسفيان الثورى والأوزاعى والشافعى وأحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه وأبو عبيد القاسم بن سلام وداود بن على والطبرى ومن سلك سبيلهم فقالوا الإيمان قول وعمل قول باللسان وهو الاقرار واعتقاد بالقلب وعمل بالجوارح مع الإخلاص بالنية الصادقة قالوا وكل ما يطاع الله عز وجل به من فريضة ونافلة فهو من الإيمان والإيمان يزيد بالطاعات وينقص بالمعاصى وأهل الذنوب عندهم مؤمنون غير مستكملى الإيمان من أجل ذنوبهم وإنما صاروا ناقصى الإيمان بارتكابهم الكبائر ألا ترى إلى قول النبى [لا يزنى الزانى حين يزنى وهو مؤمن] الحديث يريد مستكمل الإيمان ولم يرد به نفى جميع الإيمان عن فاعل ذلك بدليل الإجماع على توريث الزانى والسارق وشارب الخمر إذا صلوا إلى القبلة وانتحلوا دعوة الإسلام من قراباتهم المؤمنين الذين ليسوا بتلك الأحوال. أهـ.\rوقال ابن القيم ـ رحمه الله ـ فى إعلام الموقعين حـ3ص51 ما نصه : والله سبحانه وتعالى رفع المؤاخذة عن المتكلم بكلمة الكفر مكرها لما لم يقصد معناها ولا نواها فكذلك المتكلم بالطلاق والعتاق والوقف واليمين والنذر مكرها لا يلزمه شيء من ذلك لعدم نيته وقصده وقد أتى باللفظ الصريح فعلم أن اللفظ إنما يوجب معناه لقصد المتكلم به والله تعالى رفع المؤاخذة عمن حدث نفسه بأمر بغيرتلفظ أو عمل كما دفعها عمن تلفظ باللفظ من غير قصد لمعناه ولا إرادة ولهذا لا يكفر من جرى على لسانه لفظ الكفر سبقا من غير قصد لفرح أو دهش وغير ذلك كما في حديث الفرح الإلهي بتوبة العبد وضرب مثل ذلك بمن فقد راحلته عليها طعامه وشرابه في الأرض المهلكة فأيس منها ثم وجدها فقال اللهم أنت عبدي وأنا ربك أخطأ من شدة الفرح ولم يؤاخذ بذلك أهـ.","part":1,"page":148},{"id":147,"text":"وقال الإمام الغزالي في كتاب التفرقة بين الإسلام والزندقة : والذي ينبغي الاحتراز عن التكفير ما وجد إليه سبيلا فان استباحة الدماء والأموال من المصلين إلى القبلة المصرحين بالتوحيد خطأ والخطأ في ترك ألف كافر في الحياة أهون من الخطأ في سفك دم مسلم.\rقال : وقد وقع التكفير لطوائف من المسلمين يكفر بعضها بعضا ، فالأشعري يكفر المعتزلي زاعما أنه كذب الرسول في رؤية الله تعالى وفي إثبات العلم والقدرة والصفات ، وفي القول بخلق القرآن ، والمعتزلي يكفر الأشعري زاعما أنه كذب الرسول في التوحيد فإن إثبات الصفات يستلزم تعدد القدماء.\rقال والسبب في هذه الورطة الجهل بموقع التكذيب والتصديق ، ووجهه أن كل من نزل قولا من أقوال الشرع على شيء من الدرجات العقلية التى لا تحقق نقصا فهو من التعبد وإنما الكذب أن ننفي جميع هذه المعاني ويزعم أن ما قاله لا معنى له وإنما هو كذب محض وذلك هو الكفر المحض ؛ ولهذا لا يكفر المبتدع المتأول ما دام ملازما لقانون التأويل لقيام البرهان عنده على استحالة الظواهر وهذا كمن يسمع قوله صلى الله عليه وسلم يؤتى بالموت يوم القيامة في صورة كبش أملح فيذبح فان من قام عنده البرهان العقلي على أن الموت عرض أو عدم عرض وإن قلب العرض جسما مستحيل غير مقدور عليه ، فينزل الخبر على أن أهل القيامة يشاهدون ذلك ويعتمدون أن الموت فيكون ذلك موجودا في حسهم لا في الخارج ، ويكون سببا لحصول اليقين باليأس عن الموت. أهـ [المنثور فى القواعد للزركشى حـ3 صـ88 ـ89 باختصار يسير جدا].\rوقد حكى الروياني في البحر عن الإمام الشافعي ـ رضي الله تعالى عنه ـ قال : لا يكفر من أهل القبلة إلا واحدا وهو من نفى علم الله عن الأشياء قبل كونها فهو كافر. أهـ [المنثور فى القواعد للزركشى حـ3 صـ87].","part":1,"page":149},{"id":148,"text":"وقال الشيخ أبو محمد بن عبد السلام : قد رجع الأشعري ـ رحمه الله ـ عند موته عن تكفير أهل القبلة ؛ لأن الجهل بالصفات ليس جهلا بالموصوفات ، وقال اختلفنا في عبارات والمشار إليه واحد ، وقد مثل ذلك بمن كتب إلى عبيده فأمرهم ونهاهم فاختلفوا في صفاته هل هو أبيض أو أسود أو أحمر أو أسمر ، فلا يجوز أن يقال : إن اختلافهم في صفته اختلاف في كونه سيدهم المستحق لطاعتهم وعبادتهم ، فكذلك اختلاف المسلمين في صفات الإله ليس اختلافا في كونه سبحانه وتعالى في جهة كونه خالقهم وسيدهم المستحق لطاعتهم. أهـ [المنثور فى القواعد للزركشى حـ3 صـ90].\rوقال الإمام أبو الحسن السبكي : ما دام الإنسان يعتقد شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله ، فتكفيره صعب. أهـ [المنثور فى القواعد للزركشى حـ3 صـ93].\rوقال الغزالي : ذهبت طائفة إلى تكفير عوام المسلمين لعدم معرفتهم أصول العقائد بأدلتها ، وهو بعيد عقلا ونقلا ، وليس الإيمان عبارة عما اصطلح عليه النظار ، بل هو نور يقذفه الله في القلب ، فلا يمكن التعبير عنه ، كما قال الله تعالى [فمن يرد الله أن يهديه يشرح صدره للإسلام] [الأنعام ـ125] وقد حكم النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ أن من تكلم بلفظة التوحيد أجرى عليه أحكام المسلمين.\rوثبت بهذا أن مأخذ التكفير من الشرع لا من العقل إذا الحكم بإباحة الدم والخلود في النار شرعي لا عقلي خلافا لما ظنه بعض الناس. أهـ [المنثور فى القواعد للزركشى حـ3 صـ94]","part":1,"page":150},{"id":149,"text":"وقال العلامة بدر الدين العينى فى كتابه عمدة القارى جـ1 صـ200 ما نصه : والكفر المطلق هو الكفر بالله وما دون ذلك يقرب منه وتحقيق ذلك ما قاله الأزهري الكفر بالله أنواع : إنكار وجحود وعناد ونفاق ، وهذه الأربعة من لقى الله تعالى بواحد منها لم يغفر له ، فالأول أن يكفر بقلبه ولسانه ولا يعرف ما يذكر له من التوحيد كما قال الله تعالى [إن الذين كفروا سواء عليهم أأنذرتهم] (البقرة 6) الآية أي الذين كفروا بالتوحيد وأنكروا معرفته والثاني أن يعرف بقلبه ولا يقر بلسانه وهذا ككفر إبليس وبلعام وأمية بن أبي الصلت والثالث أن يعرف بقلبه ويقر بلسانه ويأبى أن يقبل الإيمان بالتوحيد ككفر أبي طالب والرابع أن يقر بلسانه ويكفر بقلبه ككفر المنافقين قال الأزهري ويكون الكفر بمعنى البراءة كقوله تعالى حكاية عن الشيطان [إني كفرت بما أشركتمون من قبل] (إبراهيم 22) أي تبرأت قال وأما الكفر الذي هو دون ما ذكرنا فالرجل يقر بالوحدانية والنبوة بلسانه ويعتقد ذلك بقلبه لكنه يرتكب الكبائر من القتل والسعي في الأرض بالفساد ومنازعة الأمر أهله وشق عصا المسلمين ونحو ذلك انتهى وقد أطلق الشارع الكفر على ما سوى الأربعة وهو كفران الحقوق والنعم كهذا الحديث ونحوه وهذا مراده من قوله وكفر دون كفر أهـ","part":1,"page":151},{"id":150,"text":"وقال صاحب التحرير والتنوير ما نصه : والكفر بضم الكاف مصدر سماعي لكفر الثلاثي القاصر وأصله جحد المنعم عليه نعمة المنعم اشتق من مادة الكفر بفتح الكاف وهو الحجب والتغطية لأن جاحد النعمة قد أخفى الاعتراف بها كما أن شاكرها أعلنها. وضده الشكر ولذلك صيغ له مصدر على وزان الشكر وقالوا أيضا كفران على وزن شكران ثم أطلق الكفر في القرآن على الإشراك بالله في العبادة بناء على أنه أشد صور كفر النعمة إذ الذي يترك عبادة من أنعم عليه في وقت من الأوقات قد كفر نعمته في تلك الساعة إذ توجه بالشكر لغير المنعم وترك المنعم حين عزمه على التوجه بالشكر ولأن عزم نفسه على مداومة ذلك استمرار في عقد القلب على كفر النعمة وإن لم يتفطن لذلك فكان أكثر إطلاق الكفر بصيغة المصدر في القرآن على الإشراك بالله ولم يرد الكفر بصيغة المصدر في القرآن لغير معنى الإشراك بالله. وقل ورود فعل الكفر أو وصف الكافر في القرآن لجحد رسالة محمد صلى الله عليه وسلم وذلك حيث تكون قرينة على إرادة ذلك كقوله (ما يود الذين كفروا من أهل الكتاب ولا المشركين) وقوله (ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون) يريد اليهود وأما إطلاقه في السنة وفي كلام أئمة المسلمين فهو الاعتقاد الذي يخرج معتقده عن الإسلام وما يدل على ذلك الاعتقاد من قول أو فعل دلالة لا تحتمل غير ذلك","part":1,"page":152},{"id":151,"text":"وقد ورد إطلاق الكفر في كلام الرسول عليه السلام وكلام بعض السلف على ارتكاب جريمة عظيمة في الإسلام إطلاقا على وجه التغليظ بالتشبيه المفيد لتشنيع ارتكاب ما هو من الأفعال المباحة عند أهل الكفر ولكن بعض فرق المسلمين يتشبثون بظاهر ذلك الإطلاق فيقضون بالكفر على مرتكب الكبائر ولا يلتفتون إلى ما يعارض ذلك في إطلاقات كلام الله ورسوله. وفرق المسلمين يختلفون في أن ارتكاب بعض الأعمال المنهي عنها يدخل في ماهية الكفر وفي أن إثبات بعض الصفات لله تعالى أو نفي بعض الصفات عنه تعالى داخل في ماهية الكفر على مذاهب شتى ومذهب أهل الحق من السلف والخلف أنه لا يكفر أحد من المسلمين بذنب أو ذنوب من الكبائر فقد ارتكبت الذنوب الكبائر في زمان رسول الله صلى الله عليه وسلم والخلفاء فلم يعاملوا المجرمين معاملة المرتدين عن الدين والقول بتكفير العصاة خطر على الدين لأنه يؤول إلى انحلال جامعة الإسلام ويهون على المذنب الانسلاخ من الإسلام منشدا \" أنا الغريق فما خوفي من البلل \". ولا يكفر أحد بإثبات صفة لله لا تنافي كماله ولا نفي صفة عنه ليس في نفيها نقصان لجلاله فإن كثيرا من الفرق نفوا صفات ما قصدوا بنفيها إلا إجلالا لله تعالى وربما أفرطوا في ذلك كما نفى المعتزلة صفات المعاني وجواز رؤية الله تعالى وكثير من الفرق أثبتوا صفات ما قصدوا من إثباتها إلا احترام ظواهر كلامه تعالى كما أثبت بعض السلف اليد والإصبع مع جزمهم بأن الله لا يشبه الحوادث. أ هـ [التحرير والتنوير ج1 ص217 ـ 218 ]\rوقال الشيخ الألبانى ـ رحمه الله ـ فى هذا الشأن فى كتابه فتنة التكفير ص5 ـ6 ما نصه : فلا بد لنا - والحالة هذه - من أن ندندن دائما وأبدا حول هذا الأصل الأصيل إذا أردنا أن نفهم عقيدتنا وأن نفهم عبادتنا وأن نفهم أخلاقنا وسلوكنا","part":1,"page":153},{"id":152,"text":"ولا محيد عن العودة إلى منهج سلفنا الصالح لفهم كل هذه القضايا الضرورية للمسلم حتى يتحقق فيه - صدقا - أنه من الفرقة الناجية\rومن هنا ضلت طوائف قديمة وحديثة حين لم يتنبهوا إلى مدلول الآية السابقة وإلى مغزى حديث سنة الخلفاء الراشدين وكذا حديث افتراق الأمة فكان أمرا طبيعيا جدا أن ينحرفوا كما انحرف من سبقهم عن كتاب الله وسنة رسول صلى الله عليه وسلم ومنهج السلف الصالح\rومن هؤلاء المنحرفين : الخوارج قدماء ومحدثين\rفإن أصل فتنة التكفير في هذا الزمان - بل منذ أزمان - هو آية يدندنون دائما حولها ألا وهي قوله تعالى : [ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون] (44 - المائدة) فيأخذونها من غير فهوم عميقة ويوردونها بلا معرفة دقيقة\rونحن نعلم أن هذه الآية الكريمة قد تكررت وجاءت خاتمتها بألفاظ ثلاثة وهي : } فأولئك هم الكافرون {} فأولئك هم الظالمون {[ 45 - المائدة ]} فأولئك هم الفاسقون {[ 47 – المائدة ]\rفمن تمام جهل الذين يحتجون بهذه الآية باللفظ الأول منها فقط : } فأولئك هم الكافرون { : أنهم لم يلموا على الأقل ببعض النصوص الشرعية - قرآنا أم سنة - التي جاء فيها ذكر لفظة (الكفر) فأخذوها - بغير نظر - على أنها تعني الخروج من الدين وأنه لا فرق بين هذا الذي وقع في الكفر وبين أولئك المشركين من اليهود والنصارى وأصحاب الملل الأخرى الخارجة عن ملة الإسلام\rبينما لفظة الكفر في لغة الكتاب والسنة لا تعني - دائما - هذا الذي يدندنون حوله ويسلطون هذا الفهم الخاطئ المغلوط عليه\rفشأن لفظة} الكافرون {- من حيث إنها لا تدل على معنى واحد - هو ذاته شأن اللفظين الآخرين : } الظالمون {و} الفاسقون {فكما أن من وصف أنه ظالم أو فاسق لا يلزم بالضرورة ارتداده عن دينه فكذلك من وصف بأنه كافر سواء بسواء\rوهذا التنوع في معنى اللفظ الواحد هو الذي تدل عليه اللغة ثم الشرع الذي جاء بلغة العرب - لغة القرآن الكريم","part":1,"page":154},{"id":153,"text":"فمن أجل ذلك كان الواجب على كل من يتصدى لإصدار الأحكام على المسلمين - سواء كانوا حكاما أم محكومين - أن يكون على علم واسع بالكتاب والسنة وعلى ضوء منهج السلف الصالح.\rوالكتاب والسنة لا يمكن فهمهما - وكذلك ما تفرع عنهما - إلا بطريق معرفة اللغة العربية وآدابها معرفة دقيقة\rفإن كان لدى طالب العلم نقص في معرفة اللغة العربية فإن مما يساعده في استدراك ذلك النقص الرجوع إلى فهم من قبله من الأئمة والعلماء وبخاصة أهل القرون الثلاثة المشهود لهم بالخيرية\rولنرجع إلى الآية : [ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون] فما المراد بالكفر فيها ؟ هل هو الخروج عن الملة ؟ أو أنه غير ذلك ؟ \rفأقول : لا بد من الدقة في فهم هذه الآية فإنها قد تعني الكفر العملي وهو الخروج بالأعمال عن بعض أحكام الإسلام\rويساعدنا في هذا الفهم حبر الأمة وترجمان القرآن عبدالله بن عباس ـ رضي الله عنهما ـ الذي أجمع المسلمون جميعا - إلا من كان من تلك الفرق الضالة - على أنه إمام فريد في التفسير فكأنه طرق سمعه يومئذ ما نسمعه اليوم تماما من أن هناك أناسا يفهمون هذه الآية فهما سطحيا من غير تفصيل فقال رضي الله عنه : \" ليس الكفر الذي تذهبون إليه وإنه ليس كفرا ينقل عن الملة وهو كفر دون كفر \"\rولعله يعني بذلك الخوارج الذين خرجوا على أمير المؤمنين علي رضي الله عنه ثم كان من عواقب ذلك أنهم سفكوا دماء المؤمنين وفعلوا فيهم ما لم يفعلوا بالمشركين : فقال : ليس الأمر كما قالوا أو كما ظنوا وإنما هو كفر دون كفر\rهذا الجواب المختصر الواضح من ترجمان القرآن في تفسير هذه الآية هو الحكم الذي لا يمكن أن يفهم سواه من النصوص التي أشرت إليها قبل\rثم إن كلمة (الكفر) ذكرت في كثير من النصوص القرآنية والحديثية ولا يمكن أن تحمل - فيها جميعا - على أنها تساوي الخروج من الملة","part":1,"page":155},{"id":154,"text":"من ذلك مثلا الحديث المعروف في الصحيحين عن عبدالله بن مسعود رضي الله تعالى عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ] سباب المسلم فسوق وقتاله كفر [. فالكفر هنا هو المعصية التي هي الخروج عن الطاعة ولكن الرسول عليه الصلاة والسلام - وهو أفصح الناس بيانا - بالغ في الزجر قائلا... وقتاله كفر\rومن ناحية أخرى هل يمكن لنا أن نفسر الفقرة الأولى من هذا الحديث -] سباب المسلم فسوق [- على معنى الفسق المذكور في اللفظ الثالث ضمن الآية السابقة : [ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الفاسقون] ؟ \rوالجواب : أن هذا قد يكون فسقا مرادفا للكفر الذي هو بمعنى الخروج عن الملة وقد يكون الفسق مرادفا للكفر الذي لا يعني الخروج عن الملة وإنما يعني ما قاله ترجمان القرآن إنه كفر دون كفر\rوهذا الحديث يؤكد أن الكفر قد يكون بهذا المعنى وذلك لأن الله عز وجل قال : [وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما فإن بغت إحداهما على الأخرى فقاتلوا التي تبغي حتى تفيء إلى أمر الله]. إذ قد ذكر ربنا عز وجل هنا الفرقة الباغية التي تقاتل الفرقة المحقة المؤمنة ومع ذلك فلم يحكم على الباغية بالكفر مع أن الحديث يقول : ]...[ وقتاله كفر ]\rإذا فقتاله كفر دون كفر كما قال ابن عباس في تفسير الآية السابقة تماما\rفقتال المسلم للمسلم بغي واعتداء وفسق وكفر ولكن هذا يعني أن الكفر قد يكون كفرا عمليا وقد يكون كفرا اعتقاديا","part":1,"page":156},{"id":155,"text":"من هنا جاء هذا التفصيل الدقيق الذي تولى بيانه وشرحه الإمام - بحق - شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله وتولى ذلك من بعده تلميذه البار ابن قيم الجوزية إذ لهما الفضل في التنبيه والدندنة على تقسيم الكفر إلى ذلك التقسيم الذي رفع رايته ترجمان القرآن بتلك الكلمة الجامعة الموجزة فابن تيمية يرحمه الله وتلميذه وصاحبه ابن قيم الجوزية : يدندنان دائما حول ضرورة التفريق بين الكفر الاعتقادي والكفر العملي وإلا وقع المسلم من حيث لا يدري في فتنة الخروج عن جماعة المسلمين التي وقع فيها الخوارج قديما وبعض أذنابهم حديثا\rوخلاصة القول : إن قوله صلى الله عليه وسلم]... وقتاله كفر [لا يعني - مطلقا - الخروج عن الملة والأحاديث في هذا كثيرة جدا فهي - جميعا - حجة دامغة على أولئك الذين يقفون عند فهمهم القاصر للآية السابقة ويلتزمون تفسيرها بالكفر الاعتقادي\rفحسبنا الآن هذا الحديث لأنه دليل قاطع على أن قتال المسلم لأخيه المسلم هو كفر بمعنى الكفر العملي وليس الكفر الاعتقادي.انتهى كلامه رحمه الله..","part":1,"page":157},{"id":156,"text":"من ذاكرة التاريخ\rقال أبو مخنف عن عطاء بن عجلان عن حميد بن هلال : إن الخارجة التي أقبلت من البصرة جاءت حتى دنت من إخوانها بالنهر ، فخرجت عصابة منهم فإذا هم برجل يسوق بامرأة على حمار فعبروا إليه فدعوه فتهددوه وأفزعوه وقالوا له من أنت ؟ قال أنا عبد الله بن خباب صاحب رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ ثم أهوى إلى ثوبه يتناوله من الأرض وكان سقط عنه لما أفزعوه فقالوا له : أفزعناك ؟ قال : نعم ، قالوا له : لا روع عليك ، فحدثنا عن أبيك بحديث سمعه من النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ لعل الله ينفعنا به قال حدثني أبي عن رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ أن فتنة تكون يموت فيها قلب الرجل كما يموت فيها بدنه يمسي فيها مؤمنا ويصبح فيها كافرا ويصبح فيها كافرا ويمسي فيها مؤمنا ، فقالوا لهذا الحديث سألناك ، فما تقول في أبي بكر وعمر ؟ فأثنى عليهما خيرا. قالوا ما تقول في عثمان في أول خلافته وفي آخرها ؟ قال : إنه كان محقا في أولها وفي آخرها. قالوا فما تقول في علي قبل التحكيم وبعده ؟ قال : إنه أعلم بالله منكم وأشد توقيا على دينه وأنفذ بصيرة ، فقالوا إنك تتبع الهوى وتوالي الرجال على أسمائها لا على أفعالها والله لنقتلنك قتلة ما قتلناها أحدا فأخذوه فكتفوه ثم أقبلوا به وبامرأته وهي حبلى متم حتى نزلوا تحت نخل مواقر فسقطت منه رطبة فأخذها أحدهم فقذف بها في فمه فقال أحدهم بغير حلها وبغير ثمن فلفظها وألقاها من فمه ثم أخذ سيفه فأخذ بيمينه فمر به خنزير لأهل الذمة فضربه بسيفه ، فقالوا هذا فساد في الأرض فأتى صاحب الخنزير فارضاه من خنزيره ، فلما رأى ذلك منهم ابن خباب قال لئن كنتم صادقين فيما أرى فما علي منكم بأس إني لمسلم ما أحدثت في الإسلام حدثا ولقد أمنتموني قلتم لا روع عليك ، فجاؤا به فأضجعوه فذبحوه وسال دمه في الماء ، وأقبلوا إلى المرأة فقالت : إنما أنا امرأة !!! ألا تتقون الله ؟ فبقروا بطنها وقتلوا ثلاث نسوة من طيء وقتلوا أم","part":1,"page":158},{"id":157,"text":"سنان الصيداوية فبلغ ذلك عليا ومن معه من المسلمين من قتلهم عبدالله بن خباب واعتراضهم الناس فبعث إليهم الحارث بن مرة العبدي ليأتيهم فينظر فيما بلغه عنهم ويكتب به إليه على وجهه ولا يكتمه فخرج حتى انتهى إلى النهر ليسائلهم فخرج القوم إليه فقتلوه. أهـ [تاريخ الطبرى حـ3 صـ199]\rومسك الختام فى هذا الموضوع ذكر بعض الأحاديث النبوية عن أسامة بن زيد بن حارثة رضي الله عنهما قال بعثنا رسول الله ـ صلى الله عليه\rوسلم ـ إلى الحرقة من جهينة قال فصبحنا القوم فهزمناهم قال ولحقت\rأنا ورجل من الأنصار رجلا منهم قال فلما غشيناه قال لا إله إلا الله قال فكف عنه الأنصاري فطعنته برمحي حتى قتلته قال فلما قدمنا بلغ ذلك النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ قال فقال لي (يا أسامة أقتلته بعد ما قال لا إله إلا الله). قال قلت يا رسول الله إنما كان متعوذا قال (أقتلته بعدما قال لا إله إلا الله). قال فما زال يكررها علي حتى تمنيت أني لم أكن أسلمت قبل ذلك اليوم) [أخرجه البخارى] [6478]\rوعن أنس بن مالك قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم \" ثلاث من أصل\r : الإيمان الكف عمن قال لا إله إلا الله ولا نكفره بذنب ولا نخرجه عن الإسلام بعمل والجهاد ماض منذ بعثني الله إلى أن يقاتل آخر أمتي الدجال لايبطله جور جائر ولا عدل عادل والإيمان بالأقدار. رواه أبو داود [2532].]\rعن ابن عمر : قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (كفوا عن أهل لا إله إلا الله لا تكفروهم بذنب فمن أكفر أهل لا إله إلا الله فهو إلى الكفر أقرب) رواه الطبرانى فى الكبير [13089].\rوعن المقداد بن عمر والكندي أنه قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم : أرأيت إن لقيت رجلا من الكفار فاقتتلنا فضرب إحدى يدي بالسيف فقطعها ثم لاذ مني بشجرة فقال أسلمت لله أقتله يا رسول الله بعد أن قالها ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم (لا تقتله). فقال يا رسول الله إنه قطع إحدى يدي ثم قال ذلك بعد ما قطعها ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم (لا تقتله فإن قتلته فإنه بمنزلتك قبل أن تقتله وإنك بمنزلته قبل أن يقول كلمته التي قال) أخرجه البخارى [3794]","part":1,"page":159},{"id":158,"text":"______________\rتعليق\rإنما طولنا النفس فى هذا الأمر لخطورته وأهميته ، فقد كان سببا فى فرقة المسلمين وضعفهم ، وعلى كل طالب للحق أن ينظر بعين بصيرته ليفرق بين الحق والباطل ـ والأصل براءة الذمة ـ والله يقول [ولكن ما تعمدت قلوبكم ]وفى صحيح السنة [إنما الأعمال بالنيات] وهذا أصل عظيم فيجب أن نحسن الظن بالمسلمين ، أما تبنى تكفير المخالف فهو مذهب الخوارج فى كل عصر ، وقد تقدمت أحاديث سيد المتقين وإمام المرسلين ـ صلى الله عليه وسلم ـ فى هذا الشأن وكلام المحقين من العلماء المحققين ومنهم الإمام المفترى عليه شيخ الإسلام ابن تيمية ـ رحمه الله ـ والذى صوره بعض من يدعى الانتساب إلى السلف ـ والسلف منه براء ـ وكفر كل من خالفه موهما أن هذا رأى شيخ الإسلام وحاش لله أن يكون مذهب السلف يقول بتكفير المخالف ، ولكن مذهبهم يقوم على التسامح وحسن الظن بالمسلمين وأن رأيى صواب يحتمل الخطأ ورأى غيرى خطأ يحتمل الصواب ، وفى الحقيقة لقد أساء كثير من هؤلاء إلى الإمامين الجليلين ابن تيمية وابن القيم وإلى مذهب السلف عموما ، واقرأ إن شئت كتب الإمامين المحققة اليوم لتقف على هذه الحقيقة المرة والمؤلمة وترى ما وضع فيها من فساد وإفساد يخالف منهج الإمامين ـ رحمهما الله ـ بل إن بعض الصبية فى العقل ممن يدعون التحقيق يعتب على الإمام ابن القيم فى مدارج السالكين لأنه لم يكفر الشيخ الهروى ـ سبحانك هذا بهتان عظيم ـ وهذه جرأة على العلماء [ولحوم العلماء مسمومة] وأهل لا إله إلا الله لهم حرمة يجب أن تصان وحسبنا الله ونعم الوكيل","part":1,"page":160},{"id":159,"text":"وتأمل فى قوله تعالى {وَمَنْ يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آَخَرَ لَا بُرْهَانَ لَهُ بِهِ فَإِنَّمَا حِسَابُهُ عِنْدَ رَبِّهِ}\rهل يفهم من هذه الآية وجود إله آخر لكن لا برهان عليه\rالجواب : كلا وألف كلا\rلأن مجرد تصور الإله الآخر مستحيل فإذا استحال تصوره استحال وجوده من باب أولى وهذا من أعلى درجات نفى الشريك تعالى الله علوا كبيرا {ولم يكن له شريك فى الملك}\rوتأمل فى قوله تعالى {إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ}\rهل يفهم من قوله تعالى {وَرُوحٌ مِنْهُ} أن المسيح عليه السلام جزء من الله ـ حاش الله ـ\rإن هذا الفهم الفاسد تطرق إلى نفس أحد أطباء النصارى عند ما ناظر الإمام الواقدى ـ رحمه الله ـ فقد حمل حرف الجر {من} على التبعيض وهذا عين ما يقوله النصارى ولم يدر أن حرف الجر {من} له أكثر من معنى وأن هذا المعنى الفاسد غير مراد فى الآية ؛ لأن {من} فى الآية الكريمة لابتداء الغاية وليست للتبعيض ، فقال له الإمام الواقدى ـ رحمه الله ـ لو كان المسيح جزء من الله لقوله {وروح منه} لكانت السماوات والأرض جزء من الله لأن الله تعالى قال {وسخر لكم ما فى السماوات والأرض جميعا منه}\rفبهت الذى كفر\rوتأمل فى قوله تعالى {فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ قَتَلَهُمْ وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى\rمع قوله تعالى {فاقتلوا المشركين}\rفالفعل تارة ينسب إلى الله باعتبار الحقيقة والتأثير وتارة ينسب إلى العبد باعتبار مباشرة الفعل ويكفى فى الإضافة أدنى ملابسة\rوتأمل فى قوله تعالى {وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا}\rمع قوله تعالى {وَاللَّهُ يُحْيِي وَيُمِيتُ}\rفهل المعنى واحد\rالجواب : كلا","part":1,"page":161},{"id":160,"text":"كما قلنا يكفى فى الإضافة أدنى ملابسة وشتان بين نسبة الفعل إلى الرب الخالق القادر المؤثر الحقيقى فى الأشياء وبين نسبته إلى العبد المخلوق الضعيف الذى كان سببا فى الحياة فى قوله تعالى {ومن أحياها}\rومن المعلوم أن لنا حياة ولله حياة ولنا قدرة واستطاعة وإرادة وعلم وسمع وبصر ومشيئة وكل ذلك ثابت فى القرآن لكن شتان بين صفات العبد وصفات الرب {ليس كمثله شىء}\rوتأمل فى قوله تعالى {فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ}\rوتأمل فى قوله تعالى {وَتَخْلُقُونَ إِفْكًا}\rفالخلق له معنيان الأول بمعنى التقدير وهذا أعطاه الله تعالى لبعض خلقه كعيسى عليه السلام {أنى أخلق لكم من الطين} أى أقدر ومع ذلك فهو كما أخبر فى الآية {بإذن الله}\rوأما المعنى الثانى للخلق فهو بمعنى الإيجاد من عدم وهذا مختص بالله تعالى لا يتعداه إلى غيره\rأما قوله تعالى {وَتَخْلُقُونَ إِفْكًا} فهو من المعنى الأول {التقدير} لأن الكاذب يقدر الكلام فى ذهنه قبل أن يتكلم به\rوتأمل فى قوله تعالى {سَيُؤْتِينَا اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَرَسُولُهُ إِنَّا إِلَى اللَّهِ رَاغِبُونَ}\rفهل إيتاء الرسول كإيتاء الله تعالى\rالجواب : كلا\rوتأمل فى قوله تعالى {وَارْزُقُوهُمْ فِيهَا وَاكْسُوهُمْ\rفَارْزُقُوهُمْ مِنْهُ وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلًا مَعْرُوفًا}\rمع قوله تعالى {والله يرزق من يشاء بغير حساب}\rفهل المعنى واحد\rالجواب كما هو معلوم : كلا\rوتأمل فى قوله تعالى {أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ}\rفهل الإنعام فى المقامين واحد\rالجواب : كلا\rبل المراد كما قال بعض المفسرين أنعم الله عليه بالإسلام وأنعمت عليه بالعتق\rوتأمل فى قوله تعالى {فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثَانِ وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ }\rفهل من هنا للتبعيض يعنى اجتنبوا الرجس من بعض الأوثان دون البعض\rالجواب : كلا\r","part":1,"page":162},{"id":161,"text":"وتأمل فى قوله تعالى {إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا}\rفهل صلاة الله على النبى ـ صلى الله عليه وسلم ـ كصلاة الملائكة وصلاة المؤمنين\rالجواب : كلا\rوتأمل فى قوله تعالى {لَقَدْ أَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ كِتَابًا فِيهِ ذِكْرُكُمْ}\rوتأمل فى قوله تعالى {إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ}\rهل الكتاب {القرآن} أنزل إلينا أو إلى رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ\r{ يكفى فى الإضافة أدنى ملابسة }\rوتأمل فى قوله تعالى {قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِمَا لَا يَعْلَمُ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ}\rهل يفهم من الآية وجود شىء فِي السَّمَاوَاتِ والْأَرْضِ لا يعلمه الله\rالجواب : كلا\rوالآية كما قال المفسرون ومنهم القرطبى وهذه عبارته الله لا يعلم أن له شريكا إذ لو كان لعلمه فلما لم يعلمه دل على عدمه {الشريك} وهذا كما قلنا فى قوله تعالى {ومن يدع مع الله إلها آخر لا برهان له به}\rفهذا من أعلى درجات نفى الشريك فحاكم أى بلد قد يقول هذه العبارة : أنا لا أعلم أن للبلدة حاكما غيرى مبالغة فى النفى\rوتأمل فى قوله تعالى {أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ}\rفهل يفهم من ذلك عبادة الشمس ؟؟!!!\rالمراد هو معرفة وقت صلاة الظهر\rوتأمل فى قوله تعالى {وَمَنْ أَرَادَ الْآَخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ}\rأثبت الله لنا إرادة\rوتأمل فى قوله تعالى {فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ}\rوهنا أثبت لنا مشيئة لكن إرادتنا ومشيئتنا وقدرتنا مقيدة\rوتأمل فى قوله تعالى {قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ}","part":1,"page":163},{"id":162,"text":"وتأمل فى قوله تعالى {حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا وَهُمْ لَا يُفَرِّطُونَ}\rوتأمل فى قوله تعالى {اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الْأُخْرَى إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى}\rفها المعانى فى الآيات واحدة\rالجواب : كلا\rوتأمل فى قوله تعالى {كُلُّ أُمَّةٍ تُدْعَى إِلَى كِتَابِهَا الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ} ثم قال :\r{هَذَا كِتَابُنَا يَنْطِقُ عَلَيْكُمْ بِالْحَقِّ}\rيكفى فى الإضافة أدنى ملابسة\rوتأمل فى قوله تعالى {وَإِنْ تَظَاهَرَا عَلَيْهِ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ مَوْلَاهُ وَجِبْرِيلُ وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ}\rوتأمل فى قوله تعالى {بَلِ اللَّهُ مَوْلَاكُمْ وَهُوَ خَيْرُ النَّاصِرِينَ}\rوتأمل فى قوله تعالى {ثُمَّ رُدُّوا إِلَى اللَّهِ مَوْلَاهُمُ الْحَقِّ}\rالخلاصة الفعل قد ينسب إلى الله تعالى باعتبار وقد ينسب إلى العبد باعتبار آخر\rومن الأحاديث النبوية\rعن عبد الله بن عمر ـ رضي الله عنهما ـ : أن رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ قال (المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يسلمه ومن كان في حاجة أخيه كان الله في حاجته ومن فرج عن مسلم كربة فرج الله عنه كربة من كربات يوم القيامة ومن ستر مسلما ستره الله يوم القيامة. )\r[ 6551]{ صحيح البخارى}\rعن أبي هريرة قال : قال رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ من نفس عن مؤمن كربة من كرب الدنيا نفس الله عنه كربة من كرب يوم القيامة ومن يسر على معسر يسر الله عليه في الدنيا والآخرة ومن ستر مسلما ستره الله في الدنيا والآخرة\r{صحيح مسلم (2699 )}\rوأنشد أحد العلماء\rيا من يرانى ولا أراه\rكم ذا أراه ولا يرانى\rفقال له تلميذه : كيف تزعم أنك تراه ولا يراك ؟؟!!! فقال :\rيا من يرانى ولا أراه\rكم ذا أراه ولا يرانى\rكم ذا أراه منعما\rولا يرانى لائذا.\rومن المعلوم فى قواعد العربية أن رأى تأتى بصرية بمعنى شاهد ، وتأتى علمية قلبية بصيرية بمعنى علم {تنصب مفعولين} وشتان بين المعنيين\rمن هنا لا نستطيع أن نكفر من استخدم ألفاظا وكلمات استخدمها القرآن واستخدمها رسولنا الأكرم ـ صلى الله عليه وسلم ـ وهى تحمل وجوها متعددة من المعانى فى لغتنا العربية.\rومن أراد مزيد بيان فى هذا الموضوع فليرجع إلى كتاب إيثار الحق على الخلق لابن الوزير والله أعلم أهـ.\rأسأل الله أن يجمع كلمة الأمة وأن يوحد صفها ويجمع شتاتها وأن ينصرها على عدوه وعدوها إنه نعم المولى ونعم النصير","part":1,"page":164},{"id":163,"text":"الإنذار : إعلام مع التخويف / المنذر معلم وليس كل معلم منذراً(1). أهـ\rسؤال : قوله تعالي : \" سواء عليهم ءأنذرتهم أم لم تنذرهم \" لم قال ذلك ولم يقل إنذارك وعدم إنذارك ؟ \rالجواب : قوله تعالي : \" أأنذرتهم أم لم…تنذرهم معناه سواء عليهم إنذارك وعدم إنذارك لهم بعد ذلك لأن القوم قد بلغوا في الإصرار واللجاج والإعراض عن الآيات والدلائل إلى حالة ما بقي فيهم ألبتة رجاء القبول بوجه وقبل ذلك ما كانوا كذلك ولو قال سواء عليهم إنذارك وعدم إنذارك لما أفاد هذا المعني إنما حصل في هذا الوقت دون ما قبله ولما قال ءأنذرتهم أم لم تنذرهم} أفاد أن هذه الحالة إنما حصلت في هذا الوقت فكان ذلك يفيد حصول اليأس وقطع الرجاء منهم (2). أهـ\r((وجه مردود))\rقال الإمام الزمخشري (3) ما نصه : فإن قلت ما تقول فيمن يقلب الثانية ألفاً (4) قلت هو لاحن خارج عن كلام العرب خروجيين أحدهما الإقدام على جمع ساكنين علي غير حدة والثاني : إخطاء طريق التخفيف لأن طريق التخفيف الهمزة المتحركة المفتوح ما قبلها أن تخرج بين بين فأما القلب ألفا فهو تخفيف الهمزة الساكنة المفتوحة ما قبلها كهمزة رأس... أهـ\rسؤال : فإن قيل إن كان يستوي الإنذار وعدمه فما فائدته ؟ \r__________\r(1) - معالم التنزيل حـ1 - صـ40\r(2) التفسير الكبير حـ2 - صـ285\r(3) - الكشاف حـ1 - صـ56 - 57\r(4) - هذه راوية ورش عن نافع في مثل قوله تعالى \"\" أأنذرتهم \" بتسهيل الهمزة الثانية بين بين أو بإبدالها ألفًا مع الإشباع [تمد ست حركات] وهذه قراءة متواترة قرأ بها رسول الله صلى الله عليه وسلم - فكيف يحكم على من يقرأ بها بأنه لاحن [مخطئ] ؟!! فالأولى تقديم ما قرأ به رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وهجر رأي الإمام الزمخشري.","part":1,"page":165},{"id":164,"text":"والجواب : لإقامة الحجة وكان في هذا قطعاً لطمع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في إيمانهم (1). أهـ\rوقال الكرماني - رحمه الله - \" سواء عليهم \" {البقرة : 6} وفي يس بزيادة وا ولأن ما في البقرة جملة هي خبرها عن اسم إن وما في يس جملة عطفت بالوا وعلى جملة (2). أهـ\rسؤال : فإن قيل : لم اقتصر على الإنذار ولم يذكر البشارة في قوله تعالى : \" أأنذرتهم أم لم تنذرهم \" ؟ \rالجواب : لأنهم ليسوا أهلاً للبشارة ولأن الإنذار أوقع في القلوب ومن لم يتأثر به فلأن لا يرفع البشارة رأساً - أولى (3). أهـ\rقوله تعالى (ختم الله على قلوبهم وعلى سمعهم... الآية )\rيقول الحقّ جلّ جلاله : يا محمد {إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا} بما أنزل إليك جهراً ، وسبقت لهم مني الشقاوة سرّاً ، لا ينفع فيهم الوعظ والإنذار ، ولا البشارة والتذكار ، فإنذارك وعدمه في حقهم سواء ، لما سبق لهم مني الطرد والشقاء ، فالتذكير في حقهم عناء ، والغيبة عن أحوالهم راحة وهناء ، لأني ختمتُ على قلوبهم بطابع الكفران ، فلا يهتدون إلى إسلام ولا إيمان ، ومنعت أسماعهم أن تصغي إلى الوعظ والتذكير ، فلا ينجع فيهم تخويف ولا تحذير ، وغشيت أبصارهم بظلمة الحجاب فلا يبصرون الحق والصواب ، قد أعددتُهم لعذابي ونقمتي ، وطردتهم عن ساحة رحمتي ونعمتي.\r__________\r(1) - تفسير السعدي صـ35 - بتصرف يسير\r(2) - أسرار التكرار في القرآن للكرماني صـ22 ط دار الاعتصام - بالقاهرة\r(3) - محاسن التأويل حـ2 - صـ273 - بتصرف يسير","part":1,"page":166},{"id":165,"text":"وإنما أمرتك بإنذارهم لإقامة الحجة عليهم ، وإني وإن حكمت عليهم أنهم من أهل مخالفتي وعنادي ؛ فإني لا أظلم أحداً من خلقي وعبادي ، { قُلْ فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ فَلَوْ شَآءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ }[الأنعَام : 149]. فما ظلمتُهم ؛ لأني بعثتُ الرسلَ مبشرين ومنذرين ، ولكن ظلموا أنفسهم فكانوا هم الظالمين ، فحكمتي اقتضيت الإنذار ، وقدرتي اقتضت القهر والإجبار ، فالواجب عليك أيها العبد أن تكون لك عينان : عين تنظر لحكمتي وشريعتي فتتأدب ، وعينٌ تنظر لقدرتي وحقيقتي فتُسلم ، وتكون بي الأمن والرّهْب ، فلا تأمَنْ مَكْرِي وإن أمَّنتُك ، ولا تيأس من حلمي وإن أبعدتك ، فعلمي لا يحيط به محيط ، إلا من هو بكل شيء محيط.. أهـ [البحر المديد حـ1 صـ65.\rمسألة الجبر\rأول سؤال يطرح في هذا المجال يدور حول مسألة الجبر ، التي قد تتبادر إلى الأذهان من قوله تعالى : (خَتَمَ اللهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَعَلى سَمْعِهِمْ وَعَلى أبْصَارِهِمْ غِشاوَةٌ..) فهذا الختم يفيد بقاء هؤلاء في الكفر إجباراً ، دون أن يكون لهم اختيار في الخروج من حالتهم هذه. أليس هذا بجبر ؟ وإذا كان جبراً فلماذا العقاب ؟ ","part":1,"page":167},{"id":166,"text":"القرآن الكريم يجيب على هذه التساؤلات ويقول : إن هذا الختم وهذا الحجاب هما نتيجة إصرار هؤلاء ولجاجهم وتعنتهم أمام الحق ، واستمرارهم في الظلم والطغيان والكفر. يقول تعالى : (بَلْ طَبَعَ اللهُ عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ) ويقول : (كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللهُ عَلى كُلِّ قَلْبِ مُتَكَبِّر جَبَار) ويقول أيضاً : (اأفَرَأيْتَ مَنِ اتَّخَذ إلَهَهُ هَوَاهُ وَأضَلَّهُ اللهُ عَلَى عِلْم وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلى بَصَرِهِ غِشاوَةً) كل هذه الآيات تقرر أنّ السبب في سلب قدرة التشخيص ، وتوقف أجهزة الإدراك عن العمل يعود إلى الكفر والتكبر والتجبر واتباع الهوى واللجاج والعناد أمام الحق ، هذه الحالة التي تصيب الإنسان ، هي في الحقيقة ردّ فعل لأعمال الإنسان نفسه.\rمن المظاهر الطبيعية في الموجود البشري ، أن الإنسان لو تعوّد على انحراف واستأنس به ، يتخذ في المرحلة الأُولى ماهية الـ «حالة» ثمّ يتحول إلى «عادة» وبعدها يصبح «ملكة» وجزءً من تكوين الإنسان حتى يبلغ أحياناً درجة لا يستطيع الإنسان أن يتخلّى عنها أبداً ، لكن الإنسان اختار طريق الانحراف هذا عن علم ووعي ، ومن هنا كان هو المسؤول عن عواقب أعماله ، دون أن يكون في المسألة جبر تماماً ، مثل شخص فقأ عينيه وسدَّ أُذنيه عمداً ، كي لا يسمع ولا يرى.\rول ورأينا أن الآيات تنسب الختم وإسدال الغشاوة إلى الله ، فذلك لأن الله هو الذي منح الانحراف مثل هذه الخاصية. (تأمّل بدقّة). أهـ [الأمثل فى تفسير الكتاب المنزل للشيرازى حـ1 صـ 104].\rلطيفة\rقال الإمام القرطبي(1) - رحمه الله - ما نصه :\r__________\r(1) - تفسير القرطبي حـ1 - صـ 136 - 137","part":1,"page":168},{"id":167,"text":"\" وقال أهل المعاني : وصف الله قلوب الكفار بعشرة أوصاف بالختم والطبع والضيق والمرض والرين والموت والقساوة والانصراف والحمية والإنكار فقال في الإنكار : \" قلوبهم منكرة وهم مستكبرون \" [النحل : 22] وقال في الحمية : \" إذ جعل الذين كفروا في قلوبهم الحمية \" {الفتح : 26} وقال في الانصراف \" ثم انصرفوا صرف الله قلوبهم بأنهم قوم لا يفقهون \" {التوبة : 127 }\rوقال في القساوة : \" فويل للقاسية قلوبهم من ذكر الله \" {الزمر : 22} وقال : \" ثم قست قلوبكم من بعد ذلك \" {البقرة : 74} وقال في الموت : \" أو من كان ميتاً فأحييناه \" {الأنعام : 122} وقال في الرين : \" كلا بل ران على قلوبهم ما كانوا يكسبون \" {المطففين : 14 }\rوقال في المرض : \" في قلوبهم مرض \" {البقرة : 20} وقال في الضيق : \" ومن يرد أن يضله يجعل صدره ضيقاً حرجاً \" {الأنعام : 125} وقال في الطبع : \" فطبع على قلوبهم فهم لا يفقهون \" {المنافقون : 3} وقال : \" بل طبع الله عليها بكفرهم \" {النساء : 155} وقال في الختم : \" ختم الله على قلوبهم \" {البقرة : 7} أهـ\rوذكر ابن القيم - رحمه الله - في شفاء العليل : أن الله عاقب الكفار بأمور تمنعهم من الإيمان وذكر منها :\rالختم والطبع والأكنة والغطاء والغلاف والحجاب والوقرة والغشاوة والران والغل والسد والقفل والصمم والبكم والعمى والصد والصرف والشد على القلب والضلال والإغفال وتقليب الأفئدة والحول بين المرء\rوقلبه وإزاغة القلوب والخذلان والتثبيط والتزيين وعدم الإرادة هداهمم وتطهيرهم وإماتة قلوبهم بعد خلق الحياة فيها فتبقي على الموت الأصلي وإمساك النور عنها فتبقي في الظلمة الأصلية وجعلها قاسية لا ينطبع فيه مثال الهدى وصورته وجعل الصدر ضيقاً حرجاً لا يقبل الإيمان.\rوهذه الأمور منها ما يرجح إلى القلب كالختم والطبع والقفل والأكنة والمرض ونحوها.","part":1,"page":169},{"id":168,"text":"ومنها ما يرجع إلى رسوله الموصل إليه الهدى كالصمم والوقر ومنها ما يرجع إلى طليعته ورائده كالعمى والغشاوة ومنها ما يرجع إلى ترجمانه ورسوله المبلغ عنه كالبكم النطقي وهو نتيجة البكم القلبي فإذا بكم القلب بكم اللسان (1). أهـ.\rقال الخازن - رحمه الله - \" ختم الله علي قلوبهم \" أي طبع الله عليها فلا تعي خيراً ولا تفهمه وأصل الختم التغطية وحقيقته الاستيثاق من الشيء لكي لا يخرج منه ما حصل فيه ولا يدخله ما خرج منه ومنه ختم الكتاب(2). أهـ\rسؤال : فإن قيل لم خص القلب بالختم دون سائر الجوارح ؟ \rفالجواب : لأنه محل الفهم والعلم (3). أهـ\rسؤال : \" فإن قيل لم جمع الأبصار ووحد السمع ؟ \rفالجواب : إنما وحده لأنه مصدر يقع للقليل والكثير يقال سمعت الشيء أو اسمعه سمعاً وسماعاً فالسمع مصدر سمعت والسمع أيضاً اسم الجارحة\rالمسموع بها سميت بالمصدر وقيل إنه لما أضاف السمع إلى الجماعة دل على أنه يراد به أسماع الجماعة (4). أهـ\rلماذا جاءت «قُلُوبُهُمْ» و«أَبْصَارُهُمْ» بصيغة الجمع ، و«سَمْعُهُمْ» بصيغة المفرد ؟ \rيتكرر في القرآن استعمال القلب والبصر بصيغة الجمع : قلوب وأبصار ، بينما يستعمل السمع دائماً بصيغة المفرد ، فما السرّ في ذلك ؟ \rقبل الإجابة لابد من الإشارة إلى أن القرآن استعمل السمع والبصر بصيغة المفرد أيضاً كقوله تعالى : (وَخَتَمَ عَلى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلى بَصَرِهِ غِشَاوَةً).\r__________\r(1) - شفاء العليل لابن القيم حـ1 - صـ92 - بتصرف يسير - ط دار الفكر - بيروت\r(2) - تفسير الخازن حـ1 - صـ24\r(3) - تفسير الخازن - حـ1 - صـ24\r(4) - تفسير القرطبي ح ـ صـ139","part":1,"page":170},{"id":169,"text":"الشّيخ الطّوسي(رحمه الله) في تفسير «التبيان» ذكر نقلا عن لغوي معروف ، أن سبب ذلك قد يعود إلى أحد أمرين : أولهما : إن كلمة «السمع» قد تستعمل باعتبارها اسم جمع ، ولا حاجة عندئذ إلى جمعها. ثانياً : إن كلمة «السمع» لها معنى المصدر ، والمصدر يدل على الكثير والقليل ، فلا حاجة إلى جمعه.\rويمكننا أن نضيف إلى ما سبق تعليا ذوقياً وعلمياً هو أن الإدراكات القلبية والمشاهدات العينية تزيد بكثير على «المسموعات» ، ولذا جاءت القلوب والأبصار بصيغة الجمع ، والفيزياء الحديثة تقول لنا إن الأمواج الصوتية المسموعة معدودة لا تتجاوز عشرات الآلاف ، بينما أمواج النور والألوان المرئية تزيد على الملايين. (تأمل بدقة). أهـ الأمثل فى تفسير الكتاب المنزل للشيرازى حـ1 صـ107\rوقال فى نظم الدرر ما نصه : {وعلى سمعهم} فهم لا يسمعون حق السمع ، وأفرده لأن التفاوت فيه نادر ، قال الحرالي : وشرّكه في الختم مع القلب ؛ لأن أحداً لا يسمع إلا ما عقل. أهـ [نظم الدرر للبقاعى حـ1 صـ22 ]\r\" وعلى سمعهم \"\rأي وختم على موضع سمعهم فلا يسمعون الحق ولا ينتفعون به وعلى أبصارهم غشاوة الغشاوة الغطاء ومنه السرج أي وحصل على أبصارهم غشاوة فلا يرون الحق وهي غطاء التعامي عن آيات الله ودلائل توحيده.\r\" ولهم عذاب عظيم \" يعني فىالآخرة وقيل الأسر والقتل في الدنيا والعذاب الأليم الدائم في العقبي وحقيقة العذاب هو كل ما يؤلم الإنسان ويعييه ويشق عليه وقيل هو الإيجاع الشديد وقيل هو ما يمنع الإنسان.من مراده ومنه الماء العذب لأنه يمنع العطش والعظيم ضد الحقير(1). أهـ\r\" فائدة \"\rالفرق بين العظيم والكبير أن العظيم نقيض الحقير والكبير نقيض الصغير فكأن العظيم فوق الكبير كما أن الحقير دون الصغير ويستعملان في الجثث والأحداث جميعاً تقول رجل عظيم وكبير وتريد جثته أو خطره.\r__________\r(1) - تفسير الخازن حـ1 - صـ25 - بتصرف يسير","part":1,"page":171},{"id":170,"text":"سؤال : ما معنى التنكير في قوله \" غشاوة \" الجواب : أن على أبصارهم نوعاً من الأغطية غير ما يتعارفه الناس وهو غطاء التعامي عن آيات الله ولهم من بين الآلام العظام نوع عظيم لا يعلم كنهه إلا الله (1). أهـ\r\" ختم الله على قلوبهم وعلى سمعهم وعلى أبصارهم غشاوة \"\rسؤال : فإن قيل لم خص الله هذه الأعضاء بالذكر ؟ \rفالجواب : قيل إنها طرق العلم ، فالقلب محل العلم وطريقه السماع أو الرؤية(2)أهـ\rسؤال : ما الفائدة في تكرير الجار في قوله \" وعلى سمعهم \"\rالجواب أنها لما أعيدت للأسماع كان أدل على شدة الختم في الموضعين(3).أهـ\rقال صاحب الميزان (4)- رحمه الله - وقوله تعالي \" ختم الله على قلوبهم وعلى سمعهم \" يشعر تغيير السياق حيث نسب الختم نفسه إلى نفسه تعالي والغشاوة إليهم أنفسهم بأن فيهم حجاباً دون الحق في أنفسهم وحجاباً من الله تعالي عقيب كفرهم وفسوقهم ، فأعمالهم متوسطة بين حجابين من ذاتهم ومن الله تعالي أهـ.\rثم قال - واعلم أن الكفر كالإيمان وصف قابل للشدة والضعف فله مراتب مختلفة الآثار كالإيمان. أهـ\rوقال العلامة ابن القيم (5)- رحمه الله - وقال أبو إسحاق معنى ختم وطبع في اللغة واحد وهو التغطية على الشيء والاستيثاق منه فلا يدخله شيء كما قال الله تعالي : \" أم على قلوب أقفالها \" {محمد : 24} وكذلك قوله : \" وطبع الله على قلوبهم \" {البقرة : 94 }\rقلت : الختم والطبع يشتركان في ذكر ويفترقان في معني آخر وهو أن الطبع ختم يصير سجية وطبيعة فهو تأثير لازم لا يفارق. أهـ\r__________\r(1) - الكشاف حـ1 ص62 - بتصرف يسير\r(2) - مجمع البيان حـ1 - صـ131\r(3) - التفسير الكبير حـ2 - صـ295\r(4) - الميزان حـ1 - صـ52 - بتصرف يسير\r(5) - شفاء العليل صـ92 - بتصرف يسير","part":1,"page":172},{"id":171,"text":"وقال ابن جزى (1)– رحمه الله - : \" ختم \" تعليل لعدم إيمانهم وهو عبارة عن إضلاهم فهو مجاز وقيل حقيقة وإن القلب كالكف ينقبض مع زيادة الضلال إصبعاً إصبعاً حتى يختم عليه والأول أبرع – غشاوة – مجاز مرسل باتفاق ، وفيه دليل على وقوع المجاز في القرآن خلاف لمن منعه.أهـ\rفإن قيل : لماذا قدم هنا القلوب على السمع فقال (ختم الله على قلوبهم وسمعهم) وعكس فى الجاثية فقال (وختم على سمعه وقلبه) ؟ \rفالجواب كما ذكره البقاعى : \rولما سوى هنا بين الإنذار وعدمه كانت البداءة بالقلوب أنسب تسوية لهم بالبهائم ، ولما كان الغبي قد يسمع أو يبصر ، فيهتدي وكان إلى السمع أضر لعمومه وخصوص البصر بأحوال الضياء نفى السمع ثم البصر تسفيلاً لهم عن حال البهائم ، بخلاف ما في الجاثية ، فإنه لما أخبر فيها بالإضلال ، وكان الضال أحوج شيء إلى سماع الهادي نفاه ، ولما كان الأصم ، إذا كان ذا فهم أو بصر أمكنت هدايته ، وكان الفهم أشرف نفاهما على ذلك الترتيب.أهـ\r[ نظم الدرر للبقاعى حـ1 صـ22 ]\r__________\r(1) - التسهيل حـ1 – صـ37 – بتصرف يسير","part":1,"page":173},{"id":172,"text":"( وإذا قيل لهم لا تفسدوا في الأرض.... الآية )\rالفساد : خروج الشيء عن الحالة اللائقة ، والصلاح مقابله ، والفساد في تهييج الحروب والفتن المتتبعة لزوال الاستقامة عن أحوال العباد واختلال أمر المعاش والمعاد ، والمراد بما نهوا عنه ما يؤدي إلى ذلك من إفشاء أسرار المؤمنين إلى الكفار وإغرائهم عليهم وغير ذلك من فنون الشرور ، يقال للرجل : (لا تقتل نفسك بيدك ولا تلق نفسك في النار إذا قدم على ما تلك عاقبته.\rقوله (قالوا إنما نحن مصلحون) جواب (إذا) وهو العامل فيها أي نحن مقصورون على الإصلاح المحض بحيث لا يتعلق به شائبة الإفساد والفساد ، وهذا الجواب منهم رد للناصح على أبلغ وجه ،\rوالمعنى أنه لا تصح مخاطبتنا بذلك ، فإن شأننا ليس إلا الإصلاح ، وإن حالنا متحمضة عن شوائب الفساد ، لأن إنما تفيد قصر ما دخلته على ما بعدها مثل : إنما زيد منطلق ، وإنما ينطلق زيد ، وإنما قالوا ذلك لأنهم تصوروا الفساد بصورة الصلاح لما في قلوبهم من المرض كما قال تعالى : (أفمن زين له سوء عمله فرآه حسناً) (فاطر : 8) قوله رداً عليهم)(1) وعبارة السمين والتأكيد (بأن) وبضمير الفصل ، وتعريف الخبر للمبالغة في الرد عليهم لما ادعوه من قولهم (إنما نحن مصلحون) لأنهم أخرجوا الجواب جملة اسمية مؤكدة بإنما ليدلوا بذلك على ثبوت الوصف لهم فرد الله عليهم بأبلغ وأوكد بما ادعوه (2). أهـ\r(سؤال) : فإن قلت : كيف يصح النفاق مع المجاهرة بقولهم (أنؤمن كما آمن السفهاء)\r(الجواب) كانوا يظهرون هذا القول فيما بينهم لا عند المؤمنين (1). أهـ\r(سؤال) : فإن قيل كيف عبر في الآية السابقة بقوله (ولكن لا يشعرون) وفي هذا الآية (ولكن لا يعلمون) ؟\r__________\r(1) 1 ـ المراد قوله تعالى (ألا إنهم هم المفسدون) 2 ـ الفتوحات الإلهية ج 1 ص31 3- تفسير الخازن جـ1 صـ27","part":1,"page":174},{"id":173,"text":"(والجواب) لأن التعبير بـ (لا يعلمون) أكثر مطابقة لذكر السفه ، لأن السفه جهل مطابقة العلم ، ولأن أمر الإيمان أخروي يحتاج إلى دقة نظر فعبر في الآية التي اشتملت عليه بـ (لا يعلمون) وأمر البغي والفساد دينوي فهو كالمحسوس لا يحتاج إلى دقة نظر فعبر في الآية التي اشتملت عليه بـ (لا يشعرون) (1) أهـ\rوقال ابن الأثير ما نصه : وقوله تعالى (وإذا قيل لهم آمنوا كما آمن الناس قالوا أنؤمن كما آمن السفهاء ألا إنهم هم السفهاء ولكن لا يعلمون) ألا ترى كيف فصل الآية الأخرى بـ [يعلمون] والآية التي قبلها بـ [يشعرون] ، وإنما فعل ذلك ؛ لأن أمر الديانة والوقوف على أن المؤمنين على الحق وهم على الباطل يحتاج إلى نظر واستدلال حتى يكتسب الناظر العلم والمعرفة بذلك ، وأما النفاق وما فيه من البغي المؤدي إلى الفتنة والفساد في الأرض فأمر دنيوي مبني على العادات معلوم عند الناس خصوصا عند العرب وما كان فيهم من التحارب والتغاور ، فهو كالمحسوس عندهم ، فلذلك قال فيه\r( لا يشعرون) وأيضا فإنه لما ذكر السفه في الآية الأخيرة وهو جهل كان ذكر العلم معه أحسن طباقا فقال (لا يعلمون). أهـ [المثل السائر فى أدب الكاتب والشاعر لابن الأثير حـ2 صـ284]\rقوله تعالى : (وإذا قيل لهم لا تفسدوا في الأرض قالوا إنما نحن مصلحون)\rقال ابن الجوزي – رحمه الله –\rفي المراد بالإفساد هنا خمسة أقوال\rأحدهما : أنه الكفر ، والثاني : العمل بالمعاصي ، الثالث : الكفر\rوالرابع : ترك امتثال الأوامر واجتناب النواهي والخامس : أنه النفاق الذي صادفوا به الكفار وأطلعوهم على أسرار المؤمنين.\rوفي قوله (مصلحون) خمسة أقوال : \rأحدهما : إنكار ما عرفوا به وتقديره : ما فعلنا شيئاً يوجب الفساد\rوالثاني : أن معناه إنا قصدنا الإصلاح بين المسلمين والكافرين\rوالثالث : أنهم أرادوا مصافاة الكفار : صلاح لا فساد\r__________\r(1) - السراج المنير جـ1 صـ25","part":1,"page":175},{"id":174,"text":"والرابع : أنهم أرادوا أن فعلنا هذا هو الصلاح ، وتصديق محمد - صلى الله عليه وسلم - هو الفساد\rوالخامس : أنهم ظنوا أن مصافاة الكفار صلاح في الدنيا لا في الدين ، لأنهم اعتقدوا أن الدولة إن كانت للنبي - صلى الله عليه وسلم - فقد أمنوه بمبايعته وإن كانت للكفار فقد أمنوهم بمصافاتهم (1). آهـ\rقوله تعالى (وإذا قيل لهم آمنوا كما آمن الناس.. الآية) (آمنوا كما آمن الناس) يعني المهاجرين والأنصار ، وقيل عبد الله بن سلام وأصحابه من مؤمني أهل الكتاب (ألا إنهم هم السفهاء) يعني الجهال ، وأصل السفه خفة العقل ورقة العلم ، وإنما سمى الله المنافقين سفهاء ، لأنهم كانوا عند أنفسهم عقلاء رؤساء فقلب ذلك عليهم وسماهم سفهاء (2). أهـ\r( الله يستهزئ بهم )\rوقيل : إن ضرر استهزائهم بالمؤمنين راجع عليهم وغير ضار بالمؤمنين فيصير كأن الله استهزأ بهم.\rوقيل : إن من آثار الاستهزاء حصول الهوان والحقارة ، فذكر الاستهزاء والمراد حصول الهوان لهم تعبير بالسبب عن المسبب (3). أهـ\r(سؤال) فإن قيل : كيف ابتدأ قوله (الله يستهزئ بهم) ولم يعطف على الكلام الذي قبله ؟ \r(الجواب) هو استئناف في غاية الجزالة والفصاحة ، وفيه أن الله تعالى هو الذي يستهزئ بهم استهزاء العظيم الذي يصير استهزاؤهم في مقابلته كالعدم وفيه أيضاً أن الله هو الذي يتولى الاستهزاء بهم انتقاماً للمؤمنين ، ولا يحوج المؤمنين إلى أن يعارضوهم باستهزاء مثله. (4) أهـ\r(سؤال) هلا قيل : إن الله مستهزئ بهم ليكون مطابقاً لقوله (إنما نحن مستهزئون)\r(الجواب) لأن يستهزئ يفيد حدوث الاستهزاء وتجدده وقتاً بعد وقت.(5) أهـ\rقوله تعالى (ويمدهم في طغيانهم يعمهون)\r__________\r(1) - زاد المسير جـ1 صـ32 ، باختصار يسير\r(2) - تفسير الخازن جـ1 صـ27. بتصرف يسير\r(3) - التفسير الكبير جـ2 صـ309 بتصرف يسير\r(4) - التفسير الكبير جـ2 صـ309\r(5) - نفس المرجع السابق صـ310","part":1,"page":176},{"id":175,"text":"قوله تعالى (يعمهون) يعمون وقال مجاهد أي : يترددون متحيرين في الكفر والعمي في العين والعمه في القلب ، وفي التنزيل (فإنها لا تعمى الأبصار ولكن تعمى القلوب التي في الصدور) (الحج : 46) (1) أهـ\rوقال صاحب الكشاف : والعمه مثل العمى ، إلا أن العمى عام في البصر والرأي (2) ، والعمه في الرأي خاصة ، وهو التحير والتردد ، لا يدري أين يتوجه ومنه قوله : \rبالجاهلين العمه ، أي الذين لا رأي لهم ولا دراية بالطرق ، وسلك أرضاً عمهاء : لا منار بها (3). أهـ\r(الله يستهزئ بهم )\rنقل ابن كثير (4)- رحمه الله - عن الإمام الطبري ما ملخصه (الله يستهزئ بهم)\rهذا وما أشبهه من استهزاء الله - تعالى ذكره ـ وسخريته ومكره وخديعته للمنافقين وأهل الشرك به عند قائل هذا القول ومتأول هذا التأويل.\rوهذا القول إن ذلك جواب ومقابلة على صنيعهم\rوقال آخرون : هذا وأمثاله على سبيل المثال الجواب ، كقوله الرجل لمن يخدعه إذا ظفر به أنا الذي خدعتك ، ولم يكن منه خديعة ، ولكن قال ذلك إذا صار الأمر إليه قالوا.\rوكذلك قوله تعالى : (ومكروا ومكر الله والله خير الماكرين) و(الله يستهزئ بهم على الجواب ، والله لا يكون منه المكر ولا الهزء\rوالمعنى أن المكر والهزء حاق بهم\rوقال آخرون : المراد استهزاؤه بهم توبيخه إياهم ولومه لهم على ما ركبوا من معاصيهم والكفر.\rوقيل إن هذه كناية عن جزائهم. أهـ\r__________\r(1) - تفسير القرطبى جـ1 صـ152 بتصرف يسير\r(2) - هذا الأصل يصلح أن يكون جواباً للجمع بين قوله تعالى (فإنها لا تعمي الأبصار ولكن تعمي القلوب التي في الصدور ، وبين قوله في سورة محمد (فأصمهم وأعمى أبصارهم) والله أعلم\r(3) - الكشاف جـ1 صـ76\r(4) - تفسير ابن كثير جـ1 صـ67. بتصرف يسير","part":1,"page":177},{"id":176,"text":"وقال أبو السعود (1) : (الله يستهزئ بهم) أي يجازيهم على استهزائهم سمى جزاؤه كما سمى جزاء السيئة سيئة إما للمشاكلة في اللفظ ، أو المقارنة في الوجود ، أو وبال الاستهزاء عليهم فيكون كالمستهزئ بهم ، أو ينزل بهم الحقارة والهوان الذي هو لازم الاستهزاء ، أو يعاملهم معاملة المستهزئ بهم ، أما في الدنيا فبإجراء أحكام المسلمين عليهم واستدراجهم بالإمهال والزيادة في النعمة على التمادي.\rالتمادي في الطغيان ، أما في الآخرة فبما يروى أنه يفتح لهم باب إلى الجنة فيسرعون نحوه فإذا صاروا إليه سد عليهم الباب وذلك قوله (فاليوم الذين آمنوا من الكفار يضحكون) (المطففين : 34) أهـ\r(وقيل إن الاستهزاء من الله التخطئة لهم والتجهيل فمعناه أن الله يخطئ فعلهم ويجهلهم في الإقامة على كفرهم ، وقيل إن الاستهزاء بهم أن يقال لأحدهم وهو في غاية الذل (ذق إنك أنت العزيز الكريم) (الدخان : 49) (2) أهـ\rقوله تعالى : (الله يستهزئ بهم )\rقال القرطبي (3) - رحمه الله - (الله يستهزئ بهم) أي ينتقم منهم ويعاقبهم ويسخر بهم ويجازيهم على استهزائهم ، فسمى العقوبة باسم الذنب هذا قول الجمهور من العلماء ، والعرب تستعمل ذلك كثيراً في كلامهم ، من ذلك قول عمر وبن كلثوم : \rألا لا يجهلن أحد علينا.... فنجهل فوق جهل الجاهلين\rفسمى انتصاره جهلاً ، والجهل لا يفتخر به ذ وعقل ، وعلى ذلك جاء الكتاب والسنة وقال الله - عز وجل - (وجزاء سيئة سيئة مثلها) (الشورى : 40) وقال : (فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم) (البقرة : 194) والجزاء لا يكون سيئة ، والقصاص اعتداء ، لأنه حق وجب ، ومثله (ومكروا ومكر الله) (آل عمران : 54) و(إنهم يكيدون كيداً وأكيد كيداً) (الطارق : 15-16) و(إنما نحن مستهزؤن الله يستهزئ بهم) (البقرة : 14-15)\r__________\r(1) - تفسير أبي السعود جـ1 صـ47\r(2) - زاد المسير جـ1 صـ35. بتصرف يسير\r(3) - تفسير القرطبي جـ1 صـ151. بتصرف يسير","part":1,"page":178},{"id":177,"text":"وليس منه سبحانه مكر ولا هزء ولا كيد ، إنما هو جزاء لمكرهم واستهزائهم وجزاء كيدهم ، وكذلك (يخادعون الله وهو خادعهم) (النساء : 142) (فيسخرون منهم سخر الله منهم) (التوبة : 79)\rوقيل : إن الله يفعل بهم أفعالاً هي في تأمل البشر هزء وخدع ومكر ، \rوقيل : الله يستهزئ بهم بأن يفتح لهم أبواب الجنة ثم يقال لهم تعالوا فيقلبون فتغلق دونهم عندها يضحك منهم المؤمنون ، وذلك قوله تعالى (فاليوم الذين آمنوا من الكفار يضحكون) (المطففين : 34)\rوقال قوم : الخداع من الله والاستهزاء هو استدراجهم بدرور النعم الدنيوية عليهم ، فالله سبحانه يظهر لهم من الإحسان في الدنيا خلاف ما يغيب عنهم ، عنهم من عذاب الآخرة ، فيظنون أنه راض عنهم وهو تعالى قد حتم عذابهم فهذا على تأمل البشر كأنه استهزاء ومكر وخداع.\rوقال بعض العلماء في قوله تعالى (سنستدرجهم من حيث لا يعلمون) (الأعراف : 182)\rكلما أحدثوا ذنباً أحدث لهم نعمة. أهـ\rقوله تعالى : (مثلهم كمثل الذي استوقد ناراً.. الآية )\r(سؤال) كيف الله شبه المنافقين واليهود - وهم جماعة - بالذي استوقد ناراً وهو واحد ؟ \r(الجواب) على وجوه أحدهما : أن الذي في معنى الجمع كما قيل في الآية الأخرى (والذي جاء بالصدق وصدق به أولئك هم المتقون) (الزمر : 33)\rوثانيها : أن يقال : النون محذوفة من الذي ، كما جاء في قول الأخطل : أبنى كليب إن عمى اللذا قتلا الملوك وفككا الأغلالا\rوثالثها : أن يكون الكلام على حذف ، كأن قال : مثلهم كمثل أتباع الذي استقود ناراً - ثم حذف المضاف وأقام المضاف إليه مقامه كما قال الحبدي\rوكيف تواصل من أصبحت.. خلالته كأبي مرحب\rيريد كخلالة أبي مرحب\rورابعها : أن يقال : أراد بالمستوقد الجنس لما في الذي من الإبهام\rوخامسها : هذا تشبيه الحال بالحال ، فتقديره حال هؤلاء المنافقين في جهلهم كحال المستوقد ناراً ، وتشبيه الحال جائز (1). أهـ\r__________\r(1) - مجمع البيان جـ1 صـ146. بتصرف يسير","part":1,"page":179},{"id":178,"text":"وقال ابن جزي : (مثلهم كمثل الذي استوقد ناراً) قال : (والأرجح أنه أعيد ضمير الجماعة ، لأنه لم يقصد بالذي واحد بعينه إنما المقصود التشبيه بمن استوقد ناراً سواء كان واحداً أو جماعة ثم أعيد الضمير بالجمع ليطابق المشبه لأنهم جماعة(1) أهـ\rوقال القرطبي : قوله (الذي) يقع للواحد والجمع قال ابن الشجري هبة الله بن علي : ومن العرب من يأتي بالجمع بلفظ الواحد كما قال : \rوإن الذي حانت بفلج دماؤهم.. هم القوم كل القوم با أم خالد\rوقيل في قول الله تعالى : (والذي جاء بالصدق وصدق به أولئك هم المتقون) (الزمر : 33)\rإنه بهذه اللغة ، وكذلك قوله (مثلهم كمثل الذي) قيل : المعنى كمثل الذين استوقدوا ، ولذلك قال : (ذهب الله بنورهم) ، فحمل أول الكلام على الواحد ، وآخره على الجمع ، فأما قوله تعالى : (وخضتم كالذي خاضوا) (التوبة : 69) فإن الذي ها هنا وصف لمصدر محذوف تقديره وخضتم كالخوض الذي خاضوا.\rوقيل : إنما وحد (الذي) و(استوقد) لأن المستوقد كان واحداً من جماعة تولى الإيقاد لهم ، فلما ذهب الضوء رجع عليهم جميعاً فقال : (بنورهم) واستوقد بمعنى أوقد ، مثل استجاب بمعنى أجاب ، فالسين والتاء زائدتان(2).أهـ.\rوقال ابن عطية - رحمه الله - (ووحد (الذي) لأنه لم يقصد تشبيه الجماعة بالجماعة ، وإنما المقصد أن كل واحد من المنافقين فعله كفعل المستوقد ، و(الذي) أيضاً ليس بإشارة إلى الواحد ولابد ، بل إلى هذا الفعل : وقع من واحد أو من جماعة (3) أهـ\rوقال الإمام الفخر(4) - رحمه الله - المراد جنس المستوقدين أو أريد الجمع أو الفوج الذي استوقد ناراً.\rوقال صاحب غرائب القرآن : \rولولا عود الضمير إلى الذي مجموعاً في قوله \" بنورهم ، وتركهم \"\r__________\r(1) - التسهيل جـ1 صـ38\r(2) - تفسير القرطبي جـ1 صـ154\r(3) - المحرر الوجيز جـ1 صـ99\r(4) - التفسير الكبير جـ2 صـ313-314. بتصرف يسير","part":1,"page":180},{"id":179,"text":"لم يحتج إلى التكلفات المذكورة ، على أنه يمكن أن يشبه قصة جماعة بقصة شخص واحد نحو ، مثل الذين حملوا التوراة ثم لم يحملوها كمثل الحمار} [الجمعة : 5]. أهـ [غرائب القرآن نظام الدين النيسابورى حـ1 صـ165]\rوقيل أن المنافقين وذواتهم لم يشبهوا بذلك المستوقد ناراً حتى يلزم منه تشبيه الجماعة بالواحد وإنما شبهت قصتهم بقصة المستوقد ، ومثله قوله تعالى : (مثل الذين حملوا التوراة ثم لم يحملوها كمثل الحمار) (الجمعة : 5) وقوله : (ينظرون إليك نظر المغشي عليه من الموت) (محمد : 20)\rوقيل : المعنى ومثل كل واحد منهم كقوله : (يخرجكم طفلاً) (غافر : 67) أي يخرج كل واحد منكم. أهـ\rقال الإمام الزمخشري – رحمه الله – ما نصه (لما جاء بحقيقة صفتهم عقبها بضرب المثل زيادة في الكشف وتتميماً للبيان ، ولضرب العرب الأمثال ، واستحضار العلماء المثل والنظائر. شأن ليس بالخفي في إبراز خبيات المعاني ، ورفع الأستار عن الحقائق ، حتى تريك المتخيل في صورة المحقق ، والمتوهم في معرض المتيقن والغائب كأنه مشاهد ، وفيه تبكيت للخصم الألد ، وقمع لسورة الجامح الأبي ، ولأمر ما أكثر الله في كتابه المبين وفي سائر كتبه أمثاله ، وفشت في كلام رسول الله – صلى الله عليه وسلم – وكلام الأنبياء والحكماء. قال الله تعالى : (وتلك الأمثال نضربها للناس وما يعقلها إلا العالمون) (العنكبوت : 43) (1) أهـ.\r__________\r(1) - الكشاف جـ1 صـ79","part":1,"page":181},{"id":180,"text":"وقال الخازن – رحمه الله – (المثل عبارة عن قول يشبه ذلك القول قولاً بينهما مشابه ليبين أحدهما الآخر ويصوره ، ولهذا ضرب الله تعالى الأمثال في كتابه وهو أحد أقسام القرآن السبعة ، ولما ذكر الله تعالى حقيقة وصف المنافقين عقبه بضرب المثل زيادة في الكشف والبيان ، لأنه يؤثر في القلوب ما لا يؤثره وصف الشيء في نفسه ، ولأن المثل تشبيه الشيء الخفي بالجلي فيتأكد الوقوف على ماهيته وذلك هو النهاية في الإيضاح ، وشرطه أن يكون قولاً فيه غرابة من بعض الوجوه كمثل الذي استوقد ناراً لينتفع بها (1). أهـ\r(سؤال) فإن قيل : ما وجه تشبيه المنافقين بصاحب النار التي أضاءت ثم أظلمت ؟ .\r(فالجواب) من ثلاثة أوجه : \rأحدهما : أن منفعتهم في الدنيا بدعوى الإيمان شبيهة بالنور ، وعذابهم في الآخرة شبيه بالظلمة بعده.\rوالثاني : أن استخفاء كفرهم كالنور ، وفضيحتهم كالظلمة.\rوالثالث : أن ذلك فيمن آمن منهم ثم كفر ، فإيمانه نور ، وكفره بعد ظلمه ، ويرجح هذا القول قوله : (ذلك بأنهم آمنوا ثم كفروا) (المنافقون : 3) (2) أهـ\r(سؤال) فإن قلت : أين جواب لما في قوله تعالى (فلما) أضاءت ما حوله) ؟ قلت : فيه وجهان : \rأحدهما : أن جوابه (ذهب الله بنورهم) والثاني : أنه محذوف كما حذف في قوله : (فلما ذهبوا به وأجمعوا أن يجعلوه في غيابة الجب) (يوسف : 15) وإنما جاز حذفه لاستطالة الكلام مع أمن الإلباس للدلالة عليه ، وكان الحذف أولى من الإثبات لما فيه من الوجازة ، مع الإعراب عن الصفة التي حصل عليها المستوقد بما هو أبلغ من اللفظ في أداء المعنى ، كأنه قيل : فلما أضاءت ما حوله خمدت فبقوا خابطين في ظلام ، متحيرين متحسرين على فوت الضوء ، خائبين بعد في إحياء النار\r__________\r(1) - تفسير الخازن جـ1 صـ28 : 29\r(2) - التسهيل جـ1 صـ38","part":1,"page":182},{"id":181,"text":"فإن قلت : فإذا قدر الجواب محذوفاً فبم يتعلق (ذهب الله بنورهم) ؟ قلت : يكون كلاماً مستأنفاً. كأنهم لما شبهت حالهم بحال المستوقد الذي طفئت ناره\rاعترض سائل فقال : ما بالهم قد أشبهت حالهم حال المستوقد ؟ فقيل له : \r(ذهب الله بنورهم) أو يكون بدلاً من جملة التمثيل على سبيل البيان (1). أهـ\r(سؤال) فإن قيل : لم قال (ذهب الله بنورهم) ولم يقل : أذهب الله بضوئهم مشاكلة لقوله : (فلما أضاءت ما حوله)\r(فالجواب) : أن إذهاب النور أبلغ ، لأنه إذهاب للقليل والكثير بخلاف الضوء فإنه يطلق على الكثير (2). أهـ\rوأجاب صاحب الكشاف عن هذا السؤال بما نصه : \r(ذكر النور أبلغ ، لأن الضوء فيه دلالة على الزيادة. فل وقيل : ذهب الله بضوئهم ، لأوهم الذهاب بالزيادة وبقاء ما يسمى نوراً ، والغرض إزالة النور عنهم رأساً وطمسه أصلاً. ألا ترى كيف ذكر عقيبه (وتركهم في ظلمات) والظلمة عبارة عن عدم النور وانطماسه ، وكيف جمعها ، وكيف نكرها ، وكيف أتبعها ما يدل على أنها ظلمة مبهمة لا يتراءى فيها شبحان وهو قوله (لا يبصرون) (3) أهـ.\r(سؤال) فإن قلت : فلم وصفت بالإضاءة ؟ قلت : هذا على مذهب قولهم : للباطل صولة ثم يضمحل ، ولريح الضلالة عصفة ثم تخفت ، ونار العرفج مثل لنزوة كل طماح (4) أهـ.\r(سؤال) ما الفرق بين أذهبه وذهب به ؟ \r(الجواب) أن معنى أذهبه : أزاله وجعله ذاهباً ، ويقال : ذهب به إذا استصحبه ومضى به معه : وذهب السلطان بماله : أخذه (فلما ذهبوا به) (يوسف : 15)\r(إذاً لذهب كل إله بما خلق) (المؤمنون : 91) ومنه ذهبت به الخيلاء. والمعنى : أخذ الله بنورهم وأمسكه ، (وما يمسك فلا مرسل له من بعده) (فاطر : 2) فهو أبلغ من الإذهاب (5) أهـ.\r__________\r(1) - الكشاف جـ1 صـ80\r(2) - التسهيل جـ1 صـ38\r(3) - الكشاف جـ1 صـ81\r(4) - الكشاف جـ1 صـ81\r(5) - الكشاف جـ1 صـ81","part":1,"page":183},{"id":182,"text":"(مثلهم كمثل الذي استوقد ناراً ، فلما أضاءت ما حوله ذهب الله بنورهم وتركهم في ظلمات لا يبصرون. صم بكم عمي فهم لا يرجعون).\r\"كلام قيم لابن القيم\"\rشبه سبحانه أعداءه المنافقين بقوم أوقدوا ناراً لتضيء لهم ، وينتفعوا بها ، فلما أضاءت لهم النار فأبصروا في ضوءها ما ينفعهم وما يضرهم ، وأبصروا الطريق بعد أن كانوا حيارى تائهين ، فهم كقوم سفر ضلوا عن الطريق ، فأوقدوا النار لتضيء لهم الطريق ، فلما أضاءت لهم فأبصروا وعرفوا طفئت عنهم تلك الأنوار ، وبقوا في الظلمات لا يبصرون ، قد سدت عليهم أبواب الهدى الثلاث.\rفإن الهدى يدخل إلى العبد من ثلاثة أبواب ، مما يسمعه بأذنه ، ويراه بعينه ويعقله بقلبه. وهؤلاء قد سدت عليهم أبواب الهدى ، فلا تسمع قلوبهم شيئاً ، ولا تبصر ، ولا تعقل ما ينفعها.\rوقيل : لما لم ينتفعوا بأسماعهم وأبصارهم وقلوبهم نزلوا منزلة من لا سمع له ولا بصر ولا عقل. والقولان متلازمان.\rوقال في صفتهم (فهم لا يرجعون) لأنهم قد رأوا في ضوء النار ، وأبصروا الهدى ، فلما أطفئت عنهم لم يرجعوا إلى ما رأوا وأبصروا.\rوقال سبحانه وتعالى (ذهب الله بنورهم) ولم يقل : ذهب نورهم. وفيه سر بديع ، وهو انقطاع سر تلك المعية الخاصة التي هي للمؤمنين من الله تعالى ، فإن الله تعالى مع المؤمنين ، (إن الله مع الصابرين) (البقرة : 153) و(النحل : 128) (إن الله مع الذين اتقوا والذين هم محسنون).","part":1,"page":184},{"id":183,"text":"فذهاب الله بذلك النور هو انقطاع المعية التي خص بها أولياءه ، فقطعها بينه وبين المنافقين : فلم يبق عندهم بعد ذهاب نورهم ولا معهم ، فليس لهم نصيب من قوله : (التوبة : 40) (لا تحزن إن الله معنا) ولا من (الشعراء : 63) (كلا ، إن معي ربي سيهدين) وتأمل قوله تعالى (أضاءت ما حوله) كيف جعل ضوأها خارجاً عنه منفصلاً ؟ ولو اتصل ضوءها به ولابسه لم يذهب ، ولكنه كان ضوء مجاورة ، وملابسة ومخالطة. وكان الضوء عارضاً والظلمة أصلية. فرجع الضوء إلى معدنه وبقيت الظلمة في معدنها. فرجع كل منه إلى أصله اللائق به ، حجة من الله تعالى قائمة. وحكمة بالغة ، تعرف بها إلى أولي الألباب من عباده.\rوتأمل قوله (ذهب الله بنورهم) ولم يقل بنارهم. ليطابق أول الآية. فإن النار فيها إشراق وإحراق. فذهب بما فيها من الإشراق – وهو النور – وأبقى عليهم ما فيها من الإحراق ، وهو النار.\rوتأمل كيف قال (بنورهم) ولم يقل بضوئهم ، مع قوله (فلما أضاءت ما حوله) لأن الضوء هنا زيادة في النور. فل وقال : ذهب الله بضوئهم لأوهم الذهاب بالزيادة فقط ، دون الأصل فلما كان النور أصل الضوء كان الذهاب به ذهاباً بالشيء وزيادته.\rوأيضاً فإنه أبلغ في النفي عنهم ، وأنهم من أهل الظلمات ، الذين لا نور لهم.\rوأيضاً فإن الله تعالى سمى كتابه نوراً ، ورسوله نوراً ، ودينه نوراً ومن أسمائه النور ، والصلاة نور ، فذهابه سبحانه بنورهم : ذهاب بهذا كله.","part":1,"page":185},{"id":184,"text":"وتأمل مطابقة هذا المثل لما تقدمه من قوله (أولئك الذين اشتروا الضلالة بالهدى فما ربحت تجارتهم وما كانوا مهتدين) كيف طابق بين هذه التجارة الخاسرة التي تضمنت حصول الضلالة والرضى بها ، وبذل الهدى في مقابلتها ، وحصول الظلمات التي هي الضلالة والرضى بها ، بدلاً عن النور الذي هو الهدى والنور ، فبذلوا الهدى والنور ، وتعوضوا عنه بالظلمة والضلالة ، فيالها من تجارة ما أخسرها ! وصفقة ما أشد غبنها ! (1) أهـ\rوقد اشتمل هذان المثلان على حكم عظيمة.\rمنها : أن المستضيئ بالنار مستضيئ بنور من جهة غيره ، لا من قبل نفسه. فإذا ذهبت تلك النار بقي في ظلمة. وهكذا المنافق ، لما أقر بلسانه من غير اعتقاد ومحبة بقلبه ، وتصديق جازم. كان ما معه من النور كالمستعار.\rومنها : أن ضياء النار يحتاج دوامها إلى مادة تحمله ، وتلك المادة للضياء بمنزلة غذاء الحيوان فكذلك نور الإيمان يحتاج إلى مادة من العلم النافع والعمل الصالح ، يقوم بها ويدوم بدوامها فإذا لم توجد مادة الإيمان طفئ كما تطفأ النار بفراغ مادتها.\rومنها : أن الظلمة نوعان ، ظلمة مستمرة لم يتقدمها نور ، وظلمة حادثة بعد النور. وهي أشد الظلمتين وأشقهما على من كانت حظه. فظلمة المنافق ظلمة بعد إضاءة ، فمثلت حاله بحال المستوقد للنار ، الذي حصل في الظلمة بعد الضوء ، وأما الكافر فهو في الظلمات لم يخرج منها قط.\r__________\r(1) - اجتماع الجيوش الإسلامية لابن القيم جـ1 صـ21 : 22","part":1,"page":186},{"id":185,"text":"ومنها : أن في هذا المثل إيذاناً وتنبيهاً على حالهم في الآخرة ، وأنهم يعطون نوراً ظاهراً ، كما كان نورهم في الدنيا ظاهراً. ثم يطفأ ذلك النور وهم أحوج ما يكونون إليه إذ لم تكن له مادة باقية تحمله ، وبقوا في الظلمة على الجسر لا يستطيعون العبور. فإنه لا يمكن أحداً عبوره إلا بنور ثابت يصحبه حتى يقطع الجسر. فإن لم يكن لذلك النور مادة من العلم النافع والعمل الصالح ، وإلا ذهب الله تعالى به أحوج ما كان إليه صاحبه. فطابق مثلهم في الدنيا بحالتهم التي هم عليها في هذه الدار ، وبحالتهم يوم القيامة عندما يقسم النور.\rومن هنا يعلم السر في قوله تعالى (ذهب الله بنورهم) ولم يقل : أذهب الله نورهم(1). أهـ\rقال (ذهب الله بنورهم) ولم يقل : بنارهم لأن النار فيها الإحراق والإشراق. فذهب بما فيها من الإضاءة والإشراق ، وأبقى عليهم ما فيها من الأذى والإحراق ، وكذلك حال المنافقين : ذهب نور إيمانهم بالنفاق ، وبقي في قلوبهم حرارة الكفر والشكوك والشبهات تغلي في قلوبهم قد صليت بحرها وأذاها ، وسمومها ووهجها في الدنيا ، فأصلاها الله تعالى إياه يوم القيامة ناراً مؤصدة تطلع على الأفئدة.\rفهذا مثل من لم يصبه نور الإيمان بل خرج منه وفارقه بعد أن استضاء به ، وهو حال المنافق عرف ثم أنكر ، وقرأ ثم جحد. فهو في ظلمات أصم أبكم أعمى ، كما قال تعالى في حق إخوانهم من الكفار (الأنعام : 39) (والذين كذبوا بآياتنا صم وبكم في الظلمات). وقال تعالى [البقرة : 171] ومثل الذين كفروا كمثل الذي ينعق بما لا يسمع إلا دعاء ونداء \" صم بكم عمي فهم لا يعقلون \".\r__________\r(1) - اجتماع الجيوش الإسلامية جـ1 صـ33 لابن القيم ط دار الكتب العلمية بيروت","part":1,"page":187},{"id":186,"text":"شبه الله تعالى حال المنافقين في خروجهم من النور بعد أن أضاء لهم بحال مستوقد النار ، وذهب نورها عنه بعد أن أضاءت ما حوله ، لأن المنافقين بمخالطتهم المسلمين وصلاتهم معهم ، وصيامهم معهم ، وسماعهم القرآن ، ومشاهدتهم أعلام الإسلام ومناره ، وقد شاهدوا الضوء ورأوا النور عياناً. ولهذا قال تعالى في حقهم (فهم لا يرجعون) إليه. لأنهم فارقوا الإسلام بعد أن تلبسوا به واستناروا. فهم لا يرجعون إليه. وقال تعالى في حق الكفار (فهم لا يعقلون) لأنهم لم يعقلوا الإسلام ، ولا دخلوا فيه ، ولا استناروا به ، لا بل يزالون في ظلمات الكفر صم بكم عمي.\rفسبحان من جعل كلامه لأدواء الصدور شافياً ، وإلى الإيمان وحقائقه منادياً وإلى الحياة الأبدية والنعيم المقيم داعياً ، إلى طريق الرشاد هادياً (1). أهـ\rقوله تعالى : (أ وكصيب من السماء فيه ظلمات ورعد وبرق.. الآية)\rقال الإمام الفخر : المشبه بالصيب والظلمات والرعد والبرق والصواعق ما هو ؟ \r(الجواب) : لعلماء البيان هاهنا قولان : أحدهما : أن هذا تشبيه مفرق ومعناه أن يكون المثل مركباً من أمور والممثل يكون أيضاً مركباً من أمور ويكون كل واحد من المثل شبيهاً بكل واحد من الممثل ، فهاهنا شبه دين الإسلام بالصيب ، لأن القلوب تحيا به حياة الأرض بالمطر ، وما يتعلق به من شبهات الكفار بالظلمات ، وما فيه من الوعد والوعيد بالبرق والرعد ، وما يصيب الكفرة من الفتن من جهة أهل الإسلام بالصواعق ، والمعنى أو كمثل ذوي صيب ، والمراد كمثل قوم أخذتهم السماء على هذه الصفة.\r__________\r(1) - الوابل الصيب صـ78 ، 79 ط دار الكتب العربي بيروت","part":1,"page":188},{"id":187,"text":"والقول الثاني : أنه تشبيه مركب ، وهو الذي يشبه فيه إحدى الجملتين بالأخرى في أمر من الأمور وإن لم تكن آحاد إحدى الجملتين شبيهة بآحاد الجملة الأخرى وهاهنا المقصود تشبيه حيرة المنافقين في الدنيا والدين بحيرة من انطفت ناره بعد إيقادها ، وبحيرة من أخذته السماء في الليلة المظلمة مع رعد وبرق (1) أهـ\rقال ابن جزي (2) : ما نصه : (من السماء) إشارة إلى قوته وشدة إنصابه\rقال ابن مسعود : إن رجلين من المنافقين هربا إلى المشركين فأصابهما هذا المطر وأيقنا بالهلاك فعزما على الإيمان ورجعا إلى النبي – صلى الله عليه وسلم – وحسن إسلامهما فضرب الله ما أنزل فيهما مثلاً للمنافقين (3) أهـ\r(سؤال) فإن قلت : قوله : (من السماء) ما الفائدة في ذكره ؟ والصيب لا يكون إلا من السماء.\r(الجوابِ) قلت : الفائدة فيه أنه جاء بالسماء معرفة فنفي أن يتصوب من سماء. أي من أفق واحد من بين سائر الآفاق ، لأن كل أفق من آفاقها سماء ، كما أن كل طبقة من الطباق سماء في قوله (وأوحى في كل سماء أمرها) (فصلت : 62) والمعنى أنه غمام مطبق أخذ بأطباق السماء ، كما جاء بصيب ، وفيه مبالغات من جهة التركيب والبناء والتنكير. أمد ذلك بأن جعله مطبقاً. (4) أهـ\r(سؤال) لماذا نكر الصيب في قوله (أوكصيب) ؟ \r(الجواب) لأنه أريد نوع من المطر شديد هائل(5). أهـ\r(سؤال) الصيب هو المطر والسحاب فأيهما أريد فما ظلماته ؟ \r(الجواب) : أما ظلمات السحاب فإذا كان أسحم مطبقاً فظلمته سحمته وتطبيقه مضمومة إليهما ظلمة الليل.\r__________\r(1) - التفسير الكبير جـ2 صـ316\r(2) - التسهيل جـ1 صـ39\r(3) - هذا القول فيه نظر لأن الرجلين إن كانا منافقين فما الذي يحملها على الهرب وأيضا فإن آخر الآية الكريمة وهو قوله تعالى] والله محيط بالكافرين] يتعارض مع ما ذكر من عزمهما على الإيمان وحسن إسلامهما. والله أعلم.\r(4) - الكشاف جـ1 صـ89\r(5) - التفسير الكبير جـ2 صـ317","part":1,"page":189},{"id":188,"text":"وأما ظلمة المطر فظلمته تكاث فهو انسجامه بتتابع القطر وظلمته إظلال الغمامة مع ظلمة الليل(1) أهـ\rوقال ابن عطية : قوله تعالى (ظلمات) بالجمع ، إشارة إلى ظلمة الليل وظلمة الدجن ومن حيث تتراكب وتتزايد جمعت ، وكون الدجن مظلماً هول وغم للنفس بخلاف السحاب والمطر إذا انجلى دجنه ، فإنه سار جميل (2).\r(سؤال) هلا قيل رعود وبروق كما قيل : ظلمات ؟ \r(الجواب) الفرق أنه حصلت أنواع مختلفة من الظلمات على الاجتماع فاحتيج إلى صيغة الجمع ، أما الرعد فإنه نوع واحد وكذا البرق ، ولا يمكن اجتماع أنواع الرعد والبرق في السحاب الواحد ، فلا جرم لم يذكر فيه لفظ الجمع(3)أهـ.\rوأجاب ابن جزي عن هذا السؤال ، بأن الرعد والبرق مصدران ، والمصدر لا يجمع ويحتمل أن يكونا اسمين وجمعهما لأنهما في الأصل مصدران(4)أهـ\r(سؤال) لم جاءت هذه الأشياء منكرات ؟ \r(الجواب) لأن المراد أنواع منها كأنه قيل فيه ظلمات داجية ، ورعد قاصف وبرق خاطف (5) أهـ\rوقال صاحب الميزان : \rوقوله تعالى (أوكصيب من السماء.. الآية) الصيب هو المطر الغزير ، والبرق معروف ، والرعد هو الصوت الحادث من السحاب عن الإبراق ، والصاعقة هي النازلة من البروق.\rوهذا مثل ثان يمثل به حال المنافقين في إظهارهم الإيمان ، إنهم كالذي أخذ صيب السماء ومعه ظلمة تسلب عنه الأبصار والتمييز ، فالصيب يضطر إلى الفرار والتخلص ، والظلمة تمنعه ذلك ، والمهولات من الرعد والصاعقة محيطة به فلا يجد مناصاً من أن يستفيد بالبرق وضوئه وهو غير دائم ولا باق متصل : كلما أضاء له مشى وإذا أظلم عليه قام.\r__________\r(1) - التفسير الكبير جـ2 صـ317\r(2) - المحرر الوجيز جـ1 صـ101\r(3) - التفسير الكبير جـ2 صـ317\r(4) - التسهيل جـ1 صـ39 بتصرف يسير\r(5) - التفسير الكبير جـ2 صـ317","part":1,"page":190},{"id":189,"text":"وهذه حال المنافق ، فهو لا يحب الإيمان ولا يجد بداً من إظهاره ، ولعدم المواطأة بين قلبه ولسانه لا يستضيء له طريقه تمام الاستضاءة ، فلا يزال يخبط خبطاً بعد خبط ويعثر عثرة بعد عثرة فيمشي قليلاً ويقف قليلاً ويفضحه الله بذلك ، ولو شاء الله لذهب بسمعه وبصره ، فيفتضح من أول يوم (1) أهـ\rوقال الزركشي(2) ما نصه : (وقد ضرب الله للمنافقين مثلين : مثلاً بالنار ، ومثلاً بالمطر فقال (مثلهم كمثل الذي استوقد ناراً.. الآية) ، يقال : أضاء الشيء وأضاءه غيره فيستعمل لازماً ومتعدياً ، فقوله (أضاءت ما حوله) هو متعد ، لأن المقصود أن تضيء النار ما حول من يريدها حتى يراها ، وفي قوله في البرق (كلما أضاء لهم) ذكر اللازم ، لأن البرق بنفسه يضيء بغير اختيار الإنسان ، فإذا أضاء البرق سار ، وقد لا يضيء ما حول الإنسان ، إذ يكون البرق وصل إلى مكان دون مكان ، فجعل سبحانه المنافقين كالذي أوقد ناراً فأضاءت ثم ذهب ضوءها ، ولم يقل (انطفأت) بل قال (ذهب الله بنورهم) وقد يبقى مع ذهاب النور حرارتها فتضر ، وهذا المثل يقتضي أن المنافق حصل له نور ثم ذهب ، كما قال تعالى (ذلك بأنهم آمنوا ثم كفروا فطبع على قلوبهم فهم لا يفقهون)\r(يجعلون أصابعهم في آذانهم)\rقال ابن جزي (3) – رحمه الله – ما نصه : \rقال ابن مسعود – رضي الله عنه – (كانوا يجعلون أصابعهم في آذانهم لئلا يسمعوا القرآن في مجلس النبي – صلى الله عليه وسلم – فهو على هذا حقيقة في المنافقين (4) أهـ.\r__________\r(1) - الميزان جـ1 صـ56\r(2) - البرهان في علوم القرآن للزركشي جـ1 صـ579\r(3) - التسهيل جـ1 صـ39\r(4) - هذا القول في نظر أيضاً لأن المنافقين كانوا يتظاهرون بالإيمان ويبطنون الكفر ، ولا يستطيع واحد منهم أن يظهر خلاف ذلك في مجلس رسول الله – صلى الله عليه وسلم – لكن ما ذكر من وضع الأصابع في الآذان وجد من الكفار لا من المنافقين. أهـ","part":1,"page":191},{"id":190,"text":"(سؤال) فإن قيل : لم قال أصابعهم ولم يقل أناملهم ، والأنامل هي التي تجعل في الآذان ؟ \r(فالجواب) أن ذكر الأصابع أبلغ ، لأنها أعظم من الأنامل ولذلك جمعها مع أن الذي يجعل في الآذان السبابة خاصة (1) أهـ\r(سؤال) فإن قيل : ما إحاطة الله بالكافرين ؟ \r(الجواب) إنه مجاز والمعنى أنهم لا يفوتونه ، كما لا يفوت المحاط به المحيط به حقيقة ثم فيه ثلاثة أقوال : \rأحدهما : أنه عالم بهم قال تعالى (وأن الله قد أحاط بكل شيء علماً) (الطلاق : 12)\rوثانيها : قدرته مستولية عليهم (والله من ورائهم محيط) (البروج : 20)\rوثالثها : يهلكهم من قوله تعالى (إلا أن يحاط بكم) (يوسف : 66) (2) أهـ\rوقال أبو السعود : (والله محيط بالكافرين) أي لا يفوتونه كما لا يفوت المحاط به المحيط شبه شمول قدرته تعالى وانطواء ملكوته عليهم بإحاطة المحيط بما أحاط به في استحالة الفوت.\rوفائدة وضع الكافرين موضع الضمير الراجع إلى أصحاب الصيب الإيذان بأن ما دهمهم من الأمور الهائلة المحكية بسبب كفرهم على منهاج قوله تعالى (كمثل ريح أصابت حرث قوم ظلموا أنفسهم فأهلكته) فإن الإهلاك الناشئ من السخط أشد (3) أهـ\rفائدة\rمن الأسئلة الحسنة ، في قوله تعالى : (كلما أضاء لهم مشوا فيه وإذا أظلم عليهم قاموا (البقرة : 20) ، أنه يقال : لم أتى قبل (أضاء) بـ (كلما). وقبل (أظلم) بـ (إذا) ؟ ما وجه المناسبة في ذلك ؟ وفيه وجوه : \rالأول : أن تكرار الإضاءة يستلزم تكرار الإظلام ، فكان تنويع الكلام أعذب\rالثاني : أن مراتب الإضاءة مختلفة متنوعة ، فذكر (كلما) تنبيهاً على ظهور التعدد وقوة لوجوده بالصورة والنوعية ، والإظلام نوع واحد ، فلم يؤت بصيغة التكرار لضعف التعدد فيه ، بعد ظهوره بالنوعية ، وإن حصل بالصورة.\r__________\r(1) - التسهيل جـ1 صـ39\r(2) - التفسير الكبير جـ2 صـ317\r(3) - تفسير أبي السعود جـ1 صـ54. بتصرف يسير","part":1,"page":192},{"id":191,"text":"الثالث : قاله الزمخشري ، وفيه تكلف – أنهم لما اشتد حرصهم على الضوء المستفاد من النور ، كانوا كلما حدث لهم نور تجدد لهم باعث الضوء فيه ، لا يمنعهم من ذلك تقدم فقده واختفاؤه منهم ، وأما التوقف بالظلام فهو نوع واحد.\rوهذا قريب من الجواب الثاني ، لكنه بمادة أخرى. ويفترقان بأن جواب الزمخشري يرجع التكرار فيه إلى جواب (كلما) لا إلى شروطها الذي يليها ويباشرها ، فطلب تكراره وهو الأولى في مدلول التكرار ، والجواب المتقدم يرجع إلى تكرار مشروطها ، يتبعه الجواب من حيث هو ملزومه ، وتكرره فرع تكرر الأول.\rالرابع : أن إضاءة البرق منسوبة إليه وإظلامه ليس منسوباً إليه ، لأن إضاءته لمعانه ، والظلام أمر يحدث عن اختفائه ، فتظلم الأماكن كظلام الأجرام الكثائف.\rفأتى بأداة التكرار عند الفعل المتكرر من البرق ، وبالأداة التي لا تقتضي التكرار عند الفعل الذي ليس متكرراً منه ، ولا صادراً عنه.\rالخامس : ذكره ابن المنير – أن المراد بإضاءة البرق الحياة ، وبالظلام الموت ، فالمنافق تمر حاله في حياته بصورة الإيمان ، لأنها دار مبنية على الظاهر ، فإذا صار إلى الموت رفعت له أعماله ، وتحقق مقامه ، فتسقيم (كلما) في الحياة ، و(إذا) في الممات هكذا كقول النبي – صلى الله عليه وسلم – (اللهم أحيني ما دامت الحياة خيراً لي ، وأمتني إذا كانت الوفاة خيراً لي).\rفاستعمل مع الحياة لفظ التكرار والدوام ، واستعمل مع لفظ الوفاة لفظ الاختصار والتقييد.","part":1,"page":193},{"id":192,"text":"وقيل : إن ذلك لأحد معنيين : إما لأن الحياة مأثورة لازدياد العمل الصالح الذي الهمم العالية معقودة به ، فعرض بالاستكثار منه ، والدوام عليه ، ونبه على أن الموت لا يتمنى ، ولكن إذا نزل وقته رضي به. وإما لأن الحياة يتكرر زمانها ، وأما الموت مرة واحدة وجواب آخر ، أن الكلام في الأنوار هو الأصل المستمر ، وأما خفقان البرق في أثناء ذلك فعوارض تتصل بالحدث والتكرار ، فناسب الإتيان فيها بكلما وفي تلك بـ (إذا)(1) ، والله أعلم.أهـ.\rقوله تعالى (يا أيها الناس اعبدوا ربكم) الآية\rقال الإمام الفخر (2) – رحمه الله ما نصه : \r(يا) حرف وضع في أصله لنداء البعيد وإن كان لنداء القريب لكن لسبب أمر مهم جداً ، وأما نداء القريب فله : أي ، والهمزة ، ثم استعمل في نداء من سها وغفل وإن قرب تنزيلاً له منزلة البعيد.\rفإن قيل : فلم يقول الداعي : يا رب ، يا الله وهو أقرب إليه من حبل الوريد.\rقلنا : هو استبعاد لنفسه من مظان الزلفى وما يقربه إلى منازل المقربين هضماً لنفسه وإقراراً عليها بالتنقيص حتى يتحقق الإجابة بمقتضى قوله : \r(أنا عند المنكسرة قلوبهم من أجلي) أو لأجل أن إجابة الدعاء من أهم المهام للداعي. أهـ.\r__________\r(1) - البرهان في علوم القرآن جـ4 صـ229 : 231\r(2) - التفسير الكبير جـ2 صـ320","part":1,"page":194},{"id":193,"text":"وقال ابن جزي (1)) في قوله تعالى (اعبدوا ربكم) يدخل فيه الإيمان به سبحانه وتوحيده وطاعته ، فالأمر بالإيمان به لمن كان جاحداً ، والأمر بالتوحيد لمن كان مشركاً ، والأمر بالطاعة لمن كان مؤمناً. (لعلكم) يتعلق بخلقكم أي : خلقكم لتتقوه كقوله (وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون) (الذاريات : 56) أو بفعل مقدم من معنى الكلام أي : دعوتكم إلى عبادة الله لعلكم تتقون ، وهذا أحسن ، وقيل يتعلق بقوله (اعبدوا) ، وهذا ضعيف ، وإن كانت (لعل) للترجي فتأويله أنه في حق المخلوقين جرياً على عادة كلام العرب ، وإن كانت للمقاربة أو التعليل فلا إشكال ، والأظهر أنها لمقاربة الأمر نحو (دعى) ، فإذا قال الله : فمعناه أطباع العباد ، وهكذا القول فيها حيث ما وردت في كلام الله تعالى. أهـ.\rوقال الإمام الفخر : (إن الله - تعالى - لما قدم أحكام الفرق الثلاثة أعنى : المؤمنين والكفار والمنافقين أقبل عليهم بالخطاب وهو من باب الالتفات المذكور في قوله تعالى (إياك نعبد وإياك نستعين) وفيه فوائد : \rأحدها : أن فيه مزيد هز وتحريك من السامع.\rوثانيها : كأنه سبحانه وتعالى يقول : جعلت الرسول - صلى الله عليه وسلم - واسطة بيني وبينك أولاً ثم الآن أزيد في إكرامك وتقريبك ، فأخاطبك من غير واسطة ، ليحصل لك من التنبيه على الأدلة شرف المخاطبة والمكالمة.\rوثالثها : أنه مشعر بأن العبد إذا كان مشغولاً بالعبودية فإنه يكون أبداً في الترقي بدليل أنه في هذه الآية انتقل من الغيبة إلى الحضور.\r__________\r(1) - التسهيل جـ1 صـ40","part":1,"page":195},{"id":194,"text":"ورابعها : أن الآيات المتقدمة كانت في حكاية أحوالهم ، وأما هذه الآيات فإنها : أمر وتكليف ففيه كلفة ومشقة ، فلابد من راحة تقابل هذه الكلفة ، وتلك الراحة هي أن يرفع ملك الملوك الواسطة من البين ويخاطبهم بذاته ، كما أن العبد إذا ألزم تكليفاً شاقاً فل وشافهه المولى وقال : أريد منك أن تفعل كذا ، فإنه يصير ذلك الشاق لذيذاً لأجل ذلك الخطاب (1). أهـ\rوقال البغوي - رحمه الله(2) - قوله (يا أيها الناس) قال ابن عباس (يا أيها الناس) خطاب أهل مكة ، (يا أيها الذين آمنوا) خطاب أهل المدينة ، وهو هاهنا عام إلا من حيث إنه لا يدخله الصغار والمجانين.\rوعلق القرطبي - رحمه الله - على هذا الكلام قائلاً : (وهذا يرده أن هذه السورة والنساء مدنيتان وفيهما (يا أيها الناس) ، وأما في (يا أيها الذين آمنوا) فصحيح (3).\rقوله تعالى (يا أيها الناس اعبدوا ربكم) ليس في القرآن غيره ، لأن العبادة في الآية : التوحيد.\rوالتوحيد أول ما يلزم العبد من المعارف ، فكان هذا أول خطاب خاطب الله به الناس في القرآن ، فخاطبهم بما ألزمهم أولاً ثم ذكر سائر المعارف وبني عليها العبادات فيما بعدها من السور والآيات.\rفإن قيل : سورة البقرة ليست من أول القرآن نزولاً ، فلا يحسن فيها ما ذكرت.\rقلت : أو القرآن سورة الفاتحة ، ثم البقرة ، ثم آل عمران ، على هذا الترتيب إلى سورة الناس ، وهكذا هو عند الله في اللوح المحفوظ ، وهو يدل على هذا الترتيب كان يعرضه عليه الصلاة والسلام على جبريل - عليه السلام - كل سنة أي : ما كان يجتمع عنده منه ، وعرضه عليه الصلاة والسلام في السنة التي توفي فيها مرتين (4). أهـ\r__________\r(1) - التفسير الكبير حـ1 صـ319 - بتصرف يسير.\r(2) - معالم التنزيل حـ1 صـ51\r(3) - تفسير القرطبي جـ1 صـ162. بتصرف يسير\r(4) - أسرار التكرار في القرآن للكرماني صـ22","part":1,"page":196},{"id":195,"text":"وجوه المخاطبات والخطاب في القرآن\rقال الزركشي رحمه الله - يأتي على نحو من أربعين وجهاً :\rالأول : خطاب العام المراد به العموم.\rكقوله تعالى : (إن الله بكل شيء عليم) (المجادلة : 7) ، وقوله تعالى (إن الله لا يظلم الناس شيئاً) (يونس : 44).\rالثاني : خطاب الخاص والمراد به الخصوص.\rمن قوله تعالى : (أكفرتم بعد إيمانكم) (آل عمران : 106) ، وقوله : (هذا ما كنزتم لأنفسكم) (التوبة : 35).\rالثالث : خطاب خاص والمراد به العموم\rكقوله تعالى : (يا أيها النبي إذا طلقتم النساء) (الطلاق : 1) ، فافتتح الخطاب بالنبي - صلى الله عليه وسلم - والمراد سائر من يملك الطلاق.\rالرابع : خطاب العام والمراد الخصوصي\rكقوله تعالى : (الذين قال لهم الناس إن الناس قد أجمعوا لكم) (آل عمران : 173) وعمومه يقتضي دخول جميع الناس في اللفظين جميعاً ، والمراد بعضهم ، لأن القائلين غير المقول لهم ، والمراد بالأول نعيم بن سعيد الثقفي ، والثاني أبو سيفان وأصحابه.\rالخامس : خطاب الجنس\rنحو (يا أيها الناس) (البقرة : 21) ، فإن المراد جنس الناس لا كل فرد ، وإلا فمعلوم أن غير المكلف لم يدخل تحت هذا الخطاب.\rالسادس : خطاب النوع.\rنحو (يا بني إسرائيل) (البقرة : 40) ، والمراد بن ويعقوب ، وإنما صرح به للطيفة سبقت في النوع السادس وهو علم المبهمات.\rالسابع : خطاب العين\rنحو (يا آدم اسكن أنت وزوجك الجنة) (البقرة : 35) ، (يا نوح اهبط بسلام) (هود : 48) ، (يا إبراهيم قد صدقت الرؤيا) (الصافات : 105) ، (يا موسى) (الأعراف : 144) ، (يا عيسى) (آل عمران : 55). ولم يقع في القرآن النداء بـ (يا محمد) بل ، بـ (يا أيها النبي) ، و(يا أيها الرسول) تعظيماً له وتبجيلاً ، وتخصيصاً بذلك عن سواه\rالثامن : خطاب المدح\rنحو : (يا أيها الذين آمنوا) ، (يا أيها النبي)\rالتاسع : خطاب الذم\rنحو (يا أيها الذين كفروا لا تعتذروا اليوم) (التحريم : 7) ، (قل يا أيها الكافرون) (الكافرون)\rالعاشر : خطاب الكرامة","part":1,"page":197},{"id":196,"text":"نحو : (ويا آدم اسكن أنت وزوجك الجنة) (الأعراف : 19) وقوله (ادخلوها بسلام آمنين) (الحجر : 46).\rالحادي عشر : خطاب الإهانة\rنحو قوله لإبليس : (فإنك رجيم. وإن عليك اللعنة) (الحجر : 34 ، 35) وقوله (قال اخسئوا فيها ولا تكلمون) (المؤمنون : 108)\rالثاني عشر : خطاب التهكم\rوهو الاستهزاء بالمخاطب ، مأخوذ من تهكمت البئر\rإذ تهدمت ، كقوله تعالى (ذق إنك أنت العزيز الكريم) (الدخان : 50) ، وهو خطاب لأبي جهل ، لأنه قال : ما بين جبليها - يعني مكة - أعز ولا أكرم مني.\rوقال (فبشرهم بعذاب أليم) (التوبة : 34) ، جعل العذاب مبشراً به.\rالثالث عشر : خطاب الجمع بلفظ الواحد\rكقوله (يا أيها الإنسان إنك كادح) (الانشقاق : 6) ، (يا أيها الإنسان ما غرك بربك الكريم) (الانفطار : 6) ، والمراد الجميع بدليل قوله : (إن الإنسان لفي خسر. إلا الذين آمنوا) (العصر : 2 ، 3).\rالرابع عشر : خطاب الواحد بلفظ الجمع\rكقوله تعالى : (يا أيها الرسل كلوا من الطيبات واعملوا صالحاً) إلى قوله : (فذرهم في غمرتهم حتى حين) (المؤمنون : 51-54) فهذا خطاب النبي - صلى الله عليه وسلم - وحده ، إذ لا نبي معه قبله ولا بعده.\rالخامس عشر : خطاب الواحد والجمع بلفظ الاثنين\rكقوله تعالى : (ألقيا في جهنم) (ق : 24) ، والمراد : مالك ، خازن النار.\rالسادس عشر : خطاب الاثنين بلفظ الواحد\rكقوله تعالى : (فمن ربكما يا موسى) (طه : 49) أي (ويا هارون) وفيه وجهان : أحدهما : أنه أفرد موسى عليه السلام بالنداء بمعنى التخصيص والتوقف ، إذ كان هو صاحب عظيم وكريم الآيات. ذكره ابن عطية.\rوالثاني : لما كان هارون أفصح لساناً منه على ما نطق به القرآن ثبت عن جواب الألد. ذكره صاحب (الكشاف) وانظر إلى الفرق بين الجوابين.\rالسابع عشر : خطاب الجمع بعد الواحد","part":1,"page":198},{"id":197,"text":"كقوله تعالى : (وما تكون في شأن وما تتل ومنه من قرآن ولا تعلمون من عمل إلا كنا.. الآية) فجمع ثالثها ، والخطاب للنبي – صلى الله عليه وسلم.\rقال ابن الأنباري : إنما جمع في الفعل الثالث ليدل على أن الأمة داخلون مع النبي – صلى الله عليه وسلم – وحده ، وإنما جمع تفخيماً وتعظيماً ، كما في قوله تعالى : (أفتطمعون أن يؤمنوا لكم) (البقرة : 75).\rالثامن عشر : خطاب عين والمراد غيره\rكقوله تعالى : (يا أيها النبي اتق الله ولا تطع الكافرين والمنافقين) (الأحزاب : 1-2).\rالخطاب له والمراد المؤمنون ، لأنه – صلى الله عليه وسلم – كان تقياً ، وحاشاه من طاعة الكفار والمنافقين ، والدليل على ذلك قوله في سياق الآية (واتبع ما يوحى إليك من ربك إن الله كان بما تعملون خبيراً) (الأحزاب : 2)\rالتاسع عشر : خطاب الاعتبار.\rكقوله تعالى حاكياً عن صالح لما هلك قومه (فتولى عنهم وقال يا قوم لقد أبلغتكم رسالة ربي ونصحت لكم ولكن لا تحبون الناصحين) (الأعراف : 79) ، وقوله (انظروا إلى ثمرة إذا أثمر) (الأنعام : 99).\rالعشرون : خطاب الشخص ثم العدول إلى غيره\rكقوله : (فإن لم يستجيبوا لكم) (هود : 14) ، الخطاب للنبي – صلى الله عليه وسلم – ثم قال للكفار : (فاعلموا أنما أنزل بعلم الله) (هود : 14) ، بدليل قوله (فهل أنتم مسلمون) (هود : 14)\rالحادي والعشرون : خطاب التلوين\rوسماه الثعلبي المتلون كقوله تعالى : (يا أيها النبي إذا طلقتم النساء) (الطلاق : 1)\r(فمن ربكما يا موسى) (طه : 49) ، وتسمية أهل المعاني الالتفات.\rالثاني والعشرون : خطاب الجمادات من يعقل\rكقوله تعالى : (فقال لها وللأرض ائتيا طوعاً أو كرهاً قالتا أتينا طائعين) (فصلت : 11) تقديره : (طائعة).\rالثالث والعشرون : خطاب التهييج","part":1,"page":199},{"id":198,"text":"كقوله : (وعلى الله فتوكلوا إن كنتم مؤمنين) (المائدة : 23) ، ولا يدل على أن من لم يتوكل ينتفي عنهم الإيمان ، بل حث لهم على التوكل. وقوله (فالله أحق أن تخشوه إن كنتم مؤمنين) (التوبة : 13).\rالرابع والعشرون : خطاب الإغضاب\rكقوله تعالى : (إنما ينهاكم عن الذين قاتلوكم في الدين وأخرجوكم من دياركم وظاهروا على إخراجكم أن تولوهم ومن يتولهم فأولئك هم الظالمون) (الممتحنة : 9)\rالخامس والعشرون : خطاب التشجيع والتحريض\rوه والحث على الاتصاف بالصفات الجميلة ، كقوله تعالى (إن الله يحب الذين يقاتلون في سبيله صفاً كأنهم بنيان مرصوص) (الصف : 2) وكفى بحث الله سبحانه تشجيعاً على منازلة الأقران ، ومباشرة الطعان !\rالسادس والعشرون : خطاب التنفير\rكقوله تعالى : (ولا يغتب بعضكم بعضاً أيحب أحدكم أن يأكل لحم أخيه ميتاً فكرهتموه واتقوا الله إن الله تواب رحيم) (الحجرات : 12)\rالسابع والعشرون : خطاب التحنن والاستعطاف\rكقوله تعالى : (قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله) (الزمر : 53)\rالثامن والعشرون : خطاب التحبيب\rنحو : (يا أبت لم تعبد مالا يسمع ولا يبصر) (مريم : 42 )\r(يا بني إنها إن تك مثقال حبة) (لقمان : 16) ، (يابن أم لا تأخذ بلحيتي ولا برأسي) (طه : 94)\rالتاسع والعشرون : خطاب التعجيز\rنحو : (فأتوا بسورة من مثله) (البقرة : 23) ، (فليأتوا بحديث مثله)(الطور : 34)\rالثلاثون : التحسير والتلهف\rكقوله تعالى : (قل موتوا بغيظكم) (آل عمران : 119)\rالحادي والثلاثون : التكذيب\rنحوقوله : (قل فأتوا بالتوراة فاتلوها إن كنتم صادقين) (آل عمران : 93) ، (قل هلم شهداءكم الذين يشهدون) (الأنعام : 150)\rالثاني والثلاثون : خطاب التشريف\rوه وما في القرآن العزيز مخاطبة يقل ،","part":1,"page":200},{"id":199,"text":"هي : سورة الإخلاص ، والناس ، والفلق ، وكقوله (قل آمنا) ، وهو تشريف منه سبحانه لهذه الأمة ، بأن يخاطبها بغير واسطة لتفوز بشرف المخاطبة ، إذ ليس من الفصيح أن يقول الرسول للمرسل إليه : قال لي المرسل : قل (كذا وكذا) ، ولأنه لا يمكن إسقاطها ، فدل على أن المراد بقاؤها ، ولابد لها من فائدة ، فتكون أمراً من المتكلم بتكلم به أمره شفاهاً بلا واسطة ، كقوله لمن تخاطبه : افعل كذا.\rالثالث والثلاثون : خطاب المعدوم\rويصح ذلك تبعاً لموجود ، كقوله تعالى : (يا بني آدم) (الأعراف : 26) فإنه خطاب لأهل ذلك الزمان ، ولكل من بعدهم ، وهو على نحو ما يجري من الوصايا في خطاب الإنسان لولده وولد ولده ما تناسلوا الله وإتيان طاعته(1)أهـ.\r\" فأخرج به من الثمرات رزقا لكم \"\r(سؤال) لما كان الله قادراً على خلق هذه الثمار بدون هذه الوسائط فما الحكمة في خلقها بهذه الوسائط في هذه المدة الطويلة ؟ \r(الجواب) : يفعل الله ما يشاء ويحكم ما يريد ثم ذكروا من الحكم المفصلة وجوهاً.\rأحدها : أنه تعالى إنما أجرى العادة بأن لا يفعل ذلك إلا على ترتيب وتدريج ، لأن المكلفين إذا تحملوا المشقة في الحرث والغرس طلباً للثمرات ، وكدوا أنفسهم في ذلك حالاً بعد حال علموا أنهم لما احتاجوا إلى تحمل هذه المشاق لطلب هذه المنافع الدنيوية ، فلأن يتحملوا مشاق أقل من المشاق الدنيوية لطلب المنافع الأخروية التي هي أعظم من المنافع الدنيوية كان أولى وصار هذا كما قلنا إنه تعالى قادر على خلق الشفاء من تناول الدواء ، لكنه أجرى عادته بتوقيفه عليه ، لأنه إذا تحمل مرارة الأدوية دفعاً لضرر المرض ، فلأن يتحمل مشاق التكليف دفعاً لضرر العقاب كان أولى (2). أهـ\r(سؤال) الثمر المخرج بماء السماء كثير فلم قيل : الثمرات دون الثمر أو الثمار ؟ .\r(أي لم ذكره بجمع القلة دون جمع الكثير) ؟ \r__________\r(1) - البرهان في علوم القرآن جـ2 صـ237 : 268 بتصرف\r(2) - التفسير الكبير جـ2 صـ344","part":1,"page":201},{"id":200,"text":"(الجواب) : تنبيهاً على قلة ثمار الدنيا ، وإشعاراً بتعظيم أمر الآخرة والله أعلم (1) أهـ.\rوقال القشيري (2)– رحمه الله –\rالعبادة : موافقة الأمر ، وهي استفراغ الطاقة في مطالبات تحقيق الغيب ويدخل ، فيه التوحيد بالقلب ، والتجريد بالسر ، والتفريد بالقصد ، والخضوع بالنفس ، والاستسلام للحكم.\rويقال : اعبدوا بالتجرد عن المحظورات ، والتجلد في أداء الطاعات ، ومقام الواجبات بالخشوع والاستكانة ، والتجافي عن التجريح في منازل الكسل والاستهانة.\rقوله (لعلكم تتقون) : تقريب الأمر عليهم وتسهيله ، ولقد وقفهم بهذه الكلمة – أعني لعل – على حد الخوف والرجاء.\rوحقيقة التقوى : التحرز والوفاء بالطاعة عن متوعدات العقاب (3). أهـ\rوذكر ابن جزي في هذه الآية ثلاث فوائد\rالأولى : هذه الآية ضمنت دعوة الحق إلى عبادة الله بطريقين أحدهما : البراهين بخلقتهم وخلقة السماوات والأرض والمطر والسحاب.\rوالآخر : ملاطفة جميلة بذكر ما لله عليهم من الحقوق ومن الإنعام ، فذكر ربوبيته لهم ، ثم ذكر خلقه لهم وآبائهم ، لأن الخالق يستحق أن يعبد ثم ذكر ما أنعم الله به عليهم من جعل الأرض فراشاً والسماء بناء ، ومن إنزال المطر وإخراج الثمرات ، لأن المنعم يستحق أن يعبد ويشكر ، وانظر قوله : جعل لكم ، ورزقاً لكم : يدلك على ذلك لتخصيصه ذلك بهم في ملاطفة وخطاب بديع.\r__________\r(1) - التفسير الكبير جـ2 صـ344\r(2) - لطائف الإشارات جـ1 صـ67-68\r(3) - لطائف الإشارات حـ1 صـ67 - 68","part":1,"page":202},{"id":201,"text":"الثانية : المقصود الأعظم من هذه الآية : الأمر بتوحيد الله وترك ما عبد من دونه بقوله في آخرها : (فلا تجعلوا لله أنداداً) وذلك هو الذي يترجم عنه بقولنا : لا إله إلا الله ، فيقتضي ذلك الأمر الدخول في دين الإسلام الذي قاعدته التوحيد وقول لا إله إلا الله تكون في القرآن ذكر المخلوقات ، والتنبيه على الاعتبار في الأرض والسماوات والحيوان والنبات والرياح والأمطار والشمس والقمر والليل والنهار وذلك أنها تدل بالعقل على عشرة أمور : وهي : أن الله موجود ، لأن الصنعة دليل على الصانع لا محالة ، وأنه واحد لا شريك له ، لأنه لا خالق إلا هو\r(أفمن يخلق كمن لا يخلق) (النحل : 17)\rوأنه حي قدير عالم مريد ، لأن هذه الصفات الأربع من شروط الصانع.\rإذ لا تصدر صنعة عمن عدم صفة منها ، وأنه قديم ، لأنه صانع للمحدثات فيستحيل أن يكون مثلها في الحدوث ، وأنه باق ، لأن ما ثبت قدمه استحال عدمه ، وأنه حكيم ، لأن آثار حكمته ظاهرة في إتقانه للمخلوقات وتدبيره للملكوت ، وأنه رحيم ، لأن في كل ما خلق منافع لبني آدم سخر لهم ما في السماوات وما في الأرض ، وأكثر ما يأتي ذكر المخلوقات في القرآن في معرض الاستدلال على وجوده تعالى وعلى وحدانيته.\rفإن قيل : لم قصر الخطاب بقوله (لعلكم تتقون) على المخاطبين دون الذين قبلهم مع أنه أمر الجميع بالتقوى ؟ \r(فالجواب) : أنه لم يقصره عليهم ، ولكنه غلب المخاطبين على الغائبين في اللفظ ، والمراد الجميع.\rفإن قيل : هلا قال (لعلكم تعبدون) مناسبة لقوله (اعبدوا)\r(فالجواب) أن التقوى غاية العبادة وكمالها فكان قوله (لعلكم تتقون) أبلغ وأوقع في النفوس (1) أهـ.\r__________\r(1) - التسهيل جـ1 صـ40-41 - ويلاحظ أنه لم يذكر الفائدة الثالثة ، ولعله أدخلها في ثنايا كلامه ، كما أنه تعرض للحديث عن آيتين لا عن آية واحدة كما ذكر ولعل فيه سقطاً أو خطأ من الناسخ - غفر الله لنا ولهم أجمعين.","part":1,"page":203},{"id":202,"text":"وقال القشيري : \r(تعرف إليهم بذكر ما من به عليهم من خلق السماء لهم سقفاً مرفوعاً ، وإنشاء الأرض لهم فراشاً موضوعاً ، وإخراج النبات لهم بالمطر رزقاً مجموعاً ، ويقال : أعتقهم عن منة الأمثال بما أزاح لهم من العلة فيما لابد منه ، فكافيهم السماء لهم غطاء والأرض وطاء ، والمباحات رزقاً ، والطاعة حرفة ، والعبادة شغلاً ، والذكر مؤنساً ، والرب وكيلاً - (فلا تجعلوا لله أنداداً) ، ولا تعلقوا قلوبكم بالأغيار في طلب ما تحتاجون إليه ، فإن الحق سبحانه وتعالى متوحد بالإبداع ، لا محدث سواه ، فإذا توهمتم أن شيئاً من الحادثات من نفع أو ضرر ، أو خير أو شر يحدث من مخلوق كان ذلك - في التحقيق شركاً.\rوقوله عز وجل (وأنتم تعلمون) أن من له حاجة في نفسه لا يصلح أن ترفع حاجتك إليه ، وتعلق المحتاج بالمحتاج ، واعتماد الضعيف على الضعيف يزيد في الفقر ، ولا يزيل هواجم الضر (1). أهـ\r(لطيفة)\rقال الإمام الرازي - رحمه الله - في قوله تعالى (وأنزل من السماء ماء فأخرج به من الثمرات رزقاً لكم)\rاعلم أن الله تعالى لما خلق الأرض وكانت كالصدف والدرة المودعة فيه آدم وأولاده التي هي لك كالأم فقال : (أنا صببنا الماء صباً ثم شققنا الأرض شقاً) (عبس : 25 ، 26)\rفانظر يا عبدي أن أعز الأشياء عندك الذهب والفضة ، ولو أني خلقت الأرض من الذهب والفضة هل كان يحصل منها هذه المنافع ، ثم إني جعلت هذه الأشياء في هذه الدنيا مع أنها سجن ، فكيف الحال في الجنة ، فالحاصل أن الأرض أمل ، بل أشفق من الأم ، لأن الأم تسقيك لوناً واحداً من اللبن ، والأرض تطعمك كذا وكذا لونا من الأطعمة ، ثم قال : (منها خلقناكم وفيها نعيدكم) (طه : 55) معناه نردكم إلى هذه.\r__________\r(1) - لطائف الإشارة جـ1 صـ68","part":1,"page":204},{"id":203,"text":"وهذا ليس بوعيد ، لأن المرء لا يوعد بأمه وذلك لأن مكانك من الأم التي ولدتك أضيق من مكانك من الأرض ، ثم إنك كنت في بطن الأم تسعة أشهر فما مسك جوع ولا عطش ، فكيف إذا دخلت بطن الأم الكبرى ، ولكن الشرط أن تدخل بطن هذه الأم الكبرى كما كنت في بطن الأم الصغرى ، لأنك حين كنت في بطن الأم الصغرى ما كانت لك زلة فضلاً عن أن تكون لك كبيرة ، بل كنت مطيعاً لله بحيث دعاك مرة إلى الخروج إلى الدنيا فخرجت إليها بالرأس طاعة منك لربك ، واليوم يدعوك سبعين مرة إلى الصلاة فلا تجيبه برجلك ، واعلم أنه سبحانه وتعالى لما ذكر الأرض والسماء بين ما بينهما من شبه عقد النكاح بإنزال الماء من السماء على الأرض ، والإخراج من بطنها أشباه النسل الحاصل من الحيوان ، ومن أنواع الثمار رزقاً لبني آدم ليتفكروا في أنفسهم وفي أحوال ما فوقهم وما تحتهم ، ويعرفوا أن شيئاً من هذه الأشياء لا يقدر على تكوينها وتخليقها إلا من كان مخالفاً لها في الذات والصفات ، وذلك الصانع الحكيم سبحانه وتعالى(1). أهـ.\rلطيفة\rجاء جماعة من الدهرية لأبى حنيفة ـ رضى الله عنه ـ فقال ما تقولون فى خشب قطع من الأشجار بلا نجار ، واجتمع ثم كون سفينة تجرى فى البحر ، وهى مشحونة بالأحمال مملوءة من الأثقال قد احتوشها فى لجة البحر أمواج متلاطمة ورياح مختلفة ، وهى من بينها تجرى مستوية ليس لها ملاح يجريها ولا متعهد يدفعها ، هل يجوز ذلك فى العقل ؟ \rقالوا لا : هذا شىء لايقبله العقل ، فقال أبو حنيفة : يا سبحان الله إذا لم يجز فى العقل سفينة تجرى فى البحر مستوية من غير متعهد ولا مجر ، فكيف يجوز قيام هذه الدنيا على اختلاف أحوالها ، وتغير أعمالها ، وسعة أطرافها ، وتباين أكنافها من غير صانع وحافظ ، فبكوا جميعا ، وقالوا صدقت. أهـ. [الجواهر فى تفسير القرآن الكريم حـ1 صـ34 للشيخ طنطاوى جوهرى]\r__________\r(1) - التفسير الكبير جـ2 صـ342-343","part":1,"page":205},{"id":204,"text":"قوله تعالى (وإن كنتم في ريب مما نزلنا على عبدنا.. الآية )\rقال ابن جزي : في قوله تعالى : \r(فأتوا بسورة) هذا أمر يراد به التعجيز (من مثله) الضمير عائد على ما أنزل وهو القرآن ، وقيل يعود على النبي – صلى الله عليه وسلم – والأول أرجح لتعيينه في يونس (1) وهود (2) ، وبمعنى مثله في فصاحته وفيما تضمنه من العلوم والحكم العجيبة والبراهين الواضحة (3). أهـ\rوقال الخطيب الشربيني – رحمه الله – ما نصه : \r(وإنما قال (مما نزلنا) لأن نزوله نجماً فنجماً بحسب الوقائع على ما يرى عليه أهل الشعر والخطابة مما يريبهم ، كما حكى الله تعالى عنهم قوله تعالى (وقال الذين كفروا لولا نزل عليه القرآن جملة واحدة) (الفرقان : 32) فكان الواجب تحديهم على هذا الوجه إزالة للشبهة ، وإلزاماً للحجة (4) ، فإن أهل الشعر والخطابة يأتون بأشعارهم وخطبهم على قدر الحاجة شيئاً فشيئاً ، ولما كان القرآن منزلاً كذلك طعنوا فيه بأنه مثل كلامهم ، فقيل لهم : ارتبتم في نزوله منجماً فأتوا بنجم منه ، لأنهم إذا عجزوا عن نجم منه ، فعجزهم عن كله أولى (5). أهـ.\r(سؤال) لم عبر بقوله (وإن كنتم في ريب) ولم يقل (وإن ارتبتم) ؟ \r__________\r(1) - المراد قوله تعالى (قل فأتوا بسورة مثله) (يونس : 38)\r(2) - المراد قوله تعالى (فأتوا بعشر سور مثله مفتريات) (هود : 13)\r(3) - التسهيل جـ1 صـ41. بتصرف يسير\r(4) - هذا جواب عن سؤاله حاصلة لم عبر بقوله (نزلنا) وهي تفيد التدرج في النزول ، ولم يعبر بأنزلنا التي تفيد نزوله جملة واحدة\r(5) - السراج المنير للخطيب الشربيني جـ1 صـ34","part":1,"page":206},{"id":205,"text":"(الجواب) للمبالغة في تنزيه ساحة التنزيل عن شائبة وقوع الريب فيه حسبما نطق به قوله تعالى (لا ريب فيه) والإشعار بأن ذلك إن وقع فمن جهتهم لا من جهته العالية ، واعتبار استقرارهم فيه وإحاطته بهم لا ينافي اعتبار ضع فهو قلته لما أن ما يقتضيه ذلك هو دوام ملابستهم به لا قوته وكثرته(1).أهـ.\rقال أبو السعود :\rوليس معنى كونهم في ريب منه ارتيابهم في استقامة معانيه وصحة أحكامه ، بل في نفس كونه وحياً منزلاً من عند الله عز وجل.\rثم قال : وفي ذكره - صلى الله عليه وسلم - بعنوان العبودية مع الإضافة إلى ضمير الجلالة من التشريف والتنويه على اختصاصه به عز وجل والقيادة لأوامره تعالى مالا يخفى.\rوقال في قوله تعالى (من مثله) أي بسورة كائنة من مثله في عل والرتبة وسم والطبقة ، والنظم الرائق ، والبيان البديع ، وحيازة سائر نعوت الإعجاز(2). أهـ.\rوقال الزركشي(3) : ما نصه :\r(واعلم أن النبي - صلى الله عليه وسلم - تحدى العرب قاطبة بالقرآن حين قالوا : افتراه ، فأنزل الله عز وجل عليه : (أم يقولون افتراه قل فأتوا بعشر سور مثله) (هود (13) ثم كرر هذا فقال (وإن كنتم في ريب مما نزلنا على عبدنا فأتوا بسورة من مثله) أي : من كلام مثله ، وقيل من بشر مثله ، ويحقق القول الأول الآيتان السابقتان فلما عجزوا عن أن يأتوا بسورة تشبه القرآن على كثرة الخطباء فيهم والبلغاء قال : (قل لئن اجتمعت الإنس والجن على أن يأتوا بمثل هذا القرآن لا يأتون بمثله ولو كان بعضهم لبعض ظهيراً) (الإسراء : 88) فقد ثبت أنه تحداهم به ، وأنهم لم يأتوا بمثله لعجزهم عنه ، لأنهم لو قدروا على ذلك لفعلوا ، ولما عدلوا إلى العناد تارة والاستهزاء أخرى ، فتارة قالوا : سحر ، وتارة قالوا : شعر ، وتارة قالوا : أساطير الأولين. كل ذلك من التحير والانقطاع. أهـ.\r__________\r(1) - تفسير أبي السعود جـ1 صـ63\r(2) - تفسير أبي السعود جـ1 صـ64. بتصرف يسير\r(3) - البرهان جـ2 صـ102","part":1,"page":207},{"id":206,"text":"وقال الكرماني : قوله تعالى (فأتوا بسورة من مثله) بزيادة (من) في هذه السورة ، وفي غيرها (بسورة مثله) لأن (من) تدل على التبعيض ، ولما كانت هذه السورة سنام القرآن وأوله بعد الفاتحة حسن دخول (من) فيها ليعلم أن التحدى واقع على جميع سور القرآن من أوله إلى آخره ، وغيرها من السور لو دخلها (من) لكان التحدي واقعاً على بعض السور دون بعضها ولم يكن ذلك بالسهل (1). أهـ.\rقال الإمام القشيري - رحمه الله -\r(لبس على بصائر الأجانب حتى لم يشهدوا حبيبه - صلوات الله عليه - فتاهوا في أودية الظنون لما فقدوا نور العناية ، فلم يزدد الرسول عليهم إتياناً بالآيات وإظهاراً من المعجزات إلا ازدادوا ريباً على ريب وشكاً على شك ، وهكذا سبيل من أعرض عن الحق سبحانه ، لا يزيده ضياء الحجج إلا عمي عن الحقيقة ، قال الله تعالى (وما تغني الآيات والنذر عن قوم لا يؤمنون) (يونس : 101) ، وليبلغ عليهم في إلزام الحجة عرفهم عجزهم عن معارضة ما آتاهم من معجزة القرآن الذي قهر الأنام من أولهم إلى آخرهم ، وقدر عليهم أنهم لو تظاهروا فيما بينهم ، واعتضدوا بأشكالهم ، واستفرغوا كنه طاقتهم واحتيالهم لم يقدروا على الإتيان بسورة مثل سورة القرآن.\rثم قال (فإن لم تفعلوا) وأخبر أنهم قطعاً لا يقدرون على ذلك ولا يفعلون فقال (ولن تفعلوا) فكان كما قال - فانظروا لأنفسكم ، واحذروا الشرك الذي يوجب لكم عقوبة النار التي من سطوتها بحيث وقودها الناس والحجارة ، فإذا كانت تلك النار التي لا تنبت لها الحجارة مع صلابتها فكيف يطيقها الناس مع ضعفهم وحين أشرقت قلوب المؤمنين على غاية الإشفاق من سماع ذكر النار تداركها بحكم التثبيت فقال (أعدت للكافرين) ففي ذلك بشارة للمؤمنين ، وهذه سنة من الحق سبحانه : إذا خوف أعداءه بشر مع ذلك أولياءه.\r__________\r(1) - أسرار التكرار في القرآن للكرماني صـ25","part":1,"page":208},{"id":207,"text":"وكما أن كيد الكافرين يضمحل في مقابلة معجزات الرسل – عليهم السلام – فكذلك دعاوى الملبسين تتلاشى عن ظهور أنوار الصديقين ، وأمارة المبطل في دعواه رجوع الزجر منه إلى القلوب ، وعلامة الصادق في معناه وقوع القهر منه على القلوب. وعزيز من فصل وميز بين رجوع الزجر وبين وقوع القهر (1). أهـ.\rلطائف وفوائد\rقال الإمام ابن القيم ما نصه : \r(وإن كنتم في ريب مما نزلنا على عبدنا فأتوا بسورة من مثله وادعوا شهداءكم من دون الله إن كنتم صادقين) (البقرة : 23) ، إن حصل لكم ريب في القرآن الكريم وصدق من جاء به ، وقلتم : إنه مفتعل فأتوا بسورة واحدة تشبهه ، وهذا خطاب لأهل الأرض أجمعهم ، ومن المحال أن يأتي واحد منهم بكلام يفتعله ويختلقه من تلقاء نفسه ثم يطالب أهل الأرض بجمعهم أن يعارضوه في أيسر جزء منه يكون مقداره ثلاث آيات من عدة ألوف ثم تعجز الخلائق كلهم عن ذلك ، حتى إن الذين راموا معارضته كان ما عارضوه من أقوى الأدلة على صدقه ، فإنهم أتوا بشيء يستحي العقلاء من سماعه ، ويحكمون بسماجته ، وقبح ركاكته وخسته ، فهو كمن أظهر طيباً لم يشم أحد مثل ريحه قط ، وتحدى الخلائق ملوكهم وسوقتهم بأن يأتوا بذرة طيبة مثله ، فاستحى العقلاء وعرفوا عجزهم وجاء الحمقاء بعذرة منتنة خبيثة ، وقالوا : قد جئنا بمثل ما جئت به فهل يزيد هذا ما جاء به إلا قوة وبرهاناً وعظمة وجلالة ، وأكد تعالى هذا التوبيخ والتقريع والتعجيز بأن قال (وادعوا شهداءكم من دون الله إن كنتم صادقين) (23) ، كما يقول المعجز لمن يدعى مقاومته : أجهد على بكل من تقدر عليه من أصحابك وأعوانك وأوليائك ولا تبق منهم أحداً حتى تستعين به ، فهذا لا يقدم عليه إلا أجهل العالم وأحمقه وأسخفه عقلاً إن كان غير واثق بصحة ما يدعيه أو أكملهم وأفضلهم وأصدقهم وأوثقهم بما يقول ، والنبي – صلى الله عليه وسلم – يقرأ هذه الآية وأمثالها على أصناف الخلائق\r__________\r(1) - لطائف الإشارات جـ1 صـ69","part":1,"page":209},{"id":208,"text":"أميهم وكتابيهم وعربهم وعجمهم ويقول : لن تستطيعوا ذلك ولن تفعلوه أبداً فيعدلون معه إلى الحرب والرضى بقتل الأحباب فل وقدروا على الإتيان بسورة واحدة لم يعدلوا عنها إلى اختيار المحاربة ، وإيتام الأولاد ، وقتل النفوس ، والإقرار بالعجز عن معارضته(1)أهـ.\rبحث نفيس في : إعجاز القرآن\rقال صاحب الميزان - رحمه الله - ما نصه : \rلا ريب في أن القرآن يتحدى بالإعجاز في آيات كثيرة مختلفة مكية ومدنية تدل جميعها على أن القرآن آية معجزة خارقة حتى أن الآية السابقة أعني قوله تعالى : (وإن كنتم في ريب مما نزلنا على عبدنا فأتوا بسورة من مثله) (البقرة : 23) الآية ، أي من مثل النبي - صلى الله عليه وسلم - استدلال على كون القرآن معجزة بالتحدي على إتيان سورة نظيرة سورة من مثل النبي - صلى الله عليه وسلم - لا أنه استدلال على النبوة مستقيماً وبلا واسطة ، والدليل عليه قوله تعالى في أولها : (وإن كنتم في ريب مما نزلنا على عبدنا) ولم يقل وإن كنتم في ريب من رسالة عبدنا ، فجميع التحديات الواقعة في القرآن نحو استدلال على كون القرآن معجزة خارقة من عند الله ، والآيات المشتملة على التحدي مختلفة في العموم والخصوص ومن أعمها تحدياً قوله تعالى (قل لئن اجتمعت الإنس والجن على أن يأتوا بمثل هذا القرآن لا يأتون بمثله ولو كان بعضهم لبعض ظهيراً) (الإسراء : 88) ، والآية مكية وفيها من عموم التحدي مالا يرتاب فيه ذ ومسكة.\rفل وكان التحدي ببلاغة بيان القرآن وجزالة أسلوبه فقط لم يتعد التحدي قوماً خاصاً وهم العرب العرباء من الجاهلين والمخضرمين قبل اختلاط اللسان وفساده ، وقد قرع بالآية أسماع الإنس والجن.\r__________\r(1) - بدائع الفوائد جـ4 صـ910 ، 911","part":1,"page":210},{"id":209,"text":"وكذا غير البلاغة والجزالة من كل صفة خاصة اشتمل عليها القرآن كالمعارف الحقيقية والأخلاق الفاضلة والأحكام التشريعية والأخبار المغيبة ومعارف أخرى لم يكشف البشر حين النزول عن وجهها النقاب إلى غير ذلك ، كل واحد منها بما يعرفه بعض الثقلين دون جميعهم ، فإطلاق التحدي على الثقلين ليس إلا في جميع ما يمكن فيه التفاضل في الصفات.\rفالقرآن آية للبليغ في بلاغته وفصاحته ، وللحكيم في حكمته ، وللعالم في علمه ، وللاجتماعي في اجتماعه ، وللمقنين في تقنيهم وللسياسيين في سياستهم ، وللحكام في حكومتهم ولجميع العالمين فيما لا ينالونه جميعاً ، كالغيب والاختلاف في الحكم والعلم والبيان ومن هنا يظهر أن القرآن يدعي عموم إعجازه من جميع الجهات من حيث كون إعجاز الكل فرد من الإنس والجن من عامة أو خاصة أو عالم أو جاهل أو رجل أو امرأة أو فاضل بارع في فضله أو مفضول إذا كان ذا لب يشعر بالقول فإن الإنسان مفطور على الشعور بالفضيلة وإدراك الزيادة والنقيصة فيها ، فلكل إنسان أن يتأمل ما يعرفه من الفضيلة في نفسه أو في غيره من أهله ثم يقيس ما أدركه منها إلى ما يشتمل عليه القرآن فيقضي بالحق والنصفة ، فهل يتأتى للقوة البشرية أن تختلق معارف إلهية مبرهنة تقابل ما أتى به القرآن وتماثله في الحقيقة وهل يمكنها أن تأتي بأخلاق مبنية على أساس الحقائق تعادل ما أتى به القرآن في الصفاء والفضيلة ؟ وهل يمكنها أن تشرع أحكاماً تامة فقهية تحصي جميع أعمال البشر من غير اختلاف يؤدي إلى التناقض مع حفظ روح التوحيد وكلمة التقوى في كل حكم ونتيجة ، وسريان الطهارة في أصله وفرعه ؟ وهل يمكن أن يصدر هذا الإحصاء العجيب والإتقان الغريب من رجل أمي لم يترب إلا في حجر قوم حظهم من الإنسانية على مزاياها التي لا تحصى وكمالاتها التي لا تغيا أن يرتزقوا بالغارات والغزوات ونهب الأموال وأن يئدوا البنات ويقتلوا الأولاد خشية إملاق ويفتخروا بالآباء وينكحوا الأمهات","part":1,"page":211},{"id":210,"text":"ويتباهوا بالفجور ويذموا العلم ويتظاهروا بالجهل وهم على أنفتهم وحميتهم الكاذبة أذلاء لكل مستذل وخطفة لكل خاطف فيوماً لليمن ويوماً للحبشة ويوماً للروم ويوماً للفرس ؟ فهذا حال عرب الحجاز في الجاهلية.\rوهل يجترئ عاقل على أن يأتي بكتاب يدعيه هدى للعالمين ثم يودعه أخباراً في الغيب مما مضى ويستقبل وفيمن خلت من الأمم وفيمن سيقدم منهم لا بالواحد والاثنين في أبواب مختلفة من القصص والملاحم والمغيبات المستقبلة ثم لا يختلف شيء منها عن صراط الصدق\rوهل يتمكن إنسان وهو أحد أجزاء نشأة الطبيعة المادية ، والدار التحول والتكامل ، أن يداخل في كل شأن من شئون العالم الإنساني ويلقى إلى الدنيا معارف وعلوماً وقوانين وحكماً ومواعظ وأمثالاً وقصصاً في كل ما دق وجل ثم لا يختلف حاله في شيء منها في الكمال والنقص وهي متدرجة الوجود متفرقة الإلقاء وفيها ما ظهر ثم تكرر وفيها فروع متفرعة على أصولها ؟ هذا ما نراه أن كل إنسان يبقى من حيث كمال العمل ونقصه على حال واحدة.\rفالإنسان اللبيب القادر على تعقل هذه المعاني لا يشك في أن هذه المزايا الكلية وغيرها مما يشتمل عليه القرآن الشريف كلها فوق القوة البشرية ووراء الوسائل الطبيعية المادية وإذا لم يقدر على ذلك فلم يضل في إنسانيته ولم ينس ما يحكم به وجدانه أنه الفطري أن يراجع فيما لا يحب اختياره ويجهل مأخذه إلى أهل الخبرة به (1). أهـ\r__________\r(1) - الميزان في تفسير القرآن جـ1 صـ59 ، 60 ، 61","part":1,"page":212},{"id":211,"text":"التحدي بمن أنزل عليه القرآن\rوقد تحدى بالنبي الأمي الذي جاء بالقرآن المعجز في لفظه ومعناه ، ولم يتعلم عند معلم ولم يترب عند مرب بقوله تعالى (قل لو شاء الله ما تلوته عليكم ولا أدراكم به فقد لبثت فيكم عمراً من قبله أفلا تعقلون) (يونس : 16) ، فقد كان النبي - صلى الله عليه وسلم - بينهم وهو أحدهم لا يتسامى في فضل ولا ينطق بعلم حتى لم يأت بشيء من شعر أو نثر نحواً من أربعين سنة وهو ثلثا عمره لا يجوز تقدماً ولا يرد عظيمة من عظائم المعالي ثم أتى بما أتى به دفعة فأتى بما عجزت عنه فحولهم وكلت دونه ألسنة بلغائهم ، ثم بثه في أقطار الأرض فلم يجترئ على معارضته معارض من عالم أو فاضل أو ذي لب وفطانة.\rوغاية ما أخذوه عليه : أنه سافر إلى الشام للتجارة فتعلم هذه القصص ممن هناك من الرهبان ولم تكن أسفاره إلى الشام إلا مع عمه أبي طالب قبل بلوغه وإلا مع ميسرة مولى خديجة وسنه يومئذ خمسة وعشرون وهو مع من يلازمه في ليله ونهاره ، ولو فرض محالاً ذلك فما هذه المعارف والعلوم ؟ ومن أين هذه الحكم والحقائق ؟ وممن هذه البلاغة في البيان الذي خضعت له الرقاب وكلت دونه الألسن الفصاح ؟\rوما أخذوه عليه أنه كان يقف على قين بمكة من أهل الروم كان يعمل السيوف ويبيعهم فأنزل الله سبحانه (ولقد نعلم أنهم يقولون إنما يعلمه بشر لسان الذي يلحدون إليه أعجمي وهذا لسان عربي مبين) (النحل : 103).\rوما قالوا عليه أنه يتعلم بعض ما يتعلم من سلمان الفارسي وهو من علماء الفرس عالم بالمذهب والأديان مع أن سلمان إنما آمن به في المدينة ، وقد نزل أكثر القرآن بمكة وفيها من جميع المعارف الكلية والقصص ما نزلت منها بمدينة بل أزيد ، فما الذي زاده إيمان سلمان وصحابته ؟","part":1,"page":213},{"id":212,"text":"على أن من قرأ العهدين وتأمل ما فيهما ثم رجع إلى ما قصه القرآن من تواريخ الأنبياء السالفين وأممهم رأى أن التاريخ غير التاريخ والقصة ، فقيهما عثرات وخطايا لأنبياء الله الصالحين تن والفطرة وتتنفر من أن تنسبها إلى المتعارف من صلحاء الناس وعقلائهم ، والقرآن يبرئهم منها ، وفيها أمور أخرى لا يتعلق بها معرفة حقيقية ولا فضيلة خلقية ولم يذكر القرآن منها إلا ما ينفع الناس في معارفهم وأخلاقهم وترك الباقي وهو الأكثر(1).أهـ\rتحدي القرآن بعدم الاختلاف فيه\rوقد تحدى أيضاً بعدم وجود الاختلاف فيه ، قال تعالى : (أفلا يتدبرون القرآن ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافاً كثيراً) (النساء : 82) ، فإن من الضروري أن النشأة نشأة المادة والقانون الحاكم فيها قانون التحول والتكامل فما من موجود من الموجودات التي هي أجزاء هذا العالم إلا وهو متدرج الوجود متوجه من الضعف إلى القوة ومن النقص إلى الكمال في ذاته وجميع توابع ذاته ولواحقه من الأفعال والآثار ومن جملتها الإنسان الذي لا يزال يتحول ويتكامل في وجوده وأفعاله وآثاره التي منها آثاره التي يتوسل إليها ، بالفكر والإدراك ، فما من واحد منا إلا وهو يرى نفسه كل يوم أكمل من أمس ولا يزال يعثر في الحين الثاني على سقطات في أفعاله وعثرات في أقواله الصادرة منه في الحين الأول ، هذا أمر لا ينكره من نفسه إنسان ذ وشعور.\r__________\r(1) - الميزان في تفسير القرآن جـ1 صـ63 ، 64","part":1,"page":214},{"id":213,"text":"وهذا الكتاب جاء به النبي – صلى الله عليه وسلم – نجوماً وقرأه على الناس قطعاً قطعاً في مدة ثلاث وعشرين سنة في أحوال مختلفة وشرائط متفاوتة في مكة والمدينة في الليل والنهار والحضر والسفر والحرب والسلم في يوم العسرة وفي يوم الغلبة ويوم الأمن ويوم الخوف ، ولإلقاء المعارف الإلهية وتعليم الأخلاق الفاضلة وتقنين الأحكام الدينية في جميع أبواب الحاجة ، ولا يوجد فيه أدنى اختلاف في النظم المتشابه ، كتاباً متشابهاً مثانى ، ولم يقع في المعارف التي ألقاها والأصول التي أعطاها اختلاف بتناقض بعضها مع بعض وتنافي شيء منها آخر ، فالآية تفسير الآية والبعض يبين البعض ، والجملة تصدق الجملة كما قال علي – رضي الله عنه - : (ينطق بعضه ببعض ويشهد بعضه على بعض) (نهج البلاغة).\rول وكان من عند غير الله لاختلف النظم في الحسن والبهاء والقول في الشداقة والبلاغة والمعنى من حيث الفساد والصحة ومن حيث الإتقان والمتانة.\rفإن قلت : هذه مجرد دعوى لا تنكي على دليل وقد أخذ على القرآن مناقضات وإشكالات جمة ربما ألف فيه التأليفات ، وهي إشكالات لفظية ترجع إلى قصوره في جهات البلاغة ومناقضات معنوية تعود إلى خطأه في آرائه وأنظاره وتعليماته ، وقد أجاب عنها المسلمون بما لا يرجع في الحقيقة إلا إلى التأويلات التي يحترزها الكلام الجاري على سنن الاستقامة وارتضاء الفطرة السليمة.\rقلت : ما أشير إليه من المناقضات والإشكالات موجودة في كتب التفسير وغيرها مع أجوبتها ومنها هذا الكتاب ، فالإشكالات أقرب إلى الدعوى الخالية عن البيان.\rولا تكاد تجد في هذه المؤلفات التي ذكرها المستشكل شبهة أوردوها أو مناقضة أخذوها إلا وهي مذكورة في مسفورات المفسرين مع أجوبتها فأخذوا الإشكالات وجمعوها ورتبوها وتركوا الأجوبة وأهملوها ، ونعم ما قيل : لو كانت عين الحب متهمة فعين البغض أولى بالتهمة (1). أهـ\r__________\r(1) - الميزان في تفسير القرآن جـ1 صـ66 ، 67","part":1,"page":215},{"id":214,"text":"التحدي بالبلاغة\rوقد تحدى القرآن بالبلاغة كقوله تعالى : (أم يقولون افتراه قل فأتوا بعشر سور مثله مفتريات وادعوا من استطعتم من دون الله إن كنتم صادقين فإن لم يستجيبوا لكم فاعلموا أنما أنزل بعلم الله وأن لا إله إلا هو فهل أنتم مسلمون) (هود : 13 ، 14).\rوالآية مكية ، وقوله تعالى : (أم يقولون افتراه قل فأتوا بسورة مثله وادعوا من استطعتم من دون الله إن كنتم صادقين بل كذبوا بما لم يحيطوا بعلمه ولما يأتهم تأويله) (يونس : 38 ، 39). والآية أيضاً مكية وفيها التحدي بالنظم والبلاغة فإن ذلك هو الشأن الظاهر من شؤون العرب المخاطبين بالآيات يومئذ ، فالتاريخ لا يرتاب أن العرب العرباء بلغت من البلاغة في الكلام مبلغاً لم يذكره التاريخ لواحدة من الأمم المتقدمة عليهم والمتأخرة عنهم ووطئوا موطئاً لم تطأه أقدام غيرهم في كمال البيان وجزالة النظم ووفاء اللفظ ورعاية المقام وسهولة المنطق. وقد تحدى عليهم القرآن بكل تحد ممكن مما يثير الحمية ويوقد نار الأنفة والعصبية. وحالهم في الغرور ببضاعتهم والاستكبار عن الخضوع للغير في صناعتهم مما لا يرتاب فيه ، وقد طالت مدة التحدي وتمادي زمان الاستنهاض فلم يجيبوه إلا بالتجافي ولم يزدهم إلا العجز ولم يكن منهم إلا الاستكبار والفرار ، كما قال تعالى : (ألا أنهم يثنون صدورهم ليستخفوا منه ألا حين يستغشون ثيابهم يعلم ما يسرون وما يعلنون) (هود : 5).\rوقد مضى من القرون والأحقاب ما يبلغ أربعة عشر قرناً ولم يأت بما يناظره آت ولم يعارضه أحد بشيء إلا أخزي نفسه وافتضح في أمره.","part":1,"page":216},{"id":215,"text":"وقد ضبط النقل بعض هذه المعارضات والمناقشات ، فهذا مسبلمة عارض سورة الفيل بقوله : (الفيل ما الفيل وما أدراك ما الفيل له ذلب وبيل وخرطوم طويل) وفي كلام له في الوحي يخاطب السجاح النبيه (فنولجه فيكن إيلاجاً ، ونخرجه منكن إخراجاً) فانظر إلى هذه الهذيانات واعتبر ، وهذه سورة عارض بها الفاتحة بعض النصارى (الحمد للرحمن. رب الأكوان الملك الديان. لك العبادة وبك المستعان اهدنا صراط الإيمان) إلى غير ذلك من التقولات (1). أهـ.\r*وقال الشيخ محمد جواد البلاغي في تقديمه لتفسير مجمع البيان للطبرسي ما نصه : \rولا تزال المصاحف ينسخ بعضها على بعض والمسلمون يقرأ بعضهم على بعض ويسمع بعضهم من بعض.\rتكون ألوف المصاحف رقيبة على الحفاظ وألوف الحفاظ رقباء على المصاحف وتكون الألوف من كلا القسمين رقيبة على المتجدد منها. نقول الألوف ولكنها مئات الألوف وألوف الألوف فلم يتفق لأمر تاريخي من التواتر وبداهة البقاء مثل ما اتفق للقرآن الكريم كما وعد الله جلت ألاؤه بقوله في سورة الحجر (إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون) (الحجر : 9) وقوله في سورة القيامة (إن علينا جمعه وقرآنه) (القيامة : 17) (2). أهـ.\r__________\r(1) - الميزان في تفسير القرآن جـ1 صـ68\r(2) - مجمع البيان جـ1 صـ19","part":1,"page":217},{"id":216,"text":"من أقوال العلماء في وجوه إعجاز القرآن\r*قال أبو حيان التوحيدي في البصائر : لم أسمع كلاماً ألصق بالقلب ، وأعلق بالنفس من فصل تكلم به بندار بن الحسين الفارسي. وكان بحراً في العلم - وقد سئل عن موضع الإعجاز من القرآن فقال : هذه مسألة فيها حيف على المفتي ، وذلك أنه شبيه بقولك : ما موضع الإنسان من الإنسان ؟ فليس للإنسان موضع من الإنسان بل متى أشرت إلى جملته فقد حققته ، ودللت على ذاته ، كذلك القرآن لشرفه لا يشار إلى شيء منه إلا وكان ذلك المعنى آية في نفسه ، ومعجزة لمحاوله ، وهدى لقائله ، وليس في طاقة البشر الإحاطة بأغراض الله في كلامه وأسراره في كتابه ، فلذلك حارت العقول وتاهت البصائر عنده.\rومنها : وهو قول حازم في (منهاج البلغاء) : إن الإعجاز فيه من حيث استمرت الفصاحة والبلاغة فيه من جميع أنحائها في جميعه استمراراً لا توجد له فترة ، ولا يقدر عليه أحد من البشر ، وكلام العرب ومن تكلم بلغتهم لا تستمر الفصاحة والبلاغة في جميع أنحائها في العالي منه إلا في الشيء اليسير المعدود ، ثم تعرض الفترات الإنسانية فتقطع طيب الكلام ورونقه ، فلا تستمر لذلك الفصاحة في جميعه ، بل توجد في تفاريق وأجزاء منه ، والفترات في الفصاحة تقع للفصيح ، إما بسه ويعرض له في الشيء من غير أن يكون جاهلاً به ، أو من جهل به ، أو من سآمة تعتري فكره ، أو من هوى للنفس يغلب عليها فيما يحوش عليها خاطره ، من اقتناص المعاني سميناً كان أو غثاً ، فهذه آفات لا يخل ومنها الإنسان الفاضل الطبع الكامل ، وهو قريب مما ذكره ابن الزملكاني وابن عطية.\rقال الخطابي في كتابه - وإليه ذهب الأكثرون من علماء النظر - : إن وجه الإعجاز فيه من جهة البلاغة ، لكن لما صعب عليهم تفصيلها صغوا فيه إلى حكم الذوق والقبول عند النفس.","part":1,"page":218},{"id":217,"text":"قال : والتحقيق أن أجناس الكلام مختلفة ، ومراتبها في درجة البيان متفاوتة ، ودرجاتها في البلاغة متباينة غير متساوية ، فمنها البليغ الرصين الجزل ، ومنها الفصيح القريب السهل ، ومنها الجائز الطلق الرسل ، وهذه أقسام الكلام الفاضل المحمود.\rفالقسم الأول أعلاه ، والثاني أوسطه ، والثالث أدناه وأقربه ، فحازت بلاغات القرآن من كل قسم من هذه الأقسام حصة ، وأخذت من كل نوع شعبة ، فانتظم لها بامتزاج هذه الأوصاف نمط من الكلام يجمع صفتي الفخامة والعذوبة ، وهما على الانفراد في نعوتهما كالمتضادين ، لأن العذوبة نتاج السهولة ، والجزالة والمتانة. يعالجان نوعان من الوعرة ، فكان اجتماع الأمرين في نظمه مع نب وكل منهما عن الآخر فضيلة خص بها القرآن. يسرها الله بلطيف قدرته ، ليكون آية بينة لنبيه.\rوإنما تعذر على البشر الإتيان بمثله لأمور : \rمنها : أن علمهم لا يحيط بجميع أسماء اللغة العربية وأوضاعها التي هي ظروف المعاني والحوامل ولا تدرك أفهامهم جميع معاني الأشياء المحمولة على تلك الألفاظ ، ولا تكمل معرفتهم باستيفاء جميع وجوه النظوم التي بها يكون ائتلافها وارتباطها بعضها ببعض ، فيتوصلوا باختيار الأفضل عن الأحسن من وجوهها ، إلا أن يأتوا بكلام مثله.\rوإنما يقوم الكلام بهذه الأشياء الثلاثة : لفظ حامل ، ومعنى به قائم ، ورباط لهما ناظم ، وإذا تأملت القرآن وجدت هذه الأمور منه في غاية الشرف والفضيلة ، حتى لا ترى شيئاً من الألفاظ أفصح ولا أجزل ولا أعذب من ألفاظه ، ولا ترى نظماً أحسن تأليفاً وأشد تلاؤماً وتشاكلاً من نظمه. وأما معانيه ، فكل ذي لب يشهد له بالتقديم في أبوابه ، والرقي في أعلى درجاته.\rوقد توجد هذه الفضائل الثلاث على التفرق في أنواع الكلام ، وأما أن توجد مجموعة في نوع واحد منه فلم توجد إلا في كلام العليم القدير ، ","part":1,"page":219},{"id":218,"text":"فخرج من هذا أن القرآن إنما صار معجزاً لأنه جاء بأفصح الألفاظ في أحسن نظوم التأليف ، مضمناً أصح المعاني ، من توحيد الله تعالى وتنزيهه في صفاته ، ودعاء إلى طاعته وبيان لطريق عبادته في تحليل وتحريم ، وحظر وإباحة ، ومن وعظ وتقويم ، وأمر بمعروف ونهي عن منكر ، وإرشاد إلى محاسن الأخلاق ، وزجر عن مساويها ، واضعاً كل شيء منها موضعه الذي لا يرى شيء أولى منه ، ولا يتوهم في صورة العقل أمر أليق به منه ، مودعاً أخبار القرون الماضية وما نزل من مثلات الله بمن عصى وعاند منهم ، منبئاً عن الكوائن المستقبلة في الأعصار الماضية من الزمان ، جامعاً في ذلك بين الحجة والمحتج له ، والدليل والمدلول عليه ، ليكون ذلك أؤكد للزوم ما دعا إليه ، وإنباءً عن وجوب ما أمر به ونهي عنه.\rومعلوم أن الإتيان بمثل هذه الأمور ، والجمع بين أشتاتها حتى تنتظم وتتسق ، أمر تعجز عنه قوى البشر ، ولا تبلغه قدرتهم ، فانقطع الخلق دونه ، وعجزوا عن معارضته بمثله ، ومناقضيه في شكله ، ثم صار المعاندون له يقولون مرة : إنه شعر لما رأوه منظوماً ، ومرة إنه سحر لما رأوه معجوزاً عنه ، غير مقدور عليه. وقد كانوا يجدون له وقعاً في القلب وقرعاً في النفس ، يريبهم ويحيرهم ، فلم يتمالكوا أن يعترفوا به نوعاً من الاعتراف ، ولذلك قالوا : إن له الحلاوة ، وإن عليه لطلاوة. وكانوا مرة لجهلهم وحيرتهم يقولون : (أساطير الأولين اكتتبها فهي تملى عليه بكرة وأصيلاً) (الفرقان : 5). مع علمهم أن صاحبهم أمي وليس بحضرته من يملي أو يكتب شيئاً ، ونحو ذلك من الأمور التي أوجبها العناد والجهل والعجز. وقد حكى الله عن بعض مردتهم - وهو الوليد بن المغيرة المخزومي - أنه لما طال فكره في القرآن وكثر ضجره منه ، وضرب له الأخماس من رأيه في الأسداس ، فلم يقدر على أكثر من قوله : (إن هذا إلا قول البشر) (المدثر : 24) عناداً وجهلاً به ، وذهاباً عن الحجة ، وانقطاعاً دونها.","part":1,"page":220},{"id":219,"text":"قال الخطابي : وقلت في إعجاز القرآن وجه آخر ذهب عنه الناس فلا يكاد يعرفه إلا الشاذ في آحادهم وهو صنيعه بالقلوب ، وتأثيره في النفوس ، فإنك لا تسمع كلاماً غير القرآن منظوماً ولا منثوراً إذا قرع السمع خلص له إلى القلب من اللذة والحلاوة في حال ، ومن الروعة والمهابة في حال أخرى ما يخلص منه إليه.\rقال الله تعالى : (ل وأنزلنا هذا القرآن على جبل لرأيته خاشعاً متصدعاً من خشية الله) (الحشر : 21).\rوقال تعالى : (الله نزل أحسن الحديث كتاباً متشابهاً مثاني تقشعر منه جلود الذين يخشون ربهم) (الزمر : 23).\rقلت : ولهذا أسلم جبير بن مطعم لما سمع قراءة النبي – صلى الله عليه وسلم – للطور حتى انتهى إلى قوله : (إن عذاب ربك لواقع) (الطور : 7) قال : خشيت أن يدركني العذاب. وفي لفظ : (كاد قلبي يطير فأسلم). وفي أثر آخر أن عمر لما سمع سورة طه أسلم ، وغير ذلك\rوقد يصنف بعضهم كتاباً فيمن مات بسماع آية من القرآن.\rوه وقول أهل التحقيق : إن الإعجاز وقع بجميع ما سبق من الأقوال ، لا بكل واحد عن انفراد ، فإنه جمع ذلك كله ، فلا معنى لنسبته إلى واحد منها بمفرده مع اشتماله على الجميع بل وغير ذلك مما لم يسبق.\rفمنها : الروعة التي له في قلوب السامعين ، وأسماعهم ، ، سواء المقرين والجاحدين ، ثم إن سامعه إن كان مؤمناً به يداخله روعة في أول سماعه وخشية ، ثم لا يزال يجد في قلبه هشاشة إليه ، ومحبة له. وإن كان جاحداً أوجد فيه مع تلك الروعة نفوراً وعياً ، لانقطاع مادته بحسن سمعه.\rومنها : أنه لم يزل غضاً طرياً في أسماع السامعين ، وعلي ألسنة القارئين.","part":1,"page":221},{"id":220,"text":"ومنها : ما ينتشر فيه عند تلاوته من إنزال الله إياه في صورة كلام هو مخاطبة من الله لرسوله تارة ، ومخاطبة أخرى لخلقه ، لا في صورة كلام يستمليه من نفسه من قد قذف في قلبه ، وأوحي إليه ما شاء أن يلقيه إلى عباده على لسانه ، فهو يأتي بالمعاني التي ألهمها بألفاظه التي يكسوها إياه ، كما يشاهد من الكتب المتقدمة.\rومنها : جمعه بين صفتي الجزالة والعذوبة وهما كالمتضادين ، لا يجتمعان غالباً في كلام البشر ، لأن الجزالة من الألفاظ التي لا توجد إلا بما يشوبها من القوة وبعض الوعورة والعذوبة منها ما يضادها من السلاسة والسهولة ، فمن نحا نحو الصورة الأولى فإنما يقصد الفخامة والروعة في الإسماع ، مثل الفصحاء من الأعراب ، وفحول الشعراء منهم ، ومن نحا نحو الثانية قصد كون الكلام في السماع أعذب وأشهى وألذ ، مثل أشعار المخضرمين ومن داناهم من المولدين والمتأخرين.\rوترى ألفاظ القرآن قد جمعت في نظمه كلتا الصفتين ، وذلك من أعظم وجوه البلاغة والإعجاز.\rومنها : جعله آخر الكتب غنياً عن غيره ، وجعل غيره من الكتب المتقدمة قد يحتاج إلى بيان يرجع فيه إليه ، كما قال تعالى (إن هذا القرآن يقص على بني إسرائيل أكثر الذي هم فيه مختلفون) (1) (النمل : 76). أهـ.\rشهادات حول القرآن\rيجدر بنا أن ننقل جما من أقوال المشاهير بشأن القرآن بمن فيهم أولئك الذين اتهموا بمعارضة القرآن.\r1 ـ أبو العلاء المعري (المتهم بمعارضة القرآن) يقول : \r__________\r(1) - البرهان في علوم القرآن جـ2 صـ109 : 115","part":1,"page":222},{"id":221,"text":"«وأجمع ملحد ومهتد أن هذا الكتاب الذي جاء به محمّد ـ صلى الله عليه وسلم ـ كتاب بهر بالإعجاز ، ولقى عدوه بالإرجاز ، ما حذى على مثال ، ولا أشبه غريب الأمثال ، ... ما هو من القصيد الموزون ، ولا الرجز ، ولا شاكل خطابة العرب ولا سجع الكهنة ، وجاء كالشمس ، لو فهمه الهضب لتصدع ، وأن الآية منه أو بعض الآية لتعرض في أفصح كلم يقدر عليه المخلوقون ، فتكون فيه كالشهاب المتلألىء في جنح غسق ، والظهرة البادية في جدوب ».\r2 ـ الوليد بن المغيرة المخزومي ، وهو رجل عرف بين عرب الجاهلية بكياسته وحسن تدبيره ، ولذلك سمي «ريحانة قريش» ، سمع آيات من سورة «غافر» فرجع إلى قوم من بني مخزوم فقال لهم :\r«والله لقد سمعت من محمّد آنفاً كلاماً ما هو من كلام الإنس ولا من كلام الجن ، وإن له لحلاوة ، وإن عليه لطلاوة ، وإن أعلاه لمثمر ، وإن أسفله لمغدق ، وإنه ليعل ووما يعلى عليه»\r3 ـ العالم المؤرخ البريطاني «كارليل» يقول حول القرآن :\r«ل وألقينا نظرة على هذا الكتاب المقدس لرأينا الحقائق الكبيرة ، وخصائص أسرار الوجود ، مطروحة بشكل ناضج في مضامينه ، ممّا يبين بوضوح عظمة القرآن. وهذه الميزة الكبرى خاصة بالقرآن ، ولا توجد في أي كتاب علميّ وسياسي واقتصادي آخر. نعم ، قراءة بعض الكتب تترك تأثيراً عميقاً في ذهن الإنسان ، ولكن هذا التأثير لا يمكن مقارنته بتأثير القرآن.\rمن هنا ينبغي أن نقول : المزايا الأساسية للقرآن ، ترتبط بما فيه من حقائق وعواطف طاهرة ، ومسائل كبيرة ، ومضامين هامة لا يعتريها شك وترديد. وينطوي هذا الكتاب على كل الفضائل اللازمة لتحقيق تكامل البشرية وسعادتها»\r4 ـ جان ديفن بورت مؤلف كتاب : «الاعتذار إلى محمّد والقرآن». يقول :\r«القرآن بعيد للغاية عن كل نقص ، بحيث لا يحتاج إلى أدنى إصلاح أو تصحيح ، وقد يقرؤه شخص من أوّله إلى آخره دون أن يحسّ بأي ملل»","part":1,"page":223},{"id":222,"text":"ويقول : «لا خلاف في أن القرآن نزل بأبلغ لسان وأفصحه ، وبلهجة قريش أكثر العرب أصالة وأدباً... ومليء بأبلغ التشبيهات وأروعها»\r5 ـ غورة الشاعر الألماني يقول : \r«قد يحسّ قرّاء القرآن للوهلة الاُولى بثقل في العبارات القرآنية ، لكنه ما أن يتدرج حتى يشعر بانجذاب نحو القرآن ، ثم إذا توغّل فيه ينجذب ـ دون اختيار ـ إلى جماله الساحر».\rوفي موضع آخر يقول : «لسنين طويلة ، أبعدنا القساوسة عن فهم حقائق القرآن المقدس وعن عظمة النّبي محمّد ، ولكن كلما خطونا على طريق فهم العلم تنزاح من أمام أعيننا حُجُب الجهل والتعصب المقيت ، وقريباً سيلفت هذا الكتاب الفريد أنظار العالم ، ويصبح محور أفكار البشرية»!\rويقول كذلك : «كنا معرضين عن القرآن ، ولكن هذا الكتاب ألفت أنظارنا ، وحيّرنا ، حتى جعلنا نخضع لما قدمه من مبادىء وقوانين علمية كبرى»!\r6 ـ «ويل ديورانت» المؤرخ المعروف يقول : «القرآن أوجد في المسلمين عزّة نفس وعدالة وتقوى لا نرى لها نظيراً في أية بقعة من بقاع العالم».\r7 ـ المفكر الفرنسي «جول لابوم» في كتاب «تفصيل الآيات» يقول : «العلم انتشر في العالم على يد المسلمين ، والمسلمون أخذوا العلوم من (القرآن) وهو بحر العلم ، وفرّعوا منه أنهاراً جرت مياهها في العالم...».\r8 ـ المستشرق البريطاني دينورت يقول : \r«يجب أن نعترف أنّ العلوم الطبيعية والفلكية والفلسفة والرياضيّات التي شاعت في أوربا ، هي بشكل عام من بركات التعاليم القرآنية ، ونحن فيها مدينون للمسلمين ، بل إن أوربا من هذه الناحية من بلاد الإِسلام».\r9 ـ الدكتورة لورا واكسيا واغليري أستاذة جامعة نابولي في كتاب «تقدم الإِسلام السريع» تقول : ","part":1,"page":224},{"id":223,"text":"«كتاب الإسلام السماوي نموذج الإعجاز...(القرآن) كتاب لا يمكن تقليده ، وأسلوبه لا نظير له في الآداب ، والتأثير الذي يتركه هذا الأسلوب في روح الإنسان ناشىء عن امتيازاته وسموّه... كيف يمكن لهذا الكتاب الإِعجازي أن يكون من صنع محمّد ، وهو رجل أميّ ؟!....\rنحن نرى في هذا الكتاب كنوزاً من العلوم تفوق كفاءة أكثر النّاس ذكاء وأكبر الفلاسفة وأقوى رجال السياسة والقانون.\rمن هنا لا يمكن اعتبار القرآن عمل إنسان متعلّم عالم». أهـ الأمثل فى تفسير الكتاب المنزل للشيرازى حـ1 صـ121.\r\" فإن لم تفعلوا ولن تفعلوا فاتقوا النار... الآية \"\rقال القرطبي(1) : قوله تعالى \" فإن لم تفعلوا \" يعني فيما مضى : \" ولن تفعلوا \" أي تطيقوا ذلك فيما يأتي ، والوقف على هذا على : \" صادقين \" تام.. وقال جماعة من المفسرين معني الآية : \r\" وادعوا شهدائكم من دون الله إن كنتم صادقين ولن تفعلوا.. فإذا لم تفعلوا فاتقوا النار.. فعلى هذا التفسير لا يتم الوقف على \" صادقين \".\rثم قال وفي قوله : \" ولن تفعلوا \" إثارة لهممهم ، وتحريك لنفوسهم ، ليكون عجزهم بعد ذلك أبدع وهذا من الغيوب التي أخبر بها القرآن قبل وقوعها.\r{ فاتقوا النار }\rقال ابن عطية(2) : وروي عن أبن مسعود في \" الحجارة \" أنها حجارة الكبريت وخصت بذلك لأنها تزيد على جميع الأحجار بخمسة أنواع من العذاب : سرعة الاتقاد ، ونتن الرائحة ، وكثرة الدخان ، وشدة الالتصاق بالأبدان ، وقوة حرها إذا حميت.\r__________\r(1) تفسير القرطبي جـ1 صـ168. باختصار يسير.\r(2) المحرر الوجيز جـ1 صـ107 : 108 بتصرف يسير.","part":1,"page":225},{"id":224,"text":"وفي قوله تعالى \" أعدت\" رد على من قال : إن النار لم تخلق حتى الآن ، وذهب بعض المتأولين إلى أن هذه النار المخصصة بالحجارة هي نار الكافرين خاصة ، وأن غيرها هي للعصاة ، وقال الجمهور : بل الإشارة إلى جميع النار لا إلى نار مخصوصة ، وإنما ذكر الكافرين ليحصل المخاطبون في الوعيد.. إذ فعلهم كفر فكأنه قال : أعدت لمن فعل فعلكم ، وليس يقتضي ذلك أنه لا يدخلها غيرهم.\rوقال القرطبي(1) : \" والحجارة \" هي حجارة الكبريت الأسود ، وقيل المراد بالحجارة الأصنام بقوله تعالى : \" إنكم وما تعبدون من دون الله حصب جهنم \" {الانبياء : 98}.\rأي حطب جهنم ، وعليه فتكون الحجارة والناس وقوداً للنار ، وذكر ذلك تعظيماً للنار أنها تحرق الحجارة مع إحراقها للناس وعلى التأويل الأول يكونون معذبين بالنار والحجارة.\rأسئلة وأجوبة ذكرها الإمام الفخر جـ2 صـ 352 : صـ 353\rأخترت منها ما يلي : -\r{ سؤال} انتقاء إتيانهم بالسورة واجب فهلا جي بـ {إذا} الذي للوجوب دون [إن] الذي للشك ؟ \r{ الجواب} من وجهين : أحدهما : أن يساق القول معهم على حسب حسبانهم فإنهم كانوا بعد غير جازمين بالعجز عن المعارضة لاتكالهم على فصاحتهم واقتدارهم على الكلام.\rوالثاني : أن يتهكم بهم كما يقول الموصوف بالقوة الواثق من نفسه بالغلبة على من يقاومة إن غلبتك وهو يعلم أنه غالبه تهكما به.\r{ سؤال} لم قال : إن لم تفعلوا ، ولم يقل فإن لم تأتوا به ؟ \r{ الجواب} لأنه أخصر من أن يقال : فإن لم تأتوا بسورة من مثله ولن تأتوا بسورة مثله.\r{ سؤال} ما حقيقة [لن] في باب النفي ؟ \r{ الجواب} [لا] و[ لن] أختان في نفي المستقبل إلا أن في [لن] توكيداً وتشديداً تقول لصاحبك لا أقيم غداً عندك.. فإن أنكر عليك قلت : لن أقيم غداً.\r{ سؤال} ما معني اشتراطه في اتقاد النار انتفاء إتيانهم بسورة من مثله ؟ \r__________\r(1) تفسير القرطبي جـ1 صـ169 باختصار يسير.","part":1,"page":226},{"id":225,"text":"{ الجواب} إذا ظهر عجزهم عن المعارضة صح عند ذلك صدق الرسول - صلي الله عليه وسلم - وإذا صح ذلك ثم لزموا العناد استوجوا العقاب بالنار.. فاتقاء النار يوجب ترك العناد فأقيم المؤثر مقام الأثر وجعل قوله [فاتقوا النار] قائماً مقام قوله فاتركوا العناد ، وهذا الإيجاز الذي هو أحد أبواب البلاغة ، وفيه تهويل لشأن العناد.. لإنابة إتقاء النار منابه متبعاً ذلك بتهويل صفة النار.\r{ سؤال} صلة \" الذي \" يجب أن تكون قضية معلومة فكيف علم أولئك أن نار الآخرة توقد بالناس والحجارة ؟ \r{ الجواب} لا يمنع أن يتقدم لهم بذلك سماع من أهل الكتاب أو سمعوه من رسول الله - صلى الله وعليه وسلم - أو سمعوه من قبل هذه قوله في سورة التجريم \" ناراً وقودها الناس والحجارة \" [التجريم : 6 ]\r{ سؤال} فلم جاءت النار الموصوفة بهذة الصفة منكرة في سورة التحريم وها هنا معرفة ؟ \r{ الجواب} تلك الآية نزلت بمكة فعرفوا منها ناراً موصوفة بهذه الصفة ثم نزلت هذه بالمدينة مستندة إلى ما عرفوه أولاً.\r{ سؤال} ما معنى قوله \" وقودها الناس والحجارة \" ؟ \r{ الجواب} أنها نار ممتازة من النيران بأنها لا تتقد إلا بالناس والحجارة وذلك يدل على قوتها من وجهين : \rالأول : أن سائر النيران إذا أريد إحراق الناس بها أو إحماء الحجارة أوقدت أولاً بوقود ثم طرح فيها ما يراد إحراقه أو إحماؤه ، وتلك أعاذنا الله منها توقد بنفس ما تحرق.\rالثاني : أنها لإفراط حرها تتقد في الحجر.\r{ سؤال} لم قرن الناس بالحجارة ، وجعلت الحجارة معهم وقوداً ؟ \r{ الجواب} لأنهم قرنوا بها أنفسهم في الدنيا حيث نحتوها أصناماً وجعلوها لله أنداداً وعبدوها من دونه قال تعالى : \" إنكم وما تعبدون من دون الله حصب جهنم \" [الأنبياء : 98].","part":1,"page":227},{"id":226,"text":"وهذه الآية مفسرة لها فقوله : إنكم وما تعبدون من دون الله \" في معنى الناس والحجارة وحصب جهنم في معني وقودها ولما اعتقد الكفار في حجارتهم المعبودة من دون الله أنها الشفعاء والشهداء الذين يستشفعون بهم ويستدفعون المضار عن أنفسهم تمسكاً بهم ، وجعلها الله عذابهم بها محماة في نار جهنم إبلاغاً وإغراباً في تحسرهم ، ونحوه ما يفعله بالكافرين الذين جعلوا ذهبهم وفضتهم عدة وذخيرة فشحوا بها ومنعوها من الحقوق حيث يحمى عليها في نار جهنم فتكوى بها جباههم وجنوبهم وظهورهم ، وقيل هي حجارة الكبريت وهو تخصيص بغير دليل.. بل فيه ما يدل على فساده ، وذلك لأن الغرض ها هنا تعظيم صفة هذه النار ، والإيقاد بحجارة الكبريت أمر معتاد فلا يدل الإيقاد بها على قوة النار.. أما لو حملناه على سائر الأحجار دل ذلك على عظم أمر النار فإن سائر الأحجار تطفأ بها النيران فكأنه قال : تلك النيران بلغت لقوتها أن تتعلق في أول أمرها بالحجارة التي هي مطفئة لنيران الدنيا(1).\rقوله تعالى : \" وبشر الذين آمنوا وعملوا الصالحات أن لهم جنات... الآية \"\r\" والبشارة : إيراد الخبر السار على سامع مع مستبشر به ، ويظهر السرور في بشرة وجهه.. لأن الإنسان إذا فرح وسر به ظهر ذلك على بشرة وجهه.. ثم كثر حتى وضع موضع الخير والشر ، ومنه قوله \" فبشرهم بعذاب أليم \" [التوبة : 34] ، ولكن هو في الخير والسرور أغلب.\r\" وعملوا الصالحات \" أي الفعلات الصالحات وهي الطاعات وقيل العمل الصالح ما كان فيه أربعة أشياء : العلم والنية والصبر والإخلاص.\rوقال عثمان بن عفان : وعملوا الصالحات أي أخلصوا الأعمال يعني : عن الرياء.\r\" أن لهم جنات \" جمع جنة وهي البستان الذي فيه أشجار مثمرة.. سميت جنة لاجتنانها وتسترها بالأشجار والأوراق ، وقيل الجنة ما فيه نخل والفردوس ما فيه كرم(2).\r__________\r(1) التفسير الكبير جـ2 صـ 352 : 353 بتصرف يسير.\r(2) تفسير الخازن جـ 1 صـ34 : 35.","part":1,"page":228},{"id":227,"text":"\" تجري من تحتها الأنهار \" أي من تحت أشجارها (1) ولم يجر لها ذكر لأن الجنات دالة عليه ، وروي أن أنهار الجنة ليست في أخاديد ، وإنما تجري على سطح الجنة منضبطة بالقدر حيث شاء أهلها.\r\" قالوا هذا الذي رزقنا من قبل \" يعني في الدنيا ، وفيه وجهان : أحدهما : أنهم قالوا هذا الذي وعدنا في الدنيا والثاني هذا الذي رزقنا في الدنيا لأن لونها يشبه لون ثمار الدنيا فإذا أكلوا وجدوا طعمه غير ذلك(2) ، وقيل \" من قبل \" يعني في الجنة لأنهم يرزقون ثم يرزقون.. فإذا أتوا بطعام وثمار في أول النهار فأكلوا منها ثم أتوا منها في آخر النهار قالوا : هذا الذي رزقنا من قبل.. يعني طعمنا في أول النهار لأن لونه يشبه ذلك فإذا أكلوا منها وجدوا لها طعماً غير طعم الأول(3).\rوقال ابن عباس : ليس في الجنة شيء مما في الدنيا سوى الأسماء ، وأما الذوات فمتباينه(4) : \" وأتوا به متشابهاً \".. قيل متشابهاً : معناه يشبه بعضه بعضاً في المنظر ويختلف في الطعم\rوقيل : يشبه ثمر الدنيا في المنظر ويباينه في جل الصفات وقيل معناه : خيار لارذل فيه.\rكقوله تعالى : \" كتاباً متشابهاً \" [الزمر : 23].\r__________\r(1) وما المانع من أن تجري أنهار الجنة من تحت مساكنها وغرفها وقد قال الله تعالى \" لكن الذين اتقوا ربهم لهم غرف من فوقها غرف مبنية تجري من تحتها الأنهار \" [الزمر : 20] بل وتجرى من تحت أهل الجنة أنفسهم لقوله تعالى (تجرى من تحتهم الأنهار) [الأعراف : 43]و[يونس[ 9]و[الكهف 31] والنعيم في الجنة – رزقنا الله وإياكم أجمعين – لا يخضع للمتعارف عليه من قوانين في الدنيا.\r(2) هذا وجه في غاية البعد فأين نعيم الدنيا وثمارها من نعيم وثمار الجنة وقد ورد أن عنقود العنب لو أكل منه من بين السماء والأرض إلى يوم القيامة لا ينقصونه.\r(3) تفسير الخازن جـ1 ص ـ34 : 35.\r(4) المحرر الوجيز جـ1 صـ109.","part":1,"page":229},{"id":228,"text":"وقال ابن عطية : كأنه يريد متناسباً في أن كل صنف هو أعلى جنسه فهذا تشابه ما.\rوقيل \" متشابهاً \" أي مع ثمر الدنيا في الأسماء لا في غير ذلك من هيئة وطعم (1) \" ولهم فيها أزواج مطهرة وهم فيها خالدون \".\rوها هنا سؤلان : -\rالأول : هلا جاءت الصفة مجموعة كالموصوف [أي أزواج مطهرات] ؟ \r{ الجواب} : هما لغتان فصيحتان يقال : النساء فعلن والنساء فعلت ومنه بيت الحماسة.\rوإذا العذارى بالدخان تقنعت واستعملت نصب القدور فملت.\rوالمعنى : وجماعة أزواج مطهرة.\rالثاني : هلا قيل طاهرة ؟ \r{ الجواب} في المطهرة : إشعار بأن مطهراً طهرهن ، وليس ذلك إلا الله تعالى وذلك يفيد فخامة أمر أهل الثواب.. كأنه قيل : إن الله تعالى هو الذي زينهن لأهل الثواب(2).\r__________\r(1) المحرر الوجيز جـ1 صـ 109 بتصرف يسير.\r(2) التفسير الكبير جـ2 صـ360.","part":1,"page":230},{"id":229,"text":"وقال السبكى فى فتاويه : \rوَإِنَّمَا جَاءَ فِي الآيَةِ \" مُطَهَّرَةٌ \" وَإِنْ كَانَ الأَفْصَحُ مُطَهَّرَاتٌ إشَارَةً إلَى أَنَّ أَزْوَاجَ الآخِرَةِ لاتِّفَاقِهِنَّ كَالشَّيْءِ الْوَاحِدِ لا تَغَايُرَ بَيْنَهُنَّ وَذَلِكَ مِنْ كَمَالِ النَّعِيمِ لِرِجَالِهِنَّ فَلِذَلِكَ قِيلَ \" مُطَهَّرَةٌ \" وَلَمْ يَرِدْ فِي الْقُرْآنِ مُطَهَّرَاتٌ أَصْلا ، فَانْظُرْ مَا أَبْدَعَ هَذِهِ الْحِكْمَةَ ، وَقَالَ {وَإِذَا الرُّسُلُ أُقِّتَتْ} لاجْتِمَاعِهِمْ فِي وَقْتِ الأَجَلِ ، وَقَالَ {وَإِذَا النُّجُومُ انْكَدَرَتْ} ؛ لأَنَّ الانْكِدَارَ وَصْفٌ شَامِلٌ لِجَمَاعَةِ النُّجُومِ ، وَقَالَ {وَالصَّافَّاتِ} لأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مُسْتَقِلٌّ بِذَلِكَ. وَقَالَ تَعَالَى {فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا} لأَنَّ الإِبَاءَ مِنْ وَصْفِ الْعُقَلاءِ ، وَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُنَّ أَبَى ، وَقَالَ {مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ} ؛ لأَنَّ التَّبْعِيضَ مِنْ الْجُمْلَةِ الَّتِي هِيَ اثْنَيْ عَشَرَ وَقَالَ {فَلا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ} ؛ لأَنَّ النَّهْيَ عَنْ الظُّلْمِ فِي كُلِّ وَاحِدٍ ، وَهَذَا مَعْنًى زَائِدٌ عَلَى كَوْنِهِ جَمْعَ قِلَّةٍ لِغَيْرِ عَاقِلٍ ، وَقَالَ {فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ} لأَنَّهُ لا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ يُفْرَضَ فِي الْمَجْمُوعِ أَوْ فِي كُلِّ وَاحِدٍ.أهـ [فتاوى السبكى حـ1 صـ 19]","part":1,"page":231},{"id":230,"text":"\" وهم فيها خالدون \" والخلود البقاء ، ومنه جنة الخلد وقد تستعمل مجازاً فيما يطول(1) ومنه قولهم في الدعاء خلد الله ملكه أي طوله.\rقال زهير : ألا لا أرى على الحوادث باقيا ولا خالداً إلا الجبال الرواسيا …\rوأما الذي في الآية فهو أبدي حقيقة (2).\rوقال حجة الإسلام الإمام الغزالي - رحمه الله - واصفاً نعيم أهل الجنة بعد أن ذكر شقاء أهل النار وعذابهم مانصه :\r__________\r(1) هذا المعنى مهم جدا خصوصاً في الرد على المعتزلة الذين يقولون بتخليد صاحب الكبيرة في النار مستدلين بقوله تعالى \" ومن يقتل مؤمناً متعمداً فجزاؤه جهنم خالداً فيها \" [النساء : 93] فالخلود قديراد منه الأبد وقد يراد من المكث الطويل بخلاف الأبد لذا فإن القرآن يعبر عن خلود أهل الجنة بالخلود تارة وبالخلود مقرونا بالأبد تارة أخرى ليرفع هذا الإيهام ويثبت الخلود الأبدي لأهل الجنة.\r(2) تفسير القرطبي جـ1 صـ173.","part":1,"page":232},{"id":231,"text":"اعلم أن تلك الدار التي عرفت همومها وغمومها تقابلها دار أخرى.. فتأمل نعيمها وسرورها فإن من بعد من أحدهما استقر لا محالة في الأخرى.. فاستشر الخوف من قلبك بطول الفكر وأهوال الجحيم واستشر الرجاء بطول الفكر في النعيم المقيم الموعود لأهل الجنان ، وسق نفسك بسوط الخوف وقدها بزمام الرجاء إلى الصراط المستقيم فبذلك تنال الملك العظيم وتسلم من العذاب الأليم.. فتفكر في أهل الجنة وفي وجوههم نضرة النعيم يسقون من رحيق مختوم.. جالسين على منابر الياقوت الأحمر في خيام من اللؤلؤ الرطب الأبيض فيها بسط من العبقري الأخضر.. متكئين على أرائك منصوبة على أطراف أنهار مطردة بالخمر والعسل محفوفة بالغلمان والولدان مزينة بالحور العين من الخيرات الحسان كأنهن الياقوت والمرجان لم يطمثهن إنس قبلهم ولا جان.. يمشين في درجات الجنان إذا اختالت إحداهن في مشيها حمل أعطافها سبعون ألفاً من الولدان ، عليها من طرائف الحرير الأبيض ما تتحير فيه الأبصار مكللات بالتيجان المرصعة باللؤلؤ والمرجان شكلات غنجان عطرات آمنات من الهرم والبؤس مقصورات في الخيام في قصور من الياقوت بنيت وسط روضات الجنان.. قاصرات الطرف عين.. ثم يطاف عليهم وعليهن بأكواب وأباريق وكأس من معين بيضاء لذة للشاربين ، ويطوف عليهم خدام وولدان كأمثال اللؤلؤ المكنون جزاء بما كانوا يعملون.. في مقام أمين في جنات وعيون في جنات ونهر في مقعد صدق عند مليك مقتدر ينظرون فيها إلى وجه الملك الكريم وقد أشرقت في وجوههم نضرة النعيم لا يرهقهم قتر ولا ذلة بل عباد مكرمون وبأنواع التحف من ربهم يتعاهدون فهم فيما اشتهت أنفسهم خالدون لا يخافون فيها ولا يحزنون وهم من ريب المنون آمنون فهم فيها يتنعمون ويأكلون من أطعمتها ويشربون من أنهارها لبناً وخمراً وعسلاً من أنهار أراضيها من فضة وحصباؤها مرجان وعلى أرض ترابها مسك أذفر ونباتها زعفران ويمطرون من سحاب فيها من ماء النسرين على","part":1,"page":233},{"id":232,"text":"كثبان الكافور ويؤتون بأكواب وأي أكواب بأكواب من فضة مرصعة بالدر والياقوت والمرجان كوب فيه من الرحيق المختوم ممزوج به السلسبيل العذب كوب يشرق نوره من صفاء جوهره يبد والشراب من ورائه برقته وحمرته لم يصنعه آدمي فيقصر في تسوية صنعته وتحسين صناعته في كف خادم يحكي ضياء وجهة الشمس في إشراقها ولكن من أين للشمس حلاوة مثل حلاوة صورته وحسن أصداغه وملاحة أحداقة فيا عجباً لمن يؤمن بدار هذه صفتها ويوقن بأنه لا يموت أهلها ولا تحل الفجائع بمن نزل بفنائها ولا ننظر الأحداث بعين التغيير إلى أهلها كيف يأنس بدار قد أذن الله في خرابها ويتهنأ بعيش دونها ؟ .\rوالله لو لم يكن فيها إلا سلامة الأبدان من الأمن من الموت والجوع والعطش وسائر أصناف الحدثان لكان جديراً بأن يهجر الدنيا بسببها !\rكيف وأهلها ملوك آمنون وفي أنواع السرير ممتعون لهم فيها ما يشتهون وهم في كل يوم بفناء العرش يحضرون وإلى وجه الله الكريم ينظرون وينالون بالنظر من الله مالا ينظرون معه إلى سائر نعيم الجنان ولا يلتفتون وهم على الدوام بين أصناف هذه النعم يترددون وهم من زوالها آمنون.. قال أبو هريرة قال رسول الله - صلي الله عليه وسلم - ينادي مناد يا أهل الجنة أن لكم أن تصحوا فلا تسقموا أبداً وإن تحيوا فلا تموتوا أبداً وإن لكم أن تشبوا فلا تهرموا أبداً وإن لكم أن تنعموا فلا تيأسوا أبداً فذلك قوله عز وجل.\r\" ونودوا أن تلكم الجنة أورثتموها بما كنتم تعملون (1) \"\r\" زوج \"\rوقال الراغب {زوج} يقال لكل واحد من القرينين من الذكر والأنثى في الحيوانات المتزاوجة زوج ، ولكل قرينين فيها وفي غيرها {زوج} كالخف والنعل ولكل ما يقترن بآخر مماثلاً له ، أو مضاداً زوج قال تعالى \" فجعل منه الزوجين الذكر والأنثى \" [القيامة : 39].\r__________\r(1) إحياء علوم الدين جـ4 لحجة الإسلام أبي حامد الغزالي.","part":1,"page":234},{"id":233,"text":"وقال \" وزوجك الجنة \" [البقرة : 35] وزوجة لغة رديئة وجمعها زوجات.. قال الشاعر : \rفبكى بناتي شجوهن وزوجتي.\rوجمع الزوج أزواج وقوله \" هم وأزواجهم \" [يس : 56] ، \" احشروا الذين ظلموا وأزواجهم \" [الصافات : 22] أي : أقرانهم المقتدين بهم في أفعالهم\rقال تعالى \" لا تمدن عينيك إلى ما متعنا به أزواجاً منهم \" [الحجر : 88] أي : أشباهاً\rواقرأ قوله \" سبحان الذي خلق الأزواج كلها \" [يس : 36 ]\rوقال \" ومن كل شيء خلقنا زوجين \" [الذاريات : 49] فتنبيه على أن الأشياء كلها مركبة من جوهر وعرض وصورة ، وأن لا شيء يتعرى من تركيب يقتضي كونه مصنوعاً وأنه لابد له من صانع تنبيها أنه تعالى هو الفرد وقوله \" خلقنا زوجين \" فبين أن كل ما في العالم زوج من حيث إن له ضداً أو مثلاً ما.. أو تركيباً ما.\rبل لا ينفك بوجه من تركيب وإنما ذكرها هنا زوجين ، وقوله \" أزواجاً من نبات شتى \"[ طه : 52].\rأي أنواعاً متشابهة ، وكذلك قوله \" من كل زوج كريم \" [لقمان : 10].\r\" ثمانية أزواج \" [الزمر : 6] أي أصناف ، وقوله \" وكنتم أزواجاً ثلاثة \" [الواقعة : 7 ]\rقرناء ثلاثة وهم الذين فسرهم بما بعد ، وقوله \" وإذا النفوس زوجت \" [التكوير : 7] فقد قيل معناه قرن كل شيعة بمن شايعهم في الجنة والنار نحو \" احشروا الذين ظلموا وأزواجهم (1) )\" أهـ.\rلطيفة بل لطائف للإمام ابن القيم - رحمه الله - في كتابه جلاء الأفهام ما نصه : -\rوأما الأزواج فجمع زوج - وقد يقال زوجة - والأول أفصح وبها جاء القرآن..\rقال تعالى لآدم \" اسكن أنت وزوجك الجنة \" ، وقال تعالى في حق زكريا وأصلحنا له زوجه \"\rومن الثاني : قول ابن عباس في عائشة رضي الله عنها \" إنها زوجة نبيكم في الدنيا والآخرة \"\rوقال الفرزدق : \rوإن الذي يبغي ليفسد زوجتي ……كساع إلى أسد الشرى يستبينها\r__________\r(1) المفردات في غريب القرآن للراغب جـ1 صـ215.","part":1,"page":235},{"id":234,"text":"وقد جمع على زوجات ، وهذا إنما هو جمع زوجة وإلا فجمع زوج أزواج.. قال تعالى \" وأزواجهم في ظلال على الأرائك متكئون \" [يس : 56].\rوقال تعالى \" أنتم وأزواجكم تحبرون \" [الزغرف : 71] ، وقد وقع في القرآن الإخبار عن أهل الإيمان يلفظ الزوج مفرداً وجمعاً.\rكما تقدم وقال تعالى [الأحزاب : 6].. النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم وأزواجهم أمهاتهم \" ، \rوقال تعالى\" [الأحزاب : 38] يا أيها النبي قل لأزواجك \" والإخبار عن أهل الشرك بلفظ \" المرأة \" قال تعالى \" تبت يدا أبي لهب وتب – إلى قوله – وامرأته حماله الحطب في جيدها حبل من مسد \" وقال تعالى في فرعون \" التحريم 10.. ضرب الله مثلاً للذين آمنوا امرأة فرعون \" فلما كان هو المشرك وهي مؤمنة لم يسمها زوجاً له ، \rوقال تعالى \" التحريم 11.. ضرب الله مثلاً للذين كفروا امرأة نوح وامرأة لوط \" فلما كانتا مشركتين أوقع عليها اسم \" المرأة وقال في حق آدم \" اسكن أنت وزوجك الجنة \" وقال للنبي – صلى الله عليه وسلم – \" الأحزاب 50.. إنا أحللنا لك أزواجك \" وقال في حق المؤمنين \" البقرة.. ولهم فيها أزواج مطهرة \".\rفقالت طائفة.. منهم السهيلي وغيره : إنما لم يقل في حق هؤلاء \" الأزواج \" لأنهن لسن بأزواج لرجالهن في الآخرة ، ولأن الترويج حلية شرعية ، وهي من أمر الدين فجرد الكافرة منه.. كما جرد منه امرأة نوح وامرأة لوط.\rثم أورد السهيلي على نفسه قول زكريا \" مريم 5.. وكانت امرأتي عاقراً \" وقوله عن إبراهيم – عليه السلام – \" الذاريات 29.. فأقبلت امرأته في صرة \".\rوأجاب : بأن ذكر المرأة أليق في هذه المواضع.. لأنه في سياق ذكر الحمل والولادة فذكر المرأة أولى به لأن الصفة – التي هي الأنثوية – هي المقتضية للحمل والوضع لا من حيث كانت زوجاً.","part":1,"page":236},{"id":235,"text":"قلت : لو قيل : إن السر في ذكر المؤمنين ونسائهم بلفظ \" الأزواج \" أن هذا اللفظ مشعر بالمشاكلة والمجانسة والاقتران.. كما هو المفهوم من لفظه : لكان أولى فإن الزوجين هما الشيئان المتشابهان المتشاكلان والمتساويان.\rومنه قوله تعالى \" الصافات 22.. احشروا الذين ظلموا وأزواجهم \" قال عمر بن الخطاب – رضي الله عنه – \" أزواجهم : أشباههم ونظراؤهم \".\rوقال الإمام أحمد أيضاً ومنه قوله تعالى : التكوير 7.. وإذا النفوس زوجت \" أي قرن بين كل شكل وشكله في النعيم والعذاب.. قال عمر بن الخطاب – رضي الله عنه – في هذه الآية \" الصالح مع الصالح في الجنة والفاجر مع الفاجر في النار \" وقاله الحسن وقتادة والأكثرون وقيل : زوجت أنفس المؤمنين بالحور العين ، وأنفس الكافرين بالشياطين.\rوه وراجع إلى القول الأول.","part":1,"page":237},{"id":236,"text":"وقال تعالى \" الأنعام 142.. ثمانية أزواج \" ثم فسرها بقوله \" ومن الضان اثنتين ومن المعز اثنتين ومن الإبل اثنتين \" فجعل الزوجين هما الفردان من نوع واحد ومنه قولهم \" زوجا خف وزوجا حمام \" ولا ريب أن الله سبحانه تعالى قطع المشابهة والمشاكلة بين الكفار والمؤمنين قال تعالى \" الحشر 20.. لا يستوي أصحاب النار وأصحاب الجنة \" وقال تعالى في حق مؤمن أهل الكتاب وكافرهم \" آل عمران 113.. ليسوا سواء من أهل الكتاب أمة قائمة \" وقطع سبحانه المقارنة بينهما في أحكام الدنيا فلا يتوارثان ولا يتناكحان ولا يتولى أحدهما صاحبه.. فكما انقطعت الصلة بينهما في المعنى انقطعت في الاسم فأضاف فيهما \" المرأة \" بلفظ الأنوثة المجرد ، دون لفظ المشاكلة والمشابهة فتأمل هذا المعنى تجده أشد مطابقة لألفاظ القرآن ومعانيه ، ولهذا أوقع على المسلمة امرأة الكافر وعلى الكافرة امرأة المؤمن : لفظ المرأة دون لفظ الزوجة تحقيقاً لهذا المعنى والله أعلم وهذا أولى من قول من قال : إنما سمي صاحبة أبي لهب امرأته ولم يقل لها زوجته \" لأن أنكحه الكفار لايثبت لها حكم الصحة بخلاف أنكحة أهل الإسلام.\rفإن هذا باطل بإطلاق اسم المرأة على امرأة نوح وامرأة لوط مع صحته ذلك النكاح.\rوتأمل هذا المعنى في آية المواريث ، وتعليقه سبحانه التوارث فيها بلفظ أزواجكم \" إيذاناً بأن هناك التوارث إنما وقع بالزوجية المقتضية للتشاكل والتناسب والمؤمن والكافر لا تشاكل بينهما ولا تناسب فلا يقع بينهما التوارث وأسرار مفردات القرآن ومركباته فوق عقول العالمين(1).\r__________\r(1) جلاء الأفهام للإمام ابن القيم صـ229 : 233.","part":1,"page":238},{"id":237,"text":"رؤية الله تعالى أعلى من الجنة ومن نعيمها\rقال حجة الإسلام فى [الإحياء حـ4 صـ214] ما نصه : وكما أنك ترى في الدنيا من يؤثر لذة الرياسة على المطعوم والمنكوح وترى من يؤثر لذة العلم وانكشاف مشكلات ملكوت السموات والأرض وسائر الأمور الإلهية على الرياسة وعلى المنكوح والمطعوم والمشروب جميعا فكذلك يكون في الآخرة قوم يؤثرون لذة النظر إلى وجه الله تعالى على نعيم الجنة إذ يرجع نعيمها إلى المطعوم والمنكوح وهؤلاء بعينهم هم الذين حالهم في الدنيا ما وصفنا من إيثار لذة العلم والمعرفة والاطلاع على أسرار الربوبية على لذة المنكوح والمطعوم والمشروب وسائر الخلق مشغولون به ، \rولذلك لما قيل لرابعة ما تقولين في الجنة فقال الجار ثم الدار ، \rفبينت أنه ليس في قلبها التفات إلى الجنة بل إلى رب الجنة\rوكل من لم يعرف الله في الدنيا فلا يراه في الآخرة وكل من لم يجد لذة المعرفة في الدنيا فلا يجد لذة النظر في الآخرة إذ ليس يستأنف لأحد في الآخرة ما لم يصحبه من الدنيا ولا يحصد أحد إلا ما زرع ولا يحشر المرء إلا على ما مات عليه ولا يموت إلا على ما عاش عليه فما صحبه من المعرفة هو الذى يتنعم به بعينه فقط إلا أنه ينقلب مشاهدة بكشف الغطاء فتتضاعف اللذة به كما تتضاعف لذة العاشق إذا استبدل بخيال صورة المعشوق رؤية صورته فإن ذلك منتهى لذته ، وإنما طيبة الجنة أن لكل أحد فيها ما يشتهى فمن لا يشتهي إلا لقاء الله تعالى فلا لذة له في غيره بل ربما يتأذى به\rفإذن نعيم الجنة بقدر حب الله تعالى وحب الله تعالى بقدر معرفته فأصل السعادات هى المعرفة التى عبر الشرع عنها بالإيمان. أهـ.\rقوله جل ذكره \" إن الله لا يستحي أن يضرب مثلاً ما بعوضة فما فوقها \"\rقال الفخر رحمه الله : ","part":1,"page":239},{"id":238,"text":"اعلم أن الحياء تغير وانكسار يعتري الإنسان من خوف ما يعاب به ويذم واشتقاقه من الحياة يقال حيي الرجل كما يقول نسي وخشي وشظي الفرس إذا اعتلت هذه الأعضاء جعل الحيي لما يعتريه الانكسار والتغير منكسر القوة منغص الحياة.\rكما قالوا فلان هلك حياء من كذا.. ومات حياء ورأيت الهلاك في وجهه من شدة الحياء وذاب حياء وإذا ثبت هذا استحال الحياء على الله تعالى لأنه تغير يلحق البدن وذلك لا يعقل إلا في حق الجسد ولكنه وارد في الأحاديث روى سليمان عن رسول الله – صلى الله عليه وسلم – أنه قال \" إن الله تعالى حيي كريم يستحي إذا رفع العبد إليه يديه أن يردهما صفراً حتى يضع فيهما خيراً \" وإذا كان كذلك وجب تأويله وفيه وجهان : -\rالأول : وهو القانون في أمثال هذه الأشياء أن كل صفة للعبد مما يختص بالأجسام فإذا وصف الله تعالى بذلك فذلك محمول على نهايات الأعراض لا على بدايات الأعراض مثاله أن الحياء حالة تحصل للإنسان لكن لها مبدأ أو منتهى.. أما المبدأ فهو التغير الجسماني الذي يلحق الإنسان من خوف أن ينسب إلى القبيح وأما النهاية فهو أن يترك الإنسان ذلك الفعل فإذا ورد الحياء في حق الله تعالى فليس المراد من ذلك الخوف الذي هو مبدأ الحياء ومقدمته بل ترك الفعل الذي هو منتهاه وغايته ، وكذلك الغضب له.. علامة ومقدمة وهي غليان دم القلب ، وشهوة الانتقام وله غايه وهو إنزال العقاب بالمغضوب عليه.. فإذا وصفنا الله تعالى بالغضب فليس المراد ذلك المبدأ أعني شهوة الانتقام وغليان دم القلب.. بل المراد تلك النهاية وهو إنزال العقاب فهذا هو القانون الكلي في هذا الباب.\rالثاني : يجوز أن تقع هذه العبارة في كلام الكثير فقالوا أما يستحي رب محمد أن يضرب مثلاً بالذباب والعنكبوت.. فجاء هذا الكلام على سبيل إطباق الجواب على السؤال وهذا فن بديع من الكلام(1).\r__________\r(1) تفسير الرازي جـ2 صـ 361 : 362.","part":1,"page":240},{"id":239,"text":"الاستحياء من الله تعالى بمعنى الترك.. فإذا وصف نفسه بأنه يستحى من شيء فمعناه أنه لا يفعل ذلك وإذا قيل لا يستحي فمعناه لا يبالي بفعل ذلك.\rوالخلق في التحقيق - وبالإضافة إلى وجود الحق - أقل من ذرة من الهواء في الهواء لأن هذا استهلاك محدود في محدود فسيان - في قدرته - العرش والبعوضة.. فلا خلق العرش أشق وأعسر ولا خلق البعوضة أخف عليه وأيسر فإنه سبحانه متقدس عن لحوق العسر واليسر.\rفإذا كان الأمر بذلك الوصف فلا يستحي أن يضرب بالبعوضة مثلاً كما لا يستحي أن يضرب بالعرش - فما دونه - مثلاً.\rوقيل إن جهة ضرب المثل بالبعوضة أنها إذا جاعت فرت وطارت إذا شبعت تشققت فتلفت كذلك\r\" إن الإنسان ليطغى أن رآه استغنى \".\rوقيل ما فوقها يعني الذباب ، وجهة الإشارة فيه إلى وقاحته.. حتى إنه ليعود عند البلاغ في الذب ولو كان ذلك في الأسد لم ينج منه أحد من الخلق ، ولكنه لما خلق القوة في الأسد خلق فيه تنافراً من الناس ، ولما خلق الوقاحة في الذباب خلق فيه الضعف تنبيهاً منه سبحانه على كمال حكمته ونفاذ قدرته(1).\rلماذا التمثيل بالبعوضة ؟ \rالمعاندون اتخذوا من صِغَر البعوضة والذبابة ذريعة للاستهزاء بالأمثلة القرآنية ، لكنّهم لو أنصفوا وأمعنوا النظر في هذا الجسم الصغير ، لرأوا فيه من عجائب الخلقة وعظيم الصنع والدّقة ما يحيّر العقول والألباب.\rيقول الإِمام جعفر بن محمّد الصادق(عليه السلام) بشأن خلقة هذا الحيوان الصغير : «إنّما ضَرَبَ اللهُ الْمَثَلَ بِالْبِعُوضَةِ ؛ لاَِنَّ الْبَعُوضَةَ عَلى صِغَر حَجْمِهَا خَلَقَ اللهُ فِيهَا جَمِيعَ مَا خَلَقَ فِي الْفَيلِ مَعَ كِبَرِهِ وَزِيَادَةَ عُضْوَيْنِ آخَرَيْنِ فَأَرَادَ اللهُ سُبْحَانَهُ أَنْ يُنَبِّهَ بِذَلِكَ الْمُؤْمِنينَ عَلى لُطْفِ (لَطِيفِ) خَلْقِهِ وَعَجيبِ صَنْعَتِهِ».\r__________\r(1) لطائف الإشارات للإمام القشيري صـ70 : 71.","part":1,"page":241},{"id":240,"text":"يريد الله سبحانه بهذا المثال أن يبين للمؤمنين دقّة الصنع في الخلق ، التفكير في هذا الموجود الضعيف على الظاهر ، والشبيه بالفيل في الواقع ، يبيّن للإِنسان عظمة الخالق.\rخرطوم هذا الحيوان الصغير يشبه خرطوم الفيل ، أجوف ، ذ وفتحة دقيقة جدا ً ، وله قوّة ماصة تسحب الدم.\rمنح الله هذا الحيوان قوة هضم وتمثيل ودفع ، كما منحه أطرافاً وأُذناً وأجنحة تتناسب تماماً مع وضع معيشته. هذه الحشرة تتمتع بحساسية تشعر فيها بالخطر بسرعة فائقة وتفرّ عندما يداهمها عدوّ بمهارة عجيبة ، وهي مع صغرها وضعفها ، يعجز عن دفعها كبار الحيوانات. أهـ\r[ الأمثل حـ1 صـ94 ]\rقوله تعالى \" يضل به كثيراً ويهدي به كثيراً \"\r{ سؤال} لقائل أن يقول : لم وصف المهديون بالكثرة والقلة صفتهم لقوله \" وقليل من عبادي الشكور \" [سبأ : 13] ، \" وقليل ما هم \" [ص : 24] ؟\r{ الجواب} (1)أهل الهدى كثير في أنفسهم ، وحيث يوصفون بالقلة إنما يوصفون بها بالقياس إلى أهل الضلال ، وأيضاً فإن القليل من المهديين كثير في الحقيقة وإن قلوا في الصورة (2).. فسموا بالكثير ذهاباً إلى الحقيقة.\rقوله تعالى \" وما يضل به إلا الفاسقين \"\rلطيفة\rقال صاحب [الأمثل ]\rكلمة «فاسق» من مادة «فسق» وتعني خروج النّواة من الرطب ، فقد تسقط الرطبة من النخلة ، وتنفصل عنها النّواة. ويقال عن هذا الانفصال في العربية «فسقت النواة» ، ثم أُطلقت الكلمة على كل انفصال عن خط طاعة الله ، وعن طريق العبودية ، فكما أن النّواة تفسق إذا نزعت لباسها الحل والمفيد المغذي ، كذلك الفاسق ينزع عنه بفسقه كل قيمه وشخصيّته الإنسانية.\r__________\r(1) التفسير الكبيرة جـ2 صـ373.\r(2) يؤيد هذا القول قوله تعالى في حق إبراهيم الخليل - عليه السلام - إن إبراهيم كان أمة [النحل : 120] وقوله \" أم يحسدون الناس على ما آتاهم الله من فضله \" [النساء : 54] والمراد بالناس في الآية الكريمة رسول الله - صلى الله عليه وسلم -.","part":1,"page":242},{"id":241,"text":"قوله تعالى \" الذين ينقضون عهد الله من بعد ميثاقه.... الآية \"\rقال الإمام الفخر (1)- رحمه الله - ما نصه..\rعهد الله إلى خلقه : ثلاثة عهود : -\rالعهد الأول : الذي أخذه على جميع ذرية آدم وهو الإقرار بربوبيته وهو قوله \" وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذريتهم وأشهدهم على أنفسهم ألست بربكم قالوا بلى شهدنا \" [الأعراف 172]\rالعهد الثاني : عهد خص به النبيين أن يبلغوا الرسالة ، ويقيموا الدين ولا يتفرقوا فيه وهو قوله \" وإذ أخذنا من النبيين ميثاقهم ومنك ومن نوح وإبراهيم وموسى وعيسى ابن مريم وأخذنا منهم ميثاقاً غليظاً \"[ الأحزاب : 7 ]\rالعهد الثالث : عهد خص به العلماء وهو قوله \" وإذ أخذ الله ميثاق الذين أوتوا الكتاب لتبيننه للناس ولا تكتمونه \" [آل عمران : 187 ]\rقوله تعالى \" كيف تكفرون بالله وكنت أمواتاً فأحياكم..... الآية \"\rقال الحسن(2) - رحمه الله - قوله \" كيف تكفرون بالله \" يعني العامة ، وأما بعض الناس فقد أماتهم الله ثلاث مرات نحو ما حكي\rفي قوله \" أو كالذي مر على قرية وهي خاوية على عروشها \" [البقرة : 259] إلى قوله \" فأماته الله مائه عام ثم بعثة \"\rوكقوله \" ألم تر إلى الذين خرجوا من ديارهم وهم ألوف حذر الموت فقال لهم الله موتوا ثم أحياهم \" [البقرة : 243].\rوكقوله \" فأخذتكم الصاعقة وأنتم تنظرون ثم بعثناكم من بعد موتكم لعلكم تشكرون \" [البقرة 55 : 56].\rوكقوله \" فقلنا اضربوه ببعضها كذلك يحي الله الموتى \" [البقرة : 73].\r__________\r(1) التفسير الكبير جـ2 صـ 374.\r(2) التفسير الكبير جـ2 صـ377.","part":1,"page":243},{"id":242,"text":"وكقوله \" وكذلك أعثرنا عليهم ليعلموا أن وعد الله حق وأن الساعة لا ريب فيها \" [الكهف : 21] وكقوله في قصة أيوب - عليه السلام - \" وآتيناه أهله ومثلهم معهم(1) \" [الأنبياء : 84].\rتضرع وابتهال\rقال يحي بن معاذ(2) : إلهي كأني بنفسي وقد أضجعوها في حفرتها ، وانصرف المشيعون عن تشييعها ، وبكى الغريب عليها لغربتها ، وناداها من شفير القبر ذ ومودتها ، ورحمها الأعادي عند جزعتها ولم يخف على الناظرين عجز حيلتها ، فما رجائي إلا أن نقول ما تقول ملائكتي : انظروا إلى فريد قد نأى عنه الأقربون ووحيد قد جفاه المحبون أصبح مني قريباً وفي اللحد غريباً وكان لي في الدنيا داعياً ومجيباً ولإحساني إليه عند وصوله إلى هذا البيت راجياً فأحسن إلى هناك يا قديم الإحسان وحقق رجائي فيك يا واسع الغفران.\rقوله تعالى : \" هو الذي خلق لكم ما في الأرض جميعاً.. الآية \".\rقال السعدي (3) : أي خلق لكم - براً بكم ورحمة - جميع ما على الأرض للانتفاع والاستمتاع والاعتبار.\rوفي هذه الآية الكريمة دليل على أن الأصل في الأشياء الإباحة والطهارة ، لأنها سيقت في معرض الامتنان ، ويخرج بذلك ، الخبائث فإن تحريمها أيضاً ، يؤخذ من فحوى الآية. أ هـ.\rوقال الإمام القشيري (4) : سخر لهم جميع المخلوقات على معنى حصول انتفاعهم بكل شيء منها ، فعلى الأرض يستقرون وتحت السماء يسكنون ، وبالنجم يهتدون ، وبكل مخلوق بوجه آخر ينتفعون ، لا بل ما من عين وأثر فكروا فيه إلا وكمال قدرته وظهور ربوبيته جاء يعرفون.\r__________\r(1) هذا القول يفتقر إلى نقل صحيح وقد ذكره كثير من المفسرين ومثل هذا لا يقال من جهة الرأي لأنه من الغيب الذي يحتاج إلى وحي من كتاب أو سنة والله أعلم.\r(2) التفسير الكبير جـ2 صـ 378.\r(3) - تفسير السعدي صـ41\r(4) - لطائف الإشارات حـ1 صـ74","part":1,"page":244},{"id":243,"text":"ويقال : مهد لهم سبيل العرفان ، ونبههم على ما خصهم به من الإحسان ، ثم علمهم عل والهمة حيث استخلص لنفسه أعمالهم وأحوالهم فقال : \" لا تسجدوا للشمس ولا للقمر \" [فصلت : 37].\rوذكر أبو حيان فى البحر المحيط حـ1ص193 ما نصه : وقال بعض المنسوبين للحقائق : [خلق لكم] لبعد نعمه عليكم ، فتقتضي الشكر من نفسك لتطلب المزيد منه. وقال أبو عثمان وهب لك الكل وسخره لك لتستدل به على سعة جوده وتسكن إلى ما ضمنه لك من جزيل العطاء في المعاد ، ولا تستكثر كثير بره على قليل عملك ، فإنه قد ابتدأك بعظيم النعم قبل العمل وقبل التوحيد. وقال ابن عطاء : خلق لكم ليكون الكون كله لك وتكون لله فلا تشتغل بما لك عما أنت له. وقال بعض البغداديين : أنعم عليك بها ، فإن الخلق عبدة النعم لاستيلاء النعم عليهم ، فمن ظهر للحضرة أسقط عنه المنعم رؤية النعم. وقال الثوري : أعلىمقامات أهل الحقائق الانقطاع عن العلائق.أهـ.\rلطيفة\rقال الإمام ابن القيم(1) : في هذا المعنى ما نصه : \r\" يا من هو من أرباب الخبرة هل عرفت قيمة نفسك ، إنما خلقت الأكوان كلها لك يا من غذى بلبان البر ، وقلب بأيدي الألطاف ، كل الأشياء شجرة وأنت الثمرة ، صورة وأنت المعنى ، وصدف وأنت الدر ، ومخيض وأنت الزبد.\rمنشور اختيارنا لك واضح الخط ، ولكن استخراجك ضعيف ، متى رمت طلبي فاطلبني عندك.\rويحك لو عرفت قدر نفسك ما أهنتها بالمعاصي ، وإنما أبعدنا إبليس ، لأنه لم يسجد لك وأنت في صلب أبيك ، فوا عجبا كيف صالحته وتركتنا.\r\" وإذا قلنا للملائكة اسجدوا لآدم فسجدوا إلا إبليس كان من الجن ففسق عن أمر ربه أفتتخذونه وذريته أولياء من دوني وهم لكم عد وبئس للظالمين بدلاً \" [الكهف : 50].\rل وكان في قلبك محبة لبان أثرها على جسدك. أ هـ.\rوقيل : خلق لكم ما فى الأرض ليَعُدَّ نعمه عليكم فيقتضى الشكر من نفسك لطلب المزيد منه.\rقال أبو عثمان : \r__________\r(1) - بدائع الفوائد حـ3 صـ707","part":1,"page":245},{"id":244,"text":"وهب لك الكل وسخره لك ؛ لتستدل به على سعة جوده ، وتسكن إلى ما ضمنه لك من جزيل العطاء فى المعاد ولا تستقل كثير بره على قليل عملك , فقد ابتدأك بعظيم النعم قبل العمل وهو التوحيد.\rوقال ابن عطاء : {خلق لكم ما فى الأرض جميعًا} ليكون الكون كله لك وتكون لله كلاً فلا تشتغل عمن أنت له. أهـ {حقائق التفسير للسلمى حـ1صـ14}\rفرية والرد عليها\rوقال فى التيسير : أهل الإباحة من المتصوفة الجهلة [المراد طائفة شاذة] حملوا اللام فى لكم فى قوله تعالى : {ه والذي خلق لكم} على الإطلاق والإباحة وقالوا لا حظر ولا نهى ولا أمر ، فإذا تحققت المعرفة وتأكدت المحبة ، سقطت الخدمة وزالت الحرمة ، فالحبيب لا يكلف حبيبه ما يتعبه ولا يمنعه ما يريده ويطلبه ، وهذا منهم كفر صريح ، وقد نهى الله تعالى وأمر وأباح وحظر ووعد وأوعد وبشر وهدد ، والنصوص ظاهرة والدلائل متظاهرة ، فمن حمل هذه الآية على الاباحة المطلقة ، فقد انسلخ من الدين بالكلية. انتهى كلام التيسير. أهـ {تنوير الأذهان حـ1 صـ 41}\r[سؤال] : فإن قلت : كيف الجمع بين هذا \" خلق لكم ما في الأرض جميعاً ثم استوى إلى السماء \" وبين قوله : \" والأرض بعد ذلك دحاها \" ؟ .\r[ الجواب] الدحو : البسط ، فيحتمل أن الله تعالى خلق الأرض ، ولم يبسطها ثم خلق السماء وبسط جرم الأرض بعد ذلك.\rفإن قلت : هذا مشكل أيضاً : لأن قوله تعالى : \" خلق لكم ما في الأرض جميعاً \" يقتضي أن ذلك لا يكون إلا بعد الدح و.\r[ والجواب] يحتمل أنه ليس هنا ترتيب ، وإنما هو على سبيل تعداد النعم كقول الرجل لمن يذكره ما أنعم به عليه : ألم أعطك ؟ ألم ارفع قدرك ؟ ألم أدفع عنك ، ولعل بعض هذه النعم متقدمة على بعض والله أعلم (1). أ هـ\rوقال الثعالبي(2) : [ ثم ]هنا لترتيب الأخبار لا لترتيب الأمر في نفسه. أهـ.\r__________\r(1) - تفسير الخازن حـ1 صـ38\r(2) - تفسير الثعالبي حـ1 صـ42","part":1,"page":246},{"id":245,"text":"وقال البيضاوي (1) : [ثم] لعله لتفاوت ما بين الخلقين ، وفصل خلق السماء على خلق الأرض ، كقوله تعالى : ثم كان من الذين آمنوا \" (2) [البلد : 17] لا للتراخي في الوقت فإنه يخالف ظاهر قوله تعالى : \" والأرض بعد ذلك دحاها \" فإنه يدل على تأخر دح والأرض المتقدم على خلق ما فيها عن خلق السماء وتسويتها إلا أن تستأنف بدحاها مقدراً لنصب فعلا آخر دل عليه \" أأنتم اشد خلقاً \" مثل تعرف الأرض وتدبر أمرها بعد ذلك لكنه خلاف الظاهر. أهـ.\rوقال ابن كثير : بعد أن ذكر هذه الآية وآية فصلت \" خلق الأرض في يومين - إلى قوله ثم استوى إلى السماء \" [فصلت : 9 : 12] قال : \" فهذه وهذه دالتان على أن الأرض خلقت قبل السماء ، وهذا ما لا أعلم فيه نزاعا بين العلماء إلا ما نقله ابن جرير عن قتادة : أنه زعم أن السماء خلقت قبل الأرض - وفي صحيح البخاري أن ابن عباس سئل عن هذا بعينه فأجاب بأن الأرض خلقت قبل السماء ، وأن الأرض إنما دحيت بعد خلق السماء ، وكذلك أجاب غير واحد من علماء التفسير قديماً وحديثاً (3) : أهـ.\rوذكر القاسمي حـ2 صـ311 أن قوله [بعد] بمعنى [مع] كما في قوله تعالى : \" عتل بعد ذلك زنيم \" [القلم : 13] أي مع ذلك - وعليه فلا إشكال. أهـ بتصرف يسير\rلطيفة في \" ثم \"\rللترتيب مع التراخي.\rوأما قوله \" لمن تاب وآمن وعمل صالحاً ثم اهتدى \" [طه : 82] والهداية سابقة على ذلك فالمراد \" ثم دام على الهداية \" بدليل قوله \" وآمنوا وعملوا الصالحات ثم اتقوا وآمنوا ثم اتقوا وأحسنوا \" [المائدة : 93].\rوقد تأتي لترتيب الأخبار لا لترتيب المخبر عنه كقوله تعالى \" فإلينا مرجعهم ثم الله شهيد \" [يونس : 46 ]\r__________\r(1) - تفسير البيضاوي حـ1 صـ274\r(2) - ومعلوم أن الإيمان متقدم على متطلباته المذكورة قبل هذه الآية من قوله تعالى \" فك رقبة أو إطعام في يوم ذي مسغبة \".\r(3) تفسير ابن كثير حـ1 صـ89 بتصرف يسير.","part":1,"page":247},{"id":246,"text":"وقوله تعالى \" واستغفروا ربكم ثم توبوا إليه \" [هود : 90] وتقول زيد عالم كريم ثم هو شجاع.\rقال ابن بري : قد تجيء ثم كثيراً لتفاوت ما بين رتبتين في قصد المتكلم فيه تفاوت ما بين مرتبتي الفعل مع السكوت عن تفاوت رتبتي الفاعل كقوله تعالى \" الحمد لله الذي خلق السموات والأرض وجعل الظلمات والنور ثم الذين كفروا بربهم يعدلون \" [الأنعام : 1] فـ \" ثم \" هنا لتفاوت رتبة الخلق والجعل من العدل ، مع السكوت عن وصف العادلين ، \rومثله قوله تعالى \" فلا اقتحم العقبة \" إلى قوله \" ثم كان من الذين آمنوا \" [البلد : 11 : 17].\rدخلت لبيان تفاوت رتبة الفك والإطعام من رتبة الإيمان إلا أن فيها زيادة تعرض لوصف المؤمنين بقوله \" وتواصوا بالصبر وتواصوا بالمرحمة \" [البلد : 17].\rوذكر غيره في قوله تعالى \" ثم الذين كفروا بربهم يعدلون \" [الأنعام : 1] أن \" ثم \" دخلت لبعد ما بين الكفر وبين خلق السموات والأرض.\rوعلى ذلك جرى الزمخشري في مواضع كثيرة من الكشاف.. كقوله تعالى \" لغفار لمن تاب وآمن وعمل صالحاً ثم اهتدى \" [طه : 82].\rوقوله \" إن الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا \" [الأحقاف : 13]\rقال : كلمة التراخي دلت على تباين المنزلتين ، دلالتها على تباين الوقتين في جاءني زيد ثم عمر و– أعني أن منزلة الاستقامة على الخير مباينة لمنزلة الخير نفسه.. لأنها أعلى منها وأفضل ، \rومنه قوله تعالى \" إنه فكر وقدر * فقتل كيف قدر * ثم قتل كيف قدر \" [المدثر 18 : 20].\rإن قلت : ما معنى \" ثم \" الداخلة في تكرير الدعاء ؟ قلت : الدلالة على أن الكرة الثانية من الدعاء أبلغ من الأولى.\rوقوله \" ثم كان من الذين آمنوا \" [البلد : 17] ، قال : جاء بـ \" ثم \" لتراخي الإيمان وتباعده في الرتبة والفصيلة على العتق والصدقة لا في الوقت لأن الإيمان هو السابق المقدم على غيره.","part":1,"page":248},{"id":247,"text":"وقال الزمخشري في قوله تعالى \" ثم أوحينا إليك أن اتبع ملة إبراهيم حنيفاً \" [النحل : 123] إن \" ثم \" هذه : فيها من تعظيم منزلة النبي - صلى الله عليه وسلم - وإجلالً محله والإيذان بأنه أولى وأشرف ما أوتي خليل الله إبراهيم من الكرامة ، وأجل ما أوتي من النعمة أتباع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في ملته.\rواعلم أنه بهذا التقدير يندفع الاعتراض بأن \" ثم \" قد تخرج عن الترتيب والمهلة وتصير كالوا ولأنه إنما يتم على أنها تقتضي الترتيب الزماني لزوماً.. أما إذا قلنا : إنها ترد لقصد التفاوت والتراخي عن الزمان لم يحتج إلى الانفصال عن شيء مما ذكر من هذه الآيات الشريفة لا أن تقول : إن \" ثم \" قد تكون بمعنى الواو ، والحاصل أنها للتراخي في الزمان وهو المعبر عنه بالمهلة وتكون للتباين في الصفات وغيرها من غير قصد مهلة زمانية..بل ليعلم موقع ما يعطف بها وحاله وأنه لو انفرد لكان كافياً فيما قصد فيه.. ولم يقصد في هذا ترتيب زماني بل تعظيم الحال فيما عطف عليه وتوقعه وتحريك النفوس لاعتباره.\rوقيل تأتي للتعجب نحو \" ثم الذين كفروا بربهم يعدلون \" [الأنعام : 1].\rوقوله \" ثم يطمع أن أزيد كلا \" [المدثر : 15 : 16].\rوقيل بمعنى وا والعطف كقوله \" فإلينا مرجعهم ثم الله شهيد \" [يونس : 46] أي وهو شهيد.\rوقوله \" ثم إن علينا بيانه \" [القيامة : 19].\rوالصواب أنها على بابها لما سبق قبله.\rوقوله \" ولقد خلقناكم ثم صورناكم ثم قلنا للملائكة اسجدوا \" [الأعراف : 11] وقد أمر الله الملائكة بالسجود قبل خلقنا.. فالمعنى وصورناكم.\rوقيل على بابها والمعنى : ابتدأنا خلقكم لأن الله تعالى خلق آدم من تراب ثم صوره وابتدع خلق الإنسان من نطفة ثم صوره.","part":1,"page":249},{"id":248,"text":"وأما قوله \" خلقكم من طين ثم قضى أجلاً \" [الأنعام : 2] وقد كان قضى الأجل فمعناه أخبركم أني خلقته من طين ثم أخبركم أني قضيت الأجل كما تقول : كلمتك اليوم ثم كلمتك أمس.. أي أني أخبرك بذاك ثم أخبرك بهذا وهذا يكون في الجمل فأما عطف المفردات فلا تكون إلا للترتيب قاله ابن فارس.. قيل وتأتي زائدة كقوله تعالى \" وعلى الثلاثة الذين خلفوا \" إلى قوله \" ثم تاب عليهم [التوبة : 118] لأن تاب جواب \" إذا \" من قوله \" حتى إذا ضاقت \" [التوبة : 18] وتأتي للإستئناف كقوله تعالى \" وإن يقاتلوكم يولوكم الأدبار ثم لا ينصرون \" [آل عمران : 111] (1).\rقوله تعالى \" وإذ قال ربك للملائكة إني جاعل في الأرض خليفة \"\rقال الإمام الزمخشري : \rالخليفة : من يخلف غيره والمعنى خليفة منكم لأنهم كانوا سكان الأرض فخلفهم فيها آدم وذريته.\r{ سؤال} فإن قيل : فهلا قيل خلائف أو خلفاء ؟ \r{ الجواب} أريد بالخليفة آدم واستغنى بذكره عن ذكر بنيه.. كما يستغني بذكر أبي القبيلة في قولك : مضر وهاشم ، أو أريد من يخلفكم ، أو خلف يخلفكم فوحد لذلك\rويجوز أن يريد خليفة مني لأن آدم كان خليفة الله في أرضه وكذلك كل نبي(2).\r{ سؤال} فلئن قلت لأي غرض أخبرهم بذلك ؟ \r{ الجواب} قلت ليسألوا ذلك السؤال ويجابوا بما أجيبوا به فيعرفوا حكمته في استخلافهم قبل كونهم صيانة لهم عن اعتراض الشبهة في وقت استخلافهم وقيل : ليعلم عباده المشاورة في أمورهم قبل أن يقدموا عليها وعرضها على ثقاتهم ونصحائهم ، وإن كان هو بعلمه وحكمته البالغة غنياً عن المشاورة(3).\rوقيل : تعظيماً لشأن المجعول وإظهاراً لفضله بأن بشر بوجود سكان ملكوته ونوه بذكره في الملأ الأعلى قبل إيجاده ولقبة بالخليفة(4).\r__________\r(1) البرهان في علوم القرآن جـ4 صـ292 : 296.\r(2) الكشاف جـ1 صـ128.\r(3) الكشاف جـ1 صـ128.\r(4) تفسير القاسمي جـ2 صـ314 بتصرف يسير.","part":1,"page":250},{"id":249,"text":"قال الإمام القشيري : \rهذا ابتدأ إظهار سره في آدم وذريته أمر حتى سل من كل بقعة طينة ثم أمر بأن يخمر طينة أربعين صباحاً وكل واحد من الملائكة يفضي العجب ما حكم هذه الطينة ؟ فلما ركب صورته لم يكونوا رأوا مثلها في بديع الصنعة ، وعجيب الحكمة.. فحين قال \" إني جاعل في الأرض... \" ترجمت الظنون وتقسمت القلوب وتجنت الأقاويل كما قيل : -\rوكم أبصرت من حسن ولكن ……عليك من الورى وقع اختياري\rويقال : إن الله سبحانه وتعالى خلق ما خلق من الأشياء ، ولم يقل في شأن شيء.\rما قال في حديث آدم حديث قال \" إني جاعل في الأرض.... \" فظاهر هذا الخطاب يدل على المشاورة لو كان من المخلوقين ، والحق سبحانه وتعالى خلق الجنان بما فيها والعرش بما هو عليه من انتظام وكمال الصورة ، ولم يقل إني خالق عرشاً أو جنة أو ملكاً إنما قال تشريفاً وتخصيصاً لآدم \" إني جاعل في الأرض خليفة (1) \".\rلطيفة\rذكر أبن أبي حاتم في تفسيره صـ76.. عن أبن عباس - رضي الله عنهما - قال أخرج الله آدم من الجنة قبل أن يسكنها إياه ثم قرأ \" إني جاعل في الأرض خليفة.. \"\rوعن أبي مالك : أن كل \" إذ \" في القرآن فقد كان(2).\rوأخرج وكيع وعبد الرزاق وعبد بن حميد وابن المنذر وابن عساكر عن ابن عباس.\rقال : إن الله أخرج آدم من الجنة قبل أن يخلقه ثم قرأ \" إني جاعل في الأرض خليفة (3).. \"\rقال ابن عطية(4) : وقال الحسن \" إن الله سمى بني آدم خليفة لأن كل قرن منهم يخلف الذي قبله الجيل بعد الجيل.\rوقال ابن مسعود : إنما معناه خليفة مني في الحكم بين عبادي بالحق وبأوامري يعني بذلك آدم - عليه السلام - ومن قام مقامه من ذريته.\r__________\r(1) لطائف الإشارات جـ1 صـ74 : 75.\r(2) تفسير ابن أبي حاتم جـ1 صـ75.\r(3) الدر المنثور جـ1 صـ110.\r(4) المحرر الوجيز جـ1 صـ117 بتصرف يسير.","part":1,"page":251},{"id":250,"text":"وقال ابن سابط عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال \" إن الأرض هنا يعني مكة لأن الأرض دحيت من تحتها ولأنها مقر من هلك قومه من الأنبياء وإن قبر نوح وهود وصالح بين المقام والركن(1).\r\" وإذ قال ربك للملائكة إني جاعل في الأرض خليفة \"\rقال معمر بن المثني \" [إذ] زائدة والتقدير وقال ربك.\rقال أبو إسحاق الزجاج : هذا اجتراء من أبي عبيدة.\rقال القاضي أبو محمد : وكذلك رد عليه جميع المفسرين.\rوقال الجمهور : ليست بزائدة وإنما هي متعلقة بفعل مقدر تقديره واذكر إذا قال(2).\rوإضافة رب إلى محمد - صلى الله عليه وسلم - ومخاطبة بالكاف تشريف له وإظهار لاختصاصه به(3).\rوقال البغوي جـ1 صـ61 والخازن جـ1 صـ36 ما نصه.\r\" إني جاعل في الأرض خليفة \" أي خالق خليفة يعني بدلاً منكم ورافعكم إلى فكرهوا ذلك لأنهم كانوا أهون الملائكة عبادة(4).\r__________\r(1) المحرر الوجيز جـ1 صـ117.\r(2) المحرر الوجيز جـ صـ116.\r(3) المحرر الوجيز جـ1صـ116.\r(4) لا يخفى ما في هذا القول من الضعف والوهن لأنه يتعارض مع ما وصف الله به الملائكة من أنهم \" لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون \" وبقوله \" ومن عنده لا يستكبرون عن عبادته - إلى قوله \" وهم بأمره يعملون \" فكيف يصح القول بأنهم كرهوا ذلك وبأنهم أهون الملائكة - عبادة وهم ما خلقوا إلا من أجلها فلا يشغلهم عنها شيء.","part":1,"page":252},{"id":251,"text":"\" للملائكة \"\rقيل أراد بهم الملائكة الذين كانوا في الأرض ، وذلك أن الله تعالى خلق السماء وخلق الملائكة والجن فأسكن الملائكة السماء وأسكن الجن الأرض فعبدوا الله دهراً طويلاً في الأرض ثم ظهر فيهم الحسد والبغي فأفسدوا وقتلوا فبعث الله إليهم جنداً من الملائكة يقال لهم الجن وهم خزان الجنان اشتق لهم من الجن رأسهم إبليس وكان رئيسهم ومرشدهم وأكثرهم علماً فهبطوا إلى الأرض فطردوا الجن إلى شعوب الجبال وجزائر البحور ، وسكنوا الأرض وخفت عبادة الله فأعطي الله إبليس ملك الأرض وملك السماء الدنيا وخزانة الجنة وكان يعبد الله تارة في الأرض وتارة في السماء وتارة في الجنة فدخله الغرور وقال في نفسه ما أعطاني الله هذا الملك إلا لأني أكرم الملائكة عليه\rفقال الله له ولجنده \" إني جاعل في الأرض خليفة(1) \"..\r\" جاعل في الأرض خليفة \"\rقال السيوطي في الدر المنثور حـ1صـ110 ما نصه : وأخرج ابن جرير عن الحسن في قوله \" إني جاعل في الأرض خليفة \" قال : فاعل ، وأخرج ابن جرير عن الضحاك قال : كل شيء في القرآن [جعل] فهو خلق.\r________________________________________. تعليق\r__________\r(1) - البغوي جـ1 صـ61 وما ذكره يفتقر إلى نقل صحيح بل يشتمل على ما يرده. فقوله عن الملائكة إن الله خفف عنهم العبادة هذا أمر لا يصلح إلا للبشر.. أما الملائكة فهم لا يأكلون ولا ينامون ولا يتناكحون ولا يتناسلون ولا يمرضون ولا يعملون طلباً للرزق.. فأي حاجة إلى تخفيف العبادة عنهم أيضاً فإن قوله إن الله أعطى إبليس ملك الأرض والسماء وخزانة الجنة.. هذا شيء عجيب ما حظى به حتى جبريل - عليه السلام - وهو أفضل الملائكة وكأن الملك ليس فيه إلا إبليس الطريد اللعين.. فما أغرب هذا القول وما أبعده.","part":1,"page":253},{"id":252,"text":"هذا القول فيه نظر لأنه يدعم قول المعتزلة بأن القرآن مخلوق مستدلين بقوله تعالى \" إنا جعلناه قرآناً عربياً لعلكم تعقلون\" [الزخرف : 3] فكيف يكون الجعل في الآية السابقة بمعنى الخلق ؟!! ومن ذلك أيضاً قوله تعالى\" وتجعلون له أنداداً \" [فصلت : 9] فإن الجعل فيها بمعني القول ، وقد ذكر الإمام الفخر الرازي - رحمه الله - جـ4 صـ52 معاني الجعل وذكر أن الجعل له معان أخرى سوى الخلق والإيجاد.\rأحدها : [ جعل] بمعني صير قال الله تعالى : \" وهو الذي جعل لكم الليل لباساً والنوم سباتاً وجعل النهار نشوراً \" [الفرقان : 47].\rوثانيها : [جعل] بمعنى وهب تقول : جعلت لك هذه الضيعة وهذا العبد وهذا الفرس.\rوثالثها : [جعل] بمعنى الوصف للشيء والحكم كقوله تعالى \" وجعلوا الملائكة الذين هم عباد الرحمن إناثاً \" [الزخرف : 19] وقال \" وجعلوا لله شركاء الجن \" [الأنعام : 110].\rورابعها : كذلك بمعنى الأمر.. كقوله تعالى \" وجعلناهم أئمة \" [الأنبياء 73] يعني أمرناهم بالاقتداء بهم ، وقال \" إني جاعلك للناس إماماً \" [البقرة : 124].\rوخامسها : أن يجعله بمعنى التعليم كقوله جعلته كاتباً ، وشاعراً إذا علمته ذلك.\rوسادسها : البيان والدلالة تقول : جعلت كلام فلان باطلاً إذا أوردت من الحجة ما يبين بطلان ذلك.\rقوله تعالى \" أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء \"\rذكر ابن أبي حاتم(1) في تفسيره ما نصه \" حدثنا أبي هشام بن عبيد الله عن عبد الله بن يحي بن أبي كثير قال سمعت أبي يقول \" إن الملائكة الذين قالوا أتجعل فيها من يفسد فيها.. الخ \" كانوا عشرة آلاف فخرجت نار من عند الله فأحرقتهم (2)\r__________\r(1) تفسير ابن أبي حاتم جـ1 صـ78.\r(2) هذه الرواية فيها نظر فهي تتعارض مع ما وصف الله به الملائكة.. بقوله [لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون] وقوله \" ومن عنده لا يستكبرون عن عبادته \" وقوله \" لا يسبقونه بالقول وهم بأمره يعملون \".\rوهذا السؤال ليس على جهة الاعتراض كما هو معروف ، وقال العلامة ابن كثير جـ1 صـ92 معلقاً على هذا الخبر بأنه اسرائيلي منكر. ؟؟ .","part":1,"page":254},{"id":253,"text":"وقال الزمخشري(1) \" أتجعل فيها \" تعجب من أن يستخلف مكان أهل الطاعة أهل المعصية.\r{ سؤال} فإن قلت : من أين عرفوا ذلك حتى تعجبوا منه وإنما هو غيب ؟ \r{ جواب} قلت عرفوه بإخبار من الله أو من جهة اللوح أو ثبت في علمهم أن الملائكة وحدهم هم الخلق المعصومون وكل خلق سواهم ليسوا على صفتهم أو قاسوا أحد الثقلين على الآخر حيث اسكنوا الأرض فأفسدوا فيها قبل سكنى الملائكة.\rوقال ابن عطية - رحمه الله - \" أتجعل فيها \"\rوقد علمنا قطعاً أن الملائكة لا تعلم الغيب ولا تسبق بالقول ، وذلك عام في جميع الملائكة لأن قوله \" لا يسبقونه بالقول \" خرج على جهة المدح لهم.\rقال القاضي أبو بكر بن الطيب : فهذه قرينة العموم فلا يصح مع هذين الشرطين إلا أن يكون عندهم من إفساد الخليفة في الأرض نبأ ومقدمة.\rثم قال ابن عطية : فهذا إما على طريق التعجب من استخلاف الله من يعصيه أو من عصيان من يستخلف الله في أرضه ، وينعم عليه بذلك ، وإما على طريق الاستفهام والإكبار للفصلين جميعاً \" الاستخلاف \" والعصيان ، وقيل : المراد الاستفهام المحض.\rهل هذا الخليفة على طريقة من تقدم من الجن أو لا.\rوقال آخرون : كان الله تعالى قد أعلم الملائكة أنه يخلق في الأرض خلقاً يفسدون ويسفكون الدماء فلما قال لهم بعد ذلك \" إني جاعل في الأرض خليفة.. قالوا أتجعل فيها... الآية \" على جهة الاسترشاد والاستعلام هل هذا الخليفة هو الذي كان أعلمهم به قبل أو غيره(2).\rوقيل إن العبد المخلص في حب سيده يكره أن يكون له عبداً آخر يعصيه.. فكان سؤالهم على وجه المبالغة(3).\r{ سؤال} فإن قيل : فلم لم يجعل واحداً من ملائكة السماء خليفة له في الأرض ؟ .\r{ الجواب} قلنا لوجوه\rمنها : أن البشر لا يطيقون رؤية الملائكة.\rومنها : أن الجنس إلى الجنس أميل.\r__________\r(1) الكشاف جـ1 صـ129.\r(2) المحرر الوجيز جـ1 صـ117 بتصرف يسير.\r(3) تفسير الخازن جـ1 صـ50.","part":1,"page":255},{"id":254,"text":"ومنها : أن الملائكة في نهاية الطهارة ، والعصمة وهذا هو المراد بقوله \" ولو جعلناه ملكاً لجعلناه رجلاً \" [الأنعام : 9] (1).\rقوله تعالى : \" ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك \"\rقال صاحب الكشاف(2) \" بحمدك \" في موضع الحال أي نسبح لك حامدين لك ، ومتلبسين بحمدك وأما المعني ففيه وجهان : -\rالأول : أنا إذا سبحانك فنحمدك سبحانك يعني ليس تسبيحاً تسبيحنا من غير استحقاق بل تستحق بحمدك وجلالك هذا التسبيح.\rالثاني : أنا نسبحك بحمدك.. فإنه لولا إنعامك علينا بالتوفيق لم نتمكن من ذلك.\rقال ابن عطية(3) : \rوقولهم \" ونحن نسبح بحمدك \" قال بعض المتأولين : هو على جهة الاستفهام.\rكأنهم أرادوا \" ونحن نسبح بحمدك \" أم نتغير عن هذه الحال.\rقال القاضي أبو محمد عبد الحق – رضي الله عنه – وهذا يحسن مع القول بالاستفهام المحض في قولهم \" أتجعل \".\rوقال آخرون : معناه التمدح ووصف حالهم(4) وذلك جائز لهم كما قال يوسف عليه السلام \" إني حفيظ عليم \" [يوسف : 55].\rقال القاضي أبو محمد وهذا يحسن مع التعجب والاستعظام لأن يستخلف الله من يعصيه في قولهم \" أتجعل \" وعلى هذا أدبهم بقوله تعالى \" إني أعلم مالا تعلمون \".\r__________\r(1) التفسير الكبير جـ2 صـ445.\r(2) الكشاف جـ1 صـ129.\r(3) المحرر الوجيز جـ1 صـ118 بتصرف يسير.\r(4) لا يخفى ما في هذا القول من البعد وذلك لمكانة الملائكة وعصمتهم كما صرح القرآن في كثير من آياته وقد سبقت الإشارة إليها وأما قياسهم على يوسف عليه السلام فهذا قياس مع الفارق فيوسف عليه السلام لم يقصد تزكية نفسه وإنما أراد الوصول إلى الملك لا لشهوة ولا لرغبة في نفسه ولكن طاعة لله تعالى من أجل إقامة العدل بين الناس.\rوقال الإمام الرازي جـ2 صـ392 إن مدح النفس غير ممنوع منه مطلقاً لقوله \" وأما بنعمة ربك فحدث \" وقال ابن جزى جـ1 صـ44 (ونحن نسبح) اعتراف والتزام للتسبيح لا افتخار.","part":1,"page":256},{"id":255,"text":"وقال قوم : معنى الآية ونحن لو جعلتنا في الأرض واستخلفتنا نسبح بحمدك وهذا أيضاً حسن مع التعجب والاستعظام في قولهم \" أتجعل \".\rومعنى \" نسبح بحمدك \" ننزهك عما لا يليق بك وبصفاتك.\rوقال ابن عباس وابن مسعود : تسبيح الملائكة صلاتهم لله وقال قتادة تسبيح الملائكة قولهم سبحان الله.\r\" وبحمدك \" معناه نخلط التسبيح بالحمد ونصله به ويحتمل أن يكون قوله \" بحمدك \" اعتراضاً بين الكلامين كأنهم قالوا ونحن نسبح ونقدس اعترضوا على جهة التسليم أي وأنت المحمود في الهداية إلى ذلك.\r\" ونقدس لك \" معناه نطهر أنفسنا لك ابتغاء مرضاتك ، والتقديس التطهير بلا خلاف وقيل \" نقدس لك \" معناه فطهر أنفسنا لك ابتغاء مرضاتك والتقديس التطهير بلا خلاف وقيل \" نقدس لك \" معناه نقدسك أي نعظمك ونطهر ذكرك عما لا يليق.\r\" أتجعل فيها من يفسد فيها.. ونحن نسبح بحمدك.. الآية \"\rوذكر الإمام الفخر – رحمه الله – وجوهاً في سؤال الملائكة \" أتجعل \"\rأذكر بعضها تجنباً للتكرار.\rأحدهما : كأنه تعجب من كمال علم الله تعالى وإحاطة حكمته بما خفي على كل العقلاء.\rومثلها : أن سؤالهم كان على وجه المبالغة في إعظام الله تعالى.. فإن العبد المخلص لشدة حبه لمولاه يكره أن يكون له عبد يعصيه.\rوثالثها : أنهم طلبوا الحكمة التي لأجلها خلقهم مع هذا الفساد والقتل(1).\r{ سؤال} إن قيل إن الملائكة قد ذكروا بني آدم بما لا ينبغي وهو غيبة ؟ \r{ الجواب} أن محل الإشكال في خلق بني آدم إقدامهم على الفساد والقتل ومن أراد إيراد السؤال وجب أن يتعرض لمحل الإشكال لا لغيره فلهذا السبب ذكروا من بني آدم هاتين الصفتين وما ذكروا منهم عبادتهم وتوحيدهم لأن ذلك ليس محل الإشكال(2).\r__________\r(1) التفسير الكبير جـ2 صـ391.\r(2) التفسير الكبير جـ2 صـ392.","part":1,"page":257},{"id":256,"text":"وقال صاحب الفتوحات الإلهية \" قالوا \" أتجعل فيها إنما قالوا ذلك استكشاف عما خفي عليهم من الحكمة التي بهرت أي غلبت تلك المفاسد وألغتها وليس باعتراض على الله تعالى ولا طعن في بني آدم على وجه الغيبة فإنهم أعلى من أن يظن بهم ذلك لقوله تعالى \" بل عباد مكرمون \" [الأنبياء : 27 ](1).\rوفائدة الجمع بين التسبيح والتقديس\rوإن كان ظاهر كلامهم ترادفهما أن التسبيح بالطاعات والعبادات والتقديس بالمعارف في ذات الله تعالى وصفاته أي التفكر في ذلك(2).\rلطيفة في التسبيح.\rقال الإمام الرازي – رحمه الله – ما نصه : \rوقال أهل التذكير : التسبيح جاء تارة في القرآن بمعنى التنزية وأخرى بمعنى التعجب.\rأما الأول فجاء على وجوه : -\r.أنا المنزه عن النظير والشريك هو الله الواحد القهار.\rأنا المدبر للسموات والأرض سبحان رب السموات والأرض.\rأنا المدبر لكل العالمين سبحان الله رب العالمين.\rأنا المنزه عن قول الظالمين سبحان ربك رب العزة عما يصفون\rأنا المستغني عن الكل سبحانه هو الغني.\rأنا السلطان الذي كل شيء سواى فهو تحت قهري وتسخيري فسبحان الذي بيده ملكوت كل شيء.\rأنا العالم بكل شيء سبحان الله عما يصفون عالم الغيب.\rأنا المنزه عن الصاحبة والولد سبحانه أني يكون له ولد.\rأنا المنزه عن وصفهم وقولهم سبحانه وتعالى عما يشركون وعما يقولون وعما يصفون.\rأما التعجب فكذلك : -\rأنا الذي سخرت البهائم القوية للبشر الضعيف سبحان الذي سخر لنا هذا.\rأنا الذي خلقت العالم وكنت منزهاً عن التعب والنصب ، سبحانه إذا قضى أمراً.\rأنا الذي أعلم لا بتعليم المعلمين ولا بإرشاد المرشدين سبحانك لا علم لنا إلا ما علمتنا.\r__________\r(1) الفتوحات الإلهية جـ1 صـ61.\r(2) الفتوحات الإلهية جـ1 صـ62.","part":1,"page":258},{"id":257,"text":"أنا الذي أزيل معصية سبعين سنة بتوبة ساعة فسبح بحمد ربك قبل طلوع الشمس ثم يقول إن أردت رضوان الله فسبح وسبحوه بكرة وأصيلاً. وإن أردت الفرج من البلاء فسبح [لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين] ، وإن أردت رضا الحق فسبح [ومن الليل فسبح وأطراف النهار لعلك ترضى] ، وإن أردت الخلاص من النار فسبح [سبحانك فقنا عذاب النار]\rأيها العبد واظب على تسبيحي فسبحان الله فسبح وسبحوه فإن لم تفعل تسبيحي فالضرر عائد إليك لأن لي من يسبحني ومنهم حملة العرش [فإن استكبروا فالذين عند ربك يسبحون] [فصلت : 38] ومنهم المقربون \" قالوا سبحانك أنت ولينا \" [سبأ : 41].\rومنهم سائر الملائكة قالوا سبحانك ما كان ينبغي لنا [الفرقان : 18] ومنهم الأنبياء كما قال ذ والنون \" لا إله إلا أنت سبحانك \" [الأنبياء : 87] وقال موسى \" سبحانك إني تبت إليك \" [الأعراف : 143] والصحابة يسبحون في قوله \" سبحانك فقنا عذاب النار \" [آل عمران : 191] والكل يسبحون ومنهم الحشرات والدواب والذرات \" وإن من شيء إلا يسبح بحمده \" [الإسراء : 44] وكذا الحجر والمدر والرمال والجبال والليل والنهار والظلمات والأنوار والجنة والنار والزمان والمكان والعناصر والأركان والأرواح والأجسام على ما قال \" سبح لله ما في السموات \" [الحديد : 1] ثم يقول أيها العبد : أنا الغني عن تسبيح هذه الأشياء.. وهذه الأشياء ليست من الأحياء فلا حاجة بها إلى ثواب هذا التسبيح فقد صار ثواب هذه التسبيحات ضائعاً وذلك لا يليق بي \" وما خلقنا السماء والأرض وما بينهما باطلاً \" [ص : 27] لكني أوصل ثواب هذه الأشياء إليك ليعرف كل أحد أن من اجتهد في خدمتي أجعل كل العالم في خدمته ، والنكتة الأخرى اذكرني بالعبودية لتنفع به لا أنا \"","part":1,"page":259},{"id":258,"text":"سبحان ربك رب العزة \" [الصافات : 180] فإنك إذا ذكرتني بالتسبيح طهرتك عن المعاصي \" وسبحوه بكرة وأصيلا \" [الأحزاب : 42] أقرضني \" وأقرضوا الله قرضاً حسناً \" [الحديد : 18] وإن كنت أنا الغني حتى أرد الواحد عليك عشرة \" من ذا الذي يقرض الله قرضاً حسناً فيضاعفه له \" [البقرة : 245] كن معيناً لي وإن كنت غنياً عن إعانتك \" ولله جنود السموات والأرض \" [الفتح : 4] وأيضاً \" ولو يشاء الله لانتصر منهم \" [محمد : 4]\rلكنك إذا نصرتني نصرتك \" إن تنصروا الله ينصركم \" [محمد : 7] كن مواظباً على ذكري \" واذكروا الله في أيام معدودات \" [البقرة : 203] ولا حاجة بي إلى ذكرك لأن الكل يذكرني \" ولئن سألتهم من خلق السموات والأرض ليقولن الله \" [لقمان : 25] لكنك إذا ذكرتني ذكرتك \" فاذكروني أذكركم \" [البقرة : 152] اخدمني \" يا أيها الناس اعبدوا ربكم \" لا لأني أحتاج إلى خدمتكم فإني أنا الملك \" ولله ملك السموات والأرض \" [آل عمران : 189] ولله يسجد من في السموات والأرض \" [الرعد : 15] ولكن انصرف إلى خدمتي هذه الأيام القليلة لتنال الراحات الكثيرة \" قل الله ثم ذرهم \" [الأنعام : 91 ](1).\r\" قال إني أعلم مالا تعلمون \"\rقال الشوكاني(2) : قال إني أعلم مالا تعلمون ولم يذكر متعلق (تعلمون) ليفيد التعميم ويذهب السامع عند ذلك كل مذهب ويعترف بالعجز ويقر بالقصر.\rوقال الخازن في قوله تعالى \" إني أعلم ما لا تعلمون \" قيل : إنه جواب لقول الملائكة \" أتجعل فيها \" فقال تعالى \" أعلم من وجوه المصلحة والحكمة مالا تعلمون.\rوقيل : أعلم أن فيهم من يعبدني ويطيعني وهم الأنبياء والأولياء والصالحون ومن يعصيني منكم وهو إبليس وقيل : أعلم أنهم يذنبون ويستغفرون فأغفر لهم(3).\r__________\r(1) التفسير الكبير جـ2 صـ394 ، 395.\r(2) فتح القدير للشوكاني جـ1 صـ63.\r(3) تفسير الخازن جـ1 صـ40.","part":1,"page":260},{"id":259,"text":"وقال الإمام الرازي(1) : إن قيل قوله : \" إني أعلم ما لا تعلمون \" كيف يصلح أن يكون جواباً عن السؤال الذي ذكروه.\r{ قلنا} إن السؤال يحتمل وجوهاً : أحدها أنه للتعجب فيكون قوله \" أعلم مالا تعلمون \" جواباً له من حيث إنه قال تعالى لا تتعجبوا من أن يكون فيهم من يفسد ويقتل فإني أعلم مع هذا بأن فيهم جمعاً من الصالحين والمتقين وأنتم لا تعلمون.\rوثانيها : أنه للغم فيكون الجواب : لا تغتموا بسبب وجود المفسدين فإني أعلم أيضاً أن فيهم جمعاً من المتقين ومن لو أقسم علي لأبره.\rوثالثها : أنه طلب الحكمة فجوابه أن مصلحتكم فيه أن تعرفوا وجه الحكمة فيه على الإجمال دون التفصيل بل ربما كان التفصيل مفسدة لكم.\rورابعها : أنه التماس لأن يتركهم في الأرض وجوابه : إني أعلم أن مصلحتكم أن تكونوا في السماء لا في الأرض(2).\rوقال السعدي(3) : قال الله للملائكة : \" إني أعلم \" من هذا الخليفة \" ما لا تعلمون \" لأن كلامكم بحسب ما ظننتم وأنا عالم بالظواهر والسرائر وأعلم أن الخير الحاصل بخلق هذا الخليفة أضعاف أضعاف ما في ضمن ذلك من الشر.. فل ولم يكن في ذلك.. إلا أن الله تعالى أراد أن يجتبي منهم الأنبياء والصديقين والشهداء والصالحين ، ولتظهر آياته للخلق ويحصل من العبوديات التي لم تكن تحصل بدون خلق هذا الخليفة.. كالجهاد وغيره وليظهر ما كن من غرائز المكلفين من الخير والشر بالامتحان وليبين عدوه من وليه وحزبه من حزبه وليظهر ما كان في نفس إبليس من الشر الذي انطوى عليه واتصف به فهذه حكم عظيمة يكفي بعضها في ذلك.\rحكمة بالغة : إن العبد إذا خفيت عليه حكمة الله في بعض المخلوقات والمأمورات فالواجب عليه التسليم واتهام عقله والإقرار لله بالحكمة(4).\r__________\r(1) التفسير الكبير جـ2 صـ396 باختصار يسير.\r(2) لا يخفى ما في بعض هذه الوجوه من البعد والله أعلم.\r(3) تفسير السعدي صـ42.\r(4) تفسير السعدي صـ49.","part":1,"page":261},{"id":260,"text":"وقال أبو السعود : في قوله تعالى \" قال إني ما لا تعلمون \"\rوالمعنى : إني أعلم مالا تعلمونه من دواعي الخلافة فيه وقيل : إني أعلم من المصالح في استخلافه ما هو خفي عليكم وأن هذا إرشاد الملائكة إلى العلم بأن أفعاله تعالى كلها حسنة وحكمه وإن خفي عليهم وجه الحسن والحكمة(1)\rوقال القرطبي - رحمه الله - بعد أن ذكر بعض هذه الوجوه : \r\" قلت : ويحتمل أن يكون المعنى إني أعلم ما لا تعلمون مما كان ومما يكون وما هو كائن فهو عام(2).\rومن لطائف الإمام القشيري - رحمه الله - في هذه الآية : ما نصه : -\rولم يكن قوله الملائكة \" أتجعل فيها من يفسد فيها \" على وجه الاعتراض على التقدير ولكن على وجه الاستفهام.. فإن حمل الخطاب على ما يوجب تنزيه الملائكة أولى لأنهم معصومون قال تعالى \" لا يعصون الله ما أمرهم \"\rويقال استخرج الحق سبحانه منهم ما استكن في قلوبهم من استعظام طاعاتهم والملاحظة أن أفعالهم بهذا الخطاب ، فأفصحوا عن خفايا أسرارهم يقولون \" ونحن نسبح بحمدك \" ثم إن الحق سبحانه عرفهم أن الفضيلة بالعلم أتم من الفضيلة بالفعل فهم كانوا أكثر فعلاً وآدم كان أكثر علماً وأوفر فظهرت فضيلته ومرتبته.\rويقال لم يقل الحق سبحانه أنتم لا تفسدون فيها ولا تسفكون الدماء بل قال \" إني أعلم ما لا تعلمون \" من غفراني لهم.\rويقال : في تسبيحهم إظهار فعلهم واشتهار خصائصهم وفضلهم ومن غفرانه لمعاصي بني آدم إظهار كرمه سبحانه ورحمته والحق سبحانه غني عن طاعات كل مطيع فلأنه ظهر بتسبيحهم استحقاق تمدحهم ثبت بالغفران استحقاق تمدح الخالق سبحانه.\r__________\r(1) تفسير القرطبي جـ1 صـ193.\r(2) هذا وجه قوي بل أقوى الوجوه وهو يتطابق مع الأصول التي وضعها القرآن من إحصاء الله لكل شيء علماً.. فهذا أولى من التخصيص والله أعلم بمراد كتابه.","part":1,"page":262},{"id":261,"text":"ويقال إني أعلم ما لا تعلمون من صفاء عقائد المؤمنين منهم في محبتنا وذكاء سرائرها في حفظ عهودنا وإن تدنس بالعصيان ظاهرهم.. كما قيل : \rوإذا الحبيب أتي بذنب واحد………جاءت محاسنه بألف شفيع\rويقال إني أعلم ما لا تعلمون من محبتي لهم وأنتم تظهرون أحوالكم وأنا أخفي عليهم أسراري فيهم وفي معناه أنشدوا : -\rما حطك الواشون عن رتبة ………عندي ولا ضرك مغتاب\rكأنهم أثنوا ولم يعلموا………عليك عندي بالذي عابوا\rويقال إني أعلم ما لا تعلمون من انكسار قلوبهم وإن ارتكبوا قبيح أفعالهم وصولة قلوبكم عند إظهار تسبيحكم وتقديسكم.. فأنتم في رتبة وفاقكم وفي عصمة أفعالكم ، وفي تجميل تسبيحكم وهو منكرون عن شواهدهم.. متذللون بقلوبهم وإن انكسار قلوب العباد عندنا لذما ما قويا ويقال أي خطر لتسبيحكم لولا فضلي ، وأي ضرر من ذنوبهم إذا كان عفوي ويقال لبستكم طاعتكم ولبستهم رحمتي فأنتم في صدار طاعتكم وفي حلة تقديسكم وتسبيحكم ، وهم في تغمد عفوي وفي ستر رحمتي ألبستهم ثوب كرمي وجللتهم رداء عفوي.\rويقال : إن أسعدتكم عصمتي فلقد أدركتهم رحمتي.\rوإيصال عصمتي بكم عنده وجودكم وتعلق رحمتي بهم في أزلي.\rويقال : لئن كان محسنكم عتيق العصمة فإن مجرهم غريق الرحمة.\rويقال : اتكالهم على زكي أحوالكم فألجأ لهم إلى الاعتراف بالجهالة حتى يتبرأوا عن المعارضة إلا بمقدار ما من به الحق عليهم فقالوا \" سبحانك لا علم لنا إلا ما علمتنا(1) \"\rقوله تعالى \" وعلم آدم الأسماء كلها \"\rقال ابن عطية(2) : \" وعلم \" معناه عرف وتعلم آدم هنا عند قوم إلهام علمه ضرورة\r__________\r(1) لطائف الإشارات جـ1 صـ75 : 76 للإمام القشيري.\r(2) المحرر الوجيز جـ1 صـ119 : 120 بتصرف يسير.","part":1,"page":263},{"id":262,"text":"وقال قوم : بل تعليم بقول ، فإما بواسطة ملك(1) أو بتكليم قبل هبوطه الأرض فلا يشارك موسى - عليه السلام - في خاصته.\rواختلف المتأولون في قوله \" الأسماء \" فقال جمهور الأمة : علمه التسميات\rوقال قوم : عرض عليه الأشخاص.\rقال القاضي أبو محمد : والأول أبين ولفظه - علمه - تعطى ذلك.\rثم اختلف الجمهور في أي الأسماء علمه ؟\rقيل : علمه أسماء النجوم وقيل أسماء الملائكة فقط ، وقيل أسماء ذريته فقط وقيل علمه أسماء ذريته والملائكة وقيل علمه كلمة واحدة عرف مفهوم جميع الأسماء ، وقيل علمه أسماء الأجناس كالجبال والخيل والأدوية ونحو ذلك دون أن يعين ما سمته ذريته منها.\rوقيل علمه أسماء ما خلق في الأرض وقيل علمه الأسماء بلغة واحدة ثم وقع الاصطلاح من ذريته فيما سواها.\rوقيل : بل علمه الأسماء بكل لغة تكلمت بها ذريته وقيل عرض عليه الأشخاص عند التعليم ، وقيل بل وصفها له دون عرض أشخاص.\rثم قال القاضي أبو محمد معلقاً على هذا كله بقوله : وهذه كلها احتمالات قال الناس بها(2).\r\" وعلم آدم الأسماء كلها \"\rقال القرطبي(3) : قال علماء الصوفية : علمها بتعليم الحق إياه وحفظها عليه فنسي ما عهد إليه لأن وكله فيه إلى نفسه فقال \" ولقد عهدنا إلى آدم من قبله فنسي ولم نجد له عزما \" [طه : 115].\r__________\r(1) كيف يعلمه بواسطه ملك من الملائكة ثم يتحداهم بنفس هذا القدر من العلم الذي أحاط به واحد من الملائكة ؟! وتعليم الله للخلق لا يحتاج إلى واسطة فأهل الجنة يدخلون قصورهم بعلم يخلقه الله فيهم - وهذا مع اتساع الجنة وقدرة الله تعالى لا نهاية لها.\r(2) أكثر هذه الأقوال تخصص العام بلا دليل فل وكان التخصيص مراداً لذكره \" كأن يقول وعلم آدم أسماء النجوم لكنه قال الأسماء [ثم أكدها - بقوله - كلها فالأولى حمل اللفظ على العموم لأنه يتوافق مع قوله للملائكة بعد ذلك [أنبئوني ]\r(3) تفسير القرطبي جـ1 صـ198.","part":1,"page":264},{"id":263,"text":"وقال ابن عطاء : لو لم يكشف لآدم علم تلك الأسماء لكان أعجز من الملائكة في الإخبار عنها وهذا واضح.\rقال السعدي(1) : \" وعلم آدم الأسماء كلها \" أي أسماء الأشياء وما هو مسمى لها فعلمه الاسم والمسمى أي : الألفاظ والمعاني حتى المصغر من الأسماء والمكبر ، كالقصعة والقصيعة.\rوقال القشيري(2) : عموم قوله \" الأسماء \" يقتضى الاستغراق واقتران قوله سبحانه بـ \" كلها \" يوجب الشمول والتحقيق.\rوقال الفخر الرازي(3) : من الناس من قال قوله \" وعلم آدم الأسماء كلها \" أي علمه صفات الأشياء ونعوتها وخواصها.\rالقول الثاني : وهو المشهور : أن المراد أسماء كل ما خلق الله من أجناس المحدثات من جميع اللغات المختلفة التي يتكلم بها ولد آدم اليوم من العربية والفارسية والرومية وغيرها.\rقال الطبرسي(4) : \" قالوا : إن الله جعل الكلام معجزة لثلاثة(5) من الأنبياء. آدم ، وإسماعيل ، ومحمد - صلى الله عليه وسلم \".\rوقال الطبرسي(6) : وقد افتتح الله تعالى الدلالة على الإعجاز بالكلام في آدم ثم ختم به في محمد - صلى الله عليه وسلم -.\r\" وعلم آدم الأسماء كلها \"\rقال القرطبي(7) :\rوآدم - عليه السلام - يكنى أبا البشر وقيل : أبا محمد كنى بمحمد خاتم الأنبياء صلوات الله عليهم.. قاله السهيلي.\rوقيل : كنيته في الجنة أبو محمد وفي الأرض أبو البشر.\rواختلف في اشتقاقه فقيل : هو مشتق من أدمة الأرض وأديمها وهو وجهها فسمي بما خلق منه ، وقيل : إنه مشتق من الأدمة وهي السمرة واختلف في الأدمة فقل : هي السمرة وقيل هي البياض.\rوعلق القرطبي على هذا بقوله \" الصحيح أنه مشتق من أديم الأرض \".\r__________\r(1) تفسير السعدي صـ42.\r(2) لطائف الإشارات جـ1 صـ77.\r(3) التفسير الكبير جـ2 صـ397 باختصار.\r(4) مجمع البيان جـ1 صـ181.\r(5) وقد يضاف إليهم عيسى عليه السلام بقوله في المهد \" إني عبد الله \".\r(6) مجمع البيان جـ1 صـ189.\r(7) تفسير القرطبي جـ1 صـ198 بتصرف يسير.","part":1,"page":265},{"id":264,"text":"وقال الجمل في حاشيته على الجلالين جـ1 صـ65 وآدم أسم أعجمي لا اشتقاق له ولا ينصرف.\rقال الفخر الرازي : \rقال أهل المعاني : قوله تعالى \" وعلم آدم الأسماء كلها \"\rلابد فيه من إضمار فيحتمل أنه يكون المراد وعلم آدم أسماء المسميات ويحتمل أن يكون المراد وعلم آدم مسميات الأسماء قالوا لكن الأول أولى لقوله \" أنبئوني بأسماء هؤلاء \" وقوله \" فلما أنبأهم بأسمائهم \" ولم يقل \" أنبئوني بهؤلاء وأنبأهم بهم (1).\r\" ثم عرضهم على الملائكة \"\r{ سؤال} لماذا قال ثم عرضهم ولم يقل عرضها ؟ \r{ الجواب} لأن المسميات إذا جمعت من يعقل ومن لا يعقل عبر عنه بلفظ من يعقل لتغليب العقلاء عليهم كما يعبر عن الذكور والإناث بلفظ الذكور(2).\rوأجاب الفخر – عن هذا السؤال بقوله : -\rلأنه لما كان في جملتها الملائكة والإنس والجن وهم العقلاء فغلب الأكمل.\rجرت عادة العرب بتغليب الكامل على الناقص كلما غلبوا(3).\r\" ثم عرضهم على الملائكة \"\rقال صاحب الكشاف(4) : وإنما استنبأهم وقد علم عجزهم عن الإنباء على سبيل التبكيت \" إن كنتم صادقين \" يعني في زعمكم أني أستخلف في الأرض مفسدين سفاكين للدماء إرادة للرد عليهم(5).\rوقال في الفتوحات الإلهية جـ1 صـ64 ما نصه : -\rوقوله : \" أنبئوني \" أمر تعجيز والنبأ خبر ذ وفائدة عظيمة سواء حصل علماً أو غلبة ظن فإيثاره على الإخبار للإيذان برفعة شأن الأسماء وعظم خطرها\r__________\r(1) التفسير الكبير جـ2 صـ398.\r(2) تفسير الخازن جـ1 صـ41.\r(3) التفسير الكبير جـ2 صـ398.\r(4) الكشاف جـ1 صـ130.\r(5) هذا الكلام يتعارض مع ما وصف الله به ملائكته بأنهم عباد مكرمون وحاش لله.","part":1,"page":266},{"id":265,"text":"فإن النبأ إنما يطلق على الخبر الخطير والأمر العظيم(1).\r\" إن كنتم صادقين \"\rقال أبو السعود(2) : أي في زعمكم أنكم أحقاء بالخلافة ممن استخلفته كما ينبئ عنه مقالكم.\rوقال القشيري(3) ما نصه : ويقال قوله \" ثم عرضهم \" ثم : حرف تراخ ومهلة.. أما على آدم فإنه أمهله من الوقت ما تقرر ذلك في قلبه ، وتحقق المعلوم له بحقه ثم حينئذ استخبره عما تحقق به واستيقنه ، وأما على الملائكة فقال لهم على وجه الوهلة \" أنبئوني \" فلما لم يتقدم لهم تعريف تحيروا ، ولما تقدم لآدم التعليم أجاب وأخبر ، ونطق وأفلح إظهاراً لعنايته السابقة – سبحانه – بشأنه وقوله \" إن كنتم صادقين \" فيه إشارة إلى أنهم تعرضوا لدعوى الخصوصية والفضيلة والمزية على آدم فعرفهم أن الفضل ليس بتقديم تسبيحهم لكنه في قديم تخصيصه ولما علم الحق سبحانه تقاصر علومهم عن معرفة أسماء المخلوقات.. ثم كلفهم الإنباء عنها صار فيه أوضح دلالة على أن الأمر أمره ، والحكم حكمه.\r\" قالوا سبحانك لا علم لنا إلا ما علمتنا \"\rقال فى تنوير الأذهان : \rأفادت الآية أن العبد ينبغى له أن لا يغفل عن نقصانه وعن فضل الله وإحسانه ، ولا يأنف أن يقول : لا أعلم فيما لا يعلم ، ولا يكتم فيما يعلم.\r__________\r(1) أن يعنفهم الله وهم ما أرادوا بسؤالهم الاعتراض بل أرادوا التعجب أو معرفة الحكمة أو خافوا أن يكون قد صدر عنهم تقصير في التسبيح والله أعلم وهذا الرد ينسحب على ما ذكره الزمخشري – رحمه الله – بعد ذلك في قوله تعالى \" إن كنتم صادقين \"\r(2) تفسير أبي السعود جـ1 صـ85 ويتوجه إليه نفس الكلام السابق.\r(3) لطائف الإرشادات جـ1 صـ77.","part":1,"page":267},{"id":266,"text":"وقالوا : لا أدرى نصف العلم ، وسئل أبو يوسف القاضى عن مسئلة فقال : لا أدرى فقالوا له : ترتزق من بيت المال كل يوم كذا كذا ثم تقول : لا أدرى فقال : إنما أرتزق بقدر علمى ، ولو أعطيت بقدر جهلى لم يسعنى مال الدنيا – وحكى – أن عالما سئل عن مسئلة وهو فوق المنبر فقال : لا أدرى فقيل له : ليس المنبر موضع الجهال ، فقال إنما علوت بقدر علمى ، ولو علوت بقدر جهلى لبلغت السماء. أهـ {تنوير الأذهان حـ1 صـ 48}\rوقال الفخر الرازي(1) ما نصه : \rاعلم أن الذين اعتقدوا أن الملائكة أتوا بالمعصية في قولهم \" أتجعل فيها من يفسد فيها \"قالوا : إنهم لما عرفوا خطأهم في هذا السؤال رجعوا وتابوا واعتذروا عن خطئهم بقولهم \" سبحانك لا علم لنا إلا ما علمتنا \".\rوالذين أنكروا معصيتهم ذكروا في ذلك وجهين : -\rالأول : أنهم إنما قالوا ذلك على وجه الاعتراف بالعجز والتسليم بأنهم لا يعلمون ما سألهم عنه وذلك لأنهم قالوا إنا لا نعلم إلا ما علمتنا فإذا لم تعلمنا ذلك فكيف نعلمه.\rالثاني : أن الملائكة إنما قالوا \" أتجعل فيها \" لأن الله تعالى أعلمهم ذلك فكأنهم قالوا إنك أعلمتنا أنهم يفسدون في الأرض ويسفكون الدماء فقلنا لك أتجعل فيها من يفسد فيها وأما هذه الأسماء فإنك ما أعلمتنا كيفيتها فيكف نعلمها.\r\" إنك أنت العليم الحكيم \"\rقال الفخر : \" العليم \" من صفات المبالغة التامة في العلم والمبالغة التامة لا تتحقق إلا عند الإحاطة بكل المعلومات وما ذاك إلا هو سبحانه وتعالى فلا جرم ليس العليم المطلق إلا هو فلذلك قال \" إنك أنت العليم الحكيم \" على سبيل الحصر.\r\" الحكيم \" يستعمل على وجهين : -\rالأول : بمعنى العليم فيكون ذلك من صفات الذات.. هذا التفسير نقول : إنه تعالى حكيم في الأزل.\r__________\r(1) التفسير الكبير جـ2 صـ 424.","part":1,"page":268},{"id":267,"text":"الآخر : أنه الذي يكون فاعلاً لما لا اعتراض لأحد عليه فيكون ذلك من صفات الفعل.. فلا نقول إنه حكيم في الأزل والأقرب ها هنا أن يكون المراد هو المعنى الثاني وإلا لزم التكرار(1).\rوقال القشيري(2) : قدموا الثناء على ذكر ما اعتذروا به ، ونزهوا حقيقة حكمه عن أن يكون يعرض وهم المعترضون يعني لا علم لنا بما سألتنا ولا يتوجه عليك لوم في تكليف العاجز بما علمت أنه غير مستطيع له.. \" إنك أنت العليم الحكيم \" أي ما تفعله فهو حق ليس لأحد عليك حكم ولا منك سفة وقبح.\rلطائف في فضل العلم\r* قوله تعالى \" وقل ربي زدني علماً \" [طه : 114] وفيه أول دليل على نفاسة العلم وعل ومرتبته وفرط محبة الله تعالى إياه.. حيث أمر نبيه بالإزدياد منه خاصة دون غيره. وقال قتادة : لو اكتفى أحد من العلم لأكتفى نبي الله موسى – عليه السلام – ولم يقل \" هل أتبعك أن تعلمني مما علمت رشدا \" [الكهف : 66].\r* كان لسليمان – عليه السلام – من ملك الدنيا ما كان حتى أنه \" قال رب أغفر لي وهب لي ملكاً لا ينبغي لأحد من بعدي \" [ص : 35] ثم إنه لم يفتخر بالمملكة وافتخر بالعلم حيث قال \" يا أيها الناس علمنا منطق الطير وأوتينا من كل شيء \" [النمل : 16] فافتخر بكونه عالماً بمنطق الطير فإذا حسن من سليمان أن يفتخر بذلك العلم فلأن يحسن بالمؤمن أن يفتخر بمعرفة رب العالمين كأن أحسن ولأنه قدم ذلك على قوله : \" وأوتينا من كل شيء \" وأيضاً فإنه تعالى لما ذكر كمال حالهم قدم العلم أولاً وقال : \" وداود وسليمان إذ يحكمان في الحرث \" إلى \" وكلا آتينا حكماً وعلماً \" [الأنبياء : 78 ، 79] ثم إنه تعالى ذكر بعد ذلك ما يتعلق بأحوال الدنيا فدل على أن العلم أشرف.\r__________\r(1) التفسير الكبير جـ2 صـ425.\r(2) لطائف الإرشادات جـ1 صـ77 : 78.","part":1,"page":269},{"id":268,"text":"* قال بعضهم الهدهد مع أنه في نهاية الضعف ومع أنه كان في موقف المعاتبة قال لسليمان \" أحطت بما لم تحط به \" [النمل : 22] فلولا أن العلم أشرف الأشياء وإلا فمن أين للهدهد أن يتكلم في مجلس سليمان بمثل هذا الكلام ولذلك يرى الرجل الساقط إذا تعلم العلم صار نافذ القول عند السلاطين وما ذاك إلا ببركة العلم(1).\r* أطلب خمسة في خمسة : \rالأول : أطلب العز في التواضع لا في المال والشهرة.\rوالثاني : أطلب الغنى في القناعة لا في الكثرة.\rوالثالث : أطلب الأمن في الجنة لا في الدنيا.\rوالرابع : أطلب الراحة في القلة لا في الكثرة.\rوالخامس : أطلب منفعة العلم في العمل لا في كثرة الرواية.\r* قال ابن المبارك ما جاء فساد هذه الأمة إلا من قبل الخواص وهم خمسة : العلماء ، والغزاة ، والزهاد ، والتجار ، والولاة.. أما العلماء فهم ورثة الأنبياء ، وأما الزهاد : فعماد أهل الأرض وأما الغزاة فجند الله في الأرض وأما التجار فأمناء الله في أرضه وأما الولاة فهم الرعاة فإذا كان العالم للدين واضعاً وللمال رافعاً فبمن يقتدي الجاهل وإذا كان الزاهد في الدنيا راغباً فبمن يقتدي التائب وإذا كان الغازي طامعاً مرائياً فكيف يظفر بالعد ووإذا كان التاجر خائناً فكيف تحصل الأمانة وإذا كان الراعي ذئباً فكيف تحصل الرعاية \" ي و\" قال على بن أبي طالب – رضي الله عنه – العلم أفضل من المال بسبعة أوجه : -\rالأول : العلم ميراث الأنبياء والمال ميراث الفراعنة.\rالثاني : العلم لا ينقص بالنفقة والمال ينقص.\rالثالث : يحتاج المال إلى الحافظ والعلم يحفظ صاحبه.\rالرابع : إذا مات الرجل يبقى ماله والعلم يدخل مع صاحبه قبره.\rالخامس : المال يحصل للمؤمن والكافر والعلم لا يحصل إلا للمؤمن.\rالسادس : جميع الناس يحتاجون إلى صاحب العلم في أمر دينهم ولا يحتاجون إلى صاحب المال.\r__________\r(1) تفسير الرازي جـ2 صـ407 بتصرف يسير.","part":1,"page":270},{"id":269,"text":"السابع : العلم يقوي الرجل على المرور على الصراط والمال يمنعه.\r* قال الفقيه أبو الليث : إن من يجلس عند العالم ولا يقدر أن يحفظ من ذلك العلم شيئاً فله سبع كرامات : -\rأولها : ينال فضل المتعلمين.\rالثاني : ما دام جالساً عنده كان محبوساً عن الذنوب.\rالثالث : إذا خرج من منزله طالباً للعلم نزلت الرحمة عليه.\rالرابع : إذا جلس في حلقة العلم فإذا نزلت الرحمة عليهم كان له منها نصيب\rالخامس : ما دام يكون في الاستماع تكتب له طاعة.\rالسادسة : إذا استمع ولم يفهم ضاق قلبه لحرمانه عن إدراك العلم فيصير ذلك الغم وسيلة له إلى حضرة الله تعالى لقوله عز وجل : \" أنا عند المنكسرة قلوبهم لأجلي \"\rالسابع : يرى إعزاز المسلمين للعالم وإذلالهم للفساق فيرد قلبه عن الفسق ويميل طبعه إلى العلم فلهذا أمر عليه الصلاة والسلام بمجالسة الصالحين.\r* إن الله علم سبعة نفر سبعة أشياء : -\rعلم آدم الأسماء.\rعلم الخضر الفراسة.\rعلم يوسف علم التعبير.\rعلم داود صنعة الدرع.\rعلم سليمان منطق الطير.\rعلم عيسى علم التوراة والإنجيل.\rعلم محمد - صلى الله عليه وسلم - الشرع والتوحيد.","part":1,"page":271},{"id":270,"text":"فعلم آدم كان سبباً له في حصول السجدة والتحية وعلم الخضر كان سبباً لأن وجد تلميذاً مثل موسى ويوشع عليهما السلام وعلم يوسف لوجدان الأهل والمملكة وعلم داود كان سبباً لوجدان الرياسة والدرجة ، وعلم سليمان كان سبباً لوجدان بلقيس والغلبة وعلم عيسى كان سبباً لزوال التهمة عن أمه وعلم محمد – صلى الله عليه وسلم – كان سبباً لوجود الشفاعة.. ثم نقول من علم أسماء المخلوقات وجد التحية من الملائكة فمن علم ذات الخالق وصفاته أما يجد تحية الملائكة ؟ بل يجد تحية الرب \" سلام قولاً من رب رحيم \" [يس : 58] والخضر وجد بعلم الفراسة صحبة موسى فيا أمة الحبيب بعلم الحقيقة كيف لا تجدون صحبة محمد – صلى الله عليه وسلم – \" فأولئك مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين \" [النساء : 69 ]\r* الأمور على أربعة أقسام.. قسم يرضاه العقل ولا ترضاه الشهوة ، وقسم ترضاه الشهوة ولا يرضاه العقل ، وقسم يرضاه العقل والشهوة معاً ، وقسم لا يرضاه العقل ولا ترضاه الشهوة.\rأما الأول : فهو الأمراض والمكارة في الدنيا.\rأما الثاني : فهو المعاصي أجمع.\rأمال الثالث : فهو العلم.\rأما الرابع : فهو الجهل فينزل العلم من الجهل منزلة الجنة من النار.\rفكما أن العقل والشهوة لا يرضيان بالنار فكذلك لا يرضيان بالجهل وكما أنهما يرضيان بالجنة فكذا يرضيان بالعلم فمن رضي بالجهل فقد رضي بنار حاضرة ومن اشتغل بالعلم فقد خاض في جنة حاضرة فكل من اختار العلم يقال له تعودت المقام في الجنة فادخل الجنة ومن اكتفى بالجهل يقال له تعودت النار فادخل النار(1).\r__________\r(1) تفسير الرازي جـ2 صـ405.","part":1,"page":272},{"id":271,"text":"* \" قالت نملة يا أيها النمل ادخلوا مساكنكم \" [النمل : 18] إلى قوله \" وهم لا يشعرون \" كانت ريساة تلك النملة على غيرها لم تكن إلا بسبب أنها علمت مسألة واحدة وهي قوله تعالى \" وهم لا يشعرون \" كأنها قالت إن سليمان معصوم والمعصوم لا يجوز منه إيذاء البريء عن الجرم ولكنه لو حطمكم فإنما يصدر ذلك منه على سبيل السه ولأنه لا يعلم حالكم فقوله تعالى \" وهم لا يشعرون \" إشارة تنزيه الأنبياء عليهم السلام عن المعصية فتلك النملة لما علمت هذه المسألة الواحدة استحقت الرياسة التامة فمن علم حقائق الأشياء من الموجودات والمعدومات كيف لا يستوجب الرياسة في الدنيا والدين.\r* الكلب إذا تعلم وأرسله المالك على اسم الله تعالى صار صيده النجس طاهراً والنكتة أن العلم هناك انضم إلى الكلب فصار النجس ببركة العلم طاهراً فههنا النفس والروح طاهرتان في أصل الفطرة إلا أنهما تلوثتا بأقذار المعصية ثم انضم إليهما العلم بالله وبصفاته فنرج ومن عميم لطفه أن يقلب النجس طاهراً ههنا والمردود مقبولاً (1).\rمن ملح العلم\r* وروى أن ليلى الأخلية مدحت الحجاج فقال : يا غلام أذهب إلى فلان فقل له : يقطع لسانها.. قال : فطلب حجاماً فقالت ثكلتك أمك إنما أمرك أن تقطع لساني بالصلة فلولا تبصرها بأنحاء الكلام ، ومذاهب العرب والتوسعة في اللفظ ومعاني الخطاب لتم عليها جهل هذا الرجل(2).\r__________\r(1) تفسير الرازي جـ2 صـ412.\r(2) المستطرف ً63.","part":1,"page":273},{"id":272,"text":"* ودخلت امرأة على هارون الرشيد وعنده جماعة من وجوه أصحابه.. فقالت : يا أمير المؤمنين أقر الله عينيك وفرحك بما آتاك وأتم سعدك لقد حكمت فقسطت.. فقال لها : من تكونين أيتها المراة ؟ فقالت : من آل يرمك ممن قتلت رجالهم وأخذت أموالهم وسلبت نوالهم فقال : أما الرجال فقد مضى فيهم أمر الله ونفذ فيهم قدره.. وأما المال فمردود إليك ثم التفت إلى الحاضرين من أصحابه فقال : أتدرون ما قالت هذه المرأة ؟ فقالوا : ما نراها قالت إلا خيراً. فقال : ما أظنكم فهمتم ذلك أما قولها : أقر الله عينك أي أسكنها عن الحركة وإذا سكنت العين عن الحركة عميت ، وأما قولها وفرحك بما آتاك فأخذته من قوله تعالى \" حتى إذا فرحوا بما أوتوا أخذناهم بغتة \" [الأنعام : 44] وأما قولها وأتم الله سعدك فأخذته من قول الشاعر : -\rإذا تم أمر بدا نقصه …… ترقب زوالا إذا قيل تم\rوأما قولها لقد حكمت فقسطت فأخذته من قوله \" وأما القاسطون فكانوا لجهنم حطبا \" [الجن : 15] فتعجبوا من ذلك(1).\r* واستودع رجل لغيره مالاً فجحده فرفعه إلى إياس فسأله فأنكر فقال للمدعي أين دفعت إليه فقالت : في مكان البرية فقال : وما كان هناك ؟ قال شجرة قال اذهب إليها فلعلك دفنت المال عندها ونسيت فتذكر إذا رأيت الشجرة فمضى وقال للخصم اجلس حتى يرجع صاحبك ، وإياس يقضي وينظر إليه ساعة بعد ساعة ثم قال : يا هذا أترى صاحبك قد بلغ مكان الشجرة قال لا.. قال يا عد والله إنك خائن.. قال أقلني.. قال لا أقالك الله وأمر أن يحتفظ به حتى جاء الرجل.. فقال له إياس : اذهب معه فخذ حقك(2).\r* ومن فراسة الحاكم : ما ذكره حماد بن سلمة عن حميد الطويل : أن إياس بن معاوية اختصم إليه رجلان استودع احدهما صاحبه وديعة فقال صاحب الوديعة : استحلفه بالله مالي عنده وديعة فقال إياس : بل استحلفه بالله مالك عنده وديعة ولا غيرها.\r__________\r(1) المستطرف صـ67.\r(2) الطرق الحكيمة في السياسة الشرعية صـ29.","part":1,"page":274},{"id":273,"text":"وهذا من أحسن الفراسة فإنه إذا قال \" ما له عندي وديعة \" أحتمل النفي واحتمل الإقرار فينصب \" ماله \" بفعل محذوف مقدر أي دفع ماله إلى أو أعطاني ماله أو يجعل \" ما \" موصول والجار والمجرور صلتها ووديعة خبر عن \" ما \" فإذا قال : \" ولا غيرها \" تعين النفي(1)\r* أراد واحد خدمة ملك فقال الملك اذهب وتعلم حتى تصلح لخدمتي فلما شرع في التعلم وذاق لذة العلم بعث الملك إليه وقال اترك التعلم فقد صرت أهلاً لخدمتي فقال كنت أهلاً لخدمتك حين لم ترني أهلاً لخدمتك وحين رأيتني أهلاً لخدمتك رأيت نفسي أهلاً لخدمة الله تعالى وذلك أني كنت أظن أن الباب بابك لجهلي والآن علمت أن الباب باب الله.\r* تحصيل العلم إنما يصعب عليك لفرط حبك للدنيا لأنه تعالى أعطاك سواد العين وسويداء القلب ولا شك أن السواد أكبر من السويداء في اللفظ لأن السويداء تصغير السواد ثم إذا وضعت على سواد عينك جزءاً من الدنيا لا ترى شيئاً فكيف إذا وضعت على السويداء كل الدنيا كيف ترى بقلبك شيئاً.\r__________\r(1) الطرق الحكيمة في السياسة الشرعية صـ33.","part":1,"page":275},{"id":274,"text":"* عن الشعبي كنت عند الحجاج فأتى بيحيى بن يعمر فقيه خراسان من بلخ مكبلاً بالحديد فقال له الحجاج أنت زعمت أن الحسن والحسين من ذرية رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال : نعم.. فقال الحجاج لتأنيبي بها واضحة بينة من كتاب الله أو لأقطعنك عضواً عضواً فقال آتيك بها واضحة بينة من كتاب الله يا حجاج.. قال : فتعجبت من جرأته بقوله يا حجاج فقال ولا تأتني بهذه الآية \" ندع أبناءنا وأبناءكم \" [آل عمران : 61] فقال : أتيك بها واضحة من كتاب الله هو قوله : \" ونوحا هدينا من قبل ومن ذريته داود وسليمان \" [الأنعام : 84] إلى قوله : \" وزكريا ويحي وعيسى \" فمن كان أبو عيسى وقد ألحق بذرية نوح ؟ قال فأطرق ملياً ثم رفع رأسه فقال : كأني لم أقرأ هذه الآية من كتاب الله حلوا وثاقه وأعطوه من المال كذا(1)\r__________\r(1) التفسير الكبير جـ2 صـ411 ، 412 بتصرف يسير.","part":1,"page":276},{"id":275,"text":"لص فقيه مناظر\rقال أحمد بن المعدل البصري قال : كنت جالساً عند عبد الملك بن عبد العزيز الماجشون.. فجأءه بعض جلسائه فقال : أعجوبة.. قال ما هي ؟ قال : خرجت إلى حائطي بالغابة فلما أن أصحرت وبعدت عن البيوت - بيوت المدينة - تعرض لي رجل.. فقال اخلع ثيابك فقلت وما يدعوني إلى خلع ثيابي.. قال أنا أولى بها منك.. قلت : ومن أين ؟ قال : لأني أخوك وأنا عريان وأنت مكس و.. قلت : فالمواساة ، قال : كلا قد لبستها برهة وأنا أريد أن ألبسها كما لبستها.. قلت فتعريني وتبدي عورتي.. قال لا بأس بذلك قد روينا عن مالك أنه قال لا بأس للرجل أن يغتسل عرياناً قلت فيلقاني الناس فيرون عورتي ؟ قال لو كان الناس يرونك في هذه الطريق ما عرضت لك فيها.. فقلت أراك ظريفاً فدعني حتى أمضي إلى حائط وأنزع هذه الثياب.. فأوجه بها إليك قال كلا أردت أن توجه إلى أربعة من عبيدك فيحملوني إلى السلطان فيحبسني ويمزق جلدي ويطرح في رجلي القيد.. قلت : كلا أحلف لك إيماناً أني أوفى لك بما وعدتك ولا أسوءك.. قال : كلا إنا روينا عن مالك أنه قال : لا تلزم الأيمان التي يحلف بها اللصوص.. قلت : فأحلف أني لا أحتال في أيماني هذه.. قال : هذه يمين مركبة على أيمان اللصوص.. قلت : فدع المناظرة بيننا فوالله لأوجهن إليك هذه الثياب طيبة بها نفسي فأطرق ثم رفع رأسه وقال : تدري فيم فكرت ؟ قلت : لا.. قال : تصفحت أمر اللصوص من عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى وقتنا هذا فلم أجد لصاً أخذ نسيئة وأكره أن أبتدع في الإسلام بدعة يكون على وزرها ووزر من عمل بها بعدي إلى يوم القيامة اخلع ثيابك.. قال فخلعها ودفعها إليه فأخذها وانصرف(1).\r* هجا الفرزدق واحدا فقال : -\r…لقد ضاع شعري على بابكم ……كما ضاع در على خالصة\r__________\r(1) الأذكياء لابن الجوزي صـ237 ، 238.","part":1,"page":277},{"id":276,"text":"وكانت خالصة معشوقة سليمان بن عبد الملك وكانت ظريفة صاحبة أدب وكانت هيبة سليمان بن عبد الملك تفوق هيبة المروانيين فلما بلغها هذا البيت شق عليها فدخلت على سليمان وشكت الفرزدق فأمر سليمان بإشخاص الفرزدق على أفظع الوجوه مكبلاً مقيداً فلما حضر وما كان به من الرمق إلا مقدار ما يقيمه على الرجل من شدة الهيبة فقال له سليمان بن عبد الملك : أنت القائل : -\r…لقد ضاع شعري على بابكم ……كما ضاع در على خالصة\rفقال ما قلته هكذا وإنما غيره على من أراد بي مكروهاً وإنما قلت : وخالصة من وراء الستر تسمع\rلقد ضاء شعرى على بابكم ……كما ضاء در على خالصة\rفسرى عن خالصة فلم تملك نفسها أن خرجت من الستر فالقت على الفرزدق ما كان عليها من الحلي وهو زيادة على ألف ألف درهم فأتبعه سليمان بن عبد الملك حاجبه لما خرج من عنده حتى اشترى الحلي من الفرزدق بمائة ألف ورده على خالصة.\r* دخل الغضبان على الحجاج بعدما قال لعدوه عبد الرحمن بن محمد بن الأشعث تغد بالحجاج قبل أن يتعشى بك فقال له ما جواب السلام عليك ؟ فقال وعليك السلام ثم فطن الحجاج وقال : قاتلك الله يا غضبان.. أخذت لنفسك أمانا بردي عليك أما والله لولا الوفاء والكرم لما شربت الماء البارد بعد ساعتك هذه.. فانظر إلى فائدة العلم في هذه الصورة فلله در العلم ومن به تردى وتعساً للجهل ومن في أوديته تردى.","part":1,"page":278},{"id":277,"text":"* دخل اللصوص على رجل فأخذوا متاعه واستحلفوه بالطلاق ثلاثاً أن لا يعلم أحداً فأصبح الرجل وهو يرى اللصوص يبيعون متاعه وليس يقدر أن يتكلم من أجل يمينه فجاء الرجل يشاور أبا حنيفة فقال : أحضر لي إمام مسجدك وأهل محلتك فأحضرهم إياه.. فقال لهم أبو حنيفة : هل تحبون أن يرد الله على هذا متاعه ؟ قالوا نعم : قال : فاجمعوا كلاً منهم وأدخلوهم في دار ثم أخرجوهم واحداً واحداً وقولوا أهذا لصك ؟ فإن كان ليس بلصه قال : لا وإن كان لصه فليسكت ، وإذا سكت فاقبضوا عليه ففعلوا ما أمرهم به أبو حنيفة.. فرد الله عليه جميع ما سرق منه(1).\r\" قال يا آدم أنبئهم بأسمائهم \" الآية\rقال الفخر الرازي : قوله \" وأعلم ما تبدون وما كنتم تكتمون \" ففيه وجوه أحدها : أن قوله \" وأعلم ما تبدون \" أراد به قولهم \" أتجعل فيها من يفسد فيها وقوله \" وما كنتم تكتمون \" أراد به ما أسر إبليس في نفسه من الكبر وأن لا يسجد.\rوثانيها : \" إني أعلم ما لا تعلمون \" من الأمور الغائبة والأسرار الخفية التي يظن في الظاهر أنه لا مصلحة فيها ، ولكني لعلمي بالأسرار المغيبة أعلم أن المصلحة في خلقها.\rوثالثها : أنه تعالى لما خلق آدم رأت الملائكة خلقاً عجيباً فقالوا : ليكن ما شاء فلن يخلق ربنا خلقاً إلا كنا أكرم عليه منه(2) فهذا الذي كتموا ويجوز أن يكون هذا القول سراً أسروه بينهم فأبداه بعضهم لبعض وأسروه عن غيرهم فكان في هذا الفعل الواحد إبداء وكتمان(3).\r__________\r(1) تفسير الرازي جـ2 صـ411 : 414\r(2) هذا الخبر يحتاج إلى نقل صحيح وقد سبق الرد على مثله فلا داعي للتكرار وقد ذكر هذا الخبر كثير من المفسرين دون رد أو تعليق ومنهم ابن عطية والبغوي والخازن والقرطبي وابن كثير وأبو السعود وغيرهم ولم يعلق عليه إلا الطبري ـ رحمه الله ـ.\r(3) التفسير الكبير جـ2 صـ425 : 426.","part":1,"page":279},{"id":278,"text":"وقال ابن عطية : قوله تعالى \" أعلم غيب السماوات والأرض \" معناه ما غاب عنكم لأن الله لا غيب عنده من معلوماته.\rواختلف المفسرون في قوله تعالى : \" ما تبدون وما كنتم تكتمون \"\rفقالت طائفة : ذلك على معنى العموم في معرفة أسرارهم وظهورهم وبواطنهم أجمع (1) ، وقيل ما أبدوه بدارهم بالسجود لآدم (2).\r\" قال يا آدم أنبئهم بأسمائهم \"\rقال القشيري(3) رحمه الله -\rمن آثار العناية بآدم - عليه السلام - أنه لما قال للملائكة \" أنبئوني \" داخلهم من هيبة الخطاب ما أخذهم عنهم لا سيما حين طالبهم بإنبائهم إياه ما لم تحط به علومهم ولما كان حديث آدم - عليه السلام - رده في الإنباء إليهم فقال : \" أنبئهم بأسمائهم ومخاطبة آدم عليه السلام - الملائكة لم يوجب له الاستغراق في الهيبة فلما أخبرهم آدم - عليه السلام - بأسماء ما تقاصرت عنها علومهم ظهرت فضلته عليهم فقال \" الم اقل لكم إني أعلم غيب السماوات والأرض \" يعني ما تقاصرت عنه علوم الخلق وأعلم ما تبدون ما الطاعات وتكتمون من اعتقاد الخيرية على آدم - عليه السلام -\r__________\r(1) هذا قول وجيه وقد رجح مثله ابن جرير رحمه الله بقوله \" وأولي الأقوال في ذلك قول ابن عباس وهو أن معنى قوله تعالى \" وأعلم ما تبدون \" وأعلم مع علمي غيب السماوات والأرض وما تظهرونه بألسنتكم وما كنتم تخفون في أنفسكم فلا يخفى على شيء سواء عندي سرائركم وعلانيتكم \" تفسير الطبري جـ1 صـ223 وهو كما ترى يرجح أن المراد من الآية العموم والله أعلم.\r(2) المحرر الوجيز جـ1 صـ123.\r(3) لطائف الإرشادات جـ1 صـ78.","part":1,"page":280},{"id":279,"text":"\" فصل \" ولما أراد الحق سبحانه وتعالى أن ينجي آدم عصمه وعلمه وأظهر عليه آثار الرعاية حتى أخبر بما أخبر به ، وحين أراد إمضاء حكمه فيه أدخل عليه النسيان حتى نسي في الحضرة عهده وجاوز حده فقال الله تعالى \" ولقد عهدنا إلى آدم من قبل فنسي ولم نجد له عزماً \" [طه : 110] فالوقت الذي ساعدته العناية تقدم على الجملة بالعلم والإحسان والوقت الذي أمضى عليه الحكم رده إلى حال النسيان والعصيان كذا أحكام الحق سبحانه فيما تجري وتمضي ذل بحكمه العبيد وهو فعال لما يريد.\rقوله تعالى \" قال ألم أقل لكم إني أعلم غيب السموات والأرض \"\rقال الإمام الرازي – رحمه الله –\rاعلم أن في هذه الآية خوفاً عظيماً وفرحاً عظيماً أما الخوف فلآنه تعالى لا يخفى عليه شيء من أحوال الضمائر فيجب أن يجتهد المرء في تصفية باطنه وأن يكون بحيث يترك المعصية لاطلاع الخلائق عليها ولا يتركها عند اطلاع الخالق عليها والأخبار مؤكدة لذلك.\rأحدها : روى عدي بن حاتم أنه عليه الصلاة والسلام قال : \" يؤتى بناس يوم القيامة فيؤمر بهم إلى الجنة حتى إذا دنوا منها ووجدوا رائحتها ونظروا إلى قصورها وإلى ما أعد الله لأهلها نودوا أن اصرفوهم عنها لا نصيب لهم فيها فيرجعون عنها بحسرة ما رجع أحد بمثلها ويقولون ربنا لو أدخلتنا النار قبل أن ترينا ما أريتنا من ثوابك وما أعددت فيها لأوليائك كان أهون علينا.. فنودوا ذاك أردت لكم كنتم إذا خلوتم بارزتموني بالعظائم وإذا لقيتم الناس لقيتموهم بالمحبة مخبتين تراؤن الناس بخلاف ما تضمرون عليه في قلوبكم هبتم الناس ولم تهابوني أجللتم الناس ولم تجلوني تركتم المعاصي للناس ولم تتركوها لأجلي كنت أهون الناظرين عليكم فاليوم أذيقكم أليم عذابي مع ما حرمتكم من النعيم.\rثانيها : قال سليمان بن علي لحميد الطويل : عظني قال : إن كنت إذا عصيت الله خالياً ظننت أنه يراك فلقد اجترأت على عظيم وإن كنت ظننت أنه لا يراك فلقد كفرت.","part":1,"page":281},{"id":280,"text":"وثالثها : قال حاتم الأصم طهر نفسك في ثلاثة أحوال : -\rإذا كنت عاملاً بالجوارح فاذكر نظر الله إليك\rوإذا كنت قائلاً فاذكر سمع الله إليك.\rوإذا كنت ساكتاً عاملاً بالضمير فاذكر علم الله بك.\rإذ هو يقول \" إنني معكما أسمع وأرى \" [طه : 46].\rورابعها : اعلم أنه لا اطلاع لأحد على أسرار حكمة الله تعالى.. فالملائكة وقع نظرهم على الفساد والقتل فاستحقروا البشر.. ووقع نظرهم على طاعة إبليس فاستعظموه أما علام الغيوب فإنه كان عالماً بأنهم وإن أتوا بالفساد والقتل لكنهم سيأتون بعده بقولهم \" ربنا ظلمنا أنفسنا \" [الأعراف : 23] وأن إبليس وإن أتى بالطاعات لكنه سيأتي بعدها يقوله \" أنا خير منه \" ومن شأن العقل أن لا يعتمد على ما يراه وأن يكون أبداً في الخوف والوجل فقوله تعالى \" إني أعلم غيب السموات \" معناه أنا الذي أعرف الظاهر والباطن والواقع والمتوقع وأعلم أن ماترونه عابداً مطيعاً سيكفر ويبعد عن حضرتي ، ومن ترونه فاسقاً بعيداً سيقرب من خدمتي فالخلق لا يمكنهم أن يخرجوا عن حجاب الجهل ولا يتيسر لهم أن يخرقوا أستار العجز فإنهم لا يحيطون بشيء من علمه.. ثم إنه سبحانه حقق من علم الغيب وعجز الملائكة أن أظهر من البشر كمال العبودية ومن أشد ساكني السموات عبادة كمال الكفر لئلا يغتر أحد بعمله ويفوضوا معرفة الأشياء إلى حكمة الخالق ويزيلوا الاعتراض بالقلب واللسان عن مصنوعاته ومبدعاته(1).\rفائدة الستر على قسمين : ستر عن المعصية وستر فيها. فالعامة يطلبون من الله تعالى الستر فيها خشية سقوط مرتبتهم عند الخلق والخاصة يطلبون من الله الستر عنها خشية سقوطهم من نظر الملك الحق\r__________\r(1) التفسير الكبير جـ2 صـ426 ، 427.","part":1,"page":282},{"id":281,"text":"يعني : أن العامة يطلبون الستر في المعصية خوف اطلاع الناس عليهم فهم {يَسْتَخْفُونَ مِنْ النَّاسِ وَلَا يَسْتَخْفُونَ مِنْ اللَّهِ وَهُوَ مَعَهُمْ} [النساء 108]. قال ابن عباس في قوله تعالى : {يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ} غافر( 19). هو الرجل يكون في القوم فتمر به المرأة فيريهم أنه يغض بصره عنها فإذا رأى من القوم غفلة\rلحظ إليها. وهذا شأن المرائين الذين يستخفون بنظر الجبار ويهابون الناس أن يطلعوا عليهم فيما يرتكبونه من الأوزار. وأما الخاصة فهم يطلبون من الله الستر عنها بأن يجعل بينهم وبينها حاجباً حتى لا تخطر بقلوبهم خشية سقوطهم من نظر الملك الحق. وإلى هذا المعنى أشار أبو الحسن الشاذلي في دعائه بقوله : اللهم إنا نسألك التوبة ودوامها ونعوذ بك من المعصية وأسبابها وذكرنا بالخوف منك قبل هجوم خطراتها واحملنا على النجاة منها ومن التفكر في طرائقها\r( 134) من أكرمك فإنما أكرم فيك جميل ستره فالحمد لمن سترك ليس الحمد لمن أكرمك وشكرك\rأي من أكرمك من العباد بعطاء أو محبة فإنما أكرم فيك جميل ستره تعالى أي ستره الجميل عليك فإنه لولا جميل ستره ما نظروا بعين الرضا إليك بل لو نظروا إلى ما فيك من العيوب لاستقذروك ونفروا منك وطرحوك. فلا تعبثك رؤية إكرام الخلق لك لجهلهم بعيبك على حمدهم على ذلك دون حمد ربك فتضع الحمد في غير موضعه فإن الحمد لا ينبغي أن يكون إلا لمن سترك ليس الحمد لمن أكرمك وشكرك. وإنما تحمده من حيث إجراء الخير على يديه فقط لا من حيث إنه المكرم الحقيقي إذ ليس ذلك إلا الله. قال تعالى : {وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنْ اللَّهِ} النحل (53)\rأهـ [شرح الحكم العطائية ص104 ].","part":1,"page":283},{"id":282,"text":"قوله تعالى [وإذ قلنا للملائكة اسجدوا لآدم فسجدوا... الآية ]\rقال صاحب الكشاف (1) : \rالسجود لله تعالى على سبيل العبادة, ولغيره على سبيل التكرمة, كما سجدت الملائكة لآدم, وأبو يوسف وإخوته له. ويجوز أن تختلف الأحوال والأوقات فيه. أهـ.\rوقال الإمام الفخر(2) : \rأجمع المسلمون على أن السجود ليس سجود عباده , لأن سجود العبادة لغير الله كفر, والأمر لا يرد بالكفر.\rوقال الخازن (3) : ما نصه : \rقيل : هذا الخطاب كان مع الملائكة الذين كانوا سكان الأرض, والأصح أنه خطاب مع جميع الملائكة بدليل قوله [فسجد الملائكة كلهم أجمعون إلا....] (الحجر : 30 : 31 )\r[فسجدوا] يعني الملائكة وفي هذا السجود قولان : أصحهما : أنه كان لآدم على الحقيقة, ولم يكن فيه وضع الجبهة على الأرض, وإنما هو الانحناء وكان سجود تحية وتعظيم لا سجود عباده, كسجود إخوة يوسف له في قوله [وخروا له سجداً] (يوسف : 100 )\rفلما جاء الإسلام أبطل ذلك بالسلام, وفي سجود الملائكة لآدم معنى الطاعة لله تعالى, والامتثال لأمره.\rوالقول الثاني : أن آدم كان كالقبلة, وكان السجود لله تعالى, كما جعلت الكعبة قبلة للصلاة, والصلاة لله تعالى, وفي هذه الآية دليل لمذهب أهل السنة في تفضيل الأنبياء على الملائكة. أهـ.\rوقال القاسمي(4) : \rاخلتفوا في الملائكة الذين أمروا بالسجود, فقيل : هم الذين كانوا مع إبليس في الأرض.\rقال تقي الدين ابن تيمية : \rهذا القول ليس من أقوال المسلمين واليهود والنصارى, وقيل : هم جميع الملائكة حتى جبريل وميكائيل, وهذا قول العامة من أهل العلم بالكتاب والسنة.\r__________\r(1) - الكشاف حـ1 - صـ130\r(2) - التفسير الكبير حـ2 - صـ427\r(3) - تفسير الخازن حـ1 - صـ41\r(4) تفسير القاسمي حـ3 - صـ319 - صـ320","part":1,"page":284},{"id":283,"text":"قال ابن تيمية (1) : ومن قال خلافه فقد رد القرآن بالكذب والبهتان, لأنه سبحانه قال [فسجد الملائكة كلهم أجمعون] (الحجر : 30) وهذا تأكيد للعموم.\rوقال ابن عطية (2) : \rوحكى النقاش عن مقاتل \" أن الله إنما أمر الملائكة بالسجود لآدم قبل أن يخلقه, قال : والقرآن يرد على هذا القول.\rوقال قوم : سجود الملائكة كان مرتين, والإجماع يرد هذا. أهـ.\rوقال أبو السعود(3) : \rوالالتفات إلى التكلم لإظهار الجلالة, وتربية المهابة مع ما فيه من تأكيد الاستقلال, وكذا إظهار الملائكة في موضع الإضمار. أهـ.\r[ إلا إبليس أبى واستكبر ]\rقال ابن عطية(4) : \rوقوله تعالى : [إلا إبليس] نصب على الاستثناء المتصل, لأنه من الملائكة على قول الجمهور, وهو ظاهر الآية, وكان خازناً ومالكاً على سماء الدنيا والأرض واسمه عزازيل, قال ابن عباس, وقيل : هو أبو الجن كما أن آدم أبو البشر ولم يكن قط ملكاً, وقيل كان اسمه عزازيل. وقيل : كان من الجن الذين كانوا في الأرض وقاتلتهم الملائكة فسبوه صغيراً (5), وتعبد وخوطب معها, وحكاه الطبري عن ابن مسعود, والاستثناء على هذه الأقوال منقطع, واحتج بعض أصحاب هذا القول بأن الله تعالى قال صفة الملائكة [لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون] (التحريم : 6 )\rورجح الطبري قول من قال : \"إن إبليس كان من الملائكة, وقال : ليس في خلقه من نار ولا في تركيب الشهوة والنسل فيه حين غضب عليه ما يدفع أنه كان من الملائكة.\r__________\r(1) - مجموع الفتاوي حـ4 – صـ346\r(2) - المحرر الوجيز حـ1 – صـ124\r(3) - تفسير أبي السعود حـ1 – صـ87\r(4) - المحرر الوجيز حـ1 – صـ124 – 125 – بتصرف يسير\r(5) - هذا الكلام يفتقر إلى سند صحيح","part":1,"page":285},{"id":284,"text":"وقوله عز وجل : [كان من الجن ففسق عن أمر ربه] (الكهف : 50) يتخرج على أنه عمل عملهم فكان منهم في هذا, أو على أن الملائكة قد تسمى جناً لاستتارها قال تعالى [وجعلوا بينه وبين الجنة نسباً] (الصافات 158) (1)أ.هـ\rوقال صاحب الكشاف(2) : \r[ إلا إبليس] استثناء متصل, لأنه كان جنياً واحداً بين أظهر الألوف من الملائكة مغموراً بهم, فغلبوا عليه في قوله [فسجدوا] ثم استثنى منهم استثناء واحد منهم, ويجوز أن يجعل منقطعاً.\rقال القاسمي ما نصه : \rقال ابن القيم : الصواب التفصيل في هذه المسألة, وأن القولين في الحقيقة قول واحد, فإن إبليس كان من الملائكة بصورته وليس منهم بمادته وأصله. كان أصله من نار, وأصل الملائكة من نور, فالنافي كونه من الملائكة والمتثبت, لم يتواردا على محل واحد. أهـ.\rوذكر الطبرسي أدلة من قال إن إبليس لم يكن من جنس الملائكة, فقال : أحدها : قوله تعالى : [إلا إبليس كان من الجن] (الكهف : 50) ومن أطلق لفظ الجن لم يجز أن يعنى به إلا الجن المعروف, وكل ما في القرآن من ذكر الجن مع الإنس يدل عليه.\rثانيها : قوله تعالى : [لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون] (التحريم : 6) فنفى المعصية عنهم نفياً عاماً.\rوثالثها : أن إبليس له نسل وذرية قال الله تعالى [أفتتخذونه وذريته أولياء من دوني وهم لكم عد و] (الكهف : 50)\r__________\r(1) - ظاهر القرآن يدل على أن إبليس كان معهم ولم يكن منهم ، وما ذكر من أدلة كاف ، وأما أصحاب الرأي الآخر فقد تأولوا قوله تعالى \" إلا إبليس كان من الجن \" بأن الجن يطلق أيضاً على الملائكة ، ولكن على هذا التأويل كيف يستقيم النظم \" وإذ قلنا للملائكة اسجدوا لآدم فسجدوا إلا إبليس كان من [الملائكة] هذا تكلف ظاهر.\r(2) - الكشاف حـ1 – صـ131","part":1,"page":286},{"id":285,"text":"ورابعها : قوله تعالى : [ جاعل الملائكة رسلاً] (فاطر : 1) ولا يجوز على رسل الله الكفر ولا الفسق, ولو جاز عليهم الفسق لجاز عليهم الكذب, وقالوا إن استثناء الله إياه منهم لا يدل على كونه من جملتهم, وإنما استثناه منهم, لأنه كان مأموراً بالسجود معهم, فلما دخل معهم في الأمر جاز إخراجه بالاستثناء منهم, وقيل أيضاً إن الاستثناء هنا منقطع كقوله تعالى [مالهم به من علم إلا اتباع الظن] (النساء : 157) أهـ.\r\" أبى واستكبر \"\rقال فى الفتوحات الإلهية في قوله [أبى واستكبر] :\rقوله [تكبر] أفاد به أن السين للمبالغة لا للطلب, وإنما قدم الإباء عليه وإن كان متأخراً عنه في الترتيب, لأنه من الافعال الظاهرة بخلاف الاستكبار فإنه من أفعال القلوب, واقتصر في سورة (ص) على ذكر الاستكبار اكتفاء به, وفي سورة (الحجر) على ذكر الإباء حيث قال [أبى أن يكون مع الساجدين] (الحجر 31) أهـ.\rوقال ابن عطية [أبى] معناه امتنع من فعل ما أمر به, [واستكبر] دخل في الكبرياء والإباية مقدمة على الاستكبار في ظهورهما عليه, والاستكبار والأنفة مقدمة في معتقده. أهـ.\rوقال القرطبي ما نصه في قوله [أبى واستكبر ]\rقال ابن عباس : كان إبليس - لعنه الله - يرى لنفسه أن له فضيلة على الملائكة بما عنده, فلذلك قال الله تعلى إخباراً عنه [أنا خير منه] (ص : 76) ولذلك قال الله عز وجل [ما منعك أن تسجد لما خلقت بيدي أستكبرت أم كنت من العالين] (ص : 75) أي : استكبرت ولا كبر لك, ولم أتكبر أنا حين خلقته بيدي, والكبر لي, فلذلك قال : [وكان من الكافرين ]\r\" وكان من الكافرين\"\rواختلف هل كان قبل إبليس كافر, أو لا ؟","part":1,"page":287},{"id":286,"text":"فقيل : لا وإن إبليس أول من كفر, وقيل : كان قبله قوم كفار وهم الجن وهم الذين كانوا في الأرض, واختلف أيضاً هل كفر إبليس جهلاً أو عناداً على قولين بين أهل السنة, ولا خلاف أنه كان عالماً بالله تعالى قبل كفره, فمن قال : أنه كفر جهلاً قال : إنه سلب العلم عند كفره, ومن قال : كفر عناداً قال : كفر ومعه علمه.\rقال ابن عطية, والكفر عناداً مع بقاء العلم مستبعد إلا أنه عندي جائز لا يستحيل مع خذل الله لمن يشاء (1)أهـ.\rوقيل [وكان من الكافرين] أي : قبل هذا التكبر, وأورد عليه أنه كان قبله عابداً طائعاً, وأجاب عنه الشارح بقوله : في علم الله يعني : أن علم الله الأزلي تعلق بأنه يكفر فيما لا يزال بسبب هذا التكبر(2). أهـ\rوفي ابن كثير (3) : أي : وصار من الكافرين, بسبب امتناعه, كما قال [فكان من المغرقين] (هود : 43) وقال [فتكونا من الظالمين] (الأعراف : 19) وقال ابن جزي : [وكان من الكافرين] قيل : كفر بإبايته من السجود, وذلك بناء على أن المعصية كفر(4), والأظهر أنه كفر باعتراضه على الله وتسفيهه له في أمره بالسجود لآدم, وليس كفره كفر جحود, لاعترافه بالربوبية(5). أهـ.\rوقال ابن عجيبة : {وكان} من جملة {الْكَافِرِينَ }. وكفره باعتراضه على الله وتسفيه حكمه ، لا بامتناعه ؛ إذ مجرد المعصية لا تكفر. والله تعالى أعلم. أهـ [البحر المديد حـ1 صـ72 ]\r[ وإذ قلنا للملائكة اسجدوا لآدم...] الآية\rقال الإمام القرطبي(6) - رحمه الله -\r\" فإن قيل : فإذا لم يكن آدم أفضل من الملائكة, فما الحكمة في الأمر بالسجود له ؟ \r__________\r(1) - تفسير القرطبي حـ1 - صـ210\r(2) - الفتوحات الإلهية حـ1 - صـ66 - بتصرف يسير\r(3) - تفسير ابن كثير حـ1 - صـ101\r(4) - وهذا رأي الخوارج\r(5) - التسهيل حـ1 - صـ44\r(6) - تفسير القرطبي حـ1 صـ202- بتصرف يسير","part":1,"page":288},{"id":287,"text":"الجواب : قيل له : إن الملائكة لما استعظموا بتسبيحهم , وتقديسهم أمرهم بالسجود لغيره, ليريهم استغناءه عنهم وعن عبادتهم.\rوقال بعضهم : عيروا آدم واستصغروه, ولم يعرفوا خصائص الصنع به فأمرهم بالسجود له تكريماً.\rويحتمل أن يكون الله تعالى أمرهم بالسجود له معاقبة لهم, وكان على قولهم [أتجعل فيها من يفسد فيها] لما قال لهم [إني جاعل في الأرض خليفة] وكان علم منهم أنه إن خاطبهم أنهم قائلون هذا فقال لهم [إني خالق بشراً من طين] (ص : 71 ), وجاعله خليفة, فإذا نفخت فيه من روحي فقعوا له ساجدين, والمعنى ليكون ذلك عقوبة لكم في ذلك الوقت على ما أنتم قائلون لي الآن(1). أهـ.\rقال الإمام القشيري - رحمه الله - ما نصه :\rالسجود لا يكون عبادة لعينه ولكن لموافقة أمره سبحانه, فكان سجودهم لآدم عبادة لله, لأنه كان بأمره, وتعظيماً لآدم لأنه أمرهم به تشريفاً لشأنه, فكأن ذلك النوع خضوع له ولكن لا يسمى عبادة, لأن حقيقة العبادة نهاية الخضوع وذلك لا يصح لغيره سبحانه.\rويقال بين أن تقدسه - سبحانه - بجلاله لا بأفعالهم, وأن التجمل بتقديسهم وتسبيحهم عائد إليهم فهو الذي يجل من أجله بإجلاله لا بأفعالهم, ويعز من أعز قدره سبحانه بإعزاره. جل عن إجلال الخلق قدره, وعز عن إعزاز الخلق ذكره.\r__________\r(1) - هذا الكلام يتضمن اتهاما صريحا للملائكة الذين شهد الله لهم بالعصمة في كثير من آيات الكتاب العزيز ، ويبدوا أن هذه الأقاويل وتلك الأساطير مأخوذة عن الزنادقة الذين دخلوا الإسلام ليضربوه من الداخل ويبثوا في التفسير ما يستطيعون من أخبار وأكاذيب أهل الكتاب فلا يعول على مثل هذا الكلام الساذج السخيف ومثله لا يخفى على ذوى البصائر أهـ.","part":1,"page":289},{"id":288,"text":"قوله تعالى : [فسجدوا إلا إبليس] أبى بقلبه, واستكبر عن السجود بنفسه, وكان من الكافرين في سابق حكمه وعلمه. ولقد كان إبليس مدة في دلال طاعته يختال في صدار موافقتهم سلموا له رتبة التقدم, واعتقدوا فيه استحقاق التخصيص, فصار أمره كما قيل : \rوكان سراج الواصل أزهر بيننا فهبت به ريح من البين فانطفأ\rكان يحب لنفسه استيجاب الخيرية, ويحسب استحقاق الزلفة والخصوصية : \rفبات بخير والدنى مطمئنة… وأصبح يوماً والزمان تقلباً\rفلا سالف طاعة نفعه, ولا آنف رجعة رفعه, ولا شفاعة شفيع أدركته, ولا سابق عناية أمسكته. ومن غلبه القضاء لا ينفعه العناء.\rولقد حصلت من آدم هفوة بشرية, فتداركته رحمة أحدية, وأما إبليس فأدركته شقوة أزلية, وغلبته قسمة وقضية. خاب رجاؤه, وضل عناؤه(1).\r________________________________________________\r\" وقفة مع الإمام القرطبي\"\r\" هل الأنبياء أفضل أو الملائكة ؟ \"\rهذه مسألة تندرج تحت قول الله تعالى [وإذ قلنا للملائكة اسجدوا لآدم فسجدوا إلا إبليس أبى واستكبر.]\rوقد قال الإمام - رحمه الله - ما نصه : \r\"فقد استدل ابن عباس على فضل البشر, بأن الله تعالى أقسم بحياة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال [لعمرك إنهم لفي سكرتهم يعمهون] (الحجر : 72) وأمنه من العذاب بقوله [ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر] (الفتح : 2) وقال للملائكة [ومن يقل منهم إني إله من دونه فذلك نجزيه جهنم ]\r( الأنبياء : 29) قيل : إنما لم يقسم بحياة الملائكة, كما لم يقسم بحياة نفسه سبحانه, فلم يقل لعمري, وأقسم بالسماء والأرض, ولم يدل على أنها أرفع قدراً من العرش والجنان السبع, وأقسم بالتين والزيتون, وأما قوله سبحانه [ومن يقل منهم إني إله من دونه] فهو نظير قوله لنبيه عليه السلام [لئن أشركت ليحبطن عملك ولتكونن من الخاسرين] (الزمر : 65 )\r__________\r(1) - لطائف الإشارات حـ1 - صـ79","part":1,"page":290},{"id":289,"text":"فليس فيه إذاً دلالة – والله أعلم – انتهى كلامه.\r________________________________________________\r\"تعليق \"\rمن خلال هذه الأجوبة يتبين أن الإمام القرطبي يميل إلى أن الملائكة أفضل من البشر, ولكن يؤخذ عليه أنه قد بالغ في الرد, وكان بوسعه أن يرد هذه الأدلة من دون أن يصطدم مع أصول وثوابت أجمعت عليها الأمة سلفاً وخلفاً, سنة وشيعة – وهو أن النبي – صلى الله عليه وسلم – أفضل المخلوقات العلوية والسفلية وقد أعطاه الله تعالى هبات ومزايا ما نالها غيره حيث جعل الله طاعة رسوله صلى الله عليه وسلم طاعة لله وبيعته بيعة لله ورضاه في رضا الله فقال تعالى \" من يطع الرسول فقد اطاع الله : [النساء : 80] وقال [إن الذين يبايعونك إنما يبايعون الله] [الفتح : 10] وقال والله ورسوله أحق أن يرضوه] [التوبة : 62] وقال له في أحد القبلة [فلنولينك قبلة ترضاها] [البقرة : 144] ولم يقل نرضاها وقال له [ولسوف يعطيك ربك فترضى] [الضحى : 5] وتأمل يرحمك الله – عندما تكلم القرآن عن جبريل عليه السلام – وهو أفضل الملائكة بالإجماع – اقسم الله تعالى بهذه الأشياء فقال [فلا اقسم بالخنس الجوار الكنس والليل إذا عسعس والصبح إذا تنفس إنه لقول رسول كريم] والمراد به هنا جبريل عليه السلام – وانظر – أكرمك الله ومتعك بتذوق آياته وآلائه عندما أراد القرآن أن يدفع عن رسول الله صلى الله عليه وسلم – افتراء المشركين في قولهم عنه إنه ساحر أو كاهن ، وانظر بأي شيء أقسم رب العزة لتبرئة حبيبه ومصفاه قال [فلا أقسم بما تبصرون وما لا تبصرون إنه لقول رسول كريم] والمراد بالرسول الكريم هنا رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد قال سادتنا المفسرون في هذه الآية الكريمة لقد أقسم الله تعالى بكل شيء بالليل والنهار بالدنيا والآخرة بالملك والملكوت بالخلق والخالق لتبرئة رسوله صلى الله عليه وسلم.","part":1,"page":291},{"id":290,"text":"وأيضا لا ينبغي لعاقل أن ينسى ما حدث ليلة الإسراء والمعراج وخصوصاً عند سدرة المنتهى وإلى أي مكان وصل الحبيب الشفيع ـ صلى الله عليه وسلم ـ يتبين لك ما خص الله به حبيبه ومحتباه بأبي وأمي هو صلى الله عليه وسلم.\rواستمع إلى ما ذكره الإمام القيم ابن القيم رحمه الله حيث ذكره فائدة في غاية الحسن في كتابه النفيس بدائع الفوائد - فقال :\r\"فائدة\"\rهل حجرة النبي - صلى الله عليه وسلم - أفضل أم الكعبة ؟\rقال ابن عقيل : سألني سائل : أيهما أفضل حجرة النبي - صلى الله عليه وسلم - أو الكعبة ، فقلت : إن أردت مجرد الحجرة ، فالكعبة أفضل ، وإن أردت وهو فيها ، فلا والله ، ولا العرش وحملته ، ولا جنة عدن ، ولا الأفلاك الدائرة ، لأن بالحجرة جسداً لو وزن بالكونين لرجح. أهـ\rبدائع الفوائد جـ3 ص637 طـ. دار الحديث القاهرة.\rوقد ذكر الإمام فخر الدين الرازي- رحمه الله- جـ2 ص445. أن جبريل -عليه السلام- أخذ بركاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حين أركبه على البراق ليلة المعراج ، وكذلك لما وصل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى بعض المقامات تخلف عنه جبريل - عليه السلام- وقال : \" لو دنوت أنملة لأحترقت \" أهـ\rوهذا الخبر يحتاج إلى سند صحيح. ومقام الرسول - صلى الله عليه وسلم - فوق تصورنا فماذا يقال بعد أن خاطبه الله في القرآن بصيغة التعظيم في أكثر من موضع ، ليس هذا مجال ذكرها. وكان بوسع الإمام القرطبي أن يرد هذه الأدلة بأن هذا خاص برسول الله - صلى الله عليه وسلم - على أنه لا يفهم من هذا الكلام أننا نقول بأن الملائكة أفضل من الأنبياء أو من البشر فهذا أمر علمه عند ربي والله أعلم.\rلطيفة\rذكر الإمام الرازي- رحمه الله- من أدلة من يرى تفضيل الأنبياء والبشر على الملائكة ما ملخصه : قال تعالى [وإن عليكم لحافظين كراماً كاتبين] فالملائكة حافظون والبشر محفوظون ، والمحفوظ أفضل من الحافظ.","part":1,"page":292},{"id":291,"text":"وألطف من ذلك قوله : هذا ليس على الإطلاق بل قد يكون الحافظ أشرف من المحفوظ ، كالأمير الكبير الموكل على المتهمين من الجند. أهـ التفسير الكبير جـ2 ص 446 بتصرف يسير. والله أعلم وأحكم\rقوله تعالى [وقلنا يا آدم اسكن أنت وزوجك الجنة.....] الآية\rقال القرطبي [اسكن أنت وزوجك الجنة] [اسكن] تنبيه على الخروج, لأن السكنى لا تكون ملكاً , ولهذا قال بعض العارفين \" السكنى تكون إلى مدة ثم تنقطع, فدخولهما في الجنة كان دخول سكنى لا دخول إقامة (1) \"\rوقال القشيري(2) : وإنما نبه عاقبة دخول آدم الجنة من ارتكاب ما يوجب خروجه منها حين قال [إني جاعل في الأرض خليفة] فإذا أخبر أنه جاعل خليفة في الأرض كيف يمكن بقاؤه في الجنة ؟!!\r( سؤال) هل كان دخول آدم الجنة قبل خلق حواء أو أنهما دخلاها معاً ؟ \rقال الآلوسي(3) : وقال كثيرون ولعلي أقول بقولهم : إنها خلقت قبل الدخول ودخلا معاً, وظاهر الآية الكريمة يشير إليه, وإلا توجه الأمر إلى معدوم, وإن كان في علمه تعالى موجوداً, وأيضاً في تقديم [زوجك] نوع إشارة إليه, وفي المثل : الرفيق قبل الطريق, وأيضاً هي مسكن القلب, والجنة مسكن البدن ومن الحكمة تقديم الأول على الثاني. أهـ.\rوقال أبو السعود(4) : [اسكن أنت وزوجك الجنة] اسكن من السكنى وهو اللبث والإقامة والاستقرار دون السكون الذي هو ضد الحركة. أهـ.\r__________\r(1) - تفسير القرطبي حـ1 - صـ211\r(2) - لطائف الإشارات حـ1 - صـ80\r(3) - روح المعاني للآلوسي ح1 ـ صـ234\r(4) - تفسير أبي السعود حـ1 - صـ90\r(5) - درة التنزيل صـ7 ، 8","part":1,"page":293},{"id":292,"text":"قال الخطيب الإسكافي(5) - رحمه الله -\rقوله تعالى : [وقلنا يا آدم اسكن أنت وزوجك الجنة وكلا منها رغداً حيث شئتما ولا تقربا هذه الشجرة] (البقرة : 35) وقال في سورة الأعراف [يا آدم اسكن أنت وزوجك الجنة فكلا من حيث شئتما ولا تقربا هذه الشجرة] (الأعراف : 19) فعطف [كلا] على قوله [اسكن] بالفاء في هذه السورة, وعطفها عليه في سورة البقرة بالواو, والأصل في ذلك أن كل فعل عطف عليه ما يتعلق به تعلق الجواب بالابتداء , وكان الأول مع الثاني بمعنى الشرط والجزاء, فالأصل فيه عطف الثاني على الأول بالفاء دون الواو, كقوله تعالى : [وإذ قلنا ادخلوا هذه القرية فكلوا منها حيث شئتم رغداً] (البقرة : 58) فعطف [كلوا] على [ادخلوا] بالفاء, لما كان وجود الأكل منها متعلقاً بدخولها, فكأنه قال : إن دخلتموها أكلتم منها فالدخول موصل إلى الأكل, والأكل متعلق وجوده بوجوده : يبين ذلك قوله تعالى في مثل هذه الآية من سورة الأعراف : [ وإذ قيل لهم اسكنوا هذه القرية وكلوا منها حيث شئتم وقولوا حطة] (الأعراف : 161) فعطف [كلوا] على قوله : [اسكنوا] بالوا ودون الفاء, لأن [اسكنوا] من السكنى, وهي المقام مع طول لبث والأكل لا يختص وجوده بوجوده, لأن من يدخل بستاناً قد يأكل منه, وإن كان مجتازاً, فلما لم يتعلق الثاني بالأول تعلق الجواب بالإبتداء وجب العطف بالوا ودون الفاء, وعلى هذا قوله تعالى في الآية التي بدأت بذكرها : ","part":1,"page":294},{"id":293,"text":"[ وقلنا يا آدم اسكن أنت وزوجك الجنة وكلا] وبقى أن نبين المراد بالفاء في قوله تعالى : [فكلا من حيث شئتما] من سورة الأعراف مع عطفه على قوله : [اسكن] وهو أن السكن يقال لمن دخل مكاناً, ويراد به : الزم المكان الذي دخلته, ولا تنتقل عنه, ويقال أيضاً لمن لم يدخله اسكن هذا المكان يعني : ادخله واسكنه كما تقوله لمن تعرض عليه داراً ينزلها سكنى, فتقول : اسكن هذه الدار, واصنع ما شئت فيها من الصناعات, معناه : ادخلها ساكناً لها, فافعل فيها كذا وكذا, فعلى هذه الوجه قوله تعالى في سورة الأعراف :\r[ ويا آدم اسكن أنت وزوجك الجنة فكلا] بالفاء الحمل على هذا المعنى في هذه الآية أولى , لأنه عز من قائل لما قال لإبليس : [اخرج منها مذءوماً مدحوراً] (الأعراف : 18) فكأنه قال لآدم : [اسكن أنت وزوجك الجنة] فقال : [اسكن] يعني : ادخل ساكناً ليوافق الدخول الخروج, ويكون أحد الخطابين لهما قبل الدخول, والآخر بعده, مبالغة في الإعذار وتوكيداً للإنذار, وتحقيقاً لمعنى قوله عز وجل : [ ولا تقربا هذه الشجرة فتكونا من الظالمين]. أ.هـ.\r[ اسكن أنت وزوجك الجنة ]\rهل الجنة التي أسكنها آدم - عليه السلام - كانت سماوية أو أرضية ؟\rقال ابن جزي(1) : [اسكن أنت وزوجك الجنة]\rالجنة : هي جنة الخلد عند الجماعة, وعند أهل السنة, خلافاً لمن قال هي غيرها. ا.هـ.\rوقال ابن عطية(2) : وذهب من لم يجعلها جنة الخلد إلى أن من دخل جنة الخلد لا يخرج منها, وهذا لا يمتنع إلا أن السمع ورد أن من دخلها مثاباً لا يخرج منها, وأما من دخلها إبتداءًا كآدم فغير مستحيل, ولا ورد سمع بأنه لا يخرج منها. ا.هـ.\rوقال الإمام ابن القيم - في مفتاح دار السعادة جـ1 ص 28 بعدما ذكر أدلة الفريقين رد على أدلة من قال إنها جنة أرضية فقال ما ملخصه :\r__________\r(1) - التسهيل حـ1 - صـ44\r(2) - المحرر الوجيز حـ1 صـ126","part":1,"page":295},{"id":294,"text":"وأما قولكم إن إبليس كيف وسوس لآدم بعد إهباطه من الجنة, ومحال أن يصعد إليها بعد قوله تعالى : [اهبطا] فجوابه من وجوه : أحدها أن أخرج منها ومنع من دخولها على وجه السكنى والكرامة , واتخاذها داراً فمن أين لكم أنه منع من دخولها على وجه الابتلاء والامتحان لآدم وزوجه, ويكون هذا دخولاً عارضاً(1). وأجاب عن قولهم أن الجنة تطلق على البستان كما تطلق على جنة الخلد. فقال : وما إن أريد به جنة غيرها فإنها تجئ منكرة كقوله [جنتين من أعناب] (الكهف : 32) أو مقيدة بالإضافة كقوله [ولولا إذ دخلت جنتك] (الكهف : 39) أو مقيدة من السياق بما يدل على أنها في الأرض بما يدل على أنها جنة في الأرض كقوله [إنا بلوناهم كما بلونا أصحاب الجنة إذ أقسموا ليصرمنها مصبحين] (القلم : 17) فهذا السياق والتقييد يدل على أنها بستان في الأرض(2).أهـ.\r______________________________________________\rتعليق\rظاهر القرآن يدل على أنها جنة سماوية ، ويدل على ذلك كثير من الأدلة منها الدنيا لا تعرف جنة بهذه الأوصاف \" إن لك ألا تجوع فيها ولا تعرى وأنك لا تظمأ فيها ولا تضحى \".\rومنها قوله تعالى : \" فأخرجهما مما كانا فيه \" والمراد من ذلك التفخيم ، ولم يعبر عن ذلك بالجنة ، فلم يقل : فأخرجهما من الجنة ، بل قال \" مما كانا فيه \" فل وكانت جنة في الأرض أي دنيوية لما عظمها الله وأخبر عنها بما يدل على التعظيم والإجلال ، لأن الدنيا لا تزن عند الله جناح بعوضة ، فكم تزن الجنة الأرضية منها.\r__________\r(1) - عد والله إبليس لا يحتاج إلى دخول الجنة للوسوسة ، فهو كما صح يجري من ابن آدم مجرى الدم في العروق.\r(2) - مفتاح دار السعادة حـ1 – صـ27 – 28 – بتصرف يسير","part":1,"page":296},{"id":295,"text":"وأما ما قيل من أن جنة الخلد لا يخرج منها من دخلها \" وما هم منها بمخرجين \" : وما شابه ذلك ، فهذا كله مقيد بيوم المزيد إن شاء الله.بدليل أن النبى ـ صلى الله عليه وسلم ـ دخل الجنة ليلة المعراج ومع ذلك خرج منها وقد ورد فى البخارى [3674] قوله صلى الله عليه وسلم\r[ثم انطلق بي حتى انتهى بي إلى سدرة المنتهى وغشيها ألوان لا أدري ما هي ، ثم أدخلت الجنة فإذا فيها حبايل اللؤلؤ وإذا ترابها المسك]\rوأخرجه مسلم في [الإيمان باب الإسراء برسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ رقم 163] بلفظ{ثم أدخلت الجنة فإذا فيها جنابذ اللؤلؤ وإذا ترابها المسك}\rومن ذلك أيضا ما أخرجه مسلم من طريق مسروق قال سألنا عبد الله بن مسعود عن هذه الآية [ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتاً بل أحياء عند ربهم يرزقون] قال أما إنا قد سألنا عن ذلك فقال : أرواحهم في جوف طير خضر لها قناديل معلقة بالعرش تسرح من الجنة حيث شاءت ثم تأوى إلى تلك القناديل فأطلع إليهم ربهم إطلاعة فقال : هل تشتهون شيئاً قالوا أي شيء تشتهي ونحن نسرح من الجنة حيث شئنا ففعل ذلك بهم ثلاث مرات فلما رأوا أنهم لن يتركوا من أن يسألوا قالوا : يارب نريد أن ترد أرواحنا في أجسامنا حتى نقتل في سبيلك مرة أخرى فلما رأى أن ليس لهم حاجة تركوا. أهـ أخرجه مسلم برقم [1887].\rومن المعلوم أن الشهداء سيخرجون من الجنة يوم القيامة للعرض على الله وبهذا يتبين أن قوله تعالى عن أهل الجنة [وما هم منها بمخرجين] خاص بيوم القيامة والله أعلم.","part":1,"page":297},{"id":296,"text":"قال الإمام النووي رحمه الله – في شرح الحديث السابق ما نصه \" قوله صلى الله عليه وسلم في الشهداء أرواحهم في جوف طير خضر لها قناديل معلقة بالعرش تسرح من الجنة حيث شاءت ثم تأوى إلى تلك القناديل : فيه بيان أن الجنة مخلوقة قوماً وهو مذهب أهل السنة وهي التي أهبط منها آدم وهي التي ينعم فيها المؤمنون في الآخرة هذا إجماع أهل السنة وقالت المعتزلة وطائفة من المبتدعة أيضاً وغيرهم أنها ليست قوماً وغنما توجد بعد البعث في القيامة قالوا والتي أخرج منها آدم غيرها ، وظواهر القرآن والسنة تدل لمذهب أهل الحق [صحيح مسلم بشرح النووي حـ13 صـ 31 ط دار إحياء التراث العربي.والله أعلم بأسرار كتابه).\rقال القرطبي - رحمه الله - : \rقوله تعالى : [الجنة] الجنة : البستان, وقد تقدم القول فيها. ولا التفات لما ذهبت إليك المعتزلة والقدرية من أنه لم يكن في جنة الخلد وإنما كان في جنة بأرض عدن, واستدلوا على بدعتهم بأنها لو كانت جنة الخلد لما وصل إليها إبليس, فإن الله يقول [لا لغ وفيها ولا تأثيم] (الطور : 23) وقال : [لا يسمعون فيها لغواً ولا كذاباً] (النبأ : 35) وقال : [لا يسمعون فيها لغواً ولا تأثيماً إلا قيلاً سلاماً سلاماً] (الواقعة : 25-26 ). وأنه لا يخرج منها أهلها لقوله : [وما هم منها بمخرجين] (الحجر : 48 ). وأيضاً فإن جنة الخلد هي دار القدس , قدست عن الخطايا والمعاصي تطهيراً لها. وقد لغا فيها إبليس وكذب , وأخرج منها آدم وحواء بمعصيتهما.","part":1,"page":298},{"id":297,"text":"قالوا : وكيف يجوز على آدم مع مكانه من الله وكمال عقله قال : أن يطلب شجرة الخلد وهو في دار الخلد والملك الذي لا يبلى ؟ فالجواب : أن الله تعالى عرف الجنة بالألف واللام, ومن قال : أسأل الله الجنة, لم يفهم منه في تعارف الخلق إلا طلب جنة الخلد. ولا يستحيل في العقل دخول إبليس الجنة لتغرير آدم. وقد لقي موسى آدم عليهما السلام فقال له موسى : أنت أشقيت ذريتك وأخرجتهم من الجنة, فأدخل الألف واللام ليدل على أنها جنة الخلد المعروفة, فلم ينكر ذلك آدم, ولو كانت غيرها لرد على موسى, فلما سكت آدم على قرره موسى صح أن الدار التي أخرجهم الله عز وجل منها بخلاف الدار التي أخرجوا إليها. وأما ما احتجوا به من الآي فذلك إنما جعله الله فيها بعد دخول أهلها فيها يوم القيامة, ولا يمتنع أن تكون دار الخلد لمن أراد الله تخليده فيها وقد يخرج منها من قضي عليه بالفناء. وقد أجمع أهل التأويل على أن الملائكة يدخلون الجنة على أهل الجنة ويخرجون منها, وقد كان مفاتيحها بيد إبليس ثم انتزعت منه بعد المعصية(1), وقد دخلها النبي – صلى الله عليه وسلم – ليلة الإسراء ثم خرج منها وأخبر بما فيها وأنها هي جنة الخلد حقاً. وأما قولهم : إن الجنة دار القدس وقد طهرها الله تعالى من الخطايا فجهل منهم. وذلك أن الله تعالى أمر بني إسرائيل أن يدخلوا الأرض المقدسة وهي الشام, وأجمع أهل الشرائع على أن الله تعالى قدسها وقد شوهد فيها المعاصي والكفر والكذب ولم يكن تقديسها مما يمنع فيها المعاصي, وكذلك دار القدس. قال أبو الحسن بن بطال : وقد حكى بعض المشايخ أن أهل السنة مجمعون على أن جنة الخلد هي التي أهبط منها آدم عليه السلام, فلا معنى لقول من خالفهم. وقولهم : كيف يجوز على آدم في كمال عقله أن يطلب شجرة الخلد وهو في دار الخلد, فيعكس عليهم ويقال : كيف يجوز على آدم وهو في كمال عقله أن يطلب شجرة الخلد في دار الفناء !\r__________\r(1) - هذا يفتقر على نقل صحيح","part":1,"page":299},{"id":298,"text":"هذا ما لا يجوز على من له أدنى مسكة من عقل , فكيف بآدم الذي هو أرجح الخلق عقلاً(1). ا.هـ.\rقال صاحب خواتم الحكم ما نصه : \rقيل : أخرج آدم من الجنة, لأنها ليست بدار توبة وتحصيل محبة ومعرفة, وليست محل مشهد التجليات الجلالية والقهرية التي هي نصف المعارف الإلهية, فل وبقى آدم في الجنة لفاته نصف المكان, وأسرار الخلافة الكلية الأسمائية, فأراد, سبحانه, أن يأتي الدنيا فيتوب, ويلبس خلعة الخلافة بتحصيل الكمالات الكلية, ويتحقق بمظاهر أسماء الجمال والجلال, ثم يرد إلى عالم الجنان كاملاً مكملاً بأنواع الفضائل والكمالات.\rقيل : قد قدر الله, تعالى, أن يخرج من صلبه سيد المرسلين, وإخوانه من الأنبياء والأولياء والمؤمنين, وخمر في طينته تراب كل مؤمن وعدو, فأخرجه إلى الدنيا [ليميز الله الخبيث من الطيب] (الأنفال : 37 ), لأن الجنة ليست بدار توالد وتكليف, فخرج إلى الدنيا ليخرج من ظهره, الذين لا نصيب لهم في الجنة, فكان هبوطه من الجنة, هبوط تشريف وامتحان وتمييز, بين قبضتي السعادة والشقاوة, لأن ذلك من مقتضيات الخلافة الإلهية, فمن وقف على سر الخلافة, انحلت له عقود المعضلات, ورموز المشكلات, والله الولي الفتاح(2).\r\" ولا تقربا هذه الشجرة \"\rأقوال المفسرين فى المراد من الشجرة\rقال الإمام السمرقندي(3) - رحمه الله - ما نصه : \rويقال : إنما كان النهي عن الأكل من الشجرة للمحنة, لأن الدنيا دار محنة وقد خلق من الأرض ليسكن فيها, فامتحن بذلك, كما امتحن أولاده في الدنيا بالحلال والحرام. ا.هـ\rوقال ابن جزي(4) : [ولا تقربا] النهي عن القرب يقتضي النهي عن الأكل بطريق الأولى وإنما نهي عن القرب سداً للذريعة, فهذا أصل في سد الذرائع. أ.هـ\r__________\r(1) - تفسير القرطبي حـ1 صـ213 : 214\r(2) - خواتم الحكم حـ1 - صـ369 ، 370\r(3) - بحر العلوم حـ1 - صـ71\r(4) - التسهيل حـ1 - صـ44","part":1,"page":300},{"id":299,"text":"وقال ابن عطية (1) : ولا تقربا هذه الشجرة] معناه لا تقربا بأكل, لأن الإباحة فيه وقعت.\rقال بعض الحذاق : إن الله لما أراد النهي عن أكل الشجرة نهى عنه بلفظة تقتضي الأكل وما يدع وإليه وهو القرب. ا.هـ\r\"واختلف فى المراد بالشجرة\"\rقال ابن جزي(2) : (الشجرة) قيل هي شجرة العنب, وقيل شجرة التين, وقيل الحنطة وذلك مفتقر إلى نقل صحيح, واللفظ مبهم. ا.هـ.\rوقال الخازن (3) : [ولا تقربا هذه الشجرة] يعني الأكل, قيل إنما وقع النهي عن جنس الشجرة, وقيل عن شجرة مخصوصة, قال ابن عباس : هي السنبلة, وقيل الكرمة, وقيل شجرة التين, وقيل شجرة العلم, وقيل الكافور, وقيل ليس في ظاهر الكلام ما يدل على التبيين إذ لا حاجة إليه, لأنه ليس المقصود تعرف عين تلك الشجرة وما لا يكون مقصوداً لا يجب بيانه. ا.هـ\r\" ولا تقربا هذه الشجرة \"\rونقل الطبري (4) في تفسيره عن يعقوب بن عتبه أنه حدث أنها الشجرة التي تحنك بها الملائكة للخلد(5).\rوقال صاحب خواتم الحكم جـ 1 ص 216-217\r__________\r(1) - المحرر الوجيز – حـ1 – صـ127\r(2) - التسهيل حـ1 –صـ44\r(3) - تفسير الخازن حـ1 – صـ42\r(4) - تفسير الطبري حـ1 – صـ221\r(5) - لا شك أن هذا الكلام لا يقره النقل الصحيح ، وهو من الإسرائيليات المسمومة بل السامة التي يراد من ورائها تزوير المعاني وإفساد الدين ، فكيف تأكل منها الملائكة للخلد ، وهل هم مخلدون إلا إذا أراد الله لهم ذلك ، وكيف يأكلون والمنقول خلاف ذلك ، وهذا خبر قاله وهب بن منبه من أحبار اليهود الذين أسلموا والله أعلم بما تكنه صدورهم ، ولما سأل عن ذلك كيف تأكل الملائكة ؟ ، سارع إلى الهروب من السؤال بقوله : إن الله يفعل ما يشاء. أ هـ","part":1,"page":301},{"id":300,"text":"المراد من الشجرة, شجرة العلم والتوحيد(1) , لأن كمال العلم والتوحيد, يقتضي مقام الخلافة, وهو الخروج إلى الدنيا, ليتحقق بمظاهر الجمال والجلال ويحصل له كمال العرفان, وأسماء الجلال والجمال, كالتواب والغفور والقهار والستار, وعبرت بالشجرة, لأن فيها الغصون, وللعلم والتوحيد شئون, ولها أثمار وأزهار ولها أسرار وأنوار.\rوعن بعض الصوفية : أنها شجرة العلم يعني حصل له العلم, من حضرة الأسماء, أنه يخرج إلى الدنيا لكمال الخلافة الإنسانية, وتكميل مراتبها, فوقع في السبب الموجب للخروج من عالم الجنة إلى عالم الخلافة, الذي هو أكمل العوالم الكونية وحضراتها. ا.هـ\rوذكر ابن الجوزي في زاد المسير جـ1 ص66 سبعة أقوال في المراد من الشجرة ذكر منها السنبلة , والكرم, التين, النخلة, شجرة العلم, الكافور, شجرة الخلد ونسب هذا القول الأخير لوهب بن منبه(2). ا.هـ\rوقال الآلوسي : الكلام عن الشجرة زاد.\rمنها : شجرة الحنظل, وقيل شجرة المحبة, وقيل شجرة الحنطة, وقيل شجرة الطبيعة والهوى.\rثم قال : ولا ثمرة في تعيين هذه الشجرة (3). ا.هـ\r__________\r(1) كيف ينهي عنها إذا كانت شجرة العلم ، والتوحيد ، وقد فضل الله آدم على الملائكة بالعلم قبل دخوله الجنة – إن هذا لقول عجيب.\r(2) - سبحان الله وكأنه يصدق إبليس في دعواه \" هل أدلك على شجرة الخلد \" هذه أقوال يجب أن يطهر منها كثير من التفاسير – والله أعلم.\r(3) - روح المعاني حـ1 – صـ","part":1,"page":302},{"id":301,"text":"وقال ابن عطية بعد أن ذكر أقوال المفسرين في الشجرة ما نصه : وليس في شئ من هذا التعيين ما يعضده خبر, وإنما الصواب أن يعتقد أن الله تعالى نهى آدم عن شجرة(1) فخالف هو إليها ، وعصى في الأكل منها ، وغي حظره تعالى على آدم ما يدل على أن سكناه في الجنة لا يدوم, لأن المخلد لا يحظر عليه شئ, ولا يؤمر ولا ينهى(2).\rوقال فى نظم الدرر : \rولا داعي لبيان نوع الشجرة ؛ لأن السياق لبيان شؤم المخالفة وبركة التوبة ، لا لتعيين المنهي عنه ، فليس بيانه حينئذ من الحكمة. أهـ [نظم الدرر للبقاعى حـ1 صـ85 ]\r__________\r(1) - المحرر الوجيز حـ1 - صـ128\r(2) - بعد أن تكلم المفسرون - رحمهم الله - في المراد من الشجرة ، فأكثرهم في النهاية مطبقون على أن تعيينها لا يعلمه إلا الله. قال الإمام ابن كثير حـ1 صـ 103 ، والصواب في ذلك أن يقال إن الله تعالى نهى آدم وزوجته عن أكل شجرة بعينها من أشجار الجنة دون سائر أشجارها فأكلا منها ، ولا علم عندنا بأي شجرة كانت على التعيين ، لأن الله لم يضع لعبادة دليلاً على ذلك في القرآن ولا من السنة الصحيحة وقد قيل : كانت شجرة البر ، وقبل : كانت شجرة العنب ، وقيل : كانت شجرة التين وجائز أن تكون واحدة منها ، وذلك علم إذا علم لم ينفع العالم به علمه ، وإن جهله جاهل لم يضره جهله به والله أعلم ، وكذلك رجح الإمام فخر الدين الرازي في تفسيره وغيره ، وهو الصواب ، انتهى كلامه.","part":1,"page":303},{"id":302,"text":"\" فتكونا من الظالمين \"\rقال الخازن (1) : [فتكونا من الظالمين] يعني إن أكلتما من هذه الشجرة ظلمتما أنفسكما فمن جوز ارتكاب الذنوب على الأنبياء قال ظلم نفسه بالمعصية, وأصل الظلم وضع الشئ في غير موضعه, ومن لم يجوز ذلك على الأنبياء حمل الظلم على أنه فعل ما كان الأولى أن لا يفعله, وقيل يحمل على أنه فعل قبل النبوة , فإن قلت : هل يجوز وصف الأنبياء بالظلم, أو بظلم أنفسهم قلت : لا يجوز أن يطلق عليهم ذلك لما فيه من الذم. ا.هـ\r\" فتكونا من الظالمين \"\rوقال صاحب الميزان : \rقوله تعالى [فتكونا من الظالمين] من الظلم لا من الظلمة على ما احتمل بعضهم وقد اعترفا بظلمهما حيث قالا على ما حكاه الله تعالى عنهما [ربنا ظلمنا أنفسنا وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين] (الأعراف : 23) ومن هنا يظهر أن وبال هذا الظلم إنما كان هو الوقوع في تعب حياة هذه الأرض من جوع وعطش, وعراء وعناء وعلى هذا, فالظلم منهما إنما هو ظلمهما لأنفسهما, لا بمعنى المعصية المصطلحة(2) , والظلم على سبحانه, ومن هنا يظهر أيضاً أن هذا النهي أعني : قوله : [ولا تقربا] إنما كان نهياً تنزيهياً إرشادياً يرشد به إلى ما فيه خير المكلف وصلاحه في مقام النصح لا نهياً مولوياً.\rفهما إنما ظلما أنفسهما في ترك الجنة على أن جزاء المخالفة للنهي المولوي التكليفي يتبدل بالتوبة إذا قبلت, ولم يتبدل في موردهما, فإنهما تابا وقبلت توبتهما, ولم يرجعا إلى ما كانا من الجنة(3) , ولولا أن التكليف إرشادي ليس له إلا التبعة التكوينية دون التشريعية لاستلزم قبول التوبة رجوعهما إلى ما كانا فيه من مقام القرب. أ.هـ\r__________\r(1) - تفسير الخازن حـ- صـ42\r(2) الميزان في تفسير القرآن حـ1 - صـ130 - 131\r(3) هذه مسألة في غاية الأهمية ورحم الله صاحب الميزان ، فلم يتنبه لهذه المسألة كثير من المفسرين - عليهم سحائب الرحمة والرضوان - من الرحيم المنان.","part":1,"page":304},{"id":303,"text":"ما هو ذنب آدم ؟ \rالمكانة التي ذكرها القرآن لآدم سامية ورفيعة ، فهو خليفة الله في الأرض ومعلم الملائكة ، وعلى درجة كبيرة من التقوى والمعرفة ، وهو الذي سجدت له ملائكة الله المقربين.\rومن المؤكد أن آدم هذا لا يصدر عنه ذنب ، إضافة إلى أنه كان نبيّاً ، والنّبي معصوم.\rمن هنا يطرح سؤال عن نوع العمل الذي صدر عن آدم. وتوجد لذلك ثلاثة تفسيرات يكمل بعضها الآخر.\r1 ـ ما ارتكبه آدم كان «تركاً للأولى» أو بعبارة أخرى كان «ذنباً نسبياً» ، ولم يكن «ذنباً مطلقاً».\rالذنب المطلق ، وهو الذنب الذي يستحق مرتكبه العقاب أياً كان ، مثل الشرك والكفر والظلم والعدوان ، والذنب النسبي هو الذي لا يليق بمرتكبه أن يفعله لعلوّ منزلة ذلك الشخص ، وإن كان ارتكابه مباحاً ، بل مستحباً أحياناً من قبل الأفراد العاديين. على سبيل المثال ، نحن نؤدي الصلاة بحضور القلب تارة ، وبعدم حضور القلب تارة أخرى ، وهذه الصلاة تتناسب وشأننا ، لكن مثل هذه الصلاة لا تليق بأفراد عظام مثل رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم). صلاة الرّسول ينبغي أن تكون بأجمعها اتصالا عميقاً بالله تعالى ، وإن فعل الرّسول غير ذلك فلا يعني أنه ارتكب محرّما ً ، بل يعني أنه ترك الأولى.\rوآدم كان يليق به أن لا يأكل من تلك الشجرة ، وإن كان الأكل منها غير محرّم بل «مكروهاً».\r2 ـ نهي الله لآدم إرشادي ، مثل قول الطبيب : لا تأكل الطعام الفلاني فتمرض. والله سبحانه قال لآدم : لا تقرب هذه الشجرة فتخرج من الجنّة ، وآدم في أكله من الشجرة خالف نهياً إرشادياً.\r3 ـ الجنّة التي مكث فيها آدم لم تكن محلا للتكليف ، بل كانت دورة اختبارية وتمهيدية لآدم كي يهبط بعدها إلى الأرض. وكان النهي ذا طابع اختياري. أه [الأمثل للشيرازى حـ1صـ51].\r\" اسكن أنت وزوجك الجنة.... ولا تقربا هذه الشجرة \"\rقال الإمام القشيري (1) : \r__________\r(1) - لطائف الإشارات حـ1 - صـ80","part":1,"page":305},{"id":304,"text":"اسكنه الجنة, ولكن أثبت مع دخوله شجرة المحنة, ولولا سابق التقدير لكان يبدل تلك الشجرة بالنضارة ذبولاً, وبالخضرة يبساً, وبالوجود فقداً, وكانت لا تصل يد آدم إلى الأوراق ليخصفها على نفسه – ويقع منه ما يقع في شأنه كل ذلك التشويش ولكن بدا من التقدير ما سبق به الحكم.\rولا مكان أفضل من الجنة, ولا بشراً أكيس من آدم, ولا ناصح يقابل قولة إشارة الحق عليه, ولا غريبة منه قبل ارتكابه ما ارتكب, ولاعزيمة أشد من عزيمته – ولكن القدرة لا تكابر, والحكم لا يعارض(1). ا.هـ\rوقال صاحب الحكم\r\"حكاية لطيفة \"\rتذاكر بعض الأولياء, عند أبي مدين, أسرار الشجرة المنهي عنها, فكل قد تكلم على قدر مشربه وذوقه, والشيخ ساكت, فرفع رأسه وقال : لو كان يعلم أبونا آدم – عليه السلام – أن حبيب الله وخاتم الأنبياء – عليه السلام – يجئ من صلبه, لكان يتناول من الشجرة في أول دخوله, بل يأكل عرقها, لكي يخرج من الجنة سريعاً, لأجل ظهور الأحمدية من نسله(2). أ.هـ\rقوله تعالى [فأزلهما الشيطان عنها]\rوقال الإمام الفخر (3)– رحمه الله – ما نصه : \rاختلفوا في أنه كيف تمكن إبليس من وسوسة آدم – عليه السلام – مع أن إبليس كان خارج الجنة وآدم كان في الجنة, وذكر وجوهاً.\r__________\r(1) - لطائف الإشارات حـ1 صـ80.\r(2) - خواتم الحكم حـ1 صـ216 وهذا كما سبق من ملح التفسير وليس من أصله والله أعلم.\r(3) - التفسير الكبير حـ2 – صـ462","part":1,"page":306},{"id":305,"text":"أحدها : قول القصاص وهو الذي رووه عن وهب بن منبه اليماني والسري عن ابن عباس – رضي الله عنهما – وغيره : أنه لما أراد إبليس أن يدخل الجنة منعته الخزنة فأتى الحية وهي دابة لها أربع قوائم كأنها البختية, وهي كأحسن الدواب بعدما عرض نفسه على سائر الحيوانات فما قبله واحد منها, فابتلعته الحية وأدخلته الجنة خفية من الخزنة(1) , فلما دخلت الحية الجنة خرج إبليس من فمها واشتغل بالوسوسة, فلا جرم لعنت الحية وسقطت قوائمها, وصارت تمشي على بطنها, وجعل رزقها في التراب, وصارت عدواً لبني آدم, واعلم أن هذا وأمثاله مما يجب ألا يلتفت إليه, لأن إبليس لو قدر على الدخول في فم الحية فلم لم يقدر على أن يجعل نفسه حية ثم يدخل الجنة, ولأنه لما فعل ذلك بالحية فلم عوقبت الحية مع أنها ليست بعاقلة ولا مكلفة ؟!!.\rوثانيها : أن إبليس دخل الجنة : في صورة دابة وهذا القول أقل فساداً من الأول.\rثالثها : قال بعض أهل الأصول : أن آدم وحواء – عليهما السلام – لعلهما كانا يخرجان إلى باب الجنة, وإبليس كان يقرب الباب ويوسوس إليهما(2).\r__________\r(1) - مقام الجنة أرفع من أن يتطرق إليه نظام السرقة والاختلاس ، فإن غفل خزنة الجنة ، فكيف يغفل رب الجنة – هذه إسرائيليات منكرة.\r(2) - لا يخفي ما في هذا الوجه من البعد والتكلف – مع أنه لا دليل عليه ، والواجب في مثل هذه الأمور ألا تقال من جهة الرأي لأنها أمور غيبية تحتاج إلى وحي من كتاب أو سنة ، فإذا سكت الوحي عن البيان وجب علينا أن نسكت.","part":1,"page":307},{"id":306,"text":"ورابعها : وهو قول الحسن : أن إبليس كان في الأرض وأوصل الوسوسة إليهما في الجنة (1). قال بعضهما هذا بعيد, لأن الوسوسة كلام خفي, والكلام الخفي لا يمكن إيصاله من الأرض إلى السماء.\r__________\r(1) - هذا قول قوي ووجيه – وخصوصاً وقد مكنه الله تعالى من ذلك ، كما مكن أهل النار من سماع كلام أهل الجنة في قوله تعالى \" ونادى أصحاب الجنة أصحاب النار أن قد وجدنا ما وعدنا ربنا حقاً.. الآية \" [الأعراف : 44] ومكن أهل الجنة من سماع كلام أهل النار واستغاثتهم في قوله تعالى \" ونادى أصحاب النار أصحاب الجنة أن أفيضوا علينا من الماء \" الآية [الأعراف : 50] ومعلوم أن الجنة فوق السماء السابعة ، والنار تحت الأرض السابعة ، فمن أقدرهم ومكنهم من سماع ومخاطبة بعضهم البعض قادر على أن يفعل هذا مع اللعين الطريد إبليس – على وجه الامتحان والابتلاء لآدم وحواء – عليهما السلام من الله – وما العجب في ذلك إن كان الله قد مكنه وأقدره على ذلك وهو يجري من ابن آدم مجرى الدم في العروق وأيضاً من المعلوم أن إبليس يولى هارباً عند سماع صوت الأذان والإقامة ، فكيف يتمكن من الوسوسة لمن بداخل المسجد أثناء الأذان والإقامة. وإذا كان البشر قد تمكنوا من صناعة الهاتف المتحرك وهو يتكلم حتى تحت أنفاق الأرض ، فكيف يستبعدون ذلك مع أن الله الذي مكنه وأقدره علي ذلك.","part":1,"page":308},{"id":307,"text":"واختلفوا من وجه أخر وهو أن إبليس هل باشر خطابهما أو يقال إنه أوصل الوسوسة إليهما على لسان بعض أتباعه. حجة القول الأول : [وقاسمهما إني لكما لمن الناصحين] (الأعراف : 21) وذلك يقتضي المشافهة, وكذا قوله : [فدلاهما بغرور] (الأعراف : 22) وحجة القول الثاني أن آدم وحواء - عليهما السلام - كانا يعرفانه ويعرفان ما عنده من الحسد والعداوة, فيستحيل في العادة أن يقبلا قوله وأن يلتفتا إليه فلا بد وأن يكون المباشر للوسوسة من بعض أتباع إبليس (1).\rقال القرطبي : قوله تعالى [فأزلهما الشيطان عنها فأخرجهما مما كان كانا فيه] قرأ الجماعة [فأزلهما] بغير ألف, من التنحية أي نحاهما يقال : أزلته فزال, قال ابن كيسان : فأزلهما من الزوال, أي صرفهما عما كانا عليه من الطاعة إلى المعصية (2). ا.هـ\rوقال في التسهيل(3) : [فأزلهما الشيطان عنها] الضمير في (عنها) عائد على الجنة أو على الشجرة, فتكون (عن) سببيه على هذا.\rفائدة : اختلفوا في أكل آدم من الشجرة, فالأظهر أنه كان على وجه النسيان لقوله تعالى : [فنسي ولم نجد له عزماً ]( طه : 115) وقيل سكر من خمر الجنة, فحينئذ أكل منها, وهذا باطل لأن خمر الجنة لا تسكر وقيل : أكل عمداً(4) , وهي معصية صغرى, وهذا عند من أجاز على الأنبياء الصغائر وقيل : أول آدم أن النهي كان عن شجرة معينة, فأكل من غيرها من جنسها وقيل : لما حلف له إبليس صدقه, لأنه ظن أنه لا يحلف أحد كذباً. ا.هـ\r__________\r(1) - هذا الكلام يتعارض مع ظاهر القرآن ، والصحيح كما أخبر القرآن في أكثر من موضع أن من باشر الوسوسة هو إبليس بنفسه - عليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين.\r(2) - تفسير القرطبي حـ1 - صـ219\r(3) - التسهيل حـ1 - صـ44 - بتصرف يسير\r(4) - هذا القول يرده قوله تعالى \" ولقد عهدنا إلى آدم من قبل فنسى \".","part":1,"page":309},{"id":308,"text":"وقال القاسمي (1) ما نصه : \"وقال شيخ الإسلام تقي الدين ابن تيمية وجماعة من المتأخرين الصواب أن آدم - عليه السلام - لما قاسمه عد والله أنه ناصح, وأكد كلامه بأنواع من التأكيدات : أحدها : القسم , والثاني : الإتيان بجملة اسميه لا فعلية والثالث : تصديرها بأداة التأكيد, الرابع : الإتيان بلام التأكيد في الخبر الخامس : الإتيان به اسم فاعل لا فعلاً دالاً على الحدث, السادس : تقديم المعمول على العامل فيه, ولم يظن آدم أن أحداً يحلف بالله كاذباً يمين غموس, فظن صدقه, وأنه إن أكل منها لم يخرج من الجنة, ورأى أن الأكل, وإن كان فيه مفسدة فمصلحة الخلود أرجح, ولعله يتأتى له استدراك مفسدة اليمين في أثناء ذلك باعتذار أو توبة, كما تجد هذا التأويل في نفس كل مؤمن أقدم على معصية(2). ا.هـ\rوذكر السمرقندي(3) ما حاصله : أن آدم - عليه السلام - اتبع حواء في المعصية والأكل من الشجرة عن تعمد, لأنه كان يحبها- إلى أن قال لها : إني أخاف العقوبة ثم بعد ذلك أكل من الشجرة(4). ا.هـ\rوقال القشيري(5) : \rأزلهما : أي : حملهما على الزلة, وفي التحقيق : ماصرفتهما إلا القدرة, وماكان تقبلهما إلا في القضية, أخرجهما عما كانا فيه من الرتبة والدرجة جهراً, ولكن ما ازداد في حكم الحق سبحانه - شأنهما إلا رفعة وقدراً. ا.هـ.\r__________\r(1) - محاسن التأويل حـ2 - صـ324 ، الصواعق المرسلة لابن القيم حـ1 -صـ375\r(2) - هذا الجواب الأخير فيه نظر ، والأولى استبعاده ، فهو إن لم يقدح في عصمة آدم عليه السلام - فإنه على الأقل - يخدش - والأولى تنزيه آدم عليه السلام عن ذلك.\r(3) - بحر العلوم حـ1 - صـ72 - 73 - بتصرف يسير\r(4) - فساد هذا الكلام ظاهر ، ولا يليق بآحاد المتقين فكيف بآدم مسجود الملائكة بأمر الله تعالى - وكيف يقدم حب حواء على طاعة الله - هذا بهتان وزور ومرده إلى الإسرائيليات.\r(5) - لطائف الإشارات حـ1 - صـ81","part":1,"page":310},{"id":309,"text":"( لطيفة )\rقال فى البحر المحيط حـ1ص205 ما نصه : وقال بعض أهل الإشارة في قوله : {إِنّي جَاعِلٌ فِى الارْضِ خَلِيفَةً } : سابق العناية ، لا يؤثر فيه حدوث الجناية ، ولا يحط عن رتبة الولاية ، وذلك أنه تعالى نصب آدم خليفة عنه في أرضه مع علمه بما يحدث عنه من مخالفة أمره التي أوجبت له الإخراج من دار الكرامة وأهبطه إلى الأرض التي هي محل الأكدار ، ومع ذلك لم يسلبه ما ألبسه من خلع كرامته ، ولا حطه عن رتبة خلافته ، بل أجزل له في العطية فقال : \r{ ثُمَّ اجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَتَابَ عَلَيْهِ وَهَدَى }\r ، قال الشاعر : \rوإذا الحبيب أتى بذنب واحد … …جاءت محاسنه بألف شفيع\rكان عمر ينقل الطعام إلى الأصنام والله يحبه ، قال الشاعر : \rأتظنني من زلة أتعتب … …قلبي عليك أرق مما تحسب. أهـ\r[فأخرجهما مما كانا فيه ]\rقال أبو السعود(1) : والتعبير عنها بذلك للإيذان بفخامتها وجلالتها وملابستهما له أي المكان العظيم الذي كانا مستقرين فيه. أو من الكرامة والنعيم إن كان الضمير للجنة. ا.هـ\rوقال الآلوسي : ولعل القربان المنهي عنه الذي يكون سبباً للظلم المخل بالعصمة هو ما لا يكون مصحوباً بعذر كالنسيان هنا مثلاً المشار إليه بقوله [فنسي ولم نجد له عزماً] ا.هـ روح المعاني جـ1 ص 234.\rأقوال مردودة وردت في قصة آدم ـ عليه السلام ـ\rمنها : ما ذكره البغوي(2) في المدخل الذي استخدمه إبليس عليه لعنة الله - في وسوسته لآدم - عليه السلام - قال ما نصه : \r__________\r(1) - تفسير أبي السعود حـ1 صـ91\r(2) - معالم التنزيل حـ1 صـ68","part":1,"page":311},{"id":310,"text":"وقد كان آدم حين دخل الجنة, ورأى ما فيها من النعيم قال : لو أن خلداً فاغتنم ذلك منه الشيطان فأتاه الشيطان من قبل الخلد, فلما دخل الجنة وقف بين يدي آدم وحواء, وهما لا يعلمان أنه إبليس فبكى وناح نياحة أحزنتهما, وهو أول من ناح فقالا له ما يبكيك ؟ قال أبكي عليكما تموتان فتفارقان ما أنتما فيه من النعمة فوقع ذلك في أنفسهما, ومضى إبليس ثم أتاهما بعد ذلك وقال [يا آدم هل أدلك على شجرة الخلد ؟ ] ا.هـ\rومنها : ما ذكره القرطبي(1) بعد أن ذكر قصة الحية (المزعومة) ما نصه : \r\" ثم أغوى آدم, وقالت له حواء : كل فإني قد أكلت فلم يضرني, فأكل منها فبدت لهما سوءاتهما وحصلا في حكم الذنب, فدخل آدم في جوف الشجرة, فناداه ربه : أين أنت (2) ؟ فقال : أنا هذا يا رب, قال ألا تخرج ؟ قال : استحي منك يا رب. ا.هـ.\r__________\r(1) - تفسير القرطبي حـ1 صـ220\r(2) - سبحانك هذا بهتان عظيم ، كيف لا يعرف الرب مكان آدم - وهو قد أحاط بكل شيء علما ، وهذا نفس كلام التوراة المحرفة ، وكان الأحرى بأكابر المفسرين ألا يغتروا بهذه الروايات الواهية التي تتعارض مع العقل والنقل والواجب الوقوف عندما أخبر الكتاب الكريم ، فهو أسلم وأحكم تجنباً للوقوع في الزلل - نسأل الله السلامة والمعافاة.","part":1,"page":312},{"id":311,"text":"ومنها ما حكاه الطبري حـ1 صـ235 عن وهب بن منبه حيث قال : فناداه ربه يا آدم أين أنت ؟ قال : أنا هنا يارب قال : ألا تخرج قال : أستحي منك يارب قال : ملعونة الأرض التي خلقت منها لعنة يتحول ثمرها شوكاً قال : ولم يكن في الجنة ولا في الأرض شجر كان أفضل من الطلح والسدر ثم قال : يا حواء أنت التي غررت عبدي فإنك لا تحملين جملا إلا حملته كرهاً فإذا أردت أن تضعي ما في بطنك أشرفت على الموت (1). أهـ.\rومنها ما ذكره ابن الجوزي في تفسيره, وغيره من أن جبريل أو بعض الملائكة عنفوا آدم – عليه السلام – وبكتوه على الأكل من الشجرة. ومنها ما ورد عن وهب بن منبه من أن الشجرة المنهي عنها شجرة الخلد.\r[ وقلنا اهبطوا بعضكم لبعض عدو]\rقال ابن الجوزي(2) : هذا الخطاب فيه ستة أقوال : \rأحدها أنه انصرف إلى آدم وحواء والحية (3) , والثاني : إلى آدم وحواء وإبليس والحية , والثالث : إلى آدم وإبليس, والرابع إلى آدم وحواء وإبليس, والخامس : إلى آدم وحواء وذريتهما, والسادس إلى آدم وحواء فحسب. ويكون لفظ الجمع واقعاً على التثنية, كقوله [وكنا لحكمهم شاهدين](الأنبياء : 78) ا.هـ\rوقال صاحب الميزان(4) : [وقلنا اهبطوا بعضكم لبعض عدو]\r__________\r(1) - كيف يتفق هذا اللعن للأرض التي خلق منها آدم مع قوله تعالى [إني جاعل في الأرض خليفة] بل إن هذا الكلام يوحي بأن الله تعالى لم يحسن اختيار الخليقة. تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً.\r(2) - زاد المسير حـ1 صـ68 باختصار يسير\r(3) - قصة الحية من أساطير التوراة المحرفة ، ولم يرد ما يدل عليها من كتاب ولا سنة.\r(4) - الميزان في تفسير القرآن حـ1 صـ132","part":1,"page":313},{"id":312,"text":"ظاهر السياق أنه خطاب لآدم وزوجته وإبليس, وقد خص إبليس وحده بالخطاب في سورة الأعراف حيث قال : [فاهبط منها فما يكون لك أن تتكبر فيها] (الأعراف : 13) فقوله تعالى : [اهبطوا] كالجمع بين الخطابين وحكاية عن قضاء قضى الله به العداوة بين إبليس – لعنه الله – وبين آدم وزوجته وذريتهما وكذلك قضى به حياتهم في الأرض وموتهم فيها وبعثهم منها.\rوذرية آدم مع آدم في الحكم كما ربما يستشعر من ظاهر قوله [فيها تحيون وفيها تموتون ومنها تخرجون] (الأعراف : 25) وكما سيأتي في قوله تعالى [ولقد خلقناكم ثم صورناكم ثم قلنا للملائكة اسجدوا لآدم] (الأعراف : 11) ا.هـ\rوقال البغوي(1) [وقلنا اهبطوا] انزلوا إلى الأرض يعني : آدم, وحواء, وإبليس, والحية, فهبط آدم بسرنديب من أرض الهند على جبل يقال له نود, وحواء بجده, وإبليس بالأيلة , والحية بأصفهان.\rقوله تعالى [بعضكم لبعض عدو] أراد العداوة التي بين ذرية آدم والحية(2), وبين المؤمنين من ذرية آدم وبين إبليس قال الله تعالى : [إن الشيطان لكم عد وفاتخذوه عدواً] (فاطر : 6) ا.هـ\r\" وقلنا اهبطوا بعضكم لبعض عد و\"\r__________\r(1) - معالم التنزيل حـ1 صـ69\r(2) - هذه عداوة لا قيمة لها إنما العداوة التي حذرنا الله منها هي من إبليس وجنده وهي ما يدل عليها صريح القرآن كما استدل بذلك الإمام البغوي – رحمه الله – أ هـ","part":1,"page":314},{"id":313,"text":"وقال الإمام الفخر (1)- رحمه الله - [اهبطوا بعضكم لبعض عدو] أمر بالهبوط, وليس أمراً بالعداوة, لأن عداوة إبليس لآدم وحواء - عليهما السلام - بسبب الحسد والاستكبار عن السجود, واختداعه إياهما حتى أخرجهما من الجنة, وعداوته لذريتهما بإلقائه الوسوسة, والدعوة إلى الكفر والمعصية, وشئ من ذلك لا يجوز أن يكون مأموراً به, فأما عداوة آدم لإبليس فإنها مأمورة بها لقوله تعالى : [إن الشيطان لكم عد وفاتخذوه عدواً] (فاطر : 6) وقال تعالى : [يابني آدم لا يفتننكم الشيطان كما أخرج أبويكم من الجنة] (الأعراف : 27 ).\rإذا ثبت هذا ظهر أن المراد من الآية : اهبطوا من السماء وأنتم بعضكم لبعض عدو. ا.هـ\rوقال ابن عطية (2) : \rوإفراد لفظ [عدو] من حيث لفظ [بعض] وبعض وكل تجري مجرى الواحد, ومن حيث لفظة [عدو] تقع للواحد والجمع قال تعالى [هم العد وفاحذرهم] (المنافقون : 4 ). ا.هـ\rوقال القشيري (3) رحمه الله : \rلم يكن للشيطان من الخطر ما يكون لعداوته إثبات, فإن خصوصية الحق سبحانه عزيزة قال تعالى [إن عبادي ليس لك عليهم سلطان...] (الحجر : 42)\r(فصل) لو كان لإبليس سلطان على غواية غيره, لكان له إمكان في هداية نفسه وكيف يكون ذلك ؟ والتفرد بالإبداع كل شئ من خصائص نعته سبحانه. ا.هـ.\r__________\r(1) - التفسير الكبير حـ3 صـ464\r(2) - المحرر الوجيز حـ1 صـ129\r(3) - لطائف الإشارات حـ1 صـ81 - 82\r(4) - تفسير القرطبي حـ1 صـ225 - 226","part":1,"page":315},{"id":314,"text":"وقال القرطبي (4) : \rلم يكن إخراج الله تعالى- آدم من الجنة, وإهباطه منها عقوبة له, لأنه أهبطه بعد أن تاب عليه وقبل توبته, وإما اهبطه إما تأديباً, وإما تغليظاً للمحنة والصحيح في إهباطه وسكناه في الأرض ما قد ظهر من الحكمة الأزلية في ذلك, وهي نشر نسله فيها ليكلفهم ويمتحنهم ويترتب على ذلك ثوابهم وعقابهم الأخروي, إذ الجنة والنار ليستا بدار تكليف, فكانت تلك الأكلة سبب إهباطه من الجنة ولله أن يفعل ما يشاء, وقد قال : [إني جاعل في الأرض خليفة] وهذه منقبة عظيمة, وفضيلة كريمة شريفة, وقد تقدمت الإشارة إليها مع أنه خلق من الأرض وإنما أهبطه بعد أن تاب عليه لقوله ثانية [وقلنا اهبطوا] ا.هـ\r\" ولكم في الأرض مستقر ومتاع إلى حين \"\rقال الفخر(1) - رحمه الله -\r\"المستقر قد يكون بمعنى الاستقرار كقوله تعالى : [إلى ربك يومئذ المستقر] (القيامة : 12) وقد يكون بمعنى المكان الذي يستقر فيه كقوله تعالى : [أصحاب الجنة يومئذ خير مستقراً وأحسن مقيلاً] (الفرقان : 24 )\rوقال تعالى : [فمستقر ومستودع] (الأنعام : 98) إذا عرفت هذا فنقول : الأكثرون حملوا قوله تعالى : [ولكم في الأرض مستقر] على المكان, والمعنى أنها مستقركم حالتي الحياة والموت, وروى السري عن ابن عباس - رضي الله عنهما - أنه قال : المستقر هو القبر, أي قبوركم تكونون فيها. والأول أولى, لأنه تعالى قدر المتاع وذلك لا يليق إلا بحالة الحياة, ولأنه خاطبهم بذلك عند الإهباط وذلك يقتضي حال الحياة. ا.هـ\r__________\r(1) - التفسير الكبير حـ3 صـ464","part":1,"page":316},{"id":315,"text":"\"لطيفة في لفظ الحين\"\rقال القرطبي (1) : اختلف المتأولون في الحين على أقوال, فقالت فرقة : إلى الموت, وهذا قول من يقول : المستقر هو المقام في الدنيا, وقيل إلى قيام الساعة, وهذا قول من يقول المستقر هو القبور, وقال الربيع [إلى حين] إلى أجل, والحين : الوقت البعيد فحينئذ تبعيد من قولك الآن, والحين أيضاً : المدة ومنه قوله تعالى [هل أتى على الإنسان حين من الدهر] (الإنسان : 1) والحين : الساعة قال تعالى : [أ وتقول حين ترى العذاب] (الزمر : 58 )\rقال ابن عرفة : الحين : القطعة من الدهر كالساعة فما فوقها, وقوله [فذرهم في غمرتهم حتى حين] (المؤمنون : 54) أي حتى تفنى آجالهم, وقوله تعالى [تؤتي أكلها كل حين] (إبراهيم : 25) أي كل سنة, وقيل : بل كل ستة أشهر, وقيل : بل غدوة وعشياً.\rوقال الأزهري : الحين اسم كالوقت يصلح لجميع الأزمان كلها طالت أو قصرت والمعنى أنه ينتفع بها في كل وقت, ولا ينقطع نفعها ألبتة.\rوقال الفراء : الحين حينان : حين لا يوقف على حده, والحين الذي ذكر الله جل ثناؤه : [تؤتي أكلها كل حين بإذن ربها] ستة أشهر(2) ا.هـ\r\"فائدة\"\rقال ابن عطية(3) - رحمه الله -\r[إلى حين] فائدة لآدم - عليه السلام - ليعلم أنه غير باق فيها ومنتقل إلى الجنة التي وعد بالرجوع إليها, وهي لغير آدم دالة على المعاد. ا.هـ\r\"موعظة \"\rقال الإمام فخر الدين الرازي(4) : ما نصه : \rاعلم أن في هذه الآيات تحذيراً عظيماً عن كل المعاصي من وجوه أحدها : أن من تصور ما جرى على آدم - عليه السلام - بسب إقدامه على هذه الزلة الصغيرة, كان على وجل شديد من المعاصي, قال الشاعر\rيا ناظراً يرن وبعيني راقد\rومشاهداً للأمر غير مشاهد\rتصل الذنوب إلى الذنوب وترتجي\rدرك الجنان ونيل فوز العابد\rأنسيت أن الله أخرج آدماً\r__________\r(1) - تفسير القرطبي حـ1 صـ 226\r(2) - تفسير القرطبي حـ1 صـ 226باختصار يسير\r(3) - المحرر الوجيز حـ 1 صـ 130\r(4) - التفسير الكبير حـ3 صـ 464 - 465","part":1,"page":317},{"id":316,"text":"منها إلى الدنيا بذنب واحد\r…\rوعن فتح الموصلي أنه قال : كنا قوماً من أهل الجنة فسبانا إبليس إلى الدنيا, فليس لنا إلا الهم والحزن حتى نرد إلى الدار التي أخرجنا منها.\rوثانيها : التحذير عن الاستكبار والحسد والحرص عن قتادة في قوله تعالى [أبي واستكبر] قال حسد عدوالله إبليس آدم على ما أعطاه الله من الكرامة فقال : أنا ناري وهذا طيني ثم ألقى الحرص في قلب آدم حتى حمله على ارتكاب المنهي عنه ثم ألقى الحسد في قلب قابيل حتى قتل هابيل.\rوثالثها : أنه تعالى بين العداوة الشديدة بين ذرية آدم وإبليس, وهذا تنبيه عظيم على وجوب الحذر. ا.هـ\r\" فتلقى آدم من ربه كلمات فتاب عليه \"\rقال القرطبي (1) : تلقى قيل : معناه : فهم وفطن, وقيل : قبل وأخذ, وكان عليه السلام يتلقى الوحي , أي يستقبله ويأخذه ويتلقفه , وقيل معنى تلقى : تلقن. ا.هـ\rوقال في التسهيل(2) : \" كلمات \" هي قوله : \" ربنا ظلمنا أنفسنا وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين \" بدليل ورودها في الأعراف ، وقيل غير ذلك. أ هـ.\rوقال الإمام القشيري (3) : \rجرت على لسان آدم مع الحق - سبحانه - كلمات, وأسمع الحق - سبحانه - آدم كلمات, وأنشدوا\rوإذا خفنا من الرقباء عيناً ……تكلمت السرائر في القلوب\rوأجمل سبحانه القول في ذلك إجمالاً ليبقى القصة مستورة, أو ليكون للاحتمال والظنون مساغ, ويحتمل أن تكون كلمات آدم عليه السلام اعتذاراً وتنصلاً وكلمات الحق - سبحانه - قبولاً وتفضلاً, وعلى لسان التفسير أن قوله له أفراراً منا يا آدم ؟ كذلك قوله - عليه السلام - [ربنا ظلمنا أنفسنا], وقوله أمخرجي أنت من الجنة ؟ فقال نعم , فقال : أتردني إليها, فقال نعم.\rوقيل : حين أمر بخروجه من الجنة جعل ما أسمعه إياه من عزيز خطابه زاداً ليكون له تذكرة وعتاداً.\r__________\r(1) - تفسير القرطبي حـ1 صـ227 باختصار يسير\r(2) - التسهيل حـ1 صـ45\r(3) - لطائف الإشارات حـ1 صـ82 - 83 باختصار يسير","part":1,"page":318},{"id":317,"text":"ومخاطبات الأحباب لا تحتمل الشرح, ولا يحيط الأجانب بها علماً, وعلى طريق الإشارة لا على معنى التفسير والتأويل, والحكم على الغيب بأنه كان كذلك وأراد به الحق سبحانه ذلك يحتمل في حال الأحباب عند المفارقة, وأوقات الوداع أن يقال : إذا خرجت من عندي فلا تنس عهدي\" (1)ا.هـ\r\" إنه هو التواب الرحيم \"\rقال الإمام الفخر(2) : \rالمراد من وصف الله تعالى بالتواب المبالغة في قبول التوبة وذلك من وجهين الأول : أن واحداً من ملوك الدنيا متى جنى عليه إنسان ثم اعتذر إليه, فإنه يقبل الاعتذار, ثم إذا عاد إلى الجناية وإلى الاعتذار مرة أخرى فإنه لا يقبله, لأن طبعه يمنعه من قبول العذر, أما الله سبحانه وتعالى فإنه بخلاف ذلك, فإنه إنما يقبل التوبة لا لأمر يرجع إلى رقة طبع أو جلب نفع أو دفع ضرر, بل إنما يقبلها لمحض الإحسان والتفضل, فل وعصى المكلف كل ساعة ثم تاب وبقى على هذه الحالة العمر الطويل لكان الله يغفر له ما قد سلف, ويقبل توبته, فصار تعالى مستحقاً للمبالغة في قبول التوبة, فوصف بأنه تعالى تواب.\rالثاني : أن الذين يتوبون إلى الله تعالى فإنه يكثر عددهم, فإذا قبل توبة الجميع استحق المبالغة في ذلك, ولما كان قبول التوبة مع إزالة العقاب يقتضي حصول الثواب من جهته نعمة ورحمة وصف نفسه مع كونه تواباً بأنه رحيم. ا.هـ\r\" وهذا كلام نفيس أيضاًً في التوبة \"\rقال الإمام القرطبي(3) : \r__________\r(1) - هذا الكلام وما شابهه ليس من التفسير في شيء ، لكن كما قال الإمام ابن عطية في مثل هذا الكلام إنه ليس من متين التفسير ولكنه من ملحه فليفهم القارئ الكريم ولينتبه - حتى لا يساء الظن بأحد من المسلمين والله أعلم بأسرار كتابه.\r(2) - التفسير الكبير حـ3 صـ468\r(3) تفسير القرطبي حـ1 صـ228 - 229","part":1,"page":319},{"id":318,"text":"قوله تعالى [إنه هو التواب الرحيم] وصف نفسه سبحانه وتعالى بأنه التواب, وتكرر في القرآن معرفاً ومنكراً واسماً وفعلاً, وقد يطلق على العبد أيضاً تواب, قال الله تعالى : [إن الله يحب التوابين ويحب المتطهرين] (البقرة : 222 )\rقال ابن العربي : ولعلمائنا في وصف الرب بأنه تواب ثلاثة أقوال : \rأحدها : أنه يجوز في حق الرب سبحانه وتعالى فيدعى به كما في الكتاب والسنة ولا يتأول, وقال آخرون : هو وصف حقيقي لله سبحانه وتعالى, وتوبة الله على العبد رجوعه من حال المعصية إلى حال الطاعة, وقال آخرون : توبة الله على العبد قبول توبته, وذلك يحتمل أن يرجع إلى قوله سبحانه وتعالى : قبلت توبتك.\rوأن يرجع إلى خلقه الإنابة والرجوع في قلب المسئ وإجراء الطاعات على جوارحه الظاهرة. ا.هـ\r\" إنه هو التواب الرحيم \"\r(سؤال) هل يجوز أن يقال في حق الله تعالى : تائب ؟ \r( الجواب) لا يجوز أن يقال في حق الله تعالى : تائب, اسم فاعل من تاب يتوب, لأنه ليس لنا أن نطلق عليه من الأسماء والصفات إلا ما أطلقه هو على نفسه أو نبيه - عليه السلام - أو جماعة المسلمين, وإن كان في اللغة محتملاً جائزاً.\rهذا هو الصحيح في هذا الباب قال الله تعالى [لقد تاب الله على النبي والمهاجرين والأنصار] (التوبة : 117) وقال [وهو الذي يقبل التوبة عن عباده] (الشورى : 25) وإنما قيل لله عز وجل تواب لمبالغة الفعل وكثرة قبوله توبة عباده لكثرة من يتوب إليه(1). ا.هـ\r\" فوائد جليلة \"\rقال الإمام الفخر(2) - رحمه الله - من فؤائد الآية : أن آدم عليه السلام لما لم يستغن عن التوبة مع عل وشأنه فالواحد منا أولى بذلك.\rومنها : ما ظهر من آدم - عليه السلام - من البكاء على زلته تنبيه لنا أيضاً لأنا أحق بالبكاء من آدم عليه السلام. ا.هـ\r__________\r(1) - تفسير القرطبي حـ1 صـ229 باختصار يسير\r(2) - التفسير الكبير حـ3 صـ471 بتصرف يسير","part":1,"page":320},{"id":319,"text":"(سؤال) : لم اكتفى الله تعالى بذكر توبة آدم دون ذكر توبة حواء ؟ \rأجاب الإمام الفخر بقوله : لأنها كانت : تبعاً له كما طوى ذكر النساء في القرآن والسنة لذلك, وقد ذكرها في قوله [قالا ربنا ظلمنا أنفسنا]( الأعراف : 23) ا.هـ\rلطيفة\rسئل ذ والنون المصري عن التوبة فقال : إنها اسم جامع لمعان ستة : أولهن الندم على ما مضى والثاني : العزم على ترك الذنوب في المستقبل, الثالث : أداء كل فريضة ضيعتها فيما بينك وبين الله, والرابع أداء المظالم إلى المخلوقين في أموالهم وأعراضهم.\rالخامس : إذابة كل لحم ودم بنت من الحرام ، والسادس : إذاقة البدن ألم الطاعات كما ذاق حلاوة المعصية.\rوكان أحمد بن حارس يقول : يا صاحب الذنوب ألم يأن لك أن تتوب.. يا صاحب الذنوب إن الذنب في الديوان مكتوب ، يا صاحب الذنوب أنت بها في القبر مكروب ، يا صاحب الذنوب أنت غداً بالذنوب مطلوب. أهـ.\r\" بحث نفيس في عصمة الأنبياء \"\rاختلف الناس في عصمة الأنبياء عليهم السلام وضبط القول فيه أن يقال : الاختلاف في هذا الباب يرجع إلى أقسام أربعة : أحدها : مايقع في باب الاعتقاد, وثانيها : ما يقع في باب التبليغ, وثالثها ما يقع في باب الأحكام والفتيا, ورابعها ما يقع في أفعالهم وسيرتهم. أما اعتقادهم الكفر والضلال فإن ذلك غير جائز عند أكثر الأمة. وقالت الفضيلية من الخوارج : إنهم قد وقعت منهم الذنوب, والذنب عندهم كفر وشرك, فلا جرم قالوا بوقوع الكفر منهم, وأجازت الإمامية عليهم إظهار الكفر على سبيل التقية.\rأما النوع الثاني : وهو ما يتعلق بالتبليغ, فقد أجمعت الأمة على كونهم معصومين عن الكذب والتحريف, فيما يتعلق بالتبليغ, وإلا لارتفع الوثوق بالأداء, واتفقوا على أن ذلك لا يجوز وقوعه منهم عمداً كما لا يجوز أيضاً سهواً, ومن الناس من جوز ذلك سهواً, قالوا : لأن الإحتراز عنه غير ممكن.","part":1,"page":321},{"id":320,"text":"وأما النوع الثالث : وهو ما يتعلق بالفتيا فأجمعوا على أنه لا يجوز خطؤهم فيه على سبيل التعمد, وأما على سبيل السه وفجوزه بعضهم وأباه آخرون.\rوأما النوع الرابع : وهو الذي يقع في أفعالهم, فقد اختلف الأمة فيه على خمسة أقوال أحدها : قول من جوز عليهم الكبائر على جهة العمد وهو قول الحشوية. والثاني قول من لا يجوز عليهم الكبائر لكنه يجوز عليهم الصغائر على جهة العمد إلا ما ينفر كالكذب والتطفيف وهذا قول أكثر المعتزلة. القول الثالث : أنه لا يجوز أن يأتوا بصغيرة ولا بكبيرة إلا على جهة التأويل وهو قول الجبائي. القول الرابع : أنه لا يقع منهم الذنب إلا على جهة السه ووالخطأ ولكنهم مأخوذون بما يقع منهم على هذه الجهة وإن كان ذلك موضوعاً عن أمتهم وذلك لأن معرفتهم أقوى ودلائلهم أكثر, وأنهم يقدرون من التحفظ على ما لا يقدر عليه غيرهم. القول الخامس : أنه لا يقع منهم الذنب لا الكبير ولا الصغير لا على سبيل القصد ولا على سبيل السه وولا على سبيل التأويل والخطأ, وهو مذهب الرافضة, واختلف الناس في وقت العصمة على ثلاثة أقوال : أحدها, قول من ذهب إلى أنهم معصومون من وقت مولدهم وهو قول الرافضة ووثانيها قول من ذهب إلى أن وقت عصمتهم وقت بلوغهم ولم يجوزوا منهم ارتكاب الكفر والكبيرة قبل النبوة, وهو قول كثير من المعتزلة, وثالثها : قول من ذهب إلى أن ذلك لا يجوز وقت النبوة, أما قبل النبوة فجائز, وهو قول أكثر أصحابنا وقول أبي الهذيل وأبي علي من المعتزلة. والمختار عندنا أنه لم يصدر عنهم الذنب حال النبوة ألبتة, لا الكبيرة ولا الصغيرة, ويدل عليه وجوه : أحدها : لو صدر الذنب عنهم لكانوا أقل درجة من عصاة الأمة وذلك غير جائز, بيان الملازمة أن درجة الأنبياء كانت في غاية الجلال والشرف, وكل من كان كذلك كان صدور الذنب عنه أفحش ألا ترى إلى قوله تعالى : [يا نساء النبي من يأت منكن بفاحشة مبينة يضاعف لها العذاب ضعفين] (الأحزاب : ","part":1,"page":322},{"id":321,"text":"30) والمحصن يرجم وغيره يحد, وحد العبد نصف حد الحر, وأما أنه لا يجوز أن يكون النبي أقل حالاً من الأمة فذاك بالإجماع. ثانيها : أن بتقدير إقدامه على الفسق وجب أن لا يكون مقبول الشهادة لقوله تعالى : [إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا] (الحجرات : 6) لكنه مقبول الشهادة, وإلا كان أقل حالاً من عدول الأمة, وكيف لا نقول ذلك وأنه لا معنى للنبوة والرسالة إلا أنه يشهد على الله تعالى بأنه شرع هذا الحكم وذاك, وأيضاً فهو يوم القيامة شاهد على الكل لقوله : [لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيداً] (البقرة : 143 ). وثالثها : أن بتقدير إقدامه على الكبيرة يجب زجره عنها, فلم يكن إيذاؤه محرماً لكنه محرم لقوله تعالى : [إن الذين يؤذون الله ورسوله لعنهم الله في الدنيا والآخرة] (الأحزاب : 57 ). ورابعها : أن محمد - صلى الله عليه وسلم - لو أتى بالمعصية لوجب علينا الإقتداء به فيها لقوله تعالى : [فاتبعوني] (آل عمران : 31) فيفضي إلى الجمع بين الحرمة والوجوب وهو محال, وإذا ثبت ذلك في حق محمد - صلى الله عليه وسلم - ثبت أيضا في سائر الأنبياء, ضرورة أنه لا قائل بالفرق. وخامسها : أنا نعلم ببديهة العقل أنه لا شئ أقبح من نبي رفع الله درجته وائتمنه على وحيه وجعله خليفة في عبادة وبلاده يسمع ربه يناديه : لا تفعل كذا فيقدم عليه ترجيحاً للذته, غير ملتفت إلى نهي ربه ولا منزجر بوعيده. هذا معلوم القبح بالضرورة. وسادسها : أنه لو صدرت المعصية من الأنبياء لكانوا مستحقين للعذاب لقوله تعالى : [ومن يعصي الله ورسوله فإن له نار جهنم خالدين فيها] (الجن : 23) ولاستحقوا اللعن لقوله : [ألا لعنة الله على الظالمين] (هود : 18) وأجمعت الأمة على أن أحداً من الأنبياء لم يكن مستحقاً للعن ولا للعذاب فثبت أنه ما صدرت المعصية عنه. وسابعها : أنهم كانوا يأمرون الناس بطاعة الله فل ولم يطيعوه لدخلوا تحت قوله : [أتأمرون الناس","part":1,"page":323},{"id":322,"text":"بالبر وتنسون أنفسكم وأنتم تتلون الكتاب أفلا تعقلون] (البقرة : 44 ). وقال : [وما أريد أن أخالفكم إلى ما أنهاكم عنه] (هود : 88 ), فما لا يليق بواحد من وعاظ الأمة كيف يجوز أن ينسب إلى الأنبياء عليهم السلام. وثامنها : قوله تعالى : [إنهم كانوا يسارعون في الخيرات] (الأنبياء : 90 ), ولفظ الخيرات للعموم فيتناول الكل ويدخل فيه فعل ما ينبغي وترك ما لا ينبغي, فثبت أن الأنبياء كانوا فاعلين لكل ما ينبغي فعله وتاركين كل ما ينبغي تركه, وذلك ينافي صدور الذنب عنهم. وتاسعها : قوله تعالى [وإنهم عندنا لمن المصطفين الأخيار] (ص : 47 ), وهذا يتناول جميع الأفعال والتروك بدليل جواز الاستثناء فيقال : فلا من المصطفين الأخيار إلا في الفعلة الفلانية والاستثناء يخرج من الكلام ما لولاه لدخل تحته, فثبت أنهم كانوا أخياراً في كل الأمور, وذلك ينافي صدور الذنب عنهم. وقال : [الله يصطفي من الملائكة رسلاً ومن الناس] (الحج : 75 ), [إن الله اصطفى آدم ونوحاً وآل إبراهيم وآل عمران على العالمين] (آل عمران : 33) وقال في إبراهيم : [ولقد اصطفيناه في الدنيا] (البقرة : 130) وقال في موسى : [إني اصطفيتك على الناس برسالاتي وبكلامي] (الأعراف : 144 ). وقال : [واذكر عبادنا إبراهيم وإسحاق ويعقوب أولي الأيدي والأبصار إنا أخلصناهم بخالصة ذكرى الدار وإنهم عندنا لمن المصطفين الأخيار] (ص : 45- 47 ). فكل هذه الآيات دالة على كونهم موصوفين بالاصطفاء والخيرية, وذلك ينافي صدور الذنب عنهم. عاشرها : أنه تعالى حكى عن إبليس قوله : [فبعزتك لأغوينهم أجمعين إلا عبادك منهم المخلصين] (ص : 82-83) فاستثنى من جملة من يغويهم المخلصين وهم الأنبياء عليهم السلام. قال تعالى في صفة إبراهيم وإسحاق ويعقوب : [إنا أخلصناهم بخالصة ذكرى الدار] (ص : 46) وقال في يوسف : [إنه من عبادنا المخلصين] (يوسف : 24) , وإذا ثبت وجوب العصمة في حق البعض ثبت","part":1,"page":324},{"id":323,"text":"وجوبها في حق الكل لأنه لا قائل بالفرق. والحادي عشر : قوله تعالى : [ولقد صدق عليهم إبليس ظنه فاتبعوه إلا فريقاً من المؤمنين] (سبأ : 20) فأولئك الذين ما اتبعوه وجب أن يقال : إنه ما صدر الذنب عنهم وإلا فقد كانوا متبعين له, وإذا ثبت في ذلك الفريق أنهم ما أذنبوا فذلك الفريق إما الأنبياء أو غيرهم, فإن كانوا هم الأنبياء فقد ثبت في النبي أنه لا يذنب وإن كانوا غير الأنبياء فل وثبت في الأنبياء أنهم أذنبوا لكانوا أقل درجة عند الله من ذلك الفريق, فيكون غير النبي أفضل من النبي, وذلك باطل بالاتفاق فثبت أن الذنب ما صدر عنهم. الثاني عشر أنه تعالى قسم الخلق قسمين فقال : [أولئك حزب الشيطان ألا إن حزب الشيطان هم الخاسرون] (المجادلة : 19) وقال في الصنف الآخر : [أولئك حزب الله ألا إن حزب الله هم المفلحون] (المجادلة : 22) ولا شك أن حزب الشيطان هو الذي يفعل ما يرتضيه الشيطان, والذي يرتضيه الشيطان هو المعصية, فكل من عصى الله تعالى كان من حزب الشيطان, فل وصدرت المعصية من الرسول لصدق عليه أنه من حزب الشيطان ولصدق عليه أنه من الخاسرين ولصدق على زهاد الأمة أنهم من حزب الله وأنهم من المفلحين, فحينئذ يكون ذلك الواحد من الأمة أفضل بكثير عند الله من ذلك الرسول, وهذا لا يقول به مسلم. الثالث عشر : أن الرسول أفضل من الملك فوجب أن لا يصدر الذنب من الرسول, وإنما قلنا أنه أفضل لقوله تعالى : [إن الله اصطفى آدم ونوحاً وآل إبراهيم وآل عمران على العالمين] (آل عمران : 33 ), ووجه الاستدلال به قد تقدم في مسألة فضل الملك على البشر وإنما قلنا إنه لما كان كذلك وجب أن لا يصدر الذنب عن الرسول لأنه تعالى وصف الملائكة بترك الذنب, فقال : [لا يسبقونه بالقول] (الأنبياء : 27) وقال : [لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون ]( التحريم : 6) فل وصدرت المعصية عن الرسول لامتنع كونه أفضل من الملك لقوله تعالى : [أم نجعل","part":1,"page":325},{"id":324,"text":"الذين آمنوا وعملوا الصالحات كالمفسدين في الأرض أم نجعل المتقين كالفجار]( ص : 28) الرابع عشر : روى أن خزيمة بن ثابت شهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على وفق دعواه فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : \"كيف شهدت لي\" فقال : يا رسول الله إني أصدقك على الوحي النازل عليك من فوق سبع سموات, أفلا أصدقك في هذا القدر ؟ فصدقه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وسماه بذي الشهادتين ولو كانت المعصية جائزة على الأنبياء لما جازت تلك الشهادة. الخامس عشر : قال في حق إبراهيم عليه السلام [إني جاعلك للناس إماماً] (البقرة : 124) والإمام من يؤتم به فأوجب على كل الناس أن يأتموا به فل وصدر الذنب عنه لوجب عليهم أن يأتموا به في ذلك الذنب وذلك يفضي إلى التناقض.","part":1,"page":326},{"id":325,"text":"السادس عشر : قوله تعالى : [لا ينال عهدي الظالمين] (البقرة : 124) والمراد بهذا العهد إما عهد النبوة أو عهد الإمامة, فإن كان المراد عهد النبوة وجب أن لا تثبت النبوة للظالمين, وإن كان المراد عهد الإمامة وجب أن لا تثبت الإمامة للظالمين وإذا لم تثبت الإمامة للظالمين وجب أن لا تثبت النبوة للظالمين, لأن كل نبي لا بد وأن يكون إماماً يؤتم به ويقتدي به. والآية على جميع التقديرات تدل على أن النبي لا يكون مذنباً. أما المخالف فقد تمسك في كل واحد من المواضع الأربعة التي ذكرناها بآيات ونحن نشير إلى معاقدها ونحيل بالاستقصاء على ما سيأتي في هذا التفسير إن شاء الله تعالى : أما الآيات التي تمسكوا بها في باب الاعتقاد فثلاثة : أولها : تمسكوا بالطعن في اعتقاد آدم عليه السلام بقوله : [ه والذي خلقكم من نفس واحدة وجعل منها زوجها ليسكن إليها] (الأعراف : 189) إلى آخر الآية. قالوا لا شك أن النفس الواحدة هي آدم وزوجها المخلوق منها هي حواء, فهذه الكنايات بأسرها عائدة إليهما فقوله : [جعلا له شركاء فيما آتاها فتعالى الله عما يشركون] (الأعراف : 190) يقتضي صدور الشرك عنهما, والجواب : لا نسلم أن النفس الواحدة هي آدم وليس في الآية ما يدل عليه بل نقول : الخطاب لقريش وهم آل قصي والمعنى خلقكم من نفس قصي وجعل من جنسها زوجة عربية ليسكن إليها فلما آتاهما ما طلبا من الولد الصالح سميا أولادهما الأربعة : بعبد مناف وعبد العزى وعبد الدار وعبد قصي, والضمير في يشركون لهما ولأعقابهما فهذا الجواب هو المعتمد, وثانيها : قالوا إن إبراهيم عليه السلام لم يكن عالماً بالله ولا باليوم الآخر. أما الأول فلأنه قال في الكواكب [هذا ربي] (الأنعام : 77 ), وأما الثاني : فقوله [أرني كيف تحيي الموتى قال أولم تؤمن قال بلى ولكن ليطمئن قلبي] (البقرة : 260) والجواب : أما قوله [هذا ربي] فهو استفهام على سبيل الإنكار, وأما قوله [ولكن","part":1,"page":327},{"id":326,"text":"ليطمئن قلبي], فالمراد أنه ليس الخبر كالمعاينة, وثالثها : تمسكوا بقوله تعالى : [فإن كنت في شك مما أنزلنا إليك فاسأل الذين يقرأون الكتاب من قبلك لقد جاءك الحق من ربك فلا تكونن من الممترين] (يونس : 94 ), فدلت الآية على أن محمداً - صلى الله عليه وسلم - كان في شك مما أوحي إليه والجواب : أن القلب في دار الدنيا لا ينفك عن الأفكار المستعقبة للشبهات إلا أنه عليه الصلاة والسلام كان يزيلها بالدلائل.\rأما الآيات التي تمسكوا بها في باب التبليغ فثلاثة : أحدها : قوله : [سنقرئك فلا تنسى إلا ما شاء الله] (الأعلى : 6-8) فهذا الاستثناء يدل على وقوع النسيان في الوحي, الجواب : ليس النهي عن النسيان الذي هو ضد الذكر, لأن ذاك غير داخل في الوسع بل عن النسيان بمعنى الترك فنحمله على ترك الأولى. وثانيها : قوله : [وما أرسلنا من قبلك من رسول ولا نبي إلا إذا تمنى القى الشيطان في أمنيته] (الحج : 52), والكلام عليه مذكور في سورة الحج على الاستقصاء, وثالثها : قوله تعالى [عالم الغيب فلا يظهر على غيبة أحداً إلا من ارتضى من رسول فإنه يسلك من بين يديه ومن خلفه رصداً, ليعلم أن قد أبلغوا رسالات ربهم] (الجن : 26-28). قالوا : فلولا الخوف من وقوع التخليط في تبليغ الوحي من جهة الأنبياء لم يكن في الاستظهار بالرصد المرسل معهم فائدة, والجواب : لم لا يجوز أن تكون الفائدة أن يدفع ذلك الرصد الشياطين عن ألقاء الوسوسة. أما الآيات التي تمسكوا بها في الفتيا فثلاثة, أحدها : قوله : [وداود وسليمان إذ يحكمان في الحرث] (الأنبياء : 78 ), وقد تكلمنا عليه في سورة الأنبياء. وثانيها : قوله في أساري بدر حين فاداهم النبي - صلى الله عليه وسلم - [ما كان لنبي أن يكون له أسرى حتى يثخن في الأرض] (الأنفال : 67 ), فلولا أنه أخطأ في هذه الحكومة وإلا لما عوتب, وثالثها : قوله تعالى : [ عفا الله عنك لم أذنت لهم] (التوبة : 43 ), والجواب عن","part":1,"page":328},{"id":327,"text":"الكل : أن نحمله على ترك الأولى(1). ا.هـ\rوسيأتي - إن شاء الله - تفصيل ذلك في موضعه.\r\" يا بني إسرائيل اذكروا نعمتي التي أنعمت عليكم \"\rلما قدم دعوة الناس عموماً وذكر مبدأهم : دعا بني إسرائيل خصوصاً وهم اليهود وجرى الكلام معهم من هنا إلى حزب سيقول السفهاء فتارة دعاهم بالملاطفة وذكر الإنعام عليهم وعلى آبائهم, وتارة بالتخويف, وتارة بإقامة الحجة وتوبيخهم على سوء أعمالهم, وذكر العقوبات التي عاقبهم بها فذكر من النعم عليهم عشرة أشياء, وهي \"وإذ نجيناكم من آل فرعون, وإذ فرقنا بكم البحر, وبعثناكم من بعد موتكم, وظللنا عليكم الغمام, وأنزلنا عليكم المن والسلوى, وعفونا عنكم, وتاب عليكم, ويغفر لكم خطاياكم, وآتينا موسى الكتاب والفرقان لعلكم تهتدون, وانفجرت منه اثنتا عشرة عيناً\" وذكر من سوء أفعالهم عشرة أشياء : قولهم : \"سمعنا وعصينا, واتخذتم العجل, وقالوا أرنا الله جهرة, فبدل الذين ظلموا, ولن نصبر على طعام واحد, ويحرفونه, وتوليتم من بعد ذلك, قست قلوبكم, وكفرهم بآيات الله, وقتلهم الأنبياء بغير حق\" وذكر من عقوباتهم عشرة أشياء : \"ضربت عليهم الذلة والمسكنة, وباؤا بغضب من الله , ويعطوا الجزية, واقتلوا أنفسكم, وكونوا قردة, وأنزلنا عليهم رجزاً من السماء, وأخذتكم الصاعقة, وجعلنا قلوبهم قاسية, وحرمنا عليهم طيبات أحلت لهم\" وهذا كله جزاء لآبائهم المتقدمين, وخوطب المعاصرون لمحمد - صلى الله عليه وسلم - بتوبيخات أخر, وهي كتمانهم أمر محمد - صلى الله عليه وآله وسلم - مع معرفتهم به, ويحرفون الكلم ويقولون هذا من عند الله, وتقتلون أنفسكم, وتخرجون فريقاً من دياركم, وحرصهم على الحياة, وعداوتهم لجبريل, واتباعهم للسحر, وقولهم نحن أبناء الله, وقولهم يد الله مغلولة(2). اهـ.\r__________\r(1) - التفسير الكبير حـ3 صـ455 - 458\r(2) - التسهيل حـ1 صـ45","part":1,"page":329},{"id":328,"text":"\"يا بني إسرائيل\" اتفق المفسرون على أن إسرائيل هو يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم - صلى الله عليهم وسلم - أجمعين.\rومعنى [إسرائيل] عبد الله , وقيل صفوة الله, والمعنى يا أولاد يعقوب.\r[اذكروا نعمتى التي أنعمت عليكم] أي اشكروا نعمتي, وإنما عبر عنه بالذكر, لأن من ذكر النعمة فقد شكرها, ومن جحدها فقد كفرها, وقيل الذكر يكون بالقلب, ويكون باللسان, ووحد النعمة, لأنها المنفعة المفعولة على جهة الإحسان إلى الغير ومعناه : أن المضرة المحضة لا تكون نعمة, ولو فعل الإنسان منفعة وقصد نفسه بها, لا تسمى نعمة إذا لم يقصد بها الغير(1). اهـ\r[سؤال] فإن قيل : فإذا كانت النعم غير متناهية, ومالا يتناهى لا يحصل العلم به في حق العبد, فكيف أمر بتذكرها في قوله تعالى [اذكروا نعمتي التي أنعمت عليكم] ؟ \r[الجواب] أنها غير متناهية بحسب الأنواع والأشخاص إلا أنها متناهية بحسب الأجناس, وذلك يكفي في التذكير الذي يفيد العلم بوجود الصانع الحكيم واعلم أنه لما ثبت استحقاق من الحمد والثناء والطاعة لا يتحقق إلا على إيصال النعمة ثبت أنه سبحانه وتعالى هو المستحق لحمد الحامدين(2). اهـ.\rوقال القرطبي(3) : الذكر اسم مشترك, فالذكر بالقلب ضد النسيان, والذكر باللسان ضد الإنصات.\rوقال القشيري : حقيقة النعمة على لسان العلماء : لذة خالصة عن الشوائب, وما يوجب مثلها, فهي أيضاً عندهم نعمة, وعند أهل الحقيقة النعمة ما أشهدك المنعم أو ما ذكرك بالمنعم أو ما أوصلك إلى المنعم أو ما لم يحجبك عن المنعم(4). اهـ\r\"لطيفة\"\rقال الخازن(5) : النعم ثلاثة : \r__________\r(1) - تفسير الخازن - حـ1 صـ44\r(2) - التفسير الكبير - حـ3 صـ475\r(3) - تفسير القرطبي حـ1 صـ232\r(4) - لطائف الإشارات حـ1 صـ 44\r(5) - تفسير الخازن حـ1 صـ44","part":1,"page":330},{"id":329,"text":"نعمة تفرد بها الله تعالى : وهي إيجاد الإنسان ورزقه, ونعمة وصلت إلى الإنسان بواسطة الغير, لكن الله مكنه من ذلك, فالمنعم بها في الحقيقة هو الله تعالى, ونعمة حصلت للإنسان بسبب الطاعة, وهي أيضاً من الله تعالى, فالله هو المنعم المطلق في الحقيقة, لأن أصول النعم كلها منه.\rوأما النعم المختصة ببني إسرائيل فكثيرة, لأن قوله [اذكروا نعمتي] لفظ واحد ومعناها الجمع, فمن النعم أن الله أنقذهم من فرعون, وفلق البحر لهم, وأغرق فرعون, وتظليلهم بالغمام, وإنزال المن والسلوى في التيه عليهم, وإنزال التوراة, ونعم غير هذه كثيرة. أهـ.\r\"لطيفة ثانية\"\rقال بعض العارفين : عبيد النعم كثيرون, وعبيد المنعم قليلون, فالله تعالى ذكر بني إسرائيل بنعمه عليهم, ولما آل الأمر إلى أمة محمد - صلى الله عليه وسلم - ذكرهم بالمنعم فقال [فاذكروني أذكركم] (البقرة : 152) فدل ذلك على فضل أمة محمد - صلى الله عليه وسلم - على سائر الأمم(1). ا.هـ\r\" اذكروا نعمتي التي أنعمت عليكم \"\rوقال أبو السعود(2) : [اذكروا نعمتي التي أنعمت عليكم] بالتفكير فيها, والقيام بشكرها وفيه إشعار بأنهم قد نسوها بالكلية, ولم يخطروها بالبال – لا أنهم أهملوا شكرها فقط, وإضافة النعمة إلى ضمير الجلالة, لتشريفها, وإيجاب تخصيص شكرها به تعالى, وتقييد النعمة بهم, كما أن الإنسان مجبول على حب النعمة, فإذا نظر إلى ما فاض عليه من المنعم حمله ذلك على الرضى والشكر. أهـ.\rقوله تعالى : [وأوفوا بعهدي أوف بعهدكم (3)]\r__________\r(1) - التفسير الكبير حـ3 صـ477\r(2) - تفسير أبي السعود حـ1 صـ94\r(3) - وسيأتي إن شاء ذكرها فيما بعد في كلام الإمام القشيري – رحمه الله – عن الآية.","part":1,"page":331},{"id":330,"text":"قال القرطبي بعد أن ذكر أقوال المفسرين في قوله [وأوفوا بعهدي...] وقيل : هو عام في جميع أوامره ونواهيه ووصاياه, فيدخل في ذلك ذكر محمد - صلى الله عليه وسلم - الذي في التوراة, وغيره, هذا قول الجمهور من العلماء, وهو الصحيح, وعهده سبحانه وتعالى هو أن يدخلهم الجنة.\rثم قال الإمام القرطبي : ووفاؤهم بعهد الله أمارة لوفاء الله تعالى لهم لا علة له, بل ذلك تفضل منه عليهم(1). ا.هـ\rقوله تعالى : [وإياى فارهبون]\rوقوله [وإياي فارهبون] يدل على أن المرء يجب أن لا يخاف أحداً إلا الله تعالى وكما يجب ذلك في الخوف, فكذا في الرجاء والأمل, وذلك يدل على أن الكل بقضاء الله وقدره, إذ لو كان العبد مستقلاً بالفعل لوجب أن يخاف منه كما يخاف من الله تعالى, وحينئذ يبطل الحصر الذي دل عليه قوله تعالى [وإياى فارهبون] (2).\rوقال أبو السعود(3) : [وإياى فارهبون] فيما تأتون وما تذرون وخصوصاً في نقض العهد وهو أأكد في إفادة التخصيص من [إياك نعبد] لما فيه مع التقديم من تكرير المفعول, والفاء الجزائية الدالة على تضمن الكلام معنى الشرط, كأنه قيل : إن كنتم راهبين شيئاً فارهبوني. ا.هـ\rوقيل الخوف خوفان : خوف العقاب, وخوف الجلال, والأول نصيب أهل الظاهر والثاني : نصيب أهل القلب, والأول يزول, والثاني لا يزول(4). ا.هـ\rوقال الإمام القشيري - رحمه الله - ما نصه : \rقوله تعالى جل ذكره : [وأوفوا بعهدي أوف بعهدكم وإياي فارهبون] عهده - سبحانه - حفظ المعرفة وعهدنا اتصال المغفرة, عهده حفظ محابه وعهدنا لطف ثوابه, وعهده حضور الباب وعهدنا جزيل المآب.\r__________\r(1) - تفسير القرطبي حـ1 صـ 233 بتصرف يسير\r(2) - التفسير الكبير حـ2 - صـ482\r(3) - تفسير أبي السعود حـ1 صـ95\r(4) - التفسير الكبير - حـ3 - صـ482 بتصرف يسير","part":1,"page":332},{"id":331,"text":"أوفوا بعهدي بحفظ السر أوف بعهدكم بجميل البر, أوفوا بعهدي الذي قبلتم يوم الميثاق أوف بعهدكم الذي ضمنت لكم يوم التلاق, أوفوا بعهدي في ألا تؤثروا علي غيري, أوف بعهدكم في ألا أمنع عنكم لطفي وخيري, أوفوا بعهدي برعاية ما أثبت فيكم من الودائع أوف بعهدكم بما أديم لكم من شوارق اللوامع وزواهر الطوالع, أوفوا بعهدي بحفظ أسراري, أوف بعهدكم بجميل مباري, أوفوا بعهدي باستدامة عرفاني, أوف بعهدكم في إدامة إحساني, أوفوا بعهدي بالقيام في خدمتي أوف بعهدكم في المنة عليكم بقبولها منكم, أوفوا بعهدي في القيام بحسن المجاهدة والمعاملة أوف بعهدكم بدوام المواصلة والمشاهدة, أوفوا بعهدي بالتبري من الحول والمنة أوف بعهدكم بالإكرام بالطول والمنة, أوفوا بعهدي بصدق المحبة أوف بعهدكم بكمال القربة, أوفوا بعهدي اكتفوا مني بي أوف بعهدكم أرضى بكم عنكم, أوفوا بعهدي في دار الغيبة على بساط الخدمة بشد نطاق الطاعة, وبذل الوسع والاستطاعة أوف بعهدكم في دار القربة على بساط الوصلة بإدامة الأنس والرؤية وسماع الخطاب وتمام الزلفة, أوفوا بعهدي في المطالبات بترك الشهوات أوف بعهدكم بكفايتكم تلك المطالبات, أوفوا بعهدي بأن تقولوا أبداً : ربي ربي أوف بعهدكم بأن أقول لكم عبدي عبدي. وإياي فارهبون, أي أفردوني بالخشية لانفرادي بالقدرة على الإيجاد فلا تصح الخشية ممن ليس له ذرة ولا منة (1). اهـ.\r[ ولا تكونوا أول كافر به ]\rالضمير في [به] قيل هو عائد على سيدنا محمد - صلى الله عليه وسلم - وقيل : على القرآن, وقيل على التوراة, إذ تضمنها قوله [لما معكم] (2).\rولم يقل كافرين مع أنهم جمع, لأن التقدير : ولا تكونوا أول فريق كافر به(3). اهـ.\r__________\r(1) - لطائف الإشارات حـ1 ص صـ84 ، 85\r(2) - لا يخفى ما في هذا القول من التكلف والبعد.\r(3) - تفسير القرطبي حـ1 صـ233 بتصرف يسير","part":1,"page":333},{"id":332,"text":"[ولا تكونوا أول كافر به] وهذا تعريض بأنه كان يجب أن يكونوا أول من يؤمن به, لمعرفتهم به وبصفته(1). أهـ.\rوقال ابن الجوزي(2) : إنما قال : [أول كافر به], لأن المتقدم إلى الكفر أعظم من الكفر بعد ذلك, إذ المبادر لم يتأمل الحجة وإنما بادر بالعناد, فحاله أشد وقيل : [ولا تكونوا أول كافر به] بعد أن آمن والخطاب لرؤساء اليهود. اهـ\rوقال الآلوسي(3) : [ولا تكونوا أول كافر به] وقيل : إنها مشاكلة لقولهم : إنا نكون أول من يتبعه - صلى الله عليه وسلم - (4) , وقد يقال إنها بمعنى السبق وعدم التخلف. اهـ\rوقال الخطيب الشربيني(5) : فإن قيل كيف نهوا عن التقدم في الكفر, وقد سبقهم مشرك والعرب [أجيب] بأن المراد به التعريض بما يجب عليهم لمقتضى حالهم لا الدلالة على ما نطق الظاهر, كقولك لمن أساء : أما أنا فلست بجاهل, أو ولا تكونوا أول كافر من أهل الكتاب, لأن ، خلفكم تبع لكم, فإثمهم عليكم, أو ممن كفر بما معه, فإن من كفر بالقرآن, فقد كفر بما يصدقه, أو مثل من كفر من مشركي مكة. اهـ\rسؤال : كيف جعلوا أول من كفر به وقد سبقهم إلى الكفر مشرك والعرب ؟ والجواب من وجوه : أحدها : أن هذا تعريض بأنه كان يجب أن يكونوا أول من يؤمن به لمعرفتهم به وبصفته ولأنهم كانوا هم المبشرون بزمان محمد - صلى الله عليه وسلم - والمستفتحون على الذين كفروا به فلما بعث كان أمرهم على العكس لقوله تعالى[ فلما جاءهم ما عرفوا كفروا به] (البقرة : 89).\r__________\r(1) - تفسير النسفى حـ1 صـ45 بتصرف يسير\r(2) - زاد المسير حـ1 صـ74\r(3) - روح المعاني حـ1 صـ245\r(4) - كانوا يستفحتون بالنبي صلى الله عليه وسلم - في حربهم مع المشركين قائلين : اللهم انصرنا بالنبي المبعوث في آخر الزمان ويقولون لأعدائهم المشركين قد أظل زمان نبي يخرج فنقتلكم معه قتل عاد وإرم. أ هـ التسهيل حـ1 صـ53\r(5) - السراج المنير حـ1 صـ54","part":1,"page":334},{"id":333,"text":"وثانيها : يجوز أن يراد ولا تكونوا مثل أول كافر به يعني من أشرك من أهل مكة, أي ولا تكونوا وأنتم تعرفونه مذكوراً في التوراة والإنجيل مثل من لم يعر فهو هو مشرك لا كتاب له.\rوثالثها : ولا تكونوا أول كافر به من أهل الكتاب لأن هؤلاء كانوا أول من كفر بالقرآن من بني إسرائيل وإن كانت قريش كفروا به من قبل ذلك.\rورابعها : ولا تكونوا أول كافر به, يعني بكتابكم يقول ذلك لعلمائهم : أي ولا تكونوا أول أحد من أمتكم كذب كتابكم لأن تكذيبكم بمحمد – صلى الله عليه وسلم – يوجب تكذيبكم بكتابكم.\rوخامسها : أن المراد منه بيان تغليظ كفرهم وذلك لأنهم لما شاهدوا المعجزات الدالة على صدقه عرفوا البشارات الواردة في التوراة والإنجيل بمقدمه فكان كفرهم أشد من كفر من لم يعرف إلا نوعاً واحداً من الدليل والسابق إلى الكفر يكون أعظم ذنباً ممن بعده لقوله عليه السلام : \"من سن سنة سيئة فعليه وزرها ووزر من عمل بها\" فلما كان كفرهم عظيماً وكفر من كان سابقاً في الكفر عظيماً فقد اشتركا من هذا الوجه فصح إطلاق اسم أحدهما على الآخر على سبيل الاستعارة.\rوسادسها : المعنى ولا تكونوا أول من جحد مع المعرفة لأن كفر قريش كان مع الجهل لا مع المعرفة.\rوسابعها : أول كافر به من اليهود لأن النبي – صلى الله عليه وسلم – قدم المدينة وبها قريظة والنضير فكفروا به ثم تتابعت سائر اليهود على ذلك الكفر فكأنه قيل : أول من كفر به من أهل الكتاب وهو كقوله : [وأني فضلتكم على العالمين] (البقرة : 47, 122) أي عالمي زمانهم.\rوثامنها : ولا تكونوا أول كافر به عند سماعكم بذكره بل تثبتوا فيه وراجعوا عقولكم فيه. وتاسعها : أن لفظ [أول] صلة, والمعنى ولاتكونوا كافرين به, وهذا ضعيف.","part":1,"page":335},{"id":334,"text":"سؤال : أنه كان يجوز لهم الكفر إذا لم يكونوا أولاً, والجواب من وجوه : أحدها : أنه ليس في ذكر ذلك الشيء دلالة على أن ما عداه بخلافه, وثانيها : أن في قوله [وآمنوا بما أنزلت مصدقاً لما معكم] دلالة على أن كفرهم أولاً وآخراً محظور. وثالثها : أن قوله : [رفع السموات بغير عمد ترونها] (الرعد : 2) لا يدل على وجود عمد لا يرونها, وقوله [وقتلهم الأنبياء بغير حق] (النساء : 155) لا يدل على وجود قتل الأنبياء بحق. وقوله عقيب هذه الآية : [ولا تشتروا بآياتي ثمناً قليلاً] لا يدل على إباحة ذلك بالثمن الكثير, فكذا هاهنا, بل المقصود من هذه السياقة استعظام وقوع الجحد والإنكار ممن قرأ في الكتب نعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وصفته. ورابعها : قال المبرد : هذا الكلام خطاب لقوم خوطبوا به قبل غيرهم فقيل لهم لا تكفروا بمحمد فإنه سيكون بعدكم الكفار فلا تكونوا أنتم أول الكفار لأن هذه الأولية موجبة لمزيد الإثم وذلك لأنهم إذا سبقوا إلى الكفر فإما أن يقتدي بهم غيرهم في ذلك الكفر أو لا يكون كذلك. فإن اقتدى بهم غيرهم في ذلك الكفر كان لهم وزر ذلك الكفر ووزر كل من كفر إلى يوم القيامة, وإن لم يقتد بهم غيرهم اجتمع عليهم أمران, أحدهما : السبق إلى الكفر, والثاني : التفرد به, ولا شك في أنه منقصة عظيمة, فقوله : [ولا تكونوا أول كافر به] إشارة إلى هذا المعنى(1). اهـ.\rفائدة جليلة وفريدة\r«فخر الإِسلام» ـ الذي كان من كبار قساوسة المسيحيين ، وتتلمذ عند علمائهم حتى حاز مراتب كبيرة في الدراسات الكنسية ـ يتحدث في مقدمة كتابه «أنيس الأعلام» عن انتقاله من المسيحية إلى الإِسلام فيقول : \r__________\r(1) - التفسير الكبير حـ3 صـ483 ، 484","part":1,"page":336},{"id":335,"text":"«... بعد بحث طويل وعناء كبير وتجوال في المدن ، عثرت على قسيس كبير متميز في زهده وتقواه ، كان يرجع إليه الكاثوليك بما فيهم سلاطينهم ، تعلمت عليه زمناً مذاهب النصارى ، وكان له طلاب كثيرون ، ولكنه كان ينظر إليّ من بينهم نظرة خاصة ، وكانت كل مفاتيح البيت بيدي ، إلا مفتاحاً واحداً لغرفة صغيرة ، احتفظ به عنده.... وفي يوم اعتلّت صحة القسيس ، فقال لي : قل للطلاب إني لا أستطيع التدريس اليوم. حينما جئت الطلاب وجدتهم منهمكين في نقاش حول معنى «فارقليطا» في السريانية ، و«پريكلتوس» في اليونانية... واستمر بينهم النقاش ، وكل كان يدلي برأيه.... بعد أن عدت إلى الأستاذ سألني عما كان يدور بين الطلاب ، فأخبرته ، فقال لي : وما رأيك ؟ قلت : اخترت الرأي الفلاني.\rقال القسيس : ما قصّرت في عملك ، ولكن الحقّ غير ذلك ؛ لأن حقيقة هذا الأمر لا يعلمها إلا الراسخون في العلم ، وقليل ما هم. أكثرت في الإلحاح عليه أن يوضح لي معنى الكلمة. فبكى بكاءً مرّاً وقال : لم أخف عليك شيئاً... إن لفهم معنى هذه الكلمة أثراً كبيراً ، ولكنه إن انتشر فسنتعرض للقتل! فإن عاهدتني أن لا تفشيه فسأخبرك... فأقسمت بكل المقدسات أن لا أذكر ذلك لأحد ، فقال : إنه اسم من أسماء نبي المسلمين ، ويعني «أحمد» و«محمّد».\rثم أعطاني مفتاح الغرفة وقال : افتح الصندوق الفلاني ، وهاتِ الكتابين اللذين فيه ، جئت إليه بالكتابين وكانا مكتوبين باليونانية والسريانية على جلد ، ويعودان إلى عصر ما قبل الإِسلام.\rالكتابان ترجما «فارقليطا» بمعنى أحمد ومحمّد ، ثم أضاف الأستاذ : علماء النصارى كانوا مجمعين قبل ظهوره أن «فارقليطا» بمعنى «أحمد ومحمّد» ، ولكن بعد ظهور محمّد (صلى الله عليه وآله وسلم) ، غيّروا هذا المعنى حفظاً لمكانتهم ورئاستهم وأوّلوه ، واخترعوا له معنى آخر لم يكن على الإِطلاق هدف صاحب الإِنجيل.","part":1,"page":337},{"id":336,"text":"سألته عما يقوله بشأن دين النصارى ؟ قال : لقد نسخ بمجيء الإِسلام ، وكرر ذلك ثلاثاً ، ثم قلت : ما هي طريقة النجاة والصراط المستقيم في زماننا هذا ؟ قال : إنما هي باتباع محمّد (صلى الله عليه وآله وسلم).\rقلت : وهل التابعون له ناجون ؟ \rقال : إي والله ، وكرر ذلك ثلاثاً.\rثم بكى الأستاذ وبكيت كثيراً ثم قال : إذا أردت الآخرة والنجاة فعليك بدين الحق... وأنا أدع ولك دائماً ، شرط أن تكون شاهداً لي يوم القيامة أنّي كنت في الباطن مسلماً ، ومن أتباع محمّد (صلى الله عليه وآله وسلم)... وما من شك أن الإِسلام هو دين الله اليوم على ظهر الأرض».\rوكما يلاحظ فإن هذه الوثيقة الهامة تصرّح بما فعله علماء أهل الكتاب بعد ظهور نبي الإِسلام (صلى الله عليه وآله وسلم) من تحريف لتفسير اسم النّبي وعلاماته ، تحقيقاً لمصالحهم الشخصية.أهـ [الأمثل حـ1 صـ53].\rقوله تعالى : [وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة واركعوا مع الراكعين].\rقال الجصاص (1)– رحمه الله –\rقوله تعالى [وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة واركعوا مع الراكعين] لا يخل ومن أن يكون راجعاً إلى صلاة معهودة, وزكاة معلومة, وقد عرفها, ا وأن يكون متناولاً صلاة مجملة وزكاة مجملة موقوفة على البيان.\rوأما قوله [واركعوا مع الركعين] فإنه يفيد إثبات فرض الركوع في الصلاة, وقيل إنه إنما خص الركوع, لأن أهل الكتاب لم يكن لهم ركوع في صلاتهم نفسها, كما عبر عنها بالقراءة في قوله [فاقرؤا ما تيسر من القرآن] (المزمل : 20) وقوله : [وقرآن الفجر إن قرآن الفجر كان مشهوداً] (الإسراء : 78) فينتظم وجهين من الفائدة : أحدها : إيجاب الركوع, لأنه لم يعبر عنها بالركوع إلا وهو من فرضها. والثاني : الأمر بالصلاة مع المصلين.\rفإن قيل : قد تقدم ذكر الصلاة في قوله [وأقيموا الصلاة] فغير جائز أن يريد بعطف الركوع عليها الصلاة بعينها.\r__________\r(1) - أحكام القرآن للجصاص حـ1 صـ46 : 47 بتصرف يسير","part":1,"page":338},{"id":337,"text":"قيل له : هذا جائز إذا أريد بالصلاة المبدوء بذكرها الإجمال دون صلاة معهودة, فيكون حينئذ قوله [واركعوا مع الراكعين] إحالة لهم على الصلاة التي بينها بركوعها, وسائر فروضها, وأيضاً لما كانت صلاة أهل الكتاب بغير ركوع, وكان في اللفظ احتمال رجوعه إلى تلك الصلاة بين أنه لم يرد الصلاة التي يتعبد بها أهل الكتاب, بل التي فيها الركوع. اهـ\rوأجاب الفخر الرازي عن هذا السؤال بمثل ما سبق وزاد عليه وجهاً ثالثاً وهو أن المراد من الأمر بالركوع هو الأمر بالخضوع, لأن الركوع والخضوع في اللغة سواء فيكون نهياً عن الاستكبار المذموم وأمراً بالتذلل كما قال للمؤمنين [فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين] (المائدة : 54) (1) اهـ.\rقوله تعالى [واستعينوا بالصبر والصلاة]\rقال الإمام الآلوسي(2) : - رحمه الله –\rالصبر : حبس النفس على ما تكره, وقدمه على الصلاة لأنها لا تكمل إلا به, أو لمناسبته لحال المخاطبين, ويجوز أن يراد بالصبر نوع منه وهو الصوم بقرينة ذكره مع الصلاة. اهـ\rوقال الثعالبي(3) : الصبر على بابه, والصلاة الدعاء(4) , وتجيء الآية على هذا القول مشبهة لقوله تعالى : [إذا لقيتم فئة فاثبتوا واذكروا الله كثيراً] (الأنفال : 45) لأن الثبات هو الصبر, وذكر الله هو الدعاء.اهـ\rوقال ابن عطية : (5).\r__________\r(1) - التفسير الكبير حـ3 صـ487 بتصرف يسير\r(2) - روح المعاني حـ1 صـ248 ، 249\r(3) - تفسير الثعالبي حـ1 صـ58\r(4) - وما الداعي إلى التأويل وحمل الصلاة على الدعاء وقد علمنا أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا حزبه أمر فزع إلى الصلاة.\r(5) - المحرر الوجيز حـ1 صـ137","part":1,"page":339},{"id":338,"text":"وقال مجاهد : الصبر في هذه الآية : الصوم(1) , ومنه قيل لرمضان شهر الصبر, وخص الصوم والصلاة – على هذا القول – بالذكر لتناسبهما في أن الصيام يمنع الشهوات ويزهد في الدنيا, والصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر وتخشع, ويقرأ فيها القرآن الذي يذكر بالآخرة. اهـ.\rوقال الخازن(2) : [واستعينوا بالصبر والصلاة] قيل المخاطبين بهذا هم المؤمنون, لأن من ينكر الصلاة والصبر على دين محمد – صلى الله عليه وسلم – لا يقال له : استعن بالصبر والصلاة, فلا جرم وجب صرفه إلى من صدق محمداً – صلى الله عليه وسلم – وآمن به, وقيل(3) : يحتمل أن يكون الخطاب لبني إسرائيل, لأن صرف الخطاب إلى غيرهم يوجب تفكيك نظم القرآن, ولأن اليهود لم ينكروا أصل الصلاة والصبر, لكن صلاتهم غير صلاة المؤمنين, فعلى هذا القول : إن الله تعالى : لما أمرهم بالإيمان بمحمد – صلى الله عليه وسلم – والتزام شريعته وترك الرياسة وحب الجاه والمال قال لهم استعينوا بالصبر أي بحبس النفس عن اللذات, وإن ضممتم إلى ذلك الصلاة هان عليكم ترك ما أنتم فيه من حب الرياسة والجاه والمال. اهـ\r(( واستعينوا بالصبر والصلاة ))\rوقال الجصاص(4) : - رحمه الله –\rوقوله تعالى [واستعينوا بالصبر والصلاة] ينصرف الأمر بالصبر على أداء الفرائض التي فرضها الله, اجتناب معاصيه, وفعل الصلاة المفروضة, وقد روى سعيد عن قتادة \"أنهما معونتان على طاعة الله تعالى\" وفعل الصلاة لطف في اجتناب معاصيه وأداء فرائضه كقوله \" إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر\" (العنكبوت : 45)\r__________\r(1) - هذا عدول عن الظاهر من غير دليل يحوج إليه\r(2) - تفسير الخازن حـ1 صـ47\r(3) - لا يخفى ما في هذا الوجه من بعد وتكلف ، وكذلك توجيهه ليس بالقوى ، فكيف يطلب الصبر والصلاة ممن لم يؤمن بعد.\r(4) - أحكام القرآن للجصاص حـ1 صـ47 بتصرف يسير","part":1,"page":340},{"id":339,"text":"ويحتمل أن يريد به الصبر والصلاة المندوب إليهما لا المفروضين , وذلك نحو صوم التطوع وصلاة النفل إلا أن الأظهر الأول.اهـ\rقوله تعالى : [وإنها لكبيرة إلا على الخاشعين ]\rقال القرطبي(1) : الضمير في كلمة [وإنها] قيل يعود على الصلاة وحدها خاصة, وقيل عليهما (الصبر والصلاة) ولكنه كنى عن الأغلب وهو الصلاة, كقوله [والذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في سبيل الله](التوبة : 34) وقوله [وإذا رأوا تجارة أو لهواً انفضوا إليها] (الجمعة : 11) فرد الكناية إلى الفضة لأنها الأغلب والأعم, وإلى التجارة, لأنها الأفضل والأهم. وقيل : إن الصبر لما كان داخلاً في الصلاة أعاد عليها كما قال : [والله ورسوله أحق أن يرضوه] (التوبة : 62) ولم يقل يرضوهما, لأن رضا الرسول - صلى الله عليه وسلم - داخل في رضا الله عز وجل, وقيل العبادة التي يتضمنها بالمعنى ذكر الصبر والصلاة, وقيل على المصدر وهي الاستعانة التي يقتضيها قوله : [واستعينوا] وقيل : على إجابة محمد - صلى الله عليه وسلم - لأن الصبر والصلاة مما كان يدع وإليه, وقيل : على الكعبة لأن الأمر بالصلاة, إنما هو إليها.\r[لكبيرة] معناه : ثقيلة شاقة. اهـ\r[ وإنها لكبيرة إلا على الخاشعين ]\rقال الإمام القشيري - رحمه الله -\rالصبر فطم النفس عن المألوفات, والصلاة التعرض لحصول المواصلات, فالصبر يشير إلى هجران الغير, والصلاة تشير إلى دوام الوقوف بحضرة الغيب, وإن الاستعانة بهما لخصلة شديدة إلا على من تجلى الحق لسره فإن في الخبر المنقول \"إن الله تعالى إذا تجلى لشيء خشع له\", وإذا تجلى الحق خف وسهل ما توقى الخلق لأن التوالي للطاعات يوجب التكليف بموجب مقاساة الكلفة, والتجلي بالمشاهدات - بحكم التحقيق - يوجب تمام الوصلة ودوام الزلفة.\r__________\r(1) - تفسير القرطبي حـ1 صـ260 بتصرف يسير","part":1,"page":341},{"id":340,"text":"ويقال : استعينوا بي على الصبر معي, واستعينوا بحفظي لكم على صلاتكم لي, حتى لا تستغرقكم واردات الكشف على القلب في أوان الكشف حتى يقوى العبد على القيام بأحكام الفرق لمنة عظيمة من الحق.\rوأقسام الصبر كلها محمودة الصبر في الله, والصبر لله, والصبر بالله, والصبر مع الله, إلا صبراً واحداً وهو الصبر عن الله.\rوالصبر يحسن في المواطن كلها. إلا عليك فإنه مذموم.……\r(( وإنها لكبيرة إلا على الخاشعين ))\r[سؤال] فإن قلت(1) : مالها لم تثقل على الخاشعين, والخشوع في نفسه مما يثقل ؟ .\r[قلت] لأنهم يتوقعون ما ادخر للصابرين على متاعبها, فتهون عليهم : ألا ترى إلى قوله تعالى [الذين يظنون أنهم ملاق وربهم] (البقرة : 46) أي يتوقعون لقاء ثوابه ونيل ما عنده, ويطمعون فيه(2). أهـ.\rوقال أبو السعود(3) : الخشوع الإخبات, والخضوع اللين والانقياد, ولذلك يقال : الخشوع بالجوارح والخضوع بالقلب. اهـ\rقال الخازن(4) : [إلا على الخاشعين] يعني المؤمنين, وقيل الخائفين, وقيل : المطيعين المتواضعين لله, وأصل الخشوع السكون, فالخاشع ساكن إلى الطاعة, وقيل : الخشوع الضراعة, وأكثر ما تستعمل في الجوارح, وإنما كانت الصلاة ثقيلة على غير الخاشعين, لأن من لا يرج ولها ثواباً, ولا يخاف على تركها عقاباً فهي ثقيلة عليه. اهـ\r__________\r(1) - الكشاف حـ1 صـ137\r(2) - استدل أهل السنة بهذه الآية على رؤية الله تعالى للمؤمنين يوم القيامة ، وبآيات أخرى ولكن الإمام الزمخشري كما ترى يحاول الفرار من هذا الاستدلال بقوله يتوقعون لقاء ثوابه ، لميله لمذهب المعتزلة الذين يقولون بنفي الرؤية يوم القيامة مستندين إلى قوله تعالى لموسى \" لن تراني \" وسيأتي الرد عليهم إن شاء الله في سورة الأعراف.\r(3) - تفسير أبي السعود حـ1 صـ98\r(4) - تفسير الخازن حـ1 صـ 47","part":1,"page":342},{"id":341,"text":"وقال في الميزان (1) [واستعينوا بالصبر والصلاة] الضمير راجع إلى الصلاة, وأما إرجاعه إلى الاستعانة لتضمنه قوله [استعينوا] ذلك ينافيه ظاهراً قوله [إلى على الخاشعين] فإن الخشوع لا يلائم الصبر كثير ملائمة. اهـ\r[ الذين يظنون أنهم ملاق وربهم ]\rقال الراغب الأصفهانى فى مفردات القرآن حـ1ص935 ما نصه : \r- الظن : اسم لما يحصل عن أمارة ومتى قويت أدت إلى العلم ومتى ضعفت جدا لم يتجاوز حد التوهم ومتى قوي أو تصور تصور القوي استعمل معه (أن) المشددة و( أن) المخففة منها. ومتى ضعف استعمل أن المختصة بالمعدومين من القول والفعل فقوله : {الذين يظنون أنهم ملاقوا ربهم} [البقرة / 46] وكذا : {يظنون أنهم ملاقوا الله} [البقرة / 249] فمن اليقين {وظن أنه الفراق} [القيامة / 28] وقوله : {ألا يظن أولئك} [المطففين / 4] وهو نهاية في ذمهم. ومعناه : ألا يكون منهم ظن لذلك تنبيها أن أمارات البعث ظاهرة. وقوله : {وظن أهلها أنهم قادرون عليها} [يونس / 24] تنبيها أنهم صاروا في حكم العالمين لفرط طمعهم وأملهم وقوله : {وظن داود أنما فتناه} [ص / 24] أي : علم والفتنة ههنا. كقوله : {وفتناك فتونا} [طه / 40] وقوله : {وذا النون إذ ذهب مغاضبا فظن أن لن نقدر عليه} [الأنبياء / 87] فقد قيل : الأولى أن يكون من الظن الذي هو التوهم أي : ظن أن لن نضيق عليه (وهذا قول عطاء وسعيد بن جبير وكثير من العلماء )وقوله : {واستكبر هو وجنوده في الأرض بغير الحق وظنوا أنهم إلينا لا يرجعون} [القصص / 39] فإنه استعمل فيه (أن) المستعمل مع الظن الذي هو للعلم تنبيها أنهم اعتقدوا ذلك اعتقادهم للشيء المتيقن وإن لم يكن ذلك متيقنا وقوله : {يظنون بالله غير الحق ظن الجاهلية} [آل عمران / 154] أي : يظنون أن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ لم يصدقهم فيما أخبرهم به كما ظن الجاهلية تنبيها أن هؤلاء المنافقين هم في حيز\r__________\r(1) - الميزان حـ1 صـ152","part":1,"page":343},{"id":342,"text":"الكفار وقوله : {وظنوا أنهم مانعتهم حصونهم} [الحشر / 2] أي : اعتقدوا اعتقادا كانوا منه في حكم المتيقنين وعلى هذا قوله : {ولكن ظننتم أن الله لا يعلم كثيرا مما تعملون} [فصلت / 22] وقوله : {الظانين بالله ظن السوء} [الفتح / 6] هو مفسر بما بعده وهو قوله : بل ظننتم أن لن ينقلب الرسول} [الفتح / 12] {إن نظن إلا ظنا} [الجاثية / 32] والظن في كثير من الأمور مذموم ولذلك قال تعالى : {وما يتبع أكثرهم إلا ظنا} [يونس/ 36] {وإن الظن} [النجم / 28] {وأنهم ظنوا كما ظننتم} [الجن / 7]. انتهى كلامه رحمه الله.\rوقال القرطبي(1) : وأصل الظن وقاعدته الشك مع ميل إلى أحد معتقد به, وقد يوقع موقع اليقين, كما في هذه الآية وغيرها, لكنه لا يوقع فيما قد خرج إلى الحس, لا تقول العرب في رجل مرئي حاضر : أظن هذا إنساناً, وإنما تجد الاستعمال فيما لم يخرج إلى الحس بعد, كهذه الآية, والشعر, وكقوله [فظنوا أنهم مواقعوها](الكهف : 53) وقد يجئ اليقين بمعنى الظن. اهـ\rوقال الإمام الآلوسي : بعد ما ذكر أن الظن في الآية الكريمة محمول على اليقين, قال ما نصه : \r__________\r(1) - تفسير القرطبي حـ1 صـ262","part":1,"page":344},{"id":343,"text":"إلا أن عطف [وأنهم إليه راجعون] على ما قبله يمنع حمل الظن على ما ذكر, لأن الرجوع إليه تعالى بالنشور أو المصير إلى الجزاء مطلقاً مما لا يكفي فيه الظن والتوقع, بل يجب القطع به اللهم إلا أن يقدر له عامل أي ويعلمون أو يقال : إن الظن متعلق بالمجموع من حيث هو مجموع وهو كذلك غير مقطوع به , وإن كان أحد جزئيه مقطوعاً به أو يقال : إن الرجوع إلى الرب هنا المصير إلى جزائه الخاص أعني الثواب بدار السلام , والحلول بجواره جل شأنه, والكل خلاف الظاهر, ولهذا اختير تفسير الظن باليقين مجازاً , ومعنى التوقع والانتظار في ضمنه , ولقاء الله تعالى بمعنى الحشر, والرجوع بمعنى المجازات ثواباً أو عقاباً, فكأنه عز شأنه قال : يعلمون أنهم يحشرون إليه فيجازيهم متوقعين لذلك, وكأن النكتة في استعمال الظن : المبالغة في إيهام أن من ظن ذلك لا يشق عليه ما تقدم فكيف من تيقن, والتعرض لعنوان الربوبية للإشعار بعلية الربوبية والمالكية للحكم (1). اهـ.\rقوله تعالى (الذين يظنون أنهم ملاق وربهم ))\r[سؤال] : هل الظن يكفي في الأمور الاعتقادية ؟ مع أن الله تعالى قال : [إن الظن لا يغني من الحق شيئاً ]\r[الجواب] قال الإمام فخر الدين الرازي : \rللمفسرين قولان : الأول : أن الظن بمعنى العلم وهذا مجاز وسببه أن العلم والظن يشتركان في كون كل واحد منهما اعتقاداً راجحاً إلا أن العلم راجح مانع من النقيض, والظن راجح غير مانع من النقيض, فلما اشتبها من هذا الوجه صح إطلاق اسم احدهما على الآخر. قال أوس بن حجر : \rفأرسلته مستيقن الظن أنه مخالط ما بين الشراسيف خائف\rوقال تعالى : [إني ظننت أني ملاقٍ حسابيه] (الحاقة : 20) وقال : [ألا يظن أولئك أنهم مبعوثون] (المطففين : 4)\rالقول الثاني : أن يحمل اللفظ على ظاهره وهو الظن الحقيقي, ثم هاهنا وجوه.\r__________\r(1) - روح المعاني حـ1 صـ249 ، 250","part":1,"page":345},{"id":344,"text":"الأول : أن تجعل ملاقاة الرب مجازاً عن الموت, وذلك لأن ملاقاة الرب مسبب عن الموت, فأطلق المسبب, والمراد منه السبب, وهذا مجاز مشهور فإنه يقال لمن مات : إنه لقي ربه.\rالثاني : أن تفسر ملاقاة الرب بملاقاة ثواب الرب, وذلك مظنون لا معلوم فإن الزاهد العابد لا يقطع بكونه ملاقياً لثواب الله, بل يظن إلا أن ذلك الظن مما يحمله على كمال الخشوع.\rالثالث : المعنى : الذين يظنون أنهم ملاق وربهم بذنوبهم, فإن الإنسان الخاشع قد يسئ ظنه بنفسه وبأعماله, فيغلب على ظنه أنه يلقى الله تعالى بذنوبه فعند ذلك يسارع إلى التوبة, وذلك من صفات المدح. أهـ.\rقال أبو بكر الأنباري حدثنا أحمد بن يحيى النحوي أن العرب تجعل الظن علما وشكا وكذبا ، وقال إذا قامت براهين العلم فكانت أكثر من براهين الشك ، فالظن يقين ، وإذا اعتدلت براهين اليقين وبراهين الشك ، فالظن شك ، وإذا زادت براهين الشك على براهين اليقين ، فالظن كذب ، قال الله تعالى \" إنهم إلا يظنون \" أراد : إلا يكذبون (1) أ هـ.\rوقال ابن عرفة : (الذي يظهر) لي أن الظنّ على بابه مصروف لزمن (الملاقاة) أي هم يستحضرون الموت ويظنونه في كل زمن واقعا بهم. أهـ [تفسير ابن عرفة حـ 1 صـ145]\r(( الذين يظنون أنهم ملاق وربهم ))\rقال القشيري(2) : الظن يذكر, ويقال : المراد به اليقين, وهو الأظهر ها هنا, ويذكر ويراد به الحسبان, فمن ظن ظن يقين فصاحب وصلة, ومن ظن ظن تخمين فصاحب فرقة. اهـ\rوقال فى البحر المديد : وإنما عبَّر الحق تعالى هنا بالظن في موضع اليقين إبقاء على المذنبين ، وتوفراً على العاصين ، الذين ليس لهم صفاء اليقين ؛ إذ لو ذكر اليقين صرفاً لخرجوا من الجملة ، فسبحانه من رب حليم ، وجواد كريم. اللهم امنن علينا بصفاء المعرفة واليقين ، حتى لا يختلج قلوبنا وَهْمٌ ولا ريب ، يا رب العالمين. أهـ تفسير ابن عجيبة حـ1 صـ75].\r__________\r(1) - تفسير القرطبي حـ2 صـ8 بتصرف يسير\r(2) - لطائف الإرشادات حـ1 صـ88","part":1,"page":346},{"id":345,"text":"وقال صاحب الميزان( 2) : وإنما يخوف العد وباليقين لا بالشك, ولكنه أمرهم بالظن, لأن الظن يكفيهم في الانقلاع عن المخالفة بلا حاجة إلى اليقين حتى يتكلف المهدد إلى إيجاد اليقين فيهم بالتفهيم من غير اعتناء منه بشأنهم وعلى هذا, فالآية قريبة المضمون من قوله تعالى : [فمن كان يرج ولقاء ربه فليعمل عملاً صالحاً] (الكهف : 110)اهـ\rقوله تعالى : [وأنهم إليه راجعون ]\r[سؤال] فإن قيل : [الذين يظنون أنهم ملاق وربهم وأنهم إليه راجعون] ما فائدة الثاني [راجعون] والأول [ملاق وربهم] يدل عليه\r[الجواب] قوله [ملاق وربهم] أي موقنون بالبعث, فصار المعنى أنهم موقنون بالبعث, وبحصول الثواب الموعود, فلا تكرار فيه(1). أهـ.\rوقال القشيري(2) : [ملاق وربهم] صيغة تصلح لماضي الزمان, والحاضر وهم ملاقون ربهم في المستقبل ولكن ا لقوم لتحققهم بما يكون من أحكام الغيب صاروا كأن الوعد لهم تقرر والغيب لهم حضور اهـ.\rقوله تعالى [يا بني إسرائيل اذكروا نعمتي.... وأني فضلتكم على العالمين]\rقال الشيخ الشنقيطي(3) - رحمه الله - قوله تعالى لبني إسرائيل [وأني فضلتكم على العالمين] لا يعارض قوله تعالى في تفضيل هذه الأمة [كنتم خير أمة أخرجت للناس] (آل عمران : 110), لأن المراد بالعالمين عالم زمانهم بدليل الآيات والأحاديث المصرحة, بأن هذه الأمة أفضل منهم كحديث معاوية بن حيدة القشيري في المسانيد والسنة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم - \"أنتم توفون سبعين أمة أنتم خيرها, وأكرمها على الله\"(4).\r__________\r(1) -- الميزان حـ1 صـ152\r3ـ تفسير للرازي صـ24\r(2) - لطائف الإرشادات حـ1 صـ88\r(3) - دفع إيهام الاضطراب عن آيات الكتاب صـ21\r(4) - رواه الحاكم في المستدرك رقم 6987 بلفظ تتمون سبعين أمة ، والترمذي رقم 3001 ، والدارمى رقم 2760 بلفظ وفيتم ، والنسائي رقم 11430 بلفظ توفون ، والبيهقي حـ9 صـ5.","part":1,"page":347},{"id":346,"text":"ألا ترى أن الله جعل المقتصد منهم هو أعلاهم منزلة حيث قال [منهم أمة مقتصدة وكثير منهم ساء ما يعملون] (المائدة : 66) وجعل في هذه الأمة درجة أعلى من درجة المقتصدة وهي درجة السابق بالخيرات حيث قال تعالى [ومنهم سابق بالخيرات](فاطر : 32) أهـ.\rوقال السمرقندي (1) [على العالمين] يعني عالمهم وزمانهم, وقال بعض من آمن من أهل الكتاب بـ محمد - صلى الله عليه وسلم - كانت له فضيلة على غيره, وكان له أجران أجر إيمان بنبيه, وآخر إيمانه بمحمد - صلى الله عليه وسلم - وقد روي عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه قال : \" ثلاثة يعطيهم الله الأجر مرتين : من اشترى جارية فأحسن تأديبها فأعتقها وتزوجها, وعبد أطاع سيده وأطاع الله تعالى, ورجل من أهل الكتاب أدرك النبي - صلى الله عليه وسلم - فآمن به\" أهـ.\r[وأني فضلتكم على العالمين]\rوقال البيضاوي(2) : [على العالمين] أي عالمي زمانهم, يريد به تفضيل أبائهم الذين كانوا في عصر موسى - عليه الصلاة والسلام- وبعده قبل أن يضروا بما منحهم تعالى من العلم والإيمان والعمل الصالح وجعلهم أنبياء وملوكاً مقسطين. اهـ\rوفي الطبري ما نصه : \"وحدثني يونس بن عبد الأعلى قال أخبرنا وهب قال سألت ابن زيد عن قول الله [وأني فضلتكم على العالمين] قال : عالم أهل ذلك الزمان وقرأ قول الله [ولقد اخترناهم على علم على العالمين] (الدخان : 32) قال هذه لمن أطاعه واتبع أمره, وقد كان فيهم القردة وهم أبغض خلقه إليه, وقال لهذه الأمة [كنتم خير أمة أخرجت للناس] قال هذا لمن أطاع الله, واتبع أمره واجتنب محارمه(3). أهـ.\rوقال الفخر الرازي(4) : وإنما كانوا أفضل بما أعطوا من الملك والرسالة والكتب الإلهية. أهـ.\r__________\r(1) - بحر العلوم حـ1 صـ76 : 77\r(2) - تفسير البيضاوي حـ1 صـ218\r(3) - تفسير الطبري حـ1 صـ265\r(4) - التفسير الكبير حـ3 صـ493","part":1,"page":348},{"id":347,"text":"وقال القشيري(1) : أشهد بني إسرائيل فضل أنفسهم فقال : [وأني فضلتكم على العالمين] وأشهد المسلمين من أمة محمد - صلى الله عليه وسلم - فضل نفسه فقال [قل بفضل الله وبرحمته فبذلك فليفرحوا] (يونس : 58) فشتان بين من مشهوده فضل نفسه, وبين من مشهوده فضل ربه, فشهود العبد فضل نفسه يوجب له الشكر, وهو خطر الإعجاب, وشهود العبد فضل الحق - الذي هو جلاله في وص فهو جماله في استحقاق نعته - يقتضي الثناء وهو يوجب الإيجاب (أي الاستحقاق والقبول) اهـ\rقوله تعالى : [واتقوا يوماً لا تجزي نفس عن نفس شيئاً ولا يقبل منها شفاعة]\rقال ابن عطية(2) : \"وقوله عز وجل \"واتقوا يوماً\" نصب يوماً بـ (اتقوا) على السعة والتقدير : عذاب يوم, أو هول يوم, ثم حذف ذلك وأقام اليوم مقامه, ويصح أن يكون نصبه على الظرف لا التقوى, لأن يوم القيامة ليس بيوم عمل, ولكن معناه : جيئوا متقين يوماً, و[لا تجزي] معناه : لا تغني. أهـ.\rقال الكرماني(3) - رحمه الله - \"قوله : [ولا يقبل منها شفاعة ولا يؤخذ منها عدل] قدم الشفاعة في هذه الآية, وأخر العدل, وقدم العدل في الآية الأخرى من هذه السورة, وأخر الشفاعة, وإنما قدم الشفاعة قطعاً لطمع من زعم أن آبائهم تشفع لهم, وأن الأصنام شفعاؤهم عند الله, وأخرها في الآية الأخرى, لأن التقدير في الآيتين معاً لا يقبل منها شفاعة فتنفعها تلك الشفاعة, لأن النفع بعد القبول, وقدم العدل في الآية الأخرى ليكون لفظ القبول مقدماً فيها. اهـ\rوقال الإمام الفخر(4) : إن الله تعالى قدم في هذه الآية قبول الشفاعة على أخذ الفدية وذكر هذه الآية في هذه السورة بعد العشرين والمائة, وقدم قبول الفدية على ذكر الشفاعة فما الحكمة فيه ؟ .\r__________\r(1) - لطائف الإرشادات حـ1 ص88 بتصرف يسير\r(2) - المحرر الوجيز حـ1 صـ139\r(3) - أسرار التكرار في القرآن صـ27\r(4) - التفسير الكبير حـ3 صـ494","part":1,"page":349},{"id":348,"text":"[الجواب] أن من كان ميله إلى حب المال أشد من ميله إلى عل والنفس, فإنه يقدم التمسك بالشافعين على إعطاء الفدية, ومن كان بالعكس يقدم الفدية على الشفاعة, ففائدة تغيير الترتيب, الإشارة إلى هذين الصنفين. اهـ.\r[ ولا يقبل منها شفاعة ]\rقال في التسهيل : [ولا يقبل منها شفاعة] ليس نفياً للشفاعة مطلقاً, فإن مذهب أهل الحق ثبوت الشفاعة لسيدنا محمد - صلى الله عليه وسلم - وشفاعة الملائكة والأنبياء والمؤمنين, وإنما المراد : أنه لا يشفع أحد إلا بعد أن يأذن الله له لقوله تعالى [من ذا الذي يشفع عنده إلا بإذنه] (البقرة : 225) ولقوله [ما من شفيع إلا من بعد إذنه](يونس : 3) ولقوله [ولا تنفع الشفاعة عنده إلا لمن أذن له] (سبأ : 23) وأنظر ما ورد أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يستأذن في الشفاعة, فيقال له : اشفع تشفع. فكل ما ورد في القرآن من نفى الشفاعة مطلقاً يحمل على هذا لأن المطلق يحمل على المقيد(1). أهـ.\rوقال ابن عطية(2) : وسبب نزول هذه الآية أن بني إسرائيل قالوا : نحن أبناء الله وأبناء أنبيائه وسيشفع لنا آباؤنا, فأعلمهم الله تعالى عن يوم القيامة أنه لا تقبل فيه الشفاعة, و[لا تجزى نفس عن نفس شيئاً] وهذا إنما هو في الكافرين, للإجماع وتواتر الحديث بالشفاعة في المؤمنين.\rوقال القرطبي(3) : مذهب أهل الحق أن الشفاعة حق, وأنكرها المعتزلة, وخلدوا المذنبين من المؤمنين الذين دخلوا النار في العذاب. فإن قالوا : قد وردت نصوص الكتاب بما يوجب رد هذه الأخبار مثل قوله تعالى : [ما للظالمين من حميم ولا شفيع يطاع] (غافر : 18)\r__________\r(1) - التسهيل حـ1 صـ47\r(2) - المحرر الوجيز حـ1 صـ139\r(3) - تفسير القرطبي حـ1 صـ263 : 264 بتصرف يسير","part":1,"page":350},{"id":349,"text":"قالوا : وأصحاب الكبائر ظالمون, وقال [من يعمل سوءًا يجز به](النساء : 123) [ولا يقبل منها شفاعة] قلنا : ليست هذه الآية عامة في كل ظالم, والعموم لا صيغة له, فلا تعم هذه الآيات كل من يعمل سوءًا (1) , وكل نفس إنما المراد بها الكافرون دون المؤمنين بدليل الأخبار الواردة في ذلك, وأيضاً فإن الله تعالى أثبت شفاعة لأقوام, ونفاها عن أقوام, فقال في صفة الكافرين [فما تنفعهم شفاعة الشافعين] (المدثر : 48) وقال : [ولا يشفعون إلا لمن ارتضى] (الأنبياء : 28) وقال : [ولا تنفع الشفاعة عنده إلا لمن أذن له] (سبأ : 23) فعلمنا بهذه الجملة أن الشفاعة, إنما تنفع المؤمنين دون الكافرين, وقد أجمع المفسرون على أن المراد بقوله : [واتقوا يوماً لا تجزى نفس عن نفس شيئاً ولا يقبل منها شفاعة] النفس الكافرة لا كل نفس. اهـ.\rوقال القشيري(2) : \"ويوم القيامة لا تسمع الشفاعة إلا لمن أمر الحق بالشفاعة له, وأذن فيه, فهو الشفيع الأكبر – على التحقيق – وإن كان لا يطلق عليه لفظ الشفيع لعدم التوقيف, وفي معناه قيل : \rالحمد لله شكراً فكل خير لديه\rصار الحبيب شفيعاً إلى شفيع إليه\rوالذين أصابتهم نكبة القسمة(3) لا تنفعهم شفاعة الشافعين, وما لهم من ناصرين. فلا يقبل منهم فداء, ولو افتدوا بملء السماوات وملء الأرض اهـ\r__________\r(1) - الظلم ينقسم إلى قسمين ، ظلم يخرج من الملة كقوله تعالى \" إن الظلم لشرك عظيم \" وقوله \" والكافرون هم الظالمون \" وإلى ظلم لا يخرج من الملة كقوله تعلى \" ومن يعمل سوءاً أو يظلم نفسه ثم يستغفر الله يجد الله غفوراً رحيماً \" وعليه فقوله تعالى \" ما للظالمين من حميم ولا شفيع يطاع \" المراد فيه هو الظلم الذي يخرج من الملة وهو خاص بالكافر دون المؤمن – والله أعلم.\r(2) - لطائف الإرشادات حـ1 صـ89\r(3) - يشير إلى الكفار","part":1,"page":351},{"id":350,"text":"وقال الآلوسي(1) : وتمسك المعتزلة بعموم الآية على نفي الشفاعة لأهل الكبائر, وكون الخطاب للكفار والآية نازلة فيهم لا يدفع العموم المستفاد من اللفظ, وأجيب بالتخصيص من وجهين : الأول : بحسب المكان والزمان, فإن مواقف القيامة ومقدار زمانها فيها سعة وطول, ولعل هذه الحالة في ابتداء وقوعها وشدته, ثم يأذن بالشفاعة.\rوالثاني : بحسب الأشخاص إذ لا بد لهم من التخصيص في غير العصاة لمزيد الدرجات, فليس العام باقياً على عمومه عندهم, وإلا اقتضى نفي زيادة المنافع وهم لا يقولون به, ونحن نخصص في العصاة بالأحاديث الصحيحة البالغة حد التواتر, وحيث فتح باب التخصيص نقول أيضاً ذلك النفي مخصص بما قبل الإذن لقوله تعالى [لا تنفع الشفاعة عنده إلا لمن أذن له] وهو تخصيص له دليل, وتخصيصهم لا يظهر له دليل.اهـ\rوقال في الانتصاف(2) : من جحد الشفاعة فهو جدير ألا ينالها, وأما من آمن بها وصدقها, وهم أهل السنة والجماعة فأولئك يرجون رحمة الله, ومعتقدهم أنها تنال العصاة من المؤمنين وإنما ادخرت لهم, وليس في الآية دليل لمنكريها. أهـ.\r[ولا هم ينصرون]\rأي يمنعون من عذاب الله, وجمع لدلالة النفس المنكرة على النفوس الكثيرة, وذكر لمعنى العباد أو الأناسي(3).أ هـ.\r__________\r(1) - روح المعاني حـ1 صـ252 بتصرف يسير\r(2) - الالتصاف من الكشاف حـ1 صـ139 على هامش الكشاف\r(3) -محاسن التأويل ؛ ت2 صـ333","part":1,"page":352},{"id":351,"text":"وهذا بحث نفيس في الشفاعة\rقال صاحب الميزان - رحمه الله - بعد أن ذكر الآيات التي ظاهرها نفي الشفاعة قال ما نصه : ثم إن القرآن مع ذلك لا ينفي الشفاعة من أصلها, بل يثبتها بعض الإثبات, قال تعالى : [الله الذي خلق السموات والأرض وما بينهما في ستة أيام ثم استوى على العرش مالكم من دونه من ولي ولا شفيع أفلا تذكرون] (السجدة : 3) وقال تعالى : [ليس لهم من دونه ولي ولا شفيع] (الأنعام : 51) وقال تعالى : قل لله الشفاعة جميعاً] (الزمر : 44) وقال تعالى : [له ما في السموات وما في الأرض من ذا الذي يشفع عنده إلا بإذنه, يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم] (البقرة : 255), وقال تعالى : [إن ربكم الله الذي خلق السموات والأرض في ستة أيام ثم استوى على العرش يدبر الأمر ما من شفيع إلا من بعد إذنه](يونس : 30), وقال تعالى : [وقالوا اتخذ الله ولداً سبحانه بل عباد مكرمون لا يسبقونه بالقول وهم بأمره يعملون يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم ولا يشفعون إلا لمن ارتضى وهم من خشيته مشفقون] (الأنبياء : 28), وقال تعالى : [ولا يملك الذين يدعون من دونه الشفاعة إلا من شهد بالحق وهم يعلمون] (الزخرف : 86), وقال [لا يملكون الشفاعة إلا من اتخذ عند الرحمن عهداً] (مريم : 87) وقال تعالى : يومئذٍ لا تنفع الشفاعة إلا من أذن له الرحمن ورضي له قولاً, يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم ولا يحيطون به علماً] (طه : 110) وقال تعالى : [ولا تنفع الشفاعة عنده إلا لمن أذن له] (سبأ : 230), وقال تعالى : [وكم من ملك في السموات لاتغني شفاعتهم شيئاً إلا من بعد أن أذن الله لمن يشاء ويرضى] (النجم : 26) فهذه الآيات كما ترى بين ما يحكم باختصاص الشفاعة بالله عز اسمه كالآيات الثلاثة الأولى وبين ما يعممها لغيره تعالى بإذنه وارتضائه ونحو ذلك, وكيف كان فهي تثبت الشفاعة بلا ريب, غير أن بعضها تثبتها بنحو الأصالة لله وحده من غير شريك, وبعضها تثبتها لغيره بإذنه وارتضائه, وقد عرفت أن هناك آيات تنفيها فتكون النسبة بين هذه","part":1,"page":353},{"id":352,"text":"الآيات كالنسبة بين الآيات النافية لعلم الغيب عن غيره, وإثباته له تعالى بالاختصاص ولغيره بارتضائه, قال تعالى : [قل لا يعلم من في السموات والأرض الغيب إلا الله ](النمل : 65), وقال تعالى : [وعنده مفاتح الغيب لا يعلمها إلا هو] (الأنعام : 59), وقال تعالى : [عالم الغيب فلا يظهر على غيبه أحداً إلا من ارتضى من رسول](الجن : 27), وكذلك الآيات الناطقة في التوفي والخلق والرزق والتأثير والحكم والملك وغير ذلك فإنها شائعة في أسلوب القرآن, حيث ينفي كل كمال عن غيره تعالى, ثم يثبته لنفسه, ثم يثبته لغيره بإذنه ومشيئته, فتفيد أن الموجودات غيره تعالى لا تملك ما تملك من هذه الكمالات بنفسها واستقلالها, وإنما تملكها بتمليك الله لها إياها, حتى إن القرآن يثبت نوعاً من المشيئة في ما حكم فيه وقضي عليه بقضاء حتم, كقوله تعالى : [فأما الذين شقوا ففي النار لهم فيها زفير وشهيق خالدين فيها ما دامت السموات والأرض إلا ما شاء ربك, إن ربك فعال لما يريد وأما الذين سعدوا ففي الجنة خالدين فيها ما دامت السموات والأرض إلا ما شاء ربك عطاء غير مجذوذ](هود 108), فقد علق الخلود بالمشيئة وخاصة في خلود الجنة مع حكمه بأن العطاء غير مجذوذ, إشعاراً بأن قضائه تعالى بالخلود لا يخرج الأمر من يده ولا يبطل سلطانه وملكه عز سلطانه كما يدل عليه قوله : [إن ربك فعال لما يريد](هود : 70 ), وبالجملة لا إعطاء هناك يخرج الأمر من يده ويوجب له الفقر, ولا مانع يضطره إلى حفظ ما منعه وإبطال سلطانه تعالى. ومن هنا يظهر أن الآيات النافية للشفاعة, إن كانت ناظرة إلى يوم القيامة فإنها تنفيها عن غيره تعالى بمعنى الاستقلال في الملك, والآيات المثبتة تثبتها لله سبحانه بنحو الأصالة, ولغيره تعالى بإذنه وتمليكه, فالشفاعة ثابتة لغيره تعالى بإذنه فلننظر ماذا يفيده كلامه في معنى الشفاعة ومتعلقها ؟ وفيمن تجري ؟ وممن تصح ؟ ومتى تتحقق ؟ وما نسبتها إلى العف ووالمغفرة منه","part":1,"page":354},{"id":353,"text":"تعالى ؟ ونحو ذلك في أمور.\rما هي الشفاعة ؟\rالشفاعة تعرف من معناها إجمالاً بالقريحة المكتسبة من الاجتماع والتعاون (وهي من الشفع مقابل الوتر كأن الشفيع ينضم إلى الوسيلة الناقصة التي مع المستشفع فيصير به زوجاً بعد ما كان فرداً فيقوى على نيل ما يريده, لو لم يكن يناله وحده لنقص وسيلته وضعفها وقصورها) من الأمور التي نستعملها لإنجاح المقاصد, ونستعين بها على حوائج الحياة, وجل الموارد التي نستعملها فيها إما موارد يقصد فيها جلب المنفعة والخير, وإما موارد يطلب فيها دفع المضرة والشر, لكن لكل نفع وضرر, فإنا لا نستشفع فيما يتضمنه الأسباب الطبيعية والحوادث الكونية من الخير والشر, والنفع والضر, كالجوع, والحر, والعطش, والبرد, والصحة, والمرض, بل نتسبب فيها بالأسباب الطبيعية, ونتوسل إليها بوسائلها المناسبة لها كالأكل, والشرب, واللبس, والإكتنان والمداواة, وإنما نستشفع في الخيرات والشرور والمنافع والمضار التي تستدعيها أو تستتبعها أوضاع القوانين والأحكام التي وضعتها واعتبرتها وقررتها وأجرتها حكومة الاجتماع بنحو الخصوص أو العموم, ففي دائرة المولوية والعبودية, وعند كل حاكم ومحكوم, أحكام من الأمر والنهي إذا عمل بها وامتثلها المكلف بها استتبع ذلك تبعة العقاب من ذم أو ضرر مادي, أو معنوي, فإذا أمر المولى أو نهى عبده, أو كل من هو تحت سيادته وحكومته بأمر أو نهي مثلاً فامتثله كان له بذلك أجر كريم, وإن خالف كان له عقاب أو عذاب فهناك نوعان من الوضع والاعتبار, وضع الحكم ووضع تبعة الحكم, يتعين به تبعة الموافقة والمخالفة.","part":1,"page":355},{"id":354,"text":"وعلى هذا الأصل تدور جميع الحكومات العامة بين الملل والخاصة بين كل إنسان ومن دونه. فإذا أراد الإنسان أن ينال كمالاً وخيراً مادياً أو معنوياً وليس عنده ما يستوجب ذلك, بحسب ما يعنيه الاجتماع, ويعرف به لباقته, أو أراد أن يدفع عن نفسه شراً متوجهاً إليه من عقاب المخالفة وليس عنده ما يدفعه, أعني الأمتثال والخروج عن عهدة التكليف, وبعبارة واضحة إذا أراد نيل ثواب من غير تهيئة أسبابه, أو التخلص من عقاب من غير إتيان التكليف المتوجه إليه فذلك مورد الشفاعة, وعنده تؤثر لكن لا مطلقاً فإن من لا لياقة له بالنسبة إلى التلبس بكمال, أو لا رابطة له تربطه إلى المشفوع عنده أصلاً, كالعامي الأمي الذي يريد تقلد مقام علمي, أو الجاحد الطاغي الذي لا يخضع لسيده أصلاً لا تنفع عنده الشفاعة, فإنما الشفاعة متممة للسبب لا مستقلة في التأثير.","part":1,"page":356},{"id":355,"text":"ثم إن تأثير الشفيع عند الحاكم المشفوع عنده لا يكون تأثيراً جزافياً من غير سبب يوجب ذلك, بل لا بد أن يوسط أمراً يؤثر في الحاكم, ويوجب نيل الثواب, أو التخلص من العقاب, فالشفيع لا يطلب من المولى مثلاً أن يبطل مولوية نفسه وعبودية عبده فلا يعاقبه, ولا يطلب منه أن يرفع اليد عن حكمه وتكليفه المجعول, أو ينسخه عموماً أو في خصوص الواقعة فلا يعاقبه, ولا يطلب منه أن يبطل قانون المجازاة عموماً أو خصوصاً فلا يعاقب لذلك رأساً, أو في خصوص الواقعة, فلا نفوذ ولا تأثير للشفيع في مولوية وعبودية, ولا في حكم ولا في جزاء حكم, بل الشفيع بعد ما يسلم جميع الجهات الثلاث المذكورة إنما يتمسك : إما بصفات في المولى الحاكم توجب العف ووالصفح كسؤدده, وكرمه, وسخائه, وشرافة محتدة, وإما بصفات في العبد تستدعي الرأفة والحنان وتثير عوامل المغفرة كمذلته ومسكنته وحقارته وسوء حاله, وإما بصفات في نفسه أعني نفس الشفيع من قربه إلى المولى وكرامته وعل ومنزلته عنده فيقول : ما أسألك إبطال مولويتك وعبوديته, ولا أن تبطل حكمك ولا أن تبطل الجزاء, بل أسألك الصفح عنه بأن لك سؤدداً ورأفة وكرماً لا تنتفع بعقابه ولا يضرك الصفح عن ذنبه أو بأنه جاهل حقير مسكين لا يعتني مثلك بشأنه ولا يهتم بأمره أو بأن لي عندك من المنزلة والكرامة ما يوجب إسعاف حاجتي في تخليصه والعف وعنه.","part":1,"page":357},{"id":356,"text":"ومن هنا يظهر للمتأمل أن الشفيع إنما يحكم بعض العوامل المربوطة بالمورد المؤثر في رفع العقاب مثلاً من صفات المشفوع عنده أو نحوها على العامل الآخر الذي هو سبب وجود الحكم وترتب العقاب على مخالفته, ونعني بالحكومة أن يخرج مورد الحكم عن كونه مورداً بإدخاله في مورد حكم آخر, فلا يشمله الحكم الأول لعدم كونه من مصاديقه لا أن يشمله فيبطل حكمه بعد الشمول بالمضادة كإبطال الأسباب المتضادة في الطبيعة بعضها حكم بعض بالمعارضة والغلبة في التأثير, فحقيقة الشفاعة التوسط في إيصال نفع أو دفع شر بنحو الحكومة دون المضارة.\rومن هنا يظهر أيضاً أن الشفاعة من مصاديق السببية فهي توسيط السبب المتوسط القريب بين السبب الأول البعيد ومسببه, هذا ما يتحصل من تحليل معنى الشفاعة التي عندنا.\rثم إن الله سبحانه يمكن أن يقع مورد النظر في السببية من جهتين :\rإحداهما : أنه يبتدي منه التأثير, وينتهي إليه السببية, فهو المالك للخلق والإيجاد على الإطلاق, وجميع العلل والأسباب أمور متخللة متوسطة بينه وبين غيره لنشر رحمته التي لا تنفد ونعمته التي لا تحصى إلى خلقه وصنعه.\rوالثانية : أنه تعالى تفضل علينا بالدن وفي حين علوه فشرع الدين ووضع فيه أحكاماً من أوامر ونواهي وغير ذلك وتبعات من الثواب والعقاب في الدار الآخرة وأرسل رسلاً مبشرين ومنذرين فبلغوه أحسن تبليغ وقامت بذلك الحجة وتمت كلمة ربك صدقاً وعدلاً لا مبدل لكلماته.","part":1,"page":358},{"id":357,"text":"أما من الجهة الأولى : وهي النظر إليه من جهة التكوين فانطباق معنى الشفاعة على شأن الأسباب والعلل الوجودية المتوسطة واضح لا يخفى, فإنها تستفيد من صفاته العليا من الرحمة والخلق والإحياء والرزق وغير ذلك إيصال أنواع النعم والفضل إلى كل مفتقر محتاج من خلقه, وكلامه تعالى أيضاً يحتمل ذلك كقوله تعالى : [له ما في السموات وما في الأرض من ذا الذي يشفع عنده إلا بإذنه] (البقرة : 255), وقوله : [إن ربكم الله الذي خلق السموات والأرض في ستة أيام ثم استوى على العرش يدبر الأمر ما شفيع إلا من بعد إذنه](يونس : 3), فإن الشفاعة في مورد التكوين ليست إلا توسط العلل والأسباب بينه وبين مسبباتها في تدبير أمرها وتنظيم وجودها وبقائها فهذه شفاعة تكوينية.\rوأما من الجهة الثانية وهي النظر إليه من جهة التشريع فالذي ينبغي أن يقال : إن مفهوم الشفاعة على ما سبق من التحليل يصح صدقه في مورده ولا محذور في ذلك وعليه ينطبق قوله تعالى : [يومئذٍ لا تنفع الشفاعة إلا من أذن له الرحمن ورضي له قولاً] (طه : 109), وقوله : [ولا تنفع الشفاعة عنده إلا لمن أذن له] (سبأ : 23), وقوله : [لا تغني شفاعتهم شيئاً إلا من بعد أن يأذن الله لمن يشاء ويرضى] (النجم : 26).","part":1,"page":359},{"id":358,"text":"وقوله : [ولا يشفعون إلا لمن ارتضى] (الأنبياء : 28), وقوله : [ولا يملك الذين يدعون من دونه الشفاعة إلا من شهد بالحق وهم يعلمون](الزخرف : 86) فإن الآيات كما ترى تثبت الشفاعة بمعنى الشافعية لعدة من عباده من الملائكة والناس من بعد الإذن والارتضاء, فهو تمليك ولله الملك وله الأمر فلهم أن يتمسكوا برحمته وعفوه ومغفرته وما أشبه ذلك من صفاته العليا لتشمل عبداً من عباده ساءت حاله بالمعصية, وشملته بلية العقوبة, فيخرج عن كونه مصداقاً للحكم الشامل, والجرم العامل على ما عرفت أن تأثير الشفاعة بنحو الحكومة دون التضاد وهو القائل عز من قائل : [فأولئك يبدل الله سيئاتهم حسنات](الفرقان : 70) فله تعالى أن يبدل عملاً من عمل كما أن له أن يجعل الموجود من العمل معدوماً, قال تعالى[وقدمنا إلى ما عملوا من عمل فجعلناه هباءً منثوراً] (الفرقان : 23), وقال تعالى : [فأحبط أعمالهم](محمد : 10), وقال تعالى : [إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه نكفر عنكم سيئاتكم] (النساء : 31), وقال تعالى : [إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشأ](النساء : 48), والآية في غير مورد الإيمان والتوبة قطعاً فإن الإيمان والتوبة يغفر بهما الشرك أيضاً كسائر الذنوب وله تكثير القليل من العمل, قال تعالى : [أولئك يؤتون أجرهم مرتين](القصص : 65), وقال : [من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها](الأنعام : 160), وله سبحانه أن يجعل المعدوم من العمل موجوداً, قال تعالى : [والذين آمنوا واتبعتهم ذريتهم بإيمان ألحقنا بهم ذريتهم وما ألتناهم من عملهم من شيء كل امرئ بما كسب رهين](الطور : 21), وهذا هو اللحوق والإلحاق وبالجملة فله تعالى أن يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد.\rنعم إنما يفعل لمصلحة مقتضية , وعلة متوسطة ولتكن من جملتها شفاعة الشافعين من أنبيائه وأوليائه والمقربين من عباده من غير جزاف ولا ظلم.","part":1,"page":360},{"id":359,"text":"ومن هنا ظهر أن معنى الشفاعة بمعنى الشافعية, صادق بحسب الحقيقة حقه تعالى فإن كلاً من صفاته متوسطة بينه وبين خلقه في إفاضة الجود وبذل الوجود فهو الشفيع في الحقيقة على الإطلاق. قال تعالى : [قل لله الشفاعة جميعاً] (الزمر : 44), وقال تعالى : [ما لكم من دونه من ولي ولا شفيع] (الأنعام : 51). وغيره تعالى لو كان شفيعاً فإنما هو بإذنه وتمليكه. فقد ثبت بما مر صحة تحقق الشفاعة عنده تعالى في الجملة فيما لا يوجب محذوراً لا يليق بساحة كبريائه تعالى(1). أهـ.\rقوله تعالى : [وإذ نجيناكم من آل فرعون يسومونكم سوء العذاب]\rقال الخازن : [وإذ نجيناكم] أي واذكروا إذ خلصنا أسلافكم وأجدادكم, فاعتدها نعمة ومنة عليهم, لأنهم نجوا بنجاة أسلافهم.أهـ.\r[يذبحون أبناءكم]\rوقالت طائفة : معنى [يذبحون أبناءكم] يذبحون الرجال, ويسمون أبناء لما كانوا كذلك(2) , واستدل هذا القائل بقوله تعالى : [نساءكم]\rقال القاضي أبو محمد – رحمه الله – والصحيح من التأويل هم الأبناء الذكور, والنساء هم الأطفال الإناث , وعبر عنهن باسم النساء بالمآل(3) , وليذكرهن بالاسم الذي في وقته يستخدمن ويمتهن, ونفس الاستحياء ليس بعذاب, لكن العذاب بسببه وقع(4). اهـ\rوقال الإمام الفخر(5) : إن ذبح الذكور دون الإناث مضرة من وجوه أحدها : أن ذبح الأبناء يقتضي فناء الرجال, وذلك يقتضي انقطاع النسل, لأن النساء إذا انفردن فلا تأثير لهن ألبتة في ذلك, وذلك يفضي أخر الأمر إلى هلاك الرجال والنساء.\r__________\r(1) - الميزان في تفسير القرآن حـ1 صـ156 : 161\r(2) - أي باعتبار ما كان ، ولكن هذا القول فيه نظر ، لأنه إن صح فما السبب الذي حمل أم موسى عليه السلام على إلقائه في اليم.\r(3) - أي باعتبار ما سيكون وهذا يدخل تحت باب المجاز المرسل (في علم البلاغة).\r(4) - المحرر الوجيز حـ1 صـ 14 - 141\r(5) - التفسير الكبير حـ3 صـ505 – 506 باختصار يسير","part":1,"page":361},{"id":360,"text":"وثانيها : أن هلاك الرجال يقتضي فساد مصالح النساء في أمر المعيشة. وثالثها : أن قتل الولد عقيب الحمل الطويل, وتحمل الكد, والرجاء القوي في الانتفاع بالمولود من أعظم العذاب.\rورابعها : أ ن الأبناء أحب إلى الوالدين من البنات, ولذلك قال تعالى : [وإذا بشر أحدهم بالأنثى ظل وجهه مسوداً وهو كظيم يتوارى من القوم من سوء ما بشر به](النحل : 58)\rوخامسها : أن بقاء النسوان بدون الذكران يوجب صيرورتهن مستفرشات الأعداء, وذلك نهاية الذل والهوان. اهـ\r( يذبحون أبناءكم ويستحيون نساءكم )\r[سؤال] لم كان التعبير بقوله [يذبحون] وفي إبراهيم بقوله [ويذبحون] بالواو ؟ [الجواب] إنه في سورة إبراهيم تقدم ذكر [وذكرهم بأيام الله] وهي أوقات عقوبات إلى أن قال [إن في ذلك لآيات لكل صبار شكور] واللائق أن يعدد امتحانهم تعديداً يؤذن بصدق الجمع عليه لتكثير المنة, ولذلك أتى بالعاطف [ويذبحون] ليؤذن بأن إسامتهم العذاب مغاير لتذبيح الأبناء, وسبي النساء, وهو ما كانوا عليه من التسخير, بخلاف المذكور في البقرة, فإن ما بعد [يسومونكم] تفسير له, فلم يعطف عليه(1). أهـ.\rوأجاب القرطبي(2) عن هذا السؤال بأن [يذبحون] بغير وا وعلى التفسير لقوله [يسومونكم سوء العذاب] وأن قوله [ويذبحون] بالواو, لأن المعنى يعذبونكم بالذبح وبغير الذبح لقوله [ويذبحون أبناءكم] جنس آخر من العذاب لا تفسيراً لما قبله, والله أعلم. أهـ.\rوأجاب الكرماني(3) عن هذا السؤال بقوله : لأن ما في هذه السورة (البقرة) و(الأعراف) من كلام تعالى فلم يرد تعداد المحن عليهم, والذي في (إبراهيم) من كلام موسى - عليه السلام - فعدد المحن عليهم, وكان مأموراً بذلك في قوله [وذكرهم بأيام الله]. أهـ.\r__________\r(1) - البرهان في علوم القرآن حـ1 صـ120 - يتصرف يسير\r(2) - تفسير القرطبي حـ1 صـ267 بتصرف يسير\r(3) - أسرار التكرار في القرآن صـ27","part":1,"page":362},{"id":361,"text":"[سؤال]لم عبر في البقرة وإبراهيم بلفظ [يذبحون] وفي الأعراف بلفظ [يقتلون] ؟ \r[الجواب] ليطابق قوله [سنقتل أبناءهم ونستحيي نساءهم](1) أهـ.\rوقال السعدي(2) [يذبحون أبناءكم] خشية نموكم [ويستحيون نساؤكم] أي فلا يقتلونهن, فأنتم بين قتيل ومذلل بالأعمال الشاقة مستحيي على وجه المنة عليه, والاستعلاء عليه, فهذا غاية الإهانة, فمن الله عليهم بالنجاة التامة وإغراق عدوهم وهم ينظرون لتقر أعينهم. أهـ.\r[يذبحون أبناءكم ويستحيون نساءكم وفي ذلكم بلاء من ربكم عظيم]\rقال البيضاوي : وقرئ [يذبحون] بالتخفيف, وإنما فعلوا بهم ذلك, لأن فرعون رأى في المنام, أو قال له الكهنة : سيولد منهم من يذهب بملكه, فلم يرد اجتهادهم من قدر الله شيئاً. أهـ.\rوقال أبو السعود(3) : قيل : قتلوا بتلك الطريقة تسعمائة ألف مولود وتسعين ألفاً(4), وقد أعطى الله نفس موسى - عليه السلام - من القوة على التصرف ما كان يعطيه أولئك المقتولين لو كانوا أحياء, ولذلك كانت معجزاته ظاهرة باهرة. أهـ.\r[وفي ذلكم بلاء من ربكم عظيم]\rقال الخازن(5) : [وفي ذلكم بلاء من ربكم عظيم] أي اختبار وامتحان, والبلاء يطلق على النعمة العظيمة, وعلى المحنة الشديدة, ليختبر الله العبد على النعمة بالشكر وعلى الشدة بالصبر, فإن حمل قوله : [وفي ذلكم بلاء من ربكم عظيم] على صنع فرعون كان من البلاء والمحنة,وإن حمل على الانجاء كان من النعمة. أهـ.\r\" ومن لطائف القشيري في هذه الآية \"\rمن صبر في الله على بلاء أعداءه عوضه الله صحبة أولياءه, وأتاح له جميل عطائه, فهؤلاء بن وإسرائيل صبروا على مقاساة الضر من فرعون وقومه فجعل منهم أنبياءهم, وجعلهم ملوكاً, وآتاهم ما لم يؤت أحداً من العالمين.\r__________\r(1) - البرهان حـ1 صـ120 بتصرف يسير\r(2) - تفسير السعدي صـ45\r(3) - تفسير أبي السعود حـ1 صـ100 بتصرف يسير\r(4) - هذا الكلام يحتاج إلى نقل صحيح\r(5) - تفسير الخازن حـ1 صـ48","part":1,"page":363},{"id":362,"text":"[وفي ذلكم بلاء من ربكم عظيم] قيل : نعمة عظيمة, وقيل : محنة شديدة, وفي الحقيقة ما كان من الله – في الظاهر – محنه فهو – في الحقيقة لمن عرفه نعمة ومنة(1). اهـ\rلطائف في\rقوله تعالى : [وإذ فرقنا بكم البحر], وقوله عز من قائل : [وإذ واعدنا موسى أربعين ليلة] قال الإمام القشيري رحمه الله : \rتقاصرت بصائر بني إسرائيل فأراهم المعجزات عياناً, ونفذت بصائر هذه الأمة فكاشفهم بآياته سراً, وبذلك جرت سنته – سبحانه, وكل من كان أشحذ بصيرة كان الأمر عليه أغمض, والإشارات معه أوفر, قال وحين شاهدوا ظاهر تلك الآيات من فلق البحر, وإغراق آل فرعون- داخلهم ريب فقالوا : إنه لم يغرق حتى قذفهم البحر, فنظر بن وإسرائيل إليهم وهم مغرقون, وهذه الأمة لفظ تصديقهم لرسول الله – صلى الله عليه وسلم -, وقوة بصائرهم أن قال واحد من أفتاء الناس : كأني بأهل الجنة يتزاورون, وكأني بأهل النار يتعاوون, وكأني أنظر عرش ربي بارزاً\" فشتان بين من يعاين فيرتاب مع عيانه, وبين من يسمع فكالعيان حاله من قوة إيمانه(2).\rقوله جل ذكره [وإذ واعدنا موسى أربعين ليلة – ثم اتخذتم العجل من بعده وأنتم ظالمون] شتان بين أمة وأمة, فأمة موسى – عليه السلام – غاب نبيهم - عليه السلام – أربعين يوماً, فاتخذوا العجل معبودهم, ورضوا بأن يكون لهم بمثل العجل معبوداً فقالوا [هذا إلهكم وإله موسى فنسى] (طه : 81) وأمة محمد المصطفى – صلى الله عليه وسلم – مضى من وقت نبيهم سنون كثيرة فل وسمعوا واحداً يذكر في وصف معبودهم ما يوجب تشبيهاً لما أبقوا على حشاشتهم, ولو كان في ذلك ذهاب أرواحهم.\r__________\r(1) - لطائف الإشارات حـ1 صـ89\r(2) - لطائف الإشارات حـ1 صـ89 – 90 باختصار يسير","part":1,"page":364},{"id":363,"text":"ويقال : إن موسى - عليه السلام - سلم أمته إلى أخيه فقال : \"اخلفني في قومي\" وحين رجع وجدهم وقعوا في الفتنة, ونبينا - صلوات الله عليه - توكل على الله فلم يشر على أحد في أمر الأمة وكان يقول في أخر حاله : الرفيق الأعلى, فانظر كيف تولى الحق رعاية أمته في حفظ التوحيد عليهم. لعمري يضيعون حدودهم ولكن لا ينقضون توحيدهم(1). ا.هـ\r[ وإذ واعدنا موسى أربعين ليلة... ]\rقوله تعالى : [وإذ واعدنا موسى أربعين ليلة...] يفيد أن المواعدة كانت من أول الأمر على الأربعين, وقوله في الأعراف [وواعدنا موسى ثلاثين ليلة وأتممناها بعشر] يفيد أن المواعدة في أول الأمر على الثلاثين, فكيف التوفيق بينهما.\rأجاب الحسن البصري فقال : ليس المراد أن وعده كان ثلاثين ليلة ثم بعد ذلك وعده بعشرة لكنه وعده أربعين ليلة جميعاً وهو كقوله [ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجعتم تلك عشرة كاملة] (2) (البقرة : 196). أهـ.\r[ سؤال] لم كان التعبير في قوله \" أربعين ليلة \" بالليلة دون اليوم ؟ \r[ الجواب] إنما قال \" أربعين ليلة ، لأن الشهور تبدأ من الليالي (3). أ هـ.\rوأجاب البغوي(4) عن ذلك بقوله : وقرن بالليل دون النهار, لأن شهور العرب وضعت على سير القمر, والهلال إنما يهل بالليل, وقيل, لأن الظلمة أقدم من الضوء وخلق الليل قبل النهار قال الله تعالى : [وآية لهم الليل نسلخ منه النهار] (يس : 37) أ.هـ.\rوقال في الميزان(5) : [وواعدنا موسى أربعين ليلة] وقص تعالى القصة في سورة الأعراف بقوله [وواعدنا موسى ثلاثين ليلة وأتممناها بعشر فتم ميقات ربه أربعين ليلة] (الأعراف : 142) فعدوا المواعدة فيها أربعين ليلة إما للتغليب, أو لأنه كانت العشرة الأخيرة بمواعدة أخرى, فالأربعون مجموع المواعدتين. أهـ.\r__________\r(1) - لطائف الإشارات حـ1 صـ90 - 91\r(2) - التفسير الكبير حـ3 صـ511\r(3) - التفسير الكبير ح3 صـ511\r(4) - معالم التنزيل حـ1 صـ 81 - 82\r(5) - الميزان حـ1 صـ188","part":1,"page":365},{"id":364,"text":"وقال في التسهيل(1) : وإنما خص الليالي بالذكر, لأن العام بها, والأيام تابعة لها, والمراد أربعين ليلة بأيامها. أهـ.\r[ ثم اتخذتم العجل من بعده وأنتم ظالمون ]\rقصة عبادة بني إسرائيل للعجل بإيجاز من القرطبي\"(2)\rونهاهم هارون وقال يا قوم إنما فتنتم به وإن ربكم الرحمن فاتبعوني وأطيعوا أمري قالوا لن نبرح عليه عاكفين حتى يرجع إلينا موسى\" (طه : 90-91) فلم يتبع في عبادته سائرهم وهم أكثر من ألفي الف, فلما رجع موسى ووجدهم على تلك الحال, وألقى الألواح وأحرق العجل وذراه في البحر, فشربوا من مائه حباً للعجل, فظهرت على شفاههم صفرة, وورمت بطونهم فتابوا, ولم تقبل توبتهم, دون أن يقتلوا أنفسهم فذلك قوله تعالى [فتوبوا إلى بارئكم فاقتلوا أنفسكم] (البقرة : 54) اهـ\rقوله تعالى : [ثم عفونا عنكم من بعد ذلك لعلكم تشكرون]\r[ثم عفونا عنكم] العف وعف والله عز وجل عن خلقه, وقد يكون بعد العقوبة وقبلها بخلاف الغفران, فإنه لا يكون معه عقوبة ألبتة (3). أهـ.\r[لعلكم تشكرون] أي لكي تشكروا عفوي عنكم وحسن صنيعي إليكم, وأصل الشكر هو تصور النعمة وإظهارها, ويضاده الكفر وهو نسيان النعمة وسترها, والشكر على ثلاثة أضرب : شكر القلب وهو تصور النعمة, وشكر اللسان وهو الثناء على النعمة, وشكر بسائر الجوارح في السر والعلانية , وقيل العجز عن الشكر, وقال داود عليه السلام - سبحان من جعل اعتراف العبد بالعجز عن الشكر شكراً كما جعل اعترافه بالعجز عن معرفته معرفة, وقال الفضيل : شكر كل نعمة أن لا يعصى الله بعدها بتلك النعمة, وقيل : شكر النعمة ذكرها, وقيل شكر النعمة أن لا يراها ألبتة, ويرى المنعم, وقيل الشكر لمن فوقك بالطاعة والثناء, ولنظير له بالمكافأة, ولمن دونه بالإحسان والإفضال (4). أهـ.\r__________\r(1) - التسهيل حـ1 صـ48\r(2) - تفسير القرطبي حـ1 صـ274 باختصار يسير\r(3) - تفسير القرطبي حـ1 صـ 275\r(4) -تفسير الخازن حـ1 صـ 50 باختصار يسير","part":1,"page":366},{"id":365,"text":"وقال الشبلي عن الشكر : التواضع والمحافظة على الحسنات, ومخالفة الشهوات وبذل الطاعات, ومراقبة جبار الأرض والسموات(1). اهـ.\rقوله تعالى : [وإذ آتينا موسى الكتاب والفرقان لعلكم تهتدون] المراد من الفرقان يحتمل أن يكون التوراة , وأن يكون شيئاً داخلاً في التوراة, وأن يكون شيئاً خارجاً عن التوراة, فهذه أقسام ثلاثة لا مزيد عليها. وتقرير الاحتمال الأول : \rأن التوراة لها صفتان : كونها كتاباً منزلاً, وكونها فرقاناً تفرق بين الحق والباطل فهو كقولك : رأيت الغيث والليث, تريد الرجل الجامع بين الجود والجرأة. ونظيره قوله تعالى : [ولقد آتينا موسى وهارون الفرقان وضياء وذكراً للمتقين] (الأنبياء : 48) وأما تقرير الاحتمال الثاني : فهو أن يكون المراد من الفرقان ما في التوراة من بيان الدين من أصول وفروع.\rوأما تقرير الاحتمال الثالث : فمن وجوه, أحدها : أن يكون المراد من الفرقان ما أوتي موسى - عليه السلام - من اليد والعصا وسائر الآيات, وسميت بالفرقان, لأنها فرقت بين الحق والباطل, وثانيها أن يكون المراد من الفرقان النصر والفرج الذي آتاه الله بني إسرائيل على قوم فرعون قال تعالى : [إن كنتم آمنتم بالله وما أنزلنا على عبدنا يوم الفرقان يوم التقى الجمعان] (الأنفال : 41) والمراد النصر الذي آتاه الله يوم بدر.\rوثالثها قال قطرب(2) : الفرقان هو انفراق البحر لموسى-عليه السلام(3)-. أهـ\rقوله تعالى : [فتوبوا إلى بارئكم].\r( أسئلة وأجوبة )\rسؤال : ما معنى قوله تعالى : [فتوبوا إلى بارئكم] والتوبة لا تكون إلا إلى البارئ ؟ \rوالجواب : المراد منه النهي عن الرياء في التوبة كأنه قال لهم : لو أظهرتم التوبة لا عن القلب فأنتم ما تبتم إلى الله الذي هو مطلع على ضميركم, وإنما تبتم إلى الناس وذلك مما لا فائدة فيه, فإنكم إذا أذنبتم إلى الله\r__________\r(1) - تفسير القرطبي -حـ1 صـ\r(2) - لا يخفى ما في هذا الوجه من البعد.\r(3) - التفسير الكبير حـ3 صـ514 بتصرف يسير","part":1,"page":367},{"id":366,"text":"سؤال : كيف اختص هذا الموضع بذكر البارئ ؟ والجواب : البارئ هو الذي خلق الخلق بريئاً من التفاوت [ما ترى في خلق الرحمن من تفاوت] (الملك : 3) ومتميزاً بعضه عن بعض بالأشكال المختلفة والصور المتباينة فكان ذلك تنبيهاً على أن من كان كذلك فهو أحق بالعبادة من البقر الذي يضرب به المثل في الغباوة.\rسؤال : ما الفرق بين الفاء في قوله : [فتوبوا] والفاء في قوله : [فاقتلوا] ؟ والجواب : أن الفاء في الأولى للسبب لأن الظلم سبب التوبة, والثانية للتعقيب لأن القتل من تمام التوبة فمعنى قوله : [فتوبوا] أي فأتبعوا التوبة القتل تتمة لتوبتكم.\rسؤال : كيف استحقوا القتل وهم قد تابوا من الردة ، والتائب من الردة لا يقتل ؟ \rالجواب : ذلك مما يختلف بالشرائع, فلعل شرع موسى عليه السلام كان يقتضي قتل التائب عن الردة, إما عاماً في حق الكل أو كان خاصأ بذلك القوم.\rسؤال : هل يصح ما روي أن منهم من لم يقبل الله توبته ؟ \rالجواب : لا يمتنع ذلك لأن قوله تعالى : [إنكم ظلمتم أنفسكم] خطاب مشافهة فلعله كان مع البعض أو إنه كان عاماً فالعام قد يتطرق إليه التخصيص. وأما قوله تعالى [فذلك خير لكم عند بارئكم] ففيه تنبيه على ما لأجله يمكن تحمل هذه المشقة وذلك لأن حالتهم كانت دائرة بين ضرر الدنيا وضرر الآخرة, والأول أولى بالتحمل لأنه متناه, وضرر الآخرة غير متناه, ولأن الموت لا بد واقع فليس في تحمل القتل إلا التقدم والتأخير, وأما الخلاص من العقاب والفوز بالثواب فذاك هو الغرض الأعظم(1). أهـ.\rقوله تعالى : [وأنزلنا عليكم المن والسلوى]\rسؤال : فإن قيل لم قدم في الآية المن على السلوى مع أنها غذاء والمن حلواء والعادة تقديم الغذاء على الحلواء ؟ \rأجيب : بأن نزول المن من السماء أمر مخالف للعادة, فقدم لاستعظامه بخلاف الطيور المأكولة, وأيضاً هو مقدم في النزول عليهم(2). اهـ.\r__________\r(1) - التفسير الكبير حـ3 صـ516 ، 518\r(2) - السراج المنير حـ1 صـ62","part":1,"page":368},{"id":367,"text":"قوله تعالى : [ولكن كانوا أنفسهم يظلمون]\rسؤال : [ولكن كانوا أنفسهم يظلمون](البقرة : 57) وفي (الأعراف : 16) وفي آل عمران : [ولكن أنفسهم يظلمون] (آل عمران : 117) أي بحذف لفظ [كانوا]\rالجواب : لأن ما في السورتين (البقرة والأعراف) إخبار عن قوم ماتوا وانقرضوا(1). اهـ\rقوله تعالى : [وقولوا حطة]\rوفي معنى [حطة] ثلاث أقوال : أحدها أن معناه : استغفروا, وهي كلمة أمروا أن يقولوها في معنى الاستغفار من حططت أي حط عن ذنوبنا, والثاني : أن معناها قولوا هذا الأمر حق كما قيل لكم, والثالث : أن معناها : لا إله إلا الله فيكون المعنى قولوا الذي يحط عنكم خطاياكم وهو قول : لا إله إلا الله(2) أهـ\rوفي ابن كثير(3) : عن أبي هريرة – رضي الله عنه – عن النبي – صلى الله عليه وسلم – قال : قيل لبنى إسرائيل : ادخلوا الباب سجداً وقولوا حطة – فدخلوا يزحفون على أستاههم فبدلوا وقالوا حطة حبة في شعرة (4).\rوقال ابن الجوزي : أعلم أن الله عز وجل أمرهم في دخولهم بفعل وقول, فالفعل السجود والقول \"حطة\" فغير القوم الفعل والقول.\rفأما تغيير الفعل ففيه خمسة أقوال : أحدها : أنهم دخلوا متزحفين على أوراكهم, والثاني أنهم دخلوا من قبل أستاههم, والثالث أنهم دخلوا مقنعي رؤوسهم والرابع : أنهم دخلوا على حروف عيونهم, والخامس أنهم دخلوا متسلقين.\r__________\r(1) - أسرار التكرار في القرآن صـ 27 : 28 بتصرف يسير\r(2) - زاد المسير حـ1 صـ85 باختصار يسير\r(3) - تفسير ابن كثير حـ1 صـ128\r(4) - أخرجه البخاري في أحاديث الأنبياء [3403 / فتح] ومسلم في التفسير ، 3015 / عبد الباقي ]","part":1,"page":369},{"id":368,"text":"وأما تغيير القول ففيه خمسة أقوال : أحدها : أنهم قالوا مكان \"حطة\" حبة في شعرة, والثاني أنهم قالوا : حنطة, والثالث أنهم قالوا : حنطة حمراء وفيها شعرة, والرابع : أنهم قالوا : حبة حنطة مثقوبة فيها شعرة(1), والخامس : أنهم قالوا : سنبلاً(2). اهـ\rقوله تعالى : [وسنزيد المحسنين ]\rقال البيضاوي : [وسنزيد المحسنين] ثواباً, جعل الامتثال توبة للمسيء, وسبب زيادة الثواب للمحسن, وأخرج صورة الجواب إلى الوعد إيهاماً بأن المحسن بصدد ذلك وإن لم يفعله , فكيف إذا فعله وأنه تعالى يفعل لا محالة(3).أهـ.\rقوله تعالى : [فبدل الذين ظلموا قولاً غير الذي قيل لهم]\rقال ابن جزي(4) في التسهيل : [فبدل الذين ظلموا] يعني المذكورين- وضع الظاهرين موضع المضمر لقصد ذمهم بالظلم, وكرره زيادة في تقبيح أمرهم.أهـ.\rوقال البيضاوي(5) : [فأنزلنا على الذين ظلموا] كرر مبالغة في تقبيح أمرهم وإشعاراً بأن الإنزال عليهم لظلمهم, بوضع غير المأمور به موضعه, أو على أنفسهم, بأن تركوا ما يوجب نجاتها إلى ما يوجب هلاكها. أهـ.\rوقال السعدي(6) : ولم يقل : [فبدلوا] لأنهم لم يكونوا كلهم بدلوا [قولاً غير الذي قيل لهم] فقالوا بدل حطة : حبة في حنطة استهانة بأمر الله, واستهزاء وإذا بدلوا القول مع خفته, فتبديلهم للفعل من باب أولى وأحرى. أهـ.\rسؤال : فإن قيل : كيف, قال [فبدل الذين ظلموا قولاً غير الذي قيل لهم] وهم إنما بدلوا القول الذي قيل لهم, لأنهم قيل لهم قولوا : حطة, فقالوا حنظة ؟ \rالجواب : قلنا معناه : فبدل الذين ظلموا قولاً قيل لهم, فقالوا قولاً غير الذي قيل لهم(7). أهـ.\r__________\r(1) - الأولى ترجيح ما ذكره ابن كثير رحمه الله فهو موجود في البخاري.\r(2) - زاد المسير حـ1 صـ85 باختصار يسير\r(3) - البيضاوي حـ صـ228\r(4) - التسهيل حـ1 صـ48 - 49\r(5) - تفسير البيضاوي – حـ 229\r(6) - تفسير السعدي صـ46\r(7) تفسير الرازي حـ1 صـ24","part":1,"page":370},{"id":369,"text":"قال الإمام الفخر(1) : أما قوله : [فبدل الذين ظلموا] ففيه وجهان.\rالأول : قال أبو مسلم : قوله تعالى : [فبدل] يدل على أنهم لم يفعلوا ما أمروا به - لا على أنهم أتوا له ببدل, والدليل عليه أن تبديل القول قد يستعمل في المخالفة قال الله تعالى : [سيقول المخلفون من الأعراب] (الفتح : 11) إلى قوله [يريدون أن يبدلوا كلام الله](الفتح : 15) ولم يكن تبديلهم إلا الخلاف في الفعل لا في القول , فكذا ها هنا, فيكون المعنى : أنهم لما أمروا بالتواضع وسؤال المغفرة لم يمتثلوا أمر الله ولم يلتفتوا إليه.\rالثاني : وهو قول جمهور المفسرين : إن المراد من التبديل أنهم أتوا ببدل له لأن التبديل مشتق من البدل, فلا بد من حصول البدل, وهذا كما يقال : فلان بدل دينه يفيد أنه انتقل من دين إلى آخر, ويؤكد ذلك قوله تعالى : [قولاً غير الذي قيل لهم] أهـ.\rقوله تعالى : [فأنزلنا على الذين ظلموا رجزاً من السماء]\rسؤال : \"لماذا خص الرجز بأنه من السماء\" ؟ \rوالجواب : قال القاسمي (2) \"قال الراغب : وتخصيص قوله [رجزاً من السماء] هو أن العذاب ضربان : ضرب قد يمكن - على بعض الوجوه - دفاعه أو يظن أنه يمكن فيه ذلك, وهو كل عذاب على يد آدمي, أو من جهة المخلوقات, كالهدم والغرق, وضرب لا يمكن - ولا يظن - دفاعه بقوة آدمي, كالطاعون, والصاعقة والموت, وهي المعني بقوله [رجزاً من السماء]أهـ.\rوقال القشيري(3) في هذه الآية : لم يمكنهم أن يردوا باب السماء باحتيالهم, أو يصدوا من دونهم أسباب البلاء بما ركنوا إليه من أحوالهم, فزعوا من الندم لما عضهم ناب الألم, وهيهات أن ينفعهم ذلك لأنه محال من الحسبان. أهـ.\rقال الإمام الرازي وها هنا سؤالات : \rالسؤال الأول : لم قال في سورة البقرة : [وإذ قلنا] وقال في الأعراف : [وإذ قيل لهم].\r__________\r(1) - التفسير الكبير حـ3 صـ 525\r(2) - محاسن التأويل حـ2 صـ345\r(3) - لطائف الإشارات حـ1 صـ94","part":1,"page":371},{"id":370,"text":"الجواب : أن الله تعالى صرح في أول القرآن بأن قائل القول هو الله تعالى إزالة للإبهام ولأنه ذكر في أول الكلام : [اذكروا نعمتي التي أنعمت عليكم](البقرة : 40) ثم أخذ يعدد نعمه, فاللائق في هذا المقام أن يقول : [وإذ قلنا] أما في سورة الأعراف فلا يبقى في قوله تعالى : [وإذ قيل لهم] إبهام بعد تقديم التصريح به في سورة البقرة.\rالسؤال الثاني : لم قال في البقرة : [وإذ قلنا ادخلوا] وفي الأعراف : [اسكنوا] ؟ \rالجواب : الدخول مقدم على السكون ولا بد منهما فلا جرم ذكر الدخول في السورة المتقدمة والسكون في السورة المتأخرة.\rالسؤال الثالث : لم قال في البقرة : [فكلوا] بالفاء وفي الأعراف : [وكلوا] بالواو ؟ \rوالجواب : ها هنا هو الذي ذكرناه في قوله تعالى في سورة البقرة : [وكلا منها رغداً] وفي الأعراف : [فكلا].\rالسؤال الرابع : لم قال في البقرة : [نغفر لكم خطاياكم] وفي الأعراف : [نغفر لكم خطيئاتكم] ؟ \rالجواب : الخطايا جمع الكثرة والخطيئات جمع السلامة فهو للقلة, وفي سورة البقرة لما أضاف ذلك القول إلى نفسه فقال : [وإذ قلنا ادخلوا هذه القرية] لا جرم قرن به ما يليق بجوده وكرمه وهو غفران الذنوب الكثيرة, فذكر بلفظ الجمع الدال على الكثرة, وفي الأعراف لما لم يضف ذلك إلى نفسه بل قال : [وإذ قيل لهم] لا جرم ذكر ذلك بجمع القلة, فالحاصل أنه لما ذكر الفاعل ذكر ما يليق بكرمه من غفران الخطايا الكثيرة, وفي الأعراف لما لم يسم الفاعل لم يذكر اللفظ الدال على الكثرة.\rالسؤال الخامس : لم ذكر قوله : [رغداً] في البقرة وحذفه في الأعراف ؟ \rالجواب : عن هذا السؤال كالجواب في الخطايا والخطيئات لأنه لما أسند الفعل إلى نفسه لا جرم ذكر معه الإنعام الأعظم وهو أن يأكلوا رغداً ولما لم يسند الفعل إلى نفسه لم يذكر الإنعام الأعظم فيه.\rالسؤال السادس : لم ذكر في البقرة : [وادخلوا الباب سجداً وقولوا حطة] وفي الأعراف قدم المؤخر ؟ ","part":1,"page":372},{"id":371,"text":"الجواب : الواو للجمع المطلق وأيضاً فالمخاطبون بقوله : [ادخلوا الباب سجداً وقولوا حطة] يحتمل أن يقال : أن بعضهم كانوا مذنبين والبعض الآخر ما كانوا مذنبين, فالمذنب لا بد أن يكون اشتغاله بحظ الذنوب مقدماً على الاشتغال بالعبادة لأن التوبة عن الذنب مقدمة على الاشتغال بالعبادات المستقبلة لا محالة, فلا جرم كان تكليف هؤلاء أن يقولوا [حطة] ثم يدخلوا الباب سجداً, وأما الذي لا يكون مذنباً فالأولى به أن يشتغل أولاً بالعبادة ثم يذكر التوبة, ثانياً : على سبيل هضم النفس وإزالة العجب في فعل تلك العبادة فهؤلاء يجب أن يدخلوا الباب سجداً أولاً ثم يقولوا حطة ثانياً, فلما احتمل كون أولئك المخاطبين منقسمين إلى هذين القسمين لا جرم ذكر الله تعالى حكم كل واحد منهما في سورة أخرى.\rالسؤال السابع : لم قال : [وسنزيد المحسنين] في البقرة, مع الواو وفي الأعراف : [سنزيد المحسنين] من غير الواو ؟ \rالجواب : أما في الأعراف فذكر فيه أمرين : أحدهما : قول الحطة إشارة إلى التوبة, وثانيها : دخول الباب سجداً وهو إشارة إلى العبادة, ثم ذكر جزأين : أحدهما : قوله تعالى : [نغفر لكم خطاياكم] وهو واقع في مقابلة قول الحطة. والآخر : قوله : [سنزيد المحسنين] وهو واقع في مقابلة دخول الباب سجداً فترك الواو توزع كل واحد من الجزأين على كل واحد من الشرطين. وأما في سورة البقرة فيفيد كون مجموع المغفرة والزيادة جزاء واحداً لمجموع الفعلين أعني دخول الباب وقول الحطة.\rالسؤال الثامن : قال الله تعالى في سورة البقرة : [فبدل الذين ظلموا قولاً] وفي الأعراف : [فبدل الذين ظلموا منهم قولاً] فما الفائدة في زيادة كلمة [منهم] في الاعراف ؟ ","part":1,"page":373},{"id":372,"text":"الجواب : سبب زيادة هذه اللفظة في سورة الأعراف أن أول القصة ها هنا مبني على التخصيص بلفظ [من] لأنه تعالى قال : [ومن أمة موسى قوم يهدون بالحق وبه يعدلون] (الأعراف : 159), فذكر أن منهم من يفعل ذلك ثم عدد صنوف إنعامه عليهم وأوامره لهم, فلما انتهت القصة قال الله تعالى : [فبدل الذين ظلموا منهم] فذكر لفظة [منهم] في آخر القصة كما ذكرها في أول القصة ليكون آخر الكلام مطابقاً لأوله فيكون الظالمون من قوم موسى بإزاء الهادين منهم فهناك ذكر أمة عادلة, وها هنا ذكر أمة جائرة وكلتاهما من قوم موسى فهذا هو السبب في ذكر هذه الكلمة في سورة الأعراف,وأما في سورة البقرة فإنه لم يذكر في الآيات التي قبل قوله : [فبدل الذين ظلموا] تمييزاً وتخصيصاً حتى يلزم في آخر القصة ذكر ذلك التخصيص فظهر الفرق.\rالسؤال التاسع : لم قال في البقرة : [فأنزلنا على الذين ظلموا رجزاً] وقال في الأعراف : [فأرسلنا] ؟ \rالجواب : الإنزال يفيد حدوثه في أول الأمر والإرسال يفيد تسلطه عليهم واستئصاله لهم بالكلية, وذلك إنما يحدث بالآخرة.\rالسؤال العاشر : لم قال في البقرة : [بما كانوا يفسقون] وفي الأعراف : [بما كانوا يظلمون] ؟ \rوالجواب : أنه تعالى لما بين في سورة البقرة كون ذلك الظلم فسقاً اكتفى بلفظ الظلم في سورة الأعراف لأجل ما تقدم من البيان في سورة البقرة والله أعلم(1). اهـ.\rقوله تعالى : [وإذ استسقى موسى لقومه فقلنا اضرب بعصاك الحجر]\rالأقوال في الحجر\r__________\r(1) - التفسير الكبير للإمام الرازي حـ3 صـ526 ، 527","part":1,"page":374},{"id":373,"text":"قال ابن كثير (1)– رحمه الله – في تفسيره ما نصه : \"قال ابن عباس رضي الله عنهما \"وجعل بين ظهرانيهم حجراً مربعاً, وأمر موسى - عليه السلام – فضربه بعصاه, فانفجرت منه اثنتا عشرة عيناً في كل ناحية منه ثلاث عيون وأعلم كل سبط عينهم يشربون منها, لا يرتحلون من منقلة – إلا وجدوا ذلك معهم بالمكان الذي كان منهم بالمنزل الأول – وهذا قطعة من الحديث الذي رواه النسائي وابن جرير وابن أبي حاتم وهو حديث الفتون الطويل. اهـ\rونقل ابن كثير أقوال بعض المفسرين في وصف الحجر مع ما فيها من مبالغة دون أن يقرها أو ينكرها. حيث قال : \rوقال عطية العوفي : وجعل لهم حجراً مثل رأس الثور يحمل على ثور, فإذا نزلوا وضعوه فضربه موسى – عليه السلام – بعصاه فانفجرت منه اثنتا عشرة عيناً فإذا ساروا حملوه على ثور فاستمسك الماء, وقيل كان لبني إسرائيل حجر فكان يضعه هارون ويضربه موسى بالعصا, وقال قتادة : كان حجراً طورياً من الطور يحملونه معهم إذا نزلوا ضربه موسى بعصاه, وقال الزمخشري وقيل : كان من الرخام وكان ذراعاً في ذراع, وقيل مثل رأس الإنسان وقيل : كان من الجنة طوله عشرة أذرع على طول موسى وله شعبتان تتقدان في الظلمة وكان يحمل على حمار, وقيل أهبطه آدم من الجنة فتوارثوه حتى وقع إلى شعيب فدفعه إليه مع العصا, وقيل هو الحجر الذي وضع عليه ثوبه حين اغتسل فقال له جبريل : ارفع هذا الحجر فإن فيه قدرة ولك فيه معجزة فحمله في مخلاته(2). أهـ.\rوقال ابن الجوزي(3) : واختلفوا في صفة الحجر على ثلاثة أقوال\rأحدها : أنه كان حجراً مربعاً, والثاني : كان مثل رأس الثور, والثالث : مثل رأس الشاة.\r__________\r(1) - تفسير ابن كثير حـ1 صـ130\r(2) - تفسير ابن كثير حـ صـ 130 بتصرف يسير\r(3) - زاد المسير حـ1 صـ87 باختصار يسير","part":1,"page":375},{"id":374,"text":"وقال الإمام الفخر - رحمه الله - بعد ذكر بعض هذه الأقوال في صفة الحجر : \"واعلم أن السكوت عن أمثال هذه المباحث واجب, لأنه ليس فيها نص متواتر قاطع, ولا يتعلق بها عمل حتى يكتفي فيها بالظن المستفاد من أخبار الآحاد فالأولى تركها(1). اهـ\rوقال الآلوسي (2) : بعد أن ذكر أكثر هذه الروايات في صفة الحجر(3) : \r\"وظاهر أكثرها التعارض, ولا ينبئ على تعيين هذا الحجر أمر ديني والأسلم تفويض علمه إلى الله (4). أهـ.\r__________\r(1) - التفسير الكبير حـ3 صـ528\r(2) - روح المعاني حـ1 صـ89\r(3) - وكأنه بذلك يميل إلى ما رجحه الإمام فخر الدين الرازي - رحمه الله.\r(4) - وقد ذكر هذه الروايات كثير من المفسرين دون إقرار أو إنكار ، وكأنهم يميلون إلى القول بصحتها - والله أعلم - مع أنها تفتقر إلى نقل صحيح ، وقد سكت القرآن عن بيانها. وممن ذكر هذه الأقوال.\rالإمام الطبري حـ1 صـ 308 ، والزمخشري حـ1 صـ 146 : 147 ، وابن الجوزي حـ1 صـ87 ، وابن جزي في التسهيل حـ1 صـ49.\rوالبغوي حـ1 صـ90 ، والخازن حـ1 صـ53 ، وابن عطية حـ1 صـ152 ، وأبو السعود حـ1 صـ105 - 106 ، والقرطبي حـ1 صـ291 ، وابن كثير حـ1 صـ130 ، فهذه الأقوال يجب عدم التعويل عليها ، والأرجح أنها من الإسرائيليات المنكرة التي شوهت كتب التفسير ، كذلك يجب التنبيه على ضعف ما ورد من مبالغة في قوله تعالى \" ونزلنا عليكم المن والسلوى \" فقد ذكر الإمام الطبري رحمه الله في تفسيره حـ1 صـ 297 أن بني إسرائيل وهم في التيه كان ينزل عليهم المن والسلوى ، ولا تبلى ثيابهم. انتهى كلامه - سبحان الله هذا أمر لم يتحقق إلا لأهل الجنة فقط يوم المزيد بل لم يستطع رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يأكل من قطف العنب الذي في الجنة عندما رآه وهو يصلي بالمسلمين ، والحديث معروف - رزقنا الله وإياكم الفوز بالجنة. أ هـ.","part":1,"page":376},{"id":375,"text":"(( فقلنا اضرب بعصاك الحجر ))\rقال البغوي (1) - رحمه الله - : قوله تعالى : [فقلنا اضرب بعصاك الحجر] وكانت من آس الجنة طولها عشرة أذرع على طول موسى عليه السلام, ولها شعبتان تتقدان في الظلمة نوراً, واسمها عليق, حملها آدم من الجنة فتوارثها الأنبياء حتى وصلت إلى شعيب - عليه السلام- فأعطاها موسى - عليه السلام - قال مقاتل : اسم العصا : نبعة(2). اهـ\rقال القشيري(3) : إن الذي قدر على إخراج الماء من الصخرة الصماء كان قادراً على إروائهم بغير ماء ولكن لإظهار أثر المعجزة فيه, وإيصال محل الاستغاثة إليه, وليكون على موسى - عليه السلام - أيضاً في نقل الحجر - مع نفسه شغل, ولتكليفه أن يضرب بالعصا مقاساة نوع من معالجة ما أمضى حكمه عند استسقائه لقومه(4). اهـ\rقوله تعالى : [كلوا واشربوا من رزق الله ]\rقال الفخر(5) : [كلوا واشربوا من رزق الله] فيه حذف والمعنى : فقلنا لهم, أو قال لهم موسى - عليه السلام - كلوا واشربوا, وإنما قال : [كلوا] لوجهين أحدهما : لما تقدم من ذكر المن والسلوى, فكأنه قال : كلوا من المن والسلوى الذي رزقكم الله بلا تعب ولا نصب, واشربوا من هذا الماء.\rوالثاني : أن الأغذية لا تكون إلا بالماء, فلما أعطاهم الماء فكأنه تعالى أعطاهم المأكول والمشروب. أ هـ.\rسؤال : هل يجوز أن يأمره الله تعالى بأن يضرب بعصاه الحجر فينفجر من غير ضرب حتى يستغني عن تقدير هذا المحذوف ؟ \r__________\r(1) - معالم التنزيل حـ1 صـ90\r(2) - كما سبق فإنه يجب عدم الالتفات إلى مثل هذه الأقوال ، ولكننا نذكرها لئلا يغتر بها لوجودها في كتب أكابر المفسرين - رحمهم الله جميعاً.\r(3) - لطائف الإشارات حـ1 صـ90\r(4) - قال القرطبي : وقد كان تعالى قادراً على تفجير الماء وفلق الحجر من غير ضرب ، لكن أراد أن يربط المسببات بالأسباب حكمة منه للعباد في وصولهم إلى المراد ، وليترتب على ذلك ثوابهم وعقابهم في المعاد أ هـ القرطبي حـ1 صـ290.\r(5) - التفسير الكبير حـ3 صـ 530","part":1,"page":377},{"id":376,"text":"الجواب : لا يمتنع في القدرة أن يأمره الله بأن يضرب بعصاه الحجر ومن قبل أن يضرب ينفجر على قدر الحاجة لأن ذلك لو قيل : إنه أبلغ في الإعجاز لكان أقرب, لكن الصحيح أنه ضرب فانفجرت لأنه تعالى لو أمر رسوله بشيء, ثم إن الرسول لا يفعله لصار الرسول عاصياً, ولأنه إذا انفجر من غير ضرب صار الأمر بالضرب بالعصا عبثاً, كأنه لا معنى له ولأن المروي في الأخبار أن تقديره : فضرب فانفجرت كما في قوله تعالى : [فانفلق](الشعراء : 63) من أن المراد فضرب فانفلق.\rسؤال : إنه تعالى ذكر هاهنا : [فانفجرت] وفي الأعراف : [فانبجست] (الأعراف : 16) وبينهما تناقض لأن الانفجار خروج الماء بكثرة والانبجاس خروجه قليلاً : \rالجواب من ثلاثة أوجه : أحدها الفجر الشق في الأصل, والانفجار الانشقاق, ومنه الفاجر لأنه يشق عصا المسلمين بخروجه إلى الفسق, والانبجاس اسم للشق الضيق القليل, فهما مختلفان اختلاف العام والخاص, فلا يتناقضان, وثانيهما : لعله انبجس أولاً, ثم انفجر ثانياً, وكذا العيون : يظهر الماء منها قليلاً ثم يكثر لدوام خروجه. وثالثها : لا يمتنع أن حاجتهم كانت تشتد إلى الماء فينفجر, أي يخرج الماء كثيراً ثم كانت تقل فكان الماء ينبجس أي يخرج قليلاً.\rسؤال : معجزة موسى في هذا المعنى أعظم أم معجزة محمد –عليه السلام- ؟ \rالجواب : كل واحدة منهما معجزة باهرة قاهرة, لكن التي لمحمد – صلى الله عليه وسلم – أقوى لأن نبوع الماء من الحجر معهود في الجملة, أما نبوعه من بين الأصابع فغير معتاد ألبتة, فكان ذلك أقوى.\rسؤال : ما الحكمة في جعل الماء اثنتي عشرة عيناً ؟ ","part":1,"page":378},{"id":377,"text":"الجواب : أنه كان في قوم موسى كثرة والكثير من الناس إذا اشتدت بهم الحاجة إلى الماء ثم وجدوه فإنه يقع بينهم تشاجر وتنازع وربما أفضى ذلك إلى الفتن العظيمة فأكمل الله تعالى هذه النعمة بأن عين لكل سبط منهم ماء معيناً لا يختلط بغيره والعادة في الرهط الواحد أن لا يقع بينهم من التنازع مثل ما يقع بين المختلفين.\rسؤال : من كم وجه يدل هذا الانفجار على الإعجاز ؟ \rالجواب : من وجوه : أحدها : أن نفس ظهور الماء معجز, وثانيها : خروج الماء العظيم من الحجر الصغير, وثالثها : خروج الماء بقدر حاجتهم. ورابعها : خروج الماء عند ضرب الحجر بالعصا, وخامسها : انقطاع الماء عند الاستغناء عنه, فهذه الوجوه الخمسة لا يمكن تحصيلها إلا بقدرة تامة نافذة في كل الممكنات وعلم نافذ في جميع المعلومات وحكمة عالية على الدهر والزمان, وما ذاك إلا للحق سبحانه وتعالى(1). أهـ.\rقوله تعالى : [ولا تعثوا في الأرض مفسدين ]\rالعثى أشد الفساد, فقيل لهم : لا تتمادوا في الفساد في حالة إفسادكم, لأنهم كانوا متمادين فيه, والمقصود منه ما جرت العادات بين الناس من التشاجر والتنازع في الماء عند اشتداد الحاجة إليه, فكأنه تعالى قال : إن وقع التنازع بسبب ذلك الماء فلا تبالغوا في التنازع – والله أعلم(2). أهـ.\rسؤال : فإن قيل : قوله تعالى : [ولا تعثوا في الأرض مفسدين] العثو : الفساد, فيصير المعنى : ولا تفسدوا في الأرض مفسدين!\rالجواب : قلنا معناه : ولا تعثوا في الأرض بالكفر وأنتم مفسدون بسائر المعاصي(3). أهـ.\rوفي محاسن التأويل(4) : \"وقوله : [ولا تعثوا في الأرض مفسدين] أي : لا تمشوا في الأرض بالفساد وخلاف أمر موسى.\rقال الراغب : فإن قيل : فما فائدة قوله : [مفسدين] والعث وضرب من الإفساد ؟ \r__________\r(1) - التفسير الكبير حـ3 صـ529 ، 530\r(2) - التفسير الكبير حـ3 صـ 530\r(3) - تفسير الرازي صـ25\r(4) - محاسن التأويل حـ2 صـ346","part":1,"page":379},{"id":378,"text":"قيل : قد قال بعض النحويين إن ذلك حال مؤكدة, وذكر ألفاظاً مما يشبه, وقال بعض المحققين : إن العثو, وإن اقتضى الفساد, فليس بموضوع له, بل هو كالاعتداء, وقد يوجد في الاعتداء ما ليس بفساد, وهو مقابلة المعتدي بفعله نحو : [فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم] (البقرة : 194) وهذا الاعتداء ليس بإفساد, بل هو, بالإضافة إلى ما قوبل به, عدل, ولولا كونه جزاء لكان إفساداً, فبين تعالى أن العث والمنهي عنه هو المقصود به الإفساد فالإفساد مكروه على الإطلاق, ولهذا قال : [ولا تفسدوا في الأرض بعد إصلاحها] (الأعراف : 56) وقد يكون في صورة العث ووالتعدي ما هو صلاح وعدل, كما تقدم وهذا ظاهر. أهـ.\rوقال أبو السعود(1) : إنما قيد به لأن العثي في الأصل مطلق التعدي وإن غلب في الفساد, وقد يكون في غير الفساد, كما في مقابلة الظالم المعتدي بفعله, وقد يكون فيه صلاح راجح كقتل الخضر – عليه السلام – للغلام, وخرقه السفينة ونظيره العبث خلا أنه غلاب فيما يدرك حساً. أهـ.\rقوله تعالى : [وإذ قلتم يا موسى لن نصبر على طعام واحد]\rسؤال : فإن قيل : كيف قال : [لن نصبر على طعام واحد] وطعامهم كان المن والسلوى وهما طعامان ؟ \rقلنا : المراد أنه دائم غير متبدل, وإن كان نوعين(2). أ.هـ.\rوقال الفخر(3)- قوله : [لن نصبر على طعام واحد] ليس المراد أنه واحد في النوع, بل إنه واحد في النهج وهو كما يقال : إن طعام فلان على مائدته طعام واحد إذا كان لا يتغير على نهجه. أهـ.\r__________\r(1) - تفسير أبي السعود حـ1 صـ 106\r(2) - تفسير الرازي صـ25\r(3) - التفسير الكبير حـ3 صـ532","part":1,"page":380},{"id":379,"text":"وفي القرطبي(1) : وكنوا عن المن والسلوى بطعام واحد وهما اثنان, لأنهم كانوا يأكلون أحدهما بالآخر, فلذلك قالوا طعام واحد, وقيل لتكرارهما في كل يوم غذاء, وقيل لن نصبر على الغنى فيكون جميعنا أغنياء, فلا يقدر بعضنا على الاستعانة ببعض لاستغناء كل واحد منا بنفسه(2), وكذلك كانوا فهم أول من اتخذ العبيد والخدم. أهـ.\rوقال القشيري(3) : لم يرضوا بحسن اختياره لهم, ولم يصبروا على قيامه بتولي ما كان يهمهم من كفاية مأكولهم وملبوسهم, فنزلوا في التحير على ما جرت عليه عاداتهم من أكل الخسيس من الطعام, والرضا بالدون من الحال, فردهم إلى مقاساة الهوان, وربطهم بإدامة الخذلان حتى سفكوا دماء الأنبياء, وهتكوا حرمة الأمر بقلة الاستحياء, وترك الاروعاء فعاقبهم على قبيح فعالهم, وردهم إلى ما اختاروه لأنفسهم من خسائس أحوالهم وحين لم تنجح فيهم النصيحة, أدركتهم النقمة والفضيحة, ويقال : كان بن وإسرائيل متفرقي الهموم مشتتي القصود, لم يرضوا لأنفسهم بطعام واحد ولم يكتفوا في تدينهم بمعبود واحد, حتى قالوا لموسى - عليه السلام- لما رأوا قوماً يعبدون الصنم - يا موسى اجعل لنا إلهاً كما لهم آلهة. أهـ.\rقوله تعالى : [ذلك بأنهم كانوا يكفرون بآيات الله ويقتلون النبيين بغير الحق]\rسؤال : فإن قيل : إن قوله تعالى [يكفرون] دخل تحته قتل الأنبياء, فلم أعاد ذكره مرة أخرى ؟ \rالجواب : المذكور ها هنا الكفر بآيات الله, وذلك هو الجهل والجحد بآياته فلا يدخل تحته قتل الأنبياء.(4) اهـ\rقوله تعالى : [ويقتلون النبيين بغير الحق]\rسؤال : قوله : [ويقتلون النبيين بغير الحق] في هذه السورة, وفي آل عمران : [ويقتلون النبيين بغير حق](آل عمران : 21) وفي آل عمران وفي النساء : \r__________\r(1) - تفسير القرطبي حـ1 صـ 292\r(2) - هذا القول فيه نظر ، فهو مستبعد من حيث ميول النفوس البشرية إلى الراحة.\r(3) - لطائف الإشارات حـ1 صـ95\r(4) - التفسير الكبير حـ3 صـ534","part":1,"page":381},{"id":380,"text":"[ وقتلهم الأنبياء بغير حق..].\rالجواب : لأن ما في البقرة إشارة إلى الحق الذي أذن الله أن تقتل النفس به وهو قوله : [ولا تقتلوا النفس التي حرم الله بالحق] (الإسراء : 33) فكان الأولى أن يذكر معرفاً, لأنه من الله تعالى, وما في آل عمران, والنساء نكره, أي بغير حق في معتقدهم ودينهم, فكان هذا بالتنكير أولى, وجمع النبيين جمع السلامة في (البقرة) لموافقة ما بعده من جمعي السلامة وهو [النبيين] و[الصابئين], وكذلك في آل عمران [إن الذين] و[ناصرين]\rو[ معرضونٍ] بخلاف [الأنبياء] في السورتين(1). اهـ\rوقال ابن جزي(2) : [بغير الحق] هنا باللام للعهد لأنه تقررت الموجبات لقتل النفس, وفي آل عمران [بغير حق] بالتنكير, لاستغراق النفي, لأن تلك نزلت في المعاصرين لمحمد - صلى الله عليه وسلم. أهـ.\rسؤال : فإن قيل(3) : كيف قال : [ويقتلون النبيين بغير بغير الحق]وقتل النبيين لا يكون إلا بغير حق ؟\rقلنا ما معناه : بغير الحق في اعتقادهم, ولأن التصريح بصفة فعلهم القبيح أبلغ في ذمهم, وإن كانت تلك الصفة لازمة للفعل, كما في عكسه : [قال رب احكم بالحق] (الأنيباء : 122) لزيادة معنى التصريح بالصفة, ولأن قتل النبي قد يكون بحق, كقتل إبراهيم - عليه السلام - ولده, لو وجد, كان بحق(4).\rوقال السمرقندي(5) : [ويقتلون النبيين بغير بغير الحق] يعني بغير جرم منهم.أهـ.\rوقال ابن الجوزي(6) : [بغير الحق] فيه ثلاث أقوال :\r__________\r(1) - أسرار التكرار في القرآن صـ 30 : 31\r(2) - التسهيل حـ1 صـ49 بتصرف يسير\r(3) - تفسير الرازي صـ25\r(4) - هذا القول فيه نظر ، فهنا أمر غير موجود في الواقع ، ولو وقع كما في قصة الذبيح عليه السلام فهذا أمر نادر ، والنادر لا حكم له والحق أن يقال : يجب قتل النفس فداء للنبيين ففي هذا حياة كاملة أبدية عند مليك مقتدر.\r(5) - بحر العلوم حـ1 صـ85\r(6) - زاد المسير حـ1 صـ90","part":1,"page":382},{"id":381,"text":"أحدها : أن معناه بغير جرم, والثاني : أنه توكيد كقوله تعالى : [ولكن تعمى القلوب التي في الصدور] (الحج : 46) والثالث : أنه خرج مخرج الصفة لقتلهم أنه ظلم. أهـ.\rوقال النسفي(1) : [بغير الحق] عندهم أيضاً فإنهم لو أنصفوا لم يذكروا شيئاً يستحقون به القتل عندهم في التوراة. أهـ.\rوقال السمعاني(2) : \"بغير الحق\" قلنا ذكره وصفاً للقتل, والقتل يوصف تارة بالحق وتارة بغير الحق, وهو مثل قوله تعالى : [قال رب احكم بالحق] ذكر الحق وصفاً للحكم لا أن حكمه ينقسم إلى الجور والحق. أهـ.\rوقال السعدي(3) : [بغير الحق] زيادة شناعة, وإلا فمن المعلوم أن قتل النبيين لا يكون بحق, لكن لئلا يظن جهلهم وعدم علمهم. أهـ.\rوقال القرطبي(4) : [بغير الحق] تعظيم للشنعة والذنب الذي أتوه, فإن قيل هذا دليل على أنه قد يصح أن يقتلوا بالحق ومعلوم أن الأنبياء معصومون من أن يصدر منهم ما يقتلون به ؟ \rقيل له : ليس كذلك, وإنما خرج هذا مخرج الصفة لقتلهم أنه ظلم, وليس بحق, فكان هذا تعظيماً للشنعة عليهم, ومعلوم أنه لا يقتل نبي بحق, ولكنه يقتل على الحق. أهـ.\r( ويقتلون النبيين بغير الحق ))\rوقال الإمام الفخر(5) في هذا السؤال : والجواب من وجوه : \rالأول : أن الإتيان بالباطل قد يكون حقاً, لأن الآتي به اعتقده حقاً, لشبهة وقعت في قلبه, وقد يأتي به مع علمه بكونه باطلاً, ولا شك أن الثاني أقبح , فقوله [ويقتلون النبيين بغير الحق] أي أنهم قتلوهم من غير أن يكون ذلك القتل حقاً في اعتقادهم وخيالهم, بل كانوا عالمين بقبحه, ومع ذلك فقد فعلوه.\rوثانيها : أن هذا التكرير, لأجل التأكيد, كقوله تعالى : [ومن يدع مع الله إلهاً آخر لا برهان له به] (المؤمنون : 117) ومستحيل أن يكون لمدعي الإله الثاني برهان.\r__________\r(1) - تفسير النسفي حـ1 صـ47\r(2) - تفسير السمعاني حـ1 صـ87\r(3) - تفسير السعدي صـ46\r(4) - تفسير القرطبي حـ صـ298\r(5) التفسير الكبير حـ3 صـ534 : ","part":1,"page":383},{"id":382,"text":"وثالثها : أن الله لو ذمهم على مجرد القتل, لقالوا : أليس أن الله يقتلهم, ولكنه قال : القتل الصادر من الله قتل بحق, ومن غير الله قتل بغير حق. أهـ.\rوقال أبو السعود(1) : [ويقتلون النبيين بغير الحق] كشعيا وزكريا ويحي عليهم السلام وفائدة التقييد مع أن قتل الأنبياء يستحيل أن يكون بحق, الإيذان بأن ذلك عندهم أيضا بغير الحق إذ لم يكن أحد معتقداً بحقية قتل أحد منهم عليهم السلام, وإنما حملهم على ذلك حب الدنيا, واتباع الهوى, والغل وفي العصيان والاعتداء, كما يفصح عنه قوله تعالى : [ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون] أي جرهم العصيان والتمادي في العدوان إلى ما ذكر من الكفر, وقتل الأنبياء - عليهم السلام- فإن صغار الذنوب إذا دووم عليها أدت إلى كبارها, كما أن مداومة صغار الطاعات مؤدية إلى تحري كبارها. أهـ.\rسؤال : فإن قيل : كيف جاز أن يخلى بين الكافرين, وقتل الأنبياء ؟ \rقيل : ذلك كرامة لهم وزيادة في منازلهم , كمثل من يقتل في سبيل الله من المؤمنين, وليس بخذلان, قال ابن عباس والحسن : لم يقتل نبي قط من الأنبياء إلا من لم يؤمر بقتال , وكل من أمر بقتال نصر(2). أهـ.\rسؤال : فإن قيل : إن الله تعالى قد أخبر بقتل الأنبياء ونصر الرسل, فكيف الجمع ؟ \rأجيب : بأن المحل مختلف, إذ الرسول غير النبي(3) , وبأن المراد بالنصر الغلبة بإظهار الحجة لا العصمة من القتل(4). أهـ.\rقوله تعالى : [إن الذين آمنوا والذين هادوا والنصارى والصابئين.... الآية]\r__________\r(1) - تفسير أبي السعود حـ1 صـ 107\r(2) - تفسير القرطبي حـ1 صـ298\r(3) - هذا الجواب فيه نظر فقد ذكر قتل الرسل أيضاً في قوله تعالى : \" أفكلما جاءكم رسول بما لا تهوى أنفسكم استكبرتم ففريقاً كذبتم وفريقاً تقتلون \" [البقرة : 87] والله أعلم.\r(4) - السراج المنير حـ1 صـ65","part":1,"page":384},{"id":383,"text":"قال في التسهيل(1) : \"قال ابن عباس : نسختها \"ومن يبتغ غير الإسلام ديناً فلن يقبل منه\" (آل عمران : 85) وقيل معناها : أن هؤلاء الطوائف من آمن منهم إيماناً صحيحاً, فله أجره, فيكون في حق المؤمنين الثبات إلى الموت, وفي حق غيرهم الدخول في الإسلام, فلا نسخ, وقيل : إنها فيمن كان قبل بعث النبي – صلى الله عليه وسلم – فلا نسخ. اهـ\rقال في الفتوحات الإلهية(2) : \r[الصابئين] جمع صابئ – قيل إنهم من اليهود, وقيل إنهم من النصارى, ولكنهم عبدوا الملائكة, وقيل عبدوا الكواكب(3).\rسؤال : قال في أول الآية : [إن الذين آمنوا] وقال في آخرها : [من آمن] فما وجه التعميم تم التخصيص.\rومحصل الجواب : أنه أراد : إن الذين آمنوا على التحقيق في زمن الفترة مثل قس بن ساعدة, وورقة بن نوفل, وبحيرا الراهب, وأبي ذر الغفاري, وسلمان الفارسي, فمنهم من أدرك النبي – صلى الله عليه وسلم – وتابعه, ومنهم من لم يدركه, كأنه قال : إن الذين آمنوا قبل بعثة محمد والذين كانوا على الدين الباطل المبدل من اليهود والنصارى والصابئين من آمن منهم بالله واليوم الآخر وبمحمد فلهم أجرهم. الخ(4).. اهـ.\r__________\r(1) - التسهيل حـ1 صـ49.\r(2) - الفتوحات الإلهية حـ1 صـ 97 – 98 بتصرف يسير.\r(3) - هذا القول الأخير أشهر الأقوال في المراد من الصابئين. والله أعلم.\r(4) - الفتوحات الإلهية حـ1 صـ98 ، وتفسير الخازن حـ1 صـ54 بتصرف يسير.","part":1,"page":385},{"id":384,"text":"وقيل هم المؤمنون من الأمم الماضية, وقيل هم المؤمنون من هذه الأمة, والذين هادوا يعني الذين كانوا على دين موسى – عليه السلام – ولم يبدلوا, والنصارى الذين كانوا على دين عيسى – عليه السلام – ولم يغيروا, والصابئين يعني في زمن استقامة أمرهم(1) , من آمن منهم ومات وهو مؤمن, لأن حقيقة الإيمان تكون بالوفاة, وقيل إن المذكورين بالإيمان في أول الآية, إنما هو على طريق المجاز دون الحقيقة, وهم الذين آمنوا بالأنبياء الماضين ولم يؤمنوا بك, وقيل هم المنافقون الذين آمنوا بألسنتهم, ولم يؤمنوا بقلوبهم, واليهود والنصارى والصابئين, فكأنه تعالى قال : هؤلاء المبطلون كل من آمن منهم الإيمان الحقيقي صار مؤمناً عند الله, وقيل : إن المراد من قوله : [إن الذين آمنوا] يعني بمحمد – صلى الله عليه وسلم – في الحقيقة حين الماضي, وثبتوا على ذلك في المستقبل, وهو المراد من قوله تعالى : [من آمن بالله واليوم الآخر](2). أهـ.\rسؤال : قال تعالى : [إن الذين آمنوا والذين هادوا والنصارى والصابئين.... الآية] (البقرة : 62) وقال في المائدة : [إن الذين آمنوا والذين هادوا والصابئون والنصارى] فما التوجيه في التقديم والتأخير في (النصارى , والصابئين) وكذلك في الإعراب في قوله في البقرة [والصابئين] وفي المائدة [والصابئون.\rقال في الكشاف في سورة المائدة : [الصابئون] رفع على الابتداء, وخبره محذوف والنية به التأخير عما في حيز (إن) من اسمها وخبرها, كأنه قيل : إن الذين آمنوا والذين هادوا والنصارى حكمهم كذا, والصابئون كذلك, وأنشد سيبويه شاهداً له : \r…وإلا فاعلموا أنا وأنتم…… بغاة ما بقينا في شقاق\rأي فاعلموا أنا بغاة وأنتم كذلك.\rفإن قلت : فقوله [والصابئون] معطوف لا بد له من معطوف عليه فما هو ؟ \rقلت : ما التقديم والتأخير إلا لفائدة, فما فائدة هذا التقديم ؟ \r__________\r(1) - ومتى استقام أمر الصابئين ؟!!\r(2) - تفسير الخازن حـ1 صـ 54 بتصرف يسير","part":1,"page":386},{"id":385,"text":"قلت : فائدته التنبية على أن الصابئين يتاب عليهم إن صح منهم الإيمان والعمل الصالح, فما الظن بغيرهم, وذلك أن الصابئين أبين هؤلاء المعدودين ضلالاً, وأشدهم غياً وما سموا صابئين إلا, لأنهم صبئوا عن الأديان كلها أي خرجوا, كما أن الشاعر قدم قوله (وأنتم) تنبيهاً على أن المخاطبين أوغل في الوصف بالبغاة من قومه, حيث عاجل به قبل الخبر الذي هو (بغاة) لئلا يدخل قومه في البغي قبلهم مع كونهم أوغل فيه منهم وأثبت قدماً(1). أهـ.\rوقال القرطبي(2) : وقال الفراء : إنما جاز الرفع في [والصابئون] لأن [إن] ضعيفة فلا تؤثر إلا في الاسم دون الخبر[والذين] هنا لا يتبين فيه الإعراب, فجرى على جهة واحدة الأمران فجاز رفع الصابئين رجوعاً إلى أصل الكلام, وقيل : [إن] بمعنى (نعم) فالصابئون مرتفع بالابتداء, وحذف الخبر لدلالة الثاني عليه, فالعطف يكون على هذا التقدير بعد تمام الكلام, وانقضاء الاسم والخبر.\rوقال قيس الرقيات : \rبكر العواذل في الصباح… …يلمننى وألومهنه\rويقلن شيب قد علاك………وقد كبرت فقلت إنه\rقال الأخفش : (إنه) بمعنى (نعم) هذه (الهاء) أدخلت للسكت. أهـ.\rوقال في التسهيل(3) : ما نصه : [والصابئون] قراءة السبعة بالوا ووهي مشكلة حتى قالت عائشة رضي الله عنها - هي لحن من كتاب المصحف(4). أهـ.\r__________\r(1) - الكشاف حـ1 صـ647 : 648 بتصرف يسير\r(2) - تفسير القرطبي حـ6 صـ150 بتصرف يسير\r(3) - التسهيل حـ1 صـ183\r(4) معاذ الله - أن يصدر هذا القول عن أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها - ولكن هذه الرواية موضوعة ومختلقة من الزنادقة ، وهي تتعارض مع التكفل بالحفظ الذي وعد الله به في قوله \" إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون \" وكان من الواجب على الإمام ابن جزي أن يرد على هذه الفرية - وسيأتي إن شاء الله تعالى رد شاف وكاف عن أمثال هذه الافتراءات عند الكلام في قوله تعالى \" والمقيمين الصلاة \" النساء : 162","part":1,"page":387},{"id":386,"text":"وهذا كلام نفيس للإمام الفخر في توجيه قراءة الرفع [والصابئون] قال ما نصه : وللنحويين في على القراءة المشهورة وجوه : \rالأول : وهو مذهب الخليل وسيبويه : ارتفع الصابئون بالابتداء على نية التأخير كأنه قيل : إن الذين آمنوا والذين هادوا والنصارى من آمن بالله واليوم الآخر, وعمل صالحاً فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون, والصابئون كذلك, فحذف خبره, والفائدة في عدم عطفهم على من قبلهم هو أن الصابئين أشد الفرق المذكورين في هذه الآية ضلالاً, فكأنه قيل : كل هؤلاء الفرق إن آمنوا بالعمل الصالح قبل الله توبتهم, وأزال ذنبهم, حتى الصابئون فإنهم إن آمنوا كانوا أيضاً كذلك.\rالوجه الثاني : وهو قول الفراء : إن كلمة [إنٍ] ضعيفة في العمل ها هنا, وبيانه من وجوه : \rالأول : إن كلمة [إن] تعمل لكونها مشابهة للفعل, ومعلوم أن المشابهة بين الفعل والحرف ضعيفة.\rالثاني : أنها وإن كانت تعمل, لكن إنما تعمل في الاسم فقط, أما الخبر فإنه بقى مرفوعاً بكونه خبر المبتدأ وليس لهذا الحرف في رفع الخبر تأثير, وهذا مذهب الكوفيين.\rالثالث : أنها إنما يظهر أثرها في بعض الأسماء, أما الأسماء التي لا يتغير حالها عند اختلاف العوامل, فلا يظهر أثر هذا الحرف فيها, والأمر ها هنا كذلك, لأن الاسم ها هنا هو قوله [الذين] وهذه الكلمة لا يظهر فيها أثر الرفع والنصب والخفض.","part":1,"page":388},{"id":387,"text":"إذا أثبت هذا فنقول : إنه إذا كان اسم \"إن\" بحيث لا يظهر فيه أثر الإعراب بعطف عليه يجوز النصب على إعمال هذا الحرف, والرفع على إسقاط عمله, فلا يجوز أن يقال : إن زيداً وعمر وقائمان, لأن زيداً ظهر في أثر الإعراب, ولكن إنما يجوز أن يقال : إن هؤلاء وإخوتك يكرموننا, وإن هذا نفسه شجاع وإن قطام وهند عندنا, والسبب في جواز ذلك أن كلمة [إن] كانت في الأصل ضعيفة العمل, وإذا صارت بحيث لا يظهر لها أثر في اسمها صارت في غاية الضعف, فجاز الرفع بمقتضى الحكم الثابت قبل دخول هذا الحرف عليه, وهو كونه مبتدأ, فهذا تقرير قول الفراء, وهو مذهب حسن وأولى من مذهب البصريين, لأن الذي قالوه يقتضي أن كلام الله على الترتيب الذي ورد عليه ليس بصحيح, وإنما تحصل الصحة عند تفكيك هذا النظم, وأما على قول الفراء فلا حاجة إليه, فكان ذلك أولى.\rقال بعض النحويين : لاشك أن كلمة \"إن\" من العوامل الداخلة على المبتدأ والخبر, وكون المبتدأ مبتدأ, والخبر خبراً وصف حقيقي ثابت حال دخول هذا الحرف وقبله, وكونه مبتدأ يقتضي الرفع.\rإذا ثبت هذا فنقول : المعطوف على اسم \"إن\" يجوز انتصابه بناء على إعمال هذا الحرف, ويجوز ارتفاعه أيضاً لكونه في الحقيقة مبتدأ محدثاً عنه ومخبراً عنه(1). أهـ.\r[ فلهم أجرهم عند ربهم ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون ]\r__________\r(1) - التفسير الكبير حـ12 صـ 402 : 403 باختصار يسير.","part":1,"page":389},{"id":388,"text":"وقال أبو السعود(1) : وفي إضافته إلى الرب المضاف إلى ضميرهم مزيد لطف بهم وإيذان بأن أجرهم متيقن الثبوت مأمون من الفوات [ولا خوف عليهم] عطف على جملة [فلهم أجرهم] أي لا خوف عليهم حين يخاف الكفار العقاب, [ولا هم يحزنون] حين يحزن المقصرون على تضييع العمر, وتفويت الثواب, والمراد بيان دوام إنتفائهما – لا بيان انتفاء دوامهما, كما يوهمه كون الخبر في الجملة الثانية مضارعاً لما مر من أن النفي وإن دخل على نفس المضارع يفيد الدوام والاستمرار بحسب المقام. أهـ.\rوقال الخطيب الإسكافي – رحمه الله – ما نصه : \rقوله تعالى : [إن الذين آمنوا والذين هادوا والنصارى والصابئين من آمن بالله واليوم الآخر وعمل صالحاً فلهم أجرهم عند ربهم] وقال في سورة المائدة : [إن الذين آمنوا والذين هادوا والصابئون والنصارى من آمن بالله واليوم الآخر وعمل صالحاً فلا خوف عليهم] (المائدة : 69). وقال في سورة الحج : [إن الذين آمنوا والذين هادوا والصابئين والنصارى والمجوس والذين أشركوا إن الله يفصل بينهم يوم القيامة] (الحج : 17).\rللسائل أن يسأل فيقول : هل في اختلاف هذه الآيات بتقديم الفرق وتأخيرها ورفع الصابئين في آية ونصبها في أخرى غرض يقتضي ذلك ؟ \r__________\r(1) - تفسير أبي السعود حـ1 صـ108","part":1,"page":390},{"id":389,"text":"الجواب أن يقال : إذا أورد الحكيم تقدست أسماؤه آية على لفظة مخصوصة, ثم أعادها في موضع آخر من القرآن, وقد غير فيها لفظة كما كانت عليه في الأولى فلا بد من حكمة هناك تطلب, فإذا أدركتموها فقد ظفرتم , وإن لم تدركوها ؟ فليس لأنه لا حكمة هناك بل جهلتم. فأما الآية الأولى في هذه السورة, فإن فيها مسائل ليست هذا المكان مكانها, لأنه يقال : كيف قال الله تعالى : [إن الذين آمنوا][من آمن بالله واليوم الآخر] أي : من آمن منهم بالله واليوم الآخر, إلا أن الذي نذكره في هذا المكان هو أن المعنى : إن الذين أمنوا بكتب الله المتقدمة مثل صحف إبراهيم, والذين آمنوا بما نطقت به التوراة وهم اليهود, والذين آمنوا بما أتى به الإنجيل وهم النصارى, فهذا ترتيب على حسب ما ترتب تنزيل الله كتبه, فصحف إبراهيم – عليه السلام – قبل التوراة المنزلة على موسى – عليه السلام – والتوراة قبل الإنجيل المنزل على عيسى – عليه السلام – فرتبهم – عز وجل – في هذه الآية على ما رتبهم عليه في بعثة الرسالة, ثم أتى بذكر \"الصابئين\" وهم الذين لا يثبتون على دين, وينتقلون من ملة إلى ملة, ولا كتاب لهم, كما للطائفتين اللتين ذكرهما الله تعالى في قوله : [أن تقولوا إنما أنزل الكتاب على طائفتين من قبلنا] (الأنعام : 156), فوجب أن يكونوا متأخرين عن أهل الكتاب, وأما بعد هذا الترتيب فترتيبهم في سورة المائدة وتقديم الصابئين على النصارى ورفعه هنا ونصبه هناك ترتيب ثان, فالأول على ترتيب الكتب, والثاني على ترتيب الأزمنة, لأن الصابئين وإن كانوا متأخرين عن النصارى بأنهم لا كتاب لهم, فإنهم متقدمون عليهم بكونهم قبلهم, لأنهم كانوا قبل عيسى – عليه السلام – فرفع [الصابئون] ونوى به التأخير عن مكانه كأنه قال بعد ما أتى بخبر [إن الذين آمنوا والذين هادوا] [من آمن بالله واليوم الآخر وعمل صالحاً فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون] والصابئون هذا حالهم أيضاً, وهذا مذهب سيبويه, لأنه لا","part":1,"page":391},{"id":390,"text":"يجوز عنده, ولا عند البصريين وكثير من الكوفيين : إن زيداً وعمر وقائمان, والفراء يجيز هذا على شريطة أن يكون الاسم الأول المنصوب بأن لا إعراب فيه, نحو : إن هذا وزيد قائمان, وهذه من كبار المسائل ذوات الشعب, ويتعلق بالخلاف بين البصريين والكوفيين في أن لها عملين النصب والرفع على مذهب البصريين, وأن لها عملاً واحداً عند الكوفيين وهو النصب, إلا أن المذهب الصحيح ما ذهب إليه سيبويه, وهذه الآية تدل عليه, لأنه قدم فيها الصابئون, والنية بها التأخير على مذهب سيبويه, وإنما قدم اللفظ وأخر في النية, لأن التقديم الحقيقي التقديم بكتبه المنزلة على أنبيائه - عليهم السلام -, فلذا فعل ذلك في الآية الأولى, وكان ها هنا تقديم آخر بتقديم الزمان, وجاءت آية أخرى قدم فيها هذا الاسم على ما أخر عنه في الآية التي قبل, ثم أقيمت في لفظه أمارة تدل على تأخره عن مكانه كان ذلك دليلاً على أن هذا الترتيب بالأزمنة, وأن النية به التأخير والترتيب بالكتب المنزلة, وأما الترتيب الثالث في سورة الحج : فترتيب الأزمنة التي لا نية للتأخير معه, لأنه لم يقصد في هذا المكان أهل الكتب إذ كان أكثر من ذكر ممن لا كتب لهم وهم : الصابئون والمجوس والذين أشركوا عبدة الأوثان, فهذه ثلاث طوائف وأهل الكتاب طائفتان, فلما لم يكن القصد في الأغلب الأكثر من المذكورين ترتيبهم بالكتب رتبوا بالأزمنة, وأخر الذين أشركوا, لأنهم وإن تقدمت لهم أزمنة, وكانوا في عهد أكثر الأنبياء الذين تقدمت بعثتهم صلوات الله عليهم, فإنهم كانوا أكثر من مني رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بهم وصلى بجهادهم, وكأنهم لما كانوا موجودين في عصر النبي - صلى الله عليه وسلم - كانوا أهل زمانه, وهذا الزمان متأخر عن أزمنة الفرق الذين قدم ذكرهم(1). أهـ.\rقوله تعالى : [فقلنا لهم كونوا قردة خاسئين]\r\"الإشارة إلى قصة مسخهم.\"\rذكر في زاد المسير ما نصه : \r__________\r(1) درة التنزيل صـ15 ، 17.","part":1,"page":392},{"id":391,"text":"(1)روى عن عثمان عن عطاء عن أبيه قال نودي الذين اعتدوا في السبت ثلاثة أصوات : نوودوا : يا أهل القرية فانتبهت طائفة أكثر من الأولى, ثم نودووا : يا أهل القرية, فانتبه الرجال والنساء والصبيان, فقال الله لهم [كونوا قردة خاسئين] فجعل الذين نهوهم يدخلون عليهم فيقولون : يا فلان : ألم ننهكم فيقولون برؤسهم : بلى, قال قتادة : فصار القوم قردة تعاوى لها أذناب بعد ما كانوا رجالاً ونساءً, وفي رواية عن قتادة : صار الشبان قردة, والشيوخ خنازير(2), وما نجا إلا الذين نهوا, وهلك سائرهم , وقال غيره كانوا نحواً من سبعن ألفاً, وعلى هذا القول العلماء(3) غير مجاهد, روى عن مجاهد أنه قال : مسخت قلوبهم ولم تمسخ أبدانهم, وهو قول بعيد. أ.هـ.\rوقال الفخر الرازي(4) : \r\"المروي عن مجاهد : أنه سبحانه وتعالى : مسخ قلوبهم بمعنى الطبع والختم – لا أنه مسخ صورهم وهو مثل قوله تعالى [كمثل الحمار يحمل أسفاراً](الجمعة : 5) ونظيره أن يقول الأستاذ للمتعلم البليد الذي لا ينجح في تعليمه : كن حماراً (5).أهـ.\r__________\r(1) - زاد المسير حـ1 صـ95 بتصرف يسير.\r(2) - هذا القول يتعارض مع قوله تعالى مخاطباً الجميع بقوله : \" فقلنا لهم كونوا قردة خاسئين \" وهذه الرواية تحتاج إلى نقل صحيح ، فإن وجد فعلى العينين والرأس ، وإلا فيجب السكوت عندما أخبر به القرآن.\r(3) - المراد من هذا الكلام أن الأمة مطبقة على أن الله مسخهم قردة خلافاً لمجاهد الذي لجأ إلى المجاز.\r(4) - التفسير الكبير حـ3 صـ 541\r(5) يكفي في رد هذا القول مخالفته لما أجمعت عليه الأمة ، من أن الله مسخهم قردة ، فلا حاجة إلى التأويل الذي لا يدل عليه دليل ، ثم ما الداعي إلى ترك الظاهر أو الحقيقة ، ولا يجوز العدول عن الحقيقة إلى المجاز إلا إذا تعذر حمل اللفظ على الحقيقة ، وهذا أمر غير مستبعد على سبيل العقوبة ، كما كان الأمر في حق إساف ونائلة ، [الصنمان المعروفان] ، والقصة مشهورة. والله أعلم.","part":1,"page":393},{"id":392,"text":"(( فقلنا لهم كونوا قردة خاسئين ))\rوورد في الدر المنثور ما نصه : \"فمسخهم الله قردة بمعصيتهم, ولم يعش مسخ فوق ثلاثة أيام, ولم يأكل ولم يشرب ولم ينسل.\rوورد أيضاً \"وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم في قوله : [فقلنا لهم كونوا قردة خاسئين] قال : مسخت قلوبهم, ولم يمسخوا قردة, وإنما هو مثل ضرب الله لهم مثل الحمار يحمل أسفاراً (1).\r[خاسئين] أي ذليلين أو صاغرين(2). أهـ.\rوقال في روح المعاني(3) : \"واختار أبو بكر بن العربي : أنهم عاشوا, وأن القردة الموجودين اليوم من نسلهم, ويرده ما رواه مسلم عن ابن مسعود رضي الله تعالى عنه – أن رسول الله – صلى الله عليه وسلم – قال لمن سأله عن القردة والخنازير, أهي مسخ : إن الله تعالى لم يهلك قوماً أو يعذب قوماً فيجعل لهم نسلاً, إن القردة والخنازير كانوا قبل ذلك\" (4) أهـ.\rويرى ابن كثير رحمه الله : أن مسخهم كان صورياً ومعنوياً, فقال(5) : \"بل الصحيح أنه معنوي وصوري (6) \" أهـ.\rسؤال : فإن قيل : كيف قال [فقلنا لهم كونوا قردة خاسئين] وانتقالهم من صور البشر إلى صور القردة ليس في وسعهم ؟ \rقلنا : هذا أمر إيجاد – لا أمر إيجاب , فهو كقوله تعالى \"كن فيكون(7) \" أهـ\r__________\r(1) - وهذا ما يقول به مجاهد – رحمه الله – وسبق رده واستبعاده.\r(2) - الدر المنثور حـ1 صـ181 : 182 بتصرف يسير.\r(3) - روح المعاني حـ1 صـ283.\r(4) مسلم [2663 ]\r(5) - تفسير ابن كثير حـ1 صـ138.\r(6) - هذا رأي في غاية الوجاهة والقوة ، ولعله يقصد بالمسخ الصورى مسخهم قردة ، وبالمسخ المعنوي ما ورد في قوله تعالى : \" أو نلعنهم كما لعنا أصحاب السبت \" [النساء : 47] وقوله تعالى : \" لعن الذين كفروا من بني إسرائيل على لسان داود وعيسى بن مريم ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون [المائدة : 78] والله أعلم بأسرار كتابه.\r(7) - تفسير الرازي صـ 25 : 26.","part":1,"page":394},{"id":393,"text":"سؤال : أولئك القردة هل بقوا أو أفناهم الله ؟ وإن قلنا إنهم بقوا, فهذه القردة التي في زماننا هل يجوز أن يقال : إنها من نسل أولئك الممسوخين أم لا ؟ \rأجاب الفخر الرازي(1) : عن ذلك بقوله : الكل جائز عقلاً, إلا أن الرواية عن ابن عباس أنهم ما مكثوا إلا ثلاثة أيام ثم هلكوا(2). أهـ.\rوقال الخازن(3) : [فقلنا لهم كونوا قردة خاسئين] أمر تحويل وتكوين, معنى خاسئين مبعدين مطرودين, وقيل : فيه تقديم وتأخير معناه : كونوا خاسئين قردة, ولهذا لم يقل خاسئات. أهـ.\rقوله تعالى : [فجعلناها نكالاً لما بين يديها وما خلفها ]\rقال في زاد المسير : الضمير في قوله [فجعلناها] يعود على الخطيئة, وقيل : العقوبة, وقيل : أي المسخة, وقيل : القرية, والمراد أهلها, وقيل : يعود على الأمة التي مسخت.\rوفي النكال قولان : أحدهما أنه العقوبة, والثاني : العبرة.\r[ لما بين يديها وما خلفها ]\rفيه ثلاثة أقوال : لما بين يديها من القرى وما خلفها, والثاني لما بين يديها من الذنوب, وما خلفها : ما عملوا بعدها, والثالث : لما بين يديها من السنين التي عملوا فيها بالمعاصي, وما خلفها : ما كان بعدهم في بني إسرائيل, لئلا يعملوا بمثل أعمالهم(4). أهـ.\rقوله تعالى [فقلنا اضربوه ببعضها]\rقال الفخر(5) : قوله تعالى [فقلنا اضربوه ببعضها]\r__________\r(1) - التفسير الكبير حـ3 صـ542.\r(2) لا مجال للقول بالجواز العقلي هنا بعد أن نطق السمع بخلافه كما ورد في صحيح مسلم - وتقدمت الإشارة إليه.\r(3) - الخازن حـ1 صـ55.\r(4) - زاد المسير حـ1 صـ95 بتصرف يسير.\r(5) التفسير الكبير حـ3 صـ553.","part":1,"page":395},{"id":394,"text":"واختلفوا في البعض الذي ضرب به القتيل : فقيل : لسانها, وقيل فخذها اليمنى وقيل ذنبها, وقيل : العظم الذي يلي الغضروف, وهو أصل الآذان, وقيل : البضعة بين الكتفين – ولا شك أن القرآن لا يدل عليه فإن ورد خبر صحيح قبل, وإلا وجب السكوت عنه(1).\r[ كذلك يحي الله الموتى ويريكم آياته لعلكم تعقلون ]\rسؤال : (2) لقائل أن يقول : إن ذلك كان آية واحدة, فلم سميت بالآيات ؟ \rالجواب : أنها تدل على وجود الصانع القادر على كل المقدور, العالم بكل المعلومات, المختار في الإيجاد والإبداع, وعلى صدق موسى – عليه السلام- وعلى براءة ساحة من لم يكن قاتلاً, وعلى تعيين تلك التهمة على من باشر ذلك القتل, فهي وإن كانت آية واحدة, إلا أنها لما دلت على هذه المدلولات الكثيرة لا جرم جرت مجرى الآيات الكثيرة(3). أهـ.\r__________\r(1) - هذا أصل عظيم وضعه الإمام الفخر – رحمه الله في أمثال هذه الأمور ، ولقد تميز به عن كثير من المفسرين ورد به كثيراً من الدسائس والمنكرات التي وضعها الزنادقة في كتب التفسير من أجل إفساد المعنى بعد أن عجزوا – وإلى يوم القيامة – عن إفساد اللفظ ، ولكن الله قيض للقرآن من يدافع عنه إلى يوم القيامة ، فهيهات لهم ثم هيهات أن يفلحوا ، فليموتوا كمداً وغيظاً \" قل موتوا بغيظكم \" وقد ذكر بعض المفسرين اختلافات أخرى منها ما ذكره ابن عطية حـ1 صـ165 ، قال \" فقيل اضربوه ، وقيل اضربوا قبره ، لأن ابن عباس ذكر أن أمر القتيل وقع قبل جواز البحر ، وأنهم داموا في طلب البقرة أربعين سنة وقال القرطبي : لقد أمروا بطلبها وما هي في صلب ولا رحم بعد \" انتهى كلام ابن عطية ، وأنت ترى ما يشتمل عليه من أمور في غاية البعد ، مما يجعلنا تنشكك في نسبتها إلى ابن عباس. أ هـ.\r(2) - التفسير الكبير حـ3 صـ554.\r(3) - وما المانع أن يكون المعنى والله أعلم ويريكم آياته مثل ما أراكم هذه الآية ، وهي آية واحدة من آيات الله التي لا حصر لها والله أعلم.","part":1,"page":396},{"id":395,"text":"وقال أبو السعود(1) : [ويريكم آياته] ودلائله الدالة على أنه تعالى على كل شيء قدير, ويجوز أن يراد بالآيات هذا الإحياء, والتعبير عنه بالجمع, لاشتماله على أمور بديعة من ترتب الحياة على عض وميت وإخباره بقاتله, وما يلابسه من الأمور الخارقة للعادة. أهـ.\rقصة البقرة\rسؤال : فإن قلت : هلا أحياه ابتداء ؟ ولم شرط في إحيائه ذبح البقرة وضربه ببعضها ؟ \rالجواب : قلت : في الأسباب والشروط حكم وفوائد, وإنما شرط ذلك لما في ذبح البقرة من التقرب وأداء التكاليف واكتساب الثواب والإشعار بحسن تقديم القربة على الطلب , وما في التشديد عليهم لتشديدهم من اللطف لهم , والآخرين في ترك التشديد والمسارعة إلى امتثال أوامر الله تعالى , وارتسامها على الفور, من غير تفتيش وتكثير سؤال , ونفع اليتيم بالتجارة الرابحة, والدلالة على بركة البر بالوالدين , والشفقة على الأولاد, وتجهيل الهازئ بما لا يعلم كنهه ولا يطلع على حقيقته من كلام الحكماء , وبيان أن من حق المتقرب إلى ربه أن يتوق في اختيار ما يتقرب به, وأن يختاره فتي السن غير قحم ولا ضرع , حسن اللون برياً من العيوب يوفق من ينظر إليه, وأن يغالي بثمنه , كما يروي عن عمر رضي الله عنه أنه ضحى من جيبه بثلاثمائة دينار, وأن الزيادة في الخطاب نسخ له, وأن النسخ قبل الفعل جائز وإن لم يجز قبل وقت الفعل وإمكانه لأدائه إلى البداء, وليعلم بما أمر من مس الميت بالميت وحصول الحياة عقيبه أن المؤثر هو المسبب لا الأسباب, لأن الموتين الحاصلين في الجسمين لا يعقل أن تتولد منهما الحياة.\rسؤال : فإن قلت : فما للقصة لم تقص على ترتيبها, وكان حقها أن يقدم ذكر القتيل والضرب ببعض البقرة على الأمر بذبحها, وأن يقال : وإذ قتلتم نفساً فادارأتم فيها فقلنا اضربوه ببعضها ؟ \r__________\r(1) - تفسير أبي السعود حـ1 صـ114.","part":1,"page":397},{"id":396,"text":"الجواب : قلت : كل ما قص من قصص بني إسرائيل إنما قص تعديداً لما وجد منهم من الجنايات, وتقريعاً لهم عليها, ولما جدد فيهم من الآيات العظام وهاتان قصتان كل واحدة منهما مستقلة بنوع من التقريع وإن كانتا متصلتين متحدتين, فالأولى لتقريعهم على الاستهزاء وترك المسارعة إلى الامتثال وما يتبع ذلك. والثانية للتقريع على قتل النفس المحرمة وما يتبعه من الآية العظيمة. وإنما قدمت قصة الأمر بذبح البقرة على ذكر القتيل لأنه لو عمل على عكسه لكانت قصة واحدة, وولذهب الغرض في ثنية التقريع(1). ولقد روعيت نكتة بعد ما استئونفت الثانية استئناف قصة برأسها أن وصلت بالأولى, دلالة على اتحادها بضمير البقرة لا باسمها الصريح في قوله [اضربوه ببعضها] حتى تبين أنهما قصتان فيما يرجع إلى التقريع وتثنيته بإخراج الثانية مخرج الاستئناف مع تأخيرها, وأنها قصة واحدة بالضمير الراجع إلى البقرة(2). أهـ.\rقوله تعالى : [ثم قست قلوبكم من بعد ذلك فهي كالحجارة أو أشد قسوة]\r[ثم قست قلوبكم] أي يبست وجفت, جفاف القلب خروج الرحمة واللين منه, وقيل غلظت, وقيل اسودت.\rسؤال : لماذا لم يشبه قلوبهم بالحديد مع أنه أصلب من الحجارة.\rالجواب : لأن الحديد قابل للين, فإنه يلين بالنار, وقد لان لداود - عليه السلام- , والحجارة لا تلين قط(3). أهـ.\rسؤال : (4) فإن قلت الحجر جماد لا يعقل ولا يفهم, فكيف يخشى ؟\r__________\r(1) - وقد يجاب عن ذلك بأن القتل إنما حصل من أحدهم فقط بخلاف الاستهزاء وترك المسارعة إلى الامتثال وما يتبعه فإنه كان من جميعهم - والله أعلم.\r(2) - تفسير الكشاف حـ1 صـ155 ، 156.\r(3) - معالم التنزيل حـ1 صـ 105 بتصرف يسير.\r(4) تفسير الخازن حـ1 صـ 95.","part":1,"page":398},{"id":397,"text":"قلت : إن الله تعالى قادر على إفهام الحجر والجمادات, فتعقل وتخشى بإلهامه لها, ومذهب أهل السنة أن الله تعالى أودع في الجمادات والحيوانات علماً وحكمة لا يقف عليهما غيره, فلها صلاة وتسبيح وخشية يدل عليه قوله : [وإن من شيء إلا يسبح بحمده ولكن لا تفقهون تسبيحهم] (الإسراء : 44) وقال : [والطير صافات كل قد علم صلاته وتسبيحه] [النور : 41] فيجب على المرء الإيمان به, ويكل علمه إلى الله تعالى.\rعن جابر بن سمرة قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : \"إني لأعرف حجراً بمكة كان يسلم علي قبل أن أبعث وإني لأعرفه الآن(1) , وعن علي قال : كنت مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بمكة, فخرجنا إلى بعض نواحيها فما استقبله شجر ولا جبل إلا وهو يقول : السلام عليك يا رسول الله. أخرجه الترمذي وقال حديث غريب(2). أهـ.\r__________\r(1) - [مسلم / 2277] [وابن حبان] / 6482] [والدارمى / 20] [وأحمد 5/ 95] [والطبراني في الكبير /1995].\r(2) - أخرجة الحاكم في المستدرك رقم : 4238.","part":1,"page":399},{"id":398,"text":"قوله تعالى : [فهي كالحجارة أو أشد قسوة]\rقال الفخر الرازي : كلمة [أو] للترديد وهي لا تليق بعلام الغيوب, فلا بد من التأويل وهو وجوه. أحدها : أنها بمعنى الواو كقوله تعالى : [إلى مائة ألف أو يزيدون](الصافات : 147) بمعنى ويزيدون وكقوله تعالى : [ولا يبدين زينتهن إلا لبعولتهن أو آبائهن] (النور : 31) والمعنى وآبائهن وكقوله : [أن تأكلوا من بيوتكم أو بيوت آبائكم](النور : 61) يعني وبيوت آبائكم. ومن نظائره قوله تعالى : لعله يتذكر أو يخشى](طه : 44), [فالملقيات ذكراً عذراً أو نذراً](المرسلات : 5و6). وثانيها : أنه تعالى أراد أن يبهمه على العباد فقال ذلك كما يقول المرء لغيره : أكلت خبزاً أو تمراً وهو لا يشك أنه أكل أحدهما إذا أراد أن يبينه لصاحبه. وثالثها : أن يكون المراد فهي كالحجارة, ومنها ما هو أشد قسوة من الحجارة, ورابعها : أن الآدميين إذا اطلعوا على أحوال قلوبهم قالوا : إنها كالحجارة أو أشدة قسوة من الحجارة. وهو المراد في قوله : [فكان قاب قوسين أو أدنى] (النجم : 9) أي في نظركم واعتقادكم. وخامسها : أن كلمة [أو] بمعنى بل وأنشدوا : \rفوالله ما أدري أسلمى تفولت أم القوم أو كل إلى حبيب\rقالوا : أراد بل كل. وسادسها : أنه على حد قولك ما آكل إلا حلواً أو حامضاً أي طعامي لا يخرج عن هذين, بل يتردد عليهما, وبالجملة : فليس الغرض إيقاع التردد بينهما, بل نفي غيرهما. وسابعها : أن [أو] حرف إباحة كأنه قيل بأي هذين شبهت قلوبهم كان صدقاً, كقولك : جالس الحسن أو ابن سيرين أي أيهما جالست كنت مصيباً ولو جالستهما معاً كنت مصيباً أيضاً.","part":1,"page":400},{"id":399,"text":"إنما وصفها بأنها أشد قسوة لوجوه. أحدها : أن الحجارة لو كانت عاقلة ولقيتها هذه الآية لقبلتها كما قال [ل وأنزلنا هذا القرآن على جبل لرأيته خاشعاً متصدعاً من خشية الله](الحشر : 21). وثانيها أن الحجارة ليس فيها امتناع مما يحدث فيها بأمر الله تعالى وإن كانت قاسية بل هي منصرفة على مراد الله غير ممتنعة من تسخيره, وهؤلاء مع ما وصفنا من أحوالهم في اتصال الآيات عندهم وتتابع النعم من الله عليهم يمتنعون من طاعته ولا تلين قلوبهم لمعرفة حقه وهو كقوله تعالى : [وما من دابة في الأرض ولا طائر يطير بجناحيه](الأنعام : 38) إلى قوله تعالى : [والذين كذبوا بآياتنا صم وبكم في الظلمات](الأنعام 39) كأن المعنى أن الحيوانات من غير بني آدم أمم سخر كل واحد منها لشيء وهو منقاد لما أريد منه وهؤلاء الكفار يمتنعون عما أراد الله منهم. وثالثها أو أشد قسوة, لأن الأحجار ينتفع بها من بعض الوجوه, ويظهر منها الماء في بعض الأحوال, أما قلوب هؤلاء فلا نفع فيها ألبتة ولا تلين لطاعة الله بوجه من الوجوه.\rإنما قال [أشد قسوة] ولم يقل أقسى, لأن ذلك أدل على فرط القسوة ووجه آخر وهو أن لا يقصد معنى الأقسى, ولكن قصد وصف القسوة بالشدة, كأنه قيل : اشتدت قسوة الحجارة وقلوبهم أشد قسوة(1). اهـ\rقوله تعالى : [وقالوا لن تمسنا النار إلا أياماً معدودة]\rقال السمعاني(2) : [وقالوا لن تمسنا النار إلا أياماً معدودة] اختلفوا فيه : منهم من قال : أرادوا به أربعين يوماً عدد ما عبدنا العجل, ومنهم من قال : سبعة أيام, لأن مقدار زمان العالم سبعة آلاف سنة(3) , فقالوا نعذب بكل سنة يوماً, وقيل إنهم قالوا سمعنا أنبياءنا قالوا ما بين طرفي جهنم مسيرة أربعين سنة, فنحن نقطع في كل يوم مسيرة سنة, فتبقى مسيرة جهنم في أربعين يوماً وننجوا منها. اهـ\r__________\r(1) - التفسير الكبير حـ3 صـ555 ، 556.\r(2) - تفسير السمعاني حـ1 صـ101.\r(3) - هذا القول باطل لا أساس له من الصحة.","part":1,"page":401},{"id":400,"text":"سؤال : ذكر ها هنا [وقالوا لن تمسنا النار إلا أياماً معدودة] وفي آل عمران [إلا أياماً معدودات](آل عمران : 24) ولقائل أن يقول : لم كانت الأولى [معدودة] والثانية [معدودات], والموصوف في المكانين واحد وهو [أياماً]\rالجواب : لأن الأصل في الجمع إذا كان واحداً مذكراً أن يقتصر الوصف على التأنيث نحو قوله تعالى : [سرر مرفوعة وأكواب موضوعة ونمارق مصفوفة وزرابي مبثوثة] (الغاشية : 13-16) وقد يأتي سرر مرفوعات على تقدير ثلاث سرر مرفوعة, وتسعة سرر مرفوعات إلا أنه ليس بالأصل, فجاء القرآن في البقرة على الأصل, وذكر في آل عمران على الفرع(1). اهـ\r[ قل أتخذتم عند الله عهداً أم تقولون على الله مالا تعلمون ]\rقال الفخر : قوله تعالى : [أتخذتم] ليس باستفهام, بل هو إنكار, لأنه لا يجوز أن يجعل الله تعالى حجة رسوله في إبطال قولهم أن يستفهمهم, بل المراد التنبيه على طريقة الاستدلال, وهي أنه لا سبيل إلى معرفة هذا التقدير إلا بالسمع,فلما لم يوجد الدليل السمعي وجب ألا يجوز الجزم بهذا التقدير(2).اهـ\rقوله تعالى : [وإذ أخذنا ميثاق بني إسرائيل لا تعبدون إلا الله]\r[سؤال] : لماذا رفع الفعل بعد [لا] الناهية في قوله تعالى [لا تعبدون إلا الله] والأصل أن يقال [لا تعبدوا إلا الله] بجزم الفعل ؟ .\rقال الفخر(3) : اختلفوا في موضع [تعبدون] من الإعراب على خمسة أقوال. القول الأول : قال الكسائي : رفعه على : أن لا يعبدوا, كأنه قيل : أخذنا ميثاقهم بأن لا يعبدوا, إلا أنه لما أسقطت (أن) رفع الفعل كما قال طرفة : \rألا أيها ذا اللائمي(4) أحضر الوغى… وأن أشهد اللذات هل أنت مخلدي\rأراد أن أحضر ولذلك عطف عليه (أن) وأجاز هذا الوجه الأخفش والفراء والزجاج وقطرب وعلي بن عيسى وأبو مسلم.\r__________\r(1) - أسرار التكرار في القرآن صـ 567\r(2) - التفسير الكبير حـ3 صـ 567\r(3) - التفسير الكبير حـ3 صـ585.\r(4) - وردت أيها الزاجري.","part":1,"page":402},{"id":401,"text":"القول الثاني : موضعه رفع على أنه جواب القسم, كأنه قيل : وإذ أقسمنا عليهم لا يعبدون [إلا الله] وأجاز هذا الوجه المبرد والكسائي والفراء والزجاج وهو أحد قولي الأخفش.\rالقول الثالث : قول قطرب : أنه يكون في موضع الحال, فيكون موضعه نصباً, كأنه قال : أخذنا ميثاقكم غير عابدين إلا الله.\rالقول الرابع : قول الفراء : أن موضع [لا تعبدون] على النهي إلا أنه جاء على لفظ الخبر كقوله تعالى : [لا تضار والدة بولدها](البقرة : 233) بالرفع, والمعنى على النهي, والذي يؤكد كونه نهياً أمور :\rأحدها قوله \"أقيموا\" وثانيها : أنه ينصره قراءة عبد الله وأبي : \"لا تعبدوا\" وثالثها : أن الإخبار في معنى الأمر والنهي آكد وأبلغ من صريح الأمر والنهي, لأنه كأنه سورع إلى الامتثال والانتهاء فهو يخبر عنه(1).\rالقول الخامس : التقدير : أن لا تعبدوا تكون (أن) مع الفعل بدلاً عن الميثاق كأنه قيل : أخذنا ميثاق بني إسرائيل بتوحيدهم. أهـ.\r(( وإذا أخذتم ميثاق بني إسرائيل لا تعبدون إلا الله ))\rوقال القرطبي(2) : وقال الفراء والزجاج وجماعة : المعنى : أخذنا ميثاقهم بألا تعبدوا إلا الله, وبأن يحسنوا للوالدين, وبأن لا يسفكوا الدماء, ثم حذفت أن والباء, فارتفع الفعل لزوالهما, كقوله تعالى [أفغير الله تأمروني] (الزمر : 64) قال المبرد : هذا خطأ, لأن كل ما أضمر في العربية فهو يعمل عمله مظهراً, تقول : (وبلدٍ قطعت, أي رب بلد).\rوقلت : ليس هذا بخطأ, بل هما وجهان صحيحان, وعليهما أنشد سيبويه\r( للشاعر طرفة بن العبد).\rألا أيها ذا اللائمي أحضر الوغى……وأن أشهد اللذات هل أنت مخلدي\rبالنصب والرفع, فالنصب على إضمار (أن) والرفع على حذفها. أهـ.\rسؤال : لم خوطبوا بـ [قولوا] بعد الإخبار ؟\rالجواب : من ثلاثة أوجه.\r__________\r(1) - هذا الوجه من أبدع الوجوه وأحسنها كما يظهر ذلك من خلال توجيهه له.\r(2) - تفسير القرطبي حـ2 صـ13.","part":1,"page":403},{"id":402,"text":"أحدها : أنه على طريقة الالتفات كقوله تعالى [حتى إذا كنتم في الفلك وجرين بهم] (يونس : 22)\rوثانيها : فيه حذف : أي : قلنا لهم قولوا.\rوثالثها : الميثاق لا يكون إلا كلام, كأنه قيل : قلت : لا تعبدوا إلا الله, وقولوا(1).أهـ.\rقوله تعالى : [وقولوا للناس حسناً ]\rقال الإمام الفخر : \"قال أهل التحقيق كلام الناس مع الناس إما أن يكون في الأمور الدينية, أو في الأمور الدنيوية, فإن كان في الأمور الدينية, فإما أن يكون في الدعوة إلى الإيمان, وهو مع الكفار, أو في الدعوة إلى الطاعة وهو مع المنافقين أما الدعوة إلى الإيمان فلا بد وأن تكون بالقول الحسن, كما قال تعالى لموسى وهارون [فقولا له قولاً ليناً لعله يتذكر أو يخشى](طه : 44) أمرهما الله بالرفق مع فرعون مع جلالتهما, ونهاية كفر فرعون وتمرده وعتوه على الله تعالى, وقال لمحمد – صلى الله عليه وسلم – [ول وكنت فظاً غليظ القلب لانفضوا من حولك] (آل عمران : 159) وأما دعوة الفساق , فالقول الحسن فيه معتبر قال تعالى[ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة](النحل : 125) وقال : [ادفع بالتي هي أحسن فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه ولي حميم](فصلت : 34).\rوأما في الأمور الدنيوية, فمن المعلوم بالضرورة أنه إذا أمكن التوصل إلى الغرض بالتلطف من القول لم يحسن سواه, فثبت أن جميع آداب الدين والدنيا داخله تحت قوله تعالى : [وقولوا للناس حسناً] (2) أهـ.\r__________\r(1) - التفسير الكبير حـ3 صـ588.\r(2) - التفسير الكبير حـ3 صـ589","part":1,"page":404},{"id":403,"text":"وقال أبو السعود [وقولوا للناس حسناً] أي قولاً حسناً سماه حُسْناً مبالغة والمراد به ما فيه تخلق وإرشاد(1) [وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة] هو فرض عليهم في شريعتهم [ثم توليتم] إن جعل ناصب الظرف خطاباً للنبي – صلى الله عليه وسلم – والمؤمنين فهذا التفات إلى خطاب بني إسرائيل جميعاً بتغليب أخلافهم على أسلافهم لجريان ذكر كلهم حينئذٍ على نهج الغيبة, فإن الخطابات السابقة لأسلافهم محكية داخلة في حيز القول المقدر قبل لا تعبدون, كأنهم استحضروا عند ذكر جناياتهم فنعيت هي عليهم, وإن جعل خطاباُ لليهود المعاصرين لرسول الله – صلى الله عليه وسلم – فهذا تعميم للخطاب تنزيل الأسلاف منزلة الأخلاف كما أنه تعميم للتولي بتنزيل الأخلاف منزلة الأسلاف للتشديد في التوبيخ أي أعرضتم عن المضي على مقتضى الميثاق ورفضتموه (إلا قليلاً) وهم من الأسلاف من أقسام اليهودية على وجهها قبل النسخ ومن الأخلاف من أسلم, كعبد الله بن سلام. اهـ\rقوله تعالى : [حسناً] مصدر بمعنى الصفة جيء به للمبالغة, وفي بعض القراءات حسناً – بفتح الحاء والسين – صفة مشبهة., والمعنى قولوا للناس قولاً حسناً, وهو كناية عن حسن المعاشرة مع الناس كافرهم ومؤمنهم, ولا ينافي حكم القتال حتى تكون آية القتال ناسخة له, لأن مورد القتال غير مورد المعاشرة, فلا ينافي الأمر بحسن المعاشرة, كما أن القول الخشن في مقام التأديب لا ينافي حسن المعاشرة(2). أهـ.\r__________\r(1) - تفسير أبي السعود حـ1 صـ123 بتصرف يسير\r(2) - الميزان حـ1 صـ219","part":1,"page":405},{"id":404,"text":"وقال القرطبي(1) : \"قال ابن عباس : المعنى قولوا لهم : لا إله إلا الله ومروهم بها, وقال ابن جريح : قولوا للناس صدقاً في أمر محمد - صلى الله عليه وسلم - ولا تغييروا نعته, وقال سفيان الثوري : مروهم بالمعروف وانهوهم عن المنكر, وقال أبو العالية : قولوا لهم الطيب من القول, وجازوهم بأحسن ما تحبون أن تجازوا به, وهذا كله من مكارم الأخلاق, فينبغي للإنسان أن يكون قوله للناس ليناً ووجهه منبسطاً طلقاً مع البر والفاجر, والسني والمبتدع, من غير مداهنة, ومن غير أن يتكلم معه بكلام يظن أنه يرضي مذهبه, لأن الله تعالى قال لموسى وهارون : [فقولا له قولاً ليناً] (طه : 44) فالقائل ليس بأفضل من موسى وهارون, والفاجر ليس بأخبث من فرعون, وقد أمرهما الله تعالى باللين معه, وقال طلحة بن عمر : قلت لعطاء : إنك رجل يجتمع عندك ناس ذو وأهواء مختلفة, وأنا رجل فيّ حدة, فأقول لهم القول الغليظ قال : لا تفعل! يقول الله تعالى : [وقولوا للناس حسناً] فدخل في هذه اليهود والنصارى فكيف بالحنيفي. أهـ.\rقوله تعالى : [ولقد آتينا موسى الكتاب وقفينا من بعده بالرسل وآتينا عيسى بن مريم البينات وأيدناه بروح القدس].\rسؤال : ما السبب في أن القرآن أجمل ذكر الرسل, ثم فصل ذكر عيسى - عليه السلام - ؟ \rالجواب : لأن شرعه نسخ أكثر شرع موسى - عليهما السلام (2) -\rقوله تعالى : [وأيدناه بروح القدس]\rسؤال : ما السر في اختصاص جبريل بعيسى - عليهما السلام - ؟ \rالجواب : لأن جبريل هو الذي بشر مريم بولادتها, وإنما ولد عيسى عليه السلام من نفخة جبريل عليه السلام, وهو الذي رباه في جميع الأحوال, وكان يسير معه حيث سار, وكان معه حين صعد إلى السماء. أهـ.\rقوله تعالى : [ففريقاً كذبتم وفريقاً تقتلون ]\rسؤال : لقائل أن يقول : هلا قيل : وفريقاً قتلتم ؟ \r__________\r(1) - تفسير القرطبي حـ2 صـ15 بتصرف يسير\r(2) - التفسير الكبير حـ3 صـ395","part":1,"page":406},{"id":405,"text":"وجوابه : من وجهين : أحدهما أن يراد الحال الماضية, لأن الأمر فظيع, فأريد استحضاره في النفوس وتصويره في القلوب.\rالثاني : أن يراد : فريقاً تقتلونهم بعد, لأنكم حاولتم قتل محمد - صلى الله عليه وسلم - ولولا أني أعصمه منكم, ولذلك سحرتموه, وسممتم الشاة - والله أعلم -. اهـ\rقوله تعالى : [ففريقاً كذبتم]\r[ففريقاًً] منصوب بـ [كذبتم] وكذا [فريقاً تقتلون], فكان ممن كذبوه عيسى ومحمد - عليهما السلام - وممن قتلوه : يحي وزكريا عليهما السلام(1). أهـ.\rسؤال : هذه الآية تدل على أنهم قتلوا بعض الرسل, ونظيرها قوله تعالى : [قل قد جاءكم رسل من قبلي بالبينات وبالذي قلتم فلم قتلتموهم] (آل عمران : 183) وقوله : [كلما جاءهم رسول بما لا تهوى أنفسهم فريقاً كذبوا وفريقاً يقتلون] (المائدة : 70) وقد جاء في آيات أخرما يدل على أن الرسل غالبون منصورون, كقوله : [كتب الله لأغلبن أنا ورسلي](المجادلة : 21) وكقوله : [ولقد سبقت كلمتنا لعبادنا المرسلين إنهم لهم المنصورون وإن جندنا لهم الغالبون](الصافات : 171-173) وقوله تعالى : [فأوحى إليهم ربهم لنهلكن الظالمين ولنسكننكم الأرض من بعدهم](إبراهيم : 13 : 14) وبين تعالى أن هذا النصر في الدنيا أيضاً, كما في هذه الآية الأخيرة, وكما في قوله : [إنا لننصر رسلنا والذين آمنوا في الحياة الدنيا ويوم يقوم الأشهاد](غافر : 51) والذي يظهر في الجواب من هذا : أن الرسل قسمان : قسم : أمروا بالقتال في سبيل الله, وقسم أمروا بالصبر والكف عن الناس, فالذين أمروا بالقتال, وعدهم الله بالنصر والغلبة في الآيات المذكورة, والذين أمروا بالكف والصبر هم الذين قتلوا, ليزيد الله رفع درجاتهم العلية بقتلهم مظلومين, وهذا الجمع مفهوم من الآيات لأن النصر والغلبة في الدلالة بالالتزام - على جهاد ومقاتلة(2). أهـ.\r__________\r(1) - تفسير القرطبي حـ2 صـ20\r(2) - دفع إيهام الاضطراب عن آيات الكتاب صـ23 : 24","part":1,"page":407},{"id":406,"text":"فائدة\rقال صاحب [الأمثل ]\rالقرآن في حديثه عن اليهود لا يوبّخ الجميع بسبب ذنوب الأكثرية ، بل يستعمل كلمات مثل «فريق» «أكثر» ليصون حق الأقلية المؤمنة المتقية ، وطريقة القرآن هذه في حديثه عن الأُمم درس لنا كي لا نحيد في أحاديثنا ومواقفنا عن الحقّ والحقيقة. أهـ [الأمثل حـ1 صـ398 ]\rقوله تعالى : [وقالوا قلوبنا غلف]\rقال أبو السعود(1) [وقالوا] بيان لفن آخر من قبائحهم على طريق الالتفات إلى الغيبة إشعاراً بإبعادهم عن رتبة الخطاب لما فصل من مخازيهم الموجبة للإعراض عنهم, وحكاية نظائرها لكل من بطلانها وقبائحها من أهل الحق, والقائلون هم الموجودون في عصر النبي عليه الصلاة والسلام. [قلوبنا غلف] جمع أغلف مستعار من الأغلف الذي لم يختن أي مغشاة بأغشية جبلية لا يكاد يصل إليها ما جاء به محمد - صلى الله عليه وسلم - ولا تفقهه. اهـ\r[ فقليلاً ما يؤمنون ]\rقال الفخر(2) : [فقليلاً ما يؤمنون] في تفسيره ثلاثة أوجه\rأحدها : أن القليل صفة المؤمن أي لا يؤمن منهم إلا القليل.\rوثانيها : أنه صفة الإيمان أي لا يؤمنون إلا بقليل مما كلفوا به, لأنهم كانوا يؤمنون بالله, إلا إنهم كانوا يكفرون بالرسل.\rوثالثها : معنا لا يؤمنون أصلاً - لا قليلاً ولا كثيراً -, كما يقال : قليلاً ما يفعل, بمعنى : لا يفعل ألبتة.\rوالوجه الأول أولى لأنه نظير قوله [بل طبع الله عليها بكفرهم فلا يؤمنون إلا قليلاً](النساء : 155), ولأن الجملة الأولى إذا كان المصرح فيها ذكر القوم, فيجب أن يتناول الاستثناء بعض هؤلاء القوم. أهـ.\rوقال ابن جزي(3) في قوله تعالى : [فقليلاً ما يؤمنون] أنهم كانوا يؤمنون ببعض الرسل ويكفرون ببعض. اهـ\rقوله تعالى : [قل فلم تقتلون أنبياء الله من قبل إن كنتم مؤمنين ]\r__________\r(1) - تفسير أبي السعود حـ1 صـ127\r(2) - التفسير الكبير حـ3 صـ398 باختصار يسير\r(3) - التسهيل حـ1 صـ53","part":1,"page":408},{"id":407,"text":"قال الفخر(1) : قوله : [فلم تقتلون] وإن كان خطاب مشافهة, لكن المراد من تقدم من سلفهم ويدل عليه وجوه : \rأحدها : أن الأنبياء في ذلك الزمان ما كانوا موجودين, وثانيها : أنهم ما أقدموا على ذلك. وثالثها أنه لا يتأتي فيه [من قبل] فأما المراد به الماضي, فظاهر, لأن القرينة دالة عليه,\rفإن قيل : قوله [آمنوا] خطاب لهؤلاء الموجودين, [فلم تقتلون] حكاية فعل أسلافهم, فكيف وجه الجمع بينهما ؟ \rقلنا : معناه : إنكم بهذا التكذيب خرجتم من الإيمان بما آمنتم, كما خرج أسلافكم بقتل الأنبياء - عن الإيمان بالباقين. أهـ.\rسؤال : كيف جاز قوله : [فلم تقتلون أنبياء الله من قبل] ولا يجوز أن يقال : أنا أضربك أمس ؟ \rوالجواب : فيه قولان : أحدهما : أن ذلك جائز فيما كان بمنزلة الصفة اللازمة كقولك لمن تعرفه بما سلف من قبح فعله : ويحك لم تكذب ؟ كأنك قلت : لم يكن هذا من شأنك, قال تعالى : [واتبعوا ما تتلوا الشياطين] (البقرة : 102)\rولم يقل : تلت, لأنه أراد - من شأنها التلاوة.\rوالثاني : كأنه قال : لم ترضون بقتل الأنبياء من قبل إن كنتم آمنتم بالتوراة, والله أعلم(2). أهـ.\rوقال القرطبي(3) : وجاء [تقتلون] بلفظ الاستقبال وهو بمعنى المضي لما ارتفع الإشكال بقوله [من قبل], وإذا لم يشكل فجائز أن يأتي الماضي بلفظ المستقبل, والمستقبل بمعنى الماضي, قال الحطيئة : \r……\rشهد الحطيئة يوم يلقى ربه ……أن الوليد أحق بالعذر\rشهد بمعنى : يشهد. أهـ.\rوقال في الميزان(4) : قوله تعالى : [فلم تقتلون أنبياء الله من قبل] الفاء للتفريع, والسؤال متفرع على قولهم : نؤمن بما أنزل علينا, أي : لو كان قولكم : نؤمن بما أنزل علينا حقاً وصدقاً, فلم تقتلون أنبياء الله, ولم كفرتم بموسى باتخاذ العجل, ولم قلتم عند أخذ الميثاق ورفع الطور : سمعنا وعصينا. أهـ.\r__________\r(1) - التفسير الكبير حـ3 صـ603\r(2) - التفسير الكبير حـ3 صـ603 : 604\r(3) - تفسير القرطبي حـ2 صـ24\r(4) - الميزان حـ1 صـ222","part":1,"page":409},{"id":408,"text":"قوله تعالى : [سمعنا وعصينا]\rسؤال : فإن قلت : كيف طابق قوله جوابهم ؟ \rقلت : طابق من حيث قال لهم اسمعوا, وليكن سماعكم سماع تقبل وطاعة, فقالوا سمعنا, ولكن – لا سماع طاعة(1). أهـ.\rقوله تعالى : [ولن يتمنوه أبداً]\rقال صاحب الكشاف : [ولن يتمنوه أبداً] من المعجزات , لأنه إخبار بالغيب وكان كما أخبر به, كقوله [ولن تفعلوا] (البقرة : 24)\rسؤال : فإن قلت : ما أدراك أنهم لم يتمنوا ؟ \rقلت : لأنهم لو تمنوا لنقل ذلك, كما نقل سائر الحوادث, ولكان ناقلوه من أهل الكتاب وغيرهم من أولى المطاعن في الإسلام أكثر من الذر وليس أحد منهم نقل ذلك.\rسؤال : فإن قلت : التمني من أعمال القلوب, وهو سر لا يطلع عليه أحد فمن أين علمت أنهم لم يتمنوا ؟ \rقلت : ليس التمني من أعمال القلوب, إنما هو قول الإنسان بلسانه : ليت لي كذا, فإذا قاله قالوا : تمنى, وليت كلمة التمني, ومحال أن يقع التحدي بما في الضمائر والقلوب, ولو كان التمني بالقلوب وتمنوا, لقالوا : قد تمنينا الموت في قلوبنا, ولم ينقل أنهم قالوا ذلك.\rفإن قلت : لم يقولوه, لأنهم علموا أنهم لا يصدقون.\rقلت : كم حكى عنهم من أشياء قاولوا بها المسلمين من الافتراء على الله وتحريف كتابه وغير ذلك مما علموا أنهم غير مصدقين فيه ولا محل له إلا الكذب البحت ولم يبالوا, فكيف يمتنعون من أن يقولوا إن التمني من أفعال القلوب وقد فعلناه, مع احتمال أن يكونوا صادقين في قولهم وإخبارهم عن ضمائرهم, وكان الرجل يخبر عن نفسه بالإيمان فيصدق مع احتمال أن يكون كاذباً, لأنه أمر خاف لا سبيل إلى الإطلاع عليه(2). أهـ.\rقال في التسهيل : \rسؤال : إن قيل : لم قال في هذه السورة : [ولن يتمنوه] وفي الجمعة : [ولا يتمنونه] (الجمعة : 7) فنفى هنا ب[لن] وفي الجمعة ب[لا]\r__________\r(1) - الكشاف حـ1 صـ166\r(2) - الكشاف حـ1 صـ167 : 168","part":1,"page":410},{"id":409,"text":"الجواب : قال أستاذنا الشيخ أبو جعفر بن الزبير (الجواب) أنه لما كان الشرط في المغفرة مستقبلاً وهو قوله : [إن كانت لكم الدار الآخرة عند الله خالصة] جاء جوابه بـ [لن] التي تخلص الفعل للاستقبال, ولما كان الشرط في الجمعة حالاً وهو قوله [إن زعمتم أنكم أولياء الله] جاء جوابه بـ [لا] التي تدخل على الحال أو تدخل على المستقبل(1). أهـ.\rوقال الكرماني(2) : [ولن يتمنوه](البقرة : 95) وفي (الجمعة : 7) [ولا يتمنونه] لأن دعواهم في هذه السورة بالغة قاطعة, وهي كون الجنة لهم بصفة الخلوص فبالغ في الرد عليهم بـ[لن] وهي أبلغ ألفاظ النفي, ودعواهم في الجمعة قاصرة مترددة, وهي زعمهم أنهم أولياء الله فاقتصر على [لا]. اهـ\rقال السمرقندي(3) ما نصه :\r__________\r(1) - التسهيل حـ1 صـ54\r(2) - أسرار التكرار في القرآن صـ32\r(3) - بحر العلوم ؛ حـ1صـ101","part":1,"page":411},{"id":410,"text":"قال الزجاج : في هذه الآية أعظم حجة, وأظهر دلالة على صحة رسالة النبي –صلى الله عليه وسلم - لأنه قال لهم : فتمنوا الموت, وأعلمهم أنهم : لن يتمنوه أبداً فلم يتمنه واحد منهم, ويقال : إن قوله [لن يتمنوه] إنما يقع على الحياة الدنيا خاصة, ولا يقع على أمر الآخرة, لأنهم يتمنون الموت في النار إذا كانوا في جهنم(1) , وفي هذه الآية دليل على أن لفظة [لن] لا تدل على التأبيد, لأنهم يتمنون الموت في الآخرة, خلافاً لقول المعتزلة في قوله : [لن تراني] (الأعراف : 143)(2)\rوقال السعدي(3) : \r__________\r(1) - يشير إلى قوله تعالى على لسان أهل النار \" ونادوا يا مالك ليقض علينا ربك \" [الزخرف : 77].\r(2) - هذا كلام نفيس يرد رداً قاطعاً على المعتزلة الذين يقولون بنفي الرؤية مستدلين بقوله تعالى رداً على موسى عليه السلام لما طلب الرؤية قيل له \" لن تراني \" بناء على أن [لن] للنفي على التأبيد ، فكان في هذه الآية \" ولن يتمنوه أبداً \" قطعاً وإبطالاً لحجتهم ومن ملح العلم أن المعتزلة استدلوا على نفي الرؤية بـ [لن] و[ لا] في قوله تعالى \" لن تراني \" وقوله \" لا تدركه الأبصار \" ، ونفي تمنى اليهود للموت ورد بـ [لن يتمنوه] و[ ولا يتمنونه] وقد تقدمت الإشارة إلى أن نفي هذا التمني مقيد بالدنيا دون الآخرة ، وكذلك إن شاء الله نفي الرؤية مقيد بالدنيا دون يوم المزيد نسأل الله أن يمن علينا بالنظر إلى وجهه الكريم.\r(3) - تفسير السعدي صـ53.","part":1,"page":412},{"id":411,"text":"[فتمنوا الموت] وهذا نوع مباهلة- بينهم وبين رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وليس بعد هذا الإلجاء والمضايقة لهم بعد العناد منهم إلا أحد أمرين إما أن يؤمنوا بالله ورسوله, وإما أن يباهلوا على ما هم عليه بأمر يسير عليهم, وهو تمني الموت الذي يوصلهم إلى الدار التي هي خالصة لهم, فامتنعوا من ذلك, فعلم كل أحد أنهم في غاية المعاندة والمحادة لله ولرسوله معم علمهم بذلك, ولهذا قال [ولن يتمنوه أبداً بما قدمت أيديهم]. اهـ\rقوله تعالى : [ولتجدنهم أحرص الناس على حياة]\rقال البيضاوي(1) : وتنكير [حياة] لأنه أريد بها فرد من أفرادها وهي الحياة المتطاولة. اهـ\rوقال الآلوسي(2) : وتنكير [حياة] لأنه أريد بها فرد نوعي, وهي الحياة المتطاولة, فالتنوين للتعظيم, ويجوز أن يكون للتحقير, فإن الحياة الحقيقية وهي الأخروية [وإن الدار الآخرة لهي الحيوان](العنكبوت : 64) ويجوز أن يكون التنكير للإبهام, بل قيل إنه الأوجه أي على حياة مبهمة غير معلومة المقدار, ومنه يعلم حرصهم على الحياة المتطاولة من باب الأولى. أهـ.\rقوله تعالى : [ومن الذين أشركوا ]\rسؤال : لماذا خص الذين أشركوا بالذكر مع أنهم داخلون في لفظ الناس ؟ \rالجواب : وإفرادهم بالذكر مع دخولهم في الناس, للإيذان بامتيازهم من بينهم بشدة الحرص للمبالغة في توبيخ اليهود, فإن حرصهم وهم معترفون بالجزاء لما كان أشد من حرص المشركين المنكرين له دل ذلك على جزمهم بمصيرهم إلى النار, ويجوز أن يحمل على حذف المعطوف ثقة بإنباء المعطوف عليه عنه أي وأحرص من الذين أشركوا(3). أهـ.\r__________\r(1) - تفسير البيضاوي حـ1 صـ365\r(2) - روح المعاني حـ1 صـ329\r(3) - تفسير أبي السعود حـ1 صـ 132","part":1,"page":413},{"id":412,"text":"وقال فى عرائس البيان : { وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ النَّاسِ على حَيَاة} لأنّهم محجوبون عن مشاهدة الآخرة ومكاشفة الحضرة ؛ لغطاء الغفلة والشهوة ، وقال محمد بن الفضل : لعلمهم بما قدموا من الآثام والخلاف ، وهذا حال الكفار ، فوجب على المؤمن أن يكون حاله ضد هذا مشتاقاً إلى الموت بمكاشفة الغيوب ، ورفع حجاب الوحشة ، والوصول إلى محل الأنس ، ألا ترى أن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ يقول : {من أحبّ لقاء الله أحب الله لقاءه} وأن بلالا لما احتضر قالت امرأته : واحزناه فقال : بل واطرباه بلقاء الأحبّة.أهـ [عرائس البيان للبقلى حـ 1 صـ43 ]\rقوله تعالى : (وما هو بمزحزحه من العذاب أن يعمر )\rقال الفخر(1) : الزحزحة : التبعيد والإنحاء, قال القاضي : والمراد أنه لا يؤثر في إزالة العذاب أقل تأثير, ولو قال تعالى : وما هو بمبعده وبمنجيه لم يدل على قلة التأثير كدلالة هذا القول. اهـ\rموعظة\rقال القشيري(2) : \rحب الحياة في الدنيا نتيجة الغفلة عن الله, وأشد منه غفلة حبهم للبقاء في الدنيا, وحال المؤمن من هذا على الضد, وأما أهل الغفلة وأصحاب التهتك, فإنما حرصهم على الحياة لعلمهم بما فقدوا فيها من طاعتهم, فالعبد الآبق لا يريد رجوعاً إلى سيده, والانقلاب إلى من هو خيره مرج وخير للمؤمنين من البقاء مع من شره غير مأمون, ثم إن امتداد العمر مع يقين الموت – لا قيمة له – إذا فاجأ الأمر, وانقطع العمر, وكل ما هو آت فقريب, وإذا انقضت المدة فلا مرد لهجوم الأجل على أكتاف الأمل. اهـ\rلطيفة\rالناس في حب البقاء في الدنيا على أربعة أقسام : \r__________\r(1) - التفسير الكبير حـ3 صـ610\r(2) - لطائف الإشارات حـ1 صـ107 : 108","part":1,"page":414},{"id":413,"text":"رجل أحب البقاء في الدنيا لاغتنام لَذَّاته ونيل شهواته ، قد طرح أخراه ، وأكبَّ على دنياه ، واتخذ إلهه هواه ، فأصمه ذلك وأعماه ، إن ذُكر له الموت فرّ عنه وشرد ، وإن وعِظَ أنِف وعَنَدَ ، عمره ينقص ، وحرصه يزيد ، وجسمه يبلى ، وأمله جديد ، وحتفه قريب ، ومطلبه بعيد ، فهذا إن لم تكن له عناية أزلية ، وسابقة أولية فيمسك عليه الإيمان ، ويختم له بالإسلام ، وإلا فقد هلك.\rورجل قد أزيل عن عينه قذاها ، وأبصر نفسه وهواها ، وزجرها ونهاها ، قد شمر ليتلافى ما فات ، ونظر فيما هو آت ، وتأهب لحلول الممات ، والانتقال إلى محلة الأموات ، ومع هذا فإنه يكره الموت أن يشاهد وقائعه ، أو يرى طلائعه ، وليس يكره الموت لذاته ، ولا لأنه هَادِمْ لَذَّاتِهِ ، لكنه يخاف أن يقطعه عن الاستعداد ليوم المعاد ، ويكره أن تطوى صحيفةِ عَمَلِهِ قبل بلوغ أمله ، وأن يبادر بأجله قبل صلاح خلله ، فهو يريد البقاء في هذه الدار لقضاء هذه الأوطار ، فهذا ما أفضل حياته : وأطيب مماته! لا يدخل تحت قوله صلى الله عليه وسلم : \" مَنْ كَرِهَ لِقَاءَ اللّهِ كره اللّهُ لِقَاءَه \".\rورجل آخر قد عرف الله تعالى بأسمائه الحسنى ، وصفاته العليا ، وشهد ما شهد من كمال الربوبية ، وجمال حضرة الألوهية ، فملأت عينه وقلبه ، وأطاشت عقله ولبّه ، فهو يحن إلى ذلك المشهد ، ويستعجل إنجاز ذلك الموعد ، قد علم أن الحياة الدنيوية حجابٌ بينه وبين محبوبة ، وسترٌ مُسدل بينه وبين مطلوبه ، فهذا من المحبين العشاق ، قد حنّ إلى الوصال والتلاق ، أحب لقاء الله فأحب الله لقاءه ، فما أحسن حياته ولقاءه!","part":1,"page":415},{"id":414,"text":"ورجل آخر قد شهد ما شاهد ذلك ، وربما زاد على ما هنالك ، لكنه فوّض الأمر إلى خالقه ، وسلّم الأمر لبارئه ، فلم يرض إلا ما رضي له ، ولم يرد إلا ما أريد به ، وما اختار إلا ما حكم به فيه ، إن أبقاه في هذه الدار أبقاه ، وإن أخذه فهو بغيته ومناه ، فهذا من العارفين المقربين. جعلنا الله منهم بمنِّه وكرمه. آمين. أهـ [البحر المديد حـ1 صـ85 ]\rقوله تعالى : [قل من كان عدواً لجبريل فإنه نزله على قلبك بإذن الله]\rقال في الكشاف(1) : \"الضمير في [نزله] للقرآن, ونحو هذا الإضمار أعني إضمار ما لم يسبق ذكره(2) , فيه فخامة لشأن صاحبه حيث يجعل لفرط شهرته, كأنه يدل على نفسه, ويكتفي عن اسمه الصريح بذكر شيء من صفاته. أهـ.\rوقال فى الدر المصون : قوله : \"فإنَّه\" يعودُ على جبريل ، وفي قوله \"نَزَّلَه\" يعودُ على القرآنِ ، وهذا موافقٌ لقولِه : {نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الأَمِينُ} في قراءةِ مَنْ رَفَع \"الروح\" ، ولقولِه \"مصدِّقاً\" ، وقيل : الأولُ يعودُ على اللهِ والثاني يعودُ على جِبْريل ، وهو موافقٌ لقراءَةِ مَنْ قَرأَ [نَزَل به الروح] بالتشديدِ والنَّصْبِ.أهـ [الدر المصون فى علم الكتاب المكنون للسمين حـ 2 صـ 20]\r[ على قلبك ]\rسؤال : لم خص القلب بالذكر ؟\rالجواب : لأنه موضع العقل والعلم وتلقي المعارف( 1). أهـ.\r__________\r(1) - الكشاف حـ1 صـ 169\r(2) - ورد في القرآن الكريم الإضمار على ما لم يسبق ذكره في حق الله تعالى - وفي حق الرسول صلى الله عليه وسلم - وفي حق القرآن - وفي شأن الروح - والله أعلم.","part":1,"page":416},{"id":415,"text":"وقال أبو حيان ما نصه : {عَلَى قَلْبِكَ } : أتى بلفظ على ، لأن القرآن مستعل على القلب ، إذ القلب سامع له ومطيع ، يمتثل ما أمر به ، ويجتنب ما نهى عنه. وكانت أبلع من إلى ، لأن [إلى] تدل على الانتهاء فقط ، و[على] تدل على الاستعلاء. وما استعلى على الشيء يضمن الانتهاء إليه ، وخص القلب ، ولم يأت عليك ، لأن القلب هو محل العقل والعلم وتلقي الواردات ، أو لأنه صحيفته التي يرقم فيها ، وخزانته التي يحفظ فيها ، أو لأنه سلطان الجسد. وفي الحديث : إن في الجسد مضغة. ثم قال أخيراً : [ألا وهي القلب]. أو لأن القلب خيار الشيء وأشرفه ، أو لأنه بيت الله ، أو لأنه كنى به عن العقل إطلاقاً للمحل على الحال به ، أو عن الجملة الإنسانية ، إذ قد ذكر الإنزال عليه في أماكن : {مَا أَنَزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْءانَ لِتَشْقَى }{ وَأَنزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ } ، أو يكون إطلاقاً لبعض الشيء على كله ، أقوال سبعة( 2). أهـ\rوقال فى نظم الدرر : \rولما كان المراد تحقيق أنه كلام الله وأنه أمر بإبلاغه جمع بين {قل} وبين\r{ على قلبك} أي وهو أكمل القلوب ، دون أن يقال : على قلبي - المطابق لقل ، وأداة الاستعلاء دالة على أن المنزل تمكن في القلب فصارت مجامعه مغمورة به ، فكان مظهراً له. أهـ [نظم الدرر للبقاعى حـ1 صـ187 ]\rسؤال : فإن قلت كان حق الكلام أن يقال : على قلبي\rقلت : جاءت على حكاية كلام الله تعالى, كما تكلم به(1) , كأنه قيل : قل ما\rتكلمت به من قولي : (من كان عدواً لجبريل فإنه نزله على قلبك) (2)\rسؤال : فإن قلت : كيف استقام قوله : [فإنه نزله] جزاء للشرط ؟ \r__________\r(1) 1 ـ المحرر الوجيز حـ1 ص184 2- البحر المحيط لأبى حيان حـ1 ص 461. 3 ـ وفيه دليل على نزول القرآن من عند الله ، ولا يملك الرسول صلى الله عليه وسلم أن يغير فيه حرفاً واحداً.\r(2) 4- الكشاف حـ1 صـ169 : 170.","part":1,"page":417},{"id":416,"text":"قلت : فيه وجهان : إن عادى جبريل أحد من أهل الكتاب, فلا وجه لمعاداته حيث نزل كتاباً مصدقاً للكتب بين يديه, فل وأنصفوا لأحبوه وشكروا له صنيعه في إنزاله ما ينفعهم, ويصحح المنزل عليهم, والثاني : إن عاداه أحد, فالسبب في عداوته أنه نزل عليك القرآن مصدقاً لكتابهم وموافقاً له وهم كارهون للقرآن, ولموافقته لكتابهم, ولذلك كانوا يحرفونه ويجحدون موافقته له, كقولك : إن عاداك فلان فقد آذيته وأسأت إليه(1). أهـ.\rسبب نزول الآية الكريمة\rسببها أن اليهود قالوا للنبي - صلى الله عليه وسلم - جبريل عدونا, لأنه ملك الشدائد والعذاب, فلذلك لا نؤمن به, ولو جاءك ميكائيل لآمنا بك, لأنه ملك الأمطار والرحمة (2). اهـ\rوقال فى التحرير والتنوير ما نصه : فقد حصل من الأوصاف الخمسة للقرآن وهي أنه منزل من عند الله بإذن الله. وأنه منزل على قلب الرسول. وأنه مصدق لما سبقه من الكتب. وأنه هاد أبلغ هدى. وأنه بشرى للمؤمنين الثناء على القرآن بكرم الأصل. وكرم المقر. وكرم الفئة. ومفيض الخير على أتباعه الأخيار خيرا عاجلا. وواعد لهم بعاقبة الخير\rوهذه خصال الرجل الكريم محتده. وبيته. وقومه. السخي بالبذل الواعد به.أهـ التحرير والتنوير حـ1ص358.\rوقال صاحب [الأمثل ]\rذكر بعض المحققين أن المصادر اليهودية خالية من الدلالة على خصومة جبرائيل لهؤلاء القوم ، وهذا يؤيد أن ادعاءات اليهود بشأن موقفهم من جبرائيل ، لم يكن إلاّ ذريعة للتنصل من الإسلام ؛ إذ لا يوجد في مصادرهم الدينية ما يشير إلى وجود مثل هذه العداوة بينهم وبين جبريل. أهـ\r[ الأمثل حـ1 صـ395 ]\rقوله تعالى : [من كان عدواً لله وملائكته ورسله وجبريل وميكال... الآية]\rسؤال : لم أفرد [جبريل وميكال] بالذكر مع أنهما أول من يشمله عنوان الملكية والرسالة ؟ \r__________\r(1) - الكشاف حـ1 صـ170\r(2) - التسهيل حـ1 صـ 55","part":1,"page":418},{"id":417,"text":"الجواب : لإظهار فضلهما, كأنهما - عليهما السلام - من جنس آخر أشرف مما ذكر تنزيلاً للتغاير في الوصف منزلة التغاير في الجنس, وللتنبيه على أن عداوة أحدهما عداوة للآخر حسماً لمادة اعتقادهم الباطل في حقهما حيث زعموا أنهما متعاديان, وللإشارة إلى أن معاداة الواحد والكل سواء في الكفر واستتباع العداوة من جهة الله سبحانه, وأن من عادى أحدهم, فكأنما عادى الجميع(1). أهـ.\rوأجاب ابن جزي : بأن جبريل وميكائيل ذكرا بعد الملائكة تجديداً للتشريف والتعظيم(2). أهـ.\rقال صاحب الميزان : \rقوله تعالى : [قل من كان عدواً لجبريل فإنه نزله على قلبك...الآية]\rالسياق يدل على أن الآية نزلت جواباً عما قالته اليهود وأنهم تأبوا واستنكفوا عن الإيمان بما أنزل على رسول الله - صلى الله عليه وسلم -, وعللوه بأنهم عد ولجبريل النازل بالوحي إليه. والشاهد على ذلك أن الله سبحانه يجيبهم في القرآن وفي جبريل معاً في الآيتين وما ورد فى شأن النزول يؤيد ذلك فأجاب عن قولهم : إنا لا نؤمن بالقرآن لعداوتنا لجبريل النازل به.\rأولا ً : إن جبريل إنما نزل به على قلبك بإذن الله لا من عند نفسه فعداوتهم لجبريل لا ينبغي أن يوجب إعراضهم عن كلام نازل بإذن الله, وثانياً : أن القرآن مصدق لما في أيديهم في الكتاب الحق ولا معنى للإيمان بأمر والكفر بما يصدقه. وثالثاً : أن القرآن هدى للمؤمنين به, ورابعاً : أنه بشرى وكيف يصح لعاقل أن ينحرف عن الهداية ويغمض عن البشرى ولو كان الآتي بذلك عدوا له.\r__________\r(1) - تفسير أبي السعود حـ1 صـ 134\r(2) - التسهيل حـ1 صـ55","part":1,"page":419},{"id":418,"text":"وأجاب عن قولهم : إنا عد وجبريل أن جبريل ملك من الملائكة لا شأن له إلا امتثال ما أمره به الله سبحانه كميكال وسائر الملائكة وهم عباد مكرمون لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون, وكذلك رسل الله لا شأن لهم إلا بالله ومن الله سبحانه فبغضهم واستعدائهم بغض واستعداء لله ومن كان عدواً لله وملائكته ورسله وجبريل وميكال فإن الله عد ولهم, وإلى هذين الجوابين تشير الآيتان.\rقوله تعالى : [فإنه نزله على قلبك] فيه التفات من التكلم إلى الخطاب وكان الظاهر أن يقال على قلبي, لكن بدل من الخطاب للدلالة على أن القرآن كما لا شأن في إنزاله لجبريل وإنما هو مأمور مطيع كذلك لا شأن في تلقيه لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلا أن قلبه وعاء للوحي لا يملك منه شيئاً وهو مأمور بالتبليغ.\rواعلم أن هذه الآيات في أواخرها, أنواع الالتفات وإن كان الأساس فيها الخطاب لبني إسرائيل, غير أن الخطاب إذا كان خطاب لوم وتوبيخ وطال الكلام وصار المقام مقام استملال للحديث مع المخاطب واستحقار لشأنه فكان من الحري للمتكلم البليغ الإعراض عن المخاطبة تارة بعد أخرى بالاكتفاء بعد الالتفات للدلالة على أنه لا يرضى بخطابهم لردائة سمعهم وخسة نفوسهم ولا يرضى بترك خطابهم إظهاراً لحق القضاء عليهم.\rقوله تعالى : [عد وللكافرين] , فيه وضع الظاهر موضع المضمر والنكتة فيه الدلالة على علة الحكم كأنه قيل : فإن الله عد ولهم لأنهم كافرون والله عد وللكافرين(1). اهـ\r__________\r(1) الميزان حـ1 صـ229 ، 230","part":1,"page":420},{"id":419,"text":"قال أبو السعود(1) : وقوله تعالى : [فإن الله عد وللكافرين] أي لهم جواب الشرط المعنى من عاداه الله وعاقبه أشد العقاب, وإيثار الأسمية للدلالة على التحقق والثبات, ووضع الكافرين موضع المضمر, للإيذان بأن عداوة المذكورين كفر, وأن ذلك بين لا يحتاج إلى الإخبار به, وأن مدار عداوته تعالى لهم وسخطه المستوجب لأشد العقوبة والعذاب هو كفرهم المذكور.أهـ\rقال ابن عطية(2) : وظهر الاسم في قوله [فإن الله] لئلا يشكل عود الضمير, وجاءت العبارة بعموم الكافرين, لأن عود الضمير على من يشكل سواء أفردته أو جمعته, ولو لم نبال بالإشكال, وقلنا المعنى يدل السامع على المقصد للزم تعيين قوم بعداوة الله لهم, ويحتمل أن الله تعالى قد علم أن بعضهم يؤمن, فلا ينبغي أن يطلق عليه عداوة الله, للمآل. أهـ.\rوقال العز بن عبد السلام فى تفسيره : \r{عَدُوٌ لِّلْكَافِرِينَ} لم يقل عد ولهم لجواز انتقالهم عن العداوة بالإيمان. أهـ {تفسير العز بن عبدالسلام حـ1صـ45}\rوعلق الإمام القشيري : - رحمه الله - على هذه الآية الكريمة بقوله : \rزعمت اليهود أن جبريل لا يأتي بالخير, وأنهم لا يحبونه, ولو كان ميكائيل لكانوا آمنوا به, فأكذبهم الحق سبحانه فقال [من كان عدواً لجبريل], لأنه لا يأتي بالخير, فأي خير أعظم من القرآن ؟!!\rثم قال : إن من عادى جبريل وميكائيل فإن الله عد وله, فإن رسول الحبيب إلى الحبيب العزيز المورد - كريم المنزلة, عظيم الشرف, وما ضرت جبريل - عليه السلام - عداوة الكفار, والحق سبحانه وتعالى وليه, ومن عادى جبريل فالحق عدوه, وما أعزز هذا الشرف وما أجله وما أكبر علوه(3).أهـ.\r__________\r(1) - تفسير أبي السعود حـ1 صـ 134\r(2) - المحرر الوجيز حـ1 صـ184\r(3) - لطائف الإشارات حـ1 صـ108","part":1,"page":421},{"id":420,"text":"وقال الجاوى فى مراح لبيد ما نصه : \rوخصَّ الله جبريل بالذكر رداً على اليهود في دعوى عداوته وضمَّ إليه ميكائيل لأنه ملك الرزق الذي هو حياة الأجساد كما أن جبريل ملك الوحي الذي هو حياة القلوب والأرواح ، وقدَّم جبريل لشرفه لأن العلم أشرف من الأغذية ، وقدَّم الملائكة على الرسل كما قدَّم الله على الجميع ، لأن عداوة الرسل بسبب نزول الكتب ونزولها بتنزيل الملائكة وتنزيلهم لها بأمر الله فذكر الله ومن بعده على هذا الترتيب.أهـ.[ مراح لبيد حـ1 صـ62]","part":1,"page":422},{"id":421,"text":"قوله تعالى : [واتبعوا ما تتلوا الشياطين على ملك سليمان]\rقال صاحب الميزان : قوله تعالى : [واتبعوا ما تتلوا الشياطين على ملك سليمان] قد اختلف فيه المفسرون في تفسير الآية اختلافاً عجيباً لا يكاد يوجد نظيره في آية من آيات القرآن المجيد, فاختلفوا في مرجع ضمير قوله : [اتبعوا] أهم اليهود الذين كانوا في عهد سليمان, أو الذين في عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أو الجميع ؟ واختلفوا في قوله : [تتلوا], هل هو بمعنى تتبع الشياطين وتعمل به أو بمعنى تقرأ, أو بمعنى تكذب ؟ واختلفوا في قوله [الشياطين], فقيل هم شياطين الجن وقيل شياطين الإنس وقيل هما معاً, واختلفوا في قوله : [على ملك سليمان] فقيل معناه في ملك سليمان, وقيل معناه في عهد ملك سليمان وقيل في معناه على ملك سليمان بحفظ ظاهر الاستعلاء في معنى على, وقيل معناه على عهد ملك سليمان, واختلفوا في قوله : [ولكن الشياطين كفروا] , فقيل إنهم كفروا بما استخرجوه من السحر إلى الناس وقيل إنهم كفروا بما نسبوه إلى سليمان من السحر, وقيل إنهم سحروا فعبر عن السحر بالكفر, واختلفوا في قوله : [يعلمون الناس السحر] فقيل إنهم ألقوا السحر إليهم فتعلموه, وقيل إنهم دلوا الناس على استخراج السحر وكان مدفوناً تحت كرسي سليمان فاستخرجوه وتعلموه, واختلفوا في قوله : [وما أنزل على الملكين] فقيل ما موصولة والعطف على قوله : [ما تتلوا] , وقيل ما موصولة والعطف على قوله : [السحر] أي يعلمونهم ما أنزل على الملكين, وقيل ما نافية والواو استئنافية, أي ولم ينزل على الملكين سحر كما يدعيه اليهود واختلفوا في معنى الإنزال فقيل إنزال من السماء, وقيل بل من نجود الأرض وأعاليها, واختلفوا في قوله : [الملكين] فقيل كانا من ملائكة السماء, وقيل بل كانا إنسانين ملكين بكسر اللام إن قرأناه, بكسر اللام كما قرئ كذلك في الشواذ, أو ملكين بفتح اللام أي صالحين, أو متظاهرين بالصلاح, إن قرأناه على ما قرأ به المشهور, واختلفوا في قوله : [ببابل], فقيل هي بابل العراق وقيل","part":1,"page":423},{"id":422,"text":"بابل نهاوند, وقيل, من نصيبين إلى رأس العين, واختلفوا في قوله [وما يعلمان] فقيل علم بمعناه الظاهر, وقيل علم بمعنى أعلم, واختلفوا في قوله فلا تكفر, فقيل : لا تكفر بالعمل بالسحر, وقيل لا تكفر بتعلمه, وقيل بهما معاً, واختلفوا في قوله : فيتعلمون منهما, فقيل أي من هاروت وماروت, وقيل أي من السحر والكفر, وقيل بدلاً مما علماه الملكان بالنهي إلى فعله, واختلفوا في قوله : ما يفرقون به بين المرء وزوجه, فقيل أي يوجدون به حباً وبغضاً بينهماً, وقيل إنهم يغرون أحد الزوجين ويحملونه على الكفر والشرك فيفرق بينهما اختلاف الملة والنحلة, وقيل إنهم يسعون بينهما بالنميمة والوشاية فيؤل إلى الفرقة, فهذه نبذة من الاختلاف في تفسير كلمات ما يشتمل على القصة من الآية وجمله, وهناك اختلافات أخر في الخارج من القصة في ذيل الآية وفي نفس القصة, وهل هي قصة واقعة أو بيان على سبيل التمثيل ؟ أو غير ذلك ؟ وإذا ضربت بعض الأرقام التي ذكرناها من الاحتمالات في البعض الآخر, ارتقى الاحتمالات إلى كمية عجيبة وهي ما يقرب من ألف ألف ومائتين وستين ألف احتمال\rوهذا لعمر الله من عجائب نظم القرآن تتردد الآية بين مذاهب واحتمالات تدهش العقول وتحير الألباب, والكلام بعد متك على أريكة حسنة متجمل في أجمل جماله متحلي بحلي بلاغته وفصاحته(1). أهـ.\rوقال الفخر(2) : [واتبعوا] - حكاية عمن تقدم ذكره, وهم اليهود, ثم فيه أقوال : أحدها : أنهم اليهود الذين كانوا في زمان سيدنا محمد - صلى الله عليه وسلم\rوثانيها : أنهم الذين تقدموا من اليهود.\rوثالثها : أنهم الذين كانوا في زمن سليمان - عليه السلام - من السحرة.\rورابعها : أنه يتناول الكل, وهذا أولى, لأنه ليس صرف اللفظ إلى البعض أولى من صرفه إلى غيره, إذ لا دليل على التخصيص. اهـ\r__________\r(1) الميزان حـ1 صـ233 ، 234\r(2) - التفسير الكبير حـ3 صـ617","part":1,"page":424},{"id":423,"text":"قصة الملكين باختصار\rحاصل القصة : أن الله تعالى ابتلى الملائكة لما تعجبوا من ذنوب بني آدم, فقال لهم اختاروا ملكين من أعظم الملائكة - علماً وزهداً وديانة - لإنزالهما إلى الأرض, ثم ركبت فيهما الشهوة, ونهيا عن الشرك والقتل والزنا والشرب, ثم تعرضت لهما امرأة حسناء وهي الزهرة فراوداها عن نفسها فامتنعت إلا أن يعبدا الصنم, فامتنعا في بادئ الأمر, ثم غلبت عليهما الشهوة, فأطاعاها, فشربا الخمر وسجدا للصنم وواقعا المرأة وقتلا السائل الذي دخل عليهم ثم مسخت الزهرة إلى الكوكب المعروف, وخيرهما الله تعالى بين عذاب الدنيا وعذاب الآخرة, فاختاروا عذاب الدنيا, وهما يعذبان ببابل معلقان بين السماء والأرض يعلمان الناس السحر(1). أهـ.\rثم قال الإمام الفخر بعد ذكر هذه القصة : \"واعلم أن هذه الرواية فاسدة مردودة غير مقبولة, لأنه ليس في كتاب الله ما يدل على ذلك, بل فيه ما يبطلها من وجوه \"\rالأول : ما تقدم من الدلائل الدالة على عصمة الملائكة عن كل المعاصي.\rوثانيها : أن قولهم أنهما خيرا بين عذاب الدنيا وعذاب الآخرة فاسد بل كان الأولى أن يخيرا بين التوبة والعذاب, لأن الله تعالى خير بينهما من أشرك به طول عمره, فكيف يبخل عنهما.\rوثالثها : أن من أعجب الأمور قولهم : إنهما يعلمان السحر في حال كونهما معذبين ويدعوان إليه وهما يعذبان. أهـ.\rآراء المفسرين في القصة\rمن المفسرين من أورد القصة دون تعليق, ومنهم من حكم عليها بالفساد والبطلان.\rأما الفريق الأول فمنهم الإمام الطبري في تفسيره حـ1 صـ : 456 , صـ 459. وذكر أيضاً قصة خاتم سليمان الذي حكم به في ملكه, وذكر ذهاب ملكه بفقد الخاتم ثم عودة الملك إليه بعد أن وجد الخاتم (ولا شك أنها قصة مختلقة لا أصل لها) وسيأتي إن شاء الله لها مزيد بيان في سورة(ص)\r__________\r(1) - التفسير الكبير حـ3 صـ631 بتصرف يسير","part":1,"page":425},{"id":424,"text":"وممن سار على نهج الإمام الطبري في هذه القصة السمعاني في تفسيره حـ1 صـ116 : صـ117 ومنهم الإمام البغوي في تفسيره معالم التنزيل حـ1 صـ130 : صـ132, ومنهم الثعلبى فى الكشف والبيان ج1 ص246 ـ248 ، ومنهم ابن زمنين ج1ص165 ، ومنهم النسفي حـ1 صـ61, ومنهم السيوطي في الدر المنثور حـ1 صـ238 : صـ246 وأشار إلى قصة الخاتم (المزعومة) حـ1 صـ232 : صـ234, ومنهم الشوكاني في فتح القدير حـ1 صـ122 : صـ123. وسيأتي ذكر كلامه إن شاء الله لاحقاً\rوأما الفريق الثاني فمنهم الإمام الفخر الرازي, وقد سبق كلامه.\rومنهم ابن الجوزي في زاد المسير حـ1 صـ123 : صـ124 : قال بعد ذكر القصة : إلا أن هذه الأشياء بعيدة عن الصحة. أهـ.\rثم ذكر أقوال العلماء في عذاب هاروت وماروت, ولم يعلق عليها, وكأنه أحال القارئ على ما ذكره قبل ذلك من استبعاده لصحتها. أهـ.\rومنهم الثعالبي حـ1 صـ92 قال : وما يذكر في قصتهما (الملكين) على الزهرة كله ضعيف, وكذا قال عياض, وأما ما ذكره أهل الأخبار ونقله المفسرون في قصة هاروت وماروت, وما روى عن على وابن عباس - رضي الله عنهما - في خبرهما وابتلائهما, فاعلم أكرمك الله أن هذه الأخبار لم ير ومنها سقيم ولا صحيح عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - , وليس هذا شيئاً يؤخذ بقياس, والذي منه في القرآن اختلف المفسرون في معناه, وأنكر ما قال بعضهم فيه كثير من السلف وهذه الأخبار من كتب اليهود وافترائهم, كما نصه الله أول الآيات.\rومنهم البيضاوي في تفسيره حـ1 صـ : 372 قال بعد أن ذكر ملخص القصة : ","part":1,"page":426},{"id":425,"text":"\"فمحكي عن اليهود, ولعله من رموز الأوائل, وحله لا يخفي على ذوي البصائر. ومنهم الخازن في تفسيره حـ1 صـ67 : صـ68. وسيأتي نص كلامه لاحقاً إن شاء الله في عصمة الملائكة وقال القرطبي في تفسيره حـ1 صـ37 : 38 بعد ذكر الروايات في هذه القصة : \"قلنا إن هذا كله ضعيف وبعيد عن ابن عمر وغيره, لا يصح منه شيء, فإنه قول تدفعه الأصول في الملائكة الذين هم أمناء الله على وحيه, وسفراؤه إلى رسله. ورد قصة الزهرة بأنها خلقت يوم خلق الله السماوات والأرض أي قبل خلق آدم والملكين وقال ابن كثير حـ1 صـ179 : 183 بعد ما ذكر الآثار الواردة في تلك القصة عن الصحابة والتابعين - رضي الله عنهم - قال ما نصه : \rوقد روى في قصة هاروت وماروت عن جماعة من التابعين, كمجاهد والسدي والحسن البصري وقتادة وأبي العالية والزهري والربيع بن أنس ومقاتل بن حيان وغيرهم وقصها خلق من المفسرين من المتقدمين والمتأخرين, وحاصلها راجع في تفصيلها إلى أخبار بني إسرائيل, إذ ليس فيها حديث مرفوع صحيح متصل الإسناد إلى الصادق المصدوق الذي لا ينطق عن الهوى, وظاهر سياق القرآن إجمال القصة من غير بسط ولا إطناب, فنحن نؤمن بما ورد في القرآن على ما أراده الله تعالى والله أعلم بحقيقة الحال. أهـ.\rوذكر أبو حيان فى البحر المحيط حـ1ص475 ملخص القصة ثم عقب عليها بقوله : \"وهذا كله لا يصح منه شيء. والملائكة معصومون ، \r{ لاَّ يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ} {لاَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَلاَ يَسْتَحْسِرُونَ} {يُسَبّحُونَ الْلَّيْلَ وَالنَّهَارَ لاَ يَفْتُرُونَ }\rولا يصح أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يلعن الزهرة ولا ابن عمر \". أهـ.","part":1,"page":427},{"id":426,"text":"وقال أبو السعود حـ1 صـ138 : بعد أن ذكر ملخص القصة : ما يحكى في هذه القصة فمما لا تعويل عليه, لما أن مداره رواية اليهود مع ما فيه من المخالفة, لأدلة العقل والنقل, ولعله من مقولة الأمثال والرموز التي قصد بها إرشاد اللبيب الأريب بالترغيب والترهيب. أهـ\rوقال الآلوسي حـ1 صـ 340 : 341 : بعد أن ذكر القصة وأقوال من أقرها ومن أنكرها عقب على ذلك قائلاً : \"ومن قال بصحة هذه القصة في نفس الأمر وحملها على ظاهرها فقد ركب شططاً, وقال غلطاً, وفتح باباً من السحر يضحك الموتى ويبكي الأحياء, وينكس راية الإسلام, ويرفع رؤوس الكفرة الطغاة, كما لا يخفى ذلك على المنصفين من العلماء. اهـ","part":1,"page":428},{"id":427,"text":"وقال الشوكاني في فتح القدير حـ1 صـ122 : صـ123 : بعد أن ذكر أكثر الروايات في القصة ونقل كلام الإمامين القرطبي وابن كثير في عدم قبولها وردها قال : صـ123 : وأقول : هذا مجرد استبعاد وقد ورد الكتاب العزيز في هذا الموضع بما تراه ولا وجه لإخراجه عن ظاهره (1) بهذه التكلفات, وما ذكره من أن الأصول تدفع ذلك, فعلى فرض وجود هذه الأصول(2), فهي مخصصة بما وقع في هذه القصة ولا وجه لمنع التخصيص, وقد كان إبليس يملك المنزلة العظيمة وصار أشر البرية وأكفر العالمين(3). أهـ\rوقال الدكتور محمد أبو شهبه - رحمه الله - في كتابه : الإسرائيليات والموضوعات في كتب التفسير صـ161 بعد أن ذكر بعض الروايات لهذه القصة من كتاب الدر المنثور قال معقباً بما نصه : \r\"وكل هذا من خرافات بني إسرائيل وأكاذيبهم التي لا يشهد لها عقل ولا نقل ولا شرع ولم يقف بعد رواة هذا القصص عند روايته عن بعض الصحابة والتابعين, ولكنهم أوغلوا باب الإثم والتجني الفاضح فألصقوا هذا الزور إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - ورفعوه إليه. أهـ.\r__________\r(1) - سبحان الله أين هذا الظاهر من خلال الآية الكريمة ، هذا قول لا دليل عليه.\r(2) - لا مجال لإنكار هذه الأصول في عصمة الملائكة وهي ثابتة في القرآن كما في قوله تعالى \" لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون \" وقوله \" بل عباد مكرمون لا يسبقونه بالقول وهم بأمره يعملون \" وغير ذلك من الآيات الناطقة بعصمة الملائكة ، ثم من أين أتى بهذا التخصيص وقد علمنا من خلال كلام الأعلام من المفسرين أن هذه القصة تنتهي إلى أخبار اليهود المكذوبة. وما قدر هذه الأخبار وما وزنها وهل يخصص القرآن بمثلها إن هذا الشيء عجيب.\r(3) - إن إبليس لم يكن من جنس الملائكة وقد سبق بيان ذلك ، ولا حاجة لمزيد من التطويل ، فيكفي في رد هذا الكلام ما ذكره أقطاب المفسرين رحمهم الله أجمعين. أ هـ.","part":1,"page":429},{"id":428,"text":"ثم قال صـ162 : وقد حكم بوضع هذه القصة الإمام أبو الفرج بن الجوزي(1), ونص الشهاب العراقي على أن من اعتقد في هاروت وماروت أنهما ملكان يعذبان على خطيئتهما, فهو كافر بالله العظيم.\rقال ابن كثير - رحمه الله - ورفع مثل هذه الإسرائيليات إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - كذب واختلاق ألصقه زنادقة أهل الكتاب زوراً وبهتاناً. اهـ وذكر مثل ذلك في البداية والنهاية. حـ1 صـ37. أهـ.\rوقال صـ163 وكذا ردها المحققون من المفسرين الذين مهروا في معرفة أصول الدين, وأبت عقولهم أن تقبل هذه الخرافات, كالإمام الرازي وأبي حيان وأبي السعود والآلوسي. أهـ.\rوقال صاحب الفتوحات الإلهية : بعد أن ذكر الرواية, واختار ما رجحه أبو السعود والخازن من عدم التعويل على هذه القصة لأن موارد ذلك رواية اليهود مع ما فيها من المخالفة لأدلة العقل والنقل.\rثم ذكر تأييد شيخ الإسلام زكريا الأنصاري للشهاب بن حجر في صحتها لأن لها طرقاً تفيد العلم بصحتها, فقد رواها مرفوعة الإمام أحمد وابن حبان والبيهقي وغيرهم وموقوفة : على وابن مسعود وابن عباس وغيرهم بأسانيد صحيحة(2).أهـ.\rوقال شعيب الأرنؤوط محقق مسند الإمام أحمد عن هذا الحديث [6178] ما نصه : إسناده ضعيف ومتنه باطل. أهـ\rقال صاحب الميزان\rوقد روى قريب منه فى بعض كتب الشيعة مرفوعاً عن الباقر - عليه السلام - وروى السيوطي فيما يقرب من هذا المعنى في أمر هاروت وماروت والزهرة نيفاً وعشرين حديثاً, صرحوا بصحة طريق بعضها. وفي منتهى أسنادها عدة من الصحابة كابن عباس وابن مسعود وعلي وأبي الدرداء وعمر وعائشة وابن عمر () - وهذه قصة خرافية تنسب إلى الملائكة المكرمين الذين نص القرآن على نزاهة ساحتهم وطهارة وجودهم عن الشرك\r__________\r(1) - اللآلئ المصنوعة في الأحاديث الموضوعة حـ1 صـ82\r(2) - الفتوحات الإلهية حـ1 صـ141 بتصرف يسير","part":1,"page":430},{"id":429,"text":"والمعصية أغلظ الشرك وأقبح المعصية, وهو : عبادة الصنم والقتل والزنا وشرب الخمر وتنسب إلى كوكب الزهرة أنها امرأة زانية مسخت - وأنها أضحوكة - وهي كوكبة سماوية طاهرة في طليعتها وصنعها أقسم الله تعالى بها في قوله : [والجوار الكنس] (التكوير : 16) على أن علم الفلك أظهر اليوم هويتها وكشف عن عنصرها وكميتها وكيفيتها وسائر شئونها.\rفهذه القصة كالتي قبلها المذكورة في الرواية السابقة تطابق ما عند اليهود على ما قيل : من قصة هاروت وماروت, تلك القصة الخرافية التي تشبه خرافات يونان في الكواكب والنجوم.\rومن هاهنا يظهر للباحث المتأمل : أن هذه الأحاديث كغيرها الواردة في مطاعن الأنبياء وعثراتهم لا تخل ومن دس دسه اليهود فيها وتكشف عن تسربهم الدقيق ونفوذهم العميق بين أصحاب الحديث في الصدور الأول فقد لعبوا في رواياتهم بكل ما شاؤا من الدس والخلط وأعانهم على ذلك قوم أخرون.\rلكن الله عز اسمه جعل كتابه في محفظة إلهية من هوسات المتهوسين من أعدائه كلما استرق السمع شيطان من شياطينهم أتبعه بشهاب مبين, فقال عز من قائل : [إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون] (الحجر : 9), وقال [وإنه لكتاب عزيز لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد] (فصلت : 42)(1) اهـ\r__________\r(1) - الميزان في تفسير القرآن حـ1 صـ239","part":1,"page":431},{"id":430,"text":"وقال صاحب التحرير والتنوير [حـ1 ص 369] ما نصه : ولأهل القصص هنا قصة خرافية من موضوعات اليهود في خرافاتهم الحديثة اعتاد بعض المفسرين ذكرها منهم ابن عطية والبيضاوي وأشار المحققون مثل البيضاوي والفخر وابن كثير والقرطبي وابن عرفة إلى كذبها وأنها من مرويات كعب الأحبار وقد وهم فيها بعض المتساهلين في الحديث فنسبوا روايتها عن النبي صلى الله عليه وسلم أو عن بعض الصحابة بأسانيد واهية والعجب للإمام أحمد بن حنبل ـ رحمه الله تعالى ـ كيف أخرجها مسندة للنبي صلى الله عليه وسلم ولعلها مدسوسة على الإمام أحمد أو أنه غره فيها ظاهر حال رواتها مع أن فيهم موسى بن جبير وهو متكلم فيه واعتذر عبد الحكيم بأن الرواية صحيحة إلا أن المروي راجع إلى أخبار اليهود فهو باطل في نفسه ورواته صادقون فيما رووا وهذا عذر قبيح لأن الرواية أسندت إلى النبي صلى الله عليه وسلم قال ابن عرفة في تفسيره وقد كان الشيوخ يخطئون ابن عطية في هذا الموضع لأجل ذكره القصة ونقل بعضهم عن القرافي أن مالكا رحمه الله أنكر ذلك في حق هاروت وماروت.انتهى كلامه.\rسؤال : ما الموقف من هذه الروايات التي حكم على بعض أسانيدها بالصحة ؟ \rأجاب عن مضمون هذا السؤال الدكتور أبو شهبه - رحمه الله - بقوله : ","part":1,"page":432},{"id":431,"text":"وإذا كان بعض العلماء المحدثين مال إلى ثبوت مثل هذه الروايات التي لا نشك في كذبها, فهذا منه تشدد في التمسك بالقواعد من غير نظر إلى ما يلزم من الحكم بثبوت ذلك من المحظورات, وأنا لا أنكر أن بعض أسانيدها صحيحة أو حسنة إلى بعض الصحابة والتابعين, ولكن مرجعها ومخرجها من إسرائيليات بين إسرائيل وخرافاتهم, والراوي قد يغلط وبخاصة في رفع الموقوف, وقد حققت هذا في مقدمات البحث, وأن كونها صحيحة في نسبتها لا ينافي كونها باطلة في ذاتها ولو أن الانتصار لمثل هذه الأباطيل يترتب عليه فائدة ما, لغضضنا الطرف عن مثل ذلك, ولما بذلنا غاية الجهد في التنبيه إلى بطلانها, ولكنها فتحت على المسلمين باب شر كبير يجب أن يغلق.\rويرحم الله الإمام الحافظ الناقد البصير : ابن كثير فقد نبه على أصل الداء ووصف له الدواء وبين الحق والصواب في موقف المسلم من هذه الخرافات.اهـ","part":1,"page":433},{"id":432,"text":"رواية غريبة\rفى الدر المنثور\rأخرج الزبير بن البكار في (الموفقيات) وابن مردويه والديلمي عن علي أن النبي - صلى الله عليه وسلم - سئل عن المسوخ فقال : هم ثلاثة عشر : الفيل والدب والخنزير والقرد والجريث والضب والوطواط والعقرب والدعموص والأرنب وسهيل والزهرة, فقيل يا رسول الله : وما سبب مسخهن فقال : أما الفيل فكان رجلاً جباراً لوطياً لا يدع رطباً ولا يابساً, وأما الدب فكان مؤنثاً يدع والناس إلى نفسه, وأما الخنزير فكان من النصارى الذين سألوا المائدة, فلما نزلت كفروا, وأما القردة فيهود اعتدوا في السبت, وأما الجريث, فكان ديوث الرجال إلى حليلته, وأما الضب, فكان أعرابياً يسرق الحاج بمحجنه وأما الوطواط , فكان رجلاً يسرق الثمار من رؤوس النخل, وأما العقرب فكان رجلاً لا يسلم أحد من لسانه, وأما الدعموص, فكان نماماً يفرق بين الأحبة, وأما العنكبوت فامرأة سحرت زوجها, وأما الأرنب فامرأة كانت لا تطهر من حيض, وأما سهيل, فكان إشاراً باليمن, وأما الزهرة, فكانت بنتاً لبعض ملوك بني إسرائيل(1) , افتتن بها هاروت وماروت(2). اهـ\r__________\r(1) - سبحانك هذا بهتان عظيم ، فكيف يصح نسبة هذا الهراء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ولا يخفى ما في الرواية من فساد واستخفاف بالعقول.\r(2) - الدر المنثور حـ1 صـ249","part":1,"page":434},{"id":433,"text":"قوله تعالى : [فيتعلمون منهما ما يفرقون به بين المرء وزوجه]\rقال السعدي : ومع أن محبة الزوجين لا تقاس بمحبة غيرهما, لأن الله قال في حقهما [وجعل بينكم مودة ورحمة] (الروم : 21) وفي هذا دليل على أن السحر له حقيقة, وأنه يضر بإذن الله أي بإرادة الله, والإذن نوعان : إذن قدري, وهو المتعلق بمشيئة الله كما في هذه الآية, وإذن شرعي كما في قوله تعالى في الآية السابقة : [فإنه نزله على قلبك بإذن الله] (البقرة : 97) وفي هذه الآية وما أشبهها أن الأسباب مهما بلغت في قوة التأثير فإنها تابعة للقضاء والقدر وليست مستقلة في التأثير, ولم يخالف في هذا الأصل أحد من الفرق الإسلامية غير القدرية في أفعال العباد زعموا أنها مستقلة غير تابعة للمشيئة, فأخرجوها عن قدرة الله, فخالفوا كتاب الله, وسنة رسوله وإجماع الصحابة والتابعين(1). اهـ\r(( فائدة ))\rفي قوله تعالى : [وما أنزل على الملكين]\rوقيل كانا رجلين, والقراءة بكسر اللام , قال الطبري : وقد دللنا على خطأ القراءة بذلك من جهة الاستدلال, فأما من جهة النقل فإجماع الحجة على خطأ القراءة بها من الصحابة والتابعين, وقراء الأمصار وكفي بذلك شاهداً على خطئها(2). اهـ\rقوله تعالى : [ولقد علموا لمن اشتراه ماله في الآخرة من خلاق]\rسؤال : فإن قيل : قوله تعالى : [ولقد علموا لمن اشتره ماله في الآخرة من خلاق ولبئس ما شروا به أنفسهم لو كانوا يعلمون] أثبت لهم العلم أولاً مؤكداً بلام القسم, ثم نفاه عنهم\rقلنا : المثبت لهم : أنهم علموا أن من اختار السحر ما له في الآخرة من نصيب, والمنفي عنهم : أنهم لا يعلمون حقيقة ما يصير إليه من يخسر الآخرة, ولا يكون له نصيب منها, فالمنفي غير المثبت, فلا تنافي(3). اهـ\rوأجاب الفخر عن هذا السؤال من وجوه\r__________\r(1) - تفسير السعدي صـ54\r(2) - تفسير ا لطبري حـ1 صـ459 بتصرف يسير\r(3) - تفسير الرازي صـ28","part":1,"page":435},{"id":434,"text":"أحدها : أن الذين علموا - غير الذين لم يعلموا, فالذين علموا هم الذين علموا السحر ودعوا الناس إلى تعلمه, وهم الذين قال الله في حقهم [نبذ فريق من الذين أوتوا الكتاب كتاب الله وراء ظهورهم كأنهم لا يعلمون] وأما الجهال الذين يرغبون في تعلم السحر فهم الذين لا يعلمون, وهذا جواب الأخفش وقطرب.\rوثانيها لو سلمنا كون القوم واحد, ولكنهم علموا شيئاً وجهلوا شيئاً آخر, علموا أنهم ليس لهم في الآخرة خلاق, لكنهم جهلوا مقدار ما فاتهم من منافع الآخرة, وما حصل لهم من مضارها وعقوبتها.\rوثالثها : لو سلمنا أن القوم واحد والمعلوم واحد, لكنهم لم ينتفعوا بعلمهم, بل أعرضوا عنه, فصار ذلك العلم كالعدم, كما سمى الله تعالى الكفار : [عمياً وبكماً وصماً] (الإسراء : 97) إذ لم ينتفعوا بهذه الحواس ويقال للرجل في شيء يفعله لا يضعه موضعه : صنعت ولم تصنع(1). اهـ\r(( موعظة ))\rقال القشيري(2) : \rل وعلم المغبون ماذا أبقى وماذا أبلى لتقطعت أحشاؤه حسرات, ولكن سيعلم - يوم تبلى السرائر - الذي فاته من الكرائم. اهـ\rقوله تعالى : [ولو أنهم آمنوا واتقوا لمثوبة من عند الله خير]\rسؤال : فإن قيل كيف قال : [ول وأنهم آمنوا واتقوا لمثوبة من الله خير لو كانوا يعلمون] وإنما يستقيم أن يقال : هذا خير من ذلك إذا كان في كل واحد منهما خير, ولا خير في السحر ؟ \rقلنا : (3) خاطبهم على اعتقادهم أن في تعلم السحر خيراً نظراً منهم إلى حصول مقصودهم الدنيوي به(4). اهـ\rوقال القاسمي(5) : وإنما نسبوا إلى الجهل لعدم العمل بموجب العلم. اهـ\r__________\r(1) - التفسير الكبير حـ3 صـ633\r(2) - لطائف الإشارات حـ1 صـ110\r(3) تفسير الرازي صـ28\r(4) - وقد يجاب عن ذلك بأن الخير في الآية المراد به ما يقابل الشر وليس المراد منه ما كان من باب التفضيل كقولنا محمد خير من خالد.\r(5) - محاسن التأويل حـ2 صـ409","part":1,"page":436},{"id":435,"text":"ومن لطائف القشيري في الآية الكريمة : \rول وآثروا الإقبال على الله على اشتغالهم عن الله, لحصلوا ذخر الدارين,ووصلوا إلى عز الكونين, ولكن كبستهم سطوات القهر, فأثبتهم في مواطن الهجر(1). اهـ\rقال صاحب الميزان : \rوالذي ينبغي أن يقال : إن الآية بسياقها تتعرض لشأن آخر من شئون اليهود وهو تداول السحر بينهم, وأنهم كانوا يستندون في أصله إلى قصة معروفة أو قصتين معروفتين عندهم فيها ذكر من أمر سليمان النبي والملكين ببابل هاروت وماروت, فالكلام معطوف على ما عندهم من القصة التي يزعمونها إلا أن اليهود كما يذكره عنهم القرآن أهل تحريف وتغيير في المعارف والحقائق فلا يؤمنون ولا يؤمن من أمرهم أن يأتوا بالقصص التاريخية محرفة مغيرة على ما هو دأبهم في المعارف يميلون كل حين إلى ما يناسبه من منافعهم في القول والفعل وفيما يلوح من مطاوي جمل الآية كفاية, وكيف كان فيلوح من الآية أن اليهود كانوا يتناولون بينهم السحر ينسبونه إلى سليمان زعماً منهم أن سليمان - عليه السلام - إنما ملك الملك وسخر الجن والإنس والوحش والطير, وأتى بغرائب الأمور وخوارقها بالسحر الذي هو بعض ما في أيديهم, وينسبون بعضه الآخر إلى الملكين ببابل هاروت وماروت فرد عليهم القرآن بأن سليمان - عليه السلام - لم يكن يعمل بالسحر, كيف والسحر كفر بالله وتصرف في الكون على خلاف ما وضع الله العادة عليه وأظهره على خيال الموجودات الحية وحواسها ؟ ولم يكفر سليمان - عليه السلام - وهو نبي معصوم, وهو قوله تعالى : [وما كفر سليمان ولكن الشياطين كفروا يعلمون الناس السحر] وقوله تعالى : [ولقد علموا لمن اشتراه ماله في الآخرة من خلاق] فسليمان -عليه السلام - أعلى كعباً وأقدس ساحة من أن ينسب إليه السحر والكفر وقد استعظم الله قدره في مواضع من كلامه في عدة من السور المكية النازلة قبل هذه السورة كسورة الأنعام والأنبياء والنمل وسورة (ص) وفيها أنه كان عبداً صالحاً ونبياً مرسلاً آتاه\r__________\r(1) - لطائف الإشارات حـ1 صـ111","part":1,"page":437},{"id":436,"text":"الله العلم والحكمة ووهب له من الملك مالا ينبغي لأحد من بعده فلم يكن بساحر بل هو من القصص الخرافية والأساطير التي وضعتها الشياطين وتلوها وقرؤها على أوليائهم من الإنس وكفروا بإضلالهم الناس بتعلم السحر. ورد عليهم القرآن في الملكين ببابل هاروت وماروت بأنه وإن أنزل عليهما ذلك ولا ضير في ذلك لأنه فتنة وامتحان إلهي كما ألهم قلوب بني آدم وجوه الشر والفساد فتنة وامتحاناً وهو من القدر, فهما وإن أنزل عليهما السحر إلا أنهما ما كانا يعلمان من أحد إلا ويقولان له إنما نحن فتنة فلا تكفر باستعمال ما تتعلمه من السحر في غير مورده كإبطال السحر والكشف عن بغي أهله وهم مع ذلك يتعلمون منهما ما يفسدون به أصلح ما وضعه الله في الطبيعة والعادة, فيفرقون به بين المرء وزوجه إبتغاءًا للشر والفساد ويتعلمون ما يضرهم ولا ينفعهم, فقوله تعالى : واتبعوا أي اتبعت اليهود الذين بعد عهد سليمان بتوارث الخلف عن السلف ما تتلوا بمعنى تكذب تعديه بعلى وعلى أن الشياطين هم الجن كون هؤلاء تحت تسخير سليمان ومعذبين بعذابه, وبذلك كان عليه السلام – يحبسهم عن الإفساد, قال تعالى : [ومن الشياطين من يغوصون له ويعملون عملاً دون ذلك وكنا لهم حافظين] (الأنبياء : 82) وقال تعالى : [فلما خر تبينت الجن أن لو كانوا يعلمون الغيب ما لبثوا في العذاب المهين](1) (سبأ : 14) اهـ\r…\rالوجه الثاني : أنهما خيرا بين عذاب الدنيا وعذاب الآخرة, وذلك فاسد, لأن الله تعالى لا يخير من أشرك, وإن كان قد صحت توبتهما فلا عقوبة عليهما\r__________\r(1) - تفسير الميزان حـ1 صـ234 ، 235","part":1,"page":438},{"id":437,"text":"الوجه الثالث : أن المرأة لما فجرت, فكيف يعقل أنها صعدت إلى السماء, وصارت كوكباً, وعظم الله قدرها, بحيث أقسم بها في قوله [فلا أقسم بالخنس الجوار الكنس] (التكوير : 15 : 16) فبان بهذا الوجوه ركة هذه القصة, والله أعلم بصحة ذلك وسقمه, والأولى تنزيه الملائكة عن كل ما لا يليق بمنصبهم(1). اهـ\r__________\r(1) - تفسير الخازن حـ1 صـ69 : 70","part":1,"page":439},{"id":438,"text":"(( قصة الملكين ))\rقال الخازن - رحمه الله – \" فصل في القول بعصمة الملائكة \"\rأجمع المسلمون على أن الملائكة معصومون فضلاء ، واتفق أئمة المسلمين على أن حكم الرسل من الملائكة حكم النبيين سواء في العصمة في باب البلاغة عن الله عز وجل وفي كل شيء ثبتت فيه عصمة الأنبياء ، فكذلك الملائكة ، وأنهم مع الأنبياء في التبليغ إليهم كالأنبياء مع أممهم ، ثم اختلفوا في غير المرسلين من الملائكة فذهب طائفة من المحققين وجميع المعتزلة إلى عصمة جميع الملائكة عن جميع الذنوب والمعاصي ، واحتجوا على ذلك بوجوه سمعية وعقلية ، وذهب طائفة إلى أن غير المرسلين من الملائكة غير معصومين واحتجوا على ذلك بوجوه سمعية وعقلية منها : قصة هاروت وماروت ، عن علي ، وما نقله أهل الأخبار والسير ، ونقله ابن جرير الطبري في تفسيره عن جماعة من الصحابة والتابعين ، فنقل قصة هاروت وماروت بألفاظ متقاربة عن علي بن أبي طالب وابن مسعود وكعب الأحبار والسدى والربيع ومجاهد.\rوأجاب من ذهب إلى عصمة جميع الملائكة عن قصة هاروت وماروت ، بأن ما نقله المفسرون وأهل الأخبار في ذلك ، لم يصح عن رسول الله – صلى الله عليه وسم منه شيء ، وهذه الأخبار إنما أخذت من اليهود ، وقد علم افتراؤهم على الملائكة والأنبياء ، وقد ذكر الله عز وجل في هذه الآيات افتراء اليهود على سليمان عليه السلام – أولاً ، ثم عطف على ذلك قصة هاروت وماروت ثانياً ، قالوا ومعنى الآية وما كفر سليمان ، يعني بالسحر الذي افتعلته عليه الشياطين واتبعتهم في ذلك اليهود فأخبر عن افترائهم وكذبهم ، وذكروا أيضاً في الجواب عن هذه القصة وأنها باطلة وجوها.","part":1,"page":440},{"id":439,"text":"الأول أن في القصة أن الله تعالى قال للملائكة لو ابتليتم بما ابتليت به بن وآدم لعصيتموني قالوا سبحانك ما كان ينبغي لنا أن نعصيك ، وفيه رد على الله تعالى ، وذلك كفر ، وقد ثبت أنهم كانوا معصومين قبل ذلك ، فلا يقع هذا منهم (1).\r(( قوله تعالى يا أيها الذين آمنوا لا تقولوا راعنا وقولوا انظرنا ))\rقال الفخر : \" اعلم أن الله تعالى خاطب المؤمنين بقوله \" يا أيها الذين آمنوا \" في ثمانية وثمانين موضعاً من القرآن.\rقال ابن عباس رضي الله عنه - وكان يخاطب في التوراة بقوله \" يا أيها المساكين \" فكأنه سبحانه وتعالى لما خاطبهم أولاً بالمساكين أثبت المسكنة لهم آخراً حيث قال \" وضربت عليهم الذلة والمسكنة \" [البقرة : 61] وهذا يدل على أن الله تعالى - لما خاطب هذه الأمة بالإيمان أولاً ، فإنه تعالى يعطيهم الأمان من العذاب في النيران يوم القيامة ، وأيضاً فاسم المؤمن من أشرف الأسماء والصفات ، فإذا كان يخاطبنا في الدنيا بأشرف الأسماء ، فنرج ومن فضله أن يعاملنا في الآخرة بأحسن المعاملات (2) أ هـ\r__________\r(1) - تفسير الخازن حـ1 صـ69 - 70\r(2) التفسير الكبير حـ1 ص634","part":1,"page":441},{"id":440,"text":"\" سبب نزول الآية \"\rوقال البغوي (1) : قوله تعالى : \"يأيها الذين آمنوا لا تقولوا راعنا \" وذلك أن المسلمين كانوا يقولون راعنا يا رسول الله ، من المراعاة أي أرعنا سمعك أي فرغ سمعك لكل منا ، وكانت هذه اللفظة سباً قبيحاً بلغة اليهود ، وقيل كان معناها عندهم : اسمع لا سمعت (2) ، وقيل هي من الرعونة ، كانوا إذا أرادوا أن يحمقوا إنساناً قالوا : راعنا بمعنى : يا أحمق ، فلما سمع اليهود هذه اللفظة من المسلمين قالوا فيما بينهم كنا نسب محمداً سراً ، فأعلنوا بها الآن ، فكانوا يأتونه ويقولون : راعنا يا محمد ، ويضحكون فيما بينهم ، فسمعها سعد بن معاذ ، ففطن لها وكان يعرف لغتهم فقال : لليهود : لئن سمعتها من أحد منكم يقولها لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - لأضربن عنقه فقالوا : أو لستم تقولونها ، فأنزل الله \" لا تقولوا راعنا \" لكيلا يجد اليهود بذلك سبيلاً إلى شتم الرسول - صلى الله عليه وسلم - أ هـ\r__________\r(1) معالم التنزيل حـ1 ص134 باختصار يسير\r(2) هذا أرجح الأقوال في معنى [راعنا] وأما ما ذكر من أقوال بعد ذلك ، فمن المستبعد بل من المحال أن يصدر عن الصحب الكرام هذا الخطاب بهذا المعنى ، لما عرف من توقيرهم وإجلالهم لرسول الله - صلى الله عليه وسلم -","part":1,"page":442},{"id":441,"text":"\" لا تقولوا راعنا وقولوا انظرنا واسمعوا \"\rوقال ابن جزي (1) : كان المسلمون يقولون للنبي - صلى الله عليه وسلم - يا رسول الله : راعنا ، وذلك من المراعاة أي راقبنا وانظرنا ، فكان اليهود يقولونها ، ويعنون بها معنى الرعونة على وجه الإذاية للنبي - صلى الله عليه وسلم - ، وربما كانوا يقولونها على معنى النداء ، فنهى الله المسلمين أن يقولوا هذه الكلمة ، لاشتراك معناها بين ما قصده المسلمون ، وقصده اليهود ، فالنهي سداً للذريعة ، وأمروا أن يقولوا : انظرنا ، لخلوه عن ذلك الاحتمال المذموم ، فهو من النظر والانتظار ، وقيل : إنما نهى الله المسلمين عنها لما فيها من الجفاء ، وقلة التوقير (2). أ هـ\rوقال السعدي (3) : فنهى الله المؤمنين عن هذه الكلمة [راعنا] سداً لهذا الباب ، ففيه النهي عن الجائز ، إذا كان وسيلة إلى محرم ، وفيه الأدب ، واستعمال الألفاظ التي لا تحمل إلا الحق ، وعدم الفحش ، وترك الألفاظ القبيحة ، أو التي فيها نوع تشويش أو احتمال لأمر غير لائق ، فأمرهم بلفظة لا تحتمل إلا الحسن فقال \" وقولوا انظرنا \" أ هـ.\rقوله تعالى \" واسمعوا \"\rقال الفخر (4) : \"واسمعوا\" فحصول السماع عند سلامة الحواس أمر ضروري خارج عن قدرة البشر ، فلا يجوز وقوع الأمر به ، فإذن المراد به أحد أمور ثلاثة : \rأحدها : فرغوا أسماعكم لما يقول النبي - صلى الله عليه وسلم - حتى لا تحتاجوا إلى الاستعادة.\rوثانيها : اسمعوا سماع قبول وطاعة ، ولا يكن سماعكم سماع اليهود حيث قالوا سمعنا وعصينا.\rوثالثها : اسمعوا ما أمرتم به حتى لا ترجعوا إلى ما نهيتم عنه تأكيداً عليهم. أ هـ\r__________\r(1) التسهيل حـ1 ص56\r(2) سبق رد هذا المعنى ، فلم يؤثر من يوم أن خلق الله الدنيا ، أن أحداً وقر أحداً ، كما فعل أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم - في توقيرهم له. وهذا بشهادة أعداء الإسلام فضلاً عن أهل الإيمان.\r(3) تفسير السعدي ص54\r(4) التفسير الكبير حـ3 ص635","part":1,"page":443},{"id":442,"text":"وقال السعدي (1) : لم يذكر المسموع ، ليعم ما أمر باستماعه ، فيدخل فيه سماع القرآن ، وسماع السنة التي هي الحكمة ، لفظاً ومعنى ، واستجابة ، ففيه الأدب والطاعة. أ هـ\rوقال الخازن (2) : \" واسمعوا \" أي ما تؤمرون به وأطيعوا ، نهى الله تعالى عباده المؤمنين أن يقولوا لنبيه محمد - صلى الله عليه وسلم - [راعنا] لئلا يتطرق أحد إلى شتمه (3) وأمرهم بتوقيره وتعظيمه ، وأن يتخيروا لخطابه - صلى الله عليه وسلم - من الألفاظ أحسنها ، ومن المعاني أدقها ، وإن سألوه يسألوه بتبجيل وتعظيم ولين ، ولا يخاطبوه بما يسر اليهود. أ هـ\r__________\r(1) تفسير السعدي ص54\r(2) تفسير الخازن حـ1 ص71\r(3) - ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله- في كتابه الصارم المسلول حـ2 ص468 - عن ابن المنذر قوله : أجمع عوام أهل العلم على أن من سب الرسول صلى الله عليه وسلم القتل ، وممن قاله مالك والليث وأحمد وإسحاق وهو مذهب الشافعي ، قال وحكي عن النعمان لا يقتل من سبه من أهل الذمة ، وهذا لفظ دليل على وجوب قتله عند العامة وهذا مذهب مالك وأصحابه وسائر فقهاء المدينة وكلام أصحابه يقتضي أن لقتله مأخذين أحدهما : انتقاض عهده ، والثاني : أنه حد من الحدود وهو قول فقهاء الحديث قال إسحاق بن راهويه : إن أظهروا سب رسول الله فسمع منهم ذلك أو تحقق عليهم قتلوا ، وأخطأ هؤلاء الذين قالوا إن ما هم فيه من الشرك أعظم من سب رسول الله قال إسحاق : يقتلون لأن ذلك نقض العهد ، وكذلك فعل عمر بن عبد العزيز ولا شبهة في ذلك لأنه يصير في ذلك ناقضاً للصلح ، وهو كما قتل ابن عمر الراهب الذي سب النبي وقال : ما على هذا صالحناهم.\rثم نقل عن أبي المواهب قوله حـ2 ص555 : يجب لقذف النبي الحد المغلظ وهو القتل تاب أو لم يتب ذمياً كان أو مسلماً.","part":1,"page":444},{"id":443,"text":"قوله تعالى \" ما ننسخ من آية أو ننسها نأت بخير منها أو مثلها \"\rقال صاحب الفتوحات (1) : النسخ في اللغة الإزالة والنقل. يقال : نسخت الريح الأثر أي أزالته ، ونسخت الكتاب أي نقلته.\rونسخ الآية : بيان انتهاء التعد بقراءتها أو بالحكم المستفاد منها أو بهما معاً.أهـ.\rقال الفخر الرازي (2) : النسخ عندنا جائز عقلاً وواقع سمعاً خلافاً لليهود ، فإن من أنكره عقلاً ، ومنهم من جوزه عقلاً ، لكنه منع منه سمعاً.\rواحتج الجمهور من المسلمين على جواز النسخ ووقوعه ، لأن الدلائل دلت على نبوة سيدنا محمد - صلى الله عليه وسلم - ، ونبوته لا تصح إلا مع القول بنسخ شرع من قبله ، فوجب القطع بالنسخ ، وأيضاً فلنا على اليهود إلزامان.\rالأول : جاء في التوراة أن الله تعالى قال لنوح - عليه السلام - عند خروجه من الفلك \" إني جعلت كل دابة مأكلاً لك ، ولذريتك ، وأطلقت ذلك لكم ، كنبات العشب ما خلا الدم فلا تأكلوه ، ثم إنه حرم على موسى وعلى بني إسرائيل كثيراً من الحيوان.\rالثاني : كان آدم - عليه السلام - يزوج الأخت من الأخ وقد حرمه على موسى - عليه السلام. أ هـ\r\" أنواع النسخ \"\rالمنسوخ : إما أن يكون هو الحكم فقط ، أو التلاوة فقط ، أو هما معاً.\rأما الذي يكون المنسوخ هو الحكم دون التلاوة ، مثل قوله تعالى في عدة المتوفى عنها زوجها \" أربعة أشهر وعشراً \" وقال \" متاعاً إلى الحول غير إخراج \".\rوأما الذي يكون المنسوخ هو التلاوة فقط ، فكما روى عن عمر - رضي الله عنه - أنه قال : كنا نقرأ آية الرجم \" الشيخ والشيخة إذا زينا فارجموهما ألبتة نكالاً من الله والله عزيز حكيم \".\rوأما الذي يكون منسوخ الحكم والتلاوة ، فهو ما روت عائشة - رضي الله عنها - أن القرآن نزل في الرضاع بعشر معلومات ثم نسخن بخمس معلومات ، فالعشر مرفوع التلاوة والحكم جميعاً ، وبخمس مرفوع التلاوة باقي الحكم. أ هـ\r__________\r(1) الفتوحات الإلهية حـ1 ص147\r(2) التفسير الكبير حـ3 ص637 : 638 باختصار يسير.","part":1,"page":445},{"id":444,"text":"\" أهمية معرفة هذا الباب \"\rقال القرطبي (1) : معرفة هذا الباب أكيدة ، وفائدته عظيمة لا يستغنى عن معرفته العلماء ولا ينكره إلا الجهلة الأغبياء ، لما يترتب عليه من النوازل في الأحكام ، ومعرفة الحلال من الحرام ، روى أبو البحتري قال : دخل علي - رضي الله عنه - المسجد فإذا رجل يخوف الناس فقال ما هذا ؟ قالوا : رجل يذكر الناس ، فقال : ليس برجل يذكر الناس ، لكنه يقول : أنا فلان ابن فلان ، فأرسل إليه فقال : أتعرف الناسخ من المنسوخ ؟ فقال : لا ، قال : اخرج من مسجدنا ، ولا تذكر فيه ، وفي رواية أخرى : أعلمت الناسخ والمنسوخ ؟ قال : لا ، قال هلكت وأهلكت ، ومثله عن ابن عباس - رضي الله عنهما - أ هـ.\r\" فائدة \"\rاختلف علماؤنا في الأخبار : هل يدخلها النسخ ، فالجمهور على أن النسخ إنما هو مختص بالأوامر والنواهي ، والخبر لا يدخله النسخ ، لاستحالة الكذب على الله تعالى ، وقيل : إن الخبر إذا تضمن حكماً شرعياً جاز نسخه كقوله تعالى \" ومن ثمرات النخيل والأعناب تتخذون منه سكراً ورزقاً حسناً\" [النحل : 67] (2) أ هـ\r\" ما ننسخ من آية أو ننسها نأت بخير منها أو مثلها \"\r\" فائدة أخرى \"\rاعلم أنه قد يرد في الشرع أخبار ظاهرها الإطلاق والاستغراق ويرد تقييدها في موضع آخر ، فيرتفع ذلك الإطلاق ، كقوله تعالى \" وإذا سألك عبادي عني فإني قريب أجيب دعوة الداع إذا دعان \" [البقرة : 186] فهذا الحكم ظاهره خبر عن إجابة كل داع على كل حال ، لكن قد جاء ما قيده في موضع آخر ، كقوله تعالى \" فيكشف ما تدعون إليه إن شاء \" [الإنعام : 41] فقد يظن من لا بصيرة عنده أن هذا من باب النسخ في الأخبار ، وليس كذلك بل هو من باب الإطلاق والتقييد (3). أ هـ\r__________\r(1) تفسير القرطبي حـ2 ص44\r(2) تفسير القرطبي حـ2 ص46\r(3) تفسير القرطبي حـ2 ص46","part":1,"page":446},{"id":445,"text":"\" فائدة ثالثة \"في معرفة الناسخ\rلمعرفة الناسخ طرق منها : أن يكون في اللفظ ما يدل عليه كقوله عليه الصلاة والسلام - كنت نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها (1) \" ومنها أن يذكر الراوي التاريخ مثل أن يقول ، سمعت عام الخندق ، وكان المنسوخ معلوماً قبله ، أو يقول : نسخ حكم كذا بكذا ، ومنها : أن تجمع الأمة على حكم : أنه منسوخ ، وأن ناسخه متقدم (2) أ هـ\r[سؤال] فإن قيل : لم قال \" ما ننسخ من آية \" ولم يقل \" من القرآن \" ؟ \r[الجواب] لأن القرآن ناسخ مهيمن على كل الكتب ، وليس يأتي بعده ناسخ له وما فيه من ناسخ ومنسوخ فمعلوم وهو قليل ، بين الله ناسخه عند منسوخه ، كنسخ الصدقة عند مناجاة الرسول ، والعدة ، والفرار من الجهاد ونحوه (3). أ هـ\rقوله تعالى \" أو ننسها \"\rقال ابن كثير (4) : ونقل عن الحسن أنه قال في قوله \" أو ننسها \" قال : إن نبيكم - صلى الله عليه وسلم - أقرىء علينا قرآناً نسيه ، وعن ابن عباس فيما رواه ابن أبي حاتم قال : كان مما ينزل على النبي - صلى الله عليه وسلم - الوحي بالليل وينساه بالنهار ، فأنزل \" ما ننسخ من آية أو ننسها.. الآية \"\r__________\r(1) مسلم / 977] و[ابن حبان / 981] ، [الترمذي /1054] ، [المستدرك / 1385].\r(2) تفسير القرطبي حـ2 ص46\r(3) البرهان حـ2 ص50\r(4) تفسير ابن كثير حـ1 ص195\r(5) تفسير القرطبي حـ2 ص48 : ص49","part":1,"page":447},{"id":446,"text":"وقال القرطبي (5) \" أو ننسها \"\rقرأ أبو عمر ووابن كثير : بفتح النون وكسر السين والهمز - من التأخير أو نؤخر نسخ لفظها أي نتركه في آخر أم الكتاب ، فلا يكون ، وقيل : أو ننسأها : نؤخرها عن النسخ إلى وقت معلوم ، وقيل : نذهبها عنكم حتى لا تقرأ أو لا تذكر ، وقرأ الباقون بضم النون من النسيان الذي بمعنى الترك أي نتركها ، فلا نبدلها ، ولا ننسخها قال ابن عباس والسدي ومنه قوله تعالى \" نسوا الله فنسيهم \" [التوبة : 67] أي تركوا عبادته فتركهم في العذاب ، وقيل : من النسيان على بابه الذي هو عدم الذكر على معنى أو ننسكها يا محمد ، فلا تذكرها (1). أ هـ.\rقال ابن عطية : \rوالصحيح في هذا : أن نسيان النبي - صلى الله عليه وسلم - لما أراد الله أن ينساه ولم يرد أن يثبت قرآناً جائز ، فأما النسيان الذي هو آفة البشر ، فالنبي - صلى الله عليه وسلم - معصوم من قبل التبليغ وبعد التبليغ ما لم يحفظه أحد من الصحابة وأما بعد أن يحفظ فجائز عليه ما يجوز على البشر ، لأنه قد بلغ وأدى الأمانة.\r\" ما ننسخ من آية أو ننسها \"\rومنه الحديث حين أسقط آية فلما فرغ من الصلاة قال : أفي القوم أبي ؟ قال : نعم يا رسول الله ، قال فلم لم تذكرني ؟ قال : حسبت أنها رفعت ، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم - لم ترفع ولكني نسيتها (2). أ هـ\r__________\r(1) لا شك أن هذا الكلام قد يفتح على الأمة باباً للطعن في القرآن الكريم الذي تكفل الله تعالى بحفظه ، ثم إن هذا القول يتعارض مع صريح القرآن كما سيتبين لاحقاً إن شاء الله من كلام سادتنا الأئمة الأعلام - فيجب عدم التعويل على مثل هذا الكلام الذي يعطي مجالاً للسفهاء الحاقدين على الإسلام للقدح في وصول القرآن إلى الأمة كاملاً وهذا ما نرفضه جملة وتفصيلاً ، والنسيان ينقسم إلى قسمين نسيان بمعنى ضد الذكر وهذا ممتنع ، ونسيان بمعنى الترك فيجب حمل النسيان في الآية على الترك - والله أعلم.\r(2) المحرر الوجيز حـ1 ص194","part":1,"page":448},{"id":447,"text":"وقال السمرقندي (1) : فمن قرأ \"ننسأها\" أي نؤخرها ، ومنها النسيئة في البيع وهو التأخير ، ومن قرأ \"ننسها\" أي نتركها مثل قوله تعالى \" نسوا الله فنسيهم\" [التوبة : 67] أي تركهم في النار. أ هـ.\rوقال السمعاني (2) : وقرأ أبو عمر ووابن كثير \" أو ننسأها \" على الفتح والهمز ، وحكى أبو عبيد القاسم بن سلام عن أبي نعيم القاريء أنه قال : رأيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في المنام ، فقرأت عليه بحرف أبي عمرو ، فغير عليّ شيئين فقوله \" وأرنا \" فقال : قل : أرنا \"بكسر الراء\" ، قال أبو عبيد : وأحسبه قال : الحرف الثاني : قوله \" أو ننسأها : فقال : قل : \"أ وننسها \" (3)\r\" كلام نفيس في هذا الموضع \"\rقال صاحب الميزان ما نصه :\r__________\r(1) بحر العلوم حـ1 ص108\r(2) تفسير السمعاني حـ1 ص123\r(3) يسكن أبو عمرو : الراء في كلمة [أرنا] ويقرأ [ننسها] بفتح النون والسين مع الهمز [نَنْسَأْها] ولا يمكن القبول بما ذكر ونسبته إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، ومن المعلوم أن الرؤيا لا يثبت بها حكم شرعي ، وأيضاً فقراءة أبي عمر وقراءة متواترة فكيف يحكم عليها الرسول - صلى الله عليه وسلم - بالخطأ ، هذا ما يجعلنا نجزم بوضع هذه الحكاية لتعارضها مع المتواتر والمتفق عليه.","part":1,"page":449},{"id":448,"text":"قوله تعالى \" أو ننسها \" قرأ بضم النون وكسر السين من الإنساء بمعنى الذهاب عن العلم والذكر وقد مر توضيحه ، وهو كلام مطلق أو عام غير مختص برسول الله - صلى الله عليه وسلم - بل غير شامل له أصلاً لقوله تعالى \" سنقرئك فلا تنسى إلا ما شاء الله \" [الأعلى : 7] وهي آية مكية ، وآية النسخ مدنية ، فلا يجوز عليه النسيان بعد قوله تعالى \" فلا تنسى \" وأما اشتماله على الاستثناء بقوله \" إلا ما شاء الله \" فهو على حد الاستثناء الواقع في قوله تعالى \" خالدين فيها ما دامت السماوات والأرض إلا ما شاء ربك عطاء غير مجذوذ \" [هود : 109] جيء بها لإثبات بقاء القدرة مع الفعل على تغيير الأمر ولو كان الاستثناء مسوقاً لبيان الوقوع في الخارج لم يكن للامتنان بقوله \" فلا تنسى \" معنى ، إذ كل ذي ذكر وحفظ من الإنسان وسائر الحيوان كذلك يذكر وينسى ، وذكره ونسيانه كلاهما منه تعالى وبمشيئته ، وقد كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كذلك قبل هذا الإقراء الامتناني الموعود بقوله \" سنقرئك \" يذكر بمشيئة الله تعالى ، فليس معنى الاستثناء إلا إثبات إطلاق القدرة ، أي سنقرئك فلا تنسى أبداً ، والله مع ذلك قادر على إنسائك هذا (1). أ هـ.\rوقال ابن عطية (2) ما نصه : \r\" وكذلك ضعف الزجاج أن تحمل الآية على النسيان الذي هو ضد الذكر ، وقال : إن هذا لم يكن للنبي - صلى الله عليه وسلم - ولا نسى قرآناً ، واحتج الزجاج بقوله تعالى \" ولئن شئنا لنذهبن بالذي أوحينا إليك \" [الإسراء : 86] أي لم نفعل. أ هـ.\r__________\r(1) الميزان حـ1 ص253 : ص254\r(2) المحرر الوجيز حـ1 ص194","part":1,"page":450},{"id":449,"text":"وقال صاحب تفسير المنار جـ1 صـ342 مانصه : إن السيوطى روى فى أسباب النزول أن الآية كانت تنزل على النبى ـ صلى الله عليه وسلم ـ ليلا فينساها نهارا ، فحزن لذلك فنزلت الآية. قال الأستاذ الإمام : ولا شك عندى فى أن هذه الرواية مكذوبة وأن مثل هذا النسيان محال على الأنبياء ـ عليهم السلام ـ ؛ لأنهم معصومون فى التبليغ ، والآيات الكريمة ناطقة بذلك كقوله تعالى [إن علينا جمعه وقرآنه] وقوله [إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون] وقد قال المحدثون والأصوليون : إن من علامة وضع الحديث مخالفته للدليل القاطع عقليا كان أو نقليا كأصول الاعتقاد وهذه المسألة منها فإن هذا النسيان ينافى العصمة المجمع عليها. أهـ\rقوله تعالى \" نأت بخير منها أو مثلها \"\rقال الخازن : أي بما هو أنفع لكم وأسهل عليكم وأكثر لأجوركم وليس معناه : أن آية خير من آية ، لأن كلام الله تعالى كله واحد [أ ومثلها] أي في المنفعة والثواب فما نسخ إلى الأيسر كان أسهل في العمل ، كالذي كان على المؤمنين من فرض قيام الليل ، ثم نسخ ذلك فكان خيراً لهم في عاجلهم لسقوط التعب والمشقة عليهم وما نسخ إلى الأشق كان أكمل في الثواب ، كالذي كان عليهم من صيام أيام معدودات في السنة ، فنسخ ذلك وفرض صيام شهر رمضان ، فكان صوم شهر كامل في كل سنة أثقل على الأبدان وأشق من صيام أيام معدودات ، فكان ثوابه أكمل وأكثر.\rأما المثل ، فكنسخ التوجه إلى بيت المقدس ، وصرفه إلى المسجد الحرام واستواء الأجر في ذلك ، لأن على المصلي التوجه إلى حيث أمره الله تعالى(1) أ هـ.\rقوله تعالى \" ألم تعلم أن الله على كل شيء قدير \"\rقال الفخر (2) : \r__________\r(1) تفسير الخازن حـ1 ص 73 : 72\r(2) التفسير الكبير حـ3 ص642","part":1,"page":451},{"id":450,"text":"أما قوله تعالى \" ألم تعلم أن الله على شيء قدير \" فتنبيه النبي - صلى الله عليه وسلم - وغيره على قدرته تعالى على تصريف المكلف تحت مشيئته وحكمه وحكمته ، وأنه لا دافع لما أراد ، ولا مانع لما اختار. أ هـ.\r[سؤال] لماذا عدل عن الضمير إلى ذكر الاسم الجليل ؟ \r[الجواب] والالتفات بوضع الاسم الجليل موضع الضمير ، لتربية المهابة والإشعار بمناط الحكم ، فإن شمول القدرة لجميع الأشياء من الأحكام الألوهية ، وكذا الحال في قوله عز سلطانه \" ألم تعلم أن الله له ملك السماوات والأرض \" فإن عنوان الألوهية مدار أحكام ملكوتهما (1) أ هـ\rقوله تعالى \" ود كثير من أهل الكتاب.... كفاراً حسداً من عند أنفسهم \"\r\" حقيقة الحسد \"\rإذا أنعم الله على أخيك بنعمة ، فإن أردت زوالها ، فهذا هو الحسد ، وإن اشتهيت لنفسك مثلها ، فهذا هو الغبطة والمنافسة.\rأما الأول فحرام بكل حال ، إلا نعمة أصابها فاجر أو كافر يستعين بها على الشر والفساد فلا يضرك محبتك لزوالها.\rأما الثانية : وهي المنافسة فليست بحرام دليل ذلك قوله تعالى \" وفي ذلك فليتنافس المتنافسون \" [المطففين : 26] وقوله تعالى \" سابقوا إلى مغفرة من ربكم \" [الحديد : 21] (2). أ هـ\r\" فائدة \" في باب [الخير]\rالخير يذكر ويراد به القرآن قال تعالى \" أن ينزل عليكم من خير من ربكم \" [البقرة : 105] ويراد به الأنفع قال تعالى \" ما ننسخ من آية أو ننسها نأت بخير منها أو مثلها \" [البقرة : 106]\rويراد به المال. قال تعالى \" كتب عليكم إذا حضر أحدكم الموت إن ترك خيراً الوصية للوالدين والأقربين بالمعروف \" [البقرة : 180]\rويراد به ضد الشر قال تعالى \" بيدك الخير \" [آل عمران : 26]\rويراد به الإصلاح قال تعالى \" ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير \" [آل عمران : 104]\r__________\r(1) تفسير أبي السعود حـ1 ص143\r(2) التفسير الكبير حـ3 ص 647 : 646 بتصرف يسير","part":1,"page":452},{"id":451,"text":"ويراد به الولد الصالح قال تعالى \" فعسى أن تكرهوا شيئاً ويجعل الله فيه خيراً كثيراً \" [النساء : 19]\rويراد به العافية قال تعالى \" وإن يمسسك بخير \" [الأنعام : 17]\rويكون بمعنى النافع قال تعالى \" ولو كنت أعلم الغيب لاستكثرت من الخير \" [الأعراف : 188]\rوبمعنى الإيمان قال تعالى \" ولو علم الله فيهم خيراً لأسمعهم \" [الأنفال : 23]\rوبمعنى رخص الأسعار قال تعالى على لسان شعيب عليه السلام مخاطباً قومه \" إني أراكم بخير \" [هود : 84]\rوبمعنى النوافل قال تعالى : \" وأوحينا إليهم فعل الخيرات \" [الأنبياء : 73]\rوبمعنى الأجر قال تعالى \" والبدن جعلناها لكم من شعائر الله لكم فيها خير \" [الحج : 36]\rوبمعنى الأفضل قال تعالى \" وأنت أرحم الراحمين \" [المؤمنون : 109]\rوبمعنى العفة قال تعالى \" لولا إذ سمعتموه ظن المؤمنون والمؤمنات بأنفسهم خيراً \" [النور : 12]\rوبمعنى الصلاح قال تعالى : \" فكاتبوهم إن علمتم فيهم خيراً \" [النور : 33]\rوبمعنى الطعام قال تعالى : \" فقال رب إني لما أنزلت إلي من خير فقير \" [القصص : 24]\rوبمعنى الظفر قال تعالى : \" ورد الله الذين كفروا بغيظهم لم ينالوا خيراً \" [الأحزاب : 25]\rوبمعنى الخيل قال تعالى على لسان سليمان عليه السلام \" فقال إني أحببت حب الخير عن ذكر ربي حتى توارت بالحجاب \" [ص : 32]\rوبمعنى القوة قال تعالى : \" أهم خير أم قوم تبع والذين من قبلهم أهلكناهم \" [الدخان : 37]\rوبمعنى حسن الأدب قال تعالى : \" ولو أنهم صبروا حتى تخرج إليهم لكان خيراً لهم \" [الحجرات : 5].\rوبمعنى حب الدنيا قال تعالى : \" وإنه لحب الخير لشديد \" [العاديات : 8](1)\r\" حسدا من عند أنفسهم \"\r\"فائدة فى المنافسة \"\rالمنافسة قد تكون واجبة ، ومندوبة ، ومباحة : \rأما الواجبة : إذا كانت النعمة نعمة دينية واجبة ، كالإيمان والصلاة والزكاة.\r__________\r(1) - المدهش لابن الجوزي صـ14 : 15 بتصرف يسير","part":1,"page":453},{"id":452,"text":"وأما المندوبة : إذا كانت النعمة من الفضائل المندوبة كالإنفاق في سبيل الله والتشمير لتعليم الناس.\rوأما المباحة : إذا كانت تلك النعمة من المباحات ، وبالجملة فالمذموم : أن يحب زوال نعمة الغير. (1) أ هـ.\rقال ابن الزبير ما حسدت أحداً على شيء من أمر الدنيا ، لأنه إن كان من أهل الجنة فكيف أحسده على الدنيا ، وهي حقيرة في الجنة ، وإن كان من أهل النار ، فكيف أحسده على أمر الدنيا وهو يصير إلى النار.\rوقال معاوية : كل الناس أقدر على رضاه إلا الحاسد ، فإنه لا يرضيه إلا زوال النعمة قيل : الحاسد لا ينال من المجالس إلا مذمة وذلاً ، ولا ينال من الملائكة إلا لعنة وبغضاً ولا ينال من الخلق إلا جزعاً وغماً ، ولا ينال عند الفراغ إلا شدة وهولاً ، وعند الموقف إلا فضيحة ونكالاً (2). أ هـ\rقوله تعالى \" فاعفوا واصفحوا حتى يأتي الله بأمره \"\r[سؤال] كيف يعفون ويصفحون ، والكفار كانوا أصحاب الشوكة والقوة والدفع لا يكون إلا عند القدرة ؟ .\r[الجواب] أن الرجل من المسلمين كان ينال بالأذى ، فيقدر في تلك الحالة قبل اجتماع الأعداء أن يدفع عدوه عن نفسه وأن يستعين بأصحابه ، فأمر الله تعالى عند ذلك بالعفو ، لكي لا يهيجوا شراً وقتالاً (3). أ هـ\rقوله تعالى\" وقالوا لن يدخل الجنة إلا من كان هود أو نصارى تلك أمانيهم \"\r__________\r(1) التفسير الكبير حـ3 ص647 بتصرف يسير\r(2) التفسير الكبير حـ3 ص646 بتصرف يسير\r(3) التفسير الكبير حـ3 ص652","part":1,"page":454},{"id":453,"text":"اعلم أن اليهود لا تقول في النصارى : إنها تدخل الجنة ، ولا النصارى في اليهود ، فلا بد من تفصيل في الكلام فكأنه قال : وقالت اليهود : لن يدخل الجنة إلا من كان هوداً ، وقالت النصارى : لن يدخل الجنة إلا من كان نصارى ، ولا يصح في الكلام سواه ، مع علمنا بأن كل واحد من الفريقين يكفر الآخر ، ونظيره : \" وقالوا كونوا هوداً أو نصارى \" [البقرة : 135] والهود : جمع هائد ، كعائذ وعوذ وبازل وبزل ، فإن قيل : كيف قيل : كان هوداً ، على توحيد الاسم ، وجمع الخبر ؟ قلنا : حمل الاسم على لفظ (من) والخبر على معناه كقراءة الحسن : \" إلا من هو صال الجحيم \" [الصافات : 163] وقرأ أبي بن كعب : \" إلا من كان يهودياً أو نصرانياً \" أما قوله تعالى \" تلك أمانيهم \" فالمراد أن ذلك متمنياتهم ، ثم إنهم لشدة تمنيهم لذلك قدروه حقاً في نفسه.\rفإن قيل : لم قال : \"تلك أمانيهم \" وقولهم : \" لن يدخل الجنة \" أمنية واحدة ؟ \r(قلنا) : أشير بها إلى الأماني المذكورة ، وهي أمنيتهم أن لا ينزل على المؤمنين خير من ربهم ، وأمنيتهم أن يردوهم كفاراً ، وأمنيتهم أن لا يدخل الجنة غيرهم ، أي : تلك الأماني الباطلة أمانيهم.\rقوله تعالى : \" بلى من أسلم وجهه لله \"\rأما قوله تعالى : (بلى) ففيه وجوه : الأول : أنه إثبات لما نفوه من دخول غيرهم الجنة. الثاني : أنه تعالى لما نفى أن يكون لهم برهان أثبت أن لمن أسلم وجهه لله برهاناً.. الثالث : كأنه قيل لهم : أنتم على ما أنتم عليه لا تفوزون بالجنة ، بلى إن غيرتم طريقتكم وأسلمتم وجهكم لله وأحسنتم فلكم الجنة ، فيكون ذلك ترغيباً لهم في الإسلام ، وبياناً لمفارقة حالهم لحال من يدخل الجنة لكي يقلعوا عما هم عليه ويعدلوا إلى هذه الطريقة (1). أ هـ.\rقوله تعالى \" بلى من أسلم وجهه لله وهو محسن \"\rمعنى [أسلم] استسلم وخضع ، وقيل : أخلص عمله (2).\r__________\r(1) التفسير الكبير حـ4 ص6 ، 5\r(2) تفسير القرطبي حـ2 ص35","part":1,"page":455},{"id":454,"text":"[سؤال] لم خص الوجه بالذكر ؟ \r[الجواب] وإنما خص الوجه بالذكر لوجوه : \rأحدها : لأنه أشرف الأعضاء من حيث أنه معدن الحواس والفكر والتخيل ، فإذا تواضع الأشرف كان غيره أولى.\rوثانيها : أن الوجه قد يكنى به عن النفس.\rوثالثها : أن أعظم العبادات السجدة ، وهي إنما تحصل بالوجه فلا جرم خصه بالذكر (1). أ هـ.\rوقال القرطبي (2) : وخص الوجه بالذكر ، لكونه أشرف ما يرى من الإنسان ، ولأنه موضع الحواس ، وفيه يظهر العز والذل ، والعرب تخبر بالوجه عن جملة الشيء ويصح أن يكون الوجه في هذه الآية المقصد. أ هـ.\rوقال البغوي (3) : وخص الوجه بالذكر ، لأنه إذا جاد بوجهه في السجود ، لم يبخل بسائر جوارحه. أ هـ.\rقوله تعالى : \" وهو محسن \"\rقال أبو السعود (4) : \"وه ومحسن \" حال من ضمير [أسلم] أي والحال أنه محسن في جميع أعماله التي من جملتها الإسلام المذكور.\rوحقيقة الإحسان : الإتيان بالعمل على الوجه اللائق وهو حسنه الوصفي التابع لحسنه الذاتي ، وقد فسره – صلى الله عليه وسلم – بقوله [أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك] (5).\rقوله تعالى \" ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون \"\rقال الفخر (6) : فأما الخوف فلا يكون إلا من المستقبل ، وأما الحزن ، فقد يكون من الواقع والماضي ، كما قد يكون من المستقبل ، فنبه تعالى بالأمرين على نهاية السعادة ، لأن النعيم العظيم إذا دام وكثر وخلص من الخوف والحزن ، فلا يحزن على أمر فاته ولا على أمر يناله ، ولا يخاف انقطاع ما هو فيه وتغيره ، فقد بلغ النهاية وفي ذلك ترغيب في هذه الطريقة ، وتحذير من خلافها. أ هـ.\r__________\r(1) التفسير الكبير حـ4 ص6 باختصار يسير\r(2) تفسير القرطبي حـ2 ص53\r(3) معالم التنزيل حـ1 ص140\r(4) تفسير أبي السعود حـ1 ص147\r(5) البخاري/50] باب سؤال جبريل النبي صلى الله عليه وسلم عن الإيمان والإسلام والإحسان وعلم الساعة] ، [مسلم/كتاب الإيمان/1]\r(6) التفسير الكبير حـ4 ص6","part":1,"page":456},{"id":455,"text":"وقال السعدي () : \" ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون \" فحصل لهم المرغوب ونجوا من المرهوب ، ويفهم منها أن من ليس كذلك ، فهو من أهل النار الهالكين ، فلا نجاة إلا لأهل الإخلاص للمعبود ، والمتابعة للرسول – صلى الله عليه وسلم – أ هـ.\r\" لطيفة \"\rقال السمرقندي (1) : \" ويقال : الخوف ثلاثة\rخوف الأبد ، وخوف الانقطاع ، وخوف الحشر والحساب.\rفأما خوف الأبد ، فيكون أمناً للمسلمين ، وخوف العذاب على الانقطاع يكون أمناً للتائبين ، وخوف الحشر والحساب أمناً للمحسنين ، والمحسنون يكونون آمنين من ذلك. أ هـ.\rوقال أبو السعود (2) : \" ولا خوف عليهم \" في الدارين من لحوق مكروه \" ولا هم يحزنون \" من فوات مطلوب أي لا يعتريهم ما يوجب ذلك – لا أنه يعتريهم لكنهم لا يخافون ولا يحزنون. أ هـ.\rقوله تعالى \" وقالت اليهود ليست النصارى على شيء \"\rسبب النزول\rقال القرطبي (3) : قال ابن عباس – رضي الله عنهما – قدم أهل نجران على النبي – صلى الله عليه وسلم – فأتتهم أحبار اليهود ، فتنازعوا عند النبي – صلى الله عليه وسلم – وقالت كل فرقة منهم للأخرى : لستم على شيء.أهـ\r[سؤال] فإن قيل : لم وبخهم وقد صدقوا ، بأن كلا الدينين بعد النسخ ليس بشيء ؟ .\r[قلنا] لم يقصدوا ذلك ، وإنما قصد به كل فريق إبطال دين الآخر من أصله ، والكفر بنبيه وكتابه مع أن ما لم ينسخ منهما حق واجب القبول والعمل به(4).أهـ.\rوقال ابن عطية (5) : وفي هذا من فعلهم كفر كل طائفة بكتابها ، لأن الإنجيل يتضمن صدق موسى – عليه السلام – وتقرير التوراة ، والتوراة تتضمن التبشير بعيسى – عليه السلام – وصحة نبوته ، وكلاهما تضمن صدق محمد – صلى الله عليه وسلم – فعنفهم الله تعالى على كذبهم ، وفي كتبهم خلاف ما قالوا. أ هـ.\r__________\r(1) بحر العلوم حـ2ص110\r(2) تفسير أبي السعود حـ1 ص148\r(3) تفسير القرطبي حـ2 ص53\r(4) تفسير البيضاوي حـ1 ص385\r(5) المحرر الوجيز حـ1 ص198","part":1,"page":457},{"id":456,"text":"قوله تعالى \" فالله يحكم بينهم يوم القيامة \"\rفيه أربعة أوجه : أحدها : يكذبهم جميعاً ويدخلهم النار ، وثانيها : حكم الانتصاف من الظالم المكذب للمظلوم المكذب.\rوثالثها : يريهم من يدخل الجنة عياناً ، ومن يدخل النار عياناً ، ورابعها : يحكم بين المحق والمبطل فيما اختلفوا فيه (1). أ هـ.\rقوله تعالى \" ومن أظلم ممن منع مساجد الله أن يذكر فيها اسمه \"\rقال البيضاوي (2) : \" ومن أظلم ممن منع مساجد الله... الآية \" عام لكل من خرب مسجداً ، أو سعى في تعطيل مكان مرشح للصلاة ، وإن نزل في الروم لما غزوا بيت المقدس وخربوه وقتلوا أهله ، أو في المشركين لما منعوا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن يدخل المسجد الحرام عام الحديبية. أ هـ.\r[سؤال] فإن قيل : كيف يجوز حمل المساجد على مسجد واحد [المسجد الحرام] ؟ \r[قلنا] فيه وجوه : أحدها : هذا كمن يقول لمن آذى صالحاً واحداً : ومن أظلم ممن آذى الصالحين.\rوثانيها : أن المسجد موضع السجود ، فالمسجد الحرام لا يكون في الحقيقة مسجداً واحداً بل مساجد (3).\rوقال القرطبي (4) : وأراد بالمساجد هنا بيت المقدس ومحاربيه ، وقيل الكعبة وجمعت لأنها قبلة المساجد ، أو للتعظيم ، وقيل : المراد سائر المساجد (5).\r\" وسعى في خرابها \"\rقال السعدي : \" وسعى في خرابها \" [وسعى] أي اجتهد وبذل وسعه [في خرابها] الحسي والمعنوي ، فالخراب الحسي هدمها وتخريبها وتقذيرها.\r__________\r(1) التفسير الكبير حـ4 ص10\r(2) تفسير البيضاوي حـ1 ص386\r(3) التفسير الكبير حـ4 ص11\r(4) تفسير القرطبي حـ2 ص54\r(5) يرجح هذا القول أن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب - والله أعلم.","part":1,"page":458},{"id":457,"text":"والخراب المعنوي : منع الذاكرين لاسم الله فيها وهذا عام لكل من اتصف بهذه الصفة فيدخل في ذلك أصحاب الفيل وقريش حين صدوا رسول الله – صلى الله عليه وسلم – عنها عام الحديبية ، والنصارى حين أخربوا بيت المقدس ، وغيرهم من أنواع الظلمة الساعين في خرابها محادة لله ومشاقة (1)\rقوله تعالى \" أولئك ما كان لهم أن يدخلوها إلا خائفين \"\rقال الفخر (2) : \" ما كان لهم أن يدخلوها إلا خائفين \" وإن كان لفظه لفظ الخبر ، لكن المراد منه النهي عن تمكينهم من الدخول والتخلية بينهم وبينه ، كقوله \" وما كان لكم أن تؤذوا رسول الله \" [الأحزاب : 53]. أ هـ.\rوقال البيضاوي (3) : ما كان ينبغي لهم أن يدخلوها إلا بخشية وخضوع ، فضلاً عن أن يجترئوا على تخريبها ، أو ما كان الحق أن يدخلوها إلا خائفين من المؤمنين أن يبطشوا بهم ، فضلاً عن أن يمنعوهم منها. أ هـ.\r[سؤال] فإن قيل : الاستفهام في قوله تعالى \" ومن أظلم ممن منع مساجد الله... الآية \" استفهام إنكاري ومعناه النفي أي : لا أحد أظلم ممن منع مساجد الله... وقد جاءت آيات أخر يفهم منها خلاف هذا ، كقوله تعالى \" فمن أظلم ممن افترى على الله كذباً \" [الكهف : 15] وقوله \" فمن أظلم ممن كذب على الله \" [الزمر : 32] وقوله \" ومن أظلم ممن ذكر بآيات ربه ثم أعرض عنها \" [السجدة : 22] إلى غير ذلك ، فما وجه الجمع بين هذه الآيات ؟ \r[الجواب] : وللجمع بين هذه الآيات أوجه منها تخصيص كل موضع بمعنى صلته أي : لا أحد من المانعين أظلم ممن منع مساجد الله... ولا أحد من المفترين أظلم ممن افترى على الله كذباً ، وإذا تخصصت بصلاتها زال الإشكال.\r__________\r(1) تفسير السعدي ص56\r(2) التفسير الكبير حـ4 ص13\r(3) تفسير البيضاوي حـ1 ص 387 : 386","part":1,"page":459},{"id":458,"text":"ومنها أن التخصيص بالنسبة إلى السبق أي : لما لم يسبقهم أحد إلى مثله حكم عليهم بأنهم أظلم ممن جاء بعدهم سالكاً طريقهم (1) وهذا يؤول إلى ما قبله ، لأن المراد السبق إلى المانعية والإفترائية مثلاً ، \rومنها : أن نفي التفضيل لا يستلزم نفي المساواة ، فلم يكن أحد ممن وصف بذلك يزيد على الآخر ، لأنهم يتساوون في الأظلمية ، فيصير المعنى ، لا أحد أظلم ممن منع مساجد الله ، ومن افترى على الله كذباً ، ومن كذب بآيات الله ، ولا إشكال في تساوي هؤلاء في الأظلمية ، ولا يدل على أن أحدهم أظلم من الآخر ، كما إذا قلت : لا أحد أفقه من فلان وفلان مثلاً (2) أ هـ\rوقال الآلوسي (3) بعد أن ذكر هذه الأوجه والقول فيها – قال : وإن جعلت ذلك الكلام مخرجاً مخرج المبالغة في التهديد والزجر مع قطع النظر عن نفي المساواة أو الزيادة في نفس الأمر ، كما قيل به محكماً العرف أيضاً زال الإشكال ، وارتفع القيل والقال (4) أ هـ.\rقال الشوكاني : \" ومن أظلم ممن منع مساجد الله \" هذا استفهام فيه أبلغ دلالة على أن هذا الظلم متناه ، وأنه بمنزلة لا ينبغي أن يلحقه سائر أنواع الظلم أي لا أحد أظلم ممن منع مساجد الله.. أ هـ.\r__________\r(1) لأنهم يحملون أوزار ضلالهم ، وأوزار إضلالهم للغير كما قال تعالى \"ليحملوا أوزارهم كاملة يوم القيامة ومن أوزار الذين يضلونهم بغير علم \" [النحل : 25] أيضاً قد يكون هذا من باب ومن سن سنة سيئة فعليه وزرها ووزر من عمل بها إلى يوم القيامة.\r(2) دفع إيهام الاضطراب عن آيات الكتاب ص25-26. بتصرف يسير. وكذلك الفتوحات الإلهية حـ1 ص156 بتصرف يسير.\r(3) روح المعاني حـ1 ص363\r(4) وقد ضعف الشيخ الشنقيطي هذا الجواب ، معللاً بأنه خلاف ظاهر القرآن [دفع إيهام الاضطراب ص26].","part":1,"page":460},{"id":459,"text":"وقال الفخر : \" ظاهر الآية يقتضي أن هذا الفعل أعظم أنواع الظلم ، وفيه إشكال ، لأن الشرك ظلم على ما قال تعالى \" إن الشرك لظلم عظيم \" [لقمان : 13] مع أن الشرك أعظم من هذا الفعل ، وكذا الزنا وقتل النفس أعظم هذا الفعل.\r[والجواب عنه] أقصى ما في الباب أنه عام دخله التخصيص ، فلا يقدح فيه.أهـ.\rقوله تعالى \" ولله المشرق والمغرب \"\rقال ابن الجوزي (1) : في نزولها أربعة أقوال : \rأحدها : أن الصحابة كانوا مع رسول الله – صلى الله عليه وسلم –في غزوة في ليلة مظلمة ، فلم يعرفوا القبلة ، فجعل كل واحد منهم مسجداً بين يديه.. وصلى ، فلما أصبحوا إذا هم على غير القبلة ، فذكروا ذلك لرسول الله – صلى الله عليه وسلم – فأنزل الله هذه الآية.\rوالثاني : أنها نزلت في التطوع في النافلة.\rوالثالث : أنه لما نزل قوله تعالى \" ادعوني استجب لكم \" [غافر : 60] قالوا إلى أين فنزلت هذه الآية.\rوالرابع : أنه لما مات النجاشي وأمرهم النبي – صلى الله عليه وسلم – بالصلاة عليه قالوا : إنه كان لا يصلي إلى القبلة ، فنزلت هذه الآية. أ هـ\rقال صاحب الكشاف (2) \" ولله المشرق والمغرب \" أي بلاد المشرق والمغرب والأرض كلها لله هو مالكها ومتوليها. أ هـ.\rوقال القرطبي (3) : [المشرق] موضع الشروق ، [المغرب] موضع الغروب ، وخصهما بالذكر والإضافة إليه تشريفاً ، نحو بيت الله ، وناقة الله ، لأن سبب الآية اقتضى ذلك. أ هـ.\rوقال السعدي (4) : \"ولله المشرق والمغرب \" خصهما بالذكر ، لأنهما محل الآيات العظيمة في مطالع الأنوار ومغاربها ، فإذا كان مالكاً لها ، كان مالكاً لكل الجهات.\r__________\r(1) زاد المسير حـ1 ص134 باختصار يسير.\r(2) الكشاف حـ1 ص179\r(3) تفسير القرطبي حـ2 ص55\r(4) تفسير السعدي ص56","part":1,"page":461},{"id":460,"text":"وقال الخازن (1) : وإنما خص المشرق والمغرب اكتفاء عن جميع الجهات ، لأنها كلها وما بينهما خلقه وعبيده ، وأن على جميعهم طاعته فيما أمرهم به ، ونهاهم عنه ، فما أمرهم باستقباله فهو القبلة ، فإن القبلة ليست قبلة لذاتها ، بل لأن الله تعالى جعلها قبلة وأمر بالتوجه إليها. أ هـ.\rقوله تعالى : \" وقالوا اتخذ الله ولدا \"\rقال القرطبي (2) : هذا إخبار عن النصارى في قولهم المسيح ابن الله ، وقيل عن اليهود في قولهم : عزير ابن الله ، وقيل عن كفرة العرب في قولهم : الملائكة بنات الله. أ هـ.\rوقال القرطبي : لا يكون الولد إلا من جنس الوالد ، فكيف يكون للحق سبحانه أن يتخذ ولداً من مخلوقاته وهو لايشبهه شيء ، وقد قال : \" إن كل من في السموات والأرض إلا ءاتي الرحمن عبداً \" [مريم : 93] ، كما قال هنا : \" بل له ما في السموات والأرض \" فالولدية تقتضي الجنسية والحدوث ، والقدم يقتضي الوحدانية والثبوت ، فهو سبحانه القديم الأزلي الواحد الأحد ، الفرد الصمد ، الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفواً أحد. ثم إن النبوة تنافى الرق والعبودية. على ما يأتي بيانه في سورة (مريم) إن شاء الله تعالى. فكيف يكون ولد عبداً ! هذا محال ، وما أدى إلى المحال محال(3). أ هـ\rوقال القاسمي – رحمه الله – ما نصه : \r__________\r(1) تفسير الخازن حـ1 ص76\r(2) تفسير القرطبي حـ2 ص59\r(3) تفسير القرطبي حـ2 ص59","part":1,"page":462},{"id":461,"text":"قال الراغب في تفسيره : نبه على أقوى حجة على نفي ذلك ، وبيانها : هو أن لكل موجود في العالم ، مخلوقاً طبيعياً ، أو معمولاً صناعياً ، غرضاً وكمالاً أوجد لأجله ، وإن كان قد يصلح لغيره على سبيل الغرض ، كاليد للبطش ، والرجل للمشي ، والسكين لقطع مخصوص ، والمنشار للنشر ، وإن كانت اليد قد تصلح للمشي في حال ، والرجل للتناول ، لكن ليس على التمام. والغرض في الولد للإنسان إنما هو لأن يبقى به نوعه ، وجزء منه لما لم يجعل الله له سبيلاً إلى بقائه بشخصه ، فجعل له بذراً لحفظ نوعه ، ويقوى ذلك ، أنه لم يجعل للشمس والقمر وسائر الأجرام السماوية بذراً واستخلافاً ، ولم يجعل لها فناء النبات والحيوان ، ولما كان الله تعالى هو الباقي الدائم ، بلا ابتداء ولا انتهاء ، لم يكن لاتخاذه الولد لنفسه معنى. ولهذا قال : \" سبحانه أن يكون له ولد \" [النساء : 171] أي : هو منزه عن السبب المقتضي للولد. ثم لما كان اقتناء الولد لفقر ما ، وذلك لما تقدم ، أن الإنسان افتقر إلى نسل يخلفه لكونه غير كامل إلى نفسه – بين تعالى بقوله : \" له ما في السموات والأرض \" أنه لا يتوهم له فقر ، فيحتاج إلى اتخاذ ما هو سد لفقره ، فصار في قوله : \" له ما في السموات والأرض \" دلالة ثانية ، ثم زاد حجة بقوله (قانتون) وهو أنه لما كان الولد يعتقد فيه خدمة الأب ومظاهرته كما قال \" وجعل لكم من أزواجكم بنين وحفدة \" [النحل : 72] بين أن كل ما في السموات والأرض ، مع كونه ملكاً له ، قانت أيضاً ، إما طائعاً ، وإما كارهاً ، وإما مسخراً ، كقوله ولله \" يسجد من في السموات والأرض طوعاً وكرهاً \" [الرعد : 15] ، وقوله \" وإن من شيء إلا يسبح بحمده \" [الإسراء : 44] وهذا أبلغ حجة لمن هو على المحجة (1). أ هـ.\rقوله تعالى \" بل له ما في السماوات والأرض \"\r__________\r(1) محاسن التأويل حـ2 ص424 ، 423","part":1,"page":463},{"id":462,"text":"قال الفخر (1) : \" بل له ما في السماوات والأرض \" أي له كل ما سواه على سبيل الملك والخلق والإيجاد. أ هـ.\rوقال ابن عطية (2) : وإنما خص السماوات والأرض بالذكر ، لأنهما أعظم ما نرى من مخلوقاته جل وعلا. أ هـ.\rوقال أبو السعود (3) : \" بل له ما في السماوات والأرض \" وإنما جيء [بما] المختصة بغير أولي العلم ، تحقيراً لشأنهم ، وإيذاناً بكمال بعدهم عما نسبوا إلى بعض منهم.أ هـ.\rوقال الآلوسي (4) : وقيل أتى بـ [ما] في الأول ، لأنه إشارة إلى مقام الألوهية ، والعقلاء فيه بمنزلة الجمادات ، وبجمع العقلاء في الثاني ، لأنه إشارة إلى مقام العبودية ، والجمادات فيه بمنزلة العقلاء. أ هـ.\rوقال القشيري (5) : في قوله تعالى \" بل له ما في السماوات والأرض كل له قانتون \" أي : ليس في الكون شيء من الآثار المفتقرة أو الأعيان المستقلة إلا وتنادي عليه آثار الخلقة ، وتفصح منه شواهد الفطرة ، وكل صامت منها ناطق ، وعلى وحدانيته – سبحانه – دليل وشاهد. أ هـ\rقوله تعالى \" كل له قانتون \"\rقال ابن الجوزي (6) : وللمفسرين في المراد بالقنوت ها هنا ثلاثة أقوال : \rأحدها : أنه الطاعة ، والثاني : أنه الإقرار بالعبادة ، والثالث : القيام. أ هـ\rوقال السعدي (7) : في قوله تعالى \" كل له قانتون \"\rالقنوت نوعان : قنوت عام وهو قنوت الخلق كلهم تحت تدبير الخالق ، وخاص وهو قنوت العبادة ، فالنوع الأول كما في هذه الآية ، والنوع الثاني ، كما في قوله تعالى \" وقوموا لله قانتين \" [البقرة : 238] أ هـ\r(( كل له قانتون ))\r[ سؤال] فإن قيل : كيف عم هذا القول وكثير من الخلق ليس له بمطيع ؟ \r[ فعنه ثلاثة أجوبة ]\r__________\r(1) التفسير الكبير حـ4 ص23\r(2) المحرر الوجيز حـ1 ص201\r(3) تفسير أبي السعود حـ1 ص151\r(4) روح المعاني حـ1 ص367\r(5) لطائف الإشارات حـ1 ص117\r(6) زاد المسير حـ1 ص135 باختصار يسير\r(7) تفسير السعدي ص57","part":1,"page":464},{"id":463,"text":"أحدها : أن يكون ظاهرها ظاهر العموم ، ومعناها معنى الخصوص ، فالمعنى كل أهل الطاعة له قانتون.\rوالثاني : أن الكفار تسجد ظلالهم لله بالغدوات والعشيات ، فنسب القنوت إليهم بذلك.\rوالثالث : أن كل مخلوق قانت بأثر صنعه فيه وجرى أحكامه عليه ، فذلك دليل على ذله للرب (1) أ هـ.\rوقال البغوي (2).\rواختلفوا في حكم الآية ، فذهب جماعة إلى أن حكم الآية خاص ، وقال مقاتل : هو راجع إلى عزير والمسيح والملائكة ، وعن ابن عباس - رضي الله عنهما - أنه قال : هو راجع إلى أهل طاعته دون سائر الناس ، وذهب جماعة : إلى أن حكم الآية عام في جميع الخلق ، لأن لفظ [كل] يقتضي الإحاطة بالشيء ، ثم سلكوا في الكفار طريقتين.\rفقال مجاهد : يسجد ظلالهم لله على كره منهم قال الله تعالى \" وظلالهم بالغد ووالأصال \" [الرعد : 15].\rوقال السدي : هو يوم القيامة دليله \" وعنت الوجوه للحي القيوم \"[طه : 111]\rوقيل : قانتون : مذللون مسخرون لما خلقوا له. أ هـ.\rقوله تعالى \" بديع السماوات والأرض \"\rقال القرطبي (3) : فالله عز وجل بديع السماوات والأرض أي منشئها وموجدها ومبدعها ومخترعها على غير حد ولا مثال ، وكل من أنشأ ما لم يسبق إليه قيل له : مبدع ومنه أصحاب البدع ، وسميت البدعة بدعة ، لأن قائلها ابتدعها من غير فعل أو مقال إمام وفي البخاري \" نعمت البدعة هذه \" يعني قيام رمضان. أ هـ.\r__________\r(1) - زاد المسير حـ صـ136\r(2) - معالم التنزيل حـ1 صـ144\r(3) - تفسير القرطبي حـ2 صـ60","part":1,"page":465},{"id":464,"text":"وقال القشيري (1) : البديع عند العلماء : موجد العين لا على مثل ، وعند أهل الإشارة : الذي ليس له شيء مثله ، فهذا الاسم يشير إلى نفي المثل عن ذاته ، ونفي المثال عن أفعاله ، فهو الأحد الذي لا عدد يجمعه ، والصمد الذي لا أمد يقطعه ، والحق الذي لا وهم يصوره ، والموجود الذي لا فهم يقدره ، وإذا قضى أمراً فلا يعارض عليه مقدور ولا ينفك عن حكمه محظور. أ هـ\r\" فائدة \"\rقال القرطبي (2) : كل بدعة صدرت من مخلوق فلا يخل وأن يكون لها أصل في الشرع أولاً ، فإن كان لها أصل كانت واقعة تحت عموم ما ندب الله إليه وحض رسوله عليه فهي في حيز المدح ، وإن لم يكن مثاله موجوداً ، كنوع من الجود والسخاء وفعل المعروف ، فهذا فعله من الأفعال المحمودة ، وإن لم يكن الفاعل قد سبق إليه ويعضد هذا قول عمر رضي الله عنه - \" نعمت البدعة هذه \" لما كانت من أفعال الخير وداخله في حيز المدح ، وهي وإن كان النبي صلى الله عليه وسلم - قد صلاها إلا أنه تركها ، ولم يحافظ عليها ، ولا جمع الناس عليها ، فمحافظة عمر - رضي الله عنه - عليها وجمع الناس لها وندبهم إليها بدعة ، لكنها بدعة محمودة ممدوحة وإن كانت في خلاف ما أمر الله به ورسوله صلى الله عليه وسلم - فهي في حيز الذم والإنكار ، قال معناه الخطابي وغيره. أ هـ.\rقوله تعالى \" وإذا قضى أمراً فإنما يقول له كن فيكون \"\r\" كن فيكون \"\r[ سؤال] فإن قيل : المعدم لا يخاطب ؟ \r[ أجيب] بأنه لما قدر وجوده وهو كائن لا محالة كان كالموجود ، فصح خطابه (3) أهـ.\r__________\r(1) -- لطائف الإشارات حـ1 صـ117\r(2) - تفسير القرطبي حـ2 صـ60\r(3) - السراج المنير حـ1 صـ88","part":1,"page":466},{"id":465,"text":"وقال القرطبي (1) : وتلخيص المعتقد في هذه الآية أن الله عز وجل لم يزل آمرا للمعدومات بشرط وجودها قادراً مع تأخر المقدورات ، عالماً مع تأخر المعلومات ، فكل ما في الآية يقتضي (الاستقبال) ، فهو بحسب المأمورات ، إذ المحدثات تجئ ، بعد أن لم تكن ، وكل ما يسند إلى الله تعالى من قدرة وعلم ، فهو قديم لم يزل ، والمعنى الذي تقتضيه عبارة [كن] هو قديم قائم بالذات.\rوقال ابن جزي (2) : قال الأصوليون : هذه عبارة عن تعود قدرة الله وليس بقول حقيقي لأنه إذا كان قول [كن] خطاباً للشيء في حال عدمه لم يصح ، لأن المعدوم لم يخاطب وإن كان خطاباً في حال وجوده ، لأنه قد كان ، وتحصيل الحاصل غير مطلوب ، وحمله المفسرون على حقيقته ، وأجابوا عن ذلك بأربعة أجوبة.\rأحدها : أن الشيء الذي يقول له [كن فيكون ]ه وموجود في علم الله ، وإنما يقول له [كن] ليخرجه إلى العيان لنا.\rوالثاني : أن قوله [كن] لا يتقدم على وجود الشيء ولا يتأخر عنه قاله الطبري.\rوالثالث : أن ذلك خطاباً لمن كان موجوداً على حاله فيأمره بأن يكون على حالة أخرى ، كإحياء الموتى ، ومسخ الكفار ، وهذا ضعيف ، لأنه تخصيص من غير مخصص.\rوالرابع : أن معنى يقول له : يقول من أجله ، فلا يلزم خطابه ، والأول أحسن هذه الأجوبة. أ هـ.\rوأجاب الفخر : عن هذا السؤال من وجوه أذكر أولها فقط تجنباً للتكرار. قال الفخر الأول وهو الأقوى : أن المراد من هذه الكلمة سرعة نفاذ قدرة الله في تكوين الأشياء ، وأنه تعالى يخلق الأشياء لا بفكرة ومعاناة وتجربة.(3)أهـ.\rقال القرطبي – رحمه الله : \rقال علماؤنا : والأمر في القرآن يتصرف على أربعة عشر وجهاً.\rالأول : الدين ، قال الله تعالى : \" حتى جاء الحق وظهر أمر الله \" [التوبة : 48] يعني دين الله الإسلام.\r__________\r(1) - تفسير القرطبي حـ2 صـ63\r(2) - التسهيل حـ1 صـ58\r(3) - التفسير الكبير حـ4 صـ26","part":1,"page":467},{"id":466,"text":"الثاني : القول ، ومنه قوله تعالى : \" فإذا جاء أمرنا \" [المؤمنون : 27] يعني قولنا ، وقوله : \" فتنازعوا أمرهم بينهم \" [طه : 62] يعني قولهم.\rالثالث : العذاب ، ومنه قوله تعالى : \" لما قضى الأمر \" [إبراهيم : 22] يعني لما وجب العذاب بأهل النار.\rالرابع : عيسى عليه السلام ، قال الله تعالى : \" إذا قضى أمراً \" [آل عمران : 47] يعني عيسى ، وكان في علمه أن يكون من غير أب.\rالخامس : القتل ببدر ، قال تعالى : \" فإذا جاء أمر الله \" [غافر : 78] يعني القتل ببدر ، وقوله تعالى : \" ليقضي الله أمراً كان مفعولا \" [الأنفال : 44] يعني قتل كفار مكة.\rالسادس : فتح مكة ، قال الله تعالى : \" فتربصوا حتى يأتي الله بأمره \" [التوبة : 24] يعني فتح مكة.\rالسابع : قتل قريظة رجلاً من بني النضير ، قال تعالى : \" فاعفوا واصفحوا حتى يأتي الله بأمره \" [البقرة : 109].\rالثامن : القيامة ، قال الله تعالى : \" أتي أمر الله \" [النحل : 1].\rالتاسع : القضاء : قال الله تعالى [يدبر الأمر] [يونس : 31] يعني القضاء\rالعاشر : الوحي ، قال الله تعالى : \" يدبر الأمر من السماء إلى الأرض \" [السجدة : 5]. يقول : ينزل الوحي من السماء إلى الأرض ، وقوله : \" يتنزل الأمر بينهن \" [الطلاق : 12]. يعني الوحي.\rالحادي عشر : أمر الخلق ، قال الله تعالى : \" ألا إلى الله تصير الأمور \" [الشورى : 53] يعني أمور الخلائق.\rالثاني عشر : النصر ، قال الله تعالى : \" يقولون هل لنا من الأمر من شيء \" [آل عمران : 154] يعنون النصر ، : \" قل إن الأمر كله لله \" [آل عمران : 154] يعني النصر.\rالثالث عشر : الذنب ، قال الله تعالى : \" فذاقت وبال أمرها \" [الطلاق : 9] يعني جزاء ذنبها.\rالرابع عشر : الشأن والفعل ، قال الله تعالى : \" وما أمر فرعون يرشيد \"","part":1,"page":468},{"id":467,"text":"[ هود : 97] أي فعله وشأنه ، وقال : \" فليحذر الذين يخالفون عن أمره \"] النور : 63] أي فعله.\rوقال أبو الحسن الماوردي فإن قيل : ففي أي حال يقول له كن فيكون ؟ أفي حال عدمه أم في حال وجوده ؟ فإن كان في حال عدمه استحال أن يأمر إلا مأموراً ، كما يستحيل أن يكون الأمر إلا من آمر ، وإن كان في حال وجوده فتلك حال لا يجوز أن يأمر فيهما بالوجود والحدوث ، لأنه موجود حادث ؟ قيل عن هذا السؤال أجوبة ثلاثة : \rأحدها : أنه خبر من الله تعالى عن نفوذ أوامره في خلقه الموجود ، كما أمر في بني إسرائيل أن يكونوا قردة خاسئين ، ولا يكون هذا وارداً في إيجاد المعدومات.\rالثاني : أن الله عز وجل عالم بما هو كائن قبل كونه ، فكانت الأشياء التي لم تكن وهي كائنة بعلمه قبل كونها مشابهة للتي هي موجودة ، فجاز أن يقول لها : كوني. ويأمرها بالخروج من حال العدم إلى حال الوجود ، لتصور جميعها له ولعلمه بها في حال العدم.\rالثالث : أن ذلك خبر من الله تعالى عام عن جميع ما يحدثه ويكونه إذا أراد خلقه وإنشاءه كان ، ووجد من غير أن يكون هناك قول يقوله ، وإنما هو قضاء يريده ، فعبر عنه بالقول وإن لم يكن قولاً ، كقول أبي النجم : \rقد قالت الأتساع للبطن الحق\rولا قول هناك ، وإنما أراد أن الظهر قد لحق بالبطن ، وكقول عمر وبن حممة الدوسي : \rفأصبحت مثل النسر طارت فراخه … إذا رام تطياراً يقال له قع\rوكما قال الآخر : \rقال جناحاه لساقيه الحقا… ونجيا لحكمكما أن يمزقا(1)أهـ\rقوله تعالى {إِنَّآ أَرْسَلْنَاكَ بِالْحَقِّ بشيرا ونذيرا...}\rقال ابن عرفة قوله تعالى : \r{إِنَّآ أَرْسَلْنَاكَ بِالْحَقِّ بشيرا ونذيرا...}\r__________\r(1) - القرطبي حـ2 صـ61 ، 62 ، 63","part":1,"page":469},{"id":468,"text":"الظاهر أن المعجزات هي المراد. وقدم البشارة على النذارة ؛ لأنّ القاعدة في محاولة الأمور الصعبة أن يبدأ فيها بالتلطّف والتيسير ليكون أدعى للقبول , كما إذا كان لك جمل معك وأردت أن تدخله موضعا فإنك تسايسه بربيع تطعمه له أو تفتل شعره أو نحو ذلك, كما قال {فَقُولاَ لَهُ قَوْلاً لَّيِّناً} أهـ [تفسير ابن عرفة حـ 1 صـ291]\rقوله تعالى \" ولا تسأل عن أصحاب الجحيم \"\rأقوال العلماء فى الآية الكريمة\rقال السمعاني(1) : [ولا تسأل] قرئ بقراءتين \" ولا تُسألُ - ولا نَنسْأَلْ \"\rفأما قوله \" ولا تَسألْ \" يعني أرسلناك غير مسئول عن حال الكفار ، وذلك مثل قوله \" فإنما عليك البلاغ وعلينا الحساب \" [الرعد : 40] وقرأ ابن مسعود وما تسأل ، وقرأ أبي بن كعب \" ولن تسأل \" ومعنى الكل واحد.\rوأما قوله \" ولا تسأل \" له معنيان : \rأحدهما أنه على معنى قولهم : لا تسأل عن شر فلان فإنه فوق ما تحب ، وقيل : هو على النهى ، وسببه ما روى محمد بن كعب القرظي : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ليت شعري ما فعل أبواي ، فنزل قوله تعالى : \" ولا تسأل عن أصحاب الجحيم (2). أ هـ.\rوقد ذكر هذه الرواية أيضا الماوردى فى النكت والعيون جـ1 صـ181 ولم يعلق عليها.\r__________\r(1) تفسير السمعاني حـ1 صـ132\r(2) - هذه رواية ضعيفة ولا تصح كما سنبين لاحقاً إن شاء الله.","part":1,"page":470},{"id":469,"text":"وقال الواحدي (1) : \" ولا تسأل عن أصحاب الجحيم \" أي لست بمسؤول عنهم ، وذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم - قال لو أن الله عز وجل : أنزل بأسه باليهود لآمنوا (2) فأنزل الله تعالى هذه الآية أي ليس عليك من شأنهم عهدة ولا تبعة أهـ.\rوقال الثعالبي في قوله تعالى : \" ولا تسأل \" [بالجزم] ما نصه : \rوتحتمل هذه القراءة معنى آخر وهو - والله أعلم - أظهر ، أي لا تسأل عنهم سؤال مكترث بما أصابهم ، أو بما هم عليه من الكفر الذي يوردهم الجحيم نظير قوله عز وجل \" فلا تذهب نفسك عليهم حسرات \" [فاطر : 8] وأما روى عن محمد بن كعب القرظي ومن وافقه من أن النبي صلى الله عليه وسلم - سأل ما فعل أبواي ؟ فنزلت الآية في ذلك فهو بعيد ، ولا يتصل أيضاً بمعنى ما قبله(3) أهـ.\rوقال البيضاوي (4) : وقرأ نافع ويعقوب \" ولا تسأل \" على أنه نهى للرسول صلى الله عليه وسلم عن السؤال عن حال أبويه أو تعظيم لعقوبة الكفار ، كأنها لفظاعتها لا يقدر أن يخبر عنها أو السامع لا يصبر على استماع خبرها فنهاه عن السؤال. أهـ.\rوقال ابن عطية(5) : وحكى المهدوي - رحمه الله - أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ليت شعرى.\rأي أبوى أحدث موتاً ؟ فنزلت.\rقال القاضي أبو محمد : وهذا خطأ ممن رواه أو ظنه ، لأن أباه مات وهو في بطن أمه. أهـ.\r__________\r(1) - تفسير الواحدي حـ1 صـ129\r(2) - لا يخفى ما في هذه الرواية من البعد ، ولو تمنى ذلك النبي صلى الله عليه وسلم لليهود لتمناه لقومه من باب أولى في مرحلة مكة ، وقد كان يحزن ويتألم كثيراً لعدم إيمان القوم وما طلب ذلك أبداً ، ثم هذا الكلام قد يتعارض ولو من وجه مع قوله تعالى : \" لا إكراه في الدين \" والله أعلم بالصواب.\r(3) - تفسير الثعالبي حـ1 صـ103\r(4) - تفسير البيضاوي حـ صـ 392\r(5) - المحرر الوجيز حـ1 صـ203","part":1,"page":471},{"id":470,"text":"وقال ابن كثير بعد أن ذكر أن ابن جرير رحمه الله - رد رواية محمد بن كعب القرظي وغيره ، لاستحالة الشك من رسول الله صلى الله عليه وسلم في أمر أبويه ، واختياره القراءة الأولى \" ولا تسأل \" قال ما نصه : \r(1) وهذا الذي سلكه فيه نظر لاحتمال أن هذا كان في حال استغفاره لأبويه قبل أن يعلم أمرهما ، فلما علم ذلك تبرأ منهما وأخبر عنهما أنهما من أهل النار ، كما ثبت في الصحيح (2) أهـ.\rوقد ذكر الفخر الرازي (3) الرواية السابقة وقال إنها بعيدة لأنه عليه الصلاة والسلام كان عالماً بكفرهم ، وكان عالماً بأن الكافر معذب ، فمع هذا العلم كيف يمكن أن يقول : ليت شعرى ما فعل أبواي(4)\r__________\r(1) - تفسير ابن كثير حـ صت 211\r(2) - هذا الكلام فيه نظر ، فمتى تبرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم من أبويه ، فإن أراد بهذا الكلام قياس والدي رسول الله صلى الله علية وسلم على والد سيدنا إبراهيم ، فالقياس فاسد ، لأنه قياس مع الفارق وهو لا يصح ، لأن والد الخليل عليه السلام - قد بلغته دعوة الخليل عليه السلام ، ولم يؤمن بل توعده كما في قوله تعالى \" لئن لم تنته لأرحمنك وهذا بخلاف حال والدى رسول الله صلى الله عليه وسلم اللذين ماتا قبل ببعثته صلى الله عليه وسلم. وسيأتي بيان شاف وكاف إن شاء الله لهذا الموضوع عند الكلام عن قوله تعالى \" وما كنا معذبين حتى نبعث رسولاً \" [الإسراء : 15].\r(3) - التفسير الكبير حـ4 صـ29\r(4) - علق المحقق على هذا الكلام بقوله : هذا كلام تقشعر منه جلود المؤمنين ، ويرفضه من كان في عداد المسلمين وهو خطأـ صريح ، والصواب أن أصحاب الجحيم هم اليهود والنصارى المذكورين في الآيات السابقة ، وهذا هو الموافق لنظم الكتاب الكريم وهو مارجحه أبو حيان في تفسيره ، وتوجد مؤلفات عدة لكثير من علماء المتقدمين والمتأخرين في نجاة الأبوين أه ، . هامش التفسير الكبير حـ4 صـ29.\rوقد ذكر هذه الرواية كثير من المفسرين دون تعليق منهم. الزمخشري في الكشاف حـ1 صـ181 ، ومنهم ابن الجوزى في زاد المسير حـ1 صـ 137 ، ومنهم السمرقندي في بحر العلوم حـ1 صـ 115 ومنهم البيضاوي حـ1 صـ392 ومنهم النسفى حـ1 صـ68 ، ومنهم السمعاني حـ1 صـ132 والواحدي حـ1 صـ129 ، ومنهم الصنعاني حـ1 صـ77 ، ومنهم ابن جزى في التسهيل حـ1صـ59.\rوقد رد هذه الرواية كثير من المحققين من العلماء والمفسرين منهم القرطبي رحمه الله حـ2 صـ64 ، وأبو السعود حـ1 صـ152 ، والآلوسى حـ1 صـ371 ، والثعالبي حـ1 صـ103 ، والخطيب الشربيني في السراج المنير حـ1 صـ89. وغيرهم وسيأتي كلامهم إن شاء الله تعالى. أهـ.","part":1,"page":472},{"id":471,"text":". أهـ.\rوقال الخطيب الشربيني (1) قال عطاء عن ابن عباس ، وذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم قال ذات يوم : ليت شعري ما فعل أبواي ؟ فنزلت هذه الآية ، فنهى عن السؤال عن أحوال الكفرة ، والاهتمام بأعداء الله تعالى ، والخبر ضعيف ، والمختار أنها نزلت في كفار أهل الكتاب. أ هـ.\rوقال أبو السعود (2) : وقرئ \" ولا تَسْأَلْ \" على صيغة النهى إيذانا بكمال شدة عقوبة الكفار وتهويلا لها كأنها لغاية فظاعتها لا يقدر المخبر على إجرائها على لسانه أو لا يستطيع السامع أن يسمع خبرها ، وحمله على نهى النبي عن السؤال عن حال أبويه مما لا يساعده النظم الكريم أ هـ.\rوقال فى التحرير والتنوير حـ1 صـ 398 ما نصه : وما قيل إن الآية نزلت في نهيه صلى الله عليه وسلم عن السؤال عن حال أبويه في الآخرة فهو استناد لرواية واهية ولو صحت لكان حمل الآية على ذلك مجافيا للبلاغة إذ قد علمت أن قوله (إنا أرسلناك) تأنيس وتسكين فالإتيان معه بما يذكر المكدرات خروج عن الغرض وهو مما يعبر عنه بفساد الوضع. انتهى كلامه.\r__________\r(1) السراج المنير حـ1 ص89\r(2) تفسير أبي السعود حـ1 ص152","part":1,"page":473},{"id":472,"text":"وقال البقاعى : \rوالمراد بهم من ذكر في الآية السابقة من الجهلة ومن قبلهم ، أي عن أعمالهم لتذهب نفسك عليهم حسرات لعدم إيمانهم ، كما قال تعالى {ولا تسألون عما كانوا يعملون} [البقرة : 141] أي فحالك مست وبالنسبة إلينا وإليهم. لأنك إن بلغتهم جميع ما أرسلت به إليهم لم نحاسبك بأعمالهم ، وإن تركت بعض ذلك محاسنة لهم لم يحبّوك ما دمت على دينك فأقبل على أمرك ولا تبال بهم ، وهو معنى قراءة نافع {ولا تسأل} على النهي ، أي احتقرهم فإنهم أقل من أن يلتفت إليهم ، فبلغهم جميع الأمر فإنهم لا يحبونك إلا إذا انسخلت مما أنت عليه ؛ وفي الحكم بكونهم أصحابها إثبات لما نفوه عن أنفسهم بقوله : {لن تمسنا النار} [البقرة : 80] ونفى لما خصصوا به أنفسهم في قولهم : {لن يدخل الجنة} [البقرة : 111] الآية. أهـ [نظم الدرر حـ 1 صـ 175] وقال الآلوسي عن هذه الرواية ما نصه : \r\" لا يخفى بعد هذه الرواية ، لأنه صلى الله عليه وسلم كما في [المنتخب] عالم بما آل إليه أمرهما ، وذكر الشيخ ولي الدين العراقي أنه لم يقف عليها ، وقال الإمام السيوطي : لم يرد في هذا إلا أثر معضل ضعيف الإسناد ، فلا يعول عليه ، والذي يقطع به أن الآية في كفار أهل الكتاب ، كالآيات السابقة عليها والتالية لها - لا في أبويه صلى الله عليه وسلم ، ولتعارض الأحاديث في هذا الباب ، وضعفها.\rوقال السخاوي : الذي ندين لله تعالى به الكف عنهما وعن الخوض في أحوالهما ، والذي أدين لله تعالى به أنا : أنهما ماتا موحدين في زمن الكفر ، وعليه يحمل كلام الإمام أبي حنيفة - رضي الله عنه - إن صح (1). أ هـ\r__________\r(1) روح المعاني حـ1 ص371","part":1,"page":474},{"id":473,"text":"وقال صاحب المنار جـ1 صـ264 ما نصه : وزعم بعض المفسرين أن النهى على حقيقته ، وأنه خاص بنهى النبى ـ صلى الله عليه وسلم ـ عن السؤال عن أبويه ، ورووا فى ذلك أنه سأل جبريل عن قبريهما فدله عليهما فزارهما ودعا لهما وتمنى لو يعرف حالهما فى الآخرة وقال : ليت شعرى ما فعل أبواى ؟ فنزلت الآية فى ذلك. والحديث قال الحافظ العراقى : إنه لم يقف عليه ، وقال السيوطى : لم يرد فى ذلك إلا أثر معضل ضعيف الإسناد\rقال الأستاذ الإمام : وقد فشا هذا القول ، ولولا ذلك لم نذكره ، وإنما نريد بذكره التنبيه على أن الباطل صار يفش وفى المسلمين بضعف العلم ، والصحيح يهجر وينسى ، ولا شك أن مقام النبى ـ عليه الصلاة والسلام ـ فى معرفة أسرار الدين وحكم الله فى الأولين والآخرين ينافى صدور مثل هذا السؤال عنه ، كما أن أسلوب القرآن يأبى أن يكون هو المراد منه.أهـ.\rوقال الشيخ محمد الغزالي - رحمه الله - في كتابه [السنة النبوية بين أهل الفقه وأهل الحديث / ص144-145].\rوقد غاظني أن أحدهم كان يطير في المجامع بحديث \" أبي وأبوك في النار \" وكأنما يسوق البشرى إلى المسلمين وهو يشرح لهم كيف أن أبوي رسولهم صلى الله عليه وسلم في النار !!","part":1,"page":475},{"id":474,"text":"قلت : قبحك الله من داع أعمى البصيرة : ما لديك شيء من فقه الإسلام ولا من أدب الدعوة ، ومثلك لا يزيد الأمة إلا خبالاً باسم السنة ، والسنة منك براء ثم قال : \"قال الشيخ القرضاوي في شرح حديث \"أبي وأبوك في النار\" أن الأب قد يطلق لغة واصطلاحاً على العم (1) ، فلعل المقصود بالأب هنا عمه أبو طالب. ذلك أن أبا طالب عرضت عليه كلمة التوحيد قبل أن يموت فأبى أن ينطلق بها ، وقد سمعت بأذني من يقول : الحديث صحيح وهو يخصص عموم الآية (2) ، فأهل الفطرة ناجون جميعاً - عدا عبد الله بن عبد المطلب... !!\rقلت له : ماذا فعل حتى يستحق وحده النار ؟ كان عبد الله شاباً شريفاً عنيفاً حكى عنه التاريخ ما يزينه ! ولم يحك عنه ما يشينه ! والآية خبر لا يحتمل استثناء ، فما حماسكم في تعذيب عبد الله ؟ وما جريكم هنا وهناك بهذه الشائعة ؟ وماذا وراء تأكيدكم أن أبوي الرسول صلى الله عليه وسلم - في النار..!\rإنني أشم رائحة النيل منه في هذا الحماس الأعمى. أ هـ.\r__________\r(1) كأنه يشير إلى قوله تعالى \" قالوا نعبد إلهك وإله آبائك إبراهيم وإسماعيل وإسحاق \" [البقرة : 133] ومعلوم أن إسماعيل كان عماً ليعقوب - عليهما السلام - وهذا الرأي وجيه جداً ويجب أن يحمل عليه الحديث السابق جمعاً بين الأدلة وصيانة لها عن التعارض. وأيضاً فتأويل الحديث ليوافق الكتاب أولى من تأويل الكتاب ليوافق السنة. خصوصاً ومذهب البعض في التأويل واضح ومشهور والله أعلم.\r(2) لعله يقصد قوله تعالى \" وما كنا معذبين حتى نبعث رسولاً \" [الإسراء : 15]","part":1,"page":476},{"id":475,"text":"فائدة\rسئل القاضي أبو بكر ابن العربي أحد الأئمة المالكية عن رجل قال : إن آباء النبي ـ عليه السلام ـ في النار ، فأجاب بأنه ملعون ؛ لأن الله تعالى يقول : {إِن الَذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَه لَعَنَهُمُ اللَّهُ فِى الدُّنْيَا والآخِرةِ} (الأحزاب : 57) وفي الحديث «لا تؤذوا الأحياء بسبّ الأموات» وسئل الإمام الرستغفي عن قول بعض الناس عن آدم ـ عليه السلام ـ لما بدت منه تلك الزلة أسود منه جميع جسده ، فلما أهبط إلى الأرض أمر بالصيام والصلاة ، فصام وصلى فابيض جسده ، أيصح هذا القول ؟ \rقال : لا يجوز في الجملة القول في الأنبياء ـ عليهم السلام ـ بشيء يؤدي إلى العيب والنقصان فيهم ، وقد أمرنا بحفظ اللسان عنهم ؛ لأن مرتبتهم أرفع ، وهم على الله أكرم ، وقد قال عليه السلام : «إذا ذكر أصحابي فأمسكوا» فلما أمرنا أن لا نذكر الصحابة ـ رضي الله عنهم ـ بشيء يرجع إلى العيب والنقص ، فلأن نمسك ونكف عن الأنبياء أولى وأحق فحق المسلم أن يمسك لسانه عما يخل بشرف نسب نبينا ـ عليه السلام ـ وليست من الاعتقاديات فلاحظ للقلب منها ، وأما اللسان ، فحقه أن يصان عما يتبادر منه النقصان ، خصوصاً إلى وهم العامة ، لأنهم لا يقدرون على دفعه وتداركه ، فهذا هو البيان الشافي في هذا الباب بطرقه المختلفة التقطته من الكتب النفيسة وقرنت كل نظير إلى مثله والحمد لله تعالى وحده. أهـ [روح البيان حـ1 صـ395 ].\rكلام نفيس للشيخ الشنقيطي رحمه الله ـ فى هذا الموضع\rقال رحمه الله ما ملخصه : \rوكل ما ذكر في هذه الرواية يتعارض مع صريح القرآن الكريم مثل قوله تعالى \" وما كنا معذبين حتى نبعث رسولاً \" [الإسراء : 15] وقوله \" لتنذر","part":1,"page":477},{"id":476,"text":"قوماً ما أنذر آباؤهم فهم غافلون \" [يس : 6] وقوله تعالى \" كلما ألقي فيها فوج سألهم خزنتها ألم يأتكم نذير قالوا بلى...\" [الملك : 8] وقوله تعالى \" ولكن رحمة من ربك لتنذر قوماً ما أتاهم من نذير من قبلك لعلهم يتذكرون \" [القصص : 46] وقوله تعالى \" وما آتيناهم من كتب يدرسونها وما أرسلنا إليهم قبلك من نذير \" [سبأ : 44] وقوله تعالى \" رسلاً مبشرين ومنذرين لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل \" [النساء : 165] وقوله تعالى \" ولو أنا أهلكناهم بعذاب من قبله لقالوا ربنا لولا أرسلت إلينا رسولاً فنتبع آياتك من قبل أن نذل ونخزى \" [طه : 134] فهذا كله يجب تقديمه على أخبار الآحاد الدالة على تعذيب أهل الفترة ، وقد صرحت بعض الأحاديث أنهم يمتحنون يوم القيامة كما ذكره ابن كثير - رحمه الله - عند تفسيره لقوله تعالى في سورة الإسراء \" وما كنا معذبين حتى نبعث رسولاً \" (1). أ هـ.\rذكر الإمام السيوطي رحمه الله - في الدر المنثور طائفة من الأحاديث التي تؤيد الرأي السابق الذي رجحه الشيخ الشنقيطي رحمه الله - منها : \r__________\r(1) هذا ملخص كلام الشيخ الشنقيطي ـرحمه الله ـ في تفسيره أضواء البيان حـ3 ص66 ، 65 عند الكلام على قوله تعالى \" وما كنا معذبين حتى نبعث رسولاً\" ثم قال ما ملخصه : ومنهم من ذهب إلى أنهم يمتحنون يوم القيامة في عرصات المحشر فمن أطاع دخل الجنة ، وانكشف علم فيه بسابق السعادة ، ومن عصى دخل النار داخراً وانكشف علم الله فيه بسابق الشقاوة ، وهذا القول يجمع بين الأدلة كلها ، وقد صرحت به الأحاديث المتقدمة المتعاضدة الشاهد بعضها لبعض ، وهذا القول هو الذي حكاه الشيخ أبو الحسن علي بن إسماعيل الأشعري عن أهل السنة والجماعة وهو الذي نصره الحافظ أبو بكر البيهقي في كتاب [الاعتقاد] وكذلك غيره. انتهى كلامه.","part":1,"page":478},{"id":477,"text":"أخرج عبد الرزاق وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : إذا كان يوم القيامة جمع الله أهل الفترة ، المعتوه والأصم والأبكم والشيوخ الذين لم يدركوا الإسلام ، ثم أرسل إليهم رسولاً أن ادخلوا النار فيقولون كيف ولم تأتنا رسل ، قال : وأيم الله لو دخلوها لكانت عليهم برداً وسلاماً ، ثم يرسل إليهم ، فيطيعه من كان يريد أن يطيعه ، قال أبو هريرة رضي الله عنه : اقرؤوا إن شئتم \" وما كنا معذبين حتى نبعث رسولاً \".\rوأخرج إسحاق بن راهويه وأحمد وابن حيان وأبو نعيم في المعرفة والطبراني وابن مردويه والبيهقي في كتاب الاعتقاد عن الأسود بن سريع رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : أربعة يحتجون يوم القيامة : رجل أصم لا يسمع شيئاً ، ورجل أحمق ، ورجل هرم ، ورجل مات في الفطرة ، فأما الأصم فيقول : رب لقد جاء الإسلام وما أسمع شيئاً ، وأما الأحمق فيقول : رب جاء الإسلام والصبيان يحذفونني بالبعر ، وأما الهرم فيقول : رب لقد جاء الإسلام وما أعقل شيئاً ، وأما الذي مات في الفطرة فيقول : رب ما أتاني لك رسول ، فيأخذ مواثيقهم ، ويرسل إليهم رسولاً : أن ادخلوا النار قال : فوالذي نفس محمد بيده لو دخلوها لكانت عليهم برداً وسلاماً ، ومن لم يدخلها سحب إليها.\rوأخرج بن راهويه وأحمد وابن مردويه والبيهقي عن أبي هريرة رضي الله عنه مثله غير أنه قال في آخره : فمن دخلها كانت عليه برداً وسلاماً ، ومن لم يدخلها سحب إليها.","part":1,"page":479},{"id":478,"text":"وأخرج الحكيم الترمذي في نوادر الأصول ، والطبراني وأبو نعيم عن معاذ بن جبل رضي الله عنه عن رسول صلى الله عليه وسلم قال : يؤتى يوم القيامة بالممسوخ عقلاً ، وبالهالك في الفترة وبالهالك صغيراً ، فيقول الممسوخ عقلاً : يا رب لو آتيتني عقلاً ما كان من آتيته عقلاً بأسعد بعقله مني ، ويقول الهالك في الفترة : رب لو أتاني منك عهد ما كان من أتاه منك عهد بأسعد بعهدك مني ، ويقول الهالك صغيراً : يا رب لو آتيتني عمراً ما كان من آتيته عمراً بأسعد بعمره مني ، فيقول الرب تبارك وتعالى لهم : اذهبوا فادخلوا جهنم ، ولو دخلوها ما ضرتهم شيئاً ، فخرج عليهم قوابض من نار يظنون أنها قد أهلكت ما خلق الله من شيء فيرجعون سراعاً ويقولون : يا ربنا خرجنا وعزتك نريد دخولها ، فخرجت علينا قوابض من نار ، ظننا أن قد أهلكت ما خلق الله من شيء ، ثم يأمرهم ثانية كذلك ، ويقولون كذلك ، فيقول الرب : خلقتكم على علمي ، وإلى علمي تصيرون ضميهم فتأخذهم النار.\rوأخرج ابن أبي شيبة عن أبي صالح رضي الله عنه قال : يحاسب يوم القيامة الذين أرسل إليهم فيدخل الله من أطاعه الجنة ، ويدخل النار من عصاه ، ويبقى قوم من الولدان والذين ماتوا في الفترة فيقول : وإني آمركم أن تدخلوا هذه النار ، فيخرج لهم عنق منها ، فمن دخلها كانت نجاته ، ومن نكص فلم يدخلها كانت هلكته. أ هـ. وانظر الدر المنثور حـ5 ص254 : 252\r________________________________________________","part":1,"page":480},{"id":479,"text":"تعليق\rوالأولى في هذا الأمر وما شابهه أن نفوض الأمر فيه إلى صاحب الخلق والأمر [ألا له الخلق والأمر تبارك الله رب العالمين] فالخلق لله والأمر لله والحكم لله [إن الحكم إلا لله] وهو عز اسمه يصيب برحمته من يشاء ومن حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه فإن كان هذا واجباً في حق البشر فكيف يسوغ لعاقل فضلاً عن فاضل أن يحكم في أمر مرده إلى صاحب الخلق والأمر ، فإذا وجب مراعاة الأدب مع الخلق فهو مع الله عز وجل أوجب وأعظم.\rوسيأتي إن شاء الله تفصيل هذه المسألة وذكر خلاف العلماء فيها عند الكلام عن قوله تعالى \" وما كنا معذبين حتى نبعث رسولاً \" [الإسراء : 15]\rوالله أعلم وأحكم وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين\rانتهى الجزء الأول\rبحمد الله ومنه وتوفيقه","part":1,"page":481},{"id":482,"text":"بسم الله الرحمن الرحيم\rاسم الكتاب / جامع لطائف التفسير\rالعاجز الفقير\rعبد الرحمن بن محمد بن عبد الحميد القماش\rإمام وخطيب بدولة الإمارات العربية\rعفا الله عنه وغفر له\rالجزء الثانى\rحقوق النسخ والطبع والنشر مسموح بها لكل مسلم\r{يا قوم لا أسألكم عليه أجرا}","part":2,"page":3},{"id":484,"text":"وإن تجد عيبا فسد الخللا\rجل من لا عيب فيه وعلا\rوسلم لإحدى الحسنيين إصابة\rوالأخرى اجتهاد رام صوباً فأمحلا\rوإن كان خرق فأدركه بفضله\rمن الحلم وليصلحه من جاد مقولا\rوقل صادقاً لولا الوئام وروحه\rلطاح الأنام الكل في الخلف والقلا","part":2,"page":4},{"id":485,"text":"الجزء الثانى\rمن الآية {119} من سورة البقرة\rوحتى الآية {146} من نفس السورة","part":2,"page":5},{"id":486,"text":"قوله تعالى {وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ بَعْدَ الَّذِي جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ (120)}\rسبب نزول الآية الكريمة\rفي سبب نزولها ثلاثة أقوال.\rأحدها أن يهود المدينة ونصارى نجران كانوا يرجون أن يصلي النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ إلى قبلتهم ، فلما صرف إلى الكعبة يئسوا منه ، فنزلت هذه الآية ، قاله ابن عباس. والثاني : أنهم دعوه إلى دينهم ، فنزلت ، قاله مقاتل. والثالث : أنهم كانوا يسألونه الهدنة ، ويطمعونه في أنه إن هادنهم وافقوه ؛ فنزلت ، ذكر معناه الزجاج.. أ هـ {زاد المسير حـ1 صـ 138}","part":2,"page":6},{"id":487,"text":"قال الإمام الفخر الرازى ـ رحمه الله ـ\rاعلم أنه تعالى لما صبر رسوله بما تقدم من الآية وبين أن العلة قد انزاحت من قبله لا من قبلهم وأنه لا عذر لهم في الثبات على التكذيب به عقب ذلك بأن القوم بلغ حالهم في تشددهم في باطلهم وثباتهم على كفرهم أنهم يريدون مع ذلك أن يتبع ملتهم ولا يرضون منه بالكتاب ، بل يريدون منه الموافقة لهم فيما هم عليه فبين بذلك شدة عداوتهم للرسول وشرح ما يوجب اليأس من موافقتهم والملة هي الدين ثم قال : {قُلْ إِنَّ هُدَى الله هُوَ الهدى} بمعنى أن هدى الله هو الذي يهدي إلى الإسلام وهو الهدي الحق والذي يصلح أن يسمى هدى وهو الهدى كله ليس وراءه هدى ، وما يدعون إلى اتباعه ما هو بهدى إنما هو هوى ، ألا ترى إلى قوله : {وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءهُمْ} أي أقوالهم التي هي أهواء وبدع ، {بَعْدَ الذي جَاءكَ مِنَ العلم} أي من الدين المعلوم صحته بالدلائل القاطعة. {مَا لَكَ مِنَ الله مِن وَلِيّ وَلاَ نَصِيرٍ} أي معين يعصمك ويذب عنك ، بل الله يعصمك من الناس إذا أقمت على الطاعة والاعتصام بحبله. أهـ {تفسير الفخر الرازى حـ 4صـ 129}\rوقال البقاعى :\rولما قيل ذلك اقتضى الحال سؤالاً وهو : فما أقول ؟ فقال : {قل} ولم يقيده بلهم إعراضاً عنهم {إن هدى الله} الذي هو جميع ما أنزل الجامع لصفات الكمال على رسله من كتابي وكتابكم {هو} أي خاصة {الهدى} أي كله مشيراً بأداة التعريف إلى كمال معناه ، وبالحصر إلى أن غيره هو الهوى ؛ وأضافه إلى الاسم الأعظم وأكده بأن وأعاده بلفظه وعبر عنه بالمصدر واستعمل فيه ضمير الفصل رداً لإنكارهم له. {نظم الدرر حـ 1 صـ 235}\rوقال الخازن :\r{ولن ترضى عنك اليهود} يعني إلا باليهودية ، {ولا النصارى} يعني إلا بالنصرانية وهذا شيء لا يتصور إذ لا يجتمع في رجل واحد شيئان في وقت واحد وهو قوله : {حتى تتبع ملتهم} يعني دينهم وطريقتهم. أهـ {تفسير الخازن حـ1 صـ 77}\rوقال الطبرى :","part":2,"page":7},{"id":488,"text":"وليست اليهود ، يا محمد ، ولا النصارى براضية عنك أبدا ، فدع طلب ما يرضيهم ويوافقهم ، وأقبل على طلب رضا الله في دعائهم إلى ما بعثك الله به من الحق ، فإن الذي تدعوهم إليه من ذلك لهو السبيل إلى الاجتماع فيه معك على الألفة والدين القيم. ولا سبيل لك إلى إرضائهم باتباع ملتهم ، لأن اليهودية ضد النصرانية ، والنصرانية ضد اليهودية ، ولا تجتمع النصرانية واليهودية في شخص واحد في حال واحدة ، واليهود والنصارى لا تجتمع على الرضا بك ، إلا أن تكون يهوديا نصرانيا ، وذلك مما لا يكون منك أبدا ، لأنك شخص واحد ، ولن يجتمع فيك دينان متضادان في حال واحدة. وإذا لم يكن إلى اجتماعهما فيك في وقت واحد سبيل ، لم يكن لك إلى إرضاء الفريقين سبيل. وإذا لم يكن لك إلى ذلك سبيل ، فالزم هدى الله الذي لجمع الخلق إلى الألفة عليه سبيل. أهـ {تفسير الطبرى حـ 2 صـ562}\rسؤال : فإن قيل لماذا أمر الله نبيه ـ صلى الله عليه وسلم ـ أن يدعوهم إلى هدى الله ؟\rفالجواب : لأن فيه تكذيب اليهود والنصارى فيما قالوا من أن الجنة لن يدخلها إلا من كان هودا أو نصارى ، وبيان أمر محمد ـ صلى الله عليه وسلم ـ ، وأن المكذب به من أهل النار دون المصدق به. أهـ {تفسير الطبرى حـ 2 صـ532}\rسؤال : فإن قيل لم جاء بقوله {ملتهم} دون [ملتيهما] ؟\rفالجواب كما ذكره ابن عطية : جمعهم إيجازاً. أهـ {المحرر الوجيز حـ1 صـ 204}\rوقال ابن عادل :\rدلت هذه الآية على أن الكفر ملّة واحدة لقوله تعالى : \" مِلَّتَهُمْ \" فوحّد الملّة ، وبقوله تعالى : {لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ} [الكافرون : 6] ، وأمّا قوله صلوات الله وسلامه عليه : \" لا يتوارَثُ أَهْل ملّتين شيء \" المراد به الإسلام والكفر بدليل قوله عليه الصلاة والسلام : \" لا يُوَرّثُ المُسْلِمُ الكَافِرَ ، وَلا الكَافِرُ المُسْلِمَ \". أهـ {تفسير ابن عادل الحنبلى حـ2 صـ 438}\rسؤال : لم جمع الأهواء ولم يقل : هواهم ؟","part":2,"page":8},{"id":489,"text":"فالجواب لأن أهواهم مختلفة. أهـ {المحرر الوجيز حـ1 صـ 204}\rوقال البيضاوى :\r{وَلَئِنِ اتبعت أَهْوَاءهُم} آراءهم الزائفة. والملة ما شرعه الله تعالى لعباده على لسان أنبيائه ، من أمللت الكتاب إذا أمليته ، والهوى : رأي يتبع الشهوة. أهـ {تفسير البيضاوى حـ1 صـ 293}\rوهذه مجموعة من الأسئلة واللطائف ذكرها العلامة الطاهر بن عاشور\rـ رحمه الله ـ\rسؤال : ما معنى الغاية في قوله {حتى تتبع ملتهم}\rالجواب : الكناية عن اليأس من اتباع اليهود والنصارى لشريعة الإسلام يومئذ لأنهم إذا كانوا لا يرضون إلا باتباعه ملتهم فهم لا يتبعون ملته ، ولما كان اتباع النبيء ملتهم مستحيلاً كان رضاهم عنه كذلك على حد {حتى يلج الجمل في سم الخياط} [الأعراف : 40] وقوله : {لا أعبد ما تعبدون ولا أنتم عابدون ما أعبد} [الكافرون : 2 ، 3] والتصريح بلا النافية بعد حرف العطف في قوله : {ولا النصارى} للتنصيص على استقلالهم بالنفي وعدم الاقتناع باتباع حرف العطف لأنهم كانوا يظن بهم خلاف ذلك لإظهارهم شيئاً من المودة للمسلمين كما في قوله تعالى : {ولتجدن أقربهم مودة للذين آمنوا الذين قالوا إنا نصارى} [المائدة : 82]. أهـ {التحرير والتنوير حـ 1صـ 399}\rسؤال : لم أضيف الهدى إلى الله ؟ وما نوع القصر في الآية الكريمة ؟","part":2,"page":9},{"id":490,"text":"الجواب : إضافة الهدى إلى الله تشريف ، والقصر إضافي. وفيه تعريض بأن ما هم عليه يومئذ شيء حرفوه ووضعوه ، فيكون القصر إما حقيقياً ادعائياً بأن يراد هو الهدى الكامل في الهداية فهدى غيره من الكتب السماوية بالنسبة إلى هدى القرآن كلاَ هدى لأن هدى القرآن أعم وأكمل فلا ينافي إثبات الهداية لكتابهم كما في قوله تعالى : {إنا أنزلنا التوراة فيها هدى ونور} [المائدة : 44] وقوله : {وآتيناه الإنجيل فيه هدى ونور ومصدقاً لما بين يديه من التوراة} [المائدة : 46] وإما قصراً إضافياً أي هو الهدى دون ما أنتم عليه من ملة مبدلة مشوبة بضلالات وبذلك أيضاً لا ينتفي الهدى عن كثير من التعاليم والنصايح الصالحة الصادرة عن الحكماء وأهل العقول الراجحة والتجربة لكنه هدى ناقص. أهـ {التحرير والتنوير حـ 1 صـ 399}\rسؤال : لم عبر القرآن عن طريقتهم بالملة مرة وبالأهواء أخرى ؟\rوالجواب : عبر عن طريقتهم هنالك بالملة نظراً لاعتقادهم وشهرة ذلك عند العرب ، وعبر عنها هنا بالأهواء بعد أن مهد له بقوله : {إن هدى الله هو الهدى} فإن الهوى رأي ناشىء عن شهوة لا عن دليل ، ولهذا لم يؤت بالضمير الراجع للملة وعبر عنها بالاسم الظاهر فشملت أهواؤهم التكذيبَ بالنبيء وبالقرآن واعتقادَهم أن ملتهم لا ينقضها شرع آخر. أهـ {التحرير والتنوير حـ1 صـ 399}\rسؤال : فإن قيل لم عطف النصير على الولى ؟\rفالجواب : عطف النصير على الولي احتراس لأن نفي الولي لا يقتضي نفي كل نصير إذ لا يكون لأحد ولي لكونه دخيلاً في قبيلة ويكون أنصاره من جيرته. وكان القصد من نفي الولاية التعريض بهم في اعتقادهم أنهم أبناء الله وأحباؤه فنفى ذلك عنهم حيث لم يتبعوا دعوة الإسلام ثم نفى الأعم منه وهذه نكتة عدم الاقتصار على نفي الأعم. أهـ {التحرير والتنوير حـ 1 صـ 399}","part":2,"page":10},{"id":491,"text":"فائدة لغوية\rوقد اشتملت جملة {ولئن اتبعت أهواءهم} إلى آخرها على تحذير من الطمع في استدناء اليهود أو النصارى بشيء من استرضائهم طمعاً في إسلامهم بتألف قلوبهم فأكد ذلك التحذير بعشرة مؤكدات وهي القسم المدلول عليه باللام الموطئة للقسم. وتأكيد جملة الجزاء بإنَّ وبلام الابتداء في خبرها. واسميةُ جملة الجزاء وهي {مَالَك من الله من ولي ولا نصير}. وتأكيدُ النفي بِمنْ في قوله {من ولي}. والاجمالُ ثم التفصيل بذكر اسم الموصول وتبيينه بقوله {من العِلم}. وجعل الذي جاء (أي أنزل إليه) هو العلم كله لعدم الاعتداد بغيره لنقصانه. وتأكيدُ {من ولي} بعطف {ولا نصير} الذي هو آيل إلى معناه وإن اختلف مفهومه ، فهو كالتأكيد بالمرادف. أهـ {التحرير والتنوير حـ 1 صـ 400}","part":2,"page":11},{"id":492,"text":"كلام نفيس لأبى حيان فى هذه الآية\rوالظاهر أن قوله تعالى : {ولن ترضى} خطاب للنبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ ، علق رضاهم عنه بأمر مستحيل الوقوع منه ـ صلى الله عليه وسلم ـ ، وهو اتباع ملتهم. والمعلق بالمستحيل مستحيل ، سواء فسرنا الملة بالشريعة ، أو فسرناها بالقبلة ، أو فسرناها بالقرآن. وقيل : هو خطاب له ، وهو تأديب لأمته ، فإنهم يعلمون قدره عند ربه ، وإنما ذلك ليتأدب به المؤمنون ، فلا يوالون الكافرين ، فإنهم لا يرضيهم منهم إلا اتباع دينهم. وقيل : هو خطاب له ، والمراد أمته ، لأن المخاطب لا يمكن ما خوطب به أن يقع منه ، فيصرف ذلك إلى من يمكن ذلك منه ، مثل قوله : {لئن أشركت ليحبطن عملك} ويكون تنبيهاً من الله على أن اليهود والنصارى يخادعونكم بما يظهرون من الميل وطلب المهادنة والوعد بالموافقة ، ولا يقع رضاهم إلا باتباع ملتهم. ووحدت الملة ، وإن كان لهم ملتان ، لأنهما يجمعهما الكفر ، فهي واحدة بهذا الاعتبار ، أو للإيجاز فيكون من باب الجمع في الضمير ، نظير : {وقالوا كونوا هوداً أو نصارى} لأن المعلوم أن النصارى لن ترضى حتى تتبع ملتهم ، واليهود لن ترضى حتى تتبع ملتهم. وقد اختلف العلماء في الكفر ، أهو ملة واحدة أو ملل ؟ وثمرة الخلاف تظهر في الارتداد من ملة إلى ملة ، وفي الميراث ، وذلك مذكور في الفقه. أهـ {البحر المحيط حـ 1 صـ 538}\rسؤال : لم أضاف الأهواء إليهم ؟\rالجواب : أضاف الأهواء إليهم لأنها بدعهم وضلالاتهم ، ولذلك سمى أصحاب البدع : أرباب الأهواء. أهـ {البحر المحيط حـ 1صـ 539}\rفصل في المراد بهذا الخطاب\rسؤال من المخاطب بقوله تعالى {وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ}","part":2,"page":12},{"id":493,"text":"قيل : المراد بهذا الخطاب الأمة كقوله تعالى : {لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ} [الزمر : 65] ، فالخطاب مع الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ والمراد الأمة. {بَعْدَ الذي جَآءَكَ مِنَ العلم} البيان بأن دين الله هو الإسلام ، والقبلة قبلة إبراهيم عليه الصلاة والسلام وهي الكَعْبَةٌ. أهـ {اللباب لابن عادل الحنبلى حـ2 صـ 73}\rفائدة جليلة\rسئل الإمام أحمد ـ رحمه الله ـ عمن يقول : القرآن مخلوق ، فقال : كافر.\rفقيل : بم كفرته ؟ فقال : بآية من كتاب الله ، تعالى ، {وَلَئِنِ اتبعت أَهْوَاءَهُم مِّن بَعْدِ مَا جَآءَكَ مِنَ العلم} [البقرة : 145] فالقرآن من علم الله تعالى ، فمن زعم أنه مخلوق فقد كفر. أهـ {اللباب لابن عادل الحنبلى حـ2 صـ 73}\rسؤال : ما المراد بالذى جاءه من العلم ؟ \rالجواب : وفي الذي جاءه من العلم أربعة أقوال. أحدها : أنه التحول إلى الكعبة ، قاله ابن عباس. والثاني : أنه البيان بأن دين الله الإسلام ، والثالث : أنه القرآن. والرابع : العلم بضلالة القوم. أهـ {زاد المسير حـ 1صـ 138}","part":2,"page":13},{"id":494,"text":"فروق دقيقة بين الملة والدين والشريعة\rوالملة في الأصل اسم من أمللت الكتاب بمعنى أمليته كما قال الراغب ، ومنه طريق ملول أي مسلوك معلوم كما نقله الأزهري ثم نقلت إلى أصول الشرائع باعتبار أنها يمليها النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ ولا يختلف الأنبياء عليهم السلام فيها ، وقد تطلق على الباطل كالكفر ملة واحدة ، ولا تضاف إليه سبحانه فلا يقال ملة الله ، ولا إلى آحاد الأمة ، والدين يرادفها صدقاً لكنه باعتبار قبول المأمورين لأنه في الأصل الطاعة والانقياد ولاتحاد ما صدقهما قال تعالى : {دِينًا قِيَمًا مّلَّةَ إِبْرَاهِيمَ} [الأنغام : 161] وقد يطلق الدين على الفروع تجوزاً ، ويضاف إلى الله تعالى وإلى الآحاد وإلى طوائف مخصوصة نظراً إلى الأصل على أن تغاير الاعتبار كاف في صحة الإضافة ، ويقع على الباطل أيضاً ، وأما الشريعة فهي المورد في الأصل ، وجعلت اسماً للأحكام الجزئية المتعلقة بالمعاش والمعاد سواء كانت منصوصة من الشارع أو لا لكنها راجعة إليه والنسخ والتبديل يقع فيها ، وتطلق على الأصول الكلية تجوزاً قاله بعض المحققين. أهـ {روح المعانى حـ 1صـ 371}\rفائدة جليلة فى قوله تعالى {وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ} وما شابهها","part":2,"page":14},{"id":495,"text":"وقد أجاب القاضى عِيَاضٌ عن الآيِ الواردةِ في القرآن ممَّا يوهمُ ظاهره إِشكالاً ، فقال - رحمه اللَّه - : اعلم ، وفَّقنا اللَّه وإياك ، أنه - ـ عليه السلام ـ لا يصحُّ ولا يجوز علَيْه ألاَّ يبلغ ، وأن يخالف أمر ربه ، ولا أن يشرك ولا أن يتقوَّل على اللَّه ما لا يجبُ أو يفترى عليه ، أو يضل ، أو يختم على قلبه ، أو يطيع الكافرين ، لكن اللَّه أمره بالمكاشفةِ والبيان في البلاغ للمخالِفِينَ ، وإن إِبلاغه ، إِنْ لم يكُنْ بهذا البيان فكأنه ما بلَّغ ، وطيَّب نفسه ، وقوَّى قلبه بقوله تعالى : {والله يَعْصِمُكَ مِنَ الناس} [المائدة : 67] كما قال لموسى وهارون - عليها السلام : {لاَ تَخَافَا} [طه : 46] لتشتد بصائرهم في الإِبلاغ وإِظهار دين اللَّهِ ، ويذهب عنهمْ خَوْفُ العدوِّ المضعف لليقين ، وأما قوله تعالى : {وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الأقاويل...} [الحاقة : 44] وقوله {إِذًا لأذقناك ضِعْفَ الحياة} [الإسراء : 75] فمعناه : أنَّ هذا هو جزاء من فعل هذا ، وجزاؤك لو كنت ممن يفعله ، وهو ـ صلى الله عليه وسلم ـ لا يفعله ، وكذلك قوله تعالَى : {وَإِن تُطِعْ أَكْثَرَ مَن فِي الأرض} [الأنعام : 116] فالمراد غيره ، كما قال : {إِن تُطِيعُواْ الذين كَفَرُواْ...} [آل عمران : 149] وقوله : {فَإِن يَشَإِ الله يَخْتِمْ على قَلْبِكَ} [الشورى : 24] وَ {لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ} [الزمر : 65] وما أشبهه ، فالمراد غيره ، وأن هذا حال مَنْ أشرك ، والنبيُّ ـ صلى الله عليه وسلم ـ لا يَجُوزُ عليه هذا ، وقوله تعالَى {اتق الله وَلاَ تُطِعِ الكافرين} [الأحزاب : 1] فليس فيه أنه أطاعهم ، واللَّه يَنْهَاهُ عما يشاء ، ويأمره بما يشاء ؛ كما قال تعالى : {وَلاَ تَطْرُدِ الذين يَدْعُونَ رَبَّهُم} [الأنعام : 52] الآية ، وما كان طَرَدَهُمْ - ـ عليه السلام ـ ولا كَانَ من الظالمين.","part":2,"page":15},{"id":496,"text":"انتهى من \"الشِّفَا\".\rمن لطائف الإمام القشيرى فى الآية الكريمة\rلا تبالِ برضاء الأعداء بعد ما حصل لك رضانا ، فإنهم لا يرضون عنك إلا بمتابعة أديانهم ، ودون ذلك لهم حظ القتال فَأَعْلِنْ التبري منهم ، وأظهر الخلاف معهم ، وانصب العداوة لهم ، واعلم أن مساكنتهم إلى ما يرضون سبب الشقاوة المؤبدة ، فاحرص ألا يخطر ذلك بِبالِك ، وادعُ - إلى البراءةِ عنهم وعن طريقتهم - أُمَّتَكَ ، وكُنْ بِنا لَنَا ، مٌتَبرِّياً عمن سوانا ، واثقاً بنصرتنا ، فإنَّكَ بِنَا وَلَنَا.أهـ {لطائف الإشارات حـ 1 صـ 119}\rلطيفة\rقيل لابن عرفة : النصارى يوافقوننا على ذلك ويقولون : إن دينهم هُو هُدى الله ؟\rفقال : إن هُدَى الله على ثلاثة أقسام : هدى باعتبار ما في نفس الأمر ، وهدى باعتبار الدليل العقلي ، وهدى باعتبار الدعوى ؛ فالمراد أن هدى الله الذي دل الدليل العقلي عليه هو الهدى ، وهو الهادي إلى الإيمان بمحمد ـ صلى الله عليه وسلم ـ. أهـ {تفسير ابن عرفة حـ 1 صـ159}\rبحوث مهمة\r1 ـ سؤال عن عصمة الأنبياء\rالعبارة القرآنية : (وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ) قد تثير سؤالا بشأن عصمة الأنبياء ، فهل يمكن للنبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) ـ وهو معصوم ـ أن يتبع أهواء المنحرفين من اليهود والنصارى ؟\rفي الجواب نقول : مثل هذه التعبيرات تكررت في القرآن الكريم ، ولا تتعارض مع مقام عصمة الأنبياء ، لأنها ـ من جهة ـ جملة شرطية ، والجملة الشرطيّة لا تدل على تحقق الشرط.\rومن جهة أخرى ، عصمة الأنبياء لا تجعل الذنب على الأنبياء محالا ، بل المعصوم له قدرة على ارتكاب الذنب ، ولم يسلب منه الاختيار ، ومع ذلك لم يتلوث بالذنوب. بعبارة أخرى : إن المعصوم قادر على الذنب ، ولكن إيمانه وعلمه وتقواه بدرجة لا تجعله يتجه معها إلى ذنب. من هنا فالتحذيرات المذكورة بشأنهم مناسبة تماماً.","part":2,"page":16},{"id":497,"text":"من جهة ثالثة ، هذا الخطاب وإن اتجه إلى النّبي(صلى الله عليه وآله وسلم) ولكن قد يكون موجهاً إلى النّاس جميعاً.\r2 ـ للاسترضاء حدود\rصحيح أن الإِنسان الرّسالي يجب أن يسعى بأخلاقه إلى جذب الأعداء إلى صفوف الدعوة ، لكن مثل هذا الموقف يجب أن يكون تجاه المخالفين المرنين الليّنين ، أما الموقف تجاه المعاندين المتصلبين فينبغي أن يكون غير ذلك. لا يجوز إهدار الوقت مع هؤلاء ، بل لابدّ من الإِعراض عنهم وتركهم.\r3 ـ إنَّ هُدَى اللهِ هُوَ الْهُدَى\rنفهم من الآية المذكورة أن القانون الوحيد القادر على إنقاذ البشرية هو قانون الهداية الإِلهية ، لأن علم البشر ـ مهما قدر له من التكامل ـ يبقى مخلوطاً بالجهل والشك والقصور في جهات مختلفة. والهداية في ضوء مثل هذا العلم الناقص لا يمكن أن تكون هداية مطلقة ، ولا يستطيع أن يضع للإنسان برنامج \"الهداية المطلقة\" إلا من له \"علم مطلق\" ، ومن هو خال من الجهل والنقص ، وهو الله وحده. أ هـ {الأمثل حـ 1 صـ 273}\rكلام نفيس للشيهيد سيد قطب ـ رحمه الله ـ فى الآية الكريمة\rسيظل اليهود والنصارى يحاربونك ، ويكيدون لك ، ولا يسالمونك ولا يرضون عنك ، إلا أن تحيد عن هذا الأمر ، وإلا أن تترك هذا الحق ، وإلا أن تتخلى عن هذا اليقين ، تتخلى عنه إلى ما هم فيه من ضلال وشرك وسوء تصور كالذي سبق بيانه منذ قليل :\r{ولن ترضى عنك اليهود ولا النصارى حتى تتبع ملتهم}.\rفتلك هي العلة الأصيلة. ليس الذي ينقصهم هو البرهان ؛ وليس الذي ينقصهم هو الاقتناع بأنك على الحق ، وأن الذي جاءك من ربك الحق. ولو قدمت إليهم ما قدمت ، ولو توددت إليهم ما توددت.. لن يرضيهم من هذا كله شيء ، إلا أن تتبع ملتهم وتترك ما معك من الحق.","part":2,"page":17},{"id":498,"text":"إنها العقدة الدائمة التي نرى مصداقها في كل زمان ومكان.. إنها هي العقيدة. هذه حقيقة المعركة التي يشنها اليهود والنصارى في كل أرض وفي كل وقت ضد الجماعة المسلمة.. إنها معركة العقيدة هي المشبوبة بين المعسكر الإسلامي وهذين المعسكرين اللذين قد يتخاصمان فيما بينهما ؛ وقد تتخاصم شيع الملة الواحدة فيما بينها ، ولكنها تلتقي دائما في المعركة ضد الإسلام والمسلمين!\rإنها معركة العقيدة في صميمها وحقيقتها. ولكن المعسكرين العريقين في العداوة للإسلام والمسلمين يلونانها بألوان شتى ، ويرفعان عليها أعلاماً شتى ، في خبث ومكر وتورية. إنهم قد جربوا حماسة المسلمين لدينهم وعقيدتهم حين واجهوهم تحت راية العقيدة. ومن ثم استدار الأعداء العريقون فغيروا أعلام المعركة.. لم يعلنوها حربا باسم العقيدة - على حقيقتها - خوفا من حماسة العقيدة وجيشانها. إنما أعلنوها باسم الأرض ، والاقتصاد ، والسياسة ، والمراكز العسكرية.. وما إليها. وألقوا في روع المخدوعين الغافلين منا أن حكاية العقيدة قد صارت حكاية قديمة لا معنى لها! ولا يجوز رفع رايتها ، وخوض المعركة باسمها. فهذه سمة المتخلفين المتعصبين! ذلك كي يأمنوا جيشان العقيدة وحماستها.. بينما هم في قرارة نفوسهم : الصهيونية العالمية والصليبية العالمية - بإضافة الشيوعية العالمية - جميعاً يخوضون المعركة أولاً وقبل كل شيء لتحطيم هذه الصخرة العاتية التي نطحوها طويلاً ، فأدمتهم جميعاً!!!\rإنها معركة العقيدة. إنها ليست معركة الأرض. ولا الغلة. ولا المراكز العسكرية. ولا هذه الرايات المزيفة كلها. إنهم يزيفونها علينا لغرض في نفوسهم دفين. ليخدعونا عن حقيقة المعركة وطبيعتها ، فإذا نحن خدعنا بخديعتهم لنا فلا نلومن إلا أنفسنا. ونحن نبعد عن توجيه الله لنبيه - ـ صلى الله عليه وسلم ـ ولأمته ، وهو - سبحانه - أصدق القائلين : \r","part":2,"page":18},{"id":499,"text":"{ولن ترضى عنك اليهود ولا النصارى حتى تتبع ملتهم}..\rفذلك هو الثمن الوحيد الذي يرتضونه. وما سواه فمرفوض ومردود!\rولكن الأمر الحازم ، والتوجيه الصادق : \r{قل : إن هدى الله هو الهدى}..\rعلى سبيل القصر والحصر. هدى الله هو الهدى. وما عداه ليس بهدى. فلا براح منه ، ولا فكاك عنه ، ولا محاولة فيه ، ولا ترضية على حسابه ، ولا مساومة في شيء منه قليل أو كثير ، ومن شاء فليؤمن ، ومن شاء فليكفر. وحذار أن تميل بك الرغبة في هدايتهم وإيمانهم ، أو صداقتهم ومودتهم عن هذا}الصراط الدقيق. أ هـ {فى ظلال القرآن حـ 1 صـ 82}","part":2,"page":19},{"id":500,"text":"قوله تعالى {الَّذِينَ آَتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلَاوَتِهِ أُولَئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ (121)\rقال الخازن : قوله عز وجل : {الذين آتيناهم الكتاب} قال ابن عباس : نزلت في أهل السفينة الذين قدموا مع جعفر بن أبي طالب وكانوا أربعين رجلاً اثنان وثلاثون رجلاً من الحبشة وثمانية من رهبان الشام منهم بحيرا الرهب ، وقيل : هم مؤمنو أهل الكتاب مثل عبدالله بن سلام وأصحابه. وقيل : هم أصحاب رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ خاصة وقيل : هم مؤمنون عامة {يتلونه حق تلاوته} أي يقرؤونه كما أنزل لا يغيرونه ولا يحرّفونه ولا يبدلون ما فيه من نعت رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ. وقيل : معناه يتبعونه حق اتباعه فيحلون حلاله ويحرمون حرامه ويعملون بمحكمه ويؤمنون بمتشابهه ويقفون عنده ويكلون علمه إلى الله تعالى. وقيل : معناه تدبروه حق تدبره وتفكروا في معانيه وحقائقه وأسراره {أولئك} يعني الذين يتلونه حق تلاوته {يؤمنون به} أي يصدقون به. فإن قلنا : إن الآية في أهل الكتاب فيكون المعنى إن المؤمن بالتوراة الذي يتلوها حق تلاوتها هو المؤمن بمحمد ـ صلى الله عليه وسلم ـ لأن في التوراة نعته وصفته. وإن قلنا : إنها نزلت في المؤمنين عامة فظاهر {ومن يكفر به} أي يجحد ما فيه من فرائض الله ونبوة محمد ـ صلى الله عليه وسلم ـ {فأولئك هم الخاسرون} أي خسروا أنفسهم حيث استبدلوا الكفر بالإيمان. أهـ {تفسير الخازن حـ 1 صـ 78}\rسؤال : ما المراد بـ {الذين آتيناهم الكتاب} ؟","part":2,"page":20},{"id":501,"text":"الجواب كما ذكره ابن عطية : وقال قتادة : المراد بـ {الذين} في هذا الموضع من أسلم من أمة محمد ـ صلى الله عليه وسلم ـ ، و{الكتاب} على هذا التأويل القرآن ، وقال ابن زيد : المراد من آمن بمحمد ـ صلى الله عليه وسلم ـ من بني إسرائيل ، و{الكتاب} على هذا التأويل التوراة ، و{آتيناهم} معناه أعطيناهم ، وقال قوم : هذا مخصوص في الأربعين الذين وردوا مع جعفر بن أبي طالب رضي الله عنه في السفينة ، فأثنى الله عليهم ، ويحتمل أن يراد بـ {الذين} العموم في مؤمني بني إسرائيل والمؤمنين من العرب ، ويكون {الكتاب} اسم الجنس. أهـ {المحرر الوجيزحـ 1 صـ 204}\rوقال الفخر الرازى : المراد بقوله : {الذين ءاتيناهم الكتاب} من هم فيه قولان :\rالقول الأول : أنهم المؤمنون الذين آتاهم الله القرآن واحتجوا عليه من وجوه. أحدها : أن قوله : {يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلاَوَتِهِ} حث وترغيب في تلاوة هذا الكتاب ، ومدح على تلك التلاوة ، والكتاب الذي هذا شأنه هو القرآن لا التوراة والإنجيل ، فإن قراءتهما غير جائزة. وثانيها : أن قوله تعالى : {أُوْلَئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ} يدل على أن الإيمان مقصود عليهم ، ولو كان المراد أهل الكتاب لما كان كذلك. وثالثها : قوله : {وَمن يَكْفُرْ بِهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الخاسرون} والكتاب الذي يليق به هذا الوصف هو القرآن.\rالقول الثاني : أن المراد بالذين آتاهم الكتاب ، هم الذين آمنوا بالرسول من اليهود ، والدليل عليه أن الذين تقدم ذكرهم هم أهل الكتاب فلما ذم طريقتهم وحكى عنهم سوء أفعالهم ، أتبع ذلك بمدح من ترك طريقتهم ، بل تأمل التوراة وترك تحريفها وعرف منها صحة نبوة محمد ـ عليه السلام ـ. {مفاتيح الغيب حـ 4 صـ 30}\rسؤال : ما المراد بقوله تعالى {{يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلاَوَتِهِ}\rالجواب كما ذكره الإمام الفخر :","part":2,"page":21},{"id":502,"text":"التلاوة لها معنيان. أحدهما : القراءة. الثاني : الإتباع فعلاً ، لأن من اتبع غيره يقال تلاه فعلاً ، قال الله تعالى : {والقمر إِذَا تلاها} [الشمس : 2] فالظاهر أنه يقع عليهما جميعاً ، ويصح فيهما جميعاً المبالغة لأن التابع لغيره قد يستوفي حق الاتباع فلا يخل بشيء منه ، وكذلك التالي يستوفي حق قراءته فلا يخل بما يلزم فيه ، والذين تأولوه على القراءة هم الذين اختلفوا على وجوه. فأولها : أنهم تدبروه فعملوا بموجبه حتى تمسكوا بأحكامه من حلال وحرام وغيرهما. وثانيها : أنهم خضعوا عند تلاوته ، وخشعوا إذا قرأوا القرآن في صلاتهم وخلواتهم. وثالثها : أنهم عملوا بمحكمه وآمنوا بمتشابهه ، وتوقفوا فيما أشكل عليهم منه وفوضوه إلى الله سبحانه. ورابعها : يقرؤنه كما أنزل الله ، ولا يحرفون الكلم عن مواضعه ، ولا يتأولونه على غير الحق. وخامسها : أن تحمل الآية على كل هذه الوجوه لأنها مشتركة في مفهوم واحد ، وهو تعظيمها ، والانقياد لها لفظاً ومعنى ، فوجب حمل اللفظ على هذا القدر المشترك تكثيراً لفوائد كلام الله تعالى والله أعلم.\rأ هـ {مفاتيح الغيب حـ 4 صـ 30}\rسؤال : لماذا لم ذكر قوله تعالى{الذين ءاتيناهم الكتاب} بدون واو العطف مع أن الآية نازلة فى حقهم ؟\rالجواب كما ذكره البقاعى {الذين ءاتيناهم الكتاب}\rاعتراض لبيان حال مؤمني أهل الكتاب بعد ذكر أحوال كفرتهم ولم يعطف تنبيهاً على كمال التباين بين الفريقين والآية نازلة فيهم وهم المقصودون منها. أ هـ\r{نظم الدرر حـ 1 صـ 236}\rسؤال : ما مرجع الضمير فى قوله تعالى : {أولئك يؤمنون به}\rالجواب : في هاء \"به\" قولان. أحدهما : أنها تعود على الكتاب ، والثاني : على النبي محمد ـ صلى الله عليه وسلم ـ. أ هـ {زاد المسير حـ 1 صـ 139}","part":2,"page":22},{"id":503,"text":"وقيل : يعود على الله تعالى ، ويكون التفاتاً أيضاً وخروجاً من ضمير المتكلم المعظم نفسه إلى ضمير الغائب المفرد. قال ابن عطية : ويحتمل عندي أن يعود الضمير على الهدى الذي تقدّم ، وذلك أنه ذكر كفار اليهود والنصارى في الآية ، وحذر رسوله من اتباع أهوائهم ، وأعلمه بأن هدى الله هو الهدى الذي أعطاه وبعثه به. ثم ذكر له أن المؤمنين التالين لكتاب الله هم المؤمنون بذلك الهدى المقتدون بأنواره. انتهى كلامه ، وهو محتمل لما ذكر. لكن الظاهر أن يعود على الكتاب لتتناسب الضمائر ولا تختلف ، فيحصل التعقيد في اللفظ ، والإلباس في المعنى ، لأنه إذا كان جعل الضمائر المتناسبة عائدة على واحد ، والمعنى فيها جيد صحيح الإسناد ، كان أولى من جعلها متنافرة ، ولا نعدل إلى ذلك إلا بصارف عن الوجه الأول ، إمّا لفظي ، وإمّا معنوي. أ هـ {البحر المحيط حـ 1 صـ540}\rسؤال : فإن قيل لم جيء قولُه تعالى : {أولئك يؤمنون به} باسم الإشارة في تعريفهم دون الضمير وغيره ؟ \rفالجواب كما ذكره الشيخ الطاهر ابن عاشور ـ رحمه الله ـ\rللتنبيه على أن الأوصاف المتقدمة التي استحضروا بواسطتها حتى أشير إليهم باتصافهم بها هي الموجبة لجدارتهم بالحكم المسند لاسم الإشارة على حد {أولئك على هدى من ربهم} [البقرة : 5] فلا شك أن تلاوتهم الكتاب حق تلاوته تثبت لهم أوْحَدِيَّتهم بالإيمان بذلك الكتاب لأن إيمان غيرهم به كالعدم. أ هـ\r{التحرير والتنوير حـ 1 صـ401}\rقوله تعالى : {ومن يكفر به فأولئك هم الخاسرون} أي : الكاملون في الخسران ، حيث بخسوا أنفسهم من عَزِّ الدارين. أ هـ\r{البحر المديد حـ 1 صـ540}","part":2,"page":23},{"id":504,"text":"فائدة\rقال ابن عرفة : وفي الآية رحمة وترجّ لكونها لم يذكر فيها إلا من آمن بالكتاب ومن كفر به ، ويبقى من كان في زمن الفترة والمجانين والصغار مسكوتا عنهم لم يتناولهم هذا الوعيد. وجاءت الآية مفصولة بغير عطف غير موصولة مع أنهم شرطوا في ذلك اختلاف الجملتين بأن تكون إحداهما طلبية ، والأخرى خبرية وكذا الأمر والنهي وهاتان متفقتان في الخبر لكنهما مختلفان. أ هـ\r{تفسير ابن عرفة حـ 1 صـ160}\rفائدة فى الفرق بين القراءة والتلاوة\rالتلاوة لا تكون إلا لكلمتين فصاعدا والقراءة تكون للكلمة الواحدة يقال قرأ فلان اسمه ولا يقال تلا اسمه وذلك أن أصل التلاوة اتباع الشيء الشيء يقال تلاه إذا تبعه فتكون التلاوة في الكلمات يتبع بعضها بعضا ولا تكون في الكلمة الواحدة إذ لا يصح فيها التلو. أ هـ\r{الفروق فى اللغة لأبى هلال العسكرى حـ1 صـ 43}\rقوله تعالى {يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ (122) وَاتَّقُوا يَوْمًا لَا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلَا تَنْفَعُهَا شَفَاعَةٌ وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ (123)}\rكلام نفيس ذكره الإمام البقاعى فى مناسبة هذه الآيات الكريمة وما بعدها لما قبلها سأذكره بتممامه دون تصرف أو اختصار\rقال ـ رحمه الله ـ ما نصه : ","part":2,"page":24},{"id":505,"text":"ولما طال المدى في استقصاء تذكيرهم بالنعم ثم في بيان عوارهم وهتك أستارهم وختم ذلك بالترهيب بخسارهم لتضييع أديانهم بأعمالهم وأحوالهم وأقوالهم أعاد ما صدر به قصتهم من التذكير بالنعم والتحذير من حلول النقم يوم يجمع الأمم ويدوم فيه الندم لمن زلت به القدم ، ليعلم أن ذلك فذلكة القصة والمقصود بالذات في الحث على انتهاز الفرصة في التفصّي عن حرمة النقص إلى لذة الربح بدوام الشكر. قال الحرالي : فلبعده بالتقدم كرره تعالى إظهاراً لمقصد التئام آخر الخطاب بأوله وليتخذ هذا الإفصاح والتعليم أصلاً لما يمكن أن يرد من نحوه في سائر القرآن حتى كأن الخطاب إذا انتهى إلى غاية خاتمة يجب أن يلحظ القلب بداية تلك الغاية فيتلوها ليكون في تلاوته جامعاً لطرفي البناء وفي تفهمه جامعاً لمعاني طرفي المعنى ؛ انتهى - فقال تعالى : {يا بني إسرائيل} أي ولد الأنبياء الأصفياء ووالد الأنبياء السعداء {اذكروا نعمتي} أي الشريفة بالنسبة إليّ {التي أنعمت عليكم} بها في الدنيا {وأني فضلتكم} واقتصر هنا على نعمة التفضيل ولم يذكر الوفاء الذي هو فضيلة النفس الباطنة إشارة إلى جمودهم باقتصارهم على النظر في الظاهر على {العالمين} في تلك الأزمان كلها بإتمام نعمة الدنيا بشرع الدين المقتضى للنعمة في الأخرى ، فإنكم إذا ذكرتم النعمة شكرتموها فقيدتموها واستوجبتم من الله الزيادة في الدنيا والرضى في العقبى {واتقوا يوماً لا تجزي} أي تقضى ، أي يصنع فيه {نفس عن نفس شيئاً} أي من الجزاء.\r","part":2,"page":25},{"id":506,"text":"ولما ختمت الآية الماضية بحصر الخسارة فيهم ناسب تقديم نفي القبول فقال : {ولا يقبل منها عدل} يبذل في فكاكها من غير الأعمال الصالحة {ولا تنفعها شفاعة} غير مأذون فيها {ولا هم ينصرون} وإن كثرت جموعهم. قال الحرالي : أجراها تعالى في هذا التكرار على حدها في الأول إلا ما خالف بين الإيرادين في قوله {واتقوا يوماً} إلى آخره ليجمع النبأ في كل واحد من الشفاعة والعدل بين مجموع الردين من الأخذ والقبول فيكون شفاعتها لا مقبولة ولا نافعة ، ويكون عدلها لا مأخوذاً ولا مقبولاً ، ذلك لأن المعروض للقبول أول ما يؤخذ أخذاً بحسبه من أخذ سمع أو عين ، ثم ينظر إليه نظر تحقيق في المسموع وتبصر في المنظور ، فإذا صححه التحقيق والتبصير قُبل ، وإذا لم يصححه رد ، وإنما يكون ذلك لمن في حاله حظ صحة ظاهرة لا يثبت مع الخبرة ، فأنبأ تعالى بمضمون الآيتين الفاتحة والخاتمة أن هؤلاء ليس في حالهم حظ صحة البتة لا في شفاعة ولا في عدل فلا يقبل ولا يؤخذ إنباء بغرائه عن لبسه ظاهر صحة يقتضي أخذه بوجه مَّا ، ففيه تبرئة ممن حاله حال ما نبّىء به عنهم على ما تقدم معناه في مضمون الآية ، وبهذه الغاية انصرف الخطاب عنهم على خصوص ما أوتوا من الكتاب الذي كان يوجب لهم أن يتديّنوا بقبول ما جاء مصدقاً لما معهم فاتخذوا لهم بأهوائهم ملة افتعلتها أهواؤهم ، فنظم تعالى بذلك ذكر صاحب الملة التي يرضاها وافتتح بابتداء أمره في ابتلائه ليجتمع عليهم الحجتان السابقة بحسب الملة الحنيفية الإبراهيمية واللاحقة بحسب الدين المحمدي ، كان ـ صلى الله عليه وسلم ـ يقول في الصباح : \" أصبحنا على فطرة الإسلام وكلمة الإخلاص وعلى دين نبينا محمد ـ صلى الله عليه وسلم ـ وعلى ملة أبينا إبراهيم ـ صلى الله عليه وسلم ـ \" فخص المحمدية بالدين والإبراهيمية بالملة لينتظم ابتداء الأبوة الإبراهيمية بطوائف أهل الكتاب سابقهم ولاحقهم بنبأ ابتداء الأبوة الآدمية في متقدم","part":2,"page":26},{"id":507,"text":"قوله تعالى : {وإذ قال ربك للملائكة إني جاعل في الأرض خليفة} - الآيات لينتظم رؤوس الخطابات بعضها ببعض وتفاصيلها بتفاصيلها ، وليكون إظهار ذلك في سورة سنام القرآن أصلاً لما في سائره من ذلك ، وذكر قبل ذلك أن الملة ما يدعو إليه هدى العقل المبلغ عن الله توحيده من ذوات الحنيفيين ، وأن الدين الإسلام ، والإسلام إلقاء ما باليد ظاهراً وباطناً ، وذلك إنما يكون عن بادي غيب التوحيد - انتهى.\rولما عاب سبحانه أهل الضلال وكان جُلُّهم من ذرية إبراهيم ـ عليه السلام ـ وجميع طوائف الملل تعظمه ومنهم العرب وبيته الذي بناه أكبر مفاخرهم وأعظم مآثرهم ذكر الجميع ما أنعم به عليه تذكيراً يؤدي إلى ثبوت هذا الدين باطلاع هذا النبي الأمي الذي لم يخالط عالماً قط على ما لا يعلمه إلا خواص العلماء ، وذكر البيت الذي بناه فجعله الله عماد صلاحهم ، وأمر بأن يتخذ بعض ما هناك مصلى تعظيماً لأمره وتفخيماً لعلي قدره ؛ وفي التذكير بوفائه بعد ذكر الذين وفوا بحق التلاوة وبعد دعوة بني إسرائيل عامة إلى الوفاء بالشكر حث على الاقتداء به ، وكذا في ذكر الإسلام والتوحيد هزّ لجميع من يعظمه إلى اتباعه في ذلك.","part":2,"page":27},{"id":508,"text":"وقال الحرالي : لما وصل الحق تعالى بالدعوة العامة الأولى في قوله تعالى : {يا أيها الناس} ذكر أمر آدم وافتتاح استخلافه ليقع بذلك جمع الناس كافة في طرفين في اجتماعهم في أبو احد ولدين واحد نظم تعالى بذلك وصل خطاب أهل الكتاب بذكر إبراهيم ، ليقع بذلك اجتماعهم أيضاً في أبو احد وملة واحدة اختصاصاً بتبعية الإمامة الإبراهيمية من عموم تبعية الخلافة الآدمية تنزيلاً للكتاب وترفيعاً للخلق إلى علو اختصاص الحق ، فكما ذكر تعالى في الابتداء تذكيراً معطوفاً على أمور تجاوزها الإفصاح من أمر آدم عطف أيضاً التذكير بابتداء أمر إبراهيم ـ عليه السلام ـ على أمور تجاوزها الإفصاح هي أخص من متجاوز الأول كما أن إفصاحها أخص من إفصاحها وأعلى رتبة من حيث إن الخلق والأمر مبدوء من حد لم يزل ولا يزال يتكامل إلى غاية ليس وراءها مرمى فقال تعالى : {وإذ ابتلى إبراهيم} انتهى. {نظم الدرر حـ 1 صـ 238}\rسؤال : لم كرر هذه الآية ؟\rالجواب : كررها في أول السورة وهنا للتوكيد وتذكير النعم.أ هـ {تفسير الخازن حـ1 صـ 78}\rوقال الآلوسى : تكرير لتذكير بني إسرائيل وإعادة لتحذيرهم للمبالغة في النصح ، وللإيذان بأن ذلك فذلكة القصة والمقصود منها.أ هـ {روح المعانى حـ1 صـ 373}\rلطيفة فى قوله تعالى {يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ}\rجرت سُنتُه - سبحانه - في الخطاب مع قوم موسى ـ عليه السلام ـ أن يناديهم بنداء العلامة فيقول : يا بني إسرائيل اذكروا ، أي يا بني يعقوب ، ومع هذه الأُمة أن يخاطبهم بنداء الكرامة فيقول :\r{يَاأيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا}. أ هـ {لطائف الإشارات حـ1 صـ 119}","part":2,"page":28},{"id":509,"text":"قوله تعالى {وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا قَالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي قَالَ لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ (124)}\rقال الخازن : قوله تعالى : {وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ} إبراهيم اسم أعجمي ومعناه أب رحيم وهو إبراهيم بن تارخ وهو آزر بن ناخور بن شاروع بن أرغو بن فالغ بن عابر بن شالخ بن أرفخشذ بن سام بن نوح ـ عليه السلام ـ ، وكان مولد إبراهيم بالسوس من أرض الأهواز وقيل : ببابل وقيل بكوثى وهي قرية من سواد الكوفة. وقيل : بحران ولكن أباه نقله إلى أرض بابل وهي أرض نمروذ الجبار. وإبراهيم ـ عليه السلام ـ تعترف بفضله جميع الطوائف قديماً ، وحديثاً فأما اليهود والنصارى فإنهم مقرون بفضله ويتشرفون بالنسبة إليه وأنهم من أولاده وأما العرب في الجاهلية فإنهم أيضاً يعترفون بفضله ويتشرفون على غيرهم به لأنهم من أولاده ، ومن ساكني حرمه وخدام بيته ، ولما جاء الإسلام زاده الله شرفاً وفضلاً فحكى الله تعالى عن إبراهيم أموراً توجب على المشركين والنصارى واليهود قبول قول محمد ـ صلى الله عليه وسلم ـ والاعتراف بدينه والانقياد لشرعه لأن ما أوجبه الله على إبراهيم ـ عليه السلام ـ هو من خصائص دين محمد ـ صلى الله عليه وسلم ـ وفي ذلك حجة على اليهود والنصارى ومشركي العرب في وجوب الانقياد لمحمد ـ صلى الله عليه وسلم ـ والإيمان به وتصديقه. أ هـ {تفسير الخازن حـ1 صـ 79}\rسؤال : ما معنى {ابتلى}\rالجواب : وأصل الابتلاء الامتحان والاختبار ليعرف حال الإنسان وسمي التكليف بلا ء لأنه يشق على الأبدان. وقيل : ليختبر به حال الإنسان فإذا قيل : ابتلى فلان بكذا يتضمن أمرين : أحدهما تعرف حاله والوقوف على ما يجهل من أمره. والثاني ظهرو جودته ورداءته وابتلاء\rالله العباد ليس ليعلم أحوالهم ، والوقوف علىما يجهل منها لأنه عالم بجميع المعلومات التي لا نهاية لها على سبيل التفصيل من الأزل إلى الأبد.\rولكن ليعلم العباد أحوالهم من ظهور جودة ورداءة وعلى هذا ينزل قوله تعالى :\r{وإذ ابتلى إبراهيم ربه بكلمات}. أ هـ {تفسير الخازن حـ1 صـ 79}","part":2,"page":29},{"id":510,"text":"وقال فى روح البيان :\rوالابتلاء فى الأصل الاختبار أى تطلب الخبر بحال المختبر بتعريضه لأمر يشق عليه غالبا فعله أو تركه وذلك إنما يتصور حقيقة ممن لا وقوف له على عواقب الأمور\rوأما من العليم الخبير فلا يكون إلا مجازا عن تمكينه للعبد من اختيار أحد الأمرين ما يريد الله تعالى وما يشتهيه العبد كأنه يمتحنه بما يكون منه حتى يجازيه على حسب ذلك كما علم الكفر من إبليس ولم يلعنه بعلمه ما لم يختبره بما يستوجب اللعنة به. أ هـ {روح البيان حـ1 صـ 279}\rسؤال : لم قدم المفعول على الفعل ؟\rالجواب : قدم على الفاعل للاهتمام ، إذ كون الرب مبتلياً معلوم ، فإنما يهتم السامع بمن {ابتلي} ، وكون ضمير المفعول متصلاً بالفاعل موجب تقديم المفعول ، فإنما بني الكلام على هذا الاهتمام. أ هـ {المحرر الوجيز حـ1 صـ 205}\rوقال صاحب التحرير والتنوير :\rوتقديمُ المفعول وهو لفظ (إبراهيم) لأن المقصود تشريف إبراهيم بإضافة اسم رب إلى اسمه مع مراعاة الإيجاز فلذلك لم يقل وإذ ابتلى اللَّهُ إبراهيم. أ هـ\r{التحرير والتنوير حـ1 صـ 404}\rقراءة شاذة\rقرأ أبو الشعثا جابر بن زيد : {إِبْرَاهِيمَ} ربه إبراهيم رفعاً وربه نصباً على معنى سأل ودعا فقيل له ومن أين لك هذا ؟\rفقال : أقرأنيه ابن عباس. وهذا غير قوي لأجل الباء في قوله {بِكَلِمَاتٍ} وقرأ الباقون بالنصّب. أ هـ {تفسير الثعلبى حـ 1 صـ 267}\rسؤال : ما المراد بالكلمات فى قوله تعالى {بكلمات فأتمهن} ؟\rالجواب كما ذكره الماوردى :\rوفي الكلمات التي ابتلاه الله عز وجل بها ، ثمانية أقاويل :\rأحدها : هي شرائع الإِسلام ، قال ابن عباس : ما ابتلى الله أحداً بهن ، فقام بها كلها ، غير إبراهيم ، ابتلي بالإِسلام فأتمه ، فكتب الله له البراءة فقال : {وإبراهيم الذي وَفَّى} [النجم : 37] قال : وهي ثلاثون سهماً :","part":2,"page":30},{"id":511,"text":"عشرة منها في سورة براءة : {التائبون ، العابدون ، الحامدون ، السائحون ، الراكعون ، الساجدون} [التوبة : 112].\rوعشرة في الأحزاب : {إنَّ المُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ ، وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ ، وَالْقَانِتِينَ وَالْقَانِتَاتِ ، وَالصَادِقينَ والصَادِقَاتِ ، وَالصَابِرِينَ وَالصَابِرَاتِ ، وَالْخَاشِعِينَ وَالْخَاشِعَاتِ ، وَالْمُتَصَدِّقِينَ ، واَلْمُتَصَدِّقَاتِ ، وَالصَائِمِينَ وَالصَّائِمَاتِ ، وَالْحَافِظِينَ فروجَهُم وَالْحافِظَاتِ ، وَالذَاكِرِينَ اللهَ كَثِيراً وَالْذَّاكِرَاتِ ، أَعَدَّ اللهُ لَهُمْ مَغَفِرَةً وَأَجْراً عَظِيماً} [الأحزاب : 35].\rوعشرة في سورة المؤمنين : {قَدْ أفْلَحَ الْمُؤمِنُونَ ، الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاَتِهِم خَاشِعُونَ ، وَالَّذِينَ هُم عَنِ اللَّغُوِ مُعْرِضُونَ ، وَالَّذيِنَ هُمْ لِلزَّكَاةِ فَاعِلُونَ ، وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ ، إلاَّ عَلَى أزْوَاجِهِم أوْ مَا مَلَكَتْ أيمَانُهُم فَإِنَّهُم غَيرُ مَلُومِينَ ، فَمن ابتغى وَرَاءَ ذلِكَ فَأولئِكَ هُمُ الْعَادُونَ ، وَالَّذِينَ هُمُ لأَمَانَاتِهِم وَعَهْدِهِم رَاعُونَ ، وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ ، أُولئِكَ هُمُ الْوَارِثُونَ ، الَّذِينَ يَرِثُونِ الْفِرْدَوسَ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ} [المؤمنون : 1 - 11] وفي سورة سأل سائل من {إلا المُصَلِّينَ ، الَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلاَتِهِمْ دَائِمُونَ} [المعارج : 23] ، إلى {وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلاَتِهِم يُحَافظُون} [المعارج : 34].\r","part":2,"page":31},{"id":512,"text":"والقول الثاني : إنها خصال من سُنَنِ الإسلام ، خمس في الرأس ، وخمس في الجسد ، فروى ابن عباس في الرأس : قص الشارب ، والمضمضة ، والاستنشاق ، والسواك ، وفرق الرأس. وفي الجسد تقليم الأظفار ، وحلق العانة ، والختان ، ونتف الإبط ، وغسل أثر البول والغائط بالماء. وهذا قول قتادة.\rوالقول الثالث : إنها عشر خصال ، ست في الإنسان وأربع في المشاعر ، فالتي في الإنسان : حَلْقُ العانة ، والختان ، ونَتْفُ الإبط ، وتقليم الأظفار ، وقص الشارب ، والغُسل يوم الجمعة. والتي في المشاعر : الطواف ، والسعي بين الصفا والمروة ، ورمي الجمار ، والإفاضة. روى ذلك الحسن عن ابن عباس.\rوالقول الرابع : إن الله تعالى قال لإبراهيم : إني مبتليك يا إبراهيم ، قال : تجعلني للناس إماماً ؟ قال نعم ، قال : ومن ذريتي ؟ قال : لا ينال عهدي الظالمين ، قال : تجعل البيت مثابة للناس ؟ قال : نعم ، قال : وأمناً ؟ قال : نعم ، قال : وتجعلنا مسلمين لك ومن ذريتنا أمة مسلمة لك ؟ قال : نعم ، قال : وأرنا مناسكنا وتب علينا ؟ قال : نعم ، قال : وتجعل هذا البلد آمناً ؟ قال : نعم ، قال : وترزق أهله من الثمرات من آمن ؟ قال : نعم ، فهذه الكلمات التي ابتلى الله بها إبراهيم ، وهذا قول مجاهد.\rوالخامس : أنها مناسك الحج خاصة ، وهذا قول قتادة.\rوالقول السادس : أنها الخلال الست : الكواكب ، والقمر ، والشمس ، والنار ، والهجرة ، والختان ، التي ابتلي بهن فصبر عليهن ، وهذا قول الحسن.\r","part":2,"page":32},{"id":513,"text":"والقول السابع : ما رواه سهل بن معاذ بن أنس عن أمه قال : كان النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ يقول : \" ألا أخبركم لم سمى الله إبراهيم خليله الذي وفّى ؟ لأنه كان يقول كلما أصبح وكلما أمسى : سبحان الله حين تُمْسُونَ وحينَ تُصْبِحُونَ ، وله الحمْدُ في السّموَاتِ والأرْضِ وعَشِيّاً وحين تُظْهِرُونَ \". والقول الثامن ، ما رواه القاسم بن محمد ، عن أبي أمامة قال : قال رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ : \" وَإبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى} قَالَ : أتَدْرُونَ مَا وَفَّى ؟\rقَالُوا : اللهُ وَرَسُولُهُ أعْلَمُ ، قَالَ : وَفّى عَمَلَ يَوْمٍ بِأرْبَعِ رَكْعَاتٍ فِي النَّهَارِ \". أ هـ {النكت والعيون حـ1 صـ 182 ـ 185}\rكلام نفيس للقفال فى هذا الموضع\rقال القفال رحمه الله : وجملة القول أن الابتلاء يتناول إلزام كل ما في فعله كلفة شدة ومشقة ، فاللفظ يتناول مجموع هذه الأشياء ويتناول كل واحد منها ، فلو ثبتت الرواية في الكل وجب القول بالكل ، ولو ثبتت الرواية في البعض دون البعض فحينئذ يقع التعارض بين هذه الروايات ، فوجب التوقف والله أعلم.\rأ هـ {مفاتيح الغيب حـ4 صـ 35 ـ 36}\rوقريب من هذا الرأى قول الإم أبى جعفر الطبرى ـ رحمه الله ـ فبعد أن ذكر جميع الأقوال فى المراد من الكلمات قال ما نصه :","part":2,"page":33},{"id":514,"text":"قال أبو جعفر : والصواب من القول في ذلك عندنا أن يقال : إن الله عز وجل أخبر عباده أنه اختبر إبراهيم خليله بكلمات أوحاهن إليه ، وأمره أن يعمل بهن فأتمهن ، كما أخبر الله جل ثناؤه عنه أنه فعل. (1) وجائز أن تكون تلك الكلمات جميع ما ذكره من ذكرنا قوله في تأويل\"الكلمات\" ، وجائز أن تكون بعضه. لأن إبراهيم صلوات الله عليه قد كان امتحن فيما بلغنا بكل ذلك ، فعمل به ، وقام فيه بطاعة الله وأمره الواجب عليه فيه. وإذ كان ذلك كذلك ، فغير جائز لأحد أن يقول : عنى الله بالكلمات التي ابتلي بهن إبراهيم شيئا من ذلك بعينه دون شيء ، ولا عنى به كل ذلك ، إلا بحجة يجب التسليم لها : من خبر عن الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ ، أو إجماع من الحجة. ولم يصح في شيء من ذلك خبر عن الرسول بنقل الواحد ، ولا بنقل الجماعة التي يجب التسليم لما نقلته. غير أنه روي عن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ في نظير معنى ذلك خبران ، لو ثبتا ، أو أحدهما ، كان القول به في تأويل ذلك هو الصواب. أهـ {تفسير الطبرى حـ2 صـ 15}\r____________________\rتعليق\rقد ضعف الإمام الطبرى الروايتين\rوالأولى التوقف عن تعيين المراد بهذه الكلمات ويكفى أن الله تعالى امتدحه بقوله {وإبراهيم الذى وفى} أى أتى بكل شىء وافيا ، والمتأمل فى قصة الخليل ـ عليه السلام ـ يجد فيها عجبا ، ولك أن تتصور رجلا بعد سن التسعين يرزق غلاما ثم يأمر بتركه فى صحراء جرداء لا زررع بها ولا ماء ولا أنيس مع بعد المكان كيف يطيق بشر هذا الأمر ثم بعد ذلك عندما يقوى ولده وينضج يؤمر ـ بمجرد رؤيا ـ بذبحه ولده والعجيب من يتولى الذبح إنه الأب ومع ذلك يستجيب ويسارع لتلبية أمر الرب فى أمر قال عنه بعض العلماء : إنه تكليف بالمحال ويصف رب العالمين هذا الأمر بقوله تعالى {إن هذا لهو البلاء المبين}","part":2,"page":34},{"id":515,"text":"ويكفى أنه كما قال علماؤنا السابقون ـ رحمهم الله ـ عن الخليل ـ عليه السلام ـ قدم ماله للضيفان وبدنه للنيران وولده للقربان ، لذا فالأولى ترك الأمر على عمومه دون تخصيص فالله تعالى قال عنه فى معرض المدح والثناء {وإبراهيم الذى وفى} ولم يذكر بأى شىء وفى ومن المعلوم أنه أتى بكل شىء على وجه التمام والكمال ، وتأمل فالمخبر هو الله {إخلص العمل فإن الناقد البصير} وها هو البصير جل جلاله يخبر ويثنى على خليله من هنا أقول :\rيجب التوقف عند ما توقف عنده الوحى بنوعيه من كتاب وسنة. والله أعلم وأحكم\rوقال صاحب الأمثل : المقصود من \"الكلمات\"\rمن دراسة آيات القرآن الكريم بشأن إبراهيم(عليه السلام) ، وما أدّاه هذا النّبي العظيم من أعمال جسيمة استحق ثناء الله ، نفهم أن المقصود من الكلمات هو مجموعة المسؤوليات والمهام الثقيلة الصعبة التي وضعها الله على عاتق إبراهيم(عليه السلام) ، فحملها وأحسن حملها ، وأدّى ما عليه خير أداء ، وهي عبارة عن : أخذ ولده إلى المذبح والإِستعداد التام لذبحه ، إطاعة لأمر الله سبحانه.\rإسكان الزوج والولد في واد غير ذي زرع بمكة ، حيث لم يسكن فيه إنسان.\rالنهوض بوجه عَبَدة الأصنام وتحطيم الأصنام ، والوقوف ببطولة في تلك المحاكمة التاريخية ، ثم إلقاؤه في وسط النيران. وثباته ورباطة جأشه في كل هذه المراحل.\rالهجرة من أرض عبدة الأصنام والإِبتعاد عن الوطن ، والإِتجاه نحو أصقاع نائية لأداء رسالته... وأمثالها(401).\rيكان كل واحد من هذه الإِختبارات ثقي وصعباً حقّاً ، لكنه بقوة إيمانه نجح فيها جميعاً ، وأثبت لياقته لمقام \"الإِمامة\". أ هـ {الأمثل حـ1 صـ 277}","part":2,"page":35},{"id":516,"text":"سؤال : لم سميت تلك الخصال كلمات ؟\rالجواب : وإِنما سمِّيت هذه الخصالُ كلماتٍ ؛ لأنها اقترنتْ بها أوامر هي كلمات ، وروي أن إبراهيم ، لما أتمَّ هذه الكلماتِ أو أتمَّها اللَّه عليه ، كتب اللَّه له البراءة من النَّار ، فذلك قوله تعالى : {وإبراهيم الذي وفى} [النجم : 37]. أ هـ\r{تفسير الثعالبى حـ1 صـ 106}\rسؤال : لم أوثر النيل على الجعل فى قوله تعالى {قَالَ لا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ} ؟\rالجواب : إنما أوثِرَ النيلُ على الجعلِ إيماءً إلى أن إمامة الأنبياءِ عليهم السلام من ذريته ـ عليه السلام ـ كإسماعيلَ وإسحاقَ ويعقوبَ ويوسفَ وموسى وهارونَ وداودَ وسليمانَ وأيوبَ ويونسَ وزكريا ويحيى وعيسى وسيدِنا محمدٍ ـ صلى الله عليه وسلم ـ تسليماً كثيراً ليست بجعل مستقل بل هي حاصلة في ضمن إمامة إبراهيمَ ـ عليه السلام ـ تنال كلا منهم في وقت قدّره الله عز وجل. أ هـ\r{تفسير أبى السعود حـ1 صـ 156}\rلطائف وفوائد ذكرها الإمام الفخر فى الآية الكريمة\rالمسألة السادسة : الآية تدل على عصمة الأنبياء من وجهين. الأول : أنه قد ثبت أن المراد من هذا العهد : الإمامة. ولا شك أن كل نبي إمام ، فإن الإمام هو الذي يؤتم به ، والنبي أولى الناس ، وإذا دلت الآية على أن الإمام لا يكون فاسقاً ، فبأن تدل على أن الرسول لا يجوز أن يكون فاسقاً فاعلاً للذنب والمعصية أولى. الثاني : قال : {لاَ يَنَال عَهْدِي الظالمين} فهذا العهد إن كان هو النبوة ؛ وجب أن تكون لا ينالها أحد من الظالمين وإن كان هو الإمامة ، فكذلك لأن كل نبي لا بد وأن يكون إماماً يؤتم به ، وكل فاسق ظالم لنفسه فوجب أن لا تحصل النبوة لأحد من الفاسقين والله أعلم.","part":2,"page":36},{"id":517,"text":"المسألة السابعة ؛ اعلم أنه سبحانه بين أن له معك عهداً ، ولك معه عهداً ، وبين أنك متى تفي بعهدك ، فإنه سبحانه يفي أيضاً بعهده فقال : {وَأَوْفُواْ بِعَهْدِى أُوفِ بِعَهْدِكُمْ} [البقرة : 40] ثم في سائر الآيات فإنه أفرد عهدك بالذكر ، وأفرد عهد نفسه أيضاً بالذكر ، أما عهدك فقال فيه : {والموفون بِعَهْدِهِمْ إِذَا عاهدوا} [البقرة : 177] وقال : {والذين هُمْ لأماناتهم وَعَهْدِهِمْ راعون} [المؤمنون : 8] وقال : {ياأيها الذين ءَامَنُواْ أَوْفُواْ بالعقود} [المائدة : 1] وقال : {لِمَ تَقُولُونَ مَا لاَ تَفْعَلُونَ كَبُرَ مَقْتاً عِندَ الله أَن تَقُولُواْ مَا لاَ تَفْعَلُونَ} [الصف : 32] وأما عهده سبحانه وتعالى فقال فيه : {وَمَنْ أوفى بِعَهْدِهِ مِنَ الله} [التوبة : 111] ثم بين كيفية عهده إلى أبينا آدم فقال : {وَلَقَدْ عَهِدْنَا إلى آدم من قَبْلُ فَنَسِىَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْماً} [طه : 115] ثم بين كيفية عهده إلينا فقال : {أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يبَنِى آدم وَإِذْ أَخَذ} [ياس : 60] ثم بين كيفية عهده مع بني إسرائيل فقال : {إِنَّ الله عَهِدَ إِلَيْنَا أَلاَّ نُؤْمِنَ لِرَسُولٍ} [آل عمران : 183] ثم بين كيفية عهده مع الأنبياء عليهم الصلاة والسلام فقال : {وَعَهِدْنَا إلى إبراهيم وإسماعيل} [البقرة : 125] ثم بين في هذه الآية أن عهده لا يصل إلى الظالمين فقال : {لاَ يَنَالُ عَهْدِي الظالمين} فهذه المبالغة الشديدة في هذه المعاهدة تقتضي البحث عن حقيقة هذه المعاهدة فنقول : العهد المأخوذ عليك ليس إلا عهد الخدمة والعبودية ، والعهد الذي التزمه الله تعالى من جهته ليس إلا عهد الرحمة والربوبية ، ثم إن العاقل إذا تأمل في حال هذه المعاهدة لم يجد من نفسه إلا نقض هذا العهد ، ومن ربه إلا الوفاء بالعهد ، فلنشرع في معاقد هذا الباب فنقول : أول إنعامه عليك إنعام الخلق","part":2,"page":37},{"id":518,"text":"والإيجاد والإحياء وإعطاء العقل والآلة والمقصود من كل ذلك اشتغالك بالطاعة والخدمة والعبودية على ما قال : {وَمَا خَلَقْتُ الجن والإنس إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ} [الذاريات : 56] ونزه نفسه عن أن يكون هذا الخلق والإيجاد منه على سبيل العبث فقال : {وَمَا خَلَقْنَا السماء والأرض وَمَا بَيْنَهَا لاَعِبِينَ} [الأنبياء : 16] {مَا خلقناهما إِلاَّ بالحق} [الدخان : 39] وقال أيضاً : {وَمَا خَلَقْنَا السماء والأرض وَمَا بَيْنَهُمَا باطلا ذلك ظَنُّ الذين كَفَرُواْ} [ص : 27] وقال : {أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خلقناكم عَبَثاً وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لاَ تُرْجَعُونَ} [\rالمؤمنون : 115] ثم بين على سبيل التفصيل ما هو الحكمة في الخلق والإيجاد فقال : {وَمَا خَلَقْتُ الجن والإنس إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ} فهو سبحانه وفى بعهد الربوبية حيث خلقك وأحياك وأنعم عليك بوجوه النعم وجعلك عاقلاً مميزاً فإذا لم تشتغل بخدمته وطاعته وعبوديته فقد نقضت عهد عبوديتك مع أن الله تعالى وفى بعهد ربوبيته. وثانيها : أن عهد الربوبية يقتضي إعطاء التوفيق والهداية وعهد العبودية منك يقتضي الجد والاجتهاد في العمل ، ثم إنه وفى بعهد الربوبية فإنه ما ترك ذرة من الذرات إلا وجعلها هادية لك إلى سبيل الحق\r","part":2,"page":38},{"id":519,"text":"{وَإِن مِّن شَىْءٍ إِلاَّ يُسَبّحُ بِحَمْدَهِ} [الإسراء : 44] وأنت ما وفيت البتة بعهد الطاعة والعبودية. وثالثها : أن نعمة الله بالإيمان أعظم النعم ، والدليل عليه أن هذه النعمة لو فاتتك لكنت أشقى الأشقياء أبد الآبدين ودهر الداهرين ، ثم هذه النعمة من الله تعالى لقوله : {وَمَا بِكُم مِّن نِّعْمَةٍ فَمِنَ الله} [النحل : 53] ثم مع أن هذه النعمة منه فإنه يشكرك عليها وقال : {فَأُولَئِكَ كَانَ سَعْيُهُم مَّشْكُورًا} [الإسراء : 19] فإذا كان الله تعالى يشكرك على هذه النعمة فبأن تشكره على ما أعطى من التوفيق والهداية كان أولى ، ثم إنك ما أتيت إلا بالكفران على ما قال : {قُتِلَ الإنسان مَا أَكْفَرَهُ} [عبس : 17] فهو تعالى وفى بعهده ، وأنت نقضت عهدك. ورابعها : أن تنفق نعمه في سيبل مرضاته ، فعهده معك أن يعطيك أصناف النعم وقد فعل وعهدك معه أن تصرف نعمه في سبيل مرضاته وأنت ما فعلت ذلك : {كَلاَّ إِنَّ الإنسان ليطغى أَن رَّءاهُ استغنى} [العلق : 6 ، 7]. وخامسها : أنعم عليك بأنواع النعم لتكون محسناً إلى الفقراء : {وَأَحْسِنُواْ إِنَّ الله يُحِبُّ المحسنين} ثم إنك توسلت به إلى إيذاء الناس وإيحاشهم : {الذين يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ الناس بالبخل} [الحديد : 24] [النساء : 37]. وسادسها : أعطاك النعم العظيمة لتكون مقبلاً على حمده وأنت تحمد غيره فانظر إن السلطان العظيم لو أنعم عليك بخلعة نفيسة ، ثم إنك في حضرته تعرض عنه وتبقى مشغولاً بخدمة بعض الأسقاط كيف تستوجب الأدب والمقت فكذا ههنا ، واعلم أنا لو اشتغلنا بشرح كيفية وفائه سبحانه بعهد الإحسان والربوبية وكيفية نقضنا لعهد الإخلاص والعبودية لما قدرنا على ذلك فإنا من أول الحياة إلى آخرها ما صرنا منفكين لحظة واحدة من أنواع نعمه على ظاهرنا وباطننا وكل واحدة من تلك النعم تستدعي شكراً على حدة وخدمة على حدة ، ثم أنا ما أتينا","part":2,"page":39},{"id":520,"text":"بها بل ما تنبهنا لها وما عرفنا كيفيتها وكميتها ، ثم إنه سبحانه على تزايد غفلتنا وتقصيرنا يزيد في أنواع النعم والرحمة والكرم ، فكنا من أول عمرنا إلى آخره لا نزال نتزايد في درجات النقصان والتقصير واستحقاق الذم ، وهو سبحانه لا يزال يزيد في الإحسان واللطف والكرم ، واستحقاق الحمد والثناء فإنه كلما كان تقصيرنا أشد كان إنعامه علينا بعد ذلك أعظم وقعاً وكلما كان إنعامه علينا أكثر وقعاً ، كان تقصيرنا في شكره أقبح وأسوأ ، فلا تزال أفعالنا تزداد قبائح ومحاسن أفعاله على سبيل الدوام بحيث لا تفضي إلى الانقطاع ثم إنه قال في هذه الآية : {لاَ يَنَالُ عَهْدِي الظالمين} وهذا تخويف شديد لكنا نقول : إلهنا صدر منك ما يليق بك من الكرم والعفو والرحمة والإحسان وصدر منا ما يليق بنا من الجهل والغدر\rوالتقصير والكسل ، فنسألك بك وبفضلك العميم أن تتجاوز عنا يا أرحم الراحمين. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ4 صـ 40ـ 42}\rقوله تعالى {قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا}\rسؤال : ما المراد بالإمام فى الآية الكريمة ؟\rالجواب كما ذكره الإمام الفخر :\rأما قوله تعالى : {إِنّى جاعلك لِلنَّاسِ إِمَامًا} فالإمام اسم من يؤتم به كالإزار لما يؤتزر به ، أي يأتمون بك في دينك. وفيه مسائل :\rالمسألة الأولى : قال أهل التحقيق : المراد من الإمام ههنا النبي ويدل عليه وجوه. أحدها : أن قوله : {لِلنَّاسِ إِمَامًا} يدل على أنه تعالى جعله إماماً لكل الناس والذي يكون كذلك لا بد وأن يكون رسولاً من عند الله مستقلاً بالشرع لأنه لو كان تبعاً لرسول آخر لكان مأموماً لذلك الرسول لا إماماً له ، فحينئذ يبطل العموم. وثانيها : أن اللفظ يدل على أنه إمام في كل شيء والذي يكون كذلك لا بد وأن يكون نبياً. وثالثها : أن الأنبياء عليهم السلام أئمة من حيث يجب على الخلق اتباعهم ، قال الله تعالى :","part":2,"page":40},{"id":521,"text":"{وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا} [الأنبياء : 73] والخلفاء أيضاً أئمة لأنهم رتبوا في المحل الذي يجب على الناس اتباعهم وقبول قولهم وأحكامهم والقضاة والفقهاء أيضاً أئمة لهذا المعنى ، والذي يصلي بالناس يسمى أيضاً إماماً لأن من دخل في صلاته لزمه الائتمام به. قال عليه الصلاة والسلام : \" إنما جعل الإمام إماماً ليؤتم به فإذا ركع فاركعوا وإذا سجد فاسجدوا ولا تختلفوا على إمامكم \" فثبت بهذ أن اسم الإمام لمن استحق الاقتداء به في الدين وقد يسمى بذلك أيضاً من يؤتم به في الباطل ، قال الله تعالى : {وجعلناهم أَئِمَّةً يَدْعُونَ إِلَى النار} [القصص : 41] إلا أن اسم الإمام لا يتناوله على الإطلاق بل لا يستعمل فيه إلا مقيداً ، فإنه لما ذكر أئمة الضلال قيده بقوله تعالى : {يَدْعُونَ إِلَى النار} كما أن اسم الإله لا يتناول إلا المعبود الحق ، فأما المعبود الباطل فإنما يطلق عليه اسم الإله مع القيد ، قال الله تعالى : {فَمَا أَغْنَتْ عَنْهُمْ ءالِهَتَهُمُ التى يَدْعُونَ مِن دُونِ الله مِن شَىْء} [هود : 101] وقال : {وانظر إلى إلهك الذى ظَلْتَ عَلَيْهِ عَاكِفاً} [طه : 97] إذا ثبت أن اسم الإمام يتناول ما ذكرناه ، وثبت أن الأنبياء في أعلى مراتب الإمامة وجب حمل اللفظ ههنا عليه ، لأن الله تعالى ذكر لفظ الإمام ههنا في معرض الامتنان ، فلا بد وأن تكون تلك النعمة من أعظم النعم ليحسن نسبة الامتنان فوجب حمل هذه الإمامة على النبوة.","part":2,"page":41},{"id":522,"text":"المسألة الثانية : أن الله تعالى لما وعده بأن يجعله إماماً للناس حقق الله تعالى ذلك الوعد فيه إلى قيام الساعة ، فإن أهل الأديان على شدة اختلافها ونهاية تنافيها يعظمون إبراهيم عليه الصلاة والسلام ويتشرفون بالانتساب إليه إما في النسب وإما في الدين والشريعة حتى إن عبدة الأوثان كانوا معظمين لإبراهيم ـ عليه السلام ـ ، وقال الله تعالى في كتابه : {ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتبع مِلَّةَ إبراهيم حَنِيفًا} [النحل : 123] وقال : {مِنْ يَرْغَبُ عَن مِلَّةِ إبراهيم إِلاَّ مَن سَفِهَ نَفْسَهُ} [البقرة : 130] وقال في آخر سورة الحج : {مّلَّةَ أَبِيكُمْ إبراهيم هُوَ سماكم المسلمين مِن قَبْلُ} [الحج : 78] وجميع أمة محمد عليه الصلاة والسلام يقولون في آخر الصلاة وارحم محمداً وآل محمد كما صليت وباركت وترحمت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ4 صـ 36 ـ 37}\rسؤال : لم عدل عن التعبير {برسولاً} إلى {إماماً} ؟\rوإنما عدل عن التعبير {برسولاً} إلى {إماماً} ليكون ذلك دالاً على أن رسالته تنفع الأمة المرسَل إليها بطريق التبليغ ، وتنفع غيرهم من الأمم بطريق الاقتداء ، فإن إبراهيم ـ عليه السلام ـ رحل إلى آفاق كثيرة فتنقل من بلاد الكلدان إلى العراق وإلى الشام والحجاز ومصر ، وكان في جميع منازله محل التبجيل ولا شك أن التبجيل يبعث على الاقتداء. أ هـ {التحرير والتنوير حـ1 صـ 404}\rقوله تعالى {قَالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي}\rسؤال : لم قال إبراهيمُ ـ عليه السلام ـ : {ومن ذريتي} ولم يقل وَذُريتي ؟\rوإنما قال إبراهيمُ : {ومن ذريتي} ولم يقل وَذُريتي لأنه يعلَم أن حكمة الله من هذا العالم لم تجر بأن يكون جميع نسل أحد ممن يصلحون لأن يُقتدَى بهم فلم يسأل ما هو مستحيل عادة لأن سؤال ذلك ليس من آداب الدعاء.","part":2,"page":42},{"id":523,"text":"وإنما سأل لذريته ولم يقصر السؤال على عقبه كما هو المتعارف في عصبية القائل لأبناء دينه على الفطرة التي لا تقتضي تفاوتاً فيرى أبناء الابن وأبناء البنت في القرب من الجد بل هما سواء في حكم القرابة ، وأما مبنى القبلية فعلى اعتبارات عرفية ترجع إلى النصرة والاعتزاز. أ هـ {التحرير والتنوير حـ1 صـ 405}\rقوله تعالى : {لا ينال عهدي الظالمين}\rفصل في تحرير معنى العهد\rاختلفوا في العَهْدِ ، فقيل : الإمامة.\rوقال السدي : النبوة ، وهو قول ابن عباس.\rوقال عطاءك رحمتي.\r[آل عمران : 183] أي : أمرنا ، وقال تعالى : {أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يا بني آدَمَ} [يس : 60] يعنى ألم أقدم إليكم الأمر به ، فيكون معنى قوله تعالى : {لاَ يَنَالُ عَهْدِي الظالمين} أي : لا يجوز أن يكونوا بمحلّ من يقبل أوامر الله.\r[قال قتادة رحمه الله تعالى : هو الإيمان.\rوقال مجاهد والضحاك رحمهما الله هو طاعتي ، أي : ليس لظالم أن يطاع في ظلمه ومعنى الآية : لا ينال ما عهدت إليك من النبوة والإمامة من كان ظالماً من ولدك.\rوقال أبو عبيدة رحمه الله تعالى : العهد الأمان من النار ؛ لقوله عز وجل : {الذين آمَنُواْ وَلَمْ يلبسوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أولئك لَهُمُ الأمن} [الأنعام : 82].\rقال ابن الخطيب : والأول أولى ؛ لأنه جواب لسؤال الإمامة.\rوقيل : عهده أمره ، ويطلق على الأمر ، مقال سبحانه وتعالى : {إِنَّ الله عَهِدَ إِلَيْنَا}. أ هـ {اللباب ـ لابن عادل حـ2 صـ85}\rسؤال : فإن قيل : أفما كان إبراهيم عليه الصَّلاة والسَّلام عالماً بأن النبوة لا تليق بالظَّالمين ؟\rفالجواب : بلى ، ولكن لم يعلم حال ذرّيته ، فبيّن الله تعالى أن فيهم من هذا حاله ، وأن النبوة إنما تحصل لمن ليس بظالم. أ هـ {اللباب ـ لابن عادل حـ2 صـ85}","part":2,"page":43},{"id":524,"text":"وقوله تعالى : {لا ينال عهدي الظالمين} استجابة مطوية بإيجاز وبيان للفريق الذي تتحقق فيه دعوة إبراهيم والذي لا تتحقق فيه بالاقتصار على أحدهما لأن حكم أحد الضدين يثبت نقيضه للآخر على طريقة الإيجاز ، وإنما لم يُذكر الصنف الذي تحقق فيه الدعوة لأن المقصد ذكر الصنف الآخر تعريضاً بأن الذين يزعمون يومئذ أنهم أولى الناس بإبراهيم وهم أهل الكتاب ومشركو العرب هم الذين يُحرمون من دعوته ، قال تعالى : {ما كان إبراهيم يهودياً ولا نصرانياً ولكن كان حنيفاً مسلماً وما كان من المشركين إن أولى الناس بإبراهيم للذين اتبعوه} [آل عمران : 67 ، 68] ولأن المربي يقصد التحذير من المفاسد قبل الحث على المصالح ، فبيان الذين لا تتحقق فيهم الدعوة أولى من بيان الآخرين.\rأ هـ {التحرير والتنوير حـ1 صـ 405}\rسؤال : لم سمي وعد الله عهداً ؟ \rوسمي وعد الله عهداً لأن الله لا يخلف وعده كما أخبر بذلك فصار وعده عهداً ولذلك سماه النبيء عهداً في قوله \"أَنشُدك عهدك ووعدك\" ، أي لاينال وعدي بإجابة دعوتك الظالمين منهم ، ولا يحسن أن يفسر العهد هنا بغير هذا وإن كان في مواقع من القرآن أريد به غيره ، وسيأتي ذكر العهد في سورة الأعراف.\rومن دقة القرآن اختيار هذا اللفظ هنا لأن اليهود زعموا أن الله عهد لإبراهيم عهداً بأنه مع ذريته ففي ذكر لفظ العهد تعريض بهم وإن كان صريح الكلام لتوبيخ المشركين. أ هـ {التحرير والتنوير حـ1 صـ 406}\rقوله تعالى : {قَالَ لاَ يَنَالُ عَهْدِي الظالمين}.\rالجمهور على نَصْب \" الظَّالمِينَ \" مفعولاً ، و\" عَهْدِي \" فاعل ، اي : لا يصل عهدي إلى الظالمين فيدركهم.\rوقرأ قتادة ، والأعمش ، وأبو رجاء : \" الظَّالِمُونَ \" بالفاعلية ، و\" عَهْدِي \" مفعول به ، والقراءتان ظاهرتان ؛ إذ الفعل يصحّ نسبته إلى كل منهما ، فإن من نالك فقد نِلْته. أ هـ {اللباب ـ لابن عادل حـ2 صـ84}","part":2,"page":44},{"id":525,"text":"كلام نفيس للعلامة الجصاص فى الخلافة والقضاء : \r{ لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ } فَأَخْبَرَ أَنَّ الظَّالِمِينَ مِنْ ذُرِّيَّتِهِ لَا يَكُونُونَ أَئِمَّةً وَلَا يَجْعَلهُمْ مَوْضِعَ الِاقْتِدَاءِ بِهِمْ وَقَدْ رُوِيَ عَنْ السُّدِّيِّ فِي قَوْله تَعَالَى : { لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ } أَنَّهُ النُّبُوَّةَ.\rوَعَنْ مُجَاهِدٍ : أَنَّهُ أَرَادَ أَنَّ الظَّالِمَ لَا يَكُونُ إمَامًا ، وَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ قَالَ : \" لَا يَلْزَمُ الْوَفَاءُ بِعَهْدِ الظَّالِمِ ، فَإِذَا عَقَدَ عَلَيْك فِي ظُلْمٍ فَانْقُضْهُ \".\rوَقَالَ الْحَسَنُ : \" لَيْسَ لَهُمْ عِنْدَ اللَّهِ عَهْدٌ يُعْطِيهِمْ عَلَيْهِ خَيْرًا فِي الْآخِرَةِ \".\r","part":2,"page":45},{"id":526,"text":"قَالَ أَبُو بَكْرٍ جَمِيعُ مَا رُوِيَ مِنْ هَذِهِ الْمَعَانِي يَحْتَمِلُهُ اللَّفْظُ ، وَجَائِزٌ أَنْ يَكُونَ جَمِيعُهُ مُرَادًا لِلَّهِ تَعَالَى ، وَهُوَ مَحْمُولٌ عَلَى ذَلِكَ عِنْدَنَا ، فَلَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الظَّالِمُ نَبِيًّا وَلَا خَلِيفَةً لِنَبِيٍّ وَلَا قَاضِيًا ، وَلَا مَنْ يَلْزَمُ النَّاسَ قَبُولُ قَوْلِهِ فِي أُمُورِ الدِّينِ مِنْ مُفْتٍ أَوْ شَاهِدٍ أَوْ مُخْبِرٍ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَبَرًا فَقَدْ أَفَادَتْ الْآيَةُ أَنَّ شَرْطَ جَمِيعِ مَنْ كَانَ فِي مَحَلِّ الِائْتِمَامِ بِهِ فِي أَمْرِ الدِّينِ الْعَدَالَةُ وَالصَّلَاحُ ، وَهَذَا يَدُلُّ أَيْضًا عَلَى أَنَّ أَئِمَّةَ الصَّلَاةِ يَنْبَغِي أَنْ يَكُونُوا صَالِحِينَ غَيْرَ فُسَّاقٍ وَلَا ظَالِمِينَ لِدَلَالَةِ الْآيَةِ عَلَى شَرْطِ الْعَدَالَةِ لِمَنْ نُصِبَ مَنْصِبَ الِائْتِمَامِ بِهِ فِي أُمُورِ الدِّينِ ؛ لِأَنَّ عَهْدَ اللَّهِ هُوَ أَوَامِرُهُ ، فَلَمْ يُجْعَلْ قَبُولُهُ عَنْ الظَّالِمِينَ مِنْهُمْ وَهُوَ مَا أَوْدَعَهُمْ مِنْ أُمُورِ دِينِهِ وَأَجَازَ قَوْلَهُمْ فِيهِ وَأَمَرَ النَّاسَ بِقَبُولِهِ مِنْهُمْ وَالِاقْتِدَاءِ بِهِمْ فِيهِ.\r","part":2,"page":46},{"id":527,"text":"أَلَا تَرَى إلَى قَوْله تَعَالَى : { أَلَمْ أَعْهَدْ إلَيْكُمْ يَا بَنِي آدَمَ أَنْ لَا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ إنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ } يَعْنِي أُقَدِّمُ إلَيْكُمْ الْأَمْرَ بِهِ ؛ وَقَالَ تَعَالَى : { الَّذِينَ قَالُوا إنَّ اللَّهَ عَهِدَ إلَيْنَا } وَمِنْهُ عَهْدُ الْخُلَفَاءِ إلَى أُمَرَائِهِمْ وَقُضَاتِهِمْ إنَّمَا هُوَ مَا يَتَقَدَّمُ بِهِ إلَيْهِمْ لِيَحْمِلُوا النَّاسَ عَلَيْهِ وَيَحْكُمُوا بِهِ فِيهِمْ وَذَلِكَ لِأَنَّ عَهْدَ اللَّهِ إذَا كَانَ إنَّمَا هُوَ أَوَامِرُهُ لَمْ يَخْلُ قَوْلُهُ : { لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ } مِنْ أَنْ يُرِيدَ أَنَّ الظَّالِمِينَ غَيْرُ مَأْمُورِينَ أَوْ أَنَّ الظَّالِمِينَ لَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونُوا بِمَحَلِّ مَنْ يُقْبَلُ مِنْهُمْ أَوَامِرُ اللَّهِ تَعَالَى وَأَحْكَامُهُ وَلَا يُؤْمَنُونَ عَلَيْهَا ؛ فَلَمَّا بَطُلَ الْوَجْهُ الْأَوَّلُ لِاتِّفَاقِ الْمُسْلِمِينَ عَلَى أَنَّ أَوَامِرَ اللَّهِ تَعَالَى لَازِمَةٌ لِلظَّالِمِينَ كَلُزُومِهَا لِغَيْرِهِمْ وَأَنَّهُمْ إنَّمَا اسْتَحَقُّوا سِمَةَ الظُّلْمِ لِتَرْكِهِمْ أَوَامِرَ اللَّهِ ، ثَبَتَ الْوَجْهُ الْآخَرُ وَهُوَ أَنَّهُمْ غَيْرُ مُؤْتَمَنِينَ عَلَى أَوَامِرِ اللَّهِ تَعَالَى وَغَيْرُ مُقْتَدًى بِهِمْ فِيهَا ، فَلَا يَكُونُونَ أَئِمَّةً فِي الدِّينِ ، فَثَبَتَ بِدَلَالَةِ هَذِهِ الْآيَةِ بُطْلَانُ إمَامَةِ الْفَاسِقِ وَأَنَّهُ لَا يَكُونُ خَلِيفَةً ، وَأَنَّ مَنْ نَصَّبَ نَفْسَهُ فِي هَذَا الْمَنْصِبِ وَهُوَ فَاسِقٌ لَمْ يَلْزَمْ النَّاسَ اتِّبَاعُهُ وَلَا طَاعَتُهُ.\rوَكَذَلِكَ قَالَ النَّبِيُّ عَلَيْهِ السَّلَامُ : { لَا طَاعَةَ لِمَخْلُوقٍ فِي مَعْصِيَةِ الْخَالِقِ }.\r","part":2,"page":47},{"id":528,"text":"وَدَلَّ أَيْضًا عَلَى أَنَّ الْفَاسِقَ لَا يَكُونُ حَاكِمًا ، وَأَنَّ أَحْكَامَهُ لَا تَنْفُذُ إذَا وَلِيَ الْحُكْمَ ، وَكَذَلِكَ لَا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ وَلَا خَبَرُهُ إذَا أَخْبَرَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلَا فُتْيَاهُ إذَا كَانَ مُفْتِيًا ، وَأَنَّهُ لَا يُقَدَّمُ لِلصَّلَاةِ ، وَإِنْ كَانَ لَوْ قُدِّمَ وَاقْتَدَى بِهِ مُقْتَدٍ كَانَتْ صَلَاتُهُ مَاضِيَةً فَقَدْ حَوَى قَوْلُهُ : { لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ } هَذِهِ الْمَعَانِي كُلِّهَا وَمِنْ النَّاسِ مَنْ يَظُنُّ أَنَّ مَذْهَبَ أَبِي حَنِيفَةَ تَجْوِيزُ إمَامَةِ الْفَاسِقِ وَخِلَافَتِهِ وَأَنَّهُ يُفَرِّقُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْحَاكِمِ فَلَا يُجِيزُ حُكْمَهُ ، وَذُكِرَ ذَلِكَ عَنْ بَعْضِ الْمُتَكَلِّمِينَ وَهُوَ الْمُسَمَّى زُرْقَانَ وَقَدْ كَذَبَ فِي ذَلِكَ وَقَالَ بِالْبَاطِلِ ، وَلَيْسَ هُوَ أَيْضًا مِمَّنْ تُقْبَلُ حِكَايَتُهُ وَلَا فَرْقَ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ بَيْنَ الْقَاضِي وَبَيْنَ الْخَلِيفَةِ فِي أَنَّ شَرْطَ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا الْعَدَالَةُ ، وَأَنَّ الْفَاسِقَ لَا يَكُونُ خَلِيفَةً وَلَا يَكُونُ حَاكِمًا ؛ كَمَا لَا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ وَلَا خَبَرُهُ لَوْ رَوَى خَبَرًا عَنْ النَّبِيّ عَلَيْهِ السَّلَامُ وَكَيْفَ يَكُونُ خَلِيفَةً وَرِوَايَتُهُ غَيْرُ مَقْبُولَةٍ وَأَحْكَامُهُ غَيْرُ نَافِذَةٍ وَكَيْفَ يَجُوزُ أَنْ يُدْعَى ذَلِكَ عَلَى أَبِي حَنِيفَةَ وَقَدْ أَكْرَهَهُ ابْنُ هُبَيْرَةَ فِي أَيَّامِ بَنِي أُمَيَّةَ عَلَى الْقَضَاءِ وَضَرَبَهُ فَامْتَنَعَ مِنْ ذَلِكَ وَحُبِسَ فَلَجَّ ابْنُ هُبَيْرَةَ وَجَعَلَ يَضْرِبُهُ كُلَّ يَوْمٍ أَسْوَاطًا.\r","part":2,"page":48},{"id":529,"text":"فَلَمَّا خِيفَ عَلَيْهِ قَالَ لَهُ الْفُقَهَاءُ : فَتَوَلَّ شَيْئًا مِنْ أَعْمَالِهِ أَيَّ شَيْءٍ كَانَ حَتَّى يَزُولَ عَنْك هَذَا الضَّرْبُ فَتَوَلَّى لَهُ عَدَّ أَحْمَالِ التِّبْنِ الَّذِي يَدْخُلُ ، فَخَلَّاهُ ، ثُمَّ دَعَاهُ الْمَنْصُورُ إلَى مِثْلِ ذَلِكَ فَأَبَى ، فَحَبَسَهُ حَتَّى عَدَّ لَهُ اللَّبِنَ الَّذِي كَانَ يُضْرَبُ لِسُورِ مَدِينَةِ بَغْدَادَ وَكَانَ مَذْهَبُهُ مَشْهُورًا فِي قِتَالِ الظَّلَمَةِ وَأَئِمَّةِ الْجَوْرِ ، وَلِذَلِكَ قَالَ الْأَوْزَاعِيُّ : \" احْتَمَلْنَا أَبَا حَنِيفَةَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى جَاءَنَا بِالسَّيْفِ يَعْنِي قِتَالَ الظَّلَمَةِ فَلَمْ نَحْتَمِلْهُ ، وَكَانَ مِنْ قَوْلِهِ : وُجُوبُ الْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيِ عَنْ الْمُنْكَرِ فَرْضٌ بِالْقَوْلِ ، فَإِنْ لَمْ يُؤْتَمَرْ لَهُ فَبِالسَّيْفِ ، عَلَى مَا رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.\rوَسَأَلَهُ إبْرَاهِيمُ الصَّائِغُ وَكَانَ مِنْ فُقَهَاءِ أَهْلِ خُرَاسَانَ وَرُوَاةِ الْأَخْبَارِ وَنُسَّاكِهِمْ عَنْ الْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيِ عَنْ الْمُنْكَرِ ، فَقَالَ : \" هُوَ فَرْضٌ \" وَحَدَّثَهُ بِحَدِيثٍ عَنْ عِكْرِمَةَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : { أَفْضَلُ الشُّهَدَاءِ حَمْزَةُ بْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ ، وَرَجُلٌ قَامَ إلَى إمَامٍ جَائِرٍ فَأَمَرَهُ بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَاهُ عَنْ الْمُنْكَرِ فَقُتِلَ }.\rفَرَجَعَ إبْرَاهِيمُ إلَى مَرْوَ وَقَامَ إلَى أَبِي مُسْلِمٍ صَاحِبِ الدَّوْلَةِ فَأَمَرَهُ وَنَهَاهُ وَأَنْكَرَ عَلَيْهِ ظُلْمَهُ وَسَفْكَهُ الدِّمَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ ، فَاحْتَمَلَهُ مِرَارًا ثُمَّ قَتَلَهُ.\r","part":2,"page":49},{"id":530,"text":"وَقَضِيَّتُهُ فِي أَمْرِ زَيْدِ بْنِ عَلِيٍّ مَشْهُورَةٌ وَفِي حَمْلِهِ الْمَالِ إلَيْهِ وَفُتْيَاهُ النَّاسَ سِرًّا فِي وُجُوبِ نُصْرَتِهِ وَالْقِتَالِ مَعَهُ وَكَذَلِكَ أَمْرُهُ مَعَ مُحَمَّدٍ وَإِبْرَاهِيمَ ابْنَيْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حَسَنٍ ، وَقَالَ لِأَبِي إِسْحَاقَ الْفَزَارِيِّ حِينَ قَالَ لَهُ : لِمَ أَشَرْت عَلَى أَخِي بِالْخُرُوجِ مَعَ إبْرَاهِيمَ حَتَّى قُتِلَ ؟ قَالَ : مَخْرَجُ أَخِيك أَحَبُّ إلَيَّ مِنْ مَخْرَجِك \".\r","part":2,"page":50},{"id":531,"text":"وَكَانَ أَبُو إِسْحَاقَ قَدْ خَرَجَ إلَى الْبَصْرَةِ ، وَهَذَا إنَّمَا أَنْكَرَهُ عَلَيْهِ أَغْمَارُ أَصْحَابِ الْحَدِيثِ الَّذِينَ بِهِمْ فُقِدَ الْأَمْرُ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيُ عَنْ الْمُنْكَرِ حَتَّى تَغَلَّبَ الظَّالِمُونَ عَلَى أُمُورِ الْإِسْلَامِ ، فَمَنْ كَانَ هَذَا مَذْهَبَهُ فِي الْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيِ عَنْ الْمُنْكَرِ كَيْفَ يَرَى إمَامَةَ الْفَاسِقِ ؟ فَإِنَّمَا جَاءَ غَلَطُ مَنْ غَلِطَ فِي ذَلِكَ ، إنْ لَمْ يَكُنْ تَعَمَّدَ الْكَذِبَ مِنْ جِهَةِ قَوْلِهِ وَقَوْلِ سَائِرِ مَنْ يَعْرِفُ قَوْلَهُ مِنْ الْعِرَاقِيِّينَ ، أَنَّ الْقَاضِيَ إذَا كَانَ عَدْلًا فِي نَفْسِهِ فَوَلِي الْقَضَاءَ مِنْ قِبَلِ إمَامٍ جَائِرٍ أَنَّ أَحْكَامَهُ نَافِذَةٌ وَقَضَايَاهُ صَحِيحَةٌ وَأَنَّ الصَّلَاةَ خَلْفَهُمْ جَائِزَةٌ مَعَ كَوْنِهِمْ فُسَّاقًا وَظَلَمَةً ، وَهَذَا مَذْهَبٌ صَحِيحٌ وَلَا دَلَالَةَ فِيهِ عَلَى أَنَّ مِنْ مَذْهَبِهِ إمَامَةَ الْفَاسِقِ ، وَذَلِكَ لِأَنَّ الْقَاضِيَ إذَا كَانَ عَدْلًا فَإِنَّمَا يَكُونُ قَاضِيًا بِأَنْ يُمْكِنَهُ تَنْفِيذُ الْأَحْكَامِ وَكَانَتْ لَهُ يَدٌ وَقُدْرَةٌ عَلَى مَنْ امْتَنَعَ مِنْ قَبُولِ أَحْكَامِهِ حَتَّى يُجْبِرَهُ عَلَيْهَا ، وَلَا اعْتِبَارَ فِي ذَلِكَ بِمَنْ وَلَّاهُ ؛ لِأَنَّ الَّذِي وَلَّاهُ إنَّمَا هُوَ بِمَنْزِلَةِ سَائِرِ أَعْوَانِهِ.\r","part":2,"page":51},{"id":532,"text":"وَلَيْسَ شَرْطُ أَعْوَانِ الْقَاضِي أَنْ يَكُونُوا عُدُولًا ؛ أَلَا تَرَى أَنَّ أَهْلَ بَلَدٍ لَا سُلْطَانَ عَلَيْهِمْ لَوْ اجْتَمَعُوا عَلَى الرِّضَا بِتَوْلِيَةِ رَجُلٍ عَدْلٍ مِنْهُمْ الْقَضَاءَ حَتَّى يَكُونُوا أَعْوَانًا لَهُ عَلَى مَنْ امْتَنَعَ مِنْ قَبُولِ أَحْكَامِهِ لَكَانَ قَضَاؤُهُ نَافِذًا وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وِلَايَةٌ مِنْ جِهَةِ إمَامٍ وَلَا سُلْطَانٍ ؟ وَعَلَى هَذَا تَوَلَّى شُرَيْحٌ وَقُضَاةُ التَّابِعِينَ الْقَضَاءَ مِنْ قِبَلِ بَنِي أُمَيَّةَ ، وَقَدْ كَانَ شُرَيْحٌ قَاضِيًا بِالْكُوفَةِ إلَى أَيَّامِ الْحَجَّاجِ ، وَلَمْ يَكُنْ فِي الْعَرَبِ وَلَا آلِ مَرْوَانَ أَظْلَمُ وَلَا أَكْفَرُ وَلَا أَفْجَرُ مِنْ عَبْدِ الْمَلِكِ ، وَلَمْ يَكُنْ فِي عُمَّالِهِ أَكْفَرُ وَلَا أَظْلَمُ وَلَا أَفْجَرُ مِنْ الْحَجَّاجِ وَكَانَ عَبْدُ الْمَلِكِ أَوَّلَ مَنْ قَطَعَ أَلْسِنَةَ النَّاسِ فِي الْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيِ عَنْ الْمُنْكَرِ ، صَعِدَ الْمِنْبَرَ فَقَالَ : \" إنِّي وَاَللَّهِ مَا أَنَا بِالْخَلِيفَةِ الْمُسْتَضْعَفِ يَعْنِي عُثْمَانَ وَلَا بِالْخَلِيفَةِ الْمُصَانِعِ يَعْنِي مُعَاوِيَةَ وَإِنَّكُمْ تَأْمُرُونَنَا بِأَشْيَاءَ تَنْسُونَهَا فِي أَنْفُسِكُمْ ؛ وَاَللَّهِ لَا يَأْمُرُنِي أَحَدٌ بَعْدَ مَقَامِي هَذَا بِتَقْوَى اللَّهِ إلَّا ضَرَبْت عُنُقَهُ \" وَكَانُوا يَأْخُذُونَ الْأَرْزَاقَ مِنْ بُيُوتِ أَمْوَالِهِمْ وَقَدْ كَانَ الْمُخْتَارُ الْكَذَّابُ يَبْعَثُ إلَى ابْنِ عَبَّاسٍ وَمُحَمَّدِ ابْنِ الْحَنَفِيَّةِ وَابْنِ عُمَرَ بِأَمْوَالٍ ، فَيَقْبَلُونَهَا ، وَذَكَرَ مُحَمَّدُ بْنُ عَجْلَانَ عَنْ الْقَعْقَاعِ قَالَ : كَتَبَ عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ مَرْوَانَ إلَى ابْنِ عُمَرَ \" ارْفَعْ إلَيَّ حَوَائِجَك \" فَكَتَبَ إلَيْهِ : إنَّ رَسُولَ اللَّهِ","part":2,"page":52},{"id":533,"text":"صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : { إنَّ الْيَدَ الْعُلْيَا خَيْرٌ مِنْ الْيَدِ السُّفْلَى } وَأَحْسَبُ أَنَّ الْيَدَ الْعُلْيَا يَدُ الْمُعْطِي وَأَنَّ الْيَدَ السُّفْلَى يَدُ الْآخِذِ ، وَإِنِّي لَسْت سَائِلَك شَيْئًا وَلَا رَادًّا عَلَيْك رِزْقًا رَزَقَنِيهِ اللَّهُ مِنْك ، وَالسَّلَامُ وَقَدْ كَانَ الْحَسَنُ وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ وَالشَّعْبِيُّ وَسَائِرُ التَّابِعِينَ يَأْخُذُونَ أَرْزَاقَهُمْ مِنْ أَيْدِي هَؤُلَاءِ الظَّلَمَةِ ، لَا عَلَى أَنَّهُمْ كَانُوا يَتَوَلَّوْنَهُمْ وَلَا يَرَوْنَ إمَامَتَهُمْ ، وَإِنَّمَا كَانُوا يَأْخُذُونَهَا عَلَى أَنَّهَا حُقُوقٌ لَهُمْ فِي أَيْدِي قَوْمٍ فَجَرَةٍ.\rوَكَيْفَ يَكُونُ ذَلِكَ عَلَى وَجْهِ مُوَالَاتِهِمْ وَقَدْ ضَرَبُوا وَجْهَ الْحَجَّاجِ بِالسَّيْفِ ، وَخَرَجَ عَلَيْهِ مِنْ الْقُرَّاءِ أَرْبَعَةُ آلَافِ رَجُلٍ هُمْ خِيَارُ التَّابِعِينَ وَفُقَهَاؤُهُمْ فَقَاتَلُوهُ مَعَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ الْأَشْعَثِ بِالْأَهْوَازِ ثُمَّ بِالْبَصْرَةِ ثُمَّ بِدَيْرِ الْجَمَاجِمِ مِنْ نَاحِيَةِ الْفُرَاتِ بِقُرْبِ الْكُوفَةِ وَهُمْ خَالِعُونَ لِعَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ مَرْوَانَ لَاعِنُونَ لَهُمْ مُتَبَرِّئُونَ مِنْهُمْ وَكَذَلِكَ كَانَ سَبِيلُ مَنْ قَبْلَهُمْ مَعَ مُعَاوِيَةَ حِينَ تَغَلَّبَ عَلَى الْأَمْرِ بَعْدَ قَتْلِ عَلِيٍّ عَلَيْهِ السَّلَامُ وَقَدْ كَانَ الْحَسَنُ وَالْحُسَيْنُ يَأْخُذَانِ الْعَطَاءَ وَكَذَلِكَ مَنْ كَانَ فِي ذَلِكَ الْعَصْرِ مِنْ الصَّحَابَةِ وَهُمْ غَيْرُ مُتَوَلِّينَ لَهُ بَلْ مُتَبَرِّئُونَ مِنْهُ عَلَى السَّبِيلِ الَّتِي كَانَ عَلَيْهَا عَلِيٌّ عَلَيْهِ السَّلَامُ إلَى أَنْ تَوَفَّاهُ اللَّهُ تَعَالَى إلَى جَنَّتِهِ وَرِضْوَانِهِ.\r","part":2,"page":53},{"id":534,"text":"فَلَيْسَ إذًا فِي وِلَايَةِ الْقَضَاءِ مِنْ قِبَلِهِمْ وَلَا أَخْذِ الْعَطَاءِ مِنْهُمْ دَلَالَةٌ عَلَى تَوْلِيَتِهِمْ وَاعْتِقَادِ إمَامَتِهِمْ وَرُبَّمَا احْتَجَّ بَعْضُ أَغْبِيَاءِ الرُّفَضَةِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى : { لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ } فِي رَدِّ إمَامَةِ أَبِي بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَعُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ؛ لِأَنَّهُمَا كَانَا ظَالِمَيْنِ حِينَ كَانَا مُشْرِكَيْنِ فِي الْجَاهِلِيَّةِ وَهَذَا جَهْلٌ مُفْرِطٌ ؛ لِأَنَّ هَذِهِ السِّمَةَ إنَّمَا تَلْحَقُ مَنْ كَانَ مُقِيمًا عَلَى الظُّلْمِ ، فَأَمَّا التَّائِبُ مِنْهُ فَهَذِهِ السِّمَةُ زَائِلَةٌ عَنْهُ ، فَلَا جَائِزَ أَنْ يَتَعَلَّقَ بِهِ حُكْمٌ ؛ لِأَنَّ الْحُكْمَ إذَا كَانَ مُعَلَّقًا بِصِفَةٍ فَزَالَتْ الصِّفَةُ زَالَ الْحُكْمُ ، وَصِفَةُ الظُّلْمِ صِفَةُ ذَمٍّ ، فَإِنَّمَا يَلْحَقُهُ مَا دَامَ مُقِيمًا عَلَيْهِ ، فَإِذَا زَالَ عَنْهُ زَالَتْ الصِّفَةِ عَنْهُ ؛ كَذَلِكَ يَزُولُ عَنْهُ الْحُكْمُ الَّذِي عَلِقَ بِهِ مِنْ نَفْيِ نَيْلِ الْعَهْدِ فِي قَوْله تَعَالَى : { لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ } أَلَا تَرَى أَنَّ قَوْله تَعَالَى { وَلَا تَرْكَنُوا إلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا } : إنَّمَا هُوَ نَهْيٌ عَنْ الرُّكُونِ إلَيْهِمْ مَا أَقَامُوا عَلَى الظُّلْمِ ؟ وَكَذَلِكَ قَوْله تَعَالَى : { مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ } إنَّمَا هُوَ مَا أَقَامُوا عَلَى الْإِحْسَانِ فَقَوْلُهُ : { لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ } لَمْ يَنْفِ بِهِ الْعَهْدَ عَمَّنْ تَابَ عَنْ ظُلْمِهِ ؛ لِأَنَّهُ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ لَا يُسَمَّى ظَالِمًا كَمَا لَا يُسَمَّى مَوْسُومًا مَنْ تَابَ مِنْ الْكُفْرِ كَافِرًا.\r","part":2,"page":54},{"id":535,"text":"وَمَنْ تَابَ مِنْ الْفِسْقِ فَاسِقًا ، وَإِنَّمَا يُقَال : كَانَ كَافِرًا ، وَكَانَ فَاسِقًا ، وَكَانَ ظَالِمًا ؛ وَاَللَّهُ تَعَالَى لَمْ يَقُلْ : \" لَا يَنَالُ عَهْدِي مَنْ كَانَ ظَالِمًا \" وَإِنَّمَا نَفَى ذَلِكَ عَمَّنْ كَانَ مَوْسُومًا بِسِمَةِ الظَّالِم ، وَالِاسْمُ لَازِمٌ لَهُ بَاقٍ عَلَيْهِ. أ هـ {أحكام القرآن للجصاص حـ 1 صـ 85 ـ 89}","part":2,"page":55},{"id":536,"text":"ومن لطائف الإمام القشيرى فى الآية\rقوله جلّ ذكره : {وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ}.\rالبلاء تحقيق الولاء ، فأصدقهم ولاءً أشدُّهم بلاء.\rولقد ابتلى الحق - سبحانه - خليلَه ـ عليه السلام ـ بما فرض عليه وشرع له ، فقام بشرط وجوبها ، ووَفَّى بحكم مقتضاها ، فأثنى عليه سبحانه بقوله : {وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِى وَفَّى} [النجم : 37] - من التوفيه - أي لم يُقَصِّر بوجهٍ ألبتة.\rيقال حملَّه أعباء النبوة ، وطالبه بأحكام الخُلَّة ، وأشد بلاء له كان قيامه بشرائط الخلة ، والانفراد له بالتجافي عن كل واحد وكل شيء ، فقام بتصحيح ذلك مختليًا عن جميع ما سواه ، سِرًّا وعَلَنًا.\rكذلك لم يلاحظ جبريلَ ـ عليه السلام ـ حين تعرض له وهو يُقْذف في لُجة الهلاك ، فقال : هل من حاجة ؟ فقال : أمَّا إِليكَ... فلا.\rومن كمال بلائه تعرض جبريل ـ عليه السلام ـ في تلك الحالة ، وأي بقية كانت بقيت له منه حتى يكون لمخلوق فيه مساغ كائنًا من كان ؟!\rوفي هذا إشارة دقيقة إلى الفَرْقِ بين حال نبيِّنا ـ صلى الله عليه وسلم ـ وحال إبراهيم ـ عليه السلام ـ ، لأنه تعرض جبريل للخليل وعَرَضَ عليه نفسه : \rفقال : أمَّا إليكَ... فَلاَ. ولم يُطِقْ جبريل صحبة النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ فنطق بلسان العجز وقال : \rلو دنوتُ أنملة لاحترقتُ.\rوشتّان بين حالة يكون فيها جبريل ـ عليه السلام ـ من قُوَّتِه بحيث يعرض للخليل ـ عليه السلام ـ نفسه ، وبين حالةٍ يعترف للحبيب - صلوات الله عليه - فيها بعجزه.\rقوله جلّ ذكره : {إِنِّى جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا قَالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِى قَالَ لاَ يَنَالُ عَهْدِى الظَّالِمِينَ وَإِذْ جَعَلْنَا البَيْتَ مَثَابَةً لِلنَّاسِ وَأَمْنًا}.","part":2,"page":56},{"id":537,"text":"الإمام مَنْ يُقْتَدى به ، وقد حقَّق له هذا حتى خاطب جميع الخلائق إلى يوم القيامة بالاقتداء به فقال : {مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ} [الحج : 78] أي اتبعوا ملة إبراهيم يعني التوحيد ، وقال : {وَاتَّخَذُوا مِن مَّقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلَّى}.\rهذا هو تحقيق الإمامة. ورتبة الإمامة أن يَفْهَم عن الحق ثم يُفْهِمَ الخَلق ؛ فيكون واسطة بين الحق والخَلْق ، يكون بظاهره مع الخَلْق لا يفتر عن تبليغ الرسالة ، وبباطنه مشاهدًا للحق ، لا يتغير له صفاء الحالة ، ويقول للخلْق ما يقوله له الحق.\rقوله جلّ ذكره : {وَمِن ذُرِّيَّتِى}.\rنطق بمقتضى الشفقة عليهم ، فطلب لهم ما أُكرِم به. فأخبره أن ذلك ليس باستحقاق نَسَب ، أو باستيجاب سبب ، وإنما هي أقسام مضت بها أحكام فقال له : {لاَ يَنَالُ عَهْدِى الظَّالِمِينَ} وليس هذا كنعيم الدنيا وسعة الأرزاق فيها ، فهي لا ادِّخَار لها عن أحد وإن كان كافرًا ، ولذلك قال جلّ ذكره : {وَارزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ مَنْ آمَنَ مِنْهُمْ بِاللهِ وَاليَوْمِ الآخِرِ}.\rفقال الله تعالى : {وَمَن كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلاً}.\rيعني ليس للدنيا من الخطر ما يمنعها عن الكفار ، ولكن عهدي لا يناله إلا مَنْ اخترته مِنْ خواص عبادي. أ هـ {لطائف الإشارات حـ 1صـ 121 ـ 122}\rقوله تعالى {وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِلنَّاسِ وَأَمْنًا وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى وَعَهِدْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ أَنْ طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ (125)}\rسؤال : ما المراد بالبيت ؟ \rالجواب ما ذكره البغوى وأكثرالمفسرين : \r{وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ} يعني الكعبة. أ هـ {تفسير البغوى حـ1 صـ 146}","part":2,"page":57},{"id":538,"text":"وقال الفخر الرازى : \rليس المراد نفس الكعبة ، لأنه تعالى وصفه بكونه (أمناً) وهذا صفة جميع الحرم لا صفة الكعبة فقط والدليل على أنه يجوز إطلاق البيت والمراد منه كل الحرم قوله تعالى : {هَدْياً بالغ الكعبة} [المائدة : 95] والمراد الحرم كله لا الكعبة نفسها ، لأنه لا يذبح في الكعبة ، ولا في المسجد الحرام وكذلك قوله : {فَلاَ يَقْرَبُواْ المسجد الحرام بَعْدَ عَامِهِمْ هذا} [التوبة : 28] ، والمراد والله أعلم منعهم من الحج حضور مواضع النسك ، وقال في آية أخرى : {أَوَلَمْ يَرَوْاْ أَنَّا جَعَلْنَا حَرَماً ءامِناً} [العنكبوت : 67] وقال الله تعالى في آية أخرى مخبراً عن إبراهيم : {رَبِّ اجعل هذا البلد امِنًا} [إبراهيم : 35] فدل هذا على أنه وصف البيت بالأمن فاقتضى جميع الحرم ، والسبب في أنه تعالى أطلق لفظ البيت وعنى به الحرم كله أن حرمة الحرم لما كانت معلقة بالبيت جاز أن يعبر عنه باسم البيت. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ4 صـ 42}\rقوله تعالى {مثابة للناس} أي مرجعاً يرجعون إليه بكلياتهم. كلما تفرقوا عنه اشتاقوا إليه هم أو غيرهم آية على رجوعهم من الدنيا إلى ربهم. قال الحرالي : وهو مفعلة من الثوب وهو الرجوع ترامياً إليه بالكلية. وفي صيغة المفعلة دوام المعاودة مثابرة}. أ هـ {نظم الدرر حـ1 صـ 139}\rقوله تعالى : {مَثَابَةً لّلنَّاسِ}\rقال أهل اللغة : أصله من ثاب يثوب مثابة وثوباً إذا رجع\rقال الحسن : معناه أنهم يثوبون إليه في كل عام ، وعن ابن عباس ومجاهد : أنه لا ينصرف عنه أحد إلا وهو يتمنى العود إليه ، قال الله تعالى : {فاجعل أَفْئِدَةً مّنَ الناس تَهْوِى إِلَيْهِمْ} [إبراهيم : 37] وقيل : مثابة أي يحجون إليه فيثابون عليه. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 4 صـ 42}","part":2,"page":58},{"id":539,"text":"سؤال : فإن قيل : كون البيت مثابة يحصل بمجرد عودهم إليه ، وذلك يحصل بفعلهم لا بفعل الله تعالى ، فما معنى قوله : {وَإِذْ جَعَلْنَا البيت مَثَابَةً لّلنَّاسِ} ؟ \rالجواب : قلنا : أما على قولنا ففعل العبد مخلوق لله تعالى فهذه الآية حجة على قولنا في هذه المسألة ، وأما على قول المعتزلة فمعناه أنه تعالى ألقى تعظيمه في القلوب ليصير ذلك داعياً لهم إلى العود إليه مرة بعد أخرى ، وإنما فعل الله تعالى ذلك لما فيه من منافع الدنيا والآخرة ، أما منافع الدنيا فلأن أهل المشرق والمغرب يجتمعون هناك ، فيحصل هناك من التجارات وضروب المكاسب ما يعظم به النفع ، وأيضاً فيحصل بسبب السفر إلى الحج عمارة الطريق والبلاد ، ومشاهدة الأحوال المختلفة في الدنيا ، وأما منافع الدين فلأن من قصد البيت رغبة منه في النسك والتقرب إلى الله تعالى ، وإظهار العبودية له ، والمواظبة على العمرة والطواف ، وإقامة الصلاة في ذلك المسجد المكرم والاعتكاف فيه ، يستوجب بذلك ثواباً عظيماً عند الله تعالى. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ4 صـ 43}\rقوله تعالى : {وَأَمْناً} فيه قولان : \rأحدهما : لأمنه في الجاهلية من مغازي العرب ، لقوله : {وءَامَنَهُم مِنْ خَوفٍ} [قريش : 4].\rوالثاني : لأمن الجناة فيه من إقامة الحدود عليهم حتى يخرجوا منه. أ هـ {النكت والعيون حـ1 صـ 186}\rوقال ابن عطية : \rو {أمناً} معناه أن الناس يغيرون ويقتتلون حول مكة وهي أمنة من ذلك ، يلقى الرجل بها قاتل أبيه فلا يهيجه ، لأن الله تعالى جعل في النفوس حرمة وجعلها أمناً للناس والطير والوحوش ، وخصص الشرع من ذلك الخمس الفواسق ، على لسان النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ. أ هـ {المحرر الوجيز حـ1 صـ 207}\rوقال الإمام الجصاص ـ رحمه الله ـ\rوَقَوْلُهُ : {وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِلنَّاسِ وَأَمْنًا} إنَّمَا هُوَ حُكْمٌ مِنْهُ بِذَلِكَ لَا خَبَرٌ.","part":2,"page":59},{"id":540,"text":"وَكَذَلِكَ قَوْله تَعَالَى : {رَبِّ اجْعَلْ هَذَا بَلَدًا آمِنًا} {وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا} كُلُّ هَذَا مِنْ طَرِيقِ الْحُكْمِ ، لَا عَلَى وَجْهِ الْإِخْبَارِ بِأَنَّ مَنْ دَخَلَهُ لَمْ يَلْحَقْهُ سُوءٌ ؛ لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ خَبَرًا لَوَجَدَ مُخْبِرُهُ عَلَى مَا أَخْبَرَ بِهِ ؛ لِأَنَّ أَخْبَارَ اللَّهِ تَعَالَى لَا بُدَّ مِنْ وُجُودِهَا عَلَى مَا أَخْبَرَ بِهِ ، وَقَدْ قَالَ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ : {وَلَا تُقَاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ حَتَّى يُقَاتِلُوكُمْ فِيهِ فَإِنْ قَاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ} فَأَخْبَرَ بِوُقُوعِ الْقَتْلِ فِيهِ ؛ فَدَلَّ أَنَّ الْأَمْرَ الْمَذْكُورَ إنَّمَا هُوَ مِنْ قَبْلِ حُكْمِ اللَّهِ تَعَالَى بِالْأَمْنِ فِيهِ وَأَنْ لَا يُقْتَلَ الْعَائِذُ بِهِ وَاللَّاجِئُ إلَيْهِ.\rوَكَذَلِكَ كَانَ حُكْمُ الْحَرَمِ مُنْذُ عَهْدِ إبْرَاهِيمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ إلَى يَوْمِنَا هَذَا ، وَقَدْ كَانَتْ الْعَرَبُ فِي الْجَاهِلِيَّةِ تَعْتَقِدُ ذَلِكَ لِلْحَرَمِ وَتَسْتَعْظِمُ الْقَتْلَ فِيهِ عَلَى مَا كَانَ بَقِيَ فِي أَيْدِيهِمْ مِنْ شَرِيعَةِ إبْرَاهِيمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ. أ هـ {أحكام القرآن للجصاص حـ1 صـ 90}\rسؤال : فإن قيل : لم سماه الله\"أمنا\" ؟ \rفالجواب : إنما سماه الله\"أمنا\" ، لأنه كان في الجاهلية معاذا لمن استعاذ به ، وكان الرجل منهم لو لقي به قاتل أبيه أو أخيه ، لم يهجه ولم يعرض له حتى يخرج منه ، وكان كما قال الله جل ثناؤه : (أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا حَرَمًا آمِنًا وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ ). [سورة العنكبوت : 67]. أ هـ {تفسير الطبرى حـ2 صـ29}\rسؤال : فإن قيل : ليس كل من جاءه يعود إليه ، ","part":2,"page":60},{"id":541,"text":"قيل : ليس يختص بمن ورد عليه ، وإنما المعنى أنه لا يخلو من الجملة ، ولا يعدم قاصداً من الناس ؛ والله تعالى أعلم. أ هـ {تفسير القرطبى حـ 2 صـ 111}\rكلام نفيس فى معنى {الأمن}\rوالأمن مصدر أخبر به عن البيت باعتبار أنه سبب أمن فجعل كأنه نفس الأمن مبالغة. والأمن حفظ الناس من الأضرار فتشريد الدعَّار وحراسة البلاد وتمهيد السبل وإنارة الطرق أمن ، والانتصاف من الجناة والضرب على أيدي الظلمة وإرجاع الحقوق إلى أهلها أمن ، فالأمن يفسر في كل حال بما يناسبه ، ولما كان الغالب على أحوال الجاهلية أخذ القوي مال الضعيف ولم يكن بينهم تحاكم ولا شريعة كان الأمن يومئذ هو الحيلولة بين القوي والضعيف ، فجعل الله لهم البيت أمناً للناس يومئذ أي يصد القوي عن أن يتناول فيه الضعيف قال تعالى : {أو لم يروا أنا جعلنا حرماً آمناً ويتخطف الناس من حولهم} [العنكبوت : 67] فهذه منة على أهل الجاهلية ، وأما في الإسلام فقد أغنى الله تعالى بما شرعه من أحكامه وما أقامه من حكامه فكان ذلك أمناً كافياً. أ هـ {التحرير والتنوير حـ 1صـ 407}\rومن لطائف الإمام القشيرى فى الآية الكريمة\rلِلنَّاسِ وَأَمْنًا}.\rواذكر يا محمد حين جعلنا البيت - يعني الكعبة - مثابة للناس إليه يثوبون ، ومأمنًا لهم إليه يرجعون ، وإياه من كل نحوٍ يقصدون.\rهو بيت خلقتُه من الحجر ولكن أضفته إلى الأزل ؛ فمن نظر إلى البيت بعين الخِلْقَة انفصل ، ومن نظر إليه بعين الإضافة وصل واتصل ، وكلُّ من التجأ إلى ذلك البيت أَمِنَ من عقوبة الآخرة إذا كان التجاؤه على جهة الإعظام والاحترام ، والتوبة عن الآثام.\rويقال بُنيَ البيتُ من الحجر لكنه حجر يجذب القلوب كحجر المغناطيس يجذب الحديد.\rبيتٌ من وقع عليه ظِلُّه أناخ بعَقْوَةِ الأمن.\rبيتٌ مَنْ وقع عليه طَرْفُه بُشِّرَ بتحقيق الغفران.","part":2,"page":61},{"id":542,"text":"بيتٌ مَنْ طاف حَوْلَه طافت اللطائف بقلبه ، فطَوْفَة بطوفة ، وشَوْطة بشوطة وهل جزاء الإحسان إلا الإحسان.\rبيتٌ ما خَسِرَ مَنْ أنفق على الوصول إليه مَالَه.\rبَيت ما ربح مَنْ ضَنَّ عليه بشيءٍ ؛ مَنْ زاره نَسِيَ مزارَه ، وهجر ديارَه.\rبيت لا تُسْتَبْعَدُ إليه المسافة ، بيت لا تُنْرَك زيارته لحصول مخافة ، أو هجوم آفة ، بيت ليس له بمهجة الفقراء آفة.\rبيت من قعد عن زيارته فَلِعدَمِ فُتَوَّتِه ، أو لقلة محبته.\rبيتٌ من صَبِرَ عنه فقلبه أقسى من الحجارة. بيت من وقع عليه شعاعُ أنواره تَسَلَّى عن شموسه وأقماره.\rبيت ليس العجب ممن بقي (عنه) كيف يصبر ، إنما العجب ممن حضره كيف يرجع !. أ هـ {لطائف الإشارات حـ1 صـ 122 ـ 123}","part":2,"page":62},{"id":543,"text":"كلام نفيس للعلامة ابن القيم فى خواص البيت العتيق\rقال رحمه الله : \rومن خواصه أنه يعاقب فيه على الهم بالسيئات وإن لم يفعلها قال تعالى : {ومن يرد فيه بإلحاد بظلم نذقه من عذاب أليم} [الحج : 25] فتأمل كيف عدى فعل الإرادة هاهنا بالباء ولا يقال : أردت بكذا إلا لما ضمن معنى فعل هم فإنه يقال : هممت بكذا فتوعد من هم بأن يظلم فيه بأن يذيقه العذاب الأليم\rومن هذا تضاعف مقادير السيئات فيه لا كمياتها فإن السيئة جزاؤها سيئة لكن سيئة كبيرة وجزاؤها مثلها وصغيرة جزاؤها مثلها فالسيئة في حرم الله وبلده وعلى بساطه آكد وأعظم منها في طرف من أطراف الأرض ولهذا ليس من عصى الملك على بساط ملكه كمن عصاه في الموضع البعيد من داره وبساطه فهذا فصل النزاع في تضعيف السيئات والله أعلم\rوقد ظهر سر هذا التفضيل والاختصاص فى انجذاب الأفئدة وهوى القلوب وانعطافها ومحبتها لهذا البلد الأمين\rفجذبه للقلوب أعظم من جذب المغناطيس للحديد فهو الأولى بقول القائل\rمحاسنه هيولى كل حسن... ومغناطيس أفئدة الرجال\rولهذا أخبر سبحانه أنه مثابة للناس أي : يثوبون إليه على تعاقب الأعوام من جميع الأقطار ولا يقضون منه وطرا بل كلما ازدادوا له زيارة ازدادوا له اشتياقا\rلا يرجع الطرف عنها حين ينظرها... حتى يعود إليها الطرف مشتاقا\rفلله كم لها من قتيل وسليب وجريح وكم أنفق في حبها من الأموال والأرواح ورضي المحب بمفارقة فلذ الأكباد والأهل والأحباب والأوطان مقدما بين يديه أنواع المخاوف والمتالف والمعاطف والمشاق وهو يستلذ ذلك كله ويستطيبه ويراه - لو ظهر سلطان المحبة في قلبه - أطيب من نعم المتحليه وترفهم ولذاتهم\rوليس محبا من يعد شقاءه... عذابا إذا ما كان يرضى حبيبه\r","part":2,"page":63},{"id":544,"text":"وهذا كله سر إضافته إليه سبحانه وتعالى بقوله : {وطهر بيتي} [الحج : 26] فاقتضت هذه الإضافة الخاصة من هذا الإجلال والتعظيم والمحبة ما اقتضته كما اقتضت إضافته لعبده ورسوله إلى نفسه ما اقتضته من ذلك وكذلك إضافته عباده المؤمنين إليه كستهم من الجلال والمحبة والوقار ما كستهم فكل ما أضافه الرب تعالى إلى نفسه فله من المزية والاختصاص على غيره ما أوجب له الاصطفاء والاجتباء ثم يكسوه بهذه الإضافة تفضيلا آخر وتخصيصا وجلالة زائدا على ما كان له قبل الإضافة ولم يوفق لفهم هذا المعنى من سوى بين الأعيان والأفعال والأزمان والأماكن وزعم أنه لا مزية لشئ منها على شئ وإنما هو مجرد الترجيح بلا مرجح وهذا القول باطل بأكثر من أربعين وجها قد ذكرت في غير هذا الموضع ويكفي تصور هذا المذهب الباطل في فساده فإن مذهبا يقتضي أن تكون ذوات الرسل كذوات أعدائهم في الحقيقة وإنما التفضيل بأمر لا يرجع إلى اختصاص الذوات بصفات ومزايا لا تكون لغيرها وكذلك نفس البقاع واحدة بالذات ليس لبقعة على بقعة مزية ألبتة وإنما هو لما يقع فيها من الأعمال الصالحة فلا مزية لبقعة البيت والمسجد الحرام ومنى وعرفة والمشاعر على أي بقعة سميتها من الأرض وإنما التفضيل باعتبار أمر خارج عن البقعة لا يعود إليها ولا إلى وصف قائم بها والله سبحانه وتعالى قد رد هذا القول الباطل بقوله تعالى : {وإذا جاءتهم آية قالوا لن نؤمن حتى نؤتى مثل ما أوتي رسل الله} قال الله تعالى : {الله أعلم حيث يجعل رسالته} [الأنعام : 124] أي : ليس كل أحد أهلا ولا صالحا لتحمل رسالته بل لها محال مخصوصة لا تليق إلا بها ولا تصح إلا لها والله أعلم بهذه المحال منكم ولو كانت الذوات متساوية كما قال هؤلاء لم يكن في ذلك رد عليهم وكذلك قوله تعالى : {وكذلك فتنا بعضهم ببعض ليقولوا أهؤلاء من الله عليهم من بيننا أليس الله بأعلم بالشاكرين} [الأنعام : 53] أي : هو سبحانه أعلم بمن","part":2,"page":64},{"id":545,"text":"يشكره على نعمته فيختصه بفضله ويمن عليه ممن لا يشكره فليس كل محل يصلح لشكره واحتمال منته والتخصيص بكرامته فذوات ما اختاره واصطفاه من الأعيان والأماكن والأشخاص وغيرها مشتملة على صفات وأمور قائمة بها ليس لغيرها ولأجلها اصطفاها الله وهو سبحانه الذي فضلها بتلك الصفات وخصها بالاختيار فهذا خلقه وهذا اختياره {وربك يخلق ما يشاء ويختار} [القصص : 67] وما أبين بطلان رأي يقضي بأن مكان البيت الحرام مساو لسائر الأمكنة وذات الحجر الأسود مساوية لسائر حجارة الأرض وذات رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ مساوية لذات غيره ، وإنما التفضيل في ذلك بأمور خارجة عن الذات والصفات القائمة بها وهذه الأقاويل وأمثالها من الجنايات التي جناها المتكلمون على الشريعة ونسبوها إليها وهي بريئة منها وليس معهم أكثر من اشتراك الذوات في أمر عام وذلك لا يوجب تساويها في الحقيقة لأن المختلفات قد تشترك في أمر عام مع اختلافها في صفاتها النفسية\rوما سوى الله تعالى بين ذات المسك وذات البول أبدا ولا بين ذات الماء وذات النار أبدا والتفاوت البين بين الأمكنة الشريفة وأضدادها والذوات الفاضلة وأضدادها أعظم من هذا التفاوت بكثير فبين ذات موسى ـ عليه السلام ـ وذات فرعون من التفاوت أعظم مما بين المسك والرجيع وكذلك التفاوت بين نفس الكعبة وبين بيت السلطان أعظم من هذا التفاوت أيضا بكثير فكيف تجعل البقعتان سواء في الحقيقة والتفضيل باعتبار ما يقع هناك من العبادات والأذكار والدعوات ؟ \rولم نقصد استيفاء الرد على هذا المذهب المردود المرذول وإنما قصدنا تصويره وإلى اللبيب العادل العاقل التحاكم ولا يعبأ الله وعباده بغيره شيئا والله سبحانه لا يخصص شيئا ولا يفضله ويرجحه إلا لمعنى يقتضي تخصيصه وتفضيله نعم هو معطي ذلك المرجح وواهبه فهو الذي خلقه ثم اختاره بعد خلقه {وربك يخلق ما يشاء ويختار}. أ هـ {زاد المعاد حـ 1 صـ 47}","part":2,"page":65},{"id":546,"text":"قوله تعالى : {وَاتَّخِذُوا} قرأ نافع وابن عامر بفتح الخاء على الخبر ، وقرأ الباقون بكسر الخاء على الأمر {مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى} قال ابن يمان (2) المسجد كله مقام إبراهيم ، وقال إبراهيم النخعي : الحرم كله مقام إبراهيم ، وقيل : أراد بمقام إبراهيم جميع مشاهد الحج ، مثل عرفة ومزدلفة وسائر المشاهد.\rوالصحيح أن مقام إبراهيم هو الحجر الذي في المسجد يصلي إليه الأئمة ، وذلك الحجر الذي قام عليه إبراهيم ـ عليه السلام ـ عند بناء البيت ، وقيل : كان أثر أصابع رجليه بينا فيه فاندرس من كثرة المسح بالأيدي ، قال قتادة ومقاتل والسدي : أمروا بالصلاة عند مقام إبراهيم ولم يؤمروا بمسحه وتقبيله. أ هـ {تفسير البغوى حـ1 صـ 147}\rومقام إبراهيم هو الحجر الذي قام عليه حين جاء لزيارة ولده إسماعيل عليهما الصلاة والسلام فلم يجده ، فغسلت امرأة إسماعيل رأسه وهو معتمد برجله عليه وهو راكب ، غسلت شق رأسه الأيمن وهو معتمد على الحجر برجله اليمنى ، ثم أدارت الحجر إلى الجانب الأيسر وغسلت شقه الأيسر ، فغاصت رجلاه فيه ؛ ولهذا أثر قدميه مختلف ، أصابع هذه عند عقب هذه ، وهو قبل أن يبني البيت - والله أعلم بمراده. أ هـ {نظم الدرر حـ1 صـ 240}\rوقال ابن عطية : \rواختلف في {مقام إبراهيم} ، فقال ابن عباس وقتادة وغيرهما ، وخرجه البخاري : إنه الحجر الذي ارتفع عليه إبراهيم حين ضعف عن رفع الحجارة التي كان إسماعيل يناوله إياها في بناء البيت وغرقت قدماه فيه.\rوقال الربيع بن أنس : هو حجر ناولته إياه امرأته فاغتسل عليه وهو راكب ، جاءته به من شق ثم من شق فغرقت رجلاه فيه حين اعتمد عليه ، وقال فريق من العلماء : المقام المسجد الحرام ، وقال عطاء بن أبي رباح : المقام عرفة والمزدلفة والجمار ، وقال ابن عباس : مقامه مواقف الحج كلها ، وقال مجاهد : مقامه الحرم كله. أ هـ {المحرر الوجيز حـ1 صـ 208}\rوقد رجح الفخر الرازى القول الأول واحتج له فقال : ","part":2,"page":66},{"id":547,"text":"واتفق المحققون على أن القول الأول أولى ويدل عليه وجوه. الأول : ما روى جابر أنه ـ عليه السلام ـ لما فرغ من الطواف أتى المقام وتلا قوله تعالى : {واتخذوا مِن مَّقَامِ إبراهيم مُصَلًّى} فقراءة هذه اللفظة عند ذلك الموضع تدل على أن المراد من هذه اللفظة هو ذلك الموضع ظاهر. وثانيها : أن هذا الاسم في العرف مختص بذلك الموضع والدليل عليه أن سائلاً لو سأل المكي بمكة عن مقام إبراهيم لم يجبه ولم يفهم منه إلا هذا الموضع. وثالثها : ما روي أنه ـ عليه السلام ـ مر بالمقام ومعه عمر فقال : يا رسول الله أليس هذا مقام أبينا إبراهيم ؟ قال : بلى. قال : أفلا نتخذه مصلى ؟ قال : لم أومر بذلك ، فلم تغب الشمس من يومهم حتى نزلت الآية. ورابعها : أن الحجر صار تحت قدميه في رطوبة الطين حتى غاصت فيه رجلا إبراهيم ـ عليه السلام ـ ، وذلك من أظهر الدلائل على وحدانية الله تعالى ومعجزة إبراهيم ـ عليه السلام ـ فكان اختصاصه بإبراهيم أولى من اختصاص غيره به ، فكان إطلاق هذا الاسم عليه أولى. وخامسها : أنه تعالى قال : {واتخذوا مِن مَّقَامِ إبراهيم مُصَلًّى} وليس للصلاة تعلق بالحرم ولا بسائر المواضع إلا بهذا الموضع ، فوجب أن يكون مقام إبراهيم هو هذا الموضع. وسادسها : أن مقام إبراهيم هو موضع قيامه ، وثبت بالأخبار أنه قام على هذا الحجر عند المغتسل ولم يثبت قيامه على غيره فحمل هذا اللفظ ، أعني : مقام إبراهيم ـ عليه السلام ـ على الحجر يكون أولى. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 4 صـ 45}","part":2,"page":67},{"id":548,"text":"فائدة فى قوله تعالى {واتخذوا}\rوالقراءتان تقتضيان أن اتخاذ مقام إبراهيم مصلَّى كان من عهد إبراهيم ـ عليه السلام ـ ولم يكن الحَجَر الذي اعتلى عليه إبراهيم في البناء مخصوصاً بصلاة عنده ولكنه مشمول للصلاة في المسجد الحرام ولما جاء الإسلام بقي الأمر على ذلك إلى أن كان عام حجة الوداع أو عام الفتح دخل رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ المسجدَ الحرام ومعه عمر بن الخطاب ثم سنت الصلاة عند المقام في طواف القدوم. أ هـ {التحرير والتنوير حـ1 صـ 408}\rسؤال : ما المراد بقوله {مصلى} ؟ \rالجواب : ذكروا في المراد بقوله : {مُصَلًّى} وجوهاً. أحدها : المصلى المدعى فجعله من الصلاة التي هي الدعاء ، قال الله تعالى : {يا أيها الذين ءامَنُواْ صَلُّواْ عَلَيْهِ} [الأحزاب : 56] وهو قول مجاهد ، وإنما ذهب إلى هذا التأويل ليتم له قوله : إن كل الحرم مقام إبراهيم. وثانيها : قال الحسن : أراد به قبلة. وثالثها : قال قتادة والسدي : أمروا أن يصلوا عنده. قال أهل التحقيق : هذا القول أولى لأن لفظ الصلاة إذا أطلق يعقل منه الصلاة المفعولة بركوع وسجود ألا ترى أن مصلى المصر وهو الموضع الذي يصلى فيه صلاة العيد وقال ـ عليه السلام ـ لأسامة بن زيد المصلى أمامك يعني به موضع الصلاة المفعولة ، وقد دل عليه أيضاً فعل النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ للصلاة عنده بعد تلاوة الآية ولأن حملها على الصلاة المعهودة أولى لأنها جامعة لسائر المعاني التي فسروا الآية بها. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 4 صـ 45}\rومن لطائف الإمام القشيرى فى قوله جلّ ذكره : {وَاتَّخِذُوا مِن مَّقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلَّى}.\rعَبْدٌ رفع لله سبحانه قَدمًا فإلى القيامة جعل أثر قَدَمِه قِبْلَةً لجميع المسلمين إكرامًا لا مدى له. أ هـ {لطائف الإشارات حـ1 صـ 123}\rقوله تعالى {وعهدنا إلى إبراهيم وإسماعيل}","part":2,"page":68},{"id":549,"text":"أي أمرناهما وألزمناهما وأوجبنا عليهما. قيل : إنما سمي إسماعيل لأن إبراهيم كان يدعو الله أن يرزقه ولداً ، ويقول في دعائه : اسمع يا إيل وإيل بلسان السريانية هو الله. فلما رزق الولد سماه به {أن طهرا بيتي} يعني الكعبة أضافه إليه تشريفاً وتفضيلاً وتخصيصاً. أ هـ {تفسير الخازن حـ1 صـ 82}\rوقال الآلوسى : \rوإسماعيل علم أعجمي قيل : معناه بالعربية مطيع الله ، وحكي أن إبراهيم ـ عليه السلام ـ كان يدعو أن يرزقه الله تعالى ولداً ، ويقول : اسمع إيل أي استجب دعائي يا الله فلما رزقه الله تعالى ذلك سماه بتلك الجملة ، وأراه في غاية البعد وللعرب فيه لغتان اللام والنون. أ هـ {روح المعانى حـ1 صـ 380}\rسؤال : فإن قيل : لم يكن هناك بيت ؛ فما معنى أمرهما بتطهيره ؟ \rفعنه جوابان : \rأحدهما : أنه كانت هناك أصنام ، فأمرا بإخراجها ، قاله عكرمة.\rوالثاني : أن معناه : ابنياه مطهراً. أ هـ {زاد المسير حـ1 صـ 142}","part":2,"page":69},{"id":550,"text":"وقال الفخر الرازى : \rإن المفسرين ذكروا وجوهاً. أحدها : أن معنى : {طَهّرَا بَيْتِىَ} ابنياه وطهراه من الشرك وأسساه على التقوى ، كقوله تعالى : {أَفَمَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ على تقوى مِنَ اللَّهِ} [التوبة : 109]. وثانيها : عرفا الناس أن بيتي طهرة لهم متى حجوه وزاروه وأقاموا به ، ومجازه : اجعلاه طاهراً عندهم ، كما يقال : الشافعي رضي الله عنه يطهر هذا ، وأبو حنيفة ينجسه. وثالثها : ابنياه ولا تدعا أحداً من أهل الريب والشرك يزاحم الطائفين فيه ، بل أقراه على طهارته من أهل الكفر والريب ، كما يقال : طهر الله الأرض من فلان ، وهذه التأويلات مبنية على أنه لم يكن هناك ما يوجب إيقاع تطهيره من الأوثان والشرك ، وهو كقوله تعالى : {وَلَهُمْ فِيهَا أزواج مُّطَهَّرَةٌ} [البقرة : 25] فمعلوم أنهن لم يطهرن من نجس بل خلقن طاهرات ، وكذا البيت المأمور بتطهيره خلق طاهراً ، والله أعلم. ورابعها : معناه نظفا بيتي من الأوثان والشرك والمعاصي ، ليقتدي الناس بكما في ذلك. وخامسها : قال بعضهم : إن موضع البيت قبل البناء كان يلقى فيه الجيف والأقذار فأمر الله تعالى إبراهيم بإزالة تلك القاذورات وبناء البيت هناك ، وهذا ضعيف لأن قبل البناء ما كان البيت موجوداً فتطهير تلك العرصة لا يكون تطهيراً للبيت ، ويمكن أن يجاب عنه بأنه سماه بيتاً لأنه علم أن مآله إلى أن يصير بيتاً ولكنه مجاز.\rأ هـ {مفاتيح الغيب حـ 4 صـ 47 ـ 48}\rسؤال : لم كان الخطاب فى هذه الآية {وَعَهِدْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ} لـ [إبراهيم ـ وإسماعيل] عليهما السلام وفى سورة الحج اختص بالخليل وحده فى قوله تعالى {وَإِذْ بَوَّأْنَا لإبراهيم مَكَانَ البيت} [الحج : 6 2] ؟ \rالجواب ما ذكره الآلوسى بقوله : ","part":2,"page":70},{"id":551,"text":"وتوجيه الأمر هنا إلى إبراهيم وإسمعيل لا ينافي ما في سورة الحج من تخصيصه بإبراهيم ـ عليه السلام ـ فإن ذلك واقع قبل بناء البيت كما يفصح عنه قوله تعالى : {وَإِذْ بَوَّأْنَا لإبراهيم مَكَانَ البيت} [الحج : 6 2] وكان إسماعيل حينئذ بمعزل من مثابة الخطاب ، وظاهر أن هذا بعد بلوغه مبلغ الأمر والنهي ، وتمام البناء بمباشرته كما ينبىء عنه إيراده إثر حكاية جعله مثابة. أ هـ {روح المعانى حـ1 صـ 381}\rسؤال : لم أضاف الله البيت إليه ؟ \rوأضاف الباري البيت إليه لفوائد ، منها : أن ذلك يقتضي شدة اهتمام إبراهيم وإسماعيل بتطهيره ، لكونه بيت الله ، فيبذلان جهدهما ، ويستفرغان وسعهما في ذلك.\rومنها : أن الإضافة تقتضي التشريف والإكرام ، ففي ضمنها أمر عباده بتعظيمه وتكريمه.\rومنها : أن هذه الإضافة هي السبب الجاذب للقلوب إليه. أ هـ {تفسير السعدى حـ1 صـ 65}\rقوله تعالى : {لِلطَّائِفِينَ والعاكفين والركع السجود}\rفي هذه الأوصاف الثلاثة قولان ، الأول : وهو الأقرب أن يحمل ذلك على فرق ثلاثة ، لأن من حق المعطوف أن يكون غير المعطوف عليه ، فيجب أن يكون الطائفون غير العاكفين والعاكفون غير الركع السجود لتصح فائدة العطف ، فالمراد بالطائفين : من يقصد البيت حاجاً أو معتمراً فيطوف به ، والمراد بالعاكفين : من يقيم هناك ويجاور ، والمراد بالركع السجود : من يصلي هناك. والقول الثاني : وهو قول عطاء : أنه إذا كان طائفاً فهو من الطائفين ، وإذا كان جالساً فهو من العاكفين ، وإذا كان مصلياً فهو من الرجع السجود. أ هـ\r{مفاتيح الغيب حـ 4 صـ 48}\rسؤال : لم خص الركوع والسجود بالذكر ؟ ","part":2,"page":71},{"id":552,"text":"وخص الركوع والسجود بالذكر لأنهما أقرب أحوال المصلي إلى الله تعالى ، وكل مقيم عند بيت الله إرادة ذات الله فلا يخلو من إحدى هذه الرتب الثلاث ، إما أن يكون في صلاة أو في طواف فإن كان في شغل من دنياه فحال العكوف على مجاورة البيت لا يفارقه. أ هـ {تفسير الخازن حـ1 صـ 82}\rسؤال : لم جمع الطائف والعاكف جمع سلامة ، وجمع الراكع والساجد جمع تكسير ؟\rوقد جمع الطائف والعاكف جمع سلامة ، وجمع الراكع والساجد جمع تكسير ، تفنناً في الكلام وبعداً عن تكرير الصيغة أكثر من مرة بخلاف نحو قوله : {مسلمات مؤمنات قانتات تائبات} [التحريم : 5] الآية ، وقوله : {إن المسلمين والمسلمات والمؤمنين والمؤمنات} [الأحزاب : 35] الآية ، وقال ابن عرفة \"جمع الطائفين والعاكفين جمع سلامة لأنه أقرب إلى لفظ الفعل بمنزلة يطوفون أي يجددون الطواف للإشعار بعلة تطهير البيت وهو قرب هذين من البيت بخلاف الركوع والسجود فإنه لا يلزم أن يكونا في البيت ولا عنده فلذلك لم يجمع جمع سلامة\" ، وهذا الكلام يؤذن بالفرق بين جمع السلامة وجمع التكسير من حيث الإشعار بالحدوث والتجدد. أ هـ {التحرير والتنوير حـ1 صـ 409}\rسؤال : لم لم يعطف السجود على (الركع) ؟\rولم يعطف السجود على (الركع) لأن الوصفين متلازمان ولو عطف لتوهم أنهما وصفان مفترقان. أ هـ {التحرير والتنوير حـ1 صـ 409}\rأسئلة وأجوبة لابن عرفة فى الآية الكريمة\rقال ابن عرفة : وقدم الطائفين لقرب الطواف من البيت (واختصاصه) به والعكوف في سائر البلد ، وإن أريد به الاعتكاف فهو أحرى لأنه يكون فيه (وفي) كل مسجد تصلى فيه الجمعة ثم الرّكوع والسجود لأنه يكون في سائر المساجد والمواضع الطاهرة.","part":2,"page":72},{"id":553,"text":"وقال السماكي : لأن العكوف يخص موضعا واحدا من المسجد والطواف يكون بجميع البيت فهو أعم والأعم قبل الأخص. قال وجمع : (الطائفين) جمع سلامة لأنه أقرب إلى لفظ بمنزلة يطوفون للاشعار بعلة تطهير البيت وهو حدوث الطواف وتجرده ولو قيل : الطواف : لم يفد ذلك لأن المصدر يخفي ذلك ، وجمع العاكفين جمع سلامة لقربهم من البيت كالطائفين بخلاف الركوع والسجود فإنّه لا يلزم أن يكون في البيت ولا عنده ، فلذلك لم يجمع جمع سلامة ولم يعطف (السجود على الركوع) لأنّ الرّكع هم السّاجدون ومن لم يسجد فليس براكع شرعا ، ولأن السجود يكون مصدر \" سَجَدَ \" ويكون جمع \" سَاجِد \" ولو عطف لأوهم أنه مصدر.\rفإن قلت : هلا قيل : السجّد ، كما قيل : الركع ، قال الله تعالى : {رُحَمَآءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعاً سُجَّداً} قلت : يراد بالسجود وضع (الجبهة على) الأرض ويراد به الخشوع ولو قيل (السجَّد) لم يتناول إلا السجود المرئيِ بالعين ، فقيل : السجود ليعم المعنوي والحسي بخلاف الركوع. وجعل السجود وصفا له لأن الخشوع روح الصلاة وسرها. أ هـ {تفسير ابن عرفة حـ1 صـ164}\rقوله تعالى {وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا بَلَدًا آَمِنًا وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ مَنْ آَمَنَ مِنْهُمْ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ قَالَ وَمَنْ كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلًا ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلَى عَذَابِ النَّارِ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (126)}","part":2,"page":73},{"id":554,"text":"قال الفخر : \rاعلم أن هذا هو النوع الثالث من أحوال إبراهيم ـ عليه السلام ـ التي حكاها الله تعالى ههنا ، قال القاضي : في هذه الآيات تقديم وتأخير ، لأن قوله : {رَبِّ اجعل هذا بَلَدًا آمِنًا} لا يمكن إلا بعد دخول البلد في الوجود ، والذي ذكره من بعد وهو قوله : {وَإِذْ يَرْفَعُ إبراهيم القواعد مِنَ البيت} [البقرة : 128] وإن كان متأخراً في التلاوة فهو متقدم في المعنى. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 4 صـ 49}\rوقال النيسابورى : \rفي ترتيب القصة فوائد منها : أنه أجمل القصة في قوله {وإذ ابتلى} إلى {فأتمهن} ثم فسر ، وفي التفسير قدم الأهم فالأهم ، ولا ريب أن ذكر جعل إبراهيم إماماً أولى بالتقديم لعموم نفعه للخلائق ولتقدمه في الوجود أيضاً ، ثم ذكر جعل البيت مثابة للناس وأمناً لأنه المقصود من عمارة البيت ثم حكاية عمارة البيت. وقد حصل في ضمن رعاية الأهم فوائد أخر منها : أنه كما كان مبنى القصة على الإجمال والتفسير وقع كل من أجزائها أيضاً كذلك فقوله {وإذ جعلنا البيت مثابة للناس وأمناً} مجمل ، ثم فسر ذلك بأن جعله ذا أمن كان بسبب دعاء إبراهيم. وذكر البيت أولاً وقع مجملاً ثم فسر بأنه كيف بني ومنها أنه وقع ختم الكلام بأدعية إبراهيم ـ عليه السلام ـ ووقع ختم الأدعية بذكر خاتم النبيين ، وهذا ترتيب لا يتصور أحسن منه ولعل ما فاتنا من أسرار هذا الترتيب أكثر مما أحصينا. أ هـ\r{غرائب القرآن ورغائب الفرقان حـ1 صـ327}\rقوله تعالى {وإذ قال إبراهيم رب}\rسؤال : لم أسقط حرف النداء {يا} فى قوله {رب} ؟ \rالجواب : أسقط أداة البعد إنباء بقربه كما هو حال أهل الصفوة. أ هـ {نظم الدرر حـ1 صـ 241}\rسؤالان\rالسؤال الأول : أليس أن الحجاج حارب ابن الزبير وخرب الكعبة وقصد أهلها بكل سوء وتم له ذلك ؟ \rالجواب : لم يكن مقصوده تخريب الكعبة لذاتها ، بل كان مقصوده شيئاً آخر.","part":2,"page":74},{"id":555,"text":"السؤال الثاني : المطلوب من الله تعالى هو أن يجعل البلد آمناً كثير الخصب ، وهذا مما يتعلق بمنافع الدنيا فكيف يليق بالرسول المعظم طلبها.\rوالجواب عنه من وجوه ، أحدها : أن الدنيا إذا طلبت ليتقوى بها على الدين ، كان ذلك من أعظم أركان الدين ، فإذا كان البلد آمناً وحصل فيه الخصب تفرغ أهله لطاعة الله تعالى ، وإذا كان البلد على ضد ذلك كانوا على ضد ذلك. وثانيها : أنه تعالى جعله مثابة للناس والناس إنما يمكنهم الذهاب إليه إذا كانت الطرق آمنة والأقوات هناك رخيصة. وثالثها : لا يبعد أن يكون الأمن والخصب مما يدعو الإنسان إلى الذهاب إلى تلك البلدة ، فحينئذ يشاهد المشاعر المعظمة والمواقف المكرمة فيكون الأمن والخصب سبب اتصاله في تلك الطاعة. أ هـ\r{مفاتيح الغيب حـ 4 صـ 49 ـ 50}\rسؤال : لم عدل هنا عن بيان المشار إليه ؟ \rوقد عدل هنا عن بيان المشار إليه اكتفاء عنه بما هو الواقع عند الدعاء ، فإن إبراهيم دعا دعوته وهو في الموضع الذي بنى فيه الكعبة لأن الغرض ليس تفصيل حالة الدعاء إنما هو بيان استجابة دعائه وفضيلة محل الدعوة وجعل مكة بلداً آمناً ورزق أهله من الثمرات ، وتلك عادة القرآن في الإعراض عما لا تعلق به بالمقصود ألا ترى أنه لما جعل البلد مفعولاً ثانياً استغنى عن بيان اسم الإشارة ، وفي سورة إبراهيم (35) لما جعل {آمناً} مفعولاً ثانياً بين اسم الإشارة بلفظ (البلد) ، فحصل من الآيتين أن إبراهيم دعا لبلد بأن يكون آمناً. أ هـ\r{التحرير والتنوير حـ1 صـ 410}\rسؤال : لم دعا إبراهيم ـ عليه السلام ـ للبلد بالأمن ؟ \rإنما دعا إبراهيم له بالأمن لأنه بلد ليس فيه زرع ولا ثمر فإذا لم يكن آمناً ، لم يجلب إليه شيء من النواحي فيتعذر المقام به. فأجاب الله تعالى دعاء إبراهيم وجعله بلداً آمناً ، فما قصده جبار إلا قصمه الله تعالى كما فعل بأصحاب الفيل وغيرهم من الجبابرة.أ هـ {تفسير الخازن حـ1 صـ 82}","part":2,"page":75},{"id":556,"text":"سؤال : فإن قيل : ما الفائدة في قول إبراهيم عليه الصلاة والسلام : {رَبِّ اجعل هذا بلد آمِناً} ، وقد أخبر الله تعالى قبل ذلك بقوله تعالى : {وَإِذْ جَعَلْنَا البيت مَثَابَةً لِّلنَّاسِ وَأَمْناً} [البقرة : 125] ؟ \rفالجواب : من وجوه : \rأحدها : أن الله تعالى لما أخبره بأنه جعل البيت مثابة للناس وأمناً ، ووقع في خاطره أنه إنما جعل البيت وحده آمناً ، فطلب إبراهيم عليه ـ الصلاة والسلام ـ أن يكون الأمن بجميع البلد.\rوثانيها : أن يكون قوله تعالى : \" وَإِذْ جَعَلْنَا البَيْتَ \" بعد قوله إبراهيم عليه ـ الصلاة والسلام ـ {رَبِّ اجعل هذا بَلَداً آمِناً} فيكون إجابة لدعائه ، وعلى هذا فيكون مقدماً في التلاوة مؤخراً في الحكم.\rوثالثها : أن يكون المراد من الأَمْنِ المذكور في قوله تعالى : {وَإِذْ جَعَلْنَا البيت مَثَابَةً لِّلنَّاسِ وَأَمْناً} [البقرة : 125] هو الأمن من الأعداء والخيف والخَسْف والمَسْخ ، والمراد من الأمن في دعاء إبراهيم هو الأمن من القَحْط ، ولهذا قال : {وارزق أَهْلَهُ مِنَ الثمرات}.أ هـ {تفسير ابن عدل حـ 2 صـ97}\rمن جوامع الكلم فى دعوة الخليل ـ عليه السلام ـ\rولقد كانت دعوة إبراهيم هذه من جوامع كلم النبوءة فإن أمن البلاد والسبُللِ يستتبع جميع خصال سعادة الحياة ويقتضي العدل والعزة والرخاء إذ لا أمن بدونها ، وهو يستتبع التعمير والإقبالَ على ما ينفع والثروةَ فلا يختل الأمن إلا إذا اختلت الثلاثة الأول وإذا اختل اختلت الثلاثة الأخيرة ، وإنما أراد بذلك تيسير الإقامة فيه على سكانه لتوطيد وسائل ما أراده لذلك البلد من كونه منبع الإسلام. أ هـ\r{التحرير والتنوير حـ1 صـ 410}\rسؤال : فإن قلت : قد غزا مكة الحجاج وخرب الكعبة.","part":2,"page":76},{"id":557,"text":"قلت لم يكن قصده بذلك مكة ولا أهلها ولا إخراب الكعبة ، وإنما كان قصده خلع ابن الزبير من الخلافة ولم يتمكن من ذلك إلا بذلك فلما حصل قصده أعاد بناء الكعبة فبناها وشيدها وعظم حرمتها وأحسن إلى أهلها. أ هـ {تفسير الخازن حـ1 صـ 82}\rسؤال : المطلوب من الله تعالى هو أن يجعل البلد آمناً كثير الخصب ، وهذا مما يتعلق بمنافع الدنيا فكيف يليق بالرسول المعظم طلبها. ؟ \rوالجواب عنه من وجوه ، أحدها : أن الدنيا إذا طلبت ليتقوى بها على الدين ، كان ذلك من أعظم أركان الدين ، فإذا كان البلد آمناً وحصل فيه الخصب تفرغ أهله لطاعة الله تعالى ، وإذا كان البلد على ضد ذلك كانوا على ضد ذلك. وثانيها : أنه تعالى جعله مثابة للناس والناس إنما يمكنهم الذهاب إليه إذا كانت الطرق آمنة والأقوات هناك رخيصة. وثالثها : لا يبعد أن يكون الأمن والخصب مما يدعو الإنسان إلى الذهاب إلى تلك البلدة ، فحينئذ يشاهد المشاعر المعظمة والمواقف المكرمة فيكون الأمن والخصب سبب اتصاله في تلك الطاعة. أ هـ\r{مفاتيح الغيب حـ 4 صـ 40}\rرواية بعيدة تفتقر إلى سند\rوروي أن الله تعالى لما دعاه إبراهيم أمر جبريل صلوات الله عليه فاقتلع فلسطين ، وقيل قطعة من الأردن فطاف بها حول البيت سبعاً وأنزلها بوجّ ، فسميت الطائف بسبب ذلك الطواف. أ هـ {المحرر الوجيز حـ صـ 209} وكذا ذكرها البغوى أيضا وغيره ولا يخفى ما فيها من بعد بعيد.\rسؤال : ما المراد بقوله بلدا آمنا ؟ \rالجواب : \rأي اجعل هذا البلد أو هذا المكان {بَلَدًا آمِنًا} ذا أمن ، كقوله {عِيشَةٍ رَّاضِيَةٍ} [الحاقة : 21]. أو آمنا من فيه ، كقوله : ليل نائم. أ هـ\r{الكشاف حـ1 صـ 212}\rسؤال : متى حرمت مكة ؟ \rالجواب كما ذكره ابن عطية : \rواختلف في تحريم مكة متى كان ؟ فقالت فرقة : جعلها الله حراماً يوم خلق السماوات والأرض ، وقالت فرقة : حرمها إبراهيم.","part":2,"page":77},{"id":558,"text":"قال القاضي أبو محمد عبد الحق رضي الله عنه : والأول قاله النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ في خطبته ثاني يوم الفتح ، والثاني قاله أيضاً النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ ، ففي الصحيح عنه : \" اللهم إن إبراهيم حرم مكة ، وإني حرمت المدينة ، ما بين لابتيها حرام \"\rولا تعارض بين الحديثين ، لأن الأول إخبار بسابق علم الله فيها وقضائه ، وكون الحرمة مدة آدم وأوقات عمارة القطر بإيمان ، والثاني إخبار بتجديد إبراهيم لحرمتها وإظهاره ذلك بعد الدثور ، وكل مقال من هذين الإخبارين حسن في مقامه ، عظم الحرمة ثاني يوم الفتح على المؤمنين بإسناد التحريم إلى الله تعالى ، وذكر إبراهيم عند تحريمه المدينة مثالاً لنفسه ، ولا محالة أن تحريم المدينة هو أيضاً من قبل الله تعالى من نافذ قضائه وسابق علمه. أ هـ\r{المحرر الوجيز حـ1 صـ 209}\rوقد جمع بين القولين الخازن رحمه الله ـ فقال : \rووجه الجمع بين القولين وهو الصواب أن الله تعالى حرم مكة يوم خلقها كما أخبر النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ في قوله : \" إن الله حرم مكة يوم خلق السماوات والأرض \" ولكن لم يظهر ذلك التحريم على لسان أحد من أنبيائه ورسله ، وإنما كان تعالى يمنعها ممن أرادها بسوء ، ويدفع عنها وعن أهلها الآفات والعقوبات فلم يزل ذلك من أمرها حتى بوأها الله تعالى إبراهيم وأسكن بها أهله فحينئذ سأل إبراهيم ربه عز وجل أن يظهر التحريم مكة لعباده على لسانه فأجاب الله تعالى دعوته ، وألزم عباده تحريم مكة فصارت مكة حراماً بدعوة إبراهيم ، وفرض على الخلق تحريمها والامتناع من استحلالها واستحلال صيدها وشجرها فهذا وجه الجمع بين القولين وهو الصواب ، والله أعلم. أ هـ {تفسير الخازن حـ1 صـ 82}","part":2,"page":78},{"id":559,"text":"سؤال : قوله {رب اجعل هذا بلدا آمنا (126 وفي إبراهيم} هذا البلد آمنا (35 لأن) هذا (هنا إشارة إلى المذكور في قوله) بواد غير ذي زرع (37 قبل بناء الكعبة وفي إبراهيم إشارة إلى البلد بعد الكعبة فيكون) بلدا (في هذه السورة المفعول الثاني و) آمنا (صفته) وهذا البلد (في إبراهيم المفعول الأول و) آمنا (المفعول الثاني\rوقيل لأن النكرة إذا تكررت صارت معرفة وقيل تقديره في البقرة البلدا بلدا آمنا فحذف اكتفاء بالإشارة فتكون الآيتان سواء. أ هـ {أسرار التكرار في القرآن ـ للكرمانى صـ 35}\rوأجاب صاحب ملاك التأويل عن هذا السؤال بما نصه :\rقوله تعالى : \"وإذ قال إبراهيم رب اجعل هذا بلداً آمنا\" وفى سورة إبراهيم : \"رب اجعل هذا البلد آمنا\" ، فنكر فى سورة البقرة وعرف فى سورة إبراهيم بأداة العهد فيسأل عن ذلك. ووجهه والله أعلم أن اسم الإشارة الذى هو\"هذا\"فى سورة البقرة لم يقصد تبعيته اكتفاء بالواقع قبله من قوله تعالى : \"وإذ جعلنا البيت مثابة للناس وأمنا\" ، وقوله : \" وعهدنا إلى إبراهيم وإسماعيل أن طهرا بيتى للطائفين والعاكفين والركع السجود....الآية\"وتعريف البيت حاصل منه تعريف البلد لا سيما بما تقدم من قول إبراهيم عند نزوله بولده بحرم الله ودعائه أولا بقوله : \"ربنا إنى أسكنت من ذريتى بواد غير ذى زرع عند بيتك المحرم....الآية\" ، فتعرف البيت تعريف للبلد فورد اسم الإشارة غير مفتقر إلى التابع المبين جنسه كالجارى فى أسماء الإشارة اكتفاء بما تقدمه مما يحصل منه مقصود البيان ، فانتصب بلدا مفعولا ثانيا وآمنا نعتا له واسم الإشارة مفعولا أول غير محتاج إلى تابع لقيام ما تقدم مقامه ولو تعرف لفظ بلد بالألف واللام وجرى على اسم الإشارة لم يكن ليحرز بيانا زائدا على ما تحصل مما تقدم بل كان يكون كالتكرار. فورد الكلام على ما هو أحرز للإيجاز وأبلغ فى المقصود مع حصول ما كانت التبعية تعطيه فجاء على ما يجب","part":2,"page":79},{"id":560,"text":"وأما سورة ابراهيم فلم يتقدم فيها ما يقوم لاسم الإشارة مقام التابع النعرف بجنس ما يشار إليه فلم يكن بد من إجراء البلد عليه تابعا له بالألف واللام على المعهود الجارى فى أسماء الإشارة من تعيين جنس المشار إليه باسم جامد فى الغالب عطف بيان على قول الخليل. أو نعتا على الظاهر من كلام سيبويه ، وانتصب اسم الإشارة المتبع على أنه مفعول أول و\"آمنا\" على أنه مفعول ثان ولم يكن عكس الوارد ليحسن ولا ليناسب وقيل فى الوارد فى سورة البقرة أنه أشار اليه قبل استقراره {بلدا} فأراد اجعل هذا الموضع أو هذا المكان بلدا آمنا واكتفى عن ذكر الموضع بالإشارة إليه واسم الإشارة على هذا مفعول أول و\"بلدا\"مفعول ثان و\"آمنا\"نعت له ، وأشار إليه فى سورة ابراهيم بعد استقراره {بلدا} فجرى البلد على اسم الإشارة نعتا له وآمنا مفعول ثان قاله صاحب كتاب الدرة وهو عندى بعيد إذ ليس بمفهوم من لفظ الآى وهو بعد ممكن والله أعلم. أ هـ {ملاك التأويل القاطع بذوي الإلحاد والتعطيل ـ للعلامة أحمد بن إبراهيم بن الزبيرالثقفي العاصمي الغرناطي صـ 66 ـ 67}\rوقد ذكر ابن جزى ثلاثة أجوبة عن هذا السؤال هى :\rبثلاثة أجوبة الجواب الأول قاله أستاذنا الشيخ أبو جعفر بن الزبير وهو أنه تقدم في البقرة ذكر البيت في قوله القواعد من البيت وذكر البيت يقتضي بالملازمة ذكر البلد الذي هو فيه فلم يحتج إلى تعريف بخلاف آية إبراهيم فإنها لم يتقدم قبلها ما يقتضي ذكر البلد ولا المعرفة به فذكره بلام التعريف\rالجواب الثاني قاله السهبلي وهو أن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ كان بمكة حين نزلت آية إبراهيم لأنها مكية فلذلك قال فيه البلد بلام التعريف التي للحضور كقولك هذا الرجل وهو حاضر بخلاف آية البقرة فإنها مدنية ولم تكن مكة حاضرة حين نزولها فلم يعرفها بلام الحضور وفي هذا نظر لأن ذلك الكلام حكاية عن إبراهيم ـ عليه السلام ـ فلا فرق بين نزوله بمكة أو المدينة","part":2,"page":80},{"id":561,"text":"الجواب الثالث قاله بعض المشارقة أنه قال {هذا بلدا آمنا} قبل أن يكون بلدا فكأنه قال : اجعل هذا الموضع بلدا آمنا وقال هذا البلد بعد ما صار بلدا وهذا يقتضي أن إبراهيم دعا بهذا الدعاء مرتين والظاهر أنه مرة واحدة حكى لفظه فيها على وجهين. أ هـ {التسهيل ـ حـ 1 صـ60}\rقوله تعالى {وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ}\rسؤال : لم قال : {من الثمرات} ، ولم يقل : من الحبوب ؟\rوقال : {من الثمرات} ، ولم يقل : من الحبوب ، لما في تعاطيها من الذل المنافي للأمن. أ هـ {نظم الدرر حـ1 صـ 241}\rسؤال : ما نوع {أل} فى كلمة {الثمرات} ؟\rوالتعريف في الثمرات تعريف الاستغراق وهو استغراق عُرفي أي من جميع الثمرات المعروفة للناس ودليل كونه تعريف الاستغراق مجيء مِن التي للتبعيض ، وفي هذا دعاء لهم بالرفاهية حتى لا تطمح نفوسهم للارتحال عنه. أ هـ {التحرير والتنوير حـ1 صـ 410}\rسؤال : لم اشترط إبراهيم ـ عليه السلام ـ في دعائه فقال : {مِنَ الثمرات مَنْ ءامَنَ مِنْهُم بالله} ؟\rواشترط إبراهيم في دعائه فقال : {مِنَ الثمرات مَنْ ءامَنَ مِنْهُم بالله}. وإنما اشترط هذا الشرط ، لأنه قد سأل ربه الإمامة لذريته ، فلم يستجب له في الظالمين ، فخشي إبراهيم أن يكون أمر الرزق هكذا ، فسأل الرزق للمؤمنين خاصة ، فأخبره الله تعالى : أنه يرزق الكافر والمؤمن ، وأن أمر الرزق ليس كأمر الإمامة. قالوا : لأن الأمامة فضل ، والرزق عدل ، فالله تعالى يعطي بفضله من يشاء من عباده من كان أهلاً لذلك ، وعدله لجميع الناس لأنهم عباده ، وإن كانوا كفاراً. فذلك قوله تعالى : {قَالَ وَمَن كَفَرَ فَأُمَتّعُهُ قَلِيلاً}. أ هـ\r{بحر العلوم حـ1 صـ 119}\rوأجاب الفخر عن هذا التخصيص {من آمن بالله واليوم الآخر} بقوله :","part":2,"page":81},{"id":562,"text":"وسبب هذا التخصيص النص والقياس ، أما النص فقوله تعالى : {فَلاَ تَأْسَ عَلَى القوم الكافرين} [المائدة : 68] وأما القياس فمن وجهين :\rالوجه الأول : أنه لما سأل الله تعالى أن يجعل الإمامة في ذريته ، قال الله تعالى : {لاَ يَنَالُ عَهْدِي الظالمين} [البقرة : 124] فصار ذلك تأديباً في المسألة ، فلما ميز الله تعالى المؤمنين عن الكافرين في باب الإمامة ، لا جرم خصص المؤمنين بهذا الدعاء دون الكافرين ثم أن الله تعالى أعلمه بقوله : {فَأُمَتّعُهُ قَلِيلاً} الفرق بين النبوة ورزق الدنيا ، لأن منصب النبوة والإمامة لا يليق بالفاسقين ، لأنه لا بد في الإمامة والنبوة من قوة العزم والصبر على ضروب المحنة حتى يؤدي عن الله أمره ونهيه ولا تأخذه في الدين لومة لائم وسطوة جبار ، أما الرزق فلا يقبح إيصاله إلى المطيع والكافر والصادق والمنافق ، فمن آمن فالجنة مسكنه ومثواه ، ومن كفر فالنار مستقره ومأواه.\rالوجه الثاني : يحتمل أن إبراهيم ـ عليه السلام ـ قوي في ظنه أنه إن دعا للكل كثر في البلد الكفار فيكون في غلبتهم وكثرتهم مفسدة ومضرة من ذهاب الناس إلى الحج ، فخص المؤمنين بالدعاء لهذا السبب. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 4 صـ 51}\rقوله تعالى {فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلًا}\rسؤال : لم وصف المتاع بالقلة ؟\rوالوصف بالقلة لسرعة انقضائه ، إما لحلول الأجل ، وإما بظهور محمد ـ صلى الله عليه وسلم ـ فيقتله ، أو يخرجه عن هذا البلد ، إن أقام على الكفر والإمتاع بالنعيم والزينة ، أو بالإمهال عن تعجيل الانتقام فيها ، أو بالرزق ، أو بالبقاء في الدنيا.\rأ هـ {البحر المحيط حـ1صـ 557}\rوأجاب السمعانى عن هذا السؤال بقوله :\rوإنما ذكر القليل لأن الإمتاع أصله الطول والكثرة يقال متع النهار أي طال وارتفع ونخلة ماتعة أي طويلة وإنما أراد به الإمتاع في الدنيا وهو قليل لانقطاعه\rأ هـ {تفسير السمعانى حـ1صـ 139}\rقوله تعالى : {ثم أضطره إلى عذاب النار} احتراس من أن يَغتر الكافر بأنَّ تخويله النعم في الدنيا يؤذن برضى الله فلذلك ذُكر العذاب هنا. أ هـ {التحرير والتنوير حـ 1 صـ 478}","part":2,"page":82},{"id":563,"text":"قوله تعالى {وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (127)}\rسؤال : لم كان التعبير بالمضارع {يرفع} دون الماضى فلم يقل : وإذ رفع ؟\rالجواب : خولف الأسلوب الذي يقتضيه الظاهر في حكاية الماضي أن يكون بالفعل الماضي بأن يقول وإذ رفع إلى كونه بالمضارع لاستحضارِ الحالة وحكايتها كأنها مشاهدة لأن المضارع دال على زمن الحال فاستعماله هنا استعارة تبعية ، شبه الماضي بالحال لشهرته ولتكرر الحديث عنه بينهم فإنهم لحبهم إبراهيم وإجلالهم إياه لا يزالون يذكرون مناقبه وأعظمها بناء الكعبة فشبه الماضي لذلك بالحال ولأن ما مضى من الآيات في ذكر إبراهيم من قوله : {وإذ ابتلى إبراهيم ربه} [البقرة : 124] إلى هنا مما يوجب امتلاء أذهان السامعين بإبراهيم وشؤونه حتى كأنه حاضر بينهم وكأن أحواله حاضرة مشاهدة ، وكلمة (إذ) قرينة على هذا التنزيل لأن غالب الاستعمال أن يكون للزمن الماضي وهذا معنى قول النحاة أن إذ تخلص المضارع إلى الماضي. أ هـ {التحرير والتنوير حـ1صـ 412}\rسؤال : لم أوقع العطف على الفاعل بعد ذكر المفعول والمتعلقات ؟\rأجاب الشيخ الطاهر ابن عاشور بقوله :\rوللإشارة إلى التفاوت بين عمل إبراهيم وعمل إسماعيل أوقع العطف على الفاعل بعد ذكر المفعول والمتعلقات ، وهذا من خصوصيات العربية في أسلوب العطف فيما ظهر لي ولا يحضرني الآن مثله في كلام العرب ، وذلك أنك إذا أردت أن تدل على التفاوت بين الفاعلين في صدور الفعل تجعل عطف أحدهما بعد انتهاء ما يتعلق بالفاعل الأول ، وإذا أردت أن تجعل المعطوف والمعطوف عليه سواء في صدور الفعل تجعل المعطوف موالياً للمعطوف عليه. أ هـ {التحرير والتنوير حـ1صـ 412}","part":2,"page":83},{"id":564,"text":"روايات واهية ذكرت فى الآية الكريمة\rقال البغوى :\rقوله عز وجل : {وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيل} قال الرواة : إن الله تعالى خلق موضع البيت قبل الأرض بألفي عام ، وكانت زبدة بيضاء على الماء فدحيت الأرض من تحتها فلما أهبط الله آدم ـ عليه السلام ـ إلى الأرض استوحش ، فشكا إلى الله تعالى فأنزل الله البيت المعمور من ياقوتة من يواقيت الجنة له بابان من زمرد أخضر ، باب شرقي وباب غربي فوضعه على موضع البيت وقال : يا آدم إني أهبطت لك بيتا تطوف به كما يطاف حول عرشي ، تصلي عنده كما يصلى عند عرشي وأنزل الحجر وكان\rأبيض فاسود من لمس الحيض في الجاهلية فتوجه آدم من أرض الهند إلى مكة ماشيا وقيض الله له ملكا يدله على البيت فحج البيت وأقام المناسك ، فلما فرغ تلقته الملائكة وقالوا : بر حجك يا آدم لقد حججنا هذا البيت قبلك بألفي عام ، قال ابن عباس رضي الله عنهما : حج آدم أربعين حجة من الهند إلى مكة على رجليه فكان على ذلك إلى أيام الطوفان ، فرفعه الله تعالى إلى السماء الرابعة يدخله كل يوم سبعون ألف ملك لا يعودون إليه ، وبعث جبريل ـ عليه السلام ـ حتى خبأ الحجر الأسود في جبل أبي قبيس صيانة له من الغرق ، فكان موضع البيت خاليا إلى زمن إبراهيم ، ثم إن الله تعالى أمر إبراهيم بعدما ولد له إسماعيل وإسحاق ببناء بيت يذكر فيه ، فسأل الله عز وجل أن يبين له موضعه ، فبعث الله السكينة لتدله على موضع البيت وهي ريح خجوج لها رأسان شبه الحية فأمر إبراهيم أن يبني حيث تستقر السكينة فتبعها إبراهيم حتى أتيا مكة فتطوت السكينة على موضع البيت كتطوي الحجفة هذا قول علي والحسن.","part":2,"page":84},{"id":565,"text":"وقال ابن عباس : بعث الله تعالى سحابة على قدر الكعبة فجعلت تسير وإبراهيم يمشي في ظلها إلى أن وافق مكة ووقفت على موضع البيت فنودي منها إبراهيم أن ابن على ظلها لا تزد ولا تنقص ، وقيل : أرسل الله جبريل ليدله على موضع البيت كقوله تعالى {وإذ بوأنا لإبراهيم مكان البيت} فبنى إبراهيم وإسماعيل البيت فكان إبراهيم يبنيه وإسماعيل يناوله الحجر ، فذلك قوله تعالى : {وإذ يرفع إبراهيم القواعد من البيت وإسماعيل}. أ هـ {تفسير البغوى حـ1 صـ 150}\rومن هذه الروايات ما ذكره ابن الجوزى فى زاد المسير : \rوقال علي بن أبي طالب ، رضي الله عنه : لما أمر الله تعالى إبراهيم ببناء البيت ؛ ضاق به ذرعاً ، ولم يدر كيف يصنع ، فأنزل الله عليه كهيئة السحابة ، فيها رأس يتكلم ، فقال : يا إبراهيم! علّم على ظلي ، فلما علّم ارتفعت. وفي رواية أنه كان يبني عليها كل يوم ، قال : وحفر إبراهيم من تحت السكينة ، فأبدى عن قواعد ، ما تحرك القاعدة منها دون ثلاثين رجلاً. فلما بلغ موضع الحجر ، قال لإسماعيل : التمس لي حجراً ، فذهب يطلب حجراً ، فجاء جبريل بالحجر الأسود ، فوضعه ، فلما جاء إسماعيل ، قال : من جاءك بهذا الحجر ؟ قال : جاء به من لم يتكل على بنائي وبنائك. وقال ابن عباس ، وابن المسيب ، وأبو العالية : رفعا القواعد التي كانت قواعد قبل ذلك. وقال السدي : لما أمره الله ببناء البيت ؛ لم يدر أين يبني ، فبعث الله له ريحاً ، فكنست حول الكعبة عن الأساس الأول الذي كان البيت عليه قبل الطوفان. أ هـ {زاد المسير حـ1 صـ 145}\rوقد ذكر هذه الروايات الموضوعة والمختلقة جمع من المفسرين منهم الطبرى والزمخشرى والخازن وابن عادل الحنبلى والسيوطى {فى الدر المنثور} وغيرهم","part":2,"page":85},{"id":566,"text":"وقد رد ابن عطية هذه الروايات فقال : \rواختلف بعض رواة القصص : فقيل إن آدم أمر ببنائه ، فبناه ، ثم دثر ودرس حتى دل عليه إبراهيم فرفع قواعده ، وقيل : إن آدم هبط به من الجنة ، وقيل : إنه لما استوحش في الأرض حين نقص طوله وفقد أصوات الملائكة أهبط إليه وهو كالدرة ، وقيل : كالياقوتة ، وقيل : إن البيت كان ربوة حمراء ، وقيل بيضاء ، ومن تحته دحيت الأرض ، وإن إبراهيم ابتدأ بناءه بأمر الله ورفع قواعده.\rوالذي يصح من هذا كله أن الله أمر إبراهيم برفع قواعد البيت ، وجائز قدمه وجائز أن يكون ذلك ابتداء ، ولا يرجح شيء من ذلك إلا بسند يقطع العذر ، وقال عبيد بن عمير : رفعها إبراهيم وإسماعيل معاً ، وقال ابن عباس : رفعها إبراهيم ، وإسماعيل يناوله الحجارة ، وقال علي بن أبي طالب : رفعها إبراهيم ، وإسماعيل طفل صغير.\rقال القاضي أبو محمد : ولا يصح هذا عن علي رضي الله عنه ، لأن الآية والآثار تردهُ. أ هـ {المحرر الوجيز حـ1 صـ 210}\rوقد رد أبو حيان هذه الروايات بقوله : \rذكر المفسرون في ماهية هذا البيت وقدمه وحدوثه ، ومن أي شيء كان باباه ، وكم مرة حجة آدم ، ومن أي شيء بناه إبراهيم ، ومن ساعده على البناء ، قصصاً كثيرة. واستطردوا من ذلك للكلام في البيت المعمور ، وفي طول آدم ، والصلع الذي عرض له ولولده ، وفي الحجر الأسود ، وطولوا في ذلك بأشياء لم يتضمنها القرآن ولا الحديث الصحيح. وبعضها يناقض بعضاً ، وذلك على جري عاداتهم في نقل ما دب وما درج. ولا ينبغي أن يعتمد إلا على ما صح في كتاب الله وسنة رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ. أ هـ {البحر المحيط حـ1 صـ 558}","part":2,"page":86},{"id":567,"text":"وقال ابن جرير بعد أن ذكر الروايات السابقة :\rوالصواب من القول في ذلك عندنا أن يقال : إن الله تعالى ذكره أخبر عن إبراهيم خليله أنه وابنه إسماعيل ، رفعا القواعد من البيت الحرام. وجائز أن يكون ذلك قواعد بيت كان أهبطه مع آدم ، فجعله مكان البيت الحرام الذي بمكة. وجائز أن يكون ذلك كان القبة التي ذكرها عطاء ، مما أنشأه الله من زبد الماء. وجائز أن يكون كان ياقوتة أو درة أهبطا من السماء. وجائز أن يكون كان آدم بناه ثم انهدم ، حتى رفع قواعده إبراهيم وإسماعيل. ولا علم عندنا بأي ذلك كان من أي ، لأن حقيقة ذلك لا تدرك إلا بخبر عن الله وعن رسوله صلى الله عليه وسلم ، بالنقل المستفيض. ولا خبر بذلك تقوم به الحجة فيجب التسليم لها ، ولا هو - إذ لم يكن به خبر ، على ما وصفنا - مما يدل عليه بالاستدلال والمقاييس ، فيمثل بغيره ، ويستنبط علمه من جهة الاجتهاد ، فلا قول في ذلك هو أولى بالصواب مما قلنا. والله تعالى أعلم. أ هـ {تفسير الطبرى حـ 3 صـ 64}","part":2,"page":87},{"id":568,"text":"قصة بناء البيت\rفى البخارى عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ لَمَّا كَانَ بَيْنَ إِبْرَاهِيمَ وَبَيْنَ أَهْلِهِ مَا كَانَ خَرَجَ بِإِسْمَاعِيلَ وَأُمِّ إِسْمَاعِيلَ وَمَعَهُمْ شَنَّةٌ فِيهَا مَاءٌ فَجَعَلَتْ أُمُّ إِسْمَاعِيلَ تَشْرَبُ مِنْ الشَّنَّةِ فَيَدِرُّ لَبَنُهَا عَلَى صَبِيِّهَا حَتَّى قَدِمَ مَكَّةَ فَوَضَعَهَا تَحْتَ دَوْحَةٍ ثُمَّ رَجَعَ إِبْرَاهِيمُ إِلَى أَهْلِهِ فَاتَّبَعَتْهُ أُمُّ إِسْمَاعِيلَ حَتَّى لَمَّا بَلَغُوا كَدَاءً نَادَتْهُ مِنْ وَرَائِهِ يَا إِبْرَاهِيمُ إِلَى مَنْ تَتْرُكُنَا قَالَ إِلَى اللَّهِ قَالَتْ رَضِيتُ بِاللَّهِ قَالَ فَرَجَعَتْ فَجَعَلَتْ تَشْرَبُ مِنْ الشَّنَّةِ وَيَدِرُّ لَبَنُهَا عَلَى صَبِيِّهَا حَتَّى لَمَّا فَنِيَ الْمَاءُ قَالَتْ لَوْ ذَهَبْتُ فَنَظَرْتُ لَعَلِّي أُحِسُّ أَحَدًا قَالَ فَذَهَبَتْ فَصَعِدَتْ الصَّفَا فَنَظَرَتْ وَنَظَرَتْ هَلْ تُحِسُّ أَحَدًا فَلَمْ تُحِسَّ أَحَدًا فَلَمَّا بَلَغَتْ الْوَادِيَ سَعَتْ وَأَتَتْ الْمَرْوَةَ فَفَعَلَتْ ذَلِكَ أَشْوَاطًا ثُمَّ قَالَتْ لَوْ ذَهَبْتُ فَنَظَرْتُ مَا فَعَلَ تَعْنِي الصَّبِيَّ فَذَهَبَتْ فَنَظَرَتْ فَإِذَا هُوَ عَلَى حَالِهِ كَأَنَّهُ يَنْشَغُ لِلْمَوْتِ فَلَمْ تُقِرَّهَا نَفْسُهَا فَقَالَتْ لَوْ ذَهَبْتُ فَنَظَرْتُ لَعَلِّي أُحِسُّ أَحَدًا فَذَهَبَتْ فَصَعِدَتْ الصَّفَا فَنَظَرَتْ وَنَظَرَتْ فَلَمْ تُحِسَّ أَحَدًا حَتَّى أَتَمَّتْ سَبْعًا ثُمَّ قَالَتْ لَوْ ذَهَبْتُ فَنَظَرْتُ مَا فَعَلَ فَإِذَا هِيَ بِصَوْتٍ فَقَالَتْ أَغِثْ إِنْ كَانَ عِنْدَكَ خَيْرٌ فَإِذَا جِبْرِيلُ قَالَ فَقَالَ بِعَقِبِهِ هَكَذَا وَغَمَزَ عَقِبَهُ عَلَى الْأَرْضِ قَالَ فَانْبَثَقَ الْمَاءُ فَدَهَشَتْ أُمُّ إِسْمَاعِيلَ فَجَعَلَتْ تَحْفِزُ قَالَ فَقَالَ أَبُو الْقَاسِمِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَوْ تَرَكَتْهُ كَانَ الْمَاءُ ظَاهِرًا قَالَ فَجَعَلَتْ","part":2,"page":88},{"id":570,"text":"تَشْرَبُ مِنْ الْمَاءِ وَيَدِرُّ لَبَنُهَا عَلَى صَبِيِّهَا قَالَ فَمَرَّ نَاسٌ مِنْ جُرْهُمَ بِبَطْنِ الْوَادِي فَإِذَا هُمْ بِطَيْرٍ كَأَنَّهُمْ أَنْكَرُوا ذَاكَ وَقَالُوا مَا يَكُونُ الطَّيْرُ إِلَّا عَلَى مَاءٍ فَبَعَثُوا رَسُولَهُمْ فَنَظَرَ فَإِذَا هُمْ بِالْمَاءِ فَأَتَاهُمْ فَأَخْبَرَهُمْ فَأَتَوْا إِلَيْهَا فَقَالُوا يَا أُمَّ إِسْمَاعِيلَ أَتَأْذَنِينَ لَنَا أَنْ نَكُونَ مَعَكِ أَوْ نَسْكُنَ مَعَكِ فَبَلَغَ ابْنُهَا فَنَكَحَ فِيهِمْ امْرَأَةً قَالَ ثُمَّ إِنَّهُ بَدَا لِإِبْرَاهِيمَ فَقَالَ لِأَهْلِهِ إِنِّي مُطَّلِعٌ تَرِكَتِي قَالَ فَجَاءَ فَسَلَّمَ فَقَالَ أَيْنَ إِسْمَاعِيلُ فَقَالَتْ امْرَأَتُهُ ذَهَبَ يَصِيدُ قَالَ قُولِي لَهُ إِذَا جَاءَ غَيِّرْ عَتَبَةَ بَابِكَ فَلَمَّا جَاءَ أَخْبَرَتْهُ قَالَ أَنْتِ ذَاكِ فَاذْهَبِي إِلَى أَهْلِكِ قَالَ ثُمَّ إِنَّهُ بَدَا لِإِبْرَاهِيمَ فَقَالَ لِأَهْلِهِ إِنِّي مُطَّلِعٌ تَرِكَتِي قَالَ فَجَاءَ فَقَالَ أَيْنَ إِسْمَاعِيلُ فَقَالَتْ امْرَأَتُهُ ذَهَبَ يَصِيدُ فَقَالَتْ أَلَا تَنْزِلُ فَتَطْعَمَ وَتَشْرَبَ فَقَالَ وَمَا طَعَامُكُمْ وَمَا شَرَابُكُمْ قَالَتْ طَعَامُنَا اللَّحْمُ وَشَرَابُنَا الْمَاءُ قَالَ اللَّهُمَّ بَارِكْ لَهُمْ فِي طَعَامِهِمْ وَشَرَابِهِمْ قَالَ فَقَالَ أَبُو الْقَاسِمِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَرَكَةٌ بِدَعْوَةِ إِبْرَاهِيمَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِمَا وَسَلَّمَ قَالَ ثُمَّ إِنَّهُ بَدَا لِإِبْرَاهِيمَ فَقَالَ لِأَهْلِهِ إِنِّي مُطَّلِعٌ تَرِكَتِي فَجَاءَ فَوَافَقَ إِسْمَاعِيلَ مِنْ وَرَاءِ زَمْزَمَ يُصْلِحُ نَبْلًا لَهُ فَقَالَ يَا إِسْمَاعِيلُ إِنَّ رَبَّكَ أَمَرَنِي أَنْ أَبْنِيَ لَهُ بَيْتًا قَالَ أَطِعْ رَبَّكَ قَالَ إِنَّهُ قَدْ أَمَرَنِي أَنْ تُعِينَنِي عَلَيْهِ قَالَ إِذَنْ","part":2,"page":89},{"id":571,"text":"أَفْعَلَ أَوْ كَمَا قَالَ قَالَ فَقَامَا فَجَعَلَ إِبْرَاهِيمُ يَبْنِي وَإِسْمَاعِيلُ يُنَاوِلُهُ الْحِجَارَةَ وَيَقُولَانِ\r {رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ}\rقَالَ حَتَّى ارْتَفَعَ الْبِنَاءُ وَضَعُفَ الشَّيْخُ عَنْ نَقْلِ الْحِجَارَةِ فَقَامَ عَلَى حَجَرِ الْمَقَامِ فَجَعَلَ يُنَاوِلُهُ الْحِجَارَةَ وَيَقُولَانِ\r {رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ}\rأ هـ صحيح البخارى {3114}","part":2,"page":90},{"id":572,"text":"سؤال : فإن قلت : هلا قيل : قواعد البيت ، وأي فرق بين العبارتين ؟\rقلت : في إبهام القواعد وتبيينها بعد الإبهام ما ليس في إضافتها لما في الإيضاح بعد الإبهام من تفخيم لشأن المبين. أ هـ {الكشاف حـ1 صـ 214}\rفائدة\rقال العلماء : ولا ينبغي أن يؤخذ من كسوة الكعبة شيء ، فإنه مهدًى إليها ، ولا ينقص منها شيء. أ هـ {تفسير القرطبى حـ 2 صـ 125}\rلطيفة\rعن وهيب بن الورد : أنه قرأ : {وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا} ثم يبكي ويقول : يا خليل الرحمن ، ترفع قوائم بيت الرحمن وأنت مُشْفق أن لا يتقبل منك. وهذا كما حكى الله تعالى عن حال المؤمنين المخلصين في قوله تعالى : {وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا} أي : يعطون ما أعطوا من الصدقات والنفقات والقربات {وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ} [المؤمنون : 60] أي : خائفة ألا يتقبل منهم. أ هـ {تفسير ابن كثير حـ1 صـ427}\rوقال البقاعى :\r{ربنا تقبل منا} أي عملنا بفضلك ولا ترده علينا ، إشعاراً بالاعتراف بالتقصير لحقارة العبد وإن اجتهد في جنب عظمة مولاه. ولما تضمن سؤال القبول المشعر بخوف الرد علم الناقد البصير بالتقصير علله بقوله : {إنك} وأكده بقوله : {أنت السميع العليم} أي فإن كنت سمعت أو علمت منا حسناً فرده حسناً ، وإن كنت سمعت أو علمت غير ذلك من نحو قول ناشىء عن اختلاج في النفس بما سببه كلال أو إعياء فاغفره. أ هـ {نظم الدرر حـ1 صـ 242}\rقوله تعالى {إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ}\rسؤال : لم عقب هذا الدعاء بقوله : {إِنَّكَ أَنتَ السميع العليم} ؟\rإنما عقب هذا الدعاء بقوله : {إِنَّكَ أَنتَ السميع العليم} كأنه يقول : تسمع دعاءنا وتضرعنا ، وتعلم ما في قلبنا من الإخلاص وترك الالتفات إلى أحد سواك. فإن قيل : قوله : {إِنَّكَ أَنتَ السميع العليم} يفيد الحصر وليس الأمر كذلك ، فإن غيره قد يكون سميعاً. قلنا : إنه سبحانه لكماله في هذه الصفة يكون كأنه هو المختص بها دون غيره. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 4 صـ 53}","part":2,"page":91},{"id":573,"text":"فائدة\rوفي الآية دليل : أن الإنسان إذا عمل خيراً ينبغي أن يدعو الله بالقبول ، ويقال : ينبغي أن يكون خوف الإنسان على قبول العمل بعد الفراغ أشد من شغله بالعمل ، لأن الله تعالى قال : {واتل عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابنى آدَمَ بالحق إِذْ قَرَّبَا قربانا فَتُقُبِّلَ مِن أَحَدِهِمَا وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الآخر قَالَ لأقْتُلَنَّكَ قَالَ إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ الله مِنَ المتقين} [المائدة : 27]. أ هـ {بحر العلوم حـ1 صـ 120}\rقوله تعالى {رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا وَتُبْ عَلَيْنَا إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (128)}","part":2,"page":92},{"id":574,"text":"فائدة تكرير النداء بقوله : {ربنا} إظهار الضراعة إلى الله تعالى وإظهار أن كل دعوى من هاته الدعوات مقصودة بالذات ، ولذلك لم يكرر النداء إلا عند الانتقال من دعوة إلى أخرى فإن الدعوة الأولى لطلب تقبل العمل والثانية لطلب الاهتداء فجملة النداء معترضة بين المعطوف هنا والمعطوف عليه في قوله الآتي : {ربنا وابعث فيهم رسولاً} [البقرة : 129]. أ هـ {التحرير والتنوير حـ1 صـ 413}\rفائدة\rيقال : إنه لم يدع نَبيُّ إلا لنفسه ولأمته إلا إبراهيم فإنه دعا مع دعائه لنفسه ولأمته لهذه الأمة في قوله : {وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُّسْلِمَةً لَّكَ}. أ هـ {النكت والعيون حـ1 صـ 191}\rسؤال : فإن قلت : الإسلام إما أن يكون المراد منه الدين والاعتقاد أو الاستسلام والانقياد وقد كانا كذلك حالة هذا الدعاء فيما فائدة هذا الطلب ؟\rقلت فيه وجهان أحدهما أن الإسلام عرض قائم بالقلب وقد لا يبقى ، فقوله : واجعلنا مسلمين لك يعني في المستقبل وذلك لا ينافي حصوله في الحال. الوجه الثاني يحتمل أن يكون المراد منه طلب الزيادة في الإيمان فكأنهما طلبا زيادة اليقين والتصديق وذلك لا ينافي حصوله في الحال. أ هـ {تفسير الخازن حـ1 صـ 83}\rوأجاب صاحب الميزان عن هذا السؤال بكلام نفيس فقال :","part":2,"page":93},{"id":575,"text":"من البديهي أن الإسلام على ما تداول بيننا من لفظه ، ويتبادر إلى أذهاننا من معناه أول مراتب العبودية ، وبه يمتاز المنتحل من غيره ، وهو الأخذ بظاهر الاعتقادات ، والأعمال الدينية أعم من الإيمان والنفاق ، وإبراهيم (عليه السلام) - وهو النبي الرسول أحد الخمسة أولي العزم ، صاحب الملة الحنيفية - أجل من أن يتصور في حقه أن لا يكون قد ناله إلى هذا الحين ، وكذا ابنه إسماعيل رسول الله وذبيحه ، أو يكونا قد نالاه ولكن لم يعلما بذلك ، أو يكونا علما بذلك وأرادا البقاء على ذلك ، وهما في ما هما فيه من القربى والزلفى ، والمقام مقام الدعوة عند بناء البيت المحرم ، وهما أعلم بمن يسألانه ، وأنه من هو ، وما شأنه ، على أن هذا الإسلام من الأمور الاختيارية التي يتعلق بها الأمر والنهى كما قال تعالى : (إذ قال له ربه أسلم قال أسلمت لرب العالمين) البقرة - 131 ، ولا معنى لنسبة ما هو كذلك إلى الله سبحانه أو مسألة ما هو فعل اختياري للإنسان من حيث هو كذلك من غير عناية يصح معها ذلك.\rفهذا الإسلام المسئول غير ما هو المتداول المتبادر عندنا منه ، فإن الإسلام مراتب والدليل على أنه ذو مراتب قوله تعالى : (إذ قال له ربه أسلم قال أسلمت الآية) حيث يأمرهم إبراهيم بالاسلام وقد كان مسلما ، فالمراد بهذا الإسلام المطلوب غير ما كان عنده من الإسلام الموجود ، ولهذا نظائر في القرآن.\rفهذا الإسلام هو الذي سنفسره من معناه ، وهو تمام العبودية وتسليم العبد كل ما له إلى ربه. أ هـ {الميزان حـ1 صـ284}","part":2,"page":94},{"id":576,"text":"بحث نفيس فى مراتب الإسلام\rالإسلام والتسليم والاستسلام بمعنى واحد ، من السلم ، وأحد الشيئين إذا كان بالنسبة إلى الآخر بحال لا يعصيه ولا يدفعه فقد أسلم وسلم واستسلم له ، قال تعالى (بلى من أسلم وجهه لله) البقرة - 112 ، وقال تعالى : (وجهت وجهي للذي فطر السماوات والأرض حنيفا مسلما) الأنعام - 79 ، ووجه الشئ ما يواجهك به ، وهو بالنسبة إليه تعالى تمام وجود الشئ فإسلام الإنسان له تعالى هو وصف الانقياد والقبول منه لما يرد عليه من الله سبحانه من حكم تكويني ، من قدر وقضاء ، أو تشريعي من أمر أو نهى أو غير ذلك ، ومن هنا كان له مراتب بحسب ترتب الواردات بمراتبها.\rالأولى : من مراتب الإسلام ، القبول لظواهرالأوامر والنواهي بتلقي الشهادتين لسانا ، سواء وافقه القلب ، أو خالفه ، قال تعالى : (قالت الأعراب آمنا قل لم تؤمنوا ولكن قولوا أسلمنا ولما يدخل الإيمان في قلوبكم) الحجرات - 14} ، ويتعقب الإسلام بهذا المعنى أول مراتب الإيمان وهو الإذعان القلبي بمضمون الشهادتين إجمالا ويلزمه العمل في غالب الفروع.\rالثانية : ما يلي الإيمان بالمرتبة الأولى ، وهو التسليم والانقياد القلبي لجل الاعتقادات الحقة التفصيلية وما يتبعها من الأعمال الصالحة وإن أمكن التخطي في بعض الموارد ، قال الله تعالى في وصف المتقين : (الذين آمنوا بآياتنا وكانوا مسلمين) الزخرف - 69} ، وقال أيضا : (يا أيها الذين آمنوا ادخلوا في السلم كافة) البقرة - 208} ، فمن الإسلام ما يتأخر عن الإيمان محققا فهو غير المرتبة الأولى من الإسلام ويتعقب هذا الإسلام المرتبة الثانية من الإيمان وهو الاعتقاد التفصيلي بالحقائق الدينية ، قال تعالى : (إنما المؤمنون الذين آمنوا بالله ورسوله ثم لم يرتابوا وجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله أولئك هم الصادقون) الحجرات - 15} ، وقال","part":2,"page":95},{"id":577,"text":"أيضا : (يا أيها الذين آمنوا هل أدلكم على تجارة تنجيكم من عذاب أليم ، تؤمنون بالله ورسوله وتجاهدون في سبيل الله بأموالكم وأنفسكم) الصف - 11} ، وفيه إرشاد المؤمنين إلى الإيمان ، فالإيمان غير الإيمان.\rالثالثة : ما يلي الإيمان بالمرتبة الثانية فإن النفس إذا أنست بالإيمان المذكور وتخلقت بأخلاقه تمكنت منها وانقادت لها سائر القوى البهيمية والسبعية ، وبالجملة القوى المائلة إلى هوسات الدنيا وزخارفها الفانية الداثرة ، وصار الإنسان يعبد الله كأنه يراه فإن لم يكن يراه فإن الله يراه ، ولم يجد في باطنه وسره ما لا ينقاد إلى أمره ونهيه أو يسخط من قضائه وقدره ، قال الله سبحانه : (فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت ويسلموا تسليما) النساء -}65 ، ويتعقب هذه المرتبة من الإسلام المرتبة الثالثة من الإيمان ، قال الله تعالى (قد أفلح المؤمنون) إلى أن قال : (والذين هم عن اللغو معرضون) المؤمنون - 3} ، ومنه قوله تعالى : (إذ قال له ربه أسلم قال أسلمت لرب العالمين) إلى غير ذلك ، وربما عدت المرتبتان الثانية والثالثة مرتبة واحدة.\rوالأخلاق الفاضلة من الرضاء والتسليم ، والحسبة والصبر في الله ، وتمام الزهد والورع ، والحب والبغض في الله من لوازم هذه مرتبة.\rالرابعة ما يلي ، المرتبة الثالثة من الإيمان فإن حال الإنسان وهو في المرتبة السابقة مع ربه حال العبد المملوك مع مولاه ، إذ كان قائما بوظيفة عبوديته حق القيام ، وهو التسليم الصرف لما يريده المولى أو يحبه ويرتضيه ، والأمر في ملك رب العالمين لخلقه أعظم من ذلك وأعظم وإنه حقيقة الملك الذي لا استقلال دونه لشئ من الأشياء لا ذاتا ولا صفة ، ولا فعلا على ما يليق بكبريائه جلت كبريائه.\r","part":2,"page":96},{"id":578,"text":"فالإنسان - وهو في المرتبة السابقة من التسليم - ربما أخذته العناية الربانية فاشهدت له أن الملك لله وحده لا يملك شئ سواه لنفسه شيئا إلا به لا رب سواه ، وهذا معنى وهبي ، وإفاضة إلهية لا تأثير لأرادة الإنسان فيه ، ولعل قوله تعالى : ربنا واجعلنا مسلمين لك ومن ذريتنا أمة مسلمة لك وأرنا مناسكنا الآية ، إشارة\rإلى هذه المرتبة من الإسلام فإن قوله تعالى : {إذ قال له ربه أسلم قال أسلمت لرب العالمين} الآية ظاهره أنه أمر تشريعي لا تكويني ، فإبراهيم كان مسلما باختياره ، إجابة لدعوة ربه وامتثالا لأمره ، وقد كان هذا من الأوامر المتوجهة إليه (عليه السلام) في مبادئ حاله ، فسؤاله في أواخر عمره مع ابنه إسماعيل الإسلام وإرائة المناسك سؤال لأمر ليس زمامه بيده أو سؤال لثبات على أمر ليس بيده فالإسلام المسئول في الآية هو هذه المرتبة من الإسلام ويتعقب الإسلام بهذا المعنى المرتبة الرابعة من الإيمان وهو استيعاب هذا الحال لجميع الأحوال والافعال ، قال تعالى : (ألا إن أولياء الله لا خوف عليهم ولا هم يحزنون ، الذين آمنوا وكانوا يتقون) يونس - 62 ، فإن هؤلاء المؤمنين المذكورين في الآية يجب أن يكونوا على يقين من أن لا استقلال لشئ دون الله ، ولا تأثير لسبب إلا بإذن الله حتى لا يحزنوا من مكروه واقع ، ولا يخافوا محذورا محتملا ، وإلا فلا معنى لكونهم بحيث ، لا يخوفهم شئ ولا يحزنهم أمر ، فهذا النوع من الإيمان بعد الإسلام المذكور فافهم.\rأ هـ {الميزان حـ1 صـ301 ـ 303}\rسؤال : فإن قلت : لم خص ذريتهما بالدعاء.\rقلت : لأنهم أحق بالشفقة والنصيحة ، قال الله تعالى : {قوا أنفسكم وأهليكم ناراً} ولأن أولاد الأنبياء إذا صلحوا صلح بهم غيرهم ألا ترى أن المتقدمين من العلماء والكبراء : إذا كانوا على السداد كيف يتسببون لسداد من وراءهم. أ هـ {تفسير الخازن حـ1 صـ 84}\rسؤال : لم خصا بعض الذرية بالدعاء ؟ ","part":2,"page":97},{"id":579,"text":"الجواب : وخصا البعض لما علما من قوله سبحانه : {وَمِن ذُرّيَّتِهِمَا مُحْسِنٌ وظالم لّنَفْسِهِ} [الصافات : 3 11] أو من قوله عز شأنه : {لاَ يَنَالُ عَهْدِي الظالمين} [البقرة : 124] باعتبار السياق إن في ذريتهما ظلمة وأن الحكمة الإلهية تستدعي الانقسام إذ لولاه ما دارت أفلاك الأسماء ولا كان ما كان من أملاك السماء. أ هـ {روح المعانى حـ1 صـ 385}\rقوله تعالى {وأَرِنَا مَنَاسِكَنَا}\r{وأَرِنَا مَنَاسِكَنَا} أي عرفنا مناسكنا ، وفيها تأويلان :\rأحدهما : أنها مناسك الحج ومعالمه ، وهذا قول قتادة والسدي.\rوالثاني : أنها مناسك الذبائح التي تنسك لله عز وجل ، وهذا قول مجاهد وعطاء.\rوالمناسك جمع منسك ، واختلفوا في تسميته منسكاً على وجهين :\rأحدهما : لأنه معتاد ويتردد الناس إليه في الحج والعمرة ، من قولهم إن لفلان منسكاً ، إذا كان له موضع معتاد لخير أو شر ، فسميت بذلك مناسك الحج لاعتيادها.\rوالثاني : أن النسك عبادة الله تعالى ، ولذلك سُمِّي الزاهد ناسكاً لعبادة ربه ، فسميت هذه مناسك لأنها عبادات. أ هـ {النكت والعيون حـ1 صـ 191}\rمن لطائف الإمام القشيرى فى الآية\r\" مسلمين \" : منقادين لحكمك حتى لا يتحرك مِنّا عرْق بغير رضاك ، واجعل من ذريتنا أمة مسلمة لك لتقوم بعدنا مقامنا في القيام بحقوقك ، وشتان بين من يطلب وارثاً لماله ، وبين من يطلب نائباً بعده يقوم بطاعته في أحواله.\rأ هـ {لطائف الإشارات حـ1 صـ 125}","part":2,"page":98},{"id":580,"text":"قوله تعالى {وَتُبْ عَلَيْنَا}\rواختلف في معنى طلبهم التوبة وهم أنبياء معصومون ، فقالت طائفة : طلبا التثبيت والدوام ، وقيل : أرادا من بعدهما من الذرية كما تقول برني فلان وأكرمني وأنت تريد في ولدك وذريتك ، وقيل وهو الأحسن عندي : إنهما لما عرفا المناسك وبنيا البيت وأطاعا أرادا أن يسنا للناس أن ذلك الموقف وتلك المواضع مكان التنصل من الذنوب وطلب التوبة. وقال الطبري : إنه ليس أحد من خلق الله تعالى إلا وبينه وبين الله تعالى معانٍ يحب أن تكون أحسن مما هي.\rوأجمعت الأمة على عصمة الأنبياء في معنى التبليغ ومن الكبائر ومن الصغائر التي فيها رذيلة ، واختلف في غير ذلك من الصغائر ، والذي أقول به أنهم معصومون من الجميع ، وأن قول النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ \" إني لأتوب إلى الله في اليوم وأستغفره سبعين مرة \" إنما هو رجوعه من حالة إلى أرفع منها لتزيد علومه واطلاعه على أمر الله ، فهو يتوب من المنزلة الأولى إلى الأخرى ، والتوبة هنا لغوية. أ هـ {المحرر الوجيز حـ1 صـ 212}\rوقال القرطبى : \rقوله تعالى : {وَتُبْ عَلَيْنَآ} اختلف في معنى قول إبراهيم وإسماعيل عليهما السلام ؛ «وَتُبْ عَلَيْنَا» وهم أنبياء معصومون ؛ فقالت طائفة : طلبا التثبيت والدوام ، لا أنهما كان لهما ذنب.\rقلت : وهذا حسن ، وأحسن منه أنهما لما عرفا المناسك وبنيا البيت أرادا أن يبنيا للناس ويعرّفاهم أن ذلك الموقف وتلك المواضع مكان التنصّل من الذنوب وطلب التوبة. وقيل : المعنى وَتُبْ على الظلمة منّا.أ هـ {تفسير القرطبى حـ2 صـ 130}","part":2,"page":99},{"id":581,"text":"وقال الفخر :\rأما قوله : {وَتُبْ عَلَيْنَا} ففيه مسائل\rالمسألة الأولى : احتج من جوز الذنب على الأنبياء بهذه الآية قال : لأن التوبة مشروطة بتقدم الذنب ، فلولا تقدم الذنب وإلا لكان طلب التوبة طلباً للمحال ، وأما المعتزلة فقالوا : إنا نجوز الصغيرة على الأنبياء فكانت هذه التوبة توبة من الصغيرة ، ولقائل أن يقول : إن الصغائر قد صارت مكفرة بثواب فاعلها وإذا صارت مكفرة فالتوبة عنها محال ، لأن تأثير التوبة في إزالتها وإزالة الزائل محال.\rوههنا أجوبة أخر تصلح لمن جوز الصغائر ولمن لم يجوزها ، وهي من وجوه.\rأولها : يجوز أن يأتي بصورة التوبة تشدداً في الانصراف عن المعصية ، لأن من تصور نفسه بصورة النادم العازم على التحرز الشديد ، كان أقرب إلى ترك المعاصي ، فيكون ذلك لطفاً داعياً إلى ترك المعاصي ، وثانيها : أن العبد وإن اجتهد في طاعة ربه فإنه لاينفك عن التقصير من بعض الوجوه : إما على سبيل السهو ، أو على سبيل ترك الأولى ، فكان هذا الدعاء لأجل ذلك.\rوثالثها : أنه تعالى لما أعلم إبراهيم عليه السلام أن في ذريته من يكون ظالماً عاصياً ، لا جرم سأل ههنا أن يجعل بعض ذريته أمة مسلمة ، ثم طلب منه أن يوفق أولئك العصاة المذنبين للتوبة فقال : {وَتُبْ عَلَيْنَا} أي على المذنبين من ذريتنا ، والأب المشفق على ولده إذا أذنب ولده فاعتذر الوالد عنه فقد يقول : أجرمت وعصيت وأذنبت فاقبل عذري ويكون مراده : إن ولدي أذنب فاقبل عذره ، لأن ولد الإنسان يجري مجرى نفسه ، والذي يقوي هذا التأويل وجوه.","part":2,"page":100},{"id":582,"text":"الأول : ما حكى الله تعالى في سورة إبراهيم أنه قال : {واجنبنى وَبَنِىَّ أَن نَّعْبُدَ الأصنام رَّبّ إِنَّهُمْ أَضْلَلْنَ كَثِيرًا مّنَ الناس فَمَن تَبِعَنِى فَإِنَّهُ مِنّى وَمَنْ عَصَانِى فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ} [إبراهيم : 35 ، 36] فيحتمل أن يكون المعنى : ومن عصاني فإنك قادر على أن تتوب عليه إن تاب ، وتغفر له ما سلف من ذنوبه.\rالثاني : ذكر أن في قراءة عبد الله : وأرهم مناسكهم وتب عليهم.\rالثالث : أنه قال عطفاً على هذا : {رَبَّنَا وابعث فِيهِمْ رَسُولاً مّنْهُمْ}.\rالرابع : تأولوا قوله تعالى : {وَلَقَدْ خلقناكم ثُمَّ صورناكم} [الأعراف : 11] بجعل خلقه إياه خلقاً لهم إذ كانوا منه ، فكذلك لا يبعد أن يكون قوله : {أَرِنَا مَنَاسِكَنَا} أي أر ذريتنا.\rالمسألة الثانية : احتج الأصحاب بقوله : {وَتُبْ عَلَيْنَا} على أن فعل العبد خلق لله تعالى ، قالوا لأنه عليه السلام طلب من الله تعالى أن يتوب عليه ، فلو كانت التوبة مخلوقة للعبد ، لكان طلبها من الله تعالى محالاً وجهلاً ، قالت المعتزلة : هذا معارض بما أن الله تعالى طلب التوبة منا.\rفقال : {يأَيُّهَا الذين ءامَنُواْ تُوبُواْ إِلَى الله تَوْبَةً نَّصُوحاً} [التحريم : 8] ولو كانت فعلاً لله تعالى ، لكان طلبها من العبد محالاً وجهلاً ، وإذا ثبت ذلك حمل قوله : {وَتُبْ عَلَيْنَا} على التوفيق وفعل الألطاف أو على قبول التوبة من العبد ، قال الأصحاب : الترجيح معنا لأن دليل العقل يعضد قولنا من وجوه.\rأولها : أنه متى لم يخلق الله تعالى داعية موجبة للتوبة استحال حصول التوبة ، فكانت التوبة من الله تعالى لا من العبد ، وتقرير دليل الداعي قد تقدم غير مرة.\r","part":2,"page":101},{"id":583,"text":"وثانيها : أن التوبة على ما لخصه الشيخ الغزالي رحمه الله : عبارة عن مجموع أمور ثلاثة مرتبة : علم وحال وعمل ، فالعلم أول والحال ثانٍ وهو موجب العلم والعمل ثالث وهو موجب الحال ، أما العلم فهو معرفة عظم ضرر الذنوب ، يتولد من هذه المعرفة تألم القلب بسبب فوت المنفعة وحصول المضرة ، وهذا التألم هو المسمى بالندم ثم يتولد من هذا الندم صفة تسمى : إرادة ولها تعلق بالحال والماضي والمستقبل ، أما تعلقه بالحال فهو الترك للذنب الذي كان ملابساً له ، وأما بالاستقبال فبالعزم على ترك ذلك الفعل المفوت للمحبوب إلى آخر العمر ، وأما في الماضي فبتلافي ما فات بالجبر والقضاء إن كان قابلاً للجبر فالعلم هو الأول وهو مطلع هذه الخيرات وأعني بهذا العلم الإيمان واليقين ، فإن الإيمان عبارة عن التصديق بأن الذنوب سموم مهلكة واليقين عبارة عن تأكد هذا التصديق وانتفاء الشك عنه واستيلائه على القلب ، ثم إن هذا اليقين مهما استولى على القلب اشتعل نار الندم فيتألم به القلب حيث يبصر بإشراق نور الإيمان ، أنه صار محجوباً عن محبوبه كمن يشرق عليه نور الشمس وقد كان في ظلمة فرأى محبوبه قد أشرف على الهلاك فتشتعل نيران الحب في قلبه فيتولد من تلك الحالة إرادته للانتهاض للتدارك إذا عرفت هذا فنقول : إن ترتب الفعل على الإرادة ضروري لأن الإرادة الجازمة الخالية عن المعارض لا بد وأن يترتب عليها الفعل وترتب الإرادة على تألم القلب أيضاً ضروري ، فإن من تألم قلبه بسبب مشاهدة أمر مكروه لا بد وأن يحصل في قلبه إرادة الدفع وترتب ذلك الألم على العلم بكون ذلك الشيء جالباً للمضار ، ودفعاً للمنافع أيضاً أمر ضروري ، فكل هذه المراتب ضرورية فكيف تحصل تحت الاختبار والتكلف.أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 4 صـ 58 ـ 59}","part":2,"page":102},{"id":584,"text":"وقال أبو حيان :\r{وتب علينا} : قالوا التوبة من حيث الشريعة تختلف باختلاف التائبين ، فتوبة سائر المسلمين الندم بالقلب ، والرجوع عن الذنب ، والعزم على عدم العود ، ورد المظالم إذا أمكن ، ونية الرد إذا لم يمكن ، وتوبة الخواص الرجوع عن المكروهات من خواطر السوء ، والفتور في الأعمال ، والإتيان بالعبادة على غير وجه الكمال ، وتوبة خواص الخواص لرفع الدرجات ، والترقي في المقامات ، فإن كان إبراهيم وإسماعيل دعوا لأنفسهما بالتوبة ، وكان الضمير في قوله : {وتب علينا} خاصاً بهما ، فيحتمل أن تكون التوبة هنا من هذا القسم الأخير.\rقالوا : ويحتمل أن يريد التثبيت على تلك الحالة مثل : {ربنا واجعلنا مسلمين لك}. وإن كان الضمير شاملاً لهما وللذرية ، كان الدعاء بالتوبة منصرفاً لمن هو من أهل التوبة. وإن كان الضمير قبله محذوفاً مقدراً ، فالتقدير على عصاتنا ، ويكون دعا بالتوبة للعصاة. ولا تدل هذه الآية على جواز وقوع الذنب من الأنبياء عليهم الصلاة والسلام ، لما ذكرناه من الاحتمال. أ هـ {البحر المحيط حـ1 صـ 561 ـ 562}\rقوله تعالى {إنك أنت التواب الرحيم} :\rيجوز في أنت : الفصل والتأكيد والابتداء ، وهاتان الصفتان مناسبتان لأنهما دعوا بأن يجعلهما مسلمين ومن ذريتهما أمة مسلمة ، وبأن يريهما مناسكهما ، وبأن يتوب عليهما.\rفناسب ذكر التوبة عليهما ، أو الرحمة لهما. وناسب تقديم ذكر التوبة على الرحمة ، لمجاورة الدعاء الأخير في قوله : {وتب علينا}. وتأخرت صفة الرحمة لعمومها ، لأن من الرحمة التوبة ، ولكنها فاصلة. والتواب لا يناسب أن تكون فاصلة هنا ، لأن قبلها {إنك أنت السميع العليم} ، وبعدها : {إنك أنت العزيز الحكيم}. أ هـ {البحر المحيط حـ1 صـ 562}","part":2,"page":103},{"id":585,"text":"موعظة\rتب إلى الله ثم سله حوائجك\rرأيت من نفسي عجبا : تسأل الله عز وجل حاجاتها وتنسى جناياتها ؟\rفقلت : يا نفس السوء أو مثلك ينطق ؟\rفإن نطق فينبغي أن يكون السؤال فحسب\rفقالت : فممن أطلب مراداتي ؟\rقلت : ما أمنعك من طلب المراد إنما أقول حققي وانطقى\rكما نقول في العاصي بسفره إذا اضطر إلى الميتة لا يجوز له أن يأكل فإن قيل لنا : أفيموت ! قلنا : لا بل يتوب ويأكل\rفالله الله من جراءة على طلب الأغراض مع نسيان ما تقدم من الذنوب التي توجب تنكيس الرأس ولئن تشاغلت بإصلاح ما مضى والندم عليه جاءتك مراداتك\rكما روى : [من شغله ذكرى عن مسألتي أعطيته أفضل ما أعطي السائلين]\rو قد كان بشر الحافي يبسط يديه للسؤال ثم يسلبهما ويقول : مثلي لا يسأل [ما أبقت الذنوب لي وجها ]\rو هذا يختص ببشر لقوة معرفته كان وقت السؤال كالمخاطب كفاحا فاستحى للزلل\rفأما أهل الغفلة فسؤالهم على بعد فافهم ما ذكرته وتشاغل بالتوبة من الزلل ثم العجب من سؤالاتك فإنك لا تكاد تسأل مهما من الدنيا بل فضول العيش\rولا تسأل صلاح القلب والذين مثل ما تسأل صلاح الدنيا\rفاعقل أمرك فإنك من الانبساط والغفلة على شفا جرف\rوليكن حزنك على زلاتك شاغلا لك عن مراداتك فقد كان الحسن البصري شديد الخوف فلما قيل له في ذلك قال :\rو ما يؤمنني أن يكون اطلع على بعض ذنوبي فقال اذهب لا غفرت لك. أ هـ {صيد الخاطر صـ 138}","part":2,"page":104},{"id":586,"text":"من أقوال يحيى بن معاذ ـ رحمه الله ـ\rقال محمد بن محمود السمرقندي : \rسمعت يحيى بن معاذ يقول : إن قال لي يوم القيامة عبدي ما غرك بي قلت إلهي برك بي\rوسمعته يقول وسئل أرنا عارفا قال : وأين أنتم فأريكم عجبا لقوم عموا عن العرفاء يطلبون الخلفاء\rوسمعته يقول استسلم القوم عندما فهموا\rوسمعته يقول من قوة اليقين ترك ما يرى لما لا يرى\rوسمعته يقول أيها المريدون إن اضررتم إلى طلب الدنيا فاطلبوها ولا تحبوها واشغلوا بها أبدانكم وعلقوا بغيرها قلوبكم فإنها دار ممر وليست بدار مقر الزاد منها والمقيل في غيرها\rوسمعته يقول : رضي الله عن قوم فغفر لهم السيئات وغضب على قوم فلم يقبل منهم الحسنات\rوسمعته يقول : يا ابن آدم مالك تأسف على مفقود لا يرده عليك الفوت ومالك تفرح بموجود لا يتركه في يديك الموت\rوسمعته يقول التوحيد في كلمة واحدة ما تصور في الأوهام فهو بخلافه\rوسمعته يقول طاعة لا حاجة بي إليها لا تمنعني مغفرة لا غناء بي عنها\rوسمعته يقول هو ألقاهم في الذنب يوم سمى نفسه العفو الغفور\rوسمعته يقول ذنب أفتقر به إليه أحب إلي من عمل أدل به عليه\rوسمعته يقول إلهي كيف لا أرجوك تغفر لي ذنبا رجاؤك ألقاني فيه\rوسمعته يقول إن الحكيم يشبع من ثمار فيه\rوسمعته يقول كيف أحب نفسي وقد عصتك وكيف لا أحبها وقد عرفتك\rوسمعته يقول إن وضع علينا عدله لم تبق لنا حسنة وإن أتى فضله لم تبق لنا سيئة\rوسمعته يقول إن غفرت فخير راحم وإن عذبت فغير ظالم\rوسمعته يقول إلهي ضيعت بالذنب نفسي فارددها بالعفو علي\rوسمعته يقول إلهي ارحمني لقدرتك علي أو لحاجتي إليك\rوسمعته يقول مسكين من علمه حجيجه ولسانه وفهمه القاطع لعذره\rوسمعته يقول ذنوب مزدحمة على عاقبة مبهمة ثم قال : إلهي سلامة إن لم تكن كرامة\rوسمعته يقول وسئل ما العبادة فقال حرفة حانوتها الخلوة وربحها الجنة","part":2,"page":105},{"id":587,"text":"وسمعته يقول يا من رباني في الطريق بنعمه وأشار لي في الورود إلى كرمه معرفتي بك دليلي عليك وحبي لك شفيعي إليك\rوسمعته يقول يا من أعطانا خير ما في خزائنه الإيمان به قبل السؤال لا تمنعنا عفوك مع السؤال\rوسمعته يقول إلهي إن إبليس لك عدو وهو لنا عدو وإنك لا تغيظه بشيء هو أنكأ له من عفوك فاعف عنا يا أرحم الراحمين\rوسمعته يقول يا من يغضب على من لا يسأله لا تمنع من قد سألك\rوسمعته يقول لا تقع للمؤمن سيئة إلا وهو خائف أن يؤخذ بها والخوف حسنة فيرجو أن يعفى عنها والرجاء حسنة وسمعته يقول إلهي لا تنس لي دلالتي عليك وإشارتي بالربوبية إليك رفعت إليك يدا بالذنوب مغلولة وعينا بالرجاء مكحولة فاقبلني لأنك ملك لطيف وارحمني لأني عبد ضعيف\rوسمعته يقول هذا سروري بك خائفا فكيف سروري بك آمنا هذا سروري بك في المجالس فكيف سروري بك في تلك المجالس هذا سروري بك في دار الفناء فكيف يكون سروري بك في دار البقاء\rعبد الله بن سهل قال سمعت يحيى بن معاذ يقول من أحب زينة الدنيا والآخرة فلينظر في العلم ومن أحب أن يعرف الزهد فلينظر في الحكمة ومن أحب أن يعرف مكارم الأخلاق فلينظر في فنون الآداب ومن أحب أن يستوثق من أسباب المعاش فليستكثر من الإخوان ومن أحب أن لا يؤذى فلا يؤذين ومن أحب رفعة الدنيا والآخرة فعليه بالتقوى\rأ هـ صفة الصفوة حـ 4 صـ 96 ـ 97}","part":2,"page":106},{"id":588,"text":"(بحث علمي)\rإذا رجعنا إلى قصة إبراهيم (عليه السلام) وسيره بولده وحرمته إلى أرض مكة ، وإسكانهما هناك ، وما جرى عليهما من الأمر ، حتى آل الأمر ، إلى ذبح إسماعيل وفدائه من جانب الله وبنائهما البيت ، وجدنا القصة دورة كاملة من السير العبودي الذي يسير به العبد من موطن نفسه إلى قرب ربه ، ومن أرض البعد إلى حظيرة القرب بالاعراض عن زخارف الدنيا ، وملاذها ، وأمانيها من جاه ، ومال ، ونساء وأولاد ، والانقلاع والتخلص عن وساوس الشياطين ، وتكديرهم صفو الإخلاص والإقبال والتوجه إلى مقام الرب ودار الكبرياء.\rفها هي وقائع متفرقة مترتبة تسلسلت وتألفت قصة تاريخية تحكي عن سير عبودي من العبد إلى الله سبحانه وتشمل من أدب السير والطلب والحضور ورسوم الحب والوله والإخلاص على ما كلما زدت في تدبره إمعانا زادك استنارة ولمعانا.\rثم : إن الله سبحانه أمر خليله إبراهيم ، أن يشرع للناس عمل الحج ، كما قال (وأذن في الناس بالحج يأتوك رجالا وعلى كل ضامر يأتين من كل فج عميق إلى آخر الآيات) الحج - 27 ، وما شرعه (عليه السلام) وإن لم يكن معلوما لنا بجميع خصوصياته ، لكنه كان شعارا دينيا عند العرب في الجاهلية إلى أن بعث الله النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وشرع فيه ما شرع ولم يخالف فيه ما شرعه إبراهيم إلا بالتكميل كما يدل عليه قوله تعالى : (قل إنني هداني ربي إلى صراط مستقيم دينا قيما ملة إبراهيم حنيفا) الأنعام - 161 ، وقوله تعالى : (شرع لكم من الدين ما وصى به نوحا ، والذي أوحينا إليك ، وما وصينا به إبراهيم وموسى ، وعيسى) الشورى - 13.\rوكيف كان فما شرعه النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) من نسك الحج المشتمل على الاحرام والوقوف بعرفات ومبيت المشعر والتضحية ورمى الجمرات والسعى بين الصفا والمروة والطواف والصلاة بالمقام تحكي قصة إبراهيم ، وتمثل مواق فهو مواقف أهله ومشاهدهم ويا لها من مواقف طاهرة إلهية القائد إليها جذبة الربوبية والسائق نحوها ذلة العبودية.","part":2,"page":107},{"id":589,"text":"والعبادات المشروعة - على مشرعيها أفضل السلام - صور لمواقف الكملين من الأنبياء من ربهم ، وتماثيل تحكي عن مواردهم ومصادرهم في مسيرهم إلى مقام القرب والزلفى ، كما قال تعالى : (لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة) الأحزاب - 21} أ هـ {الميزان حـ1 صـ299}\rقوله تعالى {رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آَيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (129)}\rقال الفخر : \rقوله : {رَبَّنَا وابعث فِيهِمْ رَسُولاً مّنْهُمْ} واعلم أنه لا شبهة في أن قوله : {رَبَّنَا وابعث فِيهِمْ رَسُولاً} يريد من أراد بقوله : {وَمِن ذُرّيَّتِنَا أُمَّةً مُّسْلِمَةً لَّكَ} لأنه المذكور من قبل ووصفه لذريته بذلك لا يليق إلا بأمة محمد ـ صلى الله عليه وسلم ـ ، فعطف عليه بقوله تعالى : {رَبَّنَا وابعث فِيهِمْ رَسُولاً مّنْهُمْ} وهذا الدعاء يفيد كمال حال ذريته من وجهين.\rأحدهما : أن يكون فيهم رسول يكمل لهم الدين والشرع ويدعوهم إلى ما يثبتون به على الإسلام.\rوالثاني : أن يكون ذلك المبعوث منهم لا من غيرهم لوجوه.\rأحدها : ليكون محلهم ورتبتهم في العز والدين أعظم ، لأن الرسول والمرسل إليه إذا كانا معاً من ذريته ، كان أشرف لطلبته إذا أجيب إليها.\rوثانيها : أنه إذا كان منهم فإنهم يعرفون مولده ومنشأه فيقرب الأمر عليهم في معرفة صدقه وأمانته.\rوثالثها : أنه إذا كان منهم كان أحرص الناس على خيرهم وأشفق عليهم من الأجنبي لو أرسل إليهم ، إذا ثبت هذا فنقول : إذا كان مراد إبراهيم ـ عليه السلام ـ عمارة الدين في الحال وفي المستقبل ، وكان قد غلب على ظنه أن ذلك إنما يتم ويكمل بأن يكون القوم من ذريته حسن منه أن يريد ذلك ليجتمع له بذلك نهاية المراد في الدين ، وينضاف إليه السرور العظيم بأن يكون هذا الأمر في ذريته لأن لا عز ولا شرف أعلى من هذه الرتبة.\r","part":2,"page":108},{"id":590,"text":"وأما إن الرسول هو محمد ـ صلى الله عليه وسلم ـ فيدل عليه وجوه.\rأحدها : إجماع المفسرين وهو حجة.\rوثانيها : ما روي عنه ـ عليه السلام ـ أنه قال : \" أنا دعوة إبراهيم وبشارة عيسى \" وأراد بالدعوة هذه الآية ، وبشارة عيسى ـ عليه السلام ـ ما ذكر في سورة الصف من قوله : {مُبَشّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِى مِن بَعْدِى اسمه أَحْمَدُ} [الصف : 6].\rوثالثها : أن إبراهيم ـ عليه السلام ـ إنما دعا بهذا الدعاء بمكة لذريته الذين يكونون بها وبما حولها ولم يبعث الله تعالى إلى من بمكة وما حولها إلا محمداً ـ صلى الله عليه وسلم ـ. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 4 صـ 59 ـ 60}\rسؤال وهو أنه يقال : ما الحكمة في ذكر إبراهيم ـ عليه السلام ـ مع محمد ـ صلى الله عليه وسلم ـ في باب الصلاة حيث يقال : اللهم صل على محمد وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم ؟ \rوأجابوا عنه من وجوه ، أولها : أن إبراهيم ـ عليه السلام ـ دعا لمحمد ـ عليه السلام ـ حيث قال : {رَبَّنَا وابعث فِيهِمْ رَسُولاً مّنْهُمْ يَتْلُواْ عَلَيْهِمْ آياتك} فلما وجب للخليل على الحبيب حق دعائه له قضى الله تعالى عنه حقه بأن أجرى ذكره على ألسنة أمته إلى يوم القيامة.\rوثانيها : أن إبراهيم ـ عليه السلام ـ سأل ذلك ربه بقوله : {واجعل لّى لِسَانَ صِدْقٍ فِى الأخرين} [الشعراء : 84] يعني ابق لي ثناء حسناً في أمة محمد ـ صلى الله عليه وسلم ـ ، فأجابه الله تعالى إليه وقرن ذكره بذكر حبيبه إبقاء للثناء الحسن عليه في أمته.\rوثالثها : أن إبراهيم كان أب الملة لقوله : {مّلَّةَ أَبِيكُمْ إبراهيم} [الحج : 78] ومحمد كان أب الرحمة ، وفي قراءة ابن مسعود : (النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم وهو أب لهم) وقال في قصته : {بالمؤمنين رَءوفٌ رَّحِيمٌ} [التوبة : 128] وقال ـ عليه السلام ـ : \" إنما أنا لكم مثل الوالد \" يعني في الرأفة والرحمة ، فلما وجب لكل واحد منهم حق الأبوة من وجه قرب بين ذكرهما في باب الثناء والصلاة.","part":2,"page":109},{"id":591,"text":"ورابعها : أن إبراهيم ـ عليه السلام ـ كان منادي الشريعة في الحج : {وَأَذّن فِى الناس بالحج} [الحج : 27] وكان محمد ـ عليه السلام ـ منادي الدين : {سَمِعْنَا مُنَادِياً يُنَادِى للإيمان} [آل عمران : 193] فجمع الله تعالى بينهما في الذكر الجميل.أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 4 صـ 60}\rقوله تعالى {وَيُعَلّمُهُمُ الكتاب}\rقال الفخر : \rقوله : {وَيُعَلّمُهُمُ الكتاب} والمراد أنه يأمرهم بتلاوة الكتاب ويعلمهم معاني الكتاب وحقائقه ، وذلك لأن التلاوة مطلوبة لوجوه : منها بقاء لفظها على ألسنة أهل التواتر فيبقى مصوناً عن التحريف والتصحيف ، ومنها أن يكون لفظه ونظمه معجزاً لمحمد ـ صلى الله عليه وسلم ـ ، ومنها أن يكون في تلاوته نوع عبادة وطاعة ، ومنها أن تكون قراءته في الصلوات وسائر العبادات نوع عبادة ، فهذا حكم التلاوة إلا أن الحكمة العظمى والمقصود الأشرف تعليم ما فيه من الدلائل والأحكام ، فإن الله تعالى وصف القرآن بكونه هدى ونوراً لما فيه من المعاني والحكم والأسرار ، فلما ذكر الله تعالى أولاً أمر التلاوة ذكر بعده تعليم حقائقه وأسراره فقال : {وَيُعَلّمُهُمُ الكتاب}. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 4 صـ 60}\rقوله تعالى {وَالْحِكْمَةَ}\rسؤال : ما المراد بالحكمة ؟ \rاختلف المفسرون في المراد بالحكمة ههنا على وجوه.\rأحدها : قال ابن وهب قلت لمالك : ما الحكمة ؟ قال : معرفة الدين ، والفقه فيه ، والاتباع له.\rوثانيها : قال الشافعي رضي الله عنه : الحكمة سنة رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ.\rوهو قول قتادة ، قال أصحاب الشافعي رضي الله عنه : والدليل عليه أنه تعالى ذكر تلاوة الكتاب أولاً وتعليمه ثانياً ثم عطف عليه الحكمة فوجب أن يكون المراد من الحكمة شيئاً خارجاً عن الكتاب ، وليس ذلك إلا سنة الرسول ـ عليه السلام ـ.","part":2,"page":110},{"id":592,"text":"فإن قيل : لم لا يجوز حمله على تعليم الدلائل العقلية على التوحيد والعدل والنبوة ؟ قلنا : لأن العقول مستقبلة بذلك فحمل هذا اللفظ على ما لا يستفاد من الشرع أولى.\rوثالثها : الحكمة هي الفصل بين الحق والباطل ، وهو مصدر بمعنى الحكم ، كالقعدة والجلسة.\rوالمعنى : يعلمهم كتابك الذي تنزله عليهم ، وفصل أقضيتك وأحكامك التي تعلمه إياها ، ومثال هذا : الخبر والخبرة ، والعذر والعذرة ، والغل والغلة ، والذل والذلة.\rورابعها : ويعلمهم الكتاب أراد به الآيات المحكمة.\r( والحكمة) أراد بها الآيات المتشابهات.\rوخامسها : {يَعْلِمُهُمْ الكتاب} أي يعلمهم ما فيه من الأحكام.\r( والحكمة) أراد بها أنه يعلمهم حكمة تلك الشرائع وما فيها من وجوه المصالح والمنافع ، ومن الناس من قال : الكل صفات الكتاب كأنه تعالى وصفه بأنه آيات ، وبأنه كتاب ، وبأنه حكمة. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 4 صـ 61}\rقوله تعالى {وَيُزَكِّيهِمْ}\rقال الفخر :\rالصفة الرابعة : من صفات الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ : قوله : \"ويزكيهم\" واعلم أن كمال حال الإنسان في أمرين.\rأحدهما : أن يعرف الحق لذاته.\rوالثاني : أن يعرف الخير لأجل العمل به ، فإن أخل بشيء من هذين الأمرين لم يكن طاهراً عن الرذائل والنقائص ، ولم يكن زكياً عنها ، فلما ذكر صفات الفضل والكمال أردفها بذكر التزكية عن الرذائل والنقائص ، فقال : (ويزكيهم) واعلم أن الرسول لا قدرة له على التصرف في بواطن المكلفين ، وبتقدير أن تحصل له هذه القدرة لكنه لا يتصرف فيها وإلا لكان ذلك الزكاء حاصلاً فيهم على سبيل الجبر لا على سبيل الاختيار ، فإذن هذه التزكية لها تفسيران.","part":2,"page":111},{"id":593,"text":"الأول : ما يفعله سوى التلاوة وتعليم الكتاب والحكمة ، حتى يكون ذلك كالسبب لطهارتهم ، وتلك الأمور ما كان يفعله ـ عليه السلام ـ من الوعد والإيعاد ، والوعظ والتذكير ، وتكرير ذلك عليهم ، ومن التشبث بأمور الدنيا إلى أن يؤمنوا ويصلحوا ، فقد كان ـ عليه السلام ـ يفعل من هذا الجنس أشياء كثيرة ليقوي بها دواعيهم إلى الإيمان والعمل الصالح ، ولذلك مدحه تعالى بأنه على خلق عظيم ، وأنه أوتي مكارم الأخلاق.\rالثاني : يزكيهم ، يشهد لهم بأنهم أزكياء يوم القيامة إذا شهد على كل نفس بما كسبت ، كتزكية المزكي الشهود ، والأول أجود لأنه أدخل في مشاكلة مراده بالدعاء ، لأن مراده أن يتكامل لهذه الذرية الفوز بالجنة ، وذلك لا يتم إلا بتعليم الكتاب والحكمة ، ثم بالترغيب الشديد في العمل والترهيب عن الإخلال بالعمل وهو التزكية ، هذا هو الكلام الملخص في هذه الآية. أ هـ\r{مفاتيح الغيب حـ 4 صـ 61 ـ 62}\rقوله تعالى {إِنَّكَ أَنتَ العزيز الحكيم}\rاعلم أنه ـ عليه السلام ـ لما ذكر هذه الدعوات ختمها بالثناء على الله تعالى فقال : {إِنَّكَ أَنتَ العزيز الحكيم} والعزيز : هو القادر الذي لا يغلب ، والحكيم هو العالم الذي لا يجهل شيئاً ، وإذا كان عالماً قادراً كان ما يفعله صواباً ومبرأ عن العبث والسفه ، ولولا كونه كذلك لما صح منه إجابة الدعاء ولا بعثة الرسل ، ولا إنزال الكتاب ، واعلم أن العزيز من صفات الذات إذا أريد اقتداره على الأشياء وامتناعه من الهضم والذلة ، لأنه إذا كان منزهاً عن الحاجات لم تلحقه ذلة المحتاج ، ولا يجوز أن يمنع من مراده حتى يلحقه اهتضام ، فهو عزيز لا محالة ، وأما الحكيم فإذا أريد به معنى العليم فهو من صفات الذات ، فإذا أريد بالعزة كمال العزة وهو الامتناع من استيلاء الغير عليه ، وأريد بالحكمة أفعال الحكمة لم يكن العزيز والحكيم من صفات الذات بل من صفات الفعل. أ هـ\r{مفاتيح الغيب حـ 4 صـ 62}","part":2,"page":112},{"id":594,"text":"أسئلة وأجوبة\rسؤال : لم قال : {فيهم} ولم يقل لهم ؟ \rالجواب : إنما قال : {فيهم} ولم يقل لهم لتكون الدعوة بمجيء رسول برسالة عامة فلا يكون ذلك الرسول رسولاً إليهم فقط ، ولذلك حذف متعلق {رسولاً} ليعم. أ هـ {التحرير والتنوير حـ1صـ 414}\rوأجاب الآلوسى عن هذا السؤال بقوله : \rليكون أشفق عليهم ، ويكونوا أعز به وأشرف ، وأقرب للإجابة ، لأنهم يعرفون منشأه وصدقه وأمانته. أ هـ {روح المعانى حـ1صـ 386}\rسؤال : لم جيء بالمضارع في قوله : {يتلو} ؟ \rوجيء بالمضارع في قوله : {يتلو} للإشارة إلى أن هذا الكتاب تتكرر تلاوته.\rأ هـ {التحرير والتنوير حـ1صـ 414}\rسؤال : لماذا ختمت الآية بقوله {إنك أنت العزيز الحكيم}\rالجواب : ختمت الآية بقوله {إنك أنت العزيز الحكيم} لأن بعث الرسول تولية ، والتولية لا تكون إلا من عزيز غالب على ما يريد ، وتعليم الرسول الحكمة لقومه إنما يكون مستندا إلى حكمة مرسله ؛ لأن الرسول واسطة بين المرسل والمرسل إليه فلا بد وأن يكون حكيما فلا جرم كان اقترانهما مناسبا. أ هـ {البهان ـ للزركشى حـ1 صـ 88}\rكلام نفيس لابن عرفة\rقوله تعالى : {رَبَّنَا وابعث فِيهِمْ رَسُولاً مِّنْهُمْ...}\rإعادة النداء للاهتمام بالسبب وزيادة \" مِنهُم \" تنبيه على عموم رسالته ـ صلى الله عليه وسلم ـ في العرب لأن ضمير الذرية يعم العرب والعجم لأن بعض كفار قريش زعم أنه لم يرسل إليهم.\rقوله تعالى : {وَيُعَلِّمُهُمُ الكتاب والحكمة وَيُزَكِّيهِمْ...}\rهذا جاء على الأصل في تقديم العلم أولا ثم (العمل) به لأن العلم شرط في العمل ، ولذلك قال : كل شيء يمكن حصوله للولي الجاهل إلا العلم ، لأن العلم لا يحصل له إلا بالتعلم وما يحكى في بعض المسائل عن الشيخ الصالح أبي الحسن علي الشاذلي وغيره إنما هي مسائل جزئية يمكن أن يطلعه الله على حكمها في مرآة يراها مسطورة بين يديه ، فيجيب بما فيها ، إنما العلم الكلي من حيث هو بحيث (يتصدى) لإقرائه وتعلمه فلم يوجد في العادة لأحد (بوجه) ، كذا كان بعض الشيوخ يقول.\rوقدم هنا وفي الحزب الذي يليه بعده \" يُعَلِّمُهُمُ \" \" يُزَكِّيهِمْ \" ، وآخّره في سورة الجمعة.","part":2,"page":113},{"id":595,"text":"كان الشيخ محمد بن عبد السلام يقول : إنه بحسب المجالس فحيث تقدم التعليم تكون تلك الآية نزلت عليه بمحضر الخواص ومن هو أهل للتعليم ، فيكون التعليم أَهَمّ ، وحيث تقدم التزكية تكون الآية نزلت عليه في موضع أكثره عوام ، فتكون التزكية في حقهم أهمّ.\rقوله تعالى : {إِنَّكَ أَنتَ العزيز الحكيم}.\r( لَمْ) يَقُلْ : الغفور الرحيم لأن العزيز هو الذي ينفذ مراده ولا ينفّذ فيه مراد (أحد) والحكيم هو الذي تضمنه قوله تعالى : {الله أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ} وقوله {وكانوا أَحَقَّ بِهَا وَأَهْلَهَا} أ هـ {تفسير ابن عرفة صـ 168}\rكلام نفيس فى الاسمين الجليلين لحجة الإسلام\rقال الإمام الغزالى قدس سره فى شرح الأسماء الحسنى :\rالعزيز : هو الخطير الذى يقل وجود مثله وتشتد الحاجة إليه ويصعب الوصول إليه فما لم تجتمع هذه المعانى الثلاثة لم يطلق {العزيز} فكم من شئ يقل وجوده ولكن إذا لم يعظم خطره ولم يكثر نفعه لم يسم عزيزا ، وكم من شئ يعظم خطره ويكثر نفعه ولا يوجد نظيره ولكن إذا لم يصعب الوصول إليه لم يسم عزيزا كالشمس مثلا فإنها لا نظير لها والأرض كذلك والنفع عظيم فى كل واحدة منهما والحاجة شديدة إليهما ولكن لا توصفان بالعزة لأنه لا يصعب الوصول إلى مشاهدتهما فلا بد من اجتماع المعانى الثلاثة\rثم فى كل من المعانى الثلاثة كمال ونقصان فالكمال فى قلة الوجود أن يرجع إلى واحد إذ لا أقل من الواحد ويكون بحيث يستحيل وجود مثله وليس هذا إلا الله تعالى ، فإن الشمس وإن كانت واحدة فى الوجود فليست واحدة فى الإمكان فيمكن وجود مثلها والكمال فى النفاسة وشدة الحاجة أن يحتاج إليه كل شئ فى كل شئ حتى فى وجوده وبقائه وصفاته وليس ذلك الكمال إلا لله تعالى فهو العزيز المطلق الحق الذى لا يوازيه فيه غيره.","part":2,"page":114},{"id":596,"text":"والعزيز من العباد من يحتاج إليه عباد الله فى أهم أمورهم وهى الحياة الأخروية والسعادة الأبدية وذلك مما يقل لا محالة وجوده ويصعب إدراكه وهذه رتبة الأنبياء ـ عليهم السلام ـ ويشاركهم فى العز من يتفرد بالقرب من درجتهم فى عصره كالخلفاء وورثتهم من العلماء وعزة كل واحد بقدر علو رتبته عن سواه فى النيل والمشاركة وبقدر عنائه فى إرشاد الخلق والحق ذو الحكمة.\rوالحكمة عبارة عن معرفة أفضل الأشياء بأجل العلوم وأجل الأشياء هو الله تعالى ولا يعرف كنه معرفته غيره فهو الحكيم المطلق لأنه يعلم أجل الأشياء بأجل العلوم ، إذ أجل العلوم هو العلم الأزلى الدائم الذى لا يتصور زواله المطابق للمعلوم مطابقة لا يتطرق إليها خفاء وشبهة ولا يتصف بذلك إلا علم الله تعالى ، وقد يقال لمن يحسن دقائق الصناعات ويحكمها ويتقن صنعتها حكيما ، وكمال ذلك أيضا ليس إلا لله تعالى فهو الحكيم المطلق ومن عرف جميع الأشياء ولم يعرف الله تعالى لم يستحق أن يسمى حكيما لأنه لم يعرف أجل الأشياء وأفضلها ، والحكمة أجل العلوم ، وجلالة العلم بقدر جلالة المعلوم ، ولا أجل من الله ومن عرف الله فهو حكيم وإن كان ضعيف المنة فى سائر العلوم الرسمية كليل اللسان قاصر البيان فيها إلا أن نسبة حكمة العبد إلى حكمة الله تعالى كنسبة معرفته إلى معرفته بذاته وشتان بين المعرفتين فشتان بين الحكمتين ، ولكنه مع بعده عنه فهو أنفس المعارف وأكثرها خيرا ومن أوتى الحكمة فقد أوتى خيرا كثيرا وما يتذكر إلا أولوا الألباب.\rنعم من عرف الله كان كلامه مخالفا لكلام غيره فإنه قلما يتعرض للجزئيات بل يكون كلامه جمليا ولا يتعرض لمصالح العاجلة ، بل يتعرض لما ينفع فى العاقبة ولما كانت الكلمات الكلية أظهر عند الناس من أحوال الحكيم من معرفته بالله ربما أطلق الناس اسم الحكمة على مثل تلك الكلمات الكلية ويقال للناطق بها حكيم وذلك مثل قول سيد الأنبياء ـ عليه السلام ـ :","part":2,"page":115},{"id":597,"text":"رأس الحكمة مخافة الله.\rالكيس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت والعاجز من أتبع نفسه هواها وتمنى على الله.\rما قل وكفى خير مما كثر وألهى. السعيد من وعظ بغيره.\rالقناعة مال ينفد.\rالصبر نصف الإيمان.\rاليقين الإيمان كله.\rفهذه الكلمات وأمثالها تسمى حكمة وصاحبها يسمى حكيما انتهى {روح البيان حـ 1 صـ 294 ـ 296}\rقوله تعالى {وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ وَلَقَدِ اصْطَفَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا وَإِنَّهُ فِي الْآَخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ (130)}\rسبب نزول هذه الآية\rأن عبدالله بن سلام دعا ابني أخيه إلى الإسلام مهاجراً وسلمة ، وقال لهما : قد علمتما أن الله تعالى قال في التوراة إني باعث من ولد إسماعيل نبياً اسمه أحمد فمن آمن به فقد اهتدى ، ومن لم يؤمن به فهو ملعون ، فأسلم سلمة وأبى مهاجر أن يسلم فأنزل الله تعالى : \r{ومن يرغب عن ملة إبراهيم} أي يترك دينه وشريعته ، وفيه تعريض باليهود والنصارى ومشركي العرب لأن اليهود والنصارى يفتخرون بالانتساب إلى إبراهيم والوصلة إليه ، لأنهم من بني إسرائيل وهو يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم ، والعرب يفتخرون به لأنهم من ولد إسماعيل بن إبراهيم وإذا كان كذلك كان إبراهيم هو الذي طلب بعثة هذا الرسول في آخر الزمان فمن رغب عن الإيمان بهذا الرسول الذي هو دعوة إبراهيم فقد رغب عن ملة إبراهيم.\rأ هـ {تفسير الخازن حـ1 صـ 85}\rقوله تعالى {وَلَقَدِ اصْطَفَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا وَإِنَّهُ فِي الْآَخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ (130)}","part":2,"page":116},{"id":598,"text":"قوله تعالى : ولقد اصطفيناه في الدنيا ، الاصطفاء أخذ صفوة الشئ وتمييزه عن غيره إذا اختلطا ، وينطبق هذا المعنى بالنظر إلى مقامات الولاية على خلوص العبودية وهو أن يجري العبد في جميع شؤونه على ما يقتضيه مملوكيته وعبوديته من التسليم الصرف لربه ، وهو التحقق بالدين في جميع الشؤون فإن الدين لا يشتمل إلا على مواد العبودية في أمور الدنيا والآخرة وتسليم ما يرضيه الله لعبده في جميع أموره كما قال الله تعالى : (إن الدين عند الله الإسلام) آل عمران - 19 ، فظهر : أن مقام الاصطفاء هو مقام الإسلام بعينه ويشهد بذلك قوله تعالى : (إذ قال له ربه أسلم ، قال أسلمت لرب العالمين الآية) فإن الظاهر أن الظرف متعلق بقوله : اصطفيناه ، فيكون المعنى أن اصطفائه إنما كان حين قال له ربه : أسلم ، فأسلم لله رب العالمين فقوله تعالى : (إذ قال له ربه أسلم : قال أسلمت لرب العالمين ، بمنزله التفسير لقوله : اصطفيناه. أ هـ {الميزان حـ1 صـ300}\rوقال الإمام السمرقندى :\r{وَلَقَدِ اصطفيناه فِي الدنيا} ، يقول : اخترناه في الدنيا للنبوة والرسالة والإسلام والخلة. {وَإِنَّهُ فِى الآخرة لَمِنَ الصالحين} ، أي في الجنة. ويقال : مع الصالحين في الجنة وهو أفضل الصالحين ما خلا محمداً ـ صلى الله عليه وسلم ـ. أ هـ {بحر العلوم حـ1 صـ 121}\rقوله تعالى {وَإِنَّهُ فِي الْآَخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ (130)}\rبحث نفيس عن الصلاح ومراتبه\rقوله تعالى : وإنه في الآخرة لمن الصالحين ، الصلاح ، وهو اللياقة بوجه ربما نسب في كلامه إلى عمل الإنسان وربما نسب إلى نفسه وذاته ، قال تعالى : فليعمل عملا صالحا) الكهف - 110 ، وقال تعالى : (وأنكحوا الأيامى منكم والصالحين من عبادكم وإمائكم) النور - 32}.\rوصلاح العمل وإن لم يرد به تفسير بين من كلامه تعالى غير أنه نسب إليه من الآثار ما يتضح به معناه.","part":2,"page":117},{"id":599,"text":"فمنها : أنه صالح لوجه الله ، قال تعالى : (صبروا ابتغاء وجه ربهم) الرعد - 22} ، وقال تعالى : (وما تنفقون إلا ابتغاء وجه الله) البقرة - 272.\rومنها : أنه صالح لأن يثاب عليه ، قال تعالى : (ثواب الله خير لمن آمن وعمل صالحا) القصص - 80}.\rومنها : أنه يرفع الكلم الطيب الصاعد إلى الله سبحانه قال تعالى : (إليه يصعد الكلم الطيب والعمل الصالح يرفعه) فاطر - 10} ، فيستفاد من هذه الآثار المنسوبة\rإليه : أن صلاح العمل معنى تهيؤه ولياقته لأن يلبس لباس الكرامة ويكون عونا وممدا لصعود الكلام الطيب إليه تعالى ، قال تعالى : (ولكن يناله التقوى منكم) الحج -} وقال تعالى : (وكلا نمد هؤلاء ، وهؤلاء من عطاء ربك ، وما كان عطاء ربك محظورا) الإسراء - 20 ، فعطائه تعالى بمنزلة الصورة ، وصلاح العمل بمنزله المادة.\r","part":2,"page":118},{"id":600,"text":"وأما صلاح النفس والذات فقد قال تعالى : (ومن يطع الله والرسول فاؤلئك مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أؤلئك رفيقا) النساء - 69} وقال تعالى : (وأدخلناهم في رحمتنا إنهم من الصالحين) الأنبياء - 86} وقال تعالى حكاية عن سليمان : (وأدخلني برحمتك في عبادك الصالحين) النمل - 19} وقال تعالى : {ولوطا آتيناه حكما وعلما ـ إلى قوله ـ وأدخلناه في رحمتنا إنه الصالحين) الأنبياء - 75} وليس المراد الصلاح لمطلق الرحمة العامة الإلهية الواسعة لكل شئ ولا الخاصة بالمؤمنين على ما يفيده قوله تعالى : (ورحمتي وسعت كل شئ فسأكتبها للذين يتقون) الاعراف - 156} إذ هؤلاء القوم وهم الصالحون ، طائفة خاصة من المؤمنين المتقين ، ومن الرحمة ما يختص ببعض دون بعض ، قال تعالى (يختص برحمته من يشاء) البقرة - 105} وليس المراد أيضا مطلق كرامة الولاية ، وهو تولي الحق سبحانه أمر عبده ، فإن الصالحين وإن شرفوا بذلك وكانوا من الأولياء المكرمين على ما بيناه سابقا في قوله تعالى : (اهدنا الصراط المستقيم) فاتحة الكتاب - 6} وسيجئ في تفسير الآية لكن هذه أعني الولاية صفة مشتركة بينهم وبين النبيين ، والصديقين ، والشهداء فلا يستقيم إذن عدهم طائفة خاصة في قبالهم.\rنعم الأثر الخاص بالصلاح هو الإدخال في الرحمة ، وهو الأمن العام من العذاب كما ورد المعنيان معا في الجنة ، قال تعالى : فيدخلهم ربهم في رحمته) الجاثية - 30} أي في الجنة ، وقال تعالى : (يدعون فيها بكل فاكهة آمنين) الدخان - 55} أي في الجنة.\rوأنت إذا تدبرت قوله تعالى : (وأدخلناه في رحمتنا) الأنبياء - 75 ، وقوله : (وكلا جعلنا صالحين) الأنبياء - 72 - حيث نسب الفعل إلى نفسه تعالى لا إلى","part":2,"page":119},{"id":601,"text":"العبد - ثم تأملت أنه تعالى قصر الأجر والشكر على ما بحذاء العمل والسعي قضيت بأن الصلاح الذاتي كرامة ليست بحذاء العمل والإرادة وربما تبين به معنى قوله تعالى : (لهم ما يشاؤن فيها) وهو ما بالعمل - وقوله : (ولدينا مزيد) - وهو أمر غير ما بالعمل على ما سيجئ بيانه إن شاء الله في تفسير قوله تعالى : (لهم ما يشاؤن فيها) ق - 35}.\rثم إنك إذا تأملت حال إبراهيم ومكانته في أنه كان نبيا مرسلا وأحد أولي العزم من الأنبياء ، وأنه إمام ، وأنه مقتدى عدة ممن بعده من الأنبياء والمرسلين وأنه من الصالحين بنص قوله تعالى : (وكلا جعلنا صالحين) الأنبياء - 72} الظاهر في الصلاح المعجل على أن من هو دونه في الفضل من الأنبياء أكرم بهذا الصلاح المعجل وهو مع ذلك كله يسأل اللحوق بالصالحين الظاهر في أن هناك قوما من الصالحين سبقوه وهو يسأل اللحوق بهم فيما سبقوه إليه ، \rوأجيب بذلك في الآخرة كما يحكيه الله تعالى في ثلاثة مواضع من كلامه حيث قال تعالى : (ولقد اصطفيناه في الدنيا وإنه في الآخرة لمن الصالحين) البقرة - 130} وقال تعالى : {وآتيناه أجره في الدنيا وإنه في الآخرة لمن الصالحين) العنكبوت - 27} وقال تعالى : (وآتيناه في الدنيا حسنة وإنه في الآخرة لمن الصالحين) النحل - 122} فإذا تأملت ذلك حق التأمل قضيت بأن الصلاح ذو مراتب بعضها فوق بعض. أ هـ {الميزان ـ 303 ـ 306}\rقوله تعالى {إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ (131)}\rفائدة\rفي الكلام التفات من التكلم إلى الغيبة في قوله : إذ قال له ربه أسلم ، ولم يقل إذ قلنا له أسلم ، والتفات آخر من الخطاب إلى الغيبة في المحكي من قول إبراهيم : قال أسلمت لرب العالمين ، ولم يقل : قال أسلمت لك\r","part":2,"page":120},{"id":602,"text":"أما الأول ، فالنكتة فيه : الإشارة إلى أنه كان سرا استسر به ربه إذ أسره إليه فيما خلى به معه فإن للسامع المخاطب اتصالا بالمتكلم فإذا غاب المتكلم عن صفة حضوره انقطع المخاطب عن مقامه وكان بينه وبين ما للمتكلم من الشأن والقصة ستر مضروب ، فأفاد : أن القصة من مسامرات الأنس وخصائص الخلوة.\rوأما الثاني : فلأن قوله تعالى : إذ قال له ربه ، يفيد معنى الاختصاص باللطف والاسترسال في المسارة لكن أدب الحضور كان يقتضى من إبراهيم وهو عبد عليه طابع الذلة والتواضع أن لا يسترسل ، ولا يعد نفسه مختصا بكرامة القرب متشرفا بحظيرة الأنس ، بل يراها واحدا من العبيد الأذلاء المربوبين ، فيسلم لرب يستكين إليه جميع العالمين فيقول : أسلمت لرب العالمين. أ هـ\r{الميزان حـ1 صـ301}\rسؤال : ما معنى الإسلام فى قوله {أسلم} ؟\rقال الإمام الفخر : قوله : {أَسْلَمَ} ليس المراد منه الإسلام والإيمان بل أمور أخر. أحدها : الانقياد لأوامر الله تعالى ، والمسارعة إلى تلقيها بالقبول ، وترك الإعراض بالقلب واللسان ، وهو المراد من قوله : {رَبَّنَا واجعلنا مُسْلِمَيْنِ لَكَ} [البقرة : 128]. وثانيها : قال الأصم : (أسلم) أي أخلص عبادتك واجعلها سليمة من الشرك وملاحظة الأغيار. وثالثها : استقم على الإسلام واثبت على التوحيد كقوله تعالى : {فاعلم أَنَّهُ لاَ إله إِلا الله} [محمد : 19]. ورابعها : أن الإيمان صفة القلب والإسلام صفة الجوارح ، وأن إبراهيم ـ عليه السلام ـ كان عارفاً بالله تعالى بقلبه وكلفه الله تعالى بعد ذلك بعمل الجوارح والأعضاء بقوله : (أسلم). أ هـ {مفاتيح الغيب حـ1 صـ 65}","part":2,"page":121},{"id":603,"text":"وقال الآلوسى :\rولا يمكن الحمل على الحقيقة أعني إحداث الإسلام والإيمان لأن الأنبياء معصومون عن الكفر قبل النبوة وبعدها ولأنه لا يتصور الوحي والاستنباء قبل الإسلام نعم إذا حمل الإسلام على العمل بالجوارح لا على معنى الإيمان أمكن الحمل على الحقيقة كما قيل به وفي الالتفات مع التعرض لعنوان الربوبية والإضافة إليه ـ عليه السلام ـ إظهار لمزيد اللطف به والاعتناء بتربيته ، وإضافة الرب في الجواب إلى {العالمين} للإيذان بكمال قوة إسلامه حيث أتقن حين النظر شمول ربوبيته تعالى للعالمين قاطبة لا لنفسه فقط كما هو المأمور به ظاهراً. أ هـ {روح المعانى حـ1 صـ 388}\rقوله تعالى {قال أسلمت}\rوقوله : {قال أسلمت} مشعر بأنه بادر بالفور دون تريث كما اقتضاه وقوعه جواباً ، قال ابن عرفة : إنما قال لرب العالمين دون أن يقول أسلمت لك ليكون قد أتى بالإسلام وبدليله اه. يعني أن إبراهيم كان قد علم أن لهذا العالم خالقاً عالماً حصل له بإلهام من الله فلما أوحى الله إليه بالإيمان صادف ذلك عقلاً رشداً.\rأ هـ {التحرير والتنوير حـ 1 صـ 417}\rوقال فى روح البيان :\r{ولقد اصطفيناه فى الدنيا} أى وبالله لقد اخترنا ابراهيم فى الدنيا من بين سائر الخلق بالنبوة والحكمة {وانه فى الآخرة} متعلق بقوله {لمن الصالحين} أى من المشهود لهم بالثبات على الاستقامة والخير والصلاح فمن كان صفوة العباد فى الدنيا مشهودا له فى الآخرة بالصلاح كان حقيقا بالاتباع لا يرغب عن ملته إلا سفيه أى فى أصل خلقته أو متسفه يتكلف السفاهة بمباشرة افعال السفهاء باختيار فيذل نفسه بالجهل والإعراض عن النظر والتأمل فقوله {وانه فى الآخرة لمن الصالحين} بشارة له فى الدنيا بصلاح الخاتمة ووعد له بذلك وكم من صالح فى أول حاله ذهب صلاحه فى مآله وكان فى الآخرة لعذابه ونكاله كبلعم وبرصيصا وقارون وثعلبة. أ هـ {روح البيان حـ 1 صـ 296}","part":2,"page":122},{"id":604,"text":"وقال البقاعى :\r{ولقد اصطفيناه} ذكره بمظهر العظمة تعظيماً له ، فإن العبد يشرف بشرف سيده ، وتشريفاً لاصطفائه فإن الصنعة تجل بجلالة مبدعها.. أ هـ {نظم الدرر حـ 1 صـ 245}\rتنبيه : قال الحسين بن الفضل : في الآية تقديم وتأخير تقديره ولقد اصطفيناه في الدنيا والآخرة وإنه لمن الصالحين.. أ هـ {السراج المنير حـ 1 صـ 150}\r( بصيرة فى الإسلام )\rوقد ورد فى القرآن على ثلاثة أَوجه :\rالأَوّل : بمعنى الإِخلاص : {إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ} أَى أَخْلِص.\rالثانى : بمعنى الإِقرار : {وَلَهُ أَسْلَمَ مَن فِي السَّمَاوَاتِ} أَى أَقرّ له بالعبوديّة.\rالثالث : بمعنى الدّين {إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللَّهِ الإِسْلاَمُ} {وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلامَ دِيناً}.\rقال أَبو القاسم الأَصفهانى : الإِسلام فى الشَّرع على ضربين :\rأَحدهما دون الإِيمان. وهو الاعتراف باللِّسان ، وبه يُحقَن الدّم ، حصل معه الاعتقاد ، أَولم يحصل. وإِيّاه قَصَد بقوله : {قُل لَّمْ تُؤْمِنُواْ وَلَاكِن قُولُواْ أَسْلَمْنَا}.\rوالثانى فوق الإِيمان. وهو أَن يكون مع الاعتراف اعتقاد بالقلب ، ووفاءٌ بالفعل. وقوله : {تَوَفَّنِي مُسْلِماً} أَى اجعلنى ممّن استسلم لرضاك. ويجوز أَنْ يكون معناه : اجعلنى سالماً عن كيد الشيطان حيث قَال : {لأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ}.\rوقوله : {إِن تُسْمِعُ إِلاَّ مَن يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا فَهُم مُّسْلِمُونَ} أَى منقادون للحقّ ، مذعنون له. وقوله {يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُواْ} أَى الذين انقادوا من الأَنبياء الَّذين لسيوا من أُولى العزم ، الذين يهتدون بأَمر الله ، ويأْتون بالشَّرائع.\rوالإِسلام أَيضاً : الدّخول فى السّلم. وهو أَن يَسْلم كلُّ واحد منهما أَن يناله أَلَمٌ من صاحبه ، ومصدر أَسمت الشئَ إِلى فلان إِذا أَخرجته إِليه. ومنه السَّلَم فى البيع.\rأهـ {بصائر ذوى التمييز ـ للفيروزابادى ـ حـ2 صـ 74}","part":2,"page":123},{"id":605,"text":"____________________\rتعليق\rخلاصة القول فى هذه الآية وأمثالها أن الصلاح والإسلام والإيمان والفلاح والعلم والقرب والحب والإكرام والتقوى والنعيم وما قاربها من معان درجات ومنازل\rفمن المعلوم أننى مسلم وأبو بكر ـ رضى الله عنه ـ مسلم ، ورسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ مسلم ، بل أول المسلمين\rفهل درجات الإسلام بهذا الاعتبار متساوية ؟؟ ؟!!!\rكلا وألف كلا\rونحن فى دنيا الناس نرى أن لفظ النجاح كما يطلق على من حصل على أعلى الدرجات فى امتحانه فإنه كذلك يطلق على من حصل على نصف الدرجات ، وكلاهما يستحق لقب النجاح لكنهما لا يستويان فى المرتبة ، فهذه المكارم والفضائل منازل ودرجات أصاب بعض الناس أعلاها وأصاب آخرون أدناها\rوالأنبياء والمرسلون فى أسمى مراتبها وأرقى منازلها\r{ولكل درجات مما عملوا} والله أعلم.","part":2,"page":124},{"id":606,"text":"فروق لغوية دقيقة\rالفرق بين الإسلام والإيمان والصلاح\rأن الصلاح استقامة الحال وهو مما يفعله العبد لنفسه ويكون بفعل الله له لطفا وتوفيقا ، والإيمان الطاعة التي يؤمن بها العقاب على ضدها وسميت النافلة إيمانا على سبيل التبع لهذه الطاعة والإسلام طاعة الله التي يسلم بها من عقاب الله وصار كالعلم على شريعة محمد ولذلك ينتفي منه اليهود وغيرهم ولا ينتفون من الإيمان\rأ هـ {الفروق فى اللغة صـ 194}","part":2,"page":125},{"id":607,"text":"قوله تعالى {وَوَصَّى بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يَا بَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ فَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (132)}\rقرأ نافع وابن عامر (وأوصى) بالألف وكذلك هو في مصاحف المدينة والشام والباقون بغير ألف بالتشديد وكذلك هو في مصاحفهم والمعنى واحد إلا أن في (وصى) دليل مبالغة وتكثير. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 2 صـ 66}\rوقال الماوردى : \rووصّى أبلغ من أوصى ، لأن أوصى يجوز أن يكون قاله مرة واحدة ، وَوَصَّى لا يكون إلا مراراً. أ هـ {النكت والعيون حـ 1 صـ 193}\rسؤال : الضمير في (بها) إلى أي شيء يعود ؟ \rالجواب : قال أبو عبيدة : إن شئت رددت الكناية إلى الملة لأنه ذكر ملة إبراهيم ، وإن شئت رددتها إلى الوصية : أي وصى إبراهيم بنيه الثمانية إسماعيل وأمه هاجر القبطية ، وإسحاق وأمه سارة ، وستة أمهم قنطورة بنت يقطن الكنعانية تزوجها إبراهيم بعد وفاة سارة. أ هـ {تفسير البغوى حـ 1 صـ 153}\rوقال ابن عادل : \rوبنو إبراهيم ثمانية : إسماعيل وهو أكبر بنيه وأمه هاجر ، وإسحاق وأمه سارة وهو ثاني بنيه ، ومديان ، ومدان ، وزمران ، ويقشان ، وبشباق ، وشوح ، وهؤلاء أمهم قطورة التي تزوجها إبراهيم بعد موت سارة ، وليس لغير إسماعيل وإسحاق خبر مفصل في التوراة سوى أن ظاهر التوراة أن مديان هو جد أمة مدين أصحاب الأيكة وأن موسى ـ عليه السلام ـ لما خرج خائفاً من مصر نزل أرض مديان وأن يثرون أو رعوئيل (هو شعيب) كان كاهن أهل مدين. وأما يعقوب فهو ابن إسحاق من زوجه رفقة الأرامية تزوجها سنة ست وثلاثين وثمانمائة وألف قبل المسيح في حياة جده إبراهيم فكان في زمن إبراهيم رجلاً ولقب بإسرائيل وهو جد جميع بني إسرائيل ومات يعقوب بأرض مصر سنة تسع وثمانين وتسعمائة وألف قبل المسيح ودفن بمغارة المكفلية بأرض كنعان (بلد الخليل) حيث دفن جده وأبوه عليهم السلام. أ هـ {تفسير ابن عادل حـ 2 صـ 502}","part":2,"page":126},{"id":608,"text":"____________________\rتعليق\rالجزم بأن عدد أولاد إبراهيم ـ عليه السلام ـ ثمانية وذكر أسمائهم كما فعل ابن عادل وغيره أمر فيه نظر فإن القرآن الكريم لم يذكر لنا من أولاد الخليل ـ عليه السلام ـ إلا إسماعيل وإسحاق ، ويرجح هذا حكاية القرآن قول أولاد يعقوب ـ عليه السلام ـ جوابا لأبيهم عند سؤاله لهم {إِذْ قَالَ لِبَنِيهِ مَا تَعْبُدُونَ مِنْ بَعْدِي قَالُوا نَعْبُدُ إِلَهَكَ وَإِلَهَ آَبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِلَهًا وَاحِدًا وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ} حيث أطلقوا الأب على العم فإسماعيل ـ عليه السلام ـ عم ليعقوب ، والعرب تطلق الأب وتريد العم ، كما فى الآية الكريمة ، كما تسمي الخالة أما قال النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ : \"عم الرجل صنو أبيه\" وقال في عمه العباس : \"ردوا علي أبي فإني أخشى أن تفعل به قريش ما فعلت ثقيف بعروة بن مسعود\". وذلك أنهم قتلوه.\rفلو كان لإبراهيم ـ عليه السلام ـ أولاد غير إسماعيل وإسحاق لذكرهم أولاد يعقوب ـ عليه السلام ـ فى الجواب ، كما ذكروا إسماعيل ـ عليه السلام ـ \rلذا يجب التوقف عند ما أخبر به القرآن وعدم الجزم بما سواه إلا إذا دلت عليه السنة الصحيحة. والله أعلم بالصواب.","part":2,"page":127},{"id":609,"text":"من لطائف السهيلى\rوبنو إسرائيل : هم بنو يعقوب وكان يسمى : إسرائيل أي سري الله لكن لم يذكروا في القراءة إلا أضيفوا إلى إسرائيل ولم يسموا فيه بنو يعقوب ومتى ، ذكر إبراهيم وإسحاق ويعقوب لم يسم إسرائيل وذلك لحكمة فرقانية وهو أن القوم لما خوطبوا بعبادة الله وفكروا بدين أسلافهم موعظة لهم وتنبيها من غفلتهم سموا بالاسم الذي فيه تذكرة بالله فإن إسرائيل اسم مضاف إلى الله تعالى في التأويل. ألا ترى : كيف نبه على هذا المعنى رسول الله صلى الله عليه وسلم - حين دعا إلى الإسلام قوما ، يقال لهم بنو عبد الله فقال لهم يا بني عبد الله إن الله قد حسن اسم أبيكم يحرضهم بذلك على ما يقتضيه اسمهم من العبودية لله فكذلك قوله سبحانه يا بني إسرائيل إنما ورد في معرض التذكرة لهم بدين أبيهم وعبوديته لله فكان ذكرهم بهذا الاسم أليق بمقام التذكرة والتحريض من أن يقول لهم يا بني يعقوب ولما ذكر موهبته لإبراهيم وتبشيره بإسحاق ثم يعقوب كان لفظ يعقوب أولى بذلك المقام لأنها موهبة بعقب أخرى ، وبشرى عقب بها بشرى وإن كان اسم يعقوب عبرانيا ، ولكن لفظه موافق للعربي في العقب والتعقيب فانظر مشاكلة الاسمين للمقامين فإنه من باب النظر في إعجاز القرآن وبلاغة ألفاظه وتنزيل الكلام في منازله اللائقة به.أ هـ {الروض الأنف حـ 1صـ 249}","part":2,"page":128},{"id":615,"text":"فائدة\rقال الإمام الفخر ـ رحمه الله ـ :\rاعلم أن هذه الحكاية اشتملت على دقائق مرغبة في قبول الدين. أحدها : أنه تعالى لم يقل وأمر إبراهيم بنيه بل قال : وصاهم ولفظ الوصية أوكد من الأمر ، لأن الوصية عند الخوف من الموت ، وفي ذلك الوقت يكون احتياط الإنسان لدينه أشد وأتم ، فإذا عرف أنه ـ عليه السلام ـ في ذلك الوقت كان مهتماً بهذا الأمر متشدداً فيه ، كان القول إلى قبوله أقرب. وثانيها : أنه ـ عليه السلام ـ خصص بنيه بذلك ، وذلك لأن شفقة الرجل على أبنائه أكثر من شفقته على غيرهم ، فلما خصهم بذلك في آخر عمره ، علمنا أن اهتمامه بذلك كان أشد من اهتمامه بغيره. وثالثها : أنه عمم بهذه الوصية جميع بنيه ولم يخص أحداً منهم بهذه الوصية ، وذلك أيضاً يدل على شدة الاهتمام. ورابعها : أنه ـ عليه السلام ـ أطلق هذه الوصية غير مقيدة بزمان معين ومكان معين ، ثم زجرهم أبلغ الزجر عن أن يموتوا غير مسلمين ، وذلك يدل أيضاً على شدة الاهتمام بهذا الأمر. وخامسها : أنه ـ عليه السلام ـ ما مزج بهذه الوصية وصية أخرى ، وهذا يدل أيضاً على شدة الاهتمال بهذا الأمر ، ولما كان إبراهيم ـ عليه السلام ـ هو الرجل المشهود له بالفضل وحسن الطريقة وكمال السيرة ، ثم عرف أنه كان في نهاية الاهتمام بهذا الأمر ، عرف حينئذ أن هذا الأمر أولى الأمور بالاهتمام ، وأجراها بالرعاية ، فهذا هو السبب في أنه خص أهله وأبناءه بهذه الوصية ، وإلا فمعلوم من حال إبراهيم ـ عليه السلام ـ أنه كان يدعو الكل أبداً إلى الإسلام والدين. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 4 صـ 66}\rسؤال : لم عطف يعقوب على إبراهيم فى الآية الكريمة ؟","part":2,"page":129},{"id":616,"text":"وعطف يعقوب على إبراهيم هنا إدماج مقصود به تذكير بني إسرائيل (الذي هو يعقوب) بوصية جدهم فكما عرض بالمشركين في إعراضهم عن دين أوصى به أبوهم عرض باليهود كذلك لأنهم لما انتسبوا إلى إسرائيل وهو يعقوب الذي هو جامع نسبهم بعد إبراهيم لتقام الحجة عليهم بحق اتباعهم الإسلام. أ هـ {التحرير والتنوير حـ 1 صـ 728}\rسؤال : فإن قلت ، لم قال : وصى بها إبراهيم بنيه ولم يقل أمرهم ؟ .\rالجواب : قلت : لأن لفظ الوصية أوكد من لفظ الأمر لأن الوصية إنما تكون عند الخوف من الموت وفي ذلك الوقت يكون احتياط الإنسان لولده أشد وأعظم ، وكانوا هم إلى قبول وصيته أقرب وإنما خص بنيه بهذه الوصية لأن شفقة الرجل على بنيه أكثر من شفقته على غيرهم. وقيل : لأنهم كانوا أئمة يقتدى بهم فكان صلاحهم صلاحاً لغيرهم. أ هـ {تفسير الخازن حـ 1 صـ 85}\rسؤال : لم أدخل\"الألف واللام\" في\"الدين\" ؟ \rالجواب : وإنما أدخل\"الألف واللام\" في\"الدين\" ، لأن الذين خوطبوا من ولدهما وبنيهما بذلك ، كانوا قد عرفوه بوصيتهما إياهم به ، وعهدهما إليهم فيه ، ثم قالا لهم -بعد أن عرفاهموه- : إن الله اصطفى لكم هذا الدين الذي قد عهد إليكم فيه ، فاتقوا الله أن تموتوا إلا وأنتم عليه. أ هـ {تفسير الطبرى حـ 3 صـ 96}\rسؤال : فإن قيل : كيف يُنْهَونَ عن الموت وليس من فعلهم ، وإنما يُمَاتُون ؟ \rالجواب : قيل : هذا في سعة اللغة مفهوم المعنى ، لأن النهي تَوَجَّهَ إلى مفارقة الإسلام ، لا إلى الموت ، ومعناه : الزموا الإسلام ولا تفارقوه إلى الموت. أ هـ {النكت والعيون حـ 1 صـ 193}","part":2,"page":130},{"id":617,"text":"وقال الآلوسى :\r{فَلاَ تَمُوتُنَّ إَلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ} نهي عن الاتصاف بخلاف حال الإسلام وقت الموت ، والمفهوم من الآية ظاهراً النهي عن الموت على خلاف تلك الحال ، وليس بمقصود لأنه غير مقدور وإنما المقدور قيده فيعود النهي إليه ، والمراد من الأمر الذي يشير إليه ذلك النهي الثبات على الإسلام لأنه اللازم له ، والمقصود من التوصية ، ولأن أصل الإسلام كان حاصلاً لهم ، وإنما أدخل حرف النفي على الفعل مع أنه ليس منهياً عنه للدلالة على أن موتهم لا على الإسلام موت لا خير فيه ، وأن حقه أن لا يحل بهم وأنه يجب أن يحذروه غاية الحذر ، وذكر بعضهم أن الإسلام المأمور به هنا ما يكون بالقلب دون العمل بالجوارح لأن ذلك مما لا يكاد يمكن عند الموت ولهذا ورد في الحديث : \" اللهم من أحييته منا فأحيه على الإسلام ومن توفيته منا فتفوه على الإيمان \" ولا يخفى ما فيه.\rأ هـ {روح المعانى ـ حـ 1 صـ 390 ـ باختصار يسير}\rوقال الخازن :\r{فلا تموتن إلاّ وأنتم مسلمون} أي مؤمنون مخلصون فالمعنى دوموا على إسلامكم حتى يأتيكم الموت وأنتم مسلمون لأنه لا يعلم في أي وقت يأتي الموت على الإنسان. وقيل : في معنى وأنتم مسلمون أي محسنون الظن بالله عز وجل يدل عليه ما روي عن جابر قال سمعت رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ قبل موته بثلاثة أيام يقول : \" لا يموتن أحدكم إلاّ وهو يحسن الظن بربه \" أخرجاه في الصحيحين. أ هـ {تفسير الخازن حـ 1 صـ 86}","part":2,"page":131},{"id":618,"text":"وقال فى البحر المحيط : \r{فلا تموتنّ إلا وأنتم مسلمون} : هذا استثناء من الأحوال ، أي إلا على هذه الحالة ، والمعنى : الثبوت على الإسلام ، والنهي في الحقيقة إنما هو عن كونهم على خلاف الإسلام. إلا أن ذلك نهى عن الموت ، ونظير ذلك في الأمر : مت وأنت شهيد ، لا يكون أمراً بالموت ، بل أمر بالشهادة ، فكأنه قال : لتستشهد في سبيل الله ، وذكر الموت على سبيل التوطئة للشهادة. وقد تضمن هذا الكلام إيجازاً بليغاً ووعظاً وتذكيراً ، وذلك أن الإنسان يتيقن بالموت ولا يدري متى يفاجئه. فإذا أمر بالتباس بحالة لا يأتيه الموت إلا عليها ، كان متذكراً للموت دائماً ، إذ هو مأمور بتلك الحالة دائماً ، . وهذا على الحقيقة نهي عن تعاطي الأشياء التي تكون سبباً للموافاة على غير الإسلام ، ونظير ذلك قولهم : لا أرينك هنا ، لا ينهي نفسه عن الرؤية ، ولكن المعنى على النهي عن حضوره في هذا المكان ، فيكون يراه ، فكأنه قال : اذهب عن هذا المكان. ألا ترى أن المخاطب ليس له أن يحجب إدراك الآمر عنه إلا بالذهاب عن ذلك المكان ، فأتى بالمقصود بلفظ يدل على الغضب والكراهة ، لأن الإنسان لا ينهى إلا عن شيء يكره وقوعه.","part":2,"page":132},{"id":619,"text":"وقد اشتملت هذه الجملة على لطائف ، منها : الوصية ، ولا تكون إلا عند خوف الموت. ففي ذلك ما كان عليه إبراهيم من الاهتمام بأمر الدين ، حتى وصى به من كان ملتبساً به ، إذ كان بنوه على دين الإسلام. ومنها اختصاصه ببنيه ، ولا يختصهم إلا بما فيه سلامة عاقبتهم. ومنها أنه عمم بنيه ، ولم يخص أحداً منهم ، كما جاء في حديث النعمان بن بشير ، حين نحله أبوه شيئاً ، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم : « أتحب أن يكونوا لك في البر سواء ؟ » ورد نحله إياه وقال : لا أشهد على جور. ومنها إطلاق الوصية ، ولم يقيدها بزمان ولا مكان. ثم ختمها بأبلغ الزجر أن يموتوا غير مسلمين. ثم التوطئة لهذا النهي والزجر بأن الله تعالى هو الذي اختار لكم دين الإسلام ، فلا تخرجوا عما اختاره الله لكم.أ هـ {البحر المحيط حـ 1 صـ 571}","part":2,"page":133},{"id":620,"text":"وقال ابن عاشور : \rوللعرب في النهي المراد منه النهي عن لازمه طرق ثلاثة : الأول : أن يجعلوا المنهي عنه مما لا قدرة للمخاطب على اجتنابه فيدلوا بذلك على أن المراد نفي لازمه مثل قولهم لا تنس كذا أي لا ترتكب أسباب النسيان ، ومثل قولهم : لا أعرفنك تفعل كذا أي لا تفعل فأعرفك لأن معرفة المتكلم لا ينهى عنها المخاطب ، وفي الحديث : \" فلا يذادن أقوام عن حوضي \" ، الثاني : أن يكون المنهي عنه مقدوراً للمخاطب ولا يريد المتكلم النهي عنه ولكن عما يتصل به أو يقارنه فيجعل النهي في اللفظ عن شيء ويقيده بمقارنه للعلم بأن المنهي عنه مضطر لإيقاعه فإذا أوقعه اضطر لإيقاع مقارنه نحو قولك لا أراك بثياب مشوهة ، ومنه قوله تعالى : {فلا تموتن إلا وأنتم مسلمون} ، الثالث : أن يكون المنهي عنه ممكن الحصول ويجعله مفيداً مع احتمال المقام لأن يكون النهي عن الأمرين إذا اجتمعا ولو لم يفعل أحدهما نحو لا تجئني سائلاً وأنت تريد أن لا يسألك فإما أن يجيء ولا يسأل وإما أن لا يجيء بالمرة ، وفي الثانية إثبات أن بني إبراهيم ويعقوب كانوا على ملة الإسلام وأن الإسلام جاء بما كان عليه إبراهيم وبنوه حين لم يكن لأحد سلطان عليهم ، وفيه إيماء إلى أن ما طرأ على بنيه بعد ذاك من الشرائع إنما اقتضته أحوال عرضت وهي دون الكمال الذي كان عليه إبراهيم ولهذا قال تعالى : {إن الدين عند الله الإسلام} [آل عمران : 19] وقال : {وما جعل عليكم في الدين من حرج ملة أبيكم إبراهيم هو سماكم المسلمين من قبل} [الحج : 78]. أ هـ {التحرير والتنوير حـ 1 صـ 729}","part":2,"page":134},{"id":621,"text":"وقال التسترى :\r{يَابَنِيَّ إِنَّ الله اصطفى لَكُمُ الدين فَلاَ تَمُوتُنَّ إَلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ} [132]. وإنما تعبد الله الخلق على حسب طاقاتهن ، والذين قيل لهم : {اتقوا الله حَقَّ تُقَاتِهِ} [آل عمران : 102] طولبوا بالتقوى على حسب معرفتهم بالله ، فكان معنى ذلك ، أي اتقوا الله حق تقاته ما قدرتم عليه ، لا أنه رخص في ترك التقوى بتلك الآية : {وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ} [آل عمران : 102] أي مسلمون لأمر الله بكل حال مفوضون إليه ، والآخرون ردوا إلى الاجتهاد ، فافهم الفرق بين الاثنين في الخطاب ، إذا كان اللفظ متفقاً والمعنى مختلفاً خاص وعام. قال أبو بكر : ثم قال سهل : لو دعا المتقون على المسرفين لهلك الأولون والآخرون منهم ، ولكن الله جعل المتقين رحمة للظالمين ليستنقذهم بهم ، فإنّ أكرم الخلق على الله عزَّ وجلَّ المتقون كما قال الله : {إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عَندَ الله أَتْقَاكُمْ} [الحجرات : 13] فمن أراد كرامة الله عزَّ وجلَّ فليتَّقِه ، فإنه ينال بالتقوى كرامته ، والدخول إلى جنته ، ويسكن في جواره ، ويفوز فوزاً عظيماً.{تفسير التسترى صـ 28}\rفائدة لغوية\r\" يعقوب \" علم أعجمي ولذلك لا ينصرف ، ومن زعم أنه سُمِّي يعقوب ؛ لأنه وُلِد عقب العيص أخيه ، وكانا توأمين ، أو لأنه كثر عَقبهُ ونَسْلُه فقد وهم ؛ لأنه كان ينبغي أن ينصرف ، لأنه عربي مشتق.\rويعقوب أيضاً ذَكَرُ الْحَجَل ، إذ سمي به المذكر انصرف ؛ والجمع يَعَاقِبَة وَيَعَاقِيب ، و\" اصْطَفَى \" ألفه عن ياء تلك الياء منقلبة عن \" واو \" ؛ لأنها من الصَّفْوة ، ولما صارت الكلمة أربعة فصاعداً ، قلبت ياء ، ثم انقلبت ألفاً. أ هـ\r{تفسير ابن عادل حـ 2 صـ 503}\rوقال القشيرى :\rوَوَصَّى بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ}\rأخبر أن إبراهيم ـ عليه السلام ـ وصَّى بنيه ، وكذلك يعقوب ـ عليه السلام ـ قال لبنيه لا يصيبنكم الموت إلا وأنتم بوصف الإسلام. فشرائعهم - وإن اختلفت في الأفعال - فالأصل واحد ، ومشرب التوحيد لا ثاني - له في التقسيم - وقوله تعالى : {إن الله اصطفى لكم الدين} بِشارة بما تقوي به دواعيهم على الرغبة فيما يكلفهم من الإسلام ، لأنهم إذا تحققوا أن الله سبحانه اصطفى لهم ذلك علموا أنه لا محالة يعينهم فيسهل عليهم القيام بحق الإسلام. أ هـ {لطائف الإشارات حـ 1صـ 127 ـ 128}","part":2,"page":135},{"id":622,"text":"فروق لغوية دقيقة\rالفرق بين الدين والملة\rأن الملة اسم لجملة الشريعة والدين اسم لما عليه كل واحد من أهلها ألا ترى أنه يقال فلان حسن الدين ولا يقال حسن الملة وإنما يقال هو من أهل الملة ويقال لخلاف الذمي الملي نسب إلى جملة الشريعة فلا يقال له ديني وتقول ديني دين الملائكة ولا تقول ملتي ملة الملائكة لأن الملة اسم للشرائع مع الإقرار بالله ، والدين ما يذهب إليه الإنسان ويعتقد أنه يقربه إلى الله وإن لم يكن فيه شرائع مثل دين أهل الشرك وكل ملة دين وليس كل دين ملة واليهودية ملة لأن فيها شرائع وليس الشرك ملة وإذا اطلق الدين فهو الطاعة العامة التي يجازي عليه بالثواب مثل قوله تعالى {إن الدين عند الله الإسلام}\rوإذا قيد اختلفت دلالته ، وقد يسمى كل واحد من الدين والملة باسم الآخر في بعض المواضع لتقارب معنييهما ، والأصل ما قلنا ، والفرس تزعم أن الدين لفظ فارسي وتحتج بأنهم يجدونه في كتبهم المؤلفة قبل دخول العربية أرضهم بألف سنة ويذكرون أن لهم خطا يكتبون به كتابهم المنزل برعمهم يسمى دين دوري أي كتابة الذي سماه بذلك صاحبهم زرادشت ونحن نجد للدين أصلا واشتقاقا صحيحا في العربية وما كان كذلك لا نحكم عليه بأنه أعجمي وإن صح ما قالوه فإن الدين قد حصل في العربية والفارسية اسما\rلشيء واحد على جهة الاتفاق وقد يكون على جهة الاتفاق ما هو أعجب من هذا\rوأصل الملة في العربية المل وهو أن يعدو الذئب على شيء ضربا من العدو فسميت الملة ملة لاستمرار أهلها عليها ، وقيل أصلها التكرار من قولك طريق مليل إذا تكرر سلوكه حتى توطأ ومنه الملل وهو تكرار الشيء على النفس حتى تضجر ، وقيل الملة مذهب جماعة يحمي بعضهم لبعض عند الأمور الحادثة\rوأصلها من المليلة وهي ضرب من الحمى ومنه الملة موضع النار وذلك أنه إذا دفن فيه اللحم وغيره تكرر عليه الحمى ومنه الملة موضع النار وذلك أنه إذا دفن فيه اللحم وغيره تكرر عليه الحمى حتى ينضج","part":2,"page":136},{"id":623,"text":"وأصل الدين الطاعة ودان الناس لملكهم أي أطاعوه ، ويجوز أن يكون أصله العادة ثم قيل للطاعة دين لأنها تعتاد وتوطن النفس عليها.\rالفرق بين الدين والشريعة\rأن الشريعة هي الطريقة المأخوذ فيها إلى الشيء ومن ثم سمي الطريق إلى الماء شريعة ومشرعة وقيل الشارع لكثرة الأخذ فيه والدين ما يطاع به المعبود ولكل واحد منا دين وليس لك واحد منا شريعة ، والشريعة في هذا المعنى نظير الملة إلا أنها تفيد ما يفيده الطريق المأخوذ ما لا تفيده الملة ويقال شرع في الدين شريعة كما يقال طرق فيه طريقا والملة تفيد استمرار أهلها عليها. أ هـ {الفروق فى اللغة صـ 188}","part":2,"page":137},{"id":624,"text":"قوله تعالى {أَمْ كُنْتُمْ شُهَدَاءَ إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ إِذْ قَالَ لِبَنِيهِ مَا تَعْبُدُونَ مِنْ بَعْدِي قَالُوا نَعْبُدُ إِلَهَكَ وَإِلَهَ آَبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِلَهًا وَاحِدًا وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ (133)}\rسؤال : ما نوع {أم} فى قوله تعالى {أَمْ كُنْتُمْ شُهَدَاءَ} ؟ \rالجواب : فيه قولان الأول : أنها منقطعة عما قبلها ، ومعنى الهمزة فيها الإنكار أي : بل ما كنتم شهداء ، \"والشهداء\" جمع شهيد بمعنى الحاضر أي ما كنتم حاضرين عندما حضر يعقوب الموت ، والخطاب مع أهل الكتاب ، كأنه تعالى قال لهم فيما كانوا يزعمون من أن الدين الذي هم عليه دين الرسل : كيف تقولون ذلك وأنتم تشهدون وصايا الأنبياء بالدين ولو شهدتم ذلك لتركتم ما أنتم عليه من الدين ولرغبتم في دين محمد ـ صلى الله عليه وسلم ـ الذي هو نفس ما كان عليه إبراهيم ـ عليه السلام ـ ويعقوب وسائر الأنبياء عليهم السلام بعده.","part":2,"page":138},{"id":625,"text":"فإن قيل : الاستفهام على سبيل الإنكار إنما يتوجه على كلام باطل ، والمحكى عن يعقوب في هذه الآية ليس كلاًما باطلاً بل حقاً ، فكيف يمكن صرف الاستفهام على سبيل الإنكار إليه ؟\rقلنا : الاستفهام على سبيل الإنكار متعلق بمجرد ادعائهم الحضور عند وفاته هذا هو الذي أنكره الله تعالى. فأما ذكره بعد ذلك من قول يعقوب ـ عليه السلام ـ : {مَا تَعْبُدُونَ مِن بَعْدِى} فهو كلام مفصل بل كأنه تعالى لما أنكر حضورهم في ذلك الوقت شرح بعد ذلك كيفية تلك الوصية.\rالقول الثاني : في أن {أم} في هذه الآية متصلة ، وطريق ذلك أن يقدر قبلها محذوف كأنه قيل : أتدعون على الأنبياء اليهودية ، أم كنتم شهداء إذ حضر يعقوب الموت ؛ يعني إن أوائلكم من بني إسرائيل كانوا مشاهدين له إذ دعا بنيه إلى ملة الإسلام والتوحيد ، وقد علمتم ذلك فما لكم تدعون على الأنبياء ما هم منه برآء. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 4 صـ 67 ـ 68}\rسؤال : لفظة {ما} لغير العقلاء فكيف أطلقه في المعبود الحق ؟\rوجوابه من وجهين : الأول : أن {ما} عام في كل شيء والمعنى أي شيء تعبدون. والثاني : قوله : {مَا تَعْبُدُونَ} كقولك عند طلب الحد والرسم : ما الإنسان ؟ .\rأ هـ {مفاتيح الغيب حـ4 صـ 68}\rفائدة\rحكى القاضي عن ابن عباس : أن يعقوب ـ عليه السلام ـ جمعهم إليه عند الوفاة ، وهم كانوا يعبدون الأوثان والنيران ، فقال : يا بني ما تعبدون من بعدي ؟ قالوا : نعبد إهلك وإله آبائك ثم قال القاضي : هذا بعيد لوجهين. الأول : أنهم بادروا إلى الاعتراف بالتوحيد مبادرة من تقدم منه العلم واليقين. الثاني : أنه تعالى ذكر في الكتاب حال الأسباط من أولاد يعقوب وأنهم كانوا قوماً صالحين وذلك لا يليق بحالهم. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ4 صـ 69}\rسؤال : لم ذكر هذه العبارة {إذ حضر يعقوب الموت} قبل ذكر الخبر ؟","part":2,"page":139},{"id":626,"text":"الجواب : قوله تعالى : {إذ قال لبنيه} بدل من {إذ حضر يعقوب الموت} وفائدة المجيء بالخبر على هذه الطريقة دون أن يقال أم كنتم شهداء إذ قال يعقوب لبنيه عند الموت ، هي قصد استقلال الخبر وأهمية القصة وقصد حكايتها على ترتيب حصولها ، وقصد الإجمال ثم التفصيل لأن حالة حضور الموت لا تخلو من حدث هام سيحكى بعدها فيترقبه السامع وهذه الوصية جاءت عند الموت وهو وقت التعجيل بالحرص على إبلاغ النصيحة في آخر ما يبقى من كلام الموصى فيكون له رسوخ في نفوس الموصين. أ هـ {التحرير والتنوير حـ2 صـ 420}\rأسئلة وأجوبة\rوجاء يعقوب في وصيته بأسلوب الاستفهام لينظر مقدار ثباتهم على الدين حتى يطّلع على خالص طويتهم ليلقي إليهم ما سيوصيهم به من التذكير وجيء في السؤال بما الاستفهامية دون من لأن ما هي الأصل عند قصد العموم لأنه سألهم عما يمكن أن يعبده العابدون.\rواقترن ظرف {بعدي} بحرف (من) لقصد التوكيد فإن (من) هذه في الأصل ابتدائية فقولك : جئت من بعد الزوال يفيد أنك جئت في أول الأزمنة بعد الزوال ثم عوملت معاملة حرف تأكيد.\rوجملة : قالوا نعبد إِلهك} جواب عن قوله : {ما تبعدون} جاءت على طريقة المحاورات بدون واو وليست استئنافاً لأن الاستئناف إنما يكون بعد تمام الكلام ولا تمام له قبل حصول الجواب.\rوجيء في قوله : {نعبد إلهك} معرفاً بالإضافة دون الاسم العلم بأن يقول نعبد الله لأن إضافة إله إلى ضمير يعقوب وإلى آبائه تفيد جميع الصفات التي كان يعقوب وآباؤه يصفون الله بها فيما لقنه لأبنائه منذ نشأتهم ، ولأنهم كانوا سكنوا أرض كنعان وفلسطين مختلطين ومصاهرين لأمم تعبد الأصنام من كنعانيين وفلسطينيين وحثيين وأراميين ثم كان موت يعقوب في أرض الفراعنة وكانوا يعبدون آلهة أخرى. وأيضاً فمن فوائد تعريف الذي يعبدونه بطريق الإضافة إلى ضمير أبيهم وإلى لفظ آبائه أن فيها إيماء إلى أنهم مقتدون بسلفهم.","part":2,"page":140},{"id":627,"text":"وفي الإتيان بعطف البيان من قولهم {إبراهيم وإسماعيل وإسحاق} ضرب من محسن الاطراد تنويهاً بأسماء هؤلاء الأسلاف كقول ربيعة بن نصر بن قعين :\rإنْ يقتلوك فقد ثَللت عُروشهم... بعُتَيْبَةَ بن الحارث بن شهاب\rوإنما أعيد المضاف في قوله : {وإلهك آبائك} لأن إعادة المضاف مع المعطوف على المضاف إِليه أفصح في الكلام وليست بواجبة ، وإطلاق الآباء على ما شمل إسماعيل وهو عم ليعقوب إطلاق من باب التغليب ولأن العم بمنزلة الأب.\rوإنما أعيد لفظ إلها ولم يقتصر على وصف واحداً لزيادة الإيضاح لأن المقام مقام إطناب ففي الإعادة تنويه بالمعاد وتوكيد لما قبله ، وهذا أسلوب من الفصاحة إذ يعاد اللفظ ليبنى عليه وصف أو متعلق ويحصل مع ذلك توكيد اللفظ السابق تبعاً ، وليس المقصود من ذلك مجرد التوكيد ومنه قوله تعالى : {وإذا مروا باللغو مروا كراماً} [الفرقان : 72] وقوله : {إن أحسنتم أحسنتم لأنفسكم} [الإسراء : 7] وقوله : {واتقوا الذي أمدكم بما تعلمون أمدكم بأنعام وبنين} [الشعراء : 132 ، 133] إذ أعاد فعل أمدكم.\rأ هـ {التحرير والتنوير حـ2 صـ 421 ـ بتصرف يسير}\rكلام نفيس للشهيد سيد قطب ـ رحمه الله ـ فى الآية الكريمة\r{أم كنتم شهداء إذ حضر يعقوب الموت. إذ قال لبنيه : ما تعبدون من بعدي ؟ قالوا نعبد إلهك وإله آبائك إبراهيم وإسماعيل وإسحاق إلهاً واحداً ونحن له مسلمون}..","part":2,"page":141},{"id":628,"text":"إن هذا المشهد بين يعقوب وبنيه في لحظة الموت والاحتضار لمشهد عظيم الدلالة ، قوي الإيحاء ، عميق التأثير.. ميت يحتضر. فما هي القضية التي تشغل باله في ساعة الاحتضار ؟ ما هو الشاغل الذي يعني خاطره وهو في سكرات الموت ؟ ما هو الأمر الجلل الذي يريد أن يطمئن عليه ويستوثق منه ؟ ما هي التركة التي يريد أن يخلفها لأبنائه ويحرص على سلامة وصولها إليهم فيسلمها لهم في محضر ، يسجل فيه كل التفصيلات ؟ .\r. إنها العقيدة.. هي التركة. وهي الذخر. وهي القضية الكبرى ، وهي الشغل الشاغل ، وهي الأمر الجلل ، الذي لا تشغل عنه سكرات الموت وصرعاته :\r{ما تعبدون من بعدي ؟ }..\rهذا هو الأمر الذي جمعتكم من أجله. وهذه هي القضية التي أردت الاطمئنان عليها. وهذه هي الأمانة والذخر والتراث..\r{قالوا : نعبد إلهك وإله آبائك إبراهيم وإسماعيل وإسحاق. إلهاً واحداً. ونحن له مسلمون}..\rإنهم يعرفون دينهم ويذكرونه. إنهم يتسلمون التراث ويصونونه. أ هـ\r{فى ظلال القرآن حـ1 صـ 90}\rومن لطائف الإمام القشيرى فى الآية الكريمة\rقوله جلّ ذكره : {أَمْ كُنتُمْ شُهَدَاءَ إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ المَوْتُ إِذْ قَالَ لِبَنِيهِ مَا تَعْبُدُونَ مِنْ بَعْدِى قَالُوا نَعْبُدُ إِلَهَكَ}.\rجروا كلهم - صلوات الله عليهم - على منهاج واحد في التوحيد والإسلام ، وتوارثوا ذلك خَلَفًا عن سَلَف ، فهم أهل بيت الزلفة ، ومستحقو القربة ، والمُطَهَّرون من قِبَل الله - على الحقيقة.\rقوله جلّ ذكره : {نعبد إِلَهَكَ وَإِلَهَ ءابَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَقَ إِلَهًا وَاحِدًا وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ}.\rلم يقولوا إلهنا مراعاة لخصوصية قَدْره ، حيث سلموا له المزية ، ورأوا أنفسهم ملحقين بمقامه ، ثم أخبروا عن أنفسهم أنهم طُيَّع له بقولهم {ونحن له مسلمون}.\rأ هـ {لطائف الإشارات حـ1 صـ 128}","part":2,"page":142},{"id":629,"text":"فروق لغوية دقيقة\rالفرق بين الولد والابن\rأن الابن يفيد الاختصاص ومداومة الصحبة ولهذا يقال ابن الفلاة لمن يداوم سلوكها وابن السرى لمن يكثر منه وتقول تبنيت ابنا إذا جعلته خاصا بك ويجوز أن يقال إن قولنا هو ابن فلان يقتضي أنه منسوب إليه ؛ ولهذا يقال الناس بنو آدم لأنهم منسوبون إليه وكذلك بنو إسرائيل ، والابن في كل شيء صغير فيقول الشيخ كانوا يسمعون أممهم أبناءهم ولهذا كني الرجل بأبي فلان وإن لم يكن له ولد على التعظيم والحكماء والعلماء يسمون المتعلمين أبناءهم ، ويقال لطالبي العلم أبناء العلم ، وقد يكنى بالابن كما يكنى بالأب كقولهم ابن عرس وابن تمرة وابن آوى وبنات طبق وبنات نعش وبنات وردان\rوقيل أصل الابن التأليف والاتصال من قولك بنية وهو مبني وأصله بني وقيل بنو ولهذا جمع على أبناء فكان بين الأب والابن تأليف والولد يقتضي الولادة ولا يقتضيها الابن ، والابن يقتضي أبا يقتضي والدا ولا يسمى الإنسان والدا إلا إذا صار له ولد وليس هو مثل الأب لأنهم يقولون في التكنية أبو فلان وإن لم يلد فلانا ولا يقولون في هذا والد فلان إلا أنهم قالوا في الشاة والد في حملها قبل أن تلد وقد ولدت إذا ولدت يقال الابن للذكر والولد للذكر والأنثى. أ هـ {الفروق فى اللغة صـ 241}","part":2,"page":143},{"id":630,"text":"قوله تعالى {تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُمْ مَا كَسَبْتُمْ وَلَا تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ (134)}\rالأمة على وجوه :\rالأول : الجماعة كما في الآية\rوالثاني : القدوة والإمام في قوله (إن إبراهيم كان امة قانتا).\rوالثالث : القامة في قول الأعشى :\rوإن معاوية الأكرمين * حسان الوجوه ، طوال الأمم\rوالرابع : الاستقامة في الدين والدنيا. قال النابغة : حلفت فلم أترك لنفسي ريبة ، * وهل يأثمن ذو أمة ، وهو طائع أي : ذو ملة ودين\rوالخامس : الحين في قوله : (وادكر بعد أمة)\rوالسادس : أهل الملة الواحدة في قولهم أمة موسى وأمة عيسى وأمة محمد صلى الله عليه وعليهما.\rوأصل الباب القصد من أمه يومه أما : إذا قصده.أ هـ {مجمع البيان حـ1 صـ 401 ـ 402}\rكلام نفيس فى الآية الكريمة\r{تلك} إشارة إلى الأمة المذكورة التى هى إبراهيم ويعقوب وبنوهما الموحدون {أمة} هى فى الأصل المقصود كالعهدة بمعنى المعهود وسمى بها الجماعة لأن فرق الناس تؤمها أى يقصدونها ويقتدون بها وهى خبر تلك {قد خلت} أى مضت بالموت وانفردت عمن عداها ، وأصله صارت إلى الخلاء وهى الأرض التى لا أنيس بها ، والجملة نعت لأمة {لها ما كسبت} تقديم المسند لقصره على المسند إليه أى لها كسبها لا كسب غيرها {ولكم ما كسبتم} لا كسب غيركم {ولا تسئلون عما كانوا يعملون} أى لا تؤاخذون بسيئات الأمة الماضية كما فى قوله {ولا تسألون عما أجرمنا} ، كما لا تثابون بحسناتهم فلكل أجر عمله وذلك لما ادعى اليهود أن يعقوب ـ عليه السلام ـ مات على اليهودية وأنه ـ عليه السلام ـ وصى بها بنيه يوم مات وردوا بقوله تعالى {أم كنتم شهداء} الآية قالوا هب أن الأمر كذلك\rأليسوا آباءنا وإليهم ينتهى نسبنا فلا جرم ننتفع بصلاحهم ومنزلتهم عند الله تعالى قالوا ذلك مفتخرين باوآئلهم فردوا بأنهم لا ينفعهم انتسابهم إليهم وإنما ينفعهم اتباعهم فى الأعمال فإن أحدا لا ينفعه كسب غيره كما قال ـ عليه السلام ـ \" يا بنى هاشم لا يأتينى الناس بأعمالهم وتأتونى بأنسابكم \" وقال ـ عليه السلام ـ \" من أبطأ به عمله لم يسرع به نسبه \" يعنى من أخره فى الآخرة عمله السيئ أو تفريطه فى العمل الصالح لم ينفعه شرف نسبه ولم تنجبر نقيصته به قال الشاعر\rأتفخر باتصالك من على... واصل البؤسة الماء القراح\rوليس بنافع نسب زكى... يدنسه صنائعك القباح","part":2,"page":144},{"id":631,"text":"والأبناء وإن كانوا يتشرفون بشرف آبائهم إلا إنه إذا نفخ فى الصور فلا أنساب والافتخار بمثل هذا كالافتخار بمتاع غيره وإنه من الجنون فلا بد من كسب العمل والإخلاص فيه فإنه المنجى بفضل الله تعالى وجاء فى حديث طويل وهو أن رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ قال \" إنى رأيت البارحة عجبا رأيت رجلا من أمتى جاءه ملك الموت ليقبض روحه فجاء بره لوالديه فرده عنه ورأيت رجلا من أمتى قد بسط عليه عذاب القبر فجاءه وضوؤه فاستنقذه من ذلك ورأيت رجلا من أمتى قد احتوشته الشياطين فجاءه ذكر الله فخلصه من بينهم ورأيت رجلا من أمتى قد احتوشته ملائكة العذاب فجاءته صلاته فاستنقذته من أيديهم ورأيت رجلا من أمتى يلهث عطشا كلما ورد حوضا منع منه فجاءه صيامه فسقاه وأرواه ورأيت رجلا من أمتى والنبيون قعود حلقا حلقا كلما دنا لحلقة طرد فجاءه اغتساله من الجنابة فأخذ بيده وأقعده إلى جنبى ورأيت رجلا من أمتى بين يديه ظلمة ومن خلفه ظلمة وعن يمينه ظلمة وعن شماله ظلمة ومن فوقه ظلمة ومن تحته ظلمة فهو متحير فجاءته حجته وعمرته فاستخرجتاه من الظلمة وأدخلتاه فى النور ورأيت رجلا من أمتى يكلم المؤمنين فلا يكلمونه فجاءته صلة الرحم فقالت يا معشر المؤمنين كلموه كلموه ورأيت رجلا من أمتى يتقى وهج النار وشررها بيده عن وجهه فجاءته صدقته فصارت سترا على وجهه وظلا على رأسه ورأيت رجلا من أمتى قد أخذته الزبانية من كل مكان فجاءه أمره بالمعروف ونهيه عن المنكر فاستنقذاه من أيديهم وأدخلاه مع ملائكة الرحمة ورأيت رجلا من أمتى جاثيا على ركبتيه بينه وبين الله حجار فجاءه حسن خلقه فاخذ بيده فأدخله على الله ورأيت رجلا من أمتى قد هوت صحيفته من قبل شماله فجاءه خوفه من الله فأخذ صحيفته فجعلها فى يمينه ورأيت رجلا من أمتى قد خف ميزانه فجاءته أفراطه فثقلوا ميزانه ورأيت رجلا من أمتى قائما على شفير جهنم فجاءه وجله من الله فاستنقذه من ذلك ومضى ورأيت رجلا من أمتى أهوى","part":2,"page":145},{"id":632,"text":"فى النار فجاءته دموعه التى بكى بها من خشية الله فاستخرجته من النار ورأيت رجلا من أمتى قائما على الصراط يرعد كما ترعد السعفة فجاءه حسن ظنه بالله فسكن رعدته ومضى ورأيت رجلا من أمتى على الصراط يزحف أحيانا ويحبو أحيانا ويتعلق أحيانا فجاءته صلاته على فأخذت بيده وأقامته ومضى على الصراط ورأيت رجلا من أمتى انتهى إلى أبواب الجنة فغلقت الأبواب دونه فجاءته شهادة أن لا إله إلا الله ففتحت له الأبواب وأدخلته الجنة \"\rقال رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ \" من قال لا إله إلا الله مخلصا دخل الجنة \" قيل يا رسول الله وما إخلاصها قال \" أن تحجزه عن محارم الله \" فعلم من هذا التفصيل أن الخلاص وإن كان بفضل الله تعالى لكنه منوط بالأعمال الصالحة فالقرابة لا تغنى شيئا إذا فسد العمل ، وأما قول من قال : إذا طاب أصل المرء طابت فروعه فباعتبار الغالب فإن من عادته تعالى أن يخرج الحى من الميت والميت من الحى\rوالعود الذى تفوح رائحته وإن كان فى الأصل شجرة كسائر الأشجار إلا إنه لما كان له استعداد لتلك المرتبة وحصل ذلك بالتربية فاق على الأقران وخرج من جنس الأصل وكذا المسك فإن أصله دم وكم من نسيب يعود على أصله بالعكس فيظهر فيه أثر الصلاح الباطن فى أبيه إن كان أى أبوه فاسقا أو الفساد الباطن فيه إن كان صالحا وكم من فرع يميل إلى أصله على وجه فانظر حال آدم ـ عليه السلام ـ وولديه هابيل وقابيل ومن بعدهم إلى قيام الساعة. أ هـ {روح البيان ـ حـ 1 صـ 301 ـ 302}\rفوائد جليلة دلت عليها الآية الكريمة\rالآية دالة على مسائل : ","part":2,"page":146},{"id":633,"text":"المسألة الأولى : الآية دالة على بطلان التقليد ، لأن قوله : {لَهَا مَا كَسَبَتْ} يدل على أن كسب كل أحد يختص به ولا ينتفع به غيره ، ولو كان التقليد جائزاً لكان كسب المتبوع نافعاً للتابع ، فكأنه قال : إني ما ذكرت حكاية أحوالهم طلباً منكم أن تقلدوهم ، ولكن لتنبهوا على ما يلزمكم فتستدلوا وتعلموا أن ما كانوا عليه من الملة هو الحق.\rالمسألة الثانية : الآية دالة على ترغيبهم في الإيمان ، واتباع محمد عليه الصلاة والسلام ، وتحذيرهم من مخالفته.\rالمسألة الثالثة : الآية دالة على أن الأبناء لا يثابون على طاعة الآباء بخلاف قول اليهود من أن صلاح آبائهم ينفعهم ، وتحقيقه ما روي عنه ـ عليه السلام ـ أنه قال : \" يا صفية عمة محمد ، يا فاطمة بنت محمد ، ائتوني يوم القيامة بأعمالكم لا بأنسابكم فإني لا أغني عنكم من الله شيئاً \".\rالمسألة الرابعة الآية تدل على بطلان قول من يقول الأبناء يعذبون بكفر آبائهم وكان اليهود يقولون إنهم يعذبون في النار لكفر آبائهم باتخاذ العجل وهو قوله تعالى وَقَالُواْ لَن تَمَسَّنَا النَّارُ إِلاَّ أَيَّامًا مَّعْدُودَةً (البقرة 80) وهي أيام عبادة العجل فبين الله تعالى بطلان ذلك. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ4 صـ 71}\rومن لطائف الإمام القشيرى فى الآية الكريمة\rأنزل الحقُّ - سبحانه - كُلاًّ بمحلِّه ، وأفرد لكل واحدٍ قَدْراً بموجِبِ حكمه ، فلا لهؤلاء عن أشكالهم خبر ، ولا بما خَصَّ به كل طائفة إلى آخرين أثر ، وكلُّ في إقليمه مَلِك ، ولكلٍ يدور بالسعادة فَلَك. أ هـ {لطائف الإشارات حـ1 صـ 128}\rفوائد ولطائف\rالمراد بما كسبت وبما كسبتم ثواب الأعمال بدليل التعبير فيه بلها ولكم ، ولك أن تجعل الكلام من نوع الاحتباك والتقرير لها ما كسبت وعليكم ما كسبتم أي إثمه.","part":2,"page":147},{"id":634,"text":"وتقديم المسندين على المسند إليهما في {لها ما كسبت ولكم ما كسبتم} لقصر المسند إليه على المسند أي ما كسبت الأمة لا يتجاوزها إلى غيرها وما كسبتم لا يتحاوزكم\rونفى السؤال عن العمل لأنه أقل أنواع المؤاخذة بالجريمة فإن المرء يؤخذ بجريمته فيسأل عنها ويعاقب وقد يسأل المرء عن جريمة غيره ولا يعاقب كما يلام على القوم فعل بعضهم ما لا يليق وهو شائع عند العرب قال زهير : \rلعمري لنِعْمَ الحيُّ جَرَّ عليهم... بما لا يُواتيهم حُصَين بن ضَمْضمِ\rفنفي أصل السؤال أبلغ وأشمل للأمرين ، وإن جعلت قوله : {ولكم ما كسبتم} مراداً به الأعمال الذميمة المحيطة بهم كان قوله : {ولا تسألون} إلخ احتراساً واستيفاء لتحقيق معنى الاختصاص أي كل فريق مختص به عمله أو تبعته ولا يلحق الآخر من ذلك شيء ولا السؤال عنه ، أي لا تحاسبون بأعمال سلفكم وإنما تحاسبون بأعمالكم. أ هـ {التحرير والتنوير حـ1 صـ 422ـ بتصرف يسير}\rلطيفة\rحكى عن بعض العلماء أنه سئل عما وقع من الفتن بين علي ومعاوية وطلحة والزبير وعائشة ـ رضوان الله عليهم - فقرأ {تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُمْ مَا كَسَبْتُمْ وَلَا تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ (134)} الآية وهذا جواب حسن في مثل هذا السؤال. أ هـ {تفسير السمعانى حـ 1 صـ 148}\r( بصيرة فى الأمة )\rالأُمَّة لغة : الرّجُل الجامع للخير ، والإِمام ، وجماعةٌ أَرسل إِليهم رَسُول ، والجيل من كل حىّ ، والجنس ، ومَن هو على الحقّ ، ومُخالف لسائر الأَديان ، والحِين ، والقامة ، والأُمُّ ، والوجه والنشاط ، والطَّاعة ، والعالِم ، ومن الوجه : مُعظمُه ، ومن الرجل قومه. وأُمَّه الله تعالى : خَلْقه.\rوقد ورد فى نصّ القرآن على عشرة أَوجه.\rالأَوّل : بمعنى الصَّف المصفوف {وَلاَ طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلاَّ أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ} أَى صفوف.","part":2,"page":148},{"id":635,"text":"الثانى : بمعنى السّنين الخالية : {وَادَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ} أَى بعد سنين.\rالثالث : بمعنى الرّجل الجامع للخير : {إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً}.\rالرابع : بمعنى الدّين ، والمِلَّة : {إِنَّ هذه أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً} {إِنَّا وَجَدْنَآ آبَآءَنَا عَلَى أُمَّةٍ}.\rالخامس : بمعنى الأمَم السّالفة ، والقرون الماضية : {قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهَآ أُمَمٌ}.\rالسّادس : بمعنى القوم بلا عدد {كُلَّمَا دَخَلَتْ أُمَّةٌ لَّعَنَتْ أُخْتَهَا}.\rالسابع : بمعنى القوم المعدود : {وَجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً مِّنَ النَّاسِ يَسْقُونَ} ، {وَإِذَا قَالَتْ أُمَّةٌ مِّنْهُمْ لِمَ تَعِظُونَ قَوْماً} أَى أَربعين رجلاً.\rالثامن : بمعنى الزَّمان الطَّويل : {وَلَئِنْ أَخَّرْنَا عَنْهُمُ الْعَذَابَ إِلَى أُمَّةٍ مَّعْدُودَةٍ}.\rالتاسع : بمعنى الكُفَّار خاصّة : {كَذَلِكَ أَرْسَلْنَاكَ فِي أُمَّةٍ}.\rالعاشر : بمعنى أَهل الإِسلام : {كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ} ، وقوله تعالى : {كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً} أَى صِنفاً واحداً ، وعلى طريقة واحدة فى الضَّلال والكفر ، {وَلَوْ شَآءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً} أَى فى الإِيمان ، {وَلْتَكُن مِّنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ} أَى جماعة يتَخَيَّرُون العلم ، والعمل الصَّالح ، أَى يكونون أُسْوة لغيرهم.أهـ {بصائر ذوى التمييز ـ للفيروزابادى حـ 2 صـ 112}\rقوله تعالى {وَقَالُوا كُونُوا هُودًا أَوْ نَصَارَى تَهْتَدُوا قُلْ بَلْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (135)}","part":2,"page":149},{"id":636,"text":"سبب نزول الآية الكريمة\rقوله (وَقالوا كونوا هودَاً أَو نَصارى تَهتَدوا) قال ابن عباس : نزلت في رؤوس يهود المدينة : كعب بن الأشرف ، ومالك بن الصيف ، وأبي ياسر بن أخطب ، وفي نصارى أهل نجران ، وذلك أنهم خاصموا المسلمين في الدين كل فرقة تزعم أنها أحق بدين الله تعالى من غيرها ، فقالت اليهود : نبينا موسى أفضل الأنبياء ، وكتابنا التوراة أفضل الكتب ، وديننا أفضل الأديان ، وكفرت بعيسى والإنجيل ومحمد والقرآن ، وقالت النصارى : نبينا عيسى أفضل الأنبياء وكتابنا أفضل الكتب ، وديننا أفضل الأديان ، وكفرت بمحمد والقرآن. وقال كل واحد من الفريقين للمؤمنين : كونوا على ديننا فلا دين إلا ذلك ودعوهم إلى دينهم. أ هـ {أسباب النزول للنيسابورى صـ 43}\rقال الفخر : \rاعلم أنه تعالى لما بين الدلائل التي تقدمت صحة دين الإسلام حكى بعدها أنواعاً من شبه المخالفين الطاعنين في الإسلام.\rالشبهة الأولى : حكى عنهم أنهم قالوا : {كُونُواْ هُودًا أَوْ نصارى تَهْتَدُواْ} ولم يذكروا في تقرير ذلك شبهة ، بل أصروا على التقليد ، فأجابهم الله تعالى عن هذه الشبهة من وجوه. الأول : ذكر جواباً إلزامياً وهو قوله : {قُلْ بَلْ مِلَّةَ إبراهيم حَنِيفًا} وتقرير هذا الجواب أنه إن كان طريق الدين التقليد فالأولى في ذلك اتباع ملة إبراهيم ، لأن هؤلاء المختلفين قد اتفقوا على صحة دين إبراهيم والأخذ بالمتفق أولى من الأخذ بالمختلف إن كان المعول في الدين على التقليد ، فكأنه سبحانه قال : إن كان المعول في الدين على الاستدلال والنظر ، فقد قدمنا الدلائل ، وإن كان المعول على التقليد فالرجوع إلى دين إبراهيم ـ عليه السلام ـ وترك اليهودية والنصرانية أولى.\rفإن قيل : أليس أن كل واحد من اليهود والنصارى يدعي أنه على دين إبراهيم ـ عليه السلام ـ.","part":2,"page":150},{"id":637,"text":"قلنا : لما ثبت أن إبراهيم كان قائلاً بالتوحيد ، وثبت أن النصارى يقولون بالتثليث ، واليهود يقولون بالتشبيه ، فثبت أنهم ليسوا على دين إبراهيم ـ عليه السلام ـ ، وأن محمداً ـ عليه السلام ـ لما دعا إلى التوحيد ، كان هو على دين إبراهيم.\rأ هـ {مفاتيح الغيب حـ4 صـ 73}\r{وَقَالُواْ كُونُواْ هُودًا أَوْ نصارى تَهْتَدُواْ} الضمير الغائب لأهل الكتاب ، والجملة عطف على ما قبلها عطف القصة على القصة ، والمراد منها رد دعوتهم إلى دينهم الباطل إثر رد ادعائهم اليهودية على يعقوب ـ عليه السلام ـ ، و{أَوْ} لتنويع المقال لا للتخيير بدليل أن كل واحد من الفريقين يكفر الآخر ، أي : قال اليهود للمؤمنين كونوا هوداً وقالت النصارى لهم كونوا نصارى و{تَهْتَدُواْ} جواب الأمر ، أي إن كنتم كذلك تهتدوا. أ هـ {روح المعانى حـ1 صـ 393}\rوقال الفخر : \r{وَقَالُواْ كُونُواْ هُودًا أَوْ نصارى} لا يجوز أن يكون المراد به التخيير ، إذ المعلوم من حال اليهود أنها لا تجوز اختيار النصرانية على اليهودية ، بل تزعم أنه كفر. والمعلوم من حال النصارى أيضاً ذلك بل المراد أن اليهود تدعو إلى اليهودية والنصارى إلى النصرانية ، فكل فريق يدعو إلى دينه ، ويزعم أنه الهدي فهذا معنى قوله : {تَهْتَدُواْ} أي أنكم إذا فعلتم ذلك اهتديتم وصرتم على سنن الاستقامة. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ4 صـ 74}\rقوله تعالى {حنيفا}\r{حنيفاً} أصله من الحنف وهو ميل واعوجاج يكون في القدم ، قال ابن عباس : الحنيف المائل عن الأديان كلها إلى دين الإسلام ، قال الشاعر : \rولكنا خلقنا إذ خلقنا... حنيفاً ديننا عن كل دين\rوالعرب تسمي كل من حج أو اختتن حنيفاً تنبيهاً على أنه على دين إبراهيم ، وقيل : الحنيفية الختان وإقامة المناسك مسلماً ، يعني أن الحنيفية هي دين الإسلام وهو دين إبراهيم عليه السلام. أ هـ {تفسير الخازن حـ1 صـ 86}","part":2,"page":151},{"id":638,"text":"وقال أبو السعود : \r{حَنِيفاً} أي مائلاً عن الباطل إلى الحق وهو حالٌ من المضاف إليه كما في رأيت وجهَ هندٍ قائمةً أو المضافِ كما في قوله تعالى : {وَنَزَعْنَا مَا فِى صُدُورِهِم مّنْ غِلّ إِخْوَانًا} الخ {وَمَا كَانَ مِنَ المشركين} تعريضٌ بهم وإيذانٌ ببُطلان دعواهم اتباعَه ـ عليه السلام ـ مع إشراكهم بقولهم عزيرٌ ابنُ الله والمسيحُ ابن الله. أ هـ {تفسير أبى السعود حـ1 صـ 166}\rقوله تعالى {قُولُوا آَمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ (136)}\rقال البغوى : \r{قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا} يعني القرآن {وَمَا أُنْزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ} عشر صحف {وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالأسْبَاطِ} يعني أولاد يعقوب وهم اثنا عشر سبطا واحدهم سبط سموا بذلك لأنه ولد لكل واحد منهم جماعة وسبط الرجل حافده ، ومنه قيل للحسن والحسين رضي الله عنهما سبطا رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ والأسباط من بني إسرائيل كالقبائل من العرب من بني إسماعيل والشعوب من العجم ، وكان في الأسباط أنبياء ولذلك قال : وما أنزل إليهم وقيل هم بنو يعقوب من صلبه صاروا كلهم أنبياء {وَمَا أُوتِيَ مُوسَى} يعني التوراة {وَعِيسَى} يعني الإنجيل {وَمَا أُوتِيَ} أعطي {النَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ} أي نؤمن بالكل لا نفرق بين أحد منهم فنؤمن ببعض ونكفر ببعض كما فعلت اليهود والنصارى {وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ}","part":2,"page":152},{"id":639,"text":"أخبرنا عبد الواحد المليحي أنا أحمد بن عبد الله النعيمي أنا محمد بن يوسف أنا محمد بن إسماعيل أنا محمد بن بشار أنا عثمان بن عمر أنا علي بن المبارك عن يحيى بن أبي كثير عن أبي سلمة عن أبي هريرة قال : كان أهل الكتاب يقرءون التوراة بالعبرانية ، ويفسرونها بالعربية لأهل الإسلام ، فقال رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ : \"لا تصدقوا أهل الكتاب ولا تكذبوهم وقولوا آمنا بالله الآية\" {رواه البخاري : في الاعتصام - باب : قول النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ : لا تسألوا أهل الكتاب عن شيء : 13 333.}. أ هـ {تفسير البغوى حـ 1 صـ 156}\rمناسبة الآية لما قبلها\rاعلم أنه تعالى لما أجاب بالجواب الجدلي أولاً ، ذكر بعده جواباً برهانياً في هذه الآية وهو : أن الطريق إلى معرفة نبوة الأنبياء عليهم السلام ظهور المعجز عليهم ، ولما ظهر المعجز على يد محمد ـ صلى الله عليه وسلم ـ وجب الاعتراف بنبوته والإيمان برسالته ، فإن تخصيص البعض بالقبول وتخصيص البعض بالرد يوجب المناقضة في الدليل وأنه ممتنع عقلاً ، فهذا هو المراد من قوله : {قُولُواْ ءَامَنَّا بالله وَمَا أُنزِلَ إِلَيْنَا} إلى آخر الآية ، وهذا هو الغرض الأصلي من ذكر هذه الآية. أ هـ\r{مفاتيح الغيب حـ4 صـ 75}\rسؤال : فإن قيل : كيف يجوز الإيمان بإبراهيم وموسى وعيسى مع القول بأن شرائعهم منسوخة ، \rقلنا : نحن نؤمن بأن كل واحد من تلك الشرائع كان حقاً في زمانه فلا يلزم منا المناقضة ، أما اليهود والنصارى لما اعترفوا بنبوة بعض من ظهر المعجز عليه ، وأنكروا نبوة محمد ـ صلى الله عليه وسلم ـ مع قيام المعجز على يده ، فحينئذ يلزمهم المناقضة فظهر الفرق. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ4 صـ 75}","part":2,"page":153},{"id":640,"text":"سؤال : لم كان التعبير هنا بـ {إلى}{قُولُوا آَمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ} وفى آل عمران كان التعبير بـ {على} {َقل آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ عليْنَا وَمَا أُنْزِلَ علَى إِبْرَاهِيمَ} ؟\rالجواب : لما كان المأمور المؤمنين وكانت تعدية الإنزال بإلى تقتضي الانتهاء وكان ذلك يقتضي واسطة قبل الانتهاء وكان الانتهاء إلى الاتباع إنما هو بالقصد الثاني كان الأنسب في هذه الآية لتوجيه الأمر إليهم التعبير بإلى بخلاف آية آل عمران. أ هـ {نظم الدرر حـ1 صـ 255}\rوقال الكرمانى :\rالخطاب في هذه السورة لهذه الأمة لقوله تعالى {قولوا 136} فلم يصح إلا {إلى} و{على}مختص بجانب الفوق وهو مختص بالأنبياء لأن الكتب منزلة عليهم لا شركة للأمة فيها ، وفي آل عمران {قل 84}وهو مختص بالنبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ دون أمته فكان الذي يليق به على وزاد في هذه السورة {وما أوتى} وحذف من آل عمران لأن في آل عمران قد تقدم ذكر الأنبياء حيث قال {وإذ أخذ الله ميثاق النبيين لما آتيتكم من كتاب وحكمة}. أ هـ {أسرار التكرار فى القرآن صـ 26}\rوأجاب ابن عرفة بجواب آخر : وهو أن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ لما كان خاطره إلى العالم العلوي أميل ، إذ في السّماء الجنّة والعرش والكرسيّ والملائكة ، ناسب تعدي الإنزال إليه بـ \" على \" ليشعر بإتيانه من الجهة الشريفة المحبوبة بخلاف هذه فإنّ فيها \" قُولُوا \" وهو خطاب له ولغيره. أ هـ\r{تفسير ابن عرفة صـ 176}\rسؤال : ما المراد من الأمر بالقول فى الآية الكريمة {قولوا} ؟","part":2,"page":154},{"id":641,"text":"والأمر بالقول أمر بما يتضمنه إذ لا اعتداد بالقول إلا لأنه يطابق الاعتقاد ، إذ النسبة إنما وضعت للصدق لا للكذب ، والمقصود من الأمر بهذا القول الإعلان به والدعوة إليه لما يشتمل عليه من الفضيلة الظاهرة بحصول فضيلة سائر الأديان لأهل هاته الملة ولما فيه من الإنصاف وسلامة الطوية ، ليرغب في ذلك الراغبون ويكمد عند سماعه المعاندون وليكون هذا كالاحتراس بعد قوله : {قل بل ملة إبراهيم حنيفاً} أي نحن لا نطعن في شريعة موسى وشريعة عيسى وما أوتي النبيئون ولا نكذبهم ولكنا مسلمون لله بدين الإسلام الذي بقي على أساس ملة إبراهيم وكان تفصيلاً لها وكمالاً لمراد الله منها حين أراد الله إكمالها فكانت الشرائع التي جاءت بعد إبراهيم كمنعرجات الطريق سلك بالأمم فيها لمصالح ناسبت أحوالهم وعصورهم بعد إبراهيم كما يسلك بمن أتعبه المسير طريق منعرج ليهدأ من ركز السيارة في المحجة فيحط رحله وينام ثم يرجع به بعد حين إلى الجادة ، ومن مناسبات هذا المعنى أن ابتدىء بقوله {وما أنزل إلينا} ، واختتم بقوله {ونحن له مسلمون} ، ووُسِّط ذكر ما أنزل على النبيئين بين ذلك. أ هـ\r{التحرير والتنوير حـ1 صـ 423}\rسؤال : لماذا قدم الإيمان بالقرآن على الإيمان بغيره فى قوله تعالى {وما أنزل إلينا}أي : من القرآن. ؟ \rالجواب : إنما قدّم ذكره ؛ لأنه أوّل الكتب بالنسبة إلينا أو لأنه سبب للإيمان بغيره. أ هـ {السراج المنير حـ1 صـ 153}\rقوله : {وَالأسْبَاطَ} قال الخليل : السبط في بني إسرائيل كالقبيلة في العرب ، وقال صاحب \"الكشاف\" السبط ، الحافد ، وكان الحسن والحسين سبطي رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ ، والأسباط : الحفدة وهم حفدة يعقوب ـ عليه السلام ـ وذراري أبنائه الإثني عشر. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ4 صـ 75}\rسؤال : لم سموا بالأسباط ، وهؤلاء بالقبائل\rالجواب : إنما سموا بالأسباط ، وهؤلاء بالقبائل ليفصل بين ولد إسماعيل وولد إسحاق.","part":2,"page":155},{"id":642,"text":"قال ابن الأعرابى : {السبط} فى كلام العرب : خاصة الأولاد ، وكان فيهم أنبياء ؛ لذلك قال {وما أنزل إليهم}. أ هـ {الوسيط للنيسابورى حـ1 صـ 220}\rأسئلة وأجوبة للعلامة الطاهر ابن عاشور\rوجمع الضمير ليشمل النبيء ـ صلى الله عليه وسلم ـ والمسلمين فهم مأمورون بأن يقولوا ذلك. وجعله بدلاً يدل على أن المراد من الأمر في قوله : {قل بل ملة} النبيء وأمته.\rوأفرد الضمير في الكلامين اللذين للنبيء فيهما مزيد اختصاص بمباشرة الرد على اليهود والنصارى لأنه مبعوث لإرشادهم وزجرهم وذلك في قوله : {قل بل ملة إبراهيم} إلخ وقوله الآتي : {قل أتحاجوننا في الله} [البقرة : 139] وجمع الضمير في الكلام الذي للأمة فيه مزيد اختصاص بمضمون المأمور به في سياق التعليم أعني قوله : {قولوا آمنا بالله} إلخ لأن النبيء ـ صلى الله عليه وسلم ـ قد علم ذلك من قبل فيما تضمنته علوم الرسالة ، ولذلك لم يخل واحد من هاته الكلامات ، عن الإيذان بشمول الأمة مع النبيء ، أما هنا فظاهر بجمع الضمائر كلها ، وأما في قوله : {قل بل ملة} إلخ فلكونه جواباً موالياً لقولهم : {كونوا هوداً} [البقرة : 135] بضمير الجمع فعلم أنه رد عليهم بلسان الجميع ، وأما في قوله الآتي : {قل أتحاجوننا} فلأنه بعد أن أفرد قل جمع الضمائر في {أتحاجوننا} ، و{ربنا} ، و{لنا} ، و{أعمالنا} ، و{نحن} ، و{مخلصون} ، فانظر بدائع النظم في هاته الآيات ودلائل إعجازها.\rوقدم الإيمان بالله لأنه لا يختلف باختلاف الشرائع الحق ، ثم عطف عليه الإيمان بما أنزل من الشرائع.\r","part":2,"page":156},{"id":643,"text":"والمراد بما أنزل إلينا القرآن ، وبما عطف عليه ما أنزل على الأنبياء والرسل من وحي وما أوتوه من الكتب ، والمعنى أنا آمنا بأن الله أنزل تلك الشرائع ، وهذا لا ينافي أن بعضها نسح بعضاً ، وأن ما أنزل إلينا نسخ جميعها فيما خالفها فيه ، ولذلك قدم {وما أنزل إلينا} للاهتمام به ، والتعبير في جانب بعض هذه الشرائع بلفظ (أنزل) وفي بعضها بلفظ (أوتي) تفنن لتجنب إعادة اللفظ الواحد مراراً ، وإنما لم يفرد أحد الفعلين ولم تعطف متعلقاته بدون إعادة الأفعال تجنباً لتتابع المتعلقات فإنه كتتابع الإضافات في ما نرى. أ هـ {التحرير والتنوير حـ1 صـ 423}\rسؤال : لم كرر الموصول في قوله : {وَمَآ أُنزِلَ إلى إِبْرَاهِيمَ} ؟ \rكرر الموصول في قوله : {وَمَآ أُنزِلَ إلى إِبْرَاهِيمَ} لاختلاف المنزل إلينا ، والمنزل إليه ، فلو لم يكرر لأوهم أن المنزل إلينا هو المنزل إليهم ، ولم يكرر في \" عيسى \" ؛ لأنه لم يخالف شريعة موسى إلاّ في نزر يسير ، فالذي أوتيه عيسى هو عَيْن ما أوتيه موسى إلا يسيراً ، وقدم المنزل إلينا في الذكر ، وإن كان متأخراً في الإنزال تشريفاً له. أ هـ {اللباب ـ لابن عادل حـ2 صـ 133}\rفائدة\r{وَمَا أُنزِلَ إِلَى إبراهيم وإسماعيل وإسحاق وَيَعْقُوبَ وَالاسْبَاطَ} يعني الصحف وهي وإن نزلت على إبراهيم عليه الصلاة والسلام لكن لما كان ما عطف عليه متعبدين بتفاصيلها داخلين تحت أحكامها صح نسبة نزولها إليهم أيضاً كما صحح تعبدنا بتفاصيل القرآن ودخولنا تحت أحكامه نسبة نزوله إلينا.\rأ هـ {روح المعانى حـ1 صـ 395}\rسؤال : لم أفرد موسى وعيسى بالذكر {وَمَا أُوتِىَ موسى وعيسى} ؟ ","part":2,"page":157},{"id":644,"text":"الجواب : لكون أهل الكتاب زادوا ونقصوا وحرفوا فيهما وادعوا أنهما أنزلا كذلك ، والمؤمنون ينكرونه اهتم بشأنهما فأفردهما بالذكر وبين طريق الإيمان بهما ولم يدرجهما في الموصول السابق ، ولأن أمرهما أيضاً بالنسبة إلى موسى وعيسى أنهما منزلان عليهما حقيقة ، لا باعتبار التعبد فقط كما في المنزل على إسحاق ويعقوب والأسباط. أ هـ {روح المعانى حـ1 صـ 395}\rسؤال : لم عبر بالإيتاء دون الإنزال فى قوله {وَمَا أُوتِىَ موسى وعيسى} ؟ \rعبر بالإيتاء دون الإنزال لأنه أبلغ لكونه المقصود منه ، ولما فيه من الدلالة على الإعطاء الذي فيه شبه التمليك والتفويض. أ هـ {روح المعانى حـ1 صـ 395}\rوأجاب ابن عرفة وبعض طلبته عن تخصيص أول الآية بالإنزال وآخرها بالإيتاء بأنه لما كان ظهور المعجزات الفعلية على يد موسى وعيسى أكثر (وأشهر) من ظهورها على يد إسحاق ويعقوب وإبراهيم لأن موسى ضرب البحر فانفلق ، وألقى العصا فعادت ثعبانا ، وأخرج يده فصارت بيضاء من غير سوء ، (ورفع) من على البئر الصخرة لابنة شعيب ، ووضع ثوبه على حجر ، ودخل النهر فمضى الحجر به فتبعه وهو يقول : ثوبي حجر.\rوعيسى كان يبرئ الأكمه والأبرص ويحيى الموتى بإذن الله ، فناسب لفظ الإيتاء سَيدَنَا إبراهيم ـ عليه السلام ـ وأولاده فإن اشتهارهم بإنزال الوحي أكثر من اشتهارهم بالمعجزات. أ هـ {تفسير ابن عرفة صـ 176}\rسؤال : فإن قيل : كيف صح إضافة بين إلى أحد وهو مفرد ؟ \rأجيب : بأنه في معنى الجماعة وعلله السعد التفتازاني بأنه اسم لمن يصلح أن يخاطب يستوي فيه المفرد والمثنى والمجموع والمذكر والمؤنث قال : ويشترط أن يكون استعماله مع كلمة كل أو في كلام غير موجب. أ هـ\r{السراج المنير حـ 1صـ 153}\rقوله تعالى {لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ}\rالفرق بين التفريق\rالفرق بين التفريق والفرق أن التفريق جعل الشئ مفارقا لغيره.\rوالفرق : نقيض الجمع.\rوالجمع : جعل الشئ مع غيره.\rوالفرق : جعل الشئ لا مع غيره. والفرق بالحجة : هو البيان الذي يشهد أن الحكم لأحد الشيئين دون الآخر. أ هـ {مجمع البيان حـ1 صـ 401 ـ 404}","part":2,"page":158},{"id":645,"text":"ومن لطائف الإمام القشيرى فى الآية الكريمة\rلمَّا آمن نبيُّنا ـ صلى الله عليه وسلم ـ بجميع ما أُنْزِلَ من قَبْلهِ أُكْرِمَ بجميع ما أَكْرَمَه من قبله ، فلمَّا أظهر موافقة الجميع أَمَرَ الكُلَّ بالكَوْنِ تحت لوائه فقال : \" آدمُ ومَنْ دونه تحت لوائي يوم القيامة \".\rولمَّا آمنت أُمتَّهُ بجميع ما أَنزل الله على رسله ، ولم يفرقوا بين أحدٍ فهم ضربوا في التكريم بالسَّهم الأعلى فتقدموا على كافة الأمم. أ هـ {لطائف الإشارات حـ1 صـ 129}\rقوله تعالى {فَإِنْ آَمَنُوا بِمِثْلِ مَا آَمَنْتُمْ بِهِ فَقَدِ اهْتَدَوْا وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا هُمْ فِي شِقَاقٍ فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (137)}\rسؤال : دين الإسلام وهو الحق واحد فما معنى المثل في قوله {بمثل ما آمنتم به} ؟ \rوالجواب أن قوله {فإن آمنوا} بكلمة الشك {حرف إن} دليل على أن الأمر مبني على الفرض ، والتقدير أي فإن حصلوا ديناً آخر مثل دينكم ومساوياً له في الصحة والسداد {فقد اهتدوا} لكن لا دين صحيحاً سوى هذا لسلامته عن التناقض بخلاف غيره فلا اهتداء إلا بهذا ، ونظيره قولك للرجل الذي تشير عليه \" هذا هو الرأي الصواب فإن كان عندك رأي أصوب منه فاعمل به \" وقد علمت أن لا أصوب من رأيك ، ولكنك تريد تبكيت صاحبك وتوقيفه على أن ما رأيت لا رأي وراءه وقيل : الباء للاستعانة لا للإلصاق والتمثيل بين التصديقين أي فإن دخلوا في الإيمان بشهادة مثل شهادتكم. وقيل : المثل صلة ويؤيده قراءة ابن عباس وابن مسعود {فإن آمنوا بما آمنتم به} وقيل : معناه إنكم آمنتم بالفرقان من غير تصحيف وتحريف ، فإن آمنوا هم بمثل ذلك في التوراة فقد اهتدوا لأنهم يتوسلون به إلى معرفة نبوة محمد ـ صلى الله عليه وسلم ـ. أ هـ\r{مفاتيح الغيب حـ4 صـ 76}","part":2,"page":159},{"id":646,"text":"وقال فى التحرير والتنوير : \rوالباء في قوله : {بمثل ما آمنتم به} للملابسة وليست للتعدية أي إيماناً مماثلاً لإيمانكم ، فالمماثلة بمعنى المساواة في العقيدة والمشابهة فيها باعتبار أصحاب العقيدة وليست مشابهة معتبراً فيها تعدد الأديان لأن ذلك ينبو عنه السياق ، وقيل لفظ مثل زائد ، وقيل الباء للآلة والاستعانة ، وقيل : الباء زائدة ، وكلها وجوه متكلفة. أ هـ {التحرير والتنوير حـ1 صـ 424}\rفوائد\rالشقاق شدة المخالفة ، مشتق من الشق بفتح الشين وهو الفلق وتفريق الجسم ، وجيء بفي للدلالة على تمكن الشقاق منهم حتى كأنه ظرف محيط بهم. والإتيان بإن هنا مع أن توليهم هو المظنون بهم لمجرد المشاكلة لقوله : {فإن آمنوا}.\rوفرع قوله : {سيكفيكهم الله} على قوله : {فإنما هم في شقاق} تثبيتاً للنبيء ـ صلى الله عليه وسلم ـ لأن إعلامه بأن هؤلاء في شقاق مع ما هو معروف من كثرتهم وقوة أنصارهم مما قد يتحرج له السامع فوعده الله بأنه يكفيه شرهم الحاصل من توليهم. أ هـ {التحرير والتنوير حـ1 صـ 424}\rفائدة لغوية\rالشقاق في اللغة : له ثلاثة معان ، أحدها : العداوة مثل قوله تعالى : و{وياقوم لاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شقاقى أَن يُصِيبَكُم مِّثْلُ مَآ أَصَابَ قَوْمَ نُوحٍ أَوْ قَوْمَ هُودٍ أَوْ قَوْمَ صالح وَمَا قَوْمُ لُوطٍ مِّنكُم بِبَعِيدٍ} [هود : 89] ، والثاني : الخلاف مثل قوله : {وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فابعثوا حَكَماً مِّنْ أَهْلِهِ وَحَكَماً مِّنْ أَهْلِهَآ إِن يُرِيدَآ إصلاحا يُوَفِّقِ الله بَيْنَهُمَآ إِنَّ الله كَانَ عَلِيماً خَبِيراً} [النساء : 35] ، والثالث : الضلالة مثل قوله : {لِّيَجْعَلَ مَا يُلْقِى الشيطان فِتْنَةً لِّلَّذِينَ فِى قُلُوبِهِم مَّرَضٌ والقاسية قُلُوبُهُمْ وَإِنَّ الظالمين لَفِى شِقَاقٍ بَعِيدٍ} [الحج : 53]. أ هـ\r{بحر العلوم حـ1 صـ 124}","part":2,"page":160},{"id":647,"text":"كلام نفيس فى الآية الكريمة\r{فإن آمنوا} أى اليهود والنصارى {بمثل ما} أى بمثل الدين الذى {آمنتم به} هذا من باب التعجيز والتبكيت أى إلزام الخصم وإلجائه إلى الاعتراف بالحق بإرخاء عنانه وسد طرق المجادلة عليه والمثل مقحم والمعنى فإن آمنوا بما آمنتم به وهو الله فإنه ليس لله تعالى مثل وكذا لدين الإسلام {فقد اهتدوا} إلى الحق وأصابوه كما اهتديتم وحصل بينكم الإتحاد والاتفاق {وإن تولوا} أى إن اعرضوا عن الإيمان على الوجه المذكور بأن أخلوا بشئ من ذلك كأن آمنوا ببعض وكفروا ببعض كما هو ديدنهم ودينهم {فإنما هم فى شقاق} أى مستقرون فى خلاف عظيم بعيد من الحق وهذا لدفع ما يتوهم من احتمال الوفاق بسبب إيمانهم ببعض ما آمن به المؤمنون فقوله فى شقاق خبر لقوله هم وجعل الشقاق ظرفا لهم وهم مظروفون له مبالغة فى الإخبار باستيلائه عليهم فإنه أبلغ من قولك هم مشاقون والشقاق مأخوذ من الشق وهو الجانب فكأن كل واحد من الفريقين فى شق غير شق صاحبه بسبب العداوة ولما دل تنكير الشقاق على امتناع الوفاق وأن ذلك مما يؤدى إلى الجدال والقتال لا محالة عقب ذلك بتسلية رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ وتفريح المؤمنين بوعد النصرة والغلبة وضمان التأييد والإعزاز بالسين للتأكيد الدالة على تحقق الوقوع ألبتة فقيل {فسيكفيكهم الله} الضميران منصوبا المحل على أنهما مفعولان ليكفى يقال كفاه مؤنته كفاية وإن كثر استعمالة معدى إلى واحد نحو كفاك الشئ والظاهر أن المفعول الثانى حقيقة فى الآية هو المضاف المقدر أى فسيكفى الله إياك أمر اليهود والنصارى ويدفع شرهم عنك وينصرك عليهم فإن الكفاية لا تتعلق بالأعيان بل بالأفعال وقد أنجز الله وعده الكريم بالقتل والسبى فى بنى قريظة والجلاء والنفى إلى الشام وغيره فى بنى النضير والجزية والذلة فى نصارى نجران {وهو السميع العليم} تذييل لما سبق من الوعد وتأكيد له والمعنى إنه تعالى يسمع ما تدعو به ويعلم ما فى نيتك من","part":2,"page":161},{"id":648,"text":"إظهار الدين فيستجيب لك ويوصلك إلى مرادك. أ هـ {روح البيان حـ1 صـ 303 ـ 304}\rقوله تعالى {صِبْغَةَ اللَّهِ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ صِبْغَةً وَنَحْنُ لَهُ عَابِدُونَ (138)}\rسؤال : ما المراد بالصبغ ؟ \rالجواب : اختلفوا في المراد بصبغة الله على أقوال. الأول : أنه دين الله وذكروا في أنه لم سمي دين الله بصبغة الله وجوهًا. أحدها : أن بعض النصارى كانوا يغمسون أولادهم في ماء أصفر يسمونه المعمودية ويقولون : هو تطهير لهم. وإذا فعل الواحد بولده ذلك قال : الآن صار نصرانياً. فقال الله تعالى : اطلبوا صبغة الله وهي الدين ، والإسلام لا صبغتهم ، والسبب في إطلاق لفظ الصبغة على الدين طريقة المشاكلة كما تقول لمن يغرس الأشجار وأنت تريد أن تأمره بالكرم : اغرس كما يغرس فلان تريد رجلاً مواظباً على الكرم ، ونظيره قوله تعالى : {إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِءونَ الله يَسْتَهْزِىء بِهِمْ} [البقرة : 14 ، 15] ، {يخادعون الله وَهُوَ خَادِعُهُمْ} [النساء : 142] ، {وَمَكَرُواْ وَمَكَرَ الله} [آل عمران : 54] ، {وَجَزَاءُ سَيّئَةٍ سَيّئَةٌ مّثْلُهَا} [الشورى : 40] ، {إِن تَسْخَرُواْ مِنَّا فَإِنَّا نَسْخَرُ مِنكُمْ} [هود : 38]. وثانيها : اليهود تصبغ أولادها يهودا والنصارى تصبغ أولادها نصارى بمعنى يلقونهم فيصبغونهم بذلك لما يشربون في قلوبهم ، عن قتادة قال ابن الأنباري : يقال : فلان يصبغ فلاناً في الشيء ، أي يدخله فيه ويلزمه إياه كما يجعل الصبغ لازماً للثواب وأنشد ثعلب : \rدع الشر وأنزل بالنجاة تحرزا... إذا أنت لم يصبغك في الشر صابغ","part":2,"page":162},{"id":649,"text":"وثالثها : سمي الدين صبغة لأن هيئته تظهر بالمشاهدة من أثر الطهارة والصلاة ، قال الله تعالى : {سيماهم فِى وُجُوهِهِمْ مّنْ أَثَرِ السجود} [الفتح : 29]. ورابعها : قال القاضي قوله : {صِبْغَةَ الله} متعلق بقوله : {قُولُواْ ءامَنَّا بالله} [البقرة : 136] إلى قوله : {وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُون} [العنكبوت : 46] فوصف هذا الإيمان منهم بأنه صبغة الله تعالى ليبين أن المباينة بين هذا الدين الذي اختاره الله ، وبين الدين الذي اختاره المبطل ظاهرة جلية ، كما تظهر المباينة بين الألوان والأصباغ لذي الحس السليم. القول الثاني : أن صبغة الله فطرته وهو كقوله : {فِطْرَةَ الله التى فَطَرَ الناس عَلَيْهَا لاَ تَبْدِيلَ لِخَلْقِ الله} [الروم : 30] ومعنى هذا الوجه أن الإنسان موسوم في تركيبه وبنيته بالعجز والفاقة ، والآثار الشاهدة عليه بالحدوث والافتقار إلى الخالق فهذه الآثار كالصبغة له وكالسمة اللازمة. قال القاضي : من حمل قوله : {صِبْغَةَ الله} على الفطرة فهو مقارب في المعنى ، لقول من يقول : هو دين الله لأن الفطرة التي أمروا بها هو الذي تقتضيه الأدلة من عقل وشرع ، وهو الدين أيضاً ، لكن الدين أظهر لأن المراد على ما بينا هو الذي وصفوا أنفسهم به في قوله {قُولُواْ ءامَنَّا بالله} فكأنه تعالى قال في ذلك : إن دين الله الذي ألزمكم التمسك به فالنفع به سيظهر ديناً ودنيا كظهور حسن الصبغة ، وإذا حمل الكلام على ما ذكرناه لم يكن لقول من يقول : إنما قال ذلك لعادة جارية لليهود والنصارى في صبغ يستعملونه في أولادهم معنى ، لأن الكلام إذا استقام على أحسن الوجوه بدونه فلا فائدة فيه ولنذكر الآن بقية أقوال المفسرين : \rالقول الثالث : أن صبغة الله هي الختان ، الذي هو تطهير ، أي كما أن المخصوص الذي للنصارى تطهير لهم فكذلك الختان تطهير للمسلمين عن أبي العالية.\r","part":2,"page":163},{"id":650,"text":"القول الرابع : إنه حجة الله ، عن الأصم ، وقيل : إنه سنة الله ، عن أبي عبيدة ، والقول الجيد هو الأول ، والله أعلم. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ4 صـ 78 ـ 79}\rوقال القرطبى : \rوقيل : إن الصّبغة الاغتسال لمن أراد الدخول في الإسلام ، بدلاً من معمودية النصارى ؛ ذكره الماوردي.\rقلت : وعلى هذا التأويل يكون غسل الكافر واجباً تعبُّداً ، وهي المسألة : \rالثانية : لأن معنى \"صبغةَ الله\" غُسل الله ؛ أي اغتسلوا عند إسلامكم الغسل الذي أوجبه الله عليكم. وبهذا المعنى جاءت السُّنة الثابتة في قيس بن عاصم وثُمَامة بن أثَال حين أسلما. أ هـ {تفسير القرطبى حـ 2 صـ 145}","part":2,"page":164},{"id":651,"text":"وقال ابن عادل : \rقرأ الجمهور « صبغة » بالنصب.\rوقال الطبري رحمه الله : من قرأ : « ملّةُ إبراهيم » بالرفع قرأ « صبغة » بالرفع وقد تقدم أنها قراءة ابن هرمز ، وابن أبي عبلة.\rفأما قراءة الجمهور ففيها أربعة أوجه : \rأحدها : أن انتصابها انتصاب المصدر المؤكد ، وهذا اختاره الزمخشري ، وقال : « هو الذي ذكره سيبويه ، والقول ما قالت حَذَام انتهى قوله.\rواختلف حينئذ عن ماذا انْتَصَبَ هذا المصدر ؟ \rفقيل : عن قوله : » قولوا : آمنا «.\rوقيل عن قوله : » ونَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ «.\rوقيل عن قوله : » فَقَد اهْتَدُوا «.\rالثاني : أن انتصابها على الإغراء أي : الزموا صبغة الله.\rوقال أبو حيان وهذا ينافره آخر الآية ، وهو قوله : {وَنَحْنُ لَهُ عَابِدونَ} [فإنه خبر والأمر ينافي الخبر] إلا أن يقدر هنا قول ، وهو تقدير لا حاجة إليه ، ولا دليل من الكلام عليه.\rالثالث : أنها بدل من » ملة « وهذا ضعفيف ؛ إذ قد وقع الفصل بينهما يجمل كثيرة.\rالرابع : انتصابها بإضمار فعل أي : اتبعوا صِبْغَةَ الله ، ذكر ذلك أبو البقاء مع وجه الإغراء ، وهو في الحقيقة ليس زائداً فإنَّ الإغراء أيضاً هو نصب بإضمار فعل. أ هـ {تفسير ابن عادل حـ 2 صـ 525 ـ 526}","part":2,"page":165},{"id":652,"text":"قوله تعالى {ومن أحسن من الله}\r{ومن أحسن من الله} أي الذي له الكمال كله {صبغة} لأنها صبغة قلب لا تزول لثباتها بما تولاها الحفيظ العليم ، وتلك صبغة جسم لا تنفع ، وفيه إفهام بما يختص به الذين آمنوا من انقلاب جوهرهم نوراً ، كما قال عليه الصلاة والسلام : اللهم اجعلني نوراً! فكان ما انقلب إليه جوهر الأئمة انصبغت به قلوب الأمة.\rأ هـ {نظم الدرر حـ1 صـ 257}\rفوائد لغوية\r{وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ الله صِبْغَةً} مبتدأ وخبر ، والاستفهام للإنكار ، وقوله تعالى : {صِبْغَةَ} تمييز منقول من المبتدأ نحو زيد أحسن من عمرو وجهاً والتقدير ومن صبغته أحسن من صبغة الله تعالى كما يقدر وجه زيد أحسن من وجه عمرو ، والتفضيل جار بين الصبغتين لا بين فاعليهما أي لا صبغة أحسن من صبغته تعالى على معنى أنه أحسن من كل صبغة وحيث كان مدار التفضيل على تعميم الحسن للحقيقي والفرضي المبني على زعم الكفرة لم يلزم أن يكون في (صبغة) غيره تعالى حسن في الجملة ، والجملة معترضة مقررة لما في صبغة الله تعالى من التبجح والابتهاج أو جارية مجرى التعليل للإغراء\r{وَنَحْنُ لَهُ عابدون} أي موحدون أو مطيعون متبعون ملة إبراهيم أو خاضعون مستكنون في اتباع تلك الملة ، وتقديم الجار لإفادة اختصاص العبادة له تعالى ، وتقديم المسند إليه لإفادة قصر ذلك الاختصاص عليهم ، وعدم تجاوزه إلى أهل الكتاب فيكون تعريضاً لهم بالشرك أو عدم الانقياد له تعالى باتباع ملة إبراهيم ، والجملة عطف على {آمنا} [البقرة : 631] وذلك يقتضي دخولة صبغة الله في مفعول {قُولُواْ} [البقرة : 631] لئلا يلزم الفصل بين المعطوف والمعطوف عليه بالأجنبي ، وإيثار الجملة الاسمية للاشعار بالدوام ، ولمن نصب {صِبْغَةَ} على الإغراء أو البدل أن يضمر (قولوا) قبل هذه الجملة معطوفاً على الزموا على تقدير الإغراء ، وإضمار القول سائغ شائع ، والقرينة السياق لأن ما قبله مقول المؤمنين. أ هـ {روح المعانى حـ1 صـ 398}\rلطيفة\rقال القشيري : وللقلوب صبغة ، وللأرواح صبغة ، وللسرائر صبغة ، وللظواهر صبغة ، فصبغة الأشباح والظواهر بآثار التوفيق ، وصبغة الأرواح والسرائر بأنوار التحقيق. أهـ {لطائف الإشارات حـ 1 صـ 130}.\rوقال الورتجبي : صبغة الله : صفته الخاصة التي خلق آدم عليها ، وأورثت ذلك في أرواح ذريته من الأنبياء والأولياء. ثم قال : وسقاها من شراب الزلفة ، وألهمها خصائص علوم الربوبية ، فاستنارت بنور المعرفة ، وخاضت في بحر الربوبية ، وخرجت منها تجليات أسرار الوحدانية ، وتكوّنت بصبغ الصفات. أهـ {البحر المديد حـ 1 صـ 109}\rوقال فى روح البيان : \rاعلم أن العابد هو العامل بحق العبودية فى مرضاة الله تعالى والعبادة دون العبودية وهى دون العبودة لأن من لم يبخل بروحه فهو صاحب عبودة فالعبادة ببذل الروح فوق العبادة ببذل النفس\rقال سهل بن عبد الله لا يصح التعبد لأحد حتى لا يجزع من أربعة أشياء من الجوع والعرى والفقر والذل","part":2,"page":166},{"id":653,"text":"قال الشيخ أبو العباس رحمه الله : أوقات العبد أربعة لا خامس لها الطاعة والمعصية والنعمة والبلية ولكل وقت منها سهم من العبودية يقتضيه الحق منك بحكم الربوبية فمن كان وقته النعمة فسبيله الشكر وهو فرح القلب بالله تعالى ومن كان وقته البلية فسبيله الرضى والصبر فعليك أن تراقب الأوقات إلى أن تصل أعلى الدرجات وغاية الغايات. أ هـ {روح البيان حـ1 صـ 305}\rقوله تعالى {قُلْ أَتُحَاجُّونَنَا فِي اللَّهِ وَهُوَ رَبُّنَا وَرَبُّكُمْ وَلَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُخْلِصُونَ (139)}\r{قُلْ أَتُحَاجُّونَنَا} أتجادلوننا. {فِى الله} في شأنه واصطفائه نبياً من العرب دونكم ، روي أن أهل الكتاب قالوا : الأنبياء كلهم منا ، لو كنت نبياً لكنت منا. فنزلت : {وَهُوَ رَبُّنَا وَرَبُّكُمْ} لا اختصاص له بقوم دون قوم ، يصيب برحمته من يشاء من عباده. {وَلَنَا أعمالنا وَلَكُمْ أعمالكم} فلا يبعد أن يكرمنا بأعمالنا ، كأنه ألزمهم على كل مذهب ينتحلونه إفحاماً وتبكيتاً ، فإن كرامة النبوة إما تفضل من الله على من يشاء والكل فيه سواء ، وإما إفاضة حق على المستعدين لها بالمواظبة على الطاعة والتحلي بالإخلاص. وكما أن لكم أعمالاً ربما يعتبرها الله في إعطائها ، فلنا أيضاً أعمال. {وَنَحْنُ لَهُ مُخْلِصُونَ} موحدون نخصه بالإيمان والطاعة دونكم. أ هـ {تفسير البيضاوى حـ1 صـ 414}","part":2,"page":167},{"id":654,"text":"وقال الفخر : \rاعلم أن في الآية مسائل : \rالمسألة الأولى : اختلفوا في تلك المحاجة وذكروا وجوهاً. أحدها : أن ذلك كان قولهم أنهم أولى بالحق والنبوة لتقدم النبوة فيهم والمعنى : أتجادلوننا في أن الله اصطفى رسولا من العرب لا منكم وتقولون : لو أنزل الله على أحد لأنزل عليكم ، وترونكم أحق بالنبوة منا. وثانيها : قولهم : نحن أحق بالإيمان من العرب الذين عبدوا الأوثان. وثالثها : قولهم ؛ {نَحْنُ أَبْنَاءُ الله وَأَحِبَّاؤُهُ} وقولهم : {لَن يَدْخُلَ الجنة إِلاَّ مَن كَانَ هُودًا أَوْ نصارى} [البقرة : 111] وقولهم : {كُونُواْ هُودًا أَوْ نصارى تَهْتَدُواْ} [البقرة : 135] عن الحسن. ورابعها : {أَتُحَاجُّونَنَا فِى اللَّهِ} أي : أتحاجوننا في دين الله.\rالمسألة الثانية : هذه المحاجة كانت مع من ؟ ذكروا فيه وجوهاً. أحدها : أنه خطاب لليهود والنصارى. وثانيها : أنه خطاب مع مشركي العرب حيث قالوا : {لَوْلا أُنزِلَ هذا القرءان على رَجُلٍ مّنَ القريتين عَظِيمٍ} [الزخرف : 31] والعرب كانوا مقرين بالخالق. وثالثها : أنه خطاب مع الكل ، والقول الأول أليق بنظم الآية. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ4 صـ 80}\rوقال العلامة الطاهر بن عاشور ـ رحمه الله ـ : \rوالاستفهام للتعجب والتوبيخ ، ومعنى المحاجة في الله الجدال في شؤونه بدلالة الاقتضاء إذ لا محاجة في الذات بما هي ذات والمراد الشأن الذي حمل أهل الكتاب على المحاجة مع المؤمنين فيه وهو ما تضمنته بعثة محمد ـ صلى الله عليه وسلم ـ من أن الله نسخ شريعة اليهود والنصارى وأنه فضله وفضل أمته ، ومحاجتهم راجعة إلى الحسد واعتقاد اختصاصهم بفضل الله تعالى وكرامته. فلذلك كان لقوله {وهو ربنا وربكم} موقع في تأييد الإنكار أي بلغت بكم الوقاحة إلى أن تحاجونا في إبطال دعوة الإسلام بلا دليل سوى زعمكم أن الله اختصكم بالفضيلة مع أن الله ربنا كما هو ربكم فلماذا لا يمن علينا بما مَنَّ به عليكم ؟ .\r","part":2,"page":168},{"id":655,"text":"فجملة {وهو ربنا} حالية أي كيف تحاجوننا في هاته الحالة المعروفة التي لا تقبل الشك ، وبهذه الجملة حصل بيان لموضوع المحاجة ، وكذلك جملة {ولنا أعمالنا ولكم أعمالكم} وهي عطف على الحال ارتقاء في إبطال مجادلتهم بعد بيان أن المربوبية تؤهل لإنعامه كما أهلتهم ، ارتقى فجعل مرجع رضى الله تعالى على عباده أعمالهم فإذا كان قد أكرمكم لأجل الأعمال الصالحة فلعله أكرمنا لأجل صالحات أعمالنا فتعالوا فانظروا أعمالكم وانظروا أعمالنا تجدوا حالنا أقرب إلى الصلاح منكم. أ هـ {التحرير والتنوير حـ1 صـ 427}\rقوله تعالى{{ونحن له مخلصون}\r{ونحن له مخلصون} أي مخلصوا الطاعة والعبادة له وفيه توبيخ لليهود والنصارى والمعنى وأنتم به مشركون. والإخلاص أن يخلص العبد دينه ، وعمله لله تعالى فلا يشرك في دينه ولا يرائي بعمله ، قال الفضيل بن عياض : ترك العمل من أجل الناس رياء والعمل من أجل الناس شرك والإخلاص أن يعافيك الله منهما وهذه الآية منسوخة بآية السيف. أ هـ {تفسير الخازن حـ1 صـ 88}\rفوائد لغوية\rوتقديم المجرور في {لنا أعمالنا} للاختصاص أي لنا أعمالنا لا أعمالكم فلا تحاجونا في أنكم أفضل منا ، وعطف {ولكم أعمالكم} احتراس لدفع توهم أن يكون المسلمون مشاركين للمخاطبين في أعمالهم وأن لنا أعمالنا يفيد اختصاص المتكلمين بما عملوا مع الاشتراك في أعمال الآخرين وهو نظير عطف قوله تعالى : {ولي دين على قوله : لكم دينكم} [الكافرون : 6].\rوهذا كله من الكلام المصنف مثل قوله تعالى : {وإنا أوْ إياكم لعلى هدى أو في ضلال مبين} [سبأ : 24].","part":2,"page":169},{"id":656,"text":"وجملة {نحن له مخلصون} عطف آخر على جملة الحال وهي ارتقاء ثالث لإظهار أن المسلمين أحق بإفاضة الخير فإنهم وإن اشتركوا مع الآخرين في المربوبية وفي الصلاحية لصدور الأعمال الصالحة فالمسلمون قد أخلصوا دينهم لله ومخالفوهم قد خلطوا عبادة الله بعبادة غيره ، أي فلماذا لا نكون نحن أقرب إلى رضى الله منكم إليه ؟ .\rوالجملة الاسمية مفيدة الدوام على الإخلاص كما تقدم في قوله : {ونحن له مسلمون} [البقرة : 136]. أ هـ {التحرير والتنوير حـ1 صـ 428}\r( بصيرة فى الإخلاص )\rوقد ورد فى القرآن على وجوه : \rالأَوّل : قال فى حقّ الكفَّار عند مشاهدتهم البلاءَ : {دَعَوُاْ اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ}.\rالثانى : فى أَمر المؤمنين : {فَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ}.\rالثَّالث : فى أَنَّ المؤمنين لم يؤمروا إِلاَّ به : {وَمَآ أُمِرُواْ إِلاَّ لِيَعْبُدُواْ اللَّهَ مُخْلِصِينَ}.\rالرّابع : فى حقّ الأَنبياءِ {إِنَّآ أَخْلَصْنَاهُمْ بِخَالِصَةٍ}.\rالخامس : فى المنافقين إِذا تابوا : {وَأَخْلَصُواْ دِينَهُمْ للَّهِ}.\rالسّادس : أَنَّ الجنَّة لم تصلح إِلاَّ لأَهله : {إِلاَّ عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ}.\rالسّابع : لم يَنْجُ من شَرَك تلبيس إِبليس إِلاَّ أَهله : {إِلاَّ عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ}. وقيل : الناس كلُّهم هلكى إِلاَّ العالمون. والعالمون كلُّهم موتى إِلاَّ العامِلون ، والعاملون كلُّهم حَيَارَى إِلاَّ المخلصون. والمخلصون على خَطَر عظيم. وفى الأَحاديث القدسيّة \"الإِخلاص سِرّ من سِرّى استودعته قلبَ من أَحبَبْتُهُ من عبادى\".\rوإِخلاص المسملين : أَنَّهم تبرّءوا ممّا يدّعيه اليهود : من التشبيه ، والنَّصارى : من التَّثليث. فحقيقة الإِخلاص : التعرّى مِن دون الله. و{قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ} سمّيت سورة الإِخلاص ؛ لأَنَّها خالص التَّوحيد ؛ وسبب خلاص أَهله. أ هـ\r{بصائر ذوى التمييز حـ2 صـ 241}","part":2,"page":170},{"id":657,"text":"كلام نفيس فى الإخلاص\rوقد تنوعت عبارتهم في الإخلاص والصدق والقصد واحد فقيل : هو إفراد الحق سبحانه بالقصد في الطاعة وقيل : تصفية الفعل عن ملاحظة المخلوقين وقيل : التوقي من ملاحظة الخلق حتى عن نفسك والصدق التنقي من مطالعة النفس فالمخلص لا رياء له والصادق لا إعجاب له ولا يتم الإخلاص إلا بالصدق ولا الصدق إلا بالإخلاص ولا يتمان إلا بالصبر\rوقيل : من شهد في إخلاصه الإخلاص احتاج إخلاصه إلى إخلاص فنقصان كل مخلص في إخلاصه : بقدر رؤية إخلاصه فإذا سقط عن نفسه رؤية الإخلاص صار مخلصا مخلصا وقيل : الإخلاص استواء أعمال العبد في الظاهر والباطن والرياء : أن يكون ظاهره خيرا من باطنه والصدق في الإخلاص : أن يكون باطنه أعمر من ظاهره وقيل : الإخلاص نسيان رؤية الخلق بدوام النظر إلى الخالق ومن تزين للناس بما ليس فيه سقط من عين الله ومن كلام الفضيل ترك العمل من أجل الناس : رياء والعمل من أجل الناس : شرك والإخلاص : أن يعافيك الله منهما\rأحدهما : مطالعة عيوبه وآفاته وتقصيره فيه وما فيه من حظ النفس ونصيب الشيطان فقل عمل من الأعمال إلا وللشيطان فيه نصيب وإن قل وللنفس فيه حظ سئل النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ عن التفات الرجل في صلاته فقال : \"هو اختلاس يختلسه الشيطان من صلاة العبد \"\rفإذا كان هذا التفات طرفه أو لحظه فكيف التفات قلبه إلى ما سوى الله هذا أعظم نصيب الشيطان من العبودية","part":2,"page":171},{"id":658,"text":"وقال ابن مسعود لا يجعل أحدكم للشيطان حظا من صلاته يرى أن حقا عليه : أن لا ينصرف إلا عن يمينه فجعل هذا القدر اليسير النزر حظا ونصيبا للشيطان من صلاة العبد فما الظن بما فوقه وأما حظ النفس من العمل : فلا يعرفه إلا أهل البصائر الصادقون الثاني : علمه بما يستحقه الرب جل جلاله : من حقوق العبودية وآدابها الظاهرة والباطنة وشروطها وأن العبد أضعف وأعجز وأقل من أن يوفيها حقا وأن يرضى بها لربه فالعارف لا يرضى بشيء من عمله لربه ولا يرضى نفسه لله طرفة عين ويستحيي من مقابلة الله بعمله فسوء ظنه بنفسه وعمله وبغضه لها وكراهته لأنفاسه وصعودها إلى الله : يحول بينه وبين الرضى بعمله والرضى عن نفسه وكان بعض السلف يصلي في اليوم والليلة أربعمائة ركعة ثم يقبض على لحيته ويهزها ويقول لنفسه : يا مأوى كل سوء وهل رضيتك لله طرفة عين\rوقال بعضهم : آفة العبد رضاه عن نفسه ومن نظر إلى نفسه باستحسان شيء منها فقد أهلكها ومن لم يتهم نفسه على دوام الأوقات فهو مغرور\rفصل : قال صاحب المنازل : الدرجة الثانية : الخجل من العمل مع بذل المجهود وتوفير الجهد بالاحتماء من الشهود ورؤية العمل في نور التوفيق من عين الجود\r","part":2,"page":172},{"id":659,"text":"هذه ثلاثة أمور خجلة من عمله وهو شدة حيائه من الله إذ لم ير ذلك العمل صالحا له مع بذل مجهوده فيه قال تعالى : {وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ} : أنهم إلى ربهم راجعون [المؤمنون : 60] قال النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ : هو الرجل يصوم ويصلي ويتصدق ويخاف أن لا يقبل منه وقال بعضهم : إني لأصلي ركعتين فأقوم عنهما بمنزلة السارق أو الزاني الذي يراه الناس حياء من الله عز وجل فالمؤمن : جمع إحسانا في مخافة وسوء ظن بنفسه والمغرور : حسن الظن بنفسه مع إساءته الثاني : توفير الجهد باحتمائه من الشهود أي يأتي بجهد الطاقة في تصحيح العمل محتميا عن شهوده منك وبك الثالث : أن تحتمي بنور التوفيق الذي ينور الله به بصيرة العبد فترى في ضوء ذلك النور : أن عملك من عين جوده لا بك ولا منك فقد اشتملت هذه الدرجة على خمسة أشياء : عمل واجتهاد فيه وخجل وحياء من الله عز وجل وصيانة عن شهوده منك ورؤيته من عين جود الله سبحانه ومنه\rقال : الدرجة الثالثة : إخلاص العمل بالخلاص من العمل تدعه يسير سير العلم وتسير أنت مشاهدا للحكم حرا من رق الرسم. أ هـ {مدارج السالكين حـ 1 صـ 93 ـ 94}","part":2,"page":173},{"id":660,"text":"وقال حجة الإسلام الغزالى ـ رحمه الله ـ :\rمعنى الإخلاص أن يخلص قلبه لله فلا يبقى فيه شرك لغير الله فيكون الله محبوب قلبه ومعبود قلبه ومقصود قلبه فقط ومن هذا حاله فالدنيا سجنه لأنها مانعة له من مشاهدة محبوبه وموته خلاص من السجن وقدوم على المحبوب فما حال من ليس له إلا محبوب واحد وقد طال اليه شوقه وتمادى عنه حبسه فخلى من السجن ومكن من المحبوب وروح بالأمن ابد الآباد فاحد أسباب ضعف حب الله في القلوب قوة حب الدنيا ومنه حب الأهل والمال والولد والأقارب والعقار والدواب والبساتين والمنتزهات حتى إن المتفرح بطيب أصوات الطيور وروح نسم الأسحار ملتفت إلى نعيم الدنيا ومتعرض لنقصان حب الله تعالى بسببه فبقدر ما أنس بالدنيا فينقص أنسه بالله ولا يؤتى أحد من الدنيا شيئا إلا وينقص بقدره من الآخرة بالضرورة كما أنه لا يقرب الإنسان من المشرق إلا ويبعد بالضرورة من المغرب بقدره ولا يطيب قلب امرأته إلا ويضيق به قلب ضرتها فالدنيا والآخرة ضرتان وهما كالمشرق والمغرب وقد انكشف ذلك لذوى القلوب انكشافا أوضح من الأبصار بالعين وسبيل قلع حب الدنيا من القلب سلوك طريق الزهد وملازمة الصبر والانقياد إليهما بزمام الخوف والرجاء. أهـ {الإحياء ـ حـ4 صـ 216}\rبيان أقاويل الشيوخ في الإخلاص\rقال السوسى الإخلاص فقد رؤية الإخلاص فإن من شاهد في إخلاصه الإخلاص فقد احتاج إخلاصه إلى إخلاص\rوما ذكره إشارة إلى تصفية العمل عن العجب بالفعل فإن الالتفات إلى الإخلاص والنظر إليه عجب وهو من جملة الآفات\rوالخالص ما صفا عن جميع الآفات فهذا تعرض لآفة واحد وقال سهل رحمه الله تعالى الإخلاص أن يكون سكون العبد وحركاته لله تعالى خاصة وهذه كلمة جامعة محيطة بالغرض وفي معناه قول إبراهيم بن أدهم الإخلاص صدق النية مع الله تعالى\rوقيل لسهل أى شىء أشد على النفس فقال الإخلاص إذ ليس لها فيه نصيب وقال رويم الإخلاص في العمل هو أن لا يريد صاحبه عليه عوضا في الدارين","part":2,"page":174},{"id":661,"text":"وهذا إشارة إلى أن حظوظ النفس آفة آجلا وعاجلا\rوالعابد لأجل التنعم بالشهوات في الجنة معلول بل الحقيقة أن لا يراد بالعمل إلا وجه الله تعالى وهو إشارة إلى إخلاص الصديقين وهو الإخلاص المطلق\rفأما من يعمل لرجاء الجنة وخوف النار فهو مخلص بالإضافة إلى الحظوظ العاجلة وإلا فهو في طلب حظ البطن والفرج وإنما المطلوب الحق لذوى الألباب وجه الله تعالى فقط وهو القائل لا يتحرك الإنسان إلا لحظ والبراءة من الحظوظ صفة الإلهية ومن ادعى ذلك فهو كافر\rوقد قضى القاضى أبو بكر الباقلانى بتكفير من يدعى البراءة من الحظوظ وقال هذا من صفات الإلهية وما ذكره حق ولكن القوم إنما أرادوا به البراءة عما يسميه الناس حظوظا وهو الشهوات الموصوفة في الجنة فقط فأما التلذذ بمجرد المعرفة والمناجاة والنظر إلى وجه الله تعالى فهذا حظ هؤلاء وهذا لا يعده الناس حظا بل يتعجبون منه\rوهؤلاء لو عوضوا عما هم فيه من لذة الطاعة والمناجاة وملازمة السجود للحضرة الإلهية سرا وجهرا جميع نعيم الجنة لاستحقروه ولم يلتفتوا إليه فحركتهم لحظ وطاعتهم لحظ ولكن حظهم معبودهم فقط دون غيره\rوقال أبو عثمان الإخلاص نسيان رؤية الخلق بدوام النظر إلى الخالق فقط\rوهذا إشارة إلى آفة الرياء فقط ولذلك قال بعضهم الإخلاص في العمل أن لا يطلع عليه شيطان فيفسده ولا ملك فيكتبه فإنه إشارة إلى مجرد الإخفاء\rوقد قيل الإخلاص ما استتر عن الخلق وصفا عن العلائق\rوهذا أجمع للمقاصد\rوقال المحاسبى الإخلاص هو إخراج الخلق عن معاملة الرب\rوهذا إشارة إلى مجرد نفى الرياء\rوكذلك قول الخواص من شرب من كأس الرياسة فقد خرج عن إخلاص العبودية\rوقال الحواريون لعيسى ـ عليه السلام ـ ما الخالص من الأعمال فقال الذى يعمل لله تعالى لا يحب أن يحمده عليه أحد\rوهذا أيضا تعرض لترك الرياء وإنما خصه بالذكر لأنه أقوى الأسباب المشوشة للإخلاص\rوقال الجنيد الإخلاص تصفية العمل من الكدورات\r","part":2,"page":175},{"id":662,"text":"وقال الفضيل ترك العمل من أجل الناس رياء والعمل من أجل الناس شرك والإخلاص أن يعافيك الله منهما\rوقيل الإخلاص دوام المراقبة ونسيان الحظوظ كلها\rوهذا هو البيان الكامل والأقاويل في هذا كثيرة ولا فائدة في تكثير النقل بعد انكشاف الحقيقة\rوإنما البيان الشافى بيان سيد الأولين والآخرين صلى الله عليه وسلم إذ سئل عن الإخلاص فقال أن تقول ربى الله ثم تستقيم كما أمرت\rأى لا تعبد هواك ونفسك ولا تعبد إلا ربك وتستقيم في عبادته كما أمرت وهذا إشارة إلى قطع ما سوى الله عن مجرى النظر وهو الإخلاص حقا.\rقال الحافظ العراقى : حديث سئل عن الإخلاص فقال أن تقول ربى الله ثم تستقيم كما أمرت لم أره بهذا اللفظ وللترمذى وصححه وابن ماجه من حديث سفيان بن عبد الله الثقفى قلت يا رسول الله حدثنى بأمر أعتصم به قال قل ربى الله ثم استقم وهو عند مسلم بلفظ قل لى في الإسلام قولا لا أسأل عنه أحدا بعدك قال قل آمنت بالله ثم استقم. أهـ {الإحياء ـ حـ4 صـ 382}\rقوله تعالى {أَمْ تَقُولُونَ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطَ كَانُوا هُودًا أَوْ نَصَارَى قُلْ أَأَنْتُمْ أَعْلَمُ أَمِ اللَّهُ وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَتَمَ شَهَادَةً عِنْدَهُ مِنَ اللَّهِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ (140)}\r","part":2,"page":176},{"id":663,"text":"{أَمْ تَقُولُونَ إِنَّ إبراهيم وإسماعيل وإسحاق وَيَعْقُوبَ وَالاسْبَاطَ كَانُواْ هُودًا أَوْ نصارى} {أَمْ} إما متصلة معادلة للهمزة في {أَتُحَاجُّونَنَا} [البقرة : 931] داخلة في حيز الأمر والمراد بالاستفهام إنكارهما معاً بمعنى كل من الأمرين منكر ينبغي أن لا يكون إقامة الحجة وتنوير البرهان على حقية ما أنتم عليه ، والحال ما ذكر والتشبث بذيل التقليد والافتراء على الأنبياء عليهم السلام ، وفائدة هذا الأسلوب مع أن العلم حاصل بثبوت الأمرين الإشارة إلى أن أحدهما كاف في الذم فكيف إذا اجتمعا كما تقول لمن أخطأ تدبيراً ومقالاً : أتدبيرك أم تقريرك.\rأ هـ {روح المعانى حـ1 صـ 400}\rوقال السعدى : \rرد الله عليهم بقوله : {أَأَنْتُمْ أَعْلَمُ أَمِ اللَّهُ} فالله يقول : {مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلا نَصْرَانِيًّا وَلَكِنْ كَانَ حَنِيفًا مُسْلِمًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ} وهم يقولون : بل كان يهوديا أو نصرانيا.\rفإما أن يكونوا ، هم الصادقين العالمين ، أو يكون الله تعالى هو الصادق العالم بذلك ، فأحد الأمرين متعين لا محالة ، وصورة الجواب مبهم ، وهو في غاية الوضوح والبيان ، حتى إنه - من وضوحه - لم يحتج أن يقول بل الله أعلم وهو أصدق ، ونحو ذلك ، لانجلائه لكل أحد ، كما إذا قيل : الليل أنور ، أم النهار ؟ والنار أحر أم الماء ؟ والشرك أحسن أم التوحيد ؟ ونحو ذلك. أ هـ\r{تفسير السعدى صـ 69}","part":2,"page":177},{"id":664,"text":"وقال أبو حيان : \r {قل أأنتم أعلم أم الله} : القول في القراءات في أأنتم ، كهو في قوله : \r {أأنذرتهم أم لم تنذرهم} وقد توسط هنا المسؤول عنه ، وهو أحسن من تقدمه وتأخره ، إذ يجوز في العربية أن يقول : أأعلم أنتم أم الله ؟ ويجوز : أأنتم أم الله أعلم ؟ ولا مشاركة بينهم وبين الله في العلم حتى يسأل : أهم أزيد علماً أم الله ؟ ولكن ذلك على سبيل التهكم بهم والاستهزاء ، وعلى تقدير أن يظن بهم علم ، وهذا نظير قول حسان : \rفشركما لخيركما الفداء... وقد علم أن الذي هو خير كله ، هو الرسول عليه السلام ، وأن الذي هو شر كله ، هو هاجيه. وفي هذا ردّ على اليهود والنصارى ، لأن الله قد أخبر بقوله : {ما كان إبراهيم يهودياً ولا نصرانياً ولكن كان حنيفاً مسلماً وما كان من المشركين} ولأن اليهودية والنصرانية إنما حدثتا بعد إبراهيم ، ولأنه أخبر في التوراة والإنجيل أنهم كانوا مسلمين مميزين عن اليهودية والنصرانية. وخرجت هذه الجملة مخرج ما يتردد فيه ، لأن اتباع أحبارهم ربما توهموا ، أو ظنوا ، أن أولئك كانوا هوداً أو نصارى لسماعهم ذلك منه ، فيكون ذلك ردًّا من الله عليهم ، أو لأن أحبارهم كانوا يعلمون بطلان مقالتهم في إبراهيم ومن ذكر معه ، لكنهم كتموا ذلك ونحلوهم إلى ما ذكروا ، فنزلوا لكتمهم ذلك منزلة من يتردد في الشيء ، وردّ عليهم بقوله : أأنتم أعلم أم الله ، لأن من خوطب بهذا الكلام بادر إلى أن يقول : الله أعلم ، فكان ذلك أقطع للنزاع.أ هـ {البحر المحيط حـ 1 صـ 588}","part":2,"page":178},{"id":665,"text":"سؤال : فإن قيل لم أنكر الله تعالى ذلك القول عليهم ؟\rفالجواب : إنما أنكر الله تعالى ذلك القول عليهم لوجوه. أحدها : لأن محمداً ـ صلى الله عليه وسلم ـ ثبتت نبوته بسائر المعجزات ، وقد أخبر عن كذبهم في ذلك فثبت لا محالة كذبهم فيه. وثانيها : شهادة التوراة والإنجيل على أن الأنبياء كانوا على التوحيد والحنيفية. وثالثها : أن التوراة والإنجيل أنزلا بعدهم. ورابعها : أنهم ادعوا ذلك من غير برهان فوبخهم الله تعالى على الكلام في معرض الاستفهام على سبيل الإنكار والغرض منه الزجر والتوبيخ وأن يقرر الله في نفوسهم أنهم يعلمون أنهم كانوا كاذبين فيما يقولون. أهـ {مفاتيح الغيب ـ حـ4 صـ 81}\rقوله تعالى {وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَتَمَ شَهَادَةً عِنْدَهُ مِنَ اللَّهِ}\r{وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَتَمَ شهادة عِندَهُ مِنَ الله} أي كتم شهادة الله التي عنده أنه شهد بها وهي شهادته لإبراهيم بالحنيفية. ويحتمل معنيين : أحدهما أن أهل الكتاب لا أحد أظلم منهم ، لأنهم كتموا هذه الشهادة وهم عالمون بها. والثاني : أنا لو كتمنا هذه الشهادة لم يكن أحد أظلم منا فلا نكتمها. وفيه تعريض بكتمانهم شهادة الله لمحمد ـ صلى الله عليه وسلم ـ بالنبوة في كتبهم وسائر شهاداته. أهـ\r{الكشاف حـ1 صـ 223}\rسؤال : ما المراد بالشهادة فى قوله تعالى {وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَتَمَ شَهَادَةً عِنْدَهُ مِنَ اللَّهِ} ؟\rواختلف في الشهادة هنا ما هي ؟ فقال مجاهد والحسن والربيع : هي ما في كتبهم من أن الأنبياء على الحنيفية لا على ما ادعوا هم ، وقال قتادة وابن زيد : هي ما عندهم من الأمر بتصديق محمد ـ صلى الله عليه وسلم ـ واتباعه ، والأول أِبه بسياق معنى الآية ، واستودعهم الله تعالى هذه الشهادة ولذلك قال : {من الله} ،\rف {من} على هذا متعلقة بـ {عنده} ، كأن المعنى شهادة تحصلت له من الله ، ويحتمل أن تتعلق {من} بـ {كتم} ، أي كتمها من الله. أهـ\r{المحرر الوجيز ـ حـ1 صـ 217}","part":2,"page":179},{"id":666,"text":"وقال الآلوسى : \rوفي \"ري الظمآن\" أن مَنْ صلة {أَظْلَمَ} والكلام على التقديم والتأخير كأنه قيل : ومن أظلم من الله ممن كتم شهادة حصلت عنده كقولك ومن أظلم من زيد من جملة الكاتمين للشهادة ، والمعنى لو كان إبراهيم وبنوه يهوداً أو نصارى ثم إن الله تعالى كتم هذه الشهادة لم يكن أحد ممن يكتم الشهادة أظلم منه لكن لما استحال ذلك مع عدله وتنزيهه عما لا يليق علمنا أن الأمر ليس كذلك ، وقيل : إن (من) صلة (كتم) والكلام على حذف مضاف أي كتم من عباد الله شهادة عنده ومعناه أنه تعالى ذمهم على منع أن يوصلوا إلى عباد الله تعالى ، ويؤدوا إليهم شهادة الحق ، ولا يخفى ما في هذين الوجهين من التكلف والتعسف وانحطاط المعنى فلينزه كتاب الله تعالى العظيم عنه ، على أنك لو نظرت بعين الانصاف رأيت الوجه الثاني من الأولين لا يخلو عن بعد لأن الآية إنما تقدمها الإنكار لما نسب إلى إبراهيم ـ عليه السلام ـ ، ومن ذكر معه فالذي يليق أن يكون الكلام مع أهل الكتاب لا مع الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ وأتباعه لأنهم مقرون بما أخبر الله تعالى به وعالمون بذلك فلا يفرض في حقهم كتمانه والتذييل الذي ادعى فيه خلاف الظاهر أيضاً.. أهـ {روح المعانى ـ حـ1 صـ 401}\rفائدة\rقال ابن عرفة : \rقوله تعالى : {وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن كَتَمَ شَهَادَةً عِندَهُ مِنَ الله...}","part":2,"page":180},{"id":667,"text":"جمعه مع {وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن مَّنَعَ مَسَاجِدَ الله} ومع {فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن كَذَبَ علَى الله} يقتضي التساوي إلا ما دل الدليل على (التفاوت) فيه (بل أقوالهم تضمنت كتم الشهادة فيقال : إنما علق الظلم على الكتم ليعلم أن شهادة الزور أعظم جريمة فقد وعده بالعذاب على الوجهين (ووبخوا) بفعل ما ارتكبوا من ذلك) والشهداء على ثلاثة أقسام : شاهد بالحق ، وشاهد بالزور ، وكاتم للشهادة ، فلا يشهد بشيء) مع علمه بها. وهؤلاء شهدوا بالزور ولم يكتموا الشهادة فقالوا : {كُونُواْ هُوداً أَوْ نصارى} فعلق الحكم على الأخف ليفيد العقوبة على ما هو أشد منه من باب أحرى. أهـ {تفسير ابن عرفة صـ 180}\rقوله تعالى {وَمَا الله بغافل عَمَّا تَعْمَلُونَ}\rوأما قوله تعالى {وَمَا الله بغافل عَمَّا تَعْمَلُونَ} فهو الكلام الجامع لكل وعيد ، ومن تصور أنه تعالى عالم بسره وإعلانه ولا يخفى عليه خافية أنه من وراء مجازاته إن خيراً فخير وإن شراً فشر لا يمضي عليه طرفة عين إلا وهو حذر خائف ألا ترى أن أحدنا لو كان عليه رقيب من جهة سلطان يعد عليه الأنفاس لكان دائم الحذر والوجل مع أن ذلك الرقيب لا يعرف إلا الظاهر ، فكيف بالرب الرقيب الذي يعلم السر وأخفى إذا هدد وأوعد بهذا الجنس من القول. أهـ {مفاتيح الغيب ـ حـ4 صـ 81}\rوقال الإمام السمرقندى : \rهذا القول وعيد للظالم وتعزية للمظلوم. أهـ {بحر العلوم ـ حـ1 صـ 125}\rفإن قيل : ما الحكمة في عدوله عن قوله : \" وَاللهُ عَلِيمٌ \" إلى \" وَمَا اللهُ بِغَافِلٍ \".","part":2,"page":181},{"id":668,"text":"فالجواب : أن نفي النقائص وسلبها عن صفاتا لله تعالى أكمل من ذكر الصفات مجردة عن ذكر نفي نقيضها ، فإن النقيض يستلزم إثبات النقيض وزيادة ، والإثبات لا يستلزم نفي النقيض ؛ لأن العليم قد يفضل عن النقيض ، فلما قال الله تعالى : \" وَمَا اللهُ بِغَافِلٍ \" دلّ ذلك على أنه عالم ، وعلى أنه غير غافل ، وذلك أبلغ في الزجر المقصود من الآية.\rفإن قيل : قد قال تعالى في موضع آخر : {والله عَلِيمٌ بِمَا يَعْمَلُونَ} [يوسف : 19].\rفالجواب : أن ذلك سيق لمجرد الإعلام بالقصّة لا للزجر ، بخلاف هذه الآية ، فإن المقصود بها الزجر والتهديد. أهـ {تفسير ابن عادل حـ2 صـ 535}\rقوله تعالى {تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُمْ مَا كَسَبْتُمْ وَلَا تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ (141)}\rمناسبة الآية لما قبلها\rاعلم أنه تعالى لما حاج اليهود في هؤلاء الأنبياء عقبه بهذه الآية لوجوه.\rأحدها : ليكون وعظاً لهم وزجراً حتى لا يتكلوا على فضل الآباء فكل واحد يؤخذ بعمله. وثانيها : أنه تعالى بين أنه متى لا يستنكر أن يكون فرضكم عين فرضهم لاختلاف المصالح لم يستنكر أن تختلف المصالح فينقلكم محمد ـ صلى الله عليه وسلم ـ من ملة إلى ملة أخرى. وثالثها : أنه تعالى لما ذكر حسن طريقة الأنبياء الذين ذكرهم في هذه الآيات بين أن الدليل لا يتم بذلك بل كل إنسان مسؤول عن عمله ، ولا عذر له في ترك الحق بأن توهم أنه متمسك بطريقة من تقدم ، لأنهم أصابوا أم أخطأوا لا ينفع هؤلاء ولا يضرهم لئلا يتوهم أن طريقة الدين التقليد.\rأهـ {مفاتيح الغيب حـ4 صـ 82}\rسؤال : فإن قيل : لم كررت هذه الآية ؟ \rفالجواب من وجهين : \rالأول : قال الجُبَّائي : إنه عني بالآية الأولى إبراهيم ، ومن ذكر معه ، والثانية أسلاف اليهود.","part":2,"page":182},{"id":669,"text":"قال القاضي : هذا بعيد ؛ لأن أسلاف اليهود والنصارى لم يَجْرِ لهم ذلك مصرح ، وموضع الشبهة في هذا القول أن القوم لما قالوا في إبراهيم وبينه : إنهم كانوا هوداً ، فكأنهم قالوا : إنهم كانوا على مثل طريقة أسلافنا من اليهود ، فصار سلفهم في حكم المذكورين فجاز أن يقول : {تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ} ويعنيهم ولكن ذلك كالتعسُّف ، بل المذكور السابق هو إبراهيم وبنوه ، فقوله : \" تلك أمة \" يجب أن يكون عائداً إليهم.\rالوجه الثاني : أنه متى اختلفت الأوقات والأحوال والمواطن لم يكن التَّكْرار عبثاً ، فكأنه تعالى قال : ما هذا إلا بشر ، فوصف هؤلاء الأنبياء فيما أنتم عليه من الدين لا يسوغ التقليد في هذا [الجنس] ، فعليكم بترك الكلام في تلك الأمة ، فلها ما كسبت ، وانظر فيما دعاكم إليه محمد ـ صلى الله عليه وسلم ـ فإن ذلك أنفع لكم ، وأعود عليكم ، ولا تُسألون إلا عن عملكم. أهـ {تفسير ابن عادل حـ2 صـ 535 ـ 536}\rوقال القرطبي رحمه الله تعالى : كررها ، لأها تضمّنت معنى التهديد والتخويف ، أي : إذا كان أولئك الأنبياء على إمامتهم وفضلهم يجازون بكسبهم ، فأنتم أحرى ، فوجب التأكيد فلذلك كررها. أهـ {تفسير القرطبى حـ2صـ 147}\rفائدة\rقال صاحب الأمثل : \rافترضوا أن ادعاءاتكم صحيحة ، فهذا لا يعود عليكم بالنفع لأنه (تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُمْ مَا كَسَبْتُمْ وَلاَ تُسْئَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ).\rالأمّة الحية ينبغي أن تعتمد على أعمالها لا على ذكريات تاريخها ، والإِنسان يجب أن يستند إلى فضائله ، لا أن يجترّ مفاخر الآباء والأجداد. أهـ {الأمثل حـ1صـ 317}","part":2,"page":183},{"id":670,"text":"لطيفة\rقيل لما انصرف هارون الرشيد من الحج أقام بالكوفة أياما فلما خرج وقف بهلول المجنون على طريقه وناداه بأعلى صوته يا هارون ثلاثا ، فقال هارون من الذى ينادينى تعجبا ، فقيل له بهلول المجنون ، فوقف هارون وأمر برفع الستر وكان يكلم الناس وراء الستر فقال له : ألم تعرفنى قال : بلى أعرفك فقال من أنا ؟ \rقال أنت الذى لو ظلم أحد فى المشرق وأنت فى المغرب سألك الله عن ذلك يوم القيامة فبكى هارون وقال كيف ترى حالى قال : اعرضه على كتاب الله وهى الجزء الثانى {إن الأبرار لفى نعيم وإن الفجار لفى جحيم}\rوقال أين أعمالنا ؟ \rقال إنما يتقبل الله من المتقين\rقال وأين قرابتنا من رسول الله ـ صلى الله تعالى عليه وسلم ـ ؟ \rقال {فإذا نفخ فى الصور فلا أنساب بينهم}\rقال وأين شفاعة رسول الله لنا ؟ \rقال {يومئذ لا تنفع الشفاعة إلا من أذن له الرحمن ورضى له قولا}\rفلا بد من الأعمال الصالحة والإخلاص فيها فإن الله يتقبلها لا غيرها.\rأهـ {روح البيان حـ1صـ 307}\rقوله تعالى {سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ مِنَ النَّاسِ مَا وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا قُلْ لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (142)}\rقال البخاري : حدثنا أبو نُعَيم ، سمع زُهَيراً ، عن أبي إسحاق ، عن البراء ، رضي الله عنه ؛ أن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ صلى إلى بيت المقدس ستَّة عشر شهرا أو سبعة عشر شهراً ، وكان يعجبه أن تكون قبلته قبل البيت ، وأنه صلى أول صلاة صلاها ، صلاة العصر ، وصلى معه قوم. فخرج رجل ممن كان صلى معه ، فمر على أهل المسجد وهم راكعون ، فقال : أشهد بالله لقد صليتُ مع النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ قبَل مكة ، فدارُوا كما هم قبل البيت. وكان الذي مات على القبلة قبل أن تُحَوّل قبل البيت رجالا قتلوا لم ندر ما نقول فيهم ، فأنزل الله عز وجل {وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ}\rانفرد به البخاري من هذا الوجه {صحيح البخاري برقم (4486)}.\r. ورواه مسلم من وجه آخر\r{صحيح مسلم برقم (525)}.","part":2,"page":184},{"id":671,"text":"مناسبة الآية الكريمة لما قبلها\rقال العلامة الطاهر بن عاشور ما نصه : \rوالذي استقر عليه فهمي أن مناسبة وقوع هذه الآية هنا مناسبةٌ بديعة وهي أن الآيات التي قبلها تكرر فيها التنويه بإبراهيم وملته ، والكعبة وأن من يرغب عنها قد سفِه نفسه ، فكانت مثاراً لأن يقول المشركون ، ما ولَّى محمداً وأتباعه عن قبلتهم التي كانوا عليها بمكة أي استقبال الكعبة مع أنه يقول إنه على ملة إبراهيم ويأبى عن إتباع اليهودية والنصرانية ، فكيف ترك قبلة إبراهيم واستقبل بيت المقدس ؟ ولأنه قد تكررت الإشارة في الآيات السابقة إلى هذا الغرض بقوله : {ولله المشرق والمغرب} [البقرة : 115]. وقوله : {ولن ترضى عنك اليهود ولا النصارى حتى تتبع ملتهم} [البقرة : 120] كما ذكرناه هنالك ، وقد علم الله ذلك منهم فأنبأ رسوله بقولهم وأتى فيه بهذا الموقع العجيب وهو أن جعله بعد الآيات المثيرة له وقبل الآيات التي أُنزلت إليه في نسخ استقبال بيت المقدس والأمر بالتوجه في الصلاة إلى جهة الكعبة ، لئلا يكون القرآن الذي فيه الأمر باستقبال الكعبة نازلاً بعد مقالة المشركين فيشمخوا بأنوفهم يقولون غيَّر محمد قبلته من أجل اعتراضنا عليه فكان لموضع هذه الآية هنا أفضل تمكن وأوثق ربط ، وبهذا يظهر وجه نزولها قبل آية النسخ وهي قوله : {قد نرى تقلب وجهك في السماء} [البقرة : 144] الآيات ، لأن مقالة المشركين أو توقُّعَها حاصل قبل نسخ استقبال بيت المقدس وناشىء عن التنويه بملة إبراهيم والكعبة. أ هـ {التحرير والتنوير حـ 2 صـ 5 ـ 6}\rسؤال : فيمن نزلت هذه الآية ؟ ","part":2,"page":185},{"id":672,"text":"اختلف المفسرون فيمن نزلت هذه الآية فقيل : نزلت هذه الآية في اليهود وذلك أنهم طعنوا في تحويل القبلة عن بيت المقدس إلى الكعبة لأنهم لا يرون النسخ. وقيل : نزلت في مشركي مكة وذلك أنهم قالوا قد تردد على محمد أمره واشتاق مولده ، وقد توجه إلى نحو بلدكم فلعله يرجع إلى دينكم وقيل نزلت في المنافقين وإنما قالوا ذلك استهزاء بالإسلام وقيل : يحتمل أن لفظ السفهاء للعموم فيدخل فيه جميع الكفار والمافقين واليهود ويحتمل وقوع هذا الكلام من كلهم إذ لا فائدة في التخصيص ، ولأن الأعداء يبالغون في الطعن والقدح فإذا وجدوا مقالاً قالوا أو مجالاً جالوا. أ هـ {تفسير الخازن حـ 1 صـ 89}\rأما قوله : {سَيَقُولُ السفهاء} ففيه قولان. الأول - وهو اختيار القفال - : أن هذا اللفظ وإن كان للمستقبل ظاهراً لكنه قد يستعمل في الماضي أيضاً ، كالرجل يعمل عملاً فيطعن فيه بعض أعدائه فيقول : أنا أعلم أنهم سيطعنون علي فيما فعلت ، ومجاز هذا أن يكون القول فيما يكرر ويعاد ، فإذا ذكروه مرة فسيذكرونه بعد ذلك مرة أخرى ، فصح على هذا التأويل أن يقال : سيقول السفهاء من الناس ذلك ، وقد وردت الأخبار أنهم لما قالوا ذلك نزلت الآية. القول الثاني : إن الله تعالى أخبر عنهم قبل أن ذكروا هذا الكلام أنهم سيذكرونه وفيه فوائد. أحدها : أنه عليه الصلاة والسلام إذا أخبر عن ذلك قبل وقوعه ، كان هذا إخباراً عن الغيب فيكون معجزاً. وثانيها : أنه تعالى إذا أخبر عن ذلك أولاً ثم سمعه منهم ، فإنه يكون تأذية من هذا الكلام أقل مما إذا سمعه منهم أولاً. وثالثها : أن الله تعالى إذا أسمعه ذلك أولاً ثم ذكر جوابه معه فحين يسمعه النبي ـ عليه الصلاة والسلام ـ منهم يكون الجواب حاضراً ، فكان ذلك أولى مما إذا سمعه ولا يكون الجواب حاضراً. أهـ {مفاتيح الغيب حـ4صـ 83}\rوقال فى التحرير والتنوير : ","part":2,"page":186},{"id":673,"text":"ووجه فصل هذه الآية عما قبلها بدون عطف ، اختلافُ الغرض عن غرض الآيات السابقة فهي استئناف محض ليس جواباً عن سؤال مقدر.\rوالأولى بقاء السين على معنى الاستقبال إذ لا داعي إلى صرفه إلى معنى المضي وقد علمتم الداعي إلى الإخبار به قبل وقوعه منهم. أ هـ {التحرير والتنوير حـ 2 صـ 7}\rفائدة فى معنى السفه\rإن من لا يميز بين ما له وعليه ، ويعدل عن طريق منافعه إلى ما يضره ، يوصف بالخفة والسفه ، ولا شك أن الخطأ في باب الدين أعظم مضرة منه في باب الدنيا فإذا كان العادل عن الرأي الواضح في أمر دنياه يعد سفيهاً ، فمن يكون كذلك في أمر دينه كان أولى بهذا الاسم فلا كافر إلا وهو سفيه فهذا اللفظ يمكن حمله على اليهود ، وعلى المشركين وعلى المنافقين ، وعلى جملتهم. أهـ\r{مفاتيح الغيب حـ4صـ 83}\rوقال البقاعى : \rقال : {السفهاء} ولم يقل : سيقولون ، إظهاراً للوصف الذي استخفهم إلى هذا القول الظاهر عواره لأهل كل دين والسفيه الذي يعمل بغير دليل ، إما بأن لا يلتفت إلى دليل فلا يتوقف إلى أن يلوح له بل يتبع هواه ، أو يرى غير الدليل دليلاً ، وأكد الوصف بالطيش بقوله : {من الناس} المأخوذ من النوس وهو التحرك ، دون أن يقول : من أهل الكتاب ، أو بني إسرائيل - ونحو ذلك تصريحاً بذمهم وتعميماً لكل من مالأهم على ذلك {ما ولاهم} ولم يقولوا : مَن ، زيادة في الأذى بالاحتقار {عن قبلتهم}. أهـ {نظم الدرر حـ1صـ 260}\rسؤال : لم سماهم سفهاء ؟ ","part":2,"page":187},{"id":674,"text":"الجواب : تسميتهم سفهاء ناظر إلى قوله فيما مضى عمن نافق منهم ومن غيرهم {ألا إنهم هم السفهاء} [البقرة : 13] ، لأنهم وإن كانوا مصارحين بالكفر فاسم النفاق منطبق عليه من جهة أخرى وهو أنهم أظهروا الكفر وأبطنوا معرفة الإيمان ، أظهروا التكذيب وأبطنوا ما هم عارفون به من صدقه ، وأيضاً فإذا كان المنافقون الذين أظهروا حسناً سفهاء لما أبطنوه من القبيح فالذين عمهم القبح ظاهراً وباطناً أسفه : وإلى قوله قريباً {ومن يرغب عن ملة إبراهيم إلا من سفه نفسه} [البقرة : 130] لما تقرر من مخالفتهم له وإن ادعوا الموافقة. أهـ\r{نظم الدرر حـ1صـ 260}\rوقال فى التحرير والتنوير : \rوفائدة وصفهم بأنهم من الناس مع كونه معلوماً هو التنبيه على بلوغهم الحد الأقصى من السفاهة بحيث لا يوجد في الناس سفهاء غير هؤلاء فإذا قسم نوع الإنسان أصنافاً كان هؤلاء صنف السفهاء فيفهم أنه لا سفيه غيرهم على وجه المبالغة ، والمعنى أن كل من صدر منه هذا القول هو سفيه سواء كان القائل اليهود أو المشركين من أهل مكة. أ هـ {التحرير والتنوير حـ 2 صـ 7}\rسؤال : لماذا سميت القبلة بهذا الاسم ؟ \rالجواب : إنما سميت قبلة لأن المصلي يقابلها وتقابله. أ هـ {تفسير الخازن حـ 1 صـ 90}\rسؤال : لم أضيفت القبلة إلى ضمير المسلمين فى قوله تعالى {عَنْ قِبْلَتِهِمُ} ؟ \rالجواب : إضافة القبلة إلى ضمير المسلمين للدلالة على مزيد اختصاصها بهم إذ لم يستقبلها غيرهم من الأمم لأن المشركين لم يكونوا من المصلين وأهل الكتاب لم يكونوا يستقبلون في صلاتهم ، وهذا مما يعضد حمل \"السفهآء\" على المشركين إذ لو أريد بهم اليهود لقيل عن قبلتنا إذ لا يرضون أن يضيفوا تلك القبلة إلى المسلمين ، ومن فسر \"السفهآء\" باليهود ونسب إليهم استقبال بيت المقدس حَمَل الإضافة على أدنى ملابسة لأن المسلمين استقبلوا تلك القبلة مدة سنةٍ وأشهرٍ فصارت قبلة لهم. أ هـ {التحرير والتنوير حـ 2 صـ 8 ـ 9}","part":2,"page":188},{"id":675,"text":"فائدة\rاعلم أن اليهود يستقبلون بيت المقدس وليس هذا الاستقبال من أصل دينهم لأن بيت المقدس إنما بني بعد موسى ـ عليه السلام ـ بناه سليمان ـ عليه السلام ـ ، فلا تجد في أسفار \"التوراة\" الخمسة ذكراً لاستقبال جهة معينة في عبادة الله تعالى والصلاة والدعاء ، ولكن سليمان ـ عليه السلام ـ هو الذي سنّ استقبال بيت المقدس ففي سفر الملوك الأول : أن سليمان لما أتم بناء بيت المقدس جمع شيوخ إسرائيل وجمهورهم ووقف أمام المذبح في بيت المقدس وبسط يديه ودعا الله دعاء جاء فيه : \" إذا انكسر شعبُ إسرائيل أمام العدو ثم رجعوا واعترفوا وصلوا نحو هذا البيت فأرجعهم إلى الأرض التي أعطيت لآبائهم وإذا خرج الشعب لمحاربة العدو وصلَّوا إلى الرب نحو المدينة التي اخترتَها والبيتِ الذي بنيتُه لاسمك فاسمعْ صلاتهم وتضرعهم \" إلخ ، وذكر بعد ذلك أن الله تجلّى لسليمان وقال له \" قد سمعتُ صلاتك وتضرعك الذي تضرعتَ به أمامي \"\rوهذا لا يدل على أن استقبال بيت المقدس شرط في الصلاة في دين اليهود وقصاراه الدلالة على أن التوجه نحو بيت المقدس بالصلاة والدعاء هيئة فاضلة ، فلعل بني إسرائيل التزموه لا سيما بعد خروجهم من بيت المقدس أو أن أنبياءهم الموجودين بعد خروجهم أمروهم بذلك بوحي من الله.","part":2,"page":189},{"id":676,"text":"وأما النصارى فإنهم لم يقع في إنجيلهم تغيير لما كان عليه اليهود في أمر الاستقبال في الصلاة ولا تعيين جهة معينة ولكنهم لما وجدوا الروم يجعلون أبواب هياكلهم مستقبلة لمشرق الشمس بحيث تدخل أشعة الشمس عند طلوعها من باب الهيكل وتقع على الصَّنم صاحب الهيكل الموضوع في منتهى الهيكل عكسوا ذلك فجعلوا أبواب الكنائس إلى الغرب وبذلك يكون المذبح إلى الغرب والمصلون مستقبلين الشرق ، وذكر الخفاجي أن بولس هو الذي أمرهم بذلك ، فهذه حالة النصارى في وقت نزول الآية ثم إن النصارى من العصور الوسطى إلى الآن توسعوا فتركوا استقبال جهة معينة فلذلك تكون كنائسهم مختلفة الاتجاه وكذلك المذابح المتعددة في الكنيسة الواحدة. أ هـ {التحرير والتنوير حـ 2 صـ 9 ـ 10 ـ باختصار يسير}\rفوائد\rاختلف العلماء هل كانت صلاة رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ إلى بيت المقدس بأمر من الله تعالى في القرآن أو بوحي غير متلو ؟ ، فذكر ابن فورك عن ابن عباس قال : أول ما نسخ من القرآن القبلة ، وقال الجمهور : بل كان أمر قبلة بيت المقدس بوحي غير متلو ، وقال الربيع : خُيِّر رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ في النواحي فاختار بيت المقدس ، ليستألف بها أهل الكتاب ، ومن قال كان بوحي غير متلو قال : كان ذلك ليختبر الله تعالى من آمن من العرب ، لأنهم كانوا يألفون الكعبة وينافرون بيت المقدس وغيره.","part":2,"page":190},{"id":677,"text":"واختلف كم صلى إلى بيت المقدس ، ففي البخاري : ستة عشر أو سبعة عشر شهراً ، وروي عن أنس بن مالك : تسعة أو عشرة أشهر ، وروي عن غيره : ثلاثة عشرة شهراً ، وحكى مكي عن إبراهيم بن إسحاق أنه قال : أول أمر الصلاة أنها فرضت بمكة ركعتين في أول النهار وركعتين في آخر ، ثم كان الإسراء ليلة سبع عشرة من شهر ربيع الآخر ، قبل الهجرة بسنة ، ففرضت الخمس ، وأمَّ فيها جبريل ـ عليه السلام ـ ، وكانت أول صلاة الظهر ، وتوجه بالنبي صلى الله عليهما وسلم إلى بيت المقدس ، ثم هاجر النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ إلى المدينة في ربيع الأول ، وتمادى إلى بيت المقدس إلى رجب من سنة اثنتين ، وقيل إلى جمادى ، وقيل إلى نصف شعبان. أ هـ {المحرر الوجيز حـ 1 صـ 218}\rقوله تعالى : {مَا وَلاّهُمْ عَن قِبْلَتِهِمْ...}\rسؤال : لم عبر بلفظ الغيبة فى قوله تعالى {مَا وَلاّهُمْ عَن قِبْلَتِهِمْ...}\rعبر بلفظ الغيبة إشارة إلى أنّهم قالوا ذلك فيما بينهم ولم يباشروا به المؤمنين بوجه ، وهذا مرجح لأن تكون المقالة من المنافقين.\rقال العلامة ابن العربي في القبس : إن هذا مما نسخ ثلاث مرات وليس في القرآن ما نسخ ثلاث مرات غيره.\rقال ابن عرفة : يريد أنه كان يصلي لبيت المقدس ثم نسخ بالصلاة للكعبة ، ثم نسخ فصلى لبيت المقدس ثم نسخ فصلى للكعبة وقيل : كان يصلي لمكّة ثم صلى لبيت المقدس ثم صلى لمكة فيجيء التحويل ثلاث مرات والنسخ مرتين. أ هـ\r{تفسير ابن عرفة صـ 182}\rقوله تعالى {قُلْ لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ}\rقال الفخر : \rأما قوله تعالى : {قُل لّلَّهِ المشرق والمغرب} فاعلم أن هذا هو الجواب الأول عن تلك الشبهة ، وتقريره أن الجهات كلها لله ملكاً وملكاً ، فلا يستحق شيء منها لذاته أن يكون قبلة ، بل إنما تصير قبلة لأن الله تعالى جعلها قبلة ، وإذا كان الأمر كذلك فلا اعتراض عليه بالتحويل من جهة إلى جهة أخرى. أ هـ\r{مفاتيح الغيب حـ 4 صـ 85}","part":2,"page":191},{"id":678,"text":"وقال صاحب التحرير والتنوير : \rوقوله : {قل لله المشرق والمغرب يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم} جواب قاطع معناه أن الجهات كلها سواء في أنها مواقع لبعض المخلوقات المعظمة فالجهات ملك لله تبعاً للأشياء الواقعة فيها المملوكة له ، وليست مستحقة للتوجه والاستقبال استحقاقاً ذاتياً. وذكر المشرق والمغرب مراد به تعميم الجهات كما تقدم عند قوله تعالى : {ولله المشرق والمغرب} [البقرة : 115] ، ويجوز أن يكون المراد من المشرق والمغرب الكناية عن الأرض كلها لأن اصطلاح الناس أنهم يقسمون الأرض إلى جهتين شرقية وغربية بحسب مطلع الشمس ومغربها ، والمقصود أن ليس لبعض الجهات اختصاص بقرب من الله تعالى لأنه منزه عن الجهة وإنما يكون أمره باستقبال بعض الجهات لحكمة يريدها كالتيمن أو التذكر فلا بدع في التولي لجهة دون أخرى حسب ما يأمر به الله تعالى ، فقوله تعالى : {قل لله المشرق والمغرب} ، إشارة إلى وجه صحة التولية إلى الكعبة. أ هـ\r{التحرير والتنوير حـ 2صـ 12}\rسؤال : لم نكر الصراط ؟ \rتنكير الصراط لأن الصراط يختلف باختلاف الأمم في استعداداتها للهداية إلى الكمال والسعادة. أ هـ {الميزان حـ 1صـ 319}\rفائدة\rقال القرطبى : \rدلّت الآية على جواز نسخ السُّنة بالقرآن ؛ وذلك أن النبيّ ـ صلى الله عليه وسلم ـ صلّى نحو بيت المقدس ؛ وليس في ذلك قرآن ، فلم يكن الحُكم إلا من جهة السُّنة ثم نسخ ذلك بالقرآن ؛ وعلى هذا يكون : {كُنتَ عَلَيْهَآ} بمعنى أنت عليها.\rأ هـ {تفسير القرطبى حـ 2صـ 151}","part":2,"page":192},{"id":679,"text":"لطيفة\rقال بعض العارفين : (لي أربعون سنة ما أقامني الحق في شيء فكرهته ، ولا نقلني إلى غيره فسخطته). بخلاف السفهاء من الجهال ، فشأنهم الإنكار عند اختلاف الأحوال ، فمن رأوه تجرد عن الأسباب وانقطع إلى الكريم الوهاب ، قالوا : ما ولاَّه عن حاله الذي كان عليه ؟ وأكثروا من الاعتراض والانتقاد عليه ، وكذلك من رأوه رجع إلى الأسباب بعد الكمال ، قالوا : قد انحط عن مراتب الرجال. وهو إنما زاد في مراتب الكمال. فالملك كله لله ، يهدي مَن يشاء إلى الصراط مستقيم ، ويضلّ مَن يشاء بعدله الحكيم. أ هـ\r{البحر المديد حـ 2 صـ 111}\rمن أسرار تغيير القبلة\rتغيير القبلة من بيت المقدس إلى الكعبة أثار لدى الجميع تساؤلات عديدة ، أولئك الذين قالوا إن الأحكام ينبغي أن تبقى ثابتة راحوا يتساءلون عن سبب هذا التغيير ، فلو كانت القبلة الصحيحة هي الكعبة ، فلماذا لم يؤمر المسلمون بالصلاة نحوها منذ البدء ، وإن كانت بيت المقدس فلِمَ هذا التغيير ؟!\rوأعداء الإسلام وجدوا الفرصة سانحة لبث سمومهم ولإعلامهم المضّاد. قالوا : إن تغيير القبلة تمّ بدافع عنصري ، وزعموا أن النّبي اتجه أوّلا إلى قبلة الأنبياء السابقين ، ثم عاد إلى قبلة قومه بعد تحقيق انتصاراته! وقالوا : إن محمّداً(صلى الله عليه وآله وسلم) أراد استعطاف أهل الكتاب بانتخابه بيت المقدس قبلة له ، ولما يئس منهم استبدل الكعبة بها.\rواضح مدى القلق والاضطراب الذي تتركه هذه الوساوس على مجتمع لم يتغلغل نور العلم والإيمان في كل زواياه ، ولم يتخلص بعد تماماً من رواسب الشرك والعصبية.\rلذلك تصرّح الآية أعلاه أن تغيير القبلة اختبار كبير لتمييز المؤمنين من المشركين.\rلا نستبعد أن يكون أحد أسباب تغيير القبلة مايلي : ","part":2,"page":193},{"id":680,"text":"لما كانت الكعبة في بداية البعثة المباركة بيتاً لأصنام المشركين ، فقد أُمر المسلمون مؤقتاً بالصلاة تجاه بيت المقدس ، ليتحقّق الانفصال التام بين الجبهة الإسلامية وجبهة المشركين.\rوبعد الهجرة وإقامة الدولة الإِسلامية والمجتمع الإِسلامي ، حدث الانفصال الكامل بين الجبهتين ، ولم تعد هناك ضرورة لاستمرار وضع القبلة ، حينئذ عاد المسلمون إلى الكعبة أقدم قاعدة توحيدية ، وأعرق مركز للأنبياء.\rومن الطبيعي أن يستثقل الصلاة نحو بيت المقدس لأولئك الذين كانوا يعتبرون الكعبة الرصيد المعنوي لقوميتهم ، وأن يستثقلوا أيضاً العودة إلى الكعبة بعد أن اعتادوا على قبلتهم الأولى (بيت المقدس).\rالمسلمون بهذا التحوّل وُضعوا في بوتقة الاختبار ، لتخليصهم ممّا علّق في نفوسهم من آثار الشرك ، ولتنقطع كل انشداداتهم بماضيهم المشرك ، ولتنمو في وجودهم روح التسليم المطلق أمام أوامر الله سبحانه.\rإن الله سبحان ليس له مكان ومحل ـ كما ذكرنا ـ والقبلة رمز لوحدة صفوف المسلمين ولإحياء ذكريات خط التوحيد ، وتغييرها لا يغيّر شيئاً ، المهم هو الاستسلام الكامل أمام الله ، وكسر أوثان التعصب واللجاج والأنانية في النفوس. أهـ {الأمثل حـ 1 صـ 206}","part":2,"page":194},{"id":681,"text":"كلمة العلم الحديث فى إثبات توسط مكة المكرمة لليابسة : \rفي دراسة علمية دقيقة لتحديد اتجاهات القبلة من المدن الرئيسية في العالم , أثبت الأستاذ الدكتور حسين كمال الدين (رحمه الله رحمة واسعة) تمركز مكة المكرمة في قلب دائرة تمر بأطراف جميع القارات , أي أن اليابسة موزعة حول مكة المكرمة توزيعا منتظما , واستنتج من ذلك أن هذه المدينة المباركة تعتبر مركزا لليابسة.\rثالثا : انتفاء الانحراف المغناطيسي علي مسار خط طول مكة المكرمة : \rكذلك أثبت هذا العالم المصري الجليل (الذي نسأل الله تعالي له الرحمات) أن الأماكن التي تشترك مع مكة المكرمة في نفس خط الطول (39.817 درجة شرقا) تقع جميعها في الإسقاط الذي قام به علي خط مستقيم هو خط الشمال ـ الجنوب الجغرافي , بمعني انعدام الانحراف المغناطيسي علي طول هذا الخط , مع وجوده علي باقي خطوط الطول الأخري , وهي ميزة ينفرد بها خط طول مكة المكرمة.\rهذه الخصوصية لا (ولم) تمنع تعرض تلك الأرض المباركة لبعض التغيرات المناخية التي تسبب هطول الأمطار الموسمية بغزارة علي ندرة حدوث ذلك , وقد تصاحب هذه الأمطار الغزيرة بالسيول الجارفة التي طاف فيها بعض الطائفين حول الكعبة المشرفة سباحة.\rبعض الشواهد الإسلامية علي كرامة الحرم المكي\rفي عشرات الآيات\rيقابل القرآن الكريم الأرض (علي ضآلتها النسبية) بالسماء (علي اتساعها المذهل ), وهذه المقابلة لابد أنها متعلقة بوضع خاص للأرض بالنسبة إلي السماء.\r* يذكر القرآن الكريم تعبير السماوات والأرض وما بينهما في عشرين آية قرآنية صريحة , وهذه البينية لا تتم إلا إذا كانت الأرض في مركز السماوات , أي في مركز الكون.\r* يؤكد هذا الوضع (قرآنيا) قول الحق (تبارك وتعالي) في سورة الرحمن : \rيامعشر الجن والإنس إن استطعتم أن تنفذوا من أقطار السماوات والأرض فانفذوا لا تنفذون إلا بسلطان (الرحمن : 33).\r","part":2,"page":195},{"id":682,"text":"وذلك لأن قطر أي شكل هندسي هو الخط الواصل بين طرفيه مرورا بمركزه , فإذا انطبقت أقطار السماوات (مع ضخامتها النسبية) مع أقطار الأرض (علي ضآلتها النسبية) فلابد أن تكون الأرض في مركز السماوات.\r* إثبات الأستاذ الدكتور حسين كمال الدين (رحمه الله رحمة واسعة) توسط مكة المكرمة لليابسة , وإثبات وجود الأرضين السبع كلها في أرضنا , انطلاقا من حديث سيد المرسلين (عليه أفضل الصلاة وأزكي التسليم) الذي قال فيه : من أخذ شيئا من الأرض بغير حقه خسف به يوم القيامة إلي سبع أرضين ومن دراسات التركيب الداخلي للأرض ثبت ذلك , مما ينطبق وقول رسول الله (صلي الله عليه وسلم) : إن الحرم حرم مناء من السماوات السبع والأرضين السبع , وقوله (صلي الله عليه وسلم) : يامعشر قريش , يامعشر أهل مكة , إنكم بحذاء وسط السماء , وأقل الأرض ثيابا , فلا تتخذوا المواشي.\rوقوله (صلي الله عليه وسلم) : البيت المعمور منا مكة. ووصفه البيت المعمور بأنه بيت في السماء السابعة علي حيال الكعبة تماما حتي لو خر لخر فوقها.\rكل ذلك يؤكد لنا أن الأرض في مركز الكون , وأن الكعبة المشرفة في مركز الأرض الأولي , ودونها ست أرضين , وحولها سبع سماوات , والكعبة تحت البيت المعمور مباشرة , والبيت المعمور\rتحت العرش , هذا الموقع المتميز للحرم المكي أعطاه من الشرف والكرامة , والبركة والعناية الإلهية ما جعل من هذا الوصف القرآني : ... ومن دخله كان آمنا حقيقة مدركة ملموسة لأنه دخل في أمان الله وظل عرشه , وهل يمكن أن يضام من نال شرف التواجد في هذا المكان ؟؟ \r","part":2,"page":196},{"id":683,"text":"من هنا كان اختيار الحرم المكي ليكون أول بيت عبد الله (تعالي) فيه علي الأرض , وجعله قبلة للمسلمين , ومقصدا لحجهم واعتمارهم , وجعل الصلاة فيه بمائة ألف صلاة , والحسنة فيه بمائة ألف حسنة , لذلك قال رسول الله (صلي الله عليه وسلم) في حق مكة المكرمة عشرات الأحاديث النبوية الشريفة التي تؤكد خصوصية المكان , ومكانته عند الله (سبحانه وتعالي) ومنها قوله (عليه أفضل الصلاة وأزكي التسليم) : \rهذا البيت دعامة الإسلام , من خرج يؤم هذا البيت من حاج أو معتمر كان مضمونا علي الله إن قبضه أن يدخله الجنة , وإن رده أن يرده بأجر وغنيمة.\rفسبحان الذي اختار مكة المكرمة موقعا لأول بيت عبد فيه في الأرض , واختاره بهذه المركزية من الكون , وغمره بالكرامات والبركات , وقرر أن من دخله كان آمنا , وهذه حقائق ما كان للإنسان أن يدركها لولا نزول القرآن الكريم , وحفظه بلغة وحيه بحفظ الرحمن الرحيم , فالحمد لله علي نعمة الاسلام , والحمد لله علي نعمة مكة المكرمة , والحمد لله علي نعمة القرآن , والحمد لله علي بعثة خاتم الأنبياء والمرسلين الذي قال فيه ربه (تبارك وتعالي) : \rيا أيها النبي إنا أرسلناك شاهدا ومبشرا ونذيرا * وداعيا إلي الله بإذنه وسراجا منيرا *\r( الأحزاب : 46,45)\rفصلي الله وسلم وبارك عليه وعلي آله وصحبه , ومن تبع هداه ودعا بدعوته إلي يوم الدين , والحمد لله رب العالمين.\rأ هـ {الإعجاز العلمى فى القرآن ـ للدكتور زغلول النجار}","part":2,"page":197},{"id":684,"text":"الطواف حول الكعبة\rفرض الله الحج والعمرة بمكة المكرمة خاصة جعلها الله تعالى فيها.\rو من كرامات هذا المكان أن الله قد اختصه بأن يكون أول مكان يعبد فيه الله على الأرض ، وفي كلا الشعيرتين.\rالحج والعمرة يطالب المسلم بالطواف حول البيت الحرام سبعة أشواط بدءاً من الحجر الأسود وانتهاءً بالحجر الأسود ، وهذا الطواف يتم في عكس عقارب الساعة ، وهو نفس اتجاه الدوران الذي تتم به حركة الكون من ادق دقائقه إلى أكبر وحداته ، فالإلكترون يدور حول نفسه ، ثم يدور حول نواة الذرة في نفس اتجاه الطواف عكس عقارب الساعة ، والذرات في داخل السوائل المختلفة تتحرك حركة موجبة.\rحتى في داخل كل خلية حية تتحرك حركة دائرية ، البروتوبلازم يتحرك حركة دائرية في نفس الاتجاه الأرض تدور حول الشمس والقمر يدور حول الأرض ، والمجموعات الشمسية تدور حول مركز المجرة ، والمجرة تدور حول مركز تجمع مجري ، والتجمع المجري يدور حول مركز الكون لا يعلمه إلا الله عكس عقارب الساعة.\rو كذلك أن البيضة عندما تخرج من المبيض إلى قناة الرحم ، قناة (فالوب) في رحلتها إلى الانغراس في بطانة الرحم تدور حول محورها بعكس اتجاه عقرب الساعة وهي تحيطها الحيوانات المنوية في دوران عكس اتجاه عقرب الساعة ، مثل دوران الحجيج أو الطواف حول الكعبة ومن الغريب أيضاٍ في كافة أجسام الكائنات الحية وهي تتكون من البروتينات وهي جزيئات معقدة للغاية لبناتها الأحماض الأمينية ، وهي مكونة من خمسة عناصر (الكربون ـ الهيدروجين ـ الأكسجين ـ الكبريت ـ النتروجين )هذه العناصر تترتب حول ذرة الكربون تترتب ترتيباً يسارياً أي نفس اتجاه الطواف حول الكعبة.أ هـ {من آيات الإعجاز في القرآن الكريم للدكتور زغلول النجار}","part":2,"page":198},{"id":685,"text":"قوله تعالى {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْهَا إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ وَإِنْ كَانَتْ لَكَبِيرَةً إِلَّا عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ (143)}\rسؤال : الكاف في {كذلك} كاف التشبيه ، والمشبه به أي شيء هو ؟ \rالجواب : فيه وجوه. أحدها : أنه راجع إلى معنى يهدي ، أي كما أنعمنا عليكم بالهداية ، كذلك أنعمنا عليكم بأن جعلناكم أمة وسطاً. وثانيها : قول أبي مسلم تقريره كما هديناكم إلى قبلة هي أوسط القبل وكذلك جعلناكم أمة وسطاً. وثالثها : أنه عائد إلى ما تقدم من قوله في حق إبراهيم ـ عليه السلام ـ : {وَلَقَدِ اصطفيناه فِى الدنيا} [البقرة : 130] أي فكما اصطفيناه في الدنيا فكذلك جعلناكم أمة وسطاً. ورابعها : يحتمل عندي أن يكون التقدير : {وَلِلَّهِ المشرق والمغرب} [البقرة : 115] فهذه الجهات بعد استوائها في كونها ملكاً لله وملكاً له ، خص بعضها بمزيد التشريف والتكريم بأن جعله قبلة فضلاً منه وإحساناً فكذلك العباد كلهم مشتركون في العبودية إلا أنه خص هذه الأمة بمزيد الفضل والعبادة فضلاً منه وإحساناً لا وجوباً. وخامسها : أنه قد يذكر ضمير الشيء وإن لم يكن المضمر مذكوراً إذا كان المضمر مشهوراً معروفاً كقوله تعالى : {إِنَّا أنزلناه فِى لَيْلَةِ القدر} [القدر : 1] ثم من المشهور المعروف عند كل أحد أنه سبحانه هو القادر على إعزاز من شاء وإذلال من شاء فقوله : {وكذلك جعلناكم} أي ومثل ذلك الجعل العجيب الذي لا يقدر عليه أحد سواه جعلناكم أمة وسطاً. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 4 صـ 88}.\rسؤال : ما المراد من الوسط ؟ \rالجواب : اختلفوا في تفسير الوسط وذكروا أموراً. أحدها : أن الوسط هو العدل والدليل عليه الآية والخبر والشعر والنقل والمعنى ، أما الآية فقوله تعالى : {قَالَ أَوْسَطُهُمْ} [القلم : 28] أي أعدلهم ، وأما الخبر فما روى القفال عن الثوري عن أبي سعيد الخدري عن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ : \" أمة وسطاً قال عدلاً \" وقال عليه الصلاة والسلام : \" خير الأمور أوسطها \" أي أعدلها ، وقيل : كان النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ أوسط قريش نسباً ، وقال عليه الصلاة والسلام : \" عليكم بالنمط الأوسط \" وأما الشعر فقول زهير : ","part":2,"page":199},{"id":686,"text":"هم وسط يرضى الأنام بحكمهم... إذا نزلت إحدى الليالي العظائم\rوأما النقل فقال الجوهري في \"الصحاح\" : {وكذلك جعلناكم أُمَّةً وَسَطًا} أي عدلاً وهو الذي قاله الأخفش والخليل وقطرب ، وأما المعنى فمن وجوه. أحدها : أن الوسط حقيقة في البعد عن الطرفين ولا شك أن طرفي الإفراط والتفريط رديئان فالمتوسط في الأخلاق يكون بعيداً عن الطرفين فكان معتدلاً فاضلاً. وثانيها : إنما سمي العدل وسطاً لأنه لا يميل إلى أحد الخصمين ، والعدل هو المعتدل الذي لا يميل إلى أحد الطرفين. وثالثها : لا شك أن المراد بقوله : {وكذلك جعلناكم أُمَّةً وَسَطًا} طريقة المدح لهم لأنه لا يجوز أن يذكر الله تعالى وصفاً ويجعله كالعلة في أن جعلهم شهوداً له ثم يعطف على ذلك شهادة الرسول إلا وذلك مدح فثبت أن المراد بقوله : (وسطاً) ما يتعلق بالمدح في باب الدين ، ولا يجوز أن يمدح الله الشهود حال حكمه عليهم بكونهم شهوداً إلا بكونهم عدولاً ، فوجب أن يكون المراد في الوسط العدالة. ورابعها : أن أعدل بقاع الشيء وسطه ، لأن حكمه مع سائر أطرافه على سواء وعلى اعتدال ، والأطراف يتسارع إليها الخلل والفساد والأوسط محمية محوطة فلما صح ذلك في الوسط صار كأنه عبارة عن المعتدل الذي لا يميل إلى جهة دون جهة.\rالقول الثاني : أن الوسط من كل شيء خياره قالوا : وهذا التفسير أولى من الأول لوجوه : الأول : أن لفظ الوسط يستعمل في الجمادات قال صاحب \"الكشاف\" : اكتريت جملاً من أعرابي بمكة للحج فقال : أعطى من سطا تهنة أراد من خيار الدنانير ووصف العدالة لا يوجد في الجمادات فكان هذا التفسير أولى. الثاني : أنه مطابق لقوله تعالى : {كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ} [آل عمران : 110].\r","part":2,"page":200},{"id":687,"text":"القول الثالث : أن الرجل إذا قال : فلان أوسطنا نسباً فالمعنى أنه أكثر فضلاً وهذا وسط فيهم كواسطة القلادة ، وأصل هذا أن الاتباع يتحوشون الرئيس فهو في وسطهم وهم حوله فقيل وسط لهذا المعنى.\rالقول الرابع : يجوز أن يكونوا وسطاً على معنى أنهم متوسطون في الدين بين المفرط والمفرط والغالي والمقصر في الأشياء لأنهم لم يغلوا كما غلت النصارى فجعلوا ابناً وإلهاً ولا قصروا كتقصير اليهود في قتل الأنبياء وتبديل الكتب وغير ذلك مما قصروا فيه.\rواعلم أن هذه الأقوال متقاربة غير متنافية والله أعلم. أ هـ\r{مفاتيح الغيب حـ 4 صـ 88 ـ 89}.\rالأمة الوسط\r\"الوسط\" ما توسط بين شيئين ، وبمعنى الجميل والشريف ، والمعنيان يعودان ظاهراً إلى حقيقة واحدة لأن الجمال والشرف فيما اعتدل وابتعد عن الإفراط والتفريط.\rما أجمل التعبير القرآني عن الأمة المسلمة... الأمة الوسط.\rالوسط : المعتدلة في \"العقيدة\" لا تسلك طريق \"الغلو\" ولا طريق \"التقصير والشرك\" ، لا تنحو منحى \"الجبر\" ولا تؤمن \"بالتشبيه\" في صفات الله ولا \"بالتعطيل\".\rمعتدلة في \"القيم المادية والمعنوية\" لا تغطّ في عالم المادة وتنسى المعنويات ، ولا تغرق في المعنويات وتتناسى الماديات. ليست كمعظم اليهود لا يفهمون سوى المادة ، وليست كرهبان النصارى يتركون الدنيا تماماً.\rمعتدلة في \"الجانب العلمي\"... لا ترفض الحقائق العلمية ، ولا تقبل كل نعرة ترتفع باسم العلم.\rمعتدلة في \"الرّوابط الاجتماعية\" لا تضرب حولها حصاراً يعزلها عن العالم ، ولا تفقد استقلالها وتذوب في هذه الكتلة أو تلك ، كما نرى الذائبين في الشرق والغرب اليوم!\rمعتدلة في \"الجانب الأخلاقي\"... في عباداتها... في تفكيرها... وفي جميع أبعاد حياتها.\rالمسلم الحقيقي لا يمكن إطلاقاً أن يكون إنساناً ذا بعد واحد ، بل هو إنسان ذو أبعاد مختلفة... مفكر ، مؤمن ، عادل ، مجاهد ، مكافح ، شجاع ، عطوف ، واع ، فعّال ، ذو سماح.","part":2,"page":201},{"id":688,"text":"عبارة الأمة الوسط توضّح من جانب مسألة شهادة الأمة الإسلامية ، لأن من يقف على خطّ الوسط يستطيع أن يشهد كل الخطوط الانحرافية المتجهة نحو اليمين واليسار.\rومن جانب آخر تحمل العبارة دليلها وتقول : إنَّمَا كُنْتُمْ شُهَداءَ عَلَى النَّاسِ لأنَّكُمْ معتدلون وأنكم أمة وَسَط\". أهـ {الأمثل حـ 1 صـ 307}\rقوله تعالى : {لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا}\r{لتكونوا} أي أنتم لا غيركم {شهداء} كما أفاده التعبير بهذا دون أن يقال : لتشهدوا ، وقال : {على الناس} أي كافة. ولما كان الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ أوسطهم قال : {ويكون الرسول} أي لا غيره بما اقتضاه اختصاصه بكونه وسط الوسط {عليكم} خاصة {شهيداً} بأنكم تابعتموه وصدقتموه فكنتم خير أمة أخرجت للناس ، وبأنه قد بلغكم مدة حياته ، فلما مات خلف فيكم كتاباً معجزاً متواتراً لا يغسله الماء ولا تحرقه النار ، لأنه محفوظ في الصدور متلو بالألسن إلى أن يأتي أمر الله ، ولذلك عبر بأداة الاستعلاء فافهم صوغ الكلام هكذا : إنهم حازوا شرفين أنه لا يشهد عليهم إلا الرسول ، وأنه لا يحتاج في الشهادة على سائر الأمم إلى غير شهادتهم دفعاً لتوهم أن غيرهم يشهد عليهم كما شهدوا عليهم ، ولتوهم أن غيرهم لا يكتفى في الشهادة عليه إلا بشهادة الرسول كما لم يكتف فيهم إلا بذلك. أ هـ\r{نظم الدرر حـ 1 صـ 263}.\rكلام نفيس لصاحب التحرير والتنوير\rو( الناس) عام والمراد بهم الأمم الماضون والحاضرون وهذه الشهادة دنيوية وأخروية. فأما الدنيوية فهي حكم هاته الأمة على الأمم الماضين والحاضرين بتبرير المؤمنين منهم بالرسل المبعوثين في كل زمان وبتضليل الكافرين منهم برسلهم والمكابرين في العكوف على مللهم بعد مجيء ناسخها وظهورِ الحق ، وهذا حكم تاريخي ديني عليه إذا نشأت عليه الأمة نشأت على تعود عرض الحوادث كلها على معيار النقد المصيب.","part":2,"page":202},{"id":689,"text":"والشهادة الأخروية هي ما رواه البخاري والترمذي عن أبي سعيد الخدري قال رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ \" يجاء بنوح يوم القيامة فيقال له هل بلغت فيقول نعَمْ يا رب فتُسْأل أمتُه هل بلغكم فيقولون ما جاءنا من نذير فيقول الله مَن شهودك فيقول محمد وأمته فيجاء بكم فتشهدون ثم قرأ رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ {وكذلك جعلناكم أمةً وسطاً} قال عدلاً {لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيداً \" اه. فقوله ثم قرأ يدل على أن هذه الشهادة من جملة معنى الآية لا أنها عين معنى الآية.\rومن مكملات معنى الشهادة على الناس في الدنيا وجوب دَعوتنا الأممَ للإِسلام ، ليقوم ذلك مقامَ دعوة الرسول إياهم حتى تتم الشهادة للمؤمنين منهم على المعرضين.\rوالشهادة على الأمم تكون لهم وعليهم ، ولكنه اكتفى في الآية بتعديتها بعلى إشارة إلى أن معظم شهادة هذه الأمة وأهمها شهادتهم على المعرضين لأن المؤمنين قد شَهِد لهم إيمانهم فالاكتفاء بعلى تحذير للأمم من أن يكونوا بحيث يشهد عليهم وتنويه بالمسلمين بحالة سلامتهم من وصمة أن يكونوا ممن يشهد عليهم وبحالة تشريفهم بهاته المنقبة وهي إثقاف المخالفين لهم بموجب شهادتهم.\rوقد دلت هذه الآية على التنويه بالشهادة وتشريفها حتى أظهر العليم بكل شيء أنه لا يقضي إلاّ بعد حصولها. ويؤخذ من الآية أن الشاهد شهيد بما حصل له من العلم وإن لم يشهده المشهود عليه وأنه يشهد على العلم بالسماع والأدلة القاطعة وإن لم ير بعينه أو يسمع بأذنيه ، وأن التزكية أصل عظيم في الشهادة ، وأن المزكي يجب أن يكون أفضل وأعدل من المزكَّى ، وأن المزكي لا يحتاج للتزكية ، وأن الأمَّة لا تشهد على النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ ولهذا كان يقول في حجة الوداع : \" أَلاَ هل بَلغْتُ فيقولون نعم فيقول اللهم اشْهَد \" فجعل الله هو الشاهد على تبليغه وهذا من أدق النكت.","part":2,"page":203},{"id":690,"text":"وتقديم الجار والمجرور على عامله لا أراه إلاّ لمجرد الاهتمام بتشريف أمر هذه الأمة حتى أنها تشهد على الأمم والرسل وهي لا يشهد عليها إلاّ رسولها أ هـ\r{التحرير والتنوير حـ 2 صـ 20 ـ 22 باختصار يسير}.\rسؤال : فإن قيل : لم قدم المجرور في قوله {عليكم شهيدا} وآخره في قوله {شهداء على الناس} ؟ \rفالجواب : أن تقديم المعمولات يفيد الحصر فقدم المجرور في قوله {عليكم شهيدا} لاختصاص شهادة النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ بأمته ، ولم يقدمه في قوله {شهداء على الناس} لأنه لم يقصد الحصر. أ هـ {التسهيل حـ 1 صـ 62}.\rسؤال : ما الحكمة في ذلك تمييز أمة محمد ـ صلى الله عليه وسلم ـ في الفضل عن سائر الأمم ؟ \rالجواب : الحكمة في ذلك تمييز أمة محمد ـ صلى الله عليه وسلم ـ في الفضل عن سائر الأمم بالمبادرة إلى تصديق الله تعالى وتصديق جميع الأنبياء ، والإيمان بهم جميعاً ، فهم بالنسبة إلى سائر الأمم كالعدل بالنسبة إلى الفاسق ، فلذلك يقبل الله شهادتهم على سائر الأمم ولا يقبل شهادة الأمم عليهم إظهاراً لعدالتهم وكشفاً عن فضيلتهم ومنقبتهم. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 4 صـ 92}.\rقال الشيخ الشنقيطى : \rقوله تعالى : {وَيَكُونَ الرسول عَلَيْكُمْ شَهِيداً}.\rلم يبين هنا هل هو شهيد عليهم في الدنيا أو الآخرة ؟ ولكنه بين في موضع آخر أنه شهيد عليهم في الآخرة ، وذلك في قوله : {فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِن كُلِّ أمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ على هؤلاء شَهِيداً يَوْمَئِذٍ يَوَدُّ الذين كَفَرُواْ وَعَصَوُاْ الرسول لَوْ تسوى بِهِمُ الأرض وَلاَ يَكْتُمُونَ الله حَدِيثا} [النساء : 41-42]. أ هـ\r{أضواء البيان حـ 1 صـ 70}.","part":2,"page":204},{"id":691,"text":"فائدة\rقال ابن زيد : الأشهاد أربعة. أولها : الملائكة الموكلون بإثبات أعمال العباد. قال تعالى : {وَجَاءتْ كُلُّ نَفْسٍ مَّعَهَا سَائِقٌ وَشَهِيدٌ} [ق : 21] وقال : {مَّا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلاَّ لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ} [ق : 18] وقال : {وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لحافظين كِرَاماً كاتبين يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُون} [الإنفطار : 10 12]. وثانيها : شهادة الأنبياء وهو المراد بقوله حاكياً عن عيسى ـ عليه السلام ـ : {وَكُنتُ عَلَيْهِمْ شَهِيداً مَّا دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِى كُنتَ أَنتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنتَ على كُلّ شَىْء شَهِيدٌ} [المائدة : 117] وقال في حق محمد ـ صلى الله عليه وسلم ـ وأمته في هذه الآية : {لّتَكُونُواْ شُهَدَاء عَلَى الناس وَيَكُونَ الرسول عَلَيْكُمْ شَهِيدًا} وقال : {فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِن كُلّ أمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ على هَؤُلاء شَهِيداً} [النساء : 41]. وثالثها : شهادة أمة محمد خاصة. قال تعالى : {وَجِىء بالنبيين والشهداء}\r[الزمر : 69] وقال تعالى : {وَيَوْمَ يَقُومُ الأشهاد} [غافر : 51]. ورابعها : شهادة الجوارح وهي بمنزلة الإقرار بل أعجب منه قال تعالى : {يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ} [النور : 24] الآية ، وقال : {اليوم نَخْتِمُ على أفواههم} [يس : 65] الآية. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 4 صـ 92}.\rقوله تعالى {وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْهَا إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ}","part":2,"page":205},{"id":692,"text":"قال البيضاوى :\r{وَمَا جَعَلْنَا القبلة التى كُنتَ عَلَيْهَا} أي الجهة التي كنت عليها ، وهي الكعبة فإنه عليه الصلاة والسلام كان يصلي إليها بمكة ، ثم لما هاجر أمر بالصلاة إلى الصخرة تألفاً لليهود (1). أو الصخرة لقول ابن عباس رضي الله عنهما : \" كانت قبلته بمكة بيت المقدس إلا أنه كان يجعل الكعبة بينه وبينها \" فالمخبر به على الأول الجعل الناسخ ، وعلى الثاني المنسوخ. والمعنى أن أصل أمرك أن تستقبل الكعبة ، وما جعلنا قبلتك بيت المقدس.أ هـ {تفسير البيضاوى حـ 1 صـ 417}\r____________________\r( 1) لا يخفى ما فى هذا الوجه من بعد بعيد ومجانبة للصواب ؛ لمكان العصمة الشريفة ، وعلو مقام رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ الذى لا ينطق عن الهوى والذى حكى الله على لسانه فى أكثر من موضع قوله {إن أتبع إلا ما يوحى إلى} فهل من المتصور أن يطلب رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ رضا اليهود فى مقابل أمر الله أو دون أمر من الله ومن المعلوم أن اليهود من أول وهلة دخل فيها رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ المدينة لم يتوقفوا عن مساومته لدرجة أنهم عند تحويل القبلة طلبوا من رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ أن يرجع إلى قبلة بيت المقدس فى مقابل دخولهم الإسلام فهل أجابهم ؟؟!!!\rلقد أنزل الله إليه قوله تعالى {ولا تتبع أهوائهم واحذرهم أن يفتنوك عن بعض ما أنزل الله إليك}\rويكفى فى رد هذا الافتراء قوله تعالى بعد هذه الآية {وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْهَا إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ}\r{قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا}\rوالسؤال الذى يفرض نفسه فى الآيتين السابقتين هو هل يفهم من نص الآيتين الكريمتين تخيير النبى ـ صلى الله عليه وسلم ـ فى التوجه إلى بيت المقدس\rولا شك أن هذا السؤال غنى الجواب\rإن هذا الزعم الباطل والزائف هو عين ما يدعيه المستشرقون الآن مع يقينهم بافترائهم وتجنيهم على الإسلام وعلى رسول الإسلام ـ صلى الله عليه وسلم ـ {إن هذا لشىء عجاب} ومواضع مخالفة الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ لليهود مشهورة بل وأمره صلى الله عليه وسلم بمخالفة اليهود والنصارى ظاهر وجلى فهل يتصور عاقل فضلا عن فاضل أن يأمر رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ أمته بمخالفة اليهود والنصارى ثم يميل بل يتوجه على مدى ستة عشر شهرا أو سبعة عشر شهرا ـ على خلاف فى الروايات ـ إلى قبلة بيت المقدس لإرضاء اليهود\rإن الشرع والعقل يأبى هذه الفرية ويقضى ببطلانها. والله أعلم","part":2,"page":206},{"id":693,"text":"سؤال : ما معنى الانقلاب ؟ ولم قيده بقوله {على عقبيه} ؟ \rالجواب : الانقلاب الرجوع إلى المكان الذي جاء منه ، يقال انقلب إلى الدار ، وقوله : {على عقيبه} زيادة تأكيد في الرجوع إلى ما كان وراءه لأن العقبين هما خلف الساقين أي انقلب على طريق عقيبه وهو هنا استعارة تمثيلية للارتداد عن الإسلام رجوعاً إلى الكفر السابق. أ هـ\r{التحرير والتنوير حـ 2 صـ 23 ـ 24}.\rإشكال وجوابه\rوما جعلنا كذا وكذا إلا لنعلم كذا يوهم أن العلم بذلك الشيء لم يكن حاصلاً فهو فعل ذلك الفعل ليحصل له ذلك العلم وهذا يقتضي أن الله تعالى لم يعلم تلك الأشياء قبل وقوعها ، ونظيره في الإشكال قوله : {وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حتى نَعْلَمَ المجاهدين مِنكُمْ والصابرين} [محمد : 31] وقوله : {الآن خَفَّفَ الله عَنكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفاً} [الأنفال : 66] وقوله : {لَّعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يخشى} [طه : 44] وقوله : {فَلَيَعْلَمَنَّ الله الذين صَدَقُواْ} [العنكبوت : 3] وقوله : {أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُواْ الجنة وَلَمَّا يَعْلَمِ الله الذين جاهدوا مِنكُمْ وَيَعْلَمَ الصابرين}","part":2,"page":207},{"id":694,"text":" [آل عمران : 142] وقوله : {وَمَا كَانَ لَهُ عَلَيْهِمْ مّن سلطان إِلاَّ لِنَعْلَمَ مَن يُؤْمِنُ بالأخرة} [سبأ : 21] والكلام في هذه المسألة أمر مستقصى في قوله : {وَإِذِ ابتلى} والمفسرون أجابوا عنه من وجوه. أحدها : أن قوله : {إِلاَّ لِنَعْلَمَ} معناه إلا ليعلم حزبنا من النبيين والمؤمنين كما يقول الملك : فتحنا البلدة الفلانية بمعنى : فتحها أولياؤنا ، ومنه يقال : فتح عمر السواد ، ومنه قول عليه الصلاة والسلام فيما يحكيه عن ربه : \" استقرضت عبدي فلم يقرضني ، وشتمني ولم يكن ينبغي له أن يشتمني يقول وادهراه وأنا الدهر \" وفي الحديث : \" من أهان لي ولياً فقد أهانني \". وثانيها : معناه ليحصل المعدوم فيصير موجوداً ، فقوله : {إِلاَّ لِنَعْلَمَ} معناه : إلا لنعلمه موجوداً ، فإن قيل : فهذا يقتضي حدوث العلم ، قلنا : اختلفوا في أن العلم بأن الشيء سيوجد هل هو علم بوجوده إذا وجد الخلاف فيه مشهور. وثالثها : إلا لنميز هؤلاء من هؤلاء بانكشاف ما في قلوبهم من الإخلاص والنفاق ، فيعلم المؤمنون من يوالون منهم ومن يعادون ، فسمي التمييز علماً ، لأنه أحد فوائد العلم وثمراته. ورابعها : {إِلاَّ لِنَعْلَمَ} معناه : إلا لنرى ، ومجاز هذا أن العرب تضع العلم مكان الرؤية ، والرؤية مكان العلم كقوله : {أَلَمْ تَرَ كَيْفَ} [الفجر : 6] [الفيل : 1] [إبراهيم : 19] ورأيت ، وعلمت ، وشهدت ، ألفاظ متعاقبة. وخامسها : ما ذهب إليه الفراء : وهو أن حدوث العلم في هذه الآية راجع إلى المخاطبين ، ومثاله أن جاهلاً وعاقلاً اجتمعا ، فيقول الجاهل : الحطب يحرق النار ، ويقول العاقل : بل النار تحرق الحطب ، وسنجمع بينهما لنعلم أيهما يحرق صاحبه معناه : لنعلم أينا الجاهل ، فكذلك قوله : {إِلاَّ لِنَعْلَمَ} إلا لتعلموا والغرض من هذا الجنس من الكلام : الاستمالة والرفق في الخطاب ، كقوله : {وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ","part":2,"page":208},{"id":695,"text":"لعلى هُدًى} [سبأ : 24] فأضاف الكلام الموهم للشك إلى نفسه ترقيقاً للخطاب ورفقاً بالمخاطب ، فكذا قوله : {إِلاَّ لِنَعْلَمَ}. وسادسها : نعاملكم معاملة المختبر الذي كأنه لا يعلم ، إذ العدل يوجب ذلك. وسابعها : أن العلم صلة زائدة ، فقوله ؛ {إِلاَّ لِنَعْلَمَ مَن يَتَّبِعُ الرسول مِمَّن يَنقَلِبُ على عَقِبَيْهِ} معناه : إلا ليحصل اتباع المتبعين ، وانقلاب المنقلبين ، ونظيره قولك في الشيء الذي تنفيه عن نفسك : ما علم الله هذا مني أي ما كان هذا مني والمعنى : أنه لو كان لعلمه الله. أ هـ\r{مفاتيح الغيب حـ 4 صـ 95 ـ 96}.\rوقال فى أضواء البيان : \rقوله تعالى : {وَمَا جَعَلْنَا القبلة التي كُنتَ عَلَيْهَآ إِلاَّ لِنَعْلَمَ} الآية.\rظاهر هذه الآية قد يتوهم منه الجاهل أنه تعالى يستفيد بالاختبار علماً لم يكن يعلمه ، سبحانه وتعالى عن ذلك علوًّا كبيراً ، بل هو تعالى عالم بكل ما سيكون قبل أن يكون. وقد بين أنه لا يستفيد بالاختبار علماً لم يكن يعلمه بقوله جل وعلا : {وَلِيَبْتَلِيَ الله مَا فِي صُدُورِكُمْ وَلِيُمَحِّصَ مَا فِي قُلُوبِكُمْ والله عَلِيمٌ بِذَاتِ الصدور} [آل عمران : 154] فقوله : {والله عَلِيمٌ بِذَاتِ الصدور} بعد قوله : {وَلِيَبْتَلِيَ} دليل قاطع على أنه لم يستفد بالاختبار شيئاً لم يكن عالماً به ، سبحانه وتعالى عن ذلك علواً كبيراً ، لأن العليم بذات الصدور غني عن الاختبار ، وفي هذه الآية بيان عظيم لجميع الآيات التي يذكر الله فيها اختباره لخلقه. ومعنى {إِلاَّ لِنَعْلَمَ} أي علماً يترتب عليه الثواب والعقاب فلا ينافي أنه كان عالماً به قبل ذلك ، وفائدة الاختبار ظهور الأمر للناس. أما عالم السر والنجوى فهو عالم بكل ما سيكون ، كما لا يخفى. أ هـ\r{أضواء البيان حـ 1 صـ 70}.","part":2,"page":209},{"id":696,"text":"كلام نفيس لصاحب المنار\rقال الشيخ محمد رشيد رضا ـ رحمه الله ـ\rوالمختار عندى التعبير عن علمه تعالى بالشىء قبل وجوده بعلم الغيب ، وبعد وجوده بعلم الشهادة كما قلت آنفا ، وإن كانت كلمات الله فى الآيتين الأخيرتين كلمات التكوين أنفسها لا متعلقاتها التى هى الموجودات ، فعلم الله قسمان : \rغيب وشهادة ، وكلماته قسمان : تشريع وتكوين.أ هـ\r{تفسير المنار حـ 2 صـ 9}\rعلم الله\rعبارة (لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبعُ الرَّسُولَ...) وأمثالها من التعبيرات القرآنية ، لا تعني أن الله لم يكن يعلم شيئاً ، ثم علم به بعد ذلك ، بل تعني تحقّق هذه الواقعيات.\rبعبارة أوضح ، الله سبحانه يعلم منذ الأزل بكل الحوادث والموجودات ، وإن ظهرت بالتدريج على مسرح الوجود. فحدوث الموجودات والأحداث لا يزيد الله علماً ، بل إن هذا الحدوث تحقّق لما كان في علم الله. وهذا يشبه علم المهندس بكل تفاصيل البناء عند وضعه التصميم. ثم يتحول التصميم إلى بناء عملي. والمهندس يقول حين ينفّذ تصميمه على الأرض : أريد أن أرى عملياً ما كان في علمي نظرياً. (علم الله يختلف دون شك عن علم البشر اختلافاً كبيراً كما ذكرنا ذلك في بحث صفات الله ، وإنما ذكرنا هذا المثال للتوضيح). أهـ {الأمثل حـ 1 صـ 307}\rقوله تعالى {وَإِن كَانَتْ لَكَبِيرةً إلاَّ عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللهُ} فيه ثلاثة تأويلات : \rأحدها : معناه وإن التولية عن بيت المقدس إلى الكعبة والتحويل إليها لكبيرةٌ ، وهذا هو قول ابن عباس ، ومجاهد ، وقتادة.\rوالثاني : إن الكبيرة هي القبلة بعينها التي كان رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ يتوجه إليها من بيت المقدس قبل التحويل ، وهذا قول أبي العالية الرياحي.\rوالثالث : أن الكبيرة هي الصلاة ، التي كانوا صَلَّوْهَا إلى القبلة الأولى ، وهذا قول عبد الرحمن بن زيد. أ هـ {النكت والعيون حـ 1 صـ 201}.","part":2,"page":210},{"id":697,"text":"قوله تعالى : {وَمَا كَانَ اللهُ لِيُضِيعَ إيمَانَكُم} يعني صلاتكم إلى بيت المقدس ، فسمى الصلاة إيماناً لاشتمالها على نية وقول وعمل ، وسبب ذلك أن المسلمين لما حُوِّلُوا عن استقبال بيت المقدس إلى الكعبة ، قالوا لرسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ : كيف من مات من إخواننا ؟ فأنزل الله عز وجل : {وَمَا كَانَ اللهُ لِيُضيعَ إيمَانَكُم}\rفإن قيل : هم سألوه عن صلاةِ غيرهم ، فأجابهم بحال صلاتهم ؟ قيل : لأن القوم أشفقوا ، أن تكون صلاتهم إلى بيت المقدس مُحْبَطةً لمنْ مات ومن بقي ، فأجابهم بما دَلَّ على الأمرين ، على أنه قد روى قوم أنهم قالوا : كيف تضيع صلاتنا إلى بيت المقدس فأنزل الله تعالى ذلك. {إنَّ الله بِالنَّاسِ لَرَؤُوفٌ رَّحِيمٌ} أ هـ {النكت والعيون حـ 1 صـ 201}.\rوقال السعدى : \r{وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ} أي : ما ينبغي له ولا يليق به تعالى ، بل هي من الممتنعات عليه ، فأخبر أنه ممتنع عليه ، ومستحيل ، أن يضيع إيمانكم ، وفي هذا بشارة عظيمة لمن مَنَّ الله عليهم بالإسلام والإيمان ، بأن الله سيحفظ عليهم إيمانهم ، فلا يضيعه ، وحفظه نوعان : ","part":2,"page":211},{"id":698,"text":"حفظ عن الضياع والبطلان ، بعصمته لهم عن كل مفسد ومزيل له ومنقص من المحن المقلقة ، والأهواء الصادة ، وحفظ له بتنميته لهم ، وتوفيقهم لما يزداد به إيمانهم ، ويتم به إيقانهم ، فكما ابتدأكم ، بأن هداكم للإيمان ، فسيحفظه لكم ، ويتم نعمته بتنميته وتنمية أجره ، وثوابه ، وحفظه من كل مكدر ، بل إذا وجدت المحن المقصود منها ، تبيين المؤمن الصادق من الكاذب ، فإنها تمحص المؤمنين ، وتظهر صدقهم ، وكأن في هذا احترازا عما قد يقال إن قوله : {وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْهَا إِلا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ} قد يكون سببا لترك بعض المؤمنين إيمانهم ، فدفع هذا الوهم بقوله : {وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ} بتقديره لهذه المحنة أو غيرها.\rودخل في ذلك من مات من المؤمنين قبل تحويل الكعبة ، فإن الله لا يضيع إيمانهم ، لكونهم امتثلوا أمر الله وطاعة رسوله في وقتها ، وطاعة الله ، امتثال أمره في كل وقت ، بحسب ذلك ، وفي هذه الآية ، دليل لمذهب أهل السنة والجماعة ، أن الإيمان تدخل فيه أعمال الجوارح. أ هـ {تفسير السعدى صـ 70}.\rأسئلة وأجوبة\rفإن قيل : هلا قيل لكم شهيداً إذ شهادته لهم لا عليهم ؟ \rأجيب : بأنّ الشهيد لما كان كالرقيب والمهيمن على المشهود له جيء بكلمة الاستعلاء ومنه قوله تعالى : {والله على كل شيء شهيد} (المجادلة).\rفإن قيل : لم أخرت صلة الشهادة أوّلاً وقدّمت آخراً ؟ \rأجيب : بأنّ الغرض في الأوّل إثبات شهادتهم على الأمم ، وفي الآخر اختصاصهم بكون الرسول شهيداً عليهم.\rفإن قيل : كيف : قال الله تعالى لنعلم وهو عالم بالأشياء كلها ؟ \r","part":2,"page":212},{"id":699,"text":"أجيب : بأنه أراد به علم ظهور وهو العلم الذي يتعلق به الثواب والعقاب ، فإنه لا يتعلق بما هو عالم به في الغيب إنما يتعلق بما يوجد ، ومعناه أي : لنعلم العلم الذي يستحق العامل عليه الثواب والعقاب ونظيره قوله تعالى : {ولما يعلم الله الذين جاهدوا منكم ويعلم الصابرين} (آل عمران ، ) وقيل : ليعلم رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ والمؤمنون ، وإنما أسند علمهم إلى ذاته تعالى ؛ لأنهم خواصه وأهل الزلفى عنده وقيل : معناه لتمييز التابع من الناكص كما قال الله تعالى : {ليميز الله الخبيث من الطيب} (الأنفال) فوضع العلم موضع التمييز التابع ؛ لأنّ بالعلم يقع التمييز ، فالعلم سبب والتمييز مسبب ، فأطلق السبب وهو العلم على المسبب وهو التمييز.\rتنبيه : العلم في الآية إمّا بمعنى المعرفة ، فيتعدى إلى مفعول واحد وهو من يتبع ، وإمّا معلق لما في من معنى الاستفهام ، وإمّا أن يكون مفعوله الثاني ممن ينقلب أي : ليعلم من يتبع الرسول مميزاً ممن ينقلب.\rفإن قيل : على الأوّل كيف يكون العلم بمعنى المعرفة والله تعالى لا يوصف بها ؛ لأنها تقتضي سبق جهل والله منزه عن ذلك ؟ \rأجيب : بأنّ ذلك لشيوعها فيما تقتضي أن يكون مسبوقاً بالعدم وليس العلم الذي بمعنى المعرفة ، كذلك إذ المراد به الإدراك الذي لا يتعدى إلى مفعولين ، بل قال الوليّ العراقي : \rقد وقع إطلاق المعرفة على الله تعالى في كلام النبيّ ـ صلى الله عليه وسلم ـ وأقوال الصحابة أو كلام أهل اللغة.\rفإن قيل : لم قدم الرؤوف على الرحيم مع أنه أبلغ ؟ \rأجيب : بأنه قدم محافظة على الفواصل. أ هـ {السراج المنير حـ 1 صـ 159}.\rوقال ابن عرفة : \rقوله تعالى : {إِنَّ الله بالناس لَرَءُوفٌ رَّحِيمٌ}.\rدليل على أنّ الكافر منعم عليه لعموم الناس ، وفيه خلاف ، \rوأجيب بأنه منعم عليه في الدنيا فقط.","part":2,"page":213},{"id":700,"text":"قال ابن الخطيب في شرح الأسماء الحسنى : إنما قدم الرؤوف على الرحيم لأن الرحمة في الشاهد إنما تحصل لمعنى وفي المرحوم من حاجة وضعف ، والرأفة تطلق عند حصول الرحمة لمعنى في الفاعل من شفقة منه على المرحوم فمنشأ\r( الرأفة )كمال في إيصال الإحسان ومنشأ (الرحمة) كمال حال المرحوم في الاحتياج إلى الإحسان ، وتأثير حال الفاعل في إيجاد الفعل أقوى من احتياج المفعول إليه.\rأ هـ {تفسير ابن عرفة صـ 183}.\rسؤال : ما الفرق بين الرأفة والرحمة ؟ \rالجواب : قال القفال رحمه الله : الفرق بين الرأفة والرحمة أن الرأفة مبالغة في رحمة خاصة وهي دفع المكروه وإزالة الضرر كقوله : {وَلاَ تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِى دِينِ الله} [النور : 2] أي لا ترأفوا بهما فترفعوا الجلد عنهما ، وأما الرحمة فإنها اسم جامع يدخل فيه ذلك المعنى ويدخل فيه الإفضال والإنعام ، وقد سمى الله تعالى المطر رحمة فقال : {وَهُوَ الذى يُرْسِلُ الرياح بُشْرًاَ بَيْنَ يَدَىْ رَحْمَتِهِ} [الأعراف : 57] لأنه إفضال من الله وإنعام ، فذكر الله تعالى الرأفة أولاً بمعنى أنه لا يضيع أعمالهم ويخفف المحن عنهم ، ثم ذكر الرحمة لتكون أعم وأشمل ، ولا تختص رحمته بذلك النوع بل هو رحيم من حيث أنه دافع للمضار التي هي الرأفة وجالب للمنافع معاً. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 4 صـ 99}.\rسؤال : ما وجه تعلق هذين الاسمين بما قبلهما ؟ \rذكروا في وجه تعلق هذين الاسمين بما قبلهما وجوهاً. أحدها : أنه تعالى لما أخبر أنه لا يضيع إيمانهم قال : {إِنَّ الله بالناس لَرَءوفٌ رَّحِيمٌ} [الحج : 65] والرؤف الرحيم كيف يتصور منه هذه الإضاعة. وثانيها : أنه لرؤف رحيم فلذلك ينقلكم من شرع إلى شرع آخر وهو أصلح لكم وأنفع في الدين والدنيا. وثالثها : قال : {وَإِن كَانَتْ لَكَبِيرَةً إِلاَّ عَلَى الذين هَدَى الله} فكأنه تعالى قال : وإنما هداهم الله ولأنه رؤف رحيم. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 4 صـ 99}.","part":2,"page":214},{"id":701,"text":"فائدة\rدلت الآية على أن من ظهر كفره وفسقه نحو المشبهة والخوارج والروافض فإنه لا يعتد به في الإجماع لأن الله تعالى إنما جعل الشهداء من وصفهم بالعدالة والخيرية ، ولا يختلف في ذلك الحكم من فسق أو كفر بقوله أو فعل ، ومن كفر برد النص أو كفر بالتأويل. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 4 صـ 93}.\rقوله تعالى {قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ وَإِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ (144)}\r{قد} لفظ قد فى المضارع للتقليل وقد استعمل ههنا للتكثير بطريق الاستعارة للمجانسة بين الضدين فى الضدية {نرى} مستقبل لفظا ماض معنى ومتأخر تلاوة متقدم معنى لأنها رأس القصة والمعنى شاهدنا وعلمنا {تقلب وجهك} أى تردد وجهك فى تصرف نظرك {فى السماء} أى فى جهتها تطلعا للوحى وكان ـ عليه السلام ـ يقع فى روعه ويتوقع من ربه أن يحوله إلى الكعبة لأنها قبلة أبيه إبراهيم وأقدم القبلتين وأدعى للعرب إلى الإيمان من حيث إنها كانت مفخرة لهم وأمنا ومزارا ومطافا ولمخالفة اليهود فإنهم كانوا يقولون إنه يخالفنا فى ديننا ثم إنه يتبع قبلتنا ولولا نحن لم يدر أين يستقبل. أ هـ {روح البيان حـ 1 صـ 314}.\rقال ابن عطية : \rالمقصد تقلب البصر ، وذكر الوجه لأنه أعم وأشرف ، وهو المستعمل في طلب الرغائب ، تقول : بذلت وجهي في كذا ، وفعلت لوجه فلان ، ومنه قول الشاعر : [الطويل] ","part":2,"page":215},{"id":702,"text":"رَجَعْتُ بما أَبْغي وَوَجْهي بمائِهِ... وأيضاً فالوجه يتقلب بتقلب البصر ، وقال قتادة والسدي وغيرهما : كان رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ يقلب وجهه في الدعاء إلى الله تعالى أن يحوله إلى قبلة مكة ، وقيل كان يقلب ليؤذن له في الدعاء.\rأ هـ {المحرر الوجيز حـ 1 صـ 121}.\rسؤال : فإن قيل : أكان رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ غير راض ببيت المقدس أن يكون له قبلة ، حتى قال تعالى له في الكعبة {فَلَنُوَلِّيَنَّكْ قِبْلَةً تَرْضَاهَا} ؟ \rقيل : لا يجوز أن يكون رسول الله غير راض ببيت المقدس ، لَمَّا أمره الله تعالى به ، لأن الأنبياء يجب عليهم الرضا بأوامر الله تعالى ، لكن معنى ترضاها : أي تحبها وتهواها. أ هـ {النكت والعيون حـ 1 صـ 202}.\rوقال محمد بن أبى بكر الرازى : \rالمراد بهذا الرضا رضا المحبة بالطبع ، لا رضا التسليم والانقياد لأمر الله. أ هـ\r{تفسير الرازى صـ 30}.\rسؤال : ما المراد من قوله {ترضاها}\rالجواب : قوله : {تَرْضَاهَا} فيه وجوه. أحدها : ترضاها تحبها وتميل إليها ، لأن الكعبة كانت أحب إليه من غيرها بحسب ميل الطبع\rوثانيها : {قِبْلَةً تَرْضَاهَا} أي تحبها بسبب اشتمالها على المصالح الدينية. وثالثها : قال الأصم : أي كل جهة وجهك الله إليها فهي لك رضا لا يجوز أن تسخط ، كما فعل من انقلب على عقيبه من العرب الذين كانوا قد أسلموا ، فلما تحولت القبلة ارتدوا. ورابعها : {تَرْضَاهَا} أي ترضى عاقبتها لأنك تعرف بها من يتبعك للإسلام. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 4 صـ 102ـ باختصار يسير}.\rقوله تعالى {فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا}\rلطيفة\rقال الإمام الفخر ـ رحمه الله ـ : \rإنه تعالى أظهر حبه لمحمد ـ عليه الصلاة والسلام ـ بواسطة أمره باستقبال الكعبة ، وذلك لأنه عليه الصلاة والسلام كان يتمنى ذلك مدة لأجل مخالفة اليهود ، فأنزل الله تعالى : {قَدْ نرى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السماء}","part":2,"page":216},{"id":703,"text":" [البقرة : 144] الآية ، وفي الشاهد إذا وصف واحد من الناس بمحبة آخر قالوا : فلان يحول القبلة لأجل فلان على جهة التمثيل ، فالله تعالى قد حول القبلة لأجل حبيبه محمد عليه الصلاة والسلام على جهة التحقيق ، وقال : {فَلَنُوَلّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا} [البقرة : 144] ولم يقل قبلة أرضاها ، والإشارة فيه كأنه تعالى قال : يا محمد كل أحد يطلب رضاي وأنا أطلب رضاك في الدارين ، أما في الدنيا فهذا الذي ذكرناه وأما في الآخرة فقوله تعالى : {وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فترضى} [الضحى : 5]. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 4 صـ 102}\rقوله تعالى : {فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ}\rسؤال : ما المراد من الوجه ههنا ؟ \rالجواب : المراد من الوجه ههنا جملة بدن الإنسان لأن الواجب على الإنسان أن يستقبل القبلة بجملته لا بوجهه فقط والوجه يذكر ويراد به نفس الشيء لأن الوجه أشرف الأعضاء ولأن بالوجه تميز بعض الناس عن بعض ، فلهذا السبب قد يعبر عن كل الذات بالوجه. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 4 صـ 103}\rسؤال : لم ذكر المسجد الحرامِ دون الكعبة ؟ \rالجواب : في ذكر المسجد الحرامِ دون الكعبة إيذانٌ بكفاية مراعاةِ الجهةِ لأن في مراعاةِ العينِ من البعيد حرجاً عظيماً بخلاف القريب.\rوقال ابن عجيبة : \rوإنما ذكر الحق تعالى شطر المسجد ، أي : جهته ، دون عين الكعبة ، لأنه - عليه الصلاة والسلام - كان في المدينة ، والبعيد يكفيه مراعاة الجهة ، فإن استقبال عينها حَرجٌ عليه ، بخلاف القريب ، فإنه يسهل عليه مسامته العين. وقيل : إن جبريل - ـ عليه السلام ـ عيّنها له بالوحي فسميت قبلة وحْي. أ هـ\r{البحر المديد حـ 1 صـ 115}\rقوله تعالى {وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ}\rقال أبو السعود : ","part":2,"page":217},{"id":704,"text":"{وحيثما كُنتُمْ فَوَلُّواْ وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ} خُصَّ الرسولُ ـ صلى الله عليه وسلم ـ بالخطاب تعظيماً لجنابه وإيذاناً بإسعاف مرامِه ثم عُمّم الخطابُ للمؤمنين مع التعرُّض لاختلاف أماكنِهم تأكيداً للحُكم وتصريحاً بعُمومه لكافة العباد من كل حاضِرٍ وبادٍ وحثاً للأمة على المتابعة ، وحيثما شرطية وكنتم في محل الجزاء بها\rأ هـ {تفسير أبى السعود حـ 1 صـ 175}\rفائدة\rاعلم أن قوله تعالى : {حيثمَا كُنتُمْ فَوَلُّواْ وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ} عام في الأشخاص والأحوال ، إلا أنا أجمعنا على أن الاستقبال خارج الصلاة غير واجب ، بل أنه طاعة لقوله ـ عليه السلام ـ : \" خير المجالس ما استقبل به القبلة \" فبقي أن وجوب الاستقبال من خواص الصلاة. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 4 صـ 107}\rسؤال : هل فى الآية الكريمة تكرار ؟ \rهذا ليس بتكرار ، وبيانه من وجهين. أحدهما : أن قوله تعالى : {فَوَلّ وَجْهَكَ شَطْرَ المسجد الحرام} خطاب مع الرسول ـ عليه السلام ـ لا مع الأمة ، وقوله : {حيثمَا كُنتُمْ فَوَلُّواْ وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ} خطاب مع الكل. وثانيهما : أن المراد بالأولى مخاطبتهم وهم بالمدينة خاصة ، وقد كان من الجائز لو وقع الاختصار عليه أن يظن أن هذه القبلة قبلة لأهل المدينة خاصة ، فبين الله تعالى أنهم أينما حصلوا من بقاع الأرض يجب أن يستقبلوا نحو هذه القبلة. أ هـ\r{مفاتيح الغيب حـ 4 صـ 107}\rقوله تعالى {وَإِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ}\rسؤال : من أين علموا أنه الحق ؟ \rفيه أربعة أقوال. أحدها : أن في كتابهم الأمر بالتوجه إليها ، قاله أبو العالية. والثاني : يعلمون أن المسجد الحرام قبلة إبراهيم. والثالث : أن في كتابهم أن محمداً رسول صادق ، فلا يأمر إلا بحق. والرابع : أنهم يعلمون جواز النسخ.\rأ هـ {زاد المسير حـ 1 صـ 157}","part":2,"page":218},{"id":705,"text":"قوله تعالى {وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ}\rهذا الخبر كناية عن الوعيد بجزائهم عن سوء صنعهم لأن قول القادر ما أنا بغافل عن المجرم تحقيق لعقابه إذ لا يحول بين القادر وبين الجزاء إلاّ عدم العلم فلذلك كان وعيداً لهم ووعيدُهم يستلزم في المقام الخطابي وَعْداً للمسلمين لدلالته على عظيم منزلتهم فإن الوعيد إنما ترتب على مخالفتهم للمؤمنين فلا جرم أن سيلزم جزاء للمؤمنين على امتثال تغيير القبلة ، ولأن الذي لا يغفل عن عمل أولئك لا يَغفل عن عمل هؤلاء فيجازي كلاً بما يستحق. أ هـ\r{التحرير والتنوير حـ 2 صـ 34}\rالكعبة مركز دائرة كبرى\rلو نظر شخص من خارج الكرة الأرضية إلى المصلين المسلمين لرأى دوائر متعددّة بعضها داخل بعض وتضيق بالتدريج لتصل إلى المركز الأصلي المتمثل بالكعبة. وهذه الصورة توضح محورية ومركزية بيت الله الحرام. وهذه ظاهرة متميزة في الإسلام دون سواه من الأديان.\rجدير بالذكر أن ضرورة اتجاه المسلمين شطر المسجد الحرام كان باعثاً على تطور علم الهيئة وعلم الجغرافيا والفلك عند المسلمين بسرعة مدهشة خلال العصور الإسلامية الأولى ، لأن معرفة جهة القبلة في مختلف بقاع الأرض ما كانت متيسّرة من دون معرفة بهذه العلوم. أهـ {الأمثل حـ 1 صـ 311}\rمن لطائف الإمام القشيرى فى الآية الكريمة\rحَفِظَ - صلوات الله عليه - الآدابَ حيث سكت بلسانه عن سؤال ما تمنَّاه من أمر القبلة بقلبه ، فَلاَحَظَ السماءَ لأنها طريق جبريل ـ عليه السلام ـ ، فأنزل الله عزَّ وجل : {قد نرى تقلب وجهك في السماء} أي علمنا سؤلك عمَّا لم تُفْصِحْ عنه بلسان الدعاء ، فلقد غيَّرنا القِبْلَةَ لأجلك ، وهذه غاية ما يفعل الحبيب لأجل الحبيب.","part":2,"page":219},{"id":706,"text":"كلَّ العبيد يجتهدون في طلب رضائي وأنا أطلب رضاك {فلنولينك قِبْلَةً ترضاها} {فولِّ وجهك شطر المسجد الحرام} : ولكن لا تُعَلِّقْ قلبَكَ بالأحجار والآثار ، وأَفْرِد قلبك لي ، ولتكن القِبلةُ مقصودَ نَفْسِك ، والحقُّ مشهودَ قلبك ، وحيثما كنتم أيها المؤمنون فولوا وجوهكم شطره ، ولكن أَخْلِصوا قلوبَكم لي وأَفرِدوا شهودكم بي. أ هـ {لطائف الإشارات حـ 1 صـ 134}\rوقال فى البحر المديد : \rفي الآية إشارة إلى أن ترك التصريح من كمال الأدب ، وفي الحكم : \" ربما دلّهم الأدب على ترك الطلب ، كيف يكون دعاؤك اللاحق سبباً في قضائه السابق ؟! جلّ حكم الأزل أن يضاف إلى العلل \". فإذا تمنيت شيئاً وتوقفت على أمر فاصبر وتأدب واقتد بنبيك - عليه الصلاة والسلام - حتى يعطيك ما ترضى ، أو يعوضك منها مقام الرضا. أ هـ {البحر المديد حـ 1 صـ 115}\rقوله تعالى {وَلَئِنْ أَتَيْتَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ بِكُلِّ آَيَةٍ مَا تَبِعُوا قِبْلَتَكَ وَمَا أَنْتَ بِتَابِعٍ قِبْلَتَهُمْ وَمَا بَعْضُهُمْ بِتَابِعٍ قِبْلَةَ بَعْضٍ وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ إِنَّكَ إِذًا لَمِنَ الظَّالِمِينَ (145)}\r{ولئن أتيتَ} عطف على قوله : {وإن الذين أوتوا الكتاب ليعلمون} [البقرة : 144] ، والمناسبة أنهم يعلمون ولا يعملون فلما أفيد أنهم يعلَمون أنه الحق على الوجه المتقدم في إفادته التعريض بأنهم مكابرون ناسبت أن يحقق نفي الطَّمع في اتِّباعهم القِبْلَة لدفع توهم أن يَطْمع السامع باتباعهم لأنهم يعلمون أحقيتها ، فلذا أكدت الجملة الدالة على نفي اتِّباعهم بالقَسَم واللام الموطئة ، وبالتعليق على أقصى ما يمكن عادةً.","part":2,"page":220},{"id":707,"text":"والمراد بالذين أوتوا الكتاب عين المراد من قوله : {وإن الذين أوتوا الكتاب ليعلمون} على ما تقدم فإن ما يفعله أحْبارهم يكون قدوة لعامتهم فإذا لم يتبع أحبارهم قبلة الإسلام فأجْدَرُ بعامتهم أن لا يتبعوها.\rووجه الإظهار في مقام الإضمار هنا الإعلان بمذمتهم حتى تكون هذه الجملة صريحة في تناولهم كما هو الشأن في الإظهار في موقع الإضمار أن يكون المقصود منه زيادة العناية والتمكن في الذهن. أ هـ {التحرير والتنوير حـ 2 صـ 35}\rوقال البقاعى : \r{ولئن أتيت الذين أوتوا} بناه للمجهول تنبيهاً على هوانهم {الكتاب} أي من اليهود والنصارى {بكل آية} أي من الآيات المسموعة مرغبة ومرهبة ومن الآيات المرئية مغرّبة ومقربة {ما تبعوا قبلتك} أي هذه التي حولت إليها وكنت الحقيق بها لكونها قياماً للناس كما أنت رسول إلى جميع الناس ، لأن إعراضهم ليس عن شبهة إذا زالت زال بل عن عناد. ثم أومأ إلى أنهم ينصبون له الحبائل ليعود ولو ساعة من نهار إلى قبلتهم ليقدحوا بذلك فيه فقال : {وما أنت بتابع قبلتهم} ثم أشار إلى عيبهم باختلافهم وتفرقهم مع نهيهم عنه فقال : {وما بعضهم} أي أهل الكتاب {بتابع قبلة بعض} مع تقاربهم في النسب ، وذلك حثاً للعرب على الثبات على مباعدتهم والحذر من مخادعتهم. أ هـ {نظم الدرر حـ 1 صـ 268}\rسؤال : ما المراد بالذين أوتوا الكتاب ؟ ","part":2,"page":221},{"id":708,"text":"الجواب : اختلفوا في قوله : {وَلَئِنْ أَتَيْتَ الذين أُوتُواْ الكتاب} فقال الأصم : المراد علماؤهم الذين أخبر الله تعالى عنهم في الآية المتقدمة بقوله : {وَإِنَّ الذين أُوتُواْ الكتاب لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الحق مِن رَّبّهِمْ} [البقرة : 144] واحتج عليه بوجوه. أحدها : قوله : {وَلَئِنِ اتبعت أَهْوَاءهُم} فوصفهم بأنهم يتبعون الهوى ، ومن اعتقد في الباطل أنه حق فإنه لا يكون متبعاً لهوى النفس ، بل يكون في ظنه أنه متبع للهدى فأما الذين يعلمون بقلوبهم ، ثم ينكرون بألسنتهم ، فهم المتبعون للهوى. وثانيها : أن ما قبل هذه الآية وهو قوله : {وَإِنَّ الذين أُوتُواْ الكتاب لِيَعْلَمُواْ أَنَّهُ الحق} لا يتناول عوامهم بل هو مختص بالعلماء ، وما بعدها وهو قوله : {الذين آتيناهم الكتاب يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءهُمْ} [الأنعام : 20] مختص بالعلماء أيضاً إذ لو كان عاماً في الكل امتنع الكتمان لأن الجمع العظيم لا يجوز عليهم الكتمان ، وإذا كان ما قبلها وما بعدها خاصاً فكذا هذه الآية المتوسطة. وثالثها : أن الله تعالى أخبر عنهم بأنهم مصرون على قولهم ، ومستمرون على باطلهم ، وأنهم لا يرجعون عن ذلك المذهب بسبب شيء من الدلائل والآيات ، وهذا شأن المعاند اللجوج ، لا شأن المعاند المتحير. ورابعها : أنا لو حملناه على العموم لصارت الآية كذباً لأن كثيراً من أهل الكتاب آمن بمحمد ـ صلى الله عليه وسلم ـ وتبع قبلته.\r","part":2,"page":222},{"id":709,"text":"وقال آخرون : بل المراد جميع أهل الكتاب من اليهود والنصارى ، واحتجوا عليه بأن قوله : {الذين أُوتُواْ الكتاب} صيغة عموم فيتناول الكل ، ثم أجابوا عن الحجة الأولى أن صاحب الشبهة صاحب هوى في الحقيقة ، لأنه ما تمم النظر والاستدلال فإنه لو أتى بتمام النظر والاستدلال لوصل إلى الحق ، فحيث لم يصل إليه علمنا أنه ترك النظر التام بمجرد الهوى ، وأجابوا عن الحجة الثانية بأنه ليس يمتنع أن يراد في الآية الأولى بعضهم ، وفي الآية الثانية كلهم ، وأجابوا عن الحجة الثالثة أن العلماء لما كانوا مصرين على الشبهات ، والعوام كانوا مصرين على اتباع أولئك العلماء كان الإصرار حاصلاً في الكل ، وأجابوا عن الحجة الرابعة بأنه تعالى أخبر عنهم أنهم بكليتهم لا يؤمنون ، وقولنا : كل اليهود لا يؤمنون مغاير لقولنا إن أحداً منهم لا يؤمن. أ هـ\r{مفاتيح الغيب حـ 4 صـ 113 ـ 114}\rقوله تعالى {مَا تَبِعُوا قِبْلَتَكَ}\rسؤال : لم أضاف القبلة إلى ضميره ـ صلى الله عليه وسلم ـ ؟ \rالجواب : إضافة القبلة إلى ضميره ـ صلى الله عليه وسلم ـ لأن الله تعالى تعبده باستقبالها.\rأ هـ {روح المعانى حـ 2صـ 11}\rقوله تعالى {وَمَا أَنتَ بِتَابِعٍ قِبْلَتَهُمْ}\rقوله تعالى : {وَمَا أَنتَ بِتَابِعٍ قِبْلَتَهُمْ} ففيه أقوال. الأول : أنه دفع لتجويز النسخ ، وبيان أن هذه القبلة لا تصير منسوخة. والثاني : حسماً لأطماع أهل الكتاب فإنهم قالوا : لو ثبت على قبلتنا لكنا نرجوا أن يكون صاحبنا الذي ننتظره ، وطمعوا في رجوعه إلى قبلتهم. الثالث : المقابلة يعني ما هم بتاركي باطلهم وما أنت بتارك حقك. الرابع : أراد أنه لا يجب عليك استصلاحهم باتباع قبلتهم ، لأن ذلك معصية. الخامس : وما أنت بتابع قبلة جميع أهل الكتاب من اليهود والنصارى لأن قبلة اليهود مخالفة لقبلة النصارى ، فلليهود بيت المقدس وللنصارى المشرق ، فالزم قبلتك ودع أقوالهم. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 4 صـ 114}","part":2,"page":223},{"id":710,"text":"سؤال : لم أفرد القبلة فى قوله تعالى {وَمَا أَنتَ بِتَابِعٍ قِبْلَتَهُمْ} ؟ \rالجواب : إفراد القبلة وإن كانت مثناة إذ لليهود قبلة وللنصارى قبلة لأنهما اشتركتا في كونهما باطلتين فصار الاثنان واحداً من حيث البطلان ، وحسن ذلك المقابلة لأن قبله {مَّا تَبِعُواْ قِبْلَتَكَ} وقد يقال : إن الإفراد بناءً على أن قبلة الطائفتين الحقة في الأصل بيت المقدس وعيسى ـ عليه السلام ـ لم يصل جهة الشرق حتى رفع وإنما كانت قبلته قبلة بني إسرائيل اليوم ثم بعد رفعه شرع أشياخ النصارى لهم الاستقبال إلى الشرق واعتذروا بأن المسيح ـ عليه السلام ـ فوض إليهم التحليل والتحريم وشرع الأحكام وأن ما حللوه وحرموه فقد حلله هو وحرمه في السماء وذكروا لهم أن في الشرق أسراراً ليست في غيره. أ هـ\r{روح المعانى حـ 2صـ 11}\rفائدة\rقال الآلوسى : \rإن هذه الجملة أبلغ في النفي من الجملة الأولى من وجوه : كونها اسمية وتكرر فيها الاسم مرتين وتأكد نفيها بالباء وفعل ذلك اعتناء بما تقدم {وَمَا بَعْضُهُم بِتَابِعٍ قِبْلَةَ بَعْضٍ} أي إن اليهود لا تتبع قبلة النصارى ولا النصارى تتبع قبلة اليهود ما داموا باقين على اليهودية والنصرانية وفي ذلك بيان لتصلبهم في الهوى وعنادهم بأن هذه المخالفة والعناد لا يختص بك بل حالهم فيما بينهم أيضاً كذلك ، والجملة عطف على ما تقدم مؤكدة لأمر القبلة ببيان أن إنكارهم ذلك ناشىء عن فرط العناد وتسلية للرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ أ هـ\r{روح المعانى حـ 2صـ 11 ـ 12}","part":2,"page":224},{"id":711,"text":"قوله تعالى {وَمَا بَعْضُهُم بِتَابِعٍ قِبْلَةَ بَعْضٍ}\rأما قوله : {وَمَا بَعْضُهُم بِتَابِعٍ قِبْلَةَ بَعْضٍ} قال القفال : هذا يمكن حمله على الحال وعلى الاستقبال ، أما على الحال فمن وجوه. الأول : أنهم ليسوا مجتمعين على قبلة واحدة حتى يمكن إرضاؤهم باتباعها. الثاني : أن اليهود والنصارى مع اتفاقهم على تكذيبك متباينون في القبلة فكيف يدعونك إلى ترك قبلتك مع أنهم فيما بينهم مختلفون. الثالث : أن هذا إبطال لقولهم إنه لا يجوز مخالفة أهل الكتاب لأنه إذا جاز أن تختلف قبلتاهما للمصلحة جاز أن تكون المصلحة في ثالث ، وأما حمل الآية على الاستقبال ففيه إشكال وهو أن قوله : {وَمَا بَعْضُهُم بِتَابِعٍ قِبْلَةَ بَعْضٍ} ينفي أن يكون أحد منهم قد اتبع قبلة الآخر لكن ذلك قد وقع فيفضي إلى الخلف ، وجوابه أنا إن حملنا أهل الكتاب على علمائهم الذين كانوا في ذلك الزمان فلم يثبت عندنا أن أحداً منهم يتبع قبلة الآخر فالخلف غير لازم ، وإن حملناه على الكل قلنا إنه عام دخله التخصيص. أ هـ\r{مفاتيح الغيب حـ 4 صـ 114}\rقوله تعالى {وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ إِنَّكَ إِذًا لَمِنَ الظَّالِمِينَ}\rسؤال : من المخاطب فى الآية الكريمة ؟ ","part":2,"page":225},{"id":712,"text":"الجواب : اختلفوا في المخاطب بهذا الخطاب ، قال بعضهم : الرسول وقال بعضهم : الرسول وغيره. وقال آخرون : بل غيره ، لأنه تعالى عرف أن الرسول لا يفعل ذلك فلا يجوز أن يخصه بهذا الخطاب ، وهذا القول الثالث خطأ لأن كل ما لو وقع من الرسول لقبح ، والالجاء عنه مرتفع ، فهو منهى عنه ، وإن كان المعلوم منه أنه لا يفعله ، ويدل عليه وجوه. أحدها : أنه لو كان كل ما علم الله أنه لا يفعله وجب أن لا ينهاه عنه ، لكان ما علم أنه يفعله وجب أن لا يأمره به ، وذلك يقتضي أن لا يكون النبي مأموراً بشيء ولا منهياً عن شيء وأنه بالاتفاق باطل. وثانيها : لولا تقدم النهي والتحذير لما احترز النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ عنه فلما كان ذلك الاحتراز مشروطاً بذلك النهي والتحذير فكيف يجعل ذلك الاحتراز منافياً للنهي والتحذير. وثالثها : أن يكون الغرض من النهي والوعيد أن يتأكد قبح ذلك في العقل ، فيكون الغرض منه التأكيد ولما حسن من الله التنبيه على أنواع الدلائل الدالة على التوحيد بعد ما قررها في العقول والغرض منه تأكيد العقل بالنقل فأي بعد في مثل هذا الغرض ههنا. ورابعاً : قوله تعالى في حق الملائكة : \r","part":2,"page":226},{"id":713,"text":"{وَمَن يَقُلْ مِنْهُمْ إِنّى إله مّن دُونِهِ فذلك نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ} [الأنبياء : 29] مع أنه تعالى أخبر عن عصمتهم في قوله : {يخافون رَبَّهُمْ مّن فَوْقِهِمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ} [النمل : 50] وقال في حق محمد ـ صلى الله عليه وسلم ـ : {لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ} [الزمر : 65] وقد أجمعوا على أنه عليه الصلاة والسلام ما أشرك وما مال إليه ، وقال : {ياأيها النبى اتق الله وَلاَ تُطِعِ الكافرين والمنافقين} [الأحزاب : 1] وقال تعالى : {وَدُّواْ لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ} [القلم : 9] وقال : {بَلّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبّكَ وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ} [المائدة : 67] وقوله : {وَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ المشركين} [الأنعام : 14] فثبت بما ذكرنا أنه عليه الصلاة والسلام منهي عن ذلك ، وأن غيره أيضاً منهي عنه لأن النهي عن هذه الأشياء ليس من خواص الرسول عليه الصلاة والسلام بقي أن يقال : فلم خصه بالنهي دون غيره ؟ \rفنقول فيه وجوه ، أحدها : أن كل من كان نعم الله عليه أكثر ، كان صدور الذنب منه أقبح ، ولا شك أن نعم الله تعالى على الرسول عليه الصلاة والسلام أكثر فكان حصول الذنب منه أقبح فكان أولى بالتخصيص. وثانيها : أن مزيد الحب يقتضي التخصيص بمزيد التحذير. وثالثها : أن الرجل الحازم إذا أقبل على أكبر أولاده وأصلحهم فزجره عن أمر بحضرة جماعة أولاده فإنه يكون منبهاً بذلك على عظم ذلك الفعل إن اختاروه وارتكبوه وفي عادة الناس أن يوجهوا أمرهم ونهيهم إلى من هو أعظم درجة تنبيهاً للغير أو توكيداً ، فهذه قاعدة مقررة في أمثال هذه الآية.أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 4 صـ 115 ـ 116}\rوقال الثعالبى : ","part":2,"page":227},{"id":714,"text":"وقوله تعالى : {وَلَئِنِ اتبعت أَهْوَاءهُم مِّن بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ العلم...} الآية : خطاب للنبيِّ ـ صلى الله عليه وسلم ـ والمرادُ أمته ، وما ورد من هذا النوع الَّذي يوهمُ من النبيِّ ـ صلى الله عليه وسلم ـ ظُلْماً متوقّعاً ، فهو محمولٌ على إِرادة أمته ؛ لعصمة النبيِّ ـ صلى الله عليه وسلم ـ ، وقَطْعاً أن ذلك لا يكُونُ منْه ، وإِنما المرادُ مَنْ يمكن أن يقع ذلك منه ، وخوطِبَ النبيُّ ـ صلى الله عليه وسلم ـ تعظيماً للأمر ، قال الفَخْر : ودلَّت هذه الآية على أن توجه الوعيد على العلماء أشدُّ من توجُّهه على غيرهم ؛ لأن قوله : {مِّن بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ العلم} يدلُّ على ذلك. انتهى ، وهو حَسَنٌ. أ هـ {الجواهر الحسان حـ 1 صـ 117}\rوقال فى روح البيان : \rوهذه الجملة الشرطية الفرضية واردة على منهاج التهييج والإلهاب للثبات على الحق وفيه لطف للسامعين وتحذير لهم عن متابعة الهوى فإن من ليس من شأنه ذلك إذا نهى عنه ورتب على فرض وقوعه ما رتب من الانتظام فى سلك الراسخين فى الظلم فما ظن من ليس كذلك. أ هـ {روح البيان حـ 1 صـ 315}\rوقال البيضاوى : \r{وَلَئِنِ اتبعت أَهْوَاءهُم مّن بَعْدِ مَا جَاءكَ مِنَ العلم} على سبيل الفرض والتقدير ، أي : ولئن اتبعتهم مثلاً بعدما بان لك الحق وجاءك فيه الوحي {إِنَّكَ إِذَا لَّمِنَ الظالمين} وأكد تهديده وبالغ فيه من سبعة أوجه : أحدها : الإِتيان باللام الموطئة للقسم. ثانيها : القسم المضمر. ثالثها : حرف التحقيق وهو أن. رابعها : تركيبه من جملة فعلية وجملة اسمية. وخامسها : الإِتيان باللام في الخبر. وسادسها : جعله من {الظالمين} ، ولم يقل إنك ظالم لأن في الاندراج معهم إيهاماً بحصول أنواع الظلم. وسابعها : التقييد بمجيء العلم تعظيماً للحق المعلوم ، وتحريضاً على اقتفائه وتحذيراً عن متابعة الهوى ، واستفظاعاً لصدور الذنب عن الأنبياء. أ هـ {تفسير البيضاوى حـ 1 صـ 423}","part":2,"page":228},{"id":715,"text":"من أنفس ما قيل فى هذا الموضع وما شابهه\r{ولئن اتبعت أهواءهم}. ولما كان هذا السياق لأمر القبلة فقط قال : {من بعد ما جاءك من العلم} قال الحرالي : فأبهمه ولم يكن نحو الأول الذي قال فيه \" بعد الذي \" لظهور ما ذكر في الأول وخفاء ما وقعت إليه الإشارة في هذا وجاءت فيه \" من \" التي هي لابتداء من أولية لخفاء مبدأ أمر ما جاء من العلم هنا وظهور ذلك الأول ، لأن ذلك كان في أمر الملة التي مأخذها العقل ، وهذه في أمر التوجيه الذي مأخذه الدين والغيب ، قال الحرالي : قال تعالى : {إنك إذاً لمن الظالمين} على حد ما ذكر من أنه من لمح لمحاً من وصف كان من الموصوف به بألطف لطف ووصف كل رتبة بحسبها ، فما يرفع عنه النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ من باب إظهار رغبته وحرصه على هداية الخلق الذي جبل على الرحمة فيه وطلب المسامحة في التقاصر عنه نظراً منه إلى حق الله تعالى ومضمون وصية الله تعالى له حين أوصاه بغير ترجمان ولا واسطة أن يصفح عمن ظلمه ويصل من قطعه ، فكان ـ صلى الله عليه وسلم ـ يطلب وصل المنقطع عنه حتى يعلن عليه بالإكراه في ترك ذلك وودعه فيجيبه حكماً وإن كان معه علماً ، ومنه قوله : \" اللهم اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون \"","part":2,"page":229},{"id":716,"text":"ففي طيّ كل خطاب له يظهر الله عز وجل فيه إكراهه على أخذ حكم الحق وإمضاء العدل أعظم مدحة له والتزام لوصيته إياه ، فهو ممدوح بما هو مخاطب بخطاب الإكراه على إمضاء العدل والاختصار في أمر رحمته للعالمين ، فرفعه الله أن يكون ممن يضع رحمة في موضع استحقاق وضع النقمة ، فذلك الذي بجمع معناه بين متقابل الظالمين فيمن يضع النقمة موضع الرحمة فيكون أدنى الظلم ، أو من يضع الرحمة في موضع النقمة فيكون منه بتغيير الوضع بوضع الفضل موضع العدل ؛ وعلى ذلك جميع ما ورد في القرآن من نحو قوله : {فإن كنت في شك مما أنزلنا إليك فسئل الذين يقرءون الكتاب من قبلك لقد جاءك الحق من ربك} أي في إمضاء العدل {فلا تكونن من الممترين} [يونس : 94] في طلب الفضل لأهل العدل فإن الله يمضي عدله كما يفيض فضله ، وكذلك قوله : {عبس وتولى أن جاءه الأعمى} [عبس : 1-2] فيه إظهار لمدحته بحرصه على تألف الأبعدين ووصل القاطعين حتى ينصرف عنهم بالحكم وإشادة الإكراه عليه في ذلك ، فلا ينصرف عن حكم الوصية إلى حكم الكتاب بالحق إلا عن إشادة بإكراهه عليه ، فهو محمود بما هو منهي عنه ، لأن خطابه أبداً في ذلك في القرآن فيما بين الفضل والعدل ، وخطاب سائر الخلق جار فيما بين العدل والجور (1) ، فبين الخطابين ما بين درج العلو ، ودرك السفل في مقتضى الخطابين المتشابهين في القول المتباينين في العلم - انتهى. {نظم الدرر حـ 1 صـ 268 ـ 269}\r_________\r(1) هذا الكلام من أنفس ما قيل فى آيات العتاب للرسول الأكرم ـ صلى الله عليه وسلم ـ ومن خلال دراستى لكل آيات العتاب تبين لى أنها فى حقيقتها مدح لرسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ وكمال إلى كمال ورفعة إلى رفعه ، وسيأتى الكلام على ذلك بالتفصيل إن شاء الله تعالى عند قوله تعالى {مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا وَاللَّهُ يُرِيدُ الْآَخِرَةَ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ. ـ الأنفال (67)}\rوقوله تعالى {عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَتَعْلَمَ الْكَاذِبِينَ. ـ التوبة (43)}","part":2,"page":230},{"id":717,"text":"لطيفة\rوجاء في هذا المكان \" مِنْ بِعْدِ مَا جَاءَكَ \" وقال قبل هذا : {بَعْدَ الذي جَآءَكَ} [البقرة : 120] وفي \" الرعد \" : {بَعْدَ مَا جَآءَكَ} [الرعد : 37] فلم يأت بـ \" من \" الجارة إلا هنا ، واختص موضعاً بـ \" الذين \" ، وموضعين بـ \" ما \" ، فما الحكمة في ذلك ؟\rوالجواب : ما ذكره بعضهم وهو أن \" الذي \" أخص و\" ما \" أشد إبهاماً ، فحيث أتي بـ \" الذي \" أشير به إلى العلم بصحّة الدين الذي هو الإسلام المانع من ملّتي اليهود والنصارى ، فكان اللفظ الأخص الأشهر أولى فيه ؛ لأنه علم بكل أصول الدين ، وحيث أتي بلفظ \" ما \" أشير به إلى العلم [بركنين] من أركان الدين ، أحدهما : القبلة ، والأخر : بعض الكتاب ؛ لأنه أشار إلى قوله : {وَمِنَ الأحزاب مَن يُنكِرُ بَعْضَهُ} [الرعد : 36].\rقال : وأما دخول \" : من \" ففائدته ظاهرة ، وهي بيان أول الوقت الذي وجب عليه - ـ عليه السلام ـ أن يخالف أهل الكتاب في قبلتهم ، والذي يقال في هذا : إنه من باب التنوع من البلاغة. أ هـ. {تفسير ابن عادل حـ 3 صـ 50}","part":2,"page":231},{"id":718,"text":"من الحكم العظيمة والمنن الجسيمة فى تحويل القبلة\rقال العلامة ابن القيم ـ رحمه الله ـ : \rوكان لله في جعل القبلة إلى بيت المقدس ثم تحويلها إلى الكعبة حكم عظيمة ومحنة للمسلمين والمشركين واليهود والمنافقين\rفأما المسلمون فقالوا : سمعنا وأطعنا وقالوا : {آمنا به كل من عند ربنا} (آل عمران : 7) وهم الذين هدى الله ولم تكن كبيرة عليهم\rوأما المشركون فقالوا : كما رجع إلى قبلتنا يوشك أن يرجع إلى ديننا وما رجع إليها إلا أنه الحق\rوأما اليهود فقالوا : خالف قبلة الأنبياء قبله ولو كان نبيا لكان يصلي إلى قبلة الأنبياء\rوأما المنافقون فقالوا : ما يدري محمد أين يتوجه إن كانت الأولى حقا فقد تركها وإن كانت الثانية هي الحق فقد كان على باطل وكثرت أقاويل السفهاء من الناس وكانت كما قال الله تعالى : {وإن كانت لكبيرة إلا على الذين هدى الله} (البقرة : 143) وكانت محنة من الله امتحن بها عباده ليرى من يتبع الرسول منهم ممن ينقلب على عقبيه\rولما كان أمر القبلة وشأنها عظيما وطأ - سبحانه - قبلها أمر النسخ وقدرته عليه وأنه يأتي بخير من المنسوخ أو مثله ثم عقب ذلك بالتوبيخ لمن تعنت رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم ينقد له ثم ذكر بعده اختلاف اليهود والنصارى وشهادة بعضهم على بعض بأنهم ليسوا على شئ وحذر عباده المؤمنين من موافقتهم واتباع أهوائهم ثم ذكر كفرهم وشركهم به وقولهم : إن له ولدا سبحانه وتعالى عما يقولون علوا ثم أخبر أن له المشرق والمغرب وأينما يولي عباده وجوههم فثم وجهه وهو الواسع العليم فلعظمته وسعته وإحاطته أينما يوجه العبد فثم وجه الله","part":2,"page":232},{"id":719,"text":"ثم أخبر أنه لايسأل رسوله عن أصحاب الجحيم الذين لا يتابعونه ولا يصدقونه ثم أعلمه أن أهل الكتاب من اليهود والنصارى لن يرضوا عنه حتى يتبع ملتهم وأنه إن فعل وقد أعاذه الله من ذلك فماله من الله من ولي ولا نصير ثم ذكرأهل الكتاب بنعمته عليهم وخوفهم من بأسه يوم القيامة ثم ذكر خليله باني بيته الحرام وأثنى عليه ومدحه وأخبر أنه جعله إماما للناس يأتم به أهل الأرض ثم ذكر بيته الحرام وبناء خليله له وفي ضمن هذا أن باني البيت كما هو إمام للناس فكذلك البيت الذي بناه إمام لهم ثم أخبر أنه لا يرغب عن ملة هذا الإمام إلا أسفه الناس ثم أمرعباده أن يأتموا برسوله الخاتم ويؤمنوا بما أنزل إليه وإلى إبراهيم وإلى سائر النبيين ثم رد على من قال : إن إبراهيم وأهل بيته كانوا هودا أو نصارى وجعل هذا كله توطئة ومقدمة بين يدي تحويل القبلة ومع هذا كله فقد كبر ذلك على الناس إلا من هدى الله منهم وأكد سبحانه هذا الأمر مرة بعد مرة بعد ثالثة وأمر به رسوله حيثما كان ومن حيث خرج وأخبر أن الذي يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم هو الذي هداهم إلى هذه القبلة وأنها هي القبلة التي تليق بهم وهم أهلها لأنها أوسط القبل وأفضلها وهم أوسط الأمم وخيارهم فاختار أفضل القبل لأفضل الأمم كما اختار لهم أفضل الرسل وأفضل الكتب وأخرجهم في خير القرون وخصهم بأفضل الشرائع ومنحهم خير الأخلاق وأسكنهم خير الأرض وجعل منازلهم في الجنة خير المنازل وموقفهم في القيامة خير المواقف فهم على تل عال والناس تحتهم فسبحان من يختص برحمته من يشاء وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم. أ هـ {زاد المعاد حـ 3 صـ 95}","part":2,"page":233},{"id":720,"text":"قوله تعالى {الَّذِينَ آَتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ وَإِنَّ فَرِيقًا مِنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ (146) الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ (147)}\rقوله : {الذين ءاتيناهم الكتاب} وإن كان عاماً بحسب اللفظ لكنه مختص بالعلماء منهم ، والدليل عليه أنه تعالى وصفهم بأنهم يعرفونه كما يعرفون أبناءهم ، والجمع العظيم الذي علموا شيئاً استحال عليهم الاتفاق على كتمانه في العادة ، ألا ترى أن واحداً لو دخل البلد وسأل عن الجامع لم يجز أن لا يلقاه أحد إلا بالكذب والكتمان ، بل إنما يجوز ذلك على الجمع القليل ، والله أعلم. أ هـ.\r{مفاتيح الغيب حـ 4 صـ 116}\rالضمير في قوله : {يَعْرِفُونَهُ} إلى ماذا يرجع ؟ \rذكروا فيه وجوهاً.\rأحدها : أنه عائد إلى رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ أي يعرفونه معرفة جلية ، يميزون بينه وبين غيره كما يعرفون أبناءهم ، لا تشتبه عليهم وأبناء غيرهم.\rعن عمر رضي الله عنه أنه سأل عبد الله بن سلام عن رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ فقال : أنا أعلم به مني بابني ، قال : ولم ؟ ","part":2,"page":234},{"id":721,"text":"قال : لأني لست أشك في محمد أنه نبي وأما ولدي فلعل والدته خانت.\rفقبل عمر رأسه ، وجاز الإضمار وإن لم يسبق له ذكر لأن الكلام يدل عليه ولا يلتبس على السامع ومثل هذا الإضمار فيه تفخيم وإشعار بأنه لشهرته معلوم بغير إعلام وعلى هذا القول أسئلة.\rالسؤال الأول : أنه لا تعلق لهذا الكلام بما قبله من أمر القبلة.\rالجواب : أنه تعالى في الآية المتقدمة لما حذر أمة محمد ـ صلى الله عليه وسلم ـ عن اتباع اليهود والنصارى بقوله : {وَلَئِنِ اتبعت أَهْوَاءَهُم مِّن بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ العلم إِنَّكَ إِذَا لَّمِنَ الظالمين} [البقرة : 145] أخبر المؤمنين بحاله عليه الصلاة والسلام في هذه الآية فقال : اعلموا يا معشر المؤمنين أن علماء أهل الكتاب يعرفون محمداً وما جاء به وصدقه ودعوته وقبلته لا يشكون فيه كما لا يشكون في أبنائهم.\rالسؤال الثاني : هذه الآية نظيرها قوله تعالى : {يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِندَهُمْ فِى التوراة والإنجيل} [الأعراف : 157] وقال : {وَمُبَشّراً بِرَسُولٍ يَأْتِى مِن بَعْدِى اسمه أَحْمَدُ} [الصف : 6] \rسؤال : لم خص الأبناء الذكور ؟ \rالجواب : لأن الذكور أعرف وأشهر وهم بصحبة الآباء ألزم وبقلوبهم ألصق.\rالقول الثاني : الضمير في قوله : {يَعْرِفُونَهُ} راجع إلى أمر القبلة : أي علماء أهل الكتاب يعرفون أمر القبلة التي نقلت إليها كما يعرفون أبناءهم وهو قول ابن عباس وقتادة والربيع وابن زيد.\rواعلم أن القول الأول أولى من وجوه.\rأحدها : أن الضمير إنما يرجع إلى مذكور سابق ، وأقرب المذكورات العلم في قوله : {مّن بَعْدِ مَا جَاءكَ مِنَ العلم} [البقرة : 145] والمراد من ذلك العلم : النبوة ، فكأنه تعالى قال : إنهم يعرفون ذلك العلم كما يعرفون أبناءهم ، وأما أمر القبلة فما تقدم ذكره البتة.\r","part":2,"page":235},{"id":722,"text":"وثانيها : أن الله تعالى ما أخبر في القرآن أن أمر تحويل القبلة مذكور في التوراة والإنجيل ، وأخبر فيه أن نبوة محمد ـ صلى الله عليه وسلم ـ مذكورة في التوراة والإنجيل ، فكان صرف هذه المعرفة إلى أمر النبوة أولى.\rوثالثها : أن المعجزات لا تدل أول دلالتها إلا على صدق محمد ـ عليه السلام ـ ، فأما أمر القبلة فذلك إنما يثبت لأنه أحد ما جاء به محمد ـ صلى الله عليه وسلم ـ فكان صرف هذه المعرفة إلى أمر النبوة أولى. أ هـ. {مفاتيح الغيب حـ 4 صـ 116 ـ 117}\rوعلق الآلوسى على قصة عمر وابن سلام ـ رضى الله عنهما ـ فقال : \rوما حكي عن عبد الله بن سلام أنه قال في شأنه ـ صلى الله عليه وسلم ـ : أنا أعلم به مني بابني ، فقال له عمر رضي الله تعالى عنه : لِمَ ؟ قال : لأني لست أشك بمحمد أنه نبي ، فأما ولدي فلعل والدته خانت ، فقبل عمر رضي الله تعالى عنه رأسه ، فمعناه : أني لست أشك في نبوته عليه الصلاة والسلام بوجه ، وأما ولدي فأشك في بنوته وإن لم أشك بشخصه ، وهو المشبه به في الآية فلا يتوهم منه أن معرفة الأبناء لا تستحق أن يشبه بها لأنها دون المشبه للاحتمال ، ولا يحتاج إلى القول بأنه يكفي في وجه الشبه كونه أشهر في المشبه به وإن لم يكن أقوى ومعرفة الأبناء أشهر من غيرها ، ولا إلى تكلف أن المشبه به في الآية إضافة الأبناء إليهم مطلقاً سواء كانت حقة أو لا. وما ذكره ابن سلام كونه ابناً له في الواقع.\rأ هـ. {روح المعانى حـ 2 صـ 13}","part":2,"page":236},{"id":723,"text":"وقال العلامة الطاهر بن عاشور : \rالضمير المنصوب في {يَعْرِفُونه} لا يعود إلى تحويل القبلة لأنه لو كان كذلك لصارت الجملة تكريراً لمضمون قوله : {وإن الذين أوتوا الكتاب ليعلمون أنه الحق من ربهم} ، بل هو عائد إما إلى الرسول وإن لم يسبق ذكر لمعادٍ مناسبٍ لضمير الغيبة ، لكنه قد علم من الكلام السابق وتكرر خطابه فيه من قوله : {وما جعلنا القبلة التي كنت عليها} [البقرة : 143] ، وقوله : {قد نرى تقلب وجهك} [البقرة : 144] ، وقوله : {فلنولينك قبلة} [البقرة : 144] ، وقوله : {فول وجهك} [البقرة : 144] فالإتيان بالضمير بطريق الغيبة من الالتفات ، وهو على تقدير مضاف أي يعرفون صِدْقَهُ ، وإما أن يعود إلى {الحق في قوله السابق : ليكتمون الحق} فيشمل رسالة الرسول وجميعَ ما جاء به ، وإما إلى العلم في قوله : {من بعد ما جاءك من العلم} [البقرة : 145].\rأ هـ. {التحرير والتنوير حـ 2 صـ 39}\rسؤال : لم عدل عن أن يقال يعلمونه إلى {يعرفونه} ؟ \rالجواب : عدل عن أن يقال يعلمونه إلى {يعرفونه} لأن المعرفة تتعلق غالباً بالذوات والأمور المحسوسة قال تعالى : {تعرف في وجوههم نضرة النعيم} [المطففين : 24] وقال زهير : \r... فَلأْياً عَرَفْتُ الدَّار بعد توهم\rوتقول عرفت فلاناً ولا تقول عرفت عِلْم فلان ، إلاّ إذا أردت أن علمه صار كالمشاهد عندك ، ولهذا لا يعدى فعل العرفان إلى مفعولين كما تُعدى أفعال الظن والعلم ، ولهذا يوصف الله تعالى بصفة العلم فيقال العليم ، ولا يوصف بصفة المعرفة فلا يقال الله يعرف كذا ، فالمعنى يعرفون صفات الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ وعلاماته المذكورة في كتبهم ، ويعرفون الحق كالشيء المشاهد. أ هـ.\r{التحرير والتنوير حـ 2 صـ 40}\rسؤال : لم خضص الذكور من الأبناء دون الإناث ؟ ","part":2,"page":237},{"id":724,"text":"الجواب : المراد بالأبناء الذكور لأنهم أكثر مباشرة ومعاشرة للآباء ، وألصق وأعلق بقلوبهم من البنات ، فكان ظن اشتباه أشخاصهم أبعد ، وكان التشبيه بمعرفة الأبناء آكد من التشبيه بالأنفس لأن الإنسان قد يمر عليه قطعة من الزمان لا يعرف فيها نفسه كزمن الطفولية بخلاف الأبناء فإنه لا يمر عليه زمان إلا وهو يعرف ابنه. أ هـ. {روح المعانى حـ 2 صـ 13}\rسؤال : لم خص الفريق ؟ \rالجواب : خص لأن منهم من أسلم ولم يكتم ، والإشارة بالحق إلى ما تقدم من الخلاف في ضمير {يعرفونه} ، فعم الحق مبالغة في ذمهم. أ هـ. {المحرر الوجيز حـ 1 صـ 224}\rسؤال : قال ابن عطية : لم شبّه معرفتهم له بمعرفتهم أبناءهم ولم يشبهها بمعرفتهم أنفسهم ؟ \rوأجاب بأن الإنسان يتقدم له زمن لا يعرف فيه حال نفسه وهو زمن الصغر بخلاف ولده فإنه يشاهده من صغره إلى كبره.\rقال ابن عرفة : ويحتمل عندي أن يجاب بأن ذلك التشبيه للمشاكلة لأن الكتاب منفصل عنهم فشبه بما هو منفصل عنهم وهو الولد بخلاف أنفسهم. أ هـ\r{تفسير ابن عرفة صـ 188}\rإشكال وجوابه\rفإن قيل : إن آخر الآية مناقض لأولها لأن قوله {يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَآءَهُمْ} دليل على أن جميعهم يعلمونه.\rوقوله تعالى : {وَإِنَّ فَرِيقاً مِّنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الحق...}.\rدليل على أن بعضهم يجهلونه.\rفإن قلت : إنما مقتضاه أن باقيهم يعلمون الحق ويظهرونه ؟ \rقلنا : لا يصح لوجهين : الأول : أن الضمير المجرور في قوله {مِّنْهُم} عائد على {الذين آتَيْنَاهُمُ الكتاب} وقد قالوا : إن {الذين} بدل من {الظالمين} ، فإذا كان كذلك بطل أن يكون بعضهم عالمين به ومظهرين له إذ لا يسمى فاعل ذلك ظالما.\r- الثاني : {إِنَّ فَرِيقاً} إنما يطلق على القليل من الجماعة ولا يقال للنصف (فريقا) (فيلزم) أن يكون أكثرهم مظهرين للحق ، وذلك مخالف لسياق الآية لأنها إنما سيقت لذمهم.","part":2,"page":238},{"id":725,"text":"وأجاب ابن عرفة عن الإشكال باحتمال كون فيهم مِن علِم وتحقق ولم تعرض له شبهة توجب له الريبة والشك في علمه فهؤلاء هم الّذين قيل فيهم {وَإِنَّ فَرِيقاً مِّنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الحق وَهُمْ يَعْلَمُونَ}. ومنهم من علم وعرضت له شبهة توجب التردد في علمه فهؤلاء هم المسكوت عنهم. أ هـ {تفسير ابن عرفة صـ 188}\rقوله تعالى {وَإِنَّ فَرِيقًا مِنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ}\r{وإن فريقاً منهم} أي أهل الكتاب {ليكتمون الحق} أي يخفونه ولا يعلنونه.\rولما كان لا يلزم من ذلك علمهم به ولا يلزم من علمهم به استحضاره عند الكتمان قال : {وهم يعلمون} أي إنه حق وأنهم آثمون بكتمانه ، فجعلهم أصنافاً : صنفاً عرفوه فاتبعوه ، وصنفاً عرفوه فأنكروه كما في إفهامه وفريقاً علموه فكتموه ؛ وفي تخصيص هذا الفريق بالعلم إشعار بفرقان ما بين حال من يعرف وحال من يعلم ، فلذلك كانوا ثلاثة أصناف : عارف ثابت ، وعارف منكر هو أردؤهم ، وعالم كاتم لاحق به ؛ وفي مثال يكتمون ويعلمون إشعار بتماديهم في العالم وتماديهم في الكتمان.\rولأن هذا المجموع يفيد قهر الحق للخلق بما شاء منهم من هدى وفتنة لتظهر فيها رحمته ونقمته وهو الحق الذي هو ماضي الحكم الذي جبلّة محمد ـ صلى الله عليه وسلم ـ تتقاضى التوقف فيه لما هو عليه من طلب الرحمة ولزوم حكم الوصية.\rأ هـ. {نظم الدرر حـ 1 صـ 270}\rمن لطائف الإمام القشيرى فى الآية\rحَمَلَتْهُمْ مُسْتَكنَّاتُ الحَسَدِ على مكابرة ما علموه بالاضطرار ، فكذلك المغلوب في ظلمات نفسه ، ألقى جلباب الحياء فلم ينْجع فيه مَلاَم ، ولم يَرْدَعْه عن انهماكه كلام. أ هـ. {لطائف الإشارات حـ 1 صـ 135}\rفائدة\rقال صاحب روح البيان : ","part":2,"page":239},{"id":726,"text":"عندنا ثلاث مراتب. إحداها مرتبة التقليد وهى لعامة الناس. والثانية مرتبة التحقيق والإيقان وهى للمجتهدين كالأئمة الأربعة ومن يحذو حذوهم. والثالثة مرتبة المشاهدة والعيان فهى للكمل من أهل السلوك قال وإذا لم تتطهر النفس من الأخلاق الرديئة لا تحصل المعارف الآلهية وإن كان كاملا فى العقل والعلوم ألا يرى أن الشيطان مع عقله وعلمه كيف استكبر وعصى أمر الله تعالى لما فى نفسه من الكبر والحسد وكذلك حال أهل الكتاب فى أمر القبلة وشأن النبى ـ صلى الله عليه وسلم ـ حيث لم ينفع العلم والمعرفة لخبث باطنهم فلا بد من تزكية النفوس وتصفية القلوب والاستقامة فى باب الحق إلى أن يأتى اليقين. أ هـ.\r{روح البيان حـ 1 صـ 316}\rفائدة\rقال البقاعى :\rوفي تأكيد الأمر تارة بالعلم وتارة بالمعرفة وتارة بغيرهما تأكيد لوجوب اتباعه ـ صلى الله عليه وسلم ـ وإزاحة لما يلقيه السفهاء العالمون به من الشبه. أ هـ.\r{نظم الدرر حـ 1 صـ 271}\rقوله تعالى {الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ (147)}\rقوله تعالى : \" الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ \" فيه ثلاثة أوجه :\rأظهرها : أنه مبتدأ وخبره الجار والمجرور بعده ، وفي الألف واللام حينئذ وجهان :\rأحدهما : أن تكون للعهد ، والإشارة إلى الحق الذي عليه الرسول - ـ عليه السلام ـ أو إلى الحق الذي في قوله : \" يَكْتُمُونَ الْحَقَّ \" أي : هذا الذي يكتمونه هو الحق من ربك ، وأن تكون للجنس على معنى الحق من الله لا من غيره.\rالثاني : أنه خبر مبتدأ محذوف ، أي : هو الحق من ربك ، والضمير يعود على الحق المكتوم أي : ما كتموه هو الحق.\rالثالث : أنه مبتدأ والخبر محذوف تقديره : الحق من ربك يعرفونه ، والجار والمجرور على هَذَين القولين في محلّ نصب على الحال من \" الحَقّ \" ، ويجوز أن يكون خبراً بعد خبر في الوجه الثاني. أ هـ. {تفسير ابن عادل حـ 3 صـ 53 ـ 54}","part":2,"page":240},{"id":727,"text":"( بصيرة فى الحق )\rأَصل الحَقّ المطابقةُ والموافقة ، كمطابقة رِجْل الباب فى حُقِّه لدَوَرانه على الاستقامة.\rوالحَقّ يقال على أَربعة أَوجه.\rالأَوّل : يقال لموجِد الشئ بحسب ما تقتضيه الحكمة. ولذلك قيل فى الله تعالى : هو الحقّ.\rالثَّانى : يقال للموجَد بحسب ما تقتضيه الحكمة. ولذلك يقال : فِعْل الله تعالى كلُّه حَقّ ؛ نحو قولنا : الموت حقّ ، والبعث حقّ {هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَآءً وَالْقَمَرَ نُوراً} إِلى قوله {مَا خَلَقَ اللَّهُ ذلك إِلاَّ بِالْحَقِّ}.\rالثالث : الاعتقاد فى الشئ المطابِقُ لما عليه ذلك الشئ فى نفسه ؛ كقولنا : اعتقاد فلان فى البعث والثواب والعقاب والجنّة والنَّار حق.\rالرّابع : للفعل والقول الواقع بحسب ما يجب ، وبقدر ما يجب ، وفى الوقت الذى يجب ، كقولنا : فعلك حق ، وقولك حق. وقوله تعالى {وَلَوِ اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْوَآءَهُمْ} يصح أَن يكون المراد به الله تعالى ، ويصحّ أَن (يراد) به الحُكْم الَّذى هو بحسب مقتضى الحكمة. ويقال : أَحققت كذا أَى أَثبتُّه حقَّا ، أَو حكمت بكونه حقّاً. وقوله تعالى : {لِيُحِقَّ الْحَقَّ} فإِحقاقُ الحقّ على ضربين : أَحدهما بإِظهار الأَدِلَّة والآيات ، كما قال {وَأُوْلَائِكُمْ جَعَلْنَا لَكُمْ عَلَيْهِمْ سُلْطَاناً مُّبِيناً} أَى حجّةً قويّة. والثَّانى بإِكمال الشريعة وبَثِّها ، كقوله تعالى : {وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ}. أ هـ {بصائر ذوى التمييز حـ 2 صـ 345}.\rسؤال : فإن قلت : النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ لم يمتر ولم يشك فما معنى هذا النهي ؟ .\rالجواب : قلت : هذا خطاب وإن كان للنبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ ولكن المراد غيره والمعنى فلا تشكوا أنتم أيها المؤمنون وقد تقدم نظير هذا. أ هـ.\r{تفسير الخازن حـ 1 صـ 92}\rوقال الآلوسى : ","part":2,"page":241},{"id":728,"text":"قوله تعالى {فَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ الممترين} أي الشاكين أو المترددين في كتمانهم الحق عالمين به ، أو في أنه من ربك وليس المراد نهي الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ عن ذلك لأن النهي عن شيء يقتضي وقوعه أو ترقبه من المنهي عنه وذلك غير متوقع من ساحة حضرة الرسالة ـ صلى الله عليه وسلم ـ فلا فائدة في نهيه ، ولأن المكلف به يجب أن يكون اختيارياً ، وليس الشك والتردد مما يحصل بقصد واختيار بل المراد إما تحقيق الأمر وأنه بحيث لا يشك فيه أحد كائناً من كان ، أو الأمر للأمة بتحصيل المعارف المزيلة لما نهى عنه فيجعل النهي مجازاً عن ذلك الأمر وفي جعل امتراء الأمة امتراءه ـ صلى الله عليه وسلم ـ مبالغة لا تخفى ، ولك أن تقول : إن الشك ونحوه وإن لم يكن مقدور التحصيل لكنه مقدور لإزالة البقاء ، ولعل النهي عنه بهذا الاعتبار ولهذا قال الله تعالى : {فَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ الممترين} دون فلا تمتر ، ومن ظن أن منشأ الإشكال إفخام الكون لأنه هو الذي ليس مقدوراً فلا ينهى عنه دون الشك والتردد لم يأت بشيء. أ هـ.\r{روح المعانى حـ 2 صـ 14}\rوقال أبو حيان : \r{فلا تكونن من الممترين}.","part":2,"page":242},{"id":729,"text":"المراد بهذا الخطاب في المعنى هو الأمّة. ودل الممترين على وجودهم ، ونهى أن يكون منهم ، والنهي عن كونه منهم أبلغ من النهي عن نفس الفعل. فقولك : لا تكن ظالماً ، أبلغ من قولك : لا تظلم ، لأن لا تظلم نهي عن الالتباس بالظلم. وقولك : لا تكن ظالماً نهي عن الكون بهذه الصفة. والنهي عن الكون على صفة ، أبلغ من النهي عن تلك الصفة ، إذ النهي عن الكون على صفة يدل بالوضع على عموم الأكوان المستقبلة على تلك الصفة ، ويلزم من ذلك عموم تلك الصفة. والنهي عن الصفة يدل بالوضع على عموم تلك الصفة. وفرق بين ما يدل على عموم ، ويستلزم عموماً ، وبين ما يدل على عموم فقط ، فلذلك كان أبلغ ، ولذلك كثر النهي عن الكون. قال تعالى : {فلا تكوننّ من الجاهلين} {ولا تكونن من الذين كذبوا بآيات الله} {فلا تكن في مرية منه} والكينونة في الحقيقة ليست متعلق النهي. والمعنى : لا تظلم في كل أكوانك ، أي في كل فرد فرد من أكوانك ، فلا يمر بك وقت يوجد فيه منك ظلم ، فتصير كأن فيه نصاً على سائر الأكوان ، بخلاف لا تظلم ، فإنه يستلزم الأكوان. وأكد النهي بنون التوكيد مبالغة في النهي ، وكانت المشدّدة لأنها أبلغ في التأكيد من المخففة. والمعنى : فلا تكونن من الذين يشكون في الحق ، لأن ما جاء من الله تعالى لا يمكن أن يقع فيه شك ولا جدال ، إذ هو الحق المحض الذي لا يمكن أن يلحق فيه ريب ولا شك.أ هـ. {البحر المحيط حـ 1 صـ 610}\rقوله تعالى {وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ أَيْنَ مَا تَكُونُوا يَأْتِ بِكُمُ اللَّهُ جَمِيعًا إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (148)}\rسؤال : ما المراد بقوله : {وَلِكُلٍّ} ؟ \rالجواب : اعلم أنهم اختلفوا في المراد بقوله : {وَلِكُلٍّ} وفيه مسألتان : ","part":2,"page":243},{"id":730,"text":"المسألة الأولى : إنما قال : {وَلِكُلّ} ولم يقل لكل قوم أو أمة لأنه معروف المعنى عندهم فلم يضر حذف المضاف إليه وهو كثير في كلامهم كقوله : {لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنكُمْ شِرْعَةً ومنهاجا} [المائدة : 48].\rالمسألة الثانية : ذكروا فيه أربعة أوجه.\rأحدها : أنه يتناول جميع الفرق ، أعني المسلمين واليهود والنصارى والمشركين ، وهو قول الاصم ، قال : لأن في المشركين من كان يعبد الأصنام ويتقرب بذلك إلى الله تعالى كما حكى الله تعالى عنهم في قوله : {هَؤُلاء شفعاؤنا عِندَ الله} [يونس : 18].\rوثانيها : وهو قول أكثر علماء التابعين ، أن المراد أهل الكتاب وهم : المسلمون واليهود والنصارى ، والمشركون غير داخلين فيه.\rوثالثها : قال بعضهم : المراد لكل قوم من المسلمين وجهة أي جهة من الكعبة يصلي إليها : جنوبية أو شمالية ، أو شرقية أو غربية ، واحتجوا على هذا القول بوجهين.\rالأول : قوله تعالى : {هُوَ مُوَلّيهَا} يعني الله موليها وتولية الله لم تحصل إلا في الكعبة ، لأن ما عداها تولية الشيطان.\rالثاني : أن الله تعالى عقبه بقوله : {فَاسْتَبِقُوا الخَيْرَاتِ} والظاهر أن المراد من هذه الخيرات ما لكل أحد من جهة ، والجهات الموصوفة بالخيرية ليست إلا جهات الكعبة.\rورابعها : قال آخرون : ولكل وجهة أي لكل واحد من الرسل وأصحاب الشرائع جهة قبلة ، فقبلة المقربين : العرش ، وقبلة الروحانيين : الكرسي ، وقبلة الكروبيين : البيت المعمور ، وقبلة الأنبياء الذين قبلك بيت المقدس ، وقبلتك الكعبة. أ هـ. {مفاتيح الغيب حـ 4 صـ 119}\rسؤال ما المراد بقوله {وجهة} ؟ ","part":2,"page":244},{"id":731,"text":"الجواب : اختلفوا في المراد فقال الحسن : المراد المنهاج والشرع ، وهو كقوله تعالى : {لّكُلّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنسَكاً} [الحج : 67] ، {لِكُلّ جَعَلْنَا مِنكُمْ} [المائدة : 48] {شِرْعَةً ومنهاجا} [المائدة : 48] والمراد منه أن للشرائع مصالح ، فلا جرم اختلفت الشرائع بحسب اختلاف الأشخاص ، وكما اختلف بحسب اختلاف الأشخاص لم يبعد أيضاً اختلافها بحسب اختلاف الزمان بالنسبة إلى شخص واحد ، فلهذا صح القول بالنسخ والتغيير ، وقال الباقون : المراد منه أمر القبلة ، لأنه تقدم قوله تعالى : {فَوَلّ وَجْهَكَ شَطْرَ المسجد الحرام} [البقرة : 144] فهذه الوجهة يجب أن تكون محمولة على ذلك. أ هـ.\r{مفاتيح الغيب حـ 4 صـ 119}\rقوله تعالى {هو موليها}\r{هو موليها} إن كسر اللام كان المعنى هو متوليها أي فاعل التولي أي مائل إليها بوجهه لأن المادة تدور بكل ترتيب على الميل كما يأتي إن شاء الله تعالى في آخر الأنفال ، فيكون وليّ بمعنى تولّى كقدم بمعنى تقدم ، ومن المعلوم الفرق بين تولاه وتولى عنه ، وإن فتح فالمعنى : هو ممال إليها.\rقال الحرالي : وفي قراءة موليها - بالكسر - إشعار باختلاف جبلات أهل الملل وإقامة كل طائفة منهم بما جبلت عليه ، وفي قراءة \" مولاها \" إظهار حقيقة ذلك وأنه ليس ذلك منهم بل بما أقامهم فيه المولى لهم حيث شاء ، وأبهم فيه المولى لما كان في طوائف منهم حظ هوى ، وهو من التولية وهو ما يجعل مما يلي الجسد ، أو القصد أي يكون ميالاً بين يديه ملاصقاً له - انتهى.\r{نظم الدرر حـ 1 صـ 271}\rقوله تعالى {هُوَ مُوَلِّيهَا}\rسؤال : ما مرجع الضمير المنفصل {هو} ؟ ","part":2,"page":245},{"id":732,"text":"الجواب : وفي \"هو\" ثلاثة أقوال. أحدها : أنها ترجع إلى الله تعالى ، فالمعنى : الله مولّيها إياهم ، أي : أمرهم بالتوجه إليها. والثاني : ترجع إلى المتولي ، فالمعنى : هو موليها نفسه ، فيكون \"هو\" ضمير كل. والثالث : يرجع إلى البيت ، قاله مجاهد : أمر كل قوم أن يصلُّوا إلى الكعبة. والجمهور يقرؤون : {مولّيها} وقرأ ابن عامر ، والوليد عن يعقوب : \"هو مولاها\" بألف بعد اللام ، فضمير \"هو\" لكل ، ومعنى القراءتين متقارب.أ هـ {زاد المسير حـ 1 صـ 159}\rقوله تعالى {فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ}\rوالاستباق افتعال والمراد به السبق وحقه التعدية باللام إلاّ أنه توسع فيه فعدي بنفسه كقوله تعالى : {واستبقا الباب} [يوسف : 25] أو على تضمين استبقوا معنى اغتنموا. فالمراد من الاستباق هنا المعنى المجازي وهو الحرص على مصادفة الخير والإكثار منه والخيرات جمع خير على غير قياس كما قالوا سرادقات وحمامات. والمراد عموم الخيرات كلها فإن المبادرة إلى الخير محمودة ومن ذلك المبادرة بالتوبة خشية هاذم اللذات وفجأة الفوات قال تعالى : {وسارعوا إلى مغفرة من ربكم} [آل عمران : 133] ، {والسابقون السابقون ، أولئك المقربون ، في جنات النعيم} [الواقعة : 10 12] ومن ذلك فضيلة السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار قال تعالى : {لا يستوي منكم من أنفق من قبل الفتح وقاتل أعظم درجة من الذين أنفقوا من بعد وقاتلوا} [الحديد : 10] وقال موسى : {وعجلت إليك رب لترضى} [طه : 84]. أ هـ\r{التحرير والتنوير حـ 2 صـ 43}\rوقال أبو السعود : \rوهو أبلغَ من الأمر بالمسارعة لما فيه من الحث على إحراز قصَبِ السبْقِ والمرادُ بالخيرات جميعُ أنواعِها من أمر القِبلة وغيرِه مما يُنال به سعادةُ الدارين أو الفاضلاتُ من الجهات وهي المسامته للكعبة. أ هـ\r{تفسير أبى السعود حـ 1 صـ 177}","part":2,"page":246},{"id":733,"text":"موعظة\rكان الحسن يقول : عجبت لأقوام أمروا بالزاد ونودي فيهم بالرحيل وجلس أولهم على آخرهم وهم يلعبون\rوكان يقول : يا بن آدم : السكين تشحذ والتنور يسجر والكبش يعتلف\rوقال أبو حازم : إن بضاعة الآخرة كاسدة فاستكثروا منها في أوان كسادها فإنه لو جاء وقت نفاقها لم تصلوا فيها إلى قليل ولا كثير وكان عون بن عبدالله يقول : ما أنزل الموت كنه منزلته ما قد غدا من أجلكم مستقبل يوم لا يستكمله وكم من مؤمل لغد لايدركه إنكم لو رأيتم الأجل ومسيره بغضتم الأمل وغروره\rوكان أبو بكر بن عياش يقول : لو سقط من أحدكم درهم لظل يومه يقول : إنا لله ذهب درهمي وهو يذهب عمره ولا يقول : ذهب عمري وقد كان لله أقوام يبادرون الأوقات ويحفظون الساعات ويلازمونها بالطاعات\rفقيل عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه : إنه ما مات حتى سرد الصوم\rوكانت عائشة رضي الله عنها تسرد وسرد أبو طلحة بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم أربعين سنة وقال نافع : ما رأيت ابن عمر صائما في سفره ولا مفطرا في حضره\rقال سعيد بن المسيب : ما تركت الصلاة في جماعة منذ أربعين سنة وكان سعيد بن جبير يختم القرآن في ليلتين وكان الأسود يقوم حتى يخضر ويصفر وحج ثمانين حجة\rوقال ثابت البناني : ما تركت في الجامع سادنة إلا وختمت القرآن عندها وقيل لعمرو بن هانيء : لا نرى لسانك يفتر من الذكر فكم تسبح كل يوم ؟ قال : مائة ألف إلا ما تخطيء الأصابع\rوصام منصور بن المعتمر أربعين سنة وقام ليلها وكان الليل كله يبكي فتقول له أمه : يا بني قتلت قتيلا فيقول : أنا أعلم بما صنعت نفسي\rقال الجماني : لما حضرت أبو بكر بن عياش الوفاة بكت أخته فقال : لا تبك وأشار إلى زاوية في البيت إنه قد ختم أخوك في هذه الزاوية ثمانية عشر ألف ختمة","part":2,"page":247},{"id":734,"text":"قال الربيع : وكان الشافعي رضي الله عنه يقرأ في كل شهر ثلاثين ختمة وفي كل شهر رمضان ستين ختمة سوى ما يقرأ في الصلوات واعلم أن الراحة لا تنال بالراحة ومعالي الأمور لا تنال بالفتور ومن زرع حصد ومن جد وجد\rلله در أقوام شغلهم تحصيل زادهم عن أهاليهم وأولادهم ومال بهم ذكر المآل عن المال في معادهم وصاحت بهم الدنيا فما أجابوا شغلا بمرادهم وتوسدوا أحزانهم بدلا عن وسادهم واتخذوا الليل مسلكا لجهادهم واجتهادهم وحرسوا جوارحهم من النار عن غيهم وفسادهم فيا طالب الهوى جز بناديهم ونادهم : \r( أحيوا فؤادي ولكنهم... على صيحة من البين ماتوا جميعا )\r( حرموا راحة النوم أجفانهم... ولفوا على الزفرات الضلوعا )\r( طوال السواعد شم الأنوف... فطابوا أصولا وطابوا فروعا )\rأقبلت قلوبهم ترعى حق الحق فذهلت بذلك عن مناجاة الخلق فالأبدان بين أهل الدنيا تسعى والقلوب في رياض الملكوت ترعى نازلهم الخوف فصاروا والهين وناجاهم الفكر فعادوا خائفين وجن عليهم الليل فباتوا ساهرين وناداهم منادي الصلاح حي على الفلاح فقاموا متجدهين وهبت عليهم ريح الأسحار فتيقظوا مستغفرين وقطعوا بند المجاهدة فأصبحوا واصلين فلما رجعوا وقت الفجر بالأجر بادى الهجر يا خيبة النائمين\rأ هـ {الياقوتة صـ 57}","part":2,"page":248},{"id":735,"text":"قوله تعالى {أَيْنَ مَا تَكُونُوا يَأْتِ بِكُمُ اللَّهُ جَمِيعًا إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ}\r{أين ما تكونوا} أي من الجهات التي استبقتم إليها الحسية والمعنوية {يأت بكم الله} أي الملك الأعظم {جميعاً} منها إليه في يوم البعث ، ثم علل هذه العلة بقوله : {إن الله} أي الذي له الأمر كله {على كل شيء قدير} وفي ذكر البعث هنا معادلة بين القبلتين : قبلة أهل الفضل الأمة الوسط التي جعلت محل الأمن ، والقبلة الأولى ، قال الحرالي : من حيث يرد الخلق في البعث إلى موطن القبلة السابقة من أرض الشام ، فيكون موطن الحق والعدل أولى القبلتين بذلك ، لأن أعلى القبلتين موطن أمنة من حيث إن من دخله كان آمناً ، فكان المحشر إلى قبلتهم الأولى التي هي بداية الأمر ليطابق الآخر من القبلتين الأولى من حيث كان الآخر في الدنيا للفضل والأول في الآخر للعدل ومن الدعوتين من حيث كانت الدعوة الأولى في الأول حكماً وعلماً والإتيان الآخر في العقبى قهراً وملكاً. أ هـ {نظم الدرر حـ 1 صـ 271}\rقوله تعالى {وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِنَّهُ لَلْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ (149) وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ فَلَا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِي وَلِأُتِمَّ نِعْمَتِي عَلَيْكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (150)}","part":2,"page":249},{"id":736,"text":"من أسرار التكرار فى آيات القبلة الثلاث\rاعلم أن أول ما في هذه الآية من البحث أن الله تعالى قال قبل هذه الآيات : {قَد نرى تقلب وجهك في السماء فلنولينك قبلة ترضاها فول وجهك شطر المسجد الحرام وحيث ما كنتم فولوا وجوهكم شطره وإن الذين أوتوا الكتاب ليعلمون أن الحق من ربهم وما الله بغافل عما يعملون} [البقرة : 144] ثم ذكر ههنا ثانياً قوله تعالى : {وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلّ وَجْهَكَ شَطْرَ المسجد الحرام وَإِنَّهُ لَلْحَقُّ مِن رَّبّكَ وَمَا الله بغافل عَمَّا تَعْمَلُونَ} وذكر ثالثاً قوله : {وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلّ وَجْهَكَ شَطْرَ المسجد الحرام وَحَيْثُ مَا كُنتُمْ فَوَلُّواْ وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ} فهل في هذا التكرار فائدة أم لا ؟ \rوللعلماء فيه أقوال.\rأحدها : أن الأحوال ثلاثة ، أولها : أن يكون الإنسان في المسجد الحرام.\rوثانيها : أن يخرج عن المسجد الحرام ويكون في البلد.\rوثالثها : أن يخرج عن البلد إلى أقطار الأرض ، فالآية الأولى محمولة على الحالة الأولى ، والثانية على الثانية ، والثالثة على الثالثة ، لأنه قد كان يتوهم أن للقرب حرمة لا تثبت فيها للعبد ، فلأجل إزالة هذا الوهم كرر الله تعالى هذه الآيات.","part":2,"page":250},{"id":737,"text":"والجواب الثاني : أنه سبحانه إنما أعاد ذلك ثلاث مرات لأنه علق بها كل مرة فائدة زائدة أما في المرة الأولى فبين أن أهل الكتاب يعلمون أن أمر نبوة محمد ـ صلى الله عليه وسلم ـ وأمر هذه القبلة حق ، لأنهم شاهدوا ذلك في التوراة والإنجيل ، وأما في المرة الثانية فبين أنه تعالى يشهد أن ذلك حق ، وشهادة الله بكونه حقاً مغايرة لعلم أهل الكتاب بكونه حقاً ، وأما في المرة الثالثة فبين أنه إنما فعل ذلك لئلا يكون للناس عليكم حجة ، فلما اختلفت هذه الفوائد حسنت إعادتها لأجل أن يترتب في كل واحدة من المرات واحدة من هذه الفوائد ، ونظيره قوله تعالى : {فَوَيْلٌ لّلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الكتاب بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هذا مِنْ عِندِ الله لِيَشْتَرُواْ بِهِ ثَمَنًا قَلِيلاً فَوَيْلٌ لَّهُمْ مّمَّا كَتَبَتْ أيديهم وويل لهم مما يكسبون} [البقرة : 79].","part":2,"page":251},{"id":738,"text":"والجواب الثالث : أنه تعالى قال في الآية الأولى : {فَلَنُوَلّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلّ وَجْهَكَ شَطْرَ المسجد الحرام وَحَيْثُ مَا كُنتُمْ فَوَلُّواْ وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ} فكان ربما يخطر ببال جاهل أنه تعالى إنما فعل ذلك طلباً لرضا محمد ـ صلى الله عليه وسلم ـ لأنه قال : {فَلَنُوَلّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا} فأزال الله تعالى هذا الوهم الفاسد بقوله : {وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلّ وَجْهَكَ شَطْرَ المسجد الحرام وَإِنَّهُ لَلْحَقُّ مِن رَّبّكَ} أي نحن ما حولناك إلى هذه القبلة بمجرد رضاك ، بل لأجل أن هذا التحويل هو الحق الذي لا محيد عنه فاستقبالها ليس لأجل الهوى والميل كقبلة اليهود المنسوخة التي إنما يقيمون عليها بمجرد الهوى والميل ، ثم أنه تعالى قال ثالثاً : {وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلّ وَجْهَكَ شَطْرَ المسجد الحرام وَحَيْثُ مَا كُنتُمْ فَوَلُّواْ وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ} والمراد دوموا على هذه القبلة في جميع الأزمنة والأوقات ، ولا تولوا فيصير ذلك التولي سبباً للطعن في دينكم ، والحاصل أن الآية السالفة أمر بالدوام في جميع الأمكنة والثانية أمر بالدوام في جميع الأزمنة والأمكنة ، والثالثة أمر بالدوام في جميع الأزمنة وإشعار بأن هذا لا يصير منسوخاً ألبتة.\rوالجواب الرابع : أن الأمر الأول مقرون بإكرامه إياهم بالقبلة التي كانوا يحبونها وهي قبلة أبيهم إبراهيم ـ عليه السلام ـ والثاني مقرون بقوله تعالى : {وَلِكُلّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلّيهَا} [البقرة : 148] أي لكل صاحب دعوة وملة قبلة يتوجه إليها فتوجهوا أنتم إلى أشرف الجهات التي يعلم الله تعالى أنها حق وذلك هو قوله : {وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ المسجد الحرام وَإِنَّهُ للْحَقُّ مِن رَّبّكَ}.\r","part":2,"page":252},{"id":739,"text":"والثالث مقرون بقطع الله تعالى حجة من خاصمه من اليهود في أمرالقبلة فكانت هذه عللاً ثلاثاً قرن بكل واحدة منها أمر بالتزام القبلة نظيره أن يقال : الزم هذه القبلة فإنها القبلة التي كنت تهواها ، ثم يقال : الزم هذه القبلة فإنها قبلة الحق لا قبلة الهوى ، وهو قوله : {وَإِنَّهُ لَلْحَقُّ مِن رَّبّكَ} ثم يقال : لزم هذه القبلة فإن في لزومك إياها انقطاع حجج اليهود عنك ، وهذا التكرار في هذا الموضع كالتكرار في قوله تعالى : {فَبِأَىّ ءَالاء رَبّكُمَا تُكَذّبَانِ} [الرحمن : 12] وكذلك ما كرر في قوله تعالى : {إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُّؤْمِنِينَ} [الشعراء : 174].\rوالجواب الخامس : أن هذه الواقعة أول الوقائع التي ظهر النسخ فيها في شرعنا فدعت الحاجة إلى التكرار لأجل التأكيد والتقرير وإزالة الشبهة وإيضاح البينات\rأ هـ {مفاتيح الغيب حـ 4 صـ 124 ـ 126}\rوقال الإمام الماوردى : \rأكد الله أمره في استقبال الكعبة ، لما جرى من خوض المشركين ومساعدة المنافقين ، بإعادته فقال : {وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِنَّهُ لَلْحَقُّ مِن رَّبِّكَ وَمَا اللهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ} تبييناً لِنَبِيِّهِ وصرفاً له عن الاغترار بقول اليهود : أنهم يتبعونه إن عاد.\r{وَمَا اللهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ} يحتمل وجهين : \rأحدهما : أن يقول ذلك ترغيباً لهم في الخير.\rوالثاني : تحذيراً من المخالفة.\rثم أعاد الله تعالى تأكيد أمره ، ليخرج من قلوبهم ما استعظموه من تحويلهم إلى غير ما أَلِفُوه ، فقال : {وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُمَا كُنتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ} فأفاد كل واحد من الأوامر الثلاثة مع استوائها في التزام الحكم فائدة مستجده : ","part":2,"page":253},{"id":740,"text":"أما الأمر الأول فمفيد لنسخ غيره ، وأما الأمر الثاني فمفيد لأجل قوله تعالى : \r{وَإِنَّهُ لَلْحَقُّ مِن رَّبِّكَ} أنه لا يتعقبه نسخ.\rوأما الأمر الثالث فمفيد أن لا حجة عليهم فيه ، لقوله : {لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ}. أ هـ {النكت والعيون حـ 1 صـ 207}\rوقال البقاعى : \rولما عظم في شأن القبلة انتشار أقوالهم في تنويع شغبهم وجدالهم وكانوا أهل علم وكتاب ، وقد مرت لهم دهور وهو موسومون بأنهم على صواب ، فاشرأب لذلك النفاق ، ودارت رحى الباطل والشقاق ، وقامت سوق الفسوق فيما هنالك على ساق ، كان الحال مقتضياً لمزيد تأكيد لأمرها تعظيماً لشأنها وتوهية لشبه السفهاء فقال تعالى ثانياً معبراً بعبارة مشعرة بإمامته ـ صلى الله عليه وسلم ـ وانتظار المصلين له ، {ومن حيث خرجت} أي للصلاة المفروضة باتباعك من هذه الجهة التي أنت بها الآن بالمدينة الشريفة التي هي شمال الكعبة المشرفة أو من غيرها من الجهات من الشرق والغرب والجنوب {فول وجهك شطر} أي عين {المسجد الحرام} وأما قلبك فهو إلى الله\rولما كان التقدير فإنك مأمور بذلك لئلا يظن أن ذلك إنما عمل لتطلعه ـ صلى الله عليه وسلم ـ إليه وهو فيه بالخيار فيظن أن الرجوع إلى القبلة الأولى مصلحة لما انتشر في ذلك من الكلام الذي نفذ في القلوب نفوذ السهام عطف عليه قوله : {وإنه للحق من ربك} مؤكداً له بأنواع التأكيد مضيفاً له إلى صفة الإحسان بإحسان التربية والنظر في أدبار الأمور وأحكامها. أ هـ\r{نظم الدرر حـ 1 صـ 272}\rوقال العلامة ابن عاشور : ","part":2,"page":254},{"id":741,"text":"وقد تكرر الأمر باستقبال النبي الكعبة ثلاث مرات ، وتكرر الأمر باستقبال المسلمين الكعبةَ مرتين. وتكرر أنَّه الحقُّ ثلاث مرات ، وتكرر تعميم الجهات ثلاث مرات ، والقصد من ذلك كله التنويه بشأن استقبال الكعبة والتحذير من تطرق التساهل في ذلك تقريراً للحق في نفوس المسلمين ، وزيادةً في الرد على المنكرين التأكيد ، من زيادة {ومن حيثُ خرجتَ} ، ومن جُمَل معترضة ، لزيادة التنويه بحكم الاستقبال : وهي جملة {وإنّ الذين أوتوا الكتاب ليعلمون الآيات} ، وجملة : {وإنه للحق من ربك} وجملة : {لئلا يكون للناس عليكم حجة} الآيات ، وفيه إظهار أحَقية الكعبة بذلك لأن الذي يكون على الحق لا يزيده إنكار المنكرين إلاّ تصميماً ، والتصميم يستدعي إعادة الكلام الدال على ما صمم عليه لأن الإعادة تدل على التحقُّق في معنى الكلام.\rوقد ذكر في خلال ذلك من بيان فوائد هذا التحويل وما حَفَّ به ، ما يدفع قليل السآمة العارضةِ لسماع التكرار ، فذُكر قوله : {وإنه للحق من ربك وما الله بغافل} الخ ، وذُكر قوله : {لئلا يكون للناس} الخ. أ هـ\r{التحرير والتنوير حـ 2 صـ 45}\rفائدة\rعُطف قولُه : {ومن حيث خرجت} على قوله : {فول وجهك شطر المسجد الحرام} [البقرة : 144] عَطْف حكم على حكم من جنسِه للإعلام بأن استقبال الكعبة في الصلاة المفروضة لا تَهاوُن في القيام به ولو في حالة العذر كالسفر ، فالمراد من {حَيث خرجتَ} من كل مكان خرجتَ مسافراً لأن السفر مظنة المشقة في الاهتداء لجهة الكعبة فربما يتوهم متوهم سقوط الاستقبال عنه.\rأ هـ {التحرير والتنوير حـ 2 صـ 44}\rوقال الثعالبى : ","part":2,"page":255},{"id":742,"text":"وقوله تعالى : {فَوَلُّواْ وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ} أمر باستقبال القبْلَة ، وهو شرطٌ في الفرض إِلاَّ في القتالِ حالة الالتحامِ ، وفي النوافل إِلا في السفرِ الطويلِ للرَّاكب ، والقدرةُ على اليقينِ في مصادفتها تَمْنَعُ من الاِجتهادِ ، وعلى الاِجتهادِ تَمْنَعُ من التقليد. أ هـ {الجواهر الحسان حـ 1 صـ 119}\rسؤال : ما فائدة هذا القيد {ومّنْ حَيْثُ خَرَجْتَ}\rالجواب : وزاد {ومّنْ حَيْثُ خَرَجْتَ} دفعاً لتوهم مخالفة حال السفر لحال الحضر بأن يكون حال السفر باقياً على ما كان كما في الصلاة حيث زيد في الحضر ركعتان أو يكون مخيراً بين التوجهين كما في الصوم. أ هـ\r{روح المعانى حـ 2 صـ 17}\rلطيفة\rقال الحرالي : ومن التفت بقلبه في صلاته إلى غير ربه لم تنفعه وجهة وجه بدنه إلى الكعبة ، لأن ذلك حكم حق حقيقته توجه القلب ومن التفت بقلبه إلى شيء من الخلق في صلاته فهو مثل الذي استدبر بوجهه عن شطر قبلته ، فكما يتداعى الإجزاء الفقهي باستدبار الكعبة حساً فكذلك يتداعى القبول باستدبار وجه القلب عن الرب غيباً ، فلذلك أقبل هذا الخطاب على الذين آمنوا والذين أسلموا ، لأنه هو ـ صلى الله عليه وسلم ـ مبرأ عن مثله - انتهى.{نظم الدرر حـ 1 صـ 272}\rقوله تعالى {لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ}\rسؤال : ما نوع التعريف فى كلمة (الناس) ؟ وما فائدته ؟ \rوالتعريف في (الناس) للاستغراق يشمل مشركي مكة فإن من شبهتهم أن يقولوا لا نتبع هذا الدين إذ ليس ملة إبراهيم لأنه استقبَل قبلة اليهود والنصارى ، وأهلَ الكتاب ، والحجة أن يقولوا إنَّ محمداً اقتدى بنا واستقبل قبلتنا فكيف يدعونا إلى اتباعه. ولجميع الناس ممن عداكم حجة عليكم ، أي ليكون هذا الدين مخالفاً في الاستقبال لكل دين سبقه فلا يدعي أهل دين من الأديان أن الإسلام مقتبس منه.","part":2,"page":256},{"id":743,"text":"ولا شك أن ظهور الاستقبال يكون في أمر مشاهد لكل أحد لأن إدراك المخالفة في الأحكام والمقاصد الشرعية والكمالات النفسانية التي فَضُل بها الإسلام غيرَه لا يدركه كل أحد بل لا يعلمه إلاّ الذين أوتوا العلم ، وعلى هذا يكون قوله : {لئلا يكون للناس عليكم حجة} ناظراً إلى قوله : {وإن الذين أوتوا الكتاب ليعلمون أنه الحق} [البقرة : 144] ، وقوله : {الذين آتيناهم الكتاب يعرفونه} [البقرة : 146]. أ هـ {التحرير والتنوير حـ 2 صـ 46}\rسؤال : من المراد من (الناس) ؟ \rالجواب : قيل : أراد بالناس أهل الكتاب : وقيل : هو على العموم وقيل هم قريش واليهود فأما قريش فقالوا : رجع محمد إلى الكعبة لأنه علم أنها الحق وأنها قبلة أبيه وسيرجع إلى ديننا كما رجع إلى قبلتنا وقالت اليهود : لم ينصرف محمد عن بيت المقدس مع علمه أنه حق إلاّ أنه يعمل برأيه. أ هـ {تفسير الخازن حـ 1 صـ 93}\rسؤال : قال الفخر : ههنا سؤال ، وهو أن شبهة هؤلاء الذين ظلموا أنفسهم ليست بحجة ، فكيف يجوز استثناؤها عن الحجة وقد اختلف الناس فيه على أقوال.\rالأول : أنه استثناء متصل ثم على هذا القول يمكن دفع السؤال من وجوه : \rالوجه الأول : أن الحجة كما أنها قد تكون صحيحة ، قد تكون أيضاً باطلة ، قال الله تعالى {حُجَّتُهُمْ دَاحِضَةٌ عِندَ رَبّهِمْ} [الشورى : 16] وقال تعالى : {فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِن بَعْدِ مَا جَاءكَ مِنَ العلم} [آل عمران : 61] والمحاجة هي أن يورد كل واحد منهم على صاحبه حجة وهذا يقتضي أن يكون الذي يورد المبطل يسمى بالحجة ولأن الحجة اشتقاقها من حجة إذا علا عليه فكل كلام يقصد به غلبة الغير فهو حجة ، وقال بعضهم : إنها مأخوذة من محجة الطريق ، فكل كلام يتخذه الإنسان مسلكاً لنفسه في إثبات أو إبطال فهو حجة ، وإذا ثبت أن الشبهة قد تسمى حجة كان الاستثناء متصلاً.","part":2,"page":257},{"id":744,"text":"الوجه الثاني : في تقرير أنه استثناء متصل : أن المراد بالناس أهل الكتاب فإنهم وجدوه في كتابهم أنه عليه الصلاة والسلام يحول القبلة فلما حولت ، بطلت حجتهم إلا الذين ظلموا بسبب أنهم كتموا ما عرفوا عن أبي روق.\rالوجه الثالث : أنهم لما أوردوا تلك الشبهة على اعتقاد أنها حجة سماها الله.\r( حجة) بناء على معتقدهم أو لعله تعالى سماها (حجة) تهكماً بهم.\rالوجه الرابع : أراد بالحجة المحاجة والمجادلة فقال : {لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ إِلاَّ الذين ظَلَمُواْ مِنْهُمْ} فإنهم يحاجونكم بالباطل.\rالقول الثاني : أنه استثناء منقطع ، ومعناه لكن الذين ظلموا منهم يتعلقون بالشبهة ويضعونها موضع الحجة ، وهو كقوله تعالى : {مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلاَّ اتباع الظن} [النساء : 157] وقال النابغة : \rولا عيب فيهم غير أن سيوفهم.\rبهن فلول من قراع الكتائب\rومعناه : لكن بسيوفهم فلول وليس بعيب ويقال ما له على حق إلا التعدي يعني لكنه يتعدى ويظلم ، ونظيره أيضاً قوله تعالى : {إِنّى لاَ يَخَافُ لَدَىَّ المرسلون إَلاَّ مَن ظَلَمَ} [النمل : 10 ، 11] وقال : {لا عَاصِمَ اليوم مِنْ أَمْرِ الله إِلاَّ مَن رَّحِمَ} [هود : 43] وهذا النوع من الكلام عادة مشهورة للعرب.\rالقول الثالث : زعم أبو عبيدة أن (إلا) بمعنى الواو كأنه تعالى قال : لئلا يكون للناس عليكم حجة وللذين ظلموا وأنشد : \rوكل أخ مفارقه أخوه.\rلعمر أبيك إلا الفرقدان\rيعني : والفرقدان.\rالقول الرابع : قال قطرب : موضع {الذين} خفض لأنه بدل من الكاف والميم في عليكم كأنه قيل : لئلا يكون عليكم حجة إلا الذين ظلموا فإنه يكون حجة عليهم وهم الكفار ، قال علي ابن عيسى : هذان الوجهان بعيدان.أ هـ\r{مفاتيح الغيب حـ 4 صـ 127}\rسؤال : لم وصف الحجة بالاستعلاء {عليكم حجة} ؟ ","part":2,"page":258},{"id":745,"text":"الجواب : وصفها بالاستعلاء عليهم لما يحصل بها من الأذى بدلالتها على العداوة والشقاق لا بتغييرها في وجه شيء من الأدلة.أ هـ\r{نظم الدرر حـ 1صـ 273}\rقوله تعالى : {فَلاَ تَخْشَوْهُمْ واخشونى}\rأما قوله تعالى : {فَلاَ تَخْشَوْهُمْ واخشونى} فالمعنى لا تخشوا من تقدم ذكره ممن يتعنت ويجادل ويحاج ، ولا تخافوا مطاعنهم في قبلتكم فإنهم لا يضررنكم واخشوني ، يعني احذروا عقابي إن أنتم عدلتم عما ألزمتكم وفرضت عليكم ، وهذه الآية يدل على أن الواجب على المرء في كل أفعاله وتروكه أن ينصب بين عينيه : خشية عقاب الله ، وأن يعلم أنه ليس في يد الخلق شيء ألبتة ، وأن لا يكون مشتغل القلب بهم ، ولا ملتفت الخاطر إليهم. أ هـ\r{مفاتيح الغيب حـ 4 صـ 127}\rوقال القرطبى : \rقوله تعالى : {فَلاَ تَخْشَوْهُمْ} يريد الناس {واخشوني} الخَشْيَةُ أصلها طمأنينة في القلب تبعث على التَّوقي. والخوف : فزع القلب تَخِفُ له الأعضاء ، ولِخفّة الأعضاء به سُمِّيَ خَوْفاً. ومعنى الآية التّحقير لكل مَن سوى الله تعالى ، والأمر باطراح أمرهم ومراعاة أمر الله تعالى. أ هـ\r{تفسير القرطبى حـ 2 صـ 170}\rسؤال : قال ابن عرفة : كيف ينهى المكلف عن فعل أمر هو فيه بالطبع لأن الخوف من العدو أمر جبلي لا يستطيع الإنسان زواله ؟ \rوأجاب عن ذلك بأن أوائل ذلك حاصل بالطبع والدوام عليه هو المنهي (عنه).\rأ هـ {تفسير ابن عرفة صـ 191}\rقوله تعالى : {وَلأُتِمَّ نِعْمَتِى عَلَيْكُمْ}\rقال الإمام الفخر : \rأما قوله تعالى : {وَلأُتِمَّ نِعْمَتِى عَلَيْكُمْ} فقد اختلفوا في متعلق اللام على وجوه.\rأحدها : أنه راجع إلى قوله تعالى : {لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ ولأُتِمَّ نِعْمَتِى عَلَيْكُمْ} فبين الله تعالى أنه حولهم إلى هذه الكعبة لهاتين الحكمتين.\rإحداهما : لانقطاع حجتهم عنه.","part":2,"page":259},{"id":746,"text":"والثانية : لتمام النعمة ، وقد بين أبو مسلم بن بحر الأصفهاني ما في ذلك من النعمة ، وهو أن القوم كانوا يفتخرون باتباع إبراهيم في جميع ما كانوا يفعلون فلما حول ـ صلى الله عليه وسلم ـ إلى بيت المقدس لحقهم ضعف قلب ، ولذلك كان النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ يحب التحول إلى الكعبة لما فيه من شرف البقعة فهذا موضع النعمة.\rوثانيها : أن متعلق اللام محذوف ، معناه : ولإتمام النعمة عليكم وإرادتي اهتداءكم أمرتكم بذلك.\rوثالثها : أن يعطف على علة مقدرة ، كأنه قيل : واحشوني لأوفقكم ولأتم نعمتي عليكم ، والقول الأول أقرب إلى الصواب فإن قيل : إنه تعالى أنزل عند قرب وفاة رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ : {اليوم أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِى} [المائدة : 3] فبين أن تمام النعمة إنما حصل ذلك اليوم ، فكيف قال قبل ذلك اليوم بسنين كثيرة في هذه الآية : {وَلأُتِمَّ نِعْمَتِى عَلَيْكُمْ} قلنا : تمام النعمة اللائقة في كل وقت هو الذي خصه به ، وفي الحديث : \" تمام النعمة دخول الجنة \" وعن علي رضي الله عنه : تمام النعمة الموت على الإسلام.\rأ هـ {مفاتيح الغيب حـ 4 صـ 128}\rوقال البقاعى : \rقال الحرالي : وفي طيه بشرى بفتح مكة واستيلائه على جزيرة العرب كلها وتمكنه بذلك من سائر أهل الأرض لاستغراق الإسلام لكافة العرب الذين فتح الله بهم له مشارق الأرض ومغاربها التي انتهى إليها ملك أمته - انتهى.\r{نظم الدرر حـ 1 صـ 274}\rوقال فى التحرير\rالمراد بالإتمام هنا إعطاء الشيء وافراً من أول الأمر لا إتمامه بعد أن كان ناقصاً ، فهو قريب من قوله تعالى : {فأتمهن} [البقرة : 124] أي امتثلهن امتثالاً تاماً وليس المراد أنه فعل بعضها ثم فعل بعضاً آخر ، فمعنى الآية ولتكون نعمتي نعمة وافرة في كل حال. أ هـ {التحرير والتنوير حـ 2 صـ 47}","part":2,"page":260},{"id":747,"text":"فروق لغوية دقيقة\rالفرق بين الإنعام والإحسان\rأن الإنعام لا يكون إلا من المنعم على غيره لأنه متضمن بالشكر يجب وجوب الدين ويجوز إحسان الإنسان إلى نفسه تقول لمن يتعلم العلم إنه محسن إلى نفسه ولا تقول منعم على نفسه والإحسان متضمن بالحمد ويجوز حمد الحامد لنفسه والنعمة متضمنة بالشكر ولا يجوز شكر الشاكر لنفسه لأنه يجري مجرى الدين ولا يجوز أن يؤدي الإنسان الدين إلى نفسه والحمد يقتضي تبقية الإحسان إذا كان للغير والشكر يقتضي تبقية النعمة ويكون من الإحسان ما هو ضرر مثل تعذيب الله تعالى أهل النار وكل من جاء بفعل حسن فقد أحسن\rألا ترى أن من أقام حدا فقد أحسن وإن أنزل بالمحدود ضررا ثم استعمل في النفع والخير خاصة فيقال أحسن إلى فلان إذا نفعه ولا يقال أحسن إليه إذا حده ويقولون للنفع كله إحسان ولا يقولون للضرر كله إساءه فلو كان معنى الإحسان هو النفع على الحقيقة لكان معنى الإساءة الضرر على الحقيقة لأنه ضده والأب يحسن إلى ولده بسقيه الدواء المر وبالفصد والحجامة ولا يقال ينعم عليه بذلك ويقال أحسن إذا أتى بفعل حسن ولا يقال أقبح\rإذا أتى قبيحا اكتفوا بقولهم أساء وقد يكون أيضا من النعمة ما هو ضرر مثل التكليف نسميه لما يؤدي من اللذة والسرور\rالفرق بين الإحسان والنفع\rأن النفع قد يكون من غير قصد والإحسان لا يكون إلا مع القصد تقول ينفعني العدو بما فعله بي إذا أراد ضرا فوقع نفعا ولا يقال أحسن إلى في ذلك\rالفرق بين الإحسان والإجمال","part":2,"page":261},{"id":748,"text":"أن الإجمال هو الإحسان الظاهر من قولك رجل جميل كأنما يجري فيه السمن وأصل الجميل الودك واجتمل الرجل إذا طبخ العظام ليخرج ودكها ويقال أحسن إليه فيعدى بإلى وأجمل في أمره لأنه فعل الجميل في أمره ويقال أنعم عليه لأنه دخله معنى علو نعمة عليه فهي غامرة له ولذلك يقال هو غريق في النعمة ولا يقال غريق في الإحسان والإجمال ويقال أجمل الحساب فيعدى ذلك بنفسه لأنه مضمن بمفعول ينبىء عنه من غير وسيلة وقد يكون الإحسان مثل الإحمال في استحقاق الحمد به وكما يجوز أن يحسن الإنسان إلى نفسه يجوز أن يجمل في فعله لنفسه. أ هـ {الفروق فى اللغة صـ 162 ـ 163}","part":2,"page":262},{"id":749,"text":"قوله تعالى : {وَلَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ}.\rسؤال : إن قلت : هذا تكرار لأن الهداية من جملة (النعم) ؟ \rقلنا : المراد النعم الآتية من عند الله تعالى لا تسبب فيها للمكلف بخلاف الهداية والضلال فإن له (فيها كسبا وأرادة). أ هـ {تفسير ابن عرفة صـ 191}\rوقال السعدى ـ رحمه الله ـ : \r{وَلَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ} أي : تعلمون الحق ، وتعملون به ، فالله تبارك وتعالى - من رحمته - بالعباد ، قد يسر لهم أسباب الهداية غاية التيسير ، ونبههم على سلوك طرقها ، وبينها لهم أتم تبيين ، حتى إن من جملة ذلك أنه يقيض للحق ، المعاندين له فيجادلون فيه ، فيتضح بذلك الحق ، وتظهر آياته وأعلامه ، ويتضح بطلان الباطل ، وأنه لا حقيقة له ، ولولا قيامه في مقابلة الحق ، لربما لم يتبين حاله لأكثر الخلق ، وبضدها تتبين الأشياء ، فلولا الليل ، ما عرف فضل النهار ، ولولا القبيح ، ما عرف فضل الحسن ، ولولا الظلمة ما عرف منفعة النور ، ولولا الباطل ما اتضح الحق اتضاحا ظاهرا ، فلله الحمد على ذلك.أ هـ {تفسير السعدى صـ 73}\rلطيفة لغوية\rقال الإمام الثعلبى ـ رحمه الله ـ : \r{وَلَعَلَّكُمْ} في لعلّ ست لغات : علّ ولعلّ ولعنّ وعنّ ولعّا.\rولها ستة أوجه هي من الله عزّ وجلّ واجب ، \rومن النّاس على معاني قد تكون بمعنى الاستفهام كقول القائل : لعلّك فعلت ذلك مستفهماً.\rوتكون بمعنى الظّن كقول القائل : قدم فلان فردّ عليه الرّاد : لعلّ ذلك.\rبمعنى أظنّ وأرى ذلك.\rوتكون بمعنى الإيجاب بمنزلة ما أخلقه كقوله : قد وجبت الصّلاة فيرد الرّاد : لعلّ ذلك أي ما أخلقه.\rوأنشد الفرّاء : \rلعلّ المنايا مرّة ستعود\rوآخر عهد الزائرين جديد\rوتكون بمعنى الترجّي والتمنّي كقولك : لعلّ الله أن يرزقني مالاً ، \rولعلّني أحجّ.\rوأنشد الفرّاء : \rلعلّي في هدى أفي وجودي\rوتقطيعي التنوقة واختيالي\rسيوشك أن يتيح إلى كريم\rينالك بالذّرى قبل السؤال\rويكون بمعنى عسى تكون ما يراد ولا يكون كقوله : {يا هامان ابن لي صرحاً لعلّي أبلغ الأسباب}. أي عسى أبلغ.","part":2,"page":263},{"id":750,"text":"وقال أبو داود : \rفأبلوني بليتكم لعلّي\rأُصالحكم واستدرج نويا\rأي نواي ويكون بمعنى كي على الجزاء كقوله : {انظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الآيَاتِ لَعَلَّهُمْ يَفْقَهُونَ} بمعنى لكي يفقهوا ونظائرها كثيرة وقوله : {وَلَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ} أي لكي تهتدوا من الضّلالة.أهـ {الكشف والبيان حـ 2 صـ 18}\rمن لطائف الإمام القشيرى فى آيات القبلة\rقوله جلّ ذكره : {وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ المَسْجِدِ الحَرَامِ}.\rكما تستقبلون أينما كنتم القِبْلَة - قَرُبتُم منها أم بَعُدْتُم - فكذلك أَقْبَلُوا علينا بقلوبكم كيفما كنتم ، حَظَيتم منا أو مُنِيتُم.\rقوله جلّ ذكره : {وَحَيْثُ مَا كُنتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ إِلاَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ}.\rإذا أردت ألا يكون لأحد عليك سبيلٌ ، ولا يقع لمخلوق عليك ظِلٌّ ، ولا تصل إليك بالسوءِ يَدٌ ، فحيثما كنتَ وأينما كنتَ وكيفما كنت كن لَنَا وكُن مِنّا ، فإِنَّ من انقطع إلينا لا يتطرق إليه حدثان.\rقوله جلّ ذكره : {وَلأُتِمَّ نِعْمَتِى عَلَيْكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ}.\rإتمام النعمة إضافة الكشف إلى اللطف ، فإن من كفاه بمقتضى جوده دون من أغناه بحق وجوده ، وفي معناه أنشدوا : \rنحن في أكمل السرورِ ولكنْ... ليس إلا بكم يَتمُّ السرور\rعيبُ ما نحن فيه - يا أهلَ وُدِّي -... أنّكم غُيَّبٌ ونحن الحُضُور.\rأ هـ {لطائف الإشارات حـ 1 صـ 136}\rفوائد\rقال السعدى ـ رحمه الله ـ : \rوكان صرف المسلمين إلى الكعبة ، مما حصلت فيه فتنة كبيرة ، أشاعها أهل الكتاب ، والمنافقون ، والمشركون ، وأكثروا فيها من الكلام والشبه ، فلهذا بسطها الله تعالى ، وبينها أكمل بيان ، وأكدها بأنواع من التأكيدات ، التي تضمنتها هذه الآيات.","part":2,"page":264},{"id":751,"text":"منها : الأمر بها ، ثلاث مرات ، مع كفاية المرة الواحدة ، ومنها : أن المعهود ، أن الأمر ، إما أن يكون للرسول ، فتدخل فيه الأمة تبعا ، أو للأمة عموما ، وفي هذه الآية أمر فيها الرسول بالخصوص في قوله : {فَوَلِّ وَجْهَكَ} والأمة عموما في قوله : {فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ}.\r [ص 74] \rومنها : أنه رد فيه جميع الاحتجاجات الباطلة ، التي أوردها أهل العناد وأبطلها شبهة شبهة ، كما تقدم توضيحها ، ومنها : أنه قطع الأطماع من اتباع الرسول قبلة أهل الكتاب ، ومنها قوله : {وَإِنَّهُ لَلْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ} فمجرد إخبار الصادق العظيم كاف شاف ، ولكن مع هذا قال : {وَإِنَّهُ لَلْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ}.\rومنها : أنه أخبر - وهو العالم بالخفيات - أن أهل الكتاب متقرر عندهم ، صحة هذا الأمر ، ولكنهم يكتمون هذه الشهادة مع العلم. أ هـ\r{تفسير السعدى صـ 73}\rقوله تعالى {كَمَا أَرْسَلْنَا فِيكُمْ رَسُولًا مِنْكُمْ يَتْلُو عَلَيْكُمْ آَيَاتِنَا وَيُزَكِّيكُمْ وَيُعَلِّمُكُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُعَلِّمُكُمْ مَا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ (151)}\rمناسبة الآية لما قبلها\rاعلم أنا قد بينا أن الله تعالى استدل على صحة دين محمد عليه الصلاة والسلام بوجوه ، بعضها إلزامية ، وهو أن هذا الدين دين إبراهيم فوجب قبوله ، وهو المراد بقوله : {وَمَن يَرْغَبُ عَن مِلَّةِ إبراهيم إِلاَّ مَن سَفِهَ نَفْسَهُ} [البقرة : 130] وبعضها برهانية وهو قوله : {قُولُواْ ءامَنَّا بالله وَمَا أُنزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنزِلَ إِلَى إبراهيم وإسماعيل وإسحاق وَيَعْقُوبَ والأسباط} [البقرة : 136] ثم إنه سبحانه وتعالى عقب هذا الإستدلال بحكاية شبهتين لهم.\rإحداهما : قوله : {وَقَالُواْ كُونُواْ هُودًا أَوْ نصارى تَهْتَدُواْ} [البقرة : 135].\r","part":2,"page":265},{"id":752,"text":"والثانية : استدلالهم بإنكار النسخ على القدح في هذه الشريعة ، وهو قول : {سَيَقُولُ السفهاء مِنَ الناس مَا ولاهم عَن قِبْلَتِهِمُ التى كَانُواْ عَلَيْهَا} [البقرة : 142] وأطنب الله تعالى في الجواب عن الشبهة وبالحق فعل ذلك ، لأن أعظم الشبهة لليهود في إنكار نبوة محمد عليه الصلاة والسلام النسخ ، فلا جرم أطنب الله تعالى في الجواب عن هذه الشبهة ، وختم ذلك الجواب بقوله : {وَلأُتِمَّ نِعْمَتِى عَلَيْكُمْ} فصار هذا الكلام مع ما فيه من الجواب عن الشبهة تنبيهاً على عظيم نعم الله تعالى ، ولا شك أن ذلك أشد استمالة لحصول العز والشرف في الدنيا ، والتخلص في الذل والمهانة يكون مرغوباً فيه ، وعند اجتماع الأمرين فقد بلغ النهاية في هذا الباب. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 4 صـ 129}\rمسائل نفيسه وقيمة فى الآية للإمام الفخر\rالمسألة الأولى : هذا الكاف إما أن يتعلق بما قبله أو بما بعده ، فإن قلنا : إنه متعلق بما قبله ففيه وجوه.\rالأول : أنه راجع إلى قوله : {وَلأُتِمَّ نِعْمَتِى عَلَيْكُمْ} [البقرة : 150] أي ولأتم نعمتي عليكم في الدنيا بحصول الشرف ، وفي الآخرة بالفوز بالثواب ، كما أتممتها عليكم في الدنيا بإرسال الرسول.\rالثاني : أن إبراهيم ـ عليه السلام ـ قال : {رَبَّنَا وابعث فِيهِمْ رَسُولاً مّنْهُمْ يَتْلُواْ عَلَيْهِمْ آياتك وَيُزَكّيهِمْ} [البقرة : 129] وقال أيضاً : {وَمِن ذُرّيَّتِنَا أُمَّةً مُّسْلِمَةً لَّكَ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا} [البقرة : 128] فكأنه تعالى قال : ولأتم نعمتي عليكم ببيان الشرائع ، وأهديكم إلى الدين إجابة لدعوة إبراهيم ، كما أرسلنا فيكم رسولاً إجابة لدعوته عن ابن جرير.","part":2,"page":266},{"id":753,"text":"الثالث : قول أبي مسلم الأصفهاني ، وهو أن التقدير : وكذلك جعلناكم أمة وسطاً كما أرسلنا فيكم رسولاً ، أي كما أرسلنا فيكم رسولاً من شأنه وصفته كذا وكذا ، فكذلك جعلناكم أمة وسطاً ، وأما إن قلنا : أنّه متعلق بما بعده ، فالتقدير : كما أرسلنا فيكم رسولاً منكم يعلمكم الدين والشرع ، فاذكروني أذكركم وهو اختيار الأصم وتقريره إنكم كنتم على صورة لا تتلون كتاباً ، ولا تعلمون رسولاً ، ومحمد ـ صلى الله عليه وسلم ـ رجل منكم ليس بصاحب كتاب ، ثم أتاكم بأعجب الآيات يتلوه عليكم بلسانكم وفيه ما في كتب الأنبياء ، وفيه الخبر عن أحوالهم ، وفيه التنبيه على دلائل التوحيد والمعاد وفيه التنبيه على الأخلاق الشريفة ، والنهي عن أخلاق السفهاء ، وفي ذلك أعظم البرهان على صدقه فقال : كما أوليتكم هذه النعمة وجعلتها لكم دليلاً ، فاذكروني بالشكر عليها ، أذكركم برحمتي وثوابي ، والذي يؤكده قوله تعالى : \r{لَقَدْ مَنَّ الله عَلَى المؤمنين إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولاً مّنْ أَنفُسِهِمْ} [آل عمران : 164] فلما ذكرهم هذه النعمة والمنة ، أمرهم في مقابلتها بالذكر والشكر فإن قيل : {كما} هل يجوز أن يكون جواباً ؟ قلنا : جوزه الفراء وجعل لأذكروني جوابين.\rأحدهما : {كَمَا}.\rوالثاني : {أَذْكُرْكُمْ} ووجه ذلك لأنه أوجب عليهم الذكر ليذكرهم الله برحمته ، ولما سلف من نعمته ، قال القاضي : والوجه الأول أولى لأنه قبل الكلام إذا وجد ما يتم به الكلام من غير فصل فتعلقه به أولى.\rالمسألة الثانية : في وجه التشبيه قولان : إن قلنا لكاف متعلق بقوله ولأتم نعمتي كان المعنى أن النعمة في أمر القبلة كالنعمة بالرسالة لأنه تعالى يفعل الأصلح ، وإن قلنا إنه متعلق بقوله تعالى : {اذكروني} دل ذلك على أن النعمة بالذكر جارية مجرى النعمة بالرسالة.\r","part":2,"page":267},{"id":754,"text":"المسألة الثالثة : {مَا} في قوله : {كَمَا أَرْسَلْنَا} مصدرية كأنه قيل : كإرسالنا فيكم ، ويحتمل أن تكون كافة.\rأما قوله تعالى : {فيكُمْ} فالمراد به العرب وكذلك قوله : {مّنكُمْ} وفي إرساله فيهم ومنهم ، نعم عظيمة عليهم لما لهم فيه الشرف ، ولأن المشهور من حال العرب الأنفة الشديدة من الإنقياد للغير فبعثه الله تعالى من واسطتهم ليكونوا إلى القبول أقرب. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 4 صـ 129 ـ 130}","part":2,"page":268},{"id":755,"text":"وقال العلامة ابن عاشور : \rتشبيهن للعلتين من قوله : {لأتم} [البقرة : 150] وقوله : {ولعلكم تهتدون} [البقرة : 150] أي ذلك من نعمتي عليكم كنعمة إرسال محمد ـ صلى الله عليه وسلم ـ وجعل الإرسال مشبهاً به لأنه أسبق وأظهر تحقيقاً للمشبه أي إن المبادىء دلت على الغايات وهذا كقوله في الحديث \" كما صليت على إبراهيم \" ونكر (رسول) للتعظيم ولتجري عليه الصفات التي كل واحدة منها نعمة خاصة ، فالخطاب في قوله : {فيكم} وما بعده للمؤمنين من المهاجرين والأنصار تذكيراً لهم بنعمة الله عليهم بأن بعث إليهم رسولاً بين ظهرانيهم ومن قومهم لأن ذلك أقوى تيسيراً لهدايتهم ، وهذا على نحو دعوة إبراهيم : {ربنا وابعث فيهم رسولاً منهم} [البقرة : 129] وقد امتن الله على عموم المؤمنين من العرب وغيرهم بقوله : {لقد منَّ الله على المؤمنين إذ بعث فيهم رسولاً من أنفسهم} [آل عمران : 164] أي جنسهم الإنساني لأن ذلك آنس لهم مما لو كان رسولهم من الملائكة قال تعالى : ولذلك علق بفعل {أرسلنا} حرفُ {فِي} ولم يعلَّق به حرف {إلى} كما في قوله : {إنا أرسلنا إليكم رسولاً شاهداً عليكم} [المزمل : 15] ، لأن ذلك مقام احتجاج وهذا مقام امتنان فناسب أن يذكر ما به تمام المنة وهي أن جعل رسولهم فيهم ومنهم ، أي هو موجود في قومهم وهو عربي مثلهم ، والمسلمون يومئذٍ هم العرب أي الذين يتكلمون باللغة العربية فالأمة العربية يومئذٍ تتكلم بلسان واحد سواء في ذلك العدنانيون والقحطانيون ومن تبعهم من الأحلاف والموالي مثل سلمانَ الفارسي وبلال الحبشي وعبدِ الله بن سَلاَم الإسرائيلي ، إذ نعمة الرسالة في الإبلاغ والإفهام ، فالرسول يكلمهم بلسانهم فيفهمون جميع مقاصده ، ويدركون إعجاز القرآن ، ويفوزون بمزية نقل هذا الدين إلى الأمم ، وهذه المزية ينالها كل من تعلَّم اللسان العربي كغالب الأمم الإسلامية ، وبذلك كان تبليغ الإسلام بواسطة أمة كاملة فيكون نقله متواتراً ، ويسهل","part":2,"page":269},{"id":756,"text":"انتشاره سريعاً. أ هـ {التحرير والتنوير حـ 2 صـ 48}\rوقال ابن عرفة : \rقوله تعالى : {مِّنكُمْ يَتْلُواْ عَلَيْكُمْ آيَاتِنَا..}.\rدليل على أن الخاصية التي اختصّ الرسل بها حكمية وليست خلقية بوجه ، وفيه التنبيه على حكمة إرساله منهم وهو تبرئته ـ صلى الله عليه وسلم ـ عن أن يكون ساحرا أو مجنونا ، فيقال إليهم : لم نرسل إليكم أحدا تجهلونه بل أرسلنا واحدا منكم نشأ بين أظهركم وعرفتم براءته من كل (آفة تنسب) إليه. أ هـ\r{تفسير ابن عرفة صـ 192}\rقوله تعالى {يتلوا عليكم آياتنا}\rقال الإمام البقاعى : \r{يتلوا عليكم آياتنا} الحافظة لمن رعاها حق رعايتها على الصراط المستقيم عوضاً من تناشدكم الأشعار. قال الحرالي : وفيه أخذهم بما هو في طباعهم من إيثار أمر السمع على أمر العين الذي عليه جبلت العرب ، لأنها أمة تؤثر مسموع المدح والثناء من الخلق على ما تناله من الراحة فتجهد في طلب الثناء من الخلق ما لم تجهد أمة غيرها ، فكيف بها إذا كان ما دعيت إليه ثناء الحق عليها وتخليد ذلك لها في كلام هو كلام ربها. فتنال بذلك ما هو فوق مقصودها مما جبلت عليه من إيثار السماع على العين بخلاف ما عليه سائر الأمم ؛ ثم قال : وفيه إغناء العرب عن إعمال أفكارها في تكسب العلم والحكمة لتستخرج منه أحكاماً ، فكان في تلاوة الآيات عليهم إغناؤهم عن الاستدلال بالدلائل وأخذ الأمور بالشواهد وتولي الله ورسوله تعليمهم ليكون شرف المتعلم بحسب علاء من علمه ، ففضل علماء العرب على سائر العلماء كفضل النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ على معلمهم ممن سواه ـ صلى الله عليه وسلم ـ. أ هـ {نظم الدرر حـ 1 صـ 275}","part":2,"page":270},{"id":757,"text":"وقال الشيخ الطاهر بن عاشور : \rوقوله : {يتلوا عليكم آياتنا} أي يقرأ عليكم القرآن وسماه أولاً آيات باعتبار كون كل كلام منه معجزة ، وسماه ثانياً كتاباً باعتبار كونه كتاب شريعة ، وقد تقدم نظيره آنفاً عند قوله تعالى : {ربنا وابعث فيهم رسولاً منهم يتلوا عليهم أياتك ويعلمهم الكتاب والحكمة} [البقرة : 129]. عبر بيتلو لأن نزول القرآن مستمر وقراءة النبي له متوالية وفي كل قراءة يحصل علم بالمعجزة للسامعين.\rوقوله : {ويزكيكم} الخ التزكية تطهير النفس مشتقة من الزكاة وهي النماء ، وذلك لأن في أصل خلقة النفوس كمالاتٍ وطهاراتٍ تعترضُها أرجاس ناشئة عن ضلال أو تضليل ، فتهذيب النفوس وتقويمها يزيدها من ذلك الخير المودع فيها ، قال تعالى : {لقد خلقنا الإنسان في أحسن تكوين ، ثم رددناه أسفل سافلين ، إلا الذين أمنوا وعملوا الصالحات} [التين : 4 6] ، وفي الحديث : \" بُعثت لأُتمم حُسْن الأخلاق \" ففي الإرشاد إلى الصلاح والكمال نماء لما أودع الله في النفوس من الخير في الفطرة. أ هـ {التحرير والتنوير حـ 2 صـ 49}\rقوله تعالى {رَسُولًا مِنْكُمْ يَتْلُو عَلَيْكُمْ آَيَاتِنَا وَيُزَكِّيكُمْ}\rقال العلامة الآلوسى : ","part":2,"page":271},{"id":758,"text":"{يَتْلُواْ عَلَيْكُمْ ءاياتنا} صفة (رسولاً) وفيه إشارة إلى طريق إثبات نبوته عليه الصلاة والسلام لأن تلاوة الأمي الآيات الخارجة عن طوق البشر باعتبار بلاغتها واشتمالها على الإخبار بالمغيبات والمصالح التي ينتظم بها أمر المعاد والمعاش أقوى دليل على نبوته {وَيُزَكِيكُمْ} أي يطهركم من الشرك وهي صفة أخرى للرسول وأتى بها عقب التلاوة لأن التطهير عن ذلك ناشىء عن إظهار المعجزة لمن أراد الله تعالى توفيقه {وَيُعَلّمُكُمُ الكتاب والحكمة} صفة إثر صفة وأخرت لأن تعليم الكتاب وتفهيم ما انطوى عليه من الحكمة الإلهية والأسرار الربانية إنما يكون بعد التخلي عن دنس الشرك ونجس الشك بالاتباع ، وأما قبل ذلك فالكفر حجاب. أ هـ {روح المعانى حـ 2 صـ 18}\rقوله تعالى : {يَتْلُو عَلَيْكُمْ آَيَاتِنَا وَيُزَكِّيكُمْ}\rقال الإمام البقاعى : \rقال الحرالي : أنبأهم بأن هذا التنزيل لأنفسهم بمنزلة الغذاء للأبدان ، فكما تتنامى أجسادهم بماء المزن وما منه فكذلك تتنامى أنفسهم بأحكام الكتاب وتلاوة الآيات ، وذلك زكاؤها ونماؤها ، لتتأكد فيه رغبتهم ، لأن للمغتذي رغبة في الغذاء إذا تحققه ، فمن علم أن التزام الأحكام غذاء لنفسه حرص عليها ، ومتى نمت النفس وزكت قويت على ما شأنها أن تناله قواها ، كما أن البدن إذا قوي بالغذاء تمكن مما شأنه عمله - انتهى. {نظم الدرر حـ 1 صـ 275}\rسؤال : لم قدمت جملة : {ويزكيكم على جملة : ويعلمكم الكتاب والحكمة هنا عكس ما في الآية السابقة في حكاية قول إبراهيم : {يتلوا عليهم أياتك ويعلمهم الكتاب والحكمة ويزكيهم} [البقرة : 129] ؟ ","part":2,"page":272},{"id":759,"text":"الجواب : قدمت جملة : {ويزكيكم على جملة : ويعلمكم الكتاب والحكمة هنا عكس ما في الآية السابقة في حكاية قول إبراهيم : {يتلوا عليهم أياتك ويعلمهم الكتاب والحكمة ويزكيهم} [البقرة : 129] ، لأن المقام هنا للامتنان على المسلمين فقدم فيها ما يفيد معنى المنفعة الحاصلة من تلاوة الآيات عليهم وهي منفعة تزكية نفوسهم اهتماماً بها وبعثاً لها بالحرص على تحصيل وسائلها وتعجيلاً للبشارة بها. فأما في دعوة إبراهيم فقد رتبت الجمل على حسب ترتيب حصول ما تضمنته في الخارج ، مع ما في ذلك التخالف من التفنن. أ هـ {التحرير والتنوير حـ 2 صـ 49}\rوقال ابن عادل : \rالفرق أن المراد بالتزكية هنا التطهير من الكفر ، وكذلك فسروه.\rوهناك المراد بها الشهادة بأنهم خيار أزكياء ، وذلك متأخر عن تعلم الشرائع والعمل بها. أ هـ {تفسير ابن عادل حـ 3 صـ 74}\rوقال ابن عرفة : \r( قال بعضهم) : حيث يقدم التزكية يكون معظم المخاطبين عواما مقلدين ليسوا أهلا (لتعلم) الحكمة والكتاب فتكون التزكية أهم ، وحيث يقدم التعليم يكون المخاطبون خواص فيكون الأهم التعليم مع أن كِلاَ الأمرين مطلوب. والكتاب هو الكلام المعجز ، والحكمة القول غير المعجزة. أ هـ\r{تفسير ابن عرفة صـ 192}\rقوله تعالى {وَيُعَلِّمُكُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُعَلِّمُكُمْ مَا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ}\rسؤال : لم خص تعليم الحكمة من عموم تعليم الكتاب ؟ ","part":2,"page":273},{"id":760,"text":"قال الحرالي : خص تعليم الحكمة من عموم تعليم الكتاب ، لأن التوسل بالأحكام جهد عمل والتوسل بعلم الحكمة يسر منال عقل ، لأن الحكمة منال الأمر الذي فيه عسر بسبب فيه يسر فينال الحكيم بحكمته لاطلاعه على إفضاء مجعول الأسباب بعضها لبعض مما بين أسباب عاجل الدنيا ومسببات آجل الآخرة ما لا يصل إليه جهد العامل الكادح وفي تكملة الكتاب والحكمة بكلمة \" أل \" إنهاء إلى الغاية الجامعة لكل كتاب وحكمة بما يعلمه الأولون والآخرون. ثم قال : وبذلك كان ـ صلى الله عليه وسلم ـ يتكلم في علوم الأولين بكلمات يعجز عنها إدراك الخلق نحو قوله ـ صلى الله عليه وسلم ـ : \" استاكوا بكل عود ما خلا الآس والرمان فإنهما يهيجان عرق الجذام \" لأن الخلق لا يستطيعون حصر كليات المحسوسات ، غاية إدراكهم حصر كليات المعقولات ، ومن استجلى أحواله ـ صلى الله عليه وسلم ـ علم اطلاع حسه على إحاطة المحسوسات وإحاطة حكمها وألسنتها ناطقها وأعجمها حيها وجمادها جمعاً ، لما في العادة حكمة ولما في خرق العادة آية ؛ ثم قال : فعلى قدر ما وهب الله سبحانه وتعالى العبد من العقل يعلمه من الكتاب والحكمة ، يؤثر عن عمر رضي الله تعالى عنه أنه قال : \" كان رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ يكلم أبا بكر رضي الله عنه فكأنما يتكلمان بلسان أعجمي لا أفهم مما يقولان شيئاً \" ولما كان انتهاء ما في الكتاب عند هذه الغاية أنبأ تعالى أن رسوله ـ صلى الله عليه وسلم ـ يعلمهم ما لم يكن في كتابهم مثال علمه. ففيه إشعار بفتح وتجديد فطرة يترقون لها إلى ما لم يكن في كتابهم علمه - انتهى. وذلك لأن استعمال الحكمة موجب للترقي فقال تعالى : {ويعلمكم ما لم تكونوا تعلمون} أي من الاستنباط من الكتاب من المعارف بما يدريكم به من الأقوال والأفعال ويسلككم فيه من طرق الخير الكاشفة لظلام الظلم الجالية لمرأى الأفكار المنورة لبصائر الاعتبار. انتهى. {نظم الدرر حـ 1 صـ 276}","part":2,"page":274},{"id":761,"text":"سؤال : لم أعاد قوله : {ويعلمكم} مع صحة الاستغناء عنه بالعطف ؟\rالجواب : أعاد قوله : {ويعلمكم} مع صحة الاستغناء عنه بالعطف تنصيصاً على المغايرة لئلا يظن أن : {ما لم تكونوا تعلمون} هو الكتاب والحكمة ، وتنصيصاً على أن : {ما لم تكونوا} مفعولاً لا مبتدأ حتى لا يترقب السامع خبراً له فيضل فهمه في ذلك الترقب ، واعلم أن حرف العطف إذا جيء معه بإعادة عامل كان عاطفه عاملاً على مثله فصار من عطف الجمل لكن العاطف حينئذٍ أشبه بالمؤكد لمدلول العامل. أ هـ {التحرير والتنوير حـ 2 صـ 50}\rوقال ابن عرفة :\rقوله تعالى : {وَيُعَلِّمُكُم مَّا لَمْ تَكُونُواْ تَعْلَمُونَ}.\rقيل : إن هذا تكرار ، ففصل في أولها ثم (أجمل) بـ {ما لم تكونوا تعلمون} شمل الكتاب والحكمة. ومنهم من قال : إنّ العلم قسمان : علم يكون (الإنسان) بحيث لو (شحذ) (قريحته) وفكر فيه لأدركه من تلقاء نفسه بعقله (وفطرته) ، وعلم لايمكن للإنسان التوصل إليه من ذاته ولا يقبل أن يتعلمه وحده بعقله بوجه. وهذا هو المراد بقوله {وَيُعَلِّمُكُم مَّا لَمْ تَكُونُواْ تَعْلَمُونَ} أي ما لم تكونوا قابلين لمعرفته بعقولكم. أ هـ {تفسير ابن عرفة صـ 192}\rفائدة\rقال العلامة أبو السعود :","part":2,"page":275},{"id":762,"text":"{وَيُعَلّمُكُمُ الكتاب والحكمة} صفةٌ أخرى مترتبةٌ في الوجود على التلاوة وإنما وسَّطَ بينهما التزكية التي هي عبارةٌ عن تكميل النفسِ بحسَبِ القوةِ العملية وتهذيبِها المتفرِّعِ على تكميلها بحسَب القوة النظرية الحاصلِ بالتعليم المترتب على التلاوة للإيذان بأن كلاً من الأمور المترتبة نعمةٌ جليلةٌ على حِيالها مستوجبةٌ للشكر ، فلو رُوعيَ ترتيبُ الوجود كما في قوله تعالى : {وابعث فِيهِمْ رَسُولاً مّنْهُمْ يَتْلُواْ عَلَيْهِمْ آياتك وَيُعَلّمُهُمُ الكتاب والحكمة وَيُزَكّيهِمْ إِنَّكَ أَنتَ العزيز الحكيم} لتبادَر إلى الفهم كونُ الكلِّ نعمةً واحدةً كما مر نظيرُه في قصة البقرة ، وهو السرُّ في التعبير عن القرآن تارة بالآيات وأخرى بالكتابِ والحِكمة رمزاً إلى أنه باعتبار كلِّ عنوانٍ نعمةٌ على حِدةٍ ، ولا يقدح فيه شمولُ الحكمةِ لما في تضاعيف الأحاديثِ الشريفةِ من الشرائع ، وقولُه عز وجل : {وَيُعَلّمُكُم مَّا لَمْ تَكُونُواْ تَعْلَمُونَ} صريحٌ في ذلك فإن الموصولَ مع كونه عبارةً عن الكتاب والحِكمة قطعاً قد عُطف تعليمُه على تعليمها ، وما ذلك إلا لتفصيل فنونِ النعم في مقامٍ يقتضيه كما في قوله تعالى : {وَنَجَّيْنَاهُمْ مّنْ عَذَابٍ غَلِيظٍ} عقيب قوله تعالى : {نَجَّيْنَا هُودًا والذين ءامَنُواْ مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مّنَّا} والمراد بعدم علمِهم أنه ليس من شأنهم أن يعلموه بالكفر والنظر وغيرِ ذلك من طرق العلم لانحصار الطريقِ في الوحي. أ هـ {تفسير أبى السعود حـ 1 صـ 179}\rوقال الشهيد سيد قطب ـ رحمه الله ـ : \r{ويعلمكم الكتاب والحكمة}..","part":2,"page":276},{"id":763,"text":"وفيها شمول لما سبق من تلاوة الآيات وهي الكتاب ؛ وبيان للمادة الأصيلة فيه ، وهي الحكمة ، والحكمة ثمرة التعليم بهذا الكتاب ؛ وهي ملكة يتأتى معها وضع الأمور في مواضعها الصحيحة ، ووزن الأمور بموازينها الصحيحة ، وإدراك غايات الأوامر والتوجيهات.. وكذلك تحققت هذه الثمرة ناضجة لمن رباهم رسول الله - ـ صلى الله عليه وسلم ـ وزكاهم بآيات الله.\r{ويعلمكم ما لم تكونوا تعلمون}..\rوكان ذلك حقاً في واقع الجماعة المسلمة ، فقد التقطها الإسلام من البيئة العربية لا تعلم إلا أشياء قليلة متناثرة ، تصلح لحياة القبيلة في الصحراء ، أو في تلك المدن الصغيرة المنعزلة في باطن الصحراء. فجعل منها أمة تقود البشرية قيادة حكيمة راشدة ، خبيرة بصيرة عالمة.. وكان هذا القرآن - مع توجيهات الرسول المستمدة كذلك من القرآن - هو مادة التوجيه والتعليم. وكان مسجد رسول الله - ـ صلى الله عليه وسلم ـ الذي يتلى فيه القرآن والتوجيهات المستمدة من القرآن - هو الجامعة الكبرى التي تخرج فيها ذلك الجيل الذي قاد البشرية تلك القيادة الحكيمة الراشدة : القيادة التي لم تعرف لها البشرية نظيراً من قبل ولا من بعد في تاريخ البشرية الطويل.\rوما يزال هذا المنهج الذي خرّج ذلك الجيل وتلك القيادة على استعداد لتخريج أجيال وقيادات على مدار الزمان لو رجعت الأمة المسلمة إلى هذا المعين ولو آمنت حقا بهذا القرآن ولو جعلته منهجاً للحياة لا كلمات تغنى باللسان لتطريب الآذان!. أ هـ {فى ظلال القرآن حـ 1 صـ 109}","part":2,"page":277},{"id":764,"text":"فائدة\rقال الراغب إن قيل ما معنى ويعلمكم ما لم تكونوا تعلمون وهل ذلك إلا الكتاب والحكمة قيل عنى بذلك العلوم التى لا طريق إلى تحصيلها إلا من جهة الوحى على ألسنة الأنبياء ولا سبيل إلى إدراك جزئياتها وكلياتها إلا به ، وعنى بالحكمة والكتاب ما كان للعقل فيه مجال فى معرفة شىء منه ، وأعاد ذكر ويعلمكم مع قوله ما لم تكونوا تعلمون تنبيها على أنه مفرد عن العلم المتقدم ذكره. أ هـ\r{روح البيان حـ 1 صـ 319}\rكلام نفيس السعدى ـ رحمه الله ـ فى الآية الكريمة\rيقول تعالى : إن إنعامنا عليكم باستقبال الكعبة وإتمامها بالشرائع والنعم المتممة ، ليس ذلك ببدع من إحساننا ، ولا بأوله ، بل أنعمنا عليكم بأصول النعم ومتمماتها ، فأبلغها إرسالنا إليكم هذا الرسول الكريم منكم ، تعرفون نسبه وصدقه ، وأمانته وكماله ونصحه.\r{يَتْلُو عَلَيْكُمْ آيَاتِنَا} وهذا يعم الآيات القرآنية وغيرها ، فهو يتلو عليكم الآيات المبينة للحق من الباطل ، والهدى من الضلال ، التي دلتكم أولا على توحيد الله وكماله ، ثم على صدق رسوله ، ووجوب الإيمان به ، ثم على جميع ما أخبر به من المعاد والغيوب ، حتى حصل لكم الهداية التامة ، والعلم اليقيني.\r{وَيُزَكِّيكُمْ} أي : يطهر أخلاقكم ونفوسكم ، بتربيتها على الأخلاق الجميلة ، وتنزيهها عن الأخلاق الرذيلة ، وذلك كتزكيتكم من الشرك ، إلى التوحيد ومن الرياء إلى الإخلاص ، ومن الكذب إلى الصدق ، ومن الخيانة إلى الأمانة ، ومن الكبر إلى التواضع ، ومن سوء الخلق إلى حسن الخلق ، ومن التباغض والتهاجر والتقاطع ، إلى التحاب والتواصل والتوادد ، وغير ذلك من أنواع التزكية.\r{وَيُعَلِّمُكُمُ الْكِتَابَ} أي : القرآن ، ألفاظه ومعانيه ، {وَالْحِكْمَةَ} قيل : هي السنة ، وقيل : الحكمة ، معرفة أسرار الشريعة والفقه فيها ، وتنزيل الأمور منازلها.","part":2,"page":278},{"id":765,"text":"فيكون - على هذا - تعليم السنة داخلا في تعليم الكتاب ، لأن السنة ، تبين القرآن وتفسره ، وتعبر عنه ، {وَيُعَلِّمُكُمْ مَا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ} لأنهم كانوا قبل بعثته ، في ضلال مبين ، لا علم ولا عمل ، فكل علم أو عمل ، نالته هذه الأمة فعلى يده ـ صلى الله عليه وسلم ـ ، وبسببه كان ، فهذه النعم هي أصول النعم على الإطلاق ، ولهي أكبر نعم ينعم بها على عباده ، فوظيفتهم شكر الله عليها والقيام بها ؛ فلهذا قال تعالى : {فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ}.أ هـ\r{تفسير السعدى صـ 74}\rقوله تعالى {فَاذْكُرُونِى أَذْكُرْكُمْ}\rقال الفخر : \rاعلم أن الله تعالى كلفنا في هذه الآية بأمرين : الذكر ، والشكر ، أما الذكر فقد يكون باللسان ، وقد يكون بالقلب ، وقد يكون بالجوارح ، فذكرهم إياه باللسان أن يحمدوه ويسبحوه ويمجدوه ويقرؤا كتابه ، وذكرهم إياه بقلوبهم على ثلاثة أنواع.\rأحدها : أن يتفكروا في الدلائل الدالة على ذاته وصفاته ، ويتفكروا في الجواب عن الشبهة القادحة في تلك الدلائل.\rوثانيها : أن يتفكروا في الدلائل الدالة على كيفية تكالي فهو أحكامه وأوامره ونواهيه ووعده ووعيده ، فإذا عرفوا كيفية التكليف وعرفوا ما في الفعل من الوعد ، وفي الترك من الوعيد سهل فعله عليهم.\r","part":2,"page":279},{"id":766,"text":"وثالثها : أن يتفكروا في أسرار مخلوقات الله تعالى حتى تصير كل ذرة من ذرات المخلوقات كالمرآة المجلوة المحاذية لعالم القدس ، فإذا نظر العبد إليها انعكس شعاع بصره منها إلى عالم الجلال وهذا المقام مقام لا نهاية له ، أما ذكرهم إياه تعالى بجوارحهم ، فهو أن تكون جوارحهم مستغرقة في الأعمال التي أمروا بها ، وخالية عن الأعمال التي نهوا عنها ، وعلى هذا الوجه سمى الله تعالى الصلاة ذكراً بقوله : {فاسعوا إلى ذِكْرِ الله} فصار الأمر بقوله : {اذكروني} متضمناً جميع الطاعات ، فلهذا روي عن سعيد بن جبير أنه قال : اذكروني بطاعتي فأجمله حتى يدخل الكل فيه ، أما قوله : {أَذْكُرْكُمْ} فلا بد من حمله على ما يليق بالموضع ، والذي له تعلق بذلك الثواب والمدح ، وإظهار الرضا والإكرام ، وإيجاب المنزلة ، وكل ذلك داخل تحت قوله : {أَذْكُرْكُمْ} انتهى.\r{مفاتيح الغيب حـ 4 صـ 130 ـ 131}\rقال الإمام البقاعى : \r{فاذكروني} أي لأجل إنعامي عليكم بهذا وبغيره {أذكركم} فأفتح لكم من المعارف وأدفع عنكم من المخاوف ما لا يدخل تحت حد {واشكروا لي} وحدي من غير شريك تشركون معي أزدكم ، وأكد هذه الإشارة بقوله {ولا تكفرون} أي أسلبكم. قال الحرالي : ولما كان للعرب ولع بالذكر لآبائهم ولوقائعهم ولأيامهم جعل سبحانه وتعالى ذكره لهم عوض ما كانوا يذكرون ، كما جعل كتابه عوضاً من إشعارهم وهز عزائهم لذلك بما يسرهم به من ذكره لهم - انتهى. {نظم الدرر حـ 1 صـ 276 ـ 277}\rمن أقوال العلماء فى الآية الكريمة\rقال ابن عبّاس : اذكروني بطاعتي أذكركم بمعونتي بيانه قوله : {وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا} الآية.\rسعيد بن جبير : بطاعتي أذكركم بمغفرتي بيانه {وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ}.","part":2,"page":280},{"id":767,"text":"فضيل بن عيّاض : فاذكروني بطاعتي أذكركم بثوابي بيانه {إنّ الّذين آمنوا وعملوا الصالحات إنّا لا نضيع أجر من أحسن عملاً أولئك لهم جنّات عدن} وروي عن النبيّ {ـ صلى الله عليه وسلم ـ} \"من أطاع الله فقد ذكر الله وإنّ قلّت صلاته وصيامه وتلاوته القرآن\".{شعب الإيمان ـ باب في محبة الله عز وجل ـ رقم 687}\rوقيل : اذكروني بالتوحيد والإيمان أذكركم بالجنّات والدرجات بيانه : {وبشّر الّذين آمنوا... إلى جنات}.\rوقال أبو بكر الصدّيق رضي الله عنه : كفى بالتوحيد عبادة وكفى بالجنّة ثواباً.\rابن كيسان : اذكروني بالشكر أذكركم بالزّيادة : بيانه قوله {لَ ن شَكَرْتُمْ زِيدَنَّكُمْ}.\rوقيل : اذكروني على ظهر الأرض أذكركم في بطنها.\rقال الأصفي : رأيت أعرابياً واقفاً يوم عرفة بالموقف وهو يقول : ضجّت إليك الأصوات بضروب اللّغات يسئلونك الحاجات وحاجتي إليك أن تذكرني عند البلى إذا نسيني أهل الدّنيا.\rوقيل : أذكروني بالطّاعات أذكركم بالمعافاة ودليله {مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حياةً طَيِّبَةً}.\rوقيل : اذكرونى في الخلاء والملاء أذكركم في الجلاء والملأ بيانه ما روي في بعض الكتب إنّ الله قال : أنا عند من عبدني ، \rفليظن بي ما شاء ، \rوأنا معه إذا ذكرني ، \rفمن ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي ، \rومن ذكرني في الملأ ذكرته في ملأ خير منه ، \rومن تقربّ إليّ شبراً تقرّبت له ذراعاً ، \rومن تقرّب إليّ ذراعاً ، \rتقرّبت إليه باعاً ومن أتاني مشياً أتيته هرولة ، \rومن أتاني بقراب الأرض فضّة أتيته بمثلها مغفرة بعد أن لا يُشرك بي شيئاً.\rوقيل : اذكرونى في النّعمة والرّخاء أذكركم في الشّدة والبلاء بيانه قوله {فلولا إنّه كان من المسبحين للبث في بطنه إلى يوم يبعثون}.\rقال سلمان الفارسي : إنّ العبد إذا كان له دُعاء في السّر ؛ فإذا انزل به البلاء قالت الملائكة : عبدك نزل به البلاء فيشفعون له فينجيه الله ، \r","part":2,"page":281},{"id":768,"text":"فإذا لم يكن له دُعاء قالوا : الآن فلا تشفعون له. بيانه لفظة فرعون {الآن وقد عصيت من قبل}.\rوقيل : اذكرونى بالتسليم والتفويض أذكركم بأصلح الأختبار. بيانه {وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ}.\rوقيل : اذكرونى بالشوق والمحبّة أذكركم بالوصل والقربة.\rوقيل : اذكرونى بالحمد والثناء أذكركم بالجزاء ، \rوقيل : اذكرونى بالأوبة أذكركم بغفران الحوبة ، \rوقيل : اذكرونى بالدُّعاء أذكركم بالعطاء ، \rاذكرونى بالسؤال أذكركم بالنوّال ، \rاذكرونى بلا غفلة أذكركم بلا مهلة ، \rاذكرونى بالندّم أذكركم بالكرم ، \rاذكرونى بالمعذرة أذكركم بالمغفرة ، \rاذكرونى بالإرادة أذكركم بالأفادة ، \rاذكرونى بالتنصّل أذكركم بالتفضل اذكرونى بالإخلاص أذكركم بالخلاص ، \rاذكرونى بالقلوب أذكركم بكشف الكروب ، \rاذكرونى بلا نسيان أذكركم بالأمان ، \rاذكرونى بالأفتقار أذكركم بالاقتدار ، \rاذكرونى بالأعدام والاستغفار أذكركم بالرّحمة والإغتفار ، \rاذكرونى بالأيمان أذكركم بالجنان ، \rاذكرونى بالأسلام أذكركم بالأكرام ، \rاذكرونى بالقلب أذكركم برفع التعجب ، \rاذكرونى ذكراً فانياً أذكركم ذكراً باقياً ، \rاذكرونى بالابتهال أذكركم بالأفضال ، \rاذكرونى بالظل أذكركم بعفو الزلل ، \rاذكرونى بالاعتراف أذكركم بمحو الاقتراف ، \rاذكرونى بصفاء السّر أذكركم بخالص البّر ، \rاذكرونى بالصّدق أذكركم بالرّفق ، \rاذكرونى بالصفَو أذكركم بالعفو ، \rاذكرونى بالتعظيم أذكركم بالتكريم ، \rاذكرونى بالتكبير أذكركم بالتطهير ، \rاذكرونى بالتمجيد أذكركم بالمزيد ، \rاذكرونى بالمناجاة أذكركم بالنجاة ، \rاذكرونى بترك الجفاء اذكركم بحفظ الوفاء ، \rاذكرونى بترك الخطأ أذكركم بحفظ الوفاء ، \rاذكرونى بالجهد بالخلقة أذكركم بأتمام النعمة ، \rاذكرونى من حيث أنتم أذكركم من حيث أنا ولذكر الله أكبر.\rالربيع في هذه الآية : إنّ الله ذاكر من ذكره ، \rوزائداً من شكره ، \rومعذّبُ من كفره.\r","part":2,"page":282},{"id":769,"text":"وقال السّدي : فيها ليس من عبد يذكر الله إلاّ ذكره الله. لا يذكره مؤمن إلاّ ذكره بالرّحمة ، \rولا يذكره كافر إلاّ يذكره بعذاب.\rوقال أبو عثمان النهدي : إنّي لأعلم حين يذكرني ربّي عزّ وجلّ ، \rقيل : كيف ذلك ؟ \rقال : إنّ الله عزّ وجلّ قال : {اذكروني أذكركم} وإذا ذكرت الله تعالى ذكرني.\rانتهى.( 1) {الكشف والبيان حـ 2 صـ 19 ـ 21}\r________________\r( 1) رحم الله الإمام الثعلبى فالآية تحتمل كل هذه الوجوه وزيادة لكن الأولى حملها على العموم إذ لا يوجد ما يستلزم التخصيص. والله أعلم","part":2,"page":283},{"id":770,"text":"قَوْله تَعَالَى : {فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ}\rقال الجصاص بعض أن ذكر بعض أقوال السلف فى الآية : \rوَاللَّفْظُ مُحْتَمِلٌ لِهَذِهِ الْمَعَانِي ، وَجَمِيعُهَا مُرَادُ اللَّهِ تَعَالَى لِشُمُولِ اللَّفْظِ وَاحْتِمَالِهِ إيَّاهُ.\rفَإِنْ قِيلَ : لَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْجَمِيعُ مُرَادَ اللَّهِ تَعَالَى بِلَفْظِ وَاحِدٍ ؛ لِأَنَّهُ لَفْظٌ مُشْتَرَكٌ لِمَعَانٍ مُخْتَلِفَةٍ قِيلَ لَهُ : لَيْسَ كَذَلِكَ ؛ لِأَنَّ جَمِيعَ وُجُوهِ الذِّكْرِ عَلَى اخْتِلَافِهَا رَاجِعَةٌ إلَى مَعْنًى وَاحِدٍ.\rفَهُوَ كَاسْمِ الْإِنْسَانِ يَتَنَاوَلُ الْأُنْثَى وَالذَّكَرَ ، وَالْأُخُوَّةُ تَتَنَاوَلُ الْإِخْوَةَ الْمُتَفَرِّقِينَ ، وَكَذَلِكَ الشَّرِكَةُ وَنَحْوُهَا ، وَإِنْ وَقَعَ عَلَى مَعَانٍ مُخْتَلِفَةٍ فَإِنَّ الْوَجْهَ الَّذِي سُمِّيَ بِهِ الْجَمِيعُ مَعْنًى وَاحِدٌ.\rوَكَذَلِكَ ذِكْرُ اللَّهِ تَعَالَى لَمَّا كَانَ الْمَعْنَى فِيهِ طَاعَتَهُ ، وَالطَّاعَةُ تَارَةً بِالذِّكْرِ بِاللِّسَانِ ، وَتَارَةً بِالْعَمَلِ بِالْجَوَارِحِ ، وَتَارَةً بِاعْتِقَادِ الْقَلْبِ ، وَتَارَةً بِالْفِكْرِ فِي دَلَائِلِهِ وَحُجَجِهِ ، وَتَارَةً فِي عَظَمَتِهِ ، وَتَارَةً بِدُعَائِهِ وَمَسْأَلَتِهِ ، جَازَ إرَادَةُ الْجَمِيعِ بِلَفْظٍ وَاحِدٍ ، كَلَفْظِ الطَّاعَةِ نَفْسِهَا جَازَ أَنْ يُرَادَ بِهَا جَمِيعُ الطَّاعَاتِ عَلَى اخْتِلَافِهَا إذَا وَرَدَ الْأَمْرُ بِهَا مُطْلَقًا نَحْوُ قَوْله تَعَالَى : {أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ} وَكَالْمَعْصِيَةِ يَجُوزُ أَنْ يَتَنَاوَلَ جَمِيعَهَا لَفْظُ النَّهْيِ.\rفَقَوْلُهُ : {فَاذْكُرُونِي} قَدْ تَضَمَّنَ الْأَمْرَ بِسَائِرِ وُجُوهِ الذِّكْرِ ، وَمِنْهَا سَائِرُ وُجُوهِ طَاعَتِهِ وَهُوَ أَعَمُّ الذِّكْرِ ، وَمِنْهَا ذِكْرُهُ","part":2,"page":284},{"id":771,"text":"بِاللِّسَانِ عَلَى وَجْهِ التَّعْظِيمِ وَالثَّنَاءِ عَلَيْهِ وَالذِّكْرِ عَلَى وَجْهِ الشُّكْرِ وَالِاعْتِرَافِ بِنِعَمِهِ.\rوَمِنْهَا ذِكْرُهُ بِدُعَاءِ النَّاسِ إلَيْهِ وَالتَّنْبِيهِ عَلَى دَلَائِلِهِ وَحُجَجِهِ وَوَحْدَانِيِّتِهِ وَحِكْمَتِهِ وَذِكْرُهُ بِالْفِكْرِ فِي دَلَائِلِهِ وَآيَاتِهِ وَقُدْرَتِهِ وَعَظَمَتِهِ ، وَهَذَا أَفْضَلُ الذِّكْرِ وَسَائِرُ وُجُوهِ الذِّكْرِ مَبْنِيَّةٌ عَلَيْهِ وَتَابِعَةٌ لَهُ وَبِهِ يَصِحُّ مَعْنَاهَا لِأَنَّ الْيَقِينَ وَالطُّمَأْنِينَةَ بِهِ تَكُونُ ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : {أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ} يَعْنِي وَاَللَّهُ أَعْلَمُ ذِكْرَ الْقَلْبِ الَّذِي هُوَ الْفِكْرُ فِي دَلَائِلِ اللَّهِ تَعَالَى وَحُجَجِهِ وَآيَاتِهِ وَبَيِّنَاتِهِ ، وَكُلَّمَا ازْدَدْت فِيهَا فِكْرًا ازْدَدْت طُمَأْنِينَةً وَسُكُونًا.\rوَهَذَا هُوَ أَفْضَلُ الذِّكْرِ لِأَنَّ سَائِرَ الْأَذْكَارِ إنَّمَا يَصِحُّ وَيَثْبُتُ حُكْمُهَا بِثُبُوتِهِ. أ هـ {أحكام القرآن ـ للجصاص حـ 1 صـ 114}","part":2,"page":285},{"id":772,"text":"بحث لطيف عن الذكر للعلامة ابن جزى ـ رحمه الله ـ\rوبالجملة فهذه الآية بيان لشرف الذكر وبينها قول رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ كما يرويه عن ربه أنا عند ظن عبدي بي وأنا معه حين يذكرني فإن ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي وإن ذكرني في ملأ ذكرته في ملأ خير منهم والذكر ثلاثة أنواع ذكر بالقلب وذكر باللسان وبهما معا واعلم أن الذكر أفضل الأعمال على الجملة\rوإن ورد في بعض الأحاديث تفضيل غيره من الأعمال كالصلاة وغيرها فإن ذلك لما فيها من معنى الذكر والحضور مع الله تعالى والدليل على فضيلة الذكر من ثلاثة أوجه الأول النصوص الواردة بتفضيله على سائر الأعمال قال رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ ألا أنبئكم بخير أعمالكم وأزكاها عند مليككم وأرفعها في درجاتكم وخير لكم من أن تلقوا عدوكم فتضربوا أعناقهم ويضربوا أعناقكم قالوا بلى يا رسول الله قال ذكر الله وسئل رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ أي الأعمال أفضل قال ذكر الله قيل الذكر أفضل أم الجهاد في سبيل الله فقال لو ضرب المجاهد بسيفه في الكفار حتى ينقطع سي فهو يختضب دما لكان الذاكر أفضل منه الوجه الثاني أن الله تعالى حيث ما أمر بالذكر أو أثنى على الذكر اشترط فيه الكثرة فقال اذكروا الله ذكرا كثيرا والذاكرين الله كثيرا ولم يشترط ذلك في سائر الأعمال الوجه الثالث أن للذكر مزية هي له خاصة وليست لغيره وهي الحضور في الحضرة العلية والوصول إلى القرب بالذي عبر عنه ما ورد في الحديث من المجالسة والمعية فإن الله تعالى يقول أنا جليس من ذكرني ويقول أنا عند ظن عبدي بي وأنا معه حين يذكرني وللناس في المقصد بالذكر مقامان فمقصد العامة اكتساب الأجور ومقصد الخاصة القرب والحصور وما بين المقامين بون بعيد فكم بين من يأخذ أجره وهو من وراء حجاب وبين من يقرب حتى يكون من خواص الأحباب واعلم أن الذكر على أنواع كثيرة فمنها التهليل والتسبيح والتكبير والحمد والحوقلة والحسبلة وذكر كل اسم من أسماء الله تعالى والصلاة على النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ والاستغفار وغير ذلك ولكل ذكر خاصيته وثمرته وأما التهليل فثمرته التوحيد أعني التوحيد الخاص فإن التوحيد العام حاصل لكل مؤمن وأما التكبير فثمرته التعظيم والإجلال لذي الجلال وأما الحمد والأسماء التي معناها الإحسان والرحمة كالرحمن الرحيم والكريم والغفار وشبه ذلك فثمرتها ثلاث مقامات وهي الشكر وقوة","part":2,"page":286},{"id":773,"text":"الرجاء والمحبة فإن المحسن محبوب لا محالة وأما الحوقلة والحسبلة فثمرتهما التوكل على الله والتفويض إلى الله والثقة بالله وأما الأسماء التي معناها الاطلاع والإدراك كالعليم والسميع والبصير والقريب وشبه ذلك فثمرتها المراقبة وأما الصلاة على النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ فثمرتها شدة المحبة فيه والمحافظة على اتباع سنته وأما الاستغفار فثمرته الاستقامة على التقوى والمحافظةعلى شروط التوبة مع إنكار القلب بسبب الذنوب المتقدمة ثم إن ثمرة الذكر التي تجمع الأسماء والصفات مجموعة في الذكر الفرد وهو قولنا الله الله فهذا هو الغاية وإليه المنتهى.أهـ {التسهيل حـ1 صـ 63 ـ 64}\rوقال السلمى : \rوقال بعض العراقيين فى قوله : {اذكرونى أذكركم} قال : لك نسيبة من الحق يتحمل بها الموارد وهو ذكره إياك , فلولا ذكره إياك ما ذكرته.\rوقيل : اذكرونى بجهدكم وطاقتكم لأقرن ذكركم بذكرى فيتحقق لكم الذكر.\rقال سمنون : حقيقة الذكر أن ينسى كل شئ سوى مذكوره , لاستغراقه فيه فيكون أوقاته كلها ذكرًا وأنشد : \rلا لأنِّى أنساك أكثر ذكراك\rولكنى بذاك يجرى لسانى.\rوقيل : اذكرونى على الدوام لتطمئن قلوبكم بى, لأنه يقول : {ألا بذكر الله تطمئن القلوب} وقال بعضهم : أتم الذكر أن تشهد ذكر المذكور لك بدوام ذكرك له , قال الله جل من قائل : {اذكرونى أذكركم}.أهـ {حقائق التفسير صـ 68}.\rوقال الفقيه أبو الليث السمرقندى ـ رحمه الله ـ\r","part":2,"page":287},{"id":774,"text":"اعلم أن ذكر اللَّه تعالى أفضل العبادات لأن اللَّه تعالى جعل لسائر العبادات مقدار وجعل لها أوقاتاً ولم يجعل لذكر اللَّه تعالى مقدار ولا وقتا وأمر بالكثرة بغير مقدار وهو قوله تعالى {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّه ذِكْراً كَثِيراً} يعني اذكروه في جميع الأحوال ، وتفسير الذكر في الأحوال كلها أن العبد لا يخلو من أربعة أحوال : إما أن يكون في الطاعة ، أو في المعصية ، أو في النعمة ، أو في الشدة ، فإن في الطاعة فينبغي أن يذكر اللَّه تعالى بالتوفيق ويسأل منه القبول ، وإن كان في المعصية فينبغي أن يدعو اللَّه بالامتناع ويسأله التوبة ، وإن كان في النعمة يذكره بالشكر ، وإن كان في الشدة يذكره بالصبر.واعلم أن في ذكر اللَّه تعالى خمس خصال محمودة ، أولها أن فيه رضا اللَّه تعالى ، والثاني أنه يزيد في الحرص على الطاعات ، والثالث أن فيه حرزا من الشيطان إذا كان ذاكرا اللَّه تعالى ، والرابع أن فيه رقة القلب ، والخامس أن يمنعه من المعاصي ، والله سبحانه وتعالى أعلم بالصواب. أ هـ\r{تنبيه الغافلين صـ 392}.\rفائدة\rقال بعضهم : ذَكر اللهُ الذِّكر فى القرآن على عشرين وجهًا : \rالأَوّل : ذِكْر اللِّسان {فَاذْكُرُواْ اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آبَآءَكُمْ}.\rالثانى : ذِكْر بالقلب {ذَكَرُواْ اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُواْ لِذُنُوبِهِمْ}.\rالثَّالث : بمعنى الوعظ {وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنفَعُ الْمُؤْمِنِينَ} {فَذَكِّرْ إِن نَّفَعَتِ الذِّكْرَى}.\rالرّابع : بمعنى التوراة {فَاسْئَلُواْ أَهْلَ الذِّكْرِ}.\rالخامس : بمعنى القرآن {وَهذا ذِكْرٌ مُّبَارَكٌ أَنزَلْنَاهُ}.\rالسّادس : بمعنى اللَّوح المحفوظ {وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِن بَعْدِ الذِّكْرِ}.\rالسَّابع : بمعنى رسالة الرّسول {أَوَ عَجِبْتُمْ أَن جَآءَكُمْ ذِكْرٌ مِّن رَّبِّكُمْ} أَى رسالة.\r","part":2,"page":288},{"id":775,"text":"الثَّامن : بمعنى العِبْرة {أَفَنَضْرِبُ عَنكُمُ الذِّكْرَ صَفْحاً} أَى العِبَر.\rالتَّاسع : بمعنى الخَبَر {هذا ذِكْرُ مَن مَّعِيَ وَذِكْرُ مَن قَبْلِي}.\rالعاشر : بمعنى الرّسول {قَدْ أَنزَلَ اللَّهُ إِلَيْكُمْ ذِكْراً رَّسُولاً}.\rالحادى عشر : بمعنى الشَّرف {وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَّكَ وَلِقَوْمِكَ} أَى شرف.\rالثانى عشر : بمعنى التَّوبة {ذلك ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ}.\rالثالث عشر : بمعنى الصَّلوات الخمس {فَاذْكُرُواْ اللَّهَ كَمَا عَلَّمَكُم}.\rالرابع عشر : بمعنى صلاة العصر خاصّة {أَحْبَبْتُ حُبَّ الْخَيْرِ عَن ذِكْرِ رَبِّي}.\rالخامس عشر : بمعنى صلاة الجمعة {فَاسْعَوْاْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ}.\rالسّادس عشر : بمعنى العُذْر من التَّقصير {فَإِذَا قَضَيْتُمُ الصَّلاَةَ فَاذْكُرُواْ اللَّهَ}.\rالسَّابع عشر : بمعنى الشَّفاعة {اذْكُرْنِي عِندَ رَبِّكَ}.\rالثامن عشر : بمعنى التَّوحيد {وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي} {وَمَن يُعْرِضْ عَن ذِكْرِ رَبِّهِ}.\rالتَّاسع عشر : بمعنى ذكر المنَّة {اذْكُرْ نِعْمَتِي عَلَيْكَ} ، {اذْكُرُواْ نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ}.\rالعشرون : بمعنى الطَّاعة والخِدمة {فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ} أَى اذكرونى بالطَّاعة أَذكركم بالجنَّة. أ هـ {بصائر ذوى التمييز حـ 3 صـ 274}\rقوله تعالى {وَلَا تَكْفُرُونِ}\rوقوله : {ولا تكفرون} نهي عن الكفران للنعمة ، والكفران مراتب أعلاها جحد النعمة وإنكارها ثم قصد إخفائها ، ثم السكوت عن شكرها غفلة وهذا أضعف المراتب وقد يعرض عن غير سوء قصد لكنه تقصير.\r","part":2,"page":289},{"id":776,"text":"قال ابن عرقة : \"ليس عطف قوله : {ولا تكفرون} بدليل على أن الأمر بالشيء ليس نهياً عن ضده وذلك لأن الأمر بالشكر مطلق (أي لأن الأمر لا يدل على التكرار فلا عموم له) فيصدق بشكره يوماً واحداً فلما قال {ولا تكفرون} أفاد النهي عن الكفر دائماً\" أ هـ ، يريد لأن الفعل في سياق النهي يعم ، مثل الفعل في سياق النفي لأن النهي أخو النفي. أ هـ\r{التحرير والتنوير حـ 2صـ 51}\rكلام نفيس فى هذا الموضع\rقال الراغب : إن قيل ما الفرق بين شكرت لزيد وشكرت زيدا ؟ \rقيل شكرت له هو أن تعتبر إحسانه الصادر عنه فتثنى عليه بذلك وشكرته إذا لم تلتفت إلى فعله بل تجاوزت إلى ذكر ذاته دون اعتبار أحواله وأفعاله فهو أبلغ من شكرت له ، وإنما قال {واشكروا لى ولم يقل واشكرونى علما بقصورهم عن إدراكه بل عن إدراك آلائه كما قال تعالى {وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها} فأمرهم أن يعتبروا بعض أفعاله فى الشكر لله {ولا تكفرون} بجحد النعم وعصيان الأمر\rفان قيل لم قال بعد {واشكروا لى ولا تكفرون} ولم يقتصر على قوله {واشكروا لى} قلنا لو اقتصر على قوله {واشكروا لى} لكان يجوز أن يتوهم أن من شكره مرة أو على نعمة ما فقد امتثل ولو اقتصر على قوله {ولا تكفرون} لكان يجوز أن يتوهم أن ذلك نهى عن تعاطى فعل قبيح دون حث على الفعل الجميل فجمع بينهما لإزالة هذا التوهم ، ولأن فى قوله {ولا تكفرون}تنبيها على أن ترك الشكر كفران.\rفإن قيل : لم قال {ولا تكفرون} ولم يقل : ولا تكفروا لى ؟ \rقيل : خص الكفر به تعالى بالنهى عنه للتنبيه على أنه أعظم قباحة بالنسبة إلى كفر نعمه فإن كفران النعم قد يعفى عنه بخلاف الكفر به تعالى كذا فى تفسير الراغب الأصفهانى. أ هـ {روح البيان حـ 1صـ 320}","part":2,"page":290},{"id":777,"text":"قوله تعالى {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ (153)}\rمناسبة الآية لما قبلها\rولما ختم الآيات الآمرة باستقبال البيت في الصلاة بالأمر بالشكر ومجانبة الكفر وكان ذلك رأس العبادة وفاعله شديد الافتقار إلى المعونة التفت إلى قوله تعالى في أم الكتاب : {إياك نعبد وإياك نستعين} [الفاتحة : 5] فأمرهم بما تضمن ذلك من الصبر والصلاة {إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر} [العنكبوت : 45] عالماً بأنهم سيمتثلون حيث عصى بنو إسرائيل حين أمرهم بمثل ذلك في أول قصصهم بقوله : {وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة واركعوا مع الراكعين} [البقرة : 43] إلى أن قال : {واستعينوا بالصبر والصلاة وإنها لكبيرة إلا على الخاشعين} [البقرة : 45] فكان في ذلك إشارة إلى أنهم هم الخاشعون وحسن موقع هذه الآية كونها بعد أذى أهل الكتاب بنسبهم لهم إلى بطلان الدين بتغيير الأحكام ونحو ذلك من مُرّ الكلام كما في الآية الأخرى {ولتسمعن من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم ومن الذين أشركوا أذى كثيراً وإن تصبروا وتتقوا فإن ذلك من عزم الأمور} [آل عمران : 186] وكونها عقب الأمر بالذكر والشكر إيماء إلى أن ملاك كل منهما الصبر والصلاة فكأنه قيل : لا تلتفتوا إلى طعن الطاعنين في أمر القبلة فيشغلكم ذلك عن ذكري وشكري بل اصبروا وصلوا إليّ متوجهين إلى القبلة التي أمرتكم بها عالمين أن الصبر والصلاة نعم العون على كل ما ينوب من دين ودنيا ، وأرشق من هذا أن يقال : ولما علم من هذه الآيات إعضال ما بينهم وبين السفهاء وأمرهم بالدواء المنجح من الإعراض عنهم والإقبال على ذكره وشكره أتبع ذلك للإشارة إلى أن الأمر يصل إلى أشد مما توهموه فقال : يا أيها الذين آمنوا} مخاطباً لهم على وجه يشمل الكامل ـ صلى الله عليه وسلم ـ ولعله صرف الخطاب عنه لما في السياق مما يحمي عنه ـ صلى الله عليه وسلم ـ مقامه العالي {استعينوا بالصبر} أي على ما تلقون منهم وعلى الإقبال إليّ لأكفيكم كل مهم {والصلاة} فإنها أكبر معين لأنها أجمع العبادات ، فمن أقبل بها","part":2,"page":291},{"id":778,"text":"على مولاه حاطه وكفاه لإعراضه عن كل ما سواه ، لأن ذلك شأن كل كبير فيمن أقبل بكليته عليه. أ هـ {نظم الدرر حـ 1صـ 277}\rوقال الفخر ـ رحمه الله ـ\rاعلم أنه تعالى لما أوجب بقوله : {فاذكرونى} جميع العبادات ، وبقوله : {واشكروا لِي} ما يتصل بالشكر أردفه ببيان ما يعين عليهما فقال : {استعينوا بالصبر والصلاة} وإنما خصهما بذلك لما فيهما من المعونة على العبادات ، أما الصبر فهو قهر النفس على احتمال المكاره في ذات الله تعالى وتوطينها على تحمل المشاق وتجنب الجزع ، ومن حمل نفسه وقلبه على هذا التذليل سهل عليه فعل الطاعات وتحمل مشاق العبادات ، وتجنب المحظورات ومن الناس من حمل الصبر على الصوم ، ومنهم من حمله على الجهاد لأنه تعالى ذكر بعده : {وَلاَ تَقُولُواْ لِمَن يُقْتَلُ فِى سَبيلِ الله} [البقرة : 154] وأيضاً فلأنه تعالى أمر بالتثبت في الجهاد فقال : {إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فاثبتوا} [الأنفال : 45] وبالتثبت في الصلاة أي في الدعاء فقال : {وَمَا كَانَ قَوْلَهُمْ إِلاَّ أَن قَالُواْ ربَّنَا اغفر لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسْرَافَنَا فِى أَمْرِنَا وَثَبّتْ أَقْدَامَنَا وانصرنا عَلَى القوم الكافرين} [آل عمران : 147].\rإلا أن القول الذي اخترناه أولى لعموم اللفظ وعدم تقييده ، والاستعانة بالصلاة لأنها يجب أن تفعل على طريق الخضوع والتذلل للمعبود والإخلاص له ، ويجب أن يوفر همه وقلبه عليها وعلى ما يأتي فيها من قراءة فيتدبر الوعد والوعيد والترغيب والترهيب ومن سلك هذه الطريقة في الصلاة فقد ذلل نفسه لاحتمال المشقة فيما عداها من العبادات ولذلك قال : {إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر} [العنكبوت : 45] ولذلك نرى أهل الخير عند النوائب متفقين على الفزع إلى الصلاة ، وروي أنه عليه الصلاة والسلام كان إذا حزبه أمر فزع إلى الصلاة. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 4صـ 168 ـ 169}\rسؤال : لم افتُتح الكلام بالنداء ؟ ","part":2,"page":292},{"id":779,"text":"الجواب : افتُتح الكلام بالنداء لأن فيه إشعاراً بخبرٍ مهم عظيم ، فإن شأن الأَخبار العظيمة التي تَهُول المخاطبَ أن يقدَّم قبلَها ما يهيءُ النفس لقبولها لتستأنس بها قبل أن تفْجَأَها.\rوفي افتتاح هذا الخطاب بالاستعانة بالصبر إيذان بأنه سيُعقب بالنَّدْب إلى عمل عظيم وبلْوى شديدة ، وذلك تهيئةٌ للجهاد ، ولعله إعداد لغزوة بدر الكبرى ، فإن ابتداء المغازي كان قُبيل زمن تحويل القبلة إذ كان تحويل القبلة في رجب أو شعبان من السنة الثانية للهجرة وكانت غزوة بُوَاطَ والعُشَيْرَةِ وبدْرٍ الأولى في ربيع وجمادى من السنة الثانية ولم يكن فيهما قتال ، وكانت بَدْرٌ الكبرى في رمضان من السنة الثانية فكانت بعد تحويل القبلة بنحو شهرين. أ هـ {التحرير والتنوير حـ 2صـ 52}\rقوله تعالى {إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ}\rقال البقاعى : ","part":2,"page":293},{"id":780,"text":"ولما كانت الصلاة لا تقوم إلا بالصبر اقتصر على التعليل به فقال : {إن الله} أي الذي له الكمال كله {مع الصابرين} أي ومعلوم أن من كان الله سبحانه وتعالى معه فاز. قال الحرالي : وأيسر الصبر صبر النفس عن كسلها بأخذها بالنشاط فيما كلفت به {لا يكلف الله نفساً إلا ما آتاها} [الطلاق : 7] و{لا يكلف الله نفساً إلا وسعها} [البقرة : 286] فمتى يسر الله سبحانه وتعالى عليها الجد والعزيمة جعل لها فيما كانت تصبر عليه في الابتداء الاستحلاء فيه وخفت عنها وظيفة الصبر ، ومتى لم تصبر عن كسلها وعلى جدها تدنست فنالها عقوبات يكون الصبر عليها أشد من الصبر الأول ، كما أن من صبر عن حلو الطعام لم يحتج أن يصبر على مر الدواء ، فإن تحملت الصبر على عقوبات ضياع الصبر الأول تداركها نجاة من اشتداد العقوبة عليها ، وإن لم تتصبر على تلك العقوبات وقعت في مهالك شدائد العذاب فقيل لأهلها {فاصبروا أو لا تصبروا سواء عليكم} [الطور : 16] ثم قال : فبداية الدين صبر وخاتمته يسر ، فإن من كان الله سبحانه وتعالى معه رفع عنه مرارة الصبر بوضع حلاوة الصحبة التي تشعر بها كلمة مع - انتهى. {نظم الدرر حـ 1صـ 277 ـ 278}\rسؤال : إن قيل لم قال {إن الله مع الصابرين} ولم يقل مع المصلين وقال فى الآية الأخرى {واستعينوا بالصبر والصلوة وإنها لكبيرة} فاعتبر الصلاة دون الصبر ؟ \rقيل لما كان فعل الصلاة أشرف وأعلى من الصبر إذ قد ينفك الصبر عن الصلاة ولا تنفك الصلاة عن الصبر ذكر هاهنا الصابرين فمعلوم أنه تعالى إذا كان مع الصابرين فهو لا محالة يكون مع المصلين بطريق الأولى وقال هناك لكبيرة فذكر الصلاة دون الصبر تنبيها على أنها أشرف منزلة من الصبر. أ هـ {روح البيان حـ 1 صـ 321}.\rفائدة\rالمعيّة على قسمين : \rأحدهما : معيّة عامة ، وهي المعية بالعلم والقدرة ، وهذه عامة في حق كل أحد.","part":2,"page":294},{"id":781,"text":"والثاني : معيّة خاصة وهي المعيّة بالعَوْن والنصر ، وهذه خاصة بالمتقين والمحسنين والصابرين ، ولهذا قال الله تعالى : {إِنَّ الله مَعَ الذين اتقوا والذين هُم مُّحْسِنُونَ} [النحل : 128] وقال هاهنا : {إِنَّ الله مَعَ الصابرين} أي : بالعون والصبر. أ هـ {تفسير ابن عادل حـ 3 صـ 78}.\r\" بحث قيم فى الصبر \"\rورد ذكر الصبر من القرآن في أكثر من سبعين موضعا وذلك لعظمة موقعه في الدين.\rقال بعض العلماء : كل الحسنات لها أجر محصور من عشرة أمثالها إلى سبعمائة ضعف إلا الصبر فإنه لا يحصر أجره لقوله تعالى {إنما يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب}\rوذكر الله للصابرين ثمانية أنواع من الكرامة\rأولها المحبة قال {والله يحب الصابرين}\rوالثاني النصر قال {إن الله مع الصابرين}\rوالثالث غرفات الجنة قال {يجزون الغرفة بما صبروا}\rوالرابع الأجر الجزيل قال {إنما يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب} والأربعة الأخرى المذكورة في هذه الآية ففيها البشارة قال {وبشر الصابرين}\rوالصلاة والرحمة والهداية {أولئك عليهم صلوات من ربهم ورحمة وأولئك هم المهتدون}\rوالصابرون على أربعة أوجه\rصبر على البلاء وهو منع النفس من التسخيط والهلع والجزع\rوصبر على النعم وهو تقييدها بالشكر وعدم الطغيان وعدم التكبر بها\rوصبر على الطاعة بالمحافظة والدوام عليها\rوصبر عن المعاصي بكف النفس عنها\rوفوق الصبر التسليم وهو ترك الاعتراض والتسخيط ظاهرا وترك الكراهة باطنا\rوفوق التسليم الرضا بالقضاء وهو سرور النفس بفعل الله وهو صادر عن المحبة وكل ما يفعل المحبوب محبوب.أ هـ {التسهيل ـ حـ 1 صـ 65}\rمن أجمع وأنفس ما قيل فى الصبر\rوهو فى القرآن على ستَّة عشر نوعا : ","part":2,"page":295},{"id":782,"text":"الأَوّل : الأَمر به نحو قوله تعالى : {يَآأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اسْتَعِينُواْ بِالصَّبْرِ وَالصَّلاَةِ} ، وقوله تعالى : {اصْبِرُواْ وَصَابِرُواْ} ، وقوله تعالى : {وَاصْبِرُواْ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ} ، {وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلاَّ بِاللَّهِ}.\rالثاني : النَّهى عن ضدّه كقوله : {فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُوْلُواْ الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ وَلاَ تَسْتَعْجِل لَّهُمْ} ، وقولهِ : {فَلاَ تُوَلُّوهُمُ الأَدْبَارَ} ، فإِن تَوْلية الأَدبار ترك الصّبر والمصابرة.\rالثالث : الثَّناء على أَهله كقوله : {الصَّابِرِينَ وَالصَّادِقِينَ وَالْقَانِتِينَ وَالْمُنْفِقِينَ وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالأَسْحَارِ} ، وقوله : {وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَآءِ والضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ أُولَائِكَ الَّذِينَ صَدَقُواْ وَأُولَائِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ}. وهو كثير النَّظائر فى التنزيل.\rالرّابع : إِيجاب معيّته لهم المعيّةَ التى تتضَمّن حفظهم ونصرهم وتأْييدهم ، ليست معيَّة عامّة ، أَعنى مَعيَّة العِلْم والإِحاطة ، كقوله : {وَاصْبِرُواْ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ}.\rالخامس : إِيجاب محبّته لهم ، كقوله : {وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ} وقوله : {وَأَن تَصْبِرُواْ خَيْرٌ لَّكُمْ}\rالسّادس : إِخباره بأَنَّ الصبر خيرلهم ، كقوله : {وَلَئِن صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِّلصَّابِرينَ} ، وقوله : {وَأَن تَصْبِرُواْ خَيْرٌ لَّكُمْ}.\rالسّابع : إِيجابه الجزاء لهم بأَحسن ما كانوا يعملون.\rالثامن : إِيجابه الجزاء لهم بغير حساب ، كقوله : {إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ}.\rالتاسع : إِطلاق البُشرَى لأَهل الصّبر ، كقوله : {وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ}.\r","part":2,"page":296},{"id":783,"text":"العاشر : ضمان النَّصْر والمَدَدِ لهم ، كقوله : {بَلَى إِن تَصْبِرُواْ وَتَتَّقُواْ وَيَأْتُوكُمْ مِّن فَوْرِهِمْ هذا يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ بِخَمْسَةِ آلافٍ مِّنَ الْمَلائِكَةِ} وفى الحديث : \"إِنَّ النَّصْرَ مع الصبر\".\rالحادى عشر : الإِخبار أَنَّ أَهل الصّبر مع أَهل العزائم ، كقوله تعالى : {وَلَمَن صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الأُمُورِ}.\rالثانى عشر : الإِخبار أَنَّه ما يُلَقَّى الأَعمال الصّالحة وجزاءَها إِلاَّ أَهل الصّبر ، كقوله : {وَيْلَكُمْ ثَوَابُ اللَّهِ خَيْرٌ لِّمَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحاً وَلاَ يُلَقَّاهَآ إِلاَّ الصَّابِرُونَ} ، وقوله : {ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ وَمَا يُلَقَّاهَا إِلاَّ الَّذِينَ صَبَرُواْ وَمَا يُلَقَّاهَآ إِلاَّ ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ}.\rالثالث عشر : الإِخبار أَنَّه ينتفع بالآيات والعِبَر أَهلُ الصّبر ، كقوله تعالى : {وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بِآيَاتِنَآ أَنْ أَخْرِجْ قَوْمَكَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَذَكِّرْهُمْ بِأَيَّامِ اللَّهِ إِنَّ فِي ذلك لآيَاتٍ لِّكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ} ، وقوله فى أَهل سبأ : {فَجَعَلْنَاهُمْ أَحَادِيثَ وَمَزَّقْنَاهُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِّكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ} ، وقوله فى سورة الشورى : {وَمِنْ آيَاتِهِ الْجَوَارِ فِي الْبَحْرِ كَالأَعْلاَمِ إِن يَشَأْ يُسْكِنِ الرِّيحَ فَيَظْلَلْنَ رَوَاكِدَ عَلَى ظَهْرِهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِّكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ}.\rالرّابع عشر : الإِخبار بأَنَّ الفوز بالمطلوب ، والنجاةَ من المرهوب ، ودخولَ الجنَّة إِنَّما نالوه بالصّبر ، كقوله تعالى : {وَالمَلاَئِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِّن كُلِّ بَابٍ سَلاَمٌ عَلَيْكُم بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ}.\r","part":2,"page":297},{"id":784,"text":"الخامس عشر : يورث صاحبه الإِمامة. وإِنَّ بالصبر واليقين يُنال الإِمامة فى الدّين ، كقوله : {وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُواْ وَكَانُواْ بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ}.\rالسّادس عشر : اقترانه بمقامات الإِسلام والإِيمان ، كما قرنه سبحانه باليقين وبالتَّقوى والتوكُّل والشكر ؛ \rولهذا كان الصبر من الإِيمان بمنزلة الرأس من الجسد.\rولا إِيمانَ لمن لا صَبْرَ له ، كما أَنَّه لا جَسَد لمن لا رأس له.\rقال عمر بن الخطَّاب : خير عيش ما أَدركناه بالصّبر. وفى الحديث : \"الصّبرُ ضِياء\". وفيه : \"من يتصبّر يُصَبّره الله\". وأَمَر بالصّبر عند المصيبة ، وأَخبر أَنه عند الصَّدْمة الأُولى ، وأَمر المصاب بأَنفع الأُمور له وهو الاحتساب ، فإِنَّ ذلك يخفِّف مُصيبته ويوفّر أَجره. والجزع والسّخط والتشكِّى يزيد المصيبة ، ويُذهب الأَجر.\rوالصّبر على ثلاثة أَنواع : صَبْرٌ على طاعة الله ، وصبر عن معصية الله ، وصبر على امتحان الله.\rفالأَولان : الصّبر على ما يتعلق بالكسب. والثالث : الصّبر على مالا كسب للعبد فيه.\r","part":2,"page":298},{"id":785,"text":"وقال بعض المشايخ : كان صبر يوسف عن طاعة امرأَة العزيز أَكمل من صبره على إِلقاءِ إِخْوته إِيّاه فى الجُبّ ، وبيعهم [إِيّاه] ، وتفريقهم بينه وبين أَبيه ، فإِنَّ هذه أُمور جرَت عليه بغير اختياره ، لا كسب له فيها ، ليس للعبد فيها حيلة غير الصّبر. وأَمّا صبره عن المعصية فصبر اختيار ورضا ، ومحاربةٌ للنَّفس ، ولا سيّما مع أَسبابٍ تقوّى معها داعية الموافقة ؛ فإِنّه كان شابًّا ، وداعية الشابّ إِليها قوَّته ؛ وكان عَزَبًا ليس له ما يعوّضه ويَرُدّ شهوته ؛ وغريبًا ، والغريب لا يستحى فى بلدِ غُربته ممّا يستحى منه بين أَصحابه وأَهلِه ؛ ويحسبونه مملوكًا ، والمملوك ليس وازعهُ كوازع الحرّ ؛ والمرأَة جميلة وذات مَنْصِب ، وقد غاب الرّقيب ، وهى الدّاعية له إِلى نفسها ، والحريصة على ذلك أَشدّ الحرص ، ومع ذلك توعّدته بالسجن إِن لم يفعل. فمع هذه الدّواعى كلّها صبر اختيارًا ، وإِيثارًا لما عند الله. وأَين هذا من صبره فى الجُبّ على ما ليس من كسبه ؟!\rوالصّبر على أَداءِ الطَّاعات أَكمل من الصّبر على اجْتِنَاب المحرّمات ؛ فإِنَّ مصلحة فعل الطَّاعة أَحَبُّ إِلى الشَّارع من مصلحة ترك المعصية ، ومفسدة عدم الطاعة أَبغض وأَكره من مفسدة وجود المعصية.\rثمّ الصّبر ينقسم بنوع آخر من القسمة على ثلاثة أَنواع : صبر بالله ، وصبر لله ، وصبر مع الله.\rفالأَوّل : الاستعانة به ، ورؤية أَنَّه هو المصبِّر ، وأَنَّ صبر العبد بربّه لا بنفسه ، كما قال تعالى : {وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلاَّ بِاللَّهِ} ، يعنى إِنْ لم يُصَبِّرك هو لم تصبر.\rوالثَّانى : أَن يكون الباعث على الصّبر محبّة الله وإِرادة وجهه ، والتقرّب إِليه ، لا إِظهار قوّة النفْس ، والاستحماد إِلى الخلق ، وغير ذلك من الأَغراض.\r","part":2,"page":299},{"id":786,"text":"والثالث : دروان العبد الذى (مُنى مع) الأَحكام الدينيّة صابرًا نفسه معها ، سائرًا بسَيرها ، مقيمًا بإِقامتها ، يتوجّه معها أَينما توجّهت ركائبها ، وينزل حيث استقلَّت مضاربُها. فهذا معنى كونه صابرًا مع الله ، قد جعل نفسه وَقْفا على أَوامره ومحابّه. وهو أَشدّ أَنواع الصّبر وأَصبعها. وهو صب الصدّيقين.\rقال ذو النُّون : الصبر : التباعد من المخالفات ، والسّكون عند تجرّع غُصص البليّات ، وإِظهار الغنى مع طول الفقر بساحات المعيشة. وقيل : الصبر : الوقوف مع البلاءِ بحسن الأَدب. وقيل : هو الفناءُ فى البلوَى ، بلا ظهور شكوَى. وقيل : إِلزام النَّفْس الهجومَ علىالمكاره. وقيل : المُقام مع البلاءِ بحسن الصّحبة كالمقام مع العافية.\rوقال عمرو بن عثمان : هو الثبات مع الله ، وتلقِّى بلائه بالرُّحْب والسّعة. وقال الخّواص : هو الثبات على أَحكام الكتاب والسنة.\rوقال يحيى بن مُعَاذ : صبر المحبّين أَشدّ من صبر الزاهدين. واعجبا كيف يصبرون! وأَنشد.\rوالصّبر يُحْمَدُ فى المواطن كلِّها إِلاَّ عليك فإِنَّه مذمومُ\rوقيل : الصّبر هو الاستعانة بالله. وقيل : هو ترك الشكوَى. وقيل : الصّبر مثلُ اسمه مُرٌّ مَذاقته لكنْ عواقبه أَحلَى من العسلِ\rوقيل : الصّبر أَن ترضى بتلَف نفسك فى رضا مَن تحبّه ، كما قيل :\rسأَصبر كى ترضَى وأَتْلَفُ حسرةً وحَسْبِىَ أَن ترضى ويقتلنى صبرى\rوقيل : مراتب الصّبر خمسة : صابر ، ومصطبر ، ومتصبّر ، وصَبُور ، وصبّار.\rفالصّابر أَعمّها. والمصطبر : المكتسِب للصبر ، والمبتلَى به. والمتصبرّ : متكلِّف الصّبر حاملُ نفسِه عليه. والصّبور : العظيم الصّبر الَّذى صَبْره أَشدّ من صبر غيره. والصّبَار : الشديد الصّبر ، فهذا فى القَدْر والكمّ ، والَّذى قبله فى الوصف والكيف.\rوقال علىّ بن أَبى طالب : الصّبر مطيَّة لا تَكْبُو.","part":2,"page":300},{"id":787,"text":"وقف رجل على الشِّبْلِىّ فقال : أَىّ الصّبر أَشدّ على الصّابرين ؟ فقال : الصّبر فى الله. فقال السّائل : لا. قال : مع الله. قال : لا. قال : فأَيش ؟ قال : الصّبر عن الله. فصرخ الشِّبلىّ صَرخةً كادت نفسه تتلف.\rوقال الجَريرىّ : الصّبر أَلاَّ تفرق بين حال النعمة وحال المحنة ، مع سكون الخاطر فيهما. والتصبّر : السّكون مع البلاءِ ، مع وِجدان أَثقال المحْنَة.\rوقال أَبو على الدّقَّاق : فاز الصّابرون بعز الدّاريَين ؛ لأَنهم نالوا مع الله معيَّته ؛ فإِنَّ اللهَ مَعَ الصّابرين.\rوقيل فى قوله : {اصْبِرُواْ وَصَابِرُواْ وَرَابِطُواْ} ، انتقال من الأَدنى إِلى الأَعلى. فالصبر دون المصابرة ، والمصابرة دون المرابطة : مفاعلة من الرّبط وهو الشدّ. وسمّى المرابِط مرابطًا لأَنَّ المرابِطين\rيربِطون خيولهم ينتظرون الفَزَع. ثمّ قيل لكلّ منتظر ، قد ربط نفسه لطاعة ينتظرها : مرابِط. وقيل فى تفسيره : اصبروا بنفوسكم ، وصابروا بقلوبكم على البَلْوَى فى الله ، ورابطوا بأَسراركم على الشوق إِلى الله. وقيل : اصبروا فى الله ، وصابروا بالله ، ورابطوا مع الله لعلكم تفلحون فى دار البقاءِ. فالصبر مع نفسك ، والمصابرة بينك وبين عدوّك ، والمرابطة : الثبات وإِعداد العدّة ؛ كما أَن الرّباط ملازمة الثغر لئلاً يهجُمه العدوّ. فكذلك المرابَطة أَيضًا : لزوم ثَغْر القلب ؛ لئلاَّ يهجُم عليه الشيطان فيملكَه. أَو يُخربه أَو يشعِّثه.\rوقيل : تَجَرَّعِ الصّبرَ ، فإِنّْ قَتَلَك قتلك شهيدًا ، وإِن أَحياك أَحياك عزيزًا حميدًا. وقيل : الصّبر لله عَناء ، وبالله بقاء ، وفى الله بلاء ، ومع الله وفاء ، وعن الله جفاء. والصّبر على الطَّلب عنوان الظَّفر ، وفى المِحَن عنوان الفَرَج.\r","part":2,"page":301},{"id":788,"text":"وفى كتاب الأَدب للبخارىّ : سئل رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم عن الإِيمان فقال : \"الصّبر والسّماحة\". وهذا من أَجمع الكلام ، وأَعظمه برهانًا ، وأَوعاه لمقامات الإِيمان من أَوّلها إِلى آخرها ؛ فإِن النَّفس يراد منها شيئان : بذل ما أُمِرَت به وإِعطاؤه ، فالحامل عليه السّماحة ؛ وتركُ ما نُهيَتْ عنه والبعد عنه ، فاحامل عليه الصّبر. وقد أضمر الله سبحانه فى كتابه بالصّبر الجميل الذى لا شكو معه ، والصّفح الجميل الَّذى لا عِتاب معه ، والهجرِ الجميل الذى لا أَذى معه.\rوقال ابن عُيَيْنَة فى قوله تعالى : {وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُواْ} : أَخذوا برأْس الأَمر فجعلهم رُءُوسًا.\rواعلم أَنَّ الشكوى إِلى الله عزَّ وجلّ لا تُنافى الصّبر ؛ فإِنَّ يعقوب - ـ عليه السلام ـ وَعَد بالصّبر الجميل ، والنبىّ إِذا وَعَدَ لا يُخلف ، ثمّ قال : {إِنَّمَآ أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ} ، وكذلك أَيّوب عليه السّلام أَخبر الله عنه أَنه وجده صابرًا مع قوله : {مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ} ، وإِنَّمَا ينافى الصبر شكوى الله لا الشكوى إِلى الله ؛ كما رأَى بعضهم رجلاً يشكو إِلى آخر فاقةً وضرورة ، فقال : يا هذا ، تشكو من يَرْحَمُكَ إِلى مَنْ لا يرحمك! ثمّ أَنشده :\rوإِذا اعْتَرَتْكَ بليّةٌ فاصبِر لها صَبْرَ الكريمِ فإِنَّه بك أَرحمُ\rوإِذا شكوتَ إِلى ابن آدم إِنّما تشكو الرّحيم إِلى الَّذى لا يرحم\rوقال الشيخ عبد الله الأَنصارىّ : الصّبر حبس النفْس على المكروه ، وعقل اللِّسان عن الشكوى.\rوهو على ثلاث درجات :\rالأُولى : الصّبر عن المعصية بمطالعة الوعيد. وأَحسن منها الصّبر عن المعصية حياءً.\rالثانية : الصّبر على الطاعة بالمحافظة عليها دوامًا ، وبرعايتها إِخلاَصًا ، وبتحسينها عِلمًا.","part":2,"page":302},{"id":789,"text":"الثالثة : الصّبر فى البلاءِ بملاحظة حسن الجزاءِ ، وانتظار رَوْح الفَرَج ، وتهوِين البليّة بِعَدّ أَيادى المِنَن ، وتذكُّر سوالف النِّعم.\rوأَضعف الصّبر ، الصَّبْرُ لله وهو صبر العامة.\rوفوقه الصبر بالله وهو صبر المريدين. وفوقه الصبر على الله وهو صبر السّالكين.\rومعنى كلامه أَنّ صبر العامّة لله ، أَى رجاءَ ثوابه وخوف عقابه ، وصبر المريدين بالله ، أَى بقوّة الله ومعونته ، فهم لا يرون لأَنفسهم صبرًا ولا قوّة عليه ، بل حالهم التَّحقُّق بلا حول ولا قوّة إِلاَّ بالله عِلمًا ومعرفة وحالاً. وفوقها الصّبر على الله ، أَى على أَحكامه. هذا تقرير كلامه رحمه الله.\rوالصّواب أَنَّ الصّبر لله فوق الصّبر بالله ، وأَعلى درجة ، وأَجلّ شأْنًا ؛ فإِنَّ الصّبر لله متعلق بالإِلَهية ، والصّبر به متعلق بربوبيّته ، وما تعلق بالإِلَهية أَكمل وأَعلى مما تعلق بربوبيّته ، ولأَنَّ الصّبر له عبادة ، والصّبر به استعانة ، والاستعانة وسيلة ، والعبادة غاية ، والغاية مرادة لنفسها ، والوسيلة مرادة لغيرها ؛ ولأَنَّ الصّبر به مشترك ، بين المؤمن والكافر ، والبرّ والفاجر ، فكلّ من شهد الحقيقة الكونيّة صَبَر به ، وأَمّا الصّبر له فمنزلة الرُّسُل والأَنبياءِ والصّدِّيقين ؛ ولأَن الصّبر له صبر فيما هو حقّ له ، محبوب له ، مرضىّ له ، والصّبر [به] قد يكون فى ذلك ، وقد يكون فيما هو مسخوط له ، وقد يكون فى مكروه أَو مباح. فأَين هذا من هذا ؟!\rوأَمّا تسمية الصّبر على أحكامه صبرًا عليه فلا مشاحّة فى العبارة بعد معرفة المعنى. والله أَعلم.\rوقد يعبّر عن الانتظار بالصبر لمّا كان حق الانتظار أَلاَّ ينفكّ عن الصّبر ، بل هو نوع من الصّبر ؛ قال تعالى : {فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ} أَى انتظر حكمه لك على الكافرين.\rوقيل : الصّبر لفظ عامّ ، وربّما خُولِفَ بين أَسمائه بسبب اختلاف مواقعه. فإِن كان حَبْسُ النَّفس لمصيبة سُمِّىَ صبرًا لا غَيْر ، ويضادّه الجزع. وإِن كان فى محاربة سمّى شجاعة ، ويضادّه الجُبْن. وإِن كان فى نائبة مُضجرة سمّى رُحْب الصّدر ، ويضادّه الضَّجْر. وإِن كان فى إِمساك الكلام سُمِّىَ كتمانًا ، ويضادّه المَذْل. وقد سمّى الله تعالى كلّ ذلك صبرًا لقوله : {وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَآءِ والضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ} ، {وَالصَّابِرِينَ عَلَى مَآ أَصَابَهُمْ}.\rأ هـ {بصائر ذوى التمييز حـ 3 صـ 380}.","part":2,"page":303},{"id":790,"text":"موعظة\rلما رأيت نفسي في العلم حسنا فهي تقدمه على كل شيء وتعتقد الدليل وتفضل ساعة التشاغل به على ساعات النوافل وتقول : أقوى دليل لي على فضله على النوافل أني رأيت كثيرا ممن شغلتهم نوافل الصلاة والصوم عن نوافل العلم عاد ذلك عليهم بالقدح في الأصول فرأيتها في هذا الاتجاه على الجادة السهلة والرأي الصحيح\rإلا أني رأيتها واقفة مع صورة التشاغل بالعلم فصحت بها : فما الذي أفادك العلم ؟ أين الخوف ؟ أين القلق ؟ أين الحذر ؟ \rأو ما سمعت بأخبار أخيار الأحبار في تعبدهم واجتهادهم ؟ \rأما كان الرسول صلى الله عليه وسلم سيد الكل ثم إنه قام حتى ورمت قدماه ؟ \rأما كان أبو بكر رضي الله عنه شجي النشيج كثير البكاء ؟ \rأما كان في خد عمر رضي الله عنه خطان من آثار الدموع ؟ \rأما كان عثمان رضي الله عنه يختم القرآن في ركعة ؟ \rأما كان علي رضي الله عنه يبكي بالليل في محرابه حتى تخضل لحيته بالدموع ؟ ويقول : [يا دنيا عري غيري ؟ ]\rأما كان الحسن البصري يحيا على قوة القلق ؟ \rأما كان سعيد بن المسيب ملازما للمسجد فلم تفته صلاة في جماعة أربعين سنة ؟ \rأما صام الأسود بن يزيد حتى اخضر واصفر ؟ \rأما قالت بنت الربيع بن خيثم له : [مالي أرى الناس ينامون وأنت لا تنام] ؟ فقال : [إن أباك يخاف عذاب البيات ]\rأما كان أبو مسلم الخولاني يعلق سوطا في المسجد يؤدب به نفسه إذا فتر ؟ \rأما صام يزيد الرقاشي أربعين سنة ؟ وكان يقول : والهفاة سبقني العابدون وقطع بي.\rأما صام منصور بن المعتمر أربعين سنة ؟ \rأما كان سفيان الثوري يبكي الدم من الخوف ؟ \rأما كان إبراهيم بن أدهم يبول الدم من الخوف ؟ ","part":2,"page":304},{"id":791,"text":"أما تعلمين أخيار الأئمة الأربعة في زهدهم وتعبدهم : أبو حنيفة ومالك والشافعي وأحمد ؟ فاحذري من الإخلاد إلى صورة العلم مع ترك العمل به فإنها حالة الكسالى الزمنى : \r( وخذ لك منك على مهلة... ومقبل عيشك لم يدبر )\r( وخف هجمة لا تقبل العثا... ر وتطوي الورود على المصدر )\r( ومثل لنفسك أي الرعيل... يضمك في حلبة المحشر. أ هـ {صيد الخاطر صـ 69}","part":2,"page":305},{"id":792,"text":"قوله تعالى {وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتٌ بَلْ أَحْيَاءٌ وَلَكِنْ لَا تَشْعُرُونَ (154)}\rسبب نزول الآية\rقال الخازن : \rنزلت فيمن قتل ببدر من المسلمين وكانوا أربعة عشر رجلاً ستة من المهاجرين وهم : عبيدة بن الحارث بن عبدالمطلب وعمير بن أبي وقاص بن أهيب بن عبد مناف بن زهرة الزهري أخو سعد بن أبي وقاص وذو الشمالين واسمه عمير بن عبد عمرو بن العاص بن نضلة بن عمرو بن خزاعة ثم بني غبشان وعاقل بن البكير من بني سعد بن ليث بن كنانة ومهجع مولى لعمر بن الخطاب ، وصفوان بن بيضاء من بني الحارث بن فهر ومن الأنصار ثمانية ، وهم سعد بن خيثمة ومبشر بن عبد بن المنذر ، ويزيد بن الحارث بن قيس بن فسحم وعمير بن الحمام ورافع بن المعلى وحارثة بن سراقة ، وعوف ومعوذ ابنا الحارث بن رفاعة بن سواد وهما ابنا عفراء وهي أمهما ، كان الناس يقولون لمن قتل في سبيل الله مات فلان وذهب عنه نعيم الدنيا ولذاتها فأنزل الله تعالى هذا الآية ، وقيل : إن الكفار والمنافقين قالوا : إن الناس يقتلون أنفسهم ظلماً لمرضاة محمد من غير فائدة فنزلت هذا الآية.\rأ هـ {تفسير الخازن حـ 1صـ 95}.\rوقال الثعالبى : ","part":2,"page":306},{"id":793,"text":"سببها أن الناس قالوا فيمن قتل ببدر وأُحُدٍ من المؤمنين : مَاتَ فلانٌ ، ماتَ فلانٌ ، فكره اللَّه سبحانه ؛ أن تُحَطَّ منزلةُ الشهداءِ إِلى منزلة غيرهم ، فنزلَتْ هذه الآية ، وأيضاً : فإِن المؤمنين صَعْبٌ عليهم فراقُ إِخوانهم وقراباتِهِمْ ، فنزلَتِ الآيةُ مسلِّية لهم ، تعظِّم منزلة الشهداءِ ، وتخبر عن حقيقةِ حالِهِمْ ، فصاروا مغبوطين لا محزوناً لهم ؛ ويظهر ذلك من حديث أُمِّ حارثَةَ في السِّيَرِ.\r : خرَّجه البخاريُّ في \"صحيحه\" عن أنسٍ ، قال : \" أُصِيبَ حارثةُ يوم بَدْر أصابه غَرْبُ سَهْمٍ ، وهو غلامٌ ، فجاءَتْ أُمُّهُ إِلى النبيِّ ـ صلى الله عليه وسلم ـ فقالَتْ : يا رسُولَ اللَّهِ ، قد عَرَفْتَ مَنْزِلَةَ حَارِثَةَ مِنِّي ، فَإِنْ يَكُ فِي الجَنَّةِ أَصْبِرْ ، وَأَحْتَسِب ، وَإِن تَكُن الأخرى ، ترى مَا أَصْنَعُ ، فَقَالَ : وَيْحَكِ ، أَوَ هُبِلْتِ ، أَو جَنَّةٌ وَاحِدَةٌ هَيَ ؛ إنَّهَا جِنَانٌ كَثِيرَةٌ ، وَإِنَّهُ فِي الفِرْدَوْسِ الأعلى... \" الحديثَ. انتهى.. أ هـ\r{الجواهر الحسان حـ 1صـ 121}.\rقوله تعالى {وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتٌ بَلْ أَحْيَاءٌ وَلَكِنْ لَا تَشْعُرُونَ}\rقال الحرالي : فكأنه تعالى ينفي عن المجاهد مثال المكروه من كل وجه حتى في أن يقال عنه إنه ميت ، فحماه من القول الذي هو عندهم من أشد غرض أنفسهم لاعتلاق أنفسهم بجميل الذكر ، ثم قال وأبهم أمرهم في هذه السورة ونفى عنهم القول ، لأن هذه سورة الكتاب المدعو به الخلق وصرح بتفضيله في آل عمران لأنها سورة قيام الله الذي به تجلى الحق فأظهر غيب أمره في سورة إظهار أمره وأخفاه في سورة ظاهر دعوتهم - انتهى.","part":2,"page":307},{"id":794,"text":"ولما كان الحس قاصراً عما أخبر به سبحانه وتعالى قال منبهاً على ذلك {ولكن لا تشعرون} أنهم أحياء كما ترون النيام هموداً لا يتحركون ولا شعور لكم بمن فيهم ينظر ، أحلاماً من غيره ، فلا فخر أعظم من ذلك في الدنيا ولا عيش أرغد منه في الآخرة ، وأما المقتول من أعدائكم فليس له في الدنيا إلا الخزي والفضيحة بالقهر والذل والهوان والعذاب الذي لا آخر له في الآخرة. قال الحرالي : قال ذلك نفياً بكلمة لا ومثال الدوام ففيه إعلام بأن الذين آمنوا ليس في رتبتهم الشعور به أصلاً إلا أن يرقيهم الله بنماء سن القلوب وصفاء الأنفس إلى ما فوق ذلك من سن المؤمنين إلى سن المحسنين الذين يشهدون من الغيب ما لا يشهده من في رتبة الذين آمنوا - انتهى. وفي هذا إشارة إلى أن كون الله معهم لا يمنع أن يستشهد منهم شهداء ، بل ذلك من ثمرات كون الله معهم حيث يظفر من استشهد منهم بسعادة الأخرى ومن بقي بسعادة الدارين ، وتلخيص ذلك أن يقال إنه لما كان حاصل ما تقدم في هذه السورة أن أهل الأرض كلهم قريبهم وبعيدهم وثنيهم وكتابيهم مطبقون على عداوة أهل هذا الدين وكان كثيراً ما يأمرهم بالصبر على أذاهم اشتد تشوّف النفوس إلى أنه هل بعد هذا الكف من فعل ، فأشار إلى أنه سيأمر بعد الصبر على أذى اللسان بالصبر على جلاد السيف والسنان أمراً عاماً فقال عاطفاً هذا النهي على الأمر بالصبر ، أي اصبروا الآن على هذا الأذى ثم اصبروا إذا أمرتكم بالجهاد على وقع السيوف واقتحام الحتوف وفقد من يقتل منكم ولا تصفوهم بالموت ، ولعله فاجأهم بما تضمنته هذه الآية توطيناً لهم على القتل في سبيله وكان استشرافهم إلى الحرب قد كثر وبشرهم بأن القتيل فيه حي وإن رئي ميتاً تسلية لهم عن هذا الحادث العظيم والخطب الجسيم. أ هـ {نظم الدرر حـ 1صـ 279}.","part":2,"page":308},{"id":795,"text":"سؤال : لم عطف النهى فى قوله تعالى {وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتٌ} على الأمر فى الآية السابقة {اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ} ؟ \rالجواب : عطف النهي على الأمر قبله لمناسبة التعرض للغزو مما يتوقع معه القتل في سبيل الله ، فلما أمروا بالصبر عرفوا أن الموت في سبيل الله أقوى ما يصبرون عليه ، ولكن نبه مع ذلك على أن هذا الصبر ينقلب شكراً عندما يَرى الشهيد كرامته بعد الشهادة ، وعندما يوقن ذووه بمصيره من الحياة الأبدية ، فقوله : {ولا تقولوا} نهي عن القول الناشىء عن اعتقاد. أ هـ {التحرير والتنوير حـ 2صـ 53}.\rوقال فى روح البيان : \rقال عصام الدين قدم الترك على الفعل لأن التخلية قبل التحلية ولهذا قدم النفى فى كلمة التوحيد. أ هـ {روح البيان حـ 1صـ 321}.\rفوائد\rالفرق بين الشهيدِ وغيرهِ إِنما هو الرِّزْقُ ، وذلك أنَّ اللَّه تعالى فضَّلهم بدوام حالِهِمُ التي كانَتْ في الدنيا فرزَقهُم.","part":2,"page":309},{"id":796,"text":" : وللشهيدِ أحوالٌ شريفةٌ منها ما خرَّجه الترمذيُّ وابن ماجة عن النَّبِيِّ ـ صلى الله عليه وسلم ـ قَالَ : \" لِلشَّهِيدِ عِنْد اللَّهِ سِتُّ خِصَالٍ ؛ يُغْفَرُ لَهُ فِي أَوَّلِ دَفْعَةٍ ، ويرى مَقْعَدَهُ مِنَ الجَنَّةِ ، وَيُجَارُ مِنْ عَذَابِ القَبْرِ ، وَيَأْمَنُ مِنَ الفَزَعِ الأَكْبَرِ ، وَيُوضَعُ على رَأْسِهِ تَاجُ الوَقَارِ ، اليَاقُوتَةُ مِنْهُ خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيَا ، ومَا فِيهَا ، وَيُزَوَّجُ ثِنْتَيْنِ وَسَبْعِينَ زَوْجَةً مِنَ الحُورِ الْعِينِ ، وَيَشْفَعُ فِي سَبْعِينَ مِنْ أقْرِبَائِهِ \" قال الترمذيُّ : هذا حديثٌ حَسَنٌ غريبٌ ، زاد ابن ماجَة : \" ويحلى حُلَّةَ الإِيمَانِ \" ، قال القرطبيُّ في \"تذكرته\" : هكذا وقع في نسخ الترمذيِّ وابن ماجة : \"ستَّ خِصَالٍ\" وهي في متن الحديث سَبْعٌ ، وعلى ما في ابن ماجة : \"ويحلى حُلَّةَ الإِيمَانِ\" تكون ثمانياً ، وكذا ذكره أبو بكر أحمد بن سَلْمَان النَّجَّاد بسنده عن النبيِّ ـ صلى الله عليه وسلم ـ قال : \" لِلشَّهِيدِ عِنْدَ اللَّهِ ثَمَانِ خِصَالٍ \" انتهى. وخرَّج الترمذيُّ ، والنسائِيُّ عنْه ـ صلى الله عليه وسلم ـ أنه قال : \" الشَّهِيدُ لاَ يَجِدُ أَلَمَ القَتْلِ إلاَّ كَمَا يَجِدُ أَحَدُكُمْ أَلَمَ القَرْصَةِ \" انتهى.\r : روي عن النبيِّ ـ صلى الله عليه وسلم ـ : \" أنَّ أرْوَاحَ الشُّهَدَاءِ فِي حَوَاصِلِ طَيْرٍ خُضْرٍ تُعَلَّقُ مِنْ ثَمَرِ الجَنَّةِ \" ، وروي : \" أَنَّهُمْ فِي قُبَّةٍ خَضْرَاءَ \" ، ورويَ : \" أنهم في قَنَادِيلَ مِنْ ذَهَبٍ \" ، إِلى كثير من هذا ، ولا محالة أنها أحوالٌ لِطَوَائِفَ ، أو للجميع في أوقات متغايرة.\r : وكذا ذكر شَبِيبُ بن إِبراهيم في كتاب \"الإِفصاح\" أنَّ المنعَّمين على جهاتٍ مختلفةٍ ؛ بحسب مقاماتهم وتفاوتهم في أعمالهم ، قال صاحب \"التذكرة\" : وهذا قول حَسَنٌ ، وبه يجمع بين الأخبار حتى لا تتدافع انتهى.\r","part":2,"page":310},{"id":797,"text":"قال : وجمهور العلماء على أنهم في الجَنَّة ؛ ويؤيِّده قولُ النبيِّ ـ صلى الله عليه وسلم ـ لأمِّ حَارِثَةَ : \"إِنَّهُ فِي الفِرْدَوْسِ الأعلى\".\rوقال مجاهد : هم خارجُ الجَنَّةِ ويعلَّقون من شجرِهَا ، وفي \"مختصر الطبريِّ\" ، قال : ونهى عزَّ وجَلَّ أنْ يقال لِمَنْ يقتلُ في سبيلِ اللَّهِ أمْوَاتٌ ، وأعْلَمَ سبحانه أنهم أحياءٌ ، ولكنْ لا شعورَ لَنَا بذلك ؛ إذ لا نُشَاهِدُ باطنَ أمرهم ، وخُصُّوا مِنْ بين سائر المُؤمنين ، بأنهم في البَرْزَخِ يرزَقُون من مطاعِم الجَنَّة ما يُرْزَقُ المؤمنون من أهْل الجنة على أنه قد ورد في الحديثِ : \" إِنَّمَا نَسَمَةُ المُؤْمِنِ طَائِرٌ يُعَلَّقُ فِي شَجَرِ الجَنَّةِ \" ، ومعنى : \"يُعَلَّق\" : يأكل ؛ ومنه قوله : ما ذقْتُ عَلاقاً ، أي : مأكلاً ، فقد عم المؤمنين ؛ بأنهم يرزقُونَ في البرزخ من رزق الجنة ، ولكن لا يمتنعُ أن يخصَّ الشهداء من ذلك بقَدْر لا يناله غيرهم ، واللَّه أعلم. انتهى.\rوروى النسائيُّ أن رجلاً قال : \" يَا رَسُولَ اللَّهِ ، مَا بَالُ المُؤْمِنِينَ يُفْتَنُون فِي قُبُورِهِمُ إِلاَّ الشَّهِيدَ ؟ قَالَ : كفى بِبَارِقَةِ السُّيُوفِ على رَأْسِهِ فِتْنَةً \" انتهى.\r ، وحديثُ : \" إِنَّمَا نَسَمَةُ المُؤْمِنِ طَائِرٌ \" خرَّجه مالك رحمه اللَّه. قال الدَّاووديُّ : وحديث مالكٍ ، هذا أصحُّ ما جاء في الأرواح ، والذي روي أنها تجعل في حواصِلِ طيرٍ لا يصحُّ في النقل. انتهى.\rقال أبو عُمَرَ بْنُ عبْدِ البَرِّ في \"التمهيد\" : والأشبه قولُ من قال : كَطَيْرٍ أو كصُوَرِ طيرٍ ؛ لموافقته لحديثِ \"الموطَّإ\" ، هذا وأسند أبو عمر هذه الأحاديثَ ، ولم يذكر مطعناً في إسنادها. انتهى. أ هـ {الجواهر الحسان حـ 1صـ 122}.\rقوله تعالى {بَلْ أَحْيَاءٌ وَلَكِنْ لَا تَشْعُرُونَ}","part":2,"page":311},{"id":798,"text":"{بل} للإضراب الإبطالي إبطالاً لمضمون المنهي عن قوله ، والتقدير بل هم أحياء ، وليس المعنى بل قُولوا هم أحياء لأن المراد إخبار المخاطبين هذا الخبرَ العظيمَ ، فقوله : \"أحْيَآء\" هو خبر مبتدأ محذوف وهو كلام مستأنف بعد {بل} الإضرابية.\rوإنما قال : {ولكن لا تشعرون} للإشارة إلى أنها حياةٌ غير جسمية ولا مادِّيَّة بل حياة روحية ، لكنها زائدة على مطلق حياة الأرواح ، فإن للأرواح كلها حياة وهي عدم الاضمحلال وقبول التجسد في الحَشْر مع إحساس ما بكونها آيلة إلى نعيم أو جحيم ، وأما حياة الذين قتلوا في سبيل الله فهي حياة مشتملة على إدراكات التنعم بلذات الجنة والعوالم العلوية والانكشافات الكاملة ، ولذلك ورد في الحديث \" إن أرواح الشهداء تجعل في حواصل طيور خضر ترعى من ثمر الجنة وتشرب من مائها \". والحكمة في ذلك أن اتصال اللذات بالأرواح متوقف على توسط الحواس الجسمانية ، فلما انفصلت الروح عن الجسد عُوِّضت جسداً مناسباً للجنة ليكون وسيلة لنعميها. أ هـ\r{التحرير والتنوير حـ 2صـ 53 ـ 54}.\rسؤال : ما ماالمراد من قوله {بل إحياء} ؟ \rقال الماوردى : \rفي الآية تأويلان : \rأحدهما : أنهم ليسوا أمواتاً وإن كانت أجسامهم أجسام الموتى بل هم عند الله أحياء النفوس منعّمو الأجسام.\rوالثاني : أنهم ليسوا بالضلال أمواتاً بل هم بالطاعة والهدى أحياء ، كما قال تعالى : {أَوَ مَن كَانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُوراً يَمْشِي بِهِ في النَّاسِ كَمَن مَّثَلُهُ في الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا} [الأنعام : 122] فجعل الضالَّ ميتاً ، والمُهْتَدي حياً.\rويحتمل تأويلاً ثالثاً : أنهم ليسوا أمواتاً بانقطاع الذكر عند الله وثبوت الأجر. أ هـ {النكت والعيون حـ 1صـ 109}.\rوقد رجح القول الأول الإمام فخر الدين الرازى فقال : \rاعلم أن أكثر العلماء على ترجيح القول الأول ، والذي يدل عليه وجوه.","part":2,"page":312},{"id":799,"text":"أحدها : الآيات الدالة على عذاب القبر ، كقوله تعالى : {قَالُواْ رَبَّنَا أَمَتَّنَا اثنتين وَأَحْيَيْتَنَا اثنتين} [غافر : 11] والموتتان لا تحصل إلا عند حصول الحياة في القبر ، وقال الله تعالى : {أُغْرِقُواْ فَأُدْخِلُواْ نَاراً} [نوح : 25] والفاء للتعقيب ، وقال : {النار يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوّاً وَعَشِيّاً وَيَوْمَ تَقُومُ الساعة أَدْخِلُواْ ءَالَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ العذاب} [غافر : 46] وإذا ثبت عذاب القبر وجب القول بثواب القبر أيضاً لأن العذاب حق الله تعالى على العبد والثواب حق للعبد على الله تعالى ، فاسقاط العقاب أحسن من إسقاط الثواب فحيثما أسقط العقاب إلى يوم القيامة بل حققه في القبر ، كان ذلك في الثواب أولى.\rوثانيها : أن المعنى لو كان على ما قيل في القول الثاني والثالث لم يكن لقوله : {وَلَكِن لاَّ تَشْعُرُونَ} معنى لأن الخطاب للمؤمنين وقد كانوا لا يعلمون أنهم سيحيون يوم القيامة ، وأنهم ماتوا على هدى ونور ، فعلم أن الأمر على ما قلنا من أن الله تعالى أحياهم في قبورهم.\rوثالثها : أن قوله : {وَيَسْتَبْشِرُونَ بالذين لَمْ يَلْحَقُواْ بِهِم} [آل عمران : 170] دليل على حصول الحياة في البرزخ قبل البعث.\rورابعها : قوله عليه الصلاة والسلام : \" القبر روضة من رياض الجنة أو حفرة من حفر النيران \" والأخبار في ثواب القبر وعذابه كالمتواترة ، وكان عليه الصلاة والسلام يقول في آخر صلاته : \" وأعوذ بك من عذاب القبر \" وخامسها : أنه لو كان المراد من قوله : أنهم أحياء أنهم سيحيون ، فحينئذ لا يبقى لتخصيصهم بهذا فائدة ، أجاب عنه أبو مسلم بأنه تعالى إنما خصهم بالذكر لأن درجتهم في الجنة أرفع ومنزلتهم أعلى وأشرف لقوله تعالى : {وَمَن يُطِعِ الله والرسول فأولئك مَعَ الذين أَنْعَمَ الله عَلَيْهِم مّنَ النبيين والصديقين والشهداء والصالحين} [النساء : 69] فأرادهم بالذكر تعظيماً.\rواعلم أن هذا الجواب ضعيف وذلك لأن منزلة النبيين والصديقين أعظم مع أن الله تعالى ما خصهم بالذكر.أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 4 صـ 133}\rسؤال : فإن قيل : فنحن نراهم موتى ، فما وجه النهي ؟ \rفالجواب أن المعنى : لا تقولوا : هم أموات لا تصل أرواحهم إلى الجنات ، ولا تنال من تحف الله ما لا يناله الأحياء ، بل هم أحياء ، أرواحهم في حواصل طير خضر تسرح في الجنة ، فهم أحياء من هذه الجهة ، وإن كانوا أمواتاً من جهة خروج الأرواح ، ذكره ابن الأنباري. أ هـ {زاد المسير حـ 1 صـ 161}","part":2,"page":313},{"id":800,"text":"كلام نفيس للعلامة ابن القيم فى هذا الموضع\rقال رحمه الله : \rإن الله سبحانه جعل الدور ثلاثا\rدار الدنيا ودار البرزخ ودار القرار\rوجعل لكل دار أحكاما تختص بها وركب هذا الإنسان من بدن ونفس وجعل أحكام دار الدنيا على الأبدان والأرواح تبعا لها ولهذا جعل أحكامه الشرعية مرتبة على ما يظهر من حركات اللسان والجوارح وإن أضمرت النفوس خلافه ، وجعل أحكام البرزخ على الأرواح والأبدان تبعا لها فكما تبعت الأرواح الأبدان في أحكام الدنيا فتألمت بألمها والتذت براحتها وكانت هى التي باشرت أسباب النعيم والعذاب تبعت الأبدان الأرواح في نعيمها وعذابها\rوالأرواح حينئذ هى التي تباشر العذاب والنعيم فالأبدان هنا ظاهرة والأرواح خفية والأبدان كالقبور لها والأرواح هناك ظاهرة والأبدان خفية في قبورها تجرى أحكام البرزخ على الأرواح فتسرى إلى أبدانها نعيما أو عذابا كما تجرى أحكام الدنيا على الأبدان فتسرى إلى أرواحها نعيما أو عذابا فأحط بهذا الموضع علما واعرفه كما ينبغى يزل عنك كل إشكال يورد عليك من داخل وخارج\rوقد أرانا الله سبحانه بلط فهو رحمته وهدايته من ذلك أنموذجا في الدنيا من حال النائم فإن ما ينعم به أو يعذب في نومه يجرى على روحه أصلا والبدن تبع له وقد يقوى حتى يؤثر في البدن تأثيرا مشاهدا فيرى النائم في نومه أنه ضرب فيصبح وأثر الضرب في جسمه ويرى أنه قد أكل أو شرب فيستيقظ وهو يجد أثر الطعام والشراب في فيه ويذهب عنه الجوع والظمأ\r","part":2,"page":314},{"id":801,"text":"وأعجب من ذلك أنك ترى النائم يقوم في نومه ويضرب ويبطش ويدافع كأنه يقظان وهو نائم لا شعور له بشىء من ذلك ، وذلك أن الحكم لما جرى على الروح استعانت بالبدن من خارجه ولو دخلت فيه لاستيقظ وأحس فإذا كانت الروح تتألم وتتنعم ويصل ذلك إلى بدنها بطريق الاستتباع فهكذا في البرزخ بل أعظم فإن تجرد الروح هنالك أكمل وأقوى وهى متعلقة ببدنها لم تنقطع عنه كل الانقطاع فإذا كان يوم حشر الأجساد وقيام الناس من قبورهم صار الحكم والنعيم والعذاب على الأرواح والأجساد ظاهرا باديا أصلا\rومتى أعطيت هذا الموضع حقه تبين لك أن ما أخبر به الرسول من عذاب القبر ونعيمه وضيقه وسعته وضمه وكونه حفرة من حفر النار أو روضة من رياض الجنة مطابق للعقل وأنه حق لا مرية فيه وإن من أشكل عليه ذلك فمن سوء فهمه وقلة علمه أتى كما قيل\rوكم من عائب قولا صحيحا... وآفته من الفهم السقيم\rوأعجب من ذلك أنك تجد النائمين في فراش واحد وهذا روحه في النعيم ويستيقظ وأثر النعيم على بدنه وهذا روحه في العذاب ويستيقظ وأثر العذاب على بدنه وليس عند أحدهما خبر عند الآخر فأمر البرزخ أعجب من ذلك. أ هـ {الروح ـ صـ 63 ـ 64}","part":2,"page":315},{"id":802,"text":"سؤال : إن قلت : هلا قيل : لمن قتل في سبيل الله بلفظ الماضي ؟ \rقال ابن عرفة أجيب عنه بوجهين : - الأول : أن ابن عطية قال : سبب نزولها أن الناس قالوا فيمن قتلوا ببدر وأحد مات فلان وفلان فكره الله تعالى أن يحط منزلة الشهداء إلى منزلة غيرهم فنزلت الآية. وغزوة بدر وأحد [هما] أعظم الغزوات وما بعدهما من الغزوات دونهما بلا شك فلو كان الفعل ماضيا لتوهم خصوصية هذه الفضيلة بمن قتل في الغزوتين فقط فأتى به مضارعا ليدل على عمومها فيمن بعدهم وفيهم من باب أحرى.\rالثاني : لو قال : \" قتل \" لكان فيه إيحاش ووصم عليهم لأنهم كانوا (متأسفين) على من قتل منهم فيتذكرونهم بهذا ويزداد حزنهم عليهم ، ولا يقال : قتل فلان غالبا إلا فيمن يفتجع عليه أو يفرح لموته فيقال : لِمَنْ يُقْتَلُ ، ليعم على من يأتي ومن مضى ويسلم من هذا الإيحاش. أ هـ {تفسير ابن عرفة صـ 195}","part":2,"page":316},{"id":803,"text":"سؤال : فإن قلت : ليس سائر المطيعين من المسلمين لله يصل إليهم من نعيم الجنة في قبورهم فلم خصص الشهداء بالذكر ؟ .\r قلت : إنما خصهم لأن الشهداء فضلوا على غيرهم بمزيد النعيم وهو أنهم يرزقون من مطاعم الجنة ومآكلها وغيرهم ينعمون بما دون ذلك. وجواب آخر أنه رد لقول من قال : إن من قتل في سبيل الله قد مات وذهب عنه نعيم الدنيا ولذاتها فأخبر الله تعالى بقوله : {بل أحياء} بأنهم في نعيم دائم. أ هـ {تفسير الخازن حـ 1 صـ 95}\rفصل\rقال الآلوسى : \rاختلفوا في المراد بالجسد ، فقيل : هو هذا الجسد الذي هدمت بنيته بالقتل ولا يعجز الله تعالى أن يحل به حياة تكون سبب الحس والإدراك وإن كنا نراه رمة مطروحة على الأرض لا يتصرف ولا يرى فيه شيء من علامات الأحياء ، فقد جاء في الحديث : ","part":2,"page":317},{"id":804,"text":"\" إن المؤمن يفسح له مد بصره ويقال له نم نومة العروس \" مع أنا لا نشاهد ذلك إذ البرزخ برزخ آخر بمعزل عن أذهاننا وإدراك قوانا. وقيل : جسد آخر على صورة الطير تتعلق الروح فيه ، واستدل بما أخرجه عبد الرزاق عن عبد الله بن كعب بن مالك قال : قال رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ : \" إن أرواح الشهداء في صور طير خضر معلقة في قناديل الجنة حتى يرجعها الله تعالى يوم القيامة \" ولا يعارض هذا ما أخرجه مالك ، وأحمد ، والترمذي وصححه ، والنسائي ، وابن ماجه عن كعب بن مالك : \" أن رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ قال : إن أرواح الشهداء في أجواف طير خضر تعلق من ثمر الجنة أو شجر الجنة \" ولا ما أخرجه مسلم في \"صحيحه\" عن ابن مسعود مرفوعاً \" إن أرواح الشهداء عند الله في حواصل طيور خضر تسرح في أنهار الجنة حيث شاءت ، ثم تأوي إلى قناديل تحت العرش \" لأن كونها في الأجواف أو في الحواصل يجامع كونها في تلك الصور إذ الرائي لا يرى سواها ، وقيل : جسد آخر على صور أبدانهم في الدنيا بحيث لو رأى الرائي أحدهم لقال : رأيت فلاناً وإلى ذلك ذهب بعض الإمامية واستدلوا بما أخرجه أبو جعفر مسنداً إلى يونس بن ظبيان قال : كنت عند أبي عبد الله جالساً فقال : ما تقول الناس في أرواح المؤمنين ؟ قلت : يقولون : في حواصل طير خضر في قناديل تحت العرش ، فقال أبو عبد الله : سبحان اللها المؤمن أكرم على الله تعالى من أن يجعل روحه في حوصلة طائر أخضر يؤنس المؤمن إذا قبضه الله تعالى صير روحه في قالب كقالبه في الدنيا فيأكلون ويشربون ، فإذا قدم عليهم القادم عرفوه بتلك الصورة التي كانت في الدنيا. ووجه الاستدلال إذا كان المراد بالمؤمنين الشهداء ظاهر ، وأما إذا كان المراد بهم سائر من آمن فيعلم منه حال الشهداء وأن أرواحهم ليست في الحواصل بطريق الأولى ، وعندي أن الحياة في البرزخ ثابتة لكل من يموت من شهيد وغيره ، وأن الأرواح وإن كانت جواهر قائمة بأنفسها","part":2,"page":318},{"id":805,"text":"مغايرة لما يحس به من البدن لكن لا مانع من تعلقها ببدن برزخي مغاير لهذا البدن الكثيف ، وليس ذلك من التناسخ الذي ذهب إليه أهل الضلال. أ هـ {روح المعانى حـ 2 صـ 21}. (1 )\r___________________\r( 1) الأولى فى هذه الأمور وما شاكلها من سائر الأمور الغيبية تفويض العلم بحقيقتها وكيفيتها إلى صاحب الغيب فإن أذن لنا بوحى من كتاب أو سنة فعلى الرأس والعينين ، وإلا وجب التوقف والسكوت من باب مراعاة الأدب مع ملك الملوك والله أعلم وأحكم.","part":2,"page":319},{"id":806,"text":"سؤال : \rقوله تعالى : {وَلا تَقُولُوا لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتٌ بَلْ أَحْيَاءٌ} الآية هذه الآية تدل بظاهرها على أن الشهداء أحياء غير أموات, وقد قال في آية أخرى لمن هو أفضل من كل الشهداء صلى الله عليه وسلم : {إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ}.\r","part":2,"page":320},{"id":807,"text":"والجواب عن هذا أن الشهداء يموتون الموتة الدنيوية فتورث أموالهم وتنكح نساءهم بإجماع المسلمين, وهذه الموتة التي أخبر الله نبيه أنه يموتها صلى الله عليه وسلم وقد ثبت في الصحيح عن صاحبه الصديق رضي الله عنه أنه قال لما توفي صلى الله عليه وسلم : \"بأبي أنت وأمي والله لا يجمع الله عليك موتتين, أما الموتة التي كتب الله عليك فقد متها\" وقال : \"من كان يعبد محمدا فإن محمدا قد مات\". واستدل على ذلك بالقرآن ورجع إليه جميع أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم التي ثبت في الحديث أنه يرد بها السلام على من سلم عليه فكلتاهما حياة برزخية ليست معقولة لأهل الدنيا, أما في الشهداء فقد نص تعالى على ذلك بقوله : {وَلَكِنْ لا تَشْعُرُونَ}, وقد فسرها النبي صلى الله عليه وسلم بأنهم : \"تجعل أرواحهم في حواصل طيور خضر ترتع في الجنة وتأوي إلى قناديل معلقة تحت العرش فهم يتنعمون بذلك\", وأما ما ثبت عنه صلى الله عليه وسلم من أنه لا يسلم عليه أحد إلا رد الله عليه روحه حتى يرد عليه السلام وأن الله وَكَّل ملائكته يبلغونه سلام أمته فإن تلك الحياة أيضا لا يعقل حقيقتها أهل الدنيا لأنها ثابتة له صلى الله عليه وسلم مع أن روحه الكريمة في أعلى عليين مع الرفيق الأعلى فوق أرواح الشهداء فتعلق هذه الروح الطاهرة التي هي في أعلى عليين بهذا البدن الشريف الذي لا تأكله الأرض يعلم الله حقيقته ولا يعلمها الخلق كما قال في جنس ذلك {وَلَكِنْ لا تَشْعُرُونَ} ولو كانت كالحياة التي يعرفها آهل الدنيا لما قال الصديق رضي الله عنه أنه صلى الله عليه وسلم مات ولما جاز دفنه ولا نصب خليفة غيره ولا قتل عثمان ولا اختلف أصحابه ولا جرى على عائشة ما جرى ولسألوه عن الأحكام التي اختلفوا فيها بعده كالعول وميراث الجد والاخوة ونحو ذلك.\r","part":2,"page":321},{"id":808,"text":"وإذا صرح القرآن بأن الشهداء أحياء في قوله تعالى بل أحياء, وصرح بأن هذه الحياة لا يعرف حقيقتها أهل الدنيا بقوله : {وَلَكِنْ لا تَشْعُرُونَ}, وكان النبي صلى الله عليه وسلم أثبت حياته في القبر بحيث يسمع السلام ويرده وأصحابه الذين دفنوه صلى الله عليه وسلم لا تشعر حواسهم بتلك الحياة عرفنا أنها حياة لا يعقلها أهل الدنيا أيضا, ومما يقرب هذا للذهن حياة النائم فإنه يخالف الحي في جميع التصرفات مع أنه يدرك الرؤيا ويعقل المعاني والله تعالى أعلم.\rقال العلامة ابن القيم رحمه الله تعالى في كتاب الروح ما نصه : \"ومعلوم بالضرورة أن جسده صلى الله عليه وسلم في الأرض طرى مطرا وقد سأله الصحابة : كيف تعرض صلاتنا عليك وقد أرمت ؟ فقال : \"إن الله حرم على الأرض أن تأكل أجساد الأنبياء\" ولو لم يكن جسده في ضريحه لما أجاب بهذا الجواب, وقد صح عنه \"إن الله وكل بقبره ملائكة يبلغونه عن أمته السلام\", وصح عنه أنه خرج بين أبي بكر وعمر وقال : \"هكذا نبعث\" هذا مع القطع بأن روحه الكريمة في الرفيق الأعلى في أعلى عليين مع أرواح الأنبياء, وقد صح عنه أنه رأى موسى يصلي في قبره ليلة الإسراء ورآه في السماء السادسة أو السابعة, فالروح كانت هناك ولها اتصال بالبدن في القبر وإشراف عليه وتعلق به بحيث يصلي في قبره ويرد سلام من يسلم عليه وهي في الرفيق الأعلى ولا تنافي بين الأمرين, فإن شأن الأرواح غير شأن الأبدان\". انتهى محل الغرض من كلام ابن القيم بلفظه, وهو يدل على أن الحياة المذكورة غير معلومة الحقيقة لأهل الدنيا. قال تعالى : {بَلْ أَحْيَاءٌ وَلَكِنْ لا تَشْعُرُونَ} والعلم عند الله.أ هـ {دفع إيهام الاضطراب صـ 29 ـ 30}","part":2,"page":322},{"id":809,"text":"قوله تعالى {وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ (155)}\rمناسبة الآية لما قبلها\rولما كان من شأن الطين الذي منه البشر وما تولد منه أن لا يخلص عن الشوائب إلا بعد معاناة شديدة ، ألا ترى أن الذهب أصفاه وهو لا يخلو عن الغش ولا يعرى عما خالطه من الدنس إلا بالامتحان بشديد النيران! قال تعالى معلماً لهم بالتربية بما تحصل به التصفية بما تؤدي إليه مناصبة الكفار ومقارعة أهل دار البوار : {ولنبلونكم} عطفاً على ما أرشد إليه التقدير من نحو قوله : فلنأمركم بمقارعة كل من أمرناكم من قبل بمجاملته وليتمالأن عليكم أهل الأرض ولنبلونكم أي يصيبكم بأشياء إصابة تشبه فعل المختبر لأحوالكم ليظهر الصابر من الجزع. قال الحرالي : فالصبر الأول أي في {إن الله مع الصابرين} عن الكسل وعلى العمل ، والصبر الثاني أي في {وبشر الصابرين} على مصائب الدنيا ، فلذلك انتظم بهذه الآيات آية {ولنبلونكم} عطفاً وتجاوزاً لأمور يؤخذ بها من لم يجاهد في سبيل الله ضعفاً عن صبر النفس عن كره القتال {يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم القتال وهو كره لكم} [البقرة : 216] فمن لم يحمل الصبر الأول على الجهاد أخذ بأمور هي بلايا في باطنه تجاوزها الخطاب فانعطف عليها {ولنبلونكم بشيء من الخوف} وهو حذر النفس من أمور ظاهرة تضرها {والجوع} وهو غلبة الحاجة إلى الغذاء على النفس حتى تترامى لأجله فيما لا تتأمل عاقبته ، فإذا كان على غير غلبة مع حاجة فهو الغرث ، فلذلك في الجوع بلاء مّا والغرث عادة جارية. وقال أيضاً : الجوع فراغ الجسم عما به قوامه كفراغ النفس عن الأمنة التي لها قوام مّا ، فأفقدها القوامين في ذات نفسها بالخوف وفي بدنها بالجوع لما لم تصبر على كره الجهاد ، وقد كان ذلك لأهل الصبر عليه أهون من الصبر على الخوف والجوع ، وأيما كان أول نائلهم من هذا الابتلاء الخوف حيث خافوا الأعداء على أنفسهم فجاءهم إلى مواطنهم ، من لم يمش إلى طبيبه ليستريح جاء الطبيب لهلاكه ، وشتان بين خوف الغازي للعدو في عقره وبين خوف المحصر في","part":2,"page":323},{"id":810,"text":"أهله ، وكذلك شتان بين أرزاق المجاهد وتزويده وخير الزاد التقوى في سبيله لجهاده وبين جوع المتخلف في عيلته - انتهى. ونكر الشيء وما بعده حثاً على الشكر بالإشارة إلى أن كل ما أصاب منها ففي قدرة الله ما هو أعظم منه ، فعدم الإصابة به نعمة.\rولما كان الجوع قد يكون عن رياضة بين أنه عن حاجة بقوله : {ونقص} وهو التقاصر عن الكفاف {من الأموال} أي النعم التي كانت منها أغذيتهم. قال الحرالي : لأن ذلك عرف استعمالهم في لفظ المال. وقال أيضاً : والمال ما هو للمتمول بمنزلة الجزء منه عنده لماله لذلك منه ، فضاعف تعالى مثال البلاء في ذوات أنفسهم وأبدانهم ليقطع عنهم راحة تطلع الكفاية من الأموال في مقابلة ما ينال المجاهد من الغناء والرزق ، فالمجاهد آمن في جيشه متزود في رحله غانم من عدوه ، والمتخلف خائف في أهله جائع في عيلته ناقص المال من ذات يده - انتهى.\rولما كان ذلك قد يكون عن إفراط في الكثرة قال : {والأنفس} قال الحرالي : فيه إشعار بأن من جاهد كثر عدده ونما ولده ، وأن من تكاسل قل عدده ودرج خلفه ، وفي ضمنه إشعار بمنال المتكاسل حواصد من جوارف الآجال من الوباء والطاعون وغيره - انتهى. وقال : {والثمرات} التي هي نفس الأشجار التي بها قوام أنفس الأبدان تخصيصاً لها بالذكر ، لأنها أعظم أموال الأنصار الذين هم من أخص الناس بهذا الذكر لا سيما في وقت نزول هذه الآيات وهو أول زمان الهجرة.أ هـ {نظم الدرر حـ 1 صـ 280 ـ 281}\rسؤال : فإن قيل إنه تعالى قال : {واشكروا لِي وَلاَ تَكْفُرُونِ} [البقرة : 152] والشكر يوجب المزيد على ما قال : {لَئِن شَكَرْتُمْ لازِيدَنَّكُمْ} فكيف أردفه بقوله : {وَلَنَبْلُوَنَّكُم بِشَيْءٍ مِّنَ الخوف} ؟ .","part":2,"page":324},{"id":811,"text":"والجواب من وجهين : الأول : أنه تعالى أخبر أن إكمال الشرائع إتمام النعمة ، فكان ذلك موجباً للشكر ، ثم أخبر أن القيام بتلك الشرائع لا يمكن إلا بتحمل المحن ، فلا جرم أمر فيها بالصبر.\rالثاني : أنه تعالى أنعم أولاً فأمر بالشكر ، ثم ابتلى وأمر بالصبر ، لينال الرجل درجة الشاكرين والصابرين معاً ، فيكمل إيمانه على ما قال عليه الصلاة والسلام : \" الإيمان نصفان : نصف صبر ونصف شكر \" أ هـ\r{مفاتيح الغيب حـ 4صـ 136}\rسؤال : ما الحكمة في تقديم تعريف هذا الابتلاء ؟ \rوأما الحكمة في تقديم تعريف هذا الابتلاء ففيها وجوه.\rأحدها : ليوطنوا أنفسهم على الصبر عليها إذا وردت ، فيكون ذلك أبعد لهم عن الجزع ، وأسهل عليهم بعد الورود.\rوثانيها : أنهم إذا علموا أنه ستصل إليهم تلك المحن ، اشتد خوفهم ، فيصير ذلك الخوف تعجيلاً للابتلاء ، فيستحقون به مزيد الثواب.\rوثالثها : أن الكفار إذا شاهدوا محمداً وأصحابه مقيمين على دينهم مستقرين عليه مع ما كانوا عليه من نهاية الضر والمحنة والجوع ، يعلمون أن القوم إنما اختاروا هذا الدين لقطعهم بصحته ، فيدعوهم ذلك إلى مزيد التأمل في دلائله ، ومن المعلوم الظاهر أن التبع إذا عرفوا أن المتبوع في أعظم المحن بسبب المذهب الذي ينصره ، ثم رأوه مع ذلك مصراً على ذلك المذهب كان ذلك أدعى لهم إلى اتباعه مما إذا رأوه مرفه الحال لا كلفة عليه في ذلك المذهب.\rورابعها : أنه تعالى أخبر بوقوع ذلك الابتلاء قبل وقوعه ، فوجد مخبر ذلك الخبر على ما أخبر عنه فكان ذلك إخباراً عن الغيب فكان معجزاً.\rوخامسها : أن من المنافقين من أظهر متابعة الرسول طمعاً منه في المال وسعة الرزق فإذا اختبره تعالى بنزول هذه المحن فعند ذلك يتميز المنافق عن الموافق لأن المنافق إذا سمع ذلك نفر منه وترك دينه فكان في هذا الاختبار هذه الفائدة.\rوسادسها : أن إخلاص الإنسان حالة البلاء ورجوعه إلى باب الله تعالى أكثر من إخلاصه حال إقبال الدنيا عليه ، فكانت الحكمة في هذا الابتلاء ذلك.\rأ هـ {مفاتيح الغيب حـ 4صـ 136}","part":2,"page":325},{"id":812,"text":"فروق لغوية دقيقة\rالفرق بين البلاء والنقمة\rأن البلاء يكون ضررا ويكون نفعا ، وإذا أردت النفع قلت أبليته وفي القرآن (وليبلى المؤمنين منه بلاء حسنا) ومن الضر بلوته وأصله أن تختبره بالمكروه وتستخرج ما عنده من الصبر ويكون ذلك ابتداء والنقمة لا تكون إلا جزاء وعقوبة وأصلها شدة الإنكار تقول نقمت عليه الأمر إذا أنكرته عليه وقد تسمى النقمة بلاء ، والبلاء لا يسمى نقمة إذا كان ابتداء والبلاء أيضا اسم للنعمة وفي كلام الأحنف : البلاء ثم الثناء أي النعمة ثم الشكر. أ هـ {الفروق فى اللغة صـ 206}","part":2,"page":326},{"id":813,"text":"فائدة فى تقديم الخوف على الجوع ونقص الأموال والأنفس والثمرات\rقال ابن عرفة :\rهذا ترق لأن الجوع أشد من الخوف.\rفإن قلت : إنه أيضا أشد من النقص من الأموال.\rقلت : الجواب أن النقص من الأموال أكثر وجودا فى النّاس من الجوع فهو أشد مفسدة والنقص من الأنفس بالمرض أو بالموت أشد من الجميع. أ هـ\r{تفسير ابن عرفة صـ 196}\rسؤال : من المخاطب فى الآية ؟\rالجواب : وفيمن أُريد في هذه الآية أربعة أقوال. أحدها : أنهم أصحاب النبي خاصة ، قاله عطاء. والثاني : أنهم أهل مكة. والثالث : أن هذا يكون في آخر الزمان. قال كعب : يأتي على الناس زمان لا تحمل النخلة إلا تمرة. والرابع : أن الآية على عمومها (1). أ هـ {زاد المسير حـ 1صـ 162}\r____________________\r(1) هذا القول الأخير أولى بالقبول فالأصل حمل اللفظ على العموم ما لم يأت مخصص. والله أعلم بمراد كتابه.","part":2,"page":327},{"id":814,"text":"فوائد\rاعلم أن كل ما يلاقيك من مكروه ومحبوب ، فينقسم إلى موجود في الحال وإلى ما كان موجوداً في الماضي وإلى ما سيوجد في المستقبل ، فإذا خطر ببالك موجود فيما مضى سمي ذكراً وتذكراً وإن كان موجوداً في الحال : يسمى ذوقاً ووجداً وإنما سمي وجداً لأنها حالة تجدها من نفسك وإن كان قد خطر ببالك وجود شيء في الاستقبال وغلب ذلك على قلبك ، سمي انتظاراً وتوقعاً ، فإن كان المنتظر مكروهاً حصل منه ألم في القلب يسمى خوفاً وإشفاقا ، وإن كان محبوباً سمي ذلك ارتياحاً ، والارتياح رجاء ، فالخوف هو تألم القلب لانتظار ما هو مكروه عنده ، والرجاء هو ارتياح القلب لانتظار ما هو محبوب عنده ، وأما الجوع فالمراد منه القحط وتعذر تحصيل القوت : قال القفال رحمه الله : أما الخوف الشديد فقد حصل لهم عند مكاشفتهم العرب بسبب الدين ، فكانوا لا يأمنون قصدهم إياهم واجتماعهم عليهم ، وقد كان من الخوف في وقعة الأحزاب ما كان ، قال الله تعالى : {هُنَالِكَ ابتلى المؤمنون وَزُلْزِلُواْ زِلْزَالاً شَدِيداً} [الأحزاب : 11] وأما الجوع فقد أصابهم في أول مهاجرة النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ إلى المدينة لقلة أموالهم ، حتى أنه ـ عليه السلام ـ كان يشد الحجر على بطنه ، وروى أبو الهيثم بن التيهان أنه ـ عليه السلام ـ لما خرج التقى مع أبي بكر قال : ما أخرجك ؟ قال : الجوع.","part":2,"page":328},{"id":815,"text":"قال : أخرجني ما أخرجك : وأما النقص في الأموال والأنفس فقد يحصل ذلك عند محاربة العدو بأن ينفق الإنسان ماله في الاستعداد للجهاد وقد يقتل ، فهناك يحصل النقص في المال والنفس وقال الله تعالى : {وجاهدوا بأموالكم وَأَنفُسِكُمْ} [التوبة : 41] وقد يحصل الجوع في سفر الجهاد عند فناء الزاد قال الله تعالى : {ذلك بِأَنَّهُمْ لاَ يُصِيبُهُمْ ظَمَأٌ وَلاَ نَصَبٌ وَلاَ مَخْمَصَةٌ فِى سَبِيلِ الله} [التوبة : 120] وقد يكون النقص في النفس بموت بعض الإخوان والأقارب على ما هو التأويل في قوله : {ولا تقتلوا أنفسكم} [النساء : 29] وأما نقص الثمرات فقد يكون بالجدب وقد يكون بترك عمارة الضياع للاشتغال بجهاد الأعداء ، وقد يكون ذلك بالإنفاق على من كان يرد على رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ من الوفود. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 4صـ 136}","part":2,"page":329},{"id":816,"text":"قال الآلوسى : \rقال الإمام الشافعي رضي الله تعالى عنه : الخوف خوف الله تعالى والجوع صوم رمضان ، والنقص من الأموال الزكوات والصدقات ، ومن الأنفس الأمراض ، ومن الثمرات موت الأولاد ، وإطلاق الثمرة على الولد مجاز مشهور لأن الثمرة كل ما يستفاد ويحصل ، كما يقال : ثمرة العلم العمل ، وأخرج الترمذي من حديث أبي موسى وحسنه عن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ : \" إذا مات ولد العبد قال الله تعالى للملائكة : أقبضتم ولد عبدي ؟ فيقولون : نعم ، فيقول : أقبضتم ثمرة قلبه ؟ فيقولون : نعم ، فيقول الله تعالى : ماذا قال عبدي ؟ فيقولون : حمدك واسترجع ، فيقول الله تعالى : ابنوا لعبدي بيتاً في الجنة وسموه بيت الحمد \" واعترض ما قاله الإمام بعد تسلم أن الآية نزلت قبل فرضية الصوم والزكاة بأن خوف الله تعالى لم تزل قلوب المؤمنين مشحونة به قبل نزول الآية ، وكذا الأمراض وموت الأولاد موجودان قبل ، فلا معنى للوعد بالابتلاء بذلك ، وكذا لا معنى للتعبير عن الزكاة وهي النمو والزيادة بالنقص ، وأجيب بأن كون قلوب المؤمنين مشحونة بالخوف قبل لا ينافي ابتلاءهم في الاستقبال بخوف آخر ، فإن الخوف يتضاعف بنزول الآيات ، وكذا الأمراض ، وموت الأولاد أمور متجددة يصح الابتلاء بها في الآتي من الأزمان ، والتعبير عن الزكاة بالنقص لكونها نقصاً صورة وإن كانت زيادة معنى فعند الابتلاء سماها نقصاً ، وعند الأمر بالأداء سماها زكاة ليسهل أداؤها.أ هـ {روح المعانى حـ 2 صـ 23}\rسؤال : لماذا قال بشيء ولم يقل بأشياء ؟ \rالجواب : إنما قال : بشيء ولم يقل بأشياء لئلا يوهم أن أشياء تدل على ضروب من الخوف. وكذا الباقي فلما قال بشيء كان التقدير بشيء من الخوف ، وبشيء من الجوع. وقيل : معناه بشيء قليل من هذه الأشياء. أ هـ\r{تفسير الخازن حـ 1صـ 95}\rوقال فى روح البيان : \rوإنما قلله لأن ما واقاهم منه أكثر بالنسبة إلى ما أصابهم بألف مرة. أ هـ\r{روح البيان حـ 1صـ 325}","part":2,"page":330},{"id":817,"text":"وقال فى التحرير والتنوير : \rوجيءَ بكلمة (شيءٍ) تهويناً للخبر المفجع ، وإشارة إلى الفرق بين هذا الابتلاء وبين الجوع والخوف اللذين سلطهما الله على بعض الأمم عقوبة ، كما في قوله : {فأذاقها الله لباس الجوع والخوف بما كانوا يصنعون} [النحل : 112] ولذلك جاء هنا بكلمة (شيءٍ) وجاء هنالك بما يدل على الملابسة والتمكن ، وهو أن استعار لها اللباس الملازم لللاَّبس ، لأن كلمة (شيء) من أسماء الأجناس العالية العامَّة ، فإذا أضيفت إلى اسم جنس أو بينت به علم أن المتكلم ما زاد كلمة (شيء) قبل اسم ذلك الجنس إلاّ لقصد التقليل لأن الاقتصار على اسم الجنس الذي ذكره المتكلم بعدها لو شاء المتكلم لأغنى غَناءَها ، فما ذكر كلمة شيء إلاّ والقصد أن يدل على أن تنكير اسم الجنس ليس للتعظيم ولا للتنويع ، فبقي له الدلالة على التحقير. أ هـ {التحرير والتنوير حـ 2صـ 54}","part":2,"page":331},{"id":818,"text":"فروق لغوية دقيقة\rالفرق بين الخوف والحذر والخشية والفزع\rأن الخوف توقع الضرر المشكوك في وقوعه ومن يتيقن الضرر لم يكن خائفا له وكذلك الرجاء لا يكون إلا مع الشك ومن تيقن النفع لم يكن راجيا له والحذر توقي الضرر وسواء كان مظنونا أو متيقنا ، والحذر يدفع الضرر ، والخوف لا يدفعه ولهذا يقال خذ حذرك ولا يقال خذ خوفك\rالفرق بين الخوف والخشية\rأن الخوف يتعلق بالمكروه وبترك المكروه تقول خفت زيدا كما قال تعالى (يخافون ربهم من فوقهم) وتقول خفت المرض كما قال سبحانه (ويخافون سوء الحساب) والخشية تتعلق بمنزل المكروه ، ولا يسمى الخوف من نفس المكروه خشية ولهذا قال (ويخشون ربهم ويخافون سوء الحساب )\rفإن قيل أليس قد قال (إني خشيت أن تقول فرقت بين إسرائيل) قلنا إنه خشي القول المؤدي إلى الفرقة والمؤدي إلى الشيء بمنزلة من يفعله وقال بعض العلماء : يقال خشيت زيدا ولا يقال خشيت ذهاب زيد\rفإن قيل ذلك فليس على الأصل ولكن على وضع الخشية مكان الخوف وقد يوضع الشيء مكان الشيء إذا قرب منه\rالفرق بين الخشية والشفقة\rأن الشفقة ضرب من الرقة وضعف القلب ينال الإنسان ومن ثم يقال للأم إنها تشفق على ولدها أي ترق له وليست هي من الخشية والخوف في شيء ، والشاهد قوله تعالى (الذين هم من خشية ربهم مشفقون) ولو كانت الخشية هي الشفقة لما حسن أن يقول ذلك كما لا يسحن أن يقول : يخشون من خشية ربهم ومن هذا الأصل قولهم : ثوب شفق إذا كان رقيقا وشبهت به البداة ؛ لأنها حمرة ليست بالمحكمة فقولك أشفقت من كذا معناه ضعف قلبي عن احتماله\rالفرق بين الخوف والرهبة","part":2,"page":332},{"id":819,"text":"أن الرهبة طول الخوف واستمراره ومن ثم قيل للراهب راهب لأنه يديم الخوف وأصله من قولهم جمل رهب إذا كان طويل العظام مشبوح الخلق والرهابة العظم الذي على رأس المعدة يرجع إلى هذا وقال علي بن عيسى : الرهبة خوف وقع على شريطة لا مخافة ، والشاهد أن نقيضها الرغبة وهي السلامة من المخاوف مع حصول فائدة ، والخوف مع الشك بوقوع الشرر والرهبة مع العلم به يقع على شريطة كذا وإن لم تكن الشريطة لم تقع.\rالفرق بين الخوف والهلع والفزع\rأن الفزع مفاجاة الخوف عند هجوم غارة أو صوت هدة وما أشبه ذلك وهو انزعاج القلب بتوقع مكروه عاجل وتقول فزعت منه فتعدية بمن وخفته فتعدية بنفسه فمعنى خفتة أي هو نفسه خوفي ومعنى فزعت منه أي هو ابتداء فزعي بنفسه فمعنى خفته أي هو نفسه خوفي ومعنى فزعت منه أي هو ابتداء فزعي لأن [من] لابتداء الغاية وهو يؤكد ما ذكرناه\rوأما الهلع فهو أسوأ الجزع ، وقيل الهلوع على ما فسره الله تعالى في قوله تعالى (إن الإنسان خلق هلوعا إذا مسه الشر جزوعا وإذا مسه الخير منوعا) ولا يسمى هلوعا حتى تجمع فيه هذه الخصال\rالفرق بين الخوف والهول\rأن الهول مخافة الشيء لا يدري على ما يقحم عليه منه كهول الليل وهول البحر وقد هالني الشيء وهو هائل ولا يقال أمر مهول أن الشاعر في بيت من الخفيف\r( ومهول من المناهل وحش\rذي عراقيب آجن مدفان )\rوتفسير المهول أن فيه هولا والعرب إذا كان الشيء أنشى ء له يخرجونه على فاعل كقولهم دارع وإذا كان الشيء أنشى ء فيه أخرجوه على مفعول مثل محبون فيه ذلك ومديون عليه ذلك وهذا قول الخليل\rالفرق بين الخوف والوجل","part":2,"page":333},{"id":820,"text":"أن الخوف خلاف الطمأنينة ، وجل الرجل يوجل وجلا وإذا قلت ولم يطمئن ويقال أنا من هذا على وجل ومن ذلك على طمأنينة ولا يقال على خوف في هذا الموضع وفي القرآن (الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم) أي إذا ذكرت عظمة الله وقدرته لم تطمئن قلوبهم إلى ما قدموه من الطاعة وظنوا أنهم مقصرون فاضطربوا من ذلك وقلقوا فليس الوجل من الخوف في شيء وخاف متعد ووجل غير متعد وصيغتاهما مختلفتان أيضا وذلك يدل على فرق بينهما في المعنى\rالفرق بين الاتقاء والخشية\rأن في الاتقاء معنى الاحتراس مما يخاف وليس ذلك في الخشية\rالفرق بين الخوف والبأس والبؤس\rأن البأس يجري على العدة من السلاح وغيرها ونحوه قوله تعالى (وأنزلنا الحديد فيه بأس شديد) ويستعمل في موضع الخوف مجازا فيقال لا بأس عليك ولا بأس في هذا الفعل أي لا كراهة فيه. أ هـ {الفروق فى اللغة صـ ـ 207 ـ 209}","part":2,"page":334},{"id":821,"text":"موعظة فى الخوف والرجاء\rالإيمان بين الخوف والرجا والمرء بين الشدة والرخا والخوف يفعل فى الخائف مالا يفعل الرجا فى الراجى والخشية تميز تمييزا كافيا وافيا بين الهالك والناجى وأن دين الاسلام ورد بالمهلكات كما جاء بالمنجيات وأن النبي رغب وحذر وبشر وأنذر فهو المخبر الصادق بكلا الأمرين إخبارا لا يخفى على ذى عينين ولكن الشيطان الرجيم غرهم بالغفران والإحسان وكادتهم النفس الأمارة بالسوء ووعدتهم بالرضوان والجنان ودخل عليهم إبليس من باب الرجا حتى أضلهم عن طريق الهدى فقالوا سيغفر لنا كما قال من قبلهم من الأمم ولم يعلموا أن بطش ربهم لشديد الألم وأن الدار الآخرة منقسمة إلى قسمين رياض الجنة وحفر النار والعبد بين مخافتين إما أن يصير إلى النعيم بفضله سبحانه وإما أن يصار به عدلا منه إلى دار البوار وكل من قنع بالرجا ولم يلم بالخوف لم يعلم بعاقبة أمره ولم يعرف نفعه من ضره وإنما المؤمن الناجى من آمن بالله ورسوله واليوم الآخر وعمل صالحا وأقلع نفسه فى هذه الدار عما يوبقه ويهلكه عذبا كان أو مالحا\rوفى حديث شداد بن أوس قال قال رسول الله {الكيس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت والعاجز من أتبع نفسه هواها وتمنى على الله} قال فى مجالس الأبرار هذا الحديث من حسان المصابيح انتهى وما أحسن ما قال بعض العارفين\rعجبت من شيخى ومن زهده... وذكره النار وأهوالها\rيكره أن يشرب فى فضة... ويسرق الفضة إن نالها\rووعد المغفرة فى كتاب الله منوط بالايمان والعمل الصالح جميعا فمن أقر بلسانه أن الآخرة خير وأبقى ثم ترك العمل واشتغل بالمعاصى فهو من المغرورين بالدنيا والمسرورين بها والمحبين لها والكارهين للموت خيفة فوات لذتها لا خيفة فوات لذات الآخرة وحول عقابها فهؤلاء هم الذين غرتهم الحياة الدنيا وهم عن الآخرة هم غافلون","part":2,"page":335},{"id":822,"text":"وأما الذين غرهم بالله الغرور فهم الذين يعملون الأعمال ويشتغلون بالمنكرات ويقولون أن الله رحيم نرجو رحمته وكريم نتمنى مغفرته وهذا التمنى هو الغرور الذى غير الشيطان اسمه وسماه رجاء حتى خدع به كثيرا من الناس وقد شرح الله الرجاء بقوله الذين آمنوا وهاجروا وجاهدوا فى سبيل الله أولئك يرجون رحمة الله\rوقيل للحسن قوم يقولون : نرجوا الله ويضيعون العمل فقال هيهات هيهات هلكت أمانيهم يتردون فيها من رجا شيئا طلبه ومن خاف شيئا هرب منه وكما لا ينبت فى الدنيا زرع إلا بالحرث كذلك لا يحصل فى الآخرة أجر وثواب إلا بالإيمان الخالص والعمل الصالح والنية الصادقة وإن الله تعالى كما كان غافر الذنوب وقابل التوبة فهو شديد العقاب أيضا وأنه مع كونه كريما رحيما خلد الكفار فى النار أبد الآباد مع أن كفرهم لا يضره بل سلط العذاب والمحن والأمراض والعلل والفقر والجوع على عباده في الدنيا مع كونه رحيما كريما قادرا على إزالتها\rفمن كانت سنته فى عباده كذلك كيف يغتر به العبد ولا يخا فهو قد خوف عباده\rورجاء أكثر الخلق فى هذا الزمان هو سبب فتورهم عن العمل وإقبالهم على الدنيا وإعراضهم عن طاعة الله تعالى وإهمالهم للسعى للآخرة وهم لا يعلمون أنه غرور وليس برجاء وقد غلب الغرور على آخر هذه الأمة كما غلب الطاعة على أولها\rقال الغزالى قد كان الناس فى الزمان الأول يواظبون على الطاعات والعبادات ويبالغون فى الاحتراز عن الشبهات والشهوات ومع ذلك كانوا يخافون على أنفسهم ويبكون فى الخلوات وأما الآن فنرى الخلق آمنين فرحين غير خائفين مع إصرارهم على المعاصى وانهماكهم فى الدنيا وإعراضهم عن","part":2,"page":336},{"id":823,"text":"طاعة الله ويزعمون أنهم واثقون بكرم الله تعالى وفضله وراجون لعفوه ومغفرته ويقولون نعمته واسعة ورحمته شاملة وأى شىء من معاصى العباد فى بحار مغفرته ويسمون تمنيهم واغترارهم رجاء ويقولون أن الرجا محمود فى الدين فكأنهم يزعمون أنهم عرفوا من كرم الله وفضله ما لم يعرفه الأنبياء والسلف الصالح انتهى\rأ هـ {يقظة أولى الاعتبار صـ 19 ـ 22}","part":2,"page":337},{"id":824,"text":"عليك بالخوف من الله\rإخواني : من علم عظمة الإله زاد وجله ومن خاف نقم ربه حسن عمله فالخوف يستخرج داء البطالة ويشفيه وهو نعم المؤدب للمؤمن ويكفيه\rقال الحسن : صحبت أقواما كانوا لحسناتهم أن ترد عليهم أخوف منكم من سيئاتكم أن تعذبوا بها ووصف يوسف بن عبد الحسن فقال : كان إذا أقبل كأنه أقبل كأنه أقبل من دفن حميمه وإذا جلس كأنه أسير من يضرب عنقه وإذا ذكرت النار فكأنما لم تخلق إلا له\rوكان سميط إذا وصف الخائفون يقول : أتاهم من الله وعيد وفدهم فناموا على خوف وأكلوا على تنغص\rواعلم أن خوف القوم لو انفرد قتل غير أن نسيم الرجاء يروح أرواحهم وتذكر الإنعام يحيى أشباحهم\rولذلك روى : لو وزن خوف المؤمن ورجاؤه لاعتدلا\rفالخوف للنفس سائق والرجاء لها قائد إن ونت على قائدها حثها سائقها وإن أبت على سائقها حركها قائدها مزيح الرجاء يسكن حر الخوف وسيف الخوف يقطع سيف - سوف - وإن تفكر في الإنعام شكر وأصبح للهم قد هجر وإن نظر في الذنوب حذر وبات جوف الليل يعتذر. أ هـ {الياقوتة صـ 91}","part":2,"page":338},{"id":825,"text":"قوله تعالى {وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ}\rقال الماوردى : \r{وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ} يحتمل ثلاثة أوجه : \rأحدها : وبشر الصابرين على الجهاد بالنصر.\rوالثاني : وبشر الصابرين على الطاعة بالجزاء.\rوالثالث : وبشر الصابرين على المصائب بالثواب ، وهو أشبه لقوله من بعد : \r{الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ قَالُوا : إِنَّا لِلَّهِ وإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ} أ هـ\r{النكت والعيون حـ 1صـ 210}\rفائدة\rقال حجة الإسلام الغزالي ـ رحمه الله ـ : \rاعلم أن الصبر من خواص الإنسان ولا يتصور ذلك في البهائم والملائكة ، أما في البهائم فلنقصانها ، وأما في الملائكة فلكمالها ، بيانه أن البهائم سلطت عليها الشهوات ، وليس لشهواتها عقل يعارضها ، حتى يسمى ثبات تلك القوة في مقابلة مقتضى الشهوة صبراً ، وأما الملائكة فإنهم جردوا للشوق إلى حضرة الربوبية والابتهاج بدرجة القرب منها ولم يسلط عليهم شهوة صارفة عنها ، حتى تحتاج إلى مصادمة ما يصرفها عن حضرة الجلال بجند آخر ، وأما الإنسان فإنه خلق في ابتداء الصبا ناقصاً مثل البهيمة ، ولم يخلق فيه إلا شهوة الغذاء الذي هو محتاج إليه ، ثم يظهر فيه شهوة اللعب ، ثم شهوة النكاح ، وليس له قوة الصبر ألبتة ، إذ الصبر عبارة عن ثبات جند في مقابلة جند آخر ، قام القتال بينهما لتضاد مطالبهما أما البالغ فإن فيه شهوة تدعوه إلى طلب اللذات العاجلة ، والإعراض عن الدار الآخرة ، وعقلاً يدعوه إلى الإعراض عنها ، وطلب اللذات الروحانية الباقية ، فإذا عرف العقل أن الاشتغال بطلب هذه اللذات العاجلة ، عن الوصول إلى تلك اللذات الباقية ، صارت داعية العقل صادة ومانعة لداعية الشهوة من العمل ، فيسمى ذلك الصد والمنع صبراً ، ثم اعلم أن الصبر ضربان.\rأحدهما : بدني ، كتحمل المشاق بالبدن والثبات عليه ، وهو إما بالفعل كتعاطي الأعمال الشاقة أو بالاحتمال كالصبر على الضرب الشديد والألم العظيم.\rوالثاني : هو الصبر النفساني وهو منع النفس عن مقتضيات الشهوة ومشتهيات الطبع ، ثم هذا الضرب إن كان صبراً عن شهوة البطن والفرج سمي عفة ، وإن كان على احتمال مكروه اختلفت أساميه عند الناس باختلاف المكروه الذي عليه الصبر ، فإن كان في مصيبة اقتصر عليه باسم الصبر ويضاده حالة تسمى الجزع والهلع ، وهو إطلاق داعي الهوى في رفع الصوت وضرب الخد وشق الجيب وغيرها وإن كان في حال الغنى يسمى ضبط النفس ويضاده حالة تسمى : البطر.","part":2,"page":339},{"id":826,"text":"وإن كان في حرب ومقاتلة يسمى : شجاعة ، ويضاده الجبن ، وإن كان في كظم الغيظ والغضب يسمى : حلماً ، ويضاده النزق ، وإن كان في نائبة من نوائب الزمان مضجرة سمي : سعة الصدر ، ويضاده الضجر والندم وضيق الصدر وإن كان في إخفاء كلام يسمى : كتمان النفس ويسمى صاحبه : كتوماً ، وإن كان عن فضول العيش سمي زهداً ، ويضاده الحرص وإن كان على قدر يسير من المال سمي بالقناعة ويضاده الشره وقد جمع الله تعالى أقسام ذلك وسمي الكل صبراً فقال : {الصابرين فِى البأساء} أي المصيبة.\r{والضرآء} أي الفقر : {وَحِينَ البأس} أي المحاربة : {أولئك الذين صَدَقُواْ وأولئك هُمُ المتقون} [البقرة : 177] قال القفال رحمه الله ليس الصبر أن لا يجد الإنسان ألم المكروه ولا أن لا يكره ذلك لأن ذلك غير ممكن ، إنما الصبر هو حمل النفس على ترك إظهار الجزع ، فإذا كظم الحزن وكف النفس عن إبراز آثاره كان صاحبه صابراً ، وإن ظهر دمع عين أو تغير لون ، قال ـ عليه السلام ـ : \" الصبر عند الصدمة الأولى \" وهو كذلك ، لأن من ظهر منه في الابتداء ما لا يعد معه من الصابرين ثم صبر ، فذلك يسمى سلوا وهو مما لا بد منه قال الحسن : لو كلف الناس إدامة الجزع لم يقدروا عليه والله أعلم. أ هـ\r{مفاتيح الغيب حـ 4صـ 137 ـ 138}\rمن المعانى الجليلة فى الآية\rدلت هذه الآية على أمور.\rأحدها : أن هذه المحن لا يجب أن تكون عقوبات لأنه تعالى وعد بها المؤمنين من الرسول وأصحابه.\rوثانيها : أن هذه المحن إذا قارنها الصبر أفادت درجة عالية في الدين.\rوثالثها : أن كل هذه المحن من الله تعالى خلاف قول الثنوية الذين ينسبون الأمراض وغيرها إلى شيء آخر ، وخلاف قول المنجمين الذين ينسبونها إلى سعادة الكواكب ونحوستها.","part":2,"page":340},{"id":827,"text":"ورابعها : أنها تدل على أن الغذاء لا يفيد الشبع ، وشرب الماء لا يفيد الري ، بل كل ذلك يحصل بما أجرى الله العادة به عند هذه الأسباب ، لأن قوله : {وَلَنَبْلُوَنَّكُم} صريح في إضافة هذه الأمور إلى الله تعالى وقول من قال : إنه تعالى لما خلق أسبابها صح منه هذاالقول ضعيف لأنه مجاز والعدول إلى المجاز لا يمكن إلا بعد تعذر الحقيقة. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 4صـ 139}\rقوله تعالى {الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ (156) أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ (157)}\rقال الفخر : \rاعلم أن هذه المصائب قد تكون من فعل الله تعالى وقد تكون من فعل العبد ، أما الخوف الذي يكون من الله فمثل الخوف من الغرق والحرق والصاعقة وغيرها ، والذي من فعل العبد ، فهو أن العرب كانوا مجتمعين على عداوة النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ ، وأما الجوع فلأجل الفقر ، وقد يكون الفقر من الله بأن يتلف أموالهم ، وقد يكون من العبد بأن يغلبوا عليه فيتلفوه ، ونقص الأموال من الله تعالى إنما يكون بالجوائح التي تصيب الأموال والثمرات ، ومن العدو إنما يكون لأن القوم لاشتغالهم لايتفرغون لعمارة الأراضي ، ونقص الأنفس من الله بالإماتة ومن العباد بالقتل. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 4صـ 140}\rسؤال : ما الحكمة فى أنه تعالى عمم المصيبة ولم يضفها إلى نفسه ؟ ","part":2,"page":341},{"id":828,"text":"الجواب : قال القاضي : إنه تعالى لم يضف هذه المصيبة إلى نفسه بل عمم وقال : {الذين إِذَا أصابتهم مُّصِيبَةٌ} فالظاهر أنه يدخل تحتها كل مضرة ينالها من قبل الله تعالى ، وينالها من قبل العباد ، لأن في الوجهين جميعاً عليه تكليفاً ، وإن عدل عنه إلى خلافه كان تاركاً للتمسك بأدائه فالذي يناله من قبله تعالى يجب أن يعتقد فيه أنه حكمة وصواب وعدل وخير وصلاح وأن الواجب عليه الرضا به وترك الجزع وكل ذلك داخل تحت قوله : {إِنَّا لِلَّهِ} لأن في إقرارهم بالعبودية تفويض الأمور إليه والرضا بقضائه فيما يبتليهم به ، لأنه لا يقضي إلا بالحق كما قال تعالى : {والله يَقْضِى بالحق والذين يَدْعُونَ مِن دُونِهِ لاَ يَقْضُونَ بِشَىْء} [غافر : 20] أما إذا نزلت به المصيبة من غيره فتكليفه أن يرجع إلى الله تعالى في الانتصاف منه وأن يكظم غيظه وغضبه فلا يتعدى إلى ما لا يحل له من شفعاء غيظه ، ويدخل أيضاً تحت قوله : {إِنَّا لِلَّهِ} لأنه الذي ألزمه سلوك هذه الطريقة حتى لا يجاوز أمره كأنه يقول في الأول ، إنا الله يدبر فينا كيف يشاء ، وفي الثاني يقول : إنا لله ينتصف لنا كيف يشاء. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 4صـ 140}\rقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ : \" لَأَنْ أَخِرَّ مِنْ السَّمَاءِ أَحَبُّ إلَيَّ مِنْ أَنْ أَقُولَ لِشَيْءٍ قَضَاهُ اللَّهُ تَعَالَى لَيْتَهُ لَمْ يَكُنْ \" أ هـ {أحكام القرآن ـ للجصاص حـ 1 صـ 116}","part":2,"page":342},{"id":829,"text":"قوله تعالى {قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ}\rقال أبو بكر الوراق {إِنَّا لِلَّهِ} إقرار منا له بالملك : {وَإِنَّا إِلَيْهِ راجعون} إقرار على أنفسنا بالهلاك ، واعلم أن الرجوع إليه ليس عبارة عن الانتقال إلى مكان أو جهة ، فإن ذلك على الله محال ، بل المراد أنه يصير إلى حيث لا يملك الحكم فيه سواه ، وذلك هو الدار الآخرة ، لأن عند ذلك لا يملك لهم أحد نفعاً ولا ضراً ، وما داموا في الدنيا قد يملك غير الله نفعهم وضرهم بحسب الظاهر ، فجعل الله تعالى هذا رجوعاً إليه تعالى ، كما يقال : إن الملك والدولة يرجع إليه لا بمعنى الانتقال بل بمعنى القدرة وترك المنازعة. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 4صـ 140}\rوقال القرطبى : \rجعل الله تعالى هذه الكلمات ملجأ لذوي المصائب ، وعصمة للممتَحنين ؛ لما جمعت من المعاني المباركة ؛ فإن قوله : \"إنَّا لِلَّهِ\" توحيد وإقرار بالعبودية والملك. وقوله : {وَإِنَّآ إِلَيْهِ رَاجِعونَ} إقرار بالهلْك على أنفسنا والبعث من قبورنا ؛ واليقين أن رجوع الأمر كله إليه كما هو له. قال سعيد بن جبير رحمه الله تعالى : لم تعط هذه الكلمات نبيًّا قبل نبيّنا ، ولو عرفها يعقوب لما قال : يا أسَفي على يوسف. أ هـ {تفسير القرطبى حـ 2صـ 176}\rفوائد جليلة\rقال أبو بكر الرازي : اشتملت الآية على حكمين : فرض ونفل ، أما الفرض فهو التسليم لأمر الله تعالى ، والرضا بقضائه ، والصبر على أداء فرائضه ، لا يصرف عنها مصائب الدنيا وأما النفل فإظهاراً لقوله : {إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ راجعون} فإن في إظهاره فوائد جزيلة منها أن غيره يقتدي به إذا سمعه ، ومنها غيظ الكفار وعلمهم بجده واجتهاده في دين الله والثبات عليه وعلى طاعته ، وحكي عن داود الطائي قال : الزهد في الدنيا أن لا يحب البقاء فيها ، وأفضل الأعمال الرضا عن الله ولا ينبغي للمسلم أن يحزن لأنه يعلم أن لكل مصيبه ثواباً.","part":2,"page":343},{"id":830,"text":"ولنختم تفسير هذه الآية ببيان الرضا بالقضاء فنقول : العبد إنما يصبر راضياً بقضاء الله تعالى بطريقتين : إما بطريق التصرف ، أو بطريق الجذب ، أما طريق التصرف فمن وجوه.\rأحدها : أنه متى مال قلبه إلى شيء والتفت خاطره إلى شيء جعل ذلك الشيء منشأ للآفات فحينئذ ينصرف وجه القلب عن عالم الحدوث إلى جانب القدس فإن آدم ـ عليه السلام ـ لما تعلق قلبه بالجنة جعلها محنة عليه حتى زالت الجنة ، فبقي آدم مع ذكر الله ، ولما استأنس يعقوب بيوسف - عليهما السلام - أوقع الفراق بينهما حتى بقي يعقوب مع ذكر الحق ، ولما طمع محمد ـ عليه السلام ـ من أهل مكة في النصرة والإعانة صاروا من أشد الناس عليه حتى قال : \" ما أوذي نبي مثل ما أوذيت \" وثانيها : أن لا يجعل ذلك الشيء بلاء ولكن يرفعه من البين حتى لا يبقى لا البلاء ولا الرحمة فحينئذ يرجع العبد إلى الله تعالى.\rوثالثها : أن العبد متى توقع من جانب شيئاً أعطاه الله تعالى بلا واسطة خيراً من متوقعه فيستحي العبد فيرجع إلى باب رحمة الله.\rوأما طريق الجذب فهو كما قال ـ عليه السلام ـ : \" جذبة من جذبات الحق توازي عمل الثقلين \" ومن جذبه الحق إلى نفسه صار مغلوباً لأن الحق غالب لا مغلوب ، وصفة الرب الربوبية ، وصفة العبد العبودية ، والربوبية غالبة على العبودية لا بالضد ، وصفة الحق حقيقة ، وصفة العبد مجاز ، والحقيقة غالبة على المجاز لا بالضد ، والغالب يقلب المغلوب من صفة إلى صفة تليق به ، والعبد إذا دخل على السلطان المهيب نسي نفسه وصار بكل قلبه وفكره وحسه مقبلاً عليه ومشتغلاً به وغافلاً عن غيره ، فكيف بمن لحظ نصره حضرة السلطان الذي كان من عداه حقير بالنسبة إليه ، فيصير العبد هنالك كالفاني عن نفسه وعن حظوظ نفسه فيصير هنالك راضياً بأقضية الحق سبحانه وتعالى وأحكامه من غير أن يبقى في طاعته شبهة المنازعة. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 4صـ 140}","part":2,"page":344},{"id":831,"text":"فائدة\rعن أم سلمة ـ رضى الله عنها ـ قالت : سمعت رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ يقول : \"ما من عبد تصيبه مصيبة فيقول : {إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ} اللهم أجُرني في مصيبتي واخلف لي خيرًا منها ، إلا آجره الله من مصيبته ، وأخلف له خيرا منها\" قالت : فلما تُوُفي أبو سلمة قلت كما أمرني رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ ، فأخلف الله لي خيرا منه : رسولَ الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ.{صحيح مسلم برقم (918).}\rلطيفة\rقال القاسم : هذه إشارةٌ تدعو إلى الرضا بالقسمة والصبرِ على المحنةِ. قال : تحت كل محنة نعمةً وتحت كل أنوار النعمة نيران المحبة , ومدح قومًا فقال : {إذا أصابتهم مصيبة} سبقت الأمور بما جرت به الدهور لا يرد ذلك تقوى متقٍ ولا عصيان عاصٍ.أ هـ {حقائق التفسير ـ للسلمى صـ 70}\rمن لطائف الإمام القشيرى فى الآية\rقوله جلّ ذكره : {الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ}... الآية.\rقابلوا الأمر بالصبر لا بل بالشكر لا بل بالفرح والفخر.\rومن طالع الأشياء مِلْكاً للحق رأى نفسه أجنبياً بينه وبين حكمه ؛ فمِنشِئُ الخَلْقِ أولى بالخَلْق من الخَلْق.\rويقال من شهد المصائب شهد نفسه لله وإلى الله ، ومن شاهد المُبْلِي عَلِمَ أن ما يكون من الله فهو عبد بالله ، وشتان بين من كان لله وبين من كان بالله ؛ الذي كان لله فصابرٌ واقفٌ ، والذي هو بالله فساقط الاختيار والحكم ، إنْ أثبته ثَبَتَ ، وإنْ محاه انمحى ، وإنْ حرَّكه تحرك ، وإن سَكَّنَه سَكَن ، فهو عن اختياراته فانٍ ، وفي القبضة مُصْرَّفٌ. أ هـ {لطائف الإشارات حـ 1صـ 140}\rقوله تعالى {أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ}\rقال الآلوسى :","part":2,"page":345},{"id":832,"text":"الصلاة في الأصل على ما عليه أكثر أهل اللغة الدعاء ومن الله تعالى الرحمة ، وقيل : الثناء ، وقيل : التعظيم ، وقيل : المغفرة ، وقال : الإمام الغزالي : الاعتناء بالشأن ، ومعناها الذي يناسب أن يراد هنا سواء كان حقيقياً أو مجازياً الثناء والمغفرة لأن إرادة الرحمة يستلزم التكرار ، ويخالف ما روي \"نعم العدلان للصابرين الصلاة والرحمة\" وحملها على التعظيم والاعتناء بالشأن يأباهما صيغة الجمع ثم إن جوزنا إرادة المعنيين بتجويز عموم المشترك أو الجمع بين الحقيقة والمجاز أو بين المعنيين المجازيين يمكن إرادة المعنيين المذكورين كليهما وإلا فالمراد أحدهما والرحمة تقدم معناها وأتى بعلى إشارة إلى أنهم منغمسون في ذلك وقد غشيهم وتجللهم فهو أبلغ من اللام ، وجمع (صلوات) للإشارة إلى أنها مشتملة على أنواع كثيرة على حسب اختلاف الصفات التي بها الثناء والمعاصي التي تتعلق بها المغفرة ، وقيل : للإيذان بأن المراد صلاة بعد صلاة على حد التثنية في \"لبيك وسعديك\" وفيه أن مجيء الجمع لمجرد التكرار لم يوجد له نظير ، والتنوين فيها وكذا فيما عطف عليها للتفخيم والتعرض لعنوان الربوبية مع الإضافة إلى ضميرهم لإظهار مزيد العناية بهم ، ومن ابتدائية ، وقيل : تبعيضية ، وثَمّ مضاف محذوف أي : من (صلوات) ربهم ، وأتى بالجملة اسمية للإشارة إلى أن نزول ذلك عليهم في الدنيا والآخرة. فقد أخرج ابن أبي حاتم ، والطبراني ، والبيهقي في \"شعب الإيمان\" عن ابن عباس رضي الله تعالى عنه مرفوعاً : \" من استرجع عند المصيبة جبر الله تعالى مصيبته ، وأحسن عقباه ، وجعل له خلفاً صالحاً يرضاه\"","part":2,"page":346},{"id":833,"text":"{وَأُوْلئِكَ} إشارة كسابقه إلى الصابرين المنعوتين بما ذكر من النعوت ، والتكرير لإظهار كمال العناية بهم ، ويجوز أن يكون إشارة إليهم باعتبار حيازتهم ما ذكر من الصلوات والرحمة المترتبة على ما تقدم ، فعلى الأول المراد بالاعتداء في قوله عز شأنه {هُمُ المهتدون} هو الاهتداء للحق والصواب مطلقاً ، والجملة مقررة لما قبل كأنه قيل : وأولئك هم المختصون بالاهتداء لكل حق وصواب ، ولذلك استرجعوا واستسلموا لقضاء الله تعالى ، وعلى الثاني هو الاهتداء والفوز بالمطالب ، والمعنى : أولئك هم الفائزون بمطالبهم الدينية والدنيوية فإن من نال كما تزكية الله تعالى ورحمته لم يفته مطلب. أ هـ {روح المعانى حـ 2 صـ 24}","part":2,"page":347},{"id":834,"text":"وقال البقاعى : \r{أولئك} خطاباً لنبيه واستحضاراً لهم بمحل بعد عن قربه وغيبة عن إقباله عليهم. قال : {عليهم صلوات} صلاة الله على عباده هي إقباله عليهم بعطفه إخراجاً لهم من حال ظلمة إلى رفعة نور ، قال : {هو الذي يصلي عليكم وملائكته ليخرجكم من الظلمات إلى النور} [الأحزاب : 43] فبصلاتهم عليهم إخراجهم من جهات ما أوقعهم في وجوه تلك الابتلاءات ، فلذلك كان ذلك صلوات بالجمع ولم يكن صلاة ليعدد ما أصابهم منه عدد تلك الابتلاءات ، وفي قوله تعالى : {من ربهم} إشعار بتدريجهم في ذلك بحكم تربية وتدارك الأحوال ما أصابهم ، قال تعالى : {ورحمة} إفراد لمنالها لهم بعد متقدم الصلوات عليهم ، فنالتهم الرحمة جمعاً حين أخرجتهم الصلوات أفراداً. قال تعالى : {وأولئك} إشارة إلى الذين نالتهم الصلوات والرحمة فأبقاهم مع ذلك في محل بعد في الحضرة وغيبة في الخطاب {هم المهتدون} فجاء بلفظ {هم} إشعاراً بصلاح بواطنهم عما جره الابتلاء من أنفسهم - انتهى. والذي يلوح لي أن أداة البعد في {أولئك} إشارة إلى علو مقامهم وعز مرامهم ، ولذا عبر عن هدايتهم بالجملة الاسمية على وجه يفهم الحصر ؛ والصلاة الإنعام بما يقتضي التشريف ، والرحمة الإنعام بما يقتضي العطف والتَحنّن - والله سبحانه وتعالى الموفق. أ هـ {نظم الدرر حـ 1 صـ 282}\rقال الفقيه أبو الليث السمرقندى : \rوالصلاة من الله تعالى على ثلاثة أشياء : توفيق الطاعة والعصمة عن المعصية ومغفرة الذنوب جميعاً ، فبالصلاة الواحدة تتكون لهم هذه الأشياء الثلاثة ، فقد وعد لهم الصلوات الكثيرة ، ومقدار ذلك لا يعلمه إلا الله. أ هـ {بحر العلوم حـ 1 صـ 132}","part":2,"page":348},{"id":835,"text":"وقال العلامة ابن عاشور : \rوأفيد مضمون الجملة الذي هو حصول الصلوات والرحمة والهدى للصابرين بطريقة التبشير على لسان الرسول تكريماً لشأنه ، وزيادة في تعلق المؤمنين به بحيث تحصل خيراتهم بواسطته ، فلذلك كان من لطائف القرآن إسنادُ البلوى إلى الله بدون واسطة الرسول ، وإسنادُ البِشارة بالخير الآتي من قِبَل الله إلى الرسول.\rأ هـ {التحرير والتنوير حـ 2 صـ 57}\rقوله تعالى {إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا وَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَإِنَّ اللَّهَ شَاكِرٌ عَلِيمٌ (158)}\rسبب نزول الآية\rسبب نزول هذه الآية أنه كان على الصفا والمروة صنمان إساف ونائلة ، وكان إساف على الصفا ونائلة على المروة ، وكان أهل الجاهلية يطوفون بين الصفا والمروة تعظيما للصنمين ويتمسحون بهما ، فلما جاء الإسلام وكسرت الأصنام كان المسلمون يتحرجون عن السعي بين الصفا والمروة لأجل الصنمين فأذن الله فيه وأخبر أنه من شعائر الله. أ هـ {تفسير البغوى حـ 1 صـ 173}.","part":2,"page":349},{"id":836,"text":"مناسبة الآية لما قبلها\rالحج أخو الجهاد في المشقة والنزوح عن الوطن وقد سماه النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ أحد الجهادين مع أنه من أعظم مقاصد البيت المذكورة في هذه الآيات مناقبه المتلوة مآثره المنصوبة شعائره التي هي في الحقيقة دعائمه من الاعتكاف والصلاة والطواف المشار إلى حجه واعتماره بقوله : {مثابة للناس وأمناً} [البقرة : 125] فأفصح به بعد تلك الإشارة بعض الإفصاح إذ كان لم يبق من مفاخره العظمى غيره وضم إليه العمرة الحج الأصغر لمشاركتها له في إظهار فخاره وإعلاء مناره فقال : {إن الصفا والمروة} فهو كالتعليل لاستحقاق البيت لأن يكون قبلة ، وعرفهما لأنهما جبلان مخصومان معهودان تجاه الكعبة ، اسم الصفا من الصفوة وهو ما يخلص من الكدر ، واسم المروة من المرو وهو ما تحدد من الحجارة - قاله الحرالي. وخصهما هنا بالذكر إشارة إلى أن بركة الإقبال عليهما على ما شرع الله سبحانه وتعالى مفيدة لحياة القلوب بما أنزل على هذا الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ من الكتاب والحكمة الباقيين إلى آخر الدهر شفاء للقلوب وزكاة للنفوس زيادة للنعمة بصفة الشكر وتعليماً بصفة العلم كما كان الإقبال على السعي بينهما تسليماً لأمر الله مفيداً لحياة أبيه إسماعيل عليه الصلاة والسلام ونفع من بعده بما أنبع له من ماء زمزم الباقي إلى قيام الساعة طعام طعم وشفاء سقم ، وفي ذلك مع تقديم الصفا إشارة للبصراء من أرباب القلوب إلى أن الصابر لله المبشر فيما قبلها ينبغي أن يكون قلبه جامعاً بين الصلابة والصفا ، فيكون بصلابته الحجرية مانعاً من القواطع الشيطانية ، وبرقته الزجاجية جامعاً للوامع الرحمانية ، بعيداً عن القلب المائي بصلابته ، وعن الحجري بصفائه واستنارته. ومن أعظم المناسبات أيضاً كون سبيل الحج إذ ذاك كان ممنوعاً بأهل الحرب ، فكأنها علة لما قبلها وكأنه قيل : ولنبلونكم بما ذكر لأن الحج من أعظم شعائر هذا البيت الذي أمرتم باستقباله وهو مما يفرض عليكم وسبيله","part":2,"page":350},{"id":837,"text":"ممنوع بمن تعلمون ، فلنبلونكم بقتالهم لزوال مانع الحج وقتال غيرهم من أهل الكتاب وغيرهم لإتمام النعمة بتمام الدين وظهوره على كل دين. ومن أحسنها أيضاً أنه تعالى لما ذكر البلايا بنقص الأموال بسبب الذنوب {وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم} [الشورى : 30] أتبعها الدواء الجابر لذلك النقص ديناً ودنيا ، \" فإن الحج والعمرة ينفيان الفقر والذنوب كما ينفي الكير خبث الذهب والفضة \" رواه الإمام أحمد والترمذي والنسائي وابن خزيمة وابن حبان في صحيحهما عن عبد الله ابن مسعود رضي الله تعالى عنه عن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ.\r","part":2,"page":351},{"id":838,"text":"وقال الحرالي : لما تقدم ذكر جامعة من أمر الحج في قوله سبحانه وتعالى {ولأتم نعمتي عليكم} [البقرة : 150] من حيث أن النعمة المضافة إليه أحق بنعمة الدين وفي ضمنها نعمة الدنيا التي لم يتهيأ الحج إلا بها من الفتح والنصر والاستيلاء على كافة العرب كما قال تعالى فيما أنزل يوم تمام الحج الذي هو يوم عرفة {اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي} [المائدة : 3] وذلك بما أتم الله سبحانه وتعالى عليهم من نعمة تمام معالم الدين وتأسيس الفتح بفتح أم القرى التي في فتحها فتح جميع الأرض لأنها قيام الناس نظم تعالى بما تلاه من الخطاب تفصيلاً من تفاصيل أمر الحج انتظم بأمر الذين آمنوا من حيث ما في سبب إنزاله من التحرج للذين أعلموا برفع الجناح عنهم وهم طائفة من الأنصار كانوا يهلون لمناة وكانت مناة حذو قديد فتحرجوا من التطوف بين الصفا والمروة. وطائفة أيضاً خافوا أن يلحقهم في الإسلام بعملهم نحو ما كانوا يعملونه في الجاهلية نقص في عمل الإسلام ، فأعلمهم الله سبحانه وتعالى أن ذلك موضوع عنهم لمختلف نياتهم فإن الأعمال بالنيات ، فما نوي لله كان لله ولم يُبل فيه بموافقة ما كان من عاداتهم في الجاهلية ، وفي فقهه صحة السجود لله سبحانه وتعالى لمن أكره على السجود للصنم ، وفي طي ذلك صحة التعبد لله بكلمة الكفر لمن أكره عليها ، أذن ـ صلى الله عليه وسلم ـ غير مرة في أن يقول فيه قائل ما يوافق الكفار بحسن نية للقائل فيه ذلك ولقضاء حاجة له من حوائح دنياه عند الكفار ، فظهر بذلك كونه ـ صلى الله عليه وسلم ـ رحمة للعالمين ، يقبل الضمائر ولا يبالي بالظواهر في أحوال الضرائر ، فرفع الله سبحانه وتعالى عنهم الجناح بحسن نياتهم وإخلاصهم لله سبحانه وتعالى عملهم ، فبهذا النحو من التقاصر في هذه الرتبة انتظم افتتاح هذا الخطاب بما قبله من أحوال الذين آمنوا من المبتلين بما ذكر - انتهى. أ هـ {نظم الدرر حـ 1 صـ 283 ـ 284}","part":2,"page":352},{"id":839,"text":"وقال الفخر : \rاعلم أن تعلق هذه الآية بما قبلها من وجوه.\rأحدها : أن الله تعالى بين أنه إنما حول القبلة إلى الكعبة ليتم إنعامه على محمد ـ صلى الله عليه وسلم ـ وأمته بإحياء شرائع إبراهيم ودينه على ما قال : {وَلأُتِمَّ نِعْمَتِى عَلَيْكُمْ} [البقرة : 150] وكان السعي بين الصفا والمروة من شعائر إبراهيم على ما ذكر في قصة بناء الكعبة وسعى هاجر بين الجبلين فلما كان الأمر كذلك ذكر الله تعالى هذا الحكم عقيب تلك الآية.\rوثانيها : أنه تعالى لما قال : {وَلَنَبْلُوَنَّكُم بِشَيْءٍ مّنَ الخوف والجوع} [البقرة : 155] إلى قوله : {وَبَشّرِ الصابرين} قال : {إِنَّ الصفا والمروة مِن شَعَائِرِ الله} وإنما جعلهما كذلك لأنهما من آثار هاجر وإسماعيل مما جرى عليهما من البلوى واستدلوا بذلك على أن من صبر على البلوى لا بد وأن يصل إلى أعظم الدرجات وأعلى المقامات.\rوثالثها : أن أقسام تكليف الله تعالى ثلاثة.\rأحدها : ما يحكم العقل بحسنه في أول الأمر فذكر هذا القسم أولاً وهو قوله : {اذْكُرُونِى أَذْكُرْكُمْ واشكروا لِي وَلاَ تَكْفُرُونِ} [البقرة : 152] فإن كان عاقل يعلم أن ذكر المنعم بالمدح والثناء والمواظبة على شكره أمر مستحسن في العقول.\rوثانيها : ما يحكم العقل بقبحه في أول الأمر إلا أنه بسبب ورود الشرع به يسلم حسنه ، وذلك مثل إنزال الآلام والفقر والمحن فإن ذلك كالمستقبح في العقول لأن الله تعالى لا ينتفع به ويتألم العبد منه فكان ذلك كالمستقبح إلا أن الشرع لما ورد به وبين الحكمة فيه ، وهي الإبتلاء والامتحان على ما قال : {وَلَنَبْلُوَنَّكُم بِشَيْء مّنَ الخوف والجوع} [البقرة : 155] فحينئذ يعتقد المسلم حسنه وكونه حكمة وصواباً.","part":2,"page":353},{"id":840,"text":"وثالثها : الأمر الذي لا يهتدي لا إلى حسنه ولا إلى قبحه ، بل يراه كالعبث الخالي عن المنفعة والمضرة وهو مثل أفعال الحج من السعي بين الصفا والمروة ، فذكر الله تعالى هذا القسم عقيب القسمين الأولين ليكون قد نبه على جميع أقسام تكالي فهو ذاكراً لكلها على سبيل الاستيفاء والاستقصاء والله أعلم. أ هـ\r{مفاتيح الغيب حـ 4 صـ 142 ـ 143}\rقوله تعالى {مِنْ شَعَائِرِ}\rقال الفخر : \rالشعائر إما أن نحملها على العبادات أو على النسك ، أو نحملها على مواضع العبادات والنسك ، فإن قلنا بالأول حصل في الكلام حذف ، لأن نفس الجبلين لا يصح وصفهما بأنهما دين ونسك ، فالمراد به أن الطواف بينهما والسعي من دين الله تعالى ، وإن قلنا بالثاني استقام ظاهر الكلام ، لأن هذين الجبلين يمكن أن يكونا موضعين للعبادات والمناسك وكيف كان فالسعي بين هذين الجبلين من شعائر الله ومن أعلام دينه ، وقد شرعه الله تعالى لأمة محمد ـ صلى الله عليه وسلم ـ ولإبراهيم ـ عليه السلام ـ قبل ذلك ، وهو من المناسك الذي حكى الله تعالى عن إبراهيم ـ عليه السلام ـ أنه قال : {وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا} [البقرة : 128] \rواعلم أن السعي ليس عبادة تامة في نفسه بل إنما يصير عبادة إذا صار بعضاً من أبعاض الحج ، فلهذا السر بين الله تعالى الموضع الذي فيه يصير السعي عبادة فقال : {فَمَنْ حَجَّ البيت أَوِ اعتمر فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِ أَن يَطَّوَّفَ بِهِمَا}. أ هـ\r{مفاتيح الغيب حـ 4 صـ 143}","part":2,"page":354},{"id":841,"text":"وقال البقاعى : \r{من شعائر الله} أي أعلام دين الملك الأعلى الذي دان كل شيء لجلاله. وقال الحرالي : وهي أي الشعائر ما أحست به القلوب من حقه ، وقال : والشعيرة ما شعرت به القلوب من أمور باطنة {ذلك ومن يعظم شعائر الله فإنها من تقوى القلوب} [الحج : 32] وإنما ذكرها تعالى بالشعائر وعملها معلم من معالم الإسلام وحرمة من حرم الله لما كان حكم في أمر القلوب التي كان في ضمائرها تحرجهم فمن حيث ذكرها بالشعيرة صححها الإخلاص والنية. أ هـ\r{نظم الدرر حـ 1 صـ 285}\rقوله تعالى {فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا}\r{البيت} ذكر البيت في الحج والمسجد الحرام في التوجه لانتهاء الطواف إلى البيت واتساع المصلى من حد المقام إلى ما وراءه لكون الطائف منتهياً إلى البيت وكون المصلي قائماً بمحل أدب يؤخره عن منتهى الطائف مداناة البيت ، وذكره تعالى بكلمة \" من \" المطلقة المستغرقة لأولي العقل تنكباً بالخطاب عن خصوص المتحرجين ، ففي إطلاقه إشعار بأن الحج لا يمنعه شيء مما يعرض في مواطنه من مكروه الدين لاشتغال الحاج بما هو فيه عما سواه ، ففي خفي فقهه إعراض الحاج عن مناكر تلك المواطن التي تعرض فيها بحسب الأزمان والأعصار ، ويؤكد ذلك أن الحج آية الحشر وأهل الحشر\r{لكل امرىء منهم يومئذ شأن يغنيه} [عبس : 37] فكذلك حكم ما هو آيته ؛ وحج البيت إتيانه في خاتمة السنة من الشهور الذي هو شهر ذي الحجة أنه ختم العمر ، كما كان النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ حيث ختم الله سبحانه وتعالى عمره بعمل الحج ؛ قال سبحانه وتعالى {أو اعتمر} فذكر العمرة مع الحج لما كان الطواف بين الصفا والمروة من شعائر العملين. أ هـ\r{نظم الدرر حـ 1 صـ 285}","part":2,"page":355},{"id":842,"text":"قال الآلوسى : \r{فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِ أَن يَطَّوَّفَ بِهِمَا} أي لا إثم عليه في أن يطوف. وأصل الجناح الميل ، ومنه {وَإِن جَنَحُواْ لِلسَّلْمِ} [الأتفال : 1 6] وسمي الاسم به لأنه ميل من الحق إلى الباطل. أ هـ {روح المعانى حـ 2 صـ 25}\rسؤال : ما الحكمة في شرع هذا السعي ؟ \rالحكمة في شرع هذا السعي الحكاية المشهورة وهي أن هاجر أم إسماعيل حين ضاق بها الأمر في عطشها وعطش ابنها إسماعيل ـ عليه السلام ـ أغاثها الله تعالى بالماء الذي أنبعه لها ولابنها من زمزم حتى يعلم الخلق أنه سبحانه وإن كان لا يخلي أولياءه في دار الدنيا من أنواع المحن إلا أن فرجه قريب ممن دعاه فإنه غياث المستغيثين ، فانظر إلى حال هاجر وإسماعيل كيف أغاثهما وأجاب دعاءهما ، ثم جعل أفعالهما طاعة لجميع المكلفين إلى يوم القيامة ، وآثارهما قدوة للخلائق أجمعين ليعلم أن الله لا يضيع أجر المحسنين ، وكل ذلك تحقيق لما أخبر به قبل ذلك من أنه يبتلي عباده بشيء من الخوف والجوع ونقص من الأموال والأنفس والثمرات إلا أن من صبر على ذلك نال السعادة في الدارين وفاز بالمقصد الأقصى في المنزلين.\rأ هـ {مفاتيح الغيب حـ 4 صـ 143 ـ 144}","part":2,"page":356},{"id":843,"text":"فائدة\rأخرج البخاري عن عروة قال : سألت عائشة رضي الله عنها ، فقلت لها : أرأيت قول الله تعالى : \"إن الصفا والمروة من شعائر الله ، فمن حج البيت أو اعتمر فلا جناح عليه أن يطوف بهما\" فوالله ما على أحد جناح أن لا يطوف بالصفا والمروة ؟ قالت : بئس ما قلت يا بن أختي ، إن هذه لو كانت كما أولتها عليه كانت لا جناح عليه أن لا يتطوف بهما ، ولكنها أنزلت في الأنصار ، كانوا قبل أن يسلموا يهلون لمناة الطاغية التي كانوا يعبدونها عند المشلل ، فكان من أهل يتحرج أن يطوف بالصفا والمروة ، فلما أسلموا سألوا رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ عن ذلك قالوا : يا رسول الله إنا كنا نتحرج أن نطوف بين الصفا والمروة ، فأنزل الله تعالى : \"إن الصفا والمروة من شعائر الله\" الآية. قالت عائشة رضي الله عنها : وقد سن رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ الطواف بينهما ، فليس لأحد أن يترك الطواف بينهما.\rفصل\rظاهر قوله تعالى : {لا جُنَاحَ عَلَيْهِ} أنه لا إثم عليه ، والذي يصدق عليه أنه لا إثم في فعله يدخل تحته الواجب والمندوب والمباح ، ثم يمتاز كل واحد من هذه الثلاثة عن الآخر بقيد زائد ، فإذن ظاهر هذه الآية لا يدل على أن السعي بين الصفا والمروة واجب ، أو ليس بواجب ، لأن اللفظ الدال على القدر المشترك بين الأقسام لا دلالة فيه البتة على خصوصية من الرجوع إلى دليل آخر ، إذا عرفت هذا فنقول : مذهب الشافعي رحمه الله أن هذا السعي ركن ، ولا يقوم الدم مقامه ، وعند أبي حنيفة رحمه الله أنه ليس بركن ، ويقوم الدم مقامه ، وروي عن ابن الزبير ومجاهد وعطاء ، أن من تركه فلا شيء عليه ، حجة الشافعي رضي الله عنه من وجوه.","part":2,"page":357},{"id":844,"text":"أحدها : ما روي عن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ أنه قال : \" إن الله كتب عليكم السعي فاسعوا \" فإن قيل : هذا الحديث متروك الظاهر ، لأنه يقتضي وجوب السعي وهو العدو ، ذلك غير واجب قلنا : لا نسلم أن السعي عبارة عن العدو بدليل قوله : {فاسعوا إلى ذِكْرِ الله} [الجمعة : 9] والعدو فيه غير واجب ، وقال الله تعالى : {وَأَن لَّيْسَ للإنسان إِلاَّ مَا سعى} [النجم : 39] وليس المراد منه العدو ، بل الجد والاجتهاد في القصد والنية ، سلمنا أنه يدل على العدو ، ولكن العدو مشتمل على صفة ترك العمل به في حق هذه الصفة ، فيبقى أصل المشي واجباً.\rوثانيها : ما ثبت أنه ـ عليه السلام ـ سعى لما دنا من الصفا في حجته ، وقال : \" إن الصفا والمروة من شعائر الله ابدؤا بما بدأ الله به \" فبدأ بالصفا فرقى عليه حتى رأى البيت ، وإذا ثبت أنه ـ عليه السلام ـ سعى وجب أن يجب علينا السعي للقرآن والخبر ، أما القرآن : فقوله تعالى : {واتبعوه} وقوله : {قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ الله فاتبعونى} [آل عمران : 31] وقوله : {لَّقَدْ كَانَ لَكُمْ فِى رَسُولِ الله أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ} [الأحزاب : 21] وأما الخبر فقوله ـ عليه السلام ـ : \" خذوا عني مناسككم \" والأمر للوجوب.\rوثالثها : أنه أشواط شرعت في بقعة من بقاع الحرم ، أو يؤتى به في إحرام كامل فكان جنسها ركناً كطواف الزيارة ، ولا يلزم طواف الصدر لأن الكلام للجنس لوجوبه مرة ، واحتج أبو حنيفة رضي الله عنه بوجهين.\rأحدهما : هذه الآية وهي قوله : {لاَّ جُنَاحَ عَلَيْهِ أَن يَطَّوَّفَ بِهِمَا} وهذا لا يقال في الواجبات.\rثم إنه تعالى أكد ذلك بقوله : {وَمَن تَطَوَّعَ خَيْرًا} فبين أنه تطوع وليس بواجب.\rوثانيهما : قوله : \"الحج عرفة\" ومن أدرك عرفة فقد تم حجه ، وهذا يقتضي التمام من جميع الوجوه ، ترك العمل به في بعض الأشياء ، فيبقى معمولاً به في السعي والجواب عن الأول من وجوه.\r","part":2,"page":358},{"id":845,"text":"الأول : ما بينا أن قوله : {فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِ} ليس فيه إلا أنه لا إثم على فاعله ، وهذا القدر المشترك بين الواجب وغيره ، فلا يكون فيه دلالة على نفي الوجوب والذي يحقق ذلك قوله تعالى : {فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَقْصُرُواْ مِنَ الصلاة إِنْ خِفْتُمْ} [النساء : 101] والقصر عند أبي حنيفة واجب ، مع أنه قال فيه : {فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِ} فكذا ههنا.\rالثاني : أنه رفع الجناح عن الطواف بهما لا عن الطواف بينهما ، وعندنا الأول غير واجب ، وإنما الثاني هو الواجب.\rالثالث : قال ابن عباس : كان على الصفا صنم وعلى المروة صنم وكان أهل الجاهلية يطوفون بهما ويتمسحون بهما فلما جاء الإسلام كره المسلمون الطواف بينهما لأجل الصنمين فأنزل الله تعالى هذه الآية ، إذا عرفت هذا فنقول انصرفت الإباحة إلى وجود الصنمين حال الطواف لا إلى نفس الطواف كما لو كان في الثوب نجاسة يسيرة عندكم ، أو دم البراغيث عندنا ، فقيل : لا جناح عليك أن تصلي فيه ، فإن رفع الجناح ينصرف إلى مكان النجاسة لا إلى نفس الصلاة.\rالرابع : روي عن عروة أنه قال لعائشة : إني أرى أن لا حرج علي في أن لا أطوف بهما ، فقالت : بئس ما قلت لو كان كذلك لقال : أن لا يطوف بهما ، ثم حكى ما تقدم من الصنمين ، وتفسير عائشة راجح على تفسير التابعين ، فإن قالوا : قرأ ابن مسعود : (فلا جناح عليه أن لا يطوف بهما) واللفظ أيضاً محتمل له كقوله : {يُبَيّنُ الله لَكُمْ أَن تَضِلُّواْ} [النساء : 176] أي أن لا تضلوا ، وكقوله تعالى : {أَن تَقُولُواْ يَوْمَ القيامة} [الأعراف : 172] معناه : أن لا تقولوا ، قلنا : القراءة الشاذة لا يمكن اعتبارها في القرآن لأن تصحيحها يقدح في كون القرآن متواتراً.","part":2,"page":359},{"id":846,"text":"الخامس : كما أن قوله : {فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِ} لا يطلق على الواجب ، فكذلك لا يطلق على المندوب ، ولا شك في أن السعي مندوب ، فقد صارت الآية متروكة العمل بظاهرها.\rوأما التمسك بقوله : {فَمَن تَطَوَّعَ خَيْرًا} فضعيف ، لأن هذا لا يقتضي أن يكون المراد من هذا التطوع هو الطواف المذكور أولاً ، بل يجوز أن يكون المقصود منه شيئاً آخر قال الله تعالى : {وَعَلَى الذين يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ} [البقرة : 184] ثم قال : {فَمَن تَطَوَّعَ خَيْرًا فَهُوَ خَيْرٌ لَّهُ} [البقرة : 184] فأوجب عليهم الطعام ، ثم ندبهم إلى التطوع بالخير فكان المعنى : فمن تطوع وزاد على طعام مسكين كان خيراً ، فكذا ههنا يحتمل أن يكون هذا التطوع مصروفاً إلى شيء آخر وهو من وجهين.\rأحدهما : أنه يزيد في الطواف فيطوف أكثر من الطواف الواجب مثل أن يطوف ثمانية أو أكثر.\rالثاني : أن يتطوع بعد حج الفرض وعمرته بالحج والعمرة مرة أخرى حتى طاف بالصفا والمروة تطوعاً وأما الحديث الذي تمسكوا به فنقول : ذلك الحديث عام وحديثنا خاص والخاص مقدم على العام ، والله أعلم. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 1 صـ 144 ـ 146}","part":2,"page":360},{"id":847,"text":"وقال الماوردى : \rوليس في قوله : {فَلاَ جُنَاحَ} دليل على إباحته دون وجوبه ، لخروجه على سبب ، وهو أن الصفا كان عليه في الجاهلية صنم اسمه إساف ، وعلى المروة صنم اسمه نائلة ، فكانت الجاهلية إذا سعت بين الصفا والمروة طافوا حول الصفا والمروة تعظيماً لإساف ونائلة ، فلما جاء الإسلام وألغيت الأصنام تَكَرَّهَ المسلمون أن يُوَافِقُوا الجاهلية في الطواف حول الصفا والمروة ، مجانبةً لما كانوا عليه من تعظيم إساف ونائلة ، فأباح الله تعالى ذلك لهم في الإسلام لاختلاف القصد فقال : {فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِ أَن يَطَّوَّفَ بِهِمَا}. وأما قراءة ابن مسعود ، وابن عباس : {فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِ أَن لاَّ يَطَّوَّفَ بِهِمَا} ، فلا حجة فيها على سقوط فرض السعي بينهما لأن (لا) صلة في الكلام إذا تقدمها جَحْد ، كقوله تعالى : {مَا مَنَعَكَ أَن تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ} [الأعراف : 12] بمعنى ما منعك أن تسجد ، وكما قال الشاعر : \rما كان يرضى رسول الله فعلهم... والطيبان أبو بكر ولا عُمَرُ. أ هـ {النكت والعيون حـ 1 صـ 213}.","part":2,"page":361},{"id":848,"text":"قوله تعالى {وَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا}\rولما كان الصحابة رضي الله تعالى عنهم لم يقصدوا بترك الطواف بينهما إلا الطاعة فأعلموا أن الطواف بينهما طاعة ، عبر بما يفيد مدحهم فقال تعالى : {ومن تطوع} قَالَ الحرالي : أي كلف نفسه معاهدة البر والخير من غير استدعاء له {خيراً} فيه إعلام بفضيلة النفقة في الحج والعمرة بالهدي ووجوه المرافق للرفقاء بما يفهمه لفظ الخير ، لأن عرف استعماله في خير الرزق والنفقة ، كما قال تعالى : {وإنه لحب الخير لشديد} [العاديات : 8] و{إن ترك خيراً} [البقرة : 180] ؛ ولما كان رفع الجناح تركاً عادلها في الخطاب بإثبات عمل خير ليقع في الخطاب إثبات يفيد عملاً حين لم يفد الأول إلا تركاً ، فمن تحقق بالإيمان أجزل نفقاته في الوفادة على ربه واختصر في أغراض نفسه ، ومن حرم النصف من دنياه اقتصر في نفقاته في وفادته على ربه وأجزل نفقاته في أغراض نفسه وشهوات عياله ، فذلك من أعلام المؤمنين وأعلام الجاهلين ، من وفد على الملك أجزل ما يقدم بين يديه ، وإنما قدمه بالحقيقة لنفسه لا لربه ، فمن شكر نعمة الله بإظهارها حين الوفادة ، عليه في آية بعثة إليه ولقائه له شكراً لله له ذلك يوم يلقاه ، فكانت هدايا الله له يوم القيامة أعظم من هديه إليه يوم الوفادة عليه في حجه وعمرته {فإن الله} أي المحيط بجميع صفات الكمال {شاكر} أي مجاز بالأعمال مع المضاعفة لثوابها ؛ قال الحرالي : وقوله : {عليم} فيه تحذير من مداخل الرياء والسمعة في إجزال النفقات لما يغلب على النفس من التباهي في إظهار الخير - انتهى. أ هـ {نظم الدرر حـ 1 صـ 287 ـ 288}.\rفائدة\rالذين قالوا : السعي واجب ، فسروا هذا التطوع بالسعي الزائد على قدر الواجب ومنهم من فسره بالسعي في الحجة الثانية التي هي غير واجبة وقال الحسن : المراد منه جميع الطاعات وهذا أولى لأنه أوفق لعموم اللفظ. أ هـ\r{مفاتيح الغيب حـ 1 صـ 146 ـ 147}\rقوله تعالى : {فَإِنَّ الله شَاكِرٌ عَلِيمٌ}\rقال الفخر : ","part":2,"page":362},{"id":849,"text":"أما قوله تعالى : {فَإِنَّ الله شَاكِرٌ عَلِيمٌ} فاعلم أن الشاكر في اللغة هو المظهر للأنعام عليه ، وذلك في حق الله تعالى محال ، فالشاكر في حقه تعالى مجاز ، ومعناه المجازي على الطاعة : وإنما سمي المجازاة على الطاعة شكراً لوجوه.\rالأول : أن اللفظ خرج مخرج التلطف للعباد مبالغة في الإحسان إليهم ، كما قال تعالى : {مَّن ذَا الذى يُقْرِضُ الله قَرْضًا حَسَنًا} [البقرة : 245] وهو تعالى لا يستقرض من عوض ، ولكنه تلطف في الاستدعاء كأنه قيل : من ذا الذي يعمل عمل المقرض بأن يقدم فيأخذ أضعاف ما قدم.\rالثاني : أن الشكر لما كان مقابلاً الإنعام أو الجزاء عليه سمي كل ما كان جزاء شكراً على سبيل التشبيه.\rالثالث : كأنه يقول : أنا وإن كنت غنياً عن طاعتك إلا أني أجعل لها من الموقع بحيث لو صح على أن أنتفع بها لما ازداد وقعه على ما حصل وبالجملة فالمقصود بيان أن طاعة العبد مقبولة عند الله تعالى وواقعة موقع القبول في أقصى الدرجات.\rوأما قوله : {عَلِيمٌ} فالمعنى أنه يعلم قدر الجزاء فلا يبخس المستحق حقه لأنه تعالى عالم بقدره وعالم بما يزيد عليه من التفضل ، وهو أليق بالكلام ليكون لقوله تعالى : {عَلِيمٌ} تعلق بشاكر ويحتمل أنه يريد أنه عليم بما يأتي العبد فيقوم بحقه من العبادة والإخلاص وما يفعله لا على هذا الحد ، وذلك ترغيب في أداء ما يجب على شروطه ، وتحذير من خلاف ذلك. أ هـ\r{مفاتيح الغيب حـ 4 صـ 147}","part":2,"page":363},{"id":850,"text":"من لطائف حجة الإسلام الغزالى فى الآية الكريمة\rأنعم الله ـ عز وجل ـ على هذه الأمة بأن جعل الحج رهبانية لهم فشرف البيت العتيق بالإضافة إلى نفسه تعالى\rونصبه مقصدا لعباده وجعل ما حواليه حرما لبيته تفخيما لأمره\rوجعل عرفات كالميزاب على فناء حوضه وأكد حرمة الموضع بتحريم صيده وشجره\rووضعه على مثال حضرة الملوك يقصده الزوار من كل فج عميق ومن كل أوب سحيق شعثا غبرا متواضعين لرب البيت ومستكينين له خضوعا لجلاله واستكانة لعزته مع الاعتراف بتنزيهه عن أن يحويه بيت أو يكتنفه بلد ليكون ذلك أبلغ في رقهم وعبوديتهم وأتم في إذعانهم وانقيادهم\rولذلك وظف عليهم فيها أعمالا لا تأنس بها النفوس ولا تهتدي إلى معانيها العقول كرمي الجمار بالأحجار والتردد بين الصفا والمروة على سبيل التكرار\rوبمثل هذه الأعمال يظهر كمال الرق والعبودية\rفإن الزكاة إرفاق ووجهه مفهوم وللعقل إليه ميل\rوالصوم كسر للشهوة التي هي آلة عدو الله وتفرغ للعبادة بالكف عن الشواغل\rوالركوع والسجود في الصلاة تواضع لله عز وجل بأفعال هي هيئة التواضع وللنفوس أنس بتعظيم الله عز وجل\rفأما ترددات السعي ورمي الجمار وأمثال هذه الأعمال فلا حظ للنفوس ولا أنس فيها ولا اهتداء للعقل إلى معانيها فلا يكون في الإقدام عليها باعث إلا الأمر المجرد وقصد الامتثال للأمر من حيث إنه أمر واجب الإتباع فقط وفيه عزل للعقل عن تصر فهو صرف النفس والطبع عن محل أنسه فإن كل ما أدرك العقل معناه مال الطبع إليه ميلا ما فيكون ذلك الميل معينا للأمر وباعثا معه على الفعل فلا يكاد يظهر به كمال الرق والانقياد ولذلك قال صلى الله عليه وسلم في الحج على الخصوص لبيك بحجة حقا تعبدا ورقا ولم يقل ذلك في صلاة ولا غيرها","part":2,"page":364},{"id":851,"text":"وإذا اقتضت حكمة الله سبحانه وتعالى ربط نجاة الخلق بأن تكون أعمالهم على خلاف هوى طباعهم وأن يكون زمامها بيد الشرع فيترددون في أعمالهم على سنن الانقياد وعلى مقتضى الاستعباد كان ما لا يهتدى إلى معانيه أبلغ أنواع التعبدات في تزكية النفوس وصرفها عن مقتضى الطباع والأخلاق مقتضى الاسترقاق\rوإذا تفطنت لهذا فهمت أن تعجب النفوس من هذه الأفعال العجيبة مصدره الذهول عن أسرار التعبدات وهذا القدر كاف في تفهم أصل الحج إن شاء الله تعالى\rوأما الشوق فإنما ينبعث بعد الفهم والتحقق بأن البيت بيت الله ـ عز وجل ـ وأنه وضع على مثال حضرة الملوك فقاصده قاصد إلى الله ـ عز وجل ـ وزائر له وأن من قصد البيت في الدنيا جدير بأن لا يضيع زيارته فيرزق مقصود الزيارة في ميعاده المضروب له وهو النظر إلى وجه الله الكريم في دار القرار من حيث إن العين القاصرة الفانية في دار الدنيا لا تتهيأ لقبول النظر إلى وجه الله عز وجل ولا تطيق احتماله ولا تستعد للاكتحال به لقصورها وأنها إن أمدت في الدار الآخرة بالبقاء ونزهت عن أسباب التغير والفناء استعدت للنظر والإبصار ولكنها بقصد البيت والنظر إليه تستحق لقاء رب البيت بحكم الوعد الكريم\rفالشوق إلى لقاء الله عز وجل يشوقه إلى أسباب اللقاء لا محالة هذا مع أن المحب مشتاق إلى كل ماله إلى محبوبه إضافة والبيت مضاف إلى الله عز وجل فبالحرى أن يشتاق إليه لمجرد هذه الإضافة فضلا عن الطلب لنيل ما وعد عليه من الثواب الجزيل.","part":2,"page":365},{"id":852,"text":"وأما السعي بين الصفا والمروة في فناء البيت فإنه يضاهي تردد العبد بفناء دار الملك جائيا وذاهبا مرة بعد أخرى إظهارا للخلوص في الخدمة ورجاء للملاحظة بعين الرحمة كالذي دخل على الملك وخرج وهو لا يدري ما الذي يقضي به الملك في حقه من قبول أو رد فلا يزال يتردد على فناء الدار مرة بعد أخرى يرجو أن يرحم في الثانية إن لم يرحم في الأولى وليتذكر عند تردده بين الصفا والمروة تردده بين كفتي الميزان في عرصات القيامة وليمثل الصفا بكفة الحسنات والمروة بكفة السيئات وليتذكر تردده بين الكفتين ناظرا إلى الرجحان والنقصان مترددا بين العذاب والغفران. أ هـ {الإحياء حـ 1 صـ 266 ـ 270}","part":2,"page":366},{"id":853,"text":"قوله تعالى {إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ (159) إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَبَيَّنُوا فَأُولَئِكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَأَنَا التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (160)}\rمناسبة الآية لما قبلها\rقال الحرالي : فانتظمت هذه الآية أي في ختمها لهذا الخطاب بما مضى في أوله من قوله : {ولا تلبسوا الحق بالباطل وتكتموا الحق وأنتم تعلمون} [البقرة : 42] فكانت البداية خاصة وكان الختم عاماً ، ليكون ما في كتاب الله أمراً على نحو ما كان أمر محمد ـ صلى الله عليه وسلم ـ ومن تقدمه من الرسل خلقاً لينطبق الأمر على الخلق بدءاً وختماً انطباقاً واحداً ، فعم كل كاتم من الأولين والآخرين - انتهى. {نظم الدرر حـ 1 صـ 288}\rوقال ابن عرفة : ووجه المناسبة هنا أنه لما تقدم الإخبار بحكم شرعي عقبه ببيان عقوبة العالم إذا كتم علمه. أ هـ {تفسير ابن عرفة صـ 199}\rسبب نزول الآية\rقال أبو جعفر : يعني بقوله : \"إنّ الذين يَكتمون مَا أنزلنا منَ البينات\" ، علماءَ اليهود وأحبارَها ، وعلماءَ النصارى ، لكتمانهم الناسَ أمرَ محمد ـ صلى الله عليه وسلم ـ ، وتركهم اتباعه وهم يجدونه مكتوبًا عندهم في التوراة والإنجيل.أ هـ\r{تفسير الطبرى حـ 2 صـ 249}\rوجه هذا القول كما ذكره الإمام الفخر :\rواحتج من خص الآية بأهل الكتاب ، أن الكتمان لا يصح إلا منهم في شرع نبوة محمد عليه الصلاة والسلام ، فأما القرآن فإنه متواتر ، فلا يصح كتمانه ، قلنا : القرآن قبل صيرورته متواتراً يصح كتمانه ، والمجمل من القرآن إذا كان بيانه عند الواحد صح كتمانه وكذا القول فيما يحتاج المكلف إليه من الدلائل العقلية. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 2 صـ 148}\rوأجاب ابن عادل عن هذه الوجه بقوله :\rوالجواب : أنَّ القرآن الكريم قبل صَيْرُورَتِهِ متواتراً يَصِحُّ كتمانُهُ ، والكلامُ إنَّما هو فيما يحتاج المكلَّف إليه. أ هـ {تفسير ابن عادل حـ 3 صـ 104}\rوقال الخازن :","part":2,"page":367},{"id":854,"text":"قوله عز وجل : {إن الذين يكتمون ما أنزلنا من البينات والهدى} نزلت في علماء اليهود الذين كتموا صفة محمد ـ صلى الله عليه وسلم ـ وآية الرجم وغيرها من الأحكام التي كانت في التوراة. وقيل : إن الآية على العموم فيمن كتم شيئاً من أمر الدين لأن اللفظ عام والعبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب. أ هـ\r{تفسير الخازن حـ 1 صـ 98}\rوقد رجح الإمام فخر الدين الرازى أن الآية تتناول كل من كتم شيئاً من الدين واستدل له بوجوه : \rأحدها : أن اللفظ عام والعارض الموجود ، وهو نزوله عند سبب معين لايقتضي الخصوص على ما ثبت في أصول الفقه أن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب.\rوثانيها : أنه ثبت أيضاً في أصول الفقه أن ترتيب الحكم على الوصف مشعر بكون الوصف علة لذلك الحكم لا سيما إذا كان الوصف مناسباً للحكم ، ولا شك أن كتمان الدين يناسبه استحقاق اللعن من الله تعالى ، وإذا كان هذا الوصف علة لهذا الحكم وجب عموم هذا الحكم عند عموم الوصف.\rوثالثها : أن جماعة من الصحابة حملوا هذا اللفظ على العموم ، وعن عائشة رضي الله عنها أنها قالت : من زعم أن محمداً عليه الصلاة والسلام كتم شيئاً من الوحي فقد أعظم الفرية على الله ، والله تعالى يقول : {إِنَّ الذين يَكْتُمُونَ مَآ أَنزَلْنَا مِنَ البينات والهدى} فحملت الآية على العموم ، وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال : لولا آيتان من كتاب الله ما حدثت حديثاً بعد أن قال الناس : أكثر أبو هريرة. وتلا : {إِنَّ الذين يَكْتُمُونَ مَآ أَنزَلْنَا مِنَ البينات والهدى}.\rأ هـ {مفاتيح الغيب حـ 4 صـ 148}\rقال الحافظ ابن كثير ـ رحمه الله ـ : \rهذا وعيد شديد لمن كتم ما جاءت به الرسلُ من الدلالات البينة على المقاصد الصحيحة والهدى النافع للقلوب ، من بعد ما بينه الله - تعالى -لعباده في كتبه ، التي أنزلها على رسله.\rقال أبو العالية : ","part":2,"page":368},{"id":855,"text":"نزلت في أهل الكتاب ، كتمُوا صفة محمد ـ صلى الله عليه وسلم ـ ثم أخبر أنهم. يلعنهم كلّ شيء على صنيعهم ذلك ، فكما أن العالم يستغفر له كلّ شيء ، حتى الحوت في الماء والطير في الهواء ، فهؤلاء بخلاف العلماء [الذين يكتمون] فيلعنهم الله ويلعنهم اللاعنون. وقد ورد في الحديث المسند من طرق يشد بعضها بعضًا ، عن أبي هريرة ، وغيره : أن رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ قال : \"من سُئِل عن علم فكتمه ، ألجم يوم القيامة بلجام من نار\". والذي في الصحيح عن أبي هريرة أنه قال : لولا آية في كتاب الله ما حدثتُ أحدًا شيئًا : {إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنزلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى} الآية.\rوقال ابن أبي حاتم : حدثنا الحسن بن عرفة ، حدثنا عمار بن محمد ، عن ليث بن أبي سليم ، عن المنهال بن عمرو ، عن زاذان أبي عُمَر عن البراء بن عازب ، قال : كنا مع النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ في جنازة ، فقال : \"إن الكافر يضرب ضربة بين عينيه ، فيسمع كل دابة غير الثقلين ، فتلعنه كل دابة سمعت صوته ، فذلك قول الله تعالى : {أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللاعِنُونَ} يعني : دواب الأرض\".\r[ورواه ابن ماجة عن محمد بن الصباح عن عمار بن محمد به].\rوقال عطاء بن أبي رباح : كل دابة والجن والإنس. وقال مجاهد : إذا أجدبت الأرض قالت البهائم : هذا من أجل عُصاة بني آدم ، لعن الله عصاة بني آدم.\rوقال أبو العالية ، والربيع بن أنس ، وقتادة {وَيَلْعَنُهُمُ اللاعِنُونَ} يعني تلعنهم ملائكة الله ، والمؤمنون.\r[وقد جاء في الحديث ، أن العالم يستغفر له كل شيء حتى الحيتان ، وجاء في هذه الآية : أن كاتم العلم يلعنه الله والملائكة والناس أجمعون ، واللاعنون أيضًا ، وهم كل فصيح وأعجمي إما بلسان المقال ، أو الحال ، أو لو كان له عقل ، أو يوم القيامة ، والله أعلم]. أ هـ {تفسير ابن كثير حـ 1 صـ 472 ـ 473}","part":2,"page":369},{"id":856,"text":"قوله تعالى {يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ (159)}\rقال أبو السعود : \r{مَآ أَنزَلْنَا مِنَ البينات} من الآيات الواضحة الدالةِ على أمر محمد ـ صلى الله عليه وسلم ـ {والهدى} أي والآياتِ الهاديةِ إلى كُنه أمرِه ووجوب اتباعِه والإيمانِ به ، عَبَّر عنها بالمصدر مبالغةً ولم يُجمَعْ مراعاةُ للأصل وهي المرادة بالبينات أيضاً والعطفُ لتغايُر العنوان كما في قوله عز وجل : {هُدًى لّلنَّاسِ وبينات} الخ وقيل : المراد بالهدى الأدلةُ العقلية ويأباه الإنزالُ والكتم. أ هـ\r{تفسير أبى السعود حـ 1 صـ 182}\rوقال ابن عرفة : والبينات إما الأدلة ، والهدى نتائجها ، أو العكس. ويحتمل أن يكون البينات هو الأدلة الشرعية السمعية والهدى الدليل العقلي أو العكس.\rقال ابن عرفة : وقع هذا الوعيد في هذه الآية مشوبا بالرجاء لقوله : {تَكْتُمُونَ} بلفظ المستقبل ولم يقل كتموا بالماضي (تنبيها على أن ما وقع منهم قبل ذلك معفو عنه لا يتناوله هذا الوعيد). ثم أكد هذا الرجاء برجاء آخر وهو أن الكتم الصادر منهم في المستقبل إنما يعاقبون عليه مع الإصرار عليه والمداومة لقوله : \r{إِلاَّ الذين تَابُواْ}.\rقال ابن عرفة : وكرر لفظ {يَلعَنُهُمُ} لوجهين : إما تشريفا لله بذكره وحده إشعارا بالتفاوت الذي بينه وبين (اللاّعنين) ، وإما تنبيها على أن لعنة الله تعالى أشد من لعنة (اللاّعنين) فهو إما للتفاوت بين اللّعنين ، وهذا كما قال ابن التلمساني في المسألة الثامنة من الباب الأول في حديث الخطيب القائل : \" من يطع الله ورسوله فقد رشد ومن يعصهما فقد غوى \". وتقدم جواب القرافي وعز الدين بن عبد السلام فيه.","part":2,"page":370},{"id":857,"text":"قال ابن عرفة : وفي الآية عندهم حجة (للعمل) بالإجماع السّكوتي لأن المجتهد إذا بلغه مذهب غيره في المسألة النازلة فإمّا أن يظهر له موافقته أو مخالفته فإن وافقه فهو المطلوب ، وإن ظهر له مخالفته وسكت بطل العمل بقوله لأنه عاص (في كتمه) العلم.\rفإن قلت : تبقى منهم ثالث وهو أن لايظهر (له) في الحال موافقة ولا مخافة.\rقلنا : لا يكون إذ ذاك مجتهدا. أ هـ {تفسير ابن عرفة صـ 199}\rفائدة\rما قيل في أحبار اليهود يقال مثله في علماء السوء من هذه الأمة ، الذين ملكتهم جيفة الدنيا ، وأسرهم الهوى ، الذين يقبضون الرّشَا على الأحكام ، فيكتمون المشهور الواضح ، ويحكمون بشهوة أنفسهم ، فأولئك يلعنهم اللاعنون ، وفي ذلك يقول ابن المبارك - رحمه الله - : \rوهل أَفْسَدَ الدينَ إلا الملوكُ... وأحْبَارُ سُوءٍ ورُهْبَانُهَا\rوباعُوا النفوسَ ولم يَرْبَحُوا... ولم تغْلُ في البَيْع أثْمَانُهَا\rلقدْ رتعَ القومُ في جِيفَةٍ... يَبِينُ لذِي العَقْلِ إنْتَانُهَا\rوكان يحيى بن معاذ الرازي رضي الله عنه يقول لعلماء وقته : (يا معْشرَ العلماء ، ديارُكم هَامَانيَّة ، وملابِسُكُم قَارُونية ، ومَرَاكِبُكُم فرعونية وولائمُكُمْ جالوتية ، فأين السنّةُ المحمدية ؟ ). إلا مَن تاب وأصلح ما أفسد ، وبيَّن ما كتم ، فأولئك يتوب الله عليهم. أ هـ {البحر المديد حـ 1 صـ 126}\rكلام نفيس للإمام الجصاص فى هذا الموضع\rبَابٌ فِي النَّهْيِ عَنْ كِتْمَانِ الْعِلْمِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : {إنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنْ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى} الْآيَةَ.","part":2,"page":371},{"id":858,"text":"وَقَالَ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ : {إنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنْ الْكِتَابِ وَيَشْتَرُونَ بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا} الْآيَةَ وَقَالَ : {وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُ} هَذِهِ الْآيُ كُلُّهَا مُوجِبَةٌ لِإِظْهَارِ عُلُومِ الدِّينِ وَتَبْيِينِهِ لِلنَّاسِ زَاجِرَةٌ عَنْ كِتْمَانِهَا ، وَمِنْ حَيْثُ دَلَّتْ عَلَى لُزُومِ بَيَانِ الْمَنْصُوصِ عَلَيْهِ فَهِيَ مُوجِبَةٌ أَيْضًا لِبَيَانِ الْمَدْلُولِ عَلَيْهِ مِنْهُ ، وَتَرْكِ كِتْمَانِهِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى : {يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنْ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى} وَذَلِكَ يَشْتَمِلُ عَلَى سَائِرِ أَحْكَامِ اللَّهِ فِي الْمَنْصُوصِ عَلَيْهِ وَالْمُسْتَنْبَطِ لِشُمُولِ اسْمِ الْهُدَى لِلْجَمِيعِ.\rوقَوْله تَعَالَى : {يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنْ الْكِتَابِ} يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لَا فَرْقَ فِي ذَلِكَ بَيْنَ مَا عُلِمَ مِنْ جِهَةِ النَّصِّ أَوْ الدَّلِيلِ ؛ لِأَنَّ فِي الْكِتَابِ الدَّلَالَةَ عَلَى أَحْكَامِ اللَّهِ تَعَالَى كَمَا فِيهِ النَّصُّ عَلَيْهَا.\rوَكَذَلِكَ قَوْله تَعَالَى : {لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُ} عَامٌّ فِي الْجَمِيعِ.\rوَكَذَلِكَ مَا عُلِمَ مِنْ طُرُقِ إخْبَارِ الرَّسُولِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدْ انْطَوَتْ تَحْتَ الْآيَةِ ؛ لِأَنَّ فِي الْكِتَابِ الدَّلَالَةَ عَلَى قَبُولِ أَخْبَارِ الْآحَادِ عَنْهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ فَكُلُّ مَا اقْتَضَى الْكِتَابُ إيجَابَ حُكْمِهِ مِنْ جِهَةِ النَّصِّ أَوْ الدَّلَالَةِ فَقَدْ تَنَاوَلَتْهُ الْآيَةُ.","part":2,"page":372},{"id":859,"text":"وَلِذَلِكَ قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ : \" لَوْلَا آيَةٌ فِي كِتَابِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ مَا حَدَّثْتُكُمْ \" ثُمَّ تَلَا : {إنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنْ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى} فَأَخْبَرَ أَنَّ الْحَدِيثَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى الَّذِي أَنْزَلَهُ اللَّهُ تَعَالَى وَقَالَ شُعْبَةُ عَنْ قَتَادَةَ فِي قَوْله تَعَالَى : {وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ} الْآيَةَ : \" فَهَذَا مِيثَاقٌ أَخَذَهُ اللَّهُ عَلَى أَهْلِ الْعِلْمِ ، فَمَنْ عَلِمَ عِلْمًا فَلْيُعَلِّمْهُ ، وَإِيَّاكُمْ وَكِتْمَانَ الْعِلْمِ فَإِنَّ كِتْمَانَهُ هَلَكَةٌ \".\rوَنَظِيرُهُ فِي بَيَانِ الْعِلْمِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِيهِ ذِكْرُ الْوَعِيدِ لِكَاتِمِهِ قَوْله تَعَالَى : {فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إذَا رَجَعُوا إلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ} وَقَدْ رَوَى حَجَّاجٌ ، عَنْ عَطَاءٍ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : {مَنْ كَتَمَ عِلْمًا يَعْلَمُهُ جَاءَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مُلْجَمًا بِلِجَامٍ مِنْ نَارٍ} فَإِنْ قِيلَ : رُوِيَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ الْآيَةَ نَزَلَتْ فِي شَأْنِ الْيَهُودِ حِينَ كَتَمُوا مَا فِي كُتُبِهِمْ مِنْ صِفَةِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قِيلَ لَهُ : نُزُولُ الْآيَةِ عَلَى سَبَبٍ غَيْرِ مَانِعٍ مِنْ اعْتِبَارِ عُمُومِهَا فِي سَائِرِ مَا انْتَظَمَتْهُ ؛ لِأَنَّ الْحُكْمَ عِنْدَنَا لِلَّفْظِ لَا لِلسَّبَبِ ، إلَّا أَنْ تَقُومَ الدَّلَالَةُ عِنْدَنَا عَلَى وُجُوبِ الِاقْتِصَارِ بِهِ عَلَى سَبَبِهِ. أ هـ\r{أحكام القرآن ـ للجصاص حـ 1 صـ123ـ 124}","part":2,"page":373},{"id":860,"text":"وقال ابن العربى : \rاسْتَدَلَّ بِهَا عُلَمَاؤُنَا عَلَى وُجُوبِ تَبْلِيغِ الْحَقِّ وَبَيَانِ الْعِلْمِ عَلَى الْجُمْلَةِ.\rوَلِلْآيَةِ تَحْقِيقٌ هُوَ أَنَّ الْعَالِمَ إذَا قَصَدَ الْكِتْمَانَ عَصَى ، وَإِذَا لَمْ يَقْصِدْهُ لَمْ يَلْزَمْهُ التَّبْلِيغُ إذَا عَرَفَ أَنَّ مَعَهُ غَيْرَهُ.\rقَالَ عُثْمَانُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ : لَأُحَدِّثَنَّكُمْ حَدِيثًا لَوْلَا آيَةٌ فِي كِتَابِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ مَا حَدَّثْتُكُمُوهُ : قَالَ عُرْوَةُ : الْآيَةَ {إنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنْ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ} قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ : إنَّ النَّاسَ يَقُولُونَ أَكْثَرَ أَبُو هُرَيْرَةَ ، وَاَللَّهِ لَوْلَا آيَةٌ فِي كِتَابِ اللَّهِ مَا حَدَّثْتُ شَيْئًا ، ثُمَّ تَلَا هَذِهِ الْآيَةَ ، وَكَانَ أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا لَا يُحَدِّثَانِ بِكُلِّ مَا سَمِعَا مِنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إلَّا عِنْدَ الْحَاجَةِ إلَيْهِ.\rوَكَانَ الزُّبَيْرُ أَقَلَّهُمْ حَدِيثًا مَخَافَةَ أَنْ يُوَاقِعَ الْكَذِبَ ؛ وَلَكِنَّهُمْ رَأَوْا أَنَّ الْعِلْمَ عَمَّ جَمِيعَهُمْ فَسَيُبَلِّغُ وَاحِدٌ إنْ تَرَكَ آخَرُ.","part":2,"page":374},{"id":861,"text":"فَإِنْ قِيلَ : فَالتَّبْلِيغُ فَضِيلَةٌ أَوْ فَرْضٌ ، فَإِنْ كَانَ فَرْضًا فَكَيْفَ قَصَّرَ فِيهِ هَؤُلَاءِ الْجِلَّةُ كَأَبِي بَكْرٍ ، وَعُمَرَ ، وَالزُّبَيْرِ ، وَأَمْثَالِهِمْ ، وَإِنْ كَانَ فَضِيلَةً فَلِمَ قَعَدُوا عَنْهَا ؟ فَالْجَوَابُ : أَنَّ مَنْ سُئِلَ فَقَدْ وَجَبَ عَلَيْهِ التَّبْلِيغُ لِهَذِهِ الْآيَةِ ؛ وَلِمَا رَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ وَعَمْرُو بْنُ الْعَاصِ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : {مَنْ سُئِلَ عَنْ عِلْمٍ فَكَتَمَهُ أُلْجِمَ بِلِجَامٍ مِنْ نَارٍ} وَأَمَّا مَنْ لَمْ يُسْأَلْ فَلَا يَلْزَمُهُ التَّبْلِيغُ إلَّا فِي الْقُرْآنِ وَحْدَهُ.\rوَقَدْ قَالَ سَحْنُونٌ : إنَّ حَدِيثَ أَبِي هُرَيْرَةَ وَعَمْرٍو هَذَا إنَّمَا جَاءَ فِي الشَّهَادَةِ.\rوَالصَّحِيحُ عِنْدِي مَا أَشَرْنَا إلَيْهِ مِنْ أَنَّهُ إنْ كَانَ هُنَاكَ مَنْ يُبَلِّغُ اُكْتُفِيَ بِهِ ، وَإِنْ تَعَيَّنَ عَلَيْهِ لَزِمَهُ ، وَسَكَتَ الْخُلَفَاءُ عَنْ الْإِشَارَةِ بِالتَّبْلِيغِ ؛ لِأَنَّهُمْ كَانُوا فِي الْمَنْصِبِ مَنْ يَرُدُّ مَا يَسْمَعُ أَوْ يُمْضِيهِ مَعَ عِلْمِهِمْ بِعُمُومِ التَّبْلِيغِ فِيهِ ، حَتَّى إنَّ عُمَرَ كَرِهَ كَثْرَةَ التَّبْلِيغِ ، وَسَجَنَ مَنْ كَانَ يُكْثِرُ الْحَدِيثَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ؛ وَقَدْ بَيَّنَّا تَحْقِيقَهُ فِي شَرْحِ الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ.\rوَقَدْ ثَبَتَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي فَضِيلَةِ التَّبْلِيغِ أَنَّهُ قَالَ : {نَضَّرَ اللَّهُ امْرَأً سَمِعَ مَقَالَتِي فَوَعَاهَا فَأَدَّاهَا كَمَا سَمِعَهَا}.\rوَاَللَّهُ أَعْلَمُ. أ هـ {أحكام القرآن ـ لابن العربى حـ 1 صـ 73}","part":2,"page":375},{"id":862,"text":"قوله تعالى {إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ}\rسؤال : لم أسقط فاء السبب فى كلمة {أولئك}\rولما كان المضارع دالاً على التجديد المستمر وكان الإصرار المتصل بالموت دالاً على سوء الجبلة أسقط فاء السبب إشارة إلى استحقاقهم للخزي في نفس الأمر من غير نظر إلى سبب فقال : {أولئك} أي البعداء البغضاء {يلعنهم الله} أي يطردهم الملك الأعظم طرد خزي وذل {ويلعنهم اللاعنون} أي كل من يصح منه لعن ؛ أي هم متهيؤن لذلك ثم يقع لهم ذلك بالفعل عند كشف الغطاء.\rأ هـ {نظم الدرر حـ 1 صـ 289}\rسؤال : لم وسط اسم الإشارة {أولئك} بين اسم {إنَّ} وخبرها ؟ ولم عبر باسم الإشارة البعيد ؟\rالجواب : وقوله : {أولئك} إشارة إلى {الذين يكتمون} وسط اسم الإشارة بين اسم {إنَّ} وخبرها للتنبيه على أن الحكم الوارد بعد ذلك قد صاروا أحرياء به لأجل تلك الصفات التي ذكرت قبله بحيث إن تلك الصفات جعلتهم كالمشاهدين للسامع فأشير إليهم وهو في الحقيقة إشارة إلى أوصافهم ، فمن أجل ذلك أفادت الإشارة التنبيه على أن تلك الأوصاف هي سبب الحكم وهو إيماء للعلة على حد : {أولئك على هدى من ربهم} [البقرة : 5].\rواختير اسم إشارة البعيد ليكون أبعث للسامع على التأمل منهم والالتفات إليهم أو لأن اسم الإشارة بهذه الصيغة هو الأكثر استعمالاً في كلامهم.\rأ هـ {التحرير والتنوير حـ 2 صـ 67}\rقوله تعالى : {وَيَلْعَنُهُمُ اللاعنون}\rقال قتادة والربيع : المراد بـ \"اللاعنون\" الملائكة والمؤمنون.\rقال ابن عطية : وهذا واضح جارٍ على مقتضى الكلام.\rوقال مجاهد وعكرمة : هم الحشرات والبهائم يصيبهم الجدْب بذنوب علماء السوء الكاتمين فيلعنونهم.","part":2,"page":376},{"id":863,"text":"قال الزجاج : والصواب قول من قال : \"اللاعنون\" الملائكة والمؤمنون ؛ فأما أن يكون ذلك لدواب الأرض فلا يوقف على حقيقته إلا بنص أو خبر لازم ولم نجد من ذَيْنِك شيئاً.\rقلت : قد جاء بذلك خبر رواه بن عازب رضي الله عنه قال : \" قال رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ في قوله تعالى : {يَلعَنُهُمُ الله وَيَلْعَنُهُمُ اللاعنون} قال. \"دواب الأرض\" \" أخرجه ابن ماجه عن محمد بن الصباح أنبأنا عمار بن محمد عن ليث عن أبي المِنْهال عن زاذان عن البراء ؛ إسناد حسن.\rفإن قيل : كيفَ جَمعَ مَن لا يعقل جَمع مَن يعقل ؟ .\rقيل : لأنه أسند إليهم فعل من يعقل ؛ كما قال {رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ} [يوسف : 4] ولم يقل ساجدات ، وقد قال : {لِمَ شَهِدتُّمْ عَلَيْنَا} [فصلت : 24] ، وقال : {وَتَرَاهُمْ يَنظُرُونَ إِلَيْكَ} [الأعراف : 198] ، ومثله كثير ، وسيأتي إن شاء الله تعالى. وقال البراء بن عازب وابن عباس : \"اللاعنون\" كل المخلوقات ما عدا الثقلين : الجن والإنس ؛ وذلك أن النبيّ ـ صلى الله عليه وسلم ـ قال : \" الكافر إذا ضُرب في قبره فصاح سمعه الكل إلا الثَّقَلَين ولعنه كل سامع \" وقال ابن مسعود والسُّدي : هو الرجل يلعن صاحبه فترتفع اللعنة إلى السماء ثم تنحدر فلا تجد صاحبها الذي قيلت فيه أهلاً لذلك ، فترجع إلى الذي تكلم بها فلا تجده أهلاً فتنطلق فتقع على اليهود الذين كتموا ما أنزل الله تعالى ؛ فهو قوله : {وَيَلْعَنُهُمُ اللاعنون} فمن مات منهم ارتفعت اللعنة عنه فكانت فيمن بقي من اليهود.أ هـ {تفسير القرطبى حـ 2 صـ 187}\rسؤال : ما سر الالتفات إلى الغيبة ؟ \rالجواب : والالتفات إلى الغيبة بإظهار اسم الذات لتربية المهابة والإشعار بأن مبدأ صدور اللعن صفة الجلال المغايرة لما هو مبدأ الإنزال والتبيين من صفة الجمال. أ هـ {روح المعانى حـ 2 صـ 27}","part":2,"page":377},{"id":864,"text":"فوائد وفرائد نفيسة\rقال العلامة الطاهر ابن عاشور : \rواللعن الإبعاد عن الرحمة مع إذلال وغضب ، وأثره يظهر في الآخرة بالحرمان من الجنة وبالعذاب في جهنم ، وأما لعن الناس إياهم فهو الدعاء منهم بأن يبعدهم الله عن رحمته على الوجه المذكور ، واختير الفعل المضارع للدلالة على التجدد مع العلم بأنه لعنهم أيضاً فيما مضى إذ كل سامع يعلم أنه لا وجه لتخصيص لعنهم بالزمن المستقبل. وكذلك القول في قوله : {ويلعنهم اللاعنون} ، وكرر فعل {يلعنهم} مع إغناء حرف العطف عن تكريره لاختلاف معنى اللعنين فإن اللعن من الله الإبعاد عن الرحمة واللعن من البشر الدعاء عليهم عكس ما وقع في {إن الله وملائكته يصلون} [الأحزاب : 56] لأن التحقيق أن صلاة الله والملائكة واحدة وهي الذكر الحسن.\rوالتعريف في : {اللاعنون} للاستغراق وهو استغراق عرفي أي يلعنهم كل لاعن ، والمراد باللاعنين المتدينون الذين ينكرون المنكر وأصحابَه ويغضبون لله تعالى ويطلعون على كتمان هؤلاء فهم يلعنونهم بالتعيين وإن لم يطلعوا على تعيينهم فهم يلعنونهم بالعنوان العام أي حين يلعنون كل من كتم آيات الكتاب حين يتلون التوراة. 6 ولقد أخذ الله الميثاق على بني إسرائيل أن يبينوا التوراة ولا يخفوها كما قال : {وإذ أخذ الله ميثاق الذين أوتوا الكتاب لتبيننه للناس ولا تكتمونه} [آل عمران : 187].","part":2,"page":378},{"id":865,"text":"وقد جاء ذكر اللعنة على إضاعة عهد الله في التوراة مرات وأشهرها العهد الذي أخذه موسى على بني إسرائيل في (حوريب) حسبما جاء في سفر الخروج في الإصحاح الرابع والعشرين ، والعهد الذي أخذه عليهم في (مؤاب) وهو الذي فيه اللعنة على من تركه وهو في سفر التثنية في الإصحاح الثامن والعشرين والإصحاح التاسع والعشرين ومنه : \"أنتم واقفون اليوم جميعكم أما الرب إلهكم... لكي تدخلوا في عهد الرب وقسمه لئلا يكون فيكم اليوم منصرف عن الرب... فيكون متى يسمع كلام هذه اللعنة يتبرك في قلبه... حينئذٍ يحل غضب الرب وغيرته على ذلك الرجل فتحل عليه كل اللعنات المكتوبة في هذا الكتاب ويمحو الرب اسمه من تحت السماء ويفرزه الرب للشر من جميع أسباط إسرائيل حسب جميع لعنات العهد المكتوبة في كتاب الشريعة هذا... لنعمل بجميع كلمات هذه الشريعة\". وفي الإصحاح الثلاثين : \"ومتى أتت عليك هذه الأمور البركة واللعنة جعلتهما قدامك\" وفيه : \"أشهد عليكم اليوم السماء والأرض قد جعلت قدامك الحياة والموت ، البركة واللعنة\".\rفقوله تعالى : {ويلعنهم اللاعنون} تذكير لهم باللعنة المسطورة في التوراة فإن التوراة متلوة دائماً بينهم فكلما قرأ القارئون هذا الكلام تجددت لعنة المقصودين به ، والذين كتموا ما أنزل من البينات والهدى هم أيضاً يقرأون التوراة فإذا قرأوا لعنة الكاتمين فقد لعنوا أنفسهم بألسنتهم فأما الذين يلعنون المجرمين والظالمين غير الكاتمين ما أنزل من البينات والهدى فهم غير مشمولين في هذا العموم وبذلك كان الاستغراق المستفاد من تعريف اللاعنون باللام استغراقاً عرفياً","part":2,"page":379},{"id":866,"text":"واعلم أن لام الاستغراق العرفي واسطة بين لام الحقيقة ولام الاستغراق الحقيقي. وإنما عدل إلى التعريف مع أنه كالنكرة مبالغة في تحققه حتى كأنه صار معروفاً لأن المنكَّر مجهول ، أو يكون التعريف للعهد أي يلعنهم الذين لعنوهم من الأنبياء الذين أوصوا بإعلان العهد وأن لا يكتموه.\rولما كان في صلة {الذين يكتمون} إيماء كما قدمناه فكل من يفعل فعلاً من قبيل مضمون الصلة من غير أولئك يكون حقيقاً بما تضمنه اسم الإشارة وخبره فإن من مقاصد القرآن في ذكر القصص الماضية أن يعتبر بها المسلمون في الخير والشر ، وعن ابن عباس أن كل ما ذمّ الله أهلَ الكتاب عليه فالمسلمون محذَّرون من مثله ، ولذا قال أبو هريرة لما قال الناسُ أكثر أبو هريرة من الرواية عن رسول الله فقال : لولا آية في كتاب الله ما حدثتكم حديثاً بعد أن قال الناس أكثر أبو هريرة : {إن الذين يكتمون ما أنزلنا من البينات والهدى} الآية وساق الحديث.","part":2,"page":380},{"id":867,"text":"فالعالم يحرم عليه أن يكتم من علمه ما فيه هُدى للناس لأن كتم الهدى إيقاع في الضلالة سواء في ذلك العلم الذي بلغ إليه بطريق الخبر كالقرآن والسنة الصحيحة والعلم الذي يحصل عن نظر كالاجتهادات إذا بلغت مبلغ غلبة الظن بأن فيها خيراً للمسلمين ، ويحرم عليه بطريق القياس الذي تومىء إليه العلة أن يبث في الناس ما يوقعهم في أوهام بأن يُلقنها وهو لا يحسن تنزيلها ولا تأويلها ، فقد قال رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ \" حدثوا الناس بما يفْهمون أتحبُّون أنْ يكذَّب اللَّهُ ورسولهُ \" وكذلك كل ما يعلم أن الناس لا يحسنون وضعَه. وفي \"صحيح البخاري\" أن الحجَّاج قال لأنس بن مالك حدثني بأشد عقوبة عاقبها النبي فذكر له أنس حديث العرنيين الذين قتلوا الراعي واستاقوا الذود فقطع النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ أيديهم وأرجلهم وسمل أعينهم وتركهم في الحرة يستقون فلا يسقون حتى ماتوا ، فلما بلغ ذلك الحسن البصري قال وددت أنه لم يحدثه ، أو يتلفقون من ظاهره ما يوافق هواهم فيجعلونه معذرة لهم فيما يعاملون به الناس من الظلم ، قال ابن عرفة في \"التفسير\" : لا يحل للعالم أن يذكر للظالم تأويلاً أو رخصة يتمادى منها إلى المفسدة كمن يذكر للظالم ما قال الغزالي في \"الإحياء\" من أن بيت المال إذا ضعف واضطر السلطان إلى ما يجهز به جيوش المسلمين لدفع الضرر عنهم فلا بأس أن يوظف على الناس العشر أو غيره لإقامة الجيش وسد الخلة ، قال ابن عرفة وذكر هذه المظلمة مما يحدث ضرراً فادحاً في الناس. وقد سأل سلطان قرطبة عبد الرحمن بن معاوية الداخل يحيى بن يحيى الليثي عن يوم أفطره في رمضان عامداً غلبته الشهوة على قربان بعض جواريه فيه فأفتاه بأنه يصوم ستين يوماً والفقهاء حاضرون ما اجترأوا على مخالفة يحيى فلما خرجوا سألوه لِمَ خصصته بأحد المخيرات فقال لو فتحنا له هذا الباب لوطىء كل يوم وأعتق أو أطعم فحملته على الأصعب لئلا يعود.","part":2,"page":381},{"id":868,"text":"قلت فهو في كتمه عنه الكفارتين المخير فيهما قد أعمل دليل دفع مفسدة الجرأة على حُرمة فريضة الصوم.\rفالعالم إذا عين بشخصه لأن يبلغ علماً أو يبين شرعاً وجب عليه بيانه مثل الذين بعثهم رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ لإبلاغ كتبه أو لدعوة قومهم ، وإن لم يكن معيناً بشخصه فهو لا يخلو إما أن يكون ما يعلمه قد احتاجت الأمة إلى معرفته منه خاصة بحيث يتفرد بعلمه في صقع أو بلد حتى يتعذر على أناس طلب ذلك من غيره أو يتعسر بحيث إن لم يعلمها إياه ضلت مثل التوحيد وأصول الاعتقاد ، فهذا يجب عليه بيانه وجوباً متعيناً عليه إن انفرد به في عصر أو بلد ، أو كان هو أتقن للعلم فقد روى الترمذي وابن ماجه عن أبي سعيد أن رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ قال له : \"إن الناس لكم تبع وإن رجالاً يأتونكم يتفهمون أو يتعلمون فإذا جاءوكم فاستوصوا بهم خيراً\".","part":2,"page":382},{"id":869,"text":"وإن شاركه فيه غيره من أمثاله كان وجوبه على جميع الذين يعلمون ذلك على الكفاية ، وإما أن يكون ما يعلمه من تفاصيل الأحكام وفوائدها التي تنفع الناس أو طائفة منهم ، فإنما يجب عليه عيناً أو كفاية على الوجهين المتقدمين أن يبين ما دعت الحاجة إلى بيانه ، ومما يعد قد دعت الحاجة إلى بيانه أن تعين له طائفة من الناس ليعلمهم فحينئذٍ يجب عليه أن يعلمهم ما يرى أن في علمهم به منفعة لهم وقدرة على فهمه وحسن وضعه ، ولذلك وجب على العالم إذا جلس إليه الناس للتعلم أن يلقي إليهم من العلم ما لهم مقدرة على تلقيه وإدراكه ، فظهر بهذا أن الكتمان مراتب كثيرة وأن أعلاها ما تضمنته هذه الآية ، وبقية المراتب تؤخذ بالمقايسة ، وهذا يجيء أيضاً في جواب العالم عما يلقى إليه من المسائل فإن كان قد انفرد بذلك أو كان قد عين للجواب مثل من يعين للفتوى في بعض الأقطار فعليه بيانه إذا علم احتياج السائل ويجيء في انفراده بالعلم أو تعيينه للجواب وفي عدم انفراده الوجهان السابقان في الوجوب العيني والوجوب الكفائي. وفي غير هذا فهو في خيرة أو يجيب أو يترك. وبهذا يكون تأويل الحديث الذي رواه أصحاب \"السنن الأربعة\" أن","part":2,"page":383},{"id":870,"text":"النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ قال : \" من سئل عن علم فكتمه ألجمه الله بلجام من نار يوم القيامة \" فخصص عمومه في الأشخاص والأحوال بتخصيصات دلت عليها الأدلة قد أشرنا إلى جماعها.\rوذكر القرطبي عن سحنون أن الحديث وارد في كتمان الشاهد بحق شهادته.\rوالعهدة في وضع العالم نفسه في المنزلة اللائقة به من هذه المنازل المذكورة على ما يأنسه من نفسه في ذلك وما يستبرىء به لدينه وعرضه.\rوالعهدة في معرفة أحوال الطالبين والسائلين عليه ليجريها على ما يتعين إجراؤها عليه من الصور على ما يتوسمه من أحوالهم والأحوال المحيطة بهم ، فإن أشكل عليه الأمر في حال نفسه أو حال سائله فليستشر أهل العلم والرأي في الدين.\rويجب أن لا يغفل عن حكمة العطف في قوله تعالى : {والهدى} حتى يكون ذلك ضابطاً لما يفضي إليه كتمان ما يكتم. أ هـ {التحرير والتنوير حـ 2 صـ 68 ـ 71}\rوقال الإمام القرطبى ـ رحمه الله ـ : ","part":2,"page":384},{"id":871,"text":"وتحقيق الآية هو : أن العالم إذا قصد كتمان العلم عصى ، وإذا لم يقصده لم يلزمه التبليغ إذا عرف أنه مع غيره. وأمّا من سُئل فقد وجب عليه التبليغ لهذه الآية وللحديث. أما أنه لا يجوز تعليم الكافر القرآن والعلم حتى يُسلم ، وكذلك لا يجوز تعليم المبتدع الجدال والحِجاج ليجادل به أهل الحق ، ولا يُعلم الخصم على خصمه حجة يقطع بها ماله ، ولا السلطان تأويلاً يتطرّق به إلى مكاره الرعية ، ولا ينشر الرُّخص في السفهاء فيجعلوا ذلك طريقاً إلى ارتكاب المحظورات ، وترك الواجبات ونحو ذلك. يُرْوَى عن النبيّ ـ صلى الله عليه وسلم ـ أنه قال : \" لا تمنعوا الحكمة أهلها فتظلموهم ولا تضعوها في غير أهلها فتظلموها \" وروي عنه ـ صلى الله عليه وسلم ـ أنه قال : \" لا تعلّقوا الدُّرّ في أعناق الخنازير \" يريد تعليم الفقه من ليس من أهله. وقد قال سُحْنون : إن حديث أبي هريرة وعمرو بن العاص إنما جاء في الشهادة. قال ابن العربي : والصحيح خلافه ؛ لأن في الحديث \" مَن سُئل عن علم \" ولم يقل عن شهادة ، والبقاء على الظاهر حتى يرد عليه ما يزيله ؛ والله أعلم.\rالثالثة : قوله تعالى : {مِنَ البينات والهدى} يعمّ المنصوص عليه والمستنبط ؛ لشمول اسم الهُدَى للجميع.\rوفيه دليل على وجوب العمل بقول الواحد ؛ لأنه لا يجب عليه البيان إلا وقد وجب قبول قوله ، وقال : {إِلاَّ الذين تَابُواْ وَأَصْلَحُواْ وَبَيَّنُواْ} [البقرة : 160] فحكم بوقوع البيان بخبرهم.\rفإن قيل : إنه يجوز أن يكون كل واحد منهم منهيًّا عن الكتمان ومأموراً بالبيان ليكثر المخبرون ويتواتر بهم الخبر. قلنا : هذا غلط ؛ لأنهم لم ينهوا عن الكتمان إلا وهم ممن يجوز عليهم التواطؤ عليه ، ومن جاز منهم التواطؤ على الكتمان فلا يكون خبرهم موجباً للعلم ؛ والله تعالى أعلم.","part":2,"page":385},{"id":872,"text":"الرابعة : لما قال : {مِنَ البينات والهدى} دلّ على أن ما كان من غير ذلك جائز كَتْمه ، لاسيما إن كان مع ذلك خوف فإن ذلك آكد في الكتمان. وقد ترك أبو هريرة ذلك حين خاف فقال : حفِظت عن رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ وِعاءَيْن ؛ فأما أحدهما فبثثته ، وأما الآخر فلو بثثته قُطع هذا البُلْعوم. أخرجه البخاري. قال أبو عبد اللَّه : البلعوم مجرى الطعام. قال علماؤنا : وهذا الذي لم يبثّه أبو هريرة وخاف على نفسه فيه الفتنة أو القتل إنما هو مما يتعلق بأمر الفتن والنص على أعيان المرتدين والمنافقين ، ونحو هذا مما لا يتعلّق بالبينات والهدى ؛ والله تعالى أعلم. أ هـ {تفسير القرطبى حـ 2 صـ 186}\rسؤال : فإنْ قيل : كيْفَ يلْعَنُهُ النَّاس أَجْمَعُونَ ، وأهْلُ [دينِهِ لا يلْعَنُونَه] ؟ .\rفجوابُهُ منْ وجُوهٍ : \rأحدها : أَنَّ أهل دينه يلْعَنُونه فِي الآخرة ؛ لقوله تعالى : {ثُمَّ يَوْمَ القيامة يَكْفُرُ بَعْضُكُمْ بِبَعْضٍ وَيَلْعَنُ بَعْضُكُمْ بَعْضاً} [العنكبوت : 25] قال أبو العَالِيَةِ : \" يُوقَفُ الكافِرُ يَوْمَ القيامةِ ، فيلْعَنُهُ اللَّهُ ، ثم تَلْعَنُهُ الملائكةُ ، ثم تلْعَنُهُ النَّاسُ \".\rوثانيها : قال قَتَادَةُ ، والرَّبِيع : أَرَادَ بالنَّاس أجْمَعِين المؤمِنِينَ ؛ كأنه لَمْ يَعْتَدَّ بغَيْرهم ، وحَكَم بأنَّ المؤمنين هُمُ النَّاس لا غَيْرُ.\rوثالثها : أنَّ كُلَّ أحَدٍ يَلْعَنُ الجاهلَ ، والظالم ؛ لأنَّ قُبْحَ ذلك مُقَرَّرٌ في العُقُول فإذا كان في نَفسه [هو جاهلاً ، أو ظالماً ، وإنْ كَانَ لا يعلَمُ هو مِن نَفْسه كوْنَهُ كَذَلِكَ] كانَتْ لعنتُهُ على الجَاهِلِ والظَّالم تتناوَلُ نَفْسَهُ.\rورابعها : أَنَّ يُحْمَل وُقُوعُ اللَّعْنَة عَلَى اسْتحْقَاق اللَّعْنِ ، وحينئذ يَعُمُّ ذلك. أ هـ {تفسير ابن عادل حـ 3 صـ 110}\rسؤال : لم قال : \" اللاَّعِنُونَ \" ، ولم يقل \" اللاعِنَات \" ؟ ","part":2,"page":386},{"id":873,"text":"وقال : \" اللاَّعِنُونَ \" ، ولم يقل \" اللاعِنَات \" ؛ لأنَّه تعالَى وصَفَها بصفةِ مَنْ يعقلُ ، فجمعَها جَمْعَ مَنْ يعقلُ ؛ كقوله تعالى : {والشمس والقمر رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ} [يوسف : 4] و{ياأيها النمل ادخلوا مَسَاكِنَكُمْ} [النمل : 18] {وَقَالُواْ لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدتُّمْ عَلَيْنَا} [فصلت : 21].\rو {وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ} [يس : 40] وقيل : \" كُلُّ شيْءٍ إِلاَّ الإنْسَ والجِنَّ \" قاله ابنُ عَبَّاس. أ هـ {تفسير ابن عادل حـ 3 صـ 107}\rسؤال : فإن قيل : كَيْفَ يصحُّ اللعْنُ من البهائِمِ ، والجَمَادَاتِ ؟ \rفالجواب مِنْ وجْهين : \rالأول : على سبيلِ المُبَالغَةَ ، وهي أنَّها لو كانت [عاقلةً] ، لكانَتْ تَلْعَنُهُمْ.أ هـ {تفسير ابن عادل حـ 3 صـ 107 ـ 108}\rفصل فيما يتعلق بهذه الآية من الحكم\rقال العلماء : لا يجوز لعن كافر معين لأن حاله عند الوفاة لا يعلم فلعله يموت على الإسلام وقد شرط الله في هذه الآية إطلاق اللعنة على من مات على الكفر ويجوز لعن الكفار يدل عليه قوله ـ صلى الله عليه وسلم ـ : \" لعن الله اليهود حرمت عليهم الشحوم فجملوها فباعوها \" وذهب بعضهم إلى جواز لعن إنساناً معين من الكفار ، بدليل جواز قتاله وأما العصاة من المؤمنين فلا يجوز لعنة أحد منهم على التعين وأما على الإطلاق فيجوز لما روي أن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ قال : \" لعن الله السارق يسرق البيضة والحبل فتقطع يده \" ولعن رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ الواشمة والمستوشمة وآكل الربا ومؤكله ولعن من غير منار الأرض ، ومن انتسب لغير أبيه وكل هذه في الصحيح. أ هـ {تفسير الخازن حـ 1 صـ 98}","part":2,"page":387},{"id":874,"text":"وقال أبو بَكْرٍ الرَّازِيُّ - رَضِيَ اللَّه عنه - : الآيَةُ الكريمة تدلُّ على أنَّ للمسلِمِين لعن مَنْ مات كَافِراً ، وَأَنَّ زوالَ التكْليف عَنْه بالمَوْتِ لا يُسْقِطُ عَنْه اللَّعْنة ؟ لأنَّ قوله تعالى : \" وَالنَّاس أَجْمَعِينَ \" أمرٌ لَنَا بلَعْنِهِ بَعْدَ مَوته ؛ وَهَذَا يدلُّ على أنَّ الكافر ، لَوْ جُنَّ ، لم يَكُنْ زَوَالُ التَّكْلِيفِ عَنْه مُسْقِطاً اللَّعْنةَ والبَرَاءة منْهُ ، وكذلك السَّبيلُ فيما يُوجِبُ المَدْحَ والموالاَةَ مِنَ الإِيمَان والصَّلاح ، فَمَوْتُ مَنْ كان كذلك أو [جنونُهُ لا يغيِّر] حكْمَهُ عَمَّا كان علَيْه قَبْلَ حُدُوث الحَالِ به. أ هـ {تفسير ابن عادل حـ 3 صـ 110 ـ 111}\rفصل في هل يجوز لعن الكافر المعين\rقال ابْنُ الْعَرَبيِّ : قَالَ لِي كثيرُ مِنْ أشْيَاخِي : إنَّ الكافرَ المُعَيَّن لا يجوزُ لَعْنُهُ ؛ لأنَّ حاله عنْد المُوَافَاةِ لا تُعْلَمُ ، وقَدْ شَرَط اللَّه تعالى في هذه الآية الكريمة في إطْلاَقِ اللَّعْنَةِ : المُوافَاةَ عَلَى الكُفْر.\rوأمَّا ما رُويَ عَنِ النبيِّ - ـ صلى الله عليه وسلم ـ وعَلَى آلِهِ وسلَّم ، وشَرَّفَ وكَرَّمَ ، ومَجَّدَ ، وَبَجَّلَ وعَظَّم - أَنَّه لَعَنَ أَقْوَاماً بأعْيَانِهِمْ مِن الكُفَّار ، فَإِنما كان ذَلِكَ ؛ لِعِلْمِهِ بمآلِهِمْ.\rقال ابْنُ العَرَبِيِّ : والصحيحُ عنْدِي : جوازُ لَعْنِهِ ؛ لظاهر حَالِهِ ، ولجواز قَتْله وقتَالِهِ.","part":2,"page":388},{"id":875,"text":"وقد رُويَ عَنِ النبيِّ - ـ صلى الله عليه وسلم ـ وعَلَى آلِهِ وسلَّم ، وشَرَّفَ وكَرَّمَ ، ومَجَّدَ ، وَبَجَّلَ وعَظَّم - أنه قال : \" اللَّهُمَّ ، إِنَّ عَمْرَو بْنَ الْعَاصِ هَجَانِي ، وَقَدْ عَلِمَ أَنِّي لَسْتُ بشَاعِرٍ ، فَألْعَنْهُ ، وأَهْجُهُ عَدَدَ مَا هَجَانِي \" [فَلَعَنَهُ ، وإن كان الإيمانُ والدِّينُ والإسْلاَمُ مَآلَهُ ، وانتصف بقوله \" عَدَدَ مَا هَجانِي \"] ولم يَزِدْ ؛ لتعليم العَدْلِ والإنصافِ ، وأضَافَ الهَجْوَ إلى اللَّه تعالَى في باب الجَزَاءِ ، دون الابتداءِ بالوَصْف بذلك ؛ كما يضاف إليه المكْرُ والاسْتهْزَاءُ والخَديعةُ ، تعالَى عَنْ ذلك.\rقال القُرْطُبِيُّ : أما لَعْنُ الكُفَّار جُمْلَةُ مِنْ غَيْر تَعْيين ، فلا خِلاَفَ ، فيه ؛ لِمَا روَى مَالِكٌ ، عن داوُدَ بْنِ الحُصيْنِ ، أنَّه سَمِعَ الأَعْرَجَ يقُولُ : \" مَا أَدْرَكْتُ النَّاسَ إلاَّ وَهُمْ يَلْعَنُونَ الكَفَرَةَ فِي رَمَضانَ ، وَسَواءٌ كَانَتْ لَهْم ذِمَّةٌ أَوْ لَمْ تَكْنْ ، وَلَيْسَ ذَلِكَ بِوَاجِبٍ ، وَلَكِنَّهُ مُبَاحٌ \".{تفسير ابن عادل حـ 3 صـ 111 ـ 112}\rقوله تعالى {إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَبَيَّنُوا فَأُولَئِكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَأَنَا التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (160)}\rمناسبة الآية لما قبلها\rقال البقاعى : \rولما بين جزاء الكاتمين استثنى منهم التائبين مبيناً لشرائط التوبة الثلاثة فقال {إلا الذين تابوا} بالندم على ارتكاب الذنب {وأصلحوا} بالعزم على عدم العود {وبينوا} ما كانوا كتموه فظهرت توبتهم بالإقلاع.","part":2,"page":389},{"id":876,"text":"ولما كان الإنسان يحب ما كان بسبب منه رغبهم في المتاب بعد توبتهم سبباً لتوبته ورحمته وإن كان ذلك كله مَنّاً منه في نفس الأمر فقال معبراً بالفاء : {فأولئك} العالو الرتبة {أتوب عليهم} أي أقبل توبتهم فأحفظهم بما يشعر به مثال الفعل الدائم فيما وفقتهم لابتدائه ، وفي الربط بالفاء إشارة إلى إسراع استنقاذ توبة الله عليهم من نار الخوف والندم رحمة منه لهم برفعهم إلى موطن الإنس ، لأن نار الخوف في الدنيا للمقترف رحمة من عذاب النار تفديه من نار السطوة في الآخرة ، من لم يحترق بنار المجاهدة أحرقته نار الخوف ، فمن لم يحترق بنار الخوف أحرقته نار السطوة - أفاده الحرالي. ولما كان من شأن الإنسان معاودة الذنوب لصفة النسيان ختم الآية بما دل على أن التقدير : فإني أحب التوابين فقال : {وأنا التواب} أي مرة بعد مرة لمن كر على الذنب ثم راجع التوبة كرة إثر كرة {الرحيم} لمن فعل ما يرضيني. أ هـ {نظم الدرر حـ 1 صـ 290}\rوقال الفخر : \rاعلم أنه تعالى لما بين عظيم الوعيد في الذين يكتمون ما أنزل الله كان يجوز أن يتوهم أن الوعيد يلحقهم على كل حال ، فبين تعالى أنهم إذا تابوا تغير حكمهم ، ودخلوا في أهل الوعد. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 4صـ 150}\rسؤال ما نوع الاستثناء ؟ \rالجواب : في الاستثناءِ وَجْهَان : \rأحدهما : أن يكون متَّصِلاً ، والمُسْتَثْنى منْه هو الضَّميرُ في \" يلعنُهم \".\rوالثاني : أن يكُونَ منقطعاً ؛ لأنَّ الَّذين كَتَمُوا ، لُعِنُوا قَبْل أَنْ يَتُوبُوا. وإنَّما جَاءَ الاستثناءُ ؛ لبَيَانِ قَبْول التَّوْبَةِ ؛ لأنَّ قَوْماً من الكاتِمِينَ لَمْ يُلْعَنُوا ، نقل ذلك أبو البَقَاء.\rقال بعضُهُمْ : \" ولَيْسَ بشَيْءٍ \". أ هـ {تفسير ابن عادل حـ 3 صـ 109}","part":2,"page":390},{"id":877,"text":"وقال الإمام الطاهر ابن عاشور : \rوقوله : {إلا الذين تابوا} استثناء من {الذين يكتمون} أي فهم لا تلحقهم اللعنة ، وهو استثناء حقيقي منصوب على تمام الكلام من {الذين يكتمون ما أنزلنا} الخ.\rوشُرط للتوبة أن يصلحوا ما كانوا أفسدوا وهو بإظهار ما كتموه وأن يبينوه للناس فلا يكفي اعترافهم وحدهم أو في خلواتهم ، فالتوبة هنا الإيمان بمحمد ـ صلى الله عليه وسلم ـ فإنه رجوع عن كتمانهم الشهادة له الواردة في كتبهم وإطلاق التوبة على الإيمان بعد الكفر وارد كثيراً لأن الإيمان هو توبة الكافر من كفره ، وإنما زاد بعده {وأصلحوا وبينوا} لأن شرط كل توبة أن يتدارك التائب ما يمكن تداركه مما أضاعه بفعله الذي تاب عنه. ولعل عطف {وبينوا} على {أصلحوا} عطف تفسير.\rوقوله : {فأولئك أتوب عليهم} جملة مستأنفة لغير بيان بل لفائدة جديدة لأنه لما استثنى {الذين تابوا} فقد تم الكلام وعلم السامع أن من تابوا من الكاتمين لا يلعنهم الله ولا يلعنهم اللاعنون ، وجيء باسم الإشارة مسند إليه يمثل النكتة التي تقدمت.\rوقرنت الجملة بالفاء للدلالة على شيء زائد على مفاد الاستثناء وهو أن توبتهم يعقبها رضى الله عنهم.\rوفي \"صحيح البحاري\" عن ابن مسعود قال رسول الله : \" للَّهُ أَفْرَحُ بتوبة عبده من رجل نزل منزلاً وبه مهلكة ومعه راحلته عليها طعامه وشرابه فوضع رأسه فنام نومة فاستيقظ وقد ذهبت راحلته حتى اشتد عليه الحر والعطش أو ما شاء الله ، قال أرجع إلى مكاني فرجع فنام نومة ثم رفع رأسه فإذا راحلته عنده \".\rفجاء في الآية نظم بديع تقديره إلاّ الذين تابوا انقطعت عنهم اللعنة فأتوب عليهم ، أي أرضى ، وزاد توسط اسم الإشارة للدلالة على التعليل وهو إيجاز بديع.\rأ هـ {التحرير والتنوير حـ 2صـ 71 ـ 72}","part":2,"page":391},{"id":878,"text":"فروق لغوية دقيقة\rالفرق بين التوبة والاعتذار\rأن التائب مقر بالذنب الذي يتوب منه معترف بعدم عذره فيه ، والمعتذر يذكر أن له في ما أتاه من المكروه عذرا ولو كان الاعتذار التوبة لجاز أن يقال اعتذر إلى الله كما يقال تاب إليه\rوأصل العذر إزالة الشيء عن جهته ، اعتذر إلى فلان فعذره أي أزال ما كان في نفسه عليه في الحقيقة أو في الظاهر ، ويقال عذرته عذيرا ولهذا يقال من عذيري من فلان وتأويله من يأتيني عذر منه ومنه قوله تعالى (عذرا أو نذرا) والنذر جمع نذير\rالفرق بين الندم والتوبة أن التوبة من الندم وذلك أنك قد تندم على الشيء ولا تعتقد قبحه ولا تكون التوبة من غير قبح فكل توبة ندم وليس كل ندم توبة\rالفرق بين الاستغفار والتوبة أن الاستغفار طلب المغفرة بالدعاء والتوبة أو بغيرهما من الطاعة والتوبة الندم على الخطيئة مع العزم على ترك المعاودة فلا يجوز الاسغفار مع الإصرار لأنه مسلبة لله ما ليس من حكمه ومشيئتة ما لا تفعله مما قد نصب الدليل فيه وهو تحكم عليه كما يتحكم المتأمر المتعظم على غيره بأن يأمره بفعل ما أخره أنه لا يفعله. أ هـ {الفروق فى اللغة صـ 200}","part":2,"page":392},{"id":879,"text":"قوله تعالى {فأولئك أتوب عليهم}\r{فأولئك أتوب عليهم} أقبل توبتهم بأن أسقط عنهم تجملاً وأضع مكانه الثواب تفضلاً بدلالة قوله {وأنا التواب الرحيم}\r{إن الذين كفروا وماتوا} عام في كل من كان كذلك.\rوقيل : مخصوص بهؤلاء الكاتمين. ذكر لعنتهم أحياء ثم لعنتهم أمواتاً إذا لم يتوبوا على هذا القول يكون إطلاق الكفر عليهم - وهم من أصحاب الكبائر - مجازاً تغليظاً ، أو يراد بالكفر جحود الحق وستره. أ هـ\r{غرائب القرآن ورغائب الفرقان حـ 1صـ 281}\rقوله تعالى {إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَمَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ اللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ (161) خَالِدِينَ فِيهَا لَا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ وَلَا هُمْ يُنْظَرُونَ (162)}\rمناسبة الآية لما قبلها\rولما لعن الكاتمين واستثنى منهم التائبين ذكر المصرّين معبراً عن كتمانهم بالكفر لتعم العبارة كل كفر فقال : {إن الذين كفروا} أي بهذا الكتمان وغيره {وماتوا وهم كفار} قال الحرالي : ففي إشعاره يسر توبة الكافرين وعسر توبة المنافقين من حيث صرح بذكر توبة الكاتم وتجاوز في الذكر توبة الكافر ، فكان الذين كفروا يتوبون إلا الأقل والذين يكتمون يتمادون إلا الأقل ، فلذلك وقع الاستثناء في الكاتم والتخصيص من الكافر - انتهى.\r{نظم الدرر حـ 1صـ 290}\rقال الفخر : \rاعلم أن في الآية مسائل : \rالمسألة الأولى : أن ظاهر قوله تعالى : {إِن الذين كَفَرُواْ وَمَاتُواْ وَهُمْ كُفَّارٌ} عام في حق كل من كان كذلك فلا وجه لتخصيصه ببعض من كان كذلك ، وقال أبو مسلم : يجب حمله على الذين تقدم ذكرهم ، وهم الذين يكتمون الآيات ، واحتج عليه بأنه تعالى لما ذكر حال الذين يكتمون ، ثم ذكر حال التائبين منهم ، ذكر أيضاً حال من يموت منهم من غير توبة ، وأيضاً أنه تعالى لما ذكر أن أولئك الكاتمين ملعونون حال الحياة ، بين في هذه الآية أنهم ملعونون أيضاً بعد الممات.","part":2,"page":393},{"id":880,"text":"والجواب عنه : أن هذا إنما يصح متى كان الذين يموتون من غير توبة لا يكونون داخلين تحت الآية الأولى ، فأما إذا دخلوا تحت الأولى : استغنى عن ذكرهم فيجب حمل الكلام على أمر مستأنف.\rالمسألة الثانية ؛ لما ذكر في الكلام أنه إذا مات على كفره صار الوعيد لازماً من غير شرط ولما كان المعلق على الشرط عدماً عند عدم الشرط ؛ علمنا أن الكافر إذا تاب قبل الموت لم يكن حاله كذلك. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 4صـ 151}","part":2,"page":394},{"id":881,"text":"وقال الآلوسى : \r{إِن الذين كَفَرُواْ وَمَاتُواْ وَهُمْ كُفَّارٌ} الموصول للعهد كما هو الأصل ، والمراد به الذين كتموا وعبر عن الكتمان بالكفر نعياً عليهم به ، والجملة عديلة لما فيها (إلا) ولم تعطف عليها إشارة إلى كمال التباين بين الفريقين ، والآية مشتملة على الجمع والتفريق جمع الكاتمين في حكم واحد وهو أنهم ملعونون ثم فرق فقال : أما الذين تابوا فقد تاب الله تعالى عليهم وأزال عنهم عقوبة اللعنة ، وأما الذين ماتوا على الكتمان ولم يتوبوا عنه فقد استقرت عليهم اللعنة ولم تزل عنهم. وأورد كلمة الاستثناء في الجملة الأولى مع أنه ليس للإخراج عن الحكم السابق بل هو بمعنى لكن للدلالة على أن التوبة صارت مكفرة للعن عنهم فكأنهم لم يباشروا ولم يدخلوا تحته قاله بعض المحققين وفيه ارتكاب خلاف الظاهر في الاستثناء ، ولهذا قال البعض إن المراد بالجملة المستثنى منها بيان دوام اللعن واستمراره وعليه يدور الاستثناء المتصل ، وجملة {إِنَّ الذين كَفَرُواْ} الخ مستأنفة سيقت لتحقيق بقاء اللعن فيما وراء الاستثناء وتأكيد دوامه واستمراره على غير التائبين والاقتصار على ذكر الكفر في الصلة من غير تعرض لعدم التوبة والإصلاح والتبيين مبني على أن وجود الكفر مستلزم لعدمها جميعها كما أن وجودها مستلزم للإيمان الموجب لعدم الكفر ، ولذا لم يصرح بالإيمان في صفات التائبين ، والفرق بين الدوامين أن الأول : تجددي ، والثاني : ثبوتي ولا يخفى أن هذا أوفق بظاهر اللفظ وما ذكره بعض المحققين أجزل معنى وأعلى كعباً وأدق نظراً ، وقيل : الموصول عام للذين كتموا وغيرهم كما يقتضيه ظاهر الصلة ، والآية من باب التذييل فيدخل الكاتمون الذين ماتوا على الكتمان دخولاً أولياً ؛ واعترض بأن تقييد الوعيد بعدم التخفيف أعدل شاهد على أن الآية في شأن الكاتمين الذين ماتوا على ذلك لأنهم أشد الكفرة وأخبثهم فإن الوعيد في حق الكفرة مطلق الخلود في النار ، وأنت تعلم أن هذا في","part":2,"page":395},{"id":882,"text":"حيز المنع بل ما من كافر جهنمي إلا وحاله يوم القيامة طبق ما ذكر في الآية ولا أظنك في مرية من ذلك بعد سماع قوله تعالى : {إِنَّ المجرمين فِى عَذَابِ جَهَنَّمَ خالدون لاَ يُفَتَّرُ عَنْهُمْ وَهُمْ فِيهِ مُبْلِسُونَ} [الزخرف : 4 7 ، 75] فلا يبعد القول بحسن هذا القيل وإليه ذهب الإمام وكلام الطيبي يشير إلى حسنه وطيبه فتدبر. أ هـ\r{روح المعانى حـ 2صـ 28}\rوقال ابن عرفة : \rقوله تعالى : {إِن الَّذِينَ كَفَرُوا وَمَاتُواْ...}.\rمنهم من قال : إنها مؤكدة لما قبلها لقوله {إِلاَّ الذين تَابُوا} فبقيت الآية عامة فيمن كفر ولم يتب يكون داخلا تحت الوعيد وهو مقتضى هذه الآية ، ومنهم من قال : أنها مؤسسة. وقرره بوجهين : \r- الأول : أنّ اللّعنة في الأولى مطلقة تحتمل الدّوام والانقطاع وهنا مقيدة بالخلود والدوام.\r- الثاني : أن العموم غير المخصوص بشيء أقوى دلالة من عموم خص بشيء ، فلذلك أعيدت هذه الآية. ونحو هذا (لابن رشد) في النكاح الثالث.\rقال ابن عرفة : فإن قلت : هلا قيل : ماتوا كفارا. فهو أخص من قوله : {وَمَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ} ؟ \rقال : وعادتهم يجيبون بوجهين : \rالأول : أن هذا فيه فائدة البناء على المضمر ، وقد ذكروا أنه يفيد إما الاختصاص أو مطلق الرّبط ، قاله الزمخشري في {وَمَا هُم بِخَارِجِينَ مِنَ النار} - الثاني : أن الحال قيد في الجملة ، فهو من قسم التصور وقوله : {وَهُمْ كُفَّار} جملة من مسند ومسند إليه ، فيرجع إلى قسم التصديقات ، والتعبير بما هو من قسم التصديق أولى مما هو من قسم التصور لأنه يستلزم التصور (فيدل) على الأمرين.\rقيل لابن عرفة : أو يجاب بأنه لو قيل \" وماتوا كفارا \" لكانت حالا ، والحال من شرطها الانتقال مع أن المراد : من ثبت ودام على كفره فقال : وكذلك \" وهم كفار \" والواو فيه واو الحال.","part":2,"page":396},{"id":883,"text":"( قيل لابن عرفة ، كيف عبر بهذا اللّفظ المقتضي للخصوص مع أن من مات كافرا بالإطلاق يناله هذا الوعيد) ؟ \rفقال : هذا وعيد خاص رتب على فعل خاص انتهى.\rقوله تعالى : {أُوْلَئِكَ عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ الله والملائكة...}.\rقال ابن عرفة : إن قلت : لم أعيد لفظ الفعل في الآية المتقدمة فقيل : {يَلعَنُهُمُ الله وَيَلْعَنُهُمُ اللاعنون} ولم يعد هنا ، فكرر هناك ما أسند إليه الاسم المعطوف عليه ولم يكرر هنا ، فهلا قيل : أولئك عليهم لعنة الله ولعنة الملائكة ولعنة الناس أجمعين فهو أولى ؟ \rقال : عادتهم يجيبون بأن الإسناد الأول للفاعل ، وهو واحد بذاته لايتعدد ، لأنه لا فاعل في الحقيقة إلا الله ، والإسناد الثاني إضافي فهو أمر نسبي ، والأمور النسبية الإضافية يمكن فيها التعدد كالوجود بالنسبة إلى القديم والحادث ، فلذلك لم يفد لفظ اللعنة هنا. أ هـ {تفسير ابن عرفة صـ 201}\rقوله تعالى {والناس أجمعين}\rسؤال : لم قال هنا {والناس أجمعين} دون الآية السابقة ؟ \rالجواب : وإنما قال هنا {والناس أجمعين} لأن المشركين يلعنهم أهل الكتاب وسائر المتدينين الموحدين للخالق بخلاف الذين يكتمون ما أنزل من البينات فإنما يلعنهم الله والصالحون من أهل دينهم كما تقدم وتلعنهم الملائكة ، وعموم (الناس) عرفي أي الذين هم من أهل التوحيد. أ هـ\r{التحرير والتنوير حـ 2صـ 73}\rفائدة\rالآية تدل على جواز التخصيص مع التوكيد ، لأنه تعالى قال : {والناس أَجْمَعِينَ} مع أنه مخصوص على مذهب من قال : المراد بالناس بعضهم. أ هـ\r{مفاتيح الغيب حـ 4صـ 151}\rقوله تعالى {خَالِدِينَ فِيهَا لَا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ وَلَا هُمْ يُنْظَرُونَ (162)}\r{خالدين فِيهَا} أي في اللعنة ، وقيل في النار إلا أنها أضمرت تفخيماً لشأنها وتهويلاً كما في قوله تعالى : {إِنَّا أنزلناه فِى لَيْلَةِ القدر} [القدر : 1] والأول أولى لوجوه.","part":2,"page":397},{"id":884,"text":"الأول : أن الضمير إذا وجد له مذكور متقدم فرده إليه أولى من رده إلى ما لم يذكر.\rالثاني : أن حمل هذا الضمير على اللعنة أكثر فائدة من حمله على النار ، لأن اللعنة هو الإبعاد من الثواب بفعل العقاب في الآخرة وإيجاده في الدنيا فكان اللعن يدخل فيه النار وزيادة فكان حمل اللفظ عليه أولى.\rالثالث : أن قوله : {خالدين فِيهَا} إخبار عن الحال ، وفي حمل الضمير على اللعن يكون ذلك حاصلاً في الحال ، وفي حمله على النار لا يكون حاصلاً في الحال ، بل لا بد من التأويل ؛ فكان ذلك أولى. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 4صـ 152}\rقوله : {وَلاَ هُمْ يُنظَرُونَ} والإنظار هو التأجيل والتأخير قال تعالى : {فَنَظِرَةٌ إلى مَيْسَرَةٍ} [البقرة : 280] والمعنى : إن عذابهم لا يؤجل ، بل يكون حاضراً متصلاً بعذاب مثله فكأنه تعالى أعلمنا أن حكم دار العذاب والثواب بخلاف حكم الدنيا فإنهم يمهلون فيها إلى آجال قدرها الله تعالى ، وفي الآخرة لا مهلة ألبتة فإذا استمهلوا لا يمهلون ، وإذا استغاثوا لا يغاثون وإذا استعتبوا لا يعتبون ، وقيل لهم ؛ {اخسئوا فِيهَا وَلاَ تُكَلّمُونِ} [المؤمنون : 108] نعوذ بالله من ذلك والحاصل أن هذه الصفات الثلاثة التي ذكرها الله تعالى للعقاب في هذه الآية دلت على يأس الكافر من الإنقطاع والتخفيف والتأخير. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 4صـ 152}\rوقال الماوردى : \r{وَلاَ هُمْ يُنظَرُونَ} يحتمل وجهين : \rأحدهما : لا يؤخرون عنه ولا يمهلون.\rوالثاني : لا ينظر الله عز وجل إليهم فيرحمهم. أ هـ\r{النكت والعيون حـ 1صـ 216}","part":2,"page":398},{"id":885,"text":"وقال فى روح البيان : \r{ولا هم ينظرون} من الإنظار بمعنى الإمهال والتأجيل أى لا يمهلون للرجعة ولا للتوبة ولا للمعذرة أو يعذبون على الدوام والاستمرار وأن كل وجه من وجوه عذابهم يتصل بوجه آخر مثله أو أشد منه وأنهم لا يمهلون ولا يؤجلون ساعة ليستريحوا فيها أو من النظر بمعنى الانتظار أى لا ينتظرون ليعتذروا أو بمعنى الرؤية أى لا ينظر إليهم نظر رحمة ، وإنما خلدوا فى النار لأن نيتهم كانت عبادة الأصنام أبدا إن عاشوا فجوزوا بتأبيد العذاب.\rوأما الدركات لأن النيات متفاوتة كالأعمال ، والتأديب فى الحكمة واجب ولما أساء الكفار بسوء الاعتقاد فى حقه تعالى أدبوا بالحرمان من الجنة والخلود فى النار. أ هـ {روح البيان حـ 1صـ 313}\rسؤال : لم آثر الجملةِ الاسميةِ ؟ \rالجواب : وإيثارُ الجملةِ الاسميةِ لإفادة دوامِ النفي واستمراره أي لا يُمهلون ولا يُؤجّلون أو لا يُنتظرون ليعتذروا أو لا يُنظر إليهم نَظَر رحمة. أ هـ\r{تفسير أبى السعود حـ 1صـ 183}","part":2,"page":399},{"id":886,"text":"فروق لغوية دقيقة\rالفرق بين الكفر والإلحاد\rأن الكفر اسم يقع على ضروب من الذنوب فمنها الشرك بالله ومنها الجحد للنبوة ومنها استحلال ما حرم الله ، وهو راجع إلى جحد النبوة وغير ذلك مما يطول الكلام فيه\rوأصله التغطية ، والإلحاد اسم خص به اعتقاد نفي التقديم مع إظهار الإسلام وليس ذلك كفر الإلحاد ألا ترى أن اليهودي لا يسمى ملحدا وإن كان كافرا وكذلك النصراني\rوأصل الإلحاد الميل ومنه سمي اللحد لأنه يحفر في جانب القبر.\rالفرق بين الكفر والشرك\rأن الكفر خصال كثيرة على ما ذكرنا وكل خصلة منها تضاد خصلة من الإيمان ؛ لأن العبد إذا فعل خصلة من الكفر فقد ضيع خصلة من الإيمان ، والشرك خصلة واحدة وهو إيجاد آلهة مع الله أو دون الله واشتقاقه ينبىء عن هذا المعنى ثم كثر حتى قيل لكل كفر شرك على وجه التعظيم له والمبالغة في صفته وأصله كفر النعمة لتضييعة حقوق الله وما يجب عليه من شكر نعمة فهو بمنزلة الكافر لها ونقيض الشرك في الحقيقة الإخلاص ثم لما استعمل في كل كفر صار نقيض الإيمان ، ولا يجوز أن يطلق اسم الكفر إلا لمن كان بمنزلة الجاحد لنعم الله وذلك لعظم ما معه من المعصية وهو اسم شرعي كما أن الايمان اسم شرعي. أ هـ {الفروق فى اللغة صـ 196}","part":2,"page":400},{"id":887,"text":"قوله تعالى {وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ (163)}\rمناسبة الآية لما قبلها\rقال البقاعى : \rولما كان المراد أن الوحدة معتبرة في نفس الأمر في الإله الحق ، فلا يصح أصلاً أن يكون الإله الحق منقسماً بالنوع ولا بالشخص ولا بالوصف ولا بالفعل ولا بغير ذلك بوجه من الوجوه أعاد لفظ الإله فقال : {إله واحد} أي لا ينقسم بوجه من الوجوه لا بمجانسة ولا بغيرها وهو مع ذلك {لا إله إلا هو} فهذا تقرير للوحدانية بنفي غيره وإثباته فلا يصح بوجه ولا يمكن في عقل أن يصلح للإلهية غيره أصلاً فلا يستحق العبادة إلا هو لأنه {الرحمن} أي العام الرحمة بالنعم الزائلة لأوليائه وأعدائه {الرحيم} أي المخصص بالنعم الباقية لأوليائه ، فثبت بالتفرد بالألوهية أنه حائز بجميع العظمة وبيده مجامع الكبرياء والقهر ، وبوصفي الرحمة أنه مفيض لجلائل النعم ودقائقها فكل ما سواه إما نعمة أو منعم عليه ، فهو المخشي سطوته المرجو رحمته يغفر لمن يشاء ويلعن من كفر ويخلده في العذاب من غير أن يقدر غيره أن يعترض عليه في شيء من ذلك ؛ ولا يبعد عندي وإن بعد المدى أن تكون الواو في قوله {وإلهكم} عاطفة على قوله في أوائل السورة","part":2,"page":401},{"id":888,"text":"{وهو بكل شيء عليم} [البقرة : 29] قبل قوله {وإذ قال ربك للملائكة إني جاعل في الأرض خليفة} [البقرة : 30] فإن التوحيد هو المقصود بالذات وعنه تنشأ جميع العبادات ، فلما قال أولاً {يا أيها الناس اعبدوا ربكم} [البقرة : 21] أتبعه في قوله {الذي خلقكم} [البقرة : 21] إلى آخره بوصف هو دليل استحقاقه للعبادة ، فلما قام الدليل قال : {فلا تجعلوا لله أنداداً} [البقرة : 22] إعلاماً بأنه لا شريك له في العبادة كما أنه قد تبين أنه لا شريك له في الخلق ، ثم أتبعه بما يليق لذلك المقام مما تقدم التنبيه عليه ، ثم رجع إليه قائلاً ثانياً {كيف تكفرون بالله وكنتم أمواتاً فأحياكم} [البقرة : 28] إلى آخرها فأعاد الدليل على وجه أبين من الأول وأبسط ، فلما تقرر على وجه لا مطعن فيه أمر الوحدانية والإعادة كان الأنسب ما أولاه من الآيات السابقة لما ذكر فيها من غير ذلك من المهمات إلى أن صار إلى ذكر الكاتمين والتائبين والمصرين وذكر ما أعد لكل من الجزاء فأتبع ذلك هذه الآية عاطفاً لها على ما ذكرته على وجه أصرح مما تقدم في إثبات التوحيد بياناً لما هو الحق وإشارة إلى أنه تعالى ليس كملوك الدنيا الذين قد يحول بينهم وبين إثابة بعض الطائعين وعقوبة بعض العاصين بعض أتباعهم ، فإنه واحد لا كفؤ له بل ولا مداني فلا مانع لنفوذ أمره ؛ ولا يستنكر تجويز هذا العطف لأنه جرت عادة البلغاء أن أحدهم إذا أراد إقامة الحج على شيء لأمر يرتبه عليه أن يبدأ بدليل كاف ثم يتبعه تقريب الثمرات المجتناة منه ثم يعود إلى تأكيده على وجه آخر لتأنس به النفوس وتسرّ به القلوب ، وربما كان الدليل طويل الذيول كثير الشعب ، فيشرح كل ما يحتاج إليه من ذيوله وما يستتبعه من شعبه ، فإذا استوفى ذلك ورأى أن الخصم لم يصل إلى غاية الإذعان أعاد له الدليل على وجه آخر عاطفاً له على الوجوه الأول تذكيراً بما ليس بمستنكر ذلك في مجاري عاداتهم ومباني","part":2,"page":402},{"id":889,"text":"خطاباتهم ؛ ومن تأمل مناظرات الباقلاني وأضرابه من أولي الحفظ الواسع والتبحر في العلم علم ذلك.\r","part":2,"page":403},{"id":890,"text":"وقال الحرالي : ولما كان مضمون الكتاب دعوة الخلق إلى الحق ، والتعريف بحق الحق على الخلق ، وإظهار مزايا من اصطفاه الله تعالى ممن شملهم أصل الإيمان من ملائكته وأنبيائه ورسله ومن يلحق بهم من أهل ولايتهم ، وإظهار شواهد ذلك منهم وإقامة الحجة بذلك على من دونهم في إلزامهم أتباعهم ، وكان الضار للخلق إنما هو الشتات كان النافع لهم إنما هو الوحدة ، فلما أظهر لهم تعالى مرجعهم إلى وحدة أبوة آدم عليه الصلاة والسلام في جمع الذرية ووحدة أبوة إبراهيم عليه الصلاة والسلام في جمع الإسلام ووحدة أحمدية محمد ـ صلى الله عليه وسلم ـ في جمع الدين فاتضح لهم عيب الشتات والتفرق وتحقق لهم شاهد النفع في الجمع إلى وحدات كان ذلك آية على أعظم الانتفاع بالرجوع إلى وحدة الإلهية في أمر الحق وفي إفهام ذلك وحدات ما يظن في ظاهر الوحدات الظاهرة من وحدة الروح ووحدة النفس والعقل فقال تعالى عطفاً على ما ظهر بناؤه من الوحدات الظاهرة وما أفاده إفهامها من الوحدات الباطنة : {وإلهكم إله واحد} فإذا قبح الشتات مع وحدة الأب الوالد فكيف به مع وحدة الأب المدّين! فكيف به مع وحدة النبي المكمل! فكيف به مع وحدة الإله الذي هو الرحمن الذي شمل خلقه رحمانية! الرحيم الذي اختص أولياءه وأصفياءه عناية فجمعهم بوحدته التي هي قائم كل وحدة دونه! فجميع أسمائه لها وحدة تنتهي وحدتها إلى وحدة الإله الذي انتهى إليه الإله وهو تعبد الظاهر لإلجاء المتعبد إليه في كل حاجاته وإقاماته الظاهرة والباطنة ، ولا أتم من وحدة ما لا يتصوره العقل ولا يدركه الحس في علو وحدة الغيب الذي لا يبدو فيه ذات فيكون لها أو فيها كميات ولا كيفيات ؛ ثم قال : وقد صح بالتجربة أن الراحة في حصبة الواحد وأن التعب في اتباع العدد لاختصاص كل واحد بقصد في التابع يتشاكس عليه لذلك حال اتباعهم ، فكان أعظم دعوة إلى جمع الخلق دعوتهم إلى جمع توحيد الإلهية انتظاماً بما دعوا إليه من الاجتماع في","part":2,"page":404},{"id":891,"text":"اسم الربوبية في قوله تعالى متقدماً\r{يا أيها الناس اعبدوا ربكم} [البقرة : 21] فإعلاء الخطاب من رتبة الربوبية إلى رتبة هذه الدعوة بالإلهية لتعلو من هذا الحد إلى الدعوة إلى الله الأحد الذي أحديته مركوزة في كافة فطر الخلق وجبلاتهم حين لم يقع الشرك فيه بوجه وإنما وقع في رتبة الإلهية ، فكان هذا أوسط الدعوة بالاجتماع في وحدة الإلهية وفي إضافة اسم الإله إليهم أتم تنزل بمقدار معقولهم من تعبدهم الذي هو تألّههم ؛ ولما كان في الإلهية دعوى كثرة توهم الضلال المبين أتبع ذلك بكلمة التوحيد بناء على اسمه المضمر في باطن ظاهر الإلهية فقال تعالى : {لا إله إلا هو} رداً على إضمار ما في الأول ولم يذكر اسمه المظهر ليكون للدعوة إليه رتبة عالية تكون هذه متوقلاً إليها ، ولما كان هذا التوحيد الإلهي أمر غيب من الإله أظهره سبحانه وتعالى بمظهر الرحمانية المحيطة الشاملة والرحيمية الاختصاصية لما عند الخلق من شاهد ذلك فيما يجدونه من أثر الرحمانية في دنياهم وآثارهم وما يجدون من آثار الرحيمية في اختصاصهم المزية في تضاعف رحمته ، فكان في مجموع هذه الآية أعظمية من غيب الإلهية إلى تمام اختصاص الرحيمية ، فلذلك كانت هذه الآية مع آية الإحاطة في أول آل عمران الجامعة لمقابلة ما في هذه الآية من خصوص الرحيمية مع خصوص مقابلها من وصف الانتقام الظاهر عن وصف العزة الذي أبداه قوله سبحانه وتعالى : \r{والله عزيز ذو انتقام} [آل عمران : 4] فكانت هذه الآية لذلك مع {الم الله لا إله إلا هو الحي القيوم} [آل عمران : 1-2] اسم الله الأعظم المحيط بالغيب والشهادة جمعاً للرحمة والنقمة في الظاهر وإحاطة عظمة في الباطن ، فكان هذا الحد من علو الخطاب ابتداء رفع الخلق إلى التعلق باسم الله الأعظم الذي يرفعهم عن سفل تقيدهم بأنفسهم المحقّرة إظهاراً لمبدأ العناية بهذه الأمة الخاتمة - انتهى. أ هـ {نظم الدرر حـ 1صـ 292 ـ 293}","part":2,"page":405},{"id":892,"text":"سؤال ما معنى الإله ؟ \rالجواب : والإله في كلام العرب هو المعبود ولذلك تعددت الآلهة عندهم وأطلق لفظ الإله على كل صنم عبدوه وهو إطلاق ناشىء عن الضلال في حقيقة الإله لأن عبادة من لا يغني عن نفسه ولا عن عابده شيئاً عبث وغلط ، فوصف الإله هنا بالواحد لأنه في نفس الأمر هو المعبود بحق فليس إطلاق الإله على المعبود بحق نقلاً في لغة الإسلام ولكنه تحقيق للحق.\rوما ورد في القرآن من إطلاق جمع الآلهة على أصنامهم فهو في مقام التغليط لزعمهم نحو {فلولا نصرهم الذين اتخذوا من دون الله قرباناً آلهة بل ضلوا عنهم وذلك إفكهم وما كانوا يفترون} [الأحقاف : 28] ، والقرينة هي الجمع ، ولذلك لم يطلق في القرآن الإله بالإفراد على المعبود بغير حق ، وبهذا تستغنى عن إكداد عقلك في تكلفات تكلفها بعض المفسرين في معنى {وإلهكم إله واحد}.\rأ هـ {التحرير والتنوير حـ 2صـ 74}\rقال الإمام الطبرى : \rواختُلِف في معنى وَحدانيته تعالى ذكره ، فقال بعضهم : معنى وحدانية الله ، معنى نَفي الأشباه والأمثال عنه ، كما يقال : \"فلان واحدُ الناس - وهو وَاحد قومه\" ، يعني بذلك أنه ليسَ له في الناس مثل ، ولا له في قومه شبيه ولا نظيرٌ. فكذلك معنى قول : \"اللهُ واحد\" ، يعني به : الله لا مثل له ولا نظير.\rفزعموا أن الذي دلَّهم على صحة تأويلهم ذلك ، أنّ قول القائل : \"واحد\" يفهم لمعان أربعة. أحدها : أن يكون\"واحدًا\" من جنس ، كالإنسان\"الواحد\" من الإنس. والآخر : أن يكون غير متفرِّق ، كالجزء الذي لا ينقسم. والثالث : \rأن يكون معنيًّا به : المِثلُ والاتفاق ، كقول القائل : \"هذان الشيئان واحد\" ، يراد بذلك : أنهما متشابهان ، حتى صارَا لاشتباههما في المعاني كالشيء الواحد.\rوالرابع : أن يكون مرادًا به نفي النظير عنه والشبيه.\rقالوا : فلما كانت المعاني الثلاثةُ من معاني\"الواحد\" منتفيةً عنه ، صح المعنى الرابع الذي وَصَفناه","part":2,"page":406},{"id":893,"text":"وقال آخرون : معنى\"وحدانيته\" تعالى ذكره ، معنى انفراده من الأشياء ، وانفراد الأشياء منه. قالوا : وإنما كان منفردًا وحده ، لأنه غير داخل في شيء ولا داخلٌ فيه شيء. قالوا : ولا صحة لقول القائل : \"واحد\" ، من جميع الأشياء إلا ذلك. وأنكر قائلو هذه المقالة المعاني الأربعةَ التي قالها الآخرون. أ هـ\r{تفسير الطبرى حـ 3صـ 266}\rوقال ابن جزى : \rالواحد له ثلاثة معان كلها صحيحة في حق الله تعالى\rأحدها أنه لا ثاني له فهو نفي للعدد\rوالآخر أنه لا شريك له\rوالثالث أنه لا يتبعض ولا ينقسم\rوقد فسر المراد به هنا في قوله {لا إله إلا هو}\rواعلم أن توحيد الخلق لله تعالى على ثلاث درجات\rالأولي توحيد عامة المسلمين وهو الذي يعصم النفس من الهلك في الدنيا وينجي من الخلود في النار في الآخرة ، وهو نفي الشركاء والأنداد والصاحبة والأولاد والأشباه والأضداد\rالدرجة الثانية توحيد الخاصة وهو أن يرى الأفعال كلها صادرة من الله وحده ويشاهد ذلك بطريق المكاشفة لا بطريق الاستدلال الحاصل لكل مؤمن وإنما مقام الخاص في التوحيد يغني في القلب بعلم ضروري لا يحتاج إلى دليل\rوثمرة هذا العلم الانقطاع إلى الله والتوكل عليه وحده واطراح جميع الخلق فلا يرجو إلا الله ولا يخاف أحدا سواه إذ ليس يرى فاعلا إلا إياه ويرى جميع\rالخلق في قبضة القهر ليس بيدهم شيء من الأمر فيطرح الأسباب وينبذ الأرباب\rوالدرجة الثالثة ألا يرى في الوجود إلا الله وحده فيغيب عن النظر إلى المخلوقات حتى كأنها عنده معدومة وهذا الذي تسميه الصوفية مقام الفناء بمعنى الغيبة عن الخلق حتى أنه قد يفنى عن نفسه وعن توحيده أي يغيب عن ذلك باستغراقه في مشاهدة الله. أ هـ {التسهيل حـ 1 صـ 66}","part":2,"page":407},{"id":894,"text":"فروق لغوية دقيقة\rالفرق بين الفرد والواحد والوحدانية وما يجري مع ذلك\rوفي الفرق بين ما يخالفة من الكل والجمع وما هو من قبيل الجمع من التأليف والتصنيف والنظم والتنضيد والممارسة والمجاورة والفرق بين ما يخالف ذلك من الفرق والفصل\rالفرق بين الواحد والفرد\rأن الفرد لا يفيد الانفراد من القران والواحد يفيد الانفراد في الذات أو الصفة ألا ترى أنك تقول فلان فرد في داره ولا تقول واحد في داره وتقول هو واحد أهل عصره تريد أنه قد انفرد بصفة ليس لهم مثلها وتقول الله واحد تريد أن ذاته منفردة عن المثل والشبه ، وسمي الفرد فردا بالمصدر يقال فرد يفرد فردا وهو فارد وفرد والفرد مثله\rوقال علي بن عيسى ـ رحمه الله تعالى ـ : \rالواحد ما لاينقسم في نفسه أو معنى في صفته دون جملته كإنسان واحد ودينار واحد وما لا ينقسم في معنى جنسه كنحو هذا الذهب كله واحد وهذا الماء كله واحد والواحد في نفسه ومعنى صفته بما لا يكون لغيره أصلا وهو الله جل ثناؤه\rالفرق بين الانفراد والاختصاص\rأن الاختصاص انفراد بعض الأشياء بمعنى دون غيره كالانفراد بالعلم والملك والانفراد تصحيح النفس وغير النفس وليس كذلك الاختصاص لأنه نقيض الاشتراك والانفراد نقيض الازدواد والخصة تحتمل الإضافة وغير الإضافة لأنها نقيض العامة فلا يكون الاختصاص إلا على الإضافة لأنه اختصاص بكذا دون كذا\rالفرق بين الواحد والأوحد\rأن الأوحد يفيد أنه فارق\rغيره ممن شاركه في فن الفنون ومعنى من المعاني كقولك فلان أوحد دهره في الجود والعلم تريد أنه فوق أهله في ذلك\rالفرق بين الفذ والواحد أن الفذ يفيد التقليل دون التوحيد يقال لا يأتينا فلان إلا في الفذ أي القليل ولهذا لا يقال لله تعالى فذ كما يقال له فرد\rالفرق بين الواحد والمنفرد\rأن المنفرد يفيد التخلي والانقطاع من القرناء ولهذا لا يقال لله ـ سبحانه وتعالى ـ منفرد كما يقال إنه متفرد","part":2,"page":408},{"id":895,"text":"معنى المتفرد في صفات الله تعالى المتخصص بتدبير الخلق وغير ذلك مما يجوز أن يتخصص به من صفاته وأفعاله\rالفرق بين الواحد والوحيد والفريد\rأن قولك الوحيد والفريد يفيد التخلي من الاثنين يقال فلان فريد ووحيد يعني أنه لا أنيس له ولا يوصف الله تعالى به لذلك\rالفرق بين قولنا تفرد وبين قولنا توحد أنه يقال تفرد بالفضل والنبل وتوحد تخلى\rالفرق بين الوحدة والوحدانية\rأن الوحدة التخلي والوحدانية تفيد نفي الأشكال والنظائر ولا يستعمل في غير الله ولا يقال لله واحد من طريق العدد ولا يجوز أن يقال إنه ثان لزيد لأن الثاني يستعمل في ما يتماثل ولذلك لا يقال زيد ثان للحمار ولا يقال إنه أحد الأشياء لما في ذلك من الإيهام والتشبيه ولا يقال إنه بعض العلماء وإن كان وصفه بأنه عالم يفيد ما يفيد فيهم\rالفرق بين واحد وأحد\rأن معنى الواحد أنه لا ثاني له فلذلك لا يقال في التثنية واحدان كما يقال رجل ورجلان ولكن قالوا اثنان حين أرادوا أن كل واحد منهما ثان للآخر وأصل أحد أوحد مثل أكبر وإحدى مثل كبرى فلما وقعا اسمين وكانا كثيري الاستعمال\r","part":2,"page":409},{"id":896,"text":"هربوا في إحدى الكبرى ليخف وحذفوا الواو ليفرق بين الاسم والصلة وذلك أن أوحد اسم وأكبر صفة والواحد فاعل من وحد يحد وهو واحد مثل وعد وهو واعد والواحد هو الذي لا ينقسم في وهم ولا وجود وأصله الانفراد في الذات على ما ذكرنا وقال صاحب العين الواحد أول العدد وحد الاثنين ما يبن أحدهما عن صاحبه بذكر أو عقد فيكون ثانيا له بعطفه عليه ويكون الأحد أولا له ولا يقال إن الله ثاني اثنين ولا ثالث ثلاثة لأن ذلك يوجب المشاركة في أمر تفرد به فقوله تعالى (ثاني اثنين إذا هما في الغار) معناه أنه ثاني اثنين في التناصر وقال تعالى (لقد كفر الذين قالوا إن الله ثالث ثلاثة) لأنهم أوجبوا مشاركته في ما ينفرد به من القدم والإلهية فأما قوله تعالى (إلا هو رابعهم) فمعناه أنه يشاهدهم كما تقول للغلام اذهب حيث شئت فأنا معك تريد أن خبره لا يخفى عليك. أ هـ {الفروق فى اللغة صـ 116 ـ 118}","part":2,"page":410},{"id":897,"text":"لطيفة\rواعلم أنه سبحانه إنما خص هذا الموضع بذكر هاتين الصفتين لأن ذكر الإلهية الفردانية يفيد القهر والعلو فعقبهما بذكر هذه المبالغة في الرحمة ترويحاً للقلوب عن هيبة الإلهية ، وعزة الفردانية وإشعاراً بأن رحمته سبقت غضبه وأنه ما خلق الخلق إلا للرحمة والإحسان. أ هـ\r{مفاتيح الغيب حـ 4 صـ 160}\rوقال ابن عرفة : \rقال ابن عرفة : الإلاه في اصطلاح المتقدمين من الأصوليين هو الغني بذاته المفتقر غيره إليه ، وعند الأصوليين (المتأخرين) واللغويين هو المعبود تقربا ، وبه يفهم قوله عز وجل {وَقَالَ فِرْعَوْنُ ياأيها الملأ مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِّنْ إله غَيْرِي} وقول إبراهيم لأبيه آزر {أَتَتَّخِذُ أَصْنَاماً آلِهَةً} وقول الله عز وجل {ءأالهتنا خَيْرٌ أَمْ هُوَ} قال ابن عطية : ومعناه نفي (المثل) والنظير. وقال أبو العالية : (نفى) التبعيض (والانقسام).\rقال ابن عرفة : فعلى الأول نفي الكمّية المنفصلة وعلى الثاني نفي الكمية المتصلة ، ويحتمل الأمرين إن قلنا إن الوحدة ينطلق عليها بالتواطُؤ ، وإن كان إطلاقها عليها بالاشتراك فما يتم إلا على القول بتعميم المشترك ، وقوله : نفي للتبعيض والانقسام صوابه أن يقول : نفي لقابلية (الانقسام) بمعنى واحد ، أي (غير) معروض للانقسام فيخرج الجوهر الفرد لأنه لا ينقسم ، لكنه في حيز والحيز منقسم. فإذا قلنا غير معروض للانقسام انتفى الجوهر الذي في الحيز. أ هـ\r{تفسير ابن عرفة صـ 203}\rوقال الخازن : ","part":2,"page":411},{"id":898,"text":"وحقيقة الواحد هو الشيء الذي لا يتبعض ولا ينقسم والواحد في صفة الله أنه واحد لا نظير له وليس كمثله شيء وقيل واحد في ألوهيته وربوبيته وليس له شريك لأن المشركين أشركوا معه الآلهة فكذبهم الله تعالى بقوله : {وإلهكم إله واحد} يعني لا شريك له في ألوهيته ولا نظير له في الربوبية والتوحيد ، هو نفي الشريك والقسيم والشبيه فالله تعالى واحد في أفعاله ولا شريك يشاركه في مصنوعاته وواحد في ذاته لا قسيم له وواحد في صفاته لا يشبهه شيء من خلقه {لا إله إلاّ هو} تقرير للوحدانية بنفي غيره من الألوهية وإثباتها له سبحانه وتعالى : {الرحمن الرحيم} يعني أنه المولى لجميع النعم وأصولها وفروعها فلا شيء سواه بهذه الصفة لأن كل ما سواه إما نعمة وأما منعم عليه. وهو المنعم على خلقه الرحيم بهم. أ هـ {تفسير الخازن حـ 1 صـ 99}\rمن لطائف الإمام القشيرى فى الآية\rشَرَّفهم غايةَ التشريف بقوله {وَإِلَهُكُمْ}. وإن شيوخ هذه الطائفة قالوا : علامةُ من يَعُدُّه من خاصَّ الخواص أن يقول له : عبدي ، وذلك أتمُّ من هذا بكثير لأن قوله : {وَإِلَهُكُمْ} : وإضافة نَعْتِهِ أتمُّ من إضافته إياك إلى نفسه لأن إلهيته لَكَ بلا عِلَّة ، وكونُك له عبد يُعوِّض كل نقصك وآفتك. ومتى قال لكم {وَإِلَهُكُمْ}.\rحين كانت طاعتك وحركاتك وسكناتك أو ذاتك وصفاتك لا بل قبل ذلك أزل الأزل حين لا حِينَ ، ولا أوَانَ ، ولا رسم ولا حدثان.\rو {الوَاحِدُ} من لا مِثْلَ له يدانيه ، ولا شكل يلاقيه. لا قسيم يجانسه ولا نديم يؤانسه. لا شريكَ يعاضده ولا مُعِين يساعده ولا منازعَ يعانده.\rأحديُّ الحق صمديُّ العين ديموميُّ البقاء أبديُّ العز أزليُّ الذات.\rواحدٌ في عز سنائه فَردٌ في جلال بهائه ، وِتْرٌ في جبروت كبريائه ، قديم في سلطان عِزِّه ، مجيد في جمال ملكوته. وكل مَنْ أطنب في وصفه أصبح منسوباً إلى العمى (ف) لولا أنه الرحمن الرحيم لتلاشى العبدُ إذا تعرَّض لعرفانه عند أول ساطعٍ من بادياتِ عزِّه. أ هـ {لطائف الإشارات حـ 1 صـ 143}\rتم الجزء الثانى من كتاب {جامع لطائف التفسير} ولله الحمد والمنة\rويليه إن شاء الله تعالى الجزء الثالث وأوله قوله تعالى : {إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنْفَعُ النَّاسَ وَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ مَاءٍ فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ لَآَيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (164)}","part":2,"page":412},{"id":899,"text":"بسم الله الرحمن الرحيم\rاسم الكتاب / جامع لطائف التفسير\rالعاجز الفقير\rعبد الرحمن بن محمد القماش\rإمام وخطيب بدولة الإمارات العربية\rعفا الله عنه وغفر له\rالجزء الثالث\rحقوق النسخ والطبع والنشر مسموح بها لكل مسلم\r{ يا قوم لا أسألكم عليه أجرا }","part":3,"page":3},{"id":900,"text":"الجزء الثالث\rمن الآية {164} من سورة البقرة\rوحتى الآية { 184 } من نفس السورة","part":3,"page":4},{"id":901,"text":"قوله تعالى {إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنْفَعُ النَّاسَ وَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ مَاءٍ فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ لَآَيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (164)}\rسبب نزولها\rفي سبب نزولها ثلاثة أقوال. أحدها : أن المشركين قالوا للنبي : اجعل لنا الصفا ذهباً إن كنت صادقاً ؛ فنزلت هذه الآية ، حكاه السدي عن ابن مسعود ، وابن عباس. والثاني : أنهم لما قالوا : انسب لنا ربك وصفه ؛ فنزلت : {وإِلهكم إِله واحد} قالوا : فأرنا آية ذلك ؛ فنزلت : {إِن في خلق السماوات والأرض} إلى قوله : {يعقلون} رواه أبو صالح عن ابن عباس. والثالث : أنه لما نزلت {وإِلهكم إِله واحد} قال كفار قريش : كيف يسع الناس إِله واحد ؟ فنزلت هذه الآية ، قاله عطاء. أ هـ {زاد المسير حـ 1 صـ 167}","part":3,"page":5},{"id":902,"text":"مناسبة الآية لما قبلها\rولما كان هذا المقام لا يصح إلا بتمام العلم وكمال القدرة نصب الأدلة على ذلك في هذه الآية الثالثة بأبسط مما في الآية الثانية كما كانت الثانية أبسط من الأولى وأجلى تبصيراً للجهال وتذكيراً للعلماء ؛ فكانت هذه الآية تفصيلاً لتينك الآيتين السابقتين ولم تدع حاجة إلى مثل هذه التفصيل في آية آل عمران ، لأن معظم المراد بها الدلالة على شمول القدرة وأما هذه فدليل على التفرد ، فكان لا بد من ذكر ما ربما أضيف إلى أسبابه القريبة تنبيهاً على أنه لا شريك له في شيء من ذلك وأن الكل بخلقه وإن أقام لذلك أسباباً ظاهرية فقال تعالى {إن في خلق السماوات والأرض} أي واختلافهما فإن خلق ما ذكر في الآية من نعمته على عباده كما ذكر في أول السورة ، ثم ذكر ما ينشأ عنهما فقال : {واختلاف} وهو افتعال من الخلف ، وهو ما يقع من افتراق بعد اجتماع في أمر من الأمور {الليل} قدمه لأنه الأصل والأقدم {وآية لهم الّليل} [يس : 37] {والنهار} وخلقهما ، فالآية من الاحتباك ، ذكر الخلق أولاً دليلاً على حذفه ثانياً والاختلاف ثانياً على حذفه أولاً. وقال الحرالي : ولما كان من سنة الله أن من دعاه إليه وإلى رسله بشاهد خرق عادة في خلق أو أمر عاجله بالعقوبة في الدنيا وجدد بعده أمة أخرى كما قال سبحانه وتعالى : {وما منعنا أن نرسل بالآيات إلا أن كذب بها الأولون} [الإسراء : 59] وكانت هذه الأمة خاتمة ليس بعدها أمة غيرها أعفاها ربها من احتياجها إلى خرق العوائد ، قال عليه الصلاة والسلام \" ما من نبي إلا وقد أوتي من الآيات ما مثله آمن عليه البشر ، وإنما كان الذي آتاني الله وحياً أوحاه الله سبحانه وتعالى إليّ ، فأرجو أن أكون أكثرهم تابعاً \" فكان أمر الاعتبار أعم إجابة وأسمح مخالفة وكفاها بما قد أظهره لها في خلقه بالإبداء والتسخير من الشواهد ، ليكونوا علماء منقادين لروح العلم لا لسلطان القهر ، فيكون ذلك من مزاياهم على غيرهم ، ولم","part":3,"page":6},{"id":903,"text":"يجبها إلى ما سألته من ذلك ، فلما وصل تعالى بدعوة الربوبية ذِكر الخلق والرزق وذكر الأرض بأنها فراش والسماء بأنها بناء على عادة العرب في رتبة حس ظاهر أعلاهم في هذا الخطاب بإيراد آياته وشواهده على علو رتبة معنى معقول فوق رتبة الأمر المحسوس السابق فقال : {إن في خلق السماوات والأرض} خطاباً مع من له نظر عقلي يزيد على نظر الحس باعتبار السماوات أفلاكها وعددها بشواهد نجومها حتى يتعرف أنها سماوات معدودة ، وذلك مما يظهر موقعه عند من له اعتبار في مخلوق السماوات ؛ ولما لم يكن للأرضين شواهد محسوسة بعددها كما في السماوات لم يجر ذكرها في القرآن إلا مفردة وجاء ذكر السماوات معددة لأهل النظر العقلي ومفردة لأهل النظر الحسي ، وأيسر معتبر ما بين السماوات والأرض في مقابلة حظيهما في كون السماوات في حد من العلو والصفاء والنورانية والحركة والأرض في مقابل ذلك من السفل والكثافة والظلمانية والسكون ، فيقع الاعتبار بحصول مشهود التعاون من مشهود التقابل ، وذلك مما يعجز الخلق فيعلمون أنه من أمر الحق ، لأن الخلق إنما يقع لهم التعاون بالمتناسب لا بالمتقابل ، فمن آلته الماء مثلاً تفسد عليه النار ، ومن آلته النار يفسد عليه الماء ، والحق سبحانه وتعالى أقام للخلق والموجودات والموالد آحاداً مجتمعة قد قهر فيها متنافرات موجودات الأركان وموجود خلق السماء والأرض المشهود تقابلهما ، فما وقع اجتماع النار بالماء على تقابل ما بين الحار والبارد ، واجتماع الهواء بالأرض على تقابل ما بين الكثيف واللطيف ، واجتماع الكل في شيء واحد من جسم واحد وعضو واحد حتى في جزء واحد من أدق أجزائه إلا بأمر يعجز عنه الخلق ولا يقدر عليه إلا الحق الذي يحار فيه الخلق ، فهو إذن إلههم الذي هو إله واحد ، آثاره موجودة في أنفسهم ، وشواهده مبصرة بأعينهم وحقائق تلك الشواهد بادية لعقولهم ، فكأنه سبحانه وتعالى أقرأهم ذكره الحكيم المرئي لأعينهم كشفاًً","part":3,"page":7},{"id":904,"text":"لغطاء أعينهم ليتميزوا عن الذين كانت أعينهم في غطاء عن ذكره.\rولما ذكر سبحانه وتعالى خلق متقابل العلو والسفل في ذكر السماوات والأرض نظم بها اختلاف الأفقين اللذين فيهما ظهور مختلفي الليل والنهار ليتريع اعتبارهم بين اعتبار الأعلى والأسفل والمشرق والمغرب فيقع شواهد الإحاطة بهم عليهم في توحيد ربهم وإرجاع ذلك إليه دون أن يعزي ذلك إلى شيء من دونه مما هو داخل في حصر موجود هذه الإحاطة من المحيط الأعلى والمحيط الأسفل والمحيط بالجوانب كلها من ملبس الآفاق من الليل والنهار خطابَ إجمال يناسب مورد السورة التي موضوعها إجمالات ما يتفسر فيها وفي سائر القرآن من حيث إنها فسطاطه وسنامه - انتهى.\rولما ذكر تعالى ما أنشأه سير الكواكب في ساحة الفلك أتبعه سير الفلك في باحة البحر فقال : {والفلك} وهو ما عظم من السفن في مقابلة القارب وهو المستخف منها. قال الحرالي : استوى واحده وجمعه ، حركات الواحد أولى في الضمير وحركات الجمع ثوان في الضمير من حيث إن الواحد أول والجمع ثان مكسر انتهى.\r","part":3,"page":8},{"id":905,"text":"ولما أراد هنا الجمع لأنه أدل على القدرة وصف بأداة التأنيث فقال {التي تجري} بتقدير الله ، وحقق الأمر بقوله : {في البحر} أسند الجري إليها ومن المعلوم أنه لا جري لها حقيقة ولا فعل بوجه ترقية إلى اعتقاد مثل ذلك في النجوم إشارة إلى أنه لا فعل لها ولا تدبير كما يعتقد بعض الفلاسفة. وقال الحرالي : ولما ذكر سبحانه وتعالى جملة الخلق وجملة الاختلاف في الوجهين وصل بذلك إحاطة البحر بالأرض وتخلل البحار فيها لتوصل المنافع المحمولة في الفلك مما يوصل من منافع المشرق للمغرب ومنافع المغرب للمشرق ومنافع الشمال للجنوب وبالعكس ، فما حملت جارية شيئاً ينتفع به إلا قد تضمن ذكره مبهم كلمة {ما} في قوله تعالى : {بما ينفع الناس} وذكرهم باسم الناس الذي هو أول من يقع فيه الاجتماع والتعاون والتبصر بوجه ما أدنى ذلك في منافع الدنيا الذي هو شاهد هذا القول - انتهى.\rولما ذكر نفع البحر بالسفن ذكر من نفعه ما هو أعم من ذلك فقال : {وما أنزل الله} الذي له العظمة التامة {من السماء} أي جهتها باجتذاب السحاب له. ولما كان النازل منها على أنواع وكان السياق للاستعطاف إلى رفع الخلاف ذكر ما هو سبب الحياة فقال : {من ماء فأحيا به الأرض} بما ينبت منها ولما كان الإحياء يستغرق الزمن المتعقب للموت نفى الجار فقال : {بعد موتها} بعدمه.\r","part":3,"page":9},{"id":906,"text":"ولما ذكر حياة الأرض بالماء أشار إلى أن حياة كل ذي روح به فقال {وبث} من البث وهو تفرقة أحاد مستكثرة في جهات مختلفة {فيها} بالخضب {من كل دابة} من الدبيب وهو الحركة بالنفس قال الحرالي : أبهم تعالى أمر الخلق والاختلاف والإجراء فلم يسنده إلى اسم من أسمائه يظهره ، وأسند إنزال الماء من السماء إلى اسمه العظيم الذي هو الله لموقع ظهور القهر على الخلق في استدرار أرزاق الماء واستجداده وقتاً بعد وقت بخلاف مستمر ما أبهم من خلق السماوات والأرض الدائم على حالة واختلاف الليل والنهار المستمر على وجهة واحتيال إجراء الفلك الماضي على حكم عادته ، فأظهر اسمه فيما يشهد به عليهم ضرورتهم إليه في كل حول ليتوجهوا في العبادة إلى علو المحل الذي منه ينزل الماء فينقلهم بذلك من عبادة ما في الأرض إلى عبادة من في السماء {ءأمنتم من في السماء أن يخسف بكم الأرض} [الملك : 16] وقال عليه الصلاة والسلام للأمة : \" أين الله ؟ قالت : في السماء ، قال : أعتقها فإنها مؤمنة \" فأذن أدنى الإيمان التوجه إلى عبادة من في السماء ترقياً إلى علو المستوى على العرش إلى غيب الموجود في أسرار القلوب ، فكان في هذه التوطئة توجيه الخلق إلى الإله الذي ينزل الماء من السماء وهو الله الذي لم يشرك به أحد سواه ليكون ذلك توطئة لتوحيد الإله ، ولذلك ذكر تعالى آية الإلهية التي هي الإحياء ، والحياة كل خروج عن الجمادية من حيث إن معنى الحياة في الحقيقة إنما هو تكامل في الناقص ، فالمهتزّ حي بالإضافة إلى الجماد ترقياً إلى ما فوق ذلك من رتب الحياة من نحو حياة الحيوان ودواب الأرض ، فلذلك ذكر تعالى الإحياءين بالمعنى ، وأظهر الاسم مع الأرض لظهوره في الحيوان ، فأظهر حيث خفي عن الخلق ، ولم يذكره حيث هو ظاهر للخلق ، فنبههم على الاعتبارين إنزال الماء الذي لهم منه شراب ومنه شجر وبه حياة الحيوان ومنه مرعاهم.\r","part":3,"page":10},{"id":907,"text":"ولما ذكر سبحانه وتعالى بث ما هو السبب للنبات المسبب عن الماء ذكر بث ما هو سبب للسحاب السبب للمطر السبب للحياة فقال تعالى : {وتصريف الرياح} أي تارة صباً وأخرى دبوراً ومرة شمالاً وكرة جنوباً ، والتصريف إجراء المصرف بمقتضى الحكم عليه ، والريح متحرك الهوى في الأقطار {والسحاب} وهو المتراكم في جهة العلو من جوهر ما بين الماء والهواء المنسحب في الجو {المسخر} أي بها ، من التسخير وهو إجراء الشيء على مقتضى غرض ما سخر له {بين السماء والأرض} لا يهوى إلى جهة السفل مع ثقله بحمله بخار الماء ، كما تهوى بقية الأجرام العالية حيث لم يكن لها ممسك محسوس ولا ينقشع مع أن الطبع يقتضي أحد الثلاثة : فالكثيف يقتضي النزول واللطيف يقتضي الصعود ، والمتوسط يقتضي الانقشاع {لآيات} وقال الحرالي : لما ذكر تعالى الأعلى والأسفل ومطلع الليل والنهار من الجانبين وإنزال الماء أهواءً ذكر ما يملأ ما بين ذلك من الرياح والسحب الذي هو ما بين حركة هوائية إلى استنارة مائية إلى ما يلزم ذلك من بوادي نيراته من نحو صواعقه وجملة أحداثه ، فكان في هذا الخطاب اكتفاء بأصول من مبادىء الاعتبار ، فذكر السماء والأرض والآفاق وما بينهما من الرياح والسحب والماء المنزل الذي جملته قوام الخلق في عاجل دنياهم ، ليجعل لهم ذلك آية على علو أمر وراءه ويكون كل وجه منه آية على أمر من أمر الله فيكون آيات ، لتكون السماء آية على علو أمر الله فيكون أعلى من الأعلى ، وتكون الأرض آية على باطن أمر الله فيكون أبطن من الأبطن ، ويكون اختلاف الليل والنهار آية على نور بدوه وظلمة غيبته مما وراء أمر الليل والنار ، ويكون ما أنزل من الماء لإحياء الأرض وخلق الحيوان آية ما ينزل من نور علمه على القلوب فتحيا بها حياة تكون حياة الظاهر آية عليه ، ويكون تصريف الرياح والسحاب المسخر بين السماء والأرض آيات على تصريف ما بين أرض العبد الذي هو ظاهره وسمائه الذي هو","part":3,"page":11},{"id":908,"text":"باطنه ، وتسخير بعضه لبعض ليكون ذلك آية على علو الله على سمائه العلى في الحس وعلى سماء القلوب العلية في الوجدان ؛ فلجملة ذلك جعل تعالى صنوف هذه الاعتبارات {لآيات لقوم} وهم الذين يقومون في الأمر حق القيام ، ففيه إشعار بأن ذلك لا يناله من هو في سن الناس حتى يتنامى طبعه وفضيلة عقله إلى أن يكون من قوم يقومون في الاعتبار قيام المنتهضين في أمور الدنيا ، لأن العرب عرفت استعمالها في القوم إنما هو لأجل النجدة والقوة حتى يقولون : قوم أو نساء.\r","part":3,"page":12},{"id":909,"text":"تقابلاً بين المعنيين ؛ وذكر تعالى العقل الذي هو نور من نوره هدى لمن أقامه من حد تردد حال الناس إلى الاستضاءة بنوره في قراءة حروف كتابه الحكيم التي كتبها بيده وأغنى الأميين بقراءة ما كتب لهم عن قراءة كتاب ما كتبه الخلق - انتهى ؛ فقال : {يعقلون} أي فيعلمون أن مصرف هذه الأمور على هذه الكيفيات المختلفة والوجوه المحكمة فاعل مختار وهو قادر بما يشاهد من إحياء الأرض وغيرها مما هو أكبر منه على بعث الموتى وغيره مما يريده وأنه مع ذلك كله واحد لا شريك له يمانعه العقلاء من الناس ، يعلمون ذلك بذلك فلا يتخذون أنداداً من دونه ولا يميلون عن جنابه الأعلى إلى سواه ، وقد اشتملت هذه الآية على جميع ما نقل البيهقي في كتاب الأسماء والصفات عن الحليمي أنه مما يجب اعتقاده في الله سبحانه وتعالى وهو خمسة أشياء : الأول إثباته سبحانه وتعالى لتقع به مفارقة التعطيل ، والثاني وحدانيته لتقع به البراءة عن الشرك - وهذان من قوله {وإلهكم إله واحد} [البقرة : 163] والثالث إثبات أنه ليس بجوهر ولا عرض لتقع به البراءة من التشبيه وهذا من قوله {لا إله إلا هو} [البقرة : 163] لأن من لا يسد غيره مسده لا شبيه له ، والرابع إثبات أن وجود كل ما سواه كان بإبداعه له واختراعه إياه لتقع به البراءة من قول من يقول بالعلة والمعلول وهذا من قوله {الرحمن الرحيم} [البقرة : 163] {إن في خلق السماوات والأرض} [البقرة : 164] ، والخامس أنه مدبر ما أبدع ومصرفه على ما يشاء لتقع به البراءة من قوله القائلين بالطبائع أو تدبير الكواكب أو تدبير الملائكة وهذا من قوله {وما أنزل الله من السماء من ماء} [البقرة : 164] إلى آخرها قال البيهقي : كأن أسماء الله سبحانه وتعالى جده التي ورد بها الكتاب والسنة وأجمع العلماء على تسميته بها منقسمة بين العقائد الخمس ، فليلحق بكل واحدة منهن بعضها ، وقد يكون منها ما يلتحق بمعنيين ويدخل في بابين","part":3,"page":13},{"id":910,"text":"أو أكثر - انتهى. وسبب تكثير الأدلة أن عقول الناس متفاوتة ، فجعل سبحانه وتعالى العالم وهو الممكنات الموجودة وهي جملة ما سواه الدالة على وجوده وفعله بالاختيار على قسمين : قسم من شأنه أن يدرك بالحواس الظاهرة ويسمى في عرف أهل الشرع الشهادة والخلق والملك ، وقسم لا يدرك بالحواس الظاهرة ويسمى الغيب والأمر والملكوت ، والأول يدركه عامة الناس والثاني يدركه أولو الألباب الذين عقولهم خالصة عن الوهم والوساوس ، فالله سبحانه وتعالى بكمال عنايته ورأفته ورحمته جعل العالم بقسميه محتوياً على جمل وتفاصيل من وجوه متعددة وطرق متكثرة تعجز القوى البشرية عن ضبطها يستدل بها على وحدانيته بعضها أوضح من بعض ليشترك الكل في المعرفة ، فيحصل لكل بقدر ما هيىء له ، اللهم إلا أن يكون ممن طبع على قلبه ، فذلك والعياذ بالله سبحانه وتعالى هو الشقي. أهـ {نظم الدرر حـ 1 صـ 294 ـ 299}","part":3,"page":14},{"id":911,"text":"وقال العلامة أبو حيان فى البحر المحيط : \rومناسبة هذه الآية لما قبلها ، هو أنه لما ذكر تعالى أنه واحد ، وأنه منفرد بالإلهية ، لم يكتف بالإخبار حتى أورد دلائل الاعتبار. ثم مع كونها دلائل ، بل هي نعم من الله على عباده ، فكانت أوضح لمن يتأمل وأبهر لمن يعقل ، إذ التنبيه على ما فيه النفع باعث على الفكر. لكن لا تنفع هذه الدلائل إلا عند من كان متمكناً من النظر والاستدلال بالعقل الموهوب من عند الملك الوهاب ، وهذه الأشياء التي ذكرها الله ثمانية ، وإن جعلنا : وبث فيها ، على حذف موصول ، كما قدرناه في أحد التخريجين ، كانت تسعة ، وهي باعتبار تصير إلى أربعة : خلق ، واختلاف ، وإنزال ماء ، وتصريف.\rفبدأ أولاً بالخلق ، لأنه الآية العظمى والدلالة الكبرى على الإلهية ، إذ ذلك إبراز واختراع لموجود من العدم الصرف. {أفمن يخلق كمن لا يخلق} {والذين يدعون من دون الله لا يخلقون شيئاً وهم يخلقون} ودل الخلق على جميع الصفات الذاتية ، من واجبية الوجود والوحدة والحياة والعلم والقدرة والإرادة ، وقدّم السماوات على الأرض لعظم خلقها ، أو لسبقه على خلق الأرض عند من يرى ذلك.\rثم أعقب ذكر خلق السماوات والأرض باختلاف الليل والنهار ، وهو أمر ناشىء عن بعض الجواهر العلوية النيرة التي تضمنتها السماوات. ثم أعقب ذلك بذكر الفلك ، وهو معطوف على الليل والنهار ، كأنه قال : واختلاف الفلك ، أي ذهابها مرة كذا ومرة كذا على حسب ما تحركها المقادير الإلهية ، وهو أمر ناشىء عن بعض الأجرام السفلية الجامدة التي تضمنتها الأرض.\rثم أعقب ذلك بأمور اشترك فيها العالم العلوي والعالم السفلي ، وهو إنزال الماء من السماء ، ونشر ما كان دفيناً في الأرض بالأحياء. وجاء هذا المشترك مقدماً فيه السبب على المسبب ، فلذلك أعقب بالفاء التي تدل على السبب عند بعضهم.\r","part":3,"page":15},{"id":912,"text":"ثم ختم ذلك بما لا يتم ما تقدمه من ذكر جريان الفلك وإنزال الماء وإحياء الموات إلا به ، وهو تصريف الرياح والسحاب. وقدم الرياح على السحاب ، لتقدم ذكر الفلك ، وتأخر السحاب لتأخر إنزال الماء في الذكر على جريان الفلك.\rفانظر إلى هذا الترتيب الغريب في الذكر ، حيث بدأ أولاً باختراع السماوات والأرض ، ثم ثنى بذكر ما نشأ عن العالم العلوي ، ثم أتى ثالثاً بذكر ما نشأ عن العالم السفلي ، ثم أتى بالمشترك. ثم ختم ذلك بما لا تتم النعمة للإنسان إلا به ، وهو التصريف المشروح.\rوهذه الآيات ذكرها تعالى على قسمين : قسم مدرك بالبصائر ، وقسم مدرك بالأبصار. فخلق السماوات والأرض مدرك بالعقول ، وما بعد ذلك مشاهد للأبصار. والمشاهد بالأبصار انتسابه إلى واجب الوجود ، مستدل عليه بالعقول ، فلذلك قال تعالى : {لآيات لقوم يعقلون} ، ولم يقل : لآيات لقوم يبصرون ، تغليباً لحكم العقل ، إذ مآل ما يشاهد بالبصر راجع بالعقل نسبته إلى الله تعالى. أ هـ البحر المحيط حـ 1 صـ 642}","part":3,"page":16},{"id":913,"text":"وقال العلامة ابن جزى : \rواختلاف الليل والنهار أي اختلاف وصفهما من الضياء والظلام والطول والقصر ، وقيل إن أحدهما يخلف الآخر بما ينفع الناس من التجارة وغيرها وتصريف الرياح إرسالها من جهات مختلفة وهي الجهات الأربع وما بينهما وبصفات مختلفة فمنها ملقحة بالشجر وعقيم وصر وللنصر وللهلاك. أ هـ {التسهيل حـ 1 صـ 66 ـ 67}\rوقال العلامة ابن عاشور : \rموقع هاته الآية عقب سابقتها موقع الحجة من الدعوى ، ذلك أن الله تعالى أعلن أن الإله إله واحد لا إله غيره وهي قضية من شأنها أن تُتلقى بالإنكار من كثير من الناس فناسب إقامة الحجة لمن لا يقتنع فجاء بهذه الدلائل الواضحة التي لا يسع الناظر إلاّ التسليم إليها.\rفإن هنا لمجرد الاهتمام بالخبر لِلَفْت الأنظار إليه ، ويحتمل أنهم نُزلوا منزلة من ينكر أن يكون في ذلك آيات (لقوم يعقلون) لأنهم لم يجروا على ما تدل عليه تلك الآيات. أهـ {التحرير والتنوير حـ 2 صـ 76}\rوالمقصود من هاته الآية إثبات دلائل وجود الله تعالى ووحدانيته ولذلك ذكرت إثر ذكر الوحدانية لأنها إذا أثبتت بها الوحدانية ثبت الوجود بالضرورة. فالآية صالحة للرد على كفار قريش دُهريهم ومشركهم والمشركون هم المقصود ابتداء ، وقد قرر الله في هاته الآية دلائل كلها واضحة من أصناف المخلوقات وهي مع وضوحها تشتمل على أسرار يتفاوت الناس في دركها حتى يتناول كل صنف من العقلاء مقدار الأدلة منها على قدر قرائحهم وعلومهم. أهـ\r{التحرير والتنوير حـ 2 صـ 77}\rسؤال : لم قدم الليل على النهار ؟ \rوالجواب : قدم الليل على النهار لسبقه في الخلق ، قال تعالى : {وآية لهم الليل نسلخ منه النهار} وقال قوم : إن النور سابق على الظلمة ، وعلى هذا الخلاف انبنى الخلاف في ليلة اليوم. فعلى القول الأول : تكون ليلة اليوم هي التي قبله ، وهو قول الجمهور ؛ وعلى القول الثاني : ليلة اليوم هي الليلة التي تليه ، وكذلك ينبني على اختلافهم في النهار ، اختلافهم في مسألة : لو حلف لا يكلم زيداً نهاراً.أ هـ {البحر المحيط حـ 1 صـ 639}\rفوائد ولطائف\rقال الخازن : \rقيل : لما نزلت هذ الآية. قال المشركون : إن محمداً يقول : \" إلهكم إله واحد فليأتنا بآية ن كان صادقاً \"\rفأنزل الله تعالى : {إن في خلق السماوات والأرض} وعلمه كيفية الاستدلال على وحدانية الصانع ، وردهم إلى التفكر في آياته والنظر في عجائب مصنوعاته وإتقان أفعاله ففي ذلك دليل على وحدانيته إذ لو كان في الوجود صانعان لهذه الأفعال ، لاستحال اتفاقهما على أمر واحد ولامتنع في أفعالهما التساوي في صفة الكمال فثبت بذاك أن خالق هذا العالم والمدبر له واحد قادر مختار ، فبين سبحانه وتعالى من عجائب مخلوقاته ثمانية أنواع أولها : إن في خلق السماوات والأرض وإنما جمع السماوات لأنها أجناس مختلفة كل سماء من جنس غير جنس الأخرى ووحد الأرض جنس واحد وهو التراب ، والآية في السماء هي سمكها وارتفاعها بغير عمد ، ولا علاقة وما يرى فيها من الشمس والقمر والنجوم ، والآية في الأرض مدها وبسطها على الماء ، وما يرى فيها من الجبال والبحار والمعادن والجواهر والأنهار والأشجار والثمار والنبات. النوع الثاني قوله تعالى : {واختلاف الليل والنهار} أي تعاقبهما في المجيء والذهاب وقيل اختلافهما في الطول والقصر والزيادة والنقصان والنور والظلمة.\rوإنما قدم الليل على النهار لأن الظلمة أقدم.","part":3,"page":17},{"id":914,"text":"والآية في الليل والنهار أن انتظام أحوال العباد بسبب طلب الكسب والمعيشة يكون في النهار وطلب النوم والراحة يكون في الليل فاختلاف الليل والنهار إنما هو لتحصيل مصالح العباد.\rوالنوع الثالث قوله تعالى : {والفلك التي تجري في البحر} أي السفن واحدة وجمعه سواء ، \rوسمي البحر بحراً لاتساعه وانبساطه ، والآية في الفلك تسخيرها وجريانها على وجه الماء وهي موقرة بالأثقال والرجال فلا ترسب وجريانها بالريح مقبلة ومدبرة ، وتسخير البحر لحمل الفلك مع قوة سلطان الماء ، وهيجان البحر فلا ينجي منه إلاّ الله تعالى.\rالنوع الرابع قوله تعالى : {بما ينفع الناس} يعني ركوبها والحمل عليها في التجارات لطلب الأرباح ، والآية في ذلك أن الله تعالى لو لم يقو قلب من يركب هذه السفن لما تم الغرض في تجاراتهم ، ومنافعهم وأيضاً فإن الله تعالى خص كل قطر من أقطار العالم بشيء معين ، وأحوج الكل إلى الكل فصار ذلك سبباً يدعوهم إلى اقتحام الأخطار في الأسفار من ركوب السفن وخوض البحر وغير ذلك فالحامل ينتفع ، لأنه يربح والمحمول إليه ينتفع بما حمل إليه.\rالنوع الخامس قوله تعالى : {وما أنزل الله من السماء من ماء} يعني المطر قيل أراد بالسماء السحاب.\rسمي سماء لأن كل ما علاك فأظلك فهو سماء خلق الله الماء في السحاب ، ومنه ينزل إلى الأرض وقيل : أراد السماء بعينها خلق الله الماء في السماء ومنه ينزل إلى السحاب ثم منه إلى الأرض {فأحيا به} أي بالماء {الأرض بعد موتها} أي يبسها وجدبها.\rسماه موتاً مجازاً لأنها إذا لم تنبت شيئاً ، ولم يصبها المطر فهي كالميتة ، والآية في إنزال المطر وإحياء الأرض به أن الله تعالى جعله سبباً لإحياء الجميع من حيوان ونبات ونزوله عند وقت الحاجة إليه بمقدار المنفعة ، وعند الاستسقاء والدعاء وإنزاله بمكان دون مكان.\r","part":3,"page":18},{"id":915,"text":"النوع السادس قوله تعالى : {وبث} أي فرق {فيها} أي في الأرض {من كل دابة} قال ابن عباس : يريد كل ما دب على وجه الأرض من جميع الخلق من الناس وغيرهم ، والآية في ذلك أن جنس الإنسان يرجع إلى أصل واحد وهو آدم ثم ما فيهم من الاختلاف في الصور والأشكال والألوان والألسنة والطبائع والأخلاق والأوصاف إلى غير ذلك ثم يقاس على بني آدم سائر الحيوان.\rالنوع السابع قوله تعالى : {وتصريف الرياح} يعني في مهابِّها قبولاً ودبوراً وشمالاً وجنوباً ونكباء وهي الريح التي تأتي من غير مهب صحيح ، فكل ريح تختلف مهابها تسمى : نكباء.\rوقيل : تصريفها في أحوال مهابها لينة وعاصفة وحارة وباردة.\rوسميت ريحاً لأنها تريح.\rقال ابن عباس : أعظم جنود الله الريح وقيل ما هبت ريح إلاّ لشفاء سقيم أو ضده.\rوقيل : البشارة في ثلاث رياح الصبا والشمال والجنوب والدبور : هي الريح العقيم التي أهلكت بها عاد فلا بشارة فيها ، والآية في الريح أنها جسم لطيف لا يمسك ولا يرى وهي مع ذلك في غاية القوة تقلع الشجر والصخر وتخرب البنيان العظيم وهي مع ذلك حياة الوجود فلو أمسكت طرفة عين لمات كل ذي روح وأنتن ما على وجه الأرض.\rالنوع الثامن قوله تعالى : {والسحاب المسخر بين السماء والأرض} أي الغيم المذلل.\rسمي سحاباً لسرعة سيره كأنه يسحب. والآية في ذلك أن السحاب مع ما فيه من المياه العظيمة التي تسيل منها الأدوية العظيمة يبقى معلقاً بين السماء والأرض ، ففي هذه الأنواع الثمانية المذكورة في هذه الآية دلالة عظيمة على وجود الصانع القادر المختار ، وأنه الواحد في ملكه فلا شريك له ولا نظير وهو المراد من قوله : {وإلهكم إله واحد لا إله إلاّ هو} وقوله : {لآيات} أي فيما ذكر من دلائل مصنوعات الدالة على وحدانيته.\r","part":3,"page":19},{"id":916,"text":"قيل إنما جمع آيات لأن في كل واحد مما ذكر من هذه الآنواع آيات كثيرة تدل على أن لها خالقاً مدبراً مختاراً {لقوم يعقلون} أي ينظرون بصفاء عقولهم ويتفكرون بقلوبهم ، فيعلمون أن لهذه الأشياء خالقاً ومدبراً مختاراً وصانعاً قادراً على ما يريد. أ هـ {تفسير الخازن حـ 1 صـ 100}\rأسئلة وأجوبة\rسؤال : لماذا جمع السماوات وأفرد الأرض ؟ \rالجواب : وإنما جمع السماوات وأفرد الأرض للانتفاع بجميع أجزاء الأولى باعتبار ما فيها من نور كواكبها وغيره دون الثانية فإنه إنما ينتفع بواحدة من آحادها وهي ما نشاهده منها وقال أبو حيان : لم تجمع الأرض لأن جمعها ثقيل وهو مخالف للقياس ، ورب مفرد لم يقع في القرآن جمعه لثقله وخفة المفرد ، وجمع لم يقع مفرده كالألباب وفي \"المثل السائر\" نحوه ، وقال بعض المحققين : جمع السماوات لأنها طبقات ممتازة كل واحدة من الأخرى بذاتها الشخصية كما يدل عليه قوله تعالى : {فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سموات} [البقرة : 9 2] سواء كانت متماسة كما هو رأي الحكيم أو لا كما جاء في الآثار أن بين كل سماءين مسيرة خمسمائة عام مختلفة الحقيقة لما أن الاختلاف في الآثار المشار إليه بقوله تعالى : {وأوحى فِى كُلّ سَمَاء أَمْرَهَا} [فصلت : 2 1] يدل عليه ، ولم يجمع الأرض لأن طبقاتها ليست متصفة بجميع ذلك فإنها ، سواء كانت متفاصلة بذواتها ، كما ورد في الأحاديث من أن بين كل أرضين كما بين كل سماءين أو لا تكون متفاصلة كما هو رأي الحكيم غير مختلفة في الحقيقة اتفاقاً. أ هـ {روح المعانى حـ 2 صـ 31}\rو قال ابن عرفة : وإنما جمعت السماوات وأفردت الأرضون مع أنها سبع لأنّ عدد السماوات يدرك بالرصد ، وطول الأعمار ، والكسوفات ، وأطوال البلاد وأعراضها ، وجري الكواكب ، والأرضون لا طريق لنا إلى إدراكها بوجه إلا من السمع ، لأن المشاهد لنا منها إنما هي أرض واحدة. أ هـ\r{تفسير ابن عرفة صـ 205}","part":3,"page":20},{"id":917,"text":"سؤال : لم خص الفلك بالذكر ؟ \rخص الفلك بالذكر مع أن مقتضى المقام حينئذٍ أن يقال : والعجائب التي في البحر لأنه سبب الاطلاع على أحواله وعجائبه فكان ذكره ذكراً لجميع أحواله ، وطريقاً إلى العلم بوجوه دلالته ، ولذلك قدم على ذكر المطر والسحاب لأن منشأهما البحر في غالب الأمر ، وإلا فالمناسب بعد ذكر اختلاف الليل والنهار الذي هو من الآيات العلوية ذكر المطر والسحاب اللذين هما من كائنات الجو وعدم نظم الفلك في البين لكونها من الآيات السفلية.\rوعندي أن هذا خلاف الظاهر جداً وإن جل قائله إذ يؤول المعنى إلى والبحر الذي تجري فيه الفلك بما ينفع الناس وهو قلب للنظم الكريم بغير داع إليه ولا دليل يعوّل عليه ، وأي مانع من كون الاستدلال باختلاف الفلك وذهابها مرة كذا ومرة كذا على حسب ما تحركها المقادير الإلهية ، أو بالفلك الجارية في البحر من حيث إنها جارية فيه موقرة مقبلة ومدبرة ، متعلقة بحبال الهواء على لطفه ، وكثافتها لا ترسب إلى قاع البحر مع تلاطم أمواجه واضطراب لججه ، وكون شيء من ذلك ليس حالاً لها في نفسها غير مسلم ، ووجه الترتيب على ما أرى أنه سبحانه ذكر أولاً : خلق أمرين علوي وسفلي ، واختلاف شيئين بمدخلية أمرين سماوي وأرضي ثانياً : إذ تعاقب الليل والنهار أو اختلافهما ازدياداً وانتقاصاً أو ظلمة ونوراً إنما هو بمدخلية سير الفلك وحيلولة جرم الأرض على كيفيتين مخصوصتين ، ثم عقب ذلك بما يشبه آيتي الليل والنهار السابح كل منهما في لجة بحر فلكه الدوار المسخر بالجريان فيه ذهاباً وإياباً بما ينفع الناس في أمر معاشهم وانتظام أحوالهم ، وهو الفلك التي تجري على كبد البحر بذلك ، ويختلف جريانها شرقاً وغرباً على حسب تسليك المقادير الإلهية لها في هاتيك المسالك ، فالآية حينئذٍ على حد قوله تعالى : ","part":3,"page":21},{"id":918,"text":"{وَءايَةٌ لَّهُمُ اليل نَسْلَخُ مِنْهُ النهار فَإِذَا هُم مُّظْلِمُونَ والشمس تَجْرِى لِمُسْتَقَرّ لَّهَا ذَلِكَ تَقْدِيرُ العزيز العليم والقمر قدرناه مَنَازِلَ حتى عَادَ كالعرجون القديم لاَ الشمس يَنبَغِى لَهَا أَن تدْرِكَ القمر وَلاَ اليل سَابِقُ النهار وَكُلٌّ فِى فَلَكٍ يَسْبَحُونَ وَءايَةٌ لَّهُمْ أَنَّا حَمَلْنَا ذُرّيَّتَهُمْ فِى الفلك المشحون} [يس : 7 3 ـ 41] إلا أن الفرق بين الآيتين أن الآيتين في الثانية ذكرتا متوسطتين صريحاً بين حديث الفلك وشأن الليل والنهار ، وفي الأولى تقدم ما يشعر بهما ويشير إليهما ، ثم عقب ذلك بما يشترك فيه العالم العلوي والعالم السفلي ، وله مناسبة لذكر البحر بل ولذكر الفلك التي تجري فيه بما ينفع الناس وهو إنزال الماء من السماء ونشر ما كان دفيناً في الأرض بالإحياء ، وفي ذلك النفع التام والفضل العام. أ هـ\r{روح المعانى حـ 2 صـ 32}\rسؤال : لم عقب تصريف الرياح بالسحاب ؟ ولم أخر تصريف الرياح وتسخير السحاب في الذكر عن جريان الفلك ؟ \rوتعقيب تصريف الرياح بالسحاب لأنه كالمعلول للرياح كما يشير إليه قوله تعالى : {الله الذى يُرْسِلُ الرياح فَتُثِيرُ سَحَاباً} [الروم : 8 4] ولأن في جعله ختم المتعاطفات مراعاة في الجملة لما بدىء به منها لأنه أرضي سماوي فينتظم بدء الكلام وختمه ، وبما ذكرنا علم وجه الترتيب في الآية ، وقال بعض الفضلاء : لعل تأخير تصريف الرياح وتسخير السحاب في الذكر عن جريان الفلك وإنزال الماء مع انعكاس الترتيب الخارجي للإشعار باستقلال كل من الأمور المعدودة في كونها آية ولو روعي الترتيب الخارجي لربما توهم كون المجموع المرتب بعضه على بعض آية واحدة. أ هـ {روح المعانى حـ 2 صـ 33}\rسؤال : لم خص الآيات الثمانية بالذكر مع أن سائر الأجسام والأعراض مستوية في الاستدلال بها على وجود الصانع ؟ ","part":3,"page":22},{"id":919,"text":"الجواب : وإنما خص الآيات الثمانية بالذكر مع أن سائر الأجسام والأعراض مستوية في الاستدلال بها على وجود الصانع بل كل ذرّة من الذرات ، لأنها جامعة بين كونها نعماً على المكلفين على أوفر حظ ونصيب ومتى كانت الدلائل كذلك كانت أنجع في القلوب وأشد تأثير في الخواطر. أ هـ\r{مفاتيح الغيب حـ 4 صـ 183}\rفائدة\rو{تصريف الرياح} إرسالها عقيماً ومقحة وصراً ونصراً وهلاكاً ، ومنه إرسالها جنوباً وشمالاً وغير ذلك ، و{الرياح} جمع ريح ، وجاءت في القرآن مجموعة مع الرحمة مفردة مع العذاب ، إلا في يونس في قوله تعالى {وجرين بهم بريح طيبة} [يونس : 22] ، وهذا أغلب وقوعها في الكلام ، وفي الحديث : \" كان رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ إذا هبت الريح يقول : \" اللهم اجعلها رياحاً ولاتجعلها ريحاً \".\rقال القاضي أبو محمد عبد الحق رضي الله عنه : وذلك لأن ريح العذاب شديد ملتئمة الأجزاء كأنها جسم واحد ، وريح الرحمة لينة متقطعة فلذلك هي رياح وهو معنى \" نشراً \" ، وأفردت مع الفلك لأن ريح إجراء السفن إنما هي واحدة متصلة ، ثم وصفت بالطيب فزال الاشتراك بينها وبين ريح العذاب. أ هـ\r{المحرر الوجيز حـ 1 صـ 233}\rفائدة أخرى\rوذكر لفظ {لقوم يعقلون} دون أن يقال للذين يعقلون أو للعاقلين لأن إجراء الوصف على لفظ قوم يومىء إلى أن ذلك الوصف سجية فيهم ، ومن مكملات قوميتهم ، فإن للقبائل والأمم خصائص تميزها وتشتهر بها كما قال تعالى : {وما هم منكم ولكنهم قوم يفرقون} [التوبة : 56] ، وقد تكرر هذا في مواضع كثيرة من القرآن ومن كلام العرب ، فالمعنى إن في ذلك آيات للذين سجيتهم العقل ، وهو تعريض بأن الذين لم ينتفعوا بآيات ذلك ليست عقولهم براسخة ولا هي ملكات لهم وقد تكرر هذا في سورة يونس. أهـ\r{التحرير والتنوير حـ 2 صـ 89}","part":3,"page":23},{"id":920,"text":"سؤالان :\rقوله تعالى : \"إن فى خلق السماوات والأرض واختلاف الليل والنهار والفلك التى تجرى فى البحر بما ينفع الناس وما أنزل الله من السماء من ماء فأحيا به الأرض بعد موتها\". وفى سورة العنكبوت : \"ولئن سألتهم من نزل من السماء ماء فأحيا به الأرض من بعد موتها ليقولن الله\". وفى سورة الجاثية : \"واختلاف اليل والنهار وما أنزل الله من السماء من رزق فأحيا به الأرض بعد موتها\".\rللسائل أن يسأل عن وجه اختصاص آية العنكبوت بمن دون الأخريين وعن قوله فى سورة الجاثية : \"وما أنزل الله من السماء من رزق\" فسمى الماء النازل من السماء رزقا بخلاف ما فى آيتى البقرة والعنكبوت.\rوالجواب عن الأول : أن زيادة\"من\" فى قوله فى العنكبوت : \"من بعد موتها\" زيادة بيان وتأكيد نوسب به ما تقدم من قوله\"من نزل\" فإن بنية فعل للمبالغة والتكثير وذلك مما يستجر البيان والتأكيد فنوسب بينهما ولما لم يقع فى الآيتين الأخرتين إلا لفظ\"أنزل\" ولا مبالغة فيها ولا تأكيد ولا انجر فى الكلام ما يعطيه لم يكن فيهما ما يستدعى زيادة\"من\" ليناسب بها فلم تقع فى الآيتين ولو قدر ورود عكس الواقع بزيادة\"من\" فى آيتى البقرة والجاثية وسقوطها فى آية البقرة لما ناسب ذلك أصلا فوضح تناسب الوارد وامتناع خلافه.\rوالجواب عن السؤال الثانى : إن آية الجاثية لما تأخرت فى الترتيب الذى استقر عليه القرآن كانت مظنة لبيان أن الرزق عن الماء قال تعالى : \"ينبت لكم به الزرع والزيتون والنخيل والأعناب ومن كل الثمرات\" وقال تعالى : \"ونزلنا من السماء ماء مباركا فأنبتنا به جنات وحب الحصيد والنخل باسقات لها طلع نضيد رزقا للعباد\" ، فقال فى سورة الجاثية : \"من رزق\" تسمية للماء بما عنه يتسبب وتكون مبالغة فى بيان ما تقدم كما قال تعالى\"وفى السماء روقكم وما توعدون\". أ هـ ملاك التأويل صـ 74}","part":3,"page":24},{"id":921,"text":"كلام نفيس للإمام الفخر\rقوله : {لآيَاتٍ} لفظ جمع فيحتمل أن يكون ذلك راجعاً إلى الكل ، أي مجموع هذه الأشياء آيات ويحتمل أن يكون راجعاً إلى كل واحد مما تقدم ذكره ، فكأنه تعالى بين أن في كل واحد مما ذكرنا آيات وأدلة وتقرير ذلك من وجوه.\rأحدها : أنا بينا أن كل واحد من هذه الأمور الثمانية يدل على وجود الصانع سبحانه وتعالى من وجوه كثيرة.\rوثانيها : أن كل واحد من هذه الآيات يدل على مدلولات كثيرة فهي من حيث إنها لم تكن موجودة ثم وجدت دلت على وجود المؤثر وعلى كونه قادراً ، لأنه لو كان المؤثر موجباً لدام الأثر بدوامه ، فما كان يحصل التغير ومن حيث أنها وقعت على وجه الإحكام والاتقان دلت على علم الصانع ، ومن حيث أن حدوثها اختص بوقت دون وقت دلت على إرادة الصانع ، ومن حيث أنها وقعت على وجه الأتساق والانتظام من غير ظهور الفساد فيها دلت على وحدانية الصانع ، على ما قال تعالى {لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلاَّ الله لَفَسَدَتَا} [الأنبياء : 22].\rوثالثها : أنها كما تدل على وجود الصانع وصفاته فكذلك تدل على وجوب طاعته وشكره علينا عند من يقول بوجوب شكر المنعم عقلاً لأن كثرة النعم توجب الخلوص في الشكر.","part":3,"page":25},{"id":922,"text":"ورابعها : أن كل واحد من هذه الدلائل الثمانية أجسام عظيمة فهي مركبة من الأجزاء التي لا تتجزأ فذلك الجزء الذي يتقاصر الحس والوهم والخيال عن إدراكه قد حصل فيه جميع هذه الدلائل ، فإن ذلك الجزء من حيث إنه حادث ، فكان حدوثه لا محالة مختصاً بوقت معين ولا بد وأن يكون مختصاً بصفة معينة مع أنه يجوز في العقل وقوعه على خلاف هذه الأمور ، وذلك يدل على الافتقار إلى الصانع الموصوف بالصفات المذكورة ، وإذا كان كل واحد من أجزاء هذه الأجسام ومن صفاتها شاهداً على وجود الصانع ، لا جرم قال : إنها آيات وحاصل القول أن الموجود إما قديم وإما محدث ، أما القديم فهو الله سبحانه وتعالى ، وأما المحدث فكل ما عداه ، وإذا كان في كل محدث دلالة على وجود الصانع كان كل ما عداه شاهداً على وجوده مقراً بوحدانيته معترفاً بلسان الحال بإلهيته ، وهذا هو المراد من قوله : {وَإِن مّن شَىْءٍ إِلاَّ يُسَبّحُ بِحَمْدَهِ ولكن لاَّ تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ} [الإسراء : 44].\rأما قوله تعالى : {لّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ} فإنما خص الآيات بهم لأنهم الذين يتمكنون من النظر فيه ، والاستدلال به على ما يلزمهم من توحيد ربهم وعدله وحكمه ليقوموا بشكره ، وما يلزم عبادته وطاعته.\rواعلم أن النعم على قسمين نعم دنيوية ونعم دينية ، وهذه الأمور الثمانية التي عدها الله تعالى نعم دنيوية في الظاهر ، فإذا تفكر العاقل فيها واستدل بها على معرفة الصانع صارت نعماً دينية لكن الانتفاع بها من حيث إنها نعم دنيوية لا يكمل إلا عند سلامة الحواس وصحة المزاج فكذا الانتفاع بها من حيث إنها نعم دينية لا يكمل إلا عند سلامة العقول وانفتاح بصر الباطن فلذلك قال : {لآيات لّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ}. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 4 صـ 183}\rفائدة\rقال العلامة الشنقيطى : \rقوله تعالى : {إِنَّ فِي خَلْقِ السماوات والأرض} الآية.","part":3,"page":26},{"id":923,"text":"لم يبين هنا وجه كونهما آية ، ولكنه بين ذلك في مواضع أخر كقوله : {أَفَلَمْ ينظروا إِلَى السمآء فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْنَاهَا وَزَيَّنَّاهَا وَمَا لَهَا مِن فُرُوجٍ والأرض مَدَدْنَاهَا وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنبَتْنَا فِيهَا مِن كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ تَبْصِرَةً وذكرى لِكُلِّ عَبْدٍ مُّنِيبٍ} [ق : 6-8] ، وقوله : {الذي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ طِبَاقاً مَّا ترى فِي خَلْقِ الرحمن مِن تَفَاوُتِ فارجع البصر هَلْ ترى مِن فُطُورٍ ثُمَّ ارجِعِ البَصَرَ كَرَّتَيْنِ يَنْقَلِبْ إِلَيْكَ البَصَرُ خَاسِئاً وَهُوَ حَسِيرٌ وَلَقَدْ زَيَّنَّا السمآء الدنيا بِمَصَابِيحَ وَجَعَلْنَاهَا رُجُوماً لِّلشَّيَاطِينِ وَأَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابَ السعير} [الملك : 3-5] ، وقوله في الأرض : {هُوَ الذي جَعَلَ لَكُمُ الأرض ذَلُولاً فامشوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُواْ مِن رِّزْقِهِ وَإِلَيْهِ النشور} [الملك : 15].\rقوله تعالى : {واختلاف الليل والنهار}.\rلم يبين هنا وجه كون اختلافهما آية ، ولكنه بين ذلك في مواضع أخر كقوله : {قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِن جَعَلَ الله عَلَيْكُمُ الليل سَرْمَداً إلى يَوْمِ القيامة مَنْ إله غَيْرُ الله يَأْتِيكُمْ بِضِيَآءٍ أَفَلاَ تَسْمَعُونَ قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِن جَعَلَ الله عَلَيْكُمُ النهار سَرْمَداً إلى يَوْمِ القيامة مَنْ إله غَيْرُ الله يَأْتِيكُمْ بِلَيْلٍ تَسْكُنُونَ فِيهِ أَفلاَ تُبْصِرُونَ وَمِن رَّحْمَتِهِ جَعَلَ لَكُمُ الليل والنهار لِتَسْكُنُواْ فِيهِ وَلِتَبتَغُواْ مِن فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} [القصص : 71-73] ، إلى غير ذلك من الآيات. أ هـ\r{أضواء البيان حـ 1 صـ 73}\rقوله تعالى : {والسحاب المسخر بَيْنَ السمآء والأرض}.\r","part":3,"page":27},{"id":924,"text":"لم يبين هنا كيفية تسخيره ، ولكنه بين ذلك في مواضع أخر كقوله : {وَهُوَ الذي يُرْسِلُ الرياح بُشْرىً بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ حتى إِذَآ أَقَلَّتْ سَحَاباً ثِقَالاً سُقْنَاهُ لِبَلَدٍ مَّيِّتٍ فَأَنْزَلْنَا بِهِ المآء فَأَخْرَجْنَا بِهِ مِن كُلِّ الثمرات كذلك نُخْرِجُ الموتى لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُون} [الأعراف : 57] ، وقوله : {أَلَمْ تَرَ أَنَّ الله يُزْجِي سَحَاباً ثُمَّ يُؤَلِّفُ بَيْنَهُ ثُمَّ يَجْعَلُهُ رُكَاماً فَتَرَى الودق يَخْرُجُ مِنْ خِلاَلِهِ} [النور : 43].\rمن اللطائف العلمية فى الآية\rمظاهر عظمة الله في الكون\rآخر آية في المبحث الماضي دارت حول توحيد الله ، وهذه الآية تقدم الدليل على وجود الله ووحدانيته.\rقبل أن ندخل في تفسير الآية ، لابدّ من مقدمة موجزة. حيثما كان \"النظم والانسجام\" ، فهو دليل على وجود العلم والمعرفة ، وأينما كان \"التنسيق\" فهو دليل على الوحدة. من هنا ، حينما نشاهد مظاهر النظم والانسجام في الكون من جهة ، والتنسيق ووحدة العمل فيه من جهة أخرى ، نفهم وجود مبدأ واحد للعلم والقدرة صدرت منه كل هذه المظاهر.\rحينما نمعن النظر في الأغشية الستة للعين الباصرة ونرى جهازها البديع ، نفهم أن الطبيعة العمياء الصماء لا يمكن إطلاقاً أن تكون مبدأ مثل هذا الأثر البديع ، ثم حينما ندقق في التعاون والتنسيق بين هذه الأغشية ، والتنسيق بين العين بكل أجزائها وبين جسم الإنسان ، والتنسيق الفطري الموجود بين الإنسان وبين سائر البشر ، والتنسيق بين بني البشر وبين كل مجموعة نظام الكون ، نعلم أن كل ذلك صادر من مبدأ واحد ، وكل ذلك من آثار وقدرة ذات مقدسة واحدة.\rألا تدل القصيدة الجميلة العميقة المعنى على ذوق الشاعر وقريحته ؟!\rألا يدلّ التنسيق الموجود بين قصائد الديوان الواحد على أنها جميعاً صادرة من قريحة شاعر مقتدر واحد ؟ \r","part":3,"page":28},{"id":925,"text":"بعد هذه المقدمة نعود إلى تفسير الآية ، هذه الآية الكريمة تشير إلى ستة أقسام من آثار النظم الموجود في عالم الكون ، وكل واحد آية تدل على وحدانية المبدأ الأكبر. ـ (إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ...)\rمن العلامات الدالة على ذات الله المقدسة وعلى قدرته وعلمه ووحدانيته ، السماء وكرات العالم العلوي ، أي هذه المليارات من الشموس المشرقة والنجوم الثابتة والسيارة ، التي ترى بالعين المجردة أو بالتلسكوبات ، ولا يمكن رؤية بعضها بأقوى أجهزة الإرصاد لبعدها الشاسع.... الشاسع للغاية ، والتي تنتظم مع بعضها في نظام دقيق مترابط.\rوهكذا الأرض بما على ظهرها من حياة ، تتجلّى بمظاهر مختلفة وتتلبس بلباس آلاف الأنواع من النبات والحيوان.\rومن المدهش أن عظمة هذا العالم وسعته وامتداده تظهر أكثر كلما تقدّم العلم ، ولا ندري المدى الذي سيبلغه العلم في فهم سعة هذا الكون!\rيقول العلم لنا اليوم : \rإن في السماء آلافاً مؤلفة من المجرات ، ومنظومتنا الشمسية جزء من واحدة من المجرات ، وفي مجرتنا وحدها مئات الملايين من الشموس والنجوم السّاطعة ، وحسب دراسات العلماء يوجد بين هذه الكواكب مليون كوكب مسكون بمليارات الموجودات الحيّة!\rحقاً ما أعظم هذا الكون! وما أعظم قدرة خالقه!!\r(وَاخْتِلاَفِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ...)\rمن الدّلائل الأخرى على ذاته المقدسة وصفاته المباركة تعاقب الليل والنهار ، والظلمة والنور بنظام خاص ، فينقص أحدهما بالتدريج ليزيد في الآخر ، وما يتبع ذلك من تعاقب الفصول الأربعة ، وتكامل النباتات وسائر الأحياء في ظل هذا التكامل.\rلو انعدم هذا التغيير التدريجي ، أو انعدم النظام في هذا التدريج ، أو انعدم تعاقب الليل والنهار لانمحت الحياة من وجه الكرة الأرضية ، ولو بقيت واستمرت ـ فرضاً ـ لأصابتها الفوضى والخبط\r(وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْر بِمَا يَنْفَعُ النّاسَ)\r","part":3,"page":29},{"id":926,"text":"الإنسان يمخر عباب البحار والمحيطات بالسفن الكبيرة والصغيرة ، مستخدماً هذه السفن للسفر ولنقل المتاع. وحركة هذه السفن خاصة الشراعية منها تقوم على عدّة أنظمة :\rالأوّل ، نظام هبوب الرياح على سطح مياه الكرة الأرضية ، فهناك الرياح القارية التي تهبّ من القطبين الشمالي والجنوبي نحو خطّ الاستواء وبالعكس وتدعى \"اليزه\" و\"كنتر اليزه\" ؟؟ .\rوهناك الرياح الإقليمية التي تهب وفق نظام معين ، وتعتبر قوة طبيعية لتحريك السفن نحو مقاصدها.\rوهكذا خاصية الخشب ، أو خاصية القوّة الدافعة التي يسلطها الماء على الأجسام الغاطسة فيه ، فيجعل هذه السفن تطفو على سطح الماء.\rأضف إلى ذلك خاصية القطبين المغناطيسيين للكرة الأرضية ، التي تساعد البحارة باستخدام البوصلة أن يعرفوا اتجاههم في وسط البحار ، إضافة إلى استفادتهم من نظام حركة الكواكب في معرفة جهة السير.\rكل هذه الأنظمة تساعد على الاستفادة من الفلك ،\rوتعطي دلي محسوساً على قدرة الله وعظمته ، وتعتبر آية من آيات وجوده.\rاستعمال المحركات الوقودية بدل الأشرعة في السفن اليوم ، لم يقلل أهمية هذه الظاهرة ، بل زادها عجباً ودهشة ، إذ نرى اليوم السفن العملاقة التي تشبه مدينة بجميع مرافقها ، تطفو على سطح الماء وتتنقل بفنادقها وساحات لعبها وأسواقها ، بل ومدارج للطائرات فيها... على ظهر البحار والمحيطات.\r(وَمَا أَنْزَلَ اللهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ مَاء فَأَحْيَا بِهِ الأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّة...).\rمن مظاهر قدرة الله وعظمته المطر الذي يحيي الأرض ، فتهتز ببركته وتنمو فيها النباتات وتحيا الدواب بحياة هذه النباتات ، وكل هذه الحياة تنتشر على ظهر الأرض من قطرات ماء لا حياة فيها.\r(وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ...) ، لا على سطح البحار والمحيطات لحركة السفن فحسب ، بل على الجبال والهضاب والسهول أيضاً لتلقيح النباتات فتخرج لنا ثمارها اليانعة.","part":3,"page":30},{"id":927,"text":"وتارة تعمل على تحريك أمواج المحيطات بصورة مستمرة ومخضها مخض السقاء لإيجاد محيط مستعد لنمو وحياة الكائنات البحرية.\rوأخرى تقوم بتعديل حرارة الجو وتلطيف المناخ بنقلها حرارة المناطق الاستوائية إلى المناطق الباردة ، وبالعكس.\rوأحياناً تقوم بنقل الهواء الملوّث الفاقد للأوكسجين من المدن إلى الصحاري والغابات لمنع تراكم السموم في الفضاء.\rأجل فهبوب الرياح مع كل تلك البركات والفوائد علامة أخرى على حكمة البارئ ولطفه الدائم.\r(وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ والأَرْضِ...) والسحب المتراكمة في أعالي الجو ، المحمّلة بمليارات الأطنان من المياه خلافاً لقانون الجاذبية ، والمتحركة من نقطة إلى أخرى دون إيجاد خطر ، من مظاهر عظمة الله سبحانه.\rإضافة إلى أن هذا الودق (المطر) الَّذي يخرج من خلال السحاب يحيي الأرض ، وبحياة الأرض تحيا النباتات والحيوانات والإِنسان ، ولولا ذلك لتحولت الكرة الأرضية إلى أرض مقفرة موحشة.\rوهذا مظهر آخر لعلم الله سبحانه وقدرته.\rوكل تلك العلامات والمظاهر (لآيَات لِقَوْم يَعْقِلُونَ) ، لا للغافلين الصم البكم العمي.أ هـ {الأمثل حـ صـ 347 ـ 359}\rمن لطائف الإمام القشيرى فى الآية\rتَعَرَّف إلى قلوب الطالبين من أصحاب الاستدلال وأرباب العقول بدلالات قدرته ، وأمارات وجوده ، وسمات ربوبيته التي هي أقسام أفعاله. ونبههم على وجود الحكمة ودلالات الوحدانية بما أثبت فيها من براهينَ تلطف عن العبارة ، ووجوهٍ من الدلالات تَدِقُّ عن الإشارة ، فما من عينٍ من العدم محصولة - من شخصٍ أو طلل ، أو رسم أو أثر ، أو سماء أو فضاء ، أو هواء أو ماءٍ ، أو شمسٍ أو قمر ، أو قَطْرٍ أو مطر ، أو رَمل أو حجرٍ ، أو نجم أو شجرٍ - إلا وهو على الوحدانية دليل ، ولِمَنْ يقصد وجوده سبيل. أهـ\r{لطائف الإشارات حـ 1 صـ 144}","part":3,"page":31},{"id":928,"text":"الإعجاز العلمى فى تصريف الرياح\rبقلم الدكتور / زغلول النجار\rآيات الله البينات في تصريف الرياح , وأبدأ بذكر الرياح في القرآن الكريم.\rالرياح في القرآن الكريم\rالمناطق المناخية على سطح الأرض ودورها فى تصريف الرياح يعرف (الريح) بأنه الهواء المتحرك , وجاء ذكر الريح في تسعة وعشرين (29) موضعا من القرآن الكريم منها (14) مرة بالمفرد (ريح ). وأربع (4) مرات بالصياغة (ريحا ), ومرة واحدة بالصياغة (ريحكم ), وعشر (10) مرات بصفة الجمع المعرف (الرياح ).\rكما جاءت الاشارة الي الرياح بعدد من صفاتها مثل (الذاريات) وهي الرياح التي تذرو التراب وغيره لقوتها , و( العاصفات) وهي الرياح الشديدة المدمرة لمن ترسل عليهم , و( المرسلات) وهي الرياح المرسلة لعذاب الكافرين , والمشركين والمكذبين.\rومعظم الآيات القرآنية التي ذكر فيها ارسال (الريح) بالإفراد (أي بلفظ الواحد) جاءت في مقام العذاب ومعظم المواضع التي ذكرت فيها (الرياح) بلفظ الجمع جاءت في مقامات الرحمة والثواب.\rومن آيات ذكر الريح بالإفراد قول الله (تعالي) :\r(1) مثل ما ينفقون في هذه الحياة الدنيا كمثل ريح فيها صر أصابت حرث قوم ظلموا أنفسهم فأهلكته وما ظلمهم الله ولكن أنفسهم يظلمون (آل عمران : 117).\r(2) هو الذي يسيركم في البر والبحر حتي إذا كنتم في الفلك وجرين بهم بريح طيبة وفرحوا بها جاءتها ريح عاصف وجاءهم الموج من كل مكان وظنوا أنهم أحيط بهم دعوا الله مخلصين له الدين لئن أنجيتنا من هذه لنكونن من الشاكرين (يونس : 22).\r(3) مثل الذين كفروا بربهم أعمالهم كرماد اشتدت به الريح في يوم عاصف لا يقدرون مما كسبوا علي شيء ذلك هو الضلال البعيد\r( إبراهيم : 18)\r(4) أم أمنتم أن يعيدكم فيه تارة أخري فيرسل عليكم قاصفا من الريح فيغرقكم بما كفرتم ثم لا تجدوا لكم علينا به تبيعا (الإسراء : 69).\r(5) ولسليمان الريح عاصفة تجري بأمره إلي الأرض التي باركنا فيها وكنا بكل شيء عالمين","part":3,"page":32},{"id":929,"text":"( الأنبياء : 81).\r(6) حنفاء لله غير مشركين به ومن يشرك بالله فكأنما خر من السماء فتخطفه الطير أو تهوي به الريح في مكان سحيق (\rالحج : 31)\r(7) ولسليمان الريح غدوها شهر ورواحها شهر..( سبأ : 12)\r(8) فسخرنا له الريح تجري بأمره رخاء حيث أصاب.( ص : 36).\r(9) ومن آياته الجوار في البحر كالأعلام إن يشأ يسكن الريح فيظللن رواكد علي ظهره إن في ذلك لآيات لكل صبار شكور (الشوري : 33,32).\r(10) فلما رأوه عارضا مستقبل أوديتهم قالوا هذا عارض ممطرنا بل هو ما استعجلتم به ريح فيها عذاب أليم.( الأحقاف : 34).\r(11) وفي عاد إذ أرسلنا عليهم الريح العقيم\r( الذاريات : 41).\r(12) وأما عاد فأهلكوا بريح صرصر عاتية\r( الحاقة : 6).\r(13) ولئن أرسلنا ريحا فرأوه مصفرا لظلوا من بعده يكفرون (الروم : 51).\r(14).. إذ جاءتكم جنود فأرسلنا عليهم ريحا وجنودا لم تروها (الأحزاب : 9).\r(15) فأرسلنا عليهم ريحا صرصرا في أيام نحسات لنذيقهم عذاب الخزي في الحياة الدنيا ولعذاب الآخرة أخزي وهم لا ينصرون\r( فصلت : 16).\r(16) إنا أرسلنا عليهم ريحا صرصرا في يوم نحس مستمر.( القمر : 19).\rومن آيات ذكر (الرياح) بالجمع قول الله (تعالي) :\r(1)... وتصريف الرياح والسحاب المسخر بين السماء والأرض لآيات لقوم يعقلون.\r( البقرة : 164).\r(2) وهو الذي يرسل الرياح بشرا بين يدي رحمته حتي إذا أقلت سحابا ثقالا سقناه لبلد ميت فأنزلنا به الماء فأخرجنا به من كل الثمرات كذلك نخرج الموتي لعلكم تذكرون.\r( الأعراف : 57).\r(3) وأرسلنا الرياح لواقح فأنزلنا من السماء ماء فأسقيناكموه وما أنتم له بخازنين\r( الحجر : 22).\r(4).. فأصبح هشيما تذروه الرياح...\r( الكهف : 45).\r(5) وهو الذي أرسل الرياح بشرا بين يدي رحمته وأنزلنا من السماء ماء طهورا\r( الفرقان : 48).\r(6)... ومن يرسل الرياح بشرا بين يدي رحمته..( النمل : 63).\r(7) ومن آياته أن يرسل الرياح مبشرات...\r( الروم : 46).","part":3,"page":33},{"id":930,"text":"(8) الله الذي يرسل الرياح فتثير سحابا...\r) الروم : 48).\r(9) والله الذي أرسل الرياح فتثير سحابا...\r( فاطر : 9).\r(10)... وتصريف الرياح آيات لقوم يعقلون\r( الجاثية : 5).","part":3,"page":34},{"id":931,"text":"الإعجاز العلمى فى تصريف الرياح\rتصريف الرياح في منظور العلوم المكتسبة\rيعرف الريح بأنه الهواء المتحرك بالنسبة للأرض , والذي يمكن إدراكه إلي ارتفاع يصل إلي 65 كم تقريبا فوق مستوي سطح البحر , وإلي هذا الارتفاع تحكم حركة الرياح نفس العوامل التي تحكمها فوق سطح البحر وهي : الجاذبية الأرضية , قدر الاحتكاك بسطح الأرض , وتدرج معدلات الضغط الجوي , أما في المستويات الأعلي من ذلك فإن عوامل أخري تسود من مثل الكهربية الجوية , المغناطيسية , وعمليات المد والجزر الهوائيين.\rوبما أن 99% من كتلة الغلاف الغازي للأرض تقع دون ارتفاع 50 كم فوق مستوي سطح البحر أي دون مستوي الركود الطبقي\r(TheStratopause),\rفإن دراسة حركة الرياح تتركز أساسا في هذا الجزء السفلي من الغلاف الغازي للأرض.\rوتقسم الرياح بالنسبة إلي ارتفاعها عن سطح الأرض إلي ما يلي :\r(1) رياح سطحية وتمتد من مستوي سطح البحر إلي بضعة كيلو مترات قليلة فوقه.\r(2) رياح متوسطة وتمتد فوق الرياح السطحية إلي ارتفاع 35 كم فوق مستوي سطح البحر.\r(3) ورياح مرتفعة وتمتد في المستوي من 35 إلي 65 كم فوق مستوي سطح البحر.\rوتقسم الرياح السطحية حسب شدتها علي النحو التالي :\rويصف القرآن الكريم الصنفين الأول والثاني من هذا التصنيف باسم الريح الساكن , والأصناف من الثالث إلي السادس باسم الريح الطيبة , والأصناف من السابع إلي التاسع باسم الريح العاصف , والأصناف من التاسع إلي الثالث عشر باسم الريح القاصف , وهذا سبق قرآني بأكثر من عشرة قرون للمعرفة العلمية المكتسبة في هذا المجال.\rويمكن تصنيف الرياح بحسب القوي المحركة لها وأهمها التأثير المشترك للعوامل التالية : التوازن الإشعاعي للشمس , وتوزيع درجات الحرارة عبر خطوط العرض المختلفة , ودوران الأرض حول محورها أمام الشمس , بالإضافة إلي التضاريس الأرضية المختلفة.","part":3,"page":35},{"id":932,"text":"ويقدم كم الطاقة الشمسية التي تصل إلي الأرض الطاقة اللازمة لحركة الرياح , وذلك لأن أشعة الشمس التي تتعامد علي خط الاستواء وتميل ميلا كبيرا فوق القطبين تؤدي إلي التباين في توزيع درجات الحرارة علي سطح الأرض , هذا التباين الذي ينتج عنه حركة صاعدة للهواء الساخن حول خط الاستواء , وحركة هابطة للهواء البارد فوق القطبين.\rكذلك فإن دوران الأرض حول محورها من الغرب إلي الشرق يؤدي إلي دفع الهواء المحيط بالمنطقة الاستوائية في اتجاه الغرب , والحقيقة أن الدورة الفعلية للرياح لها عدد من الخلايا بين خط الاستواء وكل قطب من قطبي الأرض , وعند تحرك كتلة من الهواء من فوق خط الاستواء باتجاه أحد القطبين فإنه نتيجة لحفظ العزم الزاوي للهواء المتحرك فوق أرض تدور فإن الهواء المتحرك في اتجاه القطب لابد أن ينحرف شرقا , والهواء المتحرك فوق خط الاستواء لابد أن ينحرف في اتجاه الغرب , وبالمثل الرياح السطحية تتجه إلي الشرق , بينما تتجه الرياح الوسطي إلي الغرب.\rوالنتيجة هي دورة عامة للرياح شديدة الانتظام حول الأرض , وذات عدة دوائر كبيرة بين خط الاستواء وكل قطب من قطبي الأرض منها دوائر حارة فوق المناطق الاستوائية , ودوائر باردة فوق القطبين , ودوائر معتدلة الحرارة بينهما , مع وجود عدد من الجبهات الهوائية بين تلك الدوائر , وبالإضافة إلي ذلك تتدخل الظروف الجغرافية المحلية فيكون الهواء دافئا ورطبا فوق المحيطات\r","part":3,"page":36},{"id":933,"text":"المدارية , وحارا جافا فوق الصحاري , وباردا جافا فوق المناطق المكسوة بالجليد , وتتداخل هذه الكتل الهوائية , وتتكون بذلك السحب ومنها الممطر والعقيم وتحدث الاعاصير بمراحلها المختلفة وتتحرك كتل الهواء الساخن من المناطق الاستوائية في اتجاه القطبين , كما تتحرك كتل الهواء البارد من القطبين في اتجاه خطوط العرض العالية , في تموجات واضحة تظهر آثارها علي كل من أسطح البحار , وفي شواطئها (نيم البحر ), وفي تموجات أسطح الكثبان الرملية (علامات النيم) وغير ذلك من آثار حركات كل من الرياح وأمواج البحار.\rومن الظروف الجغرافية المحلية التي تؤثر في حركة الرياح تضاريس سطح الأرض مثل السلاسل الجبلية , والتلال , والهضاب , والسهول والمنخفضات , والكتل المائية المختلفة , ففي الصيف تسخن اليابسة بسرعة أكبر من المحيطات , وفي الشتاء يحتفظ ماء المحيطات بالحرارة لمدة أطول فتكون أدفأ من اليابسة , وينشأ عن تلك الفروق نسيم البر والبحر , كما ينشأ عن فروق التضاريس دورة الرياح بين الجبال والأودية والمنخفضات , وهذه الحركات الأفقية للكتل الهوائية تصاحبها حركات رأسية , فإذا ارتفعت درجة حرارة كتلة من الهواء بحيث تصبح أدفأ من الهواء المحيط بها , فإن الهواء الساخن يصعد إلي أعلي , فيتناقص ضغطه وتنخفض درجة حرارته , وتبدأ ما فيه من رطوبة في التكثف إذا وصلت درجة الحرارة إلي نقطة التشبع (نقطة تكون الندي ), وبذلك تتكون السحب وتتهيأ الفرص لهطول المطر بإذن الله.\rمن هذا العرض يتضح أن الرياح التي تبدو للمراقب من الناس هوجاء عاصفة لها في الحقيقة توزيع دقيق علي سطح الأرض , تحكمه قوانين شديدة الانضباط , وقد وصف القرآن الكريم هذه الدقة في التوزيع والانضباط في الحركة بوصف معجز هو تصريف الرياح , بمعني أن الرياح لا تتحرك هذه الحركات العديدة بذاتيتها , ولكن بقدرة الله الذي يصرفها بعلمه وبحكمته كيفما\r","part":3,"page":37},{"id":934,"text":"يشاء , والرياح تقوم بدور رئيسي (بإذن الله) في تكوين السحب , وإنزال المطر , وإتمام دورة الماء حول الأرض وإلا فسد , وفي تفتيت الصخور وتعريتها , وتكوين التربة والرمال السافية وتحريكها , وفي تلطيف الجو وتكييفه , وتطهيره من الملوثات التي تحملها حركة الرياح جنوبا وشمالا في اتجاه قطبي الأرض وغير ذلك من المهام الرئيسية في جعل الأرض صالحة للعمران. فسبحان مصرف الرياح , ومجري السحاب , ومنزل القطر الذي أنزل في محكم كتابه , وعلي خاتم أنبيائه ورسله (صلي الله عليه وسلم) من قبل ألف وأربعمائة من السنين هذا الوصف المعجز (تصريف الرياح ), وهو وصف لم يدرك العلم الكسبي دلالته إلا في القرن العشرين وبعد مجاهدة استغرقت جهود آلاف من المتخصصين , وهو مع دقته يؤكد أن حركة الرياح وإن فهمنا بعض القوي الدافعة لها تبقي من جند الله , يجريها وفق مشيئته بالخير لمن يشاء من عباده , كما يجريها وفق إرادته لإبادة العاصين من الكفار والمشركين المتجبرين في الأرض والمحاربين لعباد الله فيها , ففهمنا لميكانيكية الحدث لا يخرجه عن إطار كونه من جند الله , خاضعا لإرادته ومشيئته , فالحمد لله الذي أنزل القرآن بعلمه , وعلمه خاتم أنبيائه ورسله , وأبقاه شاهدا علي حقيقة نبوته ورسالته , وحفظه بلغة وحيه حفظا كاملا علي مدي أربعة عشر قرنا أو يزيد وإلي يوم الدين , هاديا لطلاب الحق في كل مكان وزمان.\rوصلي الله وسلم وبارك علي سيدنا محمد.\rقضايا واراء\r42231... السنة 126-العدد... 2002... يوليو... 22... 12 من جمادى الأولى 1423 هـ... الإثنين بقلم الدكتور / زغلول النجار.","part":3,"page":38},{"id":936,"text":"قوله تعالى {وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذِينَ آَمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ وَلَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُوا إِذْ يَرَوْنَ الْعَذَابَ أَنَّ الْقُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا وَأَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعَذَابِ (165)}\rمناسبة الآية لما قبلها\rاعلم أنه سبحانه وتعالى لما قرر التوحيد بالدلائل القاهرة القاطعة أردف ذلك بتقبيح ما يضاد التوحيد لأن تقبيح ضد الشيء مما يؤكد حسن الشيء ولذلك قال الشاعر : وبضدها تتبين الأشياء ، وقالوا أيضاً النعمة مجهولة ، فإذا فقدت عرفت ، والناس لا يعرفون قدر الصحة ، فإذا مرضوا ثم عادت الصحة إليهم عرفوا قدرها ، وكذا القول في جميع النعم ، فلهذا السبب أردف الله تعالى الآية الدالة على التوحيد بهذه الآية. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 4 صـ 184}\rوقال أبو السعود : \r{وَمِنَ الناس مَن يَتَّخِذُ مِن دُونِ الله} بيانٌ لكمال ركاكةِ آراءِ المشركين إثرَ تقريرِ وحدانيتِه سبحانه وتحريرِ الآياتِ الباهرةِ المُلجئةِ للعقلاء إلى الاعتراف بها الفائضةِ باستحالة أن يشاركَه شيءٌ من الموجودات في صفة من صفات الكمالِ فضلاً عن المشاركة في صفات الألوهية. أ هـ\r{تفسير أبى السعود حـ 1 صـ 185}\rوقال الإمام البقاعى ـ رحمه الله ـ : ","part":3,"page":39},{"id":937,"text":"ولما نهضت الأدلة وسطعت البراهين وزاحت العلل والشكوك عاب من عبد سواه وفزع إلى غيره كما نهى عن الأنداد عقب الآية الأولى الداعية إلى العبادة مشيراً بختم التي قبل بيعقلون ، إلى أن هؤلاء ناس ضلت عقولهم وفالت آراؤهم وبين أنهم يتبرأ بعضهم من بعض يوم ينكشف حجاب الغفلة عن سرادق العظمة ويتجلى الجبار في صفة النقمة فقال سبحانه وتعالى عاطفاً على ما قدرته مما أرشد إليه المعنى : ومن ، أو يكون التقدير فمن الناس من عقل تلك الآيات فآمن بربه وفنى في حبه {ومن الناس من يتخذ} وهم من لا يعقل {من دون الله} الذي لا كفؤ له مع وضوح الأدلة {أنداداً} مما خلقه ، ادعوا أنهم شركاؤه ، أعم من أن يكونوا أصناماً أو رؤساء يقلدونهم في الكفر بالله والتحريم والتحليل من غير أمر الله {يحبونهم} من الحب وهو إحساس بوصلة لا يدرى كنهها {كحب الله} الذي له الجلال والإكرام بأن يفعلوا معهم من الطاعة والتعظيم فعل المحب كما يفعل من ذلك مع الله الذي لا عظيم غيره ، هذا على أنه من المبني للمفعول ويجوز أن يكون للفاعل فيكون المعنى كحبهم لله لأنهم مشركون {والذين آمنوا أشد حباً لله} الذي له الكمال كله من حب المشركين لأندادهم فأفاض عليهم من كماله ، لأنهم لا يعدلون به شيئاً في حالة من الحالات من ضراء أو سراء في بر أو بحر ، بخلاف المشركين فإنهم يعدلون في الشدائد إليه سبحانه وتعالى ، وإذا رأوا في الرخاء حجراً أحسن تركوا الأول وعبدوه ، وحبهم هوائي وحب المؤمنين عقلي. وقال الحرالي : ولما استحق القوم القائمون في أمر الله سبحانه وتعالى هذا الاعتبار بما آتاهم الله من العقل لم يكن من اتخذ من دون الله أنداداً مما يقال فيهم : قوم ، بل يقصرون إلى اسم النوس الذي هو تردد وتلدّد فكأنه سبحانه وتعالى عجب ممن لم يلحق بهؤلاء القوم في هذا الاعتبار الظاهرة شواهده البيّنة آثاره ، فأنبأ أن طائفة من الناس على المقابلة من ذلك الاعتبار الظاهر","part":3,"page":40},{"id":938,"text":"لنور العقل في أخذهم لمقابل العقل من الحزق الذي يقدم في موضع الإحجام ويحجم في موضع الإقدام ، ثم غلب ذلك عليهم حتى وصل إلى بواطنهم فصار حباً كأنه وصلة بين بواطنهم وقلوبهم وما اتخذوه من دون الله أنداداً ، ففيه إشعار بنحو مما أفصح به لبني إسرائيل في كون قلوبهم كالحجارة أو أشد قسوة ، ففي كرم هذا الخطاب في حق العرب ستر عليهم رعاية لنبيهم في أن يصرح عليهم بما صرح على بني إسرائيل ، ففي لحنه إشعار بأن من اتخذ نداً من دون الله فتلك لوصلة بين حال قلبه وحال ما اتخذ من دون الله ، فمن عبد حجراً فقلبه في القلوب حجر ومن عبد نباتاً فقلبه في القلوب نبات ، وكذا من عبد دابة {وأشربوا في قلوبهم العجل بكفرهم} [البقرة : 93] كذلك إلى ما يقع معبوداً من دون الله ما بين أعلى النيرين الذي هو الشمس إلى أدنى الأوثان إلى ما يقع في الخلق من عبادة بعضهم بعضاً من نحو عبادة الفراعنة والنماردة إلى ما يلحق بذلك من نحو رتبة العبادة باتباع الهوى الشائع موقعه في الأمم وفي هذه الأمة ، لأن من غلب عليه هوى شيء فقد عبده ، فكأن عابد الشمس قلبه سعير ، وعابد النار قلبه نار ، وعابد القمر قلبه زمهرير ، ومن عبد مثله من الخلق فقد عبد هواه {أرأيت من اتخذ إلهه هواه} [الفرقان : 43] فمن عبد الله فهو الذي علا عن سواه من المخلوقات فعادل سبحانه وتعالى خطاب الأولين المعتبرين العقلاء بهذا الصنف الذي انتهى أمرهم في الكفر إلى الحب من حيث اعتقلت بواطنهم بهم فيما شأنه أن يختص بالله من الخوف والرجاء والنصرة على الأعداء والإعانة للأولياء ، فلما توهموا فيهم مرجى الإلهية ، ومخافتها أحبوهم لذلك كحب الله ؛ لأن المتعبد مؤتمر ومبادر فالمبادر قبل الأمر محب ، والمجيب للأمر مطيع ، فالمحب أعلى في الطرفين - انتهى. أ هـ {نظم الدرر حـ 1صـ 299 ـ 300}\rقوله تعالى {من دون الله}\rقال فى التحرير والتنوير : ","part":3,"page":41},{"id":939,"text":"وقوله : {من دون الله} معناه مع الله لأن كلمة دون تؤذن بالحيلولة لأنها بمعنى وراء فإذا قالوا اتخذه دون الله فالمعنى أنه أفرده وأعرض عن الله وإذا قالوا اتخذه من دون الله فالمعنى أنه جعله بعض حائل عن الله أي أشركه مع الله لأن الإشراك يستلزم الإعراض عن الله في أوقات الشغل بعبادة ذلك الشريك. أ هـ\r{التحرير والتنوير حـ 2صـ 89}\rسؤال ما معنى الند ؟ \rالجواب كما ذكره ابن عطية : \rالند والنظير والمقاوم والموازي كان ضداً أو خلافاً أو مثلاً ، إذا قاوم من جهة فهو منها ند ، وقال مجاهد وقتادة : المراد بالأنداد الأوثان ، وجاء ضميرها في {يحبونهم} ضمير من يعقل لما أنزلت بالعبادة منزلة من يعقل ، وقال ابن عباس والسدي : المراد بالأنداد الرؤساء المتبعون يطيعونهم في معاصي الله تعالى. أ هـ\r{المحرر الوجيز حـ 1صـ 234}\rسؤال : ما المراد من الأنداد ؟ \rالجواب : قال الفخر : \rاختلفوا في المراد بالأنداد على أقوال.\rأحدها : أنها هي الأوثان التي اتخذوها آلهة لتقربهم إلى الله زلفى ، ورجوا من عندها النفع والضر ، وقصدوها بالمسائل ، ونذروا لها النذور ، وقربوا لها القرابين ، وهو قول أكثر المفسرين ، وعلى هذا الأصنام أنداد بعضها لبعض ، أي أمثال ليس إنها أنداداً لله ، أو المعنى : إنها أنداد لله تعالى بحسب ظنونهم الفاسدة.\rوثانيها : إنهم السادة الذين كانوا يطيعونهم فيحلون لمكان طاعتهم ما حرم الله ، ويحرمون ما أحل الله ، عن السدي ، والقائلون بهذا القول رجحوا هذا القول على الأول من وجوه.\rالأول : أن قوله : {يُحِبُّونَهُمْ كَحُبّ الله} الهاء والميم فيه ضمير العقلاء.\rالثاني : أنه يبعد أنهم كانوا يحبون الأصنام كمحبتهم الله تعالى مع علمهم بأنها لا تضر ولا تنفع.","part":3,"page":42},{"id":940,"text":"الثالث : أن الله تعالى ذكره بعد هذه الآية : {إِذْ تَبَرَّأَ الذين اتبعوا مِنَ الذين اتبعوا} [البقرة : 166] وذلك لا يليق إلا بمن اتخذ الرجال أنداد وأمثالاً لله تعالى ، يلتزمون من تعظيمهم والانقياد لهم ، ما يلتزمه المؤمنون من الانقياد لله تعالى.\rالقول الثالث : في تفسير الأنداد قول الصوفية والعارفين ، وهو أن كل شيء شغلت قلبك به سوى الله تعالى ، فقد جعلته في قلبك نداً لله تعالى وهو المراد من قوله : {أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتخذ إلهه هَوَاهُ} [الفرقان : 43]. أ هـ\r{مفاتيح الغيب حـ 4 صـ 184}\rسؤال : فإن قيل : إذا كان المؤمنون أشد حباً لله فما معنى قوله : {يُحِبُّونَهُمْ كَحُبّ الله} ؟ \rقيل له : يحتمل أن بعض المؤمنين حبهم مثل حبهم وبعضهم أشد حباً ، وفي أول الآية ذكر بعض المؤمنين ، وفي آخر الآية ذكر المؤمنين الذين هم أشد حباً لله. والحب لله أن يطيعوه في أمره وينتهوا عن نهيه ، فكل من كان أطوع لله فهو أشد حباً له. كما قال القائل : \rلَوْ كَانَ حُبُّكَ صَاِدقاً لأَطَعْتَه... إِنَّ المُحْبَّ لِمَنْ يُحْبُّ مُطِيعُ.\rأ هـ {بحر العلوم حـ 1 صـ 137}\rسؤال : فإن قيل : العاقل يستحيل أن يكون حبه للأوثان كحبه لله ، وذلك لأنه بضرورة العقل يعلم أن هذه الأوثان أحجار لا تنفع ، ولا تضر ، ولا تسمع ، ولا تبصر ولا تعقل ، وكانوا مقرين بأن لهذا العالم صانعاً مدبراً حكيماً ولهذا قال تعالى : {وَلَئِن سَأَلْتَهُمْ مَّنْ خَلَقَ السماوات والأرض لَيَقُولُنَّ الله} [الزمر : 38] ومع هذا الاعتقاد كيف يعقل أن يكون حبهم لتلك الأوثان كحبهم لله تعالى ، وأيضاً فإن الله تعالى حكى عنهم أنهم قالوا : {مَا نَعْبُدُهُمْ إِلاَّ لِيُقَرّبُونَا إِلَى الله زُلْفَى} [الزمر : 3] وإذا كان كذلك ، كان المقصود الأصلي طلب مرضات الله تعالى ، فكيف يعقل الاستواء في الحب مع هذا القول ؟ ","part":3,"page":43},{"id":941,"text":"قلنا قوله : {يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ الله} أي في الطاعة لها ، والتعظيم لها ، فالاستواء على هذا القول في المحبة لا ينافي ما ذكرتموه. أ هـ\r{مفاتيح الغيب حـ 4 صـ 185}\rوقال فى التحرير والتنوير : \rواعلم أن المراد إنكار محبتهم الأنداد من أصلها لا إنكار تسويتها بحب الله تعالى وإنما قيدت بمماثلة محبة الله لتشويهها وللنداء على انحطاط عقول أصحابها وفيه إيقاظ لعيون معظم المشركين وهم الذين زعموا أن الأصنام شفعاء لهم كما كثرت حكاية ذلك عنهم في القرآن فنبهوا إلى أنهم سووا بين محبة التابع ومحبة المتبوع ومحبة المخلوق ومحبة الخالق لعلهم يستفيقون فإذا ذهبوا يبحثون عما تستحقه الأصنام من المحبة وتطلبوا أسباب المحبة وجدوها مفقودة كما قال إبراهيم ـ عليه السلام ـ : {يا أَبَتِ لم تعبد ما لا يسمع ولا يُبصر ولا يغني عنك شيئاً} [مريم : 42] مع ما في هذه الحال من زيادة موجب الإنكار. أ هـ\r{التحرير والتنوير حـ 2صـ 91}\rقوله تعالى {وَالَّذِينَ آَمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ}\rقال الإمام البغوى ـ رحمه الله ـ : \r{وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ} أي أثبت وأدوم على حبه لأنهم لا يختارون على الله ما سواه والمشركون إذا اتخذوا صنما ثم رأوا أحسن منه طرحوا الأول واختاروا الثاني قال قتادة : إن الكافر يعرض عن معبوده في وقت البلاء ويقبل على الله تعالى كما أخبر الله عز وجل عنهم فقال : {فإذا ركبوا في الفلك دعوا الله مخلصين له الدين}( 65-العنكبوت) والمؤمن لا يعرض عن الله في السراء\rوالضراء والشدة والرخاء.","part":3,"page":44},{"id":942,"text":"قال سعيد بن جبير : إن الله عز وجل يأمر يوم القيامة من أحرق نفسه في الدنيا على رؤية الأصنام أن يدخلوا جهنم مع أصنامهم فلا يدخلون لعلمهم أن عذاب جهنم على الدوام ، ثم يقول للمؤمنين وهم بين أيدي الكفار : \"إن كنتم أحبائي فادخلوا جهنم\" فيقتحمون فيها فينادي مناد من تحت العرش {وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ} وقيل إنما قال {وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ} لأن الله تعالى أحبهم أولا ثم أحبوه ومن شهد له المعبود بالمحبة كانت محبته أتم قال الله تعالى : \"يحبهم ويحبونه\"( 54-المائدة ). أ هـ {تفسير البغوى حـ 1 صـ 178 ـ 179}\rقال العلامة ابن عاشور : \rوالمقصود تنقيص المشركين حتى في إيمانهم بآلهتهم فكثيراً ما كانوا يُعرضون عنها إذا لم يجدوا منها ما أمَّلوه. فمورد التسوية بين المحبتين التي دل عليها التشبيه مخالف لمورد التفضيل الذي دل عليه اسم التفضيل هنا ، لأن التسوية ناظرة إلى فرط المحبة وقت خطورها ، والتفضيل ناظر إلى رسوخ المحبة وعدم تزلزلها ، وهذا مأخوذ من كلام \"الكشاف\" ومصرح به في كلام البيضاوي مع زيادة تحريره ، وهذا يغنيك عن احتمالات وتمحلات عرضت هنا لبعض المفسرين وبعض شراح \"الكشاف\".\rروي أن امرأَ القيس لما أراد قتال بني أسد حين قتلوا أباه حُجْراً ملكَهم مر على ذي الخُلَصة الصَّنم الذي كان بتَبَالَة بين مكة واليَمنِ فاستقسم بالأزلام التي كانت عند الصَّنم فخرج له القدح الناهي ثلاث مرات فكَسَر تلك القِداح ورمى بها وجه الصَّنم وشتمه وأنشد : \rلو كنتَ ياذَا الخلص المَوْتُورا... مِثلي وكانَ شيخك المقبورا\rلم تَنْه عن قتل العُداة زورَا... ثم قصد بني أسد فظفِر بهم.\rورُوي أن رجلاً من بني مَلْكَان جاء إلى سَعْد الصَّنم بساحل جُدَّةَ وكان معه إبل فنفرت إبله لما رأت الصَّنم فغضب المَلْكاني على الصَّنم ورماه بحجَر وقال : ","part":3,"page":45},{"id":943,"text":"أتينَا إلى سَعْد ليَجْمَع شملنا... فشتَّتنَا سَعْد فما نَحْنُ من سَعْد\rوهلْ سَعْدٌ إلاَّ صَخْرَةٌ بتَنَوفَة... من الأرض لا تدعو لِغيَ ولا رُشد.\rأ هـ {التحرير والتنوير حـ 2 صـ 92}\rسؤال : لم أظهر الاسم الجليل ؟ \rالجواب : وإظهارُ الاسم الجليلِ في مقام الإضمارِ لتربية المهابة ، وتفخيمِ المضاف وإبانةِ كمال قُبحِ ما ارتكبوه. أ هـ\r{تفسير أبى السعود حـ 1 صـ 186}\rسؤال : لم جيء بأفعل التفضيل بواسطة كلمة {أشد} ؟ \rالجواب : وإنما جيء بأفعل التفضيل بواسطة كلمة {أشد} قال التفتازاني : آثر {أشدُّ حباً} على أحَبُّ لأن أحب شاع في تفضيل المحبوب على محبوب آخر تقول : هو أحب إلي ، وفي القرآن : {قل إن كان أباءكم وأبناءكم وإخوانكم وأزواجكم وعشيرتكم وأموال اقترفتموها وتجارة تخشون كسادها ومساكن ترضونها أحب إليكم من الله ورسوله}\r[التوبة : 24] الخ. يعني أن فعل أحب هو الشائع وفعل حب قليل فلذلك خصوا في الاستعمال كلاً بمواقع نفياً للبس فقالوا : أحب وهو محب وأشد حباً وقالوا حبيب من حب وأحب إلى من حب أيضاً. أ هـ\r{التحرير والتنوير حـ 2 صـ 93}\rأسئلة وأجوبة لابن عرفة\rقوله تعالى : {يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ الله...}.\rإن قلت : (هم) إنما كانوا يعبدونهم والعبادة أخص من المحبة لأن الواحد منا يحب ولده وأباه وأمه ولا (يعبدهم) فهلا قيل : يعبدونهم ؟ \rقلت : أجاب ابن عرفة بوجهين : \r- الأول : أنه ذمهم على الوصف الأعم وهو المحبة ليفيد الذم على الأخص وهو العبادة من باب أحرى.\r- الجواب الثاني : أنه عدل عن لفظ العبادة استعظاما له واستحقارا للأصنام أن تنسب إليهم العبادة.\rقيل لابن عرفة : إن هذه الآية تدل على أن ارتباط الدليل بالمدلول عادي لا عقلي ، لأن هؤلاء (نظروا) فلم يؤمنوا ؟ ","part":3,"page":46},{"id":944,"text":"فقال ابن عرفة : (لعلهم لم ينظروا أو نظروا فلم يهتدوا) للعثور على الوجه الذي منه يدل الدليل. قال : وهما مسألتان في أصول الدين. مسألة تخالف العلم مع التّمكن من مراد النظر الصحيح.\rومسألة (تخالف) العلم مع حصول النظر الصحيح فالآية إنما تدل على الأول لا على الثاني.أ هـ {تفسير ابن عرفة صـ 208}\rبحث نفيس عن ماهية محبة العبد لله تعالى والشوق إليه\rقال الإمام فخر الدين الرازى ـ عليه سحائب الرحمة والرضوان من الرحيم الرحمن ـ : \rاعلم أنه لا نزاع بين الأمة في إطلاق هذه اللفظة ، وهي أن العبد قد يحب الله تعالى ، والقرآن ناطق به ، كما في هذه الآية ، وكما في قوله : {يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ} [المائدة : 54] وكذا الأخبار ، روي أن إبراهيم ـ عليه السلام ـ قال لملك الموت ـ عليه السلام ـ وقد جاءه لقبض روحه : هل رأيت خليلاً يميت خليله ؟ \rفأوحى الله تعالى إليه : هل رأيت خليلاً يكره لقاء خليله ؟ \rفقال : يا ملك الموت الآن فاقبض ، وجاء أعرابي إلى النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ فقال : \" يا رسول الله متى الساعة ؟ فقال ما أعددت لها ؟ فقال ما أعددت كثير صلاة ولا صيام ، إلا أني أحب الله ورسوله ، فقال عليه الصلاة والسلام : المرء مع من أحب \" فقال أنس : فما رأيت المسلمين فرحوا بشيء بعد الإسلام فرحهم بذلك ، وروي أن عيسى ـ عليه السلام ـ مر بثلاثة نفر ، وقد نحلت أبدانهم ، وتغيرت ألوانهم ، فقال لهم : ما الذي بلغ بكم إلى ما أرى ؟ \rفقالوا : الخوف من النار ، فقال حق على الله أن يؤمن الخائف ، ثم تركهم إلى ثلاثة آخرين ، فإذا هم أشد نحولاً وتغيراً ، فقال لهم : ما الذي بلغ بكم إلى هذا المقام ؟ \r","part":3,"page":47},{"id":945,"text":"قالوا : الشوق إلى الجنة ، فقال : حق على الله أن يعطيكم ما ترجون ثم تركهم إلى ثلاثة آخرين فإذا هم أشد نحولاً وتغيراً ، كأن وجوههم المرايا من النور ، فقال : كيف بلغتم إلى هذه الدرجة ، قالوا : بحب الله فقال عليه الصلاة والسلام : \" أنتم المقربون إلى الله يوم القيامة \" ، \rوعند السدي قال : تدعى الأمم يوم القيامة بأنبيائها ، فيقال : يا أمة موسى ، ويا أمة عيسى ، ويا أمة محمد ، غير المحبين منهم ، فإنهم ينادون : يا أولياء الله ، وفي بعض الكتب : \"عبدي أنا وحقك لك محب فبحقي عليك كن لي محباً\".\rواعلم أن الأمة وإن اتفقوا في إطلاق هذه اللفظة ، لكنهم اختلفوا في معناها ، فقال جمهور المتكلمين : إن المحبة نوع من أنواع الإرادة ، والإرادة لا تعلق لها إلا بالجائزات ، فيستحيل تعلق المحبة بذات الله تعالى وصفاته ، فإذا قلنا : نحب الله ، فمعناه نحب طاعة الله وخدمته ، أو نحب ثوابه وإحسانه ، وأما العارفون فقد قالوا : العبد قد يحب الله تعالى لذاته ، وأما حب خدمته أو حب ثوابه فدرجة نازلة ، واحتجوا بأن قالوا إنا وجدنا أن اللذة محبوبة لذاتها ، والكمال أيضاً محبوب لذاته ، أما اللذة فإنه إذا قيل لنا : لم تكتسبون ؟ قلنا : لنجد المال ، فإن قيل : ولم تطلبون المال ؟ قلنا : لنجد به المأكول والمشروب ، فإن قالوا : لم تطلبون المأكول والمشروب ؟ قلنا : لتحصل اللذة ويندفع الألم ، \rفإن قيل لنا : ولما تطلبون اللذة وتكرهون الألم ؟ \r","part":3,"page":48},{"id":946,"text":"قلنا : هذا غير معلل ، فإنه لو كان كل شيء إنما كان مطلوباً لأجل شيء آخر ، لزم إما التسلسل ، وإما الدور ، وهما محالان ، فلا بد من الانتهاء إلى ما يكون مطلوباً لذاته ، وإذا أثبت ذلك فنحن نعلم أن اللذة مطلوبة الحصول لذاتها ، والألم مطلوب الدفع لذاته ، لا لسبب آخر ، وأما الكمال فلأنا نحب الأنبياء والأولياء لمجرد كونهم موصوفين بصفات الكمال ، وإذا سمعنا حكاية بعض الشجعان مثل رستم ، واستفنديار ، واطلعنا على كيفية شجاعتهم مالت قلوبنا إليهم ، حتى أنه قد يبلغ ذلك الميل إلى إنفاق المال العظيم في تقرير تعظيمه ، وقد ينتهي ذلك إلى المخاطرة بالروح ، وكون اللذة محبوبة لذاتها لا ينافي كون الكمال محبوباً لذاته ، إذا ثبت هذا فنقول : الذين حملوا محبة الله تعالى على محبة طاعته ، أو على محبة ثوابه ، فهؤلاء هم الذين عرفوا أن اللذة محبوبة لذاتها ، ولم يعرفوا أن الكمال محبوب لذاته ، أما العارفون الذين قالوا : إنه تعالى محبوب في ذاته ولذاته ، فهم الذين انكشف لهم أن الكمال محبوب لذاته ، وذلك لأن أكمل الكاملين هو الحق سبحانه وتعالى ، فإنه لوجوب وجوده : غنى عن كل ما عداه ، وكمال كل شيء فهو مستفاد منه ، وأنه سبحانه وتعالى أكمل الكاملين في العلم والقدرة ، فإذا كنا نحب الرجل العالم لكماله في علمه والرجل الشجاع لكماله في شجاعته والرجل الزاهد لبراءته عما لا ينبغي من الأفعال ، فكيف لا نحب الله وجميع العلوم بالنسبة إلى علمه كالعدم ، وجميع القدر بالنسبة إلى قدرته كالعدم وجميع ما للخلق من البراءة عن النقائص بالنسبة إلى ما للحق من ذلك كالعدم ، فلزم القطع بأن المحبوب الحق هو الله تعالى ، وأنه محبوب في ذاته ولذاته ، سواء أحبه غيره أو ما أحبه غيره ، واعلم أنك لما وقفت على النكتة في هذا الباب ، فنقول : العبد لا سبيل له إلى الاطلاع على الله سبحانه ابتداء ، بل ما لم ينظر في مملوكاته لا يمكنه الوصول إلى ذلك المقام ، ","part":3,"page":49},{"id":947,"text":"فلا جرم كل من كان اطلاعه على دقائق حكمة الله وقدرته في المخلوقات أتم ، كان علمه بكماله أتم ، فكان له حبه أتم ، ولما كان لا نهاية لمراتب وقوف العبد على دقائق حكمة الله تعالى ، فلا جرم لا نهاية لمراتب محبة العباد لجلال حضرة الله تعالى ، ثم تحدث هناك حالة أخرى ، وهي أن العبد إذا كثرت مطالعته لدقائق حكمة الله تعالى ، كثر ترقيه في مقام محبة الله ، فإذا كثر ذلك صار ذلك سبباً لاستيلاء حب الله تعالى على قلب العبد ، وغوصه فيه على مثال القطرات النازلة من الماء على الصخرة الصماء فإنها مع لطافتها تثقب الحجارة الصلدة فإذا غاصت محبة الله في القلب تكيف القلب بكيفيتها ، واشتد ألفه بها وكلما كان ذلك الألف أشد كان النفرة عما سواه أشد لأن الالتفات إلى ما عداه يشغله عن الالتفات إليه والمانع عن حضور المحبوب مكروه فلا تزال تتعاقب محبة الله ، ونفرته عما سواه على القلب ، ويشتد كل واحد منهما بالآخر ، إلى أن يصير القلب نفوراً عما سوى الله تعالى ، والنفرة توجب الإعراض عما سوى الله ، والإعراض يوجب الفناء عما سوى الله تعالى فيصير ذلك القلب مستنيراً بأنوار القدس ، مستضيئاً بأضواء عالم العصمة فانياً عن الحظوظ المتعلقة بعالم الحدوث وهذا المقام أعلى الدرجات ، وليس له في هذا العالم مثال إلا العشق الشديد على أي شيء كان فإنك ترى من التجار المشغوفين بتحصيل المال من نسي جوعه وطعامه وشرابه عند استغراقه في حفظ المال فإذا عقل ذلك في ذلك المقام الخسيس فكيف يستبعد ذلك عند مطالعة جلال الحضرة الصمدية.\rالمسألة الثانية : في معنى الشوق إلى الله تعالى ، اعلم أن الشوق لا يتصور إلا إلى شيء أدرك من وجه ، ولم يدرك من وجه فأما الذي لم يدرك أصلاً ، فلا يشتاق إليه ، فإن لم ير شخصاً ولم يسمع وصفه ، لم يتصور أن يشتاق إليه ولو أدرك كماله لا يشتاق إليه ، ثم إن الشوق إلى المعشوق من وجهين.\r","part":3,"page":50},{"id":948,"text":"أحدهما : أنه إذا رآه ثم غاب عنه اشتاق إلى استكمال خياله بالرؤية.\rوالثاني : أن يرى وجه محبوبه ولا يرى شعره ، ولا سائر محاسنه ، فيشتاق إلى أن ينكشف له ما لم يره قط ، والوجهان جميعاً متصوران في حق الله تعالى ، بل هما لازمان بالضرورة لكل العارفين ، فإن الذي اتضح للعارفين من الأمور الإلهية وإن كان في غاية الوضوح ، مشوب بشوائب الخيالات ، فإن الخيالات لا تفتر في هذا العالم عن المحاكاة والتمثيلات ، وهي مدركات للمعارف الروحانية ، ولا يحصل تمام التجلي إلا في الآخرة ، وهذا يقتضي حصول الشوق لا محالة في الدنيا فهذا أحد نوعي الشوق فيما اتضح اتضاحاً.\rوالثاني : أن الأمور الإلهية لا نهاية لها ، وإنما ينكشف لكل عبد من العباد بعضها ، وتبقى أمور لا نهاية لها غامضة ، فإذا علم العارف أن ما غاب عن عقله أكثر مما حضر فإنه لا يزال يكون مشتاقاً إلى معرفتها ، والشوق بالتفسير الأول ينتهي في دار الآخرة بالمعنى الذي يسمى رؤية ولقاء ومشاهدة ، ولا يتصور أن يكون في الدنيا ، وأما الشوق بالتفسير الثاني فيشبه أن لا يكون له نهاية ، إذ نهايته أن ينكشف للعبد في الآخرة جلال الله وصفاته ، وحكمته في أفعاله ، وهي غير متناهية ، والاطلاع على غير المتناهي على سبيل التفصيل محال ، وقد عرفت حقيقة الشوق إلى الله تعالى.\rواعلم أن ذلك الشوق لذيذ لأن العبد إذا كان في الترقي حصل بسبب تعاقب الوجدان ، والحرمان ، والوصول ، والصد آلاماً مخلوطة بلذات ، واللذات محفوفة بالحرمان والفقدان ، كانت أقوى ، فيشبه أن يكون هذا النوع من اللذات مما لا يحصل إلا للبشر ، فإن الملائكة كمالاتهم حاضرة بالفعل ، والبهائم لا تستعد لها.\rأما البشر فهم المترددون بين جهتي السفالة والعلو.\rالمسألة الثالثة : في بيان أن الذين آمنوا هم أشد حباً لله ، أما المتكلمون فقالوا : إن حبهم لله يكون من وجهين.\r","part":3,"page":51},{"id":949,"text":"أحدهما : أنه ما يصدر منهم من التعظيم ، والمدح ، والثناء والعبادة خالصة عن الشرك وعما لا ينبغي من الاعتقاد ومحبة غيرهم ليست كذلك.\rوالثاني : أن حبهم لله اقترن به الرجاء والثواب والرغبة في عظيم منزلته والخوف من العقاب والأخذ في طريق التخلص منه ، ومن يعبد الله ويعظمه على هذا الحد تكون محبته لله أشد ، وأما العارفون فقالوا : المؤمنون هم الذين عرفوا الله بقدر الطاقة البشرية ، وقد دللنا على أن الحب من لوازم العرفان فكلما كان عرفانهم أتم وجب أن تكون محبتهم أشد. أ هـ\r{مفاتيح الغيب حـ 4 صـ 185 ـ 187}\rسؤال : فإن قيل : كيف يمكن أن يقال محبة المؤمنين لله تعالى أشد مع أنا نرى الهنود يأتون بطاعات شاقة لا يأتي بشيء منها أحد من المسلمين ولا يأتون بها إلا لله تعالى ثم يقتلون أنفسهم حباً لله ؟ .\rوالجواب من وجوه.\rأحدها : أن الذين آمنوا لا يتضرعون إلا إلى الله بخلاف المشركين فإنهم يعدلون إلى الله عند الحاجة ، وعند زوال الحاجة ، يرجعون إلى الأنداد ، قال تعالى : {فَإِذَا رَكِبُواْ فِى الفلك دَعَوُاْ الله مُخْلِصِينَ لَهُ الدين} [العنكبوت : 6] إلى آخره والمؤمن لا يعرض عن الله في الضراء والسراء والشدة والرخاء ، والكافر قد يعرض عن ربه ، فكان حب المؤمن أقوى.\rوثانيها : أن من أحب غيره رضي بقضائه ، فلا يتصرف في ملكه ، فأولئك الجهال قتلوا أنفسهم بغير إذنه ، أما المؤمنون فقد يقتلون أنفسهم بإذنه ، وذلك في الجهاد.\rوثالثها : أن الإنسان إذا ابتلي بالعذاب الشديد لا يمكنه الاشتغال بمعرفة الرب ، فالذي فعلوه باطل.\rورابعها : قال ابن عباس : إن المشركين كانوا يعبدون صنماً ، فإذا رأوا شيئاً أحسن منه تركوا ذلك وأقبلوا على عبادة الأحسن.\rوخامسها : أن المؤمنين يوحدون ربهم ، والكفار يعبدون مع الصنم أصناماً فتنقص محبة الواحد ، أما الإله الواحد فتنضم محبة الجميع إليه. أ هـ\r{مفاتيح الغيب حـ 4 صـ 187}","part":3,"page":52},{"id":950,"text":"كلام نفيس للعلامة ابن القيم فى الآية الكريمة\rهذا قلب المؤمن توحيد الله وذكر رسوله مكتوبان فيه لا يتطرق إليهما محو ولا إزالة ولما كانت كثرة ذكر الشيء موجبة لدوام محبته ونسيانه سببا لزوال محبته أو إضعافها وكان سبحانه هو المستحق من عبادة نهاية الحب مع نهاية التعظيم بل الشرك الذي لا يغفره الله تعالى هو أن يشرك به في الحب والتعظيم فيحب غيره ويعظم من المخلوقات غيره كما يحب الله تعالى ويعظمه قال تعالى {ومن الناس من يتخذ من دونه الله اندادا يحبونهم كحب الله والذين آمنوا اشد حبا لله} [البقرة 165] فأخبر سبحانه أن المشرك يحب الند كما يحب الله تعالى وأن المؤمن أشد حبا لله من كل شيء وقال أهل النار في النار {تالله إن كنا لفي ضلال مبين إذ نسويكم برب العالمين} [الشعراء 97 ـ 98] ومن المعلوم أنهم إنما سووهم به سبحانه في الحب والتأله والعبادة وإلا فلم يقل أحد قط أن الصنم أو غيره من الأنداد مساو لرب العالمين في صفاته وفي أفعاله وفي خلق السماوات والأرض وفي خلق عباده أيضا ، وإنما كانت السوية في المحبة والعبادة\rوأضل من هؤلاء وأسوأ حالا من سوى كل شيء بالله سبحانه في الوجود وجعله وجود كل موجود كامل أو ناقص فإذا كان الله قد حكم بالضلال والشقاء لمن سوى بينه وبين الأصنام في الحب مع اعتقادههم تفاوت ما بين الله وبين خلقه في الذات والصفات والأفعال فكيف بمن سوى الله بالموجودات في جميع ذلك وزعم أنه ما عبد غير الله في كل معبود ؟؟!!!\rأهـ {جلاء الأفهام صـ 305 ـ صـ 306 }","part":3,"page":53},{"id":951,"text":"من لطائف ونفائس الإمام القشيرى فى الآية الكريمة\r{وَمِنَ النَّاسِ مَن يّتَّخِذُ مِن دُونِ اللَّهِ أَندَاداً يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ}.\rهؤلاء قوم لم يجعلهم الحق سبحانه أهل المحبة ، فَشَغَلهم بمحبة الأغيار حتى رضوا لأنفسهم أن يحبوا كل ما هَوَتَهْ أنفسهم ، فرضوا بمعمولٍ لهم أن يعبدوه ، ومنحوت - من دونه - أن يحبوه.\rقوله جلّ ذكره : {وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا للهِ وَلَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُوا إِذْ يَرَوْنَ العَذَابَ أَنَّ القُوَّةَ للهِ جَمِيعًا وَأَنَّ اللهَ شَدِيدُ العَذَابِ}.\rليس المقصود من هذا ذكر محبة الأغيار للأصنام ، ولكن المراد منه مدح المؤمنين على محبتهم ، ولا تحتاج إلى كثير محبة حتى تزيد على محبة الكفار للأصنام ، ولكن من أحبَّ حبيباً استكثر ذكره ، بل استحسن كل شيء منه.\rويقال وجه رجحان محبة المؤمنين لله على محبة الكفار لأصنامهم أن (هذه) محبة الجنس للجنس ، وقد يميل الجنس إلى الجنس ، وتلك محبةُ من ليس بجنسٍ لهم فذلك أعزُّ وأحق.\rويقال إنهم أحبوا ما شاهدوه ، وليس بعجيب محبة ما هو لك مشهود ، وأمَّا المؤمنون فإنهم أحبوا من حَالَ بينهم وبين (شهوده) رداء الكبرياء على وجهه.\rويقال الذين آمنوا أشد حباً لله لأنهم لا يتبرأون من الله سبحانه وإنْ عَذَّبَهُم. والكافر تبرأ من الصنم والصنمُ من الكافر كما قال تعالى : {إذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا} الآية.\rويقال محبة المؤمنين حاصلة من محبة الله لهم فهي أتم ، قال تعالى : {يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ} [المائدة : 54] ومحبتهم للأصنام من قضايا هواهم.\r","part":3,"page":54},{"id":952,"text":"ويقال محبة المؤمنين أتمُّ وأشدُّ لأنها على موافقة الأمر ، ومحبة الكفار على موافقة الهوى والطبع ، ويقال إنهم كانوا إذا صلحت أحوالهم ، واتسعت ذات يدهم اتخذوا أصناماً أحسن من التي كانوا يعبدونها قبل ذلك في حال فقرهم ؛ فكانوا يتخذون من الفضة - عند غناهم - أصناماً ويهجرون ما كان من الحديد... وعلى هذا القياس! وأمَّا المؤمنون فأشَدُّ حباً لله لأنهم عبدوا إلهاً واحداً في السّراء والضراء. أ هـ {لطائف الإشارات حـ 1 صـ 144 ـ 145}\rمن أجمع ما قيل فى المحبة\rولَو عَذَّبْتَني في النارِ حتْماً... دخلتُ مُطاوعاً وسْطَ الجَحِيمِ\rإذا كَانَ الجَحِيمُ رِضَاك عَنِّي... فَمَا ذاكَ الجَحِيمُ سِوَى نَعِيمِ\rالإشارة : المحبةُ : مَيلٌ دائم بقلب هائم ، أو مراقبة الحبيب في المشهد والمغيب ، أو مواطأةُ القلب لمراد الرب ، أو خوف ترك الخدْمة مع إقامة الحُرْمة ، أو اسْتِقْلالُ الكثير من نفسك واستكثارُ القليل مِنْ حبيبك ، أو معانقة الطاعة ومباينة المخالفة ، وقال الشِّبْلِي : (أن تَغَار على المحبوب أن يحبه مثلك) والمحب على الحقيقة من لا سلطان على قلبه لغير محبوبه ، ولا مشيئة له غير مشيئته ، وقال الشيخ أبو الحسن رضي الله عنه : (المحبة أخْذَةٌ من الله لقلب عبده المؤمن عن كل شيء سواه ، فترى النفس مائلة لطاعته ، والعقل متحصّناً بمعروفه ، والروح مأخوذة في حضرته ، والسر مغموراً في مشاهدته ، والعبد يستزيد من محبته فيزداد ، ويفاتح بما هو أعذب من لذيذ مناجاته ، فيكسي حلل التقريب على بساط القربة ، ويَمَسُّ أبكارَ الحقائق وثيبات العلوم ، فمن أجل ذلك قالوا : أولياء الله عرائس ، ولا يَرَى العرائسَ المجرمون.\r..) الخ كلامه.\rواعلم أن محبة العبد لمولاه سببُها شيئان : ","part":3,"page":55},{"id":953,"text":"أحدهُما : نظر العبد لإحسان الله إليه وضروب امتنانه عليه ، وجُبِلَت القلوبُ على حب من أحسن إليها ، وهذا هو المسمى بحب الهوى ، هو مكتسب ، لأن الإنسان مغمور بإحسانات الله إليه ، ومتمكن من النظر فيها ، فكلما طالَع منةً مِنْ مِنَن الله التي لا تقبل الحصر ولا العدَّ ، كان ذلك كحَبة زُرعت في أرض قلبه الطيب الزكي ، فلا يزال يطالع مِنّةً بعد منّة ، وكلُّ منّة أعظم من التي قبلها ، لأنه كلما طالع المنن تنوّر قلبه وزداد إيماناً ، وكشف من دقائق المنن ما لم يكن يُكشف له قبلُ ، وظهر له خفايا المنن ، وعظمت محبته.\rالثاني : كشْف الحجب ، وإزالة الموانع عن ناظر القلب ، حتى يرى جمال الحقّ وكماله ، والجمال محبوب بالطبع ، وهذان هما اللذان قصدت رابعة العدوية - رضي الله عنها - : \rأُحِبُّكَ حُبَّين : حُبَّ الهَوَى... وحُبّاً لأنك أهلٌ لِذَاكَ\rفأمَّالذي هو حُبُّ الهَوى... فَشُغْلي بِذِكْرِك عمَّن سِوَاكَ\rوأمَّا الذي أنتَ أهلٌ لهُ... فكَشْفُكِ لِلْحُجْبِ حتى أراكَ\rفَلا الحمدُ في ذَا ولا ذَاك لي... ولَكِنْ لكَ الحَمْدُ في ذَا وذاكَ\r","part":3,"page":56},{"id":954,"text":"وإنما خَصَّصَتْ الحُبَّ الناشئ عن شهود الجمال بالأهلية دون الأول ، وإن كان أهلاً للجميع ؛ لأن هذا منه إليه ، لا كسب للعبد فيه ، والآخر فيه كسب ، وعمل العبد معلول ، وقولها : (فشغلي بذكر عمن سواك) من باب التعبير بالمسبب عن السبب ، والأصل : فثمرته شغلي بذكرك عمن سواك ، فهو مسبب عن المحبة لأنفسنا ، وقولها أيضاً (كشفك للحجب حتى أراك) ، من باب التعبير بالسبب عن المسبب ، والأصل ، فبسببه كشفك للحجب حتى رأيتك بعينَيْ قلبي. وقولها : (فلا الحمد...) الخ ، إخبار منها بأن الحُبَّيْن معاً منه وإليه وبه في الحقيقة ، لا كسب لها في واحد منهما باعتبار الحقيقة ، بل هو الحامد والمحمود ، وإدراك التفاوت بين المقامين ، - أعْني بين المحبة الناشئة عن شهود الإحسان ، والناشئة عن شهود الجمال - ضروري عند كل ذائق ، وأن الثانية أقوى. قاله في شرح الشريشية.\rقال ابن جُزَيّ : اعلم أن محبة العبد لربه على درجتين ؛ أحدهما : المحبة العامة ، التي لا يخلو منها كل مؤمن ، وهي واجبة ، والأخرى : المحبة الخاصة التي ينفرد فيها العلماء الربَّانيون ، والأولياء والأصفياء ، وهي أعلى المقامات ، وغاية المطلوبات ، فإنَّ سائر مقامات الصالحين : كالخوف والرجاء والتوكل ، وغير ذلك ، مَبْنِيَةٌ على حظوظ النفس ، ألا ترى أن الخائف إنما يخاف على نفسه ، والراجي إنما يرجوا منفعة نفسه ، بخلاف المحبة ، فإنها من أجل المحبوب فليست من المعاوضة.\r","part":3,"page":57},{"id":955,"text":"واعلم أن سببَ محبةِ الله : معرفتُه ، فتقوى المحبة على قدر المعرفة ، وتضعف على قدر ضعف المعرفة ، فإن الموجب للمحبة أحد أمرين أو كلاهما إذا اجتمعا ، ولا شك أنهما اجتمعا في حق الله تعالى على غاية الكمال ؛ فالموجب الأول : الحسن والجمال ، والآخر الإحسان والإجمال ، فأما الجمال فهو محبوب بالطبع ، فإن الإنسان بالضرورة يجب كل ما يُستحسن ، ولا جمالَ مثلُ جمال الله تعالى ، في حكمته البالغة وصنائعه البديعة ، وصفاته الجميلة الساطعة الأنوار ، التي تَرُوق العقول وتبهج القلوب ، وإنما يُدْرَك جمالُه تعالى بالبصائر لا بالأبصار.\rوأما الإحسان فقد جبلت القلوب على حب من أحسن إليها ، وإحسان الله إلى عباده متواتر ، وإنعامُه عليهم باطن وظاهر ، {وَإِن تَعُدُّواْ نِعْمَتَ اللَّهِ لاَ تُحْصُوهَآ} [إبراهيم : 34] ، ويكفيك أنه يُحسن إلى المطيع والعاصي ، وإلا المؤمن والكافر ، وكل إحسان ينبس إلى غيره فهو في الحقيقة منه وحدَه ، فهو المستحق للمحبة وحده.\rواعلم أن محبة الله إذا تمكنت من القلب ظهرت آثارها على الجوارح ، من الجد في طاعته ، والنَّشَطِ لخدمته ، والحرص على مرضاته والتلذذ بمناجاته ، والرضا بقضائه ، والشوق إلى لقائه ، والأُنْس بذكره ، والاسْتِيحَاش مِنْ غيره ، والفرار من الناس ، والانفراد في الخلوات ، وخروج الدنيا من القلب ، ومحبة كل ما يحب الله ، وكل من يحب الله ، وإيثار الله على كل ما سواه.\rقال الحارث المحاسبي : (المحبة ميلك إلى المحبوب بِكُلِّيتِكَ ، ثم إيثارك له على نفسك ورُوحك ، ثم موافقته سرّاً وجهراً ، ثم علمك بتقصيرك في حبه).\rقلت : ظاهره أن المحبة أعلى من المعرفة ، والتحقيق أن المعرفة أعلى من جميع المقامات ؛ لأنها لا تبقى معها بقية من الحجاب أصلاً ، بخلاف المحبة ، فإنها تكون بقية الحجاب ، ألا ترى أن المحب يستوحش من الخلق ، والعارف لا يستوحش من شيء لمعرفته في كل شيء.\r","part":3,"page":58},{"id":956,"text":"قال في الحِكَم : \" إنما استوحشَ العُبَّاد والزهاد من كل شيء لغيبتهم عن الله في كل شيء ، ولو عرفوا الله في كل شيء ما استوحشوا من شيء \". وأيضاً. العارف أكمل أدباً من المحب ؛ لأن المعرفة إنما تحصُل بعد كمال التهذيب والتدريب ، وقد تحصل المحبة قبل كمال التهذيب ، مع أن المعرفة هي غاية المحبة ونهايتها ، والله تعالى أعلم.أ هـ {البحر المديد حـ 1 صـ 131}\rبحث جامع فى المحبة للعلامة الفيروزابادى\r( بصيرة فى الحب والمحبة )\rولا يُحدّ المحبّة بحدّ أَوضح منها ، والحدود لا تزيدها إِلاَّ خفاءً وجفاءً فحدّها وجودها. ولا توصف المحبّة بوصف أَظهر من المحبّة ، وإِنَّما يتكلَّم النَّاس فى أَسبابها وموجباتها وعلاماتها وشواهدها وثمراتها وأَحكامها ، فحدودهم ورسومهم دارت على هذه الستّة.\rوهذه المادّة تدور فى اللُّغة على خمسة أَشياءَ : أَحدها الصّفاء والبياض ومنه قيل حَبَب الأَسنان لبياضها ونضارتها. الثانى : العُلُوّ والظُّهور ومنه حَبَب الماءِ وحَبَابه وهو ما يعلوه من النفاخات عن المطر ، وحَبب الكأْس منه. الثالث : اللُّزوم والثبات ومنه حَبَّ البعير وأَحبّ إِذا برك فلم يقُم. الرَّابع : اللُّباب والخلوص. ومنه حَبّة القلب لِلبّه وداخله. ومنه الحَبّة لواحدة الحبوب إِذا هى أَصل الشئ ومادَّته وقوامه. الخامس : الحفظ والإِمساك ومنه حُبّ الماءِ للوعاءِ الَّذى يُحفظ فيه ويمسكه ، وفيه معنى الثُّبوت أَيضاً.","part":3,"page":59},{"id":957,"text":"ولا ريب أَنَّ هذه الخمسة من لوازم المحبّة ، فإِنَّها صفاءُ المودّة وهَيَجان إِرادة القلب وعلوّها وظهورها منه لتعلُّقها بالمحبوب المراد وثبوت إرادة القلب للمحبوب ولزومها لزوم لا تفارق ، ولإِعطاءِ المحبّ محبوبه لبّه وأَشرف ما عنده وهو قلبه ، ولاجتماع عَزَماته وإِرادته وهُمومه على محبوبه. فاجتمعت فيها المعانى الخمسةُ. ووضعوا لمعناها حرفين مناسبين للشَّئ غاية المناسبة : الحاء الَّتى من أَقصى الحَلق والباء للشفة الَّتى هى نهايته ، فللحاءِ الابتداء وللباء الانتهاء ، وهذا شَأْن المحبّة وتعلُّقها بالمحبوب ، فإِنَّ ابتداءَها منه وانتهاءَها إِليه.\rويقال فى فعله : حبَبت فلاناً بمعنى أَصبت حَبَّة قلبه ، نحو شَغَفته وكَبَدته وفأَدته ، وأَحببت فلاناً جعلت قلبى مُعَرَّضاً لأَن يُحِبّه. لكن وضع فى التعارف محبوب موضعَ مُحَبّ واستعمل حبَبت أَيضاً فى معنى أَحببت ، ولم يقولوا مُحَبّ إِلاَّ قليلاً قال :\rولقد نزلتِ فلا تظنى غيره منى بمنزلة المُحَبّ المكرم\rوأَعطَوْا الحُبّ حركة الضمّ الَّتى هى أَشدّ الحركات وأَقواها ، مطابَقة لشِدّة حركة مسمَّاة وقوّتها ، وأَعطَوُا الحِبّ وهو المحبوب حركة الكسر لخفَّتها عن الضمَّة ، وذلك لخفَّة ذكر المحبوب على قلوبهم وأَلسنتهم مع إِعطائه حكم نظائره كنِهْد وذِبْح للمنهود والمذبوح وحِمْل للمحمول ، فتأَمّل هذا اللُّطف والمطابقة والمناسبة العجيبة بين اللَّفظ والمعنى يُطلعْك على قَدْر هذه اللغة الشريفة وإِنَّ لها لشأْنا ليس كسائر اللغات.","part":3,"page":60},{"id":958,"text":"وقد ذكر الله تعالى ذلك فى مواضع كثيرة من التنزيل الحميدىّ منها {فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ} {وَالَّذِينَ آمَنُواْ أَشَدُّ حُبّاً للَّهِ} {إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ} {وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ} {وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ} {إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ} {إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفّاً كَأَنَّهُم بُنْيَانٌ مَّرْصُوصٌ} {إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ} {فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَن يَتَطَهَّرُواْ} {إِنِّي أَحْبَبْتُ حُبَّ الْخَيْرِ} {وَلَاكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الإِيمَانَ} وقال تعالى {وَاللَّهُ لاَ يُحِبُّ الفَسَادَ} {إِنَّ اللَّهَ لاَ يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ} وقال تعالى {إِنِ اسْتَحَبُّواْ الْكُفْرَ عَلَى الإِيمَانِ} أَى آثروه عليه. وحقيقة الاستحباب أَن يتحرّى الإِنسانُ فى الشئ أَن يحبّه. واقتضى تعديتُه بعَلى معنى الإِيثار ، وفى الحديث الصّحيح \"إِذا أَحبّ الله عبداً دعا جَبْرئيلَ فقال : إِنى أُحِبُّ فلاناً فأَحِبَّه فيحبّه جبرئيل ، ثم ينادى فى السّماءِ فيقول : إِنَّ الله يحبّ فلاناً فأَحِبُّوه فيحبّه أَهْلُ السّماءِ ، ثمّ يوضَع له القَبولُ فى الأَرض\" وفى البُغْض ذُكِر مثل ذلك. وفى الصّحيح أَيضاً : \"ثلاث مَن كُنَّ فيه وَجَد بهنّ حلاوة الإِيمان : أَن يكون الله ورسولُه أَحبَّ إِليه مِمَّا سواهما ، وأَن يحبّ المرءُ لا يحبّه إِلاَّ لله\" ، وفى صحيح البخارىّ : \"يقول الله تعالى : مَن عادى لى وليّاً فقد آذَنْتُهُ بالحرب ، وما تقرب إِلىّ بالنَّوافل حتَّى أُحبّه. فَإِذَا أَحببته كنت سمعَه الَّّى يسمع به ، وبصرَه الَّذى يبصر به ، ويدَه الَّتى يبطِش بها ورجلَه التى يمشى بها. وإِن سأَلنى أَعطيته ولئن استعاذنى لأُعيذنَّه. وفى","part":3,"page":61},{"id":959,"text":"الصّحيحين من حديث أَمير السّريَّة الذى كان يقرأُ {قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ} لأَصحابه فى كلِّ صلاة وقال : لأَنَّها صفة الرّحمن وأَنا أُحبّ أَن أَقرأَ بها فقال النبىّ صلَّى الله عليه وسلَّم : \"أَخبروه أَنَّ الله يحبّه\" وعن التِّرمذى عن أَبى الدَرداءِ يرفعه : \"كان مِن دعاءِ داود عليه السّلام : اللهمّ إِنِّى أَسأَلك حبّك وحبّ من يحبّك ، والعملَ الَّذى يبلِّغنى حبَّك. اللَّهم اجعل حُبّك أَحبّ إِلىّ من نفسى وأَهلى ، ومن الماء البارد\". وفيه أَيضاً من حديث عبد الله بن يزيد الخَطْمِىِّ أَنَّ النبىّ صلَّى الله عليه وسلَّم كان يقول فى دعائه : \"اللهمّ ارزقنى حبّك وحبّ من يحبّك وحبّ مَن ينفعنى حبُّه عندك. اللهمّ ما رزقتنى ممّا أُحبّ فاجعله قوّة لى فيما تحبّ ، وما زَوَيت عنِّى ممّا أُحبّ فاجعله فراغاً لى فيما يحبّ\".\rوالقرآن والسنَّة مملوءَان بذكر مَن يحبّ اللهُ سبحانه من عباده ، وذكر ما يحبّه من أَعمالهم وأَقوالهم وأَخلاقهم. فلا يلتفت إِلى مَن أَوَّل محبّته تعالى لعباده بإِحسانه إِليهم وإِعطائهم الثواب ، ومحبّةَ العباد له تعالى بمحبّته طاعته والازدياد من الأَعمال لينالوا به الثواب ، فإِن هذا التأْويل يؤدّى إِلى إِنكار المحبّة ، ومتى بطلت مسأَلة المحبّة بطلت جميع مقامات الإِيمان والإِحسان ، وتعطَّلت منازلُ السَّيْر ، فإِنَّها رُوح كلِّ مَقَام ومنزلةٍ وعمل ، فإِذا خلا منها فهو ميّت ، ونسبتها إِلى الأَعمال كنسبة الإِخلاص إِليها ، بل هى حقيقة الإِخلاص ، بل هى نفس الإِسلام ، فإِنَّه الاستسلام بالذُّل والحُبّ والطَّاعة لله. فمن لا محبَّة له لا إِسلام له البتَّة.\r","part":3,"page":62},{"id":960,"text":"ومراتب المحبّة عشرة : الأَوّل العلاقة والإِرادة والصبابة ، والغرام وهو الحبّ اللاَّزم للقلب ملازمةَ الغريم لغريمه ، ثمّ الوُدّ وهو صفو المحبّة وخالصها ولُبّها ، ثمّ الشغَف ، شُغِفَ بكذا فهو مشغوف أَى وَصَل الحُبّ شَغَاف قلبه وهو جِلدة رقيقة على القلب ، ثمّ العشق وهو الحبّ المفرط الَّذى يُخاف على صاحبه منه ، وبه فسّر {وَلاَ تُحَمِّلْنَا مَا لاَ طَاقَةَ لَنَا بِهِ} ثمّ التَتَيُّم وهو المحبّة والتذلُّل ، تَيَّمه الحُبّ أَى عَبَّده وذَلَّله وتَيْم الله عَبْد الله ، ثمَّ التعبّد وهو فوق التتيُّم فإِنَّ العبد الذى مَلَك المحبوبُ رِقَّه فلم يبق له شئ من نفسه البتَّة ، بل كلُّه لمحبوبه ظاهراً وباطناً. ولمَّا كَمّل سيّد ولد آدم هذه المرتبة وصفه الله بها فى أَشرف مقاماته بقوله {سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلاً} وفى مقام الدّعوة {وَأَنَّهُ لَمَّا قَامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ} وفى مقام التحدّى {وَإِن كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِّمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا} وبذلك استحقّ التقدّم على الخلائق فى الدّنيا والآخرة. العاشر : مرتبة الخُلَّة الَّتى استحقّ التقدّم على الخلائق فى الدّنيا والآخرة. العاشر : مرتبة الخُلَّة الَّتى انفرد بها الخيلان إِبراهيم ومحمّد عليهما الصّلاة والسّلام ؛ كما صحّ عنه \"إِنَّ اللهَ اتَّخذنى خليلاً كما اتَّخَذَ إِبراهيم خليلاً\" وقال \"لو كنت متَّخِذاً من أَهل الأَرض خليلاً لاتَّخذتُ أَبا بكر خليلاً ولكن صاحبكم خليل الرّحمن\" والخلَّة هى المحبّة الَّتى تخلَّلْت روح [المحب] وقلبه حتى لم يبق فيه موضع لغير محبوبه.\r","part":3,"page":63},{"id":961,"text":"والأَسبابُ الجالبة للمحبة عشرة : الأَول : قراءَة القرآن بالتَّدبّر والتفهُّم لمعانيه وتفطُّن مراد الله منه. الثانى : التَّقَرّب إِلى الله تعالى بالنَّوافل بعد الفرائض ؛ فإِنَّها توصِّل إِلى درجة الحبوبيَّة بعد المحبّة. الثالث : دوام ذكره على كلِّ حال باللٍّسان والقلب والعلم والحال فنصيبه من المحبّة على قدر نصيبه من هذا الذكر. الرابع : ايثار مَحَابِّه على محابّك عند غلبات الهوى. الخامس : مطالعة القلب لأَسمائه وصفاته ومشاهدتها وتقلُّبه فى رياض هذه المعرفة ومباديها فمن عرَف الله بأَسمائه وصفاته وأَفعاله أَحبّه لا محالة. السادس مشاهدة بِرّه وإِحسانه ونِعمه الظَّاهرة والباطنة. السابع : وهو من أَعجبها - انكسار القلب بكلِّيَّته بيْن يديه. الثامن : الخَلْوة به وقت النُّزول الإِلهىّ لمناجاته وتلاوة كلامه ، والوقوف بالقالب والقلب بين يديه ، ثم خَتْم ذلك بالاستغفار والتَّوبة. التَّاسع : مجالسة المحبّين والصّادقين والتقاطُ أُطايب ثمرات كلامهم وأَلاَّ يتكلم إِلاَّ إِذا ترجّحت مصلحةُ الكلام وعَلِم أَنَّ فيه مزيداً لحالِهِ. العاشر : مباعدة كلِّ سبب يحول بين القلب وبين الله عزَّ وجَلَّ.\rفمن هذه الأَسباب وصل المحبّون إِلى منازل المحبّة ، ودخلوا على الحبيب وفى ذلك أَقول : \rتِلاوةُ فهمٍ معْ لزوم نوافل وذكرٌ دواماً وانكسارٌ بقلبه\rوإِيثار ما يُرْضِى شهودَ عطائه ووقت نزول الحقّ يخلو بربّه\rمطالعة الأَسما مجالسة القُدَى مجانبه الأَهوا جوالب حُبه\rأ هـ {بصائر ذوى التمييز حـ 2 صـ 312 ـ 315}","part":3,"page":64},{"id":962,"text":"لطيفة\rقال سهل بن عبد الله : علامة حُبِّ الله حب القرآن ، وعلامة حب القرآن حب النبيّ ـ صلى الله عليه وسلم ـ ، وعلامة حب النبيّ ـ صلى الله عليه وسلم ـ حب السنة ، وعلامة حب الله وحب القرآن وحب النبيّ وحب السنة حب الآخرة ، وعلامة حب الآخرة أن يحب نفسه ، وعلامة حب نفسِه أن يبغض الدنيا ، وعلامة بغض الدنيا ألا يأخذ منها إلا الزّاد والبُلْغَة,\rبدائع وروائع من مدارج السالكين\rمنزلة المحبة وهي.\rالمنزلة التي فيها تنافس المتنافسون وإليها شخص العاملون وإلى علمها شمر السابقون وعليها تفانى المحبون وبروح نسيمها تروح العابدون فهي قوت القلوب وغذاء الأرواح وقرة العيون وهي الحياة التي من حرمها فهو من جملة الأموات والنور الذي من فقده فهو في بحار الظلمات والشقاء الذي من عدمه حلت بقلبه جميع الأسقام واللذة التي من لم يظفر بها فعيشه كله هموم وآلام.\rص -7- وهي روح الإيمان والأعمال والمقامات والأحوال التي متى خلت منها فهي كالجسد الذي لا روح فيه تحمل أثقال السائرين إلى بلاد لم يكونوا إلا بشق الأنفس بالغيها وتوصلهم إلى منازل لم يكونوا بدونها أبدا واصليها وتبوؤهم من مقاعد الصدق مقامات لم يكونوا لولاها داخليها وهي مطايا القوم التي مسراهم على ظهورها دائما إلى الحبيب وطريقهم الأقوم الذي يبلغهم إلى منازلهم الأولى من قريب تالله لقد ذهب أهلها بشرف الدنيا والآخرة إذ لهم من معية محبوبهم أوفر نصيب وقد قضى الله يوم قدر مقادير الخلائق بمشيئته وحكمته البالغة أن المرء مع من أحب فيالها من نعمة على المحبين سابغة تالله لقد سبق القوم السعاة وهم على ظهور الفرش نائمون وقد تقدموا الركب بمراحل وهم في سيرهم واقفون\rمن لي بمثل سيرك المدلل تمشي رويدا وتجي في الأول أجابوا منادي الشوق إذ نادى بهم حي على الفلاح وبذلوا نفوسهم في طلب الوصول إلى محبوبهم وكان بذلهم بالرضى والسماح وواصلوا إليه المسير بالإدلاج والغدو والرواح تالله لقد حمدوا عند الوصول سراهم وشكروا مولاهم على ما أعطاهم وإنما يحمد القوم السرى عند الصباح. أ هـ\r{مدارج السالكين حـ 3 صـ 6 ـ 7}","part":3,"page":65},{"id":963,"text":"موعظة\rروض نفسك\rيا هذا : طهر قلبك من الشوائب فالمحبة لا تلقى إلا في قلب طاهر إما رأيت الزارع يتخير الأرض الطيبة ويسقيها ويرويها ثم يثيرها ويقلبها وكلما رأى حجرا ألقاه وكلما شاهد ما يؤذي نحاه ثم يلقي فيها البذر ويتعاهدها من طوارق الأذى ؟ وكذلك الحق عز وجل إذا أراد عبدا لوداده حصد من قلبه شوك الشرك وطهره من أوساخ الرياء والشك ثم يسقيه ماء التوبة والإنابة ويثيره بمسحأة الخوف والإخلاص فيستوي ظاهره وباطنه في التقى ثم يلقي فيه بذر الهدى فيثمر حب المحبة فحينئذ تحمد المعرفة وطنا ظاهرا وقوتا طاهرا فيسكن لب القلب ويثبت به سلطانها في رستاق البذر فيسري من بركاتها إلى العين ما يفضها عن سوى المحبوب وإلى الكف ما يكفها عن المطلوب وإلى اللسان ما يحبسه عن فضول الكلام وإلى القدم ما يمنعه من سرعة الإقدام فما زالت تلك النفس الطاهرة رائضها العلم ونديمها الحلم وسجنها الخوف وميدانها الرجاء وبستانها الخلوة وكنزها القناعة وبضاعتها اليقين ومركبها الزهد وطعامها الفكر وحلواها الأنس وهي مشغولة بتوطئة رحلها لرحيلها وعين أملها ناظرة إلى سبيها فإن صعد حافظاها فالصحيفة نقية وإن جاء البلاء فالنفس صابرة تقية وإن أقبل الموت وجدها من الغش خلية فيا طوبى لها إذا نوديت يوم القيامة : {يا أيتها النفس المطمئنة * ارجعي إلى ربكراضية مرضية}. أ هـ {الياقوتة صـ 97}","part":3,"page":66},{"id":964,"text":"قوله تعالى {وَلَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُوا إِذْ يَرَوْنَ الْعَذَابَ أَنَّ الْقُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا وَأَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعَذَابِ}\rقال الفخر : \rأما قوله تعالى : {وَلَوْ يَرَى الذين ظَلَمُواْ إِذْ يَرَوْنَ العذاب أَنَّ القوة لِلَّهِ جَمِيعًا} ففيه مسائل : \rالمسألة الأولى : اعلم أن في قراءة هذه الآية أبحاثاً : \rالبحث الأول : قرأ نافع وابن عمر : (ولو ترى) بالتاء المنقوطة من فوق خطاباً للنبي ـ عليه السلام ـ ، كأنه قال : لو ترى يا محمد الذين ظلموا ، والباقون بالياء المنقوطة من تحت على الإخبار عمن جرى ذكرهم كأنه قال : ولو يرى الذين ظلموا أنفسهم باتخاذ الأنداد ، ثم قال بعضهم : هذه القراءة أولى ، لأن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ والمسلمين قد علموا قدر ما يشاهده الكفار ، ويعاينون من العذاب يوم القيامة ، أما المتوعدون في هذه الآية فهم الذين لم يعلموا ذلك ، فوجب إسناد الفعل إليهم.\rالبحث الثاني : اختلفوا في {يرون} فقرأ ابن عامر : (يرون) بضم الياء على التعدية وحجته قوله تعالى : {كذلك يُرِيهِمُ الله أعمالهم حسرات عَلَيْهِمْ} والباقون (يرون) بالفتح على إضافة الرؤية إليهم.\rالبحث الثالث : اختلفوا في {أن} فقرأ بعض القراء (إن) بكسر الألف على الاستئناف وأما القراء السبع فعلى فتح الألف فيها.","part":3,"page":67},{"id":965,"text":"البحث الرابع : لما عرفت أن {يَرَى الذين ظَلَمُواْ} قرىء تارة بالتاء المنقوطة من فوق وأخرى بالياء المنقوطة من تحت ، وقوله : {أَنَّ القوة} قرىء تارة بفتح الهمزة من (أن) وأخرى بكسرها حصل ههنا أربع احتمالات.\rالاحتمال الأول : أن يقرأ {وَلَوْ يَرَى} بالياء المنقوطة من تحت مع فتح الهمزة من (أن) والوجه فيه أنهم أعملوا يرون في القوة والتقدير : ولو يرون أن القوة لله : ومعناه ، ولو يرى الذين ظلموا شدة عذاب الله وقوته لما اتخذوا من دونه أنداداً فعلى هذا جواب (لو) محذوف وهو كثير في التنزيل كقوله : {وَلَوْ تَرَى إِذَا وُقِفُواْ عَلَى النار} [الأنعام : 27] ، {وَلَوْ تَرَى إِذِ الظالمون فِى غَمَرَاتِ الموت} [الأنعام : 93] ، {وَلَوْ أَنَّ قُرْانًا سُيّرَتْ بِهِ الجبال} [الرعد : 31] ويقولون : لو رأيت فلاناً والسياط تأخذ منه ، قالوا : وهذا الحذف أفخم وأعظم لأن على هذا التقدير يذهب خاطر المخاطب إلى كل ضرب من الوعيد فيكون الخوف على هذا التقدير مما إذا كان عين له ذلك الوعيد.\rالاحتمال الثاني : أن يقرأ بالياء المنقوطة من تحت مع كسر الهمزة من (إن) والتقدير ولو يرى الذين ظلموا عجزهم حال مشاهدتهم عذاب الله لقالوا : إن القوة لله.\rالاحتمال الثالث : أن تقرأ بالتاء المنقوطة من فوق ، مع فتح الهمزة من (أن) وهي قراءة نافع وابن عامر قال الفراء : الوجه فيه تكرير الرؤية والتقدير فيه ولو ترى الذين ظلموا إذا يرون العذاب ترى أن القوة لله جميعاً.\rالاحتمال الرابع : أن يقرأ بالتاء المنقوطة من فوق ، مع كسر الهمزة ، وتقديره : ولو ترى الذين ظلموا إذ يرون العذاب لقلت أن القوة لله جميعاً ، وهذا أيضاً تأويل ظاهر جيد. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 4 صـ 188}","part":3,"page":68},{"id":966,"text":"وقال البقاعى : \rوفي قوله \" ترى \" بالتاء إقبالاً على النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ تعجيب له بما ينالهم مما أصابوه ، وفيه إشعار بأن ذلك من أمر يعلو أمره إلى محل رؤيته التي هي أتم الرؤية ، وفي قوله {يرى} بالياء تحسر عليهم يشعر بأن منالهم من رؤية العذاب مما كان يزجرهم عما هم عليه لو رأوه - انتهى.\r{نظم الدرر حـ 1 صـ 301}\rسؤال : إن قيل : كيف جاء قوله : {وَلَوْ يَرَى الذين ظَلَمُواْ} وهو مستقبل مع قوله : {إِذْ يَرَوْنَ العذاب} و( إذ) للماضي ؟ \rقلنا : إنما جاء على لفظ المضي لأن وقوع الساعة قريب.\rقال تعالى : {وَمَا أَمْرُ الساعة إِلاَّ كَلَمْحِ البصر أَوْ هُوَ أَقْرَبُ} [النحل : 77] وقال : {لَعَلَّ الساعة قَرِيبٌ} [الشورى : 17] وكل ما كان قريب الوقوع فإنه يجري مجرى ما وقع وحصل وعلى هذا التأويل قال تعالى : {وَنَادَى أصحاب الجنة} [الأعراف : 44] وقول المقيم : قد قامت الصلاة يقول ذلك قبل إيقاعه التحريم للصلاة لقرب ذلك وقد جاء كثير في التنزيل من هذا الباب قال تعالى : {وَلَوْ ترى إِذْ وُقِفُواْ} [الأنعام : 27] ، {وَلَوْ تَرَى إِذِ الظالمون} [سبأ : 31] ، {وَلَوْ ترى إِذْ فَزِعُواْ} [سبأ : 51] ، {وَلَوْ تَرَى إِذْ يَتَوَفَّى} [الأنفال : 50]. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 4 صـ 189}\rقوله تعالى {الذين ظلموا}\rقال فى التحرير والتنوير : ","part":3,"page":69},{"id":967,"text":"و {الذين ظلموا} هم الذين اتخذوا من دون الله أنداداً فهو من الإظهار في مقام الإضمار ليكون شاملاً لهؤلاء المشركين وغيرهم ، وجعل اتخاذهم الأنداد ظلماً لأنه اعتداء على عدة حقوق فقد اعتدوا على حق الله تعالى من وجوب توحيده ، واعتدوا على من جعلوهم أنداداً لله على العقلاء منهم مثل الملائكة وعيسى ، ومثل ود وسواع ويغوث ويعوق ونسر ، فقد ورد في \"الصحيح\" عن ابن عباس أنهم كانوا رجالاً صالحين من قوم نوح فلما ماتوا اتخذ قومهم لهم تماثيل ثم عبدوها ، ومثل (اللات) يزعم العرب أنه رجل كان يلت السويق للحجيج وأن أصله اللات بتشديد التاء ، فبذلك ظلموهم إذ كانوا سبباً لهول يحصل لهم من السؤال يوم القيامة كما قال الله تعالى : {وإذ قال الله يا عيسى ابن مريم أأنت قلت للناس اتخذوني وأمي إلهين من دون الله} [المائدة : 116] وقال : {ويوم يحشرهم جميعاً ثم يقول للملائكة أهوؤلاء إياكم كانوا يعبدون} [سبأ : 40] الآية وقال : {ويوم يحشرهم وما يعبدون من دون الله فيقول أأنتم أضللتم عبادي هئلاء أم هم ضلوا السبيل} [الفرقان : 17] الآية ، وظلموا أنفسهم في ذلك بتعريضها للسخرية في الدنيا وللعذاب في الآخرة وظلموا أعقابهم وقومهم الذين يتبعونهم في هذا الضلال فتمضي عليه العصور والأجيال ، ولذلك حذف مفعول {ظلموا} لقصد التعميم ، ولك أن تجعل {ظلموا} بمعنى أشركوا كما هو الشائع في القرآن قال تعالى عن لقمان : {إن الشرك لظلم عظيم} [لقمان : 13] وعليه فالفعل منزَّل منزلة اللازم لأنه صار كاللقب. أ هـ\r{التحرير والتنوير حـ 2 صـ 93 ـ 94}\rوقال الشيخ الشنقيطى : \rقوله تعالى : {وَلَوْ يَرَى الذين ظلموا إِذْ يَرَوْنَ العذاب} الآية.","part":3,"page":70},{"id":968,"text":"المراد بالذين ظلموا الكفار وقد بين ذلك بقوله في آخر الآية : {وَمَا هُم بِخَارِجِينَ مِنَ النار} [البقرة : 167] ، ويدل لذلك قوله تعالى عن لقمان مقرراً له : {يابني لاَ تُشْرِكْ بالله إِنَّ الشرك لَظُلْمٌ عَظِيمٌ} [لقمان : 13] ، وقوله جل وعلا : {والكافرون هُمُ الظالمون} [البقرة : 254] ، وقوله : {وَلاَ تَدْعُ مِن دُونِ الله مَا لاَ يَنفَعُكَ وَلاَ يَضُرُّكَ فَإِن فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذاً مِّنَ الظالمين} [يونس : 106]. أ هـ {أضواء البيان حـ 1صـ 74}\rقوله تعالى {وَلَوْ يَرَى الذين ظلموا إِذْ يَرَوْنَ العذاب}\rقال القرطبى : \rفي الآية إشكال وحذف ؛ فقال أبو عبيد : المعنى لو يرى الذين ظلموا في الدنيا عذاب الآخرة لعلموا حين يرونه أن القُوّة لله جميعاً. و\"يرى\" على هذا من رؤية البصر. قال النحاس في كتاب \"معاني القرآن\" له : وهذا القول هو الذي عليه أهل التفسير. وقال في كتاب \"إعراب القرآن\" له : وروي عن محمد بن يزيد أنه قال : هذا التفسير الذي جاء به أبو عبيد بعيد ، وليست عبارته فيه بالجيدة ؛ لأنه يقدّر : ولو يرى الذين ظلموا العذاب ؛ فكأنه يجعله مشكوكاً فيه وقد أوجبه الله تعالى ؛ ولكن التقدير وهو قول الأخفش : ولو يرى الذين ظلموا أن القوّة لله.\r","part":3,"page":71},{"id":969,"text":"و \"يرى\" بمعنى يعلم ؛ أي لو يعلمون حقيقة قوّة الله عزّ وجلّ وشدّة عذابه ؛ ف \"يرى\" واقعة على أن القوّة لله ، وسدّت مَسدّ المفعولين. و\"الذين\" فاعل \"يرى\" ، وجواب \"لو\" محذوف ؛ أي ليتبيّنُوا ضرر اتخاذهم الآلهة ؛ كما قال عزّ وجلّ : {وَلَوْ ترى إِذْ وُقِفُواْ على رَبِّهِمْ} [الأنعام : 27] ، {وَلَوْ ترى إِذْ وُقِفُواْ عَلَى النار} [الأنعام : 30] ولم يأت لـ \"لَوْ\" جواب. قال الزهري وقتادة : الإضمار أشدّ للوعيد ؛ ومثله قول القائل : لو رأيتَ فلاناً والسياط تأخذه! ومن قرأ بالتاء فالتقدير : ولو ترى يا محمد الذين ظلموا في حال رؤيتهم العذاب وفزعهم منه واستعظامهم له لأقرّوا أن القوّة لله ؛ فالجواب مضمر على هذا النحو من المعنى وهو العامل في \"أنّ\". وتقدير آخر : ولو ترى يا محمد الذين ظلموا في حال رؤيتهم العذاب وفزعهم منه لعلمت أن القوّة لله جميعاً. وقد كان النبيّ ـ صلى الله عليه وسلم ـ علم ذلك ، ولكن خوطب والمراد أمّته ؛ فإن فيهم من يحتاج إلى تقوية علمه بمشاهدة مثل هذا. ويجوز أن يكون المعنى : قل يا محمد للظالم هذا. وقيل : \"أنّ\" في موضع نصب مفعول من أجله ؛ أي لأن القوة لله جميعاً. وأنشد سيبويه :\rوأغفرُ عوراءَ الكريم ادخاره... وأَعْرِضُ عن شتم اللئيم تكَرُّما\rأي لادخاره ؛ والمعنى : ولو ترى يا محمد الذين ظلموا في حال رؤيتهم للعذاب لأنّ القوّة لله لعلمت مبلغهم من النكال ولاستعظمت ما حَلَّ بهم. ودخلت \"إذ\" وهي لمَا مضى في إثبات هذه المستقبلات تقريباً للأمر وتصحيحاً لوقوعه. أ هـ\r{تفسير القرطبى حـ 2 صـ 205}","part":3,"page":72},{"id":970,"text":"قوله تعالى {إذ يرون}\rقال البقاعى : \r{إذ يرون} أي الوقت الذي يبصرون فيه العذاب ، أي الأكبر الذي لا عذاب مثله ؛ كما أفهمه تعريفه بأل ، ثم بينه بقوله {إن القوة} وهي مُنّة الباطن التي يجدها المقتدر منشأ لما يبديه ظاهره وما يبديه ظاهره قدرة القوى جمعها وأصلها والقدرة ظاهرها وتفصيل إنشائها لله جميعاً ، فإنه لا شيء أشق على الإنسان من أن يرى خصمه نافذ الأمر منفرداً بالعز في كل معنى لا سيما إذا كان جباراً متكبراً شديد البطش ممن عصاه ، كما يشير إليه قوله : {وإن الله شديد العذاب} ولا سيما إذا كان العاصي له قد أساء إليه بالإساءة إلى أوليائه وبالغ حتى لم يدع للصلح موضعاً. وقال الحرالي : موضع الرؤية في الحقيقة هو أن القوة لله جميعاً سلباً عن جميع أندادهم الذين أحبوهم وعن أنفسهم ، كما قال قائلهم {نحن أولو قوة وأولو بأس شديد} [النمل : 33] لكن لما كان رؤيتهم لذلك عن رؤية مشهود العذاب الذي هو أتم العذاب ذكر العذاب الذي هو ظاهر مرأى أن القوة لله جميعاً ، وفي {إن القوة} إعلام باطلاعهم يوم هذه الرؤية على بواطن أندادهم وسلبها ما شأن البواطن أن تتحلى به من القوة من حيث وصفهم لهم بالحب الباطن أطلعهم على سلب قواهم الباطنة بالرؤية التي هي باطن البصر الذي هو باطن النظر ، ولما ذكر أمر القوة عطف عليه ما هو أمر القدرة فقال {وإن الله شديد العذاب} إكمالاً للخطاب بظاهره ، واستأنف معه الاسم العظيم لإظهار ما بين غايتي الباطن والظاهر في أمر القدرة والقوة ، ليكون مع المنظر الظاهر بالقدرة اسم أظهره واستأن فهو قدم ذكره كما كان مع المرأى الباطن بالقوة اسماً أضاف إليه وأنهى له ليقع ماولى أول الخطاب مقابل ما ختم به الخطاب ، فينعطف أوله على آخره وآخره على أوله باطناً لظاهر وظاهراً لباطن في المتعاطفين جميعاً في قوله {إن القوة لله جميعاً وإن الله شديد العذاب} انتهى أو يقال : إذ يرون العذاب الذي يتوعدون به الآن لأن القوة لله جميعاً فلا","part":3,"page":73},{"id":971,"text":"مانع له من إتيانهم به ، كما تبين في الآيتين قبلها أنه لا كفؤ له وأنه كامل القدرة شامل العلم ، والجواب محذوف لتهويله لذهاب وهم المتوعد إلى كل ضرب من أنواع التوعد ، ولو ذكر ضرب منه لأمكن أن يوطن نفسه عليه ، فالتقدير : لو رأيت أو رأوا ذلك الوقت الذي يشاهدون فيه تلك العظمة لرأيت أو لرأوا أمراً فظيعاً هائلاً شاغلاً لهم عن اتخاذ الأنداد ومحبتها وغير ذلك من الظلم ، وحذف الجواب للعلم به كما حذف من أمثاله. أ هـ {نظم الدرر حـ 1 صـ 302}\rقوله تعالى {جميعا}\r{وجميعاً} استعمل في الكثرة والشدة فقوة غيره كالعدم وهذا كاستعمال ألفاظ الكثرة في معنى القوة وألفاظ القلة في معنى الوهن كما في قول تأبط شراً : \rقليلُ التشكي للمُلِمِّ يصيبُه... كثيرُ الهوى شتَّى النَّوى والمسالك\rأراد شديد الغرام. أ هـ {التحرير والتنوير حـ2 صـ 95}\rقوله تعالى {وَأَنَّ الله شَدِيدُ العذاب}\rقال الآلوسى : \rوفائدة هذه الجملة المبالغة في تهويل الخطب وتفظيع الأمر ، فإن اختصاص القوة به تعالى لا يوجب شدة العذاب لجواز تركه عفواً مع القدرة عليه. أ هـ\r{روح المعانى حـ 1 صـ 35}\rسؤال : لم حذف جواب {لو} ؟ \rوجواب {لو} محذوف لقصد التفخيم وتهويل الأمر لتذهب النفس في تصويره كل مذهب ممكن ونظيره {ولو ترى إذ الظالمون في غمَرَات الموت} [الأنعام : 93] {ولو ترى إذ وقفوا على النار} [الأنعام : 27] {ولو أن قرءاناً سيرت به الجبال} [الرعد : 31] ، قال المرزوقي عند قول الشَّمَيْذَرِ الحارثي : \rوقد ساءني ما جرَّتتِ الحرب بيننا... بنِي عَمِّنا لو كان أمراً مُدَانِيا\r\"حَذْفُ الجواب في مثل هاته المواضع أبلغ وأدل على المراد بدليل أن السيد إذا قال لعبده لئن قمتُ إليك ثم سكتَ تزاحم على العبد من الظنون المعترضة للتوعد ما لا يتزاحم لو نص على ضرببٍ من العذاب\". أ هـ {التحرير والتنوير حـ 2 صـ 93 ـ 94}","part":3,"page":74},{"id":972,"text":"قوله تعالى {إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا وَرَأَوُا الْعَذَابَ وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الْأَسْبَابُ (166)}\rمناسبة الآية لما قبلها\rاعلم أنه تعالى لما بين حال من يتخذ من دون الله أنداداً بقوله : {وَلَوْ يَرَى الذين ظَلَمُواْ إِذْ يَرَوْنَ العذاب} [البقرة : 165] على طريق التهديد زاد في هذا الوعيد بقوله تعالى : {إِذْ تَبَرَّأَ الذين اتبعوا مِنَ الذين اتبعوا} فبين أن الذين أفنوا عمرهم على عبادتهم واعتقدوا أنهم أوكد أسباب نجاتهم فإنهم يتبرأون منهم عند احتياجهم إليهم ونظيره قوله تعالى : {يَكْفُرُ بَعْضُكُمْ بِبَعْضٍ وَيَلْعَنُ بَعْضُكُمْ بَعْضاً} [العنكبوت : 25] وقال أيضاً : {الأخلاء يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلاَّ المتقين} [الزخرف : 67] وقال : {كُلَّمَا دَخَلَتْ أُمَّةٌ لَّعَنَتْ أُخْتَهَا} [الأعراف : 38] وحكى عن إبليس أنه قال : {إِنّى كَفَرْتُ بِمَا أَشْرَكْتُمُونِ مِن قَبْلُ} [إبراهيم : 22]. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ4 صـ 189}\rواختلفوا في المراد بهؤلاء المتبوعين على وجوه.\rأحدها : أنهم السادة والرؤساء من مشركي الإنس ، عن قتادة والربيع وعطاء.\rوثانيها : أنهم شياطين الجن الذين صاروا متبوعين للكفار بالوسوسة عن السدي.\rوثالثها : أنهم شياطين الجن والإنس.","part":3,"page":75},{"id":973,"text":"ورابعها : الأوثان الذين كانوا يسمونها بالآلهة والأقرب هو الأول لأن الأقرب في الذين اتبعوا أنهم الذين يصح منهم الأمر والنهي حتى يمكن أن يتبعوا وذلك لا يليق بالأصنام ، ويجب أيضاً حملهم على السادة من الناس لأنهم الذين يصح وصفهم من عظمهم بأنهم يحبونهم كحب الله دون الشياطين ويؤكده قوله تعالى : {إِنَّا أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَاءنَا فَأَضَلُّونَا السبيلا} [الأحزاب : 67] ، وقرأ مجاهد الأول على البناء للفاعل ، والثاني على البناء للمفعول أي تبرأ الاتباع من الرؤساء. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ4 صـ 190}\rذكروا في تفسير التبرؤ وجوهاً.\rأحدها : أن يقع منهم ذلك بالقول.\rوثانيها : أن يكون نزول العذاب بهم ، وعجزهم عن دفعهم عن أنفسهم فكيف عن غيرهم فتبرؤا.\rوثالثها : أنه ظهر فيهم الندم على ما كان منهم من الكفر بالله والإعراض عن أنبيائه ورسله فسمي ذلك الندم تبرؤا والأقرب هو الأول ، لأنه هو الحقيقة في اللفظ. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ4 صـ 190}\r{إذ} ظرف وقع بدل اشتمال من ظرف {إذ يرون العذاب} [البقرة : 165] أي لو تراهم في هذين الحالين حال رؤيتهم العذاب وهي حالة فظيعة وتشتمل على حال اتخاذ لهم وتبرىء بعضهم من بعض وهي حالة شنيعة وهما حاصلان في زمن واحد.","part":3,"page":76},{"id":974,"text":"وجيء بالفعل بعد (إذ) هنا ماضياً مع أنه مستقبل في المعنى لأنه إنما يحصل في الآخرة تنبيهاً على تحقق وقوعه فإن درجتَ على أن إذ لا تخرج عن كونها ظرفاً للماضي على رأي جمهور النحاة فهي واقعة موقع التحقيق مثل الفعل الماضي الذي معها فتكون ترشيحاً للتبعية ، وإن درجت على أنها ترد ظرفاً للمستقبل وهو الأصح ونسبه في \"التسهيل\" إلى بعض النحاة ، وله شواهد كثيرة في القرآن قال تعالى : {ولقد صدقكم الله وعده إذ تحسونهم بإذنه} [آل عمران : 152] على أن يكون {إذ تحسونهم} هو الموعود به وقال : {فسوف يعلمون إذ الأغلال في أعناقهم} [غافر : 71] فيكون المجاز في فعل {تَبرَّأ} خاصة.\rوالتبرؤ تكلف البراءة وهي التباعد من الأمر الذي من شأن قُرْبه أن يكون مضراً ولذلك يقال تبارآ إذا أبعد كلٌ الآخر من تبعةٍ محققة أو متوقعة. أ هـ\r{التحرير والتنوير حـ2 صـ 96}\rقوله تعالى {وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الْأَسْبَابُ}\rقال الفخر : \rذكروا في تفسير الأسباب سبعة أقوال.\rالأول : أنها المواصلات التي كانوا يتواصلان عليها ، عن مجاهد وقتادة والربيع.\rالثاني : الأرحام التي كانوا يتعاطفون بها عن ابن عباس وابن جريج.\rالثالث : الأعمال التي كانوا يلزمونها عن ابن زيد والسدي.\rوالرابع : العهود والحلف التي كانت بينهم يتوادون عليها ، عن ابن عباس.\rالخامس : ما كانوا يتواصلون به من الكفر وكان بها انقطاعهم عن الأصم.\rالسادس : المنازل التي كانت لهم في الدنيا عن الضحاك والربيع بن أنس.\rالسابع : أسباب النجاة تقطعت عنهم والأظهر دخول الكل فيه ، لأن ذلك كالنفي فيعم الكل فكأنه قال : وزال عنهم كل سبب يمكن أن يتعلق به وأنهم لا ينتفعون بالأسباب على اختلافها من منزلة وسبب ونسب وخلف وعقد وعهد ، وذلك نهاية ما يكون من اليأس فحصل فيه التوكيد العظيم في الزجر. أ هـ\r{مفاتيح الغيب حـ4 صـ 190}\rسؤال : ما المراد بالأسباب ؟ ","part":3,"page":77},{"id":975,"text":"الجواب : أصل السبب في اللغة الحبل قالوا : ولا يدعى الحبل سبباً حتى ينزل ويصعد به ، ومنه قوله تعالى : {فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ إِلَى السماء} [الحج : 15] ثم قيل لكل شيء وصلت به إلى موضع أو حاجة تريدها سبب.\rيقال : ما بيني وبينك سبب أي رحم ومودة ، وقيل للطريق : سبب لأنك بسلوكه تصل الموضع الذي تريدها ، قال تعالى : {فَأَتْبَعَ سَبَباً} [الكهف : 85] أي طريقاً ، وأسباب السماوات : أبوابها لأن الوصول إلى السماء يكون بدخولها ، قال تعالى مخبراً عن فرعون : {لَّعَلّى أَبْلُغُ الأسباب أسباب السموات} [غافر : 36 ، 37] قال زهير : \rومن هاب أسباب المنايا تناله.\rولو رام أسباب السماء بسلم\rوالمودة بين القوم تسمى سبباً لأنهم بها يتواصلون.\rأما قوله تعالى : {وَقَالَ الذين اتبعوا لَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً فَنَتَبَرَّأَ مِنْهُمْ كَمَا تبرؤا مِنَّا} فذلك تمن منهم لأن يتمكنوا من الرجعة إلى الدنيا وإلى حال التكليف فيكون الاختيار إليهم حتى يتبرؤن منهم في الدنيا كما تبرؤا منهم يوم القيامة ، ومفهوم الكلام أنهم تمنوا لهم في الدنيا ما يقارب العذاب فيتبرؤن منهم ولا يخلصونهم ولا ينصرونهم كما فعلوا بهم يوم القيامة وتقديره : فلو أن لنا كرة فنتبرأ منهم وقد دهمهم مثل هذا الخطب كما تبرؤا منا والحالة هذه لأنهم إن تمنوا التبرأ منهم مع سلامة فليس فيه فائدة. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ4 صـ 190}\rفائدة لغوية\rالباءُ في \" بهم \" فيها أربعةُ أوْجُه : \rأحدها : أَنَّها للحالِ ، أي : تقطَّعَتْ موصُولةً بهم الأسْبَاب ؛ نحو : \" خَرَجَ بِثِيَابِهِ \".\rالثَّانِي : أن تكُونَ للتعديَة ، اي : قَطَّعَتْهُم الأَسْبَابُ ؛ كما تقول : تَفَرَّقَتْ بهم الطُّرُقُ ، أي : فَرَّقَتْهُمْ.\rالثالث : أن تكون للسببيّة ، أي : تقطَّعت [بسبَب كُفْرهمُ الأَسْبَابُ الَّتي كانُوا يرْجُون بها النَّجَاةَ].","part":3,"page":78},{"id":976,"text":"الرابع : أن تكون بمعنى \" عَنْ \" [أي : تقطَّعت عنْهُم ، كقوله {فَاسْأَلْ بِهِ خَبِيراً} [الفرقان : 59] ، أي : عنهُ] وكقول علْقَمَةَ في ذلك : [الطويل]\r882 - فَإِنَّ تَسْأَلُونِي بِالنِّسَاءِ فإِنَّنِي... بَصِيرٌ بِأَدْوَاءِ النِّسِاءِ طَبيبُ\rأي : عن النِّسَاء. أ هـ {تفسير ابن عادل حـ 3 صـ 144 ـ 145}\rوقال البقاعى : \rوالسبب ما يتوصل به إلى حصول ، في الأصل الحبل ، ثم قيل لكل مقصد. قال الحرالي : وفيه إشعار بخلوّ بواطنهم من التقوى ومن استنادهم إلى الله سبحانه وتعالى في دنياهم ، وأنهم لم يكونوا عقلوا إلا تسبب بعضهم ببعض فتقطعت بهم الأسباب ولم يكن لهم ، لأن ذلك واقع بهم في أنفسهم لا واقع لهم في غيرهم ، فكأنهم كانوا نظام أسباب تقطعت بهم فانتثروا منها ، وأسبابهم وصل ما بينهم في الدنيا التي لم تثبت في الآخرة ، لأنها من الوصل الفانية لا من الوصل الباقية لأن متقاضى ما في الدنيا ما كان منه بحق فهو من الباقيات الصالحات وما كان منه عن هوى فهو من الفاني الفاسد - انتهى. {نظم الدرر حـ 1 صـ 303}","part":3,"page":79},{"id":977,"text":"لطيفة بلاغية\rوقوله {وتقطعت بهم الأسباب} تمثيلية شبهت هيئتهم عند خيبة أملهم حين لم يجدوا النعيم الذي تعبوا لأجله مدةَ حياتهم وقد جاءَ إبانه في ظنهم فوجدوا عوضه العذاب ، بحال المرتقى إلى النخلة ليجتنى الثمر الذي كد لأجله طول السنة فتقطع به السبب عند ارتقائه فسقط هالكاً ، فكذلك هؤلاء قد علم كلهم حينئذٍ أن لا نجاة لهم فحالهم كحال الساقط من علو لا ترجى له سلامة ، وهي تمثيلية بديعة لأنها الهيئة المشبهة تشتمل على سبْعة أشياء كل واحد منها يصلح لأن يكون مشَّبهاً بواحد من الأشياء التي تشتمل عليها الهيئة المشبه بها وهي : تشبيه المشرك في عبادته الأصنام واتباع دينها بالمرتقى بجامع السعي ، وتشبيه العبادة وقبول الآلهة منه بالحبل الموصل ، وتشبيه النعيم والثواب بالثمرة في أعلى النخلة لأنها لا يصل لها المرء إلا بعد طول وهو مدة العمر ، وتشبيه العمر بالنخلة في الطول ، وتشبيه الحرمان من الموصول للنعيم بتقطع الحبل ، وتشبيه الخيبة بالبعد عن الثمرة ، وتشبيه الوقوع في العذاب بالسقوط المهلك. وقلما تأتي في التمثيلية صلوحية أجزاء التشبيه المركب فيها لأن تكون تشبيهات مستقلة ، والوارد في ذلك يكون في أشياء قليلة كقول بشار الذي يُعد مثالاً في الحُسن\r : ... كأنَّ مُثار النَّقْع فوقَ رؤسِنا\rوأسيافَنَا لَيْلٌ تَهَاوَى كَواكِبُهْ... فليس في البيت أكثر من تشبيهات ثلاثة.\rفالباء في (بهم) للملابسة أي تقطعت الأسباب ملتبسة بهم أي فسقطوا ، وهذا المعنى هو محل التشبيه لأن الحبل لو تقطع غير ملابس للمرتقى عليه لما كان في ذلك ضر إذ يمسك بالنخلة ويتطلب سبباً آخر ينزل فيه ، ولذلك لم يقل وتقطعت أسبابُهم أو نحوه ، فمن قال إن الباء بمعنى عَن أو للسببية أو التعدية فقد بَعد عن البلاغة ، وبهذه الباء تقوَّم معنى التمثيلية بالصاعد إلى النخلة بحبل وهذا المعنى فائت في قول امرىء القيس\r : ... تقطَّعَ أسبابُ اللُّبانة والهَوى","part":3,"page":80},{"id":978,"text":"عَشِيَّةَ جاوَزْنا حَمَاةَ وشَيْزَرَا... وقوله : {وقال الذين اتبعوا} أظهر في مقام الإضمار لأن ضميري الغيبة اللذيْن قبله عائدان إلى مجموع الفريقين ، على أن في صلة {الذين اتبعوا} تنبيهاً على إغاظة المتبوعين وإثارة حسرتهم وذلك عذاب نفساني يضاعِفُ العذاب الجثماني وقد نبه عليه قوله : {كذلك يريهم الله أعمالهم حسرات عليهم}.\rو (لو) في قوله : {لو أن لنا كرة} مستعملة في التمني وهو استعمال كثير لحرف (لو) وأصلها الشرطية حُذف شرطها وجوابُها واستعيرت للتمني بعلاقة اللزوم لأن الشيء العسير المَنال يكثر تمنيه ، وسَدَّ المصدر مسد الشرط والجواب ، وتقدير الكلام لو ثبتت لنا كرة لتبرأنا منهم وانتصب ما كان جواباً على أنه جواب التمني وشاع هذا الاستعمال حتى صار من معاني لو وهو استعمال شائع وأصله مجاز مرسل مركب وهو في الآية مرشح بنصب الجواب. أ هـ\r{التحرير والتنوير حـ2 صـ 97 ـ 98}\rقوله تعالى {وَقَالَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا لَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً فَنَتَبَرَّأَ مِنْهُمْ كَمَا تَبَرَّءُوا مِنَّا كَذَلِكَ يُرِيهِمُ اللَّهُ أَعْمَالَهُمْ حَسَرَاتٍ عَلَيْهِمْ وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنَ النَّارِ (167)}\rقال الآلوسى : ","part":3,"page":81},{"id":979,"text":"{وَقَالَ الذين اتبعوا لَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً} أي لو ثبت لنا عودة ورجوع إلى الدنيا. {فَنَتَبَرَّأَ مِنْهُمْ} أي من المتبوعين {كَمَا تَبَرَّءواْ مِنَّا} تمنوا الرجوع إلى الدنيا حتى يطيعوا الله تعالى فيتبرءوا من متبوعيهم في الآخرة إذا حشروا جميعاً مثل تبرىء المتبوعين منهم مجازاة لهم بمثل صنيعهم ، أي كما جعلوا بالتبري غائظين متحيرين على متابعتهم نجعلهم أيضاً بالتبري غائظين متحيرين على ما حصل لنا بترك متابعتهم ، ولذا لم يتبرءوا منهم قبل تمني الرجوع لأنه لا يغيظ المتبوعين حيث تبرءوا من الأتباع أو لا ، ومن هنا يظهر وجه القراءة على البناء للفاعل لأن تبرؤ الأتباع من المتبوعين بالآخرة بالانفصال عنهم بعد ما تبين لهم عدم نفعهم ، وذلك لا يغيظ المتبوعين لاشتغال كل منهم بما يقاسيه ، فلذا تمنوا الرجوع إلى الدنيا ليتبرءوا منهم تبرؤاً يغيظهم. وأما قوله سبحانه : {كَمَا تَبَرَّءواْ} فلا يقتضي إلا وقوع التبرؤ من المتبوعين وهو منصوص في آية أخرى ولا يقتضي أن يكون مذكوراً فيما سبق ، وقيل : إن الأتباع بعد أن تبرءوا من المتبوعين يوم القيامة تمنوا الكرة إلى الدنيا مع متبوعيهم ليتبرءوا منهم فيها ويخذلوهم فيجتمع لهم ذل الدنيا والآخرة ويحتاج هذا التوجيه إلى اعتبار التغليب في {لَنَا} أي لنا ولهم ، إذ التبرؤ في الدنيا إنما يتصور إذا رجع كلتا الطائفتين. أ هـ\r{روح المعانى حـ 2 صـ 36}\rقوله تعالى {كَمَا تَبَرَّءُوا مِنَّا}\rفائدة\rالكاف في كما تبرءوا للتشبيه استعملت في المجازاة لأن شأن الجزاء أن يماثل الفعل المجازي قال تعالى : {وجزاؤا سيئة سيئة مثلها} [الشورى : 40] ، وهذه الكاف قريبة من كاف التعليل أو هي أصلها وأحسن ما يظهر فيه معنى المجازاة في غير القرآن قول أبي كبير الهذلي\r : ... أهُزُّ بهِ في ندوة الحي عطفه","part":3,"page":82},{"id":980,"text":"كما هَزَّ عِطفي بالهِجان الأوارك... ويمكن الفرق بين هذه الكاف وبين كاف التعليل أن المذكور بعدها إن كان من نوع المشبه كما في الآية وبيت أبي كبير جُعلت للمجازاة ، وإن كان من غير نوعه وما بعد الكاف باعثٌ على المشبه كانت للتعليل كما في قوله تعالى : {واذكروه كما هداكم} [البقرة : 198].\rوالمعنى أنهم تمنوا أن يعودوا إلى الدنيا بعدما علموا الحقيقة وانكشف لهم سوء صنيعهم فيدعوهم الرؤساء إلى دينهم فلا يجيبونهم ليَشفوا غيظهم من رؤسائهم الذين خذلوهم ولتحصل للرؤساء خيبة وانكسار كما خيبوهم في الآخرة. أ هـ {التحرير والتنوير حـ2 صـ 99}\rسؤال : فإن قلت هم إذا رجعوا رجعوا جميعاً عالمين بالحق فلا يدعوهم الرؤساء إلى عبادة الأوثان حتى يمتنعوا من إجابتهم.\rقلتُ باب التمني واسع فالأتباع تمنوا أن يعودوا إلى الدنيا عالمين بالحق ويعود المتبوعون في ضلالهم السابق وقد يقال اتهم الأتباع متبوعيهم بأنهم أضلوهم على بصيرة لعلمهم غالباً والأتباع مغرورون لجهلهم فهم إذا رجعوا جميعاً إلى الدنيا رجع المتبوعون على ما كانوا عليه من التضليل على علم بناء على أن ما رأوه يوم القيامة لم يزعهم لأنهم كانوا من قبل موقنين بالمصير إليه ورجع الأتباع عالمين بمكر المتبوعين فلا يطيعونهم. أ هـ {التحرير والتنوير حـ2 صـ 99}\rقوله تعالى {كَذَلِكَ يُرِيهِمُ اللَّهُ أَعْمَالَهُمْ}\rسؤال : ما المراد بالأعمال ؟ \rفي المراد بالأعمال أقوال.\rالأول : الطاعات يتحسرون لم ضيعوها عن السدي.\rالثاني : المعاصي وأعمالهم الخبيثة عن الربيع وابن زيد يتحسرون لم عملوها.\rالثالث : ثواب طاعاتهم التي أتوا بها فأحبطوه بالكفر عن الأصم.","part":3,"page":83},{"id":981,"text":"الرابع : أعمالهم التي تقربوا بها إلى رؤسائهم من تعظيمهم والانقياد لأمرهم ، والظاهر أن المراد الأعمال التي اتبعوا فيها السادة ، وهو كفرهم ومعاصيهم ، وإنما تكون حسرة بأن رأوها في صحيفتهم ، وأيقنوا بالجزاء عليها ، وكان يمكنهم تركها والعدول إلى الطاعات ، وفي هذا الوجه الإضافة حقيقية لأنهم عملوها ، وفي الثاني مجاز بمعنى لزمهم فلم يقوموا به. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 4 صـ 191}\rوقال الخازن : \rوقيل : يرفع لهم منازلهم في الجنة فيقال لهم تلك مساكنكم لو أطعتم الله ثم تقسم بين المؤمنين فذلك حين يتحسرون ويندمون على ما فاتهم ولا ينفعهم الندم. أ هـ {تفسير الخازن حـ 1 صـ 101}\rسؤال : لم أضيفت الأعمال إليهم ؟ \rالجواب : وأضيفت هذه الأعمال إليهم من حيث هم مأمورون بها ، وأما إضافة الفاسدة إليهم فمن حيث عملوها. أ هـ {المحرر الوجيز حـ 1 صـ 236}\rقوله تعالى {حَسَرَاتٍ عَلَيْهِمْ}\rوالحسرة أعلى درجات الندامة والهم بما فات ، وهي مشتقة من الشيء الحسير الذي قد انقطع وذهبت قوته كالبعير والبصر ، وقيل هي من حسر إذا كشف ، ومنه قول النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ : \" يحسر الفرات عن جبل من ذهب\". أ هـ {المحرر الوجيز حـ 1 صـ 236}\rوقال العلامة ابن عاشور : \rوجملة {كذلك يريهم الله أعمالهم حسرات عليهم} تذييل وفذلكة لقصة تبَري المتبوعين من أتباعهم.\rوالإشارة في قوله : {كذلك يريهم الله} للإراءة المأخوذة من {يريهم} على أسلوب {وكذلك جعلناكم أمةً وسطاً} [البقرة : 143].","part":3,"page":84},{"id":982,"text":"والمعنى أن الله يريهم عواقب أعمالهم إراءً مثل هذا الإراءِ إذ لا يكون إراءٌ لأعمالهم أوقعَ منه فهو تشبيه الشيء بنفسه باختلاف الاعتبار كأنه يُرام أن يريهم أعمالهم في كيفية شنيعة فلم يوجد أشنعُ من هذه الحالة ، وهذا مثل الإخبار عن المبتدأ بلفظه في نحو شِعْرِي شِعْرى ، أو بمرادفه نحو والسفاهة كاسمها ، وقد تقدم تفصيله عند قوله تعالى : {وكذلك جعلناكم أمةً وسطاً}.\rوالإراءة هنا بصرية ولذلك فقوله : {حسرات عليهم} حال من {أعمالهم} ومعنى {يريهم الله أعمالهم} يريهم ما هو عواقب أعمالهم لأن الأعمال لا تدرك بالبصر لأنها انقضت فلا يحسُّون بها. أ هـ {التحرير والتنوير حـ 2 صـ 99 ـ 100}\rقوله تعالى {وَمَا هُم بخارجين مِنَ النار}\rقال البقاعى : \r{وما هم} أي بفائت خروجهم بل هم وإن خرجوا من السعير إلى الزمهرير يعودون إليه {بخارجين من النار} يوماً من الأيام ولا ساعة من الساعات بل هم خالدون فيها على طول الآباد ومر الأحقاب ، بخلاف عصاة المؤمنين فإنهم إذا خرجوا منها لم يعودوا إليها. قال الحرالي : وفيه إشعار بقصدهم الفرار منها والخروج كما قال سبحانه وتعالى : {كلما أرادوا أن يخرجوا منها أعيدوا فيها} [السجدة : 20] فأنبأ تعالى أن وجهتهم للخروج لا تنفعهم ، فلم تبق لهم منّة تنهضهم منها حتى ينتظم قطع رجائهم من منة أنفسهم بقطع رجائهم ممن اعتلقوا به من شركائهم ولم يكن {وما هم منها بمخرجين} [الحجر : 48] كما قال في أهل الجنة للإشعار بأن اليأس والانقطاع واقع منهم على أنفسهم ، فكما كان بوادي أعمالهم في الدنيا من أنفسهم عندهم جرى نبأ جزائها على حد ذلك في المعنى كما قال : أعمال أهل الجنة عندهم من توفيق ربهم جرى ذكر جزائهم على حد ذلك من المعنى بحسب ما يقتضيه اختلاف الصيغتين - انتهى.\rأ هـ {نظم الدرر حـ 1 صـ 204}\rوقال الآلوسى : ","part":3,"page":85},{"id":983,"text":"{وَمَا هُم بخارجين مِنَ النار} المتبادر في أمثاله حصر النفي في المسند إليه نحو {وَمَا أَنَاْ بِطَارِدِ الذين ءامَنُواْ} [هود : 9 2] {وَمَا أَنتَ عَلَيْنَا بِعَزِيزٍ} [هود : 1 9] ففيه إشارة إلى عدم خلود عصاة المؤمنين الداخلين في قوله تعالى : {والذين ءامَنُواْ أَشَدُّ حُبّا لِلَّهِ} [البقرة : 165] في النار ، وإذا أريد من {الذين ظَلَمُواْ} [البقرة : 165] الكفار مطلقاً دون المشركين فقط كان الحصر حقيقياً ، ويكون المقصود منه المبالغة في الوعيد بأنه لا يشاركهم في الخلود غيرهم ، فإن الشركة تهوّن العقوبات ، وقيل : إن المقصود نفي أصل الفعل لأنه اللائق بمقام الوعيد لا حصر النفي إذ ليس المقام مقام تردد ونزاع في أن الخارج هم أو غيرهم على الشركة أو الانفراد وإن كان صحيحاً بالنظر إلى العصاة إلا أنه غير إلى ما ترى إفادة للمبالغة في الخلود ، والإقناط عن الخلاص ، والرجوع إلى الدنيا ، وزيادة الباء وإخراج ذواتهم من عداد الخارجين لتأكيد النفي ، وأنت تعلم أنه إذا لم يعتبر في الحصر حال المخاطب لم يبق فيه ما يقال سوى أن ظواهر بعض الآيات تقتضي عدم إرادة الحصر ، ومن ذلك قوله تعالى : {يُرِيدُونَ أَن يَخْرُجُواْ مِنَ النار وَمَا هُم بخارجين مِنْهَا} [المائدة : 7 3]. أ هـ\r{روح المعانى حـ 2 صـ 37}\rفائدة\rقال الإمام فخر الدين الرازى : \rأما قوله تعالى : {وَمَا هُم بخارجين مِنَ النار} فقد احتج به الأصحاب على أن أصحاب الكبيرة من أهل القبلة يخرجون من النار فقالوا : إن قوله {وَمَا هُمْ} تخصيص لهم بعدم الخروج على سبيل الحصر فوجب أن يكون عدم الخروج مخصوصاً بهم ، وهذه الآية تكشف عن المراد بقوله : {وَإِنَّ الفجار لَفِى جَحِيمٍ يَصْلَوْنَهَا يَوْمَ الدين وَمَا هُمَ عَنْهَا بِغَائِبِينَ} [الانفطار : 14 16] وثبت أن المراد بالفجار ههنا الكفار لدلالة هذه الآية عليه. أ هـ\r{مفاتيح الغيب حـ 4 صـ 191 ـ 192}","part":3,"page":86},{"id":984,"text":"قوله تعالى {يَا أَيُّهَا النَّاسُ كُلُوا مِمَّا فِي الْأَرْضِ حَلَالًا طَيِّبًا وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ (168) إِنَّمَا يَأْمُرُكُمْ بِالسُّوءِ وَالْفَحْشَاءِ وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ (169)}\rمناسبة الآية لما قبلها\rقال الإمام البقاعى : ","part":3,"page":87},{"id":985,"text":"ولما عجب سبحانه وتعالى من الضالين وبين من مآلهم ما يزجر مثله من له أدنى عقل فكانوا بذلك في عداد المقبل بعد الإدبار والمذعن بعد الاستكبار أقبل على الكل كما فعل في آية التوحيد الأولى فقال {يا أيها الناس اعبدوا ربكم} إقبال متلطف بعموم الإذن في تناول ما أبدعه لهم ورحمهم به في هذا الملكوت المذكور في ضمن ما نصب من الأدلة تذكيراً لهم بالنعمة وتودداً إليهم بجميع ما يوجب المحبة وإشارة إلى أنه هو الذي خلق لهم ما تقربوا به إلى غيره مما ادعوه نداً من البحيرة والسائبة والوصيلة وما شاكلها فقال {يا أيها الناس} وإن اختصرت فقل : لما أقام سبحانه وتعالى الدليل على الوحدانية بما خلق من المنافع وصنف الناس صنفين ضال معطوف دال بعطفه على غير مذكور على مهتد معطوف عليه وختم بتأبيد عذاب الضال أقبل على الصنفين إقبال متلطف مترفق مستعطف منادياً لهم إلى تأبيد نفعهم قائلاً : {يا أيها الناس} أي كافة. وقال الحرالي : لما استوفى سبحانه وتعالى ذكر أمر الدين إلى أنهاه من رتبة دين الإسلام الذي رضيه وكان الدين هو غذاء القلوب وزكاة الأنفس نظم به ذكر غذاء الأبدان من الأقوات ليتم بذكر النماءين نماء الذوات ظاهرها البدني وباطنها الديني ، لما بين تغذي الأبدان وقوام الأديان من التعاون على جمع أمري صلاح العمل ظاهراً وقبوله باطناً ، قال عليه الصلاة والسلام : \" لا يقبل الله عملاً إلا بالورع الشافي \" ؛ وكما قيل : ملاك الدين الورع ، وهلاكه الترف ، ونقصه السرف ؛ فكما انتظم الكتاب قصر الخلق على أفضل متصرفاتهم في التدين اتصل به قصرهم على أفضل مأكلهم في التقوت ، ولما ذكر الدين في رتبتي صنفين من الناس والذين آمنوا انتظم به ذكر المأكل في صنفيهما فقال {يا أيها الناس} فانتظم بخطاب قوله تعالى {يا أيها الناس اعبدوا ربكم} لما بين العبادة والمأكل من الالتزام - انتهى.\r","part":3,"page":88},{"id":986,"text":"ولما كانت رتبة الناس من أدنى المراتب في خطابهم أطلق لهم الإذن تلطفاً بهم ولم يفجأهم بالتقييد فقال مبيحاً لهم ما أنعم به عليهم {كلوا} ولما كان في الأرض ما لا يؤكل قال : {مما في الأرض} أي مما بينا لكم أنه من أدلة الوحدانية\rأ هـ {نظم الدرر حـ 1 صـ 204 ـ 205}\rوقال الفخر : \rاعلم أنه تعالى لما بين التوحيد ودلائله ، وما للموحدين من الثواب وأتبعه بذكر الشرك ومن يتخذ من دون الله أنداداً ، ويتبع رؤساء الكفر أتبع ذلك بذكر إنعامه على الفريقين وإحسانه إليهم وأن معصية من عصاه وكفر من كفر به لم تؤثر في قطع إحسانه ونعمه عنهم ، فقال : {يا أيها الناس كُلُواْ مِمَّا فِى الأرض} أ هـ\r{مفاتيح الغيب حـ 5 صـ 3}\rقال الخازن : \rقوله عز وجل : {يا أيها الناس كلوا في الأرض حلالاً طيباً} نزلت في ثقيف وخزاعة وعامر بن صعصعة وبني مدلج فيما حرموا على أنفسهم من الحرث والأنعام والبحيرة والسائبة والوصيلة والحام. أ هـ\r{تفسير الخازن حـ 1صـ 101}\rقوله تعالى {كُلُواْ مِمَّا فِي الأرض}\rقال ابن عرفة : \rقوله تعالى : {ياأيها الناس كُلُواْ مِمَّا فِي الأرض حَلاَلاً طَيِّباً...}.\rقال ابن عرفة : هذا الأمر إما للوجوب أي أوجب الله علينا الأكل لأنّ به قوام الأجسام ، أو لوجوب الأكل من الحلال. وإما للندب أو للإباحة وفيه دليل على أنّ الأشياء على الحظر ، أو على الإباحة. أ هـ {تفسير ابن عرفة صـ 211}\rقوله تعالى {مما في الأرض}\rومِن في قوله : {مما في الأرض} للتبعيض ، فالتبعيض راجع إلى كون المأكول بعضاً من كل نوع وليس راجعاً إلى كون المأكول أنواعاً دون أنواع ، لأنه يفوت غرض الآية ، فما في الأرض عام خصصه الوصف بقوله : {حلالاً طيباً} فخرجت المحرمات الثابت تحريمها بالكتاب أو السنة. أ هـ\r{التحرير والتنوير حـ 2 صـ 102}\rقوله تعالى {حلالا}","part":3,"page":89},{"id":987,"text":"الحلال المباح الذي انحلت عقدة الحظر عنه وأصله من الحل الذي هو نقيض العقد ومنه : حل بالمكان إذا نزل به ، لأنه حل شد الارتحال للنزول وحل الدين إذا وجب لانحلال العقدة بإنقضاء المدة ، وحل من إحرامه ، لأنه حل عقدة الإحرام ، وحلت عليه العقوبة ، أي وجبت لانحلال العقدة بالمانعة من العذاب والحلة الإزار والرداء ، لأنه يحل عن الطي للبس ، ومن هذا تحلة اليمين ، لأنه عقدة اليمين تنحل به ، واعلم أن الحرام قد يكون حراماً لخبثه كالميتة والدم والخمر ، وقد يكون حراماً لا لخبثه ، كملك الغير إذا لم يأذن في أكله فالحلال هو الخالي عن القيدين. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 5 صـ 3}\rقوله تعالى {طيبا}\rالطيب في اللغة قد يكون بمعنى الطاهر والحلال يوصف بأنه طيب ، لأن الحرام يوصف بأنه خبيث قال تعالى : {قُل لاَّ يَسْتَوِى الخبيث والطيب} [المائدة : 100] والطيب في الأصل هو ما يستلذ به ويستطاب ووصف به الطاهر والحلال على جهة التشبيه ، لأن النجس تكرهه النفس فلا تستلذه والحرام غير مستلذ ، لأن الشرع يزجر عنه وفي المراد بالطيب في الآية وجهان الأول : أنه المستلذ لأنا لو حملناه على الحلال لزم التكرار فعلى هذا إنما يكون طيباً إذا كان من جنس ما يشتهي لأنه إن تناول ما لا شهوة له فيه عاد حراماً وإن كان يبعد أن يقع ذلك من العاقل إلا عند شبهة والثاني : المرادمنه المباح وقوله يلزم التكرار قلنا : لا نسلم فإن قوله : {حلالا} المراد منه ما يكون جنسه حلالاً وقوله {طَيّباً} المراد منه لا يكون متعلقاً به حق الغير فإن أكل الحرام وإن اسطابه الآكل فمن حيث يفضي إلى العقاب يصير مضرة ولا يكون مستطاباً ، كما قال تعالى : {إِنَّ الذين يَأْكُلُونَ أموال اليتامى ظُلْماً إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِى بُطُونِهِمْ نَاراً} [النساء : 10].\rأ هـ {مفاتيح الغيب حـ 5 صـ 3 ـ 4}","part":3,"page":90},{"id":988,"text":"وقال فى التحرير والتنوير : \rوفي هذا الوصف معنى عظيم من الإيماء إلى قاعدة الحلال والحرام فلذلك\rقال علماؤنا : إن حكم الأشياء التي لم ينص الشرع فيها بشيء أن أصل المضار منها التحريم وأصل المنافع الحل ، وهذا بالنظر إلى ذات الشيء بقطع النظر عن عوارضه كتعلق حق الغير به الموجب تحريمه ، إذ التحريم حينئذٍ حكم للعارض لا للمعروض.\rوقد فسر الطيب هنا بما يبيحه الشرع وهو بعيد لأنه يفضي إلى التكرار ، ولأنه يقتضي استعمال لفظ في معنى غير متعارف عندهم. أ هـ\r{التحرير والتنوير حـ 2 صـ 102}\rأصل الحليّة\rهذه الآية تدل على أنّ الأصل في كل الأغذية الموجودة على ظهر الأرض الحليّة ، والمستثناة هي الأغذية المحرمة.\rمن هنا فإن الحرمة تحتاج إلى دليل لا الحلية. وهذا ما يقتضيه أيضاً طبيعة الخليقة. إذ لابدّ من وجود تنسيق بين القوانين التشريعية والقوانين التكوينية.\rبعبارة أوضح ما خلقه الله لابدّ أن ينطوي على فائدة لعباده. من هنا فلا معنى أن يكون الأصل الأوّلى للأطعمة على ظهر الأرض التحريم. فكل غذاء إذن حسب هذه الآية الكريمة حلال ما لم تثبت حرمته بدليل صحيح ، ومادام لا يشكل ضرراً على الفرد والمجتمع. أ هـ {الأمثل حـ 1 صـ 355}\rوقال الآلوسى : ","part":3,"page":91},{"id":989,"text":"وقوله تعالى : {طَيّباً} صفة {حلالا} ومعناه كما قال الإمام مالك ما يجده فم الشرع لذيذاً لا يعا فهو لا يكرهه ، أو تراه عينه طاهراً عن دنس الشبهة ، وفائدة وصف الحلال به تعميم الحكم كما في قوله تعالى : {وَمَا مِن دَابَّةٍ فِى الارض} [الأنعام : 8 3] ليحصل الرد على من حرم بعض الحلالات ، فإن النكرة الموصوفة بصفة عامة تعم بخلاف غير الموصوفة ، وقال الإمام الشافعي رضي الله تعالى عنه : المراد به ما تستطيبه الشهوة المستقيمة الناشئة من المزاج الصحيح ، ورد بأن ما لا تستطيبه إما حلال لا شبهة فيه فلا منع وإلا خرج بقيد الحلال ، وأجيب بأن المراد بالحلال ما نص الشارع على حله وبهذا ما لم يرد فيه نص ولكنه مما يستلذ ويشتهيه الطبع المستقيم ، ولم يكن في الشرع ما يدل على حرمته كاسكار وضرر ، والأولى نظراً للمقام أن يقال إن التقييد ليس للاحتراز عما تستطيبه الشهوة الفاسدة بل لكونه معتبراً في مفهومه إذ لا يقال الطيب واللذيذ إلا على ما تستلذه الشهوة المستقيمة وتكون فائدة التوصيف حينئذٍ التنصيص على إباحة ما حرموه ، والقول بأن في الآية على هذا التفسير إشارة إلى النهي عن الأكل على امتلاء المعدة والشهوة الكاذبة لأن ذلك لا يستطيب لا يستطيب لأن الطعام اللذيذ المأكول كذلك مما تستطيبه الشهوة إلا أنه ليس مأكولاً بالشهوة المستقيمة ، وبين المعنيين بعد بعيد كما قاله بعض المحققين واستدل بعضهم بالآية على أن من حرم طعاماً مثلاً فهو لاغ ولا يحرم عليه ، وفيه خفاء لا يخفى.\rأ هـ {روح المعانى حـ 2 صـ 39}\rقوله تعالى {وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ}","part":3,"page":92},{"id":990,"text":"قال ابن السكيت فيما رواه عنه الجبائي الخطوة والخطوة بمعنى واحد وحكى عن الفراء : خطوت خطوة والخطوة ما بين القدمين كما يقال : حثوت حثوة ، والحثوة اسم لما تحثيت ، وكذلك غرفت غرفة والغرفة اسم لما اغترفت ، وإذا كان كذلك فالخطوة المكان المتخطى كما أن الغرفة هي الشيء المغترف بالكف فيكون المعنى : لا تتبعوا سبيله ولا تسلكوا طريقه لأن الخطوة اسم مكان ، وهذا قول الزجاج وابن قتيبة فانهما قالا : خطوات الشيطان طر فهو إن جعلت الخطوة بمعنى الخطوة كما ذكره الجبائي فالتقدير : لا تأتموا به ولا تقفوا أثره والمعنيان مقاربان وإن اختلف التقديران هذا ما يتعلق باللغة ، وأما المعنى فليس مراد الله ههنا ما يتعلق باللغة بل كأنه قيل لمن أبيح له الأكل على الوصف المذكور احذر أن تتعداه إلى ما يدعوك إليه الشيطان وزجر المكلف بهذا الكلام عن تخطي الحلال إلى الشبه كما زجره عن تخطيه إلى الحرام لأن الشيطان إنما يلقي إلى المرء ما يجري مجرى الشبهة فيزين بذلك ما لا يحل له فزجر الله تعالى عن ذلك ، ثم بين العلة في هذا التحذير ، وهو كونه عدواً مبيناً أي متظاهر بالعداوة ، وذلك لأن الشيطان التزم أموراً سبعة في العداوة أربعة منها في قوله تعالى : {وَلأُضِلَّنَّهُمْ وَلأُمَنّيَنَّهُمْ وَلأَمُرَنَّهُمْ فَلَيُبَتّكُنَّ ءَاذَانَ الأنعام وَلأَمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيّرُنَّ خَلْقَ الله} [النساء : 119] وثلاثة منها في قوله تعالى : {لأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صراطك المستقيم ثُمَّ لآتِيَنَّهُم مّن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أيمانهم وَعَن شَمَائِلِهِمْ وَلاَ تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شاكرين} [الأعراف : 16 17] فلما التزم الشيطان هذه الأمور كان عدواً متظاهراً بالعداوة فلهذا وصفه الله تعالى بذلك. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 5 صـ 4}\rوقال الماوردى : ","part":3,"page":93},{"id":991,"text":"{وَلاَ تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ} وهي جمع خطوة ، واختلف أهل التفسير في المراد بها على أربعة أقاويل : \rأحدها : أن خطوات الشيطان أعماله ، وهو قول ابن عباس.\rوالثاني : أنها خطاياه وهو قول مجاهد.\rوالثالث : أنها طاعته ، وهو قول السدي.\rوالرابع : أنها النذور في المعاصي. أ هـ {النكت والعيون حـ 1 صـ 220}\rوقال العلامة ابن عاشور : \rواللام في {الشيطان} للجنس ، ويجوز أن تكون للعهد ، ويكون المراد إبليسَ وهو أصل الشياطين وآمرهم فكل ما ينشأ من وسوسة الشياطين فهو راجع إليه لأنه الذي خطا الخطوات الأولى. أ هـ {التحرير والتنوير حـ 2 صـ 103}\rطريقة الوسوسة الشّيطانية\rالآية الكريمة تحدثت عن أمر الشيطان : فقالت : (إِنَّمَا يَأْمُرُكُمْ بِالسُّوءِ وَالْفَحْشَاءِ...) وهذا الأمر هو الوسوسة الشيطانية. وقد يطرح سؤال بشأن هذه الأوامر الشيطانية إذ لا يحسّ الإنسان بأمر خارجي يصدر إليه حين يرتكب السيئات ، ولا يتلمس سعياً شيطانياً لإضلاله.\rالجواب هو أن هذه \"الوسوسة\" تأثير خفي عبّرت عنه بعض الآيات بالإيحاء : (وَإِنَّ الشَّياطِينَ لَيُوحُونَ إِلى أَوْلِيَائِهِمْ)(486). والإيحاء من \"الوحي\" الذي هو تأثير غيبي خفي أو التأثيرات اللاواعية أحياناً.\rوثمّة فرق بين \"الإلهام الإلهي\" و\"الوسوسة الشيطانية\" هو أن الإلهام الإلهي لانسجامه مع الفطرة الإنسانية ومع تركيب الجسم والروح ، يترك في النفس حالة انبساط وانشراح.\rبينما الوسوسة الشيطانية لتناقضها مع الفطرة الإنسانية السليمة ، تجعل القلب يحسّ بظلام وانزعاج وثقل. وإن لم يحدث فيه مثل هذا الإحساس قبل ارتكاب السيئة فإنه يحسّ بها بعد الارتكاب. هذا هو الفرق بين الإلهامات الشيطانية والإلهامات الإلهية. أ هـ {الأمثل حـ 1 صـ 356}\rقوله تعالى {إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ}","part":3,"page":94},{"id":992,"text":"ومعنى المبين الظاهر العداوة من أبان الذي هو بمعنى بان وليس من أبان الذي همزته للتعدية بمعنى أظهر لأن الشيطان لا يُظهر لنا العداوة بل يلبس لنا وسوسته في لباس النصيحة أو جلب الملائم ، ولذلك سماه الله وليّاً فقال : {ومن يتخذ الشيطان ولياً من دون الله فقد خسر خسراناً مبيناً} [النساء : 119] ، إلاّ أن الله فضحه فلم يبق مسلم تروج عليه تلبيساته حتى في حال اتِّباعه لخطواته فهو يعلم أنها وساوسه المضرة إلاّ أنه تغلبه شهوته وضعف عزيمته ورقة ديانته.\rأ هـ {التحرير والتنوير حـ 2 صـ 104}\rلطيفة\rالحرام - وإنْ اسْتُلِذَّ في الحال - فهو وبيء في المآل ، والحلال - وإن اسْتُكْرِه في الحال - فهو مريء في المآل.\rوالحلال الصافي ما لم ينسَ مُكْتَسِبُه الحقَّ في حال اكتسابه.\rويقال الحلال ما حصله الجامع له والمكتسب على شهود الحق في كل حال.\rوكلُّ ما يحملك على نسيان الحق أو عصيان الحق فهو من خطوات الشيطان.\rأ هـ {لطائف الإشارات حـ 1 صـ 146}","part":3,"page":95},{"id":993,"text":"بحث نفيس فى الحلال\rقال الأستاذ أبو الحسن الحرالي في كتاب العروة في حرف الحلال : وجه إنزال هذا الحرف توسيع الاستمتاع بما خلق الله في الأرض من نعمة وخيره الموافقة لطباعهم وأمزجتهم وقبول نفوسهم في جميع جهات الاستمتاع من طعام وشراب ولباس ومركب ومأوى وسائر ما ينتفع به مما أخرج الله سبحانه وتعالى ومما بثه في الأرض وما عملت أيديهم في ذلك من صنعة وتركيب ومزج ليشهدوا دوام لبس الخلق الجديد في كل خلق على حسب ما منه فطر خلقه ؛ ولما كان الإنسان مخلوقاً من صفاوة كل شيء توسع له بجهات الانتفاع بكل شيء إلا ما استثنى منه بحرف الحرام ووجهه كما استثنى لآدم أكل الشجرة من متسع رغد الجنة فكان له المتاع بجميعه إلا ما أضر ببدنه أو خبث نفسه أو ران على علم قلبه وذلك بأن يسوغ له طبعاً وتحسن مغبّته في أخلاق نفسه ويسنده قلبه لمنعمه الذي يشهد منه بداياته وتكملاته تجربة ثم كمل القرآن ذلك بإخلاصه للمنعم من غير أثر لما سواه فيه وجامع منزله بحسب ترتيب القرآن قوله تعالى {هو الذي خلق لكم ما في الأرض جميعاً} [البقرة : 29] ومن أوائله بحسب ترتيب - البيان والله سبحانه وتعالى أعلم {هو الذي أنزل لكم من السماء ماء لكم منه شراب ومنه شجر فيه تسيمون} [النحل : 10] الآية وسائر الآيات الواردة في سورة النحل وفي سورة يس إذ هي القلب الذي منه مداد القرآن كله في قوله تعالى : {وآية لهم الأرض الميتة أحييناها وأخرجنا منها حباً فمنه يأكلون} [يس : 23] الآيات إلى سائر ما في القرآن من نحوه ، ومن متسع خلال هذا الحرف وقعت الفتنة على الخلق بما زين لهم منه {زين للناس حب الشهوات من النساء والبنين} [آل عمران : 14] الآية ووجه فتنته أن على قدر التبسط فيه يحرم من طيب الآخرة {أذهبتم طيباتكم في حياتكم الدنيا واستمتعتم بها} [الأحقاف : 20] \" إنما يلبس هذه من لا خلاق له في الآخرة \" {فاستمتعوا بخلاقهم} [التوبة : 69] ومن رؤية سوء هذا المخبر نشأ","part":3,"page":96},{"id":994,"text":"زهد الزاهدين ، ومن رؤية حسن المتجر وربحه وتضاعفه إلى ما لا يدرك مداه ونعيمه في بيع خلاق الدنيا بخلاق الآخرة نشأ ورع المتورعين ؛ فاستراحت قلوبهم بالزهد ، وانكفؤوا بالورع عن الكد ، وتفرغت قلوبهم وأعمالهم لبذل الجد في سبيل الحمد ، وتميز الشقي من السعيد بالرغبة فيه أو عنه ، فمن رغب في الحلال شقي ومن رغب عنه سعد ؛ وهو الحرف الذي قبض بسطه حرف النهي حتى لم يبق لابن آدم حظ فيما زاد على جلف الطعام وهي كسرة وثوب يستره وبيت يكنه ، وما زاد عليه متجر إن أنفقه ربحه وقدم عليه وإن ادخره خسره وندم عليه ؛ ولذلك لم يأذن الله سبحانه وتعالى لأحد في أكله حتى يتصف بالطيب للناس الذين هم أدنى المخاطبين بانسلاخ أكثرهم من العقل والشكر والإيمان {يا أيها الناس كلوا مما في الأرض حلالاً طيباً} [البقرة : 168] ومحا اسمه عن الذين آمنوا وهم الذين لا يثبتون ولا يدومون على خير أحوالهم بل يخلصون وذلك في قوله تعالى\r","part":3,"page":97},{"id":995,"text":"{يا أيها الذين آمنوا كلوا من طيبات ما رزقناكم} [البقرة : 172] وهو ما طيبه حرف النهي علماً ، وبرىء من حوادّ القلوب طمأنينة ، وتمم وأنهى صفوة للمرسلين فقال {يا أيها الرسل كلوا من الطيبات} [المؤمنون : 51] وورد جواباً لسؤالهم في قوله تعالى {يسألونك ماذا أحل لهم قل أحل لكم الطيبات} [المائدة : 4] ؛ فمن آثر حرف النهي على حرف الحلال فقد تزكى واتبع الأحسن وصح هداه وصفا لبّه ومن آثر حرف الحلال على حرف النهي فقد تدسّى وحرم هدى الكتب وعلم الحكمة ومزيد التأبيد بما فاته من التزكية وتورط فيه من التدسية والله يقول الحق وهو يهدي السبيل. ثم قال فيما به تحصل قراءته : اعلم أن الإنسان لما كان جامعاً كان بكل شيء منتفعاً أما في حال السعة فمع استثناء أشياء يسيرة مما يضره من جهة نفسه أو غيره أو ربه على ما ذكر في الفصل الأول أي حرف الحرام {هو الذي خلق لكم ما في الأرض جميعاً} [البقرة : 29] {قل لا أجد فيما أوحي إلي محرماً} [الأنعام : 145] الآية : وأما في حال الضرورة فبغير استثناء البتة {فمن اضطر غير باغ ولا عاد فلا إثم عليه} [البقرة : 173] ؛ {فمن اضطر في مخمصة غير متجانف لإثم فإن الله غفور رحيم} [المائدة : 3] ؛ والذي تحصل به قراءة هذا الحرف أما من جهة القلب فمعرفة حكمة الله في المتناول من مخلوقاته ومعرفة أخص منافعها مما خلقه ، ليكون غذاء في سعة أو ضرورة وإداماً أو فاكهة أو دواء كذلك ؛ ومعرفة موازنة ما بين الانتفاع بالشيء ومضرته واستعماله على حكم الأغلب من منفعته ، أو اجتنابه على حكم الأغلب من مضرته {قل فيهما إثم كبير ومنافع للناس وإثمهما أكبر من نفعهما} [البقرة : 219] وذلك مدرك عن الله سبحانه وتعالى باعتبار العقل وإدراك الحس في مخلوقاته كما أدركه الحنيفيون ، كان الصديق رضي الله تعالى عنه قد حرم الخمر على نفسه في الجاهلية ، وكان إذا أخذ عليه في ذلك يقول : والله لو أصبت","part":3,"page":98},{"id":996,"text":"شيئاً أشتريه بمالي كله يزيد في عقلي لفعلت فكيف أشتري بمالي شيئاً ينقص من عقلي! وكان رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ كثيراً ما ينبه على حكمة الله سبحانه وتعالى في الأشياء التي بها تتناول أو تجتنب عملاً بقوله تعالى\r","part":3,"page":99},{"id":997,"text":"{يزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة} [آل عمران : 164] فقال لطلحة رضي الله تعالى عنه وقد ناوله سفرجلة \" تذهب بطخاء الفؤاد \" وقال لأبي هريرة رضي الله تعالى عنه وهو رمد في خبز الشعير والسلق : \" كل من هذا فإنه أوفق لك \" وقال في التمر والقثاء : \" حر هذا يكسر برد هذا \" وقال لرمد : \" أتأكل التمر وأنت رمد \" وقال لعائشة رضي الله تعالى عنها في الماء المشمس : \" لا تفعلي يا حميراء! فإنه يولد البرص \" وقال : \" استاكوا بكل عود ما خلا الآس والرمان فإنهما يهيجان عرق الجذام \" وقال لامرأة استطلقت بالشُّبْرُم : \" حار جار ، ألا استطلقت بالسنا ؟ فإنه لو كان شيء يذهب الداء لأذهبه السنا \" إلى غير ذلك مما إذا أباحه أو حظره نبه على حكمته. وكانت عائشة رضي الله تعالى عنها تقول للمريض : اصنعوا له خزيرة فإنها مَجَمّة لفؤاد المريض وتذهب بعض الحزن. ومثل ذلك كثير من كلام العلماء رضي الله تعالى عنهم ومجربات الحكماء ومعارف الحكماء الحنفاء ، قال الشافعي رحمه الله تعالى في قوله سبحانه وتعالى {يحل لهم الطيبات ويحرم عليهم الخبائث} [الأعراف : 157] الطيبات ما استطابته نفوس العرب ، والخبائث ما استخبثته نفوس العرب ؛ هذا من جهة القلب وأما من جهة النفس فسخاؤها بما يقع فيه الاشتراك من المنتفعات المحللات ، لأن الشحّ بالحلال عن مستحقه محظر له على المختص به الضيافة على أهل الوبر {وإذا حضر القسمة أولو القربى واليتامى والمساكين فارزقوهم منه} [النساء : 8] {وآت ذا القربى حقه والمسكين وابن السبيل} [الروم : 38] {فكلوا منها وأطعموا القانع والمعتر} [الحج : 36] وكذلك صبرها عما تشتهيه من المضرات من الوجوه المذكورة {إنما الخمر والميسر} [المائدة : 90] إلى قوله {لعلكم تفلحون} {ولا تأكلوا أموالهم إلى أموالكم} [النساء : 2] {ومن يوق شح نفسه فأولئك هم المفلحون} [الحشر : 9 والتغابن : 16] وكذلك التراضي وطيب","part":3,"page":100},{"id":998,"text":"النفس فيما يقع فيه الاشتراك {إلا أن تكون تجارة عن تراض منكم} [النساء : 29] {فإن طبن لكم عن شيء منه نفساً فكلوه هنيئاً مريئاً} [النساء : 4] هذه الشروط الثلاثة من السخاء والصبر والتراضي في النفس ، وأما في العمل وتناول اليد فأول ذلك ذكر الله والتسمية عند كل متناول ، لأن كل شيء لله فما تنوول باسمه أخذ بإذنه وما تنوول بغير اسمه أخذ تلصصاً على غير وجهه وشارك الشيطان في تناوله فتبعه المتناول معه في خطواته وشاركهم في الأموال والأولاد ؛ جاء أعرابي وصبي ليأكلا طعاماً بين أيدي النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ بغير تسمية فأخذ بأيديهما وقال \" إن الشيطان جاء ليستحل بهما هذا الطعام ، والذي نفسي بيده! إن يده في يدي مع أيديهما \" فسمى النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ وأكل ثم أطلقها وقال : \r","part":3,"page":101},{"id":999,"text":"\" كلا باسم الله \" وقال لغلام آكل : \" يا غلام! سمّ الله \" والثاني التناول باليمين ، لأن الشيطان يأكل بشماله ويشرب بشماله ، واليمين خادم ما علا من الجسد والشمال خادم ما سفل منه. والثالث أن يتناول تناول تقنّع وترفع عن تناول النهبة \" كان رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ يأكل بثلاثة أصابع \" \" ويشرب مصّاً في ثلاث \" وقال : \" هو أبرأ وأمرأ وأهنأ \" وقال : \" الكُباد من العبّ \" والرابع الاكتفاء بما دون الشبع لما في ذلك من حسن اغتذاء البدن وحفظ الحواس الظاهرة والباطنة ؛ ومن علامات الساعة ظهور السمن عن الأكل في الرجال ؛ و\" ما ملأ ابن آدم وعاء شراً من بطن \" و\" ما دخلت الحكمة معدة ملئت طعاماً \" و\" المؤمن يأكل في معّى واحد والكافر يأكل في سبعة أمعاء \" لتوكل المؤمن في قوامه ولا تكال الكافر على الغذاء في قوته : \" وحسب المؤمن لقيمات يقمن صلبه ، فإن كان ولا بد فاعلاً فثلث للطعام وثلث للشراب وثلث للنفس \" انتهى. قلت : ولعل المراد أن الكافر يأكل شبعاً فيأكل ملأ بطنه لأن الأمعاء كما قالوا سبعة ، والمؤمن يأكل تقوتاً فيأكل في معّى واحد وهو سبع بطنه ، فإن لم يكن ففي معاءين وشيء وهو الثلث - والله سبحانه وتعالى أعلم. قال الحرالي : والخامس حمد الله تعالى في الختام ، لأن من لم يحمد الله في الختام كفر بنعمته. ومن حمد غير الله آمن بطاغوته ؛ فبهذه الأمور معرفة في القلب وحالاً في النفس وآداباً في العمل تصح قراءة حرف الحلال ويحصل خير الدنيا ويتمدد الأساس لبناء خير الآخرة ، والله سبحانه وتعالى ولي التوفيق - انتهى.\rأ هـ {نظم الدرر حـ 1 صـ 306 ـ 312}\rقوله تعالى : {إِنَّمَا يَأْمُرُكُم بالسوء والفحشاء وَأَن تَقُولُواْ عَلَى الله مَا لاَ تَعْلَمُونَ}","part":3,"page":102},{"id":1000,"text":"قال الفخر : \rوأما قوله تعالى : {إِنَّمَا يَأْمُرُكُم بالسوء والفحشاء وَأَن تَقُولُواْ عَلَى الله مَا لاَ تَعْلَمُونَ} فهذا كالتفصيل لجملة عداوته ، وهو مشتمل على أمور ثلاثة أولها : السوء ، وهو متناول جميع المعاصي سواء كانت تلك المعاصي من أفعال الجوارح أو من أفعال القلوب وثانيها : الفحشاء وهي نوع من السوء ، لأنها أقبح أنواعه ، وهو الذي يستعظم ويستفحش من المعاصي وثالثها : {أَن تَقُولُواْ عَلَى الله مَا لاَ تَعْلَمُونَ} وكأنه أقبح أنواع الفحشاء ، لأنه وصف الله تعالى بما لا ينبغي من أعظم أنواع الكبائر ، فصارت هذه الجملة كالتفسير لقوله تعالى : {وَلاَ تَتَّبِعُواْ خطوات الشيطان} فيدخل في الآية أن الشيطان يدعو إلى الصغائر والكبائر والكفر والجهل بالله. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 5 صـ 4}","part":3,"page":103},{"id":1001,"text":"وقال العلامة الآلوسى : \r{إِنَّمَا يَأْمُرُكُم بالسوء والفحشاء} استئناف لبيان كيفية عداوته وتفصيل لفنون شره وإفساده وانحصار معاملته معهم في ذلك ، أو علة للعلة بضم ، وكل من هذا شأنه فهو عدو مبين أو علة للأصل بضم ، وكل من هذا شأنه لا يتبع فيكون الحكم معللاً بعلتين العداوة والأمر بما ذكر وليس الأمر على حقيقته لا لأن قوله تعالى : {إِنَّ عِبَادِى لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سلطان} [الإسراء : 65] ينافي ذلك لكونه مبنياً على أن المعتبر في الأمر العلو كما هو مذهب المعتزلة وإلا فمجرد الاستعلاء لا ينافي أن يكون له سلطان ، وعلى أن يكون عبادي لعموم الكل بدليل الاستثناء ، وعلى أن الخطاب في {يَأْمُرُكُمْ} لجميع الناس لا للمتبعين فقط ، ولا منافاة أيضاً بل لأنا نجد من أنفسنا أنه لا طلب منه للفعل منا وليس إلا التزيين والبعث فهو استعارة تبعية لذلك ويتبعها الرمز إلى أن المخاطبين بمنزلة المأمورين المنقادين له ، وفيه تسفيه رأيهم وتحقير شأنهم ، ولا يرد أنه إذا كان الأمر بمعنى التزيين فلا بد أن يقال : يأمر لكم ، وإن كان بمعنى البعث فلا بد أن يقال : يأمركم على السوء أو للسوء إذ المذكور لفظ الأمر فلا بد من رعاية طريق استعماله. أ هـ {روح المعانى حـ 2 صـ 39}\rقال ابن عادل : \rقوله : {إِنَّمَا يَأْمُرُكُمْ بالسواء والفحشآء وَأَن تَقُولُواْ عَلَى الله مَا لاَ تَعْلَمُونَ} فهذه كالتَّفصيل لجملة عداوته ، وهو مشتمل على أمور ثلاثةٍ : \rأولها : السُّوء ، وهو : متناول جميع المعاصي ، سواءٌ كانت تلك المعاصي من أفعال الجوارح ، أو من أفعال القلوب.\rوسُمِّي السُّوء سوءاً ؛ لأنَّه يسوء صاحبه بسوء عواقبه ، وهو مصدر : \" سَاءَهُ يَسُوءُهُ سُوءاً ومَسَاءَةً \" إذا أحزنه ، و\" سُؤْتُهُ ، فَسِيءَ \" إذا أحزنته ، فحزن ؛ قال تعالى : {سِيئَتْ وُجُوهُ الذين كَفَرُواْ} [الملك : 27] ؛ قال الشَّاعر : [السريع]","part":3,"page":104},{"id":1002,"text":"وإنْ يَكُ هَذَا الدَّهْرُ قَدْ سَاءَنِي... فَطَالَمَا قَدْ سَرِّنِي الدَّهْرُ\rأَلأَمْرُ عِنْدِي فِيهِمَا وَاحِدٌ... لِذَاكَ شُكْرٌ وَلِذَا صَبْرُ\rوثانيها : الفحشاء : وهو مصدر من الفحش ؛ كالبأساء من البأس ، والفحش : قبح المنظر.\rقال امْرُؤ القَيْسِ : [الطويل]\rوَجِيدٍ كَجِيدٍ الرِّئْمِ لَيْسَ بِفَاحِشٍ... إذَا هِيَ نَصَّتْهُ وَلاَ وَلاَ بِمُعَطَّلِ\rوتوسِّع فيه ، حتَّى صار يعبر به عن كلِّ مستقبحٍ معنى كان أو عيناً.\rوالفَحْشَاءُ : نوعٌ من السُّوء ، كأنَّها أقبح أنواعه ، وهي : ما يستعظم ، ويستفحش من المعاصي.\rوثالثها : {وَأَن تَقُولُواْ عَلَى الله مَا لاَ تَعْلَمُونَ} فكأنَّه أقبح الأشياء ؛ لأنَّ وصف الله تعالى بما لا ينبغي من أعظم أنواع الكبائر ، فهذه الجملة كالتفسير لقوله تعالى : {وَلاَ تَتَّبِعُواْ خُطُوَاتِ الشيطان}.\rفدلَّت الآية الكريمة على أنَّ الشيطان يدعو إلى الصَّغائر والكبائر ، والكفر ، والجهل بالله.\rوروي عن ابن عبَّاس - رضي الله عنهما - أنَّه قال : \" الفَحْشَاءُ \" من المعاصي : ما فيه حَدٌّ ، والسُّوء من الذُّنوب ما لا حَدَّ فيه.\rوقال السُّدِّيُّ : هي الزِّنا.\rوقيل : هي البخل ، {وَأَن تَقُولُواْ عَلَى الله مَا لاَ تَعْلَمُونَ} من تحريم الحرث والأنعام.\rوقال مُقَاتِلٌ : كلُّ ما في القرآن من ذكر الفحشاء ، فإنَّه الزِّنا ، إلاَّ قوله : {الشيطان يَعِدُكُمُ الفقر وَيَأْمُرُكُم بالفحشآء} [البقرة : 368] فإنه منع الزكاة. أ هـ {تفسير ابن عادل حـ 3 صـ 155 ـ 156}\rفائدة بلاغية\r{إنما يأمركم} تمثيلية بتشبيه حاله وحالهم في التسويل والوسوسة وفي تلقيهم ما يوسوس لهم بحال الآمِر والمأمور ويكون لفظ يأمر مستعملاً في حقيقته مفيداً مع ذلك الرمزَ إلى أنهم لا إرادة لهم ولا يملكون أمر أنفسهم وفي هذا زيادة تشنيع لحالهم وإثارة للعداوة بين الشيطان وبينهم. أ هـ\r{التحرير والتنوير حـ 2 صـ 104 ـ 105}","part":3,"page":105},{"id":1003,"text":"قوله تعالى {وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون}\rوقوله : {وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون} يشير إلى ما اختلقه المشركون وأهلُ الضلال من رسوم العبادات ونسبة أشياء لدين الله ما أَمَر الله بها. وخصه بالعطف مع أنه بعض السوء والفحشاء لاشتماله على أكبر الكبائر وهو الشرك والافتراء على الله. أ هـ {التحرير والتنوير حـ 2 صـ 105}\rوقال العلامة الشنقيطى ـ رحمه الله ـ : \rقوله تعالى : {وَأَن تَقُولُواْ عَلَى الله مَا لاَ تَعْلَمُونَ}.\rلم يبين هنا هذا الذي يقولونه عليه بغير علم ، ولكنه فصله في مواضع أخر فذكر أن ذلك الذي يقولونه بغير علم هو : أن الله حرم البحائر والسوائب ونحوها ، وأن له أولاداً ، وأن له شركاء ، سبحانه وتعالى عن ذلك علواً كبيراً. فصرح بأنه لم يحرم ذلك بقوله : {مَا جَعَلَ الله مِن بَحِيرَةٍ وَلاَ سَآئِبَةٍ وَلاَ وَصِيلَةٍ وَلاَ حَامٍ ولكن الذين كَفَرُواْ يَفْتَرُونَ على الله الكذب} [المائدة : 103] ، وقوله : {وَحَرَّمُواْ مَا رَزَقَهُمُ الله افترآء عَلَى الله} [الأنعام : 140] الآية ، وقوله : {قُلْ أَرَأَيْتُمْ مَّآ أَنزَلَ الله لَكُمْ مِّن رِّزْقٍ فَجَعَلْتُمْ مِّنْهُ حَرَاماً وَحَلاَلاً} [يونس : 59] الآية ، وقوله : {وَلاَ تَقُولُواْ لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الكذب هذا حَلاَلٌ وهذا حَرَام} [النحل : 116] ، إلى غير ذلك من الآيات. ونزه نفسه عن الشركاء المزعومة بقوله : {سُبْحَانَهُ وتعالى عَمَّا يُشْرِكُونَ} [يونس : 18] ونحوها من الآيات ، ونزه نفسه عن الأولاد المزعومة بقوله : {وَقَالُواْ اتخذ الله وَلَداً سُبْحَانَه} [البقرة : 116] الآية ، ونحوها من الآيات فظهر من هذه الآيات تفصيل ما أجمل في اسم الموصول الذي هو ما ، من قوله : {وَأَن تَقُولُواْ عَلَى الله مَا لاَ تَعْلَمُونَ}.\rأ هـ {أضواء البيان حـ 1 صـ 77}","part":3,"page":106},{"id":1004,"text":"فصل في بيان أن الشيطان لا يأمر إلا بالقبائح.\rدلَّت الآية على أنَّ الشطان لا يأمر إلا بالقبائح ؛ لأنَّ الله تعالى ذكره بكلمة \" إنَّمَا \" وهي للحصر.\rوقد قال بعضهم : إن الشيطان قد يدعو إلى الخير ؛ لكن لغرض أن يجره منه إلى الشَّرِّ ؛ وذلك على أنواع : إمَّا أن يجرَّه من الأفضل إلى الفاضل ، ليتمكَّن من أن يجره من الفاضل الشَّرِّ ، وإمَّا أن يجرَّه من الفاضل السهل إلى الأفضل الأشقِّح ليصير ازدياد المشقَّة سبباً لحصول النُّفرة عن الطَّاعات بالكلِّيَّة.\rوتناولت الآية الكريمة جمع المذاهب الفاسدة ، بل تناولت مقلِّد الحقِّ ؛ لأنَّ!ه قال مالا يعلمه ؛ فصار مستحقّاً للذَّمِّ ؛ لاندراجاه تحتهذا الذَّمِّ. أ هـ {تفسير ابن عادل حـ 3 صـ 156}\rسؤال : فإن قلت : كيف كان الشيطان آمراً مع قوله : {لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سلطان} [الحجر : 42] ؟\rقلت : شبه تزيينه وبعثه على الشر بأمر الآمر ، كما تقول : أمرتني نفسي بكذا. وتحته رمز إلى أنكم منه بمنزلة المأمورين لطاعتكم له وقبولكم وساوسه ؛ ولذلك قال : {وَلآمُرَنَّهُمْ فَلَيُبَتّكُنَّ ءاذَانَ الأنعام وَلآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيّرُنَّ خَلْقَ الله} [النساء : 119] وقال الله تعالى : {إِنَّ النفس لأَمّارَةٌ بالسوء} [يوسف : 53] لما كان الإنسان يطيعها فيعطيها ما اشتهت. أ هـ {الكشاف حـ 1 صـ 239}\rفائدة\rينحصر ما يدعو الشيطان إليه ابن آدم ويوسوس له فى ست مراتب\rالمرتبة الأولى مرتبة الكفر والشرك ومعاداة رسوله فإذا ظفر بذلك من ابن آدم برد أنينه واستراح من تعبه معه ؛ لأنه حصل منتهى أمنيته وهذا أول ما يريده من العبد\rالمرتبة الثانية البدعة هى أحب إليه من الفسوق والمعاصى لأن المعصية يتاب منها والبدعة لا يتاب منها لأن صاحبها يظنها حقيقة صحيحة فلا يتوب\rفإذا عجز عن ذلك انتقل إلى المرتبة الثالثة وهى الكبائر على اختلاف أنواعها","part":3,"page":107},{"id":1005,"text":"فإذا عجز عن ذلك انتقل إلى المرتبة الرابعة وهى الصغائر التى إذا اجتمعت صارت كبيرة والكبائر ربما أهلكت صاحبها كما قال ـ عليه السلام ـ \" إياكم ومحقرات الذنوب \" فإن مثل ذلك مثل قوم نزلوا بفلاة من الأرض فجاء كل واحد يعود حطب حتى أوقدوا نارا عظيمة وطبخوا وشبعوا\rفإذا عجز عن ذلك انتقل إلى المرتبة الخامسة وهى اشتغاله بالمباحات التى لا ثواب فيها ولا عقاب بل عقابها فوات الثواب الذى فات عليه باشتغاله بها فإن عجز عن ذلك انتقل إلى المرتبة السادسة وهى أن يشغله بالعمل المفضول عما هو أفضل منه ليزيح عنه الفضيلة ويفوته ثواب العمل الفاضل فيجره من الفاضل إلى المفضول ومن الأفضل إلى الفاضل ليتمكن من أن يجره من الفاضل إلى الشرور بما يجره من الفاضل السهل إلى الافضل الأشق كمائة ركعة بالنسبة إلى ركعتين ليصير ازدياد المشقة سببا لحصول النفرة عن الطاعة بالكلية\rوإنما خلق الله إبليس ليتميز به الخبيث من الطيب فخلق الله الأنبياء لتقتدى بهم السعداء وخلق إبليس لتقتدى به الأشقياء ويظهر الفرق بينهما ، فإبليس دلال وسمسار على النار والخلاف وبضاعته الدنيا ولما عرضها على الكافرين قيل ما ثمنها قال ترك الدين فاشتروها بالدين وتركها الزاهدون واعرضوا عنها ، والراغبون فيها لم يجدوا فى قلوبهم ترك الدين ولا الدنيا فقالوا له أعطنا مذاقة منها حتى ننظر ما هى فقال إبليس : أعطونى رهنا فأعطوه سمعهم وأبصارهم ولذا يحب أرباب الدنيا استماع أخبارها ومشاهدة زينتها لأن سمعهم وبصرهم رهن عند إبليس فأعطاهم المذاقة بعد قبض الرهن فلم يسمعوا من الزهاد عيب الدنيا ولم يبصروا قبائحها بل استحسنوا زخارفها ومتاعها فلذلك قيل حبك الشىء يعمى ويصم ، فعلى العاقل أن يزهد ويرغب عن الدنيا ولا يقبل منها إلا الحلال الطيب.\rقال الحسن البصرى الحلال الطيب ما لا سؤال فيه يوم القيامة وهو ما لا بد منه. أ هـ {روح البيان حـ 1 صـ 339 ـ 340}","part":3,"page":108},{"id":1006,"text":"قوله تعالى {وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آَبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ آَبَاؤُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ شَيْئًا وَلَا يَهْتَدُونَ (170)}\rمناسبة الآية لما قبلها\rولما نهاهم سبحانه وتعالى عن متابعة العدو ذمهم بمتابعته مع أنه عدو من غير حجة بل بمجرد التقليد للجهلة فقال عاطفاً على {ومن الناس} معجباً منهم\r{وإذا قيل} أي من أي قائل كان. ولما كان الخطاب للناس عامة وكان أكثرهم مقلداً ولا سيما للآباء أعاد الضمير والمراد أكثرهم فقال : {لهم اتبعوا} أي اجتهدوا في تكليف أنفسكم الرد عن الهوى الذي نفخه فيها الشيطان ، وفي قوله له {ما أنزل الله} أي الذي له العلم الشامل والقدرة التامة انعطاف على ذلك الكتاب لا ريب فيه وما شاكله {قالوا بل} أي لا نتبع ما أنزل الله بل {نتبع} أي نجتهد في تبع {ما ألفينا} أي وجدنا ، قال الحرالي : من الإلفاء وهو وجدان الأمر على ما ألفه المتبصر فيه أو الناظر إليه {عليه آباءنا} أي على ما هم عليه من الجهل والعجز ، قال : ففيه إشعار بأن عوائد الآباء منهية حتى يشهد لها شاهد أبوة الدين ففيه التحذير في رتب ما بين حال الكفر إلى أدنى الفتنة التي شأن الناس أن يتبعوا فيها عوائد آبائهم - انتهى.\rولما أبوا إلا إلف وهاد التقليد فدنوا عن السمو إلى عداد أولي العلم بالنظر السديد أنكر عليهم سبحانه وتعالى ذلك فقال مبكتاً لهم : {أولو} أي أيتبعون أباءهم والحال أنه {كان آباؤهم لا يعقلون} ببصائر قلوبهم {شيئاً} من الأشياء المعقولة {ولا يهتدون} بأبصار عيونهم إلى شيء من الأشياء المحسوسة.\r","part":3,"page":109},{"id":1007,"text":"ولما كان التقدير : فمثلهم حينئذ كمن تبع أعمى في طريق وعر خفي في فلوات شاسعة كثيرة الخطر عطف عليه ما يرشد إلى تقديره من قوله منبهاً على أنهم صاروا بهذا كالبهائم بل أضل لأنها وإن كانت لا تعقل فهي تسمع وتبصر فتهتدي إلى منافعها.\rأ هـ {نظم الدرر حـ 1 صـ 312ـ 313}\rقال الفخر : \rاعلم أنهم اختلفوا في الضمير في قوله : {لَهُمْ} على ثلاثة أقوال أحدها : أنه عائد على {مِنْ} في قوله : {مَن يَتَّخِذُ مِن دُونِ الله أَندَادًا} [البقرة : 165] وهم مشركو العرب ، وقد سبق ذكرهم وثانيها : يعود على {الناس} في قوله : {يُذْهِبْكُمْ أَيُّهَا الناس} [البقرة : 21] فعدل عن المخاطبة إلى المغايبة على طريق الالتفات مبالغة في بيان ضلالهم ، كأنه يقول للعقلاء : انظروا إلى هؤلاء الحمقى ماذا يقولون وثالثها : قال ابن عباس : نزلت في اليهود ، وذلك حين دعاهم رسول الله إلى الإسلام ، فقالوا : نتبع ما وجدنا عليه آباءنا ، فهم كانوا خيرا منا ، وأعلم منا ، فعلى هذا الآية مستأنفة ، والكناية في {لَهُمْ} تعود إلى غير مذكور ، إلا أن الضمير قد يعود على المعلوم ، كما يعود على المذكور.\rأ هـ {مفاتيح الغيب حـ 5 صـ 6}\rوقال الآلوسى : \r{وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتبعوا مَا أَنزَلَ الله} الضمير للناس والعدول عن الخطاب إلى الغيبة للتنبيه على أنهم لفرط جهلم وحمقهم ليسوا أهلاً للخطاب بل ينبغي أن يصرف عنهم إلى من يعقله ، وفيه من النداء لكل أحد من العقلاء على ضلالتهم ما ليس إذا خوطبوا بذلك. أ هـ {روح المعانى حـ 2صـ 40}","part":3,"page":110},{"id":1008,"text":"قوله تعالى {قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا}\rقال الفخر : \r{أَلْفَيْنَا} بمعنى وجدنا ، بدليل قوله تعالى في آية أخرى {بَلْ نَتَّبِعُ مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ ءَابَاءَنَا} [لقمان : 21] ويدل عليه أيضاً قوله تعالى : {وَأَلْفَيَا سَيِّدَهَا لدى الباب} [يوسف : 25] وقوله : {إِنَّهُمْ أَلْفَوْاْ ءَابَاءهُمْ ضَالّينَ} [الصافات : 69]. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 5 صـ 6}\rقوله تعالى {أَوَلَوْ كَانَ آَبَاؤُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ شَيْئًا وَلَا يَهْتَدُونَ}\rالواو في {أَولَوْ} واو العطف ، دخلت عليها همزة الاستفهام المنقولة إلى معنى التوبيخ والتقريع ، وإنما جعلت همزة الاستفهام للتوبيخ ، لأنها تقتضي الإقرار بشيء يكون الإقرار به فضيحة ، كما يقتضي الاستفهام الإخبار عن المستفهم عنه.","part":3,"page":111},{"id":1009,"text":"الثانية : تقرير هذا الجواب من وجوه أحدها : أن يقال للمقلد : هل تعترف بأن شرط جواز تقليد الإنسان أن يعلم كونه محقاً أم لا ؟ فإن اعترفت بذلك لم نعلم جواز تقليده إلا بعد أن تعرف كونه محقاً ، فكيف عرفت أنه محق ؟ وإن عرفته بتقليد آخر لزم التسلسل ، وإن عرفته بالعقل فذاك كاف ، فلا حاجة إلى التقليد ، وإن قلت : ليس من شرط جواز تقليده أن يعلم كونه محقاً ، فاذن قد جوزت تقليده ، وإن كان مبطلاً فإذن أنت على تقليدك لا تعلم أنك محق أو مبطل وثانيها : هب أن ذلك المتقدم كان عالماً بهذا الشيء إلا أنا لو قدرنا أن ذلك المتقدم ما كان عالماً بذلك الشيء قط وما اختار فيه ألبتة مذهباً ، فأنت ماذا كنت تعمل ؟ فعلى تقدير أن لا يوجد ذلك المتقدم ولا مذهبه كان لا بد من العدول إلى النظر فكذا ههنا وثالثها : أنك إذا قلدت من قبلك ، فذلك المتقدم كيف عرفته ؟ أعرفته بتقليد أم لا بتقليد ؟ فإن عرفته بتقليد لزم إما الدور وإما التسلسل ، وإن عرفته لا بتقليد بل بدليل ، فإذا أوجبت تقليد ذلك المتقدم وجب أن تطلب العلم بالدليل لا بالتقليد ، لأنك لو طلبت بالتقليد لا بالدليل ، مع أن ذلك المتقدم طلبه بالدليل لا بالتقليد كنت مخالفاً له ، فثبت أن القول بالتقليد يفضي ثبوته إلى نفيه فيكون باطلاً. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 5 صـ 7}\rفصل في المراد بالآية\rوالمعنى : \" أَيَتَّبِعُونَ آباءَهُمْ ، وإن كانوا جُهَّالاً لا يَعْقِلُون شيئاً \" ، لفظه عامٌّ ، ومعناه الخصوص ؛ لأنهم كانوا لا يعقلون كثيراً من أمور الدنيا ؛ فدلَّ هذا على أنهم لا يعقلون شيئاً من الدِّين ، ولا يهتدون إلى كيفيَّة اكتسابه. أ هـ {تفسير ابن عادل حـ 3 صـ 159}","part":3,"page":112},{"id":1010,"text":"سؤال : \rقوله تعالى : \"وإذا قيل لهم اتبعوا ما أنزل الله قالوا بل نتبع ما ألفينا عليه آباءنا\" وفى سورة لقمان : \"وإذا قيل لهم اتبعوا ما أنزل الله قالوا بل نتبع ما وجدنا عليه آباءنا\" فللسائل أن يسأل عن الفرق ووجه اختصاص كل من الموضعين بالواو فيه ؟ \rوالجواب : أنه لا يقال ألفى بمعنى وجد التى فى قولهم : وجدت الضالة فتتعدى إلى واحد ولا يقال ألفى بمعنى وجد التى بمعنى علم متعديا إلى اثنتين وما يقع منتصبا بعد مفعوله فى مثل قولك : ألفيت زيدا عالما فإنما انتصابه على الحال بدليل أنه لا يوجد إلا نكرة. فوجد لفظ مشترك يقال بمعنى العلم وبمعنى العثور على الشئ والذى هو الوجدان تقول من هذا وجدت الضالة أى عثرت عليها وإذا تقرر هذا فنقول إنه قد تقدم قبل آية البقرة قوله تعالى : \"يا أيها الناس كلوا مما فى الأرض حلالا طيبا ولا تتبعوا خطوات الشيطان\" ، ثم قال : \"إنما يأمركم بالسوء والفحشاء وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون\" وخطوات الشيطان وأمره أهواء مضلة ، وذلك كله فى طرف نقيض من مقتضى العلم وحصل من هذا أن الشيطان هو الذى يأمرهم ويدعوهم إلى أن يقولوا على الله ما لا يعلمون فحصل من هذا أنه لا علم عندهم ولا توهم علم ، وإنهم اعتمدوا اتباع آبائهم فيما يأمر به الشيطان فناسب هذا قولهم\"بل نتبع ما ألفينا عليه آباءنا\" لأن ما ألفوا عليه آباءهم وجدان لا علم معه حاصلا ولا متوهما فناسب جوابهم ما عليه حالهم وما هم عليه ولما تقدم فى سورة لقمان قوله تعالى : \"ومن الناس من يجادل فى الله بغير علم ولا هدى ولا كتاب منير\" فحصل ذكر\"علم\" وإن كان منفيا ولأن جدالهم ينبئ أنهم توهموا أن ذلك علم وأنهم على شئ فقد حصل من مجادلتهم أنهم يظنون أنهم على علم كما قال تعالى : \"يحسبون أنهم على شئ\" ولا يجادل إلا متعلق بشبهة يظن أنها علم فناسبه قوله تعالى مخبرا عنهم : \"بل نتبع ما وجدنا عليه آباءنا\" لاشتراك لفظ وجد إذ يكون بمعنى العلم.\r","part":3,"page":113},{"id":1011,"text":"وجواب ثان : هو أن ألفى أكثر حروفا من وجد فناسب لفظ ألفى طول آية البقرة وناسب لفظ وجد إيجاز آية لقمان مراعاة لفظية ملحوظة فى البلاغة فحصل التناسب فى اللفظ والمعنى والله أعلم بما أراد. أ هـ ملاك التأويل صـ 75}","part":3,"page":114},{"id":1012,"text":"سؤال : \rقوله تعالى : {أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لا يَعْقِلُونَ شَيْئاً وَلا يَهْتَدُونَ}. هذه الآية الكريمة تدل بظاهرها على أن الكفار لا عقول لهم أصلا لأن قوله شيئا نكرة في سياق النفي فهي تدل على العموم وقد جاءت آيات أخر تدل على أن الكفار لهم عقول يعقلون بها في الدنيا كقوله تعالى : {وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ وَكَانُوا مُسْتَبْصِرِينَ}. والجواب أنهم يعقلون أمور الدنيا دون أمور الآخرة كما بينه تعالى بقوله : {وَعْدَ اللَّهِ لا يُخْلِفُ اللَّهُ وَعْدَهُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ يَعْلَمُونَ ظَاهِراً مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ}.أ هـ {دفع إيهام الاضطراب صـ 31}","part":3,"page":115},{"id":1013,"text":"سؤال : لم عبر هنا بقوله {أو لو كان آباؤهم لا يعقلون شيئا} وفي المائدة {لا يعلمون}\rالجواب : لأن العلم أبلغ درجة من العقل ولهذا جاز وصف الله به ولم يجز وصفه بالعقل فكانت دعواهم في المائدة أبلغ لقولهم {حسبنا ما وجدنا عليه آباءنا} فادعوا النهاية بلفظ حسبنا فنفى ذلك بالعلم وهو النهاية وقال في البقرة {بل نتبع ما ألفينا عليه آباءنا} ولم تكن النهاية فنفى بما هو دون العلم لتكون كل دعوى منفية بما يلائمها والله أعلم. أ هـ {أسرار التكرار صـ 38}","part":3,"page":116},{"id":1014,"text":"بحث قيم فى {التقليد}\rتعلّق قوم بهذه الآية في ذمّ التقليد لذمّ الله تعالى الكفارَ باتباعهم لآبائهم في الباطل ، واقتدائهم بهم في الكفر والمعصية. وهذا في الباطل صحيح ، أما التقليد في الحق فأصل من أصول الدِّين ، وعصْمةٌ من عِصم المسلمين يلجأ إليها الجاهل المقصِّر عن دَرْك النظر.\rواختلف العلماء في جوازه في مسائل الأصول على ما يأتي ؛ وأما جوازه في مسائل الفروع فصحيح.\rالرابعة : التقليد عند العلماء حقيقته قبول قول بلا حجة ؛ وعلى هذا فَمَن قَبِل قول النبيّ ـ صلى الله عليه وسلم ـ من غير نظر في معجزته يكون مُقَلِّداً ؛ وأمّا من نظر فيها فلا يكون مُقَلِّداً. وقيل : هو اعتقاد صحة فُتْيَا مَن لا يعلم صحة قوله. وهو في اللغة مأخوذ من قِلادة البعير ؛ فإن العرب تقول : قَلَّدت البعير إذا جعلت في عنقه حبلاً يُقاد به ؛ فكأن المقلِّد يجعل أمره كله لمن يقوده حيث شاء ؛ وكذلك قال شاعرهم : \rوقلِّدوا أمركم لله دَرّكُم... ثَبْتَ الجَنان بأمر الحرب مضطّلعَا\rالخامسة : التقليد ليس طريقاً للعلم ولا مُوصّلا له ، لا في الأصول ولا في الفروع ؛ وهو قول جمهور العقلاء والعلماء ؛ خلافاً لما يحكى عن جُهّال الحشوية والثّعلبية من أنه طريق إلى معرفة الحق ، وأن ذلك هو الواجب ، وأن النظر والبحث حرام ؛ والاحتجاج عليهم في كتب الأصول.","part":3,"page":117},{"id":1015,"text":"السادسة : فرض العامي الذي لا يشتغل باستنباط الأحكام من أصولها لعدم أهليته فيما لا يعلمه من أمر دينه ويحتاج إليه أن يقصد أعلم مَن في زمانه وبلده فيسأله عن نازلته فيمتثل فيها فتواه ؛ لقوله تعالى : {فاسألوا أَهْلَ الذكر إِن كُنْتُم لاَ تَعْلَمُونَ} [النحل : 43 ، الأنبياء : 7] ، وعليه الاجتهاد في أعلم أهل وقته بالبحث عنه ، حتى يقع عليه الاتفاق من الأكثر من الناس. وعلى العالم أيضاً فرض أن يقلد عالماً مثله في نازلة خفي عليه فيها وجه الدليل والنظر ، وأراد أن يجدّد الفكر فيها والنظر حتى يقف على المطلوب ، فضاق الوقت عن ذلك ، وخاف على العبادة أن تفوت ، أو على الحكم أن يذهب ، سواء كان ذلك المجتهد الآخر صحابياً أو غيره ؛ وإليه ذهب القاضي أبو بكر وجماعة من المحققين.\rالسابعة : قال ابن عطية : أجمعت الأمة على إبطال التقليد في العقائد. وذكر فيه غيره خلافاً كالقاضي أبي بكر بن العربي وأبي عمرو عثمان بن عيسى بن درباس الشافعي. قال ابن درباس في كتاب \"الانتصار\" له : وقال بعض الناس يجوز التقليد في أمر التوحيد ؛ وهو خطأ لقوله تعالى : {إِنَّا وَجَدْنَآ آبَآءَنَا على أُمَّةٍ} [الزخرف ، 22]. فذمّهم بتقليدهم آباءهم وتركهم اتباع الرسل ؛ كصنيع أهل الأهواء في تقليدهم كبراءهم وتركهم اتباع محمد ـ صلى الله عليه وسلم ـ في دينه ؛ ولأنه فرض على كل مكلّف تعلُّم أمر التوحيد والقطع به ؛ وذلك لا يحصل إلا من جهة الكتاب والسُّنة ، كما بيّناه في آية التوحيد ، والله يهدي من يريد.\r","part":3,"page":118},{"id":1016,"text":"قال ابن درباس : وقد أكثر أهل الزَّيْغ القولَ على مَن تمسّك بالكتاب والسُّنة أنهم مقلِّدون. وهذا خطأ منهم ، بل هو بهم أَلْيَق وبمذاهبهم أَخْلَق ؛ إذ قبلوا قول ساداتهم وكبرائهم فيما خالفوا فيه كتاب الله وسُنّة رسوله وإجماع الصحابة رضي الله عنهم ؛ فكانوا داخلين فيمن ذَمّهم الله بقوله : {رَبَّنَآ إِنَّآ أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَآءَنَا} [الأحزاب : 67] إلى قوله : {كَبِيراً} وقوله : {إِنَّا وَجَدْنَا آباءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُقْتَدُون} [الزخرف : 23]. ثم قال لنبيّه : {قُلْ أَوَلَوْ جِئْتُكُمْ بأهدى مِمَّا وَجَدتُّمْ عَلَيْهِ آبَآءَكُمْ قالوا إِنَّا بِمَآ أُرْسِلْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ} [الزخرف : 24] ثم قال لنبيّه ـ عليه السلام ـ {فانتقمنا مِنْهُمْ} الآية. فبيّن تعالى أن الهُدَى فيما جاءت به رسله عليهم السلام. وليس قول أهل الأثر في عقائدهم : إنا وجدنا أئمتنا وآباءنا والناس على الأخذ بالكتاب والسُّنة وإجماع السلف الصالح من الأمة ، من قولهم : إنا وجدنا آباءنا وأطعنا سادتنا وكبراءنا بسبيل ؛ لأن هؤلاء نَسبوا ذلك إلى التنزيل وإلى متابعة الرسول ؛ وأولئك نَسبوا إفْكَهم إلى أهل الأباطيل ، فازدادوا بذلك في التضليل ؛ ألا ترى أن الله سبحانه أثنى على يوسف ـ عليه السلام ـ في القرآن حيث قال : {إِنِّي تَرَكْتُ مِلَّةَ قَوْمٍ لاَّ يُؤْمِنُونَ بالله وَهُمْ بالآخرة هُمْ كَافِرُونَ واتبعت مِلَّةَ آبآئي إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ مَا كَانَ لَنَآ أَن نُّشْرِكَ بالله مِن شَيْءٍ ذلك مِن فَضْلِ الله عَلَيْنَا وَعَلَى الناس}\r","part":3,"page":119},{"id":1017,"text":" [يوسف : 38]. فلما كان آباؤه عليه وعليهم السلام أنبياءَ متّبِعين للوحي وهو الدين الخالص الذي ارتضاه الله ، كان اتباعه آباءه من صفات المدح. ولم يجىء فيما جاءوا به ذكر الأعراض وتعلّقها بالجواهر وانقلابها فيها ؛ فدلّ على أن لا هُدَى فيها ولا رشد في واضعيها.\rقال ابن الحصّار : وإنما ظهر التلفّظ بها في زمن المأمون بعد المائتين لما تُرجمت كتب الأوائل وظهر فيها اختلافهم في قدم العالَم وحدوثه. واختلافهم في الجوهر وثبوته ، والعَرَض وماهيّته ؛ فسارع المبتدعون ومَن في قلبه زَيغ إلى حفظ تلك الاصطلاحات ، وقصدوا بها الإغراب على أهل السُّنة ، وإدخال الشُّبه على الضعفاء من أهل المِلّة. فلم يزل الأمر كذلك إلى أن ظهرت البِدْعة ، وصارت للمبتدِعة شِيعة ، والتبس الأمر على السلطان ؛ حتى قال الأمير بخلق القرآن ، وجبر الناس عليه ، وضرب أحمد بن حنبل على ذلك.\rفانتدب رجال من أهل السُّنة كالشيخ أبي الحسن الأَشْعَرِي وعبد اللَّه بن كُلاَّب وابن مجاهد والمحاسبي وأضرابهم ؛ فخاضوا مع المبتدِعة في اصطلاحاتهم ، ثم قاتلوهم وقتلوهم بسلاحهم. وكان مَن دَرجَ من المسلمين من هذه الأمة متمسّكين بالكتاب والسُّنة ، معرضين عن شُبَه الملحدين ، لم ينظروا في الجوهر والعَرض ؛ على ذلك كان السَّلف.\rقلت : ومن نظر الآن في اصطلاح المتكلمين حتى يناضل بذلك عن الدِّين فمنزلته قريبة من النبّيين. فأمّا مَن يهجن من غلاة المتكلمين طريق منَ أخذ بالأثر من المؤمنين ، ويحض على درس كتب الكلام ، وأنه لا يعرف الحق إلا من جهتها بتلك الاصطلاحات فصاروا مذمومين لنقضهم طريق المتقدّمين من الأئمة الماضين ؛ والله أعلم. وأما المخاصمة والجدال بالدليل والبرهان فذلك بيّن في القرآن.\rأ هـ {تفسير القرطبى حـ 2 صـ 211 ـ 214}","part":3,"page":120},{"id":1018,"text":"قوله تعالى {وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِمَا لَا يَسْمَعُ إِلَّا دُعَاءً وَنِدَاءً صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَعْقِلُونَ (171)}\rمناسبة الآية لما قبلها\rاعلم أنه تعالى لما حكى عن الكفار أنهم عند الدعاء إلى اتباع ما أنزل الله تركوا النظر والتدبر ، وأخلدوا إلى التقليد ، وقالو : {بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ ءَابَاءنَا} [البقرة : 170] ضرب لهم هذا المثل تنبيهاً للسامعين لهم إنهم إنما وقعوا فيما وقعوا فيه بسبب ترك الإصغاء ، وقلة الإهتمام بالدين ، فصيرهم من هذا الوجه بمنزل الأنعام ، ومثل هذا المثل يزيد السامع معرفة بأحوال الكفار ، ويحقر إلى الكافر نفسه إذا سمع ذلك ، فيكون كسراً لقلبه ، وتضييقاً لصدره ، حيث صيره كالبهيمة فيكون في ذلك نهاية الزجر والردع لمن يسمعه عن أن يسلك مثل طريقه في التقليد. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 5صـ 8}","part":3,"page":121},{"id":1019,"text":"وقال العلامة الشيخ الطاهر بن عاشور : \rلما ذكر تلقيَهم الدعوة إلى اتباع الدين بالإعراض إلى أن بلغ قوله : {وإذا قيل لهم اتبعوا ما أنزل الله قالوا بل نتبع ما ألفينا عليه أباءنا} [البقرة : 170] ، وذكر فساد عقيدتهم إلى أن بلغ قوله : {ومن الناس من يتخذ من دون الله أنداداً} [البقرة : 165] الآية ، فالمراد بالذين كفروا المضروب لهم المثل هنا هو عين المراد من {الناس} في قوله : {ومن الناس من يتخذ من دون الله أنداداً} وعين المراد من {الذين ظلموا} في قوله : {ولو يرى الذين ظلموا} [البقرة : 165] ، وعين الناس في قوله : {يأيها الناس كلوا مما في الأرض حلالاً طيباً} [البقرة : 168] ، وعين المراد من ضمير الغائب في قوله : {وإذا قيل لهم} [البقرة : 170] ، عُقّب ذلك كله بتمثيللِ فظيع حالهم إبلاغاً في البيان واستحضاراً لهم بالمثال ، وفائدة التمثيل تقدمت عند قوله تعالى : {مثلهم كمثل الذي استوقد ناراً} [البقرة : 17]. وإنما عطفه بالواو هنا ولم يفصله كما فصل قوله : {مثلهم كمثل الذي استوقد ناراً} لأنه أريد هنا جعل هذه صفة مستقلة لهم في تلقي دعوة الإسلام ولو لم يعطفه لما صح ذلك. أ هـ\r{التحرير والتنوير حـ 2 صـ 110 ـ 111}","part":3,"page":122},{"id":1020,"text":"قال القرطبى : \rشبّه تعالى واعظ الكفار وداعيهم وهو محمد ـ صلى الله عليه وسلم ـ بالراعي الذي يَنْعِق بالغنم والإبل فلا تسمع إلا دعاءه ونداءه ، ولا تفهم ما يقول : هكذا فسّره ابن عباس ومجاهد وعِكرمة والسّدي والزجاج والفَرّاء وسيبويه ؛ وهذه نهاية الإيجاز. قال سيبويه : لم يُشبَّهوا بالناعق إنما شُبّهوا بالمنعوق به. والمعنى : ومثَلك يا محمد ومَثَل الذين كفروا كَمَثل الناعق والمنعوق به من البهائم التي لا تفهم ؛ فحذف لدلالة المعنى. وقال ابن زيد : المعنى مثل الذين كفروا في دعائهم الآلهة الجماد كمثل الصائح في جَوْف الليل فيجيبه الصَّدَى ؛ فهو يصيح بما لا يسمع ، ويجيبه ما لا حقيقة فيه ولا منتفع. وقال قُطْرب : المعنى مثل الذين كفروا في دعائهم ما لا يفهم ، يعني الأصنام ، كمثل الراعي إذا نَعَقَ بغنمه وهو لا يدري أين هي. قال الطبري : المراد مثل الكافرين في دعائهم آلهتهم كمثل الذي ينعق بشيء بعيد فهو لا يسمع من أجل البعد ؛ فليس للناعق من ذلك إلا النّداء الذي يُتعبه ويُنْصِبه. ففي هذه التأويلات الثلاثة يشبّه الكفار بالناعق الصائح ، والأصنام بالمنعوق به. والنّعيق : زجر الغنم والصياح بها ؛ يقال : نَعَق الراعي بغنمه يَنْعِق نَعِيقاً ونُعاقاً ونَعَقاناً ؛ أي صاح بها وزجرها. قال الأخطل : \rانْعِق بضأنك يا جريرُ فإنما... مَنّتك نفسك في الخلاء ضلالاَ\rقال القُتَبِيّ : لم يكن جرير راعي ضأن ، وإنما أراد أن بني كُليب يُعَيَّرون برعي الضأن ، وجرير منهم ؛ فهو في جهلهم. والعرب تضرب المثل براعي الغنم في الجهل ويقولون : \" أجهل من راعي ضأن\". قال القتبِيّ : ومن ذهب إلى هذا في معنى الآية كان مذهباً ، غير أنه لم يذهب إليه أحد من العلماء فيما نعلم.\rوالنداء للبعيد ، والدعاء للقريب ؛ ولذلك قيل للأذان بالصلاة نداء لأنه للأباعد.\rأ هـ {تفسير القرطبى حـ 2 صـ 214 ـ 215}","part":3,"page":123},{"id":1021,"text":"قال الفخر : \rللعلماء من أهل التأويل في هذه الآية طريقان أحدهما : تصحيح المعنى بالإضمار في الآية والثاني : إجراء الآية على ظاهرها من غير إضمار ، أما الذين أضمروا فذكروا وجوها الأول : وهو قول الأخفش والزجاج وابن قتيبة ، كأنه قال : ومثل من يدعو الذين كفروا إلى الحق كمثل الذي ينعق ، فصار الناعق الذي هو الراعي بمنزل الداعي إلى الحق ، وهو الرسول عليه الصلاة والسلام وسائر الدعاة إلى الحق وصار الكفار بمنزلة الغنم المنعوق بها ووجه التشبيه أن البهيمة تسمع الصوت ولا تفهم المراد ، وهؤلاء الكفار كانوا يسمعون صوت الرسول وألفاظه ، وما كانوا ينتفعون بها وبمعانيها لا جرم حصل وجه التشبيه الثاني : مثل الذين كفروا في دعائهم آلهتهم من الأوثان كمثل الناعق في دعائه ما لا يسمع كالغنم ، وما يجرى مجراه من الكلام والبهائم لا تفهم : فشبه الأصنام في أنها لا تفهم بهذه البهائم ، فإذا كان لا شك أن ههنا المحذوف هو المدعو ، وفي القول الذي قبله المحذوف هو الداعي ، وفيه سؤال ، وهو أن قوله : {إِلاَّ دُعَاء وَنِدَاء} لا يساعد عليه لأن الأصنام لا تسمع شيئاً الثالث : قال ابن زيد : مثل الذين كفروا في دعائهم آلهتهم كمثل الناعق في دعائه عند الجبل ، فإنه لا يسمع إلا صدى صوته فإذا قال : يا زيد يسمع من الصدى : يا زيد.\rفكذلك هؤلاء الكفار إذا دعو هذه الأوثان لا يسمعون إلا ما تلفظوا به من الدعاء والنداء.\rالطريق الثاني : في الآية وهو إجراؤها على ظاهرها من غير إضمار وفيه وجهان أحدهما : أن يقول : مثل الذين كفروا في قلة عقلهم في عبادتهم لهذه الأوثان ، كمثل الراعي إذا تكلم مع البهائم فكما أنه يقضي على ذلك الراعي بقلة العقل ، فكذا ههنا الثاني : مثل الذين كفروا في اتباعهم آباءهم وتقليدهم لهم ، كمثل الراعي إذا تكلم مع البهائم فكما أن الكلام مع البهائم عبث عديم الفائد ، فكذا التقليد عبث عديم الفائدة. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 5 صـ 8}","part":3,"page":124},{"id":1022,"text":"وقال فى التحرير والتنوير : \rوالمثل هنا لَمَّا أضيف إلى {الذين كفروا} كان ظاهراً في تشبيه حالهم عند سماع دعوة النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ إياهم إلى الإسلام بحال الأنعام عند سماع دعوة من ينعق بها في أنهم لا يفهمون إلاّ أن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ يدعوهم إلى متابعته من غير تبصر في دلائل صدقه وصحة دينه ، فكلٌّ من الحالة المشبهة والحالة المشبه بها يشتمل على أشياء : داعٍ ومدعو ودعوة ، وفَهْم وإعراض وتصميم ، وكل من هاته الأشياء التي هي أجزاء التشبيه المركب صالح لأن يكون مشبهاً بجزء من أجزاء المشبه به ، وهذا من أبدع التمثيل وقد أوجزتْه الآية إيجازاً بديعاً ، والمقصود ابتداءً هو تشبيه حال الكفار لا محالة ، ويستتبع ذلك تشبيه حال النبي وحال دعوته ، وللكفار هنا حالتان : إحداهما حالة الإعراض عن داعي الإسلام ، والثانية حالة الإقبال على عبادة الأصنام ، وقد تضمنت الحالتين الآيةُ السابقة وهي قوله : {وإذا قيل لهم اتبعوا ما أنزل الله قالوا بل نتبع ما ألفينا عليه أباءنا} [البقرة : 170] وأعظمه عبادة الأصنام ، فجاء هذا المَثَل بياناً لما طُوي في الآية السابقة.\r","part":3,"page":125},{"id":1023,"text":"فإن قلت : مقتضى الظاهر أن يقال : ومثل الذين كفروا كمثل غَنَم الذي ينعق ؛ لأن الكفار هم المشبهون والذي ينعق يُشبههُ داعي الكفار فلماذا عدل عن ذلك ؟ وهل هذا الأسلوب يدل على أن المقصود تشبيه النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ في دعائه لهم بالذي ينعق ؟ قلت : كِلاَ الأمرين منتف ؛ فإن قوله : {ومثل الذين} ، صريح في أنه تشبيه هيئة بهيئة كما تقدم في قوله تعالى : {مثلهم كمثل الذي استوقد} [البقرة : 17] ، وإذا كان كذلك كانت أجزاء المركبين غير منظور إليها استقلالاً وأيَّها ذكرتَ في جانب المركب المشبَّه والمربه المشبه به أجزأك ، وإنما كان الغالب أن يبدءَوا الجملة الدالة على المركب المشبه به بما يقابل المذكور في المركب المشبه نحو : {مثلهم كمثل الذي استوقد ناراً} وقد لا يلتزمون ذلك ، فقد قال الله تعالى : {مثل ما ينفقون في هذه الحياة الدنيا كمثل ريح فيها صر} [آل عمران : 117] الآية. والذي يقابل {ما ينفقون} في جانب المشبه به هو قوله : {حرث قوم} [آل عمران : 117] وقال : {مثل الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله كمثل حبة أنبتت سبع سنابل} [البقرة : 261] وإنما الذي يقابل {الذين ينفقون} في جانب المشبه به هو زارع الحبة وهو غير مذكور في اللفظ أصلاً وقال تعالى : {كالذي ينفق ماله رئاء الناس ولا يؤمن بالله واليوم الآخر فمثله كمثل صفوان عليه تراب} [البقرة : 264] الآية ، والذي يقابل الصفوانَ في جانب المشبه هو المال المنفَق لا الذي ينفق ، وفي الحديث الصحيح \" مَثَل المسلمين واليهود والنصارى كمثل رجل استأجر أجراء \" الخ ، والذي يقابل الرجل الذي استأجر في جانب المشبه هو الله تعالى في ثوابه للمسلمين وغيرهم ممن آمن قبلنا ، وهو غير مذكور في جانب المشبه أصلاً ، وهو استعمال كثير جداً ، وعليه فالتقديرات الواقعة للمفسرين هنا تقادير لبيان المعنى ، والآية تحتمل أن يكون المراد تشبيه حال المشركين في إعراضهم","part":3,"page":126},{"id":1024,"text":"عن الإسلام بحال الذي ينعق بالغنم ، أو تشبيه حال المشركين في إقبَالهم على الأصنام بحال الداعي للغنم ، وأيّاً ما كان فالغنم تسمع صوت الدعاء والنداء ولا تفهم ما يتكلم به الناعق ، والمشركون لم يهتدوا بالأدلة التي جاء بها النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ فيكون قوله : {إلا دعاء ونداء} من تكملة أوصاف بعض أجزاء المركب التمثيلي في جانب المشبه به ، وذلك صالح لأن يكون مجرد إتمام للتشبيه إن كان المراد تشبيه المشركين بقلة الإدراك ، ولأَنْ يكون احتراساً في التشبيه إن كان المراد تشبيه الأصنام حين يدعوها المشركون بالغنم حين ينعق بها رُعاتها فهي لا تسمع إلاّ دُعاء ونداء ، ومعلوم أن الأصنام لا تسمع لا دعاء ولا نداء فيكون حينئذٍ مثل قوله تعالى : {فهي كالحجارة أو أشد قسوة} [البقرة : 74] ثم قال : {وإن من الحجارة لما يتفجر منه الأنهار} [البقرة : 74].\rوقد جوز المفسرون أن يكون التمثيل على إحدى الطريقتين ، وعندي أن الجمع بينهما ممكن ولعله من مراد الله تعالى ؛ فقد قدمنا أن التشبيه التمثيلي يحتمل كل ما حَمَّلْتُه من الهيئة كلها ، وهيئةُ المشركين في تلقي الدعوة مشتملة على إعراض عنها وإقبال على دينهم كما هو مدلول قوله تعالى : {وإذا قيل لهم اتبعوا ما أنزل الله قالوا بل نتبع} [البقرة : 170] الآية ، فهذه الحالة كلها تشبه حال الناعق بما لا يَسمع ، فالنبي يدعوهم كناعققٍ بغنم لا تفقه دليلاً ، وهم يدعون أصنامهم كناعق بغنم لا تفقه شيئاً.\rومن بلاغة القرآن صلوحية آياته لمعان كثيرة يفرضها السامع.أ هـ\r{التحرير والتنوير حـ 2 صـ 111 ـ 112}","part":3,"page":127},{"id":1025,"text":"كلام نفيس للبقاعى\r{ومثل} وبين الوصف الذي حملهم على هذا الجهل بقوله : {الذين كفروا} أي ستروا ما يعلمون من عظمة الله سبحانه وتعالى وقدرته وعلمه وحكمته بما عندهم من الهوى في أنهم لا يسمعون من الدعاء إلا جرس النغمة ودوي الصوت من غير إلقاء أذهان ولا استبصار {كمثل} قال الحرالي : المثل ما يتحصل في باطن الإدراك من حقائق الأشياء المحسوسة فيكون ألطف من الشيء المحسوس فيقع لذلك جالياً لمعنى مثل المعنى المعقول ويكون الأظهر منهما مثلاً للأخفى ، فلذلك يأتي استجلاء المثل بالمثل ، ليكون فيه تلطيف للظاهر المحسوس وتنزيل للغائب المعلوم ؛ ففي هذه الآية يقع الاستجلاء بين المثلين لا بين الممثولين لتقارب المثلين يعني وهو وجه الشبه وتباعد الممثولين ، وفي ذكر هذين المثلين تقابل يفهم مثلين آخرين ، فاقتضى ذلك تمثيلين في مثل واحد كأن وفاء اللفظ الذي أفهمه هذا الإيجاز مثل الذين كفروا ومثل راعيهم كمثل الراعي ومثل ما يرعى من البهائم وهو من أعلى خطاب فصحاء العرب ، ومن لا يصل فهمه إلى جمع المثلين يقتصر على تأويله بمثل واحد فيقدر في الكلام : ومثل داعي الذين كفروا {كمثل الذي ينعق} أي يصيح ، وذلك لأن التأويل يحمل على الإضمار والتقدير ، والفهم يمنع منه ويوجب فهم إيراد القرآن على حده ووجهه ؛ وقال : {بما} أي بسبب شيء من البهائم التي {لا} عقل لها فهو {يسمع إلا دعاء} أي من الناطق فيما يدعي إليه من قوام غذائه ونسله {ونداء} فيما ساق إليه بمحل دعائه من حيث إن النداء يشعر بالبعد والدعاء يشعر بالشروع في القصد - انتهى.","part":3,"page":128},{"id":1026,"text":"فالكافرون في كونهم لا يرجعون عن غيهم لما يسمعون من الأدلة وهم أولو عقل وسمع وبصر كالبهم التي تسمع وتبصر ولكنها لكونها لا تعقل لا ترجع بالكلام لأنها لا تسمع إلا ظاهر الصوت ولا تفهم ما تحته بل بالحجر والعصا ، فإن الراعي إذا أراد رجوعها عن ناحية صاح بها ورمى بحجر إلى ما أمامها فترجع ، فهي محل مثلهم الذي هو عدم الإدراك ، والبهم في كونها لا ترجع بالنداء بل بقارع كالأصم الأبكم الأعمى الذي لا يرجع إلا بقارع يصكه في وجهه فينكص على عقبه فهو محل مثلها ، وداعيهم في كونه يتكلم فلا يؤثر كلامه مع المبالغة فيه كراعي البهم فهو موضع مثله ، وراعي البهم من حيث إن بهمه لا ترجع إلا بضربة بالحجر أو غيره كالسوط الذي يقمع به الأصم أو كضارب الأصم المذكور فهو محل مثله ؛ فلذلك كانت نتيجة التمثيل قوله : {صم} أي لا يسمعون {بكم} أي لا ينطقون {عمي} أي لا يبصرون ، وقد علم بهذا أن الآية من الاحتباك حذف من الأول مثل الداعي لدلالة الناعق عليه ومن الثاني المنعوق به لدلالة المدعوين عليه. ولما كان موجود إدراك العقل هو حقائق المحسوسات وقد نفى عنهم الحس المدرك للمحسوسات ترتب عليه قوله {فهم} بالفاء ربطاً وتعقيباً\rوتسبيباً {لا يعقلون} لأنهم لا ينتفعون بعقولهم كما أن هذا الأصم كذلك ، ونفاه بلا النافية للممتنع وصيغة المضارع المنبئة عن الدوام - قاله الحرالي.\rأ هـ {نظم الدرر حـ 1 صـ 313 ـ 314}\rقوله تعالى {كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِمَا لَا يَسْمَعُ إِلَّا دُعَاءً وَنِدَاءً}\rوالنعق نداء الغنم وفعله كضربَ ومنَع ولم يُقرأ إلاّ بكسر العين فلعل وزن ضرب فيه أفصح وإن كان وزن منَع أقيس ، وقد أخذ الأخطل معنى هذه الآية في قوله يصف جريراً بأن لا طائل في هجائه الأخطلَ\r : ... فانْعِقْ بضأْنك يا جرير فإنما","part":3,"page":129},{"id":1027,"text":"منَّتْك نفسُك في الظلام ضلالا... والدعاء والنداء قيل بمعنى واحد ، فهو تأكيد ولا يصح ، وقيل الدعاء للقريب والنداء للبعيد ، وقيل الدعاء ما يُسمع والنداء قد يسمع وقد لا يسمع ولا يصح.\rوالظاهر أن المراد بهما نوعان من الأصوات التي تفهمها الغنم ، فالدعاء ما يخاطب به الغنم من الأصوات الدالة على الزجر وهي أسماء الأصوات ، والنداء رفع الصوت عليها لتجتمع إلى رعاتها ، ولا يجوز أن يكونا بمعنى واحد مع وجود العطف ؛ لأن التوكيد اللفظي لا يعطف فإن حقيقة النداء رفع الصوت لإسماع الكلام ، أو المراد به هنا نداء الرِّعاء بعضهم بعضاً للتعاون على ذود الغنم. أ هـ\r{التحرير والتنوير حـ 2 صـ 112 ـ 113}\rكلام جامع فى الآية الكريمة\rقال ابن عادل ـ رحمه الله ـ : \rوقد اختلف النَّاس في هذه الآية اختلافاً كثيراً ، ولا سبيل إلى معرفة الإعراب إلاَّ بعد معرفتة المعنى المذكور في الآية الكريمة ، وقد اختلفوا في ذلك : \rفمنهم من قال : معناها : أنَّ المثل مضروبٌ بتشبيه الكافر بالنَّاعق ، ومنهم من قال : هو مضروبٌ بتَشْبيه الكافر بالمَنْعوق به ، ومنهم مَنْ قال : هو مضْروبٌ بتشبيه داعي الكفر بالنَّاعق ، ومنهم مَنْ قال : هو مضروب بتشبيه الدَّاعي والكافر بالنَّاعق ، والمنعوق به ، فهذه أربعة أقوالٍ.\rفعلى القول الأول : يكون التقدير : \" وَمَثَلُ الَّذينَ كَفَرُوا في قِلَّة فَهْمِهِمْ ، كَمَثَلِ الرُّعَاة يُكَلِّمُون البُهْمَ والبُهْمُ لا تَعْقِلُ شيئاً \".\rوقيل : يكون التقدير : \" وَمَثَلُ الَّذين كَفَروا في دُعائهم آلِهَتَهُمْ التي لا تَفْقَهُ دُعَاءَهُم ، كَمَثَلِ النَّاعِقِ بِغَنَمِهِ ؛ لا ينتفع من نَعِيقِهِ بشَيءٍ غير أنَّه في عناءٍ \" ؛ وكذلك الكافرُ ليس له من دعائه آلهته إلاَّ العناء ؛ كما قال تعالى : {إِن تَدْعُوهُمْ لاَ يَسْمَعُواْ دُعَآءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُواْ مَا استجابوا لَكُمْ} [فاطر : 14].","part":3,"page":130},{"id":1028,"text":"قال الزَّمَخْشَرِيُّ لمَّا ذكر هذا القول : \" إلاَّ أنَّ قوله : \" إلاَّ دُعاءً وَنِدَاءً \" ، لا يساعد عليه ؛ لأنَّ الأصنام لا تَسْمَعُ شيئاً \".\rقال أبُو حَيَّان - رحمه الله- : \" ولحظ الزمخشريُّ في هذا القول تمام التشبيه من كُلِّ جهة ، فكما أنَّ المنعوق به لا يَسْمَعُ إلاَّ دعاءً ونداءً ، فكذلك مدعُوُّ الكافِرِ مِنَ الصَّنم ، والصَّنَم لا يَسْمَعُ ، فضَعُف عنده هذا القوْلُ \" قال : \" ونحْنُ نقولُ : التشْبيهُ وقَعَ في مُطْلَق الدُّعاء في خُصوصيَّات المدعُوِّ ، فتَشْبِيهُ الكَافِر في دعائِهِ الصَّنَمَ بِالنَّاعِقِ بالبهيمة ، لا في خصوصيَّات المنعُوق به \" ، وقال ابنُ زَيْدٍ في هذا القَوْلِ - أعني : قولَ مَنْ قال : التقديرُ : ومَثَلُ الذين كَفَرُوا في دُعَائِهِمْ آلهتَهُم - : إنَّ الناعق هنا ليس المراد به الناعق بالبهائم ، وإنَّما المراد به الصائح في جوف الجبل ، فيجيبه الصَّدى ، فالمعنى : بما لا يسمع منه الناعقُ إلاَّ دعاء نفسه ، ونداءها ، فعلى هذا القول : يكون فاعل \" يَسْمَعُ \" ضميراً عائداً على \" الَّذِي يَنْعِقُ \" ويكون العائد على \" مَا \" الرابط للصِّلة بالموصُول محذوفاً ؛ لفَهْم المعنى ، تقديره : \" بِمَا لاَ يَسْمَعُ مِنْهُ \" وليس فيه شرط جوازِ الحَذْف ؛ فإنه جُرَّ بحرف غير ما جُرَّ به لموصول ، وأيضاً : فقد اختلف متعلَّقاهما إلاَّ أنه قد ورد ذلك في كلامهم ، وأمَّا على القولين الأوَّلين ، فيكون فاعل \" يَسْمَعُ \" ضميراً يعود على \" ما \" الموصولة ، وهو المنعوقُ به.\rوقيل : المراد بـ \" الَّذِين كَفَرُوا \" المتبُوعُون ، لا التابعون ، المعنى : \" مَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا في دعائِهِمْ اتباعَهُمْ ، وكوْنِ أتباعِهِمْ لا يَحْصُل لهم منهم إلاَّ الخَيْبَة ، كمثل النَّاعق بالغَنَم ، فعلى هذه الأقوال كلِّها : يكون \" مَثَل \" مبتدأً و\" كَمَثَلِ \" خبره ، وليس في الكلام حذفٌ إلاَّ جهة التَّشبيه.","part":3,"page":131},{"id":1029,"text":"وعلى القول الثاني من الأقوال الأربعة المتقدِّمة : فقيل : معناه : \" وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا في دُعَائِهِمْ إلى الله تعالى ، وعَدَمِ سماعِهِمْ إِيَّاه ، كَمَثَلِ بَهَائم الَّذِي يَنْعِقُ \" فهو على حذفِ قَيْدٍ في الأوَّل ، وحَذْف مضافٍ في الثاني.\rوقيل : التقدير : \" ومَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا في عَدَم فَهْمهم عَنِ اللَّهِ ورسُولِهِ ، كَمَثَلِ المنْعُوق بِهِ منَ البَهَائم الَّتي لا تَفْقَهُ من الأَمْر والنَّهْي غَيْر الصَّوْت \" فيرادُ بالذي يَنْعِقُ : الذي يُنْعَقُ بِهِ ، ويكون هذا من القَلْبِ ، وقال قائلٌ : \" هذا كما تقولون : \" دَخَلَ الخَاتَمُ في يَدِي ، والخُفُّ في رِجْلِي \" وتقولون : \" فُلاَنٌ يَخَافُكَ ؛ كَخَوْفِ الأَسَدِ \" ، أي : كَخَوْفِهِ الأَسَدَ ، وقال تعالى : {مَآ إِنَّ مَفَاتِحَهُ لَتَنُوءُ بالعصبة} [القصص : 76] وإنَّما العصبة تنوء بالمفاتح \". وإلى هذا ذهب الفرَّاء ، وأبو عُبَيْدَة ، وجماعةٌ إلاَّ أنَّ القلب لا يقع على الصَّحيح إلاَّ في ضرورة أو ندورٍ.\rوأمَّا على القول الثَّالث ، وهو قولُ الأخفش ، والزَّجَّاج ، وابْنِ قُتَيْبَة ، فتقديره : \" ومَثَلُ داعي الَّذين كَمَثَلِ النَّاعق بغَنَمه ؛ في كَوْن الكافِرِ لا يَفْهَمُ ممَّا يُخَاطِبُ به داعيَهُ إلاَّ دَوِيَّ الصَّوْت ، دون إلقاءِ فكرٍ وذهنٍ ؛ كما أنَّ البيهمةَ كذلك ، فالكلامُ على حذف مضافٍ من الأوَّل.أ هـ {تفسير ابن عادل حـ 3 صـ 163 ـ 164}\rفصل في المراد بـ \" مَا لاَ يَسْمَعُ \"\rقال الزَّمَخْشَرِيُّ : ويجوزُ أن يرادَ بـ \" مَا لاَ يَسْمَعُ \" الأصمُّ الأصْلَج الذي لا يَسْمَعُ من كلام الرَّافِعِ صَوْتَهُ بِكَلاَمِهِ إلاَّ النِّداءَ والصَّوتَ ، لا غير ؛ من غير فهم للحرف ، وهذا جنوح إلى جواز إطلاق \" ما \" على العقلاء ، أو لما تنزَّل هذا منزلة من لا يسمع من البهائم ، أوقع عليه \" مَا \".","part":3,"page":132},{"id":1030,"text":"وأما على القول الرابع - وهو اختيار سيبويه في هذه الآية - : فتقديره عنده : \" مَثَلُكَ يَا مُحَمَّدُ ، ومَثَلُ الذين كَفَرُوا ، كَمَثَل النَّاعق والمنْعُوقِ به \" ، واختلف النَّاس في فهم كلام سيبويه ، فقائل : هو تفسير معنى ، وقيل : تفسير إعرابٍ ، فيكون في الكلام حذفان : حذف من الأوَّل ، وهو حذف \" دَاعِيهم \" ، وقد أثبت نظيره في الثاني ، وحذفٌ من الثَّاني ، وهو حذف المنعوق ، وقد أثبت نظيره في الأول ؛ فشبَّه داعِيَ الكُفَّار براعي الغنم في مخاطبته من لا يفهم عنه ، وشبَّه الكفَّار بالغنم في كونهم لا يسمعون مما دعوا إليه ، إلاَّ أصواتاً لا يعرفون ما وراءها ، وفي هذا الوجه حذف كثير ؛ إذ فيه حذف معطوفين ؛ إذ التقدير الصناعيُّ : \" وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا ودَاعِيهِمْ كمثل الذي يَنْعِقُ بالمَنْعُوقِ به \".\rوقد ذهب إليه جماعةٌ ، منهم : أبو بكر بن طاهر ، وابن خروفٍ ، والشَّلوبين ؛ قالوا : العرب تستحسن هذا ، وهو من بديع كلامها ؛ ومثله قوله : [{وَأَدْخِلْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضَآءَ مِنْ غَيْرِ سواء} [النمل : 12]] تقديره : \" وأَدْخِل يَدَكَ في جَيْبِكَ ، تدْخُلْ ، وأَخْرِجْها تَخْرُجْ \" ؛ فحذف \" تَدْخُل \" ؛ لدلالة \" تَخْرُج \" وحَذَف \" وأَخْرجْهَا \" ؛ لدلالة \" وأَدْخِلْ \" ، قالوا : ومثله قوله : \rوَإِنِّي لَتَعْرُونِي لِذِكْرَاكِ فَتْرَةٌ... كَمَا انْتَفَضَ العُصْفُورُ بَلَّلَهُ القَطْرُ\rلم يرد أن يشبِّه فترته بانتفاض العصفور حين بلَّله القطر ؛ لأنَّمها ضدَّان ؛ إذ هما حركةٌ وسكونٌ ، ولكنَّ تقديره : أنِّي إذا ذكرته ، عراني انتفاضٌ ، ثمَّ أفتر ؛ كما أن العصفور إذا بلَّله القطر ، عراه فترةٌ ، ثم ينتفض ، غير أنَّ وجيب قلبه واضطرابه قبل الفترة ، وفترة العصفور قبل انتفاضه.","part":3,"page":133},{"id":1031,"text":"وهذه الأقوال كلُّهَا ، إنَّما هي على القول بتشبيه مفرد بمفرد ، ومقابلة جزء من الكلام السَّابق بجزء من الكلام المشبَّه به.\rأمَّا إذا كان التشبيه من باب تشبيه جملةٍ بجملةٍ ، فلا ينظر في ذلك إلى مقابلة الألفاظ المفردة ، بل ينظر إلى المعنى ، وإلى هذا نحا أبو القاسم الراغب ؛ قال الرَّاغب : \" فلمَّا شبَّه قصَّة الكافرين في إعراضهم عن الدَّاعي لهم إلى الحقِّ ، بقصَّة النَّاعق قدَّم ذكر النَّاعق ؛ لينبني عليه ما يكون منه ، ومن المنعوق به \".\rوالكاف ليست بزائدةٍح خلافاً لبعضهم ؛ فإنَّ الصِّفة ليست عين الصِّفة الأخرى ، فلا بُدَّ من الكاف ؛ حتى أنه لو جاء الكلام دون الكاف ، اعتقدنا وجودها تقديراً تصحيحاً للمعنى.\rوقد تلخَّص ممَّا تقدَّم : أنَّ \" مَثَلُ الَّذِينَ \" مبتدأٌ ، و\" كَمَثَلِ الَّذِي \" خبره : إمَّا من غير اعتقاد حذف ، أو على حذف مضافٍ من الأوَّل ، أي : \" مثلُ : \" داعي الَّذين \" ، أو من الثَّاني ، أي : \" كَمَثَلِ بَهَائِم الَّذِي \" ، أو على حذفين : حذف من الأوَّل ما أثبت نظيره في الثَّاني ، ومن الثَّاني ما أثبتَ نظيره في الأوَّل ؛ كما تقدَّم تحريره.\rوالنعيق دعاء الرَّاعي ، وتصويته بالغنم ؛ قال الأخطل في ذلك : [الكامل]\rفَانْعِقْ بِضَأْنِكَ يَا جَرِيرُ فَإِنَّمَا... مَنَّتْكَ نَفْسُكَ في الخَلاَءِ ضَلالاَ\rقال القتيبيُّ : لم يكن جرير راعي ضأنٍ ، وإنَّما أراد أنَّ بني كُلَيبٍ يُعَيَّرُونَ برعْيِ الضأن ، وجرير منهم ؛ فهو من جَهَلتهم ، والعرب تضرب المثل في الجهل براعي الضَّأن ، ويقولون : أجْهَلُ من رَاعِي ضَأْنٍ. أ هـ {تفسير ابن عادل حـ 3 صـ 164 ـ 166}\rسؤالٌ ذكره عليُّ بن عيسى ، وهو هل هذا من باب التَّكرار لمَّا اختلف اللَّفظ ، فإنَّ الدعاء والنِّداء واحدٌ ؟ \rوالجواب : أنه ليس كذلك ؛ فإن الدعاء طلب الفعل ، والنداء إجابة الصَّوت.","part":3,"page":134},{"id":1032,"text":"وقال القرطبيُّ - رحمه الله - : النداء للبعيد ، والدعاء للقريب ، وكذلك قيل للأذان بالصلاة نداءٌ ؛ لأنه للأباعد ، وفي هذا نظر ؛ لأنَّ النبيَّ - ـ عليه السلام ـ قال : \" الخِلافَةُ في قُرَيْشٍ ، والحُكْمُ في الأَنْصَارِ ، والدَّعْوَةُ في الحَبَشَةِ \"\rقال ابنُ الأثِير في \" النَّهَايَة \" : أراد بالدَّعوة الأذان ، وجعله في الحبشة ؛ تفضيلاً لمؤذِّنه بِلالٍ ، وقال شاعر الجاهليَّة : [الوافر]\rفَلَسْتُ بِصَائِمٍ رَمَضَانُ عُمْرِي... وَلَسْتُ بِآكِلٍ لَحْمَ الأَضَاحِي\rوَلَسْتُ بِقَائِمٍ كالعِيرِ يَدْعُوا... قُبَيْلَ الصُّبْحِ حَيَّ عَلَى الفَلاَحِ\rأراد أذان الصُّبح ، وقد تضمُّ النون في النِّداء ، والأصل الكسر. أ هـ {تفسير ابن عادل حـ 3 صـ 167}\rقوله تعالى {صُمٌّ بُكْمٌ عُمْىٌ}\rقال الفخر : \rأما قوله تعالى : {صُمٌّ بُكْمٌ عُمْىٌ} فاعلم أنه تعالى لما شبههم بالبهائم زاد في تبكيتهم ، فقال : {صُمٌّ بُكْمٌ عُمْىٌ} لأنهم صاروا بمنزلة الصم في أن الذي سمعوه كأنهم لم يسمعوه وبمنزلة البكم في أن لا يستجيبوا لما دعوا إليه وبمنزلة العمى من حيث أنهم أعرضوا عن الدلائل فصاروا كأنهم لم يشاهدوها ، قال النحويون {صُمٌّ} أي هم صم وهو رفع على الذم ، أما قوله : {فَهُمْ لاَ يَعْقِلُونَ} فالمراد العقل الاكتسابي لأن العقل المطبوع كان حاصلاً لهم قال : العقل عقلان مطبوع ومسموع.\rولما كان طريق اكتساب العقل المكتسب هو الاستعانة بهذه القوى الثلاثة فلما أعرضوا عنها فقدوا العقل المكتسب ولهذا قيل : من فقد حساً فقد علماً. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 5 صـ 8}\rقوله تعالى {فهم لا يعقلون}","part":3,"page":135},{"id":1033,"text":"وقوله : {فهم لا يعقلون} تقريع كمجيء النتيجة بعد البرهان ، فإن كان ذلك راجعاً للمشركين فالاستنتاج عقب الاستدلال ظاهر لخفاء النتيجة في بادىء الرأي ، أي إن تأملتم وجدتموهم لا يعقلون ؛ لأنهم كالأنعام والصمِّ والبكمِ الخ ، وإن كان راجعاً للأصنام فالاستنتاج للتنبيه على غباوة المشركين الذين عبدوها. ومجيء الضمير لهم بضمير العقلاء تهكم بالمشركين لأنهم جعلوا الأصنام في أعلى مراتب العقلاء كما تقدم. أ هـ {التحرير والتنوير حـ 2 صـ 113}\rفائدة\rطريق الاكتساب الاستعانة بالحواس ولهذا قيل : من فقد حساً فقد علماً. فلما فقدوا فائدة الحواس فكأنهم عدموها خلقة ، قال شابور بن أردشير : العقل نوعان : مطبوع ومسموع. فلا يصلح واحد منهما إلا بصاحبه فإن أحدهما بمنزلة العين والآخر بمثابة الشمس ولا يكمل الإبصار إلا بتعاونهما. وقال النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ \" إن لكل شيء دعامة ودعامة عمل المرء عقله \" فبقدر عقله تكون عبادته لربه. أما سمعتم قول الله عز وجلّ حكاية عن الفجار ؟ {لو كنا نسمع أو نعقل ما كنا في أصحاب السعير} [الملك : 10] وقال : \" ما اكتسب المرء مثل عقل يهدي صاحبه إلى هدى ويرده عن ردى \". أ هـ\r{غرائب القرآن ورغائب الفرقان حـ1 صـ 398}","part":3,"page":136},{"id":1034,"text":"موعظة\rعلى العاقل أن يتدارك حاله بسلوك طريق الرضى والندم على مضى ، ويزكى نفسه عن سفساف الأخلاق ويصفى قلبه إلى أن تنعكس إليه أنوار الملك الخلاق ، وذلك لا يحصل غالبا إلا بتربية كامل من أهل التحقيق ؛ لأن المرء محجوب عن ربه ، وحجابه الغفلة وهى وإن كانت لا ترفع ولا تزول إلا بفضل الله تعالى لكنه بأسباب كثيرة ولا اهتداء إلى علاج المرض إلا باشارة حكيم حاذق ، وذلك هو المرشد الكامل فإذا يزول الرين عن القلب وتنفتح روزنة البال إلى الغيب فيكون إقرار السالك تحقيقا لا تقليدا ، وتوحيده تجريدا وتفريدا ، فحينئذ يعكس الأمر فيكون أصم عن سماع أخبار ما سوى المحبوب الحقيقى ، أبكم عن إفشاء سر الحقيقة ، أعمى عن رؤية الأغيار فى هذه الدار الفانية.\rاللهم خلصنا من التقليد وأوصلنا إلى حقيقة التوحيد إنك حميد مجيد.أ هـ {روح البيان حـ 1 صـ 344}\rمن لطائف الإمام القشيرى فى الآية\rعدموا سمع الفهم والقبول ، فلم ينفعهم سمع الظاهر ، فنزلوا منزلة البهائم في الخلوِّ عن التحصيل ، ومَنْ رضي أن يكون كالبهيمة لم يقع عليه كثير قيمة. أ هـ\r{لطائف الإشارات حـ1 صـ 147}","part":3,"page":137},{"id":1036,"text":"قوله تعالى {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَاشْكُرُوا لِلَّهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ (172) }\rمناسبة الآية لما قبلها\rقال الفخر : \rاعلم أن هذه الآية شبيهة بما تقدم من قوله : {كُلُواْ مِمَّا فِى الأرض حلالا طَيّباً} [البقرة : 168] ثم نقول : إن الله سبحانه وتعالى تكلم من أول السورة إلى ههنا في دلائل التوحيد والنبوة واستقصى في الرد على اليهود والنصارى ، ومن هنا شرع في بيان الأحكام. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 5 صـ 5}\rوقال البقاعى : \rولما أخبر سبحانه وتعالى أن الدعاء لا يزيدهم إلا نفوراً رقي الخطاب من الناس إلى أعلى منهم رتبة فقال آمراً لهم أمر إباحة أيضاً وهو إيجاب في تناول ما يقيم البينة ويحفظها : {يا أيها الذين آمنوا كلوا}. وقال الحرالي : لما كان تقدم الخطاب في أمر الدين في رتبتين أولاهما {يا أيها الناس اعبدوا ربكم} [البقرة : 21] وثانيتهما {يا أيها الذين آمنوا لا تقولوا راعنا} [البقرة : 104] فأمر الناس فيه بالعبادة وأمر الذين آمنوا بحسن الرعاية مع النبي صلى الله عليه وسلم ، كذلك هنا أمر الناس بالأكل مما في الأرض ونهى عن اتباع خطوات الشيطان ، وأشعر الخطاب بأنهم ممن يتوجه الشيطان نحوهم للأمر بالسوء والفحشاء والقول بالهوى ، وأمر الذين آمنوا بالأكل {من طيبات} فأعرض في خطابهم عن ذكر الأرض لتناولهم الرزق من السماء ، فإن أدنى الإيمان عبادة من في السماء واسترزاق من في السماء كما قال للسوداء : ","part":3,"page":138},{"id":1037,"text":"\" أين الله ؟ قالت : في السماء ، قال : أعتقها فإنها مؤمنة \" قال سبحانه وتعالى : {وفي السماء رزقكم} [الذاريات : 22] ، فأطعم الأرضيين وهم الناس مما في الأرض وأطعم السماويين وهم الذين آمنوا من رزق السماء كذلك ، وخص هذا الخطاب بلفظ الحلال لما كان آخذاً رزقه من السماء متناولاً طيبة لبراءته من حال مما في الأرض مما شأنه ضر في ظاهر أو أذى في باطن ، ولذلك \" ولو كانت الدنيا دماً عبيطاً لكان قوت المؤمن منها حلالاً \" ، فالمسترزق من السماء يصير المحرم له حلالاً لأخذه منه عند الضرورة تقوتاً لا تشهّياً ، ويصير الحلال له طيباً لاقتناعه منه بالكفاف دون التشهي {يسألونك ماذا أحل لهم قل أحل لكم الطيبات} [المائدة : 4] وفي مورد هذين الخطابين بيان أن كلمة {للناس} واقعة على سن من أسنان القلوب وكلمة {الذين آمنوا} واقعة على سن فوقه وليس يقع على عموم يشمل جميع الأسنان القلبية ، فتوهم ذلك من أقفال القلوب التي تمنع تدبر القرآن ، لأن خطاب القرآن يتوجه لكل أولي سن على حسب سن قلوبهم ، لا يصلح خطاب كل سن إلا له يتقاصر عنه من دونه ولا يحتاج إليه من فوقه ، وهي أسنان متعددة : سن الإنسان ثم سن الناس ، ثم سن الذين آمنوا ، ثم سن الذين يؤمنون ، ثم سن المؤمنين ، ثم سن المؤمنين حقاً ، ثم سن المحسنين ؛ هذه أسنان سبعة خطاباتها مترتبة بعضها فوق بعض ، ومن وراء ذلك أسنان فوقها من سن الموقنين وما وراء ذلك إلى أحوال أثناء هذه الأسنان من حال الذين أسلموا والمسلمين ومن يوصف بالعقل والذكر والفكر والسماع وغير ذلك من الأوصاف التي تلازم تلك الأسنان في رتب متراقية لا يشمل أدناها أعلاها ولا ينهض أدناها لرتبة خطاب أعلاها إلى ما وراء ذلك من خصوص خطاب النبي صلى الله عليه وسلم فيه بما لا يليق إلا به وبمن هو منه من إله ، وفي انتظام تفصيل هذه الرتب جامعة لما يقع من معناه في سائر القرآن - انتهى. ولما كانت هذه الرتبة كما تقدم\r","part":3,"page":139},{"id":1038,"text":"أرفع من رتبة الناس خص في خطابهم بعد بيان أن ما لم يحل خبيث فقال : {من طيبات} ولم يأت بذلك العموم الذي تألف به {الناس}.\rولما كانوا في أول طبقات الإيمان نبههم على الشكر بقوله في مظهر العظمة : {ما رزقناكم} وأخلصناه لكم من الشبه ، ولا تعرضوا لما فيه دنس كما أحله المشركون من المحرمات ، ولا تحرموا ما أحلوا منها من السائبة وما معها ثم صرح به في قوله آمراً أمر إيجاب : {واشكروا لله} أي وخصوا شكركم بالمنعم الذي لا نعمة إلا منه ، وهذا بخلاف ما يأتي في سورة المؤمنين خطاباً لأعلى طبقات الخلّص وهم الرسل.\rولما كان الشكر لا يصح إلا بالتوحيد علقه باختصاصهم إياه بالعبادة فقال : {إن كنتم إياه} أي وحده {تعبدون} فإن اختصاصه بذلك سبب للشكر ، فإذا انتفى الاختصاص الذي هو السبب انتفى الشكر ، وأيضاً إذا انتفى المسبب الذي هو الشكر انتفى الاختصاص لأن السبب واحد ، فهما متساويان يرتفع كل واحد منهما بارتفاع الآخر. وقال الحرالي : ولما كان هذا الخطاب منتظماً لتناول الطيب والشكر وحقيقته البذل من الطيب فشكر كل نعمة إظهارها على حدها من مال أو جاه أو علم أو طعام أو شراب أو غيره وإنفاق فضلها والاقتناع منها بالأدنى والتجارة بفضلها لمبتغى الأجر وإبلاغها إلى أهلها لمؤدي الأمانة لأن أيدي العباد خزائن الملك الجواد \" دعوا الناس يرزق الله بعضهم من بعض \". فلما كان ذلك لا يتم إلا بمعرفة الله سبحانه وتعالى المخلف على من أنفق كما قال {وما أنفقتم من شيء فهو يخلفه} نبهوا على عهدهم الذي لقنوه في سورة الفاتحة في قوله {إياك نعبد وإياك نستعين} فقيل لهم : كلوا واشكروا إن كنتم إياه تعبدون ؛ فمن عرف الله بالكرم هان عليه أن يتكرم ومن عرف الله بالإنعام والإحسان هان عليه أن يحسن وهو شكره لله ، من أيقن بالخلف جاد بالعطية - انتهى. أ هـ {نظم الدرر حـ 1 صـ 314\rـ 316}\rوقال البيضاوى : ","part":3,"page":140},{"id":1039,"text":"لما وسع الأمر على الناس كافة وأباح لهم ما في الأرض سوى ما حرم عليهم ، أمر المؤمنين منهم أن يتحروا طيبات ما رزقوا ويقوموا بحقوقها فقال : {واشكروا للَّهِ }. أ هـ {تفسير البيضاوى حـ 1 صـ 494}\rفائدة\rاعلم أن الأكل قد يكون واجباً ، وذلك عند دفع الضرر عن النفس ، وقد يكون مندوباً ، وذلك أن الضيف قد يمتنع من الأكل إذا انفرد وينبسط في ذلك إذا سوعد ، فهذا الأكل مندوب ، وقد يكون مباحاً إذا خلا عن هذه العوارض ، والأصل في الشيء أن يكون خالياً عن العوارض ، فلا جرم كان مسمى الأكل مباحاً وإذا كان الأمر كذلك كان قوله {كُلُواْ} في هذا الموضع لا يفيد الإيجاب والندب بل الإباحة. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 5 صـ 9}\rلطيفة\rقال السمرقندى : \r : في هذه الآية بيان فضل هذه الأمة ، لأنه تعالى خاطبهم بما خاطب به أنبياءه عليهم الصلاة والسلام لأنه قال لأنبيائه : {ياأيها الرسل كُلُواْ مِنَ الطيبات واعملوا صالحا إِنِّى بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ} [المؤمنون : 51] ، وقال لهذه الأمة {كُلُواْ مِن طيبات مَا رزقناكم} وقال في أول الآية : {ياأيها الناس كُلُواْ مِمَّا فِى الارض حلالا طَيِّباً وَلاَ تَتَّبِعُواْ خطوات الشيطان إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ} [البقرة : 168]. فلما أمر الله تعالى بأكل هذه الأشياء التي كانوا يحرمونها على أنفسهم. قالوا للنبي صلى الله عليه وسلم : إن لم يكن هذه الأشياء محرمة فالمحرمات ما هي ؟ \rأ هـ {بحر العلوم حـ 1 صـ 140}\rوقال الخازن : ","part":3,"page":141},{"id":1040,"text":"والطيب هو الحلال عن أبي هريرة رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : \" إن الله طيب ولا يقبل إلاّ الطيب وإن الله أمر المؤمنين بما أمر المؤمنين بما أمر به المرسلين فقال : يا أيها الرسل كلوا من الطيبات واعملوا صالحاً وقال : يا أيها الذين آمنوا كلوا من طيبات ما رزقناكم ثم ذكر الرجل يطيل السفر أشعث أغبر يمد يده إلى السماء : يا رب يا رب ومطعمه حرام ومشربه حرام وملبسه حرام وغذي بالحرام فأنى يستجاب لذلك \" قوله : أشعث أغبر هو البعيد العهد بالدهن والغسل والنظافة. وقيل الطيب المستلذ من الطعام فلعل قوماً تنزهوا عن أكل المستلذ من المطاعم فأباح الله تعالى لهم ذلك {واشكروا لله} يعني على نعمه {إن كنتم إياه تعبدون} أي اشكروا الله الذي رزقكم هذه النعم إن كنتم تخصونه بالعبادة وتقرون أنه إلهكم لا غيره وقيل إن كنتم عارفين بالله وبنعمه فاشكروه عليها. أ هـ {تفسير الخازن حـ 1 صـ 103}\rقوله تعالى {مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ }\rسؤال : لم أسند الرزق إلى ضمير المتكلم بنون العظمة ؟ \rالجواب كما ذكره أبو حيان : \rما رزقناكم : فيه إسناد الرزق إلى ضمير المتكلم بنون العظمة ، لما في الرزق من الامتنان والإحسان. وإذا فسر الطيبات بالحلال ، كان في ذلك دلالة على أن ما رزقه الله ينقسم إلى حلال وإلى حرام ، بخلاف ما ذهبت إليه المعتزلة. أ هـ {البحر المحيط حـ 1 صـ 659}\rفصل في الوجوه التي وردت عليها كلمة \" الطَّيِّب \" في القرآن قالوا : \" والطَّيِّبُ \" ورد في القرآن الكريم على أربعة أوجهٍ : \rأحدها : الطَّيِّبات بمعنى الحلال ؛ قال الله تعالى : {وَلاَ تَتَبَدَّلُواْ الخبيث بالطيب} [النساء : 2] ، أي : لا تتبدَّلوا الحرام بالحلال.\rالثاني : الطيِّب بمعنى الطَّاهر ؛ قال تبارك وتعالى : {فَتَيَمَّمُواْ صَعِيداً طَيِّباً} [النساء : 43] ، وقال تعالى : {إِلَيْهِ يَصْعَدُ الكلم الطيب} [فاطر : 10].","part":3,"page":142},{"id":1041,"text":"الثالث : الطَّيِّب : معناه الحسن ، أي : الكلام الحسن للمؤمنين.\rوقوله : {واشكروا للَّهِ} أَمْرٌ ، وليس بإباحةٍ ، بمعنى أنه يجب اعتقاد مستحقّاً إلى التعظيم ، وإظهار الشُّكْر باللِّسان ، أو بالأفعال ، إن وجدت هنا له تهمةٌ.\r[ الرابع : ذكر الله وتلاوة القرآن والأمر بالمعروف ، قال تعالى : {إِلَيْهِ يَصْعَدُ الكلم الطيب} [فاطر : 10]. أ هـ {تفسير ابن عادل حـ 3 صـ 168 ـ 169}\rقال ابن كثير : \rيقول تعالى آمرا عباده المؤمنين بالأكل من طَيبات ما رزقهم تعالى ، وأن يشكروه على ذلك ، إن كانوا عبيده ، والأكل من الحلال سبب لتقبل الدعاء والعبادة ، كما أن الأكل من الحرام يمنع قبولَ الدعاء والعبادة ، كما جاء في الحديث الذي رواه الإمامُ أحمد : \rحدثنا أبو النضر ، حدثنا الفُضَيل بن مرزوق ، عن عدَيِّ بن ثابت ، عن أبي حازم ، عن أبي هريرة\rقال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : \"أيها الناس ، إن الله طيب لا يقبل إلا طيبًا ، وإن الله أمر المؤمنين بما أمر به المرسلين ، فقال : {يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ} [المؤمنون : 51] وقال : {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ} ثم ذكر الرجل يطيلُ السفر أشعث أغبر ، يمدُّ يديه إلى السماء : يا رب ، يا رب ، ومطعمه حرام ومشربه حرام ، وملبسه حرام ، وغُذي بالحرام ، فأنى يستجاب لذلك\".\rورواه مسلم في صحيحه ، والترمذي من حديث [فضيل] بن مرزوق أ هـ {تفسير ابن كثير حـ 1 صـ 481}\rفائدة\rقال الفخر : ","part":3,"page":143},{"id":1042,"text":"احتج الأصحاب على أن الرزق قد يكون حراماً بقوله تعالى : {مِن طَيّبَاتِ مَا رزقناكم} فإن الطيب هو الحلال فلو كان كل رزق حلالاً لكان قوله : {مِن طَيّبَاتِ مَا رزقناكم} معناه من محللات ما أحللنا لكم ، فيكون تكراراً وهو خلاف الأصل ، أجابوا عنه بأن الطيب في أصل اللغة عبارة عن المستلذ المستطاب ، ولعل أقواماً ظنوا أن التوسع في المطاعم والاستكثار من طيباتها ممنوع منه.\rفأباح الله تعالى ذلك بقوله : كلوا من لذائذ ما أحللناه لكم فكان تخصيصه بالذكر لهذا المعنى. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 5 صـ 9}\rلطيفة\rالحلال ما لا تَبِعَه عليه ، والطيب الذي ليس لمخلوقٍ فيه مِنَّة ، وإذا وجد العبد طعاماً يجتمع فيه الوصفان فهو الحلال الطيب.\rوحقيقة الشكر عليه ألا تتنفس في غير رضاء الحق ما دام تبقى فيك القوة لذلك الطعام. أ هـ {لطائف الإشارات حـ 1 صـ 147}\rقال ابن عرفة : \rهنا سؤال وهو أنه قال في الآية الأخرى {ياأيها الرسل كُلُواْ مِنَ الطيبات} ولم يقل من طيبات ما رزقناكم مع أن تلك خطاب للرسل (فهو كان يكون) أولى بهذا اللفظ ؟ وعادتهم يجيبون بوجيهن : \r- الأول : أمّا إذا قلنا : إن الرزق لا يطلق إلا على الحلال فنقول : لمّا كان الأنبياء معصومين أمروا أمرا مطلقا من غير تعيين الحلال وغيرهم ليس بمعصوم ، فقيد الإذن في الأكل له بالحلال فقط فيكون الطيب على هذا المراد به المستلذ.\r- الجواب الثاني : الرسل في مقام كمال التوحيد ونسبة كل الأشياء إلى الله عز وجل وأما غيرهم فليس كذلك فقد يذهل حين اقتطاف الثمرة ويظن أنها من الشجرة ويغفل عن كون الله تعالى هو الذي أخرجها منها وأنبتها فقيل لهم {كُلُواْ مِن طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ} حتى يعتقدوا حين التناول أن ذلك الرزق كله من عند الله وليس للمتسبب فيه صنع بوجه.\rأ هـ {تفسير ابن عرفة صـ 215}\rقوله تعالى {واشكروا لله }\rقال الفخر : ","part":3,"page":144},{"id":1043,"text":"قوله : {واشكروا للَّهِ} أمر : وليس بإباحة فإن قيل : الشكر إما أن يكون بالقلب أو باللسان أو بالجوارح ، أما بالقلب فهو إما العلم بصدور النعمة عن ذلك المنعم ، أو العزم على تعظيمه باللسان وبالجوارح ، أما ذلك العلم فهو من لوازم كمال العقل ، فإن العاقل لا ينسى ذلك فإذا كان ذلك العلم ضرورياً فكيف يمكن إيجابه ، وأما العزم على تعظيمه باللسان والجوارح فذلك العزم القلبي مع الإقرار باللسان والعمل بالجوارح ، فإذا بينا أنهما لا يجيبان كان العزم بأن لا يجب أولى ، وأما الشكر باللسان فهو إما أن يقر بالاعتراف له بكونه منعما أو بالثناء عليه فهذا غير واجب بالاتفاق بل هو من باب المندوبات ، وأما الشكر بالجوارح والأعضاء فهو أن يأتي بأفعال دالة على تعظيمه ، وذلك أيضاً غير واجب ، وإذا ثبت هذا فنقول : ظهر أنه لا يمكن القول بوجوب الشكر\rقلنا الذي تلخص في هذا الباب أنه يجب عليه اعتقاد كونه مستحقاً للتعظيم وإظهار ذلك باللسان أو بسائر الأفعال إن وجدت هناك تهمة.\rأ هـ {مفاتيح الغيب حـ 5 صـ 9}\rسؤال : لم عدل عن الضمير إلى الاسم الظاهر فى قوله تعالى {وَاشْكُرُوا لِلَّهِ} ؟ \rوالعدول عن الضمير إلى الاسم الظاهر لأن في الاسم الظاهر إشعاراً بالإلاهية فكأنه يومِىء إلى ألاَّ تشكر الأصنام ؛ لأنها لم تَخلُق شيئاً مما على الأرض باعتراف المشركين أنفسهم فلا تستحق شكراً. وهذا من جعل اللقب ذا مفهوم بالقرينة ؛ إذ الضمير لا يصلح لِذلك إلاّ في مواضع.\rأ هـ {التحرير والتنوير حـ 2 صـ 114}\rوأجاب أبو حيان عن هذا السؤال بقوله : \rلأن هذا الاسم الظاهر متضمن لجميع الأوصاف التي منها وصف الأنعام والزرق والشكر ، ليس على هذا الإذن الخاص ، بل يشكر على سائر الإنعامات والامتنانات التي منها هذا الامتنان الخاص. أ هـ {البحر المحيط حـ 1 صـ 659}\rقوله تعالى{إن كنتم إياه تعبدون }\rقال الفخر : \rفي هذه الآية وجوه : ","part":3,"page":145},{"id":1044,"text":"أحدها : {واشكروا للَّهِ} إن كنتم عارفين بالله وبنعمه ، فعبر عن معرفة الله تعالى بعبادته ، إطلاقاً لإسم الأثر على المؤثر وثانيها : معناه : إن كنتم تريدون أن تعبدوا الله فاشكروه ، فإن الشكر رأس العبادات وثالثها : {واشكروا للَّهِ} الذي رزقكم هذه النعم {إِن كُنتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ} أي إن صح أنكم تخصونه بالعبادة وتقرون أنه سبحانه المنعم لا غيره. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 5 صـ 9}\rوقال فى التحرير والتنوير : \r{إن كنتم إياه تعبدون} أي اشكروه على ما رزقكم إن كنتم ممن يتصف بأنه لا يعبد إلاّ الله أي إن كنتم هذا الفريق وهذه سجيتكم ، ومن شأن كان إذا جاءت وخبرها جملة مضارعية أن تدل على الاتصاف بالعنوان لا على الوقوع بالفعل مثل قوله : {إن كنتم للرؤيا تعبرون} [يوسف : 43] أي إن كان هذا العلم من صفاتكم ، والمعنى إن كنتم لا تشركون معه في العبادة غيره فاشكروه وحده. فالمراد بالعبادة هنا الاعتقاد بالإلاهية والخضوع والاعتراف وليس المراد بها الطاعات الشرعية. وجواب الشرط محذوف أغني عنه ما تقدم من قوله {واشكروا}. أ هـ {التحرير والتنوير حـ 2 صـ 114}\rلطيفة\rقال القُشَيْرِيُّ : قال أهل العلْمِ بالأصول : نِعَمُ اللَّهِ تعالى على ضربَيْن : نعمةُ نَفْعٍ ، ونعمةُ دَفْعٍ ، فنعمةُ النفْعِ : ما أولاهم ، ونعمةُ الدفع : ما زوى عنهم ، وليس كلُّ إِنعامه سبحانه انتظام أسبابِ الدنيا ، والتمكُّنَ منها ، بل ألطافُ اللَّه تعالى فيما زوى عنهم من الدُّنْيَا أكثرُ ، وإن قرب العبد من الربِّ تعالى على حسب تباعُدِهِ من الدنيا. انتهى من \"التَّحْبير\". أ هـ {الجواهر الحسان حـ 1 صـ 129}\rقال السعدى : ","part":3,"page":146},{"id":1045,"text":"هذا أمر للمؤمنين خاصة ، بعد الأمر العام ، وذلك أنهم هم المنتفعون على الحقيقة بالأوامر والنواهي ، بسبب إيمانهم ، فأمرهم بأكل الطيبات من الرزق ، والشكر لله على إنعامه ، باستعمالها بطاعته ، والتقوي بها على ما يوصل إليه ، فأمرهم بما أمر به المرسلين في قوله {يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا}.\rفالشكر في هذه الآية ، هو العمل الصالح ، وهنا لم يقل \"حلالا \"لأن المؤمن أباح الله له الطيبات من الرزق خالصة من التبعة ، ولأن إيمانه يحجزه عن تناول ما ليس له.\rوقوله {إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ} أي : فاشكروه ، فدل على أن من لم يشكر الله ، لم يعبده وحده ، كما أن من شكره ، فقد عبده ، وأتى بما أمر به ، ويدل أيضا على أن أكل الطيب ، سبب للعمل الصالح وقبوله ، والأمر بالشكر ، عقيب النعم ؛ لأن الشكر يحفظ النعم الموجودة ، ويجلب النعم المفقودة كما أن الكفر ، ينفر النعم المفقودة ويزيل النعم الموجودة.\rأ هـ {تفسير السعدى صـ 81}\rقوله تعالى {إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (173)}","part":3,"page":147},{"id":1046,"text":"مناسبة الآية لما قبلها\rولما قيد الإذن لهم بالطيب من الرزق افتقر الأمر إلى بيان الخبيث منه ليجتنب فبين صريحاً ما حرم عليهم مما كان المشركون يستحلونه ويحرمون غيره وأفهم حل ما عداه وأنه كثير جداً ليزداد المخاطب شكراً فقال : {إنما حرم عليكم}. وقال الحرالي : ولما كان إدراك المؤمنين لمقتضى الخطاب فوق إدراك الناس خاطبهم تعالى بذكر ما حرم عليهم فناظر ذلك ما نهى عنه الناس من اتباع خطوات الشيطان فقال : {إنما حرم} [البقرة : 173] وأجرى إضماره على الاسم العظيم الأول إعلاماً بأن الذي أذن لهم إنما حرم عليهم ما لا يصلح لهم بكل وجه لشدة مضرته عليهم في إحاطة ذواتهم ظاهرها وباطنها ، لما ذكر أن المحرم إما لحرمته علواً كالبلد الحرام وتحريم الأمر ، أو لحرمته دناءة كتحريم هذه المحرمات ، ففي كلمة \" إنما \" نفي لمتوهمات ما يلحقه التحريم بما دون المذكور هنا كأن قائلاً يقول : حرم كذا وحرم كذا من نحو ما حرمته الكتب الماضية أو حرمته الأهواء المختلفة أو حرمه نظر علمي كالذي حرمه إسرائيل على نفسه ، فكان الإفهام لرد تلك المحرمات كلها - انتهى. أ هـ {نظم الدرر حـ 1 صـ 316}\rوقال العلامة ابن عاشور فى الآية الكريمة\rاستئناف بياني ، ذلك أن الإذْن بأكْلِ الطيبات يثير سؤال مَن يسأل ما هي الطيبات فجاء هذا الاستئناف مبيِّناً المحرماتِ وهي أضداد الطيبات ، لتُعرف الطيبات بطريق المضادة المستفادة من صيغة الحصر ، وإنما سُلك طريق بيان ضد الطيبات للاختصار ؛ فإن المحرمات قليلة ، ولأن في هذا الحصر تعريضاً بالمشركين الذين حرموا على أنفسهم كثيراً من الطيبات وأحلوا الميتة والدم ، ولما كان القصر هنا حقيقياً لأن المخاطب به هم المؤمنون وهم لا يعتقدون خلاف ما يُشرع لهم ، لم يكن في هذا القصر قلبُ اعتقادِ أحدٍ وإنما حصل الرد به على المشركين بطريقة التعريض.. أ هـ {التحرير والتنوير حـ 2 صـ 115}\rقال الفخر : ","part":3,"page":148},{"id":1047,"text":"اعلم أن كلمة {إِنَّمَا} على وجهين أحدهما : أن تكون حرفاً واحداً ، كقولك : إنما داري دارك ، وإنما مالي مالك الثاني : أن تكون (ما) منفصلة من : إن ، وتكون (ما) بمعنى الذي ، كقولك : إن ما أخذت مالك ، وإن ما ركبت دابتك ، وجاء في التنزيل على الوجهين ، أما على الأول فقوله : {إِنَّمَا الله إله واحد وَإِنَّمَا أَنتَ نَذِيرٌ} [هود : 12] وأما على الثاني فقوله : {إِنَّمَا صَنَعُواْ كَيْدُ سَاحِرٍ} [طه : 69] ولو نصبت كيد ساحر على أن تجعل {إِنَّمَا} حرفاً واحداً كان صواباً ، وقوله : {إِنَّمَا اتخذتم مّن دُونِ الله أوثانا مَّوَدَّةَ بَيْنِكُمْ} [العنكبوت : 25] تنصب المودة وترفع على هذين الوجهين ، واختلفوا في حكمها على الوجه الأول ، فمنهم من قال {إِنَّمَا} تفيد الحصر واحتجو عليه بالقرآن والشعر والقياس ، أما القرآن فقوله تعالى : {إِنَّمَا الله إله واحد} [النساء : 171] أي ما هو إلا إله واحد ، وقال : {إِنَّمَا الصدقات لِلْفُقَرَاءِ والمساكين} [التوبة : 60] أي لهم لا لغيرهم وقال تعالى لمحمد : {قُلْ إِنَّمَا أَنَاْ بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ} [الكهف : 110] أي ما أنا إلا بشر مثلكم ، وكذا هذه الآية فإنه تعالى قال في آية أخرى {قُل لا أَجِدُ فِيمَا أُوْحِىَ إِلَىَّ مُحَرَّمًا على طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلا أَن يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَّسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنزِيرٍ} [الأنعام : 145] فصارت الآيتان واحدة فقوله : {إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ} في هذه الآية مفسر لقوله : {قُل لا أَجِدُ فِيمَا أُوْحِىَ إِلَىَّ مُحَرَّمًا} إلا كذا في تلك الآية ، وأما الشعر فقوله الأعشى : \rولست بالأكثر منهم حصى.. وإنما العزة للكاثر\rوقول الفرزق : \rأنا الذائد الحامي الذمار وإنما.. يدافع عن أحسابه أنا أو مثلى\r","part":3,"page":149},{"id":1048,"text":"وأما القياس ، فهو أن كلمة {إن} للإثبات وكلمة {مَا} للنفي فإذا اجتمعا فلا بد وأن يبقيا على أصليهما ؛ فإما أن يفيدا ثبوت غير المذكور ، ونفي المذكور وهو باطل بالاتفاق ، أو ثبوت المذكور ، ونفي غير المذكور وهو المطلوب ، واحتج من قال : إنه لا يفيد الحصر بقوله تعالى : {إِنَّمَا أَنتَ نَذِيرٌ} ولقد كان غيره نذيراً ، وجوابه معناه : ما أنت إلا نذير فهو يفيد الحصر ، ولا ينفي وجود نذير آخر. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 5 صـ 11}\rقال الفخر : \rقال الواحدي : الميتة ما فارقته الروح من غير زكاة مما يذبح ، وأما الدم فكانت العرب تجعل الدم في المباعر وتشويها ثم تأكلها ، فحرم الله الدم وقوله : {لَحْمَ الخنزير} أراد الخنزير بجميع أجزائه ، لكنه خص اللحم لأنه المقصود بالأكل وقوله : {وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ الله} قال الأصمعي : الإهلال أصله رفع الصوت فكل رافع صوته فهو مهل ، وقال ابن أحمر : \rيهل بالفدفد ركبانها.. كما يهل الراكب المعتمر\rهذا معنى الإهلال في اللغة ، ثم قيل للمحرم مهل لرفعه الصوت بالتلبية عند الإحرام ، هذا معنى الإهلال ، يقال : أهل فلان بحجة أو عمرة أي أحرم بها ، وذلك لأنه يرفع الصوت بالتلبية عند الإحرام ، والذابح مهل ، لأن العرب كانوا يسمون الأوثان عند الذبح ، ويرفعون أصواتهم بذكرها ومنه : استهل الصبي ، فمعنى قوله : {وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ الله} يعني ما ذبح للاصنام ، وهو قول مجاهد ، والضحاك وقتادة ، وقال الربيع بن أنس وابن زيد : يعني ما ذكر عليه غير اسم الله ، وهذا القول أولى ، لأنه أشد مطابقة للفظ. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 5 صـ 11}","part":3,"page":150},{"id":1049,"text":"فائدة\rقوله وما أهل به لغير الله}قدم {به} في هذه السورة وأخرها في المائدة والأنعام 145 والنحل 115\rلأن تقديم الباء الأصل فإنها تجري مجرى الهمزة والتشديد في التعدي فكانت كحرف من الفعل فكان الموضع الأول أولى بما هو الأصل ليعلم ما يقتضيه اللفظ ثم قدم فيما سواها ما هو المستنكر وهو الذبح لغير الله وتقديم ما هو الغرض أولى ولهذا جاز تقديم المفعول على الفاعل والحال على ذي الحال والظرف على العامل فيه إذا كان ذلك أكثر للغرض في الإخبار. أ هـ {أسرار التكرار فى القرآن صـ 39}","part":3,"page":151},{"id":1050,"text":"قوله تعالى {حرم عليكم الميتة}\rقال البغوى :\rوالميتة كل ما لم تدرك ذكاته مما يذبح. أ هـ {تفسير البغوى حـ 1 صـ 183}\rفائدة\rقال ابن عادل :\rالجمهور على تخفيف \" المَيْتَة \" في جميع القرآن ، وأبو جعفر بالتَّشديد ، وهو الأصل ، وهذا كما تقدَّم في أنَّ \" الميْت \" مخفَّفٌ من \" المَيِّت \" ، وأن أصله \" مَيْوتٌ \" ، وهما لغتان ، وسيأتي تحقيقه في سورة آل عمران عند قوله : {وَتُخْرِجُ الحي مِنَ الميت} [آل عمران : 27].\rونقل عن قدماء النحاة ، أنَّ \" المَيْتَ \" بالتَّخفيف : من فارقت روحه جسده ، وبالتشديد : من عاين أسباب الموت ، ولم يمت. أ هـ {تفسير ابن عادل حـ 3 صـ 170 ـ 171}. بتصرف.\rسؤال : فإن قلت في الميتات ما يحل وهو السمك والجراد. قلت : قصد ما يتفاهمه الناس ويتعارفونه في العادة. ألا ترى أن القائل إذا قال : أكل فلان ميتة ، لم يسبق الفهم إلى السمك والجراد ؟ كما لو قال : أكل دماً ، لم يسبق إلى الكبد والطحال. ولاعتبار العادة والتعارف قالوا : من حلف لا يأكل لحماً ، فأكل سمكاً ، لم يحنث ، وإن أكل لحماً في الحقيقة. وقال الله تعالى : {لتأكلوا منه لحماً طرياً} وشبهوه بمن حلف لا يركب دابة ، فركب كافراً ، لم يحنث وإن سماه الله دابة في قوله : {إن شر الدواب عند الله الذين كفروا }. أ هـ {الكشاف حـ 1 صـ 240 ـ 241}","part":3,"page":152},{"id":1051,"text":"واستدرك أبو حيان على الزمخشرى فى هذا الجواب فقال :\rوملخص ما يقوله : إن السمك والجراد لم يندرج في عموم الميتة من حيث الدلالة ، وليس كما قال. وكيف يكون ذلك ، وقد روي عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال : \" أحلت لنا ميتتان \" ؟ فلو لم يندرج في الدلالة ، لما احتيج إلى تقرير شرعي في حله ، إذ كان يبقى مدلولاً على حله بقوله : {كلوا من طيبات ما رزقناكم} وليس من شرط العموم ما يتفاهمه الناس ويتعارفونه فى العادة ، كما قال الزمخشري ، بل لو لم يكن للمخاطب شعور ألبتة ، ولا علم ببعض أفراد العام ، وعلق الحكم على العام ، لاندرج فيه ذلك الفرد الذي لا شعور للمخاطب به. مثال ذلك ما جاء في الحديث : \" نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أكل كل ذي ناب من السباع \" فهذا علق الحكم فيه بكل ذي ناب. والمخاطب ، الذين هم العرب ، لا علم لهم ببعض أفراد ذي الناب ، وذلك الفرد مندرج في العموم يقضي عليه بالنهي ، كما في بلادنا ، بلاد الأندلس ، حيوان مفترس يسمى عندهم بالدب وبالسمع ، وهو ذو أنياب يفترس الرجل ويأكله ، ولا يشبه الأسد ، ولا الذئب ، ولا النمر ، ولا شيئاً مما يعرفه العرب ، ولا نعلمه خلق بغير بلاد الأندلس. فهذا لا يذهب أحد إلى أنه ليس مندرجاً في عموم النهي عن أكل كل ذي ناب ، بل شمله النهي ، كما شمل غيره مما تعاهده العرب وعرفوه ، لأن الحكم نيط بالعموم وعلق به ، فهو معلق بكل فرد من أفراده ، حتى بما كان لم يخلق ألبتة وقت الخطاب ، ثم خلق شكلاً مبايناً لسائر الأشكال ذوات الأنياب ، فيندرج فيه ، ويحكم بالنهي عنه. وإنما تمثيل الزمخشري بالإيمان ، فللإيمان أحكام منوطة بها ، ويؤول التحقيق فيها إلى أن ذلك تخصيص للعموم بإرادة خروج بعض الأفراد منه.\r. أ هـ {البحر المحيط حـ 1 صـ 661}\rكلام نفيس فى الآية الكريمة للإمام البقاعى :","part":3,"page":153},{"id":1052,"text":"المعنى والله سبحانه وتعالى أعلم أنكم حرمتم الوصيلة والسائبة وغيرهما مما أحله الله وأحللتم الميتة والدم وغيرهما حرمه الله سبحانه وتعالى ولم يحرم الله عليكم من السائبة وما معها مما حرمتموه ولا غيره مما استحللتموه إلا ما ذكرته هذه الآية ؛ وقال {الميتة} أي التي سماها بذلك أهل العرف ، وهي ما فارقه الروح من غير ذكاة شرعية وهو مما يذكى. قال الحرالي : وهي ما أدركه الموت من الحيوان عن ذبول القوة وفناء الحياة ، وهي أشد مفسد للجسم لفساد تركيبها بالموت وذهاب تلذذ أجزائها وعتقها وذهاب روح الحياة والطهارة منها. {والدم} أي الجاري لأنه جوهر مرتكس عن حال الطعام ولم يبلغ بعد إلى حال الأعضاء ، فهو ميتة من خاص حياته مرتكس في جوهره إلاّ من طيب الله كليته كما في محمد صلى الله عليه وسلم وفيمن نزع عنه خبث الظاهر والباطن طبعاً ونفساً. {ولحم الخنزير} لأذاه للنفس كما حرم ما قبله لمضرتهما في الجسم ، لأن من حكمة الله في خلقه أن من اغتذى جسمه بجسمانية شيء اغتذت نفسه بنفسانية ذلك الشيء \" الكبر والخيلاء في الفدادين أهل الوبر ، والسكينة في أهل الغنم \" فلما جعل في الخنزير من الأوصاف الذميمة حرم على من حوفظ على نفسه من ذميم الأخلاق ؛ واللحم ما لحم بين أخفى ما في الحيوان من وسط عظمه وما انتهى إليه ظاهره من سطح جلد ، وعرف غلبة استعماله على رطبة الأحمر ، وهو هنا على أصله في اللغة يجمع اللحم الأحمر والشحم والأعصاب والعروق إلى حد الجلد وما اشتمل عليه ما بين الطرفين من أجزاء الرطوبات ، وإذا حرم لحمه الذي هو المقصود بالأكل وهو أطيب ما فيه كان غيره من أجزائه أولى بالتحريم.\r","part":3,"page":154},{"id":1053,"text":"ولما حرم ما يضر الجسم ويؤذي النفس حرم ما يرين على القلب فقال : {وما أهل} والإهلال رفع الصوت لرؤية أمر مستعظم {به} أي رفع رافع الصوت بسببه ذابحاً {لغير الله} أي الذي لا كفؤ له بوجه. قال الحرالي : لأن ما لم يذكر عليه اسم الله أخذ من يد من ذكر عليه اسمه وليس ذلك خالقه ومالكه ، إنما خالقه ومالكه الله الذي جعل ذكر اسمه عليه إذناً في الانتفاع به وذكر على إزهاق الروح من هي من نفخته لا من لا يجد للدعوى فيها سبيلاً من الخلق. وذكر الإهلال إعلام بأن ما أعلن عليه بغير اسم الله هو أشد المحرم ، ففي إفهامه تخفيف الخطاب عما لا يعلم من خفي الذكر \" قالوا : يا رسول الله! إن ناساً يأتوننا بلحام لا ندري أسموا الله عليها أم لا. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : \" سموا الله أنتم وكلوا \" \"\rفكان المحرم ليس ما لم يعلم أن اسم الله ذكر عليه بل الذي علم أن غير اسم الله قد أعلن به عليه ، وفي تقدم إضمار المحرم في قوله {به} تأكيد لمعناه لأنهم يقدمون ما هم به أهم وهم ببيانه أعنى ، قال صلى الله عليه وسلم : \" ابدؤوا بما بدأ الله به \" ، فلما كانت هذه الآية جامعة أي التحريم أظهر فيها تقديم العناية بالمحرم وهي في الإبلاغ أنهى معنى من الذي أخر فيها هذا الضمير.\r","part":3,"page":155},{"id":1054,"text":"ولما كان هذا الدين يسراً لا عسر فيه ولا حرج ولا جناح رفع حكم هذا التحريم عن المضطر ، ولما كان شأن الاضطرار أن يشمل جمعاً من الخلق أنبأهم تعالى بأن هذا الذي رفع عنهم من التحريم لا يبرأ من كلية الأحكام بل يبقى مع هذه الرخصة موقع الأحكام في البغي والعدوان فقال : {فمن اضطر} أي أحوجه محوج وألجأه ملجىء بأي ضرورة كانت إلى أكل شيء مما حرم بأن أشرف على التلف فأكل من شيء منه حال كونه {غير باغ} أي قاصد فساداً بمكيدة يكيد بها لضعفه آخذاً من تلك الميتة هو أقوى منه كأن يحيله على غيرها خداعاً منه ليستأثر عليه بالأحسن منها {ولا عاد} على غيره بأن يكون أقوى منه فيدفعه عنها ، ولا مجاوز لسد الرمق وإزالة الضرورة ؛ ويدخل في الآية أن من بغى على إمام أو قصد بضربه في الأرض فساداً أو عدا على أحد ظلماً فحصل له بسبب ذلك مخمصة لا يحل له ما كان حراماً لأن في ذلك إعانة له على معصيته ، فإن تاب استباح {فلا إثم عليه} لا من التحريم الأول ولا من الحكم الآخر ، ولو كان رفع الإثم دون هذين الاشتراطين لوقع بين المضطرين من البغي والتسلط ما مثله لا يحل لغير المضطرين ، فانتفى الإثم على صحة من الأمرين وارتفاع الحكمين ، ففي السعة يجتنب ما يضر وفي الضرورة يؤثر ضرورة الجسم لقوامه على حكم الكتاب في إقامته ؛ وفي إفهامه أن من اضطر لشيء مما حرم عليه فأكله لم تنله مضرة ، لأن الله سبحانه وتعالى إذا أباح شيئاً أذهب ضره \" إن الله لم يجعل شفاء أمتي فيما حرم عليها \" ففيه تنبيه لتغيير هذه الأعيان للمضطر عما كانت عليه حتى تكون رخصة في الظاهر وتطييباً في الباطن ، فكما رفع عنه حكمها الكتابي يتم فضله فيرفع عنه ضرها الطبيعي.\r","part":3,"page":156},{"id":1055,"text":"ثم علل هذا الحكم مرهباً مرغباً بقوله : {إن الله} فأتى بهذا الاسم المحيط إشارة إلى عموم هذا الحكم للمضطر والموسع ، وفي قوله : {غفور} إشعار بأنه لا يصل إلى حال الاضطرار إلى ما حرم عليه أحد إلاّ عن ذنب أصابه ، فلولا المغفرة لتممت عليه عقوبته ، لأن المؤمن أو الموقن لا تلحقه ضرورة ، لأن الله سبحانه وتعالى لا يعجزه شيء وعبد الله لا يعجزه ما لا يعجز ربه {وإن كانوا من قبل أن ينزل عليهم من قبله لمبلسين} [الروم : 49] فاليأس الذي يحوج إلى ضرورة إنما يقع لمن هو دون رتبة اليقين ودون رتبة الإيمان \" جهز رسول الله صلى الله عليه وسلم جيشاً ففنيت أزوادهم فأقاموا أياماً يتقوتون بيسير حتى تقوتوا بتمرة تمرة فأخرج الله لهم العنبر دابة من البحر \" فلم يحوجهم في ضرورتهم إلى ما حرم عليهم بل جاءهم في ضرورتهم بما هو أطيب ماكلهم في حال السعة من صيد البحر الذي \" هو الطهور ماؤه الحل ميتته \" وفي قوله : {رحيم} إنباء بأن من اضطر فأصاب مما اضطر إليه شيئاً لم يبغ فيه ولم يعد تناله من الله رحمة توسعه من أن يضطر بعدها إلى مثله فيغفر له الذنب السابق الذي أوجب الضرورة ويناله بالرحمة الموسعة التي ينال بها من لم يقع منه ما وقع ممن اضطر إلى مثله - انتهى {نظم الدرر حـ 1 صـ 316 ـ 319}\rفائدة\rقال العلماء : لو أن مسلماً ذبح ذبيحة ، وقصد بذبحها التقرب إلى غير الله صار مرتداً وذبيحته ذبيحة مرتد ، وهذا الحكم في غير ذبائح أهل الكتاب ، أما ذبائح أهل الكتاب ، فتحل لنا لقوله تعالى : {وَطَعَامُ الذين أُوتُواْ الكتاب حِلٌّ لَّكُمْ} [المائدة : 5]. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 5 صـ 11}\rسؤال : ما الحكمة من تحريم الميتة ؟ \rالجواب كما ذكره الشيخ الطاهر بن عاشور : ","part":3,"page":157},{"id":1056,"text":"اعلم أن حكمة تحريم الميتة فيما أرى هي أن الحيوان لا يموت غالباً إلاّ وقد أصيب بعلة والعلل مختلفة وهي تترك في لحم الحيوان أجزاء منها فإذا أكلها الإنسان قد يخالط جزءاً من دمه جراثيم الأمراض ، مع أن الدم الذي في الحيوان إذا وقفت دورته غلبت فيه الأجزاء الضارة على الأجزاء النافعة ، ولذلك شرعت الذكاة لأن المذكى مات من غير علة غالباً ولأن إراقة الدم الذي فيه تجعل لحمه نقياً مما يخشى منه أضرار.\rومن أجل هذا قال مالك في الجنين : إن ذكاته ذكاة أمه ؛ لأنه لاتصاله بأجزاء أمه صار استفراغ دم أمه استفراغاً لدمه ولذلك يموت بموتها فسلم من عاهة الميتة وهو مدلول الحديث الصحيح \" ذكاة الجنين ذكاة أمه \" وبه أخذ الشافعي ، وقال أبو حنيفة لا يؤكل الجنين إذا خرج ميتاً فاعتبر أنه ميتة لم يذكَّ ، وتناول الحديث بما هو معلوم في الأصول ، ولكن القياس الذي ذكرناه في تأييد مذهب مالك لا يقبل تأويلاً.\rأ هـ {التحرير والتنوير حـ 2 صـ 117}\rقوله تعالى {ولحم الخنزير}\rقال العلامة ابن عاشور : \rولحم الخنزير هو لحم الحيوان المعروف بهذا الاسم. وقد قال بعض المفسرين : إن العرب كانوا يأكلون الخنزير الوحشي دون الإنسي ، أي لأنهم لم يعتادوا تربية الخنازير وإذا كان التحريم وارداً على الخنزير الوحشي فالخنزير الإنسي أوْلى بالتحريم أو مساوٍ للوحشي.\rوذِكر اللحم هنا لأنه المقصود للأكل فلا دلالة في ذكره على إباحة شيء آخر منه ولا على عدمها ، فإنه قد يعبر ببعض الجسم على جميعه كقوله تعالى عن زكرياء {رب إني وهن العظْم مني} [مريم : 4] ، وأما نجاسته ونجاسة شعره أو إباحتها فذلك غرض آخر ليس هو المراد من الآية.","part":3,"page":158},{"id":1057,"text":"وقد قيل في وجه ذكر اللحم هنا وتركه في قوله : {إنما حرم عليكم الميتة} وجوه قال ابن عطية : إن المقصد الدلالة على تحريم عينه ذُكِّيَ أم لم يُذَكَّ اه. ومراده بهذا ألا يتوهم متوهم أنه إنما يحرم إذا كان ميتة وفيه بعد ، وقال الألوسي خصه لإظهار حرمته ، لأنهم فضلوه على سائر اللحوم فربما استعظموا وقوع تحريمه اه. يريد أن ذكره لزيادة التغليظ أي ذلك اللحم الذي تذكرونه بشراهة ، ولا أحسب ذلك ، لأن الذين استجادوا لحم الخنزير هم الروم دون العرب ، وعندي أن إقحام لفظ اللحم هنا إما مجرد تفنن في الفصاحة وإما للإيماء إلى طهارة ذاته كسائر الحيوان ، وإنما المحرم أكله لئلا يفضي تحريمه بالناس إلى قتله أو تعذيبه ، فيكون فيه حجة لمذهب مالك بطهارة عين الخنزير كسائر الحيوان الحي ، وإما للترخيص في الانتفاع بشعره لأنهم كانوا يغرزون به الجلد.\rوحكمة تحريم لحم الخنزير أنه يتناول القاذورات بإفراط فتنشأ في لحمه دودة مما يقتاته لا تهضمها معدته فإذا أصيب بها آكله قتلته.\r","part":3,"page":159},{"id":1058,"text":"ومن عجيب ما يتعرض له المفسرون والفقهاء البحث في حرمة خنزير الماء وهي مسألة فارغة إذ أسماء أنواع الحوت روعيت فيها المشابهة كما سموا بعض الحوت فرس البحر وبعضه حمام البحر وكلب البحر ، فكيف يقول أحد بتأثير الأسماء والألقاب في الأحكام الشرعية وفي \"المدونة\" توقَّف مالك أن يجيب في خنزير الماء وقال : أنتم تقولون خنزير. قال ابن شَأْس : رأى غير واحد أن توقُّف مالك حقيقة لعموم {أحل لكم صيد البحر} [المائدة : 96] وعموم قوله تعالى : {ولحم الخنزير} ورأى بعضهم أنه غير متوقِّف فيه حقيقة ، وإنما امتنع من الجواب إنكاراً عليهم تسميتهم إياه خنزيراً ولذلك قال أنتم تسمونه خنزيراً يعني أن العرب لم يكونوا يسمونه خنزيراً وأنه لا ينبغي تسميته خنزيراً ثم السؤال عن أكله حتى يقول قائلون أكلوا لحم الخنزير ، أي فيرجع كلام مالك إلى صون ألفاظ الشريعة ألا يُتَلاعَب بها. أ هـ {التحرير والتنوير حـ 2 صـ 118 ـ 119}\rسؤال : فإن قلت : هلا قيل : إنما حرم عليكم لحم الميتة كما قال : لحم الخنزير ؟ \rقلت : الجواب عن ذلك أن الخنزير غير مقدور عليه إلا بالاصطياد ، والاصطياد فيه في غالب أمره إنما يكون للحمه ، فعلق بما هو المقصود فيه غالبا بخلاف الميتة فإن النفوس تفر منها وتكره لحمها فالمحرم جميعها. أ هـ {تفسير ابن عرفة صـ 215}\rقوله تعالى {وما أهل به لغير الله}\rقال فى التحرير والتنوير : \rأُهِلَّ في الآية مبني للمجهول أي ما أهل عليه المهل غير اسم الله ، وضمن (أهل) معنى تقرب فعدي لمتعلقه بالباء وباللام مثل تقرب ، فالضمير المجرور بالباء عائد إلى {ما أهل} ، وفائدة هذا التضمين تحريم ما تقرب به لغير الله تعالى سواء نودي عليه باسم المتقرب إليه أم لا ، والمراد بغير الله الأصنام ونحوها.","part":3,"page":160},{"id":1059,"text":"وأما ما يذبحه سودان بلدنا بنية أن الجن تشرب دمه ولا يذكرون اسم الله عليه زعماً بأن الجن تفر من نورانية اسم الله فالظاهر أنه لا يجوز أكله وإن كان الذين يفعلونه مسلمين ولا يخرجهم ذلك عن الإسلام. وقال ابن عرفة في \"تفسيره\" : الأظهر جواز أكله لأنه لم يهل به لغير الله. أ هـ {التحرير والتنوير حـ 2 صـ 120}\rسؤال : سمي الذبح إهلالاً ؟ \rالجواب : إنما سمي الذبح إهلالاً لأنهم كانوا إذا أرادوا ذبح ما قربوه لآلهتهم ذكروا عنده اسم آلهتهم وجهروا به أصواتهم ، فسمي كل ذابح جَهَر بالتسمية أو لم يجهر مُهِلاً ، كما سمي الإحرام إهلالاً لرفع أصواتهم عنده بالتلبية حتى صار اسماً له وإن لم يرفع عنده صوت.\rأ هـ {النكت والعيون حـ 1 صـ 222}\rسؤال : \rقوله تعالى : {إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ} الآية. هذه الآية تدل بظاهرها على جميع أنواع الدم حرام, ومثلها قوله تعالى في سورة النحل : {إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ} الآية, وقوله في سورة المائدة : {حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ} الآية. وقد ذكر في آية أخرى ما يدل على أن الدم لا يحرم إلا إذا كان مسفوحا وهي قوله تعالى في سورة الأنعام : {إِلاَّ أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَماً مَسْفُوحاً} الآية.","part":3,"page":161},{"id":1060,"text":"والسبب, كما هنا وسواء عندهم تأخر المطلق عن المقيد في سورة الأنعام وهى نزلت قبل النحل مع أنهما مكيتان آيات معروفة, والدليل على أن الأنعام قبل النحل قوله تعالى في النحل : {وَعَلَى الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا مَا قَصَصْنَا عَلَيْكَ مِنْ قَبْلُ} الآية, والمراد به ما قص عليه في الأنعام بقوله : {وَعَلَى الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ} الآية وأما كون الأنعام نزلت قبل البقرة والمائدة فواضح لأن الأنعام مكية بالإجماع والمائدة من آخر ما نزل من القرآن ولم ينسخ منها شيء لتأخرها, وعلى هذا فالدم إذا كان غير مسفوح كالحمرة التي تظهر في القدر من أثر تقطيع اللحم فهو ليس بحرام لحمل المطلق على المقيد وعلى هذا كثير من العلماء, وما ذكرنا من عدم النسخ في المائدة قال به جماعة وهو على القول بأن قوله تعالى : {فَإِنْ جَاءُوكَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ} الآية.\rوقوله : {أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ} غير منسوخين صحيح وعلى القول بنسخهما لا يصح على الإطلاق, والعلم عند الله تعالى.\rأ هـ {دفع إيهام الاضطراب صـ 32 ـ 33}\rقوله تعالى {فَمَنِ اضْطُرَّ }\rقال الفخر : \rإن الاضطرار ليس من أفعال المكلف ، حتى يقال إنه {لا إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ الله غَفُورٌ رَّحِيمٌ} فإذن لا بد ههنا من إضمار وهو الأكل والتقدير : فمن اضطر فأكل فلا إثم عليه والحذف ههنا كالحذف في قوله : {فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضًا أَوْ على سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ} [البقرة : 184] أي فأفطر فحذف فأفطر وقوله : {فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مّن رَّأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مّن صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ} [البقرة : 196] ومعناه فحلق ففدية ، وإنما جاز الحذف لعلم المخاطبين بالحذف ، ولدلالة الخطاب عليه. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 5 صـ 12}\rفائدة\rقال ابن عرفة : ","part":3,"page":162},{"id":1061,"text":"البغي غالب إطلاقه في اللّسان على ابن آدم (والعدوان غالب إطلاقه على غير ابن آدم).\rفيقال : عدا عليه السّبع ولا يقال : بغى عليه ، ويقال : بغى فلان على فلان فالبغي خاص بالعاقل والتعدي مشترك ، وغالب إطلاقه على غير العاقل ، وفرق المنطقيون بين حرف السّلب وحرف العدول فحرف السلب \" لا \" وحرف العدول \" غير \" وجعلوا قولك : الحائط لا يبصر سلبا وزيد لاَ يبصر عدولا ، فجاءت هذه الآية على هذا المنوال لاقتران \" غير \" بالبغي الخاص بالعاقل واقتران \" لا \" بالتعدي الذي كثر اطلاقه على غير العاقل حتى اشتهر به وغلب عليه. أ هـ {تفسير ابن عرفة صـ 215}\rأسئلة وأجوبة\rأما قوله : {فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ} ففيه سؤالان أحدهما : أن الأكل في تلك الحالة واجب وقوله : {لا إِثْمَ عَلَيْهِ} يفيد الإباحة الثاني : أن المضطر كالملجأ إلى الفعل والملجأ لا يوصف بأنه لا إثم عليه ، قلنا : قد بينا في تفسير قوله : {فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِ أَن يَطَّوَّفَ بِهِمَا} [البقرة : 158] أن نفي الإثم قدر مشترك بين الواجب والمندوب والمباح ، وأيضاً فقوله تعالى : {فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ} معناه رفع الحرج والضيق ، واعلم أن هذا الجائع إن حصلت فيه شهوة الميتة ، ولم يحصل فيه النفرة الشديدة فإنه يصير ملجأ إلى تناول ما يسد به الرمق كما يصير ملجأ إلى الهرب من السبع إذا أمكنه ذلك ، أما إذا حصلت النفرة الشديدة فإنه بسبب تلك النفرة يخرج عن أن يكون ملجأ ولزمه تناول الميتة على ما هو عليه من النفار ، وههنا يتحقق معنى الوجوب.\rأما قوله تعالى : في آخر الآية : {إِنَّ الله غَفُورٌ رَّحِيمٌ} ففيه إشكال وهو أنه لما قال : {فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ} فكيف يليق أن يقول بعده : {إِنَّ الله غَفُورٌ رَّحِيمٌ} فإن الغفران إنما يكون عند حصول الإثم.\r","part":3,"page":163},{"id":1062,"text":"والجواب : من وجوه أحدها : أن المقتضى للحرمة قائم في الميتة والدم ، إلا أنه زالت الحرمة لقيام المعارض ، فلما كان تناوله تناولا لما حصل فيه المقتضى للحرمة عبر عنه بالمغفرة ، ثم ذكر بعده أنه رحيم ، يعني لأجل الرحمة عليكم أبحت لكم ذلك وثانيها : لعل المضطر يزيد على تناول الحاجة ، فهو سبحانه غفور بأن يغفر ذنبه في تناول الزيادة ، رحيم حيث أباح في تناول قدر الحاجة وثالثها : أنه تعالى لما بين هذه الأحكام عقبها بكونه غفوراً رحيماً لأنه غفور للعصاة إذا تابوا ، رحيم بالمطيعين المستمرين على نهج حكمه سبحانه وتعالى. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 5 صـ 13}\rوقال الشيخ الطاهر بن عاشور : \rوقوله : {إن الله غفور رحيم} تذييل قصد به الامتنان ، أي إن الله موصوف بهذين الوصفين فلا جرم أن يغفر للمضطر أكل الميتة لأنه رحيم بالناس ، فالمغفرة هنا بمعنى التجاوز عما تمكن المؤاخذة عليه لا بمعنى تجاوز الذنب ، ونحوه قوله صلى الله عليه وسلم في رؤيا القليب \" وفي نزعه ضعف والله يغفر له \". ومعنى الآية : أن رفع الإثم عن المضطر حكم يناسب من اتصف بالمغفرة والرحمة. أ هـ {التحرير والتنوير حـ 2 صـ 121 ـ 122}\rوقال السعدى : \rولما كان الحل مشروطا بهذين الشرطين ، وكان الإنسان في هذه الحالة ، ربما لا يستقصي تمام الاستقصاء في تحقيقها - أخبر تعالى أنه غفور ، فيغفر ما أخطأ فيه في هذه الحال ، خصوصا وقد غلبته الضرورة ، وأذهبت حواسه المشقة.\rوفي هذه الآية دليل على القاعدة المشهورة : \"الضرورات تبيح المحظورات \"فكل محظور ، اضطر إليه الإنسان ، فقد أباحه له ، الملك الرحمن. [فله الحمد والشكر ، أولا وآخرا ، وظاهرا وباطنا]. أ هـ {تفسير السعدى صـ 81}\rوقال ابن عرفة : \rقوله تعالى : {فلآ إِثْمَ عَلَيْهِ...}.","part":3,"page":164},{"id":1063,"text":"لا ينفى إلاّ ما هو في مادة الثبوت ووجود الإثم هنا غير متصور لأن الأكل من الميتة في هذه الحالة واجب لإقامة الرمق قال : فأجاب بأن المراد لا عقوبة عليه أو لا ذم عليه. أ هـ {تفسير ابن عرفة صـ 216}\rاختلفوا في حد الحرام.\rقال المتقدمون : إنه ما عوقب فاعله. قال بعضهم : والصحيح أنه ما ذم فاعله لأن العقوبة قد ترفع بالتوبة ، فعلى الأول معنى الآية فلا عقوبة عليه ، وعلى الثاني معناها فلا ذم عليه.\rقال ابن عرفة : وفي الآية دليل على أن العام في الأشخاص عام في الأزمنة والأحوال ، وهو الصحيح ، ولولا ذلك لما احتيج إلى استثناء المضطر منه ، واختلفوا في الآية ، فقيل : إنها خاصة بسفر الطاعة ، وقيل عامة فيه وفي سفر المعصية لأنه لو لم يبح للعاصي أكل الميتة للزم أن يضاف إلى عصيانه بالسفر عصيان آخر بقتله نفسه ؟ \rوأجاب بعض الناس عن ذلك ، بأن عصيان السفر يرتفع بالتوبة وهي (ممكنة) حينئذ قال ابن عرفة : وفي الآية حجة للمشهور وهو أنّ العاصي بالسفر (لا يباح له أكل الميتة ). أ هـ {تفسير ابن عرفة صـ 217}\rفائدة\r34 - قوله في هذه السورة فلا إثم عليه 173 وفي السور الثلاث بحذفها لأنه لما قال في الموضع الأول فلا إثم عليه صريحا كان نفي الإثم في غيره تضمينا لأن قوله غفور رحيم يدل على أنه لا إثم عليه\r35 - قوله {إن الله غفور رحيم} في هذه السورة خلاف سورة الأنعام فإن فيها {فإن ربك غفور رحيم}\rلأن لفظ الرب تكرر في الأنعام مرات ولأن في الأنعام قوله {وهو الذي أنشأ جنات معروشات} 141 الآية}\rوفيها ذكر الحبوب والثمار وأتبعها بذكر الحيوان من الضأن والمعز والإبل وبها تربية الأجسام فكان ذكر الرب فيها أليق. أ هـ {أسرار التكرار فى القرآن صـ 39}","part":3,"page":165},{"id":1064,"text":"فوائد ونفائس ومسائل\rقال الفخر : \rالفصل الثاني\rفي تحريم الدم ، وفيه مسألتان\rالمسألة الأولى : الشافعي رضي الله عنه حرم جميع الدماء سواء كان مسفوحاً أو غير مسفوح وقال أبو حنيفة : دم السمك ليس بمحرم ، أما الشافعي فإنه تمسك بظاهر هذه الآية ، وهو قوله : {إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الميتة والدم وَلَحْمَ الخنزير} وهذا دم فوجب أن يحرم ، وأبو حنيفة تمسك بقوله تعالى : {قُل لا أَجِدُ فِى مَا أُوْحِىَ إِلَىَّ مُحَرَّمًا على طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلا أَن يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَّسْفُوحًا} [الأنعام : 145] فصرح بأنه لم يجد شيئاً من المحرمات إلا هذه الأمور ، فالدم الذي لا يكون مسفوحاً وجب أن لا يكون محرماً بمقتضى هذه الآية فإذن هذه الآية خاصة وقوله : {حُرّمَتْ عَلَيْكُمُ الميتة والدم} عام والخاص مقدم على العام ، أجاب الشافعي رضي الله عنه بأن قوله : {قُل لا أَجِدُ فِيمَا أُوْحِىَ إِلَىَّ مُحَرَّمًا} ليس فيه دلالة على تحليل غير هذه الأشياء المذكورة في هذه الآية ، بل على أنه تعالى ما بين له إلا تحريم هذه الأشياء ، وهذا لا ينافي أن يبين له بعد ذلك تحريم ما عداها ، فلعل قوله تعالى : {إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الميتة} نزلت بعد ذلك ، فكان ذلك بياناً لتحريم الدم سواء كان مسفوحاً أو غير مسفوح ، إذا ثبت هذا وجب الحكم بحرمة جيمع الدماء ونجاستها فتجب إزالة الدم عن اللحم ما أمكن ، وكذا في السمك ، وأي دم وقع في الماء والثوب فإنه ينجس ذلك المورود.\rالفصل الثالث\rفي الخنزير ، وفيه مسائل : ","part":3,"page":166},{"id":1065,"text":"المسألة الأولى : أجمعت الأمة على أن الخنزير بجميع أجزائه محرم ، وإنما ذكر الله تعالى لحمه لأن معظم الإنتفاع متعلق به ، وهو كقوله : {إِذَا نُودِىَ للصلاة مِن يَوْمِ الجمعة فاسعوا إلى ذِكْرِ الله وذروا البيع} [الجمعه : 9] فخص البيع بالنهي لما كان هو أعظم المهمات عندهم ، أما شعر الخنزير فغير داخل في الظاهر وإن أجمعوا على تحريمة وتنجيسه ، واختلفوا في أنه هل يجوز الانتفاع به للخرز ، فقال أبو حنيفة ومحمد : يجوز ، وقال الشافعي رحمه الله : لا يجوز ، وقال أبو يوسف : أكره الخرز به ، وروي عنه الإباحة ، حجة أبي حنيفة ومحمد أنا نرى المسلمين يقرون الأساكفة على استعماله من غير نكير ظهر منهم ، ولأن الحاجة ماسة إليه ، وإذا قال الشافعي في دم البراغيث ، أنه لا ينجس الثوب لمشقة الإحتراز فهلا جاز مثله في شعر الخنزير إذا خرز به ؟ .\rالمسألة الثانية : اختلفوا في خنزير الماء ، قال ابن أبي ليلى ومالك والشافعي والأوزاعي : لا بأس بأكل شيء يكون في البحر ، وقال أبو حنيفة وأصحابه : لا يؤكل ، حجة الشافعي قوله تعالى : {أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ البحر وَطَعَامُهُ} [المائدة : 96] وحجة أبي حنيفة أن هذا خنزيرفيحرم لقوله تعالى : {حُرّمَتْ عَلَيْكُمُ الميتة والدم وَلَحْمُ الخنزير} [المائدة : 3] وقال الشافعي : الخنزير إذا أطلق فإنه يتبادر إلى الفهم خنزير البر لا خنزير البحر ، كما أن اللحم إذا أطلق يتبادر إلى الفهم لحم غير السمك لا لحم السمك بالاتفاق ولأن خنزير الماء لا يسمى خنزيراً على الإطلاق بل يسمى خنزير الماء.\rالمسألة الثالثة : للشافعي رضي الله عنه قولان : في أنه هل يغسل الإناء من ولغ الخنزير سبعاً ؟ أحدها : نعم تشبيها له بالكلب والثاني : لا لأن ذلك التشديد إنما كان فطما لهم عن مخالطة الكلاب وهم ما كانوا يخالطون الخنزير فظهر الفرق.\rالفصل الرابع\rفي تحريم ما أهل به لغير الله\r","part":3,"page":167},{"id":1066,"text":"من الناس من زعم أن المراد بذلك ذبائح عبدة الأوثان الذين كانوا يذبحون لأوثانهم ، كقوله تعالى : {وَمَا ذُبِحَ عَلَى النصب} [المائدة : 3] وأجازوا ذبيحة النصراني إذا سمى عليها باسم المسيح ، وهو مذهب عطاء ومكحول والحسن والشعبي وسعيد بن المسيب ، وقال مالك والشافعي وأبو حنيفة وأصحابه لا يحل ذلك والحجة فيه أنهم إذا ذبحوا على اسم المسيح فقد أهلوا به لغير الله ، فوجب أن يحرم وروي عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه أنه قال : إذا سمعتم اليهود والنصارى يهلون لغير الله فقلا تأكلوا وإذا لم تسمعوهم فكلوا فإن الله تعالى قد أحل ذبائحهم ، وهو يعلم ما يقولون ، واحتج المخالف بوجوه الأول : إنه تعالى قال : {وَطَعَامُ الذين أُوتُواْ الكتاب حِلٌّ لَّكُمْ} [المائدة : 5] وهذا عام ، الثاني : أنه تعالى قال : {وَمَا ذُبِحَ عَلَى النصب} فدل على أن المراد بقوله : {وَمَآ أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ الله} هو المراد بقوله : {وَمَا ذُبِحَ عَلَى النصب} الثالث : أن النصراني إذا سمى الله تعالى وإنما يريد به المسيح فإذا كانت إرادته لذلك لم تمنع حل ذبيحته مع أنه يهل به لغير الله فكذلك ينبغي أن يكون حكمه إذا أظهر ما يضمره عند ذكر الله وإرادته المسيح.\rوالجواب عن الأول : أن قوله : {وَطَعَامُ الذين أُوتُواْ الكتاب حِلٌّ لَّكُمْ} عام وقوله : {وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ الله} خاص والخاص مقدم على العام وعن الثاني : أن قوله : {وَمَا ذُبِحَ عَلَى النصب} لا يقتضي تخصيص قوله : {وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ الله} لأنهما آيتان متباينتان ولا مساواة بينهما وعن الثالث : أنا إنما كلفنا بالظاهر لا بالباطن ، فإذا ذبحه على اسم الله وجب أن يحل ، ولا سبيل لنا إلى الباطن.\rالفصل الخامس\r","part":3,"page":168},{"id":1067,"text":"القائلون بأن كلمة {إِنَّمَا} للحصر اتفقوا على أن ظاهر الآية يقتضي أن لا يحرم سوى هذه الأشياء لكنا نعلم أن في الشرع أشياء أخر سواها من المحرمات فتصير كلمة {إِنَّمَا} متروكة الظاهر في العمل ومن قال إنها لا تفيد الحصر فالإشكال زائل.\rالفصل السادس\rفي \"المضطر\" وفيه مسائل : \r","part":3,"page":169},{"id":1068,"text":"المسألة الأولى : قال الشافعي رضي الله عنه : قوله تعالى : {فَمَنِ اضطر غَيْرَ بَاغٍ وَلاَ عَادٍ} معناه أن من كان مضطراً ولا يكون موصوفاً بصفة البغي ، ولا بصفة العدوان ألبتة فأكل ، فلا إثم عليه وقال أبو حنيفة معناه فمن اضطر فأكل غير باغ ولا عاد في الأكل فلا إثم عليه فخصص صفة البغي والعدوان بالأكل ويتفرع على هذا الاختلاف أن العاصي بسفره هل يترخص أم لا ؟ فقال الشافعي رضي الله عنه لا يترخص لأنه موصوف بالعدوان فلا يندرج تحت الآية وقال أبو حنيفة بل يترخص لأنه مضطر غير باغ ولا عاد في الأكل فيندرج تحت الآية ، واحتج الشافعي على قوله بهذه الآية وبالمعقول ، أما الآية فهي أنه سبحانه وتعالى حرم هذه الأشياء على الكل بقوله : {حُرّمَتْ عَلَيْكُمُ الميتة والدم} [المائدة : 3] ثم أباحها للمضطر الذي يكون موصوفاً بإنه غير باغ ولا عاد ، والعاصي بسفره غير موصوف بهذه الصفة لأن قولنا : فلان ليس بمتعد نقيض لقولنا : فلان متعد ويكفي في صدقة كونه متعدياً في أمر ما من الأمور سواء كان في السفر ، أو في الأكل ، أو في غيرهما ، وإذا كان اسم المتعدي يصدق بكونه متعدياً في أمر ما أي أمر كان وجب أن يكون قولنا : فلان غير معتدلا يصدق إلا إذا لم يكن متعدياً في شيء من الأشياء ألبتة ، فاذن قولنا : غير باغ ولا عاد لا يصدق إلا إذا انتفى عنه صفة التعدي من جميع الوجوه ، والعاصي بسفره متعد بسفره ، فلا يصدق عليه كونه غير عاد ، وإذا لم يصدق عليه ذلك وجب بقاؤه تحت الآية وهو قوله : {حُرّمَتْ عَلَيْكُمُ الميتة والدم} أقصى ما في الباب أن يقال : هذا يشكل بالعاصي في سفره ، فإنه يترخص مع أنه موصوف بالعدوان لكنا نقول : إنه عام دخله التخصيص في هذه الصورة ، والفرق بين الصورتين أن الرخصة إعانة على السفر فإذا كان السفر معصية كانت الرخصة إعانة على المعصية ، أما إذا لم يكن السفر في نفسه معصية لم تكن الإعانة عليه إعانة على المعصية\r","part":3,"page":170},{"id":1069,"text":"فظهر الفرق ، واعلم أن القاضي وأبا بكر الرازي نقلاً عن الشافعي أنه قال في تفسير قوله : {غَيْرَ بَاغٍ وَلاَ عَادٍ} أي باغ على إمام المسلمين ، ولا عاد بأن لا يكون سفره في معصية ، ثم قالا.\rتفسير الآية غير باغ ولا عاد في الأكل أولى مما ذكره الشافعي رضي الله عنه ، وذلك لأن قوله : {غَيْرَ بَاغٍ وَلاَ عَادٍ} شرط والشرط بمنزلة الاستثناء في أنه لا يستقل بنفسه فلا بد من تعلقه بمذكور وقد علمنا أنه لا مذكور إلا الأكل لأنا بينا أن معنى الآية فمن اضطر فأكل غير باغ ولا عاد فلا إثم عليه وإذا كان كذلك وجب أن يكون متعلقاً بالأكل الذي هو في حكم المذكور دون السفر الذي هو ألبتة غير مذكور.\r","part":3,"page":171},{"id":1070,"text":"واعلم أن هذا الكلام ضعيف ، وذلك لأنا بينا أن قوله : {غَيْرَ بَاغٍ وَلاَ عَادٍ} لا يصدق إلا إذا انتفى عنه البغي والعدوان في كل الأمور ، فيدخل فيه نفي العدوان بالسفر ضمنا ، ولا نقول : اللفظ يدل على التعيين وأما تخصيصه بالأكل فهو تخصيص من غير ضرورة ، فكان على خلاف الأصل ، ثم الذي يدل على أنه لا يجوز صرفه إلى الأكل وجوه أحدها : أن قوله : {غَيْرَ بَاغٍ وَلاَ عَادٍ} حال من الاضطرار ، فلا بد وأن يكون وصف الاضطرار باقيا مع بقاء كونه غير باغ ولا عاد فلو كان المراد بكونه غير باغ ولا عاد كونه كذلك في الأكل لاستحال أن يبقى وصف الاضطرار معه لأن حال الأكل لا يبق وصف الاضطرار وثانيها : أن الإنسان ينفر بطبعه عن تناول الميتة والدم ، وما كان كذلك لم يكن هناك حاجة إلى النهي عنه فصرف هذا الشرط إلى التعدي في الأكل يخرج الكلام عن الفائدة وثالثها : أن كونه غير باغ ولا عاد يفيد نفي ماهية البغي ونفي ماهية العدوان ، وهذه الماهية إنما تنتفي عند انتفاء جميع أفرادها والعدوان في الأكل أحد أفراد هذه الماهية وكذا العدوان في السفر فرد آخر من أفرادها فاذن نفي العدوان يقتضي نفي العدوان من جميع هذه الجهات فكان تخصيصه بالأكل غير جائز ، وأما الشافعي رضي الله عنه فإنه لا يخصصه بنفي العدوان في السفر بل يحمله على ظاهره ، وهو نفي العدوان من جميع الوجوه ، ويستلزم نفي العدوان في السفر وحينئذ يتحقق مقصوده ورابعها : أن الاحتمال الذي ذكرناه متأيد بآية أخرى وهي قوله تعالى : {فَمَنِ اضطر فِى مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لإِثْمٍ} [المائدة : 3] وهو الذي قلناه من أن الآية تقتضي أن لا يكون موصوفاً بالبغي والعدوان في أمر من الأمور ، واحتج أبو حنيفة رضي الله عنه بوجوه أحدها : قوله تعالى في آية أخرى {وَقَدْ فَصَّلَ لَكُم مَّا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إِلاَّ مَا اضطررتم إِلَيْهِ} [الأنعام : 119] وهذا الشخص مضطر فوجب أن يترخص","part":3,"page":172},{"id":1071,"text":"وثانيها : قوله تعالى : {وَلاَ تَقْتُلُواْ أَنفُسَكُمْ إِنَّ الله كَانَ بِكُمْ رَحِيماً} [النساء : 29] وقال : {وَلاَ تُلْقُواْ بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التهلكة} [البقرة : 195] والامتناع من الأكل سعى في قتل النفس وإلقاء النفس في التهلكة ، فوجب أن يحرم\rوثالثها : روي أنه عليه السلام رخص للمقيم يوماً وليلة ، وللمسافر ثلاثة أيام ولياليها ولم يفرق فيه بين العاصي والمطيع\rورابعها : أن العاصي بسفره إذا كان نائماً فأشرف على غرق أو حرق يجب على الحاضر الذي يكون في الصلاة أن يقطع صلاته لإنجائه من الغرق أو الحرق فلأن يجب عليه في هذه الصورة أن يسعى في إنقاذ المهجة أولى\rوخامسها : أن يدفع أسباب الهلاك ، كالفيل ، والجمل الصؤل ، والحية ، والعقرب ، بل يجب عليه ، فكذا ههنا\rوسادسها : أن العاصي بسفره إذا اضطر فلو أباح له رجل شيئا من ماله فإنه يحل له ذلك بل يجب عليه فكذا ههنا والجامع دفع الضرر عن النفس\rوسابعها : أن المؤنة في دفع ضرر الناس أعظم في الوجوب من كل ما يدفع المرء من المضار عن نفسه ، فكذلك يدفع ضررالهلاك عن نفسه بهذا الأكل وإن كان عاصياً ، \rوثامنها : أن الضرورة تبيح تناول طعام الغير من دون الرضا بل على سبيل القهر ، وهذا التناول محرم لولا الاضطرار فكذا ههنا أجاب الشافعي عن التمسك بالعمومات بأن دليلنا النافي للترخص أخص من دلائلهم المرخصة والخاص مقدم على العام ، وعن الوجوه القياسية بأنه يمكنه الوصول إلى استباحة هذه الرخص بالتوبة وإذا لم يتب فهو الجاني على نفسه ، ثم عارض هذه الوجوه بوجه قوي وهو أن الرخصة إعانة على السفر فإذا كان السفر معصية كانت الرخصة إعانة على المعصية وذلك محال لأن المعصية ممنوع منها والإعانة سعي في تحصيلها والجمع بينهما متناقص والله أعلم.\r","part":3,"page":173},{"id":1072,"text":"المسألة الثانية : قال الشافعي وأبو حنيفة وأصحابه : لا يأكل المضطر من الميتة إلا قدر ما يمسك رمقه ، وقال عبد الله بن الحسن العنبري : يأكل منها ما يسد جوعه ، وعن مالك : يأكل منها حتى يشبع ويتزود ، فإن وجد غني عنها طرحها ، والأقرب في دلالة الآية ما ذكرناه أولا لأن سبب الرخصة إذا كان الإلجاء فمتى ارتفع الإلجاء ارتفعت الرخصة ، كما لو وجد الحلال لم يجز له تناول الميتة لارتفاع الإلجاء إلى أكلها لوجود الحلال ، فكذلك إذا زال الاضطرار بأكل قدر منه فالزائد محرم ، ولا اعتبار في ذلك بسد الجوعة على ما قاله العنبري ، لأن الجوعة في الابتداء لا تبيح أكل الميتة إذا لم يخف ضرراً بتركه ، فكذا ههنا ، ويدل عليه أيضاً أنه لو كان معه من الطعام مقدار ما إذا أكله أمسك رمقه لم يجز له أن يتناول الميتة ، فإذا أكل ذلك الطعام وزال خوف التلف لم يجز له أن يأكل الميتة ، فكذا إذا أكل من الميتة ما زال معه خوف الضرر وجب أن يحرم عليه الأكل بعد ذلك.\rالمسألة الثالثة : اختلفوا في المضطر إذا وجد كل ما يعد من المحرمات ، فالأكثرون من العلماء خيروه بين الكل لأن الميتة والدم ولحم الخنزير سواء في التحريم والاضطرار ، فوجب أن يكون مخيراً في الكل وهذا هو الأليق بظاهر هذه الآية وهو أولى من قول من أوجب أن يتناول الميتة دون لحم الخنزير أعظم شأناً في التحريم.\r","part":3,"page":174},{"id":1073,"text":"المسألة الرابعة : اختلفوا في المضطر إلى الشرب إذا وجد خمراً ، أو من غص بلقمة فلم يجد ماء يسيغه ووجد الخمر ، فمنهم من أباحه بالقياس على هذه الصورة ، فإن الله تعالى إنما أباح هذه المحرمات إبقاء للنفس ودفعاً للهلاك عنها ، فكذلك في هذه الصورة وهذا هو الأقرب إلى الظاهر ، والقياس وهو قول سعيد بن جبير وأبي حنيفة ، وقال الشافعي رضي الله عنه : لا يشرب لأنه يزيده عطشاً وجوعاً ويذهب عقله ، وأجيب عنه بأن قوله : لا يزيده إلا عطشاً وجوعاً مكابرة ، وقوله : يزيل العقل فكلامنا في القليل الذي لا يكون كذلك.\rالمسألة الخامسة : اختلفوا إذا كانت الميتة يحتاج إلى تناولها للعلاج إما بانفرادها أو بوقوعها في بعض الأدوية المركبة ، فأباحه بعضهم للنص والمعنى ، أما النص فهو أنه أباح للعرنيين شرب أبوال الإبل وألبانها للتداوي ، وأما المعنى فمن وجوه الأول : أن الترياق الذي جعل فيه لحوم الأفاعي مستطاب فوجب أن يحل لقوله تعالى : {أُحِلَّ لَكُمُ الطيبات} [المائدة : 4] غاية ما في الباب أن هذا العموم مخصوص ولكن لا يقدح في كونه حجة الثاني : أن أبا حنيفة لما عفا عن قدر الدرهم من النجاسة لأجل الحاجة ، والشافعي عفا عن دم البراغيث للحاجة فلم لا يحكمان بالعفو في هذه الصورة للحاجة الثالث : أنه تعالى أباح أكل الميتة لمصلحة النفس فكذا ههنا ، ومن الناس من حرمه واحتج بقوله عليه السلام : \" إن الله تعالى لم يجعل شفاء أمتي فيما حرم عليهم \" وأجاب الأولون بأن التمسك بهذا الخبر إنما يتم لو ثبت أنه يحرم عليه تناوله ، والنزاع ليس إلا فيه.\rالمسألة السادسة : اختلفوا في التداوي بالخمر ، واعلم أن الحاجة إلى ذلك التداوي إن انتهت إلى حد الضرورة فقد تقدم حكمه في المسألة الرابعة ، فإن لم تنته إلى حد الضرورة فقد تقدم حكمه في المسألة الخامسة. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 5 صـ 21 ـ 22}\rفائدة\rقال الخازن : ","part":3,"page":175},{"id":1074,"text":"والمضطر على ثلاثة أقسام : إما بإكراه أو بجوع في مخمصة أو بفقر لا يجد شيئاً البتة فإن التحريم يرتفع مع وجود هذه الأقسام بحكم الاستثناء في قوله : فلا إثم عليه وتباح له الميتة فأما الإكراه فيبيح ذلك إلى زوال الإكراه وأما المخمصة فلا يخلو إن كانت دائمة فلا خلاف في جواز الشبع منها ، وإن كانت نادرة فاختلف العلماء فيه وللشافعي قولان أحداهما أنه يأكل ما يسد به الرمق ، وبه قال أبو حنيفة. والثاني يأكل قدر الشبع ، وبه قال مالك.\rأ هـ {تفسير الخازن حـ 1 صـ 104}\rلطيفة\rقوله {وَمَآ أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ} قدَّم (به) فى هذه السورة ، وأَخّرها فى المائدة ، والأَنعام ، والنحل ؛ لأَن تقديم الباءِ الأَصلُ ؛ فإِنها تجرى مَجْرى الأَلِف والتشيديِ فى التَّعدِّى ، وكان كحرف من الفعل ، وكان الموضع الأَول أَوْلى بما هو الأَصل ؛ ليُعلم ما يقتضيه اللفظُ ، ثم قدم فيما سواها ما هو المُسْتنكر ، وهو الذبح لغير الله ، وتقديمُ ما هو الغرض أَولى. ولهذا جاز تقديم المفعول على الفاعل ، والحال على ذى الحال ، والظرف على العامل فيه ؛ إِذا كان (أَكثر فى) الغرض فى الإِخبار.\rقوله {فَلاَ إِثْمَ عَلَيْهِ} (بالفاءِ وفى السور الثلاث بغير فاء) لأَنه لمّا قال فى الموضع الأَوّل : {فَلاَ إِثْمَ عَلَيْهِ} صريحاً كان النفى فى غيره تضميناً ؛ لأَنّ قوله : {غَفُورٌ رَحِيمٌ} يدلّ على أَنه لا إِثم عليه.\rقوله {إِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ} ، وفى الأَنعام {فَإِنَّ رَبَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ} لأَن لفظ الرب تكرر فى الأَنعام (مرات ولأَن فى الأَنعام).\rأ هـ {بصائر ذوى التمييز حـ 1 صـ 103}","part":3,"page":176},{"id":1075,"text":"فوائد ودقائق\rقال فى ملاك التأويل :\rقوله تعالى\"إنما حرم عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير وما أهل لغير الله فمن اضطر غير باغ ولا عاد فلا إثم عليه إن الله غفور رحيم\" ، وجاء فى ثلاثة مواضع\"وما أهل لغير الله به\" أولها فى سورة المائدة : \"حرمت عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير وما أهل لغير الله به\" ، والثانى فى سورة الانعام : \"قل لا أجد فى ما أوحى إلى محرما على طاعم يطعمه إلا أن يكون ميتة أو دما مسفوحا أو لحم خنزير فإنه رجس أو فسقا أهل لغير الله به\" ، والثالث فى سورة النحل : \"فكلوا مما رزقناكم حلالا طيبا واشكروا نعمة الله إن كنتم إياه تعبدون إنما حرم عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير وما أهل لغير الله به\".\rيتعلق بهذه الآى الأربع خمسة سؤالات : أحدها تقديم المجرور الذى هو\"به\" فى سورة البقرة وتأخيره فيما سواها الثانى تخصيص آية البقرة بقوله تعالى : \"فلا إثم عليه\" ، الثالث : تخصيص آية الانعام بقوله\"فإن ربك غفور رحيم\" ، الرابع : زيادة ما زيد فى آية المائدة من المحرمات ، الخامس : تخصيص آية المائدة بقوله تعالى\"فمن اضطر فى مخمصة غير متجانف لإثم\".\rوالجواب عن الأول : أن العرب مهما اعتنت بشئ أو قصدت به قصد زيادة من تأكيد أو تشريف قدمته أو قدمت ضميره وليس من كلامهم إجراء هذه الاغراض مجرى غيرها فلكل مقام مقال ألا ترى قول قائلهم : إياك أعنى وقول مجاوبه : وعنك أعرض وأنشد سيبويه رحمه الله :","part":3,"page":177},{"id":1076,"text":"لتقربن قربا جلديا ما دام فيهن فصيل حيا فتقديم فيهن يحرز معنى لا يحرزه التأخير وقال تعالى : \"ولم يكن له كفوا أحد\" وبسط هذا فى مظانه وقال تعالى : \"فبذلك فليفرحوا\" وقال تعالى : \"إياك نعبد وإياك نستعين\" وهو كثير فى المضمرات والظروف والمجرورات ومن نحوه قوله تعالى : \"وكانوا فيه من الزاهدين\" وقوله تعالى : \"إنى لعملكم من القالين\" ولكون هذا فى صلة الموصول تكلف بعض النحويين فى تعلقه تقدير اسم فاعل يفسره ما بعد الموصول وإذا حقق رجع إلى الأول قال سيبويه رحمه الله : \"كأنهم يقدمون الذى هو أهم لهم وهم ببيانه أعنى\". وآية البقرة قد تقدم قبلها قوله تعالى : \"يا أيها الناس كلوا مما فى الأرض\" وقوله نعالى : \"يا أيها الذين آمنوا كلوا من طيبات ما رزقناكم\" ، فورد تعريفهم بذكر ما أبيح لهم وورد ما يقصد إيجابه وندبيته وإن كان إنما يراد بها هنا الاباحة مفتتحا بنداء المخاطبين ومعقبا فيه ما أعملوا بإباحته لهم بالأمر بالشكر الجليل تلك النعمة وعظيم التوسعة فيها من قوله تعالى : \"مما فى الأرض\" وقوله\"من طيبات ما رزقناكم\" فلتوسعة الإحسان والإنعام ما أمروا بالشكر. فلما تحصل بهذه المقاصد الجليلة ما ليس فى شئ من تلك المواضع والآيات الأخر وخص ما ذكره بعد بما حرم عليهم بكلمة\"إنما\" المقتضية الحصر والرافعة لضعف المفهوم حسب ما تقرر من الأصول إذ ليس قوله\"إنما الولاء لمن أعتق\" مثل قوله\"فيما سقت السماء العشر\" ، \"وفى سائمة الغنم الزكاة\" فى قوة المفهوم المسمى بدليل الخطاب فلما تحصل فى هذه الآية ما أشير اليه من تأكيد هذا المحرم ما ليس فى الآى الأخر ناسبه تقديم المضمر المجرور فى قوله\"وما أهل به لغير الله\" ليكون الكلام بتقديم المجرور بقوة أن لو قيل : إنما حرم عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير والمهل به لغير الله وهذا مقصود الكلام ولم يكن تأخير المجرور ليحرز هذا الذى قدرناه ولا ليناسب ما تقدم فجرى الكلام كله من أول القصة إلى آخرها على أسلوب من","part":3,"page":178},{"id":1077,"text":"البلاغة ملحوظ فى آخره وأوله. أما الآى الأخر فليس فيها ما ما فى هذه فتأخر الضمير المجرور إلى محله الذى هو موضعه إذ لم يقصد هذا القصد ولم يكن ليلائمه التقديم ولهذا المجموع وما جرى فى الآية من الإطناب الجليل أعقب هذا الكلام بقوله\"فلا إثم عليه\" ليناسب ما ذكر ووقع الاكتفاء فى غيرها بما فيها كل ذلك على ما يناسب وهذا هو الجواب عن السؤال الثانى.\rوالجواب عن السؤال الثالث : إن الله سبحانه وتعالى لما قدم فى آية الأنعام وجرى من قدم ذكره وتعنيفهم بقوله\"أم كنتم شهداء إذ وصاكم الله بهذا فمن أظلم ممن افترى على الله كذبا ليضل الناس بغير علم\". أتبعه بقوله\" قل لا أجد فى ما أوحى إلى محرما على طاعم يطعمه إلا أن يكون ميتة أو دما مسفوحا أو لحم خنزير\" ثم قال\"فمن اضطر غير باغ ولا عاد فإن ربك...\" وهذا التفات لأن الجارى على لا أجد فيما أوحى إلى أن لو قيل فإن ربى أو فإن الله فعدل الخطاب التفاتا فقيل\"فإن ربك\" لأن الكلام إذا تنوع حرك الخواطر إلى تفهمه فقال تعالى : \"فإن ربك\" ومع قصد الالتفات لم يعدل فيه عند تخصيص الخطاب لأنه موضع تعنيف وزجر لمن تقدم فورد الالتفات باسم الربوبية مع الإضافة إلى ضمير خطابه صلى الله عليه وسلم ولم يقل : فإن الله وكان يكون فيه الالتفات لما قصد فيه من نحو الوارد فى قوله : \"ذلك بأن الله مولى الذين آمنوا وأن الكافرين لا مولى لهم\" ، وما ورد من مثله ليكون ذلك معرفا بمكانته عليه السلام وتحكيما للإعراض عنهم وعدم التفاتهم وتناسب آخر الكلام وأوله.\r","part":3,"page":179},{"id":1078,"text":"والجواب عن السؤال الرابع والخامس : أن آية المائدة من آخر ما نزل فورد فيها استيفاء ما حكم سبحانه بتحريمه وإلحاقه بالميتة والدم ولحم الخنزير أعقب الكلام بقوله\"فمن اضطر فى مخمصة غير متجانف لإثم\" تتميا لبيان حال المضطر ومظنة الاضطرار زيادة على ما ورد فى الآى الأخر ليرتفع ما عسى أن يكون باقيا فيها من إجمال أو إشكال ليجرى مع قوله\"اليوم أكملت لكم دينكم..الآية. أ هـ {ملاك التأويل صـ 77 ـ 79}","part":3,"page":180},{"id":1079,"text":"من لطائف الإعجاز العلمى\rقال العلامة وحيد ادين خان : \rلو أنك سألت طبيبا : ما السبب وراء احمرار الدم ؟ \rلأجاب : لأن في الدم خلايا حمراء ، حجم كل خلية منها من البوصة!\r- حسنا ولكن لماذا تكون هذه الخلايا حمراء ؟ \r- في هذه الخلايا مادة تسمى (الهميوجلوبين) وهى مادة تحدث لها الحمرة حين تختلط بالأكسجين فى القلب.\r- هذا جميل. ولكن من أين تأتى هذه الخلايا التي تحمل الهميوجلوبين ؟ \r- إنها تصنع في كبدك.\r- عجيب! ولكن كيف ترتبط هذه الأشياء الكثيرة من الدم والخلايا والكبد وغيرها بعضها ببعض ارتباطا كليا ، وتسير نحو أداء واجبها المطلوب بهذه الدقة الفائقة ؟ \r- هذا ما نسميه بقانون الطبيعة.\r- ولكن ما المراد بقانون الطبيعة هذا ، يا سيدي الطبيب ؟ \r- المراد بهذا القانون هو الحركات الداخلية العمياء للقوى الطبيعية والكيماوية.\r- ولكن لماذا تهدف هذه القوى دائما إلى نتيجة معلومة ؟ وكيف تنظم نشاطها حتى تطير الطيور في الهواء ، ويعيش السمك في الماء ، ويوجد إنسان في الدنيا بجميع ما لديه من الإمكانات والكفاءات العجيبة المثيرة ؟ \r- لا تسألني عن هذا ، فإن علمي لا يتكلم إلا عن : (ما يحدث) وليس له أن يجيب : (لماذا يحدث ؟ ). أ هـ {الإسلام يتحدى ـ لوحيد الدين خان صـ 25}\rعلم الأغذية","part":3,"page":181},{"id":1080,"text":"إن قائمة الأغذية التي يقررها القرآن الكريم تحرم (الدم) ، وكان الإنسان غافلا عن أهمية هذا التحريم ، ولكن التحليلات التي أجريت للدم قد أكدت أن هذا القانون كان مبنيا علي أهمية خاصة بالنسبة إلي الصحة. فالتحليل يثبت أن (الدم) يحتوي كمية كبيرة من (حمض البوليك) Uric Acid ، وهو مادة سامة تضر بالصحة لو استعملت غذاء. وهذا هو السر في الطريقة الخاصة التي أمر بها القرآن في ذبح الحيوانات. والمراد من (الذبح) في المصطلح الإسلامي هو الذبح بطريقة معينة حني يخرج سائر الدم من جسم الحيوان ، وهي أن نقطع الوريد الرئيسي. الذي يوجد في العنق فقط. وأن نمتنع عن قطع الأوردة الأخرى ، حني يمكن استمرار علاقة المخ بالقلب إلي أن يموت الحيوان ، لكيلا يكون سبب الموت الصدمة العنيفة التي وجهت إلي أحد أعضاء الحيوان الرئيسية ، كالدماغ أو القلب أو الكبد ، والمقصود من هذا هو أن الدماء تتجمد في العروق وتسري إلي أجزاء الجسم لو مات الحيوان في الحال-علي إثر صدمة عنيفة- وهكذا يتسمم اللحم كله ، نتيجة سريان (حمض البوليك) في أنحائه.\rولقد حرم القرآن لحم (الخنزير) ولم يعرف الإنسان في الماضي شيئا عن أسرار هذا التحريم ، ولكنه يعرف اليوم أن لحم الخنزير يسبب أمراضا كثيرة ، لأنه يحتوي أكبر كمية من (حمض البوليك) بين سائر الحيوانات علي ظهر الأرض أما الحيوانات الأخرى غير الخنزير فهي تفرز هذه المادة بصفة مستمرة عن طريق البول. وجسم الإنسان يفرز90% من هذه المادة بمساعدة (الكليتين). ولكن الخنزير لا يتمكن من إخراج (حمض البوليك) إلا بنسبة اثنين في المائة(2%) ، والكمية الباقية تصبح جزءا من لحمه ولذلك يشكو الخنزير من آلام المفاصل ، والذين يأكلون لحمه هم الآخرون يشكون من آلام المفاصل والروماتيزم(181) ، وما إلي ذلك من الأمراض المماثلة(182). أ هـ\r{الإسلام يتحدى ـ صـ 180}\rبحوث\r1 ـ فلسفة تحريم اللحوم المحرمة : \r","part":3,"page":182},{"id":1081,"text":"الأغذية المحرمة التي ذكرتها الآية الكريمة أعلاه لها ـ كسائر المحرمات الإلهية ـ فلسفتها الخاصة. وقد شرّعت انطلاقاً من خصائص الإنسان جسمياً وروحياً. والروايات الإِسلامية ذكرت علل بعض هذه الأحكام ، والعلوم الحديثة أماطت اللثام أيضاً عن بعض هذه العلل.\rولعل هذه المفاسد تعود إلى أن جهاز الهضم لا يستطيع أن يصنع من الميتة دماً سالماً حياً ، إضافة إلى أن الميتة مرتع أنواع الميكروبات ، والإِسلام اعتبر الميتة نجسة ، كي يبتعد عنها المسلم فضلا عن عدم تناولها.\rوالمحرّم الثاني في هذه الآية \"الدم\" ، وشرب الدم له مفاسد أخلاقية وجسمية ، فهو وسط مستعد تماماً لتكاثر أنواع الميكروبات.\rالميكروبات التي تدخل البدن تتجه أول ما تتجه إلى الدم ، وتتخذه مركزاً لنشاطها ، ولذلك اتخذت الكرات البيضاء مواقعها في الدم للوقوف بوجه توغل هذه الأحياء المجهرية في الدم المرتبط بكل أجزاء الجسم.\rوحين يتوقف الدم عن الحركة وتنعدم الحياة فيه ، يتوقف نشاط الكرات البيض أيضاً ، ويصبح الدم بذلك وسطاً صالحاً لتكاثر الميكروبات دون أن تواجه عقبة في التكاثر.\rولذلك نستطيع القول إن الدم ـ حين يتوقف عن الحركة ـ يكون أكثر أجزاء جسم الإنسان والحيوان تلوثاً.\rومن جهة أخرى ثبت اليوم في علم الأغذية ، أن الأغذية لها تأثير على الأخلاق والمعنويات عن طريق التأثير في الغدد وإيجاد الهورمونات. ومنذ القديم ثبت تأثير شرب الدم تشديد قسوة الإنسان ، وأصبح ذلك مضرب الأمثال.\rثالث : المحرمات المذكورة في الآية \"لحم الخنزير\".\rالخنزير ـ حتى عند الأوروبيين المولعين بأكل لحمه ـ رمز التحلل الجنسي. وهو حيوان قذر للغاية ، وتأثير تناول لحمه على التحلل الجنسي لدى الإنسان مشهود.\rحرمة تناول لحمه صرحت بها شريعة موسى(عليه السلام) أيضاً ، وفي الأناجيل شُبّه المذنبون بالخنزير ، كما أن هذا الحيوان مظهر الشيطان في القصص.\r","part":3,"page":183},{"id":1082,"text":"ومن العجيب أن أُناساً يرون بأعينهم قذارة هذا الحيوان حتى إنه يأكل عذرته ، ويعلمون احتواء لحمه على نوعين خطرين من الديدان ، ومع ذلك يصرّون على أكله.\rدودة \"التريشين\" التي تعيش في لحم هذا الحيوان تتكاثر بسرعة مدهشة ، وتبيض في الشهر الواحد خمسة عشر ألف مرة ، وتسبب للإنسان أمراضاً متنوعة كفقر الدم ، والغثيان ، وحمّى خاصة ، والإسهال ، وآلام المفاصل ، وتوتر الأعصاب ، والحكّة ، وتجمع الشحوم داخل البدن ، والإحساس بالتعب ، وصعوبة مضغ الطعام وبلعه ، والتنفس و....\rوقد يوجد في كيلو واحد من لحم الخنزير (400) مليون دودة من هذه الديدان!! ولذلك أقدمت بعض البلدان الأوروبية في السنوات الماضية على منع تناول لحم هذا الحيوان.\rوهكذا تتجلى عظمة الأحكام الإلهية بمرور الأيّام أكثر فأكثر.\rيقول البعض : \rإن العلم تطور بحيث استطاع أن يقضي على ديدان هذا الحيوان ، ولكن على فرض أننا استطعنا بواسطة العقاقير ، أو بالاستفادة من الحرارة الشديدة في طبخه ، إلاّ أن أضراره الأخرى ستبقى. وقد ذكرنا أن للأطعمة تأثيراً على أخلاق الإِنسان عن طريق تأثيرها على الغدد والهورمونات وذلك الأصل علمي مسلّم ، وهو أن لحم كل حيوان يحوي صفات ذلك الحيوان أيضاً.\rمن هنا تبقى للحم الخنزير خطورته في التأثير على التحلل الجنسي للآكلين ، وهي صفة بارزة في هذا الحيوان.\rولعل تناول لحم هذا الحيوان أحد عوامل التحلّل الجنسي في أوربا.\rرابع المحرمات في الآية (مَا أُهلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللهِ) ، وهي الحيوانات التي تذبح على غير اسم الله ، كالتي كانت تقدم للأصنام في الجاهلية.\r","part":3,"page":184},{"id":1083,"text":"وتحريم لحوم هذه الحيوانات لا يلزم بالضرورة أن تكون لها أضرار صحية حتى يقال : إن ذكر اسم الله أو غير الله حين الذبح لا ربط له بالأمور الصّحية. فليس من الحتم أن تكون للحم آثار صحية حتى تكون محرمة ؛ لأن المحرمات في الإسلام لها أبعاد مختلفة ، فتارة بسبب الصحة وحفظ البدن وأخرى يكون للتحريم جانب معنوي وأخلاقي وتربوي ، فهذه اللحوم تبعد الإنسان عن الله ، ولها تأثير نفسي وتربوي سلبي على الآكل ، لأنها من سنن الشرك والوثنية وتعيد إلى الذهن تلك التقاليد الخرافية.\r2 ـ التكرار والتأكيد\rتحريم المواد الأربع المذكورة تكرر في أربع سور من القرآن ، سورتين مكيتين (الأنعام ، 145 والنحل ، 115) وسورتين مدنيتين (البقرة ، 173 والمائدة ، 3).\rييبدو أن تحريم هذه اللحوم أعلن أولا في أوائل البعثة ، ثم أعلن ثانية في أواخر إقامة الرّسول(صلى الله عليه وآله وسلم) في مكة ، وتكرر الإعلان ثالثة في أوائل الهجرة إلى المدينة ، ثم أُعيد التأكيد رابعة في أواخر عمر الرّسول في سورة المائدة وهي آخر سور القرآن.\rكل هذا التأكيد يعود إلى أهمية الموضوع وإلى ما في هذه المواد من أخطار جسمية وروحية ، وإلى اتساع نطاق تلوث النّاس آنئذ بها.أ هـ {الأمثل حـ1 صـ 363 ـ 365}\rاكتشاف جرثومة جديدة في لحم الخنزير\rحوار مع الدكتور/جون لارسن كبير أطباء المستشفي الرسمي في كوبنهاجن\rاكتشاف جرثومة جديدة في لحم الخنزير : \r·هيئة الإعجاز : بلغنا أنكم اكتشفتم جرثومة جديدة في لحم الخنزير ، فهل هذا صحيح ؟ \r","part":3,"page":185},{"id":1084,"text":"·الدكتور لارسن : الكلام الذي صرحت به يدور حول جرثومة خطيرة يحملها الخنزير ، وأنا لم أنشر الكثير عن هذا الموضوع غير ما كتب في الصحف والمجلات الطبية لأنه ليس بالشيء الجديد بل معروف في معظم أنحاء العالم ، وبالنسبة للأمريكيين فإنهم لم يعلنوا صراحة عن وجود هذه الجرثومة في الخنزير. ولكن كعادتهم ينتظرون حتى تحدث عدوى للمرض بشكل وبائي فينتبهون إليه ، ومثال ذلك : حدوث عدوى مفاجئة في مدرسة بها 500 طفل فجأة أصيبوا بمرض واحد واستحقت الاهتمام فأخذوا يبحثون عن الأسباب!! ونحن لسنا كالأمريكيين في أبحاثنا بل نبحث في الصغيرة مثل الكبيرة لأننا نعتقد أن الوباء يبدأ من عدوى صغيرة ، والشواهد على ذلك كثيرة.\rوهذا المرض الذي تسببه هذه الجرثومة يظهر بأعراض ثلاثة : \r1- الإسهال الشديد.\r2- آلام بالمعدة تشبه أعراض الزائدة الدودية.\r3- حمى مصحوبة بارتفاع درجة الحرارة لفترة من الوقت.\rوتكمن خطورة هذا المرض في أنه يظهر بأعراض أمراض أخرى مثل روماتيزم المفاصل والذي يبدأ بالآلام في العظام ، وقد ينتهي إلى روماتيزم القلب أو إلى روماتيزم الكلى ، كما قد تظهر أعراض تتداخل مع بعض الأمراض الجلدية.. وهذا ما كان يهمني كثيراً في استمرار البحث عن حقيقة هذا المرض ، ويشاركني في ذلك بعض الأطباء بمدينة (مالمو) بالسويد وفنلندا.\rعند دراسة عدة أمراض وبائية وجد أن الجرثومة التي اكتشفتها في الخنزير من مجموعة جراثيم اليارسينيا (Yarsinia) وهي موجودة في الطبيعة من حولنا ولكن لا يُعرف حتى الآن كيف تتم العدوى بها.\rبطبيعة الحال فإن هذه الجرثومة التي تسبب هذا الوباء لا توجد في الدانمارك فقط إذن كيف تحصل العدوى بهذه الجرثومة من الطبيعة ؟ .. لا يوجد أمامنا إلا مصدر واحد هو الخنزير. ومن العجيب- عند إجراء التجارب المعملية على الخنزير- أن نجد أنه الناقل لهذه الجرثومة.\r","part":3,"page":186},{"id":1085,"text":"وفي الدانمارك قامت مجموعة من العلماء من مدرسة الزراعة العليا وليس لها صلة بأبحاثي اكتشفت أنه يوجد بكتيريا هذا المرض بنسبة 25% في الخنزير.\rكما قام شخص آخر في بلكجيكا بجمع ألسنة الخنازير من المسالخ ومحلات اللحوم ووجد أن هذه البكتيريا يتراوح وجودها في هذه الألسنة ما بين 80-90%. وكذلك أثبتت الأبحاث في تشيكوسلوفاكيا وألمانيا وكندا وأمريكا وفي إيطاليا مع أنها دول ذات نسبة أقل في عدد الخنازير.\rفي ضوء ذلك حاولت تبرئة موقفي وإعلان الحقيقة للناس ولكني وجدت المعارضة التي أسكتتني من جانب السلطات المسؤولة. وأنا أقف الآن بمفردي أمام هذا الأمر ، لقد قمت بفحص أكثر من 60إلى 70 ألف حالة ، ولما حدث سوء الفهم ولم يقف بجانبي أحد أظهرت ما دل عليه العلم وسأظل أنادي بما توصلت إليه أبحاثي رغم ذلك فأنا رجل علم أولاً وأخيراً وإن لم يقبل الناس ما أخرج من نتائج ، ولقد حاولت أن أناقش الموضوع مع وزارة الزراعة الدانماركية ولكن بدون جدوى ، مع العلم أن هذه البكتيريا ليس خاصة بالدانمارك بل هي موجوده أيضاً في هولندا وعدد من الدول الأخرى.\r·هيئة الإعجاز : هل تنتقل العدوى بهذه الجرثومة من جراء تناول قطعة معينة من لحم الخنزير فقط أم أنه يحمل عدوى في كل أجزائه ؟ \r·الدكتور جون لارسن : جوابي أنها توجد في لسان الخنزير ، ولكن من يأكل لسان الخنزير ؟؟ ثم كيف يباع وكيف يستعمل ؟ من الواضح أن اللسان لا يباع بكثرة في المحلات على هيئته ولكن يدخل في صناعة بعض المنتجات التي نأكلها كوجبات باردة! ونستطيع أن نتصور ذلك بسهولة إذا علمنا أن أكثر من 14 : 13 مليون لسان خنزير سنوياً تدخل في أنتاج هذه الوجبات الباردة.\r","part":3,"page":187},{"id":1086,"text":"ولقد قمت بسؤال هيئة الأطباء البيطريين المشرفة على اتحاد مربي ومنتجي اللحوم الدانماركية عن لسان الخنزير ، وأين يستعمل وفي ماذا ؟ ولكن لم أحصل على الجواب الكافي مع الأسف! وأنا أستطيع أن أعطي الإجابة الواضحة إن توفرت لدي الإمكانيات المساعدة على الاستمرار في البحث في مواجهة اتحاد مربي ومنتجي اللحوم الدانماركية القوي ، وإني لأقف وحدي في الواجه ، وحتى كثير من الزملاء من الأطباء يقفون ضدي ، مع أنني في واقع الأمر لم آت بشيء جديد ، غير أني قمت باكتشاف السبب لمرض موجود فعلاً. وأرى أن السبب الرئيسي في عدم اهتمام السلطات بالأمر هو اقتصادي أولاً وأخيراً حيث أن الدانمارك تعد من أكبر الدول المصدرة للحم الخنزير.\rويسعدني أني أرى في هذه الأيام نتيجة للجهود المتواصلة آثاراً طبية ومساعدات محفزة ، فهناك في فنلندا- على سبيل المثال- مجموعة مكثفة من العلماء بإمكانيات أفضل من عندنا ولديهم اتصالات أكبر للبحث عن دورة حياة هذا الميكروب ، وأنشط هذه المجموعات في مدينة (Turin) ، إذ عندهم معلومات وافية بخصوص دورة الميكروب المسبب للمرض.\r·هيئة الإعجاز العلمي : هل توجد هذه البكتيريا في حيوانات أخرى غير الخنزير ؟ \r·الدكتور لارسن : وجدت هذه البكتيريا في الكلاب في بعض الحالات الخاصة التي اكتشفت وجودها بنفسي ، وبالنسبة لوجود حيوانات أخرى في البيئة تحمل نفس المرض الوبائي ، فأقول إنه لا يوجد حيوان يؤكل لحمه غير الخنزير يحمل هذه البكتريا ، فالماعز على سبيل المثال لم يثبت وجود هذا النوع من البكتيريا فيه.\rوبعد أن شرح لنا الدكتور جون لارسن بعض الأمثلة الموضحة لحالات مختلفة وقعت في بعض الدول طرح عليه هذا السؤال : \rهيئة الإعجاز : هل يحمل اللبن كذلك هذه البكتيريا المسببة لهذا المرض ؟ \r","part":3,"page":188},{"id":1087,"text":"·الدكتور جون لارسن : أثبتت البحوث الأمريكية وجود هذه البكتريا في الماء وفي كثير من الأطعمة ، ولكن عندما يتناولها الإنسان فإنها ليست قوية بالدرجة التي في فم الخنزير ، لأن فم الخنزير فقط يعد بيئة صالحة لنموها.\r·هيئة الإعجاز : يعالج الخنزير الدانماركي بالبنسيلين والمضادات الحيوية الكثيرة ومع ذلك يحمل هذه البكتيريا ، فهل هذا يعني أن الخنزير يحمل أمراضاً كثيرة غير ما ذكرت ؟ \r·الدكتور جون لارسن : لا نستطيع أن نقول إن الخنزير خال من الأمراض برغم أنه يعالج بالمضادات الحيوية الكثيرة ، وفي الإحصائيات الأخيرة ظهر لنا أيضاً وجود عدوى جديدة بالدودة الشرطية في الدانمارك والمعروف أن دورتها لا تتم إلا في الإنسان والخنزير!!\rتعليق الهيئة : صدق الله القائل سبحانه في كتابة : {حُرّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالْدّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَمَآ أُهِلّ لِغَيْرِ اللّهِ بِهِ وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدّيَةُ وَالنّطِيحَةُ وَمَآ أَكَلَ السّبُعُ إِلاّ مَا ذَكّيْتُمْ وَمَا ذُبِحَ عَلَى النّصُبِ وَأَنْ تَسْتَقْسِمُواْ بِالأزْلاَمِ ذَلِكُمْ فِسْقٌ..}( المائدة آية3).\rالخنزير رجس مبنى ومعنى\rتحريم لحم الخنزير\rأورد النص القرآني تحريم لحم الخنزير في أربع مواضع : 1ـ قوله تعالى : (إنما حرم عليكم الميتة ولحم الخنزير وما أهل به لغير الله ). البقرة /173\r2ـ وقوله تعالى : (حرمت عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير وما أهل لغير الله به والمنخنقة والموقوذة والنطيحة وما أكل السبع إلا ما ذكيتم ).المائدة 3\r3ـ وقوله : ( قل لا أجد فيما أوحي إلي محرماً على طاعم يطعمه إلا أن يكون ميتة أو دماً مسفوحاً أو لحم خنزير ، فإنه رجس) الأنعام ـ 145\rـ وقوله : (إما حرم عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير وما أهل لغير الله به ن فمن اضطر غير باغ ولا عاد فإن الله غفور رحيم ). النحل 115.\r","part":3,"page":189},{"id":1088,"text":"يقول القرطبي : لا خلاف أن جملة الخنزير محرم إلا الشعر فإنه يجوز الخرازة به.\rالأضرار الصحية لتناول لحم الخنزير\rالفرق بين لحم الخنزير وغيره من اللحوم : \rيحتوي لحم الخنزير على كمية كبيرة من الدهون ويمتاز باندحال الدهن ضمن الخلايا العضلية للحمه علاوة على تواجدها خارج الخلايا في الأنسجة الضامة بكثافة عالية ن في.\rأهم حين أن لحوم الأنعام تكون الدهون فيها مفصولة عن النسيج العضلي ولا تتوضع خلاياه وإنما تتوضع خارج الخلايا وفي الأنسجة الضامة.\rوقد أثبتت الدراسات العلمية أن الإنسان عندما يتناول دهون الحيوانات آكلة العشب فإن دهونها تستحلب في أمعائه وتمتص ، وتتحول في جسمه فأن استحلابها عسير في أمعائه وإن جزيئات الغليسرين الثلاثية لدهن الخنزير تمتص هي دون أي تحول وتترسب في أنسجة الإنسان كدهون حيوانية أو خنزيرية.\rو الكلوسترول الناجم عن تحلل لحم الخنزير في البدن يظهر في الدم على شكل كولسترول جزئي كبير الذرة يؤدي بكثيرة إلى ارتفاع الضغط الدموي وإلى تصلب الشرايين وهما من عوامل الخطورة التي تمهد لاحتشاء العضلة القلبية.و قد وجد البروفسور roff أن الكولسترول المتواجد في خلايا السرطان الجوالة يشابه الكولسترول المتشكل عند تناول لحم الخنزير.\rو لحم الخنزير غني بالمركبات الحاوية على نسب عالية من الكبريت وكلها تؤثر على قابلية امتصاص الأنسجة الضامة للماء كالإسفنج مكتسبة شكلاً كيسياً واسعاً وهذا يؤدي إلى تراكم المواد المخاطية في الأوتار والأربطة والغضاريف بين الفقرات ، وإلى تنكس في العظام.\rو الأنسجة الحاوية على الكبريت تتخرب بالتعفن منتجة روائح كريهة فواحة لانطلاق غاز كبريت الهدروجين. وقد لوحظ أن الآنية الحاوية على لحم الخنزير ، على الرغم من أنها محكمة السد إلا أنه يتعين إخراجها من الغرفة بعد عدة أيام نظراً للروائح الكريهة النتنة وغير المحتملة الناجمة عنهاً.\r","part":3,"page":190},{"id":1089,"text":"و بالمقارنة فإن لحوماً أخرى مختلفة خضعت لنفس التجربة ، فإن لحم البقر كان أبطأ تعفنا من لحم الخنزير ولم تنطلق منه تلك الروائح النتنة ، ويحتوي لحم الخنزير على نسبة عالية من هرمون النمو والتي لها تأثير أكيد للتأهب للإصابة بخامة النهايات علاوة على تأثيره في زيادة نمو البطن (الكرش) وزيادة معدل النمو وخاصة نمو الأنسجة المهيئة للنمو والتطور السرطاني.و حسب دراسات roffo فإن تلك الوجبة الدسمة الحاوية على لحم الخنزير تعتبر الأساس في التحول السرطاني للخلايا لاحتوائها على هرمون النمو علاوة على أثرها في رفع كولسترول الدم.\rالأمراض التي ينقلها الخنزير\rلقد حرمت الشريعة الإسمية لحم الخنزير ، ونفذها المتدينون امتثالاً لأمر الله الخالق سبحانه وطاعة له دون أن يناقشوا العلة من التحريم ، لكن العلماء المحدثين توصلوا إلى نتائج مدهشة في هذا المجال : أليس من المدهش أن نعلم أن الخنزير مرتع خصب لأكثر من 450 مرضاً وبائياً ، وهو يقوم بدور الوسيط لنقل 57 منها إلى الإنسان ، عدا عن الأمراض التي يسببها أكل لحمه من عسرة هضم وتصلب للشرايين وسوها. والخنزير يختص بمفرده بنقل 27 مرضاً وبائياً إلى الإنسان وتشاركه بعض الحيوانات الأخرى في بقية الأمراض لكنه يبقى المخزن والمصدر الرئيسي لهذه الأمراض : منها الكلب الكاذب وداء وايل والحمى اليابانية والحمى المتوهجة والحميرة الخنزيرية والإلهاب السحائي وجائحات الكريب وأنفلونزا الخنزير وغيرها.\rالميتة.. أولى الخبائث المحرمة\rقال تعالى : (إنما حرم عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير وما أهل به لغير الله فمن اضطر غير باغ ولا عاد فلا إثم عليه ). البقرة /173\rحكمة التحريم\r","part":3,"page":191},{"id":1090,"text":"تنفذ الجراثيم إلى الميتة من الأمعاء والجلد والفتحات الطبيعية لكن الأمعاء هي المنفذ الأكثر مفعمة بالجراثيم ، لكنها أثناء الحياة تكون عرضة للبلعمة ولفعل الخمائر التي تحلها. أما بعد موت الحيوان فإنها تنمو وتحل خمائرها الأنسجة وتدخل جدر المعي ومنها تنفذ إلى الأوعية الدموية واللمفاوية.. أما الفم والأنف والعينين والشرج فتصل إليها الجراثيم عن طريق الهواء أو الحشرات والتي تضع بويضاتها عليها. أما الجلد فلا تدخل الجراثيم عبره إلا إذا كان متهتكاً كما في المتردية والنطيحة وما شابهها.\rوإن احتباس دم الميتة ، كما ينقص من طيب اللحم ويفسد مذاقه فإنه يساعد على انتشار الجراثيم وتكاثرها فيه.\rو كلما طالت المدة بعد هلاك الحيوان كان التعرض للضرر أشد عند أكل الميتة لأن تبدل لحمها وفسادها وتفسخه يكون أعظم ، إذ إنه بعد 3ـ4 ساعات من الموت يحدث ما يسمى بالمصل الجيفي (التيبس الرمي) حيث تتصلب العضلات لتكون أحماض فيها كحمض الفسفور\rواللبن والفورميك ثم تعود القلوية للعضلات فيزول التيبس وذلك بتأثير التعفنات الناتجة عن التكاثر الجرثومي العفني التي تغزو الجثة بكاملها.\rهذا وينشأ عن تفسخ وتحلل جثمان الميتة مركبات سامة ذات روائح كريهة ن كما أن الغازات الناتجة عن التفسخ تؤدي إلى انتفاخ الجثة خلال بضع ساعات ، وهي أسرع في الحيوانات آكلة العشب من إبل وضأن وبقر وغيرها كما تعطي بعض الجراثيم أثناء تكاثرها مواد ملونة تعطي اللحم منظراً غير طبيعي ولوناً إلى الأخضر أو السواد وقوامه ألين من اللحم العادي.\rالميتة بمرض : قد تصاب البهائم بمرض جرثومي يمنع تناول لحمها ولو كانت مذكاة تكون الحرمة أشد فيما لو مات الحيوان بذلك المرض لانتشار الجراثيم في جثته عن طريق الدم المحتبس وتكاثرها بشدة وزيادة مفرزاتها السمية وأهم هذه الأمراض : \r","part":3,"page":192},{"id":1091,"text":"السل : كثير التصادف في البقر ثم الدواجن من الطيور وقليل في الضأن وتوصي كتب الطب بإحراق جثة الحيوان المصاب بالسل الرئوي وسل الباريتوان وكذا إذ وجدت الجراثيم في عشلات الحيوان أو عقده اللمفاوية.\rالجمرة الخبيثة : الحيوان الذي يصاب بالجمرة يجب أن لا يمس ن وأن يحرق ويدفن حتى لا تنتشر جراثيمه وتنتقل العدوى إلى الحيوان وإلى البشر.\rالميتة هرماً : كلما كبر سن الحيوان تصلبت وتليفت وأصبحت عسرة الهضم ، علاوة على احتباس الدم في الجثة الميتة مما يجعل لحمها أسرع تفسخاً.\rالميتة إختناقاَ : الأختناق انعصار الحلق بما يسد مسالك الهواء. ومن علامات احتقان الملتحمة في عين الدابة ووجود نزوف تحتها وجحوظ العينين وزرقة الشفتين. ، ويؤكد علم الحة عدم صلاحية المنخنقة للأكل لفساد لحمها وتغير شكله إذ يصبح لونه أحمر قاتما ً.\rالميتة دهساً أو رضاً : وهي انواع أشار إليها القرآن الكريم بقوله : (والموقوذة والمتردية والنطيحة) أما ما أكل السبع ، فقد يميتها رضاً أو خنقاً وكما ينجس الدم في جثتها ، علاوة على أن الرضوض تجعل الدم ينتشر تحت وداخل اللحم والأنسجة المرضوضة ، لذا يسود لون اللحم ويصبح لزجاً كريه الرائحة غير صالح للأكل. ويزيد الطين بلة انتشار الجراثيم من خلال السحجات والأنسجة المتهالكة ن فتنتشر بسرعة خلال اللحم المرضوض وتتكاثر فيه بسرعة وتعجل تحلله وفساده.\rأ هـ {روائع الطب الإسلامى}\rقوله تعالى {إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ الْكِتَابِ وَيَشْتَرُونَ بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا أُولَئِكَ مَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ إِلَّا النَّارَ وَلَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (174)}\rمناسبة الآية لما قبلها\rقال البقاعى : ","part":3,"page":193},{"id":1092,"text":"ولما كان في بيان هذه المحرمات الإشارة إلى عيب من استحلها من العرب وترك ما أمر به من الطيبات جهلاً وتقليداً تلاها بتكرير عيب الكاتمين لما عندهم من الحق مما أنزل في كتابهم من صفة النبي صلى الله عليه وسلم وأمر الحج وأمر القبلة وغيرها مما يصدق هذا الكتاب الذي لا ريب فيه خوفاً على انقطاع ما كان يهدي إليهم لرئاستهم من دينهم على وجه عائب لهم لاستحلالهم أكل السحت على علم مبين أنهم استحقوا الذم من وجهين : أحدهما نفس الأكل على هذا الوجه المؤدي إلى الإعراض عن الطيبات والموافقة للعرب ، الثاني كونه على كتمان ما يعلمون من الحق فقال : {إن الذين يكتمون} مؤكداً لذمهم بأنواع التأكيد ، ولقد بدع إيلاؤه لصفتي المغفرة والرحمة كما ختم آية الكتمان الأولى بوصفي التوبة والرحمة ، فكان مع ما فيه من الترغيب من قبيل الاحتراس أي إنه إعانة لا يغفر لمثل هؤلاء إلا أن اتصفوا بما أشارت إليه الآية الأولى من التوبة. قوله : {ما أنزل الله} بإسناد الإنزال إلى اسمه الأعظم لإحاطة الكتاب بمختلفات الأحكام {من الكتاب} أي من حدوده وأحكامه وغير ذلك مما أشارت إليه الآية الأولى بالبينات والهدى من الحكم والأحكام.\rولما كان من الكتم ما يكون لقصد خير ، فكم من كلمة حق أريد بها باطل! قيده بقوله : {ويشترون به ثمناً} قال الحرالي : والثمن ما لا ينتفع بعينه حتى يصرف إلى غيره من الأعواض ، فالإيعاد على ما يتضمن جهل الكاتم وحرصه باستكسابه بالعلم وإجرائه في غير ما أجراه الله تعالى على ألسنة أنبيائه {وما أسألكم عليه من أجر }\r[ الشعراء : 109] ولما كان كل ما لم يثبت من خير الدنيا في الآخرة وإن جل حقيراً قال : {قليلاً} هذا المراد لا تقييده بالقليل.\r","part":3,"page":194},{"id":1093,"text":"ولما كانوا قد بعدوا عن مواطن الرحمة ببخلهم بما لا ينقصه الإنفاق أشار إليهم بأداة البعد فقال : {أولئك} وفي خطاب النبي صلى الله عليه وسلم به إشعار بوقوع ذلك من طائفة من أمته حرصاً على الدنيا {ما يأكلون} أي في هذه الحال على ما دلت عليه ما. ولما كان الأكل يطلق على مجرد الإفساد حقق معناه بقوله : {في بطونهم} جمع بطن وهو فضاء جوف الشيء الأجوف لغيبته عن ظاهره الذي هو ظهر ذلك البطن {إلا النار} كما أحاط علمه سبحانه وتعالى بالغيب إن ذلك على الحقيقة وبصره لعيون أهل الكشف الذين يرون العواقب في الأوائل والغيب في الشهادة ، وفي ذكره بصيغة الحصر نفي لتأويل المتأول بكونه سبباً وصرف له إلى وجه التحقيق الذي يناله الكشف ويقصر عنه الحس ، فكانوا في ذلك كالحذر الذي يجعل يده في الماء الحار ولا يحس به فيشعر ذلك بموت حواس هؤلاء عن حال ما تناولوه.\rولما قدم الوعيد في الثمن لكونه الحامل على الكتم أتبعه وعيد نفس الكتم فقال : {ولا يكلمهم الله} أي الملك الأعظم الذي من كلمه أقبل كل شيء عليه كلاماً يدل على مرضى لكونهم لم يكلموا الناس بما كتب عليهم وقال : {يوم القيامة} تأكيداً لما أشارت إليه ما من أن المراد بالذي قبله الحال {ولا يزكيهم} أي يطهرهم من دنس الذنوب أو يثنى عليهم أو ينمي أعمالهم بما يحصل لهم من الميثاق في يوم التلاق كما يزكي بذلك من يشاء من عبادة لأنهم كتموا عن العباد ما يزكيهم وفي هذا تعظيم لذنب كتموا العلم {ولهم} مع هذا العذاب {عذاب أليم} لما أوقعوا فيه الناس من التعب بكتمهم عنهم ما يقيمهم على المحجة السهلة. أ هـ {نظم الدرر حـ 1 صـ 319 ـ 321}\rوقال الشيخ ابن عاشور فى مناسبة الآية لما قبلها : ","part":3,"page":195},{"id":1094,"text":"عود إلى محاجَّة أهل الكتاب لاَحِقٌ بقوله تعالى : {إن الذين يكتمون ما أنزلنا من البينات والهدى} [البقرة : 159] بمناسبة قوله : {إنما حرم عليكم الميتة والدم} [البقرة : 173] تحذيراً للمسلمين مما أحدثه اليهود في دينهم من تحريم بعض ما أحل الله لهم وتحليل بعض ما حرم الله عليهم ؛ لأنهم كانوا إذا أرادوا التوسيع والتضييق تركوا أن يَقْرؤا من كتابهم ما غَيَّروا العمل بأحكامه كما قال تعالى : {تجعلونه قراطيس تبدونها وتخفون كثيراً} [الأنعام : 91] كما فعلوا في ترك قراءة حكم رجم الزاني في التوراة حين دعا النبي صلى الله عليه وسلم أحد اليهود ليقرأ ذلك الحكم من التوراة فوضع اليهودي يده على الكلام الوارد في ذلك كما أخرجه البخاري في كتاب الحدود ، ولجريانه على مناسبة إباحة ما أبيح من المأكولات جاء قوله هنا {أولئك ما يأكلون في بطونهم إلا النار} لقصد المشاكلة.\rوفي هذا تهيئة للتخلص إلى ابتداء شرائع الإسلام ؛ فإن هذا الكلام فيه إبطال لما شرعه أهل الكتاب في دينهم فكون التخلص ملوناً بلوني الغَرض السابق والغرض اللاحق. أ هـ {التحرير والتنوير حـ 2 صـ 122}\rقال ابن عباس : نزلت هذه الآية في رؤساء اليهود ؛ كعب بن الأشرف ، وكعب بن أسد ، ومالك بن الصيف ، وحيي بن أخطب ، وأبي ياسر بن أخطب ، كانوا يأخذون من أتباعهم الهدايا ، فلما بعث محمد عليه السلام خافوا انقطاع تلك المنافع ، فكتموا أمر محمد عليه السلام وأمر شرائعه فنزلت هذه الآية. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 5 صـ 23}","part":3,"page":196},{"id":1095,"text":"اختلفوا في أنهم أي شيء كانوا يكتمون ؟ فقيل : كانوا يكتمون صفة محمد صلى الله عليه وسلم ونعته والبشارة به ، وهو قول ابن عباس وقتادة والسدي والأصم وأبي مسلم ، وقال الحسن : كتموا الأحكام وهو قوله تعالى : {إِنَّ كَثِيراً مّنَ الأحبار والرهبان لَيَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الناس بالباطل وَيَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ الله} [التوبة : 34 ]. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 5 صـ 23}\rاختلفوا في كيفية الكتمان ، فالمروى عن ابن عباس : أنهم كانوا محرفين يحرفون التوراة والإنجيل ، وعند المتكلمين هذا ممتنع ، لأنهما كانا كتابين بلغا في الشهرة والتواتر إلى حيث يتعذر ذلك فيهما ، بل كانوا يكتمون التأويل ، لأنه قد كان فيهم من يعرف الآيات الدالة على نبوة محمد عليه السلام ، وكانوا يذكرون لها تأويلات باطلة ، ويصرفونها عن محاملها الصحيحة الدالة على نبوة محمد عليه السلام ، فهذا هو المراد من الكتمان ، فيصير المعنى : إن الذين يكتمون معاني ما أنزل الله من الكتاب. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 5 صـ 23}\rقال العلامة ابن كثير : ","part":3,"page":197},{"id":1096,"text":"يقول تعالى : {إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ} [مما يشهد له بالرسالة] {مَا أَنزلَ اللَّهُ مِنَ الْكِتَابِ} يعني اليهود الذين كتموا صفة محمد صلى الله عليه وسلم في كتبهم التي بأيديهم ، مما تشهد له بالرسالة والنبوة ، فكتموا ذلك لئلا تذهب رياستهم وما كانوا يأخذونه من العرب من الهدايا والتحف على تعظيمهم إياهم ، فخشوا -لعنهم الله -إن أظهروا ذلك أن يَتَّبعه الناس ويتركوهم ، فكتموا ذلك إبقاء على ما كان يحصل لهم من ذلك ، وهو نزرٌ يسير ، فباعوا أنفسهم بذلك ، واعتاضوا عن الهدى واتباع الحق وتصديق الرسول والإيمان بما جاء عن الله بذلك النزر اليسير ، فخابوا وخسروا في الدنيا والآخرة ؛ أما في الدنيا فإن الله أظهر لعباده صِدْقَ رسوله ، بما نصبه وجعله معه من الآيات الظاهرات والدلائل القاطعات ، فصدقه الذين كانوا يخافون أن يتبعوه ، وصاروا عونًا له على قتالهم ، وباؤوا بغضب على غضب ، وذمهم الله في كتابه في غير موضع. من ذلك هذه الآية الكريمة : {إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنزلَ اللَّهُ مِنَ الْكِتَابِ وَيَشْتَرُونَ بِهِ ثَمَنًا قَلِيلا} وهو عرض الحياة الدنيا {أُولَئِكَ مَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ إِلا النَّارَ} أي : إنما يأكلون ما يأكلونه في مقابلة كتمان الحق نارا تأجج في بطونهم يوم القيامة. كما قال تعالى : {إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا} [النساء : 10] وفي الحديث الصحيح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال : \"الذي يأكل أو يشرب في آنية الذهب والفضة ، إنما يُجَرْجرُ في بطنه نار جهنم\".\rأ هـ {تفسير ابن كثير حـ 1 صـ 484}\rفائدة فى قوله تعالى\r{إِنَّ الذين يَكْتُمُونَ مَآ أَنزَلَ الله مِنَ الكتاب وَيَشْتَرُونَ بِهِ ثَمَناً قَلِيلاً..}.\r","part":3,"page":198},{"id":1097,"text":"قال ابن عرفة : عطفه بالواو مع أن الشراء مسبوق عن الكتم فهلا عطف بالفاء ؟ \rوأجاب عن ذلك بأن المراد الذمّ على كل وصف منهما لا على واحد فقط. وجعل الثمن مشترى فإما أن يتجوز في لفظ \" يَشْتَرُونَ \" فيجعل بمعنى يبيعون أو في لفظ \" ثمنا \" بمعنى مثمون قليلا ؟ \rوهذا إن حملنا اللّفظ على حقيقته اللّغوية فنقول يصح : إطلاق الثمن على المشترى وعلى عوضه وإن نظرنا الاصطلاح فيجيء ما قلناه.\rقيل لابن عرفة : ظاهره منع أخذ الأجرة على تعليم القرآن لأنه من كتم ما أنزل الله ؟ \rفقال ابن عرفة : أباح له أخذ الأجرة عليه كما أباح له ثمن الماء لأجل المشقة ، (وكما) أباح له أخذ ثمن الطّعام في الأعوام التي هي مسبغة مع أنه يجب عليه إعطاؤه والواجب إنما هو تعليمه وإعطاؤه ما عنده سواء كان بالثمن أو بغيره وليس الواجب عليه بذل ما عنده بلا ثمن وهذه أمور جعلية لا عقلية. أ هـ {تفسير ابن عرفة صـ 218}\rقوله تعالى {وَيَشْتَرُونَ بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا}\rسؤال : لم سماه قليلاً ؟ \rإنما سماه قليلاً إما لأنه في نفسه قليل ، وإما لأنه بالإضافة إلى ما فيه من الضرر العظيم قليل. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 5 صـ 23}\rقوله تعالى {أُولَئِكَ مَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ إِلَّا النَّارَ}\rسؤال : لم جيء باسم الإشارة فى قوله تعالى : {أولئك ما يأكلون في بطونهم إلا النار} ؟ \rالجواب : جيء باسم الإشارة لإشهارهم لئلا يخفى أمرهم على الناس وللتنبيه على أن ما يخبر به عن اسم الإشارة استحقوه بسبب ما ذكر قبلَ اسم الإشارة ، كما تقدم في قوله تعالى : {أولئك على هدى من ربهم} [البقرة : 5] ، وهو تأكيد للسببية المدْلول عليها بالموصول.\rأ هـ {التحرير والتنوير حـ 2 صـ 121 ـ }\rسؤال : ","part":3,"page":199},{"id":1098,"text":"قال بعضهم : ذكر البطن ههنا زيادة بيان لأنه يقال أكل فلان المال إذا بدره وأفسده وقال آخرون : بل فيه فائدة فقوله : {فِي بُطُونِهِمْ} أي ملء بطونهم يقال : أكل فلان في بطنه وأكل في بعض بطنه. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 5 صـ 24}\rسؤال : ما وجه الجمع بين قوله تعالى : {أولئك مَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ إِلاَّ النار...}.\rقال تعالى في سورة الغاشية {لَّيْسَ لَهُمْ طَعَامٌ إِلاَّ مِن ضَرِيعٍ} ؟ \rوأجاب ابن عرفة : بأن الضريع طعامهم ولا يأكلون منه وإنما تكون المعارضة إن لو قيل ليس لهم أكل (إلا) الضريع أو يكون باختلاف الحالات في الأوقات (أو يكون) الضريع نارا فأكلهم للضريع أكل للنار ، والأكل المضغ فهو في الفم لا في البطن لكن روعي السبب. أ هـ {تفسير ابن عرفة صـ 218}\rقوله تعالى {أُولَئِكَ مَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ إِلَّا النَّارَ وَلَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ}\rقال الفخر : ","part":3,"page":200},{"id":1099,"text":"قيل : إن أكلهم في الدنيا وإن كان طيباً في الحال فعاقبته النار فوصف بذلك كقوله : {إِنَّ الذين يَأْكُلُونَ أموال اليتامى ظُلْماً إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِى بُطُونِهِمْ نَاراً} [النساء : 10] عن الحسن والربيع وجماعة من أهل العلم ، وذلك لأنه لما أكل ما يوجب النار فكأنه أكل النار ، كما روي في حديث آخر \" الشارب من آنية الذهب والفضة إنما يجرجر في بطنه نار جهنم \" وقوله : {إِنّى أَرَانِى أَعْصِرُ خَمْرًا} [يوسف : 36] أي عنباً فسماه باسم ما يؤول إليه وقيل : إنهم في الآخرة يأكلون النار لأكلهم في الدنيا الحرام عن الأصم وثانيها : قوله تعالى : {وَلاَ يُكَلِّمُهُمُ الله} فظاهره : أنه لا يكلمهم أصلا لكنه لما أورده مورد الوعيد فهم منه ما يجري مجرى العقوبة لهم ، وذكروا فيه ثلاثة أوجه الأول : أنه قد دلت الدلائل على أنه سبحانه وتعالى يكلمهم ، وذلك قوله : {فَوَرَبّكَ لَنَسْئَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ * عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ} [الحجر : 92 93] وقوله : {فَلَنَسْئَلَنَّ الذين أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ وَلَنَسْئَلَنَّ المرسلين} [الأعراف : 6] فعرفنا أنه يسأل كل واحد من المكلفين ، والسؤال لا يكون إلا بكلام فقالوا : وجب أن يكون المراد من الآية أنه تعالى لا يكلمهم بتحية وسلام وإنما يكلمهم بما يعظم عنده من الغم والحسرة من المناقشة والمساءلة وبقوله : {اخسئوا فِيهَا وَلاَ تُكَلّمُونِ} [المؤمنون : 108] الثاني : أنه تعالى لا يكلمهم وأما قوله تعالى : {فَوَرَبّكَ لَنَسْئَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ} [الحجر : 92] فالسؤال إنما يكون من الملائكة بأمره تعالى وإنما كان عدم تكليمهم يوم القيامة مذكوراً في معرض التهديد لأن يوم القيامة هو اليوم الذي يكلم الله تعالى فيه كل الخلائق بلا واسطة فيظهر عند كلامه السرور في أوليائه ، وضده في أعدائه ، ويتميز أهل الجنة بذلك من أهل النار فلا جرم كان ذلك من أعظم الوعيد\r","part":3,"page":201},{"id":1100,"text":"الثالث : أن قوله : {وَلاَ يُكَلّمُهُمُ} استعارة عن الغضب لأن عادة الملوك أنهم عند الغضب يعرضون عن المغضوب عليه ولا يكلمونه كما أنهم عند الرضا يقبلون عليه بالوجه والحديث وثالثها : قوله : {وَلاَ يُزَكّيهِمْ} وفيه وجوه الأول : لا ينسبهم إلى التزكية ولا يثني عليهم الثاني : لا يقبل أعمالهم كما يقبل أعمال الأزكياء الثالث : لا ينزلهم منازل الأزكياء ورابعها : قوله : {وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} واعلم أن الفعيل قد يكون بمعنى الفاعل كالسميع بمعنى السامع والعليم بمعنى العالم ، وقد يكون بمعنى المفعول كالجريح والقتيل بمعنى المجروح والمقتول ، وقد يكون بمعنى المفعل كالبصير بمعنى المبصر والأليم بمعنى المؤلم. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 5 صـ 24}\rكلام نفيس للعلامة ابن عاشور فى هذا الموضع : \rوفعل {يأكلون} مستعار لأخذ الرُّشَا المعبر عنها بالثمن والظاهر أنه مستعمل في زمان الحال ، أي ما يأكلون وقت كتمانهم واشترائهم إلاّ النارَ لأنه الأصل في المضارع.\rوالأكل مستعار للانتفاع مع الإخفاء ، لأن الأكل انتفاع بالطعام وتغييب له فهو خفي لا يَظهر كحال الرشوة ، ولما لم يكن لآكل الرشوة على كتمان الأحكام أكْلُ نار تعين أن في الكلام مجازاً ، فقيل هو مجاز عقلي في تعلق الأكل بالنار وليست هي له وإنما له سببها أعني الرشوة ، قال التفتازاني : وهو الذي يوهمه ظاهر كلام \"الكشاف\" لكنه صرح أخيراً بغيره ، وقيل هو مجاز في الطَّرَف بأن أطلق لفظ النار على الرشوة إطْلاقاً للاسم على سببه قال التفتازاني : وهو الذي صرح به في \"الكشاف\" ونظَّره بقول الأعرابي يوبخ امرأته وكان يَقْلاَها : ... أَكَلْتُ دَماً إنْ لم أَرُعْككِ بِضَرَّةٍ","part":3,"page":202},{"id":1101,"text":"بعيدةٍ مَهْوَى القُرْطِ طيبةِ النَّشْر... أراد الحلف بطريقة الدعاء على نفسه أن يأكل دماً أي دية دَممٍ فقد تضمن الدعاءَ على نفسه بقتل أحد أقاربه وبذهاب مروءته ، لأنهم كانوا يتعيرون بأخذ الديَة عن القتيل ولا يرضون إلاّ بالقَوَد.\rواختار عبد الحكيم أنه استعارة تمثيلية شبهت الهيئة الحاصلة من أكلهم الرُّشا بالهيئة المنتزعة من أكلهم النار وأطلق المركب الدال على الهيئة المشبه بها على الهيئة المشبهة.\rقلت : ولا يضر كون الهيئة المشبه بها غيرَ محسوسة لأنها هيئة متخيلة كقوله : (أعلامُ ياقوْت نشرن على رماححٍ من زبرجد) فالمركب الذي من شأنه أن يدل على الهيئة المشبهة أن يقال : أولئك ما يأخذون إلاّ أخذاً فظيعاً مُهلكاً فإن تناولها كتناول النار للأكل فإنه كلَّه هلاك من وقت تناولها باليد إلى حصولها في البطن ، ووجه كون الرشوة مهلكة أن فيها اضمحلال أمر الأمة وذهاب حرمة العلماء والدين فتكون هذه الاستعارة بمنزلة قوله تعالى : {وكنتم على شفا حفرة من النار فأنقذكم منها} [آل عمران : 103] أي على وشك الهَلاك والاضمحلال.\rوالذي يدعو إلى المصير للتمثيلية هو قوله تعالى : {في بطونهم} فإن الرشوة لا تؤكل في البطن فيتعين أن يكون المركب كله استعارة ، ولو جعلت الاستعارة في خصوص لفظ النار لكان قوله : {يأكلون في بطونهم} مستعملاً في المركب الحقيقي ، وهو لا يصح ، ولولا قوله {في بطونهم} لأمكن أن يقال : إنَّ {يأكلون} هنا مستعمل حقيقة عرفية في غصب الحق ونحو ذلك.\rوجوزوا أن يكون قوله : {يأكلون} مستقبلاً ، أي ما سيأكلون إلاّ النار على أنه تهديد ووعيد بعذاب الآخرة ، وهو وجيه ، ونكتة استعارة الأكل هنا إلى اصطلائهم بنار جهنم هي مشاكلة تقديرية لقوله : {يشترون به ثمناً قليلاً} فإن المراد بالثمن هنا الرشوة ، وقد شاع تسمية أخذ الرشوة أكلاً.\r","part":3,"page":203},{"id":1102,"text":"وقوله : {ولا يكلمهم الله} نفي للكلام والمراد به لازم معناه وهو الكناية عن الغضب ، فالمراد نفي كلام التكريم ، فلا ينافي قوله تعالى : {فوربك لنسألنهم أجمعين عما كانوا يعملون} [الحجر : 93].\rوقوله : {ولا يزكيهم} أي لا يُثني عليهم في ذلك المجمع ، وذلك إشعار لهم بأنهم صائرون إلى العذاب ؛ لأنه إذا نفيت التزكية أعقبها الذم والتوبيخ ، فهو كناية عن ذمهم في ذلك الجمع إذ ليس يومئذٍ سكوت. أ هـ {التحرير والتنوير حـ 2 صـ 121 ـ 122}\rفائدة\rقال الفخر : \rاعلم أن هذه الآية مشتملة على مسائل : \rالمسألة الأولى : أن علماء الأصول قالوا : العقاب هو المضرة الخالصة المقرونة بالإهانة فقوله : {وَلاَ يُكَلِّمُهُمُ الله وَلاَ يُزَكّيهِمْ} إشارة إلى الإهانة والاستخفاف ، وقوله : {وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} إشارة إلى المضرة وقدم الإهانة على المضرة تنبيهاً على أن الإهانة أشق وأصعب.\rالمسألة الثانية : دلت الآية على تحريم الكتمان لكل علم في باب الدين يجب إظهاره.\rالمسألة الثالثة : العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب فالآية وإن نزلت في اليهود لكنها عامة في حق كل من كتم شيئاً من باب الدين يجب إظهاره فتصلح لأن يتمسك بها القاطعون بوعيد أصحاب الكبائر والله أعلم. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 5 صـ 25}\rفائدة\rقال فى روح البيان : \rاعلم أن فى هذه الآيات وعيدا عظيما لكل من يكتم الحق لغرض فاسد دنيوى فليحذروا أى العلماء أن يكتموا الحق وهم يعلمون وإنما يكتمونه عن الملوك والأمراء والوزراء وأرباب الدنيا","part":3,"page":204},{"id":1103,"text":"إما خوفا من اتضاع مرتبتهم ونقصان قدرهم عندهم وإما طموحا إلى إحسانهم أو لأنهم شركاؤهم فى بعض أحوالهم من حب الدنيا وجمعها والحرص فى طلبها أو طلب مناصبها وحب رياستها أو بالتنعم فى المأكول والمشروب والملبوس والمركوب والمسكن والأوانى وآلات البيت والأمتعة والزينة فى كل شىء والخدم والخيول وغير ذلك ، فعند ذلك يداهنون ويأكلون ثمنا قليلا ولا يأكلون إلا نار الحرص والشهوة والحسد التى تطلع على الأفئدة وتأكل الحسنات كما تأكل النار الحطب\rواعلم أن فى كل عمل وفعل وقول يصدر من العبد على خلاف الشرع شررا يجتنى من نار السعير فتحصل فى قلب العبد تلك النار فى الحال وفى التى تصدر من العبد على وفق الشرع شررا يجتنى من نار المحبة فتظهر فى القلب فتحرق كل محبوب غير الله فى قلب كما أن نار السعير تحرق فى القلب الحسنات والأخلاق الحميدة فيأكلون نارا فى الحال وإنما قال ما يأكلون فى بطونهم إلا النار ؛ لأن فسادهم كان فى باطل فكان عذابهم فى البطون ، وإنما لا يكلمهم الله يوم القيامة لأنهم كتموا كلام الله فى الدنيا ولا تكلموه بالصدق فكان جزاء سيئة سيئة مثلها وإنما لا يزكيهم لأن تزكية النفس للإنسان مقدرة من الإيمان والأعمال الصالحة بصدق النية من تهذيب الأخلاق بآداب الشرع فأولئك المداهنون من العلماء هم الذين اشتروا حب الدنيا بهدى إظهار الحق وآثروا الخلق على الحق والمداهنة على أفضل الجهاد قال ـ عليه السلام ـ \" إن أفضل الجهاد كلمة حق عند سلطان جائر \" وإنما كانت أفضل لأن الجهاد بالحجة والبرهان جهاد أكبر بخلاف الجهاد بالسيف والسنان فإنه جهاد أصغر ومدار كتمان الحق حب الدنيا وحبها رأس كل خطيئة.","part":3,"page":205},{"id":1104,"text":"قال الحسن إن الزبانية إلى فسقة حملة القرآن أسرع منهم عبدة الأوثان فيقولون ربنا ما بالنا يتقدمون إلينا فيقول الله ليس من يعلم كمن لا يعلم فمن اشترى الدنيا بالدين فقد وقع فى خسران مبين وكان دائما فى منازعة الشيطان ، كما حكى أن رجلا قال للشيخ أبى مدين :\rما يريد منا الشيطان ـ شكاية منه ـ ؟\rفقال الشيخ : إنه جاء قبلك وشكا منك وقال أعلم أنه سيشكونى ولكن الله ملكنى الدنيا فمن نازعنى فى ملكى لا أتسلى بدون إيمانه فمن كف يده عن الدنيا وزينتها فقد استراح من تعبها ومحنتها. أ هـ {روح البيان حـ 1 صـ 348 ـ 349}\rفائدة\rقوله تعالى {إن الذين يكتمون ما أنزل الله من الكتاب ويشترون به ثمنا قليلا أولئك ما يأكلون في بطونهم إلا النار ولا يكلمهم الله يوم القيامة ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم} 174 الآية في السورة على هذا النسق وفي آل عمران {أولئك لا خلاق لهم في الآخرة ولا يكلمهم الله ولا ينظر إليهم يوم القيامة ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم}\rلأن المنكر في هذه السورة أكثر فالمتوعد فيها أكثر ، وإن شئت قلت زاد في آل عمران {ولا ينظر إليهم} في مقابلة {ما يأكلون في بطونهم إلا النار}. أ هـ {أسرار التكرار فى القرآن صـ 40}\rقوله تعالى {أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلَالَةَ بِالْهُدَى وَالْعَذَابَ بِالْمَغْفِرَةِ فَمَا أَصْبَرَهُمْ عَلَى النَّارِ (175)}\rمناسبة الآية لما قبلها\rقال البقاعى :\rولما ذكر جزاءهم أتبعه ترجمة حالهم مؤكداً لبعدهم فقال : {أولئك الذين اشتروا} أي لجاجاً وتمادياً في الغي {الضلالة} عن طريق الخير {بالهدى} ولما ذكر حالهم في الدنيا أتبعه أمر الآخرة فقال : {والعذاب} بارتكابهم هذه الموبقة {بالمغفرة} التي كانت تنجيهم إذا محت صغائرهم لو سلموا من هذه العضلة التي كانت سبباً لضلال خلق كثير فكان عليهم وزرهم. ولما جعل سبحانه وتعالى أول مأكلهم ناراً وآخر أمرهم عذاباً وترجمة حالهم عدم المغفرة فكان بذلك أيضاً أوسط حالهم ناراً سبب عنه التعجيب من أمرهم بحبسهم أنفسهم في ذلك الذي هو معنى الصبر لالتباسهم بالنار حقيقة أو بموجباتها من غير مبالاة فقال : {فما أصبرهم} أي ما أشد حبسهم أنفسهم أو ما أجرأهم {على النار} التي أكلوها في الدنيا فأحسوا بها في الأخرى - ذكر كثيراً من ذلك الحرالي غير أني تصرفت فيه ؛ وإذا جعلته مجازاً كان مثل قولك لمن عاند السلطان : ما أصبرك على السجن الطويل والقيد الثقيل! تهديداً له. أ هـ {نظم الدرر حـ 1 صـ 321}\rقال الفخر :","part":3,"page":206},{"id":1105,"text":"اعلم أنه تعالى لما وصف علماء اليهود بكتمان الحق وعظم في الوعيد عليه ، وصف ذلك الجرم ليعلم أن ذلك العقاب إنما عظم لهذا الجرم العظيم ، واعلم أن الفعل إما أن يعتبر حاله في الدنيا أو في الآخرة ، أما في الدنيا فأحسن الأشياء الاهتداء والعلم وأقبح الأشياء الضلال والجهل فلما تركوا الهدى والعلم في الدنيا ، ورضوا بالضلال والجهل ، فلا شك أنهم في نهاية الخيانة في الدنيا ، وأما في الآخرة فأحسن الأشياء المغفرة ، وأخسرها العذاب ، فلما تركوا المغفرة ورضوا بالعذاب ، فلا شك أنهم في نهاية الخسارة في الآخرة وإذا كانت صفتهم على ما ذكرناه ، كانوا لا محالة أعظم الناس خساراً في الدنيا وفي الآخرة ، وإنما حكم تعالى عليهم بأنهم اشتروا العذاب بالمغفرة ، لأنهم لما كانوا عالمين بما هو الحق ، وكانوا عالمين بأن في إظهاره وإزالة الشبهة عنه أعظم الثواب ، وفي إخفائه وإلقاء الشبهة فيه أعظم العقاب ، فلما أقدموا على إخفاء ذلك الحق كانوا بائعين للمغفرة بالعذاب لا محالة. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 5 صـ 25}\rقوله تعالى {أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلَالَةَ بِالْهُدَى}\rإن جعلت {أولئك} مبتدأً ثانياً لجملة هي خبر ثان عن المبتدأ الأول وهو اسم {إن} في قوله : {إن الذين يكتمون ما أنزل الله من الكتاب} [البقرة : 174] فالقول فيه كالقول في نظيره وهو {أولئك ما يأكلون في بطونهم إلا النار} [البقرة : 174] ونكتة تكريره أنه للتنبيه على أن المشار إليه جدير بأحكام أخرى غير الحكم السابق وأن تلك الأحكام لأهميتها ينبغي ألا تجعل معطوفة تابعة للحكم الأول بل تفرد بالحكمية.","part":3,"page":207},{"id":1106,"text":"وإن جعلته مبتدأ مستقلاً مع جملته فالجملة مستأنفة استئنافاً بيانياً لبيان سبب انغماسهم في عذاب النار ؛ لأنه وعيد عظيم جداً يستوجب أن يسأل عنه السائل فيبين بأنهم أخذوا الضلال ونبذوا الهدى واختاروا العذاب ونبذوا المغفرة ، ومجيء المسند إليه حينئذٍ اسم إشارة لتفظيع حالهم ؛ لأنه يشير لهم بوصفهم السابق وهو كتمان ما أنزل الله من الكتاب.\rومعنى اشتراء الضلالة بالهدى في كتمان الكتاب أن كل آية أخفوها أو أفسدوها بالتأويل فقد ارتفع مدلولها المقصود منها وإذا ارتفع مدلولها نسي العمل بها فأقدم الناس على ما حذرتهم منه ، ففي كتمانهم حق رُفع وباطل وُضع.\rومعنى اشتراء العذاب بالمغفرة أنهم فعلوا ذلك الكتمان عن عمد وعلم بسوء عاقبته ، فهم قد رضوا بالعذاب وإضاعة المغفرة فكأنهم استبدلوا بالمغفرة العذاب. أ هـ {التحرير والتنوير حـ 2 صـ 124 ـ 125}\rوقال أبو حيان : \rوفي لفظ اشتروا إشعار بإيثارهم الضلالة والعذاب ، لأن الإنسان لا يشتري إلا ما كان له فيه رغبة ومودة. واختيار وذلك يدل على نهاية الخسارة ، وعدم النظر في العواقب. أ هـ {البحر المحيط حـ 1 صـ 668}\rقوله تعالى {والعذاب بالمغفرة}\rسؤال : لم أفردت المغفرة ؟ \rقال ابن عرفة : وإنما أفردت المغفرة (إشارة) إلى أن مغفرة واحدة (تكفي) في رفع العذاب وإن تعدد ، وهذا دليل على أن التوبة من الكفر قطعية القبول وأنّها تَجُبّ ما قبلها ، قال الله تعالى : {قُل لِّلَّذِينَ كفروا إِن يَنتَهُواْ يُغْفَرْ لَهُمْ مَّا قَدْ سَلَفَ} قوله تعالى : {فَمَآ أَصْبَرَهُمْ عَلَى النار}. أ هـ {تفسير ابن عرفة صـ 219}\rقولُهُ {فَمَآ أَصْبَرَهُمْ عَلَى النار} في \" ما \" هذه خمسةُ أقْوالٍ : \rأحدها : وهو قول سيبويه ، والجُمهُور : أَنَّها نكرةُ تامَّةُ غير موصُولة ، ولا موصوفةٍ ، وَأَنَّ معناها التعجُّب ، فإذَا قُلْتَ : \" مَا أَحْسَنَ زَيْداً \" ، فمعناهُ : شيءٌ صَيَّرَ زَيْداً حَسَناً.","part":3,"page":208},{"id":1107,"text":"الثاني : قولُ الفراء - رحمه الله تعالى - أَنَّهَا استفهاميَّةٌ صَحِبَها معنى التعجُّب ؛ نحو \" كَيْف تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ \".\rقال عطَاءٌ ، والسُّدِّيُّ : هو \" ما \" الاستفهام ، معناه : ما الَّذي صَبَّرهم على النَّار ؟ وأيُّ شيء صَبَّرهم على النَّار ؛ حتى تَرَكوا الحَقَّ ، واتبعوا البَاطِلَ.\rقال الحَسَن ، وقَتادة : \" والله ما لهم عَلَيْها من صَبْر ، ولكنْ ما أجرأهم على العمل الَّذي يقرِّبهم إلى النار \" وهي لغة يَمَنية معروفةٌ.\rقال الفراء : أخبرني الكسائيُّ قال : أخبرني قاضي \" اليَمَنِ \" أَنَّ خَصْمَينِ اخْتَصَمَا إلَيْهِ فوجَبَتِ اليمينُ على أحدهِمَا ، فحلَفَ ، فَقَالَ لَهُ صَاحِبُهُك ما أصْبَرَكَ عَلَى اللَّهِ ؟ أي : ما أجرأك عليه.\rوحكي الزَّجَّاجُّ : ما أبقاهُمْ على النَّار ، من قولِهِم : \" مَا أَصْبَرَ فُلاَناً على الحَبْس \" ، أي : ما أبقاهُ فيه.\rوالثالث : ويُعْزَى له أيضاً : أنها نكرةٌ موصوفةٌ وهي على الأقوال الأربعة في مَحَلِّ رفع بالابتداءِ ، وخبرها على القَوْلين الأولَيْن : الجملةُ الفعليَّة بعدَها ، وعلى قوْلي الأخْفَش] : يكون الخبر مَحذوفاً فإنَّ الجملة بعدها إما أن تكون صلةً ، أو صفةً وكذلك اختلفُوا في أفْعَل الواقع بعدها ، أهو اسمٌ ؟ وهو قول الكوفيِّن ، أم فعل ؟ وهو الصحيحُ ، ويترتَّب على هذا الخلاَفِ خلافٌ في نصْب الاسْمِ بعده ، هَلْ هو مفعولٌ به ، أو مشبَّهة بالمعفول به ، ولكلٍّ مِنَ المذْهَبَين دلائلُ ، واعتراضات وأجوبةٌ ليس هذا موضعها.\rوالمراد بالتعجُّب هنا ، وفي سائر القُرْآن : الإعلامُ بحالهم ؛ إنَّها ينبغي أنْ يتعجَّب منها ، إلا فالتعجب مستحيلٌ في حقِّه تعالى ، ومعنى عَلَى النَّارِ ، أي : على عمل أهْل النار ، قاله الكِسَائيُّ ، وهذا من مجاز الكَلاَمِ.","part":3,"page":209},{"id":1108,"text":"الخامس : أنَّها نافيةٌ ، أَي : {فَمَآ أَصْبَرَهُمْ عَلَى النار }. نقله أَبُو البقاء. أ هـ {تفسير ابن عادل حـ 3 صـ 187 ـ 188}\rوقال العلامة ابن عاشور : \rوقوله : {فما أصبرهم على النار} تعجيب من شدة صبرهم على عذاب النار ، ولما كان شأن التعجيب أن يكون ناشئاً عن مشاهدة صبرهم على العذاب وهذا الصبر غير حاصل في وقت نزول هاته الآية بني التعجيب على تنزيل غير الواقع منزلة الواقع لشدة استحضار السامع إياه بما وصف به من الصفات الماضية ، وهذا من طرق جعل المحقق الحصول في المستقبل بمنزلة الحاصل ، ومنه التعبير عن المستقبل بلفظ الماضي وتنزيل المتخيل منزلة المشاهد كقول زهير\r : ... تَبَصَّر خليلي هلْ ترى من ظَعائن\rتَحَملْنَ بالعَلْياءِ من فَوْققِ جُرْثَم... بعد أن ذكر أنه وقف بالدار بعد عشرين حجة ، وقول مالك بن الرَّيْب\r : ... دَعاني الهَوى من أَهل ودِّي وجيرتي\rبذي الطَّيِّسَيْن فالتفتُّ ورائيا... وقريب منه قوله تعالى : {كلا لو تعلمون علم اليقين ، لترون الجحيم} [التكاثر : 5 6] على جعل {لترون} جواب {لو}. أ هـ {التحرير والتنوير حـ 2 صـ 125}\rوقال ابن عرفة : \r{فَمَآ أَصْبَرَهُمْ عَلَى النار}.\r( قال ابن عطية عن جماعة : أظهروا التعجب (من) صبرهم على النار لما عملوا عمل) (من وطّن نفسه عليها) أي ما أجرأهم على النّار. وحكى عن المقتضب للمبرد أنه تقرير واستفهام من قولك مصبور أي محبوس أي ما أشد حبسهم في النار أو ما أحبسهم في النار.\rقال ابن عرفة : وهذا أصوب لأن الأول يقتضي أن لهم اختيارا وجلادة على الصبر على النّار وهذا مدح لهم بالقوة والجلادة.\rوالثاني يقتضي أن حبسهم فيها اضطرار ليس لهم فيه اختيار بوجه.\rقيل لابن عرفة : إنّما التعجّب من أسباب صبرهم على النار ؟ ","part":3,"page":210},{"id":1109,"text":"فقال : أسباب الصبر (محبوبة) مستلذة ، لا يتعجب (منها) كما قال \" حُفَّتِ الجَنَّةُ بِالمكَارِهِ وَحُفَّتِ النَّارُ بِالشَّهَوَاتِ \". أ هـ {تفسير ابن عرفة صـ 219 }\rبحث في التعجب\rوهو استعظام الشيء مع خفاء سبب حصول عظم ذلك الشيء فما لم يوجد المعنيان لا يحصل التعجب هذا هو الأصل ، ثم قد تستعمل لفظة التعجب عند مجرد الاستعظام من غير خفاء السبب أو من غير أن يكون للعظمة سبب حصول ، ولهذا أنكر شريح قراءة من قرأ {بَلْ عَجِبْتَ وَيَسْخُرُونَ} [الصافات : 12] بضم التاء من عجبت ، فإنه رأى أن خفاء شيء ما على الله محال قال النخعي : معنى التعجب في حق الله تعالى مجرد الاستعظام ، وإن كان في حق العباد لا بد مع الاستعظام من خفاء السبب كما أنه يجوز إضافة السخرية والاستهزاء والمكر إلى الله تعالى ، لا بالمعني الذي يضاف إلى العباد. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 5 صـ 26}\rقوله تعالى {ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ نَزَّلَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِي الْكِتَابِ لَفِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ (176)}\rمناسبة الآية لما قبلها\rقال البقاعى : \rولما ذكر جزاءهم وشرح حالهم والتعجيب من أمرهم ذكر السبب الموجب لهذا الإبعاد العظيم والتهديد الكبير فقال : {ذلك} مشيراً بأداة البعد {بأن الله} فذكر الاسم الأعظم أيضاً الذي معناه أن له جميع صفات الكمال تعظيماً للمقام {نزّل الكتاب} أي الجامع لأنواع الهدى {بالحق} منجماً تقريباً للأفهام وتدريباً للخاص والعام ، وهو صالح لإرادة القرآن والتوراة أي الثابت الكامل في الثبات ، فمن كتمه فقد حاول نفي ما أثبته الله تعالى فقد ضاد الله في ملكه ، ومن خالف فيه وهو الذي لا شبهة تلحقه فقد عد الواضح ملبساً فقد أبعد المرمى.","part":3,"page":211},{"id":1110,"text":"ولما كان التقدير : فاختلفوا ، أتبعه قوله : {وإن الذين اختلفوا} أي خالف بعضهم بعضاً {في الكتاب} نفسه أي لا في فهمه ، وهذه العبارة تدل على أن الاختلاف قول بعض في الكتاب كله أو في شيء منه هو باطل والإقرار ببعض أحكامه والإنكار لبعضها وتحريف الكلم عن مواضعه ونحو هذا {لفي شقاق} لكون كل واحد منهم في شق {بعيد} جداً عن شق أهل الحق ، ولذلك خاف الصحابة رضوان الله تعالى عليهم من اختلاف أهل هذا الدين في القرآن كما اختلف اليهود والنصارى فجمعوهم على مصحف واحد ، فليس الاختلاف في وجوه الروايات وأنحاء الفهم من ذلك ؛ وقد وقع كما ترى تنبيه المشركين من العرب بدون ما تضمنه تنبيه بني إسرائيل من التقريع والتوبيخ لفرقان ما بينهم ، لأن كفر المشركين عن جهل وكفر أولئك عن تعنت بعد تكرر مشاهدة الآيات ، ومن تدبر القرآن وطالع التوراة علم طول مكث موسى عليه الصلاة والسلام فيهم يتلو عليه التوراة على حسب تنزيلها شيئاً فشيئاً وأنهم كانوا مع ذلك كلما شاهدوا آية أحدثوا كفراً وخلعوا شكراً وسألوا غيرها عناداً ومكراً {وجعلنا قلوبهم قاسية} [المائدة : 13] وقد مر من أول السورة عن التوراة كثير من ذلك وسيأتي إن شاء الله تعالى بقيته في المواضع اللائقة به من آيات القرآن. وقال الإمام أبو جعفر بن الزبير : ومتى بين شيء في الكتاب العزيز من أحوال النصارى فليس على ما ورد من مثله في اليهود لما ذكر أي من أن كفرهم تعنت ، وخطاب مشركي العرب فيما أشير إليه دون خطاب الفريقين إذ قد تقدم لهم ما لم يتقدم للعرب وبشروا في كتبهم وليس لمشركي العرب مثل ذلك ؛ والزيغ عن الهدى شامل للكل وليسوا في شيء من الصراط المستقيم مع أن أسوأ الأحوال حال من أضله الله على علم ؛ وهنا انتهى ذكر ما حذر منه ونهى عنه من أراد سلوك الصراط المستقيم وبيان حال من حاد عنه وتنكبه وظن أنه على شيء وضم مفترق أصناف الزائغين في أصناف ثلاثة وهم اليهود والنصارى وأهل\r","part":3,"page":212},{"id":1111,"text":"الشرك ، وبهم يلحق سائر من تنكب فيلحق باليهود منافقو أمتنا ممن ارتاب بعد إظهار إيمانه وفعل أفاعيلهم من المكر والخديعة والاستهزاء ، ويلحق بالنصارى من اتصف بأحوالهم ، وبالمشركين من جعل لله سبحانه وتعالى نداً واعتقد فعلاً لغيره على غير طريقة الكسب.\rأ هـ {نظم الدرر حـ 1 صـ 321 ـ 322}\rسؤال : أين المشار إليه فى قوله {ذلك} ؟ \rالجواب : اختلفوا في أن قوله : {ذلك} إشارة إلى ماذا ؟ فذكروا وجهين : \rالأول : أنه إشارة إلى ما تقدم من الوعيد ، لأنه تعالى لما حكم على الذين يكتمون البينات بالوعيد الشديد ، بين أن ذلك الوعيد على ذلك الكتمان إنما كان لأن الله نزل الكتاب بالحق في صفة محمد صلى الله عليه وسلم ، وأن هؤلاء اليهود والنصارى لأجل مشاقة الرسول يخفونه ويوقعون الشبهة فيه ، فلا جرم استحقوا ذلك الوعيد الشديد ، ثم قد تقدم في وعيدهم أمور : أحدها : أنهم اشتروا العذاب بالمغفرة وثانيها : اشتروا الضلالة بالهدى وثالثها : أن لهم عذاباً أليماً ورابعها : أن الله لا يزكيهم وخامسها : أن الله لا يكلمهم فقوله : {ذلك} يصلح أن يكون إشارة إلى كل واحد من هذه الأشياء ، وأن يكون إشارة إلى مجموعها.\rالثاني : أن {ذلك} إشارة إلى ما يفعلونه من جراءتهم على الله في مخالفتهم أمر الله ، وكتمانهم ما أنزل الله تعالى ، فبين تعالى أن ذلك إنما هو من أجل أن الله نزل الكتاب بالحق ، وقد نزل فيه أن هؤلاء الرؤساء من أهل الكتاب لا يؤمنون ولا ينقادون ، ولا يكون منهم إلا الإصرار على الكفر ، كما قال : {إِنَّ الذين كَفَرُواْ سَوَاء عَلَيْهِمْ ءأَنذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنذِرْهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ} [البقرة : 6]. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 5 صـ 29}\rسؤال : ما المراد من الكتاب ؟ ","part":3,"page":213},{"id":1112,"text":"المراد من الكتاب يحتمل أن يكون هو التوراة والإنجيل المشتملين على بعث محمد صلى الله عليه وسلم ، ويحتمل أن يكون هو القرآن ، فإن كان الأول كان المعنى : وإن الذين اختلفوا في تأويله وتحريفه لفي شقاق بعيد ، وإن كان الثاني كان المعنى وإن الذين اختلفوا في كونه حقاً منزلاً من عند الله لفي شقاق بعيد. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 5 صـ 29}\rقوله تعالى {بِأَنَّ الله نَزَّلَ الكتاب }\r{بِأَنَّ الله نَزَّلَ الكتاب} أي جنس الكتاب {بالحق} أي ملتبساً به فلا جرم أن يكون من يرفضه بالتكذيب والكتمان ويركب متنَ الجهل والغَواية مُبتلىً بمثل هذا من أفانينِ العذاب. أ هـ {تفسير أبى السعود حـ 1 صـ 192}\rقوله تعالى {وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِي الْكِتَابِ لَفِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ}\rكلام نفيس للإمام الفخر فى هذا الموضع : \rإن الذين اختلفوا قيل : هم الكفار أجمع اختلفوا في القرآن ، والأقرب حمله على التوراة والإنجيل اللذين ذكرت البشارة بمحمد صلى الله عليه وسلم فيهما ، لأن القوم قد عرفوا ذلك وكتموه وحرفوا تأويله ، فإذا أورد تعالى ما يجري مجرى العلة في إنزال العقوبة بهم فالأقرب أن يكون المراد كتابهم الذي هو الأصل عندهم دون القرآن الذي إذا عرفوه فعلى وجه التبع لصحة كتابهم ، أما قوله : {بالحق} فقيل : بالصدق ، وقيل : ببيان الحق.","part":3,"page":214},{"id":1113,"text":"وأما قوله : {وَإِنَّ الذين اختلفوا فِى الكتاب} فاعلم أنا وإن قلنا : المراد من الكتاب هو القرآن ، كان اختلافهم فيه أن بعضهم قال : إنه كهانة ، وآخرون قالوا : إنه سحر ، وثالث قال : رجز ، ورابع قال : إنه أساطير الأولين وخامس قال : إنه كلام منقول مختلق ، وإن قلنا : المراد من الكتاب التوراة والإنجيل فالمراد باختلافهم يحتمل وجوهاً أحدها : أنهم مختلفون في دلالة التوراة على نبوة المسيح ، فاليهود قالوا : إنها دالة على القدح في عيسى والنصارى قالوا إنها دالة على نبوته وثانيها : أن القوم اختلفوا في تأويل الآيات الدالة على نبوة محمد صلى الله عليه وسلم فذكر كل واحد منهم له تأويلاً آخر فاسداً لأن الشيء إذا لم يكن حقاً واجب القبول بل كان متكلفاً كان كل أحد يذكر شيئاً آخر على خلاف قول صاحبه ، فكان هذا هو الإختلاف وثالثها : ما ذكره أبو مسلم فقال : قوله : {اختلفوا} من باب افتعل الذي يكون مكان فعل ، كما يقال : كسب واكتسب ، وعمل واعتمل ، وكتب واكتتب ، وفعل وافتعل ، ويكون معنى قوله : {الذين اختلفوا فِى الكتاب} الذين خلفوا فيه أي توارثوه وصاروا خلفاء فيه كقوله : \r{فَخَلَفَ مِن بَعْدِهِمْ خَلْفٌ} [الأعراف : 169] وقوله : {إِنَّ فِى اختلاف اليل والنهار} [يونس : 6] أي كل واحد يأتي خلف الآخر ، وقوله : {وَهُوَ الذى جَعَلَ اليل والنهار خِلْفَةً لّمَنْ أَرَادَ أَن يَذَّكَّرَ} [الفرقان : 62] أي كل واحد منهما يخلف الآخر ، وفي الآية تأويل ثالث ، وهو أن يكون المراد بالكتاب جنس ما أنزل الله والمراد بالذين اختلفوا في الكتاب الذين اختلف قولهم في الكتاب ، فقبلوا بعض كتب الله وردوا البعض وهم اليهود والنصارى حيث قبلوا بعض كتب الله وهو التوراة والإنجيل وردوا الباقي وهو القرآن.\r","part":3,"page":215},{"id":1114,"text":"أما قوله : {لَفِى شِقَاقٍ بَعِيدٍ} ففيه وجوه أحدها : أن هؤلاء الذين يختلفون في كيفية تحريف التوراة والإنجيل لأجل عداوتك هم فيما بينهم في شقاق بعيد ومنازعة شديدة فلا ينبغي أن تلتفت إلى اتفاقهم على العداوة فإنه ليس فيما بينهم مؤالفة وموافقة وثانيها : كأنه تعالى يقول لمحمد هؤلاء وإن اختلفوا فيما بينهم فإنهم كالمتفقين على عداوتك وغاية المشاقة لك فلهذا خصهم الله بذلك الوعيد وثالثها : أن هؤلاء الذين اتفقوا على أصل التحريف واختلفوا في كيفية التحريف فإن كل واحد منهم يكذب صاحبه ويشاقه وينازعه ، وإذا كان كذلك فقد اعترفوا بكذبهم بقولهم فلا يكون قدحهم فيك قادحاً فيك ألبتة ، والله أعلم.\rأ هـ {مفاتيح الغيب حـ 5 صـ 30}\rفائدة\rووصف الشقاق بالبعيد مجاز عقلي أي بعيد صاحبُه عن الوفاق كقوله تعالى : {ولا يزالون مختلفين} [هود : 118]. أ هـ {التحرير والتنوير حـ 2 صـ 127}\rوقال أبو حيان : \rووصف الشقاق بالبعد ، إما لكونه بعيداً عن الحق ، أو لكونه بعيداً عن الألفة. أو كنى به عن الطول ، أي في معاداة طويلة لا تنقطع. وهذا الاختلاف هو سبب اعتقاد كل طائفة أن كتابها هو الحق ، وأن غيره افتراء ، وقد كذبوا في ذلك. كتب الله يشبه بعضها بعضاً ، ويصدق بعضها بعضاً. أ هـ {البحر المحيط حـ 1 صـ 670}\rوقال ابن عرفة : \rهم كلهم في شق واحد بعيد عن شق الحق ، ولا يؤخذ منه أن المصيب واحد لأنّ المراد المختلفين في الكتب/ من أهل البدع وكلهم على الباطل. أ هـ {تفسير ابن عرفة صـ 219}\rومن لطائف الإمام القشيرى فى الآية\rإن الذين آثروا الغَيْرَ على الغيب ، والخَلْقَ على الحقِّ ، والنَفْسَ على الأُنْسِ ، ما أقسى قلوبهم ، وما أوقح محبوبهم ومطلوبهم ، وما أخس قدرهم ، وما أفضح لذوي الأبصار أمرهم! ذلك بأن الله نَزَّل الكتاب بالحق ، وأمضى القضاء والحكم فيه بالصدق ، وأوصلهم إلى مَالَهُ أَهَّلَهُمْ ، وأثْبَتَهُم على الوجه الذي عليه جَبَلَهُمْ. أ هـ {لطائف الإشارات حـ 1 صـ 148}","part":3,"page":216},{"id":1115,"text":"قوله تعالى {لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آَمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآَتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآَتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ (177)}\rمناسبة الآية لما قبلها\rقال البقاعى : \rولما بين سبحانه وتعالى كفر أهل الكتاب الطاعنين في نسخ القبلة بتكذيب الرسول صلى الله عليه وسلم وكتمان الحق وغير ذلك إلى أن ختم بكفرهم بالاختلاف في الكتاب وكتمان ما فيه من مؤيدات الإسلام اتبعه الإشارة إلى أن أمر الفروع أحق من أمر الأصول لأن الفروع ليست مقصودة لذاتها ، والاستقبال الذي جعلوا من جملة شقاقهم أن كتموا ما عندهم من الدلالة على حقيته وأكثروا الإفاضة في عيب المتقين به ليس مقصوداً لذاته ، وإنما المقصود بالذات الإيمان فإذا وقع تبعته جميع الطاعات من الصلاة المشترط فيها الاستقبال وغيرها فقال تعالى : {ليس البر} أي الفعل المرضي الذي هو في تزكية النفس كالبر في تغذية البدن {أن تولوا وجوهكم} أي في الصلاة {قبل المشرق} الذي هو جهة مطالع الأنوار {والمغرب} الذي هو جهة أفوالها أي وغيرهما من الجهات المكانية ، فإن ذلك كله لله سبحانه وتعالى كما مضى عند أول اعتراضهم التصريح بنسبة الكل إليه {فأينما تولوا فثم وجه الله} [البقرة : 115 ]\r","part":3,"page":217},{"id":1116,"text":"ولما كان قد تبين للمتقين كما ذكر قبل ما يخرج عن الصراط المستقيم وحذروا منه ليجتنبوه عقبه بما يلزمهم ليعملوه فابتدأ من هنا بذكر الأحكام إلى قوله {آمن الرسول} [البقرة : 258] وبدأ ذلك بما بدأ به السورة وفصل لهم كثيراً مما كلفوه مما أجمله قبل ذلك ففصل الإيمان تفصيلاً لم يتقدم فقال : {ولكن البر من} أي إيمان من ، ولعله عبر بذلك إفهاماً لأن فاعل ذلك نفسه بر أي أنه زكى حتى صار نفس الزكاة {آمن بالله} الذي دعت إليه آية الوحدانية فأثبت له صفات الكمال ونزهه عن كل شائبة نقص مما على ذلك من دلائل أفعاله. ولما كان من أهم خلال الإيمان القدرة على البعث والتصديق به لأنه يوجب لزوم الخير والبعد عن الشر قال : {واليوم الآخر} الذي كذب به كثير من الناس فاختل نظامهم ببغي بعضهم على بعض ، فالأول مبرأ عن الأنداد وهذا مبعد عن أذى العباد.\rولما كان هذا إيمان الكمل وكان أكثر الناس نيام العقول لا يعرفون شيئاً إلا بالتنبيه وضُلال البصائر يفترقون إلى الهداية ذكر سبحانه وتعالى الهداة الذين جعلهم وسائط بينه وبين عباده بادئاً بالأول فالأول فقال : {والملائكة} أي الذين أقامهم فيما بينه وبين الناس وهم غيب محض {والكتاب} الذي ينزلون به على وجه لا يكون فيه ريب أعم من القرآن وغيره {والنبيين} الذين تنزل به عليهم الملائكة ، لكونهم خلاصة الخلق ، فلهم جهة ملكية يقدرون بها على التلقي من الملائكة لمجانستهم إياهم بها ، وجهة بشرية يتمكن الناس بها من التلقي منهم ، ولهم من المعاني الجليلة الجميلة التي صرفهم الله فيها بتكميل أبدانهم وأرواحهم ما لا يعلمه إلا هو فعليهم الصلاة والسلام والتحية والإكرام.","part":3,"page":218},{"id":1117,"text":"قال الحرالي : ففيه أي الإيمان بهم وبما قبلهم قهر النفس للإذعان لمن هو من جنسها والإيمان بغيب من ليس من جنسها ليكون في ذلك ما يزع النفس عن هواها - انتهى. وكذا فضل سبحانه وتعالى الصدقة ، وفي تعقيب الإيمان بها إشعار بأنها المصدقة له فمن بخل بها كان مدعياً للإيمان بلا بينة ، وإرشاد إلى أن في بذلها سلامة من فتنة المال {إنما أموالكم وأولادكم فتنة} [التغابن : 15] لأن من آمن وتصدق كان قد أسلم لله روحه وماله الذي هو عديل روحه فصار عبد الله حقاً ، وفي ذلك إشارة إلى الحث على مفارقة كل محبوب سوى الله سبحانه وتعالى في الله. قال الحرالي : فمن ظن أن حاجته يسدها المال فليس براً ، إنما البر الذي أيقن أن حاجته إنما يسدها ربه ببره الخفي - انتهى. فلذلك قال : {وآتى المال} أي الذي أباحه بعد جعله دليلاً عليه كرم نفس وتصديق إيمان بالاعتماد في الخلف على من ضمن الرزق وهو على كل شيء قدير ؛ وأشار إلى أن شرط الإيمان به إيثاره سبحانه وتعالى على كل شيء بقوله : {على حبه} أي إيتاء عالياً فيه حب الله على حبه المال إشارة إلى التصدق في حال الصحة والشح بتأميل الغنى وخشية الفقر ؛ وأشار إلى أنه لوجهه لا لما كانوا يفعلونه في الجاهلية من التفاخر فقال : {ذوي القربى} أي لأنهم أولى الناس بالمعروف لأن إيتاءهم صدقة وصلة {واليتامى} من ذوي القربى وغيرهم لأنهم أعجز الناس {والمساكين} لأنهم بعدهم في العجز ويدخل فيهم الفقراء بالموافقة {وابن السبيل} لعجزهم بالغربة ، وإذا جعلنا ذلك أعم من الحال والمآل دخل فيه الغازي {والسآئلين} لأن الأغلب أن يكون سؤالهم عن حاجة ويدخل الغارم {وفي الرقاب} قال الحرالي : جمع رقبة وهو ما ناله الرق من بني آدم فالمراد الرقاب المسترقة التي يرام فكها بالكتابة وفك الأسرى منه ، وقدم عليهم أولئك لأن حاجتهم لإقامة البينة.","part":3,"page":219},{"id":1118,"text":"ولما ذكر سبحانه وتعالى مواساة الخلق وقدمها حثاً على مزيد الاهتمام بها لتسمح النفس بما زين لها حبه من المال اتبعها حق الحق فقال : {وأقام الصلاة} التي هي أفضل العبادات البدنية ولا تكون إلا بعد سد أود الجسد ولا تكون إقامتها إلا بجميع حدودها والمحافظة عليها. ولما ذكر ما يزكي الروح بالمثول بين يدي الله سبحانه وتعالى والتقرب بنوافل الصدقات ذكر ما يطهر المال وينميه وهو حق الخلق فقال : {وآتى الزكاة} وفي الاقتصار فيها على الإيتاء إشعار بأن إخراج المال على هذا الوجه لا يكون إلا من الإخلاص.\rولما أتم الإيمان وما يصدق دعواه في الجملة شرع في كمال ذلك فعطف على أول الكلام ما دل بعطفه كذلك على أنه مقصود لذاته فإنه جامع لدخوله في جميع ما تقدمه فقال : {والموفون بعهدهم} قال الحرالي : من الإيفاء وهو الأخذ بالوفاء نجاز الموعود في أمر المعهود - انتهى.\rوبين قوله : {إذا عاهدوا} أن المطلوب ما ألزموا أنفسهم به للحق أو الخلق تصريحاً بما أفهمه ما قبله. ولما قطع الوفاء تعظيما له لدخوله فيما قبل فعل كذلك في الصبر لذلك بعينه فقال : {والصابرين} وفيه رمز إلى معاملته بما كان من حقه لو عطف على {من آمن} لو سيق على الأصل. قال الحرالي : وفيه إشعار بأن من تحقق بالصبر على الإيثار فكان شاكراً تحقق منه الصبر في الابتلاء والجهاد تأييداً من الله سبحانه وتعالى لمن شكره ابتداء بإعانته على الصبر والمصابرة انتهاء ، كأنه لما جاد بخير الدنيا على حبه أصابه الله ببلائها تكرمة له ليوفيه حظه من مقدوره في دنياه فيكون ممن يستريح عند موته وبأنه إن جاهد ثبت بما يحصل في نفس الشاكر الصابر من الشوق إلى لقاء الله سبحانه وتعالى تبرؤاً من الدنيا وتحققاً بمنال الخير من الله - انتهى.","part":3,"page":220},{"id":1119,"text":"وعين أشد ما يكون الصبر فيه فقال : {في البأسآء} أي عند حلول الشدة بهم في أنفسهم من الله سبحانه وتعالى بلا واسطة أو منه بواسطة العباد {والضرآء} بحصول الضر في أموالهم وبقية أحوالهم من احتقار الناس لهم ونحوه ، وفسرها في القاموس بالشدة والنقص في الأموال والأنفس فهو حينئذ أعم ليكون الأخص مذكوراً مرتين.\rأ هـ {نظم الدرر حـ 1 صـ 322 ـ 324}\rفصل في اختلافهم في عموم هذا الخطاب وخصوصه.\rقال الفخر : \rاختلف العلماء في أن هذا الخطاب عام أو خاص فقال بعضهم : أراد بقوله : {لَّيْسَ البر} أهل الكتاب لما شددوا في الثبات على التوجه نحو بيت المقدس فقال تعالى : ليس البر هذه الطريقة ولكن البر من آمن بالله وقال بعضهم : بل المراد مخاطبة المؤمنين لما ظنوا أنهم قد نالوا البغية بالتوجه إلى الكعبة من حيث كانوا يحبون ذلك فخوطبوا بهذا الكلام ، وقال بعضهم بل هو خطاب للكل لأن عند نسخ القبلة وتحويلها حصل من المؤمنين الإغتباط بهذه القبلة وحصل منهم التشدد في تلك القبلة حتى ظنوا أنه الغرض الأكبر في الدين فبعثهم الله تعالى بهذا الخطاب على استيفاء جميع العبادات والطاعات ، وبين أن البر ليس بأن تولوا وجوهكم شرقاً وغرباً ، وإنما البر كيت وكيت ، وهذا أشبه بالظاهر إذ لا تخصيص فيه فكأنه تعالى قال : ليس البر المطلوب هو أمر القبلة ، بل البر المطلوب هذه الخصال التي عدها. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 5 صـ 31}\rقوله تعالى {لَّيْسَ البر }","part":3,"page":221},{"id":1120,"text":"قرأ حمزة وحفص عن عاصم {لَّيْسَ البر} بنصب الراء ، والباقون بالرفع ، قال الواحدي : وكلا القراءتين حسن لأن اسم {لَّيْسَ} وخبرها اجتمعا في التعريف فاستويا في كون كل واحد منهما اسماً ، والآخر خبراً ، وحجة من رفع {البر} أن اسم {لَّيْسَ} مشبه بالفاعل ، وخبرها بالمفعول ، والفاعل بأن يلي الفعل أولى من المفعول ، ومن نصب {البر} ذهب إلى أن بعض النحويين قال : {أن} مع صلتها أولى أن تكون اسم {لَّيْسَ} لشبهها بالمضمر في أنها لا توصف كما لا يوصف المضمر ، فكان ههنا اجتمع مضمر ومظهر ، والأولى إذا اجتمعا أن يكون المضمر الاسم من حيث كان أذهب في الاختصاص من المظهر ، وعلى هذا قرىء في التنزيل قوله : {كَانَ عاقبتهما أَنَّهُمَا فِى النار} [الحشر : 12] وقوله : {مَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلا أَن قَالُواْ} [الأعراف : 82] {وَمَا كَانَ حُجَّتَهُمْ إِلاَّ أَن قَالُواْ} [الجاثية : 25] والاختيار رفع البر (1) ؛ لأنه روي عن ابن مسعود أنه قرأ : {لَّيْسَ البر بِأَنَّ} والباء تدخل في خبر ليس. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 5 صـ 31}\r____________________\r(1) هذا القول فيه نظر لأن القراءة بنصب {البر} قراءة متواترة كالقراءة بالرفع. والله أعلم.","part":3,"page":222},{"id":1121,"text":"وقال ابن عادل : \rقرأ الجُمْهُور برفع \" البِرُّ \" وحمزة ، وحفصٌ عن عاصم بنصبه ، فقراءةُ الجُمْهُور على أنَّه اسمُ \" لَيْسَ \" و\" أَنْ تُولُّوا \" خبرها في تأويل مصدّرٍ ، أي : ليس البِرُّ تَوْلِيَتكُمْ ، ورجِّحت هذه القراءةُ مِنْ حيث إنَّه ولي الفعل مرفوعة قَبْل منصوبه ، وأَمَّا قراءة حمزة وحَفْصٍ ف \" البرُّ \" الخبرٌ مقدَّمٌ ، و\" أَنْ تُوَلُّوا \" اسمُها في تأويل مصدرٍ ، ورجِّحت هذه القراءة بأنَّ المصدر المؤَوَّل أعرفُ من المحلَّى بالألف واللام ؛ لأنَّهُ يشبه الضَّمير ، من حيث إِنَّهُ لا يوصَفُ ؛ ولا يوصف به ، والأعْرَفُ ينبغي أنْ يُجْعَل الاسْمَ وغيْر الأعْرَفِ الخَبَرِ ؛ وتقديمُ خَبَر \" لَيْسَ \" على اسمها قليلٌ ؛ حتى زَعَم منْعَهُ جماعةٌ [منْهم ابنُ دَرَسْتَوَيْهِ ، قال : لأنَّها تشبه \" مَا \" المجازيَّة ولأَنَّها حرفٌ على قول جماعةٍ ، لكنه] محجوج بهذه القراءة المتواترة ، وبقول الشاعر [الطويل ]\r910 - سَلِي إِنْ جَهِلْتِ النَّاسَ عَنَّا وَعَنْهُمْ... فَلَيْسَ سَوَاءَ عَاِمٌ وَجَهُولُ\rوقال آخر : [الطويل ]\r911 - أَلَيْسَ عَظِيماً أَنْ تُلِمُ مُلِمَّةٌ... وَلَيْسَ عَلَيْنَا فِي الخُطُوبِ مُعَوَّلُ\rوفي مصحف أُبَيٍّ ، وعبْد الله \" بِأَنْ تُوَلُّوا \" بزيادةِ الباء ، وهي واضحة ؛ فإن الباء تزادُ في خبر \" لَيْسَ \" كثيراً. أ هـ {تفسير ابن عادل حـ 3 صـ 191}\rوقال العلامة ابن عاشور : ","part":3,"page":223},{"id":1122,"text":"وقرأ الجمهور {ليس البرُّ} برفع {البر} على أنه اسم {ليس} والخبر هو {أَن تُولُّوا} وقرأه حمزة وحفص عن عاصم بنصب {البرَّ} على أن قوله : {أن تولوا} اسمُ {ليس} مؤخر ، ويكثر في كلام العرب تقديم الخبر على الاسم في باب كان وأخواتها إذا كان أحد معمولي هذا الباب مركباً من أنْ المصدرية وفعلِها كان المتكلم بالخيار في المعمول الآخر بين أن يرفعه وأن ينصبه وشأن اسم {ليس} أن يكون هو الجدير بكونه مبتدأ به ، فوجه قراءة رفع {البر} أن البر أمر مشهور معروف لأهل الأديان مرغوب للجميع فإذا جعل مبتدأ في حالة النفي أصغت الأسماع إلى الخبر ، وأما توجيه قراءة النصب فلأن أمر استقبال القبلة هو الشغل الشاغل لهم فإذا ذُكر خبره قبلهُ ترقب السامع المبتدأ فإذا سمعه تقرر في علمه.\rأ هـ {التحرير والتنوير حـ 2 صـ 128 ـ 129}\rالبر اسم جامع للطاعات ، وأعمال الخير المقربة إلى الله تعالى ، ومن هذا بر الوالدين ، قال تعالى : {إِنَّ الأبرار لَفِى نَعِيمٍ * وَإِنَّ الفجار لَفِى جَحِيمٍ} [الانفطار : 13ـ 14] فجعل البر ضد الفجور وقال : {وَتَعَاوَنُواْ عَلَى البر والتقوى وَلاَ تَعَاوَنُواْ عَلَى الإثم والعدوان} [المائدة : 2] فجعل البر ضد الإثم فدل على أنه اسم عام لجميع ما يؤجر عليه الإنسان وأصله من الاتساع ومنه البر الذي هو خلاف البحر لاتساعه. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 5 صـ 32}\rوقال فى التحرير والتنوير : \rالبِرّ سعة الإحسان وشدة المرضاة والخير الكامل الشامل ولذلك توصف به الأفعال القوية الإِحسان فيقال : بر الوالدين وبر الحج وقال تعالى : {لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون} [آل عمران : 92] ، والمراد به هنا بر العبد ربه بحسن المعاملة في تلقي شرائعه وأوامره.","part":3,"page":224},{"id":1123,"text":"ونفيُ البر عن استقبال الجهات مع أن منها ما هو مشروع كاستقبال الكعبة : إما لأنه من الوسائل لا من المقاصد فلا ينبغي أن يكون الاشتغال به قصارى همة المؤمنين ولذلك أسقطه الله عن الناس في حال العجز والنسيان وصلوات النوافل على الدابة في السفر ، ولذلك قال : {ولكن البر من آمن} إلخ فإن ذلك كله من أهم مقاصد الشريعة وفيه جماع صلاح النفس والجماعة. أ هـ {التحرير والتنوير حـ 2 صـ 128}\rفصل في المشار إليه بالضمير\rقال القفال : قد قيل في نزول هذه الآية أقوال ، والذي عندنا أنه أشار إلى السفهاء الذين طعنوا في المسلمين وقالوا : ما ولاهم عن قبلتهم التي كانوا عليها مع أن اليهود كانوا يستقبلون المغرب ، والنصارى كانوا يستقبلون المشرق ، فقال الله تعالى : إن صفة البر لا تحصل بمجرد استقبال المشرق والمغرب ، بل البر لا يحصل إلا عند مجموع أمور أحدها : الإيمان بالله وأهل الكتاب أخلوا بذلك ، أما اليهود فقولهم : بالتجسيم ولقولهم : بأن عزيراً ابن الله ، وأما النصارى ، فقولهم : المسيح ابن الله ، ولأن اليهود وصفوا الله تعالى بالبخل ، على ما حكى الله تعالى ذلك عنهم بقوله : {قَالُواْ إِنَّ الله فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاء} [آل عمران : 181] وثانيها : الإيمان باليوم الآخر واليهود أخلوا بهذا الإيمان حيث قالوا : {وَقَالُواْ لَن يَدْخُلَ الجنة إِلاَّ مَن كَانَ هُودًا أَوْ نصارى} [البقرة : 111] وقالوا : {لَن تَمَسَّنَا النار إِلاَّ أَيَّامًا مَّعْدُودَةً} [البقرة : 80] والنصارى أنكروا المعاد الجسماني ، وكل ذلك تكذيب باليوم الآخر وثالثها : الإيمان بالملائكة ، واليهود أخلوا ذلك حيث أظهروا عداوة جبرل عليه السلام ورابعها : الإيمان بكتب الله ، واليهود والنصارى قد أخلوا بذلك ، لأن مع قيام الدلالة على أن القرآن كتاب الله ردوه ولم يقبلوه قال تعالى : ","part":3,"page":225},{"id":1124,"text":"{وَإِن يَأْتُوكُمْ أسارى تفادوهم وَهُوَ مُحَرَّمٌ عَلَيْكُمْ إِخْرَاجُهُمْ أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الكتاب وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ} [البقرة : 85] وخامسها : الإيمان بالنبيين واليهود أخلوا بذلك حيث قتلوا الأنبياء ، على ما قال تعالى : {وَيَقْتُلُونَ النبيين بِغَيْرِ الحق} [البقرة : 61] وحيث طعنوا في نبوة محمد صلى الله عليه وسلم وسادسها : بذل الأموال على وفق أمر الله سبحانه واليهود وأخلوا بذلك لأنهم يلقون الشبهات لطلب المال القليل كما قال {واشتروا بِهِ ثَمَناً قَلِيلاً} [البقرة : 187] وسابعها : إقامة الصلوات والزكوات واليهود كانوا يمنعون الناس منها وثامنها : الوفاء بالعهد ، واليهود نقضوا العهد حيث قال : {أَوْفُواْ بِعَهْدِى أُوفِ بِعَهْدِكُمْ} [البقرة : 40 ]\rأ هـ {مفاتيح الغيب حـ 5 صـ 33}","part":3,"page":226},{"id":1125,"text":"ههنا سؤال : وهو أنه تعالى نفى أن يكون التوجه إلى القبلة براً ثم حكم بأن البر مجموع أمور أحدها الصلاة ولا بد فيها من استقبال فيلزم التناقض ولأجل هذا السؤال اختلف المفسرون على أقوال الأول : أن قوله : {لَّيْسَ البر} نفي لكمال البر وليس نفياً لأصله كأنه قال ليس البر كله هو هذا ، البر اسم لمجموع الخصال الحميدة واستقبال القبلة واحد منها ، فلا يكون ذلك تمام البر الثاني : أن يكون هذا نفياً لأصل كونه براً ، لأن استقبالهم للمشرق والمغرب كان خطأ في وقت النفي حين ما نسخ الله تعالى ذلك ، بل كان ذلك إثماً وفجوراً لأنه عمل بمنسوخ قد نهى الله عنه ، وما يكون كذلك فإنه لا يعد في البر الثالث : أن استقبال القبلة لا يكون براً إذا لم يقارنه معرفة الله ، وإنما يكون براً إذا أتي به مع الإيمان ، وسائر الشرائط كما أن السجدة لا تكون من أفعال البر ، إلا إذا أتي بها مع الإيمان بالله ورسوله ، فأما إذا أتي بها بدون هذا الشرط ، فإنها لا تكون من أفعال البر ، روي أنه لما حولت القبلة كثر الخوض في نسخها وصار كأنه لا يراعي بطاعة الله إلا الإستقبال ، فأنزل الله تعالى هذه الآية كأنه تعالى قال ما هذا الخوض الشديد في أمر القبلة مع الإعراض عن كل أركان الدين. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 5 صـ 33}\rقوله تعالى {ولكن البر مَنْ آمَنَ بالله }\rقال ابن عادل : \rقوله {ولكن البر مَنْ آمَنَ بالله} في هذه الآية خَمْسَة أوجه : \rأحدها : أن \" البِرَّ \" اسم فاعل من : بَرَّ يَبَرُّ ، فهو \" برُّ \" والأصل : \" بَرِرٌ \" بكسر الراء الأولى بزنة \" فطِنٍ \" فلمَّا أريد الإدغام ، نقلت كسرة الرَّاء إلى الباء بعد سكبها حركتها ؛ فعلى هذه القراءة : لا يحتاج الكلام إلى حذف وتأويلٍ ؛ لأنَّ البِرَّ من صفات الأعيان ؛ كأنه قيل : \" وَلكِنَّ الشخْصَ البِرَّ مَنْ آمن \".","part":3,"page":227},{"id":1126,"text":"الثاني : أنَّ في الكلام حذف مضافٍ من الأوَّل ، تقديره : \" ولكنَّ ذا البِرِّ من آمن \" ؛ كقوله تعالى : {والعاقبة للتقوى} [طه : 132] أي : لذي التقوى ؛ وقوله {هُمْ دَرَجَاتٌ عِندَ الله والله} [آل عمران : 163] أي : ذوو درجاتٍ ، قاله الزَّجَّاج.\rالثالث : أن يكون الحذف من الثاني : أي : \" وَلكِنَّ البِرَّ بِرُّ مَنْ آمَنَ \" وهذا تخريجُ سيبويه ، واختياره ، وإنَّما اختاره ؛ لأنَّ السابق ، إنَّما هو نفي كون البِرِّ هو تولية الوجهِ قبل المشرق والمغرب ، فالذي يستدركُ ، إنَّما هو من جنس ما ينفى ؛ ونظير ذلك : \" لَيْسَ الكَرَمُ أنْ تَبْذُلَ دِرْهَماً ، ولكَّن الكَرَمَ بذل الآلاَفِ \" ولا يناسبُ : \" ولكِنَّ الكَرِيمَ مَنْ يَبْذُلُ الآلاَفَ \" وحذف المضاف كثيرٌ في الكلام ، كقوله : {وَأُشْرِبُواْ فِي قُلُوبِهِمُ العجل} [البقرة : 93] ، أي : حُبَّ العجل ، ويقولون : الجود حاتم ، والشعير زهير ، والشجاعة عنترة ، [وقال الشاعر : [الطويل ]\rفَإِنَّما هِيَ إقْبَالٌ وَإِدْبَارُ\rأي : ذات إقبالٍ ، وذات إدبار.\rوقال النَّابغة : [المتقارب ]\r913 - وَكَيْفَ نُوَاصِلُ مَنْ أَصْبَحَتْ... خِلاَلَتُهُ كَأَبِي مَرْحَبِ\rأي : كخلالة أبي مرحب] ، وهذا اختيار الفرَّاء ، والزَّجَّاج ، وقطرب.\rوقال أبو عليٍّ : ومثل هذه الآية الكريمة قوله : {أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الحاج} [التوبة : 19] ، ثم قال : {كَمَنْ آمَنَ بالله} [التوبة : 19] ؛ ليقع التمثيل بين مصدرين ، أو بين فاعلين ؛ إذ لا يقع التمثيل بين مصدرٍ ، وفاعلٍ.\rالرابع : أن يطلق المصدر على الشَّخص مبالغةً ؛ نحو : رجل عدل.\rويحكى عن المبرِّد : \" لو كنت ممَّن يقرأ القرآن ، لقرأت \" وَلَكِنَّ البَرَّ \" بفتح الباء \" وإنَّما قال ذلك ؛ لأن \" البَرَّ \" اسم فاعل ، نقول بَرَّ يَبَرُّ ، فهو بَارٌّ ، فتارة تأتي به على فاعل ، وتارة على فعل.","part":3,"page":228},{"id":1127,"text":"الخامس : أن المصدر وقع موقع اسم الفاعل ، نحو : رجل عدلٌ ، أي : عادل ، كما قد يقع اسم الفاعل موقعه ، نحو : أقائماً ، وقد قعد الناس ؛ في قولٍ ، هذا رأي الكوفيين ، والأولى فيه ادِّعاء أنه محذوفٌ من فاعلٍ ، وأن أصله : بارٌّ ، فجعل \" برّاً \" ، وأصله كـ \" سِرٍّ \" ، و\" رَبٌّ \" أصله \" رابٌّ \" ، وقد تقدم.\rوجعل الفراء \" مَنْ آمَنَ \" واقعاً موقع الإيمان ، فأوقع اسم الشخص على المعنى كعكسه ؛ كأنه قال : \" وَلَكِنَّ البِرَّ الإيمانُ باللَّهِ \" قال : والعَرَبُ تجعل الاسم خبراً للفعل ، وأنشد في ذلك : [الطويل ]لَعَمْرُكَ مَا الفِتْيَانُ أَنْ تَنْبُتَ اللِّحَى... وَلَكِنَّمَا الفِتْيَانُ كُلُّ فَتًى نَدِي\rجعل نبات اللحية خبراً للفتيان ، والمعنى : لعمرك ما الفتوَّة أن تنبت اللِّحى.\rوقرأ نافعٌ ، وابن عامر : \" وَلَكِن البِرُّ \" هنا وفيما بعد بتخفيف \" لَكِنْ \" وبرفع \" البِرُّ \" ، والباقون بالتَّشديد ، والنَّصب ، وهما واضحتان ممَّا في قوله : {ولكن الشياطين كَفَرُواْ} [البقرة : 102].\rوقرئ : \" وَلِكنَّ البَارَّ \" بالألف ، وهي تقوِّي أنَّ \" البِرَّ \" بالكسر المراد به اسم الفاعل ، لا المصدر.\rقال أبو عُبَيْدَةَ : \" البِرُ \" هاهنا بمعنى البَارِّ ، كقوله : {والعاقبة للتقوى} [طه : 132] أي : للمتَّقين ، ومنه قوله تعالى : {إِنْ أَصْبَحَ مَآؤُكُمْ غَوْراً} [الملك : 30] أي : غائراً ، وقالت الخنساء : [البسيط ]\rوَإِنَّمَا هِيَ إقْبَالٌ وَإِدْبَارُ... أي : مقبلة ومدبرة والعمل لكل خير هو بر ، وقيل : البر : كل عمل خير يفضي بصاحبه إلى الجنة ، قال تعالى : {إِنَّ الأبرار لَفِي نَعِيمٍ} [الإنسان : 13 ]. أ هـ {تفسير ابن عادل حـ 3 صـ 195 ـ 197}\rوقال الآلوسى :","part":3,"page":229},{"id":1128,"text":"{ولكن البر مَنْ ءامَنَ بالله} تحقيق للحق بعد بيان بطلان الباطل ، وال في البر إما للجنس فيكون القصر ادعائياً لكمال ذلك الجنس في هذا الفرد ، وإما للعهد أي ما ينبغي أن يهتم به ويعتني بشأنه ويجد في تحصيله ، والكلام على حذف مضاف أي برّ من آمن إذ لا يخبر بالجثة عن المعنى ويجوز أن لا يرتكب الحذف ويجعل المصدر بمعنى اسم الفاعل أو يقال باطلاق البر على البار مبالغة ، والأول أوفق لقوله : {لَّيْسَ البر} وأحسن في نفسه لأنه كنزع الخف عند الوصول إلى الماء ولأن المقصود من كون ذي البر من آمن إفادة أن البر إيمانه فيؤول إلى الأول. أ هـ {روح المعانى حـ 2 صـ 45}\rفوائد ونفائس وأسئلة وأجوبة\rقال الفخر :\rاعلم أن الله تعالى اعتبر في تحقق ماهية البر أموراً الأول : الإيمان بأمور خمسة أولها : الإيمان بالله ، ولن يحصل العلم بالله إلا عند العلم بذاته المخصوصة والعلم بما يجب ويجوز ويستحيل عليه ، ولن يحصل العلم بهذه الأمور إلا عند العلم بالدلالة الدالة عليها فيدخل فيه العلم بحدوث العالم ، والعلم بالأصول التي عليها يتفرع حدوث العالم ، ويدخل في العلم بما يجب له من الصفات العلم بوجوده وقدمه وبقائه ، وكونه عالماً بكل المعلومات ، قادراً على كل الممكنات حياً مريداً سمعياً بصيراً متكلماً ، ويدخل في العلم بما يستحيل عليه العلم بكونه منزهاً عن الحالية والمحلية والتحيز والعرضية ، ويدخل في العلم بما يجوز عليه اقتداره على الخلق والإيجاد وبعثة الرسل وثانيها : الإيمان باليوم الآخر ، وهذا الإيمان مفرع على الأول ، لأنا ما لم نعلم كونه تعالى عالماً بجميع المعلومات ولم نعلم قدرته على جميع الممكنات لا يمكننا أن نعلم صحة الحشر والنشر وثالثها : الإيمان بالملائكة ورابعها : الإيمان بالكتب وخامسها : الإيمان بالرسل ، وههنا سؤالات :","part":3,"page":230},{"id":1129,"text":"السؤال الأول : إنه لا طريق لنا إلى العلم بوجود الملائكة ولا إلى العلم بصدق الكتب إلا بواسطة صدق الرسل ، فإذا كان قول الرسل كالأصل في معرفة الملائكة والكتب فلم قدم الملائكة والكتب في الذكر على الرسل ؟ .\rالجواب : أن الأمل وإن كان كما ذكرتموه في عقولنا وأفكارنا ، إلا أن ترتيب الوجود على العكس من ذلك ، لأن الملك يوجد أولاً ، ثم يحصل بواسطة تبليغة نزول الكتب ، ثم يصل ذلك الكتاب إلى الرسول ، فالمراعي في هذه الآية ترتيب الوجود الخارجي ، لا ترتيب الاعتبار الذهني.\rالسؤال الثاني : لم خص الإيمان بهذه الأمور الخمسة ؟ \rالجواب : لأنه دخل تحتها كل ما يلزم أن صدق به ، فقد دخل تحت الإيمان بالله : معرفته بتوحيده وعدله وحكمته ، ودخل تحت اليوم الآخر : المعرفة بما يلزم من أحكام الثواب والعقاب والمعاد ، إلى سائر ما يتصل بذلك ، ودخل تحت الملائكة ما يتصل بأدائهم الرسالة إلى النبي صلى الله عليه وسلم ليؤديها إلينا إلى غير ذلك مما يجب أن يعلم من أحوال الملائكة ، ودخل تحت الكتاب القرآن ، وجميع ما أنزل الله على أنبيائه ، ودخل تحت النبيين الإيمان بنبوتهم ، وصحة شرائعهم ، فثبت أنه لم يبق شيء مما يجب الإيمان به إلا دخل تحت هذه الآية ، وتقرير آخر : وهو أن للمكلف مبدأ ووسطاً ونهاية ، ومعرفة المبدأ والمنتهي هو المقصود بالذات ، وهو المراد بالإيمان بالله واليوم الآخر ، وأما معرفة مصالح الوسط فلا تتم إلا بالرسالة وهي لا تتم إلا بأمور ثلاثة : الملائكة الآتين بالوحي ، ونفس ذلك الوحي وهو الكتاب ، والموحى إليه وهي الرسول ؟ \rالسؤال الثالث : لم قدم هذا الإيمان على أفعال الجوارح ، وهو إيتاء المال ، والصلاة ، والزكاة.\rالجواب : للتنبيه على أن أعمال القلوب أشرف عند الله من أعمال الجوارح. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 5 صـ 35}\rسؤال : ما نوع {أل} فى قوله {والكتاب }","part":3,"page":231},{"id":1130,"text":"وتعريف {والكتاب} تعريف الجنس المفيد للاستغراق أي آمن بكُتب الله مثل التوراة والإنجيل والقرآن ، ووجه التعبير بصيغة المفرد أنها أخف مع عدم التباس التعريف بأن يكون للعهد ؛ لأن عطف (النبيين) على (الكتاب) قرينة على أن اللام في (الكتاب) للاستغراق فأوثرت صيغة المفرد طلباً لخفة اللفظ. وما يُظن من أن استغراق المفرد المعرف باللام أشمل من استغراق الجمع المعرف بها ليس جارياً على الاستعمال. أ هـ {التحرير والتنوير حـ 2صـ 129}\rقوله تعالى {وآتى المال على حبه}\rقال الفخر : \rالأمر الثاني من الأمور المعتبرة في تحقق مسمى البر قوله : {وآتى المال على حبه} وفيه مسائل : ","part":3,"page":232},{"id":1131,"text":"المسألة الأولى : اختلفوا في أن الضمير في قوله : {على حُبّهِ} إلى ماذا يرجع ؟ وذكروا فيه وجوهاً الأول : وهو قول الأكثرين أنه راجع إلى المال ، والتقدير : وآتى المال على حب المال ، قال ابن عباس وابن مسعود : وهو أن تؤتيه وأنت صحيح شحيح ، تأمل الغنى ، وتخشى الفقر ، ولا تمهل حتى إذا بلغت الحلقوم قلت : لفلان كذا ولفلان كذا ، وهذا التأويل يدل على أن الصدقة حال الصحة أفضل منها عند القرب من الموت ، والعقل يدل على ذلك أيضاً من وجوه أحدها : أن عند الصحة يحصل ظن الحاجة إلى المال وعند ظن قرب الموت يحصل ظن الاستغناء عن المال ، وبذل الشيء عند الاحتياج إليه أدل على الطاعة من بذله عند الاستغناء عنه على ما قال : {لَن تَنَالُواْ البر حتى تُنفِقُواْ مِمَّا تُحِبُّونَ} [آل عمران : 92] وثانيها : أن إعطاءه حال الصحة أدل على كونه متيقناً بالوعد والوعيد من إعطاءه حال المرض والموت وثالثها : أن إعطاءه حال الصحة أشق ، فيكون أكثر ثواباً قياساً على ما يبذله الفقير من جهد المقل فإنه يزيد ثوابه على ما يبذله الغني ورابعها : أن من كان ماله على شرف الزوال فوهبه من أحد مع العلم بأنه لو لم يهبه لضاع فإن هذه الهبة لا تكون مساوية لما إذا لم يكن خائفاً من ضياع المال ثم إنه وهبه منه طائعاً وراغباً فكذا ههنا وخامسها : أنه متأيد بقوله تعالى : {لَن تَنَالُواْ البر حتى تُنفِقُواْ مِمَّا تُحِبُّونَ} [آل عمران : 92] وقوله : {وَيُطْعِمُونَ الطعام على حُبّهِ} [الإنسان : 80] أي على حب الطعام ، وعن أبي الدرداء أنه صلى الله عليه وسلم قال : \" مثل الذي تصدق عند الموت مثل الذي يهدي بعدما شبع \"\rالقول الثاني : أن الضمير يرجع إلى الإيتاء كأنه قيل : يعطي ويحب الإعطاء رغبة في ثواب الله.\rالقول الثالث : أن الضمير عائد على اسم الله تعالى ، يعني يعطون المال على حب الله أي على طلب مرضاته.(1)\r____________________\r(1) واستدل الجصاص لهذا الوجه بقوله تعالى {قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني}{ أحكام القرآن للجصاص ـ حـ 1 صـ 162}","part":3,"page":233},{"id":1132,"text":"المسألة الثانية : اختلفوا في المراد من هذا الإيتاء فقال قوم : إنها الزكاة وهذا ضعيف وذلك لأنه تعالى عطف الزكاة عليه بقوله : {وأقام الصلاة وآتى الزكاة} ومن حق المعطوف والمعطوف عليه أن يتغايرا ، فثبت أن المراد به غير الزكاة ، ثم إنه لا يخلوا إما أن يكون من التطوعات أو من الواجبات ، لا جائز أن يكون من التطوعات لأنه تعالى قال في آخر الآية : {أُولَئِكَ الذين صَدَقُوا وَأُولَئِكَ هُمُ المتقون} وقف التقوى عليه ، ولو كان ذلك ندباً لما وقف التقوى عليه ، فثبت أن هذا الإيتاء ، وإن كان غير الزكاة إلا أنه من الواجبات ثم فيه قولان : \rالقول الأول : أنه عبارة عن دفع الحاجات الضرورية مثل إطعام المضطر ، ومما يدل على تحقق هذا الوجوب النص والمعقول ، أما النص فقوله عليه الصلاة والسلام \" لايؤمن بالله واليوم الآخر من بات شبعاناً وجاره طاو إلى جنبه \" وروي عن فاطمة بنت قيس : أن في المال حقاً سوى الزكاة ، ثم تلت {وآتى المال على حبه} وحكي عن الشعبي أنه سئل عمن له مال فأدى زكاته فهل عليه شيء سواه ؟ فقال : نعم يصل القرابة ، ويعطي السائل ، ثم تلا هذه الآية ، وأما العقل فإنه لا خلاف أنه إذا انتهت الحاجة إلى الضرورة ، وجب على الناس أن يعطوه مقدار دفع الضرورة وإن لم تكن الزكاة واجبة عليهم ، ولو امتنعوا من الإعطاء جاز الأخذ منهم قهراً ، فهذا يدل على أن هذا الإيتاء واجب ، واحتج من طعن في هذا القول بما روي عن علي رضي الله عنه أنه قال : إن الزكاة نسخت كل حق.","part":3,"page":234},{"id":1133,"text":"والجواب : من وجوه الأول : أنه معارض بما روي أنه عليه الصلاة والسلام قال : \" في المال حقوق سوى الزكاة \" وقول الرسول أولى من قول علي الثاني : أجمعت الأمة على أنه إذا حضر المضطر فإنه يجب أن يدفع إليه ما يدفع الضرر ، وإن كان قد أدى الزكاة بالكمال الثالث : المراد أن الزكاة نسخت الحقوق المقدرة ، أما الذي لا يكون مقدراً فإنه غير منسوخ بدليل أنه يلزم التصدق عند الضرورة ، ويلزم النفقة على الأقارب ، وعلى المملوك ، وذلك غير مقدر ، فإن قيل : هب أنه صح هذا التأويل لكن ما الحكمة في هذا الترتيب ؟ قلنا فيه وجوه أحدها : أنه تعالى قدم الأولى فالأولى لأن الفقير إذا كان قريباً فهو أولى بالصدقة من غيره من حيث أنه يكون ذلك جامعاً بين الصلة والصدقة ، ولأن القرابة من أوكد الوجوه في صرف المال إليه وذلك يستحق به الإرث ويحجر بسببه على المالك في الوصية ، حتى لا يتمكن من الوصية إلا في الثلث ، ولذلك كانت الوصية للأقارب من الواجبات على ما قال {كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الموت }","part":3,"page":235},{"id":1134,"text":"[ آل عمران : 180] الآية ، وإن كانت تلك الوصية قد صارت منسوخة إلا عند بعضهم ، فلهذه الوجوه قدم ذا القربى ، ثم أتبعه تعالى باليتامى ، لأن الصغير الفقير الذي لا والد له ولا كاسب فهو منقطع الحيلة من كل الوجوه ، ثم أتبعهم تعالى بذكر المساكين لأن الحاجة قد تشتد بهم ، ثم ذكر ابن السبيل إذ قد تشتد حاجته عند اشتداد رغبته إلى أهله ، ثم ذكر السائلين وفي الرقاب لأن حاجتهما دون حاجة من تقدم ذكره وثانيها : أن معرفة المرء بشدة حاجة هذه الفرق تقوى وتضعف ، فرتب تعالى ذكر هذه الفرق على هذا الوجه لأن علمه بشدة حاجة من يقرب إليه أقرب ، ثم بحاجة الأيتام ، ثم بحاجة المساكين ، ثم على هذا النسق وثالثها : أن ذا القربى مسكين ، وله صفة زائدة تخصه لأن شدة الحاجة فيه تغمه وتؤذي قلبه ، ودفع الضرر عن النفس مقدم على دفع الضرر عن الغير ، فلذلك بدأ الله تعالى بذي القربى ، ثم باليتامى ، وأخر المساكين لأن الغم الحاصل بسبب عجز الصغار عن الطعام والشراب أشد من الغم الحاصل بسبب عجز الكبار عن تحصيلهما فأما ابن السبيل فقد يكون غنياً ، وقد تشتد حاجته في الوقت ، والسائل قد يكون غنياً ويظهر شدة الحاجة وأخر المكاتب لأن إزالة الرق ليست في محل الحاجة الشديدة.\rالقول الثاني : أن المراد بإيتاء الماء ما روي أنه عليه الصلاة والسلام عند ذكره للإبل قال : \" إن فيها حقاً \" هو إطراق فحلها وإعارة ذلولها ، وهذا بعيد لأن الحاجة إلى إطراق الفحل أمر لا يختص به ابن السبيل والسائل والمكاتب.\rالقول الثالث : أن إيتاء المال إلى هؤلاء كان واجباً ، ثم إنه صار منسوخاً بالزكاة ، وهذا أيضاً ضعيف لأنه تعالى جمع في هذه الآية بين هذا الإيتاء وبين الزكاة.","part":3,"page":236},{"id":1135,"text":"المسألة الثالثة : أما ذوو القربى فمن الناس من حمل ذلك على المذكور في آية النفل والغنيمة والأكثرون من المفسرين على ذوي القربى للمعطين ، وهو الصحيح لأنهم به أخص ، ونظيره قوله تعالى : {وَلاَ يَأْتَلِ أُوْلُواْ الفضل مِنكُمْ والسعة أَن يُؤْتُواْ أُوْلِى القربى} [النور : 22].","part":3,"page":237},{"id":1136,"text":"واعلم أن ذوي القربى هم الذين يقربون منه بولادة الأبوين أو بولادة الجدين ، فلا وجه لقصر ذلك على ذوي الرحم المحرم على ما حكى عن قوم لأن المحرمية حكم شرعي أما القرابة فهي لفظة لغوية موضوعة للقرابة في النسب وإن كان من يختص بذلك يتفاضل ويتفاوت في القرب والبعد ، أما اليتامى ففي الناس من حمله على ذوي اليتامى ، قال : لأنه لا يحسن من المتصدق أن يدفع المال إلى اليتيم الذي لا يميز ولا يعرف وجوه منافعه ، فإنه متى فعل ذلك يكون مخطئاً بل إذا كان اليتيم مراهقاً عارفاً بمواقع حظه ، وتكون الصدقة من باب ما يؤكل ويلبس ولا يخفى على اليتيم وجه الانتفاع به جاز دفعها إليه ، هذا كله على قول من قال : اليتيم هو الذي لا أب له مع الصغر ، وعند أصحابنا هذا الاسم قد يقع على الصغير وعلى البالغ والحجة فيه قوله تعالى : {وَءاتُواْ اليتامى أموالهم} [النساء : 20] ومعلوم أنهم لا يؤتون المال إلا إذا بلغوا ، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يسمى : يتيم أبي طالب بعد بلوغه ، فعلى هذا إن كان اليتيم بالغاً دفع المال إليه ، وإلا فيدفع إلى وليه ، وأما المساكين ففيه خلاف سنذكره إن شاء الله تعالى في سورة التوبة والذي نقوله هنا : إن المساكين أهل الحاجة ، ثم هم ضربان منهم من يكف عن السؤال وهو المراد ههنا ، ومنهم من يسأل وينبسط وهو المراد بقوله : {والسائلين} وإنما فرق تعالى بينهما من حيث يظهر على المسكين المسكنة مما يظهر من حاله ، وليس كذلك السائل لأنه بمسألته يعرف فقره وحاجته ، وأما ابن السبيل فروي عن مجاهد أنه المسافر ، وعن قتادة أنه الضيف لأنه إنما وصل إليك من السبيل ، والأول أشبه لأن السبيل اسم للطريق وجعل المسافر ابناً له للزومه إياه كما يقال لطير الماء : ابن الماء ويقال للرجل الذي أتت عليه السنون : ابن الأيام.\rوللشجعان : بنو الحرب.\rوللناس : بنو الزمان.\rقال ذو الرمة : ","part":3,"page":238},{"id":1137,"text":"وردت عشاء والثريا كأنها.. على قمة الرأس ابن ماء محلق\rوأما قوله : {والسائلين} فعني به الطالبين ، ومن جعل الآية في غير الزكاة أدخل في هذه الآية المسلم والكافر ، روى الحسن بن علي رضي الله عنهما أنه عليه الصلاة والسلام قال : \" للسائل حق حتى ولو جاء على فرس \" وقال تعالى : {فِى أموالهم حَقٌّ مَّعْلُومٌ * لَّلسَّائِلِ والمحروم} [المعارج : 24]. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 5 صـ 35 ـ 37}\rقوله تعالى {والمسكين وابن السبيل}\rقال الآلوسى : \r{والمساكين} جمع مسكين وهو الدائم السكون لما أن الحاجة أسكنته بحيث لا حراك به أو دائم السكون والالتجاء إلى الناس ، وتخصيصه بمن لا شيء له أو بمن لا يملك ما يقع موقعاً من حاجته خارج عن مفهومه {وابن السبيل} أي المسافر كما قاله مجاهد وسمي بذلك لملازمته الطريق في السفر أو لأن الطريق تبرزه فكأنها ولدته وكأن إفراده لانفراده عن أحبابه ووطنه وأصحابه فهو أبداً يتوق إلى الجمع ، ويشتاق إلى الربع ، والكريم يحن إلى وطنه حنين الشارف إلى عطنه ، أو لأنه لما لم يكن بين أبناء السبيل ، والمعطي تعارف غالباً يهون أمر الإعطاء ويرغب فيه أفردهم ليهون أمر إعطائهم وليشير إلى أنهم وإن كانوا جمعاً ينبغي أن يعتبروا كنفس واحدة فلا يضجر من إعطائهم لعدم معرفتهم وبعد منفعتهم فليفهم. أ هـ {روح المعانى حـ 2صـ 46}\rقوله تعالى{وَفِي الرقاب }\rقال الفخر : \rأما قوله : {وَفِي الرقاب} ففيه مسألتان.\rالمسألة الأولى : {الرقاب} جمع الرقبة وهي مؤخر أصل العنق ، واشتقاقها من المراقبة ، وذلك أن مكانها من البدن مكان الرقيب المشرف على القوم ، ولهذا المعنى يقال : أعتق الله رقبته ولا يقال أعتق الله عنقه ، لأنه لما سميت رقبة كأنها تراقب العذاب ، ومن هذا يقال للتي لا يعيش ولدها : رقوب ، لأجل مراعاتها موت ولدها.","part":3,"page":239},{"id":1138,"text":"المسألة الثانية : معنى الآية : ويؤتي المال في عتق الرقاب ، قال القفال : واختلف الناس في الرقاب المذكورين في آية الصدقات ، فقال قائلون : إنه يدخل فيه من يشتريه فيعتقه ، ومن يكون مكاتبها فيعينه على أداء كتابته ، فهؤلاء أجازوا شراء الرقاب من الزكاة المفروضة ، وقال قائلون : لا يجوز صرف الزكاة إلا في اعانة المكاتبين ، فمن تأول هذه الآية على الزكاة المفروضة فحينئذ يبقى فيه ذلك الاختلاف ، ومن حمل هذه الآية على غير الزكاة أجاز الأمرين فيها قطعاً ، ومن الناس من حمل الآية على وجه ثالث وهو فداء الأسارى. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 5 صـ 38}\rالأمر الثالث : من الأمور المعتبرة في تحقق ماهية البر قوله : {وأقام الصلاة وآتى الزكاة} وذلك قد تقدم ذكره. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 5 صـ 38}\rكلام جامع ونفيس فى الآية الكريمة","part":3,"page":240},{"id":1139,"text":"قال الإمام أبو الحسن الحرالي في العروة : وجه إنزال هذا الحرف حمل الخلق على صدق التذلل لله سبحانه وتعالى إثر التطهير من رجزهم ليعود بذلك وصل ما انقطع وكشف ما انحجب وهو حرف العبادة المتلقاة بالإيمان المثابر عليها بسابق الخوف المبادر لها تشوقاً بصدق المحبة ، فالعابد من ساقه الخوف إليها والعارف من قاده الحب لها وهو بناء ذو عمود وأركان وله حظيرة تحوطه ، فأما عموده فافراد التذلل لله سبحانه وتعالى توحيداً وطليعته آية ما كان نحو قوله سبحانه وتعالى {اعبدوا الله ولا تشركوا به شيئاً} [النساء : 36] طهرهم حرف الزجر من رجز عبادة إله آخر فأثبت لهم حرف الأمر التفريد حتى لا يشركوا معه في التذلل شيئاً أي شيء كان آخر ، وهو أول ما أقام الله من بناء الدين ولم يفرض غيره نحو العشر من السنين في إنزال ما أنزل بمكة وسن مع فرضه الركن الأول وهو الصلاة ، وبدئت بالوضوء عملاً من حذو تطهير القلب والنفس بحرف النهي وأعقب بالصلاة عملاً من حذو طهور القلب بالتوحيد بين يدي الرب سبحانه وتعالى ، فالوضوء وجه عمل حرف الزجر والصلاة وجه عمل حرف الأمر ، وسن على تأسيس بدار الحب لتبدو قوة الإيمان في مشهود ملازمة خدمة الأبدان. فكان أقواهم إيماناً أكثرهم وأطولهم صلاة وقنوتاً ، من أحب ملكاً خدمه ولازمه ، ولا تخدم الملوك بالكسل والتهاون وإنما تخدم بالجهد والتذلل ، فكانت الصلاة علم الإيمان تكثر بقوته وتقل بضعفه ، لأنها لو فرضت لم يظهر فيها تفاوت قوة الإيمان وصدق الحق كما لا يظهر بعد فرضها إلا في النوافل ، ولإجهاد النبي صلى الله عليه وسلم نفسه وبدنه في ذلك أنزل عليه {ما أنزلنا عليك القرآن لتشقى * إلا تذكرة لمن يخشى * تنزيلاً ممن خلق الأرض والسماوات العلى * الرحمن على العرش استوى} [طه : 2-5] - إلى قوله {الله لا إله إلا هو له الأسماء الحسنى*} [طه : 8] هذا التوحيد وإظهاره هو كان يومئذ المقصود الأول وذلك قبل إسلام","part":3,"page":241},{"id":1140,"text":"عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه وعمر موفي أربعين من عدد المؤمنين ، فلما دخل الإسلام من لا يبعثه الحب والاستراحة على الصلاة بعد عشر أو نحوها فرضت الصلاة فاستوى في فرضها المحب والخائف ، وسن رسول الله صلى الله عليه وسلم التطوع على ما كان أصلها ، وذلك صبيحة ليلة الإسراء ، وأول منزل هذا الحرف والله سبحانه وتعالى أعلم في فرض هذا الركن أو من أول منزله قوله تعالى : {أقم الصلاة لدلوك الشمس إلى غسق الليل وقرآن الفجر} [الإسراء : 78] اختص لهم بها أوقات الرحمة وجنبهم به أوقات الفتنة ومنه جميع آي إقامة الصلاة وإتمامها.","part":3,"page":242},{"id":1141,"text":"الركن الآخر الصوم وهو إذلال النفس لله سبحانه وتعالى بإمساكها عن كل ما تشوف إليه من خاص أمرها نهاراً للمقتصر ودواماً للمعتكف ، وهو صلة بين العبد وبين نفسه ووصل لشتاته في ذاته ، وأول ما أنزل هذا الركن من هذا الحرف بالمدينة بعد مدة من الهجرة وأول منزله {يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم} [البقرة : 183] وإنما فرض والله سبحانه وتعالى أعلم بالمدينة لأنهم لما آمنوا من عداوة الأمثال والأغيار وعام الفتنة بالمدينة عادت الفتنة خاصة في الأنفس بالتبسط في الشهوات وذلك لا يليق بالمؤمنين المؤثرين للدين على الدنيا ، ثم أنزل الله سبحانه وتعالى إتمامه بقوله تعالى : {شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن} [البقرة : 185] إلى ما يختص من الآي بأحكام الصيام. الركن الآخر الزكاة وهو كسر نفس الغني بما يؤخذ بأخذه منه من حق أصنافها إظهاراً لأن المشتغلين بالدين آثر عند الله سبحانه وتعالى من المقيمين على الأموال وليميز بها الذين آمنوا من المنافقين لتمكنهم من الرياء في العمود والركنين ، ولم يشهد الله سبحانه وتعالى بالنفاق جهراً أعظم من شهادته على مانع الزكاة ، ومن منع زكاة المال عن الخلق كان كمن امتنع عن زكاة قُواه بالصلاة من الحق ، فلذلك لا صلاة لمن لا زكاة له ، وكما كانت الزكاة حباً قبل فرضها كذلك كان الإنفاق لما زاد على الفضل عزماً مشهوراً عندهم لا يعرفون غيره ولا يشعرون في الإسلام بسواه ، فلما شمل الإسلام أخلاط وشحت النفوس فرضت الزكاة وعين أصنافها ، وذلك بالمدينة حين اتسعت أموالهم وكثر خير الله عندهم وحي عم نفاق قوم بها أنفة من حط رئاستهم بتذلل الإسلام لله والنصفة بخلق الله وتبين فيها الخطاب مرة لأرباب الأموال بقوله تعالى : {وآتوا الزكاة} [البقرة : 43] لتكون لهم قربة إذا آتوها سماحاً ومرة للقائم بالأمر بقوله تعالى : {خذ من أموالهم صدقة} [التوبة : 103] حين يؤنس","part":3,"page":243},{"id":1142,"text":"من نفوسهم شح وشدد الله سبحانه وتعالى فيها الوعيد في القرآن جبراً لضعف أصنافها ونسق لذلك جميع ما أنزل في بيان النفقات والصدقات بداراً عن حب أو ائتماراً عن خوف. الركن الآخر الحج وهو حشر الخلق من أقطار الأرض للوقوف بين يدي ربهم في خاتم منيتهم ومشارفة وفاتهم ليكون لهم أمنة من حشر ما بعد مماتهم ، فكمل به بناء الدين وذلك في أواخر سني الهجرة ومن آخر المنزل بالمدينة ، وأول خطابه {ولله على الناس حج البيت} [آل عمران : 97] بتنبيهه على أذان إبراهيم عليه الصلاة والسلام {وأذن في الناس بالحج يأتوك رجالاً} [الحج : 27] إلى ما أنزل في أمر الحج وأحكامه الحظيرة الحائط وهي الجهاد ، ولم تزل مصاحبة الأركان كلها إما مع ضعف كما بمكة أو مع قوة كما في المدينة ، ومن أول تصريح منزله {أذن للذين يقاتلون بأنهم ظلموا} [الحج : 39] إلى قوله {وقاتلوا المشركين كافة كما يقاتلونكم كافة} [التوبة : 36] {قاتلوا الذين يلونكم من الكفار} [التوبة : 123] إلى قوله : {جاهد الكفار والمنافقين} [التوبة : 73] إلى انتهاء قتال أهل الكتاب في قوله تعالى {قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر} [التوبة : 29] الآية إلى تمام المنزل في شأنه في قوله تعالى {وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين كله لله} [الأنفال : 39] وهذا تمام حرف الأمر ؛ ولكل في ذلك الظاهر في الإسلام موقع حدوده في الإيمان وموقع في الإحسان لدى ثلاثتها الذي هو كمال الدين كله ، ذلك من تنزل القرآن من بين إفصاح وإفهام في هذا الحرف ، وهو وفاء الدين والتعبد لله رب العالمين. ثم قال فيما به تحصل قراءة حرف الأمر : اعلم أن الوفاء بقراءة حرف النهي تماماً يفرغ لقراءة حرف الأمر ، لأن المقتنع في معاش الدنيا يتيسر له التوسع في عمل الأخرى ، والمتوسع في متاع الدنيا لا يمكنه التوسع في عمل الأخرى لما بينهما من التضار والتضاد ، والذي تحصل به قراءة","part":3,"page":244},{"id":1143,"text":"هذا الحرف أما من جهة القلب فالتوحيد والإخلاص ، وأعم ذلك البراءة من الشرك العظيم لئلا يتخذ مع الله إلهاً آخر ، لأن المشرك في الإلهية لا تصح منه المعاملة بالعبادة {مثل الذين كفروا بربهم أعمالهم كرماد اشتدت به الريح في يوم عاصف لا يقدرون مما كسبوا على شيء} [إبراهيم : 18] وأخص منه الإخلاص بالبراءة من الشرك الجلي بأن لا يرى لله سبحانه وتعالى شريكاً في شيء من أسمائه الظاهرة ، لأن المشرك في سائر أسمائه الظاهرة لا يصح له القبول ، والذي يحلف به عبد الله بن عمر رضي الله تعالى عنه : لو أن لأحدهم مثل أحد ذهباً فأنفقه ما قبل الله منه حتى يؤمن بالقدر ، ولكل عمل من المأمورات خصوص اسم في الإخلاص كإخلاص المنفق بأن الإنعام من الله سبحانه وتعالى لا من العبد المنفق ، وكإخلاص المجاهد بأن النصر من الله سبحانه وتعالى لا من العبد المجاهد {وما النصر إلاّ من عند الله} [آل عمران : 126 والأنفال : 10] وكذلك سائر الأعمال يخصها الإخلاص في اسم من الأسماء يكون أملك بذلك العمل ، وأما من جهة أحوال النفس فأولها وأساسها طمأنينة النفس بربها في قوامها من غير طمأنينة لشيء سواه ، فمتى اطمأنت النفس بما تقدر عليه وما لها من منة أو بما تملكه من مملوك أو بما تستند إليه من غير رُدت جميع عباداتها لما اطمأنت إليه وكتب اسمها على وجهه وكانت أمته لا أمة ربها وكان المرء عبده لا عبد ربه \" تعس عبد الدينار وعبد الدرهم وعبد الخميصة \" وهذا هو الذي أحبط عمل العاملين من حيث لا يشعرون ، وأما من جهة ما يخص كل واحد من الأوامر في أحوال النفس فما يناسبه من أحوالها وأخلاقها كاجتماعها في الصلاة بأن لا تصغي لوسواس الشيطان وأن لا تتحدث في تسويلها ، وكسماحها وسخائها في الإنفاق وإيتاء الزكاة ، وكصبرها في الصوم والصوم الصبر كلّه ، ويصحبها كل ذلك في الحج مع زيادة اليقين ، ويصحبها الجميع في الجهاد مع غريزة الشجاعة ، هذا من جهة حال النفس","part":3,"page":245},{"id":1144,"text":"وأما من جهة العمل وأحوال الجوارح فإن أدب الناطق بكلمة الشهادة أن يجمع حواسه إلى قلبه ويحضر في قلبه كل جارحة فيه وينطق بلسانه عن جميع ذاته أحوال نفس وجوارح بدن حتى يأخذ كل عضو منه وكل جارحة فيه وكل حال لنفسه قسطه منها كما أشار إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم واعلم أن بذلك \" تتحات عنه الذنوب كما يتحات الورق عن الشجر \" فلم يقرأ تهليل القرآن من لم يكن ذلك حاله فيه وكذلك في تشهد الأذان ، وبذلك يهدم التهليل سيئاته في الإسلام كما هدم من المخلص به جرائم الكفران ، \" سمع النبي صلى الله عليه وسلم رجلاً يؤذن فلما قال : الله أكبر الله أكبر ، قال : على الفطرة ، فلما قال : لا إله إلاّ الله ، قال : خرجت من النار \" وأما أدب الصلاة فخشوع الجوارح والهدو في الأركان وإتمام كل ركن بأذكاره المخصوصة به وجمع الحواس إلى القلب كحاله في الشهادة حتى لا يحقق مدرك حاسة غفلة ، وأما أدب الإنفاق فحسن المناولة ، كان النبي صلى الله عليه وسلم يناول السائل بيده ولا يكله إلى غيره الإسرار أتم {وإن تخفوها وتؤتوها الفقراء فهو خير لكم} [البقرة : 271] وينفق من كل شيء بحسب ما رزقه مياومة أو مشاهرة أو مسانهة {ومما رزقناهم ينفقون} [البقرة : 3] وأما أدب الصوم فالسحور مؤخراً والفطر معجلاً ، وصوم الأعضاء كلها عن العدل فأحرى عن الجور وترك العناية بما يفطر عليه إلى ما بعد الزوال والأخذ فيه لشهوة العيال ؛ وأما أدب الحج فاستطابة الزاد والاعتماد على ما بيد الله لا على حاصل ما بيد العبد ، وهو تزود التقوى والرفع مع الرفيق والرفق بالظهر وتحسين الأخلاق والإنفاق في الهدي وهو الثج والإعلان بالتلبية وهو العج ، وتتبع أركانه على ما تقتضيه أحكامه وإقامة شعائره على معلوم السنة لا على معهود العادة ، وأما أدب الجهاد فاستطابة الزاد وإصلاح العدة ومياسرة الخلطاء وحسن القيام على الخيل وتطييب علفها تصفية وورعاً وتناوله بيده \" كان رسول","part":3,"page":246},{"id":1145,"text":"الله صلى الله عليه وسلم يتناول علف فرسه بيده ويمسحه بردائه \" والتزام ما يجد معه المنة من أن يكون فارساً أو راجلاً أو رامحاً أو نابلاً ، من تكلف غير ما يجد منته فقد ضيع الحق وعمل بالتكليف ، والصمت عند اللقاء وغض البصر عن النظر إلى الأعداء ، وقال صلى الله عليه وسلم \" إذا أكثبوكم فارموهم ولا تسلوا السيوف حتى يغشوكم \" ، وكف اليد عما للغير فيه حق وهو الغلول ، وأن لا يدعوا للبراز وأن يجيب إذا دعي وقال صلى الله عليه وسلم : \" يقول الله عزّ وجلّ : عبدي كل عبدي الذي يذكر الله وهو ملاق قرنه \" ولكل أمر وتلبس بمأمور أدب يخصه على ما يستقرأ من السنن النبوية وآثار الخلفاء وصالحي الأمراء فبهذه الأمور من إخلاص القلب وطيب النفس وأدب الجوارح ، فيصح قراءة حرف الأمر ولا حول ولا قوة إلاّ بالله العلي العظيم - انتهى. أهـ {نظم الدرر حـ 1 صـ 325 ـ 330}\rالأمر الرابع : قوله تعالى : {والموفون بِعَهْدِهِمْ إِذَا عاهدوا} وفيه مسألتان : \rالمسألة الأولى : في رفع والموفون قولان أحدها : أنه عطف على محل {من آمن} تقديره لكن البر المؤمنون والموفون ، عن الفراء والأخفش الثاني : رفع على المدح على أن يكون خبر مبتدأ محذوف تقديره : وهم الموفون.","part":3,"page":247},{"id":1146,"text":"المسألة الثانية : في المراد بهذا العهد قولان الأول : أن يكون المراد ما أخذه الله من العهود على عباده بقولهم ، وعلى ألسنة رسله إليهم بالقيام بحدوده ، والعمل بطاعته ، فقبل العباد ذلك من حيث آمنوا بالأنبياء والكتب ، وقد أخبر الله تعالى عن أهل الكتاب أنهم نقضوا العهود والمواثيق وأمرهم بالوفاء بها فقال : {يا بني إسرائيل اذكروا نعمتي التي أنعمت عليكم وأوفوا بعهدي أوف بعهدكم} [البقرة : 40] فكان المعنى في هذه الأية أن البر هو ما ذكر من الأعمال مع الوفاء بعهد الله ، لا كما نقض أهل الكتاب ميثاق الله وما وفوا بعهوده فجحدوا أنبياءه وقتلوهم وكذبوا بكتابه ، واعترض القاضي على هذا القول وقال : إن قوله تعالى : {والموفون بِعَهْدِهِمْ} صريح في إضافة هذا العهد إليهم ، ثم إنه تعالى أكد ذلك بقوله : {إِذَا عاهدوا} فلا وجه لحمله على ما سيكون لزومه ابتداء من قبله تعالى.\rالجواب عنه : أنه تعالى وإن ألزمهم هذه الأشياء لكنهم من عند أنفسهم قبلوا ذلك الإلزام والتزموه ، فصح من هذا الوجه إضافة العهد إليهم.\rالقول الثاني : أن يحمل ذلك على الأمور التي يلتزمها المكلف ابتداء من عند نفسه.","part":3,"page":248},{"id":1147,"text":"واعلم أن هذا العهد إما أن يكون بين العبد وبين الله ، أو بينه وبين رسول الله ، أو بينه وبين سائر الناس أما الذي بينه وبين الله فهو ما يلزمه بالنذور والإيمان ، وأما الذي بينه وبين رسول الله فهو الذي عاهد الرسول عليه عند البيعة من القيام بالنصرة والمظاهرة والمجاهدة وموالاة من والاه ومعاداة من عاداه ، وأما الذي بينه وبين سائر الناس فقد يكون ذلك من الواجبات مثل ما يلزمه في عقود المعاوضات من التسليم والتسلم ، وكذا الشرائط التي يلتزمها في السلم والرهن ، وقد يكون ذلك من المندوبات مثل الوفاء بالمواعيد في بذل المال والإخلاص في المناصرة ، فقوله تعالى : {والموفون بِعَهْدِهِمْ إِذَا عاهدوا} يتناول كل هذه الأقسام فلا معنى لقصر الآية على بعض هذه الأقسام دون البعض ، وهذا الذي قلناه هو الذي عبر المفسرون فقالوا : هم الذين إذا واعدوا أنجزوا وإذا حلفوا ونذروا وفوا ، وإذا قالوا صدقوا ، وإذا ائتمنوا أدوا ، ومنهم من حمله على قوله تعالى : {وَمِنْهُمْ مَّنْ عاهد الله لَئِنْ ءاتانا مِن فَضْلِهِ} [التوبة : 75] الآية. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 5 صـ 38}\rوقال الآلوسى : \r{والموفون بِعَهْدِهِمْ إِذَا عاهدوا} عطف على {مَنْ ءامَنَ} ولم يقل وأوفى كما قبله إشارة إلى وجوب استقرار الوفاء ، وقيل : رمزاً إلى أنه أمر مقصود بالذات ، وقيل : إيذاناً بمغايرته لما سبق فإنه من حقوق الله تعالى والسابق من حقوق الناس ، وعلى هذا فالمراد بالعهد ما لا يحلل حراماً ولا يحرم حلالاً من العهود الجارية فيما بين الناس ، والظاهر حمل العهد على ما يشمل حقوق الحق وحقوق الخلق ، وحذف المعمول يؤذن بذلك ، والتقييد بالظرف للإشارة إلى أنه لا يتأخر إيفاؤهم بالعهد عن وقت المعاهدة ، وقيل : للإشارة إلى عدم كون العهد من ضروريات الدين وليس للتأكيد كما قيل : به أ هـ {روح المعانى حـ 2 صـ 47}\rفصل في بلاغة قوله \" والمُوفُونَ \" دون \" وأَوْفَى \"","part":3,"page":249},{"id":1148,"text":"قال الرَّاغب : وإنَّما لم يقل \" وأوْفَى \" ؛ كما قال \" وأَقَامَ \" ؛ لأمرين : \rأحدهما : اللفظ ، وهو أن الصِّلة ، متى طالت ، كان الأحسن أن يعطف على الموصول ، دون الصلة ؛ لئلاَّ يطول ويقبح.\rوالثاني : أنَّه ذكر في الأول ما هو داخل في حيِّز الشريعة ، وغير مستفاد إلا منها والحكمة العقليَّة تقتضي العدالة دون الجور ، ولما ذكر وفاء العهد ، وهو مما تقضي به العقول المجرَّدة ، صارعطفه على الأوَّل أحسن ، ولما كان الصَّبر من وجه مبدأ الفضائل ، ومن وجه : جامعاً للفضائل ؛ إذ لا فضيلة إلا وللصَّبر فيها أثر بليغ - غيَّر إعرابه تنبيهاً على هذا المقصد ؛ وهذا كلام حسن. أ هـ {تفسير ابن عادل حـ 3 صـ 212 }\rالأمر الخامس : من الأمور المعتبرة في تحقق ماهية البر\rقوله تعالى : {والصابرين فِى البأساء والضراء وَحِينَ البأس} [البقرة : 177] وفيه مسائل : المسألة الأولى : في نصب الصابرين أقوال.\rالأول : قال الكسائي هو معطوف على {ذَوِى القربى} كأنه قال : وآتى المال على حبه ذوي القربى والصابرين : قال النحويون : إن تقدير الآية يصير هكذا : ولكن البر من آمن بالله وآتى المال على حبه ذوي القربى والصابرين ، فعلى هذا قوله : {والصابرين} من صلة من قوله : {والموفون} متقدم على قوله : {والصابرين} فهو عطف على {مِنْ} فحينئذ قد عطفت على الموصول قبل صلته شيئاً ، وهذا غير جائز لأن الموصول مع الصلة بمنزلة اسم واحد ، ومحال أن يوصف الاسم أو يؤكد أو يعطف عليه إلا بعد تمامه وانقضائه بجميع أجزائه ، أما إن جعلت قوله : {والموفون} رفعاً على المدح ، وقد عرفت أن هذا الفصل غير جائز ، بل هذا أشنع لأن المدح جملة فإذا لم يجز الفصل بالمفرد فلأن لا يجوز بالجملة كان ذلك أولى.","part":3,"page":250},{"id":1149,"text":"فإن قيل : أليس جاز الفصل بين المبتدأ والخبر بالجملة كقول القائل : إن زيداً فافهم ما أقول رجل عالم ، وكقوله تعالى : {إِنَّ الذين ءامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصالحات إِنَّا لاَ نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلاً} [الكهف : 30] ثم قال : {أولئك} ففصل بين المتبدأ والخبر بقوله : {إِنَّا لاَ نُضِيعُ} قلنا : الموصول مع الصلة كالشيء الواحد فالتعلق الذي بينهما أشد من التعلق بين المبتدأ والخبر ، فلا يلزم من جوازه الفصل بين المبتدأ والخبر جواز بين الموصول والصلة.\rالقول الثاني : قول الفراء : إنه نصب على المدح ، وإن كان من صفة من ، وإنما رفع الموفون ونصب الصابرين لطول الكلام بالمدح ، والعرب تنصب على المدح وعلى الذم إذا طال الكلام بالنسق في صفة الشيء الواحد ، وأنشد الفراء : \rإلى الملك القرم وابن الهمام.. وليث الكتيبة في المزدحم\rوقالوا فيمن قرأ : {حَمَّالَةَ الحطب} [المسد : 4] بنصب {حَمَّالَةَ} أنه نصب على الذم ، قال أبو علي الفارسي : وإذا ذكرت الصفات الكثيرة في معرض المدح أو الذم فالأحسن أن تخالف بإعرابها ولا تجعل كلها جارية على موصوفها ، لأن هذا الموضع من مواضع الإطناب في الوصف والإبلاغ في القول ، فإذا خولف بإعراب الأوصاف كان المقصود أكمل ، لأن الكلام عند اختلاف الإعراب يصير كأنه أنواع من الكلام وضروب من البيان ، وعند الاتحاد في الإعراب يكون وجهاً واحداً ، وجملة واحدة.\rواعلم أن من الناس من قرأ {والموفين ، والصابرين} ومنهم من قرأ {والموفون ، والصابرون}. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 5 صـ 39}\rوقال الآلوسى : ","part":3,"page":251},{"id":1150,"text":"{والصابرين فِى البأساء والضراء} نصب على المدح بتقدير أخص أو أمدح وغير سبكه عما قبله تنبيها على فضيلة الصبر ومزيته على سائر الأعمال حتى كأنه ليس من جنس الأول ، ومجيء القطع في العطف مما أثبته الأئمة الأعلام ووقع في الكتاب أيضاً واستحسنه الأجلة وجعلوه أبلغ من الاتباع وقد جاء في النكرة أيضاً كقول الهذلي : \rويأوي إلى نسوة عطل... وشعثا مراضيع مثل السعالى\rأ هـ {روح المعانى حـ 2 صـ 47}\rأما قوله : {فِى البأساء} قال ابن عباس : يريد الفقر ، وهو اسم من البؤس {والضراء} قال : يريد به المرض ، وهما اسمان على فعلاء ولا أفعل لهما ، لأنهما ليسا بنعتين {وَحِينَ البأس} قال ابن عباس رضي الله عنهما يريد القتال في سبيل الله والجهاد ، ومعنى البأس في اللغة الشدة يقال : لا بأس عليك في هذا ، أي لا شدة {بِعَذَابٍ بَئِيسٍ} [الأعراف : 165] شديد ثم تسمى الحرب بأساً لما فيها من الشدة والعذاب يسمى بأساً لشدته قال تعالى : {فَلَمَّا رَأَوْاْ بَأْسَنَا} [غافر : 84] {فَلَمَّا أَحَسُّواْ بَأْسَنَا} [الأنبياء : 12] {فَمَن يَنصُرُنَا مِن بَأْسِ الله} [غافر : 29].\rثم قال تعالى : {أُولَئِكَ الذين صَدَقُوا} أي أهل هذه الأوصاف هم الذين صدقوا في إيمانهم ، وذكر الواحدي رحمه الله في آخر هذه الآية مسألة وهي أنه قال هذه الواوات في الأوصاف في هذه الآية للجمع ، فمن شرائط البر وتمام شرط البار أن تجتمع فيه هذه الأوصاف ، ومن قام به واحد منها لم يستحق الوصف بالبر ، فلا ينبغي أن يظن الإنسان أن الموفي بعهده من جملة من قام بالبر وكذا الصابر في البأساء بل لا يكون قائماً بالبر ، إلا عند استجماع هذه الخصال ، ولذلك قال بعضهم : هذه الصفة خاصة للأنبياء عليهم السلام ، لأن غيرهم لا تجتمع فيه هذه الأوصاف كلها ، وقال آخرون : هذه عامة في جميع المؤمنين ، وما توفيقي إلا بالله عليه توكلت. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 5 صـ 39}","part":3,"page":252},{"id":1151,"text":"قوله تعالى {وَحِينَ البأس }\r{وَحِينَ البأس} أي وقت القتال وجهاد العدو وهذا من باب الترقي في الصبر من الشديد إلى الأشد لأن الصبر على المرض فوق الصبر على الفقر والصبر على القتال فوق الصبر على المرض ، وعدى الصبر على الأولين بفي لأنه لا يعد الإنسان من الممدوحين إذا صبر على شيء من ذلك إلا إذا صار الفقر والمرض كالظرف له وأما إذا أصاباه وقتاً مّا وصبر فليس فيه مدح كثير إذ أكثر الناس كذلك وأتى بحين في الأخير لأن القتال حالة لا تكاد تدوم في أغلب الأوقات.\rأ هـ {روح المعانى حـ 2 صـ 47}\rقوله تعالى {أُولَئِكَ الذين صَدَقُوا }\rقال الآلوسى\r{أُولَئِكَ الذين صَدَقُوا} في إيمانهم أو طلب البر. {وَأُولَئِكَ هُمُ المتقون} عذاب الله تعالى بتجنب معاصيه وامتثال أوامره ، وأتى بخبر أولئك الأولى : موصولاً بفعل ماض إيذاناً بتحقق اتصافهم به وإن ذلك قد وقع منهم واستقر ، وغاير في خبر الثانية : ليدل على أن ذلك ليس بمتجدد بل صار كالسجية لهم ، وأيضاً لو أتى به على طبق سابقه لما حسن وقوعه فاصلة. أ هـ {روح المعانى حـ 2 صـ 48}\rفائدة\rقال القرطبيُّ : تضمَّنت هذه الآية الكريمة ستَّ عشرة قاعدةً من أُمَّهات الأحكام : \rالإيمان بالله وبأسمائه ، وصفاته ، والحشر ، والنشر ، والصراط ، والحوض ، والشَّفاعة ، والجنة ، والنار ، والملائكة ، والرُّسل ، والكتب المنزلة ، وأنَّها حقٌّ من عند الله ؛ كما تقدم ، والنَّبيين ، وإنفاق المال فيما يعنُّ له من الواجب ، والمندوب ، وإيصال القرابة ، وترك قطعهم ، وتفقُّد اليتيم ، وعدم إهماله المساكين كذلك ، ومراعاة ابن السبيل ، وهو : المسافر المنقطع به ، وقيلك الضعيف ، والسُّؤَّال ، وفكّ الرقاب ، والمحافظة على الصَّلوات ، وإيتاء الزَّكاة ، والوفاء بالعهود ، والصَّبر في الشَّدائد ، وكلُّ قاعدةٍ من هذه القواعد تحتاج إلى كتاب. أ هـ {تفسير القرطبى حـ 2 صـ 241}\rوقال العلامة ابن عاشور : ","part":3,"page":253},{"id":1152,"text":"فلله هذا الاستقراء البديع الذي يعجز عنه كل خطيب وحكيم غير العلام الحكيم. وقد جمعت هذه الخصال جماع الفضائل الفردية والاجتماعية الناشىء عنها صلاح أفراد المجتمع من أصول العقيدة وصالحات الأعمال.\rفالإيمان وإقام الصلاة هما منبع الفضائل الفردية ، لأنهما ينبثق عنهما سائر التحليات المأمور بها ، والزكاة وإيتاء المال أصل نظام الجماعة صغيرها وكبيرها ، والمواساة تقوى عنها الأخوة والاتحاد وتسدد مصالح للأمة كثيرة ويبذل المال في الرقاب يتعزز جانب الحرية المطلوبة للشارع حتى يصير الناس كلهم أحراراً. والوفاء بالعهد فيه فضيلة فردية وهي عنوان كمال النفس ، وفضيلة اجتماعية وهي ثقة الناس بعضهم ببعض.\rوالصبر فيه جماع الفضائل وشجاعة الأمة ولذلك قال تعالى هنا : {أولئك الذين صدقوا وأولئك هم المتقون} فحصر فيهم الصدق والتقوى حصراً ادعائياً للمبالغة ، ودلت على أن المسلمين قد تحقق فيهم معنى البر ، وفيه تعريض بأن أهل الكتاب لم يتحقق فيهم ، لأنهم لم يؤمنوا ببعض الملائكة وبعض النبيئين ، ولأنهم حرموا كثيراً من الناس حقوقهم ، ولم يفوا بالعهد ، ولم يصبروا.\rوفيها أيضاً تعريض بالمشركين إذ لم يؤمنوا باليوم الآخر ، والنبيين ، والكتب وسلبوا اليتامى أموالهم ، ولم يقيموا الصلاة ، ولم يؤتوا الزكاة.\rونصب (الصابرين) وهو معطوف على مرفوعات نصبٌ على الاختصاص على ما هو المتعارف في كلام العرب في عطف النعوت من تخيير المتكلم بين الاتباع في الإعراب للمعطوف عليه وبين القطع قاله الرضي ، والقطع يكون بنصب ما حقه أن يكون مرفوعاً أو مجروراً وبرفع ما هو بعكسه ليظهر قصد المتكلم القطع حين يختلف الإعراب ؛ إذ لا يعرف أن المتكلم قصد القطع إلاّ بمخالفة الإعراب ، فأما النصب فبتقدير فعل مدح أو ذم بحسب المقام ، والأظهر تقدير فعل أخُص لأنه يفيد المدح بين الممدوحين والذم بين المذمومين.\r","part":3,"page":254},{"id":1153,"text":"وقد حصل بنصب (الصابرين) هنا فائدتان : إحداهما عامة في كل قطع من النعوت ، فقد نقل عن أبي علي الفارسي أنه إذا ذكرت الصفات الكثيرة في معرض المدح أو الذم فالأحسن أن يخالف إعرابها ولا تجعل كلها جارية على موصوفها لأن هذا من مواضع الإطناب فإذا خولف إعراب الأوصاف كان المقصود أكمل لأن الكلام عند اختلاف الإعراب يصير كأنه أنواع من الكلام وضروب من البيان. أ هـ {التحرير والتنوير حـ 2 صـ 122 ـ 123}\rوقال الآلوسى\rهذا والآية كما ترى مشتملة على خمس عشرة خصلة وترجع إلى ثلاثة أقسام ، فالخمسة الأولى منها تتعلق بالكمالات الإنسانية التي هي من قبيل صحة الاعتقاد ، وآخرها قوله : {والنبيين} وافتتحها بالإيمان بالله واليوم الآخر لأنهما إشارة إلى المبدأ والمعاد اللذين هما المشرق والمغرب في الحقيقة فليتئم مع ما نفاه أولاً غاية الالتئام ، والستة التي بعدها تتعلق بالكمالات النفسية التي هي من قبيل حسن معاشرة العباد وأولها {لَّيْسَ البر} وآخرها {وَفِي الرقاب} والأربعة الأخيرة تتعلق بالكمالات الإنسانية التي هي من قبيل تهذيب النفس وأولها {لَّيْسَ البر} وآخرها {وَحِينَ البأس} ولعمري من عمل بهذه الآية فقد استكمل الإيمان ونال أقصى مراتب الإيقان. أ هـ {روح المعانى حـ 2 صـ 48}\rفوائد وأسئلة وأجوبة فى الآية الكريمة لابن عرفة\rقال ابن عرفة : ومن لوازم الإيمان بالملائكة الإيمان بعصمتهم وأنهم (أجسام). وصوب المقترح في شرح الإرشاد القول بثبوت الجسمية لهم بالسمع لا بالعقل ، كأنه اختار ثبوت الجوهر المفارق سمعا لا عقلا.\rقوله تعالى : {واليوم الأخر...}.\rقوله تعالى : {والنبيين...}.\rقال ابن عرفة : (النبي) أعمّ من الرسول ، وثبوت الأعم لا يستلزم ثبوت الأخص ، فما يلزم من الإيمان بالنبي الإيمان بالرسول فهلا قيل المرسلين ؟ ","part":3,"page":255},{"id":1154,"text":"والجواب : أن ذلك باعتبار الوصف ، لأن وصف النبوة أعم من وصف الرسالة. وترتب الحكم هنا عليهم من حيث ذواتهم لا من حيث أوصافهم ، وعرف بالألف واللاّم الدالة على العموم فيدخل في ضمنه الأخص بلا شك فهو كقولك كل حيوان في الدار.\rقيل لابن عرفة : أو يجاب بأن الإيمان باليوم الآخر والملاَئِكَة وَالكِتَابِ يستلزم الإيمان بالرسول ؟ \rفقال : لايحتاج إلى هذا والجواب ما قلناه.\rفإن قلت : لم جمع الكل وأفرد ابن السبيل ؟ \rقلنا : لِكثرتهم باعتبار الوجود الخارجي وقلة ابن السبيل ، وقرىء {لَيْسَ البِرَّ} بالنصب.\rقال ابن عرفة : و\" أَنْ تُوَلُّوا \" اسم ليس إما لكون \" أَن \" وما بعدها أعرف المعارف أو لأن التولية معلومة والبر مجهول أي ليست التولية برا.\rقوله تعالى : {وَفِي الرقاب...}.\rقوله تعالى : {والموفون بِعَهْدِهِمْ...}.\rقال ابن عرفة : إن قلت : هلا قيل : بعهودهم فهذا أبلغ من الوفاء ، فالعهد الواحد لا يستلزم الوفاء (بالعهود) بخلاف العكس ؟ \rفالجواب : أنه يستلزم من ناحية أنّ المكلف إذا عاهد هو وغيره ووفى غيره بالعهود وبِهِ فإنه قد حصل الوفاء بالعهد على الإطلاق بخلاف ما إذا عاهد وحده ولم يوف فإنّه لم يقع في الوجود وفاء بالعهد ، فتعظم العقوبة والذم.\rفإن قلت : ما فائدة قوله {إِذَا عَاهَدُواْ} ولو أسقط لكان الكلام مستقلاّ صحيحا ؟ \rفالجواب عن ذلك : أنّه أفاد سرعة الوفاء فالعهد به (يعقب) العهد منهم فهُم بنفس أن يعاهدوا يبادرون إلى الوفاء بالعهد.\rقوله تعالى : {والصابرين فِي البأسآء والضراء وَحِينَ البأس...}.\r","part":3,"page":256},{"id":1155,"text":"البَأْسَاءُ هو الفقر ، والضَّرّاءُ هو المرض ، وحين البأس أي حين القتال وهذا ترق ، لأن وقوع الفقر والحاجة (في) الناس أكثر من وقوع القتال فالصبّر على القتال أشد لغرابته ، وقلة وقوعه ، ودونه الصبر على المرض ودونه الصبر على الفقر ، ولهذا تجد الفقراء الأصحاء أكثر عددا من المرضى ، والمرضى أكثر عددا من الفرسان المقاتلين.\rفإن قلت : لم قال \" في البأساء \" فعداه بفي ولم يقل وفي البأس وكان يقال : والصابرين حين البأساء وحين الضراء ؟ \rفالجواب عن ذلك : أنه لما كان وقوع القتال أقلها وجودا بالنسبة إلى غيره كان الصبر عليه أغرب وأعجب فالمراد بالصابرين من حصل الوصف الكامل من الصبر ولو عدي بفي لتناول من حصل منه مطلق الصبر ، وهو الصابر في أول جزء من أجزاء القتال لأنه حينئذ يصدق بأول جزء ، فقيل : \" وَحِينَ البَأْسِ \" (ليفيد) كمال الصبر من أول القتال إلى آخره وأما الفقر والمرض فكلاهما أكثري الوقوع فلا غرابة فيهما فلم يحتج إلى التنبيه على كمال الصبر فيه.\rقال سيدنا علي رضي الله تعالى عنه : \" الصبر رأس كل عبادة وإذا ذهب رأس الشيء ذهب ذلك الشيء \". وذكر بعضهم أن العهد يكون بالقول وبالفعل كمن يحدث حديثا وهو مترقب (لمن) يسمعه فهذا كالعهد في عدم نقله عنه والتحدث به.\rقوله تعالى : {أولئك الذين صَدَقُواْ...}.\rكرر لفظ أُوْلئِكَ تنبيها على أن كل وصف من هذا كاف في حصول المدح والثناء لا المجموع.\rقيل لابن عرفة : احتجّ بها بعض الأصوليين على أن هذه الأمور واجبة ؟ \rابن عرفة : الصحيح عند الأصوليين أن الواجب ما ذمّ تاركه فالواجب إنما يستفاد من الذم على الترك لا من المدح على الفعل لأن ذلك قدر مشترك بين الواجب والمندوب.\r","part":3,"page":257},{"id":1156,"text":"قيل لابن عرفة : هذه الآية حجة على أن (ابن قتيبة) في قوله : إن الخبر المستقبل إذا طابق مخبره فإنما يسمّى موافقة و( وفاقا) ولايسمى صدقا ، وقد سماه هنا صدقا فقال : والصدق هنا المراد به المطابقة المطلقة.\r( فقال ابن عرفة : بل هي حجة له لأنه يجعل {أولئك الذين صَدَقُواْ} راجعا للماضي ويجعل {الموفون بِعَهْدِهِمْ} راجعا للأمر المستقبل فيكون الكلام تأسيسا وعلى قولكم \" أنتم \" يكون تأكيدا والتأسيس أولى من التأكيد). أ هـ {تفسير ابن عرفة صـ 221 ـ 222}\rقوله تعالى {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالْأُنْثَى بِالْأُنْثَى فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ ذَلِكَ تَخْفِيفٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ فَمَنِ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ (178)}\rسبب النزول وفيه ثلاثة أوجه : \rأحدها : أن سبب نزوله إزالة الأحكام التي كانت ثابتة قبل مبعث محمد عليه السلام ، وذلك لأن اليهود كانوا يوجبون القتل فقط ، والنصارى كانوا يوجبون العفو فقط ، وأما العرب فتارة كانوا يوجبون القتل ، وأخرى يوجبون الدية لكنهم كانوا يظهرون التعدي في كل واحد من هذين الحكمين ، أما في القتل فلأنه إذا وقع القتل بين قبيلتين إحداهما أشرف من الأخرى ، فالأشراف كانوا يقولون : لنقتلن بالعبد منا الحر منهم ، وبالمرأة منا الرجل منهم ، وبالرجل منا الرجلين منهم ، وكانوا يجعلون جراحاتهم ضعف جراحات خصومهم ، وربما زادوا على ذلك على ما يروى أن واحداً قتل إنساناً من الأشراف ، فاجتمع أقارب القاتل عند والد المقتول ، وقالوا : ماذا تريد ؟ فقال إحدى ثلاث قالوا : وما هي ؟ قال : إما تحيون ولدي ، أو تملأون داري من نجوم السماء ، أو تدفعوا إلى جملة قومكم حتى أقتلهم ، ثم لا أرى أني أخذت عوضاً.\r","part":3,"page":258},{"id":1157,"text":"وأما الظلم في أمر الدية فهو أنهم ربما جعلوا دية الشريف أضعاف دية الرجل الخسيس ، فلما بعث الله تعالى محمداً صلى الله عليه وسلم أوجب رعاية العدل وسوى بين عباده في حكم القصاص وأنزل هذه الآية.\rوالرواية الثانية : في هذا المعنى وهو قول السدي : إن قريظة والنضير كانوا مع تدينهم بالكتاب سلكوا طريقة العرب في التعدي.\rوالرواية الثالثة : أنها نزلت في واقعة قتل حمزة رضي الله عنه.\rوالرواية الرابعة : ما نقلها محمد بن جرير الطبري عن بعض الناس ورواها عن علي بن أبي طالب وعن الحسن البصري أن المقصود من هذه الآية بيان أن بين الحرين والعبدين والذكرين والأنثيين يقع القصاص ويكفي ذلك فقط ، فأما إذا كان القاتل للعبد حراً ، أو للحر عبداً فإنه يجب مع القصاص التراجع ، وأما حر قتل عبداً فهو قوده ، فإن شاء موالي العبد أن يقتلوا الحر قتلوه بشرط أن يسقطوا ثمن العبد من دية الحر ، ويردوا إلى أولياء الحر بقية ديته ، وإن قتل عبداً حراً فهو به قود ، فإن شاء أولياء الحر قتلوا العبد وأسقطوا قيمة العبد من دية الحر ، وأدوا بعد ذلك إلى أولياء الحر بقية ديته ، وإن شاؤا أخذوا كل الدية وتركوا قتل العبد ، وإن قتل رجل امرأة فهو بها قود ، فإن شاء أولياء المرأة قتلوه وأدوا نصف الدية ، وإن قتلت المرأة رجلاً فهي به قود ، فإن شاء أولياء الرجل قتلوها وأخذوا نصف الدية ، وإن شاؤا أعطوا كل الدية وتركوها ، قالوا فالله تعالى أنزل هذه الآية لبيان أن الاكتفاء بالقصاص مشروع بين الحرين والعبدين والانثيين والذكرين فأما عند إخلاف الجنس فالاكتفاء بالقصاص غير مشروع فيه. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 5 صـ 41}","part":3,"page":259},{"id":1158,"text":"مناسبة الآية لما قبلها\rولما تقدم أن شرط رفع الإثم عن المضطر ترك العدوان وكان العدوان في ذلك وفي غيره ربما أدى إلى القتل وتلا ذلك بما استتبعه كما تقدم إلى أن ختم بهذه الآية وختمها بمدح الصبر والصدق في دعوى الإيمان والوفاء بالعهد وكل شيء وكان من جملة ما خالف فيه أهل الكتاب العهد أمر سفك الدماء فغيروه كله أو بعضه على ما أشار إليه تعالى بقوله {وإذ أخذنا ميثاقكم لا تسفكون دماءكم} [البقرة : 84] الآيات وكان الصبر على بذل الروح أعظم الصبر وفعله أعظم مصدق في الإيمان والاستسلام للقصاص أشد وفاء بالعهد أخبر المؤمنين بما أوجب عليهم من ذلك وما يتبعه فقال تعالى ملذذاً لهم بالإقبال عليهم بالخطاب {يا أيها الذين آمنوا} أي ادعوا الإيمان بألسنتهم ، ولما حصل التعديل بها وقع سابقاً من التأديب فعلم المخاطبون أن الحكم إنما هو لله بني للمجهول قوله : {كتب عليكم} أي فرض في الكتاب وقد سمعتم إنذاري للذين اختلفوا في الكتاب ، والذي عين إرادة الفرض أن الكتب استفاض في الشرع في معناه وأشعر به التعبير بعلى {القصاص} أي المساواة في القتل والجراحات لأنه من القص وهو تتبع الأثر. قال الحرالي : كأنه يتبع بالجاني إثر ما جنى فيتبع إثر عقوبته إثر جنايته - انتهى. {في القتلى} أي في سائر أمور القتل فمن قتل بشيء قتل به ، ومن قتل على كيفية قتل بمثلها ، كأن قطع يداً فسرى إلى النفس فتقطعه ، فإن سرى وإلا جززنا رقبته لتكون الآية عامة مخصوصة في بعض الصور ، ومتى لم يقل بالعموم كانت مجملة والتخصيص أولى من الإجمال ، فصدقوا دعواكم الإيمان مما يعمل الأئمة الاستيفاء وغيرهم بالانقياد فيه ولا تكونوا كأهل الكتاب الذين اختلفوا في كتابهم فآمنوا ببعضه وكفروا ببعضه ، وأيضاً لما ذكر إيتاء المال على حبه وكان قد ذكر أن البار هو المؤمن بالكتاب وكان من الكتاب بذل الروح المعلوم حبها عقبه به إشارة إلى أن المال عديلها لا يؤتى لأجل الله إلاّ بمحض الإيمان","part":3,"page":260},{"id":1159,"text":"كما أن الروح لا تبذل إلا بذلك.\rولما كان أهل الكتاب قد بدلوا حكم التوراة في القصاص الذي أشير بآية المائدة إلى أنه كتب عليهم العدل فيه فكان من كان منهم أقوى جعل لقومه في ذلك فضلاً فكان بنو النضير كما نقله ابن هشام في السيرة يأخذون في قتلاهم الدية كاملة وبنو قريظة نصف الدية وكان بعضهم كما نقله البغوي في سورة المائدة عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما يقتل النفس بالنفس أشار سبحانه وتعالى إلى مخالفتهم في هذا الجور مبيناً للمساواة : {الحر بالحر} ولا يقتل بالعبد لأن ذلك ليس بأولى من الحكم المذكور ولا مساوياً بقتل العبد به لأنه أولى ولا بالحكم فهو مفهوم موافقة.\rولما قدم هذا لشرفه تلاه بقوله : {والعبد بالعبد} تعظيماً للذكورية ، وكذا يقتل بالحر لأنه أولى ، ولا يقتل الحر بالعبد لأنه ليس مساوياً للحكم {والأنثى بالأنثى} وتقتل الأنثى بالذكر والذكر بها ، لأن كلًّ منهما مساوٍ للآخر وفاقا للأصل المؤيد بقوله صلى الله عليه وسلم \" النساء شقائق الرجال \" احتياطاً للدماء التي انتهاكها أكبر الكبائر بعد الشرك ، ونقصت الدية النصف إن كانت بدل الدم وفاقاً لقوله تعالى {وللرجال عليهن درجة} [البقرة : 228] وتنبيهاً على انحطاط حرمة الأموال عن حرمة الدماء على أن تصيب مفهوم الآية أنه لا يقتل بالمقتول إلا قاتله ، وإذا تأملت قوله {القتلى} دون أن يقول : القتل. علمت ذلك. قال الحرالي : لأن أخذ غير الجاني ليس قصاصاً بل اعتداء ثانياً ولا ترفع العدوى بالعدوى إنما ترفع العدوى بالقصاص على نحوه وحده - انتهى. وكذا أخذ غير المساوي اعتداء فلا يقتل مسلم بكافر بما أفهمه القصاص ، وتقييد الحكم بأهل الإيمان مع قوله سبحانه وتعالى {لا يستوي أصحاب النار وأصحاب الجنة} [الحشر : 20] في أمثالها من الآيات. أ هـ {نظم الدرر حـ 1 صـ 330 ـ 332}\rقال العلامة ابن عاشور : ","part":3,"page":261},{"id":1160,"text":"أعيد الخطاب بيأيُّها الذين آمنوا لأن هذا صنف من التشريع لأحكام ذات بال في صلاح المجتمع الإسلامي واستتباب نظامه وأمنه حين صار المسلمون بعد الهجرة جماعةً ذات استقلال بنفسها ومديِنتها ، فإن هاته الآيات كانت من أول ما أنزل بالمدينة عام الهجرة كما ذكره المفسرون في سبب نزولها في تفسير قوله تعالى بعدَ هذا : {وقاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم} [البقرة : 190] الآية.\rتلك أحكام متتابعة من إصلاح أحوال الأفراد وأحوال المجتمع ، وابتُدىء بأحكام القصاص ، لأن أعظم شيء من اختلال الأحوال اختلالُ حفظ نفوس الأمة ، وقد أفرط العرب في إضاعة هذا الأصل ، يَعلم ذلك مَنْ له إلمام بتاريخهم وآدابهم وأحوالهم ، فقد بلغ بهم تطرفهم في ذلك إلى وشك الفناء لو طال ذلك فلم يتداركهم الله فيه بنعمة الإسلام ، فكانوا يغير بعضهم على بعض لغنيمة أنعامه وعبيده ونسائه فيدافع المُغَار عليه وتتلف نفوس بين الفريقين ثم ينشأ عن ذلك طلب الثارات فيسعى كل من قتل له قتيل في قَتْل قاتِل وليِّه وإن أعوزه ذلك قتل به غيره من واحدٍ كفءٍ له ، أو عدد يراهم لا يوازونه ويسمون ذلك بالتكايل في الدم أي كأنَّ دم الشريف يُكال بدماء كثيرة فربما قدروه باثنين أو بعشرة أو بمائة ، وهكذا يدور الأمر ويتزايد تزايداً فاحشاً حتى يصير تفانياً قال زهير : \rتَدَارَكْتُمَا عَبْساً وذُبْيَانَ بعدَما... تَفانَوْا ودَقُّوا بينهم عِطْرَ مَنْشِم\r","part":3,"page":262},{"id":1161,"text":"وينتقل الأمر من قبيلة إلى قبيلة بالولاء والنسب والحلف والنصرة ، حتى صارت الإحن فاشية فتخاذلوا بينهم واستنصر بعض القبائل على بعض فوجد الفرس والروم مدخلاً إلى التفرقة بينهم فحكموهم وأرْهبوهم ، وإلى هذا الإشارة والله أعلم بقوله تعالى : {واذكروا نعمة الله عليكم... حتى فأنقذكم منها} [البقرة : 231] أي كنتم أعداء بأسباب الغارات والحروب فألف بينكم بكلمة الإسلام ، وكنتم على وَشْك الهلاك فأنقذكم منه فضَرب مثلاً للهلاك العاجل الذي لا يُبقي شيئاً بحفرة النار فالقائم على حافتها ليس بينه وبين الهلاك إلاّ أقلُّ حركة. أ هـ {التحرير والتنوير حـ 2 صـ 134 ـ 135}\rقوله تعالى : {كُتِبَ عَلَيْكُمْ }\rقال الفخر : \rأما قوله تعالى : {كُتِبَ عَلَيْكُمْ} فمعناه : فرض عليكم فهذه اللفظة تقتضي الوجوب من وجهين : أحدهما : أن قوله تعالى : {كتب} يفيد الوجوب في عرف الشرع قال تعالى : {كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصيام} وقال : {كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الموت إِن تَرَكَ خَيْرًا الوصية} [البقرة : 180] وقد كانت الوصية واجبة ومنه الصلوات المكتوبات أي المفردات ، وقال عليه السلام : \" ثلاث كتبن علي ولم تكتب عليكم \" والثاني : لفظة {عَلَيْكُمْ} مشعرة بالوجوب كما في قوله تعالى : {وَللَّهِ عَلَى الناس حِجُّ البيت} [آل عمران : 97] وأما القصاص فهو أن يفعل بالإنسان مثل ما فعل ، من قولك : اقتص فلان أثر فلان إذا فعل مثل فعله ، قال تعالى {فارتدا على ءاثَارِهِمَا قَصَصًا} [الكهف : 64] وقال تعالى : {وَقَالَتْ لأُخْتِهِ قُصّيهِ} [القصص : 11] أي اتبعي أثره ، وسميت القصة قصة لأن بالحكاية تساوي المحكي ، وسمي القصص لأنه يذكر مثل أخبار الناس ، ويسمى المقص مقصاً لتعادل جانبيه.","part":3,"page":263},{"id":1162,"text":"أما قوله تعالى : {فِي القتلى} أي بسبب قتل القتلى ، لأن كلمة {فِى} قد تستعمل للسببية كقوله عليه السلام : \" في النفس المؤمنة مائة من الإبل \" إذا عرفت هذا فصار تقدير الآية : يا أيها الذين آمنوا وجب عليكم القصاص بسبب قتل القتلى ، فدل ظاهر الآية على وجوب القصاص على جميع المؤمنين بسبب قتل جميع القتلى ، إلا أنهم أجمعوا على أن غير القاتل خارج من هذا العموم وأما القاتل فقد دخله التخصيص أيضاً في صور كثيرة ، وهي إذا قتل الوالد ولده ، والسيد عبده وفيما إذا قتل المسلم حربياً أو معاهداً ، وفيما إذا قتل مسلم خطأ إلا أن العام الذي دخله التخصيص يبقى حجة فيما عداه.\rأ هـ {مفاتيح الغيب حـ 5 صـ 41}\rكلام نفيس للخازن فى هذه الآية : \rالقصاص المساواة والمماثلة في القتل والدية والجراح من قص الأثر إذا اتبعه فالمفعول به يتبع ما فعل فيفعل به مثل ذلك ، فلو قتل رجل رجلاً بعصا أو خنقه أو شدخ رأسه بحجر فمات فيقتل بمثل الذي قتل به وهو قول مالك والشافعي وأحدى الروايتين عن أحمد وقيل يقتل بالسيف وهو قول أبي حنيفة والرواية الثانية عن أحمد {الحر بالحر والعبد وبالعبد والأنثى بالأنثى} ومعناه أنه إذا تكافأ الدمان من الأحرار المسلمين أو العبيد من المسلمين أو الأحرار من المعاهدين أو العبيد منهم فيقتل كل صنف إذ قتل بمثله الذكر بالذكر والأنثى بالأنثى وبالذكر ولا يقتل مؤمن بكافر ولا حر بعبد ولا والد بولد ويقتل الذمي بالمسلم والعبد بالحر والولد بالوالد هذا مذهب مالك والشافعي وأحمد ويدل عليه ما روى البخاري في صحيحه عن أبي جحيفة قال : سألت علياً هل عندكم من النبي صلى الله عليه وسلم شيء سوى القرآن قال لا والذي فلق الحبة وبرأ النسمة إلاّ أن يؤتى الله عبداً فهماً في القرآن وما في هذه الصحيفة قلت : وما في هذه الصحيفة قال : العقل وفك الأسير وأن لا يقتل مؤمن بكافر ، وقد أخرج مسلم عن علي نحو هذا من غير رواية أبي جحيفة.","part":3,"page":264},{"id":1163,"text":"العقل هنا هو الدية والعاقلة الجماعة من أولياء القاتل الذين يعقلون. عن ابن عباس قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : \" لا تقام الحدود في المساجد ، ولا يقتل الوالد بالولد \" أخرجه الترمذي ، وذهب أصحاب الرأي إلى أن المسلم يقتل الذمي والحر بالعبد وهذه الآية مع الأحاديث حجة لمذهب الشافعي ومن وافقه ويقولون هي مفسرة لما أبهم في قوله : \" النفس بالنفس \" وأن تلك واردة لحكاية ما كتب على بني إسرائيل في التوراة وهذه الآية خطاب للمسلمين بما كتب عليهم وذهب أصحاب الرأي إلى أن هذه منسوخة بقوله \" النفس بالنفس \" وتقتل الجماعة بالواحد يدل عليه ما روى البخاري في صحيحه عن ابن عمر أن غلاماً قتل غيلة فقال عمر : لو اشترك فيه أهل صنعاء لقتلتهم به. قال البخاري وقال مغيرة بن حكيم عن أبيه : أن أربعة قتلوا صبياً فقال عمر مثله. وروى مالك في الموطا عن ابن المسيب أن عمر قتل نفراً خمسة أو سبعة برجل واحد قتلوه غيلة وقال : لو تمالأ عليه أهل صنعاء لقتلهم جميعاً. الغيلة أن يقتل الرجل خديعة ومكراً من غير أن يعلم ما يراد به. وقوله لقتلهم لو تمالأ أي تعاونوا واجتمعوا عليه.\r","part":3,"page":265},{"id":1164,"text":"وقوله تعالى : {فمن عفي له من أخيه شيء} أي ترك له وصفح عنه من الواجب عليه وهو القصاص في قتل العمد ، ورضي بالدية أو العفو عنها ، أو قبول الدية في قتل العمد من أخيه أي من دم أخيه وأراد بالأخ ولي المقتول ، وإنما قيل له أخ لأنه لابسه من قبل أنه ولي الدم والمطالب به. وقيل : إنما ذكره بلفظ الأخوة ليعطف احدهما على صاحبه بما هو ثابت بينهما من الجنسية وأخوة الإسلام. وفي قوله شيء دليل على أن بعض الأولياء إذا عفا سقط القود وثبتت الدية لأن شيئاً من الدم قد بطل {فاتباع بالمعروف} أي فليتبع الولي القاتل بالمعروف فلا يأخذ أكثر من حقه ولا يعنفه {وأداء إليه بإحسان} أي على القاتل أداء الدية إلى ولي الدم من غير مماطلة ، أمر كل واحد منهما بالإحسان فيما له وعليه وقيل في تقدير الآية : وإذا عفا ولي الدم عن شيء يتعلق بالقاتل ، وهو وجوب القصاص فليتبع القاتل ذلك العفو بمعروف وليؤد ما وجب عليه من الدية إلى ولي الدم بإحسان من غير مطل ولا مدافعة. وفي الآية دليل على أن القاتل لا يصير كافراً وأن الفاسق مؤمن ووجه ذلك من وجوه : الأول إن الله تعالى خاطبه بعد القتل بالإيمان وسماه مؤمناً بقوله : {يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم القصاص} فسماه مؤمناً حال ما وجب عليه من القصاص.\rوإنما وجب عليه بعد صدور القتل منه وقتل العمد والعدوان من الكبائر بالإجماع فدل على أن صاحب الكبيرة مؤمن.\rالوجة الثاني : أنه تعالى أثبت الأخوة بين القاتل وولي الدم بقوله : {فمن عفي له من أخيه شيء} أراد بالأخوة أخوة الإيمان فلولا أن الإيمان باق على القاتل لم تثبت له الأخوة.\rالوجه الثالث : أنه تعالى ندب إلى العفو عن القاتل ، والعفو لا يليق إلاّ عن المؤمن لا عن الكافر. أ هـ {تفسير الخازن حـ 1 صـ 107}\rوقال الشيخ الطاهر بن عاشور : ","part":3,"page":266},{"id":1165,"text":"القصاص بوزن فِعال وهو وزن مصدر فَاعَلَ من القص وهو القطع ومنه قولهم : طائر مقصوص الجناح ومنه سمي المقص لآلة القص أي القطع وقصة الشعر بضم القاف ما يقص منه لأنه يجري في حقين متبادلين بين جانبين يقال قاصّ فلان فلاناً إذا طرح من دين في ذمته مقداراً بدين له في ذمة الآخر فشبه التناصف بالقطع لأنه يقطع النزاع الناشب قبله ، فلذلك سمي القَود وهو تمكينُ ولي المقتول من قَتل قاتِل مولاه قصاصاً قال تعالى : {ولكم في القصاص حياة} [البقرة : 179] ، وسميت عقوبة من يجرح أحداً جُرحاً عمداً عدواناً بأن يُجْرح ذلك الجارح مثل ما جَرح غيره قصَاصاً قال تعالى : {والجروح قصاص} [المائدة : 45] وسموا معاملة المعتدي بمثل جرمه قصاصاً {والحرمت قصاص} [البقرة : 194] ، فماهية القصاص تتضمن ماهية التعويض والتماثل.\rفقوله تعالى : {كتب عليكم القصاص في القتلى} يتحمّل معنى الجزاء على القتل بالقتل للقاتل وتتحمل معنى التعادل والتماثل في ذلك الجزاء بما هو كالعوض له والمِثل ، وتتحمل معنى أنه لا يقتل غير القاتل ممن لا شركة له في قتل القتيل فأفاد قوله : {كتب عليكم} حق المؤاخذة بين المؤمنين في قتل القتلى فلا يذهب حق قتيل باطلاً ولا يُقتل غير القاتل باطلاً ، وذلك إبطال لما كانوا عليه في الجاهلية من إهمال دم الوضيع إذا قتله الشريف وإهمال حق الضعيف إذا قتله القَوي الذي يُخشى قومه ، ومن تَحَكُّمهم بطلب قتل غير القاتل إذا قَتَل أحد رجُلاً شريفاً يطلبون قتل رجل شريف مثله بحيث لا يقتلون القاتل إلاّ إذا كان بواء للمقتول أي كفءا له في الشرف والمجد ويعتبرون قيمة الدماء متفاوتة بحسب تفاوت السودد والشرف ويُسمون ذلك التفاوت تكَايُلاً من الكيل ، قالت ابنة بهدل بن قرقة الطائي تستثير رهطها على قتل رجل قتل أباها وتَذكر أنها ما كانت تقنع بقتله به لولا أن الإسلام أبطل تكايل الدماء : \r","part":3,"page":267},{"id":1166,"text":"أَمَا فِي بَنِي حِصْننٍ من ابننِ كريهة... مِنَ القوْم طَلاَّببِ الترَّاتتِ غَشَمْشَمِ\rفيَقتُلَ جَبْراً بامرىءٍ لم يكن له... بَوَاءً ولكن لا تَكايُلَ بالدَّم\rقال النبي صلى الله عليه وسلم \" المسلمون تتكافأ دماؤهم \".\rوقد ثبت بهذه الآية شرع القصاص في قتل العمد ، وحكمة ذلك ردع أهل العدوان عند الإقدام على قتل الأنفس إذا علموا أن جزاءهم القتل ، فإن الحياة أعز شيء على الإنسان في الجبلة فلا تعادل عقوبةٌ القتلَ في الردع والانزجار ، ومن حكمة ذلك تطمين أولياء القتلى بأن القضاء ينتقم لهم ممَّن اعتدى على قتيلهم قال تعالى : {ومن قتل مظلوماً فقد جعلنا لوليه سلطاناً فلا يسرف في القتل إنه كان منصوراً} [الإسراء : 33] أي لئلا يتصدى أولياء القتيل للانتقام من قاتل مولاهم بأنفسهم ؛ لأن ذلك يفضي إلى صورة الحرب بين رهطين فيكثر فيه إتلاف الأنفس كما تقدم في الكلام على صدر الآية ، ويأتي عند قوله تعالى : {ولكم في القصاص حياة} [البقرة : 179].\rوأول دم أقيد به في الإسلام دم رجل من هذيل قتله رجل من بني ليث فأقاد منه النبي صلى الله عليه وسلم وهو سائر إلى فتح الطائف بموضع يقال له : بَحْرَةُ الرُّغَاء في طريق الطائف وذلك سنة ثمان من الهجرة.\rو {في} من قوله : {في القتلى} ، للظرفية المجازية والقصاص لا يكون في ذوات القتلى ، فتعين تقدير مضاف وحذفُه هنا ليشمل القصاص سائر شؤون القتلى وسائر معاني القصاص فهو إيجاز وتعميم.\rوجمع {القتلى} باعتبار جمع المخاطبين أي في قتلاكم ، والتعريف في القتلى تعريف الجنس ، والقتيل هو من يقتله غيره من الناس والقتل فعل الإنسان إماتة إنسان آخر فليس الميت بدون فعل فاعل قتيلاً.","part":3,"page":268},{"id":1167,"text":"وجملة {الحر بالحر والعبد بالعبد والأنثى بالأنثى} بيان وتفصيل لجملة {كُتبَ عليكم القصاص في القتلى} فالباء في قوله : {بالحر} وما بعده ، متعلقة بمحذوف دل عليه معنى القصاص والتقدير الحر يقتصُّ أو يقتل بالحر الخ ومفهوم القيد مع ما في الحر والعبد والأنثى من معنى الوصفية يقتضي أن الحر يقتل بالحر لا بغيره والعبد يقتل بالعبد لا بغيره ، والأنثى تقتل بالأنثى لا بغيرها.\rوقد اتفق علماء الإسلام على أن هذا المفهوم غير معمول به باطراد ، لكنهم اختلفوا في المقدار المعمول به منه بحسب اختلاف الأدلة الثابتة من الكتاب والسنة وفي المراد من هذه الآية ومحمل معناها ، ففي \"الموطأ\" \"قال مالك أحسن ما سمعت في هذه الآية أن قوله تعالى : {الحر بالحر والعبد بالعبد} فهؤلاء الذكور وقوله : {والأنثى بالأنثى} أن القصاص يكون بين الإناث كما يكون بين الذكور والمرأة الحرة تقتل بالمرأة الحرة كما يقتل الحر بالحر والأمة تقتل بالأمة كما يقتل العبد بالعبد والقصاص يكون بين النساء كما يكون يبن الرجال. والقصاص أيضاً يكون بين الرجال والنساء\". أي وخُصَّت الأنثى بالذكر مع أنها مشمولة لعموم الحر بالحر والعبد لئلا يتوهم أن صيغة التذكير في قوله : {الحر} وقوله : {العبد} مراد بها خصوص الذكور.\rقال القرطبي عن طائفة أن الآية جاءت مبينة لحكم النوع إذا قتل نوعه فبيّنت حكم الحر إذا قتل حراً والعبد إذا قتل عبداً والأنثى إذا قتلت أنثى ولم يتعرض لأحد النوعين إذا قتل الآخر ، فالآية محكمة وفيها إجمال يبيّنه قوله تعالى : {وكتبنا عليهم فيها أن النفس} [المائدة : 45] الآية اه. وعلى هذا الوجه فالتقييد لبيان عدم التفاضل في أفراد النوع ، ولا مفهوم له فيما عدا ذلك من تفاضل الأنواع إثباتاً ولا نفياً. أ هـ {التحرير والتنوير حـ 2 صـ 135 ـ 138}","part":3,"page":269},{"id":1168,"text":"سؤالان : فإن قيل : قولكم هذه الآية تقتضي وجوب القصاص فيه إشكالان الأول : أن القصاص لو وجب لوجب إما على القاتل ، أو على ولي الدم ، أو على ثالث ، والأقسام الثلاثة باطلة ، وإنما قلنا : إنه لا يجب على القاتل لأن القاتل لا يجب عليه أن يقتل نفسه ، بل يحرم عليه ذلك ، وإنما قلنا : إنه غير واجب على ولي الدم لأن ولي الدم مخير في الفعل والترك ، بل هو مندوب إلى الترك بقوله : {وَأَن تَعْفُواْ أَقْرَبُ للتقوى} [البقرة : 237] والثالث أيضاً باطل لأنه يكون أجنبياً عن ذلك القتل والأجنبي عن الشي لا تعلق له به.\rالسؤال الثاني : إذا بينا أن القصاص عبارة عن التسوية فكان مفهوم الآية إيجاب التسوية وعلى هذا التقدير لا تكون الآية دالة على إيجاب القتل ألبتة ، بل أقصى ما في الباب أن الآية تدل على وجوب رعاية التسوية في القتل الذي يكون مشروعاً وعلى هذا التقدير تسقط دلالة الآية على كون القتل مشرعاً بسبب القتل.\rوالجواب عن السؤال الأول : من وجهين الأول : أن المراد إيجاب إقامة القصاص على الإمام أو من يجرى مجراه ، لأنه متى حصلت شرائط وجوب القود فإنه لا يحل للإمام أن يترك القود لأنه من جملة المؤمنين ، والتقدير : يا أيها الأئمة كتب عليكم استيفاء القصاص إن أراد ولي الدم استيفاءه والثاني : أنه خطاب مع القاتل والتقدير : يا أيها القاتلون كتب عليكم تسليم النفس عند مطالبة الولي بالقصاص وذلك لأن القاتل ليس له أن يمتنع ههنا وليس له أن ينكر ، بل للزاني والسارق الهرب من الحد ولهما أيضاً أن يستترا بستر الله ولا يقرأ ، والفرق أن ذلك حق الآدمي.\rوأما الجواب عن السؤال الثاني : فهو أن ظاهر الآية يقتضي إيجاب التسوية في القتل والتسوية في القتل صفة القتل وإيجاب الصفة يقتضي إيجاب الذات ، فكانت الآية مفيدة لإيجاب القتل من هذا الوجه. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 5 صـ 42}\rإشكال وجوابه للعلامة الطاهر ابن عاشور","part":3,"page":270},{"id":1169,"text":"ما وجه تخصيص الأنثى بعد قوله تعالى : {الحر بالحر والعبد بالعبد} ؟ وهل تخرج الأنثى عن كونها حرة أو أمة بعد ما تبين أن المراد بالحر والعبد الجنسان ؛ إذ ليس صيغة الذكور فيها للاحتراز عن النساء منهم ؛ فإن (ال) لمّا صيرته اسم جنس صار الحكم على الجنس وبطل ما فيه من صيغة تأنيث كما يبطل ما فيه من صيغة جمع إن كانت فيه.\rولأجل هذا الإشكال سألت العلامة الجد الوزير رحمه الله عن وجه مجيء هذه المقابلة المشعرة بألا يقتص من صنف إلاّ لقتل مماثله في الصفة فترك لي ورقة بخطه فيها ما يأتي : الظاهر والله تعالى أعلم أن الآية (يعني آية سورة المائدة) نزلت إعلاماً بالحكم في بني إسرائيل تأنيساً وتمهيداً لحكم الشريعة الإسلامية ، ولذلك تضمنت إناطة الحكم بلفظ النفس المتناول للذكر والأنثى الحر والعبد الصغير والكبير ، ولم تتضمن حكماً للعبيد ولا للإناث ، وصدرت بقوله {وكتبنا عليهم فيها} [المائدة : 45] ، والآية الثانية (يعني آية سورة البقرة) صدرت بقوله : {كتب عليكم} وناط الحكم فيها بالحرية المتناولة للأصناف كلها ثم ذكر حكم العبيد والأناث رداً على من يزعم أنه لا يقتص لهم ، وخصص الأنثى بالأنثى للدلالة على أن عدمها معصوم ، وذلك لأنه إذا اقتص لها من الأنثى ولم يقتص لها من الذكر صار الدم معصوماً تارة لذاته غير معصوم أخرى وهذا من لطف التبليغ حيث كان الحكم متضمناً لدليله ، فقوله : كتب القتل والقتال علينا... وعلى الغانيات جر الذيول\rحكم جاهلي اه.\r","part":3,"page":271},{"id":1170,"text":"يعني أن الآية لم يقصد منها إلاّ إبطال ما كان عليه أمر الجاهلية من ترك القصاص لشرف أو لقلة اكتراث ، فقصدت التسوية بقوله {الحر بالحر والعبد بالعبد} أي لا فضل لحر شريف على حر ضعيف ولا لعبيد السادة على عبيد العامة وقصدت من ذكر الأنثى إبطال ما كان عليه الجاهلية من عدم الاعتداد بجناية الأنثى واعتبارها غير مؤاخذة بجناياتها ، وأراد بقوله : حكم جاهلي أنه ليس جارياً على أحكام الإسلام ؛ لأن البيت لعمر ابن أبي ربيعة وهو شاعر إسلامي من صدر الدولة الأموية.\rفإن قلت : كان الوجه ألا يقول : {بالأنثى} المشعر بأن الأنثى لا تقتل بالرجل مع إجماع المسلمين على أن المرأة يقتص منها للرجل. قلت : الظاهر أن القيد خرج مخرج الغالب ، فإن الجاري في العرف أن الأنثى لا تقتل إلاّ أنثى ، إذ لا يتثاور الرجال والنساء فذكر {بالأنثى} خارج على اعتبار الغالب كمخرج وصف السائمة في قول النبي صلى الله عليه وسلم \" في الغنم السائمة الزكاة \" والخلاصة أن الآية لا يلتئم منها معنى سليم من الإشكال إلاّ معنى إرادة التسوية بين الأصناف لقصد إبطال عوائد الجاهلية. أ هـ {التحرير والتنوير حـ 2 صـ 138 ـ 139}\rسؤال : قوله تعالى : {كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى} هذه الآية تدل بظاهرها على أن القصاص أمر حتم لابد منه بدليل قوله تعالى كتب عليكم لأن معناه فرض وحتم عليكم مع أنه تعالى ذكر أيضا أن القصاص ليس بمتعين لأن ولي الدم بالخيار في قوله تعالى : {فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ} الآية. والجواب ظاهر وهو أن فرض القصاص إلزامه فيما إذا لم يعف أولياء الدم أو بعضهم , كما يشير إليه قوله تعالى : {وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُوماً فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَاناً فَلا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ} الآية. أ هـ {دفع إيهام الاضطراب صـ 35}\rفائدة\rقال الفخر : ","part":3,"page":272},{"id":1171,"text":"اتفقوا على أن هذا القاتل إذا لم يتب وأصر على ترك التوبة ؛ فإن القصاص مشروع في حقه عقوبة من الله تعالى وأما إذا كان تائباً فقد اتفقوا على أنه لا يجوز أن يكون عقوبة وذلك لأن الدلائل دلت على أن التوبة مقبولة قال تعالى : {وَهُوَ الذى يَقْبَلُ التوبة عَنْ عباده ويعفو عن السيآت} [الشورى : 25] وإذا صارت التوبة مقبولة امتنع أن يبقى التائب مستحقاً لعقاب ، ولأنه عليه السلام قال : \" التوبة تمحو الحوبة \" فثبت أن شرع القصاص في حق التائب لا يمكن أن يكون عقوبة ثم عند هذا اختلفوا فقال أصحابنا : يفعل الله ما يشاء ولا اعتراض عليه في شيء وقالت المعتزلة إنما شرع ليكون لطفاً به ثم سألوا أنفسهم فقالوا : إنه لا تكلف بعد القتل فكيف يكون هذا القتل لطفاً به ؟ وأجابوا عنه بأن هذا القتل فيه منفعة لولي المقتول من حيث التشفي ومنفعة لسائر المكلفين من حيث يزجر سائر الناس عن القتل ، ومنفعة للقاتل من حيث إنه متى علم أنه لا بد وأن يقتل صار ذلك داعياً له إلى الخير وترك الإصرار والتمرد.\rأ هـ {مفاتيح الغيب حـ 5 صـ 43}\rقوله تعالى {الحر بِالْحُرّ والعبد بالعبد والأنثى بالأنثى}\rقال الفخر : \rأما قوله تعالى : {الحر بِالْحُرّ والعبد بالعبد والأنثى بالأنثى} ففيه قولان : \rالقول الأول : إن هذه الآية تقتضي أن لا يكون القصاص مشروعاً إلا بين الحرين وبين العبدين وبين الأنثيين.","part":3,"page":273},{"id":1172,"text":"واحتجوا عليه بوجوه الأول : أن الألف واللام في قوله : {الحر} تفيد العموم فقوله : {الحر بِالْحُرّ} يفيد أن يقتل كل حر بالحر ، فلو كان قتل حر بعبد مشروعاً لكان ذلك الحر مقتولاً لا بالحر وذلك ينافي إيجاب أن يكون كل حر مقتولاً بالحر الثاني : أن الباء من حروف الجر فيكون متعلقاً لا محالة بفعل ، فيكون التقدير : الحر يقتل بالحر والمبتدأ لا يكون أعم من الخبر ، بل إما أن يكون مساوياً له أو أخص منه ، وعلى التقديرين فهذا يقتضي أن يكون كل حر مقتولاً بالحر وذلك ينافي كون حر مقتولاً بالعبد الثالث : وهو أنه تعالى أوجب في أول الآية رعاية المماثلة وهو قوله : {كُتِبَ عَلَيْكُمُ القصاص فِي القتلى} فلما ذكر عقيبة قوله : {الحر بِالْحُرّ والعبد بالعبد} دل ذلك على أن رعاية التسوية في الحرية والعبدية معتبرة ، لأن قوله : {الحر بِالْحُرّ والعبد بالعبد} خرج مخرج التفسير لقوله : {كُتِبَ عَلَيْكُمُ القصاص فِي القتلى} وإيجاب القصاص على الحر بقتل العبد إهمال لرعاية التسوية في هذا المعنى ، فوجب أن لا يكون مشروعاً فإن احتج الخصم بقوله تعالى : \r","part":3,"page":274},{"id":1173,"text":"{وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النفس بالنفس} [المائدة : 45] فجوابنا أن الترجيح معنا لوجهين أحدهما : أن قوله : {وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النفس بالنفس} شرع لمن قبلنا ، والآية التي تمسكنا بها شرع لنا ولا شك أن شرعنا أقوى في الدلالة من شرع من قبلنا وثانيهما : أن الآية التي تمسكنا بها مشتملة على أحكام النفوس على التفصيل والتخصيص ، ولا شك أن الخاص مقدم على العام ، ثم قال أصحاب هذا القول مقتضى ظاهر هذه الآية أن لا يقتل العبد إلا بالعبد ، وأن لا تقتل الأثنى إلا بالأنثى ، إلا أنا خالفنا هذا الظاهر لدلالة الاجتماع ، وللمعنى المستنبط من نسق هذه الآية ، وذلك المعنى غير موجود في قتل الحر بالعبد ، فوجب أن يبقى ههنا على ظاهر اللفظ ، أما الإجماع فظاهر ، وأما المعنى المستنبط فهو أنه لما قتل العبد بالعبد فلأن يقتل بالحر وهو فوقه كان أولى ، بخلاف الحر فإنه لما قتل بالحر لا يلزم أن يقتل بالعبد الذي هو دونه ، وكذا القول في قتل الأثنى بالذكر ، فأما قتل الذكر بالأنثى فليس فيه إلا الإجماع والله أعلم.\r","part":3,"page":275},{"id":1174,"text":"القول الثاني : أن قوله تعالى : {الحر بِالْحُرّ} لا يفيد الحصر ألبتة ، بل يفيد شرع القصاص بين المذكورين من غير أن يكون فيه دلالة على سائر الأقسام ، واحتجوا عليه بوجهين الأول : أن قوله : {والأنثى بالأنثى} يقتضي قصاص المرأة الحرة بالمرأة الرقيقة ، فلو كان قوله : {الحر بِالْحُرّ والعبد بالعبد} مانعاً من ذلك لوقع التناقض الثاني : أن قوله تعالى : {كُتِبَ عَلَيْكُمُ القصاص فِي القتلى} جملة تامة مستقلة بنفسها وقوله : {الحر بِالْحُرّ} تخصيص لبعض جزئيات تلك الجملة بالذكر وإذا تقدم ذكر الجملة المستقلة كان تخصيص بعض الجزئيات بالذكر لا يمتنع من ثبوت الحكم في سائر الجزئيات بل ذلك التخصيص يمكن أن يكون لفوائد سوى نفي الحكم عن سائر الصور ، ثم اختلفوا في تلك الفائدة فذكروا فيها وجهين الأول : وهو الذي عليه الأكثرون أن تلك الفائدة بيان إبطال ما كان عليه أهل الجاهلية على ما روينا في سبب نزول هذه الآية أنهم كانوا يقتلون بالعبد منهم الحر من قبيلة القاتل ، ففائدة التخصيص زجرهم عن ذلك.\r","part":3,"page":276},{"id":1175,"text":"واعلم أن للقائلين بالقول الأول أن يقولوا قوله تعالى : {كُتِبَ عَلَيْكُمُ القصاص فِي القتلى} هذا يمنع من جواز قتل الحر بالعبد لأن القصاص عبارة عن المساواة ، وقتل الحر بالعبد لم يحصل فيه رعاية المساواة لأنه زائد عليه في الشرف وفي أهلية القضاء والإمامة والشهادة فوجب أن لا يكون مشروعاً ، أقصى ما في الباب أنه ترك العمل بهذا النص في قتل العالم بالجاهل والشريف بالخسيس ، إلا أنه يبقى في غير محل الإجماع على الأصل ، ثم إن سلمنا أن قوله : {كُتِبَ عَلَيْكُمُ القصاص فِي القتلى} يوجب قتل الحر بالعبد ، إلا أنا بينا أن قوله : {بِالْحُرّ والعبد بالعبد} يمنع من جواز قتل الحرب بالعبد ؛ هذا خاص وما قبله عام والخاص مقدم على العام لا سيما إذا كان الخاص متصلاً بالعام في اللفظ فإنه يكون جارياً مجرى الاستثناء ولا شك في وجوب تقديمه على العام.\rالوجه الثاني : في بيان فائدة التخصيص ما نقله محمد بن جرير الطبري عن علي بن أبي طالب والحسن البصري ، أن هذه الصور هي التي يكتفي فيها بالقصاص ، أما في سائر الصور وهي ما إذا كان القصاص واقعاً بين الحر والعبد ، وبين الذكر والأنثى ، فهناك لا يكتفي بالقصاص بل لا بد فيه من التراجع ، وقد شرحنا هذا القول في سبب نزول هذه الآية ، إلا أن كثيراً من المحققين زعموا أن هذا النقل لم يصح عن علي بن أبي طالب وهو أيضاً ضعيف عند النظر لأنه قد ثبت أن الجماعة تقتل بالواحد ولا تراجع ، فكذلك يقتل الذكر بالأنثى ولا تراجع ، ولأن القود نهاية ما يجب في القتل فلا يجوز وجوب غيره معه. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 5 صـ 44 ـ 45}\rقوله تعالى {فَمَنْ عُفِىَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَىْء }\rالمناسبة\rقال البفاعى : ","part":3,"page":277},{"id":1176,"text":"ولما فتح سبحانه وتعالى لنا باب الرحمة بالقصاص منبهاً على تبكيت أهل الكتاب وكان ذلك من حكم التوراة لكن على سبيل الحتم وكان العفو على النصارى كذلك أظهر في الفرقان زيادة توسعة بوضع هذا الإصر عنا بالتخيير بينهما. قال الحرالي : نقلاً من عقاب الآخرة إلى ابتلاء الدنيا ونقلاً من ابتلاء الدنيا في الدم إلى الكفارة بأخذ حظ من المال كما كان في الفداء الأول لذبح إبراهيم عليه الصلاة والسلام من ولده فقال : {فمن عفي له} عن جنايته من العفو وهو ما جاء بغير تكلف ولا كره - انتهى. وعبر بالبناء للمفعول إشارة إلى أن الحكم يتبع العفو من أي عاف كان له العفو في شيء من الحق ولو كان يسيراً وهو معنى قوله : {من أخيه شيء} أي أي شيء كان من العفو بالنزول عن طلب الدم إلى الدية ، وفي التعبير بلفظ الأخ كما قال الحرالي تأليف بين الجاني والمجني عليه وأوليائه من حيث {ما كان لمؤمن أن يقتل مؤمناً إلاّ خطأ} [النساء : 92] وإن لم يكن خطأ الطبع فهو خطأ القصد من حيث لم يقصد أن يقتل مؤمناً إنما قصد أن يقتل عدوّاً وشاتماً أو عادياً على أهله وماله أو ولده.\rفإذا انكشف حجاب الطبع عاد إلى أخوة الإيمان {فاتباع} أي فالأمر في ذلك اتباع من ولي الدم {بالمعروف} فيه توطين النفس على كسرها عن حدة ما تجره إليها أحقاد الجنايات ، والمعروف ما شهد عيانة لموافقته وبقبول موقعه بين الأنفس فلا يلحقها منه تنكر.\rولما أمر المتبع أمر المؤدي فقال {وأدآء إليه بإحسان} لئلا يجمع بين جنايته أو جناية وليه وسوء قضائه ، وفي إعلامه إلزام لأولياء الجاني بالتذلل والخضوع والإنصاف لأولياء المقتول بما لهم من السلطان {فقد جعلنا لوليه سلطاناً} [الإسراء : 22] فيراقبون فيهم رحمة الله التي رحمهم بها فلم يأخذ الجاني بجنايته - انتهى.\rأ هـ {نظم الدرر حـ 1 صـ 332}\rقال الفخر : ","part":3,"page":278},{"id":1177,"text":"أما قوله تعالى : {فَمَنْ عُفِىَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَىْء فاتباع بالمعروف وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بإحسان} فاعلم أن الذين قالوا : موجب العمد أحد أمرين إما القصاص وإما الدية تمسكوا بهذه الآية وقالوا الآية تدل على أن في هذه القصة عافياً ومعفواً عنه ، وليس ههنا إلا ولي الدم والقاتل ، فيكون العافي أحدهما ولا يجوز أن يكون هو القاتل لأن ظاهر العفو هو إسقاط الحق وذلك إنما يتأتى من الولي الذي له الحق على القتل ، فصار تقدير الآية : فإذا عفي ولي الدم عن شيء يتعلق بالقاتل فليتبع القاتل ذلك العفو بمعروف ، وقوله : {شَىْء} مبهم فلا بد من حمله على المذكور السابق وهو وجوب القصاص إزالة للإبهام ، فصار تقدير الآية إذا حصل العفو للقاتل عن وجوب القصاص ، فليتبع القاتل العافي بالمعروف ، وليؤد إليه مالاً بإحسان ، وبالإجماع لا يجب أداء غير الدية ، فوجب أن يكون ذلك الواجب هو الدية ، وهذا يدل على أن موجب العمد هو القود أو المال ، ولو لم يكن كذلك لما كان المال واجباً عند العفو عن القود ، ومما يؤكد هذا الوجه قوله تعالى : {ذلك تَخْفِيفٌ مّن رَّبّكُمْ وَرَحْمَةٌ} أي أثبت الخيار لكم في أخذ الدية ، وفي القصاص رحمة من الله عليكم ، لأن الحكم في اليهود حتم القصاص والحكم في النصارى حتم العفو فخف عن هذه الأمة وشرع لهم التخيير بين القصاص والدية ، وذلك تخفيف من الله ورحمة في حق هذه الأمة لأن ولي الدم قد تكون الدية آثر عنده من القود إذا كان محتاجاً إلى المال ، وقد يكون القود آثر إذا كان راغباً في التشفي ودفع شر القاتل عن نفسه ، فجعل الخيرة له فيما أحبه رحمة من الله في حقه.\rفإن قيل : لا نسلم أن العافي هو ولي الدم وقوله العفو إسقاط الحق وذلك لا يليق إلا بولي الدم.\r","part":3,"page":279},{"id":1178,"text":"قلنا : لا نسلم أن العفو هو إسقاط الحق ، بل المراد من قوله : {فَمَنْ عُفِىَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَىْء} أي فمن سهل له من أخيه شيء ، يقال : أتاني هذا المال عفواً صفواً ، أي سهلاً ، ويقال : خذ ما عفا ، أي ما سهل ، قال الله تعالى : {خُذِ العفو} فيكون تقدير الآية : فمن كان من أولياء الدم وسهل له من أخيه الذي هو القاتل شيء من المال فليتبع ولي الدم ذلك القاتل في مطالبة ذلك المال وليؤد القاتل إلى ولي الدم ذلك المال بالإحسان من غير مطل ولا مدافعة ، فيكون معنى الآية على هذا التقدير : إن الله تعالى حث الأولياء إذا دعوا إلى الصلح من الدم على الدية كلها أو بعضها أن يرضوا به ويعفوا عن القود.\rسلمنا أن العافي هو ولي الدم ، لكن لم لا يجوز أن يقال : المراد هو أن يكون القصاص مشتركاً بين شريكين فيعفو أحدهما فحينئذ ينقلب نصيب الآخر مالاً فالله تعالى أمر الشريك الساكت باتباع القاتل بالمعروف ، وأمر القاتل بالأداء إليه بإحسان.\rسلمنا أن العافي هو ولي الدم سواء كان له شريك أو لم يكن ، لكن لم لا يجوز أن يقال : إن هذا مشروط برضا القاتل ، إلا أنه تعالى لم يذكر رضا القاتل لأنه يكون ثابتاً لا محالة لأن الظاهر من كل عامل أنه يبذل كل الدنيا لغرض دفع القتل عن نفسه لأنه إذا قتل لا يبقى له لا النفس ولا المال أما بذل المال ففيه إحياء النفس ، فلما كان هذا الرضا حاصلاً في الأعم الأغلب لا جرم ترك ذكره وإن كان معتبراً في النفس الأمر.\r","part":3,"page":280},{"id":1179,"text":"والجواب : حمل لفظ العفو في هذه الآية على إسقاط حق القصاص أولى من حمله على أن يبعث القاتل المال إلى ولي الدم ، وبيانه من وجهين الأول : أن حقيقة العفو إسقاط الحق ، فيجب أن لا يكون حقيقة في غيره دفعاً للاشتراك ، وحمل اللفظ في هذه الآية على إسقاط الحق أولى من حمله على ما ذكرتم ، لأنه لما تقدم قوله : {كُتِبَ عَلَيْكُمُ القصاص فِي القتلى} كان حمل قوله : {فَمَنْ عُفِىَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَىْء} على إسقاط حق القصاص أولى ، لأن قوله : {شَىْء} لفظ مبهم وحمل هذا المبهم على ذلك المعنى الذي هو المذكور السابق أولى الثاني : أنه لو كان المراد بالعفو ما ذكرتم ، لكان قوله : {فاتباع بالمعروف وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بإحسان} عبثاً لأن بعد وصول المال إليه بالسهولة واليسر لا حاجة به إلى اتباعه ، ولا حاجة بذلك المعطي إلى أن يؤمر بأداء ذلك المال بالإحسان.\rوأما السؤال الثاني فمدفوع من وجهين الأول : أن ذلك الكلام إنما يتمشى بفرض صورة مخصوصة ، وهي ما إذا كان حق القصاص مشتركاً بين شخصين ثم عفا أحدهما وسكت الآخر ، والآية دالة على شرعية هذا الحكم على الإطلاق ، فحمل اللفظ المطلق على الصورة الخاصة المفيدة خلاف الظاهر والثاني : أن الهاء في قوله : {وَأَدَاء إِلَيْهِ بإحسان} ضمير عائد إلى مذكور سابق ، والمذكور السابق هو العافي ، فوجب أداء هذا المال إلى العافي ، وعلى قولكم : يجب أداؤه إلى غير العافي فكان قولكم باطلاً.\rوأما السؤال الثالث أن شرط الرضا إما أن يكون ممتنع الزوال ، أو كان ممكن الزوال ، فإن كان ممتنع الزوال ، فوجب أن يكون مكنة أخذ الدية ثابتة لولي الدم على الإطلاق ، وإن كان ممكن الزوال كان تقييد اللفظ بهذا الشرط الذي ما دلت الآية على اعتباره مخالفة للظاهر وأنه غير جائز. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 5 صـ 46}\rوقال الشيخ الطاهر بن عاشور : ","part":3,"page":281},{"id":1180,"text":"وللمفسرين مناح كثيرة في تفسير ألفاظها ذكر القرطبي خمسة منها ، وذكر في \"الكشاف\" تأويلاً آخر ، وذكر الطيبي تأويلين راجعين إلى تأويل \"الكشاف\" ، واتفق جميعهم على أن المقصد منها الترغيب في المصالحة عن الدماء ، وينبغي ألا نذهب بأفهام الناظر طرائق قدداً ، فالقول الفصل أن نقول : إن ما صدق من في قوله : {فمن عفى له} هو ولي المقتول وإن المراد بأخيه هو القاتل وصفاً بأنه أخ تذكيراً بأخوة الإسلام وترقيقاً لنفس ولي المقتول ؛ لأنه إذا اعتبر القاتل أخاً له كان من المروءة ألا يرضى بالقَوَد منه ؛ لأنه كمن رضي بقتل أخيه ، ولقد قال بعض العرب : قتل أخوه ابناً له عمداً فقدم إليه ليقتاد منه فألقى السيف وقال : \rأَقول للنفس تَأْسَاءً وتَعْزيَة... إِحدى يَدَيَّ أصابتْني ولم تُرِدِ\rكِلاَهُما خَلَفٌ من فَقْدِ صاحبه... هَذَا أخي حينَ أَدْعُوهُ وذَا ولَدِي\rوما صدق {شيء} هو عرض الصلح ، ولفظ شيء اسم متوغل في التنكير دال على نوع ما يصلح له سياق الكلام ، وقد تقدم حسن موقع كلمة شيء عند قوله تعالى : {ولنبلونكم بشيء من الخوف والجوع} [البقرة : 155].\rومعنى {عفى له من أخيه} أنه أعطى العفو أي الميسور على القاتل من عوض الصلح. ومن معاني العفو أنه الميسور من المال الذي لا يجحف بباذله وقد فسر به العفو من قوله تعالى : {خذ العفو} [الأعراف : 199] ، وإيثار هذا الفعل لأنه يؤذن بمراعاة التيسير والسماحة وهي من خلق الإسلام فهذا تأكيد للترغيب الذي دل عليه قوله : {من أخيه} ، والتعيبر عن عوض الدم بشيء لأن العوض يختلف فقد يُعرض على ولي الدم مال من ذهب أو فضة وقد يعرض عليه إبل أو عروض أو مقاصة دماء بين الحيين ؛ إذ ليس العوض في قتل العمد معيناً كما هو في دية قتل الخطأ.\r","part":3,"page":282},{"id":1181,"text":"(واتّباع) و(أداء) مصدران وقعا عوضاً عن فعلين والتقدير : فليتبع اتباعاً وليؤد أداء فعدل عن أن ينصب على المفعولية المطلقة إلى الرفع لإفادة معنى الثبات والتحقيق الحاصل بالجملة الاسمية كما عدل إلى الرفع في قوله تعالى : {قال سلام} [هود : 69] بعد قوله : {قالوا سلاماً} [هود : 69] ، وقد تقدم تطور المصدر الذي أصله مفعول مطلق إلى مصيره مرفوعاً عند قوله تعالى : {الحمد لله} [الفاتحة : 2] ، فنظم الكلام : فاتباعٌ حاصلٌ ممن عفي له من أخيه شيء وأداءٌ حاصل من أخيه إليه ، وفي هذا تحريض لمن عفي له على أن يقبل ما عفي له وتحريض لأخيه على أداء ما بذله بإحسان. والاتباع مستعمل في القبول والرضا ، أي فليرض بما عفي له كقول النبي صلى الله عليه وسلم \" وإذا أتبع أحدكم على مَلِيء فليتبع \".\rوالضمير المقدر في (اتباع) عائد إلى {من عفي له} والضمير المقدر في أدَاء عائد إلى (أخيه) ، والمعنى : فليرضى بما بذل له من الصلح المتيسر ، وليؤد باذلُ الصلح ما بذله دون مماطلة ولا نقص ، والضمير المجرور باللام والضمير المجرور بإلى عائداننِ على {فمن عفى له }.\rومقصد الآية الترغيب في الرضا بأخذ العوض عن دم القتيل بدلاً من القصاص لتغيير ما كان أهل الجاهلية يتَعيرون به من أخذ الصلح في قتل العمد ويعدونه بيعاً لدم مولاهم كما قال مُرَّةُ الفَقْعَسِي :\rفلا تَأْخذوا عَقْلاً من القَوْم إِنَّنِي... أَرى العَارَ يبقَى والمَعَاقِلَ تَذْهَبُ\rوقال غيره يَذْكر قوماً لم يَقْبَلوا منه صلحاً عن قتيل :\rفلَوْ أَنَّ حيّاً يقبَلُ المالَ فِدْيَةً... لسُقْنَا لهم سَبْباً من المال مُفْعَمَا\rولكِنْ أَبَى قَوْمٌ أُصيبَ أخُوهُمُ... رِضَا العَار فاختاروا على اللَّبَن الدَّمَا\rوهذا كله في العفو على قتل العمد وأما قتل الخطأ فإن شأنه الدية عن عاقلة القاتل وسيأتي في سورة النساء.","part":3,"page":283},{"id":1182,"text":"وإطلاقُ وصف الأخ على المماثل في دين الإسلام تأسيسُ أصل جاء به القرآن جعل به التوافق في العقيدة كالتوافق في نسب الإِخوة ، وحَقّاً فإن التوافق في الدين آصرة نفسانية والتوافق في النسب آصرة جسدية والروح أشرف من الجسد. أ هـ {التحرير والتنوير حـ 2 صـ 141}\rأبحاث لفظية في معرض السؤال والجواب للعلامة فخر الدين الرازى.\rالبحث الأول : كيف تركيب قوله : {فَمَنْ عُفِىَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَىْء}.\rالجواب : تقديره : فمن له من أخيه شيء من العفو ، وهو كقوله : سير بزيد بعض السير وطائفة من السير.\rالبحث الثاني : أن {عُفِىَ} يتعدى بعن لا باللام ، فما وجه قوله : {فَمَنْ عُفِىَ لَهُ}.\rالجواب : أنه يتعدى بعن إلى الجاني وإلى الذنب ، فيقال عفوت عن فلان وعن ذنبه قال الله تعالى : {عَفَا الله عَنكَ} [التوبة : 43] فإذا تعدى إلى الذنب قيل : عفوت عن فلان عما جنى ، كما تقول : عفوت له عن ذنبه ، وتجاوزت له عنه ، وعليه هذه الآية ، كأنه قيل : فمن عفى له من جنايته ، فاستغنى عن ذكر الجناية.\rالبحث الثالث : لم قيل شيء من العفو ؟ .\rوالجواب : من وجهين أحدهما : أن هذا إنمايشكل إذا كان الحق ليس إلا القود فقط ، فحينئذ يقال : القود لا يتبعض فلا يبقى لقوله : {شَىْء} فائدة ، أما إذا كان مجموع حقه إما القود وإما المال كان مجموع حقه متبعضاً لأن له أن يعفو عن القود دون المال ، وله أن يعفو عن الكل ، فلما كان الأمر كذلك جاز أن يقول {فَمَنْ عُفِىَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَىْء }.","part":3,"page":284},{"id":1183,"text":"والجواب الثاني : أن تنكير الشيء يفيد فائدة عظيمة ، لأنه يجوز أن يتوهم أن العفو لا يؤثر في سقوط القود ، إلا أن يكون عفواً عن جميعه ، فبين تعالى أن العفو عن جزئه كالعفو عن كله في سقوط القود ، وعفو بعض الأولياء عن حقه ، كعفو جميعهم عن خلقهم ، فلو عرف الشيء كان لا يفهم منه ذلك ، فلما نكره صار هذا المعنى مفهوماً منه ، فلذلك قال تعالى : {فَمَنْ عُفِىَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَىْء}.\rالبحث الرابع : بأي معنى أثبت الله وصف الأخوة.\rوالجواب : قيل : إن ابن عباس تمسك بهذه الآية في بيان كون الفاسق مؤمناً من ثلاثة أوجه : الأول : أنه تعالى سماه مؤمناً حال ما وجب القصاص عليه ، وإنما وجب القصاص عليه إذا صدر عنه القتل العمد العدوان وهو بالإجماع من الكبائر ، وهذا يدل على أن صاحب الكبيرة مؤمن والثاني : أنه تعالى أثبت الأخوة بين القاتل وبين ولي الدم ، ولا شك أن هذه الأخوة تكون بسبب الدين ، لقوله تعالى : {إِنَّمَا المؤمنون إِخْوَةٌ} [الحجرات : 15] فلولا أن الإيمان باقٍ مع الفسق وإلا لما بقيت الأخوة الحاصلة بسبب الإيمان الثالث : أنه تعالى ندب إلى العفو عن القاتل ، والندب إلى العفو إنما يليق بالمؤمن ، أجابت المعتزلة عن الوجه الأول فقالوا : إن قلنا المخاطب بقوله : {كُتِبَ عَلَيْكُمُ القصاص فِي القتلى} هم الأئمة فالسؤال زائل ، وإن قلنا : إنهم هم القاتلون فجوابه من وجهين أحدهما : أن القاتل قبل إقدامه على القتل كان مؤمناً ، فسماه الله تعالى مؤمناً بهذا التأويل والثاني : أن القاتل قد يتوب وعند ذلك يكون مؤمناً ، ثم إنه تعالى أدخل فيه غير التائب على سبيل التغليب.\r","part":3,"page":285},{"id":1184,"text":"وأما الوجه الثاني : وهو ذكر الأخوة ، فأجابوا عنه من وجوه الأول : أن الآية نازلة قبل أن يقتل أحد أحداً ، ولا شك أن المؤمنين إخوة قبل الإقدام على القتل والثاني : الظاهر أن الفاسق يتوب ، وعلى هذا التقدير يكون ولي المقتول أخاً له والثالث : يجوز أن يكون جعله أخاً له في النسب كقوله تعالى : {وإلى عَادٍ أَخَاهُمْ هُودًا} [الأعراف : 65] والرابع : أنه حصل بين ولي الدم وبين القاتل تعلق واختصاص ، وهذا القدر يكفي في إطلاق اسم الأخوة ، كم تقول للرجل ، قل لصاحبك كذا إذا كان بينهما أدنى تعلق والخامس : ذكره بلفظ الأخوة ليعطف أحدهما على صاحبه بذكر ما هو ثابت بينهما من الجنسية في الإقرار والاعتقاد.\rوالجواب : أن هذه الوجوه بأسرها تقتضي تقييد الأخوة بزمان دون زمان ، وبصفة دون صفة ، والله تعالى أثبت الأخوة على الإطلاق.\rأ هـ {مفاتيح الغيب حـ 5 صـ 47}\rقوله تعالى {فاتباع بالمعروف وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بإحسان }\rقال الفخر : \rوأما قوله تعالى : {فاتباع بالمعروف وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بإحسان} ففيه أبحاث : البحث الأول : قوله : {فاتباع بالمعروف} رفع لأنه خبر مبتدأ محذوف وتقديره : فحكمه اتباع ، أو هو مبتدأ خبره محذوف تقديره : فعليه اتباع بالمعروف.\rالبحث الثاني : قيل : على العافي الاتباع بالمعروف ، وعلى المعفو عنه أداء بإحسان ، عن ابن عباس والحسن وقتادة ومجاهد ، وقيل : هما على المعفو عنه فإنه يتبع عفو العافي بمعروف ، ويؤدي ذلك المعروف إليه بإحسان.","part":3,"page":286},{"id":1185,"text":"البحث الثالث : الاتباع بالمعروف أن لا يشدد بالمطالبة ، بل يجرى فيها على العادة المألوفة فإن كان معسراً فالنظرة ، وإن كان واجداً لعين المال فإنه لا يطالبه بالزيادة على قدر الحق ، وإن كان واجداً لغير المال الواجب ، فالإمهال إلى أن يبتاع ويستبدل ، وأن لا يمنعه بسبب الاتباع عن تقديم الأهم من الواجبات ، فأما الأداء بإحسان فالمراد به أن لا يدعي الإعدام في حال الإمكان ولا يؤخره مع الوجود ، ولا يقدم ما ليس بواجب عليه ، وأن يؤدي ذلك المال على بشر وطلاقة وقول جميل. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 5 صـ 47 ـ 48}\rقوله تعالى {ذلك تَخْفِيفٌ مّن رَّبّكُمْ وَرَحْمَةٌ }\rالمناسبة\rقال البقاعى : ","part":3,"page":287},{"id":1186,"text":"ولما وسع لنا سبحانه وتعالى بهذا الحكم نبه على علته تعظيماً للمنة فقال : {ذلك} أي الأمر العظيم الرفق وهو التخيير بين القصاص والعفو مجاناً وعلى الدية {تخفيف} أي عن القتال وأوليائه {من ربكم} المحسن إليكم بهذه الحنيفية السمحة وهذا الحكم الجميل ، وجمع الضمير مراعاة كما قال الحرالي للجانبين لأن كل طائفة معرضة لأن تصيب منها الأخرى - انتهى. {ورحمة} لأولياء القتيل بالدية وللآخرين بالعفو عن الدم ، روى البخاري في التفسير عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال : \" كان في بني إسرائيل القصاص ولم تكن فيهم الدية ، فمن عفي له من أخيه شيء أي يقبل الدية في العمد ذلك تخفيف من ربّكم ورحمة مما كتب على من كان قبلكم فمن اعتدى بعد ذلك قتل بعد قبول الدية \" انتهى. وقال أهل التفسير : كتب على اليهود القصاص وحرم عليهم الدية والعفو وعلى النصارى العفو وحرم عليهم الدية ولما كانت هذه منة عظيمة تسبب عنها تهديد من أباها فقال تعالى : {فمن اعتدى} أي بالقتل {بعد ذلك} أي التخيير والعفو ولو كان العافي غيره {فله عذاب أليم *} بقتله أو أخذ الدية منه جزاء على عداوته بقدره وتعديه بما أشعر بإبائه لهذه الرخصة التي حكم بها المالك في عبيده الملك الذي لا تسوغ مخالفته ، وفي تسمية جزائه بالعذاب وعدم تخصيصه بإحدى الدارين إعلام بشياعه في كليهما تغليظاً عليه. قال الحرالي : وفي الآية دليل على أن القاتل عمداً لا يصير بذلك كافراً ، قال الأصبهاني : قال ابن عباس : سمي القاتل في أول الآية مؤمناً وفي وسطها أخاً ولم يؤيسه آخرها من التخفيف والرحمة. أ هـ\r{نظم الدرر حـ 1 صـ 333}\rقال الفخر : ","part":3,"page":288},{"id":1187,"text":"أما قوله تعالى : {ذلك تَخْفِيفٌ مّن رَّبّكُمْ وَرَحْمَةٌ} ففيه وجوه أحدها : أن المراد بقوله : {ذلك} أي الحكم بشرع القصاص والدية تخفيف في حقكم ، لأن العفو وأخذ الدية محرمان على أهل التوراة والقصاص مكتوب عليهم ألبتة والقصاص والدية محرمان على أهل الإنجيل والعفو مكتوب عليهم وهذه الأمة مخيرة بين القصاص والدية والعفو توسعة عليهم وتيسيراً ، وهذا قول ابن عباس ، وثانيها : أن قوله : {ذلك} راجع إلى قوله : {فاتباع بالمعروف وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بإحسان }. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 5 صـ 48}\rقوله تعالى {فَمَنِ اعتدى بَعْدَ ذلك }\rقال الفخر : ","part":3,"page":289},{"id":1188,"text":"أما قوله : {فَمَنِ اعتدى بَعْدَ ذلك} التخفيف يعني جاوز الحد إلى ما هو أكثر منه قال ابن عباس والحسن : المراد أن لا يقتل بعد العفو والدية ، وذلك لأن أهل الجاهلية إذا عفوا وأخذوا الدية ، ثم ظفروا بعد ذلك بالقاتل قتلوه ، فنهى الله عن ذلك وقيل المراد : أن يقتل غير قاتله ، أو أكثر من قاتله أو طلب أكثر مما وجب له من الدية أو جاوز الحد بعد ما بين له كيفية القصاص ويجب أن يحمل على الجميع لعموم اللفظ (فله عذاب أليم) وفيه قولان أحدهما : وهو المشهور أنه نوع من العذاب شديد الألم في الآخرة والثاني : روي عن قتادة أن العذاب الأليم هو أن يقتل لا محالة ولا يعفى عنه ولا يقبل الدية منه لقوله عليه السلام : \" لا أعافي أحداً قتل بعد أن أخذ الدية \" وهو المروي عن الحسن وسعيد بن جبير وهذا القول ضعيف لوجوه أحدها : أن المفهوم من العذاب الأليم عند الإطلاق هو عذاب الآخرة وثانيها : أنا بينا أن القود تارة يكون عذاباً وتارة يكون امتحاناً ، كما في حق التائب فلا يصح إطلاق اسم العذاب عليه إلا في وجه دون وجه وثالثها : أن القاتل لمن عفي عنه لا يجوز أن يختص بأن لا يمكن ولي الدم من العفو عنه لأن ذلك حق ولي الدم فله إسقاطه قياساً على تمكنه من إسقاط سائر الحقوق والله أعلم. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 5 صـ 48}\rأسئلة وأجوبة دقيقة لابن عرفة\rقوله تعالى : {يا أيها الذين آمَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ القصاص...}.\rقال ابن عرفة : الخطاب للمؤمنين.\rفإن قلنا : إنّ الكفار مخاطبون بفروع الشريعة ؟ \rفنقول : إنما عين المؤمنين هنا لما ذكره المفسرون في سبب نزول هذه الآية. قال : كتب بمعنى فرض أو كتب في اللوح المحفوظ.\rوأورد الشيخ ابن العربي هنا سؤالا قال : كيف يفهم الكتب بمعنى الفرض مع أن القصاص غير واجب ؟ ","part":3,"page":290},{"id":1189,"text":"قال ابن عرفة : والجواب أنّا إذا اعتبرنا جهة المجني عليه ووليه فالقصاص غير واجب لأنه مخير بين القصاص وأخذ الدية ، وإذا راعينا جهة الجاني فالقصاص غير (واجب). إن طلب الولي الدية ، وهذا بخلاف الدين فإنّ رب الدّين إذا أسقط دينه وامتنع من أخذه وأبى ذلك المديون فإنه يجبر رب المال على أخذ دينه ، ولذلك إذا حلف أنه لا يأخذه وحلف المديون أنه لايحبسه فأنه يحنث رب المال وما ذاك إلا لحفظ النفوس ، بخلاف الأموال فإن المديان يقول له : لا أقبل (مزيتك) ولا أحبها.\rقال ابن عرفة في هذا : والقصاص (فعال) لأنه يفعل كما فعل له (كالاتباع) سواء لأنه يفعل كفعل المتبع.\rقال ابن العربي : واحتج بها الحنفية على أن المسلم يقتل بالكافر لقولهم \" الحر بالحر \" فعمم ولم يقيد ولو كان بينهما فرق لبينه.\rوأجيب بقوله : {فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ} ولا أخوة بين المسلم والكافر إلا أن يريد بالأخوة الصحبة فحينئذ (لايزال السؤال واردا). لكن يجاب بما قال الفخر الرازي في المحصول في قوله تعالى {لاَ يستوي أَصْحَابُ النار وَأَصْحَابُ الجنة} قال : المراد نفي مطلق المساواة في الخلود وغيره فاحتج به الشافعي على أنّ المسلم لا يقتل بالكافر.\rقال : والأعم لا إشعار له بالأخص.\rقال ابن عرفة : ورد عليه بعضهم بأنه لا يستوي فعل في سياق النّفي فيعم لأن نفي الأعم أخص من نفي الأخص (فنقول) تلك الآية دلت على نفي مساواة بينهما فلا يقتل المسلم بالكافر.\rقال الفقيه أبو عبد الله محمد بن أبي بكر الأنصاري القرطبي : قال الكوفيون والثوري : يقتل الحر بالعبد والمسلم بالكافر الذمّي.\rواحتجّوا بهذه الآية. قالوا : الذّمي مع (الحر) متساويان في حرمة الدم على التأبيد بدليل أن المسلم يقطع بسرقة مال الذمي كمال المسلم فيتساويان في الذّم إذ المال إنما يحترم بحرمة مالكه.\r","part":3,"page":291},{"id":1190,"text":"قال ابن عرفة : يقال : إنّما قطع في المال لأنه من فساد الأرض بدليل قول مالك : إن الكافر إذا سرق من مال المسلم فإنما تقطع يده ، وإذا زنا بالمسلمة طائعة فإنه لا يحد وما ذلك إلا لأنّ أخذ المال من الفساد في الأرض بخلاف الزنا.\rقال ابن عرفة : وقولهم في العبد إذا جنى جناية وقطع يد المسلم إنّ سيده مخيّر ، فله أن يسلمه في الجناية مع أنه يبقى سليما في بدنه.\rوالصواب كان في عقوبته أن تقطع يده لأن إسلامه في الجناية كبيعه ، فما يظلم (بذلك) إلاّ سيّده وأما هو فلم يقع عليه عقاب ولا حد يرتدع به بوجه.\rوغلط الزمخشري هنا في نقله عن الإمام مالك رضي الله عنه لأنه قال : مذهب مالك والشافعي أن الحر لا يقتل بالعبد ، والذكر لا يقتل بالأنثى. أخذ بهذه الآية.\r( واختلفوا في هذه الآية) فقيل : إنها منسوخة بآية المائدة وقيل مجملة وتلك مبينة لها.\rوقال ابن العربي : تلك مجملة وهذه مبنية (لها ). أ هـ {تفسير ابن عرفة صـ 223}\rقال الثعالبى فى معنى الآية\rوقوله تعالى : {يا أيها الذين ءامَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ القصاص...} الآيةَ : {كُتِبَ} : معناه : فُرِضَ ، وأُثْبِتَ ، وصورةُ فَرْضِ القصاصِ ، هو أنَّ القاتل فُرِضَ عليه ، إِذا أراد الوليُّ القتل ، الاِستسلامُ لأمر اللَّه ، وأن الوليَّ فرض عليه الوقوفُ عند قتل وليِّه ، وترك التعدِّي على غيره ، فإِن وقع الرضَا بدون القصاص من دية أو عفو ، فذلك مباحٌ ، والآية معلِّمة أن القِصَاصَ هو الغايةُ عند التَّشَاحِّ ، و{القصاص} : مأخوذ من : قَصِّ الأثر ؛ فكأن القاتل سلك طريقاً من القتل ، فقص أثره فيها.\rروي عن ابن عَبَّاس ؛ أنَّ هذه الآية مُحْكَمة ، وفيها إِجمال فسَّرته آية \"المائدة\" ، وأن قوله سبحانه : {الحر بِالْحُرِّ} يعمُّ الرجال والنساء ، وأجمعتِ الأمة على قتل الرجُلِ بالمرأةِ ، والمرأة بالرجل.","part":3,"page":292},{"id":1191,"text":"وقوله تعالى : {فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ...} الآيةَ : فيه تأويلاتٌ :\rأحدها : أنَّ \"مَنْ\" يرادُ بها القاتلُ ، و\"عُفِيَ\" : تتضمن عافياً ، وهو وليُّ الدم ، والأخُ : هو المقتولُ ، و\"شَيْءٌ\" : هو الدمُ الذي يعفى عنه ، ويرجع إلى أخذ الدية ، هذا قول ابْنِ عَبَّاس ، وجماعة من العلماء ، والعَفْوُ على هذا القولِ على بابه.\rوالتأويلُ الثَّاني : وهو قول مالكٍ ؛ أنَّ \"مَنْ\" يراد بها الوليُّ ، وعُفِيَ : بمعنى : يُسِّرَ ، لا على بابها في العَفْو ، والأخُ : يراد به القاتل ، و\"شَيْءٌ\" : هي الديةُ ، والأخوَّة على هذا أخوَّة الإِسلام.\rوالتأويل الثالثُ : أنَّ هذه الألفاظ في معنى : الَّذين نزلَتْ فيهم الآيةُ ، وهم قومٌ تقاتَلُوا ، فقتل بعضُهم بعضاً ، فأُمِرَ النبيُّ صلى الله عليه وسلم أن يصلحَ بينهم ، ويُقَاصَّهم بعضَهم من بعض بالدِّيَات على استواء الأحرار بالأحرار ، والنساء بالنساء ، والعبيد بالعبيد ، فمعنى الآية : فمن فضِل له من إِحدى الطائفتين على الأخرى شيْءٌ من تلك الدِّيَاتِ ، وتكون : \"عُفِيَ\" بمعنى فَضِلَ.\rوقوله تعالى : {فاتباع} : تقديره : فالواجبُ والحُكْمُ : اتباع ، وهذا سبيلُ الواجباتِ ؛ كقوله تعالى : {فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ} [البقرة : 229] وأما المندوبُ إِلَيْه ، فيأتي منصوباً ؛ كقوله تعالى : {فَضَرْبَ الرقاب} [محمد : 4] ، وهذه الآية حضٌّ من اللَّه تعالى على حسن الاقتضاءِ من الطالِبِ ، وحُسْنِ القضاء من المُؤَدِّي.\rوقوله سبحانه : {ذلك تَخْفِيفٌ} إِشارة إِلى ما شرعه لهذه الأمة ، من أخذ الدية ، وكانت بنو إِسرائيل لا ديَةَ عندهم ، إِنما هو القِصَاصُ فَقَطْ ، والاعتداء المتوعَّد عليه في هذه الآية ، هو أنْ يأخذ الرجُلُ ديةَ وليِّه ، ثم يقتل القاتل بعد سقوط الدم.أ هـ {الجواهر الحسان حـ 1 صـ 133 ـ 134}\rوقال السعدى","part":3,"page":293},{"id":1192,"text":"يمتن تعالى على عباده المؤمنين ، بأنه فرض عليهم {الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى} أي : المساواة فيه ، وأن يقتل القاتل على الصفة ، التي قتل عليها المقتول ، إقامة للعدل والقسط بين العباد.\rوتوجيه الخطاب لعموم المؤمنين ، فيه دليل على أنه يجب عليهم كلهم ، حتى أولياء القاتل حتى القاتل بنفسه إعانة ولي المقتول ، إذا طلب القصاص وتمكينه من القاتل ، وأنه لا يجوز لهم أن يحولوا بين هذا الحد ، ويمنعوا الولي من الاقتصاص ، كما عليه عادة الجاهلية ، ومن أشبههم من إيواء المحدثين.\rثم بيَّن تفصيل ذلك فقال : {الْحُرُّ بِالْحُرِّ} يدخل بمنطوقها ، الذكر بالذكر ، {وَالأنْثَى بِالأنْثَى} والأنثى بالذكر ، والذكر بالأنثى ، فيكون منطوقها مقدما على مفهوم قوله : \"الأنثى بالأنثى \"مع دلالة السنة ، على أن الذكر يقتل بالأنثى ، وخرج من عموم هذا الأبوان وإن علوا ، فلا يقتلان بالولد ، لورود السنة بذلك ، مع أن في قوله : {الْقِصَاصُ} ما يدل على أنه ليس من العدل ، أن يقتل الوالد بولده ، ولأن في قلب الوالد من الشفقة والرحمة ، ما يمنعه من القتل لولده إلا بسبب اختلال في عقله ، أو أذية شديدة جدا من الولد له.\rوخرج من العموم أيضا ، الكافر بالسنة ، مع أن الآية في خطاب المؤمنين خاصة.\rوأيضا فليس من العدل أن يقتل ولي الله بعدوه ، والعبد بالعبد ، ذكرا كان أو أنثى ، تساوت قيمتهما أو اختلفت ، ودل بمفهومها على أن الحر ، لا يقتل بالعبد ، لكونه غير مساو له ، والأنثى بالأنثى ، أخذ بمفهومها بعض أهل العلم فلم يجز قتل الرجل بالمرأة ، وتقدم وجه ذلك.\rوفي هذه الآية دليل على أن الأصل وجوب القود في القتل ، وأن الدية بدل عنه ، فلهذا قال : {فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ} أي : عفا ولي المقتول عن القاتل إلى الدية ، أو عفا بعض الأولياء ، فإنه يسقط القصاص ، وتجب الدية ، وتكون الخيرة في القود واختيار الدية إلى الولي.","part":3,"page":294},{"id":1193,"text":"فإذا عفا عنه وجب على الولي ، [أي : ولي المقتول] أن يتبع القاتل {بِالْمَعْرُوفِ} من غير أن يشق عليه ، ولا يحمله ما لا يطيق ، بل يحسن الاقتضاء والطلب ، ولا يحرجه.\rوعلى القاتل {أَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ} من غير مطل ولا نقص ، ولا إساءة فعلية أو قولية ، فهل جزاء الإحسان إليه بالعفو ، إلا الإحسان بحسن القضاء ، وهذا مأمور به في كل ما ثبت في ذمم الناس للإنسان ، مأمور من له الحق بالاتباع بالمعروف ، ومن عليه الحق ، بالأداء بإحسان (2).\rوفي قوله : {فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ} ترقيق وحث على العفو إلى الدية ، وأحسن من ذلك العفو مجانا.\rوفي قوله : {أَخِيهِ} دليل على أن القاتل لا يكفر ، لأن المراد بالأخوة هنا أخوة الإيمان ، فلم يخرج بالقتل منها ، ومن باب أولى أن سائر المعاصي التي هي دون الكفر ، لا يكفر بها فاعلها ، وإنما ينقص بذلك إيمانه.\rوإذا عفا أولياء المقتول ، أو عفا بعضهم ، احتقن دم القاتل ، وصار معصوما منهم ومن غيرهم ، ولهذا قال : {فَمَنِ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ} أي : [ص 85] بعد العفو {فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ} أي : في الآخرة ، وأما قتله وعدمه ، فيؤخذ مما تقدم ، لأنه قتل مكافئا له ، فيجب قتله بذلك.\rوأما من فسر العذاب الأليم بالقتل ، فإن الآية تدل على أنه يتعين قتله ، ولا يجوز العفو عنه ، وبذلك قال بعض العلماء والصحيح الأول ، لأن جنايته لا تزيد على جناية غيره. أ هـ {تفسير السعدى صـ 84}\rفائدة\rقال فى التحرير والتنوير : \r","part":3,"page":295},{"id":1194,"text":"تفريع عن حكم العفو لأن العفو يقتضي شكر الله على أن أنجاهُ بشرع جواز العفو وبأن سخر الولي للعفو ، ومن الشكر ألاّ يعود إلى الجناية مرة أخرى ، فإن عاد فله عذاب أليم ، وقد فسر الجمهور العذاب الأليم بعذاب الآخرة والمراد تشديد العذاب عليه كقوله تعالى : {ومن عاد فينتقم الله منه} [المائدة : 95] ، ثم له من حكم العفو والدية ما للقاتل ابتداء عندهم ، وفسره بعضهم بعذاب الدنيا أعني القتل فقالوا : إن عاد المعفو عنه إلى القتل مرة أخرى فلا بد من قتله ولا يمكن الحاكم الولي من العفو ونقلوا ذلك عن قتادة وعكرمة والسدي ورواه أبو داود عن سمرة بن جندب عن النبي صلى الله عليه وسلم وروي عن عمر بن عبد العزيز أنه موكول إلى اجتهاد الإمام.\rوالذي يستخلص من أقوالهم هنا سواء كان العذاب عذاب الآخرة أو عذاب الدنيا أن تكرر الجناية يوجب التغليظ وهو ظاهر من مقاصد الشارع ؛ لأن الجناية قد تصير له دُربة فعَوْده إلى قتل النفس يؤذن باستخفافه بالأنفس فيجب أن يُراح منه الناس ، وإلى هذا نظر قتادة ومن معه ، غير أن هذا لا يمنع حكم العفو إن رضي به الولي ؛ لأن الحق حقه ، وما أحسن قول عمر بن عبد العزيز بتفويضه إلى الإمام لينظر هل صار هذا القاتل مِزْهَقَ أَنْفُس ، وينبغي إن عُفي عنه أن تشدد عليه العقوبة أكثر من ضرب مائة وحَبس عام وإن لم يقولوه ؛ لأن ذكر الله هذا الحكمَ بعد ذكر الرحمة دليلٌ على أن هذا الجاني غير جدير في هاته المرة بمزيد الرحمة ، وهذا موضع نظر من الفقه دقيق ، قد كان الرجل في الجاهلية يقتل ثم يدفع الدية ثم يغدره ولي الدم فيقتله. أ هـ {التحرير والتنوير حـ 2 صـ 144}","part":3,"page":296},{"id":1195,"text":"(بحث علمي فى القصاص)\rكانت العرب أوان نزول آية القصاص وقبله تعتقد القصاص بالقتل لكنها ما كانت تحده بحد وإنما يتبع ذلك قوة القبائل وضعفها فربما قتل الرجل بالرجل والمرأة بالمرأة فسلك في القتل مسلك التساوي وربما قتل العشرة بالواحد والحر بالعبد والرئيس بالمرؤوس وربما أبادت قبيلة قبيلة أخرى لواحد قتل منها.\rوكانت اليهود تعتقد القصاص كما ورد في الفصل الحادي والعشرين والثاني والعشرين من الخروج والخامس والثلاثين من العدد ، وقد حكاه القرآن حيث قال تعالى : (وكتبنا لهم فيها أن النفس بالنفس والعين بالعين والأنف بالأنف والأذن بالأذن والسن بالسن والجروح قصاص) المائدة - 45.\rوكانت النصاري على ما يحكى لا ترى في مورد القتل إلا العفو والدية ، وسائر الشعوب والأمم على اختلاف طبقاتهم ما كانت تخلو عن القصاص في القتل في الجملة وإن لم يضبطه ضابط تام حتى القرون الأخيرة.\rوالإسلام سلك في ذلك مسلكا وسطا بين الإلغاء والإثبات فأثبت القصاص وألغى تعينه ، بل أجاز العفو والدية ثم عدل القصاص بالمعادلة بين القاتل والمقتول ، فالحر بالحر والعبد بالعبد والأنثى بالأنثى.\rوقد اعترض على القصاص مطلقا وعلى القصاص بالقتل خاصة بأن القوانين المدنية التي وضعتها الملل الراقية لا ترى جوازها وإجرائها بين البشر اليوم.","part":3,"page":297},{"id":1196,"text":"قالوا : إن القتل بالقتل مما يستهجنه الإنسان وينفر عنه طبعه ويمنع عنه وجدانه إذا عرض عليه رحمة وخدمة للإنسانية ، وقالوا : إذا كان القتل الأول فقدا لفرد فالقتل الثاني فقد على فقد ، وقالوا : إن القتل بالقصاص من القسوة وحب الانتقام ، وهذه صفة يجب أن تزاح عن الناس بالتربية العامة ويؤخذ في القاتل أيضا بعقوبة التربيه ، وذلك إنما يكون بما دون القتل من السجن والأعمال الشاقة ، وقالوا : إن المجرم إنما يكون مجرما إذا كان مريض العقل فالواجب أن يوضع القاتل المجرم في المستشفيات العقلية ويعالج فيها ، وقالوا إن القوانين المدنية تتبع الاجتماع الموجود ، ولما كان الاجتماع غير ثابت على حال واحد كانت القوانين كذلك فلا وجه لثبوت القصاص بين الاجتماع للأبد حتى الاجتماعات الراقيه اليوم ، ومن اللازم أن يستفيد الاجتماع من وجود أفرادها ما استيسر ، ومن الممكن أن يعاقب المجرم بما دون القتل مما يعادل القتل من حيث الثمرة والنتيجة كحبس الأبد أو حبس مدة سنين وفيه الجمع\rبين حقين حق المجتمع وحق أولياء الدم ، فهذه الوجوه عمدة ما ذكره المنكرون لتشريع القصاص بالقتل.\rوقد أجاب القرآن عن جميع هذه الوجوه بكلمة واحدة ، وهي قوله تعالى : {من قتل نفسا بغير نفس أو فساد في الأرض فكأنما قتل الناس جميعا ومن أحياها فكأنما أحيا الناس جميعا) المائدة - 32}.\rبيان ذلك : أن القوانين الجارية بين أفراد الإنسان وإن كانت وضعية اعتبارية يراعى فيها مصالح الاجتماع الإنساني غير أن العلة العاملة فيها من أصلها هي الطبيعة الخارجية الإنسانية الداعية إلى تكميل نقصها ورفع حوائجها التكوينية ، وهذه الواقعية الخارجية ليست هي العدد العارض على الإنسان ولا الهيئة الواحدة الاجتماعية فإنها نفسها من صنع الوجود الكوني الإنساني بل هي الإنسان وطبيعته ، وليس بين الواحد من الإنسان والألوف المجتمعة منه فرق في أن الجميع إنسان ووزن الواحد والجميع واحد من حيث الوجود.\r","part":3,"page":298},{"id":1197,"text":"وهذه الطبيعة الوجودية تجهزت في نفسها بقوى وأدوات تدفع بها عن نفسها العدم لكونها مفطورة على حب الوجود ، وتطرد كل ما يسلب عنه الحياة بأي وسيلة أمكنت وإلى أي غاية بلغت حتى القتل والإعدام ، ولذا لا تجد إنسانا لا تقضي فطرته بتجويز قتل من يريد قتله ولا ينتهي عنه إلا به ، وهذه الأمم الراقية أنفسهم لا يتوقفون عن الحرب دفاعا عن استقلالهم وحريتهم وقوميتهم ، فكيف بمن أراد قتل نفوسهم عن آخرها ، ويدفعون عن بطلان القانون بالغا ما بلغ حتى بالقتل ويتوسلون إلى حفظ منافعهم بالحروب إذا لم يعالج الداء بغيرها ، تلك الحروب التي فيها فناء الدنيا وهلاك الحرث والنسل ولا يزال ملل يتقدمون بالتسليحات وآخرون يتجهزون بما يجاوبهم ، وليس ذلك كله إلا رعاية لحال الاجتماع وحفظا لحياته وليس الاجتماع إلا صنيعة من صنايع الطبيعة فما بال الطبيعة تجوز القتل الذريع والإفناء والإبادة لحفظ صنيعة من صنائعها ، وهي الاجتماع المدني ولا تجوزها لحفظ حياة نفسها ؟ وما بالها تجوز قتل من يهم بالقتل ولم يفعل ولا تجوزه فيمن هم وفعل ؟ وما بال الطبيعة تقضي بالانعكاس في الوقائع التاريخية ، فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره ، ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره ولكل عمل عكس عمل في قانونها لكنها تعد القتل في مورد القتل ظلما وتنقض حكم نفسها.\rعلى أن الإسلام لا يرى في الدنيا قيمة للإنسان يقوم بها ولا وزنا يوزن به إلا إذا كان على دين التوحيد فوزن الاجتماع الإنساني ووزن الموحد الواحد عنده سيان ، فمن الواجب أن يكون حكمهما عنده واحدا ، فمن قتل مؤمنا كان كمن قتل الناس جميعا من نظر إزرائه وهتكه لشرف الحقيقة كما أن من قتل نفسا كان كمن قتل الناس جميعا من نظر الطبيعة الوجودية ، وأما الملل المتمدنة فلا يبالون بالدين ولو كانت شرافة الدين عندهم تعادل في قيمتها أو وزنها - فضلا عن التفوق - الاجتماع المدني في الفضل لحكموا فيه بما حكموا في ذلك.\r","part":3,"page":299},{"id":1198,"text":"على أن الإسلام يشرع للدنيا لا لقوم خاص وأمة معينة ، والملل الراقية إنما حكمت بما حكمت بعد ما أذعنت بتمام التربية في أفرادها وحسن صنيع حكوماتها ودلالة الإحصاء في مورد الجنايات والفجائع على أن التربية الموجودة مؤثرة وأن الأمة في أثر تربيتهم متنفرة عن القتل والفجيعة فلا تتفق بينهم إلا في الشذوذ وإذا اتفقت فهي ترتضي المجازاة بما دون القتل ، والإسلام لا يأبى عن تجويز هذه التربية وأثرها الذي هو العفو مع قيام أصل القصاص على ساق.\rويلوح إليه قوله تعالى : في آية القصاص {فمن عفى له من أخيه شئ فاتباع بالمعروف وأداء إليه بإحسان} ، فاللسان لسان التربية وإذا بلغ قوم إلى حيث أذعنوا بأن الفخر العمومي في العفو لم ينحرفوا عنه إلى مسلك الانتقام.\rوأما غير هؤلاء الأمم فالأمر فيها على خلاف ذلك والدليل عليه ما نشاهده من حال الناس وأرباب الفجيعة والفساد فلا يخوفهم حبس ولا عمل شاق ولا يصدهم وعظ ونصح ، وما لهم من همة ولا ثبات على حق إنساني ، والحياة المعدة لهم في السجون أرفق وأعلى وأسنى مما لهم في أنفسهم من المعيشة الردية الشقية فلا يوحشهم لوم ولا ذم ، ولا يدهشهم سجن ولا ضرب ، وما نشاهده أيضا من ازدياد عدد الفجائع في الإحصاءات يوما فيوما فالحكم العام الشامل للفريقين - والأغلب منهما الثاني - لا يكون إلا القصاص وجواز العفو فلو رقت الأمة وربيت تربية ناجحة أخذت بالعفو (وإلاسلام لا يألو جهده في التربية) ولو لم يسلك إلا الانحطاط أو كفرت بأنعم ربها وفسقت ، أخذ فيهم بالقصاص ويجوز معه العفو.\rوأما ما ذكروه من حديث الرحمة والرأفة بالإنسانية فما كل رأفة بمحمودة ولا كل رحمة فضيلة ، فاستعمال الرحمة في مورد الجاني القاسي والعاصي المتخلف المتمرد والمتعدي على النفس والعرض جفاء على صالح الأفراد ، وفي استعمالها المطلق اختلال النظام وهلاك الإنسانية وإبطال الفضيلة.\r","part":3,"page":300},{"id":1199,"text":"وأما ما ذكروه أنه من القسوة وحب الانتقام فالقول فيه كسابقه ، فالانتقام للمظلوم من ظالمه استظهارا للعدل والحق ليس بمذموم قبيح ، ولا حب العدل من رذائل الصفات ، على أن تشريع القصاص بالقتل غير ممحض في الانتقام بل فيه ملاك التربية العامة وسد باب الفساد.\rوأما ما ذكروه من كون جناية القتل من الأمراض العقلية التي يجب أن يعالج في المستشفيات فهو من الأعذار (ونعم العذر) الموجبة لشيوع القتل والفحشاء ونماء الجناية في الجامعة الإنسانية وأي إنسان منا يحب القتل والفساد علم أن ذلك فيه مرض عقلي وعذر مسموع يجب على الحكومة أن تعالجه بعناية ورأفة وأن القوة الحاكمة والتنفيذية تعتقد فيه ذلك لم يقدم معه كل يوم على قتل.\rوأما ما ذكروه من لزوم الاستفادة من وجود المجرمين بمثل الأعمال الإجبارية ، ونحوها مع حبسهم ومنعهم عن الورود في الاجتماع فلو كان حقا متكئا على حقيقة فما بالهم لا يقضون بمثله في موارد الإعدام القانوني التي توجد في جميع القوانين الدائرة اليوم بين الأمم ؟ وليس ذلك إلا للأهمية التي يرونها للإعدام في موارده ، وقد مر أن الفرد والمجتمع في نظر الطبيعة من حيث الأهمية متساويان.\rأ هـ {الميزان جـ 1 صـ 433 ـ 439}\rقوله تعالى {وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (179)}\rمناسبة الآية لما قبلها\rقال الفخر : \rاعلم أنه سبحانه وتعالى لما أوجب في الآية المتقدمة القصاص وكان القصاص من باب الإيلام توجه فيه سؤال وهو أن يقال كيف يليق بكمال رحمته إيلام العبد الضعيف ؟ فلأجل دفع هذا السؤال ذكر عقيبه حكمة شرع القصاص فقال : {وَلَكُمْ فِي القصاص حياة }. أ هـ {مفاتيح الغيب جـ 5 صـ 48}\rوقال البقاعى : ","part":3,"page":301},{"id":1200,"text":"ولما أخبر سبحانه وتعالى بفائدة العفو أخبر بفائدة مقابله تتميماً لتأنيب أهل الكتاب على عدولهم عن النص وعماهم عن الحكمة فقال : {ولكم} أي يا أيها الذين آمنوا {في القصاص} أي هذا الجنس وهو قتل النفس القاتلة بالنفس المقتولة من غير مجاوزة ولا عدوان {حياة} أي عظيمة بديعة لأن من علم أنه يُقتل لا يَقْتُل. وقال الحرالي : فالحياة لمن سوى الجاني من عشيرته ممن كان يعتدى عليه بجناية غيره في الدنيا ، والحياة للجاني بما اقتص منه في الأخرى ، لأن من يكفّر ذنبه حيي في الآخرة ، ومن بقي عليه جناية فأخذ بها فهو في حال ذلك ممن لا يموت فيها ولا يحيى ، لأن المعاقب في حال عقوبته لا يجد طعم الحياة لغلبة ألمه ولا هو في الموت لإحساسه بعقوبته - انتهى. وأما مطلق القتل كما كان أهل الجاهلية يقولون : القتل أنفى للقتل وليس كذلك ، لأن من علموا أنهم إذا قتلوا اثنين لا يقتل بهما إلاّ واحد رُبما كان ذلك مجرياً لهم على القتل ويدخل فيه القتل ابتداء وهو أجلب للقتل لا أنفى له ، وقد كانوا مطبقين على استجادة معنى كلمتهم واسترشاق لفظها ، ومن المعلوم لكل ذي لب أن بينها وبين ما في القرآن كما بين الله وخلقه فإنها زائدة على عبارة القرآن في الحروف وناقصة في المعنى ، فإذا أريد تصحيحها قبل القتل قصاصاً أنفى للقتل ظلماً فكثرت الزيادة ولم تصل إلى رشاقة ما في القرآن وعذوبته - والله سبحانه وتعالى الموفق.\r","part":3,"page":302},{"id":1201,"text":"ولما كانت هذه العبارة كما ترى معجزة في صحة معناها ودقة إشارتها وغزير مفهوماته قال سبحانه وتعالى مرغباً في علو الهمم {يا أولي الألباب} أي العقول التي تنفع أصحابها بخلوصها مما هو كالقشر لأنه جمع لب. قال الحرالي : وهو باطن العقل الذي شأنه أن يلحظ أمر الله في المشهودات كما شأن ظاهر العقل أن يلحظ الحقائق من المخلوقات ، فهم الناظرون إلى ربّهم في آياته - انتهى. ثم علل ذلك بقوله : {لعلكم تتقون *} أي الله بالانقياد لما شرع فتتحامون القتل. قال الحرالي : وفي إبهام لعل التي هي من الخلق كما تقدم تردد إعلام بتصنيفهم صنفين بين من يثمر ذلك له تقوى وبين من يحمله ذلك ويزيده في الاعتداء - انتهى. أ هـ {نظم الدرر حـ 1 صـ 334}\rقال الفخر : \rفي الآية وجوه الأول : أنه ليس المراد من هذه الآية أن نفس القصاص حياة لأن القصاص إزالة للحياة وإزالة الشيء يمتنع أن تكون نفس ذلك الشيء ، بل المراد أن شرع القصاص يفضي إلى الحياة في حق من يريد أن يكون قاتلاً ، وفي حق من يراد جعله مقتولاً وفي حق غيرهما أيضاً ، أما في حق من يريد أن يكون قاتلاً فلأنه إذا علم أنه لو قتل قتل ترك القتل فلا يقتل فيبقى حياً ، وأما في حق من يراد جعله مقتولاً فلأن من أراد قتله إذا خاف من القصاص ترك قتله فيبقى غير مقتول ، وأما في حق غيرهما فلأن في شرع القصاص بقاء من هم بالقتل ، أو من يهم به وفي بقائهما بقاء من يتعصب لهما ، لأن الفتنة تعظم بسبب القتل فتؤدي إلى المحاربة التي تنتهي إلى قتل عالم من الناس وفي تصور كون القصاص مشروعاً زوال كل ذلك وفي زواله حياة الكل.","part":3,"page":303},{"id":1202,"text":"الوجه الثاني : في تفسير الآية أن المراد منها أن نفس القصاص سبب الحياة وذلك لأن سافك الدم إذا أقيد منه ارتدع من كان يهم بالقتل فلم يقتل ، فكان القصاص نفسه سبباً للحياة من هذا الوجه ، واعلم أن الوجه الذي ذكرناه غير مخص بالقصاص الذي هو القتل ، يدخل فيه القصاص في الجوارح والشجاج وذلك لأنه إذا علم أنه إن جرح عدوه اقتص منه زجره ذلك عن الإقدام فيصير سبباً لبقائهما لأن المجروح لا يؤمن فيه الموت وكذلك الجارح إذا اقتص منه وأيضاً فالشجة والجراحة التي لا قود فيها داخلة تحت الآية لأن الجارح لا يأمن أن تؤدى جراحته إلى زهوق النفس فيلزم القود ، فخوف القصاص حاصل في النفس.\rالوجه الثالث : أن المراد من القصاص إيجاب التسوية فيكون المراد أن في إيجاب التسوية حياة لغير القاتل ، لأنه لا يقتل غير القاتل بخلاف ما يفعله أهل الجاهلية وهو قول السدي.\rوالوجه الرابع : قرأ أبو الجوزاء {وَلَكُمْ فِي القصاص حياة} أي فيما قص عليكم من حكم القتل والقصاص وقيل : {القصاص} القرآن ، أي لكم في القرآن حياة للقلوب كقوله : {رُوحاً مّنْ أَمْرِنَا} [الشورى : 52] {ويحيى مَنْ حَىَّ عَن بَيّنَةٍ} [الأنفال : 42] والله أعلم. أ هـ {مفاتيح الغيب جـ 5 صـ 49}\rفائدة\rقال الفخر : ","part":3,"page":304},{"id":1203,"text":"المسألة الثانية : اتفق علماء البيان على أن هذه الآية في الإيجاز مع جمع المعاني باللغة بالغة إلى أعلى الدرجات ، وذلك لأن العرب عبروا عن هذا المعنى بألفاظ كثير ، كقولهم : قتل البعض إحياء للجميع ، وقول آخرين : أكثروا القتل ليقل القتل ، وأجود الألفاظ المنقولة عنهم في هذا الباب قولهم : القتل أنفى للقتل ، ثم إن لفظ القرآن أفصح من هذا ، وبيان التفاوت من وجوه : أحدها : أن قوله : {وَلَكُمْ فِي القصاص حياة} أخصر من الكل ، لأن قوله : {وَلَكُمْ} لا يدخل في هذا الباب ، إذ لا بد في الجميع من تقدير ذلك ، لأن قول القائل : قتل البعض إحياء للجميع لا بد فيه من تقدير مثله ، وكذلك في قولهم : القتل أنفى للقتل فإذا تأملت علمت أن قوله : {فِي القصاص حياة} أشد اختصاراً من قولهم : القتل أنفى للقتل وثانيها : أن قولهم : القتل أنفى للقتل ظاهرة يقتضي كون الشيء سبباً لانتفاء نفسه وهو محال ، وقوله : {فِي القصاص حياة} ليس كذلك ، لأن المذكور هو نوع من القتل وهو القصاص ، ثم ما جعله سبباً لمطلق الحياة لأنه ذكر الحياة منكرة ، بل جعله سبباً لنوع من أنواع الحياة وثالثها : أن قولهم القتل أنفى للقتل ، فيه تكرار للفظ القتل وليس قوله : {فِي القصاص حياة} كذلك ورابعها : أن قول القائل : القتل أنفى للقتل.\rلا يفيد إلا الردع عن القتل ، وقوله : {فِي القصاص حياة} يفيد الردع عن القتل وعن الجرح وغيرهما فهو أجمع للفوائد وخامسها : أن نفي القتل مطلوب تبعاً من حيث إنه يتضمن حصول الحياة ، وأما الآية فإنها دالة على حصول الحياة وهو مقصود أصلي ، فكان هذا أولى وسادسها : أن القتل ظلماً قتل ، مع أنه لا يكون نافياً للقتل بل هو سبب لزيادة القتل ، إنما النافي لوقوع القتل هو القتل المخصوص وهو القصاص ، فظاهر قولهم باطل ، أما الآية فهي صحيحة ظاهراً وتقديراً ، فظهر التفاوت بين الآية وبين كلام العرب. أ هـ {مفاتيح الغيب جـ 5 صـ 49}","part":3,"page":305},{"id":1204,"text":"كلام نفيس للعلامة ابن عاشور فى الآية الكريمة\rوقوله : {في القصاص حياة} من جوامع الكلم فاق ما كان سائراً مسرى المثل عند العرب وهو قولهم (القتل أَنْفَى لِلْقَتْل) وقد بينه السكاكي في \"مفتاح العلوم\" و\"ذيله\" من جاء بعده من علماء المعاني ، ونزيد عليهم : أن لفظ القصاص قد دل على إبطال التكايل بالدماء وعلى إبطال قتل واحد من قبيلة القاتل إذا لم يظفروا بالقاتل وهذا لا تفيده كلمتهم الجامعة. أ هـ {التحرير والتنوير جـ 2 صـ 145}\rأما قوله تعالى : {يا أُوْلِي الألباب} فالمراد به العقلاء الذين يعرفون العواقب ويعلمون جهات الخوف ، فإذا أرادوا الإقدام على قتل أعداءهم ، وعلموا أنهم يطالبون بالقود صار ذلك رادعاً لهم لأن العاقل لا يريد إتلاف غيره بإتلاف نفسه فإذا خاف ذلك كان خوفه سبباً للكف والامتناع ، إلا أن هذا الخوف إنما يتولد من الفكر الذي ذكرناه ممن له عقل يهديه إلى هذا الفكر فمن لا عقل له يهديه إلى هذا الفكر لا يحصل له هذا الخوف ، فلهذا السبب خص الله سبحانه بهذا الخطاب أولي الألباب. أ هـ {مفاتيح الغيب جـ 5 صـ 50}\rفي تفسير الآية قولان أحدهما : قول الحسن والأصم أن المراد لعلكم تتقون نفس القتل بخوف القصاص والثاني : أن المراد هو التقوى من كل الوجوه وليس في الآية تخصيص للتقوى ، فحمله على الكل أولى : ومعلوم أن الله تعالى إنما كتب على العباد الأمور الشاقة من القصاص وغيره لأجل أن يتقوا النار باجتناب المعاصي ويكفوا عنها ، فإذا كان هذا هو المقصود الأصلي وجب حمل الكلام عليه. أ هـ {مفاتيح الغيب جـ 5 صـ 50}\rوقال فى التحرير والتنوير : ","part":3,"page":306},{"id":1205,"text":"وفي قوله تعالى : {يا أولي الألباب} تنبيه بحرف النداء على التأمل في حكمة القصاص ولذلك جيء في التعريف بطريق الإضافة الدالة على أنهم من أهل العقول الكاملة ؛ لأن حكمة القصاص لا يدركها إلاّ أهل النظر الصحيح ؛ إذ هو في بادىء الرأي كأنه عقوبة بمثل الجناية ؛ لأن في القصاص رزية ثانية لكنه عند التأمل هو حياة لا رزية للوجهين المتقدمَيْن.\rوقال : {لعلكم تتقون} إكمالاً للعلة أي تقريباً لأن تتقوا فلا تتجاوزوا في أخذ الثأر حدَّ العدل والإنصاف. ولعل للرجاء وهي هنا تمثيل أو استعارة تبعية. أ هـ {التحرير والتنوير جـ 2 صـ 145}\rوقال الآلوسى : ","part":3,"page":307},{"id":1206,"text":"{وَلَكُمْ فِي القصاص حياة} عطف على قوله تعالى : {كُتِبَ عَلَيْكُمْ} [البقرة : 178] والمقصود منه توطين النفس على الانقياد لحكم القصاص لكونه شاقاً للنفس وهو كلام في غاية البلاغة وكان أوجز كلام عندهم في هذا المعنى القتل أنفى للقتل وفضل هذا الكلام عليه من وجوه ، الأول : قلة الحروف ، فإن الملفوظ هنا عشرة أحرف إذا لم يعتبر التنوين حرفاً على حدة وهناك أربعة عشر حرفاً ، الثاني : الاطراد ، إذ في كل قصاص حياة وليس كل قتل أنفى للقتل فإن القتل ظلماً أدعى للقتل. الثالث : ما في تنوين (حياة) من النوعية أو التعظيم. الرابع : صنعة الطباق بين القصاص والحياة فإن القصاص تفويت الحياة فهو مقابلها. الخامس : النص على ما هو المطلوب بالذات أعني الحياة فإن نفي القتل إنما يطلب لها لا لذاته. السادس : الغرابة من حيث جعل الشيء فيه حاصلاً في ضده ، ومن جهة أن المظروف إذا حواه الظرف صانه عن التفرق ، فكان القصاص فيما نحن فيه يحمي الحياة من الآفات. السابع : الخلوّ عن التكرار مع التقارب ، فإنه لا يخلو عن استبشاع ، ولا يعد ردع العجز على الصدر حتى يكون محسناً. الثامن : عذوبة اللفظ وسلاسته حيث لم يكن فيه ما في قولهم من توالي الأسباب الخفيفة إذ ليس في قولهم : حرفان متحركان على التوالي إلا في موضع واحد ، ولا شك أنه ينقص من سلاسة اللفظ وجريانه على اللسان ، وأيضاً الخروج من الفاء إلى اللام أعدل من الخروج من اللام إلى الهمزة لبعد الهمزة من اللام وكذلك الخروج من الصاد إلى الحاء أعدل من الخروج من الألف إلى اللام التاسع : عدم الاحتياج إلى الحيثية ، وقولهم : يحتاج إليها. العاشر : تعريف القصاص بلام الجنس الدالة على حقيقة هذا الحكم المشتملة على الضرب والجرح والقتل وغير ذلك ، وقولهم : لا يشمله الحادي عشر : خلوه من أفعل الموهم أن في الترك نفياً للقتل أيضاً. الثاني عشر : اشتماله على ما يصلح للقتال وهو الحياة","part":3,"page":308},{"id":1207,"text":"بخلاف قولهم ، فإنه يشتمل على نفي اكتنفه قتلان ، وإنه لمما يليق بهم. الثالث عشر : خلوّه عما يوهمه ظاهر قولهم من كون الشيء سبباً لانتفاء نفسه وهو محال إلى غير ذلك فسبحان من علت كلمته ، وبهرت آيته ثم المراد بالحياة إما الدنيوية وهو الظاهر لأن في شرع القصاص والعلم به يروع القاتل عن القتل ، فكيون سبب حياة نفسين في هذه النشأة ، ولأنهم كانوا يقتلون غير القاتل ، والجماعة بالواحد ، فتثور الفتنة بينهم ، وتقوم حرب البسوس على ساق ، فإذا اقتص من القاتل سلم الباقون ويصير ذلك سبباً لحياتهم ويلزم على الأول : الإضمار ، وعلى الثاني : التخصيص ، وأما الحياة الأخروية بناءاً على أن القاتل إذا اقتص منه في الدنيا لم يؤاخذ بحق المقتول في الآخرة ، وعلى هذا يكون الخطاب خاصاً بالقاتلين ، والظاهر أنه عام والظرفان إما خبران لحياة أو أحدهما خبر والآخر صلة له ، أو حال من المستكن فيه. أ هـ {روح المعانى جـ 2 صـ 52 ـ 53}\rقوله تعالى {يا أُوْلِي الالباب }\rسؤال : لم خصهم بالنداء ؟ \rإنما خصهم بالنداء مع أن الخطاب السابق عام لأنهم أهل التأمل في حكمة القصاص من استبقاء الأرواح وحفظ النفوس ، وقيل : للإشارة إلى أن الحكم مخصوص بالبالغين دون الصبيان. أ هـ {روح المعانى حـ 2 صـ 53}\rفوائد\rاتفق أئمة الفتوى على أنه لا يجوز لأحد أن يقتص من أحد حقه دون السلطان ، وليس للناس أن يقتص بعضهم من بعض ؛ وإنما ذلك للسلطان أو من نصبه السلطان لذلك ؛ ولهذا جعل الله السلطان ليقبض أيدي الناس بعضهم عن بعض.","part":3,"page":309},{"id":1208,"text":"وأجمع العلماء على أن على السلطان أن يقتص من نفسه إن تعدّى على أحدٍ من رعيّته ، إذ هو واحد منهم ؛ وإنما له مَزِيّة النظر لهم كالوصيّ والوكيل ، وذلك لا يمنع القصاص ، وليس بينهم وبين العامّة فرق في أحكام الله عز وجل ؛ لقوله جل ذكره : {كُتِبَ عَلَيْكُمُ القصاص فِي القتلى} ، وثبت عن أبي بكر الصديق رضي الله عنه أنه قال لرجل شكا إليه أن عاملاً قطع يده : لئن كنت صادقاً لأقيدنّك منه. وروى النّسائي عن أبي سعيد الخُدْرِيّ قال : \" بينا رسول الله صلى الله عليه وسلم يَقسم شيئاً إذ أكبّ عليه رجل ، فطعنه رسول الله صلى الله عليه وسلم بعُرجون كان معه ، فصاح الرجل ؛ فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم : \"تعال فاستقد\". قال : بل عفوت يا رسول الله \" وروى أبو داود الطيالسي عن أبي فراس قال : خطب عمر بن الخطاب رضي الله عنه فقال : أَلاَ مَن ظلمه أميره فليرفع ذلك إليّ أقيده منه. فقام عمرو بن العاص فقال : يا أمير المؤمنين ، لئن أدّب رجل منا رجلاً من أهل رعيّته لتقصنّه منه ؟ قال : كيف لا أقصّه منه وقد رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقصّ من نفسه!. ولفظ أبي داود السّجستانيّ عنه قال : خطبنا عمر بن الخطاب فقال : إني لم أبعث عُمّالي ليضربوا أبشاركم ولا ليأخذوا أموالكم ؛ فمن فعل ذلك به فليرفعه إليّ أقصّه منه. وذكر الحديث بمعناه. أ هـ {تفسير القرطبى حـ 2 صـ 257}\rقوله تعالى {يَا أُولِي الْأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ}\rقال البقاعى","part":3,"page":310},{"id":1209,"text":"ولما كانت هذه العبارة كما ترى معجزة في صحة معناها ودقة إشارتها وغزير مفهوماتها قال سبحانه وتعالى مرغباً في علو الهمم {يا أولي الألباب} أي العقول التي تنفع أصحابها بخلوصها مما هو كالقشر لأنه جمع لب. قال الحرالي : وهو باطن العقل الذي شأنه أن يلحظ أمر الله في المشهودات كما شأن ظاهر العقل أن يلحظ الحقائق من المخلوقات ، فهم الناظرون إلى ربّهم في آياته - انتهى. ثم علل ذلك بقوله : {لعلكم تتقون *} أي الله بالانقياد لما شرع فتتحامون القتل. قال الحرالي : وفي إبهام لعل التي هي من الخلق كما تقدم تردد إعلام بتصنيفهم صنفين بين من يثمر ذلك له تقوى وبين من يحمله ذلك ويزيده في الاعتداء - انتهى. أ هـ {نظم الدرر حـ 1 صـ 334}\rالفرق بين مضمون الآية الكريمة وبين قول العرب : القتل أنفى للقتل\rقال أبو حيان\rوذكر العلماء تفاوت ما بين الكلامين من البلاغة من وجوه. أحدها : أن ظاهر قول العرب يقتضي كون وجود الشيء سبباً لانتفاء نفسه ، وهو محال. الثاني : تكرير لفظ القتل في جملة واحدة. الثالث : الاقتصار على أن القتل هو أنفى للقتل. الرابع : أن القتل ظلماً هو قتل ، ولا يكون نافياً للقتل. وقد اندرج في قولهم : القتل أنفى للقتل ، والآية المكرمة بخلاف ذلك.\rأما في الوجه الأول : ففيه أن نوعاً من القتل وهو القصاص سبب لنوع من أنواع الحياة ، لا لمطلق الحياة ، وإذا كان على حذف مضاف أي : ولكم في شرع القصاص ، اتضح كون شرع القصاص سبباً للحياة.\rوأما في الوجه الثاني : فظاهر لعذوبة الألفاظ وحسن التركيب وعدم الاحتياج إلى تقدير الحذف ، لأن في كلام العرب كما قلناه تكراراً للفظ ، والحذف إذا نفي ، أو أكف ، أو أوقى ، هو أفعل تفضيل ، فلا بد من تقدير المفضل عليه أنفى للقتل من ترك القتل.","part":3,"page":311},{"id":1210,"text":"وأما في الوجه الثالث : فالقصاص أعم من القتل ، لأن القصاص يكون في نفس وفي غير نفس ، والقتل لا يكون إلاَّ في النفس ، فالآية أعم وأنفع في تحصيل الحياة.\rوأما في الوجة الرابع : فلأن القصاص مشعر بالاستحقاق ، فترتب على مشروعيته وجود الحياة.\rثم الآية المكرمة فيها مقابلة القصاص بالحياة فهو من مقابلة الشيء بضده ، وهو نوع من البيان يسمى الطباق ، وهو شبه قوله تعالى : {وأنه هو أمات وأحيى} وهذه الجملة مبتدأ وخبر ، وفي القصاص : متعلق بما تعلق به قوله : لكم ، وهو في موضع الخبر ، وتقديم هذا الخبر مسوّغ لجواز الابتداء بالنكرة ، وتفسير المعنى : أنه يكون لكم في القصاص حياة ، ونبه بالنداء نداء ذوي العقول والبصائر على المصلحة العامة ، وهي مشروعية القصاص ، إذ لا يعرف كنه محصولها إلاَّ أولو الألباب. أ هـ {البحر المحيط حـ 2 صـ 19}\rوقال ابن عرفة\rقوله تعالى : {وَلَكُمْ فِي القصاص حَيَاةٌ...}.\rفيه دليل لاهل السنة القائلين بأن لا حسن ولا قبح لأن الآية خرجت مخرج الامتنان بتعداد هذه النعم ، فدلّ على أنها تفضل من الله تعالى ، ولو كان القصاص واجبا في (العقل) لما حسن كونه نعمة ، ولما صح الإتيان به لأن ذلك تحصيل الحاصل.\rقال الأصوليون والبيانيون : وهذه أبلغ من قول العرب القتل أنفى للقتل.\rوقدره ابن مالك في المصباح بأربعة أوجه : \rأحدهما : أن حروفها عشرة ، وأسقط منها الياء من في (وألف) الوصل من \" القِصَاصِ \" لسقوطها في النطق وفي التفعيل أعني الأوزان (الشعرية) ، وحروف \" القتل أنفى للقتل \" أربعة عشر.\rالثاني : تنافر الحروف في المثل وتناسبها في الآية.\rالثالث : لفظ الحياة محبوب ، فالتصريح باسمها أولى من الكناية عنه بنفي القتل.\rالرابع : صحة معناه لأن تنكير الحياة يفيد إما حياة عظيمة أو نوعا من الحياة إشارة لحسنه وغرابته ، بخلاف المثل فإن معناه غير صحيح وحقيقته غير مرادة.","part":3,"page":312},{"id":1211,"text":"قال ابن عرفة : ويظهر لي بيان الرّابع إما بأن القتل في المثل (مطلق) (يتناول) القتل عدوانا مع أنه غير مراد والآية صريحة في نفي ذلك.\rقال (ابن عرفة) : والآية أصوب من وجه آخر وهو أنها تقتضي المساواة في جميع الوجوه بخلاف المثل فليس فيه تنصيص على المساواة.\rوذكر (الطبري) في تأليفه في البيان والجعبري في شرح الشاطبية الصغرى أنّ الآية تفضله من وجوه : أحدها : (إيهامه) التناقض لمنافاة الشيء لنفسه أو العموم فيكون القتل ظلما أنفى للقتل قصاصا والمراد العكس بخلاف الآية فإنّها صريحة في معناها من غير احتمال (شيء).\rالثاني : عدول الآية عن التكرار وعن الإضمار ، بخلاف المثل لأن تقديره كراهية القتل أنفى للقتل.\rالثالث : سلامة ألفاظها عما يوحش السامع ، وتخصيصها بالحياة المرغوب فيها وبعدها عن تكرار (قَلْقَلة) القَافِ للضَغط والشدة وتخصيصها بتكرار الصاد المستجلب (باستعلائها) وإطباقها مع الصفير للفصاحة.\rالرابع : فيها الطباق المعنوي بين القصاص والحياة.\rقلت : وزاد بعضهم عن القاضي ابن عبد السلام أن الآية أعجب لاقتضائها أنّ الموت سبب في الحياة ولأن دلالة القصاص على الحياة مطابقة ودلالة القتل عليها باللزوم. أ هـ {تفسير ابن عرفة حـ 1 صـ 225}\rأبحاث قيمة ونفيسة لابن القيم\rقال العلامة ابن القيم ـ رحمه الله ـ : \rفصل إيقاع العقوبة بقيام الحجة","part":3,"page":313},{"id":1212,"text":"وكان من تمام حكمته ورحمته أنه لم يأخذ الجناة بغير حجة كما لم يعذبهم في الآخرة إلا بعد إقامة الحجة عليهم وجعل الحجة التي يأخذهم بها إما منهم وهي الإقرار أو ما يقوم مقامه من إقرار الحال وهو أبلغ وأصدق من إقرار اللسان فإن من قامت عليه شواهد الحال بالجناية كرائحة الخمر وقبئها وحبل من لا زوج لها ولا سيد ووجود المسروق في دار السارق وتحت ثيابه أولى بالعقوبة ممن قامت عليه شهادة إخباره عن نفسه التي تحتمل الصدق والكذب وهذا متفق عليه بين الصحابة وإن نازع فيه بعض الفقهاء وإما أن تكون الحجة من خارج عنهم وهي البينة واشترط فيها العدالة وعدم التهمة فلا أحسن في العقول والفطر من ذلك ولو طلب منها الاقتراح لم تقترح أحسن من ذلك ولا أوفق منه للمصلحة\rالحكمة في عدم جعل العقوبة من جنس الذنب\r","part":3,"page":314},{"id":1213,"text":"فإن قيل كيف تدعون أن هذه العقوبات لاصقة بالعقول وموافقة للمصالح وأنتم تعلمون أنه لا شيء بعد الكفر بالله أفظع ولا أقبح من سفك الدماء فكيف تردعون عن سفك الدم بسفكه وهل مثال ذلك إلا إزالة نجاسة بنجاسة ثم لو كان ذلك مستحسنا لكان أولى أن يحرق ثوب من حرق ثوب غيره وأن يذبح حيوان من ذبح حيوان غيره وأن تخرب دار من خرب دار غيره وأن يجوز لمن شتم أن يشتم شاتمه وما الفرق في صريح العقل بين هذا وبين قتل من قتل غيره أو قطع من قطعه وإذا كان إراقة الدم الأول مفسدة وقطع الطرف كذلك فكيف زالت تلك المفسدة بإراقة الدم الثاني وقطع الطرف الثاني وهل هذا إلا مضاعفة للمفسدة وتكثير لها ولو كانت المفسدة الأولى تزول بهذه المفسدة الثانية لكان فيه ما فيه إذ كيف تزال مفسدة بمفسدة نظيرها من كل وجه فكيف والأولى لا سبيل إلى وزالتها وتقرير ذلك بما ذكرناه من عدم إزالة مفسدة تحريق الثياب وذبح المواشي وخراب الدور وقطع الأشجار بمثلها ثم كيف حسن أن يعاقب السارق بقطع يده التي اكتسب بها السرقة ولم تحسن عقوبة الزاني بقطع فرجه الذي اكتسب به الزنا ولا القاذف بقطع لسانه الذي اكتسب به القذف ولا المزور على الإمام والمسلمين يقطع أنامله التي اكتسب بها التزوير ولا الناظر إلى ما لا يحل له بقلع عينه التي اكتسب بها الحرام فعلم أن الأمر في هذه العقوبات جنسا وقدرا وسببا ليس بقياس إنما هو محض المشيئة ولله التصرف في خلقه يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد\rفالجواب وبالله التوفيق والتأييد من طريقين مجمل ومفصل\r","part":3,"page":315},{"id":1214,"text":"أما المجمل فهو أن من مشرع هذه العقوبات ورتبها على أسبابها جنسا وقدرا فهو عالم الغيب والشهادة وأحكم الحاكمين وأعلم العالمين ومن أحاط بكل شيء علما وعلم ما كان وما يكون وما لم يكن لو كان كيف كان يكون وأحاط علمه بوجوه المصالح دقيقها وجليلها وخفيها وظاهرها ما يمكن اطلاع البشر عليه وما لا يمكنهم وليست هذه التخصيصات والتقديرات خارجة عن وجوه الحكم والغايات المحمودة كما أن التخصيصات والتقديرات الواقعة في خلقه كذلك فهذا في خلقه وذاك في أمره ومصدرهما جميعا عن كمال علمه وحكمته ووضعه كل شى في موضعه الذي لا يليق به سواه ولا يتقاضى إلا إياه كما وضع قوة البصر والنور للباصر في العين وقوة السمع في الأذن وقوة الشم في الأنف وقوة النطق في اللسان والشفتين وقوة البطش في اليد وقوة المشي في الرجل وخص كل حيوان وغيره بما يليق به ويحسن أن يعطاه من أعضائه وهيئاته وصفاته وقدره فشمل إتقانه وإحكامه لكل ما شمله خلقه كما قال تعالى صنع الله الذي أتقن كل شيء وإذا كان سبحانه قد أتقن خلقه غاية الإتقان وأحكمه غاية الإحكام فلأن يكون أمره في غاية الإتقان والإحكام أولى وأحرى ومن لم يعرف ذلك مفصلا لم يسعه أن ينكره مجملا ولا يكون جهله بحكمة الله في خلقه وأمره وإتقانه كذلك وصدوره عن محض العلم والحكمة مسوغا له إنكاره\r","part":3,"page":316},{"id":1215,"text":"في نفس الأمر وسبحان الله ما أعظم ظلم الإنسان وجهله فإنه لو اعترض على أي صاحب صناعة كانت ممن تقصر عنها معرفته وإدراكه على ذلك وسأله عما اختصت به صناعته من الأسباب والآلات والأفعال والمقادير وكيف كان كل شيء من ذلك الوجه الذي هو عليه لا أكبر ولا أصغر ولا على شكل غير ذلك يسخر منه ويهزأ به وعجب من سخف عقله وقلة معرفته هذا ما تهيئه بمشاركته له في صناعته ووصوله فيها إلى ما وصل إليه والزيادة عليه والاستدراك عليه فيها هذا مع أن صاحب تلك الصناعة غير مدفوع عن العجز والقصور وعدم الإحاطة والجهل بل ذلك عنده عتيد حاضر ثم لا يسعه إلا التسليم له والاعتراف بحكمته وإقراره بجهله وعجزه عما وصل إليه من ذلك فهلا وسعه ذلك مع أحكم الحاكمين وأعلم العالمين ومن أتقن كل شيء فأحكمه وأوقعه على وفق الحكمة والمصلحة\rوقد كان هذا الوجه وحده كافيا في دفع كل شبهة وجواب كل سؤال وهذا غير الطريق التي سلكها نفاة الحكم والتعليل ولكن مع هذا فنتصدى للجواب المفصل بحسب الاستعداد وما يناسب علومنا الناقصة وأفهامنا الجامدة وعقولنا الضعيفة وعباراتنا القاصرة فنقول وبالله التوفيق\rولكم في القصاص حياة\rأما قوله كيف تردعون عن سفك الدم بسفكه وإن ذلك كإزالة النجاسة بالنجاسة سؤال في غاية الوهن والفساد وأول ما يقال لسائله هل ترى ردع المفسدين والجناة عن فسادهم وجناياتهم وكف عدوانهم مستحسنا في العقول موافقا لمصالح العباد أو لا تراه كذلك فإن قال لا أراه كذلك كفانا مؤنة جوابه بإقراره على نفسه بمخالفة جميع طوائف بني آدم على اختلاف مللهم ونحلهم ودياناتهم وآرائهم ولولا عقوبة الجناة والمفسدين لأهلك الناس بعضهم بعضا وفسد نظام العالم وصارت حال الدواب والأنعام والوحوش أحسن من حال بني آدم وإن قال بل لا تتم المصلحة إلا بذلك","part":3,"page":317},{"id":1216,"text":"قيل له من المعلوم أن عقوبة الجناة والمفسدين لا تتم إلا بمؤلم يردعهم ويجعل الجاني نكالا وعظة لمن يريد أن يفعل مثل فعله وعند هذا فلا بد من إفساد شيء منه بحسب جريمته في الكبر والصغر والقلة والكثرة ومن المعلوم ببدائه العقول أن التسوية في العقوبات مع تفاوت الجرائم غير مستحسن بل مناف للحكمة والمصلحة فإنه إن ساوى بينهم في أدنى العقوبات لم تحصل مصلحة الزجر وإن ساوى بينها في أعظمها كان خلاف الرحمة والحكمة إذ لا يليق أن يقتل بالنظرة والقبلة ويقطع بسرقة الحبة والدينار وكذلك التفاوت بين العقوبات مع استواء الجرائم قبيح في الفطر والعقول وكلاهما تأباه حكمة الرب تعالى وعدله وإحسانه إلى خلقه فأوقع العقوبة تارة بإتلاف النفس إذا انتهت الجناية في عظمها إلى غاية القبح كالجناية على النفس أو الدين أو الجناية التي ضررها عام فالمفسدة التي في هذه العقوبة خاصة والمصلحة الحاصلة بها أضعاف أضعاف تلك المفسدة كما قال تعالى ولكم في القصاص حياة يا أولي الألباب لعلكم تتقون فلولا القصاص لفسد العالم وأهلك الناس بعضهم بعضا ابتداء واستيفاء فكأن في القصاص دفعا لمفسدة التجري على الدماء بالجناية وبالاستيفاء وقد قالت العرب في جاهليتها القتل أنفى للقتل وبسفك الدماء تحقن الدماء فلم تغسل النجاسة بالنجاسة بل الجناية نجاسة والقصاص طهرة وإذا لم يكن بد من موت القاتل ومن استحق القتل فموته بالسيف أنفع له في عاجلته وآجلته والموت به أسرع الموكات وأوحاها وأقلها ألما فموته به مصلحة له ولأولياء القتيل ولعموم الناس وجرى ذلك مجرى إتلاف الحيوان بذبحه لمصلحة الآدمي فإنه حسن وإن كان في ذبحه إضرار بالحيوان فالمصالح المرتبة على ذبحه أضعاف أضعاف مفسدة إتلافه ثم هذا السؤال الفاسد يظهر فساده وبطلانه بالموت الذي حتمه الله على عباده وساوى فيه بين جميعهم ولولاه لما هنأ العيش ولا وسعتهم الأرزاق ولضاقت عليهم المساكن والمدن والأسواق والطرقات","part":3,"page":318},{"id":1217,"text":"وفي مفارقة البغيض من اللذة والراحة ما في مواصلة الحبيب والموت مخلص للحي والموت مريح لكل منهما من صاحبه ومخرج من دار الابتلاء والامتحان وباب للدخول في دار الحيوان... جزى الله عنا الموت خيرا فإنه... أبر بنا من كل بر وأعطف... يعجل تخليص النفوس من الأذى... ويدني إلى الدار التي هي أشرف...\rفكم لله سبحانه على عباده الأحياء والأموات في الموت من نعمة لا تحصى فكيف إذا كان في طهرة للمقتول وحياة للنوع الإنساني وتشف للمظلوم وعدل بين القاتل والمقتول فسبحان من تنزهت شريعته عن خلاف ما شرعها عليه من اقتراح العقول الفاسدة والآراء الضالة الجائرة\rمقابلة الإتلاف بمثله في كل الأحوال مفسدة\rوأما قوله لو كان ذلك مستحسنا في العقول لاستحسن في تحريق ثوبه وتخريب داره وذبح حيوانه مقابلته بمثله\r","part":3,"page":319},{"id":1218,"text":"فالجواب عن هذا أن مفسدة تلك الجنايات تندفع بتغريمه نظير ما أتلفه عليه فإن المثل يسد مسد المثل من كل وجه فتصير المقابلة مفسدة محضة كما ليس له أن يقتل ابنه أو غلامه مقابلة لقتله هو ابنه أو غلامه فإن هذا شرع الظالمين المعتدين الذي تنزه عنه شريعة أحكم الحاكمين على أن للمقابلة في إتلاف المال بمثل فعله مساغا في الاجتهاد وقد ذهب إليه بعض أهل العلم كما تقدم الإشارة إليه في عقوبة الكفار بإفساد أموالهم إذا كانوا يفعلون ذلك بنا أو كان يغيظهم وهذا بخلاف قتل عبده إذا قتل عبده أو قتل فرسه أو عقر فرسه فإن ذلك ظلم لغير مستحق ولكن السنة اقتضت التضمين بالمثل لا إتلاف النظير كما غرم النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ إحدى زوجتيه التي كسرت إناء صاحبتها إناء بدله وقال إناء بإناء ولا ريب أن هذا أقل فسادا وأصلح للجهتين لأن المتلف ماله إذا أخذ نظيره صار كمن لم يفت عليه شيء وانتفع بما أخذه عوض ماله فإذا مكناه من إتلافه كان زيادة في إضاعة المال وما يراد من التشفي وإذاقة الجاني ألم الإتلاف فحاصل بالغرم غالبا ولا التفات إلى الصور النادرة التي لا يتضرر الجاني فيها بالغرم ولاشك أن هذا أليق بالعقل وأبلغ في الصلاح وأوفق للحكمة وأيضا فإنه لو شرع القصاص في الأموال ردعا للجاني لبقي جانب المجني عليه غير مراعي بل يبقى متألما موتورا غير مجبور والشريعة إنما جاءت بجبر هذا وردع هذا\rالمصلحة في تخيير المجني عليه في بعض الأحوال دون بعض\rفإن قيل فخيروا المجني عليه بين أن يغرم الجاني أو يتلف عليه نظير ما أتلفه هو كما خيرتموه في الجناية على طر فهو خيرتم أولياء القتيل بين إتلاف الجاني النظير وبين أخذ الدية\r","part":3,"page":320},{"id":1219,"text":"قيل لا مصلحة في ذلك للجاني ولا للمجني عليه ولا لسائر الناس وإنما هو زيادة فساد لا مصلحة فيه بمجرد التشفي ويكفي تغريبه وتعزيره في التشفي والفرق بين الأموال والدماء في ذلك ظاهر فإن الجناية على النفوس والأعضاء تدخل من الغيظ والحنق والعداوة على المجني عليه وأوليائه مالا تدخله جناية المال ويدخل عليهم من الغضاضة والعار واحتمال الصنم والحمية والتحرق لأخذ الثأر مالا يجبره المال أبدا حتى إن أولادهم وأعقابهم ليعيرون بذلك ولأولياء القتيل من القصد في القصاص وإذاقة الجاني وأوليائه ما أذاقه للمجني عليه ما ليس لمن حرق ثوبه أو عقرت فرسه والمجني عليه موتور هو وأولياؤه فإن لم يوتر الجاني وأولياؤه ويجرعوا من الألم والغيظ ما يجرعه الأول لم يكن عدلا وقد كانت العرب في جاهليتها تعيب على من يأخذ الدية ويرضى بها من درك ثأره وشفاء غيظه كقول قائلهم يهجو من أخذ الدية من الإبل... وإن الذي أصبحتم تحلبونه... دم غير أن اللون ليس بأشقرا...\rوقال جرير يعير من أخذ الدية فاشترى بها نخلا... ألا أبلغ بني حجر بن وهب... بأن التمر حلو في الشتاء\rوقال آخر... إذا صب ما في الوطب فاعلم بأنه... دم الشيخ فاشرب من دم الشيخ أو دع...\rوقال آخر... خليلان مختلف شكلنا... أريد العلاء ويبغي السمن... أريد دماء بني مالك... ورأى المعلى بياض اللبن...\rوهذا وإن كانت الشريعة قد أبطلته وجاءت بما هو خير منه وأصلح في المعاش والمعاد من تخيير الأولياء بين إدراك الثأر ونيل التشفي وبين أخذ الدية فإن القصد به أن العرب لم تكن تعير من أخذ بدل ماله ولم تعده ضعفا ولا عجزا البتة بخلاف من أخذ بدل دم وليه فما سوى الله بين الأمرين في طبع ولا عقل ولا شرع والإنسان قد يخرق ثوبه عند الغيظ ويذبح ماشيته ويتلف ماله فلا يلحقه في ذلك من المشقة والغيظ ولازدراء به ما يلحق من قتل نفسه أو جدع انفه أو قلع عينه\r","part":3,"page":321},{"id":1220,"text":"فصل الحكمة في إتلاف بعض الأعضاء التي وقعت بها المعصية دون بعض\rوأما معاقبة السارق بقطع يده وترك معاقبة الزاني بقطع فرجه ففي غاية الحكمة والمصلحة وليس في حكمة الله ومصلحة خلقه وعنايته ورحمته بهم أن يتلف على كل جان كل عضو عصاه به فيشرع قلع عين من نظر إلى المحرم وقطع أذن من استمع إليه ولسان من تكلم به ويد من لطم غيره عدوانا ولا خفاء بما في هذا من الإسراف والتجاوز في العقوبة وقلب مراتبها وأسماء الرب الحسنى وصفاته العليا وأفعاله الحميدة تأتي ذلك وليس مقصود الشارع مجرد الأمن من المعاودة ليس إلا ولو أريد هذا لكان قتل صاحب الجريمة فقط وإنما المقصود الزجر والنكال والعقوبة على الجريمة وأن يكون إلى كف عدوانه\rأقرب وأن يعتبر به غيره وأن يحدث له ما يذوقه من الألم توبة نصوحا وأن يذكره ذلك بعقوبة الآخرة إلى غير ذلك من الحكم والمصالح\rأ هـ {إعلام الموقعين حـ 2 صـ 121 ـ 126}\rلطيفة\rقال فى البحر المديد\rكما جعل الله القصاص في الجناية الحسيّة ، جعل القصاصَ في الجناية المعنوية ، وهي الجنايةُ على النفس بسوء الأدب مع الله ، فكل من صدر منه هفوةٌ أو زَلَّة ، اقْتصَ الحقّ تعالى منه في دار الدنيا ، إن كانت له من الله عناية ، الكبيرة بالكبيرة والصغيرة بالصغيرة. أ هـ {البحر المديد حـ 1صـ 143}\rلطيفة ثانية\rإن الله تعالى كتب عليكم القصاص فى قتلاكم كما كتب على نفسه الرحمة فى قتلاه.\rأ هـ {روح البيان حـ 1صـ 356}\r{كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ 180})\rمناسبة الآية لما قبلها\rقال البقاعى : ","part":3,"page":322},{"id":1221,"text":"ولما حث سبحانه وتعالى على بذل المال ندباً وإيجاباً في حال الصحة والشح وتأميل الغنى وخشية الفقر تصديقاً للإيمان وأتبعه بذل الروح التي هو عديلها بالقتل الذي هو أحد أسباب الموت أتبع ذلك بذله في حال الإشراف على النقلة والأمن من فقر الدنيا والرجاء لغنى الآخرة استدراكاً لما فات من بذله على حبه فقال - وقال الحرالي : لما أظهر سبحانه وتعالى وجوه التزكية في هذه المخاطبات وما ألزمه من الكتاب وعلمه من الحكمة وأظهر استناد ذلك كله إلى تقوى تكون وصفاً ثابتاً أو استجداداً معالجاً حسب ما ختم به آية {ليس البر} من قوله {هم المتقون} وما ختم به آية القصاص في قوله : {لعلكم تتقون} رفع رتبة الخطاب إلى ما هو حق على المتقين حين كان الأول مكتوباً على المترجين لأن يتقوا تربية وتزكية بخطاب يتوسل به إلى خطاب أعلى في التزكية لينتهي في الخطاب من رتبة إلى رتبة إلى أن يستوفي نهايات رتب أسنان القلوب وأحوالها كما تقدمت الإشارة إليه ، ولما كان في الخطاب السابق ذكر القتل والقصاص الذي هو حال حضرة الموت انتظم به ذكر الوصية لأنه حال من حضره الموت ، انتهى - فقال : {كتب عليكم} أي فرض كما استفاض في الشرع وأكد هنا بعلى ، ثم نسخ بآية المواريث وجوبه فبقي جوازه ، وبينت السنة أن الإرث والوصية لا يجتمعان ، فالنسخ إنما هو في حق القريب الوارث لا مطلقاً فقال صلى الله عليه وسلم : \" إن الله سبحانه وتعالى أعطى كل ذي حق حقه فلا وصية لوارث \" رواه أحمد والأربعة وغيرهم عن عمرو بن خارجة وأبي أمامة رضي الله تعالى عنهما {إذا حضر أحدكم الموت} أي بحضور أسبابه وعلاماته {إن ترك خيراً} أي ما لا ينبغي أن يوصى فيه قليلاً كان أو كثيراً ، أما إطلاقه على الكثير فكثير ، وأطلق على القليل في {إني لما أنزلت إليّ من خير فقير} [القصص : 24] ثم ذكر القائم مقام فاعل كتب بعد أن اشتد التشوف إليه فقال : {الوصية} وذكر الفعل الرافع لها","part":3,"page":323},{"id":1222,"text":"لوجود الفاصل إفهاماً لقوة طلبه {للوالدين} بدأ بهما لشرفهما وعظم حقهما {والأقربين بالمعروف} أي العدل الذي يتعارفه الناس في التسوية والتفضيل. قال الحرالي : وكل ذلك في المحتضر ، والمعروف ما تقبله الأنفس ولا تجد منه تكرهاً - انتهى. وأكد الوجوب بقوله : {حقاً} وكذا قوله : {على المتقين *} فهو إلهاب وتهييج وتذكير بما أمامه من القدوم على من يسأله على النقير والقطمير.\rأ هـ {نظم الدرر حـ 1 صـ 335}\rوقال الشيخ ابن عاشور\rاستئناف ابتدائي لبيان حكم المال بعد موت صاحبه ، فإنه لم يسبق له تشريع ولم يفتتح بـ {يا أيها الذين آمنوا} لأن الوصية كانت معروفة قبل الإسلام فلم يكن شرعها إحداث شيء غير معروف ، لذلك لا يحتاج فيها إلى مزيد تنبيه لتلقي الحكم ، ومناسبة ذكره أنه تغيير لما كانوا عليه في أول الإسلام من بقايا عوائد الجاهلية في أموال الأموات فإنهم كانوا كثيراً ما يمنعون القريب من الإرث بتوهم أنه يتمنى موت قريبه ليرثه ، وربما فضلوا بعض الأقارب على بعض ، ولما كان هذا مما يفضي بهم إلى الإحن وبها تختل الحالة الاجتماعية بإلقاء العداوة بين الأقارب كما قال طَرَفة\r: ... وظُلْم ذوي القُرْبَى أَشَدُّ مَضَاضَةً\rعلى المَرْءِ من وَقْع الحُسَاممِ المُهَنَّدِ... كان تغييرها إلى حال العَدل فيها من أهم مقاصد الإسلام كما بيَّنا تفصيله فيما تقدم في آية : {كتب عليكم القصاص في القتلى} [البقرة : 178]. أما مناسبة ذكره عقب حكم القصاص فهو جريان ذكر موت القتيل وموت القاتل قصاصاً\rأ هـ {التحرير والتنوير حـ 2 صـ 146}\rقال القرطبى :","part":3,"page":324},{"id":1223,"text":"قوله تعالى : {كُتِبَ عَلَيْكُمْ} هذه آية الوصية ، وليس في القرآن ذكر للوصية إلا في هذه الآية ، وفي \"النساء\" : {مِن بَعْدِ وَصِيَّةٍ} [النساء : 11] وفي \"المائدة\" : {حِينَ الوصية} [المائدة : 106]. والتي في البقرة أتمها وأكملها ونزلت قبل نزول الفرائض والمواريث ؛ على ما يأتي بيانه. وفي الكلام تقدير واو العطف ؛ أي وكتب عليكم ، فلِما طال الكلام أسقطت الواو. ومثله في بعض الأقوال : {لاَ يَصْلاَهَآ إِلاَّ الأشقى الذي كَذَّبَ وتولى} [الليل : 15] أي والذي ؛ فحذف. وقيل : لمّا ذكر أن لوَليِّ الدم أن يقتصّ ؛ فهذا الذي أشرف على أن يقتصّ منه وهو سبب الموت فكأنما حضره الموت ، فهذا أوان الوصية ؛ فالآية مرتبطة بما قبلها ومتصلة بها فلذلك سقطت واو العطف. أ هـ {تفسير القرطبى حـ 2 صـ 258}\rسؤال : لم لم يصدر هذا الحكم بـ {يا أيها الذين آمنوا} ؟ \rولم يصدره بيا أيها الذين آمنوا لقرب العهد بالتنبيه مع ملابسته بالسابق في كون كل منهما متعلقاً بالأموات ، أو لأنه لما لم يكن شاقاً لم يصدره كما صدر الشاق تنشيطاً لفعله. أ هـ {روح المعانى حـ 2 صـ 53}\rسؤال : لم قدم المفعول فى قوله تعالى {أحدكم} ؟ \rالجواب : تقديم المفعول لإفادة كمال تمكن الفعل عند النفس وقت وروده عليها.\rأ هـ {روح المعانى حـ 2 صـ 53}\rقال الفخر : ","part":3,"page":325},{"id":1224,"text":"اعلم أن قوله تعالى : {كُتِبَ عَلَيْكُمْ} يقتضي الوجوب على ما بيناه ، أما قوله : {إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الموت} فليس المراد منه معاينة الموت ، لأن في ذلك الوقت يكون عاجزاً عن الإيصاء ثم ذكروا في تفسيره وجهين الأول : وهو اختيار الأكثرين أن المراد حضور أمارة الموت ، وهو المرض المخوف وذلك ظاهر في اللغة ، يقال فيمن يخاف عليه الموت : إنه قد حضره الموت كما يقال لمن قارب البلد إنه قد وصل والثاني : قول الأصم أن المراد فرض عليكم الوصية في حالة الصحة بأن تقولوا : إذا حضرنا الموت فافعلوا كذا قال القاضي : والقول الأول أولى لوجهين أحدهما : أن الموصي وإن لم يذكر في وصيته الموت جاز والثاني : أن ما ذكرناه هو الظاهر ، وإذا أمكن ذلك لم يجز حمل الكلام على غيره.\rأما قوله {إِن تَرَكَ خَيْرًا} فلا خلاف أنه المال ههنا والخير يراد به المال في كثير من القرآن كقوله : {وَمَا تُنفِقُواْ مِنْ خَيْرٍ} [البقرة : 272] {وَإِنَّهُ لِحُبّ الخير} [العاديات : 8] {مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ} وإذا عرفت هذا فنقول : ههنا قولان : أحدهما : أنه لا فرق بين القليل والكثير ، وهو قول الزهري ، فالوصية واجبة في الكل ، واحتج عليه بوجهين : {الاول} أن الله تعالى أوجب الوصية فيما إذا ترك خيراً ، والمال القليل خير ، يدل عليه القرآن والمعقول ، أما القرآن فقوله تعالى : {فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ * وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرّاً يَرَهُ} [الزلزلة : 7 8] وأيضاً قوله تعالى : {لِمَا أَنزَلْتَ إِلَىَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ} [القصص : 24] وأما المعقول فهو أن الخير ما ينتفع به ، والمال القليل كذلك فيكون خيراً.\r","part":3,"page":326},{"id":1225,"text":"الحجة الثانية : أن الله تعالى اعتبر أحكام المواريث فيما يبقى من المال قل أم كثر ، بدليل قوله تعالى : {لّلرّجَالِ نَصيِبٌ مّمَّا تَرَكَ الوالدان والأقربون وَلِلنّسَاءِ نَصِيبٌ مّمَّا تَرَكَ الوالدان والأقربون مِمَّا قَلَّ مِنْهُ أَوْ كَثُرَ نَصِيباً مَّفْرُوضاً} [النساء : 7] فوجب أن يكون الأمر كذلك في الوصية.\rوالقول الثاني : وهو أن لفظ الخير في هذه الآية مختص بالمال الكثير ، واحتجوا عليه بوجوه الأول : أن من ترك درهماً لا يقال : إنه ترك خيراً ، كما يقال : فلان ذو مال ، فإنما يراد تعظيم ماله ومجاوزته حد أهل الحاجة ، وإن كان اسم المال قد يقع في الحقيقة على كل ما يتموله الإنسان من قليل أو كثير ، وكذلك إذا قيل : فلان في نعمة ، وفي رفاهية من العيش.\rفإنما يراد به تكثير النعمة ، وإن كان أحد لا ينفك عن نعمة الله ، وهذا باب من المجاز مشهور وهو نفي الاسم عن الشيء لنقصه ، كما قد روي من قوله : \" لا صلاة لجار المسجد إلا في المسجد \"\rوقوله : \" ليس بمؤمن من بات شبعاناً وجاره جائع \" ونحو هذا.\rالحجة الثالثة : لو كانت الوصية واجبة في كل ما ترك ، سواء كان قليلاً ، أو كثيراً ، لما كان التقييد بقوله : {إِن تَرَكَ خَيْرًا} كلاماً مفيداً ، لأن كل أحد لا بد وأن يترك شيئاً ما ، قليلاً كان أو كثيراً ، أما الذي يموت عرياناً ولا يبقى معه كسرة خبز ، ولا قدر من الكرباس الذي يستر به عورته ، فذاك في غاية الندرة ، فإذا ثبت أن المراد ههنا من الخير المال الكثير ، فذاك المال هل هو مقدر بمقدار معين محدود أم لا فيه قولان : \r","part":3,"page":327},{"id":1226,"text":"القول الأول : أنه مقدر بمقدار معين ، ثم القائلون بهذا القول اختلفوا ، فروي عن علي رضي الله عنه أنه دخل على مولى لهم في الموت ، وله سبعمائة درهم ، فقال أولا أوصي ، قال : لا إنما قال الله تعالى : {إِن تَرَكَ خَيْرًا} وليس لك كثير مال ، وعن عائشة رضي الله عنها أن رجلاً قال لها : إني أريد أن أوصي ، قالت : كم مالك ؟ قال ثلاثة آلاف ، قالت : كم عيالك ؟ قال أربعة قالت : قال الله {إِن تَرَكَ خَيْرًا} وإن هذا لشيء يسير فاتركه لعيالك فهو أفضل ، وعن ابن عباس إذا ترك سبعمائة درهم فلا يوصي فإن بلغ ثمانمائة درهم أوصي وعن قتادة ألف درهم ، وعن النخعي من ألف وخمسمائة درهم.\rوالقول الثاني : أنه غير مقدر بمقدار معين.\rبل يختلف ذلك باختلاف حال الرجال ، لأن بمقدار من المال يوصف المرء بأنه غني ، وبذلك القدر لا يوصف غيره بالغنى لأجل كثرة العيال وكثرة النفقة ، ولا يمتنع في الإيجاب أن يكون متعلقاً بمقدار مقدر بحسب الاجتهاد ، فليس لأحد أن يجعل فقد البيان في مقدار المال دلالة على أن هذه الوصية لم تجب فيها قط بأن يقول لو وجبت لوجب أن يقدر المال الواجب فيها. أ هـ {مفاتيح الغيب جـ 5 صـ 51 ـ 52}\rلم جاز تذكير الفعل فى قوله تعالى {كتِبَ عَلَيْكُمْ... الوصِيَّة }\rالجواب : جاز تذكير الفعل لوجهين : \rأحدها : كونُ القائمِ مقامَ الفاعل مؤنَّثاً مجازياً.\rوالثاني : الفصل بيْنه وبيْن مَرْفُوعه.","part":3,"page":328},{"id":1227,"text":"والثاني : أنَّهُ الإيصاءُ المدلُول عليه بقوله : {الوصية لِلْوَالِدَيْنِ} أي : كُتِبَ هو أي : الإيصاءُ ، وكذلك ذكرُ الضَّمير في قوله : {فَمَن بَدَّلَهُ بَعْدَمَا سَمِعَهُ} [البقرة : 181] وأيضاً : أنَّه ذكر الفِعلْ ، وفصل بيْن الفِعل والوصيَّة ؛ لأَنَّ الكلام ، لمَّا طال ، كان الفَاصِلُ بين المؤنَّث والفعْل ، كالمعوَّض من تاءِ التَّأنيث ، والعَرَبُ تَقُولُ : حَضَرَ القاضِيَ امرأَةٌ فيذكرون ؛ لأنَّ القَاضِي فصَل بيْن الفعل وبيْن المرأة.\rوالثَّالِثُ : أنه الجارُّ والمجرُور ، وهذا يتَّجِه على رأي الأخفش ، والكوفيين ، و\" عَلَيْكُم \" في محلِّ رفع على هذا القول ، وفي محلِّ نَصبٍ على القولَين الأَوَّلين. أ هـ {اللباب لابن عادل حـ 2 صـ 316}\rسؤال : ما معنى حضور الموت فى الآية ؟\rالجواب : معنى حضور الموت حضورُ أسبابه وعلاماتِه الدالة على أن الموت المتخيل للناس قد حضر عند المريض ونحوه ليصيره ميتاً قال تأبط شراً\r: ... والمَوْت خَزْيَانُ يَنْظُرُ\rفإن حضور الشيء حلوله ونزوله وهو ضد الغيبة ، فليس إطلاق حضر هنا من قبيل إطلاق الفعل على مقاربة الفعل نحو قد قامت الصلاة ولا على معنى إرادة الفعل كما في {إذا قمتم إلى الصلاة} [المائدة : 6] ، {فإذا قرأت القرآن فاستعذ بالله من الشيطان الرجيم} [المائدة : 98] ، ولكنه إسناد مجازي إلى الموت لأنه حضور أسبابه ، وأما الحضور فمستعار للعرو والظهور ، ثم إن إطلاق الموت على أسبابه شائع قال رُويشد بن كثير الطائي\r: ... وقُلْ لَهُمْ بادروا بالعَفْو والتَمِسُوا\rقَوْلاً يُبَرِّؤُكُم إنِّي أَنا المَوْت... والخير المالُ وقيل الكثير منه. أ هـ {التحرير والتنوير حـ 2 صـ 146 ـ 147}","part":3,"page":329},{"id":1228,"text":"فائدة\rقال أبو العبَّاس المُقرىءُ : وقد وَرَدَ لفظ « الخَيْر » في القرآن بإزاء ثمانية معان : \rالأَوَّل : الخَيْرُ : المالُ ؛ كهذه الآية.\rالثاني : الإيمانُ ، قال تعالى : {إِن يَعْلَمِ الله فِي قُلُوبِكُمْ خَيْراً} [الأنفال : 23] أي : إيماناً ، وقوله {} [الأنفال : 70] ، يعني : إيماناً.\rالثالث : الخير الفضل ؛ ومنه قوله : {خَيْرُ الرازقين} [المائدة : 14] [الحج : 58] [المؤمنون : 72] [سبأ : 39] [الجمعة : 11] {خَيْرُ الراحمين} [المؤمنون : 109 ، 118] {خَيْرُ الحاكمين} [الأعراف : 87] [يونس : 109] [يوسف : 80].\rالرابع : الخير : العافية ؛ قال تعالى : {إِن يَعْلَمِ الله فِي قُلُوبِكُمْ خَيْراً} [يونس : 107] ، أي : بعافية.\rالخامس : الثَّواب قال تعالى : {والبدن جَعَلْنَاهَا لَكُمْ مِّن شَعَائِرِ الله لَكُمْ فِيهَا خَيْرٌ} [الحج : 36] ، أي : ثواب وأجر.\rالسادس : الخير : الطَّعام ؛ قال : {إِنِّي لِمَآ أَنزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ} [القصص : 24].\rالسابع : الخير : الظَّفر والغنيمة ؛ قال تعالى : {وَرَدَّ الله الذين كَفَرُواْ بِغَيْظِهِمْ لَمْ يَنَالُواْ خَيْراً} [الأحزاب : 25].\rالثامن : الخير : الخيل ؛ قال تعالى : {أَحْبَبْتُ حُبَّ الخير عَن ذِكْرِ رَبِّي} [ص : 32] ، يعني : الخيل.أ هـ {اللباب لابن عادل حـ2 صـ 318}","part":3,"page":330},{"id":1231,"text":"( بصيرة فى الخير )\rوهو ضدّ الشرّ. وهو ما يرغب فيه الكلّ كالعقل مثلا والعدل والفضل والشئ النَّافع. وقيل : الخير ضربان. خير مطلق وهو ما يكون مرغوباً فيه بكلّ حال وعند كلِّ أَحدكما وصف صلى الله عليه وسلَّم به الجنَّة فقال : \"لا خير بخير بعده النَّار ، ولا شرّ بشرّ بعده الجنَّة\".\rوخير وشرّ مقيَّدان وهو أَنَّ خير الواحد شرّ الآخر كالمال الَّذى ربّما كان خيرا لزيدٍ وشراً لعمرو. ولذلك وصفه الله تعالى بالأَمرين فقال فى موضع {إِن تَرَكَ خَيْراً} وقال فى موضع آخر {أَيَحْسَبُونَ أَنَّمَا نُمِدُّهُمْ بِهِ مِن مَّالٍ وَبَنِينَ * نُسَارِعُ لَهُمْ فِي الْخَيْرَاتِ} فقوله {إِنْ تَركَ خَيْراً} أَى مالاً. وقال بعض العلماء : لا يقال للمال خير حتى يكون كثيراً ومن كان طيب ، كما رُوِى أَنَّ عليّاً رضى الله عنه دخل على مولًى له فقال : أَلا أُوصى يا أَمير المؤمنين ؟ قال : لا ، لأَنَّ الله تعالى قال {إِن ترك خيراً} وليس لك مال كثير. وعلى هذا أَيضاً قوله {وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ}. وقال بعض العلماء : إِنما سمّى المال ههنا خيراً تنبيهاً على معنى لطيف ، وهو أَنَّ المال [الذى] يحسن الوصيَّة به ما كان مجموعاً من وجه محمودٍ. وعلى ذلك قوله : {وَمَا تُنفِقُواْ مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ} وقوله : {فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْراً} قيل : عنى به مالاً من جهتهم ، [و] قيل : إِن علمتم أَن عتقهم يعود عليكم وعليهم بنفع أَى ثواب.\rوقوله تعالى : {أَحْبَبْتُ حُبَّ الْخَيْرِ عَن ذِكْرِ رَبِّي} أَى آثرت حبّ الخير عن ذكر ربِّى. والعرب تسمِّى الخيل الخير لما فيها من الخير. وقوله تعالى : {لاَّ يَسْأَمُ الإِنْسَانُ مِن دُعَآءِ الْخَيْرِ} أَى لا يَفْتُر من طلب المال","part":3,"page":331},{"id":1232,"text":"وما يُصلح دنياه. وقوله تعالى : {نَأْتِ بِخَيْرٍ مِّنْهَا أَوْ مِثْلِهَا} أَى بخير لكم فإِن يكن تخفيفا كان خيراً فى الدّنيا والآخرة. وإِن يكن تشديداً كان خيراً فى الآخرة لأَنَّهم أَطاعوا الله - تعالى - ذِكرُه - فيه.\rوقال ابن عرفة فى قوله تعالى : {أَن يُبْدِلَهُ أَزْوَاجاً خَيْراً مِّنكُنَّ} لم يكن على عهد رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم خير من نسائه ، ولكن إِذا عصينه فطلَّقهن على المعصية فمن سواهنَّ خير منهنّ.\rوقال الرَّاغب : الخير والشَّرّ يقالان على وجهين : \rأَحدهما : أَن يكونا اسمين كما تقدّم.\rوالثَّانى : أَن يكونا وصفين وتقديرهما تقدير أَفعل ، نحو هو خير من ذلك وأَفضل. وقوله {وَأَن تَصُومُواْ خَيْرٌ لَّكُمْ} يصحّ أَن يكون اسماً وأَن يكون صفة. وقوله {وَتَزَوَّدُواْ فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى} تقديره تقديرُ أَفعل منه.\rوالخير يقابَل به الشرّ مرّة والضر مرّة ، نحو : {وَإِن يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلاَ كَاشِفَ لَهُ إِلاَّ هُوَ وَإِن يَمْسَسْكَ بِخَيْرٍ}.\rوقوله : {فِيهِنَّ خَيْرَاتٌ حِسَانٌ} قرأ الحسن البصرى وأَبو عثمان النَهْدِى والخليل بن أَحمد وطاووس وبكر بن حبيب {فيهنّ خيِّرات} بتشديد الياءِ ، والتشديد هو الأَصل. وامرأَة خيّرة وخَيْرة بمعنى. وكذلك رجلٌ خيّر وخَيْر كميّت وميْت. وقوله تعالى : {وَأُوْلَائِكَ لَهُمُ الْخَيْرَاتُ} جمع خَيْرة وهى الفاضلة من كل شئ. وقال الأَخفش : وقيل لَمَّا وُصِفَ به ، وقيل : فلان [خير] - أَشبه الصّفات ، فأدخلوا فيه الهاء للمؤنَّث ولم يريدوا أَفعل. وأَنشد أَبو عُبَيْدة : \r*ولقد طعنتُ مجامع الرَبَلاتِ * رَبَلات هند خيرةِ الملِكات*\rفإِن أَردت معنى التفضيل قلت : فلانة خير النَّاس ولم تقل خيرة الناس وفلان خير النَّاس ولم تقل : أَخْير ، لا يثنَّى ولا يجمع لأَنَّه فى معنى أَفعل. أ هـ {بصائر ذوى التمييز حـ 4 صـ 45 }\rقوله تعالى {إن ترك خيراً}\rقال الخازن","part":3,"page":332},{"id":1233,"text":"{إن ترك خيراً} يعني مالاً قيل يطلق على القليل والكثير وهو قول الزهري : فتجب الوصية في الكل وقيل : إن لفظة الخير لا تطلق إلاّ على المال الكثير وهو قول الأكثرين واختلفوا في مقدار الكثير الذي تقع فيه الوصية فقيل : ألف درهم فما زاد عليها. وقيل : سبعمائة فما فوقها. وقيل : ستون ديناراً فما فوقها. وقيل : إنه من خمسمائة إلى ألف وقيل : إنه المال الكثير الفاضل عن العيال ، روي أن رجلاً قال لعائشة : إني أريد أن أوصي فقالت كم مالك ؟ قال : ثلاثة آلاف درهم قالت : كم عيالك ؟ قال أربعة. قالت إنما قال الله : {إن ترك خيراً} وهذا شيء يسير فاتركه لعيالك. {الوصية} أي الإيصاء والوصية التقدم إلى الغير بما يعمل به وقيل : هي القول المبين لما يستأنف من العمل والقيام به بعد الموت {للوالدين والأقربين} كانت الوصية في ابتداء الإسلام فريضة للوالدين والأقربين على من مات وله مال. وسبب ذلك أن أهل الجاهلية كانوا يوصون للأبعدين طلباً للفخر والشرف والرياء ويتركون الأقربين فقراء فأوجب الله تعالى الوصية للأقربين ، ثم نسخت هذه الآية بأية المواريث ، وبما روي عن عمر بن خارجة قال : كنت آخذاً بزمام ناقة النبي صلى الله عليه وسلم وهو يخطب فسمعته يقول : \" إن الله أعطى كل ذي حق حقه فلا وصية لوارث \" أخرجه النسائي والترمذي ، نحوه وذهب ابن عباس إلى أن وجوبها صار منسوخاً في حق من يرث ، وبقي وجوبها في حق من لا يرث من الوالدين والأقربين.\r","part":3,"page":333},{"id":1234,"text":"وهو قول الحسن ومسروق وطاوس والضحاك ومسلم بن يسار وحجة هؤلاء أن الآية دالة على وجوب الوصية للوالدين والأقربين ثم نسخ ذلك الوجوب في حق من يرث بآية الميراث وبالحديث ، المذكور فوجب أن تبقى الآية دالة على وجوب الوصية للقريب الذي لا يرث فعلى قول هؤلاء النسخ يتناول بعض أحكام الآية ، وذهب الأكثرون من المفسرين والعلماء وفقهاء الحجاز والعراق إلى أن وجوبها صار منسوخاً في حق الكافة وهي مستحبة في حق من لا يرث ويدل على استحباب الوصية والحث عليها ما روي عن ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : \" ما حق امرئ مسلم له شيء يوصي فيه \" وفي رواية : \" له شيء يريد أن يوصي به أن يبيت ليلتين \" وفي رواية : \" ثلاث ليال إلاّ ووصيته مكتوبة عنده \" قال نافع سمعت عبدالله بن عمر يقول : ما مرت علي ليلة منذ سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول ذلك إلاّ ووصيتي مكتوبة عندي أخرجه الجماعة. قوله : ما حق امرئ الحق يشتمل معناه على الوجوب والندب والحث ، فيحمل هنا على الحث في الوصية لأن لا يدري متى يأتيه الموت فربما أتاه بغتة فيمنعه عن الوصية. وقوله تعالى : {بالمعروف} أي بالعدل الذي لا وكس فيه ولا شطط فلا يزيد على الثلث ولا يوصي للغني ويدع الفقير. أ هـ {تفسير الخازن حـ 1 صـ 108}\rسؤال : لم عبر بفعل (ترك) وهو ماض عن معنى المستقبل ؟ ","part":3,"page":334},{"id":1235,"text":"الجواب : وعُبر بفعل (ترك) وهو ماض عن معنى المستقبل أي إن يترك ، للتنبيه على اقتراب المستقبل من المضي إذا أوشك أن يصير ماضياً ، والمعنى : إن أَوحشَك أن يَتْرُك خيراً أو شارف أن يترك خيراً ، كما قدّروه في قوله تعالى : {وليخش الذين لو تركوا من خلفهم ذرية ضعافاً خافوا عليهم} [النساء : 9] في سورة النساء وقوله تعالى : {إن الذين حقت عليههم كلمات ربك لا يؤمنون ولو جاءتهم كل آية حتى يروا العذاب الأليم} [يونس : 96] في سورة يونس أي حتى يقاربوا رؤية العذاب. أ هـ {التحرير والتنوير حـ 2 صـ 147}\rسؤال : ما معنى {أل} فى كلمة {الوصية} ؟ \rالجواب : التعريف في الوصية تعريفُ الجنس أي كتب عليكم ما هو معروف عندكم بالوصية للوالدين والأقربين. أ هـ {التحرير والتنوير حـ 2 صـ 147}\rسؤال : ما وجه الرفع فى قوله {الوصية} ؟ \rالجواب : قوله \" الوَصِيّة \" فيه ثلاثةُ أوجُهٍ : \rأحدها : أن يكُونَ مبتدأً ، وخبره \" لِلْوَالِدَيْنِ \".\rوالثاني : أنَّهُ مفعول \" كُتِبَ \" ، وقد تقدَّم.\rوالثالث : أنَّهُ مبتدأٌ ، خبره محذوف ، أي : \" فعلَيْهِ الوصيَّةُ \" ، وهذا عند مَنْ يجيزُ حذف فاء الجَوابِ ، وهو الأخفشُ ؛ وهو محجوجٌ بنقل سيبَوَيْهِ. أ هـ {اللباب لابن عادل حـ 2 صـ 318}\rو {المعروف} الفعل الذي تألفه العقول ولا تنكره النفوس فهو الشيء المحبوب المرضي سمي معروفاً لأنه لكثرة تداوله والتأنُّس به صار معروفاً بين الناس ، وضِدّه يسمى المنكر\rوالمراد بالمعروف هنا العدل الذي لا مضارة فيه ولا يحدث منه تحاسد بين الأقارب بأن ينظر الموصي في ترجيح من هو الأولى بأن يوصي إليه لقوة قرابة أو شدة حاجة ، فإنه إن توخي ذلك استحسن فعله الناس ولم يلوموه ، ومن المعروف في الوصية ألا تكون للإضرار بوارث أو زوج أو قريب.","part":3,"page":335},{"id":1236,"text":"وقد شمل قوله {بالمعروف} تقدير ما يوصي به وتمييز من يوصي له ووكل ذلك إلى نظر الموصي فهو مؤتمن على ترجيح من هو أهل للترجيح في العطاء كما أشار إليه قوله تعالى : {على المتقين }.أ هـ {التحرير والتنوير حـ 2 صـ 148}\rأسئلة وأجوبة\rسؤال : لم خص هذا الحق بالمتقين ؟ \rوخص هذا الحق بالمتقين ترغيباً في الرضى به ؛ لأن ما كان من شأن المتقي فهو أمر نفيس فليس في الآية دليل على أن هذا الوجوب على المتقين دون غيرهم من العصاة ، بل معناه أن هذا الحكم هو من التقوى وأن غيره معصية ، وقال ابن عطية : خص المتقون بالذكر تشريفاً للرتبة ليتبارى الناس إليها. أ هـ {التحرير والتنوير حـ 2 صـ 148}\rوقال الفخر : \rفإن قيل : ظاهر هذا الكلام يقتضي تخصيص هذا التكليف بالمتقين دون غيرهم.\rفالجواب : من وجهين الأول : أن المراد بقوله : {حَقّا عَلَى المتقين} أنه لازم لمن آثر التقوى ، وتحراه وجعله طريقة له ومذهباً فيدخل الكل فيه الثاني : أن هذه الآية تقتضي وجوب هذا المعنى على المتقين والإجماع دل على أن الواجبات والتكاليف عامة في حق المتقين ، وغيرهم ، فبهذا الطريق يدخل الكل تحت هذا التكليف ؛ فهذا جملة ما يتعلق بتفسير هذه الآية. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 5 صـ 53}\rسؤال : لم خص الوالدين والأقربين ؟ \rوخص الوالدين والأقربين لأنهم مظنة النسيان من الموصي ، لأنهم كانوا يورثون الأولاد أو يوصون لسادة القبيلة.\rسؤال : لم قدم الوالدين ؟ \rوقدم الوالدين للدلالة على أنهما أرجح في التبدية بالوصية ، وكانوا قد يوصون بإيثار بعض أولادهم على بعض أو يوصون بكيفية توزيع أموالهم على أولادهم ، ","part":3,"page":336},{"id":1237,"text":"ومن أشهر الوصايا في ذلك وصية نزار بن معد بن عدنان إذ أوصى لابنه مضر بالحمراء ، ولابنه ربيعة بالفرس ، ولابنه أنمار بالحمار ، ولابنه إياد بالخادم ، وجعل القسمة في ذلك للأفعى الجُرهمي ، وقد قيل إن العرب كانوا يوصون للأباعد طلباً للفخر ويتركون الأقربين في الفقر وقد يكون ذلك لأجل العداوة والشنآن. أ هـ {التحرير والتنوير حـ 2 صـ 148 ـ 149}\rسؤال : من المراد فى قوله تعالى {والأقربين} ؟ \rالجواب : اختلفوا في قوله : {والأقربين} من هم ؟ فقال قائلون : هم الأولاد فعلى هذا أمر الله تعالى بالوصية للوالدين والأولاد وهو قول عبد الرحمن بن زيد عن أبيه.\rوالقول الثاني : وهو قول ابن عباس ومجاهد أن المراد من الأقربين من عدا الوالدين.\rوالقول الثالث : أنهم جميع القرابات من يرث منهم ومن لا يرث وهذا معنى قول من أوجب الوصية للقرابة ، ثم رآها منسوخة.\rوالقول الرابع : هم من لا يرثون من الرجل من أقاربه ، فأما الوارثون فهم خارجون عن اللفظ. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 5 صـ 53}\rوقال أبوحيان : \r{والأقربين} جمع الأقرب ، وظاهره أنه أفعل تفضيل ، فكل من كان أقرب إلى الميت دخل في هذا اللفظ ، وأقرب ما إليه الوالدان ، فصار ذلك تعميماً بعد تخصيص ، فكأنهما ذكراً مرتين : توكيداً وتخصيصاً على اتصال الخير إليهما ، هذا مدلول ظاهر هذا اللفظ ، وعند المفسرين : الأقربون الأولاد ، أو من عدا الأولاد ، أو جميع القرابات ، أو من لا يرث من الأقارب. أ هـ {البحر المحيط حـ 2 صـ 25}\rسؤال : فإن قيل كيف قال {الوصية للوالدين والأقربين }عطف {الأقربين} على {الوالدين} ، وهما أقرب الأقربين ؛ والعطف يقتضى المغايرة ؟ \rالجواب : الوالدان ليسا من الأقربين ؛ لأن القريب من يدلى إلى غيره بواسطة كالأخ والعم ونحوهما.\rوالوالدان ليسا كذلك ولو كانا منهم ، لكن خصا بالذكر ؛ كقوله تعالى {وملائكته وجبريل وميكال}. أ هـ {تفسير الرازى صـ 34}\rقوله تعالى{بالمعروف}\rقال ابن عادل : \rقوله : \" بالمعروف \" : يجوز فيه وجهان : \rأحدهما : أن يتعلَّق بنفس الوصيَّة.\rوالثاني : أن يتعلَّق بمحذوفٍ على أنَّه حالٌ من الوصيَّة ، أي : حال كونها ملتبسة بالمعروف ، لا بالجور.","part":3,"page":337},{"id":1238,"text":"فصل\rيحتمل أن يكون المراد منه قدر ما يوصى به ، فيسوَّى بينهم في العطيَّة ، ويحتمل أن يكون المراد من المعروف ألاَّ يعطي البعض ، ويحرم البعض ؛ كما إذا حرم الفقير ، وأوصى للغنيِّ ، لم يكن ذلك معروفاً ، ولو سوَّى بين الوالدين مع عظم حقهما ، وبين بني العمِّ ، لم يكن معروفاً ، فالله تعالى كلَّفه الوصيَّة ؛ على طريقة جميلة خالية عن شوائب الإيحاش ، ونقل عن ابن مسعود : أنه جعل هذه الوصيَّة للأفقر فالأفقر من الأقرب.\rوقال الحسن البصريُّ : هم والأغنياء سواء.\rوروي عن الحسن أيضاً ، وجابر بن زيدٍ ، وعبد الملك بن يعلى : أنهم قالوا فيمن يوصى لغير قرابته ، وله قرابةٌ لا ترثه ، قالوا : نجعل ثُلثي الثُّلث لذوي قرابته ، وثلث الثُّلث للموصى له ، وتقدَّم النَّقل عند طاوس أنَّ الوصيَّة تنزع من الأجنبيِّ ، وتعطى لذوي القرابة.\rوقال بعضهم : قوله : \" بالمعروف \" : هو ألاَّ يزيد على الثُّلث ، روي عن سعد بن مالك ، قال : جاءني النبيُّ صلى الله عليه وسلم يعودني ، فقلت : يا رسول الله ، قد بلغ بي من الوجع ما ترى ، وأنا ذو مالٍ ، ولا يرثني إلاَّ ابنتي ، فأوصي بثلثي مالي ؟ وفي روايةٍ : \" أُوصِي بِمَالِي كُلِّه \" قال : \" لا \" ، قُلْتُ : بالشَّطْر ؛ قال : \" لا \" ، قلت فالثُّلُث ، قال : \" الثُّلُثُ ، والثُّلُثُ كثير ؛ إنك إن تدع ورثتك أغنياء خير من أن تدعهم عالةً يتكفَّفون الناس\"\rوقال [عليٌّ : لأن أوصي بالخمس أحبُّ إليَّ من أن أوصي بالربع ، ولأن أوصي بالربع أحبُّ إليَّ من أن أوصي بالثُّلثن فلم أوصي بالثُّلث ، فلم يترك \"].\rوقال الحسن : نوصي بالسُّدس ، أو الخمس ، أو الرُّبع.\rوقال الفارسيُّ : إنما كانوا يوصون بالخمس والرُّبع.\rوذهب جمهور العلماء إلى أنه لا يجوز أن يوصي بأكثر من الثُّلث ، إلاَّ أصحاب الرأي ، فإنهم قالوا : إن لم يترك الوصيُّ ورثةً ، جاز له أن يوصي بماله كله.","part":3,"page":338},{"id":1239,"text":"وقالوا : إنَّما جاز الاقتصارعلى الثُّلث في الوصيَّة ؛ لأجل أن يدع ورثته أغنياء. أ هـ {اللباب لابن عادل حـ 2 صـ 319}\rقوله تعالى{حَقًّا }\rقال القرطبيُّ : قوله تعالى \" حَقًّا \" أي : ثابتاً ثبوت نظرٍ ، وتحصين ، لا ثبوت فرضٍ ووجوبٍ ؛ بدليل قوله : \" عَلَى المتقين \" وهذا يدل على كونه مندوباً ؛ لأنه لوكان فرضاً ، لكان على جميع المسلمين ، فلما خصَّ الله تعالى المُتَّقِي ، وهو من يخاف التَّقصير ، دلَّ على أنه غير لازم لغيره. أ هـ {تفسير القرطبى حـ 2 صـ 267}\rبحث نفيس للعلامة الجصاص فى الآية الكريمة\rقال رحمه الله : \rوَاخْتَلَفَ النَّاسُ فِي الْوَصِيَّةِ الْمَذْكُورَةِ فِي هَذِهِ الْآيَةِ هَلْ كَانَتْ وَاجِبَةً أَمْ لَا ؟ فَقَالَ قَائِلُونَ : \" إنَّهَا لَمْ تَكُنْ وَاجِبَةً ، وَإِنَّمَا كَانَتْ نَدْبًا وَإِرْشَادًا \".\rوَقَالَ آخَرُونَ : \" قَدْ كَانَتْ فَرْضًا ثُمَّ نُسِخَتْ \" عَلَى الِاخْتِلَافِ مِنْهُمْ فِي الْمَنْسُوخِ مِنْهَا ، وَاحْتَجَّ مَنْ قَالَ : \" إنَّهَا لَمْ تَكُنْ وَاجِبَةً \" بِأَنَّ فِي سِيَاقِ الْآيَةِ وَفَحْوَاهَا دَلَالَةٌ عَلَى نَفْيِ وُجُوبِهَا ، وَهُوَ قَوْلُهُ : {الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ} فَلَمَّا قِيلَ فِيهَا \" بِالْمَعْرُوفِ \" وَإِنَّهَا عَلَى الْمُتَّقِينَ دَلَّ عَلَى أَنَّهَا غَيْرُ وَاجِبَةٍ مِنْ ثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ : أَحَدُهَا : قَوْلُهُ : \" بِالْمَعْرُوفِ \" لَا يَقْتَضِي الْإِيجَابَ ، وَالْآخَرُ : قَوْلُهُ \" عَلَى الْمُتَّقِينَ \" وَلَيْسَ عَلَى كُلِّ أَحَدٍ أَنْ يَكُونَ مِنْ الْمُتَّقِينَ ، الثَّالِثُ : تَخْصِيصُهُ لِلْمُتَّقِينَ بِهَا وَالْوَاجِبَاتُ لَا يَخْتَلِفُ فِيهَا الْمُتَّقُونَ ، وَغَيْرُهُمْ.","part":3,"page":339},{"id":1240,"text":"قَالَ أَبُو بَكْرٍ : وَلَا دَلَالَةَ فِيمَا ذَكَرَهُ هَذَا الْقَائِلُ عَلَى نَفْيِ وُجُوبِهَا ؛ لِأَنَّ إيجَابَهَا بِالْمَعْرُوفِ لَا يَنْفِي وُجُوبَهَا ؛ لِأَنَّ الْمَعْرُوفَ مَعْنَاهُ الْعَدْلُ الَّذِي لَا شَطَطَ فِيهِ وَلَا تَقْصِيرَ كَقَوْلِهِ تَعَالَى : {وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ} وَلَا خِلَافَ فِي وُجُوبِ هَذَا الرِّزْقِ وَالْكِسْوَةِ وقَوْله تَعَالَى : {وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ} بَلْ الْمَعْرُوفُ هُوَ الْوَاجِبُ ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : {وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنْ الْمُنْكَرِ} وَقَالَ : {يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ} فَذِكْرُ الْمَعْرُوفِ فِيمَا أَوْجَبَ اللَّهُ تَعَالَى مِنْ الْوَصِيَّةِ لَا يَنْفِي وُجُوبَهَا بَلْ هُوَ يُؤَكِّدُ وُجُوبَهَا ؛ إذْ كَانَ جَمِيعُ أَوَامِرِ اللَّهِ مَعْرُوفًا غَيْرَ مُنْكَرٍ.\rوَمَعْلُومٌ أَيْضًا أَنَّ ضِدَّ الْمَعْرُوفِ هُوَ الْمُنْكَرُ ، وَأَنَّ مَا لَيْسَ بِمَعْرُوفٍ هُوَ مُنْكَرٌ ، وَالْمُنْكَرُ مَذْمُومٌ مَزْجُورٌ عَنْهُ ، فَإِذًا الْمَعْرُوفُ وَاجِبٌ.\rوَأَمَّا قَوْلُهُ : \" حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ \"\rفَفِيهِ تَأْكِيدٌ لِإِيجَابِهَا ؛ لِأَنَّ عَلَى النَّاسِ أَنْ يَكُونُوا مُتَّقِينَ ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ} وَلَا خِلَافَ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ أَنَّ تَقْوَى اللَّهِ فَرْضٌ ، فَلَمَّا جَعَلَ تَنْفِيذَ هَذِهِ الْوَصِيَّةِ مِنْ شَرَائِطِ التَّقْوَى فَقَدْ أَبَانَ عَنْ إيجَابِهَا.\r","part":3,"page":340},{"id":1241,"text":"وَأَمَّا تَخْصِيصُهُ الْمُتَّقِينَ بِالذِّكْرِ فَلَا دَلَالَةَ فِيهِ عَلَى نَفْيِ وُجُوبِهَا ، وَذَلِكَ لِأَنَّ أَقَلَّ مَا فِيهِ اقْتِضَاءُ الْآيَةِ وُجُوبَهَا عَلَى الْمُتَّقِينَ ، وَلَيْسَ فِيهَا نَفْيُهَا عَنْ غَيْرِ الْمُتَّقِينَ ، كَمَا أَنَّهُ لَيْسَ فِي قَوْلِهِ : {هُدًى لِلْمُتَّقِينَ} نَفْيُ أَنْ يَكُونَ هُدًى لِغَيْرِهِمْ ، وَإِذَا وَجَبَتْ عَلَى الْمُتَّقِينَ بِمُقْتَضَى الْآيَةِ وَجَبَ عَلَى غَيْرِهِمْ ، وَفَائِدَةُ تَخْصِيصِهِ الْمُتَّقِينَ بِالذِّكْرِ أَنَّ فِعْلَ ذَلِكَ مِنْ تَقْوَى اللَّهِ ، وَعَلَى النَّاسِ أَنْ يَكُونُوا كُلُّهُمْ مُتَّقِينَ ، فَإِذًا عَلَيْهِمْ فِعْلُ ذَلِكَ.\rوَدَلَالَةُ الْآيَةِ ظَاهِرَةٌ فِي إيجَابِهَا ، وَتَأْكِيدِ فَرْضِهَا ؛ لِأَنَّ قَوْلَهُ : \" كُتِبَ عَلَيْكُمْ \" مَعْنَاهُ فُرِضَ عَلَيْكُمْ عَلَى مَا بَيَّنَّا فِيمَا سَلَفَ ، ثُمَّ أَكَّدَ بِقَوْلِهِ : {بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ} وَلَا شَيْءَ فِي أَلْفَاظِ الْوُجُوبِ آكَدُ مِنْ قَوْلِ الْقَائِلِ : \" هَذَا حَقٌّ عَلَيْكَ \" وَتَخْصِيصُهُ الْمُتَّقِينَ بِالذِّكْرِ عَلَى وَجْهِ التَّأْكِيدِ كَمَا بَيَّنَّاهُ آنِفًا ، مَعَ اتِّفَاقِ أَهْلِ التَّفْسِيرِ مِنْ السَّلَفِ أَنَّهَا كَانَتْ وَاجِبَةً بِهَذِهِ الْآيَةِ.\r","part":3,"page":341},{"id":1242,"text":"وَقَدْ رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ عَلَيْهِ السَّلَامُ مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهَا كَانَتْ وَاجِبَةً ، وَهُوَ مَا حَدَّثَنَا عَبْدُ الْبَاقِي بْنُ قَانِعٍ قَالَ : حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ الْفَضْلِ بْنِ جِبْرِيلَ قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَيُّوبَ قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ عَنْ نَافِعٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : {لَا يَحِلُ لِمُؤْمِنٍ يَبِيتُ ثَلَاثًا إلَّا وَوَصِيَّتُهُ عِنْدَهُ}.\rوَحَدَّثَنَا عَبْدُ الْبَاقِي قَالَ : حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ مُوسَى قَالَ : حَدَّثَنَا الْحُمَيْدِيُّ قَالَ : حَدَّثَنَا سُفْيَانُ قَالَ : حَدَّثَنَا أَيُّوبُ قَالَ : سَمِعْتُ نَافِعًا عَنْ ابْنِ عُمَرَ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : {مَا حَقُّ امْرِئٍ مُسْلِمٍ لَهُ مَالٌ يُوصِي فِيهِ تَمُرُّ عَلَيْهِ لَيْلَتَانِ إلَّا وَوَصِيَّتُهُ عِنْدَهُ مَكْتُوبَةٌ }.\rوَقَدْ رَوَاهُ هِشَامُ بْنُ الْغَازِي عَنْ نَافِعٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : {مَا يَنْبَغِي لِمُسْلِمٍ أَنْ يَبِيتَ لَيْلَتَيْنِ إلَّا وَوَصِيَّتُهُ عِنْدَهُ مَكْتُوبَةٌ}.\rوَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْوَصِيَّةَ قَدْ كَانَتْ وَاجِبَةً. أ هـ {أحكام القرآن للجصاص حـ 1 صـ 202 ـ 204}\rكلام نفيس فى الآية الكريمة للعلامة الطاهر بن عاشور","part":3,"page":342},{"id":1243,"text":"إن آية المواريت التي في سورة النساء نسخت هذه الآية نسخاً مجملاً فبينت ميراث كل قريب معين فلم يبق حقه موقوفاً على إيصَاء الميت له بل صار حقه ثابتاً معيناً رَضي الميت أم كره ، فيكون تقرر حكم الوصية في أول الأمر استئناساً لمشروعية فرائض الميراث ، ولذلك صدر الله تعالى آية الفرائض بقوله : {يوصيكم الله في أولادكم} [النساء : 11] فجعلها وصية نفسه سبحانه إبطالاً للمنة التي كانت للموصي.\rوبالفرائض نسخ وجوب الوصية الذي اقتضته هذه الآية وبقيت الوصية مندوبة بناء على أن الوجوب إذا نسخ بقي الندب وإلى هذا ذهب جمهور أهل النظر من العلماء ، الحسن وقتادة والنخعي والشعبي ومالك وأبو حنيفة والأوزاعي والشافعي وأحمد وجابر بن زيد ، ففي البخاري في تفسير سورة النساء عن جابر بن عبد الله قال : عادني النبي وأبو بكر في بني سَلِمَة ماشِيْين فوجدني النبي لا أعقل فدعا بماء فتوضأ منه ثم رش عليَّ فأفقت فقلت : ما تأمرني أن أَصنع في مالي يا رسول الله فنزلت : {يوصيكم الله في أولادكم} [النساء : 11] الآية أهـ. فدل على أن آخر عهد بمشْروعية الوصايا سؤال جابر بن عبد الله ، وفي البخاري عن ابن عباس كان المال وكانت الوصية للوالدين فنسخ الله من ذلك ما أحب الخ.\rوقيل نسخت مشروعية الوصية فصارت ممنوعة قاله إبراهيم بن خُثَيْم وهو شذوذ وخلاف لما اشتهر في السنة إلاّ أن يريد بأَنها صارت ممنوعة للوارث.\rوقيل : الآية مُحكَمَة لم تُنسخ والمقصود بها من أول الأمر الوصية لغير الوارث من الوالدين والأقربين مثل الأبوين الكافرين والعبْدين والأقارِب الذين لا ميراث لهم وبهذا قال الضحاك والحسن في رواية وطاووس واختاره الطبري ، والأصح هو الأول.\r","part":3,"page":343},{"id":1244,"text":"ثم القائلون ببقاء حكم الوصية بعد النسخ منهم من قال : إنها بقيت مفروضة للأقربين الذين لا يرثون وهذا قول الحسن وطاووس والضحاك والطبري لأنهم قالوا : هي غير منسوخة ، وقال به ممن قال إنها منسوخة ابنُ عباس ومسروق ومسلم بن يسار والعلاء بن زياد ، ومنهم من قال : بقيت مندوبة للأقربين وغيرهم وهذا قول الجمهور إلاّ أنه إذا كان أقاربه في حاجة ولم يوص لهم فبئس ما صنع ولا تبطل الوصية ، وقيل تختص بالقرابة فلو أوصى لغيرهم بطلت وترد على أقاربه قاله جابر بن زيد والشعبي وإسحاقُ بن راهويه والحسن البصري ، والذي عليه قول من تعتمد أقوالهم أن الوصية لغير الوارث إذا لم يخش بتركها ضياع حق أحد عند الموصِي مطلوبة ، وأنها مترددة بين الوجوب والسنة المؤكدة لحديث \"لا يحل لرجل يؤمن بالله واليوم الآخر له مال يوصي فيه يبيت ليلتين إلاّ ووصيته مكتوبة عند رأسه\" ، إذا كان هذا الحديث قد قاله النبي صلى الله عليه وسلم بعد مشروعية الفرائض فإن كان قبلَ ذلك كان بياناً لآية الوصية وتحريضاً عليها ، ولم يزل المسلمون يرون الوصية في المال حقاً شرعياً ، وفي \"صحيح البخاري\" عن طلحة بن مصَرِّف قال : سألت عبدَ الله بن أبي أَوْفَى هل كان النبي أوصى فقال : لا ، فقلت : كيف كُتبتْ على الناس الوصيةُ ولم يوص ؟ قال : أوصى بكتاب الله اه ، يريد أن النبي صلى الله عليه وسلم لما كان لا يورث فكذلك لا يوصي بماله ولكنه أوصى بما يعود على المسلمين بالتمسك بكتاب الإسلام ، وقد كان من عادة المسلمين أن يقولوا للمريض إذا خيف عليه الموت أن يقولوا له أَوْصِ.\r","part":3,"page":344},{"id":1245,"text":"وقد اتفق علماء الإسلام على أن الوصية لا تكون لوارث لما رواه أصحاب \"السنن\" عن عمر بن خارجة وما رواه أبو داود والترمذي عن أبي أُمَامَة كلاهما يقول سمعت النبي قال : \"إن الله أعطى كل ذي حق حقه أَلاَ لا وصية لوارث\" وذلك في حجة الوداع ، فخُص بذلك عمومُ الوالدين وعمومُ الأقربين وهذا التخصيص نسخ ، لأنه وقع بعد العمل بالعام وهو وإن كان خبر آحاد فقد اعتُبر من قبيل المتواتر ، لأنه سمعه الكافة وتلقاه علماء الأمة بالقبول.\rوالجمهور على أن الوصية بأكثر من الثلث باطلة للحديث المشهور عن سعد بن أبي وقاص أنه مرض فعاده النبي صلى الله عليه وسلم فاستأذنه في أن يوصي بجميع ماله فمنعه إلى أن قال له \" الثلثُ والثلثُ كثير إِنَّك أَنْ تَدَعَ ورثَتك أَغنياءَ خيرٌ من أَنْ تَدَعَهم عالةً يَتكفَّفُون الناسَ \" وقال أبو حنيفة : إن لم يكن للموصي ورثة ولو عصبة دون بيت المال جاز للموصي أن يوصي بجميع ماله ومضَى ذلك أخذاً بالإيماء إلى العلة في قوله \" إِنك أن تدع ورثَتك أغنياء خير \" الخ. وقال : إن بيت المال جامعٌ لا عاصب وَرُوي أيضاً عن علي وابن عباس ومسروق وإسحاق بن راهويه ، واختُلف في إمضائها للوارث إذا أجازها بقية الورثة ومذهب العلماء من أهل الأمصار أنها إذا أجازها الوارث مضت.\rهذا وقد اتفق المسلمون على أن الله تعالى عين كيفية قسمة تركة الميت بآية المواريث ، وأن آية الوصية المذكورة هنا صارت بعد ذلك غيرَ مراد منها ظاهرها ، فالقائلون بأنها محكمة قالوا : بقيت الوصية لغير الوارث والوصيةُ للوارث بما زاد على نصيبه من الميراث فلا نسخ بين الآيتين.\r","part":3,"page":345},{"id":1246,"text":"والقائلون بالنسخ يقول منهم مَنْ يرون الوصية لم تزل مفروضة لغير الوارث : إِن آية المواريث نسَخَت الاختيار في الموصَى له والإطلاق في المقدار الموصَى به ، ومَن يرى منهم الوصية قد نسخ وجوبها وصارت مندوبة يقولون : إن آية المواريث نَسَخت هذه الآية كلها فأصبحت الوصية المشروعة بهذه الآية منسوخة بآية المواريث للإِجماع على أن آية المواريث نَسخت عموم الوَالدين والأقربين الوَارثين ، ونسخت الإطلاق الذي في لفظ (الوصية) والتخصيصُ بعد العمل بالعام ، والتقييدُ بعدَ العمل بالمطلق كلاهما نَسْخٌ ، وإن كان لفظ آية المواريث لا يدل على ما يناقض آية الوصية ، لاحتمالها أن يكون الميراث بعد إعطاء الوصايا أو عند عدم الوصية بل ظاهرها ذلك لقوله : {من بعد وصية} [النساء : 11] ، وإن كان الحديثان الواردان في ذلك آحاداً لا يصلحان لنسخ القرآن عند من لا يرون نسخ القرآن بخبر الآحاد ، فقد ثبت حكم جديد للوصية وهو الندب أو الوجوب على الخلاف في غير الوارث وفي الثلث بدليل الإجماع المستند للأحاديث وفعل الصحابة ، ولمَّا ثبت حكم جديد للوصية فهو حكم غير مأخوذ من الآية المنسوخة بل هو حكم مستند للإِجماع ، هذا تقرير أصل استنباط العلماء في هذه المسألة وفيه ما يدفع عن الناظر إشكالات كثيرة للمفسرين والفقهاء في تقرير كيفية النسخ. أ هـ {التحرير والتنوير حـ 2 صـ 149 ـ 151}\rأبحاث قيمة فى الآية الكريمة للإمام الفخر ـ رحمه الله ـ\rقال رحمه الله : \rأما القائلون بأن الآية منسوخة فيتوجه تفريعاً على هذا المذهب أبحاث : \rالبحث الأول : اختلفوا في أنها بأي دليل صارت منسوخة ؟ وذكروا وجوهاً","part":3,"page":346},{"id":1247,"text":"أحدهما : أنها صارت منسوخة بإعطاء الله تعالى أهل المواريث كل ذي حق حقه فقط وهذا بعيد لأنه لا يمتنع مع قدر من الحق بالميراث وجوب قدر آخر بالوصية وأكثر ما يوجبه ذلك التخصيص لا النسخ بأن يقول قائل : إنه لا بد وأن تكون منسوخة فيمن لم يختلف إلا الوالدين من حيث يصير كل المال حقاً لهما بسبب الإرث فلا يبقى للوصية شيء إلا أن هذا تخصيص لا نسخ وثانيها : أنها صارت منسوخة بقوله عليه السلام : \" ألا لا وصية لوارث \" وهذا أقرب إلا أن الإشكال فيه أن هذا خبر واحد فلا يجوز نسخ القرآن به ، وأجيب عن هذا السؤال بأن هذا الخبر وإن كان خبر واحد إلا أن الأمة تلقته بالقبول فالتحق بالمتواتر.\rولقائل أن يقول : يدعى أن الأمة تلقته بالقبول على وجه الظن أو على وجه القطع ، والأول مسلم إلا أن ذلك يكون إجماعاً منهم على أنه خبر واحد ، فلا يجوز نسخ القرآن به والثاني ممنوع لأنهم لو قطعوا بصحته مع أنه من باب الآحاد لكانوا قد أجمعوا على الخطأ وأنه غير جائز.\rوثالثها : أنها صارت منسوخة بالإجماع والإجماع لا يجوز أن ينسخ به القرآن.\rلأن الإجماع يدل على أنه كان الدليل الناسخ موجوداً إلا أنهم اكتفوا بالإجماع عن ذكر ذلك الدليل ، ولقائل أن يقول : لما ثبت أن في الأمة من أنكر وقوع هذا النسخ فكيف يدعى انعقاد الإجماع على حصول النسخ ؟ \rورابعها : أنها صارت منسوخة بدليل قياسي وهو أن نقول : هذه الوصية لو كانت واجبة لكان عندما لم توجد هذه الوصية وجب أن لا يسقط حق هؤلاء الأقربين قياساً على الديون التي لا توجد الوصية بها لكن عندما لم توجد الوصية لهؤلاء الأقربين لا يستحقون شيئاً ، بدليل قوله تعالى في آية المواريث : {مِن بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِى بِهَا أَوْ دَيْنٍ} [النساء : 11] وظاهر الآية يقتضي أنه إذا لم تكن وصية ولا دين ، فالمال أجمع مصروف إلى أهل الميراث ، ولقائل أن يقول : نسخ القرآن بالقياس غير جائز والله أعلم.\r","part":3,"page":347},{"id":1248,"text":"البحث الثاني : القائلون بأن هذه الآية صارت منسوخة اختلفوا على قولين منهم من قال : إنها صارت منسوخة في حق من يرث وفي حق من لا يرث وهو قول أكثر المفسرين والمعتبرين من الفقهاء ، ومنهم من قال : إنها منسوخة فيمن يرث ثابتة فيمن لا يرث ، وهو مذهب ابن عباس والحسن البصري ومسروق وطاوس والضحاك ومسلم بن يسار والعلاء بن زياد حتى قال الضحاك : من مات من غير أن يوصي لأقربائه فقد ختم عمله بمعصية ، وقال طاوس : إن أوصى للأجانب وترك الأقارب نزع منهم ورد إلى الأقارب ، فعند هؤلاء أن هذه الآية بقيت دالة على وجوب الوصية للقريب الذي لا يكون وارثاً ، وحجة هؤلاء من وجهين : \rالحجة الأولى : أن هذه الآية دالة على وجوب الوصية للقريب ترك العمل به في حق الوارث القريب ، إما بآية المواريث وإما بقوله عليه الصلاة والسلام : \" ألا لا وصية لوارث \" أو بالإجماع على أنه لا وصية للوارث ، وههنا الإجماع غير موجود مع ظهور الخلاف فيه قديماً وحديثاً ، فوجب أن تبقى الآية دالة على وجوب الوصية للقريب الذي لا يكون وارثاً.\rالحجة الثانية : قوله عليه الصلاة والسلام : \" ما حق امرىء مسلم له مال أن يبيت ليلتين إلا ووصيته مكتوبة عنده \" وأجمعنا على أن الوصية لغير الأقارب غير واجبة ، فوجب أن تكون هذه الوصية الواجبة مختصة بالأقارب ، وصارت السنة مؤكدة للقرآن في وجوب هذه الوصية.\rوأما الجمهور القائلون بأن هذه الآية صارت منسوخة في حق القريب الذي لا يكون وارثاً فأجود ما لهم التمسك بقوله تعالى : {مِن بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِى بِهَا أَوْ دَيْنٍ} وقد ذكرنا تقريره فيما قبل.\rالبحث الثالث : القائلون بأن هذه الآية ما صارت منسوخة في حق القريب الذي لا يكون وارثاً ، اختلفوا في موضعين الأول : نقل عن ابن مسعود أنه جعل هذه الوصية للأفقر فالأفقر من الأقرباء ، وقال الحسن البصري : هم والأغنياء سواء.\r","part":3,"page":348},{"id":1249,"text":"الثاني : روي عن الحسن وخالد بن زيد وعبد الملك بن يعلى أنهم قالوا فيمن يوصي لغير قرابته وله قرابة لا ترثه : يجعل ثلثي الثلث لذوي القرابة وثلث الثلث لمن أوصي له ، وعن طاوس أن الأقارب إن كانوا محتاجين انتزعت الوصية من الأجانب وردت إلى الأقارب ، والله أعلم. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 5 صـ 53 ـ 55}\rفائدة\rقال القرطبى : \rذهب الجمهور من العلماء إلى أنه لا يجوز لأحد أن يوصي بأكثر من الثلث إلا أبا حنيفة وأصحابه فإنهم قالوا : إن لم يترك الموصي ورثة جاز له أن يوصي بماله كلّه. وقالوا : إن الاقتصار على الثلث في الوصية إنما كان من أجل أن يدع ورثته أغنياء ؛ لقوله عليه السلام : \" إنك أنْ تَذَرَ ورثتك أغنياء خير من أن تذرهم عالة يتكفّفون الناس \" الحديث ، رواه الأئمة. ومن لا وارث له فليس ممن عُني بالحديث.\rأ هـ {تفسير القرطبى حـ 2 صـ 261}\rقوله تعالى {حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ }\rوالمراد بالمتقين المؤمنون ووضع المظهر موضع المضمر للدلالة على أن المحافظة على الوصية والقيام بها من شعائر المتقين الخائفين من الله تعالى. أ هـ {روح المعانى حـ 2 صـ 55}\rوقال أبو حيان : \rعلى المتقين ، قيل : معناه : من اتقى في أمور الورثة أن لا يسرف ، وفي الأقربين أن يقدّم الأحوج فالأحوج ، وقيل : من اتبع شرائع الإيمان العاملين بالتقوى قولاً وفعلاً ، وخصهم بالذكر تشريفاً لهم وتنبيهاً على علو منزلة المتقين عنده ، وقيل : من اتقى الكفر ومخالفة الأمر.\rوقال بعضهم : قوله {على المتقين} يدل على ندب الوصية لا على وجوبها ، إذ لو كانت واجبة لقال : على المسلمين ، ولا دلالة على ما قال لأنه يراد بالمتقين : المؤمنون ، وهم الذين اتقوا الكفر ، فيحتمل أن يراد ذلك هنا. أ هـ {البحر المحيط حـ 2 صـ 26}\rفائدة","part":3,"page":349},{"id":1250,"text":"كيفية الوصية التي كان السلف الصالح يكتبونها : هذا ما أوصي فلان بن فلان ، أنه يشهد أن لا إله إلا الله ، وحده لا شريك له ، وأن محمداً عبده ورسوله. {وأن الساعة آتية لا ريب فيها وأن الله يبعث من في القبور} وأوصى من ترك ، من أهله بتقوى الله تبارك وتعالى حق تقاته ، وأن يصلحوا ذات بينهم ، ويطيعوا الله ورسوله إن كانوا مؤمنين ، ويوصيهم بما أوصى به {إبراهيم بنيه ويعقوب يا بني إن الله اصطفى لكم الدين فلا تموتنَّ إلا وأنتم مسلمون} رواه الدارقطني\rأ هـ {البحر المحيط حـ 2 صـ 22}\rفائدة أخرى\rقال السعدى ـ رحمه الله ـ :\rواعلم أن جمهور المفسرين يرون أن هذه الآية منسوخة بآية المواريث ، وبعضهم يرى أنها في الوالدين والأقربين غير الوارثين ، مع أنه لم يدل على التخصيص بذلك دليل ، والأحسن في هذا أن يقال : إن هذه الوصية للوالدين والأقربين مجملة ، ردها الله تعالى إلى العرف الجاري.\rثم إن الله تعالى قدر للوالدين الوارثين وغيرهما من الأقارب الوارثين هذا المعروف في آيات المواريث ، بعد أن كان مجملا وبقي الحكم فيمن لم يرثوا من الوالدين الممنوعين من الإرث وغيرهما ممن حجب بشخص أو وصف ، فإن الإنسان مأمور بالوصية لهؤلاء وهم أحق الناس ببره ، وهذا القول تتفق عليه الأمة ، ويحصل به الجمع بين القولين المتقدمين ، لأن كلا من القائلين بهما كل منهم لحظ ملحظا ، واختلف المورد.\rفبهذا الجمع ، يحصل الاتفاق ، والجمع بين الآيات ، لأنه مهما أمكن الجمع كان أحسن من ادعاء النسخ ، الذي لم يدل عليه دليل صحيح.\rأ هـ {تفسير السعدى صـ 85}\rموعظة\rاعلم أن الوصية مستحبة لحاجة الناس إليها فإن الإنسان مغرور بأمله أى يرجو الحياة مدة طويلة مقصر فى عمله فإذا عرض له المرض وخاف الهلاك يحتاج إلى تدارك تقصيره بماله على وجه لو مات فيه يتحقق مقصده المآلى ولو أنهضه البرء يصرفه إلى مطلبه الحالى","part":3,"page":350},{"id":1251,"text":"قال فى تفسير الشيخ ومن كان عليه حج أو كفارة أى شىء من الواجبات فالوصية واجبة وإلا فهو بالخيار وعليه الفتوى ويوصى بإرضاء خصمائه وديونه\rحكى أن الإمام الشافعى رحمه الله لما مرض مرض موته قال : مروا فلانا يغسلنى فلما مات بلغ خبر موته إليه فحضر وقال : ائتونى بتذكرته فأتى بها فنظر فيها فإذا على الشافعى سبعون ألف درهم دينا فكتبها على نفسه وقضاها وقال هذا غسلى إياه وإياه أراد. أ هـ {روح البيان حـ 1 صـ 358}\rقوله تعالى {فَمَنْ بَدَّلَهُ بَعْدَمَا سَمِعَهُ فَإِنَّمَا إِثْمُهُ عَلَى الَّذِينَ يُبَدِّلُونَهُ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ }\rمناسبة الآية لما قبلها\rولما تسبب عن كونه فعل ما دعت إليه التقوى من العدل وجوب العمل به قال : {فمن بدله} أي الإيصاء الواقع على الوجه المشروع أو الموصى به بأن غير عينه إن كان عينياً أو نقصه إن كان مثلياً. وقال الحرالي : لما ولي المتقين إيصال متروكهم إلى والديهم وقراباتهم فأمضوه بالمعروف تولى عنهم التهديد لمن بدل عليهم ، وفي إفهامه أن الفرائض إنما أنزلت عن تقصير وقع في حق الوصية فكأنه لو بقي على ذلك لكان كل المال حظاً للمتوفى ، فلما فرضت الفرائض اختزل من يديه الثلثان وبقي الثلث على الحكم الأول ، وبين أن الفرض عين الوصية فلا وصية لوارث لأن الفرض بدلها - انتهى.\r{بعد ما سمعه} أي علمه علماً لا شك فيه ، أما إذا لم يتحقق فاجتهد فلا إثم ، وأكد التحذير من تغيير المغير وسكوت الباقين عليه بقوله : {فإنمآ إثمه} أي التبديل {على الذين يبدلونه} بالفعل أو التقدير لا يلحق الموصى منه شيء. ولما كان للموصي والمبدل أقوال وأفعال ونيات حذر بقوله : {إن الله} أي المحيط بجميع صفات الكمال {سميع} أي لما يقوله كل منهما {عليم} بسره وعلنه في ذلك ، فليحذر من عمل السوء وإن أظهر غيره ومن دعاء المظلوم فإن الله يجيبه. أ هـ {نظم الدرر حـ 1 صـ 335 ـ 336}\rقال الفخر :","part":3,"page":351},{"id":1252,"text":"أما قوله تعالى : {فَمَن بَدَّلَهُ} ففيه مسائل : \rالمسألة الأولى : هذا المبدل من هو ؟ فيه قولان أحدهما : وهو المشهور أنه هو الوصي أو الشاهد أو سائر الناس ، أما الوصي فبأن يغير الوصي الوصية إما في الكتابة وإما في قسمة الحقوق وأما الشاهد فبأن يغير شهادة أو يكتمها ، وأما غير الوصي والشاهد فبأن يمنعوا من وصل ذلك المال إلى مستحقه ، فهؤلاء كلهم داخلوا تحت قوله تعالى : {فَمَن بَدَّلَهُ}.\rوالقول الثاني : أن المنهى عن التغيير هو الموصي نهى عن تغيير الوصية عن المواضع التي بين الله تعالى بالوصية إليها وذلك لأنا بينا أنهم كانوا في الجاهلية يوصون للأجانب ويتركون الأقارب في الجوع والضر ، فالله تعالى أمرهم بالوصية للأقربين ، ثم زجر بقوله : {فَمَن بَدَّلَهُ بَعْدَمَا سَمِعَهُ} من أعرض عن هذا التكليف.\rالمسألة الثانية : الكناية في قوله : {فَمَن بَدَّلَهُ} عائد إلى الوصية ، مع أن الكناية المذكورة مذكرة والوصية مؤنثة ، وذكروا فيه وجوها أحدها : أن الوصية بمعنى الإيصاء ودالة عليه ، كقوله تعالى : {فَمَن جَاءهُ مَوْعِظَةٌ} [البقرة : 275] أي وعظ ، والتقدير : فمن بدل ما قاله الميت ، أو ما أوصى به أو سمعه عنه\rوثانيها : قيل الهاء راجعة إلى الحكم والفرض والتقدير فمن بدل الأمر المقدم ذكره\rوثالثها : أن الضمير عائد إلى ما أوصى به الميت فلذلك ذكره ، وإن كانت الوصية مؤنثة\rورابعها : أن الكناية تعود إلى معنى الوصية وهو قول أو فعل\rوخامسها : أن تأنيث الوصية ليس بالحقيقي فيجوز أن يكنى عنها بكناية المذكر.\rأما قوله : {بَعْدَمَا سَمِعَهُ} فهو يدل على أن الإثم إنما يثبت أو يعظم بشرط أن يكون المبدل قد علم ذلك ، لأنه لا معنى للسماع لو لم يقع العلم به ، فصار إثبات سماعه كإثبات علمه. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 5 صـ 55}\rوقال العلامة ابن عاشور : ","part":3,"page":352},{"id":1253,"text":"الضمائر البارزة في (بدله وسمعه وإثمه ويبدلونه) عائدة إلى القول أو الكلام الذي يقوله الموصي ودل عليه لفظ {الوصية} [البقرة : 180] ، وقد أكد ذلك بما دل عليه قوله {سَمِعَهُ} إذ إنما تسمع الأقوال وقيل هي عائدة إلى الإيصاء المفهوم من قوله : {الوصية} أي كما يعود الضمير على المصدر المأخوذ من الفعل نحو قوله تعالى : {اعدلوا هو أقرب للتقوى} [المائدة : 8] ، ولك أن تجعل الضمير عائداً إلى {المعروف} [البقرة : 180] ، والمعنى فمن بدل الوصية الواقعة بالمعروف ، لأن الإثم في تبديل المعروف ، بدليل قوله الآتي : {فمن خاف من موص جنفاً أو إثماً فأصلح بينهم فلا إثم عليه} [البقرة : 182].\rوالمراد من التبديل هنا الإبطال أو النقص ؛ وما صْدَقُ (مَنْ بدَّله) هو الذي بيده تنفيذ الوصية من خاصة الورثة كالأبناء ومن الشهود عليها بإشهاد من الموصي أو بحضور موطن الوصية كما في الوصية في السفر المذكورة في سورة المائدة : {لانشتري به ثمناً ولو كان ذا قربى ولا نكتم شهادة الله إنا إذا لمن الأثمين} [المائدة : 106] فالتبديل مستعمل في معناه المجازي لأن حقيقة التبديل جعل شيء في مكان شيء آخر والنقض يستلزم الإتيان بضد المنقوض وتقييد التبديل بظرف {بعدما سمعه} تعليل للوعيد أي لأنه بدل ما سمعه وتحققه وإلاّ فإن التبديل لا يتصور إلاّ في معلوم مسموع ؛ إذ لا تتوجه النفوس إلى المجهول. أ هـ {التحرير والتنوير حـ 2 صـ 152}\rوقال ابن عرفة : \rقوله تعالى : {فَمَن بَدَّلَهُ بَعْدَمَا سَمِعَهُ...}.\rإن أريد به الموصى فالمعنى : فمن لم يمتثله ، لأن تبديل حكم الله تعالى غير معقول. وأن أريد به الوارث الأجنبي فالتبديل حقيقة بَاقِ على ظاهره. أ هـ {تفسير ابن عرفة صـ 228}\rقوله تعالى : {فَإِنَّمَا إِثْمُهُ عَلَى الذين يُبَدّلُونَهُ }\rقال الشيخ الطاهر بن عاشور : ","part":3,"page":353},{"id":1254,"text":"والقصر في قوله : {فإنما إثمه} إضافي ، لنفي الإثم عن الموصي وإلاّ فإن إثمه أيضاً يكون على الذي يأخذ ما يجعله له الموصي مع علمه إذا حاباه منفذ الوصية أو الحاكم فإن الحُكم لا يحل حراماً ، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم \"فمن قضيت له بحق أخيه فإنما أقتطع له قطعة من نار\" ، وإنما انتفى الإثم عن الموصي لأنه استبرأ لنفسه حين أوصى بالمعروف فلا وزر عليه في مخالفة الناس بعده لما أوصى به ، إذ {ألا تزر وازرة وزر أخرى ، وأن ليس للإنسان إلا ما سعى} [النجم : 38 39].\rوالمقصود من هذا القصر إبطال تعلل بعض الناس بترك الوصية بعلة خيفة ألاّ ينفذها الموكول إليهم تنفيذُها ، أي فعليكم بالإيصاء ووجوب التنفيذ متعين على ناظر الوصية فإن بدله فعليه إثمه ، وقد دل قوله : {فإنما إثمه على الذين يبدلونه} أي هذا التبديل يمنعه الشرع ويضرب ولاةُ الأمور على يد من يحاول هذا التبديل ؛ لأن الإثم لا يقرر شرعاً.\rأ هـ {التحرير والتنوير حـ 2 صـ 152}\rسؤال : لم وضع الظاهر موضع المضمر ؟ \rالجواب : ووضع الظاهر موضع المضمر للدلالة على علية التبديل للإثم ، وإيثار صيغة الجمع مراعاة لمعنى من ، وفيه إشعار بشمول الإثم لجميع الأفراد. أ هـ {روح المعانى حـ 2 صـ 55}\rقال ابن عرفة : كان بعضهم يفهم فيقول فائدة الحصر أنّ الموصي للفقراء بوصية ثم منعهم منها سلطان ظالم فالأجر ثابت للموصي والإثم خاص بالظالم.\rقال : (وكذلك) أخذ منه بعضهم ، أنّ الموصي إذا اعترف بدين عليه وحبسه الوارث عن ربّه فقد برىء الموصي من عهدته وإثمه على المانع. ففي الآية ثلاثة أسئلة : \r- الأول : لم خص الحصر بإنَّما ولم يقل : فإثمه إلا على الذين يبدلونه مع أنه أصرح ؟ \rوالجواب أنهم قالوا : إنّ \" إنما \" تقتضي ثبوت ما بعدها بخلاف (إلاّ) فتقتضي وجود الإثم وثبوته.\r- السؤال الثاني : قال \" يبدلونه \" بلفظ المضارع \" ومن بدله \" بلفظ الماضي ؟ ","part":3,"page":354},{"id":1255,"text":"والجواب عنه ما أجاب الزمخشري في قوله الله تعالى {وَمَن قَتَلَ مُؤْمِناً خَطَئاً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةٍ} {وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُّتَعَمِّداً فَجَزَآؤُهُ جَهَنَّمُ} وهو أنه لما كان القتل عمدا ممنوعا شرعا عبر عنه بلفظ الماضي والمستقبل إشعارا بكراهيته (والتنفير) عنه حتى كأنه غير واقع ، وكذلك يقال هنا.\rقلت : لأنه ذكر لفظ الإثم في الثاني مقرونا بأداة الحصر أتي بالفعل مستقبلا زيادة في (التنفير) عن موجب الإثم.\r- السؤال الثالث : هلا استغنى على إعادة الظاهر فيقال : فإنما إثمه عليه ؟ \rوالجواب عن ذلك! أنه تنبيه على العلة التي لأجلها كان مأثوما وهي التبديل. أ هـ {تفسير ابن عرفة صـ 228}\rفوائد جليلة\rقال الإمام الفخر : \rواعلم أن العلماء استدلوا بهذه الآية على أحكام أحدها : أن الطفل لا يعذب على كفر أبيه وثانيها : أن الإنسان إذا أمر الوارث بقضاء دينه ، ثم إن الوارث قصر فيه بأن لا يقضي دينه فإن الإنسان الميت لا يعذب بسبب تقصير ذلك الوارث خلافاً لبعض الجهال وثالثها : أن الميت لا يعذب ببكاء غيره عليه ، وذلك لأن هذه الآية دالة على أن إثم التبديل لا يعود إلا إلى المبدل ، فإن الله تعالى لا يؤاخذ أحداً بذنب غيره وتتأكد دلالة هذه الآية بقوله تعالى : \r{وَلاَ تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلاَّ عَلَيْهَا وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أخرى} [الأنعام : 164] {مَّنْ عَمِلَ صالحا فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاء فَعَلَيْهَا} [الجاثية : 15 ، فصلت : 46] {لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكتسبت} [البقرة : 286 ]. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 5 صـ 56}\rوقال العلامة الآلوسى : ","part":3,"page":355},{"id":1256,"text":"واستدل بالآية على أن الفرض يسقط عن الموصي بنفس الوصية ولا يلحقه ضرر إن لم يعمل بها ، وعلى أن من كان عليه دين فأوصى بقضائه يسلم من تبعته في الآخرة وإن ترك الوصي والوارث قضاءه وإلى ذلك ذهب إلكيا والذي يميل القلب إليه أن المديون لا تبعة عليه بعد الموت مطلقاً ولا يحبس في قبره كما يقوله الناس أما إذا لم يترك شيئاً ومات معسراً فظاهر لأنه لو بقي حياً لا شيء عليه بعد تحقق إعساره سوى نظرة إلى ميسرة ، فمؤاخذته وحبسه في قبره بعد ذهابه إلى اللطيف الخبير مما لا يكاد يعقل ، وأما إذا ترك شيئاً وعلم الوارث بالدين أوبرهن عليه به كان هو المطالب بأدائه والملزم بوفائه فإذا لم يؤد ولم يف أوخذ هو لا من مات وترك ما يوفي منه دينه كلاً أو بعضاً فإن مؤاخذة من يقول يا رب تركت ما يفي ولم يف عني من أوجبت عليه الوفاء بعدي ولو أمهلتني لوفيت مما ينافي الحكمة ولا تقتضيه الرحمة ، نعم المؤاخذة معقولة فيمن استدان لحرام وصرف المال في غير رضا الملك العلام ، وما ورد في الأحاديث محمول على هذا أو نحوه وأخذ ذلك مطلقاً مما لا يقبله العقل السليم والذهن المستقيم. أ هـ {روح المعانى حـ 2 صـ 55}\rأما قوله : {إِنَّ الله سَمِيعٌ عَلِيمٌ} فمعناه أنه تعالى سميع للوصية على حدها ، ويعلمها على صفتها ، فلا يخفى عليه خافية من التغيير الواقع فيها ، والله أعلم. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 5 صـ 56}\rوقال فى التحرير والتنوير : ","part":3,"page":356},{"id":1257,"text":"وقوله : {إن الله سميع عليم} وعيد للمبدل ، لأن الله لا يخفى عليه شيء وإن تحيل الناس لإبطال الحقوق بوجوه الحيل وجارُوا بأنواع الجور فالله سميع وصية الموصي ويعلم فعل المبدل ، وإذا كان سميعاً عليماً وهو قادر فلا حائل بينه وبين مجازاة المبدل. والتأكيد بإن ناظر إلى حالة المبدل الحكمية في قوله : {فمن بدله} لأنه في إقدامه على التبديل يكون كمن ينكر أنَّ الله عالم فلذلك أَكِّد له الحكم تنزيلاً له منزلة المنكر. أ هـ {التحرير والتنوير حـ 2 صـ 153}\rفائدة\rقال القرطبيُّ : لا خلاف أنه إذا أوصى بما لا يجوز ؛ مثل : أن يوصي بخمرٍ ، أو خنزير ، أو شيءٍ من المعاصي ، فإنه لا يجوز إمضاؤه ، ويجوز تبديله. أ هـ {التحرير والتنوير حـ 2 صـ 153}\rقوله تعالى {فَمَنْ خَافَ مِنْ مُوصٍ جَنَفًا أَوْ إِثْمًا فَأَصْلَحَ بَيْنَهُمْ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (182) }\rمناسبة الآية لما قبلها\rقال الفخر : \rاعلم أنه تعالى لما توعد من يبدل الوصية ، بين أن المراد بذلك التبديل أن يبدله عن الحق إلى الباطل ، أما إذا غيره عن باطل إلى حق على طريق الإصلاح فقد أحسن ، وهو المراد من قوله : {فَمَنْ خَافَ مِن مُّوصٍ جَنَفًا أَوْ إِثْمًا فَأَصْلَحَ بَيْنَهُمْ} لأن الإصلاح يقتضي ضرباً من التبديل والتغيير فذكر تعالى الفرق بين هذا التبديل وبين ذلك التبديل الأول بأن أوجب الإثم في الأول وأزاله عن الثاني بعد اشتراكهما في كونهما تبديلين وتغييرين ، لئلا يقدر أن حكمهما واحد في هذا الباب.\rأ هـ {مفاتيح الغيب حـ 5 صـ 56}\rوقال الشيخ الطاهر بن عاشور : \rقوله تعالى {فَمَنْ خَافَ مِنْ مُوصٍ جَنَفًا أَوْ إِثْمًا فَأَصْلَحَ بَيْنَهُمْ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ }","part":3,"page":357},{"id":1258,"text":"تفريع على الحكم الذي تقدمه وهو تحريم التبديل ، فكما تفرع عن الأمر بالعدل في الوصية وعيدُ المبدل لها ، وتفرع عن وعيد المبدل الإذنُ في تبديلٍ هو من المعروف وهو تبديل الوصية التي فيها جور وحيف بطريقةِ الإصلاح بين الموصَي لهم وبين من ناله الحيف من تلك الوصية بأن كان جديراً بالإيصاء إليه فتركه الموصي أو كان جديراً بمقدارٍ فأجحف به الموصي ؛ لأن آية الوصية حضرت قسمة تركة الميت في اتباع وصيته وجعلت ذلك موكولاً إلى أمانته بالمعروف ، فإذا حاف حيفاً واضحاً وجَنَف عن المعروف أُمِر ولاة الأمور بالصلح. أ هـ {التحرير والتنوير حـ 2 صـ 153}\rوقال البقاعى : ","part":3,"page":358},{"id":1259,"text":"ولما كان التحذير من التبديل إنما هو في عمل العدل وكان الموصي ربما جار في وصيته لجهل أو غرض تسبب عنه قوله : {فمن خاف} أي علم وتوقع وظن ، أطلقه عليه لأنه من أسبابه ، ولعله عبر بذلك إشارة إلى أنه يقنع فيه بالظن {من موص جنفاً} أي ميلاً في الوصية خطأ {أو إثماً} أي ميلاً فيها عمداً. قال الحرالي : وكان حقيقة معنى الجنف إخفاء حيف في صورة بر - انتهى. {فأصلح بينهم} أي بين الموصي والموصي لهم إن كان ذلك قبل موته بأن أشار عليه بما طابت به الخواطر ، أو بين الموصي لهم والورثة بعد موته إن خيف من وقوع شر فوفق بينهم على أمر يرضونه. وقال الحرالي : وفي إشعاره بذكر الخوف من الموصي ما يشعر أن ذلك في حال حياة الموصي ليس بعد قرار الوصية على جنف بعد الموت ، فإن ذلك لا يعرض له مضمون هذا الخطاب ، وفي إيقاع الإصلاح على لفظة \" بين \" إشعار بأن الإصلاح نائل البين الذي هو وصل ما بينهم فيكون من معنى ما يقوله النحاة مفعول على السعة حيث لم يكن فأصلح بينه وبينهم - انتهى. {فلا إثم عليه} أي بهذا التبديل. ولما كان المجتهد قد يخطىء فلو أوخذ بخطئه أحجم عن الاجتهاد جزاه الله سبحانه عليه بتعليل رفع الإثم بقوله إعلاماً بتعميم الحكم في كل مجتهد : {إن الله} أي المختص بإحاطة العلم {غفور} أي لمن قصد خيراً فأخطأ {رحيم} أي يفعل به من الإكرام فعل الراحم بالمرحوم. أ هـ {نظم الدرر حـ 1 صـ 336}\rقال الماوردى : \rقوله عز وجل : {فَمَنْ خَافَ مِن مُّوصٍ جَنَفاً أَوْ إِثْماً فَأَصْلَحَ بَينَهُم} اختلف المفسرون في تأويل ذلك ، على خمسة أقاويل : \rأحدها : أن تأويله فمن حضر مريضاً ، وهو يوصي عند إشرافه على الموت ، فخاف أن يخطئ في وصيته ، فيفعل ما ليس له أو أن يتعمد جَوْراً فيها ، فيأمر بما ليس له ، فلا حرج على من حضره فسمع ذلك منه ، أن يصلح بينه وبين ورثته ، بأن يأمره بالعدل في وصيته ، وهذا قول مجاهد.","part":3,"page":359},{"id":1260,"text":"والثاني : أن تأويلها فمن خاف من أوصياء الميت جنفاً في وصيته ، فأصلح بين ورثته وبين المُوصَى لهم فيما أُوصِيَ به لهم حتى رد الوصية إلى العدل ، فلا إثم عليه ، وهذا قول ابن عباس ، وقتادة.\rوالثالث : أن تأويلها فمن خاف من موص جنفاً أو إثماً في عطيته لورثته عند حضور أجله ، فأعطى بعضاً دون بعض ، فلا إثم عليه أن يصلح بين ورثته في ذلك ، وهذا قول عطاء.\rوالرابع : أن تأويلها فمن خاف من موصٍ جنفاً ، أو إثماً في وصيته لغير ورثته ، بما يرجع نفعه إلى ورثته فأصلح بين ورثته ، فلا إثم عليه ، وهذا قول طاووس.\rوالخامس : أن تأويلها فمن خاف من موصٍ لآبائه وأقربائه جنفاً على بعضهم لبعض ، فأصلح بين الآباء والأقرباء ، فلا إثم عليه ، وهذا قول السدي. أ هـ {النكت والعيون حـ 1 صـ 233 ـ 234}\rوقال العلامة الطبرى ـ رحمه الله ـ : ","part":3,"page":360},{"id":1261,"text":"وأولى الأقوال في تأويل الآية أن يكون تأويلها : فمن خاف من مُوصٍ جَنفًا أو إثمًا وهو أن يميل إلى غير الحق خطأ منه ، أو يتعمد إثمًا في وصيته ، بأن يوصي لوالديه وأقربيه الذين لا يرثونه بأكثر مما يجوز له أن يوصي لهم به من ماله ، وغير ما أذن الله له به مما جاوز الثلث أو بالثلث كله ، وفي المال قلة ، وفي الوَرَثة كثرةٌ فلا بأس على من حضره أن يصلح بين الذين يُوصَى لهم ، وبين ورثة الميت ، وبين الميت ، بأن يأمرَ الميت في ذلك بالمعروف ويعرِّفه ما أباح الله له في ذلك وأذن له فيه من الوصية في ماله ، وينهاه أن يجاوز في وصيته المعروف الذي قال الله تعالى ذكره في كتابه : \"كُتب عليكم إذا حضر أحدكم الموتُ إن ترك خيرًا الوصية للوالدين والأقربين بالمعروف\" ، وذلك هو\"الإصلاح\" الذي قال الله تعالى ذكره : \"فأصلح بينهم فلا إثم عليه\". وكذلك لمن كان في المال فَضْل وكثرةٌ وفي الورثة قِلة ، فأراد أن يقتصر في وصيته لوالديه وأقربيه عن ثلثه ، فأصلح من حَضرَه بينه وبين ورثته وبين والديه وأقربيه الذين يريد أن يوصى لهم ، بأن يأمر المريض أن يزيد في وصيته لهم ، ويبلغ بها ما رَخّص الله فيه من الثلث. فذلك أيضًا هو من الإصلاح بينهم بالمعروف.\rوإنما اخترنا هذا القول ، لأن الله تعالى ذكره قال : \"فمن خَاف من موص جَنفًا أو إثمًا\" ، يعني بذلك : فمن خاف من موص أن يَجْنَف أو يَأثم. فخوفُ الجنف والإثم من الموصي ، إنما هو كائن قبل وقوع الجنف والإثم ، فأما بعد وجوده منه ، فلا وجه للخوف منه بأن يَجنف أو يأثم ، بل تلك حال مَنْ قد جَنفَ أو أثم ، ولوْ كان ذلك معناه لقيل : فمن تبيّن من مُوص جَنفًا أو إثمًا -أو أيقن أو علم- ولم يقل : فمن خَافَ منه جَنفًا.\rفإن أشكل ما قلنا من ذلك على بعض الناس فقال : فما وجه الإصلاح حينئذ ، والإصلاح إنما يكون بين المختلفين في الشيء ؟ \r","part":3,"page":361},{"id":1262,"text":"قيل : إنّ ذلك وإن كان من معاني الإصلاح ، فمن الإصلاح الإصلاحُ بين الفريقين ، فيما كان مخوفًا حدوثُ الاختلاف بينهم فيه ، بما يؤمن معه حُدوث الاختلاف. لأن\"الإصلاح\" ، إنما هو الفعل الذي يكون معه إصلاحُ ذات البين ، فسواء كان ذلك الفعل الذي يكون معه إصلاح ذات البين - قبلَ وقوع الاختلاف أو بعد وقوعه.\rفإن قال قائل : فكيف قيل : \"فأصلح بينهم\" ، ولم يجر للورثة ولا للمختلفين ، أو المخوف اختلافهم ، ذكرٌ ؟ \rقيل : بل قد جرى ذكر الذين أمر تعالى ذكره بالوصية لهم ، وهم والدا المُوصي وأقربوه ، والذين أمروا بالوصية في قوله : \"كُتب عليكم إذا حَضر أحدكم الموتُ إن تَركَ خيرًا الوصية للوالدين والأقربين بالمعروف\" ، ثم قال تعالى ذكره : \"فمن خافَ من مُوص\" -لمن أمرته بالوصية له-\"جَنفًا أو إثمًا فأصلح بينهم\" -وبين من أمرته بالوصية له-\"فلا إثم عليه\". والإصلاح بينه وبينهم ، هو إصلاح بينهم وبين ورثة الموصي. أ هـ {تفسير الطبرى حـ 3 صـ 403 ـ 405 }\rسؤال : مات معنى الجنف ؟ وما الفرق بينه وبين الإثم ؟ \rالجنف : الميل في الأمور ، وأصله العدول عن الاستواء ، يقال : جنف يجنف بكسر النون في الماضي ، وفتحها في المستقبل ، جنفاً ، وكذلك : تجانف ، ومنه قوله تعالى : {غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لإِثْمٍ} [المائدة : 3] والفرق بين الجنف والإثم أن الجنف هو الخطأ من حيث لا يعلم به والإثم هو العمد. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 5 صـ 56 ـ 57}\rسؤال : ما المراد من الخوف فى الآية ؟ \rالجواب : في قوله تعالى : {فَمَنْ خَافَ} قولان : أحدهما : أن المراد منه هو الخوف والخشية.\rفإن قيل : الخوف إنما يصح في أمر منتظر ، والوصية وقعت فكيف يمكن تعلقها بالخوف.","part":3,"page":362},{"id":1263,"text":"والجواب من وجوه أحدها : أن المراد أن هذا المصلح إذا شاهد الموصي يوصي فظهرت منه أمارات الجنف الذي هو الميل عن طريقة الحق مع ضرب من الجهالة ، أو مع التأويل أو شاهد منه تعمداً بأن يزيد غير المستحق ، أو ينقص المستحق حقه ، أو يعدل عن المستحق ، فعند ظهور أمارات ذلك وقبل تحقيق الوصية يأخذ في الإصلاح ، لأن إصلاح الأمر عند ظهور أمارت فساده وقبل تقرير فساده يكون أسهل ، فلذلك علق تعالى بالخوف من دون العلم ، فكأن الموصي يقول وقد حضر الوصي والشاهد على وجه المشورة ، أريد أن أوصي للأباعد دون الأقارب وأن أزيد فلاناً مع أنه لا يكون مستحقاً للزيادة ، أو أنقص فلاناً مع أنه مستحق للزيادة ، فعند ذلك يصير السامع خائفاً من حنث وإثم لا قاطعاً عليه ، ولذلك قال تعالى : {فَمَنْ خَافَ مِن مُّوصٍ جَنَفًا} فعلقه بالخوف الذي هو الظن ولم يعلقه بالعلم.\rالوجه الثاني : في الجواب أنه إذا أوصى على الوجه الذي ذكرناه لكنه يجوز أن لا يستمر الموصي على تلك الوصية بل يفسخها ويجوز أن يستمر لأن الموصي ما لم يمت فله الرجوع عن الوصية وتغييرها بالزيادة والنقصان فلما كان كذلك لم يصر الجنف والإثم معلومين ، لأن تجويز فسخة يمنع من أن يكون مقطوعاً عليه ، فلذلك علقه بالخوف.\rالوجه الثالث : في الجواب أن بتقدير أن تستقر الوصية ومات الموصي ، فمن ذلك يجوز أن يقع بين الورثة والموصي لهم مصالحة على وجه ترك الميل والخطأ ، فلما كان ذلك منتظراً لم يكن حكم الجنف والإثم ماضياً مستقراً ، فصح أن يعلقه تعالى بالخوف وزوال اليقين ، فهذه الوجوه يمكن أن تذكر في معنى الخوف وإن كان الوجه الأول هو الأقوى.\r","part":3,"page":363},{"id":1264,"text":"القول الثاني : في تفسير قوله تعالى : {فَمَنْ خَافَ} أي فمن علم والخوف والخشية يستعملان بمعنى العلم وذلك لأن الخوف عبارة عن حالة مخصوصة متولدة من ظن مخصوص وبين العلم وبين الظن مشابهة في أمور كثيرة فلهذا صح إطلاق اسم كل واحد منهما على الآخر ، وعلى هذا التأويل يكون معنى الآية أن الميت إذا أخطأ في وصيته أو جار فيها متعمداً فلا حرج على من علم ذلك أن يغيره ويرده إلى الصلاح بعد موته ، وهذا قول ابن عباس وقتادة والربيع.\rالمسألة الرابعة : قد ذكرنا أن الجنف هو الخطأ والإثم هو العمد ومعلوم أن الخطأ في حق الغير في أنه يجب إبطاله بمنزلة العمد فلا فصل بين الخطأ والعمد في ذلك ، فمن هذا الوجه سوى عز وجل بين الأمرين.\rأ هـ {مفاتيح الغيب حـ 5 صـ 57}\rوقال فى التحرير والتنوير : \rومعنى خاف هنا الظن والتوقع ؛ لأن ظن المكروه خَوف فأطلق الخوف على لازمه وهو الظن والتوقعُ إشارة إلى أن ما توقعه المتوقع من قبيل المكروه ، والقرينة هي أن الجنف والإثم لا يخيفان أحداً ولا سيما من ليس من أهل الوصية وهو المصلح بين أهلها ، ومن إطلاق الخوف في مثل هذا قول أبي مِحْجن الثقفي\r : ... أخَافُ إذا ما مِتُّ أنْ لا أذُوقها\rأي أظن وأَعلم شيئاً مكروها ولذا قال قبله\r : ... تُرَوِّي عِظَامي بَعْدَ مَوْتِي عُرُوقُها\rوالجنف الحيف والميل والجور وفعله كفرح. والإثم المعصية ، فالمراد من الجنف هنا تفضيل من لا يستحق التفضيل على غيره من القرابة المساوي له أو الأحق ، فيشمل ما كان من ذلك عن غير قصد ولكنه في الواقع حيف في الحق ، والمراد بالإثم ما كان قصد الموصي به حرمان من يستحق أو تفضيل غيره عليه. أ هـ {التحرير والتنوير حـ 2 صـ 153}\rقال القُرْطُبِيُّ : ","part":3,"page":364},{"id":1265,"text":"الخطاب في قوله : {فَمَنْ خَافَ مِن مُّوصٍ} لجميع المسلمين ، أي : إن خفتم من موص جنفاً ، أي : ميلاً في الوصيَّة ، وعدولاً عن الحقِّ ، ووقوعاً في إثم ، ولم يخرجها بالمعروف بأن يوصي بالمال إلى زوج ابنته ، أو لولد ابنته ؛ لينصرف المال إلى ابنته [أو إلى ابن ابنه ، والغرض أن ينصرف المال إلى ابنِهِ ، أو أوصى لبعيدٍ] ، وترك القريب ؛ فبادروا إلى السَّعي في الإصلاح بينهم ، فإذا وقع الصُّلح ، سقط الإثم عن المصلح ، والإصلاح فرض على الكفاية ، إذا قام أحدهم به ، سقط عن الباقين ، وإن لم يفعلوا ، أثم الكل. أ هـ {تفسير القرطبى حـ 2 صـ 270}\rقوله تعالى : {فَأَصْلَحَ بَيْنَهُمْ }\rوالإصلاح جعل الشيء صالحاً يقال : أصلحه أي جعله صالحاً ، ولذلك يطلق على الدخول بين الخصمين بالمراضاة ؛ لأنه يجعلهم صالحين بعد أن فسدوا ، ويقال : أصلح بينهم لتضمينه معنى دخل. أ هـ {التحرير والتنوير حـ 2 صـ 154}\rوقال الإمام الفخر : \rأما قوله تعالى : {فَأَصْلَحَ بَيْنَهُمْ} فيه مسائل : \rالمسألة الأولى : هذا المصلح من هو ؟ الظاهر أنه هو الوصي الذي لا بد منه في الوصية وقد يدخل تحته الشاهد ، وقد يكون المراد منه من يتولى ذلك بعد موته من وال أو ولي أو وصي ، أو من يأمر بالمعروف.\rفكل هؤلاء يدخلون تحت قوله تعالى : {فَمَنْ خَافَ مِن مُّوصٍ} إذا ظهرت لهم أمارات الجنف والاسم في الوصية ، أو علموا ذلك فلا وجه للتخصيص في هذا الباب ، بل الوصي والشاهد أولى بالدخول تحت هذا التكليف وذلك لأن بهم تثبت الوصية فكان تعلقهم بها أشد. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 5 صـ 58}\rسؤال : لقائل أن يقول : الضمير في قوله : {فَأَصْلَحَ بَيْنَهُمْ} لا بد وأن يكون عائداً إلى مذكور سابق فما ذلك المذكور السابق ؟ ","part":3,"page":365},{"id":1266,"text":"وجوابه : أن لا شبهة أن المراد بين أهل الوصايا ، لأن قوله : {مِن مُّوصٍ} دل على من له الوصية فصار كأنهم ذكروا فصلح أن يقول تعالى فأصلح بينهم كأنه قال : فأصلح بين أهل الوصية وقال القائلون : المراد فأصلح بين أهل الوصية والميراث ، وذلك هو أن يزيد الموصي في الوصية على قدر الثلث ، فالمصلح يصلح بين أهل الوصايا والورثة في ذلك ، وهذا القول ضعيف من وجوه أحدها : أن لفظ الموصي إنما يدل على أهل الوصية لا على الورثة\rوثانيها : أن الجنف والإثم لا يدخل في أن يوصي بأكثر من الثلث لأن ذلك لما لم يجز إلا بالرضا صار ذكره كلا ذكر ، ولا يحتاج في إبطاله إلى إصلاح لأنه ظاهر البطلان. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 5 صـ 58}\rوقال ابن عادل : \rوالضمير في \" بَيْنَهُمْ \" عائدٌ على الموصي ، والورثة ، أو على الموصى لهم ، أو على الورثة والموصى لهم ، والظاهر عوده على الموصى لهم ، إذ يدلُّ على ذلك لفظ \" الموصي \" ، وهو نظير \" وأَدَاءٌ إلَيْهِ \" في أنَّ الضَّمير يعود للعافي ؛ لاستلزام \" عُفِيَ \" له ؛ ومثله ما أنشد الفراء : [الوافر ]\rوَمَا أَدْرِي إِذَا يَمَّمْتُ أَرْضاً... أُرِيدُ الخَيْرَ أَيُّهُمَا يَلِينِي\rفالضمير في \" أيُّهما \" يعود على الخير والشَّرِّ ، وإن لم يجر ذلك الشَّرِّ ، لدلالة ضده عليه ، والضمير في \" عَلَيْهِ \" وفي \" خَافَ \" وفي \" أَصْلَحَ \" يعود على \" مَنْ \". أ هـ {اللباب لابن عادل حـ 2 صـ 327}\rفإن قيل : هذا الإصلاح طاعةٌ عظيمةٌ ، ويستحقُّ الثَّواب عليه ، فكيف عبَّر عنه بقوله : {فَلاَ إِثْمَ عَلَيْهِ} ؟ \rفالجواب : من وجوه : \rأحدها : أنه تعالى ، لما ذكر إثم المبدِّل في أوَّل الآية وهذا أيضاً من التَّبديل ، بيَّن مخالفته للأوَّل ، وأنه لا إثم عيه ؛ لأنَّه ردَّ الوصيَّة إلى العدل.","part":3,"page":366},{"id":1267,"text":"وثانيها : أنه إذا أنقص الوصايا ، فذلك يصعب على الموصى لهم ، ويوهم أن فيه إثماً ، فأزال ذلك الوهم ، فقال : {فَلاَ إِثْمَ عَلَيَهِ}.\rوثالثها : أن مخالفة الموصي في وصيَّته ، وصرفها عمن أحبَّ إلى من كره ؛ فإن ذلك يوهم القبح فبيَّن تعالى أن ذلك حسنٌ ؛ بقوله : {فَلاَ إِثْمَ عَلَيَهِ}.\rورابعها : أن الإصلاح بين جماعةٍ يحتاج إلى إكثارٍ من القول ، ويخاف أن يتخلَّله بعض ما لا ينبغي من القول والفعل ؛ فبيَّن تعالى أنَّه لا ثم عليه في هذا الجنس ، إذا كان قصده في الإصلاح جميلاً. أ هـ {اللباب لابن عادل حـ 2 صـ 328}\rقوله تعالى : {إن الله غفور رحيم} فيه تنويه بالمحافظة على تنفيذ وصايا الموصين حتى جعل تغيير جورهم محتاجاً للإذن من الله تعالى والتنصيص على أنه مغفور. أ هـ {التحرير والتنوير حـ 2 صـ 154}\rسؤال : فإن قيل : قوله تعالى : {إِنَّ الله غَفُورٌ رَّحِيمٌ} إنما يليق بمن فعل فعلاً لا يجوز ، وهذا الإصلاح من جملة الطَّاعات ، فكيف يليق به هذا الكلام ؟\rفالجواب من وجوه :\rأحدهما : أن هذا من باب التَّنبيه بالأدنى على الأعلى ، فكأنه قال : انا الذي أغفر للذُّنوب ، ثم أرحم المذنب ؛ فبأن اوصل رحمتي وثوابي إليك ، مع أنك تحمَّلت المحن الكثيرة في إصلاح هذا المهمِّ كان أولى.\rوثانيها : يحتمل أن يكون المراد : أن ذلك الموصي الذي أقدم على الجنف والإثم ، متى أصلحت وصيَّته ؛ فإن الله غفور رحيم يغفر له ، ويرحمه بفضله.\rوثالثها : أن المصلح ، ربما احتاج في الإصلاح إلى أفعال وأقوال ، كان الأولى تركها ، فإذا علم الله تعالى منه أنَّه ليس غرضه إلا الإصلاح ، فإنه لا يؤاخذه بها ؛ لأنه غفور رحيم. أ هـ {اللباب لابن عادل حـ 2 صـ 328}\rفصل في أفضلية الصدقة حال الصحة","part":3,"page":367},{"id":1268,"text":"قال القرطبيُّ رحمه الله تعالى : والصَّدقة في حال الصِّحَّة أفضل منها عند الموت ؛ لقوله - عليه الصلاة والسلام - وقد سئل : أيُّ الصدقة أفضل ؟ فقال : \" أن تَصَّدَّقَ ، وأَنْتَ صَحِيحٌ شَحِيحٌ \"\rوقال - عليه الصلاة والسلام - : \" لأنْ يَتَصَدَّقَ المَرْءُ في حَيَاتِهِ بِدِرْهِم خَيْرٌ لَهُ مِنْ أَنْ يَتَصَدَّقَ عِنْدَ مَوْتِهِ بِمَائَةٍ \" وقال - عليه السلام - : \" مَثَلُ الَّذِي يُنْفِقُ ، وَيَتَصَدَّقُ عِنْدَ مَوْتِهِ مَثَلُ الَّذِي يُهْدِي بَعْدَ مَا يَشْبَعُ \"\rوقال - عليه الصلاة والسلام - : \" الإِضْرَارُ في الوَصِيَّةِ مِنَ الكَبَائِرِ \" وقال - عليه الصلاة والسلام - : \" إنَّ الرَّجُلَ لَيَعْمَلُ أو المَرْأَةَ بِطَاعَةِ اللَّهِ سِتِّينَ سَنَةً ، ثُمَّ يَحْضُرُهُمَا المَوْتُ ، فيُضارَّان في الوَصِيَّةِ ، فَتَجِبُ لَهُمَا النَّارُ \" وروى عمران بن حصين ، أن رجلاً أعتق ستة مملوكين عند موته ، لم يكن له مال غيرهم ، فبلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم فغضب من ذلك ، وقال : لقد هممت ألاَّ أصلي عليه [ثم دعى مملوكيه] ، فجَزَّأهم ثلاثاً ، وأقرع بينهم ، وأعتق اثنين ، وأرقَّ أربعة.\rأ هـ {اللباب لابن عادل حـ 2 صـ 328}\rفائدة\rقال القرطبى : \rفي هذه الآية دليل على الحكم بالظن لأنه إذا ظن قصد الفساد وجب السعي في الصلاح وإذا تحقق الفساد لم يكن صلحا إنما يكون حكما بالدفع وإبطالا للفساد وحسما له. أ هـ {تفسير القرطبى حـ 2 صـ 271}\rقوله تعالى {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ }\rمناسبة الآية لما قبلها\rقال البقاعى : ","part":3,"page":368},{"id":1269,"text":"ولما أباح سبحانه الأكل مما خلقه دليلاً على الوحدانية والرحمة العامة والخاصة وكان من طبع الإنسان الاستئثار وكان الاستئثار جارّاً إلى الفتن ، وأتبعه حكم المضطر وأشار إلى زجره عن العدوان بتقييده عنه في حال التلف فكان في ذلك زجر لغيره بطريق الأولى ، وأولاه الندب إلى التخلي عما دخل في اليد من متاع الدنيا للأصناف الستة ومن لافهم ، ثم الإيجاب بالزكاة تزهيداً في زهرة الحياة الدنيا ليجتث العدوان من أصله ، وقفي ذلك بحكم من قد يعدو ، ثم بما تبعه من التخلي عن المال في حضرة الموت فتدربت النفس في الزهد بما هو معقول المعنى بادىء بدء من التخلي عنه لمن ينتفع به أتبعه الأمر بالتخلي عنه لا لمحتاج إليه بل لله الذي أوجده لمجرد تزكية النفس وتطهيرها لتهيئها لما يقتضيه عليها صفة الصمدية من الحكمة ، هذا مع ما للقصاص والوصية من المناسبة للصوم من حيث إن في القصاص قتل النفس حساً وفي الصوم قتل الشهوة السبب للوطء السبب لإيجاد النفس حساً وفيه حياة الأجساد معنى وفي الصوم حياة الأرواح بطهارة القلوب وفراغها للتفكر وتهيئها لإفاضة الحكمة والخشية الداعية إلى التقوى وإماتة الشهوة وشهره شهر الصبر المستعان به على الشكر ، وفيه تذكير بالضّرّ الحاثّ على الإحسان إلى المضرور وهو مدعاة إلى التخلي من الدنيا والتحلي بأوصاف الملائكة ولذلك نزل فيه القرآن المتلقى من الملك ، فهو أنسب شيء لآية الوصية المأمور بها المتقون بالتخلي من الدنيا عند مقاربة الاجتماع بالملائكة ، وختمها بالمغفرة والرحمة إشارة إلى الصائم من أقرب الناس إليهما فقال تعالى : {يا أيها الذين آمنوا} فخاطب بما يتوجه بادىء بدء إلى أدنى الطبقات التي التزمت أمر الدين لأنه لم يكن لهم باعث حب وشوق يبعثهم على فعله من غير فرض بخلاف ما فوقهم من رتبة المؤمنين والمحسنين فإنهم كانوا يفعلون معالم الإسلام من غير إلزام فكانوا يصومون على قدر ما يجدون من الروح فيه - قاله","part":3,"page":369},{"id":1270,"text":"الحرالي ، وقال : فلذلك لم ينادوا في القرآن نداء بعدٍ ولا ذكروا إلا ممدوحين ، والذين ينادون في القرآن هم الناس الذين انتبهوا لما أشار به بعضهم على بعض والذين آمنوا بما هم في محل الائتمار متقاصرين عن البدار ، فلذلك كل نداء في القرآن متوجه إلى هذين الصنفين إلا ما توجه للإنسان بوصف ذم في قليل من الآي - انتهى. أ هـ {نظم الدرر حـ 1 صـ 336 ـ 337}\r{يا أيها الذين آمنوا} قال أصحاب اللسان يا حرف نداء وهو نداء من الحبيب للحبيب وأيها تنبيه من الحبيب للحبيب وآمنوا شهادة من الحبيب للحبيب\rوقال الحسن إذا سمعت الله يقول يا أيها الذين آمنوا فارفع لها سمعك فأنه لأمر تؤمر به أو لنهى تنهى عنه\rوقال جعفر الصادق لذة فى النداء أزال بها تعب العبادة والعناء يشير إلى أن المحب يبادر إلى امتثال أمر محبوبه حتى لو أمره بإلقاء نفسه فى النار. أ هـ {روح البيان حـ 1 صـ 360}\rوالصيام ويقال الصوم هو في اصطلاح الشرع : اسم لترك جميع الأكل وجميع الشرب وقربان النساء مدة مقدرة بالشرع بنية الامتثال لأمر الله أو لقصد التقرب بنذر للتقرب إلى الله.\rوالصيام اسم منقول من مصدر فعال وعينه واو قلبت ياء لأجل كسرة فاء الكلمة ، وقياس المصدر الصوم ، وقد ورد المصدران في القرآن ، فلا يطلق الصيام حقيقة في اللغة إلاّ على ترك كل طعام وشراب ، وألحق به في الإسلام ترك قربان كل النساء ، فلو ترك أحد بعض أصناف المأكول أو بعض النساء لم يكن صياماً كما قال العرجي :\rفإنْ شِئتتِ حَرَّمْتُ النساءَ سِوَاكُمُ... وإِنْ شِئْتتِ لَمْ أَطْعَمْ نُقَاخاً ولاَ بَرْدَا\rوللصيام إطلاقات أخرى مجازية كإطلاقه على إمساك الخيل عن الجري في قول النابغة :\rخَيْلٌ صِيامٌ وخيلٌ غيرُ صائمة... تحْتَ العَجَاج وأُخْرى تَعْلكُ اللُّجُمَا\rوأطلق على ترك شرب حمار الوحش الماء ، وقال لبيد يصف حمار الوحش وأتانه في إثر فصل الشتاء حيث لا تشرب الحمر ماء لاجتزائها بالمرعى الرطب :","part":3,"page":370},{"id":1271,"text":"حتى إِذا سَلَخَا جُمَادى سِتَّة... جَزْءًا فطَال صيامُه وصِيامُها\rوالظاهر أن اسم الصوم في اللغة حقيقة في ترك الأكل والشرب بقصد القربة فقد عرف العرب الصوم في الجاهلية من اليهود في صومهم يوم عاشوراء كما سنذكره. وقول الفقهاء : إن الصوم في اللغة مطلق الإمساك ، وإن إطلاقه على الإمساك عن الشهوتين اصطلاح شرعي ، لا يصح ، لأنه مخالف لأقوال أهل اللغة كما في \"الأساس\" وغيره ، وأما إطلاق الصوم على ترك الكلام في قوله تعالى حكاية عن قول عيسى : {فقولي إني نذرت للرحمن صوماً فلن أكلم اليوم إنسياً} [مريم : 26] فليس إطلاقاً للصوم على ترك الكلام ولكن المراد أن الصوم كان يتبعه ترك الكلام على وجه الكمال والفضل.\rفالتعريف في الصيام في الآية تعريف العهد الذهني ، أي كتب عليكم جنس الصيام المعروف. وقد كان العرب يعرفون الصوم ، فقد جاء في \"الصحيحين\" عن عائشة قالت : \"كان يومُ عاشُوراءَ يوماً تصومه قريش في الجاهلية\" وفي بعض الروايات قولها : \"وكان رسول الله يصومه\" أ هـ {التحرير والتنوير حـ 2 صـ 154 ـ 155}\rفي موضع {كَمَا} ثلاثة أقول\rالأول : قال الزجاج موضع {كَمَا} نصب على المصدر لأن المعنى : فرض عليكم فرضاً كالذي فرض على الذين من قبلكم\rالثاني : قال ابن الأنباري يجوز أن يكون في موضع نصب على الحال من الصيام يراد بها : كتب عليكم الصيام مشبهاً وممثلاً بما كتب على الذين من قبلكم\rالثالث : قال أبو علي : هو صفة لمصدر محذوف تقديره : كتابة كما كتب عليهم ، فحذف المصدر وأقيم نعته مقامه قال : ومثله في الاتساع والحذف قولهم في صريح الطلاق : أنت واحدة ، ويريدون أنت ذات تطليقة واحدة ، فحذف المضاف والمضاف إليه وأقيم صفة المضاف مقام الاسم المضاف إليه. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 5 صـ 60}\rكلام نفيس للإمام البقاعى","part":3,"page":371},{"id":1272,"text":"{كتب} أي فرض بما استفاض في لسان الشرع وتأيد بأداة الاستعلاء {عليكم الصيام} وهو الإمساك عن المفطر من طلوع الفجر إلى غروب الشمس بالنية وقال الحرالي : فرض لما فيه من التهيؤ لعلم الحكمة وعلم ما لم تكونوا تعلمون وهو الثبات على تماسك عما من شأن الشيء أن يتصرف فيه ويكون شأنه كالشمس في وسط السماء ، يقال : صامت - إذا لم يظهر لها حركة لصعود ولا لنزول التي هي من شأنها ، وصامت الخيل - إذا لم تكن مركوضة ولا مركوبة ، فتماسك المرء عما شأنه فعله من حفظ بدنه بالتغذي وحفظ نسله بالنكاح وخوضه في زور القول وسوء الفعل هو صومه ، وفي الصوم خلاء من الطعام وانصراف عن حال الأنعام وانقطاع شهوات الفرج ، وتمامه الإعراض عن أشغال الدنيا والتوجه إلى الله والعكوف في بيته ليحصل بذلك نبوع الحكمة من القلب ، وجعل كتباً حتى لا يتقاصر عنه من كتب عليه إلا انشرم دينه كما ينشرم خرم القربة المكتوب فيها - انتهى.\rأ هـ {نظم الدرر حـ 1 صـ 337}\rلطيفة\rقال بعض العلماء : إن الله تعالى قال في المكروهات {كتب عليكم الصيام} على لفظ لم يسم فاعله وإن كان قد علم أنه هو الكاتب\rفلما جاء إلى ما يوجب الراحة قال {كتب ربكم على نفسه الرحمة}. أ هـ {صيد الخاطر صـ 86}\rلطيفة ثانية\rقال ابن رجب الحنبلى ـ رحمه الله ـ :\rالصيام يقي صاحبه من المعاصي في الدنيا كما قال عز وجل {يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم لعلكم تتقون} فإذا كان له جنة من المعاصي كان له في الآخرة جنة من النار ومن لم يكن له جنة في الدنيا من المعاصي لم يكن له جنة في الآخرة من النار. أ هـ {جامع العلوم والحكم صـ 271}\rقوله تعالى : {كَمَا كُتِبَ عَلَى الذين مِن قَبْلِكُمْ }\rفي هذا التشبيه قولان أحدهما : أنه عائد إلى أصل إيجاب الصوم ، يعني هذه العبادة كانت مكتوبة واجبة على الأنبياء والأمم من لدن آدم إلى عهدكم ، ما أخلى الله أمة من إيجابها عليهم لا يفرضها عليكم وحدكم وفائدة هذا الكلام أن الصوم عبادة شاقة ، والشيء الشاق إذا عم سهل تحمله.","part":3,"page":372},{"id":1273,"text":"والقول الثاني : أن التشبيه يعود إلى وقت الصوم وإلى قدره ، وهذا ضعيف لأن تشبيه الشيء بالشيء يقتضي استواءهما في أمر من الأمور فاما أن يقال : إنه يقتضي الإستواء في كل الأمور فلا ، ثم القائلون بهذا القول ذكروا وجوها أحدها : أن الله تعالى فرض صيام رمضان على اليهود والنصارى ، أما اليهود فإنها تركت هذا الشهر وصامت يوماً من السنة ، زعموا أنه يوم غرق فيه فرعون ، وكذبوا في ذلك أيضاً ، لأن ذلك اليوم يوم عاشوراء على لسان رسول الله صلى الله عليه وسلم ، أما النصارى فإنهم صاموا رمضان فصادفوا فيه الحر الشديد فحولوه إلى وقت لا يتغير ، ثم قالوا عند التحويل نزيد فيه فزادوا عشراً ، ثم بعد زمان اشتكى ملكهم فنذر سبعاً فزادوه ، ثم جاء بعد ذلك ملك آخر فقال : ما بال هذه الثلاثة فأتمه خمسين يوماً ، وهذا معنى قوله تعالى : {اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أَرْبَاباً} [التوبة : 31] وهذا مروي عن الحسن وثانيها : أنهم أخذوا بالوثيقة زمانا فصاموا قبل الثلاثين يوماً وبعدها يوماً ، ثم لم يزل الأخير يستسن بسنة القرن الذي قبله حتى صاروا إلى خمسين يوماً ، ولهذا كره صوم يوم الشك ، وهو مروي عن الشعبي وثالثها : أن وجه التشبيه أنه يحرم الطعام والشراب والجماع بعد النوم كما كان ذلك حراما على سائر الأمم واحتج القائلون بهذا القول بأن الأمة مجمعة على أن قوله تعالى : {أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصيام الرفث إلى نِسَائِكُمْ} [البقرة : 187] يفيد نسخ هذا الحكم ، فهذا الحكم لا بد فيه من دليل يدل عليه ولا دليل عليه إلا هذا التشبيه وهو قوله : {كَمَا كُتِبَ عَلَى الذين مِن قَبْلِكُمْ} فوجب أن يكون هذا التشبيه دليلاً على ثبوت هذا المعنى ، قال أصحاب القول الأول : قد بينا أن تشبيه شيء بشيء لا يدل على مشابهتهما من كل الوجوه فلم يلزم من تشبيه صومنا بصومهم أن يكون صومهم مختصاً برمضان ، وأن يكون صومهم مقدراً بثلاثين يوماً ، ثم إن هذه","part":3,"page":373},{"id":1274,"text":"الرواية مما ينفر من قبول الإسلام إذا علم اليهود والنصارى كونه كذلك. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 5 صـ 60}\rوقال فى التحرير والتنوير : \rفي قوله : {كتب عليكم الصيام} إجمال وقع تفصيله في الآيات بعده.\rفحصل في صيام الإسلام ما يخالف صيام اليهود والنصارى في قيود ماهية الصيام وكيفيتها ، ولم يكن صيامنا مماثلاً لصيامهم تمام المماثلة. فقوله : {كما كتب على الذين من قبلكم} تشبيه في أصل فرض ماهية الصوم لا في الكيفيات ، والتشبيهُ يكتفَى فيه ببعض وجوه المشابهة وهو وجه الشبه المراد في القصد ، وليس المقصود من هذا التشبيه الحوالةَ في صفة الصوم على ما كان عليه عند الأمم السابقة ، ولكن فيهم أغراضاً ثلاثة تضمنها التشبيه : ","part":3,"page":374},{"id":1275,"text":"أحدها الاهتمام بهذه العبادة ، والتنويه بها لأنها شرعَها الله قبلَ الإسلام لمن كانوا قبل المسلمين ، وشرعها للمسلمين ، وذلك يقتضي اطِّراد صلاحها ووفرة ثوابها. وإنهاض همم المسلمين لتلقي هذه العبادة كي لا يتميز بها من كان قبلهم. إن المسلمين كانوا يتنافسون في العبادات كما ورد في الحديث \" أنَّ نَاساً من أصحاب رسول الله قالوا يا رسول الله ذهب أهلُ الدُّثُور بالأجُور يُصلُّون كما نصلي ويصومون كما نصوم ويتصدقون بفضول أموالهم \" الحديث ويحبون التفضيل على أهل الكتاب وقطع تفاخر أهل الكتاب عليهم بأنهم أهل شريعة قال تعالى : {أن تقولوا إنما أنزل الكتاب على طائفتين من قبلنا وإن كنا عن دراستهم لغافلين أو تقولوا لو أنا أنزل علينا الكتاب لكنا أهدى منهم فقد جاء بينة من ربكم وهدى ورحمة} [الأنعام : 156 ، 157]. فلا شك أنهم يغتبطون أمر الصوم وقد كان صومهم الذي صاموه وهو يوم عاشوراء إنما اقتدَوا فيه باليهود ، فهم في ترقب إلى تخصيصهم من الله بصوم أُنُففٍ ، فهذه فائدة التشبيه لأهل الهمم من المسلمين إذا ألحقهم الله بصالح الأمم في الشرائع العائدة بخير الدنيا والآخرة قال تعالى : {وفي ذلك فليتنافس المتنافسون} [المطففين : 26].\rوالغرض الثاني أن في التشبيه بالسابقين تهويناً على المكلفين بهذه العبادة أن يستثقلوا هذا الصوم ؛ فإن في الاقتداء بالغير أسوة في المصاعب ، فهذه فائدة لمن قد يستعظم الصوم من المشركين فيمنعه وجوده في الإسلام من الإيمان ولمن يستثقله من قريبى العهد بالإسلام ، وقد أكَّد هذا المعنى الضّمني قوله بعده : {أياماً معدودات }.\rوالغرض الثالث إثارة العزائم للقيام بهذه الفريضة حتى لا يكونوا مقصرين في قبول هذا الفرض بل ليأخذوه بقوة تفوق ما أدى به الأمم السابقة. أ هـ {التحرير والتنوير حـ 2 صـ 156 ـ 157}\rقال ابن عرفة : إنما هو تشبيه حكم بحكم والحكم لا يتبدل ولا يتفاوت فهو تشبيه وجوب بوجوب).","part":3,"page":375},{"id":1276,"text":"وهذا التشبيه وإن رجع إلى الأحكام فهو تسلية لنا لأن الإعلام بفرضيته على من مضى يوجب خفته عل النفوس وقبولها إياه ، وإن رجع إلى الثواب فهو تنظير نعمة بنعمة ، أي : أنعم عليكم بالصوم المحصل للثواب الأخروي ، كما أنعم على من قبلكم من أن ثوابكم أعظم. وحذف الفاعل للعلّم به وزيادة \" مِنْ \" تنبيه على عموم ذلك في كل أمة من الأمم السالفة إلى حين : تزول هذه الآية. أ هـ {تفسير ابن عرفة صـ 229}\rقال الخازن : \r{كما كتب على الذين من قبلكم} يعني من الأنبياء والأمم من لدن آدم إلى عهدكم والمعنى أن الصوم عبادة قديمة أي في الزمن الأول ما أخلى الله أمة لم يفرضه عليهم كما فرضه عليكم وذلك لأن الصوم عبادة شاقة والشيء الشاق إذا عم سهل عمله وقيل إن صيام شهر رمضان كان واجباً على النصارى كما فرض علينا فصاموا رمضان زماناً فربما وقع في الحر الشديد والبر الشديد وكان يشق ذلك عليهم في أسفارهم ويضرهم في معايشهم فاجتمع رأي علمائهم ورؤسائهم أن يجعلوه في فصل من السنة معتدل بين الصيف والشتاء : فجعلوه في فصل الربيع ثم زادوا فيه عشرة أيام كفارة لما صنعوا فصاموا أربعين يوماً ، ثم بعد زمان اشتكى ملكهم فمه فجعل لله عليه إن هو برأ من وجعه أن يزيد في صومهم أسبوعاً فبرأ فيه أسبوعاً ، ثم مات ذلك الملك بعد زمان ووليهم ملك آخر فقال : ما شأن هذه الثلاثة أيام أتموه خمسين يوماً فأتموه وقيل أصابهم موتان فقالوا : زيدوا في صيامكم فزادوا عشراً قبله وعشراً بعده.\rوقيل : إن النصارى فرض الله عليهم صوم رمضان فصاموا قبله يوماً وبعده يوماً ثم لم يزالوا يزيدونه يوماً بعد يوم حتى بلغ خمسين فلذلك نهى عن صوم يوم الشك. أ هـ {تفسير الخازن حـ 1 صـ 109}","part":3,"page":376},{"id":1277,"text":"بحث نفيس عن الصوم في الأُمم السابقة\rيظهر من النصوص الموجودة في التوراة والإِنجيل ، أن الصوم كان موجوداً بين اليهود والنصارى ، وكانت الأُمم الأخرى تصوم في أحزانها ومآسيها ، فقد ورد في \"قاموس الكتاب المقدس\" : \"الصوم بشكل عام وفي جميع الأوقات كان يمتد في أوقات الأحزان والنوائب بين جميع الطوائف والملل والمذاهب\".\rويظهر من التوراة أن موسى(عليه السلام) صام أربعين يوماً ، فقد جاء فيها : \"أَقَمْتُ فِي الْجَبَلِ أَرْبَعِينَ نَهَاراً وَأَرْبَعِينَ لَيْلَةً لاَ آكُلُ خُبُزاً وَلاَ أَشْرَبُ مَاءً\".\rوكان اليهود يصومون لدى التوبة والتضرع إلى الله : \"اليهود كانوا يصومون غالباً حينما تتاح لهم الفرصة للإعراب عن عجزهم وتواضعهم أمام الله ، ليعترفوا بذنوبهم عن طريق الصوم والتوبة ، وليحصلوا على رضا حضرة القدس الإِلهي\".\r\"الصوم الأعظم مع الكفارة كان على ما يبدو خاصاً بيوم من أيام السنة بين طائفة اليهود ، طبعاً كانت هناك أيام أخرى مؤقتة للصوم بمناسبة ذكرى تخريب أُورشليم وغيرها\".\rالسيد المسيح(عليه السلام) صام أيضاً أربعين يوماً كما يظهر من \"الإِنجيل\" : \"ثم صعد يسوع إلى البرية من الروح ليجرَّب من إبليس فبعدما صام أربعين نهاراً وأربعين ليلة جاع أخيراً\".\rويبدو من نصوص إنجيل \"لوقا\" أن حواريّي السيد المسيح صاموا أيضاً.\rوجاء في قاموس الكتاب المقدس أيضاً : \"... من هنا كانت حياة الحوارييّن والمؤمنين مملوءة بالابتعاد عن اللذات وبالأتعاب وبالصوم\".\rبهذا نستطيع أن نجد في نصوص الكتب الدينية القديمة (حتى بعد تحريفها) شواهد على ما جاء في القرآن الكريم (كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ). أ هـ {الأمثل حـ 1 صـ 390 ـ 391}\rقوله تعالى {لعلكم تتقون }\rقال الفخر : ","part":3,"page":377},{"id":1278,"text":"أما قوله تعالى : {لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} فاعلم أن تفسير {لَعَلَّ} في حق الله تعالى قد تقدم ، وأما أن هذا الكلام كيف يليق بهذا الموضع ففيه وجوه أحدها : أنه سبحانه بين بهذا الكلام أن الصوم يورث التقوى لما فيه من انكسار الشهوة وانقماع الهوى فإنه يردع عن الأشر والبطر والفواحش ويهون لذات الدنيا ورياستها ، وذلك لأن الصوم يكسر شهوة البطن والفرج ، وإنما يسعى الناس لهذين ، كما قيل في المثل السائر : المرء يسعى لعارية بطنه وفرجه ؛ فمن أكثر الصوم هان عليه أمر هذين وخفت عليه مؤنتهما ، فكان ذلك رادعاً له عن ارتكاب المحارم والفواحش ، ومهوناً عليه أمر الرياسة في الدنيا وذلك جامع لأسباب التقوى فيكون معنى الآية فرضت عليكم الصيام لتكونوا به من المتقين الذين أثنيت عليهم في كتابي ، وأعلمت أن هذا الكتاب هدى لهم ولما اختص الصوم بهذه الخاصية حسن منه تعالى أن يقول عند إيجابها {لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} منها بذلك على وجه وجوبه لأن ما يمنع النفس عن المعاصي لا بد وأن يكون واجباً وثالثها : المعنى ينبغي لكم بالصوم أن يقوى وجاؤكم في التقوى وهذا معنى {لَعَلَّ} وثانيها : المعنى : لعلكم تتقون الله بصومكم وترككم للشهوات فإن الشيء كلما كانت الرغبة فيه أكثر كان الاتقاء عنه أشق والرغبة في المطعوم والمنكوح أشد من الرغبة في سائر الأشياء فإذا سهل عليكم اتقاء الله بترك المطعوم والمنكوح ، كان اتقاء الله بترك سائر الأشياء أسهل وأخف ورابعها : المراد {كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصيام كَمَا كُتِبَ عَلَى الذين مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} إهمالها وترك المحافظة عليها بسبب عظم درجاتها واصالتها وخامسها : لعلكم تنتظمون بسبب هذه العبادة في زمرة المتقين ؛ لأن الصوم شعارهم ، والله أعلم. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 5 صـ 61}\rوقال البقاعى : ","part":3,"page":378},{"id":1279,"text":"{لعلكم تتقون} أي تجعلون بينكم وبين إسخاط الله وقاية بالمسارعة إليه والمواظبة عليه رجاء لرضى ربكم وخوفاً ممن سبق من قبلكم ، لتكون التقوى لكم صفة راسخة فتكونوا ممن جعلت الكتاب هدى لهم ، فإن الصوم يكسر الشهوة فيقمع الهوى فيروع عن موافقة السوء. قال الحرالي : وفي إشعاره تصنيف المأخوذين بذلك صنفين : من يثمر له صومه على وجه الشدة تقوى ، ومن لا يثمر له ذلك. أ هـ {نظم الدرر حـ 1 صـ 338}\rوقال فى التحرير والتنوير :\rوقوله : {لعلكم تتقون} بيان لحكمة الصيام وما لأجله شرع ، فهو في قوة المفعول لأجله لكُتب. و(لَعَل) إما مستعارة لمعنى كي استعارة تبعية ، وإما تمثيلية بتشبيه شأن الله ؛ في إرادته من تشريع الصوم التقوى بحال المترجي من غيره فعلاً ما ، والتقوى الشرعية هي اتقاء المعاصي ، وإنما كان الصيام موجباً لاتقاء المعاصي ، لأن المعاصي قسمان ، قسم ينجع في تركه التفكر كالخمر والميسر والسرقة والغصْب فتركُه يحصل بالوعد على تركه والوعيد على فعله والموعظة بأحوال الغير ، وقسم ينشأ من دواع طبيعية كالأمور الناشئة عن الغضب وعن الشهوة الطبيعية التي قد يصعب تركها بمجرد التفكر ، فجعل الصيام وسيلة لاتقائها ، لأنه يُعَدِّل القوى الطبيعية التي هي داعية تلك المعاصي ، ليرتقي المسلم به عن حضيض الانغماس في المادة إلى أَوج العالَم الرُّوحاني ، فهو وسيلة للارتياض بالصفات الملكية والانتفاض من غبار الكدرات الحيوانية.\rوفي الحديث الصحيح \" الصَّوْمُ جُنَّة \" أي وقاية ولما تُرك ذكر متعلَّق جُنَّة تعيَّن حمله على ما يصلح له من أصناف الوقاية المرغوبة ، ففي الصوم وقاية من الوقوع في المآثم ووقاية من الوقوع في عذاب الآخرة ، ووقاية من العِلل والأدْواء الناشئة عن الإفراط في تناول اللذات.\rأ هـ {التحرير والتنوير حـ 2 صـ 158}","part":3,"page":379},{"id":1280,"text":"لطائف وروائع وفوائد\rقال ابن مَسْعود : متى سمعتَ فى التَّنْزيل كلمة : يا أَيّها الذين آمَنُوا ، فاعلم أَنَّ الذى يَتْلُوه من تمام الخطاب إِمَّا أَمرٌ يجب امتثالُه ، وإِمّا نَهْىٌ عن أَمرٍ يجب اجْتِنابُه ، وإِمّا كلامٌ يتضمّن معنَى أَمر أَوْ فَحْوَى نَهْى.\rوقد ذكر الله عبادَه المؤمنين فى كلامه المجيد بهذا النِّداءِ فى تسعة وثمانين موضعاً ، وهى منقسمة على ثلاثة أَقسام كما ذكرنا : أَمرٌ صريحٌ أَو نَهْىَ فصيح ، أَو متضمِّن لأَحدهما بتعريض لابتصريح. وتفصيل ذلك : \rفى سورة البقرة سَبَعة ، وفى سورة آل عمْرانَ تسعة ، فى سورة النِّساءُ ستَّةَ عَشَر ، وفى سورة المائدة ستَّة ، وفى سورة الأَنفال ستَّة ، وفى سورة بَراءة ستَّة ، وفى سورة الحجّ واحدةٌ ، وفى سورة النَّور ثلاثة ، وفى سورة الأَحزاب سَبْعة ، وفى سورة محمّد صلَّى الله عليه وسلم اثْنان ، وفى سورة الحُجُرات خمسة ، وفى سورة الحَديد واحد ، وفى سورة المُجادَلة ثَلاثَة ، وفى سورة الحَشْر واحد ، وفى سورة المُمْتَحَنَة ثَلاثة ، وفى سورة الصفّ ثلاثة ، وفى سورة الجُمْعة واحد ، وفى سورة المنافقين واحد ، وفى سورة التَّغابُن واحد ، وفى سورة التَّحريم واحد ، ومن هذه الجملة ثلاثة وأَربعون أَوامر صريحة ، وثمانية وعُشرون نَواهى ، وثمانية عَشَر متضمّنة مَعْنَى أَمْر أَو نَهْى.\rأَمّا الأَوامر فقوله تعالى : {يَآأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اسْتَعِينُواْ بِالصَّبْرِ}.\r2 - {ياأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُلُواْ مِن طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ}. 3 - {ياأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ ادْخُلُواْ فِي السِّلْمِ كَآفَّةً}.\r4 - {ياأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَنْفِقُواْ مِمَّا رَزَقْنَاكُم}.\r5 - {ياأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللَّهَ وَذَرُواْ مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا}.\r6 - {ياأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ}\r","part":3,"page":380},{"id":1281,"text":"7 - {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اصْبِرُواْ وَصَابِرُواْ}.\r8 - {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَطِيعُواْ اللَّهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنْكُمْ}.\r9 - {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ خُذُواْ حِذْرَكُمْ}.\r10 - {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُونُواْ قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ}.\r11 - {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَتَبَيَّنُواْ}.\r12 - {ياأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَنْفِقُواْ مِن طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ}.\r13 - {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ}.\r14 - {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَوْفُواْ بِالْعُقُودِ}.\r15 - {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فاغْسِلُواْ وُجُوهَكُمْ}.\r16 - {يَا أَيُّهَآ الَّذِينَ آمَنُواْ كُونُواْ قَوَّامِينَ للَّهِ شُهَدَآءَ بِالْقِسْطِ}.\r17 - {يَا أَيُّهَآ الَّذِينَ آمَنُواْ اذْكُرُواْ نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ}.\r18 - {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللَّهَ وَابْتَغُواْ إِلَيهِ الْوَسِيلَةَ}.\r19 - {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ...}. إِلى قوله {فَاجْتَنِبُوهُ}\r20 - {ياأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَطِيعُواْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلاَ تَوَلَّوْا عَنْهُ}.\r21 - {ياأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اسْتَجِيبُواْ للَّهِ وَلِلرَّسُولِ}.\r22 - {ياأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُواْ}\r23 - {يَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللَّهَ وَكُونُواْ مَعَ الصَّادِقِينَ}.\r24 - {ياأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ قَاتِلُواْ الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِّنَ الْكُفَّارِ وَلْيَجِدُواْ فِيكُمْ غِلْظَةً}.\r25 - {ياأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ ارْكَعُواْ وَاسْجُدُواْ}.\r","part":3,"page":381},{"id":1282,"text":"26 - {ياأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لِيَسْتَأْذِنكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ}.\r27 - {ياأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اذْكُرُواْ نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَآءَتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحاً وَجُنُوداً لَّمْ تَرَوْهَا}.\r28 - {ياأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اذْكُرُواْ اللَّهَ ذِكْراً كَثِيراً}.\r29 - {ياأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ صَلُّواْ عَلَيْهِ وَسَلِّمُواْ تَسْلِيماً}.\r30 - {ياأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللَّهَ وَقُولُواْ قَوْلاً سَدِيداً}.\r31 - {ياأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَطِيعُواْ اللَّهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ وَلاَ تُبْطِلُواْ أَعْمَالَكُمْ}.\r32 - {ياأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِن جَآءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُواْ}.\r33 - {ياأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اجْتَنِبُواْ كَثِيراً مِّنَ الظَّنِّ}.\r34 - {ياأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللَّهَ وَآمِنُواْ بِرَسُولِهِ}.\r35 - {ياأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا قِيلَ لَكُمْ تَفَسَّحُواْ فِي الْمَجَالِسِ فَافْسَحُواْ}.\r36 - {ياأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا نَاجَيْتُمُ الرَّسُولَ فَقَدِّمُواْ بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَةً}.\r37 - {ياأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللَّهَ وَلْتَنظُرْ نَفْسٌ مَّا قَدَّمَتْ لِغَدٍ}.\r38 - {ياأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا جَآءَكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ فَامْتَحِنُوهُنَّ}.\r39 - {ياأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُونُواْ أَنصَارَ اللَّهِ}.\r40 - {ياأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاَةِ مِن يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْاْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُواْ الْبَيْعَ}.\r41 - {ياأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلاَدِكُمْ عَدُوّاً لَّكُمْ فَاحْذَرُوهُمْ}.\r","part":3,"page":382},{"id":1283,"text":"42 - {ياأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ قُواْ أَنفُسَكُمْ}.\r43 - {ياأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ تُوبُواْ إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَّصُوحاً}.\rوأَمّا النَّواهى فثمانيةٌ وعشرون موضعاً : \r1 - {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَقُولُواْ رَاعِنَا}.\r2 - {ياأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تُبْطِلُواْ صَدَقَاتِكُم بِالْمَنِّ وَالأَذَى}.\r3 - {ياأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ بِطَانَةً مِّن دُونِكُمْ}. 4 - {يَآ أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَأْكُلُواْ الرِّبَا}.\r5 - {ياأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَكُونُواْ كَالَّذِينَ كَفَرُواْ}.\r6 - {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَآءَ}.\r7 - {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تُحِلُّواْ شَعَآئِرَ اللَّهِ}.\r8 - {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَأْكُلُواْ أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ}.\r9 - {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَقْرَبُواْ الصَّلاَةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى}.\r10 - {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَآءَ}.\r11 - {ياأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تُحَرِّمُواْ طَيِّبَاتِ مَآ أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ}.\r12 - {يَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَقْتُلُواْ الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ}.\r13 - {ياأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَسْأَلُواْ عَنْ أَشْيَآءَ إِن تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ}.\r14 - {ياأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَخُونُواْ اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُواْ أَمَانَاتِكُمْ}.\r15 - {يَآأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُواْ زَحْفاً فَلاَ تُوَلُّوهُمُ الأَدْبَارَ}.\r16 -{ياأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ آبَآءَكُمْ وَإِخْوَانَكُمْ أَوْلِيَآءَ إِنِ اسْتَحَبُّواْ الْكُفْرَ عَلَى الإِيمَانِ}.\r","part":3,"page":383},{"id":1284,"text":"17 - {ياأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَتَّبِعُواْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ}.\r18 - {ياأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَدْخُلُواْ بُيُوتاً غَيْرَ بُيُوتِكُمْ}.\r19 - {ياأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَدْخُلُواْ بُيُوتَ النَّبِيِّ}.\r20 - {ياأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَكُونُواْ كَالَّذِينَ آذَوْاْ مُوسَى}.\r21 - {ياأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تُقَدِّمُواْ بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ}.\r22 - {ياأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَرْفَعُواْ أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ}.\r23 - {ياأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ يَسْخَرْ قَوْمٌ مِّن قَوْمٍ}.\r24 - {ياأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا تَنَاجَيْتُمْ فَلاَ تَتَنَاجَوْاْ بِالإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ}.\r25 - {ياأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَآءَ}.\r26 - {ياأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَتَوَلَّوْاْ قوْماً غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ}.\r27 - {ياأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلاَ أَوْلاَدُكُمْ عَن ذِكْرِ اللَّهِ}.\r28 - {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ يَحِلُّ لَكُمْ أَن تَرِثُواْ النِّسَآءَ كَرْهاً}.\rوأَمّا القسم المتضمن بمعنى أَمر ونهى ففى ثَمَانيَةَ عَشَرَ موضعا : \r1 - {ياأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ}.\r2 - {ياأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ}.\r3 - {ياأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا تَدَايَنتُم بِدَيْنٍ...} إلى قوله : {فَاكْتُبُوهُ} وهذا أَمر صريح ينبى أَن يلحق بالقسم الأَوّل.\r4 - / {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِن تُطِيعُواْ الَّذِينَ كَفَرُواْ يَرُدُّوكُمْ\r","part":3,"page":384},{"id":1285,"text":"عَلَى أَعْقَابِكُمْ فَتَنقَلِبُواْ خَاسِرِينَ} وقال : {ياأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِن تُطِيعُواْ فَرِيقاً مِّنَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ يَرُدُّوكُم بَعْدَ إِيمَانِكُمْ كَافِرِينَ} أَى لا تطيعوهم.\r5 - {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ} إِلى قوله : {خَاسِرِينَ} وهذا أَيضاً نهى.\r6 - {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ يَحِلُّ لَكُمْ أَن تَرِثُواْ النِّسَآءَ كَرْهاً}.\rوهذا على سبيل النَّهى أَيضاً.\r7 - {وَمَن يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَن دِينِهِ}.\r8 - {يَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لَيَبْلُوَنَّكُمُ اللَّهُ بِشَيْءٍ مِّنَ الصَّيْدِ} ، أَى لا تَصْطادوا\r9 - {ياأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لاَ يَضُرُّكُمْ} وهذا أَمرٌ أَى ، اشْتَغِلُوا بأَنْفُسكم.\r10 - {يِا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ} أَى أَقيمُوها\r11 - {يِا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِن تَتَّقُواْ اللَّهَ يَجْعَل لَّكُمْ فُرْقَاناً وَيُكَفِّرْ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ}.\r12 - {ياأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ} وهذا نهْى ، والمعنى لا تُمَكِّنوهُم من الدُّخول.\r13 - {ياأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِنَّ كَثِيراً مِّنَ الأَحْبَارِ وَالرُّهْبَانِ لَيَأْكُلُونَ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ} وهذا نَهْىٌ أَى لا تَأْكُلُوا.\r14 - {ياأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انفِرُواْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الأَرْضِ} وهى نهى ، أَى لا تَتَثاقَلُوا.\r15 - {ياأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِن تَنصُرُواْ اللَّهَ يَنصُرْكُمْ} وهذا أَمرٌ أَى انْصُروا دِينَ الله.\r16 - {ياأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لِمَ تَقُولُونَ مَا لاَ تَفْعَلُونَ} وهذا نَهْىٌ ، أَى لا تَقُولوا.\r","part":3,"page":385},{"id":1286,"text":"17 - {ياأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ هَلْ أَدُلُّكمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنجِيكُم} وهذا أَمْر ، أَى تاجِرُوا الله فإِنَّ مَنْ تاجَرَه لا يَخْسَر. وفى بعض الآثار عن الرب تعالَى فى بَعْض كُتُبه المُنَّزَلة : \"عَبيدى وإِمائى خَلَقْتُكُمْ لتَرْبحُوا عَلَىَّ لا لأَرْبَحَ عَلَيْكُم ، فتاجرُونى ، فمَنْ كان رَأْسُ ماله الطَّاعَةَ تأْتيه الأَرْباح بغير بضاعَة.أ هـ بصائر ذوى التمييز حـ 6 صـ 243 ـ 247}","part":3,"page":386},{"id":1287,"text":"قوله تعالى {أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ }\rمناسبة الآية لما قبلها\rقال البقاعى :\rولما كان لهذه الأمة جمع لما في الكتب والصحف كانت مبادىء أحكامها على حكم الأحكام المتقدمة فكما وجهوا وجهة أهل الكتاب ابتداء ثم لهم بالوجهة إلى الكعبة انتهاء كذلك صوّموا صوم أهل الكتاب {أياماً معدودات} أي قلائل مقدرة بعدد معلوم ابتداء ثم رقوا إلى صوم دائرة الشهر وحدة قدر انتهاء ، وذلك أنه لما كان من قبلهم أهل حساب لما فيه حصول أمر الدنيا فكانت أعوامهم شمسية كان صومهم عدد أيام لا وحدة شهر ، وفي إعلامه إلزام بتجديد النية لكل يوم حيث هي أيام معدودة ، وفي إفهامه منع من تمادي الصوم في زمن الليل الذي هو معنى الوصال الذي يشعر صحته رفع رتبة الصوم إلى صوم الشهر الذي هو دورة القمر يقنع الفطر في ليلة رخصة للضعيف لا عزماً على الصائم ، وكان فيه من الكلفة ما في صوم أهل الكتاب من حيث لم يكن فيه أكل ولا نكاح بعد نوم ، فكان فيه كلفة ما في الكتب لينال رأس هذه الأمة وأوائلها حظاً من منال أوائل الأمم ثم يرقيها الله إلى حكم ما يخصها فتكون مرباة تجد طعم اليسر بعد العسر - انتهى وفيه تصرف. ومذهب الشافعي رضي الله تعالى عنه تحريم الوصال ، قالوا : يا رسول الله! إنك تواصل! قال : \" إني لست كهيئتكم \" وقال : \" من كان مواصلاً فليواصل إلى السحر \" قال الحرالي : فأنبأ بتمادي الصوم إلى السحر لتنتقل وجبة الفطر التي توافق حال أهل الكتاب إلى وجبة السحر التي هي خصوص أهل الفرقان - انتهى. وفي مواصلة النبي صلى الله عليه وسلم بهم لما أبوا إلا الوصال أياماً ما يشهد لمن أباح ذلك والله سبحانه وتعالى أعلم. قال الحرالي : وفي تأسيسه على العدد ملجأ يرجع إليه عند إغماء الشهر الذي هو الهلال كما سيأتي التصريح به ، فصار لهم العدد في الصوم بمنزلة التيمم في الطهور يرجعون إليه عند ضرورة فقد إهلال الرؤية كما يرجعون إلى الصعيد عند فقد الماء. أ هـ {نظم الدرر حـ 1 صـ 338}\rقال ابن جزى : والقصد بقوله كما كتب على الذين من قبلكم وبقوله أياما معدودات تسهيل الصيام على المسلمين وكأنه اعتذار عن كتبه عليهم (1) وملاطفة جميلة. أ هـ {التسهيل حـ 1 صـ 71}\r____________________\r(1) قوله وكأنه اعتذار عن كتبه عليهم غير لائق وكان الأولى أن يقتصر على قوله بعد ذلك وملاطفة جميلة. والله أعلم بالصواب.","part":3,"page":387},{"id":1288,"text":"قال الإمام الفخر :\rاعلم أن في قوله تعالى : {أَيَّامًا معدودات} مسائل :\rالمسألة الأولى : في انتصاب {أَيَّامًا} أقوال الأول : نصب على الظرف ، كأنه قيل : كتب عليكم الصيام في أيام ، ونظيره قولك : نويت الخروج يوم الجمعة\rوالثاني : وهو قول الفراء أنه خبر ما لم يسم فاعله ، كقولهم : أعطى زيد مالاً\rوالثالث : على التفسير\rوالرابع : بإضمار أي فصوموا أياماً. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 5 صـ 61}\rقال أبو حيَّان : وكلا القَولين خطأٌ : أَمَّا النَّصب على الظرفيَّة ، فإِنَّهُ محلٌّ للفعلِ ، والكِتابة لَيْسَت واقعةً في الأيَّام ، لكنَّ متعلَّقها هو الواقع في الأَيّام ، وأَمَّا [النَّصب على المفعول اتساعاً ، فإِنَّ ذلك مبنيٌّ على كونه ظرفاً لـ \" كُتِبَ \" ، وقد تقدَّم أَنَّهُ خطأٌ ، وقيل : نصبٌ على] التَّفسير. أ هـ {البحر المحيط حـ 2 صـ 28}","part":3,"page":388},{"id":1289,"text":"المسألة الثانية : اختلفوا في هذه الأيام على قولين : الأول : أنها غير رمضان ، وهو قول معاذ وقتادة وعطاء ، ورواه عن ابن عباس ، ثم اختلف هؤلاء فقيل : ثلاثة أيام من كل شهر ، عن عطاء ، وقيل : ثلاثة أيام من كل شهر ، وصوم يوم عاشوراء ، عن قتادة ، ثم اختلفوا أيضاً فقال بعضهم : إنه كان تطوعاً ثم فرض ، وقيل : بل كان واجباً واتفق هؤلاء على أنه منسوخ بصوم رمضان ، واحتج القائلون بأن المراد بهذه الأيام غير صوم رمضان بوجوه الأول : ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أن صوم رمضان نسخ كل صوم ، فدل هذا على أن قبل وجوب رمضان كان صوماً آخر واجباً الثاني : أنه تعالى ذكر حكم المريض والمسافر في هذه الآية ، ثم ذكر حكمهما أيضاً في الآية التي بعد هذه الآية الدالة على صوم رمضان ، فلو كان هذا الصوم هو صوم رمضان ، لكان ذلك تكريراً محضاً من غير فائدة وأنه لا يجوز الثالث : أن قوله تعالى في هذا الموضع : {وَعَلَى الذين يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ} يدل على أن الصوم واجب على التخيير ، يعني : إن شاء صام ، وإن شاء أعطى الفدية ، وأما صوم رمضان فإنه واجب على التعيين ، فوجب أن يكون صوم هذه الأيام غير صوم رمضان.\rالقول الثاني : وهو اختيار أكثر المحققين ، كابن عباس والحسن وأبي مسلم أن المراد بهذه الأيام المعدودات : شهر رمضان قالوا ، وتقريره أنه تعالى قال أولاً : {كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصيام} [البقرة : 183] وهذا محتمل ليوم ويومين وأيام ثم بينه بقوله تعالى : {أَيَّامًا معدودات} فزال بعض الإحتمال ثم بينه بقوله : {شَهْرُ رَمَضَانَ الذى أُنزِلَ فِيهِ القرآن} [البقرة : 185] فعلى هذا الترتيب يمكن جعل الأيام المعدودات بعينها شهر رمضان ، وإذا أمكن ذلك فلا وجه لحمله على غيره وإثبات النسخ فيه ، لأن كل ذلك زيادة لا يدل اللفظ عليها فلا يجوز القول به.\rأما تمسكهم أولاً بقوله عليه السلام : \" إن صوم رمضان نسخ كل صوم \"\r","part":3,"page":389},{"id":1290,"text":"فالجواب : أنه ليس في الخبر أنه نسخ عنه وعن أمته كل صوم فلم لا يجوز أن يكون المراد أنه نسخ كل صوم واجب في الشرائع المتقدمة ، لأنه كما يصح أن يكون بعض شرعه ناسخاً للبعض ، فيصح أن يكون شرعه ناسخاً لشرع غيره.\rسلمنا أن هذا الخبر يقتضي أن يكون صوم رمضان نسخ صوماً ثبت في شرعه ، ولكن لم لا يجوز أن يكون ناسخاً لصيام وجب بغير هذه الآية فمن أين لنا أن المراد بهذه الآية غير شهر رمضان.\rوأما حجتهم الثانية : وهي أن هذه الأيام لو كانت هي شهر رمضان ، لكان حكم المريض والمسافر مكرراً.\rفالجواب : أن في الابتداء كان صوم شهر رمضان ليس بواجب معين ، بل كان التخيير ثابتاً بينه وبين الفدية ، فلما كان كذلك ورخص للمسافر الفطر كان من الجائز أن يظن أن الواجب عليه الفدية دون القضاء ، ويجوز أيضاً أنه لا فدية عليه ولا قضاء لمكان المشقة التي يفارق بها المقيم ، فلما لم يكن ذلك بعيداً بين تعالى أن إفطار المسافر والمريض في الحكم خلاف التخيير في حكم المقيم ، فإنه يجب عليهما القضاء في عدة من أيام أخر ، فلما نسخ الله تعالى ذلك عن المقيم الصحيح وألزمه بالصوم حتماً ، كان من الجائز أن يظن أن حكم الصوم لما انتقل عن التخيير إلى التضييق حكم يعم الكل حتى يكون المريض والمسافر فيه بمنزلة المقيم الصحيح من حيث تغير حكم الله في الصوم ، فبين تعالى أن حال المريض والمسافر ثابت في رخصة الإفطار ووجوب القضاء كحالها أولاً ، فهذا هو الفائدة في إعادة ذكر حكم المسافر والمريض ، لا لأن الأيام المعدودات سوى شهر رمضان.\rوأما حجتهم الثالثة : وهي قولهم صوم هذه الأيام واجب مخير ، وصوم شهر رمضان واجب معين.\r","part":3,"page":390},{"id":1291,"text":"فجوابه ما ذكرنا من أن صوم شهر رمضان كان واجباً مخيراً ، ثم صار معيناً ، فهذا تقرير هذا القول ، واعلم أن على كلا القولين لا بد من تطرق النسخ إلى هذه الآية ، أما على القول الأول فظاهر ، وأما على القول الثاني فلأن هذه الآية تقتضي أن يكون صوم رمضان واجباً مخيراً والآية التي بعدها تدل على التعيين ، فكانت الآية الثانية ناسخة لحكم هذه الآية ، وفيه إشكال وهو أنه كيف يصح أن يكون قوله : {فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ} [البقرة : 185] ناسخاً للتخيير مع اتصاله بالمنسوخ وذلك لا يصح.\rوجوابه : أن الاتصال في التلاوة لا يوجب الاتصال في النزول وهذا كما قاله الفقهاء في عدة المتوفى عنها زوجها أن المقدم في التلاوة وهو الناسخ والمنسوخ متأخر وهذا ضد ما يجب أن يكون عليه حال الناسخ والمنسوخ فقالوا : إن ذلك في التلاوة أما في الإنزال فكان الاعتداد بالحول هو المتقدم والآية الدالة على أربعة أشهر وعشر هي المتأخرة فصح كونها ناسخة وكذلك نجد في القرآن آية مكية متأخرة في التلاوة عن الآية المدنية وذلك كثير.\rالمسألة الثالثة : في قوله : {معدودات} وجهان أحدهما : مقدرات بعدد معلوم وثانيهما : قلائل كقوله تعالى : {دراهم مَعْدُودَةٍ} [يوسف : 20] وأصله أن المال القليل يقدر بالعدد ويحتاط في معرفة تقديره ، وأما الكثير فإنه يصب صباً ويحثى حثياً والمقصود من هذا الكلام كأنه سبحانه يقول : إني رحمتكم وخففت عنكم حين لم أفرض عليكم صيام الدهر كله ، ولا صيام أكثره ، ولو شئت لفعلت ذلك ولكني رحمتكم وما أوجبت الصوم عليكم إلا في أيام قليلة ، وقال بعض المحققين : يجوز أن يكون قوله : {أَيَّامًا معدودات} من صلة قوله : \r","part":3,"page":391},{"id":1292,"text":"{كَمَا كُتِبَ عَلَى الذين مِن قَبْلِكُمْ} [البقرة : 183] وتكون المماثلة واقعة بين الفرضين من هذا الوجه ، وهو تعليق الصوم بمدة غير متطاولة وإن اختلفت المدتان في الطول والقصر ، ويكون المراد ما ذكرناه من تعريفه سبحانه إيانا أن فرض الصوم علينا وعلى من قبلنا ما كان إلا مدة قليلة لا تشتد مشقتها ، فكان هذا بياناً لكونه تعالى رحيماً بجميع الأمم ، ومسهلاً أمر التكاليف على كل الأمم. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 5 صـ 63}\rوقال فى التحرير والتنوير : \rالمراد بالأيام من قوله : {أياماً معدودات} شهر رمضان عند جمهور المفسرين ، وإنما عبر عن رمضان بأيام وهي جمع قلة ووصف بمعدودات وهي جمع قلة أيضاً ؛ تهوينا لأمره على المكلفين ، والمعدودات كناية عن القلة ؛ لأن الشيء القليل يعد عدا ؛ ولذلك يقولون : الكثير لا يعد ، ولأجل هذا اختير في وصف الجمع مجيئه في التأنيث على طريقة الجمع بألف وتاء وإن كان مجيئه على طريقة الجمع المكسر الذي فيه هاء تأنيث أكثر.","part":3,"page":392},{"id":1293,"text":"قال أبو حيان عند قوله تعالى الآتي بعده : {من أيام أخر} [البقرة : 185] صفة الجمع الذي لا يعقل تارة تعامل معاملة الواحدة المؤنثة ، نحو قوله تعالى : {إلا أياماً معدودة} [البقرة : 80] وتارة تعامل معاملة جمع المؤنث نحو : {أياماً معدودات} فمعدودات جمع لمعدودة ، وأنت لا تقول يوم معدودة وكلا الاستعمالين فصيح ، ويظهر أنه ترك فيه تحقيقاً وذلك أن الوجه في الوصف الجاري على جمع مذكر إذا أنثوه أن يكون مؤنثاً مفرداً ، لأن الجمع قد أول بالجماعة والجماعة كلمة مفردة وهذا هو الغالب ، غير أنهم إذا أرادوا التنبيه على كثرة ذلك الجمع أجروا وصفه على صيغة جمع المؤنث ليكون في معنى الجماعات وأن الجمع ينحل إلى جماعات كثيرة ، ولذلك فأنا أرى أن معدودات أكثر من معدودة ولأجل هذا قال تعالى : {وقالوا لن تمسسنا النار إلا أياماً معدودة} [البقرة : 80] لأنهم يقللونها غروراً أو تغريراً ، وقال هنا {معدودات} لأنها ثلاثون يوماً ، وقال في الآية الآتية : {الحج أشهر معلومات} [البقرة : 197] وهذا مثل قوله في جمع جمل {جمالات} [المرسلات : 33] على أحد التفسيرين وهو أكثر من جمال ، وعن المازني أن الجمع لما لا يعقل يجيء الكثير منه بصيغة الواحدة المؤنثة تقول : الجذوع انكسرت والقليل منه يجيء بصيغة الجمع تقول : الأجذاع انكسرن اه وهو غير ظاهر. أ هـ {التحرير والتنوير حـ 2 صـ 161}\rفائدة\rقال مقاتل : كل شيء في القرآن معدودة أو معدودات فهو دون الأربعين ، وما زاد على ذلك لا يقال معدودة. أ هـ {بحر العلوم حـ 1 صـ 147}\rفصل في أول ما نسخ بعد الهجرة","part":3,"page":393},{"id":1294,"text":"قال ابنُ عبَّاس - رضي الله عنهما - أوَّلُ ما نُسخ بعد الهجرة أَمْرُ القِبلة والصَّوْم ، ويقالُ نزل صَوْمُ شهر رمضان قَبْل بَدرٍ بشهرٍ وأيام ، وعن عائشة - رضي الله عنها - قالت : كان يَوْمُ عاشُورَاء تصومُهُ قُرَيش في الجاهلِيَّة ، وكان رَسُول الله - صلى الله عليه وسلم - يَصُومُهُ في الجَاهِليَّة فلمَّا قَدِمَ رَسُولُ الله - صلى الله عليه وسلم - المدِينَةَ ، صَامَهُ ، وَأَمَرَ بِصِيامِهِ ، فَلَمَّا فُرِضَ رَمَضَانَ كَانَ هُوَ الفريضة ، وتُرِكَ يَوْمُ عاشُوراء ، فَمنْ شَاءَ صاَمَهُ ، وَمَنْ شَاءَ تَرَكَهُ. أ هـ {اللباب لابن عادل حـ 2 صـ 335}\rكلام نفيس للشيخ الطاهر بن عاشور فى حكمة مشروعية الصوم\rالغالبُ على أحوال الأمم في جاهليتها وبخاصة العرب هو الاستكثار من تناول اللذات من المآكل والخمور ولهو النساء والدعة ، وكل ذلك يوفر القُوى الجسمانيةَ والدموية في الأجساد ، فتقوى الطبائع الحيوانية التي في الإنسان من القوة الشهوية والقوة الغضبية. وتطغَيَان على القوة العاقلة ، فجاءت الشرائع بشرع الصيام ، لأنه يفي بتهذيب تلك القوى ، إذ هو يمسك الإنسان عن الاستكثار من مثيرات إفراطها ، فتكون نتيجتُه تعديلَها في أوقات معينة هي مظنة الاكتفاء بها إلى أوقات أخرَى.\r","part":3,"page":394},{"id":1295,"text":"والصوم بمعنى إقلال تناول الطعام عن المقدار الذي يبلغ حد الشبع أو تركِ بعض المأكل : أصل قديم من أصول التقوى لدى المليين ولدى الحكماء الإشراقيين ، والحكمة الإشراقية مبناها على تزكية النفس بإزالة كدرات البهيمية عنها بقدر الإمكان ، بناء على أن للإنسان قوتين : إحداهما رُوحانية مُنبثة في قرارتها من الحواس الباطنية ، والأخرى حيوانية منبثة في قرارتها من الأعضاء الجسمانية كلها ، وإذ كان الغذاء يخلف للجسد ما يضيعه من قوته الحيوانية إضاعةً تنشأ عن العمل الطبيعي للأعضاء الرئيسية وغيرها ، فلا جرم كانت زيادة الغذاء على القدر المُحتاج إليه توفر للجسم من القوة الحيوانية فوق ما يحتاجه وكان نقصانه يقَتِّر عليه منها إلى أن يبلغ إلى المقدار الذي لا يمكن حفظ الحياة بدونه ، وكان تغلب مظهر إحدى القوتين بمقدار تضاؤل مظهر القوة الأخرى ، فلذلك وجدوا أن ضعف القوة الحيوانية يقلل معمولَها فتتغلب القوة الروحانية على الجسد ويتدرج به الأمر حتى يصير صاحب هذه الحال أقرب إلى الأرواح والمجردات منه إلى الحيوان ، بحيث يصير لا حَظَّ له في الحيوانية إلاّ حياة الجسم الحافظة لبقاء الروح فيه ، ولذلك لزم تعديل مقدار هذا التناقص بكيفية لا تفضي إلى اضمحلال الحياة ، لأن ذلك يضيع المقصود من تزكية النفس وإعدادِها للعوالم الأخروية ، فهذا التعادل والترجيح بين القوتين هو أصل مشروعية الصيام في الملل ووضعيته في حكمة الإشراق ، وفي كيفيته تختلف الشرائع اختلافاً مناسباً للأحوال المختصة هي بها بحيث لا يفيت المقصد من الحياتين ، ولا شك أن أفضل الكيفيات لتحصيل هذا الغرض من الصيام هو الكيفيَّة التي جاء بها الإسلام. أ هـ {التحرير والتنوير حـ 2 صـ 159 ـ 160}\rفائدة\rقال الماوردى : ","part":3,"page":395},{"id":1296,"text":"جعل الشرع الصيام من أوكد عباداته وألزم فروضه ، حتى روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : \" يَقُولُ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ : كُلُّ عَمَلِ ابنِ آدَمَ لَهُ إِلاَّ الصَّومَ فَإِنَّهُ لِي وَأَنَا أَجْزِي بِهِ ، وَلَخَلُوفُ فَمِ الصَّائِمِ أَطْيَبُ عِندَ اللهِ مَن رِيحِ المِسْكَ\r\". وإنما اختص الصوم بأنه له ، وإن كان كل العبادات له ، لأمرين بَايَنَ الصومُ بِهِمَا سائِرَ الْعِبَادَاتِ : \rأحدهما : أن الصوم منع من مَلاَذِّ النفس وشهواتها ، ما لا يمنع منه سائر العبادات.\rوالثاني : أن الصوم سر بين العبد وربه لا يظهر إلا له ، فلذلك صار مختصاً به ، وما سواه من العبادات ظاهر ، ربما فعله تصنّعاً ورياء ، فلهذا صار أخص بالصوم من غيره. أ هـ {النكت والعيون حـ 1 صـ 235}\rقوله تعالى {فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ }\rالمناسبة\rقال البقاعى : \rولما كان للمريض حاجة للدواء والغذاء بحسب تداعي جسمه رفع عنه الكتب فتسبب عما مضى قوله سبحانه وتعالى : {فمن كان منكم مريضاً} أي مرضاً يضره عاجلاً أو يزيد في علته آجلاً. قال الحرالي : فبقي على حكم التحمل بيقين مما يغذو المؤمن ويسقيه من غيب بركة الله سبحانه وتعالى ، كما قال عليه الصلاة والسلام : \" أبيت عند ربي يطعمني ويسقيني \" فللمؤمن غذاء في صومه من بركة ربه بحكم يقينه فيما لا يصل إليه من لم يصل إلى محله ، فعلى قدر ما تستمد بواطن الناس من ظواهرهم يستمد ظاهر الموقن من باطنه حتى يقوى في أعضائه بمدد نور باطنه كما ظهر ذلك في أهل الولاية والديانة ، فكان فطر المريض رخصة لموضع تداويه واغتذائه.","part":3,"page":396},{"id":1297,"text":"ولما كان المرض وصفاً جاء بلفظ الوصف ولما كان السفر وهو إزالة الكن عن الرأس تمام دورة يوم وليلة بالمسير عنه بحيث لا يتمكن من عوده لمأواه في مدار يومه وليلته نسبة بين جسمانيين جاء بحرف الإضافة مفصولاً فقال : {أو على سفر} لما يحتاج إليه المسافر من اغتذاء لوفور نهضته في عمله في سفره وأن وقت اغتذائه بحسب البقاع لا بحسب الاختيار إذ المسافر ومتاعه على قلب إلا ما وقى الله \" السفر قطعة من العذاب \" وذلك لئلا يجتمع على العبد كلفتان فيتضاعف عليه المشقة ديناً ودنيا فإذا خف عنه الأمر من وجه طبيعي أخذ بالحكم من وجه آخر ديني {فعدة} نظمه يشعر أن المكتوب عدة {من أيام} أي متتابعة أو متفرقة {أخر} لانتظام مقاطع الكلام بعضها ببعض رؤوساً وأطرافاً ، ففي إفهامه أن مكتوب المريض والمسافر غير مكتوب الصحيح والمقيم ، فبذلك لا يحتاج إلى تقدير : فأفطر ، لأن المقصد معنى الكتب ويبقى ما دون الكتب على حكم تحمله ، فكأنه يقال للمريض والمسافر : مكتوبك أياماً أخر لا هذه الأيام ، فتبقى هذه الأيام خلية عن حكم الكتب لا خلية عن تشريع الصوم.\r","part":3,"page":397},{"id":1298,"text":"ولما كانوا قوماً لم يتعودوا الصوم وكانت عناية الله محيطة بهم تشريفاً لرسولهم صلى الله عليه وسلم قال مخيراً في أول الأمر : {وعلى الذين يطيقونه} أي الصوم ، من الطوق وهو ما يوضع في العنق حلية ، فيكون ما يستطيعه من الأفعال طوقاً له في المعنى {فدية طعام} بالإضافة أو الفصل {مسكين} بالإفراد إرجاعاً إلى اليوم الواحد ، وبالجمع إرجاعاً إلى مجموع الأيام لكل يوم طعام واحد ، وهو مد وحفنتان بالكفين هما قوت الحافن غداء وعشاء كفافاً لا إقتاراً ولا إسرافاً ، في جملته توسعة أمر الصوم على من لا يستطيعه ممن هو لغلبة حاجة طبعه إلى الغذاء بمنزلة المريض والمسافر فهو ممراض بالنهمة كأنها حال مرض جبل عليه الطبع ، فكان في النظر إليه توفية رحمة النظر إلى المريض والمسافر إلا ما بين رتبتي الصنفين من كون هذا مطيقاً وذينك غير مطيق أو غير متمكن ، وفي إعلامه بيان أن من لم يقدر على التماسك عن غذائه فحقه أن يغذو غيره ليقوم بذل الطعام عوضاً عن التماسك عن الطعام لمناسبة ما بين المعنيين لذلك ؛ ولم يذكر هنا مع الطعام عتق ولا صوم {فمن تطوع خيراً} أي فزاد في الفدية {فهو خير له} لأنه فعل ما يدل على حبه لربه. أ هـ {نظم الدرر حـ 1 صـ 339 ـ 340}\rقال الفخر :","part":3,"page":398},{"id":1299,"text":"أما قوله تعالى : {فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضًا أَوْ على سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ} فالمراد منه أن فرض الصوم في الأيام المعدودات إنما يلزم الأصحاء المقيمين فأما من كان مريضاً أو مسافراً فله تأخير الصوم عن هذه الأيام إلى أيام أخر قال القفال رحمه الله : انظروا إلى عجيب ما نبه الله عليه من سعة فضله ورحمته في هذا التكليف ، وأنه تعالى بين في أول الآية أن لهذه الأمة في هذا التكليف أسوة بالأمة المتقدمة والغرض منه ما ذكرنا أن الأمور الشاقة إذا عمت خفت ، ثم ثانياً بين وجه الحكمة في إيجاب الصوم ، وهو أنه سبب لحصول التقوى ، فلو لم يفرض الصوم لفات هذا المقصود الشريف ، ثم ثالثاً : بين أنه مختص بأيام معدودة ، فإنه لو جعله أبداً أو في أكثر الأوقات لحصلت المشقة العظيمة ثم بين رابعاً : أنه خصه من الأوقات بالشهر الذي أنزل فيه القرآن لكونه أشرف الشهور بسبب هذه الفضيلة ، ثم بين خامساً : إزالة المشقة في إلزامه فأباح تأخيره لمن شق عليه من المسافرين والمرضى إلى أن يصيروا إلى الرفاهية والسكون ، فهو سبحانه راعى في إيجاب الصوم هذه الوجوه من الرحمة فله الحمد على نعمه كثيراً.\rأ هـ {مفاتيح الغيب حـ 5 صـ 63}\rالمرض المبيح للفطر\rواختلفوا في المرض المبيح للفطر على ثلاثة أقوال\rأحدها : أن أي مريض كان ، وأي مسافر كان ، فله أن يترخص تنزيلاً للفظه المطلق على أقل أحواله ، وهذا قول الحسن وابن سيرين ، يروى أنهم دخلوا على ابن سيرين في رمضان وهو يأكل ، فاعتل بوجع أصبعه\rوثانيها : أن هذه الرخصة مختصة بالمريض الذي لو صام لوقع في مشقة وجهد ، وبالمسافر الذي يكون كذلك ، وهذا قول الأصم ، وحاصله تنزيل اللفظ المطلق على أكمل الأحوال","part":3,"page":399},{"id":1300,"text":"وثالثها : وهو قول أكثر الفقهاء : أن المرض المبيح للفطر هو الذي يؤدي إلى ضرر النفس أو زيادة في العلة ، إذ لا فرق في الفعل بين ما يخاف منه وبين ما يؤدي إلى ما يخاف منه كالمحموم إذا خاف أنه لو صام تشتد حماه ، وصاحب وجع العين يخاف إن صام أن يشتد وجع عينه ، قالوا : وكيف يمكن أن يقال كل مرض مرخص مع علمنا أن في الأمراض ما ينقصه الصوم ، فالمراد إذن منه ما يؤثر الصوم في تقويته ، ثم تأثيره في الأمر اليسير لا عبرة به ، لأن ذل قد يحصل فيمن ليس بمريض أيضاً ، فإذن يجب في تأثيره ما ذكرناه. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 5 صـ 64}\rقوله تعالى {أو على سفر }\rأصل السفر من الكشف وذلك أنه يكشف عن أحوال الرجال وأخلاقهم والمسفرة المكنسة ، لأنها تسفر التراب عن الأرض ، والسفير الداخل بين اثنين للصلح ، لأنه يكشف المكروه الذي اتصل بهما ، والمسفر المضيء ، لأنه قد انكشف وظهر ومنه أسفر الصبح والسفر الكتاب ، لأنه يكشف عن المعاني ببيانه ، وأسفرت المرأة عن وجهها إذا كشفت النقاب ، قال الأزهري : وسمي المسافر مسافراً لكشف قناع الكن عن وجهه وبروزه للأرض الفضاء ، وسمي السفر سفراً لأنه يسفر عن وجوه المسافرين وأخلاقهم ، ويظهر ما كان خافياً منهم. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 5 صـ 64}\rسؤال : لقائل أن يقول : رعاية اللفظ تقتضي أن يقال فمن كان منكم مريضاً أو مسافراً ولم يقل هكذا بل قال : {فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضًا أَوْ على سَفَرٍ}.\rوجوابه : أن الفرق هو أن المرض صفة قائمة بالذات : فإن حصلت حصلت وإلا فلا وأما السفر فليس كذلك لأن الإنسان إذا نزل في منزل فإن عدم الإقامة كان سكونه هناك إقامة لا سفراً وإن عدم السفر كان هو في ذلك الكون مسافراً فإذن كونه مسافراً أمر يتعلق بقصده واختياره ، فقوله : {على سَفَرٍ} معناه كونه على قصد السفر ، والله أعلم بمراده. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 5 صـ 64}\rقال ابن عطية : ","part":3,"page":400},{"id":1301,"text":"وقوله تعالى {فمن كان منكم مريضاً أو على سفر} ، التقدير : فأفطر {فعدة من أيام أخر} ، وهذا يسمونه فحوى الخطاب. أ هـ {المحرر الوجيز حـ 1 صـ 251}\rقوله تعالى {فعدة}\rسؤال : فإن قيل : كيف قال : {فَعِدَّةٌ} على التنكير ولم يقل فعدتها أي فعدة الأيام المعدودات.\rقلنا : لأنا بينا أن العدة بمعنى المعدود فأمر بأن يصوم أياماً معدودة مكانها والظاهر أنه لا يأتي إلا بمثل ذلك العدد فأغنى ذلك عن التعريف بالإضافة. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 5 صـ 65}\rسؤال : لم قال : {فعدة من أيام أُخر} ولم يقل : فصيام أيام أخر ؟ \rالجواب : إنما قال تعالى : {فعدة من أيام أُخر} ولم يقل : فصيام أيام أخر ، تنصيصاً على وجوب صوم أيام بعدد أيام الفطر في المرض والسفر ؛ إذ العدد لا يكون إلاّ على مقدار مماثل. فمن للتبعيض إن اعتبر أيام أعم من أيام العدة أي من أيام الدهر أو السنة ، أو تكون من تمييز عدة أي عدة هي أيام مثل قوله : {بخمسة ألف من الملائكة} [آل عمران : 125 ]. أ هـ {التحرير والتنوير حـ 2 صـ 164}\rسؤال : لم وصف الأيام بأُخر ؟ \rالجواب : وصف الأيام بأُخر وهو جمع الأُخرى اعتباراً بتأنيث الجمع ؛ إذ كل جمع مؤنث ، وقد تقدم ذلك في قوله تعالى آنفاً {أياماً معدودات} قال أبو حيَّان : واختير في الوصف صيغة الجمع دون أن يقال أخرى لئلا يظن أنه وصف لعدة ، وفيه نظر ؛ لأن هذا الظن لا يوقع في لَبس ؛ لأن عدة الأيام هي أيام فلا يعتني بدفع مثل هذا الظن ، فالظاهر أن العدول عن أخرى لمراعاة صيغة الجمع في الموصوف مع طلب خفة اللفظ. أ هـ {التحرير والتنوير حـ 2 صـ 164}\rفصل","part":3,"page":401},{"id":1302,"text":"قال القرطبيُّ : اتَّفق العلماء على أنَّ المُسَافر في رَمَضان لا يجوزُ له أنْ يُبَيِّتَ الفِطْر ؛ لأنَّ المُسَافِرَ لا يكُونُ مُسَافراً بالنِّيَةِ ؛ بخلاف المقيم ، وإِنما يكونُ مسافراً العَمَل ، والنُّهُوض ، والمقيمُ لا يفتقر إِلى عَمَل ؛ لأنه إذا نوى الإقامة ، كان مقيماً في الحين ؛ لأن الإقامة لا تفتقر إلى عَمَلٍ ، فافترقا. أ هـ {تفسير القرطبى حـ 2 صـ 278}\rفوائد جليلة ولطائف دقيقة\rذهب قوم من علماء الصحابة إلى أنه يجب على المريض والمسافر أن يفطرا ويصوما عدة من أيام أخر ، وهو قول ابن عباس وابن عمر ، ونقل الخطابي في أعلام التنزيل عن ابن عمر أنه قال لو صام في السفر قضى في الحضر ، وهذا اختيار داود بن علي الأصفاني ، وذهب أكثر الفقهاء إلى أن الإفطار رخصة فإن شاء أفطر وإن شاء صام حجة الأولين من القرآن والخبر\rأما القرآن فمن وجهين\rالأول : أنا إن قرأنا {عِدَّةَ} بالنصب كان التقدير : فليصم عدة من أيام أخر وهذا للإيجاب ، ولو أنا قرأنا بالرفع كان التقدير : فعليه عدة من أيام ، وكلمة {على} للوجوب فثبت أن ظاهر القرآن يقتضي إيجاب صوم أيام أخر ، فوجب أن يكون فطر هذه الأيام واجباً ضرورة أنه لا قائل بالجمع.\rالحجة الثانية : أنه تعالى أعاد فيما بعد ذلك هذه الآية ، ثم قال عقيبها {يُرِيدُ الله بِكُمُ اليسر وَلاَ يُرِيدُ بِكُمُ العسر} [البقرة : 185] ولا بد وأن يكون هذا اليسر والعسر شيئاً تقدم ذكرهما ، وليس هناك يسر إلا أنه أذن للمريض والمسافر في الفطر ، وليس هناك عسر إلا كونهما صائمين فكان قوله : {يُرِيدُ الله بِكُمُ اليسر وَلاَ يُرِيدُ بِكُمُ العسر} معناه يريد منكم الإفطار ولا يريد منكم الصوم فذلك تقرير قولنا ، ","part":3,"page":402},{"id":1303,"text":"وأما الخبر فاثنان الأول : قوله عليه السلام : \" ليس من البر الصيام في السفر \" يقال هذا الخبر وارد عن سبب خاص ، وهو ما روي أنه عليه الصلاة والسلام مر على رجل جالس تحت مظلة فسأل عنه فقيل هذا صائم أجهده العطش ، فقال : \" ليس من البر الصيام في السفر \" لأنا نقول العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب والثاني : قوله عليه الصلاة والسلام : \" الصائم في السفر كالمفطر في الحضر \"\r","part":3,"page":403},{"id":1304,"text":"أما حجة الجمهور : فهي أن في الآية إضماراً لأن التقدير : فأفطر فعدة من أيام أخر وتمام تقرير هذا الكلام أن الإضمار في كلام الله جائز في الجملة وقد دل الدليل على وقوعه ههنا أما بيان الجواز فكما في قوله تعالى : {فَقُلْنَا اضرب بّعَصَاكَ الحجر فانفجرت} [البقرة : 60] والتقدير فضرب فانفجرت وكذلك قوله تعالى : {وَلاَ تَحْلِقُواْ رؤسكم} إلى قوله : {أَوْ بِهِ أَذًى مِّن رَّأْسِهِ فَفِدْيَةٌ} [البقرة : 196] أي فحلق فعليه فدية فثبت أن الإضمار جائز ، أما أن الدليل دل على وقوعه ففي تقريره وجوه الأول : قال القفال : قوله تعالى : {فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ} [البقرة : 185] يدل على وجوب الصوم ولقائل أن يقول هذا ضعيف وبيانه من وجهين الأول : أنا إذا أجرينا ظاهر قوله تعالى : {فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ} [البقرة : 185] على العموم لزمنا الإضمار في قوله تعالى : {فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ} وقد بينا في أصول الفقه أنه متى وقع التعارض بين التخصيص وبين الإضمار كان تحمل التخصيص أولى والثاني وهو أن ظاهر قوله تعالى : {فَلْيَصُمْهُ} يقتضي الوجوب عيناً ، ثم إن هذا الوجوب منتف في حق المريض والمسافر ، فهذه الآية مخصوصة في حقهما على جميع التقديرات سواء أجرينا قوله تعالى فعليه : {عِدَّةَ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ} على ظاهره أو لم نفعل ذلك وإذا كان كذلك وجب إجراء هذه الآية على ظاهرها من غير إضمار.\rالوجه الثاني : ما ذكره الواحدي في كتاب البسيط ، فقال : القضاء إنما يجب بالإفطار لا بالمرض والسفر ، فلما أوجب الله القضاء والقضاء مسبوق بالفطر ، دل على أنه لا بد من إضمار الإفطار وهذا في غاية السقوط لأن الله تعالى لم يقل : فعليه قضاء ما مضى بل قال : فعليه صوم عدة في أيام أخر وإيجاب الصوم عليه في أيام أخر لا يستدعي أن يكون مسبوقاً بالإفطار.\r","part":3,"page":404},{"id":1305,"text":"الوجه الثالث : ما روى أبو داود في سننه عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة أن حمزة الأسلمي سأل النبي صلى الله عليه وسلم فقال : يا رسول الله هل أصوم على السفر ؟ فقال عليه الصلاة والسلام : \" صم إن شئت وأفطر إن شئت \" ولقائل أن يقول : هذا يقتضي نسخ القرآن بخبر الواحد لأن ظاهر القرآن يقتضي وجوب صوم سائر الأيام ، فرفع هذا الخبر غير جائز إذا ثبت ضعف هذه الوجوه ، فالاعتماد في إثبات المذهب على قوله تعالى بعد هذه الآية : {وَأَن تَصُومُواْ خَيْرٌ لَّكُمْ} وسيأتي بيان وجه الاستدلال إن شاء الله تعالى. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 5 صـ 66}\rقوله تعالى : {وَعَلَى الذين يُطِيقُونَهُ }\rقال الفخر : \rأما قوله تعالى : {وَعَلَى الذين يُطِيقُونَهُ} ففيه مسائل : \rالمسألة الأولى : القراءة المشهورة المتواترة {يُطِيقُونَهُ} وقرأ عكرمة وأيوب السختياني وعطاء {يُطِوقُونَهُ} ومن الناس من قال : هذه القراءة مروية عن ابن عباس وسعيد بن جبير ومجاهد قال : ابن جني : أما عين الطاقة فواو كقولهم : لا طاقة لي به ولا طوق لي به وعليه قراءة (يطوقونه) فهو يفعلونه فهو كقولك : يجشمونه.\rأي يكلفونه.\rالمسألة الثانية : اختلفوا في المراد بقوله : {وَعَلَى الذين يُطِيقُونَهُ} على ثلاثة أقوال الأول : أن هذا راجع إلى المسافر والمريض وذلك لأن المسافر والمريض قد يكون منهما من لا يطيق الصوم ومنهما من يطيق الصوم.\rوأما القسم الأول : فقد ذكر الله حكمه في قوله : {وَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضًا أَوْ على سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ}.","part":3,"page":405},{"id":1306,"text":"وأما القسم الثاني : وهو المسافر والمريض اللذان يطيقان الصوم ، فإليهما الإشارة بقوله : {وَعَلَى الذين يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ} فكأنه تعالى أثبت للمريض وللمسافر حالتين في إحداهما يلزمه أن يفطر وعليه القضاء وهي حال الجهد الشديد لو صام والثانية : أن يكون مطيقاً للصوم لا يثقل عليه فحينئذ يكون مخيراً بين أن يصوم وبين أن يفطر مع الفدية.\rالقول الثاني : وهو قول أكثر المفسرين أن المراد من قوله : {وَعَلَى الذين يُطِيقُونَهُ} المقيم الصحيح فخيره الله تعالى أولاً بين هذين ، ثم نسخ ذلك وأوجب الصوم عليه مضيقاً معيناً.\rالقول الثالث : أنه نزلت هذه الآية في حق الشيخ الهرم قالوا : وتقريره من وجهين أحدهما : أن الوسع فوق الطاقة فالوسع اسم لمن كان قادراً على الشيء على وجه السهولة أما الطاقة فهو اسم لمن كان قادراً على الشيء مع الشدة والمشقة فقوله : {وَعَلَى الذين يُطِيقُونَهُ} أي وعلى الذين يقدرون على الصوم مع الشدة والمشقة.\rالوجه الثاني : في تقرير هذا القول القراءة الشاذة {وَعَلَى الذين يُطِيقُونَهُ} فإن معناه وعلى الذين يجشمونه ويكلفونه ، ومعلوم أن هذا لا يصح إلا في حق من قدر على الشي مع ضرب من المشقة.\rإذا عرفت هذا فنقول : القائلون بهذا القول اختلفوا على قولين أحدهما : وهو قول السدي : أنه هو الشيخ الهرم ، فعلى هذا لا تكون الآية منسوخة ، يروى أن أنساً كان قبل موته يفطر ولا يستطيع الصوم ويطعم لكل يوم مسكيناً وقال آخرون : إنها تتناول الشيخ الهرم والحامل والمرضع سئل الحسن البصري عن الحامل والمرضع إذا خافتا على نفسهما وعلى ولديهما فقال : فأي مرض أشد من الحمل تفطر وتقضي.\r","part":3,"page":406},{"id":1307,"text":"واعلم أنهم أجمعوا على أن الشيخ الهرم إذا أفطر فعليه الفدية ، أما الحامل والمرضع إذا أفطرتا فهل عليهما الفدية ؟ فقال الشافعي رضي الله عنه : عليهما الفدية ، فقال أبو حنيفة : لا تجب حجة الشافعي أن قوله : {وَعَلَى الذين يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ} يتناول الحامل والمرض ، وأيضاً الفدية واجبة على الشيخ الهرم فتكون واجبة أيضاً عليهما ، وأبو حنيفة فرق فقال : الشيخ الهرم لا يمكن إيجاب القضاء عليه فلا جرم وجبت الفدية ، أما الحامل والمرضع فالقضاء واجب عليهما ، فلو أوجبنا الفدية عليهما أيضاً كان ذلك جمعاً بين البدلين وهو غير جائز لأن القضاء بدل والفدية بدل ، فهذا تفصيل هذه الأقوال الثلاثة في تفسير قوله تعالى : {وَعَلَى الذين يُطِيقُونَهُ}.\rأما القول الأول : وهو اختيار الأصم فقد احتجوا على صحته من وجوه أحدها : أن المرض المذكور في الآية إما أن يكون هو المرض الذي يكون في الغاية ، وهو الذي لا يمكن تحمله ، أو المراد كل ما يسمى مرضاً ، أو المراد منه ما يكون متوسطاً بين هاتين الدرجتين ، والقسم الثاني باطل بالإتفاق ، والقسم الثالث أيضاً باطل ، لأن المتوسطات لها مراتب كثيرة غير مضبوطة ، وكل مرتبة منها فإنها بالنسبة إلى ما فوقها ضعيفة وبالنسبة إلى ما فوقها إلى ما تحتها قوية ، فإذا لم يكن في اللفظ دلالة على تعيين تلك المرتبة مع أن مراد الله هو تلك المرتبة صارت الآية مجملة وهو خلاف الأصل ، ولما بطل هذان القسمان تعين أن المراد هو القسم الأول ، وذلك لأنه مضبوط ، فحمل الآية عليه أولى لأنه لا يفضي إلى صيرورة الآية مجملة.\rإذا ثبت هذا فنقول : أول الآية دل على إيجاب الصوم ، وهو قوله : كتب عليكم الصيام أياماً معدودات ثم بين أحوال المعذورين ، ولما كان المعذورون على قسمين : منهم من لا يطيق الصوم أصلاً ، ومنهم من يطيقه مع المشقة والشدة ، فالله تعالى ذكر حكم القسم الأول ثم أردفه بحكم القسم الثاني.\r","part":3,"page":407},{"id":1308,"text":"الحجة الثانية : في تقرير هذا القول أنه لا يقال في العرف للقادر القوي : إنه يطيق هذا الفعل لأن هذا اللفظ لا يستعمل إلا في حق من يقدر عليه مع ضرب من المشقة.\rالحجة الثالثة : أن على أقوالكم لا بد من إيقاع النسخ في هذه الآية وعلى قولنا لا يجب ، ومعلوم أن النسخ كلما كان أقل كان أولى فكان المصير إلى إثبات النسخ من غير أن يكون في اللفظ ما يدل عليه غير جائز.\rالحجة الرابعة : أن القائلين بأن هذه الآية منسوخة اتفقوا على أن ناسخها آية شهود الشهر ، وذلك غير جائز لأنه تعالى قال في آخر تلك الآية : {يُرِيدُ الله بِكُمُ اليسر وَلاَ يُرِيدُ بِكُمُ العسر} [البقرة : 185] ولو كانت الآية ناسخة لهذا لما كان قوله : {يُرِيدُ الله بِكُمُ اليسر وَلاَ يُرِيدُ بِكُمُ العسر} لائقاً بهذا الموضع ، لأن هذا التقدير أوجب الصوم على سبيل التضييق ، ورفع وجوبه على سبيل التخيير ، فكان ذلك رفعاً لليسر وإثباتاً للعسر فكيف يليق به أن يقول : {يُرِيدُ الله بِكُمُ اليسر وَلاَ يُرِيدُ بِكُمُ العسر}.\rواحتج القاضي رحمه الله في فساد قول الأصم فقال : إن قوله : {وَعَلَى الذين يُطِيقُونَهُ} معطوف على المسافر والمريض ، ومن حق المعطوف أن يكون غير المعطوف عليه فبطل قول الأصم.\r","part":3,"page":408},{"id":1309,"text":"والجواب : أنا بينا أن المراد من المسافر والمريض المذكورين في الآية هما اللذان لا يمكنهما الصوم ألبتة ، والمراد من قوله : {وَعَلَى الذين يُطِيقُونَهُ} المسافر والمريض اللذان يمكنهما الصوم ، فكانت المغايرة حاصلة فثبت بما بينا أن القول الذي اختاره الأصم ليس بضعيف ، أما إذا وافقنا الجمهور وسلمنا فساده بقي القولان الآخران ، وأكثر المفسرين والفقهاء على القول الثاني ، واختاره الشافعي واحتج على فساد القول الثالث ، وهو قول من حمله على الشيخ الهرم والحامل والمرضع بأن قال : لو كان المراد هو الشيخ الهرم لما قال في آخر الآية : {وَأَن تَصُومُواْ خَيْرٌ لَّكُمْ} لأنه لا يطيقه ، ولقائل أن يقول : هذا محمول على الشيخ الهرم الذي يطيق الصوم ولكنه يشق عليه ، وعلى هذا التقدير فلا يمتنع أن يقال له : لو تحملت هذه المشقة لكان ذلك خيراً لك فإن العبادة كلما كانت أشق كانت أكثر ثواباً.\rأ هـ {مفاتيح الغيب حـ 5 صـ 67 ـ 69}\rقوله تعالى {فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ}\rقرأ نافع وابن عامر {فِدْيَةٌ} بغير تنوين {طَعَامٌ} بالكسر مضافاً إليه {مساكين} جمعا ، والباقون {فِدْيَةٌ} منونة {طَعَامٌ} بالرفع {مّسْكِينٌ} مخفوض ، أما القراءة الأولى ففيها بحثان الأول : أنه ما معنى إضافة فدية إلى طعام ؟ فنقول فيه وجهان : أحدهما : أن الفدية لها ذات وصفتها أنها طعام ، فهذا من باب إضافة الموصوف إلى الصفة ، كقولهم : مسجد الجامع وبقله الحمقاء والثاني : قال الواحدي : الفدية اسم للقدر الواجب ، والطعام اسم يعم الفدية وغيرها ، فهذه الإضافة من الإضافة التي تكون بمعنى {مِنْ} كقولك : ثوب خز وخاتم حديد ، والمعنى : ثوب من خز وخاتم من حديد ، فكذا ههنا التقدير : فدية من طعام فأضيفت الفدية إلى الطعام مع أنك تطلق على الفدية اسم الطعام.","part":3,"page":409},{"id":1310,"text":"البحث الثاني : أن في هذه القراءة جمعوا المساكين لأن الذين يطيقونه جماعة ، وكل واحد منهم يلزمه مسكين ، وأما القراءة الثانية وهي {فِدْيَةٌ} بالتنوين فجعلوا ما بعده مفسراً له ووحدوا المسكين لأن المعنى على كل واحد لكل يوم طعام مسكين. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 5 صـ 69}\rوقال ابن عطية : \rقال أبو علي : \" فإن قلت كيف أفردوا المساكين والمعنى على الكثرة لأن الذين يطيقونه جمع وكل واحد منهم يلزمه مسكين فكان الوجه أن يجمعوا كما جمع المطيقون ؟ ، فالجواب أن الإفراد حسن لأنه يفهم بالمعنى أن لكل مسكيناً ، ونظير هذا قوله تعالى : {والذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا بأربعة شهداء فاجلدوهم ثمانين جلدة} [النور : 4] فليست الثمانون متفرقة في جميعهم بل لكل واحد ثمانون. أ هـ {المحرر الوجيز حـ 1 صـ 252}\rقوله تعالى {فَمَن تَطَوَّعَ خَيْرًا فَهُوَ خَيْرٌ لَّهُ}\rقال الفخر : \rأما قوله تعالى : {فَمَن تَطَوَّعَ خَيْرًا فَهُوَ خَيْرٌ لَّهُ} ففيه ثلاثة أوجه أحدها : أن يطعم مسكيناً أو أكثر والثاني : أن يطعم المسكين الواحد أكثر من القدر الواجب والثالث : قال الزهري : من صام مع الفدية فهو خير له. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 5 صـ 70}\rقوله تعالى : {وَأَن تَصُومُواْ خَيْرٌ لَّكُمْ }\rقال الفخر : ","part":3,"page":410},{"id":1311,"text":"أما قوله : {وَأَن تَصُومُواْ خَيْرٌ لَّكُمْ} ففيه وجوه أحدها : أن يكون هذا خطاباً مع الذين يطيقونه فقط ، فيكون التقدير : وأن تصوموا أيها المطيقون أو المطوقون وتحملتم المشقة فهو خير لكم من الفدية والثاني : أن هذا خطاب مع كل من تقدم ذكرهم ، أعني المريض والمسافر والذين يطيقونه ، وهذا أولى لأن اللفظ عام ، ولا يلزم من اتصاله بقوله : {وَعَلَى الذين يُطِيقُونَهُ} أن يكون حكمه مختصاً بهم ، لأن اللفظ عام ولا منافاة في رجوعه إلى الكل ، فوجب الحكم بذلك وعند هذا يتبين أنه لا بد من الإضمار في قوله : {فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضًا أَوْ على سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ} وأن التقدير : فأفطر فعدة من أيام أخر الثالث : أن يكون قوله : {وَأَن تَصُومُواْ خَيْرٌ لَّكُمْ} عطفاً عليه على أول الآية فالتقدير : كتب عليكم الصيام وأن تصوموا خير لكم. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 5 صـ 71}\rقوله تعالى : {إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ }\rقال الفخر : \rأما قوله : {إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ} أي أن الصوم عليكم فاعلموا صدق قولنا وأن تصوموا خير لكم.\rالثاني : أن آخر الآية متعلق بأولها والتقدير كتب عليكم الصيام وأن تصوموا خير لكم إن كنتم تعلمون أي أنكم إذا تدبرتم علمتم ما في الصوم من المعاني المورثة للتقوى وغيرها مما ذكرناه في صدر هذه الآية.\rالثالث : أن العالم بالله لا بد وأن يكون في قلبه خشية الله على ما قال : {إِنَّمَا يَخْشَى الله مِنْ عِبَادِهِ العلماء} [فاطر : 28] فذكر العلم والمراد الخشية ، وصاحب الخشية يراعي الاحتياط والاحتياط في فعل الصوم ، فكأنه قيل : إن كنتم تعلمون الله حتى تخشونه كان الصوم خيراً لكم. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 5 صـ 71}\rسؤال : أين الجواب ؟ \rوالجوابُ محذوفٌ ثقةً بظهوره أي اخترتموه أو سارعتم إليه وقيل : معناه إن كنتم من أهلِ العلمِ والتدبُّر علمتم أن الصومَ خيرٌ من ذلك.أ هـ {تفسير أبى السعود حـ 1 صـ 199}","part":3,"page":411},{"id":1312,"text":"فائدة\rقال العلامة الآلوسى :\rواستدل بالآية على جواز القضاء متتابعاً ومتفرقاً وأنه ليس على الفور خلافاً لداود ، وعلى أن من أفطر رمضان كله قضى أياماً معدودة فلو كان تاماً لم يجزه شهر ناقص أو ناقصاً لم يلزمه شهر كامل خلافاً لمن خالف في الصورتين ، واحتج بها أيضاً من قال : لا فدية مع القضاء وكذا من قال : إن المسافر إذا أقام والمريض إذا شفي أثناء النهار لم يلزمهما الإمساك بقيته لأن الله تعالى إنما أوجب عدة من أيام أخر وهما قد أفطرا فحكم الإفطار باق لهما ومن حكمه أن لا يجب أكثر من يوم ولو أمرناه بالإمساك ثم القضاء لأوجبنا بدل اليوم أكثر منه ، ولا يخفى ما فيه. أ هـ {روح المعانى حـ 2 صـ 58}\rفصل فى أسرار الصوم وشروطه الباطنة\rاعلم أن الصوم ثلاث\rدرجات صوم العموم وصوم الخصوص وصوم خصوص الخصوص\rوأما صوم العموم فهو كف البطن والفرج عن قضاء الشهوة كما سبق تفصيله\rوأما صوم الخصوص فهو كف السمع والبصر واللسان واليد والرجل وسائر الجوارح عن الآثام\rوما صوم خصوص الخصوص فصوم القلب عن الهضم الدنية والأفكار الدنيوية وكفه عما سوى الله عز وجل بالكلية ويحصل الفطر في هذا الصوم بالفكر فيما سوى الله عز وجل واليوم الآخر وبالفكر في الدنيا إلا دنيا تراد للدين فإن ذلك من زاد الآخرة وليس من الدنيا حتى قال أرباب القلوب من تحركت همته بالتصرف في نهاره لتدبير ما يفطر عليه كتبت عليه خطيئة فإن ذلك من قلة الوثوق بفضل الله عز وجل وقلة اليقين برزقه الموعود وهذه رتبة الأنبياء والصديقين والمقربين ولا يطول النظر في تفصيلها قولا ولكن في تحقيقها عملا فإنه إقبال بكنه الهمة على الله عز وجل وانصراف عن غير الله سبحانه وتلبس بمعنى قوله عز وجل قل الله ثم ذرهم في خوضهم يلعبون\rوأما صوم الخصوص وهو صوم الصالحين فهو كف الجوارح عن الآثام وتمامه بستة أمور","part":3,"page":412},{"id":1313,"text":"الأول غض البصر وكفه عن الاتساع في النظر إلى كل ما يذم ويكره وإلى كل ما يشغل القلب ويلهي عن ذكر الله عز وجل قال صلى الله عليه وسلم النظرة سهم مسموم من سهام إبليس لعنه الله فمن تركها خوفا من الله آتاه الله عز وجل إيمانا يجد حلاوته في قلبه // حديث النظرة سهم مسموم من سهام إبليس الحديث أخرجه الحاكم وصحح إسناده من حديث حذيفة // وروى جابر عن أنس عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال خمس يفطرن الصائم الكذب والغيبة والنميمة واليمين الكاذبة والنظر بشهوة // حديث جابر عن أنس خمس يفطرن الصائم الحديث أخرجه الأزدي في الضعفاء من رواية جابان عن أنس وقوله جابر تصحيف قال أبو حاتم الرازي هذا كذاب //\rالثاني حفظ اللسان عن الهذبان والكذب والغيبة والنميمة والفحش والجفاء والخصومة والمراء وإلزامه السكوت وشغله بذكر الله سبحانه وتلاوة القرآن فهذا صوم اللسان\rوقد قال سفيان الغيبة تفسد الصوم رواه بشر بن الحارث عنه\rوروى ليث عن مجاهد خصلتان يفسدان الصيام الغيبة والكذب","part":3,"page":413},{"id":1314,"text":"وقال صلى الله عليه وسلم إنما الصوم جنة فإذا كان أحدكم صائما فلا يرفث ولا يجهل وإن امرؤ قاتله أو شاتمه فليقل إني صائم إني صائم // حديث الصوم جنة فإذا كان أحدكم صائما الحديث أخرجاه من حديث أبي هريرة // وجاء في الخبر أن امرأتين صامتا على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فأجهدهما الجوع والعطش من آخر النهار حتى كادتا أن تتلفا فبعثتا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يستأذناه في الإفطار فأرسل إليهما قدحا وقال صلى الله عليه وسلم قل لهما قيئا فيه ما أكلتما فقاءت إحداهما نصفه دما عبيطا ولحما غريضا وقاءت الأخرى مثل ذلك حتى ملأتاه فعجب الناس من ذلك فقال صلى الله عليه وسلم هتان صامتا عما أحل الله لهما وأفطرتا على ما حرم الله تعالى عليهما قعدت إحداهما إلى الأخرى فجعلتا يغتابان الناس فهذا ما أكلتا من لحومهم // حديث إن امرأتين صامتا على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم الحديث في الغيبة للصائم أخرجه أحمد من حديث عبيد مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم الحديث بسند فيه مجهول //\rالثالث كف السمع عن الإصغاء إلى كل مكروه لأن كل ما حرم قوله حرم الإصغاء إليه ولذلك سوى الله عز وجل بين المستمع وآكل السحت فقال تعالى سماعون للكذب أكالون للسحت وقال عز وجل لولا ينهاهم الربانيون والأحبار عن قولهم الإثم وأكلهم السحت فالسكوت على الغيبة حرام وقال تعالى إنكم إذا مثلهم ولذلك قال صلى الله عليه وسلم المغتاب والمستمع شريكان في لإثم // حديث المغتاب والمستمع شريكان في الإثم غريب وللطبراني من حديث ابن عمر بسند ضعيف نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الغيبة وعن الاستماع إلى الغيبة //\rالرابع كف بقية الجوارح عن الآثام من اليد والرجل عن المكاره وكف البطن عن الشبهات وقت الإفطار","part":3,"page":414},{"id":1315,"text":"فلا معنى للصوم وهو الكف عن الطعام الحلال ثم الإفطار على الحرام فمثال هذا الصائم مثال من يبني قصرا ويهدم مصرا فإن الطعام الحلال إنما يضر بكثرته لا بنوعه فالصوم لتقليله\rوتارك الاستكثار من الدواء خوفا من ضرره إذا عدل إلى تناول السم كان سفيها والحرام سم مهلك للدين والحلال دواء ينفع قليله ويضر كثيره وقصد الصوم تقليله وقد قال صلى الله عليه وسلم كم من صائم ليس له من صومه إلا الجوع والعطش // حديث كم من صائم ليس له من صيامه إلا الجوع والعطش أخرجه النسائي وابن ماجه من حديث أبي هريرة // فقيل هو الذي يفطر على الحرام وقيل هو الذي يمسك عن الطعام الحلال ويفطر على لحوم الناس بالغيبة وهو حرام وقيل هو الذي لا يحفظ جوارحه عن الآثام\rالخامس أن لا يستكثر من الطعام الحلال وقت الإفطار بحيث يمتلىء جوفه فما من وعاء أبغض إلى الله عز وجل من بطن مليء من حلال\rوكيف يستفاد من الصوم قهر عدو الله وكسر الشهوة إذا تدارك الصائم عند فطره ما فاته ضحوة نهاره وربما يزيد عليه في ألوان الطعام حتى استمرت العادات بأن تدخر جميع الأطعمة لرمضان فيؤكل من الأطعمة فيه ما لا يؤكل في عدة أشهر\rومعلوم أن مقصود الصوم الخواء وكسر الهوى لتقوى النفس على التقوى وإذا دفعت المعدة من ضحوة نهار إلى العشاء حتى هاجت شهوتها وقويت رغبتها ثم أطعمت من اللذات وأشبعت زادت لذتها وتضاعفت قوتها وانبعث من الشهوات ما عساها كانت راكدة لو تركت على عادتها","part":3,"page":415},{"id":1316,"text":"فروح الصوم وسره تضعيف القوى التي هي وسائل الشيطان في العود إلى الشرور ولن يحصل ذلك إلا بالتقليل وهو أن يأكل أكلته التي كان يأكلها كل ليلة لو لم يصم فأما إذا جمع ما كان يأكل ضحوة إلى ما كان يأكل ليلا فلم ينتفع بصومه بل من الآداب أن لا يكثر النوم بالنهار حتى يحس بالجوع والعطش ويستشعر ضعف القوى فيصفو عند ذلك قلبه ويستديم في كل ليلة قدرا من الضعف حتى يخف عليه تهجده وأوراده فعسى الشيطان أن لا يحوم على قلبه فينظر إلى ملكوت السماء\rوليلة القدر عبارة عن الليلة التي ينكشف فيها شيء من الملكوت وهو المراد بقوله تعالى إنا أنزلناه في ليلة القدر ومن جعل بين قلبه وبين صدره مخلاة من الطعام فهو عنه محجوب ومن أخلى معدته فلا يكفيه ذلك لرفع الحجاب ما لم يخل همته عن غير الله عز وجل وذلك هو الأمر كله ومبدأ جميع ذلك تقليل الطعام وسيأتي له مزيد بيان في كتاب الأطعمة إن شاء الله عز وجل\rالسادس أن يكون قلبه بعد الإفطار معلقا مضطربا بين الخوف والرجاء إذ ليس يدرى أيقبل صومه فهو من المقربين أو يرد عليه فهو من الممقوتين وليكن كذلك في آخر كل عبادة يفرغ\rمنها فقد روى عن الحسن بن أبي الحسن البصري أنه مر بقوم وهم يضحكون فقال إن الله عز وجل جعل شهر رمضان مضمارا لخلقه يستبقون فيه لطاعته فسبق قوم ففازوا وتخلف أقوام فخابوا فالعجب كل العجب للضاحك اللاعب في اليوم الذي فاز فيه السابقون وخاب فيه المبطلون\rأما والله لو كشف الغطاء لاشتغل المحسن بإحسانه والمسيء بإساءته أي كان سرور المقبول يشغله عن اللعب وحسرة المردود تسد عليه باب الضحك وعن الأحنف بن قيس أنه قيل له إنك شيخ كبير وإن الصيام يضعفك فقال إني أعده لسفر طويل والصبر على طاعة الله سبحانه أهون من الصبر على عذابه فهذه هي المعاني الباطنة في الصوم\rفإن قلت فمن اقتصر على كف شهوة البطن والفرج وترك هذه المعاني فقد قال الفقهاء","part":3,"page":416},{"id":1317,"text":"صومه صحيح فما معناه فاعلم أن فقهاء الظاهر يثبتون شروط الظاهر بأدلة هي أضعف من هذه الأدلة التي أوردناها في هذه الشروط الباطنة لا سيما الغيبة وأمثالها ولكن ليس إلى فقهاء الظاهر من التكليفات إلا ما يتيسر على عموم الغافلين المقبلين على الدنيا الدخول تحته\rفأما علماء الآخرة فيعنون بالصحة القبول وبالقبول الوصول إلى المقصود ويفهمون أن المقصود من الصوم التخلق بخلق من أخلاق الله عز وجل وهو الصمدية والاقتداء بالملائكة في الكف عن الشهوات بحسب الإمكان فإنهم منزهون عن الشهوات\rوالإنسان رتبته فوق رتبة البهائم لقدرته بنور العقل على كسر شهوته ودون رتبة الملائكة لاستيلاء الشهوات عليه وكونه مبتلى بمجاهدتها فكلما انهمك في الشهوات انحط إلى أسفل السافلين والتحق بغمار البهائم وكلما قمع الشهوات ارتفع إلى أعلى عليين والتحق بأفق الملائكة\rوالملائكة مقربون من الله عز وجل والذي يقتدى بهم ويتشبه بأخلاقهم يقرب من الله عز وجل كقربهم فإن الشبيه من القريب قريب وليس القريب ثم بالمكان بل بالصفات\rوإذا كان هذا سر الصوم عند أرباب الألباب وأصحاب القلوب فأي جدوى لتأخير أكلة وجمع أكلتين عند العشاء مع الإنهماك في الشهوات الآخر طول النهار ولو كان لمثله جدوى فأي معنى لقوله صلى الله عليه وسلم كم من صائم ليس له من صومه إلا الجوع والعطش ولهذا قال أبو الدرداء يا حبذا نوم الأكياس وفطرهم كيف لا يعيبون صوم الحمقى وسهرهم ولذرة من ذوي يقين وتقوى أفضل وأرجح من أمثال الجبال عبادة من المغتربين ولذلك قال بعض العلماء كم من صائم مفطر وكم من مفطر صائم\rوالمفطر الصائم هو الذي يحفظ جوارحه عن الآثام ويأكل ويشرب والصائم المفطر هو الذي يجوع ويعطش ويطلق جوارحه","part":3,"page":417},{"id":1318,"text":"ومن فهم معنى الصوم وسره علم أن مثل من كف عن الأكل والجماع وأفطر بمخالطة الآثام كمن مسح على عضو من أعضائه في الوضوء ثلاث مرات فقد وافق في الظاهر العدد إلا أنه ترك المهم وهو الغسل فصلاته مردودة عليه بجهله ومثل من أفطر بالأكل وصام بجوارحه عن المكاره كمن غسل أعضاؤه مرة مرة فصلاته متقبلة إن شاء الله لإحكامه الأصل وإن ترك الفضل\rومثل من جمع بينهما كمن غسل كل عضو ثلاث مرات فجمع بين الأصل والفضل وهو الكمال وقد قال صلى الله عليه وسلم إن الصوم أمانة فليحفظ أحدكم أمانته // حديث إنما الصوم أمانة فليحفظ أحدكم أمانته أخرجه الخرائطي في مكارم الأخلاق من حديث ابن مسعود في حديث في الأمانة والصوم وإسناده حسن // ولما تلا قوله عز وجل {إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها} وضع يده على سمعه وبصره فقال السمع أمانة والبصر أمانة // حديث لما تلا قوله تعالى {إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها} وضع يده على سمعه وبصره وقال السمع أمانة والبصر أمانة أخرجه أبو داود من حديث أبي هريرة دون قوله السمع أمانة // ولولا أنه من أمانات الصوم لما قال صلى الله عليه وسلم فليقل : إني صائم أي إني أودعت لساني لأحفظه فكيف أطلقه بجوابك فإذن قد ظهر أن لكل عبادة ظاهرا وباطنا\rوقشرا ولبا ولقشرها درجات ولكل درجة طبقات فإليك الخيرة الآن في أن تقنع بالقشر عن اللباب أو تتحيز إلى غمار أرباب الألباب. أ هـ {إحياء علوم الدين حـ 1 صـ 230 ـ 237 }","part":3,"page":418},{"id":1319,"text":"الآثار الصحية للصوم\rأهمية \"الإِمساك\" في علاج أنواع الأمراض ثابتة في الطبّ القديم والحديث. البحوث الطبّية لا تخلو عادة من الحديث عن هذه المسألة ، لأن العامل في كثير من الأمراض الإِسراف في تناول الأطعمة المختلفة. المواد الغذائية الزائدة تتراكم في الجسم على شكل مواد دهنية ، وتدخل هي والمواد السكرية في الدم ، وهذه المواد الزائدة وسط صالح لتكاثر أنواع الميكروبات والأمراض ، وفي هذه الحالة يكون الإِمساك أفضل طريق لمكافحة هذه الأمراض ، وللقضاء على هذه المزابل المتراكمة في الجسم.\rالصوم يحرق الفضلات والقمامات المتراكمة في الجسم ، وهو في الواقع عملية تطهير شاملة للبدن ، إضافة إلى أنه استراحة مناسبة لجهاز الهضم وتنظيف له ، وهذه الاستراحة ضرورية لهذا الجهاز الحساس للغاية ، والمنهمك في العمل طوال أيام السنة.\rبديهي أن الصائم ينبغي أن لا يكثر من الطعام عند \"الإِفْطار\" و\"السُّحُور\" حسب تعاليم الإِسلام ، كي تتحقق الآثار الصحية لهذه العبادة ، وإلاّ فقد تكون النتيجة معكوسة.\rالعالم الروسي \"الكسي سوفورين\" يقول في كتابه : \r\"الصوم سبيل ناجح في علاج أمراض فقر الدم ، وضعف الأمعاء ، والالتهابات البسيطة والمزمنة ، والدمامل الداخلية والخارجية ، والسل ، والاسكليروز ، والروماتيزم ، والنقرس والاستسقاء ، وعرق النساء ، والخراز (تناثر الجلد) ، وأمراض العين ، ومرض السكر ، وأمراض الكلية ، والكبد والأمراض الأخرى.\rالعلاج عن طريق الإِمساك لا يقتصر على الأمراض المذكورة ، بل يشمل الأمراض المرتبطة بأصول جسم الإِنسان وخلاياه مثل السرطان والسفليس ، والسل والطاعون أيضاً\"أ هـ {الأمثل حـ 1 صـ 390 }.\rتم الجزء الثالث من كتاب {جامع لطائف التفسير} ولله الحمد والمنة\rويليه إن شاء الله تعالى الجزء الرابع وأوله قوله تعالى {شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآَنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (185)}","part":3,"page":419},{"id":1320,"text":"بسم الله الرحمن الرحيم\rاسم الكتاب / جامع لطائف التفسير\rالعاجز الفقير\rعبد الرحمن بن محمد القماش\rإمام وخطيب بدولة الإمارات العربية\rعفا الله عنه وغفر له\rالجزء الرابع\rحقوق النسخ والطبع والنشر مسموح بها لكل مسلم\r{ يا قوم لا أسألكم عليه أجرا }","part":4,"page":3},{"id":1321,"text":"الجزء الرابع\rمن الآية { 185 } من سورة البقرة\rوحتى الآية { 199} من نفس السورة","part":4,"page":4},{"id":1322,"text":"قوله تعالى {شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآَنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (185)}\rمناسبة الآية لما قبلها\rقال البقاعى : \rولما أبهم الأمر أولاً في الأيام وجعله واجباً مخيراً على المطيق عين هنا وبت الأمر فيه بقوله تعالى : {شهر رمضان} لأن ذلك أضخم وآكد من تعيينه من أول الأمر. قال الحرالي : والشهر هو الهلال الذي شأنه أن يدور دورة من حين أن يهل إلى أن يهل ثانياً سواء كانت عدة أيامه تسعاً وعشرين أو ثلاثين ، كلا العددين في صحة التسمية بالشهر واحد ، فهو شائع في فردين متزايدي العدد بكمال العدة كما يأتي أحد الفردين لمسماه رمضان ، يقال : هو اسم من أسماء الله سبحانه وتعالى ، واشتقاقه من الرمضاء وهو اشتداد حر الحجارة من الهاجرة ، كأن هذا الشهر سمي بوقوعه زمن اشتداد الحر بترتيب أن يحسب المحرم من أول فصل الشتاء أي ليكون ابتداء العام أول ابتداء خلق بإحياء الأرض بعد موتها ، قال : وبذلك يقع الربيعان في الربيع الأرضي السابق حين تنزل الشمس الحوت والسماوي اللاحق حين تنزل الشمس الحمل ، وقال : إنه لما وقع لسابقة هذه الأمة صوم كصوم أهل الكتاب كما وجهوا إلى القبلة أولاً بوجه أهل الكتاب تداركه الإرفاع إلى حكم الفرقان المختص بهم ، فجعل صومهم القار لهم بالشهر لأنهم أهل شهور ناظرون إلى الأهلة ليسوا بالمستغرقين في حساب الشمس ، فجعل صومهم لرؤية الشهر وجعل لهم الشهر يوماً واحداً فكأنهم نقلوا من صوم أيام معدودات إلى صوم يوم واحد غير معدود لوحدته ، لأنهم أمة أمية {وواعدنا موسى ثلاثين ليلة} [الأعراف : 142] هي ميقات أمة محمد صلى الله عليه وسلم {وأتممناها بعشر} [الأعراف : 142] هي ميقات موسى عليه الصلاة والسلام وأمته ومن بعده من الأمم إلى هذه الأمة - انتهى.","part":4,"page":5},{"id":1324,"text":"ولما كان هذا خطاب إرقاء مدحه سبحانه وتعالى بإنزال الذكر فيه جملة إلى بيت العزة وابتدىء من إنزاله إلى الأرض. قال الحرالي : وأظهر فيه وجه القصد في الصوم وحكمته الغيبية التي لم تجر في الكتب الأول الكتابي فقال : {الذي أنزل فيه القرآن} فأشعر أن في الصوم حسن تلق لمعناه ويسراً لتلاوته ، ولذلك جمع فيه بين صوم النهار وتهجد الليل ، وهو صيغة مبالغة من القرء وهو ما جمع الكتب والصحف والألواح - انتهى. وفي مدحه بإنزاله فيه مدح للقرآن به من حيث أشعر أن من أعظم المقاصد بمشروعيته تصفية الفكر لأجل فهم القرآن ليوقف على حقيقة ما أتبع هذا به من أوصافه التي قررت ما افتتحت به السورة من أنه {لا ريب فيه} [البقرة : 2] وأنه {هدى} البقرة : 2] على وجه أعم من ذلك الأول فقال سبحانه وتعالى : {هدى للناس} قال الحرالي : فيه إشعار بأن طائفة الناس يعليهم الصوم أي بالتهيئة للتدبر والفهم وانكسار النفس إلى رتبة الذين آمنوا والمؤمنين ويرقيهم إلى رتبة المحسنين ، فهو هدى يغذو فيه فقد الغذاء القلب كما يغذو وجوده الجسم ولذلك أجمع مجربة أعمال الديانة من الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه أن مفتاح الهدى إنما هو الجوع وأن المعدة والأعضاء متى أوهنت لله نور الله سبحانه وتعالى القلب وصفى النفس وقوى الجسم ليظهر من أمر الإيمان بقلب العادة جديد عادة هي لأوليائه أجل في القوة والمنة من عادته في الدنيا لعامة خلقه ؛ وفي إشارته لمح لما يعان به الصائم من سد أبواب النار وفتح أبواب الجنة وتصفيد الشياطين ، كل ذلك بما يضيق من مجاري الشيطان من الدم الذي ينقصه الصوم ، فكان فيه مفتاح الخير كله ؛ وإذا هدى الناس كان للذين آمنوا أهدى وكان نوراً لهم وللمؤمنين أنور ، كذلك إلى أعلى رتب الصائمين العاكفين الذاكرين الله كثيراً الذين تماسكوا بالصوم عن كل ما سوى مجالسة الحق بذكره.\r","part":4,"page":6},{"id":1325,"text":"وفي قوله : {وبينات} إعلان بذكر ما يجده الصائم من نور قلبه وانكسار نفسه وتهيئة فكره لفهمه ليشهد تلك البينات في نفسه وكونها {من الهدى} الأعم الأتم الأكمل الشامل لكافة الخلق {والفرقان} الأكمل ، وفي حصول الفرقان عن بركة الصوم والذي هو بيان رتب ما أظهر الحق رتبه على وجهه إشعار بما يؤتاه الصائم من الجمع الذي هو من اسمه الجامع الذي لا يحصل إلا بعد تحقق الفرقان ، فإن المبني على التقوى المنولة للصائم في قوله في الكتب الأول لعلكم تتقون} فهو صوم ينبني عليه تقوى ينبني عليها فرقان كما قال تعالى {إن تتقوا الله يجعل لكم فرقاناً} [الأنفال : 29] ينتهي إلى جمع يشعر به نقل الصوم من عدد الأيام إلى وحدة الشهر - انتهى. فعلى ما قلته المراد بالهدى الحقيقة ، وعلى ما قاله الحرالي هو مجاز علاقته السببية لأن الصوم مهيىء للفهم وموجب للنور ، {الهدى} المعرف الوحي أعم من الكتاب والسنة أو أم الكتاب أو غير ذلك ، وعلى ما قال الحرالي يصح أن يراد به القرآن الجامع للكتب كلها فيعم الكتب الأول للأيام ، والفرقان هو الخاص بالعرب الذي أعرب عن وحدة الشهر. أ هـ {نظم الدرر حـ 1 صـ 342 ـ 343}\rقال الفخر : \rفي الآية مسائل : \rالمسألة الأولى : الشهر مأخوذ من الشهرة يقال ، شهر الشيء يشهر شهرة وشهرا إذا ظهر ، وسمي الشهر شهراً لشهرة أمره وذلك لأن حاجات الناس ماسة إلى معرفته بسبب أوقات ديونهم ، وقضاء نسكهم في صومهم وحجهم ، والشهرة ظهور الشيء وسمي الهلال شهراً لشهرته وبيانه قال بعضهم سمي الشهر شهراً باسم الهلال.\rالمسألة الثانية : اختلفوا في رمضان على وجوه أحدها : قال مجاهد : إنه اسم الله تعالى ، ومعنى قول القائل : شهر رمضان أي شهر الله وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : \" لا تقولوا جاء رمضان وذهب رمضان ولكن قولوا : جاء شهر رمضان وذهب شهر رمضان فإن رمضان اسم من أسماء الله تعالى \"","part":4,"page":7},{"id":1326,"text":"القول الثاني : أنه اسم للشهر كشهر رجب وشعبان ، ثم اختلفوا في اشتقاقه على وجوه الأول : ما نقل عن الخليل أنه من الرمضاء بسكون الميم ، وهو مطر يأتي قبل الخريف يطهر وجه الأرض عن الغبار والمعنى فيه أنه كما يغسل ذلك المطر وجه الأرض ويطهرها فكذلك شهر رمضان يغسل أبدان هذه الأمة من الذنوب ويطهر قلوبهم الثاني : أنه مأخوذ من الرمض وهو حر الحجارة من شدة حر الشمس ، والاسم الرمضاء ، فسمي هذا الشهر بهذا الاسم إما لارتماضهم في هذا الشهر من حر الجوع أو مقاساة شدته ، كما سموه تابعاً لأنه كان يتبعهم أي يزعجهم لشدته عليهم ، وقيل : لما نقلوا أسماء الشهور عن اللغة القديمة سموها بالأزمنة التي وقعت فيها فوافق هذا الشهر أيام رمض الحر ، وقيل : سمي بهذا الاسم لأنه يرمض الذنوب أي يحرقها ، وقد روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال : \" إنما سمي رمضان لأنه يرمض ذنوب عباد الله \"\rالثالث : أن هذا الاسم مأخوذ من قولهم : رمضت النصل أرمضه رمضاً إذا دفعته بين حجرين ليرق ، ونصل رميض ومرموض ، فسمي هذا الشهر : رمضان ، لأنهم كانوا يرمضون فيه أسلحتهم ليقضوا منها أوطارهم ، وهذا القول يحكى عن الأزهري الرابع : لو صح قولهم : إن رمضان اسم الله تعالى ، وهذا الشهر أيضاً سمي بهذا الاسم ، فالمعنى أن الذنوب تتلاشى في جنب رحمة الله حتى كأنها احترقت ، وهذا الشهر أيضاً رمضان بمعنى أن الذنوب تحترق في جنب بركته.\r","part":4,"page":8},{"id":1327,"text":"المسألة الثالثة : قرىء {شَهْرُ} بالرفع وبالنصب ، أما الرفع ففيه وجوه أحدها : وهو قول الكسائي أنه ارتفع على البدل من الصيام ، والمعنى : كتب عليكم شهر رمضان والثاني : وهو قول الفراء والأخفش أنه خبر مبتدأ محذوف بدل من قوله : {أَيَّامًا} كأنه قيل : هي شهر رمضان ، لأن قوله : {شَهْرُ رَمَضَانَ} تفسير للأيام المعدودات وتبيين لها الثالث : قال أبو علي : إن شئت جعلته مبتدأ محذوف الخبر ، كأنه لما تقدم {كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصيام} [البقرة : 183] قيل فيما كتب عليكم من الصيام شهر رمضان أي صيامه الرابع : قال بعضهم : يجوز أن يكون بمبتدأ وخبره {الذى} مع صلته كقوله زيد الذي في الدار ، قال أبو علي : والأشبه أن يكون {الذى} وصفاً ليكون لفظ القرآن نصاً في الأمر بصوم الشهر ، لأنك إن جعلته خبراً لم يكن شهر رمضان منصوصاً على صومه بهذا اللفظ ، إنما يكون مخبراً عنه بإنزال القرآن فيه ، وأيضاً إذا جعلت {الذى} وصفاً كان حق النظم أن يكنى عن الشهر لا أن يظهر كقولك.\rشهر رمضان المبارك من شهده فليصمه وأما قراءة النصب ففيها وجوه أحدها : التقدير : صوموا شهر رمضان وثانيها : على الإبدال من أيام معدودات وثالثها : أنه مفعول {وَأَن تَصُومُواْ} وهذا الوجه ذكره صاحب \"الكشاف\" واعترض عليه بأن قيل : فعلى هذا التقدير يصير النظم : وأن تصوموا رمضان الذي أنزل فيه القرأن خير لكم ، وهذا يقتضي وقوع الفصل بين المبتدأ والخبر بهذا الكلام الكثير وهو غير جائز لأن المبتدأ والخبر جاريان مجرى الشيء الواحد وإيقاع الفصل بين الشيء وبين نفسه غير جائز. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 5 صـ 71 ـ 72}\rسؤال : لم أضيف لفظ الشهر إلى رمضان في هذه الآية ؟ ","part":4,"page":9},{"id":1328,"text":"وإنما أضيف لفظ الشهر إلى رمضان في هذه الآية مع أن الإيجاز المطلوب لهم يتقضي عدم ذكره إما لأنه الأشهر في فصيح كلامهم وإما للدلالة على استيعاب جميع أيامه بالصوم ؛ لأنه لو قال رمضان لكان ظاهراً لا نصاً ، لا سيما مع تقدم قوله {أياماً} [البقرة : 184] فيتوهم السامعون أنها أيام من رمضان.\rفالمعنى أن الجزء المعروف بشهر رمضان من السنة العربية القمرية هو الذي جعل ظرفاً لأداء فريضة الصيام المكتوبة في الدين فكلما حل الوقت المعين من السنة المسمى بشهر رمضان فقد وجب على المسلمين أداء فريضة الصوم فيه ، ولما كان ذلك حلوله مكرراً في كل عام كان وجوب الصوم مكرراً في كل سنة إذ لم ينط الصيام بشهر واحد مخصوص ولأن ما أجري على الشهر من الصفات يحقق أن المراد منه جميعُ الأزمنة المسماةُ به طول الدهر. أ هـ {التحرير والتنوير حـ 2 صـ 171}\rفائدة\rقال ابن كثير : \rوقد روي عن بعض السلف أنه كَره أن يقال : إلا \"شهر رمضان\" ولا يقال : \"رمضان\" ؛ قال ابن أبي حاتم : \rحدثنا أبي ، حدثنا محمد بن بكار بن الريَّان ، حدثنا أبو معشر ، عن محمد بن كعب القُرَظي ، وسعيد -هو المقْبُري-عن أبي هريرة ، قال : لا تقولوا : رمضان ، فإن رمضان اسم من أسماء الله تعالى ، ولكن قولوا : شهر رمضان.\rقال ابن أبي حاتم : وقد روي عن مجاهد ، ومحمد بن كعب نحو ذلك ، ورَخَّص فيه ابن عباس وزيد بن ثابت.\rقلت : أبو معشر هو نَجِيح بن عبد الرحمن المدني إمام [في] المغازي ، والسير ، ولكن فيه ضعف ، وقد رواه ابنه محمد عنه فجعله مرفوعا ، عن أبي هريرة ، وقد أنكره عليه الحافظ ابن عدي -وهو جدير بالإنكار-فإنه متروك ، وقد وهم في رفع هذا الحديث ، وقد انتصر البخاري ، رحمه الله ، في كتابه لهذا فقال : \"باب يقال رمضان\" وساق أحاديث في ذلك منها : \"من صام رمضان إيمانًا واحتسابًا غفر له ما تقدم من ذنبه\" ونحو ذلك.\rأ هـ {تفسير ابن كثير حـ 1 صـ 502}\rلطيفة لغوية\rقال الآلوسى : ","part":4,"page":10},{"id":1329,"text":"قد أطبقوا على أن العلم في ثلاثة أشهر مجموع المضاف والمضاف إليه شهر رمضان ، وشهر ربيع الأول وشهر ربيع الثاني ، وفي البواقي لا يضاف شهر إليه ، وقد نظم ذلك بعضهم فقال : \rولا تضف شهراً إلى اسم شهر... إلا لما أوله الرا فادر\rواستثن منها رجباً فيمتنع... لأنه فيما رووه ما سمع\rأ هـ {روح المعانى حـ 2 صـ 60}\rسؤال : لم وضع المظهر موضع المضمر فلم يقل : فمن شهده ؟ \rالجواب : وضع المظهر موضع المضمر للتعظيم. أ هـ {روح المعانى حـ 2 صـ 60}\rفائدة لغوية\rقالَ المُفَضَّلُ الضَّبِّيُّ : اسْمُ شَعْبَانَ في الْجَاهِلِيَّةِ : عَاذِلٌ ورَمَضَانَ : ناتِقٌ وشَوَّالٍ : وَعْلٌ وذِي القَعْدَةِ : وَرْنَةُ وذِي الْحِجَّةِ : بُرَكُ ومُحَرَّمٍ : مُؤْتَمِرٌ وصَفَرٍ : نَاجِرٌ ورَبيعٍ الأَوَّلِ : خَوَّانٌ ورَبِيعٍ الآخِرِ : وَبْصَانُ وجُمَادَى الأُولَى : رُنَّى وجُمَادّى الآخِرَةِ : حَنِينٌ ورَجَبٍ : الأَصَمُّ أ هـ {تاج العروس حـ صـ 29 ـ 458}\rوسمي المحرم لتحريم القتال فيه وصفر لخلو مكة عن أهلها إلى الحروب ، والربيعان لارتباع الناس فيهما أي : إقامتهم وجماديان لجمود الماء فيهما ورجب لترجيب العرب إياه أي : تعظيمهم له وشعبان لتشعب القبائل فيه ، ورمضان لرمض الفصال فيه ، وشوّال لشول أذناب اللواقح فيه ، وذو القعدة للقعود فيه عن الحرب ، وذو الحجة لحجهم فيه. أ هـ {السراج المنير حـ 1 صـ 189 ـ 190}\rسؤال : لم قال شهر رمضان ولم يقل : رمضان الذى أنزل فيه القرآن ؟ \rالجواب كما ذكره العلامة ابن القيم : \rقول الله سبحانه {شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن} فيه فائدتان أو أكثر","part":4,"page":11},{"id":1330,"text":"إحداهما أنه لو قال رمضان الذي أنزل فيه القرآن لاقتضى اللفظ وقوع الإنزال على جميعه كما تقدم من قول سيبويه وهذا خلاف المعنى لأن الإنزال كان في ليلة واحدة منه في ساعة منها فكيف يتناول جميع الشهر وكان ذكر الشهر الذي هو غير علم موافقا للمعنى كما تقول سرت في شهر كذا فلا يكون السير متناولا لجميع الشهر الفائدة الأخرى أنه لو قال رمضان الذي أنزل فيه القرآن الكريم لكان حكم المدح والتعظيم مقصورا على شهر بعينه إذ قد تقدم أن هذا الإسم وما هو مثله إذا لم تقترن به قرينة تدل على توالي الأعوام التي هو فيها لم يكن محله إلا العام الذي أنت فيه أو العام المذكور قبله فكان ذكر الشهر الذي هو الهلال في الحقيقة كما قال الشاعر\rوالشهر مثل قلامة الظفر...\rيريد الهلال مقتضيا لتعليق الحكم الذي هو التعظيم بالهلال والشهر المسمى بهذا الإسم متى كان في أي عام كان مع أن رمضان وما كان مثله لا يكون معرفة في مثل هذا الموطن لأنه لم يرد لعام بعينه ألا ترى أن الآية في سورة البقرة وهي من آخر ما نزل وقد كان القرآن أنزل قبل ذلك بسنين ولو قلت رمضان حج فيه زيد تريد فيما سلف لقيل لك أي رمضان كان ولزمك أن تقول حج في رمضان من الرمضانيات حتى تريد عاما بعينه كما سبق\rوفائدة ثالثة في ذكر الشهر وهو التبيين في الأيام المعدودات لأن الأيام تبين بالأيام وبالشهر ونحوه ولا تبين بلفظ رمضان لأن لفظه مأخوذ من مادة أخرى وهو أيضا علم فلا ينبغي أن يبين به الأيام المعدودات حتى يذكر الشهر الذي هو في معناها ثم تضاف إليه\rوأما قوله من صام رمضان ففي حذف الشهر فائدة أيضا وهي تناول الصيام لجميع الشهر فلو قال من صام أو قام شهر رمضان لصار ظرفا مقدرا بـ {في} ولم يتناول القيام والصيام جميعه فرمضان في الحديث مفعول على السعة نحو قوله {قم الليل ـ المزمل 2} لأنه لو كان ظرفا لم يحتج إلى قوله إلا قليلا.\rأ هـ {بدائع الفوائد حـ 2 صـ 335}\r","part":4,"page":12},{"id":1331,"text":"قوله تعالى : {أُنْزَّلَ فِيهِ القرآن }\rالمناسبة\rقال الفخر : \rاعلم أنه تعالى لما خص هذا الشهر بهذه العبادة بين العلة لهذا التخصيص ، وذلك هو أن الله سبحانه خصه بأعظم آيات الربوبية ، وهو أنه أنزل فيه القرآن ، فلا يبعد أيضاً تخصيصه بنوع عظيم من آيات العبودية وهو الصوم ، مما يحقق ذلك أن الأنوار الصمدية متجلية أبداً يمتنع عليها الإخفاء والاحتجاب إلا أن العلائق البشرية مانعة من ظهورها في الأرواح البشرية والصوم أقوى الأسباب في إزالة العلائق البشرية ولذلك فإن أرباب المكاشفات لا سبيل لهم إلى التوصل إليها إلا بالصوم ، ولهذا قال عليه الصلاة والسلام : \" لولا أن الشياطين يحومون على قلوب بني آدم لنظروا إلى ملكوت السموات \" فثبت أن بين الصوم وبين نزول القرآن مناسبة عظيمة فلما كان هذا الشهر مختصاً بنزول القرآن ، وجب أن يكون مختصاً بالصوم. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 5 صـ 72}\rقال العلامة ابن كثير : \rيمدح تعالى شهرَ الصيام من بين سائر الشهور ، بأن اختاره من بينهن لإنزال القرآن العظيم فيه ، وكما اختصه بذلك ، قد ورد الحديث بأنه الشهر الذي كانت الكتب الإلهية تنزل فيه على الأنبياء.\rقال الإمام أحمد بن حنبل ، رحمه الله : حدثنا أبو سعيد مولى بني هاشم ، حدثنا عمْران أبو العوام ، عن قتادة ، عن أبي المليح ، عن واثلة - يعني ابن الأسقع - أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : \"أنزلت صُحُف إبراهيم في أول ليلة من رمضان. وأنزلت التوراة لسِتٍّ مَضَين من رمضان ، والإنجيل لثلاث عَشَرَةَ خلت من رمضان وأنزل الله القرآن لأربع وعشرين خلت من رمضان\".\rوقد روي من حديث جابر بن عبد الله وفيه : أن الزبور أنزل لثنتَي عشرة [ليلة] خلت من رمضان ، والإنجيل لثماني عشرة ، والباقي كما تقدم. رواه ابن مَردُويه.","part":4,"page":13},{"id":1332,"text":"أما الصحف والتوراة والزبور والإنجيل -فنزل كل منها على النبي الذي أنزل عليه جملة واحدة ، وأما القرآن فإنما نزل جملة واحدة إلى بيت العزة من السماء الدنيا ، وكان ذلك في شهر رمضان ، في ليلة القدر منه ، كما قال تعالى : {إِنَّا أَنزلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ} [القدر : 1]. وقال : {إِنَّا أَنزلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ} [الدخان : 3] ، ثم نزل بعدُ مفرّقًا بحسب الوقائع على رسول الله صلى الله عليه وسلم. هكذا روي من غير وجه ، عن ابن عباس ، كما قال إسرائيل ، عن السّدي ، عن محمد بن أبي المجالد عن مِقْسَم ، عن ابن عباس أنه سأله عطية بن الأسود ، فقال : وقع في قلبي الشك من قول الله تعالى : {شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنزلَ فِيهِ الْقُرْآنُ} وقوله : {إِنَّا أَنزلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ} وقوله : {إِنَّا أَنزلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ} وقد أنزل في شوال ، وفي ذي القعدة ، وفي ذي الحجة ، وفي المحرم ، وصفر ، وشهر ربيع. فقال ابن عباس : إنه أنزل في رمضان ، في ليلة القدر وفي ليلة مباركة جملة واحدة ، ثم أنزل على مواقع النجوم ترتيلا في الشهور والأيام. رواه ابن أبي حاتم وابن مردويه ، وهذا لفظه. أ هـ {تفسير ابن كثير حـ 1 صـ 501}\rقال الفخر : \rقوله تعالى : {أُنْزَّلَ فِيهِ القرآن} في تفسيره قولان الأول : وهو اختيار الجمهور : أن الله تعالى أنزل القرآن في رمضان على النبي صلى الله عليه وسلم : \" نزل صحف إبراهيم في أول ليلة من رمضان وأنزلت التوراة لست مضين والإنجيل لثلاث عشر والقرآن لأربع وعشرين \" وههنا سؤلات : \rالسؤال الأول : أن القرآن ما نزل على محمد عليه الصلاة والسلام دفعة ، وإنما نزل عليه في مدة ثلاث وعشرين سنة منجما مبعضا ، وكما نزل بعضه في رمضان نزل بعضه في سائر الشهور ، فما معنى تخصيص إنزاله برمضان.","part":4,"page":14},{"id":1333,"text":"والجواب عنه من وجهين الأول : أن القرآن أنزل في ليلة القدر جملة إلى سماء الدنيا ، ثم نزل إلى الأرض نجوماً ، وإنما جرت الحال على هذا الوجه لما علمه تعالى من المصلحة على هذا الوجه فإنه لا يبعد أن يكون للملائكة الذين هم سكان سماء الدنيا مصلحة في إنزال ذلك إليهم أو كان في المعلوم أن في ذلك مصلحة للرسول عليه السلام في توقع الوحي من أقرب الجهات ، أو كان فيه مصلحة لجبريل عليه السلام ، لأنه كان هو المأمور بإنزاله وتأديته ، أما الحكمة في إنزال القرآن على الرسول منجماً مفرقا فقد شرحناها في سورة الفرقان في تفسير قوله تعالى : {وَقَالَ الذين كَفَرُواْ لَوْلاَ نُزّلَ عَلَيْهِ القرءان جُمْلَةً واحدة كَذَلِكَ لِنُثَبّتَ بِهِ فُؤَادَكَ} [الفرقان : 32].\rالجواب الثاني عن هذا السؤال : أن المراد منه أنه ابتدىء إنزاله ليلة القدر من شهر رمضان وهو قول محمد بن إسحاق وذلك لأن مبادىء الملل والدول هي التي يؤرخ بها لكونها أشرف الأوقات ولأنها أيضاً أوقات مضبوطة معلومة.\rواعلم أن الجواب الأول لا يحتاج فيه إلى تحمل شيء من المجاز وههنا يحتاج فإنه لا بد على هذا الجواب من حمل القرآن على بعض أجزائه وأقسامه.\rالسؤال الثاني : كيف الجمع بين هذه الآية على هذا القول ، وبين قوله تعالى : {إِنَّا أنزلناه فِى لَيْلَةِ القدر} [القدر : 1] وبين قوله : {إِنَّا أنزلناه فِى لَيْلَةٍ مباركة} [الدخان : 3].\rوالجواب : روي أن ابن عمر استدل بهذه الآية وبقوله : {إِنَّا أنزلناه فِى لَيْلَةِ القدر} أن ليلة القدر لا بد وأن تكون في رمضان ، وذلك لأن ليلة القدر إذا كانت في رمضان كان إنزاله في ليلة القدر إنزالا له في رمضان ، وهذا كمن يقول : لقيت فلاناً في هذا الشهر فيقال له.\rفي أي يوم منه فيقول يوم كذا فيكون ذلك تفسيراً للكلام الأول فكذا ههنا.","part":4,"page":15},{"id":1334,"text":"السؤال الثالث : أن القرآن على هذا القول يحتمل أن يقال : إن الله تعالى أنزل كل القرآن من اللوح المحفوظ إلى السماء الدنيا في ليلة القدر ثم أنزله إلى محمد صلى الله عليه وسلم منجماً إلى آخر عمره ، ويحتمل أيضاً أن يقال : إنه سبحانه كان ينزل من اللوح المحفوظ إلى السماء الدنيا من القرآن ما يعلم أن محمداً عليه السلام وأمته يحتاجون إليه في تلك السنة ثم ينزله على الرسول على قدر الحاجة ثم كذلك أبداً ما دام فأيهما أقرب إلى الصواب.\rالجواب : كلاهما محتمل ، وذلك لأن قوله : {شَهْرُ رَمَضَانَ الذى أُنزِلَ فِيهِ القرآن} يحتمل أن يكون المراد منه الشخص ، وهو رمضان معين ، وأن يكون المراد منه النوع ، وإذا كان كل واحد منهما محتملاً صالحا وجب التوقف.\rالقول الثاني : في تفسير قوله : {أُنزِلَ فِيهِ القرآن} قال سفيان بن عيينة : أنزل فيه القرآن معناه أنزل في فضله القرآن ، وهذا اختيار الحسين بن الفضل قال : ومثله أن يقال : أنزل في الصديق كذا آية : يريدون في فضله قال ابن الأنباري : أنزل في إيجاب صومه على الخلق القرآن ، كام يقول : أنزل الله في الزكاة كذا وكذا يريد في إيجابها وأنزل في الخمر كذا يريد في تحريمها.\rأ هـ {مفاتيح الغيب حـ 5 صـ 72 ـ 73}\rكلام نفيس للعلامة الزركشى فى هذا الموضع\rواختلف فى كيفية الإنزال على ثلاثة أقوال\rأحدها أنه نزل إلى سماء الدنيا ليلة القدر جملة واحدة ثم نزل بعد ذلك منجما فى عشرين سنة أو فى ثلاث وعشرين أو خمس وعشرين على حسب الاختلاف فى مدة إقامته بمكة بعد النبوة\rوالقول الثانى أنه نزل إلى سماء الدنيا فى عشرين ليلة قدر من عشرين سنة وقيل فى ثلاث وعشرين ليلة قدر من ثلاث وعشرين سنة وقيل فى خمس وعشرين ليلة قدر من خمس وعشرين سنة فى كل ليلة ما يقدر سبحانه إنزاله فى كل السنة ثم ينزل بعد ذلك منجما فى جميع السنة على رسول الله صلى الله عليه وسلم","part":4,"page":16},{"id":1335,"text":"والقول الثالث أنه ابتدىء إنزاله فى ليلة القدر ثم نزل بعد ذلك منجما فى أوقات مختلفة من سائر الأوقات\rوالقول الأول أشهر وأصح وإليه ذهب الأكثرون ويؤيده ما رواه الحاكم فى مستدركه عن ابن عباس قال أنزل القرآن جملة واحدة إلى سماء الدنيا فى ليلة القدر ثم نزل بعد ذلك فى عشرين سنة قال الحاكم صحيح على شرط الشيخين وأخرج النسائى فى تفسير من جهة حسان عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال فصل القرآن من الذكر فوضع فى بيت العزة من السماء الدنياا فجعل جبريل ينزل به على النبى صلى الله عليه وسلم وإسناده صحيح وحسان هو ابن أبى الأشرس وثقة النسائى وغيره\rوبالثانى قال مقاتل والإمام أبو عبد الله الحليمى فى المنهاج والماوردى فى تفسيره\rوبالثالث قال الشعبى وغيره\rواعلم أنه اتفق أهل السنة على أن كلام الله منزل واختلفوا فى معنى الإنزال فقيل معناه إظهار القرآن وقيل إن الله أفهم كلامه جبريل وهو فى السماء وهو عال من المكان وعلمه قراءته ثم جبريل أداه فى الأرض وهو يهبط فى المكان\rوالتنزيل له طريقان أحدهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم انخلع من صورة البشرية إلى صورة الملائكة وأخذه من جبريل والثانى أن الملك انخلع إلى البشرية حتى يأخذ الرسول منه والأول أصعب الحالين\rونقل بعضهم عن السمرقندى حكاية ثلاثة أقوال فى المنزل على النبى صلى الله عليه وسلم ما هو\rأحدها أنه اللفظ والمعنى وأن جبريل حفظ القرآن من اللوح المحفوظ ونزل به وذكر بعضهم أن أحرف القرآن فى اللوح المحفوظ كل حرف منها بقدر جبل قاف وأن تحت كل حرف معان لا يحيط بها إلا الله عز وجل وهذا معنى قول الغزالى إن هذه الأحرف سترة لمعانيه والثانى أنه إنما نزل جبريل على النبى صلى الله عليه وسلم بالمعانى خاصة وأنه صلى الله عليه وسلم علم تلك المعانى وعبر عنها بلغة العرب وإنما تمسكوا بقوله تعالى نزل به الروح الأمين على قلبك","part":4,"page":17},{"id":1336,"text":"والثالث أن جبريل صلى الله عليه وسلم إنما ألقى عليه المعنى وأنه عبر بهذه الألفاظ بلغة العرب وأن أهل السماء يقرءونه بالعربية ثم أنه أنزل به كذلك بعد ذلك\rفإن قيل ما السر فى إنزاله جملة إلى السماء قيل فيه تفخيم لأمره وأمر من نزل عليه وذلك بإعلان سكان السموات السبع أن هذا آخر الكتب المنزلة على خاتم الرسل لأشرف الأمم ولقد صرفناه إليهم لينزله عليهم ولولا أن الحكمة الإلهية اقتضت نزوله منجماا بسبب الوقائع لأهبطه إلى الأرض جملة\rفإن قيل فى أى زمان نزل جملة إلى سماء الدنيا بعد ظهور نبوة محمد صلى الله عليه وسلم أم قبلها قلت قال الشيخ أبو شامة الظاهر أنه قبلها أوكلاهما محتمل فإن كان بعدها فوجه التفخيم منه ما ذكرناه وإن كان قبلها ففائدته أظهر وأكثر","part":4,"page":18},{"id":1337,"text":"فإن قلت فقوله إنا أنزلناه فى ليلة القدر من جملة القرآن الذى نزل جملة أم لا فإن لم يكن منه فما نزل جملة وإن كان منه فما وجه صحة هذه العبارة قلت ذكر فيه وجهين أحدهما أن يكون معنى الكلام ما حكمنا بإنزاله فى القدر وقضائه وقدرناه فى الأزل ونحو ذلك والثانى أن لفظه لفظ الماضى ومعناه الاستقبال أى ينزل جملة فى ليلة مباركة هى ليلة القدر واختير لفظ الماضى إما لتحققه وكونه لا بد منه وإما لأنه حال اتصاله بالمنزل عليه يكون المضى فى معناه محققا لأن نزوله منجما كان بعد نزوله جملة فإن قلت ما السر فى نزوله إلى الأرض منجما وهلا نزل جملة كسائر الكتب قلت هذا سؤال قد تولى الله سبحانه جوابه فقال تعالى وقال الذين كفروا لولا نزل عليه القرآن جملة واحدة يعنون كما أنزل على من قبله من الرسل فأجابهم الله بقوله كذلك أى أنزلناه كذلك مفرقا لنثبت به فؤادك أى لنقوى به قلبك فإن الوحى إذا كان يتجدد فى كل حادثة كان أقوى للقلب وأشد عناية بالمرسل إليه ويستلزم ذلك كثرة نزول الملك إليه وتجديد العهد به وبما معه من الرسالة الواردة من ذلك الجانب العزيز فحدث له من السرور ما تقصر عنه العبارة ولهذا كان أجود ما يكون فى رمضان لكثرة نزول جبريل عليه السلام\rوقيل معنى لنثبت به فؤادك لنحفظه فإنه عليه السلام كان اميا لا يقرأ ولا يكتب ففرق عليه لييسر عليه حفظه بخلاف غيره من الأنبياء فإنه كان كاتبا قارئا فيمكنه حفظ الجميع إذا نزل جملة\rفإن قلت كان فى القدرة إذا نزل جملة أن يحفظه النبى صلى الله عليه وسلم دفعة\rقلت ليس كل ممكن لازم الوقوع وأيضا فى القرآن أجوبة عن أسئلة فهو سبب من أسباب تفرق النزول ولأن بعضه منسوخ وبعضه ناسخ ولا يتأتى ذلك إلا فيما أنزل مفرقا","part":4,"page":19},{"id":1338,"text":"وقال ابن فورك قيل أنزلت التوراة جملة لأنها نزلت على نبى يقرأ ويكتب وهو موسى وأنزل القرآن مفرقا لأنه أنزل غير مكتوب على نبى أمى وقيل مما لم ينزل لأجله جملة واحدة أن منه الناسخ والمنسوخ ومنه ما هو جواب لمن يسأل عن أمور ومنه ما هو إنكار لما كان. أ هـ {البرهان فى علوم القرآن حـ 1 صـ 228 ـ 231}\rفائدة\rقال ابن عادل :\rيروى أن جبريل - صلوات الله وسلامه عليه - نزل على آدم - عليه الصلاة والسلام - اثنتي عشرة مرة ، وعلى إدريس أربع مراتٍ ، وعلى نوح - عليه الصلاة والسلام - خمسين مرَّة ، وعلى إبراهيم اثنتين وأربعين مرة وعلى موسى أربع مرات ، وعلى عيسى عشر مراتٍ ، وعلى محمدٍ ـ صلى الله عليه وسلم ـ أربعة وعشرين ألف مرَّةٍ.(1) أ هـ {تفسير ابن عادل حـ 12 صـ 7}\r____________________\r(1) هذا الكلام يحتاج إلى سند صحيح لأنه إخبار بالغيب والغيب لا بد فيه من وحى الكتاب أو السنة. والله أعلم بالصواب.","part":4,"page":20},{"id":1339,"text":"قوله تعالى : {وبينات مِّنَ الهدى والفرقان }\rقال الفخر : \rأما قوله تعالى : {وبينات مِّنَ الهدى والفرقان} ففيه إشكال وهو أن يقال : ما معنى قوله : {وبينات مِّنَ الهدى} بعد قوله : {هُدًى }.\rوجوابه من وجوه الأول : أنه تعالى ذكر أولا أنه هدى ، ثم الهدى على قسمين : تارة يكون كونه هدى للناس بينا جلياً ، وتارة لا يكون كذلك ، والقسم الأول لا شك أنه أفضل فكأنه قيل : هو هدى لأنه هو البين من الهدى ، والفارق بين الحق والباطل ، فهذا من باب ما يذكر الجنس ويعطف نوعه عليه ، لكونه أشرف أنواعه ، والتقدير كأنه قيل : هذا هدى ، وهذا بين من الهدى ، وهذا بينات من الهدى ، ولا شك أن هذا غاية المبالغات الثاني : أن يقال : القرآن هدى في نفسه ، ومع كونه كذلك فهو أيضاً بينات من الهدى والفرقان ، والمراد بالهدى والفرقان : التوراة والإنجيل قال الله تعالى : {نَزَّلَ عَلَيْكَ الكتاب بالحق مُصَدّقاً لّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَأَنزَلَ التوراة والإنجيل مِن قَبْلُ هُدًى لّلنَّاسِ وَأَنزَلَ الفرقان} [آل عمران : 3 4] وقال : {وَإِذ آتينا مُوسَى الكتاب والفرقان لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ} [البقرة : 53] وقال {وَلَقَدْ ءاتَيْنَا موسى وهارون الفرقان وَضِيَاء وَذِكْراً لِلْمُتَّقِينَ} [الأنبياء : 48] فبين تعالى وتقدس أن القرآن مع كونه هدى في نفسه ففيه أيضاً هدى من الكتب المتقدمة التي هي هدى وفرقان الثالث : أن يحمل الأول على أصول الدين ، والهدي الثاني على فروع الدين ، فحينئذ يزول التكرار والله أعلم. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 5 صـ 75}\rوقال الشيخ ابن عاشور : \rوالمراد بالهدى الأول : ما في القرآن من الإرشاد إلى المصالح العامة والخاصة التي لا تنافي العامة ، وبالبينات من الهدى : ما في القرآن من الاستدلال على الهدى الخفي الذي ينكره كثير مِن الناس مثل أدلة التوحيد وصدق الرسول وغير ذلك من الحجج القرآنية. أ هـ {التحرير والتنوير حـ 2 صـ 173}\rسؤال : لم عبر عن البينات بالفرقان ؟ ","part":4,"page":21},{"id":1340,"text":"الجواب : عبر عن البينات بالفرقان ، ولم يأت من الهدى والبينات فيطابق العجز الصدر لأن فيه مزيد معنى لازم للبينات ، وهو كونه يفرق به بين الحق والباطل ، فمتى كان الشيء جلياً واضحاً حصل به الفرق ، ولأن في لفظ : الفرقان ، مؤاخاة للفاصلة قبله ، وهو قوله : {شهر رمضان} ، ثم قال : {هدى للناس وبينات من الهدى والفرقان} فحصل بذلك تواخي هذه الفواصل ، فصار الفرقان هنا أمكن من البينات من حيث اللفظ ومن حيث المعنى ، كما قررناه. أ هـ {البحر المحيط حـ 2 صـ 47}\rقوله تعالى : {فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ }\rالمناسبة\rولما أتم ما في ذكر الشهر من الترغيب إثر التعيين ذكر ما فيه من عزيمة ورخصة فقال : {فمن شهد} أي حضر حضوراً تاماً برؤية بينة لوجود الصحو من غير غمام أو بإكمال عدة شعبان إن كان غيم ولم يكن مريضاً ولا مسافراً. قال الحرالي : وفي شياعه إلزام لمن رأى الهلال وحده بالصوم. وقوله : {منكم} خطاب الناس ومن فوقهم حين كان الصيام معلياً لهم {الشهر} هو المشهود على حد ما تقول النحاة مفعول على السعة ، لما فيه من حسن الإنباء وإبلاغ المعنى ، ويظهر معناه قوله تعالى : {فليصمه} فجعله واقعاً على الشهر لا واقعاً على معنى : فيه ، حيث لم يكن : فليصم فيه ؛ وفي إعلامه صحة صوم ليلة ليصير ما كان في الصوم الأول من السعة بين الصوم والفطر للمطيق واقعاً هنا بين صوم الليل وفطره لمن رزق القوة بروح من الله تعالى - انتهى.\rأ هـ {نظم الدرر حـ 1 صـ 343 ـ 344}\rقال فى التحرير والتنوير : \rفى قوله تعالى : {فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ }","part":4,"page":22},{"id":1341,"text":"تفريع على قوله : {شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن} الذي هو بيان لقوله {كتب عليكم الصيام} [البقرة : 183] كما تقدم فهو رجوع إلى التبيين بعد الفصل بما عقب به قوله : {كتب عليكم الصيام} من استيناسٍ وتنويهٍ بفضل الصيام وما يرجى من عوده على نفوس الصائمين بالتقوى وما حف الله به فرضه على الأمة من تيسير عند حصول مشقة من الصيام. أ هـ {التحرير والتنوير حـ 2 صـ 173}\rقال الإمام الفخر : \rنقل الواحدي رحمه الله في \"البسيط\" عن الأخفش والمازني أنهما قالا : الفاء في قوله : {فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ} زائدة ، قالا : وذلك لأن الفاء قد تدخل للعطف أو للجزاء أو تكون زائدة ، وليس للعطف والجزاء ههنا وجه ، ومن زيادة الفاء قوله تعالى : {قُلْ إِنَّ الموت الذى تَفِرُّونَ مِنْهُ فَإِنَّهُ ملاقيكم ثُمَّ تُرَدُّونَ إلى عَالِمِ الغيب} [الجمعه : 8].\rوأقول : يمكن أن يقال الفاء ههنا للجزاء فإنه تعالى لما بين كون رمضان مختصاً بالفضيلة العظيمة التي لا يشاركه سائر الشهور فيها ، فبين أن اختصاصه بتلك الفضيلة يناسب اختصاصه بهذه العبادة ، ولولا ذلك لما كان لتقديم بيان تلك الفضيلة ههنا وجه كأنه قيل : لما علم اختصاص هذا الشهر بهذه الفضيلة فأنتم أيضاً خصوه بهذه العبادة ، أما قوله تعالى : {فَإِنَّهُ ملاقيكم} الفاء فيه غير زائدة وأيضاً بل هذا من باب مقابلة الضد بالضد كأنه قيل : لما فروا من الموت فجزائهم أن يقرب الموت منهم ليعلموا أنه لا يغني الحذر عن القدر. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 5 صـ 75}\rسؤال : ما المراد بالشهود فى قوله تعالى {فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ} ؟ ","part":4,"page":23},{"id":1342,"text":"الجواب : {شهد} يجوز أن يكون بمعنى حضر كما يقال : إن فلاناً شهد بَدراً وشهد أُحُداً وشهد العقبة أو شهد المشاهد كلها مع رسول الله صلى الله عليه وسلم أي حضرها فنصب الشهر على أنه مفعول فيه لفعل {شَهِد} أي حضر في الشهر أي لم يكن مسافراً ، وهو المناسب لقوله بعده : {ومن كان مريضاً أو على سفر}. الخ. أي فمن حضر في الشهر فليصمه كله ويُفهم أن مَن حضر بعضه يصوم أيام حضوره.\rويجوز أن يكون {شهد} بمعنى عَلِم كقوله تعالى : {شهد الله أنه لا إله إلا هو} [آل عمران : 18] فيكون انتصاب الشهر على المفعول به بتقدير مضاف أي علم بحلول الشهر ، وليس شهد بمعنى رأى ؛ لأنه لا يقال : شهد بمعنى رأى ، وإنما يقال شَاهد ، ولا الشهر هنا بمعنى هلاله بناء على أن الشهر يطلق على الهلال كما حكوه عن الزجاج وأنشد في \"الأساس\" قول ذي الرمة : \rفأصبح أَجلَى الطَّرْفِ ما يستزيده... يَرى الشهرَ قبل الناس وهو نَحيل\rأي يرى هلال الشهر ؛ لأن الهلال لا يصح أن يتعدى إليه فعل {شهد} بمعنى حضر ومَن يفهم الآية على ذلك فقد أخطأ خطأ بيناً وهو يفضي إلى أن كل فرد من الأمة معلق وجوب صومه على مشاهدته هلال رمضان فمن لم ير الهلال لا يجب عليه الصوم وهذا باطل ، ولهذا فليس في الآية تصريح على طريق ثبوت الشهر وإنما بينته السنة بحديث \" لا تصوموا حتى تروا الهلال ولا تُفطروا حتى تروه فإنْ غُمَّ عليكم فاقدروا له \". أ هـ {التحرير والتنوير حـ 2 صـ 174}\rفائدة\rقال الفخر : ","part":4,"page":24},{"id":1343,"text":"اعلم أن في الآية إشكالاً وهو أن قوله تعالى : {فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ} جملة مركبة من شرط وجزاء فالشرط هو شهود الشهر والجزاء هو الأمر بالصوم وما لم يوجد الشرط بتمامه لا يترتب عليه الجزاء والشهر اسم للزمان المخصوص من أوله إلى آخره ، فشهود الشهر إنما يحصل عند الجزاء الأخير من الشهر وظاهر هذه الآية يقتضي أن عند شهود الجزء الأخير من الشهر يجب عليه صوم كل الشهر وهذا محال ، لأنه يفضي إلى إيقاع الفعل في الزمان المنقضي وهو ممتنع فلهذا الدليل علمنا أنه لا يمكن إجراء هذه الآية على ظاهرها ، وأنه لا بد من صرفها إلى التأويل ، وطريقه أن يحمل لفظ الشهر على جزء من أجزاء الشهر في جانب الشرط فيصير تقريره : من شهد جزأ من أجزاء الشهر فليصم كل الشهر ، فعلى هذا : من شهد هلال رمضان فقد شهد جزأ من أجزاء الشهر ، وقد تحقق الشرط فيترتب عليه الجزاء ، وهو الأمر بصوم كل الشهر ، وعلى هذا التأويل يستقيم معنى الآية وليس فيه إلا حمل لفظ الكل على الجزء وهو مجاز مشهور.\rأ هـ {مفاتيح الغيب حـ 5 صـ 76}\rقال الماوردى : \r{ فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ} الشهر لا يغيب عن أحد ، وفي تأويله ثلاثة أقاويل : \rأحدها : فمن شهد أول الشهر ، وهو مقيم فعليه صيامه إلى آخره ، وليس له أن يفطر في بقيته ، وهذا قول عليّ ، وابن عباس ، والسدي.\rوالثاني : فمن شهد منكم الشهر ، فليصم ما شهد منه وهو مقيم دون ما لم يشهده في السفر ، وهذا قول سعيد بن المسيب والحسن البصري.\rوالثالث : فمن شهد بالغاً عاقلاً مُكَلَّفاً فليصمه ، ولا يسقط صوم بقيته إذا جُن فيه ، وهذا قول أبي حنيفة ، وصاحبيه. أ هـ {النكت والعيون 1 صـ 240 ـ 241}\rبحثان نفيسان للعلامة فخر الدين الرازى\rقال رحمه الله : \rاعلم أن قوله تعالى : {فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ} يستدعي بحثين : ","part":4,"page":25},{"id":1344,"text":"البحث الأول : أن شهود الشهر بماذا يحصل ؟ فنقول : إما بالرؤية وإما بالسماع ، أما الرؤية فنقول : إذا رأى إنسان هلال رمضان فأما أن يكون منفرداً بتلك الرؤية أو لا يكون ، فإن كان منفرداً بها فأما أن يرد الإمام شهادته أو لا يردها ، فإن تفرد بالرؤية ورد الإمام شهادته ، لزمه أن يصوم ، لأن الله تعالى جعل شهود الشهر سبباً لوجوب الصوم عليه ، وقد حصل شهود الشهر في حقه ، فوجب أن يجب عليه الصوم ، وأما إن انفرد بالرؤية وقبل الإمام شهادته أو لم ينفرد بالرؤية فلا كلام في وجوب الصوم ، وأما السماع فنقول إذا شهد عدلان على رؤية الهلال حكم به في الصوم والفطر جميعاً ، وإذا شهد عدل واحد على رؤية هلال شوال لا يحكم به وإذا شهد على هلال رمضان يحكم به احتياطاً لأمر الصوم والفرق بينه وبين هلال شوال أن هلال رمضان للدخول في العبادة وهلال شوال للخروج من العبادة ، وقول الواحد في إثبات العبادة يقبل ، أما في الخروج من العبادة لا يقبل إلا على قول الإثنين ، وعلى أنه لا فرق بينهما في الحقيقة ، لأنا إنما قبلنا قول الواحد في هلال رمضان لكي يصوموا ولا يفطروا احتياطاً فكذلك لا يقبل قول الواحد في هلال شوال لكي يصوموا ولا يفطروا احتياطاً. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 5 صـ 77 }\rالبحث الثاني في الصوم : نقول : إن الصوم هو الإمساك عن المفطرات مع العلم بكونه صائماً من أول طلوع الفجر الصادق إلى حين غروب الشمس مع النية وفي الحد قيود : \rالقيد الأول : الإمساك وهو احتراز عن شيئين أحدهما : لو طارت ذبابة إلى حلقه ، أو وصل غبار الطريق إلى بطنه لا يبطل صومه ، لأن الاحتراز عنه شاق ، والله تعالى يقول في آية الصوم {يُرِيدُ الله بِكُمُ اليسر وَلاَ يُرِيدُ بِكُمُ العسر} والثاني : لوصب الطعام أو الشراب في حلقه كرهاً أو حال نوم لا يبطل صومه ، لأن المعتبر هو الإمساك والامتناع والإكراه لا ينافي ذلك.","part":4,"page":26},{"id":1345,"text":"القيد الثاني : قولنا عن المفطرات وهي ثلاثة : دخول داخل ، وخروج خارج ، والجماع ، وحد الدخول كل عين وصل من الظاهر إلى الباطن من منفذ مفتوح إلى الباطن إما الدماغ أو البطن وما فيه من الأمعاء والمثانة ، أما الدماغ فيحصل الفطر بالسعوط وأما البطن فيحصل الفطر بالحقنة وأما الخروج فالقيء بالاختيار والاستمناء يبطلان الصوم ، وأما الجماع فالإيلاج يبطل الصوم.\rالقيد الثالث : قولنا مع العلم بكونه صائماً فلو أكل أو شرب ناسياً للصوم لا يبطل صومه عند أبي حنيفة والشافعي وعند مالك يبطل.\rالقيد الرابع : قولنا من أول طلوع الفجر الصادق والدليل عليه قوله تعالى : {وَكُلُواْ واشربوا حتى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الخيط الأبيض مِنَ الخيط الاسود مِنَ الفجر} [البقرة : 187] وكلمة {حتى} لانتهاء الغاية ، وكان الأعمش يقول : أول وقته إذا طلعت الشمس ، وكان يبيح الأكل والشرب بعد طلوع الفجر وقبل طلوع الشمس ، ويحتج بأن انتهاء اليوم من وقت غروب الشمس ، فكذا ابتداؤه يجب أن يكون من عند طلوعها ، وهذا باطل بالنص الذي ذكرناه ، وحكي عن الأعمش أنه دخل عليه أبو حنيفة يعوده ، فقال له الأعمش : إنك لثقيل على قلبي وأنت في بيتك ، فكيف إذا زرتني! فسكت عنه أبو حنيفة فلما خرج من عنده قيل له : لم سكت عنه ؟ فقال : وماذا أقول في رجل ما صام وما صلى في دهره عني به أنه كان يأكل بعد الفجر الثاني قبل الشمس فلا صوم له وكان لا يغتسل من الإنزال فلا صلاة له.\rالقيد الخامس : قولنا إلى غروب الشمس ، ودليله قوله عليه السلام : \" إذا أقبل الليل من ههنا وأدبر النهار من ههنا فقد أفطر الصائم \" ومن الناس من يقول وقت الإفطار عند غروب ضوء الشمس ، قاس هذا الطرف على الطرف الأول من النهار.\r","part":4,"page":27},{"id":1346,"text":"القيد السادس : قولنا مع النية ، ومن الناس من يقول : لا حاجة لصوم رمضان إلى النية لأن الله تعالى أمر بالصوم في قوله : {فَلْيَصُمْهُ} والصوم هو الإمساك وقد وجد فيخرج عن العهدة لكنا نقول : لا بد من النية لأن الصوم عمل بدليل قوله عليه السلام : \" أفضل الأعمال الصوم \" والعمل لا بد فيه من النية لقوله عليه السلام : \" إنما الأعمال بالنيات \". أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 5 صـ 78}\rقوله تعالى : {فَمَن كَانَ مَّرِيضًا أَوْ على سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ }\rسؤال : ما وجه إعادته مع تقدم نظيره في قوله : {فمن كان منكم مريضاً} [البقرة : 184] ؟ \rالجواب : قالوا في وجه إعادته مع تقدم نظيره في قوله : {فمن كان منكم مريضاً} [البقرة : 184] أنه لما كان صوم رمضان واجباً على التخيير بينه وبين الفدية بالإطعام بالآية الأولى وهي {كتب عليكم الصيام} [البقرة : 183] الخ وقد سقط الوجوب عن المريض والمسافر بنصها فلما نسخ حكم تلك الآية بقوله {شهر رمضان} الآية وصار الصوم واجباً على التعيين خيف أن يظُنّ الناس أن جميع ما كان في الآية الأولى من الرخصة قد نسخ فوجب الصوم أيضاً حتى على المريض والمسافر فأعيد ذلك في هذه الآية الناسخة تصريحاً ببقاء تلك الرخصة ، ونُسخت رخصة الإطعام مع القدرة والحضر والصحة لا غير ، وهو بناء على كون هاته الآية ناسخة للتي قبلها ، فإن درجنا على أنهما نزلتا في وقت واحد كان الوجه في إعادة هذا الحكم هو هذا الموضع الجدير بقوله : {ومن كان مريضاً} لأنه جاء بعد تعيين أيام الصوم ، وأما ما تقدم في الآية الأولى فهو تعجيل بالإعلام بالرخصة رفقاً بالسامعين ، أو أن إعادته لدفع توهم أن الأول منسوخ بقوله : {فمن شهد منكم الشهر فليصمه} إذا كان شهد بمعنى تحقق وعَلِم ، مع زيادة في تأكيد حكم الرخصة ولزيادة بيان معنى قوله : {فمن شهد منكم الشهر فليصمه }. أ هـ {التحرير والتنوير حـ 2 صـ 174 ـ 175}","part":4,"page":28},{"id":1347,"text":"فائدة\rقال الماوردى : \rاختلفوا في المرض الذي يجوز معه الفطر في شهر رمضان ، على ثلاثة مذاهب : \rأحدها : أنه كل مرضٍ لم يطق الصلاة معه قائماً ، وهذا قول الحسن البصري.\rوالثاني : أنه المرض الذي الأغلب من أمر صاحبه بالصوم الزيادة في علته زيادة غير محتملة ، وهو قول الشافعي.\rوالثالث : أنه كل مرض انطلق عليه اسم المرض ، وهو قول ابن سيرين.\rفأما السفر ، فقد اختلفوا فيه على ثلاثة مذاهب : \rأحدها : أنه ما انطلق اسم السفر من طويل أو قصير ، وهذا قول داود.\rوالثاني : أنه مسيرة ثلاثة أيام ، وهو قول أبي حنيفة.\rواختلفوا في وجوب الفطر فيه على قولين : \rأحدهما : أنه واجب وهو قول ابن عباس.\rوالثاني : أنه مباح ، وهو قول الجمهور. أ هـ {النكت والعيون 1 صـ 241}\rقوله تعالى : {يُرِيدُ الله بِكُمُ اليسر وَلاَ يُرِيدُ بِكُمُ العسر}\rالمناسبة\rولما رخص ذلك علل بقوله : {يريد الله} أي الذي لا يستطيع أحد أن يقدره حق قدره {بكم اليسر} أي شرع السهولة بالترخيص للمريض والمسافر وبقصر الصوم على شهر {ولا يريد بكم العسر} في جعله عزيمة على الكل وزيادته على شهر. قال الحرالي : اليسر عمل لا يجهد النفس ولا يثقل الجسم ، والعسر ما يجهد النفس ويضر الجسم. وقال : فيه إعلام برفق الله بالأجسام التي يسر عليها بالفطر ، وفي باطن هذا الظاهر إشعار لأهل القوة بأن اليسر في صومهم وأن العسر في فطر المفطر ، ليجري الظاهر على حكمته في الظهور ويجري الباطن على حكمته في البطون ، إذ لكل آية منه ظهر وبطن ، فلذلك والله سبحانه وتعالى أعلم \" كان النبي صلى الله عليه وسلم يصوم في رمضان في السفر ويأمر بالفطر \" وكان أهل القوة من العلماء يصومون ولا ينكرون الفطر - انتهى. قال الشعبي : إذا اختلف عليك أمران فإن أيسرهما أقربهما إلى الحق لهذه الآية. أ هـ {نظم الدرر حـ 1 صـ 344}\rقال العلامة ابن عاشور : ","part":4,"page":29},{"id":1348,"text":"قوله تعالى : {يُرِيدُ الله بِكُمُ اليسر وَلاَ يُرِيدُ بِكُمُ العسر}\rاستئناف بياني كالعلة لقوله : {ومن كان مريضاً} الخ بيَّن به حكمة الرخصة أي شرع لكم القضاءَ لأنه يريد بكم اليسر عند المشقة.\rوقوله : {ولا يريد بكم العسر} نفي لضد اليسر ، وقد كان يقوم مقام هاتين الجملتين جملةُ قصر نحو أن يقول : ما يريد بكم إلاّ اليسر ، لكنه عُدل عن جملة القصر إلى جملتي إثبات ونفي لأن المقصود ابتداءً هو جملة الإثبات لتكون تعليلاً للرخصة ، وجاءت بعدها جملة النفي تأكيداً لها ، ويجوز أن يكون قوله : {يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر} تعليلاً لجميع ما تقدم من قوله : {كتب عليكم الصيام} [البقرة : 183] إلى هنا فيكون إيماء إلى أن مشروعية الصيام وإن كانت تلوح في صورة المشقة والعسر فإن في طيها من المصالح ما يدل على أن الله أراد بها اليسر أي تيسير تحصيل رياضة النفس بطريقة سليمة من إرهاق أصحاب بعض الأديان الأخرى أنفسهم. أ هـ {التحرير والتنوير حـ 2 صـ 175}\rفائدة\rقال مجاهد ، والضَّحَّاك : اليُسْر : الفِطْر في السفر ، والعسر : الصوم في السفر.\rوالوجْهُ عمومُ اللفظِ في جميع أمورِ الدينِ ، وقد فسر ذلك قول النبيِّ صلى الله عليه وسلم : \" دِينُ اللَّهِ يُسْرٌ \".\rقلتُ : قال ابْنُ الفاكهانيِّ في \"شرح الأربعينَ\" للنَّوويِّ : فإِن قلْتَ : قوله تعالى : {إِنَّ مَعَ العسر يُسْراً..} [الشرح : 6] الآيةَ ، يدلُّ على وقوع العُسْر قطعاً ، وقوله تعالى : {يُرِيدُ الله بِكُمُ اليسر وَلاَ يُرِيدُ بِكُمُ العسر} يدلُّ على نفي العسرِ قطعاً ؛ لأن ما لا يريده تعالى ، لا يكون بإجماع أهل السنة ، قلْتُ : العسرُ المنفيُّ غير المثبت ، فالمنفيُّ : إنما هو العسر في الأحكام ، لا غير ، فلا تعارض. انتهى.","part":4,"page":30},{"id":1349,"text":"وترجم البخاريُّ في \"صحيحه\" قولَ النبيِّ صلى الله عليه وسلم : \" يَسِّرُوا وَلاَ تُعَسِّرُوا \" ، وَكَانَ يُحِبُّ التَّخْفِيفَ وَاليُسْرَ عَلَى النَّاسِ. ثم أسند هو ومسلمٌ عن أنس ، قال : قَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم : \" يَسِّرُوا وَلاَ تُعَسِّرُوا ، وَسَكِّنُوا وَلاَ تْنَفِّرُوا \" وأسند البخاريُّ ومسلم عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم ؛ أنه قال لأبِي موسى ، ومعاذٍ : \" يَسِّرَا وَلاَ تُعَسِّرَا ، وَبَشِّرَا وَلاَ تُنَفِّرَا \".\rقال البخاريُّ : حدَّثنا أبو النعمان ، قال : حدَّثنا حمَّاد بْنُ زَيْدٍ ، عن الأزرقِ بْن قَيْسٍ. قال : \" كُنَّا على شَاطِىءِ نَهْرٍ بِالأَهْوَاز قَدْ نَضَبَ عَنْهُ المَاءُ ، فَجَاءَ أَبُو بَرْزَةَ الأَسْلَمِيُّ على فَرَسٍ ، فصلى وخلى فَرَسَهُ ، فانطلق الفَرَسُ فَتَرَكَ صَلاَتَهُ ، وَتَبِعَهَا ؛ حتى أَدْرَكَهَا ، فَأَخَذَهَا ، ثُمَّ جَاءَ ، فقضى صَلاَتَهُ ، وفِينَا رَجُلٌ لَهُ رَأْيٌ ، فَأَقْبَلَ يَقُولُ : انظروا إِلَى هَذَا الشَّيْخِ ، تَرَكَ صَلاَتَهُ مِنْ أَجْلِ فَرَسٍ ، فَأَقْبَلَ ، فَقَالَ : مَا عَنَّفَنِي أَحَدٌ مُنْذُ فَارَقْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم ، قَالَ : وَقَالَ : إِنَّ مَنْزِلِي منْزَاحٌ ، فَلَوْ صَلَّيْتُ وَتَرَكْتُهُ ، لَمْ آتِ أَهْلِي إِلَى اللَّيْلِ \" ، وذكَر أَنَّهُ قَدْ صَحِبَ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم فرأى من تَيْسِيرِهِ. انتهى. أ هـ {الجواهر الحسان حـ 1 صـ 141}\rقال الفخر : ","part":4,"page":31},{"id":1350,"text":"أما قوله تعالى : {يُرِيدُ الله بِكُمُ اليسر وَلاَ يُرِيدُ بِكُمُ العسر} فاعلم أن هذا الكلام إنما يحسن ذكره ههنا بشرط دخول ما قبله فيه والأمر ههنا كذلك لأن الله تعالى أوجب الصوم على سبيل السهولة واليسر فإنه ما أوجبه إلا في مدة قليلة من السنة ثم ذلك القليل ما أوجبه على المريض ولا على المسافر وكل ذلك رعاية لمعنى اليسر والسهولة. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 5 صـ 78}\rلطيفة\rقال محمد بن على الترمذى قدس سره اليسر اسم الجنة لأن جميع اليسر فيها والعسر اسم جهنم لأن جميع العسر فيها معناه يريد الله بصومكم إدخال الجنة ولا يريد بكم إدخال النار\rقال شيخنا العلامة الفضلى قدس سره فى الآية : إن مراده تعالى بأن يأمركم بالصوم يسر الدارين لا عسرهما إما اليسر فى الدنيا فالترقى إلى الملكية والروحانية والوصول إلى اليقظة والمعرفة ، وأما العسر فيها فالبقاء مع البشرية والحيوانية والاتصاف بالأوصاف الطبيعية والنفسانية ، وأما اليسر فى الآخرة فهو الجنة والنعمة والقربة والوصلة والرؤية ، وأما العسر فيها فهو الجحيم وعذابها ودركاتها انتهى كلامه\rوقال نجم الدين فى تأويلاته يعنى يريد الله بكم اليسر الذى هو مع العسر فلا تنظر فى امتثال الأمر إلى العسر ولكن انظر إلى اليسر الذى هو مع العسر فإن العاقل إذا سقاه الطبيب شرابا مرا أمر من بلاء المرض موجبا للصحة فلا ينظر العاقل إلى مرارة الشراب ولكن ينظر إلى حلاوة الصحة ولا يبالى بمرارة الشراب فيشربه بقوة الهمة انتهى. أ هـ {روح البيان حـ 1 صـ 365}\rقوله تعالى : {وَلِتُكْمِلُواْ العدة }\rقال الفخر : \rأما قوله تعالى : {وَلِتُكْمِلُواْ العدة} ففيه مسائل : \rالمسألة الأولى : قرأ أبو بكر عن عاصم {وَلِتُكْمِلُواْ العدة} بتشديد الميم والباقون بالتخفيف وهما لغتان : أكملت وكملت.\rالمسألة الثانية : لقائل أن يقول : {وَلِتُكْمِلُواْ العدة} على ماذا علق ؟ .","part":4,"page":32},{"id":1351,"text":"جوابنا : أجمعوا على أن الفعل المعلل محذوف ، ثم فيه وجهان أحدهما : ما قاله الفراء وهو أن التقدير : ولتكملوا العدة ولتكبروا الله على ماهداكم ولعلكم تشكرون ، فعل جملة لما ذكر وهو الأمر بصوم العدة ، وتعليم كيفية القضاء ، والرخصة في إباحة الفطر ، وذلك لأنه تعالى ما ذكر هذه الأمور الثلاثة ذكر عقيبها ألفاظاً ثلاثة ، فقوله : {وَلِتُكْمِلُواْ العدة} علة للأمر بمراعاة العدة {وَلِتُكَبّرُواْ} علة ما علمتم من كيفية القضاء {وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} علة الترخص والتسهيل ، ونظير ما ذكرنا من حذف الفعل المنبه ما قبله عليه قوله تعالى : {وَكَذَلِكَ نُرِى إبراهيم مَلَكُوتَ السموات والأرض وَلِيَكُونَ مِنَ الموقنين} [الأنعام : 75] أي أريناه.\rالوجه الثاني : ما قاله الزجاج ، وهو أن المراد به أن الذي تقدم من التكليف على المقيم صحيح والرخصة للمريض والمسافر إنما هو إكمال العدة لأنه مع الطاقة يسهل عليه إكمال العدة ، ومع الرخصة في المرض والسفر يسهل إكمال العدة بالقضاء ، فلا يكون عسراً ، فبين تعالى أنه كلف الكل على وجه لا يكون إكمال العدة عسيراً ، بل يكون سهلاً يسيراً ، والفرق بين الوجهين أن في الأول إضماراً وقع بعد قوله : {وَلِتُكْمِلُواْ العدة} وفي الثاني قبله : \rالمسألة الثالثة : إنما قال : {وَلِتُكْمِلُواْ العدة} ولم يقل : ولتكملوا الشهر ، لأنه لما قال : ولتكملوا العدة دخل تحته عدة أيام الشهر وأيام القضاء لتقدم ذكرهما جميعاً ولذلك يجب أن يكون عدد القضاء مثلاً لعدد المقضي ، ولو قال تعالى : ولتكملوا الشهر لدل ذلك على حكم الأداء فقط ولم يدخل حكم القضاء. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 5 صـ 79}\rقوله تعالى : {وَلِتُكَبّرُواْ الله على مَا هداكم }\rالمناسبة","part":4,"page":33},{"id":1352,"text":"ولما كان العظيم إذا يسر أمره كان ذلك أجدر بتعظيمه قال : {ولتكبروا} والتكبير إشراف القدر أو المقدار حساً أو معنى - قاله الحرالي. وقرن به الاسم الأكبر لاقتضاء المقام له فقال : {الله} أي الذي تقف الأفهام خاسئة دون جلاله وتخضع الأعناق لسبوغ جماله لتعتقدوا عظمته بقلوبكم وتذكروها بألسنتكم في العيد وغيره ليكون ذلك أحرى بدوام الخضوع من القلوب. قال الحرالي : وفيه إشارة إلى ما يحصل للصائم بصفاء باطنه من شهود ما يليح له أثر صومه من هلال نوره العلي ، فكما كبر في ابتداء الشهر لرؤية الهلال يكبر في انتهائه لرؤية باطنه مرأى من هلال نور ربه ، فكان عمل ذلك هو صلاة ضحوة يوم العيد ، وأعلن فيها بالتكبير وكرر لذلك ، وجعل في براح من متسع الأرض لمقصد التكبير لأن تكبير الله سبحانه وتعالى إنما هو بما جلّ من مخلوقاته ، فكان في لفظه إشعار لما أظهرته السنة من صلاة العيد على اختصاصها بتكبير الركعتين والجهر لمقصد موافقة معنى التكبير الذي إنما يكون علناً - انتهى. ومن أعظم أسراره أنه لما كان العيد محل فرح وسرور وكان من طبع النفس تجاوز الحدود لما جبلت عليه من الشره تارة غفلة وتارة بغياً أمر فيه به ليذهب من غفلتها ويكسر من سورتها ، ولما كان للوترية أثر عظيم في التذكير بالوتر الصمد الواحد الأحد وكان للسبعة منها مدخل عظيم في الشرع جعل تكبير صلاته وتراً وجعل سبعاً في الأولى لذلك وتذكيراً بأعمال الحج السبعة من الطواف والسعي والجمار تشويقاً إليها لأن النظر إلى العيد الأكبر أكثر وتذكيراً بخالق هذا الوجود بالتفكر في أفعاله المعروفة من خلق السماوات السبع والأرضين السبع وما فيهما في الأيام السبع لأنه خلقهما في ستة وخلق آدم في اليوم السابع يوم الجمعة ، ولما جرت عادة الشارع بالرفق بهذه الأمة ومنه تخفيف الثانية على الأولى وكانت الخمسة أقرب وتراً إلى السبعة من دونها جعل تكبير الثانية خمساً لذلك ، ولأنه لما","part":4,"page":34},{"id":1353,"text":"استحضرت عظمة الخالق بإشارة الأولى للعلم بأنه المتفرد بالعظمة والقهر والملك بجميع الأمر فأقبلت القلوب إليه وقصرت الهمم عليه أشير بتكبير الثانية إلى عبادته بالإسلام المبني على الدعائم الخمس وخصوصاً بأعظم دعائمه الصلوات الخمس - والله سبحانه وتعالى الموفق. أ هـ {نظم الدرر حـ 1 صـ 345 ـ 346}\rقال ابن كثير : \rوقوله : {وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ} أي : ولتذكروا الله عند انقضاء عبادتكم ، كما قال : {فَإِذَا قَضَيْتُمْ مَنَاسِكَكُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آبَاءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْرًا} [البقرة : 200] وقال : [{فَإِذَا قَضَيْتُمُ الصَّلاةَ فَاذْكُرُوا اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِكُمْ}] (5) [النساء : 103] ، {فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الأرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} [الجمعة : 10] وقال : {وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ الْغُرُوبِ وَمِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ وَأَدْبَارَ السُّجُودِ} [ق : 39 ، 40] ؛ ولهذا جاءت السنة باستحباب التسبيح ، والتحميد والتكبير بعد الصلوات المكتوبات.\rوقال ابن عباس : ما كنا نعرف انقضاء صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا بالتكبير ؛ ولهذا أخذ كثير من العلماء مشروعية التكبير في عيد الفطر من هذه الآية : {وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ} حتى ذهب داود بن علي الأصبهاني الظاهري إلى وجوبه في عيد الفطر ؛ لظاهر الأمر في قوله {وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ} وفي مقابلَته مذهبُ أبي حنيفة -رحمه الله -أنه لا يُشْرَع التكبير في عيد الفطر. والباقون على استحبابه ، على اختلاف في تفاصيل بعض الفروع بينهم. أ هـ {تفسير ابن كثير حـ 1 صـ 505}\rفائدة\rقال القرطبى : ","part":4,"page":35},{"id":1354,"text":"ولفظ التكبير عند مالك وجماعة من العلماء : الله أكبر الله أكبر الله أكبر ، ثلاثاً ؛ وروي عن جابر بن عبد اللَّه. ومن العلماء من يكبّر ويُهَلِّل ويُسَبّح أثناء التكبير. ومنهم من يقول : الله أكبر كبيرا ، والحمد لله كثيرا ، وسبحان الله بُكرةً وأصيلا. وكان ابن المبارك يقول إذا خرج من يوم الفطر : الله أكبر الله أكبر ، لا إله إلا الله ، والله أكبر ولله الحمد ، الله أكبر على ما هدانا. قال ابن المنذر : وكان مالك لا يَحُدّ فيه حدّا. وقال أحمد : هو واسع. قال ابن العربي : \"واختار علماؤنا التكبير المطلق ، وهو ظاهر القرآن وإليه أميل\".{تفسير القرطبى حـ 2 صـ 307}\rلطيفة\rالله أكبر\rجملة تدل على أن الله أعظم من كل عظيم في الوَاقع كالحكماء والملوك والسادة والقادة ، ومن كل عظيم في الاعتقاد كالآلهة الباطلة ، وإثبات الأعظمية لله في كلمة (الله أكبر) كناية عن وحدانيته بالإلهية ، لأن التفضيل يستلزم نقصان من عداه والناقص غير مستحق للإلهية ، لأن حقيقتها لا تلاقي شيئاً من النقص ، ولذلك شُرع التكبير في الصلاة لإبطال السجود لغير الله ، وشُرع التكبير عند نحر البُدْن في الحج لإبطال ما كانوا يتقربون به إلى أصنامهم ، وكذلك شرع التكبير عند انتهاء الصيام بهذه الآية ، فمن أجل ذلك مضت السنة بأن يكبر المسلمون عند الخروج إلى صلاة العيد ويكبر الإمام في خطبة العيد.\rوفي لفظ التكبير عند انتهاء الصيام خصوصية جليلة وهي أن المشركين كانوا يتزلفون إلى آلهتهم بالأَكل والتلطيخ بالدماء ، فكان لقول المسلم : الله أكبر ، إشارة إلى أن الله يعبد بالصوم وأنه متنزه عن ضراوة الأصنام. أ هـ {التحرير والتنوير حـ 2 صـ 176}\rقوله تعالى {عَلَى مَا هَدَاكُمْ}\rالمناسبة","part":4,"page":36},{"id":1355,"text":"ولما كانت الهداية تطلق تارة على مجرد البيان وتارة عليه مع الحمل على لزوم المبين وكان تخفيف المأمور به وتسهيله أعون على لزومه قال : {على} أي حامدين له على {ما هداكم} أي يسر لكم من شرائع هذا الدين فهيأكم للزومها ودوام التمسك بعراها ، ولعل هذا سر الاهتمام بالصيام من الخاص والعام حتى لا يكاد أحد من المسلمين يخل به إلا نادراً - والله سبحانه وتعالى الموفق.\rوقال الحرالي : إن الهداية إشارة إلى تلك الموجدة التي يجدها الصائم وما يشهده الله من بركاته من رؤية ليلة القدر بكشف خاص لأهل الخلوة أو آيات بينة لأهل التبصرة أو بآية بادية لأهل المراقبة كلاًّ على حكم وجده من استغراق تماسكه وخلوته واستغراق ذكره في صومه ، فأعظم الهدى هدى المرء لأن يذبل جسمه ونفسه وتفنى ذاته في حق ربه ، كما يقول : \" يدع طعامه وشرابه من أجلي \" فكل عمل فعل وثبت إلاّ الصوم فإنه محو وفقد ، فناسب تحقيق ما هو الإسلام والتقوى من إلقاء منة الظاهر وقوة الباطن - انتهى. أ هـ {نظم الدرر حـ 1 صـ 346}\rقال ابن عطية : \r{ هداكم} ، قيل المراد لما ضل فيه النصارى من تبديل صيامهم ، وتعميم الهدى جيد. أ هـ {المحرر الوجيز حـ 1 صـ 255}\rسؤال : لم عدى فعل التكبير بـ {على} ؟ \rالجواب : وتعديةُ فعل التكبير بعلى لتضمُّنه معنى الحمد كأنه قيل : ولتكبروا الله حامدين على ما هداكم ، ويجوز أن تكون معطوفةً على علة مقدرةٍ مثلُ ليُسهل عليكم أو لتعلموا ما تعملون ولتكملوا الخ ويجوز عطفُها على (اليُسرَ) أي يريد بكم لتكملوا الخ كقوله تعالى : {يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُواْ} الخ والمعنى بالتكبير تعظيمُه تعالى بالحمد والثناءِ عليه ، وقيل : تكبيرُ يومِ العيد وقيل : التكبيرُ عند الإهلال. أ هـ {تفسير أبى السعود حـ 1 صـ 200}\rقوله تعالى {وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ }.\rالمناسبة","part":4,"page":37},{"id":1356,"text":"ولما كان الشكر صرف ما أنعمه المنعم في طاعته وكان العمل إذا خف أقرب إلى لزوم الطاعة بلزومه ولو ثقل لأوشك أن يعصي بتركه قال : {ولعلكم تشكرون} أي ولتكونوا في حالة يرجى معها لزوم الطاعة واجتناب المعصية. وقال الحرالي : فيه تصنيف في الشكر نهاية كما كان فيه تصنيف للتقوى بداية ، كما قال : {ولعلكم تتقون} فمن صح له التقوى ابتداء صح منه الشكر انتهاء ؛ وفي إشعاره إعلام بإظهار نعمة الله وشكر الإحسان الذي هو مضمون فرض زكاة الفطر عن كل صائم وعمن يطعمه الصائم ، فكان في الشكر إخراجه فطره بختم صومه واستقبال فطره بأمر ربه وإظهار شكره بما خوله من إطعام عيلته ، فلذلك جرت فيمن يصوم وفيمن يعوله الصائم - انتهى. أ هـ {نظم الدرر حـ 1 صـ 347}\rسؤال : ما الفائدة في ذكر هذا اللفظ في هذا الموضع\rالجواب : ما ذكره الإمام الفخر : \rإن الله تعالى لما أمر بالتكبير وهو لا يتم إلا بأن يعلم العبد جلال الله وكبريائه وعزته وعظمته ، وكونه أكبر من أن تصل إليه عقول العقلاء ، وأوصاف الواصفين ، وذكر الذاكرين ، ثم يعلم أنه سبحانه مع جلاله وعزته واستغنائه عن جميع المخلوقات ، فضلاً عن هذا المسكين خصه الله بهذه الهداية العظيمة لا بد وأن يصير ذلك داعياً للعبد إلى الاشتغال بشكره ، والمواظبة على الثناء عليه بمقدار قدرته وطاقته فلهذا قال : {وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ }.\rأ هـ {مفاتيح الغيب حـ 5 صـ 80}\rوقال الألوسى : ","part":4,"page":38},{"id":1357,"text":"وتغيير الأسلوب للإشارة إلى أن هذا المطلوب بمنزلة المرجو لقوة الأسباب المتآخذة في حصوله وهو ظهور كون الترخيص نعمة ، والمخاطب موقن بكمال رأفته وكرمه مع عدم فوات بركات الشهر ، وهذا نوع من اللف لطيف المسلك قلما يهتدى إليه لأن مقتضى الظاهر ترك الواو لكونها عللاً لما سبق ، ولذا قال من لم يبلغ درجة الكمال : إنها زائدة أو عاطفة على علة مقدرة ووجه اختياره أما على الأول : فظاهر ، وأما على الثاني : فلما فيه من مزيد الاعتناء بالأحكام السابقة مع عدم التكلف لأن الفعل المقدر لكونه مشتملاً على ما سبق إجمالاً يكون ما سبق قرينة عليه مع بقاء التعليل بحاله ولكونه مغايراً له بالإجمال ، والتفصيل يصح عطفه عليه ، وفي ذكر الأحكام تفصيلاً أولاً ، وإجمالاً ثانياً وتعليلها من غير تعيين ثقة على فهم السامع بأن يلاحظها مرة بعد أخرى ويرد كل علة إلى ما يليق به ما لا يخفى من الاعتناء ، وجوز أن تكون عللاً لأفعال مقدرة كل فعل مع علة والتقدير ولتكملوا العدة أوجب عليكم عدة أيام أخر ولتكبروا الله على ما هداكم علمكم كيفية القضاء {وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} رخصكم في الإفطار وإن شئت جعلتها معطوفة على علة مقدرة أي ليسهل عليكم أو لتعلموا ما تعملون ولتكملوا الخ وجعلت المجموع علة للأحكام السابقة إما باعتبار أنفسها أو باعتبار الأعلام بها فقوله : ليسهل أو لتعلموا علة لما سبق باعتبار الأعلام وما بعده علة للأحكام المذكورة كما مر ، ولك أن لا تقدر شيئاً أصلاً وتجعل العطف على اليسر أي ويريد بكم لتكملوا الخ واللام زائدة مقدرة بعدها أن وزيدت كما قيل : بعد فعل الإرادة تأكيداً له لما فيها من معنى الإرادة في قولك جئتك لإكرامك ، وقيل : إنها بمعنى أن كما في الرضي إلا أنه يلزم على هذا الوجه أن يكون {وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} عطفاً على {يُرِيدُ} إذ لا معنى لقولنا يريد لعلكم تشكرون ، وحينئذٍ يحصل التفكيك بين المتعاطفات وهو بعيد","part":4,"page":39},{"id":1358,"text":" ، ولاستلزام هذا الوجه ذلك وكثرة الحذف في بعض الوجوه السابقة وخفاء بعضها عدل بعضهم عن الجميع ، وجعل الكلام من الميل مع المعنى لأن ما قبله علة للترخيص فكأنه قيل : رخص لكم في ذلك لإرادته بكم اليسر دون ولتكملوا الخ ، ولا يخفى عليك ما هو الأليق بشأن الكتاب العظيم. أ هـ {روح المعانى حـ 2 صـ 63}\rوقال أبو حيان : \rوإذا كان التكليف شاقاً ناسب أن يعقب بترجي التقوى ، وإذا كان تيسيراً ورخصة ناسب أن يعقب بترجي الشكر ، فلذلك ختمت هذه الآية بقوله : {لعلكم تشكرون} لأن قبله ترخيص للمريض والمسافر بالفطر ، وقوله : {يريد الله بكم اليسر} وجاء عقيب قوله : {كتب عليكم الصيام لعلكم تتقون} وقبله {ولكم في القصاص حياة} ثم قال : {لعلكم تتقون} لأن الصيام والقصاص من أشق التكاليف ، وكذا يجيء أسلوب القرآن فيما هو شاق وفيما فيه ترخيص أو ترقية ، فينبغي أن يلحظ ذلك حيث جاء فإنه من محاسن علم البيان. أ هـ {البحر المحيط حـ 2 صـ 52}\rفصل جامع في فضل شهر رمضان وفضل صيامه\rعن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : \" إذا دخل شهر رمضان صفدت الشياطين وفتحت أبواب الجنة وغلقت أبواب النار \" الصفد الغل أي شدت بالأغلال","part":4,"page":40},{"id":1359,"text":"عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : \" من صام رمضان إيماناً واحتساباً غفر له ما تقدم من ذنبه. ومن قام ليلة القدر إيماناً واحتساباً غفر له ما تقدم من ذنبه \" قوله إيماناً واحتساباً أي طلباً لوجه الله تعالى وثوابه وقيل إيماناً بأنه فرض عليه ، واحتساباً ثوابه عند الله وقيل : معناه نية وعزيمة وهو أن يصوم على التصديق به والرغبة في ثوابه طيبة بها نفسه غير كارهة عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : \" كل عمل ابن آدم له يضاعف الحسنة عشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف ، قال الله تعالى : \" إلاّ الصوم فإنه لي وأنا أجزي به يدع شهوته وطعامه من أجلي ، للصائم فرحتان فرحة عند فطره وفرحة عند لقاء ربه ، ولخلوف فم الصائم عند الله أطيب من ريح المسك \" زاد في رواية \" والصيام جنة فإذا كان يوم صوم أحدكم فلا يرفث يومئذٍ ولا يصخب فإن شتمه أحد أو قاتله فليقل إني صائم\r\" قوله : كل عمل ابن آدم له معناه أن له فيه حظاً لاطلاع الخلق عليه إلاّ الصوم فإنه لا يطلع عليه أحد وإنما خص الصوم بقوله تعالى لي وإن كانت جميع الأعمال الصالحة له وهو يجزى عليها لأن الصوم لا يظهر من ابن آدم بقول ولا فعل حتى تكتبه الحفظة وإنما هو من أعمال القلوب بالنية ولا يطلع عليه إلاّ الله تعالى لقول الله تعالى : إنما أتولى جزاءه على ما أحب لا على حساب ولا كتاب له.\r","part":4,"page":41},{"id":1360,"text":"وقوله : وللصائم فرحتان فرحة عند فطره أي بالطعام لما بلغ به من الجزع لتأخذ النفس حاجتها منه وقيل فرحة بما وفق له من إتمام الصوم الموعود عليه بالثواب وهو قوله : وفرحة عند لقاء ربه لما يرى من جزيل ثوابه. وقوله : ولخلوف بضم الخاء وفتحها لغتان وهو تغير طعم الفم وريحه لتأخير الطعام ومعنى كونه أطيب عند الله من ريح المسك هو الثناء على الصائم والرضا بفعله ، لئلا يمتنع من المواظبة على الصوم الجالب للخلوف والمعنى أن خلوف فم الصائم أبلغ عند الله في قبول من ريح المسك عند أحدكم. قوله : الصيام جنة أي حصن من المعاصي لأن الصوم يكسر الشهوة فلا يواقع المعاصي قوله فلا يرفث كلمة جامعة لكل ما يريد الإنسان من المرأة ، وقيل : هو التصريح بذكر الجماع. والصخب الضجر والجلبة والصياح\rعن سهل بن سعد قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : \"إن في الجنة باباً يقال له الريان يدخل منه الصائمون يوم القيام يقال أين الصائمون فيقومون. لا يدخل منه أحد غيركم فإذا دخلوا أغلق فلا يدخل منه أحد وفي رواية إن في الجنة ثمانية أبواب منها باب يسمى الريان لا يدخله إلاّ الصائمون\"\rعن أبي أمامة قال : أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلت يا رسول الله مرني بأمر ينفعني الله به قال : \" عليك بالصوم فإنه لا مثل له \" وفي رواية : \" أي العمل أفضل فقال عليك بالصوم فإنه لا عدل له \" أخرجه النسائي.\rأ هـ {تفسير الخازن حـ 1 صـ 113}\rوقال الثعالبى : \rوجاء في فضل الصومِ أحاديثُ صحيحةٌ مشهورةٌ ، وحدث أبو بكر بْنُ الخَطِيبُ بسنده عن سهل بن سعد الساعديِّ عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ : \" مَنْ صَامَ يَوْماً تَطوُّعاً ، لَمْ يَطَّلِعْ عَلَيْهِ أَحَدٌ ، لَمْ يَرْضَ اللَّهُ لَهُ بِثَوَابٍ دُونَ الجَنَّةِ \" ، قال : وبهذا الإِسناد عن أبي هريرة عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم بمثله. انتهى.","part":4,"page":42},{"id":1361,"text":"قال ابن عبد البَرِّ في كتابه المسمى بـ \"بهجة المَجالِسِ\" قال أبو العالية : الصائمُ في عبادةٍ ما لم يغتَبْ.\rقال الشيخُ الصالحُ أبو عبد اللَّه محمَّد البلاليُّ الشافعيُّ في \"اختصاره للإحياء\" : وذكر السُّبْكِيُّ في شرحه ؛ أن الغِيبَةَ تمنع ثوابَ الصوْمِ إِجماعاً ، قال البلاليُّ : وفيه نظر ؛ لمشقَّة الاحتراز ، نعم ، إِن أكثر ، توجَّهت المقالة. انتهى ، وهذا الشيخ البلاليُّ لقيتُهُ ، ورويتُ عنه كتابه هَذَا.\rوصحَّ عنه صلى الله عليه وسلم ؛ أنَّهُ قَالَ : \" إِذَا دَخَلَ شَهْرُ رَمَضَانَ ، فُتِحَتْ أَبْوَابُ الجَنَّةِ ، وَغُلِّقَتْ أَبْوَابُ جَهَنَّمَ \" قال أبو عمر في \"التمهيد\" : وذلك لأن الصوْمَ جُنَّةٌ يستجنُّ بها العَبْدُ من النار ، وتُفْتَحُ لهم أبوابُ الجنة ؛ لأن أعمالهم تزكُو فيه ، وتُقْبَل منهم ، ثم أسند أبو عمر عن أبي هريرة ، قال : قَالَ رَسُولُ اللَّه صلى الله عليه وسلم : \" أُعْطِيَتْ أُمَّتِي خَمْسَ خِصَالٍ فِي رَمَضَانَ ، لَمْ تُعْطَهُنَّ أُمَّةٌ قَبْلَهَا : خُلُوفُ فَمِ الصَّائِم أَطْيَبُ عِنْدَ اللَّهِ مِنْ رِيحِ الْمِسْكِ ، وَتَسْتَغْفِرُ لَهُمُ المَلاَئِكَةُ حتى يُفْطِرُوا ، وَيُزَيِّنُ اللَّهُ لَهُمْ كُلَّ يَوْمٍ جَنَّتَهُ ، ثُمَّ يَقُولُ : يُوشِكُ عِبَادِي الصَّائِمُونَ أَنْ يُلْقُوا عَنْهُمْ المَئُونَةَ ، والأذى ، ثُمَّ يَصِيرُونَ إِلَيْكِ ، وَتُصَفَّدُ فِيهِ مَرَدَةُ الشَّيَاطِينِ ، فَلاَ يَخْلُصُونَ إلى مَا كَانُوا يَخْلُصُونَ إِلَيْهِ فِي غَيْرِهِ ، ويَغْفِرُ لَهُمْ آخِرَ لَيْلَةٍ ، قيلَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، أَهِيَ لَيْلَةُ القَدْرِ ؟ قَالَ : لاَ ، ولَكِنَّ العَامِلَ إِنَّمَا يوفى أَجْرَهُ إِذَا انقضى \" ، قال أبو عمر : وفي سنده أبو المِقْدام ، فيه ضعف ، ولكنَّه محتملٌ فيما يرويه من الفضائل.","part":4,"page":43},{"id":1362,"text":"وأسند أبو عمر عن الزهْريّ ، قال : \" تسبيحةٌ في رمَضَان أفضلُ من ألفِ تسبيحةٍ في غيره \" انتهى.\rوخرَّجه الترمذيُّ عن الزهري قال : \" تَسْبِيحَةٌ فِي رَمَضَانَ أَفْضَلُ مِنْ أَلْفِ تسبيحةٍ في غيره \" انتهى. أ هـ {الجواهر الحسان حـ 1 صـ 139}\rوأخرج مالك وابن أبي شيبة والبخاري والنسائي والبيهقي عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم \" إذا دخل رمضان فتحت أبواب الجنة ، وغلقت أبواب جهنم ، وسلسلت الشياطين \".\rوأخرج ابن أبي شيبة وأحمد والنسائي والبيهقي عن عرفجة قال : كنا عند عتبة بن فرقد وهو يحدثنا عن رمضان ، إذ دخل رجل من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم فسكت عتبة بن فرقد قال : يا أبا عبد الله حدثنا عن رمضان كيف سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول فيه ؟ قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول \" رمضان شهر مبارك تفتح فيه أبواب الجنة ، وتغلق فيه أبواب السعير ، وتصفد فيه الشياطين ، وينادي مناد كل ليلة : يا باغي الخير هلم ، ويا باغي الشر أقصر ، حتى ينقضي رمضان \".\rوأخرج أحمد والطبراني والبيهقي عن أبي أمامة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم \" إن لله عند كل فطر عتقاء من النار \".\rوأخرج مسلم والبيهقي عن أبي هريرة \" أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : الصلوات الخمس ، والجمعة إلى الجمعة ، ورمضان إلى رمضان ، مكفرات لما بينهن إذا اجتنبت الكبائر \".\rوأخرج ابن حبان والبيهقي عن أبي سعيد الخدري قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم \" من صام رمضان ، وعرف حدوده ، وحفظ مما ينبغي أن يحفظ منه ، كفر ما قبله \".\rوأخرج ابن ماجة عن جابر قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم \" إن لله عند كل فطر عتقاء ، وذلك في كل ليلة \".","part":4,"page":44},{"id":1363,"text":"وأخرج الترمذي والنسائي وابن ماجة وابن خزيمة والحاكم وصححه والبيهقي عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم \" إذا كان أول ليلة من شهر رمضان صفدت الشياطين ومردة الجن ، وغلقت أبواب النار فلم يفتح منها باب ، وفتح أبواب الجنة فلم يغلق منها باب ، وينادي مناد كل ليلة : يا باغي الخير أقبل ، ويا باغي الشر أقصر. ولله عز وجل عتقاء من النار ، وذلك عند كل ليلة \".\rوأخرج ابن أبي شيبة والنسائي والبيهقي عن أبي هريرة \" أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لأصحابه : نبشركم قد جاءكم رمضان شهر مبارك افترض الله عليكم صيامه ، تفتح فيه أبواب الجنة وتغلق فيه أبواب الجحيم وتغل فيه الشياطين ، فيه ليلة خير من ألف شهر ، من حرم خيرها فقد حرم \".\rوأخرج أحمد والبزار وأبو الشيخ في الثواب والبيهقي والأصبهاني في الترغيب عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم \" أعطيت أمتي في شهر رمضان خمس خصال لم تعط أمة قبلهم : خلوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك ، وتستغفر لهم الملائكة حتى يفطروا ، ويزين الله كل يوم جنته ، ثم قال : يوشك عبادي الصالحون أن يلقوا عنهم المؤنة والأذى ويصيروا إليك ، وتصفد فيه الشياطين ، ولا يخلصون فيه إلى ما يخلصون في غيره ، ويغفر لهم آخر ليلة. قيل : يا رسول الله أهي ليلة القدر ؟ قال : لا ، ولكن العامل إنما يوفى أجره إذا قضى عمله \".\r","part":4,"page":45},{"id":1364,"text":"وأخرج البيهقي والأصبهاني عن جابر بن عبد الله قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم \" أعطيت أمتي في شهر رمضان خمساً لم يعطهن نبي قبلي : أما واحدة فإنه إذا كان أول ليلة من شهر رمضان نظر الله إليهم ، ومن نظر الله إليه لم يعذبه أبداً ، وأما الثانية فإنه خلوف أفواههم حين يمسون أطيب عند الله من ريح المسك ، وأما الثالثة فإن الملائكة تستغفر لهم في كل يوم وليلة ، وأما الرابعة فإن الله يأمر جنته فيقول لها استعدي وتزيني لعبادي أوشك أن يستريحوا من تعب الدنيا إلى داري وكرامتي ، وأما الخامسة فإذا كان آخر ليلة غفر لهم جميعاً. فقال رجل من القوم : أهي ليلة القدر ؟ فقال : لا ، ألم تر إلى العمال يعملون ، فإذا فرغوا من أعمالهم وفوا أجورهم ؟ \".\rوأخرج البيهقي في الشعب والأصبهاني في الترغيب عن الحسن قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم \" إن لله في كل ليلة من رمضان ستمائة ألف عتيق من النار ، فإذا كان آخر ليلة أعتق بعدد من مضى \".\rوأخرج البيهقي عن عبد الله بن مسعود عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال \" إذا كان أول ليلة من شهر رمضان فتحت أبواب الجنان فلم يغلق منها باب واحد الشهر كله ، وغلقت أبواب النار فلم يفتح منها باب واحد الشهر كله ، وغلت عتاة الجن ونادى مناد من كل ليلة إلى انفجار الصبح : يا باغي الخير تمم وابشر ، ويا باغي الشر أقصر وابصر السماء ، هل من مستغفر نغفر له ؟ هل من تائب نتوب عليه ؟ هل من داع نستجيب له ؟ هل من سائل نعطي سؤاله ؟ ولله عند كل فطر من شهر رمضان كل ليلة عتقاء من النار ستون ألفاً ، فإذا كان يوم الفطر أعتق مثل ما أعتق في جميع الشهر ثلاثين مرة ستين ألفاً ستين ألفاً \".\r","part":4,"page":46},{"id":1365,"text":"وأخرج ابن أبي شيبة وابن خزيمة في صحيحه والبيهقي والأصبهاني في الترغيب عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم \" أظلكم شهركم هذا - يعني شهر رمضان - بمحلوف رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ما مر على المسلمين شهر خير لهم منه ، ولا يأتي على المنافقين شهر شر لهم منه ، بمحلوف رسول الله صلى الله عليه وسلم أن الله يكتب أجره وثوابه من قبل أن يدخل ، ويكتب وزره وشقاءه قبل أن يدخل ، وذلك أن المؤمن يعد فيه النفقة للقوّة في العبادة ، ويعد فيه المنافق اغتياب المؤمنين واتباع عوراتهم ، فهو غنم للمؤمنين وغرم على الفاجر \".\r","part":4,"page":47},{"id":1366,"text":"وأخرج العقليلي وضعفه وابن خزيمة في صحيحه والبيهقي والخطيب والأصبهاني في الترغيب عن سلمان الفارسي قال : خطبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم في آخر يوم من شعبان فقال \" يا أيها الناس قد أظلكم شهر عظيم شهر مبارك ، شهر فيه ليلة خير من ألف شهر ، جعل الله صيامه فريضة وقيام ليله تطوّعاً ، من تقرب فيه بخصلة من الخير كان كمن أدى فريضة فيما سواه ، ومن أدى فريضة فيه كان كمن أدى سبعين فريضة فيما سواه ، وهو شهر الصبر والصبر ثوابه الجنة ، وشهر المواساة وشهر يزاد في رزق المؤمن ، من فطر فيه صائماً كان له مغفرة لذنوبه ، وعتق رقبته من النار ، وكان له مثل أجره من غير أن ينتقص من أجره شيء. قلنا : يا رسول الله كلنا نجد ما يفطر الصائم ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : يعطي الله هذا الثواب من فطر صائماً على مذقة لبن ، أو تمرة ، أو شربة من ماء ، ومن أشبع صائماً سقاه الله من حوضي شربة لا يظمأ حتى يدخل الجنة ، وهو شهر أوّله وأوسطه مغفرة ، وآخره عتق من النار ، من خفف عن مملوكه فيه غفر له وأعتقه من النار ، فاستكْثروا فيهِ مِنْ أَرْبعَ خِصَالٍ : خَصْلَتَان تُرْضُونَ بِهمَا رَبَّكُمْ ، وَخَصْلَتَانِ لاَ غِنَى بِكُمْ عَنْهُمَا. فَأمَّا الْخَصْلَتَانِ اللَّتَان تُرْضُونَ بِهِما رَبَّكُمْ فَشَهَادَةُ أنْ لاَ إلهَ إلا اللهُ وَتسْتَغْفِرونَهُ ، وَأمَّا اللَّتَانِ لاَ غِنَى بِكُمْ عَنْهُما فَتَسْأَلُونَ الْجنَّةَ وتَعُوذونَ بِهِ مِنَ النَّار \".\rوأخرج ابن أبي شيبة والنسائي وابن ماجة والبيهقي عن عبد الرحمن بن عوف قال \" ذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم رمضان فقال : شهر فرض الله عليكم صيامه وسننت أنا قيامه ، فمن صامه وقامه إيماناً واحتساباً خرج من ذنوبه كيوم ولدته أمه \".\r","part":4,"page":48},{"id":1367,"text":"وأخرج البيهقي عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم \" الصلاة المكتوبة إلى الصلاة التي تليها كفارة ، والجمعة إلى الجمعة التي تليها كفارة ما بينهما ، والشهر إلى الشهر يعني شهر رمضان إلى شهر رمضان كفارة ما بينهما إلا من ثلاث : الإِشراك بالله ، وترك السنة ، ونكث الصفقة. فقلت : يا رسول الله أما الاشراك بالله فقد عرفناه فما نكث الصفقة وترك السنة ؟ قال : أما نكث الصفقة فأن تبايع رجلاً بيمينك ثم تخالف إليه فتقاتله بسيفك ، وأما ترك السنة فالخروج من الجماعة \".\rوأخرج ابن خزيمة والبيهقي والأصبهاني عن أنس بن مالك قال : لما أقبل شهر رمضان قال رسول الله صلى الله عليه وسلم \" سبحان الله. ! ماذا تستقبلون وماذا يستقبلكم ؟ قال عمر بن الخطاب : بأبي أنت وأمي يا رسول الله! وحي نزل أو عدوّ حضر ؟ قال : لا ولكن شهر رمضان يغفر الله في أول ليلة لكل أهل هذه القبلة ، وفي القوم رجل يهز رأسه فيقول : بخ بخ فقال له النبي صلى الله عليه وسلم : كأن ضاق صدرك بما سمعت. قال : لا والله يا رسول الله ولكن ذكرت المنافق فقال النبي صلى الله عليه وسلم : المنافق كافر وليس للكافر في ذا شيء \".\r","part":4,"page":49},{"id":1368,"text":"وأخرج البيهقي عن جابر بن عبد الله قال : \" لما بنى رسول الله صلى الله عليه وسلم المنبر جعل له ثلاث عتبات ، فلما صعد رسول الله صلى الله عليه وسلم العتبة الأولى قال : آمين ، ثم صعد العتبة الثانية فقال : آمين ، حتى إذا صعد العتبة الثالثة قال : آمين. فقال المسلمون : يا رسول الله رأيناك تقول آمين آمين آمين ولا نرى أحداً ؟! فقال : إن جبريل صعد قبلي العتبة الأولى فقال : يا محمد. فقلت : لبيك وسعديك. فقال : من أدرك أبويه أو أحدهما فلم يغفر له فابعده الله. قل آمين. فقلت : آمين. فلما صعد العتبة الثانية قال : يا محمد قلت : لبيك وسعديك. قال : من أدرك شهر رمضان وصام نهاره وقام ليله ثم مات ولم يغفر له فدخل النار فابعده الله ، فقل آمين. فقلت : آمين. فلما صعد العتبة الثالثة قال : يا محمد. قلت : لبيك وسعديك. قال : من ذكرت عنده فلم يصل عليك فمات ولم يغفر له فدخل النار فابعده الله ، قل آمين. فقلت : آمين \".\rوأخرج الحاكم وصححه من طريق سعد بن إساحق بن كعب بن عجرة عن أبيه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم \" احضروا المنبر فحضرنا ، فلما ارتقى درجة قال : آمين. فلما ارتقى الثانية قال : آمين. ثم لما ارتقى الثالثة قال : آمين. فلما نزل قلنا : يا رسول الله لقد سمعنا منك اليوم شيئاً ما كنا نسمعه ؟! قال : إن جبريل عرض لي فقال : بعد من أدرك رمضان فلم يغفر له. قلت : آمين. فلما رقيت الثانية قال : بعد من ذكرت عنده فلم يصل عليك. فقلت : آمين. فلما رقيت الثالثة قال : بعد من أدرك أبويه الكبر عنده أو أحدهما فلم يدخلاه الجنة. فقلت : آمين \".\r","part":4,"page":50},{"id":1369,"text":"وأخرج ابن حبان عن الحسن بن مالك بن الحويرث عن أبيه عن جده \" فلما صعد رسول الله صلى الله عليه وسلم المنبر ، فلما رقى عتبة قال : آمين. ثم رقى أخرى قال : آمين. ثم رقى عتبة ثالثة فقال : آمين. ثم قال : أتاني جبريل فقال : يا محمد من أدرك رمضان فلم يغفر له فابعده الله. فقلت : آمين. قال : ومن أدرك والديه أو أحدهما فدخل النار فابعده الله. فقلت : آمين. قال : ومن ذكرت عنده فلم يصل عليك فأبعده الله. فقلت : آمين. \".\rوأخرج ابن خزيمة وابن حبان عن أبي هريرة \" أن النبي صلى الله عليه وسلم صعد المنبر فقال : آمين آمين آمين. قيل : يا رسول الله إنك صعدت المنبر فقلت آمين آمين آمين ؟! فقال : إن جبريل أتاني فقال : من أدرك شهر رمضان فلم يغفر له فدخل النار فأبعده الله ، قل آمين. فقلت : آمين \".\rوأخرج البيهقي عن عائشة قالت \" كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا دخل شهر رمضان شد مئزره ، ثم لم يأت فراشه حتى ينسلخ \".\rوأخرج البيهقي والأصبهاني عن عائشة قالت \" كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا دخل شهر رمضان تغير لونه ، وكثرت صلاته ، وابتهل في الدعاء وأشفق منه \".\rوأخرج البزار والبيهقي عن ابن عباس قال \" كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا دخل شهر رمضان أطلق كل أسير ، وأعطى كل سائل \".\rوأخرج البيهقي عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال \" إن في رمضان ينادي مناد بعد الثلث الأوّل أو ثلث الليل الآخر ، ألا سائل يسأل فيعطى ألا مستغفر يستغفر فيغفر له ، ألا تائب يتوب فيتوب الله عليه \".\rوأخرج البيهقي والأصبهاني عن أنس قال : قيل يا رسول الله أي الصدقة أفضل ؟ قال : \" صدقة في رمضان \".\r","part":4,"page":51},{"id":1370,"text":"وأخرج البيهقي عن ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال \" إن الجنة لتزين من الحول إلى الحول لشهر رمضان ، وإن الحور لتزين من الحول إلى الحول لصوّام رمضان ، فإذا دخل رمضان قالت الجنة : اللهم اجعل لي في هذا الشهر من عبادك ، ويقول الحور : اللهم اجعل لنا من عبادك في هذا الشهر أزواجاً. فمن لم يقذف مسلماً فيه ببهتان ، ولم يشرب مسكراً ، كفر الله عنه ذنوبه ، ومن قذف فيه مسلماً ، أو شرب فيه مسكراً ، أحبط الله عمله لسنة ، فاتقوا شهر رمضان فإنه شهر الله ، جعل الله لكم أحد عشر شهراً تأكلون فيها وتشربون وتتلذذون وجعل لنفسه شهراً ، فاتقوا شهر رمضان فإنه شهر الله \".\rوأخرج الدارقطني في الأفراد والطبراني وأبو نعيم في الحلية والبيهقي وابن عساكر عن ابن عمرو \" أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : إن الجنة لتزخرف لرمضان من رأس الحول إلى حول قابل ، فإذا كان أوّل يوم من رمضان هبت ريح تحت العرش ، من ورق الجنة على الحور العين فيقلن : يا رب اجعل لنا من عبادك أزواجاً تقر بهم أعيننا وتقر أعينهم بنا \".\rوأخرج البزار والبيهقي عن أبي سعيد الخدري قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم \" سيد الشهور شهر رمضان ، وأعظمها حرمة ذو الحجة \".\rوأخرج ابن أبي شيبة والبيهقي عن ابن مسعود قال : سيد الشهور رمضان ، وسيد الأيام الجمعة.\rوأخرج البيهقي عن كعب قال : إن الله اختار ساعات الليل والنهار فجعل منهن الصلوات المكتوبة ، واختار الأيام فجعل منهن الجمعة ، واختار الشهور فجعل منهن شهر رمضان ، واختار الليالي فجعل منهن ليلة القدر ، واختار البقاع فجعل منها المساجد. أ هـ {الدر المنثور حـ 1 صـ 268 ـ 274}\rلطيفة\rقال فى روح البيان : \rلنا ثلاثة أعياد عيد الأفطار وهو عيد الطبيعة.\rوالثانى عيد الموت حين القبض بالإيمان الكامل وهو عيد كبير. والثالث عيد التجلى فى الآخرة وهو أكبر الأعياد. أ هـ {روح البيان حـ 1 صـ 367}","part":4,"page":52},{"id":1371,"text":"قوله تعالى {وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ (186)}\rمناسبة الآية لما قبلها\rقال الفخر : \rفي كيفية اتصال هذه الآية بما قبلها وجوه الأول : أنه تعالى لما قال بعض إيجاب فرض الصوم وبيان أحكامه : {وَلِتُكَبّرُواْ الله على مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} [البقرة : 185] فأمر العبد بعد التكبير الذي هو الذكر وبالشكر ، بين أنه سبحانه بلطفه ورحمته قريب من العبد مطلع على ذكره وشكره فيسمع نداءه ، ويجيب دعاءه ، ولا يخيب رجاءه والثاني : أنه أمر بالتكبير أولاً ثم رغبه في الدعاء ثانياً ، تنبيهاً على أن الدعاء لا بد وأن يكون مسبوقاً بالثناء الجميل ، ألا ترى أن الخليل عليه السلام لما أراد الدعاء قدم عليه الثناء ، فقال أولاً : {الذى خَلَقَنِى فَهُوَ يَهْدِينِ} [الشعراء : 78] إلى قوله : {والذى أَطْمَعُ أَن يَغْفِرَ لِى خَطِيئَتِى يَوْمَ الدين} [الشعراء : 82] وكل هذا ثناء منه على الله تعالى ثم شرع بعده في الدعاء فقال : {رَبّ هَبْ لِى حُكْماً وَأَلْحِقْنِى بالصالحين} [الشعراء : 83] فكذا ههنا أمر بالتكبير أولاً ثم شرع بعده في الدعاء ثانياً\rالثالث : إن الله تعالى لما فرض عليهم الصيام كما فرض على الذين من قبلهم ، وكان ذلك على أنهم إذا ناموا حرم عليهم ما يحرم على الصائم ، فشق ذلك على بعضهم حتى عصوا الله في ذلك التكليف ، ثم ندموا وسألوا النبي صلى الله عليه وسلم عن توبتهم ، فأنزل الله تعالى هذه الآية مخبراً لهم بقبول توبتهم ، ونسخ ذلك التشديد بسبب دعائهم وتضرعهم. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 5 صـ 81}\rوقال البقاعى : ","part":4,"page":53},{"id":1372,"text":"ولما كان دعاء الصائم مجاناً وكان هذا الشهر بالخصوص مظنة الإجابة للصيام ولمكان ليلة القدر وكان ذكر كبريائه سبحانه وتعالى مهيئاً لعباده للإحساس بالبعد فكان ربما أوقع في وهم أنه على عادة المتكبرين في بعد المسافة عن محالّ العبيد وأنه إن كان بحيث يسمع لم يكن لأحد منهم أن يسأله إلا بواسطة رفع هذا الوهم بقوله : {وإذا} دالاً بالعطف على غير مذكور أن التقدير : فإذا سألك عبادي عني فإني مع علو شأني رقيب على من أطاعني ومن عصاني \" وإذا \". وقال الحرالي : لما أثبت الحق سبحانه وتعالى كتاب الصيام لعباده لما أرادهم له من إعلائهم إلى خبء جزائه وأطلعهم على ما شاء في صومهم من ملكوته بحضور ليلة القدر فأنهاهم إلى التكبير على عظيم ما هداهم إليه واستخلفهم في فضله وشكر نعمته بما خولهم من عظيم فضله وأظهر عليهم من رواء بركاته ما يدعو الناظرين لهم إلى سؤالهم عما نالوه من ربهم فيليحون لمن دونهم ما به يليق بهم رتبة رتبة ؛ يؤثر عن عمر رضي الله تعالى عنه أنه قال : \" كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يكلم أبا بكر رضي الله تعالى عنه فكأنما يتكلمان بلسان أعجم لا أفهم مما يقولان شيئاً \" إلى أن ينتهي الأمر إلى أدنى السائلين الذين هم في رتبة حضرة بعد فيبشرون بمطالعة القرب فقال : و{إذا} عطفاً على أمور متجاوزة كأنه يقول : إذا خرجت من معتكفك فصليت وظهرت زينة الله التي باهى بها ملائكته ليست زينة الدنيا التي يتمقتها أهل حضرته من ملائكته فإذا سألك من حاله كذا فأنبئه بكذا وإذا سألك من حاله كذا فأنبئه بكذا وإذا {سألك عبادي عني} أي هل أنا على حال المتكبرين من ملوك الدنيا في البعد عمن دونهم فأخبرهم أني لست كذلك.","part":4,"page":54},{"id":1373,"text":"ولما كان لا يسأل عن الشيء إلاّ إن كان معظماً له متشوقاً إلى تعجيل الإخبار به كان الأنسب للمقام والأقرّ لعيون العباد والأزجر لأهل العناد تقريب الجواب وإخباره سبحانه وتعالى بنفسه الشريفة دون واسطة إشعاراً بفرط قربه وحضوره مع كل سائل فقال : {فإني} دون فقل إني ، فإنه لو أثبت قل ، لأوهم بُعداً وليس المقام كذلك ، ولكان قوله إني ، موهماً فيحتاج إلى أن يقال إن الله أو نحوه ، ومع ذلك فلا ينفك عن إشكال ؛ وإذا كان هذا التلطف بالسائلين فما ظنك بالسالكين السائرين! وقال الأستاذ أبو القاسم القشيري ما معناه : الذين يسألون عن الجبال وعن اليتامى وعن المحيض وعن الأهلة ونحوها يجابون بالواسطة ، وأما الذين يسألون عني فإني أرفع الوسائط بيني وبينهم. وقال الإمام قاضي القضاة ناصر الدين بن ميلق ما معناه : إنه سبحانه وتعالى لما كان قد تعرف إلى عباده بأفعاله وآياته وما ركز في العقول من معرفته كان حذف الواسطة في الإخبار عنه أنسب بخلاف الأهلة ونحوها فإن العقول لا تستقل بمعرفتها ، فكان الإخبار عنها بواسطة الرسول الذي لا تعرف إلا من جهته أنسب. {قريب} فعيل من القرب وهو مطالعة الشيء حساً أو معنى أي من طلبني بعقله وجدني وعرفني وإنما أرسلت الرسل زيادة في التعرف ورفعاً للحرج بسر التلطف ، وإسقاط قل ، أسرع في التعرف فهو أجدر بتعظيم الواسطة لأن الإسراع في الإجابة أقرب دلالة على صدقه في الرسالة. قال الحرالي : بشر أهل حضرة البعد بالقرب لما رقي أهل القرب إلى الوصول بالقرب فكان المبشر واصلاً وكان المتقاصر عن القرب مبشراً به ، ومعلوم أن قرب الله وبعد المخلوق منه ليس بعد مسافة ولا قرب مسافة ، فالذي يمكن إلاحته من معنى القرب أن من سمع فيما يخاطب به خطاب ربه فهو قريب ممن كان ذلك الخطاب منه ، ومن كان إنما يسمع الخطاب ممن واجهه بالخطاب في حسه ومحسوسه فسمعه ممن دون ربه كان بعيداً بحسب تلك الواسطة من بعد دون بعد إلى","part":4,"page":55},{"id":1374,"text":"أبعد البعد ، ولذلك يعلن للنبي صلى الله عليه وسلم {إنما عليك البلاغ} [الرعد : 40] وكان أن ما يتلوه لأمته إنما هو كلام ربه يتلو لهم كلام ربهم ليسمعوه من ربهم لأمته حتى لا يكون صلى الله عليه وسلم واسطة بين العبد وربه بل يكون يوصل العبد إلى ربه ، وللإشارة بهذا المعنى يتلى كلمة قل ، في القرآن ليكون إفصاحاً لسماع كلام الله سبحانه وتعالى ممن سمع كائناً من كان ، وفي إشعاره إهزاز القلوب والأسماع إلى نداء الحج إثر الصوم ، لأنه جعل تعالى أول يوم من شهور الحج إثر يوم من أيام الصوم ، فكأن منادي الله ينادي يوم الفطر بالحج ، ففي خفي إشارته إعلاء نداء إبراهيم عليه الصلاة والسلام الذي تقدم أساس أمر الإسلام على حنيفيته وملته ، وليكون في هذه الآية الجامعة توطئة لذكر الحج لما تقدم من أن هذه السورة تنتظم جوامعها خلال تفاصيلها انتظاماً عجيباً يليح المعنى لأهل الفهم ويفصله لأهل العلم ثم يحكم به على أهل الحكم قال : {أجيب} من الإجابة وهي اللقاء بالقول ابتداء شروع لتمام اللقاء بالمواجهة {دعوة الداع} ففيه إشعار بإجابة الداعي أي للحج عند خاتمة الصوم يعني لما بين العبادتين من تمام المناسبة ، فإن حال الصوم التابع لآية الموت في كونه محواً لحال البرزخ وحال الحج في كونه سفراً إلى مكان مخصوص على حال التجرد كحال الحشر ؛ قال : وجاء الفطر يعني بعد إكمال الصوم بما يعين على إجابة دعوة الوفادة على الله سبحانه وتعالى إثر الخلوة في بيت الله ليكون انتقالهم من بيت خلوته بالعكوف إلى موقف تجليه في الحج ، وفيه تحقيق للداعي من حاله ليس الداعي من أغراضه وشهواته ، فإن الله سبحانه وتعالى يجيب دعوة العبد إذا كان فيه رشد وإلا ادخرها له أو كفر بها عنه كما بينه صلى الله عليه وسلم.\r","part":4,"page":56},{"id":1375,"text":"ولما كان كل خلق داعياً لحاجته وإن لم ينطق بها أشار تعالى إلى مقصد إظهار الدعاء مقالاً وابتهالاً فقال : {إذا دعان} ليكون حاله صدقاً بمطابقة حاله مقالاً ، وفي قراءة الاكتفاء بكسرة {الداع} و{دعان} عن ياءيهما وقراءة تمكينهما توسعة القراءة بما تيسر على قبائل العرب بحسب ما في ألسنة بعضها من التمكين وما في ألسنة بعضها من الحذف {ولقد يسرنا القرآن للذكر فهل من مدّكر} [القمر : 17] وفي إجابته حجة عليهم بأن السيد إذا التزم إجابة عبده كان إجابة العبد لسيده أوجب التزاماً لاستغناء السيد وحاجة العبد. أ هـ {نظم الدرر حـ 1 صـ 347 ـ 348}\rوقال أبو السعود :\r{ وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنّي} في تلوين الخطابِ وتوجيهِه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ما لا يخفى من تشريفِه ورفعِ محله. أ هـ {تفسير أبى السعود حـ 1 صـ 200}\rسبب نزول هذه الآية\rقال الفخر :\rذكروا في سبب نزول هذه الآية وجوهاً أحدها : ما روي عن كعب أنه قال ، قال موسى عليه السلام : يا رب أقريب أنت فأناجيك ، أم بعيد فأناديك ؟ فقال : يا موسى أنا جليس من ذكرني ، قال : يا رب فإنا نكون على حالة نجلك أن نذكرك عليها من جنابة وغائط ، قال : يا موسى اذكرني على كل حال ، فلما كان الأمر على هذه الصفة رغب الله تعالى عباده في ذكره وفي الرجوع إليه في جميع الأحوال ، فأنزل الله تعالى هذه الآية (1)\r__________________\r(1) لا يخفى ما فى هذا القول من البعد. والله أعلم.","part":4,"page":57},{"id":1376,"text":"وثانيها : أن أعرابياً جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال : أقريب ربنا فنناجيه ، أم بعيد فنناديه ؟ فأنزل الله تعالى هذه الآية وثالثها : أنه عليه السلام كان في غزوة وقد رفع أصحابه أصواتهم بالتكبير والتهليل والدعاء ، فقال عليه السلام : \" إنكم لا تدعون أصم ولا غائباً إنما تدعون سميعاً قريباً \"\rورابعها : ما روي عن قتادة وغيره أن سببه أن الصحابة قالوا : كيف ندعو ربنا يا نبي الله ؟ فأنزل هذه الآية\rوخامسها : قال عطاء وغيره : إنهم سألوه في أي ساعة ندعو الله ؟ فأنزل الله تعالى هذه الآية\rوسادسها : ما ذكره ابن عباس ، وهو أن يهود أهل المدينة قالوا : يا محمد كيف يسمع ربك دعاءنا ؟ فنزلت هذه الآية\rوسابعها : قال الحسن : سأل أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم فقالوا : أين ربنا ؟ فأنزل الله هذه الآية\rوثامنها : ما ذكرنا أن قوله : \r{ كَمَا كُتِبَ عَلَى الذين مِن قَبْلِكُمْ} [البقرة : 183] لما اقتضى تحريم الأكل بعد النوم ، ثم إنهم أكلوا ثم ندموا وتابوا وسألوا النبي صلى الله عليه وسلم أنه تعالى هل يقبل توبتنا ؟ فأنزل الله هذه الآية. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 5 صـ 81}\rوقيل : إن عمر رضي الله عنه واقع امرأته بعدما صلّى العشاء فندم على ذلك وبكى ؛ وجاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبره بذلك ورجع مغتمَّا ؛ وكان ذلك قبل نزول الرخصة ؛ فنزلت هذه الآية : {وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ }. أ هـ {تفسير القرطبى حـ 2 صـ 308}\rقال الفخر : ","part":4,"page":58},{"id":1377,"text":"واعلم أن قوله : {وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنّي فَإِنّي قَرِيبٌ} يدل على أنهم سألوا النبي عليه السلام عن الله تعالى ، فذلك السؤال إما أنه كان سؤالاً عن ذات الله تعالى ، أو عن صفاته ، أو عن أفعاله ، أما السؤال عن الذات فهو أن يكون السائل ممن يجوز التشبيه ، فيسأل عن القرب والبعد بحسب الذات ، وأما السؤال عن الصفات فهو أن يكون السائل سأل عن أنه تعالى هل يسمع دعاءنا فيكون السؤال واقعاً على كونه تعالى سميعاً ، أو يكون المقصود من السؤال أنه تعالى كيف أذن في الدعاء ، وهل أذن في الدعاء ، وهل أذن في أن ندعوه بجميع الأسماء ، أو ما أذن إلا بأن ندعوه بأسماء معينة ، وهل أذن لنا أن ندعوه كيف شئنا ، أو ما أذن بأن ندعوه على وجه معين ، كما قال تعالى : {وَلاَ تَجْهَرْ بِصَلاتِكَ وَلاَ تُخَافِتْ بِهَا} [الإسراء : 110] وأما السؤال عن الأفعال فهو أن يكون السائل سأل الله تعالى أنه إذا سمع دعاءنا فهل يجيبنا إلى مطلوبنا ، وهل يفعل ما نسأله عنه فقوله سبحانه : {وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنّي} يحتمل كل هذه الوجوه ، إلا أن حمله على السؤال عن الذات أولى لوجهين الأول : أن ظاهر قوله : {عَنّي} يدل على أن السؤال وقع عن ذاته لا عن فعله والثاني أن السؤال متى كان مبهماً والجواب مفصلاً ، دل الجواب على أن المراد من ذلك المبهم هو ذلك المعين ، فلما قال في الجواب : {فَإِنّي قَرِيبٌ} علمنا أن السؤال كان عن القرب والبعد بحسب الذات ، ولقائل أيضاً أن يقول بل السؤال كان على الفعل ، وهو أنه تعالى هل يجيب دعاءهم ، وهل يحصل مقصود ، بدليل أنه لما قال : {فَإِنّي قَرِيبٌ} قال : {أُجِيبُ دَعْوَةَ الداع إِذَا دَعَانِ} فهذا هو شرح هذا المقام. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 5 صـ 81}\rقوله تعالى : {فَإِنّي قَرِيبٌ }\rقال الفخر : ","part":4,"page":59},{"id":1378,"text":"اعلم أنه ليس المراد من هذا القريب بالجهة والمكان ، بل المراد منه القرب بالعلم والحفظ ، فيحتاج ههنا إلى بيان مطلوبين : \rالمطلوب الأول : في بيان أن هذا القريب ليس قرباً بحسب المكان ، ويدل عليه وجوه الأول : أنه لو كان في المكان مشاراً إليه بالحس لكان منقسماً ، إذ يمتنع أن يكون في الصغر والحقارة مثل الجوهر الفرد.\rولو كان منقسماً لكانت ماهيته مفتقرة في تحققها إلى تحقق كل واحد من أجزائها المفروضة وجزء الشيء غيره ، فلو كان في مكان لكان مفتقراً إلى غيره ، والمفتقر إلى غيره ممكن لذاته ومحدث ومفتقر إلى الخالق ، وذلك في حق الخالق القديم محال ، فثبت أنه تعالى يمتنع أن يكون في المكان فلا يكون قربه بالمكان والثاني : أنه لو كان في المكان لكان إما أن يكون غير متناه عن جميع الجهات ، أو غير متناه عن جهة دون جهة ، أو كان متناهياً من كل الجوانب والأول : محال لأن البراهين القاطعة دلت على أن فرض بعد غير متناه محال والثاني : محال أيضاً لهذا الوجه ، ولأنه لو كان أحد الجانبين متناهياً والآخر غير متناه لكانت حقيقة هذا الجانب المتناهي مخالفة في الماهية لحقيقة ذلك الجانب الذي هو غير متناه ، فيلزم منه كونه تعالى مركباً من أجزاء مختلفة الطبائع والخصم لا يقول بذلك.\r","part":4,"page":60},{"id":1379,"text":"وأما القسم الثالث : وهو أن يكون متناهياً من كل الجوانب ، فذلك باطل بالاتفاق بيننا وبين خصومنا ، فبطل القول بأنه تعالى في الجهة الثالث : وهو أن هذه الآية من أقوى الدلائل على أن القرب المذكور في هذه الآية ليس قرباً بالجهة ، وذلك لأنه تعالى لو كان في المكان لما كان قريباً من الكل ، بل كان يكون قريباً من حملة العرش وبعيداً من غيرهم ، ولكان إذا كان قريباً من زيد الذي هو بالمشرق كان بعيداً من عمرو الذي هو بالمغرب ، فلما دلت الآية على كونه تعالى قريباً من الكل علمنا أن القرب المذكور في هذه الآية ليس قرباً بحسب الجهة ، ولما بطل أن يكون المراد منه القرب بالجهة ثبت أن المراد منه القرب بمعنى أنه تعالى يسمع دعاءهم ويرى تضرعهم ، أو المراد من هذا القرب : العلم والحفظ وعلى هذا الوجه قال تعالى : {وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَمَا كُنتُمْ} [الحديد : 4] وقال : {وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الوريد} [ق : 16] وقال : {مَا يَكُونُ مِن نجوى ثلاثة إِلاَّ هُوَ رَابِعُهُمْ} [المجادله : 7] والمسلمون يقولون إنه تعالى بكل مكان ويريدون به التدبير والحفظ والحراسة إذا عرفت هذه المقدمة فنقول : لا يبعد أن يقال إنه كان في بعض أولئك الحاضرين من كان قائلاً بالتشبيه ، فقد كان في مشركي العرب وفي اليهود وغيرهم من هذه طريقته ، فإذا سألوه عليه الصلاة والسلام فقالوا : أين ربنا ؟ صح أن يكون الجواب : فإني قريب ، وكذلك إن سألوه عليه الصلاة والسلام فقالوا : هل يسمع ربنا دعاءنا ؟ صح أن يقول في جوابه : فإني قريب فإن القريب من المتكلم يسمع كلامه ، وإن سألوه كيف ندعوه برفع الصوت أو بأخفائه ؟ صح أن يجيب بقوله : فإني قريب ، وإن سألوه هل يعطينا مطلوبنا بالدعاء ؟ صلح هذا الجواب أيضاً ، وإن سألوه إنا إذا أذنبنا ثم تبنا فهل يقبل الله توبتنا ؟ صلح أن يجيب بقوله : فإني قريب أي فأنا القريب بالنظر لهم والتجاوز عنهم وقبول","part":4,"page":61},{"id":1380,"text":"التوبة منهم ، فثبت أن هذا الجواب مطابق للسؤال على جميع التقديرات. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 5 صـ 81 ـ 82}\rلطيفة\rقال سهل أدنى مقامات القرب الحياء من الله عز وجل. أ هـ {حقائق التفسير صـ 71}\rوقال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله عن القرب : \rوهو على فى دنوه قريب فى علوه. أ هـ {مجموع الفتاوى حـ 3 صـ 142}\rقوله تعالى : {أُجِيبُ دَعْوَةَ الداع إِذَا دَعَانِ }\rقال الفخر : \rقال أبو سليمان الخطابي : الدعاء مصدر من قولك : دعوت الشيء أدعوه دعاء ثم أقاموا المصدر مقام الاسم تقول : سمعت دعاء كما تقول سمعت صوتاً وقد يوضع المصدر موضع الاسم كقولهم : رجل عدل.\rوحقيقة الدعاء استدعاء العبد ربه جل جلاله العناية واستمداده إياه المعونة.\rوأقول : اختلف الناس في الدعاء ، فقال بعض الجهال الدعاء شيء عديم الفائدة ، واحتجوا عليه من وجوه أحدها : أن المطلوب بالدعاء إن كان معلوم الوقوع عند الله تعالى كان واجب الوقوع ، فلا حاجة إلى الدعاء ، وإن كان غير معلوم الوقوع كان ممتنع الوقوع ، فلا حاجة أيضاً إلى الدعاء وثانيها : أن حدوث الحوادث في هذا العالم لا بد من انتهائها بالآخرة إلى المؤثر القديم الواجب لذاته ، وإلا لزم إما التسلسل ، وإما الدور وإما وقوع الحادث من غير مؤثر وكل ذلك محال وإذا ثبت وجوب إنتهائها بالآخرة إلى المؤثر القديم ، فكل ما اقتضى ذلك المؤثر القديم وجوده اقتضاء قديماً أزلياً كان واجب الوقوع ، وكل ما لم يقتض المؤثر القديم وجوده اقتضاء قديماً أزلياً كان ممتنع الوقوع ، ولما ثبتت هذه الأمور في الأزل لم يكن للدعاء ألبتة أثر ، وربما عبروا عن هذا الكلام بأن قالوا : الأقدار سابقة والأقضية متقدمة والدعاء لا يزيد فيها وتركه لا ينقص شيئاً منها ، فأي فائدة في الدعاء ، وقال عليه الصلاة والسلام","part":4,"page":62},{"id":1381,"text":"\" قدر الله المقادير قبل أن يخلق الخلق بكذا وكذا عاماً \" وروي عنه عليه الصلاة والسلام أنه قال : \" جف القلم بما هو كائن \" وعنه عليه الصلاة والسلام أنه قال : \" أربع قد فرغ منها : العمر والرزق والخلق والخلق \" وثالثها : أنه سبحانه علام الغيوب : {يَعْلَمُ خَائِنَةَ الأعين وَمَا تُخْفِى الصدور} [غافر : 19] فأي حاجة بالداعي إلى الدعاء ؟ ولهذا السبب قالوا إن جبريل عليه السلام بلغ بسبب هذا الكلام إلى أعلى درجات الإخلاص والعبودية ولولا أن ترك الدعاء أفضل لما كان كذلك ورابعها : أن المطلوب بالدعاء إن كان من مصالح العبد فالجواد المطلق لا يهمله وإن لم يكن من مصالحه لم يجز طلبه وخامسها : ثبت بشواهد العقل والأحاديث الصحيحة أن أجل مقامات الصديقين وأعلاها الرضا بقضاء الله تعالى والدعاء ينافي ذلك لأنه اشتغال بالإلتماس وترجيح لمراد النفس على مراد الله تعالى وطلبه لحصة البشر وسادسها : أن الدعاء يشبه الأمر والنهي وذلك من العبد في حق المولى الكريم الرحيم سوء أدب وسابعها : روي أنه عليه الصلاة والسلام قال رواية عن الله سبحانه وتعالى : \" من شغله ذكري عن مسألتي أعطيته أفضل ما أعطي السائلين \" قالوا فثبت بهذه الوجوه أن الأولى ترك الدعاء.\r","part":4,"page":63},{"id":1382,"text":"وقال الجمهور الأعظم من العقلاء : إن الدعاء أهم مقامات العبودية ، ويدل عليه وجوه من النقل والعقل ، أما الدلائل النقلية فكثيرة الأول : أن الله تعالى ذكر السؤال والجواب في كتابه في عدة مواضع منها أصولية ومنها فروعية ، أما الأصولية فقوله : {وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الروح} [الإسراء : 85] {وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الجبال} [طه : 105] {وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الساعة} [النازعات : 42] وأما الفروعية فمنها في البقرة على التوالي {يَسْئَلُونَكَ مَاذَا يُنفِقُونَ} [البقرة : 219] {يَسْئَلُونَكَ عَنِ الشهر الحرام} [البقرة : 217] {يَسْئَلُونَكَ عَنِ الخمر والميسر} [البقرة : 219] {يَسْأَلُونَكَ عَنِ اليتامى} [البقرة : 220] {وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ المحيض} [البقرة : 222] وقال أيضاً : {يَسْأَلُونَكَ عَنِ الأنفال} [الأنفال : 1] {وَيَسْأَلُونَكَ عَن ذِى القرنين} [الكهف : 83] {وَيَسْتَنْبِئُونَكَ أَحَقٌّ هُوَ} [يونس : 53] {يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ الله يُفْتِيكُمْ فِى الكلالة} [النساء : 176].\r","part":4,"page":64},{"id":1383,"text":"إذا عرفت هذا : فنقول هذه الأسئلة جاءت أجوبتها على ثلاثة أنواع فالأغلب فيها أنه تعالى لما حكى السؤال قال لمحمد : قل وفي صورة واحدة جاء الجواب بقوله : فقل مع فاء التعقيب ، والسبب فيه أن قوله تعالى : {يَسْأَلُونَكَ عَنِ الجبال} سؤال عن قدمها وحدوثها وهذه مسألة أصولية فلا جرم قال الله تعالى : {فَقُلْ يَنسِفُهَا رَبّى نَسْفاً} [طه : 105] كأنه قال يا محمد أجب عن هذا السؤال في الحال ولا تؤخر الجواب فإن الشك فيه كفر ثم تقدير الجواب أن النسف ممكن في كل جزء من أجزاء الجبل فيكون ممكناً في الكل وجواز عدمه يدل على امتناع قدمه ، أما سائر المسائل فهي فروعية فلا جرم لم يذكر فيها فاء التعقيب ، أما الصورة الثالثة وهي في هذه الآية قال : {وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنّي فَإِنّي قَرِيبٌ} ولم يقل فقل إني قريب فتدل على تعظيم حال الدعاء من وجوه الأول : كأنه سبحانه وتعالى يقول عبدي أنت إنما تحتاج إلى الواسطة في غير وقت الدعاء أما في مقام الدعاء فلا واسطة بيني وبينك الثاني : أن قوله : {وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنّي} يدل على أن العبد له وقوله : {فَإِنّي قَرِيبٌ} يدل على أن الرب للعبد وثالثها : لم يقل : فالعبد مني قريب ، بل قال : أنا منه قريب ، وفيه سر نفيس فإن العبد ممكن الوجود فهو من حيث هو هو في مركز العدم وحضيض الفناء ، فلا يمكنه القرب من الرب أما الحق سبحانه فهو القادر من أن يقرب بفضله وبرحمته من العبد ، والقرب من الحق إلى العبد لا من العبد إلا الحق فلهذا قال : {فَإِنّي قَرِيبٌ} والرابع : أن الداعي ما دام يبقى خاطره مشغولاً بغير الله فإنه لا يكون داعياً له فإذا فني عن الكل صار مستغرقاً في معرفة الأحد الحق ، فامتنع من أن يبقى في هذا المقام ملاحظاً لحقه وطالباً لنصيبه ، فلما ارتفعت الوسائط بالكلية ، فلا جرم حصل القرب فإنه ما دام يبقى العبد ملتفتاً إلى غرض نفسه لم يكن قريباً من الله","part":4,"page":65},{"id":1384,"text":"تعالى ، لأن ذلك الغرض يحجبه عن الله ، فثبت أن الدعاء يفيد القرب من الله ، فكان الدعاء أفضل العبادات.\rالحجة الثانية في فضل الدعاء : قوله تعالى : {وَقَالَ رَبُّكُمْ ادعونى أَسْتَجِبْ لَكُمْ} [غافر : 60].\rالحجة الثالثة : أنه تعالى لم يقتصر في بيان فضل الدعاء على الأمر به بل بين في آية أخرى أنه إذا لم يسأل يغضب فقال : {فَلَوْلاَ إِذْ جآءَهُمْ بَأْسُنَا تَضَرَّعُواْ ولكن قَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشيطان مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ} [الأنعام : 43] وقال عليه السلام : \" لا ينبغي أن يقول أحدكم : اللهم اغفر لي إن شئت ولكن يجزم فيقول : اللهم اغفر لي \" وقال عليه السلام : \" الدعاء مخ العبادة \" وعن النعمان بن بشير أنه عليه السلام قال : \" الدعاء هو العبادة \" وقرأ {وَقَالَ رَبُّكُمْ ادعونى أَسْتَجِبْ لَكُمْ} فقوله : \" الدعاء هو العبادة \" معناه أنه معظم العبادة وأفضل العبادة ، كقوله عليه السلام \" الحج عرفة \" أي الوقوف بعرفة هو الركن الأعظم.\rالحجة الرابعة : قوله تعالى : {ادعوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً} [الأعراف : 55] وقال : {قُلْ مَا يَعْبَؤُا بِكُمْ رَبّى لَوْلاَ دُعَاؤُكُمْ} [الفرقان : 77] والآيات كثيرة في هذا الباب فمن أبطل الدعاء فقد أنكر القرآن.\r","part":4,"page":66},{"id":1385,"text":"والجواب عن الشبهة الأولى : أنها متناقضة ، لأن إقدام الإنسان على الدعاء إن كان معلوم الوقوع فلا فائدة في اشتغالكم بإبطال الدعاء ، وإن كان معلوم العدم لم يكن إلى إنكاركم حاجة ، ثم نقول : كيفية علم الله تعالى وكيفية قضائه وقدره غائبة عن العقول ، والحكمة الإلهية تقتضي أن يكون العبد معلقاً بين الرجاء وبين الخوف اللذين بهما تتم العبودية ، وبهذا الطريق صححنا القول بالتكاليف مع الاعتراف بإحاطة علم الله بالكل وجريان قضائه وقدره في الكل ، ولهذا الإشكال سألت الصحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا : أرأيت أعمالنا هذه أشيء قد فرغ منه أم أمر يستأنفه ؟ فقال : بل شيء قد فرغ منه.\rفقالوا : ففيم العمل إذن ؟ قال : \" اعملوا فكل ميسر لما خلق له \" فانظر إلى لطائف هذا الحديث فإنه عليه السلام علقهم بين الأمرين فرهبهم سابق القدر المفروغ منه ثم ألزمهم العمل الذي هو مدرجة التعبد ، فلم يعطل ظاهر العمل بما يفيد من القضاء والقدر ، ولم يترك أحد الأمرين للآخر ، وأخبر أن فائدة العمل هو المقدر المفروغ منه فقال : \" كل ميسر لما خلق له \" يريد أنه ميسر في أيام حياته للعمل الذي سبق له القدر قبل وجوده ، إلا أنك تحب أن تعلم ههنا فرق ما بين الميسر والمسخر فتأهب لمعرفته فإنه بمنزلة مسألة القضاء والقدر ، وكذا القول في باب الكسب والرزق فإنه مفروغ منه في الأصل لا يزيده الطلب ولا ينقصه الترك.\rوالجواب عن الشبهة الثانية : أنه ليس المقصود من الدعاء الإعلام ، بل إظهار العبودية والذلة والانكسار والرجوع إلى الله بالكلية.\rوعن الثالثة : أنه يجوز أن يصير ما ليس بمصلحة مصلحة بحسب سبق الدعاء.\rوعن الرابعة : أنه إذا كان مقصوده من الدعاء إظهار الذلة والمسكنة ثم بعد رضى بما قدره الله وقضاه ، فذلك أعظم المقامات وهذا هو الجواب عن بقية الشبه في هذا الباب. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 5 صـ 83 ـ 85}\rقال القرطبى : ","part":4,"page":67},{"id":1386,"text":"قوله تعالى : {أُجِيبُ دَعْوَةَ الداع إِذَا دَعَانِ} أي أقبل عبادة من عبدني ؛ فالدعاء بمعنى العبادة ، والإجابة بمعنى القبول. دليله ما رواه أبو داود عن النُّعمان بن بَشير عن النبيّ صلى الله عليه وسلم قال : \" الدعاء هو العبادة قال ربكم ادعوني أستجب لكم \" فسُمِّيَ الدعاء عبادة ؛ ومنه قوله تعالى : {إِنَّ الذين يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ} [غافر : 60] أي دعائي. فأمر تعالى بالدعاء وحض عليه وسمّاه عبادة ، ووعد بأن يستجيب لهم. روى لَيث عن شَهر بن حَوْشَب عن عُبادة بن الصّامت قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : \" أُعْطِيَتْ أمتي ثلاثاً لم تُعط إلا الأنبياءَ كان الله إذا بعث نبِيًّا قال ادعني أستجب لك وقال لهذه الأمة ادعوني أستجب لكم وكان الله إذا بعث النبيّ قال له ما جعل عليك في الدِّين من حَرج وقال لهذه الأمة ما جعل عليكم في الدِّين من حرج وكان الله إذا بعث النبيّ جعله شهيداً على قومه وجعل هذه الأمة شُهداءَ على الناس \" وكان خالد الرَّبَعِيّ يقول : عجبت لهذه الأمة في {ادعوني أَسْتَجِبْ لَكُمْ} أمرهم بالدعاء ووعدهم بالإجابة ، وليس بينهما شَرْط. قال له قائل مثل ماذا ؟ قال مثل قوله : {وَبَشِّرِ الذين آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصالحات} فها هنا شَرْط ، وقوله : {وَبَشِّرِ الذين آمنوا أَنَّ لَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ} فليس فيه شَرْط العمل ، ومثل قوله : {فادعوا الله مُخْلِصِينَ لَهُ الدين} فها هنا شَرط ، وقوله : {ادعوني أَسْتَجِبْ لَكُمْ} [غافر : 60] ليس فيه شرط. وكانت الأمم تقرع إلى أنبيائها في حوائجهم حتى تسأل الأنبياءُ لهم ذلك. أ هـ {تفسير القرطبى حـ 2 صـ 309}\rسؤال : لم قال تعالى : {فإني قريب} ولم يقل : فقل لهم إني قريب ؟ ","part":4,"page":68},{"id":1387,"text":"الجواب : إنما قال تعالى : {فإني قريب} ولم يقل : فقل لهم إني قريب إيجازاً لظهوره من قوله : {وإذا سألك عبادي عني} ، وتنبيهاً على أن السؤال مفروض غير واقع منهم بالفعل ، وفيه لطيفة قرآنية وهي إيهام أن الله تعالى تولَّى جوابهم عن سؤالهم بنفسه إذ حذف في اللفظ ما يدل على وساطة النبي صلى الله عليه وسلم تنبيهاً على شدة قرب العبد من ربه في مقام الدعاء. أ هـ {التحرير والتنوير حـ 2 صـ 179}\rقوله تعالى : {أجيب دعوة الداعِ إذا دعانِ }\rقال الماوردى : \rوفي قوله تعالى : {أجيب دعوة الداعِ إذا دعانِ} تأويلان : \rأحدهما : معناه أسمع دعوة الداعي إذا دعاني ، فعبر عن السماع بالإجابة ، لأن السماع مقدمة الإجابة.\rوالثاني : أنه أراد إجابة الداعي إلى ما سأل ، ولا يخلو سؤال الداعي أن يكون موافقاً للمصلحة أو مخالفاً لها ، فإن كان مخالفاً للمصلحة لم تجز الإجابة إليه ، وإن كان موافقاً للمصلحة ، فلا يخلو حال الداعي من أحد أمرين : إما أن يكون مستكملاً شروط الطلب أو مقصوراً فيها : \rفإن استكملها جازت إجابته ، وفي وجوبها قولان : \rأحدهما : أنها واجبة لأنها تجري مجرى ثواب الأعمال ، لأن الدعاء عبادة ثوابها الإجابة.\rوالثاني : أنها غير واجبة لأنها رغبة وطلب ، فصارت الإجابة إليها تفضلاً.\rوإن كان مقصوراً في شروط الطلب لم تجب إجابته ، وفي جوازها قولان : \rأحدهما : لا تجوز ، وهو قول من أوجبها مع استكمال شروطها.\rوالثاني : تجوز ، وهو قول من لم يوجبها مع استكمال شروطها.\rأ هـ {النكت والعيون حـ 1 صـ 243}\rإشكال وجوابه\rقال الفخر : \rفي الآية سؤال مشكل مشهور ، وهو أنه تعالى قال : {ادعونى أَسْتَجِبْ لَكُمْ} [غافر : 60] وقال في هذه الآية : {أُجِيبُ دَعْوَةَ الداع إِذَا دَعَانِ} وكذلك {أَمَّن يُجِيبُ المضطر إِذَا دَعَاهُ} [النمل : 62] ثم إنا نرى الداعي يبالغ في الدعاء والتضرع فلا يجاب.","part":4,"page":69},{"id":1388,"text":"والجواب : أن هذه الآية وإن كانت مطلقة إلا أنه قد وردت آية أخرى مقيدة ، وهو قوله تعالى : {بَلْ إِيَّاهُ تَدْعُونَ فَيَكْشِفُ مَا تَدْعُونَ إِلَيْهِ إِنْ شَاء} [الأنعام : 41] ولا شك أن المطلق محمول على المقيد ، ثم تقرير المعنى فيه وجوه أحدها : أن الداعي لا بد وأن يجد من دعائه عوضاً ، إما إسعافاً بطلبته التي لأجلها دعا وذلك إذا وافق القضاء ، فإذا لم يساعده القضاء فإنه يعطي سكينة في نفسه ، وانشراحاً في صدره ، وصبراً يسهل معه احتمال البلاء الحاضر ، وعلى كل حال فلا يعدم فائدة ، وهو نوع من الاستجابة وثانيها : ما روى القفال في تفسيره عن أبي سعيد الخدري قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : \" دعوة المسلم لا ترد إلا لإحدى ثلاثة : ما لم يدع بإثم أو قطيعة رحم ، إما أن يعجل له في الدنيا ، وإما أن يدخر له في الآخرة ، وإما أن يصرف عنه من السوء بقدر ما دعا \".\r","part":4,"page":70},{"id":1389,"text":"وهذا الخبر تمام البيان في الكشف عن هذا السؤال ، لأنه تعالى قال : {ادعونى أَسْتَجِبْ لَكُمْ} ولم يقل : أستجب لكم في الحال فإذا استجاب له ولو في الآخرة كان الوعد صدقاً وثالثها : أن قوله : {ادعونى أَسْتَجِبْ لَكُمْ} يقتضي أن يكون الداعي عارفاً بربه وإلا لم يكن داعياً له ، بل لشيء متخيل لا وجود له ألبتة ، فثبت أن الشرط الداعي أن يكون عارفاً بربه ومن صفات الرب سبحانه أن لا يفعل إلا ما وافق قضاءه وقدره وعلمه وحكمته فإذا علم أن صفة الرب هكذا استحال منه أن يقول بقلبه وبعقله : يا رب افعل الفعل الفلاني لا محالة ، بل لا بد وأن يقول : افعل هذا الفعل إن كان موافقاً لقضائك وقدرك وحكمتك ، وعند هذا يصير الدعاء الذي دلت الآية على ترتيب الإجابة عليه مشروطاً بهذه الشرائط وعلى هذا التقدير زال السؤال الرابع أن لفظ الدعاء والإجابة يحتمل وجوهاً كثيرة أحدها : أن يكون الدعاء عبارة عن التوحيد والثناء على الله كقول العبد : يا الله الذي لا إله إلا أنت ، وهذا إنما سمي دعاء لإنك عرفت الله تعالى ثم وحدته وأثنيت عليه ، فهذا يسمى دعاء بهذا التأويل ولما سمي هذا المعنى دعاء سمي قبوله إجابة لتجانس اللفظ ومثله كثير وقال ابن الأنباري : {أُجِيبُ} ههنا بمعنى أسمع لأن بين السماع وبين الإجابة نوع ملازمة ، فلهذا السبب يقام كل واحد منهما مقام الآخر ، فقولنا سمع الله لمن حمده أي أجاب الله فكذا ههنا قوله : {أُجِيبُ دَعْوَةَ الداع} أي أسمع تلك الدعوة ، فإذا حملنا قوله تعالى : {ادعونى أَسْتَجِبْ لَكُمْ} على هذا الوجه زال الإشكال وثانيها : أن يكون المراد من الدعاء التوبة عن الذنوب ، وذلك لأن التائب يدعو الله تعالى عند التوبة ، وإجابة الدعاء بهذا التفسير عبارة عن قبول التوبة ، وعلى هذا الوجه أيضاً لا إشكال ، وثالثها : أن يكون المراد من الدعاء العبادة ، قال عليه الصلاة والسلام : \" الدعاء هو العبادة \" ومما يدل","part":4,"page":71},{"id":1390,"text":"عليه قوله تعالى : {وَقَالَ رَبُّكُمْ ادعونى أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الذين يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِى سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ داخِرِينَ} [غافر : 60] فظهر أن الدعاء ههنا هو العبادة ، وإذا ثبت هذا فإجابة الله تعالى للدعاء بهذا التفسير عبارة عن الوفاء بما ضمن للمطيعين من الثواب كما قال : {وَيَسْتَجِيبُ الذين ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصالحات وَيَزِيدُهُم مِن فَضْلِهِ} [الشورى : 26] وعلى هذا الوجه الإشكال زائل\rورابعها : أن يفسر الدعاء بطلب العبد من ربه حوائجه فالسؤال المذكور إن كان متوجهاً على هذا التفسير لم يكن متوجهاً على التفسيرات الثلاثة المتقدمة ، فثبت أن الإشكال زائل.\rأ هـ {مفاتيح الغيب حـ 5 صـ 86}\rوقال الآلوسى : \r{ أُجِيبُ دَعْوَةَ الداع إِذَا دَعَانِ} دليل للقرب وتقرير له فالقطع لكمال الاتصال ، وفيه وعد الداعي بالإجابة في الجملة على ما تشير إليه كلمة {إِذَا} لا كلياً فلا حاجة إلى التقييد بالمشيئة المؤذن به قوله تعالى في آية أخرى : {فَيَكْشِفُ مَا تَدْعُونَ إِلَيْهِ إِنْ شَاء} [الأنعام : 1 4] ولا إلى أن القول بأن إجابة الدعوة غير قضاء الحاجة لأنها قوله سبحانه وتعالى : لبيك يا عبدي وهو موعود موجود لكل مؤمن يدعو ولا إلى تخصيص الدعوة بما ليس فيها إثم ولا قطيعة رحم ، أو الداعي بالمطيع المخبت. نعم كونه كذلك أرجى للإجابة لا سيما في الأزمنة المخصوصة والأمكنة المعلومة والكيفية المشهورة ، ومع هذا قد تتخلف الإجابة مطلقاً وقد تتخلف إلى بدل ، ففي الصحيح عن أبي سعيد قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : \" ما من مسلم يدعو بدعوة ليس فيها إثم ولا قطيعة رحم إلا أعطاه الله تبارك وتعالى إحدى ثلاث إما أن يعجل له دعوته وإما أن يدخر له وإما أن يكف عنه من السوء مثلها \" وسيأتي تحقيق ذلك إن شاء الله تعالى. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 5 صـ 86}","part":4,"page":72},{"id":1391,"text":"قال ابن عرفة : \" أُجِيبُ دَعْوَةَ الداع \" فيه سؤالان : \rالأول : ما الفائدة في زيادة لفظ \" دعوة \" مع أنه مستغنى عنه ؟ \rقيل له : إنّه إذا أجاب الدّعوة الواحدة فأحرى أن يجيب الدّعوات (المكررة المؤكدة) ؟ \rفقال : العكس أولى لا ، إذ لا يلزم من أجابة الدعوة الواحدة إجابة الدعوات.\rقال : وعادتهم يجيبون عنه بأنّ \" أجاب \" تطلق على (الإجابة) بالموافق والمخالف و\" استجاب \" خاص بالموافق ، فلو قال : أُجِيبُ الدّاعِي ، لأوهم العموم ، وقوله \" أُجِيبُ دَعْوَةَ الداع \" صريح في الإسعاف بالمقصود ، كما نقول : أجيب طلبة فلان وأجيب دعوته ، أي أسعفه بمطلوبه.\rالسؤال الثاني : ما الفائدة في قوله \" إِذَا دَعَانِ \" مع أنّه أيضا مستغنى عنه.\rقال ابن عرفة : وعادتهم يجيبون بأنّ الدّعاء على قسمين دعاء بنية وعزيمة ، والداعي مستجمع لشرائطه ، ودعاء دون ذلك ، فأفاد قوله \" إِذَا دَعَانِ \" إجابة الداعي بنية وحضور. وذكروا أنّ الدّعاء على أقسام فالمستحيل عقلا والمحرم لا يجوز ، وكذلك الدعاء بتحصيل الواجب لأنه من تحصيل الحاصل ، وكذا قالوا في قوله تعالى {وَلاَ تعتدوا إِنَّ الله لاَ يُحِبُّ المعتدين} أي المعتدي في الدعاء بالمستحيل عقلا كالدعاء بالجمع بين النقيضين وأما المحال في العادة كالطيران في الهواء والمشي على الماء فمنهم من أجازه ومنهم من منعه.\rوالمختار عندهم أنه إن كان في الداعي أهلية لذلك وقابلية له جاز له الدعاء وإلا لم يجز كدعاء شيخ ابن ثمانين سنة أن يكون فقيها عالما ، ودعاء رجل من سفلة الناس بأن يكون ملكا. أ هـ {تفسير ابن عرفة صـ 235}","part":4,"page":73},{"id":1392,"text":"قال العلامة ابن القيم ـ رحمه الله ـ : \rوهاهنا سؤال مشهور وهو أن المدعو به إن كان قد قدر لم يكن بد من وقوعه دعا به العبد أو لم يدع وإن لم يكن قد قدر لم يقع سواء سأله العبد أو لم يسأله.\rفظنت طائفة صحة هذا السؤال فتركت الدعاء وقالت : لا فائدة فيه وهؤلاء مع فرط جهلهم وضلالهم متناقضون فإن طرد مذهبهم يوجب تعطيل جميع الأسباب فيقال لأحدهم : إن كان الشبع والري قد قدرا لك فلا بد من وقوعهما أكلت أو لم تأكل وإن لم يقدرا لم يقعا أكلت أو لم تأكل وإن كان الولد قد قدر لك فلابد منه وطأت الزوجة أو الأمة أو لم تطأ وإن لم يقدر ذلك لم يكن فلا حاجة إلى التزويج والتسري وهلم جرا فهل يقال هذا عاقل أو آدمي بل الحيوان البهيم مفطور على مباشرة الأسباب التي بها قوامه وحياته فالحيوانات أعقل وأفهم من هؤلاء الذين هم كالأنعام بل هم أضل سبيلا.\rوتكايس بعضهم وقال : الاشتغال بالدعاء من باب التعبد المحض يثيب الله عليه الداعي من غير أن يكون له تأثير في المطلوب بوجه ما ولا فرق عند هذا المتكيس بين الدعاء والإمساك عنه بالقلب واللسان في التأثير في حصول المطلوب وارتباط الدعاء عندهم به كارتباط السكوت ولا فرق.\rوقالت طائفة أخرى أكيس من هؤلاء بل الدعاء علامة مجردة نصبها الله سبحانه وتعالى أمارة على قضاء الحاجة فمتى وفق العبد للدعاء كان ذلك علامة له وأمارة على أن حاجته قد انقضت وهذا كما إذا رأيت غيما أسود باردا في زمن الشتاء فإن ذلك دليل وعلامة على أنه يمطر قالوا : وهكذا حكم الطاعات مع الثواب والكفر والمعاصي مع العقاب هي أمارات محضة لوقوع الثواب والعقاب لا أنها أسباب له وهكذا عندهم الكسر مع الانكسار والحرق مع الإحراق والإزهاق مع القتل ليس شيء من ذلك سببا ألبته ولا ارتباط بينه وبين ما يترتب عليه إلا مجرد الاقتران العادي لا التأثير السببي وخالفوا بذلك الحس والعقل والشرع والفطرة وسائر طوائف العقلاء بل أضحكوا عليهم العقلاء\r","part":4,"page":74},{"id":1393,"text":"والصواب : أن هاهنا قسما ثالثا غير ما ذكره السائل وهو أن هذا المقدور قدر بأسباب ومن أسبابه الدعاء فلم يقدر مجردا عن سببه ولكن قدر سببه فمتى أتي العبد بالسبب وقع المقدور ومتى لم يأت بالسبب انتفى المقدور وهذا كما قدر الشبع والري بالأكل والشرب وقدر الولد بالوطء وقدر حصول الزرع بالبذر وقدر خروج نفس الحيوان بذبحه وكذلك قدر دخول الجنة بالأعمال ودخول النار بالأعمال وهذا القسم هو الحق وهذا الذي حرمه السائل ولم يوفق له.\rوحينئذ فالدعاء من أقوى الأسباب فإذا قدر وقوع المدعو به بالدعاء لم يصح أن يقال : لا فائدة في الدعاء كما لا يقال : لا فائدة في الأكل والشرب وجميع الحركات والأعمال وليس شيء من الأسباب أنفع من الدعاء ولا أبلغ في حصول المطلوب.\rولما كان الصحابة رضي الله عنهم أعلم الأمة بالله ورسوله صلى الله عليه وسلم وأفقههم في دينه كانوا أقوم بهذا السبب وشروطه وآدابه من غيرهم وكان عمر ابن الخطاب رضي الله عنه يستنصر به على عدوه وكان أعظم جنديه وكان يقول للصحابه : \"لستم تنصرون بكثرة وإنما تنصرون من السماء\" وكان يقول : فمن ألهم الدعاء فقد أريد به الإجابة فإن الله سبحانه يقول : {ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ} وقال : {وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إذا دَعَانِ}\rوفى سنن ابن ماجه من حديث أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : \"من لم يسأل الله يغضب عليه\" وهذا يدل على أن رضاه في سؤاله وطاعته وإذا رضي الرب تبارك وتعالى فكل خير في رضاه كما أن كل بلاء ومصيبة في غضبه\rوقد ذكر الإمام أحمد في كتاب الزهد : أثرا \"أنا الله لا إله إلا أنا إذا رضيت باركت وليس لبركتي منتهى وإذا غضبت لعنت ولعنتي تبلغ السابع من الولد\"\r","part":4,"page":75},{"id":1394,"text":"وقد دل العقل والنقل والفطرة وتجارب الأمم على اختلاف أجناسها ومللها ونحلها على أن التقرب إلى رب العالمين وطلب مرضاته والبر والإحسان إلى خلقه من أعظم الأسباب الجالبة لكل خير وأضدادها من أكبر الأسباب الجالبة لكل شر فما استجلبت نعم الله واستدفعت نقمه الله بمثل طاعته والتقرب إليه والإحسان إلى خلقه\r","part":4,"page":76},{"id":1395,"text":"وقد رتب الله سبحانه حصول الخيرات في الدنيا والآخرة وحصول الشرور في الدنيا والآخرة في كتابه على الأعمال ترتب الجزاء على الشرط والمعلول على العلة والمسبب على السبب وهذا في القرآن يزيد على ألف موضع فتارة يرتب الحكم الخبري الكوني والأمر الشرعي على الوصف المناسب له كقوله تعالى : {فَلَمَّا عَتَوْا عَنْ مَا نُهُوا عَنْهُ قُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ} وقوله : {فَلَمَّا آسَفُونَا انْتَقَمْنَا مِنْهُمْ} قوله : {وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا} وقوله : {إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَالْقَانِتِينَ وَالْقَانِتَاتِ وَالصَّادِقِينَ وَالصَّادِقَاتِ وَالصَّابِرِينَ وَالصَّابِرَاتِ وَالْخَاشِعِينَ وَالْخَاشِعَاتِ وَالْمُتَصَدِّقِينَ وَالْمُتَصَدِّقَاتِ وَالصَّائِمِينَ وَالصَّائِمَاتِ وَالْحَافِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَالْحَافِظَاتِ وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيراً وَالذَّاكِرَاتِ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْراً عَظِيماً} وهذا كثير جدا وتارة ترتبه عليه بصيغة الشرط والجزاء كقوله تعالى : {إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَاناً وَيُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ} وقوله : {فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ} وقوله : {وَأَلَّوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لأَسْقَيْنَاهُمْ مَاءً غَدَقاً} ونظائره وتارة يأتي بلام التعليل كقوله : {لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الأَلْبَابِ} وقوله : {لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً} وتارة يأتي بأداة كي التي للتعليل كقوله : {كَيْ لا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الأَغْنِيَاءِ مِنْكُمْ} وتارة يأتي بباء السببية كقوله تعالى : {ذَلِكَ","part":4,"page":77},{"id":1396,"text":"بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ} وقوله : {بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ} وقوله تعالى : {بِمَا كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ} وقوله : {ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُوا يَكْفُرُونَ بآيَاتِ اللَّهِ} وتارة يأتي بالمفعول لأجله ظاهرا أو محذوفا كقوله تعالى : {فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الأُخْرَى} وكقوله تعالى : {أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ} وقوله : {أَنْ تَقُولُوا إِنَّمَا أُنْزِلَ الْكِتَابُ عَلَى طَائِفَتَيْنِ مِنْ قَبْلِنَا} أي كراهة أن تقولوا وتارة يأتي بفاء السببية كقوله تعالى : {فكذبوه فعقروها فدمدم عليهم ربهم بذنبهم فسواها} وقوله تعالى : {فَعَصَوْا رَسُولَ رَبِّهِمْ فَأَخَذَهُمْ أَخْذَةً رَابِيَةً} وقوله : {فَكَذَّبُوهُمَا فَكَانُوا مِنَ الْمُهْلَكِينَ} ونظائره وتارة يأتي بأداة لما الدالة على الجزاء كقوله : {فَلَمَّا آسَفُونَا انْتَقَمْنَا مِنْهُمْ} ونظائره وتارة يأتي بإن وما علمت فيه كقوله : {إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ} وقوله في ضد هؤلاء : {إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمَ سَوْءٍ فَأَغْرَقْنَاهُمْ أَجْمَعِينَ} وتارة يأتي بأداة لولا الدالة على ارتباط ما قبلها بما بعدها كقوله : {فَلَوْلا أَنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ} وتارة يأتي بلو الدالة على الشرط كقوله : {وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا مَا يُوعَظُونَ بِهِ لَكَانَ خَيْراً لَهُمْ}\rوبالجملة فالقرآن من أوله إلى آخره صريح في ترتب الجزاء بالخير والشر والأحكام الكونية والأمرية على الأسباب بل ترتب أحكام الدنيا والآخرة ومصالحهما ومفاسدهما على الأسباب والأعمال\r","part":4,"page":78},{"id":1397,"text":"ومن تفقه هذه المسألة وتأملها حق التأمل انتفع بها غاية النفع ولم يتكل على القدر جهلا منه وعجزا وتفريطا وإضاعة فيكون توكله عجزا وعجزه توكلا بل الفقيه كل الفقيه الذي يرد القدر بالقدر ويدفع القدر بالقدر ويعارض القدر بالقدر بل لا يمكن الإنسان أن يعيش إلا بذلك فإن الجوع والعطش والبرد وأنواع المخاوف والمحاذير هي من القدر والخلق كلهم ساعون في دفع هذا القدر بالقدر وهكذا من وفقه الله وألهمه رشده يدفع قدر العقوبة الأخروية بقدر التوبة والإيمان والأعمال الصالحة فهذا وزان القدر المخوف في الدنيا وما يضاده فرب الدارين واحد وحكمته واحدة لا يناقض بعضها بعضا ولا يبطل بعضها بعضا فهذه المسألة من أشرف المسائل لمن عرف قدرها ورعاها حق رعايتها والله المستعان.\rلكن يبقى عليه أمران بهما تتم سعادته وفلاحه : \rأحدهما : أن يعرف تفاصيل أسباب الشر والخير وتكون له بصيرة في ذلك بما يشاهده في العالم وما جربه في نفسه وغيره وما سمعه في أخبار الأمم قديما وحديثا.\rومن أنفع ما في ذلك تدبر القرآن فإنه كفيل بذلك على أكمل الوجوه وفيه أسباب الخير والشر جميعا مفصلة مبينة ثم السنة فإنها شقيقة القرآن وهي الوحي الثاني ومن صرف إليهما عنايته اكتفى بهما عن غيرهما وهما يريانك الخير والشر وأسبابهما حتى كأنك تعاين ذلك عيانا وبعد ذلك إذا تأملت أخبار الأمم وأيام الله في أهل طاعته وأهل معصيته طابق ذلك ما علمته من القرآن والسنة ورأيته بتفاصيل ما أخبر الله به ووعد به وعلمت من آياته في الآفاق ما يدلك على أن القرآن حق وأن الرسول حق وأن الله ينجز وعده لا محالة فالتاريخ تفصيل لجزئيات ما عرّفنا الله ورسوله من الأسباب الكلية للخير والشر. أ هـ {الجواب الكافى صـ 14 ـ 19}","part":4,"page":79},{"id":1398,"text":"قوله تعالى : {فَلْيَسْتَجِيبُواْ لِى وَلْيُؤْمِنُواْ بِى }\rقال البقاعى : \rحين كان الغني مجيباً كان أولى بأن يكون المحتاج مستجيباً يعني فلذلك سبب عنه قوله إشارة إلى شرط الإجابة {فليستجيبوا لي} إنباء عما قد دعاهم إليه من قربه وقصد بيته بما جبلهم عليه من حاجتهم إليه ، وجاء بصيغة الاستفعال المشعر باستخراج الإجابة مما شأنه الإباء لما في الأنفس من كره فيما تحمل عليه من الوصول إلى بيت لم يكونوا بالغيه إلا بشق الأنفس - انتهى وفيه تصرف. ولما أوجب استجابته سبحانه في كل ما دعا إليه وكانت الاستجابة بالإيمان أول المراتب وأولاها وكانت مراتب الإيمان في قوته وضعفه لا تكاد تتناهى قال مخاطباً لمن آمن وغيره : {وليؤمنوا بي} أي مطلق الإيمان أو حق الإيمان ، ثم علل ذلك بقوله : {لعلهم يرشدون} أي ليكونوا على رجاء من الدوام على إصابة المقاصد والاهتداء إلى طريق الحق. أ هـ {نظم الدرر حـ 1 صـ 349}\rقال الماوردى : \rوفي قوله تعالى : {فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي} أربعة تأويلات : \rأحدها : أن الاستجابة بمعنى الإجابة ، يقال استجبت له بمعنى أجبته ، وهذا قول أبي عبيدة ، وأنشد قول كعب بن سعد الغنوي : \rوداعٍ دَعَا : يا من يجيب إلي الندا... فلم يستجبه عند ذلك مجيب\rأي فلم يجبه.\rوالثاني : أن الاستجابة طلب الموافقة للإجابة ، وهذا قول ثعلب.\rوالثالث : أن معناه فليستجيبوا إليَّ بالطاعة.\rوالرابع : فليستجيبوا لي ، يعني فليدعوني. أ هـ {النكت والعيون حـ 1 صـ 243 ـ 244}\rلطيفة\rقال الفخر : ","part":4,"page":80},{"id":1399,"text":"وجه الناظم أن يقال : إنه تعالى قال : أنا أجيب دعاءك مع أني غني عنك مطلقاً ، فكن أنت أيضاً مجيباً لدعائي مع أنك محتاج إلي من كل الوجوه ، فما أعظم هذا الكرم ، وفيه دقيقة أخرى وهي أنه تعالى لم يقل للعبد : أجب دعائي حتى أجيب دعاءك ، لأنه لو قال ذلك لصار لدعائي ، وهذا تنبيه على أن إجابة الله عبده فضل منه ابتداء ، وأنه غير معلل بطاعة العبد ، وأن إجابة الرب في هذا الباب إلى العبد متقدمة على اشتغال العبد بطاعة الرب. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 5 صـ 87}\rإشكال وجوابه\rقال الفخر : \rإجابة العبد لله إن كانت إجابة بالقلب واللسان ، فذاك هو الإيمان ، وعلى هذا التقدير يكون قوله : {فَلْيَسْتَجِيبُواْ لِى وَلْيُؤْمِنُواْ بِى} تكراراً محضاً ، وإن كانت إجابة العبد لله عبارة عن الطاعات كان الإيمان مقدماً على الطاعات ، وكان حق النظم أن يقول : فليؤمنوا بي وليستجيبوا لي ، فلم جاء على العكس منه ؟ .\rوجوابه : أن الاستجابة عبارة عن الانقياد والاستسلام ، والإيمان عبارة عن صفة القلب ، وهذا يدل على أن العبد لا يصل إلى نور الإيمان وقوته إلا بتقدم الطاعات والعبادات. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 5 صـ 87}\rومعنى الآية أنهم إذا استجابوا لي وآمنوا بي : اهتدوا لمصالح دينهم ودنياهم ، لأن الرشيد هو من كان كذلك. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 5 صـ 87}\rوقال البقاعى : \rقال الحرالي : والرشد حسن التصرف في الأمر حساً أو معنى في دين أو دنيا ، ومن مقتضى هذه الآية تتفضل جميع أحوال السالكين إلى الله سبحانه وتعالى من توبة التائب من حد بعده إلى سلوك سبيل قربه إلى ما يؤتيه الله من وصول العبد إلى ربه - انتهى.\rأ هـ {نظم الدرر حـ 1 صـ 349}\rفصل فى فضل الدعاء","part":4,"page":81},{"id":1400,"text":"عن أنسٍ رضي اللَّه عنه قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم : \" لاَ تَعْجِزُوا عَنِ الدُّعَاءِ ؛ فَإِنَّهُ لَنْ يَهْلِكَ مَعَ الدُّعَاءِ أَحَدٌ \" رواه الحاكم أبو عبد اللَّه في \"المُسْتَدْرَكِ\" على الصحيحين ، وابن حِبَّانَ في \"صحيحه\" ، واللفظ له ، وقال الحاكم : صحيحُ الإِسناد ، وعن أبي هريرة - رضي اللَّه عنه - قال : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم : \" الدُّعَاءُ : سِلاَحُ المُؤْمِنِ ، وَعِمَادُ الدِّينِ ، وَنُورُ السَّمَوَاتِ والأَرْضِ \" رواه الحاكم في \"المستدرك\" ، وقال : صحيحٌ ، وعن جابرِ بن عبدِ اللَّهِ - رضي اللَّه عنهما - عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ : \" يَدْعُو اللَّهُ بِالمُؤْمِنِ يَوْمَ القِيَامَةِ حتى يُوقَفَ بَيْنَ يَدَيْهِ ، فَيَقُولُ : عَبْدِي ، إِنِّي أَمَرْتُكَ ؛ أَنْ تَدْعُونِي ، وَوَعَدْتُّكَ أَنْ أَسْتَجِيبَ لَكَ ، فَهَلْ كُنْتَ تَدْعُونِي ، فَيَقُولُ : نَعَمْ ، يَا رَبِّ ، فَيَقُولُ : أَمَا إِنَّكَ لَمْ تَدْعُنِي بِدَعْوَةٍ إِلاَّ استجبت لَكَ ، أَلَيْسَ دَعَوْتَنِي يَوْمَ كَذَا وَكَذَا لِغَمٍّ نَزَلَ بِكَ ؛ أَنْ أُفَرِّجَ عَنْكَ فَفَرَّجْتُ عَنْكَ ؟! فَيَقُولُ : نَعَمْ ، يَا رَبِّ ، فَيَقُولُ : فَإِنِّي عَجَّلْتُهَا لَكَ فِي الدُّنْيَا ، وَدَعَوْتَنِي يَوْمَ كَذَا وَكَذَا لِغَمٍّ نَزَلَ بِكَ ، أنْ أُفَرِّجَ عَنْكَ ، فَلَمْ تَرَ فَرَجاً ؟ قَالَ : نَعَمْ ، يَا رَبِّ ، فَيَقُولُ : إِنِّي ادخرت لَكَ بِهَا فِي الجَنَّةِ كَذَا وَكَذَا [و] كَذَا وَكَذَا ، وَدَعَوْتَنِي فِي حَاجَةٍ أَقْضِيهَا لَكَ فِي يَوْمِ كَذَا وَكَذَا ، فَقَضَيْتُهَا ، فَيَقُولُ : نَعَمْ ، يَا رَبِّ ، فَيَقُولُ : فَإِنِّي عَجَّلْتُهَا لَكَ فِي الدُّنْيَا ، وَدَعَوْتَنِي فِي يَوْمِ كَذَا وَكَذَا فِي حَاجَةٍ أَقْضِيهَا لَكَ ، فَلَمْ تَرَ قَضَاءَهَا ، فَيَقُولُ : نَعَمْ ، ","part":4,"page":82},{"id":1401,"text":"يَا رَبِّ ، فَيَقُولُ : إِنِّي ادخرت لَكَ فِي الجَنَّةِ كَذَا وَكَذَا \" قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم : \" فَلاَ يَدَعُ اللَّهُ دَعْوَةً دَعَا بِهَا عَبْدُهُ المُؤْمِنُ إِلاَّ بَيَّنَ لَهُ إِمَّا أَنْ يَكُونَ عَجَّلَ لَهُ فِي الدُّنْيَا ، وإِمَّا أَنْ يَكُونَ ادخر لَهُ فِي الآخِرَةِ ، قَالَ : فَيَقُولُ المُؤْمِنُ فِي ذَلِكَ المَقَامِ : يَا لَيْتَهُ لَمْ يَكُنْ عُجِّلَ لَهُ شَيْءٌ مِنْ دُعَائِهِ \" ، رواه الحاكم في \"المستدرك\".\rوعن ثَوْبَانَ - رضي اللَّه عنه - قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم : \" لاَ يَرُدُّ القَدَرِ إِلاَّ الدُّعَاءُ \" ، رواه الحاكمُ في \"المستدرك\" وابنُ حِبَّانَ في \"صحيحه\" ، واللفظ للحاكمِ ، وقال : صحيحُ الإِسناد.\rقلت : وقد أخرج ابن المبارك في \"رقائقه\" هذا الحديثَ أيضاً ، قال : حدَّثنا سفيانُ ، عن عبد اللَّه بن عيس عن عبد اللَّه بن أبي الجَعْد ، عن ثَوْبَان ، قال : قَال رسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم : \" لاَ يَرُدُّ القَضَاءَ إِلاَّ الدُّعَاءُ ، وَإِنَّ الرَّجُلَ لَيُحْرَمُ الرِّزْقَ بِالذَّنْبِ يُصِيبُهُ \" انتهى.\rوعن عائشةَ - رضي اللَّه عنها - قَالَتْ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم : \" لاَ يُغْنِي حَذَرٌ مَنْ قَدَرٍ ، وَالدُّعَاءُ يَنْفَعُ مِمَّا نَزَلَ وَمِمَّا لَمْ يَنْزِلْ ، وَإنَّ البَلاَءَ لَيَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ ، فَيَتَلَقَّاهُ الدُّعَاءُ ، فَيَعْتَلِجَانِ إلى يَوْمِ القِيَامَةِ \" رواه الحاكم في \"مستدركه\" ، وقال : صحيحُ الإِسناد ، وقوله ؛ \"فَيَعْتَلِجَانِ\" ، أي : يتصارعان.\r","part":4,"page":83},{"id":1402,"text":"وعن سَلْمَانِ - رضي اللَّه عنه - قال : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم : \" مَنْ سَرَّهُ أَنْ يُسْتَجَابَ لَهُ عِنْدَ الكُرَبِ ، وَالشَّدَائِدِ ، فَلْيُكْثِرِ الدُّعَاءَ فِي الرَّخَاءِ \" ، رواه الحاكمُ أيضاً ، وقال : صحيحُ الإِسناد ، وعن ابْنِ عمر - رضي اللَّه عنهما - قال : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم : \" مَنْ فُتِحَ لَهُ فِي الدُّعَاءِ مِنْكُمْ ، فُتِحَتْ لَهُ أَبْوَابُ الجَنَّةِ \" ، قال الغَزَّالِيُّ - رحمه اللَّه - في كتابِ \"الإِحياء\" : \"فإِن قُلْتَ : فما فائدةُ الدعاءِ ، والقضاءُ لا يُرَدُّ ؟ فاعلمْ أنَّ من القضاءِ رَدَّ البلاء بالدعاءِ ، فالدعاءُ سببٌ لردِّ البلاء ، واستجلابٌ للرحمة ؛ كما أن التُّرْس سبب لردِّ السهم ، ثم في الدعاءِ من الفائدة أنه يستدْعِي حضورَ القَلْب ، مع اللَّه عزَّ وجلَّ ، وذلك منتهى العبادَاتِ ، فالدعاءُ يردُّ القلْبَ إِلى اللَّه عز وجلَّ بالتضرُّع والاستكانةِ\" ، فانظره ، فإِني اثرت الاختصار ، وانظر \"سِلاَحَ المُؤْمن\" الذي منه نقلْتُ هذه الأحاديثَ.\rومن \"جامع الترمذيِّ\". عن أبي خُزَامَةَ ، واسمه رفَاعَةُ ، عن أبِيهِ ، قال : \" سَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم ، فَقُلْتُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، أَرَأَيْتَ رُقًى نَسْتَرْقِيهَا ، وَدَوَاءً نتداوى بِهِ ، وَتُقَاةً نَتَّقِيهَا ، هَلْ تَرُدُّ مِنْ قَدَرِ اللَّهِ شَيْئاً ؟ قَالَ : هِيَ مِنْ قَدَرِ اللَّهِ \" ؛ قال أبو عيسى : هذا حديث حسنً صحيحٌ.\rوانظر جوابَ عمر لأبي عُبَيْدة \"نَعَمْ ، نَفِرُّ من قدر اللَّه إِلى قدر اللَّه... \" الحديث هو من هذا المعنى. انتهى ، واللَّه الموفق بفضله. أ هـ {الجواهر الحسان حـ 1 صـ 143}\rفائدةٌ","part":4,"page":84},{"id":1403,"text":"قال صاحب \"غاية المَغْنَم في اسم اللَّه الأَعْظَم\" وهو إِمام عارفٌ بعلْمِ الحديث ، وكتابه هذا يَشْهَدُ له ، قال : ذكر الدِّينَوَرِيُّ في \"كتاب المُجَالَسَة\" ، عن ليثِ بنِ سُلَيْمٍ ؛ أن رجلاً وقَفَ على قوم ، فقال : مَنْ عنده ضيافةٌ هذه الليلةَ ، فسكَتَ القومُ ، ثم عاد ، فقالَ رجُلٌ أعمى : عندي ، فذَهَبَ بِهِ إلى منزله ، فعشَّاه ، ثم حدَّثه ساعةً ، ثم وضع لهُ وَضُوءاً ، فقام الرجُلُ في جَوْف اللَّيْلِ ، فتوضَّأ ، وصلى ما قُضِيَ له ، ثم جَعَلَ يدعو ، فانتبه الأعمى ، وجَعَلَ يسمع لدْعَائِهِ ، فقال : اللَّهُمَّ ، ربَّ الأرواحِ الفانيةِ ، والأجسادِ الباليةِ ، أسألُكَ بطَاعَةِ الأرواحِ الرَّاجعَةِ إلى أجسادها ، وبطاعةِ الأَجْسَادِ الملتئمَةِ في عروقها ، وبطاعة القُبُور المتشقِّقة عن أهلها ، وبدَعْوتِكَ الصادقةِ فيهم ، وأخذِكَ الحقَّ منهم ، وتبريز الخلائقِ كلِّهم من مخافَتِكَ ينتظرُونَ قضاءَكَ ، ويرْجُون رحمتَكَ ، ويخافُونَ عذابَكَ ، أَسأَلُك أنْ تَجْعَلَ النُّور في بَصَري ، والإِخلاصَ في عَمَلِي ، وشُكْرَكَ في قَلْبِي ، وذِكْرَكَ في لِسَانِي في الليلِ والنهارِ ، ما أبقيتَنِي ، قال : فَحَفِظَ الأعمى هذا الدعاءَ ، ثم قَامَ ، فَتَوضَّأ ، وصلى ركعتَيْنِ ، ودعا به فأصْبَحَ قدْ رَد اللَّهُ عليه بَصَرَهُ. انتهى من \"غاية المَغْنَم في اسم اللَّه الأعظَم\" ، وإِطلاَقُ الفناءِ على الأرواحِ فيه تجوُّز ، والعقيدةُ أن الأرواح باقيةٌ لا تفنى ، وإِنَّما عبر عن مفارقتها لأجسادها بالفَنَاءِ ، هذا هو مراده.\r","part":4,"page":85},{"id":1404,"text":"وروى ابنُ المبارك في \"رقائقه\" بسنده عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم ؛ أنه قَالَ : \" إِنَّ القُلُوبَ أَوْعِيَةٌ ، وَبَعْضُهَا أوعى مِنْ بَعْضٍ ، فادعوا اللَّهَ أَيُّهَا النَّاسُ ، حِينَ تَدْعُونَ ، وَأَنْتُمْ مُوقِنُونَ بِالإِجَابَةِ ؛ فَإِنَّ اللَّهَ لاَ يَسْتَجِيبُ لِعَبْدٍ دَعَاهُ عَنْ ظَهْرِ قَلْبٍ غَافِلٍ \" انتهى.\rقال ابن عطاء اللَّهِ في \"لطائفِ المِننِ\" : وإِذا أراد اللَّه أن يعطِيَ عبداً شيئاً وهبه الاضطرار إِلَيْهِ فيه ، فيطلبه بالاِضطرارِ ، فيعطى ، وإِذا أراد اللَّه أن يمنع عبداً أمراً ، منعه الاضطرَار إِلَيْه فيه ، ثم منعه إِياه ، فلا يُخَافُ علَيْكَ أن تضطرَّ ، وتطلب ، فلا تعطى ، بل يُخَافُ عليك أنْ تُحْرَمَ الاضطرارَ ، فتحرم الطَّلَب ، أو تَطْلُب بغير اضطرارٍ ، فتحرم العطاء. انتهى. أ هـ {الجواهر الحسان حـ 1 صـ 145}\rمن لطائف الإمام القشيرى فى الآية\rقوله جلّ ذكره : {وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِى عَنِّى فَإِنِّى قَرِيبٌ}.\rسؤال كل أحدٍ يدلُّ على حاله ؛ لم يسألوا عن حكم ولا عن مخلوق ولا عن دين ولا عن دنيا ولا عن عقبى بل سألوا عنه فقال تعالى : {وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِى عَنِّى}. وليس هؤلاء من جملة من قال : {وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الجِبَالِ} [طه : 105] ، ولا من جملة من قال : {وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ اليَتَامَى} [البقرة : 220] ولا من جملة من قال : {وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ المَحِيضِ} [البقرة : 222] ، ولا من جملة من قال : {وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ} [الإٍسراء : 85] ، ولا من جملة من قال : و{يَسْئَلُونَكَ عَنِ الخَمْرِ والمَيْسِرِ} [البقرة : 219] ، و{يَسْئَلُونَكَ عِنِ الشَّهْرِ الحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ} [البقرة : 217].\rهؤلاء قوم مخصوصون : {وَإِذَا سَأَلَكَ... عِبَادِى عَنِّى}.","part":4,"page":86},{"id":1405,"text":"أي إذا سألك عبادي عني فبماذا تجيبهم ؟ ليس هذا الجواب بلسانك يا محمد ، فأنت وإنْ كنتَ السفير بيننا وبين الخلْق فهذا الجواب أنا أتولاه {فَإِنِّى قَرِيبٌ} (رَفَعَ الواسطة من الأغيار عن القربة فلم يَقُل قل لهم إني قريب بل قال جل شأنه : {فَإِنِّى قَرِيبٌ}).\rثم بَيَّن أن تلك القربة ما هي : حيث تقدَّس الحقُّ سبحانه عن كل اقتراب بجهة أو ابتعاد بجهة أو اختصاص ببقعة فقال : {أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ} وإن الحق سبحانه قريب - من الجملة والكافة - بالعلم والقدرة والسماع والرؤية ، وهو قريب من المؤمنين على وجه التبرية والنصرة وإجابة الدعوة ، وجلَّ وتقدَّس عن أن يكون قريباً من أحد بالذات والبقعة ؛ فإنه أحديٌّ لا يتجهَ في الأقطار ، وعزيز لا يتصف بالكُنْهِ والمقدار.\rقوله جلّ ذكره : {أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتِجِيبُوا لِى وَلْيُؤْمِنُوا بِى لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ}.\rلم يَعِدْ إجابة من كان باستحقاق زهد أو في زمان عبادة بل قال دعوة الداعي متى دعاني وكيفما دعاني وحيثما دعاني ثم قال : {فَلْيَسْتَجِيبُوا لِى} هذا تكليف ، وقوله : {أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ} تعريف وتخفيف ، قدَّم التخفيف على التكليف ، وكأنه قال : إذا دعوتني - عبدي - أَجَبْتُك ، فأَجِبنِي أيضاً إذا دَعَوْتُك ، أنا لا أرضى بِرَدِّ دعائِك فلا تَرْضَ - عبدي - بردِّي من نفسك. إجابتي لك بالخير تحملك - عبدي - على دعائي ، ولا دعاؤك يحملني على إجابتك. {فَلْيَسْتَجِيبُوا لِى وَلْيُؤْمِنُوا بِى} : وليثقوا في ، فإني أجيب من دعاني ، قال قائلهم : \rيا عَزُّ أُقْسِم بالذي أنا عبده... وله الحجيج وما حوت عرفات\rلا أبتغي بدلاً سِواكِ خليلة... فشقِي بقولي والكرامُ ثِقات\rثم قال في آخر الآية : {لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ} أي ليس القصد من تكليفك ودعائك إلا وصولك إلى إرشادك. أ هـ {لطائف الإشارات حـ 1 صـ 156 ـ 157}","part":4,"page":87},{"id":1406,"text":"كلام نفيس للعلامة السعدى فى الآية\r{ وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ }.\rهذا جواب سؤال ، سأل النبي صلى الله عليه وسلم بعض أصحابه فقالوا : يا رسول الله ، أقريب ربنا فنناجيه ، أم بعيد فنناديه ؟ فنزل : {وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ} لأنه تعالى ، الرقيب الشهيد ، المطلع على السر وأخفى ، يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور ، فهو قريب أيضا من داعيه ، بالإجابة ، ولهذا قال : {أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ} والدعاء نوعان : دعاء عبادة ، ودعاء مسألة.\rوالقرب نوعان : قرب بعلمه من كل خلقه ، وقرب من عابديه وداعيه بالإجابة والمعونة والتوفيق.\rفمن دعا ربه بقلب حاضر ، ودعاء مشروع ، ولم يمنع مانع من إجابة الدعاء ، كأكل الحرام ونحوه ، فإن الله قد وعده بالإجابة ، وخصوصا إذا أتى بأسباب إجابة الدعاء ، وهي الاستجابة لله تعالى بالانقياد لأوامره ونواهيه القولية والفعلية ، والإيمان به ، الموجب للاستجابة ، فلهذا قال : {فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ} أي : يحصل لهم الرشد الذي هو الهداية للإيمان والأعمال الصالحة ، ويزول عنهم الغي المنافي للإيمان والأعمال الصالحة. ولأن الإيمان بالله والاستجابة لأمره ، سبب لحصول العلم كما قال تعالى : {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَانًا }. أ هـ {تفسير السعدى صـ 86}\r( بصيرة فى الدعاء )\r","part":4,"page":88},{"id":1407,"text":"الدّعاء : الرّغبة إِلى الله تعالى. وقد دعا يدعو دُعاء ودَعْوَى ، والدعاءُ كالنداءِ أَيضاً. لكن النداءُ قد يقال إِذا قيل يَا وَأَيَا ونحو ذلك من غير أَن يُضمّ إِليه الاسم ، والدّعاءُ لا يكاد يقال إِلاَّ إِذا كان معه الاسم نحو يا فلان ، وقد يستعمل كلُّ واحد منهما موضع الآخر. ويستعمل أَيضاً استعمال التَّسمية نحو : دعوت ابنى زيداً ، أَى سمّيته. قال الله تعالى : {لاَّ تَجْعَلُواْ دُعَآءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَآءِ بَعْضِكُمْ بَعْضاً} حثَّا على تعظيمه صلى الله عليه وسلَّم. وذلك مخاطبة لمن يقول : يا محمد. ودعوته : إِذا سأَلته ، وإِذا استغثته. قال الله تعالى : {أَوْ أَتَتْكُمْ السَّاعَةُ أَغَيْرَ اللَّهِ تَدْعُونَ} تنبيهاً أَنَّكم إِذا أَصابتكم شدّة لم تفزَعُوا إِلاَّ إِليه. وقوله : {وَادْعُواْ ثُبُوراً كَثِيراً} وهو أَن يقول : يا لهفاهْ واحسرتاهْ ونحو ذلك من أَلفاظ التَّأَسف. والمعنى : يحصل لكم غموم كثيرة. وقوله تعالى : {ادْعُ لَنَا رَبَّكَ} أَى سَلْه. والدعاءُ إِلى الشئ : الحثُّ على قصدهِ. وقوله {لَيْسَ لَهُ دَعْوَةٌ فِي الدُّنْيَا وَلاَ فِي الآخِرَةِ} أَى رفعة وتنويه. {ولهم الدَّعْوَة على غيرهم} أَى يُبدأَ بهم فى الدّعاءِ. و(تداعَوْا عليهم تجمّعوا). والداعية : صريخ الخيل فى الحروب. ودعاه اللهُ بمكروه : أَنزله به. وادّعى كذا زعم أَنَّه له ، حقّاً كان أَو باطلاً. والاسم الدَّعوة والدَّعاوة والدِّعوة والدِّعاوة. والدَّعوة الْحِلْف ، والدّعاء إِلى الطَّعام ويضمّ كالمَدْعاة. والدَّعوى : الادّعاءِ. قال {فَمَا كَانَ دَعْوَاهُمْ إِذْ جَآءَهُمْ بَأْسُنَآ} والدّعوى أَيضاً الدّعاء كقوله تعالى : {وَآخِرُ دَعْوَاهُمْ أَنِ الْحَمْدُ للَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} وقال تعالى : {وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ نُزُلاً} أَى ما تطلبون. والدّعاءُ يَرِدُ فى القرآن على وجوه : \r","part":4,"page":89},{"id":1408,"text":"الأَوّل : بمعنى القول : {فَمَا زَالَت تِلْكَ دَعْوَاهُمْ} أَى قولهم.\rالثانى : بمعنى العبادة {قُلْ أَنَدْعُواْ مِن دُونِ اللَّهِ مَا لاَ يَنفَعُنَا} أَى أَنعبدُ. {يَدْعُو لَمَنْ ضَرُّهُ أَقْرَبُ مِن نَّفْعِهِ} أَى يعبد ، وله نظائر.\rالثالث : بمعنى النِّدَاء {وَلاَ تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعَآءَ} أَى النِّداءَ {فَدَعَا رَبَّهُ أَنِّي مَغْلُوبٌ} أَى نادى {وَلَمْ أَكُنْ بِدُعَآئِكَ رَبِّ شَقِيّاً} أَى بندائك.\rالرّابع : بمعنى الاستعانة والاستغاثة {وَادْعُواْ شُهَدَآءَكُم} أَى استعينوا بهم {وَادْعُواْ مَنِ اسْتَطَعْتُمْ} أَى استعينوا بهم.\rالخامس : بمعنى الاستعلام والاستفهام {قَالُواْ ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّن لَّنَا} أَى استفهم.\rالسّادس : بمعنى العذاب والعقوبة {تَدْعُواْ مَنْ أَدْبَرَ وَتَوَلَّى} أَى تُعذّب.\rالسّابع : بمعنى العَرْض {وَياقَوْمِ مَا لِي أَدْعُوكُمْ إِلَى النَّجَاةِ} أَى أَعرضها عليكم {وتَدْعُونَنى إِلى النَّارِ} أَى تعرضونها علىَّ النارَ.\rالثامن : دعوة نوحٍ قومه {إِنِّي دَعَوْتُ قَوْمِي لَيْلاً وَنَهَاراً}.\rالتَّاسع : دعوة خاتم الأَنبياءِ لكافَّة الْخَلْقِ {ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ}.\rالعاشر : دعوة الخليل للطيور {ثُمَّ ادْعُهُنَّ يَأْتِينَكَ سَعْياً}.\rالحادى عشر : دعاءُ إِسرافيل بنفخ الصّور يوم النشور لساكنى القبور {يَوْمَ يَدْعُ الدَّاعِ إِلَى شَيْءٍ نُّكُرٍ}.\rالثانى عشر : دعاء الخَلْق ربَّهم تعالى {ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ}.\rقال الشاعر :\rوصبراً فى مجال الموت صبراً فما نيلُ الخلود بمستطاع\rسبيل ُ الموت مَنْهَجُ كل حىّ وداعيه لأَهل الأَرض داع","part":4,"page":90},{"id":1409,"text":"وممّا ورد فى القرآن أَيضاً من وجوه ذلك دعوة إِبليس {إِنَّمَا يَدْعُواْ حِزْبَهُ لِيَكُونُواْ مِنْ أَصْحَابِ السَّعِيرِ} {وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ} ودعوة الهادين من الأَئمّة الأَعلام {وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا} ودعوة إسرافيل {ثُمَّ إِذَا دَعَاكُمْ دَعْوَةً مِّنَ الأَرْضِ} ودعوة الكَفَرة الضَّالِّين {وَمَا دُعَآءُ الْكَافِرِينَ إِلاَّ فِي ضَلاَلٍ} ودعوة الحق تعالى إِلى الجنَّةِ ذات الظِّلال {وَاللَّهُ يَدْعُواْ إِلَى دَارِ السَّلاَمِ} {وَاللَّهُ يَدْعُواْ إِلَى الْجَنَّةِ} {فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ يَدْعُوكُمْ لِيَغْفِرَ لَكُمْ}.\rأ هـ {بصائر ذوى التمييز حـ 3 صـ 43}\rكلام جامع ونفيس للعلامة القرطبى فى باب الدعاء\rقال سهل بن عبد اللَّه التُّسْتَرِيّ : شروط الدعاء سبعة : أوّلها التضرّع والخوف والرجاء والمداومة والخشوع والعموم وأكل الحلال. وقال ابن عطاء : إن للدّعاء أركاناً وأجنحة وأسباباً وأوقاتاً ؛ فإن وافق أركانه قَوِيَ ، وإن وافق أجنحته طار في السماء ، وإن وافق مواقيته فاز ، وإن وافق أسبابه أنجح.\rفأركانه حضور القلب والرأفة والاستكانة والخشوع ، وأجنحته الصدق ، ومواقيته الأسحار ، وأسبابه الصلاة على محمد صلى الله عليه وسلم. وقيل : شرائطه أربع أوّلها حفظ القلب عند الوحدة ، وحفظ اللسان مع الخلق ، وحفظ العين عن النظر إلى ما لا يَحِلّ ، وحفظ البطن من الحرام. وقد قيل : إنّ مِن شَرْط الدعاء أن يكون سليماً من اللّحن ؛ كما أنشد بعضهم :\rينادي ربَّه باللّحن لَيْثٌ... كذاك إذا دعاه لا يجيب","part":4,"page":91},{"id":1410,"text":"وقيل لإبراهيم بن أدْهم : ما بالنا ندعو فلا يُستجاب لنا ؟ قال : لأنكم عرفتم الله فلم تطيعوه ، وعرفتم الرسول فلم تتّبعوا سُنّته ، وعرفتم القرآن فلم تعملوا به ، وأكلتم نِعم الله فلم تؤدّوا شكرها ، وعرفتم الجنة فلم تطلبوها ، وعرفتم النار فلم تهربوا منها ، وعرفتم الشيطان فلم تحاربوه ووافقتموه ، وعرفتم الموت فلم تستعدّوا له ، ودفنتم الأموات فلم تعتبروا ، وتركتم عيوبكم واشتغلتم بعيوب الناس. قال عليّ رضي الله عنه لنَوْف البِكَالِيّ : يا نَوْف ، إن الله أوحى إلى داود أن مُرْ بني إسرائيل ألاّ يدخلوا بيتاً من بيوتي إلا بقلوب طاهرة ، وأبصار خاشعة ، وأيدٍ نقيّة ؛ فإني لا أستجيب لأحد منهم ، ما دام لأحد من خلقي مظلمة. يا نوف ، لا تكونن شاعراً ولا عَرِيفاً ولا شرطياً ولا جابياً ولا عَشّاراً ، فإن داود قام في ساعة من الليل فقال : إنها ساعة لا يدعو عبد إلاّ استجيب له فيها ، إلا أن يكون عَرِيفاً أو شرطيًّا أو جابياً أو عَشَاراً ، أو صاحب عَرْطَبَة ، وهي الطُّنبور ، أو صاحب كُوبة ، وهي الطبل. قال علماؤنا : ولا يَقُل الداعي : اللَّهُمّ أعطني إنْ شئتَ ، اللَّهُمّ اغفر لي إن شئتَ ، اللَّهُمّ ارحمني إن شئتَ ؛ بل يَعري سؤاله ودعاءه من لفظ المشيئة ، ويسأل سؤال من يعلم أنه لا يفعل إلا أن يشاء. وأيضاً فإن في قوله : \"إن شئت\" نوع من الاستغناء عن مغفرته وعطائه ورحمته ؛ كقول القائل : إن شئت أن تعطيني كذا فافعل ؛ لا يستعمل هذا إلا مع الغنيّ عنه ، وأما المضطرّ إليه فإنه يعزم في مسألته ويسأل سؤال فقير مضطرّ إلى ما سأله. روى الأئمة واللفظ للبخاريّ عن أنس بن مالك قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : \" إذا دعا أحدكم فليعزِم المسألة ولا يقولنّ اللَّهُمّ إن شئتَ فأعطني فإنه لا مُسْتَكْرِه له \" وفي الموَطّأ : \" اللَّهُمّ اغفر لي إن شئتّ ، اللّهُمّ ارحمني إن شئت \" قال علماؤنا : قوله \"فليعزِم المسألة\" دليل على","part":4,"page":92},{"id":1411,"text":"أنه ينبغي للمؤمن أن يجتهد في الدعاء ويكون على رجاء من الإجابة ، ولا يقنط من رحمة الله ؛ لأنه يدعو كريماً. قال سفيان ابن عُيَيْنَة : لا يمنعنّ أحداً من الدعاء ما يعلمه من نفسه فإن الله قد أجاب دعاء شرّ الخلق إبليس ؛ قال : رَبّ فأنْظِرني إلى يوم يُبعثون ؛ قال فإنك من المنظرين.\rوللدّعاء أوقات وأحوال يكون الغالب فيها الإجابة ، وذلك كالسَّحَر ووقت الفطر ، وما بين الأذان والإقامة ، وما بين الظهر والعصر في يوم الأربعاء ؛ وأوقات الاضطرار وحالة السفر والمرض ، وعند نزول المطر والصَّف في سبيل الله. كل هذا جاءت به الآثار ، ويأتي بيانها في مواضعها. وروى شَهْر بن حَوْشَب أن أمّ الدّرداء قالت له : يا شَهْر ، ألا تجد القشعريرة ؟ قلت نعم. قالت : فادع الله فإن الدعاء مستجاب عند ذلك. وقال جابر بن عبد اللَّه : دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم في مسجد الفتح ثلاثاً يوم الإثنين ويوم الثلاثاء فاستجيب له يوم الأربعاء بين الصلاتين. فعرفتُ السرور في وجهه. قال جابر : ما نزل بي أمْرٌ مُهِمّ غليظ إلا تَوَخّيتُ تلك الساعة فأدعو فيها فأعرف الإجابة. أ هـ {تفسير القرطبى حـ 2 صـ 313}\rقوله تعالى {أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتَانُونَ أَنْفُسَكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ وَعَفَا عَنْكُمْ فَالْآَنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَقْرَبُوهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ آَيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ (187)}","part":4,"page":93},{"id":1412,"text":"قال ابن الجوزى :\rسبب نزول هذه الآية أن الصحابة كانوا إذا نام الرجل قبل الأكل والجماع ، حرما عليه إلى أن يفطر ، فجاء شيخ من الأنصار وهو صائم إلى أهله ، فقال : عشوني ، فقالوا : حتى نسخن لك طعاماً ، فوضع رأسه فنام ، فجاؤوا بالطعام ، فقال : قد كنت نمت ، فبات يتقلب ظهراً لبطن ، فلما أصبح أتى النبي صلى الله عليه وسلم ؛ فأخبره ، فقام عمر بن الخطاب فقال : يا رسول الله! إني أردت أهلي الليلة ، فقالت : إنها قد نامت ، فظننتها تعتل ، فواقعتها ، فأخبرتني أنها قد نامت ، فأنزل الله تعالى في عمر بن الخطاب : {أحل لكم ليلة الصيام الرفث إلى نسائكم} وأنزل الله في الأنصاري : {وكلوا واشربوا حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر} هذا قول جماعة من المفسرين. واختلفوا في اسم هذا الأنصاري على أربعة أقوال. أحدها : قيس بن صرمة ، قاله البراء. والثاني : صرمة بن أنس ، قاله القاسم بن محمد ، وقال عبد الرحمن بن أبي ليلى : صرمة بن مالك. والثالث : ضمرة بن أنس. والرابع : أبو قيس بن عمر. وذكر القولين أبو بكر الخطيب.(1) أ هـ {زاد المسير حـ 1 صـ 191}\r________________\r(1) الراجح أنه قيس بن صرمة الأنصارى ، فهو المصرح به فى البخارى {1782} والله أعلم.","part":4,"page":94},{"id":1413,"text":"مناسبة الآية لما قبلها\rقال البقاعى : \rولما تصوروا لهذه الآية الشريفة قربه وحبه على عظمته وعلوه فتذكروا لذيذ مخاطبته فيما قبل فاشتاقوا إليها وكان قد يسر لهم أمر الصوم كما على جميعهم وكيفاً على أهل الضرورة منهم كانوا كأنهم سألوه التيسير على أهل الرفاهية فيما حرم عليهم كما حرم على أهل الكتاب الوطء في شهر الصوم والأكل بعد النوم فقال تحقيقاً للإجابة والقرب : {أحل لكم} فأشعر ذلك بأنه كان حراماً {ليلة} أي في جميع ليلة {الصيام الرفث} وهو ما يواجه به النساء في أمر النكاح ، فإذا غير فلا رفث عند العلماء من أهل اللغة ، ويدل عليه وصله بحرف الانتهاء بياناً لتضمين الإفضاء أي مفضين {إلى نسائكم} بالجماع قولاً وفعلاً ، وخرج بالإضافة نساء الغير. أ هـ {نظم الدرر حـ 1 صـ 350}\rقال الفخر : \rذهب جمهور المفسرين إلى أن في أول شريعة محمد صلى الله عليه وسلم ، كان الصائم إذا أفطر حل له الأكل والشرب والوقاع بشرط أن لا ينام وأن لا يصلي العشاء الأخيرة فإذا فعل أحدهما حرم عليه هذه الأشياء ، ثم إن الله تعالى نسخ ذلك بهذه الآية ، وقال أبو مسلم الأصفهاني هذه الحرمة ما كانت ثابتة في شرعنا ألبتة ، بل كانت ثابتة في شرع النصارى ، والله تعالى نسخ بهذه الآية ما كان ثابتاً في شرعهم ، وجرى فيه على مذهبه من أنه لم يقع في شرعنا نسخ ألبتة ، واحتج الجمهور على قولهم بوجوه.\rالحجة الأولى : أن قوله تعالى : {كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصيام كَمَا كُتِبَ عَلَى الذين مِن قَبْلِكُمْ} [البقرة : 183] يقتضي تشبيه صومنا بصومهم ، وقد كانت هذه الحرمة ثابتة في صومهم ، فوجب بحكم هذا التشبيه أن تكون ثابتة أيضاً في صومنا ، وإذا ثبت أن الحرمة كانت ثابتة في شرعنا ، وهذه الآية ناسخة لهذه الحرمة لزم أن تكون هذه الآية ناسخة لحكم كان ثابتاً في شرعنا.","part":4,"page":95},{"id":1414,"text":"الحجة الثانية : التمسك بقوله تعالى : {أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصيام الرفث إلى نِسَآئِكُمْ} ولو كان هذا الحل ثابتا لهذه الأمة من أول الأمر لم يكن لقوله {أُحِلَّ لَكُمْ} فائدة.\rالحجة الثالثة : التمسك بقوله تعالى : {عَلِمَ الله أَنَّكُمْ كُنتُمْ تَخْتانُونَ أَنفُسَكُمْ} ولو كان ذلك حلالاً لهم لما كان بهم حاجة إلى أن يختانون أنفسهم.\rالحجة الرابعة : قوله تعالى : {فَتَابَ عَلَيْكُمْ وَعَفَا عَنكُمْ} ولولا أن ذلك كان محرماً عليهم وأنهم أقدموا على المعصية بسبب الإقدام على ذلك الفعل ، لما صح قوله : {فَتَابَ عَلَيْكُمْ وَعَفَا عَنكُمْ}.\rالحجة الخامسة : قوله تعالى : {فالآن باشروهن} ولو كان الحل ثابتا قبل ذلك كما هو الآن لم يكن لقوله : {فالآن باشروهن} فائدة.\rالحجة السادسة : هي أن الروايات المنقولة في سبب نزول هذه الآية دالة على أن هذه الحرمة كانت ثابتة في شرعنا ، هذا مجموع دلائل القائلين بالنسخ. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 5 صـ 88}\rقال فى روح البيان :\r{ أحل لكم} تقديم الظرف على القائم مقام الفاعل للتشويق فإن ما حقه التقديم إذا أخر تبقى النفس مترقبة إليه فيتمكن عندها وقت وروده فضل تمكن أى أبيح لكم. أ هـ {روح البيان حـ 1 صـ 372}\rقوله تعالى {ليلة الصيام}\rقال الواحدي : ليلة الصيام أراد ليالي الصيام فوقع الواحد موقع الجماعة ، ومنه قول العباس بن مرادس :\rفقلنا أسلموا إنا أخوكم.. فقد برئت من الأحن الصدور\rوأقول فيه وجه آخر وهو أنه ليس المراد من {لَيْلَةَ الصيام} ليلة واحدة بل المراد الإشارة إلى الليلة المضافة إلى هذه الحقيقة. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 5 صـ 88}\rقال الليث : الرفث أصله قول الفحش ، وأنشد الزجاج :\rورب أسراب حجيج كقلم.. عن اللغا ورفث التكلم\rيقال رفث في كلامه يرفث وأرفث إذا تكلم بالقبيح قال تعالى : {فَلاَ رَفَثَ وَلاَ فُسُوقَ} [البقرة : 197] وعن ابن عباس أنه أنشد وهو محرم :\rوهن يمشين بنا هميساً.. أن يصدق الطير ننك لميسا (1)\rفقيل له : أترفث ؟ فقال : إنما الرفث ما كان عند النساء فثبت أن الأصل في الرفث هو قول الفحش ثم جعل ذلك اسما لما يتكلم به عند النساء من معاني الإفضاء ، ثم جعل كناية عن الجماع وعن كل ما يتبعه. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 5 صـ 89}\r________________\r(1) هذا الكلام يفتقر إلى سند صحيح وفى نسبته لحبر الأمة وترجمان القرآن ـ رضى الله عنه ـ نظر وخصوصا فى هذا الموطن والمقام مقام ذكر واستغفار وتنصل من الذنوب والأوزار. والله أعلم.","part":4,"page":96},{"id":1415,"text":"وقال الزَّجَّاج : - ويُروى عن ابن عبَّاس رضي الله عنهما - \" إِنَّ الرَّفثَ كلمةٌ جامعةٌ لكلِّ ما يريدُه الرجُلُ من المَرْأَةِ \" ، وقيل : الرَّفث : الجِمَاعُ نفسُهُ ، وأنشد : [الكامل ]\rوَيُرَيْنَ مِنْ أَنَسِ الْحَدِيثِ زَوَانِياً... وَلَهُنَّ عَنْ رَفَثِ الرِّجَالِ نِفَارُ\rوقول الآخر : [المتقارب ]\rفَظِلْنَا هَنَالِكَ فِي نِعْمَةٍ... وَكُلِّ اللَّذَاذَةِ غَيْرَ الرَّفَثْ\rولا دليل ؛ لاحتمالِ إرادة مقدِّمات الجماع ؛ كالمداعَبَةِ والقُبْلَة. أ هـ {تفسير ابن عادل حـ 3 صـ 303}\rسؤال : فإن قيل : لم كنى ههنا عن الجماع بلفظ الرفث الدال على معنى القبح بخلاف قوله : {وَقَدْ أفضى بَعْضُكُمْ إلى بَعْضٍ} [النساء : 21] {فَلَمَّا تَغَشَّاهَا} [الأعراف : 189] {أَوْ لامستم النساء} [النساء : 43] {دَخَلْتُمْ بِهِنَّ} [النساء : 23] {فَأْتُواْ حَرْثَكُمْ} [البقرة : 223] {مِن قَبْلِ أَن تَمَسُّوهُنَّ} [البقرة : 236] {فَمَا استمتعتم بِهِ مِنْهُنَّ} [النساء : 24] {وَلاَ تَقْرَبُوهُنَّ} [البقرة : 222].","part":4,"page":97},{"id":1416,"text":"جوابه : السبب فيه استهجان ما وجد منهم قبل الإباحة كما سماه اختيانا لأنفسهم ، والله اعلم. أ هـ {الكشاف حـ 1 صـ 257}\rواستدرك ابن عرفة على هذا الجواب بقوله :\rوالجواب عندي بعكس هذا وهو أنّه مبالغة في الإباحة والتحليل فعبر عنه باللّفظ الصّريح حتى لا يبقى عندهم فيه شك ولا توهم بوجه. أ هـ {تفسير ابن عرفة صـ 238}\rسؤال : لم عدى الرفث بـ {إلى} ؟\rالجواب : قال الأخفش : إنما عدى الرفث بإلى لتضمنه معنى الإفضاء في قوله : {وَقَدْ أفضى بَعْضُكُمْ إلى بَعْضٍ} [النساء : 21 ]. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 5 صـ 90}\rوقال ابن جني في سر الصناعة في مثل هذا : إنّ الرفث يتعدّى بالباء والإفضاء بإلى فذكر الرّفث ولم يذكر معموله ، وذكر معمول الإفضاء ولم يذكر عامله إشعارا بإرادة الجميع وأن الكل مقصود بالذكر. أ هـ {تفسير ابن عرفة صـ 238}\rقال الآلوسى :\rقوله تعالى : {إِلَى نِسَائِكُمْ}\rوالنساء جمع نسوة فهو جمع الجمع أو جمع امرأة على غير اللفظ وإضافتها إلى ضمير المخاطبين للاختصاص إذ لا يحل الإفضاء إلا لمن اختص بالمفضي إما بتزويج أو ملك. أ هـ {روح المعانى حـ 2 صـ 65}\rفائدة\rقال الفخر :\rقوله : {أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصيام الرفث} يقتضي حصول الحل في جميع الليل لأن {لَيْلَةَ} نصب على الظرف ، وإنما يكون الليل ظرفاً للرفث لو كان الليل كله مشغولا بالرفث ، وإلا لكان ظرف ذلك الرفث بعض الليل لاكله ، فعلى هذا النسخ حصل بهذا اللفظ ، وأما الذي بعده في قوله : {وَكُلُواْ واشربوا حتى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الخيط الأبيض مِنَ الخيط الأسود} فذاك يكون كالتأكيد لهذا النسخ ، وأما الذي يقول : إن قوله : {أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصيام الرفث} يفيد حل الرفث في الليل ، فهذا القدر لا يقتضي حصول النسخ به فيكون الناسخ هو قوله : {كُلُواْ واشربوا }.\rأ هـ {مفاتيح الغيب حـ 5 صـ 90}","part":4,"page":98},{"id":1417,"text":"قوله تعالى : {هُنَّ لِبَاسٌ لَّكُمْ وَأَنتُمْ لِبَاسٌ لَّهُنَّ }\rالمناسبة\rقال البقاعى : \rولما كان الرفث والوقاع متلازمين غالباً قال مؤكداً لإرادة حقيقة الرفث وبيان السبب في إحلاله : {هن} أي نساؤكم {لباس لكم} تلبسونهن ، والمعنى : أبيح ذلك في حالة الملابسة أو صلاحيتها ، وهو يفهم أنه لا يباح نهاراً - والله سبحانه وتعالى أعلم ؛ ويجوز أن يكون تعليلاً لأن اللباس لا غنى عنه والصبر يضعف عنهن حال الملابسة والمخالطة.\rولما كان الصيام عامّاً للصنفين قال : {وأنتم لباس لهن} يلبسنكم ، ثم علل ذلك بقوله مظهراً لعظمة هذه الأمة عنده في إرادته الرفق بها {علم الله} أي المحيط علمه ورحمته وله الإحاطة الكاملة كما قدم من كونه قريباً اللازم منه كونه رقيباً {أنكم كنتم تختانون} أي تفعلون في الخيانة في ذلك من المبادرة إليه فعل الحامل نفسه عليه ، والخيانة التفريط في الأمانة ، والأمانة ما وضع ليحفظ ، روى البخاري في التفسير عن البراء رضي الله تعالى عنه قال : \" لما نزل صوم رمضان كانوا لا يقربون النساء رمضان كله وكان رجال يخونون أنفسهم فأنزل الله عزّ وجلّ {علم الله أنكم كنتم تختانون أنفسكم} \" ، روى البخاري والترمذي والنسائي عن البراء أيضاً رضي الله تعالى عنه قال : \" كان الرجل إذا صام فنام لم يأكل إلى مثلها \" وإن صرمة بن قيس الأنصاري رضي الله تعالى عنه - فذكر حديثه في نومه قبل الأكل وأنه غشي عليه قبل انتصاف النهار فنزلت الآية.\r","part":4,"page":99},{"id":1418,"text":"ولما كان ضرر ذلك لا يتعداهم قال : {أنفسكم} ، ثم سبب عنه قوله : {فتاب عليكم}. قال الحرالي : ففيه يسر من حيث لم يؤاخذوا بذنب حكم خالف شرعة جبلاتهم فعذرهم بعلمه فيهم ولم يؤاخذهم بكتابه عليهم ، وفي التوبة رجوع إلى مثل الحال قبل الذنب \" التائب من الذنب كمن لا ذنب له \" وكانت هذه الواقعة لرجل من المهاجرين ورجل من الأنصار ليجتمع اليمن في الطائفتين ، فإن أيمن الناس على الناس من وقع في مخالفة فيسر الله حكمها بوسيلة مخالفته ، كما في هذه الآية التي أظهر الله سبحانه وتعالى الرفق فيها بهذه الأمة من حيث شرع لها ما يوافق كيانها وصرف عنها ما علم أنها تختان فيه لما جبلت عليه من خلافه ، وكذلك حال الآمر إذا شاء أن يطيعه مأموره يأمره بالأمور التي لو ترك ودواعيه لفعلها وينهاه عن الأشياء التي لو ترك ودواعيه لاجتنبها ، فبذلك يكون حظ حفظ المأمور من المخالفة ، وإذا شاء الله تعالى أن يشدد على أمة أمرها بما جبلها على تركه ونهاها عما جبلها على فعله ، فتفشوا فيها المخالفة لذلك ، وهو من أشد الآصار التي كانت على الأمم فخفف عن هذه الأمة بإجراء شرعتها على ما يوافق خلقتها ، فسارع سبحانه وتعالى لهم إلى حظ من هواهم ، كما قالت عائشة رضي الله تعالى عنها للنبي صلى الله عليه وسلم : \" إن ربك يسارع إلى هواك \" ليكون لهم حظ مما لنبيهم كليته ، وكما قال عليه الصلاة والسلام لعلي رضي الله تعالى عنه : \" اللّهم أدر الحق معه حيث دار \" كان صلى الله عليه وسلم يأمر الشجاع بالحرب ويكف الجبان عنه ، حتى لا تظهر فيمن معه مخالفة إلا عن سوء طبع لا يزعه وازع الرفق ، وذلك قصد العلماء الربانيين الذين يجرون المجرب والمدرب على ما هو أليق بحاله وجبلة نفسه وأوفق لخلقه وخلقه ، ففيه أعظم اللطف لهذه الأمة من ربها ومن نبيها ومن أئمة زمانها ، ومنه قوله عليه الصلاة والسلام : \" لقد هممت أن أنهى عن الغيلة حتى سمعت أن فارس والروم يصنعون ذلك","part":4,"page":100},{"id":1419,"text":"فلا يضر ذلك أولادهم شيئاً \" لتجري الأحكام على ما يوافق الجبلات وطباع الأمم لكونه رسولاً إلى الناس كافة على اختلاف طباعهم ، وما في السنة والفقه من ذلك فمن مقتبسات هذا الأصل العلي الذي أجرى الله سبحانه وتعالى الحكم فيه لأمة محمد صلى الله عليه وسلم على وفق ما تستقر فيه أمانتهم وتندفع عنهم خيانتهم.\rأ هـ {نظم الدرر حـ 1 صـ 351 ـ 352}\rقال أبو السعود : \rقوله تعالى : {هُنَّ لِبَاسٌ لَّكُمْ وَأَنتُمْ لِبَاسٌ لَّهُنَّ }\rاستئنافٌ مبينٌ لسبب الإحلالِ وهو صعوبةُ الصبر عنهنّ مع شِدة المخالطة وكَثرةِ الملابَسة بهن. أ هـ {تفسير أبى السعود حـ 1 صـ 201}\rقال الفخر : \rالمسألة الأولى : قد ذكرنا في تشبيه الزوجين باللباس وجوها أحدها : أنه لما كان الرجل والمرأة يعتنقان ، فيضم كل واحد منهما جسمه إلى جسم صاحبه حتى يصير كل واحد منهما لصاحبه كالثوب الذي يلبسه ، سمي كل واحد منهما لباساً ، قال الربيع : هن فراش لكم وأنتم لحاف لهن ، وقال ابن زيد : هن لباس لكم وأنتم لباس لهن ، يريد أن كل واحد منهما يستر صاحبه عند الجماع عن أبصار الناس\rوثانيها : إنما سمي الزوجان لباساً ليستر كل واحد منهما صاحبه عما لا يحل ، كما جاء في الخبر\r\" من تزوج فقد أحرز ثلثي دينه \"\rوثالثها : أنه تعالى جعلها لباساً للرجل ، من حيث إنه يخصها بنفسه ، كما يخص لباسه بنفسه ، ويراها أهلاً لأن يلاقي كل بدنه كل بدنها كما يعمله في اللباس\rورابعها : يحتمل أن يكون المراد ستره بها عن جميع المفاسد التي تقع في البيت ، لو لم تكن المرأة حاضرة ، كما يستتر الإنسان بلباسه عن الحر والبرد وكثير من المضار وخامسها : ذكر الأصم أن المراد أن كل واحد منهما كان كاللباس الساتر للآخر في ذلك المحظور الذي يفعلونه ، وهذا ضعيف لأنه تعالى أورد هذا الوصف على طريق الإنعام علينا ، فكيف يحمل على التستر بهن في المحظور. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 5 صـ 91}\rوقال فى التحرير والتنوير : ","part":4,"page":101},{"id":1420,"text":"قوله تعالى : {هن لباس لكم} استعارة بجامع شدة الاتصال حينئذٍ وهي استعارة أحياها القرآن ، لأن العرب كانت اعتبرتها في قوله : لابَسَ الشيءُ الشيءَ ، إذا اتصل به لكنهم صيروها في خصوص زنة المفاعلة حقيقةً عُرفية فجاء القرآن فأحياها وصيَّرها استعارة أَصلية جديدة بعد أن كانت تبعية منسية. أ هـ {التحرير والتنوير حـ 2 صـ 181}\rسؤال : لم قدَّم قوله : {هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ} على {وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ} ؟ \rالجواب : قدَّم قوله : {هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ} على {وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ} ؛ تنبيهاً على ظهور احتياج الرجل للمرأة وعدم صبره عنها ؛ ولأنَّه هوالبادىءُ بطلب ذلك ، وكنى باللباس عن شِدَّةِ المخالطة ؛ كقوله - هو النابغة الجَعْدِيُّ - : [المتقارب ]\rإِذَا مَا الضَّجِيعُ ثَنَى جِيدَهَا... تَثَنَّتْ عَلَيْهِ فَكَانَتْ لِبَاساَ\rوفيها أيضاً : [المتقارب ]\rلَبِسْتُ أُنَاساً فَأَفْنَيْتُهُمْ... وَأَفْنَيْتُ بَعْدَ أُنَاسِ أُنَاسَا. أ هـ {تفسير ابن عادل حـ 3 صـ 308}\rقال القرطبيُّ : وشُدِّدتُ النُّون من \" هُنَّ \" لأنها بمنزلة الميم والواو فى المذكَّر. أ هـ {تفسير القرطبى حـ 2 صـ 316}\rلطيفة\rورد لفظ \" اللِّبَاسِ \" على أربعة أوجهٍ : \rالأول : بمعنى السَّكَن ؛ كهذه الآية.\rالثاني : الخلط ؛ قال تبارك وتعالى : {الذين آمَنُواْ وَلَمْ يلبسوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أولئك لَهُمُ الأمن وَهُمْ مُّهْتَدُونَ} [الأنعام : 82] ، أي : لم يخلطوا.\rالثالث : العمل الصالح ؛ قال تعالى : {وَرِيشاً وَلِبَاسُ التقوى} [الأعراف : 26] ، أي : عمل التقوى.\rالرابع : اللِّباس بعينه ؛ قال تعالى : {يا بني آدَمَ قَدْ أَنزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاساً يُوَارِي سَوْءَاتِكُمْ وَرِيشاً} [الأعراف : 26 ]. أ هـ {تفسير ابن عادل حـ 3 صـ 308}\rسؤال : لماذا وحد اللباس بعد قوله {هُنَّ} ؟ ","part":4,"page":102},{"id":1421,"text":"الجواب : قال الواحدي : إنما وحد اللباس بعد قوله {هُنَّ} لأنه يجري مجرى المصدر ، وفعال من مصادر فاعل ، وتأويله : هن ملابسات لكم. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 5 صـ 91}\rسؤال : فإن قلت : ما موقع قوله : {هُنَّ لِبَاسٌ لَّكُمْ} ؟\rفنقول : هو استئناف كالبيان لسبب الإحلال ، وهو أنه إذا حصلت بينكم وبينهن مثل هذه المخالطة والملابسة قل صبركم عنهن ، وصعب عليكم اجتنابهن ، فلذلك رخص لكم في مباشرتهن. أ هـ {الكشاف حـ 1 صـ 257}\rقوله تعالى : {عَلِمَ الله أَنَّكُمْ كُنتُمْ تَخْتانُونَ أَنفُسَكُمْ }\rقال ابن عادل :\rوقوله : \" كُنْتُمْ تَخْتَانُونَ \" في محلِّ رفعٍ خبرٌ لـ \" أَنَّ \". و\" تَخْتَانُونَ \" في محلِّ نصبٍ خبرٌ لـ \" كَانَ \".\rقال أبو البقاء : و\" كُنْتُمْ \" هنا لفظها لفظ الماضي ، ومعناها أيضاً ، والمعنى : أنَّ الاخْتِيَانَ كان يقع منهم ، فتاب عليهم منه ، وقيل : إنَّهُ أرَاد الاختيان في الاستقبال ، وذكر \" كَانَ \" ليحكي بها الحال ؛ كما تقول : إن فعلت ، كنت ظالماً \" وفي هذا نظرٌ لا يخفى.\rو \" تَخْتَانُونَ \" تَفْتَعِلُونَ من الخيانة ، وعينُ الخيانة واوٌ ؛ لقولهم : خَانَ يَخُونُ ، وفي الجمع : خَوَنَة ، يقال : خَانَ يَخُونُ خَوْناً ، وخِيَانَةَ ، وهي ضدُّ الأمانة ، وتَخَوَّنْتُ الشَّيْءَ تَنَقَّصْتُهُ ؛ قال زُهَيْر في ذلك البيت : [الوافر ]\rبِآرِزَةِ الفَقَارَةِ لَمْ يَخُنْهَا... قِطَافٌ في الرِّكَابِ وَلاَ خِلاَءُ","part":4,"page":103},{"id":1422,"text":"وخَانَ السَّيفُ إذا نَبَا عن الضَّرْبَةِ ، وخَانَهُ الدَّهْرُ ، إذا تغيَّر حاله إلى الشَّرِّ ، وخَانَ الرَّجُلُ الرَّجُلَ ، إذا لَمْ يُؤَدِّ الأمانَةَ ، ونَاقِضُ العَهْدِ خائِنٌ ، إذا لم يف ، ومنه قوله تعالى : {وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِن قَوْمٍ خِيَانَةً} [الأنفال : 58] والمدين خائنٌ ؛ لأنَّه لم يف بما يليقُ بدينه ؛ ومنه قوله تعالى : {لاَ تَخُونُواْ الله والرسول وتخونوا أَمَانَاتِكُمْ} [الأنفال : 27] وقال تعالى : {وَإِن يُرِيدُواْ خِيَانَتَكَ فَقَدْ خَانُواْ الله مِن قَبْلُ} [الأنفال : 71] فسُمِّيت المعصية بالخيانة.\rوقال الزمخشريُّ : \" والخْتِيَانُ : من الخيانة ؛ كالاكْتِسَاب من الكَسْبِ ، فيه زيادةٌ وشِدَّة \" ؛ يعني من حيث إنَّ الزيادة في اللفظ تُنْبِىءُ عن زيادةٍ في المعنى ، كما قدَمَهُ في قوله تعالى : {الرحمن الرَّحِيمِ} وقيل هنا : تختانُونَ أَنْفُسَكُمْ ، أي : تتعهَّدُونها بإتيان النِّسَاء ، وهذا يكون بمعنى التَّخْويل ، يقال : تَخَوَّنَهُ وتَخَوَّلَهُ بالنون واللامِ ، بمعنى تَعَهَّدَهُ ، إلا أنَّ النون بدلٌ من اللاَّم ؛ لأنه باللام أشهر. أ هـ {تفسير ابن عادل حـ 3 صـ 307}\rقال القرطبيُّ : معنى {عَلِمَ الله أَنَّكُمْ كُنتُمْ تَخْتانُونَ أَنْفُسَكُمْ} أي : يستأمر بعضكم بعضاً في مواقعة المحظور من الجماع والأكل بعد النَّوم في ليالي الصَّوم ؛ كقوله تعالى : {تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْ} [البقرة : 85] أي : يقتل بعضكم بعضاً ، ويحتمل أن يريد به كلَّ واحد منهم في نفسه ؛ بأنه يخونها وسمَّاه خائناً لنفسه من حث كان ضرره عائداً عليه. أ هـ {تفسير القرطبى حـ 2 صـ 317}\rفائدة\rقال الفخر : ","part":4,"page":104},{"id":1423,"text":"إن الله تعالى ذكر ههنا أنهم كانوا يختانون أنفسهم ، إلا أنه لم يذكر أن تلك الخيانة كانت في ماذا ؟ فلا بد من حمل هذه الخيانة على شيء يكون له تعلق بما تقدم وما تأخر ، والذي تقدم هو ذكر الجماع ، والذي تأخر قوله : {فالئن باشروهن} فيجب أن يكون المراد بهذه الخيانة الجماع ، ثم ههنا وجهان : أحدهما : علم الله أنكم كنتم تسرون بالمعصية في الجماع بعد العتمة والأكل بعد النوم وتركبون المحرم من ذلك وكل من عصى الله ورسوله فقد خان نفسه وقد خان الله ، لأنه جلب إليها العقاب ، وعلى هذا القول يجب أن يقطع على أنه وقع ذلك من بعضهم لأنه لا يمكن حمله على وقوعه من جميعهم ، لأن قوله : {عَلِمَ الله أَنَّكُمْ كُنتُمْ تَخْتانُونَ أَنفُسَكُمْ} إن حمل على ظاهره وجب في جميعهم أن يكونوا مختانين لأنفسهم ، لكنا قد علمنا أن المراد به التبعيض للعادة والإخبار ، وإذا صح ذلك فيجب أن يقطع على وقوع هذا الجماع المحظور من بعضهم ، فمن هذا الوجه يدل على تحريم سابق وعلى وقوع ذلك من بعضهم.\rالقول الثاني : أن المراد : علم الله أنكم كنتم تختانون أنفسكم لو دامت تلك الحرمة ومعناه : أن الله يعلم أنه لو دام ذلك التكليف الشاق لوقعوا في الخيانة ، وعلى هذا التفسير ما وقعت الخيانة ويمكن أن يقال التفسير الأول أولى لأنه لا حاجة فيه إلى إضمار الشرط وأن يقال بل الثاني أولى ، لأن على التفسير الأول يصير إقدامهم على المعصية سبباً لنسخ التكليف ، وعلى التقدير الثاني : علم الله أنه لو دام ذلك التكليف لحصلت الخيانة فصار ذلك سبباً لنسخ التكليف رحمة من الله تعالى على عباده حتى لا يقعوا في الخيانة. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 5 صـ 91 ـ 92}","part":4,"page":105},{"id":1424,"text":"قال ابن عرفة : هذا من باب القلب مثل كسر الزجاج الحجر لأنّ النفس هي الخائنة قال تعالى {إِنَّ النفس لأَمَّارَةٌ بالسواء} قوله تعالى : {وَلاَ تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنتُمْ عَاكِفُونَ فِي المساجد... }. أ هـ {تفسير ابن عرفة صـ 238}\rلطيفة\rقال ابن العربي : \"وقال علماء الزهد : وكذا فلتكن العناية وشرف المنزلة ، خان نفسه عمر رضي الله عنه فجعلها الله تعالى شريعة ، وخفّف من أجله عن الأمة فرضي الله عنه وأرضاه\". أ هـ {أحكام القرآن ـ لابن العربى حـ 1 صـ 129}\rقوله تعالى : {فَتَابَ عَلَيْكُمْ }\rقال الفخر : \rلا بد فيه من إضمار تقديره : تبتم فتاب عليكم فيه. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 5 صـ 92}\rقوله تعالى : {وَعَفَا عَنكُمْ }\rقال البقاعى : \rوفي قوله {وعفا عنكم} أي بمحو أثر الذنب إشعار بما كان يستحق ذلك من تطهر منه من نحو كفارة وشبهها. أ هـ {نظم الدرر حـ 1 صـ 352}\rقوله تعالى : {فالئن باشروهن }\rالمناسبة\rقال البقاعى : ","part":4,"page":106},{"id":1425,"text":"ولما كان ما أعلى إليه خطاب الصوم صوم الشهر على حكم وحدته الآتية على ليلة ونهاره إعلاء عن رتبة الكتب الأول التي هي أيام معدودات مفصول ما بين أيامها بلياليها ليجري النهار على حكم العبادة والليل على حكم الطبع والحاجة فكان في هذا الإعلاء إطعام الضعيف مما يطعمه الله ويسقيه لا لأنّه منه أخذ بطبع بل بأنه حكم عليه حكم بشرع حين جعل الشرعة على حكم طباعهم ، كما قال في الساهي : \" إنما أطعمه الله وسقاه \" ، وفيه إغناء القوي عن الطعام والشراب كما قال عليه الصلاة والسلام : \" إني لست كهيئتكم \" ، فكان يواصل ، وأذن في الوصال إلى السحر ، فكما أطعموا وسقوا شرعة مع تمادي حكم الصوم فكذلك أنكحوا شرعة مع تمادي حكمه ، فصار نكاحهم ائتماراً بحكم الله لا إجابة طبع ولا غرض نفس فقال : {فالآن} أي حين أظهر لكم إظهار الشرعة على العلم فيكم وما جبلت عليه طباعكم فسدت عنكم أبواب المخالفة التي فتحت على غيركم {باشروهن} حكماً ، حتى استحب طائفة من العلماء النكاح للصائم ليلاً حيث صار طاعة ، وهو من المباشرة وهي التقاء البشرتين عمداً {وابتغوا} أي اطلبوا بجد ورغبة {ما كتب الله} أي الذي له القدرة الكاملة فلا يخرج شيء عن أمره {لكم} أي من الولد أو المحل الحل ، وفيه إشعار بأن ما قضي من الولد في ليالي رمضان نائل بركة ذرئه على نكاح أمر به حتى كان بعض علماء الصحابة يفطر على النكاح. أ هـ {نظم الدرر حـ 1 صـ 353}\rوقال الشيخ الطاهر بن عاشور : \rوقوله تعالى : {فالئن باشروهن} الأمر للإباحة ، وليس معنى قوله {فالئن} إشارة إلى تشريع المباشرة حينئذٍ بل معناه فاللآن اتضح الحكم فباشروهن ولا تختانوا أنفسكم. أ هـ {التحرير والتنوير حـ 2 صـ 183}\rقال الفخر : \rالمباشرة فيها قولان : أحدهما : وهو قول الجمهور : أنها الجماع ، سمي بهذا الاسم لتلاصق البشرتين وإنضمامهما ، ومنها ما روي أنه عليه السلام نهى أن يباشر الرجل الرجل ، والمرأة المرأة","part":4,"page":107},{"id":1426,"text":"الثاني : وهو قول الأصم : أنه الجماع فما دونه وعلى هذا الوجه اختلف المفسرون في معنى قوله : {وَلاَ تباشروهن وَأَنتُمْ عاكفون فِي المساجد} فمنهم من حمله على كل المباشرات ولم يقصره على الجماع والأقرب أن لفظ المباشرة لما كان مشتقاً من تلاصق البشرتين لم يكن مختصاً بالجماع بل يدخل فيه الجماع فيما دون الفرج ، وكذا المعانقة والملامسة إلا أنهم إنما اتفقوا في هذه الآية على أن المراد به هو الجماع لأن السبب في هذه الرخصة كان وقوع الجماع من القوم ، ولأن الرفث المتقدم ذكره لا يراد به إلا الجماع إلا أنه لما كان إباحة الجماع تتضمن إباحة ما دونه صارت إباحته دالة على إباحة ما عداه ، فصح ههنا حمل الكلام على الجماع فقط ، ولما كان في الاعتكاف المنع من الجماع لا يدل على المنع مما دونه صلح اختلاف المفسرين فيه ، فهذا هو الذي يجب أن يعتمد عليه ، على ما لخصه القاضي. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 5 صـ 92}\rقال ابن عادل : \rقوله : \" فالآنَ بَاشِرُوهُنَّ \" قد تقدَّم الكلام على \" الآنَ \" وفي وقوعه ظرفاً للأمر تأويلٌ ، وذلك أنه للزمن الحاضر ، والأمر مستقبلٌ أبداً ، وتأويله ما قاله أبو البقاء ؛ قال : \" وَالآنَ : حقيقته الوقت الذي أنت فيه ، وقد يقع على الماضي القريب منك ، وعلى المستقبل القريب ، تنزيلاً للقريب منزلة الحاضر ، وهو المراد هنا ، لأنَّ قوله : \" فَالآنَ بَاشِرُوهِنَّ \" ، أي : فالوقتُ الذي كان يُحَرَّمُ عليكُمْ فيه الجماع من اللَّيلِ \" ، وقيل : هذا كلامٌ محمولٌ على معناه ، والتقدير : فالآن قد أبَحْنَا لَكُمْ مُبَاشَرَتَهُنَّ ، ودَلَّ على هذا المحذوف لفظ الأمر ، فالآن على حَقِيقَتِهِ. وسمِّي الوِقَاعُ مباشرةً ، لتلاصق البَشَرَتَيْنِ فيه","part":4,"page":108},{"id":1427,"text":"قال ابن العَرَبِيِّ : وهذا يدُلُّ على أنَّ سبب الآية جماعُ عمر ، لا جوع قيس ، لأنه لو كان السَّبب جوع قيسٍن لقال : \" فَالآن كُلُوا \" ابتداءً به ؛ لأنه المهمُّ الذي نزلت الآية لأجله. أ هـ {تفسير ابن عادل حـ 3 صـ 310}\rقوله تعالى : {وابتغوا مَا كَتَبَ الله لَكُمْ }\rقال الفخر : \rذكروا في الآية وجوها\rأحدها : وابتغوا ما كتب الله لكم من الولد بالمباشرة أي لا تباشروا لقضاء الشهوة وحدها ، ولكن لابتغاء ما وضع الله له النكاح من التناسل قال عليه السلام : \" تناكحوا تناسلوا تكثروا\"\rوثانيها : أنه نهى عن العزل ، وقد رويت الأخبار في كراهية ذلك وقال الشافعي : لا يعزل الرجل عن الحرة إلا بإذنها ولا بأس أن يعزل عن الأمة وروى عاصم عن زر بن حبيش عن علي رضي الله عنه أنه كان يكره العزل ، وعن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى أن يعزل عن الحرة إلا باذنها وثالثها : أن يكون المعنى : ابتغوا المحل الذي كتب الله لكم وحلله دون ما لم يكتب لكم من المحل المحرم ونظيره قوله تعالى : {فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ الله} [البقرة : 222] ورابعها : أن هذا التأكيد تقديره : فالآن باشروهن وابتغوا هذه المباشرة التي كتبها لكم بعد أن كانت محرمة عليكم\rوخامسها : وهو على قول أبي مسلم : فالآن باشروهن وابتغوا ما كتب الله لكم ، يعني هذه المباشرة التي كان الله تعالى كتبها لكم وإن كنتم تظنوها محرمة عليكم\rوسادسها : أن مباشرة الزوجة قد تحرم في بعض الأوقات بسبب الحيض والنفاس والعدة والردة فقوله : {وابتغوا مَا كَتَبَ الله لَكُمْ} يعني لا تباشروهن إلا في الأحوال والأوقات التي أذن لكم في مباشرتهن","part":4,"page":109},{"id":1428,"text":"وسابعها : أن قوله : {فالئن باشروهن} إذن في المباشرة وقوله : {وابتغوا مَا كَتَبَ الله لَكُمْ} يعني لا تبتغوا هذه المباشرة إلا من الزوجة والمملوكة لأن ذلك هو الذي كتب الله لكم بقوله : {إِلاَّ على أزواجهم أَوْ مَا مَلَكَتْ أيمانهم} [المؤمنون : 6] وثامنها : قال معاذ بن جبل وابن عباس في رواية أبي الجوزاء : يعني اطلبوا ليلة القدر وما كتب الله لكم من الثواب فيها إن وجدتموها ، وجمهور المحققين استبعدوا هذا الوجه ، وعندي أنه لا بأس به ، وذلك هو أن الإنسان ما دام قلبه مشتغلا بطلب الشهوة واللذة ، لا يمكنه حينئذ أن يتفرغ للطاعة والعبودية والحضور ، أما إذا قضى وطره وصار فارغاً من طلب الشهوة يمكنه حينئذ أن يتفرغ للعبودية ، فتقدير الآية : فالآن باشروهن حتى تتخلصوا من تلك الخواطر المانعة عن الإخلاص في العبودية ، وإذا تخلصتم منها فابتغوا ما كتب الله من الإخلاص في العبودية في الصلاة والذكر والتسبيح والتهليل وطلب ليلة القدر ، ولا شك أن هذه الرواية على هذا التقدير غير مستبعدة.\rأ هـ {مفاتيح الغيب حـ 5 صـ 92}\rقوله تعالى {كَتَبَ }\rقال الفخر :","part":4,"page":110},{"id":1429,"text":"{ كَتَبَ} فيه وجوه أحدها : أن {كَتَبَ} في هذا الموضوع بمعنى جعل ، كقوله : {كَتَبَ فِى قُلُوبِهِمُ الإيمان} [المجادله : 22] أي جعل ، وقوله : {فاكتبنا مَعَ الشاهدين} [آل عمران : 53] {فسأكتبها لّلَّذِينَ يَتَّقُونَ} [الأعراف : 156] أي اجعلها وثانيها : معناه قضى الله لكم كقوله : {قُل لَّن يُصِيبَنَا إِلاَّ مَا كَتَبَ الله لَنَا} [التوبة : 51] أي قضاه ، وقوله : {كَتَبَ الله لأَغْلِبَنَّ أَنَاْ وَرُسُلِى} [المجادلة : 21] وقوله : {لَبَرَزَ الذين كُتِبَ عَلَيْهِمُ القتل} [آل عمران : 154] أي قضى ، وثالثها : أصله هو ما كتب الله في اللوح المحفوظ مما هو كائن ، وكل حكم حكم به على عباده فقد أثبته في اللوح المحفوظ ورابعها : هو ما كتب الله في القرآن من إباحة هذه الأفعال.\rأ هـ {مفاتيح الغيب حـ 5 صـ 93}\rقوله تعالى : {وَكُلُواْ واشربوا }\rقال البقاعى : ","part":4,"page":111},{"id":1430,"text":"{ وكلوا واشربوا} كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يفطر على رطبات ، \" فإن لم يجد فعلى تمرات ، فإن لم يجد حسا حسوات من ماء \" وقال : \" إن الماء طهور \" ، وفي تقديم الأكل إجراء لحكم هذا الشرع على وفق الطبع - انتهى. ولأنه سبب العطش ، ودل على وجوب تبييت النية وجواز تأخير الغسل إلى النهار ، بقوله {حتى} فإن في جعل تبين الفجر غاية لحل المفطرات إيجاباً لمراقبته للكف عنها ، وذلك هو حقيقة النية ، ومن استمر مباشراً إلى الفجر لم يمكنه الاغتسال ليلاً وقال : {يتبين} قال الحرالي : بصيغة يتفعل وهو حيث يتكلف الناظر نظره ، وكأن الطالع ، يتكلف الطلوع ، ولم يقل : يبين ، لأن ذلك يكون بعد الوضوح - انتهى. وفي قوله : {لكم} بيان لأن الأحكام بحسب الظاهر وأن التكليف بما في الوسع {الخيط الأبيض} قال الأصبهاني : وهو أول ما يبدو من الفجر المعترض في الأفق كالخيط الممدود. وقال الحرالي : فمد إلى غاية انتهاء الليل وتبين حد النهار بأرق ما يكون من مثل الخيط {من الخيط الأسود} قال الأصبهاني : وهو ما يمتد معه من غبش الليل أي البقية من الليل ، وقيل : ظلمة آخر الليل ، شبها بخطين أبيض وأسود. وقال الحرالي : ففيه إنهاض لحسن الاستبصار في ملتقى الليل والنهار حتى يؤتى العبد نور حسن بتبين ذلك على دقته ورقته وقد كان أنزل هذا المثل دون بيان ممثوله حتى أخذ أعرابي ينظر إلى خيطين محسوسين فأنزل {من الفجر} يعني فبين الأبيض ، فأخرجه بذكر المشبه من الاستعارة إلى التشبيه لأن من شرائطها أن يدل عليها الحالة أو الكلام ، وهذه الاستعارة وإن كانت متعارفة عندهم قد نطقت بها شعراؤهم وتفاوضت بها فصحاؤهم وكبراؤهم لم يقتصر عليها ، وزيد في البيان لأنها خفيت على بعض الناس منهم عدي بن حاتم رضي الله تعال عنه ، فلم تكن الآية مجملة ولا تأخر البيان عن وقت الحاجة ، ولو كان الأمر كذلك ما عاب النبي صلى الله عليه وسلم على عدي رضي الله","part":4,"page":112},{"id":1431,"text":"تعالى عنه عدم فهمها.\rوقال الحرالي في كتاب له في أصول الفقه بناء على أنها مجملة : والخطاب بالإجمال ممكن الوقوع وليس يلزم العمل به فالإلزام تكليف ما لا يطاق وإلزام العمل يستلزم البيان وإلا عاد ذلك الممتنع ، وتأخير بيان المجمل إلى وقت الإلزام ممكن ، لأن في ذلك تناسب حكمة الوحي المنزل بحكمة العالم المكون ، فإن الإجمال في القرآن بمنزلة نطق الأكوان والبيان فيه بمنزلة تخطيط الصور وذلك ظاهر عند من زاوله ، وحينئذ فلا يقال : خطاب الإجمال عديم الفائدة لأنه يفيد تدريج حكمة التنزيل وتحصيل بركة التلاوة ، وفي الاقتصار على بيانه نمط من فصاحة الخطاب العربي حيث لم يكن فيه ذكر الممثولين اكتفاء بأحدهما عن الآخر ، ففيه تأصيل لأصل البيان من الإفهام حيث لم يقل : من الليل ، كما قال : من الفجر ، اكتفاء بما في الفهم من الذكر ، وفي وقوع المبين إثر غير مثله نمط آخر من فصاحة الخطاب العربي لأن العرب يردون الثالث إلى الأول لا إلى الثاني ليتعلق بالأول في المعنى وينتظم بالثاني في اللفظ فيكون محرز المحل المفهوم راجعاً إلى الأول بالمعنى - انتهى. وأوضح دليل على إيجاب التبييت أمره بالإتمام ، فإنه لما وقع الشروع فيه فالتقدير : فإذا تبين الفجر الذي أمرتم بمراقبته لكونه غاية لما أحل لكم فصوموا أي أمسكوا عن المفطر\rأ هـ {نظم الدرر حـ 1 صـ 345}\rسؤال : ما الفائدة في ذكرهما {وكلوا واشربوا} ؟\rالجواب : الفائدة في ذكرهما أن تحريمهما وتحريم الجماع بالليل بعد النوم ، لما تقدم احتيج في إباحة كل واحد منها إلى دليل خاص يزول به التحريم ، فلو اقتصر تعالى على قوله : {فالئن باشروهن} لم يعلم بذلك زوال تحريم الأكل والشرب ، فقرن إلى ذلك قوله : {وَكُلُواْ واشربوا} لتتم الدلالة على الإباحة.\rأ هـ {مفاتيح الغيب حـ 5 صـ 93}\rقوله تعالى : {حتى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الخيط الأبيض مِنَ الخيط الأسود مِنَ الفجر }\rفائدة\rقال الفخر :","part":4,"page":113},{"id":1432,"text":"روي أنه لما نزلت هذه الآية قال عدي بن حاتم أخذت عقالين أبيض وأسود فجعلتهما تحت وسادتي ، وكنت أقوم من الليل فأنظر إليهما ، فلم يتبين لي الأبيض من الأسود ، فلما أصبحت غدوت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبرته فضحك ، وقال\r\" إنك لعريض القفا ، إنما ذلك بياض النهار وسواد الليل \" ، وإنما قال له رسول الله صلى الله عليه وسلم : \" إنك لعريض القفا \" لأن ذلك مما يستدل به على بلاهة الرجل ، ونقول : يدل قطعاً على أنه تعالى كنى بذلك عن بياض أول النهار وسواد آخر الليل ، وفيه إشكال وهو أن بياض الصبح المشبه بالخيط الأسود هو بياض الصبح الكاذب ، لأنه بياض مستطيل يشبه الخيط ، فأما بياض الصبح الصادق فهو بياض مستدير في الأفق فكان يلزم بمقتضى هذه الآية أن يكون أول النهار من طلوع الصبح الكاذب وبالإجماع أنه ليس كذلك.\rوجوابه : أنه لولا قوله تعالى في آخر هذه الآية : {مِنَ الفجر} لكان السؤال لازماً ، وذلك لأن الفجر إنما يسمى فجراً لأنه ينفجر منه النور ، وذلك إنما يحصل في الصبح الثاني لا في الصبح الأول ، فلما دلت الآية على أن الخيط الأبيض يجب أن يكون من الفجر ، علمنا أنه ليس المراد منه الصبح الكاذب بل الصبح الصادق ، فإن قيل : فكيف يشبه الصبح الصادق بالخيط ، مع أن الصبح الصادق ليس بمستطيل والخيط مستطيل.\rوجوابه : أن القدر من البياض الذي يحرم هو أول الصبح الصادق ، وأول الصبح الصادق لا يكون منتشراً بل يكون صغيراً دقيقاً ، بل الفرق بينه وبين الصبح الكاذب أن الصبح الكاذب يطلع دقيقاً ، والصادق يبدو دقيقاً ، ويرتفع مستطيلاً فزال السؤال ، فأما ما حكي عن عدي بن حاتم فبعيد ، لأنه يبعد أن يخفى على مثله هذه الاستعارة مع قوله تعالى : {مِنَ الفجر }. (1) أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 5 صـ 93}\r_________________\r(1) استبعاد الإمام فخر الدين الرازى لهذه الرواية لا وجه له لأنه مذكور فى البخارى (4509).\rأخبرنا موسى بن إسماعيل ، حدثنا أبو عوانة ، عن حُصَين ، عن الشعبي ، عن عَدِيّ قال : أخذ عَدي عقالا أبيض وعقالا أسود ، حتى كان بعض الليل نظر فلم يتبينا. فلما أصبح قال : يا رسول الله ، جعلت تحت وسادتي. قال : \"إن وسادك إذًا لعريض ، إنْ كان الخيط الأبيض والأسود تحت وسادتك\" والله أعلم","part":4,"page":114},{"id":1433,"text":"وقال الشيخ ابن عاشور :\rوقد رويت قصة في فهم بعض الصحابة لهذه الآية وفي نزولها مفرقة ، فروى البخاري ومسلم عن عدي بن حاتم قال : \" لما نزلت {حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود} عمدت إلى عِقال أسود وإلى عقال أبيض فجعلتهما تحت وسادتي فجعلت أنظر في الليل فلا يستبين لي الأبيض من الأسود فغدوت على رسول الله فذكرتُ له ذلك فقال رسول الله : إن وِسادَك لعَرِيض ، وفي رواية : إنك لعَرِيض القفا ، إنما ذلك سواد الليل وبياض النهار \".","part":4,"page":115},{"id":1434,"text":"ورَوَيا عن سهل بن سعد قال نزلت : {وكلوا واشربوا حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود} ولم ينزل {من الفجر} فكانَ رجال إذا أرادوا الصوم ربط أحدهم في رجله الخيط الأبيض والخيط الأسود ولم يزل يأْكل حتى تتبين له رؤيتهما فأنزل الله بعدُ {من الفجر} ، فيظهر من حديث سهل بن سعد أن مثل ما عمله عدي بن حاتم قد كان عمله غيره من قبلِه بمدة طويلة ، فإن عَدِياً أَسلَمَ سنة تسع أو سنة عشر ، وصيام رمضان فُرض سنة اثنتين ولا يُعقل أن يبقَى المسلمون سبع أو ثمانيَ سنين في مثل هذا الخطأ ، فمحل حديث سهل بن سعد على أن يكون ما فيه وقع في أول مُدة شرع الصيام ، ومحمل حديث عدي بن حاتم أن عدياً وقع في مثل الخطأ الذي وقع فيه مَن تقدموه ، فإن الذي عند مسلم عن عبد الله بن إدريس عن حصين عن الشعبي عن عدي أنه قال لما نزلت : {حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر} الخ فهو قد ذكر الآية مستكملة ، فيتعين أن يكون محمل حديث سهل بن سعد على أن ذلك قد عمله بعض الناس في الصوم المفروض قبلَ فَرْض رمضان أي صومِ عاشوراء أو صوممِ النَّذْر وفي صوم التَّطوع ، فلما نزلت آية فرض رمضان وفيها {من الفجر} علموا أن ما كانوا يعملونه خطأ ، ثم حَدث مثل ذلك لعدي بن حاتم.\rوحديث سهل لا شبهة في صحة سنده إلاّ أنه يحتمل أن يكون قوله فيه ولم ينزل {من الفجر} وقوله فأنزل الله بعد ذلك {مِن الفجر} مروياً بالمعنى فجاء راويه بعبارات قلقة غير واضحة ، لأنه لم يقع في \"الصحيحين\" إلاّ من رواية سعيد بن أبي مريم عن أبي غسان عن أبي حازم عن سهل بن سعد فقال الراوي : \"فأنزل بعد أو بعدَ ذلك من الفجر\" وكان الأوضح أن يقول فأنزل الله بعدُ : {وكلوا واشربوا} إلى قوله {من الفجر }.","part":4,"page":116},{"id":1435,"text":"وأيّاً ما كان فليس في هذا شيء من تأخير البيان ، لأن معنى الخيط في الآية ظاهر للعرب ، فالتعبير به من قبيل الظاهر لا من قبيل المجمل ، وعدمُ فهم بعضهم المرادَ منه لا يقدح في ظهور الظاهر ، فالذين اشتبه عليهم معنى الخيط الأبيض والخيط الأسود ، فهموا أَشهر معاني الخيط وظَنوا أن قوله : {من الفجر} متعلق بفعل {يتبين} على أن تكون (مِنْ) تعليلية أي يكون تبينه بسبب ضوء الفجر ، فصنعوا ما صنعوا ولذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم لعدي بن حاتم \"إنّ وسادك لعريض أو إنك لعريض القفا\" كناية عن قلة الفِطنة وهي كناية موجهة من جوامع كلمه عليه السلام. أ هـ {التحرير والتنوير حـ 2 صـ 184 ـ 185}\rقال ابن عادل : \rوقد رُوِيَ أنَّ بعض الصحابة فَعَلَ كَفِعْلِ عَدِيٍّ ، ويروى أن بين قوله {الخيط الأبيض مِنَ الخيط الأسود} وبين قوله : {مِنَ الفجر} عاماً كاملاً في النزول.\rروي عن سَهْل بْنِ سَعْدٍ ، قال : أُنْزِلَتْ {وَكُلُواْ واشربوا حتى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الخيط الأبيض مِنَ الخيط الأسود} ولم ينزل قوله : {مِنَ الفجر} وكان رجالٌ إذا أرادوا الصَّوم ، ربط أحدهم في رجليه الخَيْطَ الأبْيَض ، والخَيْط الأَسْود ، ولا يزال يأكل حتى يتبيَّن له رؤيتهما ، فأنزل الله تعالى {مِنَ الفجر} ، فعلموا أنَّه إنما عني اللَّيل والنَّهار. أ هـ {تفسير ابن عادل حـ 3 صـ 313}\rفائدة\rفصل في صوم الجنب\rقال الفخر : \rمذهب أبي هريرة والحسن بن صالح بن جني أن الجنب إذا أصبح قبل الاغتسال لم يكن له صوم ، وهذه الآية تدل على بطلان قولهم لأن المباشرة إذا كانت مباحة إلى انفجار الصبح لم يمكنه الاغتسال إلا بعد انفجار الصبح. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 5 صـ 94}\rقال ابن عادل : \rويؤيِّده ما ورد عنه صلى الله عليه وسلم ، أنه كان يدركه الفجر ، وهو جنبٌ من أهله ، ثم يغتسل ويصوم ، والله أعلم. أ هـ {تفسير ابن عادل حـ 3 صـ 315}\rقال الفخر : ","part":4,"page":117},{"id":1436,"text":"زعم الأعمش أنه يحل الأكل والشرب والجماع بعد طلوع الفجر وقبل طلوع الشمس قياساً لأول النهار على آخره ، فكما أن آخره بغروب القرص ، وجب أن يكون أوله بطلوع القرص ، وقال في الآية أن المراد بالخيط الأبيض والخيط الأسود النهار والليل ، ووجه الشبهة ليس إلا في البياض والسواد ، فإما أن يكون التشبيه في الشكل مراداً فهذا غير جائز لأن ظلمة الأفق حال طلوع الصبح لا يمكن تشبيهها بالخيط الأسود في الشكل ألبتة ، فثبت أن المراد بالخيط الأبيض والخيط الأسود هو النهار والليل ثم لما بحثنا عن حقيقة الليل في قوله : {ثُمَّ أَتِمُّواْ الصيام إِلَى اليل} وجدناها عبارة عن زمان غيبة الشمس بدليل أن الله تعالى سمى ما بعد المغرب ليلاً مع بقاء الضوء فيه فثبت أن يكون الأمر في الطرف الأول من النهار كذلك ، فيكون قبل طلوع الشمس ليلاً ، وأن لا يوجد النهار إلا عند طلوع القرص ، فهذا تقرير قول الأعمش ، ومن الناس من سلم أن أول النهار إنما يكون من طلوع الصبح فقاس عليه آخر النهار ، ومنهم من قال : لا يجوز الإفطار إلا بعد غروب الحمرة ، ومنهم من زاد عليه وقال : بل لا يجوز الإفطار إلا عند طلوع الكواكب ، وهذه المذاهب قد انقرضت ، والفقهاء أجمعوا على بطلانها فلا فائدة في استقصاء الكلام فيها. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 5 صـ 94}\rفصل\rالحنفيَّة تمسَّكوا بهذه الآية الكريمة في أنَّ صوم النَّفل يجب إتمامه بقوله تعالى {أَتِمُّواْ الصيام} والأمر للوجوب فيتناول كُلَّ صيام.\rوأجيبوا بأنَّ هذا إنما ورد في بيان أحكام صوم الفرض ؛ بدليل أنَّه - عليه الصَّلاة والسَّلام - قال : \" الصائم المتطوِّع أمير نفسه ، إن شاء صام ، وإن شاء أفطر \"","part":4,"page":118},{"id":1437,"text":"وعن أمِّ هانىء : أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم دَخَلَ عَلَيْهَا فَدَعَا بِشَرَابِ فَشَرِبَ ، ثُمَّ نَاوَلَهَا ، فَشَرِبَتْ ، فقالت : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، أَمَا إنِّي كُنْتُ صَائِمَةً ، وَلَكِنْ كَرِهْتُ أن أرُدَّ سُؤْرَكَ ، فقال : \" إنْ كَانَ قَضَاءً مِنْ رَمَضَانَ ، فاقْضي مَكَانَهَُ ، وإنْ كَانَ تَطَوُّعاً ، فإن شِئْتِ فاقْضي ، وإنْ شِئْتِ فَلاَ تَقْضِي \". أ هـ {تفسير ابن عادل حـ 3 صـ 316 ـ 317}\rقوله تعالى : {مِنَ الفجر }\rقال الفخر : \rوأما {من} قوله تعالى : {مِنَ الفجر} فقيل للتبعيض لأن المعتبر بعض الفجر لا كله ، وقيل للتبيين كأنه قيل : الخيط الأبيض الذي هو الفجر. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 5 صـ 94}\rقوله تعالى : {ثُمَّ أَتِمُّواْ الصيام إِلَى الليل }\rقال الفخر : ","part":4,"page":119},{"id":1438,"text":"إن كلمة {إلى} لانتهاء الغاية ، فظاهر الآية أن الصوم ينتهي عند دخول الليل ، وذلك لأن غاية الشيء مقطعه ومنتهاه ، وإنما يكون مقطعاً ومنتهى إذا لم يبق بعد ذلك ، وقد تجيء هذه الكلمة لا للانتهاء كما قوله تعالى : {إِلَى المرافق} [المائدة : 6] إلا أن ذلك على خلاف الدليل ، والفرق بين الصورتين أن الليل ليس من جنس النهار ، فيكون الليل خارجاً عن حكم النهار ، والمرافق من جنس اليد فيكون داخلاً فيه ، وقال أحمد بن يحيى : سبيل إلى الدخول والخروج ، وكلا الأمرين جائز ، تقول : أكلت السمكة إلى رأسها ، وجائز أن يكون الرأس داخلاً في الأكل وخارجاً منه ، إلا أنه لا يشك ذو عقل أن الليل خارج عن الصوم ، إذ لو كان داخلاً فيه لعظمت المشقة ودخلت المرافق في الغسل أخذاً بالأوثق ، ثم سواء قلنا إنه مجمل أو غير مجمل ، فقد ورد الحديث الصحيح فيه ، وهو ما روى عمر رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : \" إذا أقبل الليل من ههنا ، وأدبر النهار من ههنا ، وقد غربت الشمس فقد أفطر الصائم \" فهذا الحديث يدل على أن الصوم ينتهي في هذا الوقت. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 5 صـ 95}\rوقال البقاعى : ","part":4,"page":120},{"id":1439,"text":"{ ثم أتموا} ذلك {الصيام إلى الليل} والتعبير بثم إشارة إلى بعد ما بين طرفي الزمان الذي أحل فيه المفطر. وقال الحرالي : فكان صوم النهار إتماماً لبدء من صوم ليلة فكأنه في الليل صوم ليس بتام لانثلامه للحس وإن كان في المعنى صوماً ، ومن معناه رأى بعض العلماء الشروع في الاعتكاف قبل الغروب لوجه مدخل الليل في الصوم التام بالعكوف وإضافة الليل للنهار في حكم صوم ما وهو في النهار تمام بالمعنى والحس ، وإنما ألزم بإتمام الصوم نهاراً واعتد به ليلاً وجرى فيه الأكل والنكاح بالأمر لأن النهار معاش فكان الأكل فيه أكلاً في وقت انتشار الخلق وتعاطي بعضهم من بعض فيأنف عنه المرتقب ، ولأن الليل سبات ووقت توف وانطماس ، فبدأ فيه من أمر الله ما انحجب ظهوره في النهار ، كأن المُطعم بالليل طاعم من ربه الذي هو وقت تجليه \" ينزل ربنا كل ليلة إلى سماء الدنيا \" فكأن الطاعم في الليل إنما أطعمه الله وسقاه ، فلم يقدح ذلك في معنى صومه وإن ظهر صورة وقوعه في حسه كالناسي بل المأذون له أشرف رتبة من الناسي - انتهى. أ هـ {نظم الدرر حـ 1 صـ 355}\rوقال العلامة ابن عاشور : \rو{ إلى الليل} غاية اختير لها (إلى) للدلالة على تعجيل الفطر عند غروب الشمس لأن إلى لا تمتد معها الغاية بخلاف حتى ، فالمراد هنا مقارنة إتمام الصيام بالليل.\rواعلم أن ثم في عطف الجمل للتراخي الرتبي وهو اهتمام بتعيين وقت الإفطار ، لأن ذلك كالبشارة لهم ، ولا التفات إلى ما ذهب إليه أبو جعفر الخباز السمرقندي من قدماء الحنفية من الاستدلال بثم في هاته الآية على صحة تأخير النية عن الفجر احتجاجاً لمذهب أبي حنيفة من جواز تأخير النية إلى الصحوة الكبرى.","part":4,"page":121},{"id":1440,"text":"بناء على أن ثم للتراخي وأن إتمام الصيام يستلزم ابتداءه ، فكأنه قال ثم بعد تبيين الخيطين من الفجر صوموا أو أتموا الصيام إلى الليل فينتج معنى صوموا بعد تراخ عن وقت الفجر وهو على ما فيه من التكلف والمصير إلى دلالة الإشارة الخفيفة غفلة عن معنى التراخي في عطف (ثم) للجمل. أ هـ {التحرير والتنوير حـ 2 صـ 184}\rلطيفة\rقال القرطبى : \rقوله تعالى : {إِلَى الليل} إذا تبيّن الليل سنّ الفطر شرعاً ، أكل أو لم يأكل. قال ابن العربي : وقد سئل الإمام أبو إسحاق الشيرازي عن رجل حلف بالطلاق ثلاثاً أنه لا يُفطر على حار ولا بارد ؛ فأجاب أنه بغروب الشمس مفطرٌ لا شيء عليه ؛ واحتج بقوله صلى الله عليه وسلم : \" إذا جاء الليل من ها هنا وأدبر النهار من ها هنا فقد أفطر الصائم \" وسئل عنها الإمام أبو نصر بن الصباغ صاحب الشامل فقال : لا بدّ أن يفطر على حار أو بارد. وما أجاب به الإمام أبو إسحاق أوْلى ؛ لأنه مقتضى الكتاب والسُّنة. أ هـ {تفسير القرطبى حـ 2 صـ 328}\rبحث نفيس للقرطبى فى النهي عن الوصال\rقال رحمه الله : ","part":4,"page":122},{"id":1441,"text":"قوله تعالى : {إِلَى الليل} فيه ما يقتضي النهي عن الوصال ؛ إذ الليل غاية الصيام ؛ وقالته عائشة. وهذا موضعٌ اختلف فيه ؛ فمن واصل عبد اللَّه بن الزبير وإبراهيم التَّيْمي وأبو الجوزاء وأبو الحسن الدِّينَوَرِيّ وغيرهم. كان ابن الزبير يواصل سبعاً ، فإذا أفطر شرب السمن والصبر حتى يفتق أمعاءه ، قال : وكانت تيبس أمعاؤه. وكان أبو الجوزاء يواصل سبعة أيام وسبع ليال ولو قَبض على ذراع الرجل الشديد لحطمها. وظاهر القرآن والسُّنة يقتضي المنع ؛ قال صلى الله عليه وسلم : \" إذا غابت الشمس من ها هنا وجاء الليل من ها هنا فقد أفطر الصائم \" خرّجه مسلم من حديث عبد اللَّه بن أبي أوْفَى. ونهى عن الوصال ، فلما أَبَوْا أن ينتهوا عن الوصال واصل بهم يوماً ثم يوماً ثم رأوا الهلال فقال : \"لو تأخر الهلال لزدتكم\" كالمُنَكِّل لهم حين أبَوْا أن ينتهوا. أخرجه مسلم عن أبي هريرة. وفي حديث أنس : \"لو مُدّ لنا الشهر لواصلنا وصالاً يَدعُ المتعمِّقون تعمُّقَهم\". خرّجه مسلم أيضاً. وقال صلى الله عليه وسلم : \" إياكم والوصال إياكم والوصال \" تأكيداً في المنع لهم منه ، وأخرجه البخاري. وعلى كراهية الوصال لما ذكرنا ولما فيه من ضعف القُوَى وإنهاك الأبدان جمهور العلماء. وقد حرّمه بعضهم لما فيه من مخالفة الظاهر والتشبه بأهل الكتاب ، قال صلى الله عليه وسلم : \" إن فَصلَ ما بين صيامنا وصيام أهل الكتاب أَكْلَةُ السَّحَر \" خرّجه مسلم وأبو داود. وفي البخاري عن أبي سعيد الخُدْرِيّ أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : \" لا تواصلوا فأيُّكم أراد أن يواصل فليواصل حتى السَّحَر \" قالوا : فإنك تواصل يا رسول الله ؟ قال : \" لست كهيئتكم إني أَبِيتُ لي مُطْعِمٌ يُطعمني وساقٍ يَسقيني \" قالوا : وهذا إباحة لتأخير الفطر إلى السحر ، وهو الغاية في الوصال لمن أراده ، ومنعٌ من اتصال يوم بيوم ؛ وبه قال أحمد وإسحاق وابن وهب صاحب مالك.","part":4,"page":123},{"id":1442,"text":"واحتجّ من أجاز الوصال بأن قال : إنما كان النهي عن الوصال لأنهم كانوا حديثي عهد بالإسلام ، فخَشِيَ رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يتكلّفوا الوصال وأعلى المقامات فيفتُرُوا أو يضعفوا عما كان أنفع منه من الجهاد والقوّة على العدوّ ، ومع حاجتهم في ذلك الوقت. وكان هو يلتزم في خاصّة نفسه الوصال وأعلى مقامات الطاعات ؛ فلما سألوه عن وصالهم أبدى لهم فارقاً بينه وبينهم ، وأعلمهم أن حالته في ذلك غير حالاتهم فقال : \" لستُ مِثلَكم إنّي أَبِيتُ يُطعمني ربّي ويَسقيني \" فلما كمل الإيمان في قلوبهم واستحكم في صدورهم ورسخ ، وكثر المسلمون وظهروا على عدوّهم ، واصل أولياء الله وألزموا أنفسهم أعلى المقامات ، والله أعلم.\r","part":4,"page":124},{"id":1443,"text":"قلت : ترك الوصال مع ظهور الإسلام وقهر الأعداء أوْلى ، وذلك أرفع الدرجات وأعلى المنازل والمقامات ؛ والدليل على ذلك ما ذكرناه. وأن الليل ليس بزمان صوم شرعي ، حتى لو شرع إنسان فيه الصوم بنيّةٍ ما أثيب عليه ، والنبيّ صلى الله عليه وسلم ما أخبر عن نفسه أنه واصل ، وإنما الصحابة ظنُّوا ذلك فقالوا : إنك تواصل ؛ فأخبر أنه يُطْعَم ويُسْقَى. وظاهر هذه الحقيقة : أنه صلى الله عليه وسلم يُؤتى بطعام الجنَّة وشرابها. وقيل : إن ذلك محمول على ما يرد على قلبه من المعاني واللطائف ، وإذا احتمل اللفظ الحقيقة والمجاز فالأصل الحقيقة حتى يَرِد دليل يزيلها. ثم لما أبَوْا أن ينتهوا عن الوصال واصل بهم وهو على عادته كما أخبر عن نفسه ، وهم على عادتهم حتى يضعفوا ويقلّ صبرهم فلا يواصلوا. وهذه حقيقة التنكيل حتى يدعوا تعمّقهم وما أرادوه من التشديد على أنفسهم. وأيضاً لو تنزّلنا على أن المراد بقوله : \"أُطعَم وأُسَقى\" المعنى لكان مفطراً حُكماً ؛ كما أن من اغتاب في صومه أو شهد بزور مفطرٌ حُكماً ، ولا فرق بينهما ، قال صلى الله عليه وسلم : \" مَن لم يَدَعْ قَولَ الزُّور والعملَ به فليس لله حاجة في أنْ يَدَع طعامَه وشرابَه \" وعلى هذا الحدّ ما واصل النبي صلى الله عليه وسلم ولا أمر به ، فكان تركه أولى. وبالله التوفيق.أ هـ {تفسير القرطبى حـ 2 صـ 330}\rقوله تعالى : {وَلاَ تباشروهن وَأَنتُمْ عاكفون فِي المساجد }\rالمناسبة\rقال البقاعى : ","part":4,"page":125},{"id":1444,"text":"ولما كان الصوم شديد الملابسة للمساجد والاعتكاف وكانت المساجد مظنة للاعتكاف وكان سبحانه قد أطلق في صدر الآية الإذن في الوطء في جميع الأماكن والأحوال غير حال الصوم خص من سائر الأحوال الاعتكاف ومن الأماكن المساجد فعقب ذلك بأن قال : {ولا تباشروهن} أي في أي مكان كان {وأنتم عاكفون} أي بايتون مقيمون أو معتكفون ، ومدار مادة عكف على الحبس أي وأنتم حابسون أنفسكم لله {في المساجد} عن شهواتها بنية العبادة و{في المساجد} ظرف لعاكفون ، فتحرم المباشرة في الاعتكاف ولو في غير المسجد ، وتقييد الاعتكاف بها لا يفهم صحته في غير مسجد ، فإنه إنما ذكر لبيان الواقع وليفهم حرمة الجماع في المساجد ، لأنه إذا حرم تعظيماً لما هي سبب لحرمته ومصححة له كانت حرمته تعظيماً لها لنفسها أولى ، أو يقال وهو أحسن : لما كان معنى العكوف مطلق الحبس قيده بالمسجد ليفهم خصوص الاعتكاف الذي هو الحبس عبادة ، فصار كأنه قال : وأنتم معتكفون ، هذا معنى المبتدأ والخبر وما تعلق به ، وكأنه جرّد الفعل ليشمل ما إذا كان اللبث في المسجد بغير نية ، والحاصل أنه سبحانه وتعالى سوى بين حال الصوم حال الاعتكاف في المنع من الجماع ، فإن اجتمعا كان آكد ، فإن الاعتكاف من كمال الصوم وذلك على وجه منع من المباشرة في المسجد مطلقاً.\r","part":4,"page":126},{"id":1445,"text":"قال الحرالي : وإنما كان العاكف في المسجد مكملاً لصومه لأن حقيقة الصوم التماسك عن كل ما شأن المرء أن يتصرف فيه من بيعه وشرائه وجميع أغراضه فإذا المعتكف المتماسك عن التصرف كله إلاّ ما لا بد له من ضرورته والصائم المكمل صيامه والمتصرف الحافظ للسانه الذي لا ينتصف بالحق ممن اعتدى عليه هو المتمم للصيام ، ومن نقص عن ذلك فانتصف بالحق ممن اعتدى عليه فليس بمتمم للصيام ، فمن أطلق لسانه وأفعاله فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه ، فإذا حقيقة الصوم هو الصوم لا صورته حتى ثبت معناه للأكل ليلاً ونهاراً ، قال صلى الله عليه وسلم : \" من صام رمضان وأتبعه بست من شوال فكأنما صام الدهر \" وقال صلى الله عليه وسلم : \" ثلاثة أيام من كل شهر فذلك صوم الدهر \" وكان بعض أهل الوجهة من الصحابة يقول قائلهم : أنا صائم ، ثم يرى يأكل من وقته فيقال له في ذلك فيقول : قد صمت ثلاثة أيام من هذا الشهر ، فأنا صائم في فضل الله مفطر في ضيافة الله ، كل ذلك اعتداد من أهل الأحلام والنُّهى بحقيقة الصوم أكثر من الاعتداد بصورة ظاهرة - انتهى بمعناه. أ هـ {نظم الدرر حـ 1 صـ 356 ـ 357}\rقال الفخر : \rمن الأحكام المذكورة في هذه السورة الاعتكاف\rقوله تعالى : {وَلاَ تباشروهن وَأَنتُمْ عاكفون فِي المساجد}.\rاعلم أنه تعالى لما بين الصوم ، وبين أن من حكمه تحريم المباشرة ، كان يجوز أن يظن في الاعتكاف أن حاله كحال الصوم في أن الجماع يحرم فيه نهاراً لا ليلاً ، فبين تعالى تحريم المباشرة فيه نهاراً وليلاً ، فقال : {وَلاَ تباشروهن وَأَنتُمْ عاكفون فِي المساجد} ثم في الآية مسائل : ","part":4,"page":127},{"id":1446,"text":"المسألة الأولى : قال الشافعي رضي الله عنه : الاعتكاف اللغوي ملازمة المرء للشيء وحبس نفسه عليه ، براً كان أو إثماً ، قال تعالى : {يَعْكُفُونَ على أَصْنَامٍ لَّهُمْ} [الأعراف : 138] والاعتكاف الشرعي : المكث في بيت الله تقرباً إليه ، وحاصله راجع إلى تقييد اسم الجنس بالنوع بسبب العرف ، وهو من الشرائع القديمة ، قال الله تعالى : {أن طَهّرَا بَيْتِىَ لِلطَّائِفِينَ والعاكفين} [البقرة : 125] وقال تعالى : {وَلاَ تباشروهن وَأَنتُمْ عاكفون فِي المساجد }.\rالمسألة الثانية : لو لمس الرجل المرأة بغير شهوة جاز ، لأن عائشة رضي الله عنها كانت ترجل رأس رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو معتكف ، أما إذا لمسها بشهوة ، أو قبلها ، أو باشرها فيما دون الفرج ، فهو حرام على المعتكف ، وهل يبطل بها اعتكافه ؟ للشافعي رحمه الله فيه قولان : الأصح أنه يبطل ، وقال أبو حنيفة ، لا يفسد الاعتكاف إذا لم ينزل ، احتج من قال بالإفساد أن الأصل في لفظ المباشرة ملاقاة البشرتين ، فقوله : {وَلاَ تباشروهن} منع من هذه الحقيقة ، فيدخل فيه الجماع وسائر هذه الأمور ، لأن مسمى المباشرة حاصل في كلها.\rفإن قيل : لم حملتم المباشرة في الآية المتقدمة على الجماع ؟ \rقلنا : لأن ما قبل الآية يدل على أنه هو الجماع ، وهو قوله : {أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصيام الرفث} وسبب نزول تلك الآية يدل على أنه هو الجماع ، ثم لما أذن في الجماع كان ذلك إذناً فيما دون الجماع بطريق الأولى ، أما ههنا فلم يوجد شيء من هذه القرائن ، فوجب إبقاء لفظ المباشرة على موضعه الأصلي وحجة من قال : إنها لا تبطل الاعتكاف ، أجمعنا على أن هذه المباشرة لا تفسد الصوم والحج ، فوجب أن لا تفسد الاعتكاف لأن الاعتكاف ليس أعلى درجة منهما والجواب : أن النص مقدم على القياس. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 5 صـ 97}\rقال ابن عادل : ","part":4,"page":128},{"id":1447,"text":"قوله : {وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي المساجد} جملةٌ حاليةٌ من فاعل \" تُبَاشِرُوهُنَّ \" ، والمعنى : \" لاَ تُبَاشِرُوهُنَّ \" ، وقد نَوَيْتُم الاعتكافَ في المسجد ، وليس المراد النهي عن مباشرتهنَّ في المسجد بقيد الاعتكاف ؛ لأنَّ ذلك ممنوعٌ منه في غير الاعتكاف أيضاً. أ هـ {تفسير ابن عادل حـ 3 صـ 318}\rفائدة\rقال القرطبيُّ - رحمه الله تعالى - : إذا أتى المعتكف كبيرةً ، بطل اعتكافه ؛ لأنَّ الكبيرة ضدَّ العبادة ، كما أنَّ الحدث ضدَّ الطهارة والصَّلاة. أ هـ {تفسير القرطبى حـ 2 صـ 335}\rقوله تعالى : {تِلْكَ حُدُودُ الله }\rالمناسبة\rقال البقاعى : \rولما قدم سبحانه وتعالى ذكر هذه الحرمات ضمن ما قدم في الأحكام أما في المناهي فصريحاً وأما في الأوامر فلزوماً وتقدم فيها لأن حمله سبحانه وتعالى في الأرض محارمه نبه على تعظيمها وتأكيد تحريمها باستئناف قوله مشيراً بأداة البعد : {تلك} أي الأحكام البديعة النظام العالية المرام {حدود الله} وذكر الاسم الأعظم تأكيداً للتعظيم ، وحقيقة الحد الحاجز بين الشيئين المتقابلين ليمنع من دخول أحدهما في الآخر ، فأطلق هنا على الحكم تسمية للشيء باسم جزئه بدلالة التضمن وأعاد الضمير على مفهومه المطابق استخداماً فقال : {فلا تقربوها} معبراً بالقربان ، لأنه في سياق الصوم والورع به أليق ، لأن موضوعه فطام النفس عن الشهوات فهو نهي عن الشبهات من باب \" من يرتع حول الحمى يوشك أن يواقعه \" فيدخل فيه مقدمات الجماع فالورع تركها. أ هـ {نظم الدرر حـ 1 صـ 357}\rفائدة\rقال الفخر : \rقوله : {تِلْكَ} لا يجوز أن يكون إشارة إلى حكم الاعتكاف لأن الحدود جمع ولم يذكر الله تعالى في الاعتكاف إلا حداً واحداً ، وهو تحريم المباشرة بل هو إشارة إلى كل ما تقدم في أول آية الصوم إلى ههنا على ما سبق شرح مسائلها على التفصيل. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 5 صـ 97}\rفائدة لغوية","part":4,"page":129},{"id":1448,"text":"قال الليث : حد الشيء مقطعه ومنتهاه قال الأزهري : ومنه يقال للمحروم محدود لأنه ممنوع عن الرزق ويقال للبواب : حداد لأنه يمنع الناس من الدخول وحد الدار ما يمنع غيرها من الدخول فيها ، وحدود الله ما يمنع من مخالفتها والمتكلمون يسمون الكلام الجامع المانع : حداً ، وسمي الحديد : حديداً لما فيه من المنع ، وكذلك إحداد المرأة لأنها تمنع من الزينة إذا عرفت الاشتقاق فنقول : المراد من حدود الله محدوداته أي مقدوراته التي قدرها بمقادير مخصوصة وصفات مضبوطة. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 5 صـ 98}\rفائدة\rقال ابن جزى : \rقوله تعالى : {تِلْكَ حُدُودُ الله} أحكامه التي أمر بالوقوف عندها {فلا تقربوها} أي لا تقربوا مخالفتها واستدل بعضهم به على سد الذرائع لأن المقصود النهي عن المخالفة للمحدود لقوله تلك حدود الله فلا تعتدوها ثم نهى هنا عن مقاربة المخالفة سدا للذريعة. أ هـ {التسهيل حـ 1 صـ 72}\rإشكالان وجوابهما\rقال الفخر : \rأما قوله تعالى : {فَلاَ تَقْرَبُوهَا} ففيه إشكالان الأول : أن قوله تعالى : {تِلْكَ حُدُودُ الله} إشارة إلى كل ما تقدم ، والأمور المتقدمة بعضها إباحة وبعضها حظر فكيف قال في الكل {فَلاَ تَقْرَبُوهَا }\rوالثاني : أنه تعالى قال في آية أخرى : {تِلْكَ حُدُودُ الله فَلاَ تَعْتَدُوهَا} [البقرة : 229] وقال في آية المواريث {وَمَن يَعْصِ الله وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ} [النساء : 140] وقال ههنا : {فَلاَ تَقْرَبُوهَا} فكيف الجمع بينهما ؟ ","part":4,"page":130},{"id":1449,"text":"والجواب عن السؤالين من وجوه : الأول : وهو الأحسن والأقوى أن من كان في طاعة الله والعمل بشرائعه فهو متصرف في حيز الحق ، فنهى أن يتعداه لأن من تعداه وقع في حيز الضلال ، ثم بولغ في ذلك فنهى أن يقرب الحد الذي هو الحاجز بين حيز الحق والباطل ، لئلا يداني الباطل وأن يكون بعيداً عن الطرف فضلاً أن يتخطاه كما قال عليه الصلاة والسلام : \" إن لكل ملك حمى وحمى الله محارمه فمن رتع حول الحمى يوشك أن يقع فيه \"\rالثاني : ما ذكره أبو مسلم الأصفهاني : لا تقربوها أي لا تتعرضوا لها بالتغيير كقوله : {لاَ تَقْرَبُواْ مَالَ اليتيم} [الإسراء : 34 ]\rالثالث : أن الأحكام المذكورة فيما قبل وإن كانت كثيرة إلا أن أقربها إلى هذه الآية إنما هو قوله : {وَلاَ تباشروهن وَأَنتُمْ عاكفون فِي المساجد} وقبل هذه الآية قوله : {ثُمَّ أَتِمُّواْ الصيام إِلَى اليل} وذلك يوجب حرمة الأكل والشرب في النهار ، وقبل هذه الآية قوله : {وابتغوا مَا كَتَبَ الله لَكُمْ} وهو يقتضي تحريم مواقعة غير الزوجة والمملوكة وتحريم مواقعتهما في غير المأتي وتحريم مواقعتهما في الحيض والنفاس والعدة والردة ، وليس فيه إلا إباحة الشرب والأكل والوقاع في الليل ، فلما كانت الأحكام المتقدمة أكثرها تحريمات ، لا جرم غلب جانب التحريم فقال : {تِلْكَ حُدُودُ الله فَلاَ تَقْرَبُوهَا} أي تلك الأشياء التي منعتم عنها إنما منعتم عنها بمنع الله ونهيه عنها فلا تقربوها. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 5 صـ 98}\rسؤال : لم قال هنا : \" فَلاَ تَقْرَبُوهَا \" وفي مواضع أُخر : {فَلاَ تَعْتَدُوهَا} [البقرة : 229] ومثله {وَمَن يَتَعَدَّ حُدُودَ الله} [البقرة : 229] {وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ} [النساء : 14 ]","part":4,"page":131},{"id":1450,"text":"الجواب : لأنه غلَّب هنا جهة النهي ؛ إذ هو المعقَّب بقوله : {تِلْكَ حُدُودُ الله} وما كان منهيّاً عن فعله ، كان النهيُّ عن قُرْبِانِهِ أبلغ ، وأمَّا الآياتُ الأُخَرُ ، فجاء \" فَلاَ تَعْتَدُوهَا \" عَقِيبَ بيان أحكام ذُكِرَتْ قبلُ ؛ كالطلاق ، والعدَّة ، والإيلاء ، والحيض ، والمواريث ؛ فناسب أن ينهى عن التعدِّي فيها ، وهو مجاوزة الحدِّ الذي حدَّه الله تعالى فيها.\rأ هـ {تفسير ابن عادل حـ 3 صـ 322}\rوقال ابن عرفة :\rقوله تعالى : {فَلاَ تَقْرَبُوهَا...}.\rنهى عن القرب لحديث \" الراتع حول الحمى يوشك أن يقع فيه \".\rقيل لابن عرفة : تقرر أن اتقاء الشبهات غير واجب بل مستحب ؟\rفقال : هي أقسام : مظنون ، ومشكوك فيها ، ومتوهمة ، فالوهم مرجوح ، والظن راجح فينتج وجوب الاجتناب ، والشك فيه خلاف (ومحمل النهي) في الآية على تحريم المظنون والمشكوك فيه وقال في الآية الأخرى : {تِلْكَ حُدُودُ الله فَلاَ تَعْتَدُوهَا} ابن عرفة : يحتمل أن تكون تلك قبل هذه فنهينا أولا عن تعدي الحدود ، ثم نهينا ثانيا عن قربها ؛ أو يكون الأمر الأول للعوام والثاني للخواص. وأجاب أبو جعفر الزبير بأن قرب النساء بالمباشرة يدعو إلى المواقعة فقل من يملك نفسه ، فنهى عن القرب ونظيره : {وَلاَ تَقْرَبُوهُنَّ حتى يَطْهُرْنَ} {وَلاَ تَقْرَبُواْ الزنى} ولذلك منع المحرم من الطيب. فإن قصد البيان العام الفارق بين الحلال والحرام لم ينه عن المقاربة بل عن التعدي فقط ، مثل\r{ الطلاق مَرَّتَانِ} إلى قوله {فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افتدت بِهِ تِلْكَ حُدُودُ الله فَلاَ تَعْتَدُوهَا} فحرم أموالهم على الأزواج بغير حق ما لم يقع نشوزٌ أو ما يمنع عن القيام بحقوقهم.","part":4,"page":132},{"id":1451,"text":"وأجاب بعضهم بأنّ تلك تقدمها \" الطلاق مَرَّتَانِ \" وهو أمر مباح ، فناسب النهي عن تعديه لا عن قربه ، وهذه تقدمها النهي عن المباشرة وهو محرم فناسب النهي عن قربه. أ هـ {تفسير ابن عرفة صـ 238 ـ 239}\rقوله تعالى : {كذلك يبين الله آياته للناس }\rالمناسبة\rقال البقاعى : \rولما علا هذا البيان إلى حد لا يدركه حق إدراكه الإنسان كان كأنه قال دهشاً : هل يحصل بيان مثله لشيء غير هذا ؟ فقيل بياناً للواقع وتشويقاً إلى التلاوة وحثاً على تدبر الكتاب الذي هو الهدى لا ريب فيه : {كذلك} أي مثل هذا البيان العلي الشأن {يبين الله} لما له من العظمة التي لا تحصر بحد ولا تبلغ بعد {آياته} التي يحق لعظمتها أن تضاف إليه وقال : {للناس} إشارة إلى العموم دلالة على تمام قدرته بشمول علمه إلى أن يصل البيان إلى حد لا يحصل فيه تفاوت في أصل الفهم بين غبي وذكي ، وعلل ذلك بقوله : {لعلهم يتقون} أي ليكون حالهم حال من يرجى منه خوف الله تعالى لما علموا من هذا البيان من عظمته ، وأشعر هذا الإبهام أن فيهم من لا يتقي.\rأ هـ {نظم الدرر حـ 1 صـ 357}\rقال الفخر : \rأما قوله تعالى : {كذلك يبين الله آياته للناس} ففيه وجوه\rأحدها : المراد أنه كما بين ما أمركم به ونهاكم عنه في هذا الموضع ، كذلك يبين سائر أدلته على دينه وشرعه\rوثانيها : قال أبو مسلم : المراد بالآيات الفرائض التي بينها كما قال : {سُورَةٌ أنزلناها وفرضناها وَأَنزَلْنَا فِيهَآ ءايات بينات} [النور : 1] ثم فسر الآيات بقوله : {الزانية والزانى} [النور : 2] إلى سائر ما بينه من أحكام الزنا ، فكأنه تعالى قال : كذلك يبين الله للناس ما شرعه لهم ليتقوه بأن يعملوا بما لزم","part":4,"page":133},{"id":1452,"text":"وثالثها : يحتمل أن يكون المراد أنه سبحانه لما بين أحكام الصوم على الاستقصاء في هذه الآية بالألفاظ القليلة بياناً سافياً وافياً ، قال بعده : {كذلك يُبَيّنُ الله آيَاتِهِ لِلنَّاسِ} أي مثل هذا البيان الوافي الواضح الكامل هو الذي يذكر للناس ، والغرض منه تعظيم حال البيان وتعظيم رحمته على الخلق في ذكره مثل هذا البيان. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 5 صـ 99}\rقوله تعالى : {لعلهم يتقون }\rقال فى التحرير والتنوير : \rوقوله : {لعلهم يتقون} ، أي إرادةً لاتقائهم الوقوع في المخالفة ، لأنه لو لم يبين لهم الأحكام لما اهتدوا لطريق الامتثال ، أو لعلهم يلتبسون بغاية الامتثال والإتيان بالمأمورات على وجهها فتحصل لهم صفة التقوى الشرعية ، إذ لو لم يبين الله لهم لأتوا بعبادات غير مستكملة لما أراد الله منها ؛ وهم وإن كانوا معذورين عند عدم البيان وغير مؤاخذين بإثم التقصير إلاّ أنهم لا يبلغون صفة التقوى أي كمال مصادفة مراد الله تعالى ، فلعل يتقون على هذا منزل منزلة اللازم لا يقدَّر له مفعول مثل {هل يستوى الذين يعلمون} [الزمر : 9] ، وهو على الوجه الأول محذوف المفعول للقرينة. أ هـ {التحرير والتنوير حـ 2 صـ 186 ـ 187}\rمن لطائف الإمام القشيرى فى الآية\rأخبر أنه - في الحقيقة - لا يعود إليه عائد من أوصاف الخَلْق ؛ إنْ كُنتَ في العبادة التي هي حق الحق أو في أحكام العادة من صحبة جِنْسِك التي هي غاية النفس والحظ ، فَسِيَّان في حالك إذا أورد فيه الإذن.\rنزلت الآية في زَلَّةٍ بَدَرَتْ من الفاروق ، فَجَعَلَ ذلك سببَ رُخْصةٍ لجميع المسلمين إلى القيامة. وهكذا أحكام العناية.","part":4,"page":134},{"id":1453,"text":"ويقال علم أنه لا بُدَّ للعبد عن الحظوظ فقسم الليل والنهار في هذا الشهر بين حقه وحظِّك ، فقال أما حقي {أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ} ، وأما حظك {وَكَلُوا واشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنَ الخَيْطِ الأسْوَدِ مِنَ الفَجْرِ}.\rقوله جلّ ذكره : {وَلاَ تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِى المَسَاجِدِ تِلْكَ حُدُودُ اللهِ فَلاَ تَقْرَبُوهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللهُ آيَاتِهِ للنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ}.\rأخبر أن محل القدرة مقدَّس عن اجتلاب الحظوظ ، وقال إذا كنتم مشاغيل بنفوسكم كنتم محجوبين بِكُم فيكم ، وإذا كنتم قائمين بِنَا فلا تعودوا منَّا إليكم.\rويقال غيرة الحق سبحانه على الأوقات أن يُمزَجَ الجدُّ بالهزلِ.\rأ هـ {لطائف الإشارات حـ 1 صـ 157 ـ 158}\rقوله تعالى {وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ لِتَأْكُلُوا فَرِيقًا مِنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالْإِثْمِ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (188)}\rسبب نزول الآية\rقال السمرقندى : \rهذه الآية نزلت في شأن امرىء القيس بن عباس الكندي وعيدان بن أشوع الحضرمي ، اختصما إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فادعى أحدهما على صاحبه شيئاً ، فأراد الآخر أن يحلف بالكذب ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : \" إنَّكُمْ تَخْتَصِمُونَ إِلَيَّ وَلَعَلَّ بَعْضَكُمْ أَلْحَنُ بِحُجَّتِهِ مِنْ بَعْضٍ ، فَمَنْ قَضَيْتُ لَهُ بِحَقِّ أَخِيهِ وَأَرَى أَنَّهُ مِنْ حَقِّهِ ، وَأَنَّهُ لا يَرَى أَنَّهُ مِنْ حَقِّهِ فَإِنَّما أَقْضِي لَهُ بِقِطْعَةٍ مِنَ النَّارِ \" فنزلت هذه الآية فيهما ، وصارت عامة لجميع الناس. أ هـ {بحر العلوم حـ 1 صـ 152}\rمناسبة الآية لما قبلها\rقال البقاعى : ","part":4,"page":135},{"id":1454,"text":"ولما أذن سبحانه وتعالى فيما كان قد منع منه من المطعم والمنكح للصائم وقدم المنكح لأنه أشهى إذ الطبع إليه أدعى ولأن المنع منه كان في جميع الشهر فالضرر فيه أقوى ، وأتبعه الإذن في الأكل لأنه قوام الجسم وأولاه المنع من النكاح في بعض الأحوال ، فعل كذلك في المال الذي منه الأكل لأنه قد كان مما خان فيه أهل الكتاب عهد كتابهم واشتروا به ثمناً قليلاً كثيراً من أمره لا سيما تحريم الرشوة فإنهم أخفوه واستباحوها حتى صارت بينهم شرعاً متعارفاً وكان طيب المطعم محثوثاً عليه لا سيما في الصوم فنهى عن بعض أسباب تحصيل المال أعم من أن تكون رشوة أو غيرها فقال : {ولا تأكلوا} أي يتناول بعضكم مال بعض ، ولكنه عبر بالأكل لأنه المقصد الأعظم من المال.\rولما كان المال ميالاً يكون في يد هذا اليوم وفي يد غيره غداً فمن صبر وصل إليه ما كتب له مما في يد غيره بالحق ومن استعجل وصل إليه بالباطل فحاز السخط ولم ينل أكثر مما قدر له قال : {أموالكم} وقال : {بينكم} تقبيحاً لهذه المعصية وتهييجاً على الأمر بالمعروف {بالباطل} وهو ما لم يأذن به الله بأي وجه كان سواء كان بأصله أو بوصفه. أ هـ {نظم الدرر حـ 1 صـ 358}\rوقال فى التحرير والتنوير : \rعطف جملة على جملة ، والمناسبة أن قوله : {تلك حدود الله فلا تقربوها} [البقرة : 187] تحذير من الجُرأَة على مخالفة حكم الصيام بالإفطار غير المأذون فيه وهو ضرب من الأكل الحرام فعطف عليه أكل آخر محرم وهو أكل المال بالباطل ، والمشاكلة زادت المناسبةَ قوة ، وهذا من جملة عداد الأحكام المشروعة لإصلاح ما اختل من أحوالهم في الجاهلية ، ولذلك عطف على نظائره وهو مع ذلك أصل تشريع عظيم للأموال في الإسلام.","part":4,"page":136},{"id":1455,"text":"كان أكل المال بالباطل شنشنة معروفة لأهل الجاهلية بل كان أكثر أحوالهم المالية فإن اكتسابهم كان من الإغارة ومن الميسِر ، ومن غصب القوي مال الضعيف ، ومن أكل الأولياء أموال الأيتام واليتامى ، ومن الغرر والمقامرة ، ومن المراباة ونحو ذلك ، وكل ذلك من الباطل الذي ليس عن طيب نفس. أ هـ {التحرير والتنوير حـ 2 صـ 187}\rقال الفخر : \rاعلم أنهم مثلوا قوله تعالى : {وَلاَ تَأْكُلُواْ أموالكم بَيْنَكُم} بقوله : {ولا تلمزوا أَنفُسَكُمْ} [الحجرات : 11] وهذا مخالف لها ، لأن أكله لمال نفسه بالباطل يصح كما يصح أكله مال غيره ، قال الشيخ أبو حامد الغزالي في كتاب الإحياء : المال إنما يحرم لمعنى في عينه أو لحال في جهة اكتسابه.\rوالقسم الأول : الحرام لصفة في عينه.\rواعلم أن الأموال إما أن تكون من المعادن أو من النبات ، أو من الحيوانات ، أما المعادن وهي أجزاء الأرض فلا يحرم شيء منه إلا من حيث يضر بالأكل ، وهو ما يجري مجرى السم ، وأما النبات فلا يحرم منه إلا ما يزيل الحياة والصحة أو العقل ، فمزيل الحياة السموم ، ومزيل الصحة الأدوية في غير وقتها ، ومزيل العقل الخمر والبنج وسائر المسكرات.\rوأما الحيوانات فتنقسم إلى ما يؤكل وإلى ما لا يؤكل ، وما يحل إنما يحل إذا ذبح ذبحاً شرعياً ثم إذا ذبحت فلا تحل بجميع أجزائها بل يحرم منها الفرث والدم ، وكل ذلك مذكور في كتب الفقه.","part":4,"page":137},{"id":1456,"text":"القسم الثاني : ما يحرم لخلل من جهة إثبات اليد عليه ، فنقول : أخذ المال إما أن يكون باختيار المتملك ، أو بغير اختياره كالإرث ، والذي باختياره إما أن يكون مأخوذاً من المالك كأخذ المعادن ، وإما أن يكون مأخوذاً من مالك ، وذلك إما أن يؤخذ قهراً أو بالتراضي ، والمأخوذ قهراً إما أن لسقوط عصمة الملك كالغنائم أو لاستحقاق الأخذ كزكوات الممتنعين والنفقات الواجبة عليهم ، والمأخوذ تراضياً إما أن يؤخذ بعوض كالبيع والصداق والأجرة ، وإما أن يؤخذ بغير عوض كالهبة والوصية فيحصل من هذا التقسيم أقسام ستة\rالأول : ما يؤخذ من غير مالك كنيل المعادن ، وإحياء الموت ، والاصطياد ، والاحتطاب ، والاستقاء من الأنهار ، والاحتشاش ، فهذا حلال بشرط أن لا يكون المأخوذ مختصاً بذي حرمة من الآدميين\rالثاني : المأخوذ قهراً ممن لا حرمة له ، وهو الفيء ، والغنيمة ، وسائر أموال الكفار المحاربين ، وذلك حلال للمسلمين إذا أخرجوا منه الخمس ، وقسموه بين المستحقين بالعدل ، ولم يأخذوه من كافر له حرمة وأمان وعهد\rوالثالث : ما يؤخذ قهراً باسحقاق عند امتناع من عليه فيؤخذ دون رضاه ، وذلك حلال إذا تم سبب الاستحقاق ، وتم وصف المستحق واقتصر على القدر المستحق\rالرابع : ما يؤخذ تراضياً بمعاوضة وذلك حلال إذا روعي شرط العوضين وشرط العاقدين وشرط اللفظين ؛ أعني الإيجاب والقبول مما يعتد الشرع به من اجتناب الشرط المفسد\rالخامس : ما يؤخذ بالرضا من غير عوض كما في الهبة والوصية والصدقة إذا روعي شرط المعقود عليه ، وشرط العاقدين ، وشرط العقد ، ولم يؤد إلى ضرر بوارث أو غيره\r","part":4,"page":138},{"id":1457,"text":"السادس : ما يحصل بغير اختياره كالميراث ، وهو حلال إذا كان الموروث قد اكتسب المال من بعض الجهات الخمس على وجه حلال ، ثم كان ذلك بعد قضاء الدين ، وتنفيذ الوصايا ، وتعديل القسمة بين الورثة ، وإخراج الزكاة والحج والكفارة إن كانت واجبة ، فهذا مجامع مداخل الحلال ، وكتب الفقه مشتملة على تفاصيلها فكل ما كان كذلك كان مالاً حلالاً ، وكل ما كان بخلافه كان حراماً ، إذا عرفت هذا فنقول : المال إما أن يكون لغيره أو له ، فإن كان لغيره كانت حرمته لأجل الوجوه الستة المذكورة ، وإن كان له فأكله بالحرام أن يصرف إلى شرب الخمر والزنا واللواط والقمار أو إلى السرف المحرم ، وكل هذه الأقسام داخلة تحت قوله : {وَلاَ تَأْكُلُواْ أموالكم بَيْنَكُم بالباطل} واعلم أن سبحانه كرر هذا النهي في مواضع من كتابه فقال : {يَأَيُّهَا الذين ءَامَنُواْ لاَ تَأْكُلُواْ أموالكم بَيْنَكُمْ بالباطل إِلاَّ أَن تَكُونَ تجارة} [النساء : 29] وقال : {الذين يَأْكُلُونَ أموال اليتامى ظُلْماً} [النساء : 10] وقال : {يأَيُّهَا الذين ءَامَنُواْ اتقوا الله وَذَرُواْ مَا بَقِىَ مِنَ الربا إِن كُنتُمْ مُّؤْمِنِينَ} [البقرة : 278] ثم قال : {فَإِن لَّمْ تَفْعَلُواْ فَأْذَنُواْ بِحَرْبٍ مّنَ الله وَرَسُولِهِ} [البقرة : 279] ثم قال : {وَإِن تُبتُمْ فَلَكُمْ رؤس أموالكم} [البقرة : 279] ثم قال : {وَمَنْ عَادَ فَأُوْلَئِكَ أصحاب النار فِيهَا خالدون} [البقرة : 275] جعل آكل الربا في أول الأمر مؤذناً بمحاربة الله ، وفي آخره متعرضاً للنار. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 5 صـ 100 ـ 101}\rقال العلامة ابن عاشور : ","part":4,"page":139},{"id":1458,"text":"والأكل حقيقته إدخال الطعام إلى المعدة من الفم وهو هنا استعارة للأخذ بقصد الانتفاع دون إرجاع ؛ لأن ذلك الأخذ يشبه الأَكل من جميع جهاته ، ولذلك لا يطلق على إحراق مال الغير اسم الأكل ولا يطلق على القرض والوديعة اسم الأكل ، وليس الأكل هنا استعارة تمثيلية ؛ إذ لا مناسبة بين هيئة آخذ مال غيره لنفسه بقصد عدم إرجاعه وهيئة الأكل كما لا يخفى.\rوالأموال جمع مال ونُعرِّفه بأنه \"ما بقدره يكون قدر إقامة نظام معاش أفراد الناس في تناول الضروريات والحاجيات والتحسينيَّات بحسب مبلغ حضارتهم حاصلاً بكدح\" ، فلا يعد الهواء مالاً ، ولا ماء المطر والأودية والبحار مالاً ، ولا التراب مالاً ، ولا كهوف الجبال وظلال الأشجار مالاً ، ويعد الماء المحتفر بالآبار مالاً ، وتراب المقاطع مالاً ، والحشيش والحطب مالاً ، وما ينحته المرء لنفسه في جبللٍ مالاً.\r","part":4,"page":140},{"id":1459,"text":"والمالُ ثلاثة أنواع : النوع الأول ما تحصل تلك الإقامة بذاته دون توقف على شيء وهو الأطعمة كالحبوب ، والثمار ، والحيوان لأكله وللانتفاع بصوفه وشعره ولبنه وجلوده ولركوبه قال تعالى : {وجعل لكم من جلود الأنعام بيوتاً تستخفونها يوم ظعنكم ويوم إقامتكم ومن أصوافها وأوبارها وأشعارها أثاثاً ومتاعاً إلى حين} [النحل : 80] وقال : {لتركبوا منها ومنها تأكلون} [غافر : 79] وقد سمت العرب الإبل مالاً قال زهير : صَحِيحَاتتِ مَاللٍ طَالِعَاتتٍ بمَخْرَم... وقال عمر : \" لولا المال الذي أحمل عليه في سبيل الله ما حَمَيْتُ عليهم من بلادهم شبراً \" وهذا النوع هو أعلى أنواع الأموال وأثبتها ، لأن المنفعة حاصلة به من غير توقف على أحوال المتعاملين ولا على اصطلاحات المنظمين ، فصاحبه ينتفع به زمن السلم وزمن الحرب وفي وقت الثقة ووقت الخوف وعند رضا الناس عليه وعدمه وعند احتياج الناس وعدمه ، وفي الحديث \"يقول ابن آدَمَ مَالِي مَالِي وإنما مالك ما أكلت فأَمريت أو أَعطيتَ فأغنيت\" فالحصر هنا للكمال في الاعتبار من حيث النفع المادي والنفع العرضي.\rالنوع الثاني : ما تحصل تلك الإقامة به وبما يكمله مما يتوقف نفعه عليه كالأرض للزرع وللبناء عليها ، والنار للطبخ والإذابة ، والماء لسقي الأشجار ، وآلات الصناعات لصنع الأشياء من الحطب والصوف ونحو ذلك ، وهذا النوع دون النوع الثاني لتوقفه على أشياء ربما كانت في أيدي الناس فضنت بها وربما حالت دون نوالها موانع من حرب أو خوف أو وعورة طريق.\r","part":4,"page":141},{"id":1460,"text":"النوع الثالث : ما تحصل الإقامةُ بعوضه مما اصطلح البشر على جعله عوضاً لما يراد تحصيله من الأشياء ، وهذا هو المعبَّر عنه بالنَّقد أو بالعُمْلة ، وأكثر اصطلاح البشر في هذا النوع على معدني الذهب والفضة وما اصطلح عليه بعض البشر من التعامل بالنحاس والوَدَع والخرزات وما اصطلح عليه المتأخرون من التعامل بالحديد الأبيض وبالأوراق المالية وهي أوراق المصارف المالية المعروفة وهي حجج التزام من المصرف بدفع مقدار ما بالورقة الصادرة منه ، وهذا لا يتم اعتباره إلاّ في أزمنة السلم والأَمن وهو مع ذلك متقارب الأفراد ، والأوراق التي تروجها الحكومات بمقادير مالية يتعامل بها رعايا تلك الحكومات. أ هـ {التحرير والتنوير حـ 2 صـ 188}\rلطيفة\rكان شريح القاضي يقول إني لأقضي لك وإني لأظنك ظالماً ولكن لا يسعني إلاّ أن أقضي بما يحضرني من البينة وإن قضائي لا يحل لك حراماً. أ هـ {تفسير الخازن حـ 1 صـ 118}\rفائدة\rالمال يشترط فيه أن يكون مكتسباً والاكتساب له ثلاثة طرق : \rالطريق الأول : طريق التناول من الأرض قال تعالى : {هو الذي خلق لكم ما في الأرض جميعاً} [البقرة : 29] وقال : {هو الذي جعل لكم الأرض ذلولاً فامشوا في مناكبها وكلوا من رزقه} [الملك : 15] وهذا كالحطب والحشيش والصيد البري والبحري وثمر شجر البادية والعسل ، وهذا قدْ يكون بلا مزاحمة وقد يكون بمزاحمة فيكون تحصيله بالسبق كسكنى الجبال والتقاط الكمأة.\rالطريق الثاني : الاستنتاج وذلك بالولادة والزرع والغرس والحلب ، وبالصنعة كصنع الحديد والأواني واللباس والسلاح.","part":4,"page":142},{"id":1461,"text":"الطريق الثالث : التناول من يد الغير فيما لا حاجة له به إما بتعامل بأن يعطيَ المرء ما زاد على حاجته مما يحتاج إليه غيره ويأخذَ من الغير ما زاد على حاجته مما يحتاج إليه هو ، أو بإعطاء ما جعله الناس علامة على أن مالكه جدير بأن يأخذ به ما قُدِّر بمقداره كدينار ودرهم في شيء مقوَّم بهما ، وإما بقوة وغلبة كالقتال على الأراضي وعلى المياه. أ هـ {التحرير والتنوير حـ 2 صـ 189}\rقوله تعالى {بالباطل }\r{ الباطل} في اللغة الزائل الذاهب ، يقال : بطل الشيء بطولاً فهو باطل ، وجمع الباطل بواطل ، وأباطيل جمع أبطولة ، ويقال : بطل الأجير يبطل بطالة إذا تعطل واتبع اللهو. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 5 صـ 101}\rسؤال : ما معنى أكلها بالباطل ؟ \rالجواب : معنى أكلها بالباطل أكلُها بدون وجه ، وهذا الأكل مراتب : \rالمرتبة الأولى : ما علمه جميع السامعين مما هو صريح في كونه باطلاً كالغصب والسرقة والحيلة.\rالمرتبة الثانية : ما ألحقه الشرع بالباطل فبيَّن أنه من الباطل وقد كان خفياً عنهم وهذا مثل الربا ؛ فإنهم قالوا : {إنَّما البيع مثل الربا} [البقرة : 275] ، ومثل رشوة الحكام ، ومثل بيع الثمرة قبل بدو صلاحها ؛ ففي الحديث : \" أرَأَيْتَ إن منع الله الثمرة بم يأخذ أحدكم مال أخيه \" والأحاديث في ذلك كثيرة قال ابن العربي : هي خمسون حديثاً.\rالمرتبة الثالثة : ما استنبطه العلماء من ذلك ، فما يتحقق فيه وصف الباطل بالنظر وهذا مجال للاجتهاد في تحقيق معنى الباطل ، والعلماءُ فيه بين موسع ومضيق مثل ابن القاسم وأشهب مِن المالكية وتفصيله في الفقه. أ هـ {التحرير والتنوير حـ 2 صـ 189}","part":4,"page":143},{"id":1462,"text":"( بصيرة فى الباطل )\rوهو مالا ثبات له عند الفحص عنه. وقد يقال ذلك فى الاعتبار إِلى المقال. والفعال ، بطل بُطْلاً ، وبُطُولا وبُطلاناً - بضمّهنّ - : ذهب ضياعاً ، وخَسِرَ ، وأَبطله غيره. وبطل فى حديثه بَطَالة أَى هَزَل (كأَبطل) إِبطالا. وأَبطل أَيضاً : جاءَ بالباطل. والباطل أَيضاً : إِبليس. ومنه قوله : {وَمَا يُبْدِىءُ الْبَاطِلُ}. ورجل بطَّالٌ : ذو باطل بيّن البُطُول. وتبطَّلوا بينهم : تداولوا الباطل. ورجل بَطَل ، وبطَّال ، بيِّن البَطَالة والبُطُولة : شجاع تبطل جراحَته ، فلا يكترث لها ولا يبطلُ نجادته ، أَو تبطل عنده دماءُ الأَقران. والجمع أَبطال. وهى بهاءٍ. وقد بَطُل ككرُمَ ، وتبطَّل. والبُطَّلات : التُرّهات ، وبينهم أُبطولة وإِبطالة : باطل. والبَطَلة : السّحَرة.\rوالإِبطال يقال فى إِفساد الشئ وإِزالته ، حقّاً كان ذلك الشئ أَو باطلاً. قال تعالى : {لِيُحِقَّ الْحَقَّ وَيُبْطِلَ الْبَاطِلَ}.\rوقد جاءَ بمعنى الكذب : {لاَّ يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَلاَ مِنْ خَلْفِهِ} ، {إِذاً لاَّرْتَابَ الْمُبْطِلُونَ} ، وبمعنى الإِحباط : {لاَ تُبْطِلُواْ صَدَقَاتِكُم بِالْمَنِّ وَالأَذَى} ، {وَلاَ تُبْطِلُواْ أَعْمَالَكُمْ} وبمعنى الكفر والشّرك : {وَقُلْ جَآءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقاً} ، وبمعنى الصّنم ، {وَالَّذِينَ آمَنُواْ بِالْبَاطِلِ وَكَفَرُواْ بِاللَّهِ} أَى بالصّنم ، أَو بإِبليس ، وبمعنى الظُّلم والتعدّى : {وَلاَ تَأْكُلُواْ أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ} أَى بالظُّلم. أ هـ {بصائر ذوى التمييز حـ 2 صـ 211}\rقوله تعالى : {وتدلوا بها إلى الحكام }\rالمناسبة\rقال البقاعى : ","part":4,"page":144},{"id":1463,"text":"ولما كان من وجوه أكله بالباطل التوصل بالحاكم بحجة باطلة يعجز الخصم عن دفعها كما قال صلى الله عليه وسلم : \" ولعل بعضكم أن يكون ألحن بحجته من بعض فأقضي له على حسب ما أسمع منه ، فمن قضيت له بشيء من حق أخيه فإنما أقطع له قطعة من النار \"\r","part":4,"page":145},{"id":1464,"text":"فيكون الإثم خاصاً بالأكل دون الحاكم عطف عليه ما يشاركه فيه الحاكم فقال عاطفاً على {تأكلوا} {وتدلوا} أي ولا تتواصلوا في خفائها {بها إلى الحكام} بالرشوة العمية للبصائر ، من الإدلاء. قال الحرالي وهو من معنى إنزال الدلو خفية في البئر ليستخرج منه ماء فكأن الراشي يدلي دلو رشوته للحاكم خفية ليستخرج جوره ليأكل به مالاً - انتهى. {لتأكلوا فريقاً} أي شيئاً يفرق بينه وبين صاحبه {من أموال الناس} من أي طائفة كانوا {بالإثم} أي الجور العمد ، ومن مدلولاته الذنب وأن يعمل ما لا يحل {وأنتم} أي والحال أنكم {تعلمون} أي من أهل العلم مطلقاً فإن الباطل منهم أشنع ويلزم منه العلم بأن ذلك التوصل لا يفيد الحل ، ولعله إيماء إلى جواز التوصل إلى ماله عند جاحد لم يجد طريقاً إلى خلاصه إلا ذلك. وقال الحرالي في مناسبة هذه الآية لما قبلها : لما كان منزل القرآن لإقامة الأمور الثلاثة التي بها قيام المخاطبين به وهو صلاح دينهم وهو ما بين العبد وربه من عمل أو إلقاء بالسلم إليه وإصلاح دنياهم وهو ما فيه معاش المرء وإصلاح آخرتهم وهو ما إليه معاده كان لذلك منزل القرآن مفصلاً بأحكام تلك الأمور الثلاثة فكان شذرة للدين وشذرة للدنيا وشذرة للآخرة ، فلما كان في صدر هذا الخطاب {يا أيها الناس كلوا مما في الأرض حلالاً طيباً} [البقرة : 168] وهو خطاب للملوك ومن تبعهم من رؤساء القبائل ومن تبعهم انتظم به بعد ذلك حكم من أحكام أهل العلم ومن تبعهم في قوله تعالى : {إن الذين يكتمون} [البقرة : 159] ، ثم انتظم به ذكر الوصية من أهل الجدة ، ثم انتظم به ذكر أحوال الرشى من الراشي والمرتشي ، ليقع نظم التنزيل ما بين أمر في الدين ونهي في الدنيا ليكون ذلك أجمع للقلب في قبول حكم الدنيا عقب حكم الدين ويفهم حال المعاد من عبرة أمر الدنيا ، فلذلك تعتور الآيات هذه المعاني ويعتقب بعضها لبعض ويتفصل بعضها ببعض ، كما هو حال المرء","part":4,"page":146},{"id":1465,"text":"في يومه وفي مدة عمره حيث تعتور عليه أحوال دينه ودنياه ومعاده ، يطابق الأمر الخلق في التنزيل والتطور - انتهى. أ هـ {نظم الدرر حـ 1 صـ 358 ـ 359}\rقال الفخر : \rأما قوله تعالى : {وَتُدْلُواْ بِهَا إِلَى الحكام} ففيه مسائل : \rالمسألة الأولى : الإدلاء مأخوذ من إدلاء الدلو ، وهو إرسالك إياها في البئر للاستقاء يقال.\rأدليت دلوي أدليها إدلاء فإذا استخرجتها قلت دلوتها قال تعالى : {فأدلى دَلْوَهُ} [يوسف : 19] ، ثم جعل كل إلقاء قول أو فعل أدلاء ، ومنه يقال للمحتج : أدلى بحجته ، كأنه يرسلها ليصير إلى مراده كإدلاء المستقي الولد ليصل إلى مطلوبه من الماء ، وفلان يدلى إلى الميت بقرابة أو رحم ، إذا كان منتسباً إليه فيطلب الميراث بتلك النسبة ، طلب المستحق بالدلو الماء ، إذا عرفت هذا فنقول : أنه داخل في حكم النهي ، والتقدير : ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل ، ولا تدلوا إلى الحكام ، أي لا ترشوها إليهم لتأكلوا طائفة من أموال الناس بالباطل ، وفي تشبيه الرشوة بالإدلاء وجهان\rأحدهما : أن الرشوة رشاء الحاجة ، فكما أن الدلو المملوء من الماء يصل من البعيد إلى القريب بواسطة الرشاء فالمقصود البعيد يصير قريباً بسبب الرشوة\rوالثاني : أن الحاكم بسبب أخذ الرشوة يمضي في ذلك الحكم من غير تثبت كمضي الدلو في الإرسال ، ثم المفسرون ذكروا وجوهاً\rأحدها : قال ابن عباس والحسن وقتادة : المراد منه الودائع وما لا يقوم عليه بينة\rوثانيها : أن المراد هو مال اليتيم في الأوصياء يدفعون بعضه إلى الحاكم ليبقى عليهم بعضه\rوثالثها : أن المراد من الحاكم شهادة الزور ، وهو قول الكلبي\rورابعها : قال الحسن : المراد هو أن يحلف ليذهب حقه\rوخامسها : هو أن يدفع إلى الحاكم رشوة ، وهو أقرب إلى الظاهر ، ولا يبعد أيضاً حمل اللفظ على الكل ، لأنها بأسره أكل بالباطل. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 5 صـ 101}\rوقال ابن عاشور : ","part":4,"page":147},{"id":1466,"text":"وقوله تعالى : {وتدلوا بها إلى الحكام} عطف على {تأكلوا} أي لا تدلوا بها إلى الحكام لتتوسلوا بذلك إلى أكل المال بالباطل. وخص هذه الصورة بالنهي بعد ذكر ما يشملها وهو أَكل الأموال بالباطل ؛ لأن هذه شديدة الشناعة جامعة لمحرمات كثيرة ، وللدلالة على أن معطي الرشوة آثم مع أنه لم يأكل مالاً بل آكلَ غيره ، وجُوز أن تكون الواو للمعية و{تدلوا} منصوباً بأن مضمرة بعدها في جواب النهي فيكون النهي عن مجموع الأمرين أي لا تأكلوها بينكم مُدلين بها إلى الحكام لتأكلوا وهو يفضي إلى أن المنهي عنه في هذه الآية هو الرشوة خاصة فيكون المراد الاعتناء بالنهي عن هذا النوع من أكل الأموال بالباطل. أ هـ {التحرير والتنوير حـ 2 صـ 192}\rوقال القرطبى : ","part":4,"page":148},{"id":1467,"text":"قوله تعالى : {وَتُدْلُواْ بِهَا إِلَى الحكام} الآية. قيل : يعني الوديعة وما لا تقوم فيه بيّنة ؛ عن ابن عباس والحسن. وقيل : هو مال اليتيم الذي في أيدي الأوصياء ، يرفعه إلى الحكام إذا طولب به ليقتطع بعضه وتقوم له في الظاهر حجة. وقال الزجاج : تعملون ما يوجبه ظاهر الأحكام وتتركون ما علمتم أنه الحق. يقال : أدْلَى الرجل بحجّته أو بالأمر الذي يرجو النجاح به ؛ تشبيهاً بالذي يرسل الدَّلو في البئر ؛ يقال : أدْلى دَلْوَه : أرسلها. ودَلاَها : أخرجها. وجمع الدَّلو والدِّلاء : أَدْلٍ ودِلاءٌ ودُليٌّ. والمعنى في الآية : لا تجمعوا بين أكل المال بالباطل وبين الإدلاء إلى الحكام بالحجج الباطلة ؛ وهو كقوله : {وَلاَ تَلْبِسُواْ الحق بالباطل وَتَكْتُمُواْ الحق} [البقرة : 42]. وهو من قبيل قولك : لا تأكل السمك وتشرب اللبن. وقيل : المعنى لا تصانعوا بأموالكم الحكامَ وتَرْشوهم ليقضوا لكم على أكثر منها ؛ فالباء إلزاق مجرّد. قال ابن عطية : وهذا القول يترجّح ؛ لأن الحكَام مِظنَّة الرّشاء إلا من عصم وهو الأقل. وأيضاً فإن اللفظين متناسبان : تدلوا من إرسال الدّلو ، والرشوة من الرّشاء ؛ كأنه يمدّ بها ليقضي الحاجة.\rقلت : ويقوّى هذا قوله : {وَتُدْلُواْ بِهَا} تدلوا في موضع جزم عطفاً على تأكلوا كما ذكرنا. وفي مصحف أُبَيّ \"ولا تدلوا\" بتكرار حرف النهي ، وهذه القراءة تؤيّد جزم \"تُدْلُوا\" في قراءة الجماعة. وقيل : \"تدلوا\" في موضع نصب على الظرف ، والذي ينصب في مثل هذا عند سيبويه \"أنْ\" مضمرة. والهاء في قوله \"بها\" ترجع إلى الأموال ، وعلى القول الأوّل إلى الحجة ولم يجر لها ذكر ؛ فقوى القول الثاني لذكر الأموال ، والله أعلم. في الصحاح : \"والرِّشوة معروفة ، والرُّشوة بالضم مثله ، والجمع رُشىً ورِشىً ، وقد رشاه يرشوه. وارتشى : أخذ الرّشوة. واسترشى في حكمه : طلب الرشوة عليه\".\r","part":4,"page":149},{"id":1468,"text":"قلت : فالحكام اليوم عين الرّشا لا مَظِنّته ، ولا حول ولا قوّة إلا بالله!. أ هـ {تفسير القرطبى حـ 2 صـ 340}\rفائدة لغوية\rالضمائر في مثل : {ولا تأكلوا أموالكم} إلى آخر الآية عامة لجميع المسلمين ، وفعل : {ولا تأكلوا} وقع في حَيز النهي فهو عام ، فأفاد ذلك نهياً لِجميع المسلمين عن كُل أَكل وفي جميع الأَمْوال ، قلنا هنا جمعان جمع الآكلين وجمع الأموال المأكولة ، وإذا تقابل جمعان في كلام العرب احتمل أن يكون من مقابلة كل فردٍ من أفراد الجمع بكل فردٍ من أفراد الجمع الآخَر على التوزيع نحو ركب القوم دوابهم وقوله تعالى : \r{ وخذوا حذركم} [النساء : 102] {قوا أنفسكم} [التحريم : 6] ، واحتمل أن يكون كذلك لكن على معنى أن كل فرد يقابل بفرد غيره لا بفرد نفسه نحو قوله : {ولا تلمزوا أنفسكم} [الحجرات : 11] وقوله {فإذا دخلتم بيوتاً فسلموا على أنفسكم} [النور : 61] ، واحتمل أن يكون من مقابلة كل فرد بجميع الأفراد نحو قوله : {وقِهم السيئات} [غافر : 9] ، والتعويل في ذلك على القرائن.\rوقد علم أن هذين الجمعين هنا من النوع الثاني أي لا يأكل بعضهم مال بعض آخر بالباطل ؛ بقرينة قوله : {بينكم} ؛ لأن بين تقتضي توسطاً خلال طرفين ، فعُلم أن الطرفين آكل ومأكول منه والمال بينهما ، فلزم أن يكون الآكل غيرَ المأكول وإلاّ لما كانت فائدة لقوله : {بينكم }. أ هـ {التحرير والتنوير حـ 2 صـ 192}\rقوله تعالى : {وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ}.\rقال القرطبى : \r{ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ} أي بطلان ذلك وإثمه ، وهذه مبالغة في الجرأة والمعصية. أ هـ {تفسير القرطبى حـ 2 صـ 340}\rوقال ابن عرفة : \rقوله تعالى : {وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ}.\rتنبيها على أنّ الجاهل لايناله ذلك (أو) أنّ ذلك لايقع إلا على هذه الصفة فلا يقع من الجاهل بوجه. أ هـ {تفسير ابن عرفة صـ 340}\rفائدة\rقال الآلوسى : ","part":4,"page":150},{"id":1469,"text":"استدل بها على أن حكم القاضي لا ينفذ باطناً فلا يحل به الأخذ في الواقع ، وإلى ذلك ذهب الشافعي رضي الله تعالى عنه وأبو يوسف ومحمد ، ويؤيده ما أخرجه البخاري ومسلم عن أم سلمة زوج النبي صلى الله عليه وسلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : \r\" إنما أنا بشر وإنكم تختصمون إلي ولعل بعضكم أن يكون ألحن بحجته من بعض فأقضي له على نحو ما أسمع منه فمن قضيت له بشيء من حق أخيه فلا يأخذنه فإنما أقطع له قطعة من النار \". أ هـ {روح المعانى حـ 2 صـ 72}\rفائدة أخرى\rقال القرطبى : \rاتفق أهل السُّنة على أن من أخذ ما وقع عليه اسم مالٍ قلّ أو كَثُر أنه يُفَسَّق بذلك ، وأنه محرّم عليه أخذه. خلافاً لبشر بن المعتمر ومن تابعه من المعتزلة حيث قالوا : إن المكلَّف لا يُفَسّق إلا بأخذ مائتي درهم ولا يُفَسَّق بدون ذلك. وخلافاً لابن الجُبّائي حيث قال : إنه يفسّق بأخذ عشرة دراهم ولا يفسّق بدونها. وخلافاً لابن الهذيل حيث قال : يفسّق بأخذ خمسة دراهم. وخلافاً لبعض قدرية البصرة حيث قال : يفسّق بأخذ درهم فما فوق ، ولا يفسّق بما دون ذلك. وهذا كله مردود بالقرآن والسنّة وباتفاق علماء الأمة ، قال صلى الله عليه وسلم : \" إن دماءكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام \" الحديث ، متفَق على صحته. أ هـ {تفسير القرطبى حـ 2 صـ 340 ـ 341}\rكلام نفيس للسعدى فى معنى الآية\rقال رحمه الله : \rأي : ولا تأخذوا أموالكم أي : أموال غيركم ، أضافها إليهم ، لأنه ينبغي للمسلم أن يحب لأخيه ما يحب لنفسه ، ويحترم ماله كما يحترم ماله ؛ ولأن أكله لمال غيره يجرئ غيره على أكل ماله عند القدرة.","part":4,"page":151},{"id":1470,"text":"ولما كان أكلها نوعين : نوعا بحق ، ونوعا بباطل ، وكان المحرم إنما هو أكلها بالباطل ، قيده تعالى بذلك ، ويدخل في ذلك أكلها على وجه الغصب والسرقة والخيانة في وديعة أو عارية ، أو نحو ذلك ، ويدخل فيه أيضا ، أخذها على وجه المعاوضة ، بمعاوضة محرمة ، كعقود الربا ، والقمار كلها ، فإنها من أكل المال بالباطل ، لأنه ليس في مقابلة عوض مباح ، ويدخل في ذلك أخذها بسبب غش في البيع والشراء والإجارة ، ونحوها ، ويدخل في ذلك استعمال الأجراء وأكل أجرتهم ، وكذلك أخذهم أجرة على عمل لم يقوموا بواجبه ، ويدخل في ذلك أخذ الأجرة على العبادات والقربات التي لا تصح حتى يقصد بها وجه الله تعالى ، ويدخل في ذلك الأخذ من الزكوات والصدقات ، والأوقاف ، والوصايا ، لمن ليس له حق منها ، أو فوق حقه.\rفكل هذا ونحوه ، من أكل المال بالباطل ، فلا يحل ذلك بوجه من الوجوه ، حتى ولو حصل فيه النزاع وحصل الارتفاع إلى حاكم الشرع ، وأدلى من يريد أكلها بالباطل بحجة ، غلبت حجة المحق ، وحكم له الحاكم بذلك ، فإن حكم الحاكم ، لا يبيح محرما ، ولا يحلل حراما ، إنما يحكم على نحو مما يسمع ، وإلا فحقائق الأمور باقية ، فليس في حكم الحاكم للمبطل راحة ، ولا شبهة ، ولا استراحة.\rفمن أدلى إلى الحاكم بحجة باطلة ، وحكم له بذلك ، فإنه لا يحل له ، ويكون آكلا لمال غيره ، بالباطل والإثم ، وهو عالم بذلك. فيكون أبلغ في عقوبته ، وأشد في نكاله.\rوعلى هذا فالوكيل إذا علم أن موكله مبطل في دعواه ، لم يحل له أن يخاصم عن الخائن كما قال تعالى : {وَلا تَكُنْ لِلْخَائِنِينَ خَصِيمًا }.أ هـ {تفسير السعدى صـ 88}\rلطيفة\rإن الأموال خلقت لمصالح قوام النفس ، وإن النفس خلقت للقيام بمراسم العبودية لقوله {وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون} ليعلموا أن الأموال والأنفس لله فلا يتصرفون فيهما إلا بأمر الله.\rأ هـ {روح البيان حـ 1 صـ 376}\rلطيفة\rيقال الدنيا ثلاثة أشياء حلال وحرام وشبهة فالحرام يوجب العقاب والشبهة توجب العتاب والحلال يوجب الحساب.\rروى أن أبا حنيفة كان له على بعض المجوس مال فذهب إلى داره ليطالبه به فلما وصل إلى باب داره وقع نعله على نجاسة فنفض نعله فانقلعت النجاسة عن نعله ووقعت على حائط دار المجوسى فتحير أبو حنيفة رحمه الله وقال إن تركتها كان ذلك شيئا يقبح جدار ذلك المجوسى وإن حككتها أحفر التراب من الحائط فدق الباب فخرجت الجارية فقال لها قولى لمولاك إن أبا حنيفة بالباب فخرج إليه وظن أنه يطالبه بالمال وأخذ يعتذر فقال أبو حنيفة رحمه الله : ههنا ما هو أولى بالاعتذار وذكر قصة الجدار وأنه كيف السبيل إلى التطهير فقال المجوسى فأنا أبدأ بتطهير نفسى فأسلم فى الحال.\rوالنكتة أن أبا حنيفة لما احترز عن ظلم ذلك المجوسى فى ذلك القدر القليل فلأجل بركة ذلك أسلم المجوسى ونجا من شقاوة الأبد فمن احترز عن الظلم نال سعادة الدارين وإلا فقد وقع فى الخذلان.أ هـ {روح البيان حـ 1 صـ 376}","part":4,"page":152},{"id":1471,"text":"من لطائف الإمام القشيرى فى الآية\rإذا تحاكمتم إلى المخلوقين فاعلموا أن الله مطلع عليكم ، وعِلْمه محيط بكم ، فراقبوا موضع الاستحياء من الحق سبحانه ، ولئن كان المخلوقون عالمين بالظواهر فالحق - سبحانه وتعالى - متولي بالسرائر. أ هـ {لطائف الإشارات حـ 1 صـ 158}\rقوله تعالى : {يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِهَا وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنِ اتَّقَى وَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوَابِهَا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (189)}\rمناسبة الآية لما قبلها\rقال البقاعى\rولما أتم سبحانه وتعالى البيان لما أراده مما شرعه في شهر الصوم ليلاً ونهاراً وبعض ما تبع ذلك وكان كثير من الأحكام يدور على الهلال لا سيما أحد قواعد الإسلام الحج الذي هو أخو الصوم وكانت الأهلة كالحكام توجب أشياء وتنفي غيرها كالصيام والديون والزكوات وتؤكل بها الأموال حقاً أو باطلاً وكان ذكر الشهر وإكمال العدة قد حرك العزم للسؤال عنه بين ذلك بقوله تعالى : {يسئلونك} وجعل ذلك على طريق الاستئناف جواباً لمن كأنه قال : هل سألوا عن الأهلة ؟ فقيل : نعم ، وذلك لتقدم ما يثير العزم إلى السؤال عنها صريحاً فكان سبباً للسؤال عن السؤال عنها ، وكذا ما يأتي من قوله {يسئلونك ماذا ينفقون} [البقرة : 215] {يسئلونك عن الشهر الحرام} [البقرة : 217] {يسئلونك عن الخمر والميسر} [البقرة : 219] بخلاف ما عطف على ما قبله بالواو كما يأتي ، وسيأتي إن شاء الله تعالى في سورة الأنعام ما ينبغي من علم النجوم وما لا ينبغي {عن الأهلة} أي التي تقدم أنه ليس البر تولية الوجه قبل مشارقها ومغاربها : ما سبب زيادتها بعد كونها كالحظ أو الخيط حتى تتكامل وتستوي ونقصها بعد ذلك حتى تدق وتنمحق ؟ قال الحرالي : وهي جمع هلال وهو ما يرفع الصوت عند رؤيته فغلب على رؤية الشهر الذي هو الهلال - انتهى.","part":4,"page":153},{"id":1472,"text":"ولما كان كأنه قيل : ما جوابهم ؟ قيل : {قل} معرضاً عنه لما لهم فيه من الفتنة لأنه ينبني على النظر في حركات الفلك وذلك يجر إلى علم تسيير النجوم وما يتبعه من الآثار التي تقود إلى الكلام في الأحكام المنسوبة إليها فتستدرج إلى الإلحاد وقد ضل بذلك كثير من الأمم السالفة والقرون الماضية فاعتقدوا تأثيرها بذواتها وقد قال عليه الصلاة والسلام ناهياً عن ذلك لذلك : \" من اقتبس علماً من النجوم اقتبس باباً من السحر زاد ما زاد \" أخرجه أحمد وأبو داود وابن ماجه عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما ؛ وقال علي رضي الله تعالى عنه : \" من طلب علم النجوم تكهن \" مرشداً سبحانه وتعالى إلى ما فيه صلاحهم : {هي مواقيت} جمع ميقات من الوقت وهو الحد الواقع بين أمرين أحدهما معلوم سابق والآخر معلوم به لاحق. وقال الأصبهاني : والفرق بين الوقت والمدة والزمان أن المدة المطلقة امتداد حركة الفلك من مبدئها إلى الزمان ، والزمان مدة مقسومة ، والوقت الزمان المفروض لأمر ما. {للناس} في صومهم كما تقدم ومعاملاتهم ليعلموا عدد السنين والحساب {والحج} صرح به لأنه من أعظم مداخلها. قال الحرالي : وهو حشر العباد إلى الموقف في شهور آخر السنة ، فهو أمر ديني مشعر بختم الزمان وذهابه لما فيه من آية المعاد - انتهى. أ هـ {نظم الدرر حـ 1 صـ 360}\rقال الفخر : \rنقل عن ابن عباس أنه قال : ما كان قوم أقل سؤالاً من أمة محمد صلى الله عليه وسلم سألوا عن أربعة عشر حرفاً فأجيبوا.","part":4,"page":154},{"id":1473,"text":"وأقول : ثمانية منها في سورة البقرة أولها : {وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ} [البقرة : 186] وثانيها : هذه الآية ثم الستة الباقية بعد في سورة البقرة ، فالمجموع ثمانية في هذه السورة والتاسع : قوله تعالى في سورة المائدة : {يَسْأَلُونَكَ مَاذَا أُحِلَّ لَهُمْ} [المائدة : 4] والعاشر : في سورة الأنفال {يَسْأَلُونَكَ عَنِ الأنفال} [الأنفال : 1] والحادي عشر : في بني إسرائيل {يَسْأَلُونَكَ عَنِ الروح} [الإسراء : 85] والثاني عشر : في الكهف {وَيَسْأَلُونَكَ عَن ذِى القرنين} [الكهف : 83] والثالث عشر : في طه {وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الجبال} [طه : 105] والرابع عشر : في النازعات {يَسْئَلُونَكَ عَنِ الساعة} [النازعات : 42] ولهذه الأسئلة ترتيب عجيب : اثنان منها في الأول في شرح المبدأ فالأول : قوله : {وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنّي} [البقرة : 186] وهذا سؤال عن الذات والثاني : قوله : {يَسْئَلُونَكَ عَنِ الأهلة} وهذا سؤال عن صفة الخلاقية والحكمة في جعل الهلال على هذا الوجه ، واثنان منها في الآخرة في شرح المعاد أحدهما : قوله : {وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الجبال} والثاني : قوله : {يَسْئَلُونَكَ عَنِ الساعة أَيَّانَ مرساها} [الأعراف : 187] ونظير هذا أنه ورد في القرآن سورتان أولهما : {ياأيها الناس} [البقرة : 21] أحدهما : في النصف الأول : وهي السورة الرابعة من سورة النصف الأول ، فإن أولاها الفاتحة وثانيتها البقرة وثالثها آل عمران ورابعتها النساء وثانيتهما : في النصف الثاني من القرآن وهي أيضاً السورة الرابعة من سور النصف الثاني أولاها مريم ، وثانيتها طه ، وثالثتها الأنبياء ، ورابعتها الحج ، ثم {يا أيها الناس} التي في النصف الأول تشتمل على شرح المبدأ فقال {يا أيها الناس اتقوا رَبَّكُمُ الذى خَلَقَكُمْ مّن نَّفْسٍ واحدة} [النساء : 1] و{","part":4,"page":155},{"id":1474,"text":"ياأيها الناس} التي في النصف الثاني تشتمل على شرح المعاد فقال : {ياأيها الناس اتقوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ الساعة شَىْء عَظِيمٌ} [الحج : 1] فسبحان من له في هذا القرآن أسرار خفية ، وحكم مطوية لا يعرفها إلا الخواص من عبيده. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 5 صـ 102}\rسؤال : لم جمع الضمير في قوله : {يسألونك} مع أن المروي أن الذي سأله رجلان ؟ \rالجواب : جمع الضمير في قوله : {يسألونك} مع أن المروي أن الذي سأله رجلان نظراً لأن المسؤول عنه يهم جميع السامعين أثناء تشريع الأحكام ؛ ولأن من تمام ضبط النظام أن يكون المسؤول عنه قد شاع بين الناس واستشرف كثير منهم لمعرفته سواء في ذلك من سأل بالقول ومن سأل في نفسه. أ هـ {التحرير والتنوير حـ 2 صـ 193}\rسؤال : لم جمع الأهلة ؟ \rالجواب : جمع الأهلة إما لتعددها بتعدد الأشهر أو لاختلاف أحواله وإن كان واحدا فهو كالمتعدد. أ هـ {تفسير ابن عرفة صـ 341}\rفائدة\rروي أن معاذ بن جبل وثعلبة بن غنم وكل واحد منهما كان من الأنصار قالا يا رسول الله : ما بال الهلال يبدو دقيقاً مثل الخيط ثم يزيد حتى يمتلىء ويستوي ، ثم لا يزال ينقص حتى يعود كما بدا ، لا يكون على حالة واحدة كالشمس ، فنزلت هذه الآية ويروى أيضاً عن معاذ أن اليهود سألت عن الأهلة.\rواعلم أن قوله تعالى : {يَسْئَلُونَكَ عَنِ الأهلة} ليس فيه بيان إنهم عن أي شيء سألوا لكن الجواب كالدال على موضع السؤال ، لأن قوله : {قُلْ هِىَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ والحج} يدل على أن سؤالهم كان على وجه الفائدة والحكمة في تغير حال الأهلة في النقصان والزيادة ، فصار القرآن والخبر متطابقين في أن السؤال كان عن هذا المعنى. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 5 صـ 102}\rفائدة لغوية","part":4,"page":156},{"id":1475,"text":"السؤال : طلب أحدٍ من آخر بذلَ شيء أو إخباراً بخبر ، فإذا كان طلب بذل عُدّي فعل السؤال بنفسه وإذا كان طلب إخبار عدي الفعل بحرف \"عن\" أو ما ينوب منابه. {التحرير والتنوير حـ 2 صـ 194}\rقال الفخر : \rالأهلة جمع هلال وهو أول حال القمر حين يراه الناس ، يقال له : هلال ليلتين من أول الشهر ثم يكون قمراً بعد ذلك ، وقال أبو الهيثم : يسمى القمر ليلتين من أول الشهر هلالاً ، وكذلك ليلتين من آخر الشهر ، ثم يسمى ما بَين ذلك قمراً ، قال الزجاج : فعال يجمع في أقل العدد على أفعلة ، نحو مثال وأمثلة ، وحمار وأحمرة ، وفي أكثر العدد يجمع على فعل مثل حمر لأنهم كرهوا في التضعيف فعل ، نحو هلل وخلل ، فاقتصروا على جمع أدنى العدد. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 5 صـ 102}\rوقال العلامة الجصاص : \rقَوْله تَعَالَى : {يَسْأَلُونَكَ عَنْ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ} َإِنَّمَا يُسَمَّى هِلَالًا فِي أَوَّلِ مَا يُرَى وَمَا قَرُبَ مِنْهُ لِظُهُورِهِ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ بَعْدَ خَفَائِهِ ؛ وَمِنْهُ الْإِهْلَالُ بِالْحَجِّ ، وَهُوَ إظْهَارُ التَّلْبِيَةِ ، وَاسْتِهْلَالُ الصَّبِيِّ : ظُهُورُ حَيَاتِهِ بِصَوْتٍ أَوْ حَرَكَةٍ ، وَمِنْ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ : إنَّ الْإِهْلَالَ هُوَ رَفْعُ الصَّوْتِ ، وَإِنَّ إهْلَالَ الْهِلَالِ مِنْ ذَلِكَ لِرَفْعِ الصَّوْتِ بِذِكْرِهِ عِنْدَ رُؤْيَتِهِ ، وَالْأَوَّلُ أَبْيَنُ وَأَظْهَرُ.","part":4,"page":157},{"id":1476,"text":"أَلَا تَرَى أَنَّهُمْ يَقُولُونَ : تَهَلَّلَ وَجْهُهُ : إذَا ظَهَرَ مِنْهُ الْبِشْرُ وَالسُّرُورُ ، وَلَيْسَ هُنَاكَ صَوْتٌ مَرْفُوعٌ ؟ وَقَالَ تَأَبَّطَ شَرًّا وَإِذَا نَظَرْتَ إلَى أَسِرَّةِ وَجْهِهِ بَرَقَتْ كَبَرْقِ الْعَارِضِ الْمُتَهَلِّلِ يَعْنِي الظَّاهِرَ وَقَدْ اخْتَلَفَ أَهْلُ اللُّغَةِ فِي الْوَقْتِ الَّذِي يُسَمَّى هِلَالًا ، فَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ : يُسَمَّى هِلَالًا لِلَيْلَتَيْنِ مِنْ الشَّهْر ، وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ : يُسَمَّى لِثَلَاثِ لَيَالٍ ثُمَّ يُسَمَّى قَمَرًا ، وَقَالَ الْأَصْمَعِيُّ : يُسَمَّى هِلَالًا حَتَّى يَحْجُرَ ، وَتَحْجِيرُهُ أَنْ يَسْتَدِيرَ بِخُطَّةٍ دَقِيقَةٍ ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ : يُسَمَّى هِلَالًا حَتَّى يُبْهِرَ ضَوْءُهُ سَوَادَ اللَّيْلِ ، فَإِذَا غَلَبَ ضَوْءُهُ سُمِّيَ قَمَرًا.\rقَالُوا : وَهَذَا لَا يَكُونُ إلَّا فِي اللَّيْلَةِ السَّابِعَةِ ، وَقَالَ الزَّجَّاجُ : الْأَكْثَرُ يُسَمُّونَهُ هِلَالًا لِابْنِ لَيْلَتَيْنِ ، وَقِيلَ : إنَّ سُؤَالَهُمْ وَقَعَ عَنْ وَجْهِ الْحِكْمَةِ فِي زِيَادَةِ الْأَهِلَّةِ وَنُقْصَانِهَا ، فَأَجَابَهُمْ : إنَّهَا مَقَادِيرُ لِمَا يَحْتَاجُ إلَيْهِ النَّاسُ فِي صَوْمِهِمْ وَحَجِّهِمْ وَعِدَدِ نِسَائِهِمْ وَمَحَلِّ الدُّيُونِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ الْأُمُورِ ، فَكَانَتْ هَذِهِ مَنَافِعَ عَامَّةً لِجَمِيعِهِمْ وَبِهَا عَرَفُوا الشُّهُورَ وَالسِّنِينَ وَمَا لَا يُحْصِيهِ مِنْ الْمَنَافِعِ وَالْمَصَالِحِ غَيْرُ اللَّهِ تَعَالَى.\rأ هـ {أحكام القرآن للجصاص حـ 1 صـ 316}","part":4,"page":158},{"id":1477,"text":"فائدة\rإذَا رَأَى أَحَدٌ الْهِلَالَ كَبِيرًا : قَالَ عُلَمَاؤُنَا : لَا يُعَوَّلُ عَلَى كِبَرِهِ وَلَا عَلَى صِغَرِهِ ، وَإِنَّمَا هُوَ مِنْ لَيْلَتِهِ ، لِمَا رُوِيَ عَنْ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ : \" إنَّ الْأَهِلَّةَ بَعْضُهَا أَكْبَرُ مِنْ بَعْضٍ ، فَإِذَا رَأَيْتُمُوهُ بَعْدَ مَا تَزُولُ الشَّمْسُ فَهُوَ لِلَّيْلَةِ الْمُسْتَقْبَلَةِ \".\rوَقَدْ رَوَى مَالِكٌ : أَنَّ هِلَالَ شَوَّالٍ رُئِيَ بِعَشِيٍّ فَلَمْ يُفْطِرْ عُثْمَانُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ حَتَّى أَمْسَى.\rوَرُوِيَ عَنْ أَبِي الْبَخْتَرِيِّ قَالَ : قَدِمْنَا حُجَّاجًا حَتَّى إذَا كُنَّا بِالصِّفَاحِ رَأَيْنَا هِلَالَ ذِي الْحِجَّةِ كَأَنَّهُ ابْنُ خَمْسِ لَيَالٍ ، فَلَمَّا قَدِمْنَا عَلَى ابْنِ عَبَّاسٍ سَأَلْنَاهُ فَقَالَ : جَعَلَ اللَّهُ الْأَهِلَّةَ مَوَاقِيتَ يُصَامُ لِرُؤْيَتِهَا وَيُفْطَرُ لِرُؤْيَتِهَا.\rإذَا رُئِيَ قَبْلَ الزَّوَالِ فَهُوَ لِلَّيْلَةِ الْمُسْتَقْبَلَةِ : وَقَالَ ابْنُ حَبِيبٍ ، وَابْنُ وَهْبٍ ، وَغَيْرُهُمَا : هُوَ لِلْمَاضِيَةِ.\rوَرُوِيَ فِي ذَلِكَ أَثَرٌ ضَعِيفٌ عَنْ عُمَرَ ، وَالصَّحِيحُ عَنْ عُمَرَ : \" أَنَّ الْأَهِلَّةَ بَعْضُهَا أَكْبَرُ مِنْ بَعْضٍ ، فَصُومُوا لِرُؤْيَتِهِ وَأَفْطِرُوا لِرُؤْيَتِهِ \". أ هـ {أحكام القرآن لابن العربى حـ 1 صـ 141}","part":4,"page":159},{"id":1478,"text":"قال العلامة ابن عاشور : \rالسؤال عن الأهلة لا يتعلق بذواتها إذ الذوات لا يسأل إلا عن أحوالها ، فيُعلم هنا تقدير وحذف أي عن أحوال الأهلة ، فعلى تقدير كون السؤال واقعاً بها غير مفروض فهو يحتمل السؤال عن الحكمة ويحتمل السؤال عن السبب ، فإن كان عن الحكمة فالجواب بقوله : {قل هي مواقيت للناس} جار على وفق السؤال ، وإلى هذا ذهب صاحب \"الكشاف\" ، ولعل المقصود من السؤال حينئذٍ استثبات كون المراد الشرعي منها موافقاً لما اصطلحوا عليه ؛ لأن كونها مواقيت ليس مما يخفى حتى يسأل عنه ، فإنه متعارف لهم ، فيتعين كون المراد من سؤالهم إن كان واقعاً هو تحقق الموافقة للمقصد الشرعي.","part":4,"page":160},{"id":1479,"text":"وإن كان السؤال عن السبب فالجواب بقوله : {قل هي مواقيت} غير مطابق للسؤال ، فيكون إخراجاً للكلام على خلاف مقتضى الظاهر بصرف السائل إلى غير ما يتطلب ، تنبيهاً على أن ما صرف إليه هو المهم له ، لأنهم في مبدأ تشريع جديد والمسؤول هو الرسول عليه الصلاة والسلام وكان المهم لهم أن يسألوه عما ينفعهم في صلاح دنياهم وأخراهم ، وهو معرفة كون الأهلة ترتبت عليها آجال المعاملات والعبادات كالحج والصيام والعدة ، ولذلك صرفهم عن بيان مسؤولهم إلى بيان فائدة أخرى ، لا سيما والرسول لم يجيء مبيناً لعلل اختلاف أحوال الأجرام السماوية ، والسائلون ليس لهم من أصول معرفة الهيئة ما يهيئهم إلى فهم ما أرادوا علمه بمجرد البيان اللفظي بل ذلك يستدعى تعليمهم مقدمات لذلك العلم ، على أنه لو تعرض صاحب الشريعة لبيانه لبين أشياء من حقائق العلم لم تكن معروفة عندهم ولا تقبلها عقولهم يومئذٍ ، ولكان ذلك ذريعة إلى طعن المشركين والمنافقين بتكذيبه ، فإنهم قد أسرعوا إلى التكذيب فيما لم يطلعوا على ظواهره كقولهم : {هل ندلكم على رجل ينبئكم إذا مزقتم كل ممزق إنكم لفي خلق جديد أفترى على الله كذباً أم به جنة} [سبأ : 7 ، 8] وقولهم : {ما سمعنا بهذا في الملة الآخرة إن هذا إلاّ اختلاق} [ص : 7] وعليه فيكون هذا الجواب بقوله : {هي مواقيت للناس والحج} تخريجاً للكلام على خلاف مقتضى الظاهر كقول الشاعر. أنشده في \"المفتاح\" ولم ينسبه ولم أقف على قائله ولم أره في غيره\r.... أتت تشتكي منّي مزاولة القرى\rوقد رأت الأضياف يَنْحَوْن منزلي... فقلت لها لمّا سمعت كلامها\rهم الضيف جِدِّي في قراهم وعجِّلي... وإلى هذا نحا صاحب \"المفتاح\" وكأنه بناه على أنهم لا يظن بهم السؤال عن الحكمة في خلق الأهلة لظهورها ، وعلى أن الوارد في قصة معاذ وثعلبة يشعر بأنهما سألا عن السبب إذ قالا : ما بال الهلال يبدو دقيقاً الخ. أ هـ {التحرير والتنوير حـ 2 صـ 195 ـ 196}","part":4,"page":161},{"id":1480,"text":"فائدة\rقال القرطبى : \rإذا رُؤي الهلال كبيراً فقال علماؤنا : لا يُعَوَّل على كبره ولا على صغره وإنما هو ابن ليلته. روى مسلم \" عن أبي البَخْتَرِيّ قال : خرجنا للعُمْرة فلما نزلنا ببطن نَخْلة قال : تراءينا الهلال ؛ فقال بعض القوم : هو ابن ثلاث ، وقال بعض القوم : هو ابن ليلتين. قال : فلقِينا ابن عباس فقلنا : إنا رأينا الهلال فقال بعض القوم هو ابن ثلاث ، وقال بعض القوم هو ابن ليلتين. فقال : أيّ ليلة رأيتموه ؟ قال فقلنا : ليلة كذا وكذا. فقال : \"إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : إن الله مدّه للرؤية\" فهو لِلَيْلةٍ رأيتموه \"\rأ هـ {تفسير القرطبى حـ 2 صـ 342}\rقوله تعالى : {قُلْ هِىَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ والحج }\rقال الفخر : \rالمواقيت جمع الميقات بمعنى الوقت كالميعاد بمعنى الوعد ، وقال بعضهم الميقات منتهى الوقت ، قال الله تعالى : {فَتَمَّ ميقات رَبّهِ} [الأعراف : 142] والهلال ميقات الشهر ، ومواضع الإحرام مواقيت الحج لأنها مواضع ينتهي إليها ، ولا تصرف مواقيت لأنها غاية الجموع ، فصار كأن الجمع يكرر فيها فإن قيل : لم صرفت قوارير ؟ قيل : لأنها فاصلة وقعت في رأس آية ، فنون ليجري على طريقة الآيات ، كما تنون القوافي ، مثل قوله : \rأقل اللوم عاذل والعتابن.. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 5 صـ 103}\rقال الشيخ ابن عاشور : ","part":4,"page":162},{"id":1481,"text":"وقوله : {مواقيت للناس} أي مواقيت لما يُوقَّت من أعمالهم فاللام للعلة أي لفائدة الناس وهو على تقدير مضاف أي لأعمال الناس ، ولم تذكر الأعمال الموقَّتة بالأهلة ليشمل الكلام كل عمل محتاج إلى التوقيت ، وعطف الحج على الناس مع اعتبار المضاف المحذوف من عطف الخاص على العام للاهتمام به واحتياج الحج للتوقيت ضروري ؛ إذ لو لم يوقّت لجاء الناس للحج متخالفين فلم يحصل المقصود من اجتماعهم ولم يجدوا ما يحتاجون إليه في أسفارهم وحلولهم بمكة وأسواقها ؛ بخلاف الصلاة فليست موقتة بالأهلة ، وبخلاف الصوم فإن توقيته بالهلال تكميلي له ؛ لأنه عبادة مقصورة على الذات فلو جاء بها المنفرد لحصل المقصد الشرعي ولكن شُرع فيه توحيد الوقت ليكون أخف على المكلفين ، فإن الصعب يخف بالاجتماع وليكون حالهم في تلك المدة متماثلاً فلا يشق أحد على آخر في اختلاف أوقات الأكل والنوم ونحوهما.\rوالمواقيت جمع ميقات والميقات جاء بوزن اسم الآلة من وقَّت وسمى العرب به الوقت ، وكذلك سُمي الشهر شهراً مشتقاً من الشهرة ، لأن الذي يرى هلال الشهر يشهره لدى الناس. وسمى العرب الوقت المعيَّن ميقاتاً كأنه مبالغة وإلاّ فهو الوقت عينه. وقيل : الميقات أخص من الوقت ، لأنه وقت قُدّر فيه عمل من الأعمال ، قلت : فعليه يكون صوغه بصيغة اسم الآلة اعتباراً بأن ذلك العمل المعيَّن يكون وسيلة لتحديد الوقت فكأنه آلة للضبط والاقتصار على الحج دون العمرة لأن العمرة لا وقت لها فلا تكون للأهلة فائدة في فعلها.\rومجيء ذكر الحج في هاته الآية ، وهي من أول ما نزل بالمدينة ، ولم يكن المسلمون يستطيعون الحج حينئذٍ لأن المشركين يمنعونهم إشارة إلى أن وجوب الحج ثابت ولكن المشركين حالوا دون المسلمين ودونه. أ هـ {التحرير والتنوير حـ 2 صـ 196}\rفائدة\rقال الفخر : ","part":4,"page":163},{"id":1482,"text":"اعلم أنه سبحانه وتعالى جعل الزمان مقدراً من أربعة أوجه : السنة والشهر واليوم والساعة ، أما السنة فهي عبارة عن الزمان الحاصل من حركة الشمس من نقطة معينة من الفلك بحركتها الحاصلة عن خلاف حركة الفلك إلى أن تعود إلى تلك النقطة بعينها ، إلا أن القوم اصطلحوا على أن تلك النقطة نقطة الإعتدال الربيعي وهو أول الحمل ، وأما الشهر فهو عبارة عن حركة القمر من نقطة معينة من فلكه الخاص به إلى أن يعود إلى تلك النقطة ، ولما كان أشهر أحوال القمر وضعه مع الشمس ، وأشهر أوضاعه من الشمس هو الهلال العربي ، مع أن القمر في هذا الوقت يشبه الموجود بعد العدم والمولود الخارج من الظلم لا جرم جعلوا هذا الوقت منتهى للشهر ، وأما اليوم بليلته فهو عبارة عن مفارقة نقطة من دائرة معدل النهار نقطة من دائرة الأفق ، أو نقطة من دائرة نصف النهار وعودها إليها ، فالزمان المقدر عبارة عن اليوم بليلته ، ثم أن المنجمين اصطلحوا على تعيين دائرة نصف النهار مبدأ لليوم بليلته ، أما أكثر الأمم فإنهم جعلوا مبادىء الأيام بلياليها من مفارقة الشمس أفق المشرق وعودها إليه من الغداة ، واحتج من نصر مذهبهم بأن الشمس عند طلوعها كالموجود بعد العدم فجعله أولا أولى ، فزمان النهار عبارة عن مدة كون الشمس فوق الأرض ، وزمان الليل عبارة عن كونها تحت الأرض ، وفي شريعة الإسلام يفتتحون النهار من أول وقت طلوع الفجر في وجوب الصلاة والصوم وغيرهما من الأحكام ، وعند المنجمين مدة الصوم في الشرع هي زمان النهار كله مع زيادة من زمان الليل معلومة المقدار محدودة المبدأ ، وأما الساعة فهي على قسمين : مستوية جزء من أربعة وعشرين من يوم وليلة ، فهذا كلام مختصر في تعريف السنة والشهر واليوم والساعة. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 5 صـ 104}\rفائدة\rقال الفخر : \rبقي ههنا أن يقال الفاعل المختار لم خصص القمر دون الشمس بهذه الاختلافات ؟ ","part":4,"page":164},{"id":1483,"text":"فنقول لعلماء الإسلام في هذا المقام جوابان أحدهما : أن يقال : إن فاعلية الله تعالى لا يمكن تعليلها بغرض ومصلحة ، ويدل عليه وجوه أحدها : أن من فعل فعلاً لغرض فإن قدر على تحصيل ذلك الغرض بدون تلك الواسطة ، فحينئذ يكون فعل تلك الواسطة عبثاً ، وإن لم يقدر فهو عاجز\rوثانيها : أن كل من فعل فعلا لغرض ، فإن كان وجود ذلك الغرض أولى له من لا وجوده فهو ناقص بذاته ، مستكمل بغيره ، وإن لم يكن أولى له لم يكن غرضا\rوثالثها : أنه لو كان فعله معللا بغرض فذلك الغرض إن كان محدثاً افتقر إحداثه إلى غرض آخر ، وإن كان قديما لزم من قدمه قدم الفعل وهو محال ، فلا جرم قالوا : كل شيء صنعه ولا علة لصنعه ، ولا يجوز تعليل أفعاله وأحكامه ألبتة {لاَ يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْئَلُونَ} [الأنبياء : 23].\r","part":4,"page":165},{"id":1484,"text":"والجواب الثاني : قول من قال : لا بد في أفعال الله وأحكامه من رعاية المصالح والحكم ، والقائلون بهذا المذهب سلموا أن العقول البشرية قاصرة في أكثر المواضع عن الوصول إلى أسرار حكم الله تعالى في ملكه وملكوته ، وقد دللنا على أن القوم إنما سألوا عن الحكمة في اختلاف أحوال القمر فالله سبحانه وتعالى ذكر وجوه الحكمة فيه وهو قوله : {قُلْ هِىَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ والحج} وذكر هذا المعنى في آية أخرى وهو قوله : {وَقَدَّرَهُ مَنَازِلَ لِتَعْلَمُواْ عَدَدَ السنين والحساب} [يونس : 5] وقال في آية ثالثة {فَمَحَوْنَا ءايَةَ اليل وَجَعَلْنَا ءايَةَ النهار مُبْصِرَةً لِتَبْتَغُواْ فَضْلاً مّن رَّبِّكُمْ وَلِتَعْلَمُواْ عَدَدَ السنين والحساب} [الإسراء : 12] وتفصيل القول فيه أن تقدير الزمان بالشهور فيه منافع بعضها متصل بالدين وبعضها بالدنيا ، أما ما يتصل منها بالدين فكثيرة منها الصوم ، قال الله تعالى : {شَهْرُ رَمَضَانَ الذى أُنزِلَ فِيهِ القرآن} [البقرة : 185] وثانيها : الحج ، قال الله تعالى : {الحج أَشْهُرٌ معلومات} [البقرة : 197] وثالثها : عدة المتوفى عنها زوجها قال الله تعالى : {يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا} [البقرة : 234] ورابعها : النذور التي تتعلق بالأوقات ، ولفضائل الصوم في أيام لا تعلم إلا بالأهلة.\rوأما ما يتصل منها بالدنيا فهو كالمداينات والإجارات والمواعيد ولمدة الحمل والرضاع كما قال {وَحَمْلُهُ وفصاله ثَلاَثُونَ شَهْراً} [الأحقاف : 15] وغيرها فكل ذلك مما لا يسهل ضبط أوقاتها إلا عند وقوع الاختلاف في شكل القمر.\r","part":4,"page":166},{"id":1485,"text":"فإن قيل : لا نسلم أنا نحتاج في تقدير الأزمنة إلى حصول الشهر ، وذلك لأنه يمكن تقديرها بالسنة التي هي عبارة عن دورة الشمس وبإجرائها مثل أن يقال : كلفتكم بالطاعة الفلانية في أول السنة ، أو في سدسها ، أو نصفها ، وهكذا سائر الأجزاء ، ويمكن تقديرها بالأيام مثل أن يقال : كلفتم بالطاعة الفلانية في اليوم الأول من السنة وبعد خمسين يوماً من أول السنة ، وأيضاً بتقدير أن يساعد على أنه لا بد مع تقدير الزمان بالسنة وباليوم تقديره بالقمر لكن الشهر عبارة عن دورة من اجتماعه مع الشمس إلى أن يجتمع معها مرة أخرى هذا التقدير حاصل سواء حصل الاختلاف في أشكال نوره أو لم يحصل ، ألا ترى أن تقدير السنة بحركة الشمس وإن لم يحصل في نور الشمس اختلافا ، فكذا يمكن تقدير الشمس بحركة القمر ، وإن لم يحصل في نور القمر اختلاف ، وإذا لم يكن لنور القمر مخالفة بحال ولا أثر في هذا الباب لم يجز تقديره به.\rوالجواب عن السؤال الأول : أن ما ذكرتم وإن كان ممكنا إلا أن إحصاء الأهلة أيسر من إحصاء الأيام لأن الأهلة اثنا عشر شهراً ، والأيام كثيرة ، ومن المعلوم أن تقسيم جملة الزمان إلى السنين ، ثم تقسيم كل سنة إلى الشهور ، ثم تقسيم الشهور إلى الأيام ، ثم تقسيم كل يوم إلى الساعات ، ثم تقسيم كل ساعة إلى الأنفاس أقرب إلى الضبط وأبعد عن الخبط ، ولهذا قال سبحانه : {إِنَّ عِدَّةَ الشهور عِندَ الله اثنا عَشَرَ شَهْراً} [التوبة : 36] وهذا كما أن المصنف الذي يراعي حسن الترتيب يقسم تصنيفه إلى الكتب ، ثم كل كتاب إلى الأبواب ، ثم كل باب إلى الفصول ثم كل فصل إلى المسائل فكذا ههنا الجواب عنه.\r","part":4,"page":167},{"id":1486,"text":"وأما السؤال الثاني : فجوابه ما ذكرتم ، إلا أنه متى كان القمر مختلف الشكل ، كان معرفة أوائل الشهور وأنصافها وأواخرها أسهل مما إذا لم يكن كذلك ، وأخبر جل جلاله أنه دبر الأهلة هذا التدبير العجيب لمنافع عباده في قوام دنياهم مع ما يستدلون بهذه الأحوال المختلفة على وحدانية الله سبحانه وتعالى وكمال قدرته ، كما قال تعالى : {إِنَّ فِي خَلْقِ السموات والأرض واختلاف الليل والنهار لآيات لأُوْلِى الألباب} [آل عمران : 190] وقال تعالى : {تَبَارَكَ الذى جَعَلَ فِى السماء بُرُوجاً وَجَعَلَ فِيهَا سِرَاجاً وَقَمَراً مُّنِيراً} [الفرقان : 61] وأيضاً لو لم يقع في جرم القمر هذا الاختلاف لتأكدت شبه الفلاسفة في قولهم : أن الأجرام الفلكية لا يمكن تطرق التغيير إلى أحوالها ، فهو سبحانه وتعالى بحكمته القاهرة أبقى الشمس على حالة واحدة ، وأظهر الإختلاف في أحوال القمر ليظهر للعاقل أن بقاء الشمس على أحوالها ليس إلا بإبقاء الله وتغير القمر في أشكاله ليس إلا بتغيير الله فيصير الكل بهذا الطريق شاهداً على افتقارها إلى مدبر حكيم قادر قاهر ، كما قال : {وَإِن مّن شَىْء إِلاَّ يُسَبّحُ بِحَمْدَهِ ولكن لاَّ تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ} [الإسراء : 44] إذا عرفت هذه الجملة فنقول : أنه لما ظهر أن الاختلاف في أحوال القمر معونة عظيمة في تعيين الأوقات من الجهات التي ذكرناها نبه تعالى بقوله : {قُلْ هِىَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ والحج} على جميع هذه المنافع ، لأن تعديد جميع هذه الأمور يقضي إلى الإطناب والاقتصار على البعض دون البعض ترجيح من غير مرجح فلم يبق إلا الاقتصار على كونه ميقاتاً فكان هذا الاقتصار دليلاً على الفصاحة العظيمة. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 5 صـ 104 ـ 106}\rقوله تعالى : {والحج }\rقال الفخر : ","part":4,"page":168},{"id":1487,"text":"أما قوله تعالى : {والحج} ففيه إضمار تقديره وللحج كقوله تعالى : {وَإِنْ أَرَدتُّمْ أَن تَسْتَرْضِعُواْ أولادكم} [البقرة : 233] أي لأولادكم ، واعلم أنا بينا أن الأهلة مواقيت لكثير من العبادات فإفراد الحج بالذكر لا بد فيه من فائدة ولا يمكن أن يقال تلك الفائدة هي أن مواقيت الحج لا تعرف إلا بالأهلة ، قال تعالى : {الحج أَشْهُرٌ معلومات} [البقرة : 197] وذلك لأن وقت الصوم لا يعرف إلا بالأهلة ، قال تعالى : {شَهْرُ رَمَضَانَ الذى أُنزِلَ فِيهِ القرآن} [البقرة : 185] وقال عليه السلام : \" صوموا لرؤيته وافطروا لرؤيته \" وأحسن الوجوه فيه ما ذكره القفال رحمه الله : وهو أن إفراد الحج بالذكر إنما كان لبيان أن الحج مقصور على الأشهر التي عينها الله تعالى لفرضه وأنه لا يجوز نقل الحج من تلك الأشهر إلى أشهر كما كانت العرب تفعل ذلك في النسيء والله أعلم. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 5 صـ 106}\rبحث فى التقويم ونظام الحياة\rإنّ الحياة الفرديّة والاجتماعية لايمكن لها أن تقوم من دون نظم صحيح ، نظم في التخطيط ، ونظم في المديريّة والإجراء ، فمن خلال نظرة سريعة إلى عالم الخلق من المنظومات الشمسيّة في السماء إلى بدن الإنسان وبناء هيكله وأعضائه المختلفة ندرك جيداً هذا الأصل الشامل والحاكم على جميع المخلوقات.\rوعلى هذا الأساس جعل الله سبحانه وتعالى هذا النظم تحت اختيار الإنسان وقرّر أن تكون الحركات المنظّمة للكرة الأرضيّة حول نفسها وحول الشمس\rوكذلك دوران القمر حول الأرض بانتظام وسيلة لتنظيم حياة الإنسان الماديّة والمعنويّة وترتيبها وفق برنامج معيّن.","part":4,"page":169},{"id":1488,"text":"ولنفترض أنّ هذا النظم في الكون لم يكن موجوداً ولم يكن لدينا مقياس معيّن لقياس الزّمان ، فماذا سيحصل من اضطراب في حياتنا اليوميّة ؟! ولهذا فإنّ الله تعالى ذكر هذا النظم الزماني في الأجرام السماويّة بعنوان أحد المواهب المهمّة الإلهيّة للإنسان ، ففي سورة يونس في الآية الخامسة يقول {هُو الّذي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِياءً وَ القَمرَ نوراً وقَدَّرَهُ مَنازِلَ لِتَعْلَموُا عَدَدَ السّنينَ والحِساب ما خَلَقَ اللهُ ذلِكَ إلاّ بِالحَقّ يُفصّلُ الآياتِ لِقوم يَعْلَمونَ}.\rومثل ذلك ما ورد في سورة الإسراء الآية (12) حول النظام الحاكم على اللّيل والنهار\rأ هـ {الأمثل حـ 2 صـ 16 }\rفائدة\rقال ابن عرفة : وجواب السؤال في القرآن كله بغير \" فاء \" مثل {وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ المحيض قُلْ هُوَ أَذًى} ومثل {يَسْئَلُونَكَ عَنِ الشهر الحرام قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ} {وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ اليتامى قُلْ إِصْلاَحٌ لَّهُمْ خَيْرٌ} إلا قوله {وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الجبال فَقُلْ يَنسِفُهَا رَبِّي نَسْفاً} قال ابن عرفة : وعادتهم يجيبون بأن الكل أمور دنيوية فالسؤال عنها ثابت واقع في الوجود/ وقوله \" وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الجبال \" فأمر أخروي والكفار منكرون للبعث فالسؤال غير واقع لكنه مقدر الوقوع في المستقبل أي إِنْ \" (يَسْأَلُوكَ) عَنِ الجِبَالِ \" ، فهو جواب لشرط مقدر فحسنت فيه الفاء. أ هـ {تفسير ابن عرفة صـ 341}\rقوله تعالى : {وَلَيْسَ البر بِأَن تَأْتُواْ البيوت مِن ظُهُورِهَا }\rالمناسبة\rقال البقاعى : \r","part":4,"page":170},{"id":1489,"text":"ولما كانوا قد اعتادوا في الحج فعلاً منكراً وكان ترك المألوفات أشق شيء على النفوس ، ولذلك قال أهل الطريق وسادات أهل التحقيق : ملاك القصد إلى الله تعالى خلع العادات واستجداد قبول الأمور المنزلات من قيوم السماوات والأرض ، وبذلك كان الصحابة رضي الله تعالى عنهم سادات أهل الإسلام ، قال تعالى عاطفاً على {ليس البر} مقبحاً لذلك الفعل عليهم منبهاً على أنهم عكسوا في سؤالهم كما عكسوا في فعالهم ، ويجوز أن يكون معطوفاً على حال دل عليها السياق تقديرها : والحال أنه ليس البر سؤالكم هذا عنها {وليس البر} وأكد النفي بزيادة الباء في قوله : {بأن تأتوا البيوت} أي لا الحسية ولا المعنوية {من ظهورها} عند القدوم من الحج أو غيره كما أنه ليس البر بأن تعكسوا في مقالكم بترك السؤال عما يعنيكم والسؤال عما لا يعنيكم بل يعنيكم. أ هـ {نظم الدرر حـ 1 صـ 360}\rقال الفخر : \rأما قوله تعالى : {وَلَيْسَ البر بِأَن تَأْتُواْ البيوت مِن ظُهُورِهَا} ففيه مسائل : ","part":4,"page":171},{"id":1490,"text":"المسألة الأولى : ذكروا في سبب نزول هذه الآية وجوها أحدها : قال الحسن والأصم كان الرجل في الجاهلية إذا هم بشيء فتعسر عليه مطلوبه لم يدخل بيته من بابه بل يأتيه من خلفه ويبقى على هذه الحالة حولاً كاملاً ، فنهاهم الله تعالى عن ذلك لأنهم كانوا يفعلونه تطيراً ، وعلى هذا تأويل الآية ليس البر أن تأتوا البيوت من ظهورها على وجه التطير ، لكن البر من يتقي الله ولم يتق غيره ولم يخف شيئاً كان يتطير به ، بل توكل على الله تعالى واتقاه وحده ، ثم قال : {واتقوا الله لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} أي لتفوزوا بالخير في الدين والدنيا كقوله : {وَمَن يَتَّقِ الله يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجاً وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لاَ يَحْتَسِبُ} [الطلاق : 2 3] {وَمَن يَتَّقِ الله يَجْعَل لَّهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْراً} [الطلاق : 4] وتمام التحقيق في الآية أن من رجع خائباً يقال : ما أفلح وما أنجح ، فيجوز أن يكون الفلاح المذكور في الآية هو أن الواجب عليكم أن تتقوا الله حتى تصيروا مفلحين منجحين وقد وردت الأخبار عن النبي صلى الله عليه وسلم بالنهي عن التطير ، وقال : \" لا عدوى ولا طيرة \" وقال من \" رده عن سفره تطير فقد أشرك \" أو كما قال وأنه كان يكره الطيرة ويحب الفأل الحسن وقد عاب الله تعالى قوماً تطيروا بموسى ومن معه {قَالُواْ اطيرنا بِكَ وَبِمَن مَّعَكَ قَالَ طَائِرُكُمْ عِندَ الله} [النمل : 47].\rالوجه الثاني : في سبب نزول هذه الآية ، روي أنه في أول الإسلام كان إذا أحرم الرجل منهم فإن كان من أهل المدن نقب في ظهر بيته منه يدخل ويخرج ، أو يتخذ سلماً يصعد منه سطح داره ثم ينحدر ، وإن كان من أهل الوبر خرج من خلف الخباء ، فقيل لهم : ليس البر بتحرجكم عن دخول الباب ، ولكن البر من اتقى.\r","part":4,"page":172},{"id":1491,"text":"الوجه الثالث : أن أهل الجاهلية إذا أحرم أحدهم نقب خلف بيته أو خيمته نقباً منه يدخل ويخرج إلا الحمس ، وهم قريش وكنانة وخزاعة وثقيف وخيثم وبنو عامر بن صعصعة وبنو نصر بن معاوية ، وهؤلاء سموا حمساً لتشددهم في دينهم ، الحماسة الشدة ، وهؤلاء متى أحرموا لم يدخلوا بيوتهم ألبتة ولا يستظلون الوبر ولا يأكلون السمن والأقط ، ثم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كام محرماً ورجل آخر كان محرماً ، فدخل رسول الله صلى الله عليه وسلم حال كونه محرماً من باب بستان قد خرب فأبصره ذلك الرجل الذي كان محرماً فاتبعه ، فقال عليه السلام : تنح عني ، قال : ولم يا رسول الله ؟ قال : دخلت الباب وأنت محرم فوقف ذلك الرجل فقال : إني رضيت بسنتك وهديك وقد رأيتك دخلت فدخلت فأنزل الله تعالى هذه الآية وأعلمهم أن تشديدهم في أمر الإحرام ليس ببر ولكن البر من اتقى مخالفة الله وأمرهم بترك سنة الجاهلية فقال : {وَأْتُواْ البيوت مِنْ أبوابها} فهذا ما قيل في سبب نزول هذه الآية. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 5 صـ 107}\rوذكر العلامة الماوردى ثلاثة أسباب أخرى هى\rعنى بالبيوت النساء ، سُمِّيَتْ بيوتاً للإيواء إليهن ، كالإيواء إلى البيوت ، ومعناه : لا تأتوا النساء من حيث لا يحل من ظهورهن ، وأتوهن من حيث يحل من قُبُلهن ، قاله ابن زيد.(1)\r________________\r(1) قال ابن عطية : وهذا بعيد مغيّر نَمَط الكلام. أ هـ {المحرر الوجيز حـ 1 صـ 262}","part":4,"page":173},{"id":1492,"text":"والخامس : معناه ليس البر أن تطلبوا الخير من غير أهله ، وتأتوه من غير بابه ، وهذا قول أبي عبيدة.\rوالقول السادس : أنه مثلٌ ضَربه الله عز وجل لهم ، بأن يأتوا البر من وجهه ، ولا يأتوه من غير وجهه. أ هـ {النكت والعيون حـ 1 صـ 188 ـ 189}\rقال العلامة ابن عاشور : \rالصحيح من ذلك ما رواه البخاري ومسلم عن البراء بن عازب قال : كانت الأنصار إذا حجوا فجاءوا لا يدخلون من أبواب بيوتهم ولكن من ظهورها فجاء رجل فدخل من بابه فكأنَّه عبّر بذلك هذه الآية ، ورواية السدي وهَم ، وليس في الصحيح ما يقتضي أن رسول الله أمر بذلك ولا يظن أن يكون ذلك منه ، وسياق الآية ينافيه. أ هـ {التحرير والتنوير حـ 2 صـ 198}\rقال ابن الجوزى : \rوفيما كانوا لا يدخلون البيوت من أبوابها لأجله أربعة أقوال. أحدها : أنهم كانوا يفعلون ذلك لأجل الإحرام ، قاله ابن عباس ، وأبو العالية ، والنخعي ، وقتادة ، وقيس النهشلي. والثاني : لأجل دخول الشهر الحرام ، قاله البراء بن عازب. والثالث : أن أهل الجاهلية كانوا إذا همَّ أحدهم بالشيء فاحتبس عنه ؛ لم يأت بيته من بابه حتى يأتي الذي كان هم به ، قاله الحسن. والرابع : أن أهل المدينة كانوا إذا رجعوا من عيدهم فعلوا ذلك ، رواه عثمان بن عطاء عن أبيه. أ هـ {زاد المسير حـ 1 صـ 196}\rقال العلامة الآلوسى : ","part":4,"page":174},{"id":1493,"text":"والظاهر أن جملة النفي معطوفة على مقول قل فلا بد من الجامع بينهما فأما أن يقال : إنهم سألوا عن الأمرين كيف ما اتفق ، فجمع بينهما في الجواب بناءاً على الاجتماع الاتفاقي في السؤال ، والأمر الثاني : مقدر إلا أنه ترك ذكره إيجازاً واكتفاءاً بدلالة الجواب عليه ، وإيذاناً بأن هذا الأمر مما لا ينبغي أن يقع فيحتاج إلى السؤال عنه ، أو يقال : إن السؤال واقع عن الأهلة فقط وهذا مستعمل إما على الحقيقة مذكور للاستطراد حيث ذكر مواقيت الحج والمذكور أيضاً من أفعالهم فيه إلا الخمس ، أو للتنبيه على أن اللائق بحالهم أن يسألوا عن أمثال هذا الأمر ، ولا يتعرضوا بما لا يهمهم عن أمر الأهلة وإما على سبيل الاستعارة التمثيلية بأن يكون قد شبه حالهم في سؤالهم عما لا يهم ، وترك المهم بحال من ترك الباب وأتى من غير الطريق للتنبيه على تعكيسهم الأمر في هذا السؤال ، فالمعنى : وليس البر بأن تعكسوا مسائلكم ولكن البر من اتقى ذلك ولم يجبر على مثله ، وجوز أن يكون العطف على قوله سبحانه : {يَسْأَلُونَكَ} والجامع بينهما أن الأول : قول لا ينبغي ، والثاني : فعل لا ينبغي وقعاً من الأنصار على ما تحكيه بعض الروايات. أ هـ {روح المعانى حـ 2 صـ 74}\rسؤال : ما معنى نفي البر فى الآية ؟ ","part":4,"page":175},{"id":1494,"text":"الجواب : معنى نفي البر عن هذا نفي أن يكون مشروعاً أو من الحنيفية ، وإنما لم يكن مشروعاً لأنه غلو في أفعال الحج ، فإن الحج وإن اشتمل على أفعال راجعة إلى ترك الترفه عن البدن كترك المخيط وترك تغطية الرأس إلاّ أنه لم يكن المقصد من تشريعه إعنات الناس بل إظهار التجرد وترك الترفه ، ولهذا لم يكن الحمس يفعلون ، ذلك لأنهم أقرب إلى دين إبراهيم ، فالنفي في قوله : {وليس البر} نفي جنس البر عن هذا الفعل بخلاف قوله المتقدم {ليس البر أن تولوا وجوهكم} [البقرة : 177] والقرينة هنا هي قوله : {وأتوا البيوت من أبوابها} ولم يقل هنالك : واستقبلوا أية جهة شئتم ، والمقصود من الآيتين إظهار البر العظيم وهو ما ذكر بعد حرف الاستدراك في الآيتين بقطع النظر عما نفي عنه البر ، وهذا هو مناط الشبه والافتراق بين الآيتين. أ هـ {التحرير والتنوير حـ 2 صـ 199}\rفائدة\rقال الفخر : \rذكروا في تفسير الآية ثلاثة أوجه","part":4,"page":176},{"id":1495,"text":"الأول : وهو قول أكثر المفسرين حمل الآية على هذه الأحوال التي رويناها في سبب النزول ، إلا أن على هذا التقدير صعب الكلام في نظم الآية ، فإن القوم سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الحكمة في تغيير نور القمر ، فذكر الله تعالى الحكمة في ذلك ، وهي قوله : {قُلْ هِىَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ والحج} فأي تعلق بين بيان الحكمة في اختلاف نور القمر ، وبين هذه القصة ، ثم القائلون بهذا القول أجابوا عن هذا السؤال من وجوه أحدها : أن الله تعالى لما ذكر أن الحكمة في اختلاف أحوال الأهلة جعلها مواقيت للناس والحج ، وكان هذا الأمر من الأشياء التي اعتبروها في الحج لا جرم تكلم الله تعالى فيه وثانيها : أنه تعالى إنما وصل قوله : {وَلَيْسَ البر بِأَن تَأْتُواْ البيوت مِن ظُهُورِهَا} بقوله : {يَسْئَلُونَكَ عَنِ الأهلة} لأنه إنما اتفق وقوع القصتين في وقت واحد فنزلت الآية فيهما معاً في وقت واحد ووصل أحد الأمرين بالآخر وثالثها : كأنهم سألوا عن الحكمة في اختلاف حال الأهلة فقيل لهم : اتركوا السؤال عن هذا الأمر الذي لا يعنيكم وارجعوا إلى ما البحث عنه أهم لكم فإنكم تظنون أن إتيان البيوت من ظهورها بر وليس الأمر كذلك.\r","part":4,"page":177},{"id":1496,"text":"القول الثاني : في تفسير الآية أن قوله تعالى : {وَلَيْسَ البر بِأَن تَأْتُواْ البيوت مِن ظُهُورِهَا} مثل ضربه الله تعالى لهم ، وليس المراد ظاهره ، وتفسيره أن الطريق المستقيم المعلوم هو أن يستدل بالمعلوم على المظنون ، فأما أن يستدل بالمظنون على المعلوم فذاك عكس الواجب وضد الحق وإذا عرفت هذا فنقول : إنه قد ثبت بالدلائل أن للعالم صانعاً مختاراً حكيماً ، وثبت أن الحكيم لا يفعل إلا الصواب البريء عن العبث والسفه ، ومتى عرفنا ذلك ، وعرفنا أن اختلاف أحوال القمر في النور من فعله علمنا أن فيه حكمة ومصلحة ، وذلك لأن علمنا بهذا الحكيم الذي لا يفعل إلا الحكمة يفيدنا القطع بأن فيه حكمة ، لأنه استدلال بالمعلوم على المجهول ، فأما أن يستدل بعدم علمنا بما فيه من الحكمة على أن فاعله ليس بالحكيم ، فهذا الاستدلال باطل ، لأنه استدلال بالمجهول على القدح في المعلوم إذا عرفت هذا فالمراد من قوله تعالى : {وَلَيْسَ البر بِأَن تَأْتُواْ البيوت مِن ظُهُورِهَا} يعني أنكم لما لم تعلموا حكمته في اختلاف نور القمر صرتم شاكين في حكمة الخالق ، فقد أتيتم الشيء لا من البر ولا من كمال العقل إنما البر بأن تأتوا البيوت من أبوابها فتستدلوا بالمعلوم المتيقن وهو حكمة خالقها على هذا المجهول فتقطعوا بأن فيه حكمة بالغة ، وإن كنتم لا تعلمونها ، فجعل إتيان البيوت من ظهورها كناية عن العدول عن الطريق الصحيح ، وإتيانها من أبوابها كناية عن التمسك بالطريق المستقيم ، وهذا طريق مشهور في الكناية فإن من أرشد غيره إلى الوجه الصواب يقول له : ينبغي أن تأتي الأمر من بابه وفي ضده يقال : إنه ذهب إلى الشيء من غير بابه قال تعالى : {فَنَبَذُوهُ وَرَاء ظُهُورِهِمْ} [آل عمران : 187] وقال : {واتخذتموه وَرَاءكُمْ} [هود : 92] فلما كان هذا طريقاً مشهوراً معتاداً في الكنايات ، ذكره الله تعالى ههنا ، وهذا تأويل المتكلمين ولا يصح تفسير","part":4,"page":178},{"id":1497,"text":"هذه الآية فإن تفسيرها بالوجه الأول يطرق إلى الآية سوء الترتيب وكلام الله منزه عنه.\rالقول الثالث : في تفسير الآية ما ذكره أبو مسلم ، أن المراد من هذه الآية ما كانوا يعلمونه من النسيء ، فإنهم كانوا يخرجون الحج عن وقته الذي عينه الله له فيحرمون الحلال ويحلون الحرام فذكر إتيان البيوت من ظهورها مثل لمخالفة الواجب في الحج وشهوره. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 5 صـ 108}\rوقال العلامة الجصاص : \rوَلَيْسَ يَمْتَنِعُ أَنْ يَكُونَ مُرَادُ اللَّهِ تَعَالَى بِهِ جَمِيعَ ذَلِكَ ، فَيَكُونُ فِيهِ بَيَانُ أَنَّ إتْيَانَ الْبُيُوتِ مِنْ ظُهُورِهَا لَيْسَ بِقُرْبَةٍ إلَى اللَّهِ تَعَالَى ، وَلَا هُوَ مِمَّا شَرَعَهُ وَلَا نَدَبَ إلَيْهِ ، وَيَكُونُ مَعَ ذَلِكَ مَثَلًا أَرْشَدَنَا بِهِ إلَى أَنْ نَأْتِيَ الْأُمُورَ مِنْ مَأْتَاهَا الَّذِي أَمَرَ اللَّهُ تَعَالَى بِهِ وَنَدَبَ إلَيْهِ.","part":4,"page":179},{"id":1498,"text":"وَفِيهِ بَيَانُ أَنَّ مَا لَمْ يَشْرَعْهُ قُرْبَةٌ وَلَا نُدِبَ إلَيْهِ لَا يَصِيرُ قُرْبَةً وَلَا دِينًا بِأَنْ يَتَقَرَّبَ بِهِ مُتَقَرِّبٌ وَيَعْتَقِدَهُ دِينًا وَنَظِيرُهُ مِنْ السُّنَّةِ مَا رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ {نَهْيِهِ عَنْ صَمْتِ يَوْمٍ إلَى اللَّيْلِ ، } {وَأَنَّهُ رَأَى رَجُلًا فِي الشَّمْسِ فَقَالَ : مَا شَأْنُهُ ؟ فَقِيلَ : إنَّهُ نَذَرَ أَنْ يَقُومَ فِي الشَّمْسِ ؛ فَأَمَرَهُ بِأَنْ يَتَحَوَّلَ إلَى الْفَيْءِ} ، وَأَنَّهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ {نَهَى عَنْ الْوِصَالِ} لِأَنَّ اللَّيْلَ لَا صَوْمَ فِيهِ ، فَنَهَى أَنْ يُعْتَقَدَ صَوْمُهُ وَتَرْكُ الْأَكْلِ فِيهِ قُرْبَةٌ ، وَهَذَا كُلُّهُ أَصْلٌ فِي أَنَّ مَنْ نَذَرَ مَا لَيْسَ بِقُرْبَةٍ لَمْ يَلْزَمْهُ بِالنَّذْرِ وَلَا يَصِيرُ قُرْبَةً بِالْإِيجَابِ وَيَدُلُّ أَيْضًا عَلَى أَنَّ مَا لَيْسَ لَهُ أَصْلٌ فِي الْوُجُوبِ وَإِنْ كَانَ قُرْبَةً لَا يَصِيرُ وَاجِبًا بِالنَّذْرِ ، نَحْوَ عِيَادَةِ الْمَرِيضِ وَإِجَابَةِ الدَّعْوَةِ وَالْمَشْيِ إلَى الْمَسْجِدِ وَالْقُعُودِ فِيهِ ، وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.\rأ هـ {أحكام القرآن للجصاص حـ 1 صـ 319}\rوقال الشيخ الطاهر بن عاشور : \r","part":4,"page":180},{"id":1499,"text":"وقد قيل في تفسير الآية وجوه واحتمالات أخرى كلها بعيدة : فقيل إن قوله {وليس البر} مثل ضربه الله لما كانوا يأتونه من النسيء قاله أبو مسلم وفيه بعد حقيقة ومجازاً ومعنى ؛ لأن الآيات خطاب للمسلمين وهم الذين سألوا عن الأهلة ، والنسيء من أحوال أهل الجاهلية ، ولأنه يئول إلى استعارة غير رشيقة ، وقيل : مثل ضرب لسؤالهم عن الأهلة من لا يعلم وأمرهم بتفويض العلم إلى الله وهو بعيد جداً لحصول الجواب من قبل ، وقيل : كانوا ينذرون إذا تعسر عليهم مطلوبهم ألاّ يدخلوا بيوتهم من أبوابها فنهوا عن ذلك وهذا بعيدٌ معنى ، لأن الكلام مع المسلمين وهم لا يفعلون ذلك ، وسَنَداً ، إذ لم يروِ أحد أن هذا سبب النزول. أ هـ {التحرير والتنوير حـ 2 صـ 199}\rسؤال : ما فائدة الباء الزائدة فى قوله تعالى {بأن تأتوا} ؟ \rالجواب : لتأكيد النفي بلَيْس ، ومقتضى تأكيد النفي أنهم كانوا يظنون أن هذا المنفي من البر ظناً قوياً فلذلك كانَ مقتضى حالهم أن يؤكَّد نفيُ هذا الظن.\rأ هـ {التحرير والتنوير حـ 2 صـ 199}\rقوله تعالى : {ولكن البر مَنِ اتقى }\rقال البقاعى : \rولما نفي البر عن ذلك كما نفي في الأول استدرك على نهج الأول فقال : ولكن البر} قال الحرالي : بالرفع والتخفيف استدراكاً لما هو البر وإعراضاً عن الأول ، وبالنصب والتشديد مع الالتفات إلى الأول لمقصد طرحه - انتهى. {من اتقى} فجعل المتقي نفس البر إلهاباً له إلى الإقبال على التقوى لما كانت التقوى حاملة على جميع ما مضى من خلال الإيمان الماضية اكتفى بها.\rولما كان التقدير : فاتقوا فلا تسألوا عما لا يهمكم في دينكم عطف عليه : {وأتوا البيوت من أبوابها} حساً في العمل ومعنى في التلقي ، والباب المدخل للشيء المحاط بحائط يحجزه ويحوطه - قاله الحرالي. وتقدم تعريفه له بغير هذ.\rأ هـ {نظم الدرر حـ 1 صـ 360 ـ 361}\r( بصيرة فى البر ، والبر )\rوقد ورد فى القرآن على أَربعة عشر وجهاً : ","part":4,"page":181},{"id":1500,"text":"الأَوّل : - أَعنى البَرّ - بالفتح - خمس.\rالأَوّل : بمعنى الحَقّ - جَلّ اسمه وعلا - {إِنَّهُ هُوَ الْبَرُّ الرَّحِيمُ}.\rالثَّانى : بمعنى الصّحراءِ ضدّ البَحْر : {ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ}. {وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ} ، {فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ}.\rالثالث : فى مدح يحيى بن زكريا {وَبَرّاً بِوَالِدَيْهِ}.\rالرّابع : فى المسيح عيسى : {وَبَرّاً بِوَالِدَتِي}.\rالخامس : فى ساكنى مَلَكوت السّماءِ : {بِأَيْدِي سَفَرَةٍ كِرَامٍ بَرَرَةٍ}. وأَما البِرّ - بالكسر - فأَربعة : \rالأَوّل بمعنى البارّ : {وَلَاكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ} أَى البارّ.\rالثانى : بمعنى الخير : {لَن تَنَالُواْ الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُواْ مِمَّا تُحِبُّونَ}.\rالثَّالث : بمعنى الطَّاعة : {أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ}.\rالرّابع : بمعنى تصديق اليمين : {وَلاَ تَجْعَلُواْ اللَّهَ عُرْضَةً لأَيْمَانِكُمْ أَن تَبَرُّواْ وَتَتَّقُواْ}.\rوقد جاءَ بمعنى صلة الرّحم {لاَّ يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِّن دِيَارِكُمْ أَن تَبَرُّوهُمْ} أَى تصلوا أَرحامكم.\rوالأَبرار مذكور فى خمسة مواضع : \rالأَوّل : فى صفة الأَخيار ، فى جوار الغفَّار : {كَلاَّ إِنَّ كِتَابَ الأَبْرَارِ لَفِي عِلِّيِّينَ}.\rالثانى : فى صفة نظارتهم على غُرَف دار القرار : {إِنَّ الأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ عَلَى الأَرَآئِكِ يَنظُرُونَ}.\rالثالث : فى مجلس أُنْسهم ، وجاورة المصطفى ، وصحابته الأَخيار : {إِنَّ الأَبْرَارَ يَشْرَبُونَ مِن كَأْسٍ كَانَ مِزَاجُهَا كَافُوراً}.\rالرّابع : فى تقريرهم فى قُبّة القُرْبَة من الله الكريم الستَّار : {وَمَا عِندَ اللَّهِ خَيْرٌ لِّلأَبْرَارِ}.\rالخامس : فى مرافقة بعضم بعضاً يوم الرحيل إِلى دار القرار {وَتَوَفَّنَا مَعَ الأَبْرَارِ}.\r","part":4,"page":182},{"id":1501,"text":"وأَصل الكلمة ومادّتها - أَعنى (ب ر ر) - موضوعة (لخلاف البحر) ، وتُصوّر منه التوسّع ، فاشتُقّ منه البِرّ أَى التوسّع فى فعل الخير. وينسب ذلك تارة إِلى الله تعالى فى نحو {إِنَّه هُو البرُّ الرَّحيمُ} ، وإِلى العبد تارة ، فيقال : برّ العبدُ ربّه ، أَى توسّع فى طاعته. فمن الله تعالى الثواب ومن العبد الطاعةُ. وذلك ضربان : ضرب فى الاعتقاد ، وضرب فى الأَعمال. وقد اشتمل عليهما قولُه تعالى {لَّيْسَ الْبِرَّ أَن تُوَلُّواْ وُجُوهَكُمْ} الآية (وعلى هذا ما روى أَنه صلى الله عليه وسلم سئل عن البرّ فتلا هذه الآية) فإِن الآية متضمّنة للاعتقاد ، ولأَعمال الفرائض ، والنَّوافل. وبِرّ الوالدين : التَّوسُّع فى الإِحسان إِليهما. ويستعمل البِرّ فى الصدق لكونه بعضَ الخير. ويقال : برّ فى قوله ، وفى يمينه ، وحَجّ مبرورُ : مقبول. وجمع البارّ أَبرار ، وبَرَرة. وخصّ الملائكة بالبَرَرة من حيث إِنَّه أَبلغ من الأَبرار ؛ فإِنه جمع بَرّ. والأَبرار جمع بَارٍّ ، وبرٌّ أَبلغ من بارّ ؛ كما أَنَّ عَدْلاً أَبلغ من عادل. والبُرّ معروف وتسميته بذلك لكونه أَوسع ما يُحتاج إِليه فى الغذاءِ. أ هـ {بصائر ذوى التمييز حـ 2 صـ 201}\rقوله تعالى {وأتوا البيوت من أبوابها }\rقال ابن عاشور : \rوقوله : {وأتوا البيوت من أبوابها} معطوف على جملة {وليس البر} عطف الإنشاء على الخبر الذي هو في معنى الإنشاء ؛ لأن قوله : {ليس البر} في معنى النهي عن ذلك فكان كعطف أمر على نهي. أ هـ {التحرير والتنوير حـ 2 صـ 198}\rقوله تعالى {واتقوا الله }\rقال البقاعى : ","part":4,"page":183},{"id":1502,"text":"ولما كان الأمر بالتقوى قد تقدم ضمناً وتلويحاً أتى به دالاً على عظيم جدواها ذكراً وتصريحاً دلالة على التأكيد في تركهم تلك العادة لاقتضاء الحال ذلك لأن من اعتاد شيئاً قلّ ما يتركه وإن تركه طرقه خاطره وقتاً ما فقال : {واتقوا الله} أي الملك الأعظم في كل ما تأتون وما تذرون ووطنوا النفوس واربطوا القلوب على أن جميع أفعاله تعالى حكة وصواب من غير اختلاج شبهة ولا اعتراض شك في ذلك حتى لا يسأل عنه لما في السؤال من الإيهام بمفارقة الشك. أ هـ {نظم الدرر حـ 1 صـ 361}\rكلام نفيس لصاحب روح البيان فى الآية الكريمة","part":4,"page":184},{"id":1503,"text":"فى قوله {وليس البر} الآية إشارة إلى أن لكل شىء سببا ومدخلا لا يمكن الوصول إليه ولا الدخول إلا باتباع ذلك السبب والمدخل كقوله تعالى {وآتيناه من كل شىء سببا فأتبع سببا} فسبب الوصول إلى حضرة الربوبية والمدخل فيها هو التقوى ، وهى اسم جامع لكل بر من أعمال الظاهر وأحوال الباطن والقيام باتباع الموافقات واجتناب المخالفات وتصفية الضمائر ومراقبة السرائر فبقدر السلوك فى مراتب التقوى يكون الوصول إلى حضرة المولى كقوله تعالى {إن أكرمكم عند الله أتقاكم} وقال ـ عليه السلام ـ \" عليكم بتقوى الله فإنه جماع كل خير \" فقوله {وليس البر بان تأتوا البيوت من ظهورها} أى غر مدخلها بمحافظة ظواهر الأعمال من غير رعاية حقوق بواطنها بتقوى الأحوال {ولكن البر من اتقى} أى حق التقوى كقوله تعالى {اتقوا الله حق تقاته} قيل فى معناه أن يطاع فلا يعصى ويذكر فلا ينسى ويشكر فلا يكفر {وائتوا البيوت من أبوابها} أى ادخلوا الأمور من مداخلها ثم ذكر مدخل الوصول وقال {واتقوا الله} أى اتقوا بالله عما سواه يقال فلان اتقى بترسه يعنى : اجعلوا لله محرزكم ومتقاكم ومفركم ومفزعكم ومرجعكم منه إليه كما كان حال النبى ـ عليه السلام ـ يقول \" أعوذ بك منك \" {لعلكم تفلحون} لكى تنجوا وتتخلصوا من مهالك النفوس باعانة الملك القدوس. أ هـ {روح البيان حـ 1 صـ 379}\rقوله تعالى {لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ }\rقال البقاعى : ","part":4,"page":185},{"id":1504,"text":"{ لعلكم تفلحون} أي لتكون حالكم حال من يرجى دوام التجدد لفلاحه وهو ظفره بجميع مطالبه من البر وغيره ، فقد دل سياق الآية على كراهة هذا السؤال ؛ وذكر الحرالي أن أكثر ما يقع فيه سؤال يكون مما ألبس فتنة أو شرب محنة أو أعقب بعقوبة ولذلك قال تعالى : {لا تسألوا عن أشياء} [المائدة : 101] وكره رسول الله صلى الله عليه وسلم المسائل وعابها وقال : \" دعوني ما تركتكم فإنما أهلك من كان قبلكم كثرة سؤالهم \" الحديث ومنه كره الرأي وتكلف توليد المسائل لأنه شغل عن علم التأصيل وتعرض لوقوعه كالذي سأل عن الرجل يبتلي في أهله فابتلى به ، ويقال : كثرة توليد مسائل السهو أوقع فيه. أ هـ {نظم الدرر حـ 1 صـ 361}\rقوله تعالى : {وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ (190)}\rمناسبة الآية لما قبلها\rقال البقاعى : \rقال الحرالى : هذه الآية {يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ} كالجامعة الموطئة لما ذكر بعدها من أمر توقيت القتال الذي كانوا عليه كما كان من أمر الجاهلية حكم التحرج من القتال في الأشهر الحرم والتساهل فيه في أشهر الحل مع كونه عدوى بغير حكم حق فكان فيه عمل بالفساد وسفك الدماء - انتهى وفيه تصرف. فمحا سبحانه ما أصلوه من ذلك بما شرعه من أمر القتال لكونه جهاداً فيه لحظ من حظوظ الدنيا.","part":4,"page":186},{"id":1505,"text":"ولما ذكر سبحانه الحج في هذه السورة المدنية وكان سبيله إذ ذاك ممنوعاً عن أهل الإسلام بأهل الحرب الذين أخرجوهم من بلدهم ومنعوهم من المسجد الذي هم أحق به من غيرهم وكان الحج من الجهاد وكان كل من الصوم والجهاد تخلياً من الدنيا \" سياحة أمتي الصوم ، ورهبانية أمتي الجهاد \" وكانت أمهات العبادات موقتة وهي الصلاة والزكاة والصوم والحج وغير موقتة وهي الذكر والجهاد وهو قتال أهل الحرب خلافاً لما كان عند أهل الجاهلية من توقيته مكاناً بغير الحرم وزماناً بغير الأشهر الحرم وكان القتال في الأشهر الحرم وفي الحرم في غاية المنع فكيف عند المسجد وكان سبحانه قد ذكر العبادات الموقتة أتبعها بغير الموقتة وهي الجهاد الذي هو حظيرة الموقتة الذي لا سلامة لها بدونه التفاتاً إلى الظالمين بالمنع عن المسجد الحرام والإخراج منه فأمر بأن يفعل معهم مثل ما فعلوا من القتال والإخراج فعل الحكيم الذي يوصي بالشيء العظيم فهو يلقيه بالتدريج في أساليب البلاغة وأفانين البيان تشويقاً إليه وتحريضاً عليه بعد أن أشار لأهل هذا الدين أولاً بأنه يخزي ظالميهم وثانياً بأن المقتول منهم حي يرزق وثالثاً بمدحهم على الصبر في مواطن البأس بأنهم الذين صدقوا وأنهم المتقون فلما شوقهم إلى جهاد أهل البغي والعناد ألزمهم القتال بصيغة الأمر لتيسير باب الحج الذي افترضه وسبيله ممنوع بأهل الحرب فقال تعالى وقيل : إنها أول آية نزلت في القتال ، قاله الأصبهاني : {وقاتلوا في سبيل الله} أي الذي لا كفوء له إشعاراً بذكره على سبيل الإطلاق بعد الموقت بالهلال إلى أنه غير موقت به. قال الحرالي : من حيث إنه حظيرة على دين الإسلام المقيد بالمواقيت من حيث إن الإسلام عمل يقيده الوقت ، والدفع عنه أمر لا يقيده وقت بل أيان طرق الضر لبناء الإسلام دفع عنه كما هو حكم الدفع في الأمور الدينية ، فكانت الصلاة لمواقيت اليوم والليلة ، والصوم والحج لمواقيت الأهلة ، والزكاة","part":4,"page":187},{"id":1506,"text":"لميقات الشمس ، والجهاد لمطلق الميقات حيث ما وقع من مكان وزمان ناظراً بوجه ما لما يقابله من عمود الإسلام الذي هو ذكر كلمة الإخلاص وهي لا إله إلا الله على الدوام {يا أيها الذين آمنوا اذكروا الله ذكراً كثيراً} [الأحزاب : 41] {فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم} [التوبة : 5] انتهى. وقال {الذين يقاتلونكم} أي من شأنهم قتالكم لا من ليس شأنه ذلك كالصبيان ؛ وفيه إشعار بأن القتال عن سبب المقاتلة فهو مما يفعل عن سبب لا مما يفعل لوقت ، وصيغة المضارع لم يقصد بها إلا صدور الفعل من غير نظر إلى زمان مخصوص كما قالوه في أمثاله.\rولما كان الله سبحانه وتعالى قد أوجب العدل في كل شيء حتى في حق أعدائه قال : {ولا تعتدوا} فنظم ذلك ابتداء القتال لمن لم يبح له ابتداءه به إما بعهد أو بغير دعوة لمن لم يبلغه أمر الدين أو بغير ذلك من أنواع الخيانة والغدر وقتل النساء والصبيان والشيوخ الفانين الذين لا منعة فيهم ولا رأي لهم ، ودوام القتال لمن ألقى السلم بعد الابتداء به ، فحذف المتعلق اختصاراً فأفاد زيادة المعنى وهو من غريب أفانين البلاغة وكأنه أفهم بصيغة الافتعال التقييد بالتعمد ، ثم علل ذلك بقوله : {إن الله} أي لما له من صفات الكمال {لا يحب المعتدين} مطلقاً في هذا وغيره ، أي لا يفعل بهم من الخير فعل المحب. أ هـ {نظم الدرر حـ 1 صـ 362}\rوقال الفخر : ","part":4,"page":188},{"id":1507,"text":"إنه تعالى أمر بالاستقامة في الآية المتقدمة بالتقوى في طريق معرفة الله تعالى فقال : {وَلَيْسَ البر بِأَن تَأْتُواْ البيوت مِن ظُهُورِهَا ولكن البر مَنِ اتقى وَأْتُواْ البيوت مِنْ أبوابها} [البقرة : 189] وأمر بالتقوى في طريق طاعة الله ، وهو عبارة عن ترك المحظورات وفعل الواجبات فالاستقامة علم ، والتقوى عمل ، وليس التكليف إلا في هذين ، ثم لما أمر في هذه الآية بأشد أقسام التقوى وأشقها على النفس ، وهو قتل أعداء الله فقال : {وقاتلوا فِي سَبِيلِ الله }.أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 5 صـ 109}\rسبب النزول\rقال الفخر : \rفي سبب النزول قولان الأول : قال الربيع وابن زيد : هذه الآية أول آية نزلت في القتال ، فلما نزلت كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقاتل من قاتل ، ويكف عن قتال من تركه ، وبقي على هذه الحالة إلى أن نزل قوله تعالى : {اقتلوا المشركين} [التوبة : 5].\rوالقول الثاني : أنه عليه الصلاة والسلام خرج بأصحابه لإرادة الحج ونزل الحديبية وهو موضع كثير الشجر والماء فصدهم المشركون عن دخول البيت فأقام شهراً لا يقدر على ذلك ثم صالحوه على أن يرجع ذلك العام ويعود إليهم في العام القابل ، ويتركون له مكة ثلاثة أيام حتى يطوف وينحر الهدي ويفعل ما شاء ، فرضي رسول الله صلى الله عليه وسلم بذلك وصالحهم عليه ، ثم عاد إلى المدينة وتجهز في السنة القابلة ، ثم خاف أصحابه من قريش أن لا يفوا بالوعد ويصدوهم عن المسجد الحرام وأن يقاتلوهم ، وكانوا كارهين لمقاتلتهم في الشهر الحرام وفي الحرم ، فأنزل الله تعالى هذه الآيات ، وبين لهم كيفية المقاتلة إن احتاجوا إليها ، فقال : {وقاتلوا فِي سَبِيلِ الله }. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 5 صـ 109}\rوقال القرطبى : ","part":4,"page":189},{"id":1508,"text":"والصحيح أنه خطاب لجميع المسلمين ؛ أمر كلّ أحد أن يقاتل من قاتله إذ لا يمكن سواه. ألا تراه كيف بيّنها في سورة \"براءة\" بقوله : {قَاتِلُواْ الذين يَلُونَكُمْ مِّنَ الكفار} [التوبة : 123] وذلك أن المقصود أوّلاً كان أهل مكة فتعيّنت البداءة بهم ؛ فلما فتح الله مكة كان القتال لمن يلي ممن كان يؤذي حتى تعمّ الدعوة وتبلغ الكلمة جميع الآفاق ولا يبقى أحد من الكفرة ، وذلك باقٍ متمادٍ إلى يوم القيامة ، ممتدٌّ إلى غايةٍ هي قوله عليه السلام : \" الخيل معقود في نواصيها الخير إلى يوم القيامة الأَجْرُ والمَغْنَم \" وقيل : غايته نزول عيسى بن مريم عليه السلام ، وهو موافق للحديث الذي قبله ؛ لأن نزوله من أشراط الساعة. أ هـ {تفسير القرطبى حـ 2 صـ 350}\rفائدة لغوية\rوالمقاتلة مفاعلة وهي حصول الفعل من جانبين ، ولما كان فعلها وهو القتل لا يمكن حصوله من جانبين ؛ لأن أحد الجانبين إذا قتل لم يستطع أن يَقْتل كانت المفاعلة في هذه المادة بمعنى مفاعلة أسباب القتل أي المحاربة ، فقوله {وقاتلوا} بمعنى وحاربوا والقتال الحرب بجميع أحوالها من هجوم ومنع سبل وحصار وإغارة واستيلاء على بلاد أو حصون.\rوإذا أسندت المفاعلة إلى أحد فاعلَيْها فالمقصود أنه هو المبتدىء بالفعل ، ولهذا قال تعالى : {وقاتلوا في سبيل الله} فجعل فاعل المفاعلة المسلمين ثم قال : {الذين يقاتلونكم} فجعل فاعله ضمير عدوهم ، فلزم أن يكون المراد دافعوا الذين يبتدئونكم.","part":4,"page":190},{"id":1509,"text":"والمراد بالمبادأة دلائل القصد للحرب بحيث يتبين المسلمون أن الأعداء خرجوا لحربهم وليس المراد حتى يضربوا ويهجموا ؛ لأن تلك الحالة يفوت على المسلمين تداركها ، وهذا الحكم عام في الأشخاص لا محالة ، وعموم الأشخاص يستلزم عموم الأحوال والأمكنة والأزمنة على رأي المحققين ، أو هو مطلق في الأحوال والأزمنة والبقاع ، ولهذا قال تعالى بعد ذلك : {ولا تقاتلوهم عند المسجد الحرام حتى يقاتلونكم فيه} [البقرة : 191] تخصيصاً أو تقييداً ببعض البقاع. أ هـ {التحرير والتنوير حـ 2 صـ 201}\rفائدة\rقال العلامة ابن العربى : \rإنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ بَعَثَ نَبِيَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالْبَيَانِ وَالْحُجَّةِ ، وَأَوْعَزَ إلَى عِبَادِهِ عَلَى لِسَانِهِ بِالْمُعْجِزَةِ وَالتَّذْكِرَةِ ، وَفَسَّحَ لَهُمْ فِي الْمَهْلِ ، وَأَرْخَى لَهُمْ فِي الطِّيَلِ مَا شَاءَ مِنْ الْمُدَّةِ بِمَا اقْتَضَتْهُ الْمَقَادِيرُ الَّتِي أَنْفَذهَا ، وَاسْتَمَرَّتْ بِهِ الْحِكْمَةُ ، وَالْكُفَّارُ يُقَابِلُونَهُ بِالْجُحُودِ وَالْإِنْكَارِ ، وَيَتَعَمَّدُونَهُ وَأَصْحَابَهُ بِالْعَدَاوَةِ وَالْإِذَايَةِ ، وَالْبَارِئُ سُبْحَانَهُ يَأْمُرُ نَبِيَّهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ وَأَصْحَابَهُ بِاحْتِمَالِ الْأَذَى وَالصَّبْرِ عَلَى الْمَكْرُوهِ ، وَيَأْمُرُهُمْ بِالْإِعْرَاضِ تَارَةً وَبِالْعَفْوِ وَالصَّفْحِ أُخْرَى ، حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ ، إلَى أَنْ أَذِنَ اللَّهُ تَعَالَى لَهُمْ فِي الْقِتَالِ.","part":4,"page":191},{"id":1510,"text":"فَقِيلَ : إنَّهُ أَنْزَلَ عَلَى رَسُولِهِ : {أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا} وَهِيَ أَوَّلُ آيَةٍ نَزَلَتْ ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ أَحَدٌ قَاتَلَ ، وَلَكِنْ مَعْنَاهُ أُذِنَ لِلَّذِينَ يَعْلَمُونَ أَنَّ الْكُفَّارَ يَعْتَقِدُونَ قِتَالَهُمْ وَقَتْلَهُمْ بِأَنْ يُقَاتِلُوهُمْ عَلَى اخْتِلَافِ الْقِرَاءَتَيْنِ ، ثُمَّ صَارَ بَعْدَ ذَلِكَ فَرْضًا ، فَقَالَ تَعَالَى : {وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ}.\rثُمَّ أَمَرَ بِقِتَالِ الْكُلِّ ، فَقَالَ : {فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ} الْآيَةَ ، وَقِيلَ : إنَّ هَذِهِ الْآيَةَ أَوَّلُ آيَةٍ نَزَلَتْ.\rوَالصَّحِيحُ مَا رَتَّبْنَاهُ ؛ لِأَنَّ آيَةَ الْإِذْنِ فِي الْقِتَالِ مَكِّيَّةٌ ، وَهَذِهِ الْآيَةُ مَدَنِيَّةٌ مُتَأَخِّرَةٌ. أ هـ {أحكام القرآن لابن العربى حـ 1 صـ 144}\rوقال العلامة الجصاص : \rبَابُ فَرْضِ الْجِهَادِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : {وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ} قَالَ أَبُو بَكْرٍ : لَمْ تَخْتَلِفْ الْأُمَّةُ أَنَّ الْقِتَالَ كَانَ مَحْظُورًا قَبْلَ الْهِجْرَةِ بِقَوْلِهِ : {ادْفَعْ بِاَلَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ وَمَا يُلَقَّاهَا إلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ} وَقَوْلِهِ : {فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاصْفَحْ} وَقَوْلِهِ : {وَجَادِلْهُمْ بِاَلَّتِي هِيَ أَحْسَنُ} وَقَوْلِهِ : {فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ وَعَلَيْنَا الْحِسَابُ} وَقَوْلِهِ : {وَإِذَا خَاطَبَهُمْ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا}.","part":4,"page":192},{"id":1511,"text":"وَرَوَى عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ ، عَنْ عِكْرِمَةَ ، عَنْ ابْن عَبَّاسٍ ، أَنَّ {عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ وَأَصْحَابًا لَهُ كَانَتْ أَمْوَالُهُمْ بِمَكَّةَ فَقَالُوا : يَا رَسُولَ اللَّهِ كُنَّا فِي عِزَّةٍ وَنَحْنُ مُشْرِكُونَ فَلَمَّا آمَنَّا صِرْنَا أَذِلَّاءَ ، فَقَالَ عَلَيْهِ السَّلَامُ : إنِّي أُمِرْتُ بِالْعَفْوِ فَلَا تُقَاتِلُوا الْقَوْمَ} فَلَمَّا حَوَّلَهُ إلَى الْمَدِينَةِ أُمِرُوا بِالْقِتَالِ فَكُفُّوا ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ : {أَلَمْ تَرَ إلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمْ الْقِتَالُ إذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَخْشَوْنَ النَّاسَ}.\rوَحَدَّثَنَا جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْوَاسِطِيُّ قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو الْفَضْلِ جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ بْنِ الْيَمَانِ قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو عُبَيْدٍ قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ صَالِحٍ ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ عَزَّ وَجَلَّ : {لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ} وَقَوْلِهِ : {وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِجَبَّارٍ} وَقَوْلِهِ : {فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاصْفَحْ} وَقَوْلِهِ : {قُلْ لِلَّذِينَ آمَنُوا يَغْفِرُوا لِلَّذِينَ لَا يَرْجُونَ أَيَّامَ اللَّهِ} قَالَ : نَسَخَ هَذَا كُلَّهُ قَوْله تَعَالَى : {فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ} وقَوْله تَعَالَى : {قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاَللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ} إلَى قَوْلِهِ : {صَاغِرُونَ }.\r","part":4,"page":193},{"id":1512,"text":"وَقَدْ اخْتَلَفَ السَّلَفُ فِي أَوَّلِ آيَةٍ نَزَلَتْ فِي الْقِتَالِ ، فَرُوِيَ عَنْ الرَّبِيعِ بْنِ أَنَسٍ وَغَيْرِهِ أَنَّ قَوْلَهُ : {وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ} أَوَّلُ آيَةٍ نَزَلَتْ.\rوَرُوِيَ عَنْ جَمَاعَةٍ آخَرِينَ ، مِنْهُمْ أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ وَالزُّهْرِيُّ وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ : أَنَّ أَوَّلَ آيَةٍ نَزَلَتْ فِي الْقِتَالِ {أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا} الْآيَةُ ؛ وَجَائِزٌ أَنْ يَكُونَ {وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ} أَوَّلَ آيَةٍ نَزَلَتْ فِي إبَاحَةِ قِتَالِ مَنْ قَاتَلَهُمْ ، وَالثَّانِيَةُ فِي الْإِذْنِ فِي الْقِتَالِ عَامَّةٌ لِمَنْ قَاتَلَهُمْ وَمَنْ لَمْ يُقَاتِلْهُمْ مِنْ الْمُشْرِكِينَ.\r","part":4,"page":194},{"id":1513,"text":"وَقَدْ اُخْتُلِفَ فِي مَعْنَى قَوْلِهِ : {وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ} فَقَالَ الرَّبِيعُ بْنُ أَنَسٍ : \" هِيَ أَوَّلُ آيَةٍ نَزَلَتْ فِي الْقِتَالِ بِالْمَدِينَةِ ، {وَكَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَعْدَ ذَلِكَ يُقَاتِلُ مَنْ قَاتَلَهُ مِنْ الْمُشْرِكِينَ وَيَكُفُّ عَمَّنْ كَفَّ عَنْهُ إلَى أَنْ أُمِرَ بِقِتَالِ الْجَمِيعِ} ، قَالَ أَبُو بَكْرٍ : وَهُوَ عِنْدَهُ بِمَنْزِلَةِ قَوْلِهِ : {فَمَنْ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ} وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ الزُّبَيْرِ أُمِرَ أَبُو بَكْرٍ بِقِتَالِ الشَّمَامِسَةِ لِأَنَّهُمْ يَشْهَدُونَ الْقِتَالَ وَأَنَّ الرُّهْبَانَ مِنْ رَأْيِهِمْ أَنْ لَا يُقَاتِلُوا ، فَأَمَرَ أَبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنْهُ بِأَنْ لَا يُقَاتَلُوا \" وَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : {وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ} فَكَانَتْ الْآيَةُ عَلَى تَأْوِيلِهِ ثَابِتَةَ الْحُكْمِ لَيْسَ فِيهَا نَسْخٌ ، وَعَلَى قَوْلِ الرَّبِيعِ بْنِ أَنَسٍ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَالْمُسْلِمِينَ كَانُوا مَأْمُورِينَ بَعْدَ نُزُولِ الْآيَةِ بِقِتَالِ مَنْ قَاتَلَ دُونَ مَنْ كَفَّ ، سَوَاءٌ كَانَ مِمَّنْ يَتَدَيَّنُ بِالْقِتَالِ أَوْ لَا يَتَدَيَّنُ.\r","part":4,"page":195},{"id":1514,"text":"وَرُوِيَ عَنْ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ فِي قَوْلِهِ : {وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ} أَنَّهُ فِي النِّسَاءِ وَالذُّرِّيَّةِ وَمَنْ لَمْ يَنْصِبْ لَكَ الْحَرْبَ مِنْهُمْ ، كَأَنَّهُ ذَهَبَ إلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِهِ مَنْ لَمْ يَكُنْ مِنْ أَهْلِ الْقِتَالِ فِي الْأَغْلَبِ لِضَعْفِهِ وَعَجْزِهِ ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ حَالُ النِّسَاءِ وَالذُّرِّيَّةِ ؛ وَقَدْ رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي آثَارٍ شَائِعَةٍ النَّهْيُ عَنْ قَتْلِ النِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ.\rوَرُوِيَ عَنْهُ أَيْضًا النَّهْيُ عَنْ قَتْلِ أَصْحَابِ الصَّوَامِع رَوَاهُ دَاوُد بْنُ الْحُصَيْنِ عَنْ عِكْرِمَةَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَإِنْ كَانَ مَعْنَى الْآيَةِ عَلَى مَا قَالَ الرَّبِيعُ\r","part":4,"page":196},{"id":1515,"text":"بْنُ أَنَسٍ أَنَّهُ أُمِرَ فِيهَا بِقِتَالِ مَنْ قَاتَلَ وَالْكَفِّ عَمَّنْ لَا يُقَاتِلُ ، فَإِنَّ قَوْلَهُ : {قَاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنْ الْكُفَّارِ} نَاسِخٌ لِمَنْ يَلِي ، وَحُكْمُ الْآيَةِ كَانَ بَاقِيًا فِيمَنْ لَا يَلِيَنَا مِنْهُمْ ، ثُمَّ لَمَّا نَزَلَ قَوْلُهُ : {وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ وَأَخْرِجُوهُمْ مِنْ حَيْثُ أَخْرَجُوكُمْ} إلَى قَوْلِهِ : {وَلَا تُقَاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ} فَكَانَ ذَلِكَ أَعَمَّ مِنْ الْأَوَّلِ الَّذِي فِيهِ الْأَمْرُ بِقِتَالِ مَنْ يَلِيَنَا دُونَ مَنْ لَا يَلِيَنَا ، إلَّا أَنَّ فِيهِ ضَرْبًا مِنْ التَّخْصِيصِ بِحَظْرِهِ الْقِتَالَ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إلَّا عَلَى شَرْطِ أَنْ يُقَاتِلُونَا فِيهِ بِقَوْلِهِ : {وَلَا تُقَاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ حَتَّى يُقَاتِلُوكُمْ فِيهِ فَإِنْ قَاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ} ثُمَّ أَنْزَلَ اللَّهُ فَرْضَ قِتَالِ الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً بِقَوْلِهِ : {وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَافَّةً} وَقَوْلُهُ : {كُتِبَ عَلَيْكُمْ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ} وقَوْله تَعَالَى : {فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ} فَمِنْ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ إنَّ قَوْلَهُ : {وَلَا تُقَاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ} مَنْسُوخٌ بِقَوْلِهِ : {فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ} ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ : هَذَا الْحُكْمُ ثَابِتٌ ، لَا يُقَاتَلُ فِي الْحَرَمِ إلَّا مَنْ قَاتَلَ ، وَيُؤَيِّدُ ذَلِكَ مَا رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ يَوْمَ فَتْحِ مَكَّةَ : {إنَّ مَكَّةَ حَرَامٌ حَرَّمَهَا اللَّهُ يَوْمَ","part":4,"page":197},{"id":1516,"text":"خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ فَإِنْ تَرَخَّصَ مُتَرَخِّصٌ بِقِتَالِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِيهَا ، فَإِنَّمَا أُحِلَّتْ لَهُ سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ ثُمَّ عَادَتْ حَرَامًا إلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ} فَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّ حُكْمَ الْآيَةِ بَاقٍ غَيْرُ مَنْسُوخٍ وَأَنَّهُ لَا يَحِلُّ أَنْ نَبْتَدِئَ فِيهَا بِالْقِتَالِ لِمَنْ لَمْ يُقَاتِلْ ، وَقَدْ كَانَ الْقِتَالُ مَحْظُورًا فِي الشَّهْرِ الْحَرَامِ بِقَوْلِهِ : {يَسْأَلُونَكَ عَنْ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ وَصَدٌّ} ، ثُمَّ نَسَخَ بِقَوْلِهِ {فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ} ، وَمِنْ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ : هُوَ غَيْرُ مَنْسُوخٍ وَالْحَظْرُ بَاقٍ. أ هـ {أحكام القرآن للجصاص حـ 1 صـ 321}\rقوله تعالى : {وقاتلوا فِي سَبِيلِ الله }\rقال الفخر : \r{ وقاتلوا فِي سَبِيلِ الله} أي في طاعته وطلب رضوانه ، روى أبو موسى أن النبي صلى الله عليه وسلم سئل عمن يقاتل في سبيل الله ، فقال : \" هو من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا ، ولا يقاتل رياء ولا سمعة \". أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 5 صـ 109}\rوقال صاحب الميزان : \rقوله تعالى : {وقاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم} ، القتال محاولة الرجل قتل من يحاول قتله ، وكونه في سبيل الله إنما هو لكون الغرض منه إقامة الدين وإعلاء كلمة التوحيد ، فهو عبادة يقصد بها وجه الله تعالى دون الاستيلاء على أموال الناس وأعراضهم فإنما هو في الإسلام دفاع يحفظ به حق الإنسانية المشروعة عند الفطرة السليمة كما سنبينه ، فإن الدفاع محدود بالذات ، والتعدي خروج عن الحد ، ولذلك عقبه بقوله تعالى : {ولا تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين}. أ هـ {الميزان حـ 2 صـ 61ـ }\rوقال العلامة ابن عادل : ","part":4,"page":198},{"id":1517,"text":"قوله تعالى : {فِي سَبِيلِ الله} متعلَّقٌ بـ \" قاتلوا \" على أحد معنيين : إمَّا أن تقدِّر مضافاً ، أي : في نصرةِ سبيلِ الله تعالى ، والمرادُ بالسبيلِ : دينُ الله ، لأنَّ السبيلَ في الأصل هو الطريقُ ، فُتُجوِّزَ به عن الدِّين ، لمَّا كان طريقاً إلى الله تعالى روى أبو موسى : أنَّ النبي - صلى الله عليه وسلم وشَرَّف ، ومجَّد ، وكَرَّم ، وبَجَّل ، وعَظَّم - سُئِلَ عمَّن يُقاتِلُ في سبيل الله تعالى ، فقال : \" مَنْ قاتل ؛ لتكون كلمةُ الله هي العُليا ، ولا يُقاتل رياءً ولا سمعةً ؛ وهو في سبيل الله \"\rوإمَّا أن تُضَمِّن \" قَاتِلُوا \" معنى بالِغوا في القتالِ في نصرةِ دِينِ اللِه تعالى ، \" والَّذِيِنَ يُقَاتِلُونَكُم \" مفعول \" قاتلوا \". أ هـ {تفسير ابن عادل حـ 3 صـ 339 ـ 340}\rفائدة\rعبارة (فِي سَبِيلِ الله) توضّح الهدف الأساسي من الحرب في المفهوم الإسلامي ، فالحرب ليست للانتقام ولا للعلوّ في الأرض والتزعم ، ولا للاستيلاء على الأراضي ، ولا للحصول على الغنائم... فهذا كلّه مرفوض في نظر الإسلام. حمل السلاح إنّما يصحّ حينما يكون في سبيل الله وفي سبيل نشر أحكام الله ، أي نشر الحقّ والعدالة والتوحيد واقتلاع جذور الظلم والفساد والانحراف.\rوهذه هي الميزة التي تميّز الحروب الإسلامية عن سائر الحروب في العالم ، وهذا الهدف المقدّس يضع بصماته على جميع أبعاد الحرب في الإسلام ويصبغ كيفيّة الحرب وكميّتها ونوع السلاح والتعامل مع الاسرى وأمثال ذلك بصبغة \"في سبيل الله\".","part":4,"page":199},{"id":1518,"text":"والحرب في الإسلام لله وفي سبيل الله ، ولا يجوز أن يكون في سبيل الله اعتداء ولا عدوان. لذلك يوصي الإسلام برعاية كثير من الأُصول الخلقية في الحرب ، وهو ما تفتقر إليه حروب عصرنا أشدّ الإفتقار. يوصي مثلاً بعدم الإعتداء على المستسلمين وعلى من فقدوا القدرة على الحرب ، أوليست لديهم أصلاً قدرة على الحرب كالشيوخ والنساء والأطفال ، وهكذا يجب عدم التعرّض للمزارع والبساتين ، وعدم اللجوء إلى المواد السامة لتسميم مياه شرب العدوّ كالسائد اليوم في الحروب الكيمياوية والجرثوميّة.\rوعلى هذا الأساس لا يكون الجهاد في الإسلام لغرض التسلّط على البلدان والفتوحات ، وليس لغرض تحصيل الغنائم ، ولا بهدف تملّك الأسواق للتّجارة أو السيطرة على ثروات ومعادن البلدان الأخرى ، أو من أجل غلبة العنصر القومي على آخر.\rفالهدف هو أحد أمور ثلاثة : إزالة الفتن والفوضى الّتي تؤدّي إلى سلب حريّة الناس وأمنهم ، وكذلك محو آثار الشرك وعبادة الأوثان ، وأيضاً التصدّي للظّالمين والمعتدين والدفاع عن المظلومين. أ هـ بتصرف يسير. {الأمثل حـ 2 صـ 16 ـ 25}\rقوله تعالى : {الذين يقاتلونكم }\rقال الفخر : \rاختلفوا في المراد بقوله : {الذين يقاتلونكم} على وجوه أحدها : وهو قول ابن عباس ، المراد منه : قاتلوا الذين يقاتلونكم إما على وجه الدفع عن الحج ، أو على وجه المقاتلة ابتداء ، وهذا الوجه موافق لما رويناه عن ابن عباس في سبب نزول هذه الآية\rوثانيها : قاتلوا كل من له قدرة وأهلية على القتال\r","part":4,"page":200},{"id":1519,"text":"وثالثها : قاتلوا كل من له قدرة على القتال وأهلية كذلك سوى من جنح للسلم ، قال تعالى : {وَإِن جَنَحُواْ لِلسَّلْمِ فاجنح لَهَا} [الأنفال : 61] واعلم أن القول الأول أقرب إلى الظاهر لأن ظاهر قوله تعالى : {الذين يقاتلونكم} يقتضي كونهم فاعلين للقتال ، فأما المستعد للقتال والمتأهل له قبل إقدامه عليه ، فإنه لا يوصف بكونه مقاتلاً إلا على سبيل المجاز. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 5 صـ 109}\rقوله تعالى : {وَلا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ}\rقال ابن كثير :\rوقوله : {وَلا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ} أي : قاتلوا في سبيل الله ولا تعتدوا في ذلك ويدخل في ذلك ارتكاب المناهي -كما قاله الحسن البصري -من المَثُلة ، والغُلُول ، وقتل النساء والصبيان والشيوخ الذين لا رأي لهم ولا قتال فيهم ، والرهبان وأصحاب الصوامع ، وتحريق الأشجار وقتل الحيوان لغير مصلحة ، كما قال ذلك ابن عباس ، وعمر بن عبد العزيز ، ومقاتل بن حيان ، وغيرهم. ولهذا جاء في صحيح مسلم ، عن بُرَيدة أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقول : \"اغزوا في سبيل الله ، قاتلوا من كفر بالله ، اغزوا ولا تَغُلّوا ، ولا تَغْدروا ، ولا تُمَثِّلُوا ، ولا تقتلوا وليدًا ، ولا أصحاب الصوامع\". رواه الإمام أحمد.\rوعن ابن عباس قال : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا بَعَث جيوشه قال : \"اخرجوا بسم الله ، قاتلوا في سبيل الله من كفر بالله ، لا تغدروا ولا تغلوا ، ولا تُمَثلوا ، ولا تقتلوا الولدان ولا أصحاب الصّوامع\". رواه الإمام أحمد.\rولأبي داود ، عن أنس مرفوعًا ، نحوه.\rوفي الصحيحين عن ابن عمر قال : وجُدت امرأة في بعض مغازي النبيّ صلى الله عليه وسلم مقتولة ، فأنكر رسولُ الله صلى الله عليه وسلم قتلَ النساء والصبيان.","part":4,"page":201},{"id":1520,"text":"وقال الإمام أحمد : حدثنا مُصعب بن سَلام ، حدثنا الأجلح ، عن قيس بن أبي مسلم ، عن رِبْعي ابن حِرَاش ، قال : سمعت حُذَيفة يقول : ضرب لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أمثالا واحدًا ، وثلاثة ، وخمسة ، وسبعة ، وتسعة ، وأحدَ عشَرَ ، فضرب لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم منها مثلا وترك سائرَها ، قال : \"إن قومًا كانوا أهلَ ضَعْف ومسكنة ، قاتلهم أهلُ تجبر وعداء ، فأظهر الله أهل الضعف عليهم ، فعمدوا إلى عَدُوهم فاستعملوهم وسلطوهم فأسخطوا الله عليهم إلى يوم يلقونه\".\rهذا حديث حَسَنُ الإسناد. ومعناه : أن هؤلاء الضعفاء لما قدروا على الأقوياء ، فاعتَدوا عليهم واستعملوهم فيما لا يليق بهم ، أسخطوا الله عليهم بسبب هذا الاعتداء. والأحاديث والآثار في هذا كثيرة جدًا. أ هـ {تفسير ابن كثير حـ 1 صـ 534}\rقال القرطبى : \rوالقتال لا يكون في النساء ولا في الصبيان ومن أشبههم ، كالرُّهبان والزَّمْنَى والشيوخ والأجراء فلا يُقتلون. وبهذا أوصى أبو بكر الصديق رضي الله عنه يزيد بن أبي سفيان حين أرسله إلى الشام ؛ إلا أن يكون لهؤلاء إذاية ؛ أخرجه مالك وغيره ، وللعلماء فيهم صُوَر ستّ : \rالأولى : النساء إن قاتلن قُتِلْن ؛ قال سُحْنون : في حالة المقاتلة وبعدها ، لعموم قوله : {وَقَاتِلُواْ فِي سَبِيلِ الله الذين يُقَاتِلُونَكُمْ} ، {واقتلوهم حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُم}\r[ البقرة : 191]. وللمرأة آثار عظيمة في القتال ، منها الإمداد بالأموال ، ومنها التحريض على القتال ، وقد يخرجن ناشرات شعورهن نادبات مثيرات معيِّرات بالفرار ، وذلك يبيح قتلهن ؛ غير أنهن إذا حصلن في الأسر فالاسترقاق أنفع لسرعة إسلامهن ورجوعهن عن أديانهن ، وتعذّر فرارهن إلى أوطانهن بخلاف الرجال.\rالثانية : الصبيان فلا يُقتلون للنّهي الثابت عن قتل الذرّية ، ولأنه لا تكليف عليهم ؛ فإن قاتل (الصبيُّ) قُتل.","part":4,"page":202},{"id":1521,"text":"الثالثة : الرُّهبان لا يُقتلون ولا يُسترقّون ، بل يُترك لهم ما يعيشون به من أموالهم ، وهذا إذا انفردوا عن أهل الكفر ، لقول أبي بكر ليزيد : \"وستَجِد أقواماً زعموا أنهم حَبَسوا أنفسهم لله ، فذرْهم وما زعموا أنهم حَبَسُوا أنفسهم له\" فإن كانوا مع الكفار في الكنائس قُتلوا. ولو ترّهبت المرأة فروَى أشهب أنها لا تُهاج. وقال سُحْنون : لا يغيّر الترهُّب حكمها. قال القاضي أبو بكر بن العربي : \"والصحيح عندي رواية أشهب ، لأنها داخلة تحت قوله : فذرهم وما حَبَسُوا أنفسهم له\".\rالرابعة : الزَّمْنَى. قال سُحْنون : يُقتلون. وقال ابن حبيب : لا يُقتلون. والصحيح أن تُعتبر أحوالهم ؛ فإن كانت فيهم إذاية قُتلوا ، وإلا تُركوا وما هم بسبيله من الزَّمانة وصاروا مالا على حالهم وحشوة.\rالخامسة : الشيوخ. قال مالك في كتاب محمد : لا يُقتلون. والذي عليه جمهور الفقهاء : إن كان شيخاً كبيراً هرِماً لا يُطيق القتال ، ولا يُنتفع به في رأيٍ ولا مدافعة فإنه لا يُقتل ؛ وبه قال مالك وأبو حنيفة. وللشافعي قولان : أحدهما : مثل قول الجماعة. والثاني : يُقتل هو والراهب. والصحيح الأوّل لقول أبي بكر ليزيد ؛ ولا مخالف له فثبت أنه إجماع. وأيضاً فإنه ممن لا يُقاتِل ولا يعين العدوّ فلا يجوز قتله كالمرأة ، وأمّا إن كان ممن تخشى مضرته بالحرب أو الرأي أو المال فهذا إذا أُسِر يكون الإمام فيه مخيَّراً بين خمسة أشياء : القتل أو المنّ أو الفداء أو الاسترقاق أو عَقْد الذمة على أداء الجِزية.\r","part":4,"page":203},{"id":1522,"text":"السادسة : العُسَفاء ، وهم الأُجراء والفلاّحون ؛ فقال مالك في كتاب محمد : لا يُقتلون. وقال الشافعي : يُقتل الفلاحون والأجراء والشيوخ الكبار إلا أن يُسلموا أو يؤدّوا الجِزْية. والأوّل أصحّ ، لقوله عليه السلام في حديث رَباح بن الربيع : \" الحقْ بخالد بن الوليد فلا يقتلنّ ذرّية ولا عَسيفاً \" وقال عمر بن الخطاب : اتقوا الله في الذرّية والفلاّحين الذين لا يَنْصُبون لكم الحرب.\rوكان عمر بن عبد العزيز لا يَقتل حرّاثاً ؛ ذكره ابن المنذر. أ هـ {تفسير القرطبى حـ 2 صـ 348 ـ 349}\rوقوله تعالى : {إن الله لا يحب المعتدين}\rقال الشيخ ابن عاشور : \rوقوله : {إن الله لا يحب المعتدين} تحذير من الاعتداء ؛ وذلك مسالمة للعدو واستبقاء لهم وإمهال حتى يجيئوا مؤمنين ، وقيل : أراد ولا تعتدوا في القتال إن قاتلتم ففسر الاعتداء بوجوه كثيرة ترجع إلى تجاوز أحكام الحرب والاعتداء الابتداء بالظلم.\rأ هـ {التحرير والتنوير حـ 2 صـ 201}\rفائدة\rقال صاحب الميزان : \rوأما أمره تعالى بالاعتداء مع أنه لا يحب المعتدين فإن الاعتداء مذموم إذا لم يكن في مقابله اعتداء ، وأما إذا كان في مقابله الاعتداء فليس إلا تعاليا عن ذل الهوان وارتقاء عن حضيض الاستعباد والظلم والضيم ، كالتكبر مع المتكبر ، والجهر بالسوء لمن ظلم. أ هـ {الميزان حـ 2 صـ 63 }\rفائدة أخرى\rقال الفخر : ","part":4,"page":204},{"id":1523,"text":"من الناس من قال : هذه الآية منسوخة ، وذلك لأن هذه الآية دلت على أن الله تعالى أوجب قتال المقاتلين ، ونهى عن قتال غير المقاتلين ، بدليل أنه قال : {وقاتلوا فِي سَبِيلِ الله الذين يقاتلونكم} ثم بعده : ولا تعتدوا هذا القدر ، ولا تقاتلوا من لا يقاتلكم فثبت أن هذه الآية مانعة من قتال غير المقاتلين ، ثم قال تعالى بعد ذلك : {واقتلوهم حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ} [البقرة : 191] فاقتضي هذا حصول الأول في قتال من لم يقاتل ، فدل على أن هذه الآية منسوخة ، ولقائل أن يقول : نسلم أن هذه الآية دالة على الأمر بقتال من لم يقاتلنا ، لكن هذا الحكم ما صار منسوخاً.\rأما قوله : إنها دالة على المنع من قتال من لم يقاتلنا ، فهذا غير مسلم ، وأما قوله تعالى : {وَلاَ تَعْتَدُواْ} فهذا يحتمل وجوها أخر سوى ما ذكرتم ، منها أن يكون المعنى : ولا تبدؤا في الحرم بقتال ، ومنها أن يكون المراد : ولا تعتدوا بقتال من نهيتم عن قتاله من الذين بينكم وبينهم عهد ، أو بالحيلة أو بالمفاجأة من غير تقديم دعوة ، أو بقتل النساء والصبيان والشيخ الفاني ، وعلى جميع هذه التقديرات لا تكون الآية منسوخة.\rفإن قيل : هب أنه لا نسخ في الآية ، ولكن ما السبب في أن الله تعالى أمر أولا بقتال من يقاتل ، ثم في آخر الأمر أذن في قتالهم سواء قاتلوا أو لم يقاتلوا.\rقلنا : لأن في أول الأمر كان المسلمون قليلين ، فكان الصلاح استعمال الرفق واللين والمجاملة ، فلما قوي الإسلام وكثر الجمع ، وأقام من أقام منهم على الشرك ، بعد ظهور المعجزات وتكررها عليهم حالا بعد حال ، حصل اليأس من إسلامهم ، فلا جرم أمر الله تعالى بقتالهم على الإطلاق. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 5 صـ 110}\rفائدة\rقال القرطبى :\rقوله تعالى : {وَلاَ تعتدوا} قيل في تأويله ما قدّمناه (1)\r________________\r(1) تقدمت الإشارة إليه.","part":4,"page":205},{"id":1524,"text":" ، فهي مُحْكَمة. فأما المرتدّون فليس إلا القتل أو التّوبة ، وكذلك أهل الزّيغ والضلال ليس إلا السيف أو التوبة. ومن أَسَرّ الاعتقاد بالباطل ثم ظهر عليه فهو كالزّنديق يُقتل ولا يُستتاب. وأما الخوارج على أئمة العدل فيجب قتالهم حتى يرجعوا إلى الحق. وقال قوم : المعنى لا تعتدوا في القتال لغير وجه الله ، كالحمِيّة وكسب الذِّكر ، بل قاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم ؛ يعني دِيناً وإظهاراً للكلمة. وقيل : \"لا تعتدوا\" أي لا تقاتلوا من لم يقاتل. فعلى هذا تكون الآية منسوخة بالأمر بالقتال لجميع الكفار ، والله أعلم. أ هـ {تفسير القرطبى حـ 2 صـ 348}\rمن لطائف الإمام القشيرى فى الآية\rلتكن نفوسُكم عندكم ودائعَ الحق ؛ إنْ أَمَر بإِمساكها أَمْسِكُوها وصونوها ، وإنْ أَمَرَ بتسليمها إلى القتل فلا تدَّخروها عن أمره ، وهذا معنى قوله : {وَلاَ تَعْتَدُوا} وهو أن تقف حيثما أُوقِفْتَ ، وتفعل ما به أُمِرْتَ. أ هـ {لطائف الإشارات حـ 1 صـ 159 ـ 160}","part":4,"page":206},{"id":1525,"text":"سؤال وجوابه\rقال العلامة الشنقيطى\rقوله تعالى : {وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلا تَعْتَدُوا} الآية, هذه الآية تدل بظاهرها على أنهم لم يؤمروا بقتال الكفار إلا إذا قاتلوهم, وقد جاءت آيات أخر تدل على وجوب قتال الكفار مطلقا ؛ قاتلوا أم لا, كقوله تعالى : {وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ}, قوله : {فَإِذَا انْسَلَخَ الأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ}, وقوله تعالى : {تُقَاتِلُونَهُمْ أَوْ يُسْلِمُونَ}.\rوالجواب عن هذه بأمور\rالأول : - وهو من أحسنها وأقربها - أنّ المراد بقوله : {الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ} تهييج المسلمين, وتحريضهم على قتال الكفار, فكأنه يقول لهم : هؤلاء الذين أمرتكم بقتالهم هم خصومكم وأعداؤكم الذين يقاتلونكم, ويدل لهذا المعنى قوله تعالى : {وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَافَّةً}, وخير ما يفسر به القرآن القرآن.","part":4,"page":207},{"id":1526,"text":"الوجه الثاني : أنها منسوخة بقوله تعالى : {فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ}, وهذا من جهة النظر ظاهر حسن جدا, وإيضاح ذلك أنّ من حكمة الله البالغة في التشريع أنه إذا أراد تشريع أمر عظيم على النفوس ربما يشرعه تدريجيا لتخف صعوبته بالتدريج, فالخمر مثلا لما كان تركها شاقا على النفوس التي اعتادتها ذكر أولا بعض معائبها بقوله : {قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ}, ثم بعد ذلك حرمها في وقت دون وقت كما دل عليه قوله تعالى : {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى} الآية, ثم لما استأنست النفوس بتحريمها في الجملة حرّمها تحريما باتاً بقوله : {رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ}, وكذلك الصوم لما كان شاقا على النفوس شرعه أولا على سبيل التخيير بينه وبين الإطعام, ثم رغب في الصوم مع التخيير بقوله : {وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ}, ثم لما استأنست به النفوس أوجبه إيجابا حتما بقوله تعالى : {فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ}, وكذلك القتال على هذا القول لما كان شاقا على النفوس أذن فيه أولا من غير إيجاب بقوله : {أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا} الآية, ثم أوجب عليهم قتال من قاتلهم بقوله : {وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ}, ثم لما استأنست نفوسهم بالقتال أوجبه عليهم إيجابا عاما بقوله : {فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ} الآية.\r","part":4,"page":208},{"id":1527,"text":"الوجه الثالث : وهو اختيار بن جرير, ويظهر لي أنه الصواب : أن الآية محكمة, وأن معناها : قاتلوا الذين يقاتلونكم أي من شأنهم أن يقاتلوكم, أما الكافر الذي ليس من شأنه القتال كالنساء, والذراري, والشيوخ الفانية, والرهبان, وأصحاب الصوامع, ومن ألقى إليكم السلم, فلا تعتدوا بقتالهم ؛ لأنهم لا يقاتلونكم, ويدل لهذا الأحاديث المصرحة بالنهي عن قتال الصبي, وأصحاب الصوامع, والمرأة, والشيخ الهرم إذا لم يستعن برأيه, أما صاحب الرأي فيقتل كدريد بن الصمة, وقد فسر هذه الآية بهذا المعنى عمر بن العزيز رضي الله عنه وابن عباس والحسن البصري. أ هـ {دفع إيهام الاضطراب صـ 37 ـ 39}","part":4,"page":209},{"id":1528,"text":"قوله تعالى : {وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ وَأَخْرِجُوهُمْ مِنْ حَيْثُ أَخْرَجُوكُمْ وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ وَلَا تُقَاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ حَتَّى يُقَاتِلُوكُمْ فِيهِ فَإِنْ قَاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ كَذَلِكَ جَزَاءُ الْكَافِرِينَ (191) فَإِنِ انْتَهَوْا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (192)}\rمناسبة الآية لما قبلها\rقال البقاعى : \rولما حرم الاعتداء صرح بإباحة أصل القتال فقال : {واقتلوهم} أي الذين يقاتلونكم {حيث ثقفتموهم} أي وجدتموهم وأنتم تطمعون في أن تغلبوا أو حيث تمكنتم من قتلهم - قاله الأصبهاني ، لأنه من ثقف بالضم ثقافة إذا صلب وثقف أي بالكسر كذلك ، وأيضاً صار حاذقاً فطناً ، وثقفت الشيء ثقفاً إذا أخذته والشيء صادفته - قاله ابن القطاع. وقال الأصبهاني : والثقف وجوده على وجه الأخذ والغلبة ، وأطلق الوجدان فشمل الحل والحرم من الزمان والمكان لأنهم كذلك يفعلون بالمسلمين ، كانوا يؤذونهم ويفتنونهم عند البيت في كل وقت ؛ وفي التعبير بالفعل ما يشعر بالنصر بحزب الله وبشرى بضعف العدو عن مداومة المقاومة للمجاهدين وقد ظهرت التجربة مثل ذلك وأقله أنهم إذا فروا لم يكروا.","part":4,"page":210},{"id":1529,"text":"ولما كانت الآية ناظرة إلى قصاص قال : {وأخرجوهم} أي فإن لم يقاتلوكم {من حيث أخرجوكم} أي مكة التي هي موطن الحج والعمرة ومحل الشعائر المقصودة لأهل الإسلام. ولما كان هذا مشعراً بأنهم لم يكن منهم إليهم قتال في مكة لغير الأذى المحوج إلى الخروج من الديار على أن التقدير : فإن الإخراج من السكن أشد فتنة وقد فتنوكم به ، فعطف عليه قوله : {والفتنة} أي العذاب بالإخراج أو غيره من أنواع الإخافة {أشد} تليينهم للإسلام {من القتل} أعم من أن يكون المراد من قتلكم إياهم في الحرم أو غيره أو قتلهم إياكم أو غير ذلك لما فيه من مواصلة الغم القابض للنفس عن مراداتها ، فلذلك سوغنا لكم قتلهم قصاصاً بسبب إخراجكم ، فكان المراد بالذات إخراجهم لتمكن الحج والاعتمار ولكنه لما لم يمكن إلا بقتالهم وقتلهم أذن فيهما وقد كشف الواقع في أمر : عكرمة بن أبي جهل وصفوان بن أمية وعبد الله بن أبي ربيعة أن الإخراج من مكة لينهم للإسلام أكثر من تليين القتل فإنهم أسلموا لما أشرفوا على فراق مكة بظهور الإسلام فيها ولم يسلم أحد من قريش خوفاً من القتل ، فلكون السياق لإخراجهم عبر هنا أشد. أ هـ {نظم الدرر حـ 1 صـ 363}\rقال الفخر : \rالثقف وجوده على وجه الأخذ والغلبة ومنه رجل ثقيف سريع الأخذ لأقرانه ، قال : \rفأما تثقفوني فاقتلوني.. فمن أثقف فليس إلى خلود","part":4,"page":211},{"id":1530,"text":"ثم نقول قوله تعالى : {اقتلوهم} الخطاب فيه واقع على النبي صلى الله عليه وسلم ومن هاجر معه وإن كان الغرض به لازما لكل مؤمن ، والضمير في قوله : {اقتلوهم} عائد إلى الذين أمر بقتلهم في الآية الأولى وهم الكفار من أهل مكة ، فأمر الله تعالى بقتلهم حيث كانوا في الحل والحرم ، وفي الشهر الحرام ، وتحقيق القول أنه تعالى أمر بالجهاد في الآية الأولى بشرط إقدام الكفار على المقاتلة ، وفي هذه زاد في التكليف فأمر بالجهاد معهم سواء قاتلوا أو لم يقاتلوا ، واستثنى منه المقاتلة عند المسجد الحرام.\rأ هـ {مفاتيح الغيب حـ 5 صـ 110}\rوقال ابن عاشور : \rهذا أمر بقتل من يعثر عليه منهم وإن لم يكن في ساحة القتال ، فإنّه بعد أن أمرهم بقتال من يقاتلهم عَمَّمَ المواقع والبقاع زيادة في أحوال القتل وتصريحاً بتعميم الأماكن فإن أهمية هذا الغرض تبعث على عدم الاكتفاء باقتضاء عموم الأشخاص تَعْمِيمَ الأمكنة ليكون المسلمون مأذونين بذلك فكل مكان يحل فيه العدو فهو موضع قتال ، فالمعنى واقتلوهم حيث ثقفتموهم إن قاتلوكم.\rوعطفت الجملة على التي قبلها وإن كانت هي مكملة لها باعتبار أن ما تضمنته قتل خاص غير قتال الوغَى فحصلت المغايرة المقتضية العطف ، ولذلك قال هنا {واقتلوهم حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ وَأَخْرِجُوهُمْ مِّنْ حَيْثُ أَخْرَجُوكُمْ والفتنة أَشَدُّ مِنَ القتل} ولم يقل : وقاتلوهم مثل الآية قبلها تنبيهاً على قتل المحارب ولو كان وقت العثور عليه غيرَ مباشر للقتال وأنه من خرج محارباً فهو قاتل وإن لم يَقْتُلْ. أ هـ {التحرير والتنوير حـ 2 صـ 201 ـ 202}\rقال الفخر : ","part":4,"page":212},{"id":1531,"text":"نقل عن مقاتل أنه قال : إن الآية المتقدمة على هذه الآية ، وهي قوله : {وقاتلوا فِي سَبِيلِ الله الذين يقاتلونكم} [البقرة : 190] منسوخة بقوله تعالى : {وَلاَ تقاتلوهم عِندَ المسجد الحرام} ثم تلك الآية منسوخة بقوله تعالى : {وقاتلوهم حتى لاَ تَكُونَ فِتْنَةٌ} [البقرة : 193] وهذا الكلام ضعيف.\rأما قوله : إن قوله تعالى : {وقاتلوا فِي سَبِيلِ الله الذين يقاتلونكم} منسوخ بهذه الآية ، فقد تقدم إبطاله ، وأما قوله : إن هذه الآية منسوخة بقوله تعالى : {وَلاَ تقاتلوهم عِندَ المسجد الحرام} فهذا من باب التخصيص لا من باب النسخ ، وأما قوله : {وَلاَ تقاتلوهم عِندَ المسجد الحرام} منسوخ بقوله : {وقاتلوهم حتى لاَ تَكُونَ فِتْنَةٌ} [البقرة : 193] فهو خطأ أيضاً لأنه لا يجوز الابتداء بالقتال في الحرم ، وهذا الحكم ما نسخ بل هو باقٍ فثبت أن قوله ضعيف ولأنه يبعد من الحكيم أن يجمع بين آيات متوالية تكون كل واحدة منها ناسخة للأخرى. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 5 صـ 110}\rقوله تعالى : {وَأَخْرِجُوهُمْ مّنْ حَيْثُ أَخْرَجُوكُمْ }\rقال الفخر : \rالإخراج يحتمل وجهين أحدهما : أنهم كلفوهم الخروج قهراً\rوالثاني : أنهم بالغوا في تخويفهم وتشديد الأمر عليهم ، حتى صاروا مضطرين إلى الخروج. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 5 صـ 111}\rقال الفخر : \rصيغة {حَيْثُ} تحتمل وجهين أحدهما : أخرجوهم من الموضع الذي أخرجوكم وهو مكة\rوالثاني : أخرجوهم من منازلكم ، إذا عرفت هذا فنقول : إن الله تعالى أمر المؤمنين بأن يخرجوا أولئك الكفار من مكة إن أقاموا على شركهم إن تمكنوا منه ، لكنه كان في المعلوم أنهم يتمكنون منه فيما بعد ، ولهذا السبب أجلى رسول الله صلى الله عليه وسلم كل مشرك من الحرم.\rثم أجلاهم أيضاً من المدينة ، وقال عليه الصلاة والسلام : \" لا يجتمع دينان في جزيرة العرب \". أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 5 صـ 111}\rوقال العلامة ابن عاشور : ","part":4,"page":213},{"id":1532,"text":"وقوله : {وأخرجوهم من حيث أخرجوكم} أي يحل لكم حينئذٍ أن تخرجوهم من مكة التي أخرجوكم منها ، وفي هذا تهديد للمشركين ووعد بفتح مكة ، فيكون هذا اللقاء لهذه البشرى في نفوس المؤمنين ليسْعوا إليه حتى يدركوه وقد أدركوه بعد سنتين ، وفيه وعد من الله تعالى لهم بالنصر كما قال تعالى : {لقد صدق الله رسوله الرؤيا بالحق لتدخلن المسجد الحرام} [الفتح : 27] الآية. أ هـ {التحرير والتنوير حـ 2 صـ 202}\rقوله تعالى : {والفتنة أَشَدُّ مِنَ القتل }\rقال الفخر : \rأما قوله تعالى : {والفتنة أَشَدُّ مِنَ القتل} ففيه وجوه أحدها : وهو منقول عن ابن عباس : أن المراد من الفتنة الكفر بالله تعالى ، وإنما سمي الكفر بالفتنة لأنه فساد في الأرض يؤدي إلى الظلم والهرج ، وفيه الفتنة ، وإنما جعل الكفر أعظم من القتل ، لأن الكفر ذنب يستحق صاحبه به العقاب الدائم ، والقتل ليس كذلك ، والكفر يخرج صاحبه به عن الأمة ، والقتل ليس كذلك فكان الكفر أعظم من القتل ، وروي في سبب نزول هذه الآية أن بعض الصحابة كان قتل رجلاً من الكفار في الشهر الحرام ، فالمؤمنون عابوه على ذلك ، فأنزل الله تعالى هذه الآية ، فكان المعنى ليس لكم أن تستعظموا الإقدام على القتل في الشهر الحرام ، فإن إقدام الكفار على الكفر في الشهر الحرام أعظم من ذلك\rوثانيها : أن الفتنة أصلها عرض الذهب على النار لاستخلاصه من الغش ، ثم صار اسماً لكل ما كان سبباً للامتحان تشبيهاً بهذا الأصل ، والمعنى : أن إقدام الكفار على الكفر وعلى تخويف المؤمنين ، وعلى تشديد الأمر عليهم بحيث صاروا ملجئين إلى ترك الأهل والوطن هرباً من إضلالهم في الدين ، وتخليصاً للنفس مما يخافون ويحذرون ، فتنة شديدة بل هي أشد من القتل الذي يقتضي التخليص من غموم الدنيا وآفاتها ، وقال بعض الحكماء : ما أشد من هذا القتل الذي أوجبه عليكم جزاء غير تلك الفتنة.","part":4,"page":214},{"id":1533,"text":"الوجه الثالث : أن يكون المراد من الفتة العذاب الدائم الذي يلزمهم بسبب كفرهم ، فكأنه قيل : اقتلوهم من حيث ثقفتموهم ، واعلم أن وراء ذلك من عذاب الله ما هو أشد منه كقوله : {وَنَحْنُ نَتَرَبَّصُ بِكُمْ أَن يُصِيبَكُمُ الله بِعَذَابٍ مّنْ عِندِهِ} [التوبة : 52] وإطلاق اسم الفتنة على العذاب جائز ، وذلك من باب إطلاق اسم السبب على المسبب ، قال تعالى : {يَوْمَ هُمْ عَلَى النار يُفْتَنُونَ} [الذاريات : 13] ثم قال عقيبه : {ذُوقُواْ فِتْنَتَكُمْ} [الذاريات : 14] أي عذابكم ، وقال : {إِنَّ الذين فَتَنُواْ المؤمنين والمؤمنات} [البروج : 10] أي عذبوهم ، وقال : {فَإِذَا أُوذِىَ فِى الله جَعَلَ فِتْنَةَ الناس كَعَذَابِ الله} [العنكبوت : 10] أي عذابهم كعذابه.\rالوجه الرابع : أن يكون المراد فتنتهم إياكم بصدكم عن المسجد الحرام ، أشد من قتلكم إياهم في الحرم ، لأنهم يسعون في المنع من العبودية والطاعة التي ما خلقت الجن والإنس إلا لها.\rالوجه الخامس : أن ارتداد المؤمن أشد عليه من أن يقتل محقاً والمعنى : وأخرجوهم من حيث أخرجوكم ولو أتى ذلك على أنفسكم فإنكم إن قتلتم وأنتم على الحق كان ذلك أولى بكم وأسهل عليكم من أن ترتدوا عن دينكم أو تتكاسلوا في طاعة ربكم. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 5 صـ 112}\rوقال الماوردى : \rوإنما سمي الكفر فتنة ، لأنه يؤدي إلى الهلاك كالفتنة. أ هـ {النكت والعيون حـ 1 صـ 251}\rوقال فى التحرير والتنوير : ","part":4,"page":215},{"id":1534,"text":"وقوله : {والفتنة أشد من القتل} تذييل و{أل} فيه للجنس تدل على الاستغراق في المقام الخَطَابيِّ ، وهو حجة للمسلمين ونفي للتبعة عنهم في القتال بمكة إن اضطروا إليه. والفتنة إلقاء الخوف واختلال نظام العَيْشِ وقد تقدمت عند قوله تعالى : {حتى يقولا إنما نحن فتنة فلا تكفر} [البقرة : 102] ، إشارة إلى ما لقيه المؤمنون في مكة من الأذى بالشتم والضرب والسخرية إلى أن كان آخره الإخراج من الديار والأموال ، فالمشركون محقوقون من قبل فإذا خفروا العهد استحقوا المؤاخذة بما مضى فيما كان الصلح مانعاً من مؤاخذتهم عليه ؛ وإنما كانت الفتنة أشد من القتل لتكرر إضرارها بخلاف ألم القتل ، ويراد منها أيضاً الفتنة المتوقعة بناء على توقع أن يصدوهم عن البيت أو أن يغدروا بهم إذا حلوا بمكة ، ولهذا اشترط المسلمون في صلح الحديبية أنهم يدخلون العام القابل بالسيوف في قرابها ، والمقصد من هذا إعلان عذر المسلمين في قتالهم المشركين وإلقاء بغض المشركين في قلوبهم حتى يكونوا على أهبة قتالهم والانتقام منهم بصدور حرجة حنقة. وليس المراد من الفتنة خصوص الإخراج من الديار ، لأن التذييل يجب أن يكون أعم من الكلام المذيَّل. أ هـ {التحرير والتنوير حـ 2 صـ 202}\rوقال البيضاوى : \r{ والفتنة أَشَدُّ مِنَ القتل} أي المحنة التي يفتتن بها الإنسان ، كالإخراج من الوطن أصعب من القتل لدوام تعبها وتألم النفس بها. وقيل : معناه شركهم في الحرم وصدهم إياكم عنه أشد من قتلكم إياهم فيه. أ هـ {تفسير البيضاوى حـ 1 صـ 476 ـ 477}\rوقال الثعالبى : ","part":4,"page":216},{"id":1535,"text":"و{ الفتنة أَشَدُّ مِنَ القتل} ، أي : الفتنةُ التي حملوكم علَيْها ، ورامُوكم بِهَا على الرُّجوع إِلى الكفر - أشدُّ من القتْل ، ويحتمل أن يكون المعنى : والفتنةُ ، أي : الكفر والضَّلال الذي هم فيه أَشَدُّ في الحَرَمِ ، وأعظم جُرْماً من القتل الَّذي عيَّروكم به في شأن ابْنِ الحَضْرَمِيِّ. أ هـ {الجواهر الحسان حـ 1 صـ 150}\rقوله : {وَلاَ تقاتلوهم عِندَ المسجد الحرام حتى يقاتلوكم فِيهِ }\rالمناسبة\rقال البقاعى : \rولما كان الإذن في الإخراج مستلزماً في العادة للقتال وكان قد أذن في الابتداء به حيث ثقفوا خصص ذلك فقال ناظراً إلى المقاصّة أيضاً ومشيراً إلى ما سيقع في غزوة الفتح المشار إليها بقوله بعد {وكفر به والمسجد الحرام} [البقرة : 217] {ولا تقاتلوهم} أي هؤلاء الذين أذن لكم في إخراجهم {عند المسجد الحرام} أي الحرم إذا أردتم إخراجهم فمانعوكم {حتى يقاتلوكم فيه} أي في ذلك الموضع الذي هو عند المسجد ، وكأنه عبر بفيه في الثاني وعند في الأول والمراد الحرم في كل منهما كفاً ، عن القتال فيه مهما وجد إلى الكف سبيل تعظيماً له وإجلالاً لمحله لأنه موضع للصلاة التي أعظم مقاصدها السجود لا لغيره فضلاً عن القتال. {فإن قاتلوكم} أي في ذلك المكان {فاقتلوهم} أي لا تقصروا على مدافعتهم بل اصدقوهم في الضرب المجهز ولا حرج عليكم من جهة المسجد فإن الانتهاك لحرمته منسوب إلى البادىء ، وفي التعبير بالفعل في جواب المفاعلة في قراءة الجمهور أو الفعل في قراءة حمزة والكسائي بشارة بنصرة المبغي عليه وقوة إدالته ، ولما كان هذا مفهماً أنه خاص بهم عمم بقوله : {كذلك} أي مثل هذا الفعل العظيم الجدوى {جزاء الكافرين} كلهم. أ هـ {نظم الدرر حـ 1 صـ 364}\rقال الفخر : \rأما قوله : {وَلاَ تقاتلوهم عِندَ المسجد الحرام حتى يقاتلوكم فِيهِ }","part":4,"page":217},{"id":1536,"text":"هذا بيان لبقاء هذا الشرط في قتالهم في هذه البقعة خاصة ، وقد كان من قبل شرطاً في كل القتال وفي الأشهر الحرم. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 5 صـ 112}\rوقال ابن كثير : \rوقوله : {وَلا تُقَاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ} كما جاء في الصحيحين : \"إن هذا البلد حرّمه الله يوم خلق السموات والأرض ، فهو حرام بحرمة الله إلى يوم القيامة ، ولم يحل لي إلا ساعة من نهار ، وإنها ساعتي هذه ، حَرَام بحرمة الله إلى يوم القيامة ، لا يُعْضَد شجره ، ولا يُخْتَلى خَلاه. فإن أحد ترخص بقتال رسول الله صلى الله عليه وسلم فقولوا : إن الله أذن لرسوله ولم يأذن لكم\".\rيعني بذلك -صلوات الله وسلامه عليه -قتالَه أهلها يومَ فتح مكة ، فإنه فتحها عنوة ، وقتلت رجال منهم عند الخَنْدمَة ، وقيل : صلحًا ؛ لقوله : من أغلق بابه فهو آمن ، ومن دخل المسجد فهو آمن ، ومن دخل دار أبي سفيان فهو آمن.\r[وقد حكى القرطبي : أن النهي عن القتال عند المسجد الحرام منسوخ. قال قتادة : نسخها قوله : {فَإِذَا انْسَلَخَ الأشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ} [التوبة : 5]. قال مقاتل بن حيان : نسخها قوله : {فَإِذَا انْسَلَخَ الأشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ} وفي هذا نظر]. أ هـ {تفسير ابن كثير حـ 1 صـ 525}\rوقال العلامة الجصاص : ","part":4,"page":218},{"id":1537,"text":"وَأَمَّا قَوْلُهُ : {وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ وَأَخْرِجُوهُمْ مِنْ حَيْثُ أَخْرَجُوكُمْ} فَإِنَّهُ أَمْرٌ بِقَتْلِ الْمُشْرِكِينَ إذَا أُظْفِرْنَا بِهِمْ ، وَهِيَ عَامَّةٌ فِي قِتَالِ سَائِرِ الْمُشْرِكِينَ مَنْ قَاتَلَنَا مِنْهُمْ وَمَنْ لَمْ يُقَاتِلُنَا بَعْدَ أَنْ يَكُونُوا مِنْ أَهْلِ الْقِتَالِ ؛ لِأَنَّهُ لَا خِلَافَ أَنَّ قَتْلَ النِّسَاءِ وَالذَّرَارِيِّ مَحْظُورٌ ، وَقَدْ نَهَى عَنْهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَعَنْ قَتْلِ أَهْلِ الصَّوَامِعِ فَإِنْ كَانَ الْمُرَادُ بِقَوْلِهِ : {وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ} الْأَمْرَ بِقِتَالِ مَنْ قَاتَلَنَا مِمَّنْ هُوَ مِنْ أَهْلِ الْقِتَالِ دُونَ مَنْ كَفَّ عَنَّا مِنْهُمْ ، وَكَانَ قَوْلُهُ : {وَلَا تَعْتَدُوا إنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ} نَهْيًا عَنْ قِتَالِ مَنْ لَمْ يُقَاتِلْنَا ، فَهِيَ لَا مَحَالَةَ مَنْسُوخَةٌ بِقَوْلِهِ : {وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ} لِإِيجَابِهِ قَتْلَ مَنْ حُظِرَ قَتْلُهُ فِي الْآيَةِ الْأُولَى بِقَوْلِهِ : {وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا} إذْ كَانَ الِاعْتِدَاءُ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ هُوَ قِتَالَ مَنْ لَمْ يُقَاتِلْ ، وَقَوْلُهُ : {وَأَخْرِجُوهُمْ مِنْ حَيْثُ أَخْرَجُوكُمْ} يَعْنِي وَاَللَّهُ أَعْلَمُ : مِنْ مَكَّةَ إنْ أَمْكَنَكُمْ ذَلِكَ ؛ لِأَنَّهُمْ قَدْ كَانُوا آذَوْا الْمُسْلِمِينَ بِمَكَّةَ حَتَّى اضْطَرُّوهُمْ إلَى الْخُرُوجِ فَكَانُوا مُخْرِجِينَ لَهُمْ ، وَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : {وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ} ، فَأَمَرَهُمْ اللَّهُ تَعَالَى عِنْدَ فَرْضِهِ الْقِتَالَ","part":4,"page":219},{"id":1538,"text":"بِإِخْرَاجِهِمْ إذَا تَمَكَّنُوا مِنْ ذَلِكَ ؛ إذْ كَانُوا مَنْهِيِّينَ عَنْ الْقِتَالِ فِيهَا إلَّا أَنْ يُقَاتِلُوهُمْ ، فَيَكُونُ قَوْلُهُ : {وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ} عَامًّا فِي سَائِرِ الْمُشْرِكِينَ إلَّا فِيمَنْ كَانَ بِمَكَّةَ ، فَإِنَّهُمْ أُمِرُوا بِإِخْرَاجِهِمْ مِنْهَا إلَّا لِمَنْ قَاتَلَهُمْ ، فَإِنَّهُ أُمِرَ بِقِتَالِهِمْ حِينَئِذٍ ؛ وَالدَّلِيلُ عَلَى ذَلِكَ قَوْلُهُ فِي نَسَقِ التِّلَاوَةِ : {وَلَا تُقَاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ حَتَّى يُقَاتِلُوكُمْ فِيهِ} فَثَبَتَ أَنَّ قَوْلَهُ : {وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ} فِيمَنْ كَانَ بِغَيْرِ مَكَّةَ. أ هـ {أحكام القرآن للجصاص حـ 1 صـ 322}\rوقال الشيخ ابن عاشور : \rالجملة معطوفة على جملة {واقتلوهم حيث ثقفتموهم} التي أفادت الأمر بتتبع المقاتلين بالتقتيل حيثما حَلُّوا سواء كانوا مشتبكين بقتال المسلمين أم كانوا في حالة تنقل أو تطلع أو نحو ذلك لأن أحوال المحارب لا تنضبط وليست في الوقت سعة للنظر في نواياه والتوسم في أغراضه ، إذ قد يبادره إلى اغتيال عدوه في حال تردده وتفكره ، فخص المكان الذي عند المسجد الحرام من عموم الأمكنة التي شملها قوله : {حيث ثقفتموهم} أي إن ثقفتموهم عند المسجد الحرام غير مشتبكين في قتال معكم فلا تقتلوهم ، والمقصد من هذا حفظ حرمة المسجد الحرام التي جعلها الله له بقوله : {مقام إبراهيم ومن دخله كان ءامناً} [آل عمران : 97] ، فاقتضت الآية منع المسلمين من قتال المشركين عند المسجد الحرام ، وتدل على منعهم من أن يقتلوا أحداً من المشركين دون قتال عند المسجد الحرام بدلالة لحن الخطاب أو فحوى الخطاب.","part":4,"page":220},{"id":1539,"text":"وجعلت غاية النهي بقوله : {حتى يقاتلونكم فيه فإن قاتلوكم فاقتلوهم} أي فإن قاتلوكم عند المسجد فاقتلوهم عند المسجد الحرام ، لأنهم خرقوا حرمة المسجد الحرام فلو تركت معاملتهم بالمثل لكان ذلك ذريعة إلى هزيمة المسلمين. فإن قاتلوا المسلمين عند المسجد الحرام عاد أمر المسلمين بمقاتلتهم إلى ما كان قبل هذا النهي فوجب على المسلمين قتالهم عند المسجد الحرام وقتل من ثقفوا منهم كذلك.\rوفي قوله تعالى : {فاقتلوهم} تنبيه على الإذن بقتلهم حينئذٍ ولو في غير اشتباك معهم بقتال ، لأنهم لا يؤمنون من أن يتخذوا حرمة المسجد الحرام وسيلة لهزم المسلمين.\rولأجل ذلك جاء التعبير بقوله : {فاقتلوهم} لأنه يشمل القتل بدون قتال والقتل بقتال.\rفقوله تعالى : {فإن قاتلوكم} أي عند المسجد الحرام فاقتلوهم هنالك ، أي فاقتلوا من ثقفتم منهم حين المحاربة ، ولا يصدكم المسجد الحرام عن تقصي آثارهم لئلا يتخذوا المسجد الحرام ملجأ يلجؤون إليه إذا انهزموا.\rوقد احتار كثير من المفسرين في انتظام هذه الآيات من قوله : {وقاتلوا في سبيل الله} [البقرة : 190] إلى قوله هنا {كذلك جزاء الكافرين} حتى لجأ بعضهم إلى دعوى نسخ بعضها ببعض فزعم أن آيات متقارنة بعضها نسخ بعضاً ؛ مع أن الأصل أن الآيات المتقارنة في السورة الواحدة نزلت كذلك ومع ما في هاته الآيات من حروف العطف المانعة من دعوى كون بعضها قد نزل مستقلاً عن سابقه وليس هنا ما يلجىء إلى دعوى النسخ ، ومن المفسرين من اقتصر على تفسير المفردات اللغوية والتراكيب البلاغية وأعرض عن بيان المعاني الحاصلة من مجموع هاته الآيات.\r","part":4,"page":221},{"id":1540,"text":"وقد أذن الله للمسلمين بالقتال والقتل للمقاتل عند المسجد الحرام ولم يعبأ بما جعله لهذا المسجد من الحرمة ؛ لأن حرمته حرمة نسبته إلى الله تعالى فلما كان قتال الكفار عنده قتالاً لمنع الناس منه ومناوأة لدينه فقد صاروا غير محترمين له ولذلك أمرنا بقتالهم هنالك تأييداً لحرمة المسجد الحرام. أ هـ {التحرير والتنوير حـ 2 صـ 203 ـ 204}\rسؤال : لم عدل عن صِيغة المفاعَلة التي بها وردَ النهيُ والشرطُ فى قوله تعالى {فاقتلوهم} ؟ \rالجواب : في العُدول عن صِيغة المفاعَلة التي بها وردَ النهيُ والشرطُ عِدَةً بالنصر والغلبة. أ هـ {تفسير أبى السعود حـ 1 صـ 204}\rفائدة\rقرأ الجمهور : (ولا تقاتلوهم عند المسجد الحرام حتى يقاتلوكم فيه) ثلاثتها بألف بعد القاف ، وقرأ حمزة والكسائي : (ولا تقتلوهم حتى يقتلوكم فإن قتلوكم) بدون ألف بعد القاف ، فقال الأعمش لحمزة أرأيت قراءتك هذه كيف يكون الرجل قاتلاً بعد أن صار مقتولاً ؟ فقال حمزة : إن العرب إذا قتل منهم رجل قالوا قتلنا اه يريد أن الكلام على حذف مضاف من المفعول كقوله\r : ... غَضِبت تميم أَنْ تُقتَّل عامر\rيوم النسار فأُعْتِبُوا بالصَّيْلَم... والمعنى ولا تقتلوا أحداً منهم حتى يقتلوا بعضكم فإن قتلوا بعضكم فاقتلوا من تقدرون عليه منهم وكذلك إسناد (قتلوا) إلى ضمير جماعة المشركين فهو بمعنى قتل بعضهم بعض المسلمين لأن العرب تسند فعل بعض القبيلة أو الملة أو الفرقة لما يدل على جميعها من ضمير كما هنا أو اسم ظاهر نحو قتلتنا بنو أسد. وهذه القراءة تقتضي أن المنهي عنه القتل فيشمل القتل باشتباك حرب والقتل بدون ملحمة.أ هـ {التحرير والتنوير حـ 2 صـ 204}\rفوائد فى الآية الكريمة","part":4,"page":222},{"id":1541,"text":"وقد دلت الآية بالنص على إباحة قتل المحارب إذا حارب في الحرم أو استولى عليه لأن الاستيلاء مقاتلة ؛ فالإجماع على أنه لو استولى على مكة عدو وقال : لا أقاتلكم وأمنعكم من الحج ولا أبرح من مكة لوجب قتاله وإن لم يبدأ بالقتال ؛ نقله القرطبي عن ابن خويز منداد من مالكية العراق. قال ابن خويز منداد : وأما قوله : {ولا تقاتلوهم عند المسجد الحرام حتى يقاتلوكم فيه} فيجوز أن يكون منسوخاً بقوله : {وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة} [البقرة : 193].\rواختلفوا في دلالتها على جواز قتل الكافر المحارب إذا لجأ إلى الحرم بدون أن يكون قتال وكذا الجاني إذا لجأ إلى الحرم فاراً من القصاص والعقوبة فقال مالك : بجواز ذلك واحتج على ذلك بأن قوله تعالى : {فإذا انسلخ الأشهر الحرم} [التوبة : 5] الآية قد نسخ هاته الآية وهو قول قتادة ومقاتل بناء على تأخر نزولها عن وقت العمل بهذه الآية والعام المتأخر عن العمل ينسخ الخاص اتفاقاً.\rوبالحديث الذي رواه في \"الموطأ\" عن أنس بن مالك \" أن رسول الله صلى الله عليه وسلم دخل مكة عام الفتح وعلى رأسه المغفر فلما نزعه جاء أبو برزة فقال : ابن خطل متعلق بأستار الكعبة فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم اقتلوه \" وابن خطل هذا هو عبد العزى بن خطل التيمي كان ممن أسلم ثم كفر بعد إسلامه وجعل دأبه سب رسول الله صلى الله عليه وسلم والإسلام فأهدر النبي صلى الله عليه وسلم يوم الفتح دمه فلما علم ذلك عاذ بأستار الكعبة فأمر النبي صلى الله عليه وسلم بقتله حينئذٍ ، فكان قتل ابن خطل قتل حد لا قتل حرب ؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قد وضع المغفر عن رأسه وقد انقضت الساعة التي أحل الله له فيها مكة.\r","part":4,"page":223},{"id":1542,"text":"وبالقياس وهو أن حرمة المسجد الحرام متقررة في الشريعة فلما أذن الله بقتل من قاتل في المسجد الحرام علمنا أن العلة هي أن القتال فيه تعريض بحرمته للاستخفاف ، فكذلك عياذ الجاني به ، وبمثل قوله قال الشافعي ، لكن قال الشافعي إذا التجأ المجرم المسلم إلى المسجد الحرام يضيق عليه حتى يخرج فإن لم يخرج جاز قتله ، وقال أبو حنيفة : لا يقتل الكافر إذا التجأ إلى الحرم إلاّ إذا قاتل فيه لنص هاته الآية وهي محكمة عنده غير منسوخة وهو قول طاووس ومجاهد.\rقال ابن العربي في \"الأحكام\" : حضرت في بيت المقدس بمدرسة أبي عقبة الحنفي والقاضي الزنجاني يلقي علينا الدرس في يوم الجمعة فبينا نحن كذلك إذ دخل رجل عليه أطمار فسلم سلام العلماء وتصدر في المجلس ، فقال القاضي الزنجاني : من السيد ؟ فقال : رجل من طلبة العلم بصاغان سلبه الشطار أمس ، ومقصدي هذا الحرم المقدس فقال القاضي الزنجاني : سلوه عن العادة في مبادرة العلماء بمبادرة أسئلتهم ، ووقعت القرعة على مسألة الكافر إذا التجأ إلى الحرم هل يقتل أم لا ؟ فأجاب بأنه لا يقتل ، فسئل عن الدليل فقال : قوله تعالى : {ولا تقاتلوهم عند المسجد الحرام حتى يقاتلوكم فيه فإن قرىء (ولا تقتلوهم) فالآية نص وإن قرىء (ولا تقاتلوهم) فهي تنبيه ، لأنه إذا نهى عن القتال الذي هو سبب القتل كان دليلاً بيناً على النهي عن القتل فاعترض عليه الزنجاني منتصراً لمالك والشافعي وإن لم ير مذهبهما على العادة ، فقال هذه الآية منسوخة بقوله تعالى : {فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم} [التوبة : 5] فقال الصاغاني هذا لا يليق بمنصب القاضي ، فإن الآية التي اعترضتَ بها عامة في الأماكن والتي احتججتُ بها خاصة ولا يجوز لأحد أن يقول : إن العام ينسخ الخاص فأُبْهِت القاضي الزنجاني ، وهذا من بديع الكلام اه.\r","part":4,"page":224},{"id":1543,"text":"وجواب هذا أن العام المتأخر عن العمل بالخاص ناسخ وحديث ابن خطل دل على أن الآية التي في براءة ناسخة لآية البقرة. وأما قول الحنفية وبعض المالكية : إن قتل ابن خطل كان في اليوم الذي أحل الله له فيه مكة فيدفعه أن تلك الساعة انتهت بالفتح وقد ثبت في ذلك الحديث أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد نزع حينئذٍ المغفر وذلك أمارة انتهاء ساعة الحرب.\rوقال ابن العربي في \"الأحكام\" : الكافر إذا لم يقاتل ولم يجن جناية ولجأ إلى الحرم فإنه لا يقتل ، يريد أنه لا يقتل القتل الذي اقتضته آية {واقتلوهم حيث ثقفتموهم} وهو مما شمله قوله تعالى : {ولا تقاتلوهم عند المسجد الحرام }.أ هـ {التحرير والتنوير حـ 2 صـ 205}\rقوله تعالى : {كذلك جزاء الكافرين }\rقال ابن عاشور : \rوقوله : {كذلك جزاء الكافرين} ، الإشارة إلى القتل المأخوذ من قوله : {فاقتلوهم} أي كذلك القتل جزاؤهم على حد ما تقدم في قوله : {وكذلك جعلناكم أمة وسطاً} [البقرة : البقرة : 143] ونكتة الإشارة تهويله أي لا يقل جزاء المشركين عن القتل ولا مصلحة في الإبقاء عليهم ؛ وهذا تهديد لهم ، فقوله {كذلك} خبر مقدم للاهتمام وليست الإشارة إلى {وقاتلوا في سبيل الله} [البقرة : 190] لأن المقاتلة ليست جزاء ؛ إذ لا انتقام فيها بل القتال سجال يوماً بيوم. أ هـ {التحرير والتنوير حـ 2 صـ 205}\rوقال الآلوسى \"\r{ كذلك جَزَاء الكافرين} تذييل لما قبله أي يفعل بهم مثل ما فعلوا ، والكافرين إما من وضع المظهر موضع المضمر نعياً عليهم بالكفر أو المراد منه الجنس ويدخل المذكورون فيه دخولاً أولياً. والجار في المشهور خبر مقدم وما بعده مبتدأ مؤخر ، واختار أبو البقاء أن الكاف بمعنى مثل مبتدأ وجزاء خبره إذ لا وجه للتقديم.\rأ هـ {روح المعانى حـ 2 صـ 76}\rوقال أبو حيان : ","part":4,"page":225},{"id":1544,"text":"المعنى : جزاء الكافرين مثل ذلك الجزاء ، وهو القتل ، أي : من كفر بالله تعالى فجزاؤه القتل ، وفي إضافة الجزاء إلى الكافرين إشعار بعلية القتل. أ هـ {البحر المحيط حـ 2 صـ 75}\rقوله تعالى : {فَإِنِ انتهوا فَإِنَّ الله غَفُورٌ رَّحِيمٌ }\rالمناسبة\rقال البقاعى : \rولما كان النزوع بعد الشروع لا سيما حالة الإشراف على الظفر عسراً على الأنفس الأبية والهمم العلية قال : {فإن انتهوا} أي عن القتال ومقدماته ، وفيه إشعار بأن طائفة منهم تنتهي فإن العالم بكل شيء لا يعبر بأداة الشك إلا كذلك. ولما كان التقدير : فكفوا عنهم ولا تعرضوا لهم فإن الله قد غفر لهم علله بأمر عام فقال : {فإن الله} أي المحيط بجميع صفات الكمال {غفور رحيم} أي له هاتان الصفتان أزلاً وأبداً فكل من تاب فهذا شأنه معه. أ هـ {نظم الدرر حـ 1 صـ 364}\rوقال فى التحرير والتنوير : \rالانتهاء : أصله مطاوع نهى يقال : نهاه فانتهى ثم توسع فيه فأطلق على الكف عن عمل أو عن عزم ؛ لأن النهي هو طلب ترك فعل سواء كان الطلب بعد تلبس المطلوب بالفعل أو قبل تلبسه به قال النابغة\r : ... لقد نهيت بني ذبيان عن أُقُرٍ\rوعن تَرَبُّعهم في كل إصفار... أي عن الوقوع في ذلك. أ هـ {التحرير والتنوير حـ 2 صـ 207}\rوقال الفخر : \rأما قوله تعالى : {فَإِنِ انتهوا فَإِنَّ الله غَفُورٌ رَّحِيمٌ} فاعلم أنه تعالى أوجب عليهم القتال على ما تقدم ذكره ، وكان يجوز أن يقدر أن ذلك القتال لا يزول وإن انتهوا وتابوا كما ثبت في كثير من الحدود أن التوبة لا تزيله ، فقال تعالى بعدما أوجب القتل عليهم : {فَإِنِ انتهوا فَإِنَّ الله غَفُورٌ رَّحِيمٌ} بين بهذا أنهم متى انتهوا عن ذلك سقط وجوب القتل عنهم ، ونظيره قوله تعالى : {قُل لِلَّذِينَ كَفَرُواْ إِن يَنتَهُواْ يُغْفَرْ لَهُمْ مَّا قَدْ سَلَفَ} [الأنفال : 38] وفي الآية مسائل : ","part":4,"page":226},{"id":1545,"text":"المسألة الأولى : قال ابن عباس : فإن انتهوا عن القتال وقال الحسن : فإن انتهوا عن الشرك.\rحجة القول الأول : أن المقصود من الإذن في القتال منع الكفار عن المقاتلة فكان قوله : {فَإِنِ انْتَهَوْاْ} محمولاً على ترك المقاتلة.\rحجة القول الثاني : أن الكافر لا ينال غفران الله ورحمته بترك القتال ، بل بترك الكفر.\rالمسألة الثانية : الانتهاء عن الكفر لا يحصل في الحقيقة إلا بأمرين أحدهما : التوبة والآخر التمسك بالإسلام ، وإن كان قد يقال في الظاهر لمن أظهر الشهادتين : إنه انتهى عن الكفر إلا أن ذلك إنما يؤثر في حقن الدم فقط.\rأما الذي يؤثر في استحقاق الثواب والغفران والحرمة فليس إلا ما ذكرنا.\rالمسألة الثالثة : دلت الآية على أن التوبة من كل ذنب مقبولة ، وقول من قال : التوبة عن القتل العمد غير مقبولة خطأ ، لأن الشرك أشد من القتل ، فإذا قبل الله توبة الكافر فقبول توبة القاتل أولى ، وأيضاً فالكافر قد يكون بحيث جمع مع كونه كافراً كونه قاتلاً.\rفلما دلت الآية على قبول توبة كل كافر دل على أن توبته إذا كان قاتلاً مقبولاً والله أعلم. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 5 صـ 113}\rوقال أبو حيان : ","part":4,"page":227},{"id":1546,"text":"{ فإن انتهوا فإن الله غفور رحيم} أي : عن الكفر ، ودخلوا في الاسلام ، ولذلك علق عليه الغفران والرحمة وهما لا يكونان مع الكفر {قل للذين كفروا إن ينتهوا يغفر لهم ما قد سلف} وتقدم ما يدل عليه من اللفظ وهو جزاء الكافرين ، وسياق الكلام إنما هو مع الكفار ، وقيل : فإن انتهوا عن المقاتلة والشرك ، لتقدمهما في الكلام ، وهو حسن ، وقيل : عن القتال دون الكفر ، وليس الغفران لهم على هذا القول ، بل المعنى : فإن الله غفور لكم رحيم بكم حيث أسقط عنكم تكليف قتالهم ، وقيل : الجواب محذوف ، أي : فاغفروا لهم فإن الله غفور رحيم لكم ، وعلى قول : إن الانتهاء عن القتال فقط ، تكون الآية منسوخة ، وعلى القولين قبله تكون محكمة ، ومعنى : انتهى : كف ، وهو افتعل من النهي ، ومعناه فعل الفاعل بنفسه ، وهو نحو قولهم : اضطرب ، وهو أحد المعاني التي جاءت لها : افتعل.\rقالوا : وفي قوله : {فإن انتهوا فإن الله غفور رحيم} دلالة على قبول توبة قاتل العمد ، إذ كان الكفر أعظم مأثماً من القتل ، وقد أخبر تعالى أنه يقبل التوبة من الكفر. أ هـ {البحر المحيط حـ 2 صـ 75}\rفائدة\rقال بعض العلماء : في هذه الآية دليل على أن الباغي على الإمام بخلاف الكافر ؛ فالكافرْ يُقتل إذا قاتل بكل حال ، والباغي إذا قاتل بنية الدفع.\rولا يُتْبَعُ مُدْبِر ولا يُجْهَز على جريح. أ هـ {تفسير القرطبى حـ 2 صـ 352}\rكلام نفيس لابن عرفة فى الآية\rقيل لابن عرفة : في ظاهر الآية تناف لأن \" اقتلوهم حيث ثقفتموهم \" يقتضي الأمر باستِئْصالِهِم وعدم إحياًء أحد (منهم) فلا يبق للاخراج محل.\rوقوله : \" وَأَخْرِجُوهُم \" يقتضي إحياء بعضهم حتى يتناوله الإخراج.","part":4,"page":228},{"id":1547,"text":"فأجاب بوجهين : الأول منهما : أنّ الاستيلاء عليهم تارة يكون عاما بحيث لا تبقى لهم ممانعة بوجه ، فهنا يقتلون وتارة يكون (دون) ذلك بحيث يتولّى المسلمون على وطنهم (ويمتنعون) هم منهم في حصن ونحوه ، حتى لا يكون لهم قوة على المسلمين ولا للمسلمين قدرة على قتلهم فهنا يصالحونهم على أن يخرجوا لينجوا بأنفسهم خاصة. انتهى.\rالثاني : أنهم يخرجون أولا ثم يقتلون بعد الإخراج والواو لا تفيد رتبة ففي الآية التقديم والتأخير.\rقال ابن عرفة : في الآية عندي إيماء إلى كون فعل الطاعة إذا (وافق) غرضا دنيويا فلا يقدح ذلك فيه ولا ينقص ثوابه لقوله : {مِّنْ حَيْثُ أَخْرَجُوكُمْ}.\rقلت : وتقدم لنا في الختمة الأخرى عن ابن عرفة أنه تقرر أن الإمام مخير في الجهاد بين ثلاثة أشياء : إما القتل ، وإما الفدية وإما الأسر ، والآية تقتضي تحتم القتل من غير تخيير. وأجاب بأنه قد يكون تخصيصا.\rقوله تعالى : {فَإِن قَاتَلُوكُمْ فاقتلوهم...}.\rوقرىء \" فَإِن قَتَلُوكُمْ \" أي فإن قتلوا بعضكم أو فإن أرادوا قتلكم ، وقول الله جل جلاله : {كَذَلِكَ جَزَآءُ الكافرين} بعد أن قال {وَلاَ تُقَاتِلُوهُمْ عِندَ المسجد الحرام حتى يُقَاتِلُوكُمْ فِيهِ} فظاهره أن الكافرين ليس لهم (جزاء إلا هذا ، مع أن جزاءهم) أن يقاتلوهم حيث (ثقفوهم) حتى يُسلموا ، فيجاب بهذا إما منسوخ أو مخصوص. أ هـ {تفسير ابن عرفة صـ 243}","part":4,"page":229},{"id":1548,"text":"قول ضعيف فى الآية\rقال ابن العربى : \rقَوْله تَعَالَى : {فَإِنْ انْتَهَوْا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ} : يَعْنِي انْتَهَوْا بِالْإِيمَانِ فَإِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ لَهُمْ جَمِيعَ مَا تَقَدَّمَ ، وَيَرْحَمُ كُلًّا مِنْهُمْ بِالْعَفْوِ عَمَّا اجْتَرَمَ.\rوَهَذَا مَا لَمْ يُؤْسَرْ ، فَإِنْ أُسِرَ مَنَعَهُ الْإِسْلَامُ عَنْ الْقَتْلِ وَبَقِيَ عَلَيْهِ الرِّقُّ ، لِمَا رَوَى مُسْلِمٌ وَغَيْرُهُ عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ ، {أَنَّ ثَقِيفًا كَانَتْ حُلَفَاءَ لِبَنِي عَقِيلٍ فِي الْجَاهِلِيَّةِ ، فَأَصَابَ الْمُسْلِمُونَ رَجُلًا مِنْ بَنِي عَقِيلٍ وَمَعَهُ نَاقَةٌ لَهُ ، فَأَتَوْا بِهِ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ : يَا مُحَمَّدُ ؛ بِمَ أَخَذْتَنِي وَأَخَذْت سَابِقَةَ الْحَاجِّ ؟ قَالَ : أَخَذْتُك بِجَرِيرَةِ حُلَفَائِك ثَقِيفٍ وَقَدْ كَانُوا أَسَرُوا رَجُلَيْنِ مِنْ الْمُسْلِمِينَ ، فَكَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَمُرُّ بِهِ وَهُوَ مَحْبُوسٌ ، فَيَقُولُ : يَا مُحَمَّدُ ، إنِّي مُسْلِمٌ.\rقَالَ : لَوْ كُنْت قُلْت ذَلِكَ وَأَنْتَ تَمْلِكُ أَمْرَك أَفْلَحْت كُلَّ الْفَلَاحِ فَفَدَاهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِرَجُلَيْنِ مِنْ الْمُسْلِمِينَ ، وَأَمْسَكَ النَّاقَةَ لِنَفْسِهِ}.أ هـ {أحكام القرآن لابن العربى حـ 1 صـ 153 ـ 154}","part":4,"page":230},{"id":1549,"text":"من لطائف الإمام القشيرى فى الآية\rقوله جلَّ ذكره : {وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ}.\rيعني عليكم بنصب العداوة مع أعدائي - كما أن عليكم إثبات الولاية والموالاة مع أوليائي - فلا تُشْفِقُوا عليهم وإن كان بينكم واصد الرحم ووشائج القرابة.\r{ وأَخْرِجُوهُمْ مِّنْ حَيْثُ أَخْرَجُوكُمْ} : أولاً أَخْرِجُوا حبَّهم وموالاتهم من قلوبكم ، ثم أخرجوهم عن أوطان الإسلام ليكون الصغار جارياً عليهم. أ هـ {لطائف الإشارات حـ 1 صـ 160}\rقوله تعالى : {وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ فَإِنِ انْتَهَوْا فَلَا عُدْوَانَ إِلَّا عَلَى الظَّالِمِينَ (193)}\rمناسبة الآية لما قبلها\rقال البقاعى : ","part":4,"page":231},{"id":1550,"text":"ولما كان المراد بما مضى من قتالهم كف أذاهم بأي فعل كان حققه بقوله : {وقاتلوهم} أي هؤلاء الذين نسبناهم إلى قتالكم وإخراجكم وفتنتكم أعم من أن يكونوا كفاراً أو لا {حتى لا تكون فتنة} أي توجد فتنة بأن لا يقدروا أن يؤذوا أحداً من أهل الإسلام ليردوه عن دينه أو يخرجوه من داره أو يخلعوه من ماله أو يغلبوه على حقه ، فقتال كل من وقع منه ذلك كفراً أو بغياً في سبيل الله حتى يفيء إلى أمر الله {ويكون الدين} أي الطاعة والعبادة. ولما كان هذا في أوائل ما بعد الهجرة قبل أن يروا من نصر الله لهم ما يقوي عزائمهم أعراه من التأكيد فقال : {الله} أي الذي لا كفوء له خاصاً به بأن يكون أمر المسلمين ظاهراً ، ليس للشيطان فيه نصيب ، لا يقدر أحد من أهل الكفر ولا أهل البغي على التظاهر بأذى أحد منهم ، وذلك بأن لا يبقى مشرك أصلاً ولا يبقى كتابي إلا ألزم الصغار بالجزية ، والحكمة في إبقائهم دون المشركين أن لهم كتباً أمهلوا لحرمتها ولينظروا فيها فيقفوا على الحق منها فإنها وإن كانت قد وقع فيها التحريف قد بقي فيها ما يهدي الموفق لأنها لم يعمها التحريف ، وأما أهل الأوثان فليس لهم ما يرشدهم إلى الحق فكان إمهالهم زيادة في شركهم مقطوعاً بها من غير فائدة تنتظر. قال الحرالي : ففي طيه إشعار بما وقع وهو واقع وسيقع من قتال طائفة الحق لطائفة البغي سائر اليوم المحمدي بما تخلص من الفتنة ويخلص الدين لله توحيداً ورضى وثباتاً على حال السلف الصالح وزمان الخلافة والنبوة - انتهى. {فإن انتهوا} أي كلفوا أنفسهم الرجوع عما استوجبوا به القتال فقد تركوا الظلم ، والنهي قال الحرالي الحكم المانع من الفعل المترامي إليه بمنزلة أثر العقل المسمى نُهى لمنعه عما تهوي إليه النفس مما يستبصر فيه النهى ، قال عليه الصلاة والسلام : \" ليليني منكم أولو الأحلام والنهى \" فمن لم يكن من أهل النهى كان نهاه النهى وهو الحكم المذكور - انتهى. {فلا","part":4,"page":232},{"id":1551,"text":"عدوان} أي فلا سبيل يقع فيه العدو الشديد للقتال عليهم ، فإنه لا عدوان {إلا على الظالمين} قال الحرالي : فذكر الظلم الشامل لوجوه إيقاع الأمر في غير موضعه من أعلى الدين إلى أدناه - انتهى. ويجوز أن يكون التقدير : فإن انتهوا عن الشرك فقد انتفى عنهم اسم الظلم فلا تعتدوا عليهم ، فإن اعتديتم عليهم سلطاناً عليكم لظلمكم لهم من يعتدي عليكم ، فإنه لا عدوان إلا على الظالمين الذين دخلتم في مسماهم وخرجوا من مسماهم بالانتهاء ، فلا عدوان إلاّ عليكم لا عليهم ، ومعنى العدوان القتال بغاية العدو والشدة والعزم. أ هـ {نظم الدرر حـ 1 صـ 365 ـ 366}\rقال الفخر : \rقال القوم : هذه الآية ناسخة لقوله تعالى : {وَلاَ تقاتلوهم عِندَ المسجد الحرام حتى يقاتلوكم فِيهِ} [البقرة : 191] والصحيح أنه ليس كذلك لأن البداية بالمقاتلة عند المسجد الحرام نفت حرمته أقصى ما في الباب أن هذه الصفة عامة ولكن مذهب الشافعي رضي الله عنه وهو الصحيح أن العام سواء كان مقدماً على المخصص أو متأخراً عنه فإنه يصير مخصوصاً به والله أعلم.\rأ هـ {مفاتيح الغيب حـ 5 صـ 113}\rقال ابن عاشور : \rعطف على جملة {وقاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم} [البقرة : 190] وكان مقتضى الظاهر ألا تعطف هذه الجملة ؛ لأنها مبينة لما أجمل من غاية الأمر بقتال المشركين ولكنها عطفت لما وقع من الفصل بينها وبين الجملة المبيَّنة.","part":4,"page":233},{"id":1552,"text":"وقد تضمنت الجمل السابقة من قوله : {ولا تقاتلوهم عند المسجد الحرام} [البقرة : 191] إلى هنا تفصيلاً لجملة {وقاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم} ؛ لأن عموم {الذين يقاتلونكم} تنشأ عنه احتمالات في الأحوال والأزمنة والبقاع وقد انقضى بيان أحوال البقاع وأفضت التوبة الآن إلى بيان تحديد الأحوال بغاية ألا تكون فتنة. فإذا انتهت الفتنة فتلك غاية القتال ، أي إن خاسوا بالعهد وخفروا الذمة في المدة التي بينكم على ترك القتال فقد أصبحتم في حل من عهدهم فلكم أن تقاتلوهم حتى لا تكون فتنة أخرى من بعد يفتنونكم بها وحتى يدخلوا في الإسلام ، فهذا كله معلق بالشرط المتقدم في قوله : {فإن قاتلوكم فاقتلوهم} [البقرة : 191] ، فإعادة فعل {وقاتلوهم} لتبنى عليه الغاية بقوله : {حتى لا تكون فتنة} وبتلك الغاية حصلت المغايرة بينه وبين {وقاتلوا في سبيل الله} وهي التي باعتبارها ساغ عطفه على مثله. ف (حتى) في قوله : {حتى لا تكون} إما أن تجعل للغاية مرادفة إلى ، وإما أن تجعل بمعنى كي التعليلية وهما متلازمان ؛ لأن القتال لما غيي بذلك تعين أن الغاية هي المقصد ، ومتى كانت الغاية غير حسية نشأ عن (حتى) معنى التعليل ، فإن العلة غاية اعتبارية كقوله تعالى : {ولا يزالون يقاتلونكم حتى يردونكم عن دينكم} [البقرة : 217]. وأيَّا ما كان فالمضارع منصوب بعد (حتى) بأن مضمرة للدلالة على ترتب الغاية. أ هـ {التحرير والتنوير حـ 2 صـ 207}\rسؤال : ما المراد بالفتنة فى الآية ؟ ","part":4,"page":234},{"id":1553,"text":"في المراد بالفتنة ههنا وجوه أحدهما : أنها الشرك والفكر ، قالوا : كانت فتنتهم أنهم كانوا يضربون ويؤذون أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم بمكة حتى ذهبوا إلى الحبشة ثم واظبوا على ذلك الإيذاء حتى ذهبوا إلى المدينة وكان غرضهم من إثارة تلك الفتنة أن يتركوا دينهم ويرجعوا كفاراً ، فأنزل الله تعالى هذه الآية ، والمعنى : قاتلوهم حتى تظهروا عليهم فلا يفتنوكم عن دينكم فلا تقعوا في الشرك وثانيها : قال أبو مسلم : معنى الفتنة ههنا الجرم قال : لأن الله تعالى أمر بقتالهم حتى لا يكون منهم القتال الذي إذا بدؤا به كان فتنة على المؤمنين لما يخافون عنده من أنواع المضار. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 5 صـ 113}\rوقال فى التحرير والتنوير : \rالمراد بالفتنة هنا كالمراد بها هنالك {فى الآية السابقة} ، ولما وقعت هنا في سياق النفي عمت جميع الفتن فلذلك ساوت المذكورة هنا المذكورة في قوله تعالى : {والفتنة أشد من القتل} [البقرة : 191] فإعادة الفتنة منكرة هنا لا يدل على المغايرة كما هو الشائع بين المعربين في أن المعرفة إذا أعيدت نكرة فهي غير الأولى ؛ لأن وقوعها في سياق النفي أفاد العموم فشمل جميع أفراد الفتنة مساوياً للفتنة المعرفة بلام الاستغراق إلاّ أنه استغراق عرفي بقرينة السياق فتقيد بثلاثة قيود بالقرينة أي حتى لا تكون فتنة منهم للمسلمين في أمر الدين وإلاّ فقد وقعت فتن بين المسلمين أنفسهم كما في حديث : \" ثم فتنة لا يبقى بيت من العرب إلاّ دخلته \".","part":4,"page":235},{"id":1554,"text":"وانتفاء الفتنة يتحقق بأحد أمرين : إما بأن يدخل المشركون في الإسلام فتنزل فتنتهم فيه ، وإما بأن يقتلوا جميعاً فتزول الفتنة بفناء الفاتنين. وقد يُفرض انتفاء الفتنة بظهور المسلمين عليهم ومصير المشركين ضعفاء أمام قوة المسلمين ، بحيث يخشون بأسهم ، إلاّ أن الفتنة لما كانت ناشئة عن التصلب في دينهم وشركهم لم تكن بالتي تضمحل عند ضعفهم ، لأن الإقدام على إرضاء العقيدة يصدر حتى من الضعيف كما صدر من اليهود غير مرة في المدينة في مثل قصة الشاة المسمومة ، وقتلهم عبد الله بن سهل الحارثي في خيبر ، ولذلك فليس المقصود هنا إلاّ أحد أمرين : إما دخولهم في الإسلام وإما إفناؤهم بالقتل ، وقد حصل كلا الأمرين في المشركين ففريق أسلموا ، وفريق قتلوا يوم بدر وغيره من الغزوات ، ومن ثم قال علماؤنا : لا تقبل من مشركي العرب الجزية ، ومن ثم فسر بعض المفسرين الفتنة هنا بالشرك تفسيراً باعتبار المقصود من المعنى لا باعتبار مدلول اللفظ. أ هـ {التحرير والتنوير حـ 2 صـ 208}\rسؤال : فإن قيل : كيف يقال : {وقاتلوهم حتى لاَ تَكُونَ فِتْنَةٌ} مع علمنا بأن قتالهم لا يزيل الكفر وليس يلزم من هذا أن خبر الله لا يكون حقاً.\rقلنا الجواب من وجهين الأول : أن هذا محمول على الأغلب لأن الأغلب عند قتالهم زوال الكفر والشرك ، لأن من قتل فقد زال كفره ، ومن لا يقتل يخاف منه الثبات على الكفر فإذا كان هذا هو الأغلب جاز أن يقال ذلك.\rالجواب الثاني : أن المراد قاتلوهم قصداً منكم إلى زوال الكفر ، لأن الواجب على المقاتل للكفار أن يكون مراده هذا ، ولذلك متى ظن أن من يقاتله يقلع عن الكفر بغير القتال وجب عليه العدول عنه. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 5 صـ 113}\rقال الشيخ الطاهر بن عاشور : \rوقوله : {ويكون الدين لله} عطف على {لا تكون فتنة} فهو معمول لأن المضمرة بعد (حتى) أي وحتى يكون الدين لله ، أي حتى لا يكون دين هنالك إلاّ لله أي وحده.","part":4,"page":236},{"id":1555,"text":"فالتعريف في الدين تعريف الجنس ، لأن الدين من أسماء المواهي التي لا أفراد لها في الخارج فلا يحتمل تعريفه معنى الاستغراق.\rواللام الداخلة على اسم الجلالة لام الاختصاص أي حتى يكون جنس الدين مختصاً بالله تعالى على نحو ما قرر في قوله : {الحمد لله} [الفاتحة : 2] ، وذلك يئول إلى معنى الاستغراق ولكنه ليس عينه ، إذ لا نظر في مثل هذا للأفراد ، والمعنى : ويكون دين الذين تقاتلونهم خالصاً لله لاحظ للإشراك فيه.\rوالمقصود من هذا تخليص بلاد العرب من دين الشرك وعموم الإسلام لها ؛ لأن الله اختارها لأن تكون قلب الإسلام ومنبع معينه فلا يكون القلب صالحاً إذا كان مخلوط العناصر.\rوقد أخرج البخاري عن عبد الله بن عمر أثراً جيداً قال : جاءَ رجلان إلى ابن عمر أيام فتنة ابن الزبير فقالا : إن الناس صنعوا ما ترى وأنت ابن عمر وصاحب النبي صلى الله عليه وسلم فما يمنعك أن تخرج ؟ فقال : يمنعني أن الله حرم دم أخي ، فقالا : ألم يقل الله تعالى : {وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين لله} فقال ابن عمر : قاتلنا مع رسول الله حتى لم تكن فتنة وكان الدين لله وأنتم تريدون أن تقاتلوا حتى تكون فتنة ويكون الدين لغير الله ، قال ابن عمر : كان الإسلام قليلاً فكان الرجل يفتن في دينه إما قتلوه وإما عذبوه حتى كثر الإسلام فلم تكن فتنة. أ هـ {التحرير والتنوير حـ 2 صـ 209}\rقوله تعالى : {وَيَكُونَ الدين للَّهِ }\rقال الفخر : ","part":4,"page":237},{"id":1556,"text":"أما قوله تعالى : {وَيَكُونَ الدين للَّهِ} فهذا يدل على حمل الفتنة على الشرك ، لأنه ليس بين الشرك وبين أن يكون الدين كله لله واسطة والمراد منه أن يكون تعالى هو المعبود المطاع دون سائر ما يعبد ويطاع غيره ، فصار التقدير كأنه تعالى قال : وقاتلوهم حتى يزول الكفر ويثبت الإسلام ، وحتى يزول ما يؤدي إلى العقاب ويحصل ما يؤدي إلى الثواب ، ونظيره قوله تعالى : {تقاتلونهم أَوْ يُسْلِمُونَ} [الفتح : 16] وفي ذلك بيان أنه تعالى إنما أمر بالقتال لهذا المقصود. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 5 صـ 114}\rسؤال : لم لم يجىء هنا كلمة {كله} كما في آية الأنفال ؟ \rالجواب : لم يجىء هنا كلمة كله كما في آية الأنفال لأن ما هنا في مشركي العرب ، وما هناك في الكفار عموماً فناسب العموم هناك وتركه هنا {فَإِنِ انْتَهَوْاْ} تصريح بمفهوم الغاية فالمتعلق الشرك والفاء للتعقيب {فَلاَ عدوان إِلاَّ عَلَى الظالمين} علة للجزاء المحذوف أقيمت مقامه والتقدير : فان انتهوا وأسلموا فلا تعتدوا عليهم لأن العدوان على الظالمين والمنتهون ليسوا بظالمين ، والمراد نفي الحسن والجواز لا نفي الوقوع لأن العدوان واقع على غير الظالمين. أ هـ {روح المعانى حـ 2 صـ 76}\rوقال ابن عرفة : \rقوله تعالى : {وَيَكُونَ الدين لِلَّهِ...}.\rفي الأنفال : {وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ} وأجاب بعضهم : بأن هذه في قتال كفار قريش وتلك في قتال جميع الكفار لأن قبلها {قُل لِّلَّذِينَ كفروا إِن يَنتَهُواْ يُغْفَرْ لَهُمْ مَّا قَدْ سَلَفَ} فالمراد في آية البقرة ويكون الدّين (الّذي) هم عليه لله ودينهم بعض الدين لا كله بخلاف آية الأنفال.\rقال ابن عرفة : هذا (ينتج) له العكس لأن الأمر بقتال جميع الكفار يقتضي أنّ المراد صيرورة جميع الدّين لله فلا يحتاج إلى التأكيد بكل ، والأمر بقتال بعضهم لا يقتضي ذلك فهو أحق أن يؤكد (بكل ). أ هـ {تفسير ابن عرفة صـ 245}","part":4,"page":238},{"id":1557,"text":"كلام نفيس فى هذا الموضع\rقال ابن العربى : \rقَوْله تَعَالَى {وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ} : قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ {أُمِرْت أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَقُولُوا لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ ، فَإِذَا قَالُوهَا عَصَمُوا مِنِّي دِمَاءَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ إلَّا بِحَقِّهَا وَحِسَابُهُمْ عَلَى اللَّهِ فَإِنْ لَمْ يَفْعَلُوا قُوتِلُوا وَهُمْ الظَّالِمُونَ لَا عُدْوَانَ إلَّا عَلَيْهِمْ }.\rإنَّ سَبَبَ الْقَتْلِ هُوَ الْكُفْرِ بِهَذِهِ الْآيَةِ ؛ لِأَنَّهُ تَعَالَى قَالَ { : حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ} ؛ فَجَعَلَ الْغَايَةَ عَدَمَ الْكُفْرِ نَصًّا ، وَأَبَانَ فِيهَا أَنَّ سَبَبَ الْقَتْلِ الْمُبِيحَ لِلْقِتَالِ الْكُفْرُ.\rوَقَدْ ضَلَّ أَصْحَابُ أَبِي حَنِيفَةَ عَنْ هَذَا ، وَزَعَمُوا أَنَّ سَبَبَ الْقَتْلِ الْمُبِيحَ لِلْقِتَالِ هِيَ الْخَرْبَةُ ، وَتَعَلَّقُوا بِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى {وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ} وَهَذِهِ الْآيَةُ تَقْضِي عَلَيْهَا الَّتِي بَعْدَهَا ؛ لِأَنَّهُ أَمَرَ أَوَّلًا بِقِتَالِ مَنْ قَاتَلَ ، ثُمَّ بَيَّنَ أَنَّ سَبَبَ قِتَالِهِ وَقَتْلِهِ كُفْرُهُ الْبَاعِثُ لَهُ عَلَى الْقِتَالِ ، وَأَمَرَ بِقِتَالِهِ مُطْلَقًا مِنْ غَيْرِ تَخْصِيصٍ بِابْتِدَاءِ قِتَالٍ مِنْهُ.\rفَإِنْ قِيلَ : لَوْ كَانَ الْمُبِيحُ لِلْقَتْلِ هُوَ الْكُفْرُ لَقُتِلَ كُلُّ كَافِرٍ وَأَنْتَ تَتْرُكُ مِنْهُمْ النِّسَاءَ وَالرُّهْبَانَ وَمَنْ تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ مَعَهُمْ.\r","part":4,"page":239},{"id":1558,"text":"فَالْجَوَابُ : أَنَّا إنَّمَا تَرَكْنَاهُمْ مَعَ قِيَامِ الْمُبِيحِ بِهِمْ لِأَجْلِ مَا عَارَضَ الْأَمْرَ مِنْ مَنْفَعَةٍ أَوْ مَصْلَحَةٍ : أَمَّا الْمَنْفَعَةُ فَالِاسْتِرْقَاقُ فِيمَنْ يُسْتَرَقُّ ؛ فَيَكُونُ مَالًا وَخَدَمًا ، وَهِيَ الْغَنِيمَةُ الَّتِي أَحَلَّهَا اللَّهُ تَعَالَى لَنَا مِنْ بَيْنِ الْأُمَمِ.\rوَأَمَّا الْمَصْلَحَةُ فَإِنَّ فِي اسْتِبْقَاءِ الرُّهْبَانِ بَاعِثًا عَلَى تَخَلِّي رِجَالِهِمْ عَنْ الْقِتَالِ فَيُضْعِفُ حَرْبَهُمْ وَيُقِلُّ حِزْبَهُمْ فَيَنْتَشِرُ الِاسْتِيلَاءُ عَلَيْهِمْ أ هـ {أحكام القرآن لابن العربى حـ 1 صـ 155}","part":4,"page":240},{"id":1559,"text":"قوله تعالى : {فَإِنِ انْتَهَوْاْ }\rقال الفخر : \rأما قوله تعالى : {فَإِنِ انْتَهَوْاْ} فالمراد : فإن انتهوا عن الأمر الذي لأجله وجب قتالهم ، وهو إما كفرهم أو قتالهم ، فعند ذلك لا يجوز قتالهم ، وهو كقوله تعالى : {قُل لِلَّذِينَ كَفَرُواْ إِن يَنتَهُواْ يُغْفَرْ لَهُمْ ما قَدْ سَلَفَ} [الأنفال : 38 ]. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 5 صـ 114}\rقوله تعالى : {فَلاَ عدوان إِلاَّ عَلَى الظالمين }\rقال الفخر : \rأما قوله تعالى : {فَلاَ عدوان إِلاَّ عَلَى الظالمين} ففيه وجهان الأول : فإن انتهوا فلا عدوان ، أي فلا قتل إلاعلى الذين لا ينتهون على الكفر فإنهم بإصرارهم على كفرهم ظالمون لأنفسهم على ما قال تعالى : {إِنَّ الشرك لَظُلْمٌ عَظِيمٌ }.أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 5 صـ 114}\rوقال ابن عاشور : \rوقوله : {فإن انتهوا فلا عدوان إلا على الظالمين} ، أي فإن انتهوا عن نقض الصلح أو فإن انتهوا عن الشرك بأن آمنوا فلا عدوان عليهم ، وهذا تصريح بمفهوم قوله : {الذين يقاتلونكم} [البقرة : 190] واحتيج إليه لبعد الصفة بطول الكلام ولاقتضاء المقام التصريحَ بأهم الغايتين من القتال ؛ لئلا يتوهم أن آخر الكلام نسخ أوله وأوجب قتال المشركين في كل حال.\rوقوله : {فلا عدوان إلا على الظالمين} قائم مقام جواب الشرط لأنه علة الجواب المحذوف ، والمعنى فإن انتهوا عن قتالكم ولم يقدموا عليه فلا تأخذوهم بالظنة ولا تبدءوهم بالقتال ، لأنهم غير ظالمين ؛ وإذ لا عدوان إلاّ على الظالمين ، وهو مجاز بديع.","part":4,"page":241},{"id":1560,"text":"والعدوان هنا إما مصدر عدا بمعنى وثب وقاتل أي فلا هجوم عليهم ، وإما مصدر عدا بمعنى ظلم كاعتدى فتكون تسميته عدواناً مشاكلة لقوله : {على الظالمين} كما سمي جزاء السيئة بالسوء سيئة. وهذه المشاكلة تقديرية. أ هـ {التحرير والتنوير حـ 2 صـ 209}\rسؤال : لم جاء : بـ {على} ؟ \rالجواب : جاء : بعلى ، تنبيها على استيلاء الجزاء عليهم واستعلائه. أ هـ {البحر المحيط حـ 2 صـ 77}\rفإن قيل : لم سمي ذلك القتل عدواناً مع أنه في نفسه حق وصواب ؟ .\rقلنا : لأن ذلك القتل جزاء العدوان فصح إطلاق اسم العدوان عليه كقوله تعالى : {وَجَزَاء سَيّئَةٍ سَيّئَةٌ مّثْلُهَا} [الشورى : 40] وقوله تعالى : {فَمَنِ اعتدى عَلَيْكُمْ فاعتدوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعتدى عَلَيْكُم} [البقرة : 194] {ومكروا ومكر الله} [آل عمران : 54] {فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ سَخِرَ الله مِنْهُمْ} [التوبة : 79] والثاني : إن تعرضتم لهم بعد انتهائهم عن الشرك والقتال كنتم أنتم ظالمين فنسلط عليكم من يعتدي عليكم. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 5 صـ 114}\rوقال الرماني ، إنما استعمل لفظ العدوان في الجزاء من غير مزاوجة اللفظ ، لأن مزاوجة اللفظ مزاوجة المعنى ، كأنه يقول : انتهوا عن العدوان فلا عدوان إلاَّ على الظالمين انتهى كلامه. وهذا النفي العام يراد به النهي ، أي : فلا تعتدوا ، وذلك على سبيل المبالغة إذا أرادوا المبالغة في ترك الشيء عدلوا فيه عن النهي إلى النفي المحض العام ، وصار ألزم في المنع ، إذ صار من الأشياء التي لا تقع أصلاً ، ولا يصح حمل ذلك على النفي الصحيح أصلاً لوجود العدوان على غير الظالم. فكأنه يكون إخباراً غير مطابق ، وهو لا يجوز على الله تعالى.\rوقيل : معنى لا عدوان ، لا سبيل ، كقوله : {أيما الأجلين قضيت فلا عدوان عليّ} أي لا سبيل عليّ ، وهو مجاز عن التسليط والتعرض ، وهو راجع لمعنى جزاء الظالم الذي شرحنا به العدوان.","part":4,"page":242},{"id":1561,"text":"ورابط الجزاء بالشرط إما بتقدير حذف أي : إلاَّ على الظالمين منهم ، أو بالاندراج في عموم الظالمين ، فكان الربط بالعموم.\rأ هـ {البحر المحيط حـ 2 صـ 77}\rوقال ابن عطية\rوالانتهاء في هذا الموضع يصح مع عموم الآية في الكفار أن يكون الدخول في الإسلام ، ويصح أن يكون أداء الجزية ، وسمى ما يصنع بالظالمين عدواناً من حيث هو جزاء عدوان إذ الظلم يتضمن العدوان ، والعقوبة تسمى باسم الذنب في غير ما موضع ، والظالمون هم على أحد التأويلين : من بدأ بقتال ، وعلى التأويل الآخر : من بقي على كفر وفتنة. أ هـ {المحرر الوجيز حـ 1 صـ 263}\rقال أبو حيان : \rوفسر الظالمون هنا بمن بدأ بالقتال ، وقيل : من بقي على كفر وفتنة ، قال عكرمة ، وقتادة : الظالم هنا من أبى أن يقول لا إله إلاَّ الله. أ هـ {البحر المحيط حـ 2 صـ 77}\rكلام نفيس فى آيات الجهاد لصاحب الميزان : \rقال رحمه الله : \rسياق الآيات الشريفة يدل على أنها نازلة دفعة واحدة ، وقد سيق الكلام فيها لبيان غرض واحد وهو تشريع القتال لأول مرة مع مشركي مكة ، فإن فيها تعرضا لإخراجهم من حيث أخرجوا المؤمنين ، وللفتنة ، وللقصاص ، والنهي عن مقاتلتهم عند المسجد الحرام حتى يقاتلوا عنده ، وكل ذلك أمور مربوطة بمشركي مكة ، على أنه تعالى قيد القتال بالقتال في قوله : {وقاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم} ، وليس معناه الاشتراط أي قاتلوهم إن قاتلوكم وهو ظاهر ، ولا قيدا احترازيا ، والمعنى قاتلوا الرجال دون النساء والولدان الذين لا يقاتلونكم كما ذكره بعضهم ، إذ لا معنى لقتال من لا يقدر على القتال حتى ينهى عن مقاتلته ، ويقال : لا تقاتله بل إنما الصحيح النهى عن قتله دون قتاله.\rبل الظاهر أن الفعل أعني يقاتلونكم ، للحال والوصف للإشارة ، والمراد به الذين حالهم حال القتال مع المؤمنين وهم مشركوا مكة.","part":4,"page":243},{"id":1562,"text":"فمساق هذه الآيات مساق قوله تعالى : (أذن للذين يقاتلون بأنهم ظلموا وإن الله على نصرهم لقدير الذين أخرجوا من ديارهم بغير حق إلا أن يقولوا ربنا الله) الحج - 40 ، إذن ابتدائي للقتال مع المشركين المقاتلين من غير شرط.\rعلى أن الآيات الخمس جميعا متعرضة لبيان حكم واحد بحدوده وأطرافه ولوازمه فقوله تعالى : {وقاتلوا في سبيل الله} ، لأصل الحكم ، وقوله تعالى : {لا تعتدوا }الخ ، تحديد له من حيث الانتظام ، وقوله تعالى : {واقتلوهم} (الخ) تحديد له من حيث التشديد ، وقوله تعالى : {ولا تقاتلوهم عند المسجد الحرام} (الخ) ، تحديد له من حيث المكان ، وقوله تعالى : {وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة} (الخ) تحديد له من حيث الأمد والزمان ، وقوله تعالى : {الشهر الحرام} (الخ) ، بيان أن هذا الحكم تشريع للقصاص في القتال والقتل ومعاملة بالمثل معهم ، وقوله تعالى : {وأنفقوا} ، إيجاب لمقدمته المالية وهو الإنفاق للتجهيز والتجهز ، فيقرب أن يكون نزول مجموع الآيات الخمس لشأن واحد من غير أن ينسخ بعضها بعضا كما احتمله بعضهم ، ولا أن تكون نازلة في شؤون متفرقة كما ذكره آخرون ، بل الغرض منها واحد وهو تشريع القتال مع مشركي مكة الذين كانوا يقاتلون المؤمنين.أ هـ {الميزان حـ 2 صـ 60 ـ 61}\rبحث قيم فى فرضية الجهاد لابن القيم\rقال رحمه الله : \rوالتحقيق أن جنس الجهاد فرض عين إما بالقلب وإما باللسان وإما بالمال وإما باليد فعلى كل مسلم أن يجاهد بنوع من هذه الأنواع\r","part":4,"page":244},{"id":1563,"text":"أما الجهاد بالنفس ففرض كفاية وأما الجهاد بالمال ففي وجوبه قولان والصحيح وجوبه لأن الأمر بالجهاد به وبالنفس في القرآن سواء كما قال تعالى : {انفروا خفافا وثقالا وجاهدوا بأموالكم وأنفسكم في سبيل الله ذلكم خير لكم إن كنتم تعلمون} (التوبة : 41) وعلق النجاة من النار به ومغفرة الذنب ودخول الجنة فقال : {يا أيها الذين آمنوا هل أدلكم على تجارة تنجيكم من عذاب أليم تؤمنون بالله ورسوله وتجاهدون في سبيل الله بأموالكم وأنفسكم ذلكم خير لكم إن كنتم تعلمون يغفر لكم ذنوبكم ويدخلكم جنات تجري من تحتها الأنهار ومساكن طيبة في جنات عدن ذلك الفوز العظيم}\r( الصف : 10) وأخبر أنهم إن فعلوا ذلك أعطاهم ما يحبون من النصر والفتح القريب فقال : {وأخرى تحبونها} (الصف : 12) أي : ولكم خصلة أخرى تحبونها في الجهاد وهي {نصر من الله وفتح قريب} وأخبر سبحانه أنه {اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة} (التوبة : 110) وأعاضهم عليها الجنة وأن هذا العقد والوعد قد أودعه أفضل كتبه المنزلة من السماء وهي التوارة والإنجيل والقرآن ثم أكد ذلك بإعلامهم أنه لا أحد أوفى بعهده منه تبارك وتعالى ثم أكد ذلك بأن أمرهم بأن يستبشروا ببيعهم الذي عاقدوه عليه ثم أعلمهم أن ذلك هو الفوز العظيم\rفليتأمل العاقد مع ربه عقد هذا التبايع ما أعظم خطره وأجله فإن الله عز وجل هو المشتري والثمن جنات النعيم والفوز برضاه والتمتع برؤيته هناك والذي جرى على يده هذا العقد أشرف رسله وأكرمهم عليه من الملائكة والبشر وإن سلعة هذا شأنها لقد هيئت لأمر عظيم وخطب جسيم : \rقد هيؤوك لأمر لو فطنت له... فاربأ بنفسك أن ترعى مع الهمل\r","part":4,"page":245},{"id":1564,"text":"مهر المحبة والجنة بذل النفس والمال لمالكهما الذي اشتراهما من المؤمنين فما للجبان المعرض المفلس وسوم هذه السلعة بالله ما هزلت فيستامها المفلسون ولا كسدت فيبيعها بالنسيئة المعسرون لقد أقيمت للعرض في سوق من يريد فلم يرض ربها لها بثمن دون بذل النفوس فتأخر البطالون وقام المحبون ينتظرون أيهم يصلح أن يكون نفسه الثمن فدارت السلعة بينهم ووقعت في يد {أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين} (المائدة : 54)\r","part":4,"page":246},{"id":1565,"text":"لما كثر المدعون للمحبة طولبوا بإقامة البينة على صحة الدعوى فلو يعطى الناس بدعواهم لادعى الخلي حرفة الشجي فتنوع المدعون في الشهود فقيل : لا تثبت هذه الدعوى إلا ببينة {قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله} (آل عمران : 31) فتأخر الخلق كلهم وثبت أتباع الرسول في أفعاله وأقواله وهديه وأخلاقه فطولبوا بعدالة البينة وقيل : لا تقبل العدالة إلا بتزكية {يجاهدون في سبيل الله ولا يخافون لومة لائم} (المائدة : 54) فتأخر أكثر المدعين للمحبة وقام المجاهدون فقيل لهم : إن نفوس المحبين وأموالهم ليست لهم فسلموا ما وقع عليه العقد فإن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة وعقد التبايع يوجب التسليم من الجانبين فلما رأى التجار عظمة المشتري وقدر الثمن وجلالة قدر من جرى عقد التبايع على يديه ومقدار الكتاب الذي أثبت فيه هذا العقد عرفوا أن للسلعة قدرا وشأنا ليس لغيرها من السلع فرأوا من الخسران البين والغبن الفاحش أن يبيعوها بثمن بخس دراهم معدودة تذهب لذتها وشهوتها وتبقى تبعتها وحسرتها فإن فاعل ذلك معدود في جملة السفهاء فعقدوا مع المشتري بيعة الرضوان رضى واختيارا من غير ثبوت خيار وقالوا : والله لا نقيلك ولا نستقيلك فلما تم العقد وسلموا المبيع قيل لهم : قد صارت أنفسكم وأموالكم لنا والآن فقد رددناها عليكم أوفر ما كانت وأضعاف أموالكم معها {ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتا بل أحياء عند ربهم يرزقون} (آل عمران : 69) لم نبتع منكم نفوسكم وأموالكم طلبا للربح عليكم بل ليظهر أثر الجود والكرم في قبول المعيب والإعطاء عليه أجل الأثمان ثم جمعنا لكم بين الثمن والمثمن تأمل قصة جابر بن عبد الله وقد اشترى منه صلى الله عليه وسلم بعيره ثم وفاه الثمن وزاده ورد عليه البعير وكان أبوه قد قتل مع النبي صلى الله عليه وسلم في وقعة أحد فذكره بهذا الفعل حال أبيه مع الله وأخبره أن الله أحياه وكلمه","part":4,"page":247},{"id":1566,"text":"كفاحا وقال : يا عبدي تمن علي فسبحان من عظم جوده وكرمه أن يحيط به علم الخلائق فقد أعطى السلعة وأعطى الثمن ووفق لتكميل العقد وقبل المبيع على عيبه وأعاض عليه أجل الأثمان واشترى عبده من نفسه بماله وجمع له بين الثمن والمثمن وأثنى عليه ومدحه بهذا العقد وهو سبحانه الذي وفقه له وشاءه منه\rفحيهلا إن كنت ذا همة فقد... حدا بك حادي الشوق فاطو المراجلا\rوقل لمنادي حبهم ورضاهم... إذا ما دعا لبيك ألفا كواملا\rولا تنظر الأطلال من دونهم فإن... نظرت إلى الأطلال عدن حوائلا\rولا تنتظر بالسير رفقة قاعد... ودعه فإن الشوق يكفيك حاملا\rوخذ منهم زادا إليهم وسرعلى... طريق الهدى والحب تصبح واصلا\rوأحي بذكراهم شراك إذا دنت... ركابك فالذكرى تعيدك عاملا\rوأما تخافن الكلال فقل لها... أمامك ورد الوصل فابغي المناهلا\rوخذ قبسا من نورهم ثم سر به... فنورهم يهديك ليس المشاعلا\rوحى على وادي الأراك فقل به... عساك تراهم ثم إن كنت قائلا\rوإلا ففي نعمان عندي معرف الـ... أحبة فاطلبهم إذا كنت سائلا\rوإلا ففي جمع بليلته فإن... تفت فمنى يا ويح من كان غافلا\rوحي على جنات عدن فإنها... منازلك الأولى بها كنت نازلا\rولكن سباك الكاشحون لأجل ذا... وقفت على الأطلال تبكي المنازلا\rوحي على يوم المزيد بجنة الـ... خلود فجد بالنفس إن كنت باذلا\rفدعها رسوما دارسات فما بها... مقيل وجاوزها فليست منازلا\rرسوماعفت ينتابهاالخلق كم بها... قتيل وكم فيها لذا الخلق قاتلا\rوخذ يمنة عنها على المنهج الذي... عليه سرى وفد الأحبة آهلا\rوقل ساعدي يانفس بالصبرساعة... فعند اللقا ذا الكد يصبح زائلا\rفما هي إلا ساعة ثم تنقضي... ويصبح ذو الأحزان فرحان جاذلا\r","part":4,"page":248},{"id":1567,"text":"لقد حرك الداعى إلى الله وإلى دار السلام النفوس الأبية والهمم العالية وأسمع منادي الإيمان من كانت له أذن واعية وأسمع الله من كان حيا فهزه السماع إلى منازل الأبرار وحدا به في طريق سيره فما حطت به رحاله إلا بدار القرار فقال : انتدب الله لمن خرج في سبيله لا يخرجه إلا إيمان بي وتصديق برسلي أن أرجعه بما نال من أجر أو غنيمة أو أدخله الجنة ولولا أن أشق على أمتي ما قعدت خلف سرية ولوددت أني أقتل في سبيل الله ثم أحيا ثم أقتل ثم أحيا ثم أقتل\rوقال : مثل المجاهد في سبيل الله كمثل الصائم القائم القانت بآيات الله لا يفتر من صيام ولا صلاة حتى يرجع المجاهد في سبيل الله وتوكل الله للمجاهد في سبيله بأن يتوفاه أن يدخله الجنة أو يرجعه سالما مع أجر أو غنيمة\rوقال : غدوة في سبيل الله أو روحة خير من الدنيا وما فيها\rوقال فيما يروي عن ربه تبارك وتعالى : أيما عبد من عبادي خرج مجاهدا في سبيلي وابتغاء مرضاتي ضمنت له أن أرجعه إن أرجعته بما أصاب من أجر أو غنيمة وإن قبضته أن أغفر له وأرحمه وأدخله الجنة\rوقال : جاهدوا في سبيل الله فإن الجهاد في سبيل الله باب من أبواب الجنة ينجي الله به من الهم والغم\rوقال : أنا زعيم - والزعيم الحميل - لمن آمن بي وأسلم وهاجر ببيت في ربض الجنة وببيت في وسط الجنة وأنا زعيم لمن آمن بي وأسلم وجاهد في سبيل الله ببيت في ربض الجنة وببيت في وسط الجنة وببيت في أعلى غرف الجنة من فعل ذلك لم يدع للخير مطلبا ولا من الشر مهربا يموت حيث شاء أن يموت\rوقال : من قاتل في سبيل الله من رجل مسلم فواق ناقة وجبت له الجنة\rوقال : إن في الجنة مائة درجة أعدها الله للمجاهدين في سبيل الله ما بين كل درجتين كما بين السماء والأرض فإذا سألتم الله فاسألوه الفردوس فإنه أوسط الجنة وأعلى الجنة وفوقه عرش الرحمن ومنه تفجر أنهار الجنة\r","part":4,"page":249},{"id":1568,"text":"وقال لأبي سعيد : [من رضي بالله ربا وبالإسلام دينا وبمحمد رسولا وجبت له الجنة] فعجب لها أبو سعيد فقال : أعدها على يا رسول الله ففعل ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : [وأخرى يرفع الله بها العبد مائة درجة في الجنة ما بين كل درجتين كما بين السماء والأرض] قال : وما هي يا رسول الله ؟ قال : [الجهاد في سبيل الله]\rوقال : [من أنفق زوجين في سبيل الله دعاه خزنة الجنة كل خزنة باب أي فل هلم فمن كان من أهل الصلاة دعي من باب الصلاة ومن كان من أهل الجهاد دعي من باب الجهاد ومن كان من أهل الصدقة دعي من باب الصدقة ومن كان من أهل الصيام دعي من باب الريان] فقال أبو بكر : بأبى أنت وأمي يا رسول الله ما على من دعي من تلك الأبواب من ضرورة فهل يدعى من تلك الأبواب كلها ؟ قال : [نعم وأرجو أن تكون منهم]\rوقال : [من أنفق نفقة فاضلة في سبيل الله فبسبعمائة ومن أنفق على نفسه وأهله وعاد مريضا أو أماط الأذى عن طريق فالحسنة بعشر أمثالها والصوم جنة ما لم يخرقها ومن ابتلاه الله في جسده فهو له حطة]\rوذكر ابن ماجة عنه : من أرسل بنفقة في سبيل الله وأقام في بيته فله بكل درهم سبعمائة درهم ومن غزا بنفسه في سبيل الله وأنفق في وجهه ذلك فله بكل درهم سبعمائة ألف درهم ثم تلا هذه الآية : {والله يضاعف لمن يشاء} }\r( البقرة : 261 )\rوقال : [من أعان مجاهدا في سبيل الله أو غارما في غرمه أو مكاتبا في رقبته أظله الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله]\rوقال : [من اغبرت قدماه في سبيل الله حرمه الله على النار]\rوقال : [لا يجتمع شح وإيمان في قلب رجل واحد ولا يجتمع غبار فى سبيل الله ودخان جهنم في وجه عبد] وفي لفظ في قلب عبد وفي لفظ فى جوف امرىء وفي لفظ في منخري مسلم\rوذكر الإمام أحمد رحمه الله تعالى : من اغبرت قدماه في سبيل الله ساعة من نهار فهما حرام على النار\r","part":4,"page":250},{"id":1569,"text":"وذكر عنه أيضا أنه قال : [لا يجمع الله في جوف رجل غبارا فى سبيل الله ودخان جهنم ومن اغبرت قدماه في سبيل الله حرم الله سائر جسده على النار ومن صام يوما في سبيل الله باعد الله عنه النار مسيرة ألف سنة للراكب المستعجل ومن جرح جراحة في سبيل الله ختم له بخاتم الشهداء له نور يوم القيامة لونها لون الزعفران وريحها ريح المسك يعرفه بها الأولون والآخرون ويقولون : فلان عليه طابع الشهداء ومن قاتل في سبيل الله فواق ناقة وجبت له الجنة]\rوذكر ابن ماجة عنه : [من راح روحة في سبيل الله كان له بمثل ما أصابه من الغبار مسكا يوم القيامة]\rوذكر أحمد - رحمه الله - عنه : [ما خالط قلب امرىء رهج في سبيل الله إلا حرم الله عليه النار]\rوقال : [رباط يوم في سبيل الله خير من الدنيا وما عليها]\rوقال : [رباط يوم وليلة خير من صيام شهر وقيامه وإن مات جرى عليه عمله الذى كان يعمله وأجري عليه رزقه وأمن الفتان]\rوقال : [كل ميت يختم على عمله إلا الذي مات مرابطا في سبيل الله فإنه ينمو له عمله إلى يوم القيامة ويؤمن من فتنة القبر]\rوقال : [رباط يوم في سبيل الله خير من ألف يوم فيما سواه من المنازل]\rوذكر ابن ماجة عنه : [من رابط ليلة في سبيل الله كانت له كألف ليلة صيامها وقيامها]\rوقال : [مقام أحدكم في سبيل الله خير من عبادة أحدكم في أهله ستين سنة أما تحبون أن يغفر الله لكم وتدخلون الجنة جاهدوا في سبيل الله من قاتل في سبيل الله فواق ناقة وجبت له الجنة]\rوذكر أحمد عنه : [من رابط في شئ من سواحل المسلمين ثلاثة أيام أجزأت عنه رباط سنة]\rوذكر عنه أيضا : [حرس ليلة في سبيل الله أفضل من ألف ليلة يقام ليلها ويصام نهارها]\rوقال : [حرمت النار على عين دمعت أو بكت من خشية الله وحرمت النار على عين سهرت في سبيل الله]\r","part":4,"page":251},{"id":1570,"text":"وذكر أحمد عنه : [من حرس من وراء المسلمين في سبيل الله متطوعا لا يأخذه سلطان لم ير النار بعينيه إلا تحلة القسم] فإن الله يقول : {وإن منكم إلا واردها\rوقال لرجل حرس المسلمين ليلة في سفرهم من أولها إلى الصباح على ظهر فرسه لم ينزل إلا لصلاة أو قضاء حاجة : [قد أوجبت فلا عليك ألا تعمل بعدها]\rوقال : [من بلغ بسهم في سبيل الله فله درجة في الجنة]\rوقال : [من رمى بسهم في سبيل الله فهو عدل محرر ومن شاب شيبة في سبيل الله كانت له نورا يوم القيامة] وعند النسائي تفسير الدرجة عام\rوقال : [إن الله يدخل بالسهم الواحد الجنة : صانعه يحتسب في صنعته الخير والممد به والرامي به وأرموا واركبوا وأن ترموا أحب إلي من أن تركبوا وكل شئ يلهو به الرجل فباطل إلا رميه بقوسه أو تأديبه فرسه وملاعبته امرأته ومن علمه الله الرمي فتركه رغبة عنه فنعمة كفرها] رواه أحمد وأهل السنن وعند ابن ماجة [من تعلم الرمي ثم تركه فقد عصاني] وذكر أحمد عنه أن رجلا قال له : أوصني فقال : [أوصيك بتقوى الله فإنه رأس كل شئ وعليك بالجهاد فإنه رهبانية الإسلام وعليك بذكر الله وتلاوة القرآن فإنه روحك في السماء وذكر لك في الأرض ]\rوقال : [ذروة سنام الإسلام الجهاد] وقال : [ثلاثة حق على الله عونهم : المجاهد في سييل الله والمكاتب الذي يريد الأداء والناكح الذي يريد العفاف]\rوقال : [من مات ولم يغز ولم يحدث به نفسه مات على شعبة من نفاق]\rوذكر أبو داود عنه : [من لم يغز أو يجهز غازيا أو يخلف غازيا فى أهله بخير أصابه الله بقارعة قبل يوم القيامة]\rوقال : [إذا ضن الناس بالدينار والدرهم وتبايعوا بالعينة واتبعوا أذناب البقر وتركوا الجهاد في سبيل الله أنزل الله بهم بلاء فلم يرفعه عنهم حتى يراجعوا دينهم]\rوذكر ابن ماجة عنه : [من لقي الله عز وجل وليس له أثر في سبيل الله لقي الله وفيه ثلمة]\r","part":4,"page":252},{"id":1571,"text":"وقال تعالى : {ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة} (البقرة : 195) وفسر أبو أيوب الأنصاري الالقاء باليد إلى التهلكة بترك الجهاد وصح عنه صلى الله عليه وسلم : إن أبواب الجنة تحت ظلال السيوف] ]\rوصح عنه : [من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله]\rوصح عنه : [إن النار أول ما تسعر بالعالم والمنفق والمقتول في الجهاد إذا فعلوا ذلك ليقال]\rوصح عنه : [أن من جاهد يبتغي عرض الدنيا فلا أجر له]\rوصح عنه أنه قال لعبد الله بن عمرو : [إن قاتلت صابرا محتسبا بعثك الله صابرا محتسبا وإن قاتلت مرائيا مكاثرا بعثك الله مرائيا مكاثرا يا عبد الله بن عمرو على أي وجه قاتلت أو قتلت بعثك الله على تلك الحال]. أ هـ {زاد المعاد حـ 3 صـ 72 ـ 78}\rقوله تعالى : {الشَّهْرُ الْحَرَامُ بِالشَّهْرِ الْحَرَامِ وَالْحُرُمَاتُ قِصَاصٌ فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ (194)}\rمناسبة الآية لما قبلها\rولما أباح تعالى القتال في كل مكان حتى في الحرم وكان فعله في الأشهر الحرم عندهم شديداً جداً ثار - العزم للسؤال عنه فقال معلماً لهم ما يفعلون في عمرة القضاء إن احتاجوا على وجه عام : {الشهر الحرام} وهو ذو القعدة من سنة سبع إن قاتلتموهم فيه لكونهم قاتلوكم في شهر حرام {بالشهر الحرام} الذي قاتلوكم فيه وهو ذو القعدة سنة ست حيث صدوكم فيه عن عمرة الحديبية. ولما أشعر ما مضى بالقصاص أفصح به على وجه أعم فقال : {والحرمات} أي كلها وهي جمع حرمة وهي ما يحفظ ويرعى ولا ينتهك {قصاص} أي تتبع للمساواة والمماثلة. أ هـ {نظم الدرر حـ 1 صـ 366}\rوقال صاحب التحرير والتنوير : ","part":4,"page":253},{"id":1572,"text":"جملة مستأنفة فصلت عن سوابقها لأنه استئناف بياني ؛ فإنه لما بين تعميم الأمكنة وأخرج منها المسجد الحرام في حالة خاصة كان السامع بحيث يتساءل عما يماثل البقاع الحرام وهو الأزمنة الحرام أعني الأشهر الحرم التي يتوقع حظر القتال فيها. فإن كان هذا تشريعاً نازلاً على غير حادثة فهو استكمال واستفصال لما تدعو الحاجة إلى بيانه في هذا المقام المهم ، وإن كان نازلاً على سبب كما قيل : إن المسلمين في عام القضية لما قصدوا مكة في ذي القعدة سنة سبع معتمرين خشوا ألاَّ يفي لهم المشركون بدخول مكة أو أن يغدروهم ويتعرضوا لهم بالقتال قبل دخول مكة وهم في شهر حرام ، فإن دافعوا عن أنفسهم انتهكوا حرمة الشهر فنزلت هذه الآية. أ هـ {التحرير والتنوير حـ 2 صـ 210}\rوقال الفخر : ","part":4,"page":254},{"id":1573,"text":"اعلم أن الله تعالى لما أباح القتال وكان ذلك منكراً فيما بينهم ، ذكر في هذه الآية ما يزيل ذلك فقال : {الشهر الحرام بالشهر الحرام} وفيه وجوه أحدها : روي عن ابن عباس ومجاهد والضحاك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج عام الحديبية للعمرة وكان ذلك في ذي القعدة سنة ست من الهجرة فصده أهل مكة عن ذلك ثم صالحوه عن أن ينصرف ويعود في العام القابل حتى يتركوا له مكة ثلاثة أيام ، فرجع رسول الله صلى الله عليه وسلم في العام القابل وهو في ذي القعدة سنة سبع ودخل مكة واعتمر ، فأنزل الله تعالى هذه الآية يعني إنك دخلت الحرم في الشهر الحرام ، والقوم كانوا صدوك في السنة الماضية في هذا الشهر فهذا الشهر بذاك الشهر وثانيها : ما روي عن الحسن أن الكفار سمعوا أن الله تعالى نهى الرسول صلى الله عليه وسلم عن أن يقاتلهم في الأشهر الحرم ، فأرادوا مقاتلته وظنوا أنه لا يقاتلهم ، وذلك قوله تعالى : {يَسْئَلُونَكَ عَنِ الشهر الحرام قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ وَصَدٌّ عَن سَبِيلِ الله وَكُفْرٌ بِهِ والمسجد الحرام} [البقرة : 217] فأنزل الله تعالى هذه الآية لبيان الحكم في هذه الواقعة ، فقال : {الشهر الحرام بالشهر الحرام} أي من استحل دمكم من المشركين في الشهر الحرام فاستحلوه فيه وثالثها : ما ذكره قوم من المتكلمين وهو أن الشهر الحرام لما لم يمنعكم عن الكفر بالله ، فكيف يمنعنا عن مقاتلتكم ، فالشهر الحرام من جانبنا ، مقابل بالشهر الحرام من جانبكم ، والحاصل في الوجوه الثلاثة أن حرمة الشهر الحرام لما لم تمنعهم عن الكفر والأفعال القبيحة ، فكيف جعلوه سبباً في أن يمنع للقتال من شرهم وفسادهم.\rأما قوله تعالى : {والحرمات قِصَاصٌ} فالحرمات جمع حرمة والحرمة ما منع من انتهاكه والقصاص المساواة وإذا عرفت هذا ففي هذه الآية تعود تلك الوجوه.\r","part":4,"page":255},{"id":1574,"text":"أما على الوجه الأول : فهو أن المراد بالحرمات : الشهر الحرام ، والبلد الحرام ، وحرمة الإحرام فقوله : {والحرمات قِصَاصٌ} معناه أنهم لما أضاعوا هذه الحرمات في سنة ست فقد وقفتم حتى قضيتموه على زعمكم في سنة سبع.\rوأما على الوجه الثاني : فهو أن المراد : إن أقدموا على مقاتلتكم فقاتلوهم أنتم أيضاً ، قال الزجاج : وعلم الله تعالى بهذه الآية أنه ليس للمسلمين أن ينتهكوا هذه الحرمات على سبيل الإبتداء بل على سبيل القصاص ، وهذا القول أشبه بما قبل هذه الآية ، وهو قوله : {وَلاَ تقاتلوهم عِندَ المسجد الحرام حتى يقاتلوكم فِيهِ} [البقرة : 191] وبما بعدها وهو قوله : {فَمَنِ اعتدى عَلَيْكُمْ فاعتدوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعتدى عَلَيْكُمْ}.\rأما على القول الثالث : فقوله : {والحرمات قِصَاصٌ} يعني حرمة كل واحد من الشهرين كحرمة الآخر فهما مثلان ، والقصاص هو المثل فلما لم يمنعكم حرمة الشهر من الكفر والفتنة والقتال فكيف يمنعنا عن القتال. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 5 صـ 115}\rوقال القرطبى تبعا لابن عطية : \rوالقول الأوّل أشهر وعليه الأكثر.\rأ هـ {تفسير القرطبى حـ 2 صـ 354}\rوقال الآلوسى : \r{ الشهر الحرام بالشهر الحرام} قاتلهم المشركون عام الحديبية في ذي القعدة قتالاً خفيفاً بالرمي بالسهام والحجارة ، فاتفق خروجهم لعمرة القضاء فيه فكرهوا أن يقاتلوهم لحرمته. فقيل : هذا الشهر الحرام بذلك ، وهتكه بهتكه فلا تبالوا به {والحرمات قِصَاصٌ} أي الأمور التي يجب أن يحافظ عليها ذوات قصاص أو مقاصة ، وهو متضمن لإقامة الحجة على الحكم السابق ، كأنه قيل : لا تبالوا بدخولكم عليه عنوة ، وهتك حرمة هذا الشهر ابتداءاً بالغلبة ، فإن الحرمات يجري فيها القصاص فالصد قصاصه العنوة فإن قاتلوكم فاقتلوهم. أ هـ {روح المعانى حـ 2 صـ 77}","part":4,"page":256},{"id":1575,"text":"ومعنى كونها قصاصاً أي مماثلة في المجازاة والانتصاف ، فمن انتهكها بجناية يعاقب فيها جزاء جنايته ، وذلك أن الله جعل الحرمة للأشهر الحرم لقصد الأمن فإذا أراد أحد أن يتخذ ذلك ذريعة إلى غدر الأمن أو الإضرار به فعلى الآخر الدفاع عن نفسه ، لأن حرمة الناس مقدمة على حرمة الأزمنة ، ويشمل ذلك حرمة المكان كما تقدم في قوله تعالى : {ولا تقاتلوهم عند المسجد الحرام حتى يقاتلونكم فيه} [البقرة : 191] ، والإخبار عن الحرمات بلفظ (قصاص) إخبار بالمصدر للمبالغة. أ هـ {التحرير والتنوير حـ 2 صـ 211}\rفائدة\rقال ابن عرفة\rقوله تعالى : {الشهر الحرام بالشهر الحرام...}.\rابن عطية : عن ابن عباس رضي الله عنه وجماعة (صد) النبي عن البيت سنة ست ودخلها سنة سبع فنزلت آية : \" الشهر الحرام \" الذي دخلتم فيه الحرم \" بالشهر الحرام \" الذي صدوكم فيه عنه.\rوقال الحسن بن أبي الحسن البصري : سأله الكفار هل يقاتل في الشهر الحرام ؟ .\rفقال : لا ، فهمُّوا بالهجوم عليه فيه فنزلت ، أي هو عليكم كما هو عليهم إن تركوا فيه القتال فاتركوه وإلا فلا.\rقال ابن عرفة : الأول : بناء على أنهما شهران من سنتين ، والثاني : على أنه شهر واحد من سنة واحدة وتعدده لأجل تعدد حالاته. أ هـ {تفسير ابن عرفة صـ 246}\rقال القرطبى : \r{ والحرمات قِصَاصٌ} الحُرُمات جمع حُرْمة ، كالظُّلُمات جمع ظُلْمة ، والحُجُرات جمع حُجرة. وإنما جُمعت الحُرُمات لأنه أراد (حُرْمة) الشهر الحرام (وحُرْمة) البلد الحرام ، وحُرْمة الإحرام. والحُرْمة : ما مُنِعتَ من انتهاكه. أ هـ {تفسير القرطبى حـ 2 صـ 355}\rفائدة","part":4,"page":257},{"id":1576,"text":"إطلاق الشهر هنا على حذف مضاف واضح التقدير من المقام ومن وصفه بالحرام ، والتقدير حرمة الشهر الحرام ، وتكرير لفظ الشهر على هذا الوجه غير مقصود منه التعدد بل التكرير باعتبار اختلاف جهة إبطال حرمته أي انتهاكهم حرمته تسوغ لكم انتهاك حرمته. أ هـ {التحرير والتنوير حـ 2 صـ 211}\rفائدة\rالباء في قوله : {بالشهر الحرام} للتعويض كقولهم : صاعاً بصاع وليس ثمة شهران بل المراد انتهاك الحرمة منهم ومنكم وهما انتهاكان.\rوالتعريف في الشهر هنا في الموضعين يجوز أن يكون تعريف الجنس وهو الأظهر ، لأنه يفيد حكماً عاماً ويشمل كل شهر خاص من الأشهر الحرم على فرض كون المقصود شهر عمرة القضية ، ويجوز أن يكون التعريف للعهد إن كان المراد شهر عمرة القضية.\rوالأشهر الحرم أربعة : ثلاثة متتابعة هي ذو القعدة وذو الحجة والمحرم ، وحرمتها لوقوع الحج فيها ذهاباً ورجوعاً وأداء ، وشهر واحد مفرد وهو رجب وكان في الجاهلية شهر العمرة وقد حرَّمته مضر كلها ولذلك يقال له : رَجبُ مضر ، وقد أشير إليها في قوله تعالى : {منها أربعة حرم} [التوبة : 36 ]. أ هـ {التحرير والتنوير حـ 2 صـ 211}\rقوله تعالى {فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ}\rقال البقاعى : \r{ فمن} أي فتسبب عن هذا أنه من {اعتدى عليكم} أي تعمد أذاكم في شيء من الأشياء في أي زمان أو مكان كان {فاعتدوا عليه} أي فجاوزوه ، سمي اعتداء مشاكلة تقوية لعزائمهم وتوطيناً لهممهم أي افعلوا وإن سماه المتعنت بغير ما يحق له {بمثل ما اعتدى} أي عدوانه {عليكم} أي بمثل الذي اعتدى عليكم به ، ولعله أعاد الظرف وإن أفهمه الأول لدفع تعنت من لعله يقول : الكلام شامل لاعتدائه علي وعلى غيري فلي أن أقابله بأعلى ما وقع له من ذلك ، لأن المراد ردعه ولو لم يرد الحكم هذا لقيد بما ينفيه. أ هـ {نظم الدرر حـ 1 صـ 366}\rوقال ابن عاشور : ","part":4,"page":258},{"id":1577,"text":"وقوله : {فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه} تفريع عن قوله : {والحرمات قصاص} ونتيجة له ، وهذا وجه قول \"الكشاف\" : إنه فذلكة ، وسُمي جزاء الاعتداء اعتداء مشاكلة على نحو ما تقدم آنفاً في قوله : {فلا عدوان إلا على الظالمين} [البقرة : 193].\rوقوله : {بمثل ما اعتدى عليكم} يشمل المماثلة في المقدار وفي الأحوال ككونه في الشهر الحرام أو البلد الحرام. أ هـ {التحرير والتنوير حـ 2 صـ 211}\rوقال الآلوسى : \r{ فَمَنِ اعتدى عَلَيْكُمْ فاعتدوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعتدى عَلَيْكُمْ} فذلكة لما تقدمه ، وهو أخص مفاداً منه لأن الأول : يشمل ما إذا هتك حرمة الإحرام والصيد والحشيش مثلاً بخلاف هذا ، وفيه تأكيد لقوله تعالى : {الشهر الحرام بالشهر الحرام} ولا ينافي ذلك فذلكيته معطوفاً بالفاء والأمر للإباحة إذا العفو جائز ومَنْ تحتمل الشرطية والموصولية ، وعلى الثاني : تكون الفاء صلة في الخبر والباء تحتمل الزيادة وعدمها ، واستدل الشافعي بالآية على أن القاتل يقتل بمثل ما قتل به من محدد ، أو خنق ، أو حرق ، أو تجويع ، أو تغريق ، حتى لو ألقاه في ماء عذب لم يلق في ماء ملح ؛ واستدل بها أيضاً على أن من غصب شيئاً وأتلفه يلزمه رد مثله ، ثم إن المثل قد يكون من طريق الصورة كما في ذوات الأمثال وقد يكون من طريق المعنى كالقيم فيما لا مثل له. أ هـ {روح المعانى حـ 2 صـ 77}","part":4,"page":259},{"id":1578,"text":"كلام نفيس لابن العربى : \rقال رحمه الله : \rقَوْله تَعَالَى : {فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ} : هَذِهِ مَسْأَلَةٌ بِكْرٌ.\rقَالَ عُلَمَاؤُنَا رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ : إنَّمَا سُمِّيَ الْفِعْلُ الثَّانِي اعْتِدَاءً ، وَهُوَ مَفْعُولٌ بِحَقٍّ ، حَمْلًا لِلثَّانِي عَلَى الْأَوَّلِ عَلَى عَادَةِ الْعَرَبِ.\rقَالُوا : وَعَلَى هَذَا جَاءَ قَوْله تَعَالَى : {وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا}.\rوَاَلَّذِي أَقُولُ فِيهِ : إنَّ الثَّانِيَ كَالْأَوَّلِ فِي الْمَعْنَى وَاللَّفْظِ ؛ لِأَنَّ مَعْنَى الِاعْتِدَاءِ فِي اللُّغَةِ مُجَاوَزَةُ الْحَدِّ ، وَكِلَا الْمَعْنَيَيْنِ مَوْجُودٌ فِي الْأَوَّلِ وَالثَّانِي ؛ وَإِنَّمَا اخْتَلَفَ الْمُتَعَلِّقُ مِنْ الْأَمْرِ وَالنَّهْيِ ؛ فَالْأَوَّلُ مَنْهِيٌّ عَنْهُ ، وَالثَّانِي مَأْمُورٌ بِهِ ، وَتَعَلُّقُ الْأَمْرِ وَالنَّهْيِ لَا يُغَيِّرُ الْحَقَائِقَ وَلَا يَقْلِبُ الْمَعَانِيَ ؛ بَلْ إنَّهُ يُكْسِبُ مَا تَعَلَّقَ بِهِ الْأَمْرُ وَصْفَ الطَّاعَةِ وَالْحُسْنِ ، وَيُكْسِبُ مَا تَعَلَّقَ بِهِ النَّهْيُ وَصْفَ الْمَعْصِيَةِ وَالْقُبْحِ ؛ وَكِلَا الْفِعْلَيْنِ مُجَاوَزَةُ الْحَدِّ ، وَكِلَا الْفِعْلَيْنِ يَسُوءُ الْوَاقِعُ بِهِ : وَأَحَدُهُمَا حَقٌّ وَالْآخَرُ بَاطِلٌ. أ هـ {أحكام القرآن لابن العربى حـ 1 صـ 161}","part":4,"page":260},{"id":1579,"text":"سؤال وجوابه\rقال العلامة الشنقيطى : \rقوله تعالى : {فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ} الآية, هذه الآية تدل على طلب الانتقام, وقد أذن الله في الانتقام في آيات كثيرة كقوله تعالى : {وَلَمَنِ انْتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُولَئِكَ مَا عَلَيْهِمْ مِنْ سَبِيلٍ, إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النَّاسَ} الآية, وكقوله : {لا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلا مَنْ ظُلِمَ}, وكقوله : {ذَلِكَ وَمَنْ عَاقَبَ بِمِثْلِ مَا عُوقِبَ بِهِ ثُمَّ بُغِيَ عَلَيْهِ لَيَنْصُرَنَّهُ اللَّهُ} الآية, وقوله : {وَالَّذِينَ إِذَا أَصَابَهُمُ الْبَغْيُ هُمْ يَنْتَصِرُونَ}, وقوله : {وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا}, وقد جاءت آيات أخر تدل على العفو وترك الانتقام كقوله : {فَاصْفَحِ الصَّفْحَ الْجَمِيلَ}, وقوله : {وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ}, وقوله : {وَلَمَنْ صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الأُمُورِ}, وقوله : {خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ}, وكقوله : {وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلاماً}. والجواب عن هذا بأمرين : \rأحدهما : أن الله بيّن مشروعية الانتقام ثم أرشد إلى أفضلية العفو, ويدل لهذا قوله تعالى : {وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ}, وقوله : {لا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلا مَنْ ظُلِمَ}, أذن في الانتقام بقوله : {إِلا مَنْ ظُلِمَ}, ثم أرشد إلى العفو بقوله : {إِنْ تُبْدُوا خَيْراً أَوْ تُخْفُوهُ أَوْ تَعْفُوا عَنْ سُوءٍ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ عَفُوّاً قَدِيراً}\r","part":4,"page":261},{"id":1580,"text":"الوجه الثاني : أنّ الانتقام له موضع يحسن فيه, والعفو له موضع كذلك, وإيضاحه أن من المظالم ما يكون في الصبر عليه انتهاك حرمة الله, ألا ترى أنّ من غصبت منه جاريته مثلا إذا كان الغاصب يزني بها فسكوته وعفوه عن هذه المظلمة قبيح وضعف وخور, تنتهك به حرمات الله, فالانتقام في مثل هذه الحالة واجب, وعليه يحمل الأمر{فَاعْتَدُوا} الآية, أي كما بدأ الكفار بالقتال فقتالهم واجب, بخلاف من أساء إليه بعض إخوانه من المسلمين بكلام قبيح, ونحو ذلك فعفوه أحسن وأفضل, وقد قال أبو الطيب المتنبي : \rإذا قيل حلم قل فللحلم موضع\rوحلم الفتى في غير موضعه جهل.\rأ هـ {دفع إيهام الاضطراب صـ 39 ـ 41}","part":4,"page":262},{"id":1581,"text":"فائدة\rقال القرطبى : \rقوله تعالى : {فَمَنِ اعتدى} الاعتداء هو التجاوز ؛ قال الله تعالى : {وَمَن يَتَعَدَّ حُدُودَ الله} [الطلاق : 1] أي يتجاوزها ؛ فمن ظلمك فخذ حقّك منه بقدر مظلمتك ، ومن شتمك فردّ عليه مثلَ قوله ، ومن أخذ عِرْضَك فخذ عِرضه ؛ لا تتعدّى إلى أبويه ولا إلى ابنه أو قريبه ، وليس لك أن تَكذِب عليه وإن كذب عليك ، فإن المعصية لا تُقابل بالمعصية ؛ فلو قال لك مثلاً : يا كافر ، جاز لك أن تقول له : أنت الكافر. وإن قال لك : يا زان ، فقصاصك أن تقول له : يا كذّاب يا شاهد زُور. ولو قلت له يا زانٍ ، كنت كاذباً وأثِمَت في الكذب. وإن مَطَلك وهو غنيّ دون عُذر فقل : يا ظالم ، يا آكل أموال الناس ؛ قال النبيّ صلى الله عليه وسلم : \" لَيُّ الواجِدِ يُحِلّ عِرْضَه وعقوبَتَه \" أمّا عِرْضه فبما فسّرناه ، وأمّا عقوبته فالسجن يُحبس فيه. وقال ابن عباس : نزل هذا قبل أن يقوَى الإسلام ؛ فأمَرَ مَن أُوذِيَ من المسلمين أن يُجازِي بمثل ما أوذِيَ به ، أو يَصبر أو يعفو ؛ ثم نسخ ذلك بقوله : {وَقَاتِلُواْ المشركين كَآفَّةً} [التوبة : 36]. وقيل : نسخ ذلك بتصييره إلى السلطان. ولا يَحِلّ لأحد أن يقتصّ من أحد إلا بإذن السلطان.\rأ هـ {تفسير القرطبى حـ 2 صـ 360}\rوقوله : {فاعتدوا} ليس أمراً على التحتم إذ يجوز العفو ، وسمي ذلك اعتداءً على سبيل المقابلة. أ هـ {البحر المحيط حـ 2 صـ 78}\rفائدة\rقال ابن عرفة : فاعتدوا اعتداء جائزا شرعيا فلا يجوز لمن زني بأخته أو ابنته أن يزني بأخت الزاني أو ابنته. أ هـ {تفسير ابن عرفة صـ 246}\rفائدة أخرى\rقال ابن عباس : نزلت هذه الآية وما بمعناها بمكة ، والإسلام لم يعز ، فلما هاجر رسول الله صلى الله عليه وسلم وعز دينه ، أُمرالمسلمون برفع أمورهم إلى حكامهم ، وأُمروا بقتال الكفار.","part":4,"page":263},{"id":1582,"text":"وقال مجاهد : بل نزلت هذه الآية بالمدينة بعد عمرة القضاء ، وهو من التدريج في الأمر بالقتال. أ هـ {البحر المحيط حـ 2 صـ 78}\rفائدة ثالثة\rقال القرطبى : \rلا خلاف بين العلماء أن هذه الآية أصل في المماثلة في القصاص ؛ فمن قَتل بشيء قُتِل بمثل ما قَتل به ؛ وهو قول الجمهور ، ما لم يقتله بفسق كاللُّوطية وإسقاء الخمر فيُقتل بالسيف. وللشافعية قول : إنه يُقتل بذلك ؛ فيُتّخذ عود على تلك الصفة ويُطعن به في دُبُره حتى يموت ، ويُسقى عن الخمر ماء حتى يموت. وقال ابن الماشجون : إن من قتل بالنار أو بالسمّ لا يُقتل به ؛ لقول النبيّ صلى الله عليه وسلم : \" لا يعذِّب بالنار إلا الله \" والسمّ نار باطنة. وذهب الجمهور إلى أنه يُقتل بذلك ؛ لعموم الآية. أ هـ {تفسير القرطبى حـ 2 صـ 358}\rقوله تعالى {وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ (194)}}\rالمناسبة\rقال البقاعى : \rولما جعل المماثلة حداً وكان أمرها خفياً والوقوف عنده بعد استرسال النفس بإرسالها صعباً حذر من تعديه بعد الإذن في القصاص الذي جر أغلبه بتسميته اعتداء على وجه نادب إلى العفو للمستبصر فقال : {واتقوا الله} أي المحيط علماً بكل شيء بالتحري في القصاص حتى لا تتجاوزوا {واعلموا} وأظهر ولم يضمر لئلا يقيد بالتقوى في باب الاعتداء مثلاً فقال : {أن الله} أي الذي له جميع صفات الكمال معكم إن اتقيتم بالتحري فيه أو بالعفو فإن الله {مع المتقين} ومن كان الله معه أفلح كل الفلاح \" وما زاد الله عبداً بعفو إلاّ عزاً \". قال الحرالي : ففي ضمنه إشعار وتطريق لمقصد السماح الذي هو خير الفضائل من وصل القاطع والفعو عن الظالم ، ولما كان في هذه التقوى خروج عن حظ النفس أعلمهم أنه تعالى يكون عوضاً لهم من أنفسهم بما اتقوا وداوموا على التقوى حتى كانت وصفاً لهم فأعلمهم بصحبته لهم - انتهى. أ هـ {نظم الدرر حـ 1 صـ 366}","part":4,"page":264},{"id":1583,"text":"وقوله : {واتقوا الله} أمر بالاتقاء في الاعتداء أي بألا يتجاوز الحد ، لأن شأن المنتقم أن يكون عن غضب فهو مظنة الإفراط.\rأ هـ {التحرير والتنوير حـ 2 صـ 211}\rفائدة\rالمعية هنا مجاز في الإعانة بالنصر والوقاية ، ويجوز أن يكون المعنى : واتقوا الله في حرماته في غير أحوال الاضطرار : واعلموا أن الله مع المتقين فهو يجعلهم بمحل عنايته. أ هـ {التحرير والتنوير حـ 2 صـ 211}\rوقال فى روح البيان : \r{ واتقوا الله} إذا انتصرتم ممن ظلمكم فلا تظلموهم بأخذ أكثر من حقكم ولا تعتدوا إلى ما لم يرخص لكم {واعلموا أن الله مع المتقين} والمعية وهى القرب المعنوى تدل على أنه تعالى يحرسهم ويصلح شؤونهم بالنصر والتمكين روى أنه ـ عليه السلام ـ وأصحابه دخلوا ذلك العام مكة وطافوا بالبيت ونحروا الهدى وكان المشركون شرطوا له بعد قضاء العمرة الإقامة بمكة ثلاثا وكان النبى ـ عليه السلام ـ تزوج ميمونة بنت الحارث فأحب المقام بمكة ليولم عليها فطالبوه بالخروج منها والوفاء بما عاهد ففعل وأولم على ميمونة وبنى بها بسرف\rواعلم أن الله تعالى أمرنا بالغزو فى سبيله ليظهر من يدعى بذل الوجود فى سبيل الله وأمرنا بالزكاة ببذل المال ليتبين من يدعى محبة الله فالغزو معيار المحبة الآلهية لأن كل إنسان جبل على حب الحياة والمال فامتحن بالغزو والزكاة فى سبيل الله قطعا لدعوى المدعين لأن الكل يدعى محبة الله وهذا هو السر فى الجهاد ولهذا قال سيدنا على ـ رضى الله تعالى عنه ـ خير الخصال فى الفتى الشجاعة والسخاوة وهما توأمان فكل شجيع سخى وعن عبد الله بن عمر عن أبيه رضى الله تعالى عنهما قال سئل رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم ما الإسلام قال \" طيب الكلام وإطعام الطعام وإفشاء السلام \" قيل فأى المسلمون أفضل قال \" من سلم الناس من لسانه ويده \"","part":4,"page":265},{"id":1584,"text":"قيل فأى الصلاة أفضل قال \" طول القيام \" قيل فأى الصدقة أفضل قال \" جهد من مقل \" قيل فأى الإيمان أفضل قال \" الصبر والسماحة \" قيل فأى الجهاد أفضل قال \" من عقر جواده وأهريق دمه \" قيل فأى الرقاب أفضل قال \" أغلاها ثمنا \"\rوالجهاد جهادان ظاهر وباطن فالظاهر مع الكفار والباطن مع النفس والشيطان وهذا أصعب لأن الكافر ربما يرجع إما بالمحاربة أو بالصلح أو ببذل النفس والمال بوجه من الوجوه والشيطان لا يرجع عنك دون أن يسلب الدين. أ هـ {روح البيان حـ 1 صـ 382}\rكلام نفيس للسعدى فى الآية الكريمة\rيقول تعالى : {الشَّهْرُ الْحَرَامُ بِالشَّهْرِ الْحَرَامِ} يحتمل أن يكون المراد به ما وقع من صد المشركين للنبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه عام الحديبية ، عن الدخول لمكة ، وقاضوهم على دخولها من قابل ، وكان الصد والقضاء في شهر حرام ، وهو ذو القعدة ، فيكون هذا بهذا ، فيكون فيه ، تطييب لقلوب الصحابة ، بتمام نسكهم ، وكماله.\rويحتمل أن يكون المعنى : إنكم إن قاتلتموهم في الشهر الحرام فقد قاتلوكم فيه ، وهم المعتدون ، فليس عليكم في ذلك حرج ، وعلى هذا فيكون قوله : {وَالْحُرُمَاتُ قِصَاصٌ} من باب عطف العام على الخاص ، أي : كل شيء يحترم من شهر حرام ، أو بلد حرام ، أو إحرام ، أو ما هو أعم من ذلك ، جميع ما أمر الشرع باحترامه ، فمن تجرأ عليها فإنه يقتص منه ، فمن قاتل في الشهر الحرام ، قوتل ، ومن هتك البلد الحرام ، أخذ منه الحد ، ولم يكن له حرمة ، ومن قتل مكافئا له قتل به ، ومن جرحه أو قطع عضوا ، منه ، اقتص منه ، ومن أخذ مال غيره المحترم ، أخذ منه بدله ، ولكن هل لصاحب الحق أن يأخذ من ماله بقدر حقه أم لا ؟ خلاف بين العلماء ، الراجح من ذلك ، أنه إن كان سبب الحق ظاهرا كالضيف ، إذا لم يقره غيره ، والزوجة ، والقريب إذا امتنع من تجب عليه النفقة [من الإنفاق عليه] فإنه يجوز أخذه من ماله.","part":4,"page":266},{"id":1585,"text":"وإن كان السبب خفيا ، كمن جحد دين غيره ، أو خانه في وديعة ، أو سرق منه ونحو ذلك ، فإنه لا يجوز له أن يأخذ من ماله مقابلة له ، جمعا بين الأدلة ، ولهذا قال تعالى ، تأكيدا وتقوية لما تقدم : {فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ} هذا تفسير لصفة المقاصة ، وأنها هي المماثلة في مقابلة المعتدي.\rولما كانت النفوس - في الغالب - لا تقف على حدها إذا رخص لها في المعاقبة لطلبها التشفي ، أمر تعالى بلزوم تقواه ، التي هي الوقوف عند حدوده ، وعدم تجاوزها ، وأخبر تعالى أنه {مَعَ الْمُتَّقِينَ} أي : بالعون ، والنصر ، والتأييد ، والتوفيق.\rومن كان الله معه ، حصل له السعادة الأبدية ، ومن لم يلزم التقوى تخلى عنه وليه ، وخذله ، فوكله إلى نفسه فصار هلاكه أقرب إليه من حبل الوريد. أ هـ {تفسير السعدى صـ 89}\rمن لطائف الإمام القشيرى فى الآية\rإذا تقابل حقان كلاهما لله فَسَلِّم الوقت بحكم الوقت ، ودَلْ مع إشارات الوقت ، وإياك أن ترجح أحدهما على الآخر بمالَكَ من حظ - وإنْ قَلَّ - فتُحَجَب عن شهود الحق ، وتَعْمَى بصيرةُ قلبك. وكلُّ ما كان إلى خلاف هواكَ أقرب ، وعن استجلابِكَ وسكونكَ إليه أبعد - كان ذلك في نفسه أصوبَ.\r{ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللهَ مَعَ المُتَّقِينَ} : الذين اتقوا إيثار هواهم على ما فيه رضاه ، فإذا قاموا لله - فيما يأتون - لا لَهُم فإن الله تعالى بالنصرة معهم ، قال تعالى : {إِن تَنصُرُوا اللهَ يَنصُرْكُمْ} [محمد : 7]. أ هـ {لطائف الإشارات حـ 1 صـ 162}\rقوله تعالى : {وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (195)}\rمناسبة الآية لما قبلها\rقال البقاعى : ","part":4,"page":267},{"id":1586,"text":"ولما كانت النفقة من أعظم دعائم الجهاد وكان العيش في أول الإسلام ضيقاً والمال قليلاً فكان ذلك موجباً لكل أحد أن يتمسك بما في يده ظناً أن في التمسك به النجاة وفي إنفاقه الهلاك أخبرهم أن الأمر على غير ما يسول به الشيطان من ذلك {الشيطان يعدكم الفقر} [البقرة : 268] وقال الحرالي : ولمكان ما لزم العفو من العز الذي جاء على خلاف غرض النفس نظم به تعالى ما يجيء على خلاف مدرك الحس في الإنفاق الذي يحصل به الزكاء والنماء ، وأيضاً لما أسس تعالى حكم الجهاد الذي هو أشق الأعمال على النفس نظم به أمر الجود والإنفاق الذي هو أشق منه على الأنفس ، ومن حيث إن القتال مدافعة يشتمل على عدة وزاد لم يكن أمره يتم إلاّ بأعمال الغريزتين : الشجاعة والجود ، ولذلك كان أشد الآفات في الدين البخل والجبن ، انتهى - فقال تعالى : {وأنفقوا} وأظهر ولم يضمر إظهاراً للاعتناء بأمر النفقة ولئلا يقيد بحيثية من الحيثيات فقال : {في سبيل الله} أي الملك الذي كل شيء تحت قهره كما قال : {وقاتلوا في سبيل الله} [البقرة : 190] وهو كل ما أمر به الله وإن كان استعماله في الجهاد أكثر ، أي ولا تخافوا العيلة والضيعة فإن الله ربّكم هو الذي أمركم بذلك {والله يعدكم مغفرة منه وفضلاً} [البقرة : 265] قال الحرالي : فالنظر للأموال بإنفاقها لا بإصلاحها وإثباتها فانتظم الخطابان ما في العفو من العز وما في الإنفاق من النماء ، وأكد ذلك بالإعلام بما لا تصل إليه مدارك الأنفس من أن إصلاح الأموال وإمساكها تهلكة - انتهى. فقال تعالى : {ولا تلقوا بأيديكم} أي تسرعوا بوضعها إسراع من يلقي الشيء بعدم الإنفاق {إلى التهلكة} من الهلاك وهو تداعي الشيء إلى أن يبطل ويفنى فإن في ذلك الإخلاد إلى الدعة والتواكل فيجترىء عليكم العدو فلا يقوم لكم قائمة فإنّ البخل أسرع شيء إلى الهلاك ، وهي تفعلة بضم العين مصدر هلك ، وقيل : إنه لا ثاني له في كلامهم ، ","part":4,"page":268},{"id":1587,"text":"وحقيقة أوقع الإلقاء لما ينفعه من نفسه وغيرها بيده أي بنفسه فجعل التهلكة آخذة بها مالكة لصاحبها. وقال الحرالي : إحاطة الخطاب تقتضي أن التهلكة تضييع القتال والإنفاق اللذين بتركهما تقع الاستطالة على مبنى الإسلام فيتطرق إلى هدمه ، ولما كان أمر الإنفاق أخص بالأنصار الذين كانوا أهل الأموال لتجرد المهاجرين عنها كان في ضمنه أن أكثر فصل الخطاب فيه للأنصار - انتهى. وقد روى أبو داود والترمذي - وهذا لفظه وقال : حسن صحيح - والنسائي عن أبي أيوب رضي الله تعالى عنه : \" إنما نزلت هذه الآية فينا معشر الأنصار لما أعز الله الإسلام وكثر ناصروه وقال بعضنا لبعض سراً دون رسول الله صلى الله عليه وسلم : إن أموالنا قد ضاعت ، فلو أقمنا في أموالنا! فأنزل الله هذه الآية ، فكانت التهلكة الإقامة على الأموال وإصلاحها وتركنا الغزو \" وروى البخاري في التفسير عن حذيفة رضي الله تعالى عنه {وأنفقوا في سبيل الله ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة} قال : نزلت في النفقة \".\rولما كانت التوسعة في أمر القتال قد تجر إلى الاعتداء فختمه بالنهي عنه وبأن الله لا يحب المعتدين وكانت التوسعة في الإنفاق في سبيل الله من أعلى خلال الإيمان قال تعالى : {وأحسنوا} أي أوقعوا الإحسان على العموم بما أفهمه قصر الفعل وترك المتعلق بالإكثار من الإنفاق وظنوا بالله الحسن الجميل ، وأظهر من غير إضمار لطول الفصل ولنحو ما تقدم {إن الله} الملك العظيم {يحب المحسنين} أي يفعل معهم كل ما يفعله المحب مع من يحبه من الإكرام والإعلاء والنصر والإغناء وغير ذلك من جميع ما يحتاجه كما أنه لا يحب المعتدين.\r","part":4,"page":269},{"id":1588,"text":"قال الحرالي : فانتظم ختم الخطابين بأن لا يقع الاعتداء في القتل وأن يقع الإحسان في المال ، وفي إشعاره حض الأنصار على إنفاق أموالهم يتلون به حال المهاجرين في التجرد عنها ، فكما كان أمر المهاجرين أن لا ينقضوا الهجرة كان أمر الأنصار أن لا يلتفتوا إلى الدنيا ، فما خرج المهاجرون عن أصله خرج الأنصار عند التمسك به عن وصفه ، فكان إعراضهم تابعاً لترك المهاجرين أموالهم. أ هـ {نظم الدرر حـ 1 صـ 367}\rوقال العلامة ابن عاشور : \rهذه الجملة معطوفة على جملة {وقاتلوا في سبيل الله} [البقرة : 190] الخ فإنهم لما أمروا بقتال عدوهم وكان العدو أوفر منهم عدة حرب أيقظهم إلى الاستعداد بإنفاق الأموال في سبيل الله ، فالمخاطبون بالأمر بالإنفاق جميع المسلمين لا خصوص المقاتلين.","part":4,"page":270},{"id":1589,"text":"ووجه الحاجة إلى هذا الأمر. مع أن الاستعداد للحرب مركوز في الطباع تنبيه المسلمين فإنهم قد يقصرون في الإتيان على منتهى الاستعداد لعدو قوي ، لأنهم قد ملئت قلوبهم إيماناً بالله وثقة به ، وملئت أسماعهم بوعد الله إياهم النصر وأخيراً بقوله : {واعلموا أن الله مع المتقين} نبهوا على أن تعهد الله لهم بالتأييد والنصر لا يسقط عنهم أخذ العدة المعروفة فلا يحسبوا أنهم غير مأمورين ببذل الوسع لوسائل النصر التي هي أسباب ناط الله تعالى بها مسبباتها على حسب الحكمة التي اقتضاها النظام الذي سنه الله في الأسباب ومسبباتها ، فتطلب المسببات دون أسبابها غلط وسوء أدب مع خالق الأسباب ومسبباتها كي لا يكونوا كالذين قالوا لموسى {فاذهب أنت وربك فقاتلا إنا هاهنا قاعدون} [المائدة : 24] فالمسلمون إذا بذلوا وسعهم ، ولم يفرطوا في شيء ثم ارتبكوا في أمر بعد ذلك فالله ناصرهم ، ومؤيدهم فيما لا قبل لهم بتحصيله ولقد نصرهم الله ببدر هم أذلة ، إذ هم يؤمئذٍ جملة المسلمين وإذ لم يقصروا في شيء ، فأما أقوام يتلفون أموال المسلمين في شهواتهم ، ويفوتون الفرص وقت الأمن فلا يستعدون لشيء ثم يطلبون بعد ذلك من الله النصر والظفر فأولئك قوم مغرورون ، ولذلك يسلط الله عليهم أعداءهم بتفريطهم ، ولعله يتداركهم في خلال ذلك بلطفه فيما يرجع إلى استبقاء الدين. أ هـ {التحرير والتنوير حـ 2 صـ 212}\rوقال الفخر : ","part":4,"page":271},{"id":1590,"text":"اعلم أن تعلق هذه الآية بما قبلها من وجهين الأول : أنه تعالى لما أمر بالقتال والاشتغال بالقتال لا يتيسر إلا بالآلات وأدوات يحتاج فيها إلى المال ، وربما كان ذو المال عاجزاً عن القتال وكان الشجاع القادر على القتال فقيراً عديم المال ، فلهذا أمر الله تعالى الأغنياء بأن ينفقوا على الفقراء الذين يقدرون على القتال والثاني : يروى أنه لما نزل قوله تعالى : {الشهر الحرام بالشهر الحرام والحرمات قِصَاصٌ} [البقرة : 194] قال رجل من الحاضرين : والله يا رسول الله ما لنا زاد وليس أحد يطعمنا فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أن ينفقوا في سبيل الله وأن يتصدقوا وأن لا يكفوا أيديهم عن الصدقة ولو بشق تمرة تحمل في سبيل الله فيهلكوا ، فنزلت هذه الآية على وفق رسول الله صلى الله عليه وسلم.\rواعلم أن الإنفاق هو صرف المال إلى وجوه المصالح ، فلذلك لا يقال في المضيع : إنه منفق فإذا قيد الإنفاق بذكر سبيل الله ، فالمراد به في طريق الدين ، لا السبيل هو الطريق ، وسبيل الله هو دينه.\r","part":4,"page":272},{"id":1591,"text":"فكل ما أمر الله به في دينه من الإنفاق فهو داخل في الآية سواء كان إنفاقاً في حج أو عمرة أو كان جهاداً بالنفس ، أو تجهيزاً للغير ، أو كان إنفاقاً في صلة الرحم ، أو في الصدقات أو على العيال ، أو في الزكوات والكفارات ، أو عمارة السبيل وغير ذلك ، إلا أن الأقرب في هذه الآية وقد تقدم ذكر الجهاد أنه يراد به الإنفاق في الجهاد ، بل قال : {وَأَنفِقُواْ فِى سَبِيلِ الله} لوجهين الأول : أن هذا كالتنبيه على العلة في وجوب هذا الإنفاق ، وذلك لأن المال مال الله فيجب إنفاقه في سبيل الله ، ولأن المؤمن إذا سمع ذكر الله اهتز ونشط فيسهل عليه إنفاق المال الثاني : أن هذه الآية إنما نزلت وقت ذهاب رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى مكة لقضاء العمرة ، وكانت تلك العمرة لا بد من أن تفضى إلى القتال إن منعهم المشركون ، فكانت عمرة وجهاداً ، واجتمع فيه المعنيان ، فلما كان الأمر كذلك ، لا جرم قال تعالى : {وَأَنفِقُواْ فِى سَبِيلِ الله} ولم يقل : وأنفقوا في الجهاد والعمرة. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 5 صـ 116}","part":4,"page":273},{"id":1592,"text":"قال ابن العربى : \rفِي تَفْسِيرِ النَّفَقَةِ : فِيهَا ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ : الْأَوَّلُ : أَنَّهُ نَدَبَهُمْ إلَى النَّفَقَةِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ.\rقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : {مَنْ أَنْفَقَ زَوْجَيْنِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ نُودِيَ مِنْ أَبْوَابِ الْجَنَّةِ الثَّمَانِيَةِ أَيْ هَلُمَّ}.\rالثَّانِي : أَنَّهَا وَاجِبَةٌ لِقَوْلِهِ تَعَالَى : {وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إلَى التَّهْلُكَةِ}.\rالثَّالِثُ : أَنَّ مَعْنَاهُ لَا تَخْرُجُوا بِغَيْرِ زَادٍ تَوَكُّلًا وَاتِّكَالًا.\rوَحَقِيقَةُ التَّوَكُّلِ قَدْ بَيَّنَّاهَا فِي مَوْضِعِهَا ، وَالِاتِّكَالُ عَلَى أَمْوَالِ النَّاسِ لَا يَجُوزُ.\rوَالْقَوْلُ الْأَوَّلُ صَحِيحٌ ؛ لِأَنَّهُ دَائِمٌ ، وَالثَّانِي : قَدْ يُتَصَوَّرُ إذَا وَجَبَ الْجِهَادُ ، وَالثَّالِثُ صَحِيحٌ لِأَنَّ إعْدَادَ الزَّادِ فَرْضٌ.أحكام القرآن لابن العربى حـ 1 صـ 165}","part":4,"page":274},{"id":1593,"text":"قال ابن عاشور : \r( سبيل الله) طريقه ، والطريق إذا أضيف إلى شيء فإنما يضاف إلى ما يوصل إليه ، ولما علم أن الله لا يصل إليه الناس تعيَّن أن يكون المراد من الطريق العمل الموصل إلى مرضاة الله وثوابه ، فهو مجاز في اللفظ ومجاز في الإسناد ، وقد غلب (سبيل الله) في اصطلاح الشرع في الجهاد. أي القتال للذب عن دينه وإعلاء كلمته ، و(في) للظرفية لأن النفقة تكون بإعطاء العَتاد ، والخيل ، والزاد ، وكل ذلك مظروف للجهاد على وجه المجاز وليست (في) هنا مستعملة للتعليل. أ هـ {التحرير والتنوير حـ 2 صـ 213}\rقوله تعالى : {وَلاَ تُلْقُواْ بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التهلكة }\rقال الفخر : \rقال أبو عبيدة والزجاج {التهلكة} الهلاك يقال : هلك يهلك هلاكاً وهلكاً وتهلكة : قال الخارزنجي : لا أعلم في كلام العرب مصدراً على تفعلة بضم العين إلا هذا ، قال أبو علي : قد حكى سيبويه : التنصرة والتسترة ، وقد جاء هذا المثال اسماً غير مصدر ، قال : ولا نعلمه جاء صفة قال صاحب \"الكشاف\" : ويجوز أن يقال أصله التهلكة ، كالتجربة والتبصرة على أنها مصدر هكذا فأبدلت الضمة بالكسرة ، كما جاء الجوار في الجوار.\rوأقول : إني لأتعجب كثيراً من تكلفات هؤلاء النحويين في أمثال هذه المواضع ، وذلك أنهم لو وجدوا شعراً مجهولاً يشهد لما أرادوه فرحوا به ، واتخذوه حجة قوية ، فورود هذا اللفظ في كلام الله تعالى المشهود له من الموافق والمخالف بالفصاحة ، أولى بأن يدل على صحة هذه اللفظة واستقامتها. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 5 صـ 116}\rوقال الشيخ الطاهر بن عاشور : \rوقوله تعالى : {ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة} عطف غرض على غرض ، عُقِّب الأمر بالإنفاق في سبيل الله بالنهي عن الأعمال التي لها عواقب ضارة إبلاغاً للنصيحة والإرشاد لئلا يدفع بهم يقينهم بتأييد الله إياهم إلى التفريط في وسائل الحذر من غلبَة العدو ، فالنهي عن الإلقاء بالنفوس إلى التهلكة يجمع معنى الأمر بالإنفاق وغيره من تصاريف الحرب وحفظ النفوس ، ولذلك فالجملة فيها معنى التذييل وإنما عطفت ولم تفصل باعتبار أنها غرض آخر من أغراض الإرشاد.\rوالإلقاء رمي الشيء من اليد وهو يتعدى إلى مفعول واحد بنفسه وإلى المرمى إليه بإلى وإلى المرمى فيه بفي.\rوالظاهر أن الأيدي هي المفعول إذ لم يذكر غيره ، وأن الباء زائدة لتوكيد اتصال الفِعل بالمفعول كما قالوا للمنقاد \"أَعطى بيده\" أي أعطى يده لأن المستسلم في الحرب ونحوه يُشَد بيده ، فزيادة الباء كزيادتها في {وهُزى إليك بجِذْع النخلة} [مريم : 25] وقول النابغة\r : ... لَك الخَيْرُ إِنْ وارتْ بك الأرضُ وَاحِدا","part":4,"page":275},{"id":1594,"text":"والمعنى ولا تعطوا الهلاكَ أيديَكم فيأخذكم أخذ الموثَقِ ، وجعل التهلكة كالآخِذِ والآسِرِ استعارة بجامع الإحاطة بالملقى ، ويجوز أن تُجعل اليد مع هذا مجازاً عن الذات بعلاقة البعضية لأن اليد أَهم شيء في النفس في هذا المعنى ، وهذا في الأمرين كقول لبيد\r : ... حَتَّى إذَا أَلْقَتْ يَداً في كَافِرٍ\rأي ألقت الشمس نفسها. وقيل الباء سببية والأيدي مستعملة في معنى الذات كناية عن الاختيار والمفعول محذوف أي لا تلقوا أنفسكم إلى التهلكة باختياركم. أ هـ {التحرير والتنوير حـ 2 صـ 214}\rسؤال : لم عدى الفعل بـ {إلى} ؟ \rالجواب : عدى بـ {إلى} لتضمنه معنى الإفضاء أو الإنهاء والباء مزيدة في المفعول تأكيد معنى النهي ، لأن ألقى يتعدى كما في {فألقى موسى عصاه} [الشعراء : 5 4] وزيادتها في المفعول لا تنقاس ، والمراد بالأيدي الأنفس مجازاً ، وعبر بها عنها لأن أكثر ظهور أفعالها بها ، وقيل : يحتمل أن تكون زائدة والأيدي بمعناها ، والمعنى لا تجعلوا التهلكة آخذة بأيديكم قابضة إياها ، وأن تكون غير مزيدة والأيدي أيضاً على حقيقتها ويكون المفعول محذوفاً أي : لا تلقوا بأيديكم أنفسكم إلى التهلكة وفائدة ذكر الأيدي حينئذ التصريح بالنهي عن الإلقاء إليها بالقصد والاختيار. أ هـ {روح المعانى حـ 2 صـ 78}\rقال الفخر : \rاتفقوا على أن الباء في قوله : {بِأَيْدِيكُمْ} تقتضي إما زيادة أو نقصاناً فقال قوم : الباء زائدة والتقدير : ولا تلقوا أيديكم إلى التهلكة.\rوهو كقوله : جذبت الثوب بالثوب ، وأخذت القلم بالقلم فهما لغتان مستعملتان مشهورتان ، أو المراد بالأيدي الأنفس كقوله : {بِمَا قَدَّمَتْ يَدَاكَ} [الحج : 10] أو {بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُم} [الشورى : 30] فالتقدير : ولا تلقوا بأنفسكم إلى التهلكة ، وقال آخرون : بل ههنا حذف.\rوالتقدير : ولا تلقوا أنفسكم بأيديكم إلى التهلكة. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 5 صـ 116}\rفائدة لغوية","part":4,"page":276},{"id":1595,"text":"قال الشيخ ابن عاشور : \rالتهلكة بضم اللام اسم مصدر بمعنى الهلاك ، وإنما كان اسم مصدر لأنه لم يعهد في المصادر وزن التَّفْعلة بضم العين وإنما في المصادر التفعلة بكسر العين لكِنَّه مصدرُ مضاعفِ العين المعتل اللام كزكَّى وغطَّى ، أو المهموز اللام كَجزَّأَ وهيأ ، وحكى سيبويه له نظيرين في المشتقات التَّضُرَّة والتَّسُرَّة بضم العين من أضر وأَسر بمعنى الضُّر والسُّرور ، وفي الأسماء الجامدة التَّنْضُبة والتَّتْفُلة (الأول اسم شجر ، والثاني ولَدُ الثعلب).\rوفي \"تاج العروس\" أن الخليل قرأها (التهلِكة) بكسر اللام ولا أحسب الخليل قرأ كذلك ؛ فإن هذا لم يرو عن أحد من القراء في المشهور ولا الشاذ فإن صح هذا النقل فلعل الخليل نطق به على وجه المثال فلم يضبط من رواه عنه حق الضبط ، فإن الخليل أجل من أن يقرأ القرآن بحرف غير مأثور.\rومعنى النهي عن الإلقاء باليد إلى التهلكة النهي عن التسبب في إتلاف النفس أو القومِ عن تحقق الهلاك بدون أن يجتنَى منه المقصودُ.\rوعُطِف على الأمر بالإنفاق للإشارة إلى علة مشروعية الإنفاق وإلى سبب الْامر به فإنَّ ترك الإنفاق في سبيل الله والخروجَ بدون عُدة إلقاءٌ باليد للهلاك كما قيل\r : ... كساعٍ إلى الهَيْجَا بغير سِلاَح\rفلذلك وجب الإنفاق ، ولأن اعتقاد كفاية الإيمان بالله ونصر دينه في هزم الأعداء اعتقادٌ غير صحيح ، لأنه كالذي يلقي بنفسه للهلاك ويقول سينجيني الله تعالى ، فهذا النهي قد أفاد المعنيين جميعاً وهذا من أبدع الإيجاز. أ هـ {التحرير والتنوير حـ 2 صـ 214}\rقال الفخر : \rقوله : {وَلاَ تُلْقُواْ بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التهلكة} اختلف المفسرون فيه ، فمنهم من قال : إنه راجع إلى نفس النفقة ، ومنهم من قال : إنه راجع إلى غيرها ، أما الأولون فذكروا فيه وجوه","part":4,"page":277},{"id":1596,"text":"الأول : أن لا ينفقوا في مهمات الجهاد أموالهم ، فيستولي العدو عليهم ويهلكهم ، وكأنه قيل : إن كنت من رجال الدين فأنفق مالك في سبيل الله وفي طلب مرضاته ، وإن كنت من رجال الدنيا فأنفق مالك في دفع الهلاك والضرر عن نفسك الوجه الثاني : أنه تعالى لما أمره بالإنفاق نهاه عن أن ينفق كل ماله ، فإن إنفاق كل المال يفضي إلى التهلكة عند الحاجة الشديدة إلى المأكول والمشروب والملبوس فكان المراد منه ما ذكره في قوله : {والذين إِذَا أَنفَقُواْ لَمْ يُسْرِفُواْ وَلَمْ يَقْتُرُواْ وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَاماً} [الشورى : 67] وفي قوله : {وَلاَ تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إلى عُنُقِكَ وَلاَ تَبْسُطْهَا كُلَّ البسط} [الإسراء : 29] وأما الذين قالوا : المراد منه غير النفقة فذكروا فيه وجوهاً أحدها : أن يخلوا بالجهاد فيتعرضوا للهلاك الذي هو عذاب النار فحثهم بذلك على التمسك بالجهاد وهو كقوله : {لّيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَن بَيّنَةٍ} [الأنفال : 42] وثانيها : المراد من قوله : {وَلاَ تُلْقُواْ بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التهلكة} أي لا تقتحموا في الحرب بحيث لا ترجون النفع ، ولا يكون لكم فيه إلا قتل أنفسكم فإن ذلك لا يحل ، وإنما يجب أن يقتحم إذا طمع في النكاية وإن خاف القتل ، فأما إذا كان آيساً من النكاية وكان الأغلب أنه مقتول فليس له أن يقدم عليه ، وهذا الوجه منقول عن البراء بن عازب ، ونقل عن أبي هريرة رضي الله عنه أنه قال في هذه الآية : هو الرجل يستقل بين الصفين ، ومن الناس من طعن في هذا التأويل وقال : هذا القتل غير محرم واحتج عليه بوجوه الأول : روي أن رجلاً من المهاجرين حمل على صف العدو فصاح به الناس فألقى بيده إلى التهلكة فقال أبو أيوب الأنصاري نحن أعلم بهذه الآية وإنما نزلت فينا : صحبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ونصرناه وشهدنا معه المشاهد فلما قوي الإسلام وكثر أهله رجعنا إلى أهالينا وأموالنا","part":4,"page":278},{"id":1597,"text":"وتصالحنا ، فكانت التهلكة الإقامة في الأهل والمال وترك الجهاد والثاني : روى الشافعي رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ذكر الجنة ، فقال له رجل من الأنصار : أرأيت يا رسول الله إن قتلت صابراً محتسباً ؟ قال عليه الصلاة والسلام : \r","part":4,"page":279},{"id":1598,"text":"\" لك الجنة \" فانغمس في جماعة العدو فقتلوه بين يدي رسول الله ، وأن رجلاً من الأنصار ألقى درعاً كانت عليه حين ذكر النبي عليه الصلاة والسلام الجنة ثم انغمس في العدو فقتلوه والثالث : روي أن رجلاً من الأنصار تخلف عن بني معاوية فرأى الطير عكوفاً على من قتل من أصحابه ، فقال لبعض من معه سأتقدم إلى العدو فيقتلونني ولا أتخلف عن مشهد قتل فيه أصحابي ، ففعل ذلك فذكروا ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم ، فقال فيه قولا حسناً الرابع : روي أن قوماً حاصروا حصناً ، فقاتل رجل حتى قتل فقيل ألقى بيده إلى التهلكة فبلغ عمر بن الخطاب رضي الله عنه ذلك فقال : كذبوا أليس يقول الله تعالى {وَمِنَ الناس مَن يَشْرِى نَفْسَهُ ابتغاء مَرْضَاتِ الله} [البقرة : 207] ولمن نصر ذلك التأويل أن يجيب عن هذه الوجوه فيقول : إنا إنما حرمنا إلقاء النفس في صف العدو إذا لم يتوقع إيقاع نكاية منهم ، فإما إذا توقع فنحن نجوز ذلك ، فلم قلتم أنه يوجد هذا المعنى في هذه الوقائع الوجه الثالث : في تأويل الآية أن يكون هذا متصلاً بقوله : {الشهر الحرام بالشهر الحرام والحرمات قِصَاصٌ} [البقرة : 194] أي فإن قاتلوكم في الشهر الحرام فقاتلوهم فيه فإن الحرمات قصاص ، فجازوا اعتداءهم عليكم ولا تحملنكم حرمة الشهر على أن تستسلموا لمن قاتلكم فتهلكوا بترككم القتال فإنكم بذلك تكونون ملقين بأيديكم إلى التهلكة الوجه الرابع : في التأويل أن يكون المعنى : أنفقوا في سبيل الله ولا تقولوا إنا نخاف الفقر إن أنفقنا فنهلك ولا يبقى معنا شيء ، فنهوا أن يجعلوا أنفسهم هالكين بالإنفاق ، والمراد من هذا الجعل والإلقاء الحكم بذلك كما يقال جعل فلان فلاناً هالكاً وألقاه في الهلاك إذا حكم عليه بذلك الوجه الخامس : ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة هو الرجل يصيب الذنب الذي يرى أنه لا ينفعه معه عمل فذاك هو إلقاء النفس إلى التهلكة فالحاصل أن معناه النهي عن القنوط عن رحمة","part":4,"page":280},{"id":1599,"text":"الله لأن ذلك يحمل الإنسان على ترك العبودية والإصرار على الذنب الوجه السادس : يحتمل أن يكون المراد وأنفقوا في سبيل الله ولا تلقوا ذلك الإنفاق في التهلكة والإحباط ، وذلك بأن تفعلوا بعد ذلك الإنفاق فعلاً يحبط ثوابه إما بتذكير المنة أو بذكر وجوه الرياء والسمعة ، ونظيره قوله تعالى : {وَلاَ تُبْطِلُواْ أعمالكم} [محمد : 33 ]. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 5 صـ 117}\rفائدة\rوقوع فعل {تلقوا} في سياق النهي يقتضي عموم كل إلقاء باليد للتهلكة أي كل تسبب في الهلاك عن عمد فيكون منهياً عنه محرماً ما لم يوجد مقتض لإزالة ذلك التحريم وهو ما يكون حفظه مقدماً على حفظ النفس مع تحقق حصول حفظه بسبب الإلقاء بالنفس إلى الهلاك أو حفظ بعضه بسبب ذلك. فالتفريط في الاستعداد للجهاد حرام لا محالة لأنه إلقاء باليد إلى التهلكة ، وإلقاء بالأمة والدين إليها بإتلاف نفوس المسلمين. أ هـ {التحرير والتنوير حـ 2 صـ 215}\rقوله تعالى : {وَأَحْسِنُواْ إِنَّ الله يُحِبُّ المحسنين }\rقال الفخر : \rقوله : {وَأَحْسِنُواْ} فيه وجوه أحدها : قال الأصم : أحسنوا في فرائض الله وثانيها : وأحسنوا في الإنفاق على من تلزمكم مؤنته ونفقته ، والمقصود منه أن يكون ذلك الإنفاق وسطاً فلا تسرفوا ولا تقتروا ، وهذا هو الأقرب لاتصاله بما قبله ويمكن حمل الآية على جميع الوجوه. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 5 صـ 117}\rوقال ابن عاشور : \rالإحسان فعل النافع الملائم ، فإذا فعل فعلاً نافعاً مؤلماً لا يكون محسناً فلا تقول إذا ضربت رجلاً تأديباً : أحسنت إليه ولا إذا جاريته في ملذات مضرة أَحسنت إليه ، وكذا إذا فعل فعلاً مضراً ملائماً لا يسمى محسناً.\rوفي حذف متعلق {أحسنوا} تنبيه على أن الإحسان مطلوب في كل حال ويؤيده قوله صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح : \" إن الله كتب الإحسان على كل شيء \".","part":4,"page":281},{"id":1600,"text":"وفي الأمر بالإحسان بعد ذكر الأمر بالاعتداء على المعتدي والإنفاق في سبيل الله والنهي عن الإلقاء باليد إلى التهلكة إشارة إلى أنّ كلّ هاته الأحوال يلابسها الإحسان ويحفّ بها ، ففي الاعتداء يكون الإحسان بالوقوف عند الحدود والاقتصاد في الاعتداء والاقتناع بما يحصل به الصلاح المطلوب ، وفي الجهاد في سبيل الله يكون الإحسان بالرفق بالأسير والمغلوب وبحفظ أموال المغلوبين وديارهم من التخريب والتحريق ، والعرب تقول : \"ملكت فأسجح\" ، والحذر من الإلقاء باليد إلى التهلكة إحسان.\rأ هـ {التحرير والتنوير حـ 2 صـ 216}\rوقال ابن العربى : \rقَوْله تَعَالَى : {وَأَحْسِنُوا}.\rفِيهِ ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ : الْأَوَّلُ : أَحْسِنُوا الظَّنَّ بِاَللَّهِ ؛ قَالَهُ عِكْرِمَةُ.\rالثَّانِي : فِي أَدَاءِ الْفَرَائِضِ ، قَالَهُ الضَّحَّاكُ.\rالثَّالِثُ : أَحْسِنُوا إلَى مَنْ لَيْسَ عِنْدَهُ شَيْءٌ.\rقَالَ الْقَاضِي : الْإِحْسَانُ مَأْخُوذٌ مِنْ الْحُسْنِ ، وَهُوَ كُلُّ مَا مُدِحَ فَاعِلُهُ.\rوَلَيْسَ الْحُسْنُ صِفَةً لِلشَّيْءِ ؛ وَإِنَّمَا الْحُسْنُ خَبَرٌ مِنْ اللَّهِ تَعَالَى عَنْهُ بِمَدْحِ فَاعِلِهِ.\rوَقَدْ بَيَّنَ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلَامُ أَصْلَهُ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حِينَ قَالَ لَهُ : {مَا الْإِحْسَانُ ؟ قَالَ : أَنْ تَعْبُدَ اللَّهَ كَأَنَّك تَرَاهُ ، فَإِنْ لَمْ تَكُنْ تَرَاهُ فَإِنَّهُ يَرَاك}.أحكام القرآن لابن العربى حـ 1 صـ 167}\rلطيفة\rقال فضيل بن عياض : من كانت تحت يده دجاجة فلم يحسن إليها لم يكن من المحسنين. أ هـ {تفسير السمعانى حـ 1 صـ 195}\rقوله تعالى : {إِنَّ الله يُحِبُّ المحسنين }\rقال فى التحرير والتنوير : \rوقوله : {إن الله يحب المحسنين} تذييل للترغيب في الإحسان ، لأن محبة الله عبده غاية ما يطلبه الناس إذ محبة الله العبد سبب الصلاح والخير دنيا وآخرة ، واللام للاستغراق العرفي والمراد المحسنون من المؤمنين. أ هـ {التحرير والتنوير حـ 2 صـ 216}\rوقال ابن عرفة : \rوقوله {إِنَّ الله يُحِبُّ المحسنين} أبلغ من قوله إن الله (مع) ، لأن قولك : زيد يحب بني فلان أبلغ من قولك زيد مع بني فلان لأنه قد يكون معهم ولا يحبهم ، قال الله تعالى {وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنتُمْ.} أ هـ {تفسير ابن عرفة صـ 247}\rفائدة\rقال السعدى : \r{ وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ}.\rيأمر تعالى عباده بالنفقة في سبيله ، وهو إخراج الأموال في الطرق الموصلة إلى الله ، وهي كل طرق الخير ، من صدقة على مسكين ، أو قريب ، أو إنفاق على من تجب مؤنته.","part":4,"page":282},{"id":1601,"text":"وأعظم ذلك وأول ما دخل في ذلك الإنفاق في الجهاد في سبيل الله ، فإن النفقة فيه جهاد بالمال ، وهو فرض كالجهاد بالبدن ، وفيها من المصالح العظيمة ، الإعانة على تقوية المسلمين ، وعلى توهية الشرك وأهله ، وعلى إقامة دين الله وإعزازه ، فالجهاد في سبيل الله لا يقوم إلا على ساق النفقة ، فالنفقة له كالروح ، لا يمكن وجوده بدونها ، وفي ترك الإنفاق في سبيل الله ، إبطال للجهاد ، وتسليط للأعداء ، وشدة تكالبهم ، فيكون قوله تعالى : {وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ} كالتعليل لذلك ، والإلقاء باليد إلى التهلكة يرجع إلى أمرين : ترك ما أمر به العبد ، إذا كان تركه موجبا أو مقاربا لهلاك البدن أو الروح ، وفعل ما هو سبب موصل إلى تلف النفس أو الروح ، فيدخل تحت ذلك أمور كثيرة ، فمن ذلك ، ترك الجهاد في سبيل الله ، أو النفقة فيه ، الموجب لتسلط الأعداء ، ومن ذلك تغرير الإنسان بنفسه في مقاتلة أو سفر مخوف ، أو محل مسبعة أو حيات ، أو يصعد شجرا أو بنيانا خطرا ، أو يدخل تحت شيء فيه خطر ونحو ذلك ، فهذا ونحوه ، ممن ألقى بيده إلى التهلكة.\rومن الإلقاء باليد إلى التهلكة الإقامة على معاصي الله ، واليأس من التوبة ، ومنها ترك ما أمر الله به من الفرائض ، التي في تركها هلاك للروح والدين.\rولما كانت النفقة في سبيل الله نوعا من أنواع الإحسان ، أمر بالإحسان عموما فقال : {وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ} وهذا يشمل جميع أنواع الإحسان ، لأنه لم يقيده بشيء دون شيء ، فيدخل فيه الإحسان بالمال كما تقدم.\rويدخل فيه الإحسان بالجاه ، بالشفاعات ونحو ذلك ، ويدخل في ذلك ، الإحسان بالأمر بالمعروف ، والنهي عن المنكر ، وتعليم العلم النافع ، ويدخل في ذلك قضاء حوائج الناس ، من تفريج كرباتهم وإزالة شداتهم ، وعيادة مرضاهم ، وتشييع جنائزهم ، وإرشاد ضالهم ، وإعانة من يعمل عملا والعمل لمن لا يحسن العمل ونحو ذلك ، مما هو من الإحسان الذي أمر الله به ، ويدخل في الإحسان أيضا ، الإحسان في عبادة الله تعالى ، وهو كما ذكر النبي صلى الله عليه وسلم : \"أن تعبد الله كأنك تراه ، فإن لم تكن تراه ، فإنه يراك \"\rفمن اتصف بهذه الصفات ، كان من الذين قال الله فيهم : {لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ} وكان الله معه يسدده ويرشده ويعينه على كل أموره. أ هـ {تفسير السعدى صـ 90}","part":4,"page":283},{"id":1602,"text":"سؤال طال حوله الجدل\rهل الأعمال الحربية ضد الصهاينة اليهود والأمريكان فى أراضى الإسلام المغتصبة (المحتلة) استشهادية أو انتحارية ؟ \rأجاب عن هذا السؤال العلامة الجصاص فى كلام نفيس له\rقال رحمه الله : \rقَوْله تَعَالَى : {وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إلَى التَّهْلُكَةِ} قَالَ أَبُو بَكْرٍ : قَدْ قِيلَ فِيهِ وُجُوهٌ : أَحَدُهَا مَا حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُد قَالَ : حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ السَّرْحِ : قَالَ حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ عَنْ حَيْوَةَ بْنِ شُرَيْحٍ ، وَابْنِ لَهِيعَةَ عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي حَبِيبٍ ، عَنْ أَسْلَمَ أَبِي عِمْرَانَ قَالَ : غَزَوْنَا بِالْقُسْطَنْطِينِيَّةِ وَعَلَى الْجَمَاعَةِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ الْوَلِيدِ وَالرُّومُ مُلْصِقُو ظُهُورِهِمْ بِحَائِطِ الْمَدِينَةِ ، فَحَمَلَ رَجُلٌ عَلَى الْعَدُوِّ ، فَقَالَ النَّاسُ : مَهْ مَهْ ، لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ ، يُلْقِي بِيَدَيْهِ إلَى التَّهْلُكَةِ ، فَقَالَ أَبُو أَيُّوبَ : إنَّمَا نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ فِينَا مَعْشَرَ الْأَنْصَارِ ، لَمَّا نَصَرَ اللَّهُ نَبِيَّهُ وَأَظْهَرَ دِينَهُ الْإِسْلَامَ قُلْنَا : هَلُمَّ نُقِيمُ فِي أَمْوَالِنَا وَنُصْلِحُهَا ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى : {وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إلَى التَّهْلُكَةِ} فَالْإِلْقَاءُ بِالْأَيْدِي إلَى التَّهْلُكَةِ أَنْ نُقِيمَ فِي أَمْوَالِنَا فَنُصْلِحَهَا وَنَدَعَ الْجِهَادَ ؛ قَالَ أَبُو عِمْرَانَ : فَلَمْ يَزَلْ أَبُو أَيُّوبَ يُجَاهِدُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ حَتَّى دُفِنَ بِالْقُسْطَنْطِينِيَّةِ.","part":4,"page":284},{"id":1603,"text":"فَأَخْبَرَ أَبُو أَيُّوبَ أَنَّ الْإِلْقَاءَ بِالْأَيْدِي إلَى التَّهْلُكَةِ هُوَ تَرْكُ الْجِهَادِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ، وَأَنَّ الْآيَةَ فِي ذَلِكَ نَزَلَتْ.\rوَرُوِيَ مِثْلُهُ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ وَحُذَيْفَةَ وَالْحَسَنِ وَقَتَادَةَ وَمُجَاهِدٍ وَالضَّحَّاكِ.\rوَرُوِيَ عَنْ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ وَعُبَيْدَةَ السَّلْمَانِيِّ : \" الْإِلْقَاءُ بِالْأَيْدِي إلَى التَّهْلُكَةِ هُوَ الْيَأْسُ مِنْ الْمَغْفِرَةِ بِارْتِكَابِ الْمَعَاصِي \".\rوَقِيلَ : \" هُوَ الْإِسْرَافُ فِي الْإِنْفَاقِ حَتَّى لَا يَجِدَ مَا يَأْكُلُ وَيَشْرَبُ فَيَتْلَفُ \".\rوَقِيلَ : \" هُوَ أَنْ يَقْتَحِمَ الْحَرْبَ مِنْ غَيْرِ نِكَايَةٍ فِي الْعَدُوِّ \" وَهُوَ الَّذِي تَأَوَّلَهُ الْقَوْمُ الَّذِي أَنْكَرَ عَلَيْهِمْ أَبُو أَيُّوبَ وَأَخْبَرَ فِيهِ بِالسَّبَبِ.\rوَلَيْسَ يَمْتَنِعُ أَنْ يَكُونَ جَمِيعُ هَذِهِ الْمَعَانِي مُرَادَةً بِالْآيَةِ لِاحْتِمَالِ اللَّفْظِ لَهَا وَجَوَازُ اجْتِمَاعِهَا مِنْ غَيْرِ تَضَادٍّ وَلَا تَنَافٍ فَأَمَّا حَمْلُهُ عَلَى الرَّجُلِ الْوَاحِدِ يَحْمِلُ عَلَى حَلْبَةِ الْعَدُوِّ ، فَإِنَّ مُحَمَّدَ بْنَ الْحَسَنِ ذَكَرَ فِي السِّيَرِ الْكَبِيرِ أَنَّ رَجُلًا لَوْ حَمَلَ عَلَى أَلْفِ رَجُلٍ وَهُوَ وَحْدَهُ لَمْ يَكُنْ بِذَلِكَ بَأْسٌ إذَا كَانَ يَطْمَعُ فِي نَجَاةٍ أَوْ نِكَايَةٍ ، فَإِنْ كَانَ لَا يَطْمَعُ فِي نَجَاةٍ وَلَا نِكَايَةٍ فَإِنِّي أَكْرَهُ لَهُ ذَلِكَ لِأَنَّهُ عَرَّضَ نَفْسَهُ لِلتَّلَفِ مِنْ غَيْرِ مَنْفَعَةٍ لِلْمُسْلِمِينَ.\r","part":4,"page":285},{"id":1604,"text":"وَإِنَّمَا يَنْبَغِي لِلرَّجُلِ أَنْ يَفْعَلَ هَذَا إذَا كَانَ يَطْمَعُ فِي نَجَاةٍ أَوْ مَنْفَعَةٍ لِلْمُسْلِمِينَ ، فَإِنْ كَانَ لَا يَطْمَعُ فِي نَجَاةٍ وَلَا نِكَايَةٍ وَلَكِنَّهُ يُجْزِئُ الْمُسْلِمِينَ بِذَلِكَ حَتَّى يَفْعَلُوا مِثْلَ مَا فَعَلَ فَيُقْتَلُونَ وَيُنْكُونَ فِي الْعَدُوِّ فَلَا بَأْسَ بِذَلِكَ إنْ شَاءَ اللَّهُ لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ عَلَى طَمَعٍ مِنْ النِّكَايَةِ فِي الْعَدُوِّ وَلَا يَطْمَعُ فِي النَّجَاةِ لَمْ أَرَ بَأْسًا أَنْ يَحْمِلَ عَلَيْهِمْ ، فَكَذَلِكَ إذَا طَمِعَ أَنْ يُنْكَى غَيْرُهُ فِيهِمْ بِحَمْلَتِهِ عَلَيْهِمْ فَلَا بَأْسَ بِذَلِكَ ، وَأَرْجُو أَنْ يَكُونَ فِيهِ مَأْجُورًا ؛ وَإِنَّمَا يُكْرَهُ لَهُ ذَلِكَ إذَا كَانَ لَا مَنْفَعَةَ فِيهِ عَلَى وَجْهٍ مِنْ الْوُجُوهِ وَإِنْ كَانَ لَا يَطْمَعُ فِي نَجَاةٍ وَلَا نِكَايَةٍ ، وَلَكِنَّهُ مِمَّا يُرْهِبُ الْعَدُوَّ ، فَلَا بَأْسَ بِذَلِكَ لِأَنَّ هَذَا أَفْضَلُ النِّكَايَةِ وَفِيهِ مَنْفَعَةٌ لِلْمُسْلِمِينَ.\rوَاَلَّذِي قَالَ مُحَمَّدٌ مِنْ هَذِهِ الْوُجُوهِ صَحِيحٌ لَا يَجُوزُ غَيْرُهُ ؛ وَعَلَى هَذِهِ الْمَعَانِي يُحْمَلُ تَأْوِيلُ مَنْ تَأَوَّلَ فِي حَدِيثِ أَبِي أَيُّوبَ أَنَّهُ أَلْقَى بِيَدِهِ إلَى التَّهْلُكَةِ بِحَمْلِهِ عَلَى الْعَدُوِّ ؛ إذْ لَمْ يَكُنْ عِنْدَهُمْ فِي ذَلِكَ مَنْفَعَةٌ ، وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ فَلَا يَنْبَغِي أَنْ يُتْلِفَ نَفْسَهُ مِنْ غَيْرِ مَنْفَعَةٍ عَائِدَةٍ عَلَى الدِّينِ وَلَا عَلَى الْمُسْلِمِينَ.\r","part":4,"page":286},{"id":1605,"text":"فَأَمَّا إذَا كَانَ فِي تَلَفِ نَفْسِهِ مَنْفَعَةٌ عَائِدَةٌ عَلَى الدِّينِ فَهَذَا مَقَامٌ شَرِيفٌ مَدَحَ اللَّهُ بِهِ أَصْحَابَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي قَوْلِهِ : {إنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنْ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمْ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ} وَقَالَ : {وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ} وَقَالَ : {وَمِنْ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاةِ اللَّهِ} فِي نَظَائِرِ ذَلِكَ مِنْ الْآيِ الَّتِي مَدَحَ اللَّهُ فِيهَا مَنْ بَذَلَ نَفْسَهُ لِلَّهِ.\rوَعَلَى ذَلِكَ يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ حُكْمُ الْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيِ عَنْ الْمُنْكَرِ أَنَّهُ مَتَى رَجَا نَفْعًا فِي الدِّينِ فَبَذَلَ نَفْسَهُ فِيهِ حَتَّى قُتِلَ كَانَ فِي أَعْلَى دَرَجَاتِ الشُّهَدَاءِ ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : {وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنْ الْمُنْكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ}.\rوَقَدْ رُوِيَ عَنْ عِكْرِمَةَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ : {أَفْضَلُ الشُّهَدَاءِ حَمْزَةُ بْنُ عَبْدِ الْمُطَّلَبِ وَرَجُلٌ تَكَلَّمَ بِكَلِمَةِ حَقٍّ عِنْدَ سُلْطَانٍ جَائِرٍ فَقَتَلَهُ}.\rوَرَوَى أَبُو سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ : {أَفْضَلُ الْجِهَادِ كَلِمَةُ حَقٍّ عِنْدَ سُلْطَانٍ جَائِرٍ}.\r","part":4,"page":287},{"id":1606,"text":"وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُد قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْجَرَّاحِ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يَزِيدَ ، عَنْ مُوسَى بْنِ عَلِيِّ بْنِ رَبَاحٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ مَرْوَانَ قَالَ : سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ : سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ : {شَرُّ مَا فِي الرَّجُلِ شُحٌّ هَالِعٌ وَجُبْنٌ خَالِعٌ} وَذَمُّ الْجُبْنِ يُوجِبُ مَدْحَ الْإِقْدَامِ وَالشَّجَاعَةِ فِيمَا يَعُودُ نَفْعُهُ عَلَى الدِّينِ وَإِنْ أَيْقَنَ فِيهِ بِالتَّلَفِ ؛ وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ.أحكام القرآن للجصاص حـ 1 صـ 328}","part":4,"page":288},{"id":1607,"text":"أبحاث تتعلق بالإنفاق\rالإنفاق والخلاص من المآزق\rهذه الآية تكمّل ما مرّ من آيات الجهاد فكما أنّ الجهاد بحاجة إلى الرجال المخلصين والمجرّبين كذلك بحاجة إلى المال والثروة أي بحاجة إلى الاستعداد البدني والمعنوي والمعدّات الحربيّة ، صحيح أن العامل الحاسم في تقرير مصير الحرب هو الرجال بالدّرجة الأولى ، ولكنّ الجندي بحاجة إلى أدوات الحرب (أعمّ من السلاح والأدوات ووسائل النقل والغذاء والوسائل الصحيّة) فإنّه بدونها لا يمكنه أن يفعل شيئاً.\rمن هنا أوجب الإسلام تأمين وسائل الجهاد مع الأعداء ، ومن ذلك ما ورد في الآية أعلاه حيث تأمر بصراحة (وأنفقوا في سبيل الله ولا تلقوا بأيديكم إلى التّهلكة).\rوهذا المعنى يتأكّد خاصّة في عصر نزول هذه الآيات حيث كان المسلمون في شوق شديد إلى الجهاد كما يحدّثنا القرآن عن أولئك الّذين أتوا النبي يطلبون منه السلاح ليشاركوا في ساحة الجهاد وإذ لم يجدوا ذلك عادوا مهمومين محزونين {تولّوا وأعينهم تفيض من الدّمع حزناً ألاّ يجدوا ما ينفقون}.","part":4,"page":289},{"id":1608,"text":"فعبارة (ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة) بالرّغم من أنّها واردة في ترك الإنفاق في الجهاد الإسلامي ، ولكنّ مفهومها واسع يشمل موارد أخرى كثيرة ، منها أنّ الإنسان ليس له الحقّ في اتّخاذ الطرق الخطرة للسّفر (سواء من الناحية الأمنيّة أو بسبب العوامل الجويّة أو غير ذلك) دون أن يتّخذ لنفسه الاحتياطات اللاّزمة لذلك ، كما لايجوز له تناول الغذاء الّذي يحتمل قويّاً أن يكون مسموماً وحتّى أن يرد ميدان القتال والجهاد دون تخطيط مدروس ، ففي جميع هذه الموارد الإنسان مسؤول عن نفسه في ما لو ألقى بها في الخطر بدون عذر مقبول. أ هـ {الأمثل حـ 2 صـ 34 ـ 35 }\rبحوث نفيسة فى الآية\r1 ـ الإنفاق مانع عن انهيار المجتمع\rهناك ارتباط معنوي بين جملة {وأنفقوا في سبيل الله} و{لا تلقوا بأيديكم إلى التّهلكة} بملاحظة أنّ عبارات الآيات القرآنية مترابطة ومتلازمة ، والظّاهر أنّ الرّابطة بين هاتين العبارتين هو أنّكم لو لم تنفقوا في سبيل الله وفي مسار الجهاد فقد ألقيتم أنفسكم في التّهلكة.\rويمكن أن يكون الارتباط أكثر من ذلك وهو أن نقول : إنّ هذه الآية بالرّغم من أنّها وردت في ذيل آيات الجهاد ، ولكنّها تبيّن حقيقة كليّة واجتماعيّة ، وهي أنّ الإنفاق بشكل عام سبب لنزاهة المجتمع من المفاسد المدمّرة ، لأنه حينما يترك أفراد المجتمع الإنفاق وتتراكم الثروة في أحد أقطاب المجتمع تنشأ طبقة محرومة بائسة ، ولا يلبث أن يحدث انفجار عظيم فيه يحرق الأثرياء وثروتهم ويتّضح من ذلك إرتباط الإنفاق بابعاد التهلكة.\rومن هنا فالإنفاق يعود بالخير على الأثرياء قبل أن يصيب خيره المحرومين ، لأنّ تعديل الثروة يصون الثروة.\rوبتعبير بعض المفسّرين أنّ الامتناع من الإنفاق في سبيل الله يؤدّي إلى موت الرّوح الإنسانيّة في الفرد بسبب البخل ، وكذلك يؤدّي إلى موت المجتمع بسبب الضعف الاقتصادي وخاصّةً في النظام الإسلامي المبتني على أساس الإحسان والخير.\r","part":4,"page":290},{"id":1609,"text":"2 ـ سوء الاستفادة من مضمون الآية\rتقدّم أنّ بعض أهل الدنيا من طلاّب العافية تمسّكوا في هذه الجملة من هذه الآية {ولا تلقوا بأيديكم إلى التّهلكة} للفرار من الجهاد في سبيل الله.\rوهناك تباين بين مفهومي التهلكة والشّهادة ، فالتّهلكة تعني الموت بدون دليل موجّه ، في حين أنّ الشهادة تعني تضحية الفرد في سبيل هدف مقدّس ونيل الحياة الأبديّة الخالدة.\rويجب الالتفات إلى هذه الحقيقة ، وهي أنّ نفس الإنسان ليست أثمن شيء في وجوده ، فهناك حقائق أثمن للنفس مثل الإيمان بالله والاعتقاد بالإسلام وحفظ القرآن وأهدافه المقدّسة ، بل حفظ حيثيّة وعزّة المجتمع الإسلامي ، فهذه أهداف أسمى من التّهلكة ، ولم ينهَ عنها الشرع المقدّس إطلاقاً. أ هـ {الأمثل حـ 2 صـ 36 ـ 39}\r3 ـ ما هو المنظور من الإحسان\rالمراد من الإحسان عادةً هو الإنفاق وبذل الخير إلى الآخرين ولكن تارةً يأتي بمعنىً أوسع ويشمل بذلك كلّ عمل صالح بل حتّى الدوافع في العلم الصالح أيضاً كما ورد في الحديث النبوي الشريف في تفسير الإحسان (أن تعبد الله كأنّك تراه فإن لم تكن تراه فإنّه يراك).\rومن البديهي أنّه لو كان إيمان الفرد بحيث كأنّه يرى الله سبحانه تعالى ويعتقد بأنّه حاضرٌ وناظرٌ في كلّ الأحوال فسوف يهتم بالإتيان بالأعمال الصالحة ويتجنّب كلّ ذنب ومعصية. أ هـ {الأمثل حـ 2 صـ 39 }\rمن لطائف الإمام القشيرى فى الآية\rإنفاق الأغنياء من أموالهم ، وإنفاق العابدين بنفوسهم لا يدخرونها عن العبادات والوظائف ، وإنفاق العارفين بقلوبهم لا يدخرونها عن أحكامه ، وإنفاق المحبين بأرواحهم لا يدخرونها عن حُبِّه.\rإنفاق الأغنياء من النِّعم وإنفاق الفقراء من الهِمَم.\rإنفاق الأغنياء إخراج المال من الكيس ، وإنفاق الفقراء إخراج الروح عن أنفس النفيس ، وإنفاق الموحِّدين إخراج الخَلْق من السِّر. أ هـ {لطائف الإشارات حـ 1 صـ 162}","part":4,"page":291},{"id":1610,"text":"بحث نفيس وقيم وجامع فى باب الجهاد لصاحب الميزان\rردا على شبه أعداء الإسلام وأدعياء المدنية\rقال رحمه الله : \rختم سبحانه وتعالى الكلام بالإحسان فقال : {وأحسنوا إن الله يحب المحسنين} ، وليس المراد بالإحسان الكف عن القتال أو الرأفة في قتل أعداء الدين وما يشبههما بل الإحسان هو الإتيان بالفعل على وجه حسن بالقتال في مورد القتال ، والكف في مورد الكف ، والشدة في مورد الشدة ، والعفو في مورد العفو ، فدفع الظالم بما يستحقه إحسان على الإنسانية باستيفاء حقها المشروع لها ، ودفاع عن الدين المصلح لشأنها كما أن الكف عن التجاوز في استيفاء الحق المشروع بما لا ينبغي إحسان آخر ومحبة الله سبحانه وتعالى هو الغرض الأقصى من الدين ، وهو الواجب على كل متدين بالدين أن يجلبها من ربه بالاتباع ، قال تعالى : {قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله} آل عمران - 31 ، وقد بدأت الآيات الشريفة - وهي آيات القتال - بالنهي عن الاعتداء وأن الله لا يحب المعتدين وختمت بالأمر بالإحسان وأن الله يحب المحسنين ، وفي ذلك من وجوه الحلاوة ما لا يخفى الجهاد الذى يأمر به القرآن كان القرآن يأمر المسلمين بالكف عن القتال والصبر على كل أذى في سبيل الله\rسبحانه وتعالى ، كما قال سبحانه وتعالى : {قل يا أيها الكافرون لا أعبد ما تعبدون ولا أنتم عابدون ما أعبد ، إلى قوله : لكم دينكم ولي دين} الكافرون - 6 ، وقال تعالى : {واصبر على ما يقولون} المزمل - 10 ، وقال تعالى : {ألم تر إلى الذين قيل لهم كفوا أيديكم وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة فلما كتب عليهم القتال} النساء - 77 ، كأن هذة الآية تشير إلى قوله سبحانه وتعالى : {ود كثير من أهل الكتاب لو يردونكم من بعد إيمانكم كفارا حسدا من عند أنفسهم من بعد ما تبين لهم الحق فاعفوا واصفحوا حتى يأتي الله بأمره إن الله على كل شئ قدير وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة} البقرة - 110.","part":4,"page":292},{"id":1611,"text":"ثم نزلت آيات القتال فمنها آيات القتال مع مشركي مكة ومن معهم بالخصوص كقوله تعالى : {أذن للذين يقاتلون بأنهم ظلموا وإن الله على نصرهم لقدير الذين أخرجوا من ديارهم بغير حق إلا أن يقولوا ربنا الله} الحج - 40 ، ومن الممكن أن تكون هذه الآية نزلت في الدفاع الذي أمر به في بدر وغيرها ، وكذا قوله : {وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين كله لله فإن انتهوا فإن الله بما تعملون بصير وإن تولوا فاعلموا أن الله مولاكم نعم المولى ونعم النصير} الأنفال - 40 ، وكذا قوله تعالى : {وقاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم ولا تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين} البقرة - 190.\rومنها آيات القتال مع أهل الكتاب ، قال تعالى : {قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر ولا يحرمون ما حرم الله ورسوله ولا يدينون دين الحق من الذين أوتوا الكتاب حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون} التوبة - 29.\rومنها آيات القتال مع المشركين عامة ، وهم غير أهل الكتاب كقوله تعالى : {فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم} التوبة - 5 ، وكقوله تعالى : {قاتلوا المشركين كافة كما يقاتلونكم كافة} التوبة - 36.\rومنها ما يأمر بقتال مطلق الكفار كقوله تعالى : {قاتلوا الذين يلونكم من الكفار وليجدوا فيكم غلظة} التوبة - 123.\rوجملة الأمر أن القرآن يذكر أن الإسلام ودين التوحيد مبني على أساس الفطرة وهو القيم على إصلاح الإنسانية في حيوتها كما قال تعالى : {فأقم وجهك للدين حنيفا فطرة\r","part":4,"page":293},{"id":1612,"text":"الله التي فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله ذلك الدين القيم ولكن أكثر الناس لا يعلمون} الروم - 30 ، فإقامته والتحفظ عليه أهم حقوق الإنسانية المشروعة كما قال تعالى : {شرع لكم من الدين ما وصى به نوحا والذي أوحينا إليك وما وصينا به إبراهيم وموسى وعيسى أن أقيموا الدين ولا تتفرقوا فيه} الشورى - 13 ، ثم يذكر أن الدفاع عن هذا الحق الفطري المشروع حق آخر فطري ، قال تعالى : {ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لهدمت صوامع وبيع وصلوات ومساجد يذكر فيها اسم الله كثيرا ولينصرن الله من ينصره إن الله لقوي عزيز} الحج - 40 ، فبين أن قيام دين التوحيد على ساقه وحياة ذكره منوط بالدفاع ، ونظيره قوله تعالى : {ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لفسدت الأرض} البقرة - 251 ، وقال تعالى في ضمن آيات القتال من سورة الأنفال : {ليحق الحق ويبطل الباطل ولو كره المجرمون} الأنفال - 8 ، ثم قال تعالى : بعد عدة آيات : {يا أيها الذين آمنوا استجيبوا لله وللرسول إذا دعاكم لما يحييكم} الأنفال - 24 ، فسمى الجهاد والقتال الذي يدعى له المؤمنون محييا لهم ، ومعناه أن القتال سواء كان بعنوان الدفاع عن المسلمين أو عن بيضة الإسلام أو كان قتالا ابتدائيا كل ذلك بالحقيقة دفاع عن حق الإنسانية في حياتها ففي الشرك بالله سبحانه هلاك الإنسانية وموت الفطرة ، وفي القتال وهو دفاع عن حقها إعادة لحياتها وإحيائها بعد الموت.\r","part":4,"page":294},{"id":1613,"text":"ومن هناك يستشعر الفطن اللبيب : أنه ينبغي أن يكون للإسلام حكم دفاعي في تطهير الأرض من لوث مطلق الشرك وإخلاص الإيمان لله سبحانه وتعالى فإن هذا القتال الذى تذكره الآيات المذكورة إنما هو لإماتة الشرك الظاهر من الوثنية ، أو لإعلاء كلمة الحق على كلمة أهل الكتاب بحملهم على إعطاء الجزية ، مع أن آية القتال معهم تتضمن أنهم لا يؤمنون بالله ورسوله ولا يدينون دين الحق فهم وإن كانوا على التوحيد لكنهم مشركون بالحقيقة مستبطنون ذلك ، والدفاع عن حق الإنسانية الفطري يوجب حملهم على الدين الحق.\rوالقرآن وإن لم يشتمل من هذا الحكم على أمر صريح لكنه يبوح بالوعد بيوم للمؤمنين على أعدائهم لا يتم أمره إلا بإنجاز الأمر بهذه المرتبة ، من القتال وهوالقتال لإقامة الإخلاص في التوحيد ، قال تعالى : {هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق\rليظهره على الدين كله ولو كره المشركون} الصف - 9 ، وأظهر منه قوله تعالى : {ولقد كتبنا في الزبور من بعد الذكر أن الأرض يرثها عبادي الصالحون} الأنبياء - 105 ، وأصرح منه قوله تعالى : {وعد الله الذين آمنوا وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض كما استخلف الذين من قبلهم وليمكنن لهم دينهم الذي ارتضى لهم وليبدلنهم من بعد خوفهم أمنا يعبدونني لا يشركون بي شيئا} ، النور - 55 ، فقوله تعالى : {يعبدونني} يعني به عبادة الإخلاص بحقيقة الإيمان بقرينة قوله تعالى : {لا يشركون بي شيئا} ، مع أنه تعالى يعد بعض الإيمان شركا ، قال تعالى : {وما يؤمن أكثرهم بالله إلا وهم مشركون} يوسف - 106 ، فهذا ما وعده تعالى من تصفية الأرض وتخليتها للمؤمنين يوم لا يعبد فيه غير الله حقا.\rوربما يتوهم المتوهم : أن ذلك وعد بنصر إلهي بمصلح غيبي من غير توسل بالأسباب الظاهرة لكن ينافيه قوله : {ليستخلفنهم في الأرض} ، فإن الاستخلاف إنما هو بذهاب بعض وإزالتهم عن مكانهم ووضع آخرين مقامهم ففيه إيماء إلى القتال.\r","part":4,"page":295},{"id":1614,"text":"على أن قوله تعالى : {يا أيها الذين آمنوا من يرتد منكم عن دينه فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه أذله على المؤمنين اعزة على الكافرين ، يجاهدون في سبيل الله ولا يخافون لومة لائم} المائدة - 54 ، - على ما سيجئ في محله - يشير إلى دعوة حقة ، ونهضة دينية ستقع عن أمر إلهي ويؤيد أن هذه الواقعة الموعودة إنما تقع عن دعوة جهاد.\rوبما مر من البيان يظهر الجواب عما ربما يورد على الإسلام في تشريعه الجهاد بأنه خروج عن طور النهضات الدينية المأثورة عن الأنبياء السالفين فان دينهم إنما كان يعتمد في سيره وتقدمه على الدعوة والهداية ، دون الإكراه على الإيمان بالقتال المستتبع للقتل والسبي والغارات ، ولذلك ربما سماه بعضهم كالمبلغين من النصارى بدين السيف والدم وآخرون بدين الإجبار والإكراه !.\rوذلك أن القرآن يبين أن الإسلام مبني على قضاء الفطرة الإنسانية التي لا ينبغي أن يرتاب أن كمال الإنسان في حياته هو ما قضت به وحكمت ودعت إليه ، وهي تقضى بأن التوحيد هو الأساس الذي يجب بناء القوانين الفردية والاجتماعية عليه ، وأن الدفاع عن هذا الأصل بنشره بين الناس وحفظه من الهلاك والفساد حق مشروع للإنسانية يجب استيفائه بأى وسيلة ممكنة ، وقد روعي في ذلك طريق الاعتدال ، فبدأ بالدعوة المجردة والصبر على الأذى في جنب الله ، ثم الدفاع عن بيضة الإسلام ونفوس المسلمين وأعراضهم وأموالهم ، ثم القتال الابتدائي الذي هو دفاع عن حق الإنسانية وكلمة التوحيد ولم يبدأ بشئ من القتال إلا بعد إتمام الحجة بالدعوة الحسنة كما جرت عليه السنة النبوية ، قال تعالى : {ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن} النحل - 125 ، والآية مطلقة ، وقال تعالى : {ليهلك من هلك عن بينة ويحيى من حي عن بينة} الأنفال - 42.\r","part":4,"page":296},{"id":1615,"text":"وأما ما ذكروه من استلزامه الإكراه عند الغلبة فلا ضير فيه بعد توقف إحياء الإنسانية على تحميل الحق المشروع على عدة من الأفراد بعد البيان وإقامة الحجة البالغة عليهم ، وهذه طريقة دائرة بين الملل والدول فإن المتمرد المتخلف عن القوانين المدنية يدعى إلى تبعيتها ثم يحمل عليه بأي وسيلة أمكنت ولو انجر إلى القتال حتى يطيع وينقاد طوعا أو كرها.\rعلى أن الكره إنما يعيش ويدوم في طبقة واحدة من النسل ، ثم التعليم والتربية الدينيان يصلحان الطبقات الآتية بإنشائها على الدين الفطري وكلمة التوحيد طوعا.\rوأما ما ذكروه : أن سائر الأنبياء جروا على مجرد الدعوة والهداية فقط فالتاريخ الموجود من حياتهم يدل على عدم اتساع نطاقهم بحيث يجوز لهم القيام بالقتال كنوح وهود وصالح (عليهم السلام) فقد كان أحاط بهم القهر والسلطنة من كل جانب ، وكذلك كان عيسى (عليه السلام) أيام إقامته بين الناس واشتغاله بالدعوة وإنما انتشرت دعوته وقبلت حجته في زمان طرو النسخ على شريعته وكان ذلك أيام طلوع الإسلام.\rعلى أن جمعا من الأنبياء قاتلوا في سبيل الله تعالى كما تقصه التوراة ، والقرآن يذكر طرفا منه ، قال تعالى : {وكأين من نبي قاتل معه ربيون كثير فما وهنوا لما أصابهم في سبيل الله وما ضعفوا وما استكانوا والله يحب الصابرين وما كان قولهم إلا أن قالوا ربنا اغفر لنا ذنوبنا وإسرافنا في أمرنا وثبت أقدامنا وانصرنا على القوم الكافرين} آل عمران - 147 ، وقال تعالى - يقص دعوة موسى قومه إلى قتال العمالقة - : \r","part":4,"page":297},{"id":1616,"text":"{وإذ قال موسى لقومه ، إلى أن قال : يا قوم ادخلوا الأرض المقدسة التي كتب الله لكم ولا ترتدوا على أدباركم فتنقلبوا خاسرين} إلى أن قال تعالى : {قالوا يا موسى إنا لن ندخلها أبدا ماداموا فيها فاذهب أنت وربك فقاتلا إنا ههنا قاعدون} المائدة - 24 ، وقال تعالى : {ألم تر إلى الملا من بني إسرائيل إذ قالوا لنبي لهم ابعث لنا ملكا نقاتل في سبيل الله} البقرة - 246 ، إلى آخر قصة طالوت وجالوت.\rوقال تعالى في قصة سليمان وملكة سبأ : {ألا تعلوا على وأتوني مسلمين} - إلى أن قال تعالى - : {ارجع إليهم فلنأتينهم بجنود لا قبل لهم بها ولنخرجنهم منها أذلة وهم صاغرون} النمل - 37 ، ولم يكن هذا الذي كان يهددهم بها بقوله : {فلنأتينهم بجنود لا قبل لهم بها} (الخ) إلا قتالا ابتدائيا عن دعوة ابتدائية. أ هـ {الميزان حـ 2 صـ 64 ـ 69}\rمجموعة أخرى من الأبحاث القيمة والنفيسة فى أمور الجهاد\r1 ـ مسألة الجهاد في الإسلام\rنلاحظ في الكثير من المذاهب الوضعيّة المنحرفة أنّه لا وجود للجهاد لديهم إطلاقاً ، فكلّ ما فيه يدور حول محور النصائح والمواعظ الأخلاقية ، حتّى أنّ البعض عندما يسمع بوجود مقالة الجهاد واستعمال القوّة كأحد الأركان المهمّة في التعاليم الإسلاميّة يتعجّب كثيراً على اقتران الدين بالحرب.\rولكن مع ملاحظة أنّ الحكّام الطواغيت والفراعنة وأمثالهم من النمروديّين والقارونييّن الّذين يعترضون دائماً على دعوة الأنبياء الإصلاحيّة ويقفون بوجهها ولا يرضون إلاّ بإزالة الدين الإلهي من الوجود يتّضح أنّ على المؤمنين والمتديّنين في الوقت الّذي يعتمدون على العقل والمنطق والأخلاق في تفاعلهم الاجتماعي مع الآخرين عليهم أن يتصدّوا لهؤلاء الظالمين والطّواغيت ويشقّوا طريقهم بالجهاد وتحطيم هذه الموانع والعوائق الّتي يقيمها حكّام الجور في طريقهم.\r","part":4,"page":298},{"id":1617,"text":"وأساساً فإنّ الجهاد هو من علامات الحياة لكلّ موجود ويمثّل قانوناً عامّاً في عالم الأحياء ، فجميع الكائنات الحيّة أعم من الإنسان والحيوان والنبات تجاهد عوامل الفناء من أجل بقائها ، \rوعلى كلّ حال فإنّ من افتخاراتنا نحن المسلمين أنّ ديننا يقرن المسائل الدينيّة بالحكومة ويعتمد على الجهاد كأحد أركان المنظومة العقائديّة لهذا الدين ، غاية الأمر يجب ملاحظة أهداف هذا الجهاد الإسلامي ، وهذا هو الّذي يفصل بيننا وبين الآخرين.\r2 ـ أهداف الجهاد في الإسلام\rيصرّ البعض من المتغرّبين أنّ الجهاد الإسلامي منحصر في الجهاد الدفاعي ويحاولون توجيه جميع غزوات النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم) أو الحروب الّتي حدثت بعده في هذه الدائرة ، في حين أنّه لا يوجد دليل على هذه المسألة ، ولم تكن جميع غزوات رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) دفاعيّة ، فمن الأفضل العودة إلى القرآن الكريم بدل هذه الاستنباطات الخاطئة لاستجلاء أهداف الجهاد من القرآن الكريم ، تلك الأهداف المنطقيّة القابلة للعرض على الصّديق والعدو.\rوكما تقدّم في الآيات أعلاه أنّ الجهاد في الإسلام يتعقّب عدّة أهداف مباحة : \rالف ـ الجهاد من أجل إطفاء الفتن\rوبعبارة أخرى الجهاد الابتدائي من أجل التحرير ، فنحن نعلم أنّ الله عزّوجلّ قد أنزل على البشريّة شرائع وبرامج لسعادة البشر وتحريرهم وتكاملهم وإيصالهم إلى السعادة والرفاهية ، وأوجب على الأنبياء (عليهم السلام) أن يبلّغوا هذه الشرائع والإرشادات إلى الناس ، فلو تصوّر أحد الأفراد أو طائفة من الناس أنّ إبلاغ هذه\rالشرائع للناس سوف يعيقه عن نيل منافعه الشخصيّة وسعى لإيجاد الموانع ووضع العصي في عجلات الدعوة الإلهيّة ، فللأنبياء الحقّ في إزالة هذه الموانع بطريقة المسالمة أوّلاً وإلاّ فعليهم استخدام القوّة في إزالة هذه الموانع عن طريق الدّعوة لنيل الحريّة في التبليغ.\r","part":4,"page":299},{"id":1618,"text":"وبعبارة أخرى : أنّ الناس في جميع المجتمعات البشريّة لهم الحقّ في أن يسمعوا مقالة منادي الحقّ وهم أحرار في قبول دعوة الأنبياء ، فلو تصدّى فرد أو جماعة لسلب هذا الحقّ المشروع للناس وحرمانهم منه ومنعوا صوت الحقّ من الوصول إلى الناس ليحرّرهم من قيود الأسر والعبوديّة الفكريّة والاجتماعيّة ، فلأتباع الدين الحقّ في الاستفادة من جميع الوسائل لتهيئة هذه الحريّة ، ومن هنا كان (الجهاد الابتدائي) في الإسلام وسائر الأديان السماويّة ضروريّاً.\rوكذلك إذا استخدم البعض القوّة والإرهاب في حمل جماعة من المؤمنين على ترك دينهم والعودة إلى الدين السابق لهم ، فللمؤمنين الحقّ في الاستفادة من جميع الوسائل لرفع هذا الإكراه والإرهاب.\rب ـ الجهاد الدفاعي\rهل من الصحيح أن يواجه الإنسان هجوماً وعدواناً عليه ولا يدافع عن نفسه ؟ أو أن يقوم جيش معتدي بالهجوم على بعض الشعوب الأخرى ولا تقوم تلك الشعوب بالدفاع عن نفسها وعن بلدها بل تقف موقف المتفرّج ؟ \rهنا نجد أنّ جميع القوانين السماويّة والبشريّة تبيح للفرد أو الجماعة الدّفاع عن النفس والاستفادة ممّا وسعهم من قوّة في هذا السبيل ، ويسمّى مثل هذا الجهاد بـ (الجهاد الدفاعي) ومن ذلك غزوة الأحزاب واُحد ومؤتة وتبوك وحنين ونظائرها من الحروب الإسلاميّة الّتي لها جنبة دفاعيّة.\rوفي هذا الزمان نجد أنّ الكثير من أعداء الإسلام يعتدون على المسلمين\rويشعلون نيران الحروب للسّيطرة على البلاد الإسلاميّة ونهب ثرواتها ، فكيف يُبيح الإسلام السكوت أمام هذا العدوان ؟ \rج ـ الجهاد لحماية المظلومين\r","part":4,"page":300},{"id":1619,"text":"ونلاحظ فرعاً آخر من فروع الجهاد في الآيات القرآنية الكريمة ، وهو الجهاد لحماية المظلومين ، فتقرأ في الآية (75) من سورة النساء {وَ ما لكم لا تُقاتلوُنَ في سَبيلِ اللهِ وَالمُسْتَضْعَفينَ مِنَ الرّجالِ والنّساء والوِلْدان الّذين يقولون ربَّنا أخْرِجْنا مِنْ هذه الْقَريَة الظّالمِ أهلها وأجْعَلْ لَّنا مِن لّدُنك وَليّاً وأجْعَلْ لّنا مِنْ لَدُنك نَصيراً}.\rوعلى هذا الأساس فالقرآن يطلب من المسلمين الجهاد في سبيل الله وكذلك في سبيل المستضعفين المظلومين ، وأساساً إنّ هاتين الغايتين متحدّتان ، ومع الأخذ بنظر الاعتبار عدم وجود قيد أو شرط في الآية أعلاه نفهم من ذلك وجوب الدفاع عن جميع المظلومين والمستضعفين في كلّ نقطة من العالم القريبة منها أو البعيدة ، وفي الداخل أو الخارج.\rوبعبارة أخرى : أنّ حماية المظلومين في مقابل عدوان الظّالمين هو أصل في الإسلام يجب مراعاته ، حتّى لو أدّى الأمر إلى الجهاد واستخدام القوّة ، فالإسلام لا يرضى للمسلمين الوقوف متفرّجين على ما يرد على المظلومين في العالم ، وهذا الأمر من الأوامر المهمّة في الشريعة الإسلاميّة المقدّسة الّتي تحكي عن حقانيّة هذا الدّين.\rد ـ الجهاد من أجل دحر الشرك وعبادة الأوثان\rالإسلام يدعوا البشريّة إلى اعتناق الدّين الخاتم الأكمل وهو يحترم مع ذلك حريّة العقيدة ، وبذلك يُعطي أهل الكتاب الفرصة الكافية للتّفكير في أمر اعتناق الرّسالة الخاتمة ، فإن لم يقبلوا بذلك فإنّه يعاملهم معاملة الأقليّة المعاهدة (أهل الذّمة) ويتعايش معهم تعايشاً سلميّاً ضمن شروط خاصّة بسيطة وميسورة ، لكنّ الشرك والوثنيّة ليسا بدين ولا عقيدة ولا يستحقّان الاحترام ، بل هما نوع من الخرافة والحمق والإنحراف ونوع من المرض الفكري والأخلاقي الّذي ينبغي أن يستأصل مهما كلّف الثمن.\r","part":4,"page":301},{"id":1620,"text":"كلمة حريّة العقيدة واحترام أفكار الآخرين تصدق في مواقع يكون لهذه العقيدة والأفكار على أقلّ تقدير أساس من الصحّة ، أما الانحراف والخرافة والضلال فليست بأشياء تستحق الاحترام ، ولذلك يأمر الإسلام بضرورة إقتلاع جذور الوثنيّة من المجتمع ولو كلّف ذلك خوض الحرب ، وضرورة هدم آثار الشرك والوثنيّة بالطرق السلميّة أوّلاً ، فإن تعذّرت الطرق السلميّة فبالقوّة.\rأجل فالإسلام يرى ضرورة تطهير الأرض من أدران الشرك والوثنيّة ويعد المسلمين بمستقبل مشرق للبشريّة في العالم تحت ظل حكومة التوحيد وزوال كلّ أنواع الشرك والوثنيّة.\rوممّا تقدّم من ذكر أهداف الجهاد يتّضح أنّ الإسلام أقام الجهاد على أسس منطقية وعقلية ، فلم يجعله وسيلة للتّسلّط والسيطرة على البلدان الأخرى وغصب حقوق الآخرين وتحميل العقيدة واستعمار واستثمار الشعوب الأخرى ، ولكنّنا نعلم أنّ أعداء الإسلام وخاصّة القائمون على الكنيسة والمستشرقين المغرضين سعوا كثيراً لتحريف الحقائق ضد مسألة الجهاد الإسلامي ، واتّهموا الإسلام باستعمال الشدّة والقوّة والسيف من أجل تحميل الإيمان به وتهجمّوا كثيراً على هذا القانون الإسلامي.\rوالظّاهر أنّ خوفهم وهلعهم إنّما هو من تقدّم الإسلام المضطرد في العالم بسبب معارفه السّاميّة وبرنامجه السّليم ، ولهذا سعوا لإعطاء الإسلام صبغة موحشة كيما يتمكنّوا من الوقوف أمام انتشار الإسلام.\r3 ـ لماذا شرّع الجهاد في المدينة\rنعلم أنّ الجهاد وجب على المسلمين في السنّة الثانية بعد الهجرة ، ولم يكن قد شُرّع قبلها ، والسبب واضح فهو يعود من جهة إلى قلّة عدد المسلمين في مكّة بحيث يكون الأمر بالكفاح المسلّح في مثل هذه الحالة هو الانتحار بعينه ، ومن جهة أخرى كان العدو في مكّة قويّاً جدّاً ، فمكّة في الواقع كانت مركز القوى المعادية للإسلام ، ولم يكن بالإمكان حمل السّلاح فيها.\r","part":4,"page":302},{"id":1621,"text":"أمّا حين قدم النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) إلى المدينة ازداد عدد المؤمنين واتسع نطاق الدّعوة داخل المدينة وخارجها ، وتأسّست الحكومة الإسلاميّة الصالحة ، وتهيّأت وسائل الجهاد ضدّ العدو على صعيد العدّة والعدد ، وبما أنّ المدينة المنوّرة كانت بعيدة عن مكّة استطاع المسلمون في حالة من الأمن والطمأنينة أن يبنوا وجودهم ويعدّوا أنفسهم لمواجهة العدو والدفاع عن رسالتهم. أ هـ {الأمثل حـ 2 صـ 25 ـ 30 }","part":4,"page":303},{"id":1622,"text":"قوله تعالى : {وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ فَإِذَا أَمِنْتُمْ فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ ذَلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (196)}\rمناسبة الآية لما قبلها\rقال البقاعى : \rولما ختم آيات القتال بالنفقة في سبيل الله لشدة حاجة الجهاد إليها وكان سبيل الله اسماً يقع على الحج كما يقع على الجهاد كما ورد في الحديث \" الحج من سبيل الله \" رجع إلى الحج والعمرة المشير إليهما {مثابة للناس} [البقرة : 125] و{إن الصفا والمروة} [البقرة : 158] الآية ، و{مواقيت للناس والحج} ولا سيما وآيات القتال هذه إنما نظمت ههنا بسببهما توصيلاً إليهما وبعضها سببه عمرة الحديبية التي صدّ المشركون عنها ، فكان كأنه قيل : مواقيت للناس والحج فحجوا واعتمروا أي تلبسوا بذلك وإن صددتم عنه وقاتلوا في سبيل الله من قاتلكم في وجهكم ذلك لينفتح لكم السبيل ، ولما كان ذلك بعد الفتح ممكناً لا صاد عنه عبر بالإتمام فقال : {وأتموا} أي بعد فتح السبيل بالفتح {الحج والعمرة} بمناسكهما وحدودهما وشرائطهما وسننهما. ولما تقدم الإنفاق في سبيل الله والقتال في سبيل الله نبه هنا على أن ذلك كلّه إنما هو لتقام العبادات التي هي مبنى الإسلام له سبحانه وتعالى فقال : {لله} الملك الذي لا كفوء له أي لذاته ، ولم يضمر لئلا يتقيد بقيد.\r","part":4,"page":304},{"id":1623,"text":"ولما كان سبحانه وتعالى قد أعز هذه الأمة إكراماً لنبيها صلى الله عليه وسلم فلا يهلكها بعامة ولا يسلط عليها عدواً من غيرها بل جعل كفارة ذنوبها في إلقاء بأسها بينها أومأ إلى أنه ربما يقطعها عن الإتمام قاطع من ذلك بقوله بانياً للمفعول لأن الحكم دائر مع وجود الفعل من غير نظر إلى فاعل معين معبراً بأداة الشك إشارة إلى أن هذا مما يقل وقوعه. أ هـ {نظم الدرر حـ 1 صـ 369}\rقال الفخر : \rقوله تعالى : {وَأَتِمُّواْ} أمر بالإتمام ، وهل هذا الأمر مطلق أو مشروط بالدخول فيه ، ذهب أصحابنا إلى أنه مطلق ، والمعنى : افعلوا الحج والعمرة على نعت الكمال والتمام والقول الثاني : وهو قول أبي حنيفة رضي الله عنه : إن هذا الأمر مشروط ، والمعنى أن من شرع فيه فليتمه قالوا : ومن الجائز أن لا يكون الدخول في الشيء واجباً إلا أن بعد الدخول فيه يكون إتمامه واجباً ، وفائدة هذا الخلاف أن العمرة واجبة عند أصحابنا ، وغير واجبة عند أبي حنيفة رحمه الله. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 5 صـ 118 ـ 119}\rقال ابن عاشور : \rواللام في (الحج والعمرة) لتعريف الجنس ، وهما عبادتان مشهورتان عند المخاطبين متميزتان عن بقية الأجناس ، فالحج هو زيارة الكعبة في موسم معين في وقت واحد ، للجماعة وفيه وقوف عرفة ، والعمرة زيارة الكعبة في غير موسم معين وهي لكل فرد بخصوصه.\rوأصل الحج في اللغة بفتح الحاء وكسرها تكرر القصد إلى الشيء أو كثرة قاصديه. وعن ابن السكيت : الحج كثرة الاختلاف والتردد يقال حج بنو فلان فلاناً أطالوا الاختلاف إليه وفي \"الأساس\" : فلان تحجه الرفاق أي تقصده اه. فجعله مفيداً بقصد من جماعة كقول المخبل السعدي واسمه الربيع : \rوأَشْهَدُ من عَوْفٍ حُلولاً كثِيرةً... يَحُجُّون سِبَّ الزّبْرَقَانِ المزعفرا","part":4,"page":305},{"id":1624,"text":"والحج من أشهر العبادات عند العرب وهو مما ورثوه عن شريعة إبراهيم عليه السلام كما حكى الله ذلك بقوله : {وأذن في الناس بالحج} [الحج : 27] الآية حتى قيل : إن العرب هم أقدم أمة عرفت عندها عادة الحج ، وهم يعتقدون أن زيارة الكعبة سعي لله تعالى قال النابغة يصف الحجيج ورواحلهم : \rعَلَيْهِنَّ شُعْثٌ عامدونَ لرَبِّهمِ... فهن كأطراف الحَنيِّ خَوَاشِع\rوكانوا يتجردون عند الإحرام من مخيط الثياب ولا يمسون الطيب ولا يقربون النساء ولا يصطادون ، وكان الحج طوافاً بالبيت وسعياً بين الصفا والمروة ووقوفاً بعرفة ونحراً بمنى. وربما كان بعض العرب لا يأكل مدة الحج أقطاً ولا سمناً أي لأنه أكل المترفهين ولا يستظل بسقف ، ومنهم من يحج متجرداً من الثياب ، ومنهم من لا يستظل من الشمس ، ومنهم من يحج صامتاً لا يتكلم ، ولا يشربون الخمر في أشهر الحج ، ولهم في الحج مناسك وأحكام ذكرناها في \"تاريخ العرب\".\rوكان للأمم المعاصرة للعرب حجوج كثيرة ، وأشهر الأمم في ذلك اليهود فقد كانوا يحجون إلى الموضع الذي فيه تابوت العهد أي إلى هيكل (أورشليم) وهو المسجد الأقصى ثلاث مرات في السنة ليذبحوا هناك فإن القرابين لا تصح إلاّ هناك ومن هذه المرات مرة في عيد الفصح.\rواتخذت النصارى زيارات كثيرة ، حجاً ، أشهرها زياراتهم لمنازل ولادة عيسى عليه السلام وزيارة (أورشليم) ، وكذا زيارة قبر (ماربولس) وقبر (ماربطرْس) برومة ، ومن حج النصارى الذي لا يعرفه كثير من الناس وهو أقدم حجهم أنهم كانوا قبل الإسلام يحجون إلى مدينة (عسقلان) من بلاد السواحل الشامية ، والمظنون أن الذين ابتدعوا حجها هم نصارى الشام من الغساسنة لقصد صرف الناس عن زيارة الكعبة وقد ذكره سحيم عبدُ بني الحسحاس وهو من المخضرمين في قوله يصف وحوشاً جرفها السيل\r : ... كأَنَّ الوُحُوشَ به عَسقَلاَ\r","part":4,"page":306},{"id":1625,"text":"نُ صادفْنَ في قَرْن حَجِّ ذِيَافا... أي أصابهن سم فقتلهن وقد ذكر ذلك أئمة اللغة.\rوقد كان للمصريين والكلدان حج إلى البلدان المقدسة عندهم ، ولليونان زيارات كثيرة لمواقع مقدسة مثل أولمبيا وهيكل (زفس) وللهنود حجوج كثيرة.\rوالمقصود من هذه الآية إتمام العمرة التي خرجوا لقضائها ، وذِكُر الحج معها إدماج ، لأن الحج لم يكن قد وجب يومئذٍ ، إذ كان الحج بيد المشركين ففي ذكره بشارة بأنه يوشك أن يصير في قبضة المسلمين.\rوأما العمرة فهي مشتقة من التعمير وهو شغل المكان ضد الإخلاء ولكنها بهذا الوزن لا تطلق إلاّ على زيارة الكعبة في غير أشهر الحج ، وهي معروفة عند العرب وكانوا يجعلون ميقاتها ما عدا أشهر ذي الحجة والمحرم وصفر ، فكانوا يقولون \" إذا برىء الدبر ، وعفا الأثر ، وخرج صفر ، حلت العمرة لمن اعتمر \" ولعلهم جعلوا ذلك لتكون العمرة بعد الرجوع من الحج وإراحة الرواحل.\rواصطلح المضَريُّون على جعل رجب هو شهر العمرة ولذلك حرمته مضر فلقب برجب مضر ، وتبعهم بقية العرب ، ليكون المسافر للعمرة آمناً من عدوه ؛ ولذلك لقبوا رجباً (منصل الأسنة) ويرون العمرة في أشهر الحج فجوراً.\rوقوله {لله} أي لأجل الله وعبادته والعرب من عهد الجاهلية لا ينوون الحج إلاّ لله ولا العمرة إلاّ له ، لأن الكعبة بيت الله وحرمه ، فالتقييد هنا بقوله {لله} تلويح إلى أن الحج والعمرة ليسا لأجل المشركين وإن كان لهم فيهما منفعة وكانوا هم سدنة الحرم ، وهم الذين منعوا المسلمين منه ، كي لا يسأم المسلمون من الحج الذي لاقوا فيه أذى المشركين ، فقيل لهم إن ذلك لا يصد عن الرغبة في الحج والعمرة لأنكم إنما تحجون لله لا لأجل المشركين ولأن الشيء الصالح المرغوب فيه إذا حف به ما يكدره لا ينبغي أن يكون ذلك صارفاً عنه ، بل يجب إزالة ذلك العارض عنه ، ومن طرق إزالته القتال المشار إليه بالآيات السابقة.\r","part":4,"page":307},{"id":1626,"text":"ويجوز أن يكون التقييد بقوله : {لله} لتجريد النية مما كان يخامر نوايا الناس في الجاهلية من التقرب إلى الأصنام ، فإن المشركين لما وضعوا هبلاً على الكعبة ووضعوا إسافاً ونائلة على الصفا والمروة قد أشركوا بطوافهم وسعيهم الأصنام مع الله تعالى. وقد يكون القصد من هذا التقييد كلتا الفائدتين. أ هـ {التحرير والتنوير حـ 2 صـ 217}\rسؤال : ما المراد بالإتمام فى الآية الكريمة ؟ ","part":4,"page":308},{"id":1627,"text":"الجواب : في تفسير الإتمام في قوله : {وَأَتِمُّواْ الحج والعمرة لِلَّهِ} وفيه وجوه أحدها : روي عن علي وابن مسعود أن إتمامهما أن يحرم من دويرة أهله وثانيها : قال أبو مسلم : المعنى أن من نوى الحج والعمرة لله وجب عليه الإتمام ، قال : ويدل على صحة هذا التأويل أن هذه الآية إنما نزلت بعد أن منع الكفار النبي صلى الله عليه وسلم في السنة الماضية عن الحج والعمرة فالله تعالى أمر رسوله في هذه الآية أن لا يرجع حتى يتم هذا الفرض ، ويحصل من هذا التأويل فائدة فقهية وهي أن تطوع الحج والعمرة كفرضيهما في وجوب الاتمام وثالثها : قال الأصم : إن الله تعالى فرض الحج والعمرة ثم أمر عباده أن يتموا الآداب المعتبرة ، وذكر الشيخ الإمام أبو حامد الغزالي رحمه الله في كتاب الاحياء ما يتعلق بهذا الباب فقال : الأمور المعتبرة قبل الخروج إلى الإحرام ثمانية الأول : في المال فينبغي أن يبدأ بالتوبة ، ورد المظالم ، وقضاء الديون ، وإعداد النفقة لكل من تلزمه نفقته إلى وقت الرجوع ، ويرد ما عنده من الودائع ، ويستصحب من المال الطيب الحلال ما يكفيه لذهابه وإيابه من غير تقتير بل على وجه يمكنه من التوسع في الزاد والرفق بالفقراء ، ويتصدق بشيء قبل خروجه ، ويشتري لنفسه دابة قوية على الحمل أو يكتريها ، فإن اكتراها فليظهر للمكاري كل ما يحصل رضاه فيه الثاني : في الرفيق فينبغي أن يلتمس رفيقاً صالحاً محباً للخير ، معينا عليه ، إن نسي ذكره ، وإن ذكر ساعده ، وإن جبن شجعه ، وإن عجز قواه وإن ضاق صدره صبره ، وأما الاخوان والرفقاء المقيمون فيودعهم ، ويلتمس أدعيتهم ، فإن الله تعالى جعل في دعائهم خيراً ، والسنة في الوداع أن يقول : أستودع الله دينك وأمانتك وخواتيم عملك الثالث : في الخروج من الدار ، فإذا هم بالخروج صلى ركعتين يقرأ في الأولى بعد الفاتحة\r","part":4,"page":309},{"id":1628,"text":"{ قُلْ ياأيها الكافرون} [الكافرون : 1] وفي الثانية (الإخلاص) وبعد الفراغ يتضرع إلى الله بالاخلاص ، الرابع : إذا حصل على باب الدار قال : بسم الله توكلت على الله لا حول ولا قوة إلا بالله ، وكلما كانت الدعوات أزيد كانت أولى الخامس : في الركوب ، فإذا ركب الراحلة قال : بسم الله وبالله والله أكبر ، توكلت على الله ، لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم ، ما شاء الله كان ، وما لم يشأ لم يكن ، سبحان الله الذي سخر لنا هذا وما كنا له مقرنين ، وإنا إلى ربنا لمنقلبون السادس : في النزول ، والسنة أن يكون أكثر سيره بالليل ، ولا ينزل حتى يحمى النهار ، وإذا نزل صلى ركعتين ودعا الله كثيراً السابع : إن قصده عدو أو سبع في ليل أو نهار ، فليقرأ آية الكرسي ، وشهد الله ، والاخلاص ، والمعوذتين ، ويقول : تحصنت بالله العظيم ، واستعنت بالحي الذي لا يموت ، الثامنة : مهما علا شرفا من الأرض في الطريق ، فيستحب أن يكبر ثلاثاً التاسع : أن لا يكون هذا السفر مشوبا بشيء من أثر الأغراض العاجلة كالتجارة وغيرها العاشر : أن يصون الإنسان لسانه عن الرفث والفسوق والجدال ، ثم بعد الاتيان بهذه المقدمات ، يأتي بجميع أركان الحج على الوجه الأصح الأقرب إلى موافقة الكتاب والسنة ، ويكون غرضه في كل هذه الأمور ابتغاء مرضاة الله تعالى ، فقوله : {وَأَتِمُّواْ الحج والعمرة} كلمة شاملة جامعة لهذه المعاني ، فإذا أتى العبد بالحج على هذا الوجه كان متبعاً ملة إبراهيم حيث قال تعالى {وَإِذ ابتلى إبراهيم رَبُّهُ بكلمات فَأَتَمَّهُنَّ} [البقرة : 124].","part":4,"page":310},{"id":1629,"text":"الوجه الرابع : في تفسير قوله تعالى : {وَأَتِمُّواْ الحج والعمرة لِلَّهِ} أن المراد : أفردوا كل واحد منهما بسفر وهذا تأويل من قال بالإفراد ، وقد بيناه بالدليل ، وهذا التأويل يروى عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه ، وقد يروى مرفوعاً عن أبي هريرة ، وكان عمر يترك القران والتمتع ، ويذكر أن ذلك أتم للحج والعمرة وأن يعتمر في غير شهور الحج ، فإن الله تعالى يقول : {الحج أَشْهُرٌ معلومات} [البقرة : 197] وروى نافع عن ابن عمر أنه قال : فرقوا بين حجكم وعمرتكم. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 5 صـ122ـ 123}\rوقال الخازن : \rقوله عز وجل : {وأتموا الحج والعمرة لله} قال ابن عباس وهو أن يتمهما بمناسكهما وحدودهما وسننهما وقيل إتمامهما أن تحرم بهما من دويرة أهلك وقيل هو أن تنفرد لكل واحد منهما سفراً وقيل إتمامهما أن تكون النفقة حلالاً وتنتهي عما نهى الله عنه. وقيل إتمامها أن تخرج من أهلك لهما لا للتجارة ولا لحاجة. وقيل إذا شرع فيهما وجب عليه الإتمام. أ هـ {تفسير الخازن حـ 1 صـ 121}\rفائدة\rقال ابن عرفة : \r( نقل ابن عطية فيه أقوالا منها) قيل : إِتْمَامُهَا أن يحرم بهما قارنا.\rقال ابن عرفة : فالواو بمعنى \" مع \" والظاهر أن الإتمام الإتيان بالحج مستوفى الشرائط على كل قول. فإن فرعنا على أنّ الإحرام من الميقات أفضل فإتمامه أن لا يتعدى الميقات إلا محرما وكذلك في كل أفعاله. أ هـ {تفسير ابن عرفة صـ 248}\rفصل","part":4,"page":311},{"id":1630,"text":"واتفقت الأمة على وجوب الحج على من استطاع إليه سبيلاً عن أبي هريرة قال خطبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : \" أيها الناس قد فرض عليكم الحج فحجوا ، فقال رجل أفي كل عام يا رسول الله ؟ فسكت حتى قالها ثلاثاً فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لو قلت نعم لوجب ولما استطعتم \" وفي وجوب العمرة قولان للشافعي أصحهما إنها واجبة وهو قول علي وابن عباس والحسن وابن سيرين وعطاء وطاوس وسعيد بن جبير ومجاهد وإليه ذهب أحمد بن حنبل والقول الثاني إنها سنة ويروى ذلك عن ابن مسعود وجابر وإبراهيم والشعبي وإليه ذهب مالك وأبو حنيفة. حجة من أوجب العمرة ما روي في حديث الضبي بن معبد أنه قال لعمر بن الخطاب إني وجدت الحج والعمرة مكتوبين عليّ وإني أهلك بهما فقال أهديت لسنة نبيك محمد صلى الله عليه وسلم أخرجه أبو داود والنسائي بأطول من هذا وجه الدليل أنه أخبر عن وجوبهما عليه وصوبه عمر وبين أنه مهتد بما رآه في وجوبهما عليه لسنة النبي صلى الله عليه وسلم.\r","part":4,"page":312},{"id":1631,"text":"وروي عن ابن عباس أنها كقرينها في كتاب الله : {وأتموا الحج والعمرة لله} وعن ابن عمر قال : \" الحج والعمرة فريضتان \" وعنه : \" ليس أحد من خلق الله إلاّ وعليه حجة وعمرة واجبتان من استطاع إلى ذلك سبيلاً \" وعن ابن عباس قال : \" العمرة واجبة كوجوب الحج \" وعن ابن مسعود قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : \" تابعوا بين الحج والعمرة فإنهما ينفيان الفقر والذنوب كما ينفي الكير خبث الحديد والذهب والفضة وليس لحجة مبرورة ثواب إلاّ الجنة \" أخرجه النسائي والترمذي وزاد : \" وما من مؤمن يظل يومه محرماً إلاّ غابت الشمس بذنوبه \" وقال حديث حسن صحيح. وجه الدليل أنه أمر بالمتابعة بين الحج والعمرة والأمر للوجوب ولأنها قد نظمت مع الحج في الأمر بالإتمام فكانت واجبه كالحج ، وحجة من قال بأنها سنة ما روي عن جابر قال : \" سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن العمرة أواجبة هي ؟ قال : \" لا وأن تعتمروا خير لكم \" أخرجه الترمذي. وأجيب عنه بأن هذا الحديث يرويه حجاج بن أرطأة وحجاج ليس ممن يقبل منه ما تفرد به لسوء حفظه وقلة مراعاته لما يحدث به واجتمعت الأمة على جواز أداء الحج والعمرة على ثلاثة أنواع إفراد وتمتع وقران فصورة الإفراد أن يحج ثم بعد فراغه منه يعتمر من أدنى الحل أو يعتمر قبل أشهر الحج ثم يحج في تلك السنة.\r","part":4,"page":313},{"id":1632,"text":"وصورة التمتع أن يحرم بالعمرة في أشهر الحج ويأتي بأعمالها فإذا فرغ من أعمالها أحرم بالحج من مكة في تلك السنة وإنما سمي تمتعاً لأنه يستمتع بمحظورات الإحرام بعد التحلل من العمرة إلى أن يحرم بالحج. وصورة القرآن أن يحرم بالحج والعمرة معاً في أشهر الحج فينويهما بقلبه وكذلك لو أحرم بالعمرة في أشهر الحج ثم أدخل عليها الحج قبل أن يفتتح الطواف فيصير قارناً. واختلفوا في الأفضل فذهب مالك والشافعي إلى أن الإفراد أفضل ثم التمتع ثم القرآن يدل عليه ما روي عن عائشة رضي الله عنها أن رسول الله أفرد الحج ، أخرجه مسلم وله عن ابن عمر قال : أهللنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم الحج مفرداً ، وفي رواية إن رسول الله صلى الله عليه وسلم أهل بالحج مفرداً ، وله عن جابر قال : قدمنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ونحن نصرخ بالحج صراخاً. وعن ابن عمر قال : افصلوا بين حجكم وعمرتكم فإن ذلك أتم لحج أحدكم وأتم لعمرته أن يعتمر في غير أشهر الحج. أخرجه مالك في الموطأ وذهب الثوري وأبو حنيفة إلى أن القرآن أفضل يدل عليه ما روي عن أنس قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يلبي بالحج والعمرة جميعاً وفي رواية سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول لبيك عمرة وحجاً ، أخرجاه في الصحيحين. وذهب أحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه إلى أن التمتع أفضل ، يدل عليه ما روي عن ابن عباس قال : \" تمتع رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر وعمر وعثمان فأول من نهى عنهما معاوية \" أخرجه الترمذي عن ابن عمر قال تمتع رسول الله صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع بالعمرة إلى الحج وأهدى فساق معه الهدي من ذي الحليفة وبدأ رسول الله صلى الله عليه وسلم فأهل بالعمرة ثم أهل بالحج وتمتع الناس مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بالعمرة إلى الحج وكان من الناس من أهدى ومنهم لم يهد فلما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم مكة قال للناس من كان منكم أهدى فإنه لا","part":4,"page":314},{"id":1633,"text":"يحل من شيء حرم منه حتى يقضي حجة ومن لم يكن منكم أهدى فليطف بالبيت والصفا والمروة وليقصر وليتحلل ثم ليهل بالحج وليهد فمن لم يجد هدياً فليصم ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجع إلى أهله ، وطاف رسول الله صلى الله عليه وسلم حين قدم مكة فاستلم الركن أول شيء ثم خب ثلاثة أطواف من السبع ومشى أربعة أطواف ثم ركع حين قضى طوافه بالبيت عند المقام ركعتين ثم سلم فانصرف فأتى الصفا فطاف بالصفا والمروة سبعة أشواط ثم لم يحل من شيء حرم منه حتى قضى حجة ونحر هديه يوم النحر وأفاض وطاف بالبيت ثم حل من كل شيء حرم منه وفعل مثل ما فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم من أهدى فساق الهدي من الناس.\r","part":4,"page":315},{"id":1634,"text":"اختلفت الروايات في حجة النبي صلى الله عليه وسلم هل كان مفرداً أو متمتعاً أو قارناً ؟ وهي ثلاثة أقوال للعلماء بحسب مذاهبهم السابقة ورجحت كل طائفة نوعاً وادّعت أن حجة النبي صلى الله عليه وسلم كذلك وطريق الجمع بين روايات الصحابة واختلافهم في حجته صلى الله عليه وسلم أنه كان أولاً مفرداً ثم إنه صلى الله عليه وسلم أحرم بالعمرة بعد ذلك وأدخلها على الحج فصار قارناً فمن روى أنه كان مفرداً فهو الأصل ومن روي القرآن اعتمد آخر الأمر ومن روي التمتع أراد التمتع اللغوي وهو الانتفاع والارتفاق وقد ارتفق بالقرآن كارتفاق التمتع وزيادة وهو الاقتصار على فعل واحد ، وبهذا أمكن الجمع بين الأحاديث المختلفة في صفة حجة الوداع وهو الصحيح وذكر الشافعي في كتاب اختلاف الحديث كلاماً موجزاً في ذلك فقال إن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم كان منهم المفرد والقارن والمتمتع وكل كان يأخذ منه أمر نسكه ويصدر عن تعليمه فأضيف الكل إليه على معنى أنه أمر وأذن فيه ويجوز في لغة العرب إضافة الفعل إلى الأمر به كما تجوز إضافته إلى فاعله كما يقال بني فلان داره وأريد به أنه أمر ببنائها وكما يروى : \" أن النبي صلى الله عليه وسلم رجم ماعزاً \" وإنما أمر برجمه ، واختار الشافعي الإفراد واحتج في ترجيحه بأنه صح ذلك من رواية جابر وابن عباس وعائشة وهؤلاء لهم مزية في حجة الوداع على غيرهم ، فأما جابر فهو أحسن الصحابة سياقة لرواية حديث حجة الوداع فإنه ذكرها من حين خرج النبي صلى الله عليه وسلم من المدينة إلى آخرها فهو أضبط لها من غيره ، وأما ابن عمر فصح عنه أنه كان آخذاً بخطام ناقة النبي صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع وإنما سمعه يلبي بالحج. وأما ابن عباس فمحله من العلم والفقه والدين معروف مع كثرة بحثه عن أحوال رسول الله صلى الله عليه وسلم وأما عائشة فقربها من رسول الله معروف وإطلاعها على باطن أمره وظاهره مع كثرة فقهها وعلمها ، ومن","part":4,"page":316},{"id":1635,"text":"دلائل ترجيح الإفراد أن الخلفاء الراشدين أفردوا الحج بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم وواظبوا عليه.\rوأركان الحج خمسة الإحرام والوقوف بعرفة والطواف والسعي بين الصفا والمروة وحلق الرأس أو التقصير في أصح القولين. وأركان العمرة أربعة : الإحرام والطواف والسعي والحلق أو التقصير ، وبهذه الأركان تمام الحج والعمرة. أ هـ {تفسير الخازن حـ 1 صـ 123}\rوقال العلامة الآلوسى بعد أن ذكر اختلاف الأئمة فى القول بوجوب العمرة : \rوقد أخذ كل من الأئمة بما صح عنده والمسألة من الفروع ، والاختلاف في أمثالها رحمة. أ هـ {روح المعانى حـ 2 صـ 80}\rفائدة\rأجمع أهل العلم على أن من أحرم قبل أن يأتي الميقات أنه مُحْرِم ، وإنما منع من ذلك من رأى الإحرام عند الميقات أفضل ؛ كراهية أن يضيّق المرء على نفسه ما قد وسّع الله عليه ، وأن يتعرّض بما لا يؤمن أن يحدث في إحرامه ، وكلهم ألزمه الإحرام إذا فعل ذلك ، لأنه زاد ولم ينقص. أ هـ {تفسير القرطبى حـ 2 صـ 367}\rقوله تعالى : {فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ }\rقال ابن عاشور : \rوقوله : {فإن أحصرتم فما استيسر من الهدى} عطف على {أتموا} ، والفاء للتفريع الذكري فإنه لما أمر بإتمام الحج والعمرة ذكر حكم ما يمنع من ذلك الإتمام. أ هـ {التحرير والتنوير حـ 2 صـ 222}\rوقال الخازن : ","part":4,"page":317},{"id":1636,"text":"اختلف أهل اللغة في الحصر والإحصار فقيل إذا رد الرجل عن وجه يريده فقد أحصر ، وإذا حبس فقد حصر وقال ابن السكيت أحصره المرض إذا منعه من السفر أو حاجة يريدها وحصره العدو إذا ضيق عليه. وقال الزجاج : الرواية عن أهل اللغة يقال للذي يمنعه الخوف أو المرض أحصر والمجوس حصر ، وقال ابن قتيبة في قوله : {فإن أحصرتم} هو أن يعرض للرجل ما يحول بينه وبين الحج من مرض أو كسر أو عد ويقال أحصر فهو محصر فإن حبس في دار أو سجن قيل حصر فهو محصور وذهب قوم إلى أنهما بمعنى واحد. قال الزجاج : يقال الرجل من حصرك هنا ومن أحصرك وقال أحمد بن يحيى أصل الحصر والإحصار الحبس وحصر في الحبس أقوى من أحصر وقيل الإحصار يقال في المنع الظاهر كالعدو والمنع الباطن كالمرض والحصر لا يقال إلاّ في المنع الباطن وأما قوله {فإن أحصرتم} فمحمول على الأمرين وبحسب اختلاف أهل اللغة في معناها اختلف الفقهاء في حكمها فذهب قوم إلى أن كل مانع من عدو أو مرض أو ذهاب نفقة فإنه يبيح له التحلل من إحرامه وهو قول عطاء ومجاهد وقتادة وهو مذهب أبي حنيفة ويدل عليه ما روي عن عكرمة قال حدّثني الحجاج بن عمرو قال قال : رسول الله صلى الله عليه وسلم : \" من كسر أو عرج فقد حلَّ وعليه حجة أخرى \" قال عكرمة : فذكرت ذلك لأبي هريرة وابن عباس فقالا : صدق ، أخرجه أبو داود والنسائي والترمذي وقال حديث حسن وذهب قوم إلى أنه لا يباح له التحلل إلاّ بحبس العدو وهو قول ابن عمر وابن عباس وأنس وبه قال مالك والليث والشافعي وأحمد وقالوا الحصر والإحصار بمعنى واحد واحتجوا بأن نزول الآية كان في قصة الحديبية في سنة ست وكان ذلك حبساً من جهة العدو لأن كفار مكة منعوا النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه من الطواف بالبيت فنزلت هذه الآية فحل النبي صلى الله عليه وسلم من عمرته ونحر هدية وقضاها من قابل ويدل عليه أيضاً سياق الآية وهو قوله : {فإذا أمنتم} والأمن لا يكون إلاّ من خوف","part":4,"page":318},{"id":1637,"text":"وثبت عن ابن عباس أنه قال لا حصر إلاّ حصر العدو فثبت بذلك أن المراد من الإحصار هو حصر العدو دون المرض وغيره. وأجيب عن حديث الحجاج بن عمرو بأنه محمول على من شرط التحلل بالمرض ونحوه أحرامه ويدل على جواز الاشتراط في الإحرام ما روي عن ابن عباس أن ضباعة بنت الزبير أتت النبي صلى الله عليه وسلم فقالت يا رسول الله إني أريد الحج أفأشترط ؟ \r\" قال نعم قالت كيف أقول ؟ قال قولي لبيك اللهم لبيك محلي من الأرض حيث تحبسني \" أخرجه الترمذي وقال حديث حسن صحيح. ولغيره أن ضباعة بنت الزبير كانت وجعة فقال لها النبي صلى الله عليه وسلم : \" حجي واشترطي وقولي اللهم محلي حيث حبستني \" فذهب الشافعي وأحمد وإسحاق إذا اشترط في الحج فعرض له مرض أو عذر أن يتحلل ويخرج من إحرامه ثم المحصر يتحلل بذبح الهدي وحلق الرأس وهو المراد من قوله تعالى : {فما استيسر من الهدي} ومعنى الآية فإن أحصرتم دون تمام الحج أو العمرة فحللتم فعليكم ما استيسر من الهدي الهدي ما يهدي إلى البيت وأعلاه بدنة وأوسطه بقرة وأدناه شاة. قال ابن عباس : شاة لأنه أقرب إلى اليسر ، ومحل ذبح هدي المحصر حيث أحصر وإليه ذهب الشافعي لأن النبي صلى الله عليه وسلم ذبح الهدي عام الحديبية بها ، وذهب أبو حنيفة إلى أنه يقيم على إحرامه ويبعث بهديه إلى الحرم ويواعد من يذبحه هناك ثم يحل في ذلك الوقت. أ هـ {تفسير الخازن حـ 1 صـ 123}\rوفي محل هدي المحصر ، ثلاثة أقاويل : \rأحدها : حيث أُحْصِر من حِلٍ أو حَرَم ، وهذا قول ابن عمر ، والمِسْوَر بن مخرمة ، وهارون بن الحكم ، وبه قال الشافعي.\rوالقول الثاني : أنه الحَرَم ، وهو قول عليّ ، وابن مسعود ومجاهد ، وبه قال أبو حنيفة.","part":4,"page":319},{"id":1638,"text":"والقول الثالث : أن مَحِلّهُ أن يتحلل من إحرامه بادئاً نسكه ، والمقام على إحرامه إلى زوال إحصاره ، وليس للمحرم أن يتحلل بالاحصار بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فإن كان إحرامُه بعمرة لم يَفُتْ وإن كان بحج قضاه بالفوات بعد الإحلال منه ، وهذا مروي عن ابن عباس ، وعائشة ، وبه قال مالك. أ هـ {النكت والعيون حـ 1 صـ 255}\rسؤال : لم جاء الشرط بحرف (إن) ؟ \rالجواب : جاء الشرط بحرف (إن) لأن مضمون الشرط كريه لهم فألقى إليهم الكلام إلقاء الخبر الذي يشك في وقوعه ، والمقصود إشعارهم بأن المشركين سيمنعونهم من العمرة. أ هـ {التحرير والتنوير حـ 2 صـ 222}\rقوله تعالى : {مِنَ الهدي} الْهَدْيُ والهَدِيّ لغتان. وهو ما يُهْدَى إلى بيت الله من بَدَنة أو غيرها. والعرب تقول : كم هَدِيّ بني فلان ؛ أي كم إبلهم. وقال أبو بكر : سُمّيت هَدِيا لأن منها ما يُهْدَى إلى بيت الله ؛ فسمّيت بما يلحق بعضها ، كما قال تعالى : {فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى المحصنات مِنَ العذاب} [النساء : 25]. أراد فإن زنى الإماء فعلى الأَمَة منهن إذا زَنَت نصف ما على الحُرّة البكر إذا زَنَت ؛ فذَكر الله المحصنات وهو يريد الأبكار ؛ لأن الإحصان يكون في أكثرهن فسمّين بأمر يوجد في بعضهن. والمُحْصَنة من الحرائر هي ذات الزوج ، يجب عليها الرَّجْم إذا زنت ، والرجم لا يتبعّض ، فيكون على الأَمَة نصفه ؛ فانكشف بهذا أن المُحْصَنات يراد بهن الأبكار لا أُولات الأزواج. وقال الفَرّاء : أهل الحجاز وبنو أسد يخفّفون الهَدْي ؛ قال : وتميم وسُفْلَى قيس يثقّلون فيقولون : هَدِيّ.\rقال الشاعر : \rحَلفْتُ بربّ مكة والمُصَلَّى... وأعناقِ الهَدِيِّ مُقَلَّداتِ\rقال : وواحد الهَدْي هدية. ويقال في جمع الهدي : أهداء. أ هـ {تفسير القرطبى حـ 2 صـ 378}","part":4,"page":320},{"id":1639,"text":"قوله تعالى : {فَمَن تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلى الْحَجِّ فَمَا استَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ }\rاختلفوا في هذا المتمتع على ثلاثة أقاويل : \rأحدها : أنه المُحْصَرُ بالحج ، إذا حَلَّ منه بالإحصار ، ثم عاد إلى بلده متمتعاً بعد إحلاله ، فإذا قضى حجَّه في العام الثاني ، صار متمتعاً بإحلالٍ بيْن الإحْرَامَين ، وهذا قول الزبير.\rوالثاني : فمن نسخ حَجَّهُ بعمرة ، فاستمتع بعمرة بعد فسخ حَجِّهِ ، وهذا قول السدي.\rوالثالث : فمن قَدِمَ الحرم معتمراً في أشهر الحج ، ثم أقام بمكة حتى أحرم منها بالحج في عامِهِ ، وهذا قول ابن عباس ، وابن عمر ، ومجاهد ، وعطاء ، والشافعي. أ هـ {النكت والعيون حـ 1 صـ 256}\rقوله تعالى : {فَمَا استيسر مِنَ الهدى }\rقال ابن عاشور : \rوقوله : {فما استيسر من الهدى} جواب الشرط وهو مشتمل على أحد ركني الإسناد وهو المسند إليه دون المسند فلا بد من تقدير دل عليه قوله : {من الهدي} وقدره في \"الكشاف\" فعليكم ، والأظهر أن يقدر فعل أمر أي فاهدوا ما استيسر من الهدي ، وكلا التقديرين دال على وجوب الهدي. ووجوبه في الحج ظاهر وفي العمرة كذلك ؛ بأنها مما يجب إتمامه بعد الإحرام باتفاق الجمهور.\rو (استيسر) هنا بمعنى يسر فالسين والتاء للتأكيد كاستعصب عليه بمعنى صعب أي ما أمكن من الهدي بإمكان تحصيله وإمكان توجيهه ، فاستيسر هنا مراد جميع وجوه التيسر.","part":4,"page":321},{"id":1640,"text":"والهدي اسم الحيوان المتقرب به لله في الحج فهو فَعْل من أهدى ، وقيل هو جمع هدية كما جمعت جدية السرج على جدي ، فإن كان اسماً فمن بيانية ، وإن كان جمعاً فمن تبعيضية ، وأقل ما هو معروف عندهم من الهدي الغنم ، ولذلك لم يبينه الله تعالى هنا ، وهذا الهدي إن كان قد ساقه قاصد الحج والعمرة معه ثم أحصر فالبعث به إن أمكن واجب ، وإن لم يكن ساقه معه فعليه توجيهه على الخلاف في حكمه من وجوبه وعدمه ، والمقصود من هذا تحصيل بعض مصالح الحج بقدر الإمكان ، فإذا فاتت المناسك لا يفوت ما ينفع فقراء مكة ومن حولها. أ هـ {التحرير والتنوير حـ 2 صـ 224}\rقوله تعالى : {ولا تحلقوا رؤوسكم حتى يبلغ الهدي محله}\rقال الخازن : \r{ ولا تحلقوا رؤوسكم حتى يبلغ الهدي محله} أي مكانه الذي يجب أن يذبح فيه ، وفيه قولان أحدهما أنه الحرم فإن كان حاجاً فمحله يوم النحر وإن كان معتمراً فمحله يوم يبلغ هديه إلى الحرم وهو قول أبي حنيفة والقول الثاني محل ذبحه حيث أحصر سواء كان في الحل أو في الحرم ، ومعنى محله يعني حيث يحل ذبحه وأكله وهو قول مالك والشافعي وأحمد ويدل عليه ما روي عن ابن عمر قال : خرجنا مع رسول الله صلىلله عليه وسلم معتمرين فحال كفار قريش دون البيت فنحر رسول الله صلى الله عليه وسلم وحلق رأسه ، أخرجه البخاري. أ هـ {تفسير الخازن حـ 1 صـ 124}\rوقال القرطبى : ","part":4,"page":322},{"id":1641,"text":"قوله تعالى : {وَلاَ تَحْلِقُواْ رُؤُوسَكُمْ حتى يَبْلُغَ الهدي مَحِلَّهُ} الخطاب لجميع الأمة : مُحْصَر ومُخَلًّي. ومن العلماء من يراها للمحصَرين خاصّةً ؛ أي لا تتحلّلوا من الإحرام حتى يُنْحَر الهَدْي. والمَحِلُّ : الموضع الذي يحلّ فيه ذبحه. فالمحِلّ في حصر العدوّ عند مالك والشافعي : موضع الحصر ، اقتداء برسول الله صلى الله عليه وسلم زمن الحُدَيْبِيَة ؛ قال الله تعالى : {والهدي مَعْكُوفاً أَن يَبْلُغَ مَحِلَّهُ} [الفتح : 25] قيل : محبوساً إذا كان محصَراً ممنوعاً من الوصول إلى البيت العَتِيق. وعند أبي حنيفة مَحِلّ الهَدْي في الإحصار : الحَرَم ؛ لقوله تعالى : {ثُمَّ مَحِلُّهَآ إلى البيت العتيق} [الحج : 33]. وأجيب عن هذا بأن المخاطَب به الآمنُ الذي يجد الوصول إلى البيت. فأمّا المُحْصَر فخارج من قول الله تعالى : {ثُمَّ مَحِلُّهَآ إلى البيت العتيق} بدليل نحر النبيّ صلى الله عليه وسلم وأصحابه هَدْيَهم بالحديبية وليست من الحَرَم. واحتجوا من السُّنة بحديث \" ناجية بن جُندب صاحب النبيّ صلى الله عليه وسلم أنه قال للنبيّ صلى الله عليه وسلم : ابعث معي الهَدْيَ فانحره بالحرم. قال : \"فكيف تصنع به\" قال : أخرجه في الأوْدية لا يقدرون عليه ، فانطلق به حتى أنحره في الحرم. وأجيب بأن هذا لا يصح ، وإنما يُنحر حيث حلّ ؛ اقتداء بفعله عليه السلام بالحديبية \" ؛ وهو الصحيح الذي رواه الأئمة ، ولأن الهَدْيَ تابع للمُهْدِي ، والمهدِي حلّ بموضعه ؛ فالمُهْدَى أيضاً يحل معه.\rأ هـ {تفسير القرطبى حـ 2 صـ 379}\rسؤال : لم خص النهي عن الحلق دون غيره من منافيات الإحرام كالطيب ؟ ","part":4,"page":323},{"id":1642,"text":"الجواب : إنما خص النهي عن الحلق دون غيره من منافيات الإحرام كالطيب تمهيداً لقوله : {فمن كان منكم مريضاً أو به أذى من رأسه} ويعلم استمرار حكم الإحرام في البقية بدلالة القياس والسياق وهذا من مستتبعات التراكيب وليس بكناية عن الإحلال لعدم وضوح الملازمة. والمقصود من هذا تحصيل بعض ما أمكن من أحوال المناسك وهو استبقاء الشعث المقصود في المناسك. أ هـ {التحرير والتنوير حـ 2 صـ 224}\rسؤال : هل يجوز للمحصَر أن يَحلق أو يَحِلّ بشيء من الحِلّ قبل أن يَنحر ما استيسر من الهَدْي ؟ ","part":4,"page":324},{"id":1643,"text":"الجواب : العلماء على ما قرّرناه في المحصَر هل له أن يَحلق أو يَحِلّ بشيء من الحِلّ قبل أن يَنحر ما استيسر من الهَدْي ؛ فقال مالك : السُّنة الثابتة التي لا اختلاف فيها عندنا أنه لا يجوز لأحد أن يأخذ من شعره حتى ينحر هديه ، قال الله تعالى : {وَلاَ تَحْلِقُواْ رُؤُوسَكُمْ حتى يَبْلُغَ الهدي مَحِلَّهُ}. وقال أبو حنيفة وأصحابه : إذا حلّ المحصَر قبل أن يَنحر هَدْيه فعليه دَمٌ ، ويعود حراماً كما كان حتى يَنحر هَدْيه. وإن أصاب صيداً قبل أن يَنْحر الهَدْيَ فعليه الجزاء. وسواء في ذلك الموسر والمعسر لا يحلّ أبداً حتى يَنحر أو يُنحر عنه. قالوا : وأقلّ ما يُهديه شاة ، لا عمياء ولا مقطوعة الأذنين ؛ وليس هذا عندهم موضع صيام. قال أبو عمر : قول الكوفيين فيه ضعف وتناقض ؛ لأنهم لا يجيزون لمُحْصر بعدوّ ولا مرض أن يحلّ حتى يَنحر هديه في الحَرَم. وإذا أجازوا للمحصر بمرض أن يبعث بهدْي ويواعد حامله يوماً ينحره فيه فيحلّ ويحلِق فقد أجازوا له أن يحلّ على غير يقين من نحر الهدي وبلوغه ، وحملوه على الإحلال بالظنون. والعلماء متفقون على أنه لا يجوز لمن لزمه شيء من فرائضه أن يخرج منه بالظن ؛ والدليل على أن ذلك ظنّ قولهم : لو عَطِب ذلك الهَدْيُ أو ضَلّ أو سُرِق فحلّ مُرْسله وأصاب النساء وصاد أنه يعود حراماً وعليه جزاء ما صاد ؛ فأباحوا له فساد الحج وألزموه ما يلزم مَن لم يحلّ من إحرامه.\rوهذا ما لا خفاء فيه من التناقض وضعف المذاهب (1)\r_________________\r(1) الاختلاف فى الفروع رحمة من الله تعالى بهذه الأمة ولا يجوز لمذهب أن يحتج على مذهب ، والاجتهاد لا ينقض بالاجتهاد وكلهم من رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ ملتمس.والله أعلم.","part":4,"page":325},{"id":1644,"text":" ، وإنما بَنَوْا مذهبهم هذا كله على قول ابن مسعود ولم ينظروا في خلاف غيره له. وقال الشافعي في المحصر إذا أعسر بالهدي : فيه قولان : لا يحلّ أبداً إلا بهَدْي. والقول الآخر : أنه مأمور أن يأتي بما قدر عليه ؛ فإن لم يقدر على شيء كان عليه أن يأتي به إذا قَدَر عليه. قال الشافعي : ومن قال هذا قال : يحلّ مكانه ويذبح إذا قَدر ؛ فإن قدر على أن يكون الذبح بمكة لم يُجْزه أن يذبح إلا بها ، وإن لم يقدر ذبح حيث قدر. قال ويقال : لا يَجزيه إلا هَدْي. ويقال : إذا لم يَجد هدياً كان عليه الإطعام أو الصيام. وإن لم يجد واحداً من هذه الثلاثة أتى بواحد منها إذا قدر. أ هـ {تفسير القرطبى حـ 2 صـ 380}\rوقوله : {فمن كان منكم مريضاً أو به أذى من رأسه} الآية ، المراد مرض يقتضي الحلق سواء كان المرض بالجسد أم بالرأس ، وقوله : {أو به أذى من رأسه} كناية عن الوسخ الشديد والقمل ، لكراهية التصريح بالقمل. وكلمة (من) للابتداء أي أذى ناشىء عن رأسه.\rوفي البخاري عن كعب بن عجرة قال : \" حملت إلى النبي والقمل يتناثر على وجهي ، فقال ما كنت أرى الجهد قد بلغ بك هذا ، أما تجد شاة ؟ قلت : لا ، قال : صم ثلاثة أيام أو أطعم ستة مساكين لكل مسكين نصف صاع من طعام واحلق رأسك ، فنزلت هذه الآية فيَّ خاصة وهي لكم عامة اهـ \" ومن لطائف القرآن ترك التصريح بما هو مرذول من الألفاظ. أ هـ {التحرير والتنوير حـ 2 صـ 224 ـ 225}\rوقوله : {ففدية من صيام} محذوف المسند إليه لظهوره أي عليه ، والمعنى فليحلق رأسه وعليه فدية ، وقرينة المحذوف قوله : {ولا تحلقوا رؤوسكم} وقد أجمل الله الفدية ومقدارها وبينه حديث كعب بن عجرة.","part":4,"page":326},{"id":1645,"text":"والنسك بضمتين وبسكون السين مع تثليث النون العبادة ويطلق على الذبيحة المقصود منها التعبد وهو المراد هنا مشتق من نَسك كنصر وكرم إذا عبد وذبح لله وسمي العابد ناسكاً ، وأغلب إطلاقه على الذبيحة المتقرب بها إلى معبود وفي الحديث : \" والآخر يوم تأكلون فيه من نسككم \" يعني الضحية. أ هـ {التحرير والتنوير حـ 2 صـ 225}\rقوله تعالى {فإذا أمنتم }\rالأمن ضد الخوف ، وهو أيضاً السلامة من كل ما يخاف منه أمن كفرح أمناً ، أماناً ، وأمناً ، وآمنة وإمناً بكسر الهمزة وهو قاصر بالنسبة إلى المأمون منه فيتعدى بمن تقول : أمنت من العدو ، ويتعدى إلى المأمون تقول : أمنت فلاناً إذا جعلته آمناً منك ، والأظهر أن الأمن ضد الخوف من العدو ما لم يصرح بمتعلقه وفي القرآن {ثم أبلغه مأمنه} [التوبة : 6] فإن لم يذكر له متعلق نزل منزلة اللازم فدل على عدم الخوف من القتال وقد تقدم في قوله تعالى : {رب اجعل هذا بلداً آمناً} [البقرة : 126].\rوهذا دليل على أن المراد بالإحصار فيما تقدم ما يشمل منع العدو ولذلك قيل (إذا أمنتم) ويؤيده أن الآيات نزلت في شأن عمرة الحديبية كما تقدم فلا مفهوم للشرط هنا ؛ لأنه خرج لأجل حادثة معينة ، فالآية دلت على حكم العمرة ، لأنها لا تكون إلاّ مع الأمن ، وذلك أن المسلمين جاءوا في عام عمرة القضاء معتمرين وناوين إن مكنوا من الحج أن يحجوا ، ويعلم حكم المريض ونحوه إذا زال عنه المانع بالقياس على حكم الخائف. أ هـ {التحرير والتنوير حـ 2 صـ 225}\rسؤال : لم جيء بـ {إذا} ؟ \rالجواب : جيء بـ {إذا} لأن فعل الشرط مرغوب فيه. أ هـ {التحرير والتنوير حـ 2 صـ 225}\rقوله تعالى : {فمن تمنع بالعمرة إلى الحج }\rقال الفخر : ","part":4,"page":327},{"id":1646,"text":"معنى التمتع التلذذ ، يقال : تمتع بالشيء أي تلذذ به ، والمتاع : كل شيء يتمتع به ، وأصله من قولهم : حبل ماتع أي طويل ، وكل من طالت صحبته مع الشيء فهو متمتع به ، والمتمتع بالعمرة إلى الحج هو أن يقدم مكة فيعتمر في أشهر الحج ، ثم يقيم بمكة حلالاً ينشىء منها الحج ، فيحج من عامه ذلك ، وإنما سمي متمتعاً لأنه يكون مستمتعاً بمحظورات الإحرام فيما بين تحلله من العمرة إلى إحرامه بالحج ، والتمتع على هذا الوجه صحيح لا كراهة فيه ، وههنا نوع آخر من التمتع مكروه ، وهو الذي حذر عنه عمر رضي الله عنه وقال : متعتان كانتا على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنا أنهي عنهما وأعاقب عليهما : متعة النساء ومتعة الحج ، والمراد من هذه المتعة أن يجمع بين الإحرامين ثم يفسخ الحج إلى العمرة ويتمتع بها إلى الحج ، وروي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أذن لأصحابه في ذلك ثم نسخ ، روي عن أبي ذر أنه قال : ما كانت متعة الحج إلا لي خاصة ، فكان السبب فيه أنهم كانوا لا يرون العمرة في أشهر الحج ويعدونها من أفجر الفجور فلما أراد رسول الله صلى الله عليه وسلم إبطال ذلك الاعتقاد عليهم بالغ فيه بأن نقلهم في أشهر الحج من الحج إلى العمرة وهذا سبب لا يشاركهم فيه غيرهم ، فلهذا المعنى كان فسخ الحج خاصاً بهم.أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 5 صـ 130}\rوقال ابن عاشور : \rوقوله : {فمن تمنع} جواب (إذا) والتقدير فإذا أمنتم بعد الإحصار وفاتكم وقت الحج وأمكنكم أن تعتمروا فاعتمروا وانتظروا الحج إلى عام قابل ، واغتنموا خير العمرة فمن تمتع بالعمرة فعليه هدي عوضاً عن هدي الحج ، فالظاهر أن صدر الآية أريد به الإحصار الذي لا يتمكن معه المحصر من حج ولا عمرة ، وأن قوله {فإذا آمنتم} أريد به حصول الأمن مع إمكان الإتيان بعمرة وقد فات وقت الحج ، أي أنه فاته الوقت ولم يفته مكان الحج ، ويعلم أن من أمن وقد بقي ما يسعه بأن يحج عليه أن يحج.","part":4,"page":328},{"id":1647,"text":"ومعنى {تمتع بالعمرة إلى الحج} انتفع بالعمرة عاجلاً ، والانتفاع بها إما بمعنى الانتفاع بثوابها ، أو بسقوط وجوبها إن قيل إنها واجبة مع إسقاط السفر لها إذ هو قد أداها في سفر الحج ، وإما بمعنى الانتفاع بالحل منها ثم إعادة الإحرام بالحج فانتفع بألا يبقى في كلفة الإحرام مدة طويلة ، وهذا رخصة من الله تعالى ، إذ أباح العمرة في مدة الحج بعد أن كان ذلك محظوراً في عهد الجاهلية إذ كانوا يرون العمرة في أشهر الحج من أعظم الفجور.\rفالباء في قوله : {بالعمرة} صلة فعل {تمتع} ، وقوله {إلى الحج} متعلق بمحذوف دل عليه معنى (إلى) تقديره متربصاً إلى وقت الحج أو بالغاً إلى وقت الحج أي أيامه وهي عشر ذي الحجة وقد فهم من كلمة (إلى) أن بين العمرة والحج زمناً لا يكون فيه المعتمر محرماً وهو الإحلال الذي بين العمرة والحج في التمتع والقران ، فعليه ما استيسر من الهدي لأجل الإحلال الذي بين الإحرامين ، وهذا حيث لم يهد وقت الإحصار فيما أراه والله أعلم.\rوالآية جاءت بلفظ التمتع على المعنى اللغوي أي الانتفاع وأشارت إلى ما سماه المسلمون بالتمتع وبالقران وهو من شرائع الإسلام التي أبطل بها شريعة الجاهلية ، واسم التمتع يشملها لكنه خص التمتع بأن يحرم الحاج بعمرة في أشهر الحج ثم يحل منها ثم يحج من عامه ذلك قبل الرجوع إلى أفقه ، وخص القران بأن يقرن الحج والعمرة في إهلال واحد ويبدأ في فعله بالعمرة ثم يحل منها ويجوز له أن يردف الحج على العمرة كل ذلك شرعه الله رخصة للناس ، وإبطالاً لما كانت عليه الجاهلية من منع العمرة في أشهر الحج ، وفرض الله عليه الهدي جبراً لما كان يتجشمه من مشقة الرجوع إلى مكة لأداء العمرة كما كانوا في الجاهلية ولذلك سماه تمتعاً. أ هـ {التحرير والتنوير حـ 2 صـ 226}\rفائدة\rقال الخازن : ","part":4,"page":329},{"id":1648,"text":"ولوجوب دم التمتع خمس شرائط : أحدها : أن يقدم العمرة على الحج. الثاني : أن يحرم بالعمرة في أشهر الحج. الثالث : أن يحج بعد الفراغ من العمرة في هذه السنة. الرابع : أن يحرم من مكة ولا يعود إلى ميقات بلده ، فإن رجع إلى الميقات بلده ، فإن رجع إلى الميقات وأحرم منه لم يكن متمتعاً. الخامس : أن لا يكون من حاضري المسجد الحرام فهذه الشروط معتبرة في وجوب دم التمتع ومتى فقد شيء منها لم يكن متمتعاً ودم التمتع دم جبران عند الشافعي فلا يجوز أن يأكل منه.\rوقال أبو حنيفة : هو دم نسك فيجوز أن يأكل منه وقوله {فمن لم يجد} يعني الهدي {فصيام ثلاثة أيام في الحج} أي فعليه صيام ثلاثة أيام في وقت اشتغاله بالحج. قيل : يصوم يوماً قبل يوم التروية ويوم التروية ويوم عرفة وقيل بل المستحب أن يصوم في أيام الحج بحيث يكون يوم عرفة مفطراً فإن لم يصم قبل يوم النحر فقيل يصوم أيام التشريق وبه قال مالك وأحمد وهو أحد قولي الشافعي. وقيل : بل يصوم بعد أيام التشريق وهو رواية عن أحمد والقول الآخر للشافعي. أ هـ {تفسير الخازن حـ 1 صـ 125}\rقوله تعالى : {فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلاثَةِ أَيَّمٍ فِي الْحَجِّ }\rاختلفوا في زمانها من الحج على قولين : \rأحدهما : بعد إحرامه وقبل يوم النحر ، وهذا قول علي ، وابن عباس ، والحسن ، ومجاهد ، وقتادة ، وطاوس ، والسدي ، وسعيد بن جبير ، وعطاء ، والشافعي في الجديد.\rوالثاني : أنها أيام التشريق ، وهذا قول عائشة ، وعروة ، وابن عُمر في رواية سالم عنه ، والشافعي في القديم.\rواختلفوا في جواز تقديمها قبل الإحرام بالحج على قولين : \rأحدهما : لا يجوز ، وهذا قول ابن عمر ، وابن عباس.\rوالثاني : يجوز.\rواختلف قائلو ذلك في زمان تقديمه قبل الحج على قولين : ","part":4,"page":330},{"id":1649,"text":"أحدهما : عشر ذي الحجة ، ولا يجوز قبلها ، وهو قول مجاهد ، وعطاء. والثاني : في أشهر الحج ، ولا يجوز قبلها ، وهو قول طاوس. أ هـ {النكت والعيون حـ 1 صـ 257}\rقال الخازن :\r{ وسبعة إذا رجعتم} يعني وصوموا سبعة أيام إذا رجعتم إلى أوطانكم وأهليكم قاله ابن عباس وبه قال الشافعي ، فلو صام قبل الرجوع إلى أهله لم يجزه عنده وقيل المراد من الرجوع هو الفراغ من أعمال الحج والأخذ في الرجوع فعلى هذا يجزئه أن يصوم السبعة أيام بعد الفراغ من أعمال الحج هو الفراغ من أعمال الحج وقبل الرجوع إلى أهله وبه قال أبو حنيفة. أ هـ {تفسير الخازن حـ 1 صـ 125}\rوقال ابن عاشور :\rوجعل الله الصيام بدلاً عن الهدى زيادة في الرخصة والرحمة ولذلك شرع الصوم مفرقاً فجعله عشرة أيام ثلاثة منها في أيام الحج وسبعة بعد الرجوع من الحج. أ هـ {التحرير والتنوير حـ 2 صـ 228}\rفائدة لغوية\rقال السمين :\rوفي قوله : {رَجَعْتُمْ} شيئان : أحدُهما التفاتٌ ، والآخرُ الحَمْلُ على المعنى ، أمَّا الالتفاتُ : فإنَّ قبلَه \"فَمَنْ تَمَتَّعَ فَمَنْ لَم يَجِدُ\" فجاء بضمير الغَيْبَةِ عائداً على \"مَنْ\" ، فلو سيق هذا على نظم الأولِ لقيل : \"إذا رجع\" بضميرِ الغَيْبَةِ. وأمَّا الحملُ : فلأنه أتى بضميرِ جمعٍ اعتباراً بمعنى \"منْ\" ، ولو راعى اللفظَ لأفردَ ، فقال : \"رَجَعَ\". أ هـ {الدر المصون ـ للسمين حـ 2 صـ 319}.","part":4,"page":331},{"id":1650,"text":"قوله تعالى : {تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ }\rمن أنفس ما قيل فى هذه الآية\rقال الإمام الفخر ـ رحمه الله ـ : \rأما قوله تعالى : {تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ} فقد طعن الملحدون لعنهم الله فيه من وجهين أحدهما : أن المعلوم بالضرورة أن الثلاثة والسبعة عشرة فذكره يكون إيضاحاً للواضح والثاني : أن قوله : {كَامِلَةٌ} يوهم وجود عشرة غير كاملة في كونها عشرة وذلك محال ، والعلماء ذكروا أنواعاً من الفوائد في هذا الكلام الأول : أن الواو في قوله : {وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ} ليس نصاً قاطعاً في الجمع بل قد تكون بمعنى أو كما في قوله : {مثنى وثلاث وَرُبَاعَ} [النساء : 3] وكما في قولهم : جالس الحسن وابن سيرين أي جالس هذا أو هذا ، فالله تعالى ذكر قوله : {عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ} إزالة لهذا الوهم النوع الثاني : أن المعتاد أن يكون البدل أضعف حالاً من المبدل كما في التيمم مع الماء فالله تعالى بين أن هذا البدل ليس كذلك ، بل هو كامل في كونه قائماً مقام المبدل ليكون الفاقد للهدي المتحمل لكلفة الصوم ساكن النفس إلى ما حصل له من الأجر الكامل من عند الله ، وذكر العشرة إنما هو لصحة التوصل به إلى قوله : {كَامِلَةٌ} كأنه لو قال : تلك كاملة ، جوز أن يراد به الثلاثة المفردة عن السبعة ، أو السبعة المفردة عن الثلاثة ، فلا بد في هذا من ذكر العشرة ، ثم اعلم أن قوله : {كَامِلَةٌ} يحتمل بيان الكمال من ثلاثة أوجه أحدها : أنها كاملة في البدل عن الهدي قائمة مقامه وثانيها : أنها كاملة في أن ثواب صاحبه كامل مثل ثواب من يأتي بالهدي من القادرين عليه وثالثها : أنها كاملة في أن حج المتمتع إذا أتى بهذا الصيام يكون كاملاً ، مثل حج من لم يأت بهذا التمتع.","part":4,"page":332},{"id":1651,"text":"النوع الثالث : أن الله تعالى إذا قال : أوجبت عليكم الصيام عشرة أيام ، لم يبعد أن يكون هناك دليل يقتضي خروج بعض هذه الأيام عن هذا اللفظ ، فإن تخصيص العام كثير في الشرع والعرف ، فلو قال : ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجعتم ، بقي احتمال أن يكون مخصوصاً بحسب بعض الدلائل المخصصة ، فإذا قال بعده : تلك عشرة كاملة فهذا يكون تنصيصاً على أن هذا المخصص لم يوجد ألبتة ، فتكون دلالته أقوى واحتماله للتخصيص والنسخ أبعد.\rالنوع الرابع : أن مراتب الأعداد أربعة : آحاد ، وعشرات ، ومئين ، وألوف ، وما وراء ذلك فأما أن يكون مركباً أو مكسوراً ، وكون العشرة عدداً موصوفاً بالكمال بهذا التفسير أمر يحتاج إلى التعريف ، فصار تقدير الكلام : إنما أوجبت هذا العدد لكونه عدداً موصوفاً بصفة الكمال خالياً عن الكسر والتركيب.\rالنوع الخامس : أن التوكيد طريقة مشهورة في كلام العرب ، كقوله : {ولكن تعمى القلوب التى فِى الصدور} [الحج : 46] وقال : {وَلاَ طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ} [الأنعام : 38] والفائدة فيه أن الكلام الذي يعبر عنه بالعبارات الكثيرة ويعرف بالصفات الكثيرة ، أبعد عن السهو والنسيان من الكلام الذي يعبر عنه بالعبارة الواحدة ، فالتعبير بالعبادات الكثيرة يدل على كونه في نفسه مشتملاً على مصالح كثيرة ولا يجوز الإخلال بها ، أما ما عبر عنه بعبارة واحدة فإنه لا يعلم منه كونه مصلحة مهمة لا يجوز الإخلال بها ، وإذا كان التوكيد مشتملاً على هذه الحكمة كان ذكره في هذا الموضع دلالة على أن رعاية العدد في هذا الصوم من المهمات التي لا يجوز إهمالها ألبتة.\r","part":4,"page":333},{"id":1652,"text":"النوع السادس : في بيان فائدة هذا الكلام أن هذا الخطاب مع العرب ، ولم يكونوا أهل حساب ، فبين الله تعالى ذلك بياناً قاطعاً للشك والريب ، وهذا كما روي أنه قال في الشهر : هكذا وهكذا وأشار بيديه ثلاثاً ، وأشار مرة أخرى وأمسك إبهامه في الثالثة منبهاً بالإشارة الأولى على ثلاثين ، وبالثانية على تسعة وعشرين.\rالنوع السابع : أن هذا الكلام يزيل الإبهام المتولد من تصحيف الخط ، وذلك لأن سبعة وتسعة متشابهتان في الخط ، فإذا قال بعده تلك عشرة كاملة زال هذا الاشتباه.\rالنوع الثامن : أن قوله : {فَصِيَامُ ثلاثة أَيَّامٍ فِي الحج وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ} يحتمل أن يكون المراد منه أن يكون الواجب بعد الرجوع أن يكمل سبعة أيام ، على أنه يحسب من هذه السبعة تلك الثلاثة المتقدمة ، حتى يكون الباقي عليه بعد من الحج أربعة سوى تلك الثلاثة المتقدمة ، ويحتمل أن يكون المراد منه أن يكون الواجب بعد الرجوع سبعة سوى تلك الثلاثة المتقدمة ، فهذا الكلام محتمل لهذين الوجهين ، فإذا قال بعده تلك عشة كاملة زال هذا الإشكال ، وبين أن الواجب بعد الرجوع سبعة سوى الثلاثة المتقدمة.\rالنوع التاسع : أن اللفظ وإن كان خبراً لكن المعنى أمر والتقدير : فلتكن تلك الصيامات صيامات كاملة لأن الحج المأمور به حج تام على ما قال : {وَأَتِمُّواْ الحج والعمرة لِلَّهِ} وهذه الصيامات جبرانات للخلل الواقع في ذلك الحج ، فلتكن هذه الصيامات صيامات كاملة حتى يكون جابراً للخلل الواقع في ذلك الحج ، الذي يجب أن يكون تاماً كاملاً ، والمراد بكون هذه الصيامات كاملة ما ذكرنا في بيان كون الحج تاماً ، وإنما عدل عن لفظ الأمر إلى لفظ الخبر لأن التكليف بالشيء إذا كان متأكداً جداً فالظاهر دخول المكلف به في الوجود ، فلهذا السبب جاز أن يجعل الإخبار عن الشيء بالوقوع كناية عن تأكد الأمر به ، ومبالغة الشرع في إيجابه.\r","part":4,"page":334},{"id":1653,"text":"النوع العاشر : أنه سبحانه وتعالى لما أمر بصيام ثلاثة أيام في الحج وسبعة بعد الرجوع من الحج ، فليس في هذا القدر بيان أنه طاعة عظيمة كاملة عند الله سبحانه وتعالى ، فلما قال بعده : {تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ} دل ذلك على أن هذه الطاعة في غاية الكمال ، وذلك لأن الصوم مضاف إلى الله تعالى بلام الاختصاص على ما قال تعالى : {الصوم لي} والحج أيضاً مضاف إلى الله تعالى بلام الإختصاص ، على ما قال : {وَأَتِمُّواْ الحج والعمرة لِلَّهِ} وكما دل النص على مزيد اختصاص لهاتين العبادتين بالله سبحانه وتعالى ، فالعقل دل أيضاً على ذلك ، أما في حق الصوم فلأنه عبادة لا يطلع العقل ألبتة على وجه الحكمة فيها ، وهو مع ذلك شاق على النفس جداً ، فلا جرم لا يؤتى به إلا لمحض مرضاة الله تعالى ، والحج أيضاً عبادة لا يطلع العقل ألبتة على وجه الحكمة فيها ، وهو مع ذلك شاق جداً لأنه يوجب مفارقة الأهل والوطن ، ويوجب التباعد عن أكثر اللذات ، فلا جرم لا يؤتى به إلا لمحض مرضاته ، ثم إن هذه الأيام العشرة بعضه واقع في زمان الحج فيكون جمعاً بين شيئين شاقين جداً ، وبعضه واقع بعد الفراغ من الحج وهو انتقال من شاق إلى شاق ، ومعلوم أن ذلك سبب لكثرة الثواب وعلو الدرجة فلا جرم أوجب الله تعالى صيام هذه الأيام العشرة ، وشهد سبحانه على أنه عبادة في غاية الكمال والعلو ، فقال : {تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ} فإن التنكير في هذا الموضع يدل على تعظيم الحال ، فكأنه قال : عشرة وأية عشرة ، عشرة كاملة ، فقد ظهر بهذه الوجوه العشرة اشتمال هذه الكلمة على هذه الفوائد النفيسة ، وسقط بهذا البيان طعن الملحدين في هذه الآية والحمد لله رب العالمين. (1) أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 5 صـ 134 ـ 135}\r________________\r(1) رحم الله الإمام الفخر فكلها وجوه مستحسنة فى أعلى درجات البيان ما عدا الوجه السابع ففيه نظر فالقرآن محفوظ فى الصدور قبل السطور فلا تشتبه السبعة مع التسعة. والله أعلم وأحكم.","part":4,"page":335},{"id":1654,"text":"وقال الخازن : \r{ تلك عشرة كاملة} يعني في الثواب والأجر وقيل كاملة في قيامها مقام الهدي لأنه قد يحتمل أن يظن ظان أن الثلاثة قد قامت مقام الهدي فاعلم الله أن العشرة بكمالها هي القائمة مقام الهدي وقيل فائدة التكرار كقول الفرزدق : \rثلاث واثنتان فهن خمس... وسادسة تميل إلى سهام\rولأن القرآن أنزل بلغة العرب والعرب تكرر الشيء تريد به التوكيد وقيل فائدة ذلك الفذلكمة في علم الحساب وهو أن يعلم العدد مفصلاً ثم يعلمه جملة ليحتاط به من جهتين فكذلك قوله تعالى : {فصيام ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجعتم تلك عشرة كاملة} وقيل إن العرب لما كانوا لا يعلمون الحساب وكانوا يحتاجون إلى زيادة بيان وإيضاح فلذلك قال تلك عشرة كاملة وقيل لفظه خبر ومعناه أمر أي أكملوها ولا تنقصوها. أ هـ {تفسير الخازن حـ 1 صـ 125}\rوقال فى التحرير والتنوير : \rوقوله : {تلك عشرة كاملة} فذلكة الحساب أي جامعته فالحاسب إذا ذكر عددين فصاعداً قال عند إرادة جمع الأعداد فذلك أي المعدود كذا فصيغت لهذا القول صيغة نحت مثل بسمل إذا قال باسم الله وحوقل إذا قال لا حول ولا قوة إلاّ بالله فحروف فذلكة متجمعة من حروف فذلك كما قال الأعشى : ثلاثٌ بالغداة فهُنَّ حَسبي... وستُّ حين يدْركني العِشاء\rفذلك تسعة في اليوم رَيِّي... وشُرْب المرء فوق الرَّيِّ داء\rفلفظ فذلكة كلمة مولدة لم تسمع من كلام العرب غلب إطلاق اسم الفذلكة على خلاصة جمع الأعداد ، وإن كان اللفظ المحكي جرى بغير كلمة \"ذلك\" كما نقول في قوله : {تلك عشرة كاملة} إنها فذلكة مع كون الواقع في المحكي لفظ \"تلك\" لا لفظ ذلك ومثله قول الفرزدق : \rثلاث واثنتان فتلك خمس... وسادسة تَميل إلى الشِّمام","part":4,"page":336},{"id":1655,"text":"( أي إلى الشم والتقبيل )\rوفي وجه الحاجة إلى الفذلكة في الآية وجوه ، فقيل هو مجرد توكيد كما تقول كتبت بيدي يعني أنه جاء على طريقة ما وقع في شعر الأعشى أي أنه جاء على أسلوب عربي ولا يفيد إلاّ تقرير الحكم في الذهن مرتين ولذلك قال صاحب \"الكشاف\" لما ذكر مثله كقول العرب علمان خير من علم. وعن المبرد أنه تأكيد لدفع توهم أن يكون بقي شيء مما يجب صومه.\rوقال الزجاج قد يتوهم متوهم أن المراد التخيير بين صوم ثلاثة أيام في الحج أو سبعة أيام إذا رجع إلى بلده بدلاً من الثلاثة أزيل ذلك بجلية المراد بقوله : {تلك عشرة} وتبعه صاحب \"الكشاف\" فقال \"الواو قد تجيء للإِباحة في نحو قولك : جالس الحسن وابن سيرين ففذلكت نفياً لتوهم الإباحة اهـ\" وهو يريد من الإباحة أنها للتخيير الذي يجوز معه الجمع ولا يتعين.\rوفي كلا الكلامين حاجة إلى بيان منشأ توهم معنى التخيير فأقول : إن هذا المعنى وإن كان خلاف الأصل في الواو حتى زعم ابن هشام أن الواو لا ترد له ، وأن التخيير يستفاد من صيغة الأمر لا أنه قد يتوهم من حيث إن الله ذكر عددين في حالتين مختلفتين وجعل أقل العددين لأشق الحالتين وأكثرهما لأخفهما ، فلا جرم طرأ توهم أن الله أوجب صوم ثلاثة أيام فقط وأن السبعة رخصة لمن أراد التخيير ، فبين الله ما يدفع هذا التوهم ، بل الإشارة إلى أن مراد الله تعالى إيجاب صوم عشرة أيام ، وإنما تفريقها رخصة ورحمة منه سبحانه ، فحصلت فائدة التنبيه على الرحمة الإلهية.\rونظيره قوله تعالى : {وواعدنا موسى ثلاثين ليلة وأتممناها بعشرٍ فتم ميقات ربه أربعين ليلة} [الأعراف : 142] إذ دل على أنه أراد من موسى عليه السلام مناجاة أربعين ليلة ولكنه أبلغها إليه موزعة تيسيراً.\r","part":4,"page":337},{"id":1656,"text":"وقد سئلت عن حكمة كون الأيام عشرة فأجبت بأنه لعله نشأ من جمع سبعة وثلاثة ؛ لأنهما عددان مباركان ، ولكن فائدة التوزيع ظاهرة ، وحكمة كون التوزيع كان إلى عددين متفاوتين لا متساويين ظاهرة ؛ لاختلاف حالة الاشتغال بالحج ففيها مشقة ، وحالة الاستقرار بالمنزل. وفائدة جعل بعض الصوم في مدة الحج جعل بعض العبادة عند سببها ، وفائدة التوزيع إلى ثلاثة وسبعة أن كليهما عدد مبارك ضبطت بمثله الأعمال دينية وقضائية.\rوأما قوله : {كاملة} فيفيد التحريض على الإتيان بصيام الأيام كلها لا ينقص منها شيء ، مع التنويه بذلك الصوم وأنه طريق كمال لصائمه ، فالكمال مستعمل في حقيقته ومجازه. أ هـ {التحرير والتنوير حـ 2 صـ 228 ـ 229}\rوقال الآلوسى : ","part":4,"page":338},{"id":1657,"text":"المراد بالسبعة العدد دون الكثرة فإنها تستعمل بهذين المعنيين ، فإن قلت : ما الحكمة في كونها كذلك حتى يحتاج إلى تفريقها المستدعي لما ذكر ؟ أجيب بأنها لما كانت بدلاً عن الهدى والبدل يكون في محل المبدل منه غالباً جعل الثلاثة بدلاً عنه في زمن الحج وزيد عليها السبعة علاوة لتعادله من غير نقص في الثواب لأن الفدية مبنية على التيسير ، / ولم يجعل السبعة فيه لمشقة الصوم في الحج ، وللإشارة إلى هذا التعادل وصفت العشرة بأنها كاملة فكأنه قيل : تلك عشرة كاملة في وقوعها بدلا من الهدى وقيل : إنها صفة مؤكدة تفيد زيادة التوصية بصيامها وأن لا يتهاون بها ولا ينقص من عددها كأنه قيل تلك عشرة كاملة فراعوا كمالها ولا تنقصوها ، وقيل : إنها صفة مبينة كمال العشرة فإنها عدد كمل فيه خواص الأعداد ، فإن الواحد مبتدأ العدد ، والاثنين أول العدد ، والثلاثة أول عدد فرد ، والأربعة أول عدد مجذور ، والخمس أول عدد دائر ، والستة أول عدد تام ، والسبعة عدد أول ، والثمانية أول عدد زوج الزوج ، والتسعة أول عدد مثلث ، والعشرة نفسها ينتهي إليها العدد فإن كل عدد بعدها مركب منها ومما قبلها قاله بعض المحققين. أ هـ {روح المعانى حـ 2 صـ 84}\rوقيل : \"جيء بعشرة توطئةً للخبرِ بعدها ، لا أنها هي الخبرُ المستقلُّ بفائدةِ الإِسناد كما تقول : \"زيدٌ رجل صالح\" يعني أن المقصودَ الإِخبارُ بالصلاح ، وجيء برجلٍ توطئةً ، إذ معلومٌ أنه رجل. أ هـ {الدر المصون ـ للسمين حـ 2 صـ 320 ـ 321}","part":4,"page":339},{"id":1658,"text":"واعترض ابن الأثير على بعض هذه الوجوه فقال : \rقوله تعالى (تلك عشرة كاملة) بعد ثلاثة وسبعة تنوب مناب قوله ثلاثة وسبعة مرتين لأن عشرة هي ثلاثة وسبعة ثم قال \" كاملة \" وذلك توكيد\rثالث والمراد به إيجاب صوم الأيام السبعة عند الرجوع في الطريق على الفور لا عند الوصول إلى البلد كما ذهب إليه بعض الفقهاء وبيانه أني أقول إذا صدر الأمر من الآمر على المأمور بلفظ التكرير مجردا من قرينه تخرجه عن وصفه ولم يكن موقتا بوقت معين كان ذلك حثا على المبادرة إلى امتثال الأمر على الفور فإنك إذا قلت لمن تأمره بالقيام قم قم قم فإنما تريد بهذا اللفظ المكرر أن يبادر إلى القيام في تلك الحال الحاضرة\rفإن قلت الغرض بتكرير الأمر أن يتكرر في نفس المأمور أنه مراد منه وليس الغرض الحث على المبادرة إلى امتثال الأمر\rقلت في الجواب إن المرة الواحدة كافية في معرفة المأمور أن الذي أمر به مراد منه والزيادة على المرة الواحدة لا تخلو إما أن تكون دالة على ما دلت عليه المرة الواحدة أو دالة على زيادة معنى لم تكن في المرة الواحدة فإن كانت دالة على ما دلت عليه المرة الواحدة كان ذلك تطويلا في الكلام لا حاجة إليه وقد ورد مثله في القرآن الكريم كهذه الآية المشار إليها وغيرها من الآيات والتطويل في الكلام عيب فاحش عند البلغاء والفصحاء والقرآن معجز ببلاغته وفصاحته فكيف يكون فيه تطويل لا حاجة إليه فينبغي أن تكون تلك الزيادة دالة على معنى زائد على ما دلت عليه المرة الواحدة وإذا ثبت هذا فتلك الزيادة هي الحث على المبادرة إلى امتثال الأمر فإن سلمت لي ذلك وإلا فبين معنى تلك الزيادة ببيان غير ما ذكرته أنا ولا أراك تستطيع ذلك\r","part":4,"page":340},{"id":1659,"text":"فإن قلت إن الواو في قوله تعالى (وسبعة إذا رجعتم) لولا أن تؤكد بقوله (تلك عشرة) لظن أنها وردت بمعنى أو أي فثلاثة أيام في الحج أو سبعة إذا رجعتم فلما قيل (تلك عشرة) زال هذا الظن وتحققت الواو أنها عاطفة وليست بمعنى أو\rقلت في الجواب هذا باطل من أربعة أوجه الوجه الأول أن الواو العاطفة لا تجعل بمعنى أو أين وردت من الكلام وإنما تجعل بمعنى أو حال ضرورة\rترجيح جانبها على جانب جعلها عاطفة لأن الأصل فيها أن تكون عاطفة فإذا عدل بها عن أصلها احتاج إلى ترجيح ولا ترجيح ههنا الوجه الثاني بلاغي وذاك أن القرآن الكريم منتهى البلاغة والفصاحة لمكان إعجازه فلو كان معنى الواو في هذه الآية بمعنى أو لقيل فثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجعتم ولم يحتج إلى هذا التطويل في قوله (فثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجعتم تلك عشرة كاملة) الوجه الثالث أن هذا الصوم حكم من أحكام العبادات والعبادات يجب فيها الاحتياط أن تؤدى على أكمل صورة لئلا يدخلها النقص وإذا كان الأمر على ذلك فكيف يظن أن الواو في هذه الآية بمعنى أو ؟ الوجه الرابع أن السبعة ليست مماثلة للثلاثة حتى تجعل في قبالتها لأن معنى الآية إذا كانت الواو فيها بمعنى أو إما أن تصوموا ثلاثة أيام في الحج أو سبعة إذا رجعتم\rفإن قلت هذا تعبد لا يعقل معناه كغيره من التعبدات التي لا يعقل معناها\r","part":4,"page":341},{"id":1660,"text":"قلت في الجواب إن لنا من التعبدات ما لا يعقل معناه كعدد ركعات الصلوات وعدد الطواف والسعي وأشباه ذلك ولنا ما يعقل معناه كهذه الآية فإنا نعقل التفاوت بين الصوم في الحضر والسفر ونعقل التفاوت بين العدد الكثير والعدد القليل وعلى هذا فلا يخلو إما أن يكون صوم الأيام السبعة عند الرجوع في الطريق أو عند الوصول إلى البلد فإذا كان في الطريق فإنه أشق من الصوم بمكة لأن الصوم في السفر أشق من الصوم في الحضر فكيف يجعل صوم سبعة أيام في السفر في مقابلة صوم ثلاثة أيام بمكة ؟ وإن كان الصوم عند الوصول إلى البلد فلا فرق بين الصوم بمكة والصوم عند الوصول إلى البلد لأن كليهما صوم في المقام ببلد من البلاد لا تفاوت بينهما حتى يجعل الصوم ثلاثة أيام في مقابلة سبعة أيام على غير مثال ولا تساو فعلى كلا التقديرين لا يجوز أن تكون الواو في (وسبعة إذا رجعتم) بمعنى أو فتحقق إذا أنها للعطف خاصةِ وإذا كانت للعطف خاصة فتأكيدها بعشرة كاملة دليل على أن المراد وجود صوم الأيام السبعة في الطريق قبل الوصول إلى البلد.(1) أ هـ {المثل السائر فى أدب الكاتب والشاعر ـ لابن الأثير ـ صـ 162 ـ 163}\r______________\r(1) المسألة خلافية بين الفقهاء ومن قلد واحدا منهم فهو مصيب ، ولفظ الآية يحتمل أكثر من معنى لهذا ساغ اختلافهم فيه. والله أعلم.","part":4,"page":342},{"id":1661,"text":"قال الماوردى : \r{ تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ} فيه أربعة تأويلات : \rأحدها : أنها عشرة كاملة في الثواب كمن أهدى ، وهو قول الحسن.\rوالثاني : عشرة كَمَّلَت لكم أجر من أقام على إحرامه فلم يحل منه ولم يتمتع.\rوالثالث : أنه خارج مخرج الخبر ، ومعناه معنى الأمر ، أي تلك عشرة ، فأكملوا صيامها ولا تفطروا فيها.\rوالرابع : تأكيد في الكلام ، وهو قول ابن عباس. أ هـ {النكت والعيون حـ 1 صـ 257}\rفائدة\rقال ابن عرفة\rقوله تعالى : {تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ...}.\rقال ابن عرفة : (أحدُ تفسيري) ابن عطية بناء على أنّ أسماء الأعداد نصوص ، والآخر على أنّها ليست كذلك.\rوأورد الزمخشري هنا سؤالين : أحدهما عن الإتيان بالفذلكة وهي لفظ \" تِلْكَ \" وأجاب بثلاثة أوجه.\rقال بعض الطلبة : فيبقى السؤال لأيّ شيء لم يقل : فهي عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ ؟ \rفقال ابن عرفة : \" تِلْكَ \" القصد بها التعظيم.\rقال ابن عرفة : وعادتهم يجيبون بأن القاعدة أنّ الصوم المتتابع أعظم ثوابا من المفرّق ، فقد يتوهّم بتفريقها أن ثوابها أقل من ثوابها لو كانت مجموعة (فأشار بقوله \" عشرة \" إلى أن ثوابها على هذه الصفة أعْظَمُ من ثوابها لو كانت مجموعة فرعا عن أن) يكون مثله ولذلك قال : \" كاملة \".أ هـ {تفسير ابن عرفة صـ 249}\rسؤال : لم عبر بقوله : تلك عشرة كاملة ولم يقل : تامة ؟ \rالجواب : الإتمام لإزالة نقصان الأصل والإكمال لإزالة نقصان العوارض بعد تمام الأصل ولهذا كان قوله {تلك عشرة كاملة }أحسن من تامة ، فإن التمام من العدد قد علم ، وإنما نفى احتمال نقص في صفاتها وقيل : تم يشعر بحصول نقص قبله وكمل لا يشعر بذلك\rوقال العسكري الكمال اسم لاجتماع أبعاض الموصوف به والتمام اسم للجزء الذي يتم به الموصوف ولهذا يقال القافية تمام البيت ولا يقال كماله ويقولون البيت بكماله أي باجتماعه. أ هـ {الإتقان حـ 1 صـ 571}\rلطيفة\rقال الحجاّج لرجلٍ من ولد ابن مسعود : لم قرأ أبوك تسعٌ وتسعون نعجةً أنثى ؟ أترى لا يعلم الناس أن النعجة أنثى ؟ فقال : قد قرئ قبله \" ثلاثة أيّامٍ في الحجّ وسبعةٍ إذا رجعتم تلك عشرةٌ كاملةٌ \" ألا يعلم أن سبعةً وثلاثةً عشرةٌ ؟ فما أحار الحجّاج جواباً. أ هـ {البصائر والذخائر ـ صـ 369}","part":4,"page":343},{"id":1662,"text":"قال الخازن : \r{ ذلك} أي هذا الحكم الذي تقدم {لمن لم يكن أهله حاضري المسجد الحرام} قيل حاضرو المسجد الحرام هم أهل مكة وهو وقول مالك. وقيل : هم أهل الحرم وبه قال طاوس : وقال ابن جريج : هم أهل عرفة والرجيع وضجنان ونخلة. وقال الشافعي : كل من كان وطنه من مكة على أقل من مسافة القصر فهو من حاضري المسجد الحرام وقيل هم من دون الميقات وقال أبو حنيفة حاضرو المسجد الحرام أهل الميقات والمواقيت ذو الحليفة والجحفة وقرن ويلملم وذات عرق فمن كان من أهل هذه المواضع فما دونها إلى مكة فهو من حاضري المسجد الحرام. وقيل حاضرو المسجد الحرام من تلزمه الجمعة فيه ومعنى الآية أن المشار إليه في قوله : {ذلك} يرجع إلى أقرب مذكور وهو لزوم الهدي أو بدله على المتمتع وهو الآفاقي فأما المكي إذا تمتع أو قرن فلا هدي عليه ولا بد له لأنه لا يجب عليه أن يحرم من الميقات فإقدامه على التمتع لا يوجب خللاً في حجة فلا يجب عليه الهدي ويدل على ذلك ما أخرجه البخاري تعليقاً من حديث عكرمة قال سئل ابن عباس عن متعة الحج فقال : \" أهلَّ المهاجرون والأنصار وأزواج النبي صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع وأهللنا فما قدمنا مكة قال رسول الله صلى الله عليه وسلم اجعلوا إهلالكم بالحج عمرة إلاّ من قلد الهدي فطفنا بالبيت وبالصفا والمروة وأتينا النساء ولبسنا الثياب وقال : من قلد الهدي فإنه لا يحل من شيء حتى يبلغ الهدي محله ثم أمرنا عشية التروية أن نهل بالحج فإذا فرغنا من المناسك جئنا فطفنا بالبيت وبالصفا والمروة وقد تم حجنا وعلينا الهدي كما قال تعالى {فما استيسر من الهدي فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجعتم} إلى أمصاركم والشاة تجزئ فجمعوا بين النسكين في عام بين الحج والعمرة فإن الله أنزله في كتابه وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم وأباحه للناس من غير أهل مكة قال الله تعالى : {ذلك لمن لم يكن أهله حاضري المسجد الحرام} وفي الحديث زيادة","part":4,"page":344},{"id":1663,"text":"قال الحميدي قال أبو مسعود الدمشقي هذا حديث غريب ولم أجده إلاّ عند مسلم بن الحجاج ولم يخرجه في صحيحه ، من أجل عكرمة فإنه لم يرو عنه في صحيحه وعندي أن البخاري إنما أخذه من مسلم. أ هـ {تفسير الخازن حـ 1 صـ 125}\rفائدة\rالله تعالى ذكر حضور الأهل والمراد حضور المحرم لا حضور الأهل ، لأن الغالب على الرجل أنه يسكن حيث أهله ساكنون.\rأ هـ {مفاتيح الغيب حـ 5 صـ 136}\rسؤال : لماذا وصف المسجد الحرام بهذا الوصف ؟ \rالجواب : المسجد الحرام إنما وصف بهذا الوصف لأن أصل الحرام والمحروم الممنوع عن المكاسب والشيء المنهي عنه حرام لأنه منع من إتيانه ، والمسجد الحرام الممنوع من أن يفعل فيه ما منع عن فعله قال الفراء : ويقال حرام وحرم مثل زمان وزمن. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 5 صـ 136}\r{ واتقوا الله} في كل ما يأمركم به وينهاكم عنه كما يستفاد من ترك المفعول ويدخل فيه الحج دخولاً أولياً وبه يتم الانتظام. أ هـ {روح المعانى حـ 2 صـ 84}\rقوله تعالى {وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ}\r{ واعلموا أَنَّ الله شَدِيدُ العقاب} لمن لم يتقه كي يصدكم للعلم به عن العصيان. أ هـ {تفسير البيضاوى حـ 1 صـ 479}\rوقال العلامة ابن عاشور : \rوقوله : {واعلموا أن الله شديد العقاب} افتتح بقوله : {واعلموا} اهتماماً بالخبر فلم يقتصر بأن يقال : {واتقوا الله إن الله شديد العقاب} فإنه لو اقتصر عليه لحصل العلم المطلوب ، لأن العلم يحصل من الخبر ، لكن لما أريد تحقيق الخبر افتتح بالأمر بالعلم ، لأنه في معنى تحقيق الخبر ، كأنه يقول : لا تشكوا في ذلك ، فأفاد مفاد إن ، وتقدم آنفاً عند قوله تعالى : {واتقوا الله واعلموا أن الله مع المتقين} [البقرة : 194 ]. أ هـ {التحرير والتنوير حـ 2 صـ 230}\rسؤال : لم أظهر الاسم الجليل في موضع الإضمار ؟ ","part":4,"page":345},{"id":1664,"text":"الجواب : إظهار الاسم الجليل في موضع الإضمار لتربية المهابة وإدخال الروعة ؛ وإضافة شديد من إضافة الصفة المشبهة إلى مرفوعها. أ هـ {روح المعانى حـ 2 صـ 100}\rقوله تعالى {الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللَّهُ وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى وَاتَّقُونِ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ (197)}\rمناسبة الآية لما قبلها\rقال البقاعى : \rولما ذكر سبحانه وتعالى أن الحج موقت بالأهلة ولم يعين له وقتاً من شهور السنة وختم ذلك بالتفرقة في بعض أحكام الحج بسبب الأماكن تشوفت النفس إلى تعيين وقته وأنه هل هو كالمكان أو عام الحكم فقال {الحج} أي وقته {أشهر} فذكره بصيغة من جموع القلة الذي أدناه ثلاث وهي ثلاث بجر المنكسر : شوال وذو القعدة وتسع من ذي الحجة وليلة العيد بدليل أنه يفوت بطلوع الفجر يوم النحر ؛ ولما أبهم عين فقال : {معلومات} أي قبل نزول الشرع فأذن هذا أن الأمر بعد الشرع على ما كان عليه ولا شك أن في الإبهام ثم التعيين إجلالاً وإعظاماً للمحدث عنه. أ هـ {نظم الدرر حـ 1 صـ 373}\rقال الفخر : \rمن المعلوم بالضرورة أن الحج ليس نفس الأشهر فلا بد ههنا من تأويل وفيه وجوه أحدها : التقدير : أشهر الحج أشهر معلومات ، فحذف المضاف وهو كقولهم : البرد شهران ، أي وقت البرد شهران\rوالثاني : التقدير الحج حج أشهر معلومات ، أي لا حج إلا في هذه الأشهر ، ولا يجوز في غيرها كما كان أهل الجاهلية يستجيزونها في غيرها من الأشهر ، فحذف المصدر المضاف إلى الأشهر الثالث : يمكن تصحيح الآية من غير إضمار وهو أنه جعل الأشهر نفس الحج لما كان الحج فيها كقولهم : ليل قائم ، ونهار صائم. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 5 صـ 137}\rقال الشيخ ابن عاشور : ","part":4,"page":346},{"id":1665,"text":"المقصود من قوله : {الحج أشهر} يحتمل أن يكون تمهيداً لقوله : {فلا رفث ولا فسوق} تهويناً لمدة ترك الرفث والفسوق والجدال ، لصعوبة ترك ذلك على الناس ، ولذلك قُللت بجمع القلة ، فهو نظير ما روى مالك في \"الموطأ\" : أن عائشة قالت لعروة بن الزبير يا ابن أختي إنما هي عشر ليال فإن تخلج في نفسك شيء فدعه ، تعني أكل لحم الصيد ، ويحتمل أن يكون تقريراً لما كانوا عليه في الجاهلية من تعيين أشهر الحج فهو نظير قوله : {إن عدة الشهور عند الله اثنا عشر شهراً} [التوبة : 36] الآية ، وقيل : المقصود بيان وقت الحج ولا أَنثلج له. أ هـ {التحرير والتنوير حـ 2 صـ 231 ـ 232}\rوقال الخازن :","part":4,"page":347},{"id":1666,"text":"قوله عز وجل : {الحج أشهر معلومات} يعني أشهر الحج أشهر معلومات وقيل وقت الحج أشهر معلومات وهي شوال وذو القعدة وعشر ليال من ذي الحجة إلى طلوع الفجر من يوم النحر وبه قال عبدالله بن مسعود جابر بن عبدالله بن الزبير ومن التابعين الحسن وابن سيرين والشعبي وهو قول الشافعي والثوري وأبي ثور وحجة الشافعي ومن وافقه أن الحج يفوت بطلوع الفجر الثاني من يوم النحر والعبادة لا تفوت مع بقاء وقتها فدل على أن يوم النحر ليس من أشهر الحج وأيضاً فإن الإحرام بالحج فيه لا يجوز فدل على أنه وما بعده ليس من أشهر الحج. وقال ابن عباس أشهر الحج شوال وذو القعدة وعشرة أيام من ذي الحجة آخرها يوم النحر وبه قال ابن عمر وعروة بن الزبير وطاوس وعطاء والنخعي وقتادة ومكحول والضحاك والسدي وأبو حنيفة وأحمد بن حنبل وهي إحدى الروايتين عن مالك وحجة هذا القول أن يوم النحر وهو يوم الحج الأكبر لأن فيه يقع طواف الإفاضة وهو تمام أركان الحج ، وقيل إن أشهر الحج شوال وذو القعدة وذو الحجة بكماله ، وهو رواية عن ابن عمر وبه قال الزهري : وهي الرواية الأخرى عن مالك وحجة هذا القول إن الله تعالى ذكر أشهر الحج بلفظ الجمع وأقل الجمع المطلق ثلاث ، ولأن كل شهر كان أوله من أشهر الحج كان آخره كذلك.\rفإن قلت هنا إشكال. وهو أن الله تعالى قال قبل هذه الآية : {يسألونك عن الأهلة قل هي مواقيت للناس والحج} فجعل الأهلة كلها مواقيت للحج. قلت قوله {هي مواقيت للناس والحج} عام وهذه الآية وهي قوله تعالى : {الحج أشهر معلومات} خاص والخاص مقدم على العام.\rوقيل : إن الآية الأولى مجملة وهذه الآية مفسرة لها.\rفإن قلت إنما قال الحج أشهر بلفظ الجمع وعند الشافعي أشهر الحج شهران وعشر ليال وعند أبي حنيفة وعشرة أيام فما وجه هذا ؟ \r","part":4,"page":348},{"id":1667,"text":"قلت : إن لفظ الجمع يشترك فيه ما وراء الواحد بدليل قوله تعالى : {فقد صغت قلوبكما} وقيل إنه نزل بعض الشهر منزلة كله كما يقال رأيتك سنة كذا وإنما رآه في ساعة منها ولا إشكال فيه على القول الثالث وهو قول من قال إن أشهر الحج ثلاث شوال وذو القعدة وذو الحجة بكماله. أ هـ {تفسير الخازن حـ 1 صـ 126}\rقال الفخر : \rههنا إشكالان الأول : أنه تعالى قال من قبل : {يَسْئَلُونَكَ عَنِ الأهلة قُلْ هِىَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ والحج} [البقرة : 189] فجعل كل الأهلة مواقيت للحج\rالثاني : أنه اشتهر عن أكابر الصحابة أنهم قالوا : من إتمام الحج أن يحرم المرء من دويرة أهله ، ومن بعد داره البعد الشديد لا يجوز أن يحرم من دويرة أهله بالحج إلا قبل أشهر الحج ، وهذا يدل على أن أشهر الحج غير مقيدة بزمان مخصوص والجواب من الأول : أن تلك الآية عامة ، وهذه الآية وهي قوله : {الحج أَشْهُرٌ معلومات} خاصة والخاص مقدم على العام وعن الثاني : أن النص لا يعارضه الأثر المروي عن الصحابة. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 5 صـ 137}\rسؤال : لم لم يسمّ الله تعالى أشهر الحج في كتابه ؟ \rالجواب : لم يسمّ الله تعالى أشهر الحج في كتابه ؛ لأنها كانت معلومة عندهم. ولفظ الأشهر قد يقع على شهرين وبعض الثالث ، لأن بعض الشهر يتنزّل منزلة كله ، كما يقال : رأيتك سنة كذا ، أو على عهد فلان. ولعله إنما رآه في ساعة منها ؛ فالوقت يُذكر بعضه بكله ، كما قال النبيّ صلى الله عليه وسلم : \" أيامُ مِنىً ثلاثة \" وإنما هي يومان وبعض الثالث. ويقولون : رأيتك اليوم ، وجئتك العام.\rوقيل : لما كان الاثنان وما فوقهما جَمْعٌ قال أشهر ؛ والله أعلم. أ هـ {تفسير القرطبى حـ 2 صـ 405}\rقوله تعالى : {معلومات }\rقال الإمام فخر الدين الرازى : ","part":4,"page":349},{"id":1668,"text":"قوله تعالى : {معلومات} فيه وجوه أحدها : أن الحج إنما يكون في السنة مرة واحدة في أشهر معلومات من شهورها ، ليس كالعمرة التي يؤتى بها في السنة مراراً ، وأحالهم في معرفة تلك الأشهر على ما كانوا علموه قبل نزول هذا الشرع وعلى هذا القول فالشرع لم يأت على خلاف ما عرفوا وإنما جاء مقرراً له الثاني : أن المراد بها معلومات ببيان الرسول عليه الصلاة والسلام\rالثالث : المراد بها أنها مؤقتة في أوقات معينة لا يجوز تقديمها ولا تأخيرها ، لا كما يفعله الذين نزل فيهم {إِنَّمَا النسىء زِيَادَةٌ فِى الكفر} [التوبة : 37 ]. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 5 صـ 137}\rقوله تعالى {فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ}\rالمناسبة\rقال البقاعى : \rولما ختم الآية التي قبلها بالتحذير من سطواته أمر بإخلاص الحج عن الشوائب ناهياً بصيغة النفي تفخيماً له وتأكيداً للنهي ولما كان الحج لا يقع إلا فرضاً قال : {فمن فرض} أي أوجب بالإحرام ، وهو من الفرض وهو الحز في الشيء لينزل فيه ما يسد فرضته حساً أو معنى فمن تعظيمه سبحانه وتعالى له أنه جعله دون سائر العبادات لا نفل فيه بعد التلبس به. قال الحرالي : لأن الفرائض من لم يقمها تساقط عضواً عضواً قائم دينه كما أن النوافل من لم يأت بها عري نم زينتها فكانت الفروض صحة والنوافل زينة. وفي قوله : {فيهن} إشعار بصحة وقوع الحج في بعضهن وأن الحج ليس كالصوم طبق زمانه ، فكان من العبادات ما هو طبق زمانه كالصوم ، وما يتسع فيه كالصلاة ، وما لا بد أن ينتهي إلى خاتمته كالحج وتقع التوسعة في الشروع - انتهى {الحج} أي تلبس به كيف كان.","part":4,"page":350},{"id":1669,"text":"ولما كان في الإنسان قوى أربع : شهوانية بهيمية ، وغضبية سَبُعية ووهمية شيطانية تبعث مع مساعدة القوتين الأخريين على المنازعة والمغالبة في كل شيء ، وعقلية ملكية ؛ وكان المقصود من جميع العبادات قهر القوى الثلاث لأن منشأ الشرور كلها محصور فيها بالعقلية قال دالاً عليها محذراً منها مرتبة : {فلا رفث} أي مواجهة للنساء بشيء من أمور النكاح. ولما كان الرفث هو داعياً إلى الوقاع الذي هو فسق بالخروج عن الإحرام الصحيح قال ضاماً إليه كل ما دخل في هذا الاسم : {ولا فسوق} قال الحرالي : هو الخروج عن إحاطة العلم والعقل والطبع - انتهى. ولما كان المراء قد يجر إلى الفسق بما يثير من الإحن وتوعير الصدور فكان فسقاً خاصاً عظيماً ضرره قال : {ولا جدال} أي مدافعة بالقول بفتل عن القصد كمدافعة الجلاد باليد أو السيف ولعله عبر بهذا المصدر الذي شأنه أن يكون مزيداً دون الجدل الذي معناه الدرء في الخصومة لأن ينصب النفي على المبالغة فيفهم العفو عن أصله لأنه لا يكاد يسلم منه أحد ، وكذا الحال في الفسوق {في الحج} فصار الفسق واسطة بين أمرين جارين إليه والجدال لكونه قد يفسد ذات البين أعظمها خطراً ويجمع ما في الرفث من الشهوة وقد يكون فسقاً فقد اشتمل على قبائح الكل ؛ فلذلك أجمع القراء السبعة على بنائه مع لا على الفتح دون ما قبله لأن البناء دال على نفي الماهية ونفيها موجب لنفي جميع أفرادها ، وأما الرفع فإنما يدل على نفي فرد منكر من تلك الماهية وهو لا يوجب نفي جميع الأفراد ، ولأن العرب كانوا يبنون الحج على النسيء ويتخالفون فيه في الموقف ، فزال الجدال فيه بعد البيان بكل اعتبار من جهة الخدم والعيال وغيرهم والنسيء والموقف وغيرهما من حيث إنه قد علمت مشاعره وتقررت شرائعه وأحكمت شعائره وأوضحت جميع معالمه فارتفع النزاع أصلاً في أمره.\r","part":4,"page":351},{"id":1670,"text":"قال الحرالي : فمنع في الحج من الإقبال على الخلق بما فيه كره من رفث ومسابّة وجدال حتى لا يقبل الخلق على الخلق في الحج إلا بما الإقبال فيه إقبال على الحق بالحقيقة فما ينزه الحق تعالى عن مواجهته بما يتحامى مع الخلق في زمن الحج كما تحومي ما يختص بالنفس من الأحداث في عمل الصلاة ؛ وفي وروده نفياً لا نهياً إعلام بأنه مناقض لحال الحج حين نفى لأن شأن ما يناقض أن ينفى وشأن ما لا يناقض ويخالف أن ينهى عنه ، كما قال فيما هو قابل للجدال {ولا تجادلوا أهل الكتاب إلا بالتي هي أحسن} [العنكبوت : 46] وبين خطاب النهي والنفي فوت في الأحكام الشرعية ينبني الفقه في الأحكام على تحقيقه في تأصيلها والتفريع عليها - انتهى. أ هـ {نظم الدرر حـ 1 صـ 373}\rمعنى {فَرَضَ} في اللغة ألزم وأوجب ، يقال : فرضت عليك كذا أي أوجبته وأصل معنى الفرض في اللغة الحز والقطع ، قال ابن الأعرابي : الفرض الحز في القدح وفي الوتد وفي غيره ، وفرضة القوس ، الحز الذي يقع فيه الوتر ، وفرضة الوتد الحز الذي فيه ، ومنه فرض الصلاة وغيرها ، لأنها لازمة للعبد ، كلزوم الحز للقدح ، ففرض ههنا بمعنى أوجب ، وقد جاء في القرآن : فرض بمعنى أبان ، وهو قوله : {سُورَةٌ أنزلناها وفرضناها} [النور : 1] بالتخفيف ، وقوله : {قَدْ فَرَضَ الله لَكُمْ تَحِلَّةَ أيمانكم} [التحريم : 2] وهذا أيضاً راجع إلى معنى القطع ، لأن من قطع شيئاً فقد أبانه من غيره والله تعالى إذا فرض شيئاً أبانه عن غيره ، ففرض بمعنى أوجب ، وفرض بمعنى أبان ، كلاهما يرجع إلى أصل واحد. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 5 صـ 138}\rقوله تعالى {فى الحج}\rسؤال : لم وضع المظهر موضع المضمر ؟ ","part":4,"page":352},{"id":1671,"text":"الجواب : الإظهار في مقام الإضمار لإظهار كمال الاعتناء بشأنه والإشعار بعلة الحكم فإنّ زيارة البيت المعظم والتقرّب بها إلى الله تعالى من موجبات ترك الأمور المذكورة المدنسة لمن قصد السير والسلوك إلى ملك الملوك. أ هـ {روح المعانى حـ 2 صـ 126}\rفائدة\rقال الفخر : \rاعلم أن في هذه الآية حذفا ، والتقدير : فمن ألزم نفسه فيهن الحج ، والمراد بهذا الفرض ما به يصير المحرم محرماً إذ لا خلاف أنه لا يصير حاجاً إلا بفعل يفعله ، فيخرج عن أن يكون حلالاً ويحرم عليه الصيد واللبس والطيب والنساء والتغطية للرأس إلى غير ذلك ولأجل تحريم هذه الأمور عليه سمي محرماً ، لأنه فعل ما حرم به هذه الأشياء على نفسه ولهذا السبب أيضاً سميت البقعة حرماً لأنه يحرم ما يكون فيها مما لولاه كان لا يحرم فقوله تعالى : {فَمَن فَرَضَ فِيهِنَّ الحج} يدل على أنه لا بد للمحرم من فعل يفعله لأجله يصير حاجاً ومحرماً ، ثم اختلف الفقهاء في أن ذلك الفعل ما هو ؟ قال الشافعي رضي الله عنه : أنه ينعقد الإحرام بمجرد النية من غير حاجة إلى التلبية وقال أبو حنيفة رضي الله عنه : لا يصح الشروع في الإحرام بمجرد النية حتى ينضم إليها التلبية أو سوق الهدى ، قال القفال رحمه الله في \"تفسيره\" : يروى عن جماعة أن من أشعر هديه أو قلده فقد أحرم ، وروى نافع عن ابن عمر أنه قال : إذا قلد أو أشعر فقد أحرم ، وعن ابن عباس : إذا قلد الهدي وصاحبه يريد العمرة والحج فقد أحرم.\rأ هـ {مفاتيح الغيب حـ 5 صـ 138}\rسؤال : قال ابن عرفة : فإن قلت لم أعيد لفظ الحجّ مظهرا ، وهلا قيل : فمن فرضه فيهن ؟ \rفأجاب عن ذلك بأنه لو قيل كذلك لكان فيه عود الضمير على اللفظ لا على المعنى مثل : عندي درهم ونصفه لأن الحج الأول مطلق يصدق بصورة فيتناول حج زيد وعمرو بالتعيين الواقع منهما وحجمها القابل لأن يفعلاه.","part":4,"page":353},{"id":1672,"text":"وقول الله جل جلاله : {فَمَن فَرَضَ فِيهِنَّ الحج} مقيد بحج كل واحدٍ واحدٍ بعينه ، والشخص المعين (حجه مقيد لا) مطلق ، فلذلك أعيد لفظ الحج مظهرا فيتناول الفرض والتطوع.\rأ هـ {تفسير ابن عرفة صـ 251}\rفوائد لغوية\rقال الإمام الفخر : \rوأما قوله تعالى : {فَلاَ رَفَثَ وَلاَ فُسُوقَ وَلاَ جِدَالَ فِي الحج} ففيه مسائل : \rالمسألة الأولى : قرأ ابن كثير وأبو عمرو {فَلاَ رَفَثَ وَلاَ فُسُوقَ} بالرفع والتنوين {وَلاَ جِدَالَ} بالنصب ، والباقون قرؤا الكل بالنصب.\rواعلم أن الكلام في الفرق بين القراءتين في المعنى يجب أن يكون مسبوقاً بمقدمتين الأولى : أن كل شيء له اسم ، فجوهر الاسم دليل على جوهر المسمى ، وحركات الاسم وسائر أحواله دليل على أحوال المسمى ، فقولك : رجل يفيد الماهية المخصوصة ، وحركات هذه اللفظة ، أعني كونها منصوبة ومرفوعة ومجرورة ، دال على أحوال تلك الماهية وهي المفعولية والفاعلية والمضافية ، وهذا هو الترتيب العقلي حتى يكون الأصل بإزاء الأصل ، والصفة بإزاء الصفة ، فعلى هذا الأسماء الدالة على الماهيات ينبغي أن يتلفظ بها ساكنة الأواخر فيقال : رحل جدار حجر ، وذلك لأن تلك الحركات لما وضعت لتعريف أحوال مختلفة في ذات المسمى فحيث أريد تعريف المسمى من غير التفات إلى تعريف شيء من أحواله وجب جعل اللفظ خالياً عن الحركات ، فإن أريد في بعض الأوقات تحريكه وجب أن يقال بالنصب ، لأنه أخف الحركات وأقربها إلى السكون.\rالمقدمة الثانية : إذا قلت : لا رجل بالنصب ، فقد نفيت الماهية ، وانتفاء الماهية يوجب انتفاء جميع أفرادها قطعاً ، أما إذا قلت : لا رجل بالرفع والتنوين ، فقد نفيت رجلاً منكراً مبهماً ، وهذا بوصفه لا يوجب انتفاء جميع أفراد هذه الماهية إلا بدليل منفصل ، فثبت أن قولك : لا رجل بالنصب أدل على عموم النفي من قولك : لا رجل بالرفع والتنوين.\r","part":4,"page":354},{"id":1673,"text":"إذا عرفت هاتين المقدمتين فلنرجع إلى الفرق بين القراءتين فنقول : أما الذين قرؤا ثلاثة : بالنصب فلا إشكال وأما الذين قرؤا الأولين بالرفع مع التنوين ، والثالث بالنصب فذلك يدل على أن الاهتمام بنفي الجدال أشد من الإهتمام بنفي الرفث والفسوق وذلك لأن الرفث عبارة عن قضاء الشهوة والجدال مشتمل على ذلك ، لأن المجادل يشتهي تمشية قوله ، والفسوق عبارة عن مخالفة أمر الله ، والمجادل لا ينقاد للحق ، وكثيراً ما يقدم على الإيذاء والإيحاش المؤدي إلى العداوة والبغضاء فلما كان الجدال مشتملاً على جميع أنواع القبح لا جرم خصه الله تعالى في هذه القراءة بمزيد الزجر والمبالغة في النفي ، أما المفسرون فإنهم قالوا : من قرأ الأولين بالرفث والثالث بالنصب فقد حمل الأولين على معنى النهي ، كأنه قيل : فلا يكون رفث ولا فسوق وحمل الثالث على الإخبار بانتفاء الجدال ، هذا ما قالوه إلا أنه ليس بيان أنه لم خص الأولان بالنهي وخص الثالث بالنفي.\rالمسألة الثانية : أما الرفث فقد فسرناه في قوله : {أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصيام الرفث إلى نِسَائِكُمْ} [البقرة : 187] والمراد : الجماع ، وقال الحسن : المراد منه كل ما يتعلق بالجماع فالرفث باللسان ذكر المجامعة وما يتعلق بها ، والرفث باليد اللمس والغمز ، والرفث بالفرج الجماع ، وهؤلاء قالوا : التلفظ به في غيبة النساء لا يكون رفثاً ، واحتجوا بأن ابن عباس كان يحدو بعيره وهو محرم ويقول : \rوهن يمشين بنا هميسا.. إن تصدق الطير ننك لميسا\r","part":4,"page":355},{"id":1674,"text":"فقال له أبو العالية أترفث وأنت محرم ؟ قال : إنما الرفث ما قيل عند النساء ، وقال آخرون : الرفث هو قول الخنا والفحش ، واحتج هؤلاء بالخبر واللغة أما الخبر فقوله عليه الصلاة والسلام : \" إذا كان يوم صوم أحدكم فلا يرفث ولا يجهل فإن امرؤ شاتمه فليقل إني صائم \" ومعلوم أن الرفث ههنا لا يحتمل إلا قول الخنا والفحش ، وأما اللغة فهو أنه روى عن أبي عبيد أنه قال : الرفث الإفحاش في المنطق ، يقال أرفث الرجل إرفاثاً ، وقال أبو عبيدة : الرفث اللغو من الكلام.\rأما الفسوق فاعلم أن الفسق والفسوق واحد وهما مصدران لفسق يفسق ، وقد ذكرنا فيما قبل أن الفسوق هو الخروج عن الطاعة ، واختلف المفسرون فكثير من المحققين حملوه على كل المعاصي قالوا : لأن اللفظ صالح للكل ومتناول له ، والنهي عن الشيء يوجب الانتهاء عن جميع أنواعه فحمل اللفظ على بعض أنواع الفسوق تحكم من غير دليل ، وهذا متأكد بقوله تعالى : {فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبّهِ} [الكهف : 50] وبقوله : {وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الكفر والفسوق والعصيان} [الحجرات : 7].\rوذهب بعضهم إلى أن المراد منه بعض الأنواع ثم ذكروا وجوها : \r","part":4,"page":356},{"id":1675,"text":"الأول : المراد منه السباب واحتجوا عليه بالقرآن والخبر ، أما القرآن فقوله تعالى : {وَلاَ تَنَابَزُواْ بالألقاب بِئْسَ الاسم الفسوق بَعْدَ الإيمان} [الحجرات : 11] وأما الخبر فقوله عليه الصلاة والسلام : \" سباب المسلم فسوق وقتاله كفر \" والثاني : المراد منه الإيذاء والإفحاش ، قال تعالى : {لا يُضَارَّ كَاتِبٌ وَلاَ شَهِيدٌ وَإِن تَفْعَلُواْ فَإِنَّهُ فُسُوقٌ بِكُمْ} [البقرة : 282] والثالث : قال ابن زيد : هو الذبح للأصنام فإنهم كانوا في حجهم يذبحون لأجل الحج ، ولأجل الأصنام ، وقال تعالى : {وَلاَ تَأْكُلُواْ مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسم الله عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ} [الأنعام : 121] وقوله : {أَوْ فِسْقًا أُهِلَّ لِغَيْرِ الله بِهِ} [الأنعام : 145] والرابع : قال ابن عمر : إنه العاصي في قتل الصيد وغيره مما يمنع الإحرام منه والخامس : أن الرفث هو الجماع ومقدماته مع الحليلة ، والفسوق هو الجماع ومقدماته على سبيل الزنا والسادس : قال محمد بن الطبري : الفسوق ، هو العزم على الحج إذا لم يعزم على ترك محظوراته.\rوأما الجدال فهو فعال من المجادلة ، وأصله من الجدل الذي من القتل ، يقال : زمام مجدول وجديل ، أي مفتول ، والجديل اسم الزمام لأنه لا يكون إلا مفتولاً ، وسميت المخاصمة مجادلة لأن كل واحد من الخصمين يروم أن يفتل صاحبه عن رأيه ، وذكر المفسرون وجوها في هذا الجدال.\rفالأول : قال الحسن : هو الجدال الذي يخاف منه الخروج إلى السباب والتكذيب والتجهيل.\rوالثاني : قال محمد بن كعب القرظي : إن قريشاً كانوا إذا اجتمعوا بمنى ، قال بعضهم : حجنا أتم ، وقال آخرون : بل حجنا أتم ، فنهاهم الله تعالى عن ذلك.\r","part":4,"page":357},{"id":1676,"text":"والثالث : قال مالك في \"الموطأ\" الجدال في الحج أن قريشاً كانوا يقفون عند المشعر الحرام في المزدلفة بقزح وكان غيرهم يقفون بعرفات وكانوا يتجادلون يقول هؤلاء : نحن أصوب ، ويقول هؤلاء : نحن أصوب ، قال الله تعالى : {لّكُلّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنسَكاً هُمْ نَاسِكُوهُ فَلاَ ينازعنك فِى الأمر وادع إلى رَبّكَ إِنَّكَ لعلى هُدًى مُّسْتَقِيمٍ وَإِن جادلوك فَقُلِ الله أَعْلَمُ بِمَا تَعْمَلُونَ} الحج : 67 68) قال مالك هذا هو الجدال فيما يروى والله أعلم.\rوالرابع : قال القاسم بن محمد : الجدال في الحج أن يقول بعضهم : الحج اليوم ، وآخرون يقولون : بل غداً ، وذلك أنهم أمروا أن يجعلوا حساب الشهور على رؤية الأهلة ، وأخرون كانوا يجعلونه على العدد فبهذا السبب كانوا يختلفون فبعضهم يقول : هذا اليوم يوم العيد وبعضهم يقول : بل غدا ، فالله تعالى نهاهم عن ذلك ، فكأنه قيل لهم : قد بينا لكم أن الأهلة مواقيت للناس والحج ، فاستقيموا على ذلك ولا تجادلوا فيه من غير هذه الجهة.\rالخامس : قال القفال رحمه الله تعالى : يدخل في هذا النهي ما جادلوا فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم حين أمرهم بفسخ الحج إلى العمرة فشق عليهم ذلك وقالوا : نروح إلى منى ومذاكيرنا تقطر منيا ؟ فقال عليه الصلاة والسلام : \" لو استقبلت من أمري ما استدبرت ما سقت الهدي ولجعلتها عمرة \" وتركوا الجدال حينئذ.\rالسادس : قال عبد الرحمن بن زيد : جدالهم في الحج بسبب اختلافهم في أيهم المصيب في الحج لوقت إبراهيم عليه الصلاة والسلام.\rالسابع : أنهم كانوا مختلفين في السنين فقيل لهم : لا جدال في الحج فإن الزمان استدار وعاد إلى ما كان عليه الحج في وقت إبراهيم عليه السلام ، وهو المراد بقوله عليه الصلاة والسلام في حجة الوداع : \" ألا إن الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق الله السموات والأرض \" فهذا مجموع ما قاله المفسرون في هذا الباب.\r","part":4,"page":358},{"id":1677,"text":"وذكر القاضي كلاما حسناً في هذا الموضع فقال : قوله تعالى : {فَلاَ رَفَثَ وَلاَ فُسُوقَ وَلاَ جِدَالَ فِي الحج} يحتمل أن يكون خبراً وأن يكون نهياً كقوله : \r","part":4,"page":359},{"id":1678,"text":"{ لاَ رَيْبَ فِيهِ} [السجدة : 2] أي لا ترتابوا فيه ، وظاهر اللفظ للخبر فإذا حملناه على الخبر كان معناه أن الحج لا يثبت مع واحدة من هذه الخلال بل يفسد لأنه كالضد لها وهي مانعة من صحته ، وعلى هذا الوجه لا يستقيم المعنى ، إلا أن يراد بالرفث الجماع المفسد للحج ، ويحمل الفسوق على الزنا لأنه يفسد الحج ، ويحمل الجدال على الشك في الحج ووجوبه لأن ذلك يكون كفراً فلا يصح معه الحج وإنما حملنا هذه الألفاظ الثلاثة على هذه المعاني حتى يصح خبر الله بأن هذه الأشياء لا توجد مع الحج ، فإن قيل : أليس أن مع هذه الأشياء يصير الحج فاسداً ويجب على صاحبه المضي فيه ، وإذا كان الحج باقياً معها لم يصدق الخبر بأن هذه الأشياء لا توجد مع الحج ، قلنا : المراد من الآية حصول المضادة بين هذه الأشياء وبين الحجة التي أمر الله تعالى بها ابتداء وتلك الحجة الصحيحة لا تبقى مع هذه الأشياء بدليل أنه يجب قضاؤها ، والحجة الفاسدة التي يجب عليه المضي فيها شيء آخر سوى تلك الحجة التي أمر الله تعالى بها ابتداء ، وأما الجدال الحاصل بسبب الشك في وجوب الحج فظاهر أنه لا يبقى معه عمل الحج لأن ذلك كفر وعمل الحج مشروط بالإسلام فثبت أنا إذا حملنا اللفظ على الخبر وجب حمل الرفث والفسوق والجدال على ما ذكرناه ، أما إذا حملناه على النهي وهو في الحقيقة عدول عن ظاهر اللفظ فقد يصح أن يراد بالرفث الجماع ومقدماته وقول الفحش ، وأن يراد بالفسوق جميع أنواعه ، وبالجدال جميع أنواعه ، لأن اللفظ مطلق ومتناول لكل هذه الأقسام فيكون النهي عنها نهياً عن جميع أقسامها ، وعلى هذا الوجه تكون هذه الآية كالحث على الأخلاق الجميلة ، والتمسك بالآداب الحسنة ، والاحتراز عما يحبط ثواب الطاعات. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 5 صـ 141 ـ 142}\rوقال ابن عاشور : ","part":4,"page":360},{"id":1679,"text":"وقوله : {فلا رفث ولا فسوق ولا جدال في الحج} جواب من الشرطية ، والرابط بين جملة الشرط والجواب ما في معنى {لا رفث} من ضمير يعود على (من) ؛ لأن التقدير فلا يرفث.\rوقد نفى الرفث والفسوق والجدال نفي الجنس مبالغة في النهي عنها وإبعادها عن الحاج ، حتى جعلت كأنها قد نهي الحاج عنها فانتهى فانتفت أجناسها ، ونظير هذا كثير في القرآن كقوله تعالى : \r{ والمطلقات يتربصن} [البقرة : 228] وهو من قبيل التمثيل بأن شبهت حالة المأمور وقت الأمر بالحالة الحاصلة بعد امتثاله فكأنه امتثل وفعل المأمور به فصار بحيث يخبر عنه بأنه فَعَل كما قرره في \"الكشاف\" في قوله : {والمطلقات يتربصن} ، فأطلق المركب الدال على الهيئة المشبه بها على الهيئة المشبهة. أ هـ {التحرير والتنوير حـ 2 صـ 233}\rسؤال : ما الحكمة في أن الله تعالى ذكر هذه الألفاظ الثلاثة لا أزيد ولا أنقص ، وهو قوله : {فَلاَ رَفَثَ وَلاَ فُسُوقَ وَلاَ جِدَالَ فِي الحج} ؟ ","part":4,"page":361},{"id":1680,"text":"الجواب : الحكمة في أن الله تعالى ذكر هذه الألفاظ الثلاثة لا أزيد ولا أنقص ، وهو قوله : {فَلاَ رَفَثَ وَلاَ فُسُوقَ وَلاَ جِدَالَ فِي الحج} هي أنه قد ثبت في العلوم العقلية أن الإنسان فيه قوى أربعة : قوة شهوانية بهيمية ، وقوة غضبية سبعية ، وقوة وهمية شيطانية ، وقوة عقلية ملكية ، والمقصود من جميع العبادات قهر القوى الثلاثة ، أعني الشهوانية ، والغضبية ، والوهمية ، فقوله {فَلاَ رَفَثَ} إشارة إلى قهر الشهوانية ، وقوله : {وَلاَ فُسُوقَ} إشارة إلى قهر القوة الغضبية التي توجب التمرد والغضب ، وقوله : {وَلاَ جِدَالَ} إشارة إلى القوة الوهمية التي تحمل الإنسان على الجدال في ذات الله ، وصفاته ، وأفعاله ، وأحكامه ، وأسمائه ، وهي الباعثة للإنسان على منازعة الناس ومماراتهم ، والمخاصمة معهم في كل شيء ، فلما كان منشأ الشر محصوراً في هذه الأمور الثلاثة لا جرم قال : {فَلاَ رَفَثَ وَلاَ فُسُوقَ وَلاَ جِدَالَ فِي الحج} أي فمن قصد معرفة الله ومحبته والاطلاع على نور جلاله ، والانخراط في سلك الخواص من عباده ، فلا يكون فيه هذه الأمور ، وهذه أسرار نفسية هي المقصد الأقصى من هذه الآيات ، فلا ينبغي أن يكون العاقل غافلاً عنها ، ومن الله التوفيق في كل الأمور. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 5 صـ 142}\rسؤال : لم قرن الفسوق بالرفث ؟ \rالجواب : قرن الفسوق بالرفث الذي هو مفسد للحج يقتضي أن إتيان الفسوق في مدة الإحرام مفسد للحج كذلك ، ولم أر لأحد من الفقهاء أن الفسوق مفسد للحج ، ولا أنه غير مفسد سوى ابن حزم فقال في \"المحلَّى\" : إن مذهب الظاهرية أن المعاصي كلها مفسدة للحج ، والذي يظهر أن غير الكبائر لا يفسد الحج وأن تعمد الكبائر مفسد للحج وهو أحرى بإفساده من قربان النساء الذي هو التذاذ مباح والله أعلم. أ هـ {التحرير والتنوير حـ 2 صـ 234 ـ 235}\rفائدة","part":4,"page":362},{"id":1681,"text":"قال ابن العربي : المراد بقوله \"فلا رفث\" نفيه مشروعاً لا موجوداً ، فإنّا نجد الرّفث فيه ونشاهده ، وخبر الله سبحانه لا يجوز أن يقع بخلاف مخبره ، وإنما يرجع النفي إلى وجوده مشروعاً لا إلى وجوده محسوساً ؛ كقوله تعالى : {والمطلقات يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلاَثَةَ قرواء} [البقرة : 228] معناه : شرعاً لا حِسًّا ؛ فإنا نجد المطلّقات لا يتربّصن ؛ فعاد النّفي إلى الحكم الشرعيّ لا إلى الوجود الحِسّي. وهذا كقوله تعالى : {لاَّ يَمَسُّهُ إِلاَّ المطهرون }\r[ الواقعة : 79] إذا قلنا : إنه وارد في الآدميين وهو الصحيح أن معناه لا يمسّه أحد منهم شرعاً ، فإن وُجد المسّ فعلى خلاف حكم الشرع ؛ وهذه الدقيقة هي التي فاتت العلماء فقالوا : إن الخبر يكون بمعنى النّهي ، وما وُجد ذلك قَطُّ ، ولا يصحّ أن يوجد ، فإنهما مختلفان حقيقة ومتضادّان وَصْفاً\".أ هـ {أحكام القرآن لابن العربى حـ 1 صـ 189}\rسؤال : قيل لابن عرفة : ما الفرق بين (جواز تقديم) إحرام الحجّ على أشهر الحج ومنع تقديم إحرام الصلاة على وقتها ؟ \rفقال : الإحرام قسمان منقطع ومستصحب ، فالمنقطع كتكبيرة الإحرام والمستصحب النية ، فالنية يصح تقديمها على الوقت لأنها لايزال حكمها منسحبا على المصلي في جميع أجزاء صلاته ولا يصح تقديم تكبيرة الإحرام لانقطاعها بالفراغ منها ، ونظيره هنا السعي ، لا يجوز تقديمه على أشهر الحج. وأما نية الإحرام والتوجه فهو مستصحب فيصح تقديمه على أشهر الحج. وفرقوا بين إحرام الصلاة وإحرام الحج بأنّ إحرام الصلاة متيسر (لا مشقة) فيه فامتنع تقديمه وأمر المقدم له بإعادته واعتقاد وجوبه بخلاف إحرام الحج. أ هـ {تفسير ابن عرفة صـ 252}\rفصل","part":4,"page":363},{"id":1682,"text":"من الناس من عاب الاستدلال والبحث والنظر والجدال واحتج بوجوه أحدها : أنه تعالى قال : {وَلاَ جِدَالَ فِي الحج} وهذا يقتضي نفي جميع أنواع الجدال ، ولو كان الجدال في الدين طاعة وسبيلاً إلى معرفة الله تعالى لما نهى عنه في الحج ، بل على ذلك التقدير كان الاشتغال بالجدال في الحج ضم طاعة إلى طاعة فكان أولى بالترغيب فيه\rوثانيها : قوله تعالى : {مَا ضَرَبُوهُ لَكَ إِلاَّ جَدَلاَ بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ} [الزخرف : 58] عابهم بكونهم من أهل الجدل ، وذلك يدل على أن الجدل مذموم ، \rوثالثها : قوله : {وَلاَ تنازعوا فَتَفْشَلُواْ وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ} [الأنفال : 46] نهى عن المنازعة.\rوأما جمهور المتكلمين فإنهم قالوا : الجدال في الدين طاعة عظيمة ، واحتجوا عليه بقوله تعالى : {ادع إلى سَبِيلِ رَبّكَ بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتى هِىَ أَحْسَنُ} [النحل : 125] وبقوله تعالى حكاية عن الكفار إنهم قالوا لنوح عليه السلام : {يانوح قَدْ جَادَلْتَنَا فَأَكْثَرْتَ جِدَالَنَا} [هود : 32] ومعلوم أنه ما كان ذلك الجدال إلا لتقرير أصول الدين.\rإذا ثبت هذا فنقول : لا بد من التوفيق بين هذه النصوص ، فنحمل الجدل المذموم على الجدل في تقرير الباطل ، وطلب المال والجاه ، والجدل الممدوح على الجدل في تقرير الحق ودعوة الخلق إلى سبيل الله ، والذب عن دين الله تعالى. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 5 صـ 142}\rوقال ابن عاشور : ","part":4,"page":364},{"id":1683,"text":"اتفق العلماء على أن مدارسة العلم والمناظرة فيه ليست من الجدال المنهي عنه ، وقد سمعت من شيخنا العلامة الوزير أن الزمخشري لما أتم تفسير الكشاف} وضعه في الكعبة في مدة الحج بقصد أن يطالعه العلماء يحضرون الموسم وقال : من بدا له أن يجادل في شيء فليفعل ، فزعموا أن بعض أهل العلم اعترض عليه قائلاً : بماذا فسرت قوله تعالى : {ولا جدال في الحج} وأنه وجم لها ، وأنا أحسب إن صحت هذه الحكاية أن الزمخشري أعرض عن مجاوبته ، لأنه رآه لا يفرق بين الجدال الممنوع في الحج وبين الجدال في العلم.\rواتفقوا على أن المجادلة في إنكار المنكر وإقامة حدود الدين ليست من المنهي عنه فالمنهي عنه هو ما يجر إلى المغاضبة والمشاتمة وينافي حرمة الحج ولأجل ما في أحوال الجدال من التفصيل كانت الآية مجملة فيما يفسد الحج من أنواع الجدال فيرجع في بيان ذلك إلى أدلة أخرى. أ هـ {التحرير والتنوير حـ 2 صـ 235}\rقوله تعالى {وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ }\rالمناسبة\rقال البقاعى : \rولما كانت هذه المنفيات شراً وكان التقدير : فما فعلتم من هذه المنهيات على هذا الوجه الأبلغ عوقبتم عليه عطف عليه : {وما} وقال الحرالي : ولما حمي من سوء معاملة الخلق مع الخلق عرض بأن يوضع موضع ذلك الإحسان فيقع في محل إخراج الأنفس أن يتودد إليها بإسداء الخير وهو الإحسان من خير الدنيا ، ففي إعلامه تحريض على إحسان الحج بعضهم لبعض لما يجمع وفده من الضعيف والمنقطع فقال : وما {تفعلوا} انتهى. أي يوجد لكم فعله في وقت من الأوقات {من خير} في الحج أو غيره بتوكل في تجرد أو تزود في تزهد أو غير ذلك من القول الحسن عوض الرفث ، والبر والتقوى مكان الفسق ، والأخلاق الجميلة واليسر والوفاق مكان الجدال {يعلمه الله} الذي له جميع صفات الكمال فيجازيكم عليه فهو أشد ترغيب وترهيب.أ هـ {نظم الدرر حـ 1 صـ 375}\rمن لطائف العلامة الفخر : \rقال رحمه الله : ","part":4,"page":365},{"id":1684,"text":"أما قوله تعالى : {وَمَا تَفْعَلُواْ مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللَّهُ وَتَزَوَّدُواْ فَإِنَّ خَيْرَ الزاد التقوى} [البقرة : 197] فاعلم أن الله تعالى قبل هذه الآية أمر بفعل ما هو خير وطاعة ، فقال : {وَأَتِمُّواْ الحج والعمرة لِلَّهِ} [البقرة : 196] وقال : {فَمَن فَرَضَ فِيهِنَّ الحج} ونهى عما هو شر ومعصية فقال : {فَلاَ رَفَثَ وَلاَ فُسُوقَ وَلاَ جِدَالَ فِي الحج} ثم عقب الكل بقوله : {وَمَا تَفْعَلُواْ مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ الله} وقد كان الأولى في الظاهر أن يقال : وما تفعلوا من شيء يعلمه الله ، حتى يتناول كل ما تقدم من الخير والشر ، إلا أنه تعالى خص الخير بأنه يعلمه الله لفوائد ولطائف أحدها : إذا علمت منك الخير ذكرته وشهرته ، وإذا علمت منك الشر سترته وأخفيته لتعلم أنه إذا كانت رحمتي بك في الدنيا هكذا ، فكيف في العقبى\rوثانيها : أن من المفسرين من قال في تفسير قوله : {إِنَّ الساعة ءاتِيَةٌ أَكَادُ أُخْفِيهَا} [طه : 15] معناه : لو أمكنني أن أخفيها عن نفسي لفعلت فكذا هذه الآية ، كأنه قيل للعبد : ما تفعله من خير علمته ، وأما الذي تفعله من الشر فلو أمكن أن أخفيه عن نفسي لفعلت ذلك\rوثالثها أن السلطان العظيم إذا قال لعبده المطيع : كل ما تتحمله من أنواع المشقة والخدمة في حقي فأنا عالم به ومطلع عليه ، كان هذا وعداً له بالثواب العظيم ، ولو قال ذلك لعبده المذنب المتمرد كان توعداً بالعقاب الشديد ، ولما كان الحق سبحانه أكرم الأكرمين لا جرم ذكر ما يدل على الوعد بالثواب ، ولم يذكر ما يدل على الوعيد بالعقاب\rورابعها : أن جبريل عليه السلام لما قال : ما الإحسان ؟ فقال الرسول عليه الصلاة والسلام : \r","part":4,"page":366},{"id":1685,"text":"\" الإحسان أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك \" فههنا بين للعبد أنه يراه ويعلم جميع ما يفعله من الخيرات لتكون طاعة العبد للرب من الإحسان الذي هو أعلى درجات العبادة ، فإن الخادم متى علم أن مخدومه مطلع عليه ليس بغافل عن أحواله كان أحرص على العمل وأكثر التذاذاً به وأقل نفرة عنه وخامسها : أن الخادم إذا علم اطلاع المخدوم على جميع أحواله وما يفعله كان جده واجتهاده في أداء الطاعات وفي الاحتراز عن المحظورات أشد مما إذا لم يكن كذلك ، فلهذه الوجوه أتبع تعالى الأمر بالحج والنهي عن الرفث والفسوق والجدال بقوله : {وَمَا تَفْعَلُواْ مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ الله }.أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 5 صـ 143}\rوقال فى التحرير والتنوير : \rسؤال : قوله : {وما تفعلوا خير يعلمه الله} لم عُقب به النهي عن المنهيات ؟ \rالجواب : عُقب به النهي عن المنهيات لقصد الاتصاف بأضداد تلك المنهيات فكأنه قال : لا تفعلوا ما نهيتم عنه وافعلوا الخير فما تفعلوا يعلمه الله ، وأطلق علم الله وأريد لازمه وهو المجازاة على المعلوم بطريق الكناية فهو معطوف على قوله : {فلا رفث} الخ. أ هـ {التحرير والتنوير حـ 2 صـ 235}\rفائدة\rقال ابن عرفة\rقوله تعالى : {وَمَا تَفْعَلُواْ مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ الله...}.\rإن قلت : المتقدم نهي وامتثاله بالترك كما أنّ امتثال الأمر بالفعل ، فهلا عقب بأن يقال : وما تتركوا من شيء يَعْلَمَهُ اللهُ ؟ \rقيل لابن عرفة : نقول إن الترك فعل ؟ فقال : البحث على أنّه غير فعل.","part":4,"page":367},{"id":1686,"text":"قال : وإنّما الجواب بما قال ابن الحاجب من أنّ نقيض الجلي (جلي) ، ونقيض الخفي خفي فالإخبار بأن الله تعالى يعلم الفعل يستلزم معرفته نقيض ذلك وهو الترك وإنّما عدل على التنصيص على ذلك بالمطابقة إلى دلالة الالتزام ليفيد الكلام أمرين ، وهو الحض على عدم الاقتصار على ترك ذلك فقط فيتضمن طلب تركه وطلب تعويضه بفعل الخير المحصل للثواب فإنه تعالى عالم بمن يترك ذلك ويفعل الخير فنبه على الترك والفعل. أ هـ {تفسير ابن عرفة صـ 252}\rقوله تعالى {وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى }\rالمناسبة\r","part":4,"page":368},{"id":1687,"text":"ولما عمم في الحث على الخير على وجه شامل للتزود وتركه بعد التخصيص أشار إلى أن الخير هو الزاد على وجه يعم الحسي والمعنوي زيادة في الحث عليه إذ لا أضر من إعواز الزاد لأكثر - العباد فقال : {وتزودوا} أي التقوى لمعادكم الحاملة على التزود الحسي لمعاشكم الحامل على الزهد فيما في أيدي الناس ، والمواساة لمحتاجهم الواقية للعبد من عذاب الله \" اتقوا النار ولو بشق تمرة \" وذلك هو ثمرة التقوى ؛ والزاد هو متعة المسافر. ثم علل ذلك بما أنتجه بقوله {فإن خير} ، ويجوز أن يكون التقدير : وتزودوا واتقوا الله في تزودكم {فإن خير الزاد التقوى} وفي التجرد مداخل خلل في بعض نيات الملتبسين بالمتوكلين من الاتكال على الخلق ، فأمر الكل بالتزود ستراً للصنفين ، إذ كل جمع لا بد فيه من كلا الطرفين - قاله الحرالي وقال : وفي ضمنه تصنيفهم ثلاثة أصناف : متكل لا زاد معه فمعه خير الزادين ، ومتمتع لم يتحقق تقواه فلا زاد له في الحقيقة ، وجامع بين التقوى والمتعة فذلك على كمال السنة ؛ كما قال عليه الصلاة والسلام : \" قيّدها وتوكل \" لأن ذلك أستر للطرفين ؛ وحقيقة التقوى في أمر التزود النظر إلى الله تعالى في إقامة خلقه وأمره ، قال بعض أهل المعرفة : من عوده الله سبحانه وتعالى دوام النظر إليه بالغيبة عما سواه فقد ملك الزاد فليذهب حيث شاء فقد استطاع سبيلاً - انتهى.\rأ هـ {نظم الدرر حـ 1 صـ 375 ـ 376}\rمن أنفس وألطف ما قيل فى هذا الموضع\rقال الإمام الفخر عليه سحائب الرحمة والرضوان من الرحيم الرحمن","part":4,"page":369},{"id":1688,"text":"أما قوله تعالى : {وَتَزَوَّدُواْ فَإِنَّ خَيْرَ الزاد التقوى} ففيه قولان أحدهما : أن المراد : وتزودوا من التقوى ، والدليل عليه قوله بعد ذلك : {فَإِنَّ خَيْرَ الزاد التقوى} وتحقيق الكلام فيه أن الإنسان له سفران : سفر في الدنيا وسفر من الدنيا ، فالسفر في الدنيا لا بد له من زاد ، وهو الطعام والشراب والمركب والمال ، والسفر من الدنيا لا بد فيه أيضاً من زاد ، وهو معرفة الله ومحبته والإعراض عما سواه ، وهذا الزاد خير من الزاد الأول لوجوه\rالأول : أن زاد الدنيا يخلصك من عذاب موهوم وزاد الآخرة يخلصك من عذاب متيقن\rوثانيها : أن زاد الدنيا يخلصك من عذاب منقطع ، وزاد الآخرة يخلصك من عذاب دائم\rوثالثها : أن زاد الدنيا يوصلك إلى لذة ممزوجة بالآلام والأسقام والبليات ، وزاد الآخرة يوصلك إلى لذات باقية خالصة عن شوائب المضرة ، آمنة من الانقطاع والزوال\rورابعها : أن زاد الدنيا وهي كل ساعة في الإدبار والانقضاء ، وزاد الآخرة يوصلك إلى الآخرة ، وهي كل ساعة في الإقبال والقرب والوصول\rوخامسها : أن زاد الدنيا يوصلك إلى منصة الشهوة والنفس ، وزاد الآخرة يوصلك إلى عتبة الجلال والقدس ، فثبت بمجموع ما ذكرنا أن خير الزاد التقوى.\rإذا عرفت هذا فلنرجع إلى تفسير الآية ، فكأنه تعالى قال : لما ثبت أن خير الزاد التقوى فاشتغلوا بتقواي يا أولي الألباب ، يعني إن كنتم من أرباب الألباب الذين يعلمون حقائق الأمور وجب عليكم بحكم عقلكم ولبكم أن تشتغلوا بتحصيل هذا الزاد لما فيه كثرة المنافع ، وقال الأعشى في تقرير هذا المعنى : \rإذا أنت لم ترحل بزاد من التقى.. ولا قيت بعد الموت من قد تزودا\rندمت على أن لا تكون كمثله.. وأنك لم ترصد كما كان أرصدا\r","part":4,"page":370},{"id":1689,"text":"والقول الثاني : أن هذه الآية نزلت في أناس من أهل اليمن كانوا يحجون بغير زاد ويقولون : إنا متوكلون ، ثم كانوا يسألون الناس وربما ظلموا الناس وغصبوهم ، فأمرهم الله تعالى أن يتزودوا فقال : وتزودوا ما تبلغون به فإن خير الزاد ما تكفون به وجوهكم عن السؤال وأنفسكم عن الظلم وعن ابن زيد : أن قبائل من العرب كانوا يحرمون الزاد في الحج والعمرة فنزلت.\rوروى محمد ابن جرير الطبري عن ابن عمر قال : كانوا إذا أحرموا ومعهم أزودة رموا بها فنهوا عن ذلك بهذه الآية قال القاضي : وهذا بعيد لأن قوله : {فَإِنَّ خَيْرَ الزاد التقوى} راجع إلى قوله : {وَتَزَوَّدُواْ} فكان تقديره : وتزودوا من التقوى والتقوى في عرف الشرع والقرآن عبارة عن فعل الواجبات وترك المحظورات قال : فإن أردنا تصحيح هذا القول ففيه وجهان أحدهما : أن القادر على أن يستصحب الزاد في السفر إذا لم يستصحبه عصى الله في ذلك ، فعلى هذا الطريق صح دخوله تحت الآية والثاني : أن يكون في الكلام حذف ويكون المراد : وتزودوا لعاجل سفركم وللآجل فإن خير الزاد التقوى. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 5 صـ 143 ـ 144}\rقال التسترى :\rقوله : {وَتَزَوَّدُواْ فَإِنَّ خَيْرَ الزاد التقوى} [197] قال : هو الرفيق إلى ذكر الله تعالى خوفاً ، إذ لا زاد للمحب سوى محبوبه ، وللعارف سوى معروفه..\rأ هـ {تفسير التسترى ـ صـ 42}\rوقال القرطبى :\r{ وَتَزَوَّدُواْ} أَمْرٌ باتخاذ الزاد. قال ابن عمر وعكرمة ومجاهد وقتادة وابن زيد : نزلت الآية في طائفة من العرب كانت تجيء إلى الحج بلا زاد ، ويقول بعضهم : كيف نحجّ بيت الله ولا يطعمنا ؛ فكانوا يبقون عالةً على الناس ، فنُهوا عن ذلك ، وأمِروا بالزاد. وقال عبد اللَّه بن الزبير : كان الناس يتّكل بعضهم على بعض بالزاد ؛ فأمروا بالزاد. \" وكان للنبيّ صلى الله عليه وسلم في مسيره راحلةٌ عليها زاد ، وقدم عليه ثلثمائة رجل من مُزَينة ، فلما أرادوا أن ينصرفوا قال : \"يا عمر زوّد القوم\" \" وقال بعض الناس : \"تزوّدوا\" الرفيق الصالح. وقال ابن عطية : وهذا تخصيص ضعيف ، والأولى في معنى الآية : وتزوّدوا لمعادكم من الأعمال الصالحة.\rقلت : القول الأوّل أصح ، فإن المراد الزاد المتَخَذ في سفر الحج المأكول حقيقة كما ذكرنا ؛ كما روى البخاريّ عن ابن عباس قال : كان أهل اليمن يحجّون ولا يتزوّدون ويقولون : نحن المتوكلون ؛ فإذا قدموا مكة سألوا الناس ، فأنزل الله تعالى : {وَتَزَوَّدُواْ فَإِنَّ خَيْرَ الزاد التقوى} وهذا نص فيما ذكرنا ، وعليه أكثر المفسرين.(1) أ هـ {تفسير القرطبى حـ 2 صـ 411}\r________________\r(1) ما ذكره الإمام الفخر أعم وأشمل وأنفس ويتفق مع الغرض الأسمى للحج ، والعبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب. والله أعلم.","part":4,"page":371},{"id":1690,"text":"لطيفة\rقال التسترى : \rالدنيا هي التي قطعت المنقطعين إلى الله عن الله عزَّ وجلَّ. وقال : عيش الملائكة في الطاعة ، وعيش الأنبياء بالعلم وانتظار الفرج ، وعيش الصديقين بالاقتداء ، وعيش سائر الناس [عالماً كان أو جاهلاً ، زاهداً كان أو عابداً] في الأكل والشرب. أ هـ {تفسير التسترى ـ صـ 42}\rقوله تعالى{ وما تفعلوا من خير يعلمه الله }\rقال الخازن : \r{ وما تفعلوا من خير يعلمه الله} أي لا يخفى عليه شيء من أعمالكم ، وهو الذي يجازيكم عليها ، حث الله على فعل الخير عقيب النهي عن الشر وهو أن يستعملوا مكان الرفث الكلام الحسن ومكان الفسوق البر والتقوى ومكان الجمال الوفاق والأخلاق الجملية ، وقيل : جعل فعل الخير عبارة عن ربط الأنفس عن الشر حتى لا يوجد منهم ما نهوا عنه. وقيل : إنما ذكر الخير وإن كان عالماً بجميع أفعال العباد من الخير والشر لفائدة ، وهي أنه تعالى إذا علم من العبد الخير ذكره وشهره وإذا علم منه الشر ستره وأخفاه فإذا كان هذا فعله مع عبده في الدنيا فكيف يكون في العقبى وهو أرحم الراحمين وأكرم الأكرمين. أ هـ {تفسير الخازن حـ 1 صـ 127}\rقوله تعالى {وَاتَّقُونِ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ }\rالمناسبة","part":4,"page":372},{"id":1691,"text":"ولما علم من ذلك أن التقدير : فأكثروا من الزاد مصحوباً بالتقوى وكان الإنسان محل النقصان فكان الإكثار حاملاً له في العادة على الطغيان إلاّ من عصم الله وقليل ما هم قال سبحانه وتعالى مؤكداً لأمر التقوى مشرفاً لها بالإضافة إلى نفسه الشريفة تنبيهاً على الإخلاص لأجل ذاته السنية لا بالنظر إلى شيء من رجاء أو خوف أو اتصاف بحج أو غيره عاطفاً على ما أرشد إلى تقديره السياق : {واتقون} أي في تقواكم بالتزود ، وزاد الترغيب فيها بقوله : {يا أولي الألباب} أي العقول الصافية والأفهام النيرة الخالصة التي تجردت عن جميع العلائق الجسمانية فأبصرت جلالة التقوى فلزمتها. أ هـ {نظم الدرر حـ 1 صـ 376}\rقال الفخر : \rأما قوله تعالى : {يا أُوْلِي الألباب} فاعلم أن لباب الشيء ولبه هو الخالص منه ، ثم اختلفوا بعد ذلك ، فقال بعضهم : إنه اسم للعقل لأنه أشرف ما في الإنسان ، والذي تميز به الإنسان عن البهائم وقرب من درجة الملائكة ، واستعد به للتمييز بين خير الخيرين ، وشر الشرين ، وقال آخرون : أنه في الأصل اسم للقلب الذي هو محل العقل ، والقلب قد يجعل كناية عن العقل قال تعالى : {إِنَّ فِى ذلك لذكرى لِمَن كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السمع وَهُوَ شَهِيدٌ} [ق : 37] فكذا ههنا جعل اللب كناية عن العقل ، فقوله : {يا أُوْلِي الألباب} معناه : يا أولي العقول ، وإطلاق اسم المحل على الحال مجاز مشهور ، فإنه يقال لمن له غيرة وحمية : فلان له نفس ، ولمن ليس له حمية : فلان لا نفس له فكذا ههنا.\rفإن قيل : إذا كان لا يصح إلا خطاب العقلاء فما الفائدة في قوله : {يا أُوْلِي الألباب}.\rقلنا : معناه : إنكم لما كنتم من أولي الألباب كنتم متمكنين من معرفة هذه الأشياء والعمل بها فكان وجوبها عليكم أثبت وإعراضكم عنها أقبح ، ولهذا قال الشاعر : \rولم أر في عيوب الناس شيئا.. كنقص القادرين على التمام","part":4,"page":373},{"id":1692,"text":"ولهذا قال تعالى : {أولئك كالأنعام بَلْ هُمْ أَضَلُّ} [الأعراف : 179] يعني الأنعام معذورة بسبب العجز ، أما هؤلاء القادرون فكان إعراضهم أفحش ، فلا جرم كانوا أضل. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 5 صـ 144 ـ 145}\rسؤال : لم خصّ أولي الألباب بالخطاب مع أن الأمر يعم الكل ؟ \rالجواب : خصّ أولي الألباب بالخطاب وإن كان الأمر يعم الكل لأنهم الذين قامت عليهم حجة الله ، وهم قابلو أوامره والناهضون بها. أ هـ {تفسير القرطبى حـ 2 صـ 412}\rفائدة\rوفي تكرارلفظ الحج ثلاث مرات في الآية على أنه من قبيل وضع الظاهر موضع المضمر لطف الإيجاز فإن المراد بالحج الأول زمان الحج وبالحج الثاني نفس العمل وبالثالث زمانه ومكانه ، ولولا الإظهار لم يكن بد من إطناب غير لازم كما قيل. أ هـ {الميزان حـ 2 صـ 79}","part":4,"page":374},{"id":1693,"text":"قوله تعالى : {لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ وَاذْكُرُوهُ كَمَا هَدَاكُمْ وَإِنْ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الضَّالِّينَ (198)}\rمناسبة الآية لما قبلها\rقال البقاعى : \rولما فهم من هذا الحث على الإكثار من الزاد تحركت نفوس أولي الهمم الزاكية القابلة للتجرد عن الأعراض الفانية إلى السؤال عن المتجر لإنفاقه في وجوه الخير هل يكره في زمان أو مكان لا سيما عند تذكر أن أناساً كانوا في الجاهلية يكرهون التجارة للحاج فأجيب بقوله معلماً أن قطع العلائق لمن صدق عزمه وشرفت همته أولى : {ليس عليكم جناح} أي إثم في {أن تبتغوا} أي تطلبوا بجد واجتهاد {فضلاً} أي إفادة بالمتجر في مواسم الحج وغيرها {من ربكم} المحسن إليكم في كل حال فلا تعتمدوا في الفضل إلا عليه ، وروى البخاري في التفسير عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال : \" كانت عكاظُ وَمَجِنَّةُ وذو المجاز أسواقاً في الجاهلية فتأثموا أن يتَّجروا في المواسم فنزلت {ليس عليكم جناح أن تبتغوا فضلاً من ربكم} في مواسم الحج \".\rأ هـ {نظم الدرر حـ 1 صـ 376}\rقال فى التحرير والتنوير : \rقوله تعالى : {لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ}","part":4,"page":375},{"id":1694,"text":"جملة معترضة بين المتعاطفين بمناسبة النهي عن أعمال في الحج تنافي المقصد منه فنقل الكلام إلى إباحة ما كانوا يتحرجون منه في الحج وهو التجارة ببيان أنها لا تنافي المقصد الشرعي إبطالاً لما كان عليه المشركون ، إذ كانوا يرون التجارة للمُحْرم بالحج حراماً. فالفضل هنا هو المال ، وابتغاء الفضل التجارة لأجل الربح كما هو في قوله تعالى : {وآخرون يضربون في الأرض يبتغون من فضل الله لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَبْتَغُواْ فَضْلاً مِّن رَّبِّكُمْ} [المزمل : 20]. وقد كان أهل الجاهلية إذا خرجوا من سوق ذي المجاز إلى مكة حرم عندهم البيع والشراء قال النابغة : \rكادَتْ تُسَاقِطُني رَحْلي ومِيثَرَتِي... بذِي المجاز ولم تُحسس به نَغَما\rمن صَوْتتِ حِرْمِيَّةٍ قالتْ وقد ظعنوا... هل في مُخِفِّيكُمُ مَنْ يشتري أَدَما\rقلتُ لهَا وهي تَسْعَى تحتَ لَبَّتِها... لا تَحْطِمنَّككِ إن البيعَ قد زَرِما\rأي انقطع البيع وحَرُم ، وعن ابن عباس : كانت عكاظ ومَجَنَّة ، وذو المجاز أسواقاً في الجاهلية فتأَثَّمُوا أنْ يَتَّجِرُوا في المواسم فنزلت : (ليس عليكم جناح أن تبتغوا فضلاً من ربكم في موسم الحج) اه. أي قرأها ابن عباس بزيادة في مواسم الحج.\rأ هـ {التحرير والتنوير حـ 2 صـ 237}\rقال الفخر : \rاعلم أن الشبهة كانت حاصلة في حرمة التجارة في الحج من وجوه : ","part":4,"page":376},{"id":1695,"text":"أحدها : أنه تعالى منع عن الجدال فيما قبل هذه الآية ، والتجارة كثيرة الإفضاء إلى المنازعة بسبب المنازعة في قلة القيمة وكثرتها ، فوجب أن تكون التجارة محرمة وقت الحج وثانيها : أن التجارة كانت محرمة وقت الحج في دين أهل الجاهلية ، فظاهر ذلك شيء مستحسن لأن المشتغل بالحج مشتغل بخدمة الله تعالى ، فوجب أن لا يتلطخ هذا العمل منه بالأطماع الدنيوية وثالثها : أن المسلمين لما علموا أنه صار كثير من المباحات محرمة عليهم في وقت الحج ، كاللبس والطيب والاصطياد والمباشرة مع الأهل غلب على ظنهم أن الحج لما صار سبباً لحرمة اللبس مع مساس الحاجة إليه فبأن يصير سبباً لحرمة التجارة مع قلة الحاجة إليها كان أولى ورابعها : عند الاشتغال بالصلاة يحرم الاشتغال بسائر الطاعات فضلاً عن المباحات فوجب أن يكون الأمر كذلك في الحج فهذه الوجوه تصلح أن تصير شبهة في تحريم الاشتغال بالتجارة عند الاشتغال بالحج ، فلهذا السبب بين الله تعالى ههنا أن التجارة جائزة غير محرمة ، فإذا عرفت هذا فنقول : المفسرون ذكروا في تفسير قوله : {أَن تَبْتَغُواْ فَضْلاً مّن رَّبّكُمْ} وجهين الأول : أن المراد هو التجارة ، ونظيره قوله تعالى : {وآخرون يضربون في الأرض يبتغون من فضل الله} [المزمل : 20] وقوله : {جَعَلَ لَكُمُ اليل والنهار لِتَسْكُنُواْ فِيهِ وَلِتَبتَغُواْ مِن فَضْلِهِ} [القصص : 73] ثم الذي يدل على صحة هذا التفسير وجهان الأول : ما روى عطاء عن ابن مسعود وابن الزبير أنهما قرآ : (أَن تَبْتَغُواْ فَضْلاً مّن رَّبّكُمْ فِى مواسم الحج) والثاني : الروايات المذكورة في سبب النزول.\r","part":4,"page":377},{"id":1696,"text":"فالرواية الأولى : قال ابن عباس : كان ناس من العرب يحترزون من التجارة في أيام الحج وإذا دخل العشر بالغوا في ترك البيع والشراء بالكلية ، وكانوا يسمون التاجر في الحج : الداج ويقولون : هؤلاء الداج ، وليسوا بالحاج ، ومعنى الداج : المكتسب الملتقط ، وهو مشتق من الدجاجة ، وبالغوا في الإحتراز عن الأعمال ، إلى أن امتنعوا عن إغاثة الملهوف ، وإغاثة الضعيف وإطعام الجائع ، فأزال الله تعالى هذا الوهم ، وبين أنه لا جناح في التجارة ، ثم أنه لما كان ما قبل هذه الآية في أحكام الحج ، وما بعدها أيضاً في الحج ، وهو قوله : {فَإِذَا أَفَضْتُم مّنْ عرفات} دل ذلك على أن هذا الحكم واقع في زمان الحج ، فلهذا السبب استغنى عن ذكره.\rوالرواية الثانية : ما روي عن ابن عمر أن رجلاً قال له إنا قوم نكري وإن قوماً يزعمون أنه لا حج لنا ، فقال : سأل رجل رسول الله صلى الله عليه وسلم عما سألت ولم يرد عليه حتى نزل قوله : {لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ} فدعاه وقال : أنتم حجاج وبالجملة فهذه الآية نزلت رداً على من يقول : لا حج للتجار والأجراء والجمالين.\rوالرواية الثالثة : أن عكاظ ومجنة وذا المجاز كانوا بتجرون في أيام الموسم فيها ، وكانت معايشهم منها ، فلما جاء الإسلام كرهوا أن يتجرون في الحج بغير إذن ، فسألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم فنزلت هذه الآية.\rوالرواية الرابعة : قال مجاهد : إنهم كانوا لا يتبايعون في الجاهلية بعرفة ولامنى ، فنزلت هذه الآية.\r","part":4,"page":378},{"id":1697,"text":"إذا ثبت صحة هذا القول فنقول : أكثر الذاهبين إلى هذا القول حملوا الآية على التجارة في أيام الحج ، وأما أبو مسلم فإنه حمل الآية على ما بعد الحج ، قال والتقدير : فاتقون في كل أفعال الحج ، ثم بعد ذلك {لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَبْتَغُواْ فَضْلاً مّن رَّبّكُمْ} ونظيره قوله تعالى : {فَإِذَا قُضِيَتِ الصلاة فانتشروا فِى الأرض وابتغوا مِن فَضْلِ الله} [الجمعة : 10].\rواعلم أن هذا القول ضعيف من وجوه أحدها : الفاء في قوله : {فَإِذَا أَفَضْتُم مّنْ عرفات} يدل على أن هذه الإفاضة حصلت بعد انتفاء الفضل ، وذلك يدل على وقوع التجارة في زمان الحج وثانيها : أن حمل الآية على موضع الشبهة أولى من حملها لاعلى موضع الشبهة ومعلوم أن محل الشهبة هو التجارة في زمن الحج ، فأما بعد الفراغ من الحج فكل أحد يعلم حل التجارة.\rأما ما ذكره أبو مسلم من قياس الحج على الصلاة فجوابه : أن الصلاة أعمالها متصلة فلا يصح في أثنائها التشاغل بغيرها ، وأما أعمال الحج فهي متفرقة بعضها عن بعض ، ففي خلالها يبقى المرء على الحكم الأول حيث لم يكن حاجاً لا يقال : بل حكم الحج باق في كل تلك الأوقات ، بدليل أن حرمة التطيب واللبس وأمثالهما باقية ، لأنا نقول : هذا قياس في مقابلة النص فيكون ساقطاً.\rالقول الثالث : أن المراد بقوله تعالى : {أَن تَبْتَغُواْ فَضْلاً مّن رَّبّكُمْ} هو أن يبتغي الإنسان حال كونه حاجاً أعمالاً أخرى تكون موجبة لاستحقاق فضل الله ورحمته مثل إعانة الضعيف ، وإغاثة الملهوف ، وإطعام الجائع ، وهذا القول منسوب إلى أبي جعفر محمد بن علي الباقر عليهم السلام ، واعترض القاضي عليه بأن هذا واجب أو مندوب ، ولا يقال في مثله : لا جناح عليكم فيه ، وإنما يذكر هذا اللفظ في المباحات.\r","part":4,"page":379},{"id":1698,"text":"والجواب : لا نسلم أن هذا اللفظ لا يذكر إلا في المباحات والدليل عليه قوله تعالى : {فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَقْصُرُواْ مِنَ الصلاة} [النساء : 101] والقصر بالاتفاق من المندوبات ، وأيضاً فأهل الجاهلية كانوا يعتقدون أن ضم سائر الطاعات إلى الحج يوقع خللاً في الحج ونقصاً فيه ، فبين الله تعالى أن الأمر ليس كذلك بقوله : {لا جناح عَلَيْكُمْ }. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 5 صـ 146 ـ 147}\rكلام نفيس فى هذا الموضع لصاحب البحر المديد\rقال رحمه الله : \r{ ليس عليكم جناح} أي : إثم أو ميل عن الصواب ، في {أن تبتغوا فضلاً من ربكم} أي : عطاء ورزقاً تستفيدونه من التجارة في مواسم حجكم ، إذا خلَصَتْ نيتكم ، وغلب قصدُ الحج على التجارة.\rوها هنا قاعدةٌ ذكرها الغزالي في الإحياء وحاصلها : أن العمل إذا تمحَّض لغير الله فهو سبب المقت والعقاب ، وإذا تمحض الله خالصاً فهو سبب القرب والثواب ، وإذا امتزج بشوْب من الرياء أو حظوظ النفس فينظر إلى الغالب وقوة الباعث ؛ فإن كان باعث الحظ أغلب ، سقط ، وكان إلى العقوبة أقرب ، لكن عقوبته أخف ممن تجرد لغير الله ، وإن كان باعث التقرب أغلب ، حُط منه بقدر ما فيه من باعث الحظ ، وإن تساوي تقاوماً وتساقطاً وصار العمل لا له ولا عليه.\rثم قال : ويشهد لهذا إجماعُ الأمة على أن مَنْ خرج حاجّاً ومعه تجارة صحَّ حجه وأُثيب عليه. ثم قال : والصواب أنْ يقال : مهما كان الحج هو المحرّك الأصلي ، وكان غرضُ التجارة كالتابع ، فلا ينفك نفس السفر عن ثواب ، ثم طُرِّد هذا الاعتبار في الجهاد باعتبار الغنيمة ، يعني : يُنْظر لغالب الباعث وخُلوص القصد ، وكذلك الصوم للحِمْية والثواب ، ينظر لغالب الباعث.\rقلت : وتطَّرد هذه القاعدة في المعاملات كلها ، وجميع الحركات والسكنات والحِرَف وسائر الأسباب ، فالخالص من الحظوظ مقبول ، والمتمحض للحظوظ مردود ، والمَشُوب يُنظر للغالب كما تقدم.","part":4,"page":380},{"id":1699,"text":"وقد ذكر شيخ المشايخ سيدي أبو الحسن الشاذلي رضي الله عنه قاعدة أخرى أدقّ من هذه فقال : إذا أكرم الله عبداً في حركاته وسكناته ، نصَب له العبودية لله وستر عنه حظوظ نفسه ، وجعله يتقلّب في عبوديته ، والحظوظ عنه مستورة ، مع جَرْي ما قُدِّر له ، ولا يلتفت إليها ؛ لأنها في معزل عنه ، وإذا أهان الله عبداً في حركاته وسكناته ، نصب له حظوظ نفسه ، وستر عنه عبوديته ، فهو يتقلّب في شهواته ، وعبودية الله عنه بمعزلِ ، وإن كان يجري عليه شيء منها في الظاهر ، قال : وهذا باب من الولاية والإهانة. أ هـ {البحر المديد حـ 1 صـ 160}\rفائدة\rاتفقوا على أن التجارة إذا أوقعت نقصاناً في الطاعة لم تكن مباحة ، أما إن لم توقع نقصاناً ألبتة فيها فهي من المباحات التي الأولى تركها ، لقوله تعالى : {وَمَا أُمِرُواْ إِلاَّ لِيَعْبُدُواْ الله مُخْلِصِينَ لَهُ الدين} [البينه : 5] والإخلاص أن لا يكون له حامل على الفعل سوى كونه عبادة ، وقال عليه السلام حكاية عن الله تعالى : \" أنا أغنى الأغنياء عن الشرك ، من عمل عملاً أشرك فيه غيري تركته وشركه \" والحاصل أن الإذن في هذه التجارة جار مجرى الرخص. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 5 صـ 147}\rفائدة\rقوله \" مِّن رَّبِّكُمْ \" دليل على أنّ المراد التجارة بالمال الحلال أما الحرام فلا.\rقيل لابن عرفة : كله من الله ؟ فقال : أما باعتبار القدرة فنعم ، وأمّا باعتبار الإذن فلا ، والآية خرجت مخرج الإذن ورفع الحرج. أ هـ {تفسير ابن عرفة صـ 253}\rقوله تعالى : {فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ}\rالمناسبة\rقال البقاعى : ","part":4,"page":381},{"id":1700,"text":"ولما كان الاستكثار من المال إنما يكره للشغل عن ذكر الله سبب عنه الآمر بالذكر في قوله {فإذا} أي فاطلبوا الفضل من ربكم بالمتجر {أفضتم} أي أوقعتم الإفاضة ، ترك مفعوله للعلم به أي دفعتم ركابكم عند غروب الشمس ففاضت في تلك الوهاد كما يفيض الماء المنساب في منحدر الشعاب ، وأصل الإفاضة الدفع بكثرة {من عرفات} الجبل الذي وقفتم فيه بباب ربكم الموقف الأعظم الذي لا يدرك الحج إلا به من معنى التعرف لما تقدمته نكرة ، وليست تاؤه للتأنيث فتمنعه الصرف بل هي علامة جمع المؤنث ، قاصدي المبيت بالمزدلفة ، وهو علم على الموقف سمي بجمع {فاذكروا الله} ذا الجلال لذاته بأنواع الذكر {عند} أي قريباً من {المشعر} أي المعلم ولما كان بالحرم ، قال : {الحرام} وهو الجبل المسمى قزح ، وهو من الشعور وهو خفي الإدراك الباطن فالموقف الأول آية على نغوض الدنيا ومحوها وزوالها ، والثاني دال بفجره وشمسه على البعث لمجازاة الخلائق بأعمالها ؛ والتعبير بعند للإعلام بأن مزدلفة كلها موقف غير محسر فإنها كلها تقاربه ، ويفهم ذلك صحة الوقوف عليه بطريق الأولى. قال الحرالي : وذلك حظ من الوقوف هنيهة وقت في البلد الحرام عند إقبال النهار معادلة للوقوف بعرفة من الحل إلى إقبال الليل ليتثنى الوقوف في الحل والحرم. فكان فيه موقف نهار ينتهي إلى الليل في عرفة وموقف ليل ينتهي إلى النهار في المشعر ؛ فوقف فيه صلى الله عليه وسلم بعد صلاة الفجر وقبل طلوع الشمس ، وهو ذكره عنده ، لأن الذكر بحسب الذاكر ، فذكر اللسان القول ، وذكر البدن العمل ، وذكر النفس الحال والانفعال ، وذكر القلب المعرفة والعلم واليقين ونحو ذلك ، ولكل شيء ذكر بحسبه ؛ وفي جمع الموقفين في الحل والحرم في معلم الحج الذي هو آية الحشر إيذان وبشرى بأن أهل الموقف صنفان : صنف يقفون في موطن روع ومخافة وقوفاً طويلاً اعتباراً بوقوف الواقفين بعرفة من حين زوال الشمس إلى غروبها ست","part":4,"page":382},{"id":1701,"text":"ساعات ، وصنف حظهم من الوقوف قرار في أمنة ظل العرش الذي هو حرم يوم القيامة وكعبته فتشعر خفة الوقوف بالمشعر الحرام أن أمد طول ذلك اليوم يمر على المستظلين بظل العرش فيه كأيسر مدة كما قال عليه الصلاة والسلام بمقدار صلاة مكتوبة ، فكان في ذلك فضل ما بين موقف الحرم على موقف الحل - انتهى.\rأ هـ {نظم الدرر حـ 1 صـ 377}\rفائدة لغوية\rالإفاضة هنا : الخروج بسرعة وأصلها من فاض الماء إذا كثر على ما يحويه فبرز منه وسالَ ؛ ولذلك سموا إحالة القِداح في المَيْسر إفَاضَةً والمجيلَ مُفيضاً ، لأنه يُخْرِج القِدَاح من الرِّبَابَة بقوة وسرعة أي بدون تَخَيُّر ولا جَسَ لينظر القدح الذي يخرج ، وسمَّوا الخروج من عرفة إفاضة لأنهم يخرجون في وقت واحد وهم عدد كثير فتكون لخروجهم شدة ، والإفاضة أطلقت في هاته الآية على الخروج من عرفة والخروج من مزدلفة.\rوالعرب كانوا يسمون الخروج من عرفة الدَّفْع ، ويسمون الخروج من مزدلفة إفاضة ، وكلا الإطلاقين مجاز ؛ لأن الدفع هو إبعاد الجسم بقوة ، ومن بلاغة القرآن إطلاق الإفاضة على الخروجين ؛ لما في أفاض من قرب المشابهة من حيث معنى الكثرة دون الشدة. ولأن في تجنُّب دَفَعْتُم تجنباً لتوهم السامعين أن السير مشتمل على دفععِ بعض الناس بعضاً ؛ لأنهم كانوا يجعلون في دفعهم ضَوْضَاء وجلبة وسرعةَ سير فنهاهم النبي صلى الله عليه وسلم عن ذلك في حجة الوداع وقال : \" ليس البِرُّ بالإيضَاع فإذا أفضتم فعليكم بالسَّكينة والوَقَار \".أ هـ {التحرير والتنوير حـ 2 صـ 238}\rقال الفخر : ","part":4,"page":383},{"id":1702,"text":"اعلم أن اليوم الثامن من ذي الحجة يسمى بيوم التروية ، واليوم التاسع منه يسمى بيوم عرفة ، وذلك الموضع المخصوص سمي بعرفات ، وذكروا في تعليل هذه الأسماء وجوهاً أما يوم التروية ففيه قولان أحدهما : من روي يروي تروية ، إذا تفكر وأعمل فكره ورويته والثاني : من رواه من الماء يرويه إذا سقاه من عطش أما الأول : ففيه ثلاثة أقوال أحدها : أن آدم عليه السلام أمر ببناء البيت ، فلما بناه تفكر فقال : رب إن لكل عامل أجراً فما أجري على هذا العمل ؟ قال : إذا طفت به غفرت لك ذنوبك بأول شوط من طوافك ، قال : يا رب زدني قال : أغفر لأولادك إذا طافوا به ، قال : زدني قال : أغفر لكل من استغفر له الطائفون من موحدي أولادك ، قال : حسبي يا رب حسبي وثانيها : أن إبراهيم عليه السلام رأى في منامه ليلة التروية كأنه يذبح ابنه فأصبح مفكراً هل هذا من الله تعالى أو من الشيطان ؟ فلما رآه ليلة عرفة يؤمر به أصبح فقال : عرفت يا رب أنه من عندك وثالثها : أن أهل مكة يخرجون يوم التروية إلى منى فيروون في الأدعية التي يريدون أن يذكروها في غدهم بعرفات.\rأما القول الثاني : وهو اشتقاقه من تروية الماء ، ففيه ثلاثة أقوال : أحدها : أن أهل مكة كانوا يخفون الماء للحجيج الذين يقصدونهم من الآفاق ، وكان الحجاج يستريحون في هذا اليوم من مشاق السفر ، ويتسعون في الماء ، ويروون بهائمهم بعد مقاساتهم قلة الماء في طريقهم والثاني : أنهم يتزودون الماء إلى عرفة والثالث : أن المذنبين كالعطاش الذي وردوا بحار رحمة الله فشربوا منها حتى رووا\rوأما يوم عرفة فله عشرة أسماء ، خمسة منها مختصة به ، وخمسة مشتركة بينه وبين غيره ، أما الخمسة الأولى فأحدها : عرفة ، وفي اشتقاقه ثلاثة أقوال : ","part":4,"page":384},{"id":1703,"text":"أحدها : أنه مشتق من المعرفة ، وفيه ثمانية أقوال الأول : قول ابن عباس : إن آدم وحواء التقيا بعرفة فعرف أحدهما صاحبه فسمى اليوم عرفة ، والموضع عرفات ، وذلك أنهما لما أهبطا من الجنة وقع آدم بسرنديب ، وحواء بجدة ، وإبليس بنيسان ، والحية بأصفهان ، فلما أمر الله تعالى آدم بالحج لقي حواء بعرفات فتعارفا\rوثانيها : أن آدم علمه جبريل مناسك الحج ، فلما وقف بعرفات قال له : أعرفت ؟ قال نعم ، فسمى عرفات\rوثالثها : قول علي وابن عباس وعطاء والسدي : سمي الموضع عرفات لأن إبراهيم عليه السلام عرفها حين رآها بما تقدم من النعت والصفة\rورابعها : أن جبريل كان علم إبراهيم عليه السلام المناسك ، وأوصله إلى عرفات ، وقال له : أعرفت كيف تطوف وفي أي موضع تقف ؟ قال نعم\rوخامسها : أن إبراهيم عليه السلام وضع ابنه إسماعيل وأمه هاجر بمكة ورجع إلى الشام ولم يلتقيا سنين ، ثم التقيا يوم عرفة بعرفات\rوسادسها : ما ذكرناه من أمر منام إبراهيم عليه السلام\rوسابعها : أن الحجاج يتعارفون فيه بعرفات إذا وقفوا\rوثامنها : أنه تعالى يتعرف فيه إلى الحاج بالمغفرة والرحمة.\rالقول الثاني : في اشتقاق عرفة أنه من الاعتراف لأن الحجاج إذا وقفوا في عرفة اعترفوا للحق بالربوبية والجلال والصمدية والاستغناء ولأنفسهم بالفقر والذلة والمسكنة والحاجة ويقال : إن آدم وحواء عليهما السلام لما وقفا بعرفات قالا : ربنا ظلمنا أنفسنا ، فقال الله سبحانه وتعالى الآن عرفتما أنفسكما.","part":4,"page":385},{"id":1704,"text":"والقول الثالث : أنه من العرف وهو الرائحة الطيبة قال تعالى : {يُدْخِلُهُمُ الجنة عَرَّفَهَا لَهُمْ} [محمد : 6] أي طيبها لهم ، ومعنى ذلك أن المذنبين لما تابوا في عرفات فقد تخلصوا عن نجاسات الذنوب ، ويكتسبون به عند الله تعالى رائحة طيبة ، قال عليه الصلاة والسلام : \" خلوف فم الصائم عند الله أطيب من ريح المسك \" الثاني : يوم إياس الكفار من دين الإسلام الثالث : يوم إكمال الدين الرابع : يوم إتمام النعمة الخامس : يوم الرضوان ، وقد جمع الله تعالى هذه الأشياء في أربع آيات ، في قوله : {اليوم يَئِسَ الذين كَفَرُواْ مِن دِينِكُمْ} [المائدة : 3] الآية ، قال عمر وابن عباس : نزلت هذه الآية عشية عرفة ، وكان يوم الجمعة والنبي صلى الله عليه وسلم واقف بعرفة في موقف إبراهيم عليه السلام ، وذلك في حجة الوداع ، وقد اضمحل الكفر ، وهدم بنيان الجاهلية ، فقال عليه الصلاة والسلام : \" لو يعلم الناس ما لهم في هذه الآية لقرت أعينهم \" فقال يهودي لعمر : لو أن هذه الآية نزلت علينا لاتخذنا ذلك اليوم عيداً فقال عمر : أما نحن فجعلناه عيدين ، كان يوم عرفة ويوم الجمعة فأما معنى : إياس المشركين : فهو أنهم يئسوا من قوم محمد عليه الصلاة والسلام أن يرتدوا راجعين إلى دينهم ، فأما معنى إكمال الدين فهو أنه تعالى ما أمرهم بعد ذلك بشيء من الشرائع ، وأما إتمام النعمة فأعظم النعم نعمة الدين ، لأن بها يستحق الفوز بالجنة والخلاص من النار ، وقد تمت في ذلك اليوم وكذلك قال في آية الوضوء {وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرونَ} [المائدة : 6] ولما جاء البشير وقدم على يعقوب ، قال : على أي دين تركت يوسف ؟ قال : على دين الإسلام قال : الآن تمت النعمة ، وأما معنى الرضوان فهو أنه تعالى رضي بدينهم الذي تمسكوا به وهو الإسلام فهي بشارة بشرهم بها في ذلك اليوم فلا يوم أكمل من اليوم الذي بشرهم فيه بإكمال الدين ، ","part":4,"page":386},{"id":1705,"text":"وقيل : هذا اليوم يوم صلة الواصلين {اليوم أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِى} [المائدة : 3] ويوم قطيعة القاطعين {أَنَّ الله بَرِىء مّنَ المشركين وَرَسُولُهُ} [التوبة : 3] ويوم إقالة عثر النادمين وقبول توبة التائبين {رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنفُسَنَا} [الأعراف : 23] فكما تاب برحمته على آدم فيه فكذلك يتوب على أولاده {وَهُوَ الذى يَقْبَلُ التوبة عَنْ عِبَادِهِ} [الشورى : 25] وهو أيضاً يوم وفد الوافدين {وَأَذّن فِى الناس بالحج يَأْتُوكَ رِجَالاً} [الحج : 27] وفي الخبر \" الحجاج وفد الله ، والحجاج زوار الله وحق على المزور الكريم أن يكرم زائره \"\rوأما الأسماء الخمسة الأخرى ليوم عرفة فأحدها : يوم الحج الأكبر قال الله تعالى : {وَأَذَانٌ مّنَ الله وَرَسُولِهِ إِلَى الناس يَوْمَ الحج الأكبر} [التوبة : 3] وهذا الاسم مشترك بين عرفة والنحر ، واختلف الصدر الأول من الصحابة والتابعين فيه ، فمنهم من قال : إنه عرفة ، وسمي بذلك لأنه يحصل فيه الوقوف بعرفات والحج عرفة إذا لو أدركه وفاته سائر مناسك الحج أجزأ عنها الدم ، فلهذا السبب سمي بالحج الأكبر قال الحسن : سمي به لأنه اجتمع فيه الكفار والمسلمون ، ونودي فيه أن لا يحج بعده مشرك ، وقال ابن سيرين : إنما سمي به لأنه اجتمع فيه أعياد أهل الملل كلها من اليهود والنصارى وحج المسلمون ولم يجتمع قبله ولا بعده ، ومنهم من قال : إنه يوم النحر لأنه يقع فيه أكثر مناسك الحج ، فأما الوقوف فلا يجب في اليوم بل يجزىء في الليل وروى القولان جميعاً عن علي وابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم ، وثانيها : الشفع وثالثها : الوتر ورابعها : الشاهد وخامسها : المشهود في قوله : {وشاهد وَمَشْهُودٍ} [البروج : 3] وهذه الأسماء فسرناها في هذه الآية. (1)\rأ هـ {مفاتيح الغيب حـ 5 صـ 148 ـ 149}\r__________________\r(1) بعض الأقوال فى سبب تسمية عرفة بهذا الاسم يحتاج إلى سند كالذى نسب إلى آدم وحواء وإبراهيم ـ عليهم السلام جميعا من الله تعالى ـ والله أعلم.","part":4,"page":387},{"id":1706,"text":"فائدة\rذِكر (عرفات) باسمه تنويه به يدل على أن الوقوف به ركن فلم يُذكر من المناسك باسمه غير عرفة والصفا والمروة ، وفي ذلك دلالة على أنهما من الأركان ، خلافاً لأبي حنيفة في الصفا والمروة ، ويؤخذ ركن الإحرام من قوله : {فمن فرض فيهن الحج} [البقرة : 197] ، وأما طواف الإفاضة فثبت بالسنة وإجماع الفقهاء. أ هـ {التحرير والتنوير حـ 2 صـ 239}\rسؤال : فإن قيل : هلا منعت الصرف وفيها السببان : العلمية والتأنيث أجيب : بأن التأنيث لا يخلو : إما أن يكون بالتاء التي في لفظها وأما بتاء مقدرة كما في سعاد فالتي في لفظها ليست للتأنيث ، وإنما هي مع الألف التي قبلها علامة جمع التأنيث ولا يصح تقدير التاء فيها لأنّ هذه التاء لاختصاصها بجمع المؤنث مانعة من تقديرها كما ، لا تقدر تاء التأنيث في بنت لأن التاء التي فيها هي بدل من الواو لاختصاصها بالمؤنث كتاء التأنيث فأبت تقديرها ، وفي الآية دليل على وجوب الوقوف بعرفة لأنّ إذا تدل على أنّ المذكور بعدها محقق لا بدّ منه ، فكأنه قيل بعد إفاضتكم من عرفات التي لا بدّ منها اذكروا الله ، والإفاضة من عرفات لا تكون إلا بعد الوقوف بها ، فوجب أن يكون الوقوف بها واجباً ، وعن النبيّ صلى الله عليه وسلم \"الحج عرفة فمن أدرك عرفة فقد أدرك الحج\". أ هـ {السراج المنير حـ 1 صـ 208}\r{ المشعر} المعلم وأصله من قولك : شعرت بالشيء إذا علمته ، وليت شعري ما فعل فلان ، أي ليت علمي بلغه وأحاط به ، وشعار الشيء أعلامه ، فسمى الله تعالى ذلك الموضع بالمشعر الحرام ، لأنه معلم من معالم الحج ، ثم اختلفوا فقال قائلون : المشعر الحرام هو المزدلفة ، وسماها الله تعالى بذلك لأن الصلاة والمقام والمبيت به والدعاء عنده ، هكذا قاله الواحدي في \"البسيط\" قال صاحب \"الكشاف\" : الأصح أنه قزح ، وهو آخر حد المزدلفة والأول أقرب لأن الفاء في قوله : {فاذكروا الله عِندَ المشعر الحرام} تدل على أن الذكر عند المشعر الحرام يحصل عقيب الإفاضة من عرفات ، وما ذاك إلا بالبيتوتة بالمزدلفة.\rأ هـ {مفاتيح الغيب حـ 5 صـ 152}\rفائدة\r( المشعر) اسم مشتق من الشعور أي العِلْم ، أو من الشِّعَار أي العَلاَمة ، لأنه أقيمت فيه علامة كالمنار من عهد الجاهلية ، ولعلهم فعلوا ذلك لأنهم يدفعون من عرفات آخر المساء فيدركهم غبسُ ما بعد الغروب وهم جماعات كثيرة فخشوا أن يضلوا الطريق فيضيق عليهم الوقت.\rأو وصف المشعر بوصف (الحَرام) لأنه من أرض الحرم بخلاف عرفات.\rأ هـ {التحرير والتنوير حـ 2 صـ 240}\rقال الثعالبى : \rوقوله تعالى : {فَإِذَا أَفَضْتُم مّنْ عرفات} : أجمع أهْل العْلمِ على تمامِ حجِّ من وقف بعرفاتٍ بعد الزوال ، وأفاض نهاراً قبل الليل إِلا مالك بن أنس ، فإِنه قال : لا بدَّ أن يأخذ من الليل شيئاً ، وأمَّا من وقف بعرفة ليلاً ، فلا خلافَ بيْن الأمَّة في تمام حَجِّه.","part":4,"page":388},{"id":1707,"text":"وأفاض القومُ أو الجيشُ ، إِذا اندفعوا جملةً ، واختلف في تسميتها عرفةَ ، والظاهر أنه اسم مرتجلٌ ؛ كسائر أسماء البقاع ، وعرفةُ هي نَعْمَانُ الأَرَاكِ ، والمَشْعَر الحَرَامُ جمعٌ كله ، وهو ما بين جبلَيِ المزدَلِفَةِ من حَدِّ مفضى مَأْزِمَي عرفَةَ إِلى بطن مُحَسِّرٍ ، قاله ابن عبَّاس وغيره ، فهي كلُّها مشعر إِلا بطن مُحَسِّرٍ ؛ كما أن عرفة كلُّها موقف إِلا بطن عُرَنَةَ بفتح الراء وضمها ، وروي عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم ؛ أنَّهُ قَالَ : \" عَرَفَةُ كُلُّهَا مَوْقِفٌ إِلاَّ بَطْنَ عُرَنَةَ ، والمُزْدَلِفَةُ كُلُّهَا مَشْعرٌ ، أَلاَ وارتفعوا عَنْ بَطْنِ مُحَسِّرٍ \" ، وذكر هذا عبد اللَّه بن الزُّبَيْرِ في خطبته ، وذِكْرُ اللَّه تعالى عند المشعر الحرام ندْبٌ عند أهل العلْم ، قال مالك : ومن مَرَّ به ، ولم ينزلْ ، فعليه دَمٌ. أ هـ {الجواهر الحسان حـ 1 صـ 157}\rفائدة\rوفي تسمية المزدلفة أقوال : \rأحدها : أنهم يقربون فيها من منى والازدلاف القرب\rوالثاني : أن الناس يجتمعون فيها والاجتماع الازدلاف\rوالثالث : أنهم يزدلفون إلى الله تعالى أي يتقربون بالوقوف ويقال للمزدلفة : جمع لأنه يجمع فيها بين صلاة العشاء والمغرب ، وهذا قول قتادة ، وقيل إن آدم عليه السلام اجتمع فيها مع حواء ، وازدلف إليها أي دنا منها. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 5 صـ 152}\rفصل فى في فضل يوم عرفة\rقال القرطبى : \rيوم عرفة فضله عظيم وثوابه جسيم ، يكفّر الله فيه الذنوب العظام ، ويضاعف فيه الصالح من الأعمال ؛ قال صلى الله عليه وسلم : \" صوم يوم عرفة يكفر السنة الماضية والباقية \" أخرجه في الصحيح. وقال صلى الله عليه وسلم : \" أفضل الدعاء دعاء يوم عرفة وأفضل ما قلت أنا والنبيّون من قبلي لا إله إلا الله وحده لا شريك له \"","part":4,"page":389},{"id":1708,"text":"وروى الدّارَقُطْنِيّ عن عائشة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : \" ما من يوم أكثرَ أن يُعتق الله فيه عدداً من النار من يوم عرفة وإنه ليدنو عز وجل ثم يُباهِي بهم الملائكة يقول ما أراد هؤلاء \" وفي الموطأ عن عبيد الله بن كَرِيز أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : \" ما رؤي الشيطان يوماً هو فيه أصغر ولا أَحْقَر ولا أَدْحَر ولا أغيظ منه في يوم عرفة وما ذاك إلا لما رأى من تنزُّل الرحمة وتجاوز الله عن الذنوب العظام إلا ما رأى يوم بدر\". قيل : وما رأى (يوم بدر) يا رسول الله ؟ قال : \"أمَا إنه قد رأى جبريل يَزَع الملائكة \" قال أبو عمر : روى هذا الحديث أبو النضر إسماعيل بن إبراهيم العجلي عن مالك عن إبراهيم بن أبي عَبْلَة عن طلحة بن عبيد الله بن كَرِيز عن أبيه ، ولم يقل في هذا الحديث عن أبيه غيره وليس بشيء ، والصواب ما في الموطأ. وذكر الترمذي الحكيم في نوادر الأصول : حدّثنا حاتم بن نعيم التميمي أبو روح قال حدّثنا هشام بن عبد الملك أبو الوليد الطيالسي قال حدّثنا عبد القاهر بن السري السّلمي قال حدّثني ابن لكنانة بن عباس بن مرداس عن أبيه عن جدّه عباس بن مرداس \" أن رسول الله صلى الله عليه وسلم دعا لأمته عشيّةَ عرفة بالمغفرة والرحمة ، وأكثر الدعاء فأجابه : إني قد فعلت إلا ظلم بعضهم بعضاً فأما ذنوبهم فيما بيني وبينهم فقد غفرتها. قال : \"يا رب إنك قادر أن تثيب هذا المظلوم خيراً من مظلمته وتغفر لهذا الظالم\" فلم يجبه تلك العشِيّة ؛ فلما كان الغداة غداة المزدلفة اجتهد في الدعاء فأجابه : إني قد غفرت لهم ، فتبسم رسول الله صلى الله عليه وسلم ؛ فقيل له : تبسمْتَ يا رسول الله في ساعة لم تكن تتبسم فيها ؟ فقال : \"تبسمت من عدوّ الله إبليس إنه لما علم أن الله قد استجاب لي في أمتي أهوى يدعو بالويل والثُّبور وَيحْثي التراب على رأسه وَيفِرّ\" \" وذكر أبو عبد الغني الحسن بن علي حدثنا عبد الرزاق حدّثنا","part":4,"page":390},{"id":1709,"text":"مالك عن أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : \" إذا كان يوم عرفة غفر الله للحاج الخالص وإذا كان ليلة المزدلفة غفر الله للتجار وإذا كان يوم منىً غفر الله للجمالين وإذا كان يوم جمرة العقبة غفر الله للسُّؤّال ولا يشهد ذلك الموقف خلق ممن قال لا إله إلا الله إلا غفر له \" قال أبو عمر : هذا حديث غريب من حديث مالك ، وليس محفوظاً عنه إلا من هذا الوجه ؛ وأبو عبد الغني لا أعرفه ، وأهل العلم ما زالوا يسامحون أنفسهم في روايات الرغائب والفضائل عن كل أحد ، وإنما كانوا يتشدّدون في أحاديث الأحكام. أ هـ {تفسير القرطبى حـ 2 صـ 420}\rفصل\rاعلم أن أهل الجاهلية كانوا قد غيروا مناسك الحج عن سنة إبراهيم عليه السلام ، وذلك أن قريشاً وقوماً آخرين سموا أنفسهم بالحمس ، وهم أهل الشدة في دينهم ، والحماسة الشدة يقال : رجل أحمس وقوم حمس ، ثم إن هؤلاء كانوا لا يقفون في عرفات ، ويقولون لا نخرج من الحرم ولا نتركه في وقت الطاعة وكان غيرهم يقفون بعرفة والذين كانوا يقفون بعرفة يفيضون قبل أن تغرب الشمس ، والذي يقفون بمزدلفة يفيضون إذا طلعت الشمس ، ويقولون : أشرق ثبير كيما نغير ، ومعناه : أشرق يا ثبير بالشمس كيما نندفع من مزدلفة فيدخلون في غور من الأرض ، وهو المنخفض منها ، وذلك أنهم جاوزوا المزدلفة وصاروا في غور من الأرض ، فأمر الله تعالى محمداً عليه الصلاة والسلام بمخالفة القوم في الدفعتين ، وأمره بأن يفيض من عرفة بعد غروب الشمس ، وبأن يفيض من المزدلفة قبل طلوع الشمس ، والآية لا دلالة فيها على ذلك ، بل السنة دلت على هذه الأحكام.أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 5 صـ 151}\rفصل\rاختلفوا في الذكر المأمور به عند المشعر الحرام فقال بعضهم : المراد منه الجمع بين صلاتي المغرب والعشاء هناك والصلاة تسمى ذكراً قال الله تعالى : {وأقم الصلاة لذكري} [طه : 14] والدليل عليه أن قوله : {فاذكروا الله عِندَ المشعر الحرام} أمر وهو للوجوب ، ولا ذكر هناك يجب إلا هذا ، وأما الجمهور فقالوا : المراد منه ذكر الله بالتسبيح والتحميد والتهليل ، وعن ابن عباس أنه نظر إلى الناس في هذه الليلة وقال : كان الناس إذا أدركوا هذه الليلة لا ينامون. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 5 صـ 151}","part":4,"page":391},{"id":1710,"text":"فائدة\rقال السعدى : \rوفي قوله : {فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ} دلالة على أمور : \rأحدها : الوقوف بعرفة ، وأنه كان معروفا أنه ركن من أركان الحج ، فالإفاضة من عرفات ، لا تكون إلا بعد الوقوف.\rالثاني : الأمر بذكر الله عند المشعر الحرام ، وهو المزدلفة ، وذلك أيضا معروف ، يكون ليلة النحر بائتا بها ، وبعد صلاة الفجر ، يقف في المزدلفة داعيا ، حتى يسفر جدا ، ويدخل في ذكر الله عنده ، إيقاع الفرائض والنوافل فيه.\rالثالث : أن الوقوف بمزدلفة ، متأخر عن الوقوف بعرفة ، كما تدل عليه الفاء والترتيب.\rالرابع ، والخامس : أن عرفات ومزدلفة ، كلاهما من مشاعر الحج المقصود فعلها ، وإظهارها.\rالسادس : أن مزدلفة في الحرم ، كما قيده بالحرام.\rالسابع : أن عرفة في الحل ، كما هو مفهوم التقييد بـ \"مزدلفة \"أ هـ {تفسير السعدى صـ 92}\rقوله تعالى : {وَاذْكُرُوهُ كَمَا هَدَاكُمْ وَإِنْ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الضَّالِّينَ}\rالمناسبة\rقال البقاعى : \rولما - علم من ذكر الاسم الأعظم أن التقدير : كما هو مستحق للذكر لذاته ، عطف عليه قوله {واذكروه} أي عند المشعر وغيره {كما} أي على ما ولأجل ما {هداكم} أيها الناس كافة للإسلام وأيها الخمس خاصة لترك الوقوف به والوقوف مع الناس في موقف أبيكم إبراهيم عليه الصلاة والسلام. ولما كان التقدير : فإنه بين لكم بياناً لم يبينه لأحد كان قبلكم ووفقكم للعمل عطف عليه قوله : {وإن} أي فإنكم {كنتم} ولما كانوا قبل عمرو بن لُحَيّ على هدى فكان منهم بعد ذلك المهتدي كزيد ابن عمرو وورقة بن نوفل فلم يستغرق زمانهم بالضلال أثبت الجار فقال : {من قبله} أي الهدى الذي جاءكم به محمد صلى الله عليه وسلم {لمن الضآلين} عن سنن الهدى ومواقف الأنبياء علماً وعملاً حيث كنتم تفيضون من المشعر الحرام. أ هـ {نظم الدرر حـ 1 صـ 377 ـ 378}\rأسئلة وأجوبة للعلامة الفخر\rقال رحمه الله : \rأما قوله تعالى : {واذكروه كَمَا هَدَاكُمْ} ففيه سؤالات : \rالسؤال الأول : لما قال : {اذكروا الله عِندَ المشعر الحرام} فلم قال مرة أخرى {واذكروه} وما الفائدة في هذا التكرير ؟ .","part":4,"page":392},{"id":1711,"text":"والجواب من وجوه أحدها : أن مذهبنا أن أسماء الله تعالى توقيفية لا قياسية فقوله أولاً : {اذكروا الله} أمر بالذكر ، وقوله ثانياً : {واذكروه كَمَا هَدَاكُمْ} أمر لنا بأن نذكره سبحانه بالأسماء والصفات التي بينها لنا وأمرنا أن نذكره بها ، لا بالأسماء التي نذكرها بحسب الرأي والقياس وثانيها : أنه تعالى أمر بالذكر أولاً ، ثم قال ثانياً : {واذكروه كَمَا هَدَاكُمْ} أي وافعلوا ما أمرناكم به من الذكر كما هداكم الله لدين الإسلام ، فكأنه تعالى قال : إنما أمرتكم بهذا الذكر لتكونوا شاكرين لتلك النعمة ، ونظيره ما أمرهم به من التكبير إذا أكملوا شهر رمضان ، فقال : {وَلِتُكْمِلُواْ العدة وَلِتُكَبّرُواْ الله على مَا هَدَاكُمْ} [البقرة : 185] وقال في \"الأضاحي\" : {كذلك سَخَّرَهَا لَكُمْ لِتُكَبّرُواْ الله على مَا هَدَاكُمْ }\r","part":4,"page":393},{"id":1712,"text":"[ الحج : 37] وثالثها : أن قوله أولاً : {فاذكروا الله عِندَ المشعر الحرام} أمر بالذكر باللسان وقوله ثانياً : {واذكروه كَمَا هَدَاكُمْ} أمر بالذكر بالقلب ، وتقريره أن الذكر في كلام العرب ضربان أحدهما : ذكر هو ضد النسيان والثاني : الذكر بالقول ، فما هو خلاف النسيان قوله : {وَمَا أَنْسَانِيهُ إِلاَّ الشيطان أَنْ أَذْكُرَهُ} [الكهف : 63] وأما الذكر الذي هو القول فهو كقوله : {فاذكروا الله كَذِكْرِكُمْ ءابَاءكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْرًا} [البقرة : 200] {واذكروا الله فِى أَيَّامٍ معدودات} [البقرة : 203] فثبت أن الذكر وارد بالمعنيين فالأول : محمول على الذكر باللسان والثاني : على الذكر بالقلب ، فإن بهما يحصل تمام العبودية ورابعها : قال ابن الأنباري : معنى قوله : {واذكروه كَمَا هَدَاكُمْ} يعني اذكروه بتوحيده كما ذكركم بهدايته وخامسها : يحتمل أن يكون المراد من الذكر مواصلة الذكر ، كأنه قيل لهم : اذكروا الله واذكروه أي اذكروه ذكراً بعد ذكر ، كما هداكم هداية بعد هداية ، ويرجع حاصله إلى قوله : {ياأيها الذين ءامَنُواْ اذكروا الله ذِكْراً كَثِيراً} [الأحزاب : 41] وسادسها : أنه تعالى أمر بالذكر عند المشعر الحرام ، وذلك إشارة إلى القيام بوظائف الشريعة ، ثم قال بعده : {واذكروه كَمَا هَدَاكُمْ} والمعنى أن توقيف الذكر على المشعر الحرام فيه إقامة لوظائف الشريعة ، فإذا عرفت هذا قربت إلى مراتب الحقيقة ، وهو أن ينقطع قلبك عن المشعر الحرام ، بل عن من سواه فيصير مستغرقاً في نور جلاله وصمديته ، ويذكره لأنه هو الذي يستحق لهذا الذكر ولأن هذا الذكر يعطيك نسبة شريفة إليه بكونك في هذه الحالة تكون في مقام العروج ذاكراً له ومشتغلاً بالثناء عليه ، وإنما بدأ بالأول وثنى بالثاني لأن العبد في هذه الحالة يكون في مقام العروج فيصعد من الأدنى إلى الأعلى وهذا مقام شريف لا يشرحه المقال ولا يعبر","part":4,"page":394},{"id":1713,"text":"عنه الخيال ، ومن أراد أن يصل إليه ، فليكن من الواصلين إلى العين ، دون السامعين للأثر ورابعها : أن يكون المراد بالأول هو ذكر أسماء الله تعالى وصفاته الحسنى ، والمراد بالذكر الثاني : الاشتغال بشكر نعمائه ، والشكر مشتمل أيضاً على الذكر ، فصح أن يسمى الشكر ذكراً ، والدليل على أن الذكر الثاني هو الشكر أنه علقه بالهداية ، فقال : {كَمَا هَدَاكُمْ} والذكر المرتب على النعمة ليس إلا الشكر وثامنها : أنه تعالى لما قال {فاذكروا الله عِندَ المشعر الحرام} جاز أن يظن أن الذكر مختص بهذه البقعة وبهذه العبادة ، يعني الحج فأزال الله تعالى هذه الشبهة فقال {واذكروه كَمَا هَدَاكُمْ} يعني اذكروه على كل حال ، وفي كل مكان ، لأن هذا الذكر إنما وجب شكراً على هدايته ، فلما كانت نعمة الهداية متواصلة غير منقطعة ، فكذلك الشكر يجب أن يكون مستمراً غير منقطع وتاسعها : أن قوله : {فاذكروا الله عِندَ المشعر الحرام} المراد منه الجمع بين صلاتي المغرب والعشاء هناك ، ثم قوله : {واذكروه كَمَا هَدَاكُمْ} والمراد منه التهليل والتسبيح.\rالسؤال الثاني : ما المراد من الهداية في قوله : {كَمَا هَدَاكُمْ} ؟ .\rالجواب : منهم من قال : إنها خاصة ، والمراد منه كما هداكم بأن ردكم في مناسك حجكم إلى سنة إبراهيم عليه السلام ، ومنهم من قال لا بل هي عامة متناولة لكل أنواع الهداية في معرفة الله تعالى ، ومعرفة ملائكته وكتبه ورسله وشرائعه.\rالسؤال الثالث : الضمير في قوله : {مِن قَبْلِهِ} إلى ماذا يعود ؟ .\rالجواب : يحتمل أن يكون راجعاً إلى {الهدى} والتقدير : وإن كنتم من قبل أن هداكم من الضالين ، وقال بعضهم : إنه راجع إلى القرآن ، والتقدير : واذكروه كما هداكم بكتابه الذي بين لكم معالم دينه ، وإن كنتم من قبل إنزاله ذلك عليكم من الضالين. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 5 صـ 153}","part":4,"page":395},{"id":1714,"text":"وقوله : {كما هداكم} تشبيه للذكر بالهدى وما مصدرية. ومعنى التشبيه في مثل هذا المشابهةُ في التساوي أي اذكروه ذكراً مساوياً لهدايته إياكم فيفيد معنى المجازاة والمكافأَة فلذلك يقولون إن الكاف في مثله للتعليل وقد تقدم الفرق بينها وبين كاف المجازاة عند قوله تعالى : {فنتبرأ منهم كما تبرؤوا منا} [البقرة : 167] وكثر ذلك في الكاف التي اقترنت بها (ما) كيف كانت ، وقيل ذلك خاص بما الكافة والحق أنه وارد في الكاف المقترنة بما وفي غيرها. أ هـ {التحرير والتنوير حـ 2 صـ 242}\rقال أبو حيان : \rوالهداية هنا خاصة ، أي : بأن ردكم في مناسك حجكم إلى سنة إبراهيم صلى الله على نبينا وعليه ، فما عامة تتناول أنواع الهدايات من معرفة الله ، ومعرفة ملائكته وكتبه ورسله وشرائعه.\rأ هـ {البحر المحيط حـ 2 صـ 107}\rقال ابن عرفة\rقوله تعالى : {واذكروه كَمَا هَدَاكُمْ...}.\rالأول : ذكرُ الحَجّ ، والثاني : ذِكْرٌ مُطْلَقٌ ، فهو تأسيس لا تأكيد وقوله : \" كَمَا هَدَاكُمْ \" الكاف إمّا للتعليل مثل : {وَأَحْسِن كَمَآ أَحْسَنَ الله إِلَيْكَ} قوله تعالى : {وَإِن كُنتُم مِّن قَبْلِهِ لَمِنَ الضآلين...}.\rقال ابن عرفة : إن قلت هذا تأكيد لأن الهداية تستلزم تقدم الضّلال لها.\rفالجواب أنّه إنما (كان) يكون تأكيدا (أن) لو قيل : وَإِن كُنتُمْ مِنْ قَبْلِهِ ضَالِّينَ. وهذا أخص لأن قولك : زيد من الصالحين أخصّ من قولك : زيد صالح.\rقاله الزمخشري في قول الله تعالى {والذين آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصالحات لَنُدْخِلَنَّهُمْ فِي الصالحين. }. أ هـ {تفسير ابن عرفة صـ 253}\rفائدة لغوية\rقوله : \" كَمَا هَدَاكُمْ \" فيه خمسة أقوال : \rأحدها : أن تكون \" الكَافُ \" في محلّ نصبٍ نعتاً لمصدر محذوفٍ.\rوالثاني : أن تكون في محلِّ نصبٍ على الحال من ضمير المقدَّر ، وهو مذهب سيبويه.","part":4,"page":396},{"id":1715,"text":"والثالث : أن يكون في محلِّ نصب على الحال من فاعل \" اذْكُرثوا \" تقديره : مشبهين لكم حين هداكم ، قال أبو البقاء : \" ولا بُدَّ من حذفِ مضافٍ ؛ لأنَّ الجُثَّة لا تشبه الحدث \".\rومثله : \" كَذِكْرِكُمْ آبَاءَكُمْ \" الكاف نعت لمصدر محذوف.\rقال القرطبيّ : والمعنى : \" اذْكُرُوه ذكْراً حسناً كما هَدَاكُمْ هَدَاية حَسنَة \".\rالثالث : أن يكون حالاً ، تقديره : فاذكروا الله مبالغين.\rوالرابع : للتعليل بمعنى اللام ، أي : اذكروه لأجل هدايته إيَّاكم ، حكى سيبويه رحمه الله : \" كَمَا أنَّهُ لاَ يَعْلَمُ ، فتَجَاوَزَ اللَّهُ عَنْهُ \". وممَّن قال بكونها للعلِّيَّة الأخفش وجماعةٌ.\rو \" مَا \" في \" كَمَا \" يجوز فيها وجهان : \rأحدهما : أن تكون مصدريةً ، فتكون مع ما بعدها في محلِّ جر بالكاف ، أي : كهدايته.\rوالثاني - وبه قال الزمخشريُّ وابن عطية - أن تكون كافَّةً للكاف عن العمل ، فلا يكون للجملة التي بعدها محلٌّ من الإعراب ، بل إن وقع بعدها اسم ، رفع على الابتداء كقول القائل : [الطويل ]\r1002 - وَنَنْصًرُ مَوْلاَنَا ونَعْلَمُ أَنَّهُ... كَمَا النَّاسُ مَجْرُومٌ عَلَيْهِ وَجَارِمُ\rوقال آخر : [الوافر ]\r1003 - لَعَمْرُكَش إنَّنِي وَأَبَا حُمَيْدٍ... كَمَا النَّشْوَانُ والرَّجُلُ الْحَلِيمُ\rأُرِيدُ هِجَاءَهُ وَأَخَافُ رَبِّي... وَأَعْلَمُ أَنَّهُ عَبْدٌ لَئِيمٌ\rوقد منع صاحب \" المُسْتَوْفى \" كون \" مَا \" كافةً للكاف ، وهو محجوجٌ بما تقدّم.\rوالخامس : أن تكون الكاف بمعنى \" عَلَى \" ؛ كقوله : {وَلِتُكَبِّرُواْ الله على مَا هَدَاكُمْ} [البقرة : 185 ]. أ هـ {تفسير ابن عادل حـ 3 صـ 424 ـ 425}\rقوله تعالى {وَإِنْ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الضَّالِّينَ}\rقال ابن عادل : ","part":4,"page":397},{"id":1716,"text":"قوله : {وَإِن كُنْتُمْ مِّن قَبْلِهِ لَمِنَ الضآلين} : \" إنْ \" هذه هي المخفَّفة من الثقيلة ، واللام بعدها للفرق بينهما وبين النافية ، وجاز دخول \" إنْ \" على الفعل ؛ لأنه ناسخٌ ، وهل هذه اللام لام الابتداء التي كانت تصحب \" إنَّ \" ، أو لامٌ أخرى غيرها ؛ اجتلبت للفرق ؟ قولان هذا رأيُ البصريِّين.\rوأمَّا الكوفيون فعندهم فيها خلاف : فزعم الفرّاء أنها بمعنى \" إنْ \" النافية ، واللام بمعنى \" لاَّ \" ، أي : ما كنتم من قبله إلاَّ من الضالِّين ، ومذهب الكسائيِّ التفصيل : بين أن تدخل على جملةٍ فعليَّة ، فتكون \" إنْ \" بمعنى \" قَدْ \" ، واللاَّم زائدةً للتوكيد ؛ كقوله : {وَإِن نَّظُنُّكَ لَمِنَ الكاذبين} [الشعراء : 186] ، وبين أن تدخل على جملةٍ ، كقوله : {إِن كُلُّ نَفْسٍ لَّمَّا عَلَيْهَا حَافِظٌ} [الطارق : 4] ؛ فتكون كقول الفرَّاء. أ هـ {تفسير ابن عادل حـ 3 صـ 426 ـ 427}\rقال أبو حيان : \rومن قبله ، يتعلق بمحذوف ، ويبينه قوله : لمن الضالين ، التقدير : وإن كنتم ضالين من قبله لمن الضالين ، ومن تسمح من النحويين في تقديم الظرف والمجرور على العامل الواقع صلة للألف واللام ، فيتعلق على مذهبه من قبله بقوله : من الضالين ، وقد تقدّم نظير هذا.\rوالهاء في قبله ، عائدة على الهدى المفهوم من قوله : هداكم ، أي : وإن كنتم من قبل الهدى لمن الضالين ، ذكرهم تعالى بنعمة الهداية التي هي أتم النعم ليوالوا ذكره والثناء عليه تعالى ، والشكر الذي هو سبب لمزيد الإنعام ، وقيل : تعود الهاء على القرآن ، وقيل : على النبي صلى الله عليه وسلم.\rوالظاهر في الضلال أنه ضلال الكفر ، كما أن الظاهر في الهداية هداية الإيمان ، وقيل : من الضالين عن مناسك الحج ، أو عن تفصيل شعائره. أ هـ {البحر المحيط حـ 2 صـ 107}","part":4,"page":398},{"id":1717,"text":"فائدة\rقد يتساءل أحد عن الرّابطة بين قوله تعالى {أن تبتغوا فضلا من ربكم) ومسألة الوقوف بعرفات والإفاضة منها إلى المشعر الحرام وثمّ إلى مِنى الّتي وردت الآية الشريفة منضمّة بعضها إلى بعض.\rيمكن أن تكون الرّابطة هي الإشارة إلى هذه الحقيقة وهي أنّ السعي المادي والاقتصادي إذا كان لله ومن أجل الحياة الشريفة فيكون هذا نوع من العبادة حال مناسك الحجّ ، أو أنّ حركة وانتقال الحجّاج من مكّة إلى عرفات ومنها إلى المواقف الأخرى يستلزم عادةً نفقات وخدمات كبيرة ، فلو كان كلّ نوع من العلم والكسب في هذه الأيّام محرّم على الحجّاج فمن الواضح أنّهم سيقعون في حرج ومشقّة ، فلهذا ذكرت الآية الشريفة هذه العبارات منضمّة ومتتالية.\rأو يقال : إن المفهوم منها هو أنّ الآية تحذّر الحجّاج أن لا يُنسيكم العمل والكسب وسائر الفعاليّات الاقتصادية ذكر الله والتوجّه إليه وإدراك عظمته في هذه المواقف الشريفة.أ هـ {الأمثل حـ 2 صـ 58}","part":4,"page":399},{"id":1718,"text":"قوله تعالى : {ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (199) }\rمناسبة الآية لما قبلها\rقال البقاعى : \rولما قبح عليهم ما كانوا عليه من المخالفة في الوقوف بالنسبة إلى الضلال بالجملة الاسمية مؤكدة بأنواع التأكيد وكان ما مضى من ذكر الإفاضة ليس بقاطع في الوجوب أشار لهم إلى تعظيم ما هداهم له من الموافقة بأداة التراخي فقال عاطفاً على ما تقديره : فلا تفيضوا من المشعر الحرام الإفاضة التي كنتم تخالفون فيها الناس دالاً على تفاوت الإفاضتين وبعد ما بينهما على وجه معلم بالوجوب : {ثم} أي بعد طول تلبسكم بالضلال أنزلت عليكم في هذا الذكر الحكيم الذي أبيتموه وهو عزكم وشرفكم لا ما ظننتم أنه شرف لكم بالتعظم على الناس بمخالفة الهدى في الوقوف بالمزدلفة والإفاضة منها {أفيضوا} أي إذا قضيتم الوقوف. وقال الحرالي : لما كان للخطاب ترتيب للأهم فالأهم كما كان للكيان ترتيب للأسبق فالأسبق كان حرف المهلة الذي هو {ثم} ، يقع تارة لترتيب الكيان وتارة لترتيب الإخبار فيقول القائل مثلاً : امش إلى حاجة كذا - تقديماً في الخبر الأهم - ثم ليكن خروجك من موضع كذا ، فيكون السابق في الكيان متأخراً بالمهلة في الإخبار ، فمن معنى ذلك قوله - انتهى. ثم أفيضوا أيها الحمس! {من حيث أفاض الناس} أي معظمهم وهو عرفات ، إلى المشعر الحرام لتبيتوا به ، وروى البخاري في التفسير عن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت : \" كانت قريش ومن دان دينها يقفون بالمزدلفة وكانوا يسمعون الحمس وكان سائر العرب يقفون بعرفات فلما جاء الإسلام أمر الله تعالى نبيه صلى الله عليه وسلم أن يأتي عرفات ثم يقف بها ثم يفيض منها فذلك قوله سبحانه وتعالى {ثم أفيضوا} \" الآية.أ هـ {نظم الدرر حـ 1 صـ 378}\rقال الفخر : ","part":4,"page":400},{"id":1719,"text":"فيه قولان الأول : المراد به الإفاضة من عرفات ، ثم القائلون بهذا القول اختلفوا فالأكثرون منهم ذهبوا إلى أن هذه الآية أمر لقريش وحلفائها وهم الحمس ، وذلك أنهم كانوا لا يتجاوزون المزدلفة ويحتجون بوجوه أحدها : أن الحرم أشرف من غيره فوجب أن يكون الوقوف به أولى وثانيها : أنهم كانوا يترفعون على الناس ويقولون : نحن أهل الله فلا نحل حرم الله وثالثها : أنهم كانوا لو سلموا أن الموقف هو عرفات لا الحرم ، لكان ذلك يوهم نقصاً في الحرم ثم ذلك النقص كان يعود إليهم ، ولهذا كان الحمس لا يقفون إلا في المزدلفة ، فأنزل الله تعالى هذه الآية أمراً لهم بأن يقفوا في عرفات ، وأن يفيضوا منها كما تفعله سائر الناس ، وروي أن النبي عليه الصلاة والسلام لما جعل أبا بكر أميراً في الحج أمره بإخراج الناس إلى عرفات ، فلما ذهب مر على الحمس وتركهم فقالوا له : إلى أين وهذا مقام آبائك وقومك فلا تذهب ، فلم يلتفت إليهم ومضى بأمر الله إلى عرفات ووقف بها ، وأمر سائر الناس بالوقوف بها ، وعلى هذا التأويل فقوله : {مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ الناس} يعني لتكن إفاضتكم من حيث أفاض سائر الناس الذين هم واقفون بعرفات ، ومن القائلين بأن المراد بهذه الآية الإفاضة من عرفات من يقول قوله : {ثُمَّ أَفِيضُواْ} أمر عام لكل الناس ، وقوله : {مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ الناس} المراد إبراهيم وإسماعيل عليهما السلام ، فإن سنتهما كانت الإفاضة من عرفات ، وروي أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقف في الجاهلية بعرفة كسائر الناس ، ويخالف الحمس ، وإيقاع اسم الجمع على الواحد جائز إذا كان رئيساً يقتدي به ، وهو كقوله تعالى : {الذين قَالَ لَهُمُ الناس} [آل عمران : 173] يعني نعيم بن مسعود {إِنَّ الناس قَدْ جَمَعُواْ لَكُمْ} [آل عمران : 173] يعني أبا سفيان ، وإيقاع اسم الجمع على الواحد المعظم مجاز مشهور ، ومنه قوله : {إِنَّا أنزلناه فِى لَيْلَةِ القدر }","part":4,"page":401},{"id":1720,"text":"[ القدر : 1 ]\rوفي الآية وجه ثالث ذكره القفال رحمه الله ، وهو أن يكون قوله : {مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ الناس} عبارة عن تقادم الإفاضة من عرفة وأنه هو الأمر القديم وما سواه فهو مبتدع محدث كما يقال : هذا مما فعله الناس قديماً ، فهذا جملة الوجوه في تقرير مذهب من قال : المراد من هذه الإفاضة من عرفات.\rالقول الثاني : وهو اختيار الضحاك : أن المراد من هذه الإفاضة من المزدلفة إلى منى يوم النحر قبل طلوع الشمس للرمي والنحر وقوله : {مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ} المراد بالناس إبراهيم وإسماعيل وأتباعهما ، وذلك أنه كانت طريقتهم الإفاضة من المزدلفة قبل طلوع الشمس على ما جاء به الرسول عليه الصلاة والسلام ، والعرب الذين كانوا واقفين بالمزدلفة كانوا يفيضون بعد طلوع الشمس ، فالله تعالى أمرهم بأن تكون إفاضتهم من المزدلفة في الوقت الذي كان يحصل فيه إفاضة إبراهيم وإسماعيل عليهما السلام واعلم أن على كل واحد من القولين إشكالاً : \rأما الإشكال على القول الأول : فهو أن قوله تعالى : {ثُمَّ أَفِيضُواْ مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ الناس} يقتضي ظاهره أن هذه الإفاضة غير ما دل عليه قوله : {فَإِذَا أَفَضْتُم مّنْ عرفات} [البقرة : 198] لمكان {ثُمَّ} فإنها توجب الترتيب ، ولو كان المراد من هذه الآية : الإفاضة من عرفات ، مع أنه معطوف على قوله {فَإِذَا أَفَضْتُم مّنْ عرفات} كان هذا عطفاً للشيء على نفسه وأنه غير جائز ولأنه يصير تقدير الآية : فإذا أفضتم من عرفات ، ثم أفيضوا من عرفات وإنه غير جائز.\rفإن قيل : لم لا يجوز أن يقال : هذه الآية متقدمة على ما قبلها ، والتقدير : فاتقون يا أولي الألباب ، ثم أفيضوا من حيث أفاض الناس ، واستغفروا الله إن الله غفور رحيم ، ليس عليكم جناح أن تبتغوا فضلاً من ربكم ، فإذا أفضتم من عرفات فذكروا الله ، وعلى هذا التريتب يصح في هذه الإفاضة أن تكون تلك بعينها.\r","part":4,"page":402},{"id":1721,"text":"قلنا : هذا وإن كان محتملاً إلا أن الأصل عدمه ، وإذا أمكن حمل الكلام على القول الثاني من غير التزام إلى ما ذكرتم فأي حاجة بنا إلى التزامه.\rوأما الإشكال على القول الثاني : فهو أن القول لا يتمشى إلا إذا حملنا لفظ {من حيث} في قوله : {مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ الناس} على الزمان ، وذلك غير جائز ، فإنه مختص بالمكان لا بالزمان.\rأجاب القائلون بالقول الأول : عن ذلك السؤال بأن {ثُمَّ} ههنا على مثال ما في قوله تعالى : {وَمَا أَدْرَاكَ مَا العقبة فَكُّ رَقَبَةٍ} [البلد : 12 ، 13] إلى قوله : {ثُمَّ كَانَ مِنَ الذين ءامَنُواْ} [البلد : 17] أي كان مع هذا من المؤمنين ، ويقول الرجل لغيره : قد أعطيتك اليوم كذا وكذا ، ثم أعطيتك أمس كذا فإن فائدة كلمة {ثُمَّ} ههنا تأخر أحد الخبرين عن الآخر ، لا تأخر هذا المخبر عنه عن ذلك المخبر عنه.\rوأجاب القائلون بالقول الثاني : بأن التوقيت بالزمان والمكان يتشابهان جداً فلا يبعد جعل اللفظ المستعمل في أحدهما مستعملاً في الآخر على سبيل المجاز.\rوأما قوله : {مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ الناس} فقد ذكرنا أن المراد من {الناس} إما الواقفون بعرفات وإما إبراهيم وإسماعيل عليهما السلام وأتباعهما ، وفيه قول ثالث وهو قول الزهري.\rأن المراد بالناس في هذه الآية : آدم عليه السلام ، واحتج بقراءة سعيد بن جبير {ثُمَّ أَفِيضُواْ مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ الناس} وقال : هو آدم نسي ما عهد إليه ، ويروى أنه قرأ {الناس} بكسر السين اكتفاء بالكسرة عن الياء ، والمعنى : أن الإفاضة من عرفات شرع قديم فلا تتركوه. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 5 صـ 154 ـ 155}\rوقال ابن عاشور : \rالذي عليه جمهور المفسرين أن ثم للتراخي الإخباري للترقى في الخبر وأن الإفاضة المأمور بها هنا هي عين الإفاضة المذكورة في قوله تعالى : {فإذا أفضتم من عرفات} [البقرة : 198] وأن العطف بثم للعودة إلى الكلام على تلك الإفاضة.","part":4,"page":403},{"id":1722,"text":"فالمقصود من الأمر هو متعلق {أفيضوا} أي قوله : {من حيث أفاض الناس} إشارة إلى عرفات فيكون متضمناً الأمر بالوقوف بعرفة لا بغيرها إبطالاً لعمل قريش الذين كانوا يقفون يوم الحج الأكبر على (قُزَح) المسمى بجمع وبالمشعر الحرام فهو من المزدلفة وكان سائر العرب وغيرهم يقف بعرفات فيكون المراد بالناس في جمهورهم من عدا قريشاً.\rعن عائشة أنها قالت : كانت قريش ومن دَان دينها يقفون بيوم عرفة في المزدلفة وكانوا يسمون الحمس وكان سائر العرب يقفون بعرفة فلما جاء الإسلام أمر الله نبيه أن يأتي عرفات ثم يقف بها ثم يفيض منها فذلك قوله تعالى : {ثم أفيضوا من حيث أفاض الناس} اه فالمخاطب بقوله : {أفيضوا} جميع المسلمين والمراد بالناس عموم الناس يعني من عدا قريشاً ومن كان من الحمس الذين كانوا يفيضون من المزدلفة وهم قريش ومن ولدوا وكنانة وأحلافهم.\rوقيل : المراد بقوله : {ثم أفيضوا} الإفاضة من مزدلفة إلى منى ، فتكون (ثم) للتراخي والترتيب في الزمن أي بعد أن تذكروا الله عند المشعر الحرام وهي من السنة القديمة من عهد إبراهيم عليه السلام فيما يقال ، وكان عليها العرب في الجاهلية.\rفقوله : {من حيث أفاض الناس} أي من المكان الذي يفيض منه سائر الناس وهو مزدلفة. وعبر عنه بذلك لأن العرب كلهم يجتمعون في مزدلفة ، ولولا ما جاء من الحديث لكان هذا التفسير أظهر لتكون الآية ذكرت الإفاضتين بالصراحة وليناسب قوله بعد : {فإذا قضيتم مناسككم} [البقرة : 200 ].أ هـ {التحرير والتنوير حـ 2 صـ 243 ـ 244}\rوقد رجح القرطبى القول الأول أيضا فقال : ","part":4,"page":404},{"id":1723,"text":"والصحيح في تأويل هذه الآية من القولين القول الأوّل. روى الترمذيّ عن عائشة قالت : كانت قريش ومن كان على دينها وهم الحُمْس يقفون بالمزدلفة يقولون : نحن قَطِين الله ، وكان من سواهم يقفون بعرفة ؛ فأنزل الله تعالى : {ثُمَّ أَفِيضُواْ مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ الناس}. هذا حديث حسن صحيح. وفي صحيح مسلم عن عائشة قالت : الحُمْس هم الذين أنزل الله فيهم : {ثُمَّ أَفِيضُواْ مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ الناس} قالت : كان الناس يُفيضون من عرفات ، وكان الحُمْس يُفيضون من المزدلفة ، يقولون : لا نُفيض إلا من الحَرَم ؛ فلما نزلت : {أَفِيضُواْ مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ الناس} رجعوا إلى عرفات. وهذا نصٌّ صريح ، ومثله كثير صحيح ، فلا معوّل على غيره من الأقوال. والله المستعان.أ هـ {تفسير القرطبى حـ 2 صـ 428}\rوقال الآلوسى : ","part":4,"page":405},{"id":1724,"text":"جعل الضمير عبارة عن الحمس يلزم منه بتر النظم إذ الضمائر السابقة واللاحقة كلها عامة ؛ والجملة معطوفة على قوله تعالى : {فَإِذَا أَفَضْتُم} ولما كان المقصود من هذه التعريض كانت في قوة ثم لا تفيضوا من المزدلفة ؛ وأتى بِـ \"ثُم\" إيذاناً بالتفاوت بين الإفاضتين في الرتبة بأن إحداهما صواب ، والأخرى خطأ ، ولا يقدح في ذلك أن التفاوت إنما يعتبر بين المتعاطفين لا بين المعطوف عليه وما دخله حرف النفي من المعطوف لأن الحصر ممنوع ، وكذا لا يضر انفهام التفاوت من كون أحدهما مأموراً به ، والآخر منهياً عنه كيفما كان العطف لأن المراد أن كلمة (ثم) تؤذن بذلك مع قطع النظر عن تعلق الأمر والنهي ، وجوز أن يكون العطف على فاذكروا ويعتبر التفاوت بين الإفاضتين أيضاً كما في السابق بلا تفاوت ، وبعضهم جعله معطوفاً على محذوف أي : أفيضوا إلى منى ثم أفيضوا الخ وليس بشيء كالقول بأن في الآية تقديماً وتأخيراً والتقدير : ليس عليكم جناح أن تبتغوا فضلاً من ربكم ثم أفيضوا من حيث أفاض الناس فإذا أفضتم من عرفات فاذكروا الله عند المشعر الحرام واستغفروا وإذا أريد بالمفاض منه المزدلفة وبالمفاض إليه منى كما قال الجبائي بقيت كلمة (ثم) على ظاهرها لأن الإفاضة إلى منى بعيدة عن الإفاضة من عرفات لأن الحجاج إذا أفاضوا منها عند غروب الشمس يوم عرفة يجيئون إلى المزدلفة ليلة النحر ويبيتون بها فإذا طلع الفجر وصلوا بغلس ذهبوا إلى قزح فيرقون فوقه أو يقفون بالقرب منه ثم يذهبون إلى وادي محسر ثم منه إلى منى ، والخطاب على هذا عام بلا شبهة ، والمراد من الناس الجنس كما هو الظاهر أي من حيث أفاض الناس كلهم قديماً وحديثاً ، وقيل : المراد بهم إبراهيم عليه السلام وسمي ناساً لأنه كان إماماً للناس ، وقيل : المراد هو وبنوه ، وقرىء (الناس) بالكسر أي الناسي والمراد به آدم عليه السلام لقوله تعالى في حقه : {فَنَسِىَ} [طه : 115 ]. (1)\r________________\r(1) لا يخفى ما فى هذا الوجه من تكلف وبعد بعيد فالمقام\rمقام اقتداء فلا يليق به التعبير بالناسى {فى حق آدم أبى البشر عليه السلام} والله أعلم بالصواب.","part":4,"page":406},{"id":1725,"text":"وكلمة ثم على هذه القراءة للإشارة إلى بعد ما بين الإفاضة من عرفات والمخالفة عنها بناءاً على أن معنى ثم أفيضوا عليها ثم لا تخالفوا عنها لكونها شرعاً قديماً كذا قيل فليتدبر.أ هـ {روح المعانى حـ 2 صـ 89}\rوقال العلامة السمين\rقوله تعالى : {ثُمَّ أَفِيضُواْ مِنْ حَيْثُ} استشكل الناسُ مجيءَ \"ثم\" هنا من حيث إنَّ الإِفاضة الثانية هي الإِفاضةُ الأولى ؛ لأنَّ قريشاً كانت تَقِفُ بمزدلفة وسائرُ الناسِ بعرفة ، فأُمروا أن يَفيضوا من عرفةَ كسائرِ الناس أجوبةٌ :\rأحدُها : أنَّ الترتيبَ في الذِّكر لا في الزمانِ الواقعِ فيه الأفعالُ ، وحَسَّنَ ذلك أن الإِفاضةَ الأولى غيرُ مأمورٍ بها ، إنما المأمورُ به ذكرُ اللهِ إذا فُعِلَت الإِفاضةَ.\rوالثاني : أن تكونَ هذه الجملة معطوفةً على قولِه : {واتقون يا أولي} ففي الكلام تقديمٌ وتأخيرٌ وهو بعيدٌ.\rالثالث : أن تكونَ \"ثم\" بمعنى الواو ، وقد قال به بعضُ النحويين ، فهي لعطفِ كلامٍ على كلامٍ منقطعٍ من الأول.","part":4,"page":407},{"id":1726,"text":"الرابع : أن الإِفاضة الثانيةَ هي من جمعٍ إلى منى ، والمخاطبون بها جميعُ الناس ، وبهذا قال جماعةٌ كالضحاك ورجَّحه الطبري ، وهو الذي يقتضيه ظاهرُ القرآنِ وعلى هذا فـ\"ثم\" على بابها ، قال الزمخشري : \"فإنْ قلت : كيف موقعُ \"ثم\" ؟ قلت : نحوُ موقِعها في قولك : \"أحْسِنَ إلى الناس ثم لا تُحْسِن إلى غير كريم\" تأتي بـ\"ثم\" لتفاوتِ ما بين الإِحسانِ إلى الكريمِ والإِحسان إلى غيرِه وبُعْدِ ما بينهما ، فكذلك حين أمرَهم بالذكر عند الإِفاضةِ من عرفات قال : \"ثم أفيضوا\" لتفاوتِ ما بين الإِفاضَتَيْنِ وأنَّ إحداهما صوابٌ والثانيةَ خطأٌ\". قال الشيخ : \"وليست الآية نظيرَ المثال الذي مثَّله ، وحاصلُ ما ذَكَرَ أن \"ثم\" تَسْلُب الترتيبَ وأنَّ لها معنىً غيرَه سَمَّاه بالتفاوتِ والبُعْدِ لما بعدها مِمَّا قبلها ، ولم يَذْكُر في الآية إفاضة الخطأ حتى تجيء \"ثم\" لتفاوتِ ما بينها ، ولا نعلمُ أحداً سبقه إلى إثبات هذا المعنى لـ \"ثم\". وهذا الذي ناقشَ الشيخُ به الزمخشري تحاملٌ عليه ، فإنه يعني بالتفاوتِ والبُعْد التراخيَ الواقعَ بين الرتبتين. وسيأتي له نظائرُ ، وبمثلِ هذه الأشياءِ لا يُرَدُّ كَلامُ مثلِ هذا الرجل. أ هـ {الدر المصون حـ 2 صـ 334 ـ 335}\rوقال ابن عرفة : وعادتهم يقولون : إنّها {ثم} للتراخي والمهلة فهي على بابها ، والمهلة فيها بين الذي يليها فقط والذي يليها هو معطوف على ما قبله بالواو والمشهور في الواو أنّها للجمع من غير ترتيب ولا مهلة ، فتكون الجملة الموالية لـ \" ثم \" مراد بها التقديم. والتقدير : \" فَإِذَا أَفَضْتُم مِّنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُواْ اللّهَ كَمَا هَدَاكُمْ \" \" ثم أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ \" و{واذْكُرُا اللّه عِند المَشْعَرِ الحَرَامِ}.\rقال ابن عرفة : وهذا معنى سادس لم يذكروه ، وهو الذي (ينبغي) حمل الآية عليه. والله أعلم. أ هـ {تفسير ابن عرفة صـ 254}\rفائدة\rقال ابن عرفة :","part":4,"page":408},{"id":1727,"text":"وعادتهم يقولون : لم عدل في الآية عن دلالة المطابقة وهي حقيقة إلى دلالة الالتزام ، وهي مجاز ، فعبر بالإفاضة المستلزمة للوقوف ، وهلا عبر بالوقوف نفسه فيقول : ثم قفوا من حيث وقف الناس ، فما السر في ذلك ؟ \rقال : وعادتهم يجيبون عن ذلك بأنّ قريشا كانوا لا يخرجون من الحرم لشرفه ويرون الخروج عنه موجبا للوقوع في الإثم ، (ويقفون بالمشعر الحرام ، فأتت الآية ردا عليهم وتنبيها على أن الخروج هنا لاينقص أجرا ولا يوقع في الإثم) ثم إنّ الإتيان إلى المحل الشريف من المحل البعيد مُشْعِر بنهاية تعظيمه وكمال تشريفه ، فقصد التنبيه على الحكم مقرونا بعلته ، وهذا هو المذهب الكلامي عند البيانيين.\rولو قيل : ثم قفوا ، لما أشعر بالانتقال والرجوع من الحل إلى الحرم بعد الخروج منه ، فعبر بالإفاضة التي من شأنها أن لاتكون (إلا بعد) وقوف لإشعارها بالانتقال من المحل البعيد وهو عرفة لأنه في الحل إلى هذا الحرم الشريف تكريما له وإجلالا ، فالإفاضة مستلزمة للرجوع إلى الحرم ، ومشعرة بالوقوف المستلزم للخروج من الحرمِ إلى الحل.\rقيل لابن عرفة : أو يجاب بأنه عبر بالإفاضة للمناسبة بينه وبين لفظه في أول الآية والله أعلم.أ هـ {تفسير ابن عرفة صـ 255}\rقوله تعالى {وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ}\rقال البقاعى : \r","part":4,"page":409},{"id":1728,"text":"{ واستغفروا الله} أي اطلبوا من ذي الجلال والإكرام أن يغفر لكم ما كنتم تفعلونه أيام جاهليتكم من مخالفة الهدى في الوقوف وما يبقى في الأنفس من آثار تلك العادة ومن غير ذلك من النقائص التي يعلمها الله منكم. قال الحرالي : والعادات أشد ما على المتعبدين والطريق إلى الله تعالى بخلعها ، وقد كان جدالهم أي في وقوفهم في الحرم بغير علم لأن العلم يقتضي أن الواقف خائف والخائف لا يخاف في الحرم لأن الله سبحانه وتعالى جعل الحرم آمناً ، فمن حق الوقوف أن يكون في الحل فإذا أمن دخل الحرم وإذا دخل الحرم أمن - انتهى. وأظهر الاسم الشريف تعريفاً للمقام وإعلاماً بأنه موصوف بما يصفه به على وجه العموم من غير نظر إلى قيد ولا حيثية فقال : {إن الله} ذا الكمال {غفور} أي ستور ذنب من استغفره {رحيم} أي بليغ الرحمة يدخل المستغفر في جملة المرحومين الذين لم يبد منهم ذنب فهو يفعل بهم من الإكرام فعل الراحم بالمرحوم ليكون التائب من الذنب كمن لا ذنب له.أ هـ {نظم الدرر حـ 1 صـ 378 ـ 379}\rوقال الثعالبى :\rوأمر عز وجل بالاستغفار ؛ لأنها مواطنه ، ومظَانُّ القبولِ ، ومساقطُ الرحْمَةِ ، وفي الحديث أنَّ رسولَ اللَّه صلى الله عليه وسلم خَطَب عشيَّة عَرَفَةَ ، فقال : \"أَيُّهَا النَّاسُ ، إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ تَطَاوَلَ عَلَيْكُمْ فِي مَقَامِكُمْ هَذَا ، فَقَبِلَ مِنْ مُحْسِنِكُمْ وَوَهَبَ مُسِيئَكُمْ لِمُحْسِنِكُمْ ، إِلاَّ التَّبِعَاتِ فِيمَا بَيْنَكُمْ ، أَفِيضُوا عَلَى اسم اللَّهِ\" ، فَلَمَّا كَانَ غَدَاةَ جَمْعٍ ، خَطَبَ ، فَقَالَ : \" أَيُّهَا النَّاسُ ، إِنَّ اللَّهَ تَطَاوَلَ عَلَيْكُمْ ، فَعَوَّضَ التَّبِعَاتِ مِنْ عِنْدِهِ \". أ هـ {الجواهر الحسان حـ 1 صـ 158}","part":4,"page":410},{"id":1729,"text":"قال السمين :\rفائدة\rقوله : {وَاسْتَغْفِرُواْ اللَّهَ} \"استغفر\" يتعدَّى لاثنين أولُهما بنفسِه ، والثاني \"بـ\"مِنْ\" ، نحو : استغفرتُ الله من ذنبي ، وقد يُحْذَفُ حرفُ الجر كقولِه :\rأستغفرُ اللهَ ذنباً لستُ مُحْصِيَه ربُّ العبادِ إليه الوجهُ والعَمَلُ\rهذا مذهبُ سيبويه وجمهورِ الناس. وقال ابن الطراوة : إنه لا يتعدَّى إليهما بنفسِه أصالةً ، وإنما يتعدَّى بـ\"من\" لتضمُّنه معنى ما يتعدَّى بها ، فعنده \"استغفرت الله من كذا\" بمعنى تُبْت إليه من كذا ، ولم يَجِىءْ \"استغفر\" في القرآن متعدِّياً إلاَّ للأولِ فقط ، فأمَّا قولُه تعالى : {وَاسْتَغْفِرْ لِذَنبِكَ} {وَاسْتَغْفِرِي لِذَنبِكِ}{فَاسْتَغْفَرُواْ لِذُنُوبِهِمْ} فالظاهرُ أنَّ هذه اللامَ لامُ العلةِ لا لامُ التعديةِ ، ومجرورُها مفعولٌ من أجلِه لا مفعولٌ به. وأمّا \"غَفَر\" فَذُكِرَ مفعولُه في القرآنِ تارةً : {وَمَن يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلاَّ اللَّهُ} ، وحُذِف أخرى : {وَيَغْفِرُ لِمَن يَشَآءُ}. والسين في \"استغفر\" للطلبِ على بابها. والمفعولُ الثاني هنا محذوفٌ للعلم به ، أي : مِنْ ذنوبكم التي فَرَطَتْ منكم.أ هـ {الدر المصون حـ 2 صـ 336 ـ 337}\rكلام نفيس للعلامة الفخر :\rأما قوله تعالى : {واستغفروا الله} فالمراد منه الاستغفار باللسان مع التوبة بالقلب ، وهو أن يندم على كل تقصير منه في طاعة الله ويعزم على أن لا يقصر فيما بعد ، ويكون غرضه في ذلك تحصيل مرضات الله تعالى لا لمنافعه العاجلة كما أن ذكر الشهادتين لا ينفع إلا والقلب حاضر مستقر على معناهما ، وأما الاستغفار باللسان من غير حصول التوبة بالقلب فهو إلى الضرر أقرب. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 5 صـ 155}\rموعظة\rقال العلامة ابن القيم :\rومن أنصف نفسه وعرف أعماله استحى من الله أن يواجهه بعمله أو يرضاه لربه وهو يعلم من نفسه أنه لو عمل لمحبوب له من الناس لبذل فيه نصحه ولم يدع من حسنه شيئا إلا فعله","part":4,"page":411},{"id":1730,"text":"وبالجملة فهذا حال هذا العبد مع ربه في جميع أعماله فهو يعلم أنه لا يوفي هذا المقام حقه فهو أبدا إذا سلم من الصلاة استغفر الله ثلاثا وقال تعالى {وبالأسحار هم يستغفرون} قال الحسن : مدوا الصلاة إلى السحر ثم جلسوا يستغفرون ربهم وقال تعالى {ثم أفيضوا من حيث أفاض الناس واستغفروا الله إن الله غفور رحيم} فأمر سبحانه بالاستغفار بعد الوقوف بعرفة والمزدلفة وشرع للمتوضىء أن يقول بعد وضوئه : اللهم اجعلني من التوابين واجعلني من المتطهرين ، فهذه توبة بعد الوضوء وتوبة بعد الحج وتوبة بعد الصلاة وتوبة بعد قيام الليل ، فصاحب هذا المقام مضطر إلى التوبة والاستغفار كما تبين فهو لا يزال مستغفرا تائبا وكلما كثرت طاعاته كثرت توبته واستغفاره.أ هـ {طريق الهجرتين صـ 333 ـ 334}\rفائدة\rقال السعدى : \rينبغي للعبد ، كلما فرغ من عبادة ، أن يستغفر الله عن التقصير ، ويشكره على التوفيق ، لا كمن يرى أنه قد أكمل العبادة ، ومن بها على ربه ، وجعلت له محلا ومنزلة رفيعة ، فهذا حقيق بالمقت ، ورد الفعل ، كما أن [ص 93] الأول ، حقيق بالقبول والتوفيق لأعمال أخر.أ هـ {تفسير السعدى صـ 92}\rسؤال : فإن قيل : كيف أمر بالاستغفار مطلقاً ، وربما كان فيهم من لم يذنب فحينئذ لا يحتاج إلى الاستغفار ؟ .","part":4,"page":412},{"id":1731,"text":"والجواب : أنه إن كان مذنباً فالاستغفار واجب ، وإن لم يذنب إلا أنه يجوز من نفسه أنه قد صدر عنه تقصير في أداء الواجبات ، والاحتراز عن المحظورات ، وجب عليه الاستغفار أيضاً تداركاً لذلك الخلل المجوز ، وإن قطع بأنه لم يصدر عنه ألبتة خلل في شيء من الطاعات ، فهذا كالممتنع في حق البشر ، فمن أين يمكنه هذا القطع في عمل واحد ، فكيف في أعمال كل العمر ، إلا أن بتقدير إمكانه فالإستغفار أيضاً واجب ، وذلك لأن طاعة المخلوق لا تليق بحضرة الخالق ، ولهذا قالت الملائكة : سبحانك ما عبدناك حق عبادتك ، فكان الإستغفار لازماً من هذه الجهة ، ولهذا قال عليه الصلاة والسلام : \" إنه ليغان على قلبي وإني لأستغفر الله في اليوم والليلة سبعين مرة \". أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 5 صـ 155 ـ 156}\rبحث نفيس للعلامة ابن القيم يتعلق بهذا الموضوع\rقال رحمه الله : \rفإن قيل فما وجه خوف الملائكة وهم معصومون من الذنوب التي هي أسباب المخافة وشدة خوف النبي مع علمه بأن الله قد غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر وأنه أقرب الخلق إلى الله قيل عن هذا أربعة أجوبه","part":4,"page":413},{"id":1732,"text":"الجواب الأول أن هذا الخوف على حسب القرب من الله والمنزلة عنده وكلما كان العبد أقرب إلى الله كان خوفه منه أشد لأنه يطالب بما لا يطالب به غيره ويجب عليه من رعاية تلك المنزلة وحقوقها ما لا يجب على غيره ونظير هذا في المشاهد أن الماثل بين يدي أحد الملوك المشاهد له أشد خوفا منه من البعد عنه بحسب قربه منه ومنزلته عنده ومعرفته به وبحقوقه وأنه يطالب من حقوق الخدمة وأدائها بما لا يطالب به غيره فهو أحق بالخوف من البعيد ومن تصور هذا حق تصوره فهم قوله إني أعلمكم بالله وأشدكم له خشية وفهم قوله في الحديث الذي رواه أبو داود وغيره من حديث زيد بن ثابت عن النبي أنه قال إن الله تعالى لو عذب أهل سماواته وأهل أرضه لعذبهم وهو غير ظالم لهم ولو رحمهم كانت رحمته لهم خيرا من أعمالهم وليس المراد به لو عذبهم لتصرف في ملكه والمتصرف في ملكه غير ظالم كما يظنه كثير من الناس فإن هذا يتضمن مدحا والحديث إنما سيق للمدح بغير استحقاق فإن حقه سبحانه عليهم أضعاف أضعاف ما أتوا ولهذا قال بعده ولو رحمهم كانت رحمته خيرا لهم من أعمالهم يعني أن رحمته لهم ليست على قدر أعمالهم إذ أعمالهم لا تستقبل باقتضاء الرحمة وحقوق عبوديته وشكره التي يستحقها عليهم لم يقوموا بها فلو عذبهم والحالة هذه لكان تعذيبا لحقه وهو غير ظالم لهم فيه ولا سيما فإن أعمالهم لا توازي القليل من نعمه عليهم فتبقى نعمه الكثيرة لا مقابل لها من شكرهم فإذا عذبهم على ترك شكرهم وأداء حقه الذي ينبغي له سبحانه عذبهم ولم يكن ظالما لهم\rفإن قيل فهم إذا فعلوا مقدورهم من شكره وعبوديته لم يكن ما عداه مما ينبغي له مقدورا لهم فكيف يحسن العذاب عليه قيل الجواب من وجهين\r","part":4,"page":414},{"id":1733,"text":"أحدهما أن المقدور للعبد لا يأتي به كله بل لا بد من فتور وإعراض وغفلة وتوان وأيضا ففي نفس قيامه بالعبودية لا يوفيها حقها الواجب لها من كمال المراقبة والإجلال والتعظيم والنصيحة التامة لله فيها بحيث يبذل مقدوره كله في تحسينها وتكميلها ظاهرا وباطنا فالتقصير لازم في حال الترك وفي حال الفعل ولهذا سأل الصديق النبي دعاء يدعو به في صلاته فقال له قل اللهم إني ظلمت نفسي ظلما كثيرا ولا يغفر الذنوب إلا أنت فاغفر لي مغفرة من عندك وارحمني إنك أنت الغفور الرحيم فأخبر عن ظلمه لنفسه مؤكدا له بأن المقتضية ثبوت الخبر وتحققه ثم أكده بالمصدر النافي للتجوز والاستعارة ثم وصفه بالكثرة المقتضية لتعدده وتكثره ثم قال فاغفر لي مغفرة من عندك أي لا ينالها عملي ولا سعيي بل عملي يقصر عنها وإنما هي من فضلك وإحسانك لا بكسبي ولا باستغفاري وتوبتي ثم قال وارحمني أي ليس معولي إلا على مجرد رحمتك فإن رحمتني وإلا فالهلاك لازم لي فليتدبر اللبيب هذا الدعاء وما فيه من المعارف والعبودية وفي ضمنه أنه لو عذبتني لعدلت في ولم تظلمني وإني لا أنجو إلا برحمتك ومغفرتك ومن هذا قوله لن ينجي أحدا منكم عمله قالوا ولا أنت يا رسول الله قال ولا أنا إلا أن يتغمدني الله برحمة منه وفضل فإذا كان عمل العبد لا يستقل بالنجاة فلو لم ينجه الله فلم يكن قد بخسه شيئا من حقه ولا ظلمه فإنه ليس معه ما يقتضي نجاته وعمله ليس وافيا بشكر القليل من نعمه فهل يكون ظالما لو عذبه وهل تكون رحمته له جزاء لعمله ويكون العمل ثمنا لها مع تقصيره فيه وعدم توفيته ما ينبغي له من بذل النصيحة فيه وكمال العبودية من الحياء والمراقبة والمحبة والخشوع وحضور القلب بين يدي الله في العمل له ومن علم هذا علم السر في كون أعمال الطاعات تختم بالاستغفار ففي صحيح مسلم عن ثوبان قال كان رسول الله إذا سلم من صلاته استغفر ثلاثا وقال اللهم أنت السلام ومنك السلام تباركت يا ذا الجلال","part":4,"page":415},{"id":1734,"text":"والإكرام قال تعالى كانوا قليلا من الليل ما يهجعون وبالأسحار هم يستغفرون فأخبر عن استغفارهم عقيب صلاة الليل قال الحسن مدوا الصلاة إلى السحر فلما كان السحر جلسوا يستغفرون الله وأمر الله تعالى عباده بالاستغفار عقيب الإفاضة في الحج فقال ثم أفيضوا من حيث أفاض الناس واستغفروا الله إن الله غفور رحيم وشرع رسول الله للمتوضىء أن يختم وضوءه بالتوحيد والاستغفار فيقول أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدا عبده ورسوله اللهم اجعلني من التوابين واجعلني من المتطهرين فهذا ونحوه مما يبين حقيقة الأمر وأن كل أحد محتاج إلى مغفرة الله ورحمته وأنه لا سبيل إلى النجاة بدون مغفرته ورحمته أصلا\rالجواب الثاني أنه لو فرض أن العبد يأتي بمقدوره كله من الطاعة ظاهرا وباطنا فالذي ينبغي لربه فوق ذلك وأضعاف أضعافه فإذا عجز العبد عنه لم يستحق ما يترتب عليه من الجزاء والذي أتى به لا يقابل أقل النعم فإذا حرم جزاء العمل الذي ينبغي للرب من عبده كان ذلك تعذيبا له ولم يكن الرب ظالما له في هذا الحرمان ولو كان عاجزا عن أسبابه فإنه لم يمنعه حقا يستحقه عليه فيكون ظالما بمنعه فإذا أعطاه الثواب كان مجرد صدقة منه وفضل تصدق بها عليه لا ينالها عمله بل هي خير من عمله وأفضل وأكثر ليست معوضة عليه والله أعلم\r","part":4,"page":416},{"id":1735,"text":"الجواب الثالث عن السؤال الأول أن العبد إذا علم أن الله سبحانه وتعالى هو مقلب القلوب وأنه يحول بين المرءوقلبه وأنه تعالى كل يوم هو في شأن يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد وأنه يهدي من يشاء ويضل من يشاء ويرفع من يشاء ويخفض من يشاء فما يؤمنه أن يقلب الله قلبه ويحول بينه وبينه ويزيغه بعد إقامته وقد أثنى الله على عباده المؤمنين بقولهم بنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا فلولا خوف الإزاغة لما سألوه أن لا يزيغ قلوبهم وكان من داء النبي اللهم مصرف القلوب صرف قلوبنا على طاعتك ومثبت القلوب ثبت قلوبنا على دينك وفي الترمذي عنه أنه يدعو أعوذ بعزتك أن تضلني أنت الحي الذي لا تموت وكان من دعائه اللهم إني أعوذ برضاك من سخطك وأعوذ بمعافاتك من عقوبتك وأعوذ بك منك فاستعاذ بصفة الرضا من صفة الغضب وبفعل العافية من فعل العقوبة واستعاذ به منه باعتبارين وكأن في استعاذته منه جمعا لما فصله في الجملتين قبله فإن الاستعاذة به منه ترجع إلى معنى الكلام قبلها مع تضمنها فائدة شريفة وهي كمال التوحيد وأن الذي يستعيذ به العائذ ويهرب منه إنما هو فعل الله ومشيئته وقدره فهو وحده المنفرد بالحكم فإذا أراد بعبده سوءا لم يعذه منه إلا هو فهو الذي يريد به ما يسوؤه وهو الذي يريد دفعه عنه فصار سبحانه مستعاذا به منه باعتبار الإرادتين وإن يمسسك الله بضر فلا كاشف له إلا هو فهو الذي يمس بالضر وهو الذي يكشفه لاإله إلا هو فالمهرب منه إليه والفرار منه إليه واللجأ منه إليه كما أن الاستعاذة منه فإنه لا رب غيره ولا مدبر للعبد سواه فهو الذي يحركه ويقلبه ويصرفه كيف يشاء\r","part":4,"page":417},{"id":1736,"text":"الجواب الرابع أن الله سبحانه وتعالى هو الذي خلق أفعال العبد الظاهرة والباطنة فهو الذي يجعل الإيمان والهدى في القلب ويجعل التوبة والإنابة والإقبال والمحبة والتفويض وأضدادها والعبد في كل لحظة مفتقر إلى هداية يجعلها الله في قلبه وحركات يحركها بها في طاعته وهذا إلى الله سبحانه وتعالى فهو خلقه وقدره وكان من دعاء النبي اللهم آت نفسي تقواها وزكها أنت خير من زكاها أنت وليها ومولاها وعلم حصين بن المنذر أن يقول اللهم الهمني رشدي وقني شر نفسي /وعامة أدعيته متضمنة لطلب توفيق ربه وتزكيته له واستعماله في محابه فمن هداه وصلاحه وأسباب نجاته بيد غيره وهو المالك له ولها المتصرف فيه بما يشاء ليس من أمره شيء من أحق بالخوف منه وهب أنه قد خلق له في الحال الهداية فهل هو على يقين وعلم أن الله سبحانه وتعالى يخلقها له في المستقبل ويلهمه رشده أبدا فعلم أن خوف المقربين عند ربهم أعظم من خوف غيرهم والله المستعان.أ هـ {طريق الهجرتين صـ 430 ـ 433}\rقوله تعالى : {إِنَّ الله غَفُورٌ رَّحِيمٌ }\rقال العلامة الفخر : \rوأما قوله تعالى : {إِنَّ الله غَفُورٌ رَّحِيمٌ} قد علمت أن غفوراً يفيد المبالغة ، وكذا الرحيم ، ثم في الآية مسألتان : \rالمسألة الأولى : هذه الآية تدل على أنه تعالى يقبل التوبة من التائب ، لأنه تعالى لما أمر المذنب بالاستغفار ، ثم وصف نفسه بأنه كثير الغفران كثير الرحمة ، فهذا يدل قطعاً على أنه تعالى يغفر لذلك المستغفر ، ويرحم ذلك الذي تمسك بحبل رحمته وكرمه.\r","part":4,"page":418},{"id":1737,"text":"المسألة الثانية : اختلف أهل العلم في المغفرة الموعودة في هذه الآية فقال قائلون : إنها عند الدفع من عرفات إلى الجمع ، وقال آخرون : إنها عند الدفع من الجمع إلى منى ، وهذا الاختلاف مفرع على ما ذكرنا أن قوله : {ثُمَّ أَفِيضُواْ} على أي الأمرين يحمل ؟ قال القفال رحمه الله : ويتأكد القول الثاني بما روى نافع عن ابن عمر ، قال : خطبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم عشية يوم عرفة فقال : \" يا أيها الناس إن الله عز وجل يطلع عليكم في مقامكم هذا ، فقبل من محسنكم ووهب مسيئكم لمحسنكم ، والتبعات عوضها من عنده أفيضوا على اسم الله \" فقال أصحابه : يا رسول الله أفضت بنا بالأمس كئيباً حزيناً وأفضت بنا اليوم فرحاً مسروراً ، فقال عليه الصلاة والسلام : \" إني سألت ربي عز وجل بالأمس شيئاً لم يجد لي به : سألته التبعات فأبى علي به فلما كان اليوم أتاني جبريل عليه السلام فقال : إن ربك يقرئك السلام ويقول لك : التبعات ضمنت عوضها من عندي \" اللهم اجعلنا من أهله بفضلك يا أكرم الأكرمين. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 5 صـ 156}\r( بصيرة فى الاستغفار )\rوقد ورد على ثلاثة أَوجهٍ : \rالأَوّل : بمعنى الرّجوع عن الشرك ، والكفر : {فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُواْ رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّاراً} ، {وَأَنِ اسْتَغْفِرُواْ رَبَّكُمْ}.\rالثَّانى : بمعنى الصّلاة : {وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالأَسْحَارِ} أَى المصلِّين.\rالثالث : بمعنى طلب غفران الذنوب : {وَاسْتَغْفِرْ لِذَنبِكَ} ، {اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لاَ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ} ، {فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ}. أ هـ {بصائر ذوى التمييز حـ 2 صـ 117}\rتم الجزء الرابع من كتاب {جامع لطائف التفسير} ولله الحمد والمنة\rويليه إن شاء الله تعالى الجزء الخامس وأوله قوله تعالى : {فَإِذَا قَضَيْتُمْ مَنَاسِكَكُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آَبَاءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْرًا فَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آَتِنَا فِي الدُّنْيَا وَمَا لَهُ فِي الْآَخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ (200)}","part":4,"page":419},{"id":1738,"text":"بسم الله الرحمن الرحيم\rاسم الكتاب / جامع لطائف التفسير\rالعاجز الفقير\rعبد الرحمن بن محمد القماش\rإمام وخطيب بدولة الإمارات العربية\rعفا الله عنه وغفر له\rالجزء الخامس\rحقوق النسخ والطبع والنشر مسموح بها لكل مسلم\r{ يا قوم لا أسألكم عليه أجرا }","part":5,"page":3},{"id":1739,"text":"الجزء الخامس\rمن الآية {200} من سورة البقرة\rوحتى الآية {219} من نفس السورة","part":5,"page":4},{"id":1740,"text":"قوله تعالى : {فَإِذَا قَضَيْتُمْ مَنَاسِكَكُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آَبَاءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْرًا فَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آَتِنَا فِي الدُّنْيَا وَمَا لَهُ فِي الْآَخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ (200)}\rمناسبة الآية لما قبلها\rقال البقاعى : \rولما أمرهم بالذكر في المناسك وكان الإنسان فيها بصدد الذكر أمرهم بالذكر بعد قضائها لأن من فرغ من العبادة كان بصدد أن يستريح فيفتر عن الذكر إلى غيره وكانت عادتهم أن يذكروا بعد فراغهم مفاخر آبائهم فقال : {فإذا قضيتم} أي أنهيتم إنهاء بيناً لا شبهة فيه {مناسككم} أي أركان الحج ، وأعاد الاسم الأعظم بمثل ما مضى من التعظيم وتعميم الذكر في جميع الوجوه فقال : {فاذكروا الله} الذي لا نعمة عليكم إلا منه وهو الذي هداكم ، ذكراً {كذكركم آباءكم} لكونهم أحسنوا إليكم بالتربية التي هي في الحقيقة من فضل الله تعالى ، على أنهم فعلوا بكم كل محنة لا توازيها نعمة فإنهم أضلوكم ، فسبحان من رضي وهو المنعم المطلق الهادي بأن يذكر مثل ذكر من كان سبباً لنعمة خاصة هو سبحان الذي أفاضها عليه مع أنه كان سبباً في الضلال!\rقال الحرالي : فانتظم ذكر إخراجهم عن قولهم المعهود بإخراجهم عن موقفهم المعهود إخراجاً لهم عن معتادهم في أعمالهم وأحوالهم ، وفي إعلامه أخذ للخلق بأن يعاملوا الحق معاملة من يجلونه من الخلق وذلك عن بلية ما غلب عليهم من التقيد بما يرون وضعف الإيمان بما سمعوا أو علموا.\r","part":5,"page":5},{"id":1741,"text":"ولما كان في هذه التربية بخس جرى عليه هذا الخطاب كما ورد \"استحي من الله كما تستحيي رجلاً جليلاً من قومك \"قال تعالى : {أو أشد ذكراً} انتهى. أي اذكروا الله ذكراً أعلى من ذلك بأن تذكروه ذكراً أشد من ذكركم لآبائكم لما له من الفضل العام ، ومما يدخل تحت هذا الذكر أن يأنف من أن يكون لله في عبادته أو شيء من أموره شريك كما يستنكف ابن أن يكون لأبيه فيه شريك بل يكون في أمر الشرك أشد أنفة. قال الحرالي : فرفع الخطاب إلى ما هو أليق بالحق من إيثار ما يرجع إليه على ما يرجع إلى الخلق انتهى.\rأ هـ {نظم الدرر حـ 1 صـ 379}\rقال الفخر : \rروى ابن عباس أن العرب كانوا عند الفراغ من حجتهم بعد أيام التشريق يقفون بين مسجد منى وبين الجبل ، ويذكر كل واحد منهم فضائل آبائه في السماحة والحماسة وصلة الرحم ، ويتناشدون فيها الأشعار ، ويتكلمون بالمنثور من الكلام ، ويريد كل واحد منهم من ذلك الفعل حصول الشهرة والترفع بمآثر سلفه ، فلما أنعم الله عليهم بالإسلام أمرهم أن يكون ذكرهم لربهم كذكرهم لآبائهم ، وروى القفال في \"تفسيره\" عن ابن عمر قال : طاف رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ على راحلته القصوى يوم الفتح يستلم الركن بمحجنه ثم حمد الله وأثنى عليه ثم قال : \"أما بعد أيها الناس إن الله قد أذهب عنكم حمية الجاهلية وتفككها ، يا أيها الناس إنما الناس رجلان بر تقي كريم على الله أو فاجر شقي هين على الله ثم تلا {يا أَيُّهَا الناس إِنَّا خلقناكم مّن ذَكَرٍ وأنثى} {الحجرات : 13 ] أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم \"وعن السدي أن العرب بمنى بعد فراغهم من الحج كان أحدهم يقول : اللهم إن أبي كان عظيم الجفنة ، عظيم القدر ، كثير المال ، فأعطني مثل ما أعطيته ، فأنزل الله تعالى هذه الآية.أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 5 صـ 156}\rفائدة لغوية","part":5,"page":6},{"id":1742,"text":"المناسك جمع مَنْسَك مشتق من نسك نَسْكاً من باب نصر إذا تعبد وقد تقدم في قوله تعالى : {وأرنا مناسكنا} {البقرة : 128 ] فهو هنا مصدر ميمي أو هو اسم مكان والأول هو المناسب لقوله : {قضيتم} ؛ لئلا نحتاج إلى تقدير مضاف أي عبادات مناسككم.أ هـ {التحرير والتنوير حـ 2 صـ 244}\rفائدة\rقال الفخر :\rاعلم أن القضاء إذا علق بفعل النفس ، فالمراد به الإتمام والفراغ ، وإذا علق على فعل الغير فالمراد به الإلزام ، نظير الأول قوله تعالى : {فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سموات فِى يَوْمَيْنِ} {فصلت : 12 ] {فَإِذَا قُضِيَتِ الصلاة} {الجمعة : 10 ] وقال عليه الصلاة والسلام : \"وما فاتكم فاقضوا \"ويقال في الحاكم عند فصل الخصومة قضى بينهما ، ونظير الثاني قوله تعالى : {وقضى رَبُّكَ} {الإسراء : 23 ] وإذا استعمل في الإعلام ، فالمراد أيضاً ذلك كقوله : {وَقَضَيْنَا إلى بَنِى إسرائيل فِى الكتاب} {الإسراء : 4 ] يعني أعلمناهم.\rإذا ثبت هذا فنقول : قوله تعالى : {فَإِذَا قَضَيْتُم مناسككم} لا يحتمل إلا الفراغ من جميعه خصوصاً وذكر كثير منه قد تقدم من قبل ، وقال بعضهم : يحتمل أن يكون المراد : اذكروا الله عند المناسك ويكون المراد من هذا الذكر ما أمروا به من الدعاء بعرفات والمشعر الحرام والطواف والسعي ويكون قوله : {فَإِذَا قَضَيْتُم مناسككم فاذكروا الله} كقول القائل إذا حججت فطف وقف بعرفة ولا يعني به الفراغ من الحج بل الدخول فيه ، وهذا القول ضعيف لأنا بينا أن قوله : {فَإِذَا قَضَيْتُم مناسككم} مشعر بالفراغ والإتمام من الكل ، وهذا مفارق لقول القائل : إذا حججت فقف بعرفات ، لأن مراده هناك الدخول في الحج لا الفراغ ، وأما هذه الآية فلا يجوز أن يكون المراد منها إلا الفراغ من الحج.أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 5 صـ 156}\rقوله تعالى {فاذكروا الله }\rقال العلامة الفخر :","part":5,"page":7},{"id":1743,"text":"الفاء في قوله : {فاذكروا الله} يدل على أن الفراغ من المناسك يوجب هذا الذكر ، فلهذا اختلفوا في أن هذا الذكر أي ذكر هو ؟ فمنهم من حمله على الذكر على الذبيحة ، ومنهم من حمله على الذكر الذي هو التكبيرات بعد الصلاة في يوم النحر وأيام التشريق ، على حسب اختلافهم في وقته أولاً وآخراً ، لأن بعد الفراغ من الحج لا ذكر مخصوص إلا هذه التكبيرات ، ومنهم من قال : بل المراد تحويل القوم عما اعتادوه بعد الحج من ذكر التفاخر بأحوال الآباء لأنه تعالى لو لم ينه عن ذلك بإنزال هذه الآية لم يكونوا ليعدلوا عن هذه الطريقة الذميمة ، فكأنه تعالى قال : فإذا قضيتم وفرغتم من واجبات الحج وحللتم فتوفروا على ذكر الله دون ذكر الآباء ، ومنهم من قال : بل المراد منه أن الفراغ من الحج يوجب الإقبال على الدعاء والاستغفار ، وذلك لأن من تحمل مفارقة الأهل والوطن وإنفاق الأموال ، والتزام المشاق في سفر الحج فحقيق به بعد الفراغ منه أن يقبل على الدعاء والتضرع وكثرة الاستغفار والانقطاع إلى الله تعالى ، وعلى هذا جرت السنة بعد الفراغ من الصلاة بالدعوات الكثيرة وفيه وجه خامس وهو أن المقصود من الاشتغال بهذه العبادة : قهر النفس ومحو آثار النفس والطبيعة ثم هذا العزم ليس مقصوداً بالذات بل المقصود منه أن تزول النقوش الباطلة عن لوح الروح حتى يتجلى فيه نور جلال الله ، والتقدير : فإذا قضيتم مناسككم وأزلتم آثار البشرية ، وأمطتم الأذى عن طريق السلوك فاشتغلوا بعد ذلك بتنوير القلب بذكر الله ، فالأول نفي والثاني إثبات والأول إزالة ما دون الحق من سنن الآثار والثاني استنارة القلب بذكر الملك الجبار. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 5 صـ 156}\rوقال العلامة الطبرى بعد أن ذكر هذه الأقوال فى المراد بالذكر : ","part":5,"page":8},{"id":1744,"text":"والصواب من القول عندي في تأويل ذلك أن يقال : إن الله جل ثناؤه أمرَ عباده المؤمنين بذكره بالطاعة له في الخضوع لأمره والعبادة له ، بعد قَضاء مَناسكهم. وذلك\"الذكر\" جائز أن يكون هو التكبير الذي أمرَ به جل ثناؤه بقوله : ( وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ ) {سورة البقرة : 203 ] الذي أوجبه على من قضى نُسكه بعد قضائه نُسكه ، فألزمه حينئذ مِنْ ذِكْره ما لم يكن له لازمًا قبل ذلك ، وحثَّ على المحافظة عليه مُحافظة الأبناء على ذكر الآباء في الآثار منه بالاستكانة له والتضرع إليه بالرغبة منهم إليه في حوائجهم كتضرُّع الولد لوالده ، والصبي لأمه وأبيه ، أو أشد من ذلك ، إذ كان ما كان بهم وبآبائهم من نعمة فمنه ، وهو وليه.\rوإنما قلنا : \"الذكر\" الذي أمر الله جل ثناؤه به الحاجَّ بعد قضاء مَناسكه بقوله : \" فإذا قضيتم مناسككم فاذكروا الله كذكركم آباءكم أو أشد ذكرًا\" : \"جائزٌ أن يكون هو التكبير الذي وَصفنا\" ، من أجل أنه لا ذكر لله أمرَ العباد به بعد قَضاء مَناسكهم لم يكن عليهم من فرضه قبل قضائهم مناسكهم ، سوى التكبير الذي خصَّ الله به أيام منى.\rفإذ كان ذلك كذلك ، وكان معلومًا أنه جل ثناؤه قد أوجبَ على خلقه بعد قَضائهم مناسكهم من ذكره ما لم يكن واجبًا عليهم قبل ذلك ، وكان لا شيء من ذكره خَصّ به ذلك الوقت سوى التكبير الذي ذكرناه\rكانت بَيِّنةً صحةُ ما قلنا من تأويل ذلك على ما وصفنا.\rأ هـ {تفسير الطبرى حـ 4 صـ 200}\rفائدة\r","part":5,"page":9},{"id":1745,"text":"قال النوويُّ في \"حليته\" : والمرادُ من الذِّكْر حضورُ القَلْب ، فينبغي أن يكون هو مقصودَ الذاكر ، فيحرص على تحصيله ، ويتدبَّر ما يذكر ، ويتعقَّل معناه ، فالتدبُّر في الذكْر مطلوبٌ ؛ كما هو مطلوب في القراءة ؛ لاشتراكهما في المعنَى المقصود ، ولهذا كان المذهبُ الصحيحُ المختارُ استحبابَ مَدِّ الذاكرِ قوله : \"لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ\" ، لما فيه من التدبُّر ، وأقوالُ السلفِ ، وأئمةِ الخَلَف في هذا مشهورةٌ. انتهى.\rقال الشيخُ العارفُ أبو عبد اللَّه محمَّد بن أحمد الأنصاريُّ الساحليُّ المَالقِيُّ : ومنفعةُ الذكْرِ أبداً إِنما هي تَتْبع معناه بالفكْرِ ؛ ليقتبس الذاكِرُ من ذُكْرِهِ أنوار المعرفة ، ويحصل على اللُّبِّ المراد ، ولا خير في ذِكْرٍ مع قَلْبٍ غافلٍ ساهٍ ، ولا مع تضْييعِ شيءٍ من رسوم الشرعِ ، وقال في موضعٍ آخر من هذا الكتاب الذي ألَّفه في \"السُّلوك\" : ولا مَطْمع للذَّاكر في دَرْكِ حقائقِ الذِّكْرِ إِلا بإِعمال الفكْر فيما تحْت ألفاظ الذكْر من المعانِي ، وليدفع خَطَرات نفْسه عن باطنه راجِعاً إِلى مقتضى ذكْره ؛ حتى يغلب معنى الذكْر على قلبه ، وقد آن له أنْ يدخل في دائرة أهْل المحاضَرَات. انتهى. أ هـ {الجواهر الحسان حـ 1 صـ 159}\rسؤال : لم أعاد الأمر بالذكر فى قوله {فاذكروا الله} ؟ \rالجواب : أعاد الأمر بالذكر بعد أن أمر به وبالاستغفار تحضيضاً عليه وإبطالاً لما كانوا عليه في الجاهلية من الاشتغال بفضول القول والتفاخر ، فإنه يجر إلى المراء والجدال ، والمقصد أن يكون الحاج منغمساً في العبادة فعلاً وقولاً واعتقاداً. أ هـ {التحرير والتنوير حـ 2 صـ 245}\rقوله تعالى : {كَذِكْرِكُمْ ءَابَاءَكُمْ }\rقال الإمام الفخر : ","part":5,"page":10},{"id":1746,"text":"أما قوله تعالى : {كَذِكْرِكُمْ ءَابَاءَكُمْ} ففيه وجوه أحدها : وهو قول جمهور المفسرين : أنا ذكرنا أن القوم كانوا بعد الفراغ من الحج يبالغون في الثناء على آبائهم في ذكر مناقبهم وفضائلهم فقال الله سبحانه وتعالى : {فاذكروا الله كَذِكْرِكُمْ ءَأَبَاءَكُمْ} يعني توفروا على ذكر الله كما كنتم تتوفرون على ذكر الآباء وابذلوا جهدكم في الثناء على الله وشرح آلائه ونعمائه كما بذلتم جهدكم في الثناء على آبائكم لأن هذا أولى وأقرب إلى العقل من الثناء على الآباء ، فإن ذكر مفاخر الآباء إن كان كذباً فذلك يوجب الدناءة في الدنيا والعقوبة في الآخرة وإن كان صدقاً فذلك يوجب العجب والكبر وكثرة الغرور ، وكل ذلك من أمهات المهلكات ، فثبت أن اشتغالكم بذكر الله أولى من اشتغالكم بمفاخر آبائكم ، فإن لم تحصل الأولوية فلا أقل من التساوي\rوثانيها : قال الضحاك والربيع : اذكروا الله كذكركم آباءكم وأمهاتكم ، واكتفى بذكر الآباء عن الأمهات كقوله : {سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الحر} {النحل : 81 ] قالوا وهو قول الصبي أول ما يفصح الكلام أبه أبه ، أمه أمه ، أي كونوا مواظبين على ذكر الله كما يكون الصبي في صغره مواظباً على ذكر أبيه وأمه\rوثالثها : قال أبو مسلم : جرى ذكر الآباء مثلاً لدوام الذكر ، والمعنى أن الرجل كما لا ينسى ذكر أبيه فكذلك يجب أن لا يغفل عن ذكر الله\rورابعها : قال ابن الأنباري في هذه الآية : إن العرب كان أكثر أقسامها في الجاهلية بالآباء كقوله وأبي وأبيكم وجدي وجدكم ، فقال تعالى : عظموا الله كتعظيمكم آبائكم\r","part":5,"page":11},{"id":1747,"text":"وخامسها : قال بعض المذكورين : المعنى اذكروا الله بالوحدانية كذكركم آبائكم بالوحدانية فإن الواحد منهم لو نسب إلى والدين لتأذى واستنكف منه ثم كان يثبت لنفسه آلهة فقيل لهم : اذكروا الله بالوحدانية كذكركم آبائكم بالوحدانية ، بل المبالغة في التوحيد ههنا أولى من هناك ، وهذا هو المراد بقوله : {أَوْ أَشَدَّ ذِكْرًا }\rوسادسها : أن الطفل كما يرجع إلى أبيه في طلب جميع المهمات ويكون ذاكراً له بالتعظيم ، فكونوا أنتم في ذكر الله كذلك\rوسابعها : يحتمل أنهم كانوا يذكرون آباءهم ليتوسلوا بذكرهم إلى إجابة الدعاء عند الله فعرفهم الله تعالى أن آباءهم ليسوا في هذه الدرجة إذ أفعالهم الحسنة صارت غير معتبرة بسبب شركهم وأمروا أن يجعلوا بدل ذلك تعديد آلاء الله ونعمائه وتكثير الثناء عليه ليكون ذلك وسيلة إلى تواتر النعم في الزمان المستقبل ، وقد نهى رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ عن أن يحلفوا بآبائهم فقال : \"من كان حالفاً فليحلف بالله أو ليصمت \"إذا كل ما سوى الله فإنما هو لله وبالله فالأولى تعظيم الله تعالى ولا إله غيره\rوثامنها : روي عن ابن عباس أنه قال في تفسير هذه الآية : هو أن تغضب لله إذا عصى أشد من غضبك لوالدك إذا ذكر بسوء.\rواعلم أن هذه الوجوه وإن كانت محتملة إلا أن الوجه الأول هو المتعين وجميع الوجوه مشتركة في شيء واحد ، وهو أنه يجب على العبد أن يكون دائم الذكر لربه دائم التعظيم له دائم الرجوع إليه في طلب مهماته دائم الانقطاع عمن سواه ، اللهم اجعلنا بهذه الصفة يا أكرم الأكرمين.أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 5 صـ 156}\rقال ابن عاشور : \rعن السدي : كان الرجل يقوم فيقول : اللهم إن أبي كان عظيم القبة عظيم الجفنة كثير المال فأعطني مثل ما أعطيته ، فلا يذكر غير أبيه وذكر أقوالاً نحواً من ذلك.","part":5,"page":12},{"id":1748,"text":"والمراد تشبيه ذكر الله بذكر آبائهم في الكثرة والتكرير وتعمير أوقات الفراغ به وليس فيه ما يؤذن بالجمع بين ذكر الله وذكر الآباء. أ هـ {التحرير والتنوير حـ 2 صـ 245}\rلطيفة\rسئل أبو يعقوب المكى كيف تذكر الحق كذكر الأب ؟ \rفقال : اعلم أنه إذا ضربك فإنه أدبك لحبه لك ، وإذا سلبك فاعلم أنه أعطاك بقربه منك ، وليس يسعك سوء الظن به لشفقته عليك. أ هـ {عرائس البيان صـ 71}.\rقوله تعالى : {أَوْ أَشَدَّ ذِكْرًا }\rقال ابن عاشور : \rوقوله : {أو أشد ذكرا} أصل أو أنها للتخيير ولما كان المعطوف بها في مثل ما هنا أولى بمضمون الفعل العامل في المعطوف عليه أفادت ( أو ) معنى من التدرج إلى أعلى ، فالمقصود أن يذكروا الله كثيراً ، وشبه أولاً بذكر آبائهم تعريضاً بأنهم يشتغلون في ذلك المناسك بذكر لا ينفع وأن الأجدر بهم أن يعوضوه بذكر الله فهذا تعريض بإبطال ذكر الآباء بالتفاخر. ولهذا قال أبو علي الفارسي وابن جنى : إن ( أو ) في مثل هذا للإضراب الانتقالي ونفَيَا اشتراط تقدم نفي أو شبهه واشتراط إعادة العامل. وعليه خُرج قوله تعالى : \r{ وأرسلناه إلى مائة ألف أو يزيدون} {الصافات : 147 ] ، وعلى هذا فالمراد من التشبيه أولاً إظهار أن الله حقيق بالذكر هنالك مثل آبائِهم ثم بين بأن ذكر الله يكون أشد لأنه أحق بالذكر.","part":5,"page":13},{"id":1749,"text":"و ( أشد ) لا يخلو عن أن يكون معطوفاً على مصدر مقدر منصوب على أنه مفعول مطلق بعد قوله {كذكركم آباءكم} تقديره : {كذكركم آباءكم} فتكون فتحة {أشد} التي في آخره فتحة نصب ، فنصبه بالعطف على المصدر المحذوف الذي دل عليه قوله {كذكركم} والتقدير : ذكراً كذكركم آباءكم ، وعلى هذا الوجه فنصب {ذكراً} يظهر أنه تمييز لأشد ، وإذ قد كان ( أشد ) وصفاً لذكر المقدر صار مآل التمييز إلى أنه تمييز الشيء بمرادفه وذلك ينافي القصد من التمييز الذي هو لإزالة الإبهام ، إلاّ أن مثل ذلك يقع في الكلام الفصيح وإن كان قليلاً قلة لا تنافي الفصاحة اكتفاء باختلاف صورة اللفظين المترادفين ، مع إفادة التمييز حينئذٍ توكيد المميز كما حكى سيبويه أنهم يقولون : هو أشح الناس رجلاً ، وهما خير الناس اثنين ، وهذا ما درج عليه الزجاج في \"تفسيره\" ، قلت : وقريب منه استعمال تمييز ( نعم ) توكيداً في قوله جرير\r : ... تَزَوَّدْ مثلَ زاد أبيك فينا\r","part":5,"page":14},{"id":1750,"text":"فنِعْم الزاد زادُ أبيك زَادا... ويجوز أن يكون نصب {أشد} على الحال من ( ذكر ) الموالي له وأن أصل أشد نعت له وكان نظم الكلام : أو ذكراً أشد ، فقدم النعت فصار حالاً ، والداعي إلى تقديم النعت حينئذٍ هو الاهتمام بوصف كونه أشد ، وليتأتى إشباع حرف الفاصلة عند الوقف عليه ، وليباعد ما بين كلمات الذكر المتكررة ثلاث مرات بقدر الإمكان. أو أن يكون ( أشد ) معطوفاً على ( ذكر ) المجرور بالكاف من قوله : {كذكركم} ولا يمنع من ذلك ما قيل من امتناع العطف على المجرور بدون إعادة الجار لأن ذلك غير متفق عليه بين أئمة النحو ، فالكوفيون لا يمنعونه ووافقهم بعض المتأخرين مثل ابن مالك وعليه قراءة حمزة {واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام} {النساء : 1 ] بجر الأرحام وقد أجاز الزمخشري هنا وفي قوله تعالى : {كخشية الله أو أشد خشية} في {سورة النساء : 77 ] أن يكون العطف على المجرور بالحرف بدون إعادة الجار ، وبعض النحويين جوزه فيما إذا كان الجر بالإضافة لا بالحرف كما قاله ابن الحاجب في إيضاح المفصل} ، وعليه ففتحة {أشد} نائبة عن الكسرة ، لأن أشد ممنوع من الصرف وعلى هذا الوجه فانتصاب {ذكرا} على التمييز على نحو ما تقدم في الوجه الأول عن سيبويه والزجاج.\rولصاحب \"الكشاف\" تخريجان آخران لإعراب {أو أشد ذكراً} فيهما تعسف دعاه إليهما الفرار من ترادف التمييز والمميز ، ولابن جني تبعاً لشيخه أبي علي تخريج آخر ، دعاه إليه مثل الذي دعا الزمخشري وكان تخريجه أشد تعسفاً ذكره عنه ابن المنير في \"الانتصاف\" ، وسلكه الزمخشري في تفسير آية سورة النساء.\r","part":5,"page":15},{"id":1751,"text":"وهذه الآية من غرائب الاستعمال العربي ، ونظيرتها آية سورة النساء ، قال الشيخ ابن عرفة في \"تفسيره\" \"وهذه مسألة طويلة عويصة ما رأيت من يفهمها من الشيوخ إلاّ ابن عبد السلام وابن الحباب وما قصر الطيبي فيها وهو الذي كشف القناع عنها هنا وفي قوله تعالى في {سورة النساء : 77 ]\r{ يخشون الناس كخشية الله أو أشد خشية} وكلامه في تلك الآية هو الذي حمل التونسيين على نسخه ؛ لأني كنت عند ابن عبد السلام لما قدم الواصل بكتاب الطيبي فقلت له : ننظر ما قال : في أشد خشية} فنظرناه فوجدنا فيه زيادة على ما قال الناس فحض الشيخ إذ ذاك على نسخها اهـ \". أ هـ {التحرير والتنوير حـ 2 صـ 246 ـ 247}\rفائدة\rقال ابن عرفة : هذه الآية نص في ( أنّ ) الأمر بالشيء نهي عن ضده لأنّهم قالوا : سبب نزولها أنّ قريشا الحمس كانوا يجتمعون بعد الإفاضة من عرفات فيفتخرون بأنسابهم فنزلت الآية ردا عليهم فكان الأصل أن يقال : فإذا قضيتم مناسككم لا تفتخروا بآبائكم. لكنه لو قيل ذلك لاحتمل أن يسكتوا ولا يتكلّموا بشيء ويتحدّثوا في أخبار الأوائل فيما ليس بذكر ولا فخر فأمرهم الله تعالى بذكر حتى يتناول النهي عن الاشتغال بجميع أضداده المنافية له. أ هـ {تفسير ابن عرفة صـ 257}\rلطيفة\rقال ابن القيم ـ رحمه الله ـ عن الذكر : \rكما ختم به عمل الصيام بقوله : {وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} {البقرة : 185 ] وختم به الحج في قوله : {فَإِذَا قَضَيْتُمْ مَنَاسِكَكُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آبَاءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْراً} {البقرة : 200 ] وختم به الصلاة كقوله : {فَإِذَا قَضَيْتُمُ الصَّلاةَ فَاذْكُرُوا اللَّهَ قِيَاماً وَقُعُوداً وَعَلَى جُنُوبِكُمْ} {النساء : 103 ]","part":5,"page":16},{"id":1752,"text":"وختم به الجمعة كقوله : {فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيراً لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} {الجمعة : 10 ] ولهذا كان خاتمة الحياة الدنيا وإذا كان آخر كلام العبد : أدخله الله الجنة وأما اختصاص الذاكرين بالانتفاع بآياته وهم أولو الألباب والعقول فكقوله تعالى : {إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآياتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَاماً وَقُعُوداً وَعَلَى جُنُوبِهِمْ} {آل عمران : 190191 ] وأما مصاحبته لجميع الأعمال واقترانه بها وأنه روحها : فإنه سبحانه قرنه بالصلاة كقوله : {وَأَقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي} {طه : 14 ] وقرنه بالصيام وبالحج ومناسكه بل هو روح الحج ولبه ومقصوده كما قال النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ : إنما جعل الطواف بالبيت والسعي بين الصفا والمروة ورمي الجمار : لإقامة ذكر الله. أ هـ {مدارج السالكين حـ 2 صـ 426 ـ 427}\rمن لطائف الإمام القشيرى فى الآية\r{ فَاذْكُرُوا اللهَ كَذِكْرِكُمْ آبَاءَكُمْ} قيامٌ له بالقلب على استدامة الوقت واستغراق العمر.\rويقال كما أنَّ الأغيار يفتخرون بآبائهم ، ويستبشرون بأسلافهم فَلْيَكُنْ افتخاركم بنا واستبشاركم بنا.\rويقال إن كان لآبائكم عليكم حقُّ التربية فحقُّنا عليكم أوجب ، وأفضالنا عليكم أتم.\rويقال إن كان لأسلافكم مآثر ومناقب ، فاستحقاقنا لنعوت الجلال فوق ما لآبائكم من حسن الحال.\rويقال إنك لا تملُّ ذكر أبيك ولا تنساه على غالب أحوالك ، فاسْتَدِمْ ذِكرنا ، ولا تَعْترِضَنَّكَ ملالة أو سآمة أو نسيان.\rويقال إنْ طَعَنَ في نَسَبِكَ طاعِنٌ لم ترضَ فكذلك ما تسمع من أقاويل أهل الضلال والبِدَعِ فَذُبَّ عنَّا.\rويقال الأبُ يُذكَرُ بالحرمة والحشمة فكذلك اذكرنا بالهيبة مع ذكر لطيف القربة بحسن التربية.\r","part":5,"page":17},{"id":1753,"text":"وقال {كَذِكْرِكُمْ آبَاءَكُمْ} ولم يقل أمهاتكم لأن الأب يُذكَر احتراماً والأم تُذكَر شفقةً عليها ، والله يَرْحَم ولا يُرْحَم.\r{ أَوْ أَشَدَّ ذِكْرًا} لأن الحقَّ أحقُّ ، ولأنك قد تستوحش كثيراً عن أبيك ، والحقُّ سبحانه مُنَزَّهٌ عن أن يخطر ببال من يعرفه أنه بخلاف ما يقتضي الواجب حتى إن كان ذرة. وقوله {كَذِكْرِكُمْ آبَاءَكُمْ} الأب على ما يستحقه والرب على ما يستحقه. أ هـ {لطائف الإشارات حـ 1 صـ 167 ـ 168}\rقوله تعالى {فَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آَتِنَا فِي الدُّنْيَا وَمَا لَهُ فِي الْآَخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ}\rالمناسبة\rقال البقاعى : \rولما أمر تعالى بما أمر من ذكره لذاته ثم لإحسانه على الإطلاق ثم قيد بإفراده بذلك وترك ذكر الغير سبب عنه تقسيم الناس في قبول الأمر فقال صارفاً من القول عن الخطاب دلالة على العموم : {فمن الناس من} تكون الدنيا أكبر همه فلا التفات له إلى غيرها فهو {يقول} أفرد الضمير رعاية للفظ من بشارة بأن الهالك في هذه الأمة إن شاء الله قليل {ربنا} أيها المحسن إلينا {آتنا في الدنيا} ومفعوله محذوف تقديره : ما نريد - {و} الحال أنه {ما له} ويجوز أن يكون عطفاً على ما تقديره : فيعطيه ما شاء سبحانه منها لا ما طلب هو ، وليس له {في الآخرة من خلاق} أي نصيب لأنه لا رغبة له فيها فهو لا يطلبها ولا يسعى لها سعيها.\rقال الحرالي : والخلاق الحظ اللائق بالخَلق والخُلق.\rأ هـ {نظم الدرر حـ 1 صـ 380}\rقال الفخر : ","part":5,"page":18},{"id":1754,"text":"اعلم أن الله تعالى بين أولا تفصيل مناسك الحج ، ثم أمر بعدها بالذكر ، فقال : {فَإِذَا أَفَضْتُم مّنْ عرفات فاذكروا الله عِندَ المشعر الحرام واذكروه كَمَا هَدَاكُمْ} {البقرة : 198 ] ثم بين أن الأولى أن يترك ذكر غيره ، وأن يقتصر على ذكره فقال : {فاذكروا الله كَذِكْرِكُمْ ءابَاءكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْرًا} ثم بين بعد ذلك الذكر كيفية الدعاء فقال : {فَمِنَ الناس مَن يَقُولُ رَبَّنَا ءاتِنَا فِى الدنيا} وما أحسن هذا الترتيب ، فإنه لا بد من تقديم العبادة لكسر النفس وإزالة ظلماتها ، ثم بعد العبادة لا بد من الاشتغال بذكر الله تعالى لتنوير القلب وتجلى نور جلاله ، ثم بعد ذلك الذكر يشتغل الرجل بالدعاء فإن الدعاء إنما يكمل إذا كان مسبوقاً بالذكر كما حكي عن إبراهيم عليه السلام أنه قدم الذكر فقال : {الذى خَلَقَنِى فَهُوَ يَهْدِينِ} {الشعراء : 78 ] ثم قال : {رَبّ هَبْ لِى حُكْماً وَأَلْحِقْنِى بالصالحين} {الشعراء : 83 ] فقدم الذكر على الدعاء.\rإذا عرفت هذا فنقول : بين الله تعالى أن الذين يدعون الله فريقان أحدهما : أن يكون دعاؤهم مقصوراً على طلب الدنيا والثاني : الذين يجمعون في الدعاء بين طلب الدنيا وطلب الآخرة ، وقد كان في التقسيم قسم ثالث ، وهو من يكون دعاؤه مقصوراً على طلب الآخرة ، واختلفوا في أن هذا القسم هل هو مشروع أو لا ؟ والأكثرون على أنه غير مشروع ، وذلك أن الإنسان خلق محتاجاً ضعيفاً لا طاقة له بآلام الدنيا ولا بمشاق الآخرة ، فالأولى له أن يستعيذ بربه من كل شرور الدنيا والآخرة ، روى القفال في \"تفسيره\" عن أنس أن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ دخل على رجل يعوده وقد أنهكه المرض ، فقال : ما كنت تدعو الله به قبل هذا قال : كنت أقول.\r","part":5,"page":19},{"id":1755,"text":"اللهم ما كنت تعاقبني به في الآخرة فعجل به في الدنيا ، فقال النبي عليه السلام : \"سبحان الله إنك لا تطيق ذلك ألا قلت {رَبَّنَا ءاتِنَا فِى الدنيا حَسَنَةً وَفِي الأخرة حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النار} {البقرة : 201 ] \"قال فدعا له رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ فشفي.\rواعلم أنه سبحانه لو سلط الألم على عرق واحد في البدن ، أو على منبت شعرة واحدة ، لشوش الأمر على الإنسان وصار بسببه محروماً عن طاعة الله تعالى وعن الاشتغال بذكره ، فمن ذا الذي يستغني عن إمداد رحمة الله تعالى في أولاه وعقباه ، فثبت أن الاقتصار في الدعاء على طلب الآخرة غير جائز ، وفي الآية إشارة إليه حيث ذكر القسمين ، وأهمل هذا القسم الثالث.\rأ هـ {مفاتيح الغيب حـ 5 صـ 160}\rقال الشيخ الطاهر بن عاشور : ","part":5,"page":20},{"id":1756,"text":"وقوله : {فمن الناس من يقول} الخ ، الفاء للتفصيل ؛ لأن ما بعدها تقسيم لفريقين من الناس المخاطبين بقوله : {فاذكروا الله} الخ فقد علم السامعون أن الذكر يشمل الدعاء ؛ لأنه من ذكر الله وخاصة في مظان الإجابة من الزمان والمكان ، لأن القاصدين لتلك البقاع على اختلاف أحوالهم ما يقصدون إلاّ تيمناً ورجاء فكان في الكلام تقدير كأنه قيل : فاذكروا الله كذكركم آباءكم أو أشد ذكراً وادْعوه ، ثم أريد تفصيل الداعين للتنبيه على تفاوت الذين تجمعهم تلك المناسك ، وإنما لم يفعل الذكر الأعم من الدعاء ، لأن الذكر الذي ليس بدعاء لا يقع إلاّ على وجه واحد وهو تمجيد الله والثناء عليه فلا حاجة إلى تفصيله تفصيلاً ينبه إلى ما ليس بمحمود ، والمقسم إلى الفريقين جميع الناس من المسلمين والمشركين ؛ لأن الآية نزلت قبل تحجير الحج على المشركين بآية براءة ، فيتعين أن المراد بمن ليس له في الآخرة من خلاق هم المشركون ؛ لأن المسلمين لا يهملون الدعاء لخير الآخرة ما بلغت بهم الغفلة ، فالمقصود من الآية التعريض بذم حالة المشركين ، فإنهم لا يؤمنون بالحياة الآخرة. أ هـ {التحرير والتنوير حـ 2 صـ 247}\rقال العلامة الآلوسى : ","part":5,"page":21},{"id":1757,"text":"{ فَمِنَ الناس مَن يَقُولُ} جملة معترضة بين الأمرين المتعاطفين للحث والإكثار من ذكر الله تعالى وطلب ما عنده ، وفيها تفصيل للذاكرين مطلقاً حجاجاً أو غيرهم كما هو الظاهر إلى مقل لا يطلب بذكر الله تعالى إلا الدنيا ومكثر يطلب خير الدارين ، وما نقل عن بعض المتصوفة من قولهم إن عبادتنا لذاته تعالى فارغة من الأغراض والأعراض جهل عظيم ربما يجر إلى الكفر كما قاله حجة الإسلام قدس سره ؛ لأن عدم التعليل في الأفعال مختص بذاته تعالى على أن البعض قائل بأن أفعاله سبحانه أيضاً معللة بما تقتضيه الحكمة ، نعم إن عبادته تعالى قد تكون لطلب الرضا لا لخوف مكروه أو لنيل محبوب لكن ذا من أجل حسنات الأخرى يطلبه خلص عباده قال تعالى : {ورضوان مّنَ الله أَكْبَرُ} {التوبة : 2 7 ] وقرن سبحانه الذكر بالدعاء للإشارة إلى أن المعتبر من الذكر ما يكون عن قلب حاضر وتوجه باطن كما هو حال الداعي حين طلب حاجة لا مجرد التفوه والنطق به ، وذهب الإمام وأبو حيان إلى أن التفصيل للداعين المأمورين بالذكر بعد الفراغ من المناسك ، وبدأ سبحانه وتعالى بالذكر لكونه مفتاحاً للإجابة ثم بين جل شأنه أنهم ينقسمون في سؤال الله تعالى إلى من يغلب عليه حب الدنيا فلا يدعو إلا بها ومن يدعو بصلاح حاله في الدنيا والآخرة ، وفي الآية التفات من الخطاب إلى الغيبة حطاً لطالب الدنيا عن ساحة عز الحضور ، ولا يخفى أن الأول هو المناسب لإبقاء ( الناس ) على عمومه. أ هـ {روح المعانى حـ 2 صـ 91}\rفصل\rقال الفخر : ","part":5,"page":22},{"id":1758,"text":"اختلفوا في أن الذين حكى الله عنهم أنهم يقتصرون في الدعاء على طلب الدنيا من هم ؟ فقال قوم : هم الكفار ، روي عن ابن عباس أن المشركين كانوا يقولون إذا وقفوا : اللهم ارزقنا إبلاً وبقراً وغنماً وعبيداً وإماء ، وما كانوا يطلبون التوبة والمغفرة ، وذلك لأنهم كانوا منكرين للبعث والمعاد ، وعن أنس كانوا يقولون : اسقنا المطر وأعطنا على عدونا الظفر ، فأخبر الله تعالى أن من كان من هذا الفريق فلا خلاق له في الآخرة ، أي لا نصيب له فيها من كرامة ونعيم وثواب ، نقل عن الشيخ أبي علي الدقاق رحمه الله أنه قال : أهل النار يستغيثون ثم يقولون : أفيضوا علينا من الماء ، أو مما رزقكم الله في الدنيا ، طلباً للمأكول والمشروب ، فلما غلبتهم شهواتهم افتضحوا في الدنيا والآخرة ، وقال آخرون : هؤلاء قد يكونون مؤمنين ولكنهم يسألون الله لدنياهم ، لا لأخراهم ويكون سؤالهم هذا من جملة الذنوب حيث سألوا الله تعالى في أعظم المواقف ، وأشرف المشاهد حطام الدنيا وعرضها الفاني ، معرضين عن سؤال النعيم الدائم في الآخرة ، وقد يقال لمن فعل ذلك إنه لا خلاق له في الآخرة ، وإن كان الفاعل مسلماً ، كما روى في قوله : {إِنَّ الذين يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ الله وأيمانهم ثَمَنًا قَلِيًلا أولئك لاَ خلاق لَهُمْ فِى الأخرة} {آل عمران : 77 ] أنها نزلت فيمن أخذ مالاً بيمين فاجرة ، روي عن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ ، \"إن الله يؤيد هذا الدين بأقوام لا خلاق لهم \"ثم معنى ذلك على وجوه أحدها : أنه لا خلاق له في الآخرة إلا أن يتوب والثاني : لا خلاق له في الآخرة إلا أن يعفو الله عنه والثالث : لا خلاق له في الآخرة كخلاق من سأل الله لآخرته ، وكذلك لا خلاق لمن أخذ مالاً بيمين فاجرة كخلاق من تورع عن ذلك والله أعلم. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 5 صـ 160}\rسؤال : لم ترك المفعول الثاني فى {آتنا} ؟ ","part":5,"page":23},{"id":1759,"text":"الجواب : ترك المفعول الثاني لتنزيل الفعل منزلة ما لا يتعدى إلى المفعول الثاني لعدم تعلق الغرض ببيانه أي أعطنا عطاء في الدنيا ، أو يقدر المفعول بأنه الإنعام أو الجائزة أو محذوف لقرينة قوله {حسنة} فيما بعد ، أي {آتنا في الدنيا حسنة }. أ هـ {التحرير والتنوير حـ 2 صـ 247}\rفوائد ولطائف\rقال العلامة الفخر : \rاعلم أن مراتب السعادات ثلاث : روحانية ، وبدنية ، وخارجية أما الروحانية فاثنان : تكميل القوة النظرية بالعلم ، وتكميل القوة العملية بالأخلاق الفاضلة ، وأما البدنية فاثنان : الصحة والجمال ، وأما الخارجية فاثنان : المال ، والجاه ، فقوله : {آتنا في الدنيا} يتناول كل هذه الأقسام فإن العلم إذا كان يراد للتزين به في الدنيا والترفع به على الأقران كان من الدنيا ، والأخلاق الفاضلة إذا كانت تراد للرياسة في الدنيا وضبط مصالحها كانت من الدنيا ، وكل من لا يؤمن بالبعث والمعاد فإنه لا يطلب فضيلة لا روحانية ولا جمسانية إلا لأجل الدنيا ، ثم قال تعالى في حق هذا الفريق {وما لَهُ فِى الأخرة مِنْ خلاق} أي ليس له نصيب في نعيم الآخرة ، ونظير هذه الآية قوله تعالى : {مَن كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الآخرة نَزِدْ لَهُ فِى حَرْثِهِ وَمَن كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدنيا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَا لَهُ فِى الآخرة من نصيب} {الشورى : 20 ] ثم إنه تعالى لم يذكر في هذه الآية أن الذي طلبه في الدنيا هل أجيب له أم لا ؟ قال بعضهم : إن مثل هذا الإنسان ليس بأهل للإجابة لأن كون الإنسان مجاب الدعوة صفة مدح فلا تثبت إلا لمن كان ولياً لله تعالى مستحقاً للكرامة لكنه وإن لم يجب فإنه ما دام مكلفاً حيا فالله تعالى يعطيه رزقه على ما قال : {وَمَا مِن دَابَّةٍ فِي الأرض إِلاَّ عَلَى الله رِزْقُهَا} {هود : 6 ] وقال آخرون إن مثل هذا الإنسان قد يكون مجاباً ، لكن تلك الإجابة قد تكون مكراً واستدراجاً. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 5 صـ 160}\rفصل","part":5,"page":24},{"id":1760,"text":"\"الخلاق\" بفتح الخاء الحظ من الخير والنفيس مشتق من الخلاقة وهي الجدارة ، يقال خلق بالشيء بضم اللام إذا كان جديراً به ، ولما كان معنى الجدارة مستلزماً نفاسة ما به الجدارة دل ما اشتق من مرادفها على النفاسة سواء قيد بالمجرور كما هنا أم أطلق كما في قوله ـ صلى الله عليه وسلم ـ \"إنما يلبس هذه من خلاق له \"أي من الخير وقول البعيث بن حريث\r... ولَسْتُ وإن قُرِّبْتُ يَوْماً ببائعٍ\rخَلاَقي ولا دِيني ابِتغاءَ التَّحَبُّبِ...\rأ هـ {التحرير والتنوير حـ 2 صـ 247}\rفائدة\rقال ابن عرفة : \rقوله تعالى : {فَمِنَ الناس مَن يَقُولُ رَبَّنَآ آتِنَا فِي الدنيا وَمَا لَهُ فِي الأخرة مِنْ خَلاَقٍ}.\rقال ابن عطية : سببها أنهم كانوا في الجاهلية يدعون في مصالح الدنيا فقط إذ كانوا لا يعرفون الآخرة فنهو عن ذلك.\rقال ابن عرفة : فتقدير ( السَّببية ) على هذا إما أنهم نهوا عن الاقتصار ( في الدعاء ) بمصالح الدنيا فقط وأمروا بالشعور بالآخرة واستحضار وجودها.\rقال : ويحتمل ( تقدير ) السببية بوجهين آخرين. أحدهما : أن في الآية اللف والنشر مَن \"يَقُولُ رَبَّنَآ آتِنَا فِي الدنيا \"راجع لقوله \"كَذِكْرِكُمْ آبَآءَكُمْ \"وقوله تعالى {وَمِنْهُم مَّن يَقُولُ رَبَّنَآ آتِنَا فِي الدنيا حَسَنَةَ} راجع إلى قوله \"أَوْ أَشَدَّ ذِكْراً \".","part":5,"page":25},{"id":1761,"text":"قيل لابن عرفة : ( يعكر ) عليه قوله \"وَمَا لَهُ فِي الأخرة مِنْ خَلاَقٍ \"( يدل على أنه كافر فكيف يذكر الله كذكره أباه ؟ فقال : قد تقرر أنّ \"وَمَا لَهُ فِي الآخرة مِنْ خَلاَقٍ \"( معتبر ) بأمرين لأنّ الواو فيه واو الحال فيحتمل أن يراد أنه في نفس الأمر ليس له نصيب في الآخرة ، ويحتمل ( أن ) يريد من الناس المؤمنين من يطلب أمور الدنيا ، ولم يتعلق له بال بطلب الثواب في الآخرة عليه ، فقد يعمل العمل الصالح ، ويطلب المعونة عليه ، ولم يخطر بباله طلب الثواب عليه في الآخرة بوجه ( أو بطلب الرزق الحلال من نعيم الدنيا ومستلذاتها ، ويصرفه في وجهه وهو مع ذلك طائع ، ولا يتشوق إلى طلب الآخرة بوجه ) بل ( يغفل ) عن ذلك.\rالوجه الثاني في تقرير السببية : أنه لما تقدم الأمر بذكر الله عقبه بهذا تنبيها على أن من الناس من لا يمتثل هذا الامر ولا يقبله ، ومنهم من يمتثله ويعمل بمقتضاه فهو الذي يقول : {رَبَّنَآ آتِنَا فِي الدنيا حَسَنَةً وَفِي الآخرة حَسَنَةً} أو يرجع إلى القبول والأجر. وتقرر أن القبول أخص ، فمن الناس من يفعل العبادة فلا يجزيه ويخرجه من عهدة التكليف فقط ولا يثاب عليها كمن يصلي رياء ومنهم من يفعلها بالإخلاص ونية فتقبل منه ، ويثاب عليها في الدار الآخرة.\rقال ابن عرفة : وعادتهم يختلفون في الألف واللام في \"الناس \"فمنهم من كان يقول إنها للعهد والمراد بها الناس الحجاج ( ومنهم من جعلها للجنس فعلى أنّها للعهد يكون التقسيم مستوفيا لأن الحجاج ) لا بد أنهم يدعون إما بأمر دنيوي أو بأخروي ( وعلى أنها للجنس لايكون مستوفيا ) لأن بعض الناس قد لا يدعون بشيء أصلا لا دنيوي ولا أخروي.\rقيل لابن عرفة : وكذلك على أنها للعهد لأن بعض الحجاج يدعو أيضا بأمر الآخرة فقط ؟ . أ هـ {تفسير ابن عرفة صـ 258}\rمن لطائف الإمام القشيرى فى الآية\r","part":5,"page":26},{"id":1762,"text":"قوله جلّ ذكره : {فَمِنَ النَّاسِ مَن يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِى الدُّنْيَا وَمَا لَهُ فِى الآخِرَةِ مِنْ خَلاَقٍ}.\rخطاب لو قاله مخلوقٌ لَكَ كان شاكراً ، ولو أنه شكا منك كما شكا إليك لساءت الحالة ، ولكن بفضله أَحَلَّكَ محل أن يشكو إليك فقال : مِنَ الناس من لا يجنح قلبه إلينا ، ويرضى بدوننا عنَّا ، فلا يبصر غير نفسه وحظِّه ، ولا يمكن إيمان له بربه وحقِّه. أ هـ {لطائف الإشارات حـ 1 صـ 168}\rقوله تعالى : {وِمِنْهُم مَّن يَقُولُ رَبَّنَا ءَاتِنَا فِى الدنيا حَسَنَةً وَفِي الأخرة حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النار }\rقال البقاعى :","part":5,"page":27},{"id":1763,"text":"{ ومنهم من} يجعل عبادته وحجه وسيلة إلى الرغبة إلى ربه ويذكر الله تعالى كما أمر فهو {يقول ربنا} بإحسانك {آتنا في الدنيا} حالة وعيشة {حسنة} لا توصل بها إلى الآخرة على ما يرضيك. قال الحرالي : وهي الكفاف من المطعم والمشرب والملبس والمأوى والزوجة على ما كانت لا شرف فيها - انتهى. {وفي الآخرة حسنة} أي من رحمتك التي تدخلنا بها الجنة. ولما كان الرجاء لا يصلح إلا بالخوف وإعطاء الحسنة لا ينفي المس بالسيئة قال : {وقنا عذاب النار} أي بعفوك ومغفرتك. ولما كان هؤلاء على منهاج الرسل لأنهم عبدوا الله أولاً كما أشار إليه السياق فانكسرت نفوسهم ثم ذكروه على تلك المراتب الثلاث فنارت قلوبهم بتجلي نور جلاله سبحانه وتعالى فتأهلوا بذلك للدعاء فكان دعاؤهم كاملاً ، كما فعل الخليل عليه الصلاة والسلام حيث قال : {الذي خلقني فهو يهدين} {الشعراء : 78 ] الآيات حتى قال {رب هب لي حكماً وألحقني بالصالحين} {الشعراء : 83 ] فقدم الذكر على الدعاء وكما هدى إليه آخر آل عمران في قوله : {ربنا إننا سمعنا منادياً ينادي للإيمان أن آمنوا بربكم فآمنا ربنا فاغفر لنا} {آل عمران : 193 ] الآيات ، فقدموا الطاعة عظم شأنهم بقوله على سبيل الاستئناف جامعاً على معنى من بشارة بكثرة الناجي في هذه الأمة أو يكون الجمع لعظم صفاتهم : {أولئك} أي العالو المراتب العظيمو المطالب {لهم} أي هذا القسم فقط لأن الأول قد أخبر أن الأمر عليه لا له.أ هـ {نظم الدرر حـ 1 صـ 380}\rقال الفخر : ","part":5,"page":28},{"id":1764,"text":"أما قوله تعالى : {وِمِنْهُم مَّن يَقُولُ رَبَّنَا ءَاتِنَا فِى الدنيا حَسَنَةً وَفِي الأخرة حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النار} فالمفسرون ذكروا فيه وجوها أحدها : أن الحسنة في الدنيا عبارة عن الصحة ، والأمن ، والكفاية والولد الصالح ، والزوجة الصالحة ، والنصرة على الأعداء ، وقد سمى الله تعالى الخصب والسعة في الرزق ، وما أشبهه \"حسنة\" فقال : {إِن تُصِبْكَ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ} {التوبة : 50 ] وقيل في قوله : {قُلْ هَلْ تَرَبَّصُونَ بِنَا إِلا إِحْدَى الحسنيين} {التوبة : 52 ] أنهما الظفر والنصرة والشهادة ، وأما الحسنة في الآخرة فهي الفوز بالثواب ، والخلاص من العقاب ، وبالجملة فقوله : {رَبَّنَا ءَاتِنَا فِى الدنيا حَسَنَةً وَفِي الأخرة حَسَنَةً} كلمة جامعة لجميع مطالب الدنيا والآخرة ، روى حماد بن سلمة عن ثابت أنهم قالوا لأنس : ادع لنا ، فقال : \"اللهم آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار\" قالوا : زدنا فأعادها قالوا زدنا قال ما تريدون ؟ قد سألت لكم خير الدنيا والآخرة ولقد صدق أنس فإنه ليس للعبد دار سوى الدنيا والآخرة فإذا سأل حسنة الدنيا وحسنة الآخرة لم يبق شيء سواه وثانيها : أن المراد بالحسنة في الدنيا العمل النافع وهو الإيمان والطاعة والحسنة في الآخرة اللذة الدائمة والتعظيم والتنعم بذكر الله وبالأنس به وبمحبته وبرؤيته وروى الضحاك عن ابن عباس أن رجلاً دعا ربه فقال في دعائه : {رَبَّنَا ءَاتِنَا فِى الدنيا حَسَنَةً وَفِي الأخرة حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النار} فقال النبي عليه الصلاة والسلام : \"ما أعلم أن هذا الرجل سأل الله شيئاً من أمر الدنيا ، فقال بعض الصحابة : بلى يا رسول الله إنه قال : \"ربنا آتنا في الدنيا حسنة\" فقال رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ ، إنه يقول : آتنا في الدنيا عملا صالحاً \"وهذا متأكد بقوله تعالى : {والذين يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ","part":5,"page":29},{"id":1765,"text":"أزواجنا وذرياتنا قُرَّةَ أَعْيُنٍ }\r[ الفرقان : 74 ] وتلك القرة هي أن يشاهدوا أولادهم وأزواجهم مطيعين مؤمنين مواظبين على العبودية وثالثها : قال قتادة : الحسنة في الدنيا وفي الآخرة طلب العافية في الدارين ، وعن الحسن : الحسنة في الدنيا فهم كتاب الله تعالى ، وفي الآخرة الجنة ، واعلم أن منشأ البحث في الآية أنه لو قيل ، آتنا في الدنيا الحسنة وفي الآخرة الحسنة لكان ذلك متناولا لكل الحسنات ، ولكنه قال : {آتنا فِى الدنيا حَسَنَةً وَفِي الأخرة حَسَنَةً} وهذا نكرة في محل الإثبات فلا يتناول إلا حسنة واحدة ، فلذلك اختلف المتقدمون من المفسرين فكل واحد منهم حمل اللفظ على ما رآه أحسن أنواع الحسنة.\rفإن قيل : أليس أنه لو قيل : آتنا الحسنة في الدنيا والحسنة في الآخرة لكان ذلك متناولاً لكل الأقسام فلم ترك ذلك وذكر على سبيل التنكير ؟ \rقلت : الذي أظنه في هذا الموضع والعلم عند الله أنا بينا فيما تقدم أنه ليس للداعي أن يقول : اللهم أعطني كذا وكذا بل يجب أن يقول : اللهم إن كان كذا وكذا مصلحة لي وموافقاً لقضائك وقدرك فأعطني ذلك ، فلو قال : اللهم أعطني الحسنة في الدنيا والآخرة لكان ذلك جزما ، وقد بينا أنه غير جائز ، أما لما ذكر على سبيل التنكير فقال أعطني في الدنيا حسنة كان المراد منه حسنة واحدة وهي الحسنة التي تكون موافقة لقضائه وقدره ورضاه وحكمه وحكمته فكان ذلك أقرب إلى رعاية الأدب والمحافظة على أصول اليقين. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 5 صـ 161}\rقال الإمام : حسنة الدنيا ، ثوابك ، وقوت من الحلال يكفيك ، وزوجة صالحة ترضيك ، وعلم إلى الحق يهديك ، وعمل صالح ينجيك. وأما حسنة الآخرة فإرضاء الخصومات ، وعفو السيئات ، وقبول الطاعات والنجاة من الدركات ، والفوز بالدرجات. أ هـ {بحر العلوم حـ 1 صـ 161}\rوقال الآلوسى : ","part":5,"page":30},{"id":1766,"text":"{ وِمِنْهُم مَّن يَقُولُ رَبَّنَا ءاتِنَا فِى الدنيا حَسَنَةً} يعني العافية والكفاف قاله قتادة ، أو المرأة الصالحة قاله علي كرم الله تعالى وجهه ، أو العلم والعبادة قاله الحسن ، أو المال الصالح قاله السدي ، أو الأولاد الأبرار ، أو ثناء الخلق قاله ابن عمر ، أو الصحة والكفاية والنصرة على الأعداء والفهم في كتاب الله تعالى ، أو صحبة الصالحين قاله جعفر ، والظاهر أن الحسنة وإن كانت نكرة في الإثبات وهي لا تعم إلا أنها مطلقة فتنصرف إلى الكامل والحسنة الكاملة في الدنيا ما يشمل جميع حسناتها وهو توفيق الخير وبيانها بشيء مخصوص ليس من باب تعيين المراد إذ لا دلالة للمطلق على المقيد أصلاً وإنما هو من باب التمثيل وكذا الكلام في قوله تعالى : {وَفِي الآخرة حَسَنَةً} فقد قيل هي الجنة ، وقيل : السلامة من هول الموقف وسوء الحساب ، وقيل : الحور العين وهو مروي عن علي كرم الله تعالى وجهه ، وقيل : لذة الرؤية وقيل ، وقيل... والظاهر الإطلاق وإرادة الكامل وهو الرحمة والإحسان. أ هـ {روح المعانى حـ 2 صـ 91}\rوقال القرطبى : \rاختلف في تأويل الحَسَنَتَين على أقوال عديدة ؛ فرُوِيَ عن عليّ بن أبي طالب رضي الله عنه أن الحسنة في الدنيا المرأة الحسناء ، وفي الآخرة الحُور العين. {وَقِنَا عَذَابَ النار} : المرأة السوء.","part":5,"page":31},{"id":1767,"text":"قلت : وهذا فيه بُعْد ، ولا يصح عن عليّ ، لأن النار حقيقة في النار المحرقة ، وعبارة المرأة عن النار تجوّز. وقال قتادة : حسنة الدنيا العافية في الصحة وكفاف المال. وقال الحسن : حسنة الدنيا العلم والعبادة. وقيل غير هذا. والذي عليه أكثر أهل العلم أن المراد بالحسَنَتين نِعَم الدنيا والآخرة. وهذا هو الصحيح ؛ فإن اللفظ يقتضي هذا كله ، فإن \"حسنة\" نكرة في سياق الدعاء ، فهو محتمل لكل حسنة من الحسنات على البدل. وحسنة الآخرة : الجنة بإجماع. وقيل : لم يَرِد حسنة واحدة ، بل أراد : أعطنا في الدنيا عطيّة حسنة ؛ فحذف الاسم. أ هـ {تفسير القرطبى حـ 2 صـ 423}\rوقال ابن كثير : \rجمعت هذه الدعوةُ كلَّ خير في الدنيا ، وصرَفت كلّ شر فإن الحسنة في الدنيا تشملُ كلّ مطلوب دنيوي ، من عافية ، ودار رحبة ، وزوجة حسنة ، ورزق واسع ، وعلم نافع ، وعمل صالح ، ومركب هنيء ، وثناء جميل ، إلى غير ذلك مما اشتملت عليه عباراتُ المفسرين ، ولا منافاة بينها ، فإنها كلها مندرجة في الحسنة في الدنيا. وأما الحسنة في الآخرة فأعلى ذلك دخول الجنة وتوابعه من الأمن من الفزع الأكبر في العَرَصات ، وتيسير الحساب وغير ذلك من أمور الآخرة الصالحة ، وأما النجاة من النار فهو يقتضي تيسير أسبابه في الدنيا ، من اجتناب المحارم والآثام وترك الشبهات والحرام.\rوقال القاسم بن عبد الرحمن : من أعطي قلبا شاكرًا ، ولسانًا ذاكرًا ، وجسدًا صابرًا ، فقد أوتي في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة ، ووقي عذاب النار.\rولهذا وردت السنة بالترغيب في هذا الدعاء. فقال البخاري : حدثنا أبو معمر ، حدثنا عبد الوارث ، عن عبد العزيز ، عن أنس بن مالك قال : كان النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ يقول : \"اللَّهم ربَّنا ، آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار\". أ هـ {تفسير ابن كثير حـ 1 صـ 558}\rوقال الإمام القشيرى ـ رحمه الله ـ : ","part":5,"page":32},{"id":1768,"text":"إنما أراد بها حسنة تنتظم بوجودها جميع الحسنات ، والحسنةُ التي بها تحصل جميع الحسنات في الدنيا - حفظُ الإيمان عليهم في المآل ؛ فإِنَّ مَنْ خرج من الدنيا مؤمناً لا يخلد في النار ، وبفوات هذا لا يحصل شيء. والحسنة التي تنتظم بها حسنات الآخرة - المغفرة ، فإذا غفر فبعدها ليس إلا كل خير. أ هـ {لطائف الإشارات حـ 1 صـ 168}\rسؤال : لم زاد في الدعاء {وقنا عذاب النار} ؟ \rالجواب : إنما زاد في الدعاء {وقنا عذاب النار} لأن حصول الحسنة في الآخرة قد يكون بعد عذاب ما فأريد التصريح في الدعاء بطلب الوقاية من النار.\rأ هـ {التحرير والتنوير حـ 2 صـ 248}\rفائدة\rهذه الآية من جوامع الدعاء التي عمّت الدنيا والآخرة. قيل لأنس : ادع الله لنا ؛ فقال : اللَّهُم آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار. قالوا : زِدنا. قال : ما تريدون! قد سألت الدنيا والآخرة!. وفي الصحيحين عن أنس قال : \"كان أكثر دعوة يدعو بها النبيّ ـ صلى الله عليه وسلم ـ يقول : \"اللَّهُم آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار\" \"قال : فكان أنس إذا أراد أن يدعو بدعوة دعا بها ، فإذا أراد أن يدعو بدعاء دعا بها فيه. وفي حديث عمر أنه كان يطوف بالبيت وهو يقول : ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار. ماله هِجِّيري غيرها ؛ ذكره أبو عبيد. وقال ابن جريج : بلغني أنه كان يأمر أن يكون أكثر دعاء المسلم في الموقف هذه الآية : {رَبَّنَآ آتِنَا فِي الدنيا حَسَنَةً وَفِي الآخرة حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النار }. أ هـ {تفسير القرطبى حـ 2 صـ 423}","part":5,"page":33},{"id":1770,"text":"لطيفة\rقَالَ الشَّيْخُ الإِمَامُ السبكى رَحِمَهُ اللَّهُ فِي قَوْله تَعَالَى : {رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ} : \rمِنْ النَّاسِ مَنْ قَدْ دَبَّرُوا فَتَحَصَّلُوا\rعَلَى نِعْمَةٍ فِي نَسْلِهِمْ هِيَ بَاقِيَهْ\rوَمَا لِي تَدْبِيرٌ لِنَفْسِي لا وَلا\rلِنَسْلِيَ لَكِنْ نِعْمَةُ اللَّهِ كَافِيَهْ\rكَمَا عَالَنِي دَهْرِي كَذَاكَ يَعُولُ مَنْ\rأُخَلِّفُهُ فِي عِيشَةٍ هِيَ رَاضِيَهْ\rوَمِنْهُمْ أُنَاسٌ وَفَّرَ اللَّهُ حَظَّهُمْ\rلِخَيْرِهِمْ فِي جَنَّةٍ هِيَ عَالِيَهْ\rوَقَوْلِي رَبِّي آتِنَا حَسَنَتَيْهِمَا\rوَثَالِثَةً عَنَّا جَهَنَّمَ وَاقِيَهْ\rنَظَمْتُهَا يَوْمَ الاثْنَيْنِ سَابِعَ شَوَّالٍ سَنَةَ اثْنَتَيْنِ وَخَمْسِينَ وَسَبْعِمِائَةٍ بِسَبَبِ أَنِّي تَفَكَّرْت فِي حَالِي وَحَالِ أَوْلادِي وَلِي فِي الْقَضَاءِ أَرْبَعَ عَشْرَةَ سَنَةً لَمْ يَحْصُلُ لَهُمْ مَا يَبْقَى لَهُمْ مِنْ بَعْدِي وَأَقَمْت قَبْلَ ذَلِكَ بِمِصْرَ نَحْوًا مِنْ سَبْعَ عَشْرَةَ سَنَةً مُتَمَكِّنًا مِنْ أَنْ أُحَصِّلَ لَهُمْ رَوَاتِبَ كَثِيرَةً لَمْ أُحَصِّلْ لَهُمْ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ ، وَافْتَكَرْت قَاضِيَيْنِ فِي دِمَشْقَ ابْنَ أَبِي عَصْرُونٍ وَابْنَ الزَّكِيِّ حَصَّلا مَا هُوَ بَاقٍ لِذُرِّيَّتِهِمَا إلَى الْيَوْمِ وَابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ فِي مِصْرَ لَمْ يَتْرُكْ لأَوْلادِهِ شَيْئًا وَلا حَصَّلَ لَهُمْ بَعْدَهُ شَيْئًا وَنَفْسِي تَطْلُبُ الْخَيْرَ لأَوْلادِي فِي حَيَاتِي وَبَعْدَ مَمَاتِي فَتَوَكَّلْت عَلَى اللَّهِ وَأَحَلْتُهُمْ عَلَى فَضْلِهِ كَمَا تَفَضَّلَ عَلَيَّ ، وَنَظَّمْت هَذِهِ الأَبْيَاتِ وَأَشَرْت فِي الْبَيْتِ الأَخِيرِ إلَى قَوْله تَعَالَى {رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ} أَسْأَلُ اللَّهَ تَعَالَى ذَلِكَ وَصَلَّى اللَّهُ عَلَى مُحَمَّدٍ وَآلِهِ وَسَلَّمَ تَسْلِيمًا كَثِيرًا.أ هـ {فتاوى السبكى حـ 1 صـ 135}","part":5,"page":34},{"id":1771,"text":"لطيفة ثانية\rالناس ثلاثة : صاحب همة دَنِيَّة ، وذو همة متوسطة ، وصاحب همة عالية ، أما صاحب الهمة الدنية فهو الذي أنزل همته على الدنيا الدنية ، وأكبَّ على جمع حطامها الفانية ، فقلبُ هذا خالٍ من حب الحبيب ، فما له في الآخرة من نصيب. وأما صاحب الهمة المتوسطة فهو الذي طلب سلامة الدارين ، وصلاح الحالين ، قد اشتغل في هذه الدار بما ينفعه في دار القرار ، ولم ينسَ نصيبه من الدنيا لِيقْضِي ما له فيها من الأوطار ، فهذا له في الدنيا حسنة ، وهي الكفاية والغنى ، وفي الآخرة حسنة ، وهي النعمة والسرور والهنا.\rوأما صاحب الهمة العالية فهو الذي رفع همته عن الكونَيْن ، وأغمض طَرْفَه عن الالتفات إلى الدارين ، بل علَّق همته بمولاه ، ولم يقنع بشيء سواه ، قد ولّى عن هذه الدار مُغضياً ، وأعرض عنها مُولياً ، ولم يشغله عن الله شيء ، يقول بلسان المقال إظهاراً لعبودية للكبير المتعال : {ربنا آتنا في الدنيا حسنة} وهي النظرة والشهود ، ورضا الملك الودود ، {وفي الآخرة حسنة} وهي اللحوق بأهل الرفيق الأعلى ، من المقربين والأنبياء ، في حضرة الشهود المؤبد {في مقعد صدق عند مليك مقتدر}. أتحفَنَا الله من ذلك بحظٍّ وافر ، بمنِّه وكرمه ، نحن وأحباءَنا أجمعين ، آمين. أ هـ {البحر المديد حـ 1 صـ 162}\rقوله تعالى {أُولَئِكَ لَهُمْ نَصِيبٌ مِمَّا كَسَبُوا وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ (202)}\rمناسبة الآية لما قبلها\rقال البقاعى : ","part":5,"page":35},{"id":1772,"text":"ولما كان هؤلاء على منهاج الرسل لأنهم عبدوا الله أولاً كما أشار إليه السياق فانكسرت نفوسهم ثم ذكروه على تلك المراتب الثلاث فنارت قلوبهم بتجلي نور جلاله سبحانه وتعالى فتأهلوا بذلك للدعاء فكان دعاؤهم كاملاً ، كما فعل الخليل عليه الصلاة والسلام حيث قال : {الذي خلقني فهو يهدين} {الشعراء : 78 ] الآيات حتى قال {رب هب لي حكماً وألحقني بالصالحين} {الشعراء : 83 ] فقدم الذكر على الدعاء وكما هدى إليه آخر آل عمران في قوله : {ربنا إننا سمعنا منادياً ينادي للإيمان أن آمنوا بربكم فآمنا ربنا فاغفر لنا} {آل عمران : 193 ] الآيات ، فقدموا الطاعة عظم شأنهم بقوله على سبيل الاستئناف جامعاً على معنى من بشارة بكثرة الناجي في هذه الأمة أو يكون الجمع لعظم صفاتهم : {أولئك} أي العالو المراتب العظيمو المطالب {لهم} أي هذا القسم فقط لأن الأول قد أخبر أن الأمر عليه لا له.\rولما كان غالب أفعال العباد على غير السداد وأقل ما فيها أن تكون خالية عن نية حسنة قال مشيراً إلى ذلك : {نصيب} وهو اسم للحظ الذي أتت عليه القسمة بين جماعة ، كائن {مما} لو قال : طلبوا - مثلاً ، لم يعم جميع أفعالهم ؛ ولو قال : فعلوا ، لظُن خروج القول فعدل إلى قوله : {كسبوا} أي طلبوا وأصابوا وتصرفوا واجتهدوا فيه وجمعوا من خلاصة أعمالهم القولية والفعلية ومنها الاعتقادية وهو ما أخلصوا فيه فهو الذي يثابون عليه وهو قليل بالنسبة إلى باقي أعمالهم.\rأ هـ {نظم الدرر حـ 1 صـ 380 ـ 381}\rقال الفخر : \rقوله تعالى : {أولئك} فيه قولان أحدهما : إنه إشارة إلى الفريق الثاني فقط الذين سألوا الدنيا والآخرة ، والدليل عليه أنه تعالى ذكر حكم الفريق الأول حيث قال : {وَمَا لَهُ فِى الأخرة مِنْ خلاق}.","part":5,"page":36},{"id":1773,"text":"والقول الثاني : أنه راجع إلى الفريقين أي لكل من هؤلاء نصيب من عمله على قدر ما نواه ، فمن أنكر البعث وحج التماساً لثواب الدنيا فذلك منه كفر وشرك والله مجازيه ، أو يكون المراد أن من عمل للدنيا أعطى نصيب مثله في دنياه كما قال : {مَن كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الأخرة نَزِدْ لَهُ فِى حَرْثِهِ وَمَن كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدنيا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَا لَهُ فِى الأَخِرةِ مِنْ نَصيب} {الشورى : 20 ]. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 5 صـ 161}\rقال أبو السعود : \r{ أولئك} إشارةٌ إلى الفريق الثاني باعتبار اتصافِهم بما ذُكر من النعوت الجميلةِ ، وما فيه من معنى البُعد لما مر مراراً من الإشارة إلى علوِّ درجتِهم وبُعْدِ منزلتِهم في الفضل وقيل : إليهما معاً فالتنوينُ في قوله تعالى : {لَهُمْ نَصِيبٌ مّمَّا كَسَبُواْ} على الأول للتفخيم وعلى الثاني للتنويعِ أي لكلِّ نوعٍ منهم نصيبٌ من جنس ما كسَبوا أو من أجله كقوله تعالى : {مّمَّا خطيئاتهم أُغْرِقُواْ} أو مما دَعَوْا به نعطيهم منه ما قدّرناه ، وتسميةُ الدعاء كسْباً لما أنه من الأعمال {والله سَرِيعُ الحساب} يحاسبُ العبادَ على كثرتهم وكثرةِ أعمالهم في مقدار لمحة فاحذَروا من الإخلال بطاعةِ مَنْ هذا شأنُ قدرتِه أو يوشك أن يُقيمَ القيامةَ ويحاسِبَ الناسَ فبادروا إلى الطاعات واكتساب الحسنات. أ هـ {تفسير أبى السعود حـ 1 صـ 210}\rوقال ابن عاشور : \rواسم الإشارة مشير إلى الناس الذين يقولون : {ربنا آاتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة} للتنبيه باسم الإشارة على أن اتصافهم بما بعد اسم الإشارة شيء استحقوه بسبب الإخبار عنهم بما قبل اسم الإشارة ، أي إن الله استجاب لهم لأجل إيمانهم بالآخرة فيفهم منه أن دُعاء الكافرين في ضلال. أ هـ {التحرير والتنوير حـ 2 صـ 249}\rأسئلة وأجوبة\rالسؤال الأول : قوله : {لَهُمْ نَصِيبٌ مّمَّا كَسَبُواْ} يجري مجرى التحقير والتقليل فما المراد منه ؟ ","part":5,"page":37},{"id":1774,"text":"الجواب : المراد : لهم نصيب من الدنيا ومن الآخرة بسبب كسبهم وعملهم فقوله : {مِنْ} في قوله : {مِمَّا كَسَبُواْ} لابتداء الغاية لا للتبعيض.\rالسؤال الثاني : هل تدل هذه الآية على أن الجزاء على العمل ؟ \rالجواب : نعم.\rولكن بحسب الوعد لا بحسب الاستحقاق الذاتي.\rالسؤال الثالث : ما الكسب ؟ \rالجواب : الكسب يطلق على ما يناله المرء بعمله فيكون كسبه ومكتسبه ، بشرط أن يكون ذلك جر منفعة أو دفع مضرة ، وعلى هذا الوجه يقال في الأرباح : إنها كسب فلان ، وأنه كثير الكسب أو قليل الكسب ، لأن لا يراد إلا الربح ، فأما الذي يقوله أصحابنا من أن الكسب واسطة بين الجبر والخلق فهو مذكور في الكتب القديمة في الكلام. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 5 صـ 162}\rقوله تعالى {وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ }\rالمناسبة\rقال البقاعى : \rولما كان أسرع الناس حساباً أعلمهم بفنونه خطأ وصواباً وكان التقدير : فالله عالم بخفي أعمالهم وجليها وتمييز جيدها من رديئها فهو يجازيهم على حسب ذلك عطف عليه قوله : {والله} أي المحيط علماً وقدرة {سريع الحساب} وهو أحصى الأعمال وبيان ما يجب لكل منها الجزاء واتصاله إلى العامل لما له من سعة العلم وشمول القدرة ، قيل لبعضهم : كيف يحاسب الله الخلق في وقت واحد ؟ قال : كما يرزقهم في وقت واحد ، وفيه ترغيب بأنه لا ينسى عملاً ، وترهيب بأنّه لا يمشي عليه باطل ولا يقدر على مدافعته مطاول. أ هـ {نظم الدرر حـ 1 صـ 381}\rقال الفخر : \rأما قوله تعالى : {والله سَرِيعُ الحساب} ففيه مسائل.","part":5,"page":38},{"id":1775,"text":"المسألة الأولى : {سَرِيعُ} فاعل من السرعة ، قال ابن السكيت : سرع يسرع سرعاً وسرعة فهو سريع {والحساب} مصدر كالمحاسبة ، ومعنى الحساب في اللغة العد يقال : حسب يحسب حساباً وحسبة وحسبا إذا عد ذكره الليث وابن السكيت ، والحسب ما عد ومنه حسب الرجل وهو ما يعد من مآثره ومفاخره ، والاحتساب الاعتداد بالشيء ، وقال الزجاج : الحساب في اللغة مأخوذ من قولهم : حسبك كذا أي كفاك فسمى الحساب في المعاملات حساباً لأنه يعلم به ما فيه كفاية وليس فيه زيادة على المقدار ولا نقصان.\rالمسألة الثانية : اختلف الناس في معنى كون الله تعالى محاسباً لخلقه على وجوه أحدها : أن معنى الحساب أنه تعالى يعلمهم ما لهم وعليهم ، بمعنى أنه تعالى يخلق العلوم الضرورية في قلوبهم بمقادير أعمالهم وكمياتها وكيفياتها ، وبمقادير ما لهم من الثواب والعقاب ، قالوا : ووجه هذا المجاز أن الحساب سبب لحصول علم الإنسان بما له وعليه ، فإطلاق اسم الحساب على هذا الإعلام يكون إطلاقاً لاسم السبب على المسبب وهذا مجاز مشهور ، ونقل عن ابن عباس أنه قال : إنه لا حساب على الخلق بل يقفون بين يدي الله تعالى ويعطون كتبهم بأيمانهم فيها سيئاتهم ، فيقال لهم : هذه سيئاتكم قد تجاوزت عنها ثم يعطون حسناتهم ويقال : هذه حسناتكم قد ضعفتها لكم.\rوالقول الثاني : أن المحاسبة عبارة عن المجازاة قال تعالى : {وَكَأِيّن مّن قَرْيَةٍ عَتَتْ عَنْ أَمْرِ رَبّهَا وَرُسُلِهِ فحاسبناها حِسَاباً شَدِيداً} {الطلاق : 8 ] ووجه المجاز فيه أن الحساب سبب للأخذ والإعطاء وإطلاق اسم السبب على المسبب جائز ، فحسن إطلاق لفظ الحساب عن المجازاة.\r","part":5,"page":39},{"id":1776,"text":"والقول الثالث : أنه تعالى يكلم العباد في أحوال أعمالهم وكيفية مالها من الثواب والعقاب فمن قال إن كلامه ليس بحرف ولا بصوت قال إنه تعالى يخلق في أذن المكلف سمعاً يسمع به كلامه القديم كما أنه يخلق في عينه رؤية يرى بها ذاته القديمة ، ومن قال إنه صوت قال إنه تعالى يخلق كلاماً يسمعه كل مكلف إما بأن يخلق ذلك الكلام في أذن كل واحد منهم أو في جسم يقرب من أذنه بحيث لا تبلغ قوة ذلك الصوت أن تمنع الغير من فهم ما كلف به ، فهذا هو المراد من كونه تعالى محاسباً لخلقه.\rأ هـ {مفاتيح الغيب حـ 5 صـ 162}\rوقال ابن عاشور : \rوقوله : {والله سريع الحساب} تذييل قصد به تحقيق الوعد بحصول الإجابة ، وزيادة تبشير لأهل ذلك الموقف ، لأن إجابة الدعاء فيه سريعة الحصول ، فعلم أن الحساب هنا أطلق على مراعاة العمل والجزاء عليه.\rوالحساب في الأصل العد ، ثم أطلق على عد الأشياء التي يراد الجزاء عليها أو قضاؤها ، فصار الحساب يطلق على الوفاء بالحق يقال حاسبه أي كافأه أو دفع إليه حقه ، ومنه سمي يوم القيامة يوم الحساب وقال تعالى : {إن حسابهم إلا على ربي} {الشعراء : 113 ] وقال {جزاء من ربك عطاء حساباً} {النبأ : 36 ] أي وفاقاً لأعمالهم ، وههنا أيضاً أريد به الوفاء بالوعد وإيصال الموعود به ، فاستفادة التبشير بسرعة حصول مطلوبهم بطريق العموم ؛ لأن إجابتهم من جملة حساب الله تعالى عباده على ما وَعدهم فيدخل في ذلك العموم.\rأ هـ {التحرير والتنوير حـ 2 صـ 249}\rفصل\rقال الفخر : ","part":5,"page":40},{"id":1777,"text":"ذكروا في معنى كونه تعالى سريع الحساب وجوهاً أحدها : أن محاسبته ترجع إما إلى أنه يخلق علوماً ضرورية في قلب كل مكلف بمقادير أعماله ومقادير ثوابه وعقابه ، أو إلى أنه يوصل إلى كل مكلف ما هو حقه من الثواب أو إلى أنه يخلق سمعاً في أذن كل مكلف يسمع به الكلام القديم ، أو إلى أنه يخلق في أذن كل مكلف صوتاً دالاً على مقادير الثواب والعقاب وعلى الوجوه الأربعة فيرجع حاصل كونه تعالى محاسباً إلى أنه تعالى يخلق شيئاً ، ولما كانت قدرة الله تعالى متعلقة بجميع الممكنات ، ولا يتوقف تخليقه وإحداثه على سبق مادة ولا مدة ولا آلة ولا يشتغله شأن عن شأن لا جرم كان قادراً على أن يخلق جميع الخلق في أقل من لمحة البصر وهذا كلام ظاهر ، ولذلك ورد في الخبر أن الله تعالى يحاسب الخلق في قدر حلب ناقة وثانيها : أن معنى كونه تعالى : {سَرِيعُ الحساب} أنه سريع القبول لدعاء عباده والإجابة لهم ، وذلك لأنه تعالى في الوقت الواحد يسأله السائلون كل واحد منهم أشياء مختلفة من أمور الدنيا والآخرة فيعطي كل واحد مطلوبه من غير أن يشتبه عليه شيء من ذلك ولو كان الأمر مع واحد من المخلوقين لطال العد واتصل الحساب ، فأعلم الله تعالى أنه {سَرِيعُ الحساب} أي هو عالم بجملة سؤالات السائلين ، لأنه تعالى لا يحتاج إلى عقد يد ، ولا إلى فكرة وروية ، وهذا معنى الدعاء المأثور \"يا من لا يشغله شأن عن شأن\" وحاصل الكلام في هذا القول أن معنى كونه تعالى {سَرِيعُ الحساب} كونه تعالى عالماً بجميع أحوال الخلق وأعمالهم ووجه المجاز فيه أن المحاسب إنما يحاسب ليحصل له العلم بذلك الشيء فالحساب سبب لحصول العلم فأطلق اسم السبب على المسبب وثالثها : أن محاسبة الله سريعة بمعنى آتية لا محالة. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 5 صـ 162}\rوقال الآلوسى : ","part":5,"page":41},{"id":1778,"text":"{ والله سَرِيعُ الحساب}. يحاسب العباد على كثرتهم في قدر نصف نهار من أيام الدنيا ، وروي بمقدار فواق ناقة ، وروي بمقدار لمحة البصر أو يوشك أن يقيم القيامة ويحاسب الناس فبادروا إلى الطاعات واكتساب الحسنات ، والجملة تذييل لقوله تعالى : {فاذكروا الله كَذِكْرِكُمْ ءابَاءكُمْ} {البقرة : 00 2 ] الخ والمحاسبة إما على حقيقتها كما هو قول أهل الحق من أن النصوص على ظاهرها ما لم يصرف عنها صارف ، أو مجاز عن خلق علم ضروري فيهم بأعمالهم وجزائها كماً وكيفاً ، ومجازاتهم عليها هذا. أ هـ {روح المعانى حـ 2 صـ 92}\rوقال السمرقندى :\r{ والله سَرِيعُ الحساب} ؛ قال الكلبي : إذا حاسب فحسابه سريع. ويقال : والله سريع الحفظ. وقال الضحاك : يعني لا يخالطه العباد في الحساب يوم القيامة ولا يشغله ذلك. ويقال : يحاسب كل إنسان فيظن كل واحد منهم أنه يحاسبه خاصة. أ هـ {تفسير السمرقندى حـ 1 صـ 161}\rوقال القرطبى بعد أن ذكر الأقوال السابقة فى الآية\rقلت : والكل محتمل ، فيأخذ العبد لنفسه في تخفيف الحساب عنه بالأعمال الصالحة ؛ وإنما يخف الحساب في الآخرة على من حاسب نفسه في الدنيا. أ هـ {تفسير القرطبى حـ 2 صـ 435}\rفائدة\rقال الزمخشرى :\rوصف نفسه بسرعة حساب الخلائق على كثرة عددهم وكثرة أعمالهم ليدلّ على كمال قدرته ووجوب الحذر منه. أ هـ {الكشاف حـ 1 صـ 277}\rقال ابن عرفة\rقوله تعالى : {والله سَرِيعُ الحساب}.\rقال ابن عطية : قيل لعلي كيف يحاسب الله العباد في يوم ؟ فقال ( كما يرزقهم في يوم ).\rقل ابن عرفة : كما يفهم أن العرض لا يبقى زمنين والقدرة صالحة إلى الإمداد بعرض آخر فكذلك القدرة صالحة ( لأن ) يخلق لله في نفس كل واحد الإخبار بما لَهُ وما عليه ( فيخبرُون ) بذلك في زمن واحد. وهذا أمر خارق للعادة ولا يمكن قياسه على الشاهد. أ هـ {تفسير ابن عرفة صـ 260}\rفائدة أخرى\rقال القرطبى :","part":5,"page":42},{"id":1779,"text":"قال ابن عباس في قوله تعالى : {أولئك لَهُمْ نَصِيبٌ مِّمَّا كَسَبُواْ} هو الرجل يأخذ مالاً يحج به عن غيره ، فيكون له ثواب. وروي عنه في هذه الآية \"أن رجلاً قال : يا رسول الله ، مات أبي ولم يحج ؛ أفأحج عنه ؟ فقال النبيّ ـ صلى الله عليه وسلم ـ : \"لو كان على أبيك دَين فقضيته أمَا كان ذلك يَجزي\". قال نعم. قال : \"فَدين الله أحق أن يُقضَى\" \"\rقال : فهل لي من أجر ؟ فأنزل الله تعالى : {أولئك لَهُمْ نَصِيبٌ مِّمَّا كَسَبُواْ} يعني من حجّ عن مَيّت كان الأجر بينه وبين الميّت. قال أبو عبد اللَّه محمد بن خُويْزِ مَنْداد في أحكامه : قول ابن عباس نحو قول مالك ؛ لأن تحصيل مذهب مالك أن المحجوج عنه يحصل له ثواب النفقة ، والحجة للحاج ؛ فكأنه يكون له ثواب بدنه وأعماله ، وللمحجوج عنه ثواب ماله وإنفاقه ، ولهذا قلنا : لا يختلف في هذا حكم من حج عن نفسه حجة الإسلام أو لم يحج ؛ لأن الأعمال التي تدخلها النيابة لا يختلف حكم المستتاب فيها بين أن يكون قد أدّى عن نفسه أو لم يؤدّ ، اعتبارا بأَعمال الدين والدنيا. ألا ترى أن الذي عليه زكاة أو كفارة أو غير ذلك يجوز أن يؤدّي عن غيره وإن لم يؤدّ عن نفسه ، وكذلك من لم يراع مصالحه في الدنيا يصح أن ينوب عن غيره في مثلها فتتم لغيره وإن لم تتم لنفسه ؛ ويزوّج غيره وإن لم يزوّج نفسه. أ هـ {تفسير القرطبى حـ 2 صـ 436}\rقوله تعالى {وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَنْ تَأَخَّرَ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ لِمَنِ اتَّقَى وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ (203)}\rمناسبة الآية لما قبلها\rقال البقاعى : ","part":5,"page":43},{"id":1780,"text":"ولما كان قد أمرهم بذكره عند قضاء الأركان وكان ربما فهم اقتصارهم عليه في الوقت الذي كانوا يذكرون فيه آباءهم قال معمّماً وليكون الحث عليه آكد لتكرير الندب إليه بصيغة الأمر فيكون أضخم لشأنه : {واذكروا} بالرمي ، أمر بالرمي وعبر عنه بالذكر ليشمل كل ذكر لسانياً كان أو غيره {الله} أي لما يستحقه في ذاته من الكمال {في أيام} ولما كانت لا تحتاج إلى غير العد لكونها قليلة وبعد الأيام التي يحتاط في أمرها بالرأي وغيره حتى تكون معلومات قال جامعاً صفة ما لا يعقل بما اطرد فيها من الألف والتاء إذا كان موصوفها جمع قلة : {معدودات} وهي أيام إقامتكم بمنى في ضيافته سبحانه لفعل بقية ما عليكم من تتمات العبادات الحجية أولها يوم القر ، وهو الحادي عشر ليستقر الناس فيه بمنى ، ثانيها يوم النفر الأول ، ثالثها يوم النفر الأعظم ، والثلاثة تسمى أيام التشريق ، وهى مع يوم العيد تسمى أيام النحر. والأربعة مع يوم عرفة أيام التكبير والذكر. أ هـ {نظم الدرر حـ 1 صـ 381 ـ 382}\rوقال ابن عاشور : \rقوله تعالى : {وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ}\rمعطوف على {فاذكروا الله كذكركم آباءكم} {البقرة : 200 ] وما بينهما اعتراض ، وإعادة فعل {اذكروا} ليبنى عليه تعليق المجرور أي قوله : {في أيام معدودات} لبعد متعلقه وهو {فاذكروا الله كذكركم آباءكم} ، لأنه أريد تقييد الذكر بصفته ثم تقييدُه بزمانه ومكانه. فالذكر الثاني هو نفس الذكر الأول وعطفه عليه منظور فيه إلى المغايرة بما علق به من زمانه. أ هـ {التحرير والتنوير حـ 2 صـ 249}\rقال الفخر : ","part":5,"page":44},{"id":1781,"text":"اعلم أنه لما ذكر ما يتعلق بالمشعر الحرام لم يذكر الرمي لوجهين أحدهما : أن ذلك كان أمراً مشهوراً فيما بينهم وما كانوا منكرين لذلك ، إلا أنه تعالى ذكر ما فيه من ذكر الله لأنهم كانوا لا يفعلونه والثاني : لعله إنما لم يذكر الرمي لأن في الأمر بذكر الله في هذه الآيام دليلاً عليه ، إذ كان من سننه التكبير على كل حصاة منها ثم قال : {واذكروا الله فِى أَيَّامٍ معدودات} وفيه مسائل : \r","part":5,"page":45},{"id":1782,"text":"المسألة الأولى : إن الله تعالى ذكر في مناسك الحج الأيام المعدودات ، والأيام المعلومات فقال هنا : {واذكروا الله فِى أَيَّامٍ معدودات} وقال في سورة الحج : {لّيَشْهَدُواْ منافع لَهُمْ وَيَذْكُرُواْ اسم الله فِى أَيَّامٍ معلومات} {الحج : 28 ] فمذهب الشافعي رضي الله عنه أن المعلومات هي العشر الأول من ذي الحجة آخرها يوم النحر ، وأما المعدودات فثلاثة أيام بعد يوم النحر ، وهي أيام التشريق ، واحتج على أن المعدودات هي أيام التشريع بأنه تعالى ذكر الأيام المعدودات ، والأيام لفظ جمع فيكون أقلها ثلاثة ، ثم قال بعده : {فَمَن تَعَجَّلَ فِى يَوْمَيْنِ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَن تَأَخَّرَ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ} وهذا يقتضي أن يكون المراد {فَمَن تَعَجَّلَ فِى يَوْمَيْنِ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ} من هذه الأيام المعدودات ، وأجمعت الأمة على أن هذا الحكم إنما ثبت في أيام منى وهي أيام التشريق ، فعلمنا أن الأيام المعدودات هي أيام التشريق ، والقفال أكد هذا بما روى في \"تفسيره\" عن عبد الرحمن بن نعمان الذيلمي ، أن رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ أمر منادياً فنادى : \"الحج عرفة من جاء ليلة جمع قبل طلوع الفجر فقد أدرك الحج ، وأيام منى ثلاثة أيام فمن تعجل في يومين فلا إثم عليه ، ومن تأخر فلا إثم عليه \"وهذا يدل على أن الأيام المعدودات هي أيام التشريق ، قال الواحدي رحمة الله عليه : أيام التشريق هي ثلاثة أيام بعد يوم النحر أولها : يوم النفر ، وهو اليوم الحادي عشر من ذي الحجة ينفر الناس فيه بمنى والثاني : يوم النفر الأول لأن بعض الناس ينفرون في هذا اليوم من منى والثالث : يوم النفر الثاني ، وهذه الآيام الثلاثة مع يوم النحر كلها أيام النحر ، وأيام رمي الجمار في هذه الأيام الأربعة مع يوم عرفة أيام التكبير إدبار الصلوات.\rأ هـ {مفاتيح الغيب حـ 5 صـ 164}\rفائدة","part":5,"page":46},{"id":1783,"text":"الأيام المعدودات أيام منى ، وهي ثلاثة أيام بعد يوم النحر ، يقيم الناس فيها بمنى وتسمى أيام التشريق ، لأن الناس يقددون فيها اللحم ، والتقديد تشريق ، أو لأن الهدايا لا تنحر فيها حتى تشرق الشمس. وكانوا يعلمون أن إقامتهم بمنى بعد يوم النحر بعد طواف الإفاضة ثلاثة أيام فيعلمون أنها المراد هنا بالأيام المعدودات ، ولذلك قال جمهور الفقهاء الأيام المعدودات أيام منى وهي بعد اليوم العاشر وهو قول ابن عمر ومجاهد وعطاء وقتادة والسدي والضحاك وجابر بن زيد ومالك ، وهي غير المراد من الأيام المعلومات التي في قوله تعالى : {ويذكروا اسم الله في أيام معلومات} في {سورة الحج : 28 ]. فالأيام المعلومات أيام النحر الثلاثة ، وهي اليوم العاشر ويومان بعده. والمعدودات أيام منى بعد يوم النحر ، فاليوم العاشر من المعلومات لا من المعدودات ، واليومان بعده من المعلومات والمعدودات ، واليوم الرابع من المعدودات فقط ، واحتجوا على ذلك بقوله تعالى : {ويذكروا اسم الله في أيام معلومات على رزقهم من بهيمة الأنعام} {الحج : 28 ] لأن اليوم الرابع لا نحر فيه ولا ذَبح إجماعاً ، وقال أبو يوسف ومحمد بن الحسن لا فرق بين الأيام المعلومات والأيام المعدودات وهي يوم النحر ويومان بعده فليس اليوم الرابع عندهما معلوماً ولا معدوداً ، وعن الشافعي الأيام المعلومات من أول ذي الحجة حتى يوم النحر وما بعد ذلك معدودات ، وهو رواية عن أبي حنيفة.\rودلت الآية على طلب ذكر الله تعالى في أيام رمي الجمار وهو الذكر عند الرمي وعند نحر الهدايا.\rوإنما أمروا بالذكر في هذه الأيام ، لأن أهل الجاهلية كانوا يشغلونها بالتفاخر ومغازلة النساء ، قال العرجي : \rما نَلتقِي إلاّ ثلاثَ مِنًى... حَتَّى يُفَرِّقَ بينَنا النَّفْر\rوقال عمر بن أبي ربيعة : \rبَدَا لِيَ منها معصم حينَ جَمَّرَتْ... وكَفٌّ خَصيبٌ زُيَّنَتْ بِبَنَان\r","part":5,"page":47},{"id":1784,"text":"فوالله ما أَدري وإِنْ كُنْتُ دَارياً... بسَبْععٍ رَمَيْتُ الجَمْرَ أمْ بِثَمَان\rلأنهم كانوا يرون أن الحج قد انتهى بانتهاء العاشر ، بعد أن أمسكوا عن ملاذهم مدة طويلة فكانوا يعودون إليها ، فأمرهم الله تعالى بذكر الله فيها ، وذكرُ الله فيها هو ذكره عند رمي الجمار. أ هـ {التحرير والتنوير حـ 2 صـ 262}\rسؤال : فإن قيل : هذه التكبيرات مضافة إلى الأيام المعدودات وهي أيام التشريق ، فوجب أن لا تكون مشروعة يوم عرفة.\rقلنا : فهذا يقتضي أن لا يكبر يوم النحر وهو باطل بالإجماع ، وأيضاً لما كان الأغلب في هذه المدة أيام التشريق ؛ صح أن يضاف التكبير إليها. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 5 صـ 165}\rفائدة\rقال القرطبى : \rقال الكوفيون : الألف والتاء في \"مَعْدوداتٍ\" لأقل العدد. وقال البصريون : هما للقليل والكثير ؛ بدليل قوله تعالى : {وَهُمْ فِي الغرفات آمِنُونَ} {سبأ : 37 ] والغُرفات كثيرة. أ هـ {تفسير القرطبى حـ 3 صـ 1}\rفائدة لغوية\rقال الآلوسى : \rاستشكل وصف أيام بمعدودات لأن أياماً جمع يوم وهو مذكر ، ومعدودات واحدها معدودة وهو مؤنث فكيف تقع صفة له ، فالظاهر معدودة ووصف جمع ما لا يعقل بالمفرد المؤنث جائز ، وأجيب بأن معدودات جمع معدود لا معدودة ، وكثيراً ما يجمع المذكر جمع المؤنث كحمامات وسجلات ، وقيل : إنه قدر اليوم مؤنثاً باعتبار ساعاته ، وقيل : إن المعنى أنها في كل سنة معدودة ، وفي السنين معدودات فهي جمع معدودة حقيقة ولا يخفى ما فيه. أ هـ {روح المعانى حـ 2 صـ 93}\rفائدة\rقال الفخر : ","part":5,"page":48},{"id":1785,"text":"قال الشافعي رضي الله عنه : المستحب في التكبيرات أن تكون ثلاثاً نسقاً أي متتابعاً ، وهو قول مالك ، وقال أبو حنيفة وأحمد : يكبر مرتين ، حجة الشافعي ما روى عبد الله بن محمد بن أبي بكر بن عمرو بن حزم ، قال : رأيت الأئمة يكبرون في أيام التشريق بعد الصلاة ثلاثاً ، ولأنه زيادة في التكبير ، فكان أولى لقوله تعالى : {اذكروا الله ذِكْراً كَثِيراً} ثم قال الشافعي رضي الله عنه : ويقول بعد الثلاث : \"لا إله إلا الله والله أكبر ولله الحمد\" ثم قال : وما زاد من ذكر الله فهو حسن ، وقال في التلبية : وأحب أن لا يزيد على تلبية رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ ، والفرق أن من سنة التلبية التكرار فتكرارها أولى من ضم الزيادة إليها ، وههنا يكبر مرة واحدة فتكون الزيادة أولى من السكوت ، وأما التكبير على الجمار فقد روي أن النبي عليه الصلاة والسلام كان يكبر مع كل حصاة ، فينبغي أن يفعل ذلك. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 5 صـ 165}\rوقال الخازن : ","part":5,"page":49},{"id":1786,"text":"أجمع العلماء على أن المراد بهذا هو التكبير عند رمي الجمار ، وهو أن يكبر مع كل حصاة يرمي بها في جميع أيام التشريق ، وأجمعوا أيضاً على أن التكبير في عيد الأضحى وفي هذه الأيام في إدبار الصلوات سنة واختلفوا في هذا وقت التكبير فقيل يبتدئ به من صلاة الظهر يوم النحر إلى صلاة من آخر أيام التشريق فيكون التكبير على هذا القول في خمسة عشر صلاة ، وهو قول ابن عباس وابن عمر ، وبه قال الشافعي : في أصح أقواله قال الشافعي : لأن الناس فيه تبع للحاج وذكر الحاج قيل : هذا الوقت هو التلبية ويأخذون في التكبير يوم النحر من صلاة الظهر. وقيل : إنه يبتدئ به من صلاة المغرب ليلة النحر ويختم بصلاة الصبح من آخر أيام التشريق ، وهو القول الثاني الشافعي فيكون التكبير على هذا القول : في ثمانية عشر صلاة والقول الثالث للشافعي إنه يتبدئ بالتكبير من صلاة الصبح يوم عرفة ، ويختم به بعد صلاة العصر من آخر أيام التشريق ، فيكون التكبير على هذا القول في ثلاث وعشرين صلاة وهو قول علي بن أبي طالب ، ومكحول وبه قال أبو يوسف ومحمد ، وقال ابن مسعود يبتدأ به من صبح يوم عرفة ويختم بصلاة العصر من يوم النحر ، فعلى هذا القول يكون التكبير في ثمان صلوات ، وبه قال أبو حنيفة وقال أحمد بن حنبل : إذا كان حلالاً كبر عقيب ثلاث وعشرين صلاة أولها الصبح من يوم عرفة وآخرها صلاة العصر من آخر أيام التشريق وإن كان محرماً كبر عقيب سبعة عشر صلاة أولها الظهر من يوم النحر وآخرها عصر أيام التشريق. ولفظ التكبير عند الشافعي ثلاثاً نسقاً الله أكبر الله أكبر الله أكبر وهو قول سعيد بن جبير والحسن ، وهو قول أهل المدينة ، قال الشافعي : وما زاد من ذكر الله فحسن ويروى عن ابن مسعود أنه يكبر مرتين فيقول الله أكبر الله أكبر وهو قول أهل العراق. أ هـ {تفسير الخازن حـ 1 صـ 132}\rفائدة جليلة\rقال الجاوى : ","part":5,"page":50},{"id":1787,"text":"وصيغة التكبير المحبوبة : الله أكبر الله أكبر الله أكبر ، لا إله إلا الله والله أكبر الله أكبر ولله الحمد ، الله أكبر كبيراً ، والحمد لله كثيراً ، وسبحان الله بكرة وأصيلاً ، لا إله إلا الله ، ولا نعبد إلا إياه ، مخلصين له الدين ولو كره الكافرون ، لا إله إلا الله وحده ، صدق وعده ، ونصر عبده ، وهزم الأحزاب وحده. ويستحب بعد ذلك الصلاة على النبي ، لقوله تعالى : {ورفعنا لك ذكرك} ((94) الشرح : الآية 4) أي لا أذكر إلا وتذكر معي ، والمعتاد في ذلك أن يقول : اللهم صل على سيدنا محمد ، وعلى آل سيدنا محمد ، وعلى أصحاب سيدنا محمد ، وعلى أزواج سيدنا محمد ، وعلى ذرية سيدنا محمد ، وسلم تسليماً كثيراً. (1) أ هـ {نهاية الزين شرح قرة العين حـ 1 صـ 8}\r___________________\r(1) معلوم أن الجاوى من فقهاء الشافعية\rوالأمر فى التكبير واسع عند الشافعية والحنابلة ، ومن العجيب أن نرى فى هذا الزمان كثيرا من الجدل والخلاف والشقاق حول صيغة التكبير ، ومن المعلوم أن اختلاف الأئمة الأربعة رضوان الله عليهم رحمة للأمة وكلهم من رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ ملتمس\rوالبعض يريد جمع الأمة على الفروع\rمع العلم باستحالة ذلك وما يترتب عليه من شقاق وفرقة ، والأمة تعانى اليوم من آثار هذا التمزيق وإلى الله المشتكى.\rقال ابن قدامة ـ رحمه الله ـ فى مقدمة المغنى :\rأَمَّا بَعْدُ : فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى بِرَحْمَتِهِ وَطَوْلِهِ ، وَقُوَّتِهِ وَحَوْلِهِ ، ضَمِنَ بَقَاءَ طَائِفَةٍ مِنْ هَذِهِ الْأُمَّةِ عَلَى الْحَقِّ لَا يَضُرُّهُمْ مَنْ خَذَلَهُمْ حَتَّى يَأْتِيَ أَمْرُ اللَّهِ وَهُمْ عَلَى ذَلِكَ ، وَجَعَلَ السَّبَبَ فِي بَقَائِهِمْ بَقَاءَ عُلَمَائِهِمْ ، وَاقْتِدَاءَهُمْ بِأَئِمَّتِهِمْ وَفُقَهَائِهِمْ ، وَجَعَلَ هَذِهِ الْأُمَّةَ مَعَ عُلَمَائِهَا ، كَالْأُمَمِ الْخَالِيَةِ مَعَ أَنْبِيَائِهَا ، وَأَظْهَرَ فِي كُلِّ طَبَقَةٍ مِنْ فُقَهَائِهَا أَئِمَّةً يُقْتَدَى بِهَا ، وَيُنْتَهَى إلَى رَأْيِهَا ، وَجَعَلَ فِي سَلَفِ هَذِهِ الْأُمَّةِ أَئِمَّةً مِنْ الْأَعْلَامِ ، مُهْدٍ بِهِمْ قَوَاعِدَ الْإِسْلَامِ ، وَأَوْضَحَ بِهِمْ مُشْكِلَاتِ الْأَحْكَامِ ، اتِّفَاقُهُمْ حُجَّةٌ قَاطِعَةٌ ، وَاخْتِلَافُهُمْ رَحْمَةٌ وَاسِعَةٌ ، تَحْيَا الْقُلُوبُ بِأَخْبَارِهِمْ ، وَتَحْصُلُ السَّعَادَةُ بِاقْتِفَاءِ آثَارِهِمْ ، ثُمَّ اخْتَصَّ مِنْهُمْ نَفَرًا أَعْلَى أَقْدَارَهُمْ وَمَنَاصِبَهُمْ وَأَبْقَى ذِكْرَهُمْ وَمَذَاهِبَهُمْ فَعَلَى أَقْوَالِهِمْ مَدَارُ الْأَحْكَامِ ، وَبِمَذَاهِبِهِمْ يُفْتِي فُقَهَاءُ الْإِسْلَامِ.","part":5,"page":51},{"id":1788,"text":"فائدة\rقال شيخ الإسلام ابن تيمية ـ رحمه الله ـ\rوصفة التكبير المنقول عند أكثر الصحابة قد روى مرفوعا إلى النبى ـ صلى الله عليه وسلم ـ الله أكبر الله أكبر لا إله إلا الله والله أكبر الله أكبر ولله الحمد ، وإن قال الله أكبر ثلاثا جاز ومن الفقهاء من يكبر ثلاثا فقط ومنهم من يكبر ثلاثا ويقول لا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد وهو على كل شىء قدير. أ هـ {مجموع الفتاوى حـ 24 صـ 220}\rوقال فى موضع آخر : \rذكر الأعياد اجتمع فيه التعظيم والنعمة فجمع بين التكبير والحمد فالله أكبر على ما هدانا والحمد لله على ما أولانا وقد روى عن ابن عمر أنه كان يكبر ثلاثا ويقول لا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد وهو على كل شىء قدير ، فيشبهه بذكر الإشراف فى تثليثه وضم التهليل إليه وهذا اختيار الشافعي وأما أحمد وأبو حنيفة وغيرهما فاختاروا فيه ما رووه عن طائفة\rمن الصحابة ورواه الدارقطنى من حديث جابر مرفوعا إلى النبى ـ صلى الله عليه وسلم ـ أنه قال الله أكبر الله أكبر لا إله إلا الله والله أكبر الله أكبر ولله الحمد فيشفعونه مرتين ويقرنون به فى إحداهما التهليل وفى الأخرى الحمد تشبيها له بذكر الأذان فإن هذا به أشبه لأنه متعلق بالصلاة ولأنه فى الأعياد التى يجتمع فيها اجتماعا عاما كما أن الأذان لاجتماع الناس فشابه الأذان فى أنه تكبير اجتماع لا تكبير مكان وانه متعلق بالصلاة لا بالشرف فشرع تكريره كما شرع تكرير تكبير الأذان وهو فى كل مرة مشفوع وكل المأثور\rحسن ومن الناس من يثلثه أول مرة ويشفعه ثانى مرة وطائفة من الناس تعمل بهذا","part":5,"page":52},{"id":1789,"text":"وقاعدتنا فى هذا الباب أصح القواعد إن جميع صفات العبادات من الأقوال والأفعال إذا كانت مأثورة أثرا يصح التمسك به لم يكره شىء من ذلك بل يشرع ذلك كله كما قلنا فى أنواع صلاة الخوف وفى نوعى الأذان الترجيع وتركه ونوعى الاقامة شفعها وإفرادها وكما قلنا فى أنواع التشهدات وأنواع الاستفتاحات وأنواع الإستعاذات وأنواع القراءات وأنواع تكبيرات العيد الزوائد وأنواع صلاة الجنازة وسجود السهو والقنوت قبل الركوع وبعده والتحميد باثبات الواو\rوحذفها وغير ذلك لكن قد يستحب بعض هذه المأثورات ويفضل على بعض اذا قام دليل يوجب التفضيل ولا يكره الآخر\rأ هـ {مجموع الفتاوى حـ 24 صـ 242 ـ 243}\rوهذا كلام نفيس للسيوطى ذكره فى كتابه النفيس الأشباه والنظائر فى قاعدة الاجتهاد لاينقض بالاجتهاد\rقال رحمه الله : \rأفْتَى ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ بِأَنَّ الْحَاكِمَ الْمَعْلُومَ الْمَذْهَبِ إذَا حَكَمَ بِخِلَافِ مَذْهَبِهِ وَكَانَ لَهُ رُتْبَةُ الِاجْتِهَادِ ، أَوْ وَقَعَ الشَّكُّ فِيهِ.\rفَالظَّاهِرُ أَنَّهُ لَا يَحْكُمُ بِخِلَافِ مَذْهَبِهِ فَيُنْقَضُ حُكْمُهُ.\rوَقَالَ الْمَاوَرْدِيُّ : إذَا كَانَ الْحَاكِمُ شَافِعِيًّا وَأَدَّاهُ اجْتِهَادُهُ فِي قَضِيَّةٍ أَنْ يَحْكُمَ بِمَذْهَبِ أَبِي حَنِيفَةَ جَازَ.\rوَمَنَعَ مِنْهُ بَعْضُ أَصْحَابِنَا لِتَوَجُّهِ التُّهْمَةِ إلَيْهِ ، وَلِأَنَّ السِّيَاسَةَ تَقْتَضِي مُدَافَعَةَ اسْتِقْرَارِ الْمَذَاهِبِ وَتَمْيِيزَ أَهْلِهَا.\rوَقَالَ ابْنُ الصَّلَاحِ : لَا يَجُوزُ لِأَحَدٍ أَنْ يَحْكُمَ فِي هَذَا الزَّمَانِ بِغَيْرِ مَذْهَبِهِ ، فَإِنْ فَعَلَ نُقِضَ لِفَقْدِ الِاجْتِهَادِ فِي أَهْلِ هَذَا الزَّمَانِ. أ هـ {الأشباه والنظائر للسيوطى حـ 1 صـ 132}\rبعد هذا الكلام النفيس هل يليق بث الفرقة والخلاف وشق وحدة الأمة بهذه الفرعيات المختلف فيها ؟؟!!\rمن المعلوم عند أهل العلم أن المسألة إذا دخلت دائرة الاختلاف الفقهى بين العلماء فقد دخلت دائرة الرحمة\rقال سفيان ـ الثورى رحمه الله ـ : \rإن الله لا يعذب أحدا على ما اختلف فيه العلماء\rما قيمت هذه الخلافات ؟ وما جدواها ؟ ولمصلحة من ؟؟!!!\rلماذا لا يسعنا ما وسع أسلافنا ؟؟!!!\rإن الأمة عاشت أزهى العصور وأبهى القرون فى ظل اختلافات المذاهب الأربعة التى وحدت الأمة ، وجمعتها على الحق.\rفهل نحن الآن بحاجة إلى أمثال هذه الخلافات والترهات. ؟!\rلو كان الخلاف اليوم عن علم لما فرق الأمة.\rإن المسائل التى يختلف فيها البعض اليوم ويجعل منها قضايا تفرق الأمة لو دققنا فيها النظر لوجدناها أقرب إلى إماطة الأذى عن الطريق والتى اعتبرها رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ أدنى شعب الإيمان\rهذا إن سلمنا بصحة القول فيها ، فكيف وأكثر المسائل المطروحة على الساحة الآن لا تخلوا من خلاف فقهى\rهلا وجهنا الاهتمام إلى الأمور الكبيرة والتى تتعلق بمستقبل الإسلام وسط هذه التحديات\rإن العالم اليوم يتصارع ويتناحر ولا يتحد إلا على أمر واحد هو معاداة الإسلام ، والنيل من رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ\rيا ليت شعرى هل يدرى المسلمون ماذا يدبر لهم ؟!!!\rإننى أتجرع كأس المرارة وأنا أخط هذه السطور وأشهد الله أن قلبى يبكى قبل عيناى على ما آل إليه وضع أمتنا اليوم\rأيليق هذا بأمة قال الله فى حقها\r{كنتم خير أمة أخرجت للناس} {واعتصموا بحبل الله جميع ولا تفرقوا} ؟؟!!!\r{إنما أشكو بثى وحزنى إلى الله}.\rوالله أعلم.","part":5,"page":53},{"id":1790,"text":"بحث نفيس\rهل على الإنسان التزام مذهب معين أم لا ؟ .\rاعلم أولاً - علمك الله تعالى كل خير - أن مذاهب السلف الماضين من الصحابة [ والتابعين ] وتابعي التابعين - رضوان الله تعالى عليهم أجمعين - كثيرة لا تكاد تنحصر الآن عدداً ، أو كلها اجتهادات استوفت الشروط ، فاستفادت من الله تعالى معونة ومدداً ولا يجوز لأحد الطعن في شيء منها أبداً.\rكما قال الشيخ عبدالرؤوف المناوي رحمه الله في شرح الجامع الأسيوطي : ويجب علينا أن نعتقد أن الأئمة الأربعة والسفيانين - يعني سفيان الثوري ، وسفيان بن عيينة - والأوزاعي ، وداود الظاهري ، وإسحاق بن راهويه ، وسائر الأئمة على هدى ، ولا التفات لمن تكلم فيه بما هم بريئون منه. انتهى.\rوفي جمع الجوامع : وأن الشافعي ، ومالك ، وأبا حنيفة ، والسفيانين ، وأحمد ، والأوزاعي ، وإسحاق ، وداود ، وسائر أئمة المسلمين على هدى من ربهم.\rوقال الشارح المحلي : ولا التفات لمن تكلم فيهم بما هم بريئون منه. انتهى.\rقلت : فإن من اشتمل على ما يعاب به في الدين ولم يطعن فيه أحد ، فلا إثم على من لم يطعن ، وأما إذا لم يشتمل على شيء من ذلك ، ووقع الطعن من أحد ، فالإثم على الطاعن. قال تعالى : { تلك أمة قد خلت لها ما كسبت ولكم ما كسبتم ولا تسألون عما كانوا يعملون } وأما تقليد مذهب من مذاهبهم الآن غير المذاهب الأربعة ، فلا يجوز لا لنقصان في مذاهبهم ، ورجحان المذاهب الأربعة عليهم ، لأن فيهم الخلفاء المفضلين على جميع الأمة ، بل لعدم تدوين مذاهبهم وعدم معرفتنا الآن بشروطها وقيودها ، وعدم وصول ذلك إلينا بطريق التواتر ، حتى لو وصل إلينا شيء من ذلك كذلك جاز لنا تقليده ، لكنه لم يصل كذلك.\rوقال في الأشباه والنظائر لابن نجم الحنفي رحمه الله تعالى إنه : صرح في التحرير لابن الهمام إن الإجماع انعقد على عدم العمل بمذهب يخالف الأربعة لانضباط مذاهبهم ، واشتهارها وكثرة اتباعها. انتهى.","part":5,"page":54},{"id":1791,"text":"إذا علمت هذا ، فاعلم أن المذاهب الآن التي يجوز تقليدها هي هذه المذاهب الأربعة لا غير.\rانحصر الآن العمل بشريعة محمد - صلى الله عليه وسلم - في العمل بما ذهب إليه أحد الأربعة فقط على العموم ، فالأمر المتفق عليه المعلوم من الدين بالضرورة ، لا يحتاج إلى التقليد فيه لأحد الأربعة ، كفرضية الصلاة ، والصوم ، والزكاة ، والحج ، ونحوها ، وحرمة الزنا ، واللواط ، وشرب الخمر ، والقتل ، والسرقة ، والغصب ، وما أشبه ذلك.\rوالأمر المختلف فيه هو الذي يحتاج إلى التقليد فيه ، فإذا قلد فيه الإنسان مذهباً معيناً من المذاهب الأربعة ، فهل يلزم ذلك الإنسان الدوم عليه ، أو يجوز له الانتقال عنه ؟ .\rثم قال الجلال السيوطي : واعلم أن اختلاف المذاهب في هذه الملّة نعمة كبيرة ، وفضيلة جزيلة عظيمة ، وله سر لطيف أدركه العالمون ، وعمي عنه الجاهلون ، حتى سمعت بعض الجهال يقول : النبي - صلى الله عليه وسلم - جاء بشرع واحد فمن أين مذاهب أربعة ؟ .\r","part":5,"page":55},{"id":1792,"text":"ومن العجيب أيضاً من يأخذ في تفضيل بعض المذاهب على بعض تفضيلاً يؤدي إلى تنقيص المفضل عليه وسقوطه ، وربما أدى إلى الخصام بين السفهاء ، وصارت عصبة وحمية الجاهلية ، والعلماء منزهون عن ذلك وقد وقع الاختلاف في الفروع بين الصحابة 0 رضي الله تعالى عنهم 0 وهم خير الأمة ، فما خاصم أحدٌ منهم أحداً ، ولا عادى أحد منهم أحداً ولا نسب أحدٌ إلى أحد خطأً ولا قصوراً ، والسر الذي أشرت إليه قد استنبطته من حديث : \" إن اختلاف هذه الأمة رحمة لها وكان اختلاف الأمم السابقة عذاباً وهلاكاً \" فعرف بذلك أن اختلاف المذاهب في هذه الملة خصيصة فاضلة لهذه الأمة ، وتوسيعٌ في هذه الشريعة السمحة السهلة ، فكان الأنبياء - صلوات الله عليهم - يُبعث أحدهم بشرع واحد وحكم واحد ، حتى أنه من ضيق شريعتهم لم يكن فيها تخيير في كثير من الفروع التي شرع فيها التخيير في شريعتنا ، كتحريم عدم القصاص في شريعة اليهود ، وتحتم الدية في شريعة النصارى ، وهذه الشريعة وقع فيها التخيير بين أمرين : شرع كل منهما في ملة كالقصاص والدية ، فكأنها جمعت بين الشرعين معاً ، وزادت حسناً بشرع ثالث وهو التخيير ، ومن ذلك مشروعية الاختلاف في الفروع ، فكانت المذاهب على اختلافها كشرائع متعددة كل مأمور به في هذه الشريعة ، فصارت هذه الشريعة كأنها عدّة شرائع بعث النبي - صلى الله عليه وسلم - بجميعها ، انتهى كلامه مختصراً.\rروي أن أبا يوسف رحمه الله تعالى : أنه صلى يوم الجمعة مغتسلاً من الحمام بالناس ، وتفرقوا ، ثم أخبر بوجود فأرة ميتة في بئر الحمام ، فقال : إذن نأخذ بقول إخواننا من أهل المدينة المنورة : \" إذا بلغ الماء قلتين لم يحمل خبثاً \". انتهى.\rوروي أن الشافعي رضي الله عنه ترك القنوت في الصبح لما صلى مع جماعة الحنفية في مسجد إمامهم بضواحي بغداد فقال كثير من الناس : فعل ذلك أدبا مع الإمام. أ هـ {خلاصة التحقيق في بيان حكم التقليد والتلفيق للشيخ عبد الغنى النابلسى صـ 2 ـ 7 ـ بتصرف يسير}","part":5,"page":56},{"id":1793,"text":"فائدة\rقال القرطبى : \rسُمِّيت مِنًى \"مِنًى\" لما يُمْنَى فيها من الدماء ، أي يُراق. وقال ابن عباس : إنما سُمِّيت مِنًى لأن جبريل قال لآدم عليه السلام : تمنّ. قال : أتمنّى الجنة ؛ فسُمِّيت مِنًى. قال : وإنما سميت جَمْعاً لأنه اجتمع بها حواء وآدم عليهما السلام ، والجَمْع أيضاً هو المزدلفة ، وهو المشعر الحرام. أ هـ {تفسير القرطبى حـ 3 صـ 7}\rقوله تعالى : {فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَنْ تَأَخَّرَ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ}\rالمناسبة\rقال البقاعى : \rولما فهم من هذا أنه لا بد من الإقامة بها - في مدة الثلاثة الأيام نفى ذلك ميسراً لأنّ الحج يجمع القوي والضعيف والخادم والمخدوم ، والضعيف في هذا الدين أمير على القوي فقال مشيراً إلى أن الإنسان في ذلك الجمع الأعظم له نازعان نازع ينزع إلى الإقامة في تلك الأماكن المرضية والجماعات المغفورة ونازع ينزعه إلى أهله وأوطانه وعشائره وإخوانه : {فمن تعجل} منكم النفر للرجوع إلى أوطانه {في يومين} منها {فلآ إثم عليه} والعجلة فعل الشيء قبل وقته الأليق به ، وقيد باليومين إعلاماً بأن من أدركه غروب اليوم الثاني بمنى وهو مقيم لزمه مبيت الليلة الثالثة ورمى اليوم الثالث ، فإن نفر قبل غروبه سقط عنه المبيت والرمي ، قال في شرح المهذب : بلا خلاف ، وكذا إن أدركه الغروب وهو راحل قبل أن ينفصل منها ، ولم يقيد التأخر لأن نهايته باليوم الثالث معروفة من أن الأيام ثلاثة.","part":5,"page":57},{"id":1794,"text":"ولما كان ذلك ربما أفهم أن المتأخر يلحقه إثم كما كان أهل الجاهلية يقولون وكان الصحابة رضي الله تعالى عنهم قوماً يسابقون إلى المعالي وكان سبحانه وتعالى يريد الرفق بأهل هذا الدين ستر التصريح بالترغيب في التأخر فعبر عنه أيضاً بنفي الإثم كالأول بعد أن أشار إلى الترغيب فيه بالتعبير عن النفر الأول بالتعجل فقال : {ومن تأخر} أي فأقام في منى إلى تمام الثلاثة فرمى اليوم الثالث {فلآ إثم عليه} والتأخر إبعاد الفعل من الآن الكائن. قال الشيخ محيي الدين في شرح المهذب : قال الشافعي رضي الله تعالى عنه والأصحاب : يجوز النفر في اليوم الثاني من التشريق ويجوز في الثالث ، وهذا مجمع عليه لقوله تعالى : {فمن تعجل} - الآية ، قالوا : والتأخر إلى اليوم الثالث أفضل للأحاديث الصحيحة والذكر ، ولما فهم من هذا أنه لا بد من الإقامة بها - في مدة الثلاثة الأيام نفى ذلك ميسراً لأنّ الحج يجمع القوي والضعيف والخادم والمخدوم ، والضعيف في هذا الدين أمير على القوي فقال مشيراً إلى أن الإنسان في ذلك الجمع الأعظم له نازعان نازع ينزع إلى الإقامة في تلك الأماكن المرضية والجماعات المغفورة ونازع ينزعه إلى أهله وأوطانه وعشائره وإخوانه : {فمن تعجل} منكم النفر للرجوع إلى أوطانه {في يومين} منها {فلآ إثم عليه} والعجلة فعل الشيء قبل وقته الأليق به ، وقيد باليومين إعلاماً بأن من أدركه غروب اليوم الثاني بمنى وهو مقيم لزمه مبيت الليلة الثالثة ورمى اليوم الثالث ، فإن نفر قبل غروبه سقط عنه المبيت والرمي ، قال في شرح المهذب : بلا خلاف ، وكذا إن أدركه الغروب وهو راحل قبل أن ينفصل منها ، ولم يقيد التأخر لأن نهايته باليوم الثالث معروفة من أن الأيام ثلاثة.\r","part":5,"page":58},{"id":1795,"text":"ولما كان ذلك ربما أفهم أن المتأخر يلحقه إثم كما كان أهل الجاهلية يقولون وكان الصحابة رضي الله تعالى عنهم قوماً يسابقون إلى المعالي وكان سبحانه وتعالى يريد الرفق بأهل هذا الدين ستر التصريح بالترغيب في التأخر فعبر عنه أيضاً بنفي الإثم كالأول بعد أن أشار إلى الترغيب فيه بالتعبير عن النفر الأول بالتعجل فقال : {ومن تأخر} أي فأقام في منى إلى تمام الثلاثة فرمى اليوم الثالث {فلآ إثم عليه} والتأخر إبعاد الفعل من الآن الكائن. قال الشيخ محيي الدين في شرح المهذب : قال الشافعي رضي الله تعالى عنه والأصحاب : يجوز النفر في اليوم الثاني من التشريق ويجوز في الثالث ، وهذا مجمع عليه لقوله تعالى : {فمن تعجل} - الآية ، قالوا : والتأخر إلى اليوم الثالث أفضل للأحاديث الصحيحة. أ هـ {نظم الدرر حـ 1 صـ 382}\rوقال ابن عاشور : \rوقوله : {فمن تعجل في يومين فلا إثم عليه} تفريع لفظي للإذن بالرخصة في ترك حضور بعض أيام منى لمن أعجله الرجوع إلى وطنه ، وجيء بالفاء لتعقيب ذكر الرخصة بعد ذكر العزيمة رحمة منه تعالى بعباده.\rوفِعْلاَ {تَعَجَّل} و{ تأَخَّر} : مشعران بتعجل وتأخر في الإقامة بالمكان الذي يشعر به اسم الأيام المعدودات ، فالمراد ، من التعجل عدم اللبث وهو النفر عن منى ومن التأخر اللبث في منى إلى يوم نفر جميع الحجيج ، فيجوز أن تكون {صيغة} تعجل و{ تأخر} معناهما مطاوعة عجله وأخره فإن التفعل يأتي للمطاوعة كأنه عجل نفسه فتعجل وأخرها فتأخر فيكون الفعلان قاصرين لا حاجة إلى تقدير مفعول لهما ولكن المتعجل عنه والمتأخر إليه مفهومان من اسم الأيام المعدودات ، أي تعجل النفر وتأخر النفر ، ويجوز أن تكون صيغة التفعل في الفعلين لتكلف الفعل كأنه اضطر إلى العجلة أو إلى التأخر فيكون المفعول محذوفاً لظهوره أي فمن تعجل النفر ومن تأخره.","part":5,"page":59},{"id":1796,"text":"فقوله : {فمن تعجل في يومين فلا إثم عليه} ظاهر المعنى في نفي الإثم عنه ، وإنما قوله : {ومن تأخر فلا إثم عليه} يشكل بأن نفي الإثم يقتضي توهم حصوله فيصير التأخر إلى اليوم الرابع رخصة مع أنه هو العزيمة ، ودُفع هذا التوهم بما روي أن أهل الجاهلية كانوا على فريقين ؛ فريق منهم يبيحون التعجيل ، وفريق يبيحون التأخير إلى الرابع فوردت الآية للتوسعة في الأمرين ، أو تجعل معنى نفي الإثم فيهما كناية عن التخيير بين الأمرين ، والتأخير أفضل ، ولا مانع في الكلام من التخيير بين أمرين وإن كان أحدهما أفضل كما خير المسافرُ بين الصوم والإفطار وإن كان الصوم أفضل.\rوعندي أن وجه ذكر {ومن تأخر فلا إثم عليه} أن الله لما أمر بالذكر في أيام منى وترك ما كانوا عليه في الجاهلية من الاشتغال فيها بالفضول كما تقدم ، وقال بعد ذلك {فمن تعجل في يومين فلا إثم عليه} خيف أن يتوهم أن التعجيل بالنفر أولى تباعداً من مواقعة ما لا يحسن من الكلام ، فدفع ذلك بقوله : {ومن تأخر فلا إثم عليه} فإذا نفي هذا التوهم علم السامع أنه قد ثبتت للمتأخر فضيلة الإقامة بتلك المنازل المباركة والمشاركة فيها بذكر الله تعالى ، ولذلك عقبه بقوله : {لمن اتقى} أي لمن اتقى الله في تأخره فلم يرفث ولم يفسق في أيام منى ، وإلاّ فالتأخر فيها لمن لم يتق إثم فهو متعلق بما تدل عليه ( لا ) من معنى النفي ، أو هو خبر مبتدأ ، أي ذلك وبدون هذا لا يظهر وجه لزيادة قوله {لمن اتقى} وإن تكلفوا في تفسيره بما لا تميل النفس إلى تقريره. أ هـ {التحرير والتنوير حـ 2 صـ 263}\rأسئلة وأجوبة\rقال العلامة الفخر : \rأما قوله تعالى : {فَمَن تَعَجَّلَ فِى يَوْمَيْنِ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَن تَأَخَّرَ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ لِمَنِ اتقى} ففيه سؤالات : \rالسؤال الأول : لم قال فمن تعجل ولم يقل فمن عجل ؟ .","part":5,"page":60},{"id":1797,"text":"الجواب : قال صاحب \"الكشاف\" : تعجل واستعجل يجيئان مطاوعين بمعنى عجل ، يقال : تعجل في الأمر واستعجل ، ومتعديين يقال : تعجل الذهاب واستعجله.\rالسؤال الثاني : قوله : {وَمَن تَأَخَّرَ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ} فيه إشكال ، وذلك لأنه إذا كان قد استوفى كل ما يلزمه في تمام الحج ، فما معنى قوله : {فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ} فإن هذا اللفظ إنما يقال في حق المقصر ولا يقال في حق من أتى بتمام العمل.\r","part":5,"page":61},{"id":1798,"text":"والجواب : من وجوه : أحدها : أنه تعالى لما أذن في التعجل على سبيل الرخصة احتمل أن يخطر ببال قوم أن من لم يجر على موجب هذه الرخصة فإنه يأثم ، ألا ترى أن أبا حنيفة رضي الله عنه يقول : القصر عزيمة ، والإتمام غير جائز ، فلما كان هذا الاحتمال قائماً ، لا جرم أزال الله تعالى هذه الشبهة وبين أنه لا إثم في الأمرين ، فإن شاء استعجل وجرى على موجب الرخصة ، وإن شاء لم يستعجل ولم يجر على موجب الرخصة ، ولا إثم عليه في الأمرين جميعاً وثانيها : قال بعض المفسرين : إن منهم من كان يتعجل ، ومنهم من كان يتأخر ، ثم كل واحد من الفريقين يعيب على الآخر فعله ، كان المتأخر يرى أن التعجل مخالفة لسنة الحج ، وكان المتعجل يرى أن التأخر مخالفة لسنة الحج ، فبين الله تعالى أنه لا عيب في واحد من القسمين ولا إثم ، فإن شاء تعجل وإن شاء لم يتعجل وثالثها : أن المعنى في إزالة الإثم عن المتأخر إنما هو لمن زاد على مقام الثلاث ، فكأنه قيل : إن أيام منى التي ينبغي المقام بها هي ثلاث ، فمن نقص عنها فتعجل في اليوم الثاني منها فلا إثم عليه ، ومن زاد عليها فتأخر عن الثالث إلى الرابع فلم ينفر مع عامة الناس فلا شيء عليه ورابعها : أن هذا الكلام إنما ذكر مبالغة في بيان أن الحج سبب لزوال الذنوب وتكفير الآثام وهذا مثل أن الإنسان إذا تناول الترياق ، فالطبيب يقول له : الآن إن تناولت السم فلا ضرر ، وإن لم تتناول فلا ضرر ، مقصوده من هذا بيان أن الترياق دواء كامل في دفع المضار ، لا بيان أن تناول السم وعدم تناوله يجريان مجرى واحد ، فكذا ههنا المقصود من هذا الكلام بيان المبالغة في كون الحج مكفراً لكل الذنوب ، لا بيان أن التعجل وتركه سيان ، ومما يدل على كونه الحج سبباً قوياً في تكفير الذنوب قوله عليه الصلاة والسلام : \"من حج فلم يرفث ولم يفسق خرج من ذنوبه كيوم ولدته أمه \"وخامسها : أن كثيراً من العلماء قالوا : الجوار مكروه ، لأنه إذا","part":5,"page":62},{"id":1799,"text":"جاور الحرم والبيت سقط وقعه عن عينه ، وإذا كان غائباً إزداد شوقه إليه ، وإذا كان كذلك احتمل أن يخطر ببال أحدنا على هذا المعنى أن من تعجل في يومين فحاله أفضل ممن لم يتعجل ، وأيضاً من تعجل في يومين فقد انصرف إلى مكة لطواف الزيارة وترك المقام بمنى ، ومن لم يتعجل فقد اختار المقام بمنى وترك الإستعجال في الطواف فلهذا السبب يبقى في الخاطر تردد في أن المتعجل أفضل أم المتأخر ؟ فبين الله تعالى أنه لا إثم ولا حرج في واحد منهما وسادسها : قال الواحدي رحمه الله تعالى : إنما قال : {وَمَن تَأَخَّرَ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ} لتكون اللفظة الأولى موافقة للثانية ، كقوله : {وَجَزَاءَ سَيّئَةٍ سَيّئَةٌ مّثْلُهَا} {الشورى : 40 ] وقوله : {فَمَنِ اعتدى عَلَيْكُمْ فاعتدوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعتدى عَلَيْكُمْ} {البقرة : 194 ] ونحن نعلم أن جزاء السيئة والعدوان ليس بسيئة ولا بعدوان ، فإذا حمل على موافقة اللفظ ما لا يصح في المعنى ، فلأن يحمل على موافقة اللفظ ما يصح في المعنى أولى ، لأن المبرور المأجور يصح في المعنى نفي الإثم عنه.\rالسؤال الثالث : هل في الآية دلالة على وجوب الإقامة بمنى بعد الإفاضة من المزدلفة ؟ .\rالجواب : نعم ، كما كان في قوله : {فَإِذَا أَفَضْتُم مّنْ عرفات} {البقرة : 198 ] دليل على وقوفهم بها.\rواعلم أن الفقهاء قالوا : إنما يجوز التعجل في اليومين لمن تعجل قبل غروب الشمس من اليومين فأما إذا غابت الشمس من اليوم الثاني قبل النفر فليس له أن ينفر إلا في اليوم الثالث لأن الشمس إذا غابت فقد ذهب اليوم ، وإنما جعل له التعجل في اليومين لا في الثالث هذا مذهب الشافعي ، وقول كثير من فقهاء التابعين ، وقال أبو حنيفة رضي الله عنه : يجوز له أن ينفر ما لم يطلع الفجر ، لأنه لم يدخل وقت الرمي بعد. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 5 صـ 166}\rقوله تعالى : {لِمَنِ اتَّقَى وَاتَّقُوا اللَّهَ }\rالمناسبة","part":5,"page":63},{"id":1800,"text":"قال البقاعى : \rولما كان مدار الأعمال البدنيات على النيات قيد ذلك بقوله : {لمن} أي هذا النفي للإثم عن القسمين لمن {اتقى} من أهلهما فأدار أفعاله على ما يرضي الله. ولما كان التقدير : فافعلوا ما شئتم من التعجل والتأخر عطف عليه ما علم أنه روحه فقال : {واتقوا الله} أي الذي له الإحاطة الشاملة. أ هـ {نظم الدرر حـ 1 صـ 382}\rقال ابن عاشور : \rوقوله : {واتقوا الله} وصاية بالتقوى وقعت في آخر بيان مهامّ أحكام الحج ، فهي معطوفة على {واذكروا الله} أو معترضة بين {ومن تأخر} وبين {من الناس من يعجبك} {البقرة : 204 ] الخ.\rوقد استُحضر حال المخاطبين بأحكام الحج في حال حجهم ؛ لأن فاتحة هاته الآيات كانت بقوله : {فمن فرض فيهن الحج فلا رفث} {البقرة : 197 ] الخ ولما ختمت بقوله : {واذكروا الله في أيام معدودات} وهي آخر أيام الحج وأشير في ذلك إلى التفرق والرجوع إلى الأوطان بقوله {فمن تعجل في يومين} الخ ، عُقب ذلك بقوله تعالى : {واتقوا الله} وصية جامعة للراجعين من الحج أن يراقبوا تقوى الله في سائر أحوالهم وأماكنهم ولا يجعلوا تقواه خاصة بمدة الحج كما كانت تفعله الجاهلية فإذا انقضى الحج رجعوا يتقاتلون ويغيرون ويفسدون ، وكما يفعله كثير من عصاة المسلمين عند انقضاء رمضان. أ هـ {التحرير والتنوير حـ 2 صـ 264}\rقال العلامة الفخر : \rأما قوله تعالى : {لِمَنِ اتقى} ففيه وجوه أحدها : أن الحاج يرجع مغفوراً له بشرط أن يتقي الله فيما بقي من عمره ولم يرتكب ما يستوجب به العذاب ، ومعناه التحذير من الاتكال على ما سلف من أعمال الحج فبين تعالى أن عليهم مع ذلك ملازمة التقوى ومجانبة الاغترار بالحج السابق.","part":5,"page":64},{"id":1801,"text":"وثانيها : أن هذه المغفرة إنما تحصل لمن كان متقياً قبل حجه ، كما قال تعالى : {إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ الله مِنَ المتقين} {المائدة : 27 ] وحقيقته أن المصر على الذنب لا ينفعه حجه وإن كان قد أدى الفرض في الظاهر وثالثها : أن هذه المغفرة إنما تحصل لمن كان متقياً عن جميع المحظورات حال اشتغاله بالحج ، كما روي في الخبر من قوله عليه الصلاة والسلام : \"من حج فلم يرفث ولم يفسق \"واعلم أن الوجه الأول من هذه الوجوه التي ذكرناها إشارة إلى اعتباره في الحال والتحقيق أنه لا بد من الكل وقال بعض المفسرين المراد بقوله : {لِمَنِ اتقى} ما يلزمه التوقي في الحج عنه من قتل الصيد وغيره ، لأنه إذا لم يجتنب ذلك صار مأثوماً ، وربما صار عمله محبطاً ، وهذا ضعيف من وجهين الأول : أنه تقييد للفظ المطلق بغير دليل الثاني : أن هذا لا يصح إلا إذا حمل على ما قبل هذه الأيام ، لأنه في يوم النحر إذا رمى وطاف وحلق ، فقد تحلل قبل رمي الجمار فلا يلزمه اتقاء الصيد إلا في الحرم ، لكن ذاك ليس للإحرام ، لكن اللفظ مشعر بأن هذا الاتقاء معتبر في هذه الأيام ، فسقط هذا الوجه. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 5 صـ 167}\rوقال الآلوسى : ","part":5,"page":65},{"id":1802,"text":"{ لِمَنِ اتقى} خبر لمحذوف واللام إما للتعليل أو للاختصاص ، أي ذلك التخيير المذكور بقرينة القرب لأجل المتقي لئلا يتضرر بترك ما يقصده من التعجيل والتأخر لأنه حذر متحرز عما يريبه ، أو ذلك المذكور من أحكام الحج مطلقاً نظراً إلى عدم المخصص القطعي ، وإن كانت عامة لجميع المؤمنين مختصة بالمتقي لأنه الحاج على الحقيقة ، والمنتفع بها ، والمراد من التقوى على التقديرين التجنب عما يؤثم من فعل أو ترك ولا يجوز حملها على التجنب عن الشرك لأن الخطاب في جميع ما سبق للمؤمنين ، واستدل بعضهم بالآية على أن الحاج إذا اتقى في أداء حدود الحج وفرائضه غفرت له ذنوبه كلها ، وروي ذلك عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما ، وأخرج ابن جرير عنه أنه فسر الآية بذلك ثم قال : إن الناس يتأوّلونها على غير تأويلها ، وهو من الغرابة بمكان. أ هـ {روح المعانى حـ 2 صـ 94}\rقوله تعالى : {وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ}\rالمناسبة\rقال البقاعى : ","part":5,"page":66},{"id":1803,"text":"ولما كان الحج حشراً في الدنيا والانصراف منه يشبه انصراف أهل الموقف بعد الحشر عن الدنيا فريقاً إلى الجنّة وفريقاً إلى السعير ذكرهم بذلك بقوله : {واعلموا أنَّكم} جميعاً {إليه} لا إلى غيره {تحشرون} بعد البعث ، والحشر الجمع بكره ، وهو واقع على أول خروجهم من الأجداث إلى انتهاء الموقف ، فاعلموا لما يكون سبباً في انصرافكم منه إلى دار كرامته لا إلى دار إهانته. قال الحرالي : وكلية الحج ومناسكه مطابق في الاعتبار لأمر يوم الحشر ومواقفه من خروج الحاج من وطنه متزوداً كخروج الميت من الدنيا متزوداً بزاد العمل ، ووصوله إلى الميقات وإهلاله متجرداً كانبعاثه من القبر متعرياً ، وتلبيته في حجه كتلبيته في حشره {مهطعين إلى الداع} {القمر : 80 ] كذلك اعتباره موطناً إلى غاية الإفاضة والحلول بحرم الله في الآخرة التي هي الجنة ، والشرب من ماء زمزم التي هي آية نزل الله لأهل الجنة على وجوه من الاعتبارات يطالعها أهل الفهم واليقين ، فلأجل ذلك كان أتم ختم لأحكام الحج ذكر الحشر - انتهى. وهنا تم ما أراد سبحانه وتعالى من بيان قواعد الإسلام الخمس : الإيمان والصلاة والزكاة والصوم والحج ، المشار إلى الثلاث الأول منها بقوله تعالى أول السورة : {يؤمنون بالغيب ويقيمون الصلاة ومما رزقناهم ينفقون} {البقرة : 3 ] وذكر الحج لمزيد الاعتناء به لاحقاً للصوم بعد ذكره سابقاً عليه ، ولعل ذلك هو السبب في تقديم الصوم على الحج تارة وتأخيره أخرى في روايات حديث ابن عمر رضي الله تعالى عنهما في الصحيح \"بني الإسلام على خمس \". أ هـ {نظم الدرر حـ 1 صـ 383}\rقال الفخر : ","part":5,"page":67},{"id":1804,"text":"أما قوله : {واعلموا أَنَّكُمْ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ} فهو تأكيد للأمر بالتقوى ، وبعث على التشديد فيه ، لأن من تصور أنه لا بد من حشر ومحاسبة ومساءلة ، وأن بعد الموت لا دار إلا الجنة أو النار ، صار ذلك من أقوى الدواعي له إلى التقوى ، وأما الحشر فهو اسم يقع على ابتداء خروجهم من الأجداث إلى انتهاء الموقف ، لأنه لا يتم كونهم هناك إلا بجميع هذه الأمور ، والمراد بقوله : {إِلَيْهِ} أنه حيث لا مالك سواه ولا ملجأ إلا إياه ، ولا يستطيع أحد دفعاً عن نفسه ، كما قال تعالى : {يَوْمَ لاَ تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئاً والأمر يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ} {الإنفطار : 19 ]. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 5 صـ 167}\rفائدة\rقال السمرقندى : \rوإنما حذرهم الله تعالى ، لأنهم إذا رجعوا من حجهم ، يجترئون على الله تعالى بالمعاصي ، فحذرهم عن ذلك فقال : {واتقوا الله واعلموا أَنَّكُمْ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ} ، فيجازيكم بأعمالكم. أ هـ {تفسير السمرقندى حـ 1 صـ 162}\rسؤال : لم اختير لفظ ( تحشرون ) هنا دون تصيرون أو ترجعون ؟ \rالجواب : اختير لفظ ( تحشرون ) هنا دون تصيرون أو ترجعون ، لأن تحشرون أجمع لأنه يدل على المصير وعلى الرجوع مع الدلالة على أنهم يصيرون مجتمعين كلهم كما كانوا مجتمعين حين استحضار حالهم في هذا الخطاب وهو اجتماع الحج ، ولأن الناس بعد الحج يحشرون إلى مواطنهم فذكرهم بالحشر العظيم ، فلفظ تحشرون أنسب بالمقام من وجوه كثير. أ هـ {التحرير والتنوير حـ 2 صـ 264}\rمن فوائد ابن عرفة فى الآية الكريمة\rقوله تعالى : {واذكروا الله في أَيَّامٍ مَّعْدُودَاتٍ...}.\rالأمر إما خاص ( بالحاج ) أو عام لأن سائر الناس أيضا يكبّرون في تلك الأيام غير أنّ الحجاج يكبرون في كل النهار وغيرهم يكبّر دبر ( كل ) صلاة فقط ، وقد كان عمر يرفع صوته بالتكبير في ( خبائِه ) فيكبّر من خلفه ثم يكبر النّاس كلّهم حتى ( يُسْمَع ) التكبير من مكة.","part":5,"page":68},{"id":1805,"text":"( وقيل ) هل الأمر للوجوب أو للندب ؟ \rقال : إن أريد مطلق الذكر فهو للوجوب وإن أريد الذكر الخاص في الوقت الخاص فهو للندب ، وأما للاباحة ( فلا ).\rوقوله \"مَّعْدُودَاتٍ \"أخذوا منه أن الواحد عدد لأنه جمع مفرده معدود.\rوأجيب بأن الشيء في نفسه ليس كهو مع غيره فالمجموع عدد والبعض غير عدد.\rقوله تعالى : {فَمَن تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلآ إِثْمَ عَلَيْهِ}.\r( تُؤول ) بأمرين إما نفي للإثم حقيقة أو إثبات الأجر له والثواب ( لأن الثواب ) كان حاصلا ( بالإقامة ) لأن الذكر معلوم أنه يحصل الثواب فما يبقى إلا توهم الوقوع في الإثم هنا ( لما كان ) الجاهلية يعتقدون. ( فنفي ) ما يتوهم وبقي ما عداه ثابتا بالأصالة وهو حصول الثواب على الذكر.\rقيل لابن عرفة : والآية تدلّ على ترك العمل ( بمفهوم ) العدد لأن مفهومها أن المتعجل في أقل من يومين مأثوم ، مع أن التأخير سنة وتارك السنة غير مأثوم ؟ \rفقال : إمّا أن نفرّع على أن تارك السنن متعمدا مأثوم وتقدم نظيره في الوتر ، أو نقول : معنى \"لاَ إِثْمَ \"أي له الثواب.\rقيل للإمام : ففيه حجة للقائل بأن تارك السّنن متعمّدا مأثوم ؟ \rقال : لا حجة فيه لاحتمال أن يراد بنفي الإثم حصول الثواب. أ هـ {تفسير ابن عرفة صـ 261}\rفائدة بلاغية\rقال ابن عادل : ","part":5,"page":69},{"id":1806,"text":"وفي هذه الآيات من علم البديع : الطباق ، وهو ذكر الشيء وضده في \"تَعَجَّل وتَأَخَّرَ \" ، فهو كقوله : {أَضْحَكَ وأبكى} {النجم : 43 ] و{ أَمَاتَ وَأَحْيَا} {النجم : 44 ] ، وهذا طباقٌ غريب ، من حيث جعل ضدَّ \"تَعَجَّلَ \" : \"تَأَخَّرَ \" ، وإنما ضدُّ \"تَعَجَّلَ \" : \"تَأَنَّى \" ، وضدُّ \"تَأَخَّرَ \" : \"تقدَّم \" ، ولكنه في \"تَعَجَّلَ \"عبرَّ بالملزوم عن اللازم ، وفي \"تَأَخَّرَ \"باللازم عن الملزوم ، وفيها من علم البيان : المقابلة اللفظيَّة ، وذلك أن المتأخِّر بالنَّفرات آتٍ بزيادة في العبادة ، فله زيادة في الأجر على المتعجِّل ، فقال في حقه أيضاً : \"فَلاَ إِثْمَ عَلَيْهِ \" ؛ ليقابل قوله أولاً : {فَمَن تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلاَ إِثْمَ عَلَيْهِ} ، فهو كقوله : {وَجَزَآءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِّثْلُهَا} {الشورى : 40 ] {فَمَنِ اعتدى عَلَيْكُمْ فاعتدوا عَلَيْهِ} {البقرة : 194 ]. أ هـ {تفسير ابن عادل حـ 3 صـ 448 ـ 449}\rقوله تعالى : {وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ (204)}\rمناسبة الآية لما قبلها\rقال البقاعى : ","part":5,"page":70},{"id":1807,"text":"ولما كان قد ذكر سبحانه وتعالى الراغب في الدنيا وحدها والراغب في الدارين وكان قد بقي من الأقسام العقلية المعرض عنهما وهو مفقود فلم يذكره والراغب في الآخرة فقط ، وكل من الأقسام تارة يكون مسرّاً وتارة يكون معلناً وكان المحذور منها - إنما هو المسر لإرادة الدنيا بإظهاره لإرادة الآخرة وكان هذا هو المنافق بدأ به بعد ذكر التقوى والحشر ليكون مصدوعاً بادىء بدء بذلك الأمر مقصوداً بالتهديد بالحشر وساقه بصيغة ما في أول السورة من ذكر المنافقين ليتذكر السامع تلك القصص ويستحضرها بتلك الأحوال وحسن ذلك طول الفصل وبعد العهد فقال : {ومن الناس من} أي شخص أو الذي {يعجبك} أي يروقك ويأخذ بمجامع قلبك أيها المخاطب {قوله} كما ذكرنا أول السورة أنه يخادع ، ويعجب من الإعجاب وهو من العجب وهو كون الشيء خارجاً عن نظائره من جنسه حتى يكون ندرة في صنعه - قاله الحرالي.\rوقال الأصبهاني : حالة تغشى الإنسان عند إدراك كمال مجهول السبب ، وعن الراغب أنه قال : وليس هو شيئاً له في ذاته حالة بل هو بحسب الإضافات إلى من يعرف السبب ومن لا يعرفه ، وحقيقة أعجبني كذا : ظهر لي ظهوراً لم أعرف سببه.\r","part":5,"page":71},{"id":1808,"text":"ولما كان ذكر هذا بعد ذكر الحشر ربما أوهم أن يكون القول أو الإعجاب واقعاً في تلك الحالة قيده بقوله : {في} أي الكائن في {الحياة الدنيا} لا يزداد في طول مدته فيها إلا تحسيناً لقوله وتقبيحاً لما يخفى من فعله وأما في الآخرة فكلامه غير حسن ولا معجب {ويشهد الله} المستجمع لصفات الكمال {على ما في قلبه} أنه مطابق لما أظهره بلسانه {وهو} أي والحال أنه {ألدّ الخصام} أي يتمادى في الخصام بالباطل لا ينقطع جداله كل ذلك وهو يظهر أنه على الحسن الجميل ويوجه لكل شيء من خصامه وجهاً يصرفه عما أراد به من القباحة إلى الملاحة ، واللدد شدة الخصومة ، والخصام القول الذي يسمع المصيح ويولج في صماخه ما يكفه عن مزعمه ودعواه - قاله الحرالي. وقال الأصبهاني : هو التعمق في البحث عن الشيء والمضايقة فيه ويجوز أن يجعل الخصام ألد على المبالغة - انتهى. أ هـ {نظم الدرر حـ 1 صـ 383 ـ 384}\rفائدة لغوية\rوالإعجاب إيجاد العجب في النفس والعجب : انفعال يعرض للنفس عند مشاهدة أمر غير مألوف خفي سببه. ولما كان شأن ما يخفى سببه أن ترغب فيه النفس ، صار العجب مستلزماً للاستحسان فيقال أعجبني الشيء بمعنى أوجب لى استحسانه ، قال الكواشي يقال في الاستحسان : أعجبني كذا ، وفي الإنكار : عجبت من كذا ، فقوله : {يعجبك} أي يحسن عندك قوله. أ هـ {التحرير والتنوير حـ 2 صـ 266}\rقال الفخر : ","part":5,"page":72},{"id":1809,"text":"اعلم أنه تعالى لما بين أن الذين يشهدون مشاعر الحج فريقان : كافر وهو الذي يقول : {رَبَّنَا ءاتِنَا فِى الدنيا} ومسلم وهو الذي يقول : {رَبَّنَا ءَاتِنَا فِى الدنيا حَسَنَةً وَفِي الأخرة حَسَنَةً} {البقرة : 201 ] بقي المنافق فذكره في هذه الآية ، وشرح صفاته وأفعاله ، فهذا ما يتعلق بنظم الآية ، والغرض بكل ذلك أن يبعث العباد على الطريقة الحسنة فيما يتصل بأفعال القلوب والجوارح ، وأن يعلموا أن المعبود لا يمكن إخفاء الأمور عنه ثم اختلف المفسرون على قولين منهم من قال : هذه الآية مختصة بأقوام معينين ومنهم من قال : إنها عامة في حق كل من كان موصوفاً بهذه الصفة المذكورة في هذه الآية ، أما الأولون فقد اختلفوا على وجوه : \r","part":5,"page":73},{"id":1810,"text":"فالرواية الأولى : أنها نزلت في الأخنس بن شريق الثقفي ، وهو حليف لبني زهرة أقبل إلى النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ وأظهر الإسلام ، وزعم أنه يحبه ويحلف بالله على ذلك ، وهذا هو المراد بقوله : {يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِى الحياة الدنيا وَيُشْهِدُ الله على مَا فِى قَلْبِهِ} غير أنه كان منافقاً حسن العلانية خبيث الباطن ، ثم خرج من عند النبي عليه السلام فمر بزرع لقوم من المسلمين فأحرق الزرع وقتل الحمر ، وهو المراد بقوله : {وَإِذَا تولى سعى فِى الأرض لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الحرث والنسل} وقال آخرون المراد بقوله تعالى : {يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ} هو أن الأخنس أشار على بني زهرة بالرجوع يوم بدر وقال لهم : إن محمداً ابن أختكم ، فإن يك كاذباً كفاكموه سائر الناس ، وإن يك صادقاً كنتم أسعد الناس به قالوا : نعم الرأي ما رأيت ، قال : فإذا نودي في الناس بالرحيل فإني أتخنس بكم فاتبعوني ثم خنس بثلثمائة رجل من بني زهرة عن قتال رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ ، فسمي لهذا السبب أخنس ، وكان اسمه : أبي بن شريق ، فبلغ ذلك رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ فأعجبه ، وعندي أن هذا القول ضعيف وذلك لأنه بهذا الفعل لا يستوجب الذم وقوله تعالى : {وَمِنَ الناس مَن يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِى الحياة الدنيا وَيُشْهِدُ الله على مَا فِى قَلْبِهِ} مذكور في معرض الذم فلا يمكن حمله عليه بل القول الأول هو الأصح.\rوالرواية الثانية : في سبب نزول هذه الآية ما روي عن ابن عباس والضحاك أن كفار قريش بعثوا إلى النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ أنا قد أسلمنا فابعث إلينا نفراً من علماء أصحابك ، فبعث إليهم جماعة فنزلوا ببطن الرجيع ، ووصل الخبر إلى الكفار ، فركب منهم سبعون راكباً وأحاطوا بهم وقتلوهم وصلبوهم ، ففيهم نزلت هذه الآية ، ولذلك عقبه من بعد بذكر من يشري نفسه ابتغاء مرضاة الله منبهاً بذلك على حال هؤلاء الشهداء.\r","part":5,"page":74},{"id":1811,"text":"القول الثاني : في الآية وهو اختيار أكثر المحققين من المفسرين ، أن هذه الآية عامة في حق كل من كان موصوفاً بهذه الصفات المذكورة ، ونقل عن محمد بن كعب القرظي ، أنه جرى بينه وبين غيره كلام في هذه الآية ، فقال إنها وإن نزلت فيمن ذكر فلا يمتنع أن تنزل الآية في الرجل ثم تكون عامة في كل من كان موصوفاً بتلك الصفات ، والتحقيق في المسألة أن قوله : {وَمِنَ الناس} إشارة إلى بعضهم ، فيحتمل الواحد ويحتمل الجمع ، وقوله : {وَيُشْهِدُ الله} لا يدل على أن المراد به واحد من الناس لجواز أن يرجع ذلك إلى اللفظ دون المعنى وهو جمع وأما نزوله على المسبب الذي حكيناه فلا يمتنع من العموم ، بل نقول : فيها ما يدل على العموم ، وهو من وجوه أحدها : أن ترتب الحكم على الوصف المناسب مشعر بالعلية ، فلما ذم الله تعالى قوماً ووصفهم بصفات توجب استحقاق الذم ، علمنا أن الموجب لتلك المذمة هو تلك الصفات ، فيلزم أن كل من كان موصوفاً بتلك الصفات أن يكون مستوجباً للذم وثانيها : أن الحمل على العموم أكثر فائدة ، وذلك لأنه يكون زجراً لكل المكلفين عن تلك الطريق المذمومة وثالثها : أن هذا أقرب إلى الإحتياط لأنا إذا حملنا الآية على العموم دخل فيه ذلك الشخص ، وأما إذا خصصناه بذلك الشخص لم يثبت الحكم في غيره فثبت بما ذكرنا أن حمل الآية على العموم أولى ، إذا عرفت هذا فنقول : اختلفوا في أن الآية هل تدل على أن الموصوف بهذه الصفات منافق أم لا ، والصحيح أنها لا تدل على ذلك ، لأن الله تعالى وصف هذا المذكور بصفات خمسة ، وشيء منها لا يدل على النفاق فأولها قوله : {يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِى الحياة الدنيا} وهذا لا دلالة فيه على صفة مذمومة إلا من جهة الإيماء الحاصل بقوله : {في الحياة الدنيا} لأن الإنسان إذا قيل : إنه حلو الكلام فيما يتعلق بالدنيا أوهم نوعاً من المذمة\r","part":5,"page":75},{"id":1812,"text":"وثانيها : قوله : {وَيُشْهِدُ الله على مَا فِى قَلْبِهِ} وهذا لا دلالة فيه على حالة منكرة ، فإن أضمرنا فيه أن يشهد الله على ما في قلبه مع أن قلبه بخلاف ذلك فالكلام مع هذا الإضمار لا يدل على النفاق ، لأنه ليس في الآية أن الذي يظهره للرسول من أمر الإسلام والتوحيد ، فإنه يضمر خلافه حتى يلزم أن يكون منافقاً ، بل لعل المراد أنه يضمر الفساد ويظهر ضده حتى يكون مرائياً\rوثالثها : قوله : {وَهُوَ أَلَدُّ الخصام} وهذا أيضاً لا يوجب النفاق\rورابعها : قوله : {وَإِذْ تولى سعى فِى الأرض لِيُفْسِدَ فِيهَا} والمسلم الذي يكون مفسداً قد يكون كذلك وخامسها : قوله : {وَإِذَا قِيلَ لَهُ اتق الله أَخَذَتْهُ العزة بالإثم} فهذا أيضاً لا يقتضي النفاق ، فعلمنا أن كل هذه الصفات المذكورة في الآية كما يمكن ثبوتها في المنافق يمكن ثبوتها في المرائي ، فإذن ليس في الآية دلالة على أن هذا المذكور يجب أن يكون منافقاً إلا أن المنافق داخل في الآية ، وذلك لأن كل منافق فإنه يكون موصوفاً بهذه الصفات الخمسة بل قد يكون الموصوف بهذه الصفات الخمسة غير منافق فثبت أنا متى حملنا الآية على الموصوف بهذه الصفات الخمسة دخل فيها المنافق والمرائي. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 5 صـ 169}\rقال القرطبى : \rوقال قتادة ومجاهد وجماعة من العلماء : نزلت في كل مُبْطن كفراً أو نفاقاً أو كذباً أو إضراراً ، وهو يظهر بلسانه خلاف ذلك ؛ فهي عامة ، وهي تشبه ما ورد في الترمذيّ أن في بعض كتب الله تعالى : إن من عباد الله قوماً ألسنتهم أحلى من العسل وقلوبهم أمرّ من الصَّبر ، يلبسون للناس جلود الضأن من اللِّين ، يشترون الدنيا بالدِّين ، يقول الله تعالى : أبي يغترّون ، وعليّ يجترئون ، فبي حلفت لأتيحنّ لهم فتنة تدع الحليم منهم حيران.","part":5,"page":76},{"id":1813,"text":"قال القرظي : تدبرتها في القرآن ، فإذا هم المنافقون ، فوجدتها : {وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ} الآية. أ هـ {تفسير القرطبى حـ 3 صـ 15}\rفائدة\rقال الفخر : \rالله تعالى وصف هذا المذكور بصفات خمسة.\rالصفة الأولى : قوله : {يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِى الحياة الدنيا} والمعنى : يروقك ويعظم في قلبك ومنه الشيء العجيب الذي يعظم في النفس.\rأما في قوله : {في الحياة الدنيا} ففيه وجوه أحدهما : أنه نظير قول القائل : يعجبني كلام فلان في هذه المسألة والمعنى : يعجبك قوله وكلامه عندما يتكلم لطلب مصالح الدنيا والثاني : أن يكون التقدير : يعجبك قوله وكلامه في الحياة الدنيا وإن كان لا يعجبك قوله وكلامه في الآخرة لأنه ما دام في الدنيا يكون جريء اللسان حلو الكلام ، وأما في الآخرة فإنه تعتريه اللكنة والاحتباس خوفاً من هيبة الله وقهر كبريائه. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 5 صـ 169}\rقال ابن عاشور : \rوالمراد من القول هنا ما فيه من دلالته على حاله في الإيمان والنصح للمسلمين ، لأن ذلك هو الذي يهم الرسول ويعجبه ، وليس المراد صفة قوله في فصاحة وبلاغة ؛ إذ لا غرض في ذلك هنا لأن المقصود ما يضاد قوله : وهو ألد الخصام إلى آخره.","part":5,"page":77},{"id":1814,"text":"والخطاب إما للنبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ أي ومن الناس من يظهر لك ما يعجبك من القول وهو الإيمان وحب الخير والإعراض عن الكفار ، فيكون المراد بِ\"مَن\" المنافقين ومعظمهم من اليهود ، وفيهم من المشركين أهل يثرب وهذا هو الأظهر عندي ، أو طائفة معينة من المنافقين ، وقيل : أريد به الأخنس بن شريف الثقفي واسمه أبي وكان مولى لبني زهرة من قريش وهم أخوال النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ وكان يظهر المودة للنبيء ـ صلى الله عليه وسلم ـ ولم ينضم إلى المشركين في واقعة بدر بل خنس أي تأخر عن الخروج معهم إلى بدر وكان له ثلاثمائة من بني زهرة أحلافه فصدهم عن الانضمام إلى المشركين فقيل : إنه كان يظهر الإسلام وهو منافق ، وقال ابن عطية : لم يثبت أنه أسلم قط ، ولكن كان يظهر الود للرسول فلما انقضت وقعة بدر قيل : إنه حرق زرعاً للمسلمين وقتل حميراً لهم فنزلت فيه هاته الآية ونزلت فيه أيضاً {ولا تطع كل حلاف مهين هماز مشاء بنميم} {القلم : 10 ، 11 ] ونزلت فيه {ويل لكل همزة لمزة} {الهمزة : 1 ] ، وقيل بل كانت بينه وبين قومه ثقيف عداوة فبيتهم ليلاً فأحرق زرعهم وقتل مواشيهم فنزلت فيه الآية وعلى هذا فتقريعه لأنه غدرهم وأفسد.\rويجوز أن الخطاب لغير معين ليعم كل مخاطب تحذيراً للمسلمين من أن تروج عليهم حيل المنافقين وتنبيه لهم إلى استطلاع أحوال الناس وذلك لا بد منه. أ هـ {التحرير والتنوير حـ 2 صـ 266}","part":5,"page":78},{"id":1815,"text":"الصفة الثانية : قوله : {وَيُشْهِدُ الله على مَا فِى قَلْبِهِ} فالمعنى أنه يقرر صدقة في كلامه ودعواه بالاستشهاد بالله ، ثم يحتمل أن يكون ذلك الاستشهاد بالحلف واليمين ، ويحتمل أن يكون ذلك بأن يقول : الله يشهد بأن الأمر كما قلت ، فهذا يكون استشهاداً بالله ولا يكون يميناً ، وعامة القراء يقرؤن {وَيُشْهِدُ الله} بضم الياء ، أي هذا القائل يشهد الله على ما في ضميره ، وقرأ ابن محيصن {يَشْهَدُ الله على مَا فِى قَلْبِهِ} بفتح الياء ، والمعنى : أن الله يعلم من قلبه خلاف ما أظهره.\rفالقراءة الأولى : تدل على كونه مرائياً وعلى أنه يشهد الله باطلاً على نفاقه وريائه.\rوأما القراءة الثانية : فلا تدل إلا على كونه كاذباً ، فأما على كونه مستشهداً بالله على سبيل الكذب فلا ، فعلى هذا القراءة الأولى أدلى على الذم. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 5 صـ 169}\rقال ابن عاشور : \rومعنى {يشهد الله على ما في قلبه} أنه يقرن حسن قوله وظاهر تودده بإشهاد الله تعالى على أن ما في قلبه مطابق لما في لفظه ، ومعنى إشهاد الله حلفه بأن الله يعلم إنه لصادق.\rوإنما أفاد ما في قلبه معنى المطابقة لقوله لأنه لما أشهد الله حين قال كلاماً حلواً تعين أن يكون مدعياً أن قلبه كلسانه قال تعالى : {يحلفون بالله لكم ليرضونكم} {التوبة : 62 ]. أ هـ {التحرير والتنوير حـ 2 صـ 267}\rفائدة لغوية\rالظرف من قوله {في الحياة الدنيا} يجوز أن يتعلق بيعجبك فيراد بهذا الفريق من الناس المنافقون الذين يظهرون كلمة الإسلام والرغبة فيه على حد قوله تعالى : {وإذا لقوا الذين آمنوا قالوا آمنا} {البقرة : 14 ] أي إعجابك بقولهم لا يتجاوز الحصول في الحياة الدنيا فإنك في الآخرة تجدهم بحالة لا تعجبك فهو تمهيد لقوله في آخر الآية {فحسبه جهنم} والظرفية المستفادة من ( في ) ظرفيةٌ حقيقية.","part":5,"page":79},{"id":1816,"text":"ويجوز أن يتعلق بكلمة {قوله} أي كلامه عن شؤون الدنيا من محامد الوفاء في الحلف مع المسلمين والود للنبيء ولا يقول شيئاً في أمور الدين ، فهذا تنبيه على أنه لا يتظاهر بالإسلام فيراد بهذا الأخنس بن شريق.\rوحرف ( في ) على هذا الوجه للظرفية المجازية بمعنى عن والتقدير قوله : عن الحياة الدنيا. أ هـ {التحرير والتنوير حـ 2 صـ 267}\rقوله تعالى : {وَهُوَ أَلَدُّ الخصام }\rقال ابن عاشور : \rومعنى {وهو ألد الخصام} أنه شديد الخصومة أي العداوة مشتق من لده يلده بفتح اللام لأنه من فعل ، تقول : لددت يا زيد بكسر الدال إذا خاصم ، فهو لاد ولدود فاللدد شدة الخصومة والألد الشديد الخصومة قال الحماسي ربيعة بن مقروم\r : ... وأَلَدَّ ذِي حَنَققٍ عليَّ كَأَنَّما\rتَغْلِي حَرَارَةُ صَدْرِه في مِرْجَلِ... فألد صفة مشبهة وليس اسم تفضيل ، ألا ترى أن مؤنثه جاء على فعلاء فقالوا : لداء وجمعه جاء على فُعْل قال تعالى : {وتنذر به قوماً لداً} {مريم : 97 ] وحينئذٍ ففي إضافته للخصام إشكال ؛ لأنه يصير معناه شديد الخصام من جهة الخصام فقال في \"الكشاف\" : إما أن تكون الإضافة على المبالغة فجعل الخصام أَلَد أي نُزِّل خصامه منزلة شخص له خصام فصارا شيئين فصحت الإضافة على طريقة المجاز العقلي ، كأنه قيل : خصامه شديد الخصام كما قالوا : جُنَّ جُنُونُه وقالوا : جَدَّ جَدُّه ، أو الإضافة على معنى في أي وهو شديد الخصام في الخصام أي في حال الخصام ، وقال بعضهم يقدر مبتدأ محذوف بعد {وهو} تقديره : وهو خصامه ألد الخصام وهذا التقدير لا يصح لأن الخصام لا يوصف بالألد فتعيَّن أن يُؤَوَّل بأنه جعل بمنزلة الخصم وحينئذٍ فالتأويل مع عدم التقدير أولى ، وقيل الخصام هنا جمع خَصم كصَعْب وصِعاب وليس هو مصدراً وحينئذٍ تظهر الإضافة أي وهو ألد الناس المخاصمين. أ هـ {التحرير والتنوير حـ 2 صـ 267}\rوقال الفخر : ","part":5,"page":80},{"id":1817,"text":"الصفة الثالثة : قوله تعالى : {وَهُوَ أَلَدُّ الخصام} وفيه مسائل : \rالمسألة الأولى : الألد : الشديد الخصومة ، يقال : رجل ألد ، وقوم لد ، وقال الله تعالى : {وَتُنْذِرَ بِهِ قَوْماً لُّدّاً} {مريم : 97 ] وهو كقوله : {بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ} {الزخرف : 58 ] يقال : منه لد يلد ، بفتح اللام في يفعل منه ، فهو ألد ، إذا كان خصماً ، ولددت الرجل ألده بضم اللام ، إذا غلبته بالخصومة ، قال الزجاج اشتقاقه من لديدتي العنق وهما صفحتاه ، ولديدي الوادي ، وهما جانباه ، وتأويله أنه في أي وجه أخذه خصمه من يمين وشمال في أبواب الخصومة غلب من خاصمه.\rوأما {الخصام} ففيه قولان أحدهما : وهو قول خليل : إنه مصدر بمعنى المخاصمة ، كالقتال والطعام بمعنى المقاتلة والمطاعنة ، فيكون المعنى : وهو شديد المخاصمة ، ثم في هذه الإضافة وجهان أحدهما : أنه بمعنى {فِى} والتقدير : ألد في الخصام والثاني : أنه جعل الخصام ألد على سبيل المبالغة.\rوالقول الثاني : أن الخصام جمع خصم ، كصعاب وصعب ، وضخام وضخم ، والمعنى : وهو أشد الخصوم خصومة ، وهذا قول الزجاج ، قال المفسرون : هذه الآية نزلت في الأخنس بن شريق على ما شرحناه : وفيه نزل أيضاً قوله : {وَيْلٌ لّكُلّ هُمَزَةٍ} {الهمزة : 1 ] وقوله : {وَلاَ تُطِعْ كُلَّ حَلاَّفٍ مَّهِينٍ هَمَّازٍ مَّشَّاء بِنَمِيمٍ} {القلم : 10 ، 11 ] ثم للمفسرين عبارات في تفسير هذه اللفظة ، قال مجاهد {أَلَدُّ الخصام} معناه : طالب لا يستقيم ، وقال السدي : أعوج الخصام وقال قتادة ألد الخصام معناه أنه جدل بالباطل ، شديد القصوة في معصية الله ، عالم اللسان جاهل العمل. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 5 صـ 170}\rفائدة\rقال القرطبى : ","part":5,"page":81},{"id":1818,"text":"قال علماؤنا : وفي هذه الآية دليل وتنبيه على الاحتياط فيما يتعلق بأُمور الدِّين والدنيا ، واستبراء أحوال الشهود والقضاة ، وأن الحاكم لا يعمل على ظاهر أحوال الناس وما يبدو من إيمانهم وصلاحهم حتى يبحث عن باطنهم ؛ لأن الله تعالى بيّن أحوال الناس ، وأن منهم من يظهر قولا جميلاً وهو ينوي قبيحا.\rفإن قيل : هذا يعارضه قوله عليه السلام : \"أُمرت أن أُقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله \"الحديث ، وقوله : \"فاقضي له على نحو ما أسمع \"فالجواب أن هذا كان في صدر الإسلام ، حيث كان إسلامهم سلامتهم ، وأما وقد عمّ الفساد فلا ؛ قاله ابن العربي.\rقلت : والصحيح أن الظاهر يعمل عليه حتى يتبيّن خلافه ؛ لقول عمر بن الخطاب رضي الله عنه في صحيح البخاريّ : أيها الناس ، إن الوحي قد انقطع ، وإنما نأخذكم الآن بما ظهر لنا من أعمالكم ؛ فمن أظهر لنا خيراً أمّناه وقرّبناه ، وليس لنا من سريرته شيء ، الله يحاسبه في سريرته ، ومن أظهر لنا سوءاً لم نؤمّنه ولم نصدّقه ، وإن قال إن سريرته حسنة. أ هـ {تفسير القرطبى حـ 3 صـ 16}\rلطيفة\rالناس على قسمين : قسم زَيّنُوا ظواهرهم وخرَّبوا بواطنهم ، وظاهرهم جميل وباطنُهم قبيح ، إذا تكلموا في الدنيا أو في الحس ، أعجبَك قولهم ، وراقك منظرُهم ، وإذا تكلموا في الآخرة ، أو في المعنى ، أخذتهم الحبْسةُ والدهشة.\rوالقسم الثاني : قوم زَيَّنوا بواطنهم وخربوا ظواهرهم ، عمّروا قلوبهم بمحبة الله ، وبذلوا أنفسهم في مرضات الله ، قلوبهم في أعلى عليين ، وأشباحهم في أسفل سافلين ، فأولئك المقربون مع النبيين والمرسلين. قال بعض العارفين : كلما وضعت نفسك أرضاً أرضاً ، سما قلبك سماء سماء ، وكل ما نقص من حسك زاد في معناك. وفي الحديث : \"مَن تواضعَ دُون قَدْره رَفَعهُ الله فوقَ قَدْره \"وبالله التوفيق. أ هـ {البحر المديد حـ 1 صـ 166}\rمن فوائد ابن عرفة فى الآية الكريمة","part":5,"page":82},{"id":1819,"text":"قوله تعالى : {فِي الحياة الدنيا}.\rإما متعلق بـ \"يعجبك \"أو بـ \"قَوْلُهُ \". وعادتهم يوردون عليه سؤالا وهو أنه إن تعلق بـ \"يعجبك \"كان الكلام غير مفيد لأنه معلوم لأن الإعجاب منه إنما هو في الدنيا ، ولا يقع في الآخرة فهو تحصيل الحاصل ، وإن تعلق بـ \"قَوْلُهُ \"فإما أن يراد نفس قوله أو متعلقه ، فمتعلقه إنّما هو في الآخرة لا في الدنيا لأن ( محصول ) ذلك القول ( الإسلام ) وهو أمر أخروي لا دنيوي. وإن أريد نفس \"قَوْلُهُ \"فذلك القول إنما وقع منه في الدنيا ونحن نعلم ذلك من غير حاجة إلى الإعلام به فيرجع إلى تحصيل الحاصل.\rقال : فالجواب أنه على حذف مضاف ، أي يعجبك قوله في شأن الحياة الدنيا ، لأنه إنما ( يقصد ) بكلمة الإسلام عصمته من القتل والأسر وضرب ( الجزية ) ، وصيانة ماله وعرضه ، فالإعجاب راجع إلى حكم دنيوي لأن المراد به نفس التعجب.\rقوله تعالى : {وَيُشْهِدُ الله على مَا فِي قَلْبِهِ...}.\rدليل على أن العقل في القلب.\rقيل لابن عرفة : وهذا من الكذب على الله. وقد ذكر ابن التلمسانى فيه قولين : قيل إنه كفر ، وقيل لا ؟\rقال ابن عرفة : إنّما الخلاف في الكذب على الله في الأحكام كقوله : أَحَلّ الله كذا وحرم كذا وأما قول القائل أي الحالف لقد كان كذا والله يعلم أنّي لصادق ، فهو يمين غموس وليس من ذلك القبيل وعلق التعجب بالقول ليفيد التعجّب من كلامه من باب أحرى.\rقوله تعالى : {وَهُوَ أَلَدُّ الخصام }.\rإنما كان مُلدّا لحلفه على الباطل وتأكيده الحلف يعلم أنه تعالى أنه حق. أ هـ {تفسير ابن عرفة صـ 262}\rقوله تعالى : {وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ (205)}\rمناسبة الآية لما قبلها\rقال البقاعى :","part":5,"page":83},{"id":1820,"text":"ولما ذكر أنه ألد شرع يذكر وجه لدده فقال عاطفاً على ما تقديره : فإذا واجهك اجتهد في إظهار أنه مصلح أو تكون جملة حالية {وإذا تولى} أي أعرض بقلبه أو قاله عمن خدعه بكلامه ، وكنى بالتعبير بالسعي عن الإسراع في إيقاع الفتنة بغاية الجهد فقال : {سعى} ونبه على كثرة فساده بقوله : {في الأرض} أي كلها بفعله وقوله عند من يوافقه {ليفسد} أي ليوقع الفساد وهو اسم لجميع المعاصي {فيها} أي في الأرض في ذات البين لأجل الإهلاك والناس أسرع شيء إليه فيصير له مشاركون في أفعال الفساد ، فإذا فعل منه ما يريد كان معروفاً عندهم فكان له عليه أعوان وبين أنه يصل بإفساده إلى الغاية بقوله مسمياً المحروث حرثاً مبالغة : {ويهلك الحرث} أي المحروث الذي يعيش به الحيوان ، قال الحرالي سماه حرثاً لأنه الذي نسبه إلى الخلق ، ولم يسمه زرعاً لأن ذلك منسوب إلى الحق - انتهى. ولأنه إذا هلك السبب هلك المسبب من غير عكس {والنسل} أي المنسول الذي به بقاء نوع الحيوان. قال الحرالي : وهو استخراج لطيف الشيء من جملته - انتهى. وفعله ذلك للإفساد ونظمت الآية هكذا إفهاماً لأن المعنى أن غرضه أولاً بإفساد ذات البين التوصل إلى الإهلاك وثانياً بالإهلاك التوصل إلى الإفساد {والله} أي والحال أن الملك الأعظم {لا يحب الفساد} أي لا يفعل فيه فعل المحب فلا يأمر به بل ينهى عنه ولا يقر عليه بل يغيره وإن طال المدى ويعاقب عليه ، ولم يقل : الهلاك ، لأنه قد يكون صورة فقط فيكون صلاحاً كما إذا كان قصاصاً ولا قال : الإفساد يشمل ما إذا كان الفساد عن غير قصد ، والآية من الاحتباك ، ذكر أولاً الإفساد ليدل على حذفه ثانياً وثانياً الإهلاك ليدل على حذفه أولاً ، وذكر الحرث الذي هو السبب دلالة على الناسل والنسل الذي هو المسبب دلالة على الزرع فهو احتباك ثان.\rأ هـ {نظم الدرر حـ 1 صـ 385}\rقال الفخر : ","part":5,"page":84},{"id":1821,"text":"اعلم أنه تعالى لما بين من حال ذلك الإنسان أنه حلو الكلام ، وأنه يقرر صدق قوله بالاستشهاد بالله وأنه ألد الخصام ، بين بعد ذلك أن كل ما ذكره باللسان فقلبه منطو على ضد ذلك فقال : {وَإِذَا تولى سعى فِى الأرض لِيُفْسِدَ فِيهَا} ثم في الآية مسائل : \rالمسألة الأولى : قوله تعالى : {وَإِذَا تولى} فيه قولان : أحدهما : معناه وإذا انصرف من عندك سعى في الأرض بالفساد ، ثم هذا الفساد يحتمل وجهين أحدهما : ما كان من إتلاف الأموال بالتخريب والتحريق والنهب ، وعلى هذا الوجه ذكروا روايات منها ما قدمنا أن الأخنس لما أظهر للرسول عليه السلام أنه يحبه وأنه على عزم أن يؤمن فلما خرج من عنده مر بزرع للمسلمين فأحرق الزرع وقتل الحمر ، ومنها أنه لما انصرف من بدر مر ببني زهرة وكان بينه وبين ثقيف خصومة فبيتهم ليلاً وأهلك مواشيهم وأحرق زرعهم.\r","part":5,"page":85},{"id":1822,"text":"والوجه الثاني في تفسير الفساد : أنه كان بعد الإنصراف من حضرة النبي عليه السلام يشتغل بإدخال الشبه في قلوب المسلمين ، وباستخراج الحيل في تقوية الكفر ، وهذا المعنى يسمى فساداً ، قال تعالى : حكاية عن قوم فرعون حيث قالوا له : {أَتَذَرُ موسى وَقَوْمَهُ لِيُفْسِدُواْ فِى الأرض} {الأعراف : 127 ] أي يردوا قومك عن دينهم ، ويفسدوا عليهم شريعتهم ، وقال أيضاً : {إِنّى أَخَافُ أَن يُبَدّلَ دِينَكُمْ أَوْ أَن يُظْهِرَ فِى الأرض الفساد} {غافر : 26 ] وقد ذكرنا في تفسير قوله تعالى : {وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لاَ تُفْسِدُواْ فِى الأرض} {البقرة : 11 ] ما يقرب من هذا الوجه ، وإنا سمي هذا المعنى فساداً في الأرض لأنه يوقع الاختلاف بين الناس ويفرق كلمتهم ويؤدي إلى أن يتبرأ بعضهم من بعض ، فتنقطع الأرحام وينسفك الدماء ، قال تعالى : {فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِن تَوَلَّيْتُمْ أَن تُفْسِدُواْ فِى الأرض وَتُقَطّعُواْ أَرْحَامَكُمْ} {محمد : 22 ] فأخبر أنهم أن تولوا عن دينه لم يحصلوا إلا على الفساد في الأرض ، وقطع الأرحام ، وذلك من حيث قلنا وهو كثير في القرآن ، واعلم أن حمل الفساد على هذا أولى من حمله على التخريب والنهب ، لأنه تعالى قال : {وَيُهْلِكَ الحرث والنسل} والمعطوف مغاير للمعطوف عليه لا محالة.\rالقول الثاني : في تفسير قوله : {وَإِذَا تولى} وإذا صار والياً فعل ما يفعله ولاة السوء من الفساد في الأرض بإهلاك الحرث والنسل ، وقيل : يظهر الظلم حتى يمنع الله بشؤم ظلمه القطر فيهلك الحرث والنسل ، والقول الأول أقرب إلى نظم الآية ، لأن المقصود بيان نفاقه ، وهو أنه عند الحضور يقول الكلام الحسن ويظهر المحبة ، وعند الغيبة يسعى في إيقاع الفتنة والفساد.\rأ هـ {مفاتيح الغيب حـ 5 صـ 171}\rقوله تعالى : {سعى فِى الأرض }\rقال القرطبى : ","part":5,"page":86},{"id":1823,"text":"وقوله تعالى : {وَإِذَا تولى سعى فِي الأرض لِيُفْسِدَ فِيِهَا} قيل : \"تولّى وسعى\" من فعل القلب ؛ فيجيء \"تولى\" بمعنى ضل وغضب وأَنِف في نفسه. و\"سعى\" أي سعى بحيلته وإرادته الدوائر على الإسلام وأهله ؛ عن ابن جُرَيج وغيره. وقيل : هما فعل الشخص ؛ فيجيء \"تولى\" بمعنى أدبر وذهب عنك يا محمد. و\"سعى\" أي بقدميه فقطع الطريق وأفسدها ؛ عن ابن عباس وغيره. وكلا السعيين فساد. يقال : سعى الرجل يسعى سعياً ، أي عدا ، وكذلك إذا عمِل وكسَب. وفلان يسعى على عياله أي يعمل في نفعهم. أ هـ {تفسير القرطبى حـ 3 صـ 17}\rفصل\rقال الفخر : ","part":5,"page":87},{"id":1824,"text":"من فسر الفساد بالتخريب قال : إنه تعالى ذكره أولاً على سبيل الإجمال ، وهو قوله : {لِيُفْسِدَ فِيهَا} ثم ذكره ثانياً على سبيل التفصيل فقال : {وَيُهْلِكَ الحرث والنسل} ومن فسر الإفساد بإلقاء الشبهة قال : كما أن الدين الحق أمر أن أولهما العلم ، وثانيهما العمل ، فكذا الدين الباطل أمران أولهما الشهبات ، وثانيهما فعل المنكرات ، فههنا ذكر تعالى أولاً من ذلك الإنسان اشتغاله بالشبهات ، وهو المراد بقوله : {لِيُفْسِدَ فِيهَا} ثم ذكر ثانياً إقدامه على المنكرات ، وهو المراد بقوله : {وَيُهْلِكَ الحرث والنسل} ولا شك في أن هذا التفسير أولى ثم من قال سبب نزول الآية أن الأخنس مر بزرع للمسلمين فأحرق الزرع وقتل الحمر قال : المراد بالحرث الزرع ، وبالنسل تلك الحمر ، والحرث هو ما يكون منه الزرع ، قال تعالى : {أَفَرَءيْتُم مَّا تَحْرُثُونَ أأنتم تَزْرَعُونَهُ} {الواقعة : 63 ] وهو يقع على كل ما يحرث ويرزع من أصناف النبات ، وقيل : إن الحرث هو شق الأرض ، ويقال لما يشق به : محرث ، وأما النسل فهو على هذا التفسير نسل الدواب ، والنسل في اللغة : الولد ، واشتقاقه يحتمل أن يكون من قولهم : نسل ينسله إذا خرج فسقط ، ومنه نسل ريش الطائر ، ووبر البعير ، وشعر الحمار ، إذا خرج فسقط ، والقطعة منها إذا سقطت نسالة ، ومنه قوله تعالى : {إلى رَبّهِمْ يَنسِلُونَ} {يس : 51 ] أي يسرعون ، لأنه أسرع الخروج بحدة ، والنسل الولد لخروجه من ظهر الأب وبطن الأم وسقوطه ، والناس نسل آدم ، وأصل الحرف من النسول وهو الخروج ، وأما من قال : إن سبب نزول الآية : أن الأخنس بيت على قوم ثقيف وقتل منهم جمعاً ، فالمراد بالحرث : إما النسوان لقوله تعالى : {نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَّكُمْ} {البقرة : 223 ] أو الرجال وهو قول قوم من المفسرين الذين فسروا الحرث بشق الأرض ، إذ الرجال هم الذين يشقون أرض التوليد ، وأما النسل فالمراد منه الصبيان","part":5,"page":88},{"id":1825,"text":".\rواعلم أنه على جميع الوجوه فالمراد بيان أن ذلك الفساد فساد عظيم لا أعظم منه لأن المراد منها على التفسير الأول.\rإهلاك النبات والحيوان ، وعلى التفسير الثاني : إهلاك الحيوان بأصله وفرعه ، وعلى الوجهين فلا فساد أعظم منه ، فإذن قوله : {وَيُهْلِكَ الحرث والنسل} من الألفاظ الفصيحة جداً الدالة مع اختصارها على المبالغة الكثيرة ونظيره في الاختصار ما قاله في صفة الجنة {وَفِيهَا مَا تَشْتَهِيهِ الأنفس وَتَلَذُّ الأعين} {الزخرف : 71 ] وقال : {أَخْرَجَ مِنْهَا مَاءَهَا ومرعاها} {النازعات : 31 ].\rفإن قيل : أفتدل الآية على أنه يهلك الحرث والنسل ، أو تدل على أنه أراد ذلك ؟ .\rقلنا : إن قوله : {سعى فِى الأرض لِيُفْسِدَ فِيهَا} دل على أن غرضه أن يسعى في ذلك ، ثم قوله : {وَيُهْلِكَ الحرث والنسل} إن عطفناه على الأول لم تدل الآية على وقوع ذلك ، فإن تقدير الآية هكذا : سعى في الأرض ليفسد فيها ، وسعى ليهلك الحرث والنسل ، وإن جعلناه كلاماً مبتدأ منقطعاً عن الأول ، دل على وقوع ذلك ، والأول أولى ، وإن كانت الأخبار المذكورة في سبب نزول الآية دلت على أن هذه الأشياء قد وقعت ودخلت في الوجود. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 5 صـ 172}\rقال ابن عاشور : \rوقوله : {في الأرض} تأكيد لمدلول {سعى} لرفع توهم المجاز من أن يراد بالسعي العمل والاكتساب فأريد التنصيص على أن هذا السعي هو السير في الأرض للفساد وهو الغارة والتلصص لغير إعلاء كلمة الله ، ولذلك قال بعده {ليفسد فيها} فاللام للتعليل ، لأن الإفساد مقصود لهذا الساعي.","part":5,"page":89},{"id":1826,"text":"ويجوز أن يكون {سعى} مجازاً في الإرادة والتدبير أي دبر الكيد لأن ابتكار الفساد وإعمالَ الحيلة لتحصيله مع إظهار النصح بالقَول كَيْدٌ ويكون ليفسد مفعولاً به لفعل {سعى} والتقدير أراد الفساد في الأرض ودبَّره ، وتكون اللام لام التبليغ كما تقدم في قوله تعالى : {يريد الله بكم اليسر إلى قوله ولتكملوا العدة} {البقرة : 185 ] فاللام شبيه بالزائد وما بعد اللام من الفعل المقدَّرَةِ معه ( أَنْ ) مفعول به كما في قوله تعالى : {يريدون أن يطفئوا نور الله بأفواههم} {التوبة : 32 ] وقول جَزْءِ بننِ كُلَيْببٍ الفَقْعسي\r : ... تبغَّى ابن كوز والسفاهة كاسمها\rليستادَ منّا أَنْ شَتَوْنَا لَيَالِيَا... إذ التقدير تبغَّى الاستيادَ منا ، قال المرزوقي : أتى بالفعل واللام لأنّ تبغى مثل أراد فكما قال الله عز وجل : {يريدون أن يطفئوا نور الله بأفوههم} {التوبة : 32 ] والمعنى يريدون إطفاء نور الله كذلك قال تبغى ليستاد أي تبغى الاستياد منا اه.\rوأقول : إن هذا الاستعمال يتأتى في كل موضع يقع فيه مفعول الفعل علةً للفعل مع كونه مفعولاً به ، فالبليغ يأتي به مقترناً بلام العلة اعتماداً على أن كونه مفعولاً به يعلم من تقدير ( أَن ) المصدرية.\rويكون قوله : {في الأرض} متعلقاً بسعى لإفادة أن سعيه في أمر من أمور أهل أرضكم ، وبذلك تكون إعادة {فيها} من قوله : {ليفسد فيها} بياناً لإجمال قوله : {في الأرض} مع إفادة التأكيد. أ هـ {التحرير والتنوير حـ 2 صـ 268}\r( بصيرة فى الحرث )","part":5,"page":90},{"id":1827,"text":"وهو إِلقاءُ البَذْر فى الأَرض وتهيِئتها للزرع ، ويسمى المحروث حَرْثا ، قال تعالى {أَنِ اغْدُواْ عَلَى حَرْثِكُمْ} وتُصُوّر منه العمارة التى تحصل عنه فى قوله تعالى {مَن كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ} الآية ، والدّنيا مَحْرَث للناس وهم حُرّاث فيها. وفى الحديث \"أَصدق الأَسماء الحارث والهمَّام\" وذلك لتَصوُّر معنى الكسب فيه. وروى \"احرث لدنياك كأَنَّك تعيش أَبداً\" وتُصوّر [من] معنى الحرث معنى التّهييج فقِيل : حَرَثت النَّار. ويقال احُرث القرآن أَى أَكثر تلاوة. وفى حديث ابن مسعود : احرُثوا هذا القرآن أَى فَتِّشوه وتدبَّروه. وَحَرث ناقته إِذا استعملها. وقال معاوية للأَنصار : ما فعلتْ نواضحكم قالوا حرثناها يوم بدر. قال تعالى {نِسَآؤُكُمْ حَرْثٌ لَّكُمْ} وذلك على سبيل التشبيه. فالبنّساء زَرْع ما به بقاء نوع الإِنسان ، كما أَن بالأَرض زرع ما به بقاءُ أَشخاصهم.\rوقد ورد فى القرآن على ثلاثة أَوجه. الأَّول : بمعنى الزّرع المعهود {أَفَرَأَيْتُم مَّا تَحْرُثُونَ} {وَلاَ تَسْقِي الْحَرْثَ مُسَلَّمَةٌ} {وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ}\rالثانى بمعنى النساء {فَأْتُواْ حَرْثَكُمْ}\rالثالث بمعنى منفعة الدّنيا وثواب الآخرة {وَمَن كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيَا} أَى نفعها {مَنْ كان يُريدُ حَرْثَ الآخِرةِ} أَى ثوابها ، قال : \r*إِذا أَنت لم تحرث وأَبصرت حاصدا ندمت على التفريط فى زمن الحرث*\rوأَصل الحرث كسب المال وجمعه يقال حرث يَحْرُث مثال كتب يكتب ، وحرث يحرث مثال سمع يسمع. وحَرَث عصاه براها حيث يقع اليد عليه منها وجعل لها مِقْبَضا. والحرث المحَجّة المكدودة بالحوافر.\rقوله تعالى : {وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ}\rقال الثعالبى : \r","part":5,"page":91},{"id":1828,"text":"{ لاَ يُحِبُّ الفساد} معناه : لا يحبُّه من أهل الصَّلاح ، أو لا يحبُّه دِيناً ، وإِلا فلا يقع إِلاَّ ما يحبُّ اللَّه وقوعه ، والفسادُ : واقعٌ ، وهذا على ما ذهب إِليه المتكلِّمون من أنَّ الحُبَّ بمعنى الإِرادة.\rوالحُبُّ له على الإِرادة مزيَّة إِيثارٍ ؛ إِذ الحبُّ من اللَّه تعالى إِنما هو لما حَسُنَ من جميع جهاته. أ هـ {بصائر ذوى التمييز حـ 3 صـ 55}\rوقال ابن عاشور : \rعقب بجملة التذييل وهي {والله لا يحب الفساد} تحذيراً وتوبيخاً.\rومعنى نفي المحبة نفي الرضا بالفساد ، وإلاّ فالمحبة وهي انفعال النفس وتوجه طبيعي يحصل نحو استحسان ناشىء مستحيلة على الله تعالى فلا يصح نفيها فالمراد لازمها وهو الرضا عندنا وعند المعتزلة : الإرادة والمسألة مبنية على مسألة خلق الأفعال.\rولا شك أن القدير إذا لم يرض بشيء يعاقب فاعله ، إذ لا يعوقه عن ذلك عائق وقد سمى الله ذلك فساداً وإن كان الزرع والحرث للمشركين : لأن إتلاف خيرات الأرض رزء على الناس كلهم وإنما يكون القتال بإتلاف الأشياء التي هي آلات الإتلاف وأسباب الاعتداء.\r","part":5,"page":92},{"id":1829,"text":"والفساد ضد الصلاح ، ومعنى الفساد : إتلاف ما هو نافع للناس نفعاً محضاً أو راجحاً ، فإتلاف الألبان مثلاً إتلاف نفع محض ، وإتلاف الحطب بعلة الخوف من الاحتراق إتلاف نفع راجح والمراد بالرجحان رجحان استعماله عند الناسي لا رجحان كمية النفع على كمية الضر ، فإتلاف الأدوية السامة فساد ، وإن كان التداوي بها نادراً لكن الإهلاك بها كالمعدوم لما في عقول الناس من الوازع عن الإهلاك بها فيتفادى عن ضرها بالاحتياط رواجها وبأمانة من تسلم إليه ، وأما إتلاف المنافع المرجوحة فليس من الفساد كإتلاف الخمور بَلْه إتلاف ما لا نفع فيه بالمرة كإتلاف الحيَّات والعقارب والفيران والكِلاب الكَلِبَةِ ، وإنما كان الفساد غير محبوب عند الله لأن في الفساد بالتفسير الذي ذكرناه تعطيلاً لما خلقه الله في هذا العالم لحكمة صلاح الناس فإن الحكيم لا يحب تعطيل ما تقتضيه الحكمة ، فقتال العدوِّ إتلاف للضر الراجح ولذلك يقتصر في القتال على ما يحصل به إتلاف الضر بدون زيادة ، ومن أجل ذلك نهي عن إحراق الديار في الحرب وعن قطع الأشجار إلاّ إذا رجح في نظر أمير الجيش أن بقاء شيء من ذلك يزيد قوة العدو ويطيل مدة القتال ويخاف منه على جيش المسلمين أن ينقلب إلى هزيمة وذلك يرجع إلى قاعدة : الضرورةُ تقدر بقدرها. أ هـ {التحرير والتنوير حـ 2 صـ 269}\rمن فو ائد ابن عرفة فى الآية\r( ابن عطية ) : يحتمل أن يكون توليه بقلبه ، أي ضل ، أو بجسده ، أي أدبر عنكم بجسمه. وضعف ابن عرفة الأول بأنه لم يكن قط مسلما والتولي عن الشيء يقتضي تقدم الكون فيه.\rقوله تعالى : {وَيُهْلِكَ الحرث والنسل...}.\rمن عطف الخاص على العام.\rقوله تعالى : {والله لاَ يُحِبُّ الفساد}.","part":5,"page":93},{"id":1830,"text":"الصحيح أنّه ليس المراد حقيقة المحبة بل الذمّ على ذلك والله يذم الفساد ويعاقب على فعله لقول العرب في المدح التام : حَبَّذَا زَيْدٌ ، وفي الذم التام : لاَ حَبَّذاَ زَيْدٌ ، واحتجاج المعتزلة بها لا يتم.\rوالجواب عنه بما قلناه.. وكذلك احتجاجهم بقول الله تعالى {وَلاَ يرضى لِعِبَادِهِ الكفر}. أ هـ {تفسير ابن عرفة صـ 263}\rبحث نفيس للعلامة ابن القيم يتعلق بهذا الموضوع\rقال رحمه الله\rفصل : وههنا أمر يجب التنبيه عليه والتنبه له وبمعرفته تزول إشكالات كثيرة تعرض لمن لم يحط به علما وهو أن الله سبحانه له الخلق والأمر وأمره سبحانه نوعان : أمر كوني قدري ، وأمر ديني\r","part":5,"page":94},{"id":1831,"text":"شرعي فمشيئته سبحانه متعلقة بخلقه وأمره الكوني وكذلك تتعلق بما يحب وبما يكرهه كله داخل تحت مشيئته كما خلق إبليس وهو يبغضه وخلق الشياطين والكفار والأعيان والأفعال المسخوطة له وهو يبغضها فمشيئته سبحانه شاملة لذلك كله وأما محبته ورضاه فمتعلقة بأمره الديني وشرعه الذي شرعه على ألسنة رسله فما وجد منه تعلقت به المحبة والمشيئة جميعا فهو محبوب للرب واقع بمشيئته كطاعات الملائكة والأنبياء والمؤمنين وما لم يوجد منه تعلقت به محبته وأمره الديني ولم تتعلق به مشيئته وما وجد من الكفر والفسوق والمعاصي تعلقت به مشيئته ولم تتعلق به محبته ولا رضاه ولا أمره الديني وما لم يوجد منها لم تتعلق به مشيئته ولا محبته فلفظ المشيئة كوني ولفظ المحبة ديني شرعي ولفظ الإرادة ينقسم إلى إرادة كونية فتكون هي المشيئة وإرادة دينية فتكون هي المحبة إذا عرفت هذا فقوله تعالى : {وَلا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ} وقوله : {لا يُحِبُّ الْفَسَاد} وقوله : {وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ} لا يناقض نصوص القدر والمشيئة العامة الدالة على وقوع ذلك بمشيئته وقضائه وقدره فإن المحبة غير المشيئة والأمر غير الخلق ونظير هذا لفظ الأمر فإنه نوعان أمر تكوين وأمر تشريع والثاني قد يعصي ويخالف بخلاف الأول فقوله تعالى : {وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا} لا يناقض قوله : {إِنَّ اللَّهَ لا يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ} ولا حاجة إلى تكلف تقدير أمرنا مترفيها فيها بالطاعة فعصونا وفسقوا فيها بل الأمر ههنا أمر تكوين وتقدير لا أمر تشريع لوجوه أحدها : أن المستعمل في مثل هذا التركيب أن يكون ما بعد الفاء هو المأمور به كما تقول أمرته فقام وأمرته فأكل كما لو صرح بلفظة أفعل كقوله تعالى : {وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لآدَمَ فَسَجَدُوا} وهذا كما تقول دعوته فأقبل وقال تعالى : {يَوْمَ يَدْعُوكُمْ","part":5,"page":95},{"id":1832,"text":"فَتَسْتَجِيبُونَ بِحَمْدِهِ} الثاني : أن الأمر بالطاعة لا يخص المترفين فلا يصح حمل الآية عليه بل تسقط فائدة ذكر المترفين فإن جميع المبعوث إليهم مأمورون بالطاعة فلا يصح أن يكون أمر المترفين علة إهلاك جميعهم الثالث : أن هذا النسق العجيب والتركيب البديع مقتض ترتب ما يعد الفاء على ما قبلها ترتب المسبب على سببه والمعلول على علته ألا ترى أن الفسق علة حق القول عليهم وحق القول عليهم علة لتدميرهم فهكذا الأمر سبب لفسقهم ومقتض له وذلك هو أمر التكوين لا التشريع الرابع : أن إرادته سبحانه لإهلاكهم إنما كانت بعد معصيتهم ومخالفتهم لرسله فمعصيتهم ومخالفتهم قد تقدمت فأراد الله إهلاكهم فعاقبهم بأن قدر عليهم الأعمال التي يتحتم معها هلاكهم فإن قيل فمعصيتهم السابقة سبب لهلاكهم فما الفائدة في قوله : {أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا} وقد تقدم الفسق منهم قبل المعصية السابقة وإن كانت سببها للهلاك لكن يجوز تخلف الهلاك عنها ولا يتحتم كما هو عادة الرب تعالى المعلومة في خلقه أنه لا يتحتم هلاكهم بمعاصيهم فإذا أراد إهلاكهم ولا بد أحدث سببا آخر يتحتم معه الهلاك ألا ترى أن ثمود ألم يهلكهم بكفرهم السابق حتى أخرج لهم الناقة فعقروها فأهلكوا حينئذ وقوم فرعون لم يهلكهم بكفرهم السابق بموسى حتى أراهم الآيات المتتابعات واستحكم بغيهم وعنادهم فحينئذ أهلكوا وكذلك قوم لوط لما أراد هلاكهم أرسل الملائكة إلى لوط في صورة الأضياف فقصدوهم بالفاحشة ونالوا من لوط وتواعدوه وكذلك سائر الأمم إذا أراد الله هلاكهم أحدث لها بغيا وعدوانا يأخذها على أثره وهذه عادته مع عباده عموما وخصوصا فيعصيه العبد وهو يحلم عنه ولا يعاجله حتى إذا أراد أخذه قيض له عملا يأخذه به مضافا إلى أعماله الأولى فيظن الظان أنه أخذه بذلك العمل وحده وليس كذلك بل حق عليه القول بذلك وكان قبل ذلك\r","part":5,"page":96},{"id":1833,"text":"لم يحق عليهم القول بأعماله الأولى حيث عمل ما يقتضي ثبوت الحق عليه ولكن لم يحكم به أحكم الحاكمين ولم يمض الحكم فإذا عمل بعد ذلك ما يقرر غضب الرب عليه أمضى حكمه عليه وأنفذه قال تعالى : {فَلَمَّا آسَفُونَا انْتَقَمْنَا مِنْهُمْ} وقد كانوا قبل ذلك أغضبوه بمعصية رسوله ولكن لم يكن غضبه سبحانه قد استقر واستحكم عليهم إذ كان بصدد أن يزول بإيمانهم فلما أيس من إيمانهم تقرر الغضب واستحكم فحلت العقوبة فهذا الموضع من أسرار القرآن وأسرار التقدير الإلهي وفكر العبد فيه من أنفع الأمور له فإنه لا يدري أي المعاصي هي الموجبة التي يتحتم عندها عقوبته فلا يقال بعدها والله المستعان.\rوسنعقد لهذا الفصل بابا في الفرق بين القضاء الكوني والديني نشبع الكلام فيه إن شاء الله لشدة الحاجة إليه إذ المقصود في هذا الباب مشيئة الرب وأنها الموجبة لكل موجود كما أن عدم مشيئته موجب لعدم وجود الشيء فهما الموجبتان ما شاء الله وجب وجوده وما لم يشأ وجب عدمه وامتناعه وهذا أمر يعم كل مقدور من الأعيان والأفعال والحركات والسكنات فسبحانه أن يكون في مملكته ما لا يشاء أو أن يشاء شيئا فلا يكون وإن كان فيها ما لا يحبه ولا يرضاه وإن كان يحب الشيء فلا يكون لعدم مشيئته له ولو شاءه لوجد.\rأ هـ {شفاء العليل صـ 48 ـ 49}\rقوله تعالى : {وَإِذَا قِيلَ لَهُ اتق الله أَخَذَتْهُ العزة بالإثم}\rمناسبة الآية لما قبلها\rقال البقاعى : ","part":5,"page":97},{"id":1834,"text":"ولما كان من الناس من يفعل الفساد فإذا نهى عنه انتهى بين أن هذا على غير ذلك تحقيقاً لألديته فقال مبشراً بأداة التحقيق بأنه لا يزال في الناس من يقوم بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر : {وإذا قيل له} من أي قائل كان {اتق الله} أي الملك الأعظم الذي كل شيء تحت قهره واترك ما أنت عليه من الفساد {أخذته} أي قهرته لما له من ملكة الكبر {العزة} في نفسه لما فيها من الكبرياء والاستهانة بأمر الله ، وليس من شأن الخلق الاتصاف بذلك فإن العزة لله جميعاً {بالإثم} أي مصاحباً للذنب ، وهو العمل الرذل السافل وما - لا يحل ويوجب العقوبة باحتقار الغير والاستكبار عليه.\rولما كان هذا الشأن الخبيث شأنه دائماً يمهد به لنفسه التمكين مما يريد سبب عنه قوله : {فحسبه} أي كفايته {جهنم} تكون مهاداً له كما مهد للفساد ، وتخصيص هذا الاسم المنبىء عن الجهامة في المواجهة أي الاستقبال بوجه كريه لما وقع منه من المواجهة لمن أمره من مثله. قال الحرالي : فلمعنى ما يختص بالحكم يسمي تعالى النار باسم من أسمائها - انتهى. {ولبئس المهاد} هي والمهاد موطن الهدوء والمستطاب مما يستفرش ويوطأ - قاله الحرالي ، وقال : فيه إشعار بإمهال الله عزّ وجلّ لهذه الأمة رعاية لنبيها فأحسب فاجرها وكافرها بعذاب الآخرة ، ولو عاجل مؤمنها بعقوبة الدينا فخلص لكافرها الدنيا ولمؤمنها الآخرة وأنبأ بطول المقام والخلود فيها. أ هـ {نظم الدرر حـ 1 صـ 385}\rقال الفخر : \rالصفة الخامسة : قوله تعالى : {وَإِذَا قِيلَ لَهُ اتق الله أَخَذَتْهُ العزة بالإثم} وفيه مسائل : \rالمسألة الأولى : قال الواحدي : قوله تعالى : {وَإِذَا قِيلَ لَهُ اتق الله أَخَذَتْهُ العزة} معناه أن رسول الله دعاه إلى ترك هذه الأفعال فدعاه الكبر والأنفة إلى الظلم.","part":5,"page":98},{"id":1835,"text":"واعلم أن هذا التفسير ضعيف ، لأن قوله : {وَإِذَا قِيلَ لَهُ اتق الله أَخَذَتْهُ العزة} ليس فيه دلالة إلا على أنه متى قيل له هذا القول أخذته العزة ، فأما أن هذا القول قيل أو ما قيل فليس في الآية دلالة عليه فإن ثبت ذلك برواية وجب المصير إليه وإن كنا نعلم أنه عليه السلام كان يدعوا الكل إلى التقوى من غير تخصيص.\rالمسألة الثانية : أنه تعالى حكى عن هذا المنافق جملة من الأفعال المذمومة أولها : اشتغاله بالكلام الحسن في طلب الدنيا وثانيها : استشهاده بالله كذباً وبهتاناً وثالثها : لجاجه في إبطال الحق وإثبات الباطل ورابعها : سعيه في الفساد وخامسها : سعيه في إهلاك الحرث والنسل وكل ذلك فعل منكر قبيح وظاهر قوله : {إِذَا قِيلَ لَه اتق الله} فليس بأن ينصرف إلى بعض هذه الأمور أولى من بعض ، فوجب أن يحمل على الكل فكأنه قيل : اتق الله في إهلاك الحرث والنسل وفي السعي بالفساد ، وفي اللجاج الباطل ، وفي الاستشهاد بالله كذلك ، وفي الحرص على طلب الدنيا فإنه ليس رجوع النهي إلى البعض أولى من بعض.\rالمسألة الثالثة : قوله : {أَخَذَتْهُ العزة بالإثم} فيه وجوه أحدها : أن هذا مأخوذ من قولهم أخذت فلاناً بأن يعمل كذا ، أي ألزمته ذلك وحكمت به عليه ، فتقدير الآية : أخذته العزة بأن يعمل الإثم ، وذلك الإثم هو ترك الإلتفات إلى هذا الواعظ وعدم الإصغاء إليه وثانيها : {أَخَذَتْهُ العزة} أي لزمته يقال : أخذته الحمى أي لزمته ، وأخذه الكبر ، أي اعتراه ذلك ، فمعنى الآية إذا قيل له اتق الله لزمته العزة الحاصلة بالإثم الذي في قلبه ، فإن تلك العزة إنما حصلت بسبب ما في قلبه من الكفر والجهل وعدم النظر في الدلائل ، ونظيره قوله تعالى : {بَلِ الذين كَفَرُواْ فِى عِزَّةٍ وَشِقَاقٍ} {ص : 2 ] والباء ههنا في معنى اللام ، يقول الرجل : فعلت هذا بسببك ولسببك ، وعاقبته بجنايته ولجنايته.أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 5 صـ 173}","part":5,"page":99},{"id":1836,"text":"وقال ابن عاشور : \rوقوله : {وإذا قيل له اتق الله أخذته العزة بالإثم} أي وإذا وعظه واعظ بما يقتضي تذكيره بتقوى الله تعالى غضب لذلك ، والأخذ أصله تناول الشيء باليد ، واستُعمل مجازاً مشهوراً في الاستيلاء قال تعالى : {وخذوهم واحصروهم} {التوبة : 5 ] وفي القهر نحو {فأخذناهم بالباساء} {الأنعام : 42 ]. وفي التلقي مثل {أخذ الله ميثاق النبيين} {آل عمران : 81 ] ومنه أخذ فلان بكلام فلان ، وفي الاحتواء والإحاطة يقال أخذته الحمى وأخذتهم الصيحة ، ومنه قوله هنا {أخذته العزة} أي احتوت عليه عزة الجاهلية.\rوالعزة صفة يرى صاحبها أنه لا يقدر عليه غيره ولا يُعارض في كلامه لأجل مكانته في قومه واعتزازه بقوتهم قال السموأل\r : ... وننكر إن شئنا على الناس قولهم\rولا ينكرون القول حين نقول... ومنه العزة بمعنى القوة والغلبة وإنما تكون غالباً في العرب بسبب كثرة القبيلة ، وقد تغني الشجاعة عن الكثرة ومن أمثالهم : وإنما العزة للكاثر ، وقالوا : لن نغلب من قلة وقال السموأل\rوما ضَرَّنَا أَنا قليل وجَارُنا... عَزِيز وجَارُ الأَكْثَرِينَ ذَليل\rومنها جاء الوصف بالعزيز كما سيأتي في قوله : {فاعلموا أن الله عزيز حكيم} {البقرة : 209 ].\rف ( أَل ) في ( العزة ) للعهد أي العزة المعروفة لأهل الجاهلية التي تمنع صاحبها من قبول اللوم أو التغيير عليه ، لأن العزة تقتضي معنى المنعة فأخذ العزة له كناية عن عدم إصغائه لنصح الناصحين.\rوقوله : {بالإثم} الباء فيه للمصاحبة أي أخذته العزة الملابسة للإثم والظلم وهو احتراس لأن من العزة ما هو محمود قال تعالى : {ولله العزة ولرسوله وللمؤمنين} {المنافقين : 8 ] أي فمنعته من قبول الموعظة وأبقته حليف الإثم الذي اعتاده لا يرعوي عنه وهما قرينان. أ هـ {التحرير والتنوير حـ 2 صـ 271}\rفائدة بلاغية\rقال ابن عادل : ","part":5,"page":100},{"id":1837,"text":"وفي قوله : \"العِزَّةُ بالإِثْم \"من عِلْمِ البديع التتميم وهو عبارةٌ عن إِرْداف الكلمةِ بأُخْرى ، تَرْفَعُ عنها اللَّبسَ ، وتقَرِّبُها مِنَ الفَهْم ، وذلك أنَّ العزَّةَ تكونُ محمودةً ومَذمُومةً.\rفَمِنْ مَجِيئها محمودةً : {وَلِلَّهِ العزة وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ} {المنافقون : 8 ] {أَذِلَّةٍ عَلَى المؤمنين أَعِزَّةٍ عَلَى الكافرين} {المائدة : 54 ] فلو أُطلِقَت لَتَوَهَّمَ فيها بعضُ مَنْ لا عنايةَ له المحمُودة ؛ فقيل : \"بالإِثْمِ \"تَتْمِيماً للمرادِ ، فرُفِعَ اللَّبْسُ بها. أ هـ {تفسير ابن عادل حـ 3 صـ 465}\rقوله : \"بالإثم \"أي : بالظلم وفي هذه الباءِ ثلاثةُ أوجهٍ : \rأحدها : أنْ تكونَ للتعديةِ ، وهو قول الزمخشري فإنه قال : \"أَخَذْتُهُ بكذا إذا حَمَلْتهُ عليه ، وأَلْزَمْتهُ إياه ، أي : حَمَلتهُ العِزَّةُ على الإِثْم ، وأَلْزَمَتْهُ ارتكابَه \"قال أبو حيان : \"وباء التعدية بابُها الفعلُ اللازمُ ، نحو : {ذَهَبَ الله} {البقرة : 17 ] ، {وَلَوْ شَآءَ الله لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ} {البقرة : 20 ] ، ونَدَرَتِ التعديةُ بالباءِ في المتعدِّي نحو : \"صَكَكْتُ الحجرَ بالحجرِ \"أي : جَعَلْتُ أَحدهما يَصُكُّ الآخرَ \".\rالثاني : أَنْ تكونَ للسببيةِ ، بمعنى أنَّ إثمّه كان سبباً لأخذِ العِزَّة له ؛ كما في قوله : {الرمل ]\rأَخَذَتْهُ عِزَّةٌ مِنْ جَهْلِهِ... فَتَوَلَّى مُغْضَباً فِعْلَ الضَّجِرْ\rفتكونُ الباءُ بمعنى اللام ، فتقول : فعلت هذا بسببك ، ولسببك ، وعاقَبْتُه لجِنَايتهِ ، وبجنايَتهِ.\rالثالث : أن تكونَ للمصاحبة ؛ فتكونَ في محلِّ نصبٍ على الحالِن وفيها حينئذٍ وجهان : \rأحدهما : أَنْ تكون حالاً مِنَ \"العِزَّة \"أي : مُلْتبسةً بالإِثمِ.\rوالثاني : أن تكونَ حالاً من المفعولِ ، أي : أَخَذَتْهُ مُلْتبساً بالإِثمِ.","part":5,"page":101},{"id":1838,"text":"قال القُرطبيُّ : وقيل : \"الباءُ \"بمعنى \"مَعَ \"أي : أخذته العِزَّةُ مع الإثم. أ هـ {تفسير ابن عادل حـ 3 صـ 465}\rقوله تعالى : {فَحَسْبُهُ جَهَنَّمُ }\rقال ابن عاشور : \rوقوله {فحسبه جهنم} تفريع على هاته الحالة ، وأصل الحسب هو الكافي كما سيجيء عند قوله تعالى {وقالوا حسبنا الله ونعم الوكيل} في آل عمران ( 173 ).\rولما كان كافي الشيء من شأنه أن يكون على قدره ومما يرضيه كما قال أبو الطيب\r : ... على قدر أهل العزم تأتي العزائم\rأطلق الحسب على الجزاء كما هنا.\rوجهنم علم على دار العقاب الموقدة ناراً ، وهو اسم ممنوع من الصرف قال بعض النحاة للعلمية والتأنيث ، لأن العرب اعتبرته كأسماء الأماكن وقال بعضهم للعلمية والعُجمة وهو قول الأكثر : جاء من لغة غير عربية ، ولذلك لا حاجة إلى البحث عن اشتقاقه ، ومن جعله عربياً زعم أنه مشتق من الجَهْم وهو الكراهية فزعم بعضهم أن وزنه فُعَنَّل بزيادة نونين أصله فعنل بنون واحدة ضعفت وقيل وزنه فعلل بتكرير لامه الأولى وهي النون إلحاقاً له بالخُماسي ومن قال : أصلها بالفارسية كَهَنَّام فعربت جهنم.\rوقيل أصلها عبرانية كِهِنَّام بكسر الكاف وكسر الهاء فعربت وأن من قال إن وزن فعنل لا وجود له لا يلتفت لقوله لوجود دَوْنَك اسم واد بالعالية وحَفَنْكَى اسم للضعيف وهو بحاء مهملة وفاء مفتوحتين ونون ساكنة وكاف وألف وهما نادران ، فيكون جهنم نادراً ، وأما قول العرب رَكِيَّةٌ جهنم أي بعيدة القَعر فلا حجة فيه ، لأنه ناشىء عن تشبيه الركية بجهنم ، لأنهم يصفون جهنم أنها كالبئر العميقة الممتلئة ناراً قال ورقة بن نوفل أو أميَّة بن أبي الصَّلْت يرثي زيداً بن عمرو بن نُفَيْل وكانا معاً ممن ترك عبادة الأوثان في الجاهلية : ... رَشَدْتَ وأنعمت ابنَ عمرو وإنَّما","part":5,"page":102},{"id":1839,"text":"تَجَنَّبْتَ تَنُّوراً من النَّار مُظْلِما... وقد جاء وصف جهنم في الحديث بمثل ذلك وسماها الله في كتابه في مواضع كثيرة ناراً وجعل وقودها الناس والحجارة وقد تقدم القول في ذلك عند قوله تعالى : {فاتقوا النار التي وقودها الناس والحجارة} {البقرة : 24 ]. أ هـ {التحرير والتنوير حـ 2 صـ 272}\rقوله تعالى : {وَلَبِئْسَ المهاد }\rقال الفخر : \rأما قوله تعالى : {وَلَبِئْسَ المهاد} ففيه وجهان الأول : أن المهاد والتمهيد : التوطئة ، وأصله من المهد ، قال تعالى : {والأرض فرشناها فَنِعْمَ الماهدون} {الذاريات : 48 ] أي الموطئون الممكنون ، أي جعلناها ساكنة مستقرة لا تميد بأهلها ولا تنبو عنهم وقال تعالى : {فَلأَنفُسِهِمْ يَمْهَدُونَ} {الروم : 44 ] أي يفرشون ويمكنون والثاني : أن يكون قوله : {وَلَبِئْسَ المهاد} أي لبئس المستقر كقوله : {جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَهَا وَبِئْسَ القرار} {إبراهيم : 29 ] وقال بعض العلماء : المهاد الفراش للنوم ، فلما كان المعذب في النار يلقى على نار جهنم جعل ذلك مهاداً له وفراشاً. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 5 صـ 173}\rوقال ابن عاشور : \rوقوله : {ولبئس المهاد} أي جهنم ، والمهاد ما يُمْهد أي يُهَيَّأ لمن ينام ، وإنما سمى جهنَم مهاداً تهكماً ، لأن العُصاة يُلْقَون فيها فتصادف جنوبهم وظهورهم. أ هـ {التحرير والتنوير حـ 2 صـ 272}\rقال ابن عادل : ","part":5,"page":103},{"id":1840,"text":"قوله : {وَلَبِئْسَ المهاد} المخصُوص بالذَّمِّ محذوفٌ ، أي : وَلَبِئْسَ المِهادُ جَهَنَّمُ ، وحَسَّنَ حَذْفَهُ هنا كونُ \"المِهَادِ \"وقعَ فاصِلةً. وتقدَّمَ الكلامُ على \"بِئْسَ \"وحُذِفَ هذا المخصُوصُ بذلك على أنه مبتدأٌ ، والجملةُ مِنْ نِعْمَ وبِئْسَ خبرُهُ ، سواءٌ تقدَّمَ أو تأخَّرَ ؛ لأنَّا لو جَعَلْنَاهُ خبرَ مبتدأ مَحْذُوفٍ ، أو مُبتَدأٌ محذوفَ الخبرِ ، ثم حذَفْنَاهُ ، كُنَّا قد حَذَفْنَا الجملةَ بأَسْرها من غَيْرَ أنْ يَنُوبَ عنها شَيْءٌ ، وأيضاً فإنَّه يَلْزَمُ مِنْ ذلك أَنْ تكونَ الجملةُ مُفْلَتَةً مِمَّا قبلها ؛ إِذْ ليس لها مَوْضِعٌ من الإِعْرابِ ، وليست مُعْترضةً ، ولا مفسِّرةً ، ولا صلةً.\rأ هـ {تفسير ابن عادل حـ 3 صـ 466 ـ 467}\rلطيفة\rذكر أن يهودياً كانت له حاجة إلى هارون الرشيد ، فاختلف إلى بابه سنة ، فلم تنقض حاجته ؛ فوقف يوماً على الباب ، فلما خرج هارون الرشيد سعى ووقف بين يديه وقال : اتق الله يا أمير المؤمنين. فنزل هارون عن دابته وخرّ ساجداً لله تعالى ، فلما رفع رأسه أمر به ، فقضيت حاجته. فلما رجع قيل : يا أمير المؤمنين نزلت عن دابتك بقول يهودي ؟ قال : لا ولكن تذكرت قول الله تعالى : {وَإِذَا قِيلَ لَهُ اتق الله أَخَذَتْهُ العزة بالإثم} إلى آخره. وقال قتادة : ذكر لنا أن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ قال : \"إِذَا دُعِيْتُمْ إلى الله فَأَجِيبُوا ، وإِذَا سُئِلْتُم بالله فَأَعْطُوا ؛ فإِنَّ المُؤْمِنِينَ كَانُوا كَذَلِكَ \". أ هـ {بحر العلوم حـ 1 صـ 163}\rفائدة\rقال عبد الله بن مسعود : إن من أكبر الذنب عند الله أن يقال : للعبد اتق الله فيقول : عليك بنفسك.\rوروي أنه قيل لعمر بن الخطاب : اتق الله ، فوضع خده على الأرض تواضعا لله عز وجل. أ هـ {تفسيرالبغوى حـ 1 صـ 236}","part":5,"page":104},{"id":1841,"text":"قال العلماء : إذا قال الخصم للقاضي : اعدل ونحوه له أن يعزره ، وإذا قال له : اتق الله لا يعزره. أ هـ {روح المعانى حـ 2 صـ 97}\rمن فوائد ابن عرفة فى الآية\rقوله تعالى : {وَإِذَا قِيلَ لَهُ اتق الله أَخَذَتْهُ العزة بالإثم فَحَسْبُهُ جَهَنَّمُ وَلَبِئْسَ المهاد}.\rقال ابن عرفة : الآية لها منطوق ومفهوم والتقدير : لم يتق لأجل ما نالته ( من العزة ) بسبب الإثم واكتفى عن ذلك المفهوم فذكر علته. وفي كتاب الأقضية والشهادة فيمن قال له القاضي أو غيره : اتّق الله فإنّه يقول له : اللّهم اجعلنا من المتّقين ، لئلا يدخل في ضمن هاته الآية. قال : ولا ينبغي أن يقول أحد لأحد : اتّق الله ، فإنه تعريض له لعدم التقوى.\rأ هـ {تفسير ابن عرفة صـ 264}\rمن لطائف الإمام القشيرى فى الآية\rهؤلاء أقوام استولى عليهم التكبُّر ، وزال عنهم خضوعُ الإنصاف ؛ فَشَمَخَتْ آنافُهم عن قبول الحق فإِذا أمرته بمعروف قال : ألمثلى يقال هذا ؟!\rوأنا كذا وكذا! ثم يكبر عليك\rفيقول : وأنت أَوْلى بأن تؤمر بالمعروف وتُنهى عن المنكر فإن من حالك وقصتك كذا وكذا.\rأو لو ساعده التوفيق وأدركته الرحمة ، وتقلَّد المنة بمن هداه إلى رؤية خطئه ، ونبهه على سوء وصفه ، لم يطوِ على نصيحة جنبيه وتبقى في القلب - إلى سنين - آثارها.\rقال تعالى : {فَحَسْبُهُ جَهَنَّمُ} يعني ما هو فيه في الحال من الوحشة وظلمات النَّفْس وضيق الاختيار حتى لا يسعى في شيء غير مراده ، فيقع في كل لحظة غير مرة في العقوبة والمحنة ، ثم إنه منقول من هذا العذاب إلى العذاب الأكبر ، قال الله تعالى : {وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِّنَ العَذَابِ الأَدْنَى دُونَ العَذَابِ الأَكْبَرِ} {السجدة : 21 ]. أ هـ {لطائف الإشارات حـ 1 صـ 170 ـ 171}\rكلام نفيس لحجة الإسلام عن الرياء\rقال رحمه الله : \rبيان درجات الرياء","part":5,"page":105},{"id":1842,"text":"اعلم أن بعض أبواب الرياء أشد وأغلظ من بعض واختلافه باختلاف أركانه وتفاوت الدرجات فيه وأركانه ثلاثة المراءى به والمراءى لأجله ونفس قصد الرياء\rالركن الأول نفس قصد الرياء وذلك لا يخلو إما أن يكون مجردا دون إرادة عبادة الله تعالى والثواب وإما أن يكون مع إرادة الثواب فإن كان كذلك فلا يخلو إما أن تكون إرادة الثواب أقوى وأغلب أو أضعف أو مساوية لإرادة العبادة فتكون الدرجات أربعا\rالأولى وهي أغلظها أن لا يكون مراده الثواب أصلا كالذي يصلى بين أظهر الناس ولو انفرد لكان لا يصلي بل ربما يصلي من غير طهارة مع الناس فهذا جرد قصده إلى الرياء فهو الممقوت عند الله تعالى\rوكذلك من يخرج الصدقة خوفا من مذمة الناس وهو ولا يقصد الثواب ولا خلا بنفسه لما أداها فهذه الدرجة العليا من الرياء\rالثانية أن يكون له قصد الثواب أيضا ولكن قصدا ضعيفا بحيث لو كان في الخلوة لكان لا يفعله ولا يحمله ذلك القصد على العمل ولو لم يكن قصد الثواب لكان الرياء يحمله على العمل فهذا قريب مما قبله وما فيه من شائبة قصد ثواب لا يستقل بحمله على العمل لا ينفي عنه المقت والإثم\rالثالثة أن يكون له قصد الثواب وقصد الرياء متساويين بحيث لو كان كل واحد منهما خاليا عن الآخر لم يبعثه على العمل فلما اجتمعا انبعثت الرغبة أو كان كل واحد منهما لو انفرد لاستقل بحمله على العمل فهذا قد أفسد مثل ما أصلح فنرجو أن يسلم رأسا برأس لا له ولا عليه أو يكون له من الثواب مثل ما عليه من العقاب وظواهر الأخبار تدل على أنه لا يسلم وقد تكلمنا عليه في كتاب الإخلاص\r","part":5,"page":106},{"id":1843,"text":"الرابعة أن يكون إطلاع الناس مرجحا ومقويا لنشاطه ولو لم يكن لكان لا يترك العبادة ولو كان قصد الرياء وحده لما أقدم عليه فالذي نظنه والعلم عند الله أنه لا يحبط أصل الثواب ولكنه ينقص منه أو يعاقب على مقدار قصد الرياء ويثاب على مقدار قصد الثواب وأما قوله ? يقول الله تعالى أنا أغنى الأغنياء عن الشرك فهو محمول على ما إذا تساوى القصدان أو كان قصد الرياء أرجح\rالركن الثاني المراءى به وهو الطاعات وذلك ينقسم إلى الرياء بأصول العبادات وإلى الرياء بأوصافها\rالقسم الأول وهو الأغلظ الرياء بالأصول وهو على ثلاث درجات\rالأولى الرياء بأصل الإيمان وهذا أغلظ أبواب الرياء وصاحبه مخلد في النار وهو الذي يظهر كلمتي الشهادة وباطنه مشحون بالتكذيب ولكنه يرائي بظاهر الإسلام وهو الذي ذكره الله تعالى في كتابه في مواضع شتى كقوله عز وجل ) إذا جاءك المنافقون قالوا نشهد إنك لرسول الله والله يعلم إنك لرسوله والله يشهد إن المنافقين لكاذبون ( أي في دلالتهم بقولهم على ضمائرهم وقال تعالى ) ومن الناس من يعجبك قوله في الحياة الدنيا ويشهد الله على ما في قلبه وهو ألد الخصام وإذا تولى سعى في الأرض ليفسد فيها ( الآية وقال تعالى ) وإذا لقوكم قالوا آمنا وإذا خلوا عضوا عليكم الأنامل من الغيظ ( وقال تعالى ) يراؤون الناس ولا يذكرون الله إلا قليلا مذبذبين بين ذلك ( والآيات فيهم كثيرة\rوكان النفاق يكثر في ابتداء الإسلام ممن يدخل في ظاهر الإسلام ابتداء لغرض وذلك مما يقل في زماننا ولكن يكثر نفاق من ينسل عن الدين باطنا فيجحد الجنة والنار والدار الآخرة ميلا إلى قول الملحدة أو يعتقد على بساط الشرع والأحكام ميلا إلى أهل الإباحة أو يعتقد كفرا أو بدعة وهو يظهر خلافه فهؤلاء من المنافقين والمرائين المخلدين في النار وليس وراء هذا الرياء رياء وحال هؤلاء أشد حالا من الكفار المجاهرين فإنهم جمعوا بين كفر الباطن ونفاق الظاهر\r","part":5,"page":107},{"id":1844,"text":"الثانية الرياء بأصول العبادات مع التصديق بأصل الدين وهذا أيضا عظيم عند الله ولكنه دون الأول بكثير\rومثاله أن يكون مال الرجل في يد غيره فيأمره بإخراج الزكاة خوفا من ذمه والله يعلم منه أنه لو كان في يده لما أخرجها أو يدخل وقت الصلاة وهو في جمع وعادته ترك الصلاة في الخلوة وكذلك يصوم رمضان وهو يشتهي خلوة من الخلق ليفطر وكذلك يحضر الجمعة ولولا خوف المذمة لكان لا يحضرها أو يصل رحمه أو يبر والديه لا عن رغبة ولكن خوفا من الناس أو يغزو أو يحج كذلك\rفهذا مراء معه أصل الإيمان بالله يعتقد أنه لا معبود سواه ولو كلف أن يعبد غير الله أو يسجد لغيره لم يفعل ولكنه يترك العبادات للكسل وينشط عند إطلاع الناس فتكون منزلته عند الخلق أحب إليه من منزلته عند الخالق وخوفه من مذمة الناس أعظم من خوفه من عقاب الله ورغبته في محمدتهم أشد مرغبته في ثواب الله وهذا غاية الجهل وما أجدر صاحبه بالمقت وإن كان غير منسل عن أصل الإيمان من حيث الاعتقاد الثالثة أن لا يرائي بالإيمان ولا بالفرائض ولكنه يرائي بالنوافل والسنن التي لو تركها لا يعصي ولكنه يكسل عنها في الخلوة لفتور رغبته في ثوابها ولإيثار لذة الكسل على ما يرجى من الثواب ثم يبعثه الرياء على فعلها وذلك كحضور الجماعة في الصلاة وعيادة المريض واتباع الجنازة وغسل الميت وكالتهجد بالليل وصيام يوم عرفة وعاشوراء ويوم الاثنين والخميس\rفقد يفعل المرائي جملة ذلك خوفا من المذمة أو طلبا للمحمدة ويعلم الله تعالى منه أنه لو خلا بنفسه لما زاد على أداء الفرائض\rفهذا أيضا عظيم ولكنه دون ما قبله فإن الذي قبله آثر حمد الخلق على حمد الخالق\rوهذا أيضا قد فعل ذلك واتقى ذم الخلق دون ذم الخالق فكان ذم الخلق أعظم عنده من عقاب الله وأما هذا فلم يفعل ذلك لأنه لم يخف عقابا على ترك النافلة لو تركها وكأنه على شطر من الأول وعقابه نصف عقابه\rفهذا هو الرياء بأصول العبادات\r","part":5,"page":108},{"id":1845,"text":"القسم الثاني الرياء بأوصاف العبادات لا بأصولها وهو أيضا على ثلاثة درجات\rالأولى أن يرائي بفعل ما في تركه نقصان العبادة كالذي غرضه أن يخفف الركوع والسجود ولا يطول القراءة فإذا رآه الناس أحسن الركوع والسجود وترك الالتفات وتمم القعود بين السجدتين وقد قال ابن مسعود من فعل ذلك فهو استهانة يستهين بها ربه عز وجل أي أنه ليس يبالي باطلاع الله عليه في الخلوة فإذا اطلع عليه آدمي أحسن الصلاة ومن جلس بين يدي إنسان متربعا أو متكئا فدخل غلامه فاستوى وأحسن الجلسة كان ذلك منه تقديما للغلام على السيد واستهانة بالسيد لا محالة وهذا حال المرائي بتحسين الصلاة في الملأ دون الخلوة\rوكذلك الذي يعتاد إخراج الزكاة من الدنانير الرديئة أو من الحب الرديء فإذا اطلع عليه غيره أخرجها من الجيد خوفا من مذمته وكذلك الصائم يصون صومه عن الغيبة والرفث لأجل الخلق لا إكمالا لعبادة الصوم خوفا من المذمة فهذا أيضا من الرياء المحظور لأن فيه تقديما للمخلوقين على الخالق ولكنه دون الرياء بأصول التطوعات\rفإن قال المرائي إنما فعلت ذلك صيانة لألسنتهم عن الغيبة فإنهم إذا رأوا تخفيف الركوع والسجود وكثرة الالتفات أطلقوا اللسان بالذم والغيبة وإنما قصدت صيانتهم عن هذه المعصية فيقال له هذه مكيدة للشيطان عندك وتلبيس وليس الأمر كذلك فإن ضررك من نقصان صلاتك وهي خدمة منك لمولاك أعظم من ضررك بغيبة غيرك فلو كان باعثك الدين لكان شفقتك على نفسك أكثر وما أنت في هذا إلا كمن يهدي وصيفة إلى ملك لينال منه فضلا وولاية يتقلدها فيهديها إليه وهي عوراء قبيحة مقطوعة الأطراف ولا يبالي به إذا كان الملك وحده وإذا كان عنده بعض غلمانه امتنع خوفا من مذمة غلمانه وذلك محال بل من يراعي جانب غلام الملك ينبغي أن تكون مراقبته للملك أكثر\rنعم للمرائي فيه حالتان\rإحداهما أن يطلب بذلك المنزلة والمحمدة عند الناس وذلك حرام قطعا\r","part":5,"page":109},{"id":1846,"text":"والثانية أن يقول ليس يحضرني في الإخلاص في تحسين الركوع والسجود ولو خففت كانت صلاتي عندهم ناقصة وآذاني الناس بذمهم وغيبتهم فأستقيد بتحسين الهيبة دفع مذمتهم ولا أرجو عليه ثوابا فهو خير من أن أترك تحسين الصلاة فيفوت الثواب وتحصل المذمة فهذا فيه أدنى نظر\rوالصحيح أن الواجب عليه أن يحسن ويخلص فإن لم تحضره النية فينبغي أن يستمر على عادته في الخلوة فليس له أن يدفع الذم بالمراءاة بطاعة الله فإن ذلك استهزاء كما سبق\rالدرجة الثانية أن يرائي بفعل مالا نقصان في تركه ولكن فعله في حكم التكملة والتتمة لعبادته كالتطويل في الركوع والسجود ومد القيام وتحسين الهيئة ورفع اليدين والمبادرة إلى التكبيرة الأولى وتحسين الاعتدال والزيادة في القراءة على السور المعتادة وكذلك كثرة الخلوة في صوم رمضان وطول الصمت وكاختيار الأجود على الجيد في الزكاة وإعتاق الرقبة الغالية في الكفارة\rوكل ذلك مما لو خلا بنفسه لكان لا يقدم عليه\rالثالثة أن يرائي بزيادات خارجة عن نفس النوافل أيضا كحضوره الجماعة قبل القوم وقصده للصف الأول وتوجهه إلى يمين الإمام وما يجري مجراه\rوكل ذلك مما يعلم الله منه أنه لو خلا بنفسه لكان لا يبالي أين وقف ومتى يحرم بالصلاة فهذه درجات الرياء بالإضافة إلى ما يرائي به وبعضه أشد من بعض\rوالكل مذموم\rالركن الثالث المرائي لأجله فإن للمرائي مقصودا لا محالة وإنما يرائي لإدراك مال أو جاه أو غرض من الأغراض لا محالة وله أيضا ثلاث درجات\r","part":5,"page":110},{"id":1847,"text":"الأولى وهي أشدها وأعظمها أن يكون مقصوده التمكن من معصية كالذي يرائي بعبادته ويظهر التقوى والورع بكثرة النوافل والامتناع عن أكل الشبهات وغرضه أن يعرف بالأمانة فيولى القضاء أو الأوقاف أو الوصايا أو مال الأيتام فيأخذها أو يسلم إليه تفرقة الزكاة أو الصدقات ليستأثر بما قدر عليه منها أو يودع الودائع فيأخذها ويجحدها أو تسلم إليه الأموال التي تنفق في طريق الحج فيختزل بعضها أو كلها أو يتوصل بها إلى استتباع الحجيج ويتوصل بقوتهم إلى مقاصده الفاسدة في المعاصي\rوقد يظهر بعضهم زي التصوف وهيئة الخشوع وكلام الحكمة على سبيل الوعظ والتذكير وإنما قصده التحبب إلى امرأة أو غلام لأجل الفجور وقد يحظرون مجالس العلم والتذكيروحلق القرآن يظهرون الرغبة في سماع العلم والقرآن وغرضهم ملاحظة النساء والصبيان أو يخرج إلى الحج ومقصوده الظفر بمن في الرفقة من امرأة أو غلام\rوهؤلاء أبغض المرائين إلى الله تعالى لأنهم جعلوا طاعة ربهم سلما إلى معصيته واتخذوها آلة ومتجرا وبضاعة لهم في فسقهم ويقرب من هؤلاء وإن كان دونهم من هو مقترف جريمة اتهم بها وهو مصر عليها ويريد أن ينفي التهمة عن نفسه فيظهر التقوى لنفي التهمة كالذي جحد وديعة واتهمه الناس بها فيتصدق بالمال ليقال إنه يتصدق بمال نفسه فكيف يستحل مال غيره وكذلك من ينسب إلى فجور بامرأة أو غلام فيدفع التهمة عن نفسه بالخشوع وإظهار التقوى\rالثانية أن يكون غرضه نيل حظ مباح من حظوظ الدنيا من مال أو نكاح امرأة جميلة أو شريفة كالذي يظهر الحزن والبكاء ويشتغل بالوعظ والتذكير لتبذل له الأموال ويرغب في نكاحه النساء فيقصد إما امرأة بعينها لينكحها أو امرأة شريفة على الجملة وكالذي يرغب أن يتزوج بنت عالم عابد فيظهر له العلم والعبادة ليرغب في تزويجه ابنته\rفهذا رياء محظور لأنه طلب بطاعة الله متاع الحياة الدنيا ولكنه دون الأول فإنه المطلوب بهذا مباح في نفسه\r","part":5,"page":111},{"id":1848,"text":"الثالثة أن لا يقصد نيل حظ وإدراك مال أو نكاح ولكن يظهر عبادته خوفا من أن ينظر إليه بعين النقص ولا يعد من الخاصة والزهاد ويعتقد أنه من جملة العامة كالذي يمشي مستعجلا فيطلع عليه الناس فيحسن المشي ويترك العجلة كيلا يقال إنه من أهل اللهو والسهو لا من أهل الوقار وكذلك إن سبق إلى الضحك أو بدا منه المزاح فيخاف أن ينظر إليه بعين الاحتقار فيتبع ذلك بالاستغفار وتنفس الصعداء وإظهار الحزن ويقول ما أعظم غفلة الآدمي عن نفسه والله يعلم منه أنه لو كان في خلوة لما كان يثقل عليه ذلك وإنما يخاف أن ينظر إليه بعين الاحتقار لا بعين التوقير وكالذي يرى جماعة يصلون التراويح أو يتهجدون أو يصومون الخميس والاثنين أو يتصدقون فيوافقهم خيفة أن ينسب إلى الكسل ويلحق بالعوام ولو خلا بنفسه لكان لا يفعل شيئا من ذلك وكالذي يعطش يوم عرفة أو عاشوراء أو في الأشهر الحرم فلا يشرب خوفا من أن يعلم الناس أنه غير صائم فإذا ظنوا به الصوم امتنع عن الأكل لأجله أو يدعى إلى طعام فيمتنع ليظن أنه صائم وقد لا يصرح بأني صائم ولكن يقول لي عذر وهو جمع بين خبيثين فإنه يرى أنه صائم ثم يرى أنه مخلص ليس بمراء وأنه يحترز من أن يذكر عبادته للناس فيكون مرائيا فيريد أن يقال إنه ساتر لعبادته ثم إن اضطر إلى شرب لم يصبر عن أن يذكر لنفسه فيه عذرا تصريحا أو تعريضا بأن يتعلل بمرض يقتضي فرط العطش ويمنع من الصوم أو يقول أفطرت تطييبا لقلب فلان ثم قد لا يذكر ذلك متصلا بشربه كي لا يظن به أن يعتذر رياء ولكنه يصبر ثم يذكر عذره في معرض حكاية عرضا مثل أن يقول إن فلانا محب للإخوان شديد الرغبة في أن يأكل الإنسان من طعامه وقد ألح علي اليوم ولم أجد بدا من تطييب قلبه\rومثل أن يقول إن أمي ضعيفة القلب مشفقة علي تظن أني لو صمت يوما مرضت فلا تدعني أصوم فهذا وما يجري مجراه من آفات الرياء فلا يسبق إلى اللسان إلا لرسوخ عرق الرياء في الباطن\r","part":5,"page":112},{"id":1849,"text":"أما المخلص فإنه لا يبالي كيف نظر الخلق إليه فإن لم يكن له رغبة في الصوم وقد علم الله ذلك منه فلا يريد أن يعتقد غيره ما يخالف علم الله فيكون ملبسا وإن كان له رغبة في الصوم لله قنع بعلم الله تعالى ولم يشرك فيه غيره وقد يخطر له أن في إظهاره اقتداء غيره به وتحريك رغبة الناس فيه وفيه مكيدة وغرور وسيأتي شرح ذلك وشروطه\rفهذه درجات الرياء ومراتب أصناف المرائين وجميعهم تحت مقت الله وغضبه وهو من أشد المهلكات وإن من شدته أن فيه شوائب هي أخفى من دبيب النمل كما ورد به الخبر يزل فيه فحول العلماء فضلا عن العباد الجهلاء بآفات النفوس وغوائل القلوب والله أعلم. {إحياء علوم الدين حـ 3 صـ 202 ـ 205}\rقوله تعالى : {وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاةِ اللَّهِ وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ (207)}\rمناسبة الآية لما قبلها\rقال البقاعى : \r","part":5,"page":113},{"id":1850,"text":"ولما أتم الخبر عن هذا القسم الذي هو شر الأقسام أتبعه خيرها ليكون ختاماً وبينهما تباين فإن الأول من يهلك الناس لاستبقاء نفسه وهذا يهلك نفسه لاستصلاح الناس فقال : {ومن الناس من} أي شخص أو الذي {يشري} أي يفعل هذا الفعل كلما لاح له وهو أنه يبيع بغاية الرغبة والانبعاث {نفسه} فيقدم على إهلاكها أو يشتريها بما يكون سبب إعتاقها وإحيائها بالاجتهاد في أوامر الله بالنهي لمثل هذا الألد عن فعله الخبيث والأمر له بالتقوى والتذكير بالله ، وروي أنها نزلت في صهيب رضي الله تعالى عنه لأنه لما هاجر أرادت قريش رده فجعل لهم ماله حتى خلوا سبيله فقال له النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ : \"ربح البيع \"فعلى هذا يكون شرى بمعنى اشترى ، ثم علل ذلك بقوله : {ابتغآء} أي تطلب وتسهل وتيسر بغاية ما يمكن أن يكون كل من ذلك {مرضات الله} أي رضى المحيط بجميع صفات الكمال وزمان الرضى ومكانه بما دل عليه كون المصدر ميمياً ويكون ذلك غاية في بابه بما دل عليه من وقفه بالتاء الممدودة لما يعلم من شدّة رحمة الله تعالى به {والله رؤوف} أي بالغ الرحمة ، وأظهر موضع الإضمار دلالة على العموم وعلى الوصف المقتضي للرحمة والشرف فقال : {بالعباد} كلهم حيث أسبغ عليهم نعمه ظاهرة وباطنة مع كفرهم به أو تقصيرهم في أمره ، وبين لهم الطريق غاية البيان بالعقل أولاً والرسل ثانياً والشرائع ثالثاً والكتب الحافظة لها رابعاً ، ولعل الفصل بين الأقسام الأربعة بالأيام المعدودات اهتماماً بأمرها لكونها من فعل الحج وتأخيرها عن أخواتها إشارة إلى أنها ليست من دعائم المناسك بل تجبر بدم. أ هـ {نظم الدرر حـ 1 صـ 386}\rوقال ابن عاشور : ","part":5,"page":114},{"id":1851,"text":"هذا قسيم {ومن الناس من يعجبك قوله} {البقرة : 204 ] وذكره هنا بمنزلة الاستطراد استيعاباً لقسمي الناس ، فهذا القسم هو الذي تمحض فعله للخير حتى بلغ غاية ذلك وهو تعريض نفسه التي هي أنفس الأشياء عليه للهلاك لأجل تحصيل ما يرضي الله تعالى وإنما رضا الله تعالى بفعل الناس للخير الذي أمرهم به. أ هـ {التحرير والتنوير حـ 2 صـ 272}\rسبب نزول الآية\rقال الفخر : \rفي سبب النزول روايات أحدها : روى ابن عباس أن هذه الآية نزلت في صهيب بن سنان مولى عبد الله بن جدعان ، وفي عمار بن ياسر ، وفي سمية أمه ، وفي ياسر أبيه ، وفي بلال مولى أبي بكر ، وفي خباب بن الأرت ، وفي عابس مولى حويطب أخذهم المشركون فعذبوهم ، فأما صهيب فقال لأهل مكة : إني شيخ كبير ، ولي مال ومتاع ، ولا يضركم كنت منكم أو من عدوكم تكلمت بكلام وأنا أكره أن أنزل عنه وأنا أعطيكم مالي ومتاعي وأشتري منكم ديني ، فرضوا منه بذلك وخلوا سبيله ، فانصرف راجعاً إلى المدينة ، فنزلت الآية ، وعند دخول صهيب المدينة لقيه أبو بكر رضي الله عنه فقال له : ربح بيعك ، فقال له صهيب : وبيعك فلا نخسر ما ذاك ؟ فقال : أنزل الله فيك كذا ، وقرأ عليه الآية ، وأما خباب بن الأرت وأبو ذر فقد فرا وأتيا المدينة ، وأما سمية فربطت بين بعيرين ثم قتلت وقتل ياسر ، وأما الباقون فأعطوا بسبب العذاب بعض ما أراد المشركون فتركوا ، وفيهم نزل قول الله تعالى : {والذين هاجروا فِى الله مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُوا} {النحل : 41 ] بتعذيب أهل مكة {لَنُبَوِّئَنَّهُمْ فِى الدنيا حَسَنَةً} {النحل : 41 ] بالنصر والغنيمة ، ولأجر الآخرة أكبر ، وفيهم نزل : {إِلاَّ مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بالإيمان.\r} {النحل : 106 ] والرواية الثانية : أنها نزلت في رجل أمر بمعروف ونهى عن منكر ، عن عمر وعلي وابن عباس رضي الله عنهم.","part":5,"page":115},{"id":1852,"text":"والرواية الثالثة : نزلت في علي بن أبي طالب بات على فراش رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ ليلة خروجه إلى الغار ، ويروى أنه لما نام على فراشه قام جبريل عليه السلام عند رأسه ، وميكائيل عند رجليه ، وجبريل ينادي : بخ بخ من مثلك يا ابن أبي طالب يباهي الله بك الملائكة ونزلت الآية. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 5 صـ 174}\rوقال الخازن : \rقوله عز وجل : {ومن الناس من يشري نفسه ابتغاء مرضاة الله} قال ابن عباس : نزلت هذه الآية في سرية الرجيع وكانت بعد أحد\rعن أبي هريرة قال بعث النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ سرية عيناً وأمر عليهم عاصم بن ثابت وهو جد عاصم بن عمر بن الخطاب ، فانطلقوا حتى إذا كانوا بين عسفان ومكة ذكروا الحي من هذيل يقال لهم بنو لحيان فتبعوهم بقريب من مائة رام فاقتفوا آثارهم حتى أتوا منزلاً نزلوه فوجدوا فيه نوى تمر تزودوه من المدينة فقالوا هذه تمر يثرب ، فتبعوا أثرهم حتى لحقوهم.","part":5,"page":116},{"id":1853,"text":"فلما أحس بهم عاصم وأصحابه لجؤوا إلى فدفد ، وجاء القوم فأحاطوا بهم فقالوا : لكم العهد والميثاق إن نزلتم إلينا أن لا نقتل منكم رجلاً ، فقال عاصم : أما أنا فلا أنزل في ذمة كافر اللهم أخبر عنا رسولك فقاتلوهم فرموهم حتى قتلوا عاصماً في سبعة نفر بالنبل وبقي خبيب وزيد ورجل آخر فأعطوهم العهد والميثاق. فلما أعطوهم العهد والميثاق نزلوا إليهم فلما استمكنوا منهم حلوا أوتار قسيهم فربطوهم بها فقال الرجل الثالث الذي معهم : هذا أول الغدر ، فأبى أن يصحبهم فجروه وعالجوه على أن يصحبهم فلم يفعل فقتلوه وانطلقوا بخبيب وزيد حتى باعوهما بمكة ، فاشترى خبيباً بنو الحارث بن عامر بن نوفل ، وكان خبيب هو الذي قتل الحارث يوم بدر فمكث عندهم أسيراً حتى إذا اجتمعوا على قتله استعار موسى من بعض بنات الحارث ليستحدَّ بها فأعارتها ، فقالت : فغفلت عن صبي لي فدرج إليه حتى أتاه فوضعه على فخذه فلما رأيته فزعت فزعة عرف ذلك مني وفي يده الموسى ، فقال : أتخشين مني أن أقتله ما كنت لأفعل ذلك أن شاء الله تعالى وكانت تقول : ما رأيت أسيراً قط خيراً من خبيب لقد رأيته يأكل من قطف عنب وما بمكة يومئذٍ تمرة ، وإنه لموثق في الحديد. وما كان إلاّ رزقاً رزقه الله خبيباً ، فلما خرجوا به من الحرم ليقتلوه قال : دعوني أصلي ركعتين ، فصلى ركعتين ثم انصرف فقال : لولا ترون أن ما بي جزع من الموت لزدت ، فكان أول من سن ركعتين عند القتل ، وقال : اللهم أحصهم عدداً وقال : \rفلست أبالي حين أقتل مسلماً... على أي جنب كان في الله مصرعي\rوذلك في ذات الإله وإن يشأ... يبارك على أوصال شلوٍ ممزع\r","part":5,"page":117},{"id":1854,"text":"ثم قام إليه عقبة بن الحارث فقتله ، وبعثت قريش إلى عاصم ليأتوا بشيء من جسده بعد موته وكان قتل عظيماً من عظمائهم يوم بدر ، فبعث الله عليه مثل الظلة من الدبر فحمته من رسلهم ، فلم يقدروا منه على شيء زاد في رواية وأخبر يعني النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ أصحابه يوم أصيبوا خبرهم ، الفدفد : الموضع الذي فيه غلظ وارتفاع. وقوله عالجوه : أي مارسوه ، وأراد به أنهم يخدعونه ليتبعهم فأبى. وقوله ليستحد الاستحداد حلق العانة. والقطف العنقود من العنب : قوله على أوصال شلو. الشلو العضو من أعضاء الإنسان. والممزع : المفرق. والظلة : الشيء الذي يظل من فوق الإنسان. والدبر : جماعة النحل والزنابير. وقال أهل التفسير : إن كفار قريش بعثوا إلى رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ وهو بالمدينة أنا قد أسلمنا فابعث إلينا نفراً من علماء أصحابك يعلمونا دينك ، وكان ذلك مكراً منهم فبعث رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ خبيب بن عدي الأنصاري ومرثد بن أبي مرثد الغنوي وخالد بن بكر وعبدالله بن طارق بن شهاب البلوي وزيد بن الدثنة وأمر عليهم عاصم بن ثابت بن أبي أفلح الأنصاري ، وذكر نحو حديث البخاري ، زاد عليه : فقالوا : نصلب خبيباً حياً ، فقال : اللهم إنك تعلم أنه ليس لي أحد حولي يبلغ سلامي رسولك فأبلغه سلامي ، فقام إليه أبو سروعة عقبة بن الحارث فقتله ويقال كان رجل من المشركين يقال له أبو ميسرة سلامان معه رمح فوضعه بين ثديي خبيب فقال له خبيب : اتق الله ، فما زاده ذلك إلاّ عتواً فطعنه فأنفذه فذلك قوله تعالى : {وإذا قيل له اتق الله أخذته العزة بالإثم} يعني سلامان.\r","part":5,"page":118},{"id":1855,"text":"وأما زيد بن الدثنة فابتاعه صفوان بن أمية ليقتله بأبيه أمية بن خلف فبعثه مع مولى له يسمى نسطاس إلى التنعيم ليقتله في الحل ، واجتمع رهط من قريش فيهم أبو سفيان بن حرب فقال له أبو سفيان حين قدم ليقتل أنشدك الله يا زيد أتحب محمداً عندنا الآن مكانك يضرب عنقه وأنك في أهلك قال زيد والله ما أحب أن محمداً الآن في مكانه الذي هو فيه تصيبه شوكة تؤذيه وأنا جالس في أهلي ، فقال أبو سفيان : ما رأيت أحداً يحب أحداً كحب أصحاب محمد محمداً ثم قتله نسطاس ، فلما بلغ النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ هذا الخبر قال لأصحابه أيكم ينزل خبيباً عن خشبته وله الجنة فقال الزبير : أنا يا رسول الله وصاحبي المقداد بن الأسود ، فخرجنا يمشيان الليل ويكمنان النهار حتى أتيا التنعيم ليلاً ، فإذا حول الخشبة أربعون من المشركين نشاوى وهم نيام ، فأنزلاه عن خشبته ، فإذا هو رطب ينثني ولم يتغير منه شيء بعد أربعين يوماً ويده على جراحته وهي تبض دماً اللون لون الدم والريح ريح المسك ، فحمله الزبير على فرسه وسار فانتبه الكفار وقد فقدوا خبيباً فأخبروا قريشاً فركب معهم سبعون فارساً فلما لحقوهم قذف الزبير خبيباً فابتلعته الأرض فسمي بليغ الأرض وقال الزبير ما أجرأكم علينا يا معشر قريش ثم رفع العمامة عن رأسه وقال : أنا الزبير بن العوام وأمي صفية بنت عبد المطلب وصاحبي المقداد بن الأسود أسدان ضاريان يدفعان عن أشبالهما. فإن شئتم ناضلتكم وإن شئتم نازلتكم وإن شئتم انصرفتم ، فانصرفوا إلى مكة ، وقدم الزبير وصاحبه المقداد على رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ وجبريل عنده فقال يا محمد أن الملائكة لتباهي بهذين من أصحابك ، ونزل في الزبير والمقداد : {ومن الناس من يشري نفسه ابتغاء مرضاة الله} حين شريا أنفسهما بإنزال خبيب عن خشبته. وقال أكثر المفسرين : نزلت في صهيب بن سنان الرومي ، وإنما نسب إلى الروم لأن منازلهم كانت بأرض الموصل فأغارت الروم على تلك","part":5,"page":119},{"id":1856,"text":"الناحية فسبوه وهو غلام صغير فنشأ بالروم ، وإنما كان من العرب ابن النمر بن قاسط قال سعيد بن المسيب وعطاء أقبل صهيب مهاجراً إلى النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ فاتبعه نفر من مشركي قريش فنزل عن راحلته ونثل ما كان في كنانته وقال : والله لا تصلوا إليّ أو أرمي بكل سهم معي ثم أضرب بسيفي ما بقي في يدي ، وإن شئتم دللتكم على مال دفنته بمكة وخليتم سبيلي.\rفقالوا نعم ، ففعل ، فلما قدم على رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ نزلت : {ومن الناس من يشري نفسه ابتغاء مرضاة الله} الآية فقال رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ : ربح البيع أبا يحيى ، وتلا عليه هذه الآية. وقال الحسن : أتدرون فيم نزلت هذه الآية ؟ نزلت في المسلم يلقي الكافر فيقول له قل : لا إله إلاّ الله فيأبى أن يقولها فيقولها المسلم والله لأشرين نفسي لله فتقدم فقاتل وحده حتى قتل ، نزلت هذه الآية في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، وقال ابن عباس : رضي الله عنهما : أرى من يشري نفسه ابتغاء مرضاة الله يقوم فيأمر هذا بتقوى الله فإذا لم يقبل وأخذته العزة بالإثم قال وأنا أشري نفسي لله فقاتله ، وكان علي كرم الله وجهه إذا قرأ هذه الآية يقول اقتتلا ورب الكعبة. وسمع عمر رجلاً يقرأ هذه الآية : {ومن الناس من يشري نفسه ابتغاء مرضاة الله} فقال عمر : إنا لله وإنا إليه راجعون قام رجل فأمر بالمعروف ونهى عن المنكر فقتل. عن أبي سعيد قال : قال رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ \"من أعظم الجهاد كلمة عدل عند سلطان جائر \"أخرجه الترمذي ، وقال حديث حسن غريب. أ هـ {تفسير الخازن حـ 1 صـ 134 ـ 135}\rفصل فى المراد بالشراء فى الآية\rقال الفخر : ","part":5,"page":120},{"id":1857,"text":"أكثر المفسرين على أن المراد بهذا الشراء : البيع ، قال تعالى : {وَشَرَوْهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ} {يوسف : 20 ] أي باعوه ، وتحقيقه أن المكلف باع نفسه بثواب الآخرة وهذا البيع هو أنه بذلها في طاعة الله ، من الصلاة والصيام والحج والجهاد ، ثم توصل بذلك إلى وجدان ثواب الله ، كان ما يبذله من نفسه كالسلعة ، وصار الباذل كالبائع ، والله كالمشتري ، كما قال : {إِنَّ الله اشترى مِنَ المؤمنين أَنفُسَهُمْ وأموالهم بِأَنَّ لَهُمُ الجنة} {التوبة : 111 ] وقد سمى الله تعالى ذلك تجارة ، فقال : {ياأيها الذين ءَامَنُواْ هَلْ أَدُلُّكمْ على تجارة تُنجِيكُم مّنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ تُؤْمِنُونَ بالله وَرَسُولِهِ وتجاهدون فِى سَبِيلِ الله بأموالكم وَأَنفُسِكُمْ} {الصف : 10 ، 11 ] وعندي أنه يمكن إجراء لفظة الشراء على ظاهرها وذلك أن من أقدم على الكفر والشرك والتوسع في ملاذ الدنيا والإعراض عن الآخرة وقع في العذاب الدائم فصار في التقدير كأن نفسه كانت له ، فبسبب الكفر والفسق خرجت عن ملكه وصارت حقاً للنار والعذاب ، فإذا ترك الكفر والفسق وأقدم على الإيمان والطاعة صار كأنه اشترى نفسه من العذاب والنار فصار حال المؤمن كالمكاتب يبذل دارهم معدودة ويشتري بها نفسه فكذلك المؤمن يبذل أنفاساً معدودة ويشتري بها نفسه أبداً لكن المكاتب عبد ما بقي عليه درهم ، فكذا المكلف لا ينجو عن رق العبودية ما دام له نفس واحد في الدنيا ولهذا قال عيسى عليه السلام : {وأوصاني بالصلاة والزكاة ما دمت حياً} {مريم : 31 ] وقال تعالى لنبيه عليه الصلاة والسلام : {واعبد رَبَّكَ حتى يَأْتِيَكَ اليقين} {الحجر : 99 ] فإن قيل : إن الله تعالى جعل نفسه مشترياً حيث قال : {إِنَّ الله اشترى مِنَ المؤمنين أَنفُسَهُمْ وأموالهم} {التوبة : 111 ] وهذا يمنع كون المؤمن مشترياً.\r","part":5,"page":121},{"id":1858,"text":"قلنا : لا منافاة بين الأمرين ، فهو كمن اشترى ثوباً بعبد ، فكل واحد منهما بائع ، وكل واحد منهما مشتر ، فكذا ههنا وعلى هذا التأويل فلا يحتاج إلى ترك الظاهر وإلى حمل لفظ الشراء على البيع.\rإذا عرفت هذا فنقول : يدخل تحت هذا كل مشقة يتحملها الإنسان في طلب الدين ، فيدخل فيه المجاهد ، ويدخل فيه الباذل مهجته الصابر على القتل ، كما فعله أبو عمار وأمه ، ويدخل فيه الآبق من الكفار إلى المسلمين ، ويدخل فيه المشتري نفسه من الكفار بماله كما فعل صهيب ، ويدخل فيه من يظهر الدين والحق عند السلطان الجائر.\rوروي أن عمر رضي الله تعالى عنه بعث جيشاً فحاصروا قصراً فتقدم منهم واحد ، فقاتل حتى قتل فقال بعض القوم : ألقى بيده إلى التهلكة ، فقال عمر : كذبتم رحم الله أبا فلان (1) ، وقرأ {وَمِنَ الناس مَن يَشْرِى نَفْسَهُ ابتغاء مَرْضَاتِ الله }\rثم اعلم أن المشقة التي يتحملها الإنسان لا بد وأن تكون على وفق الشرع حتى يدخل بسببه تحت الآية ، فأما لو كان على خلاف الشرع فهو غير داخل فيه بل يعد ذلك من باب إلقاء النفس في التهلكة نحو ما إذا خاف التلف عند الإغتسال من الجنابة ففعل ، قال قتادة : أما والله ما هم بأهل حروراء المراق من الدين ولكنهم أصحاب رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ من المهاجرين والأنصار لما رأوا المشركين يدعون مع الله إلهاً آخر قاتلوا على دين الله وشروا أنفسهم غضباً لله وجهاداً في سبيله.أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 5 صـ 175}\r_______________\r(1) هو هشام بن عامر حمل بين الصفين ، فأنكر عليه بعضُ الناس ، فردّ عليهم عُمَر بن الخطاب وأبو هريرة وغيرهما ، وتلوا هذه الآية.","part":5,"page":122},{"id":1859,"text":"وقال ابن عاشور : \rو( يشري ) معناه يبيع كما أن يشتري بمعنى يبتاع وقد تقدم ذلك في قوله تعالى : {ولا تشتروا بآياتي ثمناً قليلاً} {البقرة : 41 ]. واستعمل ( يشري ) هنا في البذل مجازاً ، والمعنى ومن الناس من يبذل نفسه للهلاك ابتغاء مرضاة الله أي هلاكاً في نصر الدين وهذا أعلى درجات الإيمان ، لأن النفس أغلى ما عند الإنسان. أ هـ {التحرير والتنوير حـ 2 صـ 273}\r( بصيرة فى الشرى )\rوهو يُمَدّ ويُقصرُ. ويكون بمعنى الاشتراء ، وبمعنى البيع. والشِّرَى والبيع متلازمان ، فالمشترى دافع الثَمَن وآخذ المُثْمَن ، والبائع دافع المثمن وآخذ الثمن. هذا إِذا كانت المبايعة والمشارة بناضٍّ وسِلْعة. فأَمّا إِذا كان بيع سِلْعة بسلعة صَحَّ أَن يُتصوّر كلّ منهما بائعًا ومشتريا ، ومن هذا الوجه صار لفظ البيع والشِّرَى يستعمل كلّ منهما مكان الآخر. وشَرَيت بمعنى بعت أَكثر ، وابتعت بمعنى اشتريت أَكثر ، قال تعالى : {وَشَرَوْهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ} أَى باعوه. ويجوز الشِّراءُ والاشتراءُ فى كلّ ما يحصّل به شىء ، نحو : {أُوْلَائِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُاْ الضَّلاَلَةَ بِالْهُدَى} ، وقولُه تعالى : {إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ} فقد ذكر ما اشترى به وهو قوله تعالى : {يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ}.\rوقيل : ورد الشراء والاشتراء فى التَّنزيل على اثنى عشر وجهًا.\rالأَوَّل : شِرَى الضَّلالة بالهدى : {أُولَائِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُاْ الضَّلاَلَةَ بِالْهُدَى وَالْعَذَابَ بِالْمَغْفِرَةِ}.\rالثانى : شِرَى السِحْر بالإِسلام : {وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْاْ بِهِ أَنْفُسَهُمْ}.\rالثالث : بيع اليهود نعت محمّد صلَّى الله عليه وسلم بنعت الدّجّال : {بِئْسَمَا اشْتَرَوْاْ بِهِ أَنْفُسَهُمْ أَن يَكْفُرُواْ بِمَآ أنَزَلَ اللَّهُ بَغْياً أَن يُنَزِّلُ اللَّهُ}.","part":5,"page":123},{"id":1860,"text":"الرّابع : شِرَى كعب بن الأَشرف الدّنيا بالآخرة : {اشْتَرَوُاْ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا بِالآخِرَةِ}.\rالخامس : بيع حُيىّ بن أَخطب التوراة بثمن بخس : {وَلاَ تَشْتَرُواْ بِآيَاتِي ثَمَناً قَلِيلاً}.\rالسادس : بيع فنحاص بن عازور العهد واليمين بثمن قليل : {إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَناً قَلِيلاً}.\rالسّابع : بيع أَهل مكة إِيمانهم بالكفر : {إِنَّ الَّذِينَ اشْتَرَوُاْ الْكُفْرَ بِالإِيمَانِ}.\rالثامن : بيعِ الجُهّال أَحسن الحديث باللَّهْو : {وَمِنَ النَّاسِ مَن يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ}.\rالتَّاسع : بيع أَمير المؤمنين نفسه فداء لسيّد الكونين صلَّى الله عليه وسلم : {وَمِنَ النَّاسِ مَن يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَآءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ}.\rالعاشر : بيع إِخْوة يوسف أَخاهم : {وَشَرَوْهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ}.\rالحادى عشر : بيع المؤمنين أَموالهم وأَنفسهم لمولاهم وخالقهم : {إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ}. أ هـ {بصائر ذوى التمييز حـ 3 صـ 45}\rقال السعدى فى معنى الآية\rهؤلاء هم الموفقون الذين باعوا أنفسهم وأرخصوها وبذلوها طلبا لمرضاة الله ورجاء لثوابه ، فهم بذلوا الثمن للمليء الوفيّ الرءوف بالعباد ، الذي من رأفته ورحمته أن وفقهم لذلك ، وقد وعد الوفاء بذلك ، فقال : {إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ} إلى آخر الآية. وفي هذه الآية أخبر أنهم اشتروا أنفسهم وبذلوها ، وأخبر برأفته الموجبة لتحصيل ما طلبوا ، وبذل ما به رغبوا ، فلا تسأل بعد هذا عن ما يحصل لهم من الكريم ، وما ينالهم من الفوز والتكريم. أ هـ {تفسير السعدى صـ 94}\rقوله تعالى : {والله رَءوفٌ بالعباد }\rقال الفخر : \r","part":5,"page":124},{"id":1861,"text":"أما قوله تعالى : {والله رَءوفٌ بالعباد} فمن رأفته أنه جعل النعيم الدائم جزاء على العمل القليل المنقطع ، ومن رأفته جوز لهم كلمة الكفر إبقاء على النفس ، ومن رأفته أنه لا يكلف نفساً إلا وسعها ومن رأفته ورحمته أن المصر على الكفر مائة سنة إذا تاب ولو في لحظة أسقط كل ذلك العقاب.\rوأعطاه الثواب الدائم ، ومن رأفته أن النفس له والمال ، ثم أنه يشتري ملكه بملكه فضلاً منه ورحمة وإحساناً.أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 5 صـ 175}\rوقال فى روح البيان : \r{والله رؤف بالعباد} ولذلك يكلفهم التقوى ويعرضهم للثواب ومن جملة رأفته بعباده أن ما اشتراه منهم من أنفسهم وأموالهم إنما هو خالص ملكه وحقه ثم إنه تعالى يشترى منهم ملكه الخالص المحصور بما لا يعد ولا يحصى من فضله ورحمته رحمة وإحسانا وفضلا وإكراما. أ هـ {روح البيان حـ 1 صـ 401}\rوقال ابن عاشور : \rوالظاهر أن التعريف في قوله ( العباد ) تعريف استغراق ، لأن الله رؤوف بجميع عباده وهم متفاوتون فيها فمنهم من تناله رأفة الله في الدنيا وفي الآخرة على تفاوت فيهما يقتضيه علم الله وحكمته ، ومنهم من تناله رأفة الله في الدنيا دون الآخرة وهم المشركون والكافرون ؛ فإن من رأفته بهم أنه أعطاهم العافية والرِّزق ، ويجوز أن يكون التعريف تعريف العهد أي بالعباد الذين من هذا القبيل أي قبيل الذي يشري نفسه ابتغاء مرضاة الله.\rويجوز أن يكون ( أَلْ ) عوضاً عن المضاف إليه كقوله {فإن الجنة هي المأوى} {النازعات : 41 ] ، والعباد إذا أضيف إلى اسم الجلالة يراد به عباد مقربون قال تعالى : \r{ إن عبادي ليس لك عليهم سلطان} في {سورة الحجر : 42 ].","part":5,"page":125},{"id":1862,"text":"ومناسبة هذا التذييل للجملة أن المخبر عنهم قد بذلوا أنفسهم لله وجعلوا أنفسهم عبيده فالله رءوف بهم كرأفة الإنسان بعبده فإن كان مَا صْدَق ( مَنْ ) عاماً كما هو الظاهر في كل من بذل نفسه لله ، فالمعنى والله رءوف بهم فعدل عن الإضمار إلى الإظهار ليكون هذا التذييل بمنزلة المثل مستقلاً بنفسه وهو من لوازم التذييل ، وليدل على أن سبب الرأفة بهم أنهم جعلوا أنفسهم عباداً له ، وإن كان ما صْدَق ( مَنْ ) صهيباً رضي الله عنه فالمعنى والله رءوف بالعباد الذين صهيب منهم ، والجملة تذييل على كل حال ، والمناسبة أن صهيباً كان عبداً للروم ثم لطائفة من قريش وهم بنو كلب وهم لم يرأفوا به ، لأنه عذب في الله فلما صار عبد الله رأف به.\rأ هـ {التحرير والتنوير حـ 2 صـ 273}\rفائدة\rوفي قوله : \"بِالْعِبَادِ \"خُرُوجٌ من ضميرِ الغَيْبَةِ إِلَى الاسْم الظَّاهِرِ ؛ إذ كان الأَصْلُ \"رَؤوفٌ بِهِ \"أَوْ \"بِهِمْ \"وفائدةُ هذا الخُروجِ أنَّ لفظَ \"العِبَادِ \"يُؤْذِنُ بالتشرِيف ، أو لأنه فاصلةٌ فاختير لذلك. أ هـ {تفسير ابن عادل حـ 3 صـ 472}\rمن لطائف الإمام القشيرى فى الآية\rأولئك الذين أدركتهم خصائص الرحمة ، ونعتتهم سوابق القسمة ، فآثروا رضاء الحق على أنفسهم ، واستسلموا بالكلية لمولاهم ، والله رؤوف بالعباد : ولرأفته بهم وصلوا إلى هذه الأحوال ، لا بهذه الأحوال استوجبوا رأفته.أ هـ {لطائف الإشارات حـ 1 صـ 171}\rمن فوائد الشيخ الطاهر بن عاشور فى الآية\rوفي هذه الآية وهي قوله : {ومن الناس من يعجبك قوله في الحياة الدنيا} {البقرة : 204 ] إلى قوله {رؤوف بالعباد} معان من معاني أدب النفوس ومراتبها وأخلاقها تعلِّم المؤمنين واجب التوسم في الحقائق ودواخل الأمور وعدم الاغترار بالظواهر إلاّ بعد التجربة والامتحان ، فإن من الناس من يغُر بحسن ظاهره وهو منطو على باطن سوء ويعطي من لسانه حلاوة تعبير وهو يضمر الشر والكيد قال المعري","part":5,"page":126},{"id":1863,"text":" : ... وقد يُخْلِفُ الإنسانُ ظَنَّ عَشِيرةٍ\rوإن رَاقَ منه مَنْظَرٌ ورُوَاء... وقد شمل هذا الحالَ قول النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ \"إن من البيان لسحرا \"بأحد معنييه المحتوي عليهما وهو من جوامع الكَلِم وتبلغ هلهلة دينه إلى حد أن يُشهد الله على أن ما يقوله صدق وهو بعكس ذلك يبيت في نفسه الخصام والكراهية.\rوعلامة الباطن تكون في تصرفات المرء فالذي يحب الفساد ويهلك الحرث والنسل ولا يكون صاحب ضمير طيب ، وأن الذي لا يصغي إلى دعوة الحق إذا دعوته إليه ويظهر عليه الاعتزاز بالظلم لا يرعوي عن غيه ولا يترك أخلاقه الذميمة ، والذي لا يشح بنفسه في نصرة الحق ينبىء خلقه عن إيثار الحق والخير على الباطل والفساد ومن لا يرأف فالله لا يرأف به. أ هـ {التحرير والتنوير حـ 2 صـ 274}\rقوله تعالى : {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ (208) فَإِنْ زَلَلْتُمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْكُمُ الْبَيِّنَاتُ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (209)}\rمناسبة الآية لما قبلها\rقال البقاعى : ","part":5,"page":127},{"id":1864,"text":"ولما ختم هذين القسمين بالساعي في رضى الله عنه مشاكلة للأولين حسن جداً تعقيبه بقوله : {يا أيها الذين آمنوا} ليكون هذا النداء واقعاً بادىء بدء في أذن هذا الواعي كما كان المنافق مصدوعاً بما سبقه من التقوى والحشر مع كونه دليلاً على صفة الرأفة ، وتكرير الأمر بالإيمان بين طوائف الأعمال من أعظم دليل على حكمة الآمر به فإنه مع كونه آكد لأمره وأمكن لمجده وفخره يفهم أنه العماد في الرشاد الموجب للإسعاد يوم التناد فقال : {ادخلوا في السلم} أي الإيمان الذي هو ملزم لسهولة الانقياد إلى كل خير ، وهو في الأصل بالفتح والكسر الموادعة في الظاهر بالقول والفعل أي يا من آمن بلسانه كهذا الألد ليكن الإيمان أو الاستلام بكلية الباطن والظاهر ظرفاً محيطاً بكم من جميع الجوانب فيحيط بالقلب والقالب كما أحاط باللسان ولا يكون لغرامة الجهل وجلافة الكفر إليكم سبيل {كآفة} أي وليكن جميعكم في ذلك شرعاً واحداً كهذا الذي يشري نفسه ، ولا تنقسموا فيكون بعضكم هكذا وبعضكم كذلك الألد ، فإن ذلك دليل الكذب في دعوى الإيمان.\rولما كان الإباء والعناد الذي يحمل عليه الأنفة والكبر فعل الشيطان وثمرة كونه من نار قال : {ولا تتبعوا} أي تكلفوا أنفسكم من أمر الضلال ضد ما فطرها الله تعالى عليه وسهله لها من الهدى {خطوات الشيطان} أي طرق المبعد المحترق في الكبر عن الحق. قال الحرالي : ففي إفهامه أن التسليط في هذا اليوم له ، وفيه إشعار وإنذار بما وقع في هذه الأمة وهو واقع وسيقع من خروجهم من السلم إلى الاحتراب بوقوع الفتنة في الألسنة والأسنة على أمر الدنيا وعودهم إلى أمور جاهليتهم ، لأن الدنيا أقطاع الشيطان كما أن الآخرة خلاصة الرحمن ، فكان ابتداء الفتنة منذ كسر الباب الموصد على السلم وهو عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه فلم يزل الهرج ولا يزال إلى أن تضع الحرب أوزارها.\r","part":5,"page":128},{"id":1865,"text":"ثم علل ذلك سبحانه وتعالى بقوله : {إنه لكم عدو مبين} أي بما أخبرناكم به في أمر أبيكم آدم عليه الصلاة والسلام وغير ذلك مما شواهده ظاهرة ، وما أحسن هذا الختم المضاد لختم التي قبلها! فإن تذكر الرأفة منه سبحانه على عظمته والعبودية منا الذي هو معنى الولاية التي روحها الانقياد لكل ما يحبه الولي وتذكر عداوة المضل أعظم منفر منه وداع إلى الله سبحانه وتعالى. أ هـ {نظم الدرر حـ 1 صـ 386}\rقال ابن عاشور : \rقوله تعالى : {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً}\rاستئناف على طريقة الاعتراض انتهازاً للفرصة بالدعوة إلى الدخول في السلم ، ومناسبة ذكره عقب ما قبله أن الآيات السابقة اشتملت على تقسيم الناس تجاه الدين مراتب ، أعلاها {من يشرى نفسه ابتغاء مرضات الله} {البقرة : 207 ] لأن النفس أغلى ما يبذل ، وأقلها {من يعجبك قوله في الحياة الدنيا ويشهد الله على ما في قلبه وهو ألد الخصام} {البقرة : 204 ] أي يضمر الكيد ويفسد على الناس ما فيه نفع الجميع وهو خيرات الأرض ، وذلك يشتمل على أنه اعتدى على قوم مسالمين فناسب بعد ذلك أن يدعى الناس إلى الدخول فيما يطلق عليه اسم السلم وهذه المناسبة تقوى وتضعف بحسب تعدد الاحتمالات في معنى طلب الدخول في السلم.\rثم قال العلامة ابن عاشور : ","part":5,"page":129},{"id":1866,"text":"الذي يبدو لي أن تكون مناسبة ذكر هذه الآية عقب ما تقدم هي أن قوله تعالى : {وقاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم} {البقرة : 190 ] الآيات تهيئة لقتال المشركين لصدهم المسلمين عن البيت وإرجافهم بأنهم أجمعوا أمرهم على قتالهم ، والإرجاف بقتل عثمان بن عفان بمكة حين أرسله رسول الله إلى قريش ، فذكر ذلك واستطرد بعده ببيان أحكام الحج والعمرة فلما قضى حق ذلك كله وألحق به ما أمر الله بوضعه في موضعه بين في تلك الآيات ، استؤنف هنا أمرهم بالرضا بالسلم والصلح الذي عقده رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ مع أهل مكة عام الحديبية ، لأن كثيراً من المسلمين كانوا آسفين من وقوعه ومنهم عمر بن الخطاب فقد قال : ألسْنَا على الحق وعدُوُّنا على الباطل فكيف نعطي الدَّنية في ديننا رواه أهل \"الصحيح\" فتكون مدة ما بين نزول المسلمين بالحديبية وتردد الرسل بينهم وبين قريش وما بين وقوع الصلح هي مدة نزول الآيات من قوله تعالى : {وقاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم} {البقرة : 190 ] إلى هنا. أ هـ {التحرير والتنوير حـ 2 صـ 277}\rفائدة\rقال الشوكانى : \rوإنما أطلق على الثلاث الطوائف لفظ الإيمان لأن أهل الكتاب مؤمنون بنبيهم وكتابهم والمنافق مؤمن بلسانه وإن كان غير مؤمن بقلبه. أ هـ {فتح القدير حـ 1 صـ 210}.\rفصل\rقال ابن عادل : ","part":5,"page":130},{"id":1867,"text":"قوله : \"السِّلْم \"قرأ هنا \"السَّلْم \"بالفتح نافعٌ ، والكِسائيُّ ، وابنُ كثيرٍ ، والبَاقُونَ بالكَسْر ، وأمَّا التي في الأَنْفال {آية 61 ] فلم يَقْرَأْها بالكَسْرِ إلاَّ أَبُو بكرٍ وحدَه ، عَنْ عاصِمٍ ، والتي في القِتال {آية : 35 ] فلم يَقْرَأْها بالكَسْرِ إلاَّ حمزةُ وأَبُو بكرٍ أيضاً ، وسيأتي. فقِيل : هَما بمعنىً ، وهو الصلحُ مثل رَطْل ورِطْل وجَسْر وجِسْر وهو يُذَكَّر ويُؤَنَّث ، قال تعالى : {وَإِن جَنَحُواْ لِلسَّلْمِ فاجنح لَهَا} ، وحَكَوْا : \"بَنُوا فُلانٍ سِلْمٌ ، وسَلْمٌ \" ، وأصلُه من الاسْتِسْلاَمِ ، وهو الانقيادُ ، قال تعالى : {إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ العالمين} {البقرة : 131 ] الإسلامُ : إسلامٌ الهدي ، والسِّلْم على الصُّلْح ، وترك الحرب راجع إلى هذا المعنى ؛ لأَنَّ كُلَّ واحدٍ كَصَاحِبهِ ، ويُطْلَقُ على الإِسلاَم قاله الكِسَائي وجماعةٌ ؛ وأنشدوا : {الوافر ]\rدَعَوْتُ عَشِيرَتِي لِلسِّلْمِ لَمَّا... رَأيْتُهُمُ تَوَلَّوا مُدْبِرينَا\rيُنْشَدُ بالكَسْرِ ، وقال آخرُ في المفتُوحِ : {البسيط ]\rشَرَائِعُ السَّلْمِ قَدْ بَانَتْ مَعَلِمُهَا... فَما يَرَى الكُفْرَ إِلاَّ مَنْ بِه خَبَلُ\rفالسِّلْمُ والسَّلْمُ في هذين البيتَيْنِ بمعنى الإِسْلاَم ، إلاَّ أنَّ الفَتْحَ فيما هو بمعنى الإِسلام قليل ، وقرأ الأَعْمشُ بفتح السِّين واللامِ \"السَّلَم \".\rوقيل : بل هما مختلفا المعنى : فبالكَسْرِ الإِسلامُ ، وبالفتحِ الصلحُ.\rقال أبُو عُبَيدة : وفيه ثلاثُ لُغَاتٍ : السَّلْم والسِّلْم والسُّلْم بالفَتْح والكَسْر والضمِّ. أ هـ {تفسير ابن عادل حـ 3 صـ 473 ـ 474}\rقال الفخر :","part":5,"page":131},{"id":1868,"text":"في الآية إشكال ، وهو أن كثيراً من المفسرين حملوا السلم على الإسلام ، فيصير تقدير الآية : يا أيها الذين آمنوا ادخلوا في الإسلام ، والإيمان هو الإسلام ، ومعلوم أن ذلك غير جائز ، ولأجل هذا السؤال ذكر المفسرون وجوهاً في تأويل هذه الآية : \rأحدها : أن المراد بالآية المنافقون ، والتقدير : يا أيها الذين آمنوا بألسنتهم ادخلوا بكليتكم في الإسلام ، ولا تتبعوا خطوات الشيطان ، أي آثار تزيينه وغروره في الإقامة على النفاق ، ومن قال بهذا التأويل احتج على صحته بأن هذه الآية إنما وردت عقيب ما مضى من ذكر المنافقين وهو قوله : {وَمِنَ الناس مَن يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ} {البقرة : 204 ] الآية فلما وصف المنافق بما ذكر دعا في هذه الآية إلى الإيمان بالقلب وترك النفاق.\rوثانيها : أن هذه الآية نزلت في طائفة من مسلمي أهل الكتاب كعبد الله بن سلام وأصحابه وذلك لأنهم حين آمنوا بالنبي عليه السلام أقاموا بعده على تعظيم شرائع موسى ، فعظموا السبت ، وكرهوا لحوم الإبل وألبانها ، وكانوا يقولون : ترك هذه الأشياء مباح في الإسلام ، وواجب في التوراة ، فنحن نتركها احتياطاً فكره الله تعالى ذلك منهم وأمرهم أن يدخلوا في السلم كافة ، أي في شرائع الإسلام كافة ، ولا يتمسكوا بشيء من أحكام التوراة اعتقاداً له وعملاً به ، لأنها صارت منسوخة {وَلاَ تَتَّبِعُواْ خطوات الشيطان} في التمسك بأحكام التوراة بعد أن عرفتم أنها صارت منسوخة ، والقائلون بهذا القول جعلوا قوله : {كَافَّةً} من وصف السلم ، كأنه قيل : ادخلوا في جميع شرائع الإسلام اعتقاداً وعملاً.\r","part":5,"page":132},{"id":1869,"text":"وثالثها : أن يكون هذا الخطاب واقعاً على أهل الكتاب الذين لم يؤمنوا بالنبي عليه السلام فقوله : {يا أيها الذين آمنوا} أي بالكتاب المتقدم {ادخلوا فِي السلم كَافَّةً} أي أكملوا طاعتكم في الإيمان وذلك أن تؤمنوا بجميع أنبيائه وكتبه فادخلوا بإيمانكم بمحمد عليه السلام وبكتابه في السلم على التمام ، ولا تتبعوا خطوات الشيطان في تحسينه عند الاقتصار على دين التوراة بسبب أنه دين اتفقوا كلهم على أنه حق بسبب أنه جاء في التوراة : تمسكوا بالسبت ما دامت السموات والأرض ، وبالجملة فالمراد من خطوات الشيطان الشبهات التي يتمسكون بها في بقاء تلك الشريعة.\rورابعها : هذا الخطاب واقع على المسلمين {يا أيها الذين آمنوا} بالألسنة {ادخلوا فِي السلم كَافَّةً} أي دوموا على الإسلام فيما تستأنفونه من العمر ولا تخرجوا عنه ولا عن شيء من شرائعه {وَلاَ تَتَّبِعُواْ خطوات الشيطان} أي ولا تلتفتوا إلى الشبهات التي تلقيها إليكم أصحاب الضلالة والغواية ومن قال بهذا التأويل قال : هذا الوجه متأكد بما قبل هذه الآية وبما بعدها ، أما ما قبل هذه الآية فهو ما ذكر الله تعالى في صفة ذلك المنافق في قوله : {سعى فِى الأرض لِيُفْسِدَ فِيهَا} وما ذكرنا هناك أن المراد منه إلقاء الشبهات إلى المسلمين ، فكأنه تعالى قال : دوموا على إسلامكم ولا تتبعوا تلك الشبهات التي يذكرها المنافقون ، وأما ما بعد هذه الآية فهو قوله تعالى : {هَلْ يَنظُرُونَ إِلاَّ أَن يَأْتِيَهُمُ الله فِي ظُلَلٍ مّنَ الغمام} {البقرة : 210 ] يعني هؤلاء الكفار معاندون مصرون على الكفر قد أزيحت عللهم وهم لا يوقفون قولهم بهذا الدين الحق إلا على أمور باطلة مثل أن يأتيهم الله في ظل من الغمام والملائكة.\rفإن قيل : الموقوف بالشيء يقال له : دم عليه ، ولكن لا يقال له : ادخل فيه والمذكور في الآية هو قوله : {أَدْخِلُواْ }.\r","part":5,"page":133},{"id":1870,"text":"قلنا إن الكائن في الدار إذا علم أن له في المستقبل خروجاً عنها فغير ممتنع أن يؤمر بدخولها في المستقبل حالاً بعد حال ، وإن كان كائناً فيها في الحال ، لأن حال كونه فيها غير الحالة التي أمر أن يدخلها ، فإذا كان في الوقت الثاني قد يخرج عنها صح أن يؤمر بدخولها ، ومعلوم أن المؤمنين قد يخرجون عن خصال الإيمان بالنوم والسهو وغيرهما من الأحوال فلا يمتنع أن يأمرهم الله تعالى بالدخول في المستقبل في الإسلام وخامسها : أن يكون السلم المذكور في الآية معناه الصلح وترك المحاربة والمنازعة ، والتقدير : يا أيها الذين آمنوا ادخلوا في السلم كافة أي كونوا موافقين ومجتمعين في نصرة الدين واحتمال البلوى فيه ، ولا تتبعوا خطوات الشيطان بأن يحملكم على طلب الدنيا والمنازعة مع الناس ، وهو كقوله : {وَلاَ تنازعوا فَتَفْشَلُواْ وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ} {الأنفال : 46 ] وقال تعالى : {الحساب يَأَيُّهَا الذين ءامَنُواْ اصبروا} {آل عمران : 200 ] وقال : {واعتصموا بِحَبْلِ الله جَمِيعاً وَلاَ تَفَرَّقُواْ} {آل عمران : 103 ] وقال عليه الصلاة والسلام : \"المؤمن يرضى لأخيه ما يرضى لنفسه \"وهذه الوجوه في التأويل ذكرها جمهور المفسرين وعندي فيه وجوه أخر أحدها : أن قوله : {يا أيها الذين آمنوا} إشارة إلى المعرفة والتصديق بالقلب وقوله : {ادخلوا فِي السلم كَافَّةً} إشارة إلى ترك الذنوب والمعاصي ، وذلك لأن المعصية مخالفة لله ولرسوله ، فيصح أن يسمي تركها بالسلم ، أو يكون المراد منه : كونوا منقادين لله في الإتيان بالطاعات ، وترك المحظورات ، وذلك لأن مذهبنا أن الإيمان باق مع الاشتغال بالمعاصي وهذا تأويل ظاهر وثانيها : أن يكون المراد من السلم كون العبد راضياً ولم يضطرب قلبه على ما روي في الحديث \"الرضا بالقضاء باب الله الأعظم\" وثالثها : أن يكون المراد ترك الانتقام كما في قوله : {وَإِذَا مَرُّواْ بِاللَّغْوِ مَرُّواْ","part":5,"page":134},{"id":1871,"text":"كِراماً} {الفرقان : 72 ] وفي قوله : {خُذِ العفو وَأْمُرْ بالعرف وَأَعْرِض عَنِ الجاهلين} {الأعراف : 199 ] فهذا هو كلام في وجوه تأويلات هذه الآية. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 5 صـ 177}\rوقيل يحتمل أن يرجع إلى الإسلام والمعنى ادخلوا في أحكام الإسلام وشرائعه كافة وهذا المعنى أليق بظاهر التفسير لأنهم أمروا بالقيام بها كلها.\r. وقال حُذَيفة بن اليَمان في هذه الآية : الإسلام ثمانية أسهم ؛ الصلاة سهم ، والزكاة سهم ، والصوم سهم ، والحج سهم ، والعُمرة سهم ، والجهاد سهم ؛ والأمر بالمعروف سهم ، والنهي عن المنكر سهم ؛ وقد خاب من لا سهم له في الإسلام. أ هـ {تفسير الخازن حـ 1 صـ 135}\rوقال ابن عباس : نزلت الآية في أهل الكتاب ، والمعنى ؛ يا أيها الذين آمنوا بموسى وعيسى ادخلوا في الإسلام بمحمد ـ صلى الله عليه وسلم ـ كافة. وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة عن رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ قال : \"والذي نَفْسُ محمد بيده لا يسمع بي أحد من هذه الأُمة يهوديّ ولا نصرانيّ ثم ( يموت و) لم يؤمن بالذي أرسلت به إلا كان من أصحاب النار \"و( كَافَّةً ) معناه جميعاً ، فهو نصب على الحال من السِّلم أو من ضمير المؤمنين ؛ وهو مشتق من قولهم : كففت أي منعت ، أي لا يمتنع منكم أحد من الدخول في الإسلام. أ هـ {تفسير القرطبى حـ 3 صـ 23}\rفصل\rقال القفال {كَافَّةً} يصح أن يرجع إلى المأمورين بالدخول أي ادخلوا بأجمعكم في السلم.","part":5,"page":135},{"id":1872,"text":"ولا تفرقوا ولا تختلفوا ، قال قطرب : تقول العرب : رأيت القوم كافة وكافين ورأيت النسوة كافات ويصلح أن يرجع إلى الإسلام أي ادخلوا في الإسلام كله أي في كل شرائعه قال الواحدي رحمه الله : هذا أليق بظاهر التفسير لأنهم أمروا بالقيام بها كلها ، ومعنى الكافة في اللغة الحاجزة المانعة يقال : كففت فلاناً عن السوء أي منعته ، ويقال : كف القميص لأنه منع الثواب عن الانتشار ، وقيل لطرف اليد : كف لأنه يكف بها عن سائر البدن ، ورجل مكفوف أي كف بصره من أن يبصر ، فالكافة معناها المانعة ، ثم صارت اسماً للجملة الجامعة وذلك لأن الاجتماع يمنع من التفرق والشذوذ ، فقوله : {ادخلوا فِي السلم كَافَّةً} أي ادخلوا في شرائع الإسلام إلى حيث ينتهي شرائع الإسلام فتكفوا من أن تتركوا شيئاً من شرائعه ، أو يكون المعنى ادخلوا كلكم حتى تمنعوا واحداً من أن لا يدخل فيه.\rأما قوله تعالى : {وَلاَ تَتَّبِعُواْ خطوات الشيطان} فالمعنى : ولا تطيعوه ومعروف في الكلام أن يقال فيمن اتبع سنة إنسان اقتفى أثره ، ولا فرق بين ذلك وبين قوله : اتبعت خطواته. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 5 صـ 178}\rقال ابن عاشور : ","part":5,"page":136},{"id":1873,"text":"وقوله : {ولا تتبعوا خطوات الشيطان} ، تحذير مما يصدهم عن الدخول في السلم المأمور به بطريق النهي ، عن خلاف المأمور به ، وفائدته التنبيه على أن ما يصدر عن الدخول في السلم هو من مسالك الشيطان المعروفِ بأنه لا يشير بالخير ، فهذا النهي إما أخص من المأمور به مع بيان علة الأمر إن كان المراد بالسلم غير شُعب الإسلام مثل أن يكون إشارة إلى ما خامر نفوس جمهورهم من كراهية إعطاء الدنية للمشركين بصلح الحديبية كما قال عُمر \"ألسنا على الحق وعدونا على الباطل فلم نعطي الدَّنِيَّة في ديننا\" وكما قال سهل بن حنيف يوم صفين \"أيها الناس اتَّهِموا الرأي فلقد رأيتنا يوم أبي جندل ولو نستطيع أن نردّ على رسول الله فِعْلَه لفَعَلْنا والله ورسوله أعلم\" بإعلامهم أن ما فعله رسول الله لا يكون إلاّ خيراً ، كما قال أبو بكر لعمر إنه رسول الله ولن يضيعه الله أبداً تنبيهاً لهم على أن ما خامر نفوسهم من كراهية الصلح هو من وساوس الشيطان ، وإما لمجرد بيان علة الأمر بالدخول في السَّلم إن كان المراد بالسلم شعب الإسلام. أ هـ {التحرير والتنوير حـ 2 صـ 277}\rقال الماوردى\rواختلفوا فيمن أبان به عدوانه على قولين : \rأحدهما : بامتناعه من السجود لآدم.\rوالثاني : بقوله : {لأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ إِلاَّ قَلِيلاً} {الإسراء : 62 ]. أ هـ {النكت والعيون حـ 1 صـ 268}\rقوله تعالى : {إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ }\rقال الفخر : \rأما قوله تعالى : {إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ} فقال أبو مسلم الأصفهاني : إن مبين من صفات البليغ الذي يعرب عن ضميره ، وأقول : الذي يدل على صحة هذا المعنى قوله : {حم والكتاب المبين} {الزخرف : 1 ، الدخان : 1 ] ولا يعني بقوله مبيناً إلا ذلك.\rفإن قيل : كيف يمكن وصف الشيطان بأنه مبين مع أنا لا نرى ذاته ولا نسمع كلامه.","part":5,"page":137},{"id":1874,"text":"قلنا : إن الله تعالى لما بين عداوته لآدم ونسله فلذلك الأمر صح أن يوصف بأنه عدو مبين وإن لم يشاهد ومثاله : من يظهر عداوته لرجل في بلد بعيد فقد يصح أن يقال : إن فلاناً عدو مبين لك وإن لم يشاهده في الحال وعندي فيه وجه آخر ، وهو أن الأصل في الإبانة القطع والبيان إنما سمي بياناً لهذا المعنى ، فإنه يقطع بعض الاحتمالات عن بعض ، فوصف الشيطان بأنه مبين معناه أنه يقطع المكلف بوسوسته عن طاعة الله وثوابه ورضوانه. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 5 صـ 178}\rسؤال : فإن قيل : كون الشيطان عدواً لنا إما أن يكون بسبب أنه يقصد إيصال الآلام والمكاره إلينا في الحال ، أو بسبب أنه بوسوسته يمنعنا عن الدين والثواب ، والأول باطل ، إذ لو كان كذلك لأوقعنا في الأمراض والآلام والشدائد ، ومعلوم أنه ليس كذلك ، وإن كان الثاني فهو أيضاً باطل لأن من قبل منه تلك الوسوسة من قبل نفسه كما قال : {وَمَا كَانَ لِىَ عَلَيْكُمْ مّن سلطان إِلاَّ أَن دَعَوْتُكُمْ فاستجبتم لِى} {ابراهيم : 22 ] إذا ثبت هذا فكيف يقال : إنه عدو مبين العداوة ، والحال ما ذكرناه ؟ .\rالجواب : أنه عدو من الوجهين معاً أما من حيث إنه يحاول إيصال الضرر إلينا فهو كذلك إلا أن الله تعالى منعه عن ذلك ، وليس يلزم من كونه مريداً لإيصال الضرر إلينا أن يكون قادراً عليها وأما من حيث إنه يقدم على الوسوسة فمعلوم أن تزيين المعاصي وإلقاء الشبهات كل ذلك سبب لوقوع الإنسان في الباطل وبه يصير محروماً عن الثواب ، فكان ذلك من أعظم جهات العداوة. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 5 صـ 178}\rمن لطائف الإمام القشيرى فى الآية\rكلَّف المؤمِنَ بأن يُسالِمَ كل أحدِ إلا نَفْسَه فإنها لا تتحرك إلا بمخالفة سيده ؛ فإن مَنْ سَالَم نَفْسَه فَتَرَ عن مجاهداته ، وذلك سبب انقطاع كل قاصد ، وموجِبُ فترةِ كل مريد.","part":5,"page":138},{"id":1875,"text":"و{خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ} ما يوسوسه إليك من عجزك عن القيام باستيفاء أحكام المعاملة ، وتركِ نزعاتٍ لا عِبْرة بها ، ولا ينبغي أن يُلْتَفَتَ إليها ، بل كما قال الله تعالى : {فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلقِيهِ فِى اليَمِّ} {القصص : 7 ] ثم أَبْصِرْ ما الذي فعل به حين أَلْقَتْه ، وكيف ردَّه إليها بعدما نجَّاه. أ هـ {لطائف الإشارات حـ 1 صـ 171}\rبحث نفيس\rالسّلام العالمي في ظلّ الإسلام\rبعد الإشارة إلى الطائفتين (المؤمنين المخلصين والمنافقين المفسدين) في الآيات السابقة تدعو هذه الآيات الكريمة كلّ المؤمنين إلى السِّلم والصلح وتقول : (يا أيّها الّذين آمنوا ادخلوا في السّلم كافّة).\r(سلم) و(سلام) في اللّغة بمعنى الصّلح والهدوء والسكينة ، وذهب البعض إلى تفسيرها بمعنى الطّاعة ، فتدعوا هذه الآية الكريمة جميع المؤمنين إلى الصلح والسّلام والتسليم إلى أوامر الله تعالى ، ويُستفاد من مفهوم هذه الآية أنّ السّلام لا يتحقّق إلاّ في ظلّ الإيمان ، وأنّ المعايير والمفاهيم الأرضيّة والماديّة غير قادرة على إطفاء نار الحروب في الدنيا ، لأنّ عالم المادّة والتعلّق به مصدر جميع الإضطرابات والنّزاعات دائماً ، فلولا القوّة المعنويّة للإيمان لكان الصّلح مستحيلاً ، بل يُمكن القول أنّ دعوة الآية العامّة لجميع المؤمنين بدون استثناء من حيث اللّغة والعنصر والثروة والإقليم والطبقة الاجتماعيّة إلى الصّلح والسّلام يُستفاد منها أنّ تشكيل الحكومة العالميّة الواحدة في ظل الإيمان بالله تعالى والعيش في مجتمع يسوده الصّلح ممكن في إطار الدولة العالميّة.","part":5,"page":139},{"id":1876,"text":"واضحٌ أنّ الأطر الماديّة الأرضيّة (من اللّغة والعنصر و...) هي عوامل تفرقة بين أفراد البشر وبحاجة إلى حلقة اتّصال محكمة تربط بين قلوب النّاس ، وهذه الحلقة ليست سوى الإيمان بالله تعالى الّذي يتجاوز كلّ الاختلافات ، الإيمان بالله واتّباع أمره هو النقطة والمحور لوحدة المجتمع الإنساني ورمز ارتباط الأقوام والشّعوب ، ويمكن رؤية ذلك من خلال مناسك الحجّ الّذي يُعتبر نموذجاً بارزاً إلى اتّحاد الأقوام البشريّة بمختلف ألوانها وقوميّتها ولغاتها وأقاليمها الجغرافيّة وأمثال ذلك حيث يشتركون في المراسم العبادية الروحانيّة في منتهى الصّلح والصّفاء ، وبمقايسة سريعة بين هذه المفاهيم والأنظمة الحاكمة على الدول الفاقدة للإيمان بالله تعالى وكيف أنّ الناس يفتقدون فيها إلى الأمان النفسي والمالي ويخافون على أعراضهم ونواميسهم يتّضح لنا التفاوت بين المجتمعات المؤمنة وغير المؤمنة من حيث الصّلح والأمان والسّلام والطمأنينة.\rويُحتمل أيضاً في تفسير الآية أنّ بعض أهل الكتاب (اليهود والنصارى) عندما يعتنقون الإسلام يبقون أوفياء لبعض عقائدهم وتقاليدهم السابقة ، ولهذا تأمر الآية الشريفة أن يعتنقوا الإسلام بكافّة وجودهم ويخضعوا ويسلّموا لجميع أحكامه وتشريعاته.\rثمّ تضيف الآية (ولا تتّبعوا خطوات الشّيظان إنّه لكم عدوٌّ مبين)\rوقد مرّ بنا في تفسير الآية (168) من هذه السورة الإشارة إلى أنّ كثير من الانحرافات ووساوس الشيطان تحدث بصورة تدريجيّة على شكل مراحل حيث يسمّيها القرآن (خطوات الشيطان).\r(خطوات) جمع \"خطوة\" وهنا تكرّرت هذه الحقيقة من أنّ الانحراف عن الصلح والعدالة ، والتسليم لإرادةالأعداء ودوافع العداوة والحرب وسفك الدماء يبدأ من مراحل بسيطة وينتهي بمراتب حادّة وخطرة كما في المثل العربي المعروف (إنّ بدو القتال اللّطام).","part":5,"page":140},{"id":1877,"text":"فتارةً تصدر من الإنسان حركة بسيطة عن عداء وحقد وتؤدّي إلى الحرب والدّمار ، ولهذا تخاطب الآية المؤمنين أن يلتفتوا إلى نقطة البداية كي لا تؤدّي شرارات الشرّ الأولى لاشتعال لظى المعارك والحروب.\rوجدير بالذّكر أنّ هذا التعبير ورد في القرآن الكريم خمس مرّات وفي غايات مختلفة.\rوذكر بعض المفسّرين أنّ (عبدالله بن سلام) وأتباعه الذين كانوا من اليهودوأسلموا طلبوا الإذن من رسول الله بقراءة التوراة في الصلاة والعمل ببعضأحكامها ، فنزلت الآية الآنفة الذكر ونهت هؤلاء عن إتّباع خطوات الشيطان.\rومن شأن النزول هذا يتبيّن أنّ الشيطان ينفذ في فكر الإنسان وقلبه خطوة خطوة ، فيجب التصدّي للخطوات الأولى لكيلا تصل إلى مراحل خطرة.\rوتتضمّن جملة (إنّه لكم عدوٌّ مبين) برهاناً ودليلاً حيّاً حيث تقول إنّ عداء الشيطان للإنسان ليس بأمر خفي مستتر ، فهو منذ بداية خلق آدم أقسم أن يبذل جهده لإغواء جميع البشر إلاّ المخلصين الّذين لا ينالهم مكر الشيطان ، فمع هذا الحال كيف يمكن تغافل وسوسة الشيطان.أ هـ {الأمثل حـ 2 صـ 77 ـ 78}\rقوله تعالى : {فَإِنْ زَلَلْتُمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْكُمُ الْبَيِّنَاتُ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (209)}\rمناسبة الآية لما قبلها\rقال البقاعى : ","part":5,"page":141},{"id":1878,"text":"ولما أقام سبحانه وتعالى الأدلة على عظمته التي منها الوحدانية وأزال الشبه ومحا الشكوك وذكر بأنواع اللطف والبر إلى أن ختم الآيتين بما ذكر من ولايته وعداوة المضل عن طريقه سبب عن ذلك قوله {فإن زللتم} مشيراً بأداة الشك إلى أنهم صاروا إلى حالة من وضوح الطريق الواسع الأمكن الأمين المستقيم الأسلم يبعد معها كل البعد أن يزلوا عنه ولذلك قال : {من بعد ما جاءتكم البينات} أي بهذا الكتاب الذي لا ريب فيه. قال الحرالي : بينات التجربة شهوداً ونبأ عما مضى وتحققاً بما وقع ، وقال : إن التعبير بأن يشعر بأنهم يستزلون ، والتعبير بالماضي إشعار بالرجوع عنه رحمة من الله لهم كرحمته قبل لأبويهم حين أزلهما الشيطان فكما أزل أبويهم في الجنة عن محرم الشجرة أزلهم في الدنيا عن شجرة المحرمات من الدماء والأموال والأعراض - انتهى.\rولما كان الخوف حاملاً على لزوم طريق السلامة قال : {فاعلموا} فإن العلم أعون شيء على المقاصد {أن الله} الحاوي لصفات الكمال {عزيز} لا يعجزه من زل ولا يفوته من ضل {حكيم} يبرم ما لا يقدر أحد على نقض شيء منه. أ هـ {نظم الدرر حـ 1 صـ 387}\rقوله تعالى : {فَإِن زَلَلْتُمْ }\rقال الفخر : \rقوله تعالى : {فَإِن زَلَلْتُمْ} يعني إن انحرفتم عن الطريق الذي أمرتم به ، وعلى هذا التقدير يدخل في هذا الكبائر والصغائر فإن الإنحراف كما يحصل بالكثير يحصل بالقليل.\rفتوعد تعالى على كل ذلك زجراً لهم عن الزوال عن المنهاج لكي يتحرز المؤمن عن قليل ذلك وكثيره لأن ما كان من جملة الكبائر فلا شك في وجوب الاحتراز عنه ، وما لم يعلم كونه من الكبائر فإنه لا يؤمن كون العقاب مستحقاً به وحينئذ يجب الاحتراز عنه. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 5 صـ 179}\rوقال أبو حيان : \r{ فإن زللتم من بعد ما جاءتكم البينات} أي : عصيتم أو كفرتم ، أو أخطأتم ، أو ضللتم ، أقوال","part":5,"page":142},{"id":1879,"text":"ثانيها عن ابن عباس وهو الظاهر لقوله : ادخلوا في السلم ، أي الإسلام ، فإن زللتم عن الدخول فيه. أ هـ {البحر المحيط حـ 2 صـ 131 ـ 132}\rفائدة\rقال ابن عاشور : \rوأصل الزلل الزلَق أي اضطراب القدَم وتحركها في الموضع المقصود إثباتها به ، واستعمل الزلل هنا مجازاً في الضُّر الناشىء عن اتباع الشيطان من بناءِ التمثيل على التمثيل ؛ لأنه لما شبهت هيئة من يعمل بوسوسة الشيطان بهيئة الماشي على أثر غيره شبه ما يعتريه من الضر في ذلك المشي بزلل الرجل في المشي في الطريق المزلقة ، وقد استفيد من ذلك أن ما يأمر به الشيطان هو أيضاً بمنزلة الطريق المزلقة على طريق المكنية وقوله : {زللتم} تخييل وهو تمثيلية فهو من التخييل الذي كان مجازاً والمجاز هنا في مركبه. أ هـ {التحرير والتنوير حـ 2 صـ 279 ـ 280}\rقال الفخر : \rقوله : {فَإِن زَلَلْتُمْ} فيه سؤال وهو أن الحكم المشروط إنما يحسن في حق من لا يكون عارفاً بعواقب الأمور ، وأجاب قتادة عن ذلك فقال : قد علم أنهم سيزلون ولكنه تعالى قدم ذلك وأوعد فيه لكي يكون له حجة على خلقه. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 5 صـ 179}\rسؤال : لم جيء في الشرط بـ {إنْ} ؟ \rالجواب : وجيء في الشرط بـ {إنْ} لندرة حصول هذا الزلل من الذين آمنوا أو لعدم رغبة المتكلم في حصوله إن كان الخطاب لمن آمن بظاهره دون قلبه. وفيه إشارة إلى أن ما خامر نفوسهم من كراهية الصلح هو زلة عظيمة. أ هـ {التحرير والتنوير حـ 2 صـ 280}\rقوله تعالى : {مِنْ بَعْدَمَا جَاءتْكُمُ البينات }\rقال الفخر : ","part":5,"page":143},{"id":1880,"text":"قوله تعالى : {مِنْ بَعْدَمَا جَاءتْكُمُ البينات} يتناول جميع الدلائل العقلية والسمعية أما الدلائل العقلية فهي الدلائل على الأمور التي تثبت صحة نبوة محمد ـ صلى الله عليه وسلم ـ إلا بعد ثبوتها نحو العلم بحدوث العالم وافتقاره إلى صانع يكون عالماً بالمعلومات كلها ، قادراً على الممكنات كلها ، غنياً عن الحاجات كلها ، ومثل العلم بالفرق بين المعجزة والسحر ، والعلم بدلالة المعجزة على الصدق فكل ذلك من البينات العقلية ، وأما البينات السمعية فهي البيان الحاصل بالقرآن والبيان الحاصل بالسنة فكل هذه البينات داخلة في الآية من حيث أن عذر المكلف لا يزول عند حصول كل هذه البينات. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 5 صـ 180}\rواستدرك هنا أبو حييان على العلامة الفخر فقال : \rوالدلائل العقلية لا يخبر عنها بالمجيء لأنها مركوزة في العقول ، فلا ينسب إليها المجيء إلاَّ مجازاً ، وفيه بُعد.\rأ هـ {البحر المحيط حـ 2 صـ 132}\rوالبينات : حجج الله ودلائله ، أو محمد ـ صلى الله عليه وسلم ـ ، كما قال : {حتى تأتيهم البينة رسول من الله} وجمع تعظيماً له ، لأنه وإن كان واحداً بالشخص ، فهو كثير بالمعنى : أو القرآن قاله ابن جريج ، أو التوراة والإنجيل قال : {ولقد جاءكم موسى بالبينات} وقال {وآتينا عيسى ابن مريم البينات} وهذا يتخرج على قول من قال : إن المخاطب أهل الكتاب ، أو الإسلام ، أو ما جاء به رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ من المعجزات. أ هـ {البحر المحيط حـ 2 صـ 132}\rقال الطبرى : \rوقد قال عدد من أهل التأويل إن\"البينات\" هي محمد ـ صلى الله عليه وسلم ـ والقرآن.","part":5,"page":144},{"id":1881,"text":"وذلك قريب من الذي قلنا في تأويل ذلك ، لأن محمدًا ـ صلى الله عليه وسلم ـ والقرآن ، من حجج الله على الذين خوطبوا بهاتين الآيتين. غير أن الذي قلناه في تأويل ذلك أولى بالحق ، لأن الله جل ثناؤه ، قد احتج على من خالف الإسلام من أحبار أهل الكتاب بما عهد إليهم في التوراة والإنجيل ، وتقدَّم إليه على ألسن أنبيائهم بالوَصاةِ به ، فذلك وغيرُه من حجج الله تبارك وتعالى عليهم مع ما لزمهم من الحجج بمحمد ـ صلى الله عليه وسلم ـ وبالقرآن. فلذلك اخترنا ما اخترنا من التأويل في ذلك.\rوبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. أ هـ {تفسير الطبرى حـ 4 صـ 258}\rوقال ابن عاشور : \rوإنما قال تعالى : {من بعد ما جاءتكم البينات} إعذار لهم ، وفيه إشارة إلى أنهم يجب عليهم تفويض العلم إلى الله الذي أوحى إلى رسوله بإبرام الصلح مع المشركين ، لأنه ما أوحاه الله إلاّ لمصلحة وليس ذلك بوهن للمسلمين ، لأن الله عزيز لا يهن لأحد ، ولأنه حكيم يضع الأمور في مواضعها ، ويختار للمسلمين ما فيه نصر دينه وقد رأيتم البينات الدالةَ على عناية الله برسوله وأنه لا يخزيه ولا يضيع أمره ومن تلك البينات ما شاهدوه من النصر يوم بدر. أ هـ {التحرير والتنوير حـ 2 صـ 280}\rقوله تعالى : {فاعلموا أَنَّ الله عَزِيزٌ حَكِيمٌ }\rقال ابن عاشور : \rقوله : {فاعلموا أن الله عزيز حكيم} جواب الشرط ، و{ أن الله عزيز حكيم} ، مفعول {اعلموا} ، والمقصود علم لازمه وهو العقاب. أ هـ {التحرير والتنوير حـ 2 صـ 280}\rقال الفخر : \rلقائل أن يقول : إن قوله تعالى : {فَإِن زَلَلْتُمْ مّن بَعْدِ مَا جَاءتْكُمُ البينات} إشارة إلى أن ذنبهم وجرمهم ، فكيف يدل قوله : {أَنَّ الله عَزِيزٌ حَكِيمٌ} على الزجر والتهديد.","part":5,"page":145},{"id":1882,"text":"الجواب : أن العزيز من لا يمنع عن مراده ، وذلك إنما يحصل بكمال القدرة ، وقد ثبت أنه سبحانه وتعالى قادر على جميع الممكنات ، فكان عزيزاً على الإطلاق ، فصار تقدير الآية : فإن زللتم من بعد ما جاءتكم البينات ، فاعلموا أن الله مقتدر عليكم لا يمنعه مانع عنكم ، فلا يفوته ما يريده منكم وهذا نهاية في الوعيد ، لأنه يجمع من ضروب الخوف ما لا يجمعه الوعيد بذكر العقاب ، وربما قال الوالد لولده : إن عصيتني فأنت عارف بي ، وأنت تعلم قدرتي عليك وشدة سطوتي ، فيكون هذا الكلام في الزجر أبلغ من ذكر الضرب وغيره ، فإن قيل : أفهذه الآية مشتملة على الوعد كما أنها مشتملة على الوعيد ؟ قلنا : نعم من حيث أتبعه بقوله : {حَكِيمٌ} فإن اللائق بالحكمة أن يميز بين المحسن والمسيء فكما يحسن من الحكيم إيصال العذاب إلى المسيء فكذلك يحسن منه إيصال الثواب إلى المحسن ، بل هذا أليق بالحكمة وأقرب للرحمة. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 5 صـ 180}\rفوائد ولطائف\rاحتج من قال بأنه لا وجوب لشيء قبل الشرع بهذه الآية قال : لأنه تعالى أثبت التهديد والوعيد بشرط مجيء البينات ، ولفظ {البينات} لفظ جمع يتناول الكل ، فهذا يدل على أن الوعيد مشروط بمجيء كل البينات وقبل الشرع لم تحصل كل البينات ، فوجب أن لا يحصل الوعيد ، فوجب أن لا يتقرر الوجوب قبل الشرع.\rقال أبو علي الجبائي : لو كان الأمر كما يقوله المجبرة من أنه تعالى يريد من السفهاء والكفار : السفاهة والكفر لما جاز أن يوصف بأنه حكيم ، لأن من فعل السفه وأراده كان سفيهاً ، والسفيه لا يكون حكيماً أجاب الأصحاب بأن الحكيم هو العالم بعواقب الأمور فيرجع معنى كونه تعالى حكيماً إلى أنه عالم بجميع المعلومات وذلك لا ينافي كونه خالقاً لكل الأشياء ومريداً لها ، بل يوجب ذلك لما بينا أنه لو أراد ما علم عدمه لكان قد أراد تجهيل نفسه فقالوا : لو لزم ذلك لكان إذا أمر بما علم عدمه فقد أمر بتجهيل نفسه.","part":5,"page":146},{"id":1883,"text":"قلنا : هذا إنما يلزم لو كان الأمر بالشيء أمراً بما لا يتم إلا به ، وهذا عندنا ممنوع فإن قالوا : لو لم يكن كذلك لزم تكليف ما لا يطاق ، قلنا هذا عندنا جائز والله أعلم.\rيحكى أن قارئاً قرأ {غَفُورٌ رَّحِيمٌ} فسمعه أعرابي فأنكره ، وقال إن كان هذا كلام الله فلا يقول كذا الحكيم لا يذكر الغفران عند الزلل لأنه إغراء عليه. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 5 صـ 180}\rوقريب من هذا ما ذكر الطيبي عن الأصمعي قال كنت أقرأ : والسارقُ والسارقةُ فاقطعوا أيديهما جزاء بما كسبا نكالاً من الله والله غفور رحيم ، وبجنبي أعرابي فقال كلامُ مَنْ هذا ؟ قلت كلامُ الله ، قال : ليس هذا كلامُ الله فانتبهتُ فقرأت {والله عزيز حكيم} {المائدة : 38 ] فقال أصبتَ هذا كلام الله فقلت أتقرأ القرآن ؟ قال لا قلتُ من أين علمت ؟ قال يا هذا عَزَّ فَحَكَم فقطعَ ولو غَفر ورَحم لَمَا قَطَع. أ هـ {التحرير والتنوير حـ 2 صـ 281}\rفائدة\rقال القرطبى : \rوفي الآية دليل على أن عقوبة العالم بالذنب أعظم من عقوبة الجاهل به ، ومن لم تبلغه دعوة الإسلام لا يكون كافراً بترك الشرائع. أ هـ {تفسير القرطبى حـ 3 صـ 24}\rمن فوائد ابن عرفة فى الآية\rقوله تعالى : {فَإِن زَلَلْتُمْ مِّن بَعْدِ مَا جَآءَتْكُمُ البينات}.\rفيه سؤالان الأول أن قبلها {ادخلوا فِي السِّلْمِ} والأمر بالدخول يقتضي أنّهم غير مسلمين وقول الله تعالى : \"فَإِن زَلَلْتُمْ \"يقتضى أنَّهم مسلمون ثم زلوا بعد ذلك قال الله تعالى : {فَأَزَلَّهُمَا الشيطان عَنْهَا فَأَخْرَجَهُمَا مِمَّا كَانَا فِيهِ} وأجيب بأنّه مثل : {الله وَلِيُّ الذين آمَنُواْ يُخْرِجُهُمْ مِّنَ الظلمات إِلَى النور} لأن الكفار لما كانوا متمكنين من الإيمان فكأنهم حصل لهم الإيمان بالفعل.","part":5,"page":147},{"id":1884,"text":"( السؤال ) الثاني : الآية خرجت مخرج التقسيم لحالهم والتقسيم الأصل فيه أن يكون بالواو. تقول : العلم إما تصور وإمّا تصديق ، ولا يجوز عطفه بالفاء ، فقسم حال هؤلاء إلى من دخل في الاسلام ولم يتبع الشيطان وإلى من زلّ عن الإسلام بعد مجىء البينات فهلا عطفه بالواو ؟\rوأجيب بأن الفاء تقتضي السبب فقصد التنبيه على أنهم ضلوا بسبب هذه الآيات التي كانت سببا في هداية غيرهم. قال الله تعالى : {يُضِلُّ بِهِ كَثِيراً وَيَهْدِي بِهِ كَثِيراً} لا سيما مع مذهبنا أنّ ارْتِبَاط الدّليل بالمدلول عادي ، وعبر بـ \"إن \"دون إذا ( تنفيرا ) عن الزلل حتى كأنه غير واقع.\rقوله تعالى : {فاعلموا أَنَّ الله عَزِيزٌ حَكِيمٌ}.\rقيل لابن عرفة : هل يؤخذ منه إثبات هاتين الصفتين لله تعالى ( بالسماع ) ؟\rفقال : إنما المراد العلم بلازم ذلك وهو العقوبة والانتقام ممن زلّ. أ هـ {تفسير ابن عرفة صـ 267}\rقوله تعالى : {هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ وَالْمَلَائِكَةُ وَقُضِيَ الْأَمْرُ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ (210)}\rمناسبة الآية لما قبلها\rقال البقاعى :","part":5,"page":148},{"id":1885,"text":"ولما كان هذا الختم مؤذناً بالعذاب وكان إتيان العذاب من محل تتوقع منه الرحمة أفظع وكان أنفع الأشياء السحاب لحمله الغيث والملائكة الذين هم خير محض وكان الذين شاهدوا العذاب من السحاب الذي هو مظنة الرحمة ليكون أهول عاداً وبني إسرائيل وكان عاد قد مضوا فلا يمكن عادة سؤالهم وكان من زل بعد هذا البيان قد أشبه بني إسرائيل في هذا الحال فكان جديراً بأن يشبههم في المآل فيما صاروا إليه من ضرب الذلة والمسكنة وحلول الغضب والوقوع في العطب قال تعالى : {هل ينظرون} أي ينتظرون إذا زلوا. سائقاً له في أسلوب الإنكار ، وصيغة الغيبة مجردة عن الافتعال تنبيهاً على أن الزالين في غاية البعد عن مواطن الرأفة والاستحقاق بمظهر الكبر والنقمة بإعراض السيد عن خطابهم وإقباله من عذابهم على ما لم يكن في حسابهم {إلا أن يأتيهم الله} أي مجد الذي لا يحتمل شيء تجلى عظمته وظهور جلاله ، كائناً مجده {في ظلل من الغمام} ظلة في داخل ظلة ، وهي ما يستر من الشمس فهي في غاية الإظلام والهول والمهابة لما لها من الكثافة التي تغم على الرائي ما فيها وتدمر ما أتت عليه - إلى غير ذلك من أنواع المجد الذي لا يقدره حق قدره إلا الله {والملائكة} أي ويأتي جنده الذين لا يعصون الله ما أمرهم ، هذا على قراءة الجماعة ، وعلى قراءة أبي جعفر بالخفض ، المعنى وظلل من الملائكة أي جماعات يملؤون الأقطار ليتبادروا إلى امتثال أوامره ؛ وهل ينتظرون من القوي المحكم لما يفعل العزيز الذي يعلو أمره كل أمر إلا إتيانه بالبأس إذا غضب بعد طول الحلم وتمادي الأناة فلا يرد بأسه ولا يعارض أمره وهو المراد من قوله : {وقضي} أي والحال أنه قد قضي {الأمر} أي نفذ بإهلاكهم سريعاً فرجعوا إلى الله سبحانه وتعالى بأسرهم لا يملكون لأنفسهم شيئاً {وإلى الله} الذي له الإحاطة الكاملة وحده {ترجع الأمور} كلها دنيا وأخرى ، فإن حكمه لا يرد وقدرته لا تحد. أ هـ {نظم الدرر حـ 1 صـ 388}","part":5,"page":149},{"id":1886,"text":"قال ابن عاشور : \rحرف ( هل ) مفيد الاستفهام ومفيد التحقيق ويظهر أنه موضوع للاستفهام عن أمر يراد تحقيقه ، فلذلك قال أئمة المعاني إن هل لطلب تحصيل نسبة حكمية تحصل في علم المستفهم وقال الزمخشري في \"الكشاف\" : إن أصل هل أنها مرادفة قد في الاستفهام خاصة ، يعني قد التي للتحقيق وإنما اكتسبت إفادة الاستفهام من تقدير همزة الاستفهام معها كما دل عليه ظهور الهمزة في قول زيد الخيل\r : ... سائِلْ فوارسَ بَرْبُوع بِشِدَّتنا\rأَهَلْ رَأَوْنَا بسَفَححِ القاع ذي الأَكَم... وقال في \"المفصل\" : وعن سيبويه أن هل بمعنى قد إلاّ أنهم تركوا الألف قبلها ؛ لأنها لا تقع إلاّ في الاستفهام اه. يعني أن همزة الاستفهام التزم حذفها للاستغناء عنها بملازمة هل للوقوع في الاستفهام ، إذ لم يقل أحد أن هل ترد بمعنى قد مجردة عن الاستفهام فإن مواردها في كلام العرب وبالقرآن يبطل ذلك ونسب ذلك إلى الكسائي والفراء والمبرد في قوله تعالى : {هل أتى على الإنسان حين من الدهر} {الإنسان : 1 ] ولعلهم أرادوا تفسير المعنى لا تفسير الإعراب ولا نعرف في كلام العرب اقتران هل بحرف الاستفهام إلاّ في هذا البيت ولا ينهض احتجاجهم به لإمكان تخريجه على أنه جمع بين حرفي استفهام على وجه التأكيد كما يؤكد الحرف في بعض الكلام كقول مسلم بن معبد الوالبيِّ\r : ... فلاَ والله لاَ يُلْقَى لما بي\rولا لِلِمَا بهم أبداً دَواء... فجمع بين لامي جر ، وأيّاً ما كان فإن هل تمحضت لإفادة الاستفهام في جميع مواقعها ، وسيأتي هذا في تفسير قوله تعالى : {هل أتى على الإنسان حين من الدهر} في سورة الإنسان.","part":5,"page":150},{"id":1887,"text":"والاستفهام إنكاري لا محالة بدليل الاستثناء ، فالكلام خبر في صورة الاستفهام. والنظر : الانتظار والترقب يقال نظره بمعنى ترقبه ، لأن الذي يترقب أحداً يوجه نظره إلى صوبه ليرى شبحه عندما يبدو ، وليس المراد هنا نفي النظر البصري أي لا ينظرون بأبصارهم في الآخرة إلاّ إتيان أمر الله والملائكة ، لأن الواقع أن الأبصار تنظر غير ذلك ، إلاّ أن يراد أن رؤيتهم غير ذلك كالعدم لشدة هول إتيان أمر الله ، فيكون قصراً ادعائياً ، أو تسلب أبصارهم من النظر لغير ذلك.\rوهذا المركب ليس مستعملاً فيما وضع له من الإنكار بل مستعملاً إما في التهديد والوعيد وهو الظاهر الجاري على غالب الوجوه المتقدمة في الضمير ، وإما في الوعد إن كان الضمير لمن يشري نفسه ، وإما في القدر المشترك وهو العدة بظهور الجزاء إن كان الضمير راجعاً للفريقين ، وإما في التهكم إن كان المقصود من الضمير المنافقين اليهود أو المشركين ، فأما اليهود فإنهم كانوا يقولون لموسى {لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة} {البقرة : 55 ]. ويجوز على هذا أن يكون خبراً عن اليهود : أي إنهم لا يؤمنون ويدخلون في السلم حتى يروا الله تعالى في ظلل من الغمام على نحو قوله تعالى : {ولئن أتيت الذين أوتوا الكتاب بكل آية ما تبعوا قبلتك} {البقرة : 145 ].\rوأما المشركون فإنهم قد حكى الله عنهم : {وقالوا نؤمن لك حتى تفجر لنا من الأرض ينبوعاً إلى قوله أو تأتي بالله والملائكة قبيلاً} {الإسراء : 90 ، 92 ]. أ هـ {التحرير والتنوير حـ 2 صـ 282}\rقال الآلوسى : ","part":5,"page":151},{"id":1888,"text":"{ هَلْ يَنظُرُونَ} استفهام في معنى النفي ، والضمير للموصول السابق إن أريد به المنافقون أو أهل الكتاب ، أو إلى {مَن يُعْجِبُكَ} {البقرة : 204 ] إن أريد به مؤمنو أهل الكتاب أو المسلمون. {إِلاَّ أَن يَأْتِيَهُمُ الله} بالمعنى اللائق به جل شأنه منزهاً عن مشابهة المحدثات والتقيد بصفات الممكنات. {فِي ظُلَلٍ} جمع ظلة كقلة وكقلل وهي ما أظلك ، وقرىء ( ظلال ) كقلال {مّنَ الغمام} أي السحاب أو الأبيض منه. {والملئكة} يأتون ، وقرىء {والملئكة} بالجر عطف على ( ظلل ) أو ( الغمام ) والمراد : مع الملائكة أخرج ابن مردويه عن ابن مسعود عن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ قال : \"يجمع الله تعالى الأوّلين والآخرين لميقات يوْم معلوم قياماً شاخصة أبصارهم إلى السماء ينظرون فصل القضاء وينزل الله تعالى في ظلل من الغمام من العرش إلى الكرسي \" ؛ وأخرج ابن جرير وغيره عن عبد الله بن عمر في هذه الآية قال : يهبط حين يهبط وبينه وبين خلقه سبعون ألف حجاب منها النور والظلمة والماء فيصوت الماء في تلك العظمة صوتاً تنخلع له القلوب ، وعن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أن من الغمام ظللاً يأتي الله تعالى فيها محفوفات بالملائكة ، وقرأ أبيّ {إِلاَّ أَن يَأْتِيَهُمُ الله والملئكةفِي ظُلَلٍ} ومن الناس من قدر في أمثال هذه المتشابهات محذوفاً فقال : في الآية الإسناد مجازي ، والمراد يأتيهم أمر الله تعالى وبأسه أو حقيقي ، والمفعول محذوف أي يأتيهم الله تعالى ببأسه ، وحذف المأتي به للدلالة عليه بقوله سبحانه : {أَنَّ الله عَزِيزٌ حَكِيمٌ} {البقرة : 209 ] فإن العزة والحكمة تدل على الانتقام بحق ، وهو البأس والعذاب ، وذكر الملائكة لأنهم الواسطة في إتيان أمره أو الآتون على الحقيقة ، ويكون ذكر الله تعالى حينئذٍ تمهيداً لذكرهم كما في قوله سبحانه : {يخادعون الله والذين ءامَنُوا} {البقرة : 9 ] على وجه وخص الغمام","part":5,"page":152},{"id":1889,"text":"بمحلية العذاب لأنه مظنة الرحمة فإذا جاء منه العذاب كان أفظع لأن الشر إذا جاء من حيث لا يحتسب كان أصعب فكيف إذا جاء من حيث يحتسب الخير. أ هـ {روح المعانى حـ 2 صـ 102}\rفائدة لغوية\rقال ابن عادل : \r\" هَلْ \"تأتي على أربعة أوجهٍ : \rالأول : بمعنى \"مَا \"كهذه الآية ، وقوله : {هَلْ يَنظُرُونَ إِلاَّ تَأْوِيلَهُ} {الأعراف : 53 ].\rالثاني : بمعنى \"قَدْ \"كقوله تعالى : {هَلْ أتى عَلَى الإنسان} {الإنسان : 1 ] أي : قد أتى ، وقوله : {وَهَلْ أَتَاكَ نَبَأُ الخصم} {ص : 21 ] و{ هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الغاشية} {الغاشية : 1 ] ، أي : قد أتاك.\rوالثالث : بمعنى \"أَلاَ \"قال تعالى : {هَلْ أَدُلُّكُمْ} {طه : 40 ] أي : أَلاَ أدلكم ، ومثله {هَلْ أُنَبِّئُكُمْ على مَن تَنَزَّلُ الشياطين} {الشعراء : 22 ] أي : ألا أنبئكم.\rالرابع : بمعنى الاستفهام ، قال تعالى : {هَلْ مِن شُرَكَآئِكُمْ مَّن يَفْعَلُ} {الروم : 40 ]. أ هـ {تفسير ابن عادل حـ 3 صـ 480 ـ 481}\rوقال الإمام السمرقندى : \rهل في القرآن على سبعة أوجه في موضع يراد بها ( قد ) ، كقوله : {هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الغاشية} {الغاشية : 1 ] أي قد أتاك.\rومرة يراد بها ( الاستفهام ) ، كقوله {وَمَن يُضْلِلِ الله فَمَا لَهُ مِن وَلِىٍّ مِّن بَعْدِهِ وَتَرَى الظالمين لَمَّا رَأَوُاْ العذاب يَقُولُونَ هَلْ إلى مَرَدٍّ مِّن سَبِيلٍ} {الشورى : 44 ] ومرة يراد بها ( السؤال ) ، كقوله : {فهل وجدتم ما وعدكم ربكم حقا} {الأعراف : 44 ].\rومرة يراد بها ( التفهيم ) ، كقوله : {ياأيها الذين ءَامَنُواْ هَلْ أَدُلُّكمْ على تجارة تُنجِيكُم مِّنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ} {الصف : 10 ]\rومرة يراد بها ( التوبيخ ) ، كقوله : {هل أنبؤكم على من تنزل الشياطين} {الشعراء : 221 ].","part":5,"page":153},{"id":1890,"text":"ومرة يراد بها ( الأمر ) ، كقوله : {إِنَّمَا يُرِيدُ الشيطان أَن يُوقِعَ بَيْنَكُمُ العداوة والبغضآء فِى الخمر والميسر وَيَصُدَّكُمْ عَن ذِكْرِ الله وَعَنِ الصلاة فَهَلْ أَنْتُمْ مُّنتَهُونَ} {المائدة : 91 ] ، أي انتهوا ، \rومرة يراد بها ( الجحد ) ، كقوله في هذا الموضع : {هَلْ يَنظُرُونَ}. أ هـ {بحر العلوم حـ 1 صـ 164}\rفصل\rقال العلامة ابن عاشور : \rالإتيان حضور الذات في موضع من موضع آخر سبق حصولها فيه وأسند الإتيان إلى الله تعالى في هذه الآية على وجه الإثبات فاقتضى ظاهره اتصاف الله تعالى به ، ولما كان الإتيان يستلزم التنقل أو التمدد ليكون حالاً في مكان بعد أن لم يكن به حتى يصح الإتيان وكان ذلك يستلزم التنقل الجسم والله منزه عنه ، تعين صرف اللفظ عن ظاهره بالدليل العقلي ، فإن كان الكلام خبراً أو تهكماً فلا حاجة للتأويل ، لأن اعتقادهم ذلك مدفوع بالأدلة وإن كان الكلام وعيداً من الله لزم التأويل ، لأن الله تعالى موجود في نفس الأمر لكنه لا يتصف بما هو من صفات الحوادث كالتنقل والتمدد لما علمت ، فلا بد من تأويل هذا عندنا على أصل الأشعري في تأويل المتشابه ، وهذا التأويل إما في معنى الإتيان أو في إسناده إلى الله أو بتقدير محذوف من مضاف أو مفعول ، وإلى هذه الاحتمالات ترجع الوجوه التي ذكرها المفسرون : \rالوجه الأول ذهب سلف الأمة قبل حدوث تشكيكات الملاحدة إلى إقرار الصفات المتشابهة دون تأويل فالإتيان ثابت لله تعالى ، لكن بلا كيف فهو من المتشابه كالاستواء والنزول والرؤية أي هو إتيان لا كإتيان الحوادث. فأما على طريقة الخلف من أئمة الأشعرية لدفع مطاعن الملاحدة فتجيء وجوهٌ منها : ","part":5,"page":154},{"id":1891,"text":"الوجه الثاني : أقول يجوز تأويل إتيان الله بأنه مجاز في التجلي والاعتناء إذا كان الضمير راجعاً لمن يشري نفسه ابتغاء مرضاة الله ، أو بأنه مجاز في تعلق القدرة التنجيزي بإظهار الجزاء إن كان الضمير راجعاً للفريقين ، أو هو مجاز في الاستئصال يقال أتاهم الملك إذا عاقبهم قاله القرطبي ، قلت وذلك في كل إتيان مضاف إلى منتقم أو عدو أو فاتح كما تقول : أتاهم السبع بمعنى أهلكهم وأتاهم الوباء ولذلك يقولون أتى عليه بمعنى أهلكه واستأصلَه ، فلما شاع ذلك شاع إطلاق الإتيان على لازمه وهو الإهلاك والاستئصال قال تعالى : {فأتاهم الله من حيث لم يحتسبوا} {الحشر : 2 ] وقال {فأتى الله بنيانهم من القواعد} {النحل : 26 ] وليس قوله : {في ظلل من الغمام} بمناف لهذا المعنى ، لأن ظهور أمر الله وحدوث تعلق قدرته يكون محفوفاً بذلك لتشعر به الملائكة وسيأتي بيان {في ظلل من الغمام} قريباً.\rالوجه الثالث : إسناد الإتيان إلى الله تعالى إسناد مجازي وإنما يأتيهم عذاب الله يوم القيامة أو في الدنيا وكونه {في ظلل من الغمام} زيادة تنويه بذلك المظهر ووقعه لدى الناظرين.\rالوجه الرابع : يأتيهم كلام الله الدالُّ على الأمر ويكون ذلك الكلام مسموعاً من قِبَل ظلل من الغمام تحفه الملائكة.\rالوجه الخامس : أن هنالك مضافاً مقدراً أي يأتيهم أمر الله أي قضاؤه بين الخلق أو يأتيهم بأس الله بدليل نظائره في القرآننِ أو يأتي أمر ربك وقوله : {فجاءها بأسنا بياتاً} {الأعراف : 4 ] ولا يخفى أن الإتيان في هذا يتعين أن يكون مجازاً في ظهور الأمر.\rالوجه السادس : حذف مضاف تقديره ، آيات الله أو بيناته أي دلائل قدرته أو دلائل صدق رُسُله ويبعِّده قوله : {في ظلل من الغمام} إلاّ أن يرجع إلى الوجه الخامس أو إلى الوجه الثالث.\r","part":5,"page":155},{"id":1892,"text":"الوجه السابع : أن هنالك معمولاً محذوفاً دل عليه قوله : {فاعلموا أن الله عزيز حكيم} {البقرة : 209 ] والتقدير أن يأتيهم الله بالعذاب أو ببأسه. والأحسن تقدير أمر عام يشمل الخير والشر لتكون الجملة وعْداً ووعيداً.\rوقد ذكرتُ في تفسير قوله تعالى : {منه آيات محكمات هن أم الكتاب وأُخر متشابهات} في {سورة آل عمران : 6 ] ما يتحصل منه أن ما يجري على اسمه تعالى من الصفات والأحكام وما يسند إليه من الأفعال في الكتاب والسنة أربعة أقسام : قسم اتصف الله به على الحقيقة كالوجود والحياة لكن بما يخالف المتعارف فينا ، وقسم اتصف الله بلازم مدلوله وشاع ذلك حتى صار المتبادر من المعنى المناسبُ دون الملزومات مثل الرحمة والغضب والرضا والمحبة ، وقسم هو متشابه وتأويله ظاهر ، وقسم متشابه شديد التشابه.\r","part":5,"page":156},{"id":1893,"text":"وقوله تعالى : {في ظلل من الغمام} أشد إشكالاً من إسناد الإتيان إلى الله تعالى لاقتضائه الظرفية ، وهي مستحيلة على الله تعالى ، وتأويله إما بأن ( في ) بمعنى الباء أي {يأتيهم بظلل من الغمام} وهي ظلل تحمل العذاب من الصواعق أو الريح العاصفة أو نحو ذلك إن كان العذاب دنيوياً ، أو في ظلل من الغمام تشتمل على ما يدل على أمر الله تعالى أو عذابه {وإن يروا كسفاً من السماء ساقطاً يقولوا سحاب مركرم} {الطور : 44 ] وكان رسول الله إذا رأى السحاب رئي في وجهه الخوف من أن يكون فيه عذاب ، أو على كلامه تعالى ، أو الحاجبة لأنوار يجعلها الله علامة للناس يوم القيامة على ابتداء فصل الحساب يدرك دلالتها أهل الموقف وبالانكشاف الوجداني ، وفي \"تفسير القرطبي والفخر\" قيل : إن في الآية تقديماً وتأخيراً ، وأصل الكلام أن يأتيهم الله والملائكة في ظلل من الغمام ، فالغمام ظرف لإتيان الملائكة ، وروي أن ابن مسعود قرأها كذلك ، وهذه الوجوه كلها مبنية على أن هذا إخبار بأمر مستقبل ، فأما على جعل ضمير {ينظرون} مقصوداً به المنافقون من المشركين أو اليهود بأن يكون الكلام تهكماً أي ماذا ينتظرون في التباطؤ عن الدخول في الإسلام ، ما ينتظرون إلاّ أن يأتيهم الله في أحوال اعتقدوها فيكلمهم ليدخلوا في الدين ، فإنهم قالوا لموسى : {لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة} {البقرة : 55 ] واعتقدوا أن الله في الغمام ، أو يكون المراد تعريضاً بالمشركين ، وبعض التأويلات تقدمت مع تأويل الإتيان.\r","part":5,"page":157},{"id":1894,"text":"وقرأه الجمهور \"والملائكة\" بالرفع عطفاً على اسم الجلالة ، وإسنادُ الإتيان إلى الملائكة لأنهم الذين يأتون بأمر الله أو عذابه وهم الموكل إليهم تنفيذ قضائه ، فإسناد الإتيان إليهم حقيقة فإن كان الإتيان المسند إلى الله تعالى مستعملاً في معنى مجازي فهو مستعمل بالنسبة للملائكة في معناه الحقيقي فهو من استعمال اللفظ في حقيقته ومجازه ، وإن كان إسناد الإتيان إلى الله تعالى مجازاً في الإسناد فإسناده إلى الملائكة بطريق العطف حقيقة في الإسناد ولا مانع من ذلك ؛ لأن المجاز الإسنادي عبارة عن قصد المتكلم مع القرينة ، قال حُمَيْد بن ثَوْر يمدح عبد الملك\r : ... أتاك بي الله الذي نَوَّر الهدى\rونورٌ وإسلامٌ عليكَ دليل... فأسند الإتيان به إلى الله وهو إسنادٌ حقيقي ثم أسنده بالعطف للنورِ والإسلام ، وإسناد الإتيان به إليهما مجازي لأنهما سبب الإتيان به ألا ترى أنه قال \"عليك دليل\".\rوقرأ أبو جعفر \"والملائكة\" بجر ( الملائكة ) عطف على ( ظلل ). أ هـ {التحرير والتنوير حـ 2 صـ 286 ـ 287}\rبحث نفيس للعلامة الخازن","part":5,"page":158},{"id":1895,"text":"اعلم أن هذه الآية من آيات الصفات للعلماء في آيات الصفات وأحاديث الصفات مذهبان أحدهما وهو مذهب سلف هذه الأمة وأعلام أهل السنة : الإيمان والتسليم لما جاء في آيات الصفات وأحاديث الصفات ، وأنه يجب علينا الإيمان بظاهرها ونؤمن بها كما جاءت ونكل علمها إلى الله تعالى وإلى رسوله ـ صلى الله عليه وسلم ـ مع الإيمان ، والاعتقاد بأن الله تعالى منزه عن سمات الحدوث وعن الحركة والسكون. قال الكلبي : هذا من الذي لا يفسر وقال سفيان بن عيينة : كل ما وصف الله به نفسه في كتابه فتفسيره قراءته والسكوت عليه ليس لأحد أن يفسره إلاّ الله ورسوله. وكان الزهري والأوزاعي ومالك وابن المبارك وسفيان الثوري والليث بن سعد وأحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه يقولون في هذه الآية وأمثالها اقرؤوها كما جاءت بلا كيف ولا تشبيه ولا تأويل هذا مذهب أهل السنة ومعتقد سلف الأمة ، وأنشد بعضهم في المعنى : \rعقيدتنا أن ليس مثل صفاته... لا ذاته شيء عقيدة صائب\rنسلم آيات الصفات بأسرها... وأخبارها للظاهر المتقارب\rونؤيس عنها كنه فهم عقولنا... وتأويلنا فعل اللبيب المغالب\rونركب للتسليم سفناً فإنها... لتسليم دين المرء خير المراكب\r","part":5,"page":159},{"id":1896,"text":"( المذهب الثاني ) وهو قول جمهور علماء المتكلمين ، وذلك أنه أجمع المتكلمين من العقلاء والمعتبرين من أصحاب النظر على أنه تعالى منزه عن المجيء والذهاب ، ويدل على ذلك أن كل ما يصح عليه المجيء والذهاب لا ينفك عن الحركة والسكون وهما محدثان ، وما لا ينفك عن المحدث فهو محدث ، والله تعالى منزه عن ذلك فيستحيل ذلك في حقه تعالى فثبت بذلك أن ظاهر الآية ليس مراداً ، فلا بد من التأويل على سبيل التفصيل ، فعلى هذا قيل في معنى الآية هل ينظرون إلاّ أن يأتيهم الله الآيات فيكون مجيء الآيات مجيئاً لله تعالى على سبيل التفخيم لشأن الآيات وقيل معناه إلاّ أن يأتيهم أمر الله ووجه هذا التأويل أن الله تعالى فسره في آية أخرى فقال : هل ينظرون إلاّ أن تأتيهم الملائكة أو يأتي أمر ربك ، فصار هذا الحكم مفسراً لهذا المجمل في هذه الآية.\rوقيل : معناه يأتيهم الله بما أوعد من الحساب والعقاب فحذف ما يأتي به تهويلاً عليهم إذ لو ذكر ما يأتي به كان أسهل عليهم في باب الوعيد ، وإذا لم يذكر كان أبلغ وقيل يحتمل أن تكون الفاء بمعنى الباء لأن بعض الحروف يقوم مقام بعض فيكون المعنى هل ينظرون إلاّ أن يأتيهم الله بظلل من الغمام والملائكة ، والمراد العذاب الذي يأتي من الغمام مع الملائكة ، وقيل معناه ما ينظرون إلاّ أن يأتيهم قهر الله وعذابه في ظلل من الغمام. فإن قلت : لم كان إتيان العذاب في الغمام ؟ قلت : لأن الغمام مظنة الرحمة ومنه ينزل المطر ، فإذا نزل منه العذاب كان أعظم وأفظع وقيل إن نزول الغمام علامة لظهور القيامة وأهوالها. أ هـ {تفسير الخازن حـ 1 صـ 136}\rفصل في تفسير \"الظلل \"\r\" الظُّلَلُ \"جمع ظُلَّةٍ ، وهو ما أظَلَّكَ الله به \"والغَمَامُ \"هو السَّحاب الأبيض الرَّقيق ، سمِّي غماماً ؛ لأنه يغمُّ ، أي : يستر.\rوقال مجاهدٌ : هو غير السحاب ، ولم يكن إلاَّ لبني إسرائيل في تيههم.\rوقال مقاتلٌ : كهيئة الضَّبابة أبيض.","part":5,"page":160},{"id":1897,"text":"قال الحسن : في سترةٍ من الغمام. أ هـ {تفسير ابن عادل حـ 3 صـ 484}\rقوله تعالى : {وقُضي الأمر }\rقال الفخر : \rقوله : {وَقُضِىَ الأمر} معناه : ويقضي الأمر والتقدير : إلا أن يأتيهم الله ويقضي الأمر فوضع الماضي موضع المستقبل وهذا كثير في القرآن ، وخصوصاً في أمور الآخرة فإن الإخبار عنها يقع كثيراً بالماضي ، قال الله سبحانه وتعالى : {إِذْ قَالَ الله ياعيسى ابن مَرْيَمَ أأنت قُلتَ لِلنَّاسِ اتخذونى} {المائدة : 116 ] والسبب في اختيار هذا المجاز أمران أحدهما : التنبيه على قرب أمر الآخرة فكأن الساعة قد أتت ووقع ما يريد الله إيقاعه والثاني : المبالغة في تأكيد أنه لا بد من وقوعه لتجزى كل نفس بما تسعى ، فصار بحصول القطع والجزم بوقوعه كأنه قد وقع وحصل. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 5 صـ 185}\rوقال ابن عاشور : \rوقوله : {وقُضي الأمر} إما عطف على جملة {هل ينظرون} إن كانت خبراً عن المخبر عنهم والفعل الماضي هنا مراد منه المستقبل ، ولكنه أتى فيه بالماضي تنبيهاً على تحقيق وقوعه أو قرب وقوعه ، والمعنى ما ينتظرون إلاّ أن يأتيهم الله وسوف يقضى الأمر ، وإما عطف على جملة {ينظرون} إن كانت جملة {هل ينظرون} وعيداً أو وعداً والفعل كذلك للاستقبال ، والمعنى ما يترقبون إلاّ مجيء أمر الله وقضاءَ الأمر.\rوإما جملة حالية والماضي على أصله وحذفت قد ، سواء كانت جملة {هل ينظرون} خبراً أو وعداً ووعيداً أي وحينئذٍ قد قضي الأمر ، وإما تنبيه على أنهم إذا كانوا ينتظرون لتصديق محمد أن يأتيهم الله والملائكة فإن ذلك إن وقع يكون قد قضي الأمر أي حق عليهم الهلاك كقوله : {وقالوا لولا أنزل عليه ملَك ولو أنزلنا ملكاً لقضي الأمر ثم لا ينظرون} {الأنعام : 8 ].\rوالقضاء : الفراغ والإتمام.","part":5,"page":161},{"id":1898,"text":"والتعريف في ( الأمر ) إما للجنس مراداً منه الاستغراق أي قُضِيت الأمور كلها ، وإما للعهد أي أمر هؤلاء أي عقابهم أو الأمر المعهود للناس كلهم وهو الجزاء. أ هـ {التحرير والتنوير حـ 2 صـ 287}\rقوله تعالى : {وإلى الله ترجع الأمور\rقال ابن عاشور : \rوقوله : {وإلى الله ترجع الأمور} تذييل جامع لمعنى : {وقضى الأمر} والرجوع في الأصل : المآب إلى الموضع الذي خرج منه الراجع ، ويستعمل مجازاً في نهاية الشيء وغايته وظهور أثره ، فمنه {ألا إلى الله تصير الأمور} {الشورى : 53 ].\rويجيء فعل رجع متعدياً ، تقول رجعت زيداً إلى بلده ومصدره الرَّجْع ، ويستعمل رجع قاصراً تقول : رجع زيد إلى بلده ومصدره الرجُوع.\rوقرأ نافع وابن كثير وأبو عَمرو وعاصم وأبو جعفر ويعقوب ( تُرجع ) بضم التاء وفتح الجيم على أنه مضارع أرجعه أو مضارع رجَعَه مبنياً للمفعول أي يَرْجع الأمورَ راجعُها إلى الله ، وحذفُ الفاعل على هذا العدم تعين فاعل عُرفي لهذا الرجع ، أو حُذف لدفع ما يبدو من التنافي بين كون اسم الجلالة فاعلاً للرجوع ومفعولاً له بحرف إلى ، وقرأه باقي العشرة بالبناء للفاعل من رجع الذي مصدره الرجوع فالأمورُ فاعل تَرْجع. أ هـ {التحرير والتنوير حـ 2 صـ 287}\rفصل","part":5,"page":162},{"id":1899,"text":"قرأ ابن كثير وأبو عمرو وعاصم {تُرْجَعُ} بضم التاء على معنى ترد ، يقال : رجعته أي رددته ، قال تعالى : {وَلَئِن رُّجّعْتُ إلى رَبّى} {فصلت : 50 ] وفي موضع آخر : {وَلَئِن رُّدِدتُّ إلى رَبّى} {الكهف : 36 ] وفي موضع آخر : {ثُمَّ رُدُّواْ إلى الله مولاهم الحق} {الأنعام : 62 ] وقال تعالى : {رَبّ ارجعون لَعَلّى أَعْمَلُ صالحا} {المؤمنون : 99 100 ] أي ردني ، وقرأ ابن عامر وحمزة والكسائي {تُرْجَعُ} بفتح التاء أي تصير ، كقوله تعالى : {أَلاَ إِلَى الله تَصِيرُ الأمور} {الشورى : 53 ] وقوله : {إِنَّ إِلَيْنَا إِيَابَهُمْ وإلى الله مَرْجِعُكُمْ} {هود : 4 ، المائدة : 48 ، الغاشية : 25 ] قال القفال رحمه الله : والمعنى في القراءتين متقارب ، لأنها ترجع إليه جل جلاله ، وهو جل جلاله يرجعها إلى نفسه بافناء الدنيا وإقامة القيامة ، ثم قال : وفي قوله : {تُرْجَعُ الأمور} بضم التاء ثلاث معان أحدها : هذا الذي ذكرناه ، وهو أنه جل جلاله يرجعها كما قال في هذه الآية : {وَقُضِىَ الأمر} وهو قاضيها والثاني : أنه على مذهب العرب في قولهم : فلان يعجب بنفسه ، ويقول الرجل لغيره : إلى أين يذهب بك ، وإن لم يكن أحد يذهب به والثالث : أن ذوات الخلق وصفاتهم لما كانت شاهدة عليهم بأنهم مخلوقون محدثون محاسبون ، وكانوا رادين أمرهم إلى خالقهم ، فقوله : {تُرْجَعُ الأمور} أي يردها العباد إليه وإلى حكمه بشهادة أنفسهم ، وهو كما قال : {يُسَبّحُ لِلَّهِ مَا فِى السموات وَمَا فِى الأرض} {الجمعة : 1 ، التغابن : 1 ] فإن هذا التسبيح بحسب شهادة الحال ، لا بحسب النطق باللسان ، وعليه يحمل أيضاً قوله : {وَللَّهِ يَسْجُدُ مَن فِى السماوات والأرض طَوْعًا وَكَرْهًا} {الرعد : 15 ] قيل : إن المعنى يسجد له المؤمنون طوعاً ، ويسجد له الكفار كرهاً بشهادة أنفسهم بأنهم عبيد الله ، فكذا يجوز أن يقال : إن العباد","part":5,"page":163},{"id":1900,"text":"يردون أمورهم إلى الله ، ويعترفون برجوعها إليه ، أما المؤمنون فبالمقال ، وأما الكفار فبشهادة الحال. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 5 صـ 186}\rمن فوائد ابن عرفة فى الآية\rقوله تعالى : {هَلْ يَنظُرُونَ إِلاَّ أَن يَأْتِيَهُمُ الله...}.\rقال أبو حيان : قيل بمعنى ينتظرون فيتعدى إلى واحد بنفسه ولو كانت من نظر العين لتعدت بإلى وأضيفت إلى الوجه مثل {وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاضِرَةٌ إلى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ} ورده أبو حيان بجواز كونها منه وإلى محذوفة وحذف حرف الجر مع أنه كثير وهو قياس مطرد ولا يلزم إضافتها إلى الوجه بل قد يضاف إلى الذات قال الله تعالى : {أَفَلاَ يَنظُرُونَ إِلَى الإبل كَيْفَ خُلِقَتْ} {قَالَ رَبِّ أرني أَنظُرْ إِلَيْكَ} وقدر ابن عرفة هذا التعقب بأنه ( إن ) أراد أن المنظور إليه لايكون إلا ( بالوجه ) فباطل بقوله {أَفَلاَ يَنظُرُونَ إِلَى الإبل} ( وإن ) أراد ( أنّ ) النظر ( بالنسبة ) لاعتبار الفاعل لا إلى الوجه فيقال : نظر وجهي إلى كذا ، فباطل أيضا.\rقال ابن عرفة : ويبطل أيضا من وجه آخر وهو المنظور إليه هنا هو الإتيان المفهوم من قوله {إِلاَّ أَن يَأْتِيَهُمُ الله}. والإتيان معنى من المعاني لأنه مصدر والمعاني لا ترى بوجه إلا باعتبار الجواز العقلى لكونها موجدة والوجود مصحح للرؤية.\rفإن قلتم : نرى إتيان الشخص ؟ قلنا : إنما رأيت الشخص الآتي لا إتيانه.\rفإن قلتم : إنه عرض ؟ قلنا : العرض الذي هو اللون مرئي ، وأما الرائحة والعلم والقدرة فليس بمرئي بوجه.","part":5,"page":164},{"id":1901,"text":"( والجواب ) عن ذلك أن النظر هنا بمعنى الانتظار ومعناه أن ( حالاتهم ) تقتضي انتظارهم العقوبة ( لا أنهم ) يقصدون ذلك وفي هذا عقوبتان ( حسية ) ومعنوية لأن وجود السحاب مظنة الرّحمة بالمطر قال الله تعالى : {فَلَمَّا رَأَوْهُ عَارِضاً مُّسْتَقْبِلَ أَوْدِيَتِهِمْ قَالُواْ هذا عَارِضٌ مُّمْطِرُنَا بَلْ هُوَ مَا استعجلتم بِهِ} وقال الله جل ذكره {والذين كفروا أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظمئان مَآءً حتى إِذَا جَآءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئاً} ففيه العقوبة ( بالخيبة ) فيما يظن فيه قبل الغرض فلا تناله العقوبة بنقيض المقصود وهو إتيان العذاب معه. أ هـ {تفسير ابن عرفة صـ 268}\rسؤال : فإن قيل : كيف قال : {وإلى الله ترجع الأمور} وهو يدل على أنها كانت إلى غيره ، كقولهم : رجع إلى فلان عبده ومنصبه ؟ \rقلنا : هو خطاب لمن كان يعبد غير الله ، وينسب أفعاله إلى سواه.\rفأخبرهم أنهم إذا كشف لهم الغطاء يوم القيامة ردوا إليه ما أضافوه إلى غيره بسبب كفرهم وجهلهم ، ولأن رجع يستعمل بمعنى {صار} و{وصل} كقولهم : رجع على من فلان مكروه. ومنه قول لبيد : \rوما المرء إلا كالشهاب وضوءه\rيحور رمادا بعد إذ هو ساطع\rولأنها كانت إليه قبل خلق عبيده ، فلما خلقهم ملكهم بعضها خلافة ونيابة ، ثم رجعت إليه بعد هلاكهم.\rومنه قوله تعالى {لمن الملك اليوم} وقوله {الملك يومئذ الحق للرحمن} وإنما قال : {وإلى الله ترجع الأمور} ، ولم يقل : وإليه ، وإن كان قد سبق ذكره مرة لقصد التفخيم والتعظيم ، وذلك ينافى الإيجاز والاختصار. أ هـ {تفسير الرازى صـ 39}.\rوقال الخازن : \rإن أمور جميع العباد ترجع إليه في الدنيا والآخرة ، ولكن المراد من هذا إعلام الخلق إنه المجازي على الأعمال بالثواب والعقاب. أ هـ {تفسير الخازن حـ 1 صـ 137}","part":5,"page":165},{"id":1902,"text":"قوله تعالى : {سَلْ بَنِي إِسْرَائِيلَ كَمْ آَتَيْنَاهُمْ مِنْ آَيَةٍ بَيِّنَةٍ وَمَنْ يُبَدِّلْ نِعْمَةَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُ فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (211)}\rمناسبة الآية لما قبلها\rقال البقاعى : \rولما كان بنو إسرائيل أعلم الناس بظهور مجد الله في الغمام لما رأى أسلافهم منه عند خروجهم من مصر وفي جبل الطور وقبة الزمان وما في ذلك على ما نقل إليهم من وفور الهيبة وتعاظم الجلال قال تعالى : جواباً لمن كأنه قال : كيف يكون هذا ؟ {سل} بنقل حركة العين إلى الفاء فاستغنى عن همزة الوصل {بني إسرائيل} أي الذين هم أحسد الناس للعرب ثم استفهم أو استأنف الإخبار {كم آتيناهم} من ذلك ومن غيره {من آية بينة} بواسطة أنبيائهم فإنهم لا يقدرون على إنكار ذلك ، وسكوتهم على سماعه منك إقرار منهم. وقال الحرالي : ولما كان هذا الذي أنذروا به أمراً مجملاً أحيلوا في تفاصيل الوقائع وتخصيص الملاحم ووقوع الأشباه والنظائر على ما تقدم ووقع مثاله في بني إسرائيل لتكرار ما وقع فيهم من هذه الأمة حذو النعل بالنعل والقذة بالقذة فقال : {سل} ، استنطاقاً لحالهم لا لإنبائهم وإخبارهم ، فالتفات النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ إلى ما يشهده الله من أحوال بني إسرائيل وأحوال ملوكهم وأحبارهم وأيامهم وتفرقهم واختلافهم وصنوف بلاياهم هو سؤاله واستبصاره لا أن يسأل واحداً فيخبره ؛ انتهى - كذا قال ، والظاهر أنه إباحة لسؤالهم فإنه ـ صلى الله عليه وسلم ـ ما سألهم عن شيء وكذبوا في جوابه فبين كذبهم إلا عرفوا بالكذب ، كقصة حد الزنا وقضية سؤالهم عن أبيهم وقضية سم الشاة ونحو هذا ، وفي ذلك زيادة لإيمان من يشاهده وإقامة للحجة عليهم وغير هذا من الفوائد. أ هـ {نظم الدرر حـ 1 صـ 389 ـ 390}\rوقال ابن عاشور : ","part":5,"page":166},{"id":1903,"text":"تتنزل هاته الآية من التي قبلها منزلةَ البرهان على معنى الجملة السابقة ، فإن قوله : {هل ينظرون} {البقرة : 210 ] سواء كان خبراً أو وعيداً أو وعداً أم تهكماً ، وأيّاً ما كان معاد الضمير فيه على الأوجه السابقة قد دل بكل احتمال على تعريض بِفرَقٍ ذَوي غُرور وتماد في الكفر وقلةِ انتفاع بالآيات البينات ، فناسب أن يعقب ذلك بإلفاتهم إلى ما بلَغهم من قلة انتفاع بني إسرائيل بما أُوتوه من آيات الاهتداء مع قلة غَناء الآيات لديهم على كثرتها ، فإنهم عاندوا رسولهم ثم آمنوا به إيماناً ضعيفاً ثم بدلوا الدين بعد ذلك تبديلاً.\rوعلى احتمال أن يكون الضمير في {ينظرون} {البقرة : 210 ] لأهل الكتاب : أي بني إسرائيل فالعدول عن الإضمار هنا إلى الإظهار بقوله : {بني إسرائيل} لزيادة النداء على فضيحة حالهم ويكون الاستدلال عليهم حينئذٍ أشد ، أي هم قد رأوا آيات كثيرة فكان المناسب لهم أن يبادوا بالإيمان بالرسول محمد ـ صلى الله عليه وسلم ـ لأنهم أعلم الناس بأحوال الرسل ، وعلى كل فهذه الآية وما بعدها معترضات بين أغراض التشريع المتتابعة في هذه السورة. أ هـ {التحرير والتنوير حـ 2 صـ 288}\rقال الفخر : ","part":5,"page":167},{"id":1904,"text":"اعلم أنه ليس المقصود : سل بني إسرائيل ليخبروك عن تلك الآيات فتعلمها وذلك لأن الرسول عليه الصلاة والسلام كان عالماً بتلك الأحوال بإعلام الله تعالى إياه ، بل المقصود منه المبالغة في الزجر عن الإعراض عن دلائل الله تعالى ، وبيان هذاالكلام أنه تعالى قال : {ياأيها الذين ءامَنُواْ ادخلوا فِي السلم كَافَّةً وَلاَ تَتَّبِعُواْ خطوات الشيطان} {البقرة : 208 ] فأمر بالإسلام ونهى عن الكفر ، ثم قال : {فَإِن زَلَلْتُمْ مّن بَعْدِ مَا جَاءَتْكُمُ البينات} أي فإن أعرضتم عن هذا التكليف صرتم مستحقين للتهديد بقوله : {فاعلموا أَنَّ الله عَزِيزٌ حَكِيمٌ} {البقرة : 209 ] ثم بين ذلك التهديد بقوله : {هَلْ يَنظُرُونَ إِلاَّ أَن يَأْتِيَهُمُ الله فِي ظُلَلٍ مّنَ الغمام والملائكة} {البقرة : 210 ] ثم ثلث ذلك التهديد بقوله : {سَلْ بَنِى إسراءيل} يعني سل هؤلاء الحاضرين أنا لما آتينا أسلافهم آيات بينات فأنكروها ، لا جرم استوجبوا العقاب من الله تعالى ، وذلك تنبيه لهؤلاء الحاضرين على أنهم لو زلوا عن آيات الله لوقعوا في العذاب كما وقع أولئك المتقدمون فيه ، والمقصود من ذكر هذه الحكاية أن يعتبروا بغيرهم ، كما قال تعالى : {فاعتبروا ياأولى الأبصار} {الحشر : 2 ] وقال : {لَقَدْ كَانَ فِى قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لأُوْلِى الألباب} {يوسف : 111 ] فهذا بيان وجه النظم. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 6 صـ 4}\rفائدة لغوية\rقال ابن عادل : \rقرأ الجمهور : \"سَلْ \"وهي تحتمل وجهين : ","part":5,"page":168},{"id":1905,"text":"أحدهما : أن تكون من لغة : سال يسال ، مثل : خَافَ يَخَافُ ، وهل هذه الألف مبدلة من همزة ، أو واو ، أو ياء ؟ خلاف تقدَّم في قوله : {فَإِنَّ لَكُمْ مَّا سَأَلْتُمْ} {البقرة : 61 ] فحينئذٍ يكون الأمر منها : \"سَلْ \"مثل \"خَفْ \"لمَّا سكنت اللام حملاً للأمر على المجزوم ، التقى ساكنان فحذفت العين لذلك ، فوزنه على هذا فَلْ ، وبهذا التقدير قرأ نافعٌ ، وابن عامر \"سَالَ سَائِلٌ \"على وزن \"قال \" ، \"وكان \".\rوالثاني : أن تكون من سأل بالهمز.\rقال قطربٌ : سأَلَ يَسْأَلُ مثل زَأر الأسد يَزْأَرُ ، والأصل : اسأل ثم ألقيت حركة الهمزة على السِّين ، تخفيفاً ، واعتددنا بحركة النقل ، فاستغنينا عن همزة الوصل فحذفناها ، ووزنه أيضاً فَلْ بحذف العين ، وإن اختلف المأخذ.\rوروى عباس عن أبي عمرو : \"اسْأَلْ \"على الأصل من غير نقلٍ. وقرأ قوم : \"اسَلْ \"بالنقل وهمزة الوصل ، كأنَّهم لم يعتدُّوا بالحركة المنقولة كقولهم : \"الَحْمر \"بالهمز.\rوقرأ بعضهم \"سَلْ بَنِي إسْرَائِيلَ \"بغير همزٍ ، وقرأوا {واسأل القرية} {يوسف : 82 ] {فَاسْأَلِ الذين يَقْرَءُونَ الكتاب} {يونس : 94 ] {واسألوا الله مِن فَضْلِهِ} {النساء : 32 ] بالهمزة ، وقرأ الكسائيُّ الكلَّ بغير همزٍ اتِّباعاً للمصحف ، فإنَّ الألف ساقطةٌ فيها أجمع. أ هـ {تفسير ابن عادل حـ 3 صـ 488}\rقال الماوردى : \rوفي المراد بسؤاله بني إسرائيل ، ثلاثة أقاويل : \rأحدها : أنبياؤهم.\rوالثاني : علماؤهم.\rوالثالث : جميعهم. أ هـ {النكت والعيون حـ 1 صـ 269}\rقال ابن عاشور : ","part":5,"page":169},{"id":1906,"text":"والمأمور بالسؤال هو الرسول ؛ لأنه الذي يترقب أن يجيبه بنو إسرائيل عن سؤاله ؛ إذ لا يعبأون بسؤال غيره ؛ لأن المراد بالسؤال سؤال التقرير للتقريع ، ولفظ السؤال يجيء لما تجيء له أدوات الاستفهام. والمقصود من التقرير إظهار إقرارهم لمخالفتهم لمقتضى الآيات فيجيء من هذا التقرير التقريعُ فليس المقصود تصريحهم بالإقرار ؛ بل مجرد كونهم لا يسعهم الإنكار.\rوالمراد بـ ( بني إسرائيل ) الحاضرون من اليهود. والضمير في {آتيناهم} لهم ، والمقصود إيتاء سلفهم ؛ لأن الخصال الثابتة لأسلاف القبائل والأمم ، يصح إثباتها للخلف لترتب الآثار للجميع كما هو شائع في مصطلح الأمم الماضية من العرب وغيرهم. ويجوز أن يكون معنى إيتائهم الآيات أنهم لما تناقلوا آياتِ رسلهم في كتبهم وأيقنوا بها فكأنهم أوتوها مباشرة. أ هـ {التحرير والتنوير حـ 2 صـ 289}\rسؤال : لم خص الإيتاء بأهل الكتاب مع عمومه للكل ؟\rالجواب : تخصيص إيتاء المعجزات بأهل الكتاب مع عمومه للكل لأنهم أعلم من غيرهم بالمعجزات وكيفية دلالتها على الصدق لعلمهم بمعجزات الأنبياء السابقة. أ هـ {روح المعانى حـ 2 صـ 99}\rقوله تعالى : {مِّنْ آيَةٍ بَيّنَةٍ }\rقال الفخر :\rقوله : {مِّنْ آيَةٍ بَيّنَةٍ} فيه قولان أحدها : المراد به معجزات موسى عليه السلام ، نحو فلق البحر ، وتظليل الغمام ، وإنزال المن والسلوى ، ونتق الجبل ، وتكليم الله تعالى لموسى عليه السلام من السحاب ، وإنزال التوراة عليهم ، وتبيين الهدى من الكفر لهم ، فكل ذلك آيات بينات.\rوالقول الثاني : أن المعنى ؛ كم آتيناهم من حجة بينة لمحمد عليه الصلاة والسلام ، يعلم بها صدقه وصحة شريعته. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 6 صـ 4}\rقوله تعالى : {وَمَنْ يُبَدِّلْ نِعْمَةَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُ فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ}\rالمناسبة\rقال البقاعى :","part":5,"page":170},{"id":1907,"text":"ولما كان التقدير : فكانوا إذا بدلوا شيئاً من آياتنا واستهانوا به عاقبناهم فشددنا عقابهم ، كما دل عليه ما سقته من التوراة في هذا الديوان لمن تدبر عطف عليه قوله : {ومن يبدل} من التبديل وهو تصيير الشيء على غير ما كان {نعمة الله} أي الذي لا نعمة إلا منه التي هي سبب الهدى فيجعلها سبباً لضلال أو سبباً لشكر فيجعلها سبب الكفر كائناً من كان. قال الحرالي : وأصل هذا التبديل رد علم العالم عليه ورد صلاح الصالح إليه وعدم الاقتداء بعلم العالم والاهتداء بصلاح الصالح وذلك المشاركة التي تقع بين العامة وبين العلماء والصلحاء وهو كفر نعمة الله وتبديلها - انتهى.\rولما كان الفطن من الناس يستجلب النعم قبل إتيانها إليه والجامد الغبي يغتبط بها بعد سبوغها عليه وكان المحذور تبديلها في وقت ما لا في كل وقت قال تعالى : {من بعد ما جآءته} أي وتمكن من الرسوخ في علمها تنبيهاً على أن من بدلها في تلك الحال فقد سفل عن أدنى الإنسان والتحق بما لا يعقل من الحيوان. ولما كان التقدير : يهلكه الله ، علله بقوله : {فإن الله} أي العظيم الشأن {شديد العقاب} وهو عذاب يعقب الجرم ، وذكر بعض ما يدل على صدق الدعوى في معرفة بني إسرائيل بما في ظهور المجد في الغمام من الرعب وما آتاهم من الآيات البينات ، \r","part":5,"page":171},{"id":1908,"text":"قال في أوائل السفر الخامس من التوراة : فاسمعوا الآن يا بني إسرائيل السنن والأحكام التي أعلمكم لتعملوا بها وتعيشوا وتدخلوا وترثوا الأرض التي يعطيكم الله رب آبائكم ، لا تزيدوا على الوصية التي أوصيكم بها ، قد رأيتم ما صنع الله ببعلصفون من أجل أن كل رجل اتبع بعلصفون أهلكه الله ربكم من بينكم وأنتم الذين تبعتم الله ربكم أنتم أحياء - سالمون إلى اليوم ، انظروا أني قد علمتكم السنن والأحكام كما أمرني الله لتعملوا بها الأرض التي تدخلونها وتحفظوها وتعملوا بها ، لأنها حكمتكم وفهمكم تجاه الشعوب التي تسمع منكم هذه السنن كلها ويقولون إذا سمعوها : ما أحكم هذا الشعب العظيم! وما أحسن فهمه! أي شعب عظيم إلهه قريب منه مثل الله ربنا فيما دعوناه! وأي شعب عظيم له سنن وأحكام معتدلة مثل هذه السنة التي أتلو عليكم اليوم! ولكن احتفظوا واحترسوا بأنفسكم ولا تنسوا جميع الآيات التي رأيتم ولا تزل عن قلوبكم كل أيام حياتكم بل علموها بنيكم وبني بنيكم وأخبروهم بما رأيتم يوم وقفتم أمام الله ربكم في حوريب يوم قال الرب : اجمع هذا الشعب أمامي لأسمعهم آياتي ويتعلموا أن يتقوني كل أيام حياتهم على الأرض ويعلموا بنيهم أيضاً وتقدمتم وقمتم في سفح الجبل والجبل يشتعل ناراً يرتفع لهيبها إلى جو السماء ورأيتم الظلة والضباب والسحاب فكلمكم الرب في الجبل من النار ، كنتم تسمعون صوت الكلام ولم تكونوا ترون شبهاً ، فأظهر لكم عهده وأمركم أن تعلموا العشر آيات.\r","part":5,"page":172},{"id":1909,"text":"وكتبها على لوحين من حجارة ، احترسوا واحتفظوا بأنفسكم جداً لأنكم لم تروا شبهاً في اليوم الذي كلمكم الله ربكم من الجبل من النار ، احتفظوا ، لا تفسدوا ولا تتخذوا أصناماً وأشباهها من كل جنس شبه ذكر أو أنثى أو شبه بهيمة في الأرض أو شبه كل طير في الهواء أو شبه كل هوام الأرض ، ولا ترفعوا أعينكم إلى السماء وتنظروا إلى الشمس والقمر والكواكب وإلى كل أجناد السماء وتضلوا بها وتسجدوا لها وتعبدوها ، التي اتخذها جميع الشعوب الذين تحت السماء ؛ فأما أنتم فقربكم الله وأخرجكم من كور الحديد من أرض مصر لتصيروا له ميراثاً كاليوم - هذا نصه وقد تقدم ذلك مستوفى من السفر الثاني من التوراة عند قوله تعالى : {وإذ استسقى موسى لقومه} {البقرة : 60 ] فكان الرجوع إلى قص ما يريد الله سبحانه وتعالى من أحوال بني إسرائيل للأغراض الماضية على غاية ما يكون من الأحكام وفي الذروة العليا من حسن الانتظام وتجلي الملائكة في ظلل الغمام أمر مألوف منه ما في الصحيح عن البراء رضي الله تعالى عنه قال : \r\" كان رجل يقرأ سورة الكهف وإلى جانبه حصان مربوط بشطنين فتغشته سحابة فجعلت تدنو وتدنو وجعل فرسه ينفر ؛ فلما أصبح أتى النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ فذكر له ، فقال : تلك السكينة تنزلت بالقرآن \"وعن عمران بن حصين رضي الله تعالى عنه \"أنه بينما هو يقرأ سورة البقرة وفرسه مربوط عنده إذ جالت الفرس ، فسكت وسكنت ، ثم قرأ فجالت ، فانصرف ؛ فلما أصبح حدث النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ وقال : فرفعت رأسي إلى السماء فإذا مثل الظلة فيها أمثال المصابيح فرفعت حتى لا أراها ، قال : وتدري ما ذاك ؟ قال : لا ، قال : تلك الملائكة دنت لصوتك ، ولو قرأت لأصبحت ينظر الناس إليها لا تتوارى منهم \". أ هـ {نظم الدرر حـ 1 صـ 390 ـ 392}\rقال القرطبى : ","part":5,"page":173},{"id":1910,"text":"قوله تعالى : {وَمَن يُبَدِّلْ نِعْمَةَ الله مِن بَعْدِ مَا جَآءَتْهُ} لفظ عام لجميع العامة ، وإن كان المشار إليه بني إسرائيل ؛ لكونهم بدّلوا ما في كتبهم وجحدوا أمر محمد ـ صلى الله عليه وسلم ـ ؛ فاللفظ منسحب على كل مبدّل نعمة الله تعالى. وقال الطبريّ : النعمة هنا الإسلام ؛ وهذا قريب من الأوّل. ويدخل في اللفظ أيضاً كفّار قريش ؛ فإن بعث محمد ـ صلى الله عليه وسلم ـ فيهم نعمة عليهم ؛ فبدّلوا قبولها والشكر عليها كفراً. أ هـ {تفسير القرطبى حـ 3 صـ 28}\rقال ابن عاشور : \rوقوله : {ومن يبدل نعمة الله} تذييل لجملة {سل بني إسرائيل كم آتيناهم} الخ ، أفاد أن المقصود أولاً من هذا الوعيدِ هم بنو إسرائيل المتحدث عنهم بقوله : {سل بني إسرائيل} ، وأفاد أن بني إسرائيل قد بدَّلوا نعمة الله تعالى فدل ذلك على أن الآيات التي أوتيها بنو إسرائيل هي نعم عليهم وإلاَّ لما كان لتذييل خبرهم بحكم من يبدِّل نعم الله مناسبة وهذا مما يقصده البلغاء ، فيغني مثلُه في الكلام عن ذكر جمل كثيرة إيجازاً بديعاً من إيجاز الحذف وإيجاز القصر معاً ؛ لأنه يفيد مفاد أن يقال كم آتيناهم من آية بينة هي نعمة عليهم فلم يقدروها حق قدرها ، فبدلوا نعمة الله بضدها بعد ظهورها فاستحقوا العقاب ، لأن من يبدِّل نعمة الله فالله معاقبه ، ولأنه يفيد بهذا العموم حكماً جامعاً يشمل المقصودين وغيرَهم ممن يشبههم ولذلك يكون ذكر مثل هذا الكلام الجامع بعد حكم جزئي تقدمه في الأصل تعريضاً يشبه التصريح ، ونظيره أن يحدثك أحد بحديث فتقول فعل الله بالكاذبين كذا وكذا تريد أنه قد كذب فيما حدثك وإلاّ لما كان لذلك الدعاء عند سماع ذلك الحديث موقع. أ هـ {التحرير والتنوير حـ 2 صـ 291}\rقال ابن الجوزى : \rوفي معنى تبديلها ثلاثة أقوال. أحدها : أنه الكفر بها ، قاله أبو العالية ومجاهد.\rوالثاني : تغيير صفة النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ في التوراة. قاله أبو سليمان الدمشقي.","part":5,"page":174},{"id":1911,"text":"والثالث : تعطيل حجج الله بالتأويلات الفاسدة. أ هـ {زاد المسير حـ 1 صـ 227}\rقال الفخر : \rفي نعمة الله ههنا قولان أحدهما : أن المراد آياته ودلائله وهي من أجل أقسام نعم الله لأنها أسباب الهدى والنجاة من الضلالة ، ثم على هذا القول في تبديلهم إياها وجهان فمن قال المراد بالآية البينة معجزات موسى عليه السلام ، قال : المراد بتبديلها أن الله تعالى أظهرها لتكون أسباب هداهم فجعلوها أسباب ضلالاتهم كقوله : {فَزَادَتْهُمْ رِجْسًا إلى رِجْسِهِمْ} {التوبة : 125 ] ومن قال : المراد بالآية البينة ما في التوراة والإنجيل من دلائل نبوة محمد عليه السلام ، قال : المراد من تبديلها تحريفها وإدخال الشبهة فيها.\rوالقول الثاني : المراد بنعمة الله ما آتاهم الله من أسباب الصحة والأمن والكفاية والله تعالى هو الذي أبدل النعمة بالنقمة لما كفروا ، ولكن أضاف التبديل إليهم لأنه سبب من جهتهم وهو ترك القيام بما وجب عليهم من العمل بتلك الآيات البينات. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 6 صـ 4}\rسؤال : لم أثبت للآيات أنها نعم ؟ \rالجواب : وإنما أثبت للآيات أنها نعم لأنها إن كانت دلائل صدق الرسول فكونها نعماً لأن دلائل الصدق هي التي تهدي الناس إلى قبول دعوة الرسول عن بصيرة لمن لم يكن اتبعه ، وتزيد الذين اتبعوه رسوخ إيمان قال تعالى : {فأما الذين آمنوا فزادتهم إيماناً} {التوبة : 124 ] وبذلك التصديق يحصل تلقى الشرع الذي فيه صلاح الدنيا والآخرة وتلك نعمة عاجلة وآجلة ، وإن كانت الآيات الكلامَ الدال على البشارة بالرسول فهي نعمة عليهم ، لأنها قصد بها تنوير سبيل الهداية لهم عند بعثة الرسول لئلا يترددوا في صدقه بعد انطباق العلامات التي ائتمنوا على حفظها. أ هـ {التحرير والتنوير حـ 2 صـ 291}\rسؤال : لم سمى الله تعالى كفر النعمة تبديلا لها ؟ ","part":5,"page":175},{"id":1912,"text":"الجواب : سمى الله تعالى كفر النعمة تبديلا لها ، لأن من أنعم الله عليه نعمة دينية أو دنيوية ، فلم يشكرها ، ولم يقم بواجبها ، اضمحلت عنه وذهبت ، وتبدلت بالكفر والمعاصي ، فصار الكفر بدل النعمة ، وأما من شكر الله تعالى ، وقام بحقها ، فإنها تثبت وتستمر ، ويزيده الله منها. أ هـ {تفسير السعدى صـ 95}\rقوله تعالى : {مِن بَعْدِ مَا جَاءَتْهُ }\rقال الفخر : \rأما قوله تعالى : {مِن بَعْدِ مَا جَاءَتْهُ} فإن فسرنا النعمة بإيتاء الآيات والدلائل كان المراد من قوله : {مِن بَعْدِ مَا جَاءَتْهُ} أي من بعد ما تمكن من معرفتها ، أو من بعد ما عرفها كقوله تعالى : {ثُمَّ يُحَرّفُونَهُ مِن بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ وَهُمْ يَعْلَمُونَ} {البقرة : 75 ] لأنه إذا لم يتمكن من معرفتها أو لم يعرفها ، فكأنها غائبة عنه ، وإن فسرنا النعمة بما يتعلق بالدنيا من الصحة والأمن والكفاية ، فلا شك أن عند حصول هذه الأسباب يكون الشكر أوجب فكان الكفر أقبح ، فلهذا قال : {فَإِنَّ الله شَدِيدُ العقاب }. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 6 صـ 4}\rفائدة\rقال ابن عاشور : \rوقوله : {من بعد ما جاءته} المجيء فيه كناية عن الوضوح والمشاهدة والتمكن ، لأنها من لوازم المجيء عرفاً.","part":5,"page":176},{"id":1913,"text":"وإنما جعل العقاب مترتباً على التبديل الواقع بعد هذا التمكن للدلالة على أنه تبديل عن بصيرة لا عن جهل أو غلط كقوله تعالى فيما تقدم : {ثم يحرقونه من بعد ما عقلوه وهم يعلمون} {البقرة : 75 ]. وحذف ما بدل به النعمة ليشمل جميع أحوال التبديل من كتم بعضها والإعراض عن بعض وسوء التأويل. والعقاب ناشىء عن تبديل تلك النعم في أوصافها أو في ذواتها ، ولا يكون تبديلها إلاّ لقصد مخالفتها ، وإلاّ لكان غير تبديل بل تأييداً وتأويلاً ، بخلاف قوله تعالى : {ألم تر إلى الذين بدلوا نعمت الله كفراً} {إبراهيم : 28 ] لأن تلك الآية لم يتقدم فيها ما يؤذن بأن النعمة ما هي ولا تؤذن بالمستبدل به هنالك فتعين التصريح بالمستبدل به ، والمبدلون في تلك الآية غير المراد من المبدلين في هذه ، لأن تلك في كفار قريش بدليل قوله بعدها : {وجعلوا لله أنداداً} {إبراهيم : 30 ]. أ هـ {التحرير والتنوير حـ 2 صـ 292}\rقوله تعالى : {فَإِنَّ الله شَدِيدُ العقاب }\rقال الواحدي رحمه الله تعالى : وفيه إضمار ، والمعنى شديد العقاب له ، وأقول : بين عبد القاهر النحوي في كتاب \"دلائل الإعجاز\" أن ترك هذا الإضمار أولى ، وذلك لأن المقصود من الآية التخويف بكونه في ذاته موصوفاً بأنه شديد العقاب ، من غير التفات إلى كونه شديد العقاب لهذا أو لذلك ، ثم قال الواحدي رحمه الله : والعقاب عذاب يعقب الجرم. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 6 صـ 5}\rوقال ابن عاشور : ","part":5,"page":177},{"id":1914,"text":"وقوله : {فإن الله شديد العقاب} دليل جواب الشرط وهو علته ، لأن جعل هذا الحكم العام جواباً للشرط يعلم منه أن من ثبت له فعل الشرط يدخل في عموم هذا الجواب ، فكون الله شديد العقاب أمر محقق معلوم فذِكره لم يقصد منه الفائدة لأنها معلومة بل التهديد ، فعلم أن المقصود تهديد المبدِّل فدل على معنى : فالله يعاقبه ، لأن الله شديد العقاب ، ومعنى شدة عقابه : أنه لا يفلت الجاني وذلك لأنه القادر على العقاب ، وقد جُوّز أن يكون فإن الله شديد العقاب نفسَ جواب الشرط بجعل أل في العقاب عوضاً عن الضمير المضاف إليه أي شديدُ معاقبِته.\rوإظهار اسم الجلالة هنا مع أن مقتضى الظاهر أن يقال : فإنه شديد العقاب ، لإدخال الرَّوْع في ضمير السامع وتربية المهابة ، ولتكون هذه الجملة كالكلام الجامع مستقلاً بنفسه ، لأنها بمنزلة المثل أمر قد علمه الناس من قبل ، والعقاب هو الجزاء المؤلم عن جناية وجرم ، سمي عقاباً لأنه يعقب الجناية. أ هـ {التحرير والتنوير حـ 2 صـ 293}\rفائدة\rقال أبو حيان : \rذكر بعض من جمع في التفسير : أن هذه الآية : {سل بني إسرائيل} مؤخرة في التلاوة ، مقدمة في المعنى ، والخطاب للنبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ ، قال : والتقدير : فإن زللتم إلى آخر الآية : سل يا محمد بني إسرائيل كم آتيناهم من آية بينة فما اعتبروا ولا أذعنوا إليها ، هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله ؟ أي : أنهم لا يؤمنون حتى يأتيهم الله. انتهى.","part":5,"page":178},{"id":1915,"text":"ولا حاجة إلى ادّعاء التقديم والتأخير ، بل هذه الآية على ترتبها أخذ بعضها بعنق بعض ، متلاحمة التركيب ، واقعة مواقعها ، فالمعنى : أنهم أمروا أن يدخلوا في الإسلام ، ثم أخبروا أن من زلّ جازاه الله العزيز الذي لا يغالب ، الحكيم الذي يضع الأشياء مواضعها ، ثم قيل : لا ينتظرون في إيمانهم إلاَّ ظهور آيات بينات ، عناداً منهم ، فقد أتتهم الآيات ، ثم سلَّى نبيه ـ صلى الله عليه وسلم ـ في استبطاء إيمانهم مع ما أتى به لهم من الآيات ، بقوله : {سل بني إسرائيل كم آتيناهم من آية بينة} فما آمنوا بها بل بدلوا وغيروا ، ثم توعد من بدل نعمة الله بالعقاب الشديد ، فأنت ترى هذه المعاني متناسقة مرتبة الترتيب المعجز ، باللفظ البليغ الموجز ، فدعوى التقديم والتأخير المختص بضرورة الأشعار ، وبنظم ذوي الانحصار ، منزه عنها كلام الواحد القهار. أ هـ {البحر المحيط حـ 2 صـ 138}\rفائدة أخرى\rقال ابن التمجيد وتبديل النعمة جرم بغير علم ومع العلم أشد جرما ولذلك كان وعيد العلماء المقصرين أشد من الجاهلين بالأحكام لأن الجهل قد يعذر به وان كان الاعتذار به غير مقبول فى باب التكاليف. أ هـ {روح البيان حـ 1 صـ 405 ـ 406}","part":5,"page":179},{"id":1916,"text":"قوله تعالى : {زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَيَسْخَرُونَ مِنَ الَّذِينَ آَمَنُوا وَالَّذِينَ اتَّقَوْا فَوْقَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ (212)}\rمناسبة الآية لما قبلها\rقال البقاعى : \rولما تقدم من الأمر بالسلم والتهديد على الزلل عنه ما يقتضي لزومه حتماً كان كأنه قيل : ما فعل من خوطب بهذه الأوامر وقمع بتلك الزواجر ؟ فقيل : أبى أكثرهم ، فقيل : إن هذا لعجب! ما الذي صدهم ؟ فقيل : تقدير العزيز الذي لا يخالف مراده الحكيم الذي يدق عن الأفكار استدراجه ، فقيل : كيف يتصور من العاقل كفر النعمة ؟ فبين أن سبب ذلك غالباً الترفع والتعظم والكبر والبطر فرحاً بما في اليد وركوناً إليه وإعراضاً عما خبىء في خزائن الله في حجب القدرة فقال مستأنفاً بانياً للمفعول دلالة على ضعف عقولهم بأنهم يغترون بكل مزين {زين} قال الحرالي : من التزيين بما منه الزينة. وهي بهجة العين التي لا تخلص إلى باطن المزين - انتهى. {للذين كفروا} حتى بدلوا النعمة {الحياة الدنيا} لحضورها فألهتهم عن غائب الآخرة. قال الحرالي : ففي ضمنه إشعار بأن استحسان بهجة الدنيا كفر ما من حيث إن نظر العقل والإيمان يبصر طيتها ويشهد جيفتها فلا يغتر بزينتها وهي آفة الخلق في انقطاعهم عن الحق ، وأبهم تعالى المزين في هذه الآية ليشمل أدنى التزيين الواقع على لسان الشيطان وأخفى التزيين الذي يكون من استدراج الله كما في قوله تعالى : {كذلك زينا لكل أمة عملهم} {الأنعام : 108 ].","part":5,"page":180},{"id":1917,"text":"ولما ذكر ذلك بين حالهم عنده فقال : {ويسخرون} أي والحال أنهم لا يزالون يسخرون أي يوقعون السخرية ، وهي استزراء العقل هزؤاً. وقال الحرالي : هي استزراء العقل معنى بمنزلة الاستسخار في الفعل حساً {من الذين آمنوا} لما هم فيه من الضعف والحاجة لإعراضهم عن الدنيا رغبة فيما عند الله لما وهبهم الله سبحانه وتعالى من العلم الخارق لتلك الحجب الكاشف لأستار المغيب ولأن الله يزوي عنهم الدنيا ويحميهم منها رغبة بهم عنها لكرامتهم عليه كما يحمي الإنسان حبيبه الطعام والشراب إن كان مريضاً لكرامته عليه فصار الكفار بهذا التزيين مع ما بوأناهم من الهوان بأنواع التهديد التي لا مرية في قدرتنا عليها مشغولين بلعاعة من العيش فهم راضون بأحوالهم مسرورون بها بحيث إنهم لا ينظرون في عاقبة بل مع الحالة الراهنة فيهزؤون بأهل الحق متعامين عن البينات معرضين عن التهديد تاركين الاستبصار بأحوال بني إسرائيل. أ هـ {نظم الدرر حـ 1 صـ 392}\rقال الفخر : \rاعلم أنه تعالى لما ذكر من قبل حال من يبدل نعمة الله من بعدما جاءته وهم الكفار الذين كذبوا بالدلالة والأنبياء وعدلوا عنها أتبعه الله تعالى بذكر السبب الذي لأجله كانت هذه طريقتهم فقال : {زُيّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُواْ الحياة الدنيا} ومحصول هذا الكلام تعريف المؤمنين ضعف عقول الكفار والمشركين في ترجيح الفاني من زينة الدنيا على الباقي من درجات الآخرة. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 6 صـ 5}\rسؤال : لم حُذِف فاعل التزيين ؟ ","part":5,"page":181},{"id":1918,"text":"الجواب : وحُذِف فاعل التزيين لأن المزيِّن لهم أمورٌ كثيرة : منها خلْقُ بعض الأشياء حسنة بديعة كمحاسن الذوات والمناظر ، ومنها إلقاء حُسن بعض الأشياء في نفوسهم وهي غير حسنة كقتل النفس ، ومنها إعراضهم عمن يدعوهم إلى الإقبال على الأمور النافعة حتى انحصرت هممهم في التوغل من المحاسن الظاهرة التي تحتها العار لو كان بادياً ، ومنها ارتياضهم على الانكباب على اللذات دون الفكر في المصالح ، إلى غير ذلك من أمور يصلح كل منها أن يُعدَّ فاعلاً للتزيين حقيقة أو عرفاً ، فلأجل ذلك طوي ذكر هذا الفاعل تجنباً للإطالة.\rويجوز أن يكون حذف الفاعل لدقته ، إذ المزيِّن لهم الدنيا أمر خفي فيُحتاج في تفصيله إلى شرح في أخلاقهم وهو ما اكتسبته نفوسهم من التعلق باللذات وبغيرها من كل ما حملهم على التعلق به التنافسُ أو التقليدُ حتى عَمُوا عما في ذلك من الأضرار المخالطة للذَّات أو من الأضرار المختصة المغَشَّاة بتحسين العادات الذميمة ، وحملهم على الدوام عليه ضعفُ العزائم الناشىء عن اعتياد الاسترسال في جلب الملائمات دون كبح لأزمة الشهوات ، ولأجل اختصاصهم بهذه الحالة دون المؤمنين ودون بعض أهل الكتاب الذين ربَّتْ الأديان فيهم عزيمة مقاومةِ دعوة النفوس الذميمة بتعريفهم ما تشتمل عليه تلك اللذات من المذمات وبأمرهم بالإقلاع عن كل ما فيه ضر عاجل أو آجل حتى يجردوها عنها إن أرادوا تناولها وينبذوا ما هو ذميمة محضة ، وراضتهم على ذلك بالبشائر والزواجر حتى صارت لهم ملكة ، فلذلك لم تزين الدنيا لهم ، لأن زينتها عندهم ومعرضة للحكم عليها بالإثبات تارة وبالنفي أخرى ، فإن من عرف ما في الأمر الزين ظاهرُه من الإضرار والقبائح انقلب زينه عنده شَينا. أ هـ {التحرير والتنوير حـ 2 صـ 294}\rسؤال : لم لم يقل : زينت ؟ ","part":5,"page":182},{"id":1919,"text":"الجواب : إنما لم يقل : زينت لوجوه أحدها : وهو قول الفراء : أن الحياة والإحياء واحد ، فإن أنث فعلى اللفظ ، وإن ذكر فعلى المعنى كقوله : {فَمَن جَاءهُ مَوْعِظَةٌ مّنْ رَّبّهِ} {البقرة : 275 ] ، {وَأَخَذَ الذين ظَلَمُواْ الصيحة} {هود : 67 ] وثانيها : وهو قول الزجاج أن تأنيث الحياة ليس بحقيقي ، لأنه ليس حيواناً بإزائه ذكر ، مثل امرأة ورجل ، وناقة وجمل ، بل معنى الحياة والعيش والبقاء واحد فكأنه قال : زين للذين كفروا الحياة الدنيا والبقاء وثالثها : وهو قول ابن الأنباري : إنما لم يقل : زينت ، لأنه فصل بين زين وبين الحياة الدنيا ، بقوله : {لِلَّذِينَ كَفَرُواْ} وإذا فصل بين فعل المؤنث وبين الاسم بفاصل ، حسن تذكير الفعل ، لأن الفاصل يغني عن تاء التأنيث.\rأ هـ {مفاتيح الغيب حـ 6 صـ 5}\rسؤال : لم خُص التزيين بهم ؟ \rالجواب : خُص التزيين بهم ، إذ المراد من قوله : {زين للذين كفروا} ذمُّهم والتحذير من خلقهم ، ولهذا لزم حمل التزيين على تزييين يعد ذماً ، فلزم أن يكون المراد منه تزييناً مشوباً بما يجعل تلك الزينة مذمة ، وإلاّ فإن أصل تزيين الحياة الدنيا المقتضي للرغبة فيما هو زينُ أمرٍ ليس بمذموم إذا روعى فيه ما أوصى الله برعيه قال تعالى : \r{ قل من حرم زينة الله التي أخرج لعباده والطيبات من الرزق} {الأعراف : 32 ].\rوقد استقريْتُ مواقع التزيين المذموم فحصرتها في ثلاثة أنواع : الأول ما ليس بزين أصلاً لا ذاتاً ولا صفة ، لأن جميعه ذم وأذى ولكنه زين للناس بأوهام وخواطر شيطانية وتخييلات شعرية كالخمر.\rالثاني ما هو زين حقيقة لكن له عواقب تجعله ضراً وأذى كالزنا.\rالثالث ما هو زين لكنه يحف به ما يصيره ذميماً كنجدة الظالم وقد حضر لي التمثيل لثلاثتها بقول طرفة : \rولولا ثلاثٌ هُنَّ من عيشة الفتى... وجَدِّك لم أَحْفَلْ متى قام عُوَّدِي","part":5,"page":183},{"id":1920,"text":"فمنهن سَبْقي العاذِلاَت بشَربة... كُمَيْتتٍ متى ما تُعْلَ بالماءِ تُزْبِدِ\rوتقصيرُ يوم الدَّجْننِ والدَّجْنُ مُعْجِبٌ... بَبْهكَنَةٍ تحتَ الخِبَاءِ المُعَمَّد\rوكَرِّي إذا نادَى المضافُ مُجَنَّباً... كَسِيدِ الغَضَا نَبَّهْتَه المُتَوَرِّدِ. أ هـ {التحرير والتنوير حـ 2 صـ 295}\rوقال القرطبى : \rوخص الذين كفروا بالذكر لقبولهم التزيين جملة ؛ وإقبالهم على الدنيا وإعراضهم عن الآخرة بسببها. وقد جعل الله ما على الأرض زينة لها ليبلو الخلق أيهم أحسن عملاً ؛ فالمؤمنون الذين هم على سنن الشرع لم تفتنهم الزينة ، والكفار تملكتهم لأنهم لا يعتقدون غيرها. وقد قال أبو بكر الصِّدّيق رضي الله عنه حين قُدم عليه بالمال : اللّهمّ إنا لا نستطيع إلا أن نفرح بما زيّنت لنا. أ هـ {تفسير القرطبى حـ 3 صـ 29}\rسبب نزول الآية\rقال الفخر : \rذكروا في سبب النزول وجوهاً : \rفالرواية الأولى : قال ابن عباس : نزلت في أبي جهل ورؤساء قريش ، كانوا يسخرون من فقراء المسلمين ، كعبد الله بن مسعود ، وعمار ، وخباب ، وسالم مولى أبي حذيفة ، وعامر بن فهيرة وأبي عبيدة بن الجراح بسبب ما كانوا فيه من الفقر والضرر والصبر على أنواع البلاء مع أن الكفار كانوا في التنعم والراحة.\rوالرواية الثانية : نزلت في رؤساء اليهود وعلمائهم من بني قريظة والنضير وبني قينقاع ، سخروا من فقراء المسلمين المهاجرين ، حيث أخرجوا من ديارهم وأموالهم.\rوالرواية الثالثة : قال مقاتل : نزلت في المنافقين عبد الله بن أبي وأصحابه ، كانوا يسخرون من ضعفاء المسلمين وفقراء المهاجرين ، واعلم أنه لا مانع من نزولها في جميعهم.\rأ هـ {مفاتيح الغيب حـ 6 صـ 6}\rفصل\rقال الفخر : ","part":5,"page":184},{"id":1921,"text":"اختلفوا في كيفية هذا التزيين ، أما المعتزلة فذكروا وجوهاً أحدها : قال الجبائي : المزين هو غواة الجن والإنس ، زينوا للكفار الحرص على الدنيا ، وقبحوا أمر الآخرة في أعينهم ، وأوهموا أن لا صحة لما يقال من أمر الآخرة ، فلا تنغصوا عيشتكم في الدنيا قال : وأما الذي يقوله المجبرة من أنه تعالى زين ذلك فهو باطل ، لأن المزين للشيء هو المخبر عن حسنه فإن كان المزين هو الله تعالى ، فإما أن يكون صادقاً في ذلك التزين ، وإما أن يكون كاذباً ، فإن كان صادقاً وجب أن يكون مازينه حسناً ، فيكون فاعله المستحسن له مصيباً وذلك يوجب أن الكافر مصيب في كفره ومعصيته ، وهذا القول كفر ، وإن كان كاذباً في ذلك التزيين أدى ذلك إلى أن لا يوثق منه تعالى بقول ولا خبر ، وهذا أيضاً كفر ، قال : فصح أن المراد من الآية أن المزين هو الشيطان ، هذا تمام كلام أبي علي الجبائي في \"تفسيره\".\r","part":5,"page":185},{"id":1922,"text":"وأقول هذا ضعيف لأن قوله تعالى : {زُيّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُواْ} يتناول جميع الكفار ، فهذا يقتضي أن يكون لجميع الكفار مزين ، والمزين لجميع الكفار لا بد وأن يكون مغايراً لهم ، إلا أن يقال : إن كل واحد منهم كان يزين للآخر ، وحينئذ يصير دوراً فثبت أن الذين يزين الكفر لجميع الكفار لا بد وأن يكون مغايراً لهم ، فبطل قوله : إن المزين هم غواة الجن والإنس ، وذلك لأن هؤلاء الغواة داخلون في الكفار أيضاً ، وقد بينا أن المزين لا بد وأن يكون غيرهم ، فثبت أن هذا التأويل ضعيف ، وأما قوله : المزين للشيء هو المخبر عن حسنه فهذا ممنوع ، بل المزين من يجعل الشيء موصوفاً بالزينة ، وهي صفات قائمة بالشيء باعتبارها يكون الشيء مزيناً ، وعلى هذا التقدير سقط كلامه ، ثم إن سلمنا أن المزين للشيء هو المخبر عن حسنه ، فلم لا يجوز أن يقال : الله تعالى أخبر عن حسنه ، والمراد أنه تعالى أخبر عما فيها من اللذات والطيبات والراحات ، والإخبار عن ذلك ليس بكذب ، والتصديق بها ليس بكفر ، فسقط كلام أبي علي في هذا الباب بالكلية.\rالتأويل الثاني : قال أبو مسلم : يحتمل في {زُيّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُواْ} أنهم زينوا لأنفسهم والعرب يقولون لمن يبعد منهم : أين يذهب بك لا يريدون أن ذاهباً ذهب به وهو معنى قوله تعالى في الآي الكثيرة : {أنى يُؤْفَكُونَ} {المائدة : 75 ، التوبة : 30 ، المنافقون : 4 ] ، {أنى يُصْرَفُونَ} {غافر : 69 ] إلى غير ذلك ، وأكده بقوله تعالى : {ياأيها الذين ءَامَنُواْ لاَ تُلْهِكُمْ أموالكم وَلاَ أولادكم عَن ذِكْرِ الله} {المنافقون : 9 ] فأضاف ذلك إليهما لما كانا كالسبب ، ولما كان الشيطان لا يملك أن يحمل الإنسان على الفعل قهراً فالإنسان في الحقيقة هو الذي زين لنفسه ، واعلم أن هذا ضعيف ، وذلك لأن قوله : {زُيّنَ} يقضي أن مزيناً زينه ، والعدول عن الحقيقة إلى المجاز غير ممكن.\r","part":5,"page":186},{"id":1923,"text":"التأويل الثالث : أن هذا المزين هو الله تعالى ويدل على صحة هذا التأويل وجهان أحدهما : قراءة من قرأ {زُيّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُواْ الحياة الدنيا} على البناء للفاعل الثاني : قوله تعالى : {إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الأرض زِينَةً لَّهَا لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُم أَحْسَنُ عَمَلاً} {الكهف : 7 ] ثم القائلون بهذا التأويل ذكروا وجوهاً الأول : يمتنع أن يكون تعالى هو المزين بما أظهره في الدنيا من الزهرة والنضارة والطيب واللذة ، وإنما فعل ذلك ابتلاء لعباده ، ونظيره قوله تعالى : {زُيّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشهوات} {آل عمران : 14 ] إلى قوله : {قُلْ أَؤُنَبّئُكُمْ بِخَيْرٍ مّن ذلكم لِلَّذِينَ اتقوا عِندَ رَبّهِمْ جنات} {آل عمران : 15 ] وقال أيضاً : {المال والبنون زِينَةُ الحياة الدنيا والباقيات الصالحات خَيْرٌ عِندَ رَبّكَ ثَوَابًا وَخَيْرٌ أَمَلاً }\r[ الكهف : 46 ] وقالوا : فهذه الآيات متوافقة ، والمعنى في الكل أن الله جل جلاله جعل الدنيا دار ابتلاء وامتحان ، فركب في الطباع الميل إلى اللذات وحب الشهوات لا على سبيل الإلجاء الذي لا يمكن تركه ، بل على سبيل التحبيب الذي تميل إليه النفس مع إمكان ردها عنه ليتم بذلك الإمتحان ، وليجاهد المؤمن هواه فيقصر نفسه على المباح ويكفها عن الحرام الثاني : أن المراد من التزيين أنه تعالى أمهلهم في الدنيا ، ولم يمنعهم عن الإقبال عليها ، والحرص الشديد في طلبها ، فهذا الإمهال هو المسمى بالتزيين.\r","part":5,"page":187},{"id":1924,"text":"واعلم أن جملة هذه الوجوه التي نقلناها عن المعتزلة يتوجه عليها سؤال واحد وهو أن حصول هذه الزينة في قلوب الكفار لا بد له من محدث وإلا فقد وقع المحدث لا عن مؤثر وهذا محال ثم هذا التزيين الحاصل في قلوب الكفار هل رجح جانب الكفر والمعصية على جانب الإيمان والطاعة أو ما رجح فإن لم يرجح ألبتة بل الإنسان مع حصول هذه الزينة في قلبه كهو لا مع حصولها في قلبه فهذا يمنع كونه تزييناً في قلبه ، والنص دل على أنه حصل هذا التزيين ، وإن قلنا بأن حصول هذا التزيين في قلبه يرجح جانب الكفر والمعصية ، على جانب الإيمان والطاعة ، فقد زال الاختيار لأن حال الإستواء لما امتنع حصول الرجحان ، فحال صيرورة أحد الطرفين مرجوحاً كان أولى بامتناع الوقوع ، وإذا صار المرجح ممتنع الوقوع صار الراجح واجب الوقوع ، ضرورة أنه لا خروج عن النقيضين فهذا هو توجيه السؤال ومعلوم أنه لا يندفع بالوجوه التي ذكرها هؤلاء المعتزلة.\r","part":5,"page":188},{"id":1925,"text":"الوجه الثالث : في تقرير هذا التأويل أن المراد : أن الله تعالى زين من الحياة الدنيا ما كان من المباحات دون المحظورات ، وعلى هذا الوجه سقط الإشكال ، وهذا أيضاً ضعيف ، وذلك لأن الله تعالى خص بهذا التزيين الكفار ، وتزيين المباحات لا يختص به الكافر ، فيمتنع أن يكون المراد بهذا التزيين تزيين المباحات ، وأيضاً فإن المؤمن إذا تمتع بالمباحات من طيبات الدنيا يكون تمتعه بها مع الخوف والوجل من الحساب في الآخرة فهو وإن كثر ماله وجاهه فعيشه مكدر منغص ، وأكثر غرضه أجر الآخرة وإنما يعد الدنيا كالوسيلة إليها ، وليس كذلك الكافر ، فإنه وإن قلت ذات يده فسروره بها يكون غالباً على ظنه ، لاعتقاده أنها كمال المقصود دون غيرها ، وإذا كان هذا حاله صح أنه ليس المراد من الآية تزيين المباحات ، وأيضاً أنه تعالى أتبع تلك الآية بقوله : {وَيَسْخَرُونَ مِنَ الذين ءَامَنُواْ} وذلك مشعر بأنهم كانوا يسخرون منهم في تركهم اللذات المحظورة ، وتحملهم المشاق الواجبة ، فدل على أن ذلك التزيين ما وقع في المباحات بل وقع في المحظورات.\rوأما أصحابنا فإنهم حملوا التزيين على أنه تعالى خلق في قلبه إرادة الأشياء والقدرة على تلك الأشياء ، بل خلق تلك الأفعال والأحوال ، وهذا بناء على أن الخالق لأفعال العباد ليس إلا الله سبحانه ، وعلى هذا الوجه ظهر المراد من الآية. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 6 صـ 6 ـ 7}","part":5,"page":189},{"id":1926,"text":"( بصيرة فى الزين )\rالزِّينة : ما يُتزيَّن به. وكذلك الزِّيان. والزَّين : ضدّ الشَيْن ، والجمع أَزيان. وزانة وأَزانَه وأَزْيَنه بمعنى ، فتزَّين هو وازدان وازَّيَّنَ وازْيَانَّ وازْيَنَّ. وقمرٌ زَيَانٌ : حَسَنٌ ، وامرأَةٌ زائن : متزيّنة.\rوالزِّينة فى الحقيقة : ما لا يَشين الإِنسانَ فى شىءٍ من أَحواله ، لا فى الدُّنيا ولا فى الآخرة. فأَمّا ما يزينه فى حالة دون حالة فهو من وجهٍ شَيْن.\rوالزِّينة بالقول المجمل ثلاث : زينة نفسيّة ؛ كالعلم والاعتقادات الحسنة ، وزينة بدنيَّة ، كالقوّة وطول القامة وتناسب الأَعضاءِ. وزينة خارجيّة ؛ كالمال والجاه.\rوقوله تعالى : {حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ} هو من الزينة النفسيّة. وقوله : {قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ} حُمِل على الزِّينة الخارجيَّة ، وذلك أَنَّه قد رُوى أَنَّ أَقواماً كانوا يطوفون بالبيت عُراةً ، فنُهوا عن ذلك بهذا الآية. وقيل : بل زينة الله فى هذه الآية هى الكَرَم المذكور فى قوله : {إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عَندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ}.\rوقوله : {فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ فِي زِينَتِهِ} هى الزينة الدّنيوية : من الأَثاث والمال والجاه.\rوقد نسب الله - تعالى - تزيين الأَشياءِ إِلى نفسه فى مواضع ، وإِلى الشيطان فى مواضع ، وفى أَماكن ذكره عن مُسَمَّى فاعلُه. قال - تعالى - فى الإِيمان : {وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ} ، وفى الكفر : {زَيَّنَّا لَهُمْ أَعْمَالَهُمْ}. وممّا نسبه إِلى الشيطان : {وَإِذْ زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ}. ممّا لم يسمَّ فاعله : {زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ} ، {وَكَذلك زَيَّنَ لِكَثِيرٍ مِّنَ الْمُشْرِكِينَ قَتْلَ أَوْلاَدِهِمْ شُرَكَآؤُهُمْ} أَى زَيّنَهُ شركاؤهم.\r","part":5,"page":190},{"id":1927,"text":"وقوله : {وَزَيَّنَّا السَّمَآءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ} ، {إِنَّا زَيَّنَّا السَّمَآءَ الدُّنْيَا بِزِينَةٍ الْكَوَاكِبِ} ، {وَزَيَّنَّاهَا لِلنَّاظِرِينَ} إِشارة إِلى الزِّينة المدرَكة بالبصر للخاصّة والعامّة ، وإِلى الزينة المعقولة الَّتى تعرفها الخاصّة ، وذلك إِحكامها وسيرها.\rوتزيين الله تعالى للأَشياءِ قد يكون بإِداعها مزيَّنة كذلك. قال الشاعر : \r*الرّوض يزدان بالأَنوار فاغِمة * والحُرّ بالبرّ والإِحسان يزدانُ*\rوقال آخر : \r*وإِذا الدُرّ زان حُسْنَ وجوهٍ * كان للدُرّ حسنُ وجهك زينا*\rوقال : \r*لكلّ شيى حسن زينة * وزينة العاقل حسن الأَدب*\r*قد يشرِّف المرءُ بآدابه * يوماً وإِن كان وضيع النَّسب*\rوقد وردت الزِّينة فى القرآن على عشرين وجها : \rالأَول : زينة الدّنيا : {وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ}.\rالثَّانى : زينة بالملابس : {تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا} أَى ثيابها.\rالثالث : زينة ستر العورة : {خُذُواْ زِينَتَكُمْ عِندَ كُلِّ مَسْجِدٍ}.\rالرّابع : زينة قارُون بماله ورجاله : {فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ فِي زِينَتِهِ}.\rالخامس : زينة النّساء بالْحُلِىّ : {وَلاَ يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ} ، {مَا يُخْفِينَ مِن زِينَتِهِنَّ}.\rالسادس : زينة العجائز بالثياب الفاخرة : {غَيْرَ مُتَبَرِّجَاتِ بِزِينَةٍ}.\rالسابع : زينة العيد : {مَوْعِدُكُمْ يَوْمُ الزِّينَةِ}.\rالثامن : زينة عاريّة القِبْط : {حُمِّلْنَآ أَوْزَاراً مِّن زِينَةِ الْقَوْمِ}.\rالتاسع : زينة آل فرعون : {آتَيْتَ فِرْعَوْنَ وَمَلأَهُ زِينَةً}.\rالعاشر : زينة أَهل الدّنيا فيها : {الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا}.\rالحادى عشر : زينة المسافرين بالمراكب : {لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً}.\rالثانى عشر : زينة حبّ الشَّهوات : {زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ}, أَى حُسِّنَ فى أَعينهم وقلوبهم.\r","part":5,"page":191},{"id":1928,"text":"الثانى عشر أيضا : زينة العصيان فى أَعين ذو الخذلان : {أَفَمَن زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَناً}.\rالثالث عشر : زينة قتل الوِلدان : {وَكَذلك زَيَّنَ لِكَثِيرٍ مِّنَ الْمُشْرِكِينَ قَتْلَ أَوْلاَدِهِمْ شُرَكَآؤُهُمْ}.\rالرابع عشر : زينة الحياة لذوي الطغيان : {زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُواْ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا}.\rالخامس عشر : زينة أَحوال الماضين والباقين فى عيون الكفَّار استدراجاً لهم : {فَزَيَّنُواْ لَهُم مَّا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ}.\rالسادس عشر : زينة الشَّيطان الضلال لمتَّبعيه : {لأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ}. {فَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ}.\rالسابع عشر : زينة الله لأَعدائه خذلانهم : {زَيَّنَّا لَهُمْ أَعْمَالَهُمْ}.\rالثامن عشر : زينة السّماء لأُولى الأَبصار : {وَزَيَّنَّاهَا لِلنَّاظِرِينَ}.\rالتاسع عشر : زينة الأَرض بالنَّبات والرياحين : {أَخَذَتِ الأَرْضُ زُخْرُفَهَا وَازَّيَّنَتْ} أَى تلوّنت بالأَلوان.\rالعشرون : زينة الفَلَك بالكواكب : {زَيَّنَّا السَّمَآءَ الدُّنْيَا بِزِينَةٍ الْكَوَاكِبِ}.\rالحادى والعشرون : زينة الأَفلاك السّبع بالسّيّارات السّبع : {وَزَيَّنَّا السَّمَآءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ}.\r[الثانى والعشرون] : زينة الإِيمان فى قلوب العارفين : {وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ}.\rأُنشِدنا لبعض المحدَثين : \r*سبحان مَنْ زيّن الأَفلاك بالقمر * وزيّن الأَرض بالأَنهار والشَجَر*\r*لا كالسّراج والا كالشَّمس زاهرة * لا كالجواهر والياقوت والدُررِ*\r*وجَنَّة الخلد بالأَنوار زيَّنها * والقصرُ زيَّنه بالحُور والسُرُور*\r*وزيَّن النفس بالأَعضاءِ مستويا * والرأْس زيَّنه بالسمع والبصر*\r*وزيَّن القلبَ بالأَنوار نوّره * لا كالنجوم ولا كالشمس والقمر*. أ هـ {بصائر ذوى التمييز حـ 1 صـ 343ـ 345}","part":5,"page":192},{"id":1929,"text":"قوله تعالى : {وَالَّذِينَ اتَّقَوْا فَوْقَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ}\rالمناسبة\rقال البقاعى : \rولما كان الاستسخار بذوي الأقدار مراً وللنفوس مضراً قال تعالى مبشراً بانقلاب الأمر في دار الخلد مرغباً في التقوى بعد الإيمان : {والذين اتقوا} أي آمنوا خوفاً من الله تعالى ، فأخرج المنافقين والذين يمكن دخولهم في الجملة الماضية {فوقهم} في الرزق والرتبة والمكان بدليل {أفيضوا} {الأعراف : 50 ] وآية {إني كان لي قرين} {الصافات : 51 ] وكل أمر سار {يوم القيامة} فهم يضحكون منهم جزاء بما كانوا يفعلون. أ هـ {نظم الدرر حـ 1 صـ 393}\rقال الفخر : \rأما قوله تعالى : {وَيَسْخَرُونَ مِنَ الذين ءَامَنُواْ} فقد روينا في كيفية تلك السخرية وجوهاً من الروايات ، قال الواحدي : قوله : {وَيَسْخُرُونَ} مستأنف غير معطوف على زين ، ولا يبعد استئناف المستقبل بعد الماضي ، وذلك لأن الله أخبر عنهم بزين وهو ماض ، ثم أخبر عنهم بفعل يديمونه فقال : {وَيَسْخَرُونَ مِنَ الذين ءَامَنُواْ} ومعنى هذه السخرية أنهم كانوا يقولون هؤلاء المساكين تركوا لذات الدنيا وطيباتها وشهواتها ويتحملون المشاق والمتاعب لطلب الآخرة مع أن القول بالآخرة قول باطل ، ولا شك أنه لو بطل القول بالمعاد لكانت هذه السخرية لازمة أما لو ثبت القول بصحة المعاد كانت السخرية منقلبة عليهم لأن من أعرض عن الملك الأبدي بسبب لذات حقيرة في أنفاس معدودة لم يوجد في الخلق أحد أولى بالسخرية منه ، بل قال بعض المحققين الإعراض عن الدنيا ، والإقبال على الآخرة هو الحزم على جميع التقديرات فإنه إن بطل القول بالآخرة لم يكن الفائت إلا لذات حقيرة وأنفاساً معدودة وإن صح القول بالآخرة كان الإعراض عن الدنيا والإقبال على الآخرة أمراً متعيناً فثبت أن تلك السخرية كانت باطلة وأن عود السخرية عليهم أولى.\rأ هـ {مفاتيح الغيب حـ 6 صـ 7}\rوقال ابن عاشور : ","part":5,"page":193},{"id":1930,"text":"وجيء في فعل التزيين بصيغة الماضي وفي فعل السخرية بصيغة المضارع قضاءً لحقْي الدلالة على أن معنيين فعل التزيين أمر مستقر فيهم ؛ لأن الماضي يدل على التحقق ، وأن معنى {يسخرون} متكرر متجدد منهم ؛ لأن المضارع يفيد التجدد ويعلم السامع أن ما هو محقق بين الفعلين هو أيضاً مستمر ؛ لأن الشيء الراسخ في النفس لا تفتر عن تكريره ، ويعلم أن ما كان مستمراً هو أيضاً محقق ؛ لأن الفعل لا يستمر إلاّ وقد تمكن من نفس فاعله وسكنت إليه ، فيكون المعنى في الآية : زُيِّن للذين كفروا وتزين الحياة الدنيا وسخروا ويسخرون من الذين آمنوا ، وعلى هذا فإنما اختير لفعل التزيين خصوص المضي ولفعل السخرية خصوص المضارعة إيثاراً لكل من الصفتين بالفعل التي هي به أجدر ؛ لأن التزيين لما كان هو الأسبق في الوجود وهو منشأ السخرية أوثر بما يدل على التحقق ، ليدل على ملكةٍ واعتمد في دلالته على الاستمرار بالاستتباع ، والسخرية لما كانت مترتبة على التزيين وكان تكررها يزيد في الذم ، إذ لا يليق بذي المروءة السخرية بغيره ، أوثرت بما يدل على الاستمرار واعتمد في دلالتها على التحقق دلالة الالتزام ، لأن الشيء المستمر لا يكون إلاّ متحققاً. أ هـ {التحرير والتنوير حـ 2 صـ 296}\rوقوله : ويسخرون من الذين آمنوا عطف على جملة {زين للذين كفروا} إلخ ، وهذه حالة أعجب من التي قبلها وهي حالة التناهي في الغرور ؛ إذ لم يقتصروا على افتتانهم بزهرة الحياة الدنيا حتى سخروا بمن لم ينسج على منوالهم من المؤمنين الذين تركوا كثيراً من زهرة الحياة الدنيا لما هداهم الدين إلى وجوب ترك ذلك في أحوال وأنواع تنطوي على خبائث.","part":5,"page":194},{"id":1931,"text":"والسَخَر بفتحتين : كالفرح وقد تسكن الخاء تخفيفاً وفعله كفرح والسُّخرية الاسم ، وهو تعجب مشوب باحتقار الحال المتعجب منها ، وفعله قاصر لدلالته على وصف نفسي مثل عَجِب ، ويتعدى بمن جارَّة لصاحب الحال المتعجَّب منها فهي ابتدائية ابتداء معنوياً ، وفي لغة تعديته بالباء وهي ضعيفة. أ هـ {التحرير والتنوير حـ 2 صـ 297}\rقوله تعالى : {والذين اتقوا فَوْقَهُمْ يَوْمَ القيامة }\rقال القرطبى : ","part":5,"page":195},{"id":1932,"text":"قوله تعالى : {وَيَسْخَرُونَ مِنَ الذين آمَنُواْ} إشَارة إلى كفّار قريش ، فإنهم كانوا يعظِّمون حالهم من الدنيا ويغتبطون بها ، ويسخرون من أتباع محمد ـ صلى الله عليه وسلم ـ. قال ابن جُريج : في طلبهم الآخرة. وقيل : لفقرهم وإقلالهم ؛ كبلال وصُهيب وابن مسعود وغيرهم ؛ رضي الله عنهم. فنبّه سبحانه على خفض منزلتهم لقبيح فعلهم بقوله : {والذين اتقوا فَوْقَهُمْ يَوْمَ القيامة}. ورَوى عليّ أن النبيّ ـ صلى الله عليه وسلم ـ قال : \"من استذل مؤمناً أو مؤمنة أو حَقّره لفقره وقلة ذات يده شهره الله يوم القيامة ثم فضحه ومن بهت مؤمناً أو مؤمنة أو قال فيه ما ليس فيه أقامه الله تعالى على تَلّ من نار يوم القيامة حتى يخرج مما قال فيه وإن عِظَم المؤمن أعظم عند الله وأكرم عليه من مَلَك مقرَّب وليس شيء أحبَّ إلى الله من مؤمن تائب أو مؤمنة تائبة وإن الرجل المؤمن يعرف في السماء كما يعرف الرجل أهله وولده \"ثم قيل : معنى {والذين اتقوا فَوْقَهُمْ يَوْمَ القيامة} أي في الدرجة ؛ لأنهم في الجنة والكفّار في النار. ويحتمل أن يراد بالفوق المكان ؛ من حيث إن الجنة في السماء ، والنار في أسفل السافلين. ويحتمل أن يكون التفضيل على ما يتضمنه زعم الكفار ؛ فإنهم يقولون : وإن كان مَعادٌ فلنا فيه الحظ أكثر مما لكم ؛ ومنه حديث خبّاب مع العاص ابن وائل ؛ قال خبّاب : كان لي على العاص بن وائل دَيْن فأتيتُه أتقاضاه ؛ فقال لي : لن أقضيَك حتى تكفُرَ بمحمد ـ صلى الله عليه وسلم ـ. قال فقلت له : إني لن أكفر به حتى تموت ثم تُبعث. قال : وإني لمبعوثٌ مِن بعد الموت ؟ ا فسوف أقضيك إذا رجعتُ إلى مالٍ وولد. أ هـ {تفسير القرطبى حـ 3 صـ 29}","part":5,"page":196},{"id":1933,"text":"سؤال : فإن قلت : كيفما كان حظ المؤمنين من كثرة التقوى وقلتها إنهم فوق الذين كفروا يوم القيامة بالإيمان والمقام مقام التنويه بفضل المؤمنين فكان الأحق بالذكر هنا وصف \"الذين ءَامنوا\" قلت : وأما بيان مزية التقوى الذي ذكرته فله مناسبات أخرى.\rقلت في الآية تعريض بأن غير المتقين لا تظهر مزيتهم يوم القيامة وإنما تظهر بعد ذلك ، لأن يوم القيامة هو مبدأ أيام الجزاء فغير المتقين لا تظهر لهم التفوق يومئذٍ ، ولا يدركه الكفار بالحس قال تعالى : {فاتقوا النار التي وقودها الناس والحجارة أعدت للكافرين} {البقرة : 24 ] نعم تظهر مزيتهم بعد انقضاء ما قُدِّر لهم من العذاب على الذنوب. أ هـ {التحرير والتنوير حـ 2 صـ 297 ـ 298}\rفائدة\rقال أبو السعود : \rوإيثارُ الاسمية للدلالة على دوام مضمونِها. أ هـ {تفسير أبى السعود حـ 1 صـ 214}\rأسئلة وأجوبة للعلامة الفخر\rقال الفخر : \rأما قوله تعالى : {والذين اتقوا فَوْقَهُمْ يَوْمَ القيامة} ففيه سؤالات : \rالسؤال الأول : لم قال : {مّنَ الذين ءَامَنُوا} ثم قال : {والذين اتقوا} ؟ .\rالجواب : ليظهر به أن السعادة الكبرى لا تحصل إلا للمؤمن التقي ، وليكون بعثاً للمؤمنين على التقوى.\rالسؤال الثاني : ما المراد بهذه الفوقية ؟ .\rالجواب : فيه وجوه أحدها : أن يكون المراد بالفوقية الفوقية بالمكان ، لأن المؤمنين يكونون في عليين من السماء والكافرين يكونون في سجين من الأرض وثانيها : يحتمل أن يكون المراد بالفوقية الفوقية في الكرامة والدرجة.\rفإن قيل : إنما يقال : فلان فوق فلان في الكرامة ، إذا كان كل واحد منهما في الكرامة ثم يكون أحدهما أزيد حالاً من الآخر في تلك الكرامة ، والكافر ليس له شيء من الكرامة فكيف يقال : المؤمن فوقه في الكرامة.","part":5,"page":197},{"id":1934,"text":"قلنا : المراد أنهم كانوا فوقهم في سعادات الدنيا ثم في الآخرة ينقلب الأمر ، فالله تعالى يعطي المؤمن من سعادات الآخرة ما يكون فوق السعادات الدنيوية التي كانت حاصلة للكافرين ، وثالثها : أن يكون المراد : أنهم فوقهم في الحجة يوم القيامة ، وذلك لأن شبهات الكفار ربما كانت تقع في قلوب المؤمنين ، ثم إنهم كانوا يردونها عن قلوبهم بمدد توفيق الله تعالى ، وأما يوم القيامة فلا يبقى شيء من ذلك ، بل تزول الشبهات ، ولا تؤثر وساوس الشيطان ، كما قال تعالى : {إِنَّ الذين أَجْرَمُواْ كَانُواْ مِنَ الذين ءَامَنُواْ يَضْحَكُونَ} {المطففين : 29 ] إِلَى قَوله\r{ فاليوم الذين ءَامَنُواْ} {المطففين : 34 ] الآية ورابعها : أن سخرية المؤمنين بالكفار يوم القيامة فوق سخرية الكافرين بالمؤمنين في الدنيا لأن سخرية الكافر بالمؤمن باطلة ، وهي مع بطلانها منقضية ، وسخرية المؤمن بالكافر في الآخرة حقة ومع حقيتها هي دائمة باقية.\rالسؤال الثالث : هل تدل الآية على القطع بوعيد الفساد فإن لقائل أن يقول : إنه تعالى خص الذين اتقوا بهذه الفوقية فالذين لا يكونون موصوفين بالتقوى وجب أن لا تحصل لهم هذه الفوقية وإن لم تحصل هذه الفوقية كانوا من أهل النار.\rالجواب : هذا تمسك بالمفهوم ، فلا يكون أقوى في الدلالة من العمومات التي بينا أنها مخصوصة بدلائل العفو. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 6 صـ 8}\rقال ابن عاشور : ","part":5,"page":198},{"id":1935,"text":"وقوله : {والذين اتقوا فوقهم} أريد من الذين اتقوا المؤمنون الذين سخر منهم الذين كفروا ؛ لأن أولئك المؤمنين كانوا متقين ، وكان مقتضى الظاهر أن يقال وهم فوقهم لكن عُدل عن الإضمار إلى اسم ظاهر لدفع إيهام أن يغتر الكافرون بأن الضمير عائد إليهم ويضموا إليه كذباً وتلفيقاً كما فعلوا حين سمعوا قوله تعالى : {أفرءيتم اللات والعزى} {النجم : 19 ] إذ سجد المشركون وزعموا أن محمداً أثنى على آلهتهم. فعدل لذلك عن الإضمار إلى الإظهار ولكنه لم يكن بالاسم الذي سبق أعني ( الذين ءَامنوا ) لقصد التنبيه على مزية التقوى وكونها سبباً عظيماً في هذه الفوقية ، على عادة القرآن في انتهاز فرص الهدى والإرشاد ليفيد فضل المؤمنين على الذين كفروا ، وينبه المؤمنين على وجوب التقوى لتكون سبب تفوقهم على الذين كفروا يوم القيامة ، وأما المؤمنون غير المتقين فليس من غرض القرآن أن يعبأ بذكر حالهم ليكونوا دَوماً بين شدة الخوف وقليل الرجاء ، وهذه عادة القرآن في مثل هذا المقام.\rوالفوقية هنا فوقية تشريف وهي مجاز في تناهي الفضل والسيادة كما استعير التحت لحالة المفضول والمسخَّر والمملوك. وقيدت بيوم القيامة تنصيصاً على دوامها ، لأن ذلك اليوم هو مبدأ الحياة الأبدية. أ هـ {التحرير والتنوير حـ 2 صـ 298}\rقوله تعالى : {وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ}\rالمناسبة\rولما كان تبدل الأحوال قريباً عندهم من المحال كان كأنه قيل في تقريب ذلك : برزق من عند الله يرزقهموه {والله} بعز سلطانه وجلال عظمته وباهر كرمه {يرزق من يشاء} أي في الدنيا وفي الآخرة ولو كان أفقر الناس وأعجزهم. ولما كان الإعطاء جزافاً لا يكون إلا عن كثرة وبكثرة قال : {بغير حساب} أي رزقاً لا يحد ولا يعد ، لأن كل ما دخله الحد فهو محصور متناه يعد ، وفي هذه الأمة من لا يحاسبه الله على ما آتاه فهي في حقه على حقيقتها من هذه الحيثية.\rأ هـ {نظم الدرر حـ 1 صـ 393}\rقال الزمخشرى :\r{والله يَرْزُقُ مَن يَشَاء بِغَيْرِ حِسَابٍ} بغير تقدير ، يعني أنه يوسع على من توجب الحكمة التوسعة عليه (1) كما وسع على قارون وغيره ، فهذه التوسعة عليكم من جهة الله لما فيها من الحكمة وهي استدراجكم بالنعمة. ولو كانت كرامة لكان أولياؤه المؤمنون أحق بها منكم. أ هـ {الكشاف حـ 1 صـ 282}\r_________________\r(1) هذا الكلام مبنى على مذهب المعتزلة فى نظرية الصلاح والأصلح ومعلوم عند أهل السنة أن الله تعالى لا يجب عليه شىء ، والمسألة مشهورة فى علم الكلام.","part":5,"page":199},{"id":1936,"text":"قال ابن عاشور : \rوقوله : {والله يرزق من يشاء} إلخ تذييل قصد منه تعظيم تشريف المؤمنين يوم القيامة ، لأن التذييل لا بد أن يكون مرتبطاً بما قبله فالسامع يعلم من هذا التذييل معنى محذوفاً تقديره والذين اتقوا فوقهم فوقية عظيمة لا يحيط بها الوصف ، لأنها فوقية منحوها من فضل الله وفضلُ الله لا نهاية له ، ولأن من سخرية الذين كفروا بالذين آمنوا أنهم سخروا بفقراء المؤمنين لإقلالهم.\rوالحساب هنا حصر المقدار فنفي الحساب نفي لعلم مقدار الرزق ، وقد شاعت هذه الكنابة في كلام العرب كما شاع عندهم أن يقولوا يُعَدُّون بالأصابع ويحيط بها العد كناية عن القِلّة ومنه قولهم شيء لا يُحصى ولذلك صح أن ينفى الحساب هنا عن أمر لا يعقل حسابه وهو الفوقية وقال قيس بن الخطيم : \rما تمنعِي يقظي فقد تُؤْتينه... في النَّوْم غيرَ مُصَرَّدٍ محسوبِ. أ هـ {التحرير والتنوير حـ 2 صـ 298}\rكلام نفيس للعلامة الفخر\rقال رحمه الله : ","part":5,"page":200},{"id":1937,"text":"أما قوله تعالى : {والله يَرْزُقُ مَن يَشَاء بِغَيْرِ حِسَابٍ} فيحتمل أن يكون المراد منه ما يعطي الله المتقين في الآخرة من الثواب ، ويحتمل أن يكون المراد ما يعطي في الدنيا أصناف عبيده من المؤمنين والكافرين فإذا حملناه على رزق الآخرة احتمل وجوهاً أحدها : أنه يرزق من يشاء في الآخرة ، وهم المؤمنون بغير حساب ، أي رزقاً واسعاً رغداً لا فناء له ، ولا انقطاع ، وهو كقوله : {فَأُوْلَئِكَ يَدْخُلُونَ الجنة يُرْزَقُونَ فِيهَا بِغَيْرِ حِسَابٍ} {غافر : 40 ] فإن كل ما دخل تحت الحساب والحصر والتقدير فهو متناه ، فما لا يكون متناهياً كان لا محالة خارجاً عن الحساب وثانيها : أن المنافع الواصلة إليهم في الجنة بعضها ثواب وبعضها تفضل كما قال : {فَيُوَفّيهِمْ أُجُورَهُمْ وَيَزيدُهُمْ مّن فَضْلِهِ} {النساء : 173 ] فالفضل منه بلا حساب وثالثها : أنه لا يخاف نفادها عنده ، فيحتاج إلى حساب ما يخرج منه ، لأن المعطي إنما يحاسب ليعلم لمقدار ما يعطي وما يبقي ، فلا يتجاوز في عطاياه إلى ما يجحف به ، والله لا يحتاج إلى الحساب ، لأنه عالم غني لا نهاية لمقدوراته ورابعها : أنه أراد بهذا رزق أهل الجنة ، وذلك لأن الحساب إنما يحتاج إليه إذا كان بحيث إذا أعطى شيئاً انتقص قدر الواجب عما كان ، والثواب ليس كذلك فإنه بعد انقضاء الأدوار والأعصار يكون الثواب المستحق بحكم الوعد والفضل باقياً ، فعلى هذا لا يتطرق الحساب ألبتة إلى الثواب وخامسها : أراد أن الذي يعطي لا نسبة له إلى ما في الخزانة لأن الذي يعطي في كل وقت يكون متناهياً لا محالة ، والذي في خزانة قدرة الله غير متناه والمتناهي لا نسبة له إلى غير المتناهي فهذا هو المراد من قوله : {بِغَيْرِ حِسَابٍ} وهو إشارة إلى أنه لا نهاية لمقدورات الله تعالى وسادسها : {بِغَيْرِ حِسَابٍ} أي بغير استحقاق يقال لفلان على فلان حساب إذا كان له عليه حق ، وهذا يدل على أنه لا","part":5,"page":201},{"id":1938,"text":"يستحق عليه أحد شيئاً ، وليس لأحد معه حساب بل كل ما أعطاه فقد أعطاه بمجرد الفضل والإحسان ، لا بسبب الاستحقاق وسابعها : {بِغَيْرِ حِسَابٍ} أي يزيد على قدر الكفاية ، يقال : فلان ينفق بالحساب إذا كان لا يزيد على قدر الكفاية ، فأما إذا زاد عليه فإنه يقال : ينفق بغير حساب وثامنها : {بِغَيْرِ حِسَابٍ} أي يعطي كثيراً لأن ما دخله الحساب فهو قليل.\rواعلم أن هذه الوجوه كلها محتملة وعطايا الله لها منتظمة فيجوز أن يكون المراد كلها والله أعلم.\rأما إذا حملنا الآية على ما يعطي في الدنيا أصناف عباده من المؤمنين والكافرين ففيه وجوه : \r","part":5,"page":202},{"id":1939,"text":"أحدها : وهو أليق بنظم الآية أن الكفار إنما كانوا يسخرون من فقراء المسلمين لأنهم كانوا يستدلون بحصول السعادات الدنيوية على أنهم على الحق ويحرمون فقراء المسلمين من تلك السعادات على أنهم على الباطل ، فالله تعالى أبطل هذه المقدمة بقوله : {والله يَرْزُقُ مَن يَشَاء بِغَيْرِ حِسَابٍ} يعني أنه يعطي في الدنيا من يشاء من غير أن يكون ذلك منبئاً عن كون المعطي محقاً أو مبطلاً أو محسناً أو مسيئاً وذلك متعلق بمحض المشيئة ، فقد وسع الدنيا على قارون ، وضيقها على أيوب عليه السلام ، فلا يجوز لكم أيها الكفار أن تستدلوا بحصول متاع الدنيا لكم وعدم حصولها لفقراء المسلمين على كونكم محقين وكونهم مبطلين ، بل الكافر قد يوسع عليه زيادة في الاستدراج ، والمؤمن قد يضيق عليه زيادة في الابتلاء والامتحان ، ولهذا قال تعالى : {وَلَوْلاَ أَن يَكُونَ الناس أُمَّةً واحدة لَّجَعَلْنَا لِمَن يَكْفُرُ بالرحمن لِبُيُوتِهِمْ سُقُفاً مّن فِضَّةٍ} {الزخرف : 33 ] وثانيها : أن المعنى : أن الله يرزق من يشاء في الدنيا من كافر ومؤمن بغير حساب يكون لأحد عليه ، ولا مطالبة ، ولا تبعة ، ولا سؤال سائل ، والمقصود منه أن لا يقول الكافر : لو كان المؤمن على الحق فلم لم يوسع عليه في الدنيا ؟ وأن لا يقول المؤمن إن كان الكافر مبطلاً فلم وسع عليه في الدنيا ؟ بل الإعتراض ساقط ، والأمر أمره ، والحكم حكمه {لاَ يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْئَلُونَ} {الأنبياء : 23 ] وثالثها : قوله : {بِغَيْرِ حِسَابٍ} أي من حيث لا يحتسب كما يقول الرجل إذا جاءه ما لم يكن في تقديره : لم يكن هذا في حسابي ، فعلى هذا الوجه يكون معنى الآية : أن هؤلاء الكفار وإن كانوا يسخرون من الذين آمنوا لفقرهم ، فالله تعالى قد يرزق من يشاء من حيث لا يحتسب ، ولعله يفعل ذلك بالمؤمنين ، \r","part":5,"page":203},{"id":1940,"text":"قال القفال رحمه الله : وقد فعل ذلك بهم فأغناهم بما أفاء عليهم من أموال صناديد قريش ورؤساء اليهود ، وبما فتح على رسوله ـ صلى الله عليه وسلم ـ بعد وفاته على أيدي أصحابه حتى ملكوا كنوز كسرى وقيصر. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 6 صـ 9 ـ 10}\rسؤال : فإن قيل : قد قال تعالى في صفة المتقين وما يصل إليهم {عَطَاء حِسَاباً} {النبأ : 36 ] أليس ذلك كالمناقض لما في هذه الآية.\rقلنا : أما من حمل قوله : {بِغَيْرِ حِسَابٍ} على التفضل ، وحمل قوله : {عَطَاء حِسَاباً} على المستحق بحسب الوعد على ما هو قولنا ، أو بحسب الاستحقاق على ما هو قول المعتزلة ، فالسؤال ساقط ، وأما من حمل قوله : {بِغَيْرِ حِسَابٍ} على سائر الوجوه ، فله أن يقول : إن ذلك العطاء إذا كان يتشابه في الأوقات ويتماثل ، صح من هذا الوجه أن يوصف بكونه عطاء حساباً ، ولا ينقضه ما ذكرناه في معنى قوله : {بِغَيْرِ حِسَابٍ }. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 6 صـ 10}\rوأجاب الماوردى عن هذا السؤال بستة أوجه : \rأحدها : أن النقصان بغير حساب ، والجزاء بالحساب.\rوالثاني : بغير حساب لسعة ملكه الذي لا يفنى بالعطاء ، لا يقدر بالحساب.\rوالثالث : إن كفايتهم بغير حساب ولا تضييق.\rوالرابع : دائم لا يتناهى فيصير محسوباً ، وهذا قول الحسن.\rوالخامس : أن الرزق في الدنيا بغير حساب ، لأنه يعم به المؤمن والكافر فلا يرزق المؤمن على قدر إيمانه ولا الكافر على قدر كفره.\rوالسادس : أنه يرزق المؤمنين في الآخرة وأنه لا يحاسبهم عليه ولا يَمُنُ عليهم به. أ هـ {النكت والعيون حـ 1 صـ 270}\rلطيفة\rقد ورد الحساب فى التنزيل على عشرة أَوجهٍ : \rالأَوّل : بمعنى الكثرة {عَطَآءً حِسَاباً} أَى كثِيراً.\rالثانى : بمعنى الأَجر والثواب {إِنْ حِسَابُهُمْ إِلاَّ عَلَى رَبِّي} أَى أَجرهم.\rالثالث : بمعنى العقوبة والعذاب {إِنَّهُمْ كَانُواْ لاَ يَرْجُونَ حِسَاباً} أَى لا يخافون عذاباً.","part":5,"page":204},{"id":1941,"text":"الرّابع : الحَسِيب بمعنى الحفيظ {إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ حَسِيباً} أَى حفيظاً.\rالخامس : الحسِيب بمعنى الشاهد الحاضر {كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيباً} أَى شهيداً.\rالسّادس : الحساب بمعنى العَرْض على الملِك الأَكبر {يَوْمَ يَقُومُ الْحِسَابُ} أَى الْعَرْض على الرّحمن.\rالسّابع : بمعنى العدد {لِتَعْلَمُواْ عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ} أَى عدد الأَيام.\rالثامن : بمعنى المنَّة {يُرْزَقُونَ فِيهَا بِغَيْرِ حِسَابٍ} أَى بغير مِنَّة عليهم ولا تقتير.\rالتَّاسع : الحُسْبان بمعنى دوران الكواكب فى الفَلَك {الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ بِحُسْبَانٍ} أَى يدوران حول القُطْب كدوران الرّحى.\rالعاشر : الحِسْبان بالكسر بمعنى الظن {وَلاَ تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُواْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتاً} {وَلاَ تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلاً} وله نظائر.\rوأَمّا قوله تعالى {وَيُرْسِلَ عَلَيْهَا حُسْبَاناً مِّنَ السَّمَآءِ} فقيل معناه ناراً وعذاباً ، وإِنما هو فى الحقيقة ما يحاسب عليه فيجازى بحَسَبه. أ هـ {بصائر ذوى التمييز حـ 3 صـ 23}\rفائدة\rقال الآلوسى : \rوفيه إشارة إلى تملك المؤمنين المستهزىء بهم أموال بني قريظة والنضير ، ويجوز أن يراد في الدارين فيكون تذييلاً لكلا الحكمين. أ هـ {روح المعانى حـ 2 صـ 102}\rسؤال : لم أعاد ذكرهم بلفظ : من يشاء ؟ \rالجواب : أعاد ذكرهم بلفظ : من يشاء ، تنبيهاً على إرادته لهم ، ومحبته إياهم ، واختصاصهم به ، إذ لو قال : والله يرزقهم بغير حساب ، لفات هذا المعنى من ذكر المشيئة التي هي الإرادة. أ هـ {البحر المحيط حـ 2 صـ 142}\rمن فوائد ابن عرفة فى الآية\rقوله تعالى : {زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُواْ الحياة الدنيا...}.","part":5,"page":205},{"id":1942,"text":"أسند التزين إلى الملزوم اكتفاء به عن اللازم ، مع أن اللازم هو الذي يكتفي به عن الملزوم بخلاف العكس كما قال {زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشهوات} إذ لا يلزم من تزيّن الحياة الدنيا لهم محبتهم إياها ولو قيل : زين للكافرين حب الدنيا لا ستلزم ذلك تزيّن الدنيا لهم. وتقرر أن المحبة إن كانت متعلقة بأحد النقيضين أو الضدين دلت على كراهة مقابله.\r( ( قال ابن عرفة ) : والمحبة على أن المزين له كافر إلا مع معارضتها للآخرة وترجيحها عليها أما مع عدم المعارضة فلا. وهذا في الاعتقاد وأما في الأحكام والفروع فلا ؛ لأجل أن عُصاة المؤمنين كلّهم رجحوا الدنيا على الآخرة ).\rقوله تعالى : {والذين اتقوا فَوْقَهُمْ يَوْمَ القيامة والله يَرْزُقُ مَن يَشَآءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ }.\rإما تهييج على الاتصاف بالتقوى فلذلك قال : \"فَوْقَهُمْ \"وإما تنبيه على تفاوت درجاتهم ، وإما أن يكون التقوى والايمان بمعنى واحد. أ هـ {تفسير ابن عرفة صـ 270}\rقال السعدى : \rيخبر تعالى أن الذين كفروا بالله وبآياته ورسله ، ولم ينقادوا لشرعه ، أنهم زينت لهم الحياة الدنيا ، فزينت في أعينهم وقلوبهم ، فرضوا بها ، واطمأنوا بها وصارت أهواؤهم وإراداتهم وأعمالهم كلها لها ، فأقبلوا عليها ، وأكبوا على تحصيلها ، وعظموها ، وعظموا من شاركهم في صنيعهم ، واحتقروا المؤمنين ، واستهزأوا بهم وقالوا : أهؤلاء منَّ الله عليهم من بيننا ؟ \rوهذا من ضعف عقولهم ونظرهم القاصر ، فإن الدنيا دار ابتلاء وامتحان ، وسيحصل الشقاء فيها لأهل الإيمان والكفران ، بل المؤمن في الدنيا ، وإن ناله مكروه ، فإنه يصبر ويحتسب ، فيخفف الله عنه بإيمانه وصبره ما لا يكون لغيره.\rوإنما الشأن كل الشأن ، والتفضيل الحقيقي ، في الدار الباقية ، فلهذا قال تعالى : {وَالَّذِينَ اتَّقَوْا فَوْقَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ} فيكون المتقون في أعلى الدرجات ، متمتعين بأنواع النعيم والسرور ، والبهجة والحبور.\r","part":5,"page":206},{"id":1943,"text":"والكفار تحتهم في أسفل الدركات ، معذبين بأنواع العذاب والإهانة ، والشقاء السرمدي ، الذي لا منتهى له ، ففي هذه الآية تسلية للمؤمنين ، ونعي على الكافرين. ولما كانت الأرزاق الدنيوية والأخروية ، لا تحصل إلا بتقدير الله ، ولن تنال إلا بمشيئة الله ، قال تعالى : {وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ} فالرزق الدنيوي يحصل للمؤمن والكافر ، وأما رزق القلوب من العلم والإيمان ، ومحبة الله وخشيته ورجائه ، ونحو ذلك ، فلا يعطيها إلا من يحب. أ هـ {تفسير السعدى صـ 95}\rقوله تعالى : {كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلَّا الَّذِينَ أُوتُوهُ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (213)}\rمناسبة الآية لما قبلها\rقال البقاعى : \r","part":5,"page":207},{"id":1944,"text":"ولما كان كأنه قيل : هل كان هذا الكفر والتزيين من بدء الأمر أم هو شيء حدث فيكون حدوثه أعجب ؟ فقيل : لا فرق عند الحكيم بين هذا وذاك ، فإن قدرته على الكبير والصغير والجاهل والعليم والطائش والحليم على حد سواء على أن الواقع أن ذلك شيء حدث بعد البيان والواضح {كان الناس} أي كلهم {أمة} أي مجتمعين على شيء واحد يؤم بعضهم بعضاً ويقتدي بعضهم بعضاً ثم أكد اجتماعهم فقال : {واحدة} أي على الصراط المستقيم فزل بعضهم فاختلفوا وتفرقت بهم السبل كما في آية يونس {وما كان الناس إلا أمة واحدة فاختلفوا} {يونس : 19 ] وعلى هذا أكثر المحققين كما قاله الأصفهاني وقد رواه أبو يعلى الموصلي في مسنده بسند متصل عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أنه قال : على الإسلام كلهم {فبعث الله} أي الذي لا حكم لغيره {النبيين} الذين رفعهم الله تعالى على بقية خلقه فأنبأهم بما يريد من أمره وأرسلهم إلى خلقه {مبشرين} لمن أطاع ، وهو جار مجرى حفظ الصحة ، ولأنه مقصود بالذات قدم {ومنذرين} لمن عصى ، وذلك جار مجرى إزالة المرض بالدواء. قال الحرالي : فيه إعلام بأنه ليس للأنبياء من الهداية شيء وإنما هم مستجلون لأمر جبلات الخلق وفطرهم فيبشرون من فطر على خير وينذرون من جبل على شر ، لا يستأنفون أمراً لم يكن بل يظهرون أمراً كان مغيباً ، وكذلك حال كل إمام وعالم في زمانه يميز الله الخبيث من الطيب - انتهى. {وأنزل معهم الكتاب} أي كلامه الجامع للهداية.\r","part":5,"page":208},{"id":1945,"text":"قال الحرالي : إبراماً لثني الأمر المضاعف ليكون الأمر بشاهدين أقوى منه بشاهد واحد فقد كان في الرسول كفاية وفي الكتاب وحده كفاية لكن الله تعالى ثنى الأمر وجمع الكتاب والرسول لتكون له الحجة البالغة - انتهى. {بالحق} أي الثابت كل ثبات {ليحكم} أي الله بواسطة الكتاب {بين الناس فيما اختلفوا فيه} من الدين الحق الذي كانوا عليه قبل ذلك أمة واحدة فسلكوا بهم بعد جهد السبيل الأقوم ثم ضلوا على علم بعد موت الرسل فاختلفوا في الدين لاختلافهم في الكتاب {وما اختلف فيه} أي الكتاب الهادي للحق الذي لا لبس فيه المنزل لإزالة الاختلاف {إلا الذين} ولما كان العالم يقبح منه مخالفة العلم مطلقاً لا بقيد كونه من معلم مخصوص بني للمفعول {أوتوه} أي فبدلوا نعمة الله بأن أوقعوا الخلاف فيما أنزل لرفع الخلاف ، ففي هذا غاية التعجيب وإظهار القدرة الباهرة التي حملتهم على ذلك.\rولما كان الخلاف ربما كان عن أمر غامض بين أن الأمر على غير ذلك فقال مشيراً بإثبات الجار إلى أنه لم يستغرق الزمان {من بعد ما جاءتهم البينات} أي الدلائل العقلية والنقلية التي ثبتت بها النبوة التي ثبت بها الكتاب. قال الحرالي : الجامعة لآيات ما في المحسوس وآيات ما في المسموع ، فلذلك كانت البينات مكملة لاجتماع شاهديها - انتهى.\rولما كان هذا محل السؤال عن السبب بين أنه الحسد والاستطالة عدولاً عن الحق محبة لما زين من الدنيا وتنافساً فيها فقال : {بغياً} قال الحرالي : والبغي أعمال الحسد بالقول والفعل قال عليه الصلاة والسلام : \"ثلاث لا يسلم منهن أحد \"ومنهن متحلي الحسد والطيرة والظن ، فإذا حسدت فلا تبغ لأن الحسد واقع في النفس كأنها مجبولة عليه فلذلك عذرت فيه ؛ فإذا استعملت بحسبه مقالها وفعالها كانت باغية - انتهى. وزاده عجباً بقوله {بينهم} أي لا بغياً على غيرهم فبدلوا من كل جهة. أ هـ {نظم الدرر حـ 1 صـ 394}\rوقال ابن عاشور : ","part":5,"page":209},{"id":1946,"text":"والظاهر عندي أن موقع هذه الآية هنا جامع لموقع تذييل لما قبلها ومقدمة لما بعدها.\rفأما الأول فلأنها أفادت بيان حالة الأمم الماضية كيف نشأ الخلاف بينهم في الحق مما لأجله تداركهم الله ببعثات الرسل في العصور والأجيال التي اقتضتها حكمة الله ولطفه مما يماثل الحالة التي نشأت فيها البعثة المحمدية وما لقيه الرسول والمسلمون من المشركين.\rوأما الثاني فلأنها مقدمة لما يرد بعدها من ذكر اختصاص الإسلام بالهداية إلى الحق الذي اختلفت فيه الأمم وهو مضمون قوله تعالى : {فهدى الله الذين آمنوا لما اختلفوا فيه} إلى قوله : {إلى صراط المستقيم} وذلك من خصائص كون الإسلام مهيمناً على ما سبقه من الشرائع الإلهية وتفضيله على جميع الأديان وأن هذه المزية العظمى يجب الاعتراف بها وألا تكون مثار حسد للنبي وأمته ، رداً على حسد المشركين ، إذ يسخرون من الذين آمنوا وعلى حسد أهل الكتاب الذي سبق التنبيه عليه في قوله تعالى : {سيقول السفهاء من الناس ما ولاهم عن قبلتهم} إلى قوله {يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم} {البقرة : 142 ].\r","part":5,"page":210},{"id":1947,"text":"وحصل من عموم ذلك تعليم المسلمين تاريخ أطوار الدين بين عصور البشر بكلمات جامعة ختمت بقوله : {فهدى الله الذين آمنوا لما اختلفوا فيه من الحق بإذنه} فإن كان المراد من كونهم أمة واحدة الوحدة في الخير والحق وهو المختار كما سيأتي فقد نبه الله أن الناس اختلفوا فبعث لهم أنبياء متفرقين لقصد تهيئة الناس للدخول في دين واحد عام ، فالمناسبة حاصلة مع جملة {ادخلوا في السلم كافة} {البقرة : 208 ] بناء على أنها خطاب لأهل الكتاب أي ادخلوا في دين الإسلام الذي هدى الله به المسلمين. وإن كان المراد من كون الناس أمة واحدة الوحدة في الضلال والكفر يكون الله قد نبههم أن بعثة الرسل تقع لأجل إزالة الكفر والضلال الذي يحدث في قرون الجهالة ، فكذلك انتهت تلك القرون إلى القرن الذي أعقبته بعثة محمد ـ صلى الله عليه وسلم ـ فتكون الآية تثبيتاً للمؤمنين فالمناسبة حاصلة مع قوله : {زين للذين كفروا الحياة الدنيا} {البقرة : 212 ]. فالمعنى أن الإسلام هدى إلى شريعة تجمع الناس كلهم تبييناً لفضيلة هذا الدين واهتداء أهله إلى ما لم يهتد إليه غيرهم ، مع الإشارة إلى أن ما تقدمه من الشرائع تمهيد له وتأنيس به كما سنبينه عند قوله : {فهدى الله الذين آمنوا }. أ هـ {التحرير والتنوير حـ 2 صـ 298 ـ 299}\rقال الفخر : \rدلت الآية على أن الناس كانوا أمة واحدة ، ولكنها ما دلت على أنهم كانوا أمة واحدة في الحق أم في الباطل ، واختلف المفسرون فيه على ثلاثة أقوال : ","part":5,"page":211},{"id":1948,"text":"القول الأول : أنهم كانوا على دين واحد وهو الإيمان والحق ، وهذا قول أكثر المحققين ، ويدل عليه وجوه الأول : ما ذكره القفال فقال : الدليل عليه قوله تعالى بعد هذه الآية : {فَبَعَثَ الله النبيين مُبَشّرِينَ وَمُنذِرِينَ وَأَنزَلَ مَعَهُمُ الكتاب بالحق لِيَحْكُمَ بَيْنَ الناس فِيمَا اختلفوا فِيهِ} فهذا يدل على أن الأنبياء عليهم السلام إنما بعثوا حين الاختلاف ، ويتأكد هذا بقوله تعالى : {وَمَا كَانَ الناس إِلاَّ أُمَّةً وَاحِدَةً فاختلفوا} {يونس : 19 ] ويتأكد أيضاً بما نقل عن ابن مسعود أنه قرأ : {كَانَ الناس أُمَّةً واحدة فاختلفوا فَبَعَثَ الله النبيين -إِلَى قوله - لِيَحْكُمَ بَيْنَ الناس فِيمَا اختلفوا فِيهِ}.\r","part":5,"page":212},{"id":1949,"text":"إذا عرفت هذا فنقول : الفاء في قوله : {فَبَعَثَ الله النبيين} تقتضي أن يكون بعثهم بعد الاختلاف ولو كانوا قبل ذلك أمة واحدة في الكفر ، لكانت بعثة الرسل قبل هذا الاختلاف أولى ، لأنهم لما بعثوا عندما كان بعضهم محقاً وبعضهم مبطلاً ، فلأن يبعثوا حين ماكانوا كلهم مبطلين مصرين على الكفر كان أولى ، وهذا الوجه الذي ذكره القفال رحمه الله حسن في هذا الموضوع وثانيها : أنه تعالى حكم بأنه كان الناس أمة واحدة ، ثم أدرجنا فيه فاختلفوا بحسب دلالة الدليل عليه ، وبحسب قراءة ابن مسعود ، ثم قال : {وَمَا اختلف فِيهِ إِلاَّ الذين أُوتُوهُ مِن بَعْدِ مَا جَاءتْهُمُ البينات بَغْيًا بَيْنَهُمْ} والظاهر أن المراد من هذا الاختلاف هو الاختلاف الحاصل بعد ذلك الإتفاق المشار إليه ، بقوله : {كَانَ الناس أُمَّةً واحدة} ثم حكم على هذا الاختلاف بأنه إنما حصل بسبب البغي ، وهذا الوصف لا يليق إلا بالمذاهب الباطلة ، فدلت الآية على أن المذاهب الباطلة إنما حصلت بسبب البغي ، وهذا يدل على أن الإتفاق الذي كان حاصلاً قبل حصول هذا الاختلاف إنما كان في الحق لا في الباطل ، فثبت أن الناس كانوا أمة واحدة في الدين الحق لا في الدين الباطل وثالثها : أن آدم عليه السلام لما بعثه الله رسولاً إلى أولاده ، فالكل كانوا مسلمين مطيعين لله تعالى ، ولم يحدث فيما بينهم اختلاف في الدين ، إلى أن قتل قابيل هابيل بسبب الحسد والبغي ، وهذا المعنى ثابت بالنقل المتواتر ، والآية منطبقة عليه ، لأن الناس هم آدم وأولاده من الذكور والإناث ، كانوا أمة واحدة على الحق ، ثم اختلفوا بسبب البغي والحسد ، كما حكى الله عن ابني آدم {إِذْ قَرَّبَا قربانا فَتُقُبّلَ مِن أَحَدِهِمَا وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الأخر} {المائدة : 27 ] فلم يكن ذلك القتل والكفر بالله إلا بسبب البغي والحسد ، وهذا المعنى ثابت بالنقل المتواتر والآية منطبقة عليه ورابعها : أنه لما","part":5,"page":213},{"id":1950,"text":"غرقت الأرض بالطوفان لم يبق إلا أهل السفينة ، وكلهم كانوا على الحق والدين الصحيح ، ثم اختلفوا بعد ذلك ، وهذه القصة مما عرف ثبوتها بالدلائل القاطعة والنقل المتواتر ، إلا أنهم اختلفوا بعد ذلك ، فثبت أن الناس كانوا أمة واحدة على الحق ثم اختلفوا بعد ذلك ولم يثبت ألبتة بشيء من الدلائل أنهم كانوا مطبقين على الباطل والكفر ، وإذا كان كذلك وجب حمل اللفظ على ما ثبت بالدليل وأن لا يحمل على ما لم يثبت بشيء من الدلائل.\rوخامسها : وهو أن الدين الحق لا سبيل إليه إلا بالنظر والنظر لا معنى له إلا ترتيب المقدمات لتوصل بها إلى النتائج ، وتلك المقدمات إن كانت نظرية افتقرت إلى مقدمات أخر ولزم الدور أو التسلسل وهما باطلان فوجب انتهاء النظريات بالآخرة إلى الضروريات ، وكما أن المقدمات يجب إنتهاؤها إلى الضروريات فترتيب المقدمات يجب انتهاؤه أيضاً إلى ترتيب تعلم صحته بضرورة العقل وإذا كانت النظريات مستندة إلى مقامات تعلم صحتها بضرورة العقل ، وإلى ترتيبات تعلم صحتها بضرورة العقل ، وجب القطع بأن العقل السليم لا يغلط لو لم يعرض له سبب من خارج ، فأما إذا عرض له سبب خارجي ، فهناك يحصل الغلط فثبت أن ما بالذات هو الصواب وما بالعرض هو الخطأ ، وما بالذات أقدم مما بالعرض بحسب الإستحقاق وبحسب الزمان أيضاً ، هذا هو الأظهر فثبت أن الأولى أن يقال : كان الناس أمة واحدة في الدين الحق ، ثم اختلفوا بعد ذلك لأسباب خارجية وهي البغي والحسد ، فهذا دليل معقول ولفظ القرآن مطابق له فوجب المصير إليه.\rفإن قيل : فما المراد من قوله : {وَلاَ يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ إِلاَّ مَن رَّحِمَ رَبُّكَ ولذلك خَلَقَهُمْ} {هود : 188 ، 119 ].\rقلنا : المعنى ولأجل أن يرحمهم خلقهم.\r","part":5,"page":214},{"id":1951,"text":"وسادسها : قوله عليه السلام : \"كل مولود يولد على الفطرة فأبواه يهودانه وينصرانه ويمجسانه \"دل الحديث على أن المولود لو ترك مع فطرته الأصلية لما كان على شيء من الأديان الباطلة ، وأنه إنما يقدم على الدين الباطل لأسباب خارجية ، وهي سعي الأبوين في ذلك وحصول الأغراض الفاسدة من البغي والحسد وسابعها : أن الله تعالى لما قال : \r{ أَلَسْتَ بِرَبّكُمْ قَالُواْ بلى} {الأعراف : 172 ] فذلك اليوم كانوا أمة واحدة على الدين الحق ، وهذا القول مروي عن أبي بن كعب وجماعة من المفسرين ، إلا أن للمتكلمين في هذه القصة أبحاثاً كثيرة ، ولا حاجة بنا في نصرة هذا القول بعد تلك الوجوه الستة التي ذكرناها إلى هذا الوجه ، فهذا جملة الكلام في تقرير هذا القول.\rأما الوجه الثاني : هو أن الناس كانوا أمة واحدة في الدين الباطل ، فهذا قول طائفة من المفسرين كالحسن وعطاء وابن عباس ، واحتجوا بالآية والخبر أما الآية فقوله : {فَبَعَثَ الله النبيين مُبَشّرِينَ وَمُنذِرِينَ} وهو لا يليق إلا بذلك ، وأما الخبر فما روي عن النبي عليه السلام : \"أن الله تعالى نظر إلى أهل الأرض عربهم وعجمهم فبعثهم إلا بقايا من أهل الكتاب \".\rوجوابه : ما بينا أن هذا لا يليق إلا بضده ، وذلك لأن عند الاختلاف لما وجبت البعثة.\r","part":5,"page":215},{"id":1952,"text":"فلو كان الإتفاق السابق اتفاقاً على الكفر لكانت البعثة في ذلك الوقت أولى ، وحيث لم تحصل البعثة هناك علمنا أن ذلك الإتفاق كان اتفاقاً على الحق لا على الباطل ، ثم اختلف القائلون بهذا القول أنه متى كان الناس متفقين على الكفر فقيل من وفاة آدم إلى زمان نوح عليه السلام كانوا كفاراً ، ثم سألوا أنفسهم سؤالاً وقالوا : أليس فيهم من كان مسلماً نحو هابيل وشيث وإدريس ، وأجابوا بأن الغالب كان هو الكفر والحكم للغالب ، ولا يعتد بالقليل في الكثير كما لا يعتد بالشعير القليل في البر الكثير ، وقد يقال : دار الإسلام وإن كان فيها غير المسلمين ودار الحرب وإن كان فيها مسلمون.\rالقول الثالث : وهو اختيار أبي مسلم والقاضي : أن الناس كانوا أمة واحدة في التمسك بالشرائع العقلية ، وهي الإعتراف بوجود الصانع وصفاته ، والإشتغال بخدمته وشكر نعمته ، والإجتناب عن القبائح العقلية ، كالظلم ، والكذب ، والجهل ، والعبث وأمثالها.\r","part":5,"page":216},{"id":1953,"text":"واحتج القاضي على صحة قوله بأن لفظ النبيين يفيد العموم والإستغراق ، وحرف الفاء يفيد التراخي ، فقوله : {فَبَعَثَ الله النبيين} يفيد أن بعثه جميع الأنبياء كانت متأخرة عن كون الناس أمة واحدة ، فتلك الوحدة المتقدمة على بعثة جميع الشرائع لا بد وأن تكون وحدة في شرعه غير مستفادة من الأنبياء ، فوجب أن تكون في شريعة مستفادة من العقل وذلك ما بيناه ، وأيضاً فالعلم بحسن شكر المنعم ، وطاعة الخالق والإحسان إلى الخلق ، والعدل ، مشترك فيه بين الكل ، والعلم بقبح الكذب والظلم والجهل والعبث مشترك فيه بين الكل ، فالأظهر أن الناس كانوا في أول الأمر على ذلك ، ثم اختلفوا بعد ذلك لأسباب منفصلة ، ثم سأل نفسه ، فقال : أليس أول الناس آدم عليه السلام وأنه كان نبياً ، فكيف يصح إثبات الناس مكلفين قبل بعثة الرسل ، وأجاب بأنه يحتمل أنه عليه السلام مع أولاده كانوا مجتمعين على التمسك بالشرائع العقلية أولاً ، ثم إن الله تعالى بعد ذلك بعثه إلى أولاده ، ويحتمل أن بعد ذلك صار شرعه مندرساً ، فالناس رجعوا إلى التمسك بالشرائع العقلية ، واعلم أن هذا القول لا يصح إلا مع إثبات تحسين العقل وتقبيحه ، والكلام فيه مشهور في الأصول.\rالقول الرابع : أن الآية دلت على أن الناس كانوا أمة واحدة ، وليس فيها أنهم كانوا على الإيمان أو على الكفر ، فهو موقوف على الدليل.\r","part":5,"page":217},{"id":1954,"text":"القول الخامس : أن المراد من الناس ههنا أهل الكتاب ممن آمن بموسى عليه السلام ، وذلك لأنا بينا أن هذه الآية متعلقة بما تقدم من قوله : {ياأيها الذين ءَامَنُواْ ادخلوا فِي السلم كَافَّةً} {البقرة : 208 ] وذكرنا أن كثيراً من المفسرين زعموا أن تلك الآية نزلت في اليهود ، فقوله تعالى : {كَانَ الناس أُمَّةً واحدة} أي كان الذين آمنوا بموسى أمة واحدة ، على دين واحد ، ومذهب واحد ، ثم اختلفوا بسبب البغي والحسد ، فبعث الله النبيين ، وهم الذين جاؤا بعد موسى عليه السلام وأنزل معهم الكتاب ، كما بعث الزبور إلى داود ، والتوراة إلى موسى ، والإنجيل إلى عيسى ، والفرقان إلى محمد عليه السلام لتكون تلك الكتب حاكمة عليهم في تلك الأشياء التي اختلفوا فيها ، وهذا القول مطابق لنظم الآية وموافق لما قبلها ولما بعدها ، وليس فيها إشكال إلا أن تخصيص لفظ الناس في قوله : {كَانَ الناس} بقوم معينين خلاف الظاهر إلا أنك تعلم أن الألف واللام كما تكون للاستغراق فقد تكون أيضاً للعهد فهذا ما يتعلق بهذه الآية. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 6 صـ 12 ـ 13}\rوقال القرطبى : ","part":5,"page":218},{"id":1955,"text":"قوله تعالى : {كَانَ الناس أُمَّةً وَاحِدَةً} أي على دين واحد. قال أُبيّ بن كعب ، وابن زيد : المراد بالناس بنو آدم حين أخرجهم الله نَسَماً من ظهر آدم فأقرّوا له بالوحدانية. وقال مجاهد : الناس آدم وحده ؛ وسُمِّي الواحد بلفظ الجمع لأنه أصل النَّسْل. وقيل : آدم وحوّاء. وقال ابن عباس وقَتادة : المراد بالناس القرون التي كانت بين آدم ونوح ، وهي عشرة كانوا على الحقّ حتى اختلفوا فبعث الله نوحاً فمن بعده. وقال ابن أبي خَيْثَمة : منذ خلق الله آدم عليه السلام إلى أن بعث محمداً ـ صلى الله عليه وسلم ـ خمسة آلاف سنة وثمانمائة سنة. وقيل : أكثر من ذلك ، وكان بينه وبين نوح ألف سنة ومائتا سنة. وعاش آدم تسعمائة وستين سنة ، وكان الناس في زمانه أهل مِلّة واحدة ، متمسكين بالدّين ، تصافحهم الملائكة ، وداموا على ذلك إلى أن رُفع إدريس عليه السلام فاختلفوا. وهذا فيه نظر ؛ لأن إدريس بعد نوح على الصحيح. وقال قوم منهم الكلبيّ والواقديّ : المراد نوح ومن في السفينة ؛ وكانوا مسلمين ثم بعد وفاة نوح اختلفوا. وقال ابن عباس أيضاً : كانوا أُمة واحدة على الكفر ؛ يريد في مدّة نوح حين بعثه الله. وعنه أيضاً : كان الناس على عهد إبراهيم عليه السلام أُمة واحدة ، كلهم كفار ؛ ووُلِد إبراهيم في جاهلية ، فبعث الله تعالى إبراهيم وغيره من النبيين. ف \"كان\" على هذه الأقوال على بابها من المُضِيّ المنقضي. وكل مَن قدّر الناس في الآية مؤمنين قدّر في الكلام فاختلفوا فبعث ، ودلّ على هذا الحذف : {وَمَا اختلف فِيهِ إِلاَّ الذين أُوتُوهُ} أي كان الناس على دين الحق فاختلفوا فبعث الله النبيين ، مبشّرين من أطاع ومنذرين من عصى. وكل مَن قدّرهم كفّاراً كانت بعثة النبيين إليهم. ويحتمل أن تكون \"كان\" للثبوت ، والمراد الإخبار عن الناس الذين هم الجنس كله أنهم أُمة واحدة في خلوّهم عن الشرائع ، وجهلهم بالحقائق ، لولا منُّ الله عليهم ، ","part":5,"page":219},{"id":1956,"text":"وتفضّله بالرسل إليهم. فلا يختص \"كان\" على هذا التأويل بالمضيّ فقط ، بل معناه معنى قوله : {وَكَانَ الله غَفُوراً رَّحِيماً }. أ هـ {تفسير القرطبى حـ 3 صـ 31}\rكلام نفيس للعلامة ابن عاشور : \rقال رحمه الله : \rوالأظهر أنه من زمن وجود آدم إلى أن أشرك قوم نوح.\rوإن كان المراد الوحدة على الباطل فقد حصل ذلك في زمن نوح في أول ما قص الله علينا مع ما ورد في الصحيح أن نوحاً أول الرسل إلى أهل الأرض ، فيظهر أن الضلال حدث في أهل الأرض وعمَّهم عاجلاً فبعث الله نوحاً إليهم ثم أهلك الكافرين منهم بالطوفان ونجى نوحاً ونفراً معه فأصبح جميع الناس صالحين ، ثم اختلفوا بعد ذلك فبعث الله النبيين. فيجدر بنا أن ننظر الآن فيما تضمنته هذه الآية من المعنى في تاريخ ظهور الشرائع وفي أسباب ذلك.\rالناس أبناء أب واحد وأم واحدة فلا جرم أن كانوا في أول أمرهم أمة واحدة لأن أبويهم لما ولدا الأبناء الكثيرين وتوالد أبناؤهما تألفت منهم في أمد قصير عائلة واحدة خلقت من مزاج نقي فكانت لها أمزجة متماثلة ونشأوا على سيرة واحدة في أحوال الحياة كلها وما كانت لتختلف إلاّ اختلافاً قليلاً ليس له أثر يؤبه به ولا يحدث في العائلة تنافراً ولا تغالباً.","part":5,"page":220},{"id":1957,"text":"ثم إن الله تعالى لما خلق نوع الإنسان أراده ليكون أفضل الموجودات في هذا العالم الأرضي فلا جرم أن يكون خلقه على حالة صالحة للكمال والخير قال تعالى : {لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم} {التين : 4 ]. فآدم خلق في أحسن تقويم يليق بالذكر جسماً وعقلاً وألهمه معرفة الخير واتباعه ومعرفة الشر وتجنبه فكانت آراؤه مستقيمة تتوجه ابتداء لما فيه النفع وتهتدي إلى ما يحتاج للاهتداء إليه ، وتتعقل ما يشار به عليه فتميز النافع من غيره ويساعده على العمل بما يهتدي إليه فكره جسد سليم قوي متين وحواءُ خلقت في أحسن تقويم يليق بالأنثى خلقاً مشابهاً لخلق آدم ، إذ إنها خلقت كما خلق آدم ، قال تعالى : {خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها} {النساء : 1 ] فكانت في انسياق عقلها واهتدائها وتعقلها ومساعدة جسدها على ذلك على نحو ما كان عليه آدم. ولا شك أن أقوى عنصر في تقويم البشر عند الخلقة هو العقل المستقيم فبالعقل تأتَّى للبشر أن يتصرف في خصائصه ، وأن يضعها في مواضع الحاجة إليها.\rهكذا كان شأن الذكَر والأنثى فما ولدا من الأولاد نشأ مثل نشأتهما في الأحوال كلها ، ألم تر كيف اهتدى أحد ابني آدم إلى دفن أخيه من مشاهدة فعل الغراب الباحث في الأرض فكانت الاستنباط الفكري والتقليدُ به أسَّ الحضارة البشرية. فالصلاح هُوَ الأصل الذي خلق عليه البشر ودام عليه دهراً ليس بالقصير ، ثم أخذ يرتد إلى أسفل سافلين ، ذلك أن ارتداد الإنسان إلى أسفل سافلين إنما عرض له بعوارض كانت في مبدأ الخليقة قليلة الطرُوّ أوْ معدومته ، لأن أسباب الانحراف عن الفطرة السليمة لا تعدو أربعة أسباب : \rالأول : خلل يعرض عند تكوين الفرد في عقله أو في جسده فينشأ منحرفاً عن الفضيلة لتلك العاهة.\rالثاني : اكتساب رَذائل من الأخلاق من مخترعات قواه الشهوية والغضبية ومن تقليد غيره بداعية استحسان ما في غيره من مفاسد يخترعها ويدعو إليها.","part":5,"page":221},{"id":1958,"text":"الثالث : خواطر خياليّة تحدث في النفس مخالفة لما عليه الناس كالشهوات والإفراط في حب الذات أو في كراهية الغير مما توسوس به النفس فيفكر صاحبها في تحقيقها.\rالرابع : صدور أفعال تصدر من الفرد بدواع حاجية أو تكميلية ويجدها ملائمة له أو لذيذة عنده فيلازمها حتى تصير له عادة وتشتبه عنده بعد طول المدة بالطبيعة ، لأن العادة إذا صادفت سذاجة من العقل غير بصيرة بالنواهي رسخت فصارت طبعاً.\rفهذه أربعة أسباب للانحطاط عن الفطرة الطيبة ، والأول كان نادر الحدوث في البشر ، لأن سلامة الأبدان وشبابَ واعتدالَ الطبيعة وبساطةَ العيش ونظامَ البِيئة كل تلك كانت موانع من طرو الخلل التكويني ، ألا ترى أن نوع كل حيواننٍ يلازم حال فطرته فلا ينحرف عنها باتباع غيره.\rوالثاني كان غير موجود ، لأن البشر يومئذٍ كانوا عائلة واحدة في موطن واحد يسير على نظام واحد وتربية واحدة وإحساس واحد فمن أين يجيئه الاختلاف ؟ \rوالثالث ممكن الوجود لكن المحبة الناشئة عن حسن المعاشرة وعن الإلف ، والشفقة الناشئة عن الأخوة والمواعظ الصادرة عن الأبوين كانت حُجباً لما يهجس من هذا الإحساس.\rوالرابع لم يكن بالذي يكثر في الوقت الأول من وجود البشر ، لأن الحاجات كانت جارية على وفق الطباع الأصلية ولأن التحسينات كانت مفقودة ، وإنما هذا السبب الرابع من موجبات الرقي والانحطاط في أحوال الجمعيات البشرية الطارئة.\rأما حادثة قتل ابن آدم أخاه فما هي إلاّ فلتة نشأت عن السبب الثالث عن إحساس وجداني هو الحسَد مع الجهل بمغبة ما ينشأ عن القتل ؛ لأن البشر لم يعرف الموت إلاّ يومئذٍ ولذلك أسرعت إليه الندامة ، فتبين أن الصلاح هو حال الأمة يومئذٍ أو هو الغالب عليها.","part":5,"page":222},{"id":1959,"text":"وينشأ عن هذا الصلاح والاستقامة في الآباء دوام الاستقامة في النسل ، لأن النسل مُنْسَلٌ من ذوات الأصول فهو ينقل ما فيها من الأحوال الخِلقية والخُلُقية ، ولما كان النسل منسَلاَ من الذكر والأنثى كان بحكم الطبع محصِّلاً على مجموع من الحالتين فإن استوت الحالتان أو تقاربتا جاء النسل على أحوال مساويةِ المظاهرِ لأحوال سلفه ، قال نوح عليه السلام في عكسه {ولا يَلدوا إلاّ فاجراً كفاراً} {نوح : 27 ] ، ومما يدل على أن حال البشر في أول أمره صلاحٌ ما نقله في \"الكشاف\" عن ابن عباس أنه كان بين آدم ونوح عشرة قرون على شريعة من الحق.\rثم كثرت العائلة البشرية وتكونت منها القبيلة فتكاثرت ونشأ فيها مع الزمان قليلاً قليلاً خواطر مختلفة ودبت فيها أسباب الاختلاف في الأحوال تبعاً لاختلاف بين حالي الأب والأم ، فجاء النسل على أحوال مركبة مخالفة لكل من مفرد حالتي الأب والأم ، وبذلك حدثت أمزجة جديدة وطرأت عليها حينئذٍ أسباب الانحطاط الأربعة ، وصارت ملازمة لطوائف من البشر بحكم التناسل والتلقي ، هنالك جاءت الحاجة إلى هدي البشر ببعثة الرسل ، والتاريخُ الديني دلنا على أن نوحاً أول الرسل الذين دَعوا إلى الله تعالى قال تعالى : {شرع لكم من الدين ما وصى به نوحاً} {الشورى : 13 ] الآية ، ولما ذكر الرسل في آيات القرآن ابتدأهم في جميع تلك الآيات بنوح ولم يذكر آدم وفي حديث الشفاعة في الصحيح تصريح بذلك أن آدم يقول للذين يستشفعون به إني لست هناكم ، ويذكر خطيئته ايتوا نوحاً أول رسول أرسله الله إلى أهل الأرض ، وبهذا يتعين أن خطيئة قابيل ليست مخالفة شرع مشروع ، وأن آدم لم يكن رسولاً وأنه نبيء صالح أوحي إليه بما يهذب ابناءه ويعلمهم بالجزاء.","part":5,"page":223},{"id":1960,"text":"فقوله تعالى : {فبعث الله النبيئين} هو على الوجه الأول مفرع على ما يؤذن به قوله : {كان الناس أمة واحدة} مع تحقق وجود الخلاف بينهم بالمشاهدة من إرادة أن كونهم أمة واحدة دام مدة ثم انقضى ، فيكون مفرعاً على جملة مقدرة تقديرها فاختلفوا فبعث الله النبيئين ، وعلى الوجه الآخر مفرعاً على الكون أمة واحدة في الباطل فعلى الأول يكون أول النبيين المبعوثين نوحاً ، لأنه أول الرسل لإصلاح الخلق. وعلى الثاني : يكون أولهم آدم بعث لبنيه لما قتل أحدهم أخاه ؛ فإن الظاهر أن آدم لم يبعث بشريعة لعدم الدواعي إلى ذلك ، وإنما كان مرشداً كما يرشد المربي عائلته. أ هـ {التحرير والتنوير حـ 2 صـ 301}\rفائدة\rقال ابن عادل : \rقد جاءت الأمة على خمسة أَوْجُهٍ : \rالأوَّل : \"الأُمَّةُ \"المِلَّة ، كهذه الآية ، أي : مِلَّة واحدة ، ومثله : {وَإِنَّ هذه أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً} {المؤمنون : 52 ] أي : مِلتكُم.\rالثاني : الأُمَّةُ الجماعة ؛ قال تعالى : {وَمِمَّنْ خَلَقْنَآ أُمَّةٌ يَهْدُونَ بالحق} {الأعراف : 181 ] أي : جماعةٌ. : \rالثالث : الأُمَّةُ السنين ؛ قال تعالى : {وَلَئِنْ أَخَّرْنَا عَنْهُمُ العذاب إلى أُمَّةٍ مَّعْدُودَةٍ} {هود : 8 ] ، أي : إلى سنين معدودةٍ ، ومثله \"وَادَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ \"أي : بعد سنين.\rالرابع : بمعنى إمامٍ يُعلِّمُ الخير ؛ قال تعالى : {إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتاً لِلَّهِ} {النحل : 120 ].\rالخامس : الأُمَّةُ : إحدى الأُمم ؛ قال تعالى : {كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ} {آل عمران : 110 ]. أ هـ {تفسير ابن عادل حـ 3 صـ 501}\rقال القرطبى : ","part":5,"page":224},{"id":1961,"text":"قوله تعالى : {فَبَعَثَ الله النبيين} وجملتهم مائة وأربعة وعشرون ألفاً ، والرسل منهم ثلثمائة وثلاثة عشر ، والمذكورون في القرآن بالاسم العلم ثمانية عشر ، وأوّل الرسل آدم ؛ على ما جاء في حديث أبي ذَرّ ، أخرجه الآجريّ وأبو حاتم البُسْتيّ. وقيل : نوح ، لحديث الشفاعة ؛ فإن الناس يقولون له : أنت أوّل الرسل. وقيل : إدريس ، وسيأتي بيان هذا في \"الأعراف\" إن شاء الله تعالى. أ هـ {تفسير القرطبى حـ 3 صـ 32}\rقال الآلوسى :\r{ فَبَعَثَ الله النبيين} أي فاختلفوا فبعث الخ وهي قراءة ابن مسعود رضي الله تعالى عنه ، وإنما حذف تعويلاً على ما يذكر عقبه. أ هـ {روح المعانى حـ 2 صـ 102}\rفائدة لغوية\rوالناس اسم جمع ليس له مفرد من لفظه ، و( أل ) فيه للاستغراق لا محالة وهو هنا للعموم أي البشر كلهم ، إذ ليس ثمة فريق معهود ولكنه عموم عرفي مبني على مراعاة الغالب الأغلب وعدم الاعتداد بالنادر لظهور أنه لا يخلو زمن غلب فيه الخير عن أن يكون بعض الناس فيه شريراً مثل عصر النبوة ولا يخلو زمن غلب فيه الشر من أن يكون بعض الناس فيه خيراً مثل نوح {وما آمن معه إلاّ قليل} {هود : 4 ].\rوالأمة بضمة الهمزة : اسم للجماعة الذين أمرهم واحد ، مشتقة من الأم بفتح الهمزة وهو القصد أي يؤمون غاية واحدة ، وإنما تكون الجماعة أمة إذا اتفقوا في الموطن أو الدين أو اللغة أو في جميعها.\rوالوصف بـ ( واحدة ) في الآية لتأكيد الإفراد في قوله ( أمة ) لدفع توهم أن يكون المراد من الأمة القبيلة ، فيظن أن المراد كان الناس أهل نسب واحد ، لأن الأمة قد تطلق على من يجمعهم نسب متحد. أ هـ {التحرير والتنوير حـ 2 صـ 300}\rفائدة\rقال ابن عاشور :","part":5,"page":225},{"id":1962,"text":"قال ابن عطية كل من قدَّر الناسَ في الآية كانوا مؤمنين قدَّر في الكلام فاختلفوا وكل من قدرهم كفاراً كانت بعثة الرسل إليهم اه. ويؤيد هذا التقدير قوله في آية سورة يونس ( 19 ) {وما كان الناس إلا أُمة واحدة فاختلفوا لأن الظاهر اتحاد غرض الآيتين ، ولأنه لما أخبر هنا عن الناس بأنهم كانوا أمة واحدة ونحن نرى اختلافهم علمنا أنهم لم يدوموا على تلك الحالة.\rوالمقصود من الآية على هذا الوجه التنبيه على أن التوحيد والهدى والصلاح هي الفطرة التي فطر الله الناس عليها حين خلقهم كما دلت عليه آية {ألست بربكم} {الأعراف : 172 ] ، وأنها ما غشَّاها إلاّ تلقين الضلال وترويج الباطل وأن الله بعث النبيئين لإصلاح الفطرة إصلاحاً جزئياً فكان هديهم مختلف الأساليب على حسب اختلاف المصالح والأهلية وشدة الشكائم ، فكان من الأنبياء الميسر ومنهم المغلظ وأنه بعث محمداً لإكمال ذلك الإصلاح ، وإعادة الناس إلى الوحدة على الخير والهدى وذلك معنى قوله : {فهدى الله الذين آمنوا} الخ. أ هـ {التحرير والتنوير حـ 2 صـ 301}\rقوله تعالى : {فَبَعَثَ الله النبيين مُبَشّرِينَ وَمُنذِرِينَ }\rقال الفخر : \rأما قوله تعالى : {فَبَعَثَ الله النبيين مُبَشّرِينَ وَمُنذِرِينَ} فاعلم أنا ذكرنا أنه لا بد ههنا من الإضمار ، والتقدير كان الناس أمة واحدة - فاختلفوا - فبعث الله النبيين واعلم أنه الله تعالى وصف النبيين بصفات ثلاث : \rالصفة الأولى : كونهم مبشرين.\rالصفة الثانية : كونهم منذرين ونظيره قوله تعالى : {رُّسُلاً مُّبَشّرِينَ وَمُنذِرِينَ} {النساء : 165 ] وإنما قدم البشارة على الإنذار ، لأن البشارة تجري مجرى حفظ الصحة ، والإنذار يجري مجرى إزالة المرض ، ولا شك أن المقصود بالذات هو الأول دون الثاني فلا جرم وجب تقديمه في الذكر.","part":5,"page":226},{"id":1963,"text":"الصفة الثالثة : قوله : {وَأَنزَلَ مَعَهُمُ الكتاب بالحق} فإن قيل : إنزال الكتاب يكون قبل وصول الأمر والنهي إلى المكلفين ، ووصول الأمر والنهي إليهم يكون قبل التبشير والإنذار فلم قدم ذكر التبشير والإنذار على إنزال الكتب ؟ أجاب القاضي عنه فقال : لأن الوعد والوعيد منهم قبل بيان الشرع ممكن فيما يتصل بالعقليات من المعرفة بالله وترك الظلم وغيرهما وعندي فيه وجه آخر وهو أن المكلف إنما يتحمل النظر في دلالة المعجز على الصدق وفي الفرق بين المعجز إذا خاف أنه لو لم ينظر فربما ترك الحق فيصير مستحقاً للعقاب ، والخوف إنما يقوى ويكمل عند التبشير والإنذار فلا جرم وجب تقديم البشارة والنذارة على إنزال الكتاب في الذكر ثم قال القاضي : ظاهر هذه الآية يدل على أنه لا نبي إلا معه كتاب منزل فيه بيان الحق طال ذلك الكتاب أم قصر ودون ذلك الكتاب أو لم يدون وكان ذلك الكتاب معجزاً أو لم يكن كذلك ، لأن كون الكتاب منزلاً معهم لا يقتضي شيئاً من ذلك. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 6 صـ 14}\rقال ابن عاشور : ","part":5,"page":227},{"id":1964,"text":"والمراد بالنبيين هنا الرسل بقرينة قوله : {وأنزل معهم الكتاب بالحق} والإرسال بالشرائع متوغل في القدم وقبله ظهور الشرط وهو أصل ظهور الفواحش لأن الاعتقاد الفاسد أصل ذميم الفعال ، وقد عبد قوم نوح الأصنام ، عبدوا ودا وسواعا ويغوث ويعوق ونسرا وهم يومئذٍ لم يزالوا في مواطن آدم وبنيه في ( جبال نوذ ) من بلاد الهند كما قيل ، وفي البخاري عن ابن عباس أن ودّاً وسواعاً ويغوث ويعوق ونسراً كانوا من صالحي قوم نوح ، فلما هلكوا أوحى الشيطان إلى قومهم أن انصبوا إلى مجالسهم التي كانوا يجلسون أنصاباً وسموها بأسمائهم ففعلوا فلم تعبد ، حتى إذا هلك أولئك وتنسخ العلم عبدت اه ، وقيل كانوا من صالحي قوم آدم ، وقيل إن سواعاً هو ابن شيث وأن يغوث ابن سواع ويعوق ابن سغوث ونسر بن يعوق ، وقيل إنهم من صالحي عصر آدم ماتوا فنحت قابيل بن آدم لهم صوراً ثم عبدوهم بعد ثلاثة أجيال ، وهذا كله زمن متوغل في القدم قبل التاريخ فلا يؤخذ إلاّ بمزيد الاحتراز ، وأقدم شريعة أثبتها التاريخ شريعة برهمان في الهند فإنها تبتدىء من قبل القرن الثلاثين قبل الهجرة. وفي هذا العهد كانت في العراق شريعة عظيمة ببابل وضعها ملك بابل المدعو ( حَمُورَابي ) ويظن المؤرخون أنه كان معاصراً لإبراهيم عليه السلام وأنه المذكور في \"سفر التكوين\" باسم ( ملْكي صادق ) الذي لقي إبراهيم في شاليم وبارك إبراهيم ودعا له.\rوالبعث : الإرسال والإنهاض للمشي ومنه بعث البعير إذا أنهضه بعد أن برك والبعث هنا مجاز مستعمل في أمر الله النبي بتبليغ الشريعة للأمة.\r","part":5,"page":228},{"id":1965,"text":"و( النبيئين ) جمع نبيء وهو فعيل بمعنى مفعول مشتق من النبأ وهو الخبر المهم ، لأن الله أخبره بالوحي وعلم ما فيه صلاح نفسه وصلاح من ينتسب إليه ، فإن أمره بتبليغ شريعة الأمة فهو رسول فكل رسول نبيء ، والقرآن يذكر في الغالب النبي مراداً به الرسول ، وقد ورد أن عدد الأنبياء مائة ألف وأربعة وعشرون ألفاً لا يعلم تفصيلهم وأزمانهم إلاّ الله تعالى قال تعالى : {وقروناً بين ذلك كثيراً} {الفرقان : 38 ] وقال : {وكم أهلكنا من القرون من بعد نوح} {الإسراء : 17 ]. وعدد الرسل ثلاثمائة وثلاثة عشر.\rوالمراد بالنبيين هنا خصوص الرسل منهم بقرينة قوله {بعث} وبقرينة الحال في قوله : {مبشرين ومنذرين} ، لأن البشارة والإنذار من خصائص الرسالة والدعوة وبقرينة ما يأتي من قوله : {وأنزل معهم الكتاب بالحق} الآية. فالتعريف في ( النبيين ) للاستغراق وهو الاستغراق الملقب بالعرفي في اصطلاح أهل المعاني.\rوالبشارة : الإعلام بخير حصل أو سيحصل ، والنذارة بكسر النون الإعلام بشر وضر حصل أو سيحصل ، وذلك هو الوعد والوعيد الذي تشتمل عليه الشرائع.\rفالرسل هم الذين جاءوا بالوعد والوعيد ، وأما الأنبياء غير الرسل فإن وظيفتهم هي ظهور صلاحهم بين قومهم حتى يكونوا قدوة لهم ، وإرشاد أهلهم وذويهم ومريديهم للاستقامة من دون دعوة حتى يكون بين قومهم رجال صالحون ، وإرشاد من يسترشدهم من قومهم ، وتعليم من يرونه أهلاً لعلم الخير من الأمة.\rثم هم قد يجيئون مؤيدين لشريعة مضت كمجيء إسحاق ويعقوب والأسباط لتأييد شريعة إبراهيم عليه السلام ، ومجيء أنبياء بني إسرائيل بعد موسى لتأييد التوراة ، وقد لا يكون لهم تعلق بشرع من قبلهم كمجيء خالد بن سنان العَبْسي نبيئاً في عَبْس من العرب.","part":5,"page":229},{"id":1966,"text":"وقوله : {وأنزل معهم الكتاب} ، الإنزال : حقيقته تدلية الجسم من علو إلى أسفل ، وهو هنا مجاز في وصول الشيء من الأعلى مرتبة إلى من هو دونه ، وذلك أن الوحي جاء من قبل الله تعالى ودال على مراده من الخلق فهو وارد للرسل في جانب له علو منزلة.\rوأضاف مع إلى ضمير النبيئين إضافة مجملة واختير لفظ مع دون عليهم ليصلح لمن أنزل عليه كتاب منهم مثل إبراهيم وموسى وعيسى ومحمد ، ولمن جاء مؤيداً لمن قبله مثل أنبياء بني إسرائيل بين موسى وعيسى.\rوالكتاب هو المكتوب ، وأطلق في اصطلاح الشرع على الشريعة لأن الله يأمر الناس بكتابتها لدوام حفظها والتمكن من مدارستها ، وإطلاق الكتاب عليها قد يكون حقيقة إن كانت الشريعة في وقت الإطلاق قد كتبت أو كتب بعضها كقوله تعالى : {الم ذلك الكتاب} {البقرة : 1 2 ] على أحد الوجهين المتقدمين هنالك ، وقد يكون مجازاً على الوجه الآخر ، وما هنا يحمل على الحقيقة لأن الشرائع قد نزلت وكتبت وكتب بعض الشريعة المحمدية.\rوالمعية معية اعتبارية مجازية أريد بها مقارنة الزمان ، لأن حقيقة المعية هي المقارنة في المكان وهي المصاحبة ، ولعل اختيار المعية هنا لما تؤذن به من التأييد والنصر قال تعالى : {إنني معكما أسمع وأرى} {طه : 20 ] وفي الحديث \"ومعك روح القدس \".\rوالتعريف في الكتاب للاستغراق ، أي وأنزل مع النبيئين الكتب التي نزلت كلها وهو من مقابلة الجمع بالجمع على معنى التوزيع ، فالمعنى أنزل مع كل نبي كتابه وقرينة التوزيع موكولة لعلم السامعين لاشتهار ذلك.\rوإنما أفرد الكتاب ولم يقل الكتب ، لأن المفرد والجمع في مقام الاستغراق سواء ، وقد تقدم مع ما في الإفراد من الإيجاز ودفع احتمال العهد إذ لا يجوز أن ينزل كتاب واحد مع جمع النبيئين ؛ فتعين أن يكون المراد الاستغراق لا العهد ، وجوز صاحب \"الكشاف\" كون اللام للعهد والمعنى أنزل مع كل واحد كتابه. أ هـ {التحرير والتنوير حـ 2 صـ 302 ـ 303}","part":5,"page":230},{"id":1967,"text":"سؤال : لم عبر تعالى بالبعث دون الإرسال وما في معناه ؟ \rالجواب : عبر تعالى بالبعث دون الإرسال وما في معناه لأن هذه الوحدة المخبر عنها من حال الإنسان الأولي حال خمود وسكوت ، وهو يناسب البعث الذي هو الإقامة عن نوم أو قطون ونحو ذلك ، وهذه النكتة لعلها هي الموجبة للتعبير عن هؤلاء المبعوثين بالنبيين دون أن يعبر بالمرسلين أو الرسل ، على أن البعث وإنزال الكتاب كما تقدم بيانه حقيقتهما بيان الحق للناس وتبنيهم بحقيقة أمر وجودهم وحياتهم ، وإنبائهم أنهم مخلوقون لربهم ، وهو الله الذي لا إله إلا هو ، وأنهم سالكون كادحون إلى الله فى يوم عظيم ، واقفون في منازل من منازل السير ، لا حقيقة له إلا لعب وغرور ، فيجب أن يراعو ذلك في هذه الحياة وأفعالها ، وأن يجعلو نصب أعينهم أنهم من أين ، وهذا المعنى أنسب بلفظ النبي الذي معناه : من استقر عنده النبأ دون الرسول ، ولذلك عبر بالبنيين ، وفي إسناد بعث النبيين إلى الله سبحانه دلالة على عصمة الأنبياء في تلقيهم الوحى وتبليغهم الرسالة إلى الناس. أ هـ {الميزان حـ 2 صـ 127}","part":5,"page":231},{"id":1968,"text":"سؤال : لم قدّم البشارة ؟ \rالجواب : قدّم البشارة لأنها أبهج للنفس ، وأقبل لما يلقى النبي ، وفيها اطمئنان المكلف ، والوعد بثواب ما يفعله من الطاعة ، ومنه. {فإنما يسرناه بسانك لتبشر به المتقين وتنذر به قوماً لداً }. أ هـ {البحر المحيط حـ 2 صـ 144}\rقال الخازن : \r{ وأنزل معهم الكتاب} أي الكتب أو يكون التقدير وأنزل مع كل واحد الكتاب {بالحق} أي بالعدل والصدق وجملة الكتب المنزلة من السماء مائة وأربعة كتب أنزل على آدم عشر صحائف ، وعلى شيث ثلاثون ، وعلى إدريس خمسون ، وعلى موسى عشر صحائف والتوراة ، وعلى داود الزبور ، وعلى عيسى الإنجيل ، وعلى محمد ـ صلى الله عليه وسلم ـ وعليهم القرآن. أ هـ {تفسير الخازن حـ 1 صـ 138}\rوقال أبو حيان : \r{ وأنزل معهم الكتاب بالحق} معهم حال من الكتاب : وليس تعمل فيه أنزل ، إذ كان يلزم مشاركتهم له في الإنزال ، وليسوا متصفين ، وهي حال مقدرة أي : وأنزل الكتاب مصاحباً لهم وقت الإنزال لم يكن مصاحباً لهم ، لكنه انتهى إليهم.\rوالكتاب : إما أن تكون أل فيه للجنس ، وإما أن تكون للعهد على تأويل : معهم ، بمعنى مع كل واحد منهم ، أو على تأويل أن يراد به واحد معين من الكتب ، وهو التوراة. قاله الطبري ، أنزلت على موسى وحكم بها النبيون بعده ، واعتمدوا عليها كالأسباط وغيرهم ، ويضعف أن يكون مفرداً وضع موضع الجمع ، وقد قيل به.\rويحتمل : بالحق ، أن يكون متعلقاً : بأنزل ، أو بمعنى ما في الكتاب من معنى الفعل ، لأنه يراد به المكتوب ، أو بمحذوف ، فيكون في موضع الحال من الكتاب ، أي مصحوباً بالحق ، وتكون حالاً مؤكدة لأن كتب الله المنزلة يصحبها الحق ولا يفارقها ، وهذه الجملة معطوفة على قوله : {فبعث الله }.","part":5,"page":232},{"id":1969,"text":"ولا يقال : إن البشارة والنذارة إنما يكونان بالأمر والنهي ، وهما إنما يستفادان من إنزال الكتب فَلِمَ قدما على الإنزال مع أنهما ناشئان عنه ؟ لأنه ذلك لا يلزم ، لأن البشارة والنذارة قد يكونان ناشئين عن غير الكتب من وحي الله لنبيه دون أن يكون ذلك كتاباً يتلى ويكتب ، ولو سلم ذلك لكان تقديمهما هو الأولى لأنهما حالان من النبيين. فناسب اتصالهما بهم ، وإن كانا ناشئين عن إنزال الكتب.\rوقال القاضي : الوعد والوعيد من الأنبياء عليهم السلام قبل بيان الشرع ممكن فيما يتصل بالعقليات من معرفة الله تعالى ، وترك الظلم وغيرهما ، انتهى كلامه.\rوما ذكر لا يظهر ، لأن الوعد بالثواب والوعيد بالعقاب ليسا مما يقضي بهما العقل وحده على جهة الوجوب ، وإنما ذلك على سبيل الجواز ، ثم أتى الشرع بهما ، فصار ذلك الجائز في العقل واجباً بالشرع ، وما كان بجهة الإمكان العقلي لا يتصف به النبي على سبيل الوجوب إلاَّ بعد الوحي قطعاً ، فإذن يتقدّم الوحي بالوعد والوعيد على ظهور البشارة والنذارة ممن أوحى إليه قطفاً.\rقال القاضي : وظاهر الآية يدل على أنه لا نبي إلاَّ ومعه كتاب منزل فيه بيان الحق ، طال ذلك الكتاب أو قصر ، دوّن أو لم يدوّن ، كان معجزاً أو لم يكن ، لأن كون الكتاب منزلاً معهم لا يقضي شيئاً من ذلك. انتهى كلامه.\rويحتمل أن يكون التجّوز في : أنزل ، فيكون بمعنى : جعل ، كقوله : {وأنزلنا الحديد} ولما كان الإنزال الكثير منهم نسب إلى الجميع ، ويحتمل أن يكون التجوّز في الكتاب ، فيكون بمعنى الموحى به ، ولما كان كثيراً مما أوحى به بكتب ، أطلق على الجميع الكتاب تسمية للمجموع باسم كثير من أجزائه. أ هـ {البحر المحيط حـ 2 صـ 144}\rسؤال : لم عبر عن الإنزال بالإيتاء ؟","part":5,"page":233},{"id":1970,"text":"عبر عن الإنزال بالإيتاء للتنبيه من أول الأمر على كمال تمكنهم من الوقوف على ما فيه من الحق فإن الإنزال لا يفيد ذلك ، وقيل : عبر به ليختص الموصول بأرباب العلم والدراسة من أولئك المختلفين ، وخصهم بالذكر لمزيد شناعة فعلهم ولأن غيرهم تبع لهم. أ هـ {روح المعانى حـ 2 صـ 102}\rقوله تعالى : {لِيَحْكُمَ بَيْنَ الناس }\rقال الفخر : \rأما قوله تعالى : {لِيَحْكُمَ بَيْنَ الناس} فاعلم أنه قوله : {لِيَحْكُمَ} فعل فلا بد من استناده إلى شيء تقدم ذكره ، وقد تقدم ذكر أمور ثلاثة ، فأقربها إلى هذا اللفظ : الكتاب ، ثم النبيون ، ثم الله فلا جرم كان إضمار كل واحد منها صحيحاً ، فيكون المعنى : ليحكم الله ، أو النبي المنزل عليه ، أو الكتاب ، ثم إن كل واحد من هذه الاحتمالات يختص بوجه ترجيح ، أما الكتاب فلأنه أقرب المذكورات ، وأما الله فلأنه سبحانه هو الحاكم في الحقيقة لا الكتاب ، وأما النبي فلأنه هو المظهر فلا يبعد أن يقال : حمله على الكتاب أولى ، أقصى ما في الباب أن يقال : الحاكم هو الله ، فإسناد الحكم إلى الكتاب مجاز إلا أن نقول : هذا المجاز يحسن تحمله لوجهين الأول : أنه مجاز مشهور يقال : حكم الكتاب بكذا ، وقضى كتاب الله بكذا ، ورضينا بكتاب الله ، وإذا جاز أن يكون هدى وشفاء ، جاز أن يكون حاكماً قال تعالى : {إِنَّ هذا القرءان يِهْدِى لِلَّتِى هِىَ أَقْوَمُ وَيُبَشّرُ المؤمنين} {الإسراء : 9 ] والثاني : أنه يفيد تفخيم شأن القرآن وتعظيم حاله.\rأ هـ {مفاتيح الغيب حـ 6 صـ 14}\rوقال ابن عاشور : \rوالضمير في {ليحكم} راجع إلى الكتاب فإسناد الحكم إلى الكتاب مجاز عقلي ، لأنه مبين ما به الحكم ، أو فعل يحكم مجاز في البيان. ويجوز رجوع الضمير إلى اسم الجلالة أي أنزل الله الكتاب ليحكم بينهم إسناد الحكم مجاز عقلي ، لأنه المسبب له والأمر بالقضاء به ، وتعدية ( يحكم ) ببين لأنه لم يعين فيه محكوم له أو عليه.","part":5,"page":234},{"id":1971,"text":"وحكم الكتاب بين الناس بيان الحق والرشد والاستدلال عليه ، وكونه فيما اختلفوا فيه كناية عن إظهاره الحق ، لأن الحق واحد لا يختلف فيه إلاّ عن ضلال أو خطأ ، ولهذا قال جمهور علمائنا إن المصيب في الاجتهاديات واحد. أ هـ {التحرير والتنوير حـ 2 صـ 308}\rقال ابن عادل :\rو \"بَيْنَ \"مُتَعلِّقٌ بـ \"يَحْكُمْ \". والظَّرفيةُ هنا مجازٌ. وكذلك \"فِيما اخْتَلَفُوا \"مُتعلقٌ به أيضاً. و\" مَا \"موصولةٌ ، والمرادُ بها الدِّينُ ، أي : ليحكم اللَّهُ بين الناسِ في الدِّين ، بعد أَنْ كانُوا مُتفقين عيه. ويضعُفُ أَنْ يْرَادَ بـ \"ما \"النبيُّ - صلى الله عليه وسلم ـ ؛ لأنها لغير العقلاء غالباً. و\" فِيهِ \"متعلِّقٌ بـ \"اخْتَلَفُوا \" ، والضميرُ عائدٌ على \"ما \"الموصولة. أ هـ {تفسير ابن عادل حـ 3 صـ 506}\rقوله تعالى : {فِيمَا اختلفوا فِيهِ }\rقال الفخر :\rأما قوله تعالى : {فِيمَا اختلفوا فِيهِ} فاعلم أن الهاء في قوله : {فِيمَا اختلفوا فِيهِ} يجب أن يكون راجعاً ، إما إلى الكتاب ، وإما إلى الحق ، لأن ذكرهما جميعاً قد تقدم ، لكن رجوعه إلى الحق أولى ، لأن الآية دلت على أنه تعالى إنما أنزل الكتاب ليكون حاكماً فيما اختلفوا فيه فالكتاب حاكم ، والمختلف فيه محكوم عليه ، والحاكم يجب أن يكون مغايراً للمحكوم عليه. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 6 صـ 14}\rقوله تعالى : {وَمَا اختلف فِيهِ إِلاَّ الذين أُوتُوهُ }\rسؤال : فإن قيل : إذا كانوا مختلفين في الحق ، فكيف عمهم الكفر في قول من قال إنهم كانوا كلهم كفارا ؟\rفجوابه : إنه لا يمتنع أن يكونوا كفارا ، وبعضهم يكفر من جهة الغلو ، وبعضهم يكفر من جهة التقصير ، كما كفرت اليهود والنصارى في المسيح ، فقالت النصارى : هو رب ، وقالت اليهود : هو كاذب. أ هـ {مجمع البيان حـ 1 صـ 67}","part":5,"page":235},{"id":1972,"text":"قال الفخر : \rأما قوله تعالى : {وَمَا اختلف فِيهِ إِلاَّ الذين أُوتُوهُ} فالهاء الأولى راجعة إلى الحق والثانية : إلى الكتاب والتقدير : وما اختلف في الحق إلا الذين أوتوا الكتاب ، ثم قال أكثر المفسرين : المراد بهؤلاء : اليهود والنصارى والله تعالى كثيراً ما يذكرهم في القرآن بهذا اللفظ كقوله : {وَطَعَامُ الذين أُوتُواْ الكتاب حِلٌّ لَّكُمْ} {المائدة : 5 ] {قُلْ ياأهل تَعَالَوْاْ إلى كَلِمَةٍ سَوَاء بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ} {آل عمران : 64 ] ثم المراد باختلافهم يحتمل أن يكون هو تكفير بعضهم بعضاً كقوله تعالى : {وَقَالَتِ اليهود لَيْسَتِ النصارى على شَىْءٍ وَقَالَتِ النصارى لَيْسَتِ اليهود على شَىْءٍ وَهُمْ يَتْلُونَ الكتاب} {البقرة : 113 ] ويحتمل أن يكون اختلافهم تحريفهم وتبديلهم ، فقوله : {وَمَا اختلف فِيهِ إِلاَّ الذين أُوتُوهُ} أي وما اختلف في الحق إلا الذين أوتوا الكتاب مع أنه كان المقصود من إنزال الكتاب أن لا يختلفوا وأن يرفعوا المنازعة في الدين واعلم أن هذا يدل على أن الاختلاف في الحق لم يوجد إلا بعد بعثة الأنبياء وإنزال الكتب وذلك يوجب أن قبل بعثهم ما كان الاختلاف في الحق حاصلاً ، بل كان الإتفاق في الحق حاصلاً وهو يدل على أن قوله تعالى : {كَانَ الناس أُمَّةً واحدة} معناه أمة واحدة في دين الحق. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 6 صـ 14}\rوقال الواحدى : \r{وما اختلف فيه إلاَّ الذين أوتوه من بعد ما جاءتهم البينات بغياً} أَيْ : وما اختلفَ في أمر محمَّدٍ بعد وضوح الدّلالات لهم بغياً وحسداً إلاَّ اليهودُ الذين أوتوا الكتاب ؛ لأنَّ المشركين - وإن اختلفوا في أمر محمَّد عليه السَّلام - فإنَّهم لم يفعلوا ذلك للبغي ، والحسد ، ولم تأتهم البيِّنات في شأن محمَّد عليه السَّلام ، كما أتت اليهود ، فاليهود مخصوصون من هذا الوجه. أ هـ {الوجيز للواحدى حـ 1 صـ 56}","part":5,"page":236},{"id":1973,"text":"وقال ابن عاشور : \rقوله تعالى : {وَمَا اختلف فِيهِ إِلاَّ الذين أُوتُوهُ }\rعطف على جملة {أنزل معهم الكتاب بالحق} لبيان حقيقة أخرى من أحوال اختلاف الأمم وهو الاختلاف بين أهل الكتاب بعضهم مع بعض وبين أهل الكتاب الواحد مع تلقيهم ديناً واحداً ، والمعنى وأنزل معهم الكتاب بالحق فاختلف فيه كما قال تعالى : {ولقد آتينا موسى الكتاب فاختلف فيه} {هود : 110 ]. والمعنى وما اختلف فيه إلا أقوامهم الذين أوتوا كتبهم فاستغنى بجملة القصر عن الجملة الأخرى لتضمن جملة القصر إثباتاً ونفياً. فاللَّه بعث الرسل لإبطال الضلال الحاصل من جهل البشر بصلاحهم فجاءت الرسل بالهدى ، اتبعهم من اتبعهم فاهتدى وأعرض عنهم من أعرض فبقي في ضلالة ، فإرسال الرسل لإبطال الاختلاف بين الحق والباطل ، ثم أحدث اتباع الرسل بعدهم اختلافاً آخر وهو اختلاف كل قوم في نفس شريعتهم. والمقصود من هذا بيان عجيب حال البشر في تسرعهم إلى الضلال ، وهي حقيقة تاريخية من تاريخ الشرائع ، وتحذير المسلمين من الوقوع في مثل ذلك.\rوالتعريض بأهل الكتاب وهم أشهر أهل الشرائع يومئذٍ فيما صنعوا بكتبهم من الاختلاف فيها ، وهذا من بديع استطراد القرآن في توبيخ أهل الكتاب وخاصة اليهود وهي طريقة عربية بليغة قال زهير\r : ... إن البخيل ملوم حين كان\rولكن الجوادَ على علاَّته هرم... وقال الفرزدق يمدح الخليفة ويستطرد بهجاء جرير\r : ... إلى مَلِك ما أُمُّه من مُحَارِب\rأبُوه ولا كانَتْ كُلَيْبٌ تصاهره... والضمير من قوله : {فيه} يجوز أن يعود إلى الكتاب وأن يعود إلى الحق الذي تضمنه الكتاب ، والمعنى على التقديرين واحد ، لأن الكتاب أنزل ملابساً للحق ومصاحباً له فإذا اختلف في الكتاب اختلف في الحق الذي فيه وبالعكس على طريقة قياس المساواة في المنطق.\rفي تحريف المراد منه مذهباً يخالف مذهب الآخر في أصول الشرع لا في الفروع ، فإن الاختلاف في أصوله يعطل المقصود منه.","part":5,"page":237},{"id":1974,"text":"وجيء بالموصول دون غيره من المعرفات لما في الصلة من الأمر العجيب وهو أن يكون المختلفون في مقصد الكتاب هم الذين أعطوا الكتاب ليزيلوا به الخلاف بين الناس فأصبحوا هم سبب خلاف فيه ، ولا شك أن ذلك يبطل المراد منه.\rوالمعنى تشنيع حال الذين أوتوه بأن كانوا أسوأ حالاً من المختلفين في الحق قبل مجيء الشرائع ، لأن أولئك لهم بعض العذر بخلاف الذين اختلفوا بعد كون الكتاب بأيديهم. أ هـ {التحرير والتنوير حـ 2 صـ 308}\rقوله تعالى : {مِن بَعْدِ مَا جَاءتْهُمُ البينات}\rقال الفخر : \rأما قوله تعالى : {مِن بَعْدِ مَا جَاءتْهُمُ البينات} فهو يقتضي أن يكون إيتاء الله تعالى إياهم الكتاب كان بعد مجيء البينات فتكون هذه البينات مغايرة لا محالة لإيتاء الكتاب وهذه البينات لا يمكن حملها على شيء سوى الدلائل العقلية التي نصبها الله تعالى على إثبات الأصول التي لا يمكن القول بالنبوة إلا بعد ثبوتها ، وذلك لأن المتكلمين يقولون كل ما لا يصح إثبات النبوة إلا بعد ثبوته ، فذلك لا يمكن إثباته بالدلائل السمعية وإلا وقع الدور ، بل لا بد من إثباتها بالدلائل العقلية فهذه الدلائل هي البينات المتقدمة على إيتاء الله الكتب إياهم. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 6 صـ 15}\rوقال العلامة أبو حيان : \rقوله تعالى {وما اختلف فيه إلا الذين أوتوه من بعد ما جاءتهم البينات بغياً بينهم} الضمير من قوله : وما اختلف فيه ، يعود على ما عاد عليه في : فيه ، الأولى ، وقد تقدّم أنها عائدة على : ما ، وشرح ما المعنى : بما ، أهو الدين ، أو محمد ـ صلى الله عليه وسلم ـ ؟ أم دينه ؟ أم هما ؟ أم كتابه ؟ \rوالضمير في : أوتوه ، عائد إذ ذاك على ما عاد عليه الضمير في : فيه ، وقيل : الضمير في : فيه ، عائد على الكتاب ، وأوتوه عائد أيضاً على الكتاب ، التقدير : وما اختلف في الكتاب إلاَّ الذين أوتوه ، أي : أوتوا الكتاب.","part":5,"page":238},{"id":1975,"text":"وقال الزجاج : الضمير في : فيه ، الثانية يجوز أن يعود على النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ ، أي : وما اختلف في النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ إلاَّ الذين أوتوه ، أي : أوتوا علم نبوّته ، فعلوا ذلك للبغي ، وعلى هذا يكون الكتاب : التوراة ، والذين أوتوه اليهود.\rوقيل : الضمير في : فيه ، عائد على ما اختلفوا فيه من حكم التوراة والقبلة وغيرهما ، وقيل : يعود الضمير في : فيه ، على عيسى صلى الله على نبينا وعليه.\rوقال مقاتل : الضمير عائد على الدين ، أي : وما اختلف في الدين. انتهى.\rوالذي يظهر من سياق الكلام وحسن التركيب أن الضمائر كلها في : أوتوه وفيه الأولى والثانية ، يعود على : ما ، الموصولة في قوله : وما اختلفوا فيه ، وأن الذين اختلفوا فيه مفهومه كل شيء اختلفوا فيه فمرجعه إلى الله ، بينه بما نزل في الكتاب ، أو إلى الكتاب إذ فيه جميع ما يحتاج إليه المكلف ، أو إلى النبي يوضحه بالكتاب على الأقوال التي سبقت في الفاعل في قوله : {ليحكم }.\rوالذين أوتوه أرباب العلم به والدراسة له ، وخصهم بالذكر تنبيهاً منه على شناعة فعلهم ، وقبيح ما فعلوه من الاختلاف ، ولأن غيرهم تبع لهم في الاختلاف فهم أصل الشر ، وأتى بلفظ : من ، الدالة على ابتداء الغاية منبهاً على أن اختلافهم متصل بأول زمان مجيء البينات ، لم يقع منهم اتفاق على شيء بعد المجيء ، بل بنفس ما جاءتهم البينات اختلفوا ، لم يتخلل بينهما فترة. أ هـ {البحر المحيط حـ 2 صـ 146}\rوقال ابن عاشور : ","part":5,"page":239},{"id":1976,"text":"وقوله : {من بعد ما جاءتهم البينات} متعلق باختلف ، والبينات جمع بينة وهي الحجة والدليل. والمراد بالبينات هنا الدلائل التي من شأنها الصدّ عن الاختلاف في مقاصد الشريعة ، وهي النصوص التي لا تحتمل غير مدلولاتها أعني قواطع الشريعة ، والظواهر المتعاضدة التي التحقت بالقواطع. والظواهر التي لم يدع داع إلى تأويلها ولا عارضها معارض. والظواهر المتعارضة التي دل تعارضها على أن محمل كل منها على حالة لا تعارض حالة محمل الآخر وهو المعبر عنه في الأصول بالجمع بين الأدلة وتواريخ التشريع الدالة على نسخ حكم حكماً آخر ، أو ما يقوم مقام التاريخ من نحو هذا ناسخ ، أو كان الحكم كذا فصار كذا ، فهذه بينات مانعة من الاختلاف لو كان غرض الأمم اتباع الحق ومجىء البينات بلوغ ما يدل عليها وظهور المراد منها.\rوالبعدية هنا : بعدية اعتبار لم يقصد منها تأخر زمان الاختلاف عن مجيء البينات ، وإن كان هو كذلك في نفس الأمر ، أي إن الخلاف كان في حالة تقررت فيها دلائل الحق في نفوس المختلفين. أ هـ {التحرير والتنوير حـ 2 صـ 310}\rقوله تعالى : {بَغْياً بَيْنَهُمْ }\rقال الآلوسى : \rوقوله تعالى : {بَغْياً بَيْنَهُمْ} متعلق بما تعلق به {مِنْ} والبغي الظلم أو الحسد ، و{ بَيْنَهُمْ} متعلق بمحذوف صفة {بَغِيّاً} وفيه إشارة على ما أرى إلى أنّ هذا البغي قد باض وفرخ عندهم ، فهو يحوم عليهم ويدور بينهم لا طمع له في غيرهم ، ولا ملجأ له سواهم ، وفيه إيذان بتمكنهم في ذلك وبلوغهم الغاية القصوى فيه وهو فائدة التوصيف بالظرف وقيل : أشار بذلك إلى أنّ البغي أمر مشترك بينهم وأنّ كلهم سفل ، ومنشأ ذلك مزيد حرصهم في الدنيا وتكالبهم عليها. أ هـ {روح المعانى حـ 2 صـ 102}\rوقال الفخر : \rأما قوله تعالى : {بَغْياً بَيْنَهُمْ} فالمعنى أن الدلائل إما سمعية وإما عقلية.","part":5,"page":240},{"id":1977,"text":"أما السمعية فقد حصلت بإيتاء الكتاب ، وأما العقلية فقد حصلت بالبينات المتقدمة على إيتاء الكتاب فعند ذلك قد تمت البينات ولم يبق في العدول عذر ولا علة ، فلو حصل الإعراض والعدول لم يكن ذلك إلا بحسب الحسد والبغي والحرص على طلب الدنيا ، ونظيره هذه الآية قوله تعالى : {وَمَا تَفَرَّقَ الذين أُوتُواْ الكتاب إِلاَّ مِن بَعْدِ مَا جَاءتْهُمُ البينة} {البينة : 4 ]. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 6 صـ 15}\rوقال ابن عاشور : \rوقوله : {بغياً بينهم} مفعول لأجله لاختلفوا ، والبغي : الظلم وأصل البغي في كلام العرب الطلب ، ثم شاع في طلب ما للغير بدون حق فصار بمعنى الظلم معنى ثانياً وأطلق هنا على الحسد لأن الحسد ظلم.\rوالمعنى أن داعي الاختلاف هو التحاسد وقصد كل فريق تغليط الآخر فيحمل الشريعة غير محاملها ليفسد ما حملها عليه الآخر فيفسد كل فريق صواب غيره وأما خطؤه فأمره أظهر.\rوقوله : {بينهم} متعلق بقوله : {بغياً} للتنصيص على أن البغي بمعنى الحسد ، وأنه ظلم في نفس الأمة وليس ظلماً على عدوها. أ هـ {التحرير والتنوير حـ 2 صـ 310}\rبحث نفيس\r(حدوث الاختلاف بين أفراد الإنسان) ومن هنا يعلم أن قريحة الاستخدام في الإنسان بانضمامها إلى الاختلاف الضروري بين الأفراد من حيث الخلقة ومنطقة الحياة والعادات والأخلاق المستندة إلى ذلك ، وإنتاج ذلك للاختلاف الضروري من حيث القوة والضعف يؤدي إلى الاختلاف والانحراف عن ما يقتضيه الاجتماع الصالح من العدل الاجتماعي ، فيستفيد القوي من الضعيف أكثر مما يفيده ، وينتفع الغالب من المغلوب من غير أن ينفعه ، ويقابله الضعيف المغلوب مادام ضعيفا مغلوبا بالحيلة والمكيدة والخدعة ، فإذا قوي وغلب قابل ظالمه بأشد الانتقام ، فكان بروز الاختلاف مؤديا إلى الهرج والمرج ، وداعيا إلى هلاك الإنسانية ، وفناء الفطرة ، وبطلان السعادة.","part":5,"page":241},{"id":1978,"text":"وإلى ذلك يشير تعالى بقوله : \"وما كان الناس إلا أمة واحدة فاختلفوا \"يونس - 19 ، وقوله تعالى : \"ولا يزالون مختلفين إلا من رحم ربك ولذلك خلقهم \"هود - 119 ، وقوله تعالى في الآية المبحوث عنها : \"ليحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه \"الآية.\rوهذا الاختلاف كما عرفت ضروري الوقوع بين أفراد المجتمعين من الإنسان لاختلاف الخلقة باختلاف المواد ، وإن كان الجميع إنسانا بحسب الصورة الإنسانية الواحدة ، والوحدة في الصورة تقتضي الوحدة من حيث الأفكار والأفعال بوجه ، واختلاف المواد يؤدي إلى اختلاف الإحساسات والإدراكات والأحوال في عين أنها متحدة بنحو ، أو اختلافها يؤدي إلى اختلاف الأغراض والمقاصد والآمال ، واختلافها يؤدي إلى اختلاف الافعال ، وهو المؤدي إلى اختلال نظام الاجتماع.\rوظهور هذا الاختلاف هو الذي استدعى التشريع ، وهو جعل قوانين كلية يوجب العمل بها ارتفاع الاختلاف ، ونيل كل ذي حق حقه ، وتحميلها الناس.\rوالطريق المتخذ اليوم لتحميل القوانين المصلحة لاجتماع الإنسان أحد طريقين\rالأول : إلجاء الاجتماع على طاعة القوانين الموضوعة لتشريك الناس في حق الحياة وتسويتهم في الحقوق ، بمعنى أن ينال كل من الأفراد ما يليق به من كمال الحياة ، مع إلغاء المعارف الدينية ، من التوحيد والأخلاق الفاضلة ، وذلك بجعل التوحيد ملغى غير منظور إليه ولا مرعي ، وجعل الأخلاق تابعة للاجتماع وتحوله ، فما وافق حال الاجتماع من الأخلاق فهو الخلق الفاضل ، فيوما العفة ، ويوما الخلاعة ، ويوما الصدق ، ويوما الكذب ، ويوما الأمانة ، ويوما الخيانة ، وهكذا.\rوالثاني : إلجاء الاجتماع على طاعة القوانين بتربية ما يناسبها من الأخلاق واحترامها مع إلغاء المعارف الدينية في التربية الاجتماعية.\rوهذان طريقان مسلوكان في رفع الاختلافات الاجتماعية وتوحيد الأمة المجتمعة من الإنسان : \rأحدهما بالقوة المجبرة والقدرة المتسلطة من الإنسان فقط ، \r","part":5,"page":242},{"id":1979,"text":"وثانيهما بالقوة والتربية الخلقية ، لكنهما على ما يتلوهما من المفاسد مبنيان على أساس الجهل ، فيه بوار هذا النوع ، وهلاك الحقيقة الإنسانية ، فإن هذا الإنسان موجود مخلوق لله متعلق الوجود بصانعه ، بدء من عنده وسيعود إليه ، فله حياة باقية بعد الارتحال من هذه النشأة الدنيوية ، حياة طويلة الذيل ، غير منقطع الأمد ، وهي مرتبة على هذه الحياة الدنيوية ، وكيفية سلوك الإنسان فيها ، واكتسابه الأحوال والملكات المناسبة للتوحيد الذي هو كونه عبدا لله سبحانه ، بادئا منه عائدا إليه ، وإذا بنى الإنسان حياته في هذه الدنيا على نسيان توحيده ، وستر حقيقة الأمر فقد أهلك نفسه ، وأباد حقيقته.\rفمثل الناس في سلوك هذين الطريقين كمثل قافلة أخذت في سلوك الطريق إلى بلد ناء معها ما يكفيها من الزاد ولوازم السير ، ثم نزلت في أحد المنازل في أثناء الطريق فلم يلبث هنيئة حتى أخذت في الاختلاف : من قتل ، وضرب ، وهتك عرض ، وأخذ مال وغصب مكان وغير ذلك ، ثم اجتمعوا يتشاورون بينهم على اتخاذ طريقة يحفظونها لصون أنفسهم وأموالهم.\rفقال قائل منهم : عليكم بالاشتراك في الانتفاع من هذه الأعراض والأمتعة ، والتمتع على حسب ما لكل من الوزن الاجتماعي ، فليس إلا هذا المنزل والمتخلف عن ذلك يؤخذ بالقوة والسياسة.\rوقال قائل منهم : ينبغي أن تضعوا القانون المصلح لهذا الاختلاف على أساس الشخصيات الموجودة الذي جئتم بها من بلدكم الذي خرجتم منه ، فيتأدب كل بما له من الشخصية الخلقية ، ويأخذ بالرحمة لرفقائه ، والعطوفة والشهامة والفضيلة ، ثم تشتركوا مع ذلك في الانتفاع عن هذه الأمتعة الموجودة ، فليست إلا لكم ولمنزلكم هذا.\rوقد أخطا القائلان جميعا ، وسهيا عن أن القافلة جميعا على جناح سفر ، ومن الواجب على المسافر أن يراعي في جميع أحواله حال وطنه وحال غاية سفره التي يريدها فلو نسي شيئا من ذلك لم يكن يستقبله إلا الضلال والغى والهلاك.\r","part":5,"page":243},{"id":1980,"text":"والقائل المصيب بينهم هو من يقول : تمتعوا من هذه الأمتعة على حسب ما يكفيكم لهذه الليلة ، وخذوا من ذلك زادا لما هو أمامكم من الطريق ، وما أريد منكم في وطنكم ، وما تريدونه لمقصدكم.\r(رفع الاختلاف بالدين) ولذلك شرع الله سبحانه ما شرعه من الشرائع والقوانين واضعا ذلك على أساس التوحيد ، والاعتقاد والأخلاق والأفعال ، وبعبارة أخرى وضع التشريع مبني على أساس تعليم الناس وتعريفهم ما هو حقيقة أمرهم من مبدئهم إلى معادهم ، وأنهم يجب أن يسلكوا في هذه الدنيا حياة تنفعهم في غد ، ويعملوا في العاجل ما يعيشون به في الآجل ، فالتشريع الديني والتقنين الإلهي هو الذي بني على العلم فقط دون غيره ، قال تعالى : \"إن الحكم إلا لله أمر ألا تعبدوا إلا إياه ذلك الدين القيم ولكن أكثر الناس لا يعلمون \"يوسف - 40 ، وقال تعالى في هذه الآية المبحوث عنها : \"فبعث الله النبيين مبشرين ومنذرين وأنزل معهم الكتاب ليحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه \"الآية ، فقارن بعثة الأنبياء بالتبشير والإنذار بإنزال الكتاب المشتمل على الأحكام والشرائع الرافعة لاختلافهم.\rومن هذا الباب قوله تعالى : \"وقالوا ما هي إلا حياتنا الدنيا نموت ونحيا وما يهلكنا إلا الدهر وما لهم بذلك من علم إن هم إلا يظنون \"الجاثية - 24 ، فإنهم إنما\rكانوا يصرون على قولهم ذلك ، لا لدفع القول بالمعاد فحسب ، بل لأن القول بالمعاد والدعوة إليه كان يستتبع تطبيق الحياة الدنيوية على الحياة بنحو العبودية ، وطاعة قوانين دينية مشتملة على مواد وأحكام تشريعية : من العبادات والمعاملات والسياسات.\rوبالجملة القول بالمعاد كان يستلزم التدين بالدين ، واتباع أحكامه في الحياة ، ومراقبة البعث والمعاد في جميع الأحوال والأعمال ، فردوا ذلك ببناء الحياة الاجتماعية على مجرد الحياة الدنيا من غير نظر إلى ما ورائها.\r","part":5,"page":244},{"id":1981,"text":"وكذا قوله تعالى : \"إن الظن لا يغني من الحق شيئا فأعرض عمن تولى عن ذكرنا ولم يرد إلا الحياة الدنيا ذلك مبلغهم من العلم \"النجم - 30 ، فبين تعالى أنهم يبنون الحياة على الظن والجهل ، والله سبحانه يدعو إلى دار السلام ، ويبني دينه على الحق والعلم ، والرسول يدعو الناس إلى مايحييهم ، قال تعالى : \"يا أيها الذين آمنوا استجيبوا لله وللرسول إذا دعاكم لما يحييكم \"الأنفال - 24 ، وهذه الحياة هي التي يشير إليها قوله تعالى : \"أو من كان ميتا فأحييناه وجعلنا له نورا يمشي به في الناس كمن مثله في الظلمات ليس بخارج منها \"الأنعام - 122 ، وقال تعالى : \"أفمن يعلم أنما أنزل إليك من ربك الحق كمن هو أعمى إنما يتذكر أولوا الالباب \"الرعد - 19 ، وقال تعالى : \"قل هذه سبيلى أدعوا إلى الله على بصيرة أنا ومن اتبعني وسبحان الله وما أنا من المشركين \"يوسف - 108 ، وقال تعالى : \"هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون إنما يتذكر أولوا الألباب \"الزمر - 9 ، وقال تعالى : \"يعلمهم الكتاب والحكمة ويزكيهم \"البقرة - 129 ، إلى غير ذلك ، والقرآن مشحون بمدح العلم والدعوة إليه والحث به ، وناهيك فيه أنه يسمي العهد السابق على ظهور الإسلام عهد الجاهلية كما قيل.\rفما أبعد من الإنصاف قول من يقول : إن الدين مبني على التقليد والجهل مضاد للعلم ومباهت له ، وهؤلاء القائلون أناس اشتغلوا بالعلوم الطبيعية والاجتماعية فلم يجدوا فيها ما يثبت شيئا مما وراء الطبيعة ، فظنوا عدم الإثبات إثباتا للعدم ، وقد أخطأوا في ظنهم ، وخبطوا في حكمهم ، ثم نظروا إلى ما في أيدي أمثالهم من الناس المتهوسين من أمور يسمونه باسم الدين ، ولا حقيقة لها غير الشرك ، والله برئ من المشركين ورسوله ، ثم نظروا إلى الدعوة الدينية بالتعبد والطاعة فحسبوها تقليدا وقد أخطأوا\r","part":5,"page":245},{"id":1982,"text":"في حسبانهم ، والدين أجل شأنا من أن يدعو إلى الجهل والتقليد ، وأمنع جانبا من أن يهدي إلى عمل لا علم معه ، أو يرشد إلى قول بغير هدى ولا كتاب منير ، ومن أظلم ممن افترى على الله كذبا أو كذب بالحق لما جاءه.\r(الاختلاف في نفس الدين) وبالجملة فهو تعالى يخبرنا أن الاختلاف في المعاش وأمور الحياة إنما رفع أول ما رفع بالدين ، فلو كانت هناك قوانين غير دينية فهي مأخوذة بالتقليد من الدين.\rثم إنه تعالى يخبرنا أن الاختلاف نشأ بين النوع في نفس الدين وإنما أوجده حملة الدين ممن أوتي الكتاب المبين : من العلماء بكتاب الله بغيا بينهم وظلما وعتوا ، قال تعالى : \"شرع لكم من الدين ما وصى به نوحا والذي أوحينا إليك وما وصينا به إبراهيم وموسى وعيسى أن أقيموا الدين ولا تتفرقوا فيه ، إلى أن قال ، وما تفرقوا إلا من بعد ما جاءهم العلم بغيا بينهم ولولا كلمة سبقت من ربك إلى أجل مسمى لقضي بينهم \"الشورى - 14 ، وقال تعالى : \"وما كان الناس إلا أمة واحدة فاختلفوا ولولا كلمة سبقت من ربك لقضي بينهم فيما فيه يختلفون \"يونس - 19 ، والكلمة المشار إليها في الآيتين هو قوله تعالى : \"ولكم في الأرض مستقر ومتاع إلى حين \"الأعراف - 24 فالاختلاف في الدين مستند إلى البغي دون الفطرة ، فإن الدين فطري وما كان كذلك لا تضل فيه الخلقة ولا يتبدل فيه حكمها كما قال تعالى : \"فأقم وجهك للدين حنيفا فطرة الله التي فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله ذلك الدين القيم \"الروم - 30 فهذه جمل ما بني عليه الكلام في هذه الآية الشريفة. أ هـ {الميزان حـ 2 صـ 119 ـ 122}\rقوله تعالى : {فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ}\rالمناسبة\r","part":5,"page":246},{"id":1983,"text":"ولما ذكر إنزال الكتاب وسببه ذكر ما تسبب عنه فقال عاطفاً على ما تقديره : فعموا عن البينات : {فهدى الله} في إسناده إلى الاسم الأعظم كما قال الحرالي إعلام بأنه ليس من طوق الخلق إلا بعون وتوفيق من الحق - انتهى. {الذين آمنوا} أي بالنبيين ببركة إيمانهم {لما اختلفوا} أي أهل الضلالة {فيه} ثم بينه بقوله : {من الحق} ويجوز أن تكون تبعيضية لما عموا عنه من الحق الذي نزل به الكتاب الذي جاء به النبيون {بإذنه} أي بما ارتضاه لهم من علمه وإرادته وتمكينه. قال الحرالي : فيه إشعار بما فطرهم عليه من التمكين لقبوله لأن الإذن أدناه التمكين وإزالة المنع - انتهى. {والله} أي المحيط علماً وقدرة {يهدي من يشاء} أي بما له من أوصاف الكمال {إلى صراط مستقيم} قال الحرالي : هذا هدى أعلى من الأول كأن الأول هدى إلى إحاطة علم الله وقدرته وهذا هدى إليه ، وفي صيغة المضارع بشرى لهذه الأمة بدوام هداهم إلى ختم اليوم المحمدي \"لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق حتى يأتي أمر الله \"انتهى. أ هـ {نظم الدرر حـ 1 صـ 394 ـ 395}\rقال الفخر : ","part":5,"page":247},{"id":1984,"text":"أما قوله تعالى : {فَهَدَى الله الذين ءامَنُواْ لِمَا اختلفوا فِيهِ مِنَ الحق بِإِذْنِهِ} فاعلم أنه تعالى لما وصف حال أهل الكتاب وأنهم بعد كمال البينات أصروا على الكفر والجهل بسبب البغي والحسد بين أن حال هذه الأمة بخلاف حال أولئك فإن الله عصمهم عن الزلل وهداهم إلى الحق في الأشياء التي اختلف فيها أهل الكتاب ، يروى أنه عليه الصلاة والسلام قال : \"نحن الآخرون السابقون يوم القيامة ، ونحن أولى الناس دخولاً الجنة يوم القيامة بيد أنهم أوتوا الكتاب من قبلنا وأوتيناه من بعدهم فهدانا لله لما اختلفوا فيه من الحق بإذنه ، فهذا اليوم الذي هدانا له ، والناس له فيه تبع وغداً لليهود ، وبعد غد للنصارى \"قال ابن زيد : اختلفوا في القبلة فصلت اليهود إلي بيت المقدس والنصارى إلى المشرق ، فهدانا الله للكعبة واختلفوا في الصيام ، فهدانا الله لشهر رمضان ، واختلفوا في إبراهيم ، فقالت اليهود : كان يهودياً وقالت النصارى : كان نصرانياً ، فقلنا : إنه كان حنيفاً مسلماً واختلفوا في عيسى ، فاليهود فرطوا ، والنصارى أفرطوا ، وقلنا القول العدل. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 6 صـ 15}\rوقال ابن عاشور : ","part":5,"page":248},{"id":1985,"text":"وقوله : {فهدى الله الذين آمنوا} هذا العطف يحتمل أن الفاء عاطفة على {اختلف فيه} الذي تضمنته جملة القصر ، قال ابن عرفة : عطف بالفاء إشارة إلى سرعة هدايته المؤمنين بعقب الاختلاف اه ، يريد أنه تعقيب بحسب ما يناسب سرعة مثله وإلا فهدى المسلمين وقع بعد أزمان مضت ، حتى تفاقم اختلاف اليهود واختلاف النصارى ، وفيه بعد لا يخفى ، فالظاهر عندي أن الفاء فصيحة لما علم من أن المقصود من الكلام السابق التحذير من الوقوع في الاختلاف ضرورة أن القرآن إنما نزل لهدي المسلمين للحق في كل ما اختلف فيه أهل الكتب السالفة فكأنَّ السامعَ ترقب العلم بعاقبة هذا الاختلاف فقيل : دامَ هذا الاختلاف إلى مجيء الإسلام فهدى الله الذين آمنوا إلخ ، فقد أفصحت عن كلام مقدر وهو المعطوف عليه المحذوف كقوله تعالى : {اضرب بعصاك الحجر فانفجرت} {البقرة : 60 ]. أ هـ {التحرير والتنوير حـ 2 صـ 311}\rفوائد\rقال الفخر : \rمن الأصحاب من تمسك بهذه الآية على أن الإيمان مخلوق لله تعالى قال : لأن الهداية هي العلم والمعرفة ، وقوله : {فَهَدَى الله} نص في أن الهداية حصلت بفعل الله تعالى ، فدل ذلك على أن الإيمان مخلوق لله تعالى.\rواعلم أن هذا الوجه ضعيف لأنا بينا أن الهداية غير ، والاهتداء غير ، والذي يدل ههنا على أن الهداية لا يمكن أن تكون عبارة عن الإيمان وجهان الأول : أن الهداية إلى الإيمان غير الإيمان كما أن التوفيق للإيمان غير الإيمان والثاني : أنه تعالى قال في آخر الآية : {بِإِذْنِهِ} ولا يمكن صرف هذا الإذن إلى قوله : {فَهَدَى الله} إذ لا جائز أن يأذن لنفسه فلا بد ههنا من إضمار ليصرف هذا الإذن إليه ، والتقدير : فهدى الله الذين آمنوا لما اختلفوا فيه من الحق فاهتدوا بإذنه ، وإذا كان كذلك كانت الهداية مغايرة للاهتداء.","part":5,"page":249},{"id":1986,"text":"المسألة الثانية : احتج الأصحاب بهذه الآية على أن الله تعالى قد يخص المؤمن بهدايات لا يفعلها في حق الكافر ، والمعتزلة أجابوا عنه من وجوه أحدها : أنهم اختصوا بالاهتداء فجعل هداية لهم خاصة كقوله : {هُدًى لّلْمُتَّقِينَ} {البقرة : 2 ] ثم قال : {هُدًى لّلنَّاسِ} وثانيها : أن المراد به : الهداية إلى الثواب وطريقة الجنة وثالثها : هداهم إلى الحق بالألطاف. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 6 صـ 15 ـ 16}\rسؤال : فإن قيل : لم قال فهداهم لما اختلفوا فيه من الحق بإذنه ، ولم يقل : هداهم للحق فيما اختلفوا وقدم الإختلاف ؟\rوالجواب من وجهين الأول : أنه لما كانت العناية بذكر الاختلاف لهم بدأ به ، ثم فسره بمن هداه الثاني : قال الفراء : هذا من المقلوب ، أي فهداهم لما اختلفوا فيه. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 6 صـ 16}\rقال أبو حيان :\rوالقلب عند أصحابنا يختص بضرورة الشعر فلا نخرج كلام الله عليه. أ هـ {البحر المحيط حـ 2 صـ 147}\rوقال الثعالبى :\rادعاء القَلْب على كتابِ اللَّه دُونَ ضرورة تَدْفَعُ إِلى ذلك عَجْزٌ ، وسُوء نَظَرٍ. وذلك أنَّ الكلام يتخرَّج على وجهه ورَصْفه ؛ لأن قوله : {فهدى} يقتضي أنهم أصابوا الحَقَّ ، وتم المعنى في قوله : {فِيهِ} ، وتبيَّن بقوله : {مِنَ الحق} جنسُ ما وقع الخلاف فيه. أ هـ {الجواهر الحسان حـ 1 صـ 164}\rقوله تعالى : {بِإِذْنِهِ }\rقال ابن عاشور :","part":5,"page":250},{"id":1987,"text":"والإذن : الخطاب بإباحة فعل وأصله مشتق من فعل أذنَ إذا أصغى أُذُنه إلى كلام مَن يكلمه ، ثم أطلق على الخطاب بإباحة فعل على طريقة المجاز بعلاقة اللزوم لأن الإصغاء إلى كلام المتكلم يستلزم الإقبال عليه وإجابةَ مطلبه ، وشاع ذلك حتى صار الإذن أشْيَع في معنى الخطاب بإباحة الفعل ، وبذلك صار لفظ الإذن قابلاً لأن يستعمل مجازاً في معان من مشابهات الخطاب بالإباحة ، فأطلق في هذه الآية على التمكين من الاهتداء وتيسيره بما في الشرائع من بيان الهُدى والإرشاد إلى وسائل الاهتداء على وجه الاستعارة ، لأن من ييسر لك شيئاً فكأنه أباح لك تناوله.\rوفي هذا إيماء إلى أن الله بعث بالإسلام لإرجاع الناس إلى الحق وإلى التوحيد الذي كانوا عليه ، أو لإرجاعهم إلى الحق الذي جاءت الرسل لتحصيله ، فاختلف أتباعهم فيه بدلاً من أن يحققوا بأفهامهم مقاصد ما جاءت به رسلهم ، فحصل بما في الإسلام من بيان القرآننِ الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه وضوحُ الحق والإرشاد إلى كيفية أخذه ، فحصل بمجيء الإسلام إتمام مراد الله مما أنزل من الشرائع السالفة. أ هـ {التحرير والتنوير حـ 2 صـ 312}\rفائدة\rقال الفخر :\rقوله تعالى : {بِإِذْنِهِ} فيه وجهان أحدها : قال الزجاج بعلمه\rالثاني : هداهم بأمره أي حصلت الهداية بسبب الأمر كما يقال : قطعت بالسكين ، وذلك لأن الحق لم يكن متميزاً عن الباطل وبالأمر حصل التمييز فجعلت الهداية بسبب إذنه\rالثالث : قال بعضهم : لا بد فيه من إضمار والتقدير : هداهم فاهتدوا بإذنه. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 6 صـ 16}\rفائدة أخرى\rوفي تقييد الهداية بقوله تعالى : {بإذنه} دلالة على أن هداية الله تعالى لهؤلاء المؤمنين لم تكن إلزاما منهم ، وإيجابا على الله تعالى أن يهديهم لإيمانهم ، فإن الله سبحانه لا يحكم عليه حاكم ، ولا يوجب عليه موجب إلا ما أوجبه على نفسه ، بل كانت الهداية بإذنه تعالى ولو شاء لم يأذن ولم يهد ، وعلى هذا فقوله تعالى : {والله يهدي من يشاء إلى\rصراط مستقيم} بمنزلة التعليل لقوله {بإذنه} ، والمعنى إنما هداهم الله بإذنه لأن له أن يهديهم وليس مضطرا موجبا على الهداية في مورد أحد ، بل يهدي من يشاء ، وقد شاء أن يهدي الذين آمنوا إلى صراط مستقيم. أ هـ {الميزان حـ 2 صـ 130}","part":5,"page":251},{"id":1989,"text":"كلام نفيس للعلامة ابن القيم في انقسام القضاء والحكم والإرادة والكتابة والأمر والإذن والجعل والكلمات والبعث والإرسال والتحريم والانتباه إلى كوني متعلق بخلقه وإلى ديني متعلق بأمره وما يحقق ذلك من إزالة اللبس والإشكال.\rهذا الباب متصل بالباب الذي قبله وكل منهما يقرر لصاحبه فما كان من كوني فهو متعلق بربوبيته وخلقه وما كان من الديني فهو متعلق بإلهيته وشرعه وهو كما أخبر عن نفسه سبحانه له الخلق والأمر فالخلق قضاؤه وقدره وفعله والأمر شرعه ودينه فهو الذي خلق وشرع وأمر وأحكامه جارية على خلقه قدرا وشرعا ولا خروج لأحد عن حكمه الكوني القدري وأما حكمه الديني الشرعي فيعصيه الفجار والفساق والأمران غير متلازمين فقد يقضي ويقدر ما لا يأمر به ولا شرعه وقد يشرع ويأمر بما لا يقضيه ولا يقدره ويجتمع الأمران فيما وقع من طاعات عبادة وإيمانهم وينتفي الأمران عما لم يقع من المعاصي والفسق والكفر وينفرد القضاء الديني والحكم الشرعي في ما أمر به وشرعه ولم يفعله المأمور وينفرد الحكم الكوني فيما وقع من المعاصي إذا عرف ذلك فالقضاء في كتاب الله نوعان كوني قدري كقوله : {فَلَمَّا قَضَيْنَا عَلَيْهِ الْمَوْتَ} وقوله : {وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ} وشرعي ديني كقوله : {وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ} أي أمر وشرع ولو كان قضاء كونيا لما عبد غير الله والحكم أيضا نوعان فالكوني كقوله : {قَالَ رَبِّ احْكُمْ بِالْحَقِّ} أي افعل ما تنصر به عبادك وتخذل به أعداءك والديني كقوله : {ذَلِكُمْ حُكْمُ اللَّهِ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ} وقوله : {إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ مَا يُرِيدُ} وقد يرد بالمعنيين معا كقوله : {وَلا يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ أَحَداً} فهذا يتناول حكمه الكوني وحكمه الشرعي والإرادة أيضا نوعان فالكونية كقوله تعالى : {فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ} وقوله : {وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً} وقوله : {إِنْ كَانَ اللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يُغْوِيَكُمْ} وقوله : {وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ} والدينية كقوله : {يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ} وقوله : {وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ","part":5,"page":252},{"id":1990,"text":"يَتُوبَ عَلَيْكُمْ} فلو كانت هذه الإرادة كونية لما حصل العسر لأحد منا ولو وقعت التوبة من جميع المكلفين وبهذا التفصيل يزول الاشتباه في مسألة الأمر والإرادة هل هما متلازمان أم لا فقالت القدرية الأمر يستلزم الإرادة واحتجوا بحجج لا تندفع وقالت المثبتة الأمر لا يستلزم الإرادة واحتجوا بحجج لا تندفع والصواب أن الأمر يستلزم الإرادة الدينية ولا يستلزم الإرادة الكونية فإنه لا يأمر إلا بما يريده شرعا ودينا وقد يأمر بما لا يريده كونا وقدرا كإيمان\rمن أمره ولم يوفقه للإيمان مراد له دينا لا كونا وكذلك أمر خليله بذبح ابنه ولم يرده كونا وقدرا وأمر رسوله بخمسين صلاة ولم يرد ذلك كونا وقدرا وبين هذين الأمرين وأمر من لم يؤمن بالإيمان فرق فإنه سبحانه لم يحب من إبراهيم ذبح ولده وإنما أحب منه عزمه على الامتثال وأن يوطن نفسه عليه وكذلك أمره محمد ـ صلى الله عليه وسلم ـ ليلة الإسراء بخمسين صلاة وأما أمر من علم أنه لا يؤمن بالإيمان فإنه سبحانه يحب من عباده أن يؤمنوا به وبرسله ولكن اقتضت حكمته أن أعان بعضهم على فعل ما أمره ووفقه له وخذل بعضهم فلم يعنه ولم يوفقه فلم تحصل مصلحة الأمر منهم وحصلت من الأمر بالذبح.\rفصل : وأما الكتابة فالكونية كقوله : {كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي} وقوله : {وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ} وقوله : {كُتِبَ عَلَيْهِ أَنَّهُ مَنْ تَوَلَّاهُ فَأَنَّهُ يُضِلُّهُ وَيَهْدِيهِ إِلَى عَذَابِ السَّعِيرِ} والشرعية الأمرية كقوله : {كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ} وقوله : {حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ} إلى قوله : {كِتَابَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ} وقوله : {وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ} فالأولى كتابة بمعنى القدر والثانية كتابة بمعنى الأمر.\r","part":5,"page":253},{"id":1991,"text":"فصل : والأمر الكوني كقوله : {إنما أمره إذا أراد شيئا أن يقول له كن فيكون} وقوله : {وَمَا أَمْرُنَا إِلَّا وَاحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِالْبَصَرِ} وقوله : {وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولاً} وقوله : {وَكَانَ أَمْراً مَقْضِيّاً} وقوله : {وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا} فهذا أمر تقدير كوني لا أمر ديني شرعي فإن الله لا يأمر بالفحشاء والمعنى قضينا ذلك وقدرناه وقالت طائفة بل هو أمر ديني والمعنى أمرناهم بالطاعة فخالفونا وفسقوا والقول الإضمار على خلاف الأصل فلا يصار إليه إلا إذا لم يكن تصحيح الكلام بدونه ، الثاني أن ذلك يستلزم إضمارين أحدهما أمرناهم بطاعتنا الثاني فخالفونا أو عصونا ونحو ذلك ، الثالث أن ما بعد الفاء في مثل هذا التركيب هو المأمور به نفسه كقولك أمرته ففعل وأمرته فقام وأمرته فركب لا يفهم المخاطب غير هذا ، الرابع أنه سبحانه جعل سبب هلاك القرية أمره المذكور ومن المعلوم أن أمره بالطاعة والتوحيد لا يصلح أن يكون سبب الهلاك بل هو سبب للنجاة والفوز فإن قيل أمره بالطاعة مع الفسق هو سبب الهلاك قيل هذا يبطل بالوجه الخامس وهو أن هذا الأمر لا يختص بالمترفين بل هو سبحانه يأمر بطاعته واتّباع رسله المترفين وغيرهم فلا يصح تخصيص الأمر بالطاعة بالمترفين يوضحه ، الوجه السادس أن الأمر لو كان بالطاعة لكان هو نفس إرسال رسله إليهم ومعلوم أنه لا يحسن أن يقال أرسلنا رسلنا إلى مترفيها ففسقوا فيها فإن الإرسال لو كان إلى المترفين لقال من عداهم نحن لم يرسل إلينا ، السابع أن إرادة الله سبحانه لإهلاك القرية إنما يكون بعد إرسال الرسل إليهم وتكذيبهم وإلا فقبل ذلك هو لا يريد إهلاكهم لأنهم معذورون بغفلتهم وعدم بلوغ الرسالة إليهم قال تعالى : {ذَلِكَ أَنْ لَمْ يَكُنْ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا غَافِلُونَ} فإذا أرسل الرسل فكذبوهم أراد إهلاكها فأمر رؤسائها","part":5,"page":254},{"id":1992,"text":"ومترفيها أمرا كونيا قدريا لا شرعيا دينيا بالفسق في القرية فاجتمع أهلها على تكذيبهم وفسق رؤسائهم فحينئذ جاءها أمر الله وحق عليها قوله بالإهلاك والمقصود ذكر الأمر الكوني والديني ومن الديني قوله : {إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْأِحْسَانِ} وقوله : {إنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا} وهو كثير\rفصل : وأما الإذن الكوني فكقوله تعالى : {وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ} أي بمشيئته وقدره وأما الديني فكقوله : {مَا قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ أَوْ تَرَكْتُمُوهَا قَائِمَةً عَلَى أُصُولِهَا فَبِإِذْنِ اللَّهِ وَلِيُخْزِيَ الْفَاسِقِينَ} أي بأمره ورضاه وقوله : {قُلْ أَرَأَيْتُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ لَكُمْ مِنْ رِزْقٍ فَجَعَلْتُمْ مِنْهُ حَرَاماً وَحَلالاً قُلْ آللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى اللَّهِ تَفْتَرُونَ} وقوله : {أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ}.\rفصل : وأما الجعل الكوني فكقوله : {إِنَّا جَعَلْنَا فِي أَعْنَاقِهِمْ أَغْلالاً فَهِيَ إِلَى الْأَذْقَانِ فَهُمْ مُقْمَحُونَ وَجَعَلْنَا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدّاً وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدّاً} وقوله : {وَيَجْعَلُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لا يَعْقِلُونَ} وقوله : {وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجاً} وهو كثير وأما الجعل الديني فكقوله : {مَا جَعَلَ اللَّهُ مِنْ بَحِيرَةٍ وَلا سَائِبَةٍ وَلا وَصِيلَةٍ وَلا حَامٍ} أي ما شرع ذلك ولا أمر به وإلا فهو مخلوق له واقع بقدره ومشيئته وأما قوله : {جَعَلَ اللَّهُ الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ قِيَاماً لِلنَّاسِ} فهذا يتناول الجعلين فإنها جعلها كذلك بقدره وشرعه وليس هذا استعمالا للمشترك في معنييه بل إطلاق اللفظ وإرادة القدر المشترك بين معنييه فتأمله.\r","part":5,"page":255},{"id":1993,"text":"فصل : وأما الكلمات الكونية فكقوله : {كَذَلِكَ حَقَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ عَلَى الَّذِينَ فَسَقُوا أَنَّهُمْ لا يُؤْمِنُونَ} وقوله : {وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ} وقوله ـ صلى الله عليه وسلم ـ : \"أعوذ بكلمات ا لله التامات التي لا يجاوزهن بر ولا فاجر من شر ما خلق\" فهذه كلماته الكونية التي يخلق بها ويكون ولو كانت الكلمات الدينية هي التي يأمر بها وينهى لكانت مما يجاوزهن الفجار والكفار وأما الديني فكقوله : {وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ} والمراد به القرآن وقوله ـ صلى الله عليه وسلم ـ في النساء واستحللتم فروجهن بكلمة الله أي بإباحته ودينه وقوله : {فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ} وقد اجتمع النوعان في قوله : {وَصَدَّقَتْ بِكَلِمَاتِ رَبِّهَا وَكُتُبِهِ} فكتبه كلماته التي يأمر بها وينهى ويحل ويحرم وكلماته التي يخلق بها ويكون فأخبر أنها ليست جهمية تنكر كلمات دينه وكلمات تكوينه وتجعلها خلقا من جملة مخلوقاته.\rفصل : وأما البعث الكوني فكقوله : {فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ أُولاهُمَا بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَاداً لَنَا أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ} وقوله : {فَبَعَثَ اللَّهُ غُرَاباً يَبْحَثُ فِي الْأَرْضِ} وأما البعث الديني فكقوله : {هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولاً مِنْهُمْ} وقوله : {كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ}.\r","part":5,"page":256},{"id":1994,"text":"فصل : وأما الإرسال الكوني فكقوله : {أَلَمْ تَرَ أَنَّا أَرْسَلْنَا الشَّيَاطِينَ عَلَى الْكَافِرِينَ تَؤُزُّهُمْ أَزّاً} وقوله : {وَهُوَ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّيَاحَ} وأما الديني فكقوله : {هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ} وقوله : {إِنَّا أَرْسَلْنَا إِلَيْكُمْ رَسُولاً شَاهِداً عَلَيْكُمْ كَمَا أَرْسَلْنَا إِلَى فِرْعَوْنَ رَسُولاً}.\rفصل : وأما التحريم الكوني فكقوله : {وَحَرَّمْنَا عَلَيْهِ الْمَرَاضِعَ مِنْ قَبْلُ} وقوله : {قَالَ فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ أَرْبَعِينَ سَنَةً} وقوله : {وَحَرَامٌ عَلَى قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا أَنَّهُمْ لا يَرْجِعُونَ} وأما التحريم الديني فكقوله : {حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ}\rو{حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ} : {وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُماً} : {وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبا}.\rفصل : وأما الإيتاء الكوني فكقوله : {وَاللَّهُ يُؤْتِي مُلْكَهُ مَنْ يَشَاءُ} وقوله : {قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ} وقوله : {وَآتَيْنَاهُمْ مُلْكاً عَظِيماً} وأما الإيتاء الديني فكقوله : {وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ} وقوله : {خُذُوا مَا آتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ} وأما قوله : {يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً} فهذا يتناول النوعين فإنه يؤتيها من يشاء أمرا ودينا وتوفيقا وإلهاما.\r","part":5,"page":257},{"id":1995,"text":"فصل : وأنبياؤه ورسله وأتباعهم حظهم من هذه الأمور الديني منها وأعداؤه واقفون مع القدر الكوني فحيث ما مال القدر مالوا معه فدينهم دين القدر ودين الرسل وأتباعهم دين الأمر فهم يدينون بأمره ويؤمنون بقدره وخصماء الله يعصون أمره ويحتجون بقدره لا يقولون نحن واقفون مع مراد الله نعم مع مراده الديني أو الكوني ولا ينفعكم وقوفكم مع المراد الكوني ولا يكون ذلكم عذرا لكم عنده إذ لو عذر بذلك لم يذم أحدا من خلقه ولم يعاقبه ولم يكن في خلقه عاص ولا كافر ومن زعم ذلك فقد كفر بالله وكتبه كلها وجميع رسله وبالله التوفيق. أ هـ {شفاء العليل صـ 280 ـ 283}","part":5,"page":258},{"id":1996,"text":"قوله تعالى : {والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم}\rقال ابن عاشور : \rوقوله : {والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم} تذييل لبيان أن فضل الله يعطيه من يشاء ، وهذا إجمال ، وتفصيله أن حكمة الله اقتضت أن يتأخر تمام الهدى إلى وقت مجىء شريعة الإسلام لمَّا تهيأَ البشر بمجيء الشرائع السابقة لقبول هذه الشريعة الجامعة ، فكانت الشرائع السابقة تمهيداً وتهيئة لقبول دين الإسلام ، ولذلك صدرت هذه الآية بقوله : {كان الناس أمة واحدة} ، فكما كان البشر في أول أمره أمة واحدة على هدى بسيط ثم عرضت له الضلالات عند تحرك الأفكار البشرية ، رجع البشر إلى دين واحد في حالة ارتقاء الأفكار ، وهذا اتحاد عجيب ، لأنه جاء بعد تشتت الآراء والمذاهب ، ولذا قال تعالى : {إن الدين عند الله الإسلام وما اختلف الذين أوتوا الكتاب إلا من بعد ما جاءهم العلم بغياً بينهم} ، وفي الحديث : \"مَثَل المسلمين واليهود والنصارى كمثلِ رجلٍ استأْجَر قوماً يعملون له عملاً يوماً إلى الليل على أجر معلوم فعملوا له إلى نصف النهار فقالوا لا حاجة لنا إلى أجرك الذي شرطتَ لنا وما عَمِلنا باطل فقال لهم لا تفعلوا أَكمِلوا بقيةَ عملكم وخُذُوا أجركم كاملاً فأَبَوْا وتركوا ، واستأجر آخرين بعدهم فقال لهم : أَكملوا بقية يومكم هذا ولكم الذي شرطتُ لهم من الأجر فعملوا حتى إذا كان حين صلاة العصر قالوا : لك ما عملنا باطل ولك الأجر الذي جعلتَ لنا فيه ، فقال لهم أَكملوا بقية عملكم فإنما بقي من النهار شيء يسير فأَبَوْا ، واستأجر قوماً أن يعملوا له بقية يومهم فعملوا بقية يومهم حتى غابت الشمس واستكملوا أجر الفريقين كليهما ، فذلك مثَلُهم ومثَلُ ما قبلوا من هذا النور ، فقالت اليهود والنصارى ما لَنا أكثرُ عملاً وأقَلُّ عطاء ، قال هل ظلمتكم من حقكم شيئاً ؟ قالوا : لا ، قال : فذلك فضلي أوتيه من أشاء \". أ هـ {التحرير والتنوير حـ 2 صـ 312 ـ 313}","part":5,"page":259},{"id":1997,"text":"فائدة\rقال ابن عاشور : \rوالآية تقتضي تحذير المسلمين من الوقوع فيما وقعت فيه الأمم السابقة من الاختلاف في الدين أي في أصول الإسلام ، فالخلاف الحاصل بين علماء الإسلام ليس اختلافاً في أصول الشريعة ، فإنها إجماعية ، وقد أجمعوا على أنهم يريدون تحقيقها ، ولذلك اتفقت أصولهم في البحث عن مراد الله تعالى وعن سنة رسوله للاستدلال عن مقصد الشارع وتصرفاته ، واتفقوا في أكثر الفروع ، وإنما اختلفوا في تعيين كيفية الوصول إلى مقصد الشارع ، وقد استبرءوا للدِّين فأعلنوا جميعاً أن لله تعالى حكماً في كل مسألة ، وأنه حكم واحد ، وأنه كلف المجتهدين بإصابته وأن المصيب واحد ، وأن مخطئه أقل ثواباً من مصيبه ، وأن التقصير في طلبه إثم. فالاختلاف الحاصل بين علمائنا اختلاف جليل المقدار موسع للأنظار.\rأما لو جاء أتباعهم فانتصروا لآرائهم مع تحقق ضعف المدرك أو خطئه لقصد ترويج المذهب وإسقاط رأي الغير فذلك يشبه الاختلاف الذي شنعه الله تعالى وحذرنا منه فكونوا من مثله على حذر ولا تكونوا كمثل قول المعري\r : ... فمجادل وصَلَ الجدالَ وقد درى\rأن الحقيقة فيه ليس كما زعَمْ... عَلِم الفتى النَّظَّار أن بصائرا\rعميتْ فكم يُخفى اليقين وكم يُعَم... أ هـ {التحرير والتنوير حـ 2 صـ 311}\rمن لطائف الإمام القشيرى فى الآية\rيعني الغيبة عن الحق جمعتهم ، فلما أتتهم الرسل تباينوا على حسب ما رُزقوا من أنوار البصيرة وحُرِموها. ويقال كانوا على ما سبق لهم من الاختيار القديم ، وبمجيء الرسل تهود قوم وتَنَصَّر قوم ، ثم في العاقبة يُرَدُّ كل واحد إلى ما سبق له من التقدير ، وإن الناس اجتمعوا كلهم في علمه سبحانه ثم تفرَّقوا في حكمه ، فقوم هداهم وقوم أغواهم ، وقوم حجبهم وقوم جذبهم ، وقوم ربطهم بالخذلان وقوم بسطهم بالإحسان ، فلا مِنْ المقبولين أمر مكتسب ، ولا لمردِّ المردودين سبب ، بل هو حُكْمُ بُتَّ وقضاءٌ جُزِم. أ هـ {لطائف الإشارات حـ 1 صـ 173 ـ 174}","part":5,"page":260},{"id":1998,"text":"فوائد وأبحاث\rوقد تبين من الآية أولا : حد الدين ومعرفه ، وهو أنه نحو سلوك في الحياة الدنيا يتضمن صلاح الدنيا بما يوافق الكمال الأخروي ، والحياة الدائمة الحقيقية عند الله سبحانه ، فلا بد في الشريعة من قوانين تتعرض لحال المعاش على قدر الاحتياج.\rوثانيا : أن الدين أول ما ظهر ظهر رافعا للاختلاف الناشي عن الفطرة ثم استكمل رافعا للاختلاف الفطري وغير الفطري معا.\rوثالثا : أن الدين لا يزال يستكمل حتى يستوعب قوانينه جهات الاحتياج في الحياة ، فإذا استوعبها ختم ختما فلا دين بعده ، وبالعكس إذا كان دين من الأديان خاتما كان مستوعبا لرفع جميع جهات الاحتياج ، قال تعالى : \"ما كان محمد أبا أحد من رجالكم ولكن رسول الله وخاتم النبيين \"الأحزاب - 40 ، وقال تعالى : \"ونزلنا عليك الكتاب تبيانا لكل شئ \"النحل - 89 ، وقال تعالى : \"وإنه لكتاب عزيز لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه \"حم السجدة - 42.\rورابعا : أن كل شريعة لاحقة أكمل من سابقتها.","part":5,"page":261},{"id":1999,"text":"وخامسا : السبب في بعث الأنبياء وإنزال الكتب ، وبعبارة أخرى العلة في الدعوة الدينية ، وهو أن الإنسان بحسب طبعه وفطرته سائر نحو الاختلاف كما أنه سالك نحو الاجتماع المدني ، وإذا كانت الفطرة هي الهادية إلى الاختلاف لم تتمكن من رفع الاختلاف ، وكيف يدفع شئ ما يجذبه به إليه نفسه ، فرفع الله سبحانه هذا الاختلاف بالنبوة والتشريع بهداية النوع إلى كماله اللائق بحالهم المصلح لشأنهم ، وهذا الكمال كمال حقيقي داخل في الصنع والايجاد فما هو مقدمته كذلك ، وقد قال تعالى : \"الذي أعطى كل شئ خلقه ثم هدى \"طه - 50 ، فبين أن من شأنه وأمره تعالى أن يهدي كل شئ إلى ما يتم به خلقه ، ومن تمام خلقة الإنسان أن يهتدي إلى كمال وجوده في الدنيا والآخرة ، وقد قال تعالى أيضا : \"كلا نمد هؤلاء وهؤلاء من عطاء ربك وما كان عطاء ربك محظورا \"الإسراء - 20 ، وهذه الآية تفيد أن شأنه تعالى هو الإمداد بالعطاء : يمد كل من يحتاج إلى إمداده في طريق حياته ووجوده ، ويعطيه ما يستحقه ، وأن عطائه غير محظور ولا ممنوع من قبله تعالى إلا أن يمتنع ممتنع بسوء حظ نفسه ، من قبل نفسه لا من قبله تعالى.\rومن المعلوم أن الإنسان غير متمكن من تتميم هذه النقيصة من قبل نفسه فإن فطرته هي المؤدية إلى هذه النقيصة فكيف يقدر على تتميمها وتسوية طريق السعادة والكمال في حياته الاجتماعية ؟ .\rوإذا كانت الطبيعة الإنسانية هي المؤدية إلى هذا الاختلاف العائق للإنسان عن الوصول إلى كماله الحري به وهي قاصرة عن تدارك ما أدت إليه وإصلاح ما أفسدته ، فالإصلاح (لو كان) يجب أن يكون من جهة غير جهة الطبيعة ، وهي الجهة الإلهية التي هي النبوة بالوحي ، ولذا عبر تعالى عن قيام الأنبياء بهذا الإصلاح ورفع الاختلاف بالبعث ولم ينسبه في القرآن كله إلا إلى نفسه مع أن قيام الأنبياء كسائر الأمور له ارتباطات بالمادة بالروابط الزمانية والمكانية.\r","part":5,"page":262},{"id":2000,"text":"فالنبوة حالة إلهية (وإن شئت قل غيبية) نسبتها إلى هذه الحالة العمومية من الإدراك والفعل نسبة اليقظة إلى النوم بها يدرك الإنسان المعارف التي بها يرتفع الاختلاف والتناقض في حياة الإنسان ، وهذا الإدراك والتلقي من الغيب هو المسمى في لسان القرآن بالوحي ، والحالة التي يتخذها الإنسان منه لنفسه بالنبوة.\rومن هناك يظهر أن هذا أعني تأدية الفطرة إلى الاجتماع المدي من جهة وإلى الاختلاف من جهة أخرى ، وعنايته تعالى بالهداية إلى تمام الخلقة مبدء حجة على وجود النبوة وبعبارة أخرى دليل النبوة العامة.\rتقريره : أن نوع الإنسان مستخدم بالطبع ، وهذا الاستخدام الفطري يؤديه إلى الاجتماع المدني وإلى الاختلاف والفساد في جميع شئون حياته الذي يقضي التكوين والإيجاد برفعه ولا يرتفع إلا بقوانين تصلح الحياة الاجتماعية برفع الاختلاف عنها ، وهداية الإنسان إلى كماله وسعادته بأحد أمرين : إما بفطرته وإما بأمر ورائه لكن الفطرة غير كافية فإنها هي المؤدية إلى الاختلاف فكيف ترفعها ؟ فوجب أن يكون بهداية من غير طريق الفطرة والطبيعة ، وهو التفهيم الالهي غير الطبيعي المسمى بالنبوة والوحي ، وهذه الحجة مؤلفة من مقدمات مصرح بها في كتاب الله تعالى كما عرفت فيما تقدم ، وكل واحدة من هذه المقدمات تجربية ، بينتها التجربة للإنسان في تاريخ حياته واجتماعاته المتنوعة التي ظهرت وانقرضت في طي القرون المتراكمة الماضية ، إلى أقدم أعصار الحياة الإنسانية التي يذكرها التاريخ.\r","part":5,"page":263},{"id":2001,"text":"فلا الإنسان انصرف في حين من أحيان حياته عن حكم الاستخدام ، ولا استخدامه لم يؤد إلى الاجتماع وقضى بحياة فردية ، ولا اجتماعه المكون خلا عن الاختلاف ، ولا الاختلاف ارتفع بغير قوانين اجتماعية ، ولا أن فطرته وعقله الذي يعده عقلا سليما قدرت على وضع قوانين تقطع منابت الاختلاف وتقلع مادة الفساد ، وناهيك في ذلك : ما تشاهده من جريان الحوادث الاجتماعية ، وما هو نصب عينيك من انحطاط الأخلاق وفساد عالم الإنسانية ، والحروب المهلكة للحرث والنسل ، والمقاتل المبيدة للملائين بعد الملايين من الناس ، وسلطان التحكم ونفوذ الاستعباد في نفوس البشر وأعراضهم وأموالهم في هذا القرن الذي يسمى عصر المدنية والرقى والثقافة والعلم ، فما ظنك بالقرون الخالية ، أعصار الجهل والظلمة ؟ .\rوأما أن الصنع والإيجاد يسوق كل موجود إلى كماله اللائق به فأمر جار في كل موجود بحسب التجربة والبحث ، وكذا كون الخلقة والتكوين إذا اقتضى أثرا لم يقتض خلافه بعينه أمر مسلم تثبته التجربة والبحث ، وأما أن التعليم والتربية الدينيين الصادرين من مصدر النبوة والوحي يقدران على دفع هذا الاختلاف والفساد فأمر يصدقه البحث والتجربة معا : أما البحث : فلأن الدين يدعو إلى حقائق المعارف وفواضل الأخلاق ومحاسن الأفعال فصلاح العالم الإنساني مفروض فيه ، وأما التجربة : فالإسلام أثبت ذلك في اليسير من الزمان الذي كان الحاكم فيه على الاجتماع بين المسلمين هو الدين ، وأثبت ذلك بتربية أفراد من الإنسان صلحت نفوسهم ، وأصلحوا نفوس غيرهم من الناس ، على أن جهات الكمال والعروق النابضة في هيكل الاجتماع المدني اليوم التي تضمن حياة الحضارة والرقي مرهونة التقدم الإسلامي وسريانه في العالم الدنيوي على ما يعطيه التجزية والتحليل من غير شك\rوسادسا : أن الدين الذي هو خاتم الأديان يقضي بوقوف الاستكمال الإنساني ،","part":5,"page":264},{"id":2002,"text":"قضاء القرآن بختم النبوة وعدم نسخ الدين وثبات الشريعة يستوجب أن الاستكمال الفردي والاجتماعي للإنسان هو هذا المقدار الذي اعتبره القرآن في بيانه وتشريعه. أ هـ {الميزان حـ 2 صـ 130 ـ 133}","part":5,"page":265},{"id":2003,"text":"من فوائد ابن عرفة فى الآية\rقوله تعالى : {فَبَعَثَ الله النبيين مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ...}.\rدليل على أن النبي أعمّ من الرّسول بناء على الحكم المسند إلى مشتق أو موصوف بصفة تقتضي ثبوت ذلك الوصف له حالة ثبوت الحكم ، فيقتضي ورود البعث عليهم حال حصول النبوءة فلو كان النبي والرّسول بمعنى واحد للزم تحصيل الحاصل. وقيل الرّسول أعمّ حكاه الغزالي في ( الاقتصاد ) والشيخ ابن العربي.\rوقال ابن الصلاح : اختلف المحدثون في جواز نقل الحديث بالمعنى ، فقيل يجوز وقيل لا ( يجوز ) وقيل : إن بدل اسم الرسول بالنبي جاز بخلاف العكس.\rقال ابن عرفة : الآية دالة على أن الجمع المحلي بالألف واللاّم لا يفيد العموم إذ ليس كل نبي مبعوثا وبدأ بالبشارة لأن الرحمة سبقت غضبه.\rقوله تعالى : {وَأَنزَلَ مَعَهُمُ الكتاب...}.\rقيل لابن عرفة : فهلا قيل : أنزل عليهم الكتاب ، كما في سورة النساء {وَأَنزَلَ الله عَلَيْكَ الكتاب والحكمة} {إِنَّآ أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الكتاب بالحق لِتَحْكُمَ بَيْنَ الناس بِمَآ أَرَاكَ الله} لأَنَّكَ تقول : قام زيد مع عمرو ، فيقتضي اشتركهما في القيام ، والرسل ليسوا منزلين مع الكتاب.\rقال ابن عرفة : المراد أنزل مع بعثهم والإنزال مصاحب للبعث ولا اشتراك بينهما لأنه معنوي لا يمكن إنزاله وهم من أول بعثهم إلى آخره لايزال الكتاب منزلا عليهم حتى يموتوا.\rقيل لابن عرفة : هذا كله مجاز فلم عدل عن الحقيقة إليه ؟\rقلت : وحمله الشيخ ابن القصار على ( أمرين ) :\rأحدهما : أن \"أنزل \"بمعنى بعث ، فيفيد لفظة الإنزال تشريف الرسل وقومهم بالكتاب الشريف المنزل من أشرف الجهات وهي جهة فوق ، ويفيد معنى البعث أن الكتاب مبعوث مع الرسل لقومهم اعتناء بهم وتأكيدا على امتثال أوامره ونواهيه.\rالثاني : أن يجعل \"معهم \"حالا من \"الكتاب \"وقدمت عليه للاهتمام بالمصاحبة. فإن قلت : الكتاب حين إنزاله لم يكن معهم ؟","part":5,"page":266},{"id":2004,"text":"قلنا : هي حال مقدرة لا محصلة.\rواقتضت الآية الاستدلال بمقدمة منطقية وهو أن يقول : كلما ثبتت الرّسالة لغير محمد ـ صلى الله عليه وسلم ـ ثبتت لمحمد ـ صلى الله عليه وسلم ـ.\rقال ابن عرفة : وقولهم إن الكتاب هو التوراة باطل بقوله {فَبَعَثَ الله النبيين} لأنّ التوراة ليست منزلة على كل النبيين.\rقوله تعالى : {لِيَحْكُمَ بَيْنَ الناس...}.\rهذا عندنا ( فضل ) لا واجب.\rواستشكل بعض الطلبة فهم الآية لأن قوله {فِيمَا اختلفوا} يقتضي تقدم اختلافهم على إنزال الكتاب.\rقوله تعالى : {وَمَا اختلف فِيهِ إِلاَّ الذين أُوتُوهُ مِن بَعْدِ مَا جَآءَتْهُمُ البينات}.\rيقتضي تأخير اختلافهم عن الإنزال وعدم تقدمه عليه لأنه مقرون بأداة الحصر كما قال في سورة الجاثية {وَآتَيْنَاهُم بَيِّنَاتٍ مِّنَ الأمر فَمَا اختلفوا إِلاَّ مِن بَعْدِ مَا جَآءَهُمُ العلم بَغْياً بَيْنَهُمْ} وهذا كله على قولهم : إن الضمير المجرور في قوله {وَمَا اختلف} عائد على ما عاد عليه قوله تعالى : {فِيمَا اختلفوا فِيهِ }.\rقال ابن عرفة : اختلفوا قبل وبعد.\rقلت : اختلفوا قبله اختلافا ضعيفا فلما ورد الكتاب والدلائل أعمى الله بصائرهم فاستنبطوا به شبهات كانت سببا في تعنتهم وضلالهم واختلافهم كمن يقرأ أصول الدين ليهتدي فيضل وكان قبل على الصواب فاختلافهم المعتبر إنما هو بعد الآيات وما قبل ذلك لا عبرة له.\rقلت : فهذا يحسن جوابا والله أعلم ، قال الله تعالى {يُضِلُّ بِهِ كَثِيراً وَيَهْدِي بِهِ كَثِيراً} ووافقني عليه بعضهم وقال : تكون من عود الضمير على اللفظ فقط نحو : عندي درهم ونصفه.\rقوله تعالى : {فَهَدَى الله...}.\rالعطف بالفاء إشارة على سرعة هدايته للمؤمنين بعقب الاختلاف فإن يكن اختلافهم في الفروع فيحسن أن يكون {وَمَا اختلف فِيهِ} بعض الحق وإن يكن من الاعتقاد فهو كل الحق لا بعضه.\r","part":5,"page":267},{"id":2005,"text":"قوله تعالى : {لِمَا اختلفوا فِيهِ مِنَ الحق بِإِذْنِهِ...}.\rقال ابن عرفة : الصّواب أن معناه بقدرته وإن كان مجازا فهو أولى من أن يقال بعلمه أو بأمره ليكون فيه حجة على المعتزلة.\rقوله تعالى : {والله يَهْدِي مَن يَشَآءُ إلى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ}. أ هـ {تفسير ابن عرفة صـ 271 ـ 272}\rبحوث مهمة تتعلق بالآية\r1 ـ الدين والمجتمع\rيستفاد من الآية أعلاه ضمنياً أنّ الدين والمجتمع البشري حقيقتان لا تقبلان الانفصال ، فلا يمكن لمجتمع أن يحيي حياة سليمة دون دين وإيمان بالله وبالآخرة ، وليس بمقدور القوانين الأرضيّة أن تحلَّ الاختلافات والتناقضات الاجتماعيّة لعدم ارتباطها بدائرة إيمان الفرد وافتقارها التأثير على أعماق وجود الإنسان ، فلا يمكنها حل الاختلافات والتناقضات في حياة البشر بشكل كامل ، وهذه الحقيقة أثبتتها بوضوح أحداث عالمنا المعاصر ، فالعالم المسمّى بالمتطوّر قد ارتكب من الجرائم البشعة ما لم نرَ له نظيراً حتّى في المجتمعات المتخلّفة.\rوبذلك يتّضح منطق الإسلام في عدم فصل الدّين عن السّياسة وأنه بمعنى تدبير المجتمع الإسلامي.\r2 ـ بداية التشريع\rويتّضح من الآية أيضاً أنّ بداية انبثاق الدين بمعناه الحقيقي كانت مقترنة مع ظهور المجتمع البشري بمعناه الحقيقي.\r3 ـ الشرق الأوسط مهد الأديان الكبرى\rومن الآية محل البحث نفهم الجواب على السؤال عن سبب ظهور الأديان الإلهيّة الكبرى في منطقة الشرق الأوسط (الدين الإسلامي والمسيحي واليهودي ودين إبراهيم و...) لأنّ التاريخ يشهد على أنّ مهد الحضارات البشريّة كانت في هذه المنطقة من العالم وانتشرت منها إلى المناطق الأخرى ، ومع الإلتفات إلى الرابطة الشديدة بين الدين والحضارة وحاجة المجتمعات المتحضّرة إلى الدين من أجل حل الاختلافات والتناقضات الهدّامة يتّضح أنّ الدين لابدّ أن يتحقّق في هذه المنطقة بالذّات.\r","part":5,"page":268},{"id":2006,"text":"وعندما نرى أنّ الإسلام انطلق من محيط جاهلي متخلّف كمجتمع مكّة والمدينة في تلك الأيّام ، فذلك بسبب أنّ هذه المنطقة تقع على مفترق طرق عدّة حضارات عظيمة في ذلك الزّمان ، ففي الشمال الشرقي من جزيرة العرب كانت الحضارة الفارسيّة وبقيّة من حضارة بابل ، وإلى الشمال كانت حضارة الرّوم ، وفي الشّمال الغربي كانت حضارة مصر القديمة بينما كانت حضارة اليمن في الجنوب.\rوفي الحقيقة أنّ مركز ظهور الإسلام في ذلك الزمان كان بمثابة مركز الدّائرة الّتي تُحيط بها الحضارات المهمّة في ذلك الزمان (فتأمّل بالدّقة).\r4 ـ حلّ الاختلافات من أهم أهداف الدّين\rهناك عدّة أهداف للأديان الإلهيّة ، منها تهذيب النّفوس البشريّة وإيصالها إلى المقام القرب الإلهي ، ولكن من أهمّ الأهداف أيضاً هو رفع الاختلافات ، لأنّ هناك بعض العوامل من قبيل القوميّة والرّس واللّغة والمناطق الجغرافية دائماً تكون عوامل تفرقة بين المجتمعات البشريّة ، والأمر الّذي بإمكانه أن يوحّد هذه الحلقات المختلفة ويكون بمثابة حلقة اتّصال بين أفراد البشر من مختلف القوميّات والألوان واللّغات والمناطق الجغرافية هو الدّين الإلهي ، حيث بإمكانه أن يهدم جميع هذه السدود ، ويُزيل تمام هذه الحدود ، ويجمع البشريّة تحت راية واحدة بحيث نرى نموذجاً من ذلك في مناسك الحجّ العباديّة والسياسيّة.\rوعندما نرى أنّ بعض الأديان والمذاهب هي السبب في الاختلاف والنّزاع بين طوائف البشر ، لأنّها قد خالطتها الخرافات واقترنت بالتّعصب الأعمى ، وإلاّ فإنّ الأديان الإلهيّة لو لم تتعرّض للتحريف لكانت سبباً للوحدة في كلّ مكان. أ هـ {الأمثل حـ 2 صـ 92 ـ 93}","part":5,"page":269},{"id":2007,"text":"قوله تعالى : {أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آَمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ (214)}\rمناسبة الآية لما قبلها\rقال البقاعى : \r","part":5,"page":270},{"id":2008,"text":"ولما أفهم ما صرح به الكلام السابق من الاختلاف وقوع العداوات وكان في العداوات خطر الأموال والأنفس وكان ذلك أشق ما يكون وكانت العادة قاضية بأن المدعوين إلى ذلك إن لم يصمموا على الآيات كانوا بين مستثقلين لأمر الرسل يرون أنهم يفرقون ما اتفق من الكلمة ورضي به الناس لأنفسهم ويشتتون أمرهم مستثقلين لطول انتظار الانتصار كان حالهم حال من يطلب الراحات في ذرى الجنات بلا مشقات وذلك محال ومحض ضلال ، فإن الثبات على الصراط المستقيم لا يكون إلا باحتمال شدائد التكاليف فكان كأنه قيل في جواب ذلك عدولاً عن خطاب النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ المقول له {سل بني إسرائيل} {البقرة : 212 ] إلى خطاب الأتباع تشريفاً له عن ذلك ورفعاً لهممهم بالمواجهة بالخطاب والتأسية بمن مضى من أولي الألباب تنشيطاً لهم وتقوية لعزائمهم : أحسبتم أنا لا نرسل الرسل لتمييز الخبيث من الطيب {أم حسبتم} بعد إرسالهم أن الأمر هين بأن تنالوا السعادة بلا اجتهاد في العبادة. قال الحرالي : هو مما منه الحسبان وهو ما تقع غلبته فيما هو من نوع المفطور عليه المستقر عادته ، والظن الغلبة فيما هو من المعلوم المأخوذ بالدليل والعلم ؛ فكأن ضعف علم العالم ظن وضعف عقل العاقل حسبان - انتهى. وهذا الذي قدرته هو معنى {أن تدخلوا الجنة} أي التي هي نعيم دائم {و} الحال أنه {لما يأتكم مثل} أي وصف {الذين خلوا} ولما كان القرب في الزمان أشد في التأسية أثبت الجار فقال : {من قبلكم} أي يقص عليكم لتعلموا به أو يصيبكم ما أصابهم من الأحوال الغريبة والقضايا العجيبة التي هي في غرابتها كالأمثال. وقال الحرالي : وأم عطف على أمور يفهمها مبدأ الخطاب كأنه يقول : أحسبتم أن تفارق أحوالكم أحوال الأمم الماضية في حكمة الله وسنته ولن تجد لسنة الله تبديلاً إلى ما يستجره معنى الخطاب إجمالاً وتفصيلاً في واقع الدنيا من شدائدها وحرها وبردها وضيق عيشها وأنواع أذاها وحال","part":5,"page":271},{"id":2009,"text":"البرزخ وحال النشر والحشر إلى ما وراء ذلك إلى غاية دخول الجنة فكان عند انتهاء ذلك بادئة خطاب {أم حسبتم} تجاوزاً لما بين أول البعث وغاية دخول الجنة - انتهى. ونبهت لما التي فيها معنى التوقع لأنها في النفي نظيرة قد في الإثبات على أنه كان ينبغي لهم أن يكون دخولهم في الدين على بصيرة من حصول الشدائد لكثرة المخالف والمعاند فيكونوا متوقعين في كل وقت مكابدة القوارع وحلول الصوادع والصوارع ليكون ذلك أجد في أمرهم وأجدر لهم بالثبات والارتقاء إلى أعلى الدرجات.\rأ هـ {نظم الدرر حـ 1 صـ 395 ـ 396}\rوقال الفخر : \rفي النظم وجهان الأول : أنه تعالى قال في الآية السالفة : {والله يَهْدِى مَن يَشَاء إلى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ} : والمراد أنه يهدي من يشاء إلى الحق وطلب الجنة فبين في هذه الآية أن ذلك الطلب لا يتم ولا يكمل إلا باحتمال الشدائد في التكليف فقال : {أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُواْ الجنة وَلَمَّا يَأْتِكُم مَّثَلُ الذين خَلَوْاْ مِن قَبْلِكُم} الآية الثاني : أنه في الآية السالفة ما بين أنه هداهم لما اختلفوا فيه من الحق بإذنه بين في هذه الآية أنهم بعد تلك الهداية احتملوا الشدائد في إقامة الحق وصبروا على البلوى ، فكذا أنتم يا أصحاب محمد لا تستحقون الفضيلة في الدين إلا بتحمل هذه المحن. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 6 صـ 16}\rوقال ابن عاشور : ","part":5,"page":272},{"id":2010,"text":"إن القصد من ذكر الأمم السالفة حيثما وقع في القرآن هو العبرة والموعظة والتحذير من الوقوع فيما وقعوا فيه بسوء عملهم والاقتداءُ في المحامد ، فكان في قوله تعالى : {كان الناس أمة واحدة} الآية إجمال لذلك وقد ختم بقوله {فهدى الله الذين آمنوا لما اختلفوا فيه من الحق بإذنه} ، ولما كان هذا الختام منقبة للمسلمين أُوقِظوا أنْ لا يُزْهَوْا بهذا الثناء فيحسبوا أنهم قضَوْا حق شكر النعمة فعقب بأن عليهم أن يصبروا لما عسى أن يعترضهم في طريق إيمانهم من البأساء والضراء اقتداء بصالحي الأمم السالفة ، فكما حذرهم الله من الوقوع فيما وقع فيه الضالون من أولئك الأمم حرضهم هنا على الاقتداء بهدي المهتدين منهم على عادة القرآن في تعقيب البشارة بالنذارة وعكس ذلك ، فيكون قوله : {أم حسبتم} إضراباً عن قوله : {فهدى الله الذين آمنوا} وليكون ذلك تصبيراً لهم على ما نالهم يوم الحديبية من تطاول المشركين عليهم بمنعهم من العُمرة وما اشترطوا عليهم للعام القابل ، ويكون أيضاً تمهيداً لقوله : {كتب عليكم القتال} {البقرة : 216 ] الآية ، وقد روي عن أكثر المفسرين الأولين أن هذه الآية نزلت في غزوة الخندق حين أصاب المسلمين ما أصابهم من الجَهد والشدائد فتكون تلك الحادثة زيادة في المناسبة. أ هـ {التحرير والتنوير حـ 2 صـ 313}\rسبب نزول الآية\rقال الآلوسى : ","part":5,"page":273},{"id":2011,"text":"نزلت في غزوة الخندق حين أصاب المسلمين ما أصابهم من الجهد والشدّة والخوف والبرد وسوء العيش وأنواع الأذى ، حتى بلغت القلوب الحناجر ، وقيل : في غزوة أحد ، وقال عطاء : لما دخل رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ وأصحابه المدينة اشتدّ الضر عليهم ، لأنهم خرجوا بغير مال وتركوا ديارهم وأموالهم بيد المشركين ، وآثروا رضا الله تعالى ورسوله ـ صلى الله عليه وسلم ـ ، وأظهرت اليهود العداوة لرسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ ، وأسر قوم من الأغنياء النفاق فأنزل الله تطييباً لقلوبهم هذه الآية. أ هـ {روح المعانى حـ 2 صـ 103}\rفائدة لغوية\rقال ابن عادل : \r\" أَمْ \"هذه فيها أربعة أقوالٍ : \rالأول : أنْ تكون منقطعةً فتتقدَّر بـ \"بل \"والهمزة. ف \"بل \"لإضراب انتقالٍ من إِخْبَارٍ إلى إِخْبَارٍٍ ، والهمزةُ للتقري. والتقدير بل حسبتم.\rوالثاني : أنها لمجرد الإضراب مِنْ غير تقدير همزة بعدها ، وهو قول الزَّجَّاج وأنشد : {الطويل ]\rبَدَتْ مِثْلَ قَرْنِ الشِّمْسِ فِي رَوْنَقِ الضُّحَى... وَصُوَرتِهَا أَمْ أَنْتِ فِي الْعَيْنِ أَمْلَحُ\rأي : بل أنت.\rوالثالث : وهو قول الفرَّاء وبعض الكُوفيِّين ، أنها بمعنى الهمزة. فعلى هذا يُبتدأُ بها في أوَّل الكلام ، ولا تحتاجُ إلى الجملة قبلها يضرب عنها.\rالرابع : أنها مُتَّصلةٌ ، ولا يستقيم ذلك إلا بتقدير جملةٍ محذوفةٍ قبلها.","part":5,"page":274},{"id":2012,"text":"قال القفَّال : \"أمْ \"هنا استفهامٌ متوسطٌ ؛ كما أَنَّ \"هَلْ \"استفهامٌ سابقٌ ، فيجوز أَنْ يقال : هل عندك رجلٌ ، أَمْ عندك امرأَةٌ ؟ ولا يجوز أَنْ يقال ابتداءً أَمْ عندك رجل ، فأَمَّا إذا كان متوسطاً ، جاز سواءٌ كان مسبُوقاً باستفهامٍ آخر ، أو لا يكون ، أَمَّا إذا كان مسبوقاً باستفهام آخر فهو كقولك : أنت رجلٌ لا تنصف ، أفعن جهل تفعلُ هذا ، أم لك سلطانٌ ؟ وأَمَّا الذي لا يكون مسبوقاً بالاستفهام ؛ فكقوله : {الم تَنزِيلُ الكتاب لاَ رَيْبَ فِيهِ مِن رَّبِّ العالمين أَمْ يَقُولُونَ افتراه} {السجدة : 1 - 3 ] فكذا تقدير هذا الآية : فهدى اللَّهُ الذين آمنوا فصبروا على استهزَاءِ قومهم ، أفتسلكُون سبيلهم أم تحسبون أَنْ تدخُلُوا الجنَّةَ مِنْ غيرِ سلوكِ سبيلهم. أ هـ {تفسير ابن عادل حـ 3 صـ 510 ـ 511}\rسؤال : لم نسب الحسبان إليه عليه الصلاة والسلام ؟ \rالجواب : نسبة الحسبان إليه عليه الصلاة والسلام إمّا لأنه لما كان يضيق صدره الشريف من شدائد المشركين نزل منزلة من يحسب أن يدخل الجنة بدون تحمل المكاره ، وإمّا على سبيل التغليب كما في قوله سبحانه : {أَوْ لَتَعُودُنَّ فِى مِلَّتِنَا} {الأعراف : 88 ]. أ هـ {روح المعانى حـ 2 صـ 103}\rفائدة\rقال الآلوسى : ","part":5,"page":275},{"id":2013,"text":"وفي الكلام التفات إلا أنه غير صريح من الغيبة إلى الخطاب لأنّ قوله سبحانه : {كَانَ الناس أُمَّةً واحدة} {البقرة : 213 ] كلام مشتمل على ذكر الأمم السابقة والقرون الخالية ، وعلى ذكر من بعث إليهم من الأنبياء وما لقوا منهم من الشدائد ، وإظهار المعجزات تشجيعاً للرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ والمؤمنين على الثبات والصبر على أذى المشركين ، أو للمؤمنين خاصة فكانوا من هذا الوجه مرادين غائبين ويؤيده {فَهَدَى الله الذين ءامَنُواْ} {البقرة : 3 21 ] الخ فإذا قيل : بعد {أَمْ حَسِبْتُمْ} كان نقلاً من الغيبة إلى الخطاب ، أو لأنّ الكلام الأوّل تعريض للمؤمنين بعدم التثبت والصبر على أذى المشركين ، فكأنه وضع موضع كان من حق المؤمنين التشجيع والصبر تأسياً بمن قبلهم ، كما يدل عليهم ما أخرجه البخاري وأبو داود والنسائي والإمام أحمد عن خباب بن الأرت قال : شكونا إلى رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ ما لقينا من المشركين فقلنا : ألا تستنصر لنا ألا تدعو الله تعالى لنا ؟ فقال : \"إنّ من كان قبلكم كان أحدهم يوضع المنشار على مفرق رأسه فتخلص إلى قدميه لا يصرفه ذلك عن دينه ، ويمشط بأمشاط الحديد ما بين لحمه وعظمه لا يصرفه ذلك عن دينه ثم قال : والله ليتمنّ هذا الأمر حتى يسير الراكب من صنعاء إلى حضرموت لا يخاف إلى الله تعالى والذئب على غنمه ولكنكم تستعجلون \"وهذا هو المضرب عنه ببل التي تضمنتها {أَمْ} أي دع ذلك أحسبوا أن يدخلوا الجنة فترك هذا إلى الخطاب وحصل الالتفات معنى ، ومما ذُكر يعلم وجه ربط الآية بما قبلها. أ هـ {روح المعانى حـ 2 صـ 103}\rقوله تعالى {أن تدخلوا الجنة}\rقال ابن عاشور :","part":5,"page":276},{"id":2014,"text":"ودخول الجنة هنا دخولها بدون سبق عناء وبلوى ، وهو دخول الذين استوفوا كل ما وجب عليهم ولم يقصروا في شيء منه ، وإلا فإن دخول الجنة محسوب لكل مؤمن ولو لم تأته البأساء والضراء أو أتتهُ ولم يصبر عليها ، بمعنى أن الصبر على ذلك وعدم الضجر منه موجب لغفران الذنوب ، أو المراد من ذلك أن تنالهم البأساء فيصبروا ولا يرتدوا عن الدين ، لذلك فيكون دخول الجنة متوقفاً على الصبر على البأساء والضراء بهذا المعنى ، وتطرقُ هاته الحالة سنة من سنن الله تعالى في أَتْباع الرسل في أول ظهور الدين وذلك من أسباب مزيد فضائل اتباع الرسل ، فلذلك هُيِّءَ المسلمون لتلقيه من قبل وقوعه لطفاً بهم ليكون حصوله أهون عليهم.\rوقد لقي المسلمون في صدر الإسلام من أذى المشركين البأساءَ والضراءَ وأخرجوا من ديارهم وتحملوا مضض الغربة ، فلما وردوا المدينة لقُوا من أذى اليهود في أنفسهم وأذى المشركين في قرابتهم وأموالهم بمكة ما كدر عليهم صفو حفاوة الأنصار بهم ، كما أن الأنصار لقُوا من ذلك شدة المضايقة في ديارهم بل وفي أموالهم فقد كان الأنصار يعرضون على المهاجرين أن يتنازلوا لهم عن حظ من أموالهم. أ هـ {التحرير والتنوير حـ 2 صـ 314 ـ 315}\rفائدة لغوية فى {لما}\rقال ابن عادل :\rقوله : \"وَلَمَّا يَأْتِكمْ \"الواو للحال ، والجملة بعدها في محلِّ نصبٍ عليها ، أي : غير آتيكم مثلهم. و\" لمَّا \"حرف جزمٍ ، معناه النفي ؛ كـ \"لم \" ، وهو أبلغ من النفي بـ \"لم \" ؛ لأنَّها لا تنفي إلاَّ الزمان المتصل بزمان الحال. والفرق بينها وبين \"لم \"من وجوهٍ :\rأحدها : أنه قد يحذف الفعل بعدها في فصيح الكلام ، إذ دلَّ عليه دليلٌ.\rوهو أحسن ما تخرَّج عليه قراءة \"وإِنْ كُلاًّ لَمَّا \"كقوله : {الوافر ]\rفَجئْتُ قُبُرَهُمْ بَدْءاً وَلَمَّا... فَنَادَيْتُ الْقُبُورَ فَلَمْ تَجِبْنَهْ","part":5,"page":277},{"id":2015,"text":"أي : ولمَّا أكن بدءاً ، أي : مبتدئاً ؛ بخلاف \"لَمْ \"فإنه لا يجوز ذلك فيها إلا ضرورة ؛ كقوله : {الكامل ]\r1041- وَاحْفَظْ وَدِيعَتَكَ الَّتِي أُودِعْتَهَا... يَوْمَ الأَعَازِب إِنْ وَصَلْتَ وَإِنْ لَمِ\rومنها : أنَّها لنفي الماضي المتصل بزمان الحال ، و\" لم \"لنفيه مطلقاً أو منقطعاً على ما مرَّ.\rومنها : أنَّ \"لَمَّا \"لا تدخل على فعل شرطٍ ، ولا جزاءٍ بخلاف \"لم \".\rومنها أنّ \"لَمْ \"قد تلغى بخلاف \"لَمَّا ، فإنها لم يأتِ فيها ذلك ، وباقي الكلام على ما يأتي إن شاء الله تعالى في سورة \"الحُجُرَاتِ \"عند قوله تعالى : {وَلَمَّا يَدْخُلِ الإيمان} {الحجرات : 14 ].\rواختلف في \"لَمَّا \"فقيل : مركبة من لم و\" ما \"زيدت عليها.\rوقال سيبويه : بسيطة وليست \"ما \"زائدة ؛ لأنَّ \"لما \"تقع في مواضع لا تقع فيها \"لم \" ؛ يقول الرجل لصاحبه : أقدِّم فلاناً ، فيقول \"لَمَّا \" ، ولا يقال : \"لَمْ \"مفردةً.\rقال المبرّد : إذا قال القائل : لم يأتني زيدٌ ، فهو نفيٌ لقولك أتاك زيدٌ ، وإذا قال لَمَّا يأتني ، فمعناه : أنَّه لم يأتني بعد ، وأنا أتوقَّعه ؛ قال النابغة : {الكامل ]\rأَزِفَ التَّرَحُّلُ غَيْرَ أنَّ رَكَابَنَا... لَمَّا تَزُلْ بِرِحَالِنَا وَكَأَنْ قَدِ. أ هـ {تفسير ابن عادل حـ 3 صـ 511 ـ 512}\rفائدة لغوية\rالإتيان مجاز في الحصول ، لأن الشيء الحاصل بعد العدم يجعل كأنه أتى من مكان بعيد.\rوالمثَل : المشابه في الهيئة والحالة كما تقدم في قوله تعالى : {مثلهم كمثل الذين استوقد ناراً} {البقرة : 17 ].\rو {الذين خلَوْا} هم الأمم الذين مضوا وانقرضوا وأصل {خَلَوْا} خلاَ منهم المكان فبولغ في إسناد الفعل فأسند إليهم ما هو من صفات مكانهم.\rو {من قبلكم} متعلق بخَلَوْا لمجرد البيان وقصد إظهار الملابسة بين الفريقين. أ هـ {التحرير والتنوير حـ 2 صـ 315 ـ 316}","part":5,"page":278},{"id":2016,"text":"قوله تعالى : {مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا}\rقال البقاعى : \rولما كان كأنه قيل : ما ذلك المثل ؟ أجيب بياناً بقوله : {مستهم البأساء} أي المصائب في الأموال {والضراء} أي في الأنفس - نقله أبو عبيد الهروي عن الأزهري ، والأحسن عندي عكسه ، لأن البأس كثير الاستعمار في الحرب والضر كثير الاستعمال في الفقر ؛ أي جزاء لهم كما قال الحرالي على ما غيروا مما يجلب كلاًّ منهما ولكل عمل جزاء {وزلزلوا} لأمور باطنة من خفايا القلوب انتهى. والمعنى أنهم أزعجوا بأنواع البلايا والرزايا والأهوال والأفزاع إزعاجاً شديداً شبيهاً بالزلزلة التي تكاد تهد الأرض وتدك الجبال. أ هـ {نظم الدرر حـ 1 صـ 396}\rفوائد لغوية\rالمس حقيقته : اتصال الجسم بجسم آخر وهو مجاز في إصابة الشيء وحلوله ، فمنه مس الشيطان أي حلول ضُر الجنة بالعقل ، ومسُّ سَقر : ما يصيب من نارها ، ومسَّه الفقر والضر : إذا حل به ، وأكثر ما يطلق في إصابة الشر قال تعالى : {وإذا مس الإنسان ضر دعا} {الزمر : 8 ] {وإذا مس الإنسان الضر دعانا} {يونس : 12 ] {وإذا مسه الشر فذو دعاء عريض} {فصلت : 51 ] {ولا تمسوها بسوء} {الأعراف : 73 ] فالمعنى هنا : حلت بهم البأساء والضراء. وقد تقدم القول في البأساء والضراء عند قوله تعالى : {والصابرين في البأساء والضراء} {البقرة : 177 ].\rوقوله : {وزلزلوا} أي أزعجوا أو اضطربوا ، وإنما الذي اضطرب نظام معيشتهم ، قال تعالى : {هنالك ابتلي المؤمنون وزلزلوا زلزالاً شديداً} {الأحزاب : 11 ] ، والزلزلة تحرك الجسم من مكانه بشدة ، ومنه زلزال الأرض ، فوزن زلزل فُعفِل ، والتضعيف فيه دال على تكرر الفعل كما قال تعالى : {فكبكبوا فيها} {الشعراء : 94 ] وقالوا لَمْلَم بالمكان إذا نَزل به نزولَ إقامة.\rو{ حتى} غاية للمس والزلزالِ ، أي بلغ بهم الأمر إلى غاية يقول عندها الرسول والذين معه متى نصر الله.","part":5,"page":279},{"id":2017,"text":"ولما كانت الآية مخبرة عن مسَ حل بمن تقدم من الأمم ومنذرة بحلول مثله بالمخاطَبين وقت نزول الآية ، جاز في فعل يَقُول أن يعتبر قولَ رسول أمة سابقة أي زلزلوا حتى يقول رسول المزلْزَلين ف {ال للعهد ، أو حتى يقول كلُّ رسول لأمة سبقت فتكون أل للاستغراق ، فيكون الفعل محكياً به تلك الحالة العجيبة فيرفَع بعد حتى ؛ لأن الفعل المراد به الحال يكون مرفوعاً ، وبرفععِ الفعل قرأ نافع وأبو جعفر ، وجاز فيه أن يعتبر قول رسول المخاطَبين عليه السلام فأَلْ فيه للعهد والمعنى : وزلزلوا وتزلزلون مثلهم حتى يقول الرسول فيكون الفعل منصوباً ؛ لأن القول لمَّا يقَعْ وقتئذ ، وبذلك قرأ بقية العشرة ، فقراءة الرفع أنسب بظاهر السياق وقراءة النصب أنسب بالغرض المسوق له الكلام ، وبكلتا القراءتين يحصل كلا الغرضين.\rومتى استفهام مستعمل في استبطاء زمان النصر. أ هـ {التحرير والتنوير حـ 2 صـ 316}\rلطيفة لغوية\rقال أبو العبَّاس المقريُّ : ورد لفظ \"الضُّرِّ \"في القرآن على أربعة أوجهٍ : \rالأول : الضُّرُّ : الفقر ؛ كهذه الآية ، ومثله : {وَإِذَا مَسَّ الإنسان الضر دَعَانَا لِجَنبِهِ} {يونس : 12 ] ، وقوله تعالى : {وَمَا بِكُم مِّن نِّعْمَةٍ فَمِنَ الله ثُمَّ إِذَا مَسَّكُمُ الضر} {النحل : 53 ] أي : الفقر.\rالثاني : الضّرّ : القحط ؛ قال تعالى : {إِلاَّ أَخَذْنَا أَهْلَهَا بالبأسآء والضرآء} {الأعراف : 94 ] أي : قحطوا.\rأو قوله تعالى : {وَإِذَآ أَذَقْنَا الناس رَحْمَةً مِّن بَعْدِ ضَرَّآءَ مَسَّتْهُمْ} {يونس : 21 ] أي : قحط.\rالثالث : الضُّرُّ : المرض ؛ قال تعالى : {وَإِن يَمْسَسْكَ الله بِضُرٍّ} {يونس : 207 ] أي : بمرض.\rالرابع : الضر : الأهوال ؛ قال تعالى : {وَإِذَا مَسَّكُمُ الضر فِي البحر} {الإسراء : 67 ]. أ هـ {تفسير ابن عادل حـ 3 صـ 513 ـ 514}","part":5,"page":280},{"id":2018,"text":"قوله تعالى : {حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آَمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ}\rقال الحرالي\rذكر قول الرسول الواقع في رتبة الذين آمنوا معه لا قوله فيما يخصه في ذاته وحده ومن هو منه أو متبعه ، لأن للنبي ترتباً فيما يظهر من قول وفعل مع رتب أمته ، فكان قول الرسول المنبىء عن حالهم {متى نصر الله} فكأنهم في مثل ترقب المتلدد الحائر الذي كأنه وإن وعد بما هو الحق يوقع له التأخير صورة الذي انبهم عليه الأمر لما يرى من اجتثاث أسباب الفرج ، ففي إشعاره إعلام بأن الله سبحانه وتعالى إنما يفرج عن أنبيائه ومن معهم بعد انقطاع أسبابهم ممن سواه ليمتحن قلوبهم للتقوى فتتقدس سرائرهم من الركون لشيء من الخلق وتتعلق ضمائرهم بالله تعالى وحده حتى يقول ـ صلى الله عليه وسلم ـ : \"لا إله إلا الله وحده ، أنجز وعده ، ونصر عبده ، وهزم الأحزاب وحده \"إعلاماً بأن الله سبحانه وتعالى ناصره دون حجاب ولا وسيلة شيء من خلقه ، كذلك سنته مع رسله {إنا لننصر رسلنا والذين آمنوا في الحياة الدنيا} {غافر : 51 ] وعلى ذلك جرت خوارق العادات للأولياء وأهل الكرامات لا يكاد يقع لهم إلا عن ضرورة قطع الأسباب ، وفي قراءة النصب إعراب بأن غاية الزلزال القول ، وفي الرفع إعراب عن غاية الزلزال وأنه أمر مبهم ، له وقع في البواطن والظواهر ، أحد تلك الظواهر وقوع هذا القول ، ففي الرفع إنباء باشتداد الأمر بتأثيره في ظاهر القول وما وراءه - انتهى. وهو في النصب واضح فإن حتى مسلطة على الفعل ، وأما في الرفع فهي مقطوعة عن الفعل لأنها لم تعمل فيه لمضيه لتذهب النفس في الغاية كل مذهب ثم استؤنف شيء من بيانها بالفعل. أ هـ {نظم الدرر حـ 1 صـ 397}\rقال الآلوسى : ","part":5,"page":281},{"id":2019,"text":"المراد من ( الرسول ) الجنس لا واحد بعينه ، وقيل : هو اليسع ، وقيل : شعياء ، وقيل : أشعياء ، وعلى التعيين يكون المراد من {الذين خَلَوْاْ} قوماً بأعيانهم وهم أتباع هؤلاء الرسل. أ هـ {روح المعانى حـ 2 صـ 104}\rفائدة\rقرأ نافع يقول : بالرفع على أنها حكاية حال ماضية ، وفائدته تصوّر تلك الحال العجيبة واستحضار صورتها في مشاهدة السامع ليتعجب منها وقرأ الباقون بالنصب. أ هـ {السراج المنير حـ 1 صـ 220}\rإشكال وجوابه\rقال الفخر : \rفي الآية إشكال ، وهو أنه كيف يليق بالرسول القاطع بصحة وعد الله ووعيده أن يقول على سبيل الاستبعاد {متى نَصْرُ الله}.\rوالجواب عنه من وجوه أحدها : أن كونه رسولاً لا يمنع من أن يتأذى من كيد الأعداء ، قال تعالى : {وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِمَا يَقُولُونَ} {الحجر : 97 ] وقال تعالى : {لَعَلَّكَ باخع نَّفْسَكَ أَن لا يَكُونُواْ مُؤْمِنِينَ} {الشعراء : 3 ] وقال تعالى : {حتى إِذَا استيئس الرسل وَظَنُّواْ أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُواْ جَاءهُمْ نَصْرُنَا فَنُجّىَ} {يوسف : 110 ] وعلى هذا فإذا ضاق قلبه وقلت حيلته ، وكان قد سمع من الله تعالى أنه ينصره إلا أنه ما عين له الوقت في ذلك ، قال عند ضيق قلبه : {متى نَصْرُ الله} حتى إنه إن علم قرب الوقت زال همه وغمه وطاب قلبه ، والذي يدل على صحة ذلك أنه قال في الجواب : {أَلا إِنَّ نَصْرَ الله قَرِيبٌ} فلما كان الجواب بذكر القرب دل على أن السؤال كان واقعاً عن القرب ، ولو كان السؤال وقع عن أنه هل يوجد النصر أم لا ؟ لما كان هذا الجواب مطابقاً لذلك السؤال ، وهذا هو الجواب المعتمد.","part":5,"page":282},{"id":2020,"text":"والجواب الثاني : أنه تعالى أخبر عن الرسول والذين آمنوا أنهم قالوا قولاً ثم ذكر كلامين أحدهما : {متى نَصْرُ الله} والثاني : {أَلا إِنَّ نَصْرَ الله قَرِيبٌ} فوجب إسناد كل واحد من هذين الكلامين إلى واحد من ذينك المذكورين : فالذين آمنوا قالوا : {متى نَصْرُ الله} والرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ قال : {أَلا إِنَّ نَصْرَ الله قَرِيبٌ} قالوا ولهذا نظير من القرآن والشعر ، أما القرآن فقوله : \r{ وَمِن رَّحْمَتِهِ جَعَلَ لَكُمُ الليل والنهار لِتَسْكُنُواْ فِيهِ وَلِتَبتَغُواْ مِن فَضْلِهِ} {القصص : 73 ] والمعنى : لتسكنوا في الليل ولتبتغوا من فضله في النهار ، وأما من الشعر فقول امرىء القيس : \rكأن قلوب الطير رطباًويابسا.. لدي وكرها العناب والحشف البالي\rفالتشبيه بالعناب للرطب وبالحشف البالي لليابس ، فهذا جواب ذكره قوم وهو متكلف جداً. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 6 صـ 19 ـ 20}\rوقد استبعد الثعالبى القول الثانى كما فعل الفخر فقال : \r ، وقالتْ طائفةٌ : في الكلامِ تقديمٌ وتأخيرٌ ، والتقديرُ : حتى يقول الذين آمنوا : متى نَصْرُ اللَّهِ ، فيقولَ الرسولُ : ألا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قريبٌ ، فقدم الرسولَ في الرتبة ؛ لمكانته ، ثم قدم قول المؤمنين ؛ لأنه المتقدِّم في الزمان.\rوهذا تحكُّم ، وحمل الكلام على وجهه غيرُ متعذِّر ، ويحتملُ أن يكون : {أَلا إِنَّ نَصْرَ الله قَرِيبٌ} إِخباراً من اللَّه تعالى مؤتنفاً بعد تمام ذكْرِ القَوْل.\rأ هـ {الجواهر الحسان حـ 1 صـ 165}\rقال الآلوسى : ","part":5,"page":283},{"id":2021,"text":"والقول بأن هذه الجملة مقول الرسول {متى نَصْرُ الله} تعالى مقول من معه على طريق اللف والنشر الغير المرتب ليس بشيء ، أما لفظاً فلأنه لا يحسن تعاطف القائلين دون المقولين ، وأما معنى فلأنه لا يحسن ذكر قول الرسول {أَلا إِنَّ نَصْرَ الله قَرِيبٌ} في الغاية التي قصد بها بيان تناهي الأمر في الشدة ، والقول بأن ترك العطف للتنبيه على أن كلا مقول لواحد منهما ، واحتراز عن توهم كون المجموع مقول واحد وتنبيه على أن الرسول قال لهم في جوابهم وبأن منصب الرسالة يستدعي تنزيه الرسول عن التزلزل لا ينبغي أن يلتفت إليه لأنه إذا ترك العطف لا يكون معطوفاً على القول الأول فكيف التنبيه على كون كل مقولاً لواحد منهما ، ولا نأمن وراء منع كون منصب الرسالة يستدعي ذلك التنزيه وليس التزلزل والانزعاج أعظم من الخوف ، وقد عرى الرسل صلوات الله تعالى وسلامه عليهم كما يصرح به كثير من الآيات. أ هـ {روح المعانى حـ 2 صـ 104}\rقوله تعالى : {أَلَا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ}\rقال البقاعى : ","part":5,"page":284},{"id":2022,"text":"ولما كان معنى الكلام طلب النصر واستبطاء الأمر أجابهم تعالى إجابة المنادي في حال اشتداد الضر بقوله : {ألا} قال الحرالي : استفتاحاً وتنبيهاً وجمعاً للقلوب للسماع {إن} تأكيداً وتثبيتاً {نصر الله} الذي لا سبب له إلا العناية من ملك الملوك بعد قطع كل سبب من دونه {قريب} لاستغنائه عن عدة ومدة ، ففي جملته بشرى بإسقاط كلفة النصر بالأسباب والعدد والآلات المتعية ، والاستغناء بتعلق القلوب بالله ، ولذلك إنما ينصر الله هذه الأمة بضعفائها ، لأن نصرتها بتقوى القلوب لا بمدافعة الأجسام ، فلذلك تفتح خاتمة هذه الأمة \"قسطنطينية الروم بالتسبيح والتكبير \"قال ـ صلى الله عليه وسلم ـ : \"إنا إذا نزلنا بساحة قوم فساء صباح المنذرين \"فانعطف ذلك على ما أراده الله تبارك وتعالى بأنبيائه وأصفيائه من اليسر الذي كماله لهذه الأمة فأراد بهم اليسر في كل حال - انتهى. وفي بعض الآثار : إنما تقاتلون الناس بأعمالكم ، والحاصل أنه لا يكفي مجرد ادعائهم الدخول في السلم بل لا بد من إقامة البينة بالصبر على ما يمتحنهم كما امتحن الأمم الخالية والقرون الماضية ، فانظر هذا التدريب في مصاعد التأديب ، وتأمل كيف ألقي إلى العرب وإن كان الخطاب لمن آمن ذكر القيامة في قوله : {والذين اتقوا فوقهم يوم القيامة} {البقرة : 212 ] والجنة في قوله : {أن تدخلوا الجنة} {البقرة : 214 ] وهم ينكرونهما إلقاء ما كأنه محقق لا نزاع فيه تأنيساً لهم بذكرهما ، وانظر ما في ذلك من بدائع الحكم. أ هـ {نظم الدرر حـ 1 صـ 397 ـ 398}\rقال الفخر : ","part":5,"page":285},{"id":2023,"text":"{ أَلا إِنَّ نَصْرَ الله قَرِيبٌ} يحتمل أن يكون جواباً من الله تعالى لهم ، إذ قالوا : {متى نَصْرُ الله} فيكون كلامهم قد انتهى عند قوله : {متى نَصْرُ الله} ثم قال الله عند ذلك {أَلا إِنَّ نَصْرَ الله قَرِيبٌ} ويحتمل أن يكون ذلك قولاً لقوم منهم ، كأنهم لما قالوا : {متى نَصْرُ الله} رجعوا إلى أنفسكم فعلموا أن الله لا يعلي عدوهم عليهم ، فقالوا : {أَلا إِنَّ نَصْرَ الله قَرِيبٌ} فنحن قد صبرنا يا ربنا ثقة بوعدك. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 6 صـ 20}\rوقال ابن عاشور : \rوقوله : ألا إن نصر الله قريب} كلام مستأنف بقرينة افتتاحه بأَلاَ ، وهو بشارة من الله تعالى للمسلمين بقرب النصر بعد أن حصل لهم من قوارع صدر الآية ما ملأ القلوب رُعباً ، والقصد منه إكرام هذه الأمة بأنها لا يبلغ ما يمسها مبلغ ما مس من قبلها ، وإكرامٌ للرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ بألا يحتاج إلى قول ما قالته الرسل قبله من استبطاء نصر الله بأن يجيء نصر الله لهاته الأمة قبل استبطائه ، وهذا يشير إلى فتح مكة. أ هـ {التحرير والتنوير حـ 2 صـ 316 ـ 317}\rوقال الخطيب الشربينى : \r{ألا إنّ نصر الله قريب} إتيانه وفي هذا إشارة إلى أنّ الوصول إلى الله تعالى والفوز بالكرامة عنده برفض الهوى واللذات ومكابدة الشدائد والرياضات ، كما قال عليه الصلاة والسلام كما رواه الشيخان وغيرهما : \"حفت الجنة بالمكاره وحفت النار بالشهوات\".\rوفي رواية لهم : حجبت أي : جعلت المكاره حجاباً دون الجنة فمن خرقه دخلها. والشهوات حجاب دون النار فمن اقتحمه دخلها. أ هـ {السراج المنير حـ 1 صـ 220}\rسؤال : فإن قيل : قوله : {أَلا إِنَّ نَصْرَ الله قَرِيبٌ} يوجب في حق كل من لحقه شدة أن يعلم أن سيظفر بزوالها ، وذلك غير ثابت.","part":5,"page":286},{"id":2024,"text":"قلنا : لا يمتنع أن يكون هذا من خواص الأنبياء عليهم السلام ، ويمكن أن يكون ذلك عاماً في حق الكل ، إذ كل من كان في بلاء فإنه لا بد له من أحد أمرين ، إما أن يتخلص عنه ، وإما أن يموت وإذا مات فقد وصل إلى من لا يهمل أمره ولا يضيع حقه ، وذلك من أعظم النصر ، وإنما جعله قريباً لأن الموت قريب. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 6 صـ 20}\rفائدة لغوية\r\"قريب\" خبر \"إنّ\". قال النحاس : ويجوز في غير القرآن \"قريباً\" أي مكاناً قريباً. و\"قريب\" لا تثنّيه العرب ولا تجمعه ولا تؤنّثه في هذا المعنى ؛ قال الله عز وجل : {إِنَّ رَحْمَةَ الله قَرِيبٌ مِّنَ المحسنين} {الأعراف : 56 ]. وقال الشاعر : \rله الويلُ إن أمْسَى ولا أُمُّ هاشم... قريب ولا بَسْبَاسةُ بنْةُ يَشْكُرَا\rفإن قلت : فلان قريب لي ثنيت وجمعت ؛ فقلت : قريبون وأقرباء وقرباء. أ هـ {تفسير القرطبى حـ 3 صـ 36}\rمن لطائف الإمام القشيرى فى الآية\rخلق الله الجنة وحفَّها بالمصاعب ، وخلق النار وحفَّها بالشهوات والرغائب ، فَمنْ احتشم ركوب الأهوال بقي عن إدراك الآمال. ثم إن الحق سبحانه ابتلى الأولين بفنونٍ من مقاساة الشدائد ، وكلُّ من أُلحِقَ بهم من خلف الأولياء أدخلهم في سِلْكِهِمْ ، وأدرجهم في غمارهم ، فمن ظنَّ غير ذلك فَسَرَابٌ ظَنَّه ماءً ، وحكم لم يحصل على ما ظَنه تأويلاً. ولقد مضت سُنَّة الله سبحانه مع الأولياء أنهم لا يُنيخُونَ بعقوة الظفر إلا بعد إشرافهم على عرصات اليأس ، فحين طال بهم التَرَقُّبُ صَادَفَهم اللطفُ بغتةً وتحقق لهم المُبْتَغَى فجأة. قال تعالى : {أَلاَ إِنَّ نَصْرَ اللهِ قَرِيبٌ }. أ هـ {لطائف الإشارات حـ 1 صـ 174}\rمن فوائد ابن عرفة فى الآية\rقوله تعالى : {أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُواْ الجنة وَلَمَّا يَأْتِكُم... }.","part":5,"page":287},{"id":2025,"text":"قال ابن عصفور في مقربة والآمدي في شرح الجزولية : ( لَمْ ) لنفي الماضي المتصل بزمن الحال ومثل ذلك {وعصى ءَادَمُ رَبَّهُ فغوى} ولم يندم ، وعصى إبليس ربه ولمّا يندم لأن نفي الندم عن آدم كان ومضى وانقطع كوقوع الندم منه بعد ذلك ، ونفيه عن إبليس متصل بزمن الحال.\rقال ابن عرفة : وعادتهم يتعقبونه بوجيهن : \rالأول : نسبة العصيان لآدم عليه السلام فإنه وإن كان ورد في القرآن لكنّه لا ينبغي أن ( يتكلم ) المخلوق على جهة المثال فإنه من إساءة الأدب على الأنبياء.\rالثاني : إن نفي النّدم عنه إما قبل المعصية أو بعدها ، والأقسام كلها باطلة لوقوع النّدم منه إثر المعصية. قال الله تعالى {فَأَكَلاَ مِنْهَا فَبَدَتْ لَهُمَا سَوْءَاتُهُمَا} ( فعقب ) الأكل بدت لهما السوءات ، فوقع الندم والندم حين العصيان غير متصور فأحرى قبله.\rوقال القرطبي : ( لَمَّا ) هنا بمعنى ( لم ) لنفي الماضي المنقطع لأن ذلك كان في غزوة أحد وهي متقدمة على ( هذه ) الآية.\rورده ابن عرفة بأنّه إنّما يلزم ذلك لو ( علّقه ) في الآية بالعلم ، وهو أنما علّقه بالحسبان.\rقلت : ونقله بعض الطلبة بلفظ لا يحتاج إلى هذا بل هي على بابها لأن حسابهم أنهم يدخلون الجنة حالة كونهم لم يأتهم مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِهِمْ وهذا ( الحسبان ) لم ينقطع وما زال المؤمنون يظنون أنهم يدخلون الجنة من غير بأس ولا مشقة تنالهم إلى حين نزول هذه الآية ، ونيلهم البأس في ( هذه الغزوة ) لا يرفع ظنّهم ذلك.\rقال ابن عرفة : والبأَسَاءُ راجع لفقد المال ، وَالضّرّاءُ للنقص في البدن والزلزال في النفس.\rقوله تعالى : {حتى يَقُولَ الرسول...}.\rقرأ نافع ، بالرفع.\rقال ابن عطية : كأنه اقترن بها ( تسبيب ) ، فحتى ( حرف ) ( ابتداء ) يرفع الفعل.\rابن عطية : ظاهره أيضا إذا كان ما قبلها سببا لما بعدها ، فالرفع مطلقا وليس كذلك. بل لابد من زيادة كونه ماضيا أو حالا ، وأما إن كان الفعل مستقبلا فالنصب ليس إلا ، وكذلك جعله الزمخشري حكاية حال ماضية.\rقال أبو حيان : وحتى على النصب ( للغاية ) بمعنى : إلى أن ، أو للتعليل بمعنى كي. قال : والغاية أظهر لأن ( الضراء ) والزلزال ليسا معللين بقول الرّسول والمؤمنين.\rقال ابن عرفة : إن اعتبرنا ( الزلزال ) من حيث نسبته إليهم فليس بعلة ، لأنهم لا يتزلزلون قصدا لأن يقول الرّسول والمؤمنون هذه المقالة ، وإن اعتبرناه من حيث نسبته إلى الحق سبحانه وتعالى إذ هو الفاعل المختار في الحقيقة فهو علة في قول الرسول والمؤمنين ؛ ذلك لأن الله تعالى زلزلهم ليقول الرسول والمؤمنون هذه المقالة. وأبو حيان لما رأى الفعل وهو \"زُلْزلُوا \"مبنيا للمفعول اعتبر نسبته إليه.\rأ هـ {تفسير ابن عرفة صـ 273}","part":5,"page":288},{"id":2026,"text":"قال السعدى فى معنى الآية : \rيخبر تبارك وتعالى أنه لا بد أن يمتحن عباده بالسراء والضراء والمشقة كما فعل بمن قبلهم ، فهي سنته الجارية ، التي لا تتغير ولا تتبدل ، أن من قام بدينه وشرعه ، لا بد أن يبتليه ، فإن صبر على أمر الله ، ولم يبال بالمكاره الواقفة في سبيله ، فهو الصادق الذي قد نال من السعادة كمالها ، ومن السيادة آلتها.\rومن جعل فتنة الناس كعذاب الله ، بأن صدته المكاره عما هو بصدده ، وثنته المحن عن مقصده ، فهو الكاذب في دعوى الإيمان ، فإنه ليس الإيمان بالتحلي والتمني ، ومجرد الدعاوى ، حتى تصدقه الأعمال أو تكذبه.\rفقد جرى على الأمم الأقدمين ما ذكر الله عنهم {مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ} أي : الفقر {وَالضَّرَّاءُ} أي : الأمراض في أبدانهم {وَزُلْزِلُوا} بأنواع المخاوف من التهديد بالقتل ، والنفي ، وأخذ الأموال ، وقتل الأحبة ، وأنواع المضار حتى وصلت بهم الحال ، وآل بهم الزلزال ، إلى أن استبطأوا نصر الله مع يقينهم به.\rولكن لشدة الأمر وضيقه قال {الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ}.\rفلما كان الفرج عند الشدة ، وكلما ضاق الأمر اتسع ، قال تعالى : {أَلا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ} فهكذا كل من قام بالحق فإنه يمتحن.\rفكلما اشتدت عليه وصعبت ، إذا صابر وثابر على ما هو عليه انقلبت المحنة في حقه منحة ، والمشقات راحات ، وأعقبه ذلك ، الانتصار على الأعداء وشفاء ما في قلبه من الداء ، وهذه الآية نظير قوله تعالى : {أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ}.\r","part":5,"page":289},{"id":2027,"text":"وقوله [تعالى : ] {الم أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ} فعند الامتحان ، يكرم المرء أو يهان. أ هـ {تفسير السعدى صـ 96}\rأسئلة وأجوبة\rقوله تعالى : \"أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يأتكم مثل الذين خلوا من قبلكم مستهم البأساء والضراء وزلزلوا حتى يقول الرسول والذين آمنوا معه متى نصر الله ألا إن نصر الله قريب\" ، وقال فى سورة آل عمران : \" أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يعلم الله الذين جاهدوا منكم ويعلم الصابرين\" ، وفى سورة براءة : \" أم حسبتم أن تتركوا ولما يعلم الله الذين جاهدوا منكم ولم يتخذوا من دون الله ولا رسوله ولا المؤمنين وليجة\" ففى البقرة وآل عمران : \" أن تدخلوا الجنة\" وفى براءة : \" أن تتركوا\" وفى سورة البقرة : \" ولما يأتكم مثل الذين خلوا من قبلكم\" وفى آل عمران وبراءة : \" ولما يعلم الله الذين جاهدوا منكم\" وسورة آل عمران : \"ويعلم الصابرين\" وفى براءة : \" ولم يتخذوا من دون الله ولا رسوله ولا المؤمنين وليجة\" فهذه ثلاث سؤالات.","part":5,"page":290},{"id":2029,"text":"والجواب عن جميعها على الجملة أن وجه اختلافهما والله أعلم ورودها أعقاب قصص مختلفة وقضايا متغايرة فآية البقرة واردة على ما تقدمها من خطاب المؤمنين على العموم والتسوية فى قوله تعالى : \"يا أيها الذين آمنوا ادخلوا فى السلم كافة\" ثم حذرهم بقوله : \"فإن زللتم من بعد ما جاءتكم البينات\". الآية وأشار الواقع جوابا من قوله : \"إن الله عزيز حكيم\" إلى قدرته تعالى على من زل فحاد وتنكب بعد وضوح الأمر فكان الكلام فى قوة أن لو قيل بحسب أفهامنا القاصرة : فإن زللتم فحدتم وتنكبتم عن سلوك المنهج الذى أمرتم به بعد بيان الأمر فاعلموا أنه قادر على أخذكم وعقابكم لا يفوته هاربكم ولا يخرج عن قهره أحد منكم عليم بما تخفونه وتسرونه ثم ذكرهم بحال غيرهم فقال تعالى : \"سل بنى إسرائيل كم آتيناهم من آية بينة..الآية\" ، ثم عرفهم بتزيين الدنيا للكافرين تسلية للمؤمنين فيما حف بمطلوبهم الأخروى من المكاره وأخبرهم بما لهم فى الآخرة إن صبروا واتقوا فقال : \"والذين اتقوا فوقهم يوم القيامة\" ، ثم أخبرهم بما كان الأمر عليه أولا من كون الناس أمة واحدة ثم اختلفوا فبعث الله النبيين. الآية فلما خاطبهم بهذا كله وحصل من ذلك ومن إحالة الآى على أحوال من تقدم وإشارتها إلى ما ابتلوا به مما وضح منه صعوبة التخلص إلا بعد الصبر وتحمل المشقة مع سبقية التوفيق أعقب بقوله إشارة إلى تسلية المؤمنين فيما يصيبهم فقال : \"أم حسبتم أن تدخلوا الجنة...الآية\" فعرفهم أنه لابد من الابتلاء والاختبار : \"ولنبلونكم حتى نعلم المجاهدين منكم والصابرين ونبلو أخباركم\" وأتبع بقوله تعالى : \"مستهم البأساء والضراء\" إلى ما ذكر سبحانه فى قوله : \"ولقد أرسلنا إلى أمم من قبلك فأخذناهم بالبأساء والضراء\" فهذه الآية أعنى آية البقرة لم يقع فيها تخصيص بغير المستجيبين المحسنين فى إجابتهم لا من وجهة اللفظ ولا من وجهة المعنى فناسبها الإطناب وذكر حال من تقدم من الأمم فى ابتلائهم.\r","part":5,"page":291},{"id":2030,"text":"وأما آية آل عمران فخوطب بها أهل أحد تسلية فيما أصابهم وخص فيها ذكر الجهاد والصبر ولم يقصد فى الآية أخبار بغير ذلك لأنها ترتيب واقعة مخصوصة فهذا ما انفردت به واختصت عن آية البقرة فقال تعالى : \"أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يعلم الله الذين جاهدوا منكم ويعلم الصابرين\" فلم يذكر هنا غير الجهاد والصبر.\rأما آية براءة فخطاب المؤمنين ممن شاهد فتح مكة وإعلام لهم بأنهم لا يكمل إيمانهم إلا بمطابقة ظواهرهم بواطنهم فى ألا يقع منهم صغو إلى غير ما بايعوا الله عليه من الإخلاص فلا يجحدون ولا يعتمدون من دون الله ولا رسوله ولا المؤمنين ما يعتمدونه موئلا أو مرجعا فإنه سبحانه لا يخفى عليه ما أسروه وتحوم الآية على ذم من اتصف بصفة النفاق فأظهر خلاف ما أبطن ، وقد تقدم قبلها ما يدل على ذلك من قوله تعالى : \"يرضونكم بأفواههم وتأبى قلوبهم\" فحذر المؤمنون من هذه الصفة وعرفوا أنه لابد من ابتلائهم واختبارهم لتخلص أحوالهم وتمتاز من أحوال المنافقين وأنهم لم يتركوا دون ابتلاء واختبار ليميز الله الخبيث من الطيب وهذا من بعضهم لبعض أعنى الاطلاع بعد الاختبار والله سبحانه غنى عن هذا وعليم بما تنطوى عليه كل نفس وما تكنه الضمائر وإنما ثمرة الابتلاء والاختبار عائدة علينا ليطلع بعضنا من بعض على ما لم يكن ليطلع عليه لولا الاختبار وعلمه سبحانه لا يتوقف على ابتلائنا ولا يتجدد عليه شئ تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا فالمراد بالآية : أم حسبتم أن تتركوا دون اختبار يفصل بين أحوالكم وأحوال المنافقين المذكورين فيما قبل ولم تتعرض الآيتان من سورة البقرة وآل عمران لذكر نفاق بالافصاح ولا بإيماء بخلاف آية براءة فلما اختلفت المقاصد اختلفت العبارات فى مطلع الآى وختامها بحسب ذلك والله أعلم. فتأمل اتحاد الوليجة وقوله : \"والله خبير بما تعملون\" وتخصيص اسمه سبحانه : \"الخبير\" يلح لك ما قصد بهذه الآية. أ هـ {ملاك التأويل صـ 87}","part":5,"page":292},{"id":2031,"text":"من لطائف التسترى فى الآية\rقوله : {وَزُلْزِلُواْ} {214 ] أي أرادوا به وخوفوا به وحذروا مكر الله عزَّ وجلَّ. وسئل عن قوله : {حتى يَقُولَ الرسول والذين آمَنُواْ مَعَهُ متى نَصْرُ الله ألا إِنَّ نَصْرَ الله قَرِيبٌ} {214 ] أكان قولهم استبطاء للنصر ؟ قال سهل : لا ، ولكن لما أيسوا من تدبيرهم قالوا : {متى نَصْرُ الله} {214 ] فلما علم الله تعالى من تبريهم من حولهم وقوتهم وتدبيرهم لأنفسهم وإظهارهم الافتقار إليه ، وأن لا حيلة لهم دونه أجابهم بقوله : {ألا إِنَّ نَصْرَ الله قَرِيبٌ} {214 ] قال سهل : البلاء والعافية من الله عزَّ وجلَّ ، والأمر والنهي منه ، والعصمة والتوفيق منه ، والثواب والعقاب منه ، والأعمال منسوبة إلى بني آدم ، فمن عمل خيراً وجب عليه الشكر ليستوجب به المزيد ، ومن عمل شراً وجب عليه الاستغفار ليستوجب به الغفران. والبلوى من الله على وجهين : بلوى رحمة ، وبلوى عقوبة ، فبلوى الرحمة : يبعث صاحبه على إظهار فقره {وفاقته ] إلى الله عزَّ وجلَّ وترك التدبير ، وبلوى العقوبة : يبعث صاحبه على اختيار منه وتدبيره. فسئل سهل : الصبر على العافية أشد أم على البلاء ؟ فقال : طلب السلامة في الأمن أشد من طلب السلامة في الخوف. أ هـ {تفسير التسترى صـ 46}","part":5,"page":293},{"id":2032,"text":"قوله تعالى : {يَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلْ مَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ خَيْرٍ فَلِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ (215)}\rمناسبة الآية لما قبلها\rقال الفخر : \rاعلم أنه سبحانه وتعالى لما بالغ في بيان أنه يجب على كل مكلف أن يكون معرضاً عن طلب العاجل ، وأن يكون مشتغلاً بطلب الآجل ، وأن يكون بحيث يبذل النفس والمال في ذلك شرع بعد ذلك في بيان الأحكام وهو من هذه الآية إلى قوله : {أَلَمْ تَرَ إِلَى الذين خَرَجُواْ مِن ديارهم} {البقرة : 243 ] لأن من عادة القرآن أن يكون بيان التوحيد وبيان الوعظ والنصيحة وبيان الأحكام مختلطاً بعضها بالبعض ، ليكون كل واحد منها مقوياً للآخر ومؤكداً له. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 6 صـ 20}\rقال الآلوسى : \rومناسبة هذه الآية لما قبلها هو أن الصبر على النفقة وبذل المال من أعظم ما تحلى به المؤمن وهو من أقوى الأسباب الموصلة إلى الجنة حتى ورد \"الصدقة تطفىء غضب الرب\". أ هـ {روح المعانى حـ 2 صـ 104}\rوقال البقاعى : ","part":5,"page":294},{"id":2033,"text":"ولما كانت النفقة من أصول ما بنيت عليه السورة من صفات المؤمنين {ومما رزقناهم ينفقون} {البقرة : 3 ] ثم كرر الترغيب فيها في تضاعيف الآي إلى أن أمر بها في أول آيات الحج الماضية آنفاً مع أنها من دعائم بدايات الجهاد إلى أن تضمنتها الآية السالفة مع القتل الذي هو نهاية الجهاد كان هذا موضع السؤال عنهما فأخبر تعالى عن ذلك على طريق النشر المشوش وذلك مؤيد لما فهمته في البأساء والضراء فإن استعماله في القرآن أكثر من المرتب فقال معلماً لمن سأل : هل سأل المخاطبون بذلك عنهما ؟ {يسئلونك ماذا} أي أيّ شيء {ينفقون} من الأموال. وقال الحرالي : لما كان منزل القرآن على نحو متصرف المرء في الأزمان كان انتظام خطابه متراجعاً بين خطاب دين يتلقى عن الله وبين إقامة بحكم يكون العبد فيه خليفة الله في نفاذ أمره وبين إنفاق يكون فيه خليفة في إيصال فضله ، لأن الشجاعة والجود - خلافة والجبن والبخل عزل عنها ، فكان في طي ما تقدم من الخطاب الإحسان والإنفاق ، وكان حق ذلك أن لا يسأل عماذا ينفق ، لأن المنفق هو الفضل كله ، قال ـ صلى الله عليه وسلم ـ : \"يا ابن آدم! إن تبذل الفضل خير لك وإن تمسكه شر لك \"ففي هذا السؤال ممن سأله له نوع تلدد من نحو ما تقدم لبني إسرائيل في أمر البقرة من مرادة المسألة ، لم يستأذن الصديق رضي الله تعالى عنه حين أتى بماله كله ولا استأذن عمر رضي الله عنه حين أتى بشطر ماله ولا استأذن سعد بن الربيع حين خرج لعبد الرحمن بن عوف رضي الله تعالى عنهما عن شطر ماله وإحدى زوجتيه ؛ فكان في هذا السؤال إظهار مثل الذين خلوا من قبلهم ولولا أن الله رحيم لكان جوابهم : تنفقون الفضل ، فكان يقع واجباً ولكن الله لطف بالضعيف لضعفه وأثبت الإنفاق وأبهم قدره في نكس الإنفاق بأن يتصدق على الأجانب مع حاجة من الأقارب فقال تعالى خطاباً للنبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ وإعراضاً منه عن السائلين لما في السؤال من التبلد الإسرائيلي -","part":5,"page":295},{"id":2034,"text":"انتهى. فقال : {قل ما أنفقتم من خير} أي من مال وعدل عن بيان المنفق ما هو إلى بيان المصرف لأنه أنفع على وجه عرف منه سؤالهم وهو كل مال عدّوه خيراً فقال معبراً بالماضي ليكون أشمل : {ما أنفقتم من خير} فعمم المنفق منه وهو كل ماله تعدونه خيراً وخص المصرف مبيناً أهمه لأن النفقة لا يعتد بها إلا أن تقع موقعها فقال : فللوالدين} لأنهما أخرجاه إلى الوجود في عالم الأسباب {والأقربين} لما لهم من الحق المؤكد بأنهم كالجزء لما لهم من قرب القرابة {واليتامى} لتعرضهم للضياع لضعفهم.\rوقال الحرالي : لأنهم أقارب بعد الأقارب باليتم الذي أوجب خلافة الغير عليهم - انتهى {والمساكين} لمشاركتهم الأيتام في الضعف وقدرتهم في الجملة على نوع كسب. قال الحرالي : وهم المتعرضون لغة والمستترون الذين لا يفطن لهم ولا يجدون ما يغنيهم شرعاً ولغة نبوية - انتهى. {وابن السبيل} لضعفه بالغربة والآية محكمة فحمل ما فيها على ما يعارض غيرها. أ هـ {نظم الدرر حـ 1 صـ 399}\rسبب نزول الآية\rقال ابن عباس رضي الله تعالى عنهما في رواية أبي صالح : \"كان عمرو بن الجموح شيخاً كبيراً ذا مال كثير فقال : يا رسول الله بماذا نتصدق وعلى من ننفق ؟ فنزلت\" وفي رواية عطاء عنه لا إنها نزلت في رجل أتى النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ فقال : إن لي ديناراً ، فقال : أنفقه على نفسك فقال : إن لي دينارين فقال : أنفقهما على أهلك فقال : إن لي ثلاثة فقال : أنفقها على خادمك فقال : إن لي أربعة فقال : أنفقها على والديك فقال : إن لي خمسة فقال : أنفقها على قرابتك فقال : إن لي ستة فقال : أنفقها في سبيل الله تعالى\" وعن ابن جريج قال : \"سأل المؤمنون رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ أين يضعون أموالهم ؟ \" فنزلت. أ هـ {روح المعانى حـ 4 صـ 105}\rفي الآية سؤال ، وهو أن القوم سألوا عما ينفقون لا عمن تصرف النفقة إليهم ، فكيف أجابهم بهذا ؟ .","part":5,"page":296},{"id":2035,"text":"والجواب عنه من وجوه أحدها : أنه حصل في الآية ما يكون جواباً عن السؤال وضم إليه زيادة بها يكمل ذلك المقصود ، وذلك لأن قوله : {مَا أَنفَقْتُم مّنْ خَيْرٍ} جواب عن السؤال ، ثم إن ذلك الإنفاق لا يكمل إلا إذا كان مصروفاً إلى جهة الإستحقاق ، فلهذا لما ذكر الله تعالى الجواب أردفه بذكر المصرف تكميلاً للبيان وثانيها : قال القفال : إنه وإن كان السؤال وارداً بلفظ {مَا} إلا أن المقصود : السؤال عن الكيفية لأنهم كانوا عالمين أن الذي أمروا به إنفاق مال يخرج قربة إلى الله تعالى ، وإذا كان هذا معلوماً لم ينصرف الوهم إلى أن ذلك المال أي شيء هو ؟ وإذا خرج هذا عن أن يكون مراداً تعين أن المطلوب بالسؤال أن مصرفه أي شيء هو ؟ وحينئذ يكون الجواب مطابقاً للسؤال ، ونظيره قوله تعالى : {قَالُواْ ادع لَنَا رَبَّكَ يُبَيّن لَّنَا مَا هِىَ إِنَّ البقر تشابه عَلَيْنَا...\rقَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لاَّ ذَلُولٌ} {البقرة : 70 ، 71 ] وإنما كان هذا الجواب موافقاً لذلك السؤال ، لأنه كان من المعلوم أن البقرة هي البهيمة التي شأنها وصفتها كذا ، فقوله : {مَا هِىَ} لا يمكن حمله على طلب الماهية ، فتعين أن يكون المراد منه طلب الصفة التي بها تتميز تلك البقرة عن غيرها ، فبهذا الطريق قلنا : إن ذلك الجواب مطابق لذلك السؤال ، فكذا ههنا لما علمنا أنهم كانوا عالمين بأن الذي أمروا بإنفاقه ما هو ، وجب أن يقطع بأن مرادهم من قولهم : {مَاذَا يُنفِقُونَ} ليس هو طلب الماهية ، بل طلب المصرف فلهذا حسن الجواب","part":5,"page":297},{"id":2036,"text":"وثالثها : يحتمل أن يكون المراد أنهم سألوا هذا السؤال فكأنهم قيل لهم : هذا السؤال فاسد أنفق أي شيء كان ولكن بشرط أن يكون مالاً حلالاً وبشرط أن يكون مصروفاً إلى المصرف وهذا مثل ما إذا كان الإنسان صحيح المزاج لا يضره أكل أي طعام كان ، فقال للطبيب : ماذا آكل ؟ فيقول الطبيب : كل في اليوم مرتين ، كان المعنى : كل ما شئت لكن بهذا الشرط كذا ههنا المعنى : أنفق أي شيء أردت بشرط أن يكون المصرف ذلك. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 6 صـ 21}\rوقال ابن عاشور : \r{ماذا} استفهام عن المنفق ( بفتح الفاء ) ومعنى الاستفهام عن المنفق السؤال عن أحواله التي يقع بها موقع القبول عند الله ، فإن الإنفاق حقيقة معروفة في البشر وقد عرفها السائلون في الجاهلية. فكانوا في الجاهلية ينفقون على الأهل وعلى الندامى وينفقون في الميسر ، يقولون فلان يتمم أيساره أي يدفع عن أيساره أقساطهم من مال المقامرة ويتفاخرون بإتلاف المال. فسألوا في الإسلام عن المعتدِّ به من ذلك دون غيره ، فلذلك طابق الجوابُ السؤال إذ أجيب : {قُل ما أنفقتم من خير فللوالدين والأقربين} ، فجاء ببيان مصارف الإنفاق الحق وعرف هذا الجنس بمعرفة أفراده ، فليس في هذا الجواب ارتكاب الأسلوب الحكيم كما قيل ، إذ لا يعقل أن يسألوا عن المال المنفق بمعنى السؤال عن النوع الذي ينفق من ذهب أم من ورق أم من طعام ، لأن هذا لا تتعلق بالسؤال عنه أغراض العقلاء ، إذ هم يعلمون أن المقصد من الإنفاق إيصال النفع للمنفق عليه ، فيتعين أن السؤال عن كيفيات الإنفاق ومواقعه ، ولا يريبكم في هذا أن السؤال هنا وقع بما وهي يسأل بها عن الجنس لا عن العوارض ، فإن ذلك اصطلاح منطقي لتقريب ما ترجموه من تقسيمات مبنية على اللغة اليونانية وأخذ به السكاكي ، لأنه يحفل باصطلاح أهل المنطق وذلك لا يشهد له الاستعمال العربي. أ هـ {التحرير والتنوير حـ 2 صـ 317 ـ 318}\rفصل","part":5,"page":298},{"id":2037,"text":"اعلم أنه تعالى راعى الترتيب في الإنفاق ، فقدم الوالدين ، وذلك لأنهما كالمخرج له من العدم إلى الوجود في عالم الأسباب ، ثم ربياه في الحال الذي كان في غاية الضعف ، فكان إنعامهما على الابن أعظم من إنعام غيرهما عليه ، ولذلك قال تعالى : {وقضى رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ إياه وبالوالدين} {الإسراء : 23 ] وفيه إشارة إلى أنه ليس بعد رعاية حق الله تعالى شيء أوجب من رعاية حق الوالدين ، لأن الله تعالى هو الذي أخرج الإنسان من العدم إلى الوجود في الحقيقة ، والوالدان هما اللذان أخرجاه إلى عالم الوجود في عالم الأسباب الظاهرة ، فثبت أن حقهما أعظم من حق غيرهما فلهذا أوجب تقديمهما على غيرهما في رعاية الحقوق ، ثم ذكر تعالى بعد الوالدين الأقربين ، والسبب فيه أن الإنسان لا يمكنه أن يقوم بمصالح جميع الفقراء ، بل لا بد وأن يرجح البعض على البعض ، والترجيح لا بد له من مرجح ، والقرابة تصلح أن تكون سبباً للترجيح من وجوه أحدها : أن القرابة مظنة المخالطة ، والمخالطة سبب لاطلاع كل واحد منهم على حال الآخر ، فإذا كان أحدهما غنياً والآخر فقيراً كان اطلاع الفقير على الغني أتم ، واطلاع الغني على الفقير أتم ، وذلك من أقوى الحوامل على الإنفاق وثانيها : أنه لو لم يراع جانب الفقير ، احتاج الفقير للرجوع إلى غيره وذلك عار وسيئة في حقه فالأولى أن يتكفل بمصالحهم دفعاً للضرر عن النفس وثالثها : أن قريب الإنسان جار مجرى الجزء منه والإنفاق على النفس أولى من الإنفاق على الغير ، فلهذا السبب كان الإنفاق على القريب أولى من الإنفاق على البعيد ، ثم إن الله تعالى ذكر بعد الأقربين اليتامى ، وذلك لأنهم لصغرهم لا يقدرون على الاكتساب ولكونهم يتامى ليس لهم أحد يكتسب لهم ، فالطفل الذي مات أبوه قد عدم الكسب والكاسب.\r","part":5,"page":299},{"id":2038,"text":"وأشرب على الضياع ، ثم ذكر تعالى بعدهم المساكين وحاجة هؤلاء أقل من حاجة اليتامى لأن قدرتهم على التحصيل أكثر من قدرة اليتامى ثم ذكر تعالى بعدهم ابن السبيل فإنه بسبب انقطاعه عن بلده ، قد يقع في الاحتياج والفقر ، فهذا هو الترتيب الصحيح الذي رتبه الله تعالى في كيفية الإنفاق ، ثم لما فصل هذا التفصيل الحسن الكامل أردفه بعد ذلك بالإجمال فقال : {وَمَا تَفْعَلُواْ مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ الله بِهِ عَلِيمٌ} أي وكل ما فعلتموه من خير إما من هؤلاء المذكورين وإما مع غيرهم حسبة لله وطلباً لجزيل ثوابه وهرباً من أليم عقابه فإن الله به عليم ، والعليم مبالغة في كونه عالماً يعني لا يعزب عن علمه مثقال ذرة في الأرض ولا في السماء فيجازيكم أحسن الجزاء عليه كما قال : {لإنّى لاَ أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مّنْكُمْ مّن ذَكَرٍ أَوْ أنثى} {آل عمران : 195 ] وقال : {فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ} {الزلزلة : 7 ]. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 6 صـ 21}\rفائدة\rقال ابن عاشور :\rاللام في {للوالدين} للمِلْك ، بمعنى الاستحقاق أي فالحقيق به الوالدين أي إن تنفقوا فأنفقوا للوالدين أو أعطوا للوالدين ، وقد تقدم بيانهم في قوله تعالى :\r{ وآتى المال على حبه ذوي القربى} {البقرة : 177 ] الآية.\rوالآية دالة على الأمر بالإنفاق على هؤلاء والترغيب فيه ، وهي في النفقة التي ليست من حق المال أعني الزكاة ولا هي من حق الذات من حيث إنها ذات كالزوجة ، بل هذه النفقة التي هي من حق المسلمين بعضهم على بعض لكفاية الحاجة وللتوسعة وأولى المسلمين بأن يقوم بها أشدهم قرابة بالمعوزين منهم ، فمنها واجبة كنفقة الأبوين الفقيرين والأولاد الصغار الذين لا مال لهم إلى أن يقدروا على التكسب أو ينتقل حق الإنفاق إلى غير الأبوين ، وذلك كله بحسب عادة أمثالهم. أ هـ {التحرير والتنوير حـ 2 صـ 318}\rسؤال : ما المراد من الخير ؟","part":5,"page":300},{"id":2039,"text":"الجواب : المراد من الخير هو المال لقوله عز وجل : {وَإِنَّهُ لِحُبّ الخير لَشَدِيدٌ} {العاديات : 8 ] وقال : {إِن تَرَكَ خَيْرًا الوصية} {البقرة : 180 ] فالمعنى وما تفعلوا من إنفاق شيء من المال قل أو كثر ، وفيه قول آخر وهو أن يكون قوله : {وَمَا تَفْعَلُواْ مِنْ خَيْرٍ} يتناول هذا الإنفاق وسائر وجوه البر والطاعة ، وهذا أولى. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 6 صـ 21}\rفصل\rقال الفخر :\rقال بعضهم : هذه الآية منسوخة بآية المواريث ، وهذا ضعيف لأنه يحتمل حمل هذه الآية على وجوه لا يتطرق النسخ إليها\rأحدها : قال أبو مسلم الإنفاق على الوالدين واجب عند قصورهما عن الكسب والملك ، والمراد بالأقربين الولد وولد الولد وقد تلزم نفقتهم عند فقد الملك ، وإذا حملنا الآية على هذا الوجه فقول من قال أنها منسوخة بآية المواريث ، لا وجه له لأن هذه النفقة تلزم في حال الحياة والميراث يصل بعد الموت ، وأيضاً فما يصل بعد الموت لا يوصف بأنه نفقة\rوثانيها : أن يكون المراد من أحب التقرب إلى الله تعالى في باب النفقة فالأولى له أن ينفقه في هذه الجهات فيقدم الأولى فالأولى فيكون المراد به التطوع\rوثالثها : أن يكون المراد الوجوب فيما يتصل بالوالدين والأقربين من حيث الكفاية وفيما يتصل باليتامى والمساكين مما يكون زكاة\rورابعها : يحتمل أن يريد بالإنفاق على الوالدين والأقربين ما يكون بعثاً على صلة الرحم وفيما يصرفه لليتامى والمساكين ما يخلص للصدقة فظاهر الآية محتمل لكل هذه الوجوه من غير نسخ. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 6 صـ 21}\rفائدة\rقال القرطبى :","part":5,"page":301},{"id":2040,"text":"واجب على الرجل الغنيّ أن ينفق على أبويه المحتاجين ما يصلحهما في قدر حالهما من حاله ، من طعام وكُسوة وغير ذلك. قال مالك : ليس عليه أن يزوّج أباه ، وعليه أن ينفق على امرأة أبيه ؛ كانت أُمُّه أو أجنبية ، وإنما قال مالك : ليس عليه أن يزوّج أباه لأنه رآه يستغني عن التزويج غالباً ، ولو احتاج حاجة ماسة لوجب أن يزوّجه ، لولا ذلك لم يوجب عليه أن ينفق عليهما. فأما ما يتعلق بالعبادات من الأموال فليس عليه أن يعطيه ما يحج به أو يغزو ؛ وعليه أن يخرج عنه صدقة الفطر ؛ لأنها مستحقة بالنفقة والإسلام. أ هـ {تفسير القرطبى حـ 3 صـ 37}\rقوله تعالى : {وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ}\rقال البقاعى : \rولما خص من ذكر عمم وبشر بقوله : {وما تفعلوا من خير} أي مما يعد خيراً من عين أو معنى من هذا أو غيره مع هؤلاء أو غيرهم {فإن الله} المحيط علماً وقدرة بكل شيء. ولما كان على طريق الاستئناف في مقام الترغيب والترهيب لكونه وكل الأمر إلى المنفقين وكان سبحانه عظيم الرفق بهذه الأمة أكِد علمه بذلك فقدم بذلك فقدم الظرف إشارة إلى أن له غاية النظر إلى أعمالهم الحسنة فقال : {به عليم} أي بالغ العلم وهو أولى من جازى على الخير. وقال الحرالي : ختم بالعلم لأجل دخول الخلل على النيات في الإنفاق لأنه من أشد شيء تتباهى به النفس فيكاد لا يسلم لها منه إلا ما لا تعلمه شمالها التي هي التفاتها وتباهيها ويختص بيمينها التي هي صدقها وإخلاصها - انتهى. أ هـ {نظم الدرر حـ 1 صـ 400}\rوقال ابن عاشور : \rوقوله : {وما تفعلوا من خير فإن الله به عليم} تذييل والمقصود من قوله : {فإن الله به عليم} الكناية عن الجزاء عليه ، لأن العليم القدير إذا امتثل أحد لأمره لا يحول بينه وبين جزائه عليه حائل. وشمل عمومُ {وما تفعلوا من خير} الأفعالَ الواجبة والمتطوع بها فيعم النفقات وغيرها. أ هـ {التحرير والتنوير حـ 2 صـ 318}","part":5,"page":302},{"id":2041,"text":"وقال أبو حيان : \rوقرأ عليّ بن أبي طالب : وما يفعلوا ، بالياء ، فيكون ذلك من باب الالتفات ، أو من باب ما أضمر لدلالة المعنى عليه ، أي : وما يفعل الناس ، فيكون أعم من المخاطبين قبل ، إذ يشملهم وغيرهم ، وفي قوله : من خير ، في الإنفاق يدل على طيب المنفق ، وكونه حلالاً ، لأن الخبيث منهي عنه بقوله : {ولا تيمموا الخبيث منه تنفقون} وما ورد من أن الله طيب لا يقبل إلاَّ الطيب ، ولأن الحرام لا يقال فيه خير. وقوله : من خير في قوله : وما تفعلوا ، هو أعم : من ، خير ، المراد به المال ، لأنه ما يتعلق به هو الفعل ، والفعل أعم من الإنفاق ، فيدخل الإنفاق في الفعل ، فخير ، هنا هو الذي يقابل الشر ، والمعنى : وما تفعلوا من شيء من وجوه البر والطاعات وجعل بعضهم هنا : وما تفعلوا ، راجعاً إلى معنى الإنفاق ، أي : وما تفعلوا من إنفاق خير ، فيكون الأول بياناً للمصرف ، وهذا بيان للمجازاة ، والأوْلى العموم ، لأنه يشمل إنفاق المال وغيره ، ويترجح بحمل اللفظ على ظاهره من العموم.\rولما كان أولاً السؤال عن خاص ، أجيبوا بخاص ، ثم أتى بعد ذلك الخاص التعميم في أفعال الخير ، وذكر المجازاة على فعلها ، وفي قوله : {فإن الله به عليم} دلالة على المجازاة ، لأنه إذا كان عالماً به جازى عليه ، فهي جملة خبرية ، وتتضمن الوعد بالمجازاة. أ هـ {البحر المحيط حـ 2 صـ 151}","part":5,"page":303},{"id":2042,"text":"فائدة\rقال فى الميزان : \rقوله تعالى : {وما تفعلوا من خير فإن الله به عليم} ، في تبديل الإنفاق من فعل الخير ههنا كتبديل المال من الخير في أول الآية إيماء إلى أن الإنفاق وإن كان مندوبا إليه من قليل المال وكثيره ، غير أنه ينبغي أن يكون خيرا يتعلق به الرغبة وتقع عليه المحبة كما قال تعالى : \"لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون \"آل عمران - 92 ، وكما قال تعالى : \"يا أيها الذين آمنوا أنفقوا من طيبات ما كسبتم ومما أخرجنا لكم من الأرض ولا تيمموا الخبيث منه تنفقون ولستم بآخذيه إلا أن تغمضوا فيه \"البقرة - 267.\rوإيماء إلى أن الإنفاق ينبغى أن لا يكون على نحو الشر كالإنفاق بالمن والأذى كما قال تعالى : \"ثم لا يتبعون ما أنفقوا منا ولا أذى \"البقرة - 262 ، وقوله تعالى : \"ويسئلونك ماذا ينفقون قل العفو \"البقرة - 219. أ هـ {الميزان حـ 2 صـ 165}\rمن فوائد ابن عرفة فى الآية\rقوله تعالى : {يَسْئَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ...}.\rالسؤال ( يتعدى ) للمحسوسات بنفسه ، ويكون معموله مفردا مثل : سألته طهورا ، أي طلبت منه الماء ، وللمُعاين كذلك ، ويكون جملة مثل : سألته ماء هو الطهور.\rالزمخشري : سألوا عن تعيين المنفق فأجيبوا بتعيين المصرف لاّنه يستلزم المنفق.","part":5,"page":304},{"id":2043,"text":"قال ابن عرفة : جعل السؤال ( هنا ) عن حال الشيء ويظهر لي وجه آخر وهو أن السؤال بماذا عن حقيقة الشيء وهي قسمان : عقلية وشرعية.\rفالعقلية لا يختلف جوابها بوجه ولا يمكن فيه التحريف ، وأما الشرعية فهي أمور جعلية يصح تحريف الشّارع لها عن شيء آخر ، فالمراد : يسألونك عن حقيقة الشيء المنفق المحصل للثواب في الدار الآخرة ما هو ؟ فأجيبوا بأنه الشيء المنفق على الوالدين والأقربين واليتامى والمساكين وابن السبيل وفعل الخير بالإطلاق.\rقوله تعالى : {قُلْ مَآ أَنفَقْتُمْ مِّنْ خَيْرٍ فَلِلْوَالِدَيْنِ والأقربين واليتامى والمساكين وابن السبيل...}.\r( مَا ) إما شرطية أو موصولة.\rقال ابن عرفة : الظاهر أنها شرطية ، لأن فعل الشرط مستقبل ولو كانت موصولة لما حسن ترتيب الجواب عليها ، لأنهم لم يكن إنفاقهم الماضي قاصرا على الوالدين والأقربين ومن بعدهم ، بل عاما فيهم وفي غيرهم ، فإنَّما أمروا بذلك في المستقبل.\rقيل لابن عرفة : قد قال ابن مالك : إنّ الفعل بعد الموصول يحتمل الحال والاستقبال.\rقوله تعالى : {وَمَا تَفْعَلُواْ مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ الله بِهِ عَلِيمٌ}.\rعلله بالعلم والمراد لازمه وهو حصول الثواب الجليل عليه.\rفإن قلت : الآية تدل على أن الأب مساوٍ للأم في البر لتسويتهما في النفقة عليهما ؟ \rقلنا : الآية إنّما تضمنت مطلق الإنفاق عليهما من غير تعرض لما بينهما من التفاوت ، بدليل تضمنهما أيضا النفقة على الأقربين بالإطلاق ، مع أنّهم متفاوتون لأن القرابة مقولة بالتشكيك ، فالنفقة على أقرب الأقربين تكون أكثر ( من النفقة ) على من هو أبعد منه. وابن السبيل هو المسافر إذا قدم على بلد هو فيها فقير ويكون في بلده غنيا ، فإن كان فقيرا في بلده فهو مسكين. أ هـ {تفسير ابن عرفة صـ 275}\rقوله تعالى : {كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ (216)}\rمناسبة الآية لما قبلها","part":5,"page":305},{"id":2045,"text":"قال البقاعى : \rولما أخبروا بما سألوا عنه من إحدى الخصلتين المضمنتين لآية الزلزال كان ذلك موضع السؤال عن الأخرى فأجيبوا على طريق الاستئناف بقوله : {كتب}. وقال الحرالي : لما التف حكم الحج بالحرب تداخلت آيات اشتراكهما وكما تقدم تأسيس فرض الحج في آية {فمن فرض فيهن الحج} {البقرة : 197 ] انتظم به كتب القتال ، والفرض من الشيء ما ينزل بمنزلة الجزء منه ، والكتب ما خُرز بالشيء فصار كالوصلة فيه ، كما جعل الصوم لأن في الصوم جهاد النفس كما أن في القتال جهاد العدو ، فجرى ما شأنه المدافعة بمعنى الكتب وما شأنه العمل والإقبال بمعنى الفرض ، وهما معنيان مقصودان في الكتاب والسنة تحق العناية بتفهمهما لينزل كل من القلب في محله ويختص النية في كل واحد على وجهه وقد كان من أول منزلة آي القتال {أذن للذين يقاتلون} {الحج : 39 ] فكان الأول إذناً لمن شأنه المدافعة عن الدين بداعية من نفسه من نحو ما كانت الصلاة قبل الفرض واقعة من الأولين بداعية من حبهم لربهم ورغبتهم إليه في الخلوة به والأنس بمناجاته فالذين كانت صلاتهم حباً كان الخطاب لهم بالقتال إذناً لتلفتهم إليه في بذل أنفسهم لله الذين كان ذلك حباً لهم يطلبون الوفاء به حباً للقاء ربهم بالموت كما أحبوا لقاء ربهم بالصلاة \"حين عقلوا \"وأيقنوا أنه لا راحة لمؤمن إلا في لقاء ربه ، فكان من عملهم لقاء ربهم بالصلاة في السلم ، وطلب لقائه بالشهادة \"في الحرب \" ، فلما اتسع أمر الدين ودخلت الأعراب والأتباع الذين لا يحملهم صدق المحبة للقاء الله على البدار للجهاد نزل كتبه كما نزل فرض الصلاة استدراكاً فقال : {كتب عليكم القتال} أي أيتها الأمة! وكان في المعنى راجعاً لهذا الصنف الذين يسألون عن النفقة ، وبمعنى ذلك انتظمت الآية بما قبلها فكأنهم يتبلدون في الإنفاق تبلداً إسرائيلياً ويتقاعدون عن الجهاد تقاعد أهل التيه منهم الذين قالوا : {اذهب أنت وربك فقاتلا} {المائدة : 24 ]","part":5,"page":306},{"id":2046,"text":"انتهى. {وهو كره} وهو ما يخالف غرض النفس وهواها ، ولعله لكونه لما كان خيراً عبر باللام في {لكم} وهذا باعتبار الأغلب وهو كما قال الحرالي عند المحبين للقاء الله من أحلى ما تناله أنفسهم حتى كان ينازع الرجل منهم في أن يقف فيقسم على الذي يمسكه أن يدعه والشهادة ، قال بعض التابعين : لقد أدركنا قوماً كان الموت لهم أشهى من الحياة عندكم اليوم وإنما كان ذلك لما خربوه من دنياهم وعمروه من أخراهم فكانوا يحبون النقلة من الخراب إلى العمارة - انتهى. أ هـ {نظم الدرر حـ 1 صـ 400 ـ 401}\rوقال ابن عاشور : \rالمناسبة أن القتال من البأساء التي في قوله : {ولما يأتكم مثل الذين خلوا من قبلكم مستهم البأساء والضراء} {البقرة : 214 ] فقد كلفت به الأمم قبلنا ، فقد كلفت بنو إسرائيل بقتال الكنعانيين مع موسى عليه السلام ، وكلفوا بالقتال مع طالوت وهو شاول مع داود ، وكلف ذو القرنين بتعذيب الظالمين من القوم الذين كانوا في جهة المغرب من الأرض.\rولفظ {كتب عليكم} من صيغ الوجوب وقد تقدم في آية الوصية. وآل في ( القتال ) للجنس ، ولا يكون القتال إلا للأعداء فهو عام عموماً عرفياً أي كتب عليكم قتال عدو الدين.\rوالخطاب للمسلمين ، وأعداؤهم يومئذ المشركون ، لأنهم خالفوهم في الدين وآذوا الرسول والمؤمنين ، فالقتال المأمور به هو الجهاد لإعلاء كلمة الله. أ هـ {التحرير والتنوير حـ 2 صـ 319}\rلطيفة\rولم يظهر فاعل كتب لكون الجملة مذيلة بقوله : \"وهو كره لكم \"وهو لا يناسب إظهار الفاعل صونا لمقامه عن الهتك ، وحفظا لاسمه عن الاستخفاف أن يقع الكتابة المنسوبة إليه صريحا موردا لكراهة المؤمنين. أ هـ {الميزان حـ 2 صـ 165}","part":5,"page":307},{"id":2047,"text":"قال ابن كثير : \rقوله تعالى {كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ}\rهذا إيجاب من الله تعالى للجهاد على المسلمين : أن يكُفُّوا شرّ الأعداء عن حَوْزة الإسلام.\rوقال الزهري : الجهادُ واجب على كلّ أحد ، غزا أو قعد ؛ فالقاعد عليه إذَا استعين أن يَعينَ ، وإذا استُغيثَ أن يُغيثَ ، وإذا استُنْفرَ أن ينفر ، وإن لم يُحتَجْ إليه قعد.\rقلت : ولهذا ثَبَت في الصحيح \"من مات ولم يغز ، ولم يحدث نفسه بغزو مات ميتة جاهلية\" {صحيح مسلم برقم (1910) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه}.\rوقال عليه السلام يوم الفتح : \"لا هجرة ، ولكن جهاد ونيَّة ، إذا استنفرتم فانفروا\" {رواه البخاري في صحيحه برقم (1834 ، 2783 ، 2825) ومسلم في صحيحه برقم (1353) من حديث ابن عباس رضي الله عنهما}. أ هـ {تفسير ابن كثير حـ 1 صـ 573}","part":5,"page":308},{"id":2048,"text":"فصل\rقال الفخر : \rاعلم أنه عليه الصلاة والسلام كان غير مأذون في القتال مدة إقامته بمكة فلما هاجر أذن له في قتال من يقاتله من المشركين ، ثم أذن له في قتال المشركين عامة ، ثم فرض الله الجهاد واختلف العلماء في هذه الآية فقال قوم : إنها تقتضي وجوب القتال على الكل وعن مكحول أنه كان يحلف عند البيت بالله أن الغزو واجب ونقل عن ابن عمر وعطاء : أن هذه الآية تقتضي وجوب القتال على أصحاب الرسول عليه الصلاة والسلام في ذلك الوقت فقط حجة الأولين أن قوله : {كُتِبَ} يقتضي الوجوب وقوله : {عَلَيْكُمْ} يقتضيه أيضاً ، والخطاب بالكاف في قوله : {عَلَيْكُمْ} لا يمنع من الوجوب على الموجودين وعلى من سيوجد بعد ذلك كما في قوله : {كُتِبَ عَلَيْكُمُ القصاص} {البقرة : 178 ] ، {كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصيام} {البقرة : 183 ].\rفإن قيل : ظاهر الآية هل يقتضي أن يكون واجباً على الأعيان أو على الكفاية.","part":5,"page":309},{"id":2049,"text":"قلنا : بل يقتضي أن يكون واجباً على الأعيان لأن قوله : {عَلَيْكُمْ} أي على كل واحد من آحادكم كما في قوله : {كُتِبَ عَلَيْكُمُ القصاص ، كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصيام} حجة عطاء أن قوله : {كُتِبَ} يقتضي الإيجاب ، ويكفي في العمل به مرة واحدة وقوله : {عَلَيْكُمْ} يقتضي تخصيص هذا الخطاب بالموجودين في ذلك الوقت إلا أنا قلنا : إن قوله : {كُتِبَ عَلَيْكُمُ القصاص ، كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصيام} حال الموجودين فيه كحال من سيوجد بعد ذلك ، بدلالة منفصلة وهي الإجماع ، وتلك الدلالة مفقودة ههنا فوجب أن يبقى على الوضع الأصلي ، قالوا : ومما يدل على صحة هذا القول قوله تعالى : {وَكُلاًّ وَعَدَ الله الحسنى} {النساء : 95 ] ولو كان القاعد مضيعاً فرضاً لما كان موعوداً بالحسنى ، اللهم إلا أن يقال : الفرض كان ثابتاً ثم نسخ ، إلا أن التزام القوم بالنسخ من غير أن يدل عليه دليل غير جائز ، ويدل عليه أيضاً قوله تعالى : {وَمَا كَانَ المؤمنون لِيَنفِرُواْ كَافَّةً} {التوبة : 122 ] والقول بالنسخ غير جائز على ما بيناه ، والإجماع اليوم منعقد على أنه من فروض الكفايات ، إلا أن يدخل المشركون ديار المسلمين فإنه يتعين الجهاد حينئذ على الكل والله أعلم. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 6 صـ 22 ـ 23}\rقال الخازن : \rاختلف علماء الناسخ والمنسوخ في هذه الآية على ثلاثة أقوال : أحدها أنها محكمة ناسخة للعفو عن المشركين. القول الثاني : إنها منسوخة لأن فيها وجوب الجهاد على الكافة ثم نسخ بقوله تعالى : {وما كان المؤمنون لينفروا كافة} القول الثالث : إنها ناسخة من وجه ومنسوخة من وجه فالناسخ منها إيجاب الجهاد مع المشركين بعد المنع منه ، والمنسوخ إيجاب الجهاد على الكافة. أ هـ {تفسير الخازن حـ 1 صـ 140}\rقال ابن عاشور : ","part":5,"page":310},{"id":2050,"text":"هذه الآية نزلت في واقعة سرية عبد الله بن جَحش كما يأتي ، وذلك في الشهر السابع عشر من الهجرة ، فالآية وردت في هذه السورة مع جملة التشريعات والنظم التي حوتها كقوله : {كتب عليكم الصيام} {البقرة : 183 ] ، {كتب عليكم القصاص} {البقرة : 178 ] ، {كتب عليكم إذا حضر أحدكم الموت} {البقرة : 180 ]. فعلى المختار يكونُ قوله : {كتب عليكم القتال} خبراً عن حكم سبق لزيادة تقريره ولينتقل منه إلى قوله {وهو كره لكم} الآية ، أو إعادة لإنشاء وجوب القتال زيادة في تأكيده ، أو إنشاءً أُنُفاً لوجوب القتال إن كانت هذه أول آية نزلت في هذا المعنى بناء على أن قوله تعالى : {أذن للذين يقاتلون بأنهم ظلموا} إذْن في القتال وإعداد له وليست بموجبة له. أ هـ {التحرير والتنوير حـ 2 صـ 319}\rإشكال وجوابه\rقال الفخر :\rقوله : {وَهُوَ كُرْهٌ لَّكُمْ} فيه إشكال وهو أن الظاهر من قوله : {كُتِبَ عَلَيْكُمْ} أن هذا الخطاب مع المؤمنين ، والعقل يدل عليه أيضاً لأن الكافر لا يؤمر بقتال الكافر ، وإذا كان كذلك فكيف قال : {وَهُوَ كُرْهٌ لَّكُمْ} فإن هذا يشعر بكون المؤمن كارهاً لحكم الله وتكليفه وذلك غير جائز ، لأن المؤمن لا يكون ساخطاً لأوامر الله تعالى وتكاليفه ، بل يرضى بذلك ويحبه ويتمسك به ويعلم أنه صلاحه وفي تركه فساده.\rوالجواب من وجهين :\rالأول : أن المراد من الكره ، كونه شاقاً على النفس ، والمكلف وإن علم أن ما أمره الله به فهو صلاحه ، لكن لا يخرج بذلك عن كونه ثقيلاً شاقاً على النفس ، لأن التكليف عبارة عن إلزام ما في فعله كلفة ومشقة ، ومن المعلوم أن أعظم ما يميل إليه الطبع الحياة ، فلذلك أشق الأشياء على النفس القتال.","part":5,"page":311},{"id":2051,"text":"الثاني : أن يكون المراد كراهتهم للقتال قبل أن يفرض لما فيه من الخوف ، ولكثرة الأعداء فبين الله تعالى أن الذي تكرهونه من القتال خير لكم من تركه لئلا تكرهونه بعد أن فرض عليكم. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 6 صـ 24}\rوقال عِكرمة في هذه الآية : إنهم كَرِهوه ثم أحبّوه وقالوا : سمعنا وأطعنا ؛ وهذا لأن امتثال الأمر يتضمن مشقة ، لكن إذا عُرف الثواب هان في جنبه مُقاساة المشقات. أ هـ {تفسير القرطبى حـ 3 صـ 38 ـ 39}\rقال القرطبى : \rومثاله في الدنيا إزالة ما يؤلم الإنسان ويخاف منه كقطع عضو وقلع ضرس وفصدٍ وحِجامةٍ ابتغاء العافية ودوام الصحة ، ولا نعيم أفضل من الحياة الدائمة في دار الخلد والكرامة في مقعد صدقٍ. أ هـ {تفسير القرطبى حـ 3 صـ 38}\rفصل فى معنى الكره\rقال ابن عاشور : \rوالكره بضم الكاف : الكراهية ونفرة الطبع من الشيء ومثله الكَره بالفتح على الأصح ، وقيل : الكُره بالضم المشقة ونفرة الطبع ، وبالفتح هو الإكراه وما يأتي على الإنسان من جهة غيره من الجبر على فعل مَّا بأذى أو مشقة ، وحيث قُرىء بالوجهين هنا وفي قوله تعالى : {حملته أمه كرها ووضعته كرها} {الأحقاف : 15 ] ولم يكن هنا ولا هنا لك معنى للإكراه تعين أن يكون بمعنى الكراهية وإباية الطبع كما قال الحماسي العُقَيلي\r : ... بكُره سراتنا يا آل عمرو\rنُغاديكم بمُرْهَفَة النِّصَال...\rرووه بضم الكاف وبفتحها.\rعلى أن قوله تعالى بعد ذلك {وعسى أن تكرهوا شيئاً وهو خير لكم} الوارد مورد التذييل : دليل على أن ما قبله مصدر بمعنى الكراهية ليكون جزئياً من جزئيات أن تكرهوا شيئاً.\rوقد تحمل صاحب \"الكشاف\" لحمل المفتوح في هذه الآية والآية الأخرى على المجاز ، وقرره الطيبي والتفتازاني بما فيه تكلف ، وإذ هو مصدر فالإخبار به مبالغة في تمكن الوصف من المخبر عنه كقول الخنساء\r : ... فإنما هي إقْبَالٌ وإدْبَار\rأي تُقبل وتُدبر.","part":5,"page":312},{"id":2052,"text":"وقيل : الكُره اسم للشيء المكروه كالخبز. فالقتال كريه للنفوس ، لأنه يحول بين المقاتل وبين طمأنينته ولذَّاته ونومه وطعامه وأهله وبيته ، ويلجىءُ الإنسان إلى عداوة من كان صاحبه ويعرضه لخطر الهلاك أو ألم الجراح ، ولكن فيه دفع المذلَّة الحاصلة من غلبة الرجال واستضعافهم ، وفي الحديث \"لا تَمَنَّوْا لِقَاء العدوّ فإذا لقيتم فاصبروا \"وهو إشارة إلى أن القتال من الضرورات التي لا يحبها الناس إلا إذا كان تركها يفضي إلى ضر عظيم قال العُقَيلي\r : ... ونَبِكي حينَ نَقتُلكم عليكم\rونَقتلكم كأنَّا لا نُبالي... ومعلوم أن كراهية الطبع الفعلَ لا تنافي تلقي التكليف به برضا لأن أكثر التكليف لا يخلو عن مشقة.\r","part":5,"page":313},{"id":2053,"text":"ثم إن كانت الآية خبراً عن تشريع مضى ، يحتمل أن تكون جملة {وهو كره} حكاية لحالة مضت وتلك في أيام قلة المسلمين فكان إيجاب القتال ثقيلاً عليهم ، وقد كان من أحكامه أن يثبت الواحد منهم لعشرة من المشركين أعدائهم ، وذلك من موجبات كراهيتهم القتال ، وعليه فليس يلزم أن تكون تلك الكراهية باقية إلى وقت نزول هذه الآية ، فيحتمل أن يكون نزلت في شأن صلح الحديبية وقد كانوا كَرِهوا الصلح واستحبوا القتال ، لأنهم يومئذ جيش كثير فيكون تذكيراً لهم بأن الله أعلم بمصالحهم ، فقد أوجب عليهم القتال حين كانوا يكرهونه وأوجب عليهم الصلح في وقت أحبوا فيه القتال ، فحذف ذلك لقرينة المقام ، والمقصود الإفضاء إلى قوله : {وعسى أن تكرهوا شيئاً وهو خير لكم} لتطمئن أنفسهم بأن الصلح الذي كرهوه هو خير لهم ، كما تقدم في حوار عمر مع رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ ومع أبي بكر ، ويكون في الآية احتباك ، إذ الكلام على القتال ، فتقدير السياق كتب عليكم القتال وهو كره لكم ومنعتم منه وهو حِبٌّ لكم ، وعسى أن تكرهوا القتال وهو خير لكم وعسى أن تحبوه وهو شر لكم ، وإن كانت الآية إنشاء تشريع فالكراهية موجودة حين نزول الآية فلا تكون واردة في شأن صلح الحديبية ، وأول الوجهين أظهرهما عندي ليناسب قوله عقبه : {يسألونك عن الشهر الحرام قتال فيه} {البقرة : 217 ]. أ هـ {التحرير والتنوير حـ 2 صـ 320 ـ 321}\rقوله تعالى : {وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ}\rقال البقاعى : ","part":5,"page":314},{"id":2054,"text":"ولما كان هذا مكروهاً لما فيه على المال من المؤونة وعلى النفس من المشقة وعلى الروح من الخطر من حيث الطبع شهياً لما فيه من الوعد بإحدى الحسنيين من حيث الشرع أشار إلى ذلك بجملة حالية فقال : {وعسى أن} وسيأتي إن شاء الله تعالى في سورة براءة من شرح معاني {عسى} ما يوضح أن المعنى : وحالكم جدير وخليق لتغطية علم العواقب عنكم بأن {تكرهوا شيئاً} أي كالغزو فتعرضوا عنه لظنكم أنه شر لكم {وهو} أي والحال أنه {خير لكم} لما فيه من الظفر والغنيمة أو الشهادة والجنة فإنكم لا تعلمون والذي كلفكم ذلك عالم بكل شيء غير محتاج إلى شيء وما كلفكم ذلك إلا لنفعكم. قال الحرالي : فشهد - لهم لما لم يشهدوا مشهد الموقنين الذين يشاهدون غيب الإيمان كما يشهدون عن الحس ، كما قال ثعلبة : \"كأني أنظر إلى أهل الجنة في الجنة ينعمون وأنظر إلى أهل النار في النار يعذبون \"ولم يبرم لهم الشهادة ولكن ناطها بكلمة {عسى} لما علمه من ضعف قبول من خاطبه بذلك ، وفي إعلامه إلزام بتنزل العلي الأدنى رتبة لما أظهر هذا الخطاب من تنزل الحق في مخاطبة الخلق إلى حد مجاوزة المترفق في الخطاب - انتهى. أ هـ {نظم الدرر حـ 1 صـ 401 ـ 402}\rقال ابن عاشور : \rوقوله : {وعسى أن تكرهوا شيئاً وهو خير لكم} تذييل احتيج إليه لدفع الاستغراب الناشيء عن قوله : {كتب عليكم القتال وهو كُره لكم} ، لأنه إذا كان مكروهاً فكان شأن رحمة الله بخلقه ألا يكتبه عليهم فذيل بهذا لدفع ذلك.","part":5,"page":315},{"id":2055,"text":"وجملة {وعسى} معطوفة على جملة {كتب عليكم القتال} ، وجملة {وهو خير لكم} : حالية من {شيئاً} على الصحيح من مجيء الحال من النكرة ، وهذا الكلام تلطف من الله تعالى لرسوله والمؤمنين ، وإن كان سبحانه غنياً عن البيان والتعليل ، لأنه يأمر فيُطاع ، ولكن في بيان الحكمة تخفيفاً من مشقة التكليف ، وفيه تعويد المسلمين بتلقي الشريعة معللة مذللة فأشار إلى أن حكمة التكليف تعتمد المصالح ودرء المفاسد ، ولا تعتمد ملاءمة الطبع ومنافرته ، إذ يكره الطبع شيئاً وفيه نفعه وقد يحب شيئاً وفيه هلاكه ، وذلك باعتبار العواقب والغايات ، فإن الشيء قد يكون لذيذاً ملائماً ولكن ارتكابه يفضي إلى الهلاك ، وقد يكون كريهاً منافراً وفي ارتكابه صلاح. وشأن جمهور الناس الغفلة عن العاقبة والغاية أو جهلهما ، فكانت الشرائع وحملتها من العلماء والحكماء تحرض الناس على الأفعال والتروك باعتبار العواقب والغايات. أ هـ {التحرير والتنوير حـ 2 صـ 321}","part":5,"page":316},{"id":2056,"text":"فصل فى معنى الآية\rقال الفخر : \rمعنى الآية أنه ربما كان الشيء شاقاً عليكم في الحال ، وهو سبب للمنافع الجليلة في المستقبل وبالضد ، ولأجله حسن شرب الدوا المرء في الحال لتوقع حصول الصحة في المستقبل ، وحسن تحمل الأخطار في الأسفار لتوقع حصول الربح في المستقبل ، وحسن تحمل المشاق في طلب العلم للفوز بالسعادة العظيمة في الدنيا وفي العقبى ، وههنا كذلك وذلك لأن ترك الجهاد وإن كان يفيد في الحال صون النفس عن خطر القتل ، وصون المال عن الإنفاق ، ولكن فيه أنواع من المضار منها : أن العدو إذا علم ميلكم إلى الدعة والسكون قصة بلادكم وحاول قتلكم فأما أن يأخذكم ويستبيح دماءكم وأموالكم ، وإما أن تحتاجوا إلى قتالهم من غير إعداد آلة وسلاح ، وهذا يكون كترك مداواة المرض في أول ظهوره بسبب نفرة النفس عن تحمل مرارة الدواء ، ثم في آخر الأمر يصير المرء مضطراً إلى تحمل أضعاف تلك النفرة والمشقة ، والحاصل أن القتال سبب لحصول الأمن ، وذلك خير من الانتفاع بسلامة الوقت ، ومنها وجدان الغنيمة ، ومنها السرور العظيم بالاستيلاء على الأعداء.\rأما ما يتعلق بالدين فكثيرة ، منها ما يحصل للمجاهد من الثواب العظيم إذا فعل الجهاد تقرباً وعبادة وسلك طريقة الاستقامة فلم يفسد ما فعله ، ومنها أنه يخشى عدوكم أن يستغنمكم فلا تصبرون على المحنة فترتدون عن الدين ، ومنها أن عدوكم إذا رأى جدكم في دينكم وبذلكم أنفسكم وأموالكم في طلبه مال بسبب ذلك إلى دينكم فإذا أسلم على يدكم صرتم بسبب ذلك مستحقين للأجر العظيم عند الله ، ومنها أن من أقدم على القتال طلباً لمرضاة الله تعالى كان قد تحمل ألم القتل بسبب طلب رضوان الله ، وما لم يصر الرجل متيقناً بفضل الله وبرحمته وأنه لا يضيع أجر المحسنين ، وبأن لذات الدنيا أمور باطلة لا يرضى بالقتل ومتى كان كذلك فارق الإنسان الدنيا على حب الله وبغض الدنيا ، وذلك من أعظم سعادات الإنسان.","part":5,"page":317},{"id":2057,"text":"فثبت بما ذكرنا أن الطبع ولو كان يكره القتال من أعداء الله فهو خير كثير وبالضد ، ومعلوم أن الأمرين متى تعارضا فالأكثر منفعة هو الراجح وهذا هو المراد من قوله : {وَعَسَى أَن تَكْرَهُواْ شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ وَعَسَى أَن تُحِبُّواْ شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَّكُمْ }. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 6 صـ 24 ـ 25}\rقوله تعالى : {وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ}\rقال البقاعى : \rولما رغبهم سبحانه وتعالى في الجهاد بما رجالهم فيه من الخير رهبهم من القعود عنه بما يخشى فيه من الشر. قال الحرالي : فأشعر أن المتقاعد له في تقاعده آفات وشر في الدنيا والآخرة ليس أن لا ينال خير الجهاد فقط بل وينال شر التقاعد والتخلف - انتهى. فقال تعالى : {وعسى أن تحبوا شيئاً} أي كالقعود فتقبلوا عليه لظنكم أنه خير لكم {وهو} أي والحال أنه {شر لكم} لما فيه من الذل والفقر وحرمان الغنيمة والأجر وليس أحد منكم إلا قد جرب مثل ذلك مراراً في أمور دنياه ، فإذا صح ذلك في فرد صار كل شيء كذلك في إمكان خيريته وشريته فوجب ترك الهوى والرجوع إلى العالم المنزه عن الغرض ولذلك قال عاطفاً على ما تقديره : فالله قد حجب عنكم سر التقدير {والله} أي الذي له الإحاطة الكاملة {يعلم} أي له علم كل شيء وقد أخبركم في صدر هذا الأمر أنه رؤوف بالعباد فهو لا يأمركم إلا بخير.\rوقال الحرالي : شهادة بحق العلم يرجع إليها عند الأغبياء في تنزل الخطاب - انتهى.\rوالآية من الاحتباك ذكر الخير أولاً دال على حذفه ثانياً وذكر الشر ثانياً دال على حذفه مثله أولاً.","part":5,"page":318},{"id":2058,"text":"ولما أثبت سبحانه وتعالى شأنه العلم لنفسه نفاه عنهم فقال : {وأنتم لا تعلمون ] أي ليس لكم من أنفسكم علم وإنما عرض لكم ذلك من قبل ما علمكم فثقوا به وبادروا إلى كل ما يأمركم به وإن شق. وقال الحرالي : فنفى العلم عنهم لكلمة \"لا \"أي التي هي للاستقبال حتى تفيد دوام الاستصحاب {وما أوتيتم من العلم إلا قليلاً} {الإسراء : 85 ] قال من حيث رتبة هذا الصنف من الناس من الأعراب وغيرهم ، وأما المؤمنون أي الراسخون فقد علمهم الله من علمه ما علموا أن القتال خير لهم وأن التخلف شر لهم - انتهى. حتى أن علمهم ذلك أفاض على ألسنتهم ما يفيض الدموع وينير القلوب ، \"حتى شاورهم النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ في التوجه إلى غزوة بدر \"فقام أبو بكر رضي الله تعالى عنه فقال وأحسن ، ثم قام عمر رضي الله تعالى عنه فقال وأحسن ، ثم قام المقداد رضي الله تعالى عنه فقال : يا رسول الله! امض لما أراك الله فنحن معك ، والله لا نقول لك كما قالت بنو إسرائيل لموسى : {فاذهب أنت وربك فقاتلا إنا هاهنا قاعدون} {المائدة : 24 ] ولكن اذهب أنت وربك فقاتلا إنا معكما مقاتلون ، فوالذي بعثك بالحق! لو سرت إلى برك الغماد لجالدنا معك من دونه حتى تبلغه ؛ فقال له رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ خيراً ودعا له ، ثم قال رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ : \"أشيروا عليّ أيها الناس! فقال سعد بن معاذ الأنصاري رضي الله تعالى عنه : والله لكأنك تريدنا يا رسول الله ؟ قال : أجل ، قال : فقد آمنا بك وصدقناك وشهدنا أن ما جئت به هو الحق وأعطيناك على ذلك عهودنا ومواثيقنا على السمع والطاعة ، فامض يا رسول الله لما أردت فنحن معك. فوالذي بعثك بالحق! لو استعرضت بنا هذا البحر فخضته لخضناه معك! ما تخلف منا رجل واحد ، وما نكره أن تلقى بنا عدونا غداً! إنا لصبر في الحرب صدق في اللقاء ، لعل الله يريك منا ما تقرّ به عينك ، فسر بنا على بركة الله تعالى \". أ هـ {نظم الدرر حـ 1 صـ 402 ـ 403}","part":5,"page":319},{"id":2059,"text":"فصل\r{ عَسَى} توهم الشك مثل {لَعَلَّ} وهي من الله تعالى يقين ، ومنهم من قال إنها كلمة مطمعة ، فهي لا تدل على حصول الشك للقائل إلا أنها تدل على حصول الشك للمستمع وعلى هذا التقدير لا يحتاج إلى التأويل ، أما إن قلنا بأنها بمعنى {لَعَلَّ} فالتأويل فيه هو الوجوه المذكورة في قوله تعالى : {لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} {البقرة : 183 ] قال الخليل : {عَسَى} من الله واجب في القرآن قال : {فَعَسَى الله أَن يَأْتِىَ بالفتح} {المائدة : 52 ] وقد وجد {وَعَسَى الله أَن يَأْتِيَنِى بِهِمْ جَمِيعًا} {يوسف : 83 ] وقد حصل والله أعلم. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 6 صـ 25}\rوقال القرطبى : \rقوله تعالى : {وعسى أَن تَكْرَهُواْ شَيْئاً} قيل : \"عسى\" بمعنى قد ، قاله الأصم. وقيل : هي واجبة. و\"عسى\" من الله واجبة في جميع القرآن إلا قوله تعالى : {عسى رَبُّهُ إِن طَلَّقَكُنَّ أَن يُبْدِلَهُ} {التحريم : 5 ]. وقال أبو عبيدة : \"عسى\" من الله إيجاب ، والمعنى عسى أن تكرهوا ما في الجهاد من المشقَّة وهو خير لكم في أنكم تَغلبون وتَظفرون وتَغنَمون وتُؤجَرون ، ومن مات مات شهيداً ، وعسى أن تحبّوا الدّعة وترك القتال وهو شرٌّ لكم في أنكم تُغلبون وتُذلُّون ويذهب أمركم.\rقلت : وهذا صحيح لا غبار عليه ؛ كما اتفق في بلاد الأندلس ، تركوا الجهاد وجبنوا عن القتال وأكثروا من الفرار ؛ فاستولى العدوّ على البلاد ، وأيّ بلاد ؟! وأَسَر وقتَل وسبَى واسترق ، فإنا لله وإنا إليه راجعون! ذلك بما قدّمت أيدينا وكسبته! وقال الحسن في معنى الآية : لا تكرهوا المَلَمَّات الواقعة ؛ فَلرُبّ أمرٍ تكرهه فيه نجاتك ، ولَرُبّ أمر تحبّه فيه عَطَبك ، وأنشد أبو سعيد الضَّرير : \rرُبَّ أمرٍ تتّقِيهِ... جرّ أمراً تَرتَضِيهِ\rخَفِيَ المحبوبُ منه... وبَدَا المكروهُ فيهِ.\rأ هـ {تفسير القرطبى حـ 3 صـ 39}\rوقال الآلوسى : \r( وعسى ) الأولى : للإشفاق والثانية : للترجي على ما ذهب إليه البعض ، وإنما ذكر عسى الدالة على عدم القطع لأن النفس إذا ارتاضت وصفت انعكس عليها الأمر الحاصل لها قبل ذلك فيكون محبوبها مكروهاً ومكروهها محبوبهاً فلما كانت قابلة بالارتياض لمثل هذا الانعكاس لم يقطع بأنها تكره ما هو خير لها وتحب ما هو شر لها فلا حاجة إلى أن يقال إنها هنا مستعملة في التحقيق كما في سائر القرآن ما عدا قوله تعالى : {عسى رَبُّهُ إِن طَلَّقَكُنَّ} {التحريم : 5 ]. أ هـ {روح المعانى حـ 2 صـ 107}","part":5,"page":320},{"id":2060,"text":"سؤال : لم تكررت {عسى} في الآية ؟ \rالجواب : وتكرار عسى في الآية لكون المؤمنين كارهين للحرب ، محبين للسلم ، فأرشدهم الله سبحانه على خطأهم في الأمرين جميعا ، بيان ذلك : أنه لو قيل : عسى أن تكرهوا شيئا وهو خير لكم أو تحبوا شيئا وهو شر لكم ، كان معناه أنه لا عبرة بكرهكم وحبكم فإنهما ربما يخطئان الواقع ، ومثل هذا الكلام إنما يلقى إلى من أخطأ خطأ واحدا كمن يكره لقاء زيد فقط ، وأما من أخطأ خطائين كان يكره المعاشرة والمخالطة ويحب الاعتزال ، فالذي تقتضيه البلاغة أن يشار إلى خطأه في الأمرين جميعا ، فيقال له : لا في كرهك أصبت ، ولا في حبك اهتديت ، عسى أن تكره شيئا وهو خير لك وعسى أن تحب شيئا وهو شر لك لأنك جاهل لا تقدر أن تهتدي بنفسك إلى حقيقة الأمر ، ولما كان المؤمنون مع كرههم للقتال محبين للسلم كما يشعر به أيضا قوله تعالى سابقا : أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يأتكم مثل الذين خلوا من قبلكم ، نبههم الله بالخطأين بالجملتين المستقلتين وهما : عسى أن تكرهوا ، وعسى أن تحبوا. أ هـ {الميزان حـ 2 صـ 166}","part":5,"page":321},{"id":2061,"text":"لطائف\rقال الحسن : لا تكره الملمات الواقعة والبلايا الحادثة فلربَّ أمر تكرهه فيه نجاتك ، \rولربّ أمر ترجوه فيه عطبك ، \rوأنشد أبو سعيد الضرير : \rربَّ أمر تتقيه جرَّ أمراً ترتضيه\rخفي المحبوب منه وبدا المكروه فيه\rوأنشد محمد بن عرفة لعبد الله بن المعتز : \rلا تكره المكروه عند نزوله\rإن الحوادث لم تزل متباينه\rكم نعمة لا تستقل بشكرها\rلله في درج الحوادث كامنه\rعبد الرحمن بن أبي حاتم عن أبيه قال : بعث المتوكل إلى محمد بن الليث رسولاً وقد كان بقي مدة في منزله فلمّا أتاه الرسول (امتثل) فركب بلا روح خوفاً فمرّ به رجل وهو يقول : \rكم مرّة حفّت بك المكاره\rخارَ لك الله وأنت كاره\rفلمّا دخل على المتوكل ولاّه مصر وأمر له بمائة ألف وجميع ما يحتاج إليه من الآلات والدواب والغلمان.\rقال الثعلبي : أنشدني الحسن بن محمد قال : أنشدني أبو سعيد أحمد بن محمد بن رميح قال : أنشدني محمد بن الفرحان : \rكم فرحة مطوية لك بين أثناء النوائب\rومضرّة قد أقبلت من حيث تنتظر المصائب\rقال : وأنشدنا أبو القاسم الحبيبي قال : أنشدنا أبو عبد الله الوضاحي : \rربّما خُيّر الفتى وهو للخير كاره\rثم يأتي السرور من حيث تأتي المكاره. أ هـ {الكشف والبيان حـ 2 صـ 138}","part":5,"page":322},{"id":2062,"text":"قوله تعالى : {والله يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ }\rقال الفخر : \rأما قوله تعالى : {والله يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ} فالمقصود منه الترغيب العظيم في الجهاد وذلك لأن الإنسان إذا اعتقد قصور علم نفسه ، وكمال علم الله تعالى ، ثم علم أنه سبحانه لا يأمر العبد إلا بما فيه خيرته ومصلحته ، علم قطعاً أن الذي أمره الله تعالى به وجب عليه امتثاله ، سواء كان مكروهاً للطبع أو لم يكن فكأنه تعالى قال : يا أيها العبد اعلم أن علمي أكمل من علمك فكن مشتغلاً بطاعتي ولا تلتفت إلى مقتضى طبعك فهذه الآية في هذا المقام تجري مجرى قوله تعالى في جواب الملائكة {إِنّي أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ }.\rأ هـ {مفاتيح الغيب حـ 6 صـ 25}\rسؤال : فإن قلت : ما الحكمة في جعل أشياء كثيرةٍ نافعةٍ مكروهةً ، وأشياء كثيرةٍ ضارةٍ محبوبةً ، وهلا جعل الله تعالى النَّافعَ كلَّه محبوباً والضار كلَّه مكروهاً فتنساقَ النفوسُ للنافع باختيارها وتجتنب الضار كذلك فنُكفى كلفة مسألة الصلاح والأصلح التي تناظر فيها الأشعري مع شيخه الجبائي وفارق الأشعري من أجلها نحلة الاعتزال ؟ .","part":5,"page":323},{"id":2063,"text":"قلت : إن حكمة الله تعالى بنت نظام العالم على وجود النافع والضار والطيب والخبيث من الذوات والصفات والأحداث ، وأوكل للإنسان سلطة هذا العالم بحكم خِلْقِه الإنسانَ صالحاً للأمرين وأَراه طريقي الخير والشر كما قدمناه عند قوله تعالى : {كان الناس أمة واحدة} {البقرة : 213 ] ، وقد اقتضت الحكمة أن يكون النافع أكثر من الضار ولعل وجود الأشياء الضارة كَوَّنه الله لتكون آلة لحمل ناس على اتباع النافع كما قال تعالى : {فيه بأس شديد ومنافع للناس} {الحديد : 25 ] ، وقد أقام نظام هذا العالم على وجود المتضادات ، وجعل الكمال الإنساني حاصلاً عند حصول جميع الصفات النافعة فيه ، بحيث إذا اختلت بعض الصفات النافعة منه انتقصت بقيةُ الصفات النافعة منه أو اضمحلت ، وجعل الله الكمال أقل من النقص لتظهر مراتِبُ النفوس في هذا العالم ومبالغ العقول البشرية فيه ، فاكتسب الناس وضيعوا وضروا ونفعوا فكثر الضار وقل النافع بما كسَب الناسُ وفعلوا قال تعالى : {قل لا يستوي الخبيث والطيب ولو أعجبك كثرة الخبيث} ( 100 ).\rوكما صارت الذوات الكاملة الفاضلة أقل من ضدها صارت صفات الكمال عزيزة المنال ، وأُحيطت عزتها ونفاستها بصعوبة منالها على البشر وبما يحف بها من الخطر والمتاعب ، لأنها لو كانت مما تنساق لها النفوس بسهولة لاستوى فيها الناس فلم تظهر مراتِبُ الكمال ولم يقع التنافس بين الناس في تحصيل الفضائل واقتحام المصاعب لتحصيلها قال أبو الطيب\r : ... ولا فضل فيها للشجاعة والندى\rوصبرِ الفتى لولا لقاء شَعُوب...\rفهذا سبب صعوبة الكمالات على النفوس.\r","part":5,"page":324},{"id":2064,"text":"ثم إن الله تعالى جعل نظام الوجود في هذا العالم بتولد الشيء من بين شيئين وهو المعبر عنه بالازدواج ، غير أن هذا التولد يحصل في الذوات بطريقة التولد المعروفة قال تعالى : {ومن كل الثمرات جعل فيها زوجين اثنين} {الرعد : 3 ] وأما حصوله في المعاني ، فإنما يكون بحصول الصفة من بين معنيي صفتين أخريين متضادتين تتعادلان في نفس فينشأ عن تعادلهما صفة ثالثة.\rوالفضائل جعلت متولدة من النقائص ؛ فالشجاعةُ من التهور والجبننِ ، والكرمُ من السرف والشح ، ولا شك أن الشيء المتولد من شيئين يكون أقل مما تولد منه ، لأنه يكون أقل من الثلث ، إذ ليس كلَّما وجد الصفتان حصل منهما تولد صفة ثالثة ، بل حتى يحصل التعادل والتكافؤ بين تينك الصفتين المتضادتين وذلك عزيز الحصول ولا شك أن هاته الندرة قضت بقلة اعتياد النفوس هاته الصفات ، فكانت صعبة عليها لقلة اعتيادها إياها.\rووراء ذلك فالله حدد للناس نظاماً لاستعمال الأشياء النافعة والضارة فيما خلقت لأجله ، فالتبعة في صورة استعمالها على الإنسان وهذا النظام كله تهيئة لمراتب المخلوقات في العالم الأبدي عالم الخلود وهو الدار الآخرة كما يقال : \"الدنيا مزرعة الآخرة\" وبهذا تكمل نظرية النقض الذي نقض به الشيخ الأشعري على شيخه الجبائي أصلهم في وجوب الصلاح والأصلح فيكون بحث الأشعري نقضاً وكلامنا هذا سَنَداً وانقلاباً إلى استدلال.\r","part":5,"page":325},{"id":2065,"text":"وجملة {والله يعلم وأنتم لا تعلمون} تذييل للجميع ، ومفعولا {يعلم} و{ تعلمون} محذوفان دل عليهما ما قبله أي والله يعلم الخير والشر وأنتم لا تعلمونهما ، لأن الله يعلم الأشياء على ما هي عليه والناس يشتبه عليهم العلم فيظنون الملائم نافعاً والمنافر ضاراً. والمقصود من هذا تعليم المسلمين تلقي أمر الله تعالى باعتقاد أنه الصلاح والخير ، وأن ما لم تتبين لنا صفته من الأفعال المكلف بها نوقن بأن فيه صفة مناسبة لحكم الشرع فيه فتطلبها بقدر الإمكان عسى أن ندركها ، لنفرع عليها ونقيس ويدخل تحت هذا مسائل مسالك العلة ، لأن الله تعالى لا يجري أمره ونهيه إلا على وفق علمه. أ هـ {التحرير والتنوير حـ 2 صـ 322 ـ 323}\rفائدة\rقال السعدى : \rوهذه الآيات عامة مطردة ، في أن أفعال الخير التي تكرهها النفوس لما فيها من المشقة أنها خير بلا شك ، وأن أفعال الشر التي تحب النفوس لما تتوهمه فيها من الراحة واللذة فهي شر بلا شك.\rوأما أحوال الدنيا ، فليس الأمر مطردا ، ولكن الغالب على العبد المؤمن ، أنه إذا أحب أمرا من الأمور ، فقيض الله [له] من الأسباب ما يصرفه عنه أنه خير له ، فالأوفق له في ذلك ، أن يشكر الله ، ويجعل الخير في الواقع ، لأنه يعلم أن الله تعالى أرحم بالعبد من نفسه ، وأقدر على مصلحة عبده منه ، وأعلم بمصلحته منه كما قال [تعالى : ] {وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ} فاللائق بكم أن تتمشوا مع أقداره ، سواء سرتكم أو ساءتكم. أ هـ {تفسير ابن عرفة صـ 96}\rلطيفة","part":5,"page":326},{"id":2066,"text":"الجهاد على قسمين : جهاد أصغر وهو جهاد السيف ، وجهاد أكبر وهو جهاد النفس ، فيجاهدها أولاً في القيام بجميع المأمورات ، وترك جميع المنهيات ، ثم يجاهدها ثانياً في ترك العوائد والشهوات ، ومجانبة الرخص والتأويلات ، ثم يجاهدها ثالثاً في ترك التدبير والاختيار ، والسكون تحت مجاري الأقدار ، حتى لا تختار إلا ما اختار الحق تعالى لها ، ولا تشتهي إلا ما يقضي الله عليها ، فإن النفس جاهلة بالعواقب ، فعسى أن تكره شيئاً وهو خير لها ، وعسى أن تحب شيئاً وهو شر لها.\rفعسى أن تأتيها المسار من حيث تعتقد المضارّ ، وعسى أن تأتيها المضار من حيث ترجو المسار ، وعسى أن تنفع على أيدي الأعداء ، وعسى أن تضر على أيدي الأحباء ، وعسى أن تكره الموت وهو خير لها ، وعسى أن تحب الحياة وهي شر لها ، فالواجب تسليم الأمور إلى خالقها ، الذي هو عالم بمصالحها ، {والله يعلم وأنتم لا تعلمون }. أ هـ {البحر المديد حـ 1 صـ 174}\rمن فوائد ابن عرفة فى الآية\rقوله تعالى : {كُتِبَ عَلَيْكُمُ القتال...}.\rقال ابن عرفة : لفظ الكتب دليل على تأكيد وجوب القتال. والكتب إما حكم الله أو في اللوح المحفوظ أو في القرآن. والجهاد هنا ( قيل فرض عين ) وقيل فرض كفاية.\rقال ابن عرفة : الظاهر أنه فرض ( عين ) لأنا إذا شككنا في شيء فيحمل على الأكثر. وفرض العين في التكاليف أكثر من فرض الكفاية.\r( قيل له : في غير هذا ، وأما هنا فلا ؟ فقال : هذا محل النزاع ، وكان بعضهم يقول : إنه فرض عين في كفاية ) فواجب على ( جميع ) الناس حضور القتال. ويكفي فيه قتال البعض ، والحضور فرض عين ( والقتال فرض ) كفاية كالصلاة في الدار المغصوبة فإنّها فرض في حرام.\rقال ابن عرفة : وإذا قلنا : إنّ خطاب المواجهة يعم ولا يخص ، فنقول : الأمر للحاضر والغائب وغلب فيه المخاطب. والأمر للحاضرين ويتناول الغائب ( بالقياس ) عليه من باب ( لا فارق ).\r","part":5,"page":327},{"id":2067,"text":"قوله تعالى : {وَهُوَ كُرْهٌ لَّكُمْ...}.\rالضمير عائد على القتال إما ( لقربه ) وإما لأنه إنما يعود على ( الكتب ) باعتبار متعلقه لأنهّم لا يكرهون الكتاب لذاته. والكراهة هنا ليست بمعنى البغض بل بمعنى النفور منه وصعوبته على النفس كصعوبة الوضوء في زمن البرد فيكرهه المكلف كذلك لا أنه يبغضه.\rقوله تعالى : {وعسى أَن تَكْرَهُواْ شَيْئاً وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ...}.\rقال أبو حيان : عسى الأول للإشفاق والثانية للرجاء.\rقال ابن عرفة : المناسب العكس ، فإن المستقبل في الأولى خير وانتظاره رجاء ، والمستقبل في الثانية شر فانتظاره إشفاق وخوف.\rقيل لابن عرفة : إنما المعتبر ما دخلت عليه ( أن ) ؟\rفقال : نعم لكن بصفته وقيده ، والأول مقيد بأنه ( يعقبه خير ، والثاني مقيد بأنه يعقبه الشر.\rقيل لابن عرفة : المستقبل غير معلوم للإنسان وإنّما يعلم الحاضر فيعسر عليه المستقبل فإن كان الحاضر خيرا ترجّى دوامه وإن كان شرا أشفق وخاف من دوامه.\rقال أبو حيان : وكل عسى في القرآن للتحقيق يعنون به الوقوع إلا قوله عز وجل {عسى رَبُّهُ إِن طَلَّقَكُنَّ أَن يُبْدِلَهُ أَزْوَاجاً خَيْراً مِّنكُنَّ} قال ابن عرفة : بل هي أيضا للتّحقيق لما تقدم من أنّ القضية الشرطية تقتضي صحّة ملزومية الجزاء للشرط ولا تقتضي الثبوت والوقوع ، والقضية الحملية تقتضي الثبوت والوقوع أو بفهم الوقوع في ( الآية ) باعتبار ( المتكلم ) بهذا الشرط والرجاء واقع من الله تعالى.\rقوله تعالى : {والله يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ}.","part":5,"page":328},{"id":2068,"text":"قال ابن عرفة : الآية تدل على أن جميع الأحكام الشرعية تعلل ، وذلك أنهم اختلفوا في التعبدات فذهب جماعة منهم الشيخ الهمام عز الدين ابن عبد السلام إلى أنّها الأحكام ( التي لاتدرك لها علة ، وفي بعض كلام ابن رشد وكلام المتقدمين ما يدل على أنها الأحكام ) التي لا علة لها ، والآية تقتضي أنّ الأحكام كلّها لاتكون إلا لمصلحة لأنّها خرجت مخرج ( التّبيين ) على كمال المبادرة إلى امتثال الأحكام الشرعية فدل على أن المراد والله أعلم ما في ذلك من المصلحة وَأنتُمْ لاَ تَعْلَمونها.\rفعليكم أن تأخذوها بالقبول.\rوقوله : وَأَنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ : قال ابن عرفة : يصح أن يكون في موضع الحال.\rقيل له : علمنا حادث لا يُجامع علم الله القديم ؟ \rفقال : هي حال مقدرة والتحقيق أنّا إن جعلنا الجملة في موضع الحال تكون سالبة تقتضي وجود الموضوع ، وبقي في الآية أنّ الزمخشري قال في {وَهُوَ كُرْهٌ لَّكُمْ} إما مصدر من الكراهة أو أنه بمعنى بمعنى المكروه مثل ( الخبز ) بمعنى ( المخبوز ).\rوقرىء : \"كَرْهٌ \"بالفتح على أنه بمعنى ( المضموم ) كالضعف والضعف.\rقال ابن عرفة : وقال القاضي أبو الفضل عياض في تنبيهاته : الوضوء بالضم هو الفعل وبالفتح اسم الماء ، وقيل : بالعكس. قال : فيجيء هنا كذلك.\rقيل لابن عرفة : هذا قياس في اللّغة فلا يجوز ؟ فقال : إنما هو ( إجراء ) لا قياس. أ هـ {تفسير ابن عرفة صـ 276 ـ 277}\rلطيفة\rقال ذو النون المصرى رحمه الله إنما دخل الفساد على الخلق من ستة أشياء. الأول ضعف النية بعمل الآخرة. والثانى صارت أبدانهم رهينة لشهواتهم. والثالث غلب عليهم حلول الأمل مع قرب الأجل. والرابع آثروا رضى المخلوقين على رضى الخالق. والخامس اتبعوا أهواءهم ونبذوا سنة نبيهم وراء ظهورهم. والسادس جعلوا قليل زلات السلف حجة أنفسهم ودفنوا كثير مناقبهم.\r","part":5,"page":329},{"id":2069,"text":"فعلى العاقل أن يجاهد مع النفس والطبيعة ليرتفع الهوى والشهوات والبدعة ويتمكن فى القلوب حب العمل بالكتاب والسنة. أ هـ {روح البيان حـ 1 صـ 411}\rكلام نفيس للعلامة ابن القيم فى الآية الكريمة\rقال رحمه الله : \rقوله تعالى : { كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئاً وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ} البقرة 216, وقوله عزّ وجلّ : { فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْراً كَثِيراً} النساء 19. فالآية الأولى في الجهاد الذي هو كمال القوة الغضبية, والثانية في النكاح الذي هو كمال القوة الشهوانية. فالعبد يكره مواجهة عدوه بقوته الغضبية خشية على نفسه منه, وهذا المكروه خير له في معاشه ومعاده, ويحب الموادعة والمتاركة, وهذا المحبوب شر له في معاشه ومعاده. وكذلك يكره المرأة لوصف من أوصافها وله في إمساكها خير كثير لا يعرفه. ويحب المرأة لوصف من أوصافها وله في إمساكها شر كثير لا يعرفه. فالإنسان كما وصفه به خالقه ظلوم جهول, فلا ينبغي أن يجعل المعيار على ما يضرّه وينفعه ميله وحبه ونفرته وبغضه, بل المعيار على ذلك ما اختاره الله له بأمره ونهيه. فأنفع الأشياء له على الإطلاق طاعة ربه بظاهره وباطنه, وأضر الأشياء عليه على الإطلاق معصيته بظاهره وباطنه, فإذا قام بطاعته وعبوديته مخلصا له فكل ما يجري عليه مما يكره يكون خيرا له, وإذا تخلى عن طاعته وعبوديته فكل ما هو فيه من محبوب هو شر له. فمن صحت له معرفة ربه والفقه في أسمائه وصفاته, علم يقينا أن المكروهات التي تصيبه والمحن التي تنزل به فيها ضروب من المصالح والمنافع التي لا يحصيها علمه ولافكرته, بل مصلحة العبد فيما يكره أعظم منها فيما يحب.","part":5,"page":330},{"id":2070,"text":"فعامة مصالح النفوس في مكروهاتها, كما أن عامة مضارها وأسباب هلكتها في محبوباتها. فانظر إلى غارس جنة من الجنات خبير بالفلاحة غرس جنة وتعاهدها بالسقي والإصلاح حتى أثمرت أشجارها, فأقبل عليها يفصل أوصالها ويقطع أغصانها لعلمه أنها لو خليّت على حالها لم تطب ثمرتها, فيطعمها من شجرة طيبة الثمرة, حتى إذا والتحمت بها واتحدت وأعطت ثمرتها أقبل يقلمها ويقطع أغصانها الضعيفة التي تذهب قوتها, ويذيقها ألم القطع والحديد لمصلحتها وكمالها, لتصلح ثمرتها أن تكون بحضرة الملوك. ثم لا يدعها ودواعي طبعها من الشرب كل وقت, بل يعطشها وقتا ويسقيها وقتا, ولا يترك الماء عليها دائما وإن كان ذلك أنضر لورقها وأسرع لنباتها. ثم يعمد إلى تلك الزينة التي زينت بها من الأوراق فيلقي عنها كثيرا منها, لأن تلك الزينة تحول بين ثمرتها وبين كمال نضجها واستوائها كما في شجر العنب ونحوه. فهو يقطع أعضاءها بالحديد, ويلقي عنها كثيرا من زينتها, وذلك عين مصلحتها. فلو أنها ذات تمييز وإدراك كالحيوان, لتوهمت أن ذلك إفساد لها وإضرار بها, وإنما هو عين مصلحتها.\r","part":5,"page":331},{"id":2071,"text":"وكذلك الأب الشفيق على ولده العالم بمصلحته, إذا رأى مصلحته في إخراج الدم الفاسد عنه, بضع جلده وقطع عروقه وأذاقه الألم الشديد. وإن رأى شفاءه في قطع عضو من أعضائه أبانه عنه (أي قطعه), كل ذلك رحمة به وشفقة عليه. وإن رأى مصلحته في أن يمسك عنه العطاء لم يعطه ولم يوسع عليه, لعلمه أن ذلك أكبر الأسباب إلى فساده وهلاكه. وكذلك يمنعه كثيرا من شهواته حمية له ومصلحة لا بخلا عليه. فأحكم الحاكمين وأرحم الراحمين وأعلم العالمين, الذي هو أرحم بعباده منهم بأنفسهم ومن آبائهم وأمهاتهم, إذا أنزل بهم ما يكرهون كان خيرا لهم من أن لا ينزله بهم, نظرا منه لهم وإحسانا إليهم ولطفا بهم, ولو مكنوا من الاختيار لأنفسهم لعجزوا عن القيام بمصالحهم علما وإرادة وعملا, لكنه سبحانه تعالى تولى تدبير أمورهم بموجب علمه وحكمته ورحمته, أحبوا أم كرهوا, فعرف ذلك الموقنون بأسمائه وصفاته فلم يتهموه في شيء من أحكامه, وخفي ذلك على الجهال به وبأسمائه وصفاته, فنازعوه تدبيره, وقدحوا في حكمته, ولم ينقادوا لحكمه, وعارضوا حكمه بعقولهم الفاسدة وآرائهم الباطلة وسياساتهم الجائرة, فلا لربهم عرفوا, ولا لمصالحهم حصلوا, والله الموفق.\rومتى ظفر العبد بهذه المعرفة سكن في الدنيا قبل الآخرة في جنة لا يشبه نعيمها إلا نعيم جنة الآخرة, فإنه لا يزال راضيا عن ربه, والرضا جنة الدنيا ومستراح العارفين, فإنه طيب النفس بما يجري عليها من المقادير التي هي عين اختيار الله له, وطمأنينتها إلى أحكامه الدينية, وهذا هو الرضا بالله ربا وبالإسلام دينا وبمحمد رسولا. وما ذاق طعم الإيمان من لم يحصل له ذلك. وهذا الرضا هو بحسب معرفته بعدل الله وحكمته ورحمته وحسن اختياره, فكلما كان بذلك كان به أرضى. فقضاء الرب سبحانه في عبده دائر بين العدل والمصلحة والحكمة والرحمة, لا يخرج عن ذلك ألبتة. أ هـ {الفوائد صـ 91 ـ 93}\rوقال فى الجواب الكافى : \r","part":5,"page":332},{"id":2072,"text":"والمحبوب لغيره قسمان أيضا : أحدهما ما يلتذ المحب بإدراكه وحصوله والثاني : ما يتألم به ولكن يحتمله لإفضائه إلى المحبوب كشرب الدواء الكريه قال تعالي : {كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ وَعَسَى إن تَكْرَهُوا شَيْئاً وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى إن تُحِبُّوا شَيْئاً وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ}.\rفأخبر سبحانه إن القتال مكروه لهم مع إنهم خير لهم لإفضائه إلى أعظم محبوب وأنفعه والنفوس تحب الراحة والدعة والرفاهية وذلك شر لها لإفضائه إلى فوات هذا المحبوب فالعاقل لا ينظر إلى لذة المحبوب العاجل فيؤثرها وألم المكروه العاجل فيرغب عنه فإن ذلك قد يكون شرا له بل قد يجلب عليه غاية الألم وتفوته أعظم اللذة بل عقلاء الدنيا يتحملون المشاق المكروهة لما يعقبهم من اللذة بعدها وإن كانت منقطعة.\rفالأمور أربعة : مكروه يوصل إلى مكروه ومكروه يوصل إلى محبوب ومحبوب يوصل إلى محبوب ومحبوب يوصل إلى مكروه فالمحبوب الموصل إلى المحبوب قد اجتمع فيه داعي الفعل من وجهين والمكروه الموصل إلى مكروه قد اجتمع فيه داعي الترك من وجهين.\rبقي القسمان الآخران يتجاوز بهما الداعيان- وهما معترك الابتلاء والامتحان- فالنفس توثر أقربهما جوارا منهما وهو العاجل والعقل والإيمان يؤثرا نفعهما وإبقائها والقلب بين الداعيين وهو إلى هذا مرة إلى هذا مرة وهاهنا محل الابتلاء شرعا وقدرا فداعي العقل والإيمان ينادي كل وقت : حي علي الفلاح عند الصباح يحمد القوم السري وفي الممات يحمد العبد التقى فإن اشتد ظلام ليل المحبة وتحكم سلطان الشهوة والإرادة يقول : يا نفس اصبري فما هي إلاّ ساعة ثم تنقضي ويذهب هذا كله ويزول.\r","part":5,"page":333},{"id":2073,"text":"وإذا كان الحب أصل كل عمل من حق وباطل فأصل الأعمال الدينية حب الله ورسوله كما إن أصل الأقوال الدينية تصديق الله ورسوله وكل إرادة تمنع كمال حب الله ورسوله وتزاحم هذه المحبة وشبهه منع كمال التصديق في معارضة لأصل الإيمان أو مضعفة له فإن قويت حتى عارضت أصلي الحب والتصديق كانت كفرا وشركا أكبر وإن لم تعارضه قدحت في كماله وأثرت فيه ضعفا وفتورا في العزيمة والطلب وهي تحجب الواصل وتقطع الطالب وتنكي الراغب فلا تصلح الموالاة إلاّ بالمعاداة كما قال تعالي : عن إمام الحنفاء المحبين أنه قال لقومه {قَالَ أَفَرَأَيْتُمْ مَا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمُ الأَقْدَمُونَ فإنهمْ عَدُوٌّ لِي إِلا رَبَّ الْعَالَمِينَ} فلم يصح لخليل الله هذه الموالاة والخلة إلاّ بتحقيق هذه المعاداة فإنه لا ولائه إلاّ لله ولا ولائه إلاّ بالبراءة من كل معبود سواه قال تعالي : {قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَداً حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ} وقال تعالي : {وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لأَبِيهِ وَقَوْمِهِ إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ إِلا الَّذِي فَطَرَنِي فإنه سَيَهْدِينِ وَجَعَلَهَا كَلِمَةً بَاقِيَةً فِي عَقِبِهِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ}. أ هـ {الجواب الكافى صـ 137 ـ 138}","part":5,"page":334},{"id":2074,"text":"قوله تعالى : {يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِنْدَ اللَّهِ وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ وَلَا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُوا وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآَخِرَةِ وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (217)}\rمناسبة الآية لما قبلها\rقال البقاعى : \rولما أخبرهم سبحانه وتعالى بإيجاب القتال عليهم مرسلاً في جميع الأوقات وكان قد أمرهم فيما مضى بقتلهم حيث تقفوهم ثم قيد عليهم في القتال في المسجد الحرام كان بحيث يسأل هنا : هل الأمر في الحرم والحرام كما مضى أم لا ؟ وكان المشركون قد نسبوهم في سرية عبد الله بن جحش التي قتلوا فيها من المشركين عمرو بن الحضرمي إلى التعدي بالقتال في الشهر الحرام واشتد تعييرهم لهم به فكان موضع السؤال : هل سألوا عما عيرهم به الكفار من ذلك ؟ فقال مخبراً عن سؤالهم مبنياً لحالهم : {يسئلونك} أي أهل الإسلام لا سيما أهل سرية عبد الله بن جحش رضي الله تعالى عنهم {عن الشهر الحرام} فلم يعين الشهر وهو رجب ليكون أعم ، وسميت الحرم لتعظيم حرمتها حتى حرموا القتال فيها ، فأبهم المراد من السؤال ليكون للنفس إليه التفات ثم بينه ببدل الاشتمال في قوله : {قتال فيه} ثم أمر بالجواب في قوله : {قل قتال فيه} أيّ قتال كان فالمسوغ العموم.\rولما كان مطلق القتال فيه في زعمهم لا يجوز حتى ولا لمستحق القتل وكان في الواقع القتال عدواناً فيه أكبر منه في غيره قال : {كبير} أي في الجملة.\r","part":5,"page":335},{"id":2075,"text":"ولما كان من المعلوم أن المؤمنين في غاية السعي في تسهيل سبيل الله فليسوا من الصد عنه ولا من الكفر في شيء لم يشكل أن ما بعده كلام مبتدأ هو للكفار وهو قوله : {وصد} أيّ صد كان {عن سبيل الله} الملك الذي له الأمر كله أي الذي هو دينه الموصل إليه أي إلى رضوانه ، أو البيت الحرام فإن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ سمى الحج سبيل الله. قال الحرالي : والصد صرف إلى ناحية بإعراض وتكره ، والسبيل طريق الجادة السابلة عليه الظاهر لكل سالك منهجه {وكفر به} أيّ كفر كان ، أي بالدين ، أو بذلك الصد أي بسببه فإنه كفر إلى كفرهم ، وحذف الخبر لدلالة ما بعده عليه دلالة بينة لمن أمعن النظر وهو أكبر أي من القتال في الشهر الحرام ، والتقييد فيما يأتي بقوله : {عند الله} يدل على ما فهمته من أن المراد بقوله : {كبير} في زعمهم وفي الجملة لا أنه من الكبائر. أ هـ {نظم الدرر حـ 1 صـ 403}\rفصل\rقال الفخر : \rاختلفوا في أن هذا السائل أكان من المسلمين أو من الكافرين والقائلون بأنه من المسلمين فريقان الأول : الذين قالوا إنه تعالى لما كتب عليهم القتال وقد كان عند القوم الشهر الحرام والمسجد الحرام أعظم الحرمة في المنع من القتال لم يبعد عندهم أن يكون الأمر بالقتال مقيداً بأن يكون في غير هذا الزمان وفي غير هذا المكان فدعاهم ذلك إلى أن سألوا النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ ، فقالوا : أيحل لنا قتالهم في هذا الشهر وفي هذا الموضع ؟ فنزلت الآية ، فعلى هذا الوجه الظاهر أن هذا السؤال كان من المسلمين.","part":5,"page":336},{"id":2076,"text":"الفريق الثاني : وهم أكثر المفسرين : رووا عن ابن عباس أنه قال : إن رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ بعث عبد الله بن جحش الأسدي وهو ابن عمته قبل قتال بدر بشهرين ، وبعد سبعة عشر شهراً من مقدمه المدينة في ثمانية رهط ، وكتب له كتاباً وعهداً ودفعه إليه ، وأمره أن يفتحه بعد منزلتين ، ويقرأه على أصحابه ، ويعمل بما فيه ، فإذا فيه : أما بعد فسر على بركة الله تعالى بمن اتبعك حتى تنزل بطن نخل ، فترصد بها عير قريش لعلك أن تأتينا منه بخير ، فقال عبد الله : سمعاً وطاعة لأمره فقال لأصحابه : من أحب منكم الشهادة فلينطلق معي فإني ماض لأمره ، ومن أحب التخلف فليتخلف فمضى حتى بلغ بطن نخل بين مكة والطائف ، فمر عليهم عمرو بن الحضرمي وثلاثة معه ، فلما رأوا أصحاب رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ حلقوا رأس واحد منهم وأوهموا بذلك أنهم قوم عمار ، ثم أتى واقد بن عبد الله الحنظلي وهو أحد من كان مع عبد الله بن جحش ورمى عمرو بن الحضرمي فقتله ، وأسروا اثنين وساقوا العير بما فيه حتى قدموا على رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ ، فضجت قريش وقالوا : قد استحل محمد الشهر الحرام ، شهر يأمن فيه الخائف فيسفك فيه الدماء ، والمسلمون أيضاً قد استبعدوا ذلك ، فقال عليه الصلاة والسلام : إني ما أمرتكم بالقتال في الشهر الحرام ، وقال عبد الله بن جحش يا رسول الله إنا قتلنا ابن الحضرمي ، ثم أمسينا فنظرنا إلى هلال رجب فلا ندري أفي رجب أصبناه أم في جمادى فوقف رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ العير والأسارى ، فنزلت هذه الآية ، فأخذ رسول الله عليه الصلاة والسلام الغنيمة ، وعلى هذا التقدير فالأظهر أن هذا السؤال إنما صدر عن المسلمين لوجوه أحدها : أن أكثر الحاضرين عند رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ كانوا مسلمين وثانيها : أن ما قبل هذه الآية وما بعدها خطاب مع المسلمين أما ما قبل هذه الآية فقوله : {أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُواْ الجنة} وهو خطاب مع","part":5,"page":337},{"id":2077,"text":"المسلمين وقوله : \r{ يَسْئَلُونَكَ عَنِ الخمر والميسر...\rويسألونك عن اليتامى} {البقرة : 219 ، 220 ] وثالثها : روى سعيد بن جبير عن ابن عباس أنه قال : ما رأيت قوماً كانوا خيراً من أصحاب رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ ما سألوه إلا عن ثلاث عشرة مسألة حتى قبض كلهن في القرآن منها {يَسْئَلُونَكَ عَنِ الشهر الحرام}.\rوالقول الثاني : أن هذا السؤال كان من الكفار قالوا : سألوا الرسول عليه الصلاة والسلام عن القتال في الشهر الحرام حتى لو أخبرهم بأنه حلال فتكوا به واستحلوا قتاله فيه فأنزل الله تعالى هذه الآية : {يَسْئَلُونَكَ عَنِ الشهر الحرام قِتَالٍ فِيهِ} أي يسألونك عن قتال في الشهر الحرام {قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ} ولكن الصد عن سبيل الله وعن المسجد الحرام والكفر به أكبر من ذلك القتال {وَلاَ يَزَالُونَ يقاتلونكم حتى يَرُدُّوكُمْ عَن دِينِكُمْ} فبين تعالى أن غرضهم من هذا السؤال أن يقاتلوا المسلمين ثم أنزل الله تعالى بعده قوله : {الشهر الحرام بالشهر الحرام والحرمات قِصَاصٌ فَمَنِ اعتدى عَلَيْكُمْ فاعتدوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعتدى عَلَيْكُمْ} {البقرة : 194 ] فصرح في هذه الآية بأن القتال على سبيل الدفع جائز. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 6 صـ 26 ـ 27}\rوقال ابن عاشور بعد أن ذكر ما يتعلق بسرية عبد الله بن جحش : \rفإذا صح ذلك كان نزول هذه الآية قبل نزول آية {كتب عليكم القتال وهو كره لكم} {البقرة : 216 ] وآية {وقاتلوا في سبيل الله الذي يقاتلونكم} {البقرة : 190 ] بمدة طويلة فلما نزلت الآيتان بعد هذه ، كان وضعهما في التلاوة قبلها بتوقيف خاص لتكون هذه الآية إكمالاً لما اشتملت عليه الآيتان الأخريان ، وهذا له نظائر في كثير من الآيات باعتبار النزول والتلاوة. والأظهر عندي أن هذه الآية نزلت بعد الآية التي قبلها وأنها تكملة وتأكيد لآية {الشهر الحرام بالشهر الحرام} {البقرة : 194 ].","part":5,"page":338},{"id":2078,"text":"والسؤال المذكور هنا هو سؤال المشركين النبي عليه الصلاة والسلام يوم الحديبية ، هل يقاتل في الشهر الحرام كما تقدم عند قوله تعالى : {الشهر الحرام بالشهر الحرام}. وهذا هو المناسب لقوله هنا {وصد عن سبيل الله} إلخ وقيل : سؤال المشركين عن قتال سرية عبد الله بن جحش. فالجملة استئناف ابتدائي ، وردت على سؤال الناس عن القتال في الشهر الحرام ومناسبة موقعها عقب آية {كتب عليكم القتال} {البقرة : 216 ] ظاهرة. أ هـ {التحرير والتنوير حـ 2 صـ 324}\rقوله تعالى : {قِتَالٍ فِيهِ} خفض على البدل من الشهر الحرام ، وهذا يسمى بدل الاشتمال ، كقولك : أعجبني زيد علمه ونفعني زيد كلامه وسرق زيد ماله ، وسلب زيد ثوابه ، قال تعالى : {قُتِلَ أصحاب الأخدود النار ذَاتِ الوقود} {البروج : 4 ، 5 ] وقال بعضهم الخفض في قتال على تكرير العامل والتقدير : يسألونك عن الشهر الحرام عن قتال فيه ، وهكذا هو في قراءة ابن مسعود والربيع ، ونظيره قوله تعالى : {لِلَّذِينَ استضعفوا لِمَنْ ءَامَنَ مِنْهُمْ} {الأعراف : 75 ] وقرأ عكرمة {قَتْلَ فِيهِ }. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 6 صـ 27}\rوالتعريف في ( الشهر الحرام ) تعريف الجنس ، ولذلك أحسن إبدال النكرة منه في قوله : {قتال فيه} ، وهو بدل اشتمال فيجوز فيه إبدال النكرة من المعرفة ، بخلاف بدل البعض على أن وصف النكرة هنا بقوله ( فيه ) يجعلها في قوة المعرفة.\rفالمراد بيان أيِّ شهر كان من الأشهر الحُرم وأيِّ قتال ، فإن كان السؤال إنكارياً من المشركين فكون المراد جنس هذه الأشهر ظاهر ، وإن كان استفساراً من المسلمين فكذلك ، ومجرد كون الواقعة التي تسبب عليها السؤال وقعت في شهر معين لا يقتضي تخصيص السؤال بذلك الشهر ، إذ لا يخطر ببال السائل بل المقصود السؤال عن دوام هذا الحكم المتقرر عندهم قبل الإسلام وهْوَ لا يختص بشهر دون شهر.","part":5,"page":339},{"id":2079,"text":"وإنما اختير طريق الإبدال هنا وكان مقتضى الظاهر أن يقال : يسألونك عن القتال في الشهر الحرام لأَجل الاهتمام بالشهر الحرام تنبيهاً على أن السؤال لأجل الشهر أيقع فيه قتال ؟ لاَ لأَجل القتال هل يقع في الشهر وهما متآيلان ، لكن التقديم لقضاء حق الاهتمام ، وهذه نكتة لإبدال عطفِ البيان تنفع في مواقع كثيرة ، على أن في طريق بدل الاشتمال تشويقاً بارتكاب الإجمال ثم التفصيل. أ هـ {التحرير والتنوير حـ 2 صـ 325}\rسؤال : فإن قيل : لم نكر القتال في قوله تعالى : {قِتَالٌ فِيهِ} ومن حق النكرة إذا تكررت أن تجيء باللام حتى يكون المذكور الثاني هو الأول ، لأنه لو لم يكن كذلك كان المذكور الثاني غير الأول كما في قوله تعالى : {إِنَّ مَعَ العسر يُسْراً} {الشرح : 6 ].\rقلنا : نعم ما ذكرتم أن اللفظ إذا تكرر وكانا نكرتين كان المراد بالثاني إذن غير الأول والقوم أرادوا بقولهم : {يَسْئَلُونَكَ عَنِ الشهر الحرام قِتَالٍ فِيهِ} ذلك القتال المعين الذي أقدم عليه عبد الله بن جحش ، فقال تعالى : {قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ} وفيه تنبيه على أن القتال الذي يكون كبيراً ليس هو هذا القتال الذي سألتم عنه ، بل هو قتال آخر لأن هذا القتال كان الغرض به نصرة الإسلام وإذلال الكفر فكيف يكون هذا من الكبائر ، إنما القتال الكبير هو الذي يكون الغرض فيه هدم الإسلام وتقوية الكفر فكان اختيار التنكير في اللفظين لأجل هذه الدقيقة إلا أنه تعالى ما صرح بهذا الكلام لئلا تضيق قلوبهم بل أبهم الكلام بحيث يكون ظاهره كالموهم لما أرادوه ، وباطنه يكون موافقاً للحق ، وهذا إنما حصل بأن ذكر هذين اللفظين على سبيل التنكير ، ولو أنه وقع التعبير عنهما أو عن أحدهما بلفظ التعريف لبطلت هذه الفائدة الجليلة ، فسبحان من له تحت كل كلمة من كلمات هذا الكتاب سر لطيف لا يهتدي إليه إلا أولوا الألباب. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 6 صـ 27 ـ 28}\rوقال ابن عاشور : ","part":5,"page":340},{"id":2080,"text":"وتنكير ( قتال ) مراد به العموم ، إذ ليس المسؤول عنه قتالاً معيناً ولا في شهر معين ، بل المراد هذا الجنس في هذا الجنس. و( فيه ) ظرف صفة لقتال مخصصة له.\rوقوله : {قل قتال فيه كبير} إظهار لفظ القتال في مقام الإضمار ليكون الجواب صريحاً حتى لا يتوهم أن الشهر الحرام هو الكبير ، وليكون الجواب على طبق السؤال في اللفظ ، وإنما لم يعرف لفظ القتال ثانياً باللام مع تقدم ذكره في السؤال ، لأنه قد استغنى عن تعريفه باتحاد الوصفين في لفظ السؤال ولفظ الجواب وهو ظرف ( فيه ) ، إذ ليس المقصود من تعريف النكرة باللام إذا أعيد ذكرها إلاّ التنصيصَ على أن المراد بها تلك الأولى لا غيرها ، وقد حصل ذلك بالوصف المتحد ، قال التفتازاني : فالمسؤول عنه هو المجاب عنه وليس غيره كما توهم بناء على أن النكرة إذا أعيدت نكرة كانت غير الأولى ، لأن هذا ليس بضربة لازم يريد أن ذلك يتبع القرائن.\rوالجواب تشريع إن كان السؤال من المسلمين ، واعتراف وإبكات إن كان السؤال إنكاراً من المشركين ، لأنهم توقعوا أن يجيبهم بإباحة القتال فيثَوِّروا بذلك العرب ومن في قلبه مرض. أ هـ {التحرير والتنوير حـ 2 صـ 325}\rفصل\rاتفق الجمهور على أن حكم هذه الآية حرمة القتال في الشهر الحرام ثم اختلفوا أن ذلك الحكم هل بقي أم نسخ فنقل عن ابن جريج أنه قال : حلف لي عطاء بالله أنه لا يحل للناس الغزو في الحرم ، ولا في الأشهر الحرم ، إلا على سبيل الدفع ، روى جابر قال : لم يكن رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ يغزو في الشهر الحرام إلا أن يغزى وسئل سعيد بن المسيب هل يصلح للمسلمين أن يقاتلوا الكفار في الشهر الحرام ؟ قال نعم ، قال أبو عبيد : والناس بالثغور اليوم جميعاً على هذا القول يرون الغزو مباحاً في الشهور كلها ، ولم أر أحداً من علماء الشام والعراق ينكره عليهم كذلك حسب قول أهل الحجاز.","part":5,"page":341},{"id":2081,"text":"والحجة في إباحته قوله تعالى : {فاقتلوا المشركين حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ} {التوبة : 5 ] وهذه الآية ناسخة لتحريم القتال في الشهر الحرام ، والذي عندي أن قوله تعالى : {قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ} هذا نكرة في سياق الإثبات فيتناول فرداً واحداً ، ولا يتناول كل الأفراد ، فهذه الآية لا دلالة فيها على تحريم القتال مطلقاً في الشهر الحرام ، فلا حاجة إلى تقدير النسخ فيه. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 6 صـ 28}\rفائدة بلاغية\rالكبير في الأصل هو عظيم الجثة من نوعه ، وهو مجاز في القوى والكثير والمسن والفاحش ، وهو استعارة مبنية على تشبيه المعقول بالمحسوس ، شبه القوي في نوعه بعظيم الجثة في الأفراد ، لأنه مألوف في أنه قوى ، وهو هنا بمعنى العظيم في المآثم بقرينة المقام ، مثل تسمية الذنب كبيرة ، وقول النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ \"وما يعذَّبان في كبير وإنه لكبير \"الحديثَ.\rوالمعنى أن القتال في الأشهر الحرم إثم كبير ، فالنكرة هنا للعموم بقرينة المقام ، إذ لا خصوصية لقتال قوم دون آخرين ، ولا لقتل في شهر دون غيره ، لا سيما ومطابقة الجواب للسؤال قد أكدت العموم ، لأن المسؤول عنه حُكْم هذا الجنس وهو القتال في هذا الجنس وهو الشهر الحرام من غير تفصيل ، فإن أجدر أفراد القتال بأن يكون مباحاً هو قتالنا المشركين ومع ذلك فهو المسؤول عنه وهو الذي وقع التحرج منه ، أما تقاتل المسلمين فلا يختص إثمه بوقوعه في الشهر الحرام ، وأما قتال الأمم الآخرين فلا يخطر بالبال حينئذٍ. أ هـ {التحرير والتنوير حـ 2 صـ 326}\rقوله تعالى : {وَصَدٌّ عَن سَبِيلِ الله وَكُفْرٌ بِهِ والمسجد الحرام وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِندَ الله }\rفصل\rقال الفخر : ","part":5,"page":342},{"id":2082,"text":"للنحويين في هذه الآية وجوه الأول : قول البصريين وهو الذي اختاره الزجاج ، أن قوله : {وَصَدٌّ عَن سَبِيلِ الله وَكُفْرٌ بِهِ والمسجد الحرام وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ} كلها مرفوعة بالابتداء ، وخبرها قوله : {أَكْبَرُ عِندَ الله} والمعنى : أن القتال الذي سألتم عنه ، وإن كان كبيراً ، إلا أن هذه الأشياء أكبر منه ، فإذا لم تمتنعوا عنها في الشهر الحرام ، فكيف تعيبون عبد الله بن جحش على ذلك القتال مع أن له فيه عذراً ظاهراً ، فإنه كان يجوز أن يكون ذلك القتل واقعاً في جمادى الآخرة ، ونظيره قوله تعالى لبني إسرائيل : {أَتَأْمُرُونَ الناس بالبر وَتَنسَوْنَ أنفسكم} {البقرة : 44 ] ، {لِمَ تَقُولُونَ مَا لاَ تَفْعَلُونَ }\r[ الصف : 2 ] وهذا وجه ظاهر ، إلا أنهم اختلفوا في الجر في قوله : {والمسجد الحرام} وذكروا فيه وجهين أحدهما : أنه عطف على الهاء في به والثاني : وهو قول الأكثرين : أنه عطف على {سَبِيلِ الله} قالوا : وهو متأكد بقوله تعالى : {إِنَّ الذين كَفَرُواْ وَيَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ الله والمسجد الحرام} {الحج : 25 ].\rواعترضوا على الوجه الأول بأنه لا يجوز العطف على الضمير ، فإنه لا يقال : مررت به وعمرو ، وعلى الثاني بأن على هذا الوجه يكون تقدير الآية : صد عن سبيل الله وعن المسجد الحرام ، فقوله : عن المسجد الحرام صلة للصد ، والصلة والموصول في حكم الشيء الواحد ، فإيقاع الأجنبي بينهما لا يكون جائزاً.\r","part":5,"page":343},{"id":2083,"text":"أجيب عن الأول : لم لا يجوز إضمار حرف الجر فيه حتى يكون التقدير : وكفر به وبالمسجد الحرام ، والإضمار في كلام الله ليس بغريب ، ثم يتأكد هذا بقراءة حمزة {تَسَاءلُونَ بِهِ والأرحام} {النساء : 1 ] على سبيل الخفض ولو أن حمزة روى هذه اللغة لكان مقبولاً بالاتفاق ، فإذا قرأ به في كتاب الله تعالى كان أولى أن يكون مقبولاً ، وأما الأكثرون الذين اختاروا القول الثاني قالوا : لا شك أنه يقتضي وقوع الأجنبي بين الصلة والموصول ، والأصل أنه لا يجوز إلا أنا تحملناه ههنا لوجهين الأول : أن الصد عن سبيل الله والكفر به كالشيء الواحد في المعنى ، فكأنه لا فصل الثاني : أن موضع قوله : {وَكُفْرٌ بِهِ} عقيب قوله : {والمسجد الحرام} إلا أنه قدم عليه لفرط العناية ، كقوله تعالى : {وَلَمْ يَكُنْ لَّهُ كُفُواً أَحَدًا} {الإخلاص : 4 ] كان من حق الكلام أن يقال : ولم يكن له أحد كفواً إلا أن فرط العناية أوجب تقديمه فكذا ههنا.\rالوجه الثاني : في هذه الآية ، وهو اختيار الفراء وأبي مسلم الأصفهاني أن قوله تعالى : {والمسجد الحرام} عطف بالواو على الشهر الحرام ، والتقدير : يسألونك عن قتال في الشهر الحرام والمسجد الحرام ، ثم بعد هذا طريقان أحدهما : أن قوله : {قِتَالٌ فِيهِ} مبتدأ ، وقوله : {كَبِيرٌ وَصَدٌّ عَن سَبِيلِ الله وَكُفْرٌ بِهِ} خبر بعد خبر ، والتقدير : إن قتلاً فيه محكوم عليه بأنه كبير وبأنه صد عن سبيل الله ، وبأنه كفر بالله.\r","part":5,"page":344},{"id":2084,"text":"والطريق الثاني : أن يكون قوله : {قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ} جملة مبتدأ وخبر ، وأما قوله : {وَصَدٌّ عَن سَبِيلِ الله} فهو مرفوع بالابتداء ، وكذا قوله : {وَكُفْرٌ بِهِ} والخبر محذوف لدلالة ما تقدم عليه ، والتقدير : قل قتال فيه كبير وصد عن سبيل الله كبير وكفر به كبير ، ونظيره قولك : زيد منطلق وعمرو ، تقديره : وعمرو منطلق ، طعن البصريون في هذا الجواب فقالوا : أما قولكم تقدير الآية : يسألونك عن قتال في المسجد الحرام فهو ضعيف لأن السؤال كان واقعاً عن القتال في الشهر الحرام لا عن القتال في المسجد الحرام ، وطعنوا في الوجه الأول بأنه يقتضي أن يكون القتال في الشهر الحرام كفراً بالله ، وهو خطأ بالإجماع ، وطعنوا في الوجه الثاني بأنه لما قال بعد ذلك : {وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ} أي أكبر من كل ما تقدم فيلزم أن يكون إخراج أهل المسجد من المسجد أكبر عند الله من الكفر ، وهو خطأ بالإجماع.\rوأقول : للفراء أن يجيب عن الأول بأنه من الذي أخبركم بأنه ما وقع السؤال عن القتال في المسجد الحرام ، بل الظاهر أنه وقع لأن القوم كانوا مستعظمين للقتال في الشهر الحرام وفي البلد الحرام وكان أحدهما كالآخر في القبح عند القوم ، فالظاهر أنهم جمعوهما في السؤال ، وقولهم على الوجه الأول يلزم أن يكون القتال في الشهر الحرام كفراً.\r","part":5,"page":345},{"id":2085,"text":"قلنا : يلزم أن يكون قتال في الشهر الحرام كفراً ونحن نقول به ، لأن النكرة في الإثبات لا تفيد العموم ، وعندنا أن قتالاً واحداً في المسجد الحرام كفر ، ولا يلزم أن كل قتال كذلك ، وقولهم على الوجه الثاني يلزم أن يكون إخراج أهل المسجد منه أكبر من الكفر ، قلنا : المراد من أهل المسجد هم الرسول عليه السلام والصحابة ، وإخراج الرسول من المسجد على سبيل الإذلال لا شك أنه كفر وهو مع كونه كفراً فهو ظلم لأنه إيذاء للإنسان من غير جرم سابق وعرض لاحق ولا شك أن الشيء الذي يكون ظلماً وكفراً ، أكبر وأقبح عند الله مما يكون كفراً وحده ، فهذا جملة القول في تقرير قول الفراء.\rالقول الثالث : في الآية قوله : {قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ وَصَدٌّ عَن سبيل الله وَكُفْرٌ بِهِ} وجهه ظاهر ، وهو أن قتالاً فيه موصوف بهذه الصفات ، وأما الخفض في قوله : {والمسجد الحرام} فهو واو القسم إلا أن الجمهور ما أقاموا لهذا القول وزناً. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 6 صـ 29}\rسؤال : فإن قلت : إذا نُسخ تحريم القتال في الأشهر الحُرم فما معنى قول النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ في خطبة الوداع \"إن دِماءكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حَرام كحُرمة يومكم هذا في شهركم هذا في بلدكم هذا \"\rفإن التشبيه يقتضي تقرير حُرمة الأشهر. قلت : إن تحريم القتال فيها تَبَع لتعظيمها وحرمتها وتنزيهها عن وقوع الجرائم والمظالم فيها فالجريمة فيها تعد أعظم منها لو كانت في غيرها. والقتال الظلمُ محرم في كل وقت ، والقتال لأجل الحق عبادة فنُسخ تحريم القتال فيها لذلك وبقيت حرمة الأشهر بالنسبة لبقية الجرائم.","part":5,"page":346},{"id":2086,"text":"وأحسن من هذا أن الآية قررت حرمة القتال في الأشهر الحرم لحكمة تأمين سبل الحج والعمرة ، إذ العمرة أكثرها في رجب ولذلك قال : {قتال فيه كبير} واستمر ذلك إلى أن أبطل النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ الحجَّ على المشركين في عام حجة أبي بكر بالناس ؛ إذ قد صارت مكة بيد المسلمين ودخل في الإسلام قريش ومعظم قبائل العرب والبقية منعوا من زيارة مكة ، وأن ذلك كان يقتضي إبطال تحريم القتال في الأشهر الحرم ؛ لأن تحريمه فيها لأجل تأمين سبيل الحج والعمرة. وقد تعطل ذلك بالنسبة للمشركين ولم يبق الحج إلاّ للمسلمين وهم لا قتال بينهم ، إذ قتال الظلم محرم في كل زمان وقتال الحق يقع في كل وقت ما لم يشغل عنه شاغل مثل الحج ، فتسميته نسخاً تسامح ، وإنما هو انتهاء مورد الحكم ، ومثل هذا التسامح في الأسماء معروف في كلام المتقدمين ، ثم أسلم جميع المشركين قبل حجة الوداع وذكر النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ حرمة الأشهر الحرم في خطبته ، وقد تعطل حينئذٍ العمل بحرمة القتال في الأشهر الحرم ، إذ لم يبق مشرك يقصد الحج. فمعنى نسخ تحريم القتال في الأشهر الحرم أن الحاجة إليه قد انقضت كما انتهى مصرف المؤلَّفة قلوبهم من مصارف الزكاة بالإجماع لانقراضهم.\r","part":5,"page":347},{"id":2087,"text":"إنحاء على المشركين وإظهار لظلمهم بعد أن بكَّتهم بتقرير حرمة الأشهر الحرم الدال على أن ما وقع من أهل السرية من قتل رجل فيه كان عن خطأ في الشهر أو ظن سقوط الحرمة بالنسبة لقتال العدو ، فإن المشركين استعظموا فعلاً واستنكروه وهم يأتون ما هو أفظع منه ، ذلك أن تحريم القتال في الشهر الحرام ليس لذات الأشهر ، لأن الزمان لا حرمة له في ذاته وإنما حرمته تحصل بجعل الله إياه ذا حرمة ، فحرمته تبع لحوادث تحصل فيه ، وحرمة الأشهر الحرم لمراعاة تأمين سبيل الحج والعمرة ومقدماتهما ولواحقهما فيها ، فلا جرم أن الذين استعظموا حصول القتل في الشهر الحرام واستباحوا حرمات ذاتيَّة بصد المسلمين ، وكفروا بالله الذي جعل الكعبة حراماً وحَرَّم لأجل حجها الأشهرَ الحرم ، وأخرجوا أهل الحرم منه ، وآذوهم ، لأحْرِياء بالتحميق والمذمة ، لأن هاته الأشياء المذكورة كلها محرمة لذاتها لا تبعاً لغيرها. وقد قال الحسن البصري لرجل من أهل العراق جاء يسأله عن دم البعوض إذا أصاب الثوب هل ينجسه ، وكان ذلك عقب مقتل الحسين بن عليّ رضي الله عنهما \"عجباً لكم يا أهل العراق تستحلون دم الحسين وتسألون عن دم البعوض\".\rويحق التمثل هنا بقول الفرزدق\r : ... أَتَغضَبُ إِنْ أُذْنَا قُتَيْبَةَ حُزَّتا\rجِهارا ولم تغضَبْ لقتل ابن خازم... والمعنى أن الصد وما عطف عليه من أفعال المشركين أكبر إثماً عند الله من إثم القتال في الشهر الحرام. أ هـ {التحرير والتنوير حـ 2 صـ 328}\rفصل\rأما الصد عن سبيل الله ففيه وجوه\rأحدها : أنه صد عن الإيمان بالله وبمحمد عليه السلام\rوثانيها : صد للمسلمين من أن يهاجروا إلى الرسول عليه السلام","part":5,"page":348},{"id":2088,"text":"وثالثها : صد المسلمين عام الحديبية عن عمرة البيت ، ولقائل أن يقول : الرواية دلت على أن هذه الآية نزلت قبل غزوة بدر في قصة عبد الله بن جحش ، وقصة الحديبية كانت بعد غزوة بدر بمدة طويلة ، ويمكن أن يجاب عنه بأن ما كان في معلوم الله تعالى كان كالواقع ، وأما الكفر بالله فهو الكفر بكونه مرسلاً للرسل ، مستحقاً للعبادة ، قادراً على البعث. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 6 صـ 29}\rقوله تعالى : {والمسجد الحرام }\rقال الفخر : \rوأما قوله : {والمسجد الحرام} فإن عطفناه على الضمير في {بِهِ} كان المعنى : وكفر بالمسجد الحرام ، ومعنى الكفر بالمسجد الحرام هو منع الناس عن الصلاة فيه والطواف به ، فقد كفروا بما هو السبب في فضيلته التي بها يتميز عن سائر البقاع ، ومن قال : إنه معطوف على سبيل الله كان المعنى : وصد عن المسجد الحرام ، وذلك لأنهم صدوا عن المسجد الحرام الطائفين والعاكفين والركع السجود. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 6 صـ 29}\rقوله تعالى : {وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ }\rقال الفخر : ","part":5,"page":349},{"id":2089,"text":"وأما قوله تعالى : {وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ} فالمراد أنهم أخرجوا المسلمين من المسجد ، بل من مكة ، وإنما جعلهم أهلاً له إذ كانوا هم القائمين بحقوق البيت كما قال تعالى : {وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التقوى وَكَانُواْ أَحَقَّ بِهَا وَأَهْلَهَا} {الفتح : 26 ] وقال تعالى : {وَمَا لَهُمْ أَلاَّ يُعَذّبَهُمُ الله وَهُمْ يَصُدُّونَ عَنِ المسجد الحرام وَمَا كَانُواْ أَوْلِيَاءهُ إِنْ أَوْلِيَاؤُهُ إِلاَّ المتقون} {الأنفال : 34 ] فأخبر تعالى أن المشركين خرجوا بشركهم عن أن يكونوا أولياء المسجد ، ثم إنه تعالى بعد أن ذكر هذه الأشياء حكم عليها بأنها أكبر ، أي كل واحد منها أكبر من قتال في الشهر الحرام ، وهذا تفريع على قول الزجاج ، وإنما قلنا : إن كل واحد من هذه الأشياء أكبر من قتال في الشهر الحرام لوجهين : أحدهما : أن كل واحد من هذه الأشياء كفر ، والكفر أعظم من القتال والثاني : أنا ندعي أن كل واحد من هذه الأشياء أكبر من قتال في الشهر الحرام وهو القتال الذي صدر عن عبد الله بن جحش ، وهو ما كان قاطعاً بوقوع ذلك القتال في الشهر الحرام ، وهؤلاء الكفار قاطعون بوقوع هذه الأشياء منهم في الشهر الحرام ، فيلزم أن يكون وقوع هذه الأشياء أكبر. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 6 صـ 30}\rفائدة\rقال ابن عاشور : ","part":5,"page":350},{"id":2090,"text":"مقتضى ظاهر ترتيب نظم الكلام أن يقال : وصدٌّ عن سبيل الله وكفر به وصد عن المسجد الحرام وإخراجُ أهله منه أكبر عند الله ، فخولف مقتضى هذا النظم إلى الصورة التي جاءت الآية عليها ، بأن قُدم قوله ( وكفر به ) فجعل معطوفاً على ( صد ) قبل أن يستوفَى صد ما تعلق به وهو ( والمسجِد الحرام ) فإنه معطوف على ( سبيل الله ) المتعلق بـ ( صد ) إذ المعطوف على المتعلَّق متعلِّقٌ فهو أولى بالتقديم من المعطوف على الاسم المتعلَّق به ، لأن المعطوف على المتعلَّق به أجنبي عن المعطوف عليه ، وأما المعطوف على المتعلِّق فهو من صلة المعطوف عليه ، والداعي إلى هذا الترتيب هو أن يكون نظم الكلام على أسلوب أدق من مقتضى الظاهر وهو الاهتمام بتقديم ما هو أفظع من جرائمهم ، فإن الكفر بالله أفظع من الصد عن المسجد الحرام ، فكان ترتيب النظم على تقديم الأهمِّ فالأهمِّ ، فإن الصد عن سبيل الإسلام يجمع مظالم كثيرة ؛ لأنه اعتداء على الناس في ما يختارونه لأنفسهم ، وجحد لرسالة رسول الله ، والباعث عليه انتصارهم لأصنامهم {أجعل الآلهة إلهاً وَاحداً إنَّ هذا لَشَيْءٌ عُجاب} {ص : 5 ] فليس الكفر بالله إلا ركناً من أركان الصد عن الإسلام فلذلك قدم الصد عن سبيل الله ثم ثنَّى بالكفر بالله ليفاد بدلالة المطابقة بعد أن دَلَّ عليه الصدُّ عن سبيل الله بدلالة التضمن ، ثم عد عليهم الصد عن المسجد الحرام ثم إخراج أهله منه. ولا يصح أن يكون \"والمسجد الحرام\" عطفاً على الضمير في قوله ( به ) لأنه لا معنى للكفر بالمسجد الحرام فإن الكفر يتعدى إلى ما يُعبد ومَا هو دين وما يتضمن ديناً ، على أنهم يعظمون المسجد الحرام ولا يعتقدون فيه ما يسوغ أن يتكلف بإطلاق لفظ الكفر عليه على وجه المجاز.","part":5,"page":351},{"id":2091,"text":"وقوله : {وإخراج أهله منه} أي إخراج المسلمين من مكة ؛ فإنهم كانوا حول المسجد الحرام ؛ لأن في إخراجهم مظالم كثيرة فقد مرض المهاجرون في خروجهم إلى المدينة ومنهم كثير من أصابته الحمى حتى رفعت من المدينة ببركة دعاء الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ على أن التفضيل إنما تعلق بوقوع القتال في الأشهر الحرم لا بنفس القتل فإن له حكماً يخصه. أ هـ {التحرير والتنوير حـ 2 صـ 330}\rقوله تعالى : {والفتنة أَكْبَرُ مِنَ القتل }\rقال البقاعى : \rولما كان كل ما تقدم من أمر الكفار فتنة كان كأنه قيل : أكبر ، لأن ذلك فتنة {والفتنة} أي بالكفر والتكفير بالصد والإخراج وسائر أنواع الأذى التي ترتكبونها بأهل الله في الحرم والأشهر الحرم {أكبر من القتل} ولو كان في الشهر الحرام لأن همه يزول وغمها يطول. أ هـ {نظم الدرر حـ 1 صـ 405}\rوقال ابن عاشور : \rوقوله : {والفتنة أكبر من القتل} تذييل مسوق مساق التعليل ، لقوله : {وإخراج أهله منه} ؛ وإذ قد كان إخراج أهل الحرم منه أكبر من القتل ؛ كان ما ذكر قبله من الصد عن الدِّين والكفر بالله والصد عن المسجد الحرام أكبر بدلالة الفحوى ، لأن تلك أعظم جرماً من جريمة إخراج المسلمين من مكة.\rوالفتنة : التشغيب والإيقاع في الحيرة واضطراب العيش فهي اسم شامل لما يعظم من الأذى الداخل على أحد أو جماعة من غيرهم ، وأريد بها هنا ما لقيه المسلمون من المشركين من المصائب في الدين بالتعرض لهم بالأذى بالقول والفعل ، ومنعهم من إظهار عبادتهم ، وقطيعتهم في المعاملة ، والسخرية بهم والضرب المدمي والتمالىء على قتل الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ والإخراج من مكة ومنع من أموالهم ونسائهم وصدهم عن البيت ، ولا يخفى أن مجموع ذلك أكبر من قتل المسلمين واحداً من رجال المشركين وهو عَمرو الحضرمي وأسِرهم رجلين منهم.\rو ( أكبر ) أي أشد كِبَراً أي قوة في المحارم ، أي أكبر من القتل الذي هو في الشهر الحرام كبير.","part":5,"page":352},{"id":2092,"text":"جملة معترضة دعا إلى الاعتراض بها مناسبة قوله : {والفتنة أكبر من القتل} لما تضمنته من صدور الفتنة من المشركين على المسلمين وما تتضمنه الفتنة من المقاتلة التي تداولَها المسلمون والمشركون. إذ القتال يشتمل على أنواع الأذى وليس القتل إلاّ بعض أحوال القتال ألا ترى إلى قوله تعالى : {أذن للذين يقاتلون بأنهم ظلموا} {الحج : 39 ] فسمى فعل الكفار مع المسلمين مقاتلة وسمى المسلمين مقاتَلين بفتح التاء ، وفيه إعلام بأن المشركين مضمرون غزو المسلمين ومستعدون له وإنما تأخروا عنه بعد الهجرة ، لأنهم كانوا يقاسون آثار سني جدب فقوله {لا يزالون} وإن أشعر أن قتالهم موجود فالمراد به أسباب القتال ، وهو الأذى وإضمار القتال كذلك ، وأنّهم إن شرعوا فيه لا ينقطعون عنه ، على أن صريح لا يزال الدلالة على أن هذا يدوم في المستقبل ، و( حتى ) للغاية وهي هنا غاية تعليلية.\rوالمعنى : أن فتنتهم وقتالهم يدوم إلى أن يحصل غرضهم وهو أن يردوكم عن دينكم. أ هـ {التحرير والتنوير حـ 2 صـ 331}\rوقال الفخر : \rأما قوله تعالى : {والفتنة أَكْبَرُ مِنَ القتل} فقد ذكروا في الفتنة قولين أحدهما : هي الكفر وهذا القول عليه أكثر المفسرين ، وهو عندي ضعيف ، لأن على قول الزجاج قد تقدم ذكر ذلك ، فإنه تعالى قال : {وَكُفْرٌ بِهِ أَكْبَر} فحمل الفتنة على الكفر يكون تكراراً ، بل هذا التأويل يستقيم على قول الفراء.","part":5,"page":353},{"id":2093,"text":"والقول الثاني : أن الفتنة هي ما كانوا يفتنون المسلمين عن دينهم ، تارة بإلقاء الشبهات في قلوبهم ، وتارة بالتعذيب ، كفعلهم ببلال وصهيب وعمار بن ياسر ، وهذا قول محمد بن إسحاق وقد ذكرنا أن الفتنة عبارة عن الامتحان ، يقال فتنت الذهب بالنار إذا أدخلته فيها لتزيل الغش عنه ، ومنه قوله تعالى : {إِنَّمَا أموالكم وأولادكم فِتْنَةٌ} {التغابن : 15 ] أي امتحان لكم لأنه إذا لزمه إنفاق المال في سبيل الله تفكر في ولده ، فصار ذلك مانعاً له عن الإنفاق ، وقال تعالى : {الم أَحَسِبَ الناس أَن يُتْرَكُواْ أَن يَقُولُواْ ءامَنَّا وَهُمْ لاَ يُفْتَنُونَ} {العنكبوت : 1 ، 2 ] أي لا يمتحنون في دينهم بأنواع البلاء ، وقال : {وفتناك فُتُوناً} {طه : 40 ] وإنما هو الامتحان بالبلوى ، وقال : {وَمِنَ الناس مَن يِقُولُ ءامَنَّا بالله فَإِذَا أُوذِىَ فِى الله جَعَلَ فِتْنَةَ الناس كَعَذَابِ الله} {العنكبوت : 10 ] والمراد به المحنة التي تصيبه من جهة الدين من الكفار وقال : {إِنَّ الذين فَتَنُواْ المؤمنين والمؤمنات ثُمَّ لَمْ يَتُوبُواْ} {البروج : 10 ] والمراد أنهم آذوهم وعرضوهم على العذاب ليمتحنوا ثباتهم على دينهم ، وقال : {فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَقْصُرُواْ مِنَ الصلاة إِنْ خِفْتُمْ أَن يَفْتِنَكُمُ الذين كَفَرُواْ} {النساء : 101 ] وقال : {مَا أَنتُمْ عَلَيْهِ بفاتنين إِلاَّ مَنْ هُوَ صَالِ الجحيم} {الصافات : 162 ، 163 ] وقال : {فَيَتَّبِعُونَ مَا تشابه مِنْهُ ابتغاء الفتنة} {آل عمران : 7 ] أي المحنة في الدين وقال : {واحذرهم أَن يَفْتِنُوكَ عَن بَعْضِ مَا أَنزَلَ الله إِلَيْكَ} {المائدة : 49 ] وقال : {رَبَّنَا لاَ تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لّلَّذِينَ كَفَرُواْ} {الممتحنة : 5 ] وقال : {رَبَّنَا لاَ تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لّلْقَوْمِ الظالمين} {يونس : 85 ] والمعنى أن يفتنوا","part":5,"page":354},{"id":2094,"text":"بها عن دينهم فيتزين في أعينهم ما هم فيه من الكفر والظلم وقال : {فَسَتُبْصِرُ وَيُبْصِرُونَ بِأَيّكُمُ المفتون} {القلم : 5 ، 6 ] قيل : المفتون المجنون ، والجنون فتنة ، إذ هو محنة وعدول عن سبيل أهل السلامة في العقول.\rفثبت بهذه الآيات أن الفتنة هي الامتحان ، وإنما قلنا : إن الفتنة أكبر من القتل لأن الفتنة عن الدين تفضي إلى القتل الكثير في الدنيا ، وإلى استحقاق العذاب الدائم في الآخرة ، فصح أن الفتنة أكبر من القتل فضلاً عن ذلك القتل الذي وقع السؤال عنه وهو قتل ابن الحضرمي.\rأ هـ {مفاتيح الغيب حـ 6 صـ 30}\rقال ابن القيم : \rأكثرُ السَلَف فسَّروا الفتنة ههنا بالشرك ، كقوله تعالى : {وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ} [البقرة : 193] ويدل عليه قوله : {ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ إلا أنْ قَالُواْ وَاللهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ} [الأنعام : 23] أى : لم يكن مآلُ شركهم ، وعاقبته وآخرُ أمرهم ، إلا أن تبرّؤوا منه وأنكروه.\rوحقيقتها : أنها الشرك الذى يدعو صاحبُه إليه ، ويُقاتِل عليه ، ويُعاقب مَن لم يَفَتِتنْ به ، ولهذا يُقال لهم وقتَ عذابهم بالنار وفتنتهم بها : {ذُوقُواْ فِتْنَتَكُمْ} [الذاريات : 14] قال ابن عباس : \"تكذيبَكم\" ، وحقيقته : ذوقوا نهاية فتنتكم ، وغايَتَها ، ومصيرَ أمرها ، كقولهِ : {ذُوقُوا مَا كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ} [الزمر : 24] ، وكما فتنوا عباده على الشرك ، فُتِنُوا على النار ، وقيل لهم : ذوقوا فتنتكم ، ومنه قوله تعالى : {إنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا المُؤْمِنِينَ وَالمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَتُوبُواْ} [البروج : 10] فُسِّرت الفتنةُ ههنا بتعذيبهم المؤمنين ، وإحراقهم إياهم بالنار ، واللَّفظُ أعمُّ من ذلك ، وحقيقته : عذَّبُوا المؤمنين ليفتَتِنُوا عن دينهم ، فهذه الفتنةُ المضافةُ إلى المشركين.","part":5,"page":355},{"id":2095,"text":"وأما الفتنة التى يُضيفها اللهُ سبحانه إلى نفسه أو يُضيفها رسولُه إليه ، كقوله : {وَكَذَلِكَ فَتَنَّا بَعْضَهُم بِبَعْضٍ} [الأنعام : 53] وقول موسى : {إنْ هِىَ إلاَّ فِتْنَتُكَ تُضِلُّ بِهَا مَن تَشَاءُ وَتَهْدِى مَن تَشَاءُ} [الأعراف : 155] ، فتلك بمعنى آخر ، وهى بمعنى الامتحان ، والاختبار ، والابتلاء من الله لعباده بالخير والشر ، بالنعم والمصائب ، فهذه لون ، وفتنةُ المشركين لون ، وفتنة المؤمن فى ماله وولده وجاره لون آخر ، والفتنة التى يوقعها بين أهل الإسلام ، كالفتنة التى أوقعها بين أصحاب علىّ ومعاوية ، وبين أهل الجمل وصفين ، وبين المسلمين ، حتى يتقاتلوا ويتهاجروا لون آخر ، وهى الفتنة التى قال فيها النبى ـ صلى الله عليه وسلم ـ : \"سَتَكُونُ فِتْنَةٌ ، القَاعِدُ فيها خَيْرٌ مِنَ القَائِمِ ، والقائِمُ فِيهَا خَيْرٌ منَ المَاشى ، والماشى فيها خَيْرٌ من السَّاعِى\" وأحاديثُ الفتنة التى أمر رسولُ الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ فيها باعتزال الطائفتين ، هى هذه الفتنة.\rوقد تأتى الفتنة مراداً بها المعصية كقوله تعالى : {وَمِنْهُم مَّنْ يَقُولُ ائْذَنْ لِّى وَلا تَفْتِنِّى} [التوبة : 49] يقوله الجدُّ بنُ قيس ، لما ندبه رسولُ الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ إلى تبوكَ ، يقول : ائذن لى فى القُعود ، ولا تفتنى بتعرضى لبنات بنى الأصفر ، فإنى لا أَصْبِرُ عنهن ، قال تعالى : {أَلا فِى الْفِتْنَةِ سَقَطُواْ} [التوبة : 49] ، أى : وقعوا فى فتنة النفاق ، وفروا إليها مِن فتنة بناتِ الأصفر.\r","part":5,"page":356},{"id":2096,"text":"والمقصود : أن الله سبحانه حكم بين أوليائه وأعدائه بالعدل والإنصاف ، ولم يُبرئ أولياءَه من ارتكاب الإثم بالقتالِ فى الشهر الحرام ، بل أخبر أنه كبير ، وأن ما عليه أعداؤه المشركون أكبرُ وأعظمُ مِن مجردِ القتالِ فى الشهر الحرام ، فهم أحقُّ بالذمِّ والعيبِ والعُقوبَةِ ، لا سيما وأولياؤه كانوا متأوِّلين فى قتالهم ذلك ، أو مقصِّرين نوعَ تقصير يغفِره الله لهم فى جنب ما فعلوه مِن التوحيد والطاعات ، والهِجرة مع رسوله ، وإيثارِ ما عند الله ، فهم كما قيل :\rوإذَا الحَبِيبُ أَتى بِذَنْبٍ وَاحِدٍ جَاءَتْ مَحَاسِنُه بِأَلْفِ شَفِيع\rفكيف يُقاس ببغيضٍ عدوٍ جاء بكُلِّ قبيح ، ولم يأت بشفيع واحد مِن المحاسن. أ هـ {زاد المعاد حـ 3 صـ 150 ـ 151}\rلطيفة\rقال العلامة الفيروزابادى :\rأَصل الفتنة إِدخال الذَّهبِ النارَ ليُخْتَبَر جودته ، والجمع : فِتَن ، قال :\rوفيك لنا فِتن أَرْبعٌ تسُلّ علينا سيوف\rوقد ورد فى القرآن على اثنى عشر وجهاً :\r(1) بمعنى العذاب : {ذُوقُواْ فِتْنَتَكُمْ}.\r(2) وبمعنى الشِّرك : {وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ}.\r(3) وبمعنى الكفر : {لَقَدِ ابْتَغَوُاْ الْفِتْنَةَ} ، {مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ} ، {وَلَاكِنَّكُمْ فَتَنتُمْ أَنفُسَكُمْ} أَى كفرتم.\r(4) وبمعنى الإِثم {فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَن تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ} أَى إِثم ، {وَمِنْهُمْ مَّن يَقُولُ ائْذَن لِّي وَلاَ تَفْتِنِّي أَلا فِي الْفِتْنَةِ سَقَطُواْ} فى الإِثم.\r(5) وبمعنى العذاب : {مِن بَعْدِ مَا فُتِنُواْ} أَى عُذِّبوا.\r(6) وبمعنى البلاءِ والمِحْنَة : {أَن يَقُولُواْ آمَنَّا وَهُمْ لاَ يُفْتَنُونَ} أَى يُبْتَلُونَ ، {وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ} : امتحنَّاهُمْ ، {وَفَتَنَّاكَ فُتُوناً} أَى بلوناك. {وَلَقَدْ فَتَنَّا قَبْلَهُمْ قَوْمَ فِرْعَوْنَ} أَى ابتليناهم.","part":5,"page":357},{"id":2097,"text":"(7) وبمعنى التعذيب والحُرقة : {إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُواْ الْمُؤْمِنِينَ} أَى عذَّبوهم ، {ذُوقُواْ فِتْنَتَكُمْ} : حُرَقكم.\r(8) وبمعنى القتل والهلاك : {إِنْ خِفْتُمْ أَن يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُواْ} أَى يقتلكم ، {عَلَى خَوْفٍ مِّن فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِمْ أَن يَفْتِنَهُمْ} أَى يقتلهم.\r(9) وبمعنى الصدّ عن الصراط المستقيم : {وَإِن كَادُواْ لَيَفْتِنُونَكَ} ، {وَاحْذَرْهُمْ أَن يَفْتِنُوكَ} أَى يصدّوكَ. وقيل : يوقعوك فى بليّة وشدّة فى صرفهم إِيّاك عمّا أُوحى إِليك.\r(10) وبمعنى الحَيرة والضَّلال : {مَآ أَنتُمْ عَلَيْهِ بِفَاتِنِينَ} أَى بضالِّين ، {وَمَن يُرِدِ اللَّهُ فِتْنَتَهُ} أَى ضلالته.\r(11) وبمعنى العُذْر وَالعِلّة : {ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ إِلاَّ أَن قَالُواْ} أَى عذرهم.\r(12) وبمعنى الجنون والغفلة : {بِأَيِّكُمُ الْمَفْتُونُ} أَى الجنون. وقيل التقدير : أَيكم المفتون والباء زائدة كقوله : {وَكَفَى بِاللَّهِ}\rوالفتنة والبلاءُ يستعملان فيما يُدفع إليه الإِنسان من شدّة ورخاء. وهما فى الشدّة أَظهر معنى وأَكثر استعمالاً.\rوقوله تعالى : {أَوَلاَ يَرَوْنَ أَنَّهُمْ يُفْتَنُونَ فِي كُلِّ عَامٍ} إِشارة إِلى ما قال تعالى : {وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِّنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِّنَ الأَمَوَالِ وَالأَنفُسِ وَالثَّمَرَاتِ}.\rوالفتنة من الأَفعال التى تكون من الله تعالى ، ومن العبد ؛ كالبليّة والمصيبة ، \rوالقتل ، والعذاب ونحوه من الأَفعال المكروهة. ومتى كان من الله إِنَّما يكون على وجه الحكمة ، ومتى كان من الإِنسان بغير أَمر الله يكون ضدّ ذلك. أ هـ {بصائر ذوى التمييز حـ 6 صـ 141}\rقوله تعالى : {وَلاَ يَزَالُونَ يقاتلونكم}\rالمناسبة\rقال البقاعى : ","part":5,"page":358},{"id":2098,"text":"ولما كان التقدير : وقد فتنوكم وقاتلوكم وكان الله سبحانه وتعالى عالماً بأنهم إن تراخوا في قتالهم ليتركوا الكفر لم يتراخوا هم في قتالهم ليتركوا الإسلام وكان أشد الأعداء من إذا تركته لم يتركك قال تعالى عاطفاً على ما قدرته : {ولا يزالون} أي الكفار {يقاتلونكم} أي يجددون قتالكم كلما لاحت لهم فرصة. أ هـ {نظم الدرر حـ 1 صـ 405}\rوقال القرطبى :\rقوله تعالى : {وَلاَ يَزَالُونَ} ابتداء خبر من الله تعالى ، وتحذير منه للمؤمنين من شرّ الكفرة. قال مجاهد : يعني كفار قريش. و\"يردوكم\" نصب بحتى ، لأنها غاية مجرّدة. أ هـ {تفسير القرطبى حـ 3 صـ 46}\rوقال أبو حيان :\r{ ولا يزالون يقاتلونكم حتى يردوكم عن دينكم إن استطاعوا} الضمير في : يزالون ، للكفار ، وهذا يدل على أن الضمير المرفوع في قوله : يسألونك ، هو الكفار ، والضمير المنصوب في : يقاتلونكم ، خوطب به المؤمنون ، وانتقل عن خطاب رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ إلى خطاب المؤمنين ، وهذا إخبار من الله للمؤمنين بفرط عداوة الكفار ، ومباينتهم لهم ، ودوام تلك العداوة ، وأن قتالهم إياكم معلق بإمكان ذلك منهم لكم ، وقدرتهم على ذلك. أ هـ {البحر المحيط حـ 2 صـ 158}\rقوله تعالى : {حتى يَرُدُّوكُمْ عَن دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُواْ}\rقال البقاعى :\rولما كان التقدير : وقد فتنوكم وقاتلوكم وكان الله سبحانه وتعالى عالماً بأنهم إن تراخوا في قتالهم ليتركوا الكفر لم يتراخوا هم في قتالهم ليتركوا الإسلام وكان أشد الأعداء من إذا تركته لم يتركك قال تعالى عاطفاً على ما قدرته : {ولا يزالون} أي الكفار {يقاتلونكم} أي يجددون قتالكم كلما لاحت لهم فرصة.","part":5,"page":359},{"id":2099,"text":"ولما كان قتالهم إنما هو لتبديل الدين الحق بالباطل علله تعالى بقوله : {حتى} ولكنهم لما كانوا يقدرون أنه هيّن عليهم لقلة المسلمين وضعفهم تصوروه غاية لا بد من انتهائهم إليها ، فدل على ذلك بالتعبير بأداة الغاية ، {يردوكم} أي كافة ما بقي منكم واحد {عن دينكم} الحق ، ونبه على أن \"حتى \"تعليلية بقوله مخوفاً من التواني عنهم فيستحكم كيدهم ملهباً للأخذ في الجد في حربهم وإن كان يشعر بأنهم لا يستطيعون : {إن استطاعوا} أي إلى ذلك سبيلاً ، فأنتم أحق بأن لا تزالوا كذلك ، لأنكم قاطعون بأنكم على الحق وأنكم منصورون وأنهم على الباطل وهم مخذولون ؛ ولا بد وإن طال المدى لاعتمادكم على الله واعتمادهم على قوتهم ، ومن وكل إلى نفسه ضاع ؛ فالأمر الذي بينكم وبينهم أشد من الكلام فينبغي الاستعداد له بعدته والتأهب له بأهبته فضلاً عن أن يلتفت إلى التأثر بكلامهم الذي توحيه إليهم الشياطين طعناً في الدين وصداً عن السبيل وشبههم التي أضَلوا عليهم دينهم ولا أصل لها. أ هـ {نظم الدرر حـ 1 صـ 405}\rقال الآلوسى : \r{ حتى} للتعليل ، والمعنى لا يزالون يعادونكم لكي يردوكم عن دينكم ، وقوله تعالى : {إِنِ اسْتَطَاعُواْ} متعلق بما عنده ، والتعبير بإن لاستبعاد استطاعتهم وأنها لا تجوز إلا على سبيل الفرض كما يفرض المحال ، وفائدة التقييد بالشرط التنبيه على سخافة عقولهم وكون دوام عداوتهم فعلاً عبثاً لا يترتب عليه الغرض وليس متعلقاً بلا يزالون يقاتلونكم إذ لا معنى لدوامهم على العداوة إن استطاعوها لكنها مستبعدة.","part":5,"page":360},{"id":2100,"text":"وذهب ابن عطية إلى أن {حتى} للغاية والتقييد بالشرط حينئذ لإفادة أن الغاية مستبعدة الوقوع والتقييد بالغاية الممتنع وقوعها شائع كما في قوله تعالى : {حتى يَلِجَ الجمل فِى سَمّ الخياط} {الأعراف : 0 4 ] وفيه أن استبعاد وقوع الغاية مما يترتب عليه عدم انقطاع العداوة وقد أفاده صدر الكلام ، والقول بالتأكيد غير أكيد ، نعم يمكن الحمل على الغاية لو أريد من المقاتلة معناها الحقيقي ويكون الشرط متعلقاً بلا يزالون فيفيد التقييد أن تركهم المقاتلة في بعض الأوقات لعدم استطاعتهم إلا أن المعنى حينئذ يكون مبتذلاً كما لا يخفى. أ هـ {روح المعانى حـ 2 صـ 110}\rقال البقاعى : \rقال الحرالي : الاستطاعة مطاوعة النفس في العمل وإعطاؤها الانقياد فيه ، ثم قال : فيه إشعار بأن طائفة ترتد عن دينها وطائفة تثبت ، لأن كلام الله لا يخرج في بته واشتراطه إلا لمعنى واقع لنحو ما ويوضحه تصريح الخطاب في قوله : {ومن يرتدد} إلى آخره ؛ وهو من الردة ومنه الردة وهو كف بكره لما شأنه الإقبال بوفق - انتهى. وكان صيغة الافتعال المؤذنة بالتكلف والعلاج إشارة إلى أن الدين لا يرجع عنه إلا بإكراه النفس لما في مفارقة الإلف من الألم ؛ وإجماع القراء على الفك هنا للإشارة إلى أن الحبوط مشروط بالكفر ظاهراً باللسان وباطناً بالقلب فهو مليح بالعفو عن نطق اللسان مع طمأنينة القلب ، وأشارت قراءة الإدغام في المائدة إلى أن الصبر أرفع درجة من الإجابة باللسان وإن كان القلب مطمئناً. أ هـ {نظم الدرر حـ 1 صـ 406}\rوقال ابن عاشور : \rوقوله : {إن استطعوا} تعريض بأنهم لا يستطيعون رد المسلمين عن دينهم ، فموقع هذا الشرط موقع الاحتراس مما قد تُوهِمُه الغاية في قوله : {حتى يردوكم عن دينكم} ولهذا جاء الشرط بحرف ( إن ) المشعر بأن شرطه مرجو عدم وقوعه.","part":5,"page":361},{"id":2101,"text":"والرد : الصرف عن شيء والإرجاع إلى ما كان قبل ذلك ، فهو يتعدى إلى المفعول بنفسه وإلى ما زاد على المفعول بإلى وعَن ، وقد حذف هنا أحد المتعلِّقين وهو المتعلق بواسطة إلى لظهور أنهم يقاتلونهم ليردوهم عن الإسلام إلى الشرك الذي كانوا عليه ، لأن أهل كل دين إذا اعتقدوا صحة دينهم حرصوا على إدخال الناس فيه قال تعالى : {ولن ترضى عنك اليهود ولا النصارى حتى تتبع ملتهم} {البقرة : 120 ] ، وقال : {ودوا لو تكفرون كما كفروا} {النساء : 89 ].\rوتعليق الشرط بإن للدلالة على أن استطاعتهم ذلك ولو في آحاد المسلمين أمر مستبعدُ الحصول لقوة إيمان المسلمين فتكون محاولة المشركين ردَّ واحد من المسلمين عناء باطلاً.\rاعتراض ثان ، أو عطف على الاعتراض الذي قبله ، والمقصدُ منه التحذير ، لأنه لما ذكر حرص المشركين على رد المسلمين عن الإسلام وعقَّبه باستبعاد أن يصدر ذلك من المسلمين ، أعقبه بالتحذير منه. أ هـ {التحرير والتنوير حـ 2 صـ 331}\rقوله تعالى : {وَمَن يَرْتَدِدْ مِنكُمْ عَن دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ}\rقال الفخر : \rلما بين تعالى أن غرضهم من تلك المقاتلة هو أن يرتد المسلمون عن دينهم ، ذكر بعده وعيداً شديداً على الردة ، فقال : {وَمَن يَرْتَدِدْ مِنكُمْ عَن دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُوْلئِكَ حَبِطَتْ أعمالهم فِي الدنيا والأخرة} واستوجب العذاب الدائم في النار. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 6 صـ 31}\rوقال البقاعى : \rولما حماهم سبحانه وتعالى بإضافة الدين إليهم بأنهم يريدون سلبهم ما اختاروه لأنفسهم لحقيته وردهم قهراً إلى ما رغبوا عنه لبطلانه خوفهم من التراخي عنهم حتى يصلوا إلى ذلك فقال : {ومن يرتدد منكم} أي يفعل ما يقصدونه من الردة {عن دينه} وعطف على الشرط قوله : {فيمت} أي فيتعقب ردته أنه يموت {وهو} أي والحال أنه {كافر }. أ هـ {نظم الدرر حـ 1 صـ 406}\rقال ابن عاشور : \rوجيء بصيغة {يرتدد} وهي صيغة مطاوعة إشارة إلى أن رجوعهم عن الإسلام إن قُدر حصوله لا يكون إلاّ عن محاولة من المشركين فإن من ذاق حلاوة الإيمان لا يسهل عليه رجوعه عنه ومن عرف الحق لا يرجع عنه إلاّ بعناء ، ولم يلاحظ المفعول الثاني هنا ؛ إذ لا اعتبار بالدين المرجوع إليه وإنما نيط الحكم بالارتداد عن الإسلام إلى أيِّ دين ومن يومئذٍ صار اسم الردة لقباً شرعياً على الخروج من دين الإسلام وإن لم يكن في هذا الخروج رجوع إلى دين كان عليه هذا الخارج.\rوقوله ( فَيمُتْ ) معطوف على الشرط فهو كشرط ثان. أ هـ {التحرير والتنوير حـ 2 صـ 332}","part":5,"page":362},{"id":2102,"text":"فائدة\rقال ابن العربى : \rاخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ فِي الْمُرْتَدِّ ، هَلْ يُحْبِطُ عَمَلَهُ نَفْسُ الرِّدَّةِ أَمْ لَا يَحْبَطُ إلَّا عَلَى الْمُوَافَاةِ عَلَى الْكُفْرِ ؟ فَقَالَ الشَّافِعِيُّ : لَا يَحْبَطُ لَهُ عَمَلٌ إلَّا بِالْمُوَافَاةِ كَافِرًا.\rوَقَالَ مَالِكٌ : يَحْبَطُ بِنَفْسِ الرِّدَّةِ.\rوَيَظْهَرُ الْخِلَافُ فِي الْمُسْلِمِ إذَا حَجَّ ثُمَّ ارْتَدَّ ثُمَّ أَسْلَمَ ، فَقَالَ مَالِكٌ : يَلْزَمُهُ الْحَجُّ لِأَنَّ الْأَوَّلَ قَدْ حَبَطَ بِالرِّدَّةِ.\rوَقَالَ الشَّافِعِيُّ : لَا إعَادَةَ عَلَيْهِ لِأَنَّ عَمَلَهُ بَاقٍ.\rوَاسْتَظْهَرَ عَلَيْهِ عُلَمَاؤُنَا بِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى : {لَئِنْ أَشْرَكْت لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ} وَقَالُوا هُوَ خِطَابٌ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَالْمُرَادُ بِهِ أُمَّتُهُ لِأَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَسْتَحِيلُ مِنْهُ الرِّدَّةُ شَرْعًا.\rوَقَالَ أَصْحَابُ الشَّافِعِيِّ : بَلْ هُوَ خِطَابٌ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى طَرِيقِ التَّغْلِيظِ عَلَى الْأَمَةِ ، وَبَيَانُ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى شَرَفِ مَنْزِلَتِهِ لَوْ أَشْرَكَ لَحَبِطَ عَمَلُهُ ، فَكَيْف أَنْتُمْ ؟ لَكِنَّهُ لَا يُشْرِكُ لِفَضْلِ مَرْتَبَتِهِ ، كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : {يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ مَنْ يَأْتِ مِنْكُنَّ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ يُضَاعَفْ لَهَا الْعَذَابُ ضِعْفَيْنِ} ؛ وَذَلِكَ لِشَرَفِ مَنْزِلَتِهِنَّ وَإِلَّا فَلَا يُتَصَوَّرُ إتْيَانُ فَاحِشَةٍ مِنْهُنَّ ، صِيَانَةً لِصَاحِبِهِنَّ الْمُكَرَّمِ الْمُعَظَّمِ.\r","part":5,"page":363},{"id":2103,"text":"قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ ، حِينَ قَرَأَ : {ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِلَّذِينَ كَفَرُوا امْرَأَةَ نُوحٍ وَامْرَأَةَ لُوطٍ كَانَتَا تَحْتَ عَبْدَيْنِ مِنْ عِبَادِنَا صَالِحَيْنِ فَخَانَتَاهُمَا} ؛ وَاَللَّهِ مَا بَغَتْ امْرَأَةُ نَبِيٍّ قَطُّ ، وَلَكِنَّهُمَا كَفَرَتَا.\rوَقَالَ عُلَمَاؤُنَا : إنَّمَا ذَكَرَ الْمُوَافَاةَ شَرْطًا هَاهُنَا ، لِأَنَّهُ عَلَّقَ عَلَيْهَا الْخُلُودَ فِي النَّارِ جَزَاءً ، فَمَنْ وَافَى كَافِرًا خَلَّدَهُ اللَّهُ فِي النَّارِ بِهَذِهِ الْآيَةِ ، وَمَنْ أَشْرَكَ حَبِطَ عَمَلُهُ بِالْآيَةِ الْأُخْرَى ، فَهُمَا آيَتَانِ مُفِيدَتَانِ لِمَعْنَيَيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ وَحُكْمَيْنِ مُتَغَايِرَيْنِ ، وَمَا خُوطِبَ بِهِ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَهُوَ لِأَمَتِهِ حَتَّى يَثْبُتَ اخْتِصَاصُهُ بِهِ ، وَمَا وَرَدَ فِي أَزْوَاجِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَإِنَّمَا قِيلَ ذَلِكَ فِيهِنَّ لِيُبَيِّنَ أَنَّهُ لَوْ تُصُوِّرَ لَكَانَ هَتْكًا لِحُرْمَةِ الدِّينِ وَحُرْمَةِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلِكُلِّ هَتْكٍ حُرْمَةُ عِقَابٍ ، وَيُنَزَّلُ ذَلِكَ مَنْزِلَةَ مَنْ عَصَى فِي شَهْرٍ حَرَامٍ ، أَوْ فِي الْبَلَدِ الْحَرَامِ ، أَوْ فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ ، فَإِنَّ الْعَذَابَ يُضَاعَفُ عَلَيْهِ بِعَدَدِ مَا هَتَكَ مِنْ الْحُرُمَاتِ ، وَاَللَّهُ الْوَاقِي لَا رَبَّ غَيْرُهُ. أ هـ {أحكام القرآن لابن العربى حـ 1 صـ 283 ـ 284}","part":5,"page":364},{"id":2104,"text":"فائدة\rقال العلامة الشنقيطى : \rقوله تعالى : {وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ} هذه الآية الكريمة تدل على أن الرّدة لا تحبط العمل إلا بقيد الموت على الكفر بدليل قوله {فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ}, وقد جاءت آيات أخر تدل على أن الردة تحبط العمل مطلقا ولو رجع إلى الإسلام ؛ فكل ما عمل قبل الردة أحبطته الردة كقوله تعالى : {وَمَنْ يَكْفُرْ بِالْأِيمَانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ} الآية, وقوله : {لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ} الآية, وقوله : {وَلَوْ أَشْرَكُوا لَحَبِطَ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ}.\rوالجواب عن هذا أن هذه من مسائل التعارض المطلق والمقيد, فيحمل المطلق على المقيد, فتقيد آيات المطلقة بالموت على الكفر, وهذا مقتضى الأصول, وعليه الإمام الشافعي ومن وافقه, وخالف مالك في هذه المسألة, وقدم آيات الإطلاق, وقول الشافعي في هذه المسألة أجرى على الأصول, والعلم عند الله تعالى.","part":5,"page":365},{"id":2105,"text":"بحث نفيس فى {الارتداد وحرية الرأى}\rهل لمسلم أن يرتد عن دينه ويبقى مصون الدم ؟ .\rكان الارتداد عن الدين جزءا من حرية العقل والضمير التى أقام الإسلام عليها دعوته ، فمن شرح الله صدره بالإسلام بقى عليه وعاش فيه ، وإلا خرج وكفيت جماعة المسلمين شره!.\rوظل هذا الحكم قرابة عشرين سنة منذ بعثة النبى ـ صلى الله عليه وسلم ـ ، وكان شرطا مقررا فى معاهدة الحديبية.\rروى ثابت عن أنس أن قريشا صالحوا النبى فاشترطوا : أن من جاءنا منكم لم نرده عليكم ، ومن جاءكم منا رددتموه علينا!\rفقالوا : يا رسول الله..\rأنكتب هذا ؟ قال : ، نعم ، إنه من ذهب منا إليهم فأبعده الله ، ومن جاءنا منهم سيجعل الله له فرجا ومخرجا \".\rوقد رأى المسلمون غضاضة شديدة فى قبول هذا النص من المعاهدة ، ولكن الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ أمرهم- بوحى من الله- أن ينزلوا عنده ، فقبلوه مكرهين ، وليس أبلغ من هذا المسلك فى الإبانة عن سماحة الإسلام ونزعته إلى إقرار الحرية العقلية والنفسية بين الناس أجمعين.\rغير أن كيد خصوم الإسلام له استغل هذه السماحة فى النيل منه ، فتأمر اليهود فيما بينهم على أن يتظاهر فريق منهم بالدخول فى الإسلام ، فيثبتوا استعدادهم لترك دينهم القديم ، ويبرءوا من تهمة التعصب له ، ثم يرتدوا بعد ذلك عن الإسلام ليشيع بين جماهير الأميين أن اليهود ما هجروا الدين الجديد إلا لما استبان لهم من بطلانه وتفاهته.\r\" وقالت طائفة من أهل الكتاب آمنوا بالذي أنزل على الذين آمنوا وجه النهار واكفروا آخره لعلهم يرجعون ولا تؤمنوا إلا لمن تبع دينكم...\".\rفهل يسكت الإسلام على هذا التلاعب ؟ وهل يداويه بمنع الدخول فيه ، أم يحظر الخروج منه ؟ .","part":5,"page":366},{"id":2106,"text":"وثم شىء آخر يتصل بمعنى الردة وأسلوب التمرد على الدين وجحد تعاليمه ، قد يكفر البعض بالله فى سريرتهم ، فلا يعلم أحد بكفرهم ، وقد يبدو هذا الكفر فى تصرفات مستخفية ومواقف مائعة ، وتكشف الأحداث المتتابعة عن نفاق أولئك القوم وخبث طويتهم ، ومع ذلك فإن الإسلام لم يأمر بقتل هؤلاء ، بل المأثور عن النبى ـ صلى الله عليه وسلم ـ رفضه الإذن بقتلهم.\rولكن الارتداد الحاسم عن الإسلام ومعالنة المسلمين بالانفصال عن الدين معالنة تنطوى على النيل من قواعده والإنكار لأصوله تشبه فى أيامنا هذه جريمة الخيانة العظمى وتستحق العقاب الذى تواضع الناس على رصده لهذه الجريمة المنكرة.\rفإن الإسلام كان يواجه حربا تستهدف اجتثاث جذوره ، حربا تريد رد جمهور المسلمين عن الدين الذى ارتضوه.\r\" ولا يزالون يقاتلونكم حتى يردوكم عن دينكم إن استطاعوا ومن يرتدد منكم عن دينه فيمت وهو كافر فأولئك حبطت أعمالهم في الدنيا والآخرة وأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون \".\r\" ولن ترضى عنك اليهود ولا النصارى حتى تتبع ملتهم…\".\rوكان المرتد المعالن يترك هذه الجبهة لينحاز بسيفه إلى الجبهة المناوئة ، وربما كان أشد خطرا على الدين ممن بقوا على شركهم فلم يدخلوا الإسلام لينسلخوا عنه بعد قليل!.\rفكيف يطلب من الإسلام أن يمنح هؤلاء المرتدين حق الحياة ليشاركوا فى قتله.\rإن المسألة هنا خرجت كل الخروج عن نطاق الحرية العقلية المنشودة ، ودخلت فى تحديد الدائرة التى تدفع بها الجماعة عن مصلحتها ضد الحرية الشخصية الطائشة ، ويوم يصل الأمر فى عصرنا هذا إلى حكم يبيح لامرئ أن يبيع وطنه ، أو لفرد أن يعرض مستقبل أمة للخطر ، فإننا سنبيح باسم الإسلام أن يرتد عن الإسلام من يشاء.","part":5,"page":367},{"id":2108,"text":"والصحيح أن المرتد أحق الناس بوصف الكفر وأجدرهم بالعقاب عليه فالكفر الصراح هو جحد الحق بعد معرفته ، أى أنه ينشأ عن فساد فى النفس لا عن قصور فى العقل وهنا مناط المؤاخذة ، وهل أحق بها من قوم : \"يسمعون كلام الله ثم يحرفونه من بعد ما عقلوه وهم يعلمون \".\rويوم يتبين الهدى لرجل ثم تنزعه بواعث الهوى ، ثم تسخره فى حربه فلا جرم أن يقطع عنقه. أ هـ {الإسلام والاستبداد السياسى صـ 93 ـ 94}\rقوله تعالى : {فَأُوْلئِكَ حَبِطَتْ أعمالهم فِي الدنيا والأخرة }\rقال البقاعى : \rولما أفرد الضمير على اللفظ نصاً على كل فرد فرد جمع لأن إخزاء الجمع إخزاء لكل فرد منهم ولا عكس ، وقرنه بفاء السبب إعلاماً بأن سوء أعمالهم هو السبب في وبالهم فقال : {فأولئك} البعداء البغضاء {حبطت أعمالهم} أي بطلت معانيها وبقيت صورها ؛ من حبط الجرح إذا برأ ونفي أثره. وقال الحرالي : من الحبط وهو فساد في الشيء الصالح يأتي عليه من وجه يظن به صلاحه وهو في الأعمال بمنزلة البطح في الشيء القائم الذي يقعده عن قيامه كذلك الحبط في الشيء الصالح يفسده عن وهم صلاحه {في الدنيا} بزوال ما فيها من روح الأنس بالله سبحانه وتعالى ولطيف الوصلة به وسقوط إضافتها إليهم إلا مقرونة ببيان حبوطها فقط بطل ما كان لها من الإقبال من الحق والتعظيم من الخلق {والآخرة} بإبطال ما كان يستحق عليها من الثواب بصادق الوعد. أ هـ {نظم الدرر حـ 1 صـ 406 ـ 407}\rقال الآلوسى : ","part":5,"page":368},{"id":2109,"text":"{ فَأُوْلَئِكَ} إشارة إلى الموصول باعتبار اتصافه بما في حيز الصلة من الارتداد والموت على الكفر وما فيه من البعد للإشعار ببعد منزلة من يفعل ذلك في الشر والفساد والجمع والإفراد نظراً للفظ والمعنى. {حَبِطَتْ أعمالهم} أي صارت أعمالهم الحسنة التي عملوها في حالة الإسلام فاسدة بمنزلة ما لم تكن. أ هـ {روح المعانى حـ 2 صـ 110}\rفصل\rقال الفخر : \rالمراد من إحباط العمل ليس هو إبطال نفس العمل ، لأن العمل شيء كما وجد فني وزال ، وإعدام المعدوم محال ، ثم اختلف المتكلمون فيه ، فقال المثبتون للإحباط والتكفير : المراد منه أن عقاب الردة الحادثة يزيل ثواب الإيمان السابق ، إما بشرط الموازنة على ما هو مذهب أبي هاشم وجمهور المتأخرين من المعتزلة أولاً بشرط الموازنة على ما هو مذهب أبي علي ، وقال المنكرون للإحباط بهذا المعنى المراد من الإحباط الوارد في كتاب الله هو أن المرتد إذا أتى بالردة فتلك الردة عمل محبط لأن الآتي بالردة كان يمكنه أن يأتي بدلها بعمل يستحق به ثواباً فإذا لم يأت بذلك العمل الجيد وأتى بدله بهذا العمل الرديء الذي لا يستفيد منه نفعاً بل يستفيد منه أعظم المضار يقال : إنه أحبط عمله أي أتى بعمل باطل ليس فيه فائدة بل فيه مضرة ، ثم قال المنكرون للإحباط هذا الذي ذكرناه في تفسير الإحباط ، إما أن يكون حقيقة في لفظ الإحباط ، وإما أن لا يكون ، فإن كان حقيقة فيه وجب المصير إليه ، وإن كان مجازاً وجب المصير إليه ، لأنا ذكرنا الدلائل القاطعة في مسألة أن الموافاة شرط في صحة الإيمان ، على أن القول بأن أثر الفعل الحادث يزيل أثر الفعل السابق محال.","part":5,"page":369},{"id":2110,"text":"أما حبوط الأعمال في الدنيا ، فهو أنه يقتل عند الظفر به ويقاتل إلى أن يظفر به ولا يستحق من المؤمنين موالاة ولا نصراً ولا ثناء حسناً ، وتبين زوجته منه ولا يستحق الميراث من المسلمين ، ويجوز أن يكون المعنى في قوله : {حَبِطَتْ أعمالهم فِي الدنيا} أن ما يريدونه بعد الردة من الإضرار بالمسلمين ومكايدتهم بالانتقال عن دينهم يبطل كله ، فلا يحصلون منه على شيء لإعزاز الله الإسلام بأنصاره فتكون الأعمال على هذا التأويل ما يعملونه بعد الردة ، وأما حبوط أعمالهم في الآخرة فعند القائلين بالإحباط معناه أن هذه الردة تبطل استحقاقهم للثواب الذي استحقوه بأعمالهم السالفة ، وعند المنكرين لذلك معناه : أنهم لا يستفيدون من تلك الردة ثواباً ونفعاً في الآخرة بل يستفيدون منها أعظم المضار ، ثم بين كيفية تلك المضرة فقال تعالى : {وَأُوْلئِكَ أصحاب النار هُمْ فِيهَا خالدون }. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 6 صـ 33}\rوقال ابن عاشور : \rوفعل حبط من باب سمع ويتعدى بالهمزة ، قال اللغويون أصله من الحبط بفتح الباء وهو انتفاخ في بطون الإبل من كثرة الأكل فتموت من ذلك ، فإطلاقه على إبطال الأعمال تمثيل ؛ لأن الإبل تأكل الخضر شهوة للشبع فيئول عليها بالموت ، فشبه حال من عمل الأعمال الصالحة لنفعها في الآخرة فلم يجد لها أثراً بالماشية التي أكلت حتى أصابها الحبط ، ولذلك لم تقيد الأعمال بالصالحات لظهور ذلك التمثيل.\rوحَبَطُ الأعمال : زوال آثارها المجعولة مرتبة عليها شرعاً ، فيشمل آثارها في الدنيا والثواب في الآخرة وهو سر قوله : {في الدنيا والآخرة}.\rفالآثار التي في الدنيا هي ما يترتب على الإسلام من خصائص المسلمين وأولها آثار كلمة الشهادة من حُرمة الأنفس والأموال والأعراض والصلاة عليه بعد الموت والدفن في مقابر المسلمين.","part":5,"page":370},{"id":2111,"text":"وآثار العبادات وفضائل المسلمين بالهجرة والأخُوَّة التي بين المهاجرين والأنصار وولاء الإسلام وآثار الحقوق مثل حق المسلمين في بيت المال والعطاء وحقوق التوارث والتزويج فالولايات والعدالة وما ضمنه الله للمسلمين مثل قوله : {من عمل صالحاً من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فلنحيينه حياة طيبة} {النحل : 97 ].\rوأما الآثار في الآخرة فهي النجاة من النار بسبب الإسلام وما يترتب على الأعمال الصالحات من الثواب والنعيم.\rوالمراد بالأعمال : الأعمال التي يتقربون بها إلى الله تعالى ويرجون ثوابها بقرينة أصل المادة ومقام التحذير ؛ لأنه لو بطلت الأعمال المذمومة لصار الكلام تحريضاً ، وما ذكرت الأعمال في القرآن مع حبطت إلاّ غير مقيدة بالصالحات اكتفاء بالقرينة. أ هـ {التحرير والتنوير حـ 2 صـ 332 ـ 333}\rقوله تعالى : {وأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون }\rقال البقاعى : \rولما كانت الردة أقبح أنواع الكفر كرر المناداة بالبعد على أهلها فقال : {وأولئك أصحاب النار} فدل بالصحبة على أنهم أحق الناس بها فهم غير منفكين منها.\rولما كانوا كذلك كانوا كأنهم المختصون بها دون غيرهم لبلوغ ما لهم فيها من السفول إلى حد لا يوازيه غيره فتكون لذلك اللحظ لهم بالأيام من غيرهم فقال تقريراً للجملة التي قبلها : {هم فيها خالدون} أي مقيمون إقامة لا آخر لها ، وهذا الشرط ملوح إلى ما وقع بعد موت النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ من الردة لأن الله سبحانه وتعالى إذا ساق شيئاً مساق الشرط اقتضى أنه سيقع شيء منه فيكون المعنى : ومن يرتد فيتب عن ردته يتب الله عليه كما وقع لأكثرهم ، وكان التعبير بما قد يفيد الاختصاص إشارة إلى أن عذاب غيرهم عدم بالنسبة إلى عذابهم لأن كفرهم أفحش أنواع الكفر. أ هـ {نظم الدرر حـ 1 صـ 407}\rقال ابن عاشور : ","part":5,"page":371},{"id":2112,"text":"وقوله : {وأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون} عطف على جملة الجزاء على الكفر ، إذ الأمور بخواتمها ، فقد ترتب على الكفر أمران : بطلان فضل الأعمال السالفة ، والعقوبة بالخلود في النار ، ولكون الخلود عقوبة أخرى أعيد اسم الإشارة في قوله : {وأولئك أصحاب النار}.\rوفي الإتيان باسم الإشارة في الموضعين التنبيه على أنهم أحرياء بما ذكر بعد اسم الإشارة من أجل ما ذكر قبل اسم الإشارة.\rهذا وقد رتب حبط الأعمال على مجموع أمرين الارتداد والموت على الكفر ، ولم يقيد الارتداد بالموت عليه في قوله تعالى : {ومن يكفر بالإيمان فقط حبط عمله وهو في الآخرة من الخاسرين} {المائدة : 5 ] وقوله تعالى : {لئن أشركت ليحبطن عملك ولتكونن من الخاسرين} {الزمر : 65 ] وقوله : {ولو أشركوا لحبط عنهم ما كانوا يعملون} {الأنعام : 88 ]. أ هـ {التحرير والتنوير حـ 2 صـ 334}\rوقال الخازن : \r{ فأولئك حبطت أعمالهم} أي بطلت أعمالهم {في الدنيا والآخرة} وهو أن المرتد يقتل وتبين زوجته منه ، ولا يستحق الميراث من أقاربه المؤمنين ولا ينصر إن استنصر ولا يمدح ولا يثنى عليه ويكون ماله فيئاً للمسلمين هذا في الدنيا ، ولا يستحق الثواب على أعماله ويحبط أجرها في الآخرة. أ هـ {تفسير الخازن حـ 1 صـ 142}","part":5,"page":372},{"id":2113,"text":"سؤال : فإن قلت : ما السر في اقتران هذين الشرطين في هذه الآية مع خلو بقية نظائرها عن ثاني الشرطين ، قلت : تلك الآي الأخر جاءت لتهويل أمر الشرك على فرض وقوعه من غير معين كما في آية {ومن يكفر بالإيمان} {المائدة : 5 ] أو وقوعه ممن يستحيل وقوعه منه كما في آية : {ولو أشركوا لحبط عنهم ما كانوا يعملون} {الأنعام : 88 ] وآية {لئن أشركت ليحبطن عملك} {الزمر : 65 ] فاقتصر فيها على ما ينشأ عن الشرك بعد الإيمان من حبْط الأعمال ، ومن الخسارة بإجمال ، أما هذه الآية فقد وردت عقب ذكر محاولة المشركين ومعالجتهم ارتدادَ المسلمين المخاطبين بالآية ، فكان فرض وقوع الشرك والارتداد منهم أقرب ، لمحاولة المشركين ذلك بقتال المسلمين ، فذكر فيها زيادة تهويل وهو الخلود في النار. أ هـ {التحرير والتنوير حـ 2 صـ 335}\rفصل\rقال ابن عاشور : \rوقد اختلف العلماء في المرتد عن الإسلام إذا تاب من ردته ورجع إلى الإسلام ، فعند مالك وأبي حنيفة أن من ارتد من المسلمين ثم عاد إلى الإسلام وتاب لم ترجع إليه أعماله التي عملها قبل الارتداد فإن كان عليه نذور أو أيمان لم يكن عليه شيء منها بعد عودته إلى الإسلام ، وإن كان حج قبل أن يرتد ثم عاد إلى الإسلام استأنف الحج ولا يؤخذ بما كان عليه زمن الارتداد إلاّ ما لو فعله في الكفر أخذ به. وقال الشافعي إذا عاد المرتد إلى الإسلام عادت إليه أعماله كلها ما له وما عليه.\rفأما حجة مالك فقال ابن العربي قال علماؤنا إنما ذكر الله الموافاة شرطاً ههنا ، لأنه عَلَّق الخلود في النار عليها فمن أوفى على الكفر خلده الله في النار بهذه الآية ، ومن أَشرك حبط عمله بالآية الأخرى فهما آيتان مفيدتان لمعنيين وحكمين متغايرين أ هـ","part":5,"page":373},{"id":2114,"text":"يريد أن بين الشرطين والجوابين هنا توزيعاً فقوله : {فأولئك حبطت أعمالهم في الدنيا والآخرة} جواب لقوله : {ومن يرتدد منكم عن دينه}. وقوله : {وأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون} جواب لقوله : {فيمت وهو كافر} ، ولعل في إعادة {وأولئك} إيذاناً بأنه جواب ثان ، وفي إطلاق الآي الأخرى عن التقييد بالموت على الكفر قرينة على قصد هذا المعنى من هذا القيد في هذه الآية.\rوفي هذا الاستدلال إلغاء لقاعدة حمل المطلق على المقيد ، ولعل نظر مالك في إلغاء ذلك أن هذه أحكام ترجع إلى أصول الدين ولا يكتفى فيها بالأدلة الظنية ، فإذا كان الدليل المطلق يحمل على المقيد في فروع الشريعة فلأَنه دليل ظني ، وغالب أدلة الفروع ظنية ، فأما في أصول الاعتقاد فأخَذَ من كل آية صريحَ حكمها ، وللنظر في هذا مجال ، لأن بعض ما ذكر من الأعمال راجع إلى شرائع الإسلام وفروعه كالحج.\rوالحجة للشافعي إعمال حمل المطلق على المقيد كما ذكره الفخر وصوبه ابن الفرس من المالكية.\rفإن قلت فالعمل الصالح في الجاهلية يقرره الإسلام فقد قال رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ لحِكيم بن حزام \"أسْلَمْتَ على ما أسلمتَ عليه من خير \"فهل يكون المرتد عن الإسلام أقلَّ حالاً من أهل الجاهلية ؟ فالجواب أن حالة الجاهلية قبل مجيء الإسلام حالة خُلُو عن الشريعة فكان من فضائل الإسلام تقريرها.\r","part":5,"page":374},{"id":2115,"text":"وقد بني على هذا خلاف في بقاء حكم الصحبة للذين ارتدوا بعد النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ ثم رجعوا إلى الإسلام مثل قُرة بن هبيرة العامري ، وعلقمة بن عُلاثة ، والأشعث بن قيس ، وعيينَةَ بن حصن ، وعَمْرو بن معديكرب ، وفي \"شرح القاضي زكريا على ألفية العراقي\" : وفي دخول من لقي النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ مُسلماً ثم ارتدَّ ثم أسلَم بعد وفاة الرسول في الصحابة نظر كبير اه قال حُلولو في \"شرح جمع الجوامع\" ولو ارتد الصحابي في حياة الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ ورجع إلى الإيمان بعد وفاته جرى ذلك على الخلاف في الردة ، هل تحبط العمل بنفس وقوعها أو إنما تحبطه بشرط الوفاة عليها ، لأن صحبة الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ فضيلة عظيمة ، أما قبول روايته بعد عودته إلى الإسلام ففيها نظر ، أما من ارتد في حياة النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ ورجع إلى الإسلام في حياته وصَحِبه ففضل الصحبة حاصل له مثل عبد الله بن سعد بن أبي سَرْح. أ هـ {التحرير والتنوير حـ 2 صـ 334}\rلطائف وفوائد\rقال ابن عاشور : \rوكانت هذه الآية من دلائل النبوة ، إذا وقع في عام الردة ، أن من بقي في قلبهم أثر الشرك حاولوا من المسلمين الارتداد وقاتلوهم على ذلك فارتد فريق عظيم وقام لها الصديق رضي الله عنه بعزمه ويقينه فقاتلهم فرجع منهم من بقي حياً ، فلولا هذه الآية لأَيسوا من فائدة الرجوع إلى الإسلام وهي فائدة عدم الخلود في النار.\rوقد أشار العطف في قوله : {فيمت بالفاء المفيدة للتعقيب إلى أن الموت يعقب الارتداد وقد علم كل أحد أن معظم المرتدين لا تحضر آجالهم عقب الارتداد فيعلم السامع حينئذٍ أن المرتد يعاقب بالموت عقوبة شرعية ، فتكون الآية بها دليلاً على وجوب قتل المرتد.","part":5,"page":375},{"id":2116,"text":"وقد اختلف في ذلك علماء الأمة فقال الجمهور يستتاب المرتد ثلاثة أيام ويسجن لذلك فإن تاب قبلت توبته وإن لم يتب قُتل كافراً وهذا قول عمر بن الخطاب وعثمان بن عفان وبه قال مالك وأحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه سواء كان رجلاً أو امرأة ، وقال أبو حنيفة في الرجل مثلَ قولهم ، ولم ير قتل المرتدة بل قال تسترق ، وقال أصحابه تحبس حتى تُسلم ، وقال أبو موسى الأشعري ومعاذ بن جبل وطاووس وعبيد الله بن عمرو وعبد العزيز بن الماجشون والشافعي يقتل المرتد ولا يستتاب ، وقيل يستتاب شهراً.\rوحجة الجميع حديث ابن عباس مَن بدل دينه فاقتلوه وفعلُ الصحابة فقد قاتل أبوبكر المرتدين وأحرق علي السبائيَّة الذين ادَّعَوْا ألوهية عليّ ، وأجمعوا على أن المراد بالحديث مَن بدل دينه الذي هو الإسلامْ ، واتفق الجمهور على أن ( مَنْ ) شاملة للذكر والأنثى إلاّ من شذ منهم وهو أبو حنيفة وابن شُبرمة والثوري وعطاء والحسن القائلون لا تُقتل المرأة المرتدة واحتجوا بنَهي رسول الله عن قتل النساء فخصوا به عمومَ مَن بَدَّل دينه ، وهو احتجاج عجيب ، لأن هذا النهي وارد في أحكام الجهاد ، والمرأةُ من شأنها ألا تقاتل ، فإنه نهي أيضاً عن قتل الرهبان والأحبار أفيقول هؤلاء : إن من ارتد من الرهبان والأحبار بعد إسلامه لا يقتل ؟ \rوقد شدد مالك وأبو حنيفة في المرتد بالزندقة أي إظهار الإسلام وإبطال الكفر فقالا : يقتل ولا تقبل توبته إذا أُخذ قبل أن يأتي تائباً.\rومن سبَّ النبي قُتِل ولا تُقبل توبته.\r","part":5,"page":376},{"id":2117,"text":"هذا ، واعلم أن الردة في الأصل هي الخروج من عقيدة الإسلام عند جمهور المسلمين ؛ والخروجُ من العقيدة وتركُ أعمال الإسلام عند الخوارج وبعض المعتزلة القائلين بكفر مرتكب الكبيرة ، ويدل على خروج المسلم من الإسلام تصريحه به بإقراره نصّاً أو ضمناً فالنص ظاهر ، والضمن أن يأتي أحد بلفظ أو فعل يتضمن ذلك لا يحتمل غيره بحيث يكون قد نص الله ورسوله أو أجمع المسلمون على أنه لا يصدر إلاّ عن كافر مثل السجود للصنم ، والتردد إلى الكنائس بحالة أصحاب دينها.\rوألحقوا بذلك إنكار ما علم بالضرورة مجيء الرسول به ، أي ما كان العلم به ضرورياً قال ابن راشد في الفائق} \"في التكفير بإنكار المعلوم ضرورةً خلاف\". وفي ضبط حقيقته أنظار للفقهاء محلها كتب الفقه والخلاف.\rوحكمة تشريع قتل المرتد مع أن الكافر بالأصالة لا يقتل أن الارتداد خروج فرد أو جماعة من الجامعة الإسلامية فهو بخروجه من الإسلام بعد الدخول فيه ينادي على أنه لما خالط هذا الدينَ وجدَه غير صالح ووجد ما كان عليه قبلَ ذلك أصلحَ فهذا تعريض بالدين واستخفاف به ، وفيه أيضاً تمهيد طريق لمن يريد أن ينسل من هذا الدين وذلك يفضي إلى انحلال الجامعة ، فلو لم يُجعل لذلك زاجر ما انزجر الناس ولا نجد شيئاً زاجراً مثل توقع الموت ، فلذلك جُعل الموت هو العقوبة للمرتد حتى لا يدخل أحد في الدين إلاّ على بصيرة ، وحتى لا يخرج منه أحد بعد الدخول فيه ، وليس هذا من الإكراه في الدين المنفي بقوله تعالى : {لا إكراه في الدين} {البقرة : 256 ] على القول بأنها غير منسوخة ، لأن الإكراه في الدين هو إكراه الناس على الخروج من أديانهم والدخول في الإسلام وأما هذا فهو من الإكراه على البقاء في الإسلام. أ هـ {التحرير والتنوير حـ 2 صـ 336 ـ 337}","part":5,"page":377},{"id":2118,"text":"كلام نفيس للسعدى فى الآية\rالجمهور على أن تحريم القتال في الأشهر الحرم ، منسوخ بالأمر بقتال المشركين حيثما وجدوا ، وقال بعض المفسرين : إنه لم ينسخ ، لأن المطلق محمول على المقيد ، وهذه الآية مقيدة لعموم الأمر بالقتال مطلقا ؛ ولأن من جملة مزية الأشهر الحرم ، بل أكبر مزاياها ، تحريم القتال فيها ، وهذا إنما هو في قتال الابتداء ، وأما قتال الدفع فإنه يجوز في الأشهر الحرم ، كما يجوز في البلد الحرام.\rولما كانت هذه الآية نازلة بسبب ما حصل ، لسرية عبد الله بن جحش ، وقتلهم عمرو بن الحضرمي ، وأخذهم أموالهم ، وكان ذلك - على ما قيل - في شهر رجب ، عيرهم المشركون بالقتال بالأشهر الحرم ، وكانوا في تعييرهم ظالمين ، إذ فيهم من القبائح ما بعضه أعظم مما عيروا به المسلمين ، قال تعالى في بيان ما فيهم : {وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ} أي : صد المشركين من يريد الإيمان بالله وبرسوله ، وفتنتهم من آمن به ، وسعيهم في ردهم عن دينهم ، وكفرهم الحاصل في الشهر الحرام ، والبلد الحرام ، الذي هو بمجرده ، كاف في الشر ، فكيف وقد كان في شهر حرام وبلد حرام ؟! {وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ} أي : أهل المسجد الحرام ، وهم النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ وأصحابه ، لأنهم أحق به من المشركين ، وهم عماره على الحقيقة ، فأخرجوهم {مِنْهُ} ولم يمكنوهم من الوصول إليه ، مع أن هذا البيت سواء العاكف فيه والباد ، فهذه الأمور كل واحد منها {أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ} في الشهر الحرام ، فكيف وقد اجتمعت فيهم ؟! فعلم أنهم فسقة ظلمة ، في تعييرهم المؤمنين.\rثم أخبر تعالى أنهم لن يزالوا يقاتلون المؤمنين ، وليس غرضهم في أموالهم وقتلهم ، وإنما غرضهم أن يرجعوهم عن دينهم ، ويكونوا كفارا بعد إيمانهم حتى يكونوا من أصحاب السعير ، فهم باذلون قدرتهم في ذلك ، ساعون بما أمكنهم ، {ويأبى الله إلا أن يتم نوره ولو كره الكافرون}.","part":5,"page":378},{"id":2119,"text":"وهذا الوصف عام لكل الكفار ، لا يزالون يقاتلون غيرهم ، حتى يردوهم عن دينهم ، وخصوصا ، أهل الكتاب ، من اليهود والنصارى ، الذين بذلوا الجمعيات ، ونشروا الدعاة ، وبثوا الأطباء ، وبنوا المدارس ، لجذب الأمم إلى دينهم ، وتدخيلهم عليهم ، كل ما يمكنهم من الشبه ، التي تشككهم في دينهم.\rولكن المرجو من الله تعالى ، الذي مَنّ على المؤمنين بالإسلام ، واختار لهم دينه القيم ، وأكمل لهم دينه ، أن يتم عليهم نعمته بالقيام به أتم القيام ، وأن يخذل كل من أراد أن يطفئ نوره ، ويجعل كيدهم في نحورهم ، وينصر دينه ، ويعلي كلمته.\rوتكون هذه الآية صادقة على هؤلاء الموجودين من الكفار ، كما صدقت على من قبلهم : {إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ فَسَيُنْفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ وَالَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ يُحْشَرُونَ}.\rثم أخبر تعالى أن من ارتد عن الإسلام ، بأن اختار عليه الكفر واستمر على ذلك حتى مات كافرا ، {فَأُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ} لعدم وجود شرطها وهو الإسلام ، {وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ }.\rودلت الآية بمفهومها ، أن من ارتد ثم عاد إلى الإسلام ، أنه يرجع إليه عمله الذي قبل ردته ، وكذلك من تاب من المعاصي ، فإنها تعود إليه أعماله المتقدمة. أ هـ {تفسير السعدى صـ 97}\rموعظة\r","part":5,"page":379},{"id":2120,"text":"أحسن الحسنات التوحيد لأنه أس الكل ولذلك لا يوزن ، وجميع الأعمال الصالحة يزيد فى نور الإيمان. فعليك بالطاعة والحسنات والوصول إلى المعارف الإلهية فإن العلم بالله أفضل الأعمال ولذلك لما قيل يا رسول الله أى الأعمال أفضل قال \"العلم بالله \"فقيل نسأل عن العمل وتجيب عن العلم فقال \"إن قليل العمل ينفع مع العلم وإن كثير العمل لا ينفع مع الجهل \"وذلك إنما يحصل بتصفية الباطن مع صقيل التوحيد وأنواع الأذكار ولا يعقلها إلا العالمون. أ هـ {روح البيان حـ 1 صـ 415}\rمن فوائد ابن عرفة فى الآية\rقوله تعالى : {يَسْئَلُونَكَ عَنِ الشهر الحرام قِتَالٍ فِيهِ... }.\rقال ابن عرفة : القتال الذي وقع منهم في الشّهر الحرام ، إن كان غلطا فهو كبير موجب للإثم ، وإن كان اجتهادا أجري على الخلاف في الاجتهاد هل يرفع حكم الخطأ أم لا ؟ فإن قلت : لم أعيد لفظ القتال مظهرا ، وهلا كان مضمرا ، ولم أعيد منكرا وهلا كان معرفا ؟ قيل : الجواب أنّ ذلك لاختلاف المتكلّم فالأول في الكلام السائل والثاني في كلام المسؤول.\rقال الفراء وهو معطوف على كبير.\rقال ابن عطية : ( وهو خطأ لأنه ( يؤدي ) إلى أنّ قوله \"وَكُفْرٌ بِهِ \"معطوف على ( كَبِير ) فيلزم أن يكون إخراج أهل المسجد الحرام منه أكبر عند الله من الكفر. وأجيب عنه بثلاثة أ وجه : \rالأول : لأبي حيان أنّ الكلام تمّ عند {وَصَدٌّ عَن سَبِيلِ الله} وما بعده ابتداء.","part":5,"page":380},{"id":2121,"text":"الثاني : قال ابن عرفة : الكفر قسمان : صريح حقيقي وهو الكفر بالشرك ، وكفر ) حكمي غير صريح. فنقول : ( دلت الآية ) على أن القتال في الشهر الحرام كفر وإن لم يعتقد فاعله الكفر ، وكذلك إخراج أهل المسجد الحرام منه كفر وإن لم يعتقده فاعله فجعل الشارع إخراج أهل المسجد الحرام منه أكبر إثما من الكفر الحكمي الذي نشأ عن القتال في الشهر الحرام ، وهذا لا شيء فيه ولا سيما إن جعلنا الضمير في \"وَكُفْرٌ بِهِ \"عائدا على \"عن سَبِيلِ الله \".\rالجواب الثالث : لبعض الطلبة قال : أهل المسجد الحرام عام يشمل النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ وغيره ولا شك أن اخراج النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ من المسجد الحرام كفر وزيادة فهو أشد من الكفر بالله عز وجل فقط.\rوحكى ابن عطية عن الزهري ومجاهد ، أن {قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ} منسوخ بقول الله تعالى {وَقَاتِلُواْ المشركين كَآفَّةً} ورده القرطبي : بأن {وَقَاتِلُواْ المشركين كَآفَّةً} عام وهذا خاص ، والخاص يقضي على العام. ؟ \rوأجاب عن ذلك ابن عرفة : بأن الأصوليين قالوا : إنّ العام إذا تأخر عن الخاص فإنّه ينسخه.\rقلت : قال أبو عمرو بن الحاجب ما نصه : \"يجوز تخصيص الكتاب بالكتاب \". أبو حنيفة والقاضي والإمام : إن كان الخاص متأخرا وإلا فالعام ناسخ ، فإن جهل تساقطا.\rقوله تعالى : {وَمَن يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَن دِينِهِ...}.\rقال ابن عرفة : في ( لفظها ) رحمة وتفضل من الله عز وجل لأن قبلها {حتى يَرُدُّوكُمْ عَن دِينِكُمْ} فكان المناسب أن يقول : ومن ( يُرَدّ ) منكم عن دينه ؛ لكنّه لو قيل هكذا لدخل في عمومه من أكره على الردة. فقال : ومن \"يَرْتَدِدِ \"( ليختص ) الوعيد بمن ارتدّ مختارا متعمدا.\rفإن قلت : هلا قيل : فَيَمُتْ وَهْوَ مرتدّ ، ليناسب أوّل الآية آخرها ، ويسمونه ردّ ( العجز ) على الصدر ؟ \r","part":5,"page":381},{"id":2122,"text":"( قال : قلت ) : إنّ من عادتهم يجيبون بأنه لو قيل كذلك لتناول مرتكب الكبيرة من المسلمين لأنه يصدق عليه أنّه مرتد عن دينه لقوله تعالى : يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِنْدَ اللَّهِ وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ وَلَا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُوا وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآَخِرَةِ وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (217)\r{ إِنَّ الدين عِندَ الله الإسلام} وفسر الإسلام في الحديث بأن قال : \"هو أَن تشهد أن لا إله إلاّ الله وأن محمدا رسول الله ، وتقيم الصلاة ، وتؤتي الزكاة ، ( وتصوم رمضان ) وتحج البيت إن استطعت إليه سبيلا \"فالإسلام ( حقيقة ) مركبة من هذه الخمسة أمور ( فمتى ) عدم بعضها عدم الاسلام لامتناع وجود الماهية بدون أحد أجزائها فمن فعلها كلّها ثم بدا له في بعضها فلم يفعله يصدق عليه أنه مرتدّ عن دينه ، وأنه غير مسلم ، فلذلك قال : {فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ}.\rقال أبو حيان : قوله \"وهو كافر \"حال مؤكدة.\rورده ابن عرفة بوجهين : \rالأول : منهما ما قلناه : من أنّه احتراز من موت مرتكب الكبيرة ، فإنه مات مرتدّا عن دينه الذي هو الإسلام.\rالجواب الثاني : أنّها إنما تكون مؤكدة أن لو كانت حالا من \"يرْتَدِد \"ونحن إنّما جعلناها حالا من \"يَمُتْ \"والمرتدّ يحتمل أن يراجع الإسلام فيموت مسلما.\r","part":5,"page":382},{"id":2123,"text":"قيل لابن عرفة : فيمت معطوف على \"يَرتَدِدْ \"بالفاء التي للتعقيب ، فهو بعقب رِدّته مات ؟ فقال : ( هما زمانان ) ارتدّ في الأول ومات في الثاني ، إمّا مسلما أو كافرا ، في حال مبينة بلا شكّ.\rقوله تعالى : {فأولئك حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ...}.\rعامل ( أولئك ) لفظ \"مَن \"( ثم ) معناها ، فوجه أبو حيان من طريق الإعراب اللفظي.\rقال ابن عرفة : قالوا وتوجيهه من جهة المعنى أن الأول راجع إلى فعلهم القبيح في الدنيا ، فالمناسب فيه ( تقليل ) الفاعل تنفيرا عنه فلذلك أفرده ، والثاني راجع إلى جزاء ذلك والعقوبة عليه في الدار الآخرة فالمناسب فيه لفظ العموم في جميع الفاعلين خشية أن يتوهم خصوص ذلك الوعيد بالبعض دون البعض.\rقال ابن عرفة : وإحباط أعمالهم في الدنيا بترك الصلاة ( عليهم ) وعدم دفنهم في مقابر المسلمين ومنع أقاربهم من إرثهم.\rقال الزمخشري : وذلك مما يتوقع هنا بالردة للمسلمين في الدنيا من ثمرات الإسلام واستدامتها والموت عليها من ثواب الآخرة.\rقال ابن عرفة : ومذهبنا أنه يعتق على المرتدّ أمّ ولده ومدبره دون الموصى بعتقه. ومذهب الإمام مالك رضي الله عنه ( أن ميراثه ) لبيت المال.\rقال القاضي عياض في الإكمال : وقال الإمام الشافعي : ميراثه لجماعة المسلمين. ووهنه تاج الدين الفاكهاني وقال : بل مذهبه كمذهب مالك. وكذا حكى عنه الغزالي في البسيط.\rابن عطية وروي عن علي رضي الله عنه ( أنه ) استتاب مرتدا شهرا فأبى فقتله. ونقل عنه كرم الله وجهه : أن يستتاب ثلاث مرات فإن تاب في الأولى ترك ، وإلا ( روجع ) في الثانية ( ثم ) الثالثة فإن تاب وإلا قتل. قال : ومنهم من فرق بين الذكر والأنثى فمنع قتل الأنثى. قال ابن عرفة ( ووجهه ) أنه عنده كالحربي سواء.\rأ هـ {تفسير ابن عرفة صـ 278 ـ 289}","part":5,"page":383},{"id":2124,"text":"كلام نفيس فى الحكمة في توجيه السرايا للعلامة الشيخ محمد الغزالى\rقال رحمه الله : \rالحكمة في توجيه هذه السرايا على ذلك النحو المتتابع تتلخص في أمرين : \rأولهما : \rإشعار مشركي يثرب ويهودها وأعراب البادية الضاربين حولها بأن المسلمين أقوياء ، وأنهم تخلصوا من ضعفهم القديم. ذلك الضعف الذي مكن قريشاً في مكة من مصادرة عقائدهم وحرياتهم واغتصاب دورهم وأموالهم ، ومن حق المسلمين أن يعنوا بهذه المظاهرات العسكرية على ضآلة شأنها ، فإن المتربصين بالإسلام في المدينة كثرٌ ، ولن يصدهم عن النيل منه إلاّ الخوف وحده. وهذا تفسير قوله تعالى : \r{تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ لَا تَعْلَمُونَهُمْ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ}.\rوالصنف الأخير هم المنافقون الذين يبطنون البغضاء للإسلام وأهله ، ولا يمنعهم من إعلان السخط عليه إلا الجبن وسوء المغبة ، أما الأولون فهم المشركون ولصوص الصحراء وأشباههم ممن لا يبالون -لولا هذه السرايا- الهجوم على المدينة واستباحة حماها.\rوقد كان من الجائز أن تتكرر حادثة \"كرز بن جابر\" السابقة ، ويتجرأ البدو على تهديد المدينة حيناً بعد حين ؛ غير أن هذه السرايا الزاحفة قتلت نيات الطمع وحفظت هيبة المسلمين.\rوالأمر الآخر : \r-في حكمة بعث السرايا- إنذار قريش عقبى طيشها.\rفقد حاربت الإسلام ولا تزال تحاربه ، ونكلت بالمسلمين في مكة ، ثم ظلت ماضية في غيها ، لا تسمح لأحد من أهل مكة أن يدخل في دين الله ، ولا تسمح لهذا الدين أن يجدد قراراً في بقعة أخرى من الأرض ، فأحب الرسول (صلَّى الله عليه وسلم) أن يشعر حكام مكة بأن هذه الخطة الجائرة ستلحق بهم الأضرار الفادحة ، وأنه قد مضى -إلى غير عودة- ذلك العصر الذي كانوا يعتدون فيه على المؤمنين وهم بمأمن من القصاص...\r","part":5,"page":384},{"id":2125,"text":"والمستشرقون الأوروبيون ينظرون إلى هذه السرايا كأنا ضرب من قطع الطريق ، وهذه النظرة صورة للحقد الذي يعمي عن الحقائق ، ويتيح للهوى أن يتكلم ويحكم كيف يشاء.\rوقد ذكرني هذا الاستشراق المغرض بما حكوه عند قمع الإنكليز لثورة الأهلين في أفريقيا الوسطى -مستعمرة كينيا- وهم يطلبون الحرية لوطنهم ويحاولون إجلاء الأجانب عنه...\rقال جندي إنكليزي لآخر -يصف هؤلاء الإفريقيين- : \rإنهم وحوش ، تصوَّر أن أحدهم عضّني وأنا أقتله!!! إن هذه الأضحوكة صورة من تفكير المستشرقين في إنصاف أهل مكة والنعي على الإسلام وأهله...\rثم قال رحمه الله بعد أن ذكر قصة سرية عبد الله بن جحش ـ رضى الله عنه ـ : \rووجد المشركون فيما حدث فرصة لاتهام المسلمين بأنهم قد أحلوا ما حرم الله ، وكثر في ذلك القيل والقال ، حتى نزل الوحي حاسماً هذه الأقاويل ومؤيداً مسلك عبد الله تجاه المشركين.\r{يَسْأَلُونَكَ عَنْ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِنْدَ اللَّهِ وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنْ الْقَتْلِ}.\rإن الضجة التي افتعلها المشركون لإثارة الريبة في سيرة المقاتلين المسلمين لا مساغ لها ، فإن الحرمات المقدسة قد انتهكت كلها في محاربة الإسلام واضطهاد أهله! فما الذي أعاد لهذه الحرمات قداستها فجأة ، فأصبح انتهاكها معرة وشناعة ؟ \rألم يكن المسلمون مقيمين بالبلد الحرام حين تقرر قتل نبيهم وسلب أموالهم ؟ \rلكن بعض الناس يرفع القوانين إلى السماء عندما تكون في مصلحته.\rفإذا رأى هذه المصلحة مهددة بما ينتقضها هدم القوانين والدساتير جميعاً.\rفالقانون المرعي -عنده في الحقيقة- هو مقتضيات هذه المصلحة الخاصة فحسب.\r","part":5,"page":385},{"id":2126,"text":"وقد أوضح الله عز وجل أن المشركين لن يحجزهم شهر حرام أو بلد حرام عن المضي في خطتهم الأصيلة ، وهي سحق المسلمين ، حتى لا تقوم لدينهم قائمة فقال : \r{وَلَا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنْ اسْتَطَاعُوا}.\rثم حذر المسلمين من الهزيمة أمام هذه القوى الباغية والتفريط في الإيمان الذي شرفهم الله به ، وناط سعادتهم في الدنيا والآخرة بالبقاء عليه فقال : \r{وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُوْلَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأُوْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ}.\rوزكّى القرآن عمل \"عبدالله\" وصحبه ، فقد نفذوا أوامر الرسول بأمانة وشجاعة ، وتوغلوا في أرض العدو مسافات شاسعة ، متعرضين للقتل في سبيل الله ، متطوعين لذلك من غير مكرهٍ أو محرج.\rفكيف يجزون على هذا بالتقريع والتخويف ؟ قال الله فيهم : \r{إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُوْلَئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَةَ اللَّهِ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ}.\rوالقرآن الذي نزل في فعال هذه السرية لم يدع مجالاً للهوادة مع المشركين المعتدين مما كان له أثره البعيد لدى المسلمين وخصومهم.\rفبعد أن كان أغلب المكتتبين في السرايا السابقة من المهاجرين أخذت البعوث الخارجة تتألف من المهاجرين والأنصار معاً.\rوزاد الشعور بأن الكفاح المرتقب قد يطول مداه وتكثر تبعاته ، ولكنه كفاح مستحب ، مقرون بالخير العاجل والآجل.\rوأدركت مكة أنها مؤاخذة بما جدّ أو يجدّ من سيئاتها ، وأن تجارتها مع الشام أمست تحت رحمة المسلمين.\rوهكذا اتسعت الهوة ، وزادت بين الفريقين الجفوة.\rوكأن هذه الأحداث الشداد هي المقدمة لما أعدّه القدر بعد شهر واحد من وقوعها ، عندما جمع رجالات مكة وخيرة أهل المدينة على موعد غير منظور في \"بدر\". أ هـ {فقه السيرة للشيخ محمد الغزالى ـ صـ 187 : 179}","part":5,"page":386},{"id":2128,"text":"بحث نفيس\r(كلام في أحكام الأعمال من حيث الجزاء)\rمن أحكام الأعمال : أن من المعاصي ما يحبط حسنات الدنيا والآخرة كالارتداد.\rقال تعالى : \"ومن يرتد منكم عن دينه فيمت وهو كافر فأولئك حبطت أعمالهم في الدنيا والآخرة الآية \"وكالكفر بآيات الله والعناد فيه.\rقال تعالى : \"إن الذين يكفرون بآيات الله ويقتلون النبيين بغير حق ويقتلون الذين يأمرون بالقسط من الناس فبشرهم بعذاب أليم أولئك الذين حبطت أعمالهم في الدنيا والآخرة \"آل عمران - 22 ، وكذا من الطاعات ما يكفر سيئات الدنيا والآخرة كالإسلام والتوبة ، قال تعالى : \"قل يا عبادي الذين أسرفو على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله إن الله يغفر الذنوب جميعا إنه هو الغفور الرحيم وأنيبوا إلى ربكم وأسلموا له من قبل أن يأتيكم العذاب ثم لا تنصرون واتبعوا أحسن ما أنزل إليكم من ربكم \"الزمر - 55 ، وقال تعالى : \"فمن اتبع هداى فلا يضل ولا يشقى ومن أعرض عن ذكري فإن له معيشة ضنكا ونحشره يوم القيامة أعمى \"طه - 124.\rوأيضا : من المعاصي ما يحبط بعض الحسنات كالمشاقة مع الرسول ، قال تعالى : \"إن الذين كفروا وصدوا عن سبيل الله وشاقوا الرسول من بعد ما تبين لهم الهدى لن يضروا الله شيئا وسيحبط أعمالهم يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول ولا تبطلوا أعمالكم \"سورة محمد - 33 ، فإن المقابلة بين الآيتين تقضي بأن يكون الأمر بالإطاعة في معنى النهي عن المشاقة ، وإبطال العمل هو الإحباط ، وكرفع الصوت فوق صوت النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ ، قال تعالى : \"يا أيها الذين آمنوا لا ترفعوا أصواتكم فوق صوت النبي ولا تجهروا له بالقول كجهر بعضكم لبعض أن تحبط أعمالكم وأنتم لا تشعرون \"الحجرات - 2.","part":5,"page":387},{"id":2129,"text":"وكذا من الطاعات ما يكفر بعض السيئات كالصلوات المفروضة ، قال تعالى : \"وأقم الصلوة طرفي النهار وزلفا من الليل إن الحسنات يذهبن السيئات \"هود - 114 ، وكالحج ، قال تعالى : \"فمن تعجل في يومين فلا إثم عليه ومن تأخر فلا إثم عليه \"البقرة - 203 ، وكاجتناب الكبائر ، قال تعالى : \"إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه نكفر عنكم سيئاتكم \"النساء - 31 ، وقال تعالى : \"الذين يجتنبون كبائر الإثم والفواحش إلا اللمم إن ربك واسع المغفرة \"النجم - 32.\rوأيضا : من المعاصي ما ينقل حسنات فاعلها إلى غيره كالقتل ، قال تعالى : \"إنى أريد أن تبوء بإثمى وإثمك \"المائدة - 29 ، وقد ورد هذا المعنى في الغيبة والبهتان وغيرهما في الروايات المأثورة عن النبي ، وكذا من الطاعات ما ينقل السيئات إلى الغير كما سيجئ.\rوأيضا : من المعاصي ما ينقل مثل سيئات الغير إلى الإنسان لا عينها ، قال تعالى : \"ليحملوا أوزارهم كاملة يوم القيامة ومن أوزار الذين يضلونهم بغير علم \"النحل - 25 ، وقال : \"وليحملن أثقالا وأثقالا مع أثقالهم \"العنكبوت - 13 ، وكذا من الطاعات ما ينقل مثل حسنات الغير إلى الإنسان لا عينها ، قال تعالى : \"ونكتب ما قدموا وآثارهم \"يس - 12.\rوأيضا : من المعاصي ما يوجب تضاعف العذاب ، قال تعالى : \"إذا لأذقناك ضعف الحياة وضعف الممات \"الإسراء - 75 ، وقال تعالى : \"يضاعف لها العذاب ضعفين \"الأحزاب - 30 ، وكذا من الطاعات ما يوجب الضعف كالإنفاق في سبيل الله ، قال تعالى : \"مثل الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله كمثل حبة أنبتت سبع سنابل في كل سنبلة مائة حبة \"البقرة - 261 ، ومثله ما في قوله تعالى : \"أولئك يؤتون أجرهم مرتين \"القصص - 54 ، وما في قوله تعالى : \"يؤتكم كفلين من رحمته ويجعل لكم\rنورا تمشون به ويغفر لكم \"الحديد - 28 ، على أن الحسنة مضاعفة عند الله مطلقا ، قال تعالى : \"من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها \"الأنعام - 160.","part":5,"page":388},{"id":2130,"text":"وأيضا : من الحسنات ما يبدل السيئات إلى الحسنات ، قال تعالى : \"إلا من تاب وآمن وعمل عملا صالحا فأولئك يبدل الله سيئاتهم حسنات \"الفرقان - 70.\rوأيضا : من الحسنات ما يوجب لحوق مثلها بالغير ، قال تعالى : \"والذين آمنوا واتبعتهم ذريتهم بإيمان ألحقنا بهم ذريتهم وما ألتناهم من عملهم من شئ كل امرىء بما كسب رهين \"الطور - 21 ، ويمكن الحصول على مثلها في السيئات كظلم أيتام الناس حيث يوجب نزول مثله على الأيتام من نسل الظالم ، قال تعالى : \"وليخش الذين لو تركوا من خلفهم ذرية ضعافا خافوا عليهم \"النساء - 9.\rوأيضا : من الحسنات ما يدفع سيئات صاحبها إلى غيره ، ويجذب حسنات الغير إليه ، كما أن من السيئات ما يدفع حسنات صاحبها إلى الغير ، ويجذب سيئاته إليه ، وهذا من عجيب الأمر في باب الجزاء والاستحقاق ، سيجئ البحث عنه في قوله تعالى : \"ليميز الله الخبيث من الطيب ويجعل الخبيث بعضه على بعض فيركمه جميعا فيجعله في جهنم \"الأنفال - 37.\r","part":5,"page":389},{"id":2131,"text":"وبالتأمل في الآيات السابقة والتدبر فيها يظهر : أن في الأعمال من حيث المجازاة أي من حيث تأثيرها في السعادة والشقاوة نظاما يخالف النظام الموجود بينها من حيث طبعها في هذا العالم ، وذلك أن فعل الأكل مثلا من حيث إنه مجموع حركات جسمانية فعلية وانفعالية ، إنما يقوم بفاعله نحو قيام يعطيه الشبع مثلا ولا يتخطاه إلى غيره ، ولا ينتقل عنه إلى شخص آخر دونه ، وكذا يقوم نحو قيام بالغذاء المأكول يستتبع تبدله من صورة إلى صورة أخرى مثلا ، ولا يتعداه إلى غيره ، ولا يتبدل بغيره ، ولا ينقلب عن هويته وذاته ، وكذا إذا ضرب زيد عمرا كانت الحركة الخاصة ضربا لا غير وكان زيد ضاربا لا غير ، وكان عمرو مضروبا لا غير إلى غير ذلك من الأمثلة ، لكن هذه الأفعال بحسب نشأة السعادة والشقاوة على غير هذه الأحكام كما قال تعالى : \"وما ظلمونا ولكن كانوا أنفسهم يظلمون \"البقرة - 57 ، وقال تعالى : \"ولا يحيق المكر السئ إلا بأهله \"فاطر - 43 ، وقال تعالى : \"انظر كيف كذبوا على أنفسهم \"الأنعام - 24 ، وقال تعالى : \"ثم قيل لهم أين ما كنتم تشركون من دون الله قالوا ضلوا عنا بل لم نكن ندعوا من قبل شيئا كذلك يضل الله الكافرين \"المؤمن - 74.\rوبالجملة : عالم المجازاة ربما بدل الفعل من غير نفسه ، وربما نقل الفعل وأسنده إلى غير فاعله ، وربما أعطى للفعل غير حكمه إلى غير ذلك من الآثار المخالفة لنظام هذا العالم الجسماني.\rولا ينبغي لمتوهم أن يتوهم أن هذا يبطل حجة العقول في مورد الأعمال وآثارها ويفسد الحكم العقلي فلا يستقر شئ منه على شئ ، وذلك أنا نرى أن الله سبحانه وتعالى (فيما حكاه في كتابه) يستدل هو أو ملائكته الموكلة على الأمور على المجرمين في حال الموت والبرزخ ، وكذا في القيامة والنار والجنة بحجج عقلية تعرفها العقول.\r","part":5,"page":390},{"id":2132,"text":"قال تعالى : \"ونفخ في الصور فصعق من في السموات والأرض إلا ما شاء الله ونفخ فيه أخرى فإذا هم قيام ينظرون وأشرقت الأرض بنور ربها ووضع الكتاب وجئ بالنبيين والشهداء وقضى بينهم بالحق وهم لا يظلمون ووفيت كل نفس ما عملت وهو أعلم بما يفعلون \"الزمر - 70 ، وقد تكرر في القرآن الإخبار بأن الله سيحكم بين الناس بالحق يوم القيامة فيما كانوا فيه يختلفون ، وكفى في هذا الباب ما حكاه الله عن الشيطان بقوله تعالى : \"وقال الشيطان لما قضي الأمر إن الله وعدكم وعد الحق ووعدتكم فأخلفتكم وما كان لي عليكم من سلطان إلا أن دعوتكم فاستجبتم لي فلا تلوموني ولوموا أنفسكم الآية \"إبراهيم - 22.\rومن هنا نعلم : أن حجة العقول غير باطلة في نشأة الأعمال ودار الجزاء مع ما بين النشأتين أعني نشأة الطبيعة ونشأة الجزاء من الاختلاف البين على ما أشرنا إليه.\rوالذي يحل به هذه العقدة : أن الله تكلم مع الناس في دعوتهم وإرشادهم بلسان أنفسهم وجرى في مخاطباته إياهم وبياناته لهم مجرى العقول الاجتماعية ، وتمسك بالأصول والقوانين الدائرة في عالم العبودية والمولوية ، فعد نفسه مولى والناس عبيدا والأنبياء رسلا إليهم ، وأصلهم بالأمر والنهي والبعث والزجر ، والتبشير والإنذار ، \rوالوعد والوعيد ، وسائر ما يلحق بهذا الطريق من عذاب ومغفرة وغير ذلك.\rوهذه طريقة القرآن الكريم في تكليمه للناس ، فهو يصرح أن الأمر أعظم مما يتوهمه الناس أو يخيل إليهم ، غير أنه شئ لا تسعه حواصلهم وحقائق لا تحيط بها أفهامهم ولذلك نزل منزلة قريبة من أفق إدراكهم لينالوا ما شاء الله أن ينالوه من تأويل هذا الكتاب العزيز كما قال تعالى : \"حم والكتاب المبين إنا جعلناه قرآنا عربيا لعلكم تعقلون وإنه في أم الكتاب لدينا لعلي حكيم \"الزخرف - 4.\r","part":5,"page":391},{"id":2133,"text":"فالقرآن الكريم يعتمد في خصوصيات ما نبأ به من أحكام الجزاء وما يرتبط بها على الأحكام الكلية العقلائية الدائرة بين العقلاء المبتنية على المصالح والمفاسد ، ومن لطيف الأمر : أن هذه الحقائق المستورة عن سطح الأفهام العادية قابلة التطبيق على الاحكام العقلائية المذكورة ، ممكنة التوجيه بها ، فإن العقل العملي الاجتماعي لا يأبى مثلا التشديد على بعض المفسدين بمؤاخذته بجميع ما يترتب على عمله من المضار والمفاسد الاجتماعية كان يؤاخذ القاتل بجميع الحقوق الاجتماعية الفائتة بسبب موت المقتول ، أو يؤاخذ من سنن سنة سيئة بجميع المخالفات الجارية على وفق سنته ، ففي المثال الأول يقضي بأن المعاصي التي كانت ترى ظاهرا أفعالا للمقتول فاعلها هو القاتل بحسب الاعتبار العقلائي ، وفي المثال الثاني بأن السيئات التي عملها التابعون لتلك السنة السيئة أفعال فعلها أول من سن تلك السنة المتبوعة ، في عين أنها افعال للتابعين فيها ، فهي افعال لهم معا ، فلذلك يؤاخذ بها كما يؤخذون.\rوكذلك يمكن أن يقضي بكون الفاعل لفعل غير فاعل له ، أو الفعل المعين المحدود غير ذلك الفعل ، أو حسنات الغير حسنات للإنسان ، أو للإنسان أمثال تلك الحسنات ، كل ذلك باقتضاء من المصالح الموجودة.\rفالقرآن الكريم يعلل هذه الأحكام العجيبة الموجودة في الجزاء كمجازاة الإنسان بفعل غيره خيرا أو شرا ، وإسناد الفعل إلى غير فاعله ، وجعل الفعل غير نفسه ، إلى غير ذلك ، ويوضحها بالقوانين العقلائية الموجودة في ظرف الاجتماع وفي سطح الأفهام العامة ، وإن كانت بحسب الحقيقة ذات نظام غير نظام الحس ، وكانت الأحكام الاجتماعية العقلائية محصورة مقصورة على الحياة الدنيا ، وسينكشف على\r","part":5,"page":392},{"id":2134,"text":"الإنسان ما هو مستور عنه اليوم يوم تبلى السرائر كما قال تعالى : \"ولقد جئناهم بكتاب فصلناه على علم هدى ورحمة لقوم يؤمنون هل ينظرون إلا تأويله يوم يأتي تأويله يقول الذين نسوه من قبل قد جاءت رسل ربنا بالحق \"الاعراف - 53 ، وقال تعالى : \"وما كان هذا القرآن أن يفترى من دون الله ولكن تصديق الذي بين يديه وتفصيل الكتاب لاريب فيه من رب العالمين (إلى أن قال) بل كذبوا بما لم يحيطوا بعلمه ولما يأتهم تأويله \"يونس - 39.\rوبهذا الذي ذكرناه يرتفع الاختلاف المترائى بين هذه الآيات المشتملة على هذه الأحكام العجيبة وبين أمثال قوله تعالى : \"فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره \"الزلزال - 8 ، وقوله تعالى : \"لا تزر وازرة وزر أخرى \"الأنعام - 164 ، وقوله تعالى : \"كل امرىء بما كسب رهين \"الطور - 21 ، وقوله تعالى : \"وأن ليس للإنسان إلا ما سعى \"النجم - 39 ، وقوله تعالى : \"إن الله لا يظلم الناس شيئا \"يونس - 44 ، إلى غير ذلك من الآيات الكثيرة. أ هـ {الميزان حـ 2 صـ 173 ـ 179}","part":5,"page":393},{"id":2135,"text":"قوله تعالى : {إِنَّ الَّذِينَ آَمَنُوا وَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَةَ اللَّهِ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (218)}\rمناسبة الآية لما قبلها\rقال البقاعى : \rولما بين سبحانه وتعالى المقطوع لهم بالنار بين الذين هم أهل لرجاء الجنة لئلا يزال العبد هارباً من موجبات النار مقبلاً على مرجئات الجنة خوفاً من أن يقع فيما يسقط رجاءه - وقال الحرالي : لما ذكر أمر المتزلزلين ذكر أمر الثابتين ؛ انتهى - فقال : {إن الذين آمنوا} أي أقروا بالإيمان.\rولما كانت الهجرة التي هي فراق المألوف والجهاد الذي هو المخاطرة بالنفس في مفارقة وطن البدن والمال في مفارقة وطن النعمة أعظم الأشياء على النفس بعد مفارقة وطن الدين كرر لهما الموصول إشعاراً باستحقاقهما للاصالة في أنفسهما فقال مؤكداً للمعنى بالإخراج في صيغة المفاعلة : {والذين هاجروا} أي أوقعوا المهاجرة بأن فارقوا بغضاً ونفرة تصديقاً لإقرارهم بذلك ديارهم ومن خالفهم فيه من أهلهم وأحبابهم. قال الحرالي : من المهاجرة وهو مفاعلة من الهجرة وهو التخلي عما شأنه الاغتباط به لمكان ضرر منه {وجاهدوا} أي أوقعوا المجاهدة ، مفاعلة من الجهد - فتحاً وضماً ، وهو الإبلاغ في الطاقة والمشقة في العمل {في سبيل الله} أي دين الملك الأعظم كل من خالفهم {أولئك} العالو الرتبة العظيمو الزلفى والقربة ولما كان أجرهم إنما هو من فضل الله قال : {يرجون} من الرجاء وهو ترقب الانتفاع بما تقدم له سبب ما - قاله الحرالي {رحمت الله} أي إكرامه لهم غير قاطعين بذلك علماً منهم أن له أن يفعل ما يشاء لأنه الملك الأعظم فلا كفوء له وهم غير قاطعين بموتهم محسنين ، قاطعون بأنه سبحانه وتعالى لو أخذهم بما يعلم من ذنوبهم عذبهم. أ هـ {نظم الدرر حـ 1 صـ 407 ـ 408}\rوقال الفخر : ","part":5,"page":394},{"id":2136,"text":"في تعلق هذه الآية بما قبلها وجهان الأول : أن عبد الله بن جحش قال : يا رسول الله هب أنه لا عقاب فيما فعلنا ، فهل نطمع منه أجراً وثواباً فنزلت هذه الآية ، لأن عبد الله كان مؤمناً ، وكان مهاجراً ، وكان بسبب هذه المقاتلة مجاهداً والثاني : أنه تعالى لما أوجب الجهاد من قبل بقوله : {كُتِبَ عَلَيْكُمُ القتال وَهُوَ كُرْهٌ لَّكُمْ} {البقرة : 216 ] وبين أن تركه سبب للوعيد أتبع ذلك بذكر من يقوم به فقال : {إِنَّ الذين ءامَنُواْ والذين هَاجَرُواْ وجاهدوا فِي سَبِيلِ الله} ولا يكاد يوجد وعيد إلا ويعقبه وعد. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 6 صـ 34}\rقال ابن عاشور : \rوالذي يظهر لي أن تعقيب ما قبلها بها من باب تعقيب الإنذار بالبشارة وتنزيه للمؤمنين من احتمال ارتدادهم فإن المهاجرين لم يرتد منهم أحد. وهذه الجملة معترضة بين آيات التشريع. أ هـ {التحرير والتنوير حـ 2 صـ 337}\rفصل\r{ هاجروا} أي فارقوا أوطانهم وعشائرهم ، وأصله من الهجر الذي هو ضد الوصل ، ومنه قيل للكلام القبيح : هجر ، لأنه مما ينبغي أن يهجر ، والهاجرة وقت يهجر فيه العمل ، والمهاجرة مفاعلة من الهجرة ، وجاز أن يكون المراد منه أن الأحباب والأقارب هجروه بسبب هذا الدين ، وهو أيضاً هجرهم بهذا السبب ، فكان ذلك مهاجرة ، وأما المجاهدة فأصلها من الجهد الذي هو المشقة ، ويجوز أن يكون معنى المجاهدة أن يضم جهده إلى جهد آخر في نصرة دين الله ، كما أن المساعدة عبارة عن ضم الرجل ساعده إلى ساعد آخر ليحصل التأييد والقوة ، ويجوز أن يكون المراد من المجاهدة بذل الجهد في قتال العدو ، وعند فعل العدو ، ومثل ذلك فتصير مفاعلة. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 6 صـ 34}\rقال ابن عاشور : ","part":5,"page":395},{"id":2137,"text":"و( الذين هاجروا ) هم الذين خرجوا من مكة إلى المدينة فراراً بدينهم ، مشتق من الهَجْر وهو الفراق ، وإنما اشتق منه وزن المفاعلة للدلالة على أنه هجر نشأ عن عداوة من الجانبين فكل من المنتقِل والمنتقَل عنه قد هجر الآخر وطلب بُعده ، أو المفاعلة للمبالغة كقولهم : عافاك الله فيدل على أنه هجر قوماً هَجراً شديداً ، قال عبدة بن الطيب\r : ... إنَّ التي ضَرَبَتْ بيتاً مُهاجَرَةً\rبكوفةِ الجند غَالت وُدَّها غول... والمجاهدة مفاعلة مشتقة من الجَهْد وهو المشقة وهي القتال لما فيه من بذل الجهد كالمفاعلة للمبالغة ، وقيل : لأنه يضم جُهده إلى جُهد آخر في نصر الدين مثل المساعدة وهي ضم الرجل ساعده إلى ساعد آخر للإعانة والقوة ، فالمفاعلة بمعنى الضم والتكرير ، وقيل : لأن المجاهِد يبذل جهده في قتال من يبذل جهده كذلك لقتاله فهي مفاعلة حقيقية. أ هـ {التحرير والتنوير حـ 2 صـ 337}\rسؤال : لم قدم الهجرة على الجهاد ؟ \rالجواب : قدم الهجرة على الجهاد لتقدمها عليه في الوقوع تقدم الإيمان عليهما. أ هـ {روح المعانى حـ 2 صـ 113}","part":5,"page":396},{"id":2138,"text":"فائدة\rورد الجهد فى القرآن على معان : \rالأَول : مجاهدة الكفَّار والمنافقين بالبرهان والحجّة {جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ} {وَجَاهِدْهُمْ بِهِ جِهَاداً كَبيراً}.\rالثانى : جهاد أَهل الضَّلالة بالسّيف والقتال {وَفَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ عَلَى الْقَاعِدِينَ} {هَاجَرُواْ وَجَاهَدُواْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ}.\rالثالث : مجاهدة مع النفس {وَمَن جَاهَدَ فَإِنَّمَا يُجَاهِدُ لِنَفْسِهِ}.\rالرابع : مجاهدة مع الشيطان بالمخالفة طمعاً فى الهداية\r{وَالَّذِينَ جَاهَدُواْ فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا}.\rالخامس : جهاد مع القلب لنيل الوصْل والقُرب {وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ هُوَ اجْتَبَاكُمْ}.\rوالحقّ أَن يقال : المجاهدة ثلاثة أَضرب : مجاهدة العدوّ الظَّاهر ، ومجاهدة الشيطان ، ومجاهدة النَّفْس. ويدخل الأَضرب الثلاثة فى {وَجَاهِدُوا فى اللهِ حَقَّ جِهَادِهِ} وفى الحديث : \"جاهدوا أَهواءَكم كما تجاهدون أَعداءَكم\" والمجاهدة تكون باليد واللِّسان. قال صلَّى الله عليه وسلَّم : \"جاهدوا الكفَّار بأَيديكم وأَلسنتكم\". أ هـ {بصائر ذوى التمييز حـ 3 صـ 18 }","part":5,"page":397},{"id":2139,"text":"كلام نفيس لأبى حيان فى الآية الكريمة\rقال رحمه الله : \rوقد احتوت هذه الجملة على ثلاثة أوصاف ، وجاءت مرتبة بحسب الوقائع والواقع ، لأن الإِيمان أولها ، ثم المهاجرة ، ثم الجهاد في سبيل الله. ولما كان الإِيمان هو الأصل أفرد به موصول وحده ، ولما كانت الهجرة والجهاد فرعين عنه أفردا بموصول واحد ، لأنهما من حيث الفرعية كالشيء الواحد. وأتى خبر : إن ، جملة مصدرة : بأولئك ، لأن اسم الإشارة هو المتضمن الأوصاف السابقة من الإيمان والهجرة والجهاد ، وليس تكريراً لموصول بالعطف مشعراً بالمغايرة في الذوات ، ولكنه تكرير بالنسبة إلى الأوصاف ، والذوات هي المتصفة بالأوصاف الثلاثة ، فهي ترجع لمعنى عطف الصفة بعضها على بعض للمغايرة ، لا : إن الذين آمنوا ، صنف وحده مغاير : للذين هاجروا وجاهدوا ، وأتى بلفظة : يرجون ، لأنه ما دام المرء في قيد الحياة لا يقطع أنه صائر إلى الجنة ، ولو أطاع أقصى الطاعة ، إذ لا يعلم بما يختم له ، ولا يتكل على عمله ، لأنه لا يعلم أَقُبِل أم لا ؟ وأيضاً فلأن المذكورة في الأية ثلاثة أوصاف ، ولا بدّ مع ذلك من سائر الأعمال ، وهو يرجو أن يوفقه الله لها كما وفقه لهذه الثلاثة ، فلذلك قال : فأولئك يرجون ، أو يكون ذكر الرجاء لما يتوهمون أنهم ما وفوا حق نصرة الله في الجهاد ، ولا قضوا ما لزمهم من ذلك ، فهم يقدمون على الله مع الخوف والرجاء ، كما قال تعالى : {والذين يؤتون ما آتوا وقلوبهم وجلة }\rوروي عن قتادة أنه قال : هو لأخيار هذه الأمة ، ثم جعلهم الله أهل رجاء ، كما يسمعون ، وقيل : الرجاء دخل هنا في كمية الثواب ووقته ، لا في أصل الثواب ، إذا هو مقطوع متيقن بالوعد الصادق. أ هـ {البحر المحيط حـ 2 صـ 161}\rقوله تعالى : {أُوْلئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَةَ الله }\rقال ابن عاشور : ","part":5,"page":398},{"id":2140,"text":"الرجاء : ترقب الخير مع تغليب ظن حصوله ، فإن وعد الله وإن كان لا يخلف فضلاً منه وصدقاً ، ولكن الخواتم مجهولة ومصادفة العمل لمراد الله قد تفوت لموانع لا يدريها المكلف ولئلا يتكلوا في الاعتماد على العمل. أ هـ {التحرير والتنوير حـ 2 صـ 338}\rقال الفخر : \rثم قال تعالى : {أُوْلئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَةَ الله} وفيه قولان : الأول أن المراد منه الرجاء ، وهو عبارة عن ظن المنافع التي يتوقعها ، وأراد تعالى في هذا الموضع أنهم يطمعون في ثواب الله وذلك لأن عبد الله بن جحش ما كان قاطعاً بالفوز والثواب في عمله ، بل كان يتوقعه ويرجوه.\rفإن قيل : لم جعل الوعد مطلقاً بالرجاء ، ولم يقع به كما في سائر الآيات ؟ .\rقلنا : الجواب من وجوه أحدها : أن مذهبنا أن الثواب على الإيمان والعمل غير واجب عقلاً ، بل بحكم الوعد ، فلذلك علقه بالرجاء وثانيها : هب أنه واجب عقلاً بحكم الوعد ، ولكنه تعلق بأن لا يكفر بعد ذلك وهذا الشرط مشكوك فيه لا متيقن ، فلا جرم كان الحاصل هو الرجاء لا القطع وثالثها : أن المذكور ههنا هو الإيمان ، والهجرة ، والجهاد في سبيل الله ، ولا بد للإنسان مع ذلك من سائر الأعمال ، وهو أن يرجو أن يوفقه الله لها ، كما وفقه لهذه الثلاثة ، فلا جرم علقه على الرجاء ورابعها : ليس المراد من الآية أن الله شكك العبد في هذه المغفرة ، بل المراد وصفهم بأنهم يفارقون الدنيا مع الهجرة والجهاد ، مستقصرين أنفسهم في حق الله تعالى ، يرون أنهم لم يعبدوه حق عبادته ، ولم يقضوا ما يلزمهم في نصرة دينه ، فيقدمون على الله مع الخوف والرجاء ، كما قال : {والذين يُؤْتُونَ مَا ءاتَواْ وَّقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إلى رَبّهِمْ راجعون} {المؤمنون : 60 ].","part":5,"page":399},{"id":2141,"text":"القول الثاني : أن المراد من الرجاء : القطع واليقين في أصل الثواب ، والظن إنما دخل في كميته وفي وقته ، وفيه وجوه قررناها في تفسير قوله تعالى : {الذين يَظُنُّونَ أَنَّهُم ملاقوا رَبّهِمْ} {البقرة : 46 ]. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 6 صـ 34}\rفائدة\rقال ابن عطية\r{ يرجون} معناه يطمعون ويستقربون ، والرجاء تنعم ، والرجاء أبداً معه خوف ولا بد ، كما أن الخوف معه رجاء ، وقد يتجوز أحياناً ويجيء الرجاء بمعنى ما يقارنه من الخوف ، كما قال الهذلي : {الطويل ]\rإذَا لَسَعَتْهُ النَّحْلُ لَمْ يَرْجُ لَسْعَهَا... وَحَالَفَهَا في بَيْتِ نَوْبٍ عَوَامِلُ\rوقال الأصمعي : \"إذ اقترن حرف النفي بالرجاء كان بمعنى الخوف \" ، كهذا البيت ، وكقوله عز وجل : {لا يرجون لقاءنا} {سورة يونس : الآيات : 7- 11- 15 ، سورة الفرقان : الآية 21 ] ، المعنى لا يخافون ، وقد قيل : إن الرجاء في الآية على بابه ، أي لا يرجون الثواب في لقائنا ، وبإزاء ذلك خوف العقاب ، وقال قوم : اللفظة من الأضداد دون تجوز في إحدى الجهتين ، وليس هذا بجيد ، وقال الجاحظ في كتاب البلدان : \"إن معنى قوله لم يرج لسعها أي لم يرج برء لسعها وزواله ، فهو يصبر عليه \".\rأ هـ {المحرر الوجيز حـ 1 صـ 292}\rسؤال : لم أثبت لهم الرجاءَ دون الفوز بالمرجوِّ ؟ \rالجواب : أثبت لهم الرجاءَ دون الفوز بالمرجوِّ للإيذان بأنهم عالمون بأن العملَ غيرُ موجبٍ للأجر وإنما هو على طريق التفضُّلِ منه سبحانه لا لأن في فوزهم اشتباهاً. أ هـ {تفسير أبى السعود حـ 1 صـ 218}\rسؤال : لم كرر الموصول ؟ ","part":5,"page":400},{"id":2142,"text":"الجواب : وكرر الموصول لتعظيم الهجرة والجهاد كأنهما مستقلان في تحقيق الرجاء. وجيء باسم الإشارة للدلالة على أن رجاءهم رحمةَ الله لأجل إيمانهم وهجرتهم وجهادهم ، فتأكد بذلك ما يدل عليه الموصول من الإيماء إلى وجه بناءِ الخبر ، وإنما احتيج لتأكيده لأن الصلتين لما كانتا مما اشتهر بهما المسلمون وطائفة منهم صارتا كاللقب ؛ إذ يطلق على المسلمين يومئذٍ في لسان الشرع اسم الذين آمنوا كما يطلق على مسلمي قريش يومئذٍ اسم المهاجرين فأكد قَصدُ الدلالة على وجه بناء الخبر من الموصول. أ هـ {التحرير والتنوير حـ 2 صـ 338}\rسؤال : فإن قيل : فكيف قال : {أُوْلَئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَةَ اللهِ} ورحمة الله للمؤمنين مستحقة ؟ \rففيه جوابان : \rأحدهما : أنهم لما لم يعلموا حالهم في المستقبل جاز أن يرجوا الرحمة خوفاً أن يحدث من مستقبل أمورهم مالا يستوجبونها معه.\rوالجواب الثاني : أنهم إنما رجوا الرحمة لأنهم لم يتيقنوها بتأدية كل ما أوجبه الله تعالى عليهم. أ هـ {النكت والعيون حـ 1 صـ 275}\rلطيفة\rقال قتادة : أثنى الله تعالى على أصحاب رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ أحسن الثناء فقال : {إن الذين آمنوا والذين هاجروا وجاهدوا في سبيل الله أولئك يرجون رحمة الله} هؤلاء هم خيار هذه الأمة ثم جعلهم الله أهل رجاء كما تسمعون وأنه من رجا طلب ومن خاف هرب. أ هـ {تفسير الخازن حـ 1 صـ 143}\rلطيفة\rقال صاحب روح البيان : \rقيل إن الحجاج لما أحضرته الوفاة كان يقول اللهم اغفر لى فإن الناس يزعمون أنك لا تفعل ومات بواسط سنة خمس وتسعين وهى مدينته التى أنشأها وكان يوم موته يسمى عرس العراق ولم يعلم بموته حتى أشرفت جارية من القصر وهى تبكى وتقول ألا إن مطعم الطعام ومفلق الهام قد مات ثم دفن ووقف رجل من أهل الشام على قبره فقال اللهم لا تحرمنا شفاعة الحجاج وحلف رجل من أهل العراق بالطلاق أن الحجاج فى النار فاستفتى طاووس فقال : يغفر الله لمن يشاء وما أظنها إلا طلقت فيقال إنه استفتى الحسن البصرى فقال : اذهب إلى زوجتك وكن معها فإن لم يكن الحجاج فى النار فما يضركما أنكما فى الحرام فقد وقفت من هذا المذكور على أن الله تعالى غفور رحيم يغفر لعبده وإن جاء بمثل زبد البحر ذنبا ، فاللازم للعباد الرجاء من الله تعالى\rقال الراغب وهذه المنازل الثلاثة التى هى الإيمان والمهاجرة والجهاد هى المعنية بقوله {اتقوا الله وابتغوا إليه الوسيلة وجاهدوا فى سبيله} ولا سبيل إلى المهاجرة إلا بعد الإيمان ولا إلى جهاد الهوى إلا بعد هجران الشهوات ومن وصل إلى ذلك فحق له أن يرجو رحمته. أ هـ {روح البيان حـ 1 صـ 417}\rقوله تعالى : {والله غَفُورٌ رَّحِيمٌ}\rقال البقاعى : ","part":5,"page":401},{"id":2143,"text":"ولما كان الإنسان محل النقصان فهو لا يزال في فعل ما إن أوخذ به هلك قال مشيراً إلى ذلك مبشراً بسعة الحلم في جملة حالية من واو {يرجون} ويجوز أن يكون عطفاً على ما تقديره : ويخافون عذابه فالله منتقم عظيم : {والله} أي الذي له صفات الكمال {غفور} أي ستور لما فرط منهم من الصغائر أو تابوا عنه من الكبائر {رحيم} فاعل بهم فعل الراحم من الإحسان والإكرام والاستقبال بالرضى. قال الحرالي : وفي الختم بالرحمة أبداً في خواتم الآي إشعار بأن فضل الله في الدنيا والآخرة ابتداء فضل ليس في الحقيقة جزاء العمل فكما يرحم العبد طفلاً ابتداء يرحمه كهلاً انتهاء ويبتدئه برحمته في معاده كما ابتدأه برحمته في ابتدائه - انتهى بالمعنى. أ هـ {نظم الدرر حـ 1 صـ 408}\rقال الفخر : \rقوله تعالى : {والله غَفُورٌ رَّحِيمٌ} أي إن الله تعالى يحقق لهم رجاءهم إذا ماتوا على الإيمان والعمل الصالح ، وأنه غفور رحيم ، غفر لعبد الله بن جحش وأصحابه ما لم يعلموا ورحمهم. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 6 صـ 34}\rوقال أبو حيان : \r{ والله غفور رحيم} لما ذكر أنهم طامعون في رحمة الله ، أخبر تعالى أنه متصف بالرحمة ، وزاد وصفاً آخر وهو أنه تعالى متصف بالغفران ، فكأنه قيل : الله تعالى ، عندما ظنوا وطمعوا في ثوابه ، فالرحمة متحققة ، لأنها من صفاته تعالى. أ هـ {البحر المحيط حـ 2 صـ 161}\rوقال الآلوسى : \r{ والله غَفُورٌ رَّحِيمٌ} تذييل لما تقدم وتأكيد له ولم يذكر المغفرة فيما تقدم لأن رجال الرحمة يدل عليها وقدم وصف المغفرة لأن درأ المفاسد مقدم على جلب المصالح. أ هـ {روح المعانى حـ 2 صـ 112}\rكلام نفيس للعلامة السعدى فى الآية الكريمة","part":5,"page":402},{"id":2144,"text":"هذه الأعمال الثلاثة ، هي عنوان السعادة وقطب رحى العبودية ، وبها يعرف ما مع الإنسان ، من الربح والخسران ، فأما الإيمان ، فلا تسأل عن فضيلته ، وكيف تسأل عن شيء هو الفاصل بين أهل السعادة وأهل الشقاوة ، وأهل الجنة من أهل النار ؟ وهو الذي إذا كان مع العبد ، قبلت أعمال الخير منه ، وإذا عدم منه لم يقبل له صرف ولا عدل ، ولا فرض ، ولا نفل.\rوأما الهجرة : فهي مفارقة المحبوب المألوف ، لرضا الله تعالى ، فيترك المهاجر وطنه وأمواله ، وأهله ، وخلانه ، تقربا إلى الله ونصرة لدينه.\rوأما الجهاد : فهو بذل الجهد في مقارعة الأعداء ، والسعي التام في نصرة دين الله ، وقمع دين الشيطان ، وهو ذروة الأعمال الصالحة ، وجزاؤه ، أفضل الجزاء ، وهو السبب الأكبر ، لتوسيع دائرة الإسلام وخذلان عباد الأصنام ، وأمن المسلمين على أنفسهم وأموالهم وأولادهم.\rفمن قام بهذه الأعمال الثلاثة على لأوائها ومشقتها كان لغيرها أشد قياما به وتكميلا.\rفحقيق بهؤلاء أن يكونوا هم الراجون رحمة الله ، لأنهم أتوا بالسبب الموجب للرحمة ، وفي هذا دليل على أن الرجاء لا يكون إلا بعد القيام بأسباب السعادة ، وأما الرجاء المقارن للكسل ، وعدم القيام بالأسباب ، فهذا عجز وتمن وغرور ، وهو دال على ضعف همة صاحبه ، ونقص عقله ، بمنزلة من يرجو وجود ولد بلا نكاح ، ووجود الغلة بلا بذر وسقي ، ونحو ذلك.\rوفي قوله : {أُولَئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَةَ اللَّهِ} إشارة إلى أن العبد ولو أتى من الأعمال بما أتى به لا ينبغي له أن يعتمد عليها ، ويعول عليها ، بل يرجو رحمة ربه ، ويرجو قبول أعماله ومغفرة ذنوبه ، وستر عيوبه.\rولهذا قال : {وَاللَّهُ غَفُورٌ} أي : لمن تاب توبة نصوحا {رَحِيمٌ} وسعت رحمته كل شيء ، وعم جوده وإحسانه كل حي.\rوفي هذا دليل على أن من قام بهذه الأعمال المذكورة ، حصل له مغفرة الله ، إذ الحسنات يذهبن السيئات وحصلت له رحمة الله.\rوإذا حصلت له المغفرة ، اندفعت عنه عقوبات الدنيا والآخرة ، التي هي آثار الذنوب ، التي قد غفرت واضمحلت آثارها ، وإذا حصلت له الرحمة ، حصل على كل خير في الدنيا والآخرة ؛ بل أعمالهم المذكورة من رحمة الله بهم ، فلولا توفيقه إياهم ، لم يريدوها ، ولولا إقدارهم عليها ، لم يقدروا عليها ، ولولا إحسانه لم يتمها ويقبلها منهم ، فله الفضل أولا وآخرا ، وهو الذي منّ بالسبب والمسبب. أ هـ {تفسير السعدى صـ 98}\rمن لطائف الإمام القشيرى فى الآية\rإن الذين صدقوا في قصدهم ، وأخلصوا في عهدهم ، ولم يرتدوا في الإرادة على أعقابهم ، أولئك الذين عاشوا في رَوْحِ الرجاء إلى أن يصلوا إلى كمال البقاء ودار اللقاء. أ هـ {لطائف الإشارات حـ 1 صـ 176}","part":5,"page":403},{"id":2146,"text":"بحث نفيس لحجة الإسلام الغزالى فى الرجاء\rقال رحمه الله : \rفإن قلت : فأين الغلط في قول العصاة والفجار إن الله كريم وإنا نرجو رحمته ومغفرته ، وقد قال أنا عند ظن عبدي بي فليظن بي خيراً ، فما هذا إلا كلام صحيح مقبول الظاهر في القلوب ؟ فاعلم أن الشيطان لا يغوي الإنسان إلا بكلام مقبول الظاهر مردود الباطن ، ولولا حسن ظاهره لما انخدعت به القلوب ، ولكن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ كشف عن ذلك فقال \"الكيس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت ، والأحمق من اتبع نفسه هواها وتمنى على الله وهذا هو التمني على الله تعالى غير الشيطان اسمه فسماه : رجاء ، حتى خدع به الجهال. وقد شرح الله الرجاء فقال \"إن الذين آمنوا والذين هاجروا وجاهدوا في سبيل الله أولئك يرجون رحمة الله \"يعني أن الرجاء بهم أليق وهذا لأنه ذكر أن ثواب الآخرة أجر وجزاء على الأعمال قال الله تعالى \"جزاء بما كانوا يعملون \"وقال تعالى \"وإنما توفون أجوركم يوم القيامة \"أفترى أن من استؤجر على إصلاح أوان وشرط له أجرة عليها وكان الشارط كريماً يفي بالوعد مهما وعد ولا يخلف بل يزيد ، فجاء الأجير وكسر الأواني وأفسد جميعها ثم جلس ينتظر الأجر ويزعم أن المستأجر كريم ، أفيراه العقلاء في انتظاره متمنياً مغروراً أو راجياً ؟ وهذا للجهل بالفرق بين الرجاء والغرة. قيل للحسن : قوم يقولون نرجو الله ويضيعون العمل فقال : هيهات هيهات! تلك أمانيهم يترجحون فيها ، من رجا شيئاً طلبه ومن خاف شيئاً هرب منه. وقال مسلم بن يسار : لقد سجدت البارحة حتى سقطت ثنيتاي! فقال له رجل : إنا لنرجو الله! فقال مسلم : هيهات هيهات ؟ من رجا شيئاً طلبه ومن خاف شيئاً هرب منه. وكما أن الذي يرجوا في الدنيا ولداً وهو بعد لم ينكح أو نكح ولم يجامع أو جامع ولم ينزل! فهو معتوه فكذلك من رجا رحمة الله وهو لم يؤمن أو آمن لم يعمل صالحاً أو عمل ولم يترك المعاصي فهو مغرور. فكما أنه إذا نكح ووطئ وأنزل بقي متردداً في الولد يخاف ويرجو فضل الله في خلق الولد ودفع الآفات عن الرحم","part":5,"page":404},{"id":2147,"text":"وعن الأم إلى أن يتم فهو كيس ، فكذلك إذا آمن وعمل الصالحات وترك السيئات وبقي متردداً بين الخوف والرجاء يخاف أن لا يقبل منه وأن لا يدوم عليه وأن يختم له بالسوء ، ويرجوا من الله تعالى أن يثبته بالقول الثابت ويحفظ دينه من صواعق سكرات الموت حتى يموت على التوحيد ، ويحرس قلبه عن الميل إلى الشهوات بقية عمره حتى لا يميل إلى المعاصي فهو كيس ، ومن عدا هؤلاء فهم المغرورون بالله \"وسوف يعلمون حين يرون العذاب من أضل سبيل - ولتعلمن نبأه بعد حين \"وعند ذلك يقولون كما أخبر الله عنهم \"ربنا أبصرنا وسمعنا فارجعنا نعمل صالحاً إنا موقنون \"أي علمنا أنه كما لا يولد إلا بوقاع ونكاح ولا ينبت زرع إلا بحراثة وبث بذر ، فكذلك لا يحصل في الآخرة ثواب وأجر إلا بعمل صالح فارجعنا نعمل صالحاً فقد علمنا الآن صدقك في قولك \"وأن ليس للإنسان إلا ما سعى وأن سعيه سوف يرى - كلما ألقى فيها فوج سألهم خزنتها ألم يأتكم نذير قالوا بلى قد جاءنا نذير \"أي ألم نسمعكم سنة الله في عباده وأنه \"توفى كل نفس ما كسبت \"وأن \"كل نفس بما كسبت رهينة \"فما الذي غركم بالله بعد أن سمعتم وعقلتم ؟ \"قالوا لو كنا نسمع أو نعقل ما كنا في أصحاب السعير فاعترفوا بذنبهم فسحقاً لأصحاب السعير \".\rفإن قلت : فأين مظنة الرجاء وموضعه المحمود ؟ فاعلم أنه محمود في موضعين : \r","part":5,"page":405},{"id":2148,"text":"أحدهما : في حق العاصي المنهمك إذا خطرت له التوبة فقال له الشيطان : وأنى تقبل توبتك فيقنطه من رحمة الله تعالى \"فيجب عند هذا أن يقمع القنوط بالرجاء ويتذكر \"إن الله يغفر الذنوب جميعاً \"وأن الله كريم يقبل التوبة عن عباده وأن التوبة طاعة تكفر الذنوب قال الله تعالى \"قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله إن الله يغفر الذنوب جميعاً إنه هو الغفور الرحيم وأنيبوا إلى ربكم \"أمرهم بالإنابة وقال تعالى \"وإني لغفار لمن تاب وآمن وعمل صالحاً ثم اهتدى \"فإذا توقع المغفرة مع التوبة فهو راج ، وإن توقع المغفرة مع الإصرار فهو مغرور ، كما أن من ضاق عليه وقت الجمعة وهو في السوق فخطر له أن يسعى إلى الجمعة فقال له الشيطان : إنك لا تدرك الجمعة فأقم على موضعك فكذب الشيطان ومر يعدو وهو يرجو أن يدرك الجمعة فهو راج ، وإن استمر على التجارة وأخذ يرجو تأخير الإمام للصلاة لأجله إلى وسط الوقت أو لأجل غيره أو لسبب من الأسباب التي لا يعرفها فهو مغرور.\r","part":5,"page":406},{"id":2149,"text":"الثاني : أن تفتر نفسه عن فضائل الأعمال ويقتصر على الفرائض فيرجى نفسه نعيم الله تعالى وما وعد به الصالحين حتى ينبعث من الرجاء نشاط العبادة فيقبل على الفضائل ويتذكر قوله تعالى \"قد أفلح المؤمنون الذين هم في صلاتهم خاشعون \"إلى قوله \"أولئك هم الوارثون الذين يرثون الفردوس هم فيها خالدون \"فالرجاء الأول : يقمع القنوط المانع من التوبة. الرجاء الثاني : يقمع الفتور المانع من النشاط والتشمر ، فكل توقع حث على توبة أو على تشمر في العبادة فهو رجاء ، وكل رجاء أوجب فتوراً في العبادة وركوناً إلى البطالة فهو غرة ، كما إذا خطر له أن يترك الذنب ويشتغل بالعمل فيقول له الشيطان : مالك ولإيذاء نفسك وتعذيبها ولك رب كريم غفور رحيم ؟ فيفتر بذلك عن التوبة والعبادة فهو غرة ، وعند هذا واجب على العبد أن يستعمل الخوف فيخوف نفسه بغضب الله وعظيم عقابه ويقول : إنه مع أنه غافر الذنب وقابل التوب شديد العقاب ، وإنه مع أنه كريم خلد الكفار في النار أبد الآباد ، مع أنه لم يضره كفرهم ، بل سلط العذاب والمحن والأمراض والعلل والفقر والجوع على جملة من عباده في الدنيا وهو قادر على إزالتها ، فمن هذه سنته في عباده وقد خوفني عقابه فكيف لا أخافه وكيف أغتر به ؟","part":5,"page":407},{"id":2150,"text":"فالخوف والرجاء قائدان وسائقان يبعثان الناس على العمل ، فما لا يبعث على العمل فهو تمن وغرور. ورجاء كافة الخلق هو سبب فتورهم وسبب إقبالهم على الدنيا وسبب إعراضهم عن الله تعالى وإهمالهم السعي للآخرة ، فذلك غرور فقد أخبر ـ صلى الله عليه وسلم ـ وذكر أن الغرور سيغلب على قلوب آخر هذه الأمة وقد كان ما وعد به ـ صلى الله عليه وسلم ـ فقد كان الناس في الأعصار الأول يواظبون على العبادات ويؤتون ما آتوا وقلوبهم وجلة أنهم إلى ربهم راجعون ، يخافون على أنفسهم وهم طول الليل والنهار في طاعة الله يبالغون في التقوى والحذر من الشبهات والشهوات ويبكون على أنفسهم في الخلوات. وأما الآن فترى الخلق آمنين مسرورين مطمئنين غير خائفين مع إكبابهم على المعاصي وانهماكهم في الدنيا وإعراضهم عن الله تعالى ، زاعمين أنهم واثقون بكرم الله تعالى وفضله ، راجون لعفوه ومغفرته ، كأنهم يزعمون أنهم عرفوا من فضله وكرمه ما لم يعرفه الأنبياء والصحابة والسلف الصالحون. فإن كان هذا الأمر يدرك بالمنى وينال بالهوينى فعلام إذن كان بكاء أولئك وخوفهم وحزنهم ؟ وقد ذكرنا تحقيق هذه الأمور في كتاب الخوف والرجاء وقد قال رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ فيما رواه معقل بن يسار \"يأتى على الناس زمان يخلق فيه القرآن في قلوب الرجال كما تخلق الثياب على الأبدان أمرهم كله يكون طمعاً لا خوف معه ، إن أحسن أحدهم قال : يتقبل مني ، وإن أساء قال : يغفر لي فأخبر أنهم يضعون الطمع موضع الخوف لجهلهم بتخويفات القرآن وما فيه. وبمثله أخبر عن النصارى إذ قال تعالى \"فخلف من بعدهم خلف ورثوا الكتاب يأخذون عرض هذا الأدنى ويقولون سيغفر لنا \"ومعناه أنهم \"ورثوا الكتاب \"أي هم علماء \"ويأخذون عرض هذا الأدنى \"أي شهواتهم من الدنيا حراماً كان أو حلالاً. وقد قال تعالى \"ولمن خاف مقام ربه جنتان - ذلك لمن خاف مقامي وخاف وعبد \"والقرآن من أوله إلى آخره تحذير وتخويف ، لا يتفكر فيه متفكر إلا","part":5,"page":408},{"id":2151,"text":"ويطول حزنه ويعظم خوفه إن كان مؤمناً بما فيه. وترى الناس يهذونه هذا ، يخرجون الحروف من مخارجها ويتناظرون على خفضها ورفعها ونصبها وكأنهم يقرؤون شعراً من أشعار العرب لا يهمهم الالتفات إلى معانيه والعمل بما فيه وهل في العالم غرور يزيد على هذا ؟ فهذه أمثلة الغرور بالله وبيان الفرق وبين الرجاء والغرور ، ويقرب منه غرور طوائف لهم طاعات ومعاص إلا أن معاصيهم أكثر ، وهم يتوقعون المغفرة ويظنون أنهم تترجح كفة حسناتهم مع أن ما في كفة السيئات أكثر ، وهذا غاية الجهل فترى الواحد يتصدق بدراهم معدودة من الحلال والحرام ويكون ما يتناول من أموال المسلمين والشبهات أضعافه ، ولعل ما تصدق به من أموال المسلمين! وهو يتكل عليه ويظن أن أكل ألف درهم حرام يقاومه التصدق بعشرة من الحرام أو الحلال ، وما هو إلا كمن وضع عشرة دراهم في كفة ميزان وفي الكفة الأخرى ألفاً وأراد أن يرفع الكفة الثقيلة بالكفة الخفيفة وذلك غاية جهله. نعم ومنهم من يظن أن طاعاته أكثر من معاصيه لأنه لا يحاسب نفسه ولا يتفقد معاصيه ، وإذا عمل طاعة حفظها واعتد بها كالذي يستغفر الله بلسانه أو يسبح الله في اليوم مائة مرة ثم يغتاب المسلمين ويمزق أعراضهم ويتكلم بما لا يرضاه الله طول النهار من غير حصر وعدد ، ويكون نظره إلى عدد سبحته أنه استغفر الله مائة مرة وغفل عن هذيانه طول نهاره الذي لو كتبه لكان مثل تسبيحه مائة مرة أو ألف مرة ، وقد كتبه الكرام الكاتبون وقد أوعده الله بالعقاب على كل كلمة فقال \"وما يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد \"فهذا أبداً يتأمل في فضائل التسبيحات والتهليلات ولا يلتفت إلى ما ورد من عقوبة المغتابين والكذابين والنمامين والمنافقين ، يظهرون من الكلام ما لا يضمرونه إلى غير ذلك من آفات اللسان. وذلك محض الغرور. ولعمري لو كان الكرام الكاتبون يطلبون منه أجرة النسخ لما يتكبونه من هذيانه الذي زاد على تسبيحه لكان عند ذلك يكف لسانه حتى عن جملة منن","part":5,"page":409},{"id":2152,"text":"مهماته ، وما نطق به في فتراته كان يعده ويحسبه ويوازنه بتسبيحاته ، حتى لا يفضل عليه أجرة نسخه! فيا عجباً لمن يحاسب نفسه ويحتاط خوفاً على قيراط يفوته في الأجرة على النسخ ولا يحتاط خوفاً من فوت الفردوس الأعلى ونعيمه! ما هذه إلا مصيبة عظيمة لمن تفكر فيها! لقد دفعنا إلى أمر إن شككنا فيه كنا من الكفرة الجاحدين وإن\rصدقنا به كنا من الحمقى المغرورين! فما هذه أعمال من يصدق بما جاء به القرآن ، وإنا نبرأ إلى الله أن نكون من أهل الكفران فسبحان من صدنا عن التنبه واليقين مع هذا البيان ، وما أجدر من يقدر على تسليط مثل هذه الغفلة والغرور وعلى القلوب أن يخشى ويتقي ولا يغتر به اتكالاً على أباطيل المنى وتعاليل الشيطان والهوى ، والله أعلم. به كنا من الحمقى المغرورين! فما هذه أعمال من يصدق بما جاء به القرآن ، وإنا نبرأ إلى الله أن نكون من أهل الكفران فسبحان من صدنا عن التنبه واليقين مع هذا البيان ، وما أجدر من يقدر على تسليط مثل هذه الغفلة والغرور وعلى القلوب أن يخشى ويتقي ولا يغتر به اتكالاً على أباطيل المنى وتعاليل الشيطان والهوى ، والله أعلم. أ هـ {إحياء علوم الدين حـ 3 صـ 73 ـ 76}","part":5,"page":410},{"id":2153,"text":"كلام نفيس لابن القيم فى الرجاء :\rقال رحمه الله :\rولا يتم الجهاد إلا بالهجرة ولا الهجرة والجهاد إلا بالإيمان والراجون رحمة الله هم الذين قاموا بهذه الثلاثة قال تعالى : {إن الذين آمنوا والذين هاجروا وجاهدوا في سبيل الله أولئك يرجون رحمة الله والله غفور رحيم} ( البقرة : 218 )\rوكما أن الإيمان فرض على كل أحد ففرض عليه هجرتان في كل وقت : هجرة إلى الله عز وجل بالتوحيد والإخلاص والإنابة والتوكل والخوف والرجاء والمحبة والتوبة وهجرة إلى رسوله بالمتابعة والانقياد لأمره والتصديق بخبره وتقديم أمره وخبره على أمر غيره وخبره : فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله ومن كانت هجرته إلى دنيا يصيبها أو امرأة يتزوجها فهجرته إلى ما هاجر إليه وفرض عليه جهاد نفسه في ذات الله وجهاد شيطانه فهذا كله فرض عين لا ينوب فيه أحد عن أحد\rوأما جهاد الكفار والمنافقين فقد يكتفى فيه ببعض الأمة اذا حصل منهم مقصود الجهاد. أ هـ {زاد المعاد حـ 3 صـ 10}\rوقال فى المدارج :\rومن منازل إياك نعبد وإياك نستعين منزلة الرجاء","part":5,"page":411},{"id":2154,"text":"قال الله تعالى : {أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ} {الإسراء : 57 ] فابتغاء الوسيلة إليه : طلب القرب منه بالعبودية والمحبة فذكر مقامات الإيمان الثلاثة التى عليها بناؤه : الحب والخوف والرجاء قال تعالى : {مَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ اللَّهِ فَإِنَّ أَجَلَ اللَّهِ لَآتٍ} {العنكبوت : 5 ] وقال : {فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحاً وَلا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَداً} {الكهف : 110 ] وقال تعالى : {أُولَئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَتَ اللَّهِ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ} {البقره : 218 ] وفي صحيح مسلم عن جابر رضي الله عنه قال : سمعت رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ يقول قبل موته بثلاث : \"لا يموتن أحدكم إلا وهو يحسن الظن بربه\" وفي الصحيح عنه : \"يقول الله عز وجل : أنا عند ظن عبدي بي فليظن بي ما شاء\" الرجاء حاد يحدو القلوب إلى بلاد المحبوب وهو الله والدار الآخرة ويطيب لها السير وقيل : هو الاستبشار بجود وفضل الرب تبارك وتعالى والارتياح لمطالعة كرمه سبحانه وقيل : هو الثقه بجود الرب تعالى والفرق بينه وبين التمني أن التمني يكون مع الكسل ولا يسلك بصاحبه طريق الجد والاجتهاد والرجاء يكون مع بذل الجهد وحسن التوكل\rفالأول : كحال من يتمنى أن يكون له أرض يبذرها ويأخذ زرعها\rوالثاني : كحال من يشق أرضه ويفلحها ويبذرها ويرجو طلوع الزرع ولهذا أجمع العارفون على أن الرجاء لا يصح إلا مع العمل\rقال شاه الكرماني : علامة صحة الرجاء : حسن الطاعة والرجاء ثلاثة أنواع : نوعان محمودان ونوع غرور مذموم\rفالأولان : رجاء رجل عمل بطاعة الله على نور من الله فهو راج لثوابه ورجل أذنب ذنوباثم تاب منها فهو راج لمغفرة الله تعالى وعفوه وإحسانه وجوده وحلمه وكرمه\r","part":5,"page":412},{"id":2155,"text":"والثالث : رجل متماد في التفريط والخطايا يرجو رحمة الله بلا عمل فهذا هو الغرور والتمني والرجاء الكاذب وللسالك نظران : نظر إلى نفسه وعيوبه وآفات عمله يفتح عليه باب الخوف إلى سعة فضل ربه وكرمه وبره ونظر يفتح عليه باب الرجاء ولهذا قيل في حد الرجاء هو النظر إلى سعة رحمة الله\rوقال أبو علي الروذباري الخوف والرجاء كجناحي الطائر إذا استويا استوى الطير وتم طيرانه وإذا نقص أحدهما وقع فيه النقص وإذا ذهبا صار الطائر في حد الموت وسئل أحمد بن عاصم : ما علامة الرجاء في العبد فقال : أن يكون إذا أحاط به الإحسان ألهم الشكر راجيا لتمام النعمة من الله عليه في الدنيا والآخرة وتمام عفوه عنه في الآخرة واختلفوا أي الرجائين أكمل : رجاء المحسن ثواب إحسانه أو رجاء المسيء التائب مفغرة ربه وعفوه فطائفة رجحت رجاء المحسن لقوة أسباب الرجاء معه وطائفة رجحت رجاء المذنب لأن رجاءه مجرد عن علة رؤية العمل مقرون بذلة رؤية الذنب قال يحيى بن معاذ : يكاد رجائي لك مع الذنوب يغلب رجائي لك مع الأعمال لأني أجدني أعتمد في الأعمال على الإخلاص وكيف أصفيها وأحرزها وأنا بالآفات معروف وأجدني في الذنوب أعتمد على عفوك وكيف لا تغفرها وأنت بالجود موصوف\rوقال أيضا : إلهى أحلى العطايا في قلبي رجاؤك وأعذب الكلام على لساني ثناؤك وأحب الساعات إلي ساعة يكون فيها لقاؤك. أ هـ {مدارج السالكين حـ 2 صـ 34 ـ 35}\rتم الجزء الخامس من كتاب {جامع لطائف التفسير} ولله الحمد والمنة\rويليه إن شاء الله تعالى الجزء السادس وأوله قوله تعالى : \r{ يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا وَيَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآَيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ (219) }","part":5,"page":413},{"id":2156,"text":"بسم الله الرحمن الرحيم\rاسم الكتاب / جامع لطائف التفسير\rالعاجز الفقير\rعبد الرحمن بن محمد القماش\rإمام وخطيب بدولة الإمارات العربية\rعفا الله عنه وغفر له\rالجزء السادس\rحقوق النسخ والطبع والنشر مسموح بها لكل مسلم\r{يا قوم لا أسألكم عليه أجرا}","part":6,"page":3},{"id":2157,"text":"الجزء السادس\rمن الآية {219} من سورة البقرة\rوحتى الآية {232} من نفس السورة","part":6,"page":4},{"id":2158,"text":"قوله تعالى : {يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا وَيَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآَيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ (219)}\rمناسبة الآية لما قبلها\rقال البقاعى :\rولما كان الشراب مما أذن فيه في ليل الصيام وكان غالب شرابهم النبيذ من التمر والزبيب وكانت بلادهم حارة فكان ربما اشتد فكان عائقاً عن العبادة لا سيما الجهاد لأن السكران لا ينتفع به في رأي ولا بطش ولم يكن ضرورياً في إقامة البدن كالطعام آخر بيانه إلى أن فرغ مما هو أولى منه بالإعلام وختم الآيات المتخللة بينه وبين آيات الإذن بما بدأها به من الجهاد ونص فيها على أن فاعل أجد الجدّ وأمهات الأطايب من الجهاد وما ذكر معه في محل الرجاء للرحمة فاقتضى الحال السؤال : هل سألوا عن أهزل الهزل وأمهات الخبائث ؟ فقال معلماً بسؤالهم عنه مبيناً لما اقتضاه الحال من حلمه فيبقى ما عداه على الإباحة المحضة : {يسئلونك عن الخمر} الذي هو أحد ما غنمه عبد الله بن جحش رضي الله تعالى عنه في سريته التي أنزلت الآيات السالفة بسببها. أ هـ {نظم الدرر حـ 1 صـ 408}\rقال ابن عاشور :\rقوله تعالى : {يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ}","part":6,"page":5},{"id":2159,"text":"استئناف لإبطال عملين غالبين على الناس في الجاهلية وهما شرب الخمر والميسر وهذا من عداد الأحكام التي بينها في هاته السورة مما يرجع إلى إصلاح الأحوال التي كان عليها الناس في الجاهلية ، والمشروع في بيانها من قوله تعالى : {يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم القصاص في القتلى يَسْئلُونَكَ عَنِ الخمر والميسر قُلْ فِيهِمَآ إِثْمٌ كَبِيرٌ ومنافع لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَآ أَكْبَرُ مِن نَّفْعِهِمَا} [ البقرة : 178 ] إلى آخر السورة ، عدا ما تخلل ذلك من الآداب والزواجر والبشائر والمواعظ والأمثال والقصص ؛ على عادة القرآن في تفنن أساليبه تنشيطاً للمخاطبين والسامعين والقارئين ومن بلغ ، وقد تناسقت في هذه الآية. أ هـ {التحرير والتنوير حـ 2 صـ 338}\rقال الفخر : \rاعلم أن قوله : {يَسْئَلُونَكَ عَنِ الخمر والميسر} ليس فيه بيان أنهم عن أي شيء سألوا ، فإنه يحتمل أنهم سألوا عن حقيقته وماهيته ، ويحتمل أنهم سألوا عن حل الانتفاع به ، ويحتمل أنهم سألوا عن حل شربه وحرمته إلا أنه تعالى لما أجاب بذكر الحرمة دل تخصيص الجواب على أن ذلك السؤال كان وقعاً عن الحل والحرمة.\rوفي الآية مسائل : ","part":6,"page":6},{"id":2160,"text":"المسألة الأولى : قالوا : نزلت في الخمر أربع آيات ، نزل بمكة قوله تعالى : {وَمِن ثمرات النخيل والأعناب تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَرًا وَرِزْقًا حَسَنًا} [ النحل : 67 ] وكان المسلمون يشربونها وهي حلال لهم ، ثم إن عمر ومعاذاً ونفراً من الصحابة قالوا : يا رسول الله أفتنا في الخمر ، فإنها مذهبة للعقل ، مسلبة للمال ، فنزل فيها قوله تعالى : {قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ ومنافع لِلنَّاسِ} فشربها قوم وتركها آخرون ، ثم دعا عبد الرحمن بن عوف ناساً منهم ، فشربوا وسكروا ، فقام بعضهم يصلي فقرأ : قل يا أيها الكافرون لا أعبد ما تعبدون ، فنزلت : {لاَ تَقْرَبُواْ الصلاة وَأَنتُمْ سكارى} [ النساء : 43 ] فقل من شربها ، ثم اجتمع قوم من الأنصار وفيهم سعد بن أبي وقاص ، فلما سكروا افتخروا وتناشدوا الأشعار حتى أنشد سعد شعراً فيه هجاء للأنصار ، فضربه أنصاري بلحى بعير فشجه شجة موضحة ، فشكا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال عمر : اللهم بين لنا في الخمر بياناً شافياً فنزل : {إِنَّمَا الخمر والميسر} إلى قوله : {فَهَلْ أَنْتُمْ مُّنتَهُونَ} [ المائدة : 91 ] فقال عمر : انتهينا يا رب ، قال القفال رحمه الله : والحكمة في وقوع التحريم على هذا الترتيب أن الله تعالى علم أن القوم قد كانوا ألفوا شرب الخمر ، وكان انتفاعهم بذلك كثيراً ، فعلم أنه لو منعهم دفعة واحدة لشق ذلك عليهم ، فلا جرم استعمل في التحريم هذا التدريج ، وهذا الرفق ، ومن الناس من قال بأن الله حرم الخمر والميسر بهذه الآية ، ثم نزل قوله تعالى : {لاَ تَقْرَبُواْ الصلاة وَأَنتُمْ سكارى} فاقتضى ذلك تحريم شرب الخمر وقت الصلاة ، لأن شارب الخمر لا يمكنه أن يصلي إلا مع السكر ، فكان المنع من ذلك منعاً من الشرب ضمناً ، ثم نزلت آية المائدة فكانت في غاية القوة في التحريم ، وعن الربيع بن أنس أن هذه الآية نزلت بعد تحريم الخمر. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 6صـ 35}\rسبب نزول الآية\rقال البغوى :\rنزلت في عمر بن الخطاب ومعاذ بن جبل رضي الله عنهما ونفر من الأنصار أتوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا : يا رسول الله أفتنا في الخمر والميسر فإنهما مذهبة للعقل مسلبة للمال ؟ فأنزل الله هذه الآية (1). أ هـ {تفسيرالبغوى حـ 1 صـ 249}\r_______________\r(1) أسباب النزول ص (102-103) المستدرك للحاكم : 2 / 278}.","part":6,"page":7},{"id":2161,"text":"فصل\rقال الفخر : \rاعلم أن عندنا أن هذه الآية دالة على تحريم الخمر فنفتقر إلى بيان أن الخمر ما هو ؟ ثم إلى بيان أن هذه الآية دالة على تحريم شرب الخمر.\rأما المقام الأول : في بيان أن الخمر ما هو ؟ قال الشافعي رحمه الله : كل شراب مسكر فهو خمر ، وقال أبو حنيفة : الخمر عبارة عن عصير العنب الشديد الذي قذف بالزبد ، حجة الشافعي على قوله وجوه أحدها : ما روى أبو داود في \"سننه\" : عن الشعبي عن ابن عمر رضي الله عنهما ، قال : نزل تحريم الخمر يوم نزل وهي من خمسة : من العنب ، والتمر ، والحنطة ، والشعير ، والذرة ، والخمر ما خامر العقل ، وجه الاستدلال به من ثلاثة أوجه أحدها : أن عمر رضي الله عنه أخبر أن الخمر حرمت يوم حرمت وهي تتخذ من الحنطة والشعير ، كما أنها كانت تتخذ من العنب والتمر ، وهذا يدل على أنهم كانوا يسمونها كلها خمراً وثانيها : أنه قال : حرمت الخمر يوم حرمت ، وهي تتخذ من هذه الأشياء الخمس ، وهذا كالتصريح بأن تحريم الخمر يتناول تحريم هذه الأنواع الخمسة وثالثها : أن عمر رضي الله عنه ألحق بها كل ما خامر العقل من شراب ، ولا شك أن عمر كان عالماً باللغة ، وروايته أن الخمر اسم لكل ما خامر العقل فغيره.","part":6,"page":8},{"id":2162,"text":"الحجة الثانية : روى أبو داود عن النعمان بن بشير رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : \" إن من العنب خمراً ، وإن من التمر خمراً ، وإن من العسل خمراً ، وإن من البر خمراً ، وإن من الشعير خمراً \" والاستدلال به من وجهين أحدهما : أن هذا صريح في أن هذه الأشياء داخلة تحت اسم الخمر فتكون داخلة تحت الآية الدالة على تحريم الخمر والثاني : أنه ليس مقصود الشارع تعليم اللغات ، فوجب أن يكون مراده من ذلك بيان أن الحكم الثابت في الخمر ثابت فيها ، أو الحكم المشهور الذي اختص به الخمر هو حرمة الشرب ، فوجب أن يكون ثابتاً في هذه الأشربة ، قال الخطابي رحمه الله : وتخصيص الخمر بهذه الأشياء الخمسة ليس لأجل أن الخمر لا يكون إلا من هذه الخمسة بأعيانها ، وإنما جرى ذكرها خصوصاً لكونها معهودة في ذلك الزمان ، فكل ما كان في معناها من ذرة أو سلت أو عصارة شجرة ، فحكمها حكم هذه الخمسة ، كما أن تخصيص الأشياء الستة بالذكر في خبر الربا لا يمنع من ثبوت حكم الربا في غيرها.\rالحجة الثالثة : روى أبو داود أيضاً عن نافع عن ابن عمر ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : \" كل مسكر خمر ، وكل مسكر حرام \" قال الخطابي : قوله عليه السلام \" كل مسكر خمر \" دل على وجهين أحدهما : أن الخمر اسم لكل ما وجد منه السكر من الأشربة كلها ، والمقصود منه أن الآية لما دلت على تحريم الخمر ، وكان مسمى الخمر مجهولاً للقوم حسن من الشارع أن يقال : مراد الله تعالى من هذه اللفظة هذا إما على سبيل أن هذا هو مسماه في اللغة العربية ، أو على سبيل أن يضع اسماً شرعياً على سبيل الاحداث كما في الصلاة والصوم وغيرهما.\rوالوجه الآخر : أن يكون معناه أنه كالخمر في الحرمة ، وذلك لأن قوله هذا خمر فحقيقة هذا اللفظ يفيد كونه في نفسه خمراً فإن قام دليل على أن ذلك ممتنع وجب حمله مجازاً على المشابهة في الحكم ، الذي هو خاصية ذلك الشيء.\r","part":6,"page":9},{"id":2163,"text":"الحجة الرابعة : روى أبو داود عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت : سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن البتع ، فقال : \" كل شراب أسكر فهو حرام \" قال الخطابي : البتع شراب يتخذ من العسل ، وفيه إبطال كل تأويل يذكره أصحاب تحليل الأنبذة ، وإفساد لقول من قال : إن القليل من المسكر مباح ، لأنه عليه السلام سئل عن نوع واحد من الأنبذة فأجاب عنه بتحريم الجنس ، فيدخل فيه القليل والكثير منها ، ولو كان هناك تفصيل في شيء من أنواعه ومقاديره لذكره ولم يهمله.\rالحجة الخامسة : روى أبو داود عن جابر بن عبد الله ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : \" ما أسكر كثيره فقليله حرام \"\rالحجة السادسة : روي أيضاً عن القاسم عن عائشة ، قالت : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : \" كل مسكر حرام وما أسكر منه الفرق فملء الكف منه حرام \" قال الخطابي : \"الفرق\" مكيال يسع ستة عشر رطلاً ، وفيه أبين البيان أن الحرمة شاملة لجميع أجزاء الشراب.\rالحجة السابعة : روى أبو داود عن شهر بن حوشب ، عن أم سلمة ، قالت : نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن كل مسكر ومفتر ، قال الخطابي : المفتر كل شراب يورث الفتور والخدر في الأعضاء ، وهذا لا شك أنه متناول لجميع أنواع الأشربة ، فهذه الأحاديث كلها دالة على أن كل مسكر فهو خمر ، وهو حرام.\rالنوع الثاني : من الدلائل على أن كل مسكر خمر التمسك بالاشتقاقات ، قال أهل اللغة : أصل هذا الحرف التغطية ، سمي الخمار خماراً لأنه يغطي رأس المرأة ، والخمر ما واراك من شجر وغيره ، من وهدة وأكمة ، وخمرت رأس الإناء أي غطيته ، والخامر هو الذي يكتم شهادته ، قال ابن الأنباري : سميت خمراً لأنها تخامر العقل ، أي تخالطه ، يقال : خامره الداء إذا خالطه ، وأنشد لكثير : \r","part":6,"page":10},{"id":2164,"text":"هنيئاً مريئاً غير داء مخامر.. ويقال خامر السقام كبده ، وهذا الذي ذكره راجع إلى الأول ، لأن الشيء إذا خالط الشيء صار بمنزلة الساتر له ، فهذه الاشتقاقات دالة على أن الخمر ما يكون ساتراً للعقل ، كما سميت مسكراً لأنها تسكر العقل أي تحجزه ، وكأنها سميت بالمصدر من خمره خمراً إذا ستره للمبالغة ، ويرجع حاصله إلى أن الخمر هو السكر ، لأن السكر يغطي العقل ، ويمنع من وصول نوره إلى الأعضاء ، فهذه الاشتقاقات من أقوى الدلائل على أن مسمى الخمر هو المسكر ، فكيف إذا انضافت الأحاديث الكثيرة إليه لا يقال هذا إثبات للغة بالقياس ، وهو غير جائز ، لأنا نقول : ليس هذا إثباتاً للغة بالقياس ، بل هو تعيين المسمى بواسطة هذه الاشتقاقات ، كما أن أصحاب أبي حنيفة رحمهم الله يقولون إن مسمى النكاح هو الوطء ويثبتونه بالاشتقاقات ، ومسمى الصوم هو الإمساك ، ويثبتونه بالاشتقاقات.\rالنوع الثالث : من الدلائل الدالة على أن الخمر هو المسكر ، أن الأمة مجمعة على أن الآيات الواردة في الخمر ثلاثة واثنان منها وردا بلفظ الخمر أحدهما : هذه الآية والثانية : آية المائدة والثالثة : وردت في السكر وهو قوله : {لاَ تَقْرَبُواْ الصلاة وَأَنتُمْ سكارى} [ النساء : 43 ] وهذا يدل على أن المراد من الخمر هو المسكر.\rالنوع الرابع : من الحجة أن سبب تحريم الخمر هو أن عمر ومعاذاً قالا : يا رسول الله إن الخمر مسلبة للعقل ، مذهبة للمال ، فبين لنا فيه ، فهما إنما طلبا الفتوى من الله ورسوله بسبب كون الخمر مذهبة للعقل ، فوجب أن يكون كل ما كان مساوياً للخمر في هذا المعنى إما أن يكون خمراً وإما أن يكون مساوياً للخمر في هذا الحكم.\r","part":6,"page":11},{"id":2165,"text":"النوع الخامس : من الحجة أن الله علل تحريم الخمر بقوله تعالى : {إِنَّمَا يُرِيدُ الشيطان أَن يُوقِعَ بَيْنَكُمُ العداوة والبغضاء فِى الخمر والميسر وَيَصُدَّكُمْ عَن ذِكْرِ الله وَعَنِ الصلاة} [ المائدة : 91 ] ولا شك أن هذه الأفعال معللة بالسكر ، وهذا التعليل يقيني ، فعلى هذا تكون هذه الآية نصاً في أن حرمة الخمر معللة بكونها مسكرة ، فإما أن يجب القطع بأن كل مسكر خمر ، وإن لم يكن كذلك فلا بد من ثبوت هذا الحكم في كل مسكر ، وكل من أنصف وترك العناد ، علم أن هذه الوجوه ظاهرة جلية في إثبات هذا المطلوب حجة أبي حنيفة رحمه الله من وجوه أحدها : قوله تعالى : {وَمِن ثمرات النخيل والأعناب تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَرًا وَرِزْقًا حَسَنًا} [ النحل : 67 ] من الله تعالى علينا باتخاذ السكر والرزق الحسن ، وما نحن فيه سكر ورزق حسن ، فوجب أن يكون مباحاً لأن المنة لا تكون إلا بالمباح.\rوالحجة الثانية : ما روى ابن عباس أنه عليه الصلاة والسلام أتى السقاية عام حجة الوداع فاستند إليها ، وقال : اسقوني ، فقال العباس : ألا أسقيك مما ننبذه في بيوتنا ؟ فقال : ما تسقي الناس ، فجاءه بقدح من نبيذ فشمه ، فقطب وجهه ورده ، فقال العباس : يا رسول الله أفسدت على أهل مكة شرابهم ، فقال : ردوا علي القدح ، فردوه عليه ، فدعا بماء من زمزم وصب عليه وشرب ، وقال : إذا اغتلمت عليكم هذه الأشربة فاقطعوا متنها بالماء.\rوجه الاستدلال به أن التقطيب لا يكون إلا من الشديد ، ولأن المزج بالماء كان لقطع الشدة بالنص ، ولأن اغتلام الشراب شدته ، كاغتلام البعير سكره.\rالحجة الثالثة : التمسك بآثار الصحابة.\r","part":6,"page":12},{"id":2166,"text":"والجواب عن الأول : أن قوله تعالى : {تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَرًا وَرِزْقًا حَسَنًا} نكرة في الإثبات ، فلم قلتم : إن ذلك السكر والرزق الحسن هو هذا النبيذ ؟ ثم أجمع المفسرون على أن تلك الآية كانت نازلة قبل هذه الآيات الثلاث الدالة على تحريم الخمر ، فكانت هذه الثلاثة إما ناسخة ، أو مخصصة لها.\rوأما الحديث فلعل ذلك النبيذ كان ماءً نبذت تمرات فيه لتذهب الملوحة فتغير طعم الماء قليلاً إلى الحموضة ، وطبعه عليه السلام كان في غاية اللطافة ، فلم يحتمل طبعه الكريم ذلك الطعم ، فلذلك قطب وجهه ، وأيضاً كان المراد بصب الماء فيه إزالة ذلك القذر من الحموضة أو الرائحة ، وبالجملة فكل عاقل يعلم أن الإعراض عن تلك الدلائل التي ذكرناها بهذا القدر من الاستدلال الضعيف غير جائز.\rوأما آثار الصحابة فهي متدافعة متعارضة ، فوجب تركها والرجوع إلى ظاهر كتاب الله وسنة الرسول عليه السلام ، فهذا هو الكلام في حقيقة الخمر.\rالمقام الثاني : في بيان أن هذه الآية دالة على تحريم الخمر وبيانه من وجوه الأول : أن الآية دالة على أن الخمر مشتملة على الإثم ، والإثم حرام لقوله تعالى : {قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبّيَ الفواحش مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ والإثم والبغى} [ الأعراف : 33 ] فكان مجموع هاتين الآيتين دليلاً على تحريم الخمر الثاني : أن الإثم قد يراد به العقاب ، وقد يراد به ما يستحق به العقاب من الذنوب ، وأيهما كان فلا يصح أن يوصف به إلا المحرم الثالث : أنه تعالى قال : {وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِن نَّفْعِهِمَا} صرح برجحان الإثم والعقاب ، وذلك يوجب التحريم.\rفإن قيل : الآية لا تدل على أن شرب الخمر إثم ، بل تدل على أن فيه إثماً ، فهب أن ذلك الإثم حرام فلم قلتم : إن شرب الخمر لما حصل فيه ذلك الإثم وجب أن يكون حراماً ؟ .\r","part":6,"page":13},{"id":2167,"text":"قلنا : لأن السؤال كان واقعاً عن مطلق الخمر ، فلما بين تعالى أن فيه إثماً ، كان المراد أن ذلك الإثم لازم له على جميع التقديرات ، فكان شرب الخمر مستلزماً لهذه الملازمة المحرمة ، ومستلزم المحرم محرم ، فوجب أن يكون الشرب محرماً ، ومنهم من قال : هذه الآية لا تدل على حرمة الخمر ، واحتج عليه بوجوه أحدها : أنه تعالى أثبت فيها منافع للناس ، والمحرم لا يكون فيه منفعة والثاني : لو دلت هذه الآية على حرمتها فلم لم يقنعوا بها حتى نزلت آية المائدة وآية تحريم الصلاة ؟ الثالث : أنه تعالى أخبر أن فيهما إثماً كبيراً فمقتضاه أن ذلك الإثم الكبير يكون حاصلاً ما داما موجودين ، فلو كان ذلك الإثم الكبير سبباً لحرمتها لوجب القول بثبوت حرمتها في سائر الشرائع.\rوالجواب عن الأول : أن حصول النفع العاجل فيه في الدنيا لا يمنع كونه محرماً ، ومتى كان كذلك لم يكن حصول النفع فيهما مانعاً من حرمتهما لأن صدق الخاص يوجب صدق العام.\rوالجواب عن الثاني : أنا روينا عن ابن عباس أنها نزلت في تحريم الخمر ، والتوقف الذي ذكرته غير مروى عنهم ، وقد يجوز أن يطلب الكبار من الصحابة نزول ما هو آكد من هذه الآية في التحريم ، كما التمس إبراهيم صلوات الله عليه مشاهدة إحياء الموتى ليزداد سكوناً وطمأنينة.\rوالجواب عن الثالث : أن قوله : {فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ} إخبار عن الحال لا عن الماضي ، وعندنا أن الله تعالى علم أن شرب الخمر مفسدة لهم في ذلك الزمان ، وعلم أنه ما كان مفسدة للذين كانوا قبل هذه الأمة فهذا تمام الكلام في هذا الباب. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 6 صـ 35 ـ 39} \rقال ابن عاشور : \r","part":6,"page":14},{"id":2168,"text":"والخمر اسم مشتق من مصدر خَمَر الشيءَ يخمرُه من باب نصر إذا ستَره ، سمي به عصير العنب إذا غلَى واشتد وقذف بالزبد فصار مسكراً ؛ لأنه يَستر العقل عن تصرفه الخَلْقي تسمية مجازية وهي إما تسمية بالمصدر ، أو هو اسم جاء على زِنة المصدر وقيل : هو اسم لكل مشروب مسكر سواء كان عصير عنب أوْ عصير غيره أو ماء نبذ فيه زبيب أو تمر أو غيرهما من الأنبذة وتُرك حتى يختمر ويُزبد ، واستظهره صاحب \"القاموس\". والحق أن الخمر كل شراب مسكر إلا أنه غلب على عصير العنب المسكر ؛ لأنهم كانوا يتنافسون فيه ، وأن غيره يطلق عليه خَمر ونبيذ وفضيخ ، وقد وردت أخبار صحيحة تدل على أن معظم شراب العرب يوم تحريم الخمر من فضيخ التمر ، وأن أشربة أهل المدينة يومئذ خمسة غير عصير العنب ، وهي من التمر والزبيب والعسل والذرة والشعير وبعضها يسمى الفضيخ ، والنقيع ، والسُّكَرْكَةَ ، والبِتْع.\rوما ورد في بعض الآثار عن ابن عمر : نزل تحريم الخمر وبالمدينة خمسة أشربة ما فيها شراب العنب ، معناه ليس معدوداً في الخمسة شرابُ العنب لقلة وجوده وليسر المراد أن شراب العنب لا يوجد بالمدينة. وقد كان شراب العنب يجلب إلى الحجاز ونجد من اليمن والطائف والشام قال عَمرو ابن كلثوم : \rولا تُبِقي خُمور الأَنْدَرِين\rوأندرين بلد من بلاد الشام.\rوقد انبنى على الخلاف في مسمى الخمر في كلام العرب خلاف في الأحكام ، فقد أجمع العلماء كلهم على أن خمر العنب حرام كثيرها إجماعاً وقليلها عند معظم العلماء ويحد شارب الكثير منها عند الجمهور وفي القليل خلاف كما سيأتي في سورة المائدة إن شاء الله تعالى ، ثم اختلفوا فيما عداها فقال الجمهور : كل شراب أسكر كثيره فقليله حرام وحكمه كحكم الخمر في كل شيء أخذاً بمسمى الخمر عندهم ، وبالقياس الجلي الواضح أن حكمة التحريم هي الإسكار وهو ثابت لجميعها وهذا هو الصواب.\r","part":6,"page":15},{"id":2169,"text":"وقال أبو حنيفة وأبو يوسف وسفيان الثوري : يختص شراب العنب بتلك الأحكام أما ما عداه فلا يحرم منه إلا القدر المسكر ، هكذا ينقل المخالفون عن أبي حنيفة ، وكان العلماء في القديم ينقلون ذلك مطلقاً حتى ربما أوهم نقلهم أنه لا يرى على من سكر بغير الخمر شيئاً ، ويزيد ذلك إيهاماً قاعدة أن المأذون فيه شرعاً لا يتقيد بالسلامة وربما عضدوا ذلك بمنقول قصص وحوادث كقول أبي نواس : \rأباح العراقي النبيذ وشربه... وقال حَرامان المدامة والسَّكْرُ\rولكن الذي استقر عليه الحنفية هو أن الأشربة المسكرة قسمان ، أحدهما محرم شربه وهو أربعة : ( الخمر ) وهو النيء من عصير العنب إذا غلَى واشتد وقذَف بالزبد ، ( والطِلاء ) بكسر الطاء وبالمد وهو عصير العنب إذا طبخ حتى ذهب أقل من ثلثيه ثم ترك حتى صار مسكراً ، ( والسَّكَر ) بفتح السين والكاف وهو النيء من ماء الرطب أي من الماء الحار المصبوب على الرطب ثم يصير مسكراً ، ( والنقيع ) وهو النيء من نبيذ الزبيب ، وهذه الأربعة حرام قليلها وكثيرها ونجسة العين لكن الخمر يكفر مستحلها ويحد شارب القليل والكثير منها ، وأما الثلاثة الباقية فلا يكفر مستحلها ولا يحد شاربها إلا إذا سكر.\rالقسم الثاني الأشربة الحلال شربها وهي نبيذ التمر والزبيب إذا طبخ ولو أدنى طبخة ، ونبيذ الخليطين منهما إذا طبخ أدنى طبخة ، ونبيذ العسل والتين والبُرّ والشعير والذُّرة طُبخ أم لم يطبخ. والمثلث وهو ما طبخ من ماء العنب حتى ذهب ثلثاه وبقي ثلثه ، فهذه الأربعة يحل شربها ؛ إذا لم يقصد به اللهو والطرب بل التقوي على العبادة ( كذا ) أو إصلاح هضم الطعام أو التداوي وإلا حرمت ولا يحد شاربها إلا إذا سكر.\r","part":6,"page":16},{"id":2170,"text":"وهذا التفصيل دليله القياس ، لأن هذه الأشربة لم يبق فيها الإسكار المعتاد ، وأما الحد فلا وجه للتفصيل فيه لأنه إن كان على السكر فالجميع سواء في الإسكار ، على أنه يلزم ألاّ يكون الحد إلا عند حصول السكر وليس في الآثار ما يشهد لغير ذلك ، وإن كان الحد لسد الذريعة فلا أرى أن قاعدة سد الذريعة تبلغ إلى حد مرتكب الذريعة قبل حصول المتذرع إليه. وتَمسكُّ الحنفية لهذا التفصيل بأن الأنبذة شربها الصحابة هو تمسك أوهى مما قبله ، إذ الصحابة يحاشون عن شرب المسكرات وإنما شربوا الأنبذة قبل اختمارها ، واسم النبيذ يطلق على الحلو والمختمر فصار اللفظ غير منضبط ، وقد خالف محمد بن الحسن إمامه في ذلك فوافق الجمهور. وربما ذكر بعضهم في الاستدلال أن الخمر حقيقة في شراب العنب النيء مجاز في غيره من الأنبذة والشراب المطبوخ ، وقد جاء في الآية لفظ الخمر فيحمل على حقيقته وإلحاقُ غيره به إثبات اللغة بالقياس ، وهذا باطل ، لأن الخلاف في كون الخمر حقيقة في شراب العنب أو في الأعم خلاف في التسمية اللغوية والإطلاق ، فبقطع النظر عنه كيف يظن المجتهد بأن الله تعالى يحرم خصوص شراب العنب ويترك غيره مما يساويه في سائر الصفات المؤثرة في الأحكام. أ هـ {التحرير والتنوير حـ 2 صـ 341 ـ 343}\rوقال الآلوسى : \rوعندي أنّ الحق الذي لا ينبغي العدول عنه أنّ الشراب المتخذ مما عدا العنب كيف كان وبأي اسم سمي متى كان بحيث يسكر من لم يتعوّده حرام وقليله ككثيره ويحدّ شاربه ويقع طلاقه ونجاسته غليظة.","part":6,"page":17},{"id":2171,"text":"وفي الصحيحين أنه صلى الله عليه وسلم سئل عن النقيع وهو نبيذ العسل فقال : \" كل شراب أسكر فهو حرام \" وروى أبو داود \"نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن كل مسكر ومفتر\" وصح \" ما أسكر كثيره فقليله حرام \" وفي حديث آخر : \" ما أسكر الفرق منه فملء الكف منه حرام \" والأحاديث متظافرة على ذلك ، ولعمري إنّ اجتماع الفساق في زماننا على شرب المسكرات مما عدا الخمر ورغبتهم فيها فوق اجتماعهم على شرب الخمر ورغبتهم فيه بكثير ، وقد وضعوا لها أسماء كالعنبرية والإكسير ونحوهما ظناً منهم أنّ هذه الأسماء تخرجها من الحرمة وتبيح شربها للأمّة وهيهات هيهات الأمر وراء ما يظنون ، فإنا لله وإنا إليه راجعون ، نعم حرمة هذه الأشربة دون حرمة الخمر حتى لا يكفر مستحلها كما قدّمنا لأنها اجتهادية ، ولو ذهب ذاهب إلى القول بالتكفير لم يبق في يده من الناس اليوم إلا قليل. أ هـ {روح المعانى حـ 2 صـ 113}\rفائدة\rقال البقاعى : \rوقرنهما سبحانه وتعالى لتآخيهما في الضرر بالجهاد وغيره بإذهاب المال مجاناً عن غير طيب نفس ما بين سبحانه وتعالى من المؤاخاة بينهما هنا وفي المائدة وإن كان سبحانه وتعالى اقتصر هنا على ضرر الدين وهو الإثم لأنه أسّ يتبعه كل ضرر فقال في الجواب : {قل فيهما} أي في استعمالهما {إثم كبير} لما فيهما من المساوي المنابذة لمحاسن الشرع من الكذب والشتم وزوال العقل واستحلال مال الغير فهذا مثبت للتحريم بإثبات الإثم ولأنهما من الكبائر. قال الحرالي : في قراءتي الباء الموحدة والمثلثة إنباء عن مجموع الأمرين من كبر المقدار وكثرة العدد وواحد من هذين مما يصد ذا الطبع الكريم والعقل الرصين عن الإقدام عليه بل يتوقف عن الإثم الصغير القليل فكيف عن الكبير الكثير - انتهى. أ هـ {نظم الدرر حـ 1 صـ 408}\rكلام غريب للشيخ ابن عاشور\rقال رحمه الله : ","part":6,"page":18},{"id":2172,"text":"وشرب الخمر عمل متأصل في البشر قديماً لم تحرمه شريعة من الشرائع لا القدر المسكر بله ما دونه ، وأما ما يذكره علماء الإسلام أن الإسكار حرام في الشرائع كلها فكلام لا شاهد لهم عليه بل الشواهد على ضده متوافرة ، وإنما جرأهم على هذا القول ما قعدوه في أصول الفقه من أن الكليات التشريعية وهي حفظ الدين والنفس والعقل والنسب والمال والعرض هي مما اتفقت عليه الشرائع ، وهذا القول وإن كنا نساعد عليه فإن معناه عندي أن الشرائع كلها نظرت إلى حفظ هاته الأمور في تشريعاتها ، وأما أن تكون مراعاة باطراد في غير شريعة الإسلام فلا أحسب ذلك يتم ، على أن مراعاتها درجات ، ولا حاجة إلى البحث في هذا بيد أن كتب أهل الكتاب ليس فيها تحريم الخمر ولا التنزيه عن شربها ، وفي التوراة التي بيد اليهود أن نوحاً شرب الخمر حتى سكر ، وأن لوطاً شرب الخمر حتى سكر سكراً أفضى بزعمهم إلى أمر شنيع ، والأخير من الأكاذيب ؛ لأن النبوءة تستلزم العصمة ، والشرائع وإن اختلفت في إباحة أشياء فهنالك ما يستحيل على الأنبياء مما يؤدي إلى نقصهم في أنظار العقلاء ، والذي يجب اعتقاده : أن شرب الخمر لا يأتيه الأنبياء ؛ لا يشربها شاربوها إلا للطرب واللهو والسكر ، وكل ذلك مما يتنزه عنه الأنبياء ولأنهم يشربونها لقصد التقوى لقلة هذا القصد من شربها.\rوفي سفر اللاويين من التوراة وكلم الله هارون قائلاً : خمراً ومسكراً لا تشرب أنت وبنوك معك عند دخولكم إلى خيمة الاجتماع لكي لا تموتوا. فرضاً دهرياً في أجيالكم وللتمييز بين المقدس والمحلَّل وبين النجس والطاهر.\rوشيوع شرب الخمر في الجاهلية معلوم لمن علم أدبهم وتاريخهم فقد كانت الخمر قوام أود حياتهم ، وقصارى لذَّاتهم ومسرة زمانهم وملهى أوقاتهم ، قال طرفة :\rولولا ثلاثٌ هُنَّ من عِيشة الفتى... وجدك لم أحفل متى قام عُوَّدِي\rفمنهن سبقي العاذلات بشَربة... كُمَيْتتٍ متى ما تُعْلَ بالماءِ تُزْبِدِ\rوعن أنس بن مالك : حرمت الخمر ولم يكن يومئذٍ للعرب عيش أعجب منها ، وما حرم عليهم شيء أشد عليهم من الخمر. فلا جرَم أن جاء الإسلام في تحريمها بطريقة التدريج فأقر حقبةً إباحة شربها وحسبكم في هذا الامتنانُ بذلك في قوله تعالى : {ومن ثمرات النخيل والأعناب تتخذون منه سكراً ورزقاً حسناً} [ النحل : 67 ] على تفسير من فسر السَّكَر بالخمر. (1)\r_________________\r(1) هذه مسألة زل فيها قلم الشيخ العلامة الطاهر بن عاشور ـ رحمه الله ـ\rوهذا الكلام فيه تجرؤ على العلماء الأعلام الذين تلقت الأمة علمهم بالقبول ، ولا يخفى ما فيه من بعد عن الحق ومجانبة للصواب\rثانيا : كيف يصح الاستدلال على عدم حرمة الخمر فى الأمم السابقة بما فى التوراة والإنجيل مع إجماع الأمة على عدم سلامتهما من التحريف والتبديل فى المعانى والمبانى ؟؟!!!\rوكيف يصح الاستدلال بأشعار الجاهلية فى هذه المسألة ؟؟!!!","part":6,"page":19},{"id":2173,"text":"ومعلوم أن شربهم للخمر وتغنيهم بها لا يدل على الادعاء فهو معارض بمثله فقد انتشر بينهم الربا وسائر الموبقات من الزنا والشرك بالله وسائر الموبقات مع علمهم بحرمة ذلك ، فعندما أرادوا بناء الكعبة اشترطوا طهارة المال الذى تبنى به الكعبة من الربا\rكما أن ادعاء تخصيص التحريم بالشريعة الإسلامية لا ينهض له التأويل ولا يقوم عليه الدليل لا من المنقول ولا من المعقول ، فمعلوم أن الخمر أم الخبائث\rوفى مسند أحمد عن بن عبد الله بن عمر عن أبيه أن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ قال : لعن الله الخمر ولعن شاربها وساقيها وعاصرها ومعتصرها وبائعها ومبتاعها وحاملها والمحمولة إليه وآكل ثمنها. أ هـ {مسند أحمد / 5716}.\rفكيف يتصور أن يحلها الله للأمم السابقة مع عظيم ضررها وكبير خطرها فضلا عن نجاسة عينها ؟؟!!!\rفهى من أكبر الوسائل فى ارتكاب الجرائم الكبرى كالقتل والزنا والاعتداء حتى على المحارم ، فكيف يتصور أن الله تعالى ينهى ويحرم فى الشرائع السابقة القتل والزنا ويترك الأسباب الموصلة إليه\rجلت عظمة الله وتعالت حكمته عن ذلك علوا كبيرا\rإن الله تعالى عندما ينهى عن الكبائر فإنه ينهى عن مقدماتها ويحذر من الاقتراب منها ، والمتتبع لأسلوب القرآن يرى ذلك واضحا وجليا كقوله تعالى {ولا تقربوا الزنا} وقوله تعالى {قل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم} وقوله تعالى {وقل للمؤمنات يغضضن من أبصارهن} وقوله تعالى فى قصة آدم وحواء ـ عليهما السلام ـ {ولا تقربا هذه الشجرة} وهذا منهج تربوى فعدم الاقتراب من الشجرة يقتضى بالضرورة عدم الأكل منها ، وغض النظر يقتضى بالضرورة الأمن من الوقوع فى الزنا\rإن الله خص الشرائع السماوية بمعالجة الجرائم والرذائل قبل وقوعها بخلاف القوانين الوضعية التى تبحث عن الجريمة بعد وقوعها.\rفهل يعقل أن يترك أعظم الأسباب للفساد والإفساد دون أن يحرمه ؟؟!!!\rلا أريد الإطناب فى هذا المقام فالأمر فيه ظاهر وجلى ، إنما أردت التنبيه فقط لئلا يغتر بمثل هذا الكلام مع إجلالنا وتقديرنا للعلامة ابن عاشور ـ رحمه الله ـ لكنه بشر كسائر البشر يصيب ويخطىء ، وكل يؤخذ منه ويرد عليه إلا صاحب المقام المحمود ـ صلى الله عليه وسلم ـ ، ولكل جواد كبوة ولكل عالم هفوة.\rوقد قال الربيع : قرأت الرسالة على الشافعى أكثر من ثمانين مرة فما من مرة إلا غير وبدل ثم قال أبى الله كتابا كاملا إلا القرآن. والله أعلم.","part":6,"page":20},{"id":2174,"text":"وقيل السَّكَر : هو النبيذ غير المسكر ، والأظهر التفسير الأول. وآية سورة النحل نزلت بمكة ، واتفق أهل الأثر على أن تحريم الخمر وقع في المدينة بعد غزوة الأحزاب بأيام ، أي في آخر سنة أربع أو سنة خمس على الخلاف في عام غزوة الأحزاب.","part":6,"page":21},{"id":2175,"text":"والصحيح الأول ، فقد امتن الله على الناس بأن اتخذوا سكراً من الثمرات التي خلقها لهم ، ثم إن الله لم يهمل رحمته بالناس حتى في حملهم على مصالحهم فجاءهم في ذلك بالتدريج ، فقيل : إن آية سورة البقرة هذه هي أول آية آذنت بما في الخمر من علة التحريم ، وأن سبب نزولها ما تقدم ، فيكون وصفها بما فيها من الإثم والمنفعة تنبيهاً لهم ، إذ كانوا لا يذكرون إلاّ محاسنها فيكون تهيئة لهم إلى ما سيرد من التحريم ، قال البغوي : إنه لما نزلت هذه الآية قال رسول الله صلى الله عليه وسلم \" إن الله تَقَدَّم في تحريم الخمر \" أي ابتدأَ يُهيىء تحريمها يقال : تقدمت إليك في كذا أي عرضتُ عليك ، وفي \"تفسير ابن كثير\" : أنها ممهدة لتحريم الخمر على البتات ولم تكن مصرحة بل معرضة أي معرضة بالكف عن شربها تنزهاً. وجمهور المفسرين على أن هذه الآية نزلت قبل آية سورة النساء وقبل آية سورة المائدة ، وهذا رأي عمر بن الخطاب كما روى أبو داود ، وروَى أيضاَ عن ابن عباس أنّه رأى أن آية المائدة نسخت {يا أيها الذين آمنوا لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى} [ النساء : 43 ] ، ونسخت آية {يسألونك عن الخمر والميسر} ، ونُسب لابن عمر والشعبي ومجاهد وقتادة والربيع بن أنس وعبد الرحمن بن زين بن أسلم.\rوذهب بعض المفسرين إلى أن آية البقرة هذه ثبت بها تحريم الخمر فتكون هذه الآية عندهم نازلة بعد آية سورة النساء {يا أيها الذين آمنوا لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى وإذ كانت سورة البقرة قد نزلت قبل سورة النساء وسورة المائدة ، فيجيء على قول هؤلاء أن هذه الآية نزلت بعد نزول سورة البقرة وأنها وضعت هنا إلحاقاً بالقضايا التي حكى سؤالهم عنها.\r","part":6,"page":22},{"id":2176,"text":"وأن معنى فيهما إثم كبير} في تعاطيهما بشرب أحدهما واللعب بالآخر ذنب عظيم ، وهذا هو الأظهر من الآية ؛ إذ وُصف الإثم فيها بوصف كبير فلا تكون آية سورة العقود إلاّ مؤكدة للتحريم ونصاً عليه ؛ لأن ما في آيتنا هذه من ذكر المنافع ما قد يتأوّله المتأوّلون بالعذر في شربها ، وقد روي في بعض الآثار أنّ ناساً شربوا الخمر بعد نزول هذه الآية فصلّى رجلان فجعلا يهجران كلاماً لا يُدْرَى ما هو ، وشرِبها رجل من المسلمين فجعل ينوح على قتلى بدر من المشركين ، فبلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم فجاءه فزعاً ورفع شيئاً كان بيده ليضربه فقال الرجل : أعوذ بالله من غضب الله ورسوله وآلى : لا أطعمها أبداً ، فأنزل الله تحريمها بآية سورة المائدة. أ هـ {التحرير والتنوير حـ 2 صـ 340 ـ 341}","part":6,"page":23},{"id":2177,"text":"فائدة\rقال السمرقندى : \r{يَسْئَلُونَكَ عَنِ الخمر والميسر}.\rقال بعض المفسرين : إن الله لم يدع شيئاً من الكرامة والبر ، إلا وقد أعطى هذه الأمة. ومن كرامته وإحسانه أنه لم يوجب لهم الشرائع دفعة واحدة ، ولكن أوجب عليهم مرة بعد مرة ؛ فكذلك في تحريم الخمر ، كانوا مولعين على شربها ، فنزلت هذه الآية {يَسْئَلُونَكَ عَنِ الخمر والميسر} ، أي عن شرب الخمر والميسر هو القمار. {قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ ومنافع لِلنَّاسِ} في تجارتهم. {وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِن نَّفْعِهِمَا}. فلما نزلت هذه الآية تركها بعض الناس وقالوا : لا حاجة لنا فيما فيه إثم كبير ، ولم يتركها بعض الناس وقالوا : نأخذ منفعتها ونترك إثمها. ثم نزلت هذه الآية : {ياأيها الذين ءَامَنُواْ لاَ تَقْرَبُواْ الصلاة وَأَنتُمْ سكارى حتى تَعْلَمُواْ مَا تَقُولُونَ وَلاَ جُنُباً إِلاَّ عَابِرِى سَبِيلٍ حتى تَغْتَسِلُواْ وَإِنْ كُنتُم مرضى أَوْ على سَفَرٍ أَوْ جَآءَ أَحَدٌ مِّنْكُمْ مِّن الغآئط أَوْ لامستم النسآء فَلَمْ تَجِدُواْ مَآءً فَتَيَمَّمُواْ صَعِيداً طَيِّباً فامسحوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِنَّ الله كَانَ عَفُوّاً غَفُوراً} [ النساء : 43 ] ، فتركها بعض الناس وقالوا : لا حاجة لنا فيما يمنعنا عن الصلاة ، وشربها بعض الناس في غير أوقات الصلاة ، حتى نزل قوله تعالى : {ياأيها الذين آمَنُواْ إِنَّمَا الخمر والميسر والانصاب والازلام رِجْسٌ مِّنْ عَمَلِ الشيطان فاجتنبوه لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} [ المائدة : 90 ] الآية. فصارت حراماً عليهم حتى كان بعضهم يقول : ما حرم علينا شيء أشد من الخمر. وقيل : إثم كبير في أخذها ومنافع في تركها.","part":6,"page":24},{"id":2178,"text":"وروي أن الأعشى توجه إلى المدينة ليسلم ، فلقيه بعض المشركين في الطريق فقالوا له : أين تذهب ؟ فأخبرهم أنه يريد محمداً صلى الله عليه وسلم. فقالوا : لا تصل إليه فإنه يأمرك بالصلاة. فقال : إن خدمة الرب واجبة. فقالوا له : إنه يأمرك بإعطاء المال إلى الفقراء. فقال : إن اصطناع المعروف واجب. فقيل له إنه ينهى عن الزنى. فقال : إن الزنى فحش قبيح في العقل وقد صرت شيخاً ، فلا أحتاج إليه. فقيل له : إنه ينهى عن شرب الخمر. قال : أما هذا فإني لا أصبر عنه فرجع. وقال : أشرب الخمر سنة ثم أرجع إليه ، فلم يبلغ إلى منزله ، حتى سقط عن البعير فانكسر عنقه فمات. وقال بعضهم : في هذه الآية ما يدل على تحريمه ، لأنه سماها إثماً ، وقد حرم الإثم في آية أخرى وهي قوله تعالى : {قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الفواحش مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ والإثم والبغى بِغَيْرِ الحق وَأَن تُشْرِكُواْ بالله مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سلطانا وَأَن تَقُولُواْ عَلَى الله مَا لاَ تَعْلَمُونَ} [ الأعراف : 33 ]. وقال بعضهم : أراد بالإثم ، الخمر بدليل قول الشاعر : \rشَرِبْتُ الإِثْمَ حَتَّى ضَلَّ عَقْلِي... كَذَاكَ الإِثْمُ يَذْهَبُ بِالعُقُولِ\rوروي عن جعفر الطيار أنه كان لا يشرب الخمر في الجاهلية ، وكان يقول : الناس يطلبون زيادة العقل ، فأنا لا أنقص عقلي. أ هـ {بحر العلوم حـ 1 صـ 171}\rفائدة\rولم يحفَظْ عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم في حدِّ الخمر إِلا أنَّه جلد أربعين ، خرَّجه مسلم ، وأبو داود ، وروي عَنْه صلى الله عليه وسلم ؛ أَنَّهُ ضرب فيها ضَرْباً مُشَاعاً ، وحَزَرَهُ أبو بكر أربعين سوطاً ، وعمل بذلك هو ، ثُمَّ عمر ثم تهافَتَ النَّاس فيها ، فشدَّد عليهم الحَدَّ ، وجعله كَأخفِّ الحدود ثَمَانِينَ ؛ وبه قال مالك.","part":6,"page":25},{"id":2179,"text":"ويجتنبُ من المضروبِ : الوجْهُ ، والفَرْجُ ، والقَلْب ، والدِّماغ ، والخَوَاصر ؛ بإِجماع. أ هـ {المحرر الوجيز حـ 1 صـ 293}\rفائدة\rقال القرطبى : \rرَوى النَّسائيّ عن عثمان رضي الله عنه قال : اجتنبوا الخمر فإنها أُمُّ الخبائث ، إنه كان رجل ممن كان قبلكم تَعبَّد فعِلقته امرأة غَويّة ، فأرسلت إليه جاريتها فقالت له : إنا ندعوك للشهادة ؛ فانطلق مع جاريتها فطفِقت كلّما دخل باباً أغلقته دونه ، حتى أفضى إلى امرأة وَضِيئة عندها غلام وبَاطِيَةُ خمر ؛ فقالت : إني والله ما دعوتك للشهادة ، ولكن دعوتك لتقع عليّ ، أو تشرب من هذه الخمر كأساً ، أو تقتل هذا الغلام.\rقال : فاسقيني من هذه الخمر كأساً ؛ فسقته كأساً. قال : زيدوني ؛ فلم يَرِم حتى وقع عليها ، وقتل النفس ؛ فاجتنبوا الخمر ، فإنها والله لا يجتمع الإيمان وإدمان الخمر ؛ إلاَّ ليوشك أن يُخرج أحدُهما صاحبه ؛ وذكره أبو عمر في الاستيعاب. ورُوي أن الأعشى لما توجه إلى المدينة ليُسلم فلقيَه بعض المشركين في الطريق فقالوا له : أين تذهب ؟ فأخبرهم بأنه يريد محمداً صلى الله عليه وسلم ؛ فقالوا : لا تصل إليه ، فإنه يأمرك بالصَّلاة ؛ فقال : إنّ خدمة الربّ واجبة. فقالوا : إنه يأمرك بإعطاء المال إلى الفقراء. فقال : اصطناع المعروف واجب. فقيل له : إنه ينهى عن الزنى. فقال : هو فحش وقبيح في العقل ، وقد صرت شيخاً فلا أحتاج إليه. فقيل له : إنه ينهى عن شرب الخمر. فقال : أما هذا فإني لا أصبر عليه! فرجع ، وقال : أشرب الخمر سنة ثم أرجع إليه ؛ فلم يصل إلى منزله حتى سقط عن البعير فانكسرت عنقه فمات. وكان قيس بن عاصم المِنْقريّ شَرَّاباً لها في الجاهلية ثم حرّمها على نفسه ؛ وكان سبب ذلك أنه غمز عُكْنَة ابنته وهو سكران ، وسبّ أبويه ، ورأى القمر فتكلم بشيء ، وأعطى الخمّار كثيراً من ماله ؛ فلما أفاق أخبر بذلك فحرّمها على نفسه ؛ وفيها يقول : ","part":6,"page":26},{"id":2180,"text":"رأيتُ الخمرَ صالحةً وفيها... خصالٌ تُفِسد الرجلَ الحليما\rفلا واللَّه أشربُها صحيحاً... ولا أشفَى بها أبداً سقيما\rولا أعطي بها ثمناً حياتي... ولا أدعو لها أبداً نديما\rفإنّ الخمر تفضح شاربيها... وتجنيهم بها الأمر العظيما\rقال أبو عمر : وروى ابن الأعرابيّ عن المفضَّل الضِّبيّ أن هذه الأبيات لأبي مِحْجن الثَّقفيّ قالها في تركه الخمر ، وهو القائل رضي الله عنه : \rإذا مُتُّ فادفني إلى جَنْب كَرْمةٍ... تروّي عظامِي بعد موتي عُروقُها\rولا تَدْفِنَنِّي بالفَلاَة فإنّني... أخاف إذا ما مِتُّ أنْ لا أذُوقُها\rوجلده عمر الحدّ عليها مراراً ، ونفاه إلى جزيرة في البحر ؛ فلحق بسعد فكتب إليه عمر أن يحبسه فحبسه ؛ وكان أحد الشجعان البُهَم ؛ فلما كان من أمره في حرب القادسية ما هو معروف حلّ قيوده وقال : لا نجلدك على الخمر أبداً. قال أبو مِحْجن : وأنا والله لا أشربها أبداً ؛ فلم يشربها بعد ذلك. وفي رواية : قد كنت أشربها إذ يقام عليّ الحدّ ( وأطهر منها ) ، وأما إذ بَهْرَجْتَنِي فوالله لا أشربها أبداً. وذكر الهيثم بن عدِيّ أنه أخبره من رأى قبر أبي مِحجن بأذرَبيجان ، أو قال : في نواحي جُرْجان ، وقد نبتت عليه ثلاث أُصول كَرْم وقد طالت وأثمرت ، وهي معروشة على قبره ؛ ومكتوب على القبر \"هذا قبر أبي مِحجن\" قال : فجعلت أتعجب وأذكر قوله : \rإذا مُتُّ فادفني إلى جَنْب كَرْمةٍ...\rأ هـ {تفسير القرطبى حـ 3 صـ 56 ـ 57}\rفصل : في تحريم الخمر ووعيد من شربها","part":6,"page":27},{"id":2181,"text":"أجمعت الأمة على تحريم الخمر ، وأنه يحد شاربها ويفسق بذلك مع اعتقاد تحريمها فإن استحل كفر بذلك ويجب قتله عن ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : \" كل مسكر خمر وكل مسكر حرام ومن شرب الخمر في الدنيا ، ومات وهو يدمنها ولم يتب منها لم يشربها في الآخرة \" لفظ مسلم عن جابر : \" أن رجلاً قدم من جيشان وجيشان من اليمن فسأل النبي صلى الله عليه وسلم يشربونه بأرضهم من الذرة يقاله له : المزر. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : أو مسكر هو ؟ قال : نعم. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : \" كل مسكر حرام وإن على الله عهداً لمن يشرب المسكر أن يسقيه من طينة الخبال. قالوا : وما طينة الخبال يا رسول الله. قال : عرق أهل النار أو عصارة أهل النار \" وعن ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : \" كل مسكر خمر وكل مسكر حرام ومن شرب مسكراً بخست صلاته أربعين صباحاً فإن تاب تاب الله عليه فإن عاد الرابعة كان حقاً على الله أن يسقيه من طينه الخبال. قيل : وما طينة الخبال يا رسول الله قال : صديد أهل النار \" أخرجه أبو داود. عن عبدالله بن عمرو بن العاص أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : \" من شرب الخمر فجعلها في بطنه لم تقبل منه صلاة سبعاً وإن مات فيها مات كافراً فإن أذهبت عقله عن شيء من الفرائض. وفي رواية عن القرآن لم تقبل صلاته أربعين يوماً وإن مات فيها مات كافراً \" أخرجه النسائي.\rعن عثمان بن عفان قال : اجتنبوا الخمر فإنها أم الخبائث فإنه والله لا يجتمع الإيمان وإدمان الخمر إلاّ يوشك أن يخرج أحدهما صاحبه أخرجه النسائي موقوفاً عليه وفيه قصة عن أنس قال لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم في الخمر عشرة عاصرها ومعتصرها وشاربها وساقيها وحاملها والمحمولة إليه وبائعها ومبتاعها وواهبها وآكل ثمنها أخرجه الترمذي. أ هـ {تفسير الخازن حـ 1 صـ 144}","part":6,"page":28},{"id":2182,"text":"فصل في تحريم بيعها والانتفاع بها. أجمعت الأمة على تحريم بيع الخمر والانتفاع بها وتحريم ثمنها ويدل على ذلك ما روي عن جابر قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول عام فتح مكة : \" إن الله تعالى حرم بيع الخمر والانتفاع بها والميتة والخنزير والأصنام \" أخرجاه في الصحيحين مع زيادة اللفظ.\rعن عائشة قالت خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : \" حرمت التجارة في الخمر \"\rعن ابن عباس قال بلغ عمر بن الخطاب أن فلاناً باع خمراً فقال قاتل الله فلاناً ألم يعلم رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : \" لعن الله اليهود حرمت عليهم الشحوم فجملوها فباعوها \" عن المغيرة بن شعبة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : \" من باع الخمر فليشقص الخنازير \" أخرجه أبو داود. وقوله فليشقص الخنازير أي فليقطعها قطعاً كما تقطع الشاة للبيع والمعنى من استحل بيع الخمر فلستحل بيع الخنازير فإنهما في التحريم سواء. عن أبي طلحة قال يا نبي الله إني اشتريت خمراً لأيتام في حجري. فقال : اهرق الخمر واكسر الدنان أخرجة الترمذي. وقال وقد روي عن أنس إن أبا طلحة كان عنده خمر لأيتام وهو أصح. فإن قلت فما وجه قوله تعالى : {ومنافع للناس} قلت : منافعها اللذة التي توجد عند شربها والفرح والطرب معها وما كانوا يصيبون من الربح في ثمنها ، وذلك قبل التحريم فلما حرمت حرم ذلك كله. أ هـ {تفسير الخازن حـ 1 صـ 144 ـ 145}\rفائدة\rقال القرطبى : \rقال قوم من أهل النظر : حُرِّمت الخمر بهذه الآية ؛ لأن الله تعالى قد قال : {قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الفواحش مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ والإثم} [ الأعراف : 33 ] فأخبر في هذه الآية أن فيها إثماً فهو حرام. قال ابن عطية : ليس هذا النظر بجيّد ، لأن الإثم الذي فيها هو الحرام ، لا هي بعينها على ما يقتضيه هذا النظر.","part":6,"page":29},{"id":2183,"text":"قلت : وقال بعضهم : في هذه الآية ما دل على تحريم الخمر لأنه سمّاه إثماً ، وقد حرّم الإثم في آية أخرى ، وهو قوله عزّ وجل :\r{قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الفواحش مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ والإثم} [ الأعراف : 33 ] وقال بعضهم : الإثم أراد به الخمر ؛ بدليل قول الشاعر :\rشَرِبتُ الإثم حتى ضَلَّ عَقْلِي... كذاكَ الإثمُ يَذْهبُ بالعقول\rقلت : وهذا أيضاً ليس بجيّد ، لأن الله تعالى لم يُسمّ الخمر إثماً في هذه الآية ، وإنما قال : {قُلْ فِيهِمَآ إِثْمٌ كَبِيرٌ} ولم يقل : قل هما إثم كبير. وأما آية \"الأعراف\" وبيتُ الشعر فيأتي الكلام فيهما هناك مبيَّناً ، إن شاء الله تعالى. وقد قال قَتادة : إنما في هذه الآية ذَمُّ الخمر ، فأما التحريم فيُعلم بآية أخرى وهي آية \"المائدة\" وعلى هذا أكثر المفسرين. أ هـ {تفسير القرطبى حـ 3 صـ 60}\rلطيفة\rقال عمرو ابن الأدهم من أكابر سادة بنى تميم ذاما للخمر لو كان العقل يشترى ما كان شىء أنفس منه فالعجب لمن يشترى الحمق بماله فيدخله فى رأسه فيقىء فى جيبه ويسلح فى ذيله\rوعن على رضى الله عنه لو وقعت قطرة فى بئر فبنيت فى مكانها منارة لم اوذن عليها ولو وقعت فى بحر ثم جف فنبت فيه الكلأ لم أرعه\rوعن ابن عمر رضى الله عنهما لو أدخلت أصبعى فيها لم تتبعنى وهذا هو الإيمان والتقى حقا فينبغى للمسلم أن لا يخطر بباله شرب الخمر فضلا عن شربها وينقطع شاربها فإنه إذا خالط شارب الخمر يخاف عليه أن يصيبه من عثاره. أ هـ {روح البيان حـ 1 صـ 420}\rبحوث قيمة\rمشكلة الخمر في العالم\rالخمر من أعقد المشكلات التي يجأر منها الغرب ويبحث عن حل لكن دون جدوى فهذا السيناتور الأمريكي وليم فولبرايت يقول عن مشكلة الخمر : \" لقد وصلنا إلى القمر ولكن أقدامنا مازالت منغمسة في الوحل ، إنها مشكلة حقيقية عندما نعلم أن الولايات المتحدة فيها أكثر من 11 مليون مدمن خمر وأكثر من 44 مليون شارب خمر \".","part":6,"page":30},{"id":2184,"text":"وقد نقلت مجلة لانست البريطانية مقالاً بعنوان \" الشوق إلى الخمر \" جاء فيه \" إذا كنت مشتاقاً إلى الخمر فإنك حتماً ستموت بسببه \".\rإن أكثر من 200 ألف شخص يموتون سنويا في بريطانيا بسبب الخمر.\rوينقل البروفسور شاكيت أن 93% من سكان الولايات المتحدة يشربون الخمر وأن 40% من الرجال يعانون من أمراض عابرة بسببه و5% من النساء و10% من الرال يعانون من أمراض مزمنة معندة.\rتأثيرات الخمر السمية : \rترى هل يدري شارب الخمر أنه يشرب سماً زعافاً ؟ \rوقبل الشرب ، يمكن لصانع الخمر أن يستنشق أبخرته مما يؤدي إلى إصابته بالتهاب القصبات والرئة وإلى إصابة بطانة الأنف مما يؤدي إلى ضعف حاسة الشم ، وهنا يتضح معنى قوله تعالى \" فاجتنبوه \" فهي تعني النهي عن الاقتراب منه مطلقاً وهي أعم من النهي عن شربه.\rويختلف تأثير الخمر السمي كلما تغير مستواه في الدم فعندما يبلغ مستواه من 20ـ 99ملغ % يسبب تغير المزاج وإلى عدم توازن العضلات واضطراب الحس ، وفي مستوى من 100ـ 299 ملغ % يظهر الغثيان وازدواج الرؤية واضطراب شديد في التوازن. وفي مستوى من 300 ـ 399 ملغ % تهبط حرارة البدن ويضطرب الكلام ويفقد الذاكرة. وفي مستوى 400 ـ 700 ملغ % يدخل الشاب في سبات عميق يصحبه قصور في التنفس وقد ينتهي بالموت. ورغم أن كل أعضاء الجسم تتأثر من الخمر فإن الجملة العصبية هي أكثرها تأثراً حيث يثبط المناطق الدماغية التي تقوم بالأعمال الأكثر تعقيداً ويفقد قشر الدماغ قدرته على تحليل الأمور ، كما يؤثر على مراكز التنفس الدماغية حيث أن الإكثار منه يمكن أن يثبط التنفس تماماً إلى الموت.\r","part":6,"page":31},{"id":2185,"text":"وهكذا يؤكد كتاب alcoholism أن الغول بعد أن يمتص من الأمعاء ليصل الدم يمكن أن يعبر الحاجز الدماغي ويدخل إلى الجنين عبر المشيمة ، وأن يصل إلى كافة الأنسجة. لكنه يتوضع بشكل خاص في الأنسجة الشحمية. وكلما كانت الأعضاء أكثر تعقيداً وتخصصاً في وظائفها كانت أكثر عرضة لتأثيرات الغول السمية. فلا عجب حين نرى أن الدماغ والكبد والغدد الصم من أوائل الأعضاء تأثراً بالخمر حيث يحدث الغول فيها اضطرابات خطيرة.\rتأثيرات الخمر على جهاز الهضم\rفي الفم يؤدي مرور الخمر فيه إلى التهاب وتشقق اللسان كما يضطرب الذوق نتيجة ضمور الحليمات الذوقية ، ويجف اللسان وقد يظهر سيلان لعابي مقرف. ومع الإدمان تشكل طلاوة بيضاء على اللسان تعتبر مرحلة سابقة لتطور سرطان اللسان وتؤكد مجلة medicin أن الإدمان كثيراً ما يترافق مع التهاب الغدد النكفية.\rوالخمر يوسع الأوعية الدموية الوريدية للغشاء المخاطي للمري مما يؤهب لتقرحه ولحدوث نزوف خطيرة تؤدي لآن يقيء المدمن دماً غزيراً. كما تبين أن 90% من المصابين بسرطان المريء هم مدمنوا خمر.\rوفي المعدة يحتقن الغشاء المخاطي فيها ويزيد افراز حمض كلور الماء والببسين مما يؤهب لإصابتها بتقرحات ثم النزوف وعند المدمن تصاب المعدة بالتهاب ضموري مزمن يؤهب لإصابة صاحبها بسرطان المعدة الذي يندر جداً أن يصيب شخصاً لا يشرب الخمر.\rوتضطرب الحركة الحيوية للأمعاء عند شاربي الخمر المتعدين وتحدث التهابات معوية مزمنة واسهالات متكررة عند المدمنين ، وتتولد عندهم غازات كريهة ويحدث عسر في الامتصاص المعوي.\rالكبد ضحية هامة للخمر : \rللكبد وظائف هامة تقدمها للعضوية ، فهي المخزن التمويني لكافة المواد الغذائية وهب تعدل السموم وتنتج الصفراء.\r","part":6,"page":32},{"id":2186,"text":"والغول سم شديد للخلية الكبدية وتنشغل الكبد من أجل التخلص من الغول عن وظائفه الحيوية ويحصل فيها تطورات خطيرة نتيجة الإدمان. ففي فرنسا وحدها يموت سنوياً أكثر من 22 ألف شخص بسبب تشمع الكبد الغولي وفي ألمانيا يموت حوالي 16 ألف. كما أن الغول يحترق ضمن الكبد ليطلق كل 1غ منه 7 حريرات تؤدي بالمدمن إلى عزوفه عن الطعام دون أن تعطيه هي أي فائدة مما يعرضه لنقص الوارد الغذائي.\r1ـ تشحم الكبد حيث يتشبع الكبد بالشحوم أثناء حرق الغول وتتضخم الكبد وتصبح مؤلمة\r2ـ التهاب الكبد الغولي : آفة عارضة تتلو سهرة أكثر فيها الشارب من تناول الخمر وتتجلى بالآم بطنية وقيء وحمى وإعياء وضخامة في الكبد.\r3ـ تشمع الكبد liver cirrhosis : حيث يحدث تخرب واسع في خلايا الكبد وتتليف أنسجته ويصغر حجمه ويقسو ويصبح عاجزاً عن القيام بوظائفه.\rويشكو المصاب من ألم في منطقة الكبد ونقص في الشهية وتراجع في الوزن مع غثيان وإقياء ثم يصاب بالجبن أو باليرقان ز وقد يختلط بالتهاب الدماغ الغولي ويصاب بالسبات أو النزف في المريء ، وكلاهما يمكن أن يكون مميتاً.\rتأثيرات الخمر على القلب :\rيصاب مدمن الخمر بعدد من الاضطابات الخطيرة والمميتة التي تصيب القلب منها :\r1ـ اعتلال العضلة القلبية الغولي : حيث يسترخي القلب ويصاب الإنسان بضيق في النفس وإعياء عام ويضطرب نظم القلب وتضخم الكبد مع انتفاخ في القدمين ، والمريض ينتهي بالموت إذا لم يرتدع الشارب عن الخمر\r2ـ قد يزيد الضغط الدموي نتيجة الإدمان.\r3ـ داء الشرايين الإكليلية : الغول يؤدي إلى تصلب وتضيق في شرايين القلب تتظاهر بذبحة صدرية.\r4ـ اضطراب نظم القلب\rتأثيرات الخمر على الجهاز العصبي :","part":6,"page":33},{"id":2187,"text":"تعتبر الخلايا العصبية أكثر عرضة لتأثيرات الغول السمية. وللغول تأثيرات فورية على الدماغ ن بعضها عابر ، وبعضها غير قابل للتراجع.حيث يؤكد د. براتر وزملاؤه أن تناول كأس واحد أو كأسين من الخمر قد تسبب تموتاً في بعض خلايا الدماغ.\rوهنا نفهم الإعجاز النبوي في قوله صلى الله عليه وسلم \" ما أسكر كثيره فقليه حرام \".\rوالسحايا قد تصاب عند المدمن عندها يشكو المصاب من الصداع والتهيج العصبي وقد تنتهي بالغيبوبة الكاملة. كما أن الأعصاب كلها معرضة للإصابة بما يسمى \" باعتلال الأعصاب الغولي العديد أو المفرد\".\rأما الأذيات الدماغية فيمكن أن تتجلى بداء الصرع المتأخر الذي يتظاهر عند بعض المدمنين بنوبات من الإغماء والتشنج والتقلص الشديد.\rتأثيرات الخمر على الوظيفة الجنسية : \rتروي كتب الأدب قصة أعرابية أسكرها قوم في الجاهلية فملا أنكرت نفسها قالت : أيشرب هذا نساؤكم ، قالوا : نعم قالت : لئن صدقتم لا يدري أحدكم من أبوه. وقد الأطباء أن الخمر تزيد من شبق الأنثى فيضطرب سلوكها الجنسي حتى أنه لا يستغرب أن تمارس المرأة أول عمل جنسي لها تحت تأثير الخمر وقد أكد البروفسور فورل أن معظم حالات الحمل السفاحي حدثت أثناء الثمل. كما تضطرب الدورة الطمثية لدى المرأة المدمنة وتصل إلى سن اليأس قبل غيرها بعشرة سنوات وتتاذى الخلايا المنتشة مؤدية إلى ضرر في المبيضين.\rأما الرجل ، فعلى الرغم من ازدياد الرغبة الجنسية في المراحل الأولى من الشرب لكن القدرة على الجماع تتناقص عند المدمن حتى العنانة الكاملة.\rوالغول يوذي الخلايا المنتشة ويتلفها مؤدياً إلى ضمور في الخصيتين ، وقبل هذا يمكن ظهور نطاف مشوهة يمكن أن تؤدي إلى أجنة مشوهة.\rالخمر ينتهك الخط الدفاعي للبدن : \rتضعف مقاومة البدن للأمراض الانتانية لدى المدمن وتنقص لديه لاسيما للإصابة بذات الرئة وغيرها.\r","part":6,"page":34},{"id":2188,"text":"وقد كان يفسر سابقاً بسوء التغذية لكن أبحاث كورنيل الأمريكية أثبتت أن ضعف المقاومة لدى المدمنين ناتج عن تدخل مباشر في عملية المناعة.\rآثار الخمر الخطيرة على النسل : \rيقول د. أحمد شوكت الشطي : إن زواج الغوليين قضية خطيرة لأن الزوج المولع بالشرب زوج غير صالح ، ويرث نسله منه بنية مرضية خاصة تعرف بالتراث الغولي ، ويقصد به ما يحله نسل المخمورين من ضعف جسدي ونفساني وقد ثبت أن الأم الحامل تنقل الغول عبر مشيمتها إلى الجنين فتبليه وأنه ينساب بالرضاعة إلى الوليد.\rالمراجع : \rروائع الطب الإسلامي د. محمد نزار الدقر\rنظرات في المسكرات د. أحمد شوكت شطي.\rبحوث أخرى\rأضرار المشروبات الكحولية\rأ : أثر الكحول في العمر\rذكر أحد علماء الغرب المشهورين أنه لو كان عدد الوفيات بين الشباب المدمنين البالغة أعمارهم بين 21 إلى 23 سنة يصل إلى 51 شابّاً ، فإنّ عدد الوفيات من غير المدمنين في تلك الأعمار لا يبلغ 10 أشخاص.\rوقال عالم مشهور آخر : الشباب في سنّ العشرين الذين يتوقّع أن تطول\rأعمارهم إلى خمسين عاماً ، لا يعمّرون بسبب معاقرة الخمرة أكثر من خمسة وثلاثين عاماً.\rالتجارب التي أجرتها شركات التأمين على الحياة أثبتت أنّ أعمار المدمنين على الكحول أقلّ من أعمار غيرهم بنسبة 25 ـ 30 بالمائة.\rوتذكر إحصائيات أُخرى أنّ معدّل أعمار المدمنين على الكحول يبلغ حوالي 35 ـ 50 سنة ، بينما معدّل العمر الإعتيادي مع رعاية القواعد الصحية يبلغ ستين عاماً فصاعداً.\rب : أثر الكحول على النسل\r35 بالمائة من عوارض الإدمان الحادّة تنتقل إلى الوليد إذا كان أبوه ـ حين انعقاد النطفة ـ سكراناً ، وإن كان الوالدان سكرانين فترتفع نسبة هذه العوارض إلى مائة في المائة. وهذه إحصائيات تبيّن آثار الإدمان على الجنين : \rالأطفال الذين ولدوا قبل موعد ولادتهم الطبيعي : من أبوين مدمنين 45 بالمائة. ومن أُمّ مدمنة 31 بالمائة. ومن أب مدمن 17 بالمائة.\r","part":6,"page":35},{"id":2189,"text":"الأطفال الذين ولدوا وهم لا يحملون مقوّمات استمرار الحياة : من أب مدمن 6 بالمائة ، ومن أمّ مدمنة 45 بالمائة.\rالأطفال الذين لا يتمتّعون بطول طبيعي : من والدين مدمنين 75 بالمائة ، ومن أمّ مدمنة 45 بالمائة.\rوأخيراً الأطفال الذين يفتقدون القوّة العقلية والروحية الكافية : من أُمّهات مدمنات 75 بالمائة ، ومن آباء مدنين 75 بالمائة أيضاً.\rج : أثر الكحول في الأخلاق\rالعاطفة العائلية في الشخص المدمن تضعف ، ويقلّ انشداده بزوجته وأبنائه ، حتّى يحدث أن يقدم المدمن على قتل أبنائه بيده.\rد : أضرار الكحول الاجتماعية\rحسب الإحصائيّة التي نشرها معهد الطب القانوني في مدينة (نيون) عام 1961 ، كانت الجرائم الاجتماعية للمدمنين على النحو التالي : \rالقتلة : 50 بالمائة ، المعتدون بالضرب والجرح بين المدمنين : 8,77 بالمائة ، السرقات بين المدمنين : 5,88 بالمائة ، الجرائم الجنسية المرتبطة بالمدمنين : 8,88 بالمائة. هذه الإحصائيات تشير إلى أنّ الأكثرية الساحقة من الجرائم ترتكب في حالة السكر.\rهـ : الأضرار الاقتصادية للمشروبات الكحوليّة\r","part":6,"page":36},{"id":2190,"text":"أحد علماء النفس المشهورين يقول : من المؤسف أنّ الحكومات تحسب ما تدر عليها المشروبات الكحولية من ضرائب ، ولا تحسب الميزانية الضخمة التي تنفق لترميم مفاسد هذه المشروبات. فلو حسبت الحكومات الأضرار الناتجة من المشروبات الكحولية ، مثل زيادة الأمراض الروحية ، وإهدار الوقت والاصطدامات الناتجة عن السكر ، وفساد الجيل ، وانتشار روح التقاعس والتحلّل ، والتخلّف الثقافي ، والمشاكل التي تواجه رجال الشرطة ودور الحضانة المخصّصة لرعاية أبناء المخمورين ، وما تحتاجه جرائم المخمورين من مستشفيات وأجهزة قضائيّة وسجون ، وغيرها من الخسائر والأضرار الناتجة عن تعاطي الخمور ، وقارنت هذه الخسائر بما تحصل عليه من ضرائب على هذه المشروبات لوجدت أنّ الأرباح تكاد تكون تافهة أمام الخسائر ، هذا إضافة إلى أنّ الخسائر المؤسفة الناتجة عن المشروبات الكحولية لا يمكن حسابها بالدولار ، لأنّ موت الأعزّاء وتشتّت العوائل وتبدّد الآمال وفقدان الأدمغة المفكّرة لا يمكن حسابه بالمال.\rأضرار المشروبات الكحولية فظيعة للغاية ، حتّى إنّ أحد العلماء قال : لو أنّ\rالحكومة ضمنت لي غلق حانات الخمور لضمنت لها غلق نصف المستشفيات ودور المجانين.\rممّا تقدّم يتّضح بجلاء معنى الآية الكريمة بشأن الخمر ، فلو كان في الخمرة فائدة تجارية ، ولو كان السكران يحسب لحظات غفلته عن عمومه أثناء السكر فائدة له ، فإنّ الأضرار التي تترتب عليها أكثر بكثير وأوسع دائرة وأبعد مدىً من فوائدها ، حتّى لا يمكن المقارنة بين الاثنين. أ هـ {الأمثل حـ 2 صـ 118 ـ 120}\rفصل\rفي حقيقة الميسر فنقول : الميسر القمار ، مصدر من يسر كالموعد والمرجع من فعلهما ، يقال يسرته إذا قمرته ، واختلفوا في اشتقاقه على وجوه\r","part":6,"page":37},{"id":2191,"text":"أحدها : قال مقاتل : اشتقاقه من اليسر لأنه أخذ لمال الرجل بيسر وسهولة من غير كد ولا تعب ، كانوا يقولون : يسروا لنا ثمن الجزور ، أو من اليسار لأنه سبب يساره ، وعن ابن عباس : كان الرجل في الجاهلية يخاطر على أهله وماله وثانيها : قال ابن قتيبة : الميسر من التجزئة والاقتسام ، يقال : يسروا الشيء ، أي اقتسموه ، فالجزور نفسه يسمى ميسراً لأنه يجزأ أجزاء ، فكأنه موضع التجزئة ، والياسر الجازر ، لأنه يجزىء لحم الجزور ، ثم يقال للضاربين بالقداح والمتقامرين على الجزور : إنهم ياسرون لأنهم بسبب ذلك الفعل يجزؤن لحم الجزور\rوثالثها : قال الواحدي : إنه من قولهم : يسر لي هذا الشيء ييسر يسرا وميسراً إذا وجب ، والياسر الواجب بسبب القداح ، هذا هو الكلام في اشتقاق هذه اللفظة.\rوأما صفة الميسر فقال صاحب \"الكشاف\" : كانت لهم عشرة قداح ، وهي الأزلام والأقلام الفذ ، والتوأم ، والرقيب ، والحلس ، بفتح الحاء وكسر اللام ، وقيل بكسر الحاء وسكون اللام ، والمسبل ، والمعلى ، والنافس ، والمنيح ، والسفيح ، والوغد ، لكل واحد منها نصيب معلوم من جزور ينحرونها ويجزؤونها عشرة أجزاء ، وقيل : ثمانية وعشرين جزءاً إلا ثلاثة ، وهي : المنيح والسفيح ، والوعد ، ولبعضهم في هذا المعنى شعر : \rلي في الدنيا سهام.. ليس فيهن ربيح\rوأساميهن وغد.. وسفيح ومنيح\rفللفذ سهم ، وللتوأم سهمان ، وللرقيب ثلاثة ، وللحلس أربعة ، وللنافس خمسة ، وللمسبل ستة ، وللمعلى سبعة ، يجعلونها في الربابة ، وهي الخريطة ويضعونها على يد عدل ، ثم يجلجلها ويدخل يده فيخرج باسم رجل رجل قدحاً منها فمن خرج له قدح من ذوات الأنصباء أخذ النصب الموسوم به ذلك القدح ، ومن خرج له قدح لا نصيب له لم يأخذ شيئاً ، وغرم ثمن الجزور كله ، وكانوا يدفعون تلك الأنصباء إلى الفقراء ، ولا يأكلون منها ، ويفتخرون بذلك ويذمون من لم يدخل فيه ويسمونه البرم. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 6 صـ 40}","part":6,"page":38},{"id":2192,"text":"قال ابن عاشور : \rوالميسر : قمار كان للعرب في الجاهلية ، وهو من القمار القديم المتوغل في القدم كان لعادٍ من قبل ، وأول من ورد ذكر لعب الميسر عنه في كلام العرب هو لقمان بن عَاد ويقال لقمان العادي ، والظاهر أنه ولد عاد بن عوص بن إرم بن سام ، وهو غير لقمان الحكيم ، والعرب تزعم أن لقمان كان أكثر الناس لعباً بالميسر حتى قالوا في المثل \"أيسرُ من لقمان\" وزعموا أنه كان له ثمانية أيسار لا يفارقونه هم من سادة عاد وأشرافهم ، ولذلك يشبِّهون أهلَ الميسر إذا كانوا من أشراف القوم بأَيْسار لقمان قال طرفة بن العبد : \rوهُمُ أَيْسَار لقُمْانَ إذا... أَغْلَتتِ الشَّتْوة أَبْدَاءَ الجُزُرْ\rأراد التشبيه البليغ. أ هـ {التحرير والتنوير حـ 2 صـ 346 ـ 347}\rفصل\rاختلفوا في أن الميسر هل هو اسم لذلك القمار المعين ، أو هو اسم لجميع أنواع القمار ، روي عن النبي صلى الله عليه وسلم : \" إياكم وهاتين الكعبتين فإنهما من ميسر العجم \"\rوعن ابن سيرين ومجاهد وعطاء : كل شيء فيه خطر فهو من الميسر ، حتى لعب الصبيان بالجوز ، وأما الشطرنج فروي عن علي عليه السلام أنه قال : النرد والشطرنج من الميسر ، وقال الشافعي رضي الله عنه : إذا خلا الشطرنج عن الرهان ، واللسان عن الطغيان والصلاة عن النسيان ، لم يكن حراماً ، وهو خارج عن الميسر ، لأن الميسر ما يوجب دفع المال ، أو أخذ مال ، وهذا ليس كذلك ، فلا يكون قماراً ولا ميسراً ، والله أعلم ، أما السبق في الخف والحافر فبالاتفاق ليس من الميسر ، وشرحه مذكور في كتاب السبق والرمي من كتب الفقه. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 6 صـ 40}\rفصل فى المراد بالإثم الكبير\rقال الفخر : ","part":6,"page":39},{"id":2193,"text":"الإثم الكبير ، فيه أمور أحدها : أن عقل الإنسان أشرف صفاته ، والخمر عدو العقل ، وكل ما كان عدو الأشرف فهو أخس ، فيلزم أن يكون شرب الخمر أخس الأمور ، وتقريره أن العقل إنما سمي عقلاً لأنه يجري مجرى عقال الناقة ، فإن الإنسان إذا دعاه طبعه إلى فعل قبيح ، كان عقله مانعاً له من الإقدام عليه ، فإذا شرب الخمر بقي الطبع الداعي إلى فعل القبائح خالياً عن العقل المانع منها ، والتقريب بعد ذلك معلوم ، \rذكر ابن أبي الدنيا أنه مر على سكران وهو يبول في يده ويمسح به وجهه كهيئة المتوضىء ، ويقول : الحمد لله الذي جعل الإسلام نوراً والماء طهوراً ، وعن العباس بن مرداس أنه قيل له في الجاهلية : لم لا تشرب الخمر فإنها تزيد في جراءتك ؟ فقال ما أنا بآخذ جهلي بيدي فأدخله جوفي ، ولا أرضى أن أصبح سيد قوم وأمسى سفيههم وثانيها : ما ذكره الله تعالى من إيقاع العداوة والبغضاء والصد عن ذكر الله وعن الصلاة وثالثها : أن هذه المعصية من خواصها أن الإنسان كلما كان اشتغاله بها أكثر ، ومواظبته عليها أتم كان الميل إليها أكثر وقوة النفس عليها أقوى.\rبخلاف سائر المعاصي ، مثل الزاني إذا فعل مرة واحدة فترت رغبته في ذلك العمل ، وكلما كان فعله لذلك العمل أكثر كان فتوره أكثر ونفرته أتم ، بخلاف الشرب ، فإنه كلما كان إقدامه عليه أكثر ، كان نشاطه أكثر ، ورغبته فيه أتم.\r","part":6,"page":40},{"id":2194,"text":"فإذا واظب الإنسان عليه صار الإنسان غرقاً في اللذات البدنية ، معرضاً عن تذكر الآخرة والمعاد ، حتى يصير من الذين نسوا الله فأنساهم أنفسهم ، وبالجملة فالخمر يزيل العقل ، وإذا زال العقل حصلت القبائح بأسرها ولذلك قال عليه الصلاة والسلام : \" الخمر أم الخبائث \" وأما الميسر فالإثم فيه أنه يفضي إلى العداوة ، وأيضاً لما يجري بينهم من الشتم والمنازعة وأنه أكل مال بالباطل وذلك أيضاً يورث العداوة ، لأن صاحبه إذا أخذ ماله مجاناً أبغضه جداً ، وهو أيضاً يشغل عن ذكر الله وعن الصلاة. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 6 صـ 40}\rوقال ابن عاشور : \rوصف الله الخمر بأن فيها إثماً كبيراً ومنافع. والإثم : معصية الله بفعل ما فيه فساد ولا يرضى الله ، وأشار الراغب إلى أن في اشتقاق الإثم معنى الإبطاء عن الخير ، وقال ابن العربي في تفسير سورة الأعراف : الإثم عبارة عن الذم الوارد في الفعل ، فكأنه يشير إلى أن الإثم ضد الثواب ، وظاهر اصطلاح الشريعة أن الإثم هو الفعل المذموم في الشرع ، فهو ضد القربة فيكون معنى {فيهما إثم كبير} أنهما يتسبب منهما ما هو إثم في حال العربدة وحال الربح والخسارة من التشاجر.\rوإطلاق الكبير على الإثم مجاز ، لأنه ليس من الأجسام ، فالمراد من الكبير : الشديد في نوعه كما تقدم آنفاً.\rوجيء بفي الدالة على الظرفية لإفادة شدة تعلق الإثم والمنفعة بهما ؛ لأن الظرفية أشد أنواع التعلق ، وهي هنا ظرفية مجازية شائعة في كلام العرب ، وجعلت الظرفية متعلقة بذات الخمر والميسر للمبالغة ، والمراد في استعمالهما المعتاد.\rواختير التعبير بالإثم للدلالة على أنه يعود على متعاطي شربها بالعقوبة في الدنيا والآخرة.\rوقرأ الجمهور {إثم كبير} بموحَّدَة بعد الكاف وقرأه حمزة والكسائي ( كثير ) بالثاء المثلثة ، وهو مجازاً استعير وصف الكثير للشديد تشبيهاً لقوة الكيفية بوفرة العدد. أ هـ {التحرير والتنوير حـ 2 صـ 343 ـ 345}\rوقال ابن عطية","part":6,"page":41},{"id":2195,"text":"وقوله تعالى : {قل فيهما إثم كبير ومنافع للناس} الآية ، قال ابن عباس والربيع : الإثم فيهما بعد التحريم ، والمنفعة فيهما قبله ، وقالت طائفة : الإثم في الخمر ذهاب العقل والسباب والافتراء والإذاية والتعدي الذي يكون من شاربها ، والمنفعة اللذة بها كما قال حسان بن ثابت : \rوَنَشْرَبُهَا فَتَتْرُكَنَا ملوكاً... وَأسْداً ما يُنَهْنِهُنَا للقَاءُ\rإلى غير ذلك من أفراحها ، وقال مجاهد : \" المنفعةَ بها كسب أثمانها \" ثم أعلم الله عز وجل أن الإثم أكبر من النفع وأعود بالضرر في الآخرة ، فهذا هو التقدمة للتحريم ، وقرأ حمزة والكسائي \" كثير \" بالثاء المثلثة ، وحجتها أن النبي صلى الله عليه وسلم لعن الخمر ولعن معها عشرة : بائعها ، ومبتاعها ، والمشتراة له ، وعاصرها ، والمعصورة له ، وساقيها ، وشاربها ، وحاملها ، والمحمولة إليه ، وآكل ثمنها ، فهذه آثام كثيرة ، وأيضاً فجمع المنافع يحسن معه جمع الآثام ، و\" كثير \" بالثاء المثلثة يعطي ذلك ، وقرأ باقي القراء وجمهور الناس \" كبير \" بالباء بواحدة ، وحجتها أن الذنب في القمار وشرب الخمر من الكبائر فوصفه بالكبير أليق ، وأيضاً فاتفاقهم على {أكبر} حجة لكبير بالباء بواحدة ، وأجمعوا على رفض أكثر بالثاء مثلثة ، إلا ما مصحف ابن مسعود فإن فيه \" قل فيهما إثم كثير وإثمهما أكثر \" بالثاء مثلثة في الحرفين. أ هـ {المحرر الوجيز حـ 1 صـ 294}\rقوله تعالى : {ومنافع لِلنَّاسِ}\rقال ابن عاشور : \rوالمنافع : جمع منفعة ، وهي اسم على وزن مَفعلة وأصله يحتمل أن يكون مصدراً ميمياً قصد منه قوة النفع ، لأن المصدر الميمي أبلغ من جهة زيادة المبنى. ويحتمل أن يكون اسم مكان دالاً على كثرة ما فيه كقولهم مَسْبَعة ومَقْبَرة أي يكثر فيهما النفع من قبيل قولهم مَصْلَحة ومَفْسَدة ، فالمنفعة على كل حال أبلغ من النفع.","part":6,"page":42},{"id":2196,"text":"والإثم الذي في الخمر نشأ عما يترتب على شربها تارة من الإفراط فيه والعربدة من تشاجر يجر إلى البغضاء والصد عن سبيل الله وعن الصلاة ، وفيها ذهاب العقل والتعرض للسخرية ، وفيها ذهاب المال في شربها ، وفي الإنفاق على الندامى حتى كانوا ربما رهنوا ثيابهم عند الخمارين قال عُمارة بن الوليد بن المغيرة المخزومي : \rولسنا بشَرْببٍ أمَّ عمرو إذَا انْتَشَوْا... ثِيابُ الندامَى عندهم كالمغانم\rولكننا يا أمَّ عمرو نديمنا... بمنزلة الريَّان ليس بعائم\rوقال عنترة : \rوإذا سَكِرْتُ فإنني مُستهلك... مالي وعِرضي وافِرٌ لم يُكْلَمِ\rوكانوا يشترون الخمر بأثمان غالية ويعدون المماكسة في ثمنها عيباً ، قال لبيد : ... أُغْلِي السِّبَاءَ بكل أَدْكَنَ عَاتِقٍ\rأَوْ جَوْنَةٍ قُدِحَتْ وفُضَّ خِتَامُها... ومن آثامها ما قرره الأطباء المتأخرون أنها تورث المدمنين عليها أضراراً في الكبد والرئتين والقلب وضعفاً في النَّسل ، وقد انفرد الإسلام عن جميع الشرائع بتحريمها ، لأجل ما فيها من المضار في المروءة حرمها بعض العرب على أنفسهم في الجاهلية ، فممن حرمها على نفسه في الجاهلية قَيْس بن عاصم المِنْقَري بسبب أنه شرب يوماً حتى سكر فجذب ابنته وتناول ثوبها ، ورأى القمر فتكلم معه كلاماً ، فلما أخبر بذلك حين صحا آلى لا يذوق خمراً ما عاش وقال : \rرأيتُ الخمرَ صالحة وفيها... خصال تُفسد الرجلَ الحليما\rفلا واللَّه أَشْرَبُها صَحِيحا... ولا أُشْفَى بها أَبدا سَقيما\rولا أعطي بها ثَمنا حياتي... ولا أَدعو لها أبداً نديماً\rفإنَّ الخمر تفضح شاربيها... وتُجنيهم بها الأمر العظيما\r","part":6,"page":43},{"id":2197,"text":"وفي \"أمالي القالي\" نسبة البيتين الأولين لصفوان بن أمية ، ومنهم عامر بن الظَّرِب العَدْواني ، ومنهم عفيف بن معد يكرب الكندي عم الأشعث بن قيس ، وصفوان بن أمية الكناني ، وأسلوم البالي ، وسويد بن عدي الطائي ، ( وأدرك الإسلام ) وأسد بن كُرْز القَسْري البَجَلي الذي كان يلقب في الجاهلية برب بجيلة ، وعثمان بن عفان ، وأبو بكر الصديق ، وعباس بن مرداس ، وعثمان بن مظعون ، وأمية بن أبي الصلت ، وعبد الله بن جُدْعان. أ هـ {التحرير والتنوير حـ 2 صـ 344 ـ 345}\rقال الفخر :\rوأما المنافع المذكورة في قوله تعالى : {ومنافع لِلنَّاسِ} فمنافع الخمر أنهم كانوا يتغالون بها إذا جلبوها من النواحي ، وكان المشتري إذا ترك المماكسة في الثمن كانوا يعدون ذلك فضيلة ومكرمة ، فكان تكثر أرباحهم بذلك السبب ، ومنها أنه يقوي الضعيف ويهضم الطعام ويعين على الباه ، ويسلي المحزون ، ويشجع الجبان ، ويسخي البخيل ويصفي اللون ، وينعش الحرارة الغريزية ويزيد في الهمة والاستعلاء ومن منافع الميسر : التوسعة على ذوي الحاجة لأن من قمر لم يأكل من الجزور ، وإنما كان يفرقه في المحتاجين وذكر الواقدي أن الواحد منهم كان ربما قمر في المجلس الواحد مائة بعير ، فيحصل له مال من غير كد وتعب ، ثم يصرفه إلى المحتاجين ، فيكتسب منه المدح والثناء. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 6 صـ 41}\rوقال ابن عاشور :\rوأما المنافع فمنها منافع بدنية وهي ما تكسبه من قوة بدن الضعيف في بعض الأحوال وما فيها من منافع التجارة فقد كانت تجارة الطائف واليمن من الخمر ، وفيها منافع من اللذة والطرب ، قال طرفة :\rولولا ثلاث هُنَّ من عيشة الفتى... وجدك لم أَحفل متى قام عُوَّدِي\rفمنهن سَبْقِي العاذِلات بشَرْبَة... كُمَيْتتٍ متى ما تُعْلَ بالمَاء تُزْبِد\rوذهب بعض علمائنا إلى أن المنافع مالية فقط فراراً من الاعتراف بمنافع بدنية للخمر وهو جحود للموجود (1)\rومن العجيب أن بعضهم زعم أن في الخمر منافع بدنية ولكنها بالتحريم زالت. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 6 صـ 41}\r____________\r(1) هذه زلة أخرى لقلم العلامة ابن عاشور ـ غفر الله له ـ\rوهذا القول من البعد بمكان ولا يستند إلى شبهة فضلا عن دليل بل الدليل على خلافه.\rوسيأتى ما يدحض هذا الكلام من خلال كلام العلماء المحققين ـ رحمهم الله ـ والله أعلم وأحكم.","part":6,"page":44},{"id":2198,"text":"كلام نفيس للعلامة ابن العربى\rقال رحمه الله : \rقَوْله تَعَالَى : {وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ} : فِي ذَلِكَ ثَلَاثَةُ مَذَاهِبَ : الْأَوَّلُ : أَنَّهَا رِبْحُ التِّجَارَةِ.\rوَالثَّانِي : السُّرُورُ وَاللَّذَّةُ.\rوَالثَّالِثُ : قَالَ قَوْمٌ مِنْ الْمُبْتَدِعَةِ : مَا فِيهَا مِنْ مَنْفَعَةِ الْبَدَنِ ؛ لِحِفْظِ الصِّحَّةِ الْقَائِمَةِ أَوْ جَلْبِ الصِّحَّةِ الْفَانِيَةِ بِمَا تَفْعَلُهُ مِنْ تَقْوِيَةِ الْمَعِدَةِ وَسَرَيَانِهَا فِي الْأَعْصَابِ وَالْعُرُوقِ ، وَتَوَصُّلِهَا إلَى الْأَعْضَاءِ الْبَاطِنَةِ الرَّئِيسِيَّةِ ، وَتَجْفِيفِ الرُّطُوبَةِ ، وَهَضْمِ الْأَطْعِمَةِ الثِّقَالِ وَتَلْطِيفِهَا.\rوَالصَّحِيحُ أَنَّ الْمَنْفَعَةَ هِيَ الرِّبْحُ ؛ لِأَنَّهُمْ كَانُوا يَجْلِبُونَهَا مِنْ الشَّامِ بِرُخْصٍ فَيَبِيعُونَهَا فِي الْحِجَازِ بِرِبْحٍ كَثِيرٍ.\rوَأَمَّا اللَّذَّةُ : فَهِيَ مُضِرَّةٌ عِنْدَ الْعُقَلَاءِ ؛ لِأَنَّ مَا تَجْلِبُهُ مِنْ اللَّذَّةِ لَا يَفِي بِمَا تُذْهِبُهُ مِنْ التَّحْصِيلِ وَالْعَقْلِ ، حَتَّى إنَّ الْعَبِيدَ الْأَدْنِيَاءَ وَأَهْلَ النَّقْصِ كَانُوا يَتَنَزَّهُونَ عَنْ شُرْبِهَا لِمَا فِيهَا مِنْ إذْهَابِ شَرِيفِ الْعَقْلِ ، وَإِعْدَامُهَا فَائِدَةُ التَّحْصِيلِ وَالتَّمْيِيزِ.","part":6,"page":45},{"id":2199,"text":"وَأَمَّا مَنْفَعَةُ إصْلَاحِ الْبَدَنِ : فَقَدْ بَالَغَ فِيهَا الْأَطِبَّاءُ حَتَّى إنِّي تَكَلَّمَتْ يَوْمًا مَعَ بَعْضِهِمْ فِي ذَلِكَ ، فَقَالَ لِي : لَوْ جُمِعَ سَبْعُونَ عَقَارًا مَا وَفَى بِالْخَمْرِ فِي مَنَافِعِهَا ، وَلَا قَامَ فِي إصْلَاحِ الْبَدَنِ مَقَامَهَا.\rوَهَذَا مِمَّا لَا نَشْتَغِلُ بِهِ لِوَجْهَيْنِ : أَحَدُهُمَا : أَنَّ الَّذِينَ نَزَلَ تَحْرِيمُ الْخَمْرِ عَلَيْهِمْ لَمْ يَكُونُوا يَقْصِدُونَ بِهِ التَّدَاوِيَ حَتَّى نَعْتَذِرَ عَنْ ذَلِكَ لَهُمْ.\rالثَّانِي : أَنَّ الْبِلَادَ الَّتِي نَزَلَ أَصْلُ تَحْرِيمِ الْخَمْرِ\rفِيهَا كَانَتْ بِلَادَ جُفُوفٍ وَحَرٍّ ؛ وَضَرَرُ الْخَمْرِ فِيهَا أَكْثَرُ مِنْ مَنْفَعَتِهَا ؛ وَإِنَّمَا يَصْلُحُ الْخَمْرُ عِنْدَ الْأَطِبَّاءِ لِلْأَرْيَافِ وَالْبِطَاحِ وَالْمَوَاضِعِ الرَّطْبَةِ ، وَإِنْ كَانَتْ فِيهَا مَنْفَعَةٌ مِنْ طَرِيقِ الْبَدَنِ فَفِيهَا مَضَرَّةٌ مِنْ طَرِيقِ الدِّينِ ، وَالْبَارِي تَعَالَى قَدْ حَرَّمَهَا مَعَ عِلْمِهِ بِهَا فَقَدِّرْهَا كَيْفَ شِئْت ، فَإِنَّ خَالِقَهَا وَمَصْرِفَهَا قَدْ حَرَّمَهَا.\rوَقَدْ رَوَى مُسْلِمٌ عَنْ {طَارِقِ بْنِ سُوَيْد الْجُعْفِيِّ أَنَّهُ سَأَلَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ الْخَمْرِ فَنَهَاهُ وَكَرِهَ أَنْ يَصْنَعَهَا.\rقَالَ : إنَّمَا أَصْنَعُهَا لِلدَّوَاءِ.\rقَالَ : لَيْسَ بِدَوَاءٍ ، وَلَكِنَّهُ دَاءٌ}.\rوَرُوِيَ أَيْضًا عَنْ أَنَسٍ {أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سَأَلَ عَنْ الْخَمْرِ : أَتُتَّخَذُ خَلًّا ؟ قَالَ : لَا} وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ جَمَاعَةٍ.\rفَإِنْ قِيلَ : وَكَيْف يَجُوزُ أَنْ يَرِدَ الشَّرْعُ بِتَحْرِيمِ مَا لَا غِنَى عَنْهُ وَلَا عِوَضَ مِنْهُ ؟ هَذَا مُنَاقِضٌ لِلْحِكْمَةِ.","part":6,"page":46},{"id":2200,"text":"فَالْجَوَابُ عَنْهُ مِنْ ثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ : أَحَدُهَا : أَنَّا لَا نَقُولُ إنَّهُ لَا غِنَى عَنْهَا وَلَا عِوَضَ مِنْهَا ؛ بَلْ لِلْمَرِيضِ عَنْهَا أَلْفُ غِنًى ، وَلِلصَّحِيحِ وَالْمَرِيضِ مِنْهَا عِوَضٌ مِنْ الْخَلِّ وَنَحْوِهِ.\rالثَّانِي : أَنْ نَقُولَ : لَوْ كَانَتْ لَا غِنَى عَنْهَا وَلَا عِوَضَ مِنْهَا لَامْتَنَعَ تَحْرِيمُهَا ، وَلَا اسْتَحَالَ أَنْ يَمْنَعَ الْبَارِي تَعَالَى الْخَلْقَ مِنْهَا لِثَلَاثَةِ أَدِلَّةٍ : الْأَوَّلُ : أَنَّ لِلْبَارِي تَعَالَى أَنْ يَمْنَعَ الْمَرَافِقَ كُلَّهَا أَوْ بَعْضَهَا ، وَأَنْ يُبِيحَهَا ، وَقَدْ آلَمَ الْحَيَوَانَ وَأَمْرَضَ الْإِنْسَانَ.\rالثَّانِي : أَنَّ التَّطَبُّبَ غَيْرُ وَاجِبٍ بِإِجْمَاعٍ مِنْ الْأُمَّةِ ، ثَبَتَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ طُرُقٍ أَنَّهُ قَالَ : {يَدْخُلُ الْجَنَّةَ مِنْ أُمَّتِي سَبْعُونَ أَلْفًا مِنْ غَيْرِ حِسَابٍ ، وَهُمْ الَّذِينَ لَا يَكْتَوُونَ وَلَا يَسْتَرْقُونَ وَلَا يَتَطَيَّرُونَ ، وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ}.\rالثَّالِثُ : أَنَّهُ لَوْ كَانَ فِيهَا صَلَاحُ بَدَنٍ لَكَانَتْ فِيهَا ضَرَاوَةٌ وَذَرِيعَةٌ إلَى فَسَادِ الْعَقْلِ ، فَتَقَابَلَ الْأَمْرَانِ ، فَغَلَبَ الْمَنْعُ لِمَا لَنَا فِي ذَلِكَ مِنْ الْمَصْلَحَةِ الْمُنَبَّهِ عَلَيْهَا فِي سُورَةِ الْمَائِدَةِ. أ هـ {أحكام القرآن لابن العربى حـ 1 صـ 299}","part":6,"page":47},{"id":2201,"text":"سؤال : فإن قلت : ما الوجه في ذكر منافع الخمر والميسر مع أن سياق التحريم والتمهيد إليه يقتضي تناسي المنافع ، قلت إن كانت الآية نازلة لتحريم الخمر والميسر فالفائدة في ذكر المنافع هي بيان حكمة التشريع ليعتاد المسلمون مراعاة علل الأشياء ، لأن الله جعل هذا الدين ديناً دائماً وأودعه أمة أراد أن يكون منها مشرِّعون لمختلف ومتجددِ الحوادث ، فلذلك أشار لعلل الأحكام في غير موضع كقوله تعالى : {أيحب أحدكم أن يأكل لحم أخيه ميتا} [ الحجرات : 12 ] ونحو ذلك ، وتخصيص التنصيص على العلل ببعض الأحكام في بعض الآيات إنما هو في مواضع خفاء العلل ، فإن الخمر قد اشتهر بينهم نفعها ، والميسر قد اتخذوه ذريعة لنفع الفقراء فوجب بيان ما فيهما من المفاسد إنباء بحكمة التحريم ، وفائدة أخرى وهي تأنيس المكلفين فطامهم عن أكبر لذائذهم تذكيراً لهم بأن ربهم لا يريد إلاَّ صلاحَهم دون نكايتهم كقوله : {كتب عليكم القتال وهو كره لكم} [ البقرة : 216 ] وقوله : {كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم} [ البقرة : 183 ]. وهنالك أيضاً فائدة أخرى وهي عذرهم عما سلف منهم حتى لا يستكينوا لهذا التحريم والتنديد على المفاسد كقوله : {علم الله أنكم كنتم تختانون أنفسكم فتاب عليكم وعفا عنكم} [ البقرة : 187 ]. أ هـ {التحرير والتنوير حـ 2 صـ 345}\rفصل","part":6,"page":48},{"id":2202,"text":"قرأ حمزة والكسائي {كَثِيرٍ} بالثاء المنقوطة من فوق والباقون بالباء المنقوطة من تحت حجة حمزة والكسائي ، أن الله وصف أنواعاً كثيرة من الإثم في الخمر والميسر وهو قوله : {إِنَّمَا يُرِيدُ الشيطان أَن يُوقِعَ بَيْنَكُمُ العداوة والبغضاء فِى الخمر والميسر} [ المائدة : 91 ] فذكر أعداداً من الذنوب فيهما ولأن النبي صلى الله عليه وسلم لعن عشرة بسبب الخمر ، وذلك يدل على كثرة الإثم فيهما ، ولأن الإثم في هذه الآية كالمضاد للمنافع لأنه قال : فيهما إثم ومنافع ، وكما أن المنافع أعداد كثيرة فكذا الإثم فصار التقدير كأنه قال : فيهما مضار كثيرة ومنافع كثيرة حجة الباقين أن المبالغة في تعظيم الذنب إنما تكون بالكبر لا بكونه كثيراً يدل عليه قوله تعالى : {كبائر الإثم} [ النجم : 32 ] ، {كَبَائِرَ مَا تُنهَوْنَ عَنْهُ} [ النساء : 31 ] ، {إِنَّهُ كَانَ حُوباً كَبِيراً} [ النساء : 2 ] وأيضاً القراء اتفقوا على قوله : {وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ} بالباء المنقوطة من تحت ، وذلك يرجح ما قلناه. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 6 صـ 41}\rمن فوائد ابن عرفة فى الآية\rقال رحمه الله : \rقوله تعالى : {يَسْئَلُونَكَ عَنِ الخمر والميسر...}.","part":6,"page":49},{"id":2203,"text":"قال ابن عرفة : قال ابن عطية ، والشيخ الزمخشري : لما نزلت ( هاته الآية ) شربها قوم وتركها آخرون. قام بعض الشاربين فقرأ : قُلْ يا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ أسقط ( لا ) فنزلت : {لاَ تَقْرَبُواْ الصلاة وَأَنْتُمْ سكارى} قال ابن عرفة : هذا نصّ على أنّ لفظ التأثيم في قوله عز وجلّ : \" قُل فِيهمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ \" غير ملزوم للتحريم لأنّ الصحابة رضي الله عنهم لم ينتهوا عنها بهذه الآية فيستفاد منه الجواب عن السؤال المورود على قول الفقهاء : إنّ اتّخاذ السترة للمصلي سنة ، مع قولهم : إن تركها وصلى حيث لا يأمن المرور فمر عليه أحد أثِمَ. ( قال : وكنّا أجبنا عنه بأنه إنما أثم بالتعرّض للمرور والمرور معا ) لأنه لو لم يمر عليه أحد لما أثم.\rقال ابن عرفة : ( وحكي ) ابن عطية في الإثم وجوها : \rالأول : أن يراد في استعمالها بعد النهي إثم كبير.\r( ابن عرفة ) ما قلناه إلا على هذا.\rالثاني : أن يراد خلال السّوء الّتي فيها وهي السباب والافتراء وذهاب العقل. وعن سعيد بن جبير : لما نزلت كرهها قوم ( للإثم وشربها قوم ) للمنافع.\rقال ابن عرفة : ويؤخذ ( من الآية أنها إذا تعارضت مصلحة ومفسدة واستويا لا ينبغي الفعل لأن الصحابة لما نزلت ) الآية لم ينتهوا كلهم عن شرب الخمر.\rفقال : ( نعم ) ، بل هو من باب أحرى.\rقال : وهذا هو الذي ذكر فيه الأصوليون عن علي بن أبي طالب أنه قال : من شرب الخمر هذى وإذا هذى افترى فأرى عليه حد المُفتري.\rقلت : ذكره العلامة ابن التلمساني في المسألة الثانية من الباب التاسع. قال : وساعده عمر ( وغيره ).\rقال ابن عرفة : وهذا هو اعتبار جنس العلة في عين الحكم لأن الهذيان مظنة الافتراء باعتبار جنس المظنة في عين حد الخمر فجعله ثمانين بعد ما كان أربعين قياسا على حد القذف.\r","part":6,"page":50},{"id":2204,"text":"قلت : وذكر ابن التلمساني هذا في المسألة ( الثانية ) من الباب التاسع ومثله باعتبار جنس المشقة في إسقاط قضاء الرّكعتين عن المسافر قياسا على إسقاط القضاء على الحائض.\rقال ابن عرفة : وجعله الأصوليون من القياس في الأسباب وقياس الكفارات من القياس في المقادير الذي لهم فيه قولان.\rقال : وهذا اجتهاد من الصحابة لفهمهم عن النبي صلى الله عليه وسلم ( أنّ حده لشاربه ) أربعين اجتهاد لا نصّ ، وكذا ما ورد أنه ضربه ( بالجريد ) فخافوا اختلاف المجتهدين وأجمعوا على هذا الحد فكان قطعا للنزاع.\rابن عطية : عن بعضهم حرمت الخمرة بهذه الآية لقوله : {إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الفواحش مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ والإثم والبغي بِغَيْرِ الحق} واقتضت هذه الآية أنّ الخمرة فيها الإثم فيستنتج التحريم ، ثم أبطله هو بأنّ التّحريم حينئذ صار بمجموع الآيتين لا أنّه بهذه ( وحدها ) لأن هذه إنّما فيها الإثم فقط لا التحريم ، وكذا قال القرطبي. أ هـ {تفسير ابن عرفة صـ 281}\rبحوث مهمة\rآثار القمار المشؤومة\rأضرار القمار لا تخفى على أحد ، ولمزيد من التوضيح نذكر باختصار جانباً من المآسي المترتّبة على هذه الظاهرة الخطرة : \rأ : القمار أكبر عوامل الهياج والانفعال\rيجمع علماء النفس على أنّ الهياج النفسي هو العامل الأساسي في كثير من الأمراض ، مثل : نقص الفيتامينات ، وقرحة المعدة ، والجنون ، والأمراض العصبية والنفسية الخفيفة والحادّة. والقمار أكبر عامل على إثارة الهياج ، حتّى أنّ عالماً أمريكياً يقول : في أمريكا يموت ألفا شخص سنوياً نتيجة هياج القمار ، وقلب لاعب البوكر \"نوع من القمار\" تزيد عدد ضرباته على مائة ضربة في الدقيقة ، وقد يؤدّي القمار إلى سكتة قلبيّة ودماغيّة أيضاً ، ومن المؤكّد أنّه يدفع إلى شيخوخة مبكّرة.\r","part":6,"page":51},{"id":2205,"text":"إضافة إلى ما سبق فإنّ المقامر ـ كما يقول العلماء ـ يصاب بتوتّر روحي ، بل أنّ جميع أجهزة جسمه تصاب بحالة استثنائيّة ، كأن يزداد ضربان القلب وتزداد نسبة السكّر في الدم ، ويختلّ ترشّح الغدد الداخلية ، ويشحب لون الوجه ، وتقلّ الشهية ، ويمرّ المقامر بعد اللعب بفترة حرب أعصاب وحالة أزمة نفسية ، وقد يلجأ إلى الخمور والمخدّرات لتهدئة أعصابه ، فيزيد في الطين بلّة وتتضاعف بذلك أضرار القمار.\rويقول عالم آخر : المقامر إنسان مريض يحتاج إلى إشراف نفسي مستمر ، ويجب تفهيمه بأنّ الفراغ الروحي هو الذي يدفعه لهذا العمل الشنيع ، كي يتّجه لمعالجة نفسه.\rب : علاقة القمار بالجرائم\rإحدى مؤسسات الإحصاء الكبرى ذكرت : أنّ 30 بالمائة من الجرائم ناتجة مباشرة عن القمار ، و70 بالمائة من الجرائم ناتجة بشكل غير مباشر عن القمار أيضاً.\rج : الأضرار الاقتصادية للقمار\rالملايين بل المليارات من ثروات الأفراد تبدّد سنوياً على هذا الطريق ، إضافة إلى المقدار الهائل من الوقت ومن الطاقات الإنسانية.\rوجاء في أحد التقارير : في مدينة \"مونت كارلو\" حيث توجد أكبر دور القمار في العالم ، خسر شخص خلال مدّة 19 ساعة من اللعب المستمر أربعة ملايين دولار ، وحين أُغلقت دار القمار اتّجه مباشرة إلى الغابة ، وانتحر بإطلاق رصاصة على رأسه ، ويضيف التقرير : أنّ غابات \"مونت كارلو\" تشهد باستمرار انتحار مثل هؤلاء الخاسرين.\rد : الأضرار الاجتماعية للقمار\rالقمار يصدّ أصحابه عن التفكير بالعمل الجادّ الإنتاجي المثمر في الحقل الاقتصادي ، ويشدّهم دائماً إلى أمل الحصول على ثروة طائلة بدون عناء عن طريق القمار ، وهذا يؤدّي إلى إهدار الطاقات الإنتاجية لهؤلاء المقامرين وبالتالي إلى ضعف الإنتاج على قدر نسبتهم.\rالمقامرون وعوائلهم يعيشون عادة حياة طفيلية في الجانب الاقتصادي ولا ينتجون ، بل يجنون ثمار الآخرين ، وقد يضطرّون في حالات الإفلاس إلى السرقة.\r","part":6,"page":52},{"id":2206,"text":"أضرار القمار فادحة إلى درجة دفعت حتّى ببعض البلدان غير الإسلامية إلى إعلان منعه ، كما حدث في بريطانيا عام 1853 ، وأمريكا عام 1855 ، والإتحاد السوفيتي عام 1854 ، والمانيا عام 1873.\rولابأس أن نشير في الخاتمة إلى إحصائية أجراها بعض المحقّقين تذكر أنّ القمار وراء 90 بالمائة من السرقات ، و10 بالمائة من المفاسد الخلقية ، و40 بالمائة من الإعتداءات بالضرب والجرح ، و15 بالمائة من الجرائم الجنسية ، و30 بالمائة من الطلاق ، و5 بالمائة من عمليات الإنتحار.\rلو أردنا أن نعرّف القمار تعريفاً شاملاً علينا أن نقول : إنّه إهدار للمال والشرف ، للحصول على أموال الآخرين بالخدعة والتزْوير ، وللترويج عن النفس أحياناً ، ثمّ عدم الحصول على كلا الهدفين. أ هـ {الأمثل حـ 2 صـ 120ـ 122}","part":6,"page":53},{"id":2207,"text":"قوله تعالى : {وَيَسْئَلُونَكَ مَاذَا يُنفِقُونَ قُلِ العفو كذلك يُبَيِّنُ الله لَكُمُ الآيات لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ}\rالمناسبة\rقال البقاعى : \rولما ذكر ما يذهب ضياء الروح وقوام البدن وذم النفقة فيهما اقتضى الحال السؤال عما يمدح الإنفاق فيه فقال عاطفاً على السؤال عن المقتضي لتبذير المال {ويسئلونك ماذا ينفقون} وأشعر تكرير السؤال عنها بتكرير الواردات المقتضية لذلك ، فأنبأ ذلك بعظم شأنها لأنها أعظم دعائم الجهاد وساق ذلك سبحانه وتعالى على طريق العطف لأنه لما تقدم السؤال عنه والجواب في قوله : {قل ما أنفقتم من خير فللوالدين} [ البقرة : 215 ] ، منع من توقع سؤال آخر ، وأما اليتامى والمحيض فلم يتقدم ما يوجب توقع السؤال عن السؤال عنهما أصلاً ، وادعاء أن سبب العطف النزول جملة وسبب القطع النزول مفرقاً مع كونه غير شاف للغلة بعدم بيان الحكمة يرده ما ورد أن آخر آية نزلت {واتقوا يوماً ترجعون فيه إلى الله} [ البقرة : 281 ] وهي بالواو أخرجه البيهقي في الدلائل والواحدي من وجهين في مقدمة أسباب النزول وترجم لها البخاري في الصحيح ومن تتبع أسباب النزول وجد كثيراً من ذلك. وقال الحرالي : في العطف إنباء بتأكد التلدد مرتين كما في قصة بني إسرائيل ، لكن ربما تخوفت هذه الأمة من ثالثتها فوقع ضمهم عن السؤال في الثالثة لتقاصر ما يقع في هذه الأمة عما وقع في بني إسرائيل بوجه ما ، وقال سبحانه وتعالى في الجواب : {قل العفو} وهو ما سمحت به النفس من غير كلفة قال : فكأنه ألزم النفس نفقة العفو وحرضها على نفقة ما تنازع فيه ولم يلزمها ذلك لئلا يشق عليها لما يريده بهذه الأمة من اليسر ، فصار المنفق على ثلاث رتب : رتبة حق مفروض لا بد منه وهي الصدقة المفروضة التي إمساكها هلكة في الدنيا والآخرة ، وفي مقابلته عفو لا ينبغي الاستمساك به لسماح النفس بفساده فمن أمسكه تكلف إمساكه ، وفيما بينهما ما تنازع النفس إمساكه فيقع لها المجاهدة في إنفاقه وهو متجرها الذي تشتري به الآخرة من دنياها \" قالت امرأة للنبي صلى الله عليه وسلم : ما يحل لنا من أموال أزواجنا - تسأل","part":6,"page":54},{"id":2208,"text":"عن الإنفاق منها ، قال : الرُطْب - بضم الراء وسكون الطاء - تأكلينه وتهدينه \" لأنه من العفو الذي يضر إمساكه بفساده ؛ لأن الرطب هو ما إذا أبقي ين يوم إلى يوم تغير كالعنب والبطيخ وفي معناه الطبائخ وسائر الأشياء التي تتغير بمبيتها - انتهى. أ هـ {نظم الدرر حـ 1 صـ 415 ـ 416}\rقال الفخر : \rاعلم أن هذا السؤال قد تقدم ذكره فأجيب عنه بذكر المصرف وأعيد ههنا فأجيب عنه بذكر الكمية ، قال القفال : قد يقول الرجل لآخر يسأله عن مذهب رجل وخلقه ما فلان هذا ؟ فيقول : هو رجل من مذهبه كذا ، ومن خلقه كذا إذا عرفت هذا فنقول : كان الناس لما رأوا الله ورسوله يحضان على الإنفاق ويدلان على عظيم ثوابه ، سألوا عن مقدار ما كلفوا به ، هل هو كل المال أو بعضه ، فأعلمهم الله أن العفو مقبول. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 6 صـ 42}\rقال ابن عاشور : \r{وَيَسْئلُونَكَ مَاذَا يُنفِقُونَ قُلِ العفو} كان سؤالهم عن الخمر والميسر حاصلاً مع سؤالهم {ماذا ينفقون} ، فعطفت الآية التي فيها جَوابُ سؤالهم {ماذا ينفقون} على آية الجواب عن سؤال الخمر والميسر ، ولذلك خولف الأسلوب الذي سلف في الآيات المختلفة بجمل {يسألونك} بدون عطف فجيء بهذه معطوفة بالواو على التي قبلها.\rومناسبة التركيب أن النهي عن الخمر والميسر يتوقع منه تعطل إنفاق عظيم كان ينتفع به المحاويج ، فبينت لهم الآية وجه الإنفاق الحق.\rفائدة\rقال البقاعى : ","part":6,"page":55},{"id":2209,"text":"وفي تخصيص المنفق بالعفو منع لمتعاطي الخمر قبل حرمتها من التصرف ، إذ كان الأغلب أن تكون تصرفاته لا على هذا الوجه ، لأن حالة السكر غير معتد بها والتصرف فيها يعقب في الأغلب عند الإفاقة أسفاً وكذا الميسر بل هو أغلظ. ولعل تأخير بيان أن المحثوث عليه من النفقة إنما هو الفضل إلى هذا المحل ليحمل أهل الدين الرغبة فيه مع ما كانوا فيه من الضيق على الإيثار على النفس من غير أمر به رحمة لهم ، ومن أعظم الملوحات إلى ذلك أن في بعض الآيات الذاكرة له فيما سلف {وآتى المال على حبه} [ البقرة : 177 ]. قال الأصبهاني : قال أهل التفسير : كان الرجل بعد نزول هذه الآية إذا كان له ذهب أو فضة أو زرع أو ضرع ينظر ما يكفيه وعياله لنفقة سنة أمسكه وتصدق بسائره ، فإن كان ممن يعمل بيده أمسك ما يكفيه وعياله يومه ذلك وتصدق بالباقي حتى نزلت آية الزكاة فنسختها هذه الآية. أ هـ {نظم الدرر حـ 1 صـ 416 ـ 417}\rفصل\rقال الواحدي رحمه الله : أصل العفو في اللغة الزيادة ، قال تعالى : {خُذِ العفو} [ الأعراف : 199 ] أي الزيادة ، وقال أيضاً : {حتى عَفَواْ} [ الأعراف : 95 ] أي زادوا على ما كانوا عليه من العدد قال القفال : العفو ما سهل وتيسر مما يكون فاضلاً عن الكفاية يقال : خذ ما عفا لك ، أي ما تيسر ويشبه أن يكون العفو عن الذنب راجعاً إلى التيسر والتسهيل ، قال عليه الصلاة والسلام : \" عفوت لكم عن صدقة الخيل والرقيق فهاتوا ربع عشر أموالكم \" معناه التخفيف بإسقاط زكاة الخيل والرقيق ، ويقال : أعفى فلان فلاناً بحقه إذا أوصله إليه من غير إلحاح في المطالبة ، وهو راجع إلى التخفيف ويقال : أعطاه كذا عفواً صفواً ، إذا لم يكدر عليه بالأذى ، ويقال : خذ من الناس ما عفا لك أي ما تيسر ، ومنه قوله تعالى : ","part":6,"page":56},{"id":2210,"text":"{خُذِ العفو} [ الأعراف : 199 ] أي ما سهل لك من الناس ، ويقال للأرض السهلة : العفو وإذا كان العفو هو التيسير فالغالب أن ذلك إنما يكون فيما يفضل عن حاجة الإنسان في نفسه وعياله ومن تلزمه مؤنتهم فقول من قال : العفو هو الزيادة راجع إلى التفسير الذي ذكرناه وجملة التأويل أن الله تعالى أدب الناس في الإنفاق فقال تعالى لنبيه عليه الصلاة والسلام : {وَءاتِ ذَا القربى حَقَّهُ والمسكين وابن السبيل وَلاَ تُبَذّرْ تَبْذِيرًا إِنَّ المبذرين كَانُواْ إخوان الشياطين} [ الإسراء : 26 ، 27 ] وقال : {وَلاَ تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إلى إلى عُنُقِكَ وَلاَ تَبْسُطْهَا كُلَّ البسط} [ الإسراء : 29 ] وقال : {والذين إِذَا أَنفَقُواْ لَمْ يُسْرِفُواْ وَلَمْ يَقْتُرُواْ} [ الفرقان : 67 ] وقال صلى الله عليه وسلم : \" إذا كان عند أحدكم شيء فليبدأ بنفسه ، ثم بمن يعول وهكذا وهكذا \" وقال عليه الصلاة والسلام : \" خير الصدقة ما أبقت غنى ولا يلام على كفاف \" وعن جابر بن عبد الله قال بينما نحن عند رسول الله صلى الله عليه وسلم ، إذ جاءه رجل بمثل البيضة من ذهب فقال : يا رسول الله خذها صدقة فوالله لا أملك غيرها ، فأعرض عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ثم أتاه من بين يديه ، فقال : هاتها مغضباً فأخذها منه ، ثم حذفه بها حيث لو أصابته لأوجعته ، ثم قال : \" يأتيني أحدكم بماله لا يملك غيره ، ثم يجلس يتكفف الناس إنما الصدقة عن ظهر غنى خذها فلا حاجة لنا فيها \" ، وعن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يحبس لأهله قوت سنة ، وقال الحكماء : الفضيلة بين طرفي الإفراط والتفريط ، فالإنفاق الكثير هو التبذير ، والتقليل جداً هو التقتير ، والعدل هو الفضيلة وهو المراد من قوله : {قُلِ العفو} ومدار شرع محمد صلى الله عليه وسلم على رعاية هذه الدقيقة فشرع اليهود مبناه على الخشونة التامة ، وشرع النصارى على المسامحة التامة ، وشرع محمد","part":6,"page":57},{"id":2211,"text":"صلى الله عليه وسلم متوسط في كل هذه الأمور ، فلذلك كان أكمل من الكل. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 6 صـ 42}\rقال ابن عاشور : \rوأل في العفو للجنس المعروف للسامعين ، والعفو مقول عليه بالتشكيك ؛ لأنه يتبع تعيينَ ما يحتاجه المنفق والناسُ في ذلك متفاوتون ، وجعل الله العفو كلَّه منفقاً ترغيباً في الإنفاق وهذا دليل على أن المراد من الإنفاق هنا الإنفاق المتطوع به ، إذ قد تضافرت أدلة الشريعة وانعقد إجماع العلماء على أنه لا يجب على المسلم إنفاق إلا النفقات الواجبة وإلا الزكوات وهي قد تكون من بعض ما يفضل من أموال أهل الثروة إلا ما شذ به أبو ذَر ، إذ كان يرى كنز المال حراماً وينادي به في الشام فشكاه معاوية لعثمان فأمر عثمان بإرجاعه من الشام إلى المدينة ثم إسكانه بالربذة بطلب منه ، وقد اجتهد عثمان ليسد باب فتنة ، وعن قيس بن سعد أن هذه الآية في الزكاة المفروضة ، وعلى قوله يكون ( أل ) في العفو للعهد الخارجي وهو نماء المال المقدر بالنصاب. أ هـ {التحرير والتنوير حـ 2 صـ 352}\rقال الماوردى : \rوفي قوله تعالى : {وَيَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ} ستة تأويلات : \rأحدها : بما فضل عن الأهل ، وهو قول أبن عباس.\rوالثاني : أنه الوسط في النفقة ما لم يكن إسرافاً أو إقتاراً ، وهو قول الحسن.\rوالرابع : إن العفو أن يؤخذ منهم ما أتوا به من قليل أو كثير ، وهو قول مروي عن ابن عباس أيضاً.\rوالخامس : أنه الصدقة عن ظهر غِنى ، وهو قول مجاهد.\rوالسادس : أنه الصدقة المفروضة وهو مروي عن مجاهد أيضاً. أ هـ {النكت والعيون حـ 1 صـ 277 ـ 278}\rقال العلامة ابن العربى : \rوَأَسْعَدُ هَذِهِ الْأَقْوَالِ [ بِالتَّحْقِيقِ ] وَبِالصِّحَّةِ مَا عَضَّدَتْهُ اللُّغَةُ ، وَأَقْوَاهَا عِنْدِي الْفَضْلُ ، لِلْأَثَرِ الْمُتَقَدِّمِ.\r[ وَلِلنَّظَرِ ] ، وَهُوَ أَنَّ الرَّجُلَ إذَا تَصَدَّقَ بِالْكَثِيرِ نَدِمَ وَاحْتَاجَ ، فَكِلَاهُمَا مَكْرُوهٌ شَرْعًا ، فَإِعْطَاءُ الْيَسِيرِ حَالَةً بَعْدَ حَالَةٍ أَوْقَعُ فِي الدِّينِ وَأَنْفَعُ فِي الْمَالِ ؛ وَقَدْ {جَاءَ أَبُو لُبَابَةَ إلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِجَمِيعِ مَالِهِ ، وَكَذَلِكَ كَعْبٌ ، فَقَالَ لَهُمَا : الثُّلُثُ}.أ هـ {أحكام القرآن لابن العربى حـ 1 صـ 303}","part":6,"page":58},{"id":2212,"text":"قال فى البحر المديد\rيقول الحقّ جلّ جلاله : {ويسألونك} ما القدر الذي ينفقونه ؟ {قل} لهم : هو {العفو} أي : السهل الذي لا مشقة في إعطائه ، ولا ضرر على المعطي في فقده ، رُوِي أن رجلاً أتى النبيّ صلى الله عليه وسلم بقدر بَيْضة من الذهب ، فقال : خُذها عني صَدقَة ، فأعرض عنه ، حتى كَرَّر مِرَاراً ، فقال : هاتها ، مُغْضَبَا ، فحذفها حذفاً لو أصابه لشجَّه ، فقال : \" يأتي أحدكم بماله كله يتصدّق به ، ويجلس يتكفَّفُ الناس ، إنما الصدقةُ عن ظَهْرِ غِنَى \" قاله البيضاوي مختصراً.\rقلت : وهذا يختلف باختلاف اليقين ؛ فقد تصدّق الصدِّيقُ رضي الله عنه بماله كله ، وعمر رضي الله عنه بنصف ماله ، فأقرهما ورَدّ فعلَ غيرهما ، فدلَّ ذلك على أن العفو يختلف باختلاف الأشخاص ، على حسب اليقين. أ هـ {البحر المديد حـ 1 صـ 119}\rفصل فى المراد بهذا الإنفاق\rقال الفخر : \rاختلفوا في أن المراد بهذا الإنفاق هو الإنفاق الواجب أو التطوع ، أما القائلون بأنه هو الإنفاق الواجب ، فلهم قولان الأول : قول أبي مسلم يجوز أن يكون العفو هو الزكاة فجاء ذكرها ههنا على سبيل الإجمال ، وأما تفاصيلها فمذكورة في السنة الثاني : أن هذا كان قبل نزول آية الصدقات فالناس كانوا مأمورين بأن يأخذوا من مكاسبهم ما يكفيهم في عامهم ، ثم ينفقوا الباقي ، ثم صار هذا منسوخاً بآية الزكاة فعلى هذا التقدير تكون الآية منسوخة.\rالقول الثاني : أن المراد من هذا الإنفاق هو الإنفاق على سبيل التطوع وهو الصدقة واحتج هذا القائل بأنه لو كان مفروضاً لبين الله تعالى مقداره فلما لم يبين بل فوضه إلى رأي المخاطب علمنا أنه ليس بفرض.\rوأجيب عنه : بأنه لا يبعد أن يوجب الله شيئاً على سبيل الإجمال ، ثم يذكر تفصيله وبيانه بطريق آخر.","part":6,"page":59},{"id":2213,"text":"أما قوله : {كذلك يُبيّنُ الله لَكُمُ الآيات} فمعناه أني بينت لكم الأمر فيما سألتم عنه من وجوه الإنفاق ومصارفه فهكذا أبين لكم في مستأنف أيامكم جميع ما تحتاجون. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 6 صـ 43}\rقوله تعالى : {كذلك يبين الله لكم الآيات}\rسؤال : لم قرن اسم الإشارة بعلامة البعد ؟ \rالجواب : قرن اسم الإشارة بعلامة البعد تعظيماً لشأن المشار إليه لكماله في البيان ، إذ هو بيان للحكم مع بيان علته حتى تتلقاه الأمة بطيب نفس ، وحتى يلحقوا به نظائره ، وبيان لقاعدة الإنفاق بما لا يشذ عن أحد من المنفقين ، ولكون الكاف لم يقصد بها الخطاب بل مجرد البعد الاعتباري للتعظيم لم يؤت بها على مقتضى الظاهر من خطاب الجماعة فلم يقل كذلكم على نحو قوله : {يبين الله لكم}. أ هـ {التحرير والتنوير حـ 2 صـ 353}\rقوله تعالى : {كذلك يبين الله لكم الآيات لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ فِى الدنيا والأخرة}\rالمناسبة\rقال البقاعى : ","part":6,"page":60},{"id":2214,"text":"لما بيّن الأحكام الماضية في هذه السورة أحسن بيان وفصل ما قص من جميع ما أراد أبدع تفصيل لا سيما أمر النفقة فإنها بينها مع أول السورة إلى هنا في أنواع من البيان على غاية الحكمة والإتقان كان موضع سؤال : هي يبين لنا ربنا غير هذا من الآيات كهذا البيان ؟ فقال : {كذلك} أي مثل ما مضى من هذا البيان العلي الرتبة البعيد المنال عن منازل الأرذال {يبين الله} الذي له جميع صفات الكمال {لكم} جميع {الآيات} قال الحرالي : فجمعها لأنها آيات من جهات مختلفات لما يرجع لأمر القلب وللنفس وللجسم ولحال المرء مع غيره - انتهى. وأفرد الخطاب أولاً وجمع ثانياً إعلاماً بعظمة هذا القول للإقبال به على الرأس ، وإيماء إلى أنه صلى الله عليه وسلم قد امتلأ علماً من قبل هذا بحيث لا يحتاج إلى زيادة وأن هذا البيان إنما هو للأتباع يتفهمونه على مقادير أفهامهم وهممهم ، ويجوز أن يكون الكلام تم بكذلك أي البيان ثم استأنف ما بعده فيكون البيان مذكوراً مرتين : مرة في خطابه تلويحاً ، وأخرى في خطابهم تصريحاً ؛ أو يقال : أشار إلى علو الخطاب بالإفراد وإلى عمومه بالجمع انتهى {لعلكم تتفكرون } أي لتكونوا على حالة يرجى لكم معها التفكر ، وهو طلب الفكر وهو يد النفس التي تنال بها المعلومات كما تنال بيد الجسم المحسوسات - قاله الحرالي.\rولما كان البيان من أول السؤال إلى هنا قد شفي في أمور الدارين وكفى وأوضح ثمرات كل منهما وكان العرب ينكرون الآخرة ساق ذكرها مساق ما لا نزاع فيه لكثرة ما دل عليها فقال : {في الدنيا والآخرة} أي في أمورهما فتعلموا بما فتح الله لكم سبحانه وتعالى من الأبواب وما أصل لكم من الأصول ما هو صالح وما هو أصلح وما هو شر وما هو أشر لتفعلوا الخير وتتقوا الشر فيؤول بكم ذلك إلى فوز الدارين. أ هـ {نظم الدرر حـ 1 صـ 417}\rقال السمرقندى :\r{كذلك يُبيّنُ الله لَكُمُ الآيات} ، يعني أمره ونهيه كما يبين لكم أمر الصدقة. {لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ}. {فِى الدنيا والاخرة} ، يعني في الدنيا أنها لا تبقى ولا تدوم ، ولا يدوم إلا العمل الصالح ؛ وفي الآخرة أنها تدوم وتبقى ولا تزول. وقال بعضهم : معناه كذلك يبين الله لكم الآيات في الدنيا ، لعلكم تتفكرون في الآخرة. (1) أ هـ {بحر العلوم حـ 1 صـ 171}\r_____________\r(1) لا يخفى ما فى هذا الوجه من الضعف والوهن والبعد لاشتماله على تقطيع أوصال النظم الكريم ، ولو صح فلماذا عدل عنه القرآن ؟؟!!!\rوالله أعلم بمراد كلامه.","part":6,"page":61},{"id":2215,"text":"قال ابن عاشور : \rواللام في {لكم} للتعليل والأجل وهو امتنان وتشريف بهذه الفضيلة لإشعاره بأن البيان على هذا الأسلوب مما اختصت به هاته الأمة ليتلقوا التكاليف على بصيرة بمنزلة الموعظة التي تلقى إلى كامل العقل موضحة بالعواقب ، لأن الله أراد لهاته الأمة أن يكون علماؤها مشرعين. وبين فائدة هذا البيان على هذا الأسلوب بقوله : {لعلكم تتفكرون في الدنيا والآخرة} أي ليحصل للأمة تفكر وعلم في أمور الدنيا وأمور الآخرة ، لأن التفكر مظروف في الدنيا والآخرة ، فتقدير المضاف لازم بقرينة قوله {والآخرة} إذ لا معنى لوقوع التفكر يوم القيامة فلو اقتصر على بيان الحظر والوجوب والثواب والعقاب لكان بيانا للتفكر في أمور الآخرة خاصة ولو اقتصر على بيان المنافع والمضار بأن قيل : قل فيهما نفع وضر لكان بياناً للتفكر في أمور الدنيا خاصة ، ولكن ذكر المصالح والمفاسد والثواب والعقاب تذكير بمصلحتي الدارين ، وفي هذا تنويه بشأن إصلاح أمور الأمة في الدنيا ، ووقع في كلام لعلي بن أبي طالب وقد ذم رجل الدنيا عنده فقال له : \"الدنيا دار صدق لمن صدقها ودار نجاة لمن فهم عنها ودار غنى لمن تزود منها ومهبط وحي الله ومصلى ملائكته ومسجد أنبيائه فمن ذا الذي يذمها وقد آذنت ببينها الخ\".","part":6,"page":62},{"id":2216,"text":"ولا يخفى أن الذي يصلح للتفكر هو الحكم المنوط بالعلة وهو حكم الخمر والميسر ثم ما نشأ عنه قوله : {ويسئلونك ماذا ينفقون قل العفو}.\rويجوز أن تكون الإشارة بقوله {كذلك لكون الإنفاق من العفو وهو ضعيف ، لأن ذلك البيان لا يظهر فيه كمال الامتنان حتى يجعل نموذجاً لجليل البيانات الإلهية وحتى يكون محل كمال الامتنان وحتى تكون غايته التفكر في الدنيا والآخرة ، ولا يعجبكم كونه أقرب لاسم الإشارة ، لأن التعليق بمثل هاته الأمور اللفظية في نكت الإعجاز إضاعة للألباب وتعلق بالقشور. أ هـ {التحرير والتنوير حـ 2 صـ 353 ـ 354}\rوقال الفخر : \rوقوله : {لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ فِى الدنيا والأخرة} فيه وجوه الأول : قال الحسن : فيه تقديم وتأخير ، والتقدير : كذلك يبين الله لكم الآيات في الدنيا والآخرة لعلكم تتفكرون والثاني : {كذلك يُبيّنُ الله لَكُمُ الآيات} فيعرفكم أن الخمر والميسر فيهما منافع في الدنيا ومضار في الآخرة فإذا تفكرتم في أحوال الدنيا والآخرة علمتم أنه لا بد من ترجيح الآخرة على الدنيا الثالث : يعرفكم أن إنفاق المال في وجوه الخير لأجل الآخرة وإمساكه لأجل الدنيا فتتفكرون في أمر الدنيا والآخرة وتعلمون أنه لا بد من ترجيح الآخرة على الدنيا.\rواعلم أنه لما أمكن إجراء الكلام على ظاهره كما قررناه في هذين الوجهين ففرض التقديم والتأخير على ما قاله الحسن يكون عدولاً عن الظاهر لا لدليل وأنه لا يجوز. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 6 صـ 43}\rقال الثعالبى : \rوقوله تعالى : {كذلك يُبَيِّنُ الله لَكُمُ الآيات لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ} : الإِشارة إِلى ما تقدَّم تبيينُهُ من الخَمْر والمَيْسِر ، والإِنفاق ، وأخبر تعالى ؛ أنه يبيِّن للمؤمنين الآياتِ التي تقودُهم إِلى الفِكْرة في الدنيا والآخرة ، وذلك طريقُ النجاة لمن نفعته فكْرته.","part":6,"page":63},{"id":2217,"text":"قال الداووديّ : وعن ابن عبَّاس : لعلَّكم تتفكَّرون في الدنيا والآخرةِ ، يعني : في زوال الدنْيا وفنائِها ، وإِقبال الآخرة وبقائِها. انتهى.\rقال الغَزَّالِيُّ - رحمه اللَّه - تَعَالَى : العَاقِل لا يغفُلُ عن ذكْر الآخرةِ في لَحْظة ؛ فإِنها مصيره ومستقرُّه ، فيكون لَهُ في كلِّ ما يراه من ماءٍ ، أو نارٍ ، أو غيرهما عبرةٌ ؛ فإن نظر إلى سوادٍ ، ذكر ظلمة اللَّحْد ، وإِن نَظَر إِلى صورة مروِّعة ، تذكَّر مُنْكَراً ونكيراً والزبانيةَ ، وإِن سمع صوتاً هائلاً ، تذكَّر نفخة الصُّور ، وإِنْ رأى شيئاً حسَناً ، تذكَّر نعيم الجنَّة ، وإِن سمع كلمةَ ردٍّ أو قَبُولٍ ، تذكَّر ما ينكشفُ لَهُ من آخر أمره بعد الحسَابِ ؛ من ردٍّ أو قبول ، ما أجدر أن يكون هذا هو الغالِبَ على قَلْبِ العاقِلِ ، لا يصرفُهُ عنه إِلاَّ مُهِمَّاتُ الدنيا ، فإِذا نسب مدةَ مُقَامه في الدُّنْيا إِلى مدة مُقَامه في الآخِرة ، استحقر الدنيا إِنْ لم يكُنْ أغفل قلبه ، وأعميتْ بصيرته. أ هـ {الجواهر الحسان حـ 1 صـ 170}\rموعظة\rقال ابن عجيبة\r{كذلك يبن الله لكم الآيات} أي : مثل هذا التبيين الذي ذكرنا ، {يُبين} لكم الآيات ، حتى لا يترك إشكالاً ولا وهماً ، {لعلكم تتفكرون} بعقولكم ، وتأخذون بما يعود نفعه عليهكم ، فتتفكرون {في الدنيا} وسرعة ذهابها وتقلبها بأهلها ، إذا أقبلت كانت فتنة ، وإذا أدبرت كانت حسرة ، لا يفي طالبُها بمقصوده منها ولو ملكها بحذافيرها ، ضيقة الزمان والمكان ، عمارتها إلى الخراب ، وشأنها إلى انقلاب ، سريعة الزوال ، وشيكة الانتقال ، فتزهدون فيها وترفعون همتكم عنها.","part":6,"page":64},{"id":2218,"text":"وفي الحديث عنه صلى الله عليه وسلم : \" مَالِي وللدنيا ، إنما مَثَلي ومثلُ الدنيا كرجلٍ سَافَرَ في يوم صَائِفٍ ، فاسْتَظَلَّ تحت شَجَرةٍ ، ثم رَاحَ وَتَرَكَها \" وفي صحف إبراهيم عليه السلام : \" عجبت لمن أيقن بالموت كيف يفرح ، عجبت لمن أيقن بالنار كيف يضحك ، عجبت لمن أيقن بالقدر كيف ينصب - أي : يتعب - عجبت لمن رأى الدنيا وتقلبها بأهلها كيف يطمئن إليها \". وأنشدوا : \rألا إنَّما الدنيا كأحْلاَمِ نَائِم... وكُلُّ نعيمٍ ليسَ فيها بِدَائِم\rتَذَكَّرْ إذا ما نِلْتَ بالأمس لَذَّةً... فأفْنَيْتَها هل أنتَ إلا كَحَالِمِ\rوتتفكرون في {الآخرة} ودوام نعيمها ، وسعة فضائها ، وبهجة منظرها ؛ فترغبون في الوصول إليه ، وتتأهبون للقائها ، فتؤثرونها على هذه الدار الفانية. قال بعض الحكماء : لو كانت الدنيا من ذهب يفنى ، والآخرة من طين يبقى ، لكان ينبغي للعاقل أن يختار ما يبقى على ما يفنى ، لا سيما والأمر بالعكس ، الدنيا من طين يفنى ، والآخرة من ذهب يبقى ، فلا يختار هذه الدار إلاَّ أحمق خسيس الهمة ، وبالله التوفيق. أ هـ {البحر المديد حـ 1 صـ 119}\rقوله تعالى : {وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْيَتَامَى قُلْ إِصْلَاحٌ لَهُمْ خَيْرٌ وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَأَعْنَتَكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (220)}\rمناسبة الآية لما قبلها\rقال البقاعى : ","part":6,"page":65},{"id":2219,"text":"ولما كان العفو غير مقصور على المال بل يعم القوى البدنية والعقلية وكان النفع لليتيم من أجل ما يرشد إليه التفكر في أمور الآخرة وكان الجهاد من أسباب القتل الموجب لليتم وكانوا يلون يتاماهم فنزل التحريج الشديد في أكل أموالهم فجانبوهم واشتد ذلك عليهم سألوا عنهم فأفتاهم سبحانه وتعالى فيهم وندبهم إلى مخالطتهم على وجه الإصلاح الذي لا يكون لمن يتعاطى الخمر والميسر فقال : {ويسئلونك عن اليتامى} أي في ولايتهم لهم وعملهم في أموالهم وأكلهم منها ونحو ذلك مما يعسر حصره ؛ وأمره بالجواب بقوله : {قل إصلاح لهم خير} أي من تركه ، ولا يخفى الإصلاح على ذي لب فجمع بهذا الكلام اليسير المضبوط بضابط العقل الذي أقامه تعالى حجة على خلقه ما لا يكاد يعد ، وفي قوله : {لهم} ما يشعر بالحث على تخصيصهم بالنظر في أحوالهم ولو أدى ذلك إلى مشقة على الولي. أ هـ {نظم الدرر حـ 1 صـ 418}\rقال الفخر : ","part":6,"page":66},{"id":2220,"text":"إن أهل الجاهلية كانوا قد اعتادوا الانتفاع بأموال اليتامى وربما تزوجوا باليتيمة طمعاً في مالها أو يزوجها من ابن له لئلا يخرج مالها من يده ، ثم إن الله تعالى أنزل قوله : {إِنَّ الذين يَأْكُلُون أموال اليتامى ظُلْماً إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِى بُطُونِهِمْ نَاراً} [ النساء : 10 ] وأنزل في الآيات : {وَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تُقْسِطُواْ فِى اليتامى فانكحوا مَا طَابَ لَكُمْ مّنَ النساء} [ النساء : 3 ] وقوله : {ويستفتونك في النساء قل الله بفتيكم فيهن وما يتلى عليكم في الكتاب في يتامى النساء اللآتي لا تؤتونهن ما كتب لهن وترغبون أن تنكحوهن ، والمستضعفين من الولدان ، وأن تقوموا لليتامى بالقسط ، وما تفعلوا من خير فإن الله كان به عليماً} [ النساء : 127 ] وقوله : {وَلاَ تَقْرَبُواْ مَالَ اليتيم إِلاَّ بالتى هِىَ أَحْسَنُ} [ الأنعام : 152 ] فعند ذلك ترك القوم مخالطة اليتامى ، والمقاربة من أموالهم ، والقيام بأمورهم ، فعند ذلك اختلت مصالح اليتامى وساءت معيشتهم ، فثقل ذلك على الناس ، وبقوا متحيرين إن خالطوهم وتولوا أمر أموالهم ، استعدوا للوعيد الشديد ، وإن تركوا وأعرضوا عنهم ، اختلت معيشة اليتامى ، فتحير القوم عند ذلك.\rثم ههنا يحتمل أنهم سألوا الرسول عن هذه الواقعة ، يحتمل أن السؤال كان في قلبهم ، وأنهم تمنوا أن يبين الله لهم كيفية الحال في هذا الباب ، فأنزل الله تعالى هذه الآية ، ويروى أنه لما نزلت تلك الآيات اعتزلوا أموال اليتامى ، واجتنبوا مخالطتهم في كل شيء ، حتى كان يوضع لليتيم طعام فيفضل منه شيء فيتركونه ولا يأكلونه حتى يفسد ، وكان صاحب اليتيم يفرد له منزلاً وطعاماً وشراباً فعظم ذلك على ضعفة المسلمين ، فقال عبد الله بن رواحة : يا رسول الله مالنا منازل تسكنها الأيتام ولا كلنا يجد طعاماً وشراباً يفردهما لليتيم ، فنزلت هذه الآية. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 6 صـ 44}\rوقال ابن عاشور : ","part":6,"page":67},{"id":2221,"text":"روي أن السائل عن اليتامى عبد الله بن رواحة ، وأخرج أبو داود عن ابن عباس لما نزل قول الله عز وجل : {ولا تقربوا مال اليتيم إلا بالتي هي أحسن} [ الإسراء : 34 ] {إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلما} \r","part":6,"page":68},{"id":2222,"text":"[ النساء : 10 ] الآيات انطلق من كان عنده يتيم فعزل طعامه من طعامه وشرابه من شرابه ، فجعل يفضل من طعامه فيحبس له حتى يأكله أو يفسد فاشتد ذلك عليهم فذكر ذلك لرسول الله فأنزل الله {ويسألونك عن اليتامى} الآية مع أن سورة النساء نزلت بعد سورة البقرة ، فلعل ذكر آية النساء وهم من الراوي وإنما أراد أنه لما نزلت الآيات المحذرة من مال اليتيم مثل آية سورة الإسراء ( 34 ) {ولا تقربوا مال اليتيم إلا بالتي هي أحسن ففي تفسير الطبري} بسنده إلى ابن عباس : لما نزلت : {ولا تقربوا مال اليتيم إلا بالتي هي أحسن} عزلوا أموال اليتامى فذكروا ذلك لرسول الله فنزلت {وإن تخالطوهم} أو أن مراد الراوي لما سمع الناس آية سورة النساء تجنبوا النظر في اليتامى فذكروا بآية البقرة إن كان السائل عن آية البقرة غير المتجنب حين نزول آية النساء وأياً ما كان فقد ثبت أن النظر في مصالح الأيتام من أهم مقاصد الشريعة في حفظ النظام فقد كان العرب في الجاهلية كسائر الأمم في حال البساطة يكون المال بيد كبير العائلة فقلما تجد لصغير مالاً ، وكان جمهور أموالهم حاصلاً من اكتسابهم لقلة أهل الثروة فيهم ، فكان جمهور العرب إما زارعاً أو غارساً أو مغيراً أو صائداً ، وكل هذه الأعمال تنقطع بموت مباشريها ، فإذا مات كبير العائلة وترك أبناء صغاراً لم يستطيعوا أن يكتسبوا كما اكتسب آباؤهم إلا أبناء أهل الثروة ، والثروة عندهم هي الأنعام والحوائط إذ لم يكن العرب أهل ذهب وفضة وإن الأنعام لا تصلح إلا بمن يرعاها فإنها عروض زائلة وإن الغروس كذلك ولم يكن في ثروة العرب ملك الأرض إذ الأرض لم تكن مفيدة إلا للعامل فيها ، على أن من يتولى أمر اليتيم يستضعفه ويستحل ماله فينتفع به لنفسه ، وكرم العربي وسرفه وشربه وميسره لا تغادر له مالاً وإن كثر. وتغلُّب ذلك على مِلاك شهوات أصحابه فلا يستطيعون تركه يدفعهم إلى تطلب إرضاء نهمتهم بكل وسيلة فلا جرم أن يصبح","part":6,"page":69},{"id":2223,"text":"اليتيم بينهم فقيراً مدحوراً ، وزد إلى ذلك أن أهل الجاهلية قد تأصل فيهم الكبر على الضعيف وتوقير القوى فلما عدم اليتيم ناصره ومن يذب عند كان بحيث يعرض للمهانة والإضاعة ويتخذ كالعبد لوليه ، من أجل ذلك كله صار وصف اليتيم عندهم ملازماً لمعنى الخصاصة والإهمال والذل ، وبه يظهر معنى امتنان الله تعالى على نبيه أن حفظه في حال اليتم مما ينال اليتامى في قوله : {ألم يجدك يتيماً فآوى} [ الضحى : 6 ]. فلما جاء الإسلام أمرَهم بإصلاح حال اليتامى في أموالهم وسائر أحوالهم حتى قيل إن أولياء اليتامى تركوا التصرف في أموالهم واعتزلوا اليتامى ومخالطتهم فنزلت هذه الآية. أ هـ {التحرير والتنوير حـ 2 صـ 354 ـ 355}\rقوله تعالى : {قُلْ إِصْلاَحٌ لَّهُمْ خَيْرٌ}\rقال الفخر : \rقوله : {قُلْ إِصْلاَحٌ لَّهُمْ خَيْرٌ} فيه وجوه أحدها : قال القاضي : هذا الكلام يجمع النظر في صلاح مصالح اليتيم بالتقويم والتأديب وغيرهما ، لكي ينشأ على علم وأدب وفضل لأن هذا الصنع أعظم تأثيراً فيه من إصلاح حاله بالتجارة ، ويدخل فيه أيضاً إصلاح ماله كي لا تأكله النفقة من جهة التجارة ، ويدخل فيه أيضاً معنى قوله تعالى : {وَءاتُواْ اليتامى أموالهم وَلاَ تَتَبَدَّلُواْ الخبيث بالطيب} [ النساء : 2 ] ومعنى قوله : {خَيْرٌ} يتناول حال المتكفل ، أي هذا العمل خير له من أن يكون مقصراً في حق اليتيم ، ويتناول حال اليتيم أيضاً ، أي هذا العمل خير لليتيم من حيث أنه يتضمن صلاح نفسه ، وصلاح ماله ، فهذه الكلمة جامعة لجميع مصالح اليتيم والولي.\rفإن قيل : ظاهر قوله : {قُلْ إِصْلاَحٌ لَّهُمْ خَيْرٌ} لا يتناول إلا تدبير أنفسهم دون مالهم.","part":6,"page":70},{"id":2224,"text":"قلنا : ليس كذلك لأن ما يؤدي إلى إصلاح ماله بالتنمية والزيادة يكون إصلاحاً له ، فلا يمتنع دخوله تحت الظاهر ، وهذا القول أحسن الأقوال المذكورة في هذا الموضع وثانيها : قول من قال : الخبر عائد إلى الولي ، يعني إصلاح أموالهم من غير عوض ولا أجرة خير للولي وأعظم أجراً له ، والثالث : أن يكون الخبر عائداً إلى اليتيم ، والمعنى أن مخالطتهم بالإصلاح خير لهم من التفرد عنهم والإعراض عن مخالطتهم ، والقول الأول أولى ، لأن اللفظ مطلق فتخصيصه ببعض الجهات دون البعض ، ترجيح من غير مرجح وهو غير جائز ، فوجب حمله على الخيرات العائدة إلى الولي ، وإلى اليتيم في إصلاح النفس ، وإصلاح المال ، وبالجملة فالمراد من الآية أن جهات المصالح مختلفة غير مضبوطة ، فينبغي أن يكون عين المتكفل لمصالح اليتيم على تحصيل الخير في الدنيا والآخرة لنفسه ، واليتيم في ماله وفي نفسه ، فهذه كلمة جامعة لهذه الجهات بالكلية. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 6 صـ 44}\rسؤال : لم وصف الإصلاح بـ {لهم} دون الإضافة ، فلم يقل إصلاحهم ؟ ","part":6,"page":71},{"id":2225,"text":"الجواب : وصف الإصلاح بـ {لهم} دون الإضافة إذ لم يقل إصلاحهم لئلا يتوهم قصره على إصلاح ذواتهم لأن أصل إضافة المصدر أن تكون لذات الفاعل أو ذات المفعول فلا تكون على معنى الحرف ، ولأن الإضافة لما كانت من طرق التعريف كانت ظاهرة في عهد المضاف فعدل عنها لئلا يتوهم أن المراد إصلاح معين كما عدل عنها في قوله : {ايتوني بأخ لكم من أبيكم} [ يوسف : 59 ] ولم يقل بأخيكم ليوهمهم أنه لم يرد أخاً معهوداً عنده ، والمقصود هنا جميع الإصلاح لا خصوص إصلاح ذواتهم فيشمل إصلاح ذواتهم وهو في الدرجة الأولى ويتضمن ذلك إصلاح عقائدهم وأخلاقهم بالتعليم الصحيح والآداب الإسلامية ومعرفة أحوال العالم ، ويتضمن إصلاح أمزجتهم بالمحافظة عليهم من المهلكات والأخطار والأمراض وبمداواتهم ، ودفع الأضرار عنهم بكفاية مؤنهم من الطعام واللباس والمسكن بحسب معتاد أمثالهم دون تقتير ولا سرف ، ويشمل إصلاح أموالهم بتنميتها وتعهدها وحفظها. ولقد أبدع هذا التعبير ، فإنه لو قيل إصلاحهم لتوهم قصره على ذواتهم فيحتاج في دلالة الآية على إصلاح الأموال إلى القياس ولو قيل قل تدبيرهم خير لتبادر إلى تدبير المال فاحتيج في دلالتها على إصلاح ذواتهم إلى فحوى الخطاب. أ هـ {التحرير والتنوير حـ 2 صـ 356}\rفائدة\rقال ابن عاشور : \rو{خير في الآية يحتمل أن يكون أفعل تفضيل إن كان خطاباً للذين حملهم الخوف من أكل أموال اليتامى على اعتزال أمورهم وترك التصرف في أموالهم بعلة الخوف من سوء التصرف فيها كما يقال : \rإن السلامة من سلمى وجارتها... أن لا تحل على حاللٍ بواديها","part":6,"page":72},{"id":2226,"text":"فالمعنى إصلاح أمورهم خير من إهمالهم أي أفضل ثواباً وأبعد عن العقاب ، أي خير في حصول غرضكم المقصود من إهمالهم فإنه ينجر منه إثم الإضاعة ولا يحصل فيه ثواب السعي والنصيحة ، ويحتمل أن يكون صفة مقابل الشر إن كان خطاباً لتغيير الأحوال التي كانوا عليها قبل الإسلام ، فالمعنى إصلاحهم في أموالهم وأبدانهم وترك إضاعتهم في الأمرين كما تقدم خير ، وهو تعريض بأن ما كانوا عليه في معاملتهم ليس بخير بل هو شر ، فيكون مراداً من الآية على هذا : التشريع والتعريض إذ التعريض يجامع المعنى الأصلي ، لأنه من باب الكناية والكناية تقع مع إرادة المعنى الأصلي. أ هـ {التحرير والتنوير حـ 2 صـ 356 ـ 357}\rقوله تعالى : {وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ}\rالمناسبة\rقال البقاعى : \rولما كان ذلك قد يكون مع مجانبتهم وكانوا قد يرغبون في نكاح يتيماتهم قال : {وإن تخالطوهم} أي بنكاح أو غيره ليصير النظر في الصلاح مشتركاً بينكم وبينهم ، لأن المصالح صارت كالواحدة. قال الحرالي : وهي رتبة دون الأولى ، والمخالطة مفاعلة من الخلطة وهي إرسال الأشياء التي شأنها الانكفاف بعضها في بعض كأنه رفع التحاجز بين ما شأنه ذلك {فإخوانكم} جمع أخ وهو الناشىء مع أخيه من منشأ واحد على السواء بوجه ما - انتهى. أي فعليكم من مناصحتهم ما يقودكم الطبع إليه من مناصحة الإخوان ويحل لكم من الأكل من أموالهم بالمعروف وما يحل من أموال إخوانكم ؛ قالت عائشة رضي الله عنها : إني لأكره أن يكون مال اليتيم عندي كالغدة حتى أخلط طعامه بطعامي وشرابه بشرابي. قالوا : وإذا كان هذا في أموال اليتامى واسعاً كان في غيرهم أوسع ، وهو أصل شاهد لما يفعله الرفاق في الأسفار ، يخرجون النفقات بالسوية ويتباينون في قلة المطعم وكثرته - نقله الأصبهاني. أ هـ {نظم الدرر حـ 1 صـ 418 ـ 419}\rفائدة لغوية","part":6,"page":73},{"id":2227,"text":"والمخالطة مفاعلة من الخلط وهو جمع الأشياء جمعاً يتعذر معه تمييز بعضها عن بعض فيما تراد له ، فمنه خلط الماء بالماء والقمح والشعير وخلط الناس ومنه اختلط الحابل بالنابل ، وهو هنا مجاز في شدة الملابسة والمصاحبة والمراد بذلك ما زاد على إصلاح المال والتربية عن بعد فيشمل المصاحبة والمشاركة والكفالة والمصاهرة إذ الكل من أنواع المخالطة. أ هـ {التحرير والتنوير حـ 2 صـ 357}\rفصل في بيان وجوه المخالطة\rقال الفخر : \rفي تفسير الآية وجوه أحدها : المراد : وإن تخالطوهم في الطعام والشراب والمسكن والخدم فإخوانكم ، والمعنى : أن القوم ميزوا طعامه عن طعام أنفسهم ، وشرابه عن شراب أنفسهم ومسكنه عن مسكن أنفسهم ، فالله تعالى أباح لهم خلط الطعامين والشرابين ، والاجتماع في المسكن الواحد ، كما يفعله المرء بمال ولده ، فإن هذا أدخل في حسن العشرة والمؤالفة ، والمعنى وإن تخالطوهم بما لا يتضمن إفساد أموالهم فذلك جائز وثانيها : أن يكون المراد بهذه المخالطة أن ينتفعوا بأموالهم بقدر ما يكون أجره مثل ذلك العمل والقائلون بهذا القول منهم من جوز ذلك سواء كان القيم غنياً أو فقيراً ، ومنهم من قال : إذا كان القيم غنياً لم يأكل من ماله لأن ذلك فرض عليه وطلب الأجرة على العمل الواجب لا يجوز ، واحتجوا عليه بقوله تعالى : {وَمَن كَانَ غَنِيّاً فَلْيَسْتَعْفِفْ وَمَن كَانَ فَقِيراً فَلْيَأْكُلْ بالمعروف} وأما إن كان القيم فقيراً فقالوا إنه يأكل بقدر الحاجة ويرده إذا أيسر ، فإن لم يوسر تحلله من اليتيم ، وروي عن عمر رضي الله عنه أنه قال : أنزلت نفسي من مال الله تعالى بمنزلة ولي اليتيم : إن استغنيت استعففت ، وإن افتقرت أكلت قرضاً بالمعروف ثم قضيت ، وعن مجاهد أنه إذا كان فقيراً وأكل بالمعروف فلا قضاء عليه.","part":6,"page":74},{"id":2228,"text":"القول الثالث : أن يكون معنى الآية إن يخلطوا أموال اليتامى بأموال أنفسهم على سبيل الشركة بشرط رعاية جهات المصلحة والغبطة للصبي.\rوالقول الرابع : وهو اختيار أبي مسلم : أن المراد بالخلط المصاهرة في النكاح ، على نحو قوله : {وَإِنْ خِفْتُمْ أَن لا تُقْسِطُواْ فِى اليتامى فانكحوا} [ النساء : 3 ] وقوله عز من قائل : {وَيَسْتَفْتُونَكَ فِى النساء قُلِ الله يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ وَمَا يتلى عَلَيْكُمْ فِى الكتاب فِى يتامى النساء}\r[ النساء : 127 ] قال وهذا القول راجح على غيره من وجوه أحدها : أن هذا القول خلط لليتيم نفسه والشركة خلط لماله وثانيها : أن الشركة داخلة في قوله : {قُلْ إِصْلاَحٌ لَّهُمْ خَيْرٌ} والخلط من جهة النكاح ، وتزويج البنات منهم لم يدخل في ذلك ، فحمل الكلام في هذا الخلط أقرب وثالثها : أن قوله تعالى : {فَإِخوَانُكُمْ} يدل على أن المراد بالخلط هو هذا النوع من الخلط ، لأن اليتيم لو لم يكن من أولاد المسلمين لوجب أن يتحرى صلاح أمواله كما يتحراه إذا كان مسلماً ، فوجب أن تكون الإشارة بقوله : {فَإِخوَانُكُمْ} إلى نوع آخر من المخالطة\rورابعها : أنه تعالى قال بعد هذه الآية : {وَلاَ تَنْكِحُواْ المشركات حتى يُؤْمِنَّ} [ البقرة : 221 ] فكان المعنى أن المخالطة المندوب إليها إنما هي في اليتامى الذين هم لكم إخوان بالإسلام فهم الذين ينبغي أن تناكحوهم لتأكيد الألفة ، فإن كان اليتيم من المشركات فلا تفعلوا ذلك. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 6 صـ 45}\rوقال أبو حيان : \rوقد اكتنف هذه المخالطة الإصلاح قبل وبعد ، فقبل بقوله : {قل إصلاح له خير} وبعد بقوله : {والله يعلم المفسد من المصلح} فالأولى أن يراد بالمخالطة ما فيه إصلاح لليتيم بأي طريق كان ، من مخالطة في مطعم أو مسكن أو متاجرة أو مشاركة أو مضاربة أو مصاهرة أو غير ذلك. أ هـ {البحر المحيط حـ 2 صـ 171}\rقال البغوى : ","part":6,"page":75},{"id":2229,"text":"{فَإِخْوَانُكُم} أي فهم إخوانكم ، والإخوان يعين بعضهم بعضا ويصيب بعضهم من أموال بعض على وجه الإصلاح والرضا. أ هـ {تفسيرالبغوى حـ 1 صـ 254}\rوقال أبو السعود : \r{فَإِخوَانُكُمْ} أي فهم إخوانُكم أي في الدين الذي هو أقوى من العلاقة النسبية ، ومن حقوق الأخوة ومواجبها المخالطةُ بالإصلاح والنفعِ ، وقد حُمل المخالطةُ على المصاهرة. أ هـ {تفسير أبى السعود حـ 1 صـ 220}\rقال ابن عاشور : \rوقوله {فإخوانكم} جواب الشرط ولذلك قرن بالفاء لأن الجملة الاسمية غير صالحة لمباشرة أداة الشرط ولذلك ف ( إخوانكم ) خبر مبتدأ محذوف تقديره فهم إخوانكم ، وهو على معنى التشبيه البليغ ، والمراد بالأخوة أخوة الإسلام التي تقتضي المشاورة والرفق والنصح. ونقل الفخر عن الفراء \"لو نصبته كان صواباً بتقدير فإخوانكم تخالطون\" وهو تقدير سمج ، ووجود الفاء في الجواب ينادي على أن الجواب جملة اسمية محضة ، وبعد فمحمل كلام الفراء على إرادة جواز تركيب مثله في الكلام العربي لا على أن يقرأ به ، ولعل الفراء كان جريئاً على إساغة قراءة القرآن بما يسوغ في الكلام العربي دون اشتراط صحة الرواية. أ هـ {التحرير والتنوير حـ 2 صـ 357}\rوقال العلامة أبو حيان : \rوجواب الشرط : فإخوانكم ، وهو خبر مبتدأ محذوف أي : فهم إخوانكم ، وقرأ أبو مجلز : فإخوانكم على إضمار فعل التقدير : فتخالطون إخوانكم ، وجاء جواب السؤال بجملتين : إحداهما : منعقدة من مبتدأ وخبر ؛ والثانية : من شرط وجزاء.\rفالأولى : تتضمن إصلاح اليتامى وأنه خير ، وأبرزت ثبوتية منكراً مبتدأها ليدل على تناوله كل إصلاح على طريق البدلية ، ولو أضيف لعم ، أو لكان معهوداً في إصلاح خاص ، فالعموم لا يمكن وقوعه ، والمعهود لا يتناول غيره ، فلذلك جاء التنكير الدال على عموم البدل ، وأخبر عنه : بخير ، الدال على تحصيل الثواب ، ليبادر المسلم إلى فعل ما فيه الخير طلباً لثواب الله تعالى.","part":6,"page":76},{"id":2230,"text":"وأبرزت الثانية : شرطية لأنها أتت لجواز الوقوع لا لطلبه وندبته.\rودل الجواب الأول على ضروب من الأحكام مما فيه مصلحة اليتيم ، لجواز تعليمه أمر دين وأدب ، والاستيجار له على ذلك ، وكالإنفاق عليه من ماله ، وقبول ما يوهب له ، وتزويجه ومؤاجرته ، وبيعه ماله لليتيم ، وتصرفه في ماله بالبيع والشراء ، وفي عمله فيه بنفسه مضاربة ، ودفعه إلى غيره مضاربة ، وغير ذلك من التصرفات المنوطة بالإصلاح.\rودل الجواب الثاني على جواز مخالطة اليتامى بما فيه إصلاح لهم ، فيخلطه بنفسه في مناكحه وماله بماله في مؤونة وتجارة وغيرهما.\rقيل : وقد انتظمت الآية على جواز المخالطة ، فدلت على جواز المناهدة التي يفعلها المسافرون في الأسفار ، وهي أن يخرج هذا شيئاً من ماله ، وهذا شيئاً من ماله فيخلط وينفق ويأكل الناس ، وإن اختلف مقدار ما يأكلون ، وإذا أبيح لك في مال اليتيم فهو في مال البالغ بطيب نفسه أجوز.\rونظير جواز المناهدة قصة أهل الكهف : {فابعثوا أحدكم بورقكم} الآية ، وقد اختلف في بعض الأحكام التي قدمناها ، فمن ذلك : شراء الوصي من مال اليتيم ، والمضاربة فيه ، وإنكاح الوصي بيتيمته من نفسه ، وإنكاح اليتيم لابنته ، وهذا مذكور في كتب الفقه. أ هـ {البحر المحيط حـ 2 صـ 172}\rلطيفة\rقال أبو حيان : \rقيل : وجعلهم إخواناً لوجهين : أحدهما : أخوة الدين ، والثاني : لانتفاعهم بهم ، إما في الثواب من الله تعالى وإما بما يأخذونه من أجرة عملهم في أموالهم ، وكل من نفعك فهو أخوك.\rوقال الباقر لشخص : رأيتك في قوم لم أعرفهم ، فقال : هم إخواني ، فقال : أفيهم من إذا احتجت أدخلت يدك في كمه فأخذت منه من غير استئذان ؟ قال : لا ، قال : إذن لستم بإخوان.\rوفي قوله : {فإخوانكم} دليل على أن أطفال المؤمنين مؤمنون في الأحكام لتسمية الله تعالى إياهم إخواناً لنا. أ هـ {البحر المحيط حـ 2 صـ 172}\rفائدة\rقال فى روح البيان : ","part":6,"page":77},{"id":2231,"text":"ويؤدب اليتيم الذى فى حجره كتأديبه ولده فإنه مسئول عنه يوم القيامة ويصلح حاله\rوالتأديب على أنواع. منها الوعيد. ومنها الضرب. ومنها حبس المنافع والعطية والبر فإن بين النفوس تفاوتا فنفس تخضع بالغلظة والشدة ولو استعملت معها الرفق والبر لأفسدها ونفس بالعكس وقد جعل الله الحدود والتعزير لتأديب العباد على قدر ما يأتون من المنكر فأدب الأحرار إلى السلطان وأدب المماليك والأولاد إلى السادات والآباء وهو مأجور على التأديب ومسئول عنه قال الله تعالى {قوا أنفسكم وأهليكم نارا} وفى الحديث \" كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته \". أ هـ {روح البيان حـ 1 صـ 424}\rقوله تعالى : {وَاللَّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ}\rالمناسبة\rقال البقاعى :\rولما كان ذلك مما قد يدخل فيه الشر الذي يظهر فاعله أنه لم يرد به إلا الخير وعكسه قال مرغباً مرهباً : {والله} أي الذي له الإحاطة بكل شيء {يعلم} أي في كل حركة وسكون.\rولما كان الورع مندوباً إليه محثوثاً عليه لا سيما في أمر اليتامى فكان التحذير بهذا المقام أولى قال : {المفسد} أي الذي الفساد صفة له {من المصلح} فاتقوا الله في جميع الأمور ولا تجعلوا خلطتكم إياهم ذريعة إلى أكل أموالهم. أ هـ {نظم الدرر حـ 1 صـ 419}\rفصل في هل يتصرف في مال اليتيم\rقال القرطبيُّ :\rلما أذن الله عزَّ وجلَّ في مخالطة الأيتام مع قصد الإصلاح بالنَّظر إليهم وفيهم ، كان ذلك دليلاً على جواز التَّصرف في مال اليتيم تصرف الوصيّ في البيع ، والقسمة ، وغير ذلك على الإطلاق لهذه الآية ، فإذا كفل الرَّجل اليتيم ، وحازه ، وكان في نظره ، جاز عليه فعله وإن لم يقدّمه والٍ عليه ؛ لأنَّ الآية مطلقة والكفالة ولاية عامَّة ، ولم يؤثر عن أحدٍ من الخلفاء أنَّه قدّم أحداً على يتيم مع وجودهم في أزمنتهم ، وإنَّما كانوا يقتصرون على كونهم عندهم. أ هـ {تفسير القرطبى حـ 3 صـ 63}\rقال الفخر :","part":6,"page":78},{"id":2232,"text":"أما قوله : {والله يَعْلَمُ المفسد مِنَ المصلح} فقيل : المفسد لأموالهم من المصلح لها ، وقيل : يعلم ضمائر من أراد الإفساد والطمع في مالهم بالنكاح من المصلح ، يعني : إنكم إذا أظهرتم من أنفسكم إرادة الإصلاح فإذا لم تريدوا ذلك في قلوبكم بل كان مرادكم منه غرضاً آخر فالله مطلع على ضمائركم عالم بما في قلوبكم ، وهذا تهديد عظيم ، والسبب أن اليتيم لا يمكنه رعاية الغبطة لنفسه ، وليس له / أحد يراعيها فكأنه تعالى قال : لما لم يكن له أحد يتكفل بمصالحه فأنا ذلك المتكفل وأنا المطالب لوليه ، وقيل : والله يعلم المصلح الذي يلي من أمر اليتيم ما يجوز له بسببه الانتفاع بماله ويعلم المفسد الذي لا يلي من إصلاح أمر اليتيم ما يجوز له بسببه الانتفاع بماله ، فاتقوا أن تتناولوا من مال اليتيم شيئاً من غير إصلاح منكم لمالهم. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 6 صـ 46}\rقال ابن عاشور : ","part":6,"page":79},{"id":2233,"text":"وقوله : {والله يعلم المفسد من المصلح} وعد ووعيد ، لأن المقصود من الأخبار بعلم الله الإخبار بترتب آثار العلم عليه ، وفي هذا إشارة إلى أن ما فعله بعض المسلمين من تجنب التصرف في أموال اليتامى تنزه لا طائل تحته لأن الله يعلم المتصرف بصلاح والمتصرف بغير صلاح وفيه أيضاً ترضية لولاة الأيتام فيما ينالهم من كراهية بعض محاجيرهم وضربهم على أيديهم في التصرف المالي وما يلاقون في ذلك من الخصاصة ، فإن المقصد الأعظم هو إرضاء الله تعالى لا إرضاء المخلوقات ، وكان المسلمون يومئذٍ لا يهتمون إلاّ بمرضاة الله تعالى وكانوا يحاسبون أنفسهم على مقاصدهم ، وفي هذه إشارة إلى أنه ليس من المصلحة أن يعرض الناس عن النظر في أموال اليتامى اتقاء لألسنة السوء ، وتهمة الظن بالإثم فلو تمالأ الناس على ذلك وقاية لأعراضهم لضاعت اليتامى ، وليس هذا من شأن المسلمين فإن على الصلاح والفساد دلائل ووراء المتصرفين عدالة القضاة وولاة الأمور يجازون المصلح بالثناء والحمد العلن ويجازون المفسد بالبعد بينه وبين اليتامى وبالتغريم بما أفاته بدون نظر. أ هـ {التحرير والتنوير حـ 2 صـ 357 ـ 358}\rفوائد لغوية\rقال أبو حيان : \r{والله يعلم المفسد من المصلح} جملة معناها التحذير ، أخبر تعالى فيها أنه عالم بالذي يفسد من الذي يصلح ، ومعنى ذلك : أنه يجازي كلاً منهما على الوصف الذي قام به ، وكثيراً ما ينسب العلم إلى الله تعالى على سبيل التحذير ، لأن من علم بالشيء جازى عليه ، فهو تعبير بالسبب عن المسبب ، و: يعلم ، هنا متعدٍ إلى واحد ، وجاء الخبر هنا بالفعل المقتضي للتجدد ، وإن كان علم الله لا يتجدد ، لأنه قصد به العقاب والثواب للمفسد والمصلح ، وهما وصفان يتجدّدان من الموصوف بهما ، فتكرر ترتيب الجزاء عليهما لتكررهما ، وتعلق العمل بالمفسد أولاً ليقع الإمساك عن الإفساد.","part":6,"page":80},{"id":2234,"text":"ومن ، متعلقة بيعلم على تضمين ما يتعدّى بمن ، كأن المعنى : والله يميز بعلمه المفسد من المصلح.\rوظاهر الألف واللام أنها للاستغراق في جميع أنواع المفسد والمصلح ، والمصلح في مال اليتيم من جملة مدلولات ذلك ، ويجوز أن تكون الألف واللام للعهد ، أي : المفسد في مال اليتيم من المصلح فيه ، والمفسد بالإهمال في تربيته من المصلح له بالتأديب ، وجاءت هذه الجملة بهذا التقسيم لإن المخالطة على قسمين : مخالطة بإفساد ، ومخالطة بإصلاح. ولأنه لما قيل : {قل إصلاح لهم خير} فهم مقابله ، وهو أن الإفساد شر ، فجاء هذا التقسيم باعتبار الإصلاح. ومقابله. أ هـ {البحر المحيط حـ 2 صـ 172}\rقوله تعالى : {ولو شاء الله لأعنتكم إن الله عزيز حكيم}\rالمناسبة\rقال البقاعى : \rولما كان هذا أمراً لا يكون في بابه أمر أصلح منه ولا أيسر منّ عليهم بشرعه في قوله : {ولو شاء الله} أي بعظمة كماله {لأعنتكم} أي كلفكم في أمرهم وغيره ما يشق عليكم مشقة لا تطاق فحد لكم حدوداً وعينها يصعب لوقوف عندها وألزمكم لوازم يعسر تعاطيها ، من الإعنات وهو إيقاع العنت وهو أسوأ الهلاك الذي يفحش نعته - قاله الحرالي. ثم علل ذلك بقوله : {إن الله} أي الملك الأعظم {عزيز} يقدر على ما يريد {حكيم} يحكمه بحيث لا يقدر أحد على نقض شيء منه. أ هـ {نظم الدرر حـ 1 صـ 419}\rقال الفخر : ","part":6,"page":81},{"id":2235,"text":"\"الإعنات\" الحمل على مشقة لا تطاق يقال : أعنت فلان فلاناً إذا أوقعه فيما لا يستطيع الخروج منه وتعنته تعنتاً إذا لبس عليه في سؤاله ، وعنت العظم المجبور إذا انكسر بعد الجبر وأصل {العنت} من المشقة ، وأكمة عنوت إذا كانت شاقة كدوداً ، ومنه قوله تعالى : {عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ} [ التوبة : 128 ] أي شديد عليه ما شق عليكم ، ويقال أعنتني في السؤال أي شدد علي وطلب عنتي وهو الإضرار وأما المفسرون فقال ابن عباس : لو شاء الله لجعل ما أصبتم من أموال اليتامى موبقاً وقال عطاء : ولو شاء الله لأدخل عليكم المشقة كما أدخلتم على أنفسكم ولضيق الأمر عليكم في مخالطتهم ، وقال الزجاج : ولو شاء الله لكلفكم ما يشتد عليكم. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 6 صـ 46}\rقال الآلوسى : \r{وَلَوْ شَاء الله لاعْنَتَكُمْ} أي لضيق عليكم ولم يجوز لكم مخالطتهم ، أو لجعل ما أصبتم من أموال اليتامى موبقاً قاله ابن عباس رضي الله تعالى عنه وأصل الإعنات الحمل على مشقة لا تطاق ثقلاً ، ويقال : عنت العظم عنتاً إذا أصابه وهن أو كسر بعد جبر ، وحذف مفعول المشيئة لدلالة الجواب عليه ، وفي ذلك إشعار بكمال لطفه سبحانه ورحمته حيث لم يعلق مشيئته بما يشق علينا في اللفظ أيضاً ، وفي الجملة تذكير بإحسانه تعالى على أوصياء اليتامى. أ هـ {روح المعانى حـ 2 صـ 117}\rقال أبو حيان : \rفي وصفه تعالى بالعزة ، وهو الغلبة والاستيلاء ، إشارة إلى أنه مختص بذلك لا يشارك فيه ، فكأنه لما جعل لهم ولاية على اليتامى نبههم على أنهم لا يقهرونهم ، ولا يغالبونهم ، ولا يستولون عليهم استيلاء القاهر ، فإن هذا الوصف لا يكون إلاَّ لله.","part":6,"page":82},{"id":2236,"text":"وفي وصفه تعالى بالحكمة إشارة إلى أنه لا يتعدّى ما أذن هو تعالى فيهم وفي أموالهم ، فليس لكم نظر إلاَّ بما أذنت فيه لكم الشريعة ، واقتضته الحكمة الإلهية. إذ هو الحكيم المتقن لما صنع وشرع ، فالإصلاح لهم ليس راجعاً إلى نظركم ، إنما هو راجع لاتباع ما شرع في حقهم. أ هـ {البحر المحيط حـ 2 صـ 172}\rوقال ابن عاشور : \rوقوله : {إن الله عزيز حكيم} تذييل لما اقتضاه شرط ( لو ) من الإمكان وامتناع الوقوع أي إن الله عزيز غالب قادر فلو شاء لكلفكم العنت ، لكنه حكيم يضع الأشياء مواضعها فلذا لم يلكفكموه. وفي جمع الصفتين إشارة إلى أن تصرفات الله تعالى تجري على ما تقتضيه صفاته كلها وبذلك تندفع إشكالات عظيمة فيما يعبَّر عنه بالقضاء والقدر. أ هـ {التحرير والتنوير حـ 2 صـ 358 ـ 359}\rوقال الآلوسى : \r{إنَّ الله عَزِيزٌ} غالب على أمره لا يعجزه أمر من الأمور التي من جملتها إعناتكم {حَكِيمٌ} فاعل لأفعاله حسبما تقتضيه الحكمة وتتسع له الطاقة التي هي أساس التكليف ، وهذه الجملة تذييل وتأكيد لما تقدم من حكم النفي والإثبات أي ولو شاء لأعنتكم لكون غالباً لكنه لم يشأ لكونه حكيماً. وفي الآية كما قال إلكيا دليل لمن جوز خلط مال الولي بمال اليتيم والتصرف فيه بالبيع والشراء ودفعه مضاربة إذا وافق الإصلاح ، وفيها دلالة على جواز الاجتهاد في أحكام الحوادث لأن الإصلاح الذي تضمنته الآية إنما يعلم من الاجتهاد وغلبة الظن وفيها دلالة على أنه لا بأس بتأديب اليتيم وضربه بالرفق لإصلاحه ووجه مناسبتها لما قبلها أنه سبحانه لما ذكر السؤال عن الخمر والميسر وكان في تركها مراعاة لتنمية المال ناسب ذلك النظر في حال اليتيم فالجامع بين الآيتين أن في ترك الخمر والميسر إصلاح أحوالهم أنفسهم ، وفي النظر في أحوال اليتامى إصلاحاً لغيرهم ممن هو عاجز أن يصلح نفسه فمن ترك ذلك وفعل هذا فقد جمع بين النفع لنفسه ولغيره. أ هـ {روح المعانى حـ 2 صـ 117}","part":6,"page":83},{"id":2237,"text":"من فوائد ابن عرفة فى الآية\rقوله تعالى : {وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ اليتامى قُلْ إِصْلاَحٌ لَّهُمْ خَيْرٌ...}.\rابن عرفة : تضمنت الآية أنّ للموصى في خلطه بمال اليتيم ثلاث حالات : النظر في المصلحة ، والنظر في المفسدة ، والنظر المطلق.\rوالأول مستفاد من قوله : \" قٌلْ إِصْلاَحٌ لَّهُمْ خَيْرٌ \".\rوالثاني من قوله : \" والله يَعْلَمُ المفسد مِنَ المصلح \".\rوالثالث من لفظ \" إِخْوَانُكُمْ \" فإنه يقتضي التساوي. والظاهر أن \" خير \" مبتدأ \" وإصلاح \" خبر لتكون ( الخبرية ) محصورة فيه. ولو جعلنا \" إصلاح \" مبتدأ \" وخير \" خبرا لاحتمل أمرين : \rأحدهما : أن يراد أن الفساد خير لأن ( المختلقات ) يمكن اجتماعها في شيء واحد. والثاني : أن الكفارات خير.\rقوله تعالى : {والله يَعْلَمُ المفسد مِنَ المصلح...}.\rفي الآية سؤال وهو أن القاعدة في التمييز أن يميز القليل من الكثير وتقرر في الوجود وفي الشرع أن الفساد أكثر من الصلاح.\rقال الله عز وجل في سورة غافر : {إِنَّ الساعة لأَتِيَةٌ لاَّ رَيْبَ فِيهَا ولكن أَكْثَرَ الناس لاَ يُؤْمِنُونَ} قال ابن عرفة : والجواب أنه باعتبار الطلب لا باعتبار الوجود الخارجي فنبه بالآية على أنّ المطلوب تكثير الصّلاح وتقليل الفساد حتى يكون في الوجود أكثر من الفساد.\rقيل لابن عرفة : أو إشارة إلى عموم علم الله تعالى ما قلتموه في السؤال إنما يكون في المخلوقين لقصورهم وعجز إدراكهم ، فيكون تمييز القليل من الكثير أهون عليهم من العكس.\rقلت : أو يجاب بأن الآية خرجت مخرج التخويف فالمناسب فيها تعلق العلم والقدرة بالمفسد ليميز من المصلح. انتهى.\rقوله تعالى : {وَلَوْ شَآءَ الله لأَعْنَتَكُمْ إِنَّ الله عَزِيزٌ حَكِيمٌ}.\rقال ابن عرفة : وهي حجة لأهل السنة في قوله : إن تكليف ما لا يطاق جائز غير واقع.\rقيل له : قد تقدم لكم أن الشرط يتركب من المحال ؟ \r","part":6,"page":84},{"id":2238,"text":"فقال : إن الآية خرجت مخرج التمدح بكمال قدرة الله تعالى والامتنان على خلقه بتيسير التكليف ، والتَّمدح إنما يكون بالجائز.\rوهذا نظير جواب الجزري المتقدم في {مَا نَنسَخْ مِنْ آيَةٍ.} \rأ هـ {تفسير ابن عرفة صـ 283}\rقوله تعالى : {وَلَا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ وَلَأَمَةٌ مُؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكَةٍ وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ وَلَا تُنْكِحُوا الْمُشْرِكِينَ حَتَّى يُؤْمِنُوا وَلَعَبْدٌ مُؤْمِنٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكٍ وَلَوْ أَعْجَبَكُمْ أُولَئِكَ يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى الْجَنَّةِ وَالْمَغْفِرَةِ بِإِذْنِهِ وَيُبَيِّنُ آَيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ (221)}\rمناسبة الآية لما قبلها\rقال البقاعى : \rولما كان الورع مندوباً إليه محثوثاً عليه لا سيما في أمر اليتامى فكان التحذير بهذا المقام أولى قال : {المفسد} أي الذي الفساد صفة له {من المصلح} فاتقوا الله في جميع الأمور ولا تجعلوا خلطتكم إياهم ذريعة إلى أكل أموالهم.\r","part":6,"page":85},{"id":2239,"text":"ولما كان هذا أمراً لا يكون في بابه أمر أصلح منه ولا أيسر منّ عليهم بشرعه في قوله : {ولو شاء الله} أي بعظمة كماله {لأعنتكم} أي كلفكم في أمرهم وغيره ما يشق عليكم مشقة لا تطاق فحد لكم حدوداً وعينها يصعب لوقوف عندها وألزمكم لوازم يعسر تعاطيها ، من الإعنات وهو إيقاع العنت وهو أسوأ الهلاك الذي يفحش نعته - قاله الحرالي. ثم علل ذلك بقوله : {إن الله} أي الملك الأعظم {عزيز} يقدر على ما يريد {حكيم } يحكمه بحيث لا يقدر أحد على نقض شيء منه. ولما ذكر تعالى فيما مر حلّ الجماع في ليل الصيام وأتبع ذلك من أمره ما أراد إلى أن ذكر المخالطة على وجه يشمل النكاح في سياق مانع مع الفساد داع إلى الصلاح وختم بوصف الحكمة ولما كان النكاح من معظم المخالطة في النفقة وغيرها وكان الإنسان جهولاً تولى سبحانه وتعالى بحكمته تعريفه ما يصلح له وما لا يصلح من ذلك ، وأخر أمر النكاح عن بيان ما ذكر معه من الأكل والشرب في ليل الصيام لأن الضرورة إليهما أعظم ، وقدمه في آية الصيام لأن النفس إليه أميل فقال عاطفاً على ما دل العطف على غير مذكور على أن تقديره : فخالطوهم وأنكحوا من تلونه من اليتيمات على وجه الإصلاح إن أردتم {ولا تنكحوا} قال الحرالي : مما منه النكاح وهو إيلاج نهد في فرج ليصيرا بذلك كالشيء الواحد - انتهى. وهذا أصله لغة ، والمراد هنا العقد لأنه استعمل في العقد في الشرع وكثر استعماله فيه وغلب حتى صار حقيقة شرعية فهو في الشرع حقيقة في العقد مجاز في الجماع وفي اللغة بالعكس وسيأتي عند {حتى تنكح زوجاً غيره} [ البقرة : 230 ] عن الفارسي قرينة يعرف بها مراد أهل اللغة {المشركات} أي الوثنيات ، والأكثر على أن الكتابيات مما شملته الآية ثم خصت بآية {والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم} [ المائدة : 5 ] {حتى يؤمن} فإن المشركات شر محض {ولأمة} رقيقة {مؤمنة} لأن نفع الإيمان أمر ديني يرجع إلى","part":6,"page":86},{"id":2240,"text":"الآخرة الباقية {خير} على سبيل التنزيل {من مشركة} حرة {ولو أعجبتكم} أي المشركة لأن نفع نسبها ومالها وجمالها يرجع إلى الدنيا الدنية الفانية. قال الحرالي : فانتظمت هذه الآيات في تبيين خير الخيرين وترجيح أمر الغيب في أمر الدين والعقبى في أدنى الإماء من المؤمنات خلقاً وكوناً وظاهر صورة على حال العين في أمر العاجلة من الدنيا في أعلى الحرائر من المشركات خلقاً وظاهر صورة وشرف بيت - انتهى {ولا تنكحوا} أيها الأولياء {المشركين} أي الكفار بأي كفر كان شيئاً من المسلمات {حتى يؤمنوا} فإن الكفار شر محض {ولعبد} أي مملوك {مؤمن خير} على سبيل التنزيل {من مشرك} حر {ولو أعجبكم} أي المشرك وأفهم هذا خيرية الحرة والحر المؤمنين من باب الأولى مع التشريف العظيم لهما بترك ذكرهما إعلاماً بأن خيريتهما أمر مقطوع به لا كلام فيه وأن المفاضلة إنما هي بين من كانوا يعدونه دنيا فشرفه الإيمان ومن يعدونه شريفاً فحقره الكفران ، وكذلك ذكر الموصوف بالإيمان في الموضعين ليدل على أنه وإن كان دنيا موضع التفضيل لعلو وصفه ، وأثبت الوصف بالشرك في الموضعين مقتصراً عليه لأنه موضع التحقير وإن علا في العرف موصوفه. أ هـ {نظم الدرر حـ 1 صـ 419 ـ 420}\rوقال ابن عاشور : ","part":6,"page":87},{"id":2241,"text":"كان المسلمون أيام نزول هذه السورة ما زالوا مختلطين مع المشركين بالمدينة وما هم ببعيد عن أقربائهم من أهل مكة فربما رغب بعضهم في تزوج المشركات أو رغب بعض المشركين في تزوج نساء مسلمات فبين الله الحكم في هذه الأحوال ، وقد أوقع هذا البيان بحكمته في أرشق موقعه وأسعده به وهو موقع تعقيب حكم مخالطة اليتامى ، فإن للمسلمين يومئذٍ أقاربَ وموالي لم يزالوا مشركين ومنهم يتامى فقَدوا آباءهم في يوم بدر وما بعده فلما ذكر الله بيان مخالطة اليتامى ، وكانت المصاهرة من أعظم أحوال المخالطة تطلعت النفوس إلى حكم هاته المصاهرة بالنسبة للمشركات والمشركين ، فعطف حكم ذلك على حكم اليتامى لهاته المناسبة. أ هـ {التحرير والتنوير حـ 2 صـ 359}\rقال الفخر : \rالحكم السادس\rفيما يتعلق بالنكاح\rاعلم أن هذه الآية نظير قوله : {وَلاَ تُمْسِكُواْ بِعِصَمِ الكوافر} [ الممتحنة : 10 ] وقرىء بضم التاء ، أي لا تزوجوهن وعلى هذه القراءة لا يزوجونهن.\rواعلم أن المفسرين اختلفوا في أن هذه الآية ابتداء حكم وشرع ، أو هو متعلق بما تقدم ، فالأكثرون على أنه ابتداء شرع في بيان ما يحل ويحرم ، وقال أبو مسلم : بل هو متعلق بقصة اليتامى ، فإنه تعالى لما قال : {وَإِن تُخَالِطُوهُمْ فإخوانكم} [ البقرة : 220 ] وأراد مخالطة النكاح عطف عليه ما يبعث على الرغبة في اليتامى ، وأن ذلك أولى مما كانوا يتعاطون من الرغبة في المشركات ، وبين أن أمة مؤمنة خير من مشركة وإن بلغت النهاية فيما يقتضي الرغبة فيها ، ليدل بذلك على ما يبعث على التزوج باليتامى ، وعلى تزويج الأيتام عند البلوغ ليكون ذلك داعية لما أمر به من النظر في صلاحهم وصلاح أموالهم ، وعلى الوجهين فحكم الآية لا يختلف. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 6 صـ 47}\rسبب نزول الآية","part":6,"page":88},{"id":2242,"text":"قال ابن عباس : نزلت في عبد الله بن رواحة ، أعتق أمة وتزوّجها ، وكانت مسلمة ، فطعن عليه ناس من المسلمين ، فقالوا : نكح أمة ، وكانوا يريدون أن ينكحوا إلى المشركين رغبة في أحسابهم ، فنزلت. وقال مقاتل : نزلت في أبي مرثد الغنوي ، واسمه كناز بن الحصين ، وفي قول : إنه مرثد بن أبي مرثد ، وهو حليف لبني هاشم استأذن أن يتزوّج عناق ، وهي امرأة من قريش ذات حظ من جمال ، مشركة ، وقال : يا رسول الله إنها تعجبني ، وروي هذا السبب أيضاً عن ابن عباس بأطول من هذا.\rوقيل : نزلت في حسناء وليدة سوداء لحذيفة بن اليمان ، أعتقها وتزوّجها ، ويحتمل أن يكون السبب جميع هذه الحكايات. أ هـ {البحر المحيط حـ 2 صـ 173}\rفصل فى لفظ النكاح\rقال الفخر : \rاختلف الناس في لفظ النكاح ، فقال أكثر أصحاب الشافعي رحمه الله : إنه حقيقة في العقد ، واحتجوا عليه بوجوه أحدها : قوله عليه الصلاة والسلام : \" لا نكاح إلا بولي وشهود \" وقف النكاح على الولي والشهود ، والمتوقف على الولي والشهود هو العقد لا الوطء ، والثاني : قوله عليه الصلاة والسلام : \" ولدت من نكاح ولم أولد من سفاح \" دل الحديث على أن النكاح كالمقابل للسفاح ، ومعلوم أن السفاح مشتمل على الوطء ، فلو كان النكاح اسماً للوطء لامتنع كون النكاح مقابلاً للسفاح وثالثها : قوله تعالى : {وَأَنْكِحُواْ الأيامى مِنْكُمْ والصالحين مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمائِكُمْ} [ النور : 32 ] ولا شك أن لفظ ( أنكحوا ) لا يمكن حمله إلا على العقد ، ورابعها : قول الأعشى ، أنشده الواحدي في \"البسيط\" : \rفلا تقربن من جارة إن سرها.. عليك حرام فانكحن أو تأيما","part":6,"page":89},{"id":2243,"text":"وقوله : {فانكحن} لا يحتمل إلا الأمر بالعقد ، لأنه قال : \"لا تقربن جارة\" يعني مقاربتها على الطريق الذي يحرم فاعقد وتزوج وإلا فتأيم وتجنب النساء ، وقال الجمهور من أصحاب أبي حنيفة : أنه حقيقة في الوطء ، واحتجوا عليه بوجوه أحدها : قوله تعالى : {فَإِن طَلَّقَهَا فَلاَ تَحِلُّ لَهُ مِن بَعْدُ حتى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ} نفي الحل ممتد إلى غاية النكاح ، والنكاح الذي تنتهي به هذه الحرمة ليس هو العقد بدليل قوله عليه الصلاة والسلام : \" لا حتى تذوقي عسيلته ويذوق عسيلتك \" فوجب أن يكون المراد منه هو الوطء وثانيها : قوله عليه الصلاة والسلام : \" ناكح اليد ملعون وناكح البهيمة ملعون \" أثبت النكاح مع عدم العقد وثالثها : أن النكاح في اللغة عبارة عن الضم والوطء ، يقال : نكح المطر الأرض إذا وصل إليها ، ونكح النعاس عينه ، وفي المثل أنكحنا الفرا فسترى ، وقال الشاعر : \rالتاركين على طهر نساءهم.. والناكحين بشطي دجلة البقرا\rوقال المتنبي : \rأنكحت صم حصاها خف يعملة.. تعثرت بي إليك السهل والجبلا\rومعلوم أن معنى الضم والوطء في المباشرة أتم منه في العقد ، فوجب حمله عليه ، ومن الناس من قال : النكاح عبارة عن الضم ، ومعنى الضم حاصل في العقد وفي الوطء ، فيحسن استعمال هذا اللفظ فيهما جميعاً ، قال ابن جني : سألت أبا علي عن قولهم : نكح المرأة ، فقال : فرقت العرب في الاستعمال فرقاً لطيفاً حتى لا يحصل الالتباس ، فإذا قالوا : نكح فلان فلانة : أرادوا أنه تزوجها وعقد عليها ، وإذا قالوا : نكح امرأته أو زوجته ، لم يريدوا غير المجامعة ، لأنه إذا ذكر أنه نكح امرأته أو زوجته فقد استغنى عن ذكر العقد ، فلم تحتمل الكلمة غير المجامعة ، فهذا تمام ما في هذا اللفظ من البحث ، وأجمع المفسرون على أن المراد من قوله : {وَلاَ تَنْكِحُواْ} في هذه الآية أي لا تعقدوا عليهن عقد النكاح. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 6 صـ 48}","part":6,"page":90},{"id":2245,"text":"سؤال : لفظ المشرك هل يتناول الكفار من أهل الكتاب ؟ \rقال الفخر : \rاختلفوا في أن لفظ المشرك هل يتناول الكفار من أهل الكتاب ، فأنكر بعضهم ذلك ، والأكثرون من العلماء على أن لفظ المشرك يندرج فيه الكفار من أهل الكتاب وهو المختار ، ويدل عليه وجوه أحدها : قوله تعالى : {وَقَالَتِ اليهود عُزَيْرٌ ابن الله وَقَالَتِ النصارى المسيح ابن الله} [ التوبة : 30 ] ثم قال في آخر الآية : {سبحانه عَمَّا يُشْرِكُونَ} [ التوبة : 31 ] وهذه الآية صريحة في أن اليهودي والنصراني مشرك وثانيها : قوله تعالى : {إِنَّ الله لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاء} [ النساء : 48 ] دلت هذه الآية على أن ما سوى الشرك قد يغفره الله تعالى في الجملة فلو كان كفر اليهودي والنصراني ليس بشرك لوجب بمقتضى هذه الآية أن يغفر الله تعالى في الجملة ، ولما كان ذلك باطلاً علمنا أن كفرهما شرك وثالثها : قوله تعالى : {لَّقَدْ كَفَرَ الذين قَالُواْ إِنَّ الله ثالث ثلاثة} [ المائدة : 73 ] فهذا التثليث إما أن يكون لاعتقادهم وجود صفات ثلاثة ، أو لاعتقادهم وجود ذوات ثلاثة ، والأول باطل ، لأن المفهوم من كونه تعالى عالماً غير المفهوم من كونه قادراً ومن كونه حياً ، وإذا كانت هذه المفهومات الثلاثة لا بد من الاعتراف بها ، كان القول بإثبات صفات ثلاثة من ضرورات دين الإسلام ، فكيف يمكن تكفير النصارى بسبب ذلك ، ولما بطل ذلك علمنا أنه تعالى إنما كفرهم لأنهم أثبتوا ذواتاً ثلاثة قديمة مستقلة ، ولذلك فإنهم جوزوا في أقنوم الكلمة أن يحل في عيسى ، وجوزوا في أقنوم الحياة أن يحل في مريم ولولا أن هذه الأشياء المسماة عندهم بالأقانيم ذوات قائمة بأنفسها ، لما جوزوا عليها الانتقال من ذات إلى ذات ، فثبت أنهم قائلون بإثبات ذوات قائمة بالنفس قديمة أزلية وهذا شرك ، وقول بإثبات الآلهة ، فكانوا مشركين ، وإذا ثبت دخولهم تحت اسم المشرك ؛ وجب أن يكون اليهودي كذلك ضرورة أنه لا قائل بالفرق","part":6,"page":91},{"id":2246,"text":"ورابعها : ما روي أنه عليه الصلاة والسلام أمر أميراً وقال : إذا لقيت عدداً من المشركين فادعهم إلى الإسلام ، فإن أجابوك فاقبل منهم ، وإن أبوا فادعهم إلى الجزية وعقد الذمة ، فإن أجابوك فاقبل منهم وكف عنهم ، سمى من يقبل منه الجزية وعقد الذمة بالمشرك ، فدل على أن الذمي يسمى بالمشرك وخامسها : ما احتج به أبو بكر الأصم فقال : كل من جحد رسالته فهو مشرك ، من حيث إن تلك المعجزات التي ظهرت على يده كانت خارجة عن قدرة البشر ، وكانوا منكرين صدورها عن الله تعالى ، بل كانوا يضيفونها إلى الجن والشياطين ، لأنهم كانوا يقولون فيها : إنها سحر وحصلت من الجن والشياطين ، فالقوم قد أثبتوا شريكاً لله سبحانه في خلق هذه الأشياء الخارجة عن قدرة البشر ، فوجب القطع بكونهم مشركين لأنه لا معنى للإله إلا من كان قادراً على خلق هذه الأشياء ، واعترض القاضي فقال : إنما يلزم هذا إذا سلم اليهودي أن ما ظهر على يد محمد صلى الله عليه وسلم من الأمور الخارجة عن قدرة البشر ، فعند ذلك إذا أضافه إلى غير الله تعالى كان مشركاً ، أما إذا أنكر ذلك وزعم أن ما ظهر على يد محمد صلى الله عليه وسلم من جنس ما يقدر العباد عليه لم يلزم أن يكون مشركاً بسبب ذلك إلى غير الله تعالى.\rوالجواب : أنه لا اعتبار بإقراره أن تلك المعجزات خارجة عن مقدور البشر أم لا ، إنما الاعتبار يدل على أن ذلك المعجز خارج عن قدرة البشر ، فمن نسب ذلك إلى غير الله تعالى كان مشركاً ، كما أن إنساناً لو قال : إن خلق الجسم والحياة من جنس مقدور البشر ثم أسند خلق الحيوان والنبات إلى الأفلاك والكواكب كان مشركاً فكذا ههنا ، فهذا مجموع ما يدل على أن اليهودي والنصراني يدخلان تحت اسم المشرك ، واحتج من أباه بأن الله تعالى فصل بين أهل الكتاب وبين المشركين في الذكر ، وذلك يدل على أن أهل الكتاب لا يدخلون تحت اسم المشرك ، وإنما قلنا أنه تعالى فصل لقوله تعالى : \r","part":6,"page":92},{"id":2247,"text":"{إِنَّ الذين ءامَنُواْ والذين هَادُواْ والصابئين والنصارى والمجوس والذين أَشْرَكُواْ} [ الحج : 17 ] وقال أيضاً : {مَّا يَوَدُّ الذين كَفَرُواْ مِنْ أَهْلِ الكتاب وَلاَ المشركين} [ البقرة : 105 ] وقال : {لَمْ يَكُنِ الذين كَفَرُواْ مِنْ أَهْلِ الكتاب والمشركين} [ البينة : 1 ] ففي هذه الآيات فصل بين القسمين وعطف أحدهما على الآخر ، وذلك يوجب التغاير.\r","part":6,"page":93},{"id":2248,"text":"والجواب : أن هذا مشكل بقوله تعالى : {وإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النبيين مِيثَاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِن نُّوحٍ} [ الأحزاب : 7 ] وبقوله تعالى : {مَن كَانَ عَدُوّا لّلَّهِ وملائكته وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وميكال} فإن قالوا إنما خص بالذكر تنبيهاً على كمال الدرجة في ذلك الوصف المذكور ، قلنا : فههنا أيضاً إنما خص عبدة الأوثان في هذه الآيات بهذا الاسم تنبيهاً على كمال درجتهم في هذا الكفر ، فهذا جملة ما في هذه المسألة ثم اعلم أن القائلين بأن اليهود والنصارى يندرجون تحت اسم المشرك اختلفوا على قولين فقال قوم : وقوع هذا الإسم عليهم من حيث اللغة لما بينا أن اليهود والنصارى قائلون بالشرك ، وقال الجبائي والقاضي هذا الإسم من جملة الأسماء الشرعية ، واحتجا على ذلك بأنه قد تواتر النقل عن الرسول عليه الصلاة والسلام أنه كان يسمى كل من كان كافراً بالمشرك ، ومن كان في الكفار من لا يثبت إلهاً أصلاً أو كان شاكاً في وجوده ، أو كان شاكاً في وجود الشريك ، وقد كان فيهم من كان عند البعثة منكراً للبعث والقيامة ، فلا جرم كان منكراً للبعثة والتكليف ، وما كان يعبد شيئاً من الأوثان ، والذين كانوا يعبدون الأوثان فيهم من كانوا يقولون : إنها شركاء الله في الخلق وتدبير العالم ، بل كانوا يقولون : هؤلاء شفعاؤنا عند الله فثبت أن الأكثرين منهم كانوا مقرين بأن إله العالم واحد وأنه ليس له في الإلهية معين في خلق العالم وتدبيره وشريك ونظير إذا ثبت هذا ظهر أن وقوع اسم المشرك على الكافر ليس من الأسماء اللغوية ، بل من الأسماء الشرعية ، كالصلاة والزكاة وغيرهما ، وإذا كان كذلك وجب اندراج كل كافر تحت هذا الإسم ، فهذا جملة الكلام في هذه المسألة وبالله التوفيق. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 6 صـ 48 ـ 49}\rفصل","part":6,"page":94},{"id":2249,"text":"الذين قالوا : إن اسم المشرك لا يتناول إلا عبدة الأوثان قالوا : إن قوله تعالى : {وَلاَ تَنْكِحُواْ المشركات} نهى عن نكاح الوثنية ، أما الذين قالوا : إن اسم المشرك يتناول جميع الكفار قالوا : ظاهر قوله تعالى : {وَلاَ تَنْكِحُواْ المشركات} يدل على أنه لا يجوز نكاح الكافرة أصلاً ، سواء كانت من أهل الكتاب أو لا ، ثم القائلون بهذا القول اختلفوا فالأكثرون من الأئمة قالوا إنه يجوز للرجل أن يتزوج بالكتابية ، وعن ابن عمر ومحمد بن الحنفية والهادي وهو أحد الأئمة الزيدية أن ذلك حرام ، حجة الجمهور قوله تعالى في سورة المائدة : {والمحصنات مِنَ الذين أُوتُواْ الكتاب} [ المائدة : 5 ] وسورة المائدة كلها ثابتة لم ينسخ منها شيء قط.\rفإن قيل : لم لا يجوز أن يكون المراد منه : من آمن بعد أن كان من أهل الكتاب ؟ .\rقلنا : هذا لا يصح من قبل أنه تعالى أو لا أحل المحصنات من المؤمنات ، وهذا يدخل فيه من آمن منهن بعد الكفر ، ومن كن على الإيمان من أول الأمر ، ولأن قوله : {مِنَ الذين أُوتُواْ الكتاب} [ البقرة : 101 ] يفيد حصول هذا الوصف في حالة الإباحة ، ومما يدل على جواز ذلك ما روي أن الصحابة كانوا يتزوجون بالكتابيات ، وما ظهر من أحد منهم إنكار على ذلك ، فكان هذا إجماعاً على الجواز.\rنقل أن حذيفة تزوج بيهودية أو نصرانية ، فكتب إليه عمر أن خل سبيلها ، فكتب إليه : أتزعم أنها حرام ؟ فقال : لا ولكنني أخاف.\r","part":6,"page":95},{"id":2250,"text":"وعن جابر بن عبد الله رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم : \" نتزوج نساء أهل الكتاب ولا يتزوجون نساءنا \" ويدل عليه أيضاً الخبر المشهور ، وهو ما روى عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه أنه عليه الصلاة والسلام قال في المجوس : \" سنوا بهم سنة أهل الكتاب ، غير ناكحي نسائهم ولا آكلي ذبائحهم \" ولو لم يكن نكاح نسائهم جائزاً لكان هذا الإستثناء عبثاً ، واحتج القائلون بأنه لا يجوز بأمور أولها : أن لفظ المشرك يتناول الكتابية على ما بيناه فقوله : {وَلاَ تَنْكِحُواْ المشركات حتى يُؤْمِنَّ} صريح في تحريم نكاح الكتابية ، والتخصيص والنسخ خلاف الظاهر ، فوجب المصير إليه ، ثم قالوا : وفي الآية ما يدل على تأكيد ما ذكرناه وذلك لأنه تعالى قال في آخر الآية : {أولئك يَدْعُونَ إِلَى النار} والوصف إذا ذكر عقيب الحكم ، وكان الوصف مناسباً للحكم فالظاهر أن ذلك الوصف علة لذلك الحكم فكأنه تعالى قال : حرمت عليكم نكاح المشركات لأنهن يدعون إلى النار وهذه العلة قائمة في الكتابية ، فوجب القطع بكونها محرمة.\rوالحجة الثانية : لهم : أن ابن عمر سئل عن هذه المسألة فتلا آية التحريم وآية التحليل ، ووجه الاستدلال أن الأصل في الإبضاع الحرمة ، فلما تعارض دليل الحرمة تساقطا ، فوجب بقاء ، حكم الأصل ، وبهذا الطريق لما سئل عثمان عن الجمع بين الأختين في ملك اليمين ، فقال : أحلتهما آية وحرمتهما آية ، فحكمتم عند ذلك بالتحريم للسبب الذي ذكرناه فكذا ههنا.\rالحجة الثالثة : لهم : حكى محمد بن جرير الطبري في \"تفسيره\" عن ابن عباس تحريم أصناف النساء إلا المؤمنات ، واحتج بقوله تعالى : {وَمَن يَكْفُرْ بالإيمان فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ} [ المائدة : 5 ] وإذا كان كذلك كانت كالمرتدة في أنه لا يجوز إيراد العقد عليها.\r","part":6,"page":96},{"id":2251,"text":"الحجة الرابعة : التمسك بأثر عمر : حكي أن طلحة نكح يهودية ، وحذيفة نصرانية ، فغضب عمر رضي الله عنه عليهما غضباً شديداً ، فقالا : نحن نطلق يا أمير المؤمنين فلا تغضب ، فقال : إن حل طلاقهن فقد حل نكاحهن ، ولكن أنتزعهن منكم.\rأجاب الأولون عن الحجة الأولى بأن من قال : اليهودي والنصراني لا يدخل تحت اسم المشرك فالإشكال عنه ساقط ، ومن سلم ذلك قال : إن قوله تعالى : {والمحصنات مِنَ الذين أُوتُواْ الكتاب} [ المائدة : 5 ] أخص من هذه الآية ، فإن صحت الرواية أن هذه الحرمة ثبتت ثم زالت جعلنا قوله : {والمحصنات} ناسخاً ، وإن لم تثبت جعلناه مخصصاً ، أقصى ما في الباب أن النسخ والتخصيص خلاف الأصل ، إلا أنه لما كان لا سبيل إلا التوفيق بين الآيتين إلا بهذا الطريق وجب المصير إليه ، أما قوله ثانياً أن تحريم نكاح الوثنية إنما كان لأنها تدعو إلى النار ، وهذا المعنى قائم في الكتابية ، قلنا : الفرق بينهما أن المشركة متظاهرة بالمخالفة والمناصبة ، فلعل الزوج يحبها ، ثم أنها تحمله على المقاتلة مع المسلمين ، وهذا المعنى غير موجود في الذمية ، لأنها مقهورة راضية بالذلة والمسكنة ، فلا يفضي حصول ذلك النكاح إلى المقاتلة ، أما قوله ثالثاً إن آية التحريم والتحليل قد تعارضتا ، فنقول : لكن آية التحليل خاصة ومتأخرة بالإجماع ، فوجب أن تكون متقدمة على آية التحريم وهذا بخلاف الآيتين في الجمع بين الأختين في ملك اليمين ، لأن كل واحدة من تينك الآيتين أخص من الأخرى من وجه وأعم من وجه آخر ، فلم يحصل سبب الترجيح فيه.\rأما قوله ههنا : {والمحصنات مِنَ الذين أُوتُواْ الكتاب} [ المائدة : 5 ] أخص من قوله : {وَلاَ تَنْكِحُواْ المشركات حتى يُؤْمِنَّ} مطلقاً ، فوجب حصول الترجيح.\rوأما التمسك بقوله تعالى : {فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ} [ المائدة : 5 ].\r","part":6,"page":97},{"id":2252,"text":"فجوابه : أنا لما فرقنا بين الكتابية وبين المرتدة في أحكام كثيرة ، فلم لا يجوز الفرق بينهما أيضاً في هذا الحكم ؟ .\rوأما التمسك بأثر عمر فقد نقلنا عنه أنه قال : ليس بحرام ، وإذا حصل التعارض سقط الاستدلال والله أعلم. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 6 صـ 50 ـ 51}\rفائدة\rوالمقصود من التفضيل في قوله : {خير} التفضيل في المنافع الحاصلة من المرأتين ؛ فإن في تزوج الأمة المؤمنة منافع دينية وفي الحرة المشركة منافع دنيوية ومعاني الدين خير من أعراض الدنيا المنافية للدين فالمقصود منه بيان حكمة التحريم استئناساً للمسلمين.\rووقع في \"الكشاف\" حمل الأمة على مطلق المرأة ، لأن الناس كلهم إماء الله وعبيده وأصله منقول عن القاضي أبي الحسن الجرجاني كما في القرطبي وهذا باطل من جهة المعنى ومن جهة اللفظ ، أما المعنى فلأنه يصير تكراراً مع قوله : {ولا تنكحوا المشركات} إذ قد علم الناس أن المشركة دون المؤمنة ، ويُفيت المقصود من التنبيه على شرفِ أقلِّ أَفرادِ أحد الصنفين على أشرَف أفراد الصنف الآخر ، وأما من جهة اللفظ فلأنه لم يرد في كلام العرب إطلاق الأمة على مطلق المرأة ، ولا إطلاق العبد على الرجل إلاّ مقيَّدين بالإضافة إلى اسم الجلالة في قولهم يا عبدَ الله ويا أمةَ الله ، وكونُ الناس إماءَ الله وعبيدَه إنما هو نظر للحقائق لا للاستعمال ، فكيف يخرَّج القرآن عليه. أ هـ {التحرير والتنوير حـ 2 صـ 362}\rوقال أبو حيان : ","part":6,"page":98},{"id":2253,"text":"وقد استدل بقوله : خير ، على جواز نكاح المشركة لأن أفعل التفضيل يقتضي التشريك ، ويكون النهي أوّلاً على سبيل الكراهة ، قالوا : والخيرية إنما تكون بين شيئين جائزين ، ولا حجة في ذلك ، لأن التفضيل قد يقع على سبيل الاعتقاد. لا على سبيل الوجود ، ومنه : {أصحاب الجنة يومئذ خير مستقراً} و: العسل أحلى من الخل ؛ وقال عمر ، في رسالته لأبي موسى : الرجوع إلى الحق خير من التمادي في الباطل ، ويحتمل إبقاء الخيرية على الاشتراك الوجودي ، ولا يدل ذلك على جواز النكاح بأن نكاح المشركة يشتمل على منافع دنيوية ، ونكاح الأمة المؤمنة على منافع أخروية ، فقد اشترك النفعان في مطلق النفع إلا أن نفع الآخرة له المزية العظمى ، فالحكم بهذا النفع الدنيوي لا يقتضي التسويغ ، كما أن الخمر والميسر فيهما منافع ، ولا يقتضي ذلك الإباحة ، وما من شيء محرم إلاَّ يكاد يكون فيه نفع مّا. أ هـ {البحر المحيط حـ 2 صـ 174}\rفصل\rقال الفخر : ","part":6,"page":99},{"id":2254,"text":"اتفق الكل على أن المراد من قوله : {حتى يُؤْمِنَّ} الإقرار بالشهادة والتزام أحكام الإسلام ، وعند هذا احتجت الكرامية بهذه الآية على أن الإيمان عبارة عن مجرد الإقرار وقالوا إن الله تعالى جعل الإيمان ههنا غاية التحريم والذي هو غاية التحريم ههنا الإقرار ، فثبت أن الإيمان في عرف الشرع عبارة عن الإقرار ، واحتج أصحابنا على فساد هذا المذهب بوجوه : أحدها : أنا بينا بالدلائل الكثيرة في تفسير قوله : {الذين يُؤْمِنُونَ بالغيب} [ البقرة : 3 ] أن الإيمان عبارة عن التصديق بالقلب وثانيها : قوله تعالى : {وَمِنَ الناس مَن يَقُولُ ءَامَنَّا بالله وباليوم الآخر وَمَا هُم} [ البقرة : 8 ] ولو كان الإيمان عبارة عن مجرد الإفراد لكان قوله تعالى : {مَّا هُم بِمُؤْمِنِينَ} كذباً وثالثها : قوله : {قَالَتِ الأعراب ءَامَنَّا قُل لَّمْ تُؤْمِنُواْ} [ الحجرات : 14 ] ولو كان الإيمان عبارة عن مجرد الإقرار لكان قوله : {قُل لَّمْ تُؤْمِنُواْ} كذباً ، ثم أجابوا عن تمسكهم بهذه الآية بأن التصديق الذي في القلب لا يمكن الإطلاع عليه فأقيم الإقرار باللسان مقام التصديق بالقلب. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 6 صـ 51}\rفائدة\rنقل عن الحسن أنه قال : هذه الآية ناسخة لما كانوا عليه من تزويج المشركات قال القاضي : كونهم قبل نزول هذه الآية مقدمين على نكاح المشركات إن كان على سبيل العادة لا من قبل الشرع امتنع وصف هذه الآية بأنها ناسخة ، لأنه ثبت في أصول الفقه أن الناسخ والمنسوخ يجب أن يكون حكمين شرعيين ، أما إن كان جواز نكاح المشركة قبل نزول هذه الآية ثابتاً من قبل الشرع كانت هذه الآية ناسخة. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 6 صـ 51}\rقوله تعالى : {ولأَمَةٌ مُّؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مّن مُّشْرِكَةٍ وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ}\rقال القرطبى : ","part":6,"page":100},{"id":2255,"text":"نزلت في خَنساءَ وليدةٍ سوداءَ كانت لحذيفةَ بنِ اليمان ؛ فقال لها حذيفة : يا خنساءُ ، قد ذُكرت في الملأ الأعلى مع سوادِك ودمامَتِك ، وأنزل الله تعالى ذكرك في كتابه ، فأعتقها حُذيفةُ وتزوّجها. وقال السُّدّيّ : \" نزلت في عبد الله بن رَواحةَ ، كانت له أُمَةٌ سوداءُ فلطمها في غضب ثم نَدِم ، فأتى النبيّ صلى الله عليه وسلم فأخبره ؛ فقال : \"ما هي يا عبدَ الله\" قال : تصوم وتُصلِّي وتُحسِن الوضوءَ وتَشهد الشهادتين ؛ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : \"هذه مؤمنة\" \" فقال ابن رواحة : لأَعتِقنّها ولأَتزوّجنّها ؛ ففعل ؛ فطعن عليه ناس من المسلمين وقالوا : نكح أَمَةً ؛ وكانوا يرون أن ينكحوا إلى المشركين ، وكانوا ينكحونهم رغبة في أحسابهم ، فنزلت هذه الآية. والله أعلم. أ هـ {تفسير القرطبى حـ 3 صـ 69 ـ70}\rقال الفخر : \rالخير هو النفع الحسن : والمعنى : أن المشركة لو كانت ثابتة في المال والجمال والنسب ، فالأمة المؤمنة خير منها لأن الإيمان متعلق بالدين والمال والجمال والنسب متعلق بالدنيا والدين خير من الدنيا ولأن الدين أشرف الأشياء عند كل أحد فعند التوافق في الدين تكمل المحبة فتكمل منافع الدنيا من الصحة والطاعة وحفظ الأموال والأولاد وعند الاختلاف في الدين لا تحصل المحبة ، فلا يحصل شيء من منافع الدنيا من تلك المرأة ، وقال بعضهم المراد ولأمة مؤمنة خير من حرة مشركة ، واعلم أنه لا حاجة إلى هذا التقدير لوجهين أحدهما : أن اللفظ مطلق والثاني : أن قوله : {وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ} يدل على صفة الحرية ، لأن التقدير : ولو أعجبتكم بحسنها أو مالها أو حريتها أو نسبها ، فكل ذلك داخل تحت قوله : {وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ}. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 6 صـ 52}\rقال أبو السعود : ","part":6,"page":101},{"id":2256,"text":"{وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ} قد مر أن كلمة ( لو ) في أمثال هذه المواقع ليست لبيان انتفاءِ الشيء في الماضي لانتفاء غيره فيه فلا يلاحَظَ لها جوابٌ قد حذف ثقةً بدلالة ما قبلها عليه مع انصباب المعنى على تقديره بل هي لبيان تحقيقِ ما يفيدُه الكلام السابق من الحكم على كل حال مفروض من الأحوال المقارنة له على الإجمال بإدخالها على أبعدها منه وأشدِّها منافاةً له ليظهرَ بثبوته معه ثبوتُه مع ما عداه من الأحوال بطريق الأولوية لما أن الشيءَ متى تحقق مع المُنافي القويِّ فلأَنْ يتحققَ مع غيره أولى ، ولذلك لا يُذكر معه شيء من سائر الأحوال ويكتفى عنه بذكر الواو العاطفةِ للجملة على نظيرتها المقابلة لها المتناولةِ لجميع الأحوال المغايرة لها وهذا معنى قولهم : إنها لاستقصاء الأحوالِ على وجه الإجمال كأنه قيل : لو لم تعجبْكم ولو أعجبتكم والجملةُ في حيِّز النصبِ على الحالية من مشركة إذ المآل ولأمة مؤمنة خيرٌ من امرأة مشركة حال عدمِ إعجابها إياكم بجمالها ومالِها ونسبها وغيرِ ذلك من مبادىء الإعجابِ وموجباتِ الرغبة فيها أي على كل حال ، وقد اقتُصر على ذكر ما هو أشدُّ منافاةً للخيرية تنبيهاً على أنها حيث تحققت معه فلأَنْ تتحققَ مع غيره أولى وقيل : الواوُ حاليةٌ وليس بواضح وقيل : اعتراضيةٌ وليس بسديد ، والحقُّ أنها عاطفة مستتبعةٌ لما ذكر من الاعتبار اللطيف. نعم يجوز أن تكونَ الجملةُ الأولى مع عاطف عليها مستأنفةً مقرِّرةً لمضمون ما قبلها فتدبر. أ هـ {تفسير أبى السعود حـ 1 صـ 221}\rإشكال وجوابه\rقال الفخر : \rفي الآية إشكال وهو أن قوله : {وَلاَ تَنْكِحُواْ المشركات} يقتضي حرمة نكاح المشركة ، ثم قوله : {وَلأَمَةٌ مُّؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مّن مُّشْرِكَةٍ} يقتضي جواز التزوج بالمشركة لأن لفظة أفعل تقتضي المشاركة في الصفة ولأحدهما مزية.","part":6,"page":102},{"id":2257,"text":"قلنا : نكاح المشركة مشتمل على منافع الدنيا ، ونكاح المؤمنة مشتمل على منافع الآخرة ، والنفعان يشتركان في أصل كونهما نفعاً ، إلا أن نفع الآخرة له المزية العظمى ، فاندفع السؤال ، والله أعلم. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 6 صـ 52}\rفصل\rقال القرطبى : ","part":6,"page":103},{"id":2258,"text":"واختلفوا في نكاح نساءِ المجوس ؛ فمنع مالكٌ والشافعيّ وأبو حنيفة والأُوزاعيُّ وإسحاقُ من ذلك. وقال ابن حَنْبل : لا يعجبني. ورُوي أن حُذَيفة بن اليمان تزوّج مجوسية ، وأن عُمَر قال له : طلِّقها. وقال ابن القَصّار : قال بعض أصحابنا : يجب على أحد القولين أنّ لهم كتاباً أن تجوز مناكحتهم. وروى ابن وهبٍ عن مالكٍ أن الأَمَةَ المجوسيّة لا يجوز أن تُوطأ بِملْك اليمين ، وكذلك الوثنياتُ وغيرُهن من الكافرات ؛ وعلى هذا جماعة العلماء ، إلا ما رواه يحيى بنُ أيوبَ عن ابن جُريج عن عطاءٍ وعمرو بنِ دينارٍ أنهما سئلا عن نكاح الإماءِ المجوسيات ؛ فقالا : لا بأس بذلك. وتأوّلا قول الله عز وجل : {وَلاَ تَنْكِحُواْ المشركات}. فهذا عندهما على عقد النكاح لا على الأَمَة المشتراة ؛ واحتجّا بسَبْي أَوْطاس ؛ وأن الصحابة نكحوا الإماءَ منهنّ بِملْك اليمين. قال النحاس : وهذا قول شاذّ ؛ أماسَبْيُ أَوْطاس فقد يجوز أن يكون الإماءُ أسلمن فجاز نكاحهنّ ، وأما الاحتجاج بقوله تعالى : {وَلاَ تَنْكِحُواْ المشركات حتى يُؤْمِنَّ} فغلط ؛ لأنهم حملوا النكاح على العَقْد ؛ والنكاح في اللغة يقع على العَقْد وعلى الوطء ؛ فلما قال : {وَلاَ تَنْكِحُواْ المشركات} حَرّم كلَّ نكاح يقع على المشركات من نكاح ووطء. وقال أبو عمر بن عبد البر : وقال الأُوزاعيّ : سألت الزُّهريّ عن الرجل يشتري المجوسيَّة أيطؤها ؟ فقال : إذا شهدت أن لا إله إلا الله وَطِئها. وعن يونس عن ابن شهاب قال : لا يحلّ له أن يطأها حتى تُسلِم. قال أبو عمر : قول ابن شهاب لا يحل له أن يطأها حتى تُسلِم هذا وهو أعلم الناس بالمغازي والسِّيَرِ دليلٌ على فساد قولِ مَن زعم أن سَبْيَ أوْطاس وُطِئن ولم يُسلِمْنَ. رُوي ذلك عن طائفة منهم عطاءٌ وعمرُو بن دينارٍ قالا : لا بأس بوطء المجوسية ؛ وهذا لم يلتفت إليه أحدٌ من الفقهاء بالأمصار. وقد جاء عن الحسن البصريّ وهو ممن لم يكن","part":6,"page":104},{"id":2259,"text":"غَزْوُه ولا غَزْوُ ( أهل ) ناحيتِه إلا الفُرس وما وراءهم من خُرَاسان ، وليس منهم أحدٌ أهلَ كتاب ما يُبيِّن لك كيف كانت السّيرة في نسائهم إذا سُيبن ، قال : أخبرنا عبد الله ابنُ محمد بن أسد ، قال : حدّثنا إبراهيمُ بنُ أحمد بن فراس ، قال : حدّثنا عليّ بن عبد العزيز ، قال : حدّثنا أبو عبيد ، قال : حدّثنا هشام عن يونس عن الحسن ، قال : قال رجل له : يا أبا سعيد كيف كنتم تصنعون إذا سبيتموهنّ ؟ قال : كنا نوجهها إلى القبلة ونأمرها أن تُسلِم وتَشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله ؛ ثم نأمرها أن تغتسل ، وإذا أراد صاحبُها أن يصيبَها لم يُصبها حتى يستبرئَها.\rوعلى هذا تأويلُ جماعةِ العلماء في قول الله تعالى : {وَلاَ تَنْكِحُواْ المشركات حتى يُؤْمِنَّ} أنهنّ الوثنيّاتُ والمجوسيّاتُ ؛ لأن الله تعالى قد أحلّ الكتابيات بقوله : {والمحصنات مِنَ الذين أُوتُواْ الكتاب مِن قَبْلِكُمْ} [ المائدة : 5 ] يعني العفائفَ ، لا من شُهر زناها من المسلمات. ومنهم من كَرِه نكاحَها ووطأَها بِملْك اليمين ما لم يكن منهنّ توبة ؛ لما في ذلك من إفساد النَّسَب. أ هـ {تفسير القرطبى حـ 3 صـ 71}\rقوله تعالى : {وَلاَ تُنكِحُواْ المشركين حتى يُؤْمِنُواْ}\rقال الفخر : \rأما قوله تعالى : {وَلاَ تُنكِحُواْ المشركين حتى يُؤْمِنُواْ} فلا خلاف ههنا أن المراد به الكل وأن المؤمنة لا يحل تزويجها من الكافر ألبتة على اختلاف أنواع الكفرة. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 6 صـ 52}\rقال القرطبى : ","part":6,"page":105},{"id":2260,"text":"قوله تعالى : {وَلَعَبْدٌ مُّؤْمِنٌ} أي مملوك {خَيْرٌ مِّن مُّشْرِكٍ} أي حَسيِب. {وَلَوْ أَعْجَبَكُمْ} أي حَسَبه وماله ؛ حسب ما تقدّم. وقيل المعنى : ولرجل مؤمن ، وكذا ولأَمَة مؤمنة ، أي ولا امرأة مؤمنة ، كما بيّناه. قال صلى الله عليه وسلم : \" كلُّ رجالِكم عَبيد الله وكلُّ نسائِكم إماء الله \" وقال : \" لا تمنعوا إماء الله مساجدَ الله \" وقال تعالى : {نِعْمَ العبد إِنَّهُ أَوَّابٌ} [ ص : 30 ، 44 ]. وهذا أحسن ما حمل عليه القول في هذه الآية ، وبه يرتفع النزاع ويزول الخلاف ؛ والله الموفق. أ هـ {تفسير القرطبى حـ 3 صـ 80}\rوقال أبو حيان : \rوفي هذه الآية تنبيه على العلة المانعة من المناكحة في الكفار ، لما هم عليه من الالتباس بالمحرّمات من : الخمر والخنزير ، والانغماس في القاذورات ، وتربية النسل وسرقة الطباع من طباعهم ، وغير ذلك مما لا تعادل فيه شهوة النكاح في بعض ما هم عليه ، وإذا نظر إلى هذه العلة فهي موجودة في كل كافر وكافرة فتقتضي المنع من المناكحة مطلقاً. أ هـ {البحر المحيط حـ 2 صـ 175}\rقوله تعالى {أُولَئِكَ يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ}\rالمناسبة\rقال البقاعى : \rولما كانت مخالطة أهل الشرك مظنة الفساد الذي ربما أدى إلى التهاون بالدين فربما دعا الزوج زوجته إلى الكفر فقاده الميل إلى اتباعه قال منبهاً على ذلك ومعللاً لهذا الحكم : {أولئك} أي الذين هم أهل للبعد من كل خير {يدعون إلى النار} أي الأفعال المؤدية إليها ولا بد فربما أدى الحب الزوج المسلم إلى الكفر ولا عبرة باحتمال ترك الكافر للكفر وإسلامه موافقة للزوج المسلم لأن درء المفاسد مقدم. أ هـ {نظم الدرر حـ 1 صـ 420}\rقال الفخر : \rهذه الآية نظير قوله : {مَا لِى أَدْعُوكُمْ إِلَى النجاة وَتَدْعُونَنِى إِلَى النار} [ غافر : 41 ].\rفإن قيل : فكيف يدعون إلى النار وربما لم يؤمنوا بالنار أصلاً ، فكيف يدعون إليها.","part":6,"page":106},{"id":2261,"text":"وجوابه : أنهم ذكروا في تأويل هذه الآية وجوهاً أحدها : أنهم يدعون إلى ما يؤدي إلى النار ، فإن الظاهر أن الزوجية مظنة الألفة والمحبة والمودة ، وكل ذلك يوجب الموافقة في المطالب والأغراض ، وربما يؤدي ذلك إلى انتقال المسلم عن الإسلام بسبب موافقة حبيبه.\rفإن قيل : احتمال المحبة حاصل من الجانبين ، فكما يحتمل أن يصير المسلم كافراً بسبب الألفة والمحبة ، يحتمل أيضاً أن يصير الكافر مسلماً بسبب الألفة والمحبة ، وإذا تعارض الإحتمالان وجب أن يتساقطا ، فيبقى أصل الجواز.\rقلنا : إن الرجحان لهذا الجانب لأن بتقدير أن ينتقل الكافر عن كفره يستوجب المسلم به مزيد ثواب ودرجة ، وبتقدير أن ينتقل المسلم عن إسلامه يستوجب العقوبة العظيمة ، والإقدام على هذا العمل دائر بين أن يلحقه مزيد نفع ، وبين أن يلحقه ضرر عظيم ، وفي مثل هذه الصورة يجب الإحتراز عن الضرر ، فلهذا السبب رجح الله تعالى جانب المنع على جانب الإطلاق.\rالتأويل الثاني : أن في الناس من حمل قوله : {أُوْلَئِكَ يَدْعُونَ إِلَى النار} أنهم يدعون إلى ترك المحاربة والقتال ، وفي تركهما وجوب استحقاق النار والعذاب وغرض هذا القائل من هذا التأويل أن يجعل هذا فرقاً بين الذمية وبين غيرها ، فإن الذمية لا تحمل زوجها على المقاتلة فظهر الفرق.\rالتأويل الثالث : أن الولد الذي يحدث ربما دعاه الكافر إلى الكفر فيصير الولد من أهل النار ، فهذا هو الدعوة إلى النار {والله يَدْعُو إلى الجنة} حيث أمرنا بتزويج المسلمة حتى يكون الولد مسلماً من أهل الجنة. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 6 صـ 53}\rقال ابن عاشور : ","part":6,"page":107},{"id":2262,"text":"وقوله : {أولئك يدعون إلى النار} الإشارة إلى المشركات والمشركين ، إذ لا وجه لتخصيصه بالمشركين خاصة لصلوحيته للعود إلى الجميع ، والواو في {يدعون} واو جماعة الرجال ووزنه يفعون ، وغُلِّب فيه المذكر على المؤنث كما هو الشائع ، والجملة مستأنفة استئنافاً بيانياً لتعليل النهي عن نكاح المشركات وإنكاح المشركين ، ومعنى الدعاء إلى النار الدعاء إلى أسبابها فإسناد الدعاء إليهم حقيقة عقلية ، ولفظ النار مجاز مرسل أطلق على أسباب الدخول إلى النار فإن ما هم عليه يجر إلى النار من غير علم ، ولما كانت رابطة النكاح رابطة اتصال ومعاشرة نهي عن وقوعها مع من يدعون إلى النار خشية أن تؤثر تلك الدعوة في النفس ، فإن بين الزوجين مودة وإلفاً يبعثان على إرضاء أحدهما الآخر ولما كانت هذه الدعوة من المشركين شديدة لأنهم لا يوحدون الله ولا يؤمنون بالرسل ، كان البون بينهم وبين المسلمين في الدين بعيداً جداً لا يجمعهم شيء يتفقون عليه ، فلم يبح الله مخالطتهم بالتزوج من كلا الجانبين. أما أهل الكتاب فيجمع بينهم وبين المسلمين اعتقاد وجود الله وانفراده بالخلق والإيمان بالأنبياء ويفرق بيننا وبين النصارى الاعتقاد ببنوة عيسى والإيمان بمحمد صلى الله عليه وسلم ويفرق بيننا وبين اليهود الإيمان بمحمد صلى الله عليه وسلم وتصديق عيسى ، فأباح الله تعالى للمسلم أن يتزوج الكتابية ولم يبح تزوج المسلمة من الكتابي اعتداداً بقوة تأثير الرجل على امرأته ، فالمسلم يؤمن بأنبياء الكتابية وبصحة دينها قبل النسخ فيوشك أن يكون ذلك جالباً إياها إلى الإسلام ، لأنها أضعف منه جانباً وأما الكافر فهو لا يؤمن بدين المسلمة ولا برسولها فيوشك أن يجرها إلى دينه ، لذلك السبب وهذا كان يجيب به شيخنا الأستاذ سالم أبو حاجب عن وجه إباحة تزوج الكتابية ومنع تزوج الكتابي المسلمة. أ هـ {التحرير والتنوير حـ 2 صـ 363}","part":6,"page":108},{"id":2263,"text":"سؤال : فإن قالوا : فقد قال الله تعالى : {أولئك يَدْعُونَ إِلَى النار} فجعل العلّة في تحريم نكاحهنّ الدعاء إلى النار. والجواب أن ذلك علة لقوله تعالى : {وَلأَمَةٌ مُّؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِّن مُّشْرِكَةٍ} لأن المشرك يدعو إلى النار ؛ وهذه العلة مطّردة في جميع الكفار ؛ فالمسلمُ خيرٌ من الكافر مطلقاً ؛ وهذا بيّن.\rأ هـ {تفسير القرطبى حـ 3 صـ 85}\rفائدة\rقال القرطبى : \rوأما نكاح أهل الكتاب إذا كانوا حَرْباً فلا يحِلّ ؛ وسئل ابن عباس عن ذلك فقال : لا يَحلّ ، وتَلاَ قولَ الله تعالى : {قَاتِلُواْ الذين لاَ يُؤْمِنُونَ بالله وَلاَ باليوم الآخر} [ التوبة : 29 ] إلى قوله : \"صَاغِرُونَ\". قال المحدّث : حدّثت بذلك إبراهيم النّخعيّ فأعجبه. وكَرِه مالكٌ تزوّجَ الحربيّات ، لعلة تركِ الولدِ في دار الحرب ، ولتصرّفها في الخمر والخنزير. أ هـ {تفسير القرطبى حـ 3 صـ 69}\rقوله تعالى {وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى الْجَنَّةِ وَالْمَغْفِرَةِ بِإِذْنِهِ وَيُبَيِّنُ آَيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ}\rالمناسبة\rقال البقاعى : ","part":6,"page":109},{"id":2264,"text":"ولما رهب من أهل الشرك حثاً على البغض فيه رغب في الإقبال إليه سبحانه وتعالى بالإقبال على أوليائه بالحب فيه وبغير ذلك فقال : {والله} أي بعز جلاله وعظمة كماله {يدعوا} أي بما يأمر به {إلى الجنة} أي الأفعال المؤدية إليها. ولما كان ربما لا يوصل إلى الجنة إلا بعد القصاص قال : {والمغفرة} أي إلى أن يفعلوا ما يؤدي إلى أن يغفر لهم ويهذب نفوسهم بحيث يصيرون إلى حالة سنية يغفرون فيها للناس ما أتوا إليهم. ولما كان الدعاء قد يكون بالحمل على الشيء وقد يكون بالبيان بحيث يصير المدعو إليه متهيئاً للوصول إليه قال : {بإذنه} أي بتمكينه من ذلك لمن يريد سعادته {ويبين آياته} في ذلك وفي غيره {للناس} كافة من أراد سعادته وغيره {لعلهم يتذكرون } أي ليكونوا على حالة يظهر لهم بها بما خلق لهم ربهم من الفهم وما طبع في أنفسهم من الغرائز حسن ما دعاهم إليه وقبح ما نهاهم عنه غاية الظهور بما أفهمه الإظهار. أ هـ {نظم الدرر حـ 1 صـ 420}\rقال الفخر : \rأما قوله تعالى : {والله يَدْعُو إلى الجنة والمغفرة بِإِذْنِهِ} ففيه قولان : \rالقول الأول : أن المعنى وأولياء الله يدعون إلى الجنة ، فكأنه قيل : أعداء الله يدعون إلى النار وأولياء الله يدعون إلى الجنة والمغفرة فلا جرم يجب على العاقل أن لا يدور حول المشركات اللواتي هن أعداء الله تعالى ، وأن ينكح المؤمنات فإنهن يدعون إلى الجنة والمغفرة والثاني : أنه سبحانه لما بين هذه الأحكام وأباح بعضها وحرم بعضها ، قال : {والله يَدْعُواْ إِلَى الجنة والمغفرة} لأن من تمسك بها استحق الجنة والمغفرة. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 6 صـ 53}\rفائدة\rقال القرطبى : ","part":6,"page":110},{"id":2265,"text":"وتقدم هنا الجنة على المغفرة ، وتأخر عنها في قوله : {سارعو إلى مغفرة من ربكم وجنة} وفي قوله : {سابقوا إلى مغفرة من ربكم وجنة} والأصل فيه تقدم المغفرة على الجنة ، لأن دخول الجنة متسبب عن حصول المغفرة ، ففي تلك الآيتين جاء على هذا الأصل ، وأما هنا ، فتقدم ذكر الجنة على المغفرة لتحسن المقابلة ، فإن قبله {أولئك يدعون إلى النار} فجاء {والله يدعو إلى الجنة} وليبدأ بما تتشوف إليه النفس حين ذكر دعاء الله ، فأتى بالأشرف للأشرف ، ثم أتبع بالمغفرة على سبيل التتمة في الإحسان ، وتهيئة سبب دخول الجنة. أ هـ {البحر المحيط حـ 2 صـ 176}\rوقال الآلوسى : \rوتقديم الجنة على المغفرة مع قولهم : التخلية أولى بالتقديم على التحلية لرعاية مقابلة النار. أ هـ {روح المعانى حـ 2 صـ 120}\rقوله : {بِإِذْنِهِ}\rقال الفخر : \rأما قوله : {بِإِذْنِهِ} فالمعنى بتيسير الله وتوفيقه للعمل الذي يستحق به الجنة والمغفرة ، ونظيره قوله : {وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَن تُؤْمِنَ إِلاَّ بِإِذْنِ الله} [ يونس : 100 ] وقوله : {وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلاَّ بِإِذْنِ الله} [ آل عمران : 145 ] وقوله : {وَمَا هُم بِضَارّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلاَّ بِإِذْنِ الله} [ البقرة : 102 ] وقرأ الحسن {والمغفرة بِإِذْنِهِ} بالرفع أي والمغفرة حاصلة بتيسيره. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 6 صـ 53}\rسؤال : إن قلت : هلا قال : والمؤمنون يدعون إِلَى الجَنَّةِ وَالمَغْفِرَةِ بِإِذْنِهِ. كما ( أسند ) للمشركين الدّعاء إلى النار ؟ \rقلت : أجاب ابن عرفة بأن فيه كمال تشريف لدين الإسلام كما قال الله تعالى : {إِنَّ الذين يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ الله} قال ابن عرفة : فإن قلت المغفرة سبب في دخول الجنة فهلا : قدمت عليها ؟ \rفالجواب من وجوه : ","part":6,"page":111},{"id":2266,"text":"الأول : قال ابن عرفة : تقدم لنا الجواب عنه فإنّها إنّما أخّرت لتتناول الآية من أطاع الله ولم يعصه فإنه يدخل الجنة ( دخولا أوليا ) ومن أطاع الله وعصى فإنه يدخل النّار ويغفر له فيدخل الجنة ، ومن أطاع الله وعصى وغفر له فإنه أيضا يدخل الجنة دخولا أوليا.\rالثاني : أنه قصد ذكر المغفرة بالتضمن وبالمطابقة.\rالثالث : أن المراد أولائك يدعون إلى النّار والمعصية ، وهذا مقابل له فحذف من الأول لدلالة هذا المذكور في الثاني عليه.\rورده ابن عرفة : بأنّ الآية إنما جاءت تهييجا على الطاعة ، فالمناسب أن يذكر فيها ( المخوفات ) والدعاء للمعصية ليس بمخوف.\rقلت : تقول التقدير : أولئك يدعون إلى النار والعذاب. أ هـ {تفسير ابن عرفة صـ 286}\rقال الآلوسى : \r{وَيُبَيِنُ آياته لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ} لكي يتعظوا أو يستحضروا معلوماتهم بناءاً على أنّ معرفة الله تعالى مركوزة في العقول ، والجملة تذييل للنصح والإرشاد ، والواو اعتراضية أو عاطفة ، وفصلت الآية السابقة بـ {يَتَفَكَّرُونَ} [ البقرة : 9 21 ] لأنها كانت لبيان الأحكام والمصالح والمنافع والرغبة فيها التي هي محل تصرف العقل والتبيين للمؤمنين فناسب التفكر ، وهذه الآية بـ {يَتَذَكَّرُونَ} لأنها تذييل للإخبار بالدعوة إلى الجنة والنار التي لا سبيل إلى معرفتها إلا النقل والتبيين لجميع الناس فناسب التذكر.\r","part":6,"page":112},{"id":2267,"text":"ومن الناس من قدّر في الآية مضافاً أي فريق الله أو أولياؤه وهم المؤمنون فحذف المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه تشريفاً لهم ، واعترض بأن الضمير في المعطوف على الخبر لله تعالى فيلزم التفكيك مع عدم الداعي لذلك ، وأجيب بأن الداعي كون هذه الجملة معللة للخيرية السابقة ولا يظهر التعليل بدون التقدير ، وكذا لا تظهر الملائمة لقوله سبحانه : {بِإِذْنِهِ} بدون ذلك فإن تقييد دعوته تعالى ( بإذنه ) ليس فيه حينئذ كثير فائدة بأي تفسير فسر الإذن وأمر التفكيك سهل لأنه بعد إقامة المضاف إليه مقام المضاف للتشريف بجعل فعل الأوّل فعلا للثاني صورة فتتناسب الضمائر كما في \"الكشاف\" ولا يخفى ما فيه وعلى العلات هو أولى مما قيل : إن المراد : والله يدعو على لسان رسوله صلى الله عليه وسلم إلى ذلك فتجب إجابته بتزويج أوليائه لأنه وإن كان مستدعياً لاتحاد المرجع في الجملتين المتعاطفتين الواقعتين خبراً ، لكن يفوت التعليل وحسن المقابلة بينه وبين {أُوْلَئِكَ يَدْعُونَ إِلَى النار} وكذا لطافة التقييد كما لا يخفى. أ هـ {روح المعانى حـ 2 صـ 120}\rقال السعدى فى معنى الآية : \r{وَلا تَنْكِحُوا} النساء {الْمُشْرِكَاتِ} ما دمن على شركهن {حَتَّى يُؤْمِنَّ} لأن المؤمنة ولو بلغت من الدمامة ما بلغت خير من المشركة ، ولو بلغت من الحسن ما بلغت ، وهذه عامة في جميع النساء المشركات ، وخصصتها آية المائدة ، في إباحة نساء أهل الكتاب كما قال تعالى : {وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ}.\r{وَلا تُنْكِحُوا الْمُشْرِكِينَ حَتَّى يُؤْمِنُوا} وهذا عام لا تخصيص فيه.\rثم ذكر تعالى ، الحكمة في تحريم نكاح المسلم أو المسلمة ، لمن خالفهما في الدين فقال : {أُولَئِكَ يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ} أي : في أقوالهم أو أفعالهم وأحوالهم ، فمخالطتهم على خطر منهم ، والخطر ليس من الأخطار الدنيوية ، إنما هو الشقاء الأبدي.","part":6,"page":113},{"id":2268,"text":"ويستفاد من تعليل الآية ، النهي عن مخالطة كل مشرك ومبتدع ، لأنه إذا لم يجز التزوج مع أن فيه مصالح كثيرة فالخلطة المجردة من باب أولى ، وخصوصا ، الخلطة التي فيها ارتفاع المشرك ونحوه على المسلم ، كالخدمة ونحوها.\rوفي قوله : {وَلا تُنْكِحُوا الْمُشْرِكِينَ} دليل على اعتبار الولي [في النكاح].\r{وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى الْجَنَّةِ وَالْمَغْفِرَةِ} أي : يدعو عباده لتحصيل الجنة والمغفرة ، التي من آثارها ، دفع العقوبات وذلك بالدعوة إلى أسبابها من الأعمال الصالحة ، والتوبة النصوح ، والعلم النافع ، والعمل الصالح.\r{وَيُبَيِّنُ آيَاتِهِ} أي : أحكامه وحكمها {لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ} فيوجب لهم ذلك التذكر لما نسوه ، وعلم ما جهلوه ، والامتثال لما ضيعوه. أ هـ {تفسير السعدى صـ 99}","part":6,"page":114},{"id":2269,"text":"قوله تعالى : {(وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ (222))}\rمناسبة الآية لما قبلها\rقال البقاعى : \rولما كان في ذكر هذه الآية رجوع إلى تتميم ما أحل من الرفث في ليل الصيام على أحسن وجه تلاها بالسؤال عن غشيان الحائض ولما كان في النكاح شائبة للجماع تثير للسؤال عن أحواله وشائبة للانس والانتفاع تفتر عن ذلك كان نظم آية الحرث بآية العقد بطريق العطف أنسب منه بطريق الاستئناف فقال : {ويسئلونك عن المحيض} أي عن نكاح النساء فيه مخالفة لليهود. أ هـ {نظم الدرر حـ 1 صـ 421}\rقال ابن عاشور : \rقوله تعالى : {(وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ)\rعطف على جملة : {ولا تنكحوا المشركات حتى يؤمن} [ البقرة : 221 ] ، بمناسبة أن تحريم نكاح المشركات يؤذن بالتنزه عن أحوال المشركين وكان المشركون لا يقربون نساءهم إذا كُنَّ حُيَّضاً وكانوا يفرطون في الابتعاد منهن مدة الحيض فناسب تحديد ما يكثر وقوعه وهو من الأحوال التي يخالف فيها المشركون غيرهم ، ويتساءل المسلمون عن أحق المناهج في شأنها. أ هـ {التحرير والتنوير حـ 2 صـ 364}\rقال الفخر : \rاعلم أنه تعالى جمع في هذا الموضع ستة من الأسئلة ، فذكر الثلاثة الأول بغير الواو ، وذكر الثلاثة الأخيرة بالواو ، والسبب أن سؤالهم عن تلك الحوادث الأول وقع في أحوال متفرقة فلم يؤت فيها بحرف العطف لأن كل واحد من تلك السؤالات سؤال مبتدأ ، وسألو عن المسائل الثلاثة الأخيرة في وقت واحد ، فجيء بحرف الجمع لذلك ، كأنه قيل : يجمعون لك بين السؤال عن الخمر والميسر ، والسؤال عن كذا ، والسؤال عن كذا. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 6 صـ 54}\rوقال الآلوسى : ","part":6,"page":115},{"id":2270,"text":"قال صاحب \"الانتصاف\" في بيان العطف والترك : إن أول المعطوفات عين الأول من المجردة ، ولكن وقع جوابه أولاً بالمصرف لأنه الأهم ، وإن كان المسؤول عنه إنما هو المنفق لا جهة مصرفه ثم لما لم يكن في الجواب الأول تصريح بالمسؤول عنه أعيد السؤال ليجابوا عن المسؤول عنه صريحاً ، وهو العفو الفاضل فتعين إذاً عطفه ليرتبط بالأوّل ، وأما السؤال الثاني من المقرونة فقد وقع عن أحوال اليتامى ، وهل يجوز مخالطتهم في النفقة والسكنى فكان له مناسبة مع النفقة باعتبار أنهم إذا خالطوهم أنفقوا عليهم فلذا عطف على سؤال الانفاق ، وأما السؤال الثالث فلما كان مشتملاً على اعتزال الحيض ناسب عطفه على ما قبله لما فيه من بيان ما كانوا يفعلونه من اعتزال اليتامى ، وإذا اعتبرت الأسئلة المجردة من الواو لم تجد بينها مداناة ولا مناسبة ألبتة إذ الأول منها عن النفقة والثاني عن القتال في الشهر الحرام ، والثالث عن الخمر والميسر وبينها من التباين. والتقاطع ما لا يخفى فذكرت كذلك مرسلة متقاطعة غير مربوطة بعضها ببعض ، وهذا من بدائع البيان الذي لا تجده إلا في الكتاب العزيز ا ه. ولا أرى القلب يطمئن به كما لا يخفى على من أحاط خبراً بما ذكرناه فتدبر. أ هـ {روح المعانى حـ 2 صـ 121}\rسبب نزول الآية\rقال القرطبى : ","part":6,"page":116},{"id":2271,"text":"ذكر الطبريّ عن السُّدِّيّ أن السائل ثابتَ بن الدَّحْدَاح وقيل : أُسيد بن حُضير وعَبّاد بن بشر ؛ وهو قول الأكثرين. وسبب السؤال فيما قال قَتَادة وغيرُه : أن العرب في المدينة وما والاها كانوا قد استنوا بسُنّة بني إسرائيل في تجنُّب مؤاكلة الحائض ومساكنتها ؛ فنزلت هذه الآية. وقال مجاهد : كانوا يتجنّبون النساء في الحيض ، ويأتونهنّ في أدبارهنّ مدّةً زمن الحيض ؛ فنزلت. وفي صحيح مسلم عن أنس : أن اليهود كانوا إذا حاضت المرأة فيهم لم يؤاكلوها ولم يجامعوهنَّ في البيوت ؛ فسأل أصحابُ النبيّ صلى الله عليه وسلم النبيَّ صلى الله عليه وسلم ، فأنزل الله تعالى : {وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ المحيض قُلْ هُوَ أَذًى فاعتزلوا النسآء فِي المحيض} إلى آخر الآية ؛ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : \" اصنعوا كلَّ شيء إلاَّ النكاح \" فبلغ ذلك اليهود ، فقالوا : ما يريد هذا الرجل أن يَدَعَ من أمرنا شيئاً إلاَّ خالفنا فيه ؛ فجاء أُسَيد بن حُضَيْر وعبّاد بن بشر فقالا : يا رسول الله ، إن اليهود تقول كذا وكذا ، أفلا نجامعهنّ ؟ فتغير وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم ، حتى ظننا أن قد وَجَد عليهما ؛ فخرجا فاستقبلهما هدّيةٌ من لَبَنٍ إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فأرسل في آثارهما فسقاهما ؛ فعرفا أن لم يَجِدْ عليهما. قال علماؤنا : كانت اليهود والمجوس تجتنب الحائضّ ؛ وكانت النصارى يجامعون الحُيَّض ؛ فأمر الله بالقصد بين هذين. أ هـ {تفسير القرطبى حـ 3 صـ 81}\rقال ابن عاشور : ","part":6,"page":117},{"id":2272,"text":"والباعث على السؤال أن أهل يثرب قد امتزجوا باليهود واستنوا بسنتهم في كثير من الأشياء ، وكان اليهود يتباعدون عن الحائض أشد التباعد بحكم التوراة ففي الإصحاح الخامس عشر من سفر اللاويين \"إذا كانت امرأة لها سيل دماً في لحمها فسبعة أيام تكون في طمثها وكل من مسها يكون نجساً إلى المساء وكل ما تضطجع عليه يكون نجساً وكل من مس فراشها يغسل ثيابه ويستحم بماء ويكون نجساً إلى المساء وإن اضطجع معها رجل فكان طمثها عليه يكون نجساً سبعة أيام\". وذكر القرطبي أن النصارى لا يمتنعون من ذلك ولا أحسب ذلك صحيحاً فليس في الإنجيل ما يدل عليه ، وإن من قبائل العرب من كانت الحائض عندهم مبغوضة فقد كان بنو سليح أهل بلد الحضْر ، وهم من قضاعة نصارى إن حاضت المرأة أخرجوها من المدينة إلى الربض حتى تطهر وفعلوا ذلك بنصرة ابنة الضيزن ملك الحضْر ، فكانت الحال مظنة حيرة المسلمين في هذا الأمر تبعث على السؤال عنه. أ هـ {التحرير والتنوير حـ 2 صـ 364 ـ 365}\rلطيفة\rقال العلامة الفيروزابادى : \r( بصيرة فى السؤال )\rوهو ما يَسأَله الإِنسان. قال الله تعالى : {قَالَ قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَكَ يامُوسَى}.\rوالسّؤال : استدعاء معرفة أَو ما يؤدّى إِلى المعرفة ، واستدعاءُ مال ، أَو ما يؤدّى إِلى المال. فاستدعاءُ المعرفة جوابُه باللسان ، واليدُ خليفة له بالكتابة ، أَو الإِشارة. واستدعاءُ المال جوابه باليد ، واللسانُ خليفة لها إِمّا بوعد ، أَو برَدٍّ. تقول : سأَلته عن الشىء سؤالا ، ومسأَلة. وقال الأَخفش : يقال : خرجنا نسأَل عن فلان وبفلان.\rوقد تخفَّف همزته فيقال سال يَسال. وقرأَ أَبو جعفر : {سَأَلَ سَآئِلٌ} بتخفيف الهمزة. قال : \rومُرهَق سال إِمتاعا بأُصْدته لم يستعِنْ وحَوامِى الموت تغشاه\rوالأَمر منه سَلْ بحركة الحرف الثانى من المستقبل ، ومن الأَوّل اسْأَل.","part":6,"page":118},{"id":2273,"text":"وقوله تعالى : {وَسْئَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رُّسُلِنَآ} ، يقال : إِنّه خوطب به ليلة أُسرى به ، فجُمع بينه وبين الأَنبياءِ - صولات الله عليهم - فأَمّهم ، وصلَّى بهم ، فقيل له : فسَلْهُمْ. وقيل : معناه : سل أُمَم مَنْ أَرسلنا ، فيكون السّؤال ههنا على جهة التقرير. وقيل : الخطاب للنبىّ صلَّى الله عليه وسلم والمراد به الأُمَة ، أَى وسلوا ، كقوله تعالى : {ياأيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ}.\rوقوله تعالى : {فَيَوْمَئِذٍ لاَّ يُسْأَلُ عَن ذَنبِهِ إِنسٌ وَلاَ جَآنٌّ} أَى لا يسأَل سؤال استعلام ، لكن سؤال تقرير وإِيجاب للحجّة عليهم. وقوله تعالى : {وَعْداً مَّسْئُولاً} هو قول الملائكة : / {رَبَّنَا وَأَدْخِلْهُمْ جَنَّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وَعَدْتَّهُمْ} وقوله : {سَأَلَ سَآئِلٌ بِعَذَابٍ وَاقِعٍ} أَى دعا داعٍ ، يعنى قولَ نَضْر بن الحارث {اللَّهُمَّ إِن كَانَ هذا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِندِكَ} الآية. والباءُ فى (بعَذَاب) بمعنى عن ، أَى عن عذاب.\rورجل سُؤَلة - مثال تُؤدَة - : كثير السّؤال. وأَسأَلته سؤْلته ومسأَلته : أَى قضيت حاجته. وتساءَلوا ، أَى سأَل بعضهم بعضاً. وقرأَ الكوفيون\r{تَسَآءَلُونَ} بالتخفيف ، والباقون بالتَّشديد أَى تتساءَلون ، أَى الَّذى تطلبون به حقوقكم ، وهو كقولك ، نَشَدتك بالله أَى سأَلتك بالله.\rفإِن قلت : كيف يصحّ أَن يقال : السّؤال استدعاء المعرفة ، وملعوم أَنَّ الله تعالى يَسأَل عبادهُ ؟ .\rقيل : إِنَّ ذلك سؤال لتعريف القوم وتبكيتهم ، لا لتعريف الله تعالى ؛ فإِنَّهُ علاَّم الغيوب ، فليس يخرج من كونه سؤال المعرفة ، والسؤال للمعرفة قد يكون تارة للاستعلام ، وتارة للتبكيت ، وتارة لتعريف المسئول وتنبيهه ، لا ليخبِر ويُعلم ، وهذا ظاهر. وعلى التبكيت قوله تعالى : {وَإِذَا الْمَوْءُودَةُ سُئِلَتْ}.\r","part":6,"page":119},{"id":2274,"text":"والسّؤال إِذا كان للتعريف تعدّى إِلى المفعول الثَّانى تارة بنفسه ، وتارة بالجارّ ، نحو [سأَلته كذا ، و] سأَلته عن كذا ، وبكذا ، ويعن أَكثر نحو : {وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ}.\rوأَمَّا إِذا كان السّؤال لاستدعاءِ مالٍ فَإِنَّهُ يتعدَّى بنفسه ، وبمن ؛ نحو قوله تعالى : {وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعاً} ، وقوله : {وَاسْأَلُواْ اللَّهَ مِن فَضْلِهِ}. ويعبّر عن الفقير إِذا كان مستدعِياً لشيىءٍ بالسّائل ، نحو قوله : {وَأَمَّا السَّآئِلَ فَلاَ تَنْهَرْ}.\rوالسّؤال ورد فى القرآن على عشرين وجهاً : \rالأَوّل : سؤال التعجّب : {قَالُواْ أَإِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَاباً}.\rالثانى : سؤال الاسترشاد : {فَاسْئَلُواْ أَهْلَ الذِّكْرِ} ، {وَسْئَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ}.\rالثَّالث : سؤال الاقتباس : {مَا يَعْبَأُ بِكُمْ رَبِّي لَوْلاَ دُعَآؤُكُمْ}.\rالرّابع : سؤال الانبساط : {وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يامُوسَى}.\rالخامس : سؤال العطاءِ والهِبَة : {رَبِّ هَبْ لِي}.\rالسّادس : سؤال العَوْن والنُّصْرة : {مَتَى نَصْرُ اللَّهِ}.\rالسابع : سؤال الاستغاثة : {إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ}.\rالثامن : سؤال الشفاءِ والنَّجاة : {مَسَّنِيَ الضُّرُّ}.\rالتَّاسع : سؤال الاستعانة : {رَبِّ لاَ تَذَرْنِي فَرْداً}.\rالعاشر : سؤال القُرْبَة : {رَبِّ ابْنِ لِي عِندَكَ بَيْتاً فِي الْجَنَّةِ}.\rالحادى عشر : سؤال العذاب والهلاك : {رَّبِّ لاَ تَذَرْ عَلَى الأَرْضِ}.\rالثانى عشر : سؤال المغفرة : {رَبَّنَا اغْفِرْ لِي}.\rالثالث عشر : سؤال الاستماع للسائل والمحروم : {وَأَمَّا السَّآئِلَ فَلاَ تَنْهَرْ}.\rالرابع عشر : سؤال المعاودة والمراجعة لنوح : {فَلاَ تَسْئَلْنِ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ} ، ولمحمّد صلَّى اللهُ عليه وسلم : {لاَ تُسْأَلُ عَنْ أَصْحَابِ الْجَحِيمِ} ، وللصّحابة : {لاَ تَسْأَلُواْ عَنْ أَشْيَآءَ إِن تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ}.\r","part":6,"page":120},{"id":2275,"text":"الخامس عشر : سؤال الطَّلب وعَرْض الحاجة : {يَسْأَلُهُ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ} ، {وَاسْأَلُواْ اللَّهَ مِن فَضْلِهِ}.\rالسادس عشر : سؤال المحاسبة والمناقشة : {فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ} ، {فَلَنَسْأَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ}.\rالسّابع عشر : سؤال المخاصمة : {عَمَّ يَتَسَآءَلُونَ} ، {وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَآءَلُونَ} أَى يتخاصمون.\rالثامن عشر : سؤال الإِجابة والاستجابة : {وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي}.\rالتَّاسع عشر : سؤال التعنُّت : {وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ}.\rالعشرون : سؤال ا لاستفتاءِ والمصلحة ، وذلك على وجوه/ مختلفة : \rتارة من حَيْض العيال : {وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ}.\rوتارةً من نفقة الأَموال : {يَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ}.\rوتارة عن حكم الهلال : {يَسْأَلُونَكَ عَنِ الأَهِلَّةِ}.\rوتارة عن القيامة وما فيها من الأَهوال : {يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ}.\rوتارة عن حال الجبال : {وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْجِبَالِ}.\rوتارة عن الحرب والقتال : {يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ}.\rوتارة عن الحرام والحلال : {يَسْأَلُونَكَ مَاذَآ أُحِلَّ لَهُمْ} ، {يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ}.\rوتارة عن اليتيم وإِصلاح ما لَهُ من المال : {وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْيَتَامَى}.\rوتارة عن الغنائم : {يَسْأَلُونَكَ عَنِ الأَنْفَالِ}.\rوتارة عن العذاب والنكال : {سَأَلَ سَآئِلٌ بِعَذَابٍ وَاقِعٍ}.\rوتارة عن العاقبة والمآل : {ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ}.\rوتارة عن المبالغة فى الجدال {يَسْأَلُونَكَ كَأَنَّكَ حَفِيٌّ عَنْهَا}.\rوتارة عن كرم ذى الجلال : {وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ}. قال الشاعر : \rإِذا كنت فى بلد قاطناً\rوللعلم مقتبساً فسأَلِ\rفإِن السّؤال شفاءُ العباد\rكما قيل فى الزَّمن الأَوّل.","part":6,"page":121},{"id":2276,"text":"أ هـ {بصائر ذوى التمييز حـ 3 صـ 249 ـ 250}\rفائدة لغوية\rقال ابن عادل : \r{المحيض} فعل من الحيضِ ، ويُرادُ به المصدرُ ، والزمانُ ، والمكانُ ، تقولُ : حاضِت المرأَةُ تحيضُ ، حَيضاً ومَحِيضاً ، ومَحاضاً ، فَبَنَوْه على مَفْعلٍ ومَفْعَل بالكَسرِ والفتحِ.\rواعلم أنَّ في المَفْعَل مِنْ يَفْعِل بكسر العينِ ثلاثة مذاهب : \rأحدها : أَنَّهُ كالصَّحيح ، فتُفْتَحُ عينهُ مراداً به المصدرُ ، وتُكسَرُ مراداً به الزَّمانُ والمكانُ.\rوالثَّاني : أَنْ يُتَخَيَّر بين الفتح والكسر في المصدرِ خاصَّةً ، كما جاء هنا : المَحيضُ والمحَاضُ ، ووجهُ هذا القول : أنَّهُ كثُر هذان الوجهان : أعني ، الكسر ، والفتح فاقْتَاسا.\rوالثالث : أَنْ يُقْتَصَرَ على السَّماعِ ، فيما سُمِع فيه الكَسرُ ، أو الفتحُ ، لا يَتَعَدَّى. فالمحيضُ المُرادُ به المَصْدَرُ ليس بمقيسِ على المذهبين الأول والثالث ، مقيسٌ على الثاني. ويقال : امرأَةٌ حائِضٌ ولا يقال : \" حائِضَةٌ \" إلا قليلاً ، أنشد الفرَّاء : [ الطويل ]\r1079-........................... كَحَائِضَةٍ يُزْنَى بِهَا غَيْر طَاهِرِ\rوَالمَعْرُوفُ أَنَّ النَّحويين فَرَّقوا بين حائضٍ ، وحائضةٍ : فالمُجرَّدُ من تاء التَّأنيث بمعنى النَّسَب ، أي : ذاتُ حيضٍ ، وإِنْ لم يكن عليها حَيْضٌ ، والملتبسُ بالتَّاءِ لِمَنْ عليها الحَيْضُ في الحال ، فيُحتمل أن يكونَ مرادُ الشاعر ذلك ، وهكذا كُلُّ صفةٍ مختصةٍ بالمُؤَنّثِ نحو : طَامِث ومُرْضِ وشبههما.\rقال القرطبيُّ : ويقال : نساءٌ حيض ، وحوائض ، والحَيضةُ : المرأَةُ الواحدة. والحِيضةُ بالكَسْر ، الاسم والجمع الحيض ، والحيضة أيضاً : الخرقةُ التي تَسْتَثْفِرُ بها المَرْأَةُ ، قالت عَائِشَةُ : لَيْتَنِي كُنُتُ حِيْضَةٌ مُلْقَاةٌ \" وكذلك المَحِيضَةُ ، والجمع : المَحائص.","part":6,"page":122},{"id":2277,"text":"وأصلُ الحَيض السَّيَلانُ ، والانفجِارُ ، يُقالُ : حَاضَ السَّيلُ وَفَاضَ ، قال الفَرَّاءُ : \" حَاضَتِ الشَّجَرَةُ ، أي : سال صَمْغُها \" ، قال الأَزهرِيُّ : \" وَمِنْ هَذَا قيل لِلْحَوضِ : حَيْضٌ ؛ لأَنَّ المَاءَ يسيلُ إليه \" والعربُ تُدْخِلُ الواو على اليَاءِ ، وَالياءَ على الواوِ ؛ لأَنَّهُما من حَيِّز واحدٍ ، وهو الهواءُ.\rويقالُ : حاضت المرأةُ وتحيَّضَتْ ، ودَرَسَتْ ، وعَرَكت ، وطَمِثت فهي حائضٌ ، ودارِسٌ ، وعارِكٌ ، وَطَامِثٌ ، وطَامِسٌ ، وكَابِرٌ ، وَضَاحِكٌ. قال تعالى : {فَلَمَّا رَأَيْنَهُ أَكْبَرْنَهُ} [ يوسف : 31 ] أي : حضن ، وقال تعالى : {فَضَحِكَتْ} [ هود : 71 ].\rقال مجاهد : أي : حاضَتْ ونافس أيضاً ، والظَّاهر أن المحيض مصدرٌ كالحيضِ ، ومثله : \" المَقِيلُ \" مِنْ قال يقِيلُ ؛ قال الرَّاعِي : [ الكامل ]\r1080- بُنِيَتْ مَرَافِقُهُنَّ فَوْقَ مَزَلَّةٍ... لاَ يَسْتَطِيعُ بِهَا القُرَادُ مَقِيلاَ\rوكذلك قال الطَّبريُّ : \" إِنَّ المَحِيضَ اسْم كالمَعِيشِ : اسمُ العَيْشِ \" ؛ وأنشد لرؤبة : [ الرجز ]\r1081- إِلَيْكَ أَشْكُو شِدَّةَ المَعِيشِ... وَمَرَّ أَعْوَامٍ نَتَفْنَ رِيشِي\rوقيل : المَحيضُ في الآية المُرادُ به : اسمُ موضعِ الدَّم ، وعلى هذا فهو مقيسٌ اتِّفاقاً ، ويؤيِّد الأَوَّل قوله : {قُلْ هُوَ أَذًى}. وقد يُجَابُ عنه بأنَّ ثَمَّ حذف مضافٍ ، أي : هو ذُو أَذى ، ويؤيِّدُ الثَّاني قوله : {فاعتزلوا النسآء فِي المحيض}. ومن حَمَلَه على المَصْدَرِ قَدَّر هنا حَذْفَ مُضَافٍ ، أي : فاعْتَزِلُوا وَطْءَ النِّسَاءِ في زَمَانِ الحَيْضِ ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ المَحِيضُ الأَوَّلُ مَصْدَراً والثَّاني مكاناً.","part":6,"page":123},{"id":2278,"text":"حكى الواحديُّ في \" البَسيط \" عن ابن السَّكِّيت : إذا كان الفعلُ من ذوات الثلاثة نحو : كَالَ يكيلُ ، وحاضَ يحيض وأشباهه ، فإِنَّ الاسم منه مكسور والمصدر مفتوح ، مِنْ ذلك مالَ ممالاً ، وهذا مميله يذهب بالكسر إلى الاسم ، وبالفتح إلى المصدر ، ولو فتحهما جميعاً ، أو كسرهما جميعاً في المصدرِ والاسمِ لجازَ ، تقول : المَعَاشُ ، والمَعِيشُ ، والمَغَابُ ، والمَغِيبُ ، والمَسَارُ والمَسِيرُ فثبت أَنَّ لفظ المحيض حقيقةٌ في موضع الحيض ، وأيضاً هو اسمٌ لنفس الحيضِ.\rقال ابن الخطيب : وعندي أَنَّهُ ليس كذلك ؛ إذ لو كان المُرادُ بالمحيض هنا الحيض ، لكان قوله تعالى {فاعتزلوا النسآء فِي المحيض} معناه : فاعتزلوا النِّساء في الحيض ، ويكونُ المُرادُ : فاعتزلوا النساء في زمن الحيض ، يكون ظاهره مانعاً من الاستمتاع بهنَّ فيما فوق السُّرَّة ، ودون الرّكبة ، ولما كان هذا المنعُ غير ثابت لزم القول بتطرُّق النَّسخ ، والتَّخصيص إلى الآية ، وهو خلاف الأصل ، أما إذا حملنا المحيض على موضع الحيض ؛ كان معنى الآية : فاعتزلوا النِّسَاءَ في موضع الحيض من النِّسَاء ، وعلى هذا التَّقدير لا يتطرَّقُ إلى الآية نسخٌ ، ولا تخصِيصٌ.\rومن المعلوم أَنَّ اللَّفْظ إذا كان مشتركاً بين معنيين وكان حمله على أحدهما يوجب محذوراً ، وعلى الآخر لا يوجب ذلك المحذور ، فإِنَّ حمل اللَّفظ على المعنى الَّذِي لا يُوجِبُ المحذورَ ، أولى إذا سلَّمنا أَنَّ لفظ المحيض مشتركٌ بين الموضع ، وبين المصَدرِ.\rفإن قيل : الدَّليلُ على أَنَّ المُراد من المحيض الحيضُ قوله : {قُلْ هُوَ أَذًى} ، ولو كانَ المُرَادُ الموضع لما صَحَّ هذا الوَصْفُ.","part":6,"page":124},{"id":2279,"text":"قلنا : بتقدير أَنْ يكون المحيض عبارة عن الحَيض ، فالحيض نفسُهُ ليس بِأَذى لأن \" الحَيْضَ \" عبارةٌ عن الدَّمِ المخصوص ، و\" الأَذَى \" كيفيَّةٌ مخصوصَةٌ وهو عرض ، والجسم لا يكُونُ نفس العرض فَلا بُدَّ أَنْ يقُولُوا : المرادُ منه أَنَّ الحيض موصوف بكونه أذى ، وإذا جاز ذلك فيجُوزُ لنا أيضاً أن نقول : إِنَّ المراد منه أنَّ ذلك المَوْضع ذو أذًى ، وأيضاً لم لا يجوزُ أَنْ يكون المراد بالمحيض الأَوَّل الحيض ، وبالمحيض الثَّاني موضع الحيضِ كَمَا تقدَّمَ وعلى هذا فيزولُ الإِشكالُ. أ هـ {تفسير ابن عادل حـ 4 صـ 63 ـ 66}\rقوله تعالى {قُلْ هُوَ أَذًى}\rقال القرطبى : \rقوله تعالى : {قُلْ هُوَ أَذًى} أي هو شيء تتأذّى به المرأة وغيرها أي برائحة دمِ الحيض. والأذى كناية عن القَذَر على الجملة. ويُطلق على القول المكروه ؛ ومنه قوله تعالى : {لاَ تُبْطِلُواْ صَدَقَاتِكُم بالمن والأذى} [ البقرة : 264 ] أي بما تسمعه من المكروه. ومنه قوله تعالى : {وَدَعْ أَذَاهُمْ} [ الأحزاب : 48 ] أي دع أَذَى المنافقين لا تجازِهم إلا أن تؤمر فيهم ، وفي الحديث : \"وأَميطوا عنه الأَذَى\" يعني بـ \"الأذى\" الشَّعْرَ الذي يكون على رأس الصبيّ حين يولد ، يُحلقُ عنه يوم أسْبُوعه ، وهي العَقِيقة. وفي حديث الإيمان : \"وأدناها إماطة الأذى عن الطريق\" أي تنحيته ، يعني الشوك والحجر ، وما أشبه ذلك مما يتأذى به المارُّ. وقوله تعالى : {وَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِن كَانَ بِكُمْ أَذًى مِّن مَّطَرٍ} [ النساء : 102 ]. أ هـ {تفسير القرطبى حـ 3 صـ 85 ـ 86}\rقال الفخر : \rأما قوله تعالى : {قُلْ هُوَ أَذًى} فقال عطاء وقتادة والسدي : أي قذر ، واعلم أن الأذى في اللغة ما يكره من كل شيء وقوله : {فاعتزلوا النساء فِي المحيض} الاعتزال التنحي عن الشيء ، قدم ذكر العلة وهو الأذى ، ثم رتب الحكم عليه ، وهو وجوب الإعتزال.","part":6,"page":125},{"id":2280,"text":"فإن قيل : ليس الأذى إلا الدم وهو حاصل وقت الاستحاضة مع أن اعتزال المرأة في الاستحاضة غير واجب فقد انتقضت هذه العلة.\rقلنا : العلة غير منقوضة لأن دم الحيض دم فاسد يتولد من فضلة تدفعها طبيعة المرأة من طريق الرحم ، ولو احتبست تلك الفضلة لمرضت المرأة ، فذلك الدم جار مجرى البول والغائط ، فكان أذى وقذر ، أما دم الاستحاضة فليس كذلك ، بل هو دم صالح يسيل من عروق تنفجر في عمق الرحم فلا يكون أذى ، هذا ما عندي في هذا الباب ، وهو قاعدة طيبة ، وبتقريرها يتلخص ظاهر القرآن من الطعن والله أعلم بمراده. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 6 صـ 55}\rقوله تعالى {فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ}\rقال ابن عاشور : \rوالنساء اسم جمع للمرأة لا واحد له من لفظه ، والمراد به هنا الأزواج كما يقتضيه لفظ {اعتزلوا} المخاطب به الرجال ، وإنما يعتزل من كان يخالط.\rوإطلاق النساء على الأزواج شائع بالإضافة كثيراً نحو : {يا نساء النبي} [ الأحزاب : 30 ] ، وبدون إضافة مع القرينة كما هنا ، فالمراد اعتزلوا نساءكم أي اعتزلوا ما هو أخص الأحوال بهن وهو المجامعة. أ هـ {التحرير والتنوير حـ 2 صـ 366}\rقال القرطبى : ","part":6,"page":126},{"id":2281,"text":"قوله تعالى : {فاعتزلوا النسآء فِي المحيض} أي في زمن الحيض ، إن حملت المحيض على المصدر ، أو في محل الحيض إن حملته على الاسم. ومقصودُ هذا النهي تركُ المجامعة. وقد اختلف العلماء في مباشرة الحائض وما يُستَباح منها ؛ فرُوي عن ابن عباس وعَبيدةَ السَّلْمانيّ أنه يجب أن يعتزِل الرجلُ فِراش زوجته إذا حاضت. وهذا قولٌ شاذ خارجٌ عن قول العلماء. وإن كان عمومُ الآية يقتضيه فالسُّنّة الثابتة بخلافه ؛ وقد وقَفَتْ على ابن عباس خالتُه ميمونةُ وقالت له : أراغب أنت عن سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟! وقال مالك والشافعيّ والأُوزاعيّ وأبو حنيفة وأبو يوسف وجماعةٌ عظيمة من العلماء : له منها ما فوق الإزار ؛ \" لقوله عليه السلام للسائل حين سأله : ما يَحِلّ لي من امرأتي وهي حائض ؟ فقال : \"لِتشدّ عليها إزارَها ثم شأنَكَ بأعلاها\" \" وقوله عليه السلام لعائشة حين حاضت : \" شُدّي على نفسِك إزارَكِ ثم عودي إلى مضجعك \" وقال الثَّوريّ ومحمد بن الحسن وبعض أصحاب الشافعيّ : يجتنب موضعَ الدم ؛ لقوله عليه السلام : \" اصنعوا كلّ شيء إلا النكاح \" وقد تقدّم.\rوهو قول داود ، وهو الصحيح من قول الشافعيّ. وروى أبو معشر عن إبراهيم عن مسروق قال : سألت عائشة ما يحل لي من امرأتي وهي حائض ؟ فقالت : كلُّ شيء إلا الفرج. (1)\r_______________\r(1) ينبنى على هذا الخلاف فى هذه المسألة وما شابهها قاعدة كلية هى :\rإذا اجتمع الحلال والحرام غلب الحرام","part":6,"page":127},{"id":2282,"text":"قال الإمام السيوطى رحمه الله : \rإذَا اجْتَمَعَ الْحَلَالُ وَالْحَرَامُ غَلَبَ الْحَرَامُ وَأَوْرَدَهُ جَمَاعَةٌ حَدِيثًا بِلَفْظِ {مَا اجْتَمَعَ الْحَلَالُ وَالْحَرَامُ إلَّا غَلَبَ الْحَرَامُ الْحَلَالَ}.\rقَالَ الْحَافِظُ أَبُو الْفَضْلِ الْعِرَاقِيُّ : وَلَا أَصْلَ لَهُ ، وَقَالَ السُّبْكِيُّ فِي الْأَشْبَاهِ وَالنَّظَائِرِ نَقْلًا عَنْ الْبَيْهَقِيّ : هُوَ حَدِيثٌ رَوَاهُ جَابِرٌ الْجُعْفِيُّ ، رَجُلٌ ضَعِيفٌ ، عَنْ الشَّعْبِيُّ عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ ، وَهُوَ مُنْقَطِعٌ.\rقُلْت : وَأَخْرَجَهُ مِنْ هَذَا الطَّرِيقِ عَبْدُ الرَّزَّاقِ فِي مُصَنَّفِهِ.\rوَهُوَ مَوْقُوفٌ عَلَى ابْنِ مَسْعُودِ لَا مَرْفُوعٌ.\rثُمَّ قَالَ ابْنُ السُّبْكِيّ : غَيْرِ أَنَّ الْقَاعِدَةَ فِي نَفْسِهَا صَحِيحَةٌ.\rقَالَ الْجُوَيْنِيُّ فِي السِّلْسِلَةِ : لَمْ يَخْرُجْ عَنْهَا إلَّا مَا نَدَرَ.\rفَمِنْ فُرُوعِهَا : إذَا تَعَارَضَ دَلِيلَانِ : أَحَدُهُمَا يَقْتَضِي التَّحْرِيمَ وَالْآخَرُ الْإِبَاحَةَ قُدِّمَ التَّحْرِيمُ فِي الْأَصَحِّ وَمِنْ ثَمَّ قَالَ عُثْمَانُ ، لَمَّا سُئِلَ عَنْ الْجَمْع بَيْن أُخْتَيْنِ بِمِلْكِ الْيَمِينِ \" أَحَلَّتْهُمَا آيَةٌ وَحَرَّمَتْهُمَا آيَةٌ.\rوَالتَّحْرِيمُ أَحَبُّ إلَيْنَا \" وَكَذَلِكَ تَعَارُض حَدِيثِ {لَك مِنْ الْحَائِضِ مَا فَوْق الْإِزَارِ} وَحَدِيثِ {اصْنَعُوا كُلّ شَيْء إلَّا النِّكَاحَ} فَإِنَّ الْأَوَّلَ يَقْتَضِي تَحْرِيمَ مَا بَيْن السُّرَّةِ وَالرُّكْبَةِ.\rوَالثَّانِي يَقْتَضِي إبَاحَةَ مَا عَدَا الْوَطْءِ ، فَيُرَجَّحُ التَّحْرِيمُ احْتِيَاطًا.\rقَالَ الْأَئِمَّةُ : وَإِنَّمَا كَانَ التَّحْرِيمُ أَحَبَّ لِأَنَّ فِيهِ تَرْكُ مُبَاحٍ لِاجْتِنَابِ مُحَرَّمٍ.\rوَذَلِكَ أَوْلَى مِنْ عَكْسِهِ.\rوَمِنْهَا : لَوْ اشْتَبَهَتْ مَحْرَمٌ بِأَجْنَبِيَّاتٍ مَحْصُورَاتٍ لَمْ تَحِلّ. أ هـ {الأشباه والنظائر للسيوطى صـ 209}","part":6,"page":128},{"id":2284,"text":"قال العلماء : مباشرة الحائض وهي مُتَّزرة على الاحتياط والقطع للذريعة ، ولأنه لو أباح فخذَيها كان ذلك منه ذَريعة إلى موضع الدم المحرّم بإجماع فأمر بذلك احتياطا ، والمحرَّمُ نفسه موضعُ الدم ؛ فتتفق بذلك معاني الآثار ، ولا تضادّ ، وبالله التوفيق. أ هـ {تفسير القرطبى حـ 3 صـ 87}\rفصل\rقال الفخر : \rاعلم أن دم الحيض موصوف بصفات حقيقية ويتفرع عليه أحكام شرعية ، أما الصفات الحقيقية فأمران أحدهما : المنبع ودم الحيض دم يخرج من الرحم ، قال تعالى : {وَلاَ يَحِلُّ لَهُنَّ أَن يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ الله فِى أَرْحَامِهِنَّ} [ البقرة : 228 ] قيل في تفسيره : المراد منه الحيض والحمل ، وأما دم الاستحاضة ، فإنه لا يخرج من الرحم ، لكن من عروق تنقطع في فم الرحم ، قال عليه والسلام في صفة دم الاستحاضة : \" إنه دم عرق انفجر \" وهذا الكلام يؤيد ما ذكرنا في دفع النقض عن تعليل القرآن.\rوالنوع الثاني : من صفات دم الحيض : الصفات التي وصف رسول الله صلى الله عليه وسلم دم الحيض بها أحدها : أنه أسود والثاني : أنه ثخين ، والثالث : أنه محتدم وهو المحترق من شدة حرارته ، الرابعة : أنه يخرج برفق ولا يسيل سيلاناً ، والخامسة : أن له رائحة كريهة بخلاف سائر الدماء وذلك لأنه من الفضلات التي تدفعها الطبيعة السادسة : أنه بحراني ، وهو شديد الحمرة وقيل : ما تحصل فيه كدورة تشبيهاً له بماء البحر ، فهذه الصفات هي الصفات الحقيقية.","part":6,"page":129},{"id":2285,"text":"ثم من الناس من قال : دم الحيض يتميز عن دم الاستحاضة فكل دم كان موصوفاً بهذه الصفات فهو دم الحيض ، وما لا يكون كذلك لا يكون دم حيض ، وما اشتبه الأمر فيه فالأصل بقاء التكاليف وزوالها إنما يكون لعارض الحيض ، فإذا كان غير معلوم الوجود بقيت التكاليف التي كانت واجبة على ما كان ، ومن الناس من قال : هذه الصفات قد تشتبه على المكلف ، فإيجاب التأمل في تلك الدماء وفي تلك الصفات يقتضي عسراً ومشقة ، فالشارع قدر وقتاً مضبوطاً متى حصلت الدماء فيه كان حكمها حكم الحيض كيف كانت تلك الدماء ، ومتى حصلت خارج ذلك الوقت لم يكن حكمها حكم الحيض كيف كانت صفة تلك الدماء ، والمقصود من هذا إسقاط العسر والمشقة عن المكلف ، ثم إن الأحكام الشرعية للحيض هي المنع من الصلاة والصوم واجتناب دخول المسجد ومس المصحف وقراءة القرآن ، وتصير المرأة به بالغة ، والحكم الثابت للحيض بنص القرآن إنما هو حظر الجماع على ما بينا كيفية دلالة الآية عليه. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 6 صـ 56}\rفائدة\rقال البقاعى : \r{في المحيض} أي زمنه ، وأظهره لئلا يلبس لو أضمر بأن الضمير لمطلق المراد بالأذى من الدم فيشمل الاستحاضة وهي دم صالح يسيل من عرق ينفجر من عنق الرحم فلا يكون أذى كالحيض الذي هو دم فاسد يتولد من طبيعة المرأة من طريق الرحم ولو احتبس لمرضت المرأة ، فهو كالبول والغائط فيحل الوطء معه دون الحيض لإسقاط العسر. أ هـ {نظم الدرر حـ 1 صـ 421}\rفصل\rقال الفخر : ","part":6,"page":130},{"id":2286,"text":"اتفق المسلمون على حرمة الجماع في زمن الحيض ، واتفقوا على حل الاستمتاع بالمرأة بما فوق السرة ودون الركبة ، واختلفوا في أنه هل يجوز الاستمتاع بما دون السرة وفوق الركبة ، فنقول : إن فسرنا المحيض بموضع الحيض على ما اخترناه كانت الآية دالة على تحريم الجماع فقط ، فلا يكون فيها دلالة على تحريم ما وراءه ، بل من يقول : إن تخصيص الشيء بالذكر يدل على أن الحكم فيما عداه بخلافه ، يقول إن هذه الآية تدل على حل ما سوى الجماع ، أما من يفسر المحيض بالحيض ، كان تقدير الآية عنده فاعتزلوا النساء في زمان الحيض ، ثم يقول ترك العمل بهذه الآية فيما فوق السرة ودون الركبة ، فوجب أن يبقى الباقي على الحرمة وبالله التوفيق. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 6 صـ 56}\rقوله تعالى : {وَلاَ تَقْرَبُوهُنَّ حتى يَطْهُرْنَ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمْ الله}\rقال الفخر : \rأما قوله تعالى : {وَلاَ تَقْرَبُوهُنَّ حتى يَطْهُرْنَ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمْ الله} فاعلم أن قوله : {وَلاَ تَقْرَبُوهُنَّ} أي ولا تجامعوهن ، يقال قرب الرجل امرأته إذا جامعها ، وهذا كالتأكيد لقوله تعالى : {فاعتزلوا النساء فِي المحيض} ويمكن أيضاً حملها على فائدة جليلة جديدة وهي أن يكون قوله : {فاعتزلوا النساء فِي المحيض} نهياً عن المباشرة في موضع الدم وقوله : {وَلاَ تَقْرَبُوهُنَّ} يكون نهياً عن الالتذاذ بما يقرب من ذلك الموضع.\rوفي الآية مسائل : ","part":6,"page":131},{"id":2287,"text":"المسألة الأولى : قرأ ابن كثير ، ونافع ، وأبو عمرو ، وابن عامر ، ويعقوب الحضرمي ، وأبو بكر عن عاصم ( حتى يطهرن ) خفيفة من الطهارة ، وقرأ حمزة والكسائي {يَطْهُرْنَ} بالتشديد ، وكذلك حفص عن عاصم ، فمن خفف فهو زوال الدم لأن يطهرن من طهرت امرأة من حيضها ، وذلك إذا انقطع الحيض ، فالمعنى : لا تقربوهن حتى يزول عنهن الدم ، ومن قرأ : {يَطْهُرْنَ} بالتشديد فهو على معنى يتطهرن فأدغم كقوله : {يأَيُّهَا المزمل} [ المزمل : 1 ] ، و{يا أيها المدثر} [ المدثر : 1 ] أي المتزمل والمتدثر وبالله التوفيق.\rالمسألة الثانية : أكثر فقهاء الأمصار على أن المرأة إذا انقطع حيضها لا يحل للزوج مجامعتها إلا بعد أن تغتسل من الحيض ، وهذا قول مالك والأوزاعي والشافعي والثوري ، والمشهور عن أبي حنيفة أنها إن رأت الطهر دون عشرة أيام لم يقربها زوجها ، وإن رأته لعشرة أيام جاز أن يقربها قبل الاغتسال. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 6 صـ 59}\rقال ابن عاشور : \rوقوله : {ولا تقربوهن حتى يطهرن} جاء النهي عن قربانهن تأكيداً للأمر باعتزالهن وتبييناً للمراد من الاعتزال وإنه ليس التباعد عن الأزواج بالأبدان كما كان عند اليهود بل هو عدم القِربان ، فكان مقتضى الظاهر أن تكون جملة {ولا تقربوهن} مفصولة بدون عطف ، لأنها مؤكدة لمضمون جملة {فاعتزلوا النساء في المحيض} ومبينة للاعتزال وكلا الأمرين يقتضي الفصل ، ولكن خولف مقتضى الظاهر اهتماماً بهذا الحكم ليكون النهي عن القربان مقصوداً بالذات معطوفاً على التشريعات.","part":6,"page":132},{"id":2288,"text":"ويكنى عن الجماع بالقربان بكسر القاف مصدر قرِب بكسر الراء ولذلك جيء فيه بالمضارع المفتوح العين الذي هو مضارع قرب كسمِع متعدياً إلى المفعول ؛ فإن الجماع لم يجىء إلا فيه دون قرب بالضم القاصر يقال قرُب منه بمعنى دنا وقربه كذلك واستعماله في المجامعة ، لأن فيها قرباً ولكنهم غلبوا قرب المكسور العين فيها دون قرب المضموم تفرقة في الاستعمال ، كما قالوا بَعُدَ إذا تجافى مكانه وبَعِدَ كمعنى البُعد المعنوي ولذلك يدعو بلا يَبْعَدْ. أ هـ {التحرير والتنوير حـ 2 صـ 366 ـ 367}\rفصل في ورود لفظ الطهور في القرآن\rقال أبو العبَّاس المقري : ورد لفظ \" الطُّهُورِ \" في القرآن بإزاء تسعة معانٍ : \rالأول : انقطاع الدَّم ، قال تعالى : {وَلاَ تَقْرَبُوهُنَّ حتى يَطْهُرْنَ} [ البقرة : 222 ] ، أي : حتى ينقطع الدَّم.\rالثاني : الاستنجاء بالماء ؛ قال تعالى : {فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَن يَتَطَهَّرُواْ} [ التوبة : 108 ] ، أي : يستنجون بالماء.\rالثالث : الاغتسال ، قال تعالى : {فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ} [ البقرة : 222 ] أي : اغْتَسَلْنَ.\rالرابع : التَّنظيف من الأدناس ، قال تعالى : {وَلَهُمْ فِيهَآ أَزْوَاجٌ مُّطَهَّرَةٌ} [ البقرة : 25 ].\rالخامس : التَّطهُّر من الذُّنوب ؛ قال تعالى : {لاَّ يَمَسُّهُ إِلاَّ المطهرون} [ الواقعة : 79 ] ، ومثله : {خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ} [ التوبة : 103 ].\rالسادس : التَّطهير من الشّرك ، قال تعالى : {وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّآئِفِينَ} [ الحج : 26 ] ، أي : طهره من الشرك.\rالسابع : الطهور الطيب ، قال تعالى : {ذلكم أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ} [ الأحزاب : 53 ] أي أطيب.\rالثامن : الطهور الحلّ ، قال تعالى : {هؤلاء بَنَاتِي هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ} [ هود : 78 ] ، أي : أحل.","part":6,"page":133},{"id":2289,"text":"التاسع : التطهر من الرّجس ، قال تعالى : {وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً} [ الأحزاب : 33 ] ، أي : من الآثام والرِّجس. أ هـ {تفسير ابن عادل حـ 4 صـ 74 ـ 75}\rفصل فى اختلافهم فى المراد بقوله تعالى : {فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ الله}\rقال الفخر : \rاختلفوا في المراد بقوله تعالى : {فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ الله} وفيه وجوه الأول : وهو قول ابن عباس ومجاهد وإبراهيم وقتادة وعكرمة : فأتوهن في المأتي فإنه هو الذي أمر الله به ، ولا تؤتوهن في غير المأتي ، وقوله : {مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ الله} أي في حيث أمركم الله ، كقوله : {إِذَا نُودِىَ للصلاة مِنْ يَوْمِ الجُمعة} [ الجمعة : 9 ] أي في يوم الجمعة.\rالثاني : قال الأصم والزجاج : أي فأتوهن من حيث يحل لكم غشيانهن ، وذلك بأن لا يكن صائمات ، ولا معتكفات ، ولا محرمات الثالث : وهو قول محمد بن الحنفية فأتوهن من قبل الحلال دون الفجور ، والأقرب هو القول الأول لأن لفظة {حَيْثُ} حقيقة في المكان مجاز في غيره. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 6 صـ 60}\rفائدة\rقال ابن عاشور : \rورجح الطبري قراءة التشديد قائلاً : \"لإجماع الأمة على أنه حرام على الرجل أن يقرب امرأته بعد انقطاع الدم عنها حتى تطهر\" وهو مردود بأن لا حاجة إلى الاستدلال بدليل الإجماع ولا إلى ترجيح القراءة به ، لأن اللفظ كاف في إفادة المنع من قربان الرجل امرأته حتى تطهر بدليل مفهوم الشرط في قوله : {فإذا تطهرن}.","part":6,"page":134},{"id":2290,"text":"وقد دلت الآية على أن غاية اعتزال النساء في المحيض هي حصول الطهر فإن حملنا الطهر على معناه اللغوي فهو النقاء من الدم ويتعين أن يحمل التطهر في قوله : {فإذا تطهرن} على المعنى الشرعي ، فيحصل من الغاية والشرط اشتراط النقاء والغسل وإلى هذا المعنى ذهب علماء المالكية ونظَّروه بقوله تعالى : {وابتلوا اليتامى حتى إذا بلغوا النكاح فإن آنستم منهم رشداً فادفعوا إليهم أموالهم} [ النساء : 6 ] وإن حمل الطهر في الموضعين على المعنى الشرعي لا سيما على قراءة ( حتى يطَّهَّرْن ) حصل من مفهوم الغاية ومن الشرط المؤكِّد له اشتراط الغسل بالماء وهو يستلزم اشتراط النقاء عادة ، إذ لا فائدة في الغسل قبل ذلك. أ هـ {التحرير والتنوير حـ 2 صـ 368}","part":6,"page":135},{"id":2291,"text":"وقال العلامة ابن العربى رحمه الله : \rقَوْله تَعَالَى : {فَأْتُوهُنَّ} : مَعْنَاهُ فَجِيئُوهُنَّ ، أَوْ يَكُونُ ذَلِكَ كِنَايَةً عَنْ الْوَطْءِ ، كَمَا كَنَّى عَنْهُ بِالْمُلَامَسَةِ فِي قَوْلِ ابْنِ عَبَّاسٍ : \" إنَّ اللَّهَ حَيِيٌّ كَرِيمٌ يَعْفُو وَيُكَنِّي ، كَنَّى بِاللَّمْسِ عَنْ الْجِمَاعِ \".\rوَأَمَّا مَوْرِدُهُ فَقَدْ كَانَ يَتَرَكَّبُ عَلَى قَوْله تَعَالَى : {فَاعْتَزِلُوا} لَوْلَا قَوْلُهُ : \" مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمْ اللَّهُ \" فَإِنَّهُ خَصَّصَهُ وَهِيَ : الْمَسْأَلَةُ التَّاسِعَةَ عَشْرَةَ : وَفِيهَا سِتَّةُ أَقْوَالٍ : الْأَوَّلُ : مِنْ حَيْثُ نُهُوا عَنْهُنَّ.\rالثَّانِي : الْقُبُلُ ؛ قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ وَمُجَاهِدٌ فِي أَحَدِ قَوْلَيْهِ.\rالثَّالِثُ : مِنْ جَمِيعِ بَدَنِهَا ؛ قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ أَيْضًا.\rالرَّابِعُ : مِنْ قَبْلِ طُهْرِهِنَّ ؛ قَالَهُ عِكْرِمَةُ وَقَتَادَةُ.\rالْخَامِسُ : مِنْ قَبْلِ النِّكَاحِ ؛ قَالَهُ ابْنُ الْحَنَفِيَّةِ.\rالسَّادِسُ : مِنْ حَيْثُ أَحَلَّ اللَّهُ تَعَالَى لَكُمْ الْإِتْيَانَ ، لَا صَائِمَاتٍ وَلَا مُحْرِمَاتٍ وَلَا مُعْتَكِفَاتٍ ؛ قَالَهُ الْأَصَمُّ.\rأَمَّا الْأَوَّلُ : فَهُوَ قَوْلٌ مُجْمَلٌ ؛ لِأَنَّ النَّهْيَ عَنْهُ مُخْتَلَفٌ فِيهِ ، فَكَيْفَمَا كَانَ النَّهْيُ جَاءَتْ الْإِبَاحَةُ عَلَيْهِ ؛ فَبَقِيَ تَحْقِيقُ مَوْرِدِ النَّهْيِ.\rوَأَمَّا قَوْلُهُ : الْقُبُلُ ، فَهُوَ مَذْهَبُ أَصْبَغَ وَغَيْرِهِ ؛ وَيَشْهَدُ لَهُ قَوْله تَعَالَى : {قُلْ هُوَ أَذًى} وَقَدْ تَقَدَّمَ بَيَانُهُ.\rوَأَمَّا الثَّالِثُ : وَهُوَ جَمِيعُ بُدْنِهَا فَالشَّاهِدُ لَهُ قَوْله تَعَالَى : {فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ} ؛ وَقَدْ تَقَدَّمَ.\r","part":6,"page":136},{"id":2292,"text":"وَأَمَّا الرَّابِعُ : وَهُوَ قَوْلُهُ : مِنْ قَبْلِ طُهْرِهِنَّ ؛ فَيَعْنِي بِهِ إذَا طَهُرْنَ ؛ وَهُوَ قَوْلُ مَنْ قَالَ بِالْفَرْجِ ؛ لِأَنَّ اشْتِرَاطَ الطَّهَارَةِ لَا يَكُونُ إلَّا بِالْفَرْجِ عَلَى مَا تَقَدَّمَ مِنْ صَحِيحِ الْأَقْوَالِ ، وَإِنْ شِئْت فَرَكِّبْهُ عَلَى الْأَقْوَالِ كُلِّهَا يَتَرَكَّبْ ؛ فَمَا صَحَّ فِيهَا صَحَّ فِيهِ.\rوَأَمَّا الْخَامِسُ : وَهُوَ النِّكَاحُ ، فَضَعِيفٌ لِمَا قَدَّمْنَاهُ مِنْ أَنَّ قَوْله تَعَالَى : {النِّسَاءَ} إنَّمَا يُرِيدُ بِهِ الْأَزْوَاجَ اللَّوَاتِي يَخْتَصُّ التَّحْرِيمُ فِيهِنَّ بِحَالَةِ الْحَيْضِ.\rوَأَمَّا السَّادِسُ : فَصَحِيحٌ فِي الْجُمْلَةِ ، لِأَنَّ كُلَّ مَنْ ذُكِرَ نَهَى اللَّهُ تَعَالَى عَنْ وَطْئِهِ ، وَلَكِنْ عُلِمَ ذَلِكَ مِنْ غَيْرِ هَذِهِ الْآيَةِ بِأَدِلَّتِهَا ؛ وَإِنَّمَا اخْتَصَّتْ الْآيَةُ بِحَالِ الطُّهْرِ ، كَمَا اخْتَصَّ قَوْله تَعَالَى : {وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ} يَعْنِي : فِي حَالَةِ الصَّوْمِ وَالِاعْتِكَافِ ، وَلَا يُقَالُ : إنَّ هَذَا كُلَّهُ يَخْرُجُ مِنْ هَذِهِ الْآيَةِ ، وَإِنَّهَا مُرَادَةٌ بِهِ ، وَإِنْ كَانَ مُحْتَمَلًا لَهُ ؛ فَلَيْسَ كُلُّ مُحْتَمَلٍ فِي اللَّفْظِ مُرَادًا بِهِ فِيهِ ، وَهَذَا مِنْ نَفِيسِ عِلْمِ الْأُصُولِ ، فَافْهَمْهُ. أ هـ {أحكام القرآن لابن العربى حـ 1 صـ 338 ـ 339}\rفائدة\rقال ابن عاشور : \rوقوله : {فأتوهن} الأمر هنا للإباحة لا محالة لوقوعه عقب النهي مثل {وإذا حللتم فاصطادوا} [ المائدة : 2 ] عبر بالإتيان هنا وهو شهير في التكني به عن الوطء لبيان أن المراد بالقِربان المنهي عنه هو الذي المعنى الكنائي فقد عبر بالاعتزال ثم قُفِّيَ بالقربان ثم قفي بالإتيان ومع كل تعبير فائدة جديدة وحكم جديد وهذا من إبداع الإيجاز في الإطناب.","part":6,"page":137},{"id":2293,"text":"وقوله : {من حيث أمركم الله} حيث اسم مكان مبهم مبنيٌ على الضم ملازمٌ الإضافة إلى جملة تحدده لِزوال إبهامها ، وقد أشكل المراد من هذا الظرف على الذين تصدوا لتأويل القرآن وما أرى سبب إشكاله إلا أن المعنى قد اعتاد العرب في التعبير عنه سلوك طريق الكناية والإغماض وكان فهمه موكولاً إلى فطنهم ومعتاد تعبيرهم. فقال ابن عباس ومجاهد وقتادة والربيع أي إلا من حيث أمركم الله بأن تعتزلوهن منه مدة الحيض يعني القبل قال القرطبي ( من ) بمعنى في ونظره بقوله تعالى : {أروني ماذا خلقوا من الأرض} [ الأحقاف : 4 ] وقوله : {وإذا نودي للصلاة من يوم الجمعة} [ الجمعة : 9 ] ، وعن ابن عباس وأبي رزين مسعود بن مالك والسُّدي وقتادة أن المعنى : من الصفة التي أمركم الله وهي الطهر ، فحيث مجاز في الحال أو السبب و( من ) لابتداء الأسباب فهي بمعنى التعليل.\rوالذي أراه أن قوله : {من حيث أمركم الله} قد علم السامعون منه أنه أمر من الله كان قد حصل فيما قبل ، وأما ( حيث ) فظرف مكان وقد تستعمل مجازاً في التعليل فيجوز أن المراد بأمر الله أمره الذي تضمنته الغاية بـ ( حتى ) في قوله : {ولا تقربوهن حتى يطهرن} لأن غاية النهي تنتهي إلى الإباحة فالأمر هو الإذن ، و( من ) للابتداء المجازي ، و( حيث ) مستعملة في التعليل مجازاً تخييليا أي لأن الله أمركم بأن تأتوهن عند انتهاء غاية النهي بالتطهر.","part":6,"page":138},{"id":2294,"text":"أو المراد بأمر الله أمره الذي به أباح التمتع بالنساء وهو عقد النكاح ، فحرف ( من ) للتعليل والسببية ، و( حيث ) مستعار للمكان المجازي وهو حالة الإباحة التي قبل النهي كأنهم كانوا محجوزين عن استعمال الإباحة أو حجر عليهم الانتفاع بها ثم أذن لهم باستعمالها فشبهت حالتهم بحالة من حبس عند مكان ثم أطلق سراحه فهو يأتي منه إلى حيث يريد. وعلى هذين المعنيين لا يكون في الآية ما يؤذن بقصد تحديد الإتيان بأن يكون في مكان النسل ، ويعضد هذين المعنيين تذييل الكلام بجملة : {إن الله يحب التوابين ويحب المتطهرين}. أ هـ {التحرير والتنوير حـ 2 صـ 370}\rقوله تعالى : {إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ}\rالمناسبة\rقال البقاعى : \rولما دل ما في السياق من تأكيد على أن بعضهم عزم أو أحب أن يفعل بعض ما تقدم النهي عنه علل بقوله : {إن الله} مكرراً الاسم الأعظم تعظيماً للمقام ولم يضمره إعلاماً بأن هذا حكم عام لما يقع من هفوة بسبب الحيض أو غيره {يحب} أي بما له من الاختصاص بالإحاطة بالإكرام وإن كان مختصاً بالإحاطة بالجلال {التوابين} أي الرجاعين عما كانوا عزموا عليه من ذلك ومن كل ذنب أوجب لهم نقص الإنسانية ولا سيما شهوة الفرج الإلمام به ، كلما وقعت منهم زلة أحدثوا لها توبة لأن ذلك من أسباب إظهاره سبحانه صفة الحلم والفعو والجود والرحمة والكرم \" لو لم تذنبوا لجاء الله بقوم يذنبون فيستغفرون فيغفر لهم \" أخرجه مسلم والترمذي عن أبي أيوب رضي الله تعالى عنه. وإذا أحب من يتكرر منه التوبة بتكرار المعاصي فهو في التائب الذي لم يقع منه بعد توبته زلة إن كان ذلك يوجد أحب وفيه أرغب وبه أرحم ، ولما كان ذلك مما يعز التخلص من إشراكه إما في تجاوز ما في المباشرة أو في الجماع أولاً أو آخراً أتى بصيغة المبالغة.","part":6,"page":139},{"id":2295,"text":"قال الحرالي : تأنيساً لقلوب المتحرجين من معاودة الذنب بعد توبة منه ، أي ومن معاودة التوبة بعد الوقوع في ذنب ثان لما يخشى العاصي من أن يكتب عليه كذبه كلما أحدث توبة وزل بعدها فيعد مستهزئاً فيسقط من عين الله ثم لا يبالي به فيوقفه ذلك عن التوبة.\rولما كانت المخالطة على الوجه الذي نهى الله عنه قذره جداً أشار إلى ذلك بقوله : {ويحب} ولما كانت شهوة النكاح وشدة الشبق جديرة بأن تغلب الإنسان إلا بمزيد مجاهدة منه أظهر تاء التفعل فقال : {المتطهرين } أي الحاملين أنفسهم على ما يشق من أمر الطهارة من هذا وغيره ، وهم الذين يبالغون ورعاً في البعد عن كل مشتبه فلا يواقعون حائضاً إلا بعد كمال التطهر ؛ أي يفعل معهم من الإكرام فعل المحب وكذا كل ما يحتاج إلى طهارة حسية أو معنوية. أ هـ {نظم الدرر حـ 1 صـ 421 ـ 422}\rقال الفخر : \rالتواب هو المكثر من فعل ما يسمى توبة ، وقد يقال هذا من حق الله تعالى من حيث يكثر في قبول التوبة.\rفإن قيل : ظاهر الآية يدل على أنه يحب تكثير التوبة مطلقاً والعقل يدل على أن التوبة لا تليق إلا بالمذنب ، فمن لم يكن مذنباً وجب أن لا تحسن منه التوبة.","part":6,"page":140},{"id":2296,"text":"والجواب من وجهين : الأول : أن المكلف لا يأمن ألبتة من التقصير ، فتلزمه التوبة دفعاً لذلك التقصير المجوز الثاني : قال أبو مسلم الأصفهاني {التوبة} في اللغة عبارة عن الرجوع ورجوع العبد إلى الله تعالى في كل الأحوال محمود اعترض القاضي عليه بأن التوبة وإن كانت في أصل اللغة عبارة عن الرجوع ، إلا أنها في عرف الشرع عبارة عن الندم على ما فعل في الماضي ، والترك في الحاضر ، والعزم على أن لا يفعل مثله في المستقبل فوجب حمله على هذا المعنى الشرعي دون المفهوم اللغوي ، ولأبي مسلم أن يجيب عنه فيقول : مرادي من هذا الجواب أنه إن أمكن حمل اللفظ على التوبة الشرعية ، فقد صح اللفظ وسلم عن السؤال ، وإن تعذر ذلك حملته على التوبة بحسب اللغة الأصلية ، لئلا يتوجه الطعن والسؤال. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 6 صـ 60}\rقال ابن عاشور : \r{إن الله يحب التوابين ويحب المتطهرين} وهو ارتفاق بالمخاطبين بأن ذلك المنع كان لمنفعتهم ليكونوا متطهرين ، وأما ذكر التوابين فهو ادماج للتنويه بشأن التوبة عند ذكر ما يدل على امتثال ما أمرهم الله به من اعتزال النساء في المحيض أي إن التوبة أعظم شأناً من التطهر أي إن نية الامتثال أعظم من تحقق مصلحة التطهر لكم ، لأن التوبة تطهر روحاني والتطهر جثماني. أ هـ {التحرير والتنوير حـ 2 صـ 370}\rقوله تعالى : {وَيُحِبُّ المتطهرين}\rقال الفخر : \rأما قوله تعالى : {وَيُحِبُّ المتطهرين} ففيه وجوه أحدها : المراد منه التنزيه عن الذنوب والمعاصي وذلك لأن التائب هو الذي فعله ثم تركه ، والمتطهر هو الذي ما فعله تنزهاً عنه ، ولا ثالث لهذين القسمين ، واللفظ محتمل لذلك ، لأن الذنب نجاسة روحانية ، ولذلك قال : {إِنَّمَا المشركون نَجَسٌ} [ التوبة : 28 ] فتركه يكون طهارة روحانية ، وبهذا المعنى يوصف الله تعالى بأنه طاهر مطهر من حيث كونه منزهاً عن العيوب والقبائح ، ويقال : فلان طاهر الذيل.","part":6,"page":141},{"id":2297,"text":"والقول الثاني : أن المراد : لا يأتيها في زمان الحيض ، وأن لا يأتيها في غير المأتى على ما قال : {فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ الله} ومن قال بهذا القول قال : هذا أولى لأنه أليق بما قبل الآية ولأنه تعالى قال حكاية عن قوم لوط {أَخْرِجُوهُم مّن قَرْيَتِكُمْ إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ} [ الأعراف : 82 ] فكان قوله : {وَيُحِبُّ المتطهرين} ترك الإتيان في الأدبار.\rوالقول الثالث : أنه تعالى لما أمرنا بالتطهر في قوله : {فَإِذَا تَطَهَّرْنَ} فلا جرم مدح المتطهر فقال : {وَيُحِبُّ المتطهرين} والمراد منه التطهر بالماء ، وقد قال تعالى : {رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَن يَتَطَهَّرُواْ والله يُحِبُّ المتطهرين} [ التوبة : 108 ] فقيل في التفسير : إنهم كانوا يستنجون بالماء فأثنى الله عليهم. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 6 صـ 60}\rوقال القرطبى : \rقيل : التوابون من الذنوب والشرك. والمتطهرون أي بالماء من الجنابة والأحداث ؛ قاله عطاء وغيره. وقال مجاهد : من الذنوب ؛ وعنه أيضاً : من إتيان النساء في أدبارهنّ. ابن عطية : كأنه نظر إلى قوله تعالى حكاية عن قوم لوط : {أَخْرِجُوهُمْ مِّن قَرْيَتِكُمْ إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ} [ الأعراف : 82 ]. وقيل : المتطهرون الذين لم يُذنبوا. فإن قيل : كيف قدم بالذكر الذي أذنب على من لم يذنب ؛ قيل : قدَّمه لئلا يقنط التائب من الرحمة ولا يعجب المتطهر بنفسه ؛ كما ذكر في آية أُخرى : {فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِّنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُّقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بالخيرات} [ فاطر : 32 ]. أ هـ {تفسير القرطبى حـ 3 صـ 91}\rقال السعدى : \rولما كان هذا المنع لطفا منه تعالى بعباده ، وصيانة عن الأذى قال تعالى : {إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ} أي : من ذنوبهم على الدوام {وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ} أي : المتنزهين عن الآثام وهذا يشمل التطهر الحسي من الأنجاس والأحداث.","part":6,"page":142},{"id":2298,"text":"ففيه مشروعية الطهارة مطلقا ، لأن الله يحب المتصف بها ، ولهذا كانت الطهارة مطلقا ، شرطا لصحة الصلاة والطواف ، وجواز مس المصحف ، ويشمل التطهر المعنوي عن الأخلاق الرذيلة ، والصفات القبيحة ، والأفعال الخسيسة. أ هـ {تفسير السعدى صـ 100}\rفائدة\rقال ابن عرفة\rقوله تعالى : {إِنَّ الله يُحِبُّ التوابين...}.\rالتَّشديد لتكثير التَّوبة ودوامها ، فقد تكون توبة واحدة لكنّها دائمة فمن يذكر المعصية ويندم عليها تائب ، ومن يذكرها ويتشوّق لعودته إليها غير تائب لأنه مصر عليها ، وتارة يقف ولا يندم ولا يتشوّق إلى العودة ، واختلفوا هل تجب التوبة في كل زمن هو فيه ذاكر للمعصية ، أم لا تجب على قولين ؟ . أ هـ {تفسير ابن عرفة صـ 289}\rقال أبو حيان : \rوالذي يظهر أنه تعالى ذكر في صدر الآية {يسئلونك عن المحيض} ودل السبب على أنهم كانت لهم حالة يرتكبونها حالة الحيض ، من مجامعتهنّ في الحيض في الفرج ، أو في الدبر ، ثم أخبر الله تعالى بالمنع من ذلك ، وذلك في حالة الحيض في الفرج أو في الدبر ، ثم أباح الإتيان في الفرج بعد انقطاع الدم والتطهر الذي هو واجب على المرأة لأجل الزوج ، وإن كان ليس مأموراً به في لفظ الآية ، فأثنى الله تعالى على من امتثل أمر الله تعالى ، ورجع عن فعل الجاهلية إلى ما شرعه تعالى ، وأثنى على من امتثلت أمره تعالى في مشروعية التطهر بالماء ، وأبرز ذلك في صورتين عامتين ، استدرج الأزواج والزوجات في ذلك ، فقال تعالى : {إن الله يحب التوابين} أي : الراجعين إلى ما شرع {ويحب المتطهرين} بالماء فيما شرع فيه ذلك فكان ختم الآية بمحبة الله من اندرج فيه الأزواج والزوجات. وذكر الفعل ليدل على اختلاف الجهتين من التوبة والتطهر ، وأن لكل من الوصفين محبة من الله يخص ذلك الوصف ، أو كرر ذلك على سبيل التوكيد.\r","part":6,"page":143},{"id":2299,"text":"وقد أثنى الله تعالى على أهل قباء بقوله : {فيه رجال يحبون أن يتطهروا والله يحب المتطهرين} وسألهم رسول الله صلى الله عليه وسلم عن السبب الذي أثنى الله به عليهم ، فقالوا : كنا نجمع بين الاستجمار والإستنجاء بالماء ، أو كلاماً هذا معناه. أ هـ {البحر المحيط حـ 2 صـ 179 ـ 180}\rفصل فى مسائل مهمة\rقال الخازن : \rالمسألة الأولى : أجمع المسلمون على تحريم الجماع في زمن الحيض ، ومستحله كافر عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : \" من أتى حائضاً أو امرأة في دبرها أو كاهناً فقد كفر بما أنزل على محمد \" أخرجه الترمذي. وقال : إنما معنى هذا عند أهل العلم على التغليظ ومن فعله وهو عالم بالتحريم عزره الإمام وفي وجوب الكفارة قولان أحدهما أنه يستغفر الله ويتوب إليه وكفارة عليه وهو قول أبي حنيفة والشافعي في الجديد ، والقول الثاني أنه تجب عليه الكفارة ، وهو القول القديم للشافعي وبه قال أحمد بن حنبل : لما روي عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم في الرجل يقع على امرأته وهي حائض ، قال : يتصدق بنصف دينار وفي رواية. قال : إذا كان دماً أحمر فدينار وإن كان دماً فنصف دينار أخرجه الترمذي.\rوقال : رفعه بعضهم عنه ابن عباس ووقفه بعضهم.","part":6,"page":144},{"id":2300,"text":"المسألة الثانية : أجمع العلماء على جواز الاستمتاع بالمرأة الحائض بما فوق السرة ودون الركبة وجواز مضاجعتها وملامستها ، ويدل على ذلك ما روي عن عائشة قالت : كانت إحدانا إذا كانت حائضاً وأراد رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يباشرها أمرها أن تأتزر بإزار في فور حيضها ، ثم يباشرها وأيكم يملك إربه كما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يملك إربه وفي رواية قالت : كنت اغتسل أنا ورسول الله صلى الله عليه وسلم من إناء واحد وكلانا جنب وكان يأمرني فأتزر فيباشرني وأنا حائض أخرجاه في الصحيحين المراد بالمباشرة الاستمتاع بما دون الفرج ، وفور كل شيء أوله وابتناؤه وقولها يملك إربه يروى بسكون الراء وهو العضو وبفتحها وهو الحاجة ( م ) عن عائشة قالت : قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم : ناوليني الخمرة من المسجد قلت : أنا حائض. قال إن حيضتك ليس في يدك. الخمرة حصير صغير مضفور من سعف النخل أو غيره بقدر الكف وقولها : من المسجد يعني ناداها من المسجد لأنه صلى الله عليه وسلم كان معتكفاً في المسجد ، وعائشة في حجرتها فطلب منها الخمرة وهي حائض.\rالمسألة الثالثة : يحرم على الحائض الصلاة والصوم ودخول المسجد وقراءة القرآن ومس المصحف وحلمه ، فلو أمنت الحائض من التلويث في عبور المسجد جاز في أحد الوجهين قياساً على الجنب والثاني لا لأن حدثها أغلظ ، ويجب على الحائض قضاء الصوم دون الصلاة لما روي عن معاذة العدوية ، قالت : سألت عائشة فقلت : ما بال الحائض تقضي الصوم ولا تقضي الصلاة قالت : أحرورية أنت ؟ قلت لست بحرورية ولكني أسأل قالت : كان يصيبنا ذلك فنؤمر بقضاء الصوم ولا نؤمر بقضاء الصلاة أخرجاه في الصحيحين.\r","part":6,"page":145},{"id":2301,"text":"المسألة الرابعة : لا يرتفع شيء مما منعه الحيض بانقطاع الدم ما لم تغتسل ، أو تتيمم عند عدم الماء إلا الصوم ، فإنه إذا انقطع دمها بالليل ونوت الصوم فإنه يصح ، وإن اغتسلت في النهار وذهب أبو حنيفة إلى أنه يجوز للزوج غشيانها إذا انقطع الدم لأكثر الحيض ، وهو عشرة أيام عنده قبل الغسل ، ومذهب الشافعي وغيره من العلماء أنه لا يجوز للزوج غشيانها ما لم تغتسل من الحيض أو تتيمم عند عدم الماء لأن الله تعالىعلق جواز وطء الحائض بشرطين : أحدهما انقطاع الدم والثاني الغسل فقال : {ولا تقربوهن حتى يطهرن} يعني من الحيض {فإذا تطهرن} يعني اغتسلن {فأتوهن من حيث أمركم الله} فدل ذلك على أن الوطء لا يحل قبل الغسل. وقوله تعالى : {إن الله يحب التوابين} يعني من الذنوب ، والتواب الذي كلما أذنب جدد توبة ، وقيل : التواب هو الذي لا يعود إلى الذنب {ويحب المتطهرين} يعني من الأحداث وسائر النجاسات بالماء. وقيل : المتطهرين من الشرك وقيل : هم الذين لم يصيبوا الذنوب. أ هـ {تفسير الخازن حـ 1 صـ 149}","part":6,"page":146},{"id":2302,"text":"بحث طبى فى أذى المحيض\rيقذف الغشاء المبطن للرحم أثناء الحيض وبفحص دم الحيض تحت المجهر نجد بالإضافة إلى كرات الدم الحمراء والبيضاء قطعاً من الغشاء المبطن للرحم. ويكون الرحم متقرحاً نتيجة لذلك.فهو معرض للعدوى البكتيرية. ومن المعلوم طبياً أن الدم هو خير بيئة لتكاثر الميكروبات ونموها... وتقل مقاومة الرحم للميكروبات الغازية نتيجة لذلك ويصبح دخول الميكروبات الموجودة على سطح القضيب يشكل خطراً داهما على الرحم.. ومما يزيد الطين بلة أن مقاومة المهبل لغزوا البكتيريا تكون في أدنى مستواها أثناء الحيض.. إذ يقل إفراز المهبل الحامض الذي يقتل الميكروبات ويصبح الإفراز أقل حموضة إن لم يكن قلوي التفاعل....\rكما تقل المواد المطهرة الموجودة بالمهبل أثناء الحيض إلى أدنى مستوى لها... ليس ذلك فحسب ولكن جدار المهبل الذي يتألف من عدة طبقات يقل أثناء الحيض إلى أدنى مستوى لها.\rـ يمتد الالتهاب إلى قناة الحيض غلى أدنى مستوى لها.\rـ يمتد الالتهاب إلى قناة مجرى البول فالكلى.\rـ يصاحب الحيض آلام شديدة.\rـ تصاب كثير من النساء أثناء الحيض بحالة كآبة وضيق كما أن حالتها العقلية والفكرية تكون في أدنى درجاتها أثناء الحيض لذلك نهى رسول الله عن تطليق النساء أثناء الحيض.\rـ تصاب بعض النساء بصداع نصفي ( الشقيقة ) قرب بداية الحيض وآلام مبرحة.\r· ـ تقل الرغبة الجنسية لدى المراة أثناء الحيض.\r· ـ يسبب الحيض فقر دم للمرأة.\r· ـ تنخفض درجة حرارة المرأة أثناء الحيض درجة مؤوية واحدة.\r· ـ تزيد شراسة الميكروبات أثناء الحيض في دم الحيض وخاصة ميكروبات السيلان\r· ـ تصاب الغدد بالتغير فتقل أفرازاتها.\r· ـ يبطىء النبض وينخفض ضغط الدم فيسبب الشعور بالدوخة والفتور والكسل.\r· ـ لا يتم الحمل أثناء الحيض.\rـ لا يقتصر الأذى على الحائض بل ينتقل الأذى إلى الرجل الذي وطئها أيضاً.","part":6,"page":147},{"id":2303,"text":"ـ ظهور بحث حديث قدمه البروفسور عبد الله باسلامة إلى المؤتمر الطبي السعودي جاء فيه أن الجماع أثناء الحيض قد يكون أحد أسباب سرطان عنق الرحم ويحتاج الأمر إلى مزيد من الدراسة.\r· وتنتقل الميكروبات من قناة الرحم إلى مجرى البول البروستاتو المثانة.\rوالتهاب البروستات سرعان ما يزمن لكثرة قنواتها الضيقة الملتفة والتي نادراً الدواء ما يتمكن الدواء بكمية كافية من قتل الميكروبات المختفية في تلافيفها...فإذا ما أزمن التهاب البروستاتا فإن الميكروبات سرعان ما تغزوا بقية الجهاز البولي التناسلي فتنتقل إلى الحالبين ثم إلى الكلى... وهو العذاب المستمر...حتى نهاية الأجل....\rوقد ينتقل الميكروب من البروستاتا إلى الحويصلات المنوية فالحبل المنوي فالبربخ فالخصيتين... وقد يسبب ذلك عقماً بسبب انسداد قناة المني. أ هـ\rالمرجع : \rخلق الإنسان بين الطب والقرآن د. محمد على البار","part":6,"page":148},{"id":2304,"text":"قوله تعالى : {(نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ وَقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ مُلَاقُوهُ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ (223)}\rمناسبة الآية لما قبلها\rقال البقاعى : \rولما بين سبحانه وتعالى المأتي في الآية السابقة نوع بيان أوضحه مشيراً إلى ثمرة النكاح الناهية لكل ذي لب عن السفاح فقال : {نساؤكم} أي اللاتي هن حل لكم بعقد أو ملك يمين ولما كان إلقاء النطفة التي يكون منها النسل كإلقاء البذر الذي يكون منه الزرع شبههن بالمحارث دلالة على أن الغرض الأصيل طلب النسل فقال مسمياً موضع الحرث باسمه موقعاً اسم الجزء على الكل موحداً لأنه جنس {حرث لكم} فأوضح ذلك. قال الحرالي : ليقع الخطاب بالإشارة أي في الآية الأولى لأولي الفهم وبالتصريح أي في هذه لأولي العلم لأن الحرث كما قال بعض العلماء إنما يكون في موضع الزرع - انتهى. وفي تخصيص الحرث بالذكر وتعميم جميع الكيفيات الموصلة إليه بقوله : {فأتوا حرثكم} أي الموضع الصالح للحراثة {أنى شئتم} أي من أين وكيف إشارة إلى تحريم ما سواه لما فيه من العبث بعدم المنفعة. قال الثعلبي : الأدبار موضع الفرث لا موضع الحرث.\rولما كانت هذه أموراً خفية لا يحمل على صالحها وتحجر عن فاسدها إلا محض الورع قال : {وقدموا} أي أوقعوا التقديم. ولما كان السياق للجمع وهو من شهوات النفس قال مشيراً إلى الزجر عن اتباعها كل ما تهوي : {لأنفسكم} أي من هذا العمل وغيره من كل ما يتعلق بالشهوات ما إذا عرض على من تهابونه وتعتقدون خيره افتخرتم به عنده وذلك بأن تصرفوا مثلاً هذا العمل عن محض الشهوة إلى قصد الإعفاف وطلب الولد الذي يدوم به صالح العمل فيتصل الثواب ، ومن التقديم التسمية عند الجماع على ما وردت به السنة وصرح به الحبر ابن عباس رضي الله تعالى عنهما على ما نقل عنه.","part":6,"page":149},{"id":2305,"text":"ولما كانت أفعال الإنسان في الشهوات تقرب من فعل من عنده شك احتيج إلى مزيد وعظ فقال : {واتقوا الله} أي اجعلوا بينكم وبين ما يكرهه الملك الأعظم من ذلك وغيره وقاية من الحلال أو المشتبه.\rوزاد سبحانه وتعالى في الوعظ والتحذير بالتنبيه بطلب العلم وتصوير العرض فقال : {واعلموا أنكم ملاقوه} وهو سائلكم عن جميع ما فعلتموه من دقيق وجليل وصالح وغيره فلا تقعوا فيما تستحيون منه إذا سألكم فهو أجل من كل جليل. قال الحرالي : وفيه إشعار بما يجري في أثناء ذلك من الأحكام التي لا يصل إليها أحكام حكام الدنيا مما لا يقع الفصل فيه إلا في الآخرة من حيث إن أمر ما بين الزوجين سر لا يفشى ، قال عليه الصلاة والسلام : \" لا يسأل الرجل فيم ضرب امرأته \" وقال : \" لا أحب للمرأة أن تشكو زوجها \" فأنبأ تعالى أن أمر ما بين الزوجين مؤخر حكمه إلى لقاء الله عز وجل حفيظة على ما بين الزوجين ليبقى سراً لا يظهر أمره إلا الله تعالى ، وفي إشعاره إبقاء للمروة في أن لا يحتكم الزوجان عند حاكم في الدنيا وأن يرجع كل واحد منهما إلى تقوى الله وعلمه بلقاء الله - انتهى.\rولما كان هذا لا يعقله حق عقله كل أحد أشار إلى ذلك بالالتفات إلى أكمل الخلق فقال عاطفاً على ما تقديره : فأنذر المكذبين فعلاً أو قولاً ، قوله تعالى : {وبشر المؤمنين } أي الذين صار لهم الإيمان وصفاً راسخاً تهيؤوا به للمراقبة ، وهو إشارة إلى أن مثل هذا من باب الأمانات لا يحجز عنه إلا الإخلاص في الإيمان والتمكن فيه. أ هـ {نظم الدرر حـ 1 صـ 422 ـ 424}\rسبب نزول الآية\rقال القرطبى : ","part":6,"page":150},{"id":2306,"text":"روى الأئمة واللفظ لمسلم عن جابر ابن عبد الله قال : كانت اليهود تقول : إذا أتى الرجل امرأته من دُبرِها في قُبِلُها كان الولدُ أحول ؛ فنزلت الآية : {نِسَآؤُكُمْ حَرْثٌ لَّكُمْ فَأْتُواْ حَرْثَكُمْ أنى شِئْتُمْ} زاد في رواية عن الزّهريّ : إن شاء مُجَبِّية وإن شاء غير مُجَبِّيةٍ غير إن ذلك في صمامٍ واحد. ويُروى : في سمام واحد بالسين ؛ قاله الترمذيُّ. وروى البخاريّ عن نافعٍ قال : كان ابن عمر إذا قرأ القرآن لم يتكلم حتى يفرغَ منه ؛ فأخذت عليه يوماً ؛ فقرأ سورة \"البقرة\" حتى انتهى إلى مكانٍ قال : أتدري فيم أنزلت ؟ قلت : لا قال : نَزلت في كذا وكذا ؛ ثم مضى. وعن عبد الصمد قال : حدثني أبي قال حدّثني أيوب عن نافع عن ابن عمرَ : \"فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ\" قال : يأتيها في. قال الحُميدي : يعني الفرج. وروى أبو داود عن ابن عباسٍ قال : إن ابن عمر والله يُغفر له وهِم ؛ إنما كان هذا الحيُّ من الأنصار ، وهُم أهل وثنٍ ، مع هذا الحيِّ من يهود ، وهم أهل كتاب : وكانوا يرون لهم فضلاً عليهم في العلم ؛ فكانوا يقتدون بكثير من فعلهم ، وكان من أمر أهل الكتاب ألاّ يأتوا النساء إلا على حرف ؛ وذلك أستر ما تكون المرأة ، فكان هذا الحيُّ من الأنصار قد أخذوا بذلك من فعلهم ، وكان هذا الحيُّ من قريش يَشْرَحون النساءَ شَرْحاً منكراً ؛ ويتلذذون منهنّ مُقْبِلاتٍ ومدبراتٍ ومستلقياتٍ ؛ فلما قدم المهاجرون المدينةَ تزوّج رجل منهم امرأة من الأنصار ؛ فذهب يصنع بها ذلك فأنكرته عليه ، وقالت : إنما كنا نُؤتى على حرفٍ! فاصْنع ذلك وإلا فاجتنبني ؛ حتى شَري أمرُهما ؟ فبلغ ذلك النبيّ صلى الله عليه وسلم ؛ فأنزل الله عز وجل : {فَأْتُواْ حَرْثَكُمْ أنى شِئْتُمْ} ؛ أي مقبلاتٍ ومدبراتٍ ومستلقياتٍ ، يعني بذلك موضع الولد. وروى الترمذيّ عن ابن عباس قال : \" جاء عمر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : يا رسول الله ، هلكتُ! قال : ","part":6,"page":151},{"id":2307,"text":"\"وما أهلك\" قال : حوّلت رحلى الليلة ؛ قال : فلم يُردَّ عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم شيئاً ؛ قال : فأوحي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم هذه الآية : {نِسَآؤُكُمْ حَرْثٌ لَّكُمْ فَأْتُواْ حَرْثَكُمْ أنى شِئْتُمْ} \"أَقْبِلْ وَأَدْبِرْ واتَّقِ الدُّبُرَ والحَيْضَةَ\" \" قال : هذا حديث حسن صحيح. وروى النَّسائي عن أبي النَّضْر أنه قال لنافع مولَى ابن عمر : قد أَكثر عليك القولُ. إنك تقول عن ابن عمر : أنه أفتى بأن يُؤتَى النساء في أدبارهنّ. قال نافع : لقد كذبوا عليّ! ولكن سأُخبرك كيف كان الأمر : إن ابن عمَر عَرض عليّ المصحفَ يوماً وأنا عنده حتى بلغ : {نِسَآؤُكُمْ حَرْثٌ لَّكُمْ} ؛ قال نافع : هل تدري ما أمر هذه الآية ؟ إنا كنا معشر قريش نُجَبِّي النساءَ ، فلما دخلنا المدينة ونكحنا نساء الأنصار أردنا منهنّ ما كنا نريد من نسائنا ؛ فإذا هنّ قد كرِهن ذلك وأعظمنه ، وكان نساء الأنصار إنما يؤتين على جنوبهنّ ؛ فأنزل الله سبحانه : {نِسَآؤُكُمْ حَرْثٌ لَّكُمْ فَأْتُواْ حَرْثَكُمْ أنى شِئْتُمْ}. أ هـ {تفسير القرطبى حـ 3 صـ 92 ـ 93}\rقال ابن عاشور : \rقوله تعالى : {نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لكم)","part":6,"page":152},{"id":2308,"text":"هذه الجملة تذييل ثان لجملة : {فأتوهن من حيث أمركم الله نِسَآؤُكُمْ حَرْثٌ لَّكُمْ فَأْتُواْ حَرْثَكُمْ أنى شِئْتُمْ} [ البقرة : 222 ] قصد به الارتفاق بالمخاطبين والتأنس لهم لإشعارهم بأن منعهم من قربان النساء في مدة المحيض منع مؤقت لفائدتهم وأن الله يعلم أن نساءهم محل تعهدهم وملابستهم ليس منعهم منهن في بعض الأحوال بأمر هين عليهم لولا إرادة حفظهم من الأذى ، كقول عمر بن الخطاب لما حمي الحمى \"لولا المال الذي أحمل عليه في سبيل الله ما حميت عليهم من بلادهم شبراً إنها لبلادُهم\" وتعتبر جملة {نساؤكم حرث} مقدِّمة لجملة {فأتوا حرثكم أنى شئتم} وفيها معنى التعليل للإذن بإتيانهن أنّى شاءوا ، والعلةُ قد تجعل مقدمة فلو أوثر معنى التعليل لأخرت عن جملة {فأتوا حرثكم أنى شئتم} ولكن أوثر أن تكون مقدمة للتي بعدها لأنه أحكم نسيج نظم ولتتأتى عقبه الفاء الفصيحة. أ هـ {التحرير والتنوير حـ 2 صـ 370 ـ 371}\rفوائد لغوية\rقال ابن عاشور : \rالحرث مصدر حرث الأرض إذا شقها بآلة تشق التراب ليزرع في شقوقه زريعة أو تغرس أشجار. وهو هنا مطلق على معنى اسم المفعول.\rوإطلاق الحرث على المحروث وأنواعه إطلاق متعدد فيطلق على الأرض المجعولة للزرع أو الغرس كما قال تعالى : {وقالوا هذه أنعام وحرث حجر} [ الأنعام : 138 ] أي أرض زرع محجورة على الناس أن يزرعوها.\rوقال : {والخيل المسومة والأنعام والحرث} [ آل عمران : 14 ] أي الجنات والحوائط والحقول.\rوقال : {كمثل ريح فيها صر أصابت حرث قوم ظلموا أنفسهم فأهلكته} [ \"ل عمران : 117 ] أي فأهلكت زرعهم.\rوقال : {فتنادوا مصبحين أن اغدوا على حرثكم إن كنتم صارمين} [ القلم : 22 ] يعنون به جنتهم أي صارمين عراجين التمر.","part":6,"page":153},{"id":2309,"text":"والحرث في هذه الآية مراد به المحروث بقرينة كونه مفعولاً لفعل {فأتوا حرثكم} وليس المراد به المصدر لأن المقام ينبو عنه ، وتشبيه النساء بالحرث تشبيه لطيف كما شبه النسل بالزرع في قول أبي طالب في خطبته خديجة للنبيء صلى الله عليه وسلم \" الحمد لله الذي جعلنا من ذرية إبراهيم وزرع إسماعيل \".\rوالفاء في {فأتوا حرثكم أنى شئتم} فاء فصيحة لابتناء ما بعدها على تقرر أن النساء حرث لهم ، لا سيما إذا كانوا قد سألوا عن ذلك بلسان المقال أو بلسان الحال.\rوكلمة ( أنى ) اسم لمكان مبهم تبينه جملة مضاف هو إليها ، وقد كثر استعماله مجازاً في معنى كيف بتشبيه حال الشيء بمكانه ، لأن كيف اسم للحال المبهمة يبينها عاملها نحو {كيف يشاء} [ آل عمران : 6 ] وقال في \"لسان العرب\" : إن ( أنى ) تكون بمعنى ( متى ) ، وقد أضيف ( أنى ) في هذه الآية إلى جملة ( شئتم ) والمشيئات شتى فتأوله كثير من المفسرين على حمل ( أني ) على المعنى المجازي وفسره بكيف شئتم وهو تأويل الجمهور الذي عضدوه بما رووه في سبب نزول الآية وفيها روايتان.\r","part":6,"page":154},{"id":2310,"text":"إحداهما عن جابر بن عبد الله والأخرى عن ابن عباس وتأوله الضحاك على معنى متى شئتم وتأوله جمع على معناه الحقيقي من كونه اسم مكان مبهم ، فمنهم من جعلوه ظرفاً لأنه الأصل في أسماء المكان إذا لم يصرح فيها بما يصرف عن معنى الظرفية وفسروه بمعنى في أي مكان من المرأة شئتم وهو المروي في \"صحيح البخاري\" تفسيراً من ابن عمر ، ومنهم من جعلوه اسم مكان غير ظرف وقدروا أنه مجرور بـ ( من ) ففسروه من أي مكان أو جهة شئتم وهو يئول إلى تفسيره بمعنى كيف ، ونسب القرطبي هذين التأويلين إلى سيبويه. فالذي يتبادر من موقع الآية وتساعد عليه معاني ألفاظها أنها تذييل وارد بعد النهي عن قربان النساء في حال الحيض. فتحمل ( أني ) على معنى متى ويكون المعنى فأتوا نساءكم متى شئتم إذا تطهرن فوزانها وزان قوله تعالى : {وإذا حللتم فاصطادوا بعد قوله : {غير محلى الصيد وأنتم حرم} [ المائدة : 2 ].\rولا مناسبة تبعث لصرف الآية عن هذا المعنى إلا أن ما طار بين علماء السلف ومن بعدهم من الخوض في محامل أخرى لهذه الآية ، وما رووه من آثار في أسباب النزول يضطّرنا إلى استفصال البيان في مختلف الأقوال والمحامل مقتنعين بذلك ، لما فيه من إشارة إلى اختلاف الفقهاء في معاني الآية ، وإنها لمسألة جديرة بالاهتمام ، على ثقل في جريانها ، على الألسنة والأقلام. أ هـ\rثم ذكر ابن عاشور ـ رحمه الله ـ الروايات السابقة فى سبب النزول ، ثم قال : \r","part":6,"page":155},{"id":2311,"text":"أقول : قد أجمل كلام الله تعالى هنا ، وأبهم وبين المبهمات بمبهمات من جهة أخرى لاحتمال {أمركم الله} معاني ليس معنى الإيجاب والتشريع منها ، إذ لم يعهد سبق تشريع من الله في هذا كما قدمناه ، ثم أتبع بقوله : {يحب التوابين} [ البقرة : 222 ] فربما أشعر بأن فعلاً في هذا البيان كان يرتكب والله يدعو إلى الانكفاف عنه وأتبع بقوله : {ويحب المتطهرين} فأشعر بأن فعلاً في هذا الشأن قد يلتبس بغيرِ التنزه والله يحب التنزه عنه ، مع احتمال المحبة عنه لمعنى التفضيل والتكرمة مثل {يحبون أن يتطهروا والله يحب المتطهرين} [ التوبة : 108 ] ، واحتمالها لمعنى : ويبغض غير ذلك ، ثم جاء ما هو كالدليل وهو قوله : {نساؤكم حرث لكم} فجعلن حرثاً على احتمال وجوه في الشبه ؛ فقد يقال : إنه وكل للمعروف ، وقد يقال : إنه جعل شائعاً في المرأة ، فلذلك نيط الحكم بذات النساء كلها ، ثم قال : {فأتوا حرثكم أنى شئتم} فجاء بأنى المحتملة للكيفيات وللأمكنة وهي أصل في الأمكنة ووردت في الكيفيات ، وقد قيل : إنها ترد للأزمنة فاحتمل كونها أمكنة الوصول من هذا الإتيان ، أو أمكنة الورود إلى مكان آخر مقصود فهي أمكنة ابتداء الإتيان أو أمكنة الاستقرار فأُجمِل في هذا كله إجمال بديع وأثنى ثناء حسن.\rواختلاف محامل الآية في أنظار المفسرين والفقهاء طوعُ علم المتأمل. أ هـ {التحرير والتنوير حـ 2 صـ 373 ـ 374}\rفصل\rقال الفخر : ","part":6,"page":156},{"id":2312,"text":"ذهب أكثر العلماء إلى أن المراد من الآية أن الرجل مخير بين أن يأتيها من قبلها في قبلها ، وبين أن يأتيها من دبرها في قبلها ، فقوله : {أنى شِئْتُمْ} محمول على ذلك ، ونقل نافع عن ابن عمر أنه كان يقول : المراد من الآية تجويز إتيان النساء في أدبارهن ، وسائر الناس كذبوا نافعاً في هذه الرواية ، وهذا قول مالك ، واختيار السيد المرتضى من الشيعة ، والمرتضى رواه عن جعفر بن محمد الصادق رضي الله عنه ، وحجة من قال : إنه لا يجوز إتيان النساء في أدبارهن من وجوه : \rالحجة الأولى : أن الله تعالى قال في آية المحيض : {قُلْ هُوَ أَذًى فاعتزلوا النساء فِي المحيض} [ البقرة : 222 ] جعل قيام الأذى علة لحرمة إتيان موضع الأذى ، ولا معنى للأذى إلا ما يتأذى الإنسان منه وههنا يتأذى الإنسان بنتن روائح ذلك الدم وحصول هذه العلة في محل النزاع أظهر فإذا كانت تلك العلة قائمة ههنا وجب حصول الحرمة.\rالحجة الثانية : قوله تعالى : {فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ الله} [ البقرة : 222 ] وظاهر الأمر للوجوب ، ولا يمكن أن يقال : إنه يفيد وجوب إتيانهن لأن ذلك غير واجب ، فوجب حمله على أن المراد منه أن من أتى المرأة وجب أن يأتيها في ذلك الموضع الذي أمر الله تعالى به ثم هذا غير محمول على الدبر ، لأن ذلك بالإجماع غير واجب فتعين أن يكون محمولاً على القبل ، وذلك هو المطلوب.\r","part":6,"page":157},{"id":2313,"text":"الحجة الثالثة : روى خزيمة بن ثابت أن رجلاً سأل النبي صلى الله عليه وسلم عن إتيان النساء في أدبارهن ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : \" حلال ، فلما ولى الرجل دعاه فقال : كيف قلت في أي الخربتين ، أو في أي الخرزتين ، أو في أي الخصفتين ، أو من قبلها في قبلها فنعم ، أمن دبرها في قبلها فنعم ، أمن دبرها في دبرها فلا ، إن الله لا يستحي من الحق : \"لا تؤتوا النساء في أدبارهن \" وأراد بخربتها مسلكها ، وأصل الخربة عروة المزادة شبه الثقب بها ، والخرزة هي التي يثقبها الخراز ، كنى به عن المأتي ، وكذلك الخصفة من قولهم : خصفت الجلد إذا خرزته ، حجة من قال بالجواز وجوه : \rالحجة الأولى : التمسك بهذه الآية من وجهين الأول : أنه تعالى جعل الحرث اسماً للمرأة فقال : {نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَّكُمْ} فهذا يدل على أن الحرث اسم للمرأة لا للموضع المعين ، فلما قال بعده : {فَأْتُواْ حَرْثَكُمْ أنى شِئْتُمْ} كان المراد فأتوا نساءكم أنى شئتم فيكون هذا إطلاقاً في إتيانهن على جميع الوجوه ، فيدخل فيه محل النزاع.\rالوجه الثاني : أن كلمة {أَنّى} معناها أين ، قال الله تعالى : {أنى لَكِ هذا قَالَتْ هُوَ مِنْ عِندِ الله} [ ال عمران : 37 ] والتقدير : من أين لك هذا فصار تقدير الآية : فأتوا حرثكم أين شئتم وكلمة : أين شئتم ، تدل على تعدد الأمكنة : اجلس أين شئت ويكون هذا تخييراً بين الأمكنة.\rإذا ثبت هذا فنقول : ظهر أنه لا يمكن حمل الآية على الإتيان من قبلها في قبلها ، أو من دبرها في قبلها لأن على هذا التقدير المكان واحد ، والتعداد إنما وقع في طريق الإتيان ، واللفظ اللائق به أن يقال : اذهبوا إليه كيف شئتم فلما لم يكن المذكور ههنا لفظة : كيف ، بل لفظة {أَنّى} ويثبت أن لفظة {أَنّى} مشعرة بالتخيير بين الأمكنة ، ثبت أنه ليس المراد ما ذكرتم بل ما ذكرناه.\r","part":6,"page":158},{"id":2314,"text":"الحجة الثانية : لهم : التمسك بعموم قوله تعالى : {إِلاَّ على أزواجهم أَوْ مَا مَلَكَتْ أيمانهم} [ المؤمنون : 6 ] ترك العمل به في حق الذكور لدلالة الإجماع ، فوجب أن يبقى معمولاً به في حق النسوان.\rالحجة الثالثة : توافقنا على أنه لو قال للمرأة : دبرك على حرام ونوى الطلاق أنه يكون طلاقاً ، وهذا يقتضي كون دبرها حلالاً له ، هذا مجموع كلام القوم في هذا الباب.\rأجاب الأولون فقالوا : الذي يدل على أنه لا يجوز أن يكون المراد من هذه الآية إتيان النساء في غير المأتي وجوه الأول : أن الحرث اسم لموضع الحراثة ، ومعلوم أن المراد بجميع أجزائها ليست موضعاً للحراثة ، فامتنع إطلاق اسم الحرث على ذات المرأة ، ويقتضي هذا الدليل أن لايطلق لفظ الحرث على ذات المرأة إلا أنا تركنا العمل بهذا الدليل في قوله : {نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَّكُمْ} لأن الله تعالى صرح ههنا بإطلاق لفظ الحرث على ذات المرأة ، فحملنا ذلك على المجاز المشهور من تسمية كل الشيء باسم جزئه ، وهذه الصورة مفقودة في قوله : {فَأْتُواْ حَرْثَكُمْ} فوجب حمل الحرث ههنا على موضع الحراثة على التعيين ، فثبت أن الآية لا دلالة فيها إلا على إتيان النساء في المأتي.\rالوجه الثاني : في بيان أن هذه الآية لا يمكن أن تكون دالة على ما ذكروه لما بينا أن ما قبل هذه الآية يدل على المنع مما ذكروه من وجهين أحدهما : قوله : {قُلْ هُوَ أَذًى} [ البقرة : 222 ] والثاني : قوله : {فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ الله} فلو دلت هذه الآية على التجويز لكان ذلك جمعاً بين ما يدل على التحريم وبين ما يدل على التحليل في موضع واحد ، والأصل أنه لا يجوز.\r","part":6,"page":159},{"id":2315,"text":"الوجه الثالث : الروايات المشهورة في أن سبب نزول هذه الآية اختلافهم في أنه هل يجوز إتيانها من دبرها في قبلها ، وسبب نزول الآية لا يكون خارجاً عن الآية فوجب كون الآية متناولة لهذه الصورة ، ومتى حملناها على هذه الصورة لم يكن بنا حاجة إلى حملها على الصورة الأخرى فثبت بهذه الوجوه أن المراد من الآية ليس ما ذكروه ، وعند هذا نبحث عن الوجوه التي تمسكوا بها على التفصيل.\rأما الوجه الأول : فقد بينا أن قوله : {فَأْتُواْ حَرْثَكُمْ} معناه : فأتوه موضع الحرث.\rوأما الثاني : فإنه لما كان المراد بالحرث في قوله : {فَأْتُواْ حَرْثَكُمْ} ذلك الموضع المعين لم يكن حمل {أنى شِئْتُمْ} على التخيير في مكان ، وعند هذا يضمر فيه زيادة ، وهي أن يكون المراد من {أنى شِئْتُمْ} فيضمر لفظة : من ، لا يقال ليس حمل لفظ الحرث على حقيقته ، والتزام هذا الإضمار أولى من حمل لفظ الحرث على المرأة على سبيل المجاز ، حتى لا يلزمنا هذا الإضمار لأن نقول : بل هذا أولى ، لأن الأصل في الأبضاع الحرمة.\rوأما الثالث : فجوابه : أن قوله : {إِلاَّ على أزواجهم أَوْ مَا مَلَكَتْ أيمانهم} [ المؤمنون : 6 ] عام ، ودلائلنا خاصة ، والخاص مقدم على العام.\rوأما الرابع : فجوابه : أن قوله : دبرك على حرام ، إنما صلح أن يكون كناية عن الطلاق ، لأنه محل لحل الملابسة والمضاجعة ، فصار ذلك كقوله : يدك طالق ، والله أعلم. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 6 صـ 61 ـ 63}\rقال القرطبى : ","part":6,"page":160},{"id":2316,"text":"قوله تعالى : {أنى شِئْتُمْ} معناه عند الجمهور من الصحابة والتابعين وأئمّة الفتوى : من أيّ وجهٍ شئتم مقبلة ومدبرة ؛ كما ذكرنا آنفاً. و\"أَنَّى\" تجيء سؤالاً وإخباراً عن أمرٍ له جهات ؛ فهو أعمّ في اللغة من \"كيف\" ومن \"أين\" ومن \"متى\" ؛ هذا هو الاستعمال العربي في \"أَنَّى\". وقد فسر الناس \"أنى\" في هذه الآية بهذه الألفاظ. وفسّرها سيبويه بـ \"كيف\" ومن \"أين\" باجتماعهما. وذهبت فرقة ممن فسّرها بـ \"أين\" إلى أن الوطء في الدّبر مباح ؛ وممن نسب إليه هذا القول : سعيدُ بنُ المسيّب ونافعُ وابن عمرَ ومحمد بن كعبٍ القُرَظيّ وعبد الملك بن الماجشون ، وحُكي ذلك عن مالكٍ في كتاب له يسمى \"كتاب السر\". وحذّاق أصحابِ مالكٍ ومشايخهم يُنكرون ذلك الكتاب ؛ ومالكٌ أجلُّ من أن يكون له \"كتابُ سِرٍّ\". ووقع هذا القول في العُتْبِيّة. وذكر ابن العربيّ أن ابن شعبان أسند جواز هذا القولِ إلى زمرة كبيرة من الصحابة والتابعين ، وإلى مالكٍ من روايات كثيرة في كتاب \"جماع النّسوان وأحكام القرآن\". وقال الكِيَا الطبريّ : وروي عن محمد بن كعب القُرَظِيّ أنه كان لا يرى بذلك بأساً ؛ ويتأوّل فيه قول الله عزّ وجلّ : {أَتَأْتُونَ الذكران مِنَ العالمين وَتَذَرُونَ مَا خَلَقَ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِّنْ أَزْوَاجِكُمْ} [ الشعراء : 165 ، 166 ] وقال : فتقديره تتركون مثل ذلك من أزواجكم ؛ ولو لم يُبح مثلُ ذلك من الأزواج لما صح ذلك ، وليس المباح من الموضع الآخَر مِثلاً له ؛ حتى يُقال : تفعلون ذلك وتتركون مثله من المباح. قال الكِيَا : وهذا فيه نظر ، إذ معناه : وتذرون ما خلق لكم ربُّكم من أزواجكم مما فيه تسكينُ شهوتكم ؛ ولذة الوقاع حاصلة بهما جميعاً ؛ فيجوز التوبيخ على هذا المعنى. وفي قوله تعالى : {فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ الله} [ البقرة : 222 ] مع قوله : {فَأْتُواْ حَرْثَكُمْ} ما يدل على أن المَأْتى اختصاصا ، وأنه مقصور على موضع الولد.","part":6,"page":161},{"id":2318,"text":"قلت : هذا هو الحقّ في المسألة. وقد ذكر أبو عمر بن عبد البر أن العلماء لم يختلفوا في الرَّتْقاء التي لا يوصل إلى وطئها أنه عيب تُردَّ به ؛ إلاَّ شيئاً جاء عن عمرَ بنِ عبد العزيز من وجهٍ ليس بالقويّ أنه لا تردّ الرتقاء ولا غيرُها ؛ والفقهاء كلُّهم على خلاف ذلك ، لأن المسيس هو المبتغى بالنكاح ، وفي إجماعهم على هذا دليل على أن الدُّبُر ليس بموضع وطء ، ولو كان موضعاً للوطء ما رُدّت من لا يُوصَل إلى وطئها في الفرج. وفي إجماعهم أيضاً على أن العقِيم التي لا تلد لا ترد. والصحيح في هذه المسألة ما بيّناه. وما نسب إلى مالكٍ وأصحابِه من هذا باطل وهم مُبَرَّءون من ذلك ؛ لأن إباحة الإتيان مختصة بموضع الحرث ؛ لقوله تعالى : {فَأْتُواْ حَرْثَكُمْ} ؛ ولأن الحكمة في خلق الأزواج بثّ النّسل ؛ فغير موضع النسل لا يناله مِلْك النكاح ، وهذا هو الحقّ. وقد قال أصحاب أبي حنيفة : إنه عندنا ولائطَ الذكر سواء في الحكم ؛ ولأن القَذَر والأذَى في موضع النجو أكثرُ من دمِ الحيض ، فكان أشنع. وأما صِمَام البول فغير صمام الرَّحِم. وقال ابن العربي في قبسه : قال لنا الشيخ الإمام فخرُ الإسلام أبو بكر محمدُ بنُ أحمد بن الحسين فقيه الوقت وإمامه : الفرج أشبه شيء بخمسة وثلاثين ؛ وأخرج يده عاقداً بها. وقال : مسلك البول ما تحت الثلاثين ، ومسلك الذَّكَر والفرج ما اشتملت عليه الخمسةُ ؛ وقد حرّم الله تعالى الفرجَ حال الحيِض لأجل النجاسة العارضة. فأولى أن يحرُم الدّبُر لأجل النجاسة اللازمة. وقال مالك لابن وهب وعليّ بن زياد لما أخبراه أن ناساً بمصر يتحدّثون عنه أنه يجيز ذلك ؛ فنفر من ذلك ؛ وبادر إلى تكذيب الناقل فقال : كذبوا عليّ ، كذبوا عَلَيّ ، كذبوا عَلَيّ! ثم قال : ألستم قوماً عَرَباً ؟ ألم يقل الله تعالى : {نِسَآؤُكُمْ حَرْثٌ لَّكُمْ} ؟ وهل يكون الحرث إلاَّ في موضع المنبِت! وما استدل به المخالف من أنّ قوله عزّ وجلّ : ","part":6,"page":162},{"id":2319,"text":"{أنى شِئْتُمْ} شامل للمسالك بحكم عمومها فلا حجة فيها ، إذ هي مخصصة بما ذكرناه ، وبأحاديثَ صحيحةٍ حسانٍ وشهيرةٍ رواها عن رسول الله صلى الله عليه وسلم اثنا عشر صحابياً بمُتُون مختلفة ؛ كلها متواردة على تحريم إتيان النساء في الأدبار ؛ ذكرها أحمد بنُ حنبل في مسنده ، وأبو داود والنَّسَائيُّ والترمذيُّ وغيرُهم. وقد جمعها أبو الفرج بن الجوزيّ بطرقها في جزء سماه \"تحريم المحل المكروه\". ولشيخنا أبي العباس أيضاً في ذلك جزء سماه \"إظهارُ إدبار ، من أجاز الوطء في الأدبار\". قلت : وهذا هو الحقّ المتَّبع والصحيح في المسألة ، ولا ينبغي لمؤمن بالله واليوم الآخر أن يُعرِّج في هذه النازلة على زلة عالم بعد أن تصح عنه ، وقد حُذِّرنا من زَلّة العالم.\r","part":6,"page":163},{"id":2320,"text":"وقد رُوي عن ابن عمر خلافُ هذا ، وتكفيرُ مَن فعله ؛ وهذا هو اللائق به رضي الله عنه. وكذلك كذّب نافعٌ من أخبر عنه بذلك ؛ كما ذكر النَّسائيّ ، وقد تقدّم. وأنكر ذلك مالكٌ واستعظمه ، وكذّب من نسب ذلك إليه. وروى الدارِمِيّ أبو محمد في مسنده عن سعيد بن يسار أبي الحُبَاب قال : قلت لابن عمر : ما تقول في الجوارى حين أحمض بهنّ ؟ قال : وما التَّحْميض ؟ فذكرت له الدُّبُر ؛ فقال : هل يفعل ذلك أحد من المسلمين! وأسند عن خزيمةَ بن ثابت : سمعتُ رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : \" أيها الناس إن الله لا يستحي من الحقّ لا تأتوا النساء في أعجازهنّ \" ومثله عن عليّ بن طَلْق. وأسند عن أبي هريرة عن النبيّ صلى الله عليه وسلم قال : \" من أتى امرأة في دُبُرِها لم ينظر الله تعالى إليه يوم القيامة \" وروى أبو داود الطّيالِسِيّ في مسنده عن قتَادة عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن عبد الله بن عمرو عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : \" تلك اللوطية الصغرى \" يعني إتيان المرأة في دبرها. ورُوي عن طاوس أنه قال : كان بدء عمل قومِ لوطٍ إتيان النساء في أدبارهنّ. قال ابن المنذر ؛ وإذا ثبت الشيء عن رسول الله صلى الله عليه وسلم استغني به عما سواه. أ هـ {تفسير القرطبى حـ 3 صـ 95 ـ 96}\rقال العلامة الشنقيطى : \rلم يبين هنا هذا المكان المأمور بالإتيان منه المعبر عنه بلفظه \" حيث \" ولكنه بين أن المراد به الإتيان في القبل في آيتين.\rإحداهما : هي قوله هنا : {فَأْتُواْ حَرْثَكُمْ} [ البقرة : 223 ] ؛ لأن قوله : {فَأْتُواْ} أمر بالإتيان بمعنى الجماع ، وقوله : {حَرْثَكُمْ} يبين أن الإتيان المأمور به إنما هو في محل الحرث ، يعني بذر الولد بالنطفة ، وذلك هو القبل دون الدبر كما لا يخفى ؛ لأن الدبر ليس محل بذر للأولاد ، كما هو ضروري.","part":6,"page":164},{"id":2321,"text":"الثانية : قوله تعالى : {فالآن بَاشِرُوهُنَّ وابتغوا مَا كَتَبَ الله لَكُمْ} [ البقرة : 187 ] ، لأن المراد بما كتب الله لكم ، الولد ، على قول الجمهور ، وهو اختيار ابن جرير ، وقد نقله عن ابن عباس ، ومجاهد ، والحكم ، وعكرمة والحسن البصري ، والسدي ، والربيع ، والضحاك بن مزاحم. ومعلوم أن ابتغاء الولد إنما هو بالجماع في القبل. فالقبل إذن هو المأمور بالمباشرة فيه ، بمعنى الجماع ، فيكون معنى الآية : فالآن باشروهن ، ولتكن تلك المباشرة في محل ابتغاء الولد ، الذي هو القبل دون غيره ، بدليل قوله : {وابتغوا مَا كَتَبَ الله لَكُمْ} [ البقرة : 187 ] يعني الولد.\rويتضح لك من هذا أن معنى قوله تعالى : {أنى شِئْتُمْ} [ البقرة : 223 ] يعني أن يكون الإتيان في محل الحرث على أي حالة شاء الرجل ، سواء كانت المرأة مستلقية أو باركة أو على جنب ، أو غير ذلك ، ويؤيد هذا ما رواه الشيخان وأبو داود والترمذي عن جابر رضي الله عنه قال : كانت اليهود تقول : إذا جامعها من ورائها جاء الولد أحول ، فنزلت {نِسَآؤُكُمْ حَرْثٌ لَّكُمْ فَأْتُواْ حَرْثَكُمْ أنى شِئْتُمْ} [ البقرة : 223 ].\rفظهر من هذا أن جابراً رضي الله عنه يرى أن معنى الآية ، فأتوهن في القبل على أية حالة شئتم ولو كان من ورائها.\rوالمقرر في علوم الحديث أن تفسير الصحابي الذي له تعلق بسبب النزول له حكم الرفع كما عقده صاحب طلعة الأنوار بقوله : \rتفسير صاحب له تعلق... بالسبب الرفع له محقق. أ هـ\rثم قال رحمه الله : \rاعلم أن من روي عنه جواز ذلك كابن عمر ، وأبي سعيد وجماعات من المتقدمين ، والمتأخرين ، يجب حمله على أن مرادهم بالإتيان في الدبر إتيانها في الفرج من جهة الدبر ، كما يبينه حديث جابر ، والجمع واجب إذا أمكن. أ هـ\rثم قال : \r","part":6,"page":165},{"id":2322,"text":"ولا ينتقض هذا بجواز الجماع في عكن البطن ، وفي الفخذين ، والساقين ، ونحو ذلك مع أن الكل ليس محل حرث. لأن ذلك يسمى استمناء لا جماعاً. والكلام في الجمع. لأن المراد بالإتيان في قوله : {فَأْتُواْ حَرْثَكُمْ} [ البقرة : 223 ] الجماع والفارق موجود. لأن عكن البطن ونحوها لا قذر فيها ، والدبر فيه القذر الدائم ، والنجس الملازم. أ هـ {أضواء البيان حـ 1 صـ 123 ـ 125} بتصرف يسير.\rكلام قيم لابن القيم\rقال رحمه الله : \rإذا كان الله حرَّم الوطءَ في الفرج لأجل الأذى العارض ، فما الظنُّ بالحشِّ الذي هو محل الأذى اللازم مع زيادة المفسدة بالتعرض لانقطاع النسل والذريعة القريبة جداً من أدبار النساء إلى أدبار الصبيان.\rوأيضاً : فللمرأة حق على الزوج في الوطء ، ووطؤها في دُبرها يفوِّتُ حقها ، ولا يقضي وطَرَها ، ولا يُحَصِّل مقصودها.\rوأيضاً : فإن الدبر لم يتهيأ لهذا العمل ، ولم يخلق له ، وإنما الذي هيئ له الفرج ، فالعادلون عنه إلى الدُّبُر خارجون عن حكمة الله وشرعه جميعاً.\rوأيضاً : فإن ذلك مضر بالرجل ، ولهذا ينهي عنه عقلاءُ الأطباء منِ الفلاسفة وغيرهم ، لأن للفرج خاصية في اجتذاب الماء المحتقن وراحة الرجل منه والوطءُ فى الدُّبُر لا يعين على اجتذاب جميع الماء ، ولا يخرج كلَّ المحتقن لمخالفته للأمر الطبيعى.\rوأيضاً : يضر من وجه آخَر ، وهو إحواجُه إلى حركات متعبةٍ جداً لمخالفته للطبيعة.\rوأيضاً : فإنه محل القذر والنَّجْوِ ، فيستقبلُه الرَّجل بوجهه ، ويُلابسه.\rوأيضاً : فإنه يضرُّ بالمرأة جداً ، لأنه واردٌ غريب بعيدٌ عن الطباع ، مُنافر لها غايةَ المنافرة.\rوأيضاً : فإنه يُحِدثُ الهمَّ والغم ، والنفرةَ عن الفاعل والمفعول.\rوأيضاً : فإنه يُسَوِّدُ الوجه ، ويُظلم الصدر ، ويَطمِسُ نور القلب ، ويكسو الوجه وحشةً تصير عليه كالسِّيماء يعرِفُها مَن له أدنى فراسة.\r","part":6,"page":166},{"id":2323,"text":"وأيضاً : فإنه يُوجب النُّفرة والتباغض الشديد ، والتقاطع بين الفاعل والمفعول ، ولا بُدَّ.\rوأيضاً : فإنه يُفسد حال الفاعل والمفعول فساداً لا يكادُ يُرجَى بعده صلاح ، إلا أن يشاءَ الله بالتوبة النصوح.\rوأيضاً : فإنه يُذهبُ بالمحاسن منهما ، ويكسوهما ضِدَّها. كما يُذهب بالمَوَدَّة بينهما ، ويُبدلهما بها تباغضاً وتلاعُناً.\rوأيضاً : فإنه من أكبر أسباب زوال النِعَم ، وحُلول النِقَم ، فإنه يوجب اللَّعنةَ والمقتَ من الله ، وإعراضه عن فاعله ، وعدم نظره إليه ، فأىُّ خير يرجوه بعد هذا ، وأىُّ شر يأمنُه ، وكيف حياة عبد قد حلَّتْ عليه لعنة الله ومقته ، وأعرض عنه بوجهه ، ولم ينظر إليه.\rوأيضاً : فإنه يُذهب بالحياءِ جملةً ، والحياءُ هو حياة القلوب ، فإذا فقدها القلبُ ، استحسَن القبيح ، واستقبحَ الحسن ، وحينئذٍ فقد استَحكَم فسادُه.\rوأيضاً : فإنهُ يُحيل الطباعَ عما رَكَّبَها الله ، ويُخرج الإنسانَ عن طبعه إلى طبع لم يُركِّب الله عليه شيئاً من الحيوان ، بل هو طبع منكوس ، وإذا نُكِسَ الطبعُ انتكس القلب ، والعمل ، والهدى ، فيستطيبُ حينئذٍ الخبيثَ من الأعمال والهيئات ، ويفسد حاله وعملُه وكلامه بغير اختياره.\rوأيضاً : فإنه يُورِث مِنَ الوقاحة والجُرأة ما لا يُورثه سواه.\rوأيضاً : فإنه يُورث مِنَ المهانة والسِّفال والحقَارة ما لا يورثه غيره.\rوأيضاً : فإنه يكسو العبدَ مِن حُلَّة المقت والبغضاء ، وازدراءِ الناس له ، واحتقارِهم إيَّاه ، واستصغارِهم له ما هو مشاهَدٌ بالحسِّ ، فصلاة الله وسلامه على مَن سعادةُ الدنيا والآخرة فى هَدْيِه واتباعِ ما جاء به ، وهلاكُ الدنيا والآخرة فى مخالفة هَدْيِه وما جاء به. أ هـ {زاد المعاد حـ 4 صـ 262 ـ 264}","part":6,"page":167},{"id":2324,"text":"لطيفة فى الفرق بين الحرث والزرع\rقال الراغب : الحرث إلقاء البذر وتهيئة الأرض ، والزرع مراعاته وإنباته ، ولذلك قال تعالى {أفرأيتم ما تحرثون أأنتم تزرعونه أم نحن الزارعون} أثبت لهم الحرث ونفى عنهم الزرع. أ هـ {البحر المحيط حـ 2 صـ 180}\rفصل\rقال الفخر : \rاختلف المفسرون في تفسير قوله : {أنى شِئْتُمْ} والمشهور ما ذكرناه أنه يجوز للزوج أن يأتيها من قبلها في قبلها ، ومن دبرها في قبلها والثاني : أن المعنى : أي وقت شئتم من أوقات الحل : يعنى إذا لم تكن أجنبية ، أو محرمة ، أو صائمة ، أو حائضاً والثالث : أنه يجوز للرجل أن ينكحها قائمة أو باركة ، أو مضطجعة ، بعد أن يكون في الفرج الرابع : قال ابن عباس : المعنى إن شاء ، وإن شاء لم يعزل ، وهو منقول عن سعيد بن المسيب الخامس : متى شئتم من ليل أو نهار.\rفإن قيل : فما المختار من هذه الأقاويل ؟ .\rقلنا : قد ظهر عن المفسرين أن سبب نزول هذه الآية هو أن اليهود كانوا يقولون : من أتى المرأة من دبرها في قبلها جاء الولد أحول ، فأنزل الله تعالى هذا لتكذيب قولهم ، فكان الأولى حمل اللفظ عليه ، وأما الأوقات فلا مدخل لها في هذا الباب ، لأن {أَنّى} يكون بمعنى {متى} ويكون بمعنى {كَيْفَ} وأما العزل وخلافه فلا يدخل تحت {أنّى} لأن حال الجماع لا يختلف بذلك ، فلا وجه لحمل الكلام إلا على ما قلنا. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 6 صـ 63}\rقوله تعالى : {وَقَدّمُواْ لأَنفُسِكُمْ}\rقال القرطبى : ","part":6,"page":168},{"id":2325,"text":"قوله تعالى : {وَقَدِّمُواْ لأَنْفُسِكُمْ} أي قدّموا ما ينفعكم غداً ؛ فحذف المفعول ، وقد صُرِّح به في قوله تعالى : {وَمَا تُقَدِّمُواْ لأَنْفُسِكُم مِّنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِندَ الله} [ البقرة : 110 ]. فالمعنى قدّموا لأنفسكم الطاعَةَ والعملَ الصالحَ. وقيل ابتغاء الولد والنسل ؛ لأن الولد خير الدنيا والآخرة ؛ فقد يكون شفيعاً وجُنَّة. وقيل : هو التزوّج بالعفائف ؛ ليكون الولد صالحاً طاهراً. وقيل : هو تقدّم الأفراط ؛ كما قال النبيّ صلى الله عليه وسلم : \" من قَدَّم ثلاثةً من الولد لم يبلغوا الحِنثَ لم تمسه النار إلاَّ تَحِلَّةَ القَسَم \" الحديث. وسيأتي في \"مريم\" إن شاء الله تعالى. وقال ابن عباس وعطاء : أي قدّموا ذكر الله عند الجماع ؛ كما قال عليه السَّلام : \" لو أنّ أحدكم إذا أتى امرأته قال بسم الله اللَّهُمَّ جنّبنا الشيطان وجنّب الشيطانَ ما رزقَتنا فإنه إن يُقَدَّر بينهما ولدٌ لم يضرّه شيطانٌ أبداً \" أخرجه مسلم. أ هـ {تفسير القرطبى حـ 3 صـ 96}\rوقال الفخر : \rأما قوله : {وَقَدّمُواْ لأَنفُسِكُمْ} فمعناه : افعلوا ما تستوجبون به الجنة والكرامة ونظيره أن يقول الرجل لغيره : قدم لنفسك عملاً صالحاً ، وهو كقوله : {وَتَزَوَّدُواْ فَإِنَّ خَيْرَ الزاد التقوى} [ البقرة : 197 ] ونظير لفظ التقديم ما حكى الله تعالى عن فريق من أهل النار وهو قوله : {قَالُواْ بَلْ أَنتُمْ لاَ مَرْحَباً بِكُمْ أَنتُمْ قَدَّمْتُمُوهُ لَنَا فَبِئْسَ القرار} [ ص : 60 ].\rفإن قيل : كيف تعلق هذا الكلام بما قبله ؟ .","part":6,"page":169},{"id":2326,"text":"قلنا : نقل عن ابن عباس أنه قال : معناه التسمية عند الجماع وهو في غاية البعد ، والذي عندي فيه أن قوله : {نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَّكُمْ} جار مجرى التنبيه على سبب إباحة الوطء ، كأنه قيل : هؤلاء النسوان إنما حكم الشرع بإباحة وطئهن لكم لأجل أنهن حرث لكم أي بسبب أنه يتولد الولد منها ثم قال بعده : {فَأْتُواْ حَرْثَكُمْ أنى شِئْتُمْ} أي لما كان السبب في إباحة وطئها لكم حصول الحرث ، فأتوا حرثكم ، ولاتأتوا غير موضع الحرث ، فكان قوله : {فَأْتُواْ حَرْثَكُمْ} دليلاً على الإذن في ذلك الموضع ، والمنع من غير ذلك الموضع ، فلما اشتملت الآية عل الإذن في أحد الموضعين ، والمنع عن الموضع الآخر ، لا جرم قال : {وَقَدّمُواْ لاِنفُسِكُمْ} أي لا تكونوا في قيد قضاء الشهوة بل كونوا في قيد تقديم الطاعة ، ثم إنه تعالى أكد ذلك بقوله : {واتقوا الله} ثم أكده ثالثاً بقوله : {واعلموا أَنَّكُم ملاقوه} وهذه التهديدات الثلاثة المتوالية لا يليق ذكرها إلا إذا كانت مسبوقة بالنهي عن شيء لذيذ مشتهى ، فثبت أن ما قبل هذه الآية دال على تحريم هذا العمل ، وما بعدها أيضاً دال على تحريمه ، فظهر أن المذهب الصحيح في تفسير هذه الآية ما ذهب إليه جمهور المجتهدين. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 6 صـ 64}\rقال ابن عاشور : \r{وَقَدِّمُواْ لاَِنفُسِكُمْ واتقوا الله واعلموا أَنَّكُم ملاقوه وَبَشِّرِ المؤمنين}\rعطف على جملة {فأتوا حرثكم} أو على جملة {إن الله يحب التوابين ويحب المتطهرين}. عطف الإنشاء على الخبر ، على أن الجملة المعطوف عليها وإن كانت خبراً فالمقصود منها الأمر بالتوبة والتطهر ؛ فكرر ذلك اهتماماً بالحرص على الأعمال الصالحة بعد الكلام على اللذائذ العاجلة.\rوحذف مفعول {وقدموا} اختصاراً لظهوره ؛ لأن التقديم هنا إعداد الحسنات فإنها بمنزلة الثَّقَل الذي يقدمه المسافر.","part":6,"page":170},{"id":2327,"text":"وقوله : {لأنفسكم} متعلق بـ {قدموا} ، واللام للعلة أي لأجل أنفسكم أي لنفعها ، وقوله : {واتقوا الله} تحريض على امتثال الشرع بتجنب المخالفة ، فيدخل تحته التخلي عن السيئات والتحلي بالواجبات والقربات ، فمضمونها أعم من مضمون جملة {وقدموا لأنفسكم} فلذلك كانت هذه تذييلاً.\rوقوله : {واعلموا أنكم ملاقوه} يجمع التحذير والترغيب ، أي فلاقوه بما يرضى به عنكم كقوله : {ووجد الله عنده} [ النور : 39 ] وهو عطف على قوله : {واتقوا الله}. أ هـ {التحرير والتنوير حـ 2 صـ 374 ـ 375}\rقوله تعالى : {واتقوا الله واعلموا أَنَّكُم ملاقوه}\rقال الفخر : \rاعلم أنه تعالى ذكر هذه الأمور الثلاثة أولها : {وَقَدّمُواْ لأَنفُسِكُمْ} والمراد منه فعل الطاعات وثانيها : قوله : {واتقوا الله} والمراد منه ترك المحظورات وثالثها : قوله : {واعلموا أَنَّكُم ملاقوه} وفيه إشارة إلى أني إنما كلفتكم بتحمل المشقة في فعل الطاعات وترك المحظورات لأجل يوم البعث والنشور والحساب ، فلولا ذلك اليوم لكان تحمل المشقة في فعل الطاعات وترك المحظورات عبثاً وما أحسن هذا الترتيب ، ثم قال : {وَبَشّرِ المؤمنين} والمراد منه رعاية الترتيب المعتبر في القرآن وهو أن يجعل مع كل وعيد وعداً والمعنى وبشر المؤمنين خاصة بالثواب والكرامة فحذف ذكرهما لما أنهم كالمعلوم ، فصار كقوله : {وَبَشّرِ المؤمنين بِأَنَّ لَهُمْ مّنَ الله فَضْلاً كِبِيراً} [ الأحزاب : 47 ]. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 6 صـ 64}\rفائدة\rقال ابن عاشور : \rوقد رتبت الجمل الثلاث الأول على عكس ترتيب حصول مضامينها في الخارج ؛ فإن الظاهر أن يكون الإعلام بملاقاة الله هو الحاصل أولاً ثم يعقبه الأمر بالتقوى ثم الأمر بأن يقدموا لأنفسهم ، فخولف الظاهر للمبادرة بالأمر بالاستعداد ليوم الجزاء ، وأعقب بالأمر بالتقوى إشعاراً بأنها هي الاستعداد ثم ذكِّروا بأنهم ملاقو الله فجاء ذلك بمنزلة التعليل.","part":6,"page":171},{"id":2328,"text":"وقوله : وبشر المؤمنين} تعقيب للتحذير بالبشارة ، والمراد : المؤمنون الكاملون وهم الذين يسرون بلقاء الله كما جاء : \" من أحب لقاء الله أحب الله لقاءه \" وذِكر هذه البشارة عقب ما تقدم إشارة إلى أن امتثال الأحكام المتقدمة من كمال الإيمان ، وجملة : {وبشر المؤمنين} ، معطوفة على جملة : {واعلموا أنكم ملاقوه} ، على الأظهر من جعل جملة : {نساؤكم حرث لكم} ، استئنافاً غير معمولة لقل هو أذى ، وإذا جعلت جملة {نساؤكم} من معمول القول كانت جملة {قل هو أذى} [ البقرة : 222 ] معطوفة على جملة : {قُلْ هُوَ أَذًى} ؛ إذ لا يصح وقوعها مقولا للقول كما اختاره التفتازاني.\rأ هـ {التحرير والتنوير حـ 2 صـ 375}\rفائدة\rقال ابن عرفة : \rقوله تعالى : {وَبَشِّرِ المؤمنين}.\rقد يتمسك بها المعتزلة في قولهم : إن مرتكب الكبيرة مخلد في النار لأن المناسب أن كان يقال وبشر المحسنين ( أو بشّر المتّقين ) الذين يجتنبون هذا الفعل ، فما قال \" وَبَشِّرَ المُؤْمِنِينَ \" دل على أن فاعل هذا الفعل غير مؤمن ؟ \rقال : والجواب أن المراد ( المؤمنين ) الإيمان الكامل. أ هـ {تفسير ابن عرفة صـ 289}\rقال السعدى : \rقال : {وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ} لم يذكر المبشر به ليدل على العموم ، وأن لهم البشرى في الحياة الدنيا وفي الآخرة ، وكل خير واندفاع كل ضير ، رتب على الإيمان فهو داخل في هذه البشارة.\rوفيها محبة الله للمؤمنين ، ومحبة ما يسرهم ، واستحباب تنشيطهم وتشويقهم بما أعد الله لهم من الجزاء الدنيوي والأخروي. أ هـ {تفسير السعدى صـ 100}\rلطيفة فى الآيات السابقة\rمن قوله تعالى {يسئلونك عن الخمر والميسر} إلى هذه الآية\rقال العلامة أبو حيان : ","part":6,"page":172},{"id":2329,"text":"كان ابتداء هذه الآيات بالتحذير عن معاطاة العصيان ، واختتامها بالتبشير لأهل الإيمان آيات تعجز عن وصف ما تضمنته البدائع الألسن ، ويذعن لفصاحتها الجهبذ اللسن ، جمعت بين براعة اللفظ ونصاعة المعنى ، وتعلق الجمل وتأنق المبنى ، من سؤال وجواب ، وتحذير من عقاب ، وترغيب في ثواب ، هدت إلى الصراط المستقيم ، وتلقيت من لدن حكيم عليم. أ هـ {البحر المحيط حـ 2 صـ 180}","part":6,"page":173},{"id":2330,"text":"بحث نفيس\rحكمة الزواج في الإسلام\rلقد أكد الله جل وعلا على أهمية الزواج في كتابه الكريم كنعمة منه وفضل على عباده ، وقد تعددت الآيات القرآنية المتعلقة بالزواج ، فمنها ما يتعلق بالمباشرة الزوجية ، وآيات عن المواليد ، وأخرى عن الصلح بين الزوجين ، وغيرها\rومما جاء في القرآن الكريم مناً من الله تعالى على عباده بفرضه لسنة الزواج بين الرجال والنساء ما جاء في هذه الآيات : [ يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة ، وخلق منها زوجها ، وبث منهما رجالا كثيرا ونساء ، واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام ، إن الله كان عليكم رقيبا ] (النساء 1)\r[ هوالذي خلقكم من نفس واحدة وجعل منها زوجها ليسكن إليها ]","part":6,"page":174},{"id":2331,"text":"(الأعراف 189) [ ومن آياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجا لتسكنوا إليها ، وجعل بينكم مودة ورحمة إن في ذلك لآيات لقوم يتفكرون ] (الروم 21) وأي فضل وأية منة من الله أعظم من أن يخلق لكل امرئ زوجا له يسكن إليه ويحمل عنه هموم الحياة ويواسيه ، ويشد من أزره في مودة ورحمة هي حقا من أجل وأعظم آيات الله ، فالزوج يصبح لزوجه بمجرد إتمام البناء كل شئ في الحياة ، والزواج هو خط فاصل وعميق في مشوار الحياة ، بل هو أهم أحداث الحياة قاطبة\rوالزواج في الإسلام أمر حتمي وضرورة شرعية لأنه من الفطرة ، وقد نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم المسلمين عن هجر النساء ، وقد قال صلى الله عليه وسلم : \" يا معشر الشباب من استطاع منكم الباءة فليتزوج فإنه أغض للبصر ، وأحصن للفرج\" متفق عليه ، وروى ابن ماجة أنه قال صلى الله عليه وسلم : \" من كان موسرا لأن ينكح ثم لم ينكح فليس منيّ \" وقال صلى الله عليه وسلم : \"إن كنتم من رهبان النصارى فالحقوا بهم إني أصوم وأفطر ، وأقوم وأرقد وأنكح النساء ، وهذه سنتي فمن رغب عن سنتي فليس منيّ\"\r","part":6,"page":175},{"id":2332,"text":"وحكمة تشريع الزواج لها جوانب عديدة ، أهمها ما يبثه في نفس الزوجين من طمأنينة وأمان في مواجهة الحياة ، وإقامة أسرة تكون مجتمعا صغيرا يرجى له الصلاح ، حتى تكون لبنة قوية في البناء الاجتماعي الأكبر ، ومن أهم هذه الجوانب حرص الإسلام على نشر الفضيلة والخلق القويم في المجتمع ، والبعد عن كل ما يدنس حياة البشر ، فالزواج بما يبيحه للزوجين من تمتع تام لكل منهما بالآخر من جماع ومقدماته فإنه يحدث بالتالي عفة للزوجين ، ويؤدي إلى بقاء البشرية إلى ما شاء الله ، والأهم هو منع اختلاط الأنساب ومنع الزنا لما فيه من فساد شديد يضرب بجذوره في كل جوانب المجتمع ، وهاهي المجتمعات التي لا تلقي للزواج بالا ، ولا تجعله أمرا مفروضا لأبنائها لأنها تركت أوامر ربها بالكلية ، وما عادت تعرف إلها يشرع لها ما يصلحها من قوانين ومناهج ، هذه المجتمعات قد توغلت فيها الأمراض الرهيبة التي نتجت عن هذه العشوائية الشديدة ، من استغلال الناس هناك لما أسموه بالحرية الشخصية ، فانتشر الزنا واللواط ونكاح المحارم ، وانتشرت جرائم الاغتصاب بشكل مريع يندي له جبين البشرية ، فهل هذه هي الحرية وهل هذا هو النور الذي يريد أن يعيش فيه إنسان القرن الحادي والعشرين ؟ \rلماذا لم يعرف الإنسان الإيدز إلا في هذه السنوات التي ازداد فيها توغلا في حياة الدنس والآثام ، ومن قبله أمراض السيلان والزهري والهربس وأمراضا أخرى كثيرة تدمر صحة الإنسان تماما وتؤدي بحياته إلى طريق مسدود يقف فيه معدوم الحيلة ، لا يستطيع المضي قدما في الحياة ولا يقدر على العودة من حيث بدأ\r","part":6,"page":176},{"id":2333,"text":"إن الإيدز الذي لا ينتقل بين البشر إلا عن طريق الممارسات الجنسية المحرمة كاللواط والسحاق مما تعافه الفطرة الإنسانية السوية ، هذا المرض المدمر قتل في عدة سنوات ستة آلاف شخص ، حيث يدمر المرض الجهاز المناعي تماما للمريض ويكون الموت هو النتيجة الحتمية حتى الآن. هذا المرض المخيف ألم يعالجه القرآن الكريم حق علاج ؟ ألم يحمل القرآن \"روشتة\" مجانية رائعة تقضى عليه من جذوره ، ألم يق القرآن منه بتعاليمه وتوجيهاته بالزواج الفطري بين الرجل والمرأة ، ألم يق الإنسان شر هذا المرض وأمراضا كثيرة أخرى منها ما اكتشف وعرفه الأطباء ، ومنها ما لم يعرفوه بعد ؟؟ ؟ \rإن التشريع الإسلامي الحاسم حين قرر أن الزواج هو الشكل الوحيد للعلاقة بين الرجل والمرأة الصالح لحياة البشر ، والواقي لهم من أخطار صحية ونفسية واجتماعية جسيمة تهددهم من كل حدب وصوب ، إن هذا التشريع يؤكد أن كل ما حدث للإنسانية من تدهور إنما هو نتيجة تمردها على هذا الشكل ولهذاالمنهج ، إنه يؤكد في ضوء كل ما حدث أنه تشريع ومنهج إلهي وضعه خالق هذا الكون ، لا يمكن أن يكون قد جاء من عند أحد من البشر حتى لو كان محمد صلى الله عليه وسلم [ حم ، تنزيل من الرحمن الرحيم ، كتاب فصلت آياته قرآنا عربيا لقوم يعقلون ، بشيرا ونذيرا فأعرض أكثرهم فهم لا يسمعون] ( فصلت 1ـ4)\rالجماع\rيعتبر الإسلام أن الزواج من امرأة صالحة هو نصف الدين بفضل ما يهيئه للزوجين من العفاف والاستقامة والتفرغ لأعباء الحياة وعبادة الله ، وفي ذلك يقول صلى الله عليه وسلم : \"من رزقه الله امرأة صالحة فقد أعانه على شطر دينه فليتق الله في الشطر الباقي\" رواه الطبراني والحاكم ، بل يرى الإسلام أن أعظم متعة للإنسان في دنياه هي أن يوهب زوجة صالحة ، وفي هذا يقول صلى الله عليه وسلم فيما روي عن عبد الله بن عمرو بن العاص : \"إنما الدنيا متاع وليس من متاع الدنيا شئ أفضل من المرأة الصالحة\" أخرجه ابن ماجة\r","part":6,"page":177},{"id":2334,"text":"وقد اتفق علم الطب الحديث وعلم الاجتماع مع الإسلام في أن الزواج هو الخطوة الأساسية نحو بناء مجتمع سليم معافى متعاون ، كما أنه الخطوة الأولى نحو حياة إنسانية سليمة خالية من الأمراض النفسية والعقلية والتناسلية ، ولإنجاب ذرية صحيحة وقوية ، ولذا نجد أن الإسلام قد وضع قواعد دقيقة جدا لكل أمور الزواج ، واهتم بكل تفاصيل الحياة الزوجية ، وبالطبع من أهم هذه الأمور على الإطلاق أمر الجماع والمباشرة بين الزوجين ، وهذه لم يتركها الإسلام هكذا يزاولها كل إنسان حسب هواه ومزاجه بل فصلت تفصيلات في القرآن والسنة. فهل لنا أن نتعرف على موجز لآداب الإسلام في هذه الأمور : \rقال تعالى : [ نساؤكم حرث لكم فأتوا حرثكم أنى شئتم وقدموا لأنفسكم ، واتقوا الله واعلموا أنكم ملاقوه ، وبشر المؤمنين ] (البقرة 223)\rوقال جل وعلا : [ فالآن باشروهن وابتغوا ما كتب الله لكم ] (البقرة 187)\rقال ابن عباس رضي الله عنه : أنزلت هذه الآية في أناس من الأنصار أتوا النبي صلى الله عليه وسلم فسألوه فقال النبي صلى الله عليه وسلم : \" ائتها على كل حال ، إذا كان في الفرج \" وأصل الحرث مكان الزرع ، أي أن أزواجكم كالزرع فأتوهن من المكان الذي يرجى منه ولا تتركوه لما لا خير فيه ، \"وأنى شئتم \" بمعنى على أي وضع شئتم ما دمتم تتحرون موضع النسل الذي تتحقق به حكمته سبحانه وتعالى في بقاء الإنسان إلى ما شاء الله. وقال جل وعلا : \r[ فالآن باشروهن وابتغوا ما كتب الله لكم ] (البقرة 187)\r","part":6,"page":178},{"id":2335,"text":"وقد حث الإسلام على احترام أمر العلاقة الزوجية الخاصة بكل جوانبها ، ولم ينظر إليها نظرة المحتقر المستهين أو المتحرج المتلعثم ، فهذا الأسلوب يورث العقد والنفاق ويجعل الإنسان يحتقر نفسه وزوجه ومجتمعه كله ، لهذا كان صحابة رسول الله وزوجاتهم يستشيرونه صلى الله عليه وسلم في أمورهم الزوجية العاطفية ، وكان صلى الله عليه وسلم يجيبهم بما علمه الله دون إبهام أو مواربة. وقد سبق الإسلام بهذا الدنيا كلها بمئات السنين ، حيث كانت هذه الأمور في أوروبا في هذا الوقت من الأمور المشينة التي يعاب تماما على الرجل أو المرأة أن يسأل فيها ، مما أصل في تلك المجتمعات المظلمة العقد والزنا والفواحش ، وكانت النظرة إلى العلاقات الزوجية أنها خبث وشر لابد منه فجاء الإسلام ليجعلها آية من آيات الخالق القدير في خلقه وحث عباده على التفكر فيها ، فرفع من شأنها وكرمها أيما تكريم\rولا شك أن اهتمام الإسلام بالعلاقة الجنسية بين الزوجين إنما يرجع إلى دورها الخطير في استقرار الأسرة وسعادتها ، وفي تجنبها المشاكل والعقد والأمراض ؛ فقد روى مسلم والنسائي أن رجلا سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : \" وفي بضع أحدكم صدقة فقال : يا رسول الله أيأتي أحدنا شهوته ثم تكون له صدقة ؟ فقال الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم : أرأيتم لو وضعها في حرام أكان عليه وزر ، فكذلك إذا وضعها في الحلال كان له أجر\". فانظروا لهذا النور الوضيء في معنى وحكمة المباشرة الزوجية في الإسلام ، فهي محمودة من الخالق ويثاب عليها المؤمنون لأنها قطع لسبيل الفاحشة وبتر لمسالك الزنا ، وهذا هو مقصد الشرع الإسلامي.. إقامة مجتمع نظيف نقي معافى قوي يعبد الناس فيه ربهم دون متاعب أو مخاوف تنغص عليهم أمور حياتهم\r","part":6,"page":179},{"id":2336,"text":"وكما جاء في كتاب \"الطب الوقائي في الإسلام\" فقد أكد الإسلام على مراعاة المحبة والوفاق العاطفي بين الزوجين كشرط لإقامة علاقة مترابطة ودائمة ، فتغير هذا الحب وذلك التعاطف والتفاهم يقلب متعة الحياة الزوجية إلى جحيم دائم ، وقد استنكر رسول الله صلى الله عليه وسلم مسلك الذي يسئ معاملة زوجته ثم يدعوها بعد ذلك إلى فراشه فقال : \"يظل أحدكم يضرب زوجته ضرب العبيد ثم يدعوها إلى فراشه.. الحديث\" ( ابن ماجة)\rويأمر الإسلام الرجل أن يتجمل لزوجته كما يحب أن تتجمل هي له ، وفي ذلك يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم : \" اغسلوا ثيابكم ، وخذوا من شعوركم واستاكوا ، وتنظفوا فإن بني إسرائيل لم يكونوا يفعلون ذلك فزنت نساؤهم \"\rبل إن الإسلام راعى أمرا في منتهى الدقة والحساسية بين الأزواج ، وهو النهي عن مباشرة الرجل لزوجته دون تمهيد وتدرج ، فجاء في الآية الكريمة [ وقدموا لأنفسكم ] يقول عنها المفسرون : أي ابدءوا بالمداعبة والملاطفة ، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : \" لا يقعن أحدكم على امرأته كما تقع البهيمة \".\rويحرم الإسلام تماما الشذوذ مع المرأة أي إتيانها في الدبر ، بل يجب أن تؤتى في المكان الفطري الطبيعي الذي جعله الله للنسل [ فأتوهن من حيث أمركم الله ] ويقول صلى الله عليه وسلم كما جاء في سنن ابن ماجة والترمذي : \" اتقوا الله ولا تأتوا النساء من أدبارهن \"\rولا يقتصر ضرر الشذوذ هذا إلى منع النسل فقط ، بل إنه علاوة على الأذى النفسي الشديد الذي يسببه للزوجة ، فإنه يحدث تشققات عميقة والتهابات شديدة في الشرج ، أما الرجل فيصاب في مجرى البول بالتهابات وغالبا ما تصعد الميكروبات إلى البروستاتا ، وقد تسبب له العقم ، وذلك لأن الشرج ملئ بالميكروبات التي لا يوجد مثلها في باب الرحم وهو المكان الطبيعي للجماع ، ثم إن الرجل يأخذ هذه الميكروبات مرة أخرى عند الجماع الطبيعي لكي يزرعها في رحم المرأة ، مما قد يصيبها بالعقم\r","part":6,"page":180},{"id":2337,"text":"ويحرم الإسلام على الزوجة تحريما قاطعا أن تماطل زوجها أو تتهرب منه إذا طلبها لفراشه دون سبب شرعي ، وفي هذا قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : \" والذي نفسي بيده ما من رجل يدعو زوجته إلى فراشه فتأبى عليه إلا كان الذي في السماء ساخطا عليها حتى يرضى عنها \" رواه البخاري ومسلم. ولذلك حكمة عظيمة ، فحرمان الرجل من الحياة الزوجية المنظمة تؤدي به إلى الكبت والشعور بالحرمان ، مما يوغل في نفسيته وقد يدفعه أو يوقعه في الزنا. وكما أمر الإسلام الزوجة بطاعة زوجها في هذا فإنه قد أمر الزوج أيضا ألا يهجر فراش زوجته ما لم تقترف ما تستحق به عقوبة الهجر ، وإذا هجر فلفترة محددة ، وفي هذا نذكر المحادثة الشهيرة للثلاثة الذين جاءوا رسول الله صلى الله عليه وسلم يسألون عن عبادته ، فقال أحدهم : وأنا أعتزل النساء فلا أتزوج أبدا ، فنهاه الرسول صلى الله عليه وسلم عن هذا وقال : \"من رغب عن سنتي فليس مني\"\rإن الإسلام دين متكامل حينما يعالج قضية يتناولها من كافة جوانبها وليس للإنسان القاصر عقله والمحدود علمه أن ينجح في وضع منهج للحياة أفضل مما وضعه خالق الكون\rالحيض\rمن الأمور الصحية التي تناولها القرآن الكريم تحريم مباشرة الرجل لزوجته في فترة الحيض ، فيا ترى ما هي الحكمة في هذا التحريم القاطع ؟ لنستمع معا إلى هذه الآيات أولا : \rيقول تعالى : [ ويسألونك عن المحيض قل هو أذى فاعتزلوا النساء في المحيض ، ولا تقربوهن حتى يطهرن ، فإذا تطهرن فأتوهن من حيث أمركم الله ، إن الله يحب التوابين ويحب المتطهرين ] (البقرة 222)\r","part":6,"page":181},{"id":2338,"text":"فالمولى سبحانه وتعالى يعلمنا ويرشدنا أن فترة حيض المرأة لا يشرع فيها الجماع المعتاد بين الزوجين ، ولهذا الأمر حكمة عظيمة اكتشف العلم الحديث بعضا من جوانبها ؛ ففي فترة الحيض يفرز جسم المرأة هرمونا يختلف عن الذي يفرزه في الفترة العادية ، وهذا الهرمون يجعل المرأة في حالة نفسية ومعنوية غير عادية ، فتصاب كثير من النساء في هذه الفترة باضطرابات عصبية وتكون كارهة للجماع ، ففي تركه احترام وتوقير لمشاعرها وظروفها الخاصة\rفي هذه الفترة. أيضا تكون أعضاء المرأة التناسلية كالرحم والمبيض في حالة احتقان شديد ، وهذا يجعلها عرضة للجراح الصغيرة والتسلخات غير المرئية أثناء المجامعة ، وقد يسبب ذلك دخول الميكروبات التي تسبب التهابات قد تؤدي إلى العقم\rوبالنسبة للزوج فإنه قد يصاب بالالتهابات هو الآخر ؛ لأن الدم النازل من الرحم يكون فاسدا ، وهو مزرعة للميكروبات التي قد تصيب مجرى البول منهوالنهي عن لقاء الزوجين في هذه الفترة إنما هو نهي عن الجماع التام ، فقد قال صلى الله عليه وسلم عن فترة الحيض فيما رواه مسلم وابن ماجة : \" اصنعوا كل شئ إلا النكاح \" فلا بأس إذن بما يحدث بين الرجل وزوجته في فترة الحيض طالما كان دون الجماع الكامل\rوهكذا نرى حكمة الله الخالق تتجلى لنا في واحدة من الإعجازات التشريعية الإسلامية ، فالمشرع الحكيم هو رب السموات والأرض وخالق هذا الكون إنما يشرع بحكمة وعلم يحيطان كل شئ. فحتى الحالة النفسية للمرأة في الحيض يراعيها الشرع ، ويقول جل وعلا : [ قل هو أذى ] وأي أذى أكبر من أن يأتي الرجل زوجته وهي كارهة لهذا ، أو تكون رغبتها الفطرية في الجماع في أدنى معدلاتها ؛ مما يؤدي إلى قطع حبل المودة والرحمة الذي بدونه ينهار أساس الحياة الزوجية تماما. أ هـ","part":6,"page":182},{"id":2343,"text":"قوله تعالى : {(وَلَا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لِأَيْمَانِكُمْ أَنْ تَبَرُّوا وَتَتَّقُوا وَتُصْلِحُوا بَيْنَ النَّاسِ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (224)}\rمناسبة الآية لما قبلها\rقال البقاعى : \rولما أذن في إتيان النساء في محل الحرث كيف ما اتفق ومنع مما سوى ذلك ومنع من محل الحرث في حال الحيض بين حكم ما إذا منع الإنسان نفسه من ذلك بالإيلاء أو بمطلق اليمين ولو على غير سبيل الإيلاء لأنه نقل عن كثير منهم شدة الميل إلى النكاح فكان يخشى المواقعة في حال المنع فتحمله شدة الورع على أن يمنع نفسه بمانع مظاهرة كما بين في سورة المجادلة أو غيرها من الأيمان فمنعهم من ذلك بقوله تعالى عادلاً عن خطاب نبيه صلى الله عليه وسلم تعظيماً لمقامه : {ولا تجعلوا الله} أي الذي لا شيء يداني جلاله وعظمته وكماله {عرضة} أي معرضاً {لأيمانكم} فيكون في موضع ما يمتهن ويبتذل فإن ذلك إذا طال حمل على الاجتراء على الكذب فجر إلى أقبح الأشياء. قال الحرالي : والعرضة ذكر الشيء وأخذه على غير قصد له ولا صمد نحوه بل له صمد غيره {أن} أي لأجل أن {تبروا} في أموال اليتامى وغيرها مما تقدم الأمر به أو النهي عنه {وتتقوا} أي تحملكم أيمانكم على البر وهو الاتساع في كل خلق جميل والتقوى وهي التوغل في خوف الله سبحانه وتعالى {وتصلحوا بين الناس} فتجعلوا الأيمان لكم ديدناً فتحلفون تارة أن تفعلوا وتارة أن لا تفعلوا لإلزام أنفسكم بتلك الأشياء فإن من لا ينقاد إلى الخير إلا بقائد من يمين أو غيرها ليس بصادق العزيمة ، وفي الأمثال : فرس لا تجري إلا بمهماز بئس الفرس. أ هـ {نظم الدرر حـ 1 صـ 424}\rقال ابن عاشور : \rقوله تعالى : {(وَلَا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لِأَيْمَانِكُمْ)","part":6,"page":183},{"id":2344,"text":"جملة معطوفة على جملة {نساؤكم حرث لكم} [ البقرة : 223 ] عطف تشريع على تشريع فالمناسبة بين الجملتين تعلق مضمونيهما بأحكام معاشرة الأزواج مع كون مضمون الجملة الأولى منعاً من قربان الأزواج في حالة الحيض ، وكون مضمون هذه الجملة تمهيداً لجملة {للذين يؤلون من نسائهم} [ البقرة : 226 ] ، فوقع هذا التمهيد موقع الاعتراض بين جملة {نساؤكم حرث لكم} ، وجملة {للذين يؤلون من نسائهم} وسلك فيه طريق العطف لأنه نهي عطف على نهي في قوله : {ولا تقربوهن حتى يطهرن} [ البقرة : 222 ].\rوقال التفتازاني : الأظهر أنه معطوف على مقدر أي امتثلوا ما أمرت به ولا تجعلوا الله عرضة أ هـ.\rوفيه تكلف وخلو عن إبداء المناسبة ، وجوز التفتازاني أن يكون معطوفاً على الأوامر السابقة وهي {وقدموا} [ البقرة : 223 ] {واتقوا} [ البقرة : 223 ] {واعلموا أنكم ملاقوه} [ البقرة : 223 ] أ هـ أي فالمناسبة أنه لما أمرهم باستحضار يوم لقائه بين لهم شيئاً من التقوى دقيق المسلك شديد الخفاء وهو التقوى باحترام الاسم المعظم ؛ فإن التقوى من الأحداث التي إذا تعلقت بالأسماء كان مفادها التعلق بمسمى الاسم لا بلفظه ، لأن الأحكام اللفظية إنما تجري على المدلولات إلا إذا قام دليل على تعلقها بالأسماء مثل سميته محمداً ، فجىء بهذه الآية لبيان ما يترتب على تعظيم اسم الله واتقائه في حرمة أسمائه عند الحنث مع بيان ما رخص فيه من الحنث ، أو لبيان التحذير من تعريض اسمه تعالى للاستخفاف بكثرة الحلف حتى لا يضطر إلى الحنث على الوجهين الآتيين ، وبعد هذا التوجيه كله فهو يمنع منه أن مجيء قوله تعالى : {واتقوا الله واعلموا أنكم ملاقوه} [ البقرة : 223 ] مجيء التذييل للأحكام السابقة مانع من اعتبار أن يعطف عليه حكم معتد به ، لأنه يطول به التذييل وشأن التذييل الإيجاز.\r","part":6,"page":184},{"id":2345,"text":"وقال عبد الحكيم : معطوف على جملة {قل} [ البقرة : 222 ] بتقدير قل أي : وقل لا تجعلوا الله عرضة أو على قوله : {وقدموا} [ البقرة : 223 ] إن جعل قوله : {وقدموا} من جملة مقول {قل}. أ هـ {التحرير والتنوير حـ 2 صـ 375 ـ 376}\rقال القرطبى : \rقال العلماء : لما أمر الله تعالى بالإنفاق وصحبة الأيتام والنساء بجميل المعاشرة قال : لا تمتنعوا عن شيء من المكارم تعلّلا بأنا حلفنا ألا نفعل كذا ؛ قال معناه ابن عباس والنخعيّ ومجاهد والربيع وغيرهم. قال سعيد بن جبير : هو الرجل يحلف ألا يَبرّ ولا يصِلَ ولا يُصلِح بين الناس ؛ فيقال له : بَرّ ؛ فيقول : قد حلفت. وقال بعض المتأولين : المعنى ولا تحلفوا بالله كاذبين إذا أردتم البِر والتقوى والإصلاح ؛ فلا يحتاج إلى تقدير \"لا\" بعد \"أن\". وقيل : المعنى لا تستكثروا من اليمين بالله فإنه أهيب للقلوب ؛ ولهذا قال تعالى : {واحفظوا أَيْمَانَكُمْ} [ المائدة : 89 ]. وذمّ من كثّر اليمين فقال تعالى : {وَلاَ تُطِعْ كُلَّ حَلاَّفٍ مَّهِينٍ} [ القلم : 10 ] والعرب تمتدِح بقلة الأيْمان ؛ حتى قال قائلهم : \rقليلُ الألاَيَا حافِظٌ ليمينه... وإن صدرت منه الأليّةُ بَرَّتِ\rوعلى هذا \"أن تبروا\" معناه : أقِلّوا الأيمان لما فيه من البرّ والتقوى ؛ فإن الإكثار يكون معه الحِنثُ وقلة رَعْى لحق الله تعالى : وهذا تأويل حسن. مالك بن أنس : بلغني أنه الحلِف بالله في كل شيء. وقيل : المعنى لا تجعلوا اليمين مبتذَلَة في كل حق وباطل. وقال الزجاج وغيره : معنى الآية أن يكون الرجل إذا طلب منه فعل خير اعتل بالله فقال : عليّ يمين ؛ وهو لم يحلف. القتبيّ : المعنى إذا حلفتم على ألا تصِلوا أرحامكم ولا تتصدّقوا ولا تصلحوا ، وعلى أشباه ذلك من أبواب البِر فكفروا اليمين.\rقلت : وهذا حسن لما بيناه ، وهو الذي يدل عليه سبب النزول. أ هـ {تفسير القرطبى حـ 3 صـ 97}\rقال الفخر : ","part":6,"page":185},{"id":2346,"text":"المفسرون أكثروا من الكلام في هذه الآية ، وأجود ما ذكروه وجهان الأول : وهو الذي ذكره أبو مسلم الأصفهاني ، وهو الأحسن أن قوله : {وَلاَ تَجْعَلُواْ الله عُرْضَةً لأيمانكم} نهى عن الجراءة على الله بكثرة الحلف به ، لأن من أكثر ذكر شيء في معنى من المعاني فقد جعله عرضة له يقول الرجل : قد جعلتني عرضة للومك ، وقال الشاعر : \rولا تجعلني عرضة للوائم.. وقد ذم الله تعالى من أكثر الحلف بقوله : {وَلاَ تُطِعْ كُلَّ حَلاَّفٍ مَّهِينٍ} [ القلم : 10 ] وقال تعالى : {واحفظوا أيمانكم} [ المائدة : 89 ] والعرب كانوا يمدحون الإنسان بالإقلال من الحلف ، كما قال كثير : \rقليل الألا يا حافظ ليمينه.. وإن سبقت منه الألية برت\rوالحكمة في الأمر بتقليل الأيمان أن من حلف في كل قليل وكثير بالله انطلق لسانه بذلك ولا يبقى لليمين في قلبه وقع ، فلا يؤمن إقدامه على اليمين الكاذبة ، فيختل ما هو الغرض الأصلي في اليمين ، وأيضاً كلما كان الإنسان أكثر تعظيماً لله تعالى كان أكمل في العبودية ومن كمال التعظيم أن يكون ذكر الله تعالى أجل وأعلى عنده من أن يستشهد به في غرض من الأغراض الدنيوية. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 6 صـ 65}\rسبب نزول الآية\rقال ابن الجوزى : \rفي سبب نزولها أربعة أقوال.\rأحدها : أنها نزلت في عبد الله بن رواحة ، كان بينه وبين ختنه شيء ، فحلف عبد الله أن لا يدخل عليه ولا يكلمه ، وجعل يقول : قد حلفت بالله ، فلا يحل لي ، إلا أن تبرّ يميني ، فنزلت هذه الآية ، قاله ابن عباس.\rوالثاني : أن الرجل كان يحلف بالله أن لا يصل رحمه ، ولا يصلح بين الناس ، فنزلت هذه الآية ، قاله الربيع بن أنس.\rوالثالث : أنها نزلت في أبي بكر حين حلف ، لا ينفق على مسطح ، قاله ابن جريج. والرابع : نزلت في أبي بكر ، حلف أن لا يصل ابنه عبد الرحمن حتى يسلم ، قاله المقاتلان : ابن حيان ، وابن سليمان. أ هـ {زاد المسير حـ 1 صـ 253}\rفائدة","part":6,"page":186},{"id":2347,"text":"قال ابن عاشور : \rوتعليق الجعل بالذات هنا هو على معنى التعليق بالاسم ، فالتقدير : ولا تجعلوا اسم الله ، وحذف لكثرة الاستعمال في مثله عند قيام القرينة لظهور عدم صحة تعلق الفعل بالمسمى كقول النابغة : \r... حَلفت فلم أترك لنفسك ريبةً\rوليس وراءَ اللَّهِ للمرء مذهب...\rأي وليس بعد اسم الله للمرء مذهب للحلف. أ هـ {التحرير والتنوير حـ 2 صـ 376}\rقوله تعالى : {أنْ تَبَرُّوا وَتَتَّقُوا وَتُصْلِحُوا بَيْنَ النَّاسِ}\rقال الفخر : \rوأما قوله تعالى بعد ذلك : {أَن تَبَرُّواْ} فهو علة لهذا النهي ، فقوله : {أَن تَبَرُّواْ} أي إرادة أن تبروا ، والمعنى : إنما نهيتكم عن هذا لما أن توقى ذلك من البر والتقوى والإصلاح ، فتكونون يا معشر المؤمنين بررة أتقياء مصلحين في الأرض غير مفسدين.\rفإن قيل : وكيف يلزم من ترك الحلف حصول البر والتقوى والإصلاح بين الناس ؟ .\rقلنا : لأن من ترك الحلف لاعتقاده أن الله تعالى أجل وأعظم أن يستشهد باسمه العظيم في مطالب الدنيا وخسائس مطالب الحفل ، فلا شك أن هذا من أعظم أبواب البر وأما معنى التقوى فظاهر أنه اتقى أن يصدر منه ما يخل بتعظيم الله ، وأما الإصلاح بين الناس فمتى اعتقدوا في صدق لهجته ، وبعده عن الأغراض الفاسدة فيقبلون قوله فيحصل الصلح بتوسطه.","part":6,"page":187},{"id":2348,"text":"التأويل الثاني : قالوا : العرضة عبارة عن المانع ، والدليل على صحة هذه اللغة أنه يقال : أردت أفعل كذا فعرض لي أمر كذا ، واعترض أي تحامى ذلك فمنعني منه ، واشتقاقها من الشيء الذي يوضع في عرض الطريق فيصير مانعاً للناس من السلوك والمرور ويقال : اعترض فلان على كلام فلان ، وجعل كلامه معارضاً لكلام آخر ، أي ذكر ما يمنعه من تثبيت كلامه ، إذا عرفت أصل الاستقاق فالعرضة فعلة بمعنى المفعول ، كالقبضة ، والغرفة ، فيكون اسماً لما يجعل معرضاً دون الشيء ، ومانعاً منه ، فثبت أن العرضة عبارة عن المانع ، وأما اللام في قوله : {لأيمانكم} فهو للتعليل.\rإذا عرفت هذا فنقول : تقدير الآية : ولا تجعلوا ذكر الله مانعاً بسبب أيمانكم من أن تبروا أو في أن تبروا ، فأسقط حرف الجر لعدم الحاجة إليه بسبب ظهوره ، قالوا : وسبب نزول الآية أن الرجل كان يحلف على ترك الخيرات من صلة الرحم ، أو إصلاح ذات البين ، أو إحسان إلى أحد أدعيائه ثم يقول : أخاف الله أن أحنث في يميني فيترك البر إرادة البر في يمينه فقيل : لا تجعلوا ذكر الله مانعاً بسبب هذه الأيمان عن فعل البر والتقوى هذا أجود ما ذكره المفسرون. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 6 صـ 65}\rسؤال : فإن قلت : كيف يلزم من ترك الحلف حصول البر والتقوى والإصلاح بين الناس ؟ \rقلنا : لأن من ترك الحلف لاعتقاده أن الله تبارك وتعالى ، أعظم وأجل أن يستشهد باسمه المعظم في طلب الدنيا ، إن هذا من أعظم أبواب البر. أ هـ {البحر المحيط حـ 2 صـ 189}\rفوائد لغوية\rقال ابن عاشور : ","part":6,"page":188},{"id":2349,"text":"والأَيمان جمع يمين وهو الحلف سمي الحلف يميناً أخذاً من اليمين التي هي إحدى اليدين وهي اليد التي يفعل بها الإنسان معظم أفعاله ، وهي اشتقت من اليمن وهو البركة ، لأن اليد اليمنى يتيسر بها الفعل أحسن من اليد الأخرى ، وسمي الحلف يميناً لأن العرب كان من عادتهم إذا تحالفوا أن يمسك المتحالفان أحدهما باليد اليمنى من الآخر قال تعالى : {إن الذين يبايعونك إنما يبايعون الله يد الله فوق أيديهم} [ الفتح : 10 ] فكانوا يقولون أعطى يمينه ، إذا أكد العهد.\rوشاع ذلك في كلامهم قال كعب بن زهير : \rحتى وضعت يمينى لا أنازعه\rفي كف ذي يسرات قيله القيل...\rثم اختصروا فقالوا صدرت منه يمين أو حلف يميناً ، فتسمية الحلف يميناً من تسمية الشيء باسم مقارنه الملازم له ، أو من تسمية الشيء باسم مكانه ؛ كما سَمَّوا الماء وادياً وإنما المحل في هذه التسمية على هذا الوجه محل تخييلي.\rولما كان غالب أَيمانهم في العهود والحلف ، وهو الذي يضع فيه المتعاهدون أيديهم بعضَها في بعض ، شاع إطلاق اليمين على كل حَلِف ، جرياً على غالب الأحوال ؛ فأطلقت اليمين على قَسم المرء في خاصة نفسه دون عهد ولا حلف.\rوالقصد من الحَلِف يرجع إلى قصد أن يشهد الإنسان اللَّهَ تعالى على صدقه في خبر أو وعد أو تعليق ، ولذلك يقوله : {بالله} أي أخبر متلبساً بإشهاد الله ، أو أعد أو أُعلِّق متلبساً بإشهاد الله على تحقيق ذلك ، فمِن أجْل ذلك تضمن اليمين معنى قوياً في الصدق ، لأن من أشهد بالله على باطل فقد اجترأَ عليه واستخف به ، ومما يدل على أن أصل اليمين إشْهاد اللَّهِ ، قوله تعالى : {ويشهد الله على ما في قلبه} [ البقرة : 204 ] كما تقدم ، وقول العرب يَعْلم الله في مقام الحلف المغلظ ، ولأجله كانت الباء هي أصل حروف القسم لدلالتها على الملابسة في أصل معانيها ، وكانت الواو والتاء لاحقتين بها في القسم الإنشائي دون الاستعطافي.\r","part":6,"page":189},{"id":2350,"text":"ومعنى الآية إن كانت العرضة بمعنى الحاجز نهيُ المسلمين عن أن يجعلوا اسم الله حائلاً معنوياً دون فعل ما حلفوا على تركه من البر والتقوى والإصلاحِ بين الناس فاللاَّم للتعليل ، وهي متعلقة بتجعلوا ، و{أن تبروا} متعلق بعرضة على حذف اللام الجارة ، المطرد حذفها مع أَنْ ، أي ولا تجعلوا الله لأجل أن حلفتم به عرضة حاجزاً عن فعل البر والإصلاح والتقوى ، فالآية على هذا الوجه نهي عن المحافظة على اليمين إذا كانت المحافظة عليها تمنع من فعل خير شرعي ، وهو نهي تحريم أو تنزيه بحسب حكم الشيء المحلوف على تركه ، ومن لوازمه التحرز حين الحلف وعدم التسرع للأيمان ، إذ لا ينبغي التعرض لكثرة الترخص.\rوقد كانت العرب في الجاهلية تغضب فتقسم بالله وبآلهتها وبآبائها ، على الامتناع من شيء ، ليسدوا باليمين بابَ المراجعة أو الندامة.\rوفي \"الكشاف\" \"كان الرجل يحلف على ترك الخير من صلة الرحم ، أو إصلاح ذات البين ، أو إحسان ، ثم يقول أخاف أن أحنث في يميني ، فيترك فعل البر فتكون الآية واردة لإصلاح خلل من أحوالهم. أ هـ {التحرير والتنوير حـ 2 صـ 378}\rقوله تعالى : {والله سَمِيعٌ عَلِيمٌ}\rالمناسبة\rقال البقاعى : \rولما أرشد السياق والعطف على غير مذكور إلى أن التقدير : فالله جليل عظيم عطف عليه قوله : {والله} أي بما له من العز والعظمة {سميع} لجميع ما يكون من ذلك وغيره {عليم} بما أسر منه وما أعلن ، فاحذروه في جميع ما يأمركم به وينهاكم عنه ، ويجوز أن يكون الجملة حالاً من واو {تجعلوا} فلا يكون هناك مقدر ويكون الإظهار موضع الإضمار لتعظيم المقام.\rأ هـ {نظم الدرر حـ 1 صـ 424 ـ 425}\rقال الفخر : \r{والله سَمِيعٌ عَلِيمٌ} أي : إن حلفتم يسمع ، وإن تركتم الحلف تعظيماً لله وإجلالاً له من أن يستشهد باسمه الكريم في الأغراض العاجلة فهو عليم عالم بما في قلوبكم ونيتكم. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 6 صـ 66}\rوقال أبو حيان : ","part":6,"page":190},{"id":2351,"text":"{والله سميع عليم} ختم هذه الآية بهاتين الصفتين لأنه تقدم ما يتعلق بهما ، فالذي يتعلق بالسمع الحلف لأنه من المسموعات ، والذي يتعلق بالعلم هو إرادة البر والتقوى والإصلاح إذ هو شيء محله القلب ، فهو من المعلومات ، فجاءت هاتان الصفتان منتظمتين للعلة والمعلول ، وجاءتا على ترتيب ما سبق من تقديم السمع على العلم ، كما قدم الحلف على الإرادة. أ هـ {البحر المحيط حـ 2 صـ 190}\rوقال ابن عاشور : \rوقوله : {والله سميع عليم} تذييل ، والمراد منه العلم بالأقوال والنيات ، والمقصود لازمه ، وهو الوعد على الامتثال ، على جميع التقادير ، والعذر في الحنث على التقدير الأول ، والتحذير من الحلف على التقدير الثاني.\rوقد دلت الآية على معنى عظيم وهو أن تعظيم الله لا ينبغي أن يجعل وسيلة لتعطيل ما يحبه الله من الخير ، فإن المحافظة على البر في اليمين ترجع إلى تعظيم اسم الله تعالى ، وتصديق الشهادة به على الفعل المحلوف عليه ، وهذا وإن كان مقصداً جليلاً يُشكر عليه الحالف الطالب للبر ؛ لكن التوسل به لقطع الخيرات مما لا يرضَى به الله تعالى ، فقد تعارض أمران مرضيان لله تعالى إذا حصل أحدهما لم يحصل الآخر.\rوالله يأمرنا أن نقدم أحد الأمرين المرضيين له ، وهو ما فيه تعظيمه بطلب إرضائه ، مع نفع خلقه بالبر والتقوى والإصلاح ، دون الأمر الذي فيه إرضاؤه بتعظيم اسمه فقط ، إذ قد علم الله تعالى أن تعظيم اسمه قد حصل عند تحرج الحالف من الحنث ، فبِر اليمينِ أدبٌ مع اسم الله تعالى ، والإتيانُ بالأعمال الصالحة مرضاة لله ؛ فأمَرَ الله بتقديم مرضاته على الأدب مع اسمه ، كما قيل : الامتثالُ مقدَّم على الأدب.","part":6,"page":191},{"id":2352,"text":"وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم \" إني لأحلف على يمين فأرى غيرها خيراً منها إلا كفّرت عن يميني وفعلتُ الذي هو خير \" ولأجل ذلك لما أقسم أيوب أن يضرب امرأته مائة جلدة ، أمره الله أن يأخذ ضغثاً من مائة عصا فيضربها به ، وقد علم الله أن هذا غيرُ مقصد أيوب ؛ ولكن لما لم يرض الله من أيوب أن يضرب امرأته نهاه عن ذلك ، وأمره بالتحلل محافظة على حرص أيوب على البر في يمينه ، وكراهته أن يتخلف منه معتاده في تعظيم اسم ربه ، فهذا وجه من التحلة ، أفتى الله به نبيه.\rولعل الكفّارة لم تكن مشروعة فهي من يسر الإسلام وسماحته ، فقد كفانا الله ذلك إذ شرع لنا تحلّة اليمين بالكفّارة ؛ ولذلك صار لا يجزىء في الإسلام أن يفعل الحالف مثل ما فعل أيوب. أ هـ {التحرير والتنوير حـ 2 صـ 379 ـ 380}\rفائدة\rقال السعدى فى معنى الآية\rالمقصود من اليمين ، والقسم تعظيم المقسم به ، وتأكيد المقسم عليه ، وكان الله تعالى قد أمر بحفظ الأيمان ، وكان مقتضى ذلك حفظها في كل شيء ، ولكن الله تعالى استثنى من ذلك إذا كان البر باليمين ، يتضمن ترك ما هو أحب إليه ، فنهى عباده أن يجعلوا أيمانهم عرضة ، أي : مانعة وحائلة عن أن يبروا : أن يفعلوا خيرا ، أو يتقوا شرا ، أو يصلحوا بين الناس ، فمن حلف على ترك واجب وجب حنثه ، وحرم إقامته على يمينه ، ومن حلف على ترك مستحب ، استحب له الحنث ، ومن حلف على فعل محرم ، وجب الحنث ، أو على فعل مكروه استحب الحنث ، وأما المباح فينبغي فيه حفظ اليمين عن الحنث.\rويستدل بهذه الآية على القاعدة المشهورة ، أنه \"إذا تزاحمت المصالح ، قدم أهمها \"فهنا تتميم اليمين مصلحة ، وامتثال أوامر الله في هذه الأشياء ، مصلحة أكبر من ذلك ، فقدمت لذلك.","part":6,"page":192},{"id":2353,"text":"ثم ختم الآية بهذين الاسمين الكريمين فقال : {وَاللَّهُ سَمِيعٌ} أي : لجميع الأصوات {عَلِيمٌ} بالمقاصد والنيات ، ومنه سماعه لأقوال الحالفين ، وعلمه بمقاصدهم هل هي خير أم شر ، وفي ضمن ذلك التحذير من مجازاته ، وأن أعمالكم ونياتكم ، قد استقر علمها عنده. أ هـ {تفسير السعدى صـ 100}\rمن فوائد ابن عرفة فى الآية\rقوله تعالى : {وَلاَ تَجْعَلُواْ الله عُرْضَةً لأَيْمَانِكُمْ...}.\rقيل : أي مانعا من أيمانكم. وأطلق اليمين على المحلوف عليه مجازا ، أي لا تجعلوه مانعا من فعل ما حلفتم عليه ، وقيل أي لا تكثروا الحلف به وإن كان ذلك تعظيما له خشية أن يفضي بكم ذلك إلى التهاون وعدم التعظيم فأحرى فيما عداها.\rقال ابن عرفة : وعلى الوجه الأول يكون في الآية عندي دليل على أنّ الاسم غير المسمّى لأن الجعل لا يتعلق بالذات الكريمة ، وإنّما يتعلق بالألفاظ الدّالة عليها بخلاف قولك : جعلت زيدا حائلا بيني وبين كذا. وكذلك أيضا على الثاني لأن الحلف إنّما هو بالألفاظ لا بالذات.\rقال ابن عرفة : وقول الله تعالى : {أَن تَبَرُّواْ وَتَتَّقُواْ...}.\rقيل إرادة البرّ ، وقيل أي إرادة أن تكونوا أبرارا فعلى الأول تكون ترقيا ، لأن التقوى أخص من البر ، والإصلاح بين الناس أخص. أ هـ {تفسير ابن عرفة صـ 291}\rفائدة\rقال صاحب البحر المديد : \rكثرة الحلف مذموم يدل على الخفة والطيش ، وعدم الحلف بالكلية تعسف ، وخيرُ الأمور أوساطها ، كان عليه الصلاة والسلام يحلف في بعض أحيانه ، يقول : \" لاَ وَمُقَلِّبِ الْقُلُوبِ \" \" وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ \" والله تعالى أعلم. أ هـ {البحر المديد حـ 1 صـ 184}","part":6,"page":193},{"id":2354,"text":"قوله تعالى : {لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ (225)} \rمناسبة الآية لما قبلها\rقال البقاعى : \rولما تقدم إليهم سبحانه وتعالى في هذا وكانت ألسنتهم قد مرنت على الأيمان من غير قصد بحيث صاروا لا يقدرون على ترك ذلك إلا برياضة كبيرة ومعالجة طويلة وكان مما رحم الله به هذه الأمة العفو عما أخطأت به ولم تتعمده قال في جواب من كأنه سأل عن ذلك : {لا يؤاخذكم} أي لا يعاقبكم ، وحقيقته يعاملكم معاملة من يناظر شخصاً في أن كلاًّ منهما يريد أخذ الآخر بذنب أسلفه إليه {الله} فكرر في الإطلاق والعفو الاسم الأعظم الذي ذكره في التقييد والمنع إيذاناً بأن عظمته لا تمنع من المغفرة {باللغو} وهو ما تسبق إليه الألسنة من القول على غير عزم قصد إليه - قاله الحرالي. {في أيمانكم} فإن ذلك لا يدل على الامتهان بل ربما دل على المحبة والتعظيم. ولما بين ما أطلقه بين ما منعه فقال : {ولكن يؤاخذكم} والعبارة صالحة للإثم والكفارة. ولما كان الحامل على اليمين في الأغلب المنافع الدنيوية التي هي الرزق وكان الكسب يطلق على طلب الرزق وعلى القصد والإصابة عبر به فقال : {بما كسبت} أي تعمدت {قلوبكم} فاجتمع فيه مع اللفظ النية. قال الحرالي : فيكون ذلك عزماً باطناً وقولاً ظاهراً فيؤاخذ باجتماعهما ، ففي جملته ترفيع لمن لا يحلف بالله في عزم ولا لغو ، وذلك هو الذي حفظ حرمة الحلف بالله ، وفي مقابلته من يحلف على الخير أن لا يفعله - انتهى. ولم يبين هنا الكفارة صريحاً إشارة إلى أنهم ينبغي أن يكونوا أتقى من أن يمنعوا من شيء فيقارفوه ، وأشار إليها في الإيلاء كما يأتي.\r","part":6,"page":194},{"id":2355,"text":"ولما كان ذكر المؤاخذة قطعاً لقلوب الخائفين سكنها بقوله مظهراً موضع الإضمار إشارة إلى أن رحمته سبقت غضبه : {والله} أي مع ما له من العظمة {غفور} أي ستور لذنوب عباده إذا تابوا. ولما كان السياق للمؤاخذة التي هي معالجة كل من المتناظرين لصاحبه بالأخذ كان الحلم أنسب الأشياء لذلك فقال {حليم} لا يعاجلهم بالأخذ ، والحلم احتمال الأعلى للأذى من الأدنى ، وهو أيضاً رفع المؤاخذة عن مستحقها بجناية في حق مستعظم - قاله الحرالي. أ هـ {نظم الدرر حـ 1 صـ 425 ـ 426}\rوقال أبو حيان : \rمناسبة هذه الآية لما قبلها ظاهرة ، لأنه تعالى لما نهى عن جعل الله معرضاً للأيمان ، كان ذلك حتماً لترك الأيمان وهم يشق عليهم ذلك ، لأن العادة جرت لهم بالأيمان ، فذكر أن ما كان منها لغواً فهو لا يؤاخذ به ، لأنه مما لا يقصد به حقيقة اليمين ، وإنما هو شيء يجري على اللسان عند المحاورة من غير قصد ، وهذا أحسن ما يفسر به اللغو ، لأنه تعالى جعل مقابلة ما كسبه القلب وهو ماله فيه اعتماد وقصد. أ هـ {البحر المحيط حـ 2 صـ 190}\rقال الفخر : \r{اللغو} الساقط الذي لا يعتد به ، سواء كان كلاماً أو غيره ، أما ورود هذه اللفظة في الكلام ، فيدل عليه الآية والخبر والرواية ، أما الآية فقوله تعالى : {وَإِذَا سَمِعُواْ اللغو أَعْرَضُواْ عَنْهُ} [ القصص : 55 ] وقوله : {لاَ يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْواً وَلاَ تَأْثِيماً} [ الواقعة : 25 ] وقوله : {لاَ تَسْمَعُواْ لهذا القرءان والغوا فيه} [ فصلت : 26 ] وقوله : {لاَّ تَسْمَعُ فِيهَا لاغية} [ الغاشية : 11 ] أما قوله : {وَإِذَا مَرُّواْ بِاللَّغْوِ مَرُّواْ كِراماً} [ الفرقان : 72 ] فيحتمل أن يكون المراد ، وإذا مروا بالكلام الذي يكون لغواً ، وأن يكون المراد ، وإذا مروا بالفعل الذي يكون لغواً.\rوأما الخبر فقوله صلى الله عليه وسلم : \" من قال يوم الجمعة لصاحبه صه والإمام يخطب فقد لغا \".","part":6,"page":195},{"id":2356,"text":"وأما الرواية فيقال : لغا الطائر يلغو لغواً إذا صوت ، ولغو الطائر تصويته ، وأما ورود هذا اللفظ في غير الكلام ، فهو أنه يقال لما لا يعتد به من أولاد الإبل : لغو ، قال جرير : \rيعد الناسبون بني تميم.. بيوت المجد أربعة كباراً\rوتخرج منهم المرئى لغواً.. كما ألغيت في الدية الحوارا\rوقال العجاج : \rورب أسراب حجيج كظم.. عن اللغا ورفث التكلم\rقال الفراء : اللغا ، مصدر للغيت ، و{اللغو} مصدر للغوت ، فهذا ما يتعلق باللغة. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 6 صـ 66}\rقال ابن عاشور : \rوالأيمان جمع يمين ، واليمين القسم والحلف ، وهو ذكر اسم الله تعالى ، أو بعض صفاته ، أو بعض شؤونه العليا أو شعائره.\rفقد كانت العرب تحلف بالله ، وبرب الكعبة ، وبالهدي ، وبمناسك الحج.\rوالقسم عندهم بحرف من حروف القسم الثلاثة : الواو والباء والتاء ، وربما ذكروا لفظ حلفت أو أقسمت ، وربما حلفوا بدماء البدن ، وربما قالوا والدماءِ ، وقد يدخلون لاماً على عَمْر الله ، يقال : لَعَمْرُ الله ، ويقولون : عمرَك الله ، ولم أر أنهم كانوا يحلفون بأسماء الأصنام.\rفهذا الحلف الذي يراد به التزام فعل ، أو براءة من حق.\rوقد يحلفون بأشياء عزيزة عندهم لقصد تأكيد الخبر أو الالتزام ، كقولهم وأبيك ولَعَمْرك ولعمري ، ويحلفون بآبائهم ، ولما جاء الإسلام نهى عن الحلف بغير الله.\rومن عادة العرب في القسم أن بعض القسم يقسمون به على التزام فعل يفعله المقسِم ليُلجىء نفسه إلى عمله ولا يندم عنه ، وهو من قبيل قسم النذر ، فإذا أراد أحد أن يظهر عزمه على فعل لا محالة منه ، ولا مطمع لأحد في صرفه عنه ، أكده بالقسم ، قال بلعاء بن قيس : \rوفارسٍ في غِمار المَوْت منغَمِس\rإذَا تَأَلَّى على مَكْروهَةٍ صَدَقَا...","part":6,"page":196},{"id":2357,"text":"( أي إذا حلف على أن يقاتل أو يقتل أو نحو ذلك من المصاعب والأضرار ومنه سميت الحرب كريهة ) فصار نطقهم باليمين مؤذناً بالغرم ، وكثر ذلك في ألسنتهم في أغراض التأْكيد ونحوه ، حتى صار يجري ذلك على اللسان كما تجري الكلمات الدالة على المعاني من غير إرادة الحلف ، وصارت كثرته في الكلام لا تنحصر ، فكثر التحرج من ذلك في الإسلام قال كثيِّر : \rقليل الألايى حافظ ليمينه\rوإن سبقت منه الأليَّة بَرَّتِ...\rفأشبهه جريانُ الحلف على اللسان اللغوَ من الكلام. أ هـ {التحرير والتنوير حـ 2 صـ 381 ـ 382}\rسؤال : ما المراد باللغو فى الآية الكريمة ؟ \rقال الفخر : ","part":6,"page":197},{"id":2358,"text":"أما المفسرون فقد ذكروا وجوهاً الأول : قال الشافعي رضي الله عنه : إنه قول العرب : لا والله ، وبلى والله ، مما يؤكدون به كلامهم ولا يخطر ببالهم الحلف ، ولو قيل لواحد منهم : سمعتك اليوم تحلف في المسجد الحرام ألف مرة لأنكر ذلك ، ولعله قال : لا والله ألف مرة والثاني : وهو قول أبي حنيفة رضي الله عنه : أن اللغو هو أن يحلف على شيء يعتقد أنه كان ثم بان أنه لم يكن فهذا هو اللغو ، وفائدة هذا الإختلاف أن الشافعي لا يوجب الكفارة في قول الرجل لا والله وبلى والله ويوجبها فيما إذا حلف على شيء يعتقد أنه كان ثم بان أنه لم يكن ، وأبو حنيفة يحكم بالضد من ذلك ومذهب الشافعي هو قول عائشة ، والشعبي ، وعكرمة ، وقول أبي حنيفة هو قول ابن عباس ، والحسن ، ومجاهد ، والنخعي والزهري ، وسليمان بن يسار ، وقتادة ، والسدي ، ومكحول ، حجة الشافعي رضي الله عنه على قوله وجوه الأول : ما روت عائشة رضي الله عنها عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : \" لغو اليمين قول الرجل في كلامه كلا والله ، وبلى والله ، ولا والله \" وروي أنه صلى الله عليه وسلم مر بقوم ينتضلون ، ومعه رجل من أصحابه فرمى رجل من القوم ، فقال : أصبت والله ، ثم أخطأ ، ثم قال الذي مع النبي صلى الله عليه وسلم : حنث الرجل يا رسول الله ، فقال صلى الله عليه وسلم : \" كل أيمان الرماة لغو لا كفارة فيها ولا عقوبة \" وعن عائشة أنها قالت : أيمان اللغو ماكان في الهزل والمراء والخصومة التي لا يعقد عليها القلب ، وأثر الصحابي في تفسير كلام الله حجة.\r","part":6,"page":198},{"id":2359,"text":"الحجة الثانية : أن قوله : {لاَّ يُؤَاخِذُكُمُ الله باللغو فِى أيمانكم ولكن يُؤَاخِذُكُم بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ} يدل على أن لغو اليمين كالمقابل المضاد لما يحصل بسبب كسب القلب ، ولكن المراد من قوله : {بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ} هو الذي يقصده الإنسان على الجد ويربط قلبه به ، وإذا كان كذلك وجب أن يكون اللغو الذي هو كالمقابل له أن يكون معناه ما لا يقصده الإنسان بالجد ، ولا يربط قلبه به ، وذلك هو قول الناس على سبيل التعود في الكلام : لا والله بلى والله ، فأما إذا حلف على شيء بالجد أنه كان حاصلاً ثم ظهر أنه لم يكن فقد قصد الإنسان بذلك اليمين تصديق قول نفسه وربط قلبه بذلك ، فلم يكن ذلك لغواً ألبتة بل كان ذلك حاصلاً بكسب القلب.\rالحجة الثالثة : أنه سبحانه ذكر قبل هذه الآية : {وَلاَ تَجْعَلُواْ الله عُرْضَةً لأيمانكم} [ البقرة : 224 ] وقد ذكرنا أن معناه النهي عن كثرة الحلف واليمين ، وهؤلاء الذين يقولون على سبيل الاعتياد : لا والله وبلى والله لا شك أنهم يكثرون الحلف ، فذكر تعالى عقيب قوله : {وَلاَ تَجْعَلُواْ الله عُرْضَةً لأيمانكم} حال هؤلاء الذين يكثرون الحلف على سبيل الاعتياد في الكلام لا على سبيل القصد إلى الحلف ، وبين أنه لا مؤاخذة عليهم ، ولا كفارة ، لأن إيجاب المؤاخذة والكفارة عليهم يفضي إما إلى أن يمتنعوا عن الكلام ، أو يلزمهم في كل لحظة كفارة وكلاهما حرج في الدين فظهر أن تفسير اللغو بما ذكرناه هو المناسب لما قبل الآية ، فأما الذي قال أبو حنيفة رضي الله عنه فإنه لا يناسب ما قبل الآية فكان تأويل الشافعي أولى ، حجة أبي حنيفة رضي الله عنه من وجوه.\rالحجة الأولى : قوله صلى الله عليه وسلم : \" من حلف على يمين فرأى غيرها خيراً منها فليأت الذي هو خير ثم ليكفر عن يمينه \" الحديث دل على وجوب الكفارة على الحانث مطلقاً من غير فصل بين المجد والهازل.\r","part":6,"page":199},{"id":2360,"text":"الحجة الثانية : أن اليمين معنى لا يلحقه الفسخ ، فلا يعتبر فيه القصد كالطلاق والعتاق ، فهاتان الحجتان يوجبان الكفارة في قول الناس : لا والله بلى والله ، إذا حصل الحنث ، ثم الذي يدل على أن اللغو لا يمكن تفسيره بما قال الشافعي ، ويجب تفسيره بما قاله أبو حنيفة أن اليمين في اللغة عبارة عن القوة قال الشاعر : \rإذا ما راية رفعت لمجد.. تلقاها عرابة باليمين\rأي بالقوة ، والمقصود من اليمين تقوية جانب البر على جانب الحنث بسبب اليمين ، وهذا إنما يفعل في الموضع الذي يكون قابلاً للتقوية ، وهذا إنما يكون إذا وقع اليمين على فعل في المستقبل ، فأما إذا وقع اليمين على الماضي فذلك لا يقبل التقوية ألبتة ، فعلى هذا اليمين على الماضي تكون خالية عن الفائدة المطلوبة منها ، والخالي عن المطلوب يكون لغواً ، فثبت أن اللغو هو اليمين على الماضي ، وأما اليمين على المستقبل فهو قابل للتقوية ، فلم تكن هذه اليمين خالية عن الغرض المطلوب منها فلا تكون لغواً.\rالقول الثالث : في تفسير يمين اللغو : هو أنه إذا حلف على ترك طاعة ، أو فعل معصية ، فهذا هو يمين اللغو وهو المعصية.\r","part":6,"page":200},{"id":2361,"text":"قال تعالى : {وَإِذَا سَمِعُواْ اللغو أَعْرَضُواْ عَنْهُ} [ القصص : 55 ] فبين أنه تعالى لا يؤاخذ بترك هذه الأيمان ، ثم قال : {ولكن يُؤَاخِذُكُم بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ} أي بإقامتكم على ذلك الذي حلفتم عليه من ترك الطاعة وفعل المعصية ، قالوا : وهذا التأويل مناف لقوله عليه السلام : \" من حلف على يمين فرأى غيرها خيراً منها فليأت الذي هو خير ثم ليكفر \" وهذا التأويل ضعيف من وجهين الأول : هو أن المؤاخذة المذكورة في هذه الآية صارت مفسرة في آية المائدة بقوله تعالى : {ولكن يُؤَاخِذُكُم بِمَا عَقَّدتُّمُ الأيمان فَكَفَّارَتُهُ} [ المائدة : 89 ] ولما كان المراد بالمؤاخذة إيجاب الكفارة وههنا الكفارة واجبة ، علمنا أن المراد من الآية ليس هو هذه الصورة الثاني : أنه تعالى جعل المقابل للغو هو كسب القلب ، ولا يمكن تفسيره بما ذكره من الإصرار على الشيء الذي حلفوا عليه لأن كسب القلب مشعر بالشروع في فعل جديد ، فأما الاستمرار على ما كان فذلك لا يسمى كسب القلب.\rالقول الرابع : في تفسير يمين اللغو : أنها اليمين المكفرة سميت لغواً لأن الكفارة أسقطت الإثم ، فكأنه قيل : لا يؤاخذكم الله باللغو إذا كفرتم ، وهذا قول الضحاك.\rالقول الخامس : وهو قول القاضي : أن المراد به ما يقع سهواً غير مقصود إليه ، والدليل عليه قوله تعالى بعد ذلك : {ولكن يُؤَاخِذُكُم بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ} أي يؤاخذكم إذا تعمدتم ، ومعلوم أن المقابل للعمد هو السهو. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 6 صـ 67 ـ 68}","part":6,"page":201},{"id":2362,"text":"وقال ابن العربى : \rقَوْله تَعَالَى : {لَا يُؤَاخِذُكُمْ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ وَاَللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ} فِيهَا ثَلَاثُ مَسَائِلَ : الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى : اللَّغْوُ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ مَخْصُوصٌ بِكُلِّ كَلَامٍ لَا يُفِيدُ ، وَقَدْ يَنْطَلِقُ عَلَى مَا لَا يَضُرُّ.\rالْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ : فِي الْمُرَادِ بِذَلِكَ : وَفِيهِ سَبْعَةُ أَقْوَالٍ : الْأَوَّلُ : مَا يَجْرِي عَلَى اللِّسَانِ مِنْ غَيْرِ قَصْدٍ ، كَقَوْلِهِ : لَا وَاَللَّهِ ، وَبَلَى وَاَللَّهِ ؛ قَالَتْهُ عَائِشَةُ ، وَالشَّافِعِيُّ.\rالثَّانِي : مَا يَحْلِفُ فِيهِ عَلَى الظَّنِّ ، فَيَكُونُ بِخِلَافِهِ قَالَهُ مَالِكٌ.\rالثَّالِثُ : يَمِينُ الْغَضَبِ.\rالرَّابِعُ : يَمِينُ الْمَعْصِيَةِ.\rالْخَامِسُ : دُعَاءُ الْإِنْسَانِ عَلَى نَفْسِهِ ، كَقَوْلِهِ : إنْ لَمْ أَفْعَلْ كَذَا فَيَلْحَقُ بِي كَذَا وَنَحْوُهُ.\rوَالسَّادِسُ : الْيَمِينُ الْمُكَفِّرُ.\rالسَّابِعُ : يَمِينُ النَّاسِي.","part":6,"page":202},{"id":2363,"text":"الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ فِي تَنْقِيحِ هَذِهِ الْأَقْوَالِ : اعْلَمُوا أَنَّ جَمِيعَ هَذِهِ السَّبْعَةِ الْأَقْوَالِ لَا تَخْلُو مِنْ قِسْمَيْ اللَّغْوِ اللَّذَيْنِ بَيَّنَّاهُمَا ، وَحَمْلُ الْآيَةِ عَلَى جَمِيعِهَا مُمْتَنِعٌ ، لِأَنَّ الدَّلِيلَ قَدْ قَامَ عَلَى الْمُؤَاخَذَةِ بِبَعْضِهَا ، وَفِي ذَلِكَ آيَاتٌ وَأَخْبَارٌ وَآثَارٌ لَوْ تَتَبَّعْنَاهَا لَخَرَجْنَا عَنْ مَقْصُودِ الِاخْتِصَارِ بِمَا لَا فَائِدَةَ فِيهِ مِنْ الْإِكْثَارِ وَاَلَّذِي يَقْطَعُ بِهِ اللَّبِيبُ أَنَّهُ لَا يَصِحُّ أَنْ يَكُونَ تَقْدِيرِ الْآيَةِ : لَا يُؤَاخِذُكُمْ اللَّهُ بِمَا لَا مَضَرَّةَ فِيهِ عَلَيْكُمْ ، إذْ قَدْ قَصَدَ هُوَ الْإِضْرَارَ بِنَفْسِهِ ، وَقَدْ بَيَّنَ الْمُؤَاخَذَةَ بِالْقَصْدِ ، وَهُوَ كَسْبُ الْقَلْبِ ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّ اللَّغْوَ مَا لَا فَائِدَةَ فِيهِ ، وَخَرَجَ مِنْ اللَّفْظِ يَمِينُ الْغَضَبِ وَيَمِينُ الْمَعْصِيَةِ ، وَانْتَظَمَتْ الْآيَةُ قِسْمَيْنِ : قِسْمٌ كَسَبَهُ الْقَلْبُ ، فَهُوَ الْمُؤَاخَذُ بِهِ ، وَقِسْمٌ لَا يَكْسِبُهُ الْقَلْبُ ، فَهُوَ الَّذِي لَا يُؤَاخَذُ بِهِ ، وَخَرَجَ مِنْ قِسْمِ الْكَسْبِ يَمِينُ الْحَالِفِ نَاسِيًا ، فَأَمَّا الْحَانِثُ نَاسِيًا فَهُوَ بَابٌ آخَرَ يَأْتِي فِي مَوْضِعِهِ إنْ شَاءَ اللَّهُ ، كَمَا خَرَجَ مِنْ قِسْمِ الْكَسْبِ أَيْضًا الْيَمِينُ عَلَى شَيْءٍ يَظُنُّهُ ، فَخَرَجَ بِخِلَافِهِ ، لِأَنَّهُ مِمَّا لَمْ يَقْصِدْهُ ، وَفِي ذَلِكَ نَظَرٌ طَوِيلٌ بَيَانُهُ فِي الْمَسَائِلِ. أ هـ {أحكام القرآن لابن العربى حـ 1 صـ 348 ـ 349}","part":6,"page":203},{"id":2364,"text":"وقال العلامة الثعالبى ـ رحمه الله ـ : \rوطريقةُ النَّظَر أن تتأمَّل لفظة اللغْو ، ولفظة الكَسْب ، ويُحَكَّم موقعهما في اللغة ، فكَسْب المرء ما قَصَده ، ونواه ، واللَّغْوُ : ما لم يتعمَّده ، أو ما حقُّه لهجنته أن يسقط ، فيقوَّى على هذه الطريقة بعْض الأقوال المتقدِّمة ، ويضعَّف بعضها ، وقد رفع اللَّه عز وجَلَّ المؤاخذة بالإِطلاق في اللَّغْو ، فحقيقته : ما لا إِثم فيه ، ولا كفارة ، والمؤاخذةُ في الأيمان هي بعقوبةِ الآخِرَةِ في الغَمُوس المَصْبُورة ، وفيما تُرِكَ تكفيره ممَّا فيه كفَّارة ، وبعقوبة الدنيا في إِلزام الكفَّارة ، فيضعَّف القول بأنها اليمين المكفَّرة ؛ لأن المؤاخذة قد وَقَعَتْ فيها ، وتخصيصُ المؤاخذة ؛ بأنها في الآخرة فقَطْ تحكُّم.\rوالقولُ الأوَّل أرجح ، وعليه عَوَّل اللَّخْميُّ وغيره. أ هـ {الجواهر الحسان حـ 1 صـ 174}\r( فصل في بيان حكم الآية : وفيه مسائل )\rالمسألة الأولى : لا تنعقد اليمين إلا بالله وبأسمائه وصفاته ، فأما اليمين بالله فهو كقول الرجل : والذي نفسي بيده والذي أعبده ، ونحو ذلك ، والحلف بأسمائه كقوله والله والرحمن والرحيم والمهيمن ونحو ذلك والحلف بصفاته كقوله وعزة الله ، وقدرته وعظمته ونحوه ، فإذا حلف بشيء من ذلك ثم حنث فعليه الكفارة.\rالمسألة الثانية : لا يجوز الحلف بغير الله كقوله : والكعبة والنبي وأبي ونحو ذلك ، فإذا حلف بشيء من ذلك لا تنعقد يمينه ولا كفارة عليه ، ويكره الحلف به لما روى عن ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أدرك عمر وهو يسير في ركب وهو يحلف بأبيه فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : \" إن الله ينهاكم أن تحلفوا بآبائكم فمن كان حالفاً فليحلف بالله أو ليصمت \" أخرجاه في الصحيحين.","part":6,"page":204},{"id":2365,"text":"المسألة الثالثة : إذا حلف على أمر في المستقبل ، فحنث فعليه الكفارة وإن كان على أمر ماض ولم يكن ، أو على أنه لم يكن فكان فإن كان عالماً به حال حلفه بأن يقول : والله ما فعلت وقد فعل أو لقد فعلت وما فهل فهذه اليمين الغموس ، وهي من الكبائر سميت غموساً لأنهما تغمس صاحبها في الإثم وتجب فيها الكفارة عند الشافعي سواء كان عالماً أو جاهلاً ، وذهب أبو حنيفة إلى أنه لا كفارة عليه ، فإن كان عالماً فهي كبيرة ، وإن كان جاهلاً فهي من لغو اليمين. أ هـ {تفسير الخازن حـ 1 صـ 151}\rوقال ابن الجوزى : \rفصل\rالأيمان على ضربين ، ماضٍ ومستقبل ، فالماضي على ضربين : يمين محرمة ، وهي : اليمين الكاذبة ، وهي أن يقول : والله ما فعلت ، وقد فعل. أو : لقد فعلت ، وما فعل. ويمين مباحة ، وهي أن يكون صادقاً في قوله : ما فعلت. أو : لقد فعلت. والمستقبلة على خمسة أقسام. أحدها : يمين عقدُها طاعة ، والمقام عليها طاعة ، وحلها معصية ، مثل أن يحلف : لأصلينَّ الخمس ، ولأصومنَّ رمضان ، أو : لاشربت الخمر. والثاني : عقدها معصية ، والمقام عليها معصية ، وحلها طاعة ، وهي عكس الأولى. والثالث : يمين عقدها طاعة ، والمقام عليها طاعة ، وحلها مكروه ، مثل أن يحلف : ليَفعلنّ النوافل من العبادات. والرابع : يمين عقدها مكروه ، والمقام عليها مكروه ، وحلها طاعة ، وهي عكس التي قبلها. والخامس : يمين عقدها مباح ، والمقام عليها مباح ، وحلها مباح. مثل أن يحلف : لا دخلت بلداً فيه من يظلم الناس ، ولا سلكت طريقاً مخوفاً ، ونحو ذلك. أ هـ {زاد المسير حـ 1 صـ 256}\rقوله تعالى : {والله غَفُورٌ حليم}\rقال الفخر : ","part":6,"page":205},{"id":2366,"text":"أما قوله تعالى : {والله غَفُورٌ حليم} فقد علمت أن : الغفور ، مبالغة في ستر الذنوب ، وفي إسقاط عقوبتها ، وأما : الحليم ، فاعلم أن الحلم في كلام العرب الأناة والسكون ، يقال : ضع الهودج على أحلم الجمال ، أي على أشدها تؤدة في السير ، ومنه الحلم لأنه يرى في حال السكون ، وحلمة الثدي ، ومعنى : الحليم ، في صفة الله : الذي لا يعجل بالعقوبة ، بل يؤخر عقوبة الكفار والفجار. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 6 صـ 68}\rوقال أبو حيان : \r{والله غفور حليم} جاءت هاتان الصفتان تدلان على توسعة الله على عباده حيث لم يؤاخذهم باللغو في الأيمان ، وفي تعقيب الآية بهما إشعار بالغفران ، والحلم عن من أوعده تعالى بالمؤاخذة ، وإطماع في سعة رحمته ، لأن من وصف نفسه بكثرة الغفران والصفح مطموع في ما وصف به نفسه ، فهذا الوعيد الذي ذكره تعالى مقيد بالمشيئة ، كسائر وعيده تعالى. أ هـ {البحر المحيط حـ 2 صـ 191}\rوقال الخازن : \r{والله غفور} يعني لعباده فيما لغوا من أيمانهم التي أخبر أنه لا يؤاخذكم عليها ، ولو شاء آخذهم وألزمهم للكفارة في العاجل والعقوبة عليها في الآجل {حليم} يعني في ترك معاجلة أهل العصيان بالعقوبة ، قال الحليمي في معنى الحليم : إنه الذي لا يحبس إنعامه وأفضاله عن عباده لأجل ذنوبهم ، ولكنه يرزق العاصي كما يرزق المطيع ويبقيه وهو منهمك في معاصيه كما يبقى البر المتقي وقد يقيه الآفات والبلايا ، وهو غافل لا يذكره فضلاً عن أن يدعوه كما يقيها الناسك الذي يدعوه ويسأله ، وقال أبو سليمان الخطابي : الحليم ذو الصفح والأناة الذي لا يستفزه غضب ولا يستخفه جهل جاهل ولا عصيان عاص ولا يستحق الصافح مع العجز اسم الحليم ، إنما الحليم الصفوح مع القدرة على الانتقام المتأني الذي لا يعجل بالعقوبة. أ هـ {تفسير الخازن حـ 1 صـ 151}\rوقال ابن عرفة : \rقوله تعالى : {والله غَفُورٌ حَلِيمٌ}","part":6,"page":206},{"id":2367,"text":"يحتمل أن يرجع \" غفور \" للغو اليمين و\" حليم \" لعدم المعاجلة بالعقوبة في اليمين الغموس. أ هـ {تفسير ابن عرفة صـ 291}\rلطيفة\rقال الإمام القشيرى : \rما جرى به اللسان على مقتضى السهو فليس له كثير خطرٍ في الخير والشر ، ولكن ما انطوت عليه الضمائر ، واحتوت عليه السرائر ، من قصود صحيحة ، وعزائم قوية فذلك الذي يؤخذ به إن كان خيراً فجزاءٌ جميل ، وإن كان شراً فعناءٌ طويل. أ هـ {لطائف الإشارات حـ 1 صـ 179}","part":6,"page":207},{"id":2368,"text":"قوله تعالى : {لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ فَإِنْ فَاءُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (226) وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلَاقَ فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (227)}\rمناسبة الآية لما قبلها\rقال البقاعى : \rولما كان الإيلاء حلفاً مقيداً وبين حكم مطلق اليمين قبله لتقدم المطلق على المقيد بانفكاكه عنه بينه دليلاً على حلمه حيث لم يؤاخذهم به فقد كانوا يضارون به النساء في الجاهلية بأن يحلفوا على عدم الوطء أبداً فتكون المرأة لا أيماً ولا ذات بعل وجعل لهم فيه مرجعاً يرجعون إليه فقال في جواب من كأنه سأل عنه لما أشعر به ما تقدم : {للذين يؤلون} أي يحلفون حلفاً مبتدئاً {من نسائهم} في صلب النكاح أو علقة الرجعة بما أفادته الإضافة بأن لا يجامعوهن أبداً أو فوق أربعة أشهر فالتعدية بمن تدل على أخذ في البعد عنهن.\rقال الحرالي : والإيلاء تأكيد الحلف وتشديده سواء كانوا أحراراً أو عبيداً أو بعضاً وبعضاً في حال الرضى أو الغضب محبوباً كان أو لا لأن المضارة حاصلة بيمينه {تربص} أي إمهال وتمكث يتحمل فيه الصبر الذي هو مقلوب لفظه - انتهى.\r{أربعة أشهر} ينتظر فيها رجوعهم إليهن حلماً من الله سبحانه وتعالى حيث لم يجعل الأمر بتاحين الحلف بفراق أو وفاق. قال الحرالي : ولما كان لتخلص المرأة من الزوج أجل عدة كان أجلها مع أمد هذا التربص كأنه - والله سبحانه وتعالى أعلم - هو القدر الذي تصبر المرأة عن زوجها ، يذكر أن عمر رضي الله تعالى عنه سأل النساء عن قدر ما تصبر المرأة عن الزوج ، فأخبرنه أنها تصبر ستة أشهر ، فجعل ذلك أمد البعوث فكان التربص والعدة قدر ما تصبره المرأة عن زوجها ، وقطع سبحانه وتعالى بذلك ضرار الجاهلية في الإيلاء إلى غير حد - انتهى وفيه تصرف. أ هـ {نظم الدرر حـ 1 صـ 426}\rقال ابن عاشور : \rقوله تعالى : {لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ}","part":6,"page":208},{"id":2369,"text":"استئناف ابتدائي للانتقال إلى تشريع في عمل كان يغلب على الرجال أن يعملوه في الجاهلية ، والإسلام.\rكان من أشهر الأيمان الحائلة بين البر والتقوى والإصلاح ، أيمان الرجال على مهاجرة نسائهم ، فإنها تجمع الثلاثة ؛ لأن حسن المعاشرة من البر بين المتعاشرين ، وقد أمر الله به في قوله : {وعاشروهن بالمعروف} [ النساء : 19 ] فامتثاله من التقوى ، ولأن دوامه من دوام الإصلاح ، ويحدث بفقده الشقاق ، وهو مناف للتقوى.\rوقد كان الرجل في الجاهلية يولي من امرأته السنة والسنتين ، ولا تنحل يمينه إلاّ بعد مضي تلك المدة ، ولا كلام للمرأة في ذلك.\rوعن سعيد بن المسيب : \"كان الرجل في الجاهلية لا يريد المرأة ، ولا يحب أن يطلقها ، لئلا يتزوجها غيره ، فكان يحلف ألاّ يقربها مضارة للمرأة\" أي ويقسم على ذلك لكيلا يعود إليها إذا حصل له شيء من الندم.\rقال : \"ثم كان أهل الإسلام يفعلون ذلك ، فأزال الله ذلك ، وأمهل للزوج مدة حتى يتروى\" فكان هذا الحكم من أهم المقاصد في أحكام الأيمان ، التي مهد لها بقوله : {ولا تجعلوا الله عرضة} [ البقرة : 224 ]. أ هـ {التحرير والتنوير حـ 2 صـ 384}\rسبب نزول الآية\rقال ابن عباس : كان أهل الجاهلية إذا طلب الرجل من امرأته شيئاً ، فأبت أن تعطيه ؛ حلف أن لا يقربها السنة ، والسنتين ، والثلاث ، فيدعها لا أيّماً ، ولا ذات بعل ، فلما كان الإسلام ، جعل الله ذلك أربعة أشهر ، فأنزل الله هذه الآية. وقال سعيد بن المسيب : كان الإيلاء ضرار أهل الجاهلية ، وكان الرجل لا يريد المرأة ، ولا يحب أن يتزوجها غيره ، فيحلف أن لا يقربها أبداً ، فجعل الله تعالى الأجل الذي يعلم به ما عند الرجل في المرأة أربعة أشهر ، وأنزل هذه الآية. أ هـ {زاد المسير حـ 1 صـ 256}\rقال الفخر : \rقرأ عبد الله {آلوا مِن نّسَائِهِمْ} وقرأ ابن عباس رضي الله عنهما {يَقْسِمُونَ مِن نّسَائِهِمْ}.","part":6,"page":209},{"id":2370,"text":"أما قوله : {مِن نّسَائِهِمْ} ففيه سؤال ، وهو أنه يقال : المتعارف أن يقال : حلف فلان على كذا أو آلى على كذا ، فلم أبدلت لفظة على ههنا بلفظة {مِنْ} ؟ .\rوالجواب من وجهين : الأول : أن يراد لهم من نسائهم تربص أربعة أشهر ، كما يقال : لي منك كذا والثاني : أنه ضمن في هذا القسم معنى البعد ، فكأنه قيل : يبعدون من نسائهم مولين أو مقسمين. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 6 صـ 69}\rفوائد لغوية\rقال ابن عاشور : \rالإيلاء : الحلف ، وظاهر كلام أهل اللغة أنه الحلف مطلقاً يقال آلى يولي إيلاء ، وتألى يتألى تألياً ، وائتلى يأتلي ائتلاء ، والاسم الألوَّة والألية ، كلاهما بالتشديد ، وهو واوي فالألوة فعولة والألية فعيلة.\rوقال الراغب : \"الإيلاء حلف يقتضي التقصير في المحلوف عليه مشتق من الألو وهو التقصير قال تعالى : {لا يألونكم خبالاً} [ آل عمران : 118 ] {ولا يأتل أولوا الفضل منكم والسعة} [ النور : 22 ] وصار في الشرع الحلف المخصوص\" فيؤخذ من كلام الراغب أن الإيلاء حلف على الامتناع والترك ؛ لأن التقصير لا يتحقق بغير معنى الترك ؛ وهو الذي يشهد به أصل الاشتقاق من الألو ، وتشهد به موارد الاستعمال ، لأنا نجدهم لا يذكرون حرف النفي بعد فعل آلى ونحوه كثيراً ، ويذكرونه كثيراً ، قال المتلمس : \rآلَيْتُ حبَّ العِرَاققِ الدَّهْرَ أَطْعَمُه...\rوقال تعالى : {ولا يأتل أولوا الفضل منكم والسعة أن يؤتوا} [ النور : 22 ] أي على أن يؤتوا وقال تعالى هنا : {للذين يؤلون من نسائهم} فَعدَّاه بمِنْ ، ولا حاجة إلى دعوى الحذف والتضمين.\rوأيَّاً مَّا كان فالإيلاء بعد نزول هذه الآية ، صار حقيقة شرعية في هذا الحَلِف على الوصف المخصوص.\rومجيء اللام في {للذين يؤلون} لبيان أن التربص جعل توسعة عليهم ، فاللام للأَجْل مثل هَذا لَكَ ويعلم منه معنى التخيير فيه ، أي ليس التربص بواجب ، فللمولى أَن يفىء في أقل من الأشهر الأربعة.","part":6,"page":210},{"id":2371,"text":"وعدى فعل الإيلاء بمِن ، مع أن حقه أن يعدَّى بعلى ؛ لأنه ضمن هنا معنى البُعد ، فعدي بالحرف المناسب لفعل البُعد ، كأنه قال : للذين يؤلون متباعدين من نسائهم ، فمِنْ للابتداء المجازي.\rوالنساء : الزوجات كما تقدم في قوله : {فاعتزلوا النساء في المحيض} [ البقرة : 222 ] وتعليق الإيلاء باسم النساء من باب إضافة التحليل والتحريم ونحوهما إلى الأعيان ، مثل {حرمت عليكم أمهاتكم} [ النساء : 23 ] وقد تقدم في قوله تعالى : {إنما حرم عليكم الميتة} [ البقرة : 173 ].\rوالتربص : انتظار حصول شيء لغير المنتظِر ، وسيأتي الكلام عليه عند قوله تعالى : {والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء} [ البقرة : 228 ] ، وإضافة تربص إلى أربعة أشهر إضافة على معنى \"في\" كقوله تعالى : {بل مكر الليل} [ سبأ : 33 ].\rوتقديم {للذين يؤلون} على المبتدأ المسند إليه ، وهو تربص ، للاهتمام بهذه التوسعة التي وسع الله على الأزواج ، وتشويق لذِكْر المسند إليه.\rو {فاءوا} رجعوا أي رجعوا إلى قربان النساء ، وحذف متعلق {فاءوا} بالظهور المقصود.\rوالفَيْئة تكون بالتكفير عن اليمين المذكورة في سورة العقود. أ هـ {التحرير والتنوير حـ 2 صـ 385}\rقوله تعالى : {مِن نِّسَآئِهِمْ}\rقال الثعالبى : \rوقوله تعالى : {مِن نِّسَآئِهِمْ} يدخل فيه الحرائرُ والإِماء ، إِذا تزوَّجن ، والتربُّص : التأنِّي والتأخُّر ، وأربعَةَ أشْهُرٍ ؛ عند مالك ، وغيره : للحر ، وشهران : للعبد.\rوقال الشافعيُّ : هو كالحرِّ. أ هـ {الجواهر الحسان حـ 1 صـ 175}\rفائدة\rقال الآلوسى : ","part":6,"page":211},{"id":2372,"text":"وعدى القسم على الماجمعة بـ {مِنْ} لتضمنه معنى البعد ، فكأنه قيل : يبعدون من نسائهم مولين ، وقيل : إن هذا الفعل يتعدى بـ ( من ) وعلى ، ونقل أبو البقاء عن بعضهم من أهل اللغة تعديته بـ ( من ) وقيل : بها بمعنى على ، وقيل : بمعنى في ، وقيل : زائدة ، وجوّز جعل الجار ظرفاً مستقراً ، أي استقرّ لهم من نسائهم. أ هـ {روح المعانى حـ 2 صـ 129}\rقوله تعالى : {تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ}\rقال الفخر : \rأما قوله تعالى : {تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ} فاعلم أن التربص التلبث والانتظار يقال : تربصت الشيء تربصاً ، ويقال : ما لي على هذا الأمر ربصة ، أي تلبث ، وإضافة التربص إلى أربعة أشهر إضافة المصدر إلى الظرف كقوله : بينهما مسيرة يوم ، أي مسيرة في يوم ومثله كثير. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 6 صـ 70}\rوقال القرطبى : \rقوله تعالى : {تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ} التربص : التأنِّي والتأخُّر ؛ مقلوب التصبر ؛ قال الشاعر : \rتَرَبَّصْ بها رَيْبَ المُنونِ لعلّها... تطَلَّق يوماً أو يموتُ حَلِيلُها\rوأما فائدة توقيت الأربعة الأشهر فيما ذكر ابن عباس عن أهل الجاهلية كما تقدّم ، فمنع الله من ذلك وجعل للزوج مدّة أربعة أشهر في تأديب المرأة بالهجر ؛ لقوله تعالى : {واهجروهن فِي المضاجع} [ النساء : 34 ]. وقد آلى النبي صلى الله عليه وسلم من أزواجه شهراً تأديباً لهنّ. وقد قيل : الأربعة الأشهر هي التي لا تستطيع ذات الزوج أن تصبر عنه أكثر منها ؛ وقد روى أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه كان يطوف ليلة بالمدينة فسمع امرأة تنشِد : \rألا طال هذا اللّيْلُ واسود جانبُه... وأرّقَنِي أن لا حَبِيبَ ألاَعِبُهْ\rفواللّهِ لولا اللَّهُ لا شيءَ غيره... لزُعْزِعَ من هذا السّريرِ جوانِبُهْ\rمخافةَ ربّي والحَيَاءُ يكفّني... وإكرامَ بَعْلِي أن تُنال مراكِبُهْ\rفلما كان من الغد استدعى عمر بتلك المرأة وقال لها : أين زوجك ؟ فقالت : بعثتَ به إلى العراق! فاستدعى نساء فسألهنّ عن المرأة كم مقدار ما تصبِر عن زوجها ؟ فقلن : شهرين ، ويَقلّ صبرها في ثلاثة أشهر ، وينفَدُ صبرُها في أربعة أشهر ، فجعل عمر مدّة غزوِ الرجل أربعة أشهر ؛ فإذا مضت أربعةُ أشهر استرد الغازين ووجه بقوم آخرين ؛ وهذا والله أعلم يقوِّي اختصاص مدّة الإيلاء بأربعة أشهر. أ هـ {تفسير القرطبى حـ 3 صـ 108}","part":6,"page":212},{"id":2374,"text":"لطيفة\rقال الفيروزابادى : \r( بصيرة فى التربص )\rيقال : تربّص به تربُّصاً أَى انتظر به خيراً أَو شرّاً يحُلّ به.\rوقد ورد فى القرآن لثمانية أُمور : \rالأَوّل : تربّص الإِيلاءِ {تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ} : \rالثانى : تربّص المطلَّقة ثلاثة أَشهر أَو ثلاثة أَطْهار.\rالثالث : تربّص المعتدّة {والمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهنَّ ثَلاَثَةَ قُرُوءٍ}.\rالرّابع تربّص المنافقين للمؤمنين بالغنيمة أَو الشَّهادة {هَلْ تَرَبَّصُونَ بِنَآ إِلاَّ إِحْدَى الْحُسْنَيَيْنِ}.\rالخامس : تربّص كفَّارة مكَّة فى حقِّ سيّدِ المرسلين لحادثة أَو نكبة {أَمْ يَقُولُونَ شَاعِرٌ نَّتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ الْمَنُونِ}.\rالسّادس : تربّص المؤمنين للمنافقين بالنكال والفضيحة {وَنَحْنُ نَتَرَبَّصُ بِكُمْ}.\rالسّابع : تربّص سيّد المرسلين لهلاك أَعداءِ الدّين {قُلْ تَرَبَّصُواْ فَإِنِّي مَعَكُمْ مِّنَ الْمُتَرَبِّصِينَ}.\rالثامن : تربّص العموم والخصوص للقضاءِ والقَدَر {قُلْ كُلٌّ مُّتَرَبِّصٌ فَتَرَبَّصُواْ}.\rويقرب من معنى التربّص الترقُّب والترصّد والتَّنظُّر والتطلُّع. أ هـ {بصائر ذوى التمييز حـ 3 صـ 44}\rفائدة\rقال ابن المنذر : أجمع كلُّ من يُحفظ عنه من أهل العلم على أن الفيء الجماع لمن لا عذر له ؛ فإن كان له عذر مرض أو سجن أو شبه ذلك فإن ارتجاعه صحيح وهي امرأته ؛ فإذا زال العذر بقدومه من سفره أو إفاقته من مرضه ، أو انطلاقه من سجنه فأبى الوطء فُرّق بينهما إن كانت المدّة قد انقضت ؛ قاله مالك في المدونة والمبسوط. وقال عبد الملك : وتكون بائنا منه يوم انقضت المدّة ، فإن صدق عذره بالفيئة إذا أمكنته حكم بصدقه فيما مضى ؛ فإن أكذب ما ادعاه من الفيئة بالامتناع حين القدرة عليها ، حمل أمره على الكذب فيها واللّدَدِ ، وأُمْضيت الأحكامُ على ما كانت تجب في ذلك الوقت.","part":6,"page":213},{"id":2375,"text":"وقالت طائفة : إذا شهدت بيِّنة بفيْئته في حال العذر أجزأه ؛ قاله الحسن وعكرمة والنخعيّ ، وبه قال الأُوزاعيّ. وقال النخعيّ أيضاً : يصح الفيء بالقول والإشهاد فقط ، ويسقط حكم الإيلاء ؛ أرأيتَ إن لم ينتشر للوطء ؛ قال ابن عطية : ويرجع هذا القول إن لم يطأ إلى باب الضرر. وقال أحمد بن حنبل : إذا كان له عذر يَفِيءُ بقلبه ؛ وبه قال أبو قِلابة. وقال أبو حنيفة : إن لم يقدر على الجماع فيقول : قد فئت إليها. قال الكِيا الطبريّ : أبو حنيفة يقول فيمن آلَى وهو مريض وبينه وبينها مدّة أربعة أشهر ، وهي رتقاء أو صغيرة أو هو مجبوب : إنه إذا فَاءَ إليها بلسانه ومضت المدّة والعذرُ قائمٌ فذلك فَيْءٌ صحيح ؛ والشافعيّ يخالفه على أحد مذهبيه. وقالت طائفة : لا يكون الفيء إلا بالجماع في حال العذر وغيره ؛ وكذلك قال سعيد بن جبير ، قال : وكذلك إن كان في سفر أو سجن. أ هـ {تفسير القرطبى حـ 3 صـ 109}\rقوله تعالى {فَإِنْ فَاءُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ}\rالمناسبة\rقال البقاعى : \rولما كان حالهم بعد ذلك مردداً بين تعالى قسميه فقال مفصلاً له {فإن فاؤا} أي رجعوا في الأشهر ، وأعقبها عن المفاصلة إلى المواصلة ، من الفيء وهو الرجوع إلى ما كان منه الانبعاث {فإن الله} يغفر لهم ما قارفوه في ذلك من إثم ويرحمهم بإنجاح مقاصدهم لأنه {غفور رحيم} له هاتان الصفتان ينظر بهما إلى من يستحقهما فيغفر ما في ذلك من جناية منهما أو من أحدهما إن شاء ويعامل بعد ذلك بالإكرام. قال الحرالي : وفي مورد هذا الخطاب بإسناده للأزواج ما يظافر معنى إجراء أمور النكاح على سترة وإعراض عن حكم الحكام من حيث جعل التربص له والفيء منه ، فكأن الحكم من الحاكم إنما يقع على من هتك حرمة ستر أحكام الأزواج التي يجب أن تجري بين الزوجين من وراء ستر كما هو سر النكاح الذي هو سبب جمعهما ليكون حكم السر سراً وحكم الجهر جهراً - انتهى. أ هـ {نظم الدرر حـ 1 صـ 426}","part":6,"page":214},{"id":2376,"text":"قال الفخر : \rأما قوله : {فَإِن فَآءوا} فمعناه فإن رجعوا ، والفيء في اللغة هو رجوع الشيء إلى ما كان عليه من قبل ، ولهذا قيل لما تنسخه الشمس من الظل ثم يعود : فيء ، وفرق أهل العربية بين الفيء والظل ، فقالوا : الفيء ما كان بالعشي ، لأنه الذي نسخته الشمس والظل ما كان بالغداة لأنه لم تنسخه الشمس وفي الجنة ظل وليس فيها فيء ، لأنه لا شمس فيها ، قال الله تعالى : {وَظِلّ مَّمْدُودٍ} [ الواقعة : 30 ] وأنشدوا : \rفلا الظل من برد الضحى يستطيعه.. ولا الفيء من برد العشي يذوق\rوقيل : فلان سريع الفيء والفيئة حكاهما الفراء عن العرب ، أي سريع الرجوع عن الغضب إلى الحالة المتقدمة وقيل : لما رده الله على المسلمين من مال المشركين فيء كأنه كان لهم فرجع إليهم فقوله : {فَإِن فَآءوا} معناه فإن فرجعوا عما حلفوا عليه من ترك جماعها {فَإِنَّ الله غَفُورٌ رَّحِيمٌ} للزوج إذا تاب من إضراره بامرأته كما أنه غفور رحيم لكل التائبين. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 6 صـ 70}\rوقال ابن عاشور : \rوقوله : {فإن الله غفور رحيم} دليل الجواب ، أي فحنثهم في يمين الإيلاء مغفور لهم ؛ لأن الله غفور رحيم.\rوفيه إيذان بأن الإيلاء حرام ، لأن شأن إيلائهم الوارد فيه القرآن ، قصدُ الإضرار بالمرأة.\rوقد يكون الإيلاء مباحاً إذا لم يقصد به الإضرار ولم تطل مدته كالذي يكون لقصد التأديب ، أو لقصد آخر معتبر شرعاً ، غير قصد الإضرار المذموم شرعاً.\rوقد آلى النبي صلى الله عليه وسلم من نسائه شَهْراً ، قيل : لمرض كان برجله ، وقيل : لأجل تأديبهن ؛ لأنهن قد لقين من سعة حلمه ورفقه ما حدا ببعضهن إلى الإفراط في الإدلال ، وحمَل البقية على الاقتداء بالأخريات ، أو على استحسان ذلك.\rوالله ورسوله أعلم ببواطن الأمور.","part":6,"page":215},{"id":2377,"text":"وأما جواز الإيلاء للمصلحة كالخوف على الولد من الغَيْل ، وكالحُمْية من بعض الأمراض في الرجل والمَرأة ، فإباحته حاصلة من أدلة المصلحة ونفي المضرة ، وإنما يحصل ذلك بالحلف عند بعض الناس ، لما فيهم من ضعف العزم واتهام أنفسهم بالفلتة في الأمرِ ، إن لم يقيدوها بالحلف. أ هـ {التحرير والتنوير حـ 2 صـ 386}\rفائدة\rقوله تعالى : {فَإِنَّ الله غَفُورٌ رَّحِيمٌ}.\rقيل لابن عرفة : هذا دليل على أن الإيلاء غير جائز ؟ \rفقال : المذهب أنّه جائز على تفصيل ، والصّحيح جوازه مطلقا ، لأنّ النبي صلى الله عليه وسلم آلى من نسائه. وقد ذكر الشيخ ابن العربي قضيته لما رد على ابن الخطيب في قوله : إن النبي صلى الله عليه وسلم آلى وطلّق وظاهرَ. فقال : له قولك آلى وطلق صحيح وقولك ظَاهَرَ ( غير صحيح ) كيف والله تعالى يقول {وَإِنَّهُمْ لَيَقُولُونَ مُنكَراً مِّنَ القول وَزُوراً} قال ابن عرفة : والجواب بأن تكون المغفرة والرحمة راجعين بسبب الإيلاء لأن الإيلاء لا يكون إلاّ عن غضب وشرور وذلك غير جائز فحسن تعقيبه بالمغفرة. أ هـ {تفسير ابن عرفة صـ 292}\rقال العلامة ابن كثير فى معنى الآية : ","part":6,"page":216},{"id":2378,"text":"الإيلاء : الحلف ، فإذا حلف الرجل ألا يجامع زوجته مدة ، فلا يخلو : إما أن يكون أقل من أربعة أشهر ، أو أكثر منها ، فإن كانت أقل ، فله أن ينتظر انقضاء المدة ثم يجامع امرأته ، وعليها أن تصبر ، وليس لها مطالبته بالفيئة في هذه المدة ، وهذا كما ثبت في الصحيحين عن عائشة : أن رسول الله آلى من نسائه شهرًا ، فنزل لتسع وعشرين ، وقال : \"الشهر تسع وعشرون\" ولهما عن عمر بن الخطاب نحوه. فأما إن زادت المدة على أربعة أشهر ، فللزوجة مطالبة الزوج عند انقضاء أربعة أشهر : إما أن يفيء -أي : يجامع -وإما أن يطلق ، فيجبره الحاكم على هذا أو هذا لئلا يضر بها. ولهذا قال تعالى : {لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ} أي : يحلفون على ترك الجماع من نسائهم ، فيه دلالة على أن الإيلاء يختص بالزوجات دون الإماء كما هو مذهب الجمهور. {تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ} أي : ينتظر الزوج أربعة أشهر من حين الحلف ، ثم يوقف ويطالب بالفيئة أو الطلاق. ولهذا قال : {فَإِنْ فَاءُوا} أي : رجعوا إلى ما كانوا عليه ، وهو كناية عن الجماع ، قاله ابن عباس ، ومسروق والشعبي ، وسعيد بن جبير ، وغير واحد ، ومنهم ابن جرير رحمه الله {فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ} أي : لما سلف من التقصير في حقهن بسبب اليمين.\rوقوله : {فَإِنْ فَاءُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ} فيه دلالة لأحد قولي العلماء -وهو القديم عن الشافعي : أن المولي إذا فاء بعد الأربعة الأشهر أنه لا كفارة عليه. ويعتضد بما تقدم في الآية التي قبلها ، عن عمرو بن شعيب ، عن أبيه عن جده أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : \"من حلف على يمين فرأى غيرها خيرًا منها فتركها كفارتها\" كما رواه أحمد وأبو داود والذي عليه الجمهور وهو الجديد من مذهب الشافعي أن عليه الكفارة لعموم وجوب التكفير على كل حالف ، كما تقدم أيضا في الأحاديث الصحاح. والله أعلم. أ هـ {تفسيرابن كثير حـ 1 صـ 604}\rفائدة\rقال السعدى : \r","part":6,"page":217},{"id":2379,"text":"ويستدل بهذه الآية على أن الإيلاء ، خاص بالزوجة ، لقوله : {من نسائهم} وعلى وجوب الوطء في كل أربعة أشهر مرة ، لأنه بعد الأربعة ، يجبر إما على الوطء ، أو على الطلاق ، ولا يكون ذلك إلا لتركه واجبا. أ هـ {تفسير السعدى صـ 101}\rقوله تعالى {وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلَاقَ فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ}\rالمناسبة\rقال البقاعى : \rولما كان الحال في مدة الإيلاء شبيهاً بحال الطلاق وليس به قال مبيناً أن الطلاق لا يقع بمجرد مضي الأربعة الأشهر بل إما أن يفيء أو يطلق فإن أبى طلق عليه الحاكم : {وإن عزموا الطلاق} فأوقع عليه العزم من غير حرف جر بمعنى أنهم تركوا ما كانوا فيه من الذبذبة وجعلوا الطلاق عزيمة واقعاً من غير مجمجة ولا ستر ، والعزم الإجماع على إنفاذ الفعل ، والطلاق هو في المعنى بمنزلة إطلاق الشيء من اليد الذي يمكن أخذه بعد إطلاقه - قاله الحرالي.\rولما كان المطلق ربما ندم فحمله العشق على إنكار الطلاق رهبه بقوله : {فإن الله} أي الملك الذي له الجلال والإكرام {سميع} أي لعبارتهم عنه. قال الحرالي : في إشارته إعلام بأن الطلاق لا بد له من ظاهر لفظ يقع مسموعاً - انتهى.\r{عليم} أي به وبنيتهم فيه.\rقال الحرالي : وفيه تهديد بما يقع في الأنفس والبواطن من المضارة والمضاجرة بين الأزواج في أمور لا تأخذها الأحكام ولا يمكن أن يصل إلى علمها الحكام فجعلهم أمناء على أنفسهم فيما بطن وظهر ، ولذلك رأى العلماء أن الطلاق أمانة في أيدي الرجال كما أن العدد والاستبراء أمانة في أيدي النساء ، فلذلك انتظمت آية تربص المرأة في عدتها بآية تربص الزوج في إيلائه - انتهى. وبقي من أحكام الإيلاء قسم ثالث ترك التصريح به إشارة إلى أنهم ينبغي أن يكونوا في غاية النزاهة عنه وهو الإصرار على الإضرار ، وأشار بصفتي المغفرة والرحمة لفاعل ضده إلى أن مرتكبه يعامل بضدهما مما حكمه معروف في الفقه والله الموفق. أ هـ {نظم الدرر حـ 1 صـ 427}","part":6,"page":218},{"id":2380,"text":"قال الفخر : \rأما قوله تعالى : {وَإِنْ عَزَمُواْ الطلاق فَإِنَّ الله سَمِيعٌ عَلِيمٌ} فاعلم أن العزم عقد القلب على الشيء يقال عزم على الشيء يعزم عزماً وعزيمة ، وعزمت عليك لتفعلن ، أي أقسمت ، والطلاق مصدر طلقت المرأة أطلق طلاقاً ، وقال الليث : طلقت بضم اللام ، وقال ابن الأعرابي : طلقت بضم اللام من الطلاق أجود ، ومعنى الطلاق هو حل عقد النكاح بما يكون حلالاً في الشرع ، وأصله من الإنطلاق ، وهو الذهاب ، فالطلاق عبارة عن انطلاق المرأة ، فهذا ما يتعلق بتفسير لفظ الآية. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 6 صـ 70}\rوقال ابن عاشور : \rوعَزم الطلاق : التصميم عليه ، واستقرار الرأي فيه بعد التأمل وهو شيء لا يحصل لكل مُولٍ من تلقاء نفسه ، وخاصة إذا كان غالب القصد من الإيلاء المغاضبة والمضارة ، فقوله : {وإن عزموا الطلاق} دليل على شرط محذوف ، دل عليه قوله : {فإن فاءو} فالتقدير : وإن لم يفيئوا فقد وجب عليهم الطلاق ، فهم بخير النظرين بين أن يفيئوا أو يطلقوا فإن عزموا الطلاق فقد وقع طلاقهم.\rوقوله {فإن الله سميع عليم} دليل الجواب ، أي فقد لزمهم وأمضى طلاقهم ، فقد حد الله للرجال في الإيلاء أجلاً محدوداً ، لا يتجاوزونه ، فإما أن يعودوا إلى مضاجعة أزواجهم ، وإما أن يطلقوا ، ولا مندوحة لهم غير هذين. أ هـ {التحرير والتنوير حـ 2 صـ 386}\rفائدة\rقوله تعالى : {وَإِنْ عَزَمُواْ الطلاق فَإِنَّ الله سَمِيعٌ عَلِيمٌ}.\rقال ابن عرفة : جواب الشرط مقدر ، أي ارتفع حكم الإيلاء ( عنهم ).\rقال الزمخشري : فإن قلت : العزم من أعمال القلب فيكف عقبه بالسّمع وهو من لوازم الأقوال لا الأفعال.\rقال ابن عرفة : وهذا ( السؤال ) لا يوافق أصله فإنه يرد صفة السمع لصفة العلم فلا فرق عنده بين السميع والعليم وأيضا فهو ينفي الكلام النفسي.\rوأجاب الزمخشري : بأنّ العازم على الطلاق لا يخلو من مقاولة ودمدمة.","part":6,"page":219},{"id":2381,"text":"وأجاب ابن عرفة : بأنا ( نثبت ) الكلام النفسي ، ويصح عندنا سماعه كما سمع موسى كلام الله القديم الأزلي ، وليس بصوت ولا حرف ، أو يقال : إنّ العزم على الطلاق له اعتباران : \rاعتبار في نفس الأمر عند الله تعالى ، واعتبار في الظاهر لنا بالحكم الشرعي من حيث يرتفع له حكم الإيلاء عن صاحبه ، ويخرج عن عهدة الحكم عليه ، فهو بهذا الاعتبار لا يعلم إلا بأمارة وقول يدل عليه ، وذلك القول مسموع فعلق به السمع بهذا الاعتبار والعلم باعتبار الأول. أ هـ {تفسير ابن عرفة صـ 293}\rفائدة\rقال الإمام الجصاص : \rوَاحْتَجَّ مَنْ قَالَ بِالْوَقْفِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى : {وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلَاقَ فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ} أَنَّهُ لَمَّا قَالَ \" سَمِيعٌ عَلِيمٌ \" دَلَّ عَلَى أَنَّ هُنَاكَ قَوْلًا مَسْمُوعًا وَهُوَ الطَّلَاقُ.\rقَالَ أَبُو بَكْرٍ : وَهَذَا جَهْلٌ مِنْ قَائِلِهِ ، مِنْ قِبَلِ أَنَّ السَّمِيعَ لَا يَقْتَضِي مَسْمُوعًا ؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَمْ يَزَلْ سَمِيعًا وَلَا مَسْمُوعَ.\rوَأَيْضًا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : {وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ} وَلَيْسَ هُنَاكَ قَوْلٌ ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : {لَا تَتَمَنَّوْا لِقَاءَ الْعَدُوِّ ، فَإِذَا لَقِيتُمُوهُمْ فَاثْبُتُوا وَعَلَيْكُمْ بِالصَّمْتِ} وَأَيْضًا جَائِزٌ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ رَاجِعًا إلَى أَوَّلِ الْكَلَامِ ، وَهُوَ قَوْله تَعَالَى {لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ} فَأَخْبَرَ أَنَّهُ سَامِعٌ لِمَا تَكَلَّمَ بِهِ عَلِيمٌ بِمَا أَضْمَرَهُ وَعَزَمَ عَلَيْهِ. أ هـ {أحكام القرآن للجصاص حـ 2 صـ 53}\rفوائد ولطائف\rقال العلامة أبو حيان ـ رحمه الله ـ : \rوفي قوله في هذا التقسيم : {فإن فاؤا} و{إن عزموا الطلاق} دليل على أن الفرقة التي تقع في الإيلاء لا تقع بمضي الأربعة الأشهر من غير قول ، بل لا بد من القول لقوله : عزموا الطلاق ، لأن العزم على فعل الشيء ليس فعلاً للشيء ، ويؤكده : {فإن الله سميع عليم} إذ لا يسمع إلاَّ الأقوال ، وجاءت هاتان الصفتان باعتبار الشرط وجوابه ، إذ قدرناه : فليوقعوه ، أي الطلاق ، فجاء : سميع ، باعتبار إيقاع الطلاق ، لأنه من باب المسموعات ، وهو جواب الشرط ، وجاء : عليم ، باعتبار العزم على الطلاق ، لأنه من باب النيات ، وهو الشرط ، ولا تدرك النيات إلاَّ بالعلم.\rوتأخر هذا الوصف لمؤاخاة رؤوس الآي ، ولأن العلم أعم من السمع ، فمتعلقه أعم ، ومتعلق السمع أخص ، وأبعد من قال : فإن الله سميع لإيلائه ، لبعد انتظامه مع الشرط قبله. وقال الزمخشري : فإن قلت ما تقول في قوله : فإن الله سميع عليم ؟ وعزمهم الطلاق مما لا يعلم ولا يسمع ؟ قلت : الغالب أن العازم للطلاق ، وترك الفيئة والفرار لا يخلو من مقارنة ودمدمة ، ولا بد من أن يحدث نفسه ويناجيها بذلك ، وذلك حديث لا يسمعه إلاَّ الله ، كما يسمع وسوسة الشيطان.\rانتهى كلامه.","part":6,"page":220},{"id":2382,"text":"وقد قدّمنا أن صفة السمع جاءت هنا لأن المعنى : وإن عزموا الطلاق أوقعوه ، أي : الطلاق ، والإيقاع لا يكون إلاَّ باللفظ ، فهو من باب المسموعات ، والصفة تتعلق بالجواب لا بالشرط ، فلا تحتاج إلى تأويل الزمخشري. أ هـ {البحر المحيط حـ 2 صـ 194}\rموعظة\rعلى العبد أن يعلم أن الله لا يضيع حق أحد من عباده لا على نفسه ولا على غيره فلما تقاصر لسان الزوجة لكونها أسيرة فى يد الزوج فالله تعالى تولى الأمر بمراعاة حقها فأمر الزوج بالرجوع إليها أو تسريحها فإذا كان حق صحبة الأشكال محفوظا عليك حتى لو أخللت به أخذك بحكمه فحق الحق أحق بأن يجب مراعاته. أ هـ {روح البيان حـ 1 صـ 435}. بتصرف يسير.\rفصل فى بعض الأحكام المتعلقة بالإيلاء\rقال الفخر : \rالمسألة الأولى : كل زوج يتصور منه الوقاع ، وكان تصرفه معتبراً في الشرع ، فإنه يصح منه الإيلاء ، وهذا القيد معتبر طرداً وعكساً.\rأما الطرد فهو أن كل من كان كذلك صح إيلاؤه ، ويتفرع عليه أحكام الأول : يصح إيلاء الذمي ، وهو قول أبي حنيفة رضي الله عنه ، وقال أبو يوسف ومحمد : لا يصح إيلاؤه بالله تعالى ويصح بالطلاق والعتاق لنا قوله تعالى : {لّلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِن نّسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ} وهذا العموم يتناول الكافر والمسلم.","part":6,"page":221},{"id":2383,"text":"الحكم الثاني : قال الشافعي رضي الله عنه : مدة الإيلاء لا تختلف بالرق والحرية فهي أربعة أشهر سواء كان الزوجان حرين أو رقيقين ، أو أحدهما كان حراً والآخر رقيقاً ، وعند أبي حنيفة ومالك رضي الله عنهما تتنصف بالرق ، إلا أن عند أبي حنيفة تتنصف برق المرأة ، وعند مالك برق الرجل ، كما قالا في الطلاق لنا إن ظاهر قوله تعالى : {لّلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِن نّسَائِهِمْ} يتناول الكل ، والتخصيص خلاف الظاهر ، لأن تقدير هذه المدة إنما كان لأجل معنى يرجع إلى الجبلة والطبع ، وهو قلة الصبر على مفارقة الزوج ، فيستوي فيه الحر والرقيق ، كالحيض ، ومدة الرضاع ومدة العنة.\rالحكم الثالث : يصح الإيلاء في حال الرضا والغضب ، وقال مالك : لا يصح إلا في حال الغضب لنا ظاهر هذه الآية.\rالحكم الرابع : يصح الإيلاء من المرأة سواء كانت في صلب النكاح ، أو كانت مطلقة طلقة رجعية ، بدليل أن الرجعية يصدق عليها أنها من نسائه ، بدليل أنه لو قال : نسائي طوالق ، وقع الطلاق عليها ، وإذا ثبت أنها من نسائه دخلت تحت الآية لظاهر قوله : {لّلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِن نّسَائِهِمْ}.\rأما عكس هذه القضية.\rوهو أن من لا يتصور منه الوقاع لا يصح إيلاؤه ، ففيه حكمان : \rالحكم الأول : إيلاء الخصي صحيح ، لأنه يجامع كما يجامع الفحل ، إنما المفقود في حقه الإنزال وذلك لا أثر له : ولأنه داخل تحت عموم الآية.\rالحكم الثاني : المجبوب إن بقي منه ما يمكنه أن يجامع به صح إيلاؤه وإن لم يبق ففيه قولان أحدهما : أنه لا يصح إيلاؤه وهو قول أبي حنيفة رضي الله عنه والثاني : أنه يصح لعموم هذه الآية ، لأن قصد المضارة باليمين قد حصل منه.\r","part":6,"page":222},{"id":2384,"text":"القيد الثاني : أن يكون زوجاً ، فلو قال لأجنبية : والله لا أجامعك ثم نكحها لم يكن مؤلياً لأن قوله تعالى : {لّلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِن نّسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ} يفيد أن هذا الحكم لهم لا لغيرهم ، كقوله : {لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِىَ دِينِ} [ الكافرون : 6 ] أي لكم لا لغيركم.\rالمسألة الثانية : المحلوف به والحلف إما أن يكون بالله أو بغيره ، فإن كان بالله كان مولياً ثم إن جامعها في مدة الإيلاء خرج عن الإيلاء ، وهل تجب كفارة اليمين فيه قولان : الجديد وهو الأصح ، وقول أبي حنيفة رضي الله عنه أنه تجب كفارة اليمين ، والقديم أنه إذا فاء بعد مضي المدة أو في خلال المدة فلا كفارة عليه ، حجة القول : والله لا أقربك ثم يقربها ، وبين أن يقول : والله لا أكلمك ثم يكلمها وحجة القول القديم قوله تعالى : {فَإِن فَآءوا فَإِنَّ الله غَفُورٌ رَّحِيمٌ} والاستدلال به من وجهين أحدهما : أن الكفارة لو كانت واجبة لذكرها الله ههنا ، لأن الحاجة ههنا داعية إلى معرفتها ، وتأخير البيان عن وقت الحاجة لا يجوز والثاني : أنه تعالى كما لم يذكر وجوب الكفارة نبه على سقوطها بقوله : {فَإِن فَآءوا فَإِنَّ الله غَفُورٌ رَّحِيمٌ} والغفران يوجب ترك المؤاخذة وللأولين أن يجيبوا فيقولوا : إنما ترك الكفارة ههنا لأنه تعالى بينها في القرآن وعلى لسان رسول الله صلى الله عليه وسلم في سائر المواضع.\r","part":6,"page":223},{"id":2385,"text":"أما قوله : {غَفُورٌ رَّحِيمٌ} فهو يدل على عدم العقاب ، لكن عدم العقاب لا ينافي وجوب الفعل ، كما أن التائب عن الزنا والقتل لا عقاب عليه ، ومع ذلك يجب عليه الحد والقصاص ، وأما إن كان الحلف في الإيلاء بغير الله كما إذا قال : إن وطئتك فعبدي حر ، أو أنت طالق ، أو ضرتك طالق ، أو ألزم أمراً في الذمة ، فقال : إن وطئتك فلله علي عتق رقبة ، أو صدقة ، أو صوم ، أو حج ، أو صلاة ، فهل يكون مولياً للشافعي رضي الله عنه فيه قولان : قال في القديم : لا يكون مولياً ، وبه قال أحمد في ظاهر الرواية دليله أن الإيلاء معهود في الجاهلية ، ثم قد ثبت أن معهود الجاهلية في هذا الباب هو الحلف بالله ، وأيضاً روي أنه صلى الله عليه وسلم قال : من حلف فليحلف بالله ، فمطلق الحلف يفهم منه الحلف بالله ، وقال في الجديد ، وهو قول أبي حنيفة ومالك وجماعة العلماء رحمهم الله أنه يكون مولياً لأن لفظ الإيلاء يتناول الكل ، وعلق القولين فيمينه منعقدة فإن كان قد علق به عتقاً أو طلاقاً ، فإذا وطئها يقع ذلك المتعلق ، وإن كان المعلق به التزام قربة في الذمة فعليه ما في نذر اللجاج ، وفيه أقوال أصحها : أن عليه كفارة اليمين والثاني : عليه الوفاء بما سمى ، والثالث : أنه يتخير بين كفارة اليمين وبين الوفاء بما سمى ، وفائدة هذين القولين أنا إن قلنا إنه يكون مولياً فبعد مضي أربعة أشهر يضيق الأمر عليه حتى يفيء أو يطلق وإن قلنا : لا يكون مولياً لا يضيق عليه الأمر.\r","part":6,"page":224},{"id":2386,"text":"المسألة الثالثة : اختلفوا في مقدار مدة الإيلاء على أقوال فالأول : قول ابن عباس أنه لا يكون مولياً حتى يحلف على أن لا يطأها أبداً والثاني : قول الحسن البصري وإسحق : إن أي مدة حلف عليها كان مولياً وإن كانت يوماً ، وهذان المذهبان في غاية التباعد والثالث : قول أبي حنيفة والثوري أنه لا يكون مولياً حتى يحلف على أنه لا يطأها أربعة أشهر أو فيما زاد والرابع : قول الشافعي وأحمد ومالك رضي الله عنهم : إنه لا يكون موالياً حتى تزيد المدة على أربعة أشهر وفائدة الخلاف بين أبي حنيفة والشافعي رضي الله عنهما أنه إذا آلى منها أكثر من أربعة أشهر أجل أربعة ، وهذه المدة تكون حقاً للزوج ، فإذا مضت تطالب المرأة الزوج بالفيئة أو بالطلاق ، فإن امتنع الزوج منهما طلقها الحاكم عليه ، وعن أبي حنيفة : إذا مضت أربعة أشهر يقع الطلاق بنفسه. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 6 صـ 72}\r( فروع ) تتعلق بحكم الآية : \r( الفرع الأول ) : إذا حلف أنه لا يقرب زوجته أبداً أو مدة هي أكثر من أربعة أشهر فهو مول ، فإذا مضت أربعة أشهر ، يوقف الزوج ، ويؤمر بالفيء وهو الرجوع أو الطلاق ، وذلك بعد مطالبة الزوجة فإن رجع عما قال بالوطء إن قدر عليه أو بالقول مع العجز عنه ، فإن لم يفيء ولم يطلق طلق عليه الحاكم واحدة ، وهو قول عمر وعثمان وأبي الدرداء وابن عمر ، قال سليمان بن يسار : أدركت بضعة عشر من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم كلهم يقول : يوقف المولي. وذهب إليه سعيد بن جبير وسليمان بن يسار ومجاهد. وبه قال مالك والشافعي وأحمد وإسحاق ، وقال ابن عباس وابن مسعود : إذا مضت مدة أربعة أشهر يقع عليها طلقة بائنة. وبه قال سفيان الثوري وأبو حنيفة وقال سعيد بن المسيب والزهري : يقع عليها طلقة رجعية.\r( الفرع الثاني ) : لو حلف أن لا يطأها أقل من أربعة أشهر ، فليس بمول بل هو حالف فإن وطئها قبل مضي المدة لزمه كفارة يمين.","part":6,"page":225},{"id":2387,"text":"( الفرع الثالث ) : لو حلف أن لا يطأها أربعة أشهر ، فليس بمول بعد مضي المدة عند الشافعي لأن بقاء المدة شرط للوقوف ، وثبوت المطالبة بالفيء أو الطلاق ، وقد مضت المدة ، وعند أبي حنيفة يكون مولياً ويقع الطلاق بمضي المدة.\r( الفرع الرابع ) : مدة الإيلاء أربعة أشهر في حق الحر والعبد ، جميعاً عند الشافعي لأنها مدة ضربت لمعنى يرجع إلى الطبع وهو قلة صبر المرأة عن الزوج فيستوي فيه الحر والعبد كمدة العنة وعن مالك وأبي حنيفة تتنصف مدة الإيلاء بالرق غير أن عند أبي حنيفة تنتصف مدة الإيلاء برق المرأة ، وعند مالك برق الزوج كما في الطلاق.\r( الفرع الخامس ) : إذا وطئ خرج من الإيلاء ويجب عليه كفارة يمين ، وهذا قول أكثر العلماء وقيل : لا كفارة عليه لأن الله تعالى وعده المغفرة فقال : {فإن فاؤوا فإن الله غفور رحيم} ومن قال : بوجوب الكفارة عليه ، قال : ذلك في إسقاط العقوبة عنه لا في الكفارة. أ هـ {تفسير الخازن حـ 1 صـ 152}","part":6,"page":226},{"id":2388,"text":"قوله تعالى : {وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ وَلَا يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللَّهُ فِي أَرْحَامِهِنَّ إِنْ كُنَّ يُؤْمِنَّ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ إِنْ أَرَادُوا إِصْلَاحًا وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (228)}\rمناسبة الآية لما قبلها\rقال البقاعى :\rولما ختم آيتي الإيلاء بالطلاق بين عدته فقال : - وقال الحرالي : لما ذكر تربص الزوج - سبحانه وتعالى في أمر الطلاق الذي هو أمانته ذكر تربص المرأة في أمر العدة التي هي أمانتها ؛ انتهى - فقال : {والمطلقات} أي المدخول بهن بما أفهمه الإيلاء من أن الكلام فيهن غير الحوامل لأن عدتهن بالولادة وغير ذوات الأشهر لصغر أن كبر. ولما أريد التأكيد لأمرهن بالعدة سبق بعد تأكيده ببنائه على المبتدأ في صيغة الخبر الذي من شأنه أن يكون قد وجد وانقضى إيماء إلى المسارعة إلى امتثاله فقيل : {يتربصن} أي ينتظرن اعتداداً.\rولما كانت النفس داعية إلى الشهوات لا سيما أنفس النساء إلى الرجال وكان التربص عاماً في النفس بالعقد لزوج آخر وفي التعرض له باكتحال وتزين وتعريض بكلام مع البينونة وبغير ذلك خص الأول معبراً لها بالنفس هزاً إلى الاحتياط في كمال التربص والاستحياء مما يوهم الاستعجال فقال : {بأنفسهن} فلا يطمعنها في مواصلة رجل قبل انقضاء العدة.","part":6,"page":227},{"id":2389,"text":"ولما كان القرء مشتركاً بين الطهر والحيض وكان الأقراء مشتركاً بين جمع كل منهما وكان الطهر مختصاً عند جمع من أهل اللغة بأن يجمع على قروء كان مذكراً يؤنث عدده وكانت الحيضة مؤنثة يذكر عددها دل على أن المراد الإظهار بما يخصه من الجمع وبتأنيث عدده فقال ذاكراً ظرف التربص : {ثلاثة قروء} أي جموع من الدم وسيأتي في أول سورة الحجر أن هذه المادة بأي ترتيب كان تدور على الجمع وأن المراد بالقروء الأطهار لأنها زمن جمع الدم حقيقة ، وأما زمن الحيض فإنما يسمى بذلك لأنه سبب تحقق الجمع ، والمشهور من كلام أهل اللغة أن جمع القرء بمعنى الطهر أقراء وقروء ، وأن جمعه إذا أطلق على الحيض أقراء فقط ؛ وذلك لأن المادة لما كانت للجمع كانت أيام الطهر هي المتحققة بذلك وكان جمع الكثرة أعرف في الجمع كان بالطهر أولى.\rوقال الحرالي : قروء جمع قرء وهو الحد الفاصل بين الطهر والحيض الذي يقبل الإضافة إلى كل واحد منهما ، ولذلك ما تعارضت في تفسير لغته تفاسير اللغويين واختلف في معناه أقوال العلماء لخفاء معناه بما هو حد بين الحالين كالحد الفاصل بين الظل والشمس فالقروء الحدود ، وذلك حين تطلق المرأة لقبل عدتها في طهر لم تمس فيه ليطلقها على ظهور براءة من علقتهما لئلا يطلق ما لم تنطلق عنه ، فإذا انتهى الطهر وابتدأ الحيض كان ما بينهما قرءاً لأن القرء استكمال جمع الحيض حين يتعفن فما لم ينته إلى الخروج لم يتم قرءاً ، فإذا طهرت الطهر الثاني وانتهى إلى الحيض كانا قرءين ، فإذا طهرت الطهر الثالث وانتهى إلى الحيض شاهد كمال القرء كان ثلاثة أقراء ، فلذلك يعرب معناه عن حل المرأة عند رؤيتها الدم من الحيضة الثالثة لتمام عدة الأقراء الثلاثة ، فيوافق معنى من يفسر القرء بالطهر ويكون أقرب من تفسيره بالحيض فأمد الطهر ظاهراً هو أمد الاستقراء للدم باطناً فيبعد تفسيره بالحيض عما هو تحقيقه من معنى الحد بعداً ما - انتهى. أ هـ {نظم الدرر حـ 1 صـ 427 ـ 428}","part":6,"page":228},{"id":2390,"text":"قال الفخر : \rاعلم أنه تعالى ذكر في هذا الموضع أحكاماً كثيرة للطلاق : \rفالحكم الأول للطلاق وجوب العدة : اعلم أن المطلقة هي المرأة التي أوقع الطلاق عليها ، وهي إما أن تكون أجنبية أو منكوحة ، فإن كانت أجنبية فإذا أوقع الطلاق عليها فهي مطلقة بحسب اللغة ، لكنها غير مطلقة بحسب عرف الشرع ، والعدة غير واجبة عليها بالإجماع ، وأما المنكوحة فهي إما أن تكون مدخولاً بها أو لا تكون ، فإن لم تكن مدخولاً بها لم تجب العدة عليها ، قال الله تعالى : {إِذَا نَكَحْتُمُ المؤمنات ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِن قَبْلِ أَن تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا} [ الأحزاب : 49 ] وأما إن كانت مدخولاً بها فهي إما أن تكون حائلاً أو حاملاً ، فإن كانت حاملاً فعدتها بوضع الحمل لا بالإقراء قال الله تعالى : {وأولات الأحمال أَجَلُهُنَّ أَن يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ} [ الطلاق : 4 ] وأما إن كانت حائلاً فأما أن يكون الحيض ممكناً في حقها أو لا يكون فإن امتنع الحيض في حقها إما للصغر المفرط ، أو للكبر المفرط كانت عدتها بالأشهر لا بالإقراء ، قال الله تعالى : {واللائى يَئِسْنَ مِنَ المحيض} [ الطلاق : 4 ] وأما إذا كان الحيض في حقها ممكناً فإما أن تكون رقيقة ، وإما أن تكون حرة ، فإن كانت رقيقة كانت عدتها بقرأين لا بثلاثة ، أما إذا كانت المرأة منكوحة ، وكانت مطلقة بعد الدخول ، وكانت حائلاً ، وكانت من ذوات الحيض وكانت حرة ، فعند اجتماع هذه الصفات كانت عدتها بالإقراء الثلاثة على ما بين الله حكمها في هذه الآية. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 6 صـ 73 ـ 74}\rقال الماوردى : \r","part":6,"page":229},{"id":2391,"text":"قوله عز وجل : {وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ ثَلاَثَةَ قُرُوءٍ} يعني المخليات ، والطلاق : التخلية كما يقال للنعجة المهملة بغير راع : طالق ، فسميت المرأة المَخْلي سبيلها بما سميت به النعجة المهمل أمرها ، وقيل إنه مأخوذ من طلق الفرس ، وهو ذهابه شوطاً لا يمنع ، فسميت المرأة المُخْلاَةُ طالقاً لأنها لا تمنع من نفسها بعد أن كانت ممنوعة ، ولذلك قيل لذات الزوج إنها في حباله لأنها كالمعقولة بشيء ، وأما قولهم طَلَقَتْ المرأة فمعناه غير هذا ، إنما يقال طَلَقَتْ المرأة إذا نَفَسَتْ ، هذا من الطلْق وهو وجع الولادة ، والأول من الطَّلاَقِ. أ هـ {النكت والعيون حـ 1 صـ 290}\rقال ابن عاشور : \rوجملة {والمطلقات يتربصن} خبرية مراد بها الأمر ، فالخبر مستعمل في الإنشاء وهو مجاز فيجوز جعله مجازاً مرسلاً مركباً ، باستعمال الخبر في لازم معناه ، وهو التقرر والحصول ، وهو الوجه الذي اختاره التفتازاني في قوله تعالى : {أفمن حق عليه كلمة العذاب أفأنت تنقذ من في النار} [ الزمر : 19 ] بأن يكون الخبر مستعملاً في المعنى المركب الإنشائي ، بعلاقة اللزوم بين الأمر مثلاً كما هنا وبين الامتثال ، حتى يقدر المأمور فاعلاً فيخبر عنه ويجوز جعله مجازاً تمثيلياً كما اختاره الزمخشري في هذه الآية إذ قال : \"فكأنهن امتثلن الأمر بالتربص فهو يخبر عنه موجوداً ، ونحوه قولهم في الدعاء : رحمه الله ثقة بالاستجابة\" قال التفتازاني : فهو تشبيه ما هو مطلوب الوقوع بما هو محقق الوقوع في الماضي كما في قول الناس : رحمه الله ، أو في المستقبل ، أو الحال ، كما في هذه الآية.\rقلت : وقد تقدم في قوله تعالى : {فلا رفث ولا فسوق ولا جدال في الحج} [ البقرة : 197 ] وأنه أُطلق المركب الدال على الهيئة المشبه بها على الهيئة المشبهة.\rوالتعريف في ( المطلقات ) تعريف الجنس ، وهو مفيد للاستغراق ، إذ لا يصلح لغيره هنا.","part":6,"page":230},{"id":2392,"text":"وهو عام في المطلقات ذوات القروء بقرينة قوله : {يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء} ، إذ لا يتصور ذلك في غيرهن ، فالآية عامة في المطلقات ذوات القروء ، وليس هذا بعام مخصوص في هذه ، بمتصل ولا بمنفصل ، ولا مراد به الخصوص ، بل هو عام في الجنس الموصوف بالصفة المقدرة التي هي من دلالة الاقتضاء ، فالآية عامة في المطلقات ذوات القروء ، وهي مخصصة بالحرائر دون الإماء ، فأخرجت الإماء بما ثبت في السنة أن عدة الأمة حيضتان ، رواه أبو داود والترمذي ، فهي شاملة لجنس المطلقات ذوات القروء ، ولا علاقة لها بغيرهن من المطلقات ، مثل المطلقات اللاتي لسن من ذوات القروء ، وهن النساء اللاتي لم يبلغن سن المحيض ، والآيسات من المحيض ، والحوامل ، وقد بين حكمهن في سورة الطلاق ، إلاّ أنها يخرج عن دلالتها المطلقات قبل البناء من ذوات القروء ، فهن مخصوصات من هذا العموم بقوله تعالى : {يا أيها الذين آمنوا إذا نكحتم المؤمنات ثم طلقتموهن من قبل أن تمسوهن فما لكم عليهن من عدة تعتدونها} [ الأحزاب : 49 ] فهي في ذلك عام مخصوص بمخصص منفصل.\rوقال المالكية والشافعية : إنها عام مخصوص منه الأصناف الأربعة بمخصصات منفصلة ، وفيه نظر فيما عدا المطلقة قبل البناء ، وهي عند الحنفية عام أريد به الخصوص بقرينة ، أي بقرينة دلالة الأحكام الثابتة لتلك الأصناف.\rوإنما لجأُوا إلى ذلك لأنهم يرون المخصص المنفصل ناسخاً ، وشرط النسخ تقرر المنسوخ ، ولم يثبت وقوع الاعتداد في الإسلام بالأقراء لكل المطلقات.\rوالحق أن دعوى كون المخصص المنفصل ناسخاً ، أصلٌ غيرُ جدير بالتأصيل ؛ لأن تخصيص العام هو وروده مُخْرَجاً منه بعض الأفراد بدليلٍ ، فإن مجيء العمومات بعد الخصوصات كثير ، ولا يمكن فيه القول بنسخ العام للخاص لظهور بطلانه ولا بنسخ الخاص للعام لظهور سبقه ، والناسخ لا يسبق وبعد ، فمهما لم يقع عمل بالعموم فالتخصيص ليس بنسخ.\r","part":6,"page":231},{"id":2393,"text":"و{يتربصن بأنفسهن} أي يتلبثن وينتظرن مرور ثلاثة قروء ، وزيد {بأنفسهن} تعريضاً بهن ، بإظهار حالهن في مظهر المستعجلات ، الراميات بأنفسهن إلى التزوج ، فلذلك أُمِرْن أن يتربصن بأنفسهن ، أي يمسكنهن ولا يرسلنهن إلى الرجال.\rقال في \"الكشاف\" : \"ففي ذكر الأنفس تهييج لهن على التربص وزيادة بعث ؛ لأن فيه ما يستنكفن منه فيحملهن على أن يتربصن\". أ هـ {التحرير والتنوير حـ 2 صـ 388 ـ 390}\rوقال القرطبى : \rقوله تعالى : {يَتَرَبَّصْنَ} التربص الانتظار ؛ على ما قدّمناه. وهذا خبر والمراد الأمر ؛ كقوله تعالى : {والوالدات يُرْضِعْنَ أَوْلاَدَهُنَّ} [ البقرة : 233 ] وجمع رجل عليه ثيابه ، وحسبك درهم ، أي اكتف بدرهم ؛ هذا قول أهل اللسان من غير خلاف بينهم فيما ذكر ابن الشجريّ. ابن العربيّ : وهذا باطل ، وإنما هو خبر عن حكم الشرع ؛ فإن وجدت مطلقة لا تتربص فليس من الشرع ، ولا يلزم من ذلك وقوع خبر الله تعالى على خلاف مخبره.\rوقيل : معناه ليتربصن ، فحذف اللام. أ هـ {تفسير القرطبى حـ 3 صـ 113}\rأسئلة وأجوبة للإمام فخر الدين الرازى\rقال رحمه الله : \rوفي الآية سؤالات : \rالسؤال الأول : العام إنما يحسن تخصيصه إذا كان الباقي بعد التخصيص أكثر من حيث أنه جرت العادة بإطلاق لفظ الكل على الغالب ، يقال في الثوب : إنه أسود إذا كان الغالب عليه السواد ، أو حصل فيه بياض قليل ، فأما إذا كان الغالب عليه البياض ، وكان السواد قليلاً ، كان انطلاق لفظ الأسود عليه كذباً ، فثبت أن الشرط في كون العام مخصوصاً أن يكون الباقي بعد التخصيص أكثر ، وهذه الآية ليست كذلك فإنكم أخرجتم من عمومها خمسة أقسام وتركتم قسماً واحداً ، فإطلاق لفظ العام في مثل هذا الموضع لا يليق بحكمة الله تعالى.","part":6,"page":232},{"id":2394,"text":"والجواب : أما الأجنبية فخارجة عن اللفظ فإن الأجنبية لا يقال فيها : إنها مطلقة ، وأما غير المدخول بها فالقرينة تخرجها لأن المقصود من العدة براءة الرحم ، والحاجة إلى البراءة لا تحصل إلا عند سبق الشغل ، وأما الحامل والآيسة فهما خارجتان عن اللفظ لأن إيجاب الاعتداد بالإقراء إنما يكون حيث تحصل الإقراء ، وهذان القسمان لم تحصل الإقراء في حقهما ، وأما الرقيقة فتزويجها كالنادر فثبت أن الأعم الأغلب باق تحت هذا العموم.\rالسؤال الثاني : قوله : {يَتَرَبَّصْنَ} لا شك أنه خبر ، والمراد منه الأمر فما الفائدة في التعبير عن الأمر بلفظ الخبر.\rوالجواب من وجهين : الأول : أنه تعالى لو ذكره بلفظ الأمر لكان ذلك يوهم أنه لا يحصل المقصود إلا إذا شرعت فيها بالقصد والاختيار ، وعلى هذا التقدير فلو مات الزوج ولم تعلم المرأة ذلك حتى انقضت العدة وجب أن لا يكون ذلك كافياً في المقصود ، لأنها لما كانت مأمورة بذلك لم تخرج عن العهدة إلا إذا قصدت أداء التكليف ، أما لما ذكر الله تعالى هذا التكليف بلفظ الخبر زال ذلك الوهم ، وعرف أنه مهماً انقضت هذه العدة حصل المقصود ، سواء علمت ذلك أو لم تعلم وسواء شرعت في العدة بالرضا أو بالغضب الثاني : قال صاحب \"الكشاف\" : التعبير عن الأمر بصيغة الخبر يفيد تأكيد الأمر إشعاراً بأنه مما يجب أن يتعلق بالمسارعة إلى امتثاله ، فكأنهن امتثلن الأمر بالتربص فهو يخبر عنه موجوداً ، ونظيره قولهم في الدعاء : رحمك الله أخرج في صورة الخبر ثقة بالإجابة كأنها وجدت الرحمة فهو يخبر عنها.\rالسؤال الثالث : لو قال يتربص المطلقات : لكان ذلك جملة من فعل وفاعل ، فما الحكمة في ترك ذلك ، وجعل المطلقات مبتدأ ، ثم قوله : {يتربصن} إسناد الفعل إلى الفاعل ، ثم جعل هذه الجملة خبراً عن ذلك المبتدأ.\r","part":6,"page":233},{"id":2395,"text":"الجواب : قال الشيخ عبد القاهر الجرجاني في كتاب \"دلائل الإعجاز\" : إنك إذا قدمت الاسم فقلت : زيد فعل فهذا يفيد من التأكيد والقوة ما لا يفيده قولك : فعل زيد ، وذلك لأن قولك : زيد فعل يستعمل في أمرين أحدهما : أن يكون لتخصيص ذلك الفاعل بذلك الفعل ، كقولك : أنا أكتب في المهم الفلاني إلى السلطان ، والمراد دعوى الإنسان الانفراد الثاني : أن لا يكون المقصود ذلك ، بل المقصود أن تقديم ذكر المحدث عنه بحديث كذا لإثبات ذلك الفعل ، كقولهم : هو يعطي الجزيل لا يريد الحصر ، بل أن يحقق عند السامع أن إعطاء الجزيل دأبه ومثله قوله تعالى : {والذين يَدْعُونَ مِن دُونِ الله لاَ يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقون} [ النحل : 20 ] ليس المراد تخصيص المخلوقية وقوله تعالى : {وَإِذَا جَاءوكُمْ قَالُواْ ءَامَنَّا وَقَدْ دَّخَلُواْ بالكفر وَهُمْ قَدْ خَرَجُواْ بِهِ} [ المائدة : 61 ] وقول الشاعر : \rهما يلبسان المجد أحسن لبسة.. شجيعان ما اسطاعا عليه كلاهما\rوالسبب في حصول هذا المعنى عند تقديم ذكر المبتدأ أنك إذا قلت : عبد الله ، فقد أشعرت بأنك تريد الأخبار عنه ، فيحصل في العقل شوق إلى معرفة ذلك فإذا ذكرت ذلك الخبر قبله العقل قبول العاشق لمعشوقه ، فيكون ذلك أبلغ في التحقيق ونفي الشبهة.\rالسؤال الرابع : هلا قيل : يتربصن ثلاثة قروء كما قيل : {تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ} [ البقرة : 226 ] وما الفائدة في ذكر الأنفس.\rالجواب : في ذكر الأنفس تهييج لهن على التربص وزيادة بعث ، لأن فيه ما يستنكفن منه فيحملهن على أن يتربصن ، وذلك لأن أنفس النساء طوامح إلى الرجال فأراد أن يقمعن أنفسهن ويغلبنها على الطموح ويخبرنها على التربص.\rالسؤال الخامس : لفظ ( أنفس ) جمع قلة ، مع أنهن نفوس كثيرة ، والقروء جمع كثرة ، فلم ذكر جمع الكثرة مع أن المراد هذه القروء الثلاثة وهي قليلة.\r","part":6,"page":234},{"id":2396,"text":"والجواب : أنهم يتسعون في ذلك فيستعملون كل واحد من الجمعين مكان الآخر لاشتراكهما في معنى الجمعية ، أو لعل القروء كانت أكثر استعمالاً في جمع قرء من الإقراء.\rالسؤال السادس : لم لم يقل : ثلاث قروء ، كما يقال : ثلاثة حيض.\rالجواب : لأنه أتبع تذكير اللفظ ولفظ القروء مذكر فهذا ما يتعلق بالسؤالات في هذه الآية. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 6 صـ 74 ـ 75}\rفصل\rقال الإمام الفخر : \rالقروء جمع قرء وقرء ، ولا خلاف أن اسم القرء يقع على الحيض والطهر ، قال أبو عبيدة : الإقراء من الأضداد في كلام العرب ، والمشهور أنه حقيقة فيهما كالشفق اسم للحمرة والبياض جميعاً ، وقال آخرون إنه حقيقة في الحيض ، مجاز في الطهر ، ومنهم من عكس الأمر ، وقال قائلون : إنه موضوع بحيثية معنى واحد مشترك بين الحيض والطهر ، والقائلون بهذا القول اختلفوا على ثلاثة أقوال فالأول : أن القرء هو الاجتماع ، ثم في وقت الحيض يجتمع الدم في الرحم ، وفي وقت الطهر يجتمع الدم في البدن ، وهو قول الأصمعي والأخفش والفراء والكسائي.\rوالقول الثاني : وهو قول أبي عبيد : أنه عبارة عن الانتقال من حالة إلى حالة.\rوالقول الثالث : وهو قول أبي عمرو بن العلاء : أن القرء هو الوقت ، يقال : أقرأت النجوم إذا طلعت ، وأقرأت إذا أفلت ، ويقال : هذا قارىء الرياح لوقت هبوبها ، وأنشدوا للهذلي : \r","part":6,"page":235},{"id":2397,"text":"إذا هبت لقارئها الرياح.. وإذا ثبت أن القرء هو الوقت دخل فيه الحيض والطهر ، لأن لكل واحد منهما وقتاً معيناً ، واعلم أنه تعالى أمر المطلقة أن تعتد بثلاثة قروء ، والظاهر يقتضي أنها إذا اعتدت بثلاثة أشياء تسمى ثلاثة أقراء إن تخرج عن عهدة التكليف ، إلا أن العلماء أجمعوا على أنه لا يكفي ذلك ، بل عليها أن تعتد بثلاثة أقراء من أحد الجنسين ، واختلفوا فيه فمذهب الشافعي رضي الله عنه أنها الأطهار ، روي ذلك عن ابن عمر ، وزيد ، وعائشة ، والفقهاء السبعة ، ومالك ، وربيعة ، وأحمد رضي الله عنهم في رواية ، وقال علي وعمر وابن مسعود هي الحيض ، وهو قول أبي حنيفة ، والثوري والأوزاعي وابن أبي ليلى ، وابن شبرمة ، وإسحاق رضي الله عنهم ، وفائدة الخلاف أن مدة العدة عند الشافعي أقصر ، وعندهم أطول ، حتى لو طلقها في حال الطهر يحسب بقية الطهر قرءاً وإن حاضت عقيبه في الحال ، فإذا شرعت في الحيضة الثالثة انقضت عدتها ، وعند أبي حنيفة رضي الله عنه ما لم تطهر من الحيضة الثالثة إن كان الطلاق في حال الطهر ، ومن الحيضة الرابعة إن كان في حال الحيض لا يحكم بانقضاء عدتها ، ثم قال إذا طهرت لأكثر الحيض تنقضي عدتها قبل الغسل وإن طهرت لأقل الحيض لم تنقض عدتها حتى تغتسل أو تتيمم عند عدم الماء ، أو يمضي عليها وقت صلاة. أ هـ\rثم ذكر الإمام الفخر ـ رحمه الله ـ حجج كل فريق ثم عقب على ذلك بقوله : \rواعلم أن عند تعارض هذه الوجوه تضعف الترجيحات ، ويكون حكم الله في حق الكل ما أدى اجتهاده إليه. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 6 صـ 75 ـ 78} باختصار يسير.\rوقال ابن عاشور : \rومرجِع النظر عندي في هذا إلى الجمع بين مقصدي الشارع من العدة وذلك أن العدة قصد منها تحقق براءة رحم المطلقة من حمل المطلق ، وانتطارُ الزوج لعله أن يرجع.\rفبراءة الرحم تحصل بحيضة أو طهر واحد ، وما زاد عليه تمديد في المدة انتظاراً للرجعة.\r","part":6,"page":236},{"id":2398,"text":"فالحيضة الواحدة قد جعلت علامة على براءة الرحم ، في استبراء الأمة في انتقال الملك ، وفي السبايا ، وفي أحوال أخرى ، مختلفاً في بعضها بين الفقهاء ، فتعين أن ما زاد على حيض واحد ليس لتحقق عدم الحمل ، بل لأن في تلك المدة رفقاً بالمطلق ، ومشقة على المطلقة ، فتعارض المقصدان ، وقد رجح حق المطلق في انتظاره أمداً بعد حصول الحيضة الأولى وانتهائها ، وحصول الطهر بعدها ، فالذين جعلوا القروء أطهاراً راعوا التخفيف عن المرأة ، مع حصول الإمهال للزوج ، واعتضدوا بالأثر.\rوالذين جعلوا القروء حيضات زادوا للمطلق إمهالاً ؛ لأن الطلاق لا يكون إلاّ في طهر عند الجميع ، كما ورد في حديث عمر بن الخطاب في الصحيح ، واتفقوا على أن الطهر الذي وقع الطلاق فيه معدود في الثلاثة القروء.\rوقروء صيغة جمع الكثرة ، استعمل في الثلاثة ، وهي قلة توسعاً ، على عاداتهم في الجموع أنها تتناوب ، فأوثر في الآية الأخف مع أمن اللبس بوجود صريح العدد.\rوبانتهاء القروء الثلاثة تنقضي مدة العدة ، وتبِين المطلقة الرجعية من مفارقها ، وذلك حين ينقضي الطهر الثالث وتدخل في الحيضة الرابعة ، قال الجمهور : إذا رأت أول نقطة الحيضة الثالثة خرجت من العدة ، بعد تحقق أنه دم الحيض. أ هـ {التحرير والتنوير حـ 2 صـ 391}\rقوله تعالى : {وَلَا يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللَّهُ فِي أَرْحَامِهِنَّ إِنْ كُنَّ يُؤْمِنَّ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ}\rالمناسبة\rقال البقاعى : \r","part":6,"page":237},{"id":2399,"text":"ولما كان النكاح أشهى ما إلى الحيوان وكان حبك للشيء يعمي ويصم وكان النساء أرغب في ذلك مع ما بهن من النقص في العقل والدين فكان ذلك ربما حملهن على كتم ولد لإرادة زوج آخر تقصيراً للعدة وإلحاقاً للولد به ، أو حيض لرغبة في رجعة المطلق قال سبحانه وتعالى : {ولا يحل لهن} أي المطلقات {أن يكتمن ما خلق الله} أي الذي له الأمر كله من ولد أو دم {في أرحامهن} جمع رحم. قال الحرالي : وهو ما يشتمل على الولد من أعضاء التناسل يكون فيه تخلقه من كونه نطفة إلى كونه خلقا آخر - انتهى. وليس فيه دليل على أن الحمل يعلم ، إنما تعلم أماراته.\rولما كان معنى هذا الإخبار النهي ليكون نافياً للحل بلفظه مثبتاً للحرمة بمعناه تأكيداً له فكان التقدير : ولا يكتمن ، قال مرغباً في الامتثال مرهباً من ضده : {إن كنّ يؤمن بالله} أي الذي له جميع العظمة {واليوم الآخر} الذي تظهر فيه عظمته أتم ظهور ويدين فيه العباد بما فعلوا ، أي فإن كتمن شيئاً من ذلك دل على عدم الإيمان. وقال الحرالي : ففي إشعاره إثبات نوع نفاق على الكاتمة ما في رحمها ؛ انتهى - وفيه تصرف. أ هـ {نظم الدرر حـ 1 صـ 428 ـ 429}\rقال الفخر : ","part":6,"page":238},{"id":2400,"text":"أما قوله تعالى : {وَلاَ يَحِلُّ لَهُنَّ أَن يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ الله فِى أَرْحَامِهِنَّ} فاعلم أن انقضاء العدة لما كان مبنياً على انقضاء القرء في حق ذوات الأقراء ، وضع الحمل في حق الحامل ، وكان الوصول إلى علم ذلك للرجال متعذراً جعلت المرأة أمينة في العدة ، وجعل القول قولها إذا ادعت انقضاء قرئها في مدة يمكن ذلك فيها ، وهو على مذهب الشافعي رضي الله عنه اثنان وثلاثون يوماً وساعة ، لأن أمرها يحمل على أنها طقلت طاهرة فحاضت بعد سعة ، ثم حاضت يوماً وليلة وهو أقل الحيض ، ثم طهرت خمسة عشر يوماً وهو أقل الطهر ، مرة أخرى يوماً وليلة ، ثم طهرت خمسة عشر يوماً ، ثم رأت الدم فقد انقضت عدتها بحصول ثلاثة أطهار ، فمتى ادعت هذا أو أكثر من هذا قبل قولها ، وكذلك إذا كانت حاملاً فادعت أنها أسقطت كان القول قولها ، لأنها على أصل أمانتها. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 6 صـ 78 ـ 79}\rوقال ابن عاشور : \rوقوله تعالى : {ولا يحل لهن أن يكتمن ما خلق الله في أرحامهن} إخبار عن انتفاء إباحة الكتمان ، وذلك مقتضى الإعلام بأن كتمانهن منهي عنه محرم ، فهو خبر عن التشريع ، فهو إعلام لهن بذلك ، وما خلق الله في أرحامهن هو الدم ومعناه كتم الخبر عنه لا كتمان ذاته ، كقول النابغة : \"كتمتك ليلاً بالجمومين ساهراً\" أي كتمتك حال ليل.\rو{ما خلق الله في أرحامهن} موصول ، فيجوز حمله على العهد ، أي ما خلق من الحيض بقرينة السياق.\rويجوز حمله على معنى المعرف بلام الجنس فيعم الحيض والحمل ، وهو الظاهر وهو من العام الوارد على سبب خاص ؛ لأن اللفظ العام الوارد في القرآن عقب ذكر بعض أفراده ، قد ألحقوه بالعام الوارد على سبب خاص ، فأما من يقصر لفظ العموم في مثله على خصوص ما ذُكر قَبله ، فيكون إلحاق الحوامل بطريق القياس ، لأن الحكم نيط بكتمان ما خلق الله في أرحامهن. أ هـ {التحرير والتنوير حـ 2 صـ 392}\r","part":6,"page":239},{"id":2401,"text":"قوله تعالى : {مَا خَلَقَ الله فِى أَرْحَامِهِنَّ}\rقال الفخر : \rواعلم أن للمفسرين في قوله : {مَا خَلَقَ الله فِى أَرْحَامِهِنَّ} ثلاثة أقوال الأول : أنه الحبل والحيض معاً ، وذلك لأن المرأة لها أغراض كثيرة في كتمانهما ، أما كتمان الحبل فإن غرضها فيه أن انقضاء عدتها بالقروء أقل زماناً من انقضاء عدتها بوضع الحمل ، فإذا كتمت الحبل قصرت مدة عدتها فتزوج بسرعة ، وربما كرهت مراجعة الزوج الأول ، وربما أحبت التزوج بزوج آخر.\rأو أحبت أن يلتحق ولدها بالزوج الثاني ، فلهذه الأغراض تكتم الحبل ، وأما كتمان الحيض فغرضها فيه أن المرأة إذا طلقها الزوج وهي من ذوات الأقراء فقد تحب تطويل عدتها لكي يراجعها الزوج الأول ، وقد تحب تقصير عدتها لتبطيل رجعته ولا يتم لها ذلك إلا بكتمان بعض الحيض في بعض الأوقات لأنها إذا حاضت أولاً فكتمته ، ثم أظهرت عند الحيضة الثانية أن ذلك أول حيضها فقد طولت العدة ، وإذا كتمت أن الحيضة الثالثة وجدت فكمثل ، وإذا كتمت أن حيضها باق فقد قطعت الرجعة على زوجها ، فثبت أنه كما أن لها غرضاً في كتمان الحبل ، فكذلك في كتمان الحيض ، فوجب حمل النهي على مجموع الأمرين.\rالقول الثاني : أن المراد هو النهي عن كتمان الحمل فقط ، واحتجوا عليه بوجوه أحدها : قوله تعالى : {هُوَ الذي يُصَوّرُكُمْ فِي الأرحام كَيْفَ يَشَاء} [ آل عمران : 6 ] وثانيها : أن الحيض خارج عن الرحم لا أنه مخلوق في الرحم وثالثها : أن حمل قوله تعالى : {مَا خَلَقَ الله فِى أَرْحَامِهِنَّ} على الولد الذي هو جوهر شريف ، أولى من حمله على الحيض الذي هو شيء في غاية الخساسة والقذر ، واعلم أن هذه الوجوه ضعيفة ، لأنه لما كان المقصود منعها عن إخفاء هذه الأحوال التي لا اطلاع لغيرها عليها ، وبسببها تختلف أحوال الحرمة والحل في النكاح ، فوجب حمل اللفظ على الكل.\r","part":6,"page":240},{"id":2402,"text":"القول الثالث : المراد هو النهي عن كتمان الحيض ، لأن هذه الآية وردت عقيب ذكر الأقراء ، ولم يتقدم ذكر الحمل ، وهذا أيضاً ضعيف ، لأن قوله : {وَلاَ يَحِلُّ لَهُنَّ أَن يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ الله فِى أَرْحَامِهِنَّ} كلام مستأنف مستقل بنفسه من غير أن يضاف إلى ما تقدم ، فيجب حمله على كل ما يخلق في الرحم.\rأما قوله تعالى : {إِن كُنَّ يُؤْمِنَّ بالله واليوم الأخر} فليس المراد أن ذلك النهي مشروط بكونها مؤمنة ، بل هذا كما تقول للرجل الذي يظلم : إن كنت مؤمناً فلا تظلم ، تريد إن كنت مؤمناً فينبغي أن يمنعك إيمانك عن ظلمي ، ولا شك أن هذا تهديد شديد على النساء ، وهو كما قال في الشهادة {وَمَن يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ ءاثِمٌ قَلْبُهُ} [ البقرة : 283 ] وقال : {فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُم بَعْضًا فَلْيُؤَدّ الذى اؤتمن أمانته وَلْيَتَّقِ الله رَبَّهُ} [ البقرة : 283 ] والآية دالة على أن كل من جعل أميناً في شيء فخان فيه فأمره عند الله شديد. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 6 صـ 79}\rقال ابن عرفة : \rقوله تعالى : {وَلاَ يَحِلُّ لَهُنَّ أَن يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ الله في أَرْحَامِهِنَّ...}.\rقال ابن عرفة : هذا إخبار عن الحكم ، فلا يصح أن يكون الشرط الذي بعده قيدا فيه لأن متعلق الخبر حاصل في نفس الأمر سواء حصل الشرط أو لا. لأن حكم الله لا يتبدل فلا يحل لهن ذلك سواء آمنّ أو كفرن ، ولا بدّ أن يقال : إنه شرط في لازم ذلك الخبر. والتقدير لا يحل لهن أن يكتمن ما خلق الله في أرحامهن فلا يكتُمنه إن كن يؤمن بالله ، وهذا على سبيل التهييج لئلا يلزم عليه التكفير بالذنب وهو مذهب المعتزلة. أ هـ {تفسير ابن عرفة صـ 294}\rوقال ابن عاشور : \r","part":6,"page":241},{"id":2403,"text":"وقوله : {إن كن يؤمن بالله واليوم الآخر} شرط أريد به التهديد دون التقييد ، فهو مستعمل في معنى غير معنى التقييد ، على طريقة المجاز المرسل التمثِيلي ، كما يستعمل الخبر في التحسر والتهديد ، لأنه لا معنى لتقييد نفي الحمل بكونهن مؤمنات ، وإن كان كذلك في نفس الأمر ، لأن الكوافر لا يمتثلن لحكم الحلال والحرام الإسلامي ، وإنما المعنى أنهن إن كتمن فهن لا يؤمن بالله واليوم الآخر ؛ إذ ليس من شأن المؤمنات هذا الكتمان.\rوجيء في هذا الشرط بإنْ ، لأنها أصل أدوات الشرط ، ما لم يكن هنالك مقصد لتحقيق حصول الشرط فيؤتى بإذا ، فإذا كان الشرط مفروضاً ، فرضاً لا قصد لتحقيقه ولا لعدمه جيء بإن.\rوليس لأنْ هنا ، شيء من معنى الشك في حصول الشرط ، ولا تنزيل إيمانهن المحقق منزلة المشكوك ، لأنه لا يستقيم ، خلافاً لما قرره عبد الحكيم.\rوالمراد بالإيمان بالله واليوم الآخر الإيمان الكامل ، وهو الإيمان بما جاء به دين الإسلام ، فليس إيمان أهل الكتاب بالله واليوم الآخر بمراد هنا ؛ إذ لا معنى لربط نفي الحمل في الإسلام بثبوت إيمان أهل الكتاب.\rوليس في الآية دليل على تصديق النساء في دعوى الحمل والحيض كما يجري على ألسنة كثير من الفقهاء ، فلا بد من مراعاة أن يكون قولهن مشبهاً ، ومَتَى ارتيب في صدقهن وجب المصير إلى ما هو المحقق ، وإلى قول الأطباء والعارفين.\rولذلك قال مالك : \"لو ادعت ذات القروء انقضاء عدتها في مدة شهر من يوم الطلاق لم تصدق ، ولا تصدق في أقل من خمسة وأربعين يوماً مع يمينها\" وقال عبد الملك : خمسون يوماً ، وقال ابن العربي : لا تصدق في أقل من ثلاثة أشهر ، لأنه الغالب في المدة التي تحصل فيها ثلاثة قروء. أ هـ {التحرير والتنوير حـ 2 صـ 392 ـ 393}\rوقال العلامة الخازن : \rوفي سبب وعيد النساء بهذا قولان\rأحدهما أنه لأجل ما يستحقه الزوج من الرجعة. قاله ابن عباس : \rوالثاني أنه لأجل إلحاق الولد بغير أبيه قاله قتادة\r","part":6,"page":242},{"id":2404,"text":"وقيل : كانت المرأة إذا رغبت في زوجها تقول : إني حائض وإن كانت قد طهرت ليراجعها وإن كانت زاهدة فيه كتمت حيضها وتقول قد طهرت لتفوته فنهاهن الله عن ذلك وأمرن بأداء الأمانة. أ هـ {تفسير الخازن حـ 1 صـ 154}\rقوله تعالى : {وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ إِنْ أَرَادُوا إِصْلَاحًا}\rالمناسبة\rقال البقاعى : \rولما كان الرجعي أخف الطلاق بين الرجعة تنبيهاً على أنه إن كان ولا بد من الطلاق فليكن رجعياً فقال تعالى : {وبعولتهن} أي أزواجهن ، جمع بعل. قال الحرالي : وهو الرجل المتهيىء لنكاح الأنثى المتأتي له ذلك ، يقال على الزوج والسيد - انتهى. ولما كان للمطلقة حق في نفسها قال : {أحق بردهن} أي إلى ما كان لهم عليهن من العصمة لإبطال التربص فله حرمة الاستمتاع من المطلقات بإرادة السراح {في ذلك} أي في أيام الأقراء فإذا انقضت صارت أحق بنفسها منه بها لانقضاء حقه والكلام في الرجعية بدليل الآية التي بعدها.\rولما أثبت الحق لهم وكان منهم من يقصد الضرر قيده بقوله : {إن أرادوا} أي بالرجعة {إصلاحاً} وهذا تنبيه على أنه إن لم يرد الإصلاح وأرادت هي السراح كان في باطن الأمر زانياً. قال الحرالي : الإصلاح لخلل ما بينهما أحق في علم الله وحكمته من افتتاح وصلة ثانية لأن تذكر الماضي يخل بالحاضر ، مما حذر النبي صلى الله عليه وسلم نكاح اللفوت وهي التي لها ولد من زوج سابق ، فلذلك كان الأحق إصلاح الأول دون استفتاح وصلة لثان - انتهى. أ هـ {نظم الدرر حـ 1 صـ 429}\rقال الفخر : ","part":6,"page":243},{"id":2405,"text":"اعلم أن هذا هو الحكم الثاني للطلاق وهو الرجعية ، وفي البعولة قولان أحدهما : أنه جمع بعل ، كالفحولة والذكورة والجدودة والعمومة ، وهذه الهاء زائدة مؤكدة لتأنيث الجماعة ولا يجوز إدخالها في كل جمع بل فيما رواه أهل اللغة عن العرب ، فلا يقال في كعب : كعوبه ، ولا في كلب : كلابة ، واعلم أن اسم البعل مما يشترك فيه الزوجان فيقال للمرأة بعلة ، كما يقال لها زوجة في كثير من اللغات ، وزوج في أفصح اللغات فهما بعلان ، كما أنهما زوجان ، وأصل البعل السيد المالك فيما قيل ، يقال : من بعل هذه الناقة ؟ كما يقال : من ربها ، وبعل اسم صنم كانوا يتخدونه رباً ، وقد كان النساء يدعون أزواجهن بالسودد.\rالقول الثاني : أن البعولة مصدر ، يقال : بعل الرجل يبعل بعولة ، إذا صار بعلاً ، وباعل الرجل امرأته إذا جامعها ، وفي الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم قال في أيام التشريق : \" أنها أيام أكل وشرب وبعال \" وامرأته حسنة البعل إذا كانت تحسن عشرة زوجها ، ومنه الحديث \" إذا أحسنتن ببعل أزواجكن \" وعلى هذا الوجه كان معنى الآية : وأهل بعولتهن.\rوأما قوله : {أَحَقُّ بِرَدّهِنَّ فِي ذلك} فالمعنى : أحق برجعتهن في مدة ذلك التربص. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 6 صـ 80}\rقال الفيروزابادى : \r( بصيرة فى البعل )\rوهو الزَّوج. والجمع بِعَال ، وبُعُول. والمرأَة بَعْل ، وبَعْلة. وبَعَل يَبْعَل بُعُولة : صار بعلاً. وكذا اسْتَبْعَل. والبِعال. والتباعُل. والمباعلة : الجماع ، وملاعبة الرّجل المرأَة. وباعلت : اتخذتْ بعلاً ، وتبعَّلتْ : أَطاعت بعلها ، أَو تزيَّنَتْ له.\rوذكر فى القرآن البَعْل على وجهين : \rالأَوّل : اسم صنم لقول إِلياس عليه السّلام : {أَتَدْعُونَ بَعْلاً}.\rالثانى : بمعنى الأَزواج : {وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ} {وَهذا بَعْلِي شَيْخاً} وله نظائر.\r","part":6,"page":244},{"id":2406,"text":"ولمَّا تُصوّر من الرّجل استعلاء على المرأَة ، وأَن بسببه صار سائسَها ، والقائم عليها ، شُبّه كلّ مستعل على غيره به ، فسمّى به. فسمَّى قوم معبودهم الذى يتقَرَّبُون به إِلى الله تعالى \"بعلا\" لاعتقادهم ذلك فيه. وقيل للأَرضِ المستعلية على غيرها : بَعْل ، ولفَحْل النخل : بعل. تشبيها بالبعل من الرّجال ، وكذا سمّوا ما عَظُم من النخل حتى شرب بعروقه بعلاً ، لاستعلائه واسغنائه عن السّاقى ، ولمّا كانت وَطْأَة العالى على المستولَى عليه مستثقلة فى النَّفس قيل : أَصبح فلان بَعْلاً على أَهله أَى ثقيلاً ، لعلوّه عليهم. أ هـ {بصائر ذوى التمييز حـ 2 صـ 331}\rوقال ابن عاشور : \rوقوله : {وبعولتهنَّ}.\rالبعولة جمع بعل ، والبعل اسم زوج المرأة.\rوأصل البعل في كلامهم ، السيد.\rوهو كلمة ساميَّة قديمة ، فقد سمَّى الكنعانيون ( الفينقيون ) معبودهم بَعْلاً قال تعالى : {أتدعون بعلاً وتذرون أحسن الخالقين} [ الصافات : 125 ] وسمي به الزوج لأنه ملك أمر عصمة زوجه ، ولأن الزوج كان يعتبر مالكاً للمرأة وسيداً لها ، فكان حقيقاً بهذا الاسم ، ثم لما ارتقى نظام العائلة من عهد إبراهيم عليه السلام فما بعده من الشرائع ، أخذ معنى الملك في الزوجية يضعف ، فأطلق العرب لفظ الزوج على كلَ من الرجل والمرأة ، اللذين بينهما عصمة نكاح ، وهو إطلاق عادل ؛ لأن الزوج هو الذي يثنى الفرد ، فصارا سواء في الاسم ، وقد عبر القرآن بهذا الاسم في أغلب المواضع ، غير التي حكى فيها أحوال الأمم الماضية كقوله : {وهذا بعلي شيخا} [ هود : 72 ] ، وغير المواضع التي أشار فيها إلى التذكير بما للزوج من سيادة ، نحو قوله تعالى : {وإن امرأة خافت من بعلها نشوزاً أو إعراضاً} [ النساء : 128 ] وهاته الآية كذلك ، لأنه لما جعل حق الرجعة للرَّجل جبراً على المرأة ، ذكَّر المرأة بأنه بعلُها قديماً.\r","part":6,"page":245},{"id":2407,"text":"وقيل : البعل : الذكر ، وتسمية المعبود بَعْلاً لأنه رمز إلى قوة الذكورة ، ولذلك سمي الشجر الذي لا يسقى بَعْلاً ، وجاء جمعه على وزن فعولة ، وأصله فُعول المطردُ في جمع فَعْل ، لكنه زيدت فيه الهاء لتوهم معنى الجماعة فيه ، ونظيره قولهم : فُحُولة وذُكُورة وكُعُوبة وسُهُولة ، جمع السَّهل ضد الجبل ، وزيادة الهاء على مثله سماعي ؛ لأنها لا تؤذن بمعنى ، غير تأكيد معنى الجمعية بالدلالة على الجماعة.\rوضمير {بعولتهن} ، عائد إلى ( المطلقات ) قبله ، وهن المطلقات الرجعيات كما تقدم ، فقد سماهن الله تعالى مطلقات لأن أزواجهن أنشأُوا طلاقهن ، وأَطلق اسم البعولة على المطلقين ، فاقتضى ظاهره أنهم أزواج للمطلقات ، إلاّ أن صدور الطلاق منهم إنشاء لفك العصمة التي كانت بينهم ، وإنما جعل الله مدة العدة توسعة على المطلقين ، عسى أن تحدث لهم ندامة ورغبة في مراجعة أزواجهم ؛ لقوله تعالى : {لا تدري لعل الله يحدث بعد ذلك أمراً} [ الطلاق : 1 ] ، أي أمر المراجعة ، وذلك شبيه بما أجرته الشريعة في الإيلاء ، فللمطلقين بحسب هذه الحالة حالة وسَطٌ بين حالة الأزواج وحالة الأجانب ، وعلى اعتبار هذه الحالة الوسط أُوقع عليهم اسم البعولة هنا ، وهو مجاز قرينته واضحة ، وعلاقته اعتبار ما كان ، مثل إطلاق اليتامى في قوله تعالى : {وأتوا اليتامى أموالهم} [ النساء : 2 ].\rوقد حمله الجمهور على المجاز ؛ فإنهم اعتبروا المطلقة طلاقاً رجعياً امرأة أجنبية عن المطلق بحسب الطلاق ، ولكن لما كان للمطلق حق المراجعة ، ما دامت المرأة في العدة ، ولو بدون رضاها ، وجب إعمال مقتضى الحالتين ، وهذا قول مالك والشافعي.\r","part":6,"page":246},{"id":2408,"text":"قال مالك : \"لا يجوز للمطلق أن يستمتع بمطلقته الرجعية ، ولا أن يدخل عليها بدون إذن ، ولو وطئها بدون قصدِ مراجعةٍ أَثم ، ولكن لا حد عليه للشبهة ، ووجب استبراؤها من الماء الفاسد ، ولو كانت رابعة لم يكن له تزوج امرأة أخرى ، ما دامت تلك في العدة\".\rوإنما وجبت لها النفقة لأنها محبوسة لانتظار مراجعته ، ويشكل على قولهم إن عثمان قضى لها بالميراث إذا مات مطلِّقها وهي في العدة ؛ قضى بذلك في امرأة عبد الرحمن بن عوف ، بموافقة عليَ ، رواه في \"الموطأ\" ، فيُدفع الإشكال بأن انقضاء العدة شرط في إنفاذ الطلاق ، وإنفاذ الطلاق مانع من الميراث ، فما لم تنقض العدة فالطلاق متردد بين الإعمال والإلغاء ، فصار ذلك شكاً في مانع الإرث ، والشك في المانع يبطل إعماله.\rوحمل أبو حنيفة والليث بن سعد البعولة على الحقيقة ، فقالا \"الزوجية مستمرة بين المطلق الرجعي ومطلَّقته ؛ لأن الله سماهم بعُولة\" وسوغا دخول الطلاق عليها ، ولو وطئها فذلك ارتجاع عند أبي حنيفة.\rوقال به الأوزاعي والثوري وابن أبي ليلى ، ونسب إلى سعيد بن المسيب والحسن والزهري وابن سيرين وعطاء وبعض أصحاب مالك.\rوأحسب أن هؤلاء قائلون ببقاء الزوجية بين المطلق ومطلقته الرجعية.\rو( أحق ) قيل : هو بمعنى اسم الفاعل مسلوب المفاضلة ، أتى به لإفادة قوة حقهم ، وذلك مما يستعمل فيه صيغة أفعل ، كقوله تعالى : {ولذكر الله أكبر} [ العنكبوت : 45 ] لا سيما إن لم يذكر بعدها مفضل عليه بحرف من ، وقيل : هو تفضيل على بابه ، والمفضل عليه محذوف ، أشار إليه في \"الكشاف\" ، وقرره التفتازاني بما تحصيله وتبيينه : أن التفضيل بين صنفي حق مختلفين باختلاف المتعلق : هما حق الزوج في الرجعة إن رغب فيها ، وحق المرأة في الامتناع من المراجعة إن أبتها ، فصار المعنى : وبعولتهن أحق برد المطلقات ، من حق المطلقات بالامتناع وقد نسج التركيب على طريقة الإيجاز.\r","part":6,"page":247},{"id":2409,"text":"وقوله : {في ذلك} الإشارة بقوله : {ذلك} إلى التربص بمعنى مدته ، أي للبعولة حق الإرجاع في مدة القروء الثلاثة ، أي لا بعد ذلك كما هو مفهوم القيد.\rهذا تقرير معنى الآية ، على أنها جاءت لتشريع حكم المراجعة في الطلاق ما دامت العدة ، وعندي أن هذا ليس مجرد تشريع للمراجعة بل الآية جامعة لأمرين : حكم المراجعة ، وتحضيض المطلقين على مراجعة المطلقات ، وذلك أن المتفارقين لا بد أن يكون لأحدهما أو لكليهما ، رغبة في الرجوع ، فالله يعلم الرجال بأنهم أولى بأن يرغبوا في مراجعة النساء ، وأن يصفحوا عن الأسباب التي أوجبت الطلاق لأن الرجل هو مظنة البصيرة والاحتمال ، والمرأة أهل الغضب والإباء.\rوالرد تقدم الكلام عليه عند قوله تعالى : {حتى يرددكم عن دينكم} [ البقرة : 217 ] والمراد به هنا الرجوع إلى المعاشرة وهو المراجعة ، وتسمية المراجعة رداً يرجح أن الطلاق قد اعتبر في الشرع قطعاً لعصمة النكاح ، فهو إطلاق حقيقي على قول مالك ، وأما أبو حنيفة ومن وافقوه فتأوَّلوا التعبير بالرد بأن العصمة في مدة العدة سائرة في سبيل الزوال عند انقضاء العدة ، فسميت المراجعة رداً عن هذا السبيل الذي أخذت في سلوكه وهو رد مجازي. أ هـ {التحرير والتنوير حـ 2 صـ 393 ـ 395}\rأسئلة وأجوبة للعلامة الفخر : \rقال رحمه الله : \rوههنا سؤالات : \rالسؤال الأول : ما فائدة قوله : {أَحَقُّ} مع أنه لا حق لغير الزوج في ذلك.\r","part":6,"page":248},{"id":2410,"text":"الجواب من وجهين الأول : أنه تعالى قال قبل هذه الآية : {وَلاَ يَحِلُّ لَهُنَّ أَن يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ الله فِى أَرْحَامِهِنَّ} كان تقدير الكلام : فإنهن إن كتمن لأجل أن يتزوج بهن زوج آخر ، فإذا فعلن ذلك كان الزوج الأول أحق بردهن ، وذلك لأنه ثبت للزوج الثاني حق في الظاهر ، فبين أن الزوج الأول أحق منه ، وكذا إذا ادعت انقضاء أقرائها ثم علم خلافه فالزوج الأول أحق من الزوج الآخر في العدة الثاني : إذا كانت معتدة فلها في مضي العدة حق انقطاع النكاح فلما كان لهن هذا الحق الذي يتضمن إبطال حق الزوج جاز أن يقول : {وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ} من حيث إن لهم أن يبطلوا بسبب الرجعة ما هن عليه من العدة.\rالسؤال الثاني : ما معنى الرد ؟ .\rالجواب : يقال : رددته أي رجعته قال تعالى في موضع {وَلَئِن رُّدِدتُّ إلى رَبّى} [ الكهف : 36 ] وفي موضع آخر : {وَلَئِن رُّجّعْتُ}.\rالسؤال الثالث : ما معنى الرد في المطلقة الرجعية ؟ وهي ما دامت في العدة فهي زوجته كما كانت.\rالجواب : أن الرد والرجعة يتضمن إبطال التربص والتحري في العدة فهي ما دامت في العدة كأنه كانت جارية في إبطال حق الزوج وبالرجعة يبطل ذلك ، فلا جرم سميت الرجعة رداً ، لا سيما ومذهب الشافعي رضي الله عنه أنه يحرم الاستمتاع بها إلا بعد الرجعة ، ففي الرد على مذهبه شيئان أحدهما : ردها من التربص إلى خلافه الثاني : ردها من الحرمة إلى الحل.\rالسؤال الرابع : ما الفائدة في قوله تعالى : {فِي ذلك}.\rالجواب : أن حق الرد إنما يثبت في الوقت الذي هو وقت التربص ، فإذا انقضى ذلك الوقت فقد بطل حق الردة والرجعة. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 6 صـ 80 ـ 81}\rقال العلامة الشنقيطى : \rقوله تعالى : {وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ إِنْ أرادوا إِصْلاَحاً}.\rظاهر هذه الآية الكريمة أن أزواج كل المطلقات أحق بردهن ، لا فرق في ذلك بين رجعية وغيرها.\r","part":6,"page":249},{"id":2411,"text":"ولكنه أشار في موضع آخر إلى أن البائن لا رجعة له عليها ، وذلك في قوله تعالى : {ياأيها الذين آمنوا إِذَا نَكَحْتُمُ المؤمنات ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِن قَبْلِ أَن تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا} [ الأحزاب : 49 ].\rوذلك لأن الطلاق قبل الدخول بائن ، كما أنه أشار هنا إلى أنها إذا بانت بانقضاء العدة لا رجعة له عليها ، وذلك في قوله تعالى : {وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ} [ البقرة : 228 ]. لأن الإشارة بقوله : {ذَلِكَ} راجعة إلى زمن العدة المعبر عنه في الآية بثلاثة قروء.\rواشترط هنا في كون بعولة الرجعيات أحق بردهن إرادتهم الإصلاح بتلك الرجعة ، في قوله : {إِنْ أرادوا إِصْلاَحاً} [ البقرة : 228 ] ولم يتعرض لمفهوم هذا الشرط هنا ، ولكنه صرح في مواضع أخر : أن زوج الرجعية إذا ارتجعها لا بنية الإصلاح بل بقصد الإضرار بها. لتخالعه أو نحو ذلك ، أن رجعتها حرام عليه ، كما هو مدلول النهي في قوله تعالى : {وَلاَ تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَاراً لِّتَعْتَدُواْ وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ وَلاَ تتخذوا آيَاتِ الله هُزُواً} [ البقرة : 231 ].\rفالرجعة بقصد الإضرار حرام إجماعاً ، كما دل عليه مفهوم الشرط المصرح به في قوله {وَلاَ تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَاراً} [ البقرة : 231 ] الآية وصحة رجعته حينئذ باعتبار ظاهر الأمر ، فلو صرح للحاكم بأنه ارتجعها بقصد الضرر ، لأبطل رجعته كما ذكرنا ، والعلم عند الله تعالى. أ هـ {أضواء البيان حـ 1 صـ 133}\rقوله تعالى : {إِنْ أَرَادُواْ إصلاحا}\rقال ابن عاشور : \rوقوله : {إن أرادوا إصلاحاً} شرط قصد به الحث على إرادة الإصلاح ، وليس هو للتقييد.\r","part":6,"page":250},{"id":2412,"text":"لا يجوز أن يكون ضمير {لهن} عائداً إلى أقرب مذكور وهو ( المطلقات ) ، على نسق الضمائر قبله ؛ لأن المطلقات لم تبق بينهن وبين الرجال علقة حتى يكون لهن حقوق وعليهن حقوق ، فتعين أن يكون ضمير {لهن} ضمير الأزواج النساء اللائي اقتضاهن قوله {بردهن} بقرينة مقابلته بقوله {وللرجال عليهن درجة}. أ هـ {التحرير والتنوير حـ 2 صـ 395 ـ 396}\rوقال الفخر :\rأما قوله تعالى : {إِنْ أَرَادُواْ إصلاحا} فالمعنى أن الزوج أحق بهذه المراجعة إن أرادوا الإصلاح وما أرادوا المضارة ، ونظيره قوله : {وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النساء فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ سَرّحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وَلاَ تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَارًا لّتَعْتَدُواْ وَمَن يَفْعَلْ ذلك فَقَدْ ظَلَمَ نفسه} [ البقرة : 231 ] والسبب في هذه الآية أن في الجاهلية كانوا يرجعون المطلقات ، ويريدون بذلك الإضرار بهن ليطلقوهن بعد الرجعة ، حتى تحتاج المرأة إلى أن تعتد عدة حادثة ، فنهوا عن ذلك ، وجعل الشرط في حل المراجعة إرادة الإصلاح ، وهو قوله : {إِنْ أَرَادُواْ إصلاحا}.\rفإن قيل : إن كلمة {إِنْ} للشرط ، والشرط يقتضي انتفاء الحكم عند انتفائه ، فيلزم إذا لم توجد إرادة الإصلاح أن لا يثبت حق الرجعة.\rوالجواب : أن الإرادة صفة باطنة لا اطلاع لنا عليها ، فالشرع لم يوقف صحة المراجعة عليها ، بل جوازها فيما بينه وبين الله موقوف على هذه الإرادة ، حتى إنه لو راجعها لقصد المضارة استحق الإثم. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 6 صـ 81}\rقوله تعالى : {وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ}\rالمناسبة\rقال البقاعى :","part":6,"page":251},{"id":2413,"text":"ولما اخرج أمر الرجعة عنهن جبرهن بقوله : {ولهن} أي من الحقوق {مثل الذي عليهن} أي في كونه حسنة في نفسه على ما يليق بملك منهما لا في النوع ، فكما للرجال الرجعة قهراً فلهن العشرة بالجميل ، وكما لهم حبسهن فلهن ما يزيل الوحشة بمن يؤنس ونحو ذلك. ولما كان كل منهما قد يجور على صاحبه قال : {بالمعروف} أي من حال كل منهما. قال الحرالي : والمعروف ما أقره الشرع وقبله العقل ووافقه كرم الطبع - انتهى.أ هـ {نظم الدرر حـ 1 صـ 429}\rقال الفخر : \rأما قوله تعالى : {وَلَهُنَّ مِثْلُ الذى عَلَيْهِنَّ} فاعلم أنه تعالى لما بين أنه يجب أن يكون المقصود من المراجعة إصلاح حالها ، لا إيصال الضرر إليها بين أن لكل واحد من الزوجين حقاً على الآخر.\rواعلم أن المقصود من الزوجين لا يتم إلا إذا كان كل واحد منهما مراعياً حق الآخر ، وتلك الحقوق المشتركة كثيرة ، ونحن نشير إلى بعضها فأحدها : أن الزوج كالأمير والراعي ، والزوجة كالمأمور والرعية ، فيجب على الزوج بسبب كونه أميراً وراعياً أن يقوم بحقها ومصالحها ، ويجب عليها في مقابلة ذلك إظهار الانقياد والطاعة للزوج وثانيها : روي عن ابن عباس أنه قال : \"إني لأتزين لأمرأتي كما تتزين لي\" لقوله تعالى : {وَلَهُنَّ مِثْلُ الذى عَلَيْهِنَّ} وثالثها : ولهن على الزوج من إرادة الإصلاح عند المراجعة ، مثل ما عليهن من ترك الكتمان فيما خلق الله في أرحامهن ، وهذا أوفق لمقدمة الآية. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 6 صـ 81}\rقال الماوردى : \rقوله تعالى : {وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ} فيه ثلاثة تأويلات : \rأحدها : ولهن من حسن الصحبة والعشرة بالمعروف على أزواجهن ، مثل الذي عليهن من الطاعة ، فيما أوجبه الله تعالى عليهن لأزواجهن ، وهو قول الضحاك.\rوالثاني : ولهن على أزواجهن من التصنع والتزين ، مثل ما لأزواجهن ، وهو قول ابن عباس.","part":6,"page":252},{"id":2414,"text":"والثالث : أن الذي لهن على أزواجهن ، ترك مضارتهن ، كما كان ذلك لأزواجهن ، وهو قول أبي جعفر. أ هـ {النكت والعيون حـ 1 صـ 292 ـ 293}\rفائدة\rقال أبو حيان : \r{وَلَهُنَّ مِثْلُ الذى عَلَيْهِنَّ بالمعروف} هذا من بديع الكلام ، إذ حذف شيئاً من الأول أثبت نظيره في الآخر ، وأثبت شيئاً في الأول حذف نظيره في الآخر ، وأصل التركيب ولهنّ على أزواجهنّ مثل الذي لأزواجهنّ عليهنّ ، فحذفت على أزواجهنّ لإثبات : عليهنّ ، وحذف لأزواجهنّ لإثبات لهنّ. أ هـ {البحر المحيط حـ 2 صـ 200}\rلطيفة\rقال ابن عباس في معنى الآية : إني أحب أن أتزين لامرأتي كما أحب أن تتزين لي لأن الله تعالى قال : {ولهن مثل الذي عليهن بالمعروف}\rعن جابر أنه ذكر خطبة النبي صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع وقال : فيها قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : \" فاتقوا الله في النساء فإنكم أخذتموهن بأمانات الله واستحللتم فروجهن بكلمة الله ، ولكم عليهن أن لا يوطئن فرشكم أحداً تكرهونه ، فإن فعلن ذلك فاضربوهن ضرباً غير مبرح ، ولهن عليكم رزقهن وكسوتهن بالمعروف \".","part":6,"page":253},{"id":2415,"text":"قوله : \" فاتقوا الله في النساء \" فيه الحث على الوصية بهن ومراعاة حقوقهن ومعاشرتهن بالمعروف. قوله : \" فإنكم أخذتموهن بأمانات الله \" ويروى بأمانة وقوله : \" واستحللتم فروجهن بكلمة الله \" معناه بإباحة الله والكلمة هي قوله : {فانكحوا ما طاب لكم من النساء} وقيل : الكلمة هي قوله {فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسان} وقيل : الكلمة هي كلمة التوحيد وهي لا إله إلا الله محمد رسول الله إذ لا تحل مسلمة لغير مسلم وقوله : لا يوطئن فرشكم أحداً تكرهونه معناه ولا يأذن لأحد أن يتحدث إليهن ، وكان من عادة العرب أن يتحدث الرجال مع النساء ولا يرون ذلك عيباً ولا يعدونه ريبة إلى أن نزلت آية الحجاب فنهوا عن ذلك وليس المراد بوطء الفرش نفس الزنا فإن ذلك محرم على كل الوجوه ، فلا معنى لاشتراط الكراهة فيه ، ولو كان المراد من ذلك لم يكن الضرب فيه ضرباً غير مبرح إنما كان فيه الحد ، والضرب المبرح هو الشديد. وقول : ولهن عليكم رزقهن وكسوتهن بالمعروف يعني العدل وفيه وجوب نفقة الزوجة ، وكسوتها وذلك ثابت بالإجماع. أ هـ {تفسير الخازن حـ 1 صـ 155}\rفائدة\rقال القرطبى : ","part":6,"page":254},{"id":2416,"text":"قول ابن عباس : \"إنّي لأتزين لامرأتي\" قال العلماء : أما زينة الرجال فعلى تفاوت أحوالهم ؛ فإنهم يعملون ذلك على اللَّبق والوفاق ، فربما كانت زينة تليق في وقت ولا تليق في وقت ، وزينة تليق بالشّباب ، وزينة تليق بالشيوخ ولا تليق بالشباب ؛ ألا ترى أن الشيخ والكهل إذا حفّ شاربه لِيقَ به ذلك وزَانَه ، والشاب إذا فعل ذلك سُمج ومُقِت. لأن اللحية لم توفر بعد ، فإذا حَفّ شاربه في أوّل ما خرج وجهه سَمُج ، وإذا وفرت لحيته وحف شاربه زانه ذلك. وروي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال : \" أمرني ربِّي أن أعفِي لحيتي وأحفِي شاربي \" وكذلك في شأن الكسوة ؛ ففي هذا كله ابتغاء الحقوق ؛ فإنما يعمل على اللّبَق والوِفَاق ليكون عند امرأته في زينة تسرها ويُعِفّها عن غيره من الرجال. وكذلك الكحل من الرجال منهم من يليق به ومنهم من لا يليق به. فأما الطّيْب والسِّواك والخلال والرّمي بالدّرَن وفُضولِ الشعر والتطهير وقلم الأظفار فهو بَيِّن موافق للجميع. والخِضاب للشيوخ والخاتم للجميع من الشباب والشيوخ زينة ؛ وهو حَلْيُ الرجال على ما يأتي بيانه في سورة \"النحل\". ثم عليه أن يَتَوخّى أوقات حاجتها إلى الرجل فيُعِفّها ويُغنيها عن التطلع إلى غيره. وإن رأى الرجُل من نفسه عجزا عن إقامة حقها في مضجعها أخذ من الأدْوِيّة التي تزيد في باهِه وتُقوّي شهوته حتى يُعفّها. أ هـ {تفسير القرطبى حـ 3 صـ 124}","part":6,"page":255},{"id":2417,"text":"فصل في حكم النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ في خدمة المرأة لزوجها\rقال ابن حبيب في الواضحة : حكم النبي صلى الله عليه وسلم بين علي بن أبي طالب رضي الله عنه وبين زوجته فاطمة رضي الله عنها حين اشتكيا إليه الخدمة فحكم على فاطمة بالخدمة الباطنة خدمة البيت وحكم على علي بالخدمة الظاهرة ثم قال ابن حبيب : والخدمة الباطنة : العجين والطبخ والفرش وكنس البيت واستقاء الماء وعمل البيت كله\rوفي الصحيحين : [ أن فاطمة رضي الله عنها أتت النبي صلى الله عليه وسلم تشكو إليه ما تلقى في يديها من الرحى وتسأله خادما فلم تجده فذكرت ذلك لعائشة رضي الله عنها فلما جاء رسول الله صلى الله عليه وسلم أخبرته قال علي : فجاءنا وقد أخذنا مضاجعنا فذهبنا نقوم فقال : مكانكما فجاء فقعد بيننا حتى وجدت برد قدميه على بطني فقال : ألا أدلكما على ما هو خير لكما مما سألتما إذا أخذتما مضاجعكما فسبحا الله ثلاثا وثلاثين واحمدا ثلاثا وثلاثين وكبرا أربعا وثلاثين فهو خير لكما من خادم قال علي : فما تركتها بعد قيل : ولا ليلة صفين ؟ قال : ولا ليلة صفين ]\rوصح عن أسماء أنها قالت : كانت أخدم الزبير خدمة البيت كله وكان له فرس وكنت أسوسه وكنت أحتش له وأقوم عليه\rوصح عنها أنها كانت تعلف فرسه وتسقي الماء وتخرز الدلو وتعجن وتنقل النوى على رأسها من أرض له على ثلثي فرسخ\rفاختلف الفقهاء في ذلك فأوجب طائفة من السلف والخلف خدمتها له في مصالح البيت وقال أبو ثور : عليها أن تخدم زوجها في كل شئ ومنعت طائفة وجوب خدمته عليها في شئ وممن ذهب إلى ذلك مالك والشافعي وأبو حنيفة وأهل الظاهر قالوا : لأن عقد النكاح إنما اقتضى الإستمتاع لا الإستخدام وبذل المنافع قالوا : والأحاديث المذكورة إنما تدل على التطوع ومكارم الأخلاق فأين الوجوب منها ؟ ","part":6,"page":256},{"id":2418,"text":"واحتج من أوجب الخدمة بأن هذا هو المعروف عند من خاطبهم الله سبحانه بكلامه وأما ترفيه المرأة وخدمة الزوج وكنسه وطحنه وعجنه وغسيله وفرشه وقيامه بخدمة البيت فمن المنكر والله تعالى يقول : {ولهن مثل الذي عليهن بالمعروف} [ البقرة : 228 ] وقال : {الرجال قوامون على النساء} [ النساء : 34 ] وإذا لم تخدمه المرأة بل يكون هو الخادم لها فهي\rالقوامة عليه\rوأيضا : فإن المهر في مقابلة البضع وكل من الزوجين يقضي وطره من صاحبه فإنما أوجب الله سبحانه نفقتها وكسوتها ومسكنها في مقابلة استمتاعه بها وخدمتها وما جرت به عادة الأزواج\rوأيضا فإن العقود المطلقة إنما تنزل على العرف والعرف خدمة المرأة وقيامها بمصالح البيت الداخلة وقولهم : إن خدمة فاطمة وأسماء كانت تبرعا وإحسانا يرده أن فاطمة كانت تشتكي ما تلقى من الخدمة فلم يقل لعلي : لا خدمة عليها وإنما هي عليك وهو صلى الله عليه وسلم لا يحابي في الحكم أحدا ولما رأى أسماء والعلف على رأسها والزبير معه لم يقل له : لا خدمة عليها وأن هذا ظلم لها بل أقره على استخدامها وأقر سائر أصحابه على استخدام أزواجهم مع علمه بأن منهن الكارهة والراضية هذا أمر لا ريب فيه\rولا يصح التفريق بين شريفة ودنيئة وفقيرة وغنية فهذه أشرف نساء العالمين كانت تخدم زوجها وجاءته صلى الله عليه وسلم تشكو إليه الخدمة فلم يشكها وقد سمى النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح المرأة عانية فقال : [ اتقوا الله في النساء فإنهن عوان عندكم ] والعاني : الأسير ومرتبة الأسير خدمة من هو تحت يده ولا ريب أن النكاح نوع من الرق كما قال بعض السلف : النكاح رق فلينظر أحدكم عند من يرق كريمته ولا يخفى على المنصف الراجح من المذهبين والأقوى من الدليلين. أ هـ {زاد المعاد حـ 5 صـ 169}","part":6,"page":257},{"id":2419,"text":"قوله تعالى : {وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ}\rالمناسبة\rقال البقاعى :\rولما ذكر الرجعة له بصيغة الأحق وبين الحق من الجانبين بين فضل الرجال بقوله : {وللرجال} أعم من أن يكونوا بعولة {عليهن} أي أزواجهم {درجة} أي فضل من جهات لا يخفى كالإنفاق والمهر لأن الدرجة المرقى إلى العلو. وقال الحرالي : لما أوثروا به من رصانة العقل وتمام الدين - انتهى. فالرجل يزيد على المرأة بدرجة من ثلاث لأن كل امرأتين بمنزلة رجل.\rولما أعز سبحانه وتعالى الرجل وصف نفسه بالعزة مبتدئاً بالاسم الأعظم الدال على كل كمال فقال عطفاً على ما تقديره : لأن الله أعزهم عليهن بحكمته : {والله} أي الذي له كمال العظمة {عزيز} إشارة إلى أنه أعز بل لا عزيز إلا هو ليخشى كل من أعاره ثوب عزة سطوته ؛ وقال : {حكيم} تنبيهاً على أنه ما فعل ذلك إلا لحكمة بالغة تسلية للنساء وإن ما أوجده بعزته وأتقنه بحكمته لا يمكن نقضه. أ هـ {نظم الدرر حـ 1 صـ 429 ـ 430}\rقال العلامة الشنقيطى :\rقوله تعالى : {وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ}.\rلم يبين هنا ما هذه الدرجة التي للرجال على النساء ، ولكنه أشار لها في موضع آخر وهو قوله تعالى :\r{الرجال قَوَّامُونَ عَلَى النسآء بِمَا فَضَّلَ الله بَعْضَهُمْ على بَعْضٍ وَبِمَآ أَنْفَقُواْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ} [ النساء : 34 ] فأشار إلى أن الرجل أفضل من المرأة. وذلك لأن الذكورة شرف وكمال والأنوثة نقص خلقي طبيعي ، والخلق كأنه مجمع على ذلك. لأن الأنثى يجعل لها جميع الناس أنواع الزينة والحلي ، وذلك إنما هو لجبر النقص الخلقي الطبيعي الذي هو الأنوثة ، بخلاف الذكر فجمال ذكورته يكفيه عن الحلي ونحوه.\rوقد أشار تعالى إلى نقص المرأة وضعفها الخلقيين الطبيعيين ، بقوله : {أَوَمَن يُنَشَّأُ فِي الحلية وَهُوَ فِي الخصام غَيْرُ مُبِينٍ} [ الزخرف : 18 ]. لأن نشأتها في الحلية دليل على نقصها المراد جبره ، والتغطية عليه بالحلي كما قال الشاعر :\rوما الحلي إلا زينة من نقيصة... يتمم من حسن إذا الحسن قصرا\rوأما إذا كان الجمال موفراً... كحسنك لم يحج إلى أن يزورا\rولأن عدم إبانتها في الخصام إذا ظلمت دليل على الضعف الخلقي ، كما قال الشاعر :\rبنفسي وأهلي من إذا عرضوا له... ببعض الأذى لم يدر كيف يجيب\rفلم يعتذر عذر البرئ ولم تزل... به سكتة حتى يقال مريب\rولا عبرة بنوادر النساء. لأن النادر لا حكم له.","part":6,"page":258},{"id":2420,"text":"وأشار بقوله {وَبِمَآ أَنْفَقُواْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ} [ النساء : 34 ] إلى أن الكامل في وصفه وقوته وخلقته يناسب حاله ، أن يكون قائماً على الضعيف الناقص خلقة.\rولهذه الحكمة المشار إليها جعل ميراثه مضاعفاً على ميراثها. لأن من يقوم على غيره مترقت للنقص ، ومن يقوم عليه غيره مترقب للزيادة ، وإيثار مترقب النقص على مترقب الزيادة ظاهر الحكمة.\rكما أنه أشار إلى حكمة كون الطلاق بيد الرجل دون إذن المرأة بقوله {نِسَآؤُكُمْ حَرْثٌ لَّكُمْ} [ البقرة : 223 ] : لأن من عرف أن حقله غير مناسب للزراعة لا ينبغي أن يرغم على الازدراع في حقل لا يناسب الزراعة. ويوضح هذا لمعنى أن آلة الازدراع بيد الرجل ، فلو أكره على البقاء مع من لا حاجة له فيها حتى ترضى بذلك ، فإنها إن أرادت أن تجامعه لا يقوم ذكره ، ولا ينتشر إليها ، فلم تقدر على تحصيل النسل منه ، الذي هو أعظم الغرض من النكاح بخلاف الرجل ، فإنه يولدها وهي كارهة كما هو ضروري.\rأ هـ {أضواء البيان حـ 1 صـ 133 ـ 134}\rوقال أبو حيان :\r{وَلِلرّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ} أي : مزية وفضيلة في الحق ، أتى بالمظهر عوض المضمر إذ كان لو أتى على المضمر لقال : ولهم عليهنّ درجة ، للتنويه بذكر الرجولية التي بها ظهرت المزية للرجال على النساء ، ولما كان يظهر في الكلام بالإضمار من تشابه الألفاظ ، وأنت تعلم ما في ذاك ، إذ كان يكون : ولهنّ مثل الذي عليهنّ بالمعروف ولهم عليهنّ درجة ، ولقلق الإضمار حذف مضمران ومضافان من الجملة الأولى. أ هـ {البحر المحيط حـ 2 صـ 200}\rفصل\rقال الفخر :\rاعلم أن فضل الرجل على المرأة أمر معلوم ، إلا أن ذكره ههنا يحتمل وجهين الأول : أن الرجل أزيد في الفضيلة من النساء في أمور أحدها :\rالعقل\rوالثاني : في الدية\rوالثالث : في المواريث\rوالرابع : في صلاحية الإمامة والقضاء والشهادة","part":6,"page":259},{"id":2421,"text":"والخامس : له أن يتزوج عليها ، وأن يتسرى عليها ، وليس لها أن تفعل ذلك مع الزوج\rوالسادس : أن نصيب الزوج في الميراث منها أكثر من نصيبها في الميراث منه\rوالسابع : أن الزوج قادر على تطليقها ، وإذا طلقها فهو قادر على مراجعتها ، شاءت المرأة أم أبت ، أما المرأة فلا تقدر على تطليق الزوج ، وبعد الطلاق لا تقدر على مراجعة الزوج ولا تقدر أيضاً على أن تمنع الزوج من المراجعة والثامن : أن نصيب الرجل في سهم الغنيمة أكثر من نصيب المرأة ، وإذا ثبت فضل الرجل على المرأة في هذه الأمور ، ظهر أن المرأة كالأسير العاجز في يد الرجل ، ولهذا قال صلى الله عليه وسلم : \" استوصوا بالنساء خيراً فإنهن عندكم عوان \" وفي خبر آخر : \" اتقوا الله في الضعيفين : اليتيم والمرأة \" ، وكان معنى الآية أنه لأجل ما جعل الله للرجال من الدرجة عليهن في الاقتدار كانوا مندوبين إلى أن يوفوا من حقوقهن أكثر ، فكان ذكر ذلك كالتهديد للرجال في الإقدام على مضارتهن وإيذائهن ، وذلك لأن كل من كانت نعم الله عليه أكثر ، كان صدور الذنب عنه أقبح ، واستحقاقه للزجر أشد.","part":6,"page":260},{"id":2422,"text":"والوجه الثاني : أن يكون المراد حصول المنافع واللذة مشترك بين الجانبين ، لأن المقصود من الزوجية السكن والألفة والمودة ، واشتباك الأنساب واستكثار الأعوان والأحباب وحصول اللذة ، وكل ذلك مشترك بين الجانبين بل يمكن أن يقال : إن نصيب المرأة فيها أوفر ، ثم إن الزوج اختص بأنواع من حقوق الزوجة ، وهي التزام المهر والنفقة ، والذب عنها ، والقيام بمصالحها ، ومنعها عن مواقع الآفات ، فكان قيام المرأة بخدمة الرجل آكد وجوباً ، رعاية لهذه الحقوق الزائدة وهذا كما قال تعالى : {الرجال قَوَّامُونَ عَلَى النساء بِمَا فَضَّلَ الله بَعْضَهُمْ على بَعْضٍ وَبِمَا أَنفَقُواْ مِنْ أموالهم} [ النساء : 34 ] وعن النبي صلى الله عليه وسلم : \" لو أمرت أحداً بالسجود لغير الله لأمرت المرأة بالسجود لزوجها \". أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 6 صـ 82}\rروى البغوى بسنده عن أبي ظبيان أن معاذ بن جبل خرج في غزاة بعثه النبي صلى الله عليه وسلم فيها ثم رجع فرأى رجالا يسجد بعضهم لبعض فذكر ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم فقال النبي صلى الله عليه وسلم \"لو أمرت أحدا أن يسجد لأحد لأمرت المرأة أن تسجد لزوجها\". أ هـ {رواه ابن ماجه : في النكاح : باب حق الزوج على المرأة برقم (1853) 1 / 595. وأبو داود : في النكاح : باب في حق الزوج على المرأة 3 / 67. وأخرجه ابن حبان في صحيحه برقم (1290) ص 314 وأحمد : 4 / 381 ، عن عبد الله بن أبي أوفى. 5 / 228 عن معاذ بن جبل 6 / 76 عن عائشة بلفظ آخر. والمصنف في شرح السنة : 9 / 158. وذكره الهيثمي في المجمع 4 / 309 وقال : رواه بتمامة البزار وأحمد باختصار ورجاله رجال الصحيح}.\rوقال ابن عرفة :\rقوله تعالى : {وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ...}.","part":6,"page":261},{"id":2423,"text":"أي في التفضيل ، وفي تفسير الدّرجة خلاف ( فالجمهور ) يحملونها على حسن العشرة كما قال ابن العباس رضي الله عنهما. وهذا الظاهر ، فيقولون وله عليها من القيام بحقه المبادرة إلى غرضه ورفقه ، مثل الذي عليه وزيادة درجة التقديم. ويريدون المعنوي وهو التفضيل ومن بدع التفاسير ما نقلوه عن ابن مسعود أن الدرجة ( اللحية ).\rقال ابن عرفة : والتفضيل هو الأمر المُباح مثل إذا تعارض سكناها في دار أرادتها مع سكناها في دار أخرى أرادها زوجها وهما مستويان ، فينبغي للمرأة إيثار اختيار الزوج. أ هـ {تفسير ابن عرفة صـ 295}\rوقال الثعالبى :\rوقوله تعالى : {وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ} قال مجاهدٌ : هو تنبيهٌ على فضْلِ حظِّه على حظِّها في الميراث ، وما أشبهه ، وقال زيد بن أسلم : ذلك في الطَّاعة ؛ علَيْها أنْ تطيعه ، وليس علَيْه أن يطيعَهَا ، وقال ابن عباس : تلك الدرَجَةُ إِشارة إِلى حضِّ الرجُلِ على حُسْن العِشرة ، والتوسُّع للنساء في المالِ والخُلُقِ ، أي : أنَّ الأفضل ينبغِي أنْ يتحامَلَ على نفسه ، وهو قولٌ حسَنٌ بارعٌ. أ هـ {الجواهر الحسان حـ 1 صـ 176}\rوقال أبو حيان :\rوالذي يظهر أن الدرجة هي ما تريده النساء من البر والإكرام والطواعية والتبجيل في حق الرجال ، وذلك أنه لما قدّم أن على كل واحد من الزوجين للآخر عليه مثل ما للآخر عليه ، اقتضى ذلك المماثلة ، فبين أنهما ، وإن تماثلا في ما على كل واحد منهما للآخر ، فعليهن مزيد إكرام وتعظيم لرجالهنّ ، وأشار إلى العلة في ذلك : وهو كونه رجلاً يغالب الشدائد والأهوال ، ويسعى دائماً في مصالح زوجته ، ويكفيها تعب الاكتساب ، فبازاء ذلك صار عليهنّ درجة للرجل في مبالغة الطواعية ، وفيما يفضي إلى الاستراحة عندها.\rوملخص ما قاله المفسرون ، يقتضى أن للرجل درجة تقتضي التفضيل. أ هـ {البحر المحيط حـ 2 صـ 201}\rوقال القرطبى :","part":6,"page":262},{"id":2424,"text":"ولا يخفى على لبيب فضل الرجال على النساء ؛ ولو لم يكن إلا أن المرأة خلقت من الرجل فهو أصلها ، وله أن يمنعها من التصرف إلا بإذنه ؛ فلا تصوم إلا بإذنه ولا تحج إلا معه.\rأ هـ {تفسير القرطبى حـ 3 صـ 125}\rكلام نفيس للعلامة ابن عاشور ـ ولله دره ـ :\rقال رحمه الله :\rالمراد بالرجال في قوله : {وللرجال} الأزواج ، كأنه قيل : ولرجالهن عليهن درجة.\rوالرجل إذا أضيف إلى المرأة ، فقيل : رجل فلانة ، كان بمعنى الزوج ، كما يقال للزوجة : امرأة فلان ، قال تعالى : {وامرأته قائمة} [ هود : 71 ] {إلا امرأتك} [ هود : 81 ].\rويجوز أن يعود الضمير إلى النساء في قوله تعالى {للذين يؤلون من نسائهم} [ البقرة : 226 ] بمناسبة أن الإيلاء من النساء هضم لحقوقهن ، إذا لم يكن له سبب ، فجاء هذا الحكم الكلي على ذلك السبب الخاص لمناسبة ؛ فإن الكلام تدرج من ذكر النساء اللائي في العصمة ، حين ذكر طلاقهن بقوله {وإن عزموا الطلاق} [ البقرة : 227 ] ، إلى ذكر المطلقات بتلك المناسبة ، ولما اختتم حكم الطلاق بقوله : {وبعولتهن أحق بردهن في ذلك} صار أولئك النساء المطلقات زوجات ، فعاد الضمير إليهن باعتبار هذا الوصف الجديد ، الذي هو الوصف المبتدأ به في الحكم ، فكان في الآية ضرب من رد العجز على الصدر ، فعادت إلى أحكام الزوجات بأسلوب عجيب والمناسبة أن في الإيلاء من النساء تطاولاً عليهن ، وتظاهراً بما جعل الله للزوج من حق التصرف في العصمة ، فناسب أن يذكَّروا بأن للنساء من الحق مثل ما للرجال.\rوفي الآية احتباك ، فالتقدير : ولهن على الرجال مثل الذي للرجال عليهن ، فحذف من الأول لدلالة الآخر ، وبالعكس.","part":6,"page":263},{"id":2425,"text":"وكان الاعتناء بذكر ما للنساء من الحقوق على الرجال ، وتشبيهه بما للرجال على النساء ؛ لأن حقوق الرجال على النساء مشهورة ، مسلمة من أقدم عصور البشر ، فأما حقوق النساء فلم تكن مما يلتفت إليه أو كانت متهاوناً بها ، وموكولة إلى مقدار حظوة المرأة عند زوجها ، حتى جاء الإسلام فأقامها.\rوأعظم ما أُسِّست به هو ما جمعته هذه الآية.\rوتقديم الظرف للاهتمام بالخبر ؛ لأنه من الأخبار التي لا يتوقعها السامعون ، فقدم ليصغى السامعون إلى المسند إليه ، بخلاف ما لو أُخر فقيل : ومثل الذي عليهن لهن بالمعروف ، وفي هذا إعلان لحقوق النساء ، وإصداع بها وإشادة بذكرها ، ومثل ذلك من شأنه أن يُتلقى بالاستغراب ، فلذلك كان محل الاهتمام.\rذلك أن حال المرأة إزاء الرجل في الجاهلية ، كانت زوجة أم غيرها ، هي حالة كانت مختلطة بين مظهر كرامة وتنافس عند الرغبة ، ومظهر استخفاف وقلة إنصاف ، عند الغضب ، فأما الأول فناشىء عما جبل عليه العربي من الميل إلى المرأة وصدق المحبة ، فكانت المرأة مطمح نظر الرجل ، ومحل تنافسه ، رغبة في الحصول عليها بوجه من وجوه المعاشرة المعروفة عندهم ، وكانت الزوجة مرموقة من الزوج بعين الاعتبار والكرامة قال شاعرهم وهو مُرَّةُ بن مَحْكانَ السْعدي :\rيا ربَّةَ البيتِ قومي غيرَ صاغرةٍ\rضُمِّي إليكِ رحالَ القَوْم والقِرَبا...\rفسماها ربة البيت وخاطبها خطاب المتلطف حين أمَرَها فأعقب الأمر بقوله غير صاغرة.\rوأما الثاني فالرجل مع ذلك يرى الزوجة مجعولة لخدمته فكان إذا غاضبها أو ناشزته ، ربما أشتد معها في خشونة المعاملة ، وإذا تخالف رأياهما أرغمها على متابعته ، بحق أو بدونه ، وكان شأن العرب في هذين المظهرين متفاوتاً بحسب تفاوتهم في الحضارة والبداوة ، وتفاوت أفرادهم في الكياسة والجلافة ، وتفاوت حال نسائهم في الاستسلام والإباء والشرف وخلافه.","part":6,"page":264},{"id":2426,"text":"روى البخاري عن عمر بن الخطاب أنه قال : \" كنا معشر قريش نغلب النساء فلما قدمنا على الأنصار إذا قومٌ تغلبهم نساؤهم فطفِق نساؤنا يأخذن من أدب الأنصار فصخبتُ علَى امرأتي فراجعتْني فأنكرتُ أن تراجعني قالت : ولِمَ تنكرُ أَن أراجعك فوالله إن أزواج النبيى ليراجعنه وإن إحداهن لتهجره اليوم حتى الليل فراعني ذلك وقلت : قد خابت من فعلت ذلك منهن ثم جمعت عليَّ ثيابي فنزلت فدخلت على حفصة فقلت لها : أَيْ حفصةُ أتغاضب إحداكن النبي اليوم حتى الليل ؟ قالت : نعم فقلت : قد خبتِ وخسرتِ \" الحديث.\rوفي رواية عن ابن عباس عنه \"كنا في الجاهلية لا نعد النساء شيئاً فلما جاء الإسلام ، وذكَرَهُن الله رأَينا لهن بذلك علينا حقاً من غير أن ندخلهن في شيء من أمورنا\" ويتعين أن يكون هذا الكلام صدراً لما في الرواية الأخرى وهو قوله : \"كنا معشر قريش نغلب النساء\" إلى آخره ، فدل على أن أهل مكة كانوا أشد من أهل المدينة في معاملة النساء.\rوأحسب أن سبب ذلك أن أهل المدينة كانوا من أزد اليمن ، واليمن أقدم بلاد العرب حضارة ، فكانت فيهم رقة زائدة.\rوفي الحديث \" جاءكم أهل اليمن هم أرق أفئدة وألين قلوباً ، الإيمانُ يَمَاننٍ والحكمةُ يَمَانية \"\rوقد سمى عمر بن الخطاب ذلك أدباً فقال : فطفِق نساؤنا يأخذْن من أدب الأنصار.\rوكانوا في الجاهلية إذا مات الرجل كان أولياؤه أحق بامرأته ، إن شاء بعضهم تزوجها إذا حلت له ، وإن شاءوا ، زوجوها بمن شاؤا وإن شاءوا لم يزوجوها فبقيت بينهم ، فهم أحق بذلك فنزلت آية : {يا أيها الذين آمنوا لا يحل لكم أن ترثوا النساء كرهاً} [ النساء : 19 ].","part":6,"page":265},{"id":2427,"text":"وفي حديث الهجرة أن النبي صلى الله عليه وسلم لما قدم المدينة مع أصحابه ، وآخى بين المهاجرين والأنصار ، آخى بين عبد الرحمن بن عوف وبين سعد بن الربيع الأنصاري ، فعَرض سعد بن الربيع على عبد الرحمن أن يناصفه ماله وقال له \"انظر أي زوجتيَّ شئتَ أنْزِلْ لك عنها\" فقال عبد الرحمن \"بارك الله لك في أهلك ومالك\" الحديث.\rفلما جاء الإسلام بالإصلاح ، كان من جملة ما أصلحه من أحوال البشر كافة ، ضبط حقوق الزوجين بوجه لم يبق معه مدخل للهضيمة حتى الأشياءُ التي قد يخفى أمرها قد جُعل لهَا التحكيم قال تعالى : {وإن خفتم شقاق بينهما فابعثوا حكماً من أهله وحكماً من أهلها إن يريداً إصلاحاً يوفق الله بينهما} [ النساء : 35 ] وهذا لم يكن للشرائع عهد بمثله.\rوأول إعلام هذا العدل بين الزوجين في الحقوق ، كان بهاته الآية العظيمة ، فكانت هذه الآية من أول ما أنزل في الإسلام.\rوالمثل أصله النظير والمشابه ، كالشبه والمثل ، وقد تقدم ذلك في قوله تعالى : {مثلهم كمثل الذي استوقد ناراً} [ البقرة : 17 ] ، وقد يكون الشيء مثلاً لشيء في جميع صفاته وقد يكون مثلاً له في بعض صفاته.\rوهي وجه الشبه.\rفقد يكون وجه المماثلة ظاهراً فلا يحتاج إلى بيانه ، وقد يكون خفياً فيحتاج إلى بيانه ، وقد ظهر هنا أنه لا يستقيم معنى المماثلة في سائر الأحوال والحقوق : أجناساً أو أنواعاً أو أشخاصاً ؛ لأن مقتضى الخلقة ، ومقتضى المقصد من المرأة والرجل ، ومقتضى الشريعة ، التخالف بين كثير من أحوال الرجال والنساء في نظام العمران والمعاشرة.","part":6,"page":266},{"id":2428,"text":"فلا جرم يعلم كل السامعين أن ليست المماثلة في كل الأحوال ، وتعين صرفها إلى معنى المماثلة في أنواع الحقوق على إجمال تبينه تفاصيل الشريعة ، فلا يتوهم أنه إذا وجب على المرأة أن تقم بيت زوجها ، وأن تجهز طعامه ، أنه يجب عليه مثل ذلك ، كما لا يتوهم أنه كما يجب عليه الإنفاق على امرأته أنه يجب على المرأة الإنفاق على زوجها بل كما تقم بيته وتجهز طعامه يجب عليه هو أن يحرس البيت وأن يحضر لها المعجنة والغربال ، وكما تحضن ولده يجب عليه أن يكفيها مؤنة الارتزاق كي لا تهمل ولده ، وأن يتعهده بتعليمه وتأديبه ، وكما لا تتزوج عليه بزوج في مدة عصمته ، يجب عليه هو أن يعدل بينها وبين زوجة أخرى حتى لا تحس بهضيمة فتكون بمنزلة من لم يتزوج عليها ، وعلى هذا القياس فإذا تأتَّت المماثلة الكاملة فتُشْرَعَ ، فعلى المرأة أن تحسن معاشرة زوجها ، بدليل ما رتب على حكم النشوز ، قال تعالى : {والتي تخافون نشوزهن} [ النساء : 34 ] وعلى الرجل مثل ذلك قال تعالى : {وعاشروهن بالمعروف} [ النساء : 19 ] وعليها حفظ نفسها عن غيره ممن ليس بزوج ، وعليه مثل ذلك عمن ليست بزوجة {} [ النور : 30 ] ثم قال : {وقل للمؤمنات يغضضن من أبصارهن ويحفظن فروجهن} [ النور : 30 ] الآية {والذين هم لفروجهم حافظون إلا على أزواجهم} [ المؤمنون : 5 6 ] إلاّ إذا كانت له زوجة أخرى فلذلك حكم آخر ، يدخل تحت قوله تعالى : {وللرجال عليهن درجة والمماثلة في بعث الحكمين ، والمماثلة في الرعاية ، ففي الحديث : الرجل راع على أهله والمرأة راعية في بيت زوجها ، والمماثلة في التشاور في الرضاع ، قال تعالى : {فإن أرادا فصالاً عن تراض منهما وتشاور} [ البقرة : 233 ] {وأتمروا بينكم بمعروف} [ الطلاق : 6 ].","part":6,"page":267},{"id":2429,"text":"وتفاصيل هاته المماثلة ، بالعين أو بالغاية ، تؤخذ من تفاصيل أحكام الشريعة ، ومرجعها إلى نفي الإضرار ، وإلى حفظ مقاصد الشريعة من الأمة ، وقد أومأ إليها قوله تعالى : {بالمعروف} أي لهن حق متلبساً بالمعروف ، غير المنكر ، من مقتضى الفطرة ، والآداب ، والمصالح ، ونفي الإضرار ، ومتابعة الشرع.\rوكلها مجال أنظار المجتهدين.\rولم أر في كتب فروع المذاهب تبويباً لأبواب تجمع حقوق الزوجين.\rوفي \"سنن أبي داود\" ، و\"سنن ابن ماجه\" ، بابان أحدهما لحقوق الزوج على المرأة ، والآخر لحقوق الزوج على الرجل ، باختصار كانوا في الجاهلية يعدون الرجل مولى للمرأة فهي ولية كما يقولون ، وكانوا لا يدخرونها تربية ، وإقامة وشفقة ، وإحساناً ، واختيار مصير ، عند إرادة تزويجها ، لما كانوا حريصين عليه من طلب الأكفاء ، بيد أنهم كانوا مع ذلك لا يرون لها حقاً في مطالبة بميراث ولا بمشاركة في اختيار مصيرها ، ولا بطلب ما لها منهم ، وقد أشار الله تعالى إلى بعض أحوالهم هذه في قوله : {وما يتلى عليكم في الكتاب في يتامى النساء التي لا تؤتونهن ما كتب لهن} [ النساء : 127 ] وقال : {فلا تعضلوهن أن ينكحن أزواجهن} [ البقرة : 232 ] فحدد الله لمعاملات النساء حدوداً ، وشرع لهن أحكاماً ، قد أعلنتها على الإجمال هذه الآية العظيمة ، ثم فصلتها الشريعة تفصيلاً ، ومن لطائف القرآن في التنبيه إلى هذا عطف المؤمنات على المؤمنين عند ذكر كثير من الأحكام أو الفضائل ، وعطف النساء على الرجال.\rوقوله : {بالمعروف} الباء للملابسة ، والمراد به ما تعرفه العقول السالمة ، المجردة من الانحياز إلى الأهواء ، أو العادات أو التعاليم الضالة ، وذلك هو الحسن وهو ما جاء به الشرع نصاً أو قياساً ، أو اقتضته المقاصد الشرعية أو المصلحة العامة ، التي ليس في الشرع ما يعارضها.","part":6,"page":268},{"id":2430,"text":"والعرب تطلق المعروف على ما قابل المنكر أي وللنساء من الحقوق مثل الذي عليهن ملابساً ذلك دائماً للوجه غير المنكر شرعاً وعقلاً ، وتحت هذا تفاصيل كبيرة تؤخذ من الشريعة ، وهي مجال لأنظار المجتهدين.\rفي مختلف العصور والأقطار.\rفقول من يرى أن البنت البكر يجبرها أبوها على النكاح ، قد سلبها حق المماثلة للابن ، فدخل ذلك تحت الدرجة ، وقول من منع جبرها وقال لا تزوج إلاّ برضاها قد أثبت لها حق المماثلة للذكر ، وقول من منع المرأة من التبرع بما زاد على ثلاثها ألا بإذن زوجها قد سلبها حق المماثلة للرجل ، وقول من جعلها كالرجل في تبرعها بما لها قد أثبت لها حق المماثلة للرجل ، وقول من جعل للمرأة حق الخيار في فراق زوجها إذا كانت به عاهة قد جعل لها جق المماثلة وقول من لم يجعل لها ذلك قد سلبها هذا الحق.\rوكل ينظر إلى أن ذلك من المعروف أو من المنكر.\rوهذا الشأن في كل ما أجمع عليه المسلمون من حقوق الصنفين ، وما اختلفوا فيه من تسوية بين الرجل والمرأة ، أو من تفرقة ، كل ذلك منظور فيه إلى تحقيق قوله تعالى : {بالمعروف} قطعاً أو ظناً فكونوا من ذلك بمحل التيقظ ، وخُذوا بالمعنى دون التلفظ.\rودين الإسلام حري بالعناية بإصلاح شأن المرأة ، وكيف لا وهي نصف النوع الإنساني ، والمربية الأولى ، التي تفيض التربية السالكة إلى النفوس قبل غيرها ، والتي تصادف عقولاً لم تمسها وسائل الشر ، وقلوباً لم تنفذ إليها خراطيم الشيطان.\rفإذا كانت تلك التربية خيراً ، وصدقاً ، وصواباً ، وحقاً ، كانت أول ما ينتقش في تلك الجواهر الكريمة ، وأسبق ما يمتزج بتلك الفطر السليمة ، فهيأت لأمثالها ، من خواطر الخير ، منزلاً رحباً ، ولم تغادر لأغيارها من الشرور كرامة ولا حباً.\rودين الإسلام دين تشريع ونظام ، فلذلك جاء بإصلاح حال المرأة ، ورفع شأنها لتتهيأ الأمة الداخلة تحت حكم الإسلام ، إلى الارتقاء وسيادة العالم.","part":6,"page":269},{"id":2431,"text":"وقوله : {وللرجال عليهن درجة} إثبات لتفضيل الأزواج في حقوق كثيرة على نسائهم لكيلا يظن أن المساواة المشروعة بقوله : {ولهن مثل الذي عليهن بالمعروف} مطردة ، ولزيادة بيان المراد من قوله {بالمعروف} ، وهذا التفضيل ثابت على الإجمال لكل رجل ، ويظهر أثر هذا التفضيل عند نزول المقتضيات الشرعية والعادية.\rوقوله : {للرجال} خبر عن ( درجة ) ، قدم للاهتمام بما تفيده اللام من معنى استحقاقهم تلك الدرجة ، كما أشير إلى ذلك الاستحقاق في قوله تعالى : {الرجال قوامون على النساء بما فضل الله بعضهم على بعض} [ النساء : 34 ] وفي هذا الاهتمام مقصدان أحدهما دفع توهم المساواة بين الرجال والنساء في كل الحقوق ، توهماً من قوله آنفاً : {ولهن مثل الذي عليهن بالمعروف} وثانيهما تحديد إيثار الرجال على النساء بمقدار مخصوص ، لإبطال إيثارهم المطلق ، الذي كان متبعاً في الجاهلية.\rوالرجال جمع رجل ، وهو الذكر البالغ من الآدميين خاصة ، وأما قولهم : امرأة رجلة الرَّأي ، فهو على التشبيه أي تشبه الرجل.\rوالدرجة ما يرتقى عليه في سلم أو نحوه ، وصيغت بوزن فعلة من درج إذا انتقل على بطء ومهل ، يقال : درج الصبي ، إذا ابتدأ في المشي ، وهي هنا استعارة للرفعة المكنَّى بها عن الزيادة في الفضيلة الحقوقية ، وذلك أنه تقرر تشبيه المزية في الفضل بالعلو والارتفاع ، فتبع ذلك تشبيه الأفضلية بزيادة الدرجات في سير الصاعد ، لأن بزيادتها زيادة الارتفاع ، ويسمون الدرجة إذا نزل منها النازل : دركة ، لأنه يدرك بها المكان النازل إليه.\rوالعبرة بالمقصد الأول ، فإن كان المقصد من الدرجة الارتفاع كدرجة السلم والعلو فهي درجة وإن كان القصد النزول كدرك الداموس فهي دركة ، ولا عبرة بنزول الصاعد وصعود النازل.","part":6,"page":270},{"id":2432,"text":"وهذه الدرجة اقتضاها ما أودعه الله في صنف الرجال من زيادة القوة العقلية والبدنية ، فإن الذكورة في الحيوان تمام في الخلقة ، ولذلك نجد صنف الذكر في كل أنواع الحيوان أذكى من الأنثى ، وأقوى جسماً وعزماً ، وعن إرادته يكون الصدر ، ما لم يعرض للخلقة عارض يوجب انحطاط بعض أفراد الصنف ، وتفوق بعض أفراد الآخر نادراً ، فلذلك كانت الأحكام التشريعية الإسلامية جارية على وفق النظم التكوينية ، لأن واضع الأمرين واحد.\rوهذه الدرجة هي ما فضل به الأزواج على زوجاتهم : من الإذن بتعدد الزوجة للرجل ، دون أن يؤذن بمثل ذلك للأنثى ، وذلك اقتضاه التزيد في القوة الجسمية ، ووفرة عدد الإناث في مواليد البشر ، ومِن جعل الطلاق بيد الرجل دون المرأة ، والمراجعة في العدة كذلك ، وذلك اقتضاه التزيد في القوة العقلية وصدق التأمل ، وكذلك جعل المرجع في اختلاف الزوجين إلى رأي الزوج في شؤون المنزل ، لأن كل اجتماع يتوقع حصول تعارض المصالح فيه ، يتعين أن يجعل له قاعدة في الانفصال والصدر عن رأي واحد معين من ذلك الجمع ، ولما كانت الزوجية اجتماع ذاتين لزم جعل إحداهما مرجعاً عند الخلاف ، ورجح جانب الرجل لأن به تأسست العائلة ، ولأنه مظنة الصواب غالباً ، ولذلك إذا لم يمكن التراجع ، واشتد بين الزوجين النزاع ، لزم تدخل القضاء في شأنهما ، وترتب على ذلك بعث الحكمين كما في آية {وإن خفتم شقاق بينهما} [ النساء : 35 ].","part":6,"page":271},{"id":2433,"text":"ويؤخذ من الآية حكم حقوق الرجال غير الأزواج بلحن الخطاب ، لمساواتهم للأزواج في صفة الرجولة التي كانت هي العلة في ابتزازهم حقوق النساء في الجاهلية فلما أسست الآية حكم المساواة والتفضيل ، بين الرجال والنساء الأزواج إبطالاً لعمل الجاهلية ، أخذنا منها حكم ذلك بالنسبة للرجال غير الأزواج على النساء ، كالجهاد وذلك مما اقتضته القوة الجسدية ، وكبعض الولايات المختلف في صحة إسنادها إلى المرأة ، والتفضيل في باب العدالة ، وولاية النكاح والرعاية ، وذلك مما اقتضته القوة الفكرية ، وضعفها في المرأة وسرعة تأثرها ، وكالتفضيل في الإرث وذلك مما اقتضته رئاسة العائلة الموجبة لفرط الحاجة إلى المال ، وكالإيجاب على الرجل إنفاق زوجه ، وإنما عدت هذه درجة ، مع أن للنساء أحكاماً لا يشاركهن فيها الرجال كالحضانة ، تلك الأحكام التي أشار إليها قوله تعالى : {للرجال نصيب مما اكتسبوا وللنساء نصيب مما اكتسبن} [ النساء : 32 ] لأن ما امتاز به الرجال كان من قبيل الفضائل.\rفأما تأديب الرجل المرأة إذا كانا زوجين ، فالظاهر أنه شرعت فيه تلك المراتب رعياً لأحوال طبقات الناس ، مع احتمال أن يكون المراد من قوله : {والتي تخافون نشوزهن فعظوهن واهجروهن في المضاجع واضربوهن} [ النساء : 34 ] أن ذلك يجريه ولاة الأمور ، ولنا فيه نظر عند ما نصل إليه إن شاء الله تعالى. أ هـ {التحرير والتنوير حـ 2 صـ 396 ـ 402}\rقوله تعالى : {والله عَزِيزٌ حَكُيمٌ}\rقال الفخر :\r{والله عَزِيزٌ حَكُيمٌ} أي غالب لا يمنع ، مصيب أحكامه وأفعاله ، لا يتطرق إليهما احتمال العبث والسفه والغلط والباطل.\rوقال ابن عاشور :\rوقوله : {والله عزيز حكيم} العزيز : القوى ، لأن العزة في كلام العرب القوة {لَيُخْرِجَنَّ الأعز منها الأذل} [ المنافقون : 8 ] وقال شاعرهم :\rوإنما العزة للكاثر\rوالحكيم : المتقن الأمور في وضعها ، من الحكمة كما تقدم.","part":6,"page":272},{"id":2434,"text":"والكلام تذييل وإقناع للمخاطبين ، وذلك أن الله تعالى لما شرع حقوق النساء كان هذا التشريع مظنة المتلقى بفرط التحرج من الرجال ، الذين ما اعتادوا أن يسمعوا أن للنساء معهم حظوظاً ، غير حظوظ الرضا والفضل والسخاء ، فأصبحت لهن حقوق يأخذنها من الرجال كرهاً ، إن أبَوْا ، فكان الرجال بحيث يرون في هذا ثلماً لعزتهم ، كما أنبأ عنه حديث عمر بن الخطاب المتقدم ، فبين الله تعالى أن الله عزيز أي قوي لا يعجزه أحد ، ولا يتقي أحداً ، وأنه حكيم يعلم صلاح الناس ، وأن عزته تؤيد حكمته فينفذ ما اقتضته الحكمة بالتشريع ، والأمر الواجب امتثاله ، ويحمل الناس على ذلك وإن كرهوا. أ هـ {التحرير والتنوير حـ 2 صـ 403}\rوقال أبو حيان :\r{والله عَزِيزٌ حَكُيمٌ} تقدّم تفسير هذين الوصفين ، وختم الآية بهما لأنه تضمنت الآية ما معناه الأمر في قوله : يتربصنّ ، والنهي في قول : ولا يحل لهنّ ، والجواز في قوله : وبعولتهنّ أحق ، والوجوب في قوله : ولهنّ مثل الذي عليهنّ ، ناسب وصفه تعالى بالعزة وهو القهر والغلبة ، وهي تناسب التكليف ، وناسب وصفه بالحكمة وهي إتقان الأشياء ووضعها على ما ينبغي ، وهي تناسب التكليف أيضاً. أ هـ {البحر المحيط حـ 2 صـ 202}\rفصل في أحكام العدة وفيه مسائل\rالمسألة الأولى : عدة الحمل تنقضي بوضع الحمل سواء المطلقة والمتوفى عنها زوجها ، وسواء في ذلك الحرة والأمة.\rالمسألة الثانية : عدة المتوفى عنها سوى الحامل أربعة أشهر وعشرة ايام سواء مات عنها زوجها قبل الدخول أو بعده وسواء في ذلك الحيض والأمة والآيسة.\rالمسألة الثالثة : عدة المطلقة المدخول بها وهي ضربان : أحدهما الحيض بالإقراء ، وهي ثلاثة أقراء الضرب الثاني الآيسات من الحيض وإما الكبر ، أو تكون لم تحض قط فعدتها ثلاثة أشهر وأما المطلقة قبل الدخول فلا عدة عليها.","part":6,"page":273},{"id":2435,"text":"المسألة الرابعة : عدة الإماء نصف عدة الحرائر فيما له نصف وفي الأقراء قرآن لأنه لا يتنصف قال عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه : ينكح العبد اثنتين ويطلق طلقتين وتعتد الأمة بحيضتين. أ هـ {تفسير الخازن حـ 1 صـ 156}\rمن لطائف الإمام القشيرى فى الآية\rقوله جلّ ذكره : {وَالمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلاَثَةَ قُرُوءٍ}.\rأمَرَ المطلقات بالعِدَّة احتراماً لصحبة الأزواج ، يعني إنْ انقطعت العلاقة بينكما فأقيموا على شرط الوفاء لما سَلَفَ من الصحبة ، ولا تقيموا غيره مقامه بهذه السرعة ؛ فاصبروا حتى يمضي مقدار من المدة. ألا ترى أن غير المدخول بها لم تؤمر بالعدة حيث لم تقم بينهما صحبة ؟\rثم قال جلّ ذكره : {وَلاَ يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللهُ فِى أَرْحَامِهِنَّ إِن كُنَّ يُؤْمِنَّ بِاللهِ وَاليَوْمِ الآخِرِ}.\rيعني إنْ انقطع بينكما السبب فلا تقطعوا ما أثبت الله من النَّسَبِ.\rثم قال جلّ ذكره : {وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدّهِنَّ}.\rيعني مَنْ سَبَقَ له الصحبة فهو أحق بالرجعة لما وقع في النكاح من الثلمة.\r{فِى ذَلِكَ إِنْ أَرَادُوا إِصْلاَحًا}.\rيعني أن يكون القصد بالرجعة استدراك ما حصل من الجفاء لا تطويل العدة عليها بأن يعزم على طلاقها بعدما أرجعها.\r{وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِى عَلَيْهِنَّ بِالمَعْرُوفِ}.\rيعني إن كان له عليها حق ما أنفق من المال فلها حق الخدمة لما سلف من الحال. {وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ وَاللهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ}.\rفي الفضيلة ، ولهن مزية في الضعف وعجز البشرية. أ هـ {لطائف الإشارات حـ 1 صـ 181}","part":6,"page":274},{"id":2436,"text":"بحث فى الآية\rوللرجال عليهن درجة\rالحمد لله خالق الزوجين الذكر والأنثى من نطفة إذا تمنى، وأشهد أن لا إله إلا الله يعلم من خلق وهو اللطيف الخبير، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله البشير النذير والسراج المنير، وبعد:\rيقول تعالى: والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء ولا يحل لهن أن يكتمن ما خلق الله في أرحامهن إن كن يؤمن بالله واليوم الآخر وبعولتهن أحق بردهن في ذلك إن أرادوا إصلاحا ولهن مثل الذي عليهن بالمعروف وللرجال عليهن درجة والله عزيز حكيم {البقرة: 228}،\rوحول آخر الآية يقول ابن كثير رحمه الله: أي ولهن على الرجال من الحق مثل ما للرجال عليهن، فليؤد كل واحد منهما إلى الآخر ما يجب عليه بالمعروف لحديث مسلم عن جابر أن الرسول صلى الله عليه وسلم قال في خطبة الوداع: \"فاتقوا الله في النساء فإنكم أخذتموهن بأمانة الله واستحللتم فروجهن بكلمة الله، ولكم عليهن أن لا يوطئن فرشكم أحدًا تكرهونه فإن فعلن ذلك فاضربوهن ضربًا غير مبرح، ولهن رزقهن وكسوتهن بالمعروف\".\rولحديث بهز بن حكيم بن معاوية بن حيدة القشيري عن أبيه عن جده قال: يا رسول الله، ما حق زوجة أحدنا عليه؟ قال: \"أن تطعمها إذا طعمت وتكسوها إذا اكتسيت ولا تضرب الوجه ولا تقبح ولا تهجر إلا في البيت\".\rوقوله تعالى: وللرجال عليهن درجة أي في الفضيلة والخلق والخلق والمنزلة والطاعة والانفاق والقيام بالمصالح والفضل في الدنيا والآخرة كما قال تعالى: الرجال قوامون على النساء بما فضل الله بعضهم على بعض وبما أنفقوا من أموالهم (ابن كثير 1-257).\rفها هو الحافظ ابن كثير يستدل بالقرآن لتفسير القرآن وهو أصح التفسير؛ أن يفسر القرآن بالقرآن، فقد بدأ القرآن بحق المرأة أولاً فقال: \"ولهن\"، ثم ثنى بحق الرجال وقال: \"عليهن\"","part":6,"page":275},{"id":2437,"text":"ومع التساوي في الحقوق والواجبات والتساوي في الخضوع لأحكام رب الأرض والسماوات، يبقى التقرير الإلهي: وللرجال عليهن درجة، وقوله تعالى: الرجال قوامون على النساء بما فضل الله بعضهم على بعض، فلابد من وجود هذه الدرجة لا لتستمر المعركة بين الرجل والمرأة، ولا لتحقيق مكاسب لصالح طرف؛ وإنما لصالح النفس الإنسانية بشقيها الرجل والمرأة على السواء، وهذه الدرجة للرجال ليست من كسبهم وإنما هي من عطاءات الله لهم لعلمه سبحانه بهم وبما يصلح من شأنهم وشأن من تولوا أمرهم.\rللرجل على المرأة درجة\rوإليك أيها الكريم شيئًا من تفاصيل هذه الدرجة كما قال ابن كثير أي في الفضيلة والخلق والخلق والمنزلة وطاعة الأمر والإنفاق.\rأولاً في الفضيلة: فقد اختار الله سبحانه وتعالى أنبياءه من الرجال ليحملوا كلامه ورسالاته إلى الناس ولم يختر رسلاً من النساء كما قال تعالى: وما أرسلنا من قبلك إلا رجالا نوحي إليهم من أهل القرى أفلم يسيروا في الأرض فينظروا كيف كان عاقبة الذين من قبلهم ولدار الآخرة خير للذين اتقوا أفلا تعقلون {يوسف: 109}،\rيقول ابن كثير في تفسيره إنما أرسل رسله من الرجال لا من النساء، وهذا قول جمهور العلماء، وأن الله تعالى لم يوحِ إلى امرأة من بنات آدم، وحي تشريع، والذي عليه أهل السنة والجماعة أنه ليس في النساء نبيةٌ وإنما فيهن صِدِّيقات، كما قال تعالى: ما المسيح ابن مريم إلا رسول قد خلت من قبله الرسل وأمه صديقة كانا يأكلان الطعام))\rفوصفها في أشرف مقاماتها بالصديقية، فلو كانت نبية لذكر ذلك في مقام التشريف والإعظام، فهي صديقة بنص القرآن. {ابن كثير: 2-477}.\rويقول ابن حجر باب وإذ قالت الملائكة يا مريم إن الله اصطفاك ليس بصريح أنها نبية ولا يمنع وصفها بأنها صديقة، فقد وصف يوسف بذلك.","part":6,"page":276},{"id":2438,"text":"ونقل النووي أن إمام الحرمين نقل الإجماع على أن مريم ليست نبية، وعن الحسن ليس في النساء نبية ولا في الجن. انتهى بتصرف. {فتح الباري ج6-542، 543}.\rثانيًا: للرجال درجة في الخَلْق والخُلُق:\rفالذي خَلَق هو الذي لم يجعل النوعين شيئًا واحدًا، فقد قال تعالى: فلما وضعتها قالت رب إني وضعتها أنثى والله أعلم بما وضعت وليس الذكر كالأنثى وإني سميتها مريم وإني أعيذها بك وذريتها من الشيطان الرجيم {آل عمران: 36}،\rومن الأسرار العجيبة أن كلمة \"وضعتُ\" قرئت بالضمة في التاء من قراءة ابن عامر فيكون من جملة كلام امرأة عمران وهي التي تشهد وتقول: ليس الذكر كالأنثى، وعلى قراءة الجمهور بسكون التاء يكون تقرير رب العالمين: ليس الذكر كالأنثى لا في الخلق ولا التكوين ولا الاستعداد الفطري، فقد زودت المرأة بالرقة والعطف وسرعة الانفعال، والاستجابة العاجلة لمطالب الطفولة بغير وعي ولا سابق تفكير بل بغير إرادة أحيانًا، وهذه ليست خصائص سطحية وإنما هي غائرة في التكوين العضوي والعصبي للمرأة وفي كل خلية من خلاياها، وزود الرجل بالخشونة والصلابة وبطء الانفعال والاستجابة واستخدام الوعي والتفكير قبل الحركة، لأن وظائفه كلها تحتاج إلى قدر من التروي قبل الإقدام.","part":6,"page":277},{"id":2439,"text":"كذلك ليس الذكر كالأنثى في التركيب البدني والهرموني والدماغي ليس الذكر كالأنثى في فرض بعض الأمور الشرعية مثل الجهاد، فإنه لم يُفرض على النساء ولله تعالى الحكمة في ذلك؛ لأن المرأة هي التي تلد الرجال الذين يجاهدون، وهي مهيأة لولادة الرجال بكل تكوينها العضوي والنفسي ومهيأة لإعدادهم للجهاد وللحياة على حد سواء، فالحرب حين تحصد الرجال وتستبقي الإناث تدع للأمة مراكز إنتاج الذرية، فرجل واحد مع أربع نساء يعوض الأمة الكثير من الرجال، ولكن ألف رجل لا يملكون أن يجعلوا امرأة واحدة تنتج أكثر مما تنتج من رجل واحد، فهذا باب من أبواب حكمة الله التي لم تجعل الذكر كالأنثى وأعفت المرأة من فريضة الجهاد إلا في حالات الضرورة القصوى.\rثالثًا: للرجال درجة في المنزلة والتقديم:\rفهو إمامها في الصلاة ولم يعرف التاريخ الإسلامي منذ فجره أن امرأةً مهما بلغ علمها وحفظها لكتاب الله تعالى وفقهها أن المسلمين قدموها لتصلي بهم، ولا طلبت المرأة هذا. والكل يحفظ حديث الرسول صلى الله عليه وسلم عند مسلم عن أبي مسعود الأنصاري قال: قال رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم : \"يؤُم القوم أقرؤهم لكتاب الله، فإن كانوا في القراءة سواءً فأعلمهم بالسنة، فإن كانوا في السنة سواء فأقدمهم هجرة، فإن كانوا في الهجرة سواءً فأقدمهم سِلْمًا ولا يَؤُمَّنَّ الرجلُ الرجلَ في سلطانه ولا يقعد في بيته على تكرمته إلا بإذنه\". {رقم 673}.\rأليس هذا فضلا ودرجةً من قبيل تفضيل الرسول صلى الله عليه وسلم الأقرأ من الرجال وتقديمه وإن كان في القوم من هو أقرأ منه من النساء وأفقه؟!\rرابعًا: هو رئيسها والحاكم عليها وليس العكس:","part":6,"page":278},{"id":2440,"text":"لقوله تعالى: ( بما فضل الله بعضهم على بعض ) يقول ابن كثير في تفسيره: لأن الرجال أفضل من النساء والرجل خير من المرأة، ولهذا كانت النبوة مختصة بالرجال، وكذلك الملك الأعظم لقوله صلى الله عليه وسلم : \"لن يفلح قوم ولوا أمرهم امرأة\". رواه البخاري.\rوكذا منصب القضاء، فالرجل أفضل من المرأة في نفسه وله الفضل عليها والإفضال، فناسب أن يكون قيمًا عليها كما قال تعالى: وللرجال عليهن درجة، وعن ابن عباس: الرجال قوامون على النساء يعني: أمراء عليهن. {ابن كثير: 1-465} بتصرف.\rأقول: وأكبر شاهد على عدم الفلاح الوارد في حديث البخاري: \"ولن يفلح قوم ولوا أمرهم امرأة\" ما ذكره القرآن من شأن ملكة سبأ: إني وجدت امرأة تملكهم وأوتيت من كل شيء ولها عرش عظيم (23) وجدتها وقومها يسجدون للشمس من دون الله وزين لهم الشيطان أعمالهم فصدهم عن السبيل فهم لا يهتدون {النمل: 23، 24} ، فهو يحكمها ولا تحكمه ويسوسها ولا تسوسه، فهل عرفنا فطرة الله التي فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله ذلك الدين القيم ولكن أكثر الناس لا يعلمون {الروم: 30}.\rوالحمد لله رب العالمين.أ هـ {إعداد شوقي عبد الصادق\rمجلة التوحيد عدد 37 1-3-2005}","part":6,"page":279},{"id":2441,"text":"قوله تعالى : {الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ وَلَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آَتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا إِلَّا أَنْ يَخَافَا أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَعْتَدُوهَا وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (229)}\rمناسبة الآية لما قبلها\rقال البقاعى :\rولما ذكر الرجعة ولم يبين لها غاية تنتهي بها فكانت الآية كالمجمل عرض سؤال : هل هي ممتدة كما كانوا يفعلون في الجاهلية متى راجعها في العدة له أن يطلقها ما دام يفعل ذلك ولو ألف مرة أو منقطعة ؟ فقال : {الطلاق} أي المحدث عنه وهو الذي تملك فيه الرجعة.\rقال الحرالي : لما كان الطلاق لما يتهيأ رده قصره الحق تعالى على المرتين اللتين يمكن فيهما تلافي النكاح بالرجعة - انتهى. وقال تعالى : {مرتان} دون طلقتان تنبيهاً - على أنه ينبغي أن تكون مرة بعد مرة كل طلقة في مرة لا أن يجمعهما في مرة.","part":6,"page":280},{"id":2442,"text":"ولما كان له بعد الثانية في العدة حالان إعمال وإهمال وكان الإعمال إما بالرجعة وإما بالطلاق بدأ بالإعمال لأنه الأولى بالبيان لأنه أقرب إلى أن يؤذي به وأخر الإهمال إلى أن تنقضي العدة لأنه مع فهمه من آية الأقراء سيصرح به في قوله في الآية الآتية {أو سرحوهن بمعروف} [ البقرة : 231 ] فقال معقباً بالفاء {فإمساك} أي إن راجعها في عدة الثانية. قال الحرالي : هو من المسك وهو إحاطة تحبس الشيء ، ومنه المسك - بالفتح - للجلد {بمعروف} قال الحرالي فصرفهم بذلك عن ضرار الجاهلية الذي كانوا عليه بتكرير الطلاق إلى غير حد فجعل له حداً يقطع قصد الضرار - انتهى {أو تسريح} أي إن طلقها الثالثة ، ولا يملك بعد هذا التسريح عليها الرجعة لما كان عليه حال أهل الجاهلية. قال الحرالي : سمى الثالثة تسريحاً لأنه إرسال لغير معنى الأخذ كتسريح الشيء الذي لا يراد إرجاعه. وقال أيضاً : هو إطلاق الشيء على وجه لا يتهيأ للعود ، فمن أرسل البازي مثلاً ليسترده فهو مطلق ، ومن أرسله لا ليسترجعه فهو مسرح انتهى. ويجوز أن يراد بالتسريح عدم المراجعة من الثانية لا أنه طلقة ثالثة. أ هـ {نظم الدرر حـ 1 صـ 430}\rسبب نزول الآية\rروى مالك في جامع الطلاق من \"الموطأ\" : \"عن هشام بن عروة عن أبيه أنه قال : كان الرجل إذا طلق امرأته ثم ارتجعها قبل أن تنقضي عدتها كان له ذلك وإن طلقها ألفَ مرة فعمَد رجلٌ إلى امرأته فطلقها حتى إذا شارفت انقضاء عدتها راجعها ثم طلقها ثم قال والله لا آويك ولا تحلين أبداً فأنزل الله تعالى : {الطلاق مرتان فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسان} فاستقبل الناس الطلاق جديداً من يومئذٍ من كان طلق منهم أو لم يطلق\".\rوروى أبو داود والنسائي عن ابن عباس قريباً منه.","part":6,"page":281},{"id":2443,"text":"ورواه الحاكم في \"مستدركه\" إلى عروة بن الزبير عن عائشة قالت : لم يكن للطلاق وقت يطلق الرجل امرأته ثم يراجعها ما لم تنقض العدة وكان بين رجل من الأنصار وبين أهله بعض ما يكون بين الناس فقال : والله لا تركتك لا أَيماً ولا ذات زوج فجعل يطلقها حتى إذا كادت العدة أن تنقضي راجعها ففعل ذلك مراراً فأنزل الله تعالى : {الطلاق مرتان} ، وفي ذلك روايات كثيرة تقارب هذه ، وفي \"سنن أبي داود\" : باب نسخ المراجعة بعد التطليقات الثلاث وأخرج حديث ابن عباس أن الرجل كان إذا طلق امرأته فهو أحق برجعتها وإن طلقها ثلاثاً فنسخ ذلك ونزل {الطلاق مرتان} ، فالآية على هذا إبطال لما كان عليه أهل الجاهلية ، وتحديد لحقوق البعولة في المراجعة. أ هـ {التحرير والتنوير حـ 2 صـ 403 ـ 404}\rقال القرطبى : \rالطلاق هو حَلّ العِصمة المنعقدةِ بين الأزواج بألفاظ مخصوصة. والطلاق مباح بهذه الآية وبغيرها ، وبقوله عليه السلام في حديث ابن عمر : \" فإن شاء أمسك وإن شاء طلق \" وقد طلق رسول الله صلى الله عليه وسلم حفصة ثم راجعها ؛ خرّجه ابن ماجه. وأجمع العلماء على أن من طلق امرأته طاهراً في طهر لم يمسها فيه أنه مطلِّق للسنّة ، وللعدّة التي أمر الله تعالى بها ، وأن له الرّجعة إذا كانت مدخولاً بها قبل أن تنقضي عدّتها ؛ فإذا انقضت فهو خاطب من الخُطّاب. فدل الكتاب والسنة وإجماع الأمّة على أن الطلاق مباح غير محظور. قال ابن المنذر : وليس في المنع منه خبر يثبت.\r","part":6,"page":282},{"id":2444,"text":"روى الدارقطنِيّ \"حدّثني أبو العباس محمد بن موسى بن عليّ الدُّولابِيّ ويعقوب بن إبراهيم ، قالا حدّثنا الحسن بن عرفة حدّثنا إسماعيل بن عياش بن حميد بن مالك اللخميّ عن مكحول عن معاذ بن جبل قال قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم : \" يا معاذ ما خلق الله شيئاً على وجه الأرض أحب إليه من العِتاق ولا خلق الله تعالى شيئاً على وجه الأرض أبغض إليه من الطلاق فإذا قال الرجل لمملوكه أنت حر إن شاء الله فهو حر ولا استثناء له وإذا قال الرجل لامرأته أنتِ طالق إن شاء الله فله استثناؤه ولا طلاق عليه \" حدّثنا محمد بن موسى بن عليّ حدّثنا حميد بن الربيع حدّثنا يزيد بن هارون أنبأنا إسماعيل بن عياش بإسناده نحوه. قال حميد قال لي يزيد بن هارون : وأيّ حديث لو كان حميد بن مالك اللخميّ معروفا! قلت : هو جدِّي! قال يزيد : سررتني ، الآن صار حديثاً\"!. أ هـ {تفسير القرطبى حـ 3 صـ 126}\rقال الفخر : \rاختلف المفسرون في أن هذا الكلام حكم مبتدأ وهو متعلق بما قبله ، قال قوم : إنه حكم مبتدأ ، ومعناه أن التطليق الشرعي يجب أن يكون تطليقة بعد تطليقة على التفريق دون الجمع والإرسال دفعة واحدة ، وهذا التفسير هو قول من قال : الجمع بين الثلاث حرام ، وزعم أبو زيد الدبوسي في الأسرار : أن هذا هو قول عمر ، وعثمان ، وعلي ، وعبد الله بن مسعود ، وعبد الله ابن عباس ، وعبد الله بن عمر ، وعمران بن الحصين ، وأبي موسى الأشعري ، وأبي الدرداء وحذيفة.\rوالقول الأول : في تفسير الآية أن هذا ليس ابتداء كلام بل هو متعلق بما قبله ، والمعنى أن الطلاق الرجعي مرتان ، ولا رجعة بعد الثلاث ، وهذا التفسير هو قول من جوز الجمع بين الثلاث ، وهو مذهب الشافعي رضي الله تعالى عنه.","part":6,"page":283},{"id":2445,"text":"حجة القائلين بالقول الأول : أن لفظ الطلاق يفيد الاستغراق ، لأن الألف واللام إذا لم يكونا للمعهود أفادا الاستغراق ، فصار تقدير الآية : كل الطلاق مرتان ، ومرة ثالثة ، ولو قال هكذا لأفاد أن الطلاق المشروع متفرق ، لأن المرات لا تكون إلا بعد تفرق بالإجماع.\rفإن قيل : هذه الآية وردت لبيان الطلاق المسنون ، وعندي الجمع مباح لا مسنون.\rقلنا : ليس في الآية بيان صفة السنة ، بل كان تفسير الأصل الطلاق ، ثم قال هذا الكلام وإن كان لفظه لفظ الخبر ، إلا أن معناه هو الأمر ، أي طلقوا مرتين يعني دفعتين ، وإنما وقع العدول عن لفظ الأمر إلى لفظ الخبر لما ذكرنا فيما تقدم أن التعبير عن الأمر بلفظ الخبر يفيد تأكيد معنى الأمر ، فثبت أن هذه الآية دالة على الأمر بتفريق الطلقات ، وعلى التشديد في ذلك الأمر والمبالغة فيه ، ثم القائلون بهذا القول اختلفوا على قولين الأول : وهو اختيار كثير من علماء الدين ، أنه لو طلقها اثنين أو ثلاثاً لا يقع إلا الواحدة ، وهذا القول هو الأقيس ، لأن النهي يدل على اشتمال المنهي عنه على مفسدة راجحة ، والقول بالوقوع سعى في إدخال تلك المفسدة في الوجود وأنه غير جائز ، فوجب أن يحكم بعدم الوقوع.\rوالقول الثاني : وهو قول أبي حنيفة رضي الله عنه : أنه وإن كان محرماً إلا أنه يقع ، وهذا منه بناء على أن النهي لا يدل على الفساد.\r","part":6,"page":284},{"id":2446,"text":"القول الثالث : في تفسير هذه الآية أن نقول : أنها ليست كلاماً مبتدأ ، بل هي متعلقة بما قبلها ، وذلك لأنه تعالى بين في الآية الأولى أن حق المراجعة ثابت للزوج ولم يذكر أن ذلك الحق ثابت دائماً أو إلى غاية معينة ، فكان ذلك كالمجمل المفتقر إلى المبين ، أو كالعام المفتقر إلى المخصص فبين في هذه الآية أن ذلك الطلاق الذي ثبت فيه للزوج حق الرجعة ، هو أن يوجد طلقتان فقط وأما بعد الطلقتين فلا يثبت ألبتة حق الرجعة بالألف واللام في قوله : الطلاق للمعهود السابق ، يعني ذلك الطلاق الذي حكمنا فيه بثبوت الرجعة هو أن يوجد مرتين ، فهذا تفسير حسن مطابق لنظم الآية والذي يدل على أن هذا التفسير أولى لوجوه الأول : أن قوله : {وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدّهِنَّ} [ البقرة : 228 ] إن كان لكل الأحوال فهو مفتقر إلى المخصص ، وإن لم يكن عاماً فهو مجمل ، لأنه ليس فيه بيان الشرط الذي عنده يثبت حق الرجعة ، فيكون مفتقراً إلى البيان ، فإذا جعلنا الآية الثانية متعلقة بما قبلها كان المخصص حاصلاً مع العام المخصوص ، أو كان البيان حاصلاً مع المجمل ، وذلك أولى من أن لا يكون كذلك ، لأن تأخير البيان عن وقت الخطاب وإن كان جائزاً إلا أن الأرجح أن لا يتأخر.\rالحجة الثانية : إذا جعلنا هذا الكلام مبتدأ ، كان قوله : {الطلاق مَرَّتَانِ} يقتضي حصر كل الطلاق في المرتين وهو باطل بالإجماع ، لا يقال : إنه تعالى ذكر الطلقة الثالثة ، وهو قوله : {أَوْ تَسْرِيحٌ بإحسان} فصار تقدير الآية : الطلاق مرتان ومرة ، لأنا نقول : إن قوله : {أَوْ تَسْرِيحٌ بإحسان} متعلق بقوله : {فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ} لا بقوله : {الطلاق مَرَّتَانِ} ولأن لفظ التسريح بالإحسان لا إشعار فيه بالطلاق ، ولأنا لو جعلنا التسريح هو الطلقة الثالثة ، لكان قوله فإن طلقها طلقة رابعة وإنه غير جائز.\r","part":6,"page":285},{"id":2447,"text":"الحجة الثالثة : ما روينا في سبب نزول هذه الآية ، إنها إنما نزلت بسبب امرأة شكت إلى عائشة رضي الله عنها أن زوجها يطلقها ويراجعها كثيراً بسبب المضارة ، وقد أجمعوا على أن سبب نزول الآية لا يجوز أن يكون خارجاً عن عموم الآية ، فكان تنزيل هذه الآية على هذا المعنى أولى من تنزيلها على حكم آخر أجنبي عنه. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 6 صـ 82 ـ 84}\rفائدة\rقال ابن عاشور : \rالتعريف في قوله ( الطلاق ) تعريف الجنس على ما هو المتبادر في تعريف المصادر وفي مساق التشريع ، فإن التشريع يقصد بيان الحقائق الشرعية ، نحو قوله : {وأحل الله البيع} [ البقرة : 275 ] وقوله : {وإن عزموا الطلاق} [ البقرة : 227 ] وهذا التعريف هو الذي أشار صاحب \"الكشاف\" إلى اختياره ، فالمقصود هنا الطلاق الرجعي الذي سبق الكلام عليه آنفاً في قوله : {وبعولتهن أحق بردهن في ذلك} [ البقرة : 228 ] فإنه الطلاق الأصلي ، وليس في أصل الشريعة طلاق بائن غير قابل للمراجعة لذاته ، إلاّ الطلقة الواقعة ثالثة ، بعد سبق طلقتين قبلها فإنها مبينة بعدُ وأما ما عداها من الطلاق البائن الثابت بالسنة ، فبينونته لحق عارض كحق الزوجة فيما تعطيه من مالها في الخلع ، ومثل الحق الشرعي في تطليق اللعان ، لمظنة انتفاء حسن المعاشرة بعد أن تَلاعنا ، ومثل حق المرأة في حكم الحاكم لها بالطلاق للإضرار بها ، وحُذف وصف الطلاق ، لأن السياق دال عليه ، فصار التقدير : الطلاق الرجعي مرتان.\rوقد أخبر عن الطلاق بأنه مرتان ، فعلم أن التقدير : حق الزوج في إيقاع التطليق الرجعي مرتان ، فأما الطلقة الثالثة فليست برجعيّة.\r","part":6,"page":286},{"id":2448,"text":"وقد دل على هذا قوله تعالى بعد ذِكر المرتين : {فإمساك بمعروف} وقوله بعدهُ : {فإن طلقها فلا تحل له من بعد حتى تنكح زوجاً غيره} [ البقرة : 230 ] الآية وقد روي مثل هذا التفسير عن النبي صلى الله عليه وسلم روي أبو بكر بن أبي شيبة : \" أن رجلاً جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال أرأيت قول الله تعالى : {الطلاق مرتان} فأين الثالثة فقال رسول الله عليه السلام : إمساك بمعروف أو تسريح بإحسان \" وسؤال الرجل عن الثالثة ، يقتضي أن نهاية الثلاث كانت حكماً معروفاً إِما من السنة وإِما من بقية الآية ، وإنما سأل عن وجه قوله ( مرتان ) ولما كان المراد بيان حكم جنس الطلاق ، باعتبار حصوله من فاعله ، وهو إنما يحصل من الأزواج كان لفظ الطلاق آيلاً إلى معنى التطليق ، كما يؤول السلام إلى معنى التسليم.\rوقوله {مرتان} ، تثنية مرة ، والمرة في كلامهم الفعلة الواحدة من موصوفها أو مضافها ، فهي لا تقع إلا جارية على حدث ، بوصف ونحوه ، أو بإضافة ونحوها ، وتقع مفردة ، ومثناة ، ومجموعة ، فتدل على عدم تكرر الفعل ، أو تكرر فعله تكرراً واحداً ، أو تكرره تكرراً متعدداً ، قال تعالى : {سنعذبهم مرتين} [ التوبة : 101 ] وتقول العرب \"نهيتك غير مرة فلم تنته\" أي مراراً ، وليس لفظ المرة بمعنى الواحدة من الأشياء الأعيان ، ألا ترى أنك تقول : أعطيتك درهماً مرتين ، إذا أعطيته درهماً ثم درهما ، فلا يفهم أنك أعطيته درهمين مقترنين ، بخلاف قولك أعطيتك درهمين.\r","part":6,"page":287},{"id":2449,"text":"فقوله تعالى : {الطلاق مرتان} يفيد أن الطلاق الرجعي شرع فيه حق التكرير إلى حد مرتين ، مرة عقب مرة أخرى لا غير ، فلا يتوهم منه في فهم أهل اللسان أن المراد : الطلاق لا يقع إلا طلقتين مقترنتين لا أكثر ولا أقل ، ومن توهم ذلك فاحتاج إلى تأويل لدفعه فقد أبعد عن مجاري الاستعمال العربي ، ولقد أكثر جماعة من متعاطي التفسير الاحتمالات في هذه الآية والتفريع عليها ، مدفوعين بأفهام مولدة ، ثم طبقوها على طرائق جدلية في الاحتجاج لاختلاف المذاهب في إثبات الطلاق البدعي أو نفيه ، وهم في إرخائهم طِوَل القول ناكبون عن معاني الاستعمال ، ومن المحققين من لم يفته المعنى ولم تف به عبارته كما وقع في \"الكشاف\".\rويجوز أن يكون تعريف الطلاق تعريف العهد ، والمعهود هو ما يستفاد من قوله تعالى : {والمطلقات يتربصن إلى قوله وبعولتهن أحق بردهن} [ البقرة : 228 ] فيكون كالعهد في تعريف الذَّكَر في قوله تعالى : {وليس الذكر كالأنثى} [ آل عمران : 36 ] فإنه معهود مما استفيد من قوله : {إني نذرت لك ما في بطني} [ آل عمران : 35 ].\rوقوله : {فإمساك بمعروفٍ} جملة مفرعة على جملة {الطلاق مرتان} فيكون الفاء للتعقيب في مجرد الذكر ، لا في وجود الحكم. أ هـ {التحرير والتنوير حـ 2 صـ 404 ـ 405}\rفائدة\rقال ابن الجوزى : \rالطلاق على أربعة أضرب : \rواجب ، ومندوب إليه ، ومحظور ، ومكروه.\rفالواجب : طلاق المؤلي بعد التربص ، إذا لم يفئ ، وطلاق الحكمين في شقاق الزوجين ، إذا رأيا الفرقة.\rوالمندوب : إذا لم يتفقا ، واشتدَّ الشقاق بينهما ، ليتخلصا من الإثم.\rوالمحظور : في الحيض ، إذا كانت مدخولاً بها ، وفي طهر جامعها فيه قبل أن تطهر.\rوالمكروه : إذا كانت حالهما مستقيمة ، وكل واحد منهما قيم بحق صاحبه. أ هـ {زاد المسير حـ 1 صـ 264}","part":6,"page":288},{"id":2450,"text":"فائدة\rقال الجصاص : \rوقَوْله تَعَالَى : {الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ} وَإِنْ كَانَ ظَاهِرُهُ الْخَبَرَ فَإِنَّ مَعْنَاهُ الْأَمْرُ ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى : {وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ} {وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ} وَمَا جَرَى هَذَا الْمَجْرَى مِمَّا هُوَ فِي صِيغَةِ الْخَبَرِ وَمَعْنَاهُ الْأَمْرُ وَالدَّلِيلُ عَلَى أَنَّهُ أَمْرٌ وَلَيْسَ بِخَبَرٍ ، أَنَّهُ لَوْ كَانَ خَبَرًا لَوُجِدَ مُخْبَرُهُ عَلَى مَا أُخْبِرَ بِهِ ؛ لِأَنَّ أَخْبَارَ اللَّهِ لَا تَنْفَكُّ مِنْ وُجُودِ مُخْبَرَاتهَا ؛ فَلَمَّا وَجَدْنَا النَّاسَ قَدْ يُطَلِّقُونَ الْوَاحِدَةَ وَالثَّلَاثَ مَعًا ، وَلَوْ كَانَ قَوْله تَعَالَى : {الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ} اسْمًا لِلْخَبَرِ لَاسْتَوْعَبَ جَمِيعَ مَا تَحْتَهُ ، ثُمَّ وَجَدْنَا فِي النَّاسِ مَنْ يُطَلِّقُ لَا عَلَى الْوَجْهِ الْمَذْكُورِ فِي الْآيَةِ ، عَلِمْنَا أَنَّهُ لَمْ يُرِدْ الْخَبَرَ وَأَنَّهُ تَضَمَّنَ أَحَدَ مَعْنَيَيْنِ : إمَّا الْأَمْرُ بِتَفْرِيقِ الطَّلَاقِ مَتَى أَرَدْنَا الْإِيقَاعَ ، أَوْ الْإِخْبَارُ عَنْ الْمَسْنُونِ الْمَنْدُوبِ إلَيْهِ مِنْهُ.\rوَأَوْلَى الْأَشْيَاءِ حَمْلُهُ عَلَى الْأَمْرِ ؛ إذْ قَدْ ثَبَتَ أَنَّهُ لَمْ يُرِدْ بِهِ حَقِيقَةَ الْخَبَرِ ؛ لِأَنَّهُ حِينَئِذٍ يَصِيرُ بِمَعْنَى قَوْلِهِ \" طَلِّقُوا مَرَّتَيْنِ مَتَى أَرَدْتُمْ الطَّلَاقَ \" وَذَلِكَ يَقْتَضِي الْإِيجَابَ ، وَإِنَّمَا يَنْصَرِفُ إلَى النَّدْبِ بِدَلَالَةٍ ، وَيَكُونُ كَمَا قَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : {الصَّلَاةُ مَثْنَى مَثْنَى وَالتَّشَهُّدُ فِي كُلِّ رَكْعَتَيْنِ وَتَمَسْكُنٌ وَخُشُوعٌ} فَهَذِهِ صِيغَةُ الْخَبَرِ ، وَالْمُرَادُ الْأَمْرُ بِالصَّلَاةِ عَلَى هَذِهِ الصِّفَةِ.\r","part":6,"page":289},{"id":2451,"text":"وَعَلَى أَنَّهُ إنْ حُمِلَ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ بَيَانُ الْمَسْنُونِ\rمِنْ الطَّلَاقِ كَانَتْ دَلَالَتُهُ قَائِمَةً عَلَى حَظْرِ جَمْعِ الِاثْنَيْنِ أَوْ الثَّلَاثِ ؛ لِأَنَّ قَوْلَهُ : {الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ} مُنْتَظِمٌ لِجَمِيعِ الطَّلَاقِ الْمَسْنُونِ ، فَلَا يَبْقَى شَيْءٌ مِنْ مَسْنُونِ الطَّلَاقِ إلَّا وَقَدْ انْطَوَى تَحْتَ هَذَا اللَّفْظِ ، فَإِذَا مَا خَرَجَ عَنْهُ فَهُوَ عَلَى خِلَافِ السُّنَّةِ ، فَثَبَتَ بِذَلِكَ أَنَّ مَنْ جَمَعَ اثْنَتَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا فِي كَلِمَةٍ فَهُوَ مُطَلِّقٌ لِغَيْرِ السُّنَّةِ.\rفَانْتَظَمَتْ هَذِهِ الْآيَةُ الدَّلَالَةَ عَلَى مَعَانٍ : مِنْهَا أَنَّ مَسْنُونَ الطَّلَاقِ التَّفْرِيقُ بَيْنَ أَعْدَادِ الثَّلَاثِ إذَا أَرَادَ أَنْ يُطَلِّقَ ثَلَاثًا.\rوَمِنْهَا أَنَّ لَهُ أَنْ يُطَلِّقَ اثْنَتَيْنِ فِي مَرَّتَيْنِ.\rوَمِنْهَا أَنَّ مَا دُونَ الثَّلَاثِ تَثْبُتُ مَعَهُ الرَّجْعَةُ.\rوَمِنْهَا أَنَّهُ إذَا طَلَّقَ اثْنَتَيْنِ فِي الْحَيْضِ وَقَعَتَا ؛ لِأَنَّ اللَّهَ قَدْ حَكَمَ بِوُقُوعِهِمَا.\rوَمِنْهَا أَنَّهُ نَسَخَ هَذِهِ الْآيَةَ الزِّيَادَةَ عَلَى الثَّلَاثِ ، عَلَى مَا رُوِيَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ وَغَيْرِهِ أَنَّهُمْ كَانُوا يُطَلِّقُونَ مَا شَاءُوا مِنْ الْعَدَدِ ثُمَّ يُرَاجِعُونَ ، فَقُصِرُوا عَلَى الثَّلَاثِ وَنُسِخَ بِهِ مَا زَادَ.\r","part":6,"page":290},{"id":2452,"text":"فَفِي هَذِهِ الْآيَةِ دَلَالَةٌ عَلَى حُكْمِ الْعَدَدِ الْمَسْنُونِ مِنْ الطَّلَاقِ ، وَلَيْسَ فِيهَا ذِكْرُ الْوَقْتِ الْمَسْنُونِ فِيهِ إيقَاعُ الطَّلَاقِ ، وَقَدْ بَيَّنَ اللَّهُ ذَلِكَ فِي قَوْله تَعَالَى : {فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ} وَبَيَّنَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ طَلَاقَ الْعِدَّةِ { ، فَقَالَ لِابْنِ عُمَرَ حِينَ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ وَهِيَ حَائِضٌ : مَا هَكَذَا أَمَرَك اللَّهُ إنَّمَا طَلَاقُ الْعِدَّةِ أَنْ تُطَلِّقَهَا طَاهِرًا مِنْ غَيْرِ جِمَاعٍ أَوْ حَامِلًا وَقَدْ اسْتَبَانَ حَمْلُهَا فَتِلْكَ الْعِدَّةُ الَّتِي أَمَرَ اللَّهُ أَنْ يُطَلَّقَ لَهَا النِّسَاءُ} ؛ فَكَانَ طَلَاقُ السُّنَّةِ مَعْقُودًا بِوَصْفَيْنِ : أَحَدُهُمَا : الْعَدَدُ ، وَالْآخَرُ : الْوَقْتُ.\rفَأَمَّا الْعَدَدُ فَأَنْ لَا يَزِيدَ فِي طُهْرٍ وَاحِدٍ عَلَى وَاحِدَةٍ ، وَأَمَّا الْوَقْتُ فَأَنْ يُطَلِّقَهَا طَاهِرًا مِنْ غَيْرِ جِمَاعٍ أَوْ حَامِلًا قَدْ اسْتَبَانَ حَمْلُهَا. أ هـ {أحكام القرآن للجصاص حـ 2 صـ 74 ـ 75}","part":6,"page":291},{"id":2453,"text":"قوله تعالى : {فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بإحسان}\rقال الفخر : \rتقدير الآية ذلك الطلاق الذي حكمنا فيه بثبوت الرجعة للزوج ، هو أن يوجد مرتان ، ثم الواجب بعد هاتين المرتين إما إمساك بمعروف أو تسريح بإحسان ، ومعنى الإمساك بالمعروف هو أن يراجعها لا على قصد المضارة ، بل على قصد الإصلاح والإنفاع ، وفي معنى الآية وجهان أحدهما : أن توقع عليها الطلقة الثالثة ، \" روي أنه لما نزل قوله تعالى : {الطلاق مَرَّتَانِ} قيل له صلى الله عليه وسلم : فأين الثالثة ؟ فقال صلى الله عليه وسلم : هو قوله : {أَوْ تَسْرِيحٌ بإحسان} \" والثاني : أن معناه أن يترك المراجعة حتى تبين بانقضاء العدة ، وهو مروي عن الضحاك والسدي.\rواعلم أن هذا الوجه هو الأقرب لوجوه أحدها : أن الفاء في قوله : {فَإِن طَلَّقَهَا} [ البقرة : 230 ] تقتضي وقوع الطلقة متأخرة عن ذلك التسريح ، فلو كان المراد بالتسريح هو الطلقة الثالثة ، لكان قوله : فإن طلقها طلقة رابعة وأنه لا يجوز وثانيها : أنا لو حملنا التسريح على ترك المراجعة كانت الآية متناولة لجميع الأحوال ، لأنه بعد الطلقة الثانية ، إما أن يراجعها وهو المراد بقوله : {فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ} أو لا يراجعها بل يتركها حتى تنقضي العدة وتحصل البينونة وهو المراد بقوله : {أَوْ تَسْرِيحٌ بإحسان} أو يطلقها وهو المراد بقوله : {فَإِن طَلَّقَهَا} فكانت الآية مشتملة على بيان كل الأقسام ، أما لو جعلنا التسريح بالإحسان طلاقاً آخر لزم ترك أحد الأقسام الثلاث ، ولزم التكرير في ذكر الطلاق وأنه غير جائز وثالثها : أن ظاهر التسريح هو الإرسال والإهمال فحمل اللفظ على ترك المراجعة أولى من حمله على التطليق ورابعها : أنه قال بعد ذكر التسريح {وَلاَ يَحِلُّ لَكُمْ أَن تَأْخُذُواْ مِمَّا ءاتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا} والمراد به الخلع ، ومعلوم أنه لا يصح الخلع بعد أن طلقها الثالثة ، فهذه الوجوه ظاهرة لو لم يثبت الخبر الذي رويناه في صحة ذلك القول ، فإن صح ذلك الخبر فلا مزيد عليه.","part":6,"page":292},{"id":2454,"text":"واعلم أن المراد من الإحسان ، هو أنه إذا تركها أدى إليها حقوقها المالية ، ولا يذكرها بعد المفارقة بسوء ولا ينفر الناس عنها. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 6 صـ 84 ـ 85}\rفوائد لغوية\rقال ابن عاشور : \rو ( إمساك ) خبر مبتدأ محذوف تقديره فالشأن أو فالأمر إمساك بمعروف أو تسريح على طريقة {فصبر جميل} [ يوسف : 18 ] وإذ قد كان الإمساك والتسريح ممكنين عند كل مرة من مرتي الطلاق ، كان المعنى فإمساك أو تسريح في كل مرة من المرتين ، أي شأن الطلاق أن تكون كل مرة منه معقبة بإرجاع بمعروف أو ترك بإحسان ، أي دون ضرار في كلتا الحالتين.\rوعليه فإمساك وتسريح مصدران ، مراد منهما الحقيقة والاسم ، دون إرادة نيابة عن الفعل ، والمعنى أن المطلق على رأس أمره فإن كان راغباً في امرأته فشأنه إمساكها أي مراجعتها ، وإن لم يكن راغباً فيها فشأنه ترك مراجعتها فتسرح ، والمقصود من هذه الجملة إدماج الوصاية بالإحسان في حال المراجعة ، وفي حال تركها ، فإن الله كتب الإحسان على كل شيء ، إبطالاً لأفعال أهل الجاهلية ؛ إذ كانوا قد يراجعون المرأة بعد الطلاق ثم يطلقونها دَوَالَيْك ، لتبقى زمناً طويلاً في حالة ترك إضراراً بها ، إذ لم يكن الطلاق عندهم منتهياً إلى عدد لا يملك بعده المراجعة ، وفي هذا تمهيد لما يرد بعده من قوله : {ولا يحل لكم أن تأخذوا مما أتيتموهن شيئاً الآية.\rويجوز أن يكون إمساك وتسريح مصدرين جعلا بدلين من فعليهما ، على طريقة المفعول المطلق الآتي بدلاً من فعله ، وأصلهما النصب ، ثم عدل عن النصب إلى الرفع لإفادة معنى الدوام ، كما عدل عن النصب إلى الرفع في قوله تعالى : {قال سلامٌ} [ هود : 69 ] وقد مضى أول سورة الفاتحة ، فيكون مفيداً معنى الأمر بالنيابة عن فعله ، ومفيداً الدوام بإيراد المصدرين مرفوعين ، والتقدير فأمسكوا أو سرحوا.","part":6,"page":293},{"id":2455,"text":"فتبين أن الطلاق حدد بمرتين ، قابلة كل منهما للإمساك بعدها ، والتسريح بإحسان توسعة على الناس ليرتأوا بعد الطلاق ما يليق بحالهم وحال نسائهم ، فلعلهم تعرض لهم ندامة بعد ذوق الفراق ويحسوا ما قد يغفلون عن عواقبه حين إنشاء الطلاق ، عن غضب أو عن ملالة ، كما قال تعالى : {لا تدري لعل الله يحدث بعد ذلك أمراً} [ الطلاق : 1 ] وقوله : {ولا تمسكوهن ضراراً لتعتدوا ومن يفعل ذلك فقد ظلم نفسه ولا تتخذوا آيات الله هزواً} [ البقرة : 231 ] وليس ذلك ليتخذوه ذريعة للإضرار بالنساء كما كانوا يفعلون قبل الإسلام.\rوقد ظهر من هذا أن المقصود من الجملة هو الإمساك أو التسريح المطْلَقين وأما تقييد الإمساك بالمعروف والتسريح بالإحسان ، فهو إدماج لوصية أخرى في كلتا الحالتين ، إدماجاً للإرشاد في أثناء التشريع.\rوقدم الإمساك على التسريح إيماء إلى أنه الأهم ، المرغب فيه في نظر الشرع.\rوالإمساك حقيقته قبض اليد على شيء مخافة أن يسقط أو يتفلت ، وهو هنا استعارة لدوام المعاشرة.\rوالتسريح ضد الإمساك في معنييه الحقيقي والمجازي ، وهو مستعار هنا لإبطال سبب المعاشرة بعد الطلاق ، وهو سبب الرجعة ثم استعارة ذلك الإبطال للمفارقة فهو مجاز بمرتبتين.\rوالمعروف هنا هو ما عرفه الناس في معاملاتهم من الحقوق التي قررها الإسلام أو قررتها العادات التي لا تنافي أحكام الإسلام.\rوهو يناسب الإمساك لأنه يشتمل على أحكام العصمة كلها من إحسان معاشرة ، وغير ذلك ، فهو أعم من الإحسان.\rوأما التسريح فهو فراق ومعروفه منحصر في الإحسان إلى المفارقة بالقول الحسن والبذل بالمتعة ، كما قال تعالى : {فمتعوهن وسرحوهن سراحاً جميلاً} [ الأحزاب : 49 ] وقد كان الأزواج يظلمون المطلقات ويمنعونهن من حليهن ورياشهن ، ويكثرون الطعن فيهن. أ هـ {التحرير والتنوير حـ 2 صـ 405 ـ 407}\rسؤال : ما الحكمة في إثبات حق الرجعة ؟ ","part":6,"page":294},{"id":2456,"text":"الجواب : الحكمة في إثبات حق الرجعة أن الإنسان ما دام يكون مع صاحبه لا يدري أنه هل تشق عليه مفارقته أو لا فإذا فارقه فعند ذلك يظهر ، فلو جعل الله الطلقة الواحدة مانعة من الرجوع لعظمت المشقة على الإنسان بتقدير أن تظهر المحبة بعد المفارقة ، ثم لما كان كمال التجربة لا يحصل بالمرة الواحدة ، فلا جرم أثبت تعالى حق المراجعة بعد المفارقة مرتين ، وعند ذلك قد جرب الإنسان نفسه في تلك المفارقة وعرف حال قلبه في ذلك الباب ، فإن كان الأصلح إمساكها راجعها وأمسكها بالمعروف ، وإن كان الأصلح له تسريحها سرحها على أحسن الوجوه وهذا التدريج والترتيب يدل على كمال رحمته ورأفته بعبده. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 6 صـ 85}\rفصل\rقال القرطبى : ","part":6,"page":295},{"id":2457,"text":"ترجم البخاريّ على هذه الآية \"باب من أجاز الطلاق الثلاث بقوله تعالى : الطلاق مرتان فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسان\" وهذا إشارة منه إلى أن هذا التعديد إنما هو فُسْحَة لهم ؛ فمن ضيّق على نفسه لزمه. قال علماؤنا : واتفق أئمة الفتوى على لزوم إيقاع الطلاق الثلاث في كلمة واحدة ؛ وهو قول جمهور السلف ، وشذّ طاوس وبعض أهل الظاهر إلى أن طلاق الثلاث في كلمة واحدة يقع واحدة ؛ ويروى هذا عن محمد بن إسحاق والحجاج بن أرطاة. وقيل عنهما : لا يلزم منه شيء ؛ وهو قول مقاتل. ويحكى عن داود أنه قال لا يقع. والمشهور عن الحجاج بن أرطاة وجمهور السلف والأئمة أنه لازم واقع ثلاثاً. ولا فرق بين أن يوقع ثلاثاً مجتمعة في كلمة أو متفرّقة في كلمات ؛ فأما من ذهب إلى أنه لا يلزم منه شيء فاحتج بدليل قوله تعالى : {والمطلقات يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلاَثَةَ قرواء} [ البقرة : 228 ]. وهذا يعُمُّ كل مطلقة إلا ما خص منه ؛ وقد تقدّم. وقال : {الطلاق مَرَّتَانِ} والثالثة {فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ}. ومن طلق ثلاثاً في كلمة فلا يلزم ؛ إذ هو غير مذكور في القرآن. وأما من ذهب إلى أنه واقع واحدةً فاستدل بأحاديث ثلاثةٍ : أحدها حديث ابن عباس من رواية طاوس وأبي الصَّهْباء وعكرمة. وثانيها حديث ابن عمر على رواية من روى أنه طلق امرأته ثلاثاً ، وأنه عليه السلام أمره برجعتها واحتسبت له واحدة. وثالثها أن رُكَانَة طلق امرأته ثلاثاً فأمره رسول الله صلى الله عليه وسلم برجعتها ؛ والرجعة تقتضي وقوع واحدة. والجواب عن الأحاديث ما ذكره الطحاويّ أن سعيد بن جبير ومجاهداً وعطاء وعمرو بن دينار ومالك بن الحويرث ومحمد بن إياس بن البُكَيْر والنعمان بن أبي عياش رووا عن ابن عباس فيمن طلق امرأته ثلاثاً أنه قد عصى ربه وبانت منه امرأته ، ولا ينكحها إلا بعد زوج ؛ وفيما رواه هؤلاء الأئمة عن ابن عباس مما يوافق الجماعة ما يدل على","part":6,"page":296},{"id":2458,"text":"وهن رواية طاوس وغيره ؛ وما كان ابن عباس ليخالف الصحابة إلى رأي نفسه.\rقال ابن عبد البر : ورواية طاوس وَهْمٌ وغلط لم يعرج عليها أحد من فقهاء الأمصار بالحجاز والشام والعراق والمشرق والمغرب ؛ وقد قيل : إن أبا الصهباء لا يعرف في موالي ابن عباس. قال القاضي أبو الوليد الباجي : \"وعندي أن الرواية عن ابن طاوس بذلك صحيحة ، فقد روى عنه الأئمة : مَعْمَر وابن جريج وغيرهما ؛ وابن طاوس إمام. والحديث الذي يشيرون إليه هو ما رواه ابن طاوس عن أبيه عن ابن عباس قال : كان الطلاق على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبي بكر وسنتين من خلافة عمر بن الخطاب طلاق الثلاث واحدة ؛ فقال عمر رضي الله عنه : إن الناس قد استعجلوا في أمر كانت لهم فيه أناة ؛ فلو أمضيناه عليهم! فأمضاه عليهم. ومعنى الحديث أنهم كانوا يوقِعون طلقة واحدة بدل إيقاع الناس الآن ثلاث تطليقات ؛ ويدل على صحة هذا التأويل أن عمر قال : إن الناس قد استعجلوا في أمر كانت لهم فيه أناة ؛ فأنكر عليهم أن أحدثوا في الطلاق استعجال أمر كانت لهم فيه أناة ؛ فلو كان حالهم ذلك في أوّل الإسلام في زمن النبيّ صلى الله عليه وسلم ما قاله ، ولا عاب عليهم أنهم استعجلوا في أمر كانت لهم فيه أناة. ويدل على صحة هذا التأويل ما روي عن ابن عباس من غير طريقٍ أنه أفتى بلزوم الطلاق الثلاث لمن أوقعها مجتمعة ؛ فإن كان هذا معنى حديث ابن طاوس فهو الذي قلناه ، وإن حمل حديث ابن عباس على ما يتأوّل فيه من لا يُعْبأ بقوله فقد رجع ابن عباس إلى قول الجماعة وانعقد به الإجماع ؛ ودليلنا من جهة القياس أن هذا طلاق أوقعه من يملكه فوجب أن يُلزَمه ، أصل ذلك إذا أوقعه مفرداً\".","part":6,"page":297},{"id":2459,"text":"قلت : ما تأوّله الباجيّ هو الذي ذكر معناه الكيا الطبريّ عن علماء الحديث ؛ أي إنهم كانوا يطلّقون طلقة واحدة هذا الذي يطلّقون ثلاثاً ، أي ما كانوا يطلقون في كل قرء طلقة ؛ وإنما كانوا يطلقون في جميع العدّة واحدة إلى أن تَبِين وتنقضي العدّة. وقال القاضي أبو محمد عبد الوهاب : معناه أن الناس كانوا يقتصرون على طلقة واحدة ، ثم أكثروا أيام عمر من إيقاع الثلاث. قال القاضي : وهذا هو الأشبه بقول الراوي : إن الناس في أيام عمر استعجلوا الثلاث فعَجّل عليهم ؛ معناه ألزمهم حكمها.","part":6,"page":298},{"id":2460,"text":"وأما حديث ابن عمر فإن الدارقطنِيّ روى عن أحمد بن صبيح عن طريف بن ناصح عن معاوية بن عمار الدهنيّ عن أبي الزبير قال : سألت ابن عمر عن رجل طلق امرأته ثلاثاً وهي حائض ؛ فقال لي : أتعرف ابن عمر ؟ قلت : نعم ؛ قال : طلقت امرأتي ثلاثاً على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ( وهي حائض ) فردّها رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى السُّنّة. فقال الدارقطنيّ : كلهم من الشيعة ؛ والمحفوظ أن ابن عمر طلق امرأته واحدة في الحيض. قال عبيد الله : وكان تطليقه إياها في الحيض واحدة غير أنه خالف السنة. وكذلك قال صالح بن كيسان وموسى بن عقبة وإسماعيل بن أُمية وليث بن سعد وابن أبي ذئب وابن جريج وجابر وإسماعيل بن إبراهيم بن عقبة عن نافع : أن ابن عمر طلق تطليقة واحدة. وكذا قال الزهريّ عن سالم عن أبيه ويونس بن جبير والشعبيّ والحسن. وأما حديث رُكَانَة فقيل : إنه حديث مضطرب منقطع ، لا يستند من وجه يحتج به ؛ رواه أبو داود من حديث ابن جريج عن بعض بني أبي رافع ، وليس فيهم من يحتج به ، عن عكرمة \" عن ابن عباس. وقال فيه : إن رُكانة بن عبد يزيد طلق امرأته ثلاثاً ؛ فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم : \"أرجعها\" \" وقد رواه أيضاً من طرق عن نافع بن عجير أن ركانة بن عبد يزيد طلق امرأته البتة فاستحلفه رسول الله صلى الله عليه وسلم ما أراد بها ؟ فحلف ما أراد إلا واحدة ؛ فردّها إليه. فهذا اضطراب في الاسم والفعل ؛ ولا يحتج بشيء من مثل هذا.","part":6,"page":299},{"id":2461,"text":"قلت : قد أخرج هذا الحديث من طرقٍ الدّارقطنيّ في سننه ؛ قال في بعضها : \"حدّثنا محمد بن يحيى بن مِرداس حدّثنا أبو داود السجستانيّ حدّثنا أحمد ابن عمرو بن السرح وأبو ثور إبراهيم بن خالد الكلبيّ وآخرون قالوا : حدّثنا محمد بن إدريس الشافعي حدّثني عمى محمد بن علي بن شافع عن عبد الله بن عليّ بن السائب \" عن نافع بن عجير ابن عبد يزيد : أن ركانة ابن عبد يزيد طلق امرأته سُهَيْمة المزنية البَتّة ؛ فأخبر النبي صلى الله عليه وسلم بذلك ؛ فقال : والله ما أردت إلا واحدة ؛ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : \"والله ما أردت إلا واحدة\" ؟ فقال رُكانة : والله ما أردت بها إلا واحدة ؛ فردّها إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم \" ؛ فطلقها الثانية في زمان عمر بن الخطاب ، والثالثة في زمان عثمان. قال أبو داود : هذا حديث صحيح\". فالذي صح من حديث ركانة أنه طلق امرأته البتة لا ثلاثاً ؛ وطلاق البتّةِ قد اختلف فيه على ما يأتي بيانه فسقط الاحتجاج والحمد لله ، والله أعلم. وقال أبو عمر : رواية الشافعيّ لحديث ركانة عن عمه أتمّ ، وقد زاد زيادة لا تردّها الأُصول ؛ فوجب قبولها لثقة ناقليها ، والشافعيّ وعمه وجدّه أهل بيت ركانة ، كلهم من بني عبد المطلب بن عبد مناف وهم أعلم بالقصة التي عرضت لهم. أ هـ {تفسير القرطبى حـ 3 صـ 132}\rقوله تعالى : {وَلَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آَتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا إِلَّا أَنْ يَخَافَا أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ}\rالمناسبة\rقال البقاعى : ","part":6,"page":300},{"id":2462,"text":"ولما كان مقصود النكاح حسن الصحبة وكانت من الرجل الإمتاع بالنفس والمال وكان الطلاق منعاً للإمتاع بالنفس قال : {بإحسان} تعريضاً بالجبر بالملل لئلا يجتمع منعان : منع النفس وذات اليد - أفاده الحرالي وقال : ففيه بوجه ما تعريض بما صرحت به آية المتعة الآتية - انتهى. ومن ذلك بذل الصداق كاملاً وأن لا يشاححها في شيء لها فيه حق مع طيب المقال وكرم الفعال.\rولما كان سبحانه وتعالى قد خيره بين شيئين : الرجعة والتسريح الموصوفين وكانت الرجعة أقرب إلى الخير بدأ بها ولكنها لما كانت قد تكون لأجل الافتداء بما أعطيته المرأة وكان أخذه أو شيئاً منه مشاركاً للسراح في أنه يقطع عليه ما كان له من ملك الرجعة ولا يملك بعد هذا التسريح عليها الرجعة كما كان عليه حال أهل الجاهلية وكان الافتداء قد يكون في الأولى لم يفرعها بالقابل قال مشيراً إلى أن من إحسان التسريح سماح الزوج بما أعطاها عاطفاً على ما تقديره : فلا يحل لكم مضارتهن : {ولا يحل لكم} أي أيها المطلقون أو المتوسطون من الحكام وغيرهم لأنهم لما كانوا آمرين عدوا آخذين {أن تأخذوا} إحساناً في السراح {مما آتيتموهن} من صداق وغيره {شيئاً} أي بدون مخالفة. قال الحرالي : لأن إيتاء الرجل للمرأة إيتاء نحلة لإظهار مزية الدرجة لا في مقابلة الانتفاع فلذلك أمضاه ولم يرجع منه شيئاً ولذلك لزم في النكاح الصداق لتظهر مزية الرجل بذات اليد كما ظهرت في ذات النفس - انتهى.","part":6,"page":301},{"id":2463,"text":"ولما كان إسناد الخوف إلى ضمير الجمع ربما ألبس قال : {إلا أن يخافا} نصاً على المراد بالإسناد إلى الزوجين ، وعبر عن الظن بالخوف تحذيراً من عذاب الله ، وعبر في هذا الاستثناء إن قلنا إنه منقطع بأداة المتصل تنفيراً من الأخذ ومعنى البناء للمفعول في قراءة حمزة وأبي جعفر ويعقوب إلا أن يحصل لهما أمر من حظ أو شهوة يضطرهما إلى الخوف من التقصير في الحدود ، ولا مفهوم للتقييد بالخوف لأنه لا يتصور من عاقل أن يفتدي بمال من غير أمر محوج ومتى حصل المحوج كان الخوف ومتى خاف أحدهما خافا لأنه متى خالفه الآخر حصل التشاجر المثير للحظوظ المقتضية للإقدام على ما لا يسوغ والله سبحانه وتعالى أعلم {ألا يقيما} أي في الاجتماع {حدود الله} العظيم فيفعل كل منهما ما وجب عليه من الحق.","part":6,"page":302},{"id":2464,"text":"قال الحرالي : وفي إشعاره أن الفداء في حكم الكتاب مما أخذت الزوجة من زوجها لا من غير ذلك من مالها ، والحدود جمع حد وهو النهاية في المتصرف المانع من الزيادة عليه - انتهى. ثم زاد الأمر بياناً لأنه في مقام التحديد فقال مسنداً إلى ضمير الجمع حثاً على التحقق ليحل الفداء حلاً نافياً لجميع الحرج : {فإن خفتم} أي أيها المتوسطون بينهما من الحكام وغيرهم من الأئمة بما ترون منهما وما يخبرانكم به عن أنفسهما {ألا يقيما حدود الله} وتكرير الاسم الأعظم يدل على رفعة زائدة لهذا المقام ، وتعظيم كبير لهذه لأحكام ، وحث عظيم على التقيد في هذه الرسوم بالمراعاة والالتزام ، وذلك لأن كل إنسان مجبول على تقديم نفسه على غيره ، والشرع كله مبني على العدل الذي هو الإنصاف ومحبة المرء لغيره ما يحب لنفسه {فلا جناح} أي ميل بإثم {عليهما} وسوغ ذلك أن الظن شبهة فإنك لا تخاف ما لا تظنه {فيما افتدت به} أي لا على الزوج بالأخذ ولا عليها بالإعطاء سواء كان ذلك مما آتاها أو من غيره أكثر منه أو لا لأن الخلع عقد معاوضة فكما جاز لها أن تمتنع من أول العقد حتى ترضى ولو بأكثر من مهر المثل فكذا في الخلع يجوز له أن لا يرضى إلا بما في نفسه كائناً ما كان ويكون ذلك عما كان يملكه عليها من الرجعة ، فإذا أخذه بانت المرأة فصارت أحق بنفسها فلا سبيل عليها إلا بإذنها. أ هـ {نظم الدرر حـ 1 صـ 431 ـ 432}\rقال الفخر : ","part":6,"page":303},{"id":2465,"text":"اعلم أن هذا هو الحكم الرابع من أحكام الطلاق وهو بيان الخلع ، واعلم أنه تعالى لما أمر أن يكون التسريح مقروناً بالإحسان ، بين في هذه الآية أن من جملة الإحسان أنه إذا طلقها لا يأخذ منها شيئاً من الذي أعطاها من المهر والثياب وسائر ما تفضل به عليها ، وذلك لأنه ملك بضعها ، واستمتع بها في مقابلة ما أعطاها ، فلا يجوز أن يأخذ منها شيئاً ، ويدل في هذا النهي أن يضيق عليها ليلجئها إلى الافتداء ، كما قال في سورة النساء : {وَلاَ تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُواْ بِبَعْضِ مَا ءَاتَيْتُمُوهُنَّ} [ النساء : 19 ] وقوله ههنا : {إِلاَّ أَن يَخَافَا أَلاَّ يُقِيمَا حُدُودَ الله} هو كقوله هناك : {إِلاَّ أَن يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُّبَيّنَةٍ} فثبت أن الإتيان بالفاحشة المبينة قد يكون بالبذاء وسوء الخلق ، ونظيره قوله تعالى : {لاَ تُخْرِجُوهُنَّ مِن بُيُوتِهِنَّ وَلاَ يَخْرُجْنَ إِلاَّ أَن يَأْتِينَ بفاحشة مُّبَيّنَةٍ} [ الطلاق : 1 ] فقيل المراد من الفاحشة المبينة البذاء على أحمائها وقال أيضاً : {فَلاَ تَأْخُذُواْ مِنْهُ شَيْئاً أَتَأْخُذُونَهُ بهتانا وَإِثْماً مُّبِيناً} [ النساء : 20 ] فعظم في أخذ شيء من ذلك بعد الإفضاء.\rفإن قيل : لمن الخطاب في قوله : {وَلاَ يَحِلُّ لَكُمْ أَن تَأْخُذُواْ} فإن كان للأزواج لم يطابقه قوله : {فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ يُقِيمَا حُدُودَ الله} وإن قلت للأئمة والحكام فهؤلاء لا يأخذون منهن شيئاً.\rقلنا : الأمران جائزان فيجوز أن يكون أول الآية خطاباً للأزواج وآخرها خطاباً للأئمة والحكام ، وذلك غير غريب في القرآن ، ويجوز أن يكون الخطاب كله للأئمة والحكام ، لأنهم هم الذين يأمرون بالأخذ والإيتاء عند الترافع إليهم فكأنهم هم الآخذون والمؤتون. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 6 صـ 85}\rقال ابن عاشور : ","part":6,"page":304},{"id":2466,"text":"قوله تعالى {وَلاَ يَحِلُّ لَكُمْ أَن تَأْخُذُواْ مِمَّآ ءَاتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا إِلاَّ أَن يَخَافَآ أَلاَّ يُقِيمَا حُدُودَ الله}.\rيجوز أن تكون الواو اعتراضية ، فهو اعتراض بين المتعاطفين ، وهما قوله : {فإمساك} وقوله {فإن طلقها} ويجوز أن تكون معطوفة على {أو تسريح بإحسان} لأن من إحسان التسريح ألا يأخذ المسرح وهو المطلق عوضاً عن الطلاق ، وهذه مناسبة مجىء هذا الاعتراض ، وهو تفنن بديع في جمع التشريعات والخطاب للأمة ، ليأخذ منه كل أفرادها ما يختص به ، فالزوج يقف عن أخذ المال ، وولي الأمر يحكم بعدم لزومه ، وولي الزوجة أو كبير قبيلة الزوج يسعى ويأمر وينهى ( وقد كان شأن العرب أن يلي هذه الأمور ذوو الرأي من قرابة الجانبين ) وبقية الأمة تأمر بالامتثال لذلك ، وهذا شأن خطابات القرآن في التشريع كقوله : {ولا تؤتوا السفهاء أموالكم} إلى قوله : {وارزقوهم فيها} [ النساء : 5 ] وإليه أشار صاحب \"الكشاف\".\rوقال ابن عطية والقرطبي وصاحب \"الكشاف\" : الخطاب في قوله : {ولا يحل لكم} للأزواج بقرينة قوله {أن تأخذوا} وقوله : {أتيتموهن} والخطاب في قوله : {فإن خفتم ألا تقيما حدود الله} للحكام ، لأنه لو كان للأزواج لقيل : فإن خفتم ألا تقيموا أو ألا تقيما ، قال في \"الكشاف\" : \"ونحو ذلك غير عزيز في القرآن\" أ هـ يعني لظهور مرجع كل ضمير من قرائن المقام ونظره في \"الكشاف\" بقوله تعالى في سورة الصف ( 13 ) {وبشر المؤمنين} على رأي صاحب الكشاف} ، إذ جعله معطوفاً على {تؤمنون بالله ورسوله} إلخ لأنه في معنى آمنوا وجاهدوا أي فيكون معطوفاً على الخطابات العامة للأمة ، وإن كان التبشير خاصاً به الرسول صلى الله عليه وسلم لأنه لا يتأتى إلا منه.","part":6,"page":305},{"id":2467,"text":"وأظهر من تنظير صاحب \"الكشاف\" أن تنظره بقوله تعالى فيما يأتي : {وإذا طلقتم النساء فبلغن أجلهن فلا تعضلوهن} [ البقرة : 232 ] إذ خوطب فيه المطلّق والعاضل ، وهما متغايران.\rوالضمير المؤنث في {أتيتموهن} راجع إلى {المطلقات} ، المفهوم من قوله : {الطلاق مرتان} لأن الجنس يقتضي عدداً من المطلقين والمطلقات ، وجوز في \"الكشاف\" أن يكون الخطاب كله للحكام وتأول قوله : {أن تأخذوا}.\rوقوله : {مما أتيتموهن} بأن إسناد الأخذ والإتيان للحكام ، لأنهم الذين يأمرون بالأخذ والإعطاء ، ورجحه البيضاوي بسلامته من تشويش الضمائر بدون نكتة التفات ووهنه صاحب \"الكشاف\" وغيره بأن الخلع قد يقع بدون ترافع ، فما آتاه الأزواج لأزواجهم من المهور لم يكن أخذه على يد الحكام فبطل هذا الوجه ، ومعنى لا يحل لا يجوز ولا يسمح به ، واستعمال الحل والحرمة في هذا المعنى وضده قديم في العربية ، قال عنترة : \rيا شاة ما قنص لمن حلت له\rحرمت على وليتها لم تحرم...\rوقال كعب : \rإذا يساور قرناً لا يحل له\rأن يترك القرن إلا وهو مجدول...\rوجيء بقوله : {شيئاً} لأنه من النكرات المتوغلة في الإبهام ، تحذيراً من أخذ أقل قليل بخلاف ما لو قال مالاً أو نحوه ، وهذا الموقع من محاسن مواقع كلمة شيء التي أشار إليها الشيخ في \"دلائل الإعجاز\".\rوقد تقدم بسط ذلك عند قوله تعالى : {ولنبلونكم بشيء من الخوف والجوع} [ البقرة : 155 ].\rوقوله : {إلا أن يخافا} قرأه الجمهور بفتح ياء الغيبة ، فالفعل مسند للفاعل ، والضمير عائد إلى المتخالعين المفهومين من قوله : {أن تأخذوا مما أتيتموهن شيئاً} وكذلك ضمير {يخافا ألا يقيما} وضمير {فلا جناح عليهما} ، وأسند هذا الفعل لهما دون بقية الأمة لأنهما اللذان يعلمان شأنهما.","part":6,"page":306},{"id":2468,"text":"وقرأ حمزة وأبو جعفر ويعقوب بضم ياء الغائب والفعل مبني للنائب والضمير للمتخالعين ؛ والفاعل محذوف هو ضمير المخاطبين ؛ والتقدير : إلا أن تخافوهما ألا يقيما حدود الله.\rوالخوف توقع حصول ما تكرهه النفس وهو ضد الأمن.\rويطلق على أثره وهو السعي في مرضاة المخوف منه ، وامتثال أوامره كقوله : {فلا تخافوهم وخافون إن كنتم مؤمنين} [ آل عمران : 175 ] وترادفه الخشية ، لأن عدم إقامة حدود الله مما يخافه المؤمن ، والخوف يتعدى إلى مفعول واحد ، قال تعالى : {فلا تخافوهم.\rوقال الشاعر يهجو رجلاً من فَقْعَسَ أكَلَ كلبَه واسمه حبتر : \rيا حبتر لم أكلته لمه\rلو خافك اللَّه عليه حرمه...\rوخرج ابن جني في شرح الحماسة} ، عليه قول الأحوص فيها على أحد تأويلين : \rفإذا تزول تزول على متخمط\rتُخْشَى بوادره على الأقران...\rوحذفت على في الآية لدخولها على أن المصدرية.\rوقد قال بعض المفسرين : إن الخوف هنا بمعنى الظن ، يريد ظن المكروه ؛ إذ الخوف لا يطلق إلا على حصول ظن المكروه وهو خوف بمعناه الأصلي.\rوإقامة حدود الله فسرها مالك رحمه الله بأنها حقوق الزوج وطاعته والبرِّ به ، فإذا أضاعت المرأة تلك فقد خالفت حدود الله. أ هـ {التحرير والتنوير حـ 2 صـ 407 ـ 409}\rوقال الفخر : \rأما قوله تعالى : {إِلاَّ أَن يَخَافَا أَلاَّ يُقِيمَا حُدُودَ الله} فاعلم أنه تعالى لما منع الرجل أن يأخذ من امرأته عند الطلاق شيئاً استثنى هذه الصورة وهي مسألة الخلع وفي الآية مسائل : ","part":6,"page":307},{"id":2469,"text":"المسألة الأولى : روي أن هذه الآية نزلت في جميلة بنت عبد الله بن أبي ، وفي زوجها ثابت بن قيس بن شماس ، وكانت تبغضه أشد البغض ، وكان يحبها أشد الحب ، فأتت رسول الله صلى الله عليه وسلم ، \" وقالت : فرق بيني وبينه فإني أبغضه ، ولقد رفعت طرف الخباء فرأيته يجيء في أقوام فكان أقصرهم قامة ، وأقبحهم وجهاً ، وأشدهم سواداً ، وإني أكره الكفر بعد الإسلام ، فقال ثابتٍ : يا رسول الله مرها فلترد علي الحديقة التي أعطيتها ، فقال لها : ما تقولين ؟ قالت : نعم وأزيده فقال صلى الله عليه وسلم : لا حديقته فقط ، ثم قال لثابت : خذ منها ما أعطيتها وخل سبيلها ففعل فكان ذلك أول خلع في الإسلام \"\rوفي سنن أبي داود أن المرأة كانت حفصة بنت سهل الأنصارية.","part":6,"page":308},{"id":2470,"text":"المسألة الثانية : اختفلوا في أن قوله تعالى : {إلا أن يخافا} هو استثناء متصل أو منقطع ، وفائدة هذا الخلاف تظهر في مسألة فقهية ، وهي أن أكثر المجتهدين قالوا : يجوز الخلع في غير حالة الخوف والغضب ، وقال الأزهري والنخعي وداود : لا يباح الخلع إلا عند الغضب ، والخوف من أن لا يقيما حدود الله ، فإن وقع الخلع في غير هذه الحالة فالخلع فاسد وحجتهم أن هذه الآية صريحة في أنه لا يجوز للزوج أن يأخذ من المرأة عند طلاقها شيئاً ، ثم استثنى الله حالة مخصوصة فقال : {إِلاَّ أَن يَخَافَا أَلاَّ يُقِيمَا حُدُودَ الله} فكانت الآية صريحة في أنه لا يجوز الأخذ في غير حالة الخوف ، وأما جمهور المجتهدين فقالوا : الخلع جائز في حالة الخوف وفي غير حالة الخوف والدليل عليه قوله تعالى : {فَإِن طِبْنَ لَكُمْ عَن شَىْء مّنْهُ نَفْساً فَكُلُوهُ هَنِيئاً مَّرِيئاً} [ النساء : 4 ] فإذا جاز لها أن تهب مهرها من غير أن تحصل لنفسها شيئاً بإزاء ما بذل كان ذلك في الخلع الذي تصير بسببه مالكة لنفسها أولى ، وأما كلمة {إِلا} فهي محمولة على الاستثناء المنقطع كما في قوله تعالى : {وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَن يَقْتُلَ مُؤْمِناً إِلاَّ خطئاً} [ النساء : 92 ] أي لكن إن كان خطأ {فتحريرُ رَقبةٍ مؤمنةٍ وَدِيَةٌ مُّسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ} [ النساء : 92 ].\rالمسألة الثالثة : الخوف المذكور في هذه الآية يمكن حمله على الخوف المعروف ، وهو الإشفاق مما يكره وقوعه ، ويمكن حمله على الظن ، وذلك لأن الخوف حالة نفسانية مخصوصة ، وسبب حصولها ظن أنه سيحدث مكروه في المستقبل وإطلاق اسم المعلول على العلة مجاز مشهور فلا جرم أطلق على هذا الظن اسم الخوف ، وهذا مجاز مشهور فقد يقول الرجل لغيره : قد خرج غلامك بغير إذنك ، فتقول : قد خفت ذلك على معنى ظننته وتوهمته ، وأنشد الفراء : \rإذا متُّ فادفني إلى جنب كرمة.. تروي عظامي بعد موتي عروقها","part":6,"page":309},{"id":2471,"text":"ولا تدفنني في الفلاة فإنني.. أخاف إذا ما مت أن لا أذوقها\rثم الذي يؤكد هذا التأويل قوله تعالى فيما بعد هذه الآية : {فَإِن طَلَّقَهَا فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَن يَتَرَاجَعَا إِن ظَنَّا أَن يُقِيمَا حُدُودَ الله} [ البقرة : 230 ]. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 6 صـ 86}\rقال الماوردى : \rوفي {أَن يَخَافَا أَلاَّ يُقِيَما حُدُودَ اللهِ} أربعة تأويلات : \rأحدها : أن يظهر من المرأة النُّشُوز وسوء الخُلُق ، وهو قول ابن عباس.\rوالثاني : أن لا تطيع له أمراً ، ولا تبرّ له قَسَماً ، وهو قول الحسن ، والشعبي.\rوالثالث : هو أن يبدي لسانها أنها له كارهة ، وهو قول عطاء.\rوالرابع : أن يكره كل واحد منهما صاحبه ، فلا يقيم كل واحد منهما ما أوجب الله عليه من حق صاحبه ، وهو قول طاووس ، وسعيد بن المسيب ، والقاسم بن محمد ، روى ثابت بن يزيد ، عن عقبة بن عامر قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم \" المُخْتِلعَاتُ والمُنْتَزِعَاتُ هُنَّ المُنَافِقَاتُ \". يعني التي تخالع زوجها لميلها إلى غيره. أ هـ {النكت والعيون حـ 1 صـ 294 ـ 295}\rفائدة\rقال الجصاص : \rوَهَذَا الْخَوْفُ مِنْ تَرْكِ إقَامَةِ حُدُودِ اللَّهِ عَلَى وَجْهَيْنِ : إمَّا أَنْ يَكُونَ أَحَدُهُمَا سَيِّئَ الْخُلُقِ أَوْ جَمِيعًا ، فَيُفْضِي بِهِمَا ذَلِكَ إلَى تَرْكِ إقَامَةِ حُدُودِ اللَّهِ فِيمَا أَلْزَمَ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِنْ حُقُوقِ النِّكَاحِ فِي قَوْله تَعَالَى : {وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ} وَإِمَّا أَنْ يَكُونَ أَحَدُهُمَا مُبْغِضًا لِلْآخَرِ فَيَصْعُبُ عَلَيْهِ حُسْنُ الْعِشْرَةِ وَالْمُجَامَلَةِ ، فَيُؤَدِّيهِ ذَلِكَ إلَى مُخَالَفَةِ أَمْرِ اللَّهِ فِي تَقْصِيرِهِ فِي الْحُقُوقِ الَّتِي تَلْزَمُهُ وَفِيمَا أَلْزَمَ الزَّوْجَ مِنْ إظْهَارِ الْمَيْلِ إلَى غَيْرِهَا فِي قَوْله تَعَالَى : {فَلَا تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيْلِ فَتَذَرُوهَا كَالْمُعَلَّقَةِ} فَإِذَا وَقَعَ أَحَدُ هَذَيْنِ وَأَشْفَقَا مِنْ تَرْكِ إقَامَةِ حُدُودِ اللَّهِ الَّتِي حَدَّهَا لَهُمَا حَلَّ الْخُلْعُ. أ هـ {أحكام القرآن للجصاص حـ 2 صـ 90}\rفصل\rقال الفخر : \rاعلم أن ظاهر هذه الآية يدل على أن الشرط هو حصول الخوف للرجل وللمرأة ، ولا بد ههنا من مزيد بحث ، فنقول : الأقسام الممكنة في هذا الباب أربعة لأنه إما أن يكون هذا الخوف حاصلاً من قبل المرأة فقط ، أو من قبل الزوج فقط ، أو لا يحصل الخوف من قبل واحد منهما ، أو يكون الخوف حاصلاً من قبلهما معاً.\rأما القسم الأول : وهو أن يكون هذا الخوف حاصلاً من قبل المرأة ، وذلك بأن تكون المرأة ناشزة مبغضة للزوج ، فههنا يحل للزوج أخذ المال منها والدليل عليه ما رويناه من حديث جميلة مع ثابت ، لأنها أظهرت البغض فجوز رسول الله صلى الله عليه وسلم لها الخلع ولثابت الأخذ.\rفإن قيل : فقد شرط تعالى في هذه الآية خوفهما معاً ، فكيف قلتم : إنه يكفي حصول الخوف منها فقط.","part":6,"page":310},{"id":2472,"text":"قلنا : سبب هذا الخوف وإن كان أوله من جهة المرأة إلا أنه قد يترتب عليه الخوف الحاصل من قبل الزوج ، لأن المرأة تخاف على نفسها من عصيان الله في أمر الزوج ، وهو يخاف أنها إذا لم تطعه فإنه يضربها ويشتمها ، وربما زاد على قدر الواجب فكان الخوف حاصلاً لهما جميعاً ، فقد يكون ذلك السبب منها لأمر يتعلق بالزوج ، ويجوز أن تكره المرأة مصاحبة ذلك الزوج لفقره أو لقبح وجهه ، أو لمرض منفر منه ، وعلى هذا التقدير تكون المرأة خائفة من معصية الله في أن لا تطيع الزوج ، ويكون الزوج خائفاً من معصية الله تعالى من أن يقع منه تقصير في بعض حقوقها.\rالقسم الثاني : أن يكون الخوف من قبل الزوج فقط ، بأن يضربها ويؤذيها ، حتى تلتزم الفدية فهذا المال حرام بدليل أول هذه الآية ، وبدليل سائر الآيات ، كقوله : {وَلاَ تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُواْ} إلى قوله : {أَتَأْخُذُونَهُ بهتانا وَإِثْماً مُّبِيناً} [ النساء : 19 ، 20 ] وهذا مبالغة عظيمة في تحريم أخذ ذلك المال.\rالقسم الثالث : أن لا يكون هذا الخوف حاصلاً من قبل الزوج ، ولا من قبل الزوجة ، وقد ذكرنا أن قول أكثر المجتهدين : أن هذا الخلع جائز ، والمال المأخوذ حلال ، وقال قوم إنه حرام.\rالقسم الرابع : أن يكون الخوف حاصلاً من قبلهما معاً ، فهذا المال حرام أيضاً ، لأن الآيات التي تلوناها تدل على حرمة أخذ ذلك المال إذا كان السبب حاصلاً من قبل الزوج ، وليس فيه تقييد بقيد أن يكون من جانب المرأة سبب لذلك أم لا ولأن الله تعالى أفرد لهذا القسم آية أخرى وهو قوله تعالى : {وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا} [ النساء : 35 ] الآية ، ولم يذكر فيه تعالى حل أخذ المال ، فهذا شرح هذه الأقسام الأربعة ، واعلم أن هذا الذي قلناه من هذه الأقسام إنما هو فيما بين المكلفين وبين الله تعالى ، فأما في الظاهر فهو جائز هذا هو قول الفقهاء. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 6 صـ 87}","part":6,"page":311},{"id":2473,"text":"فائدة\rقال ابن العربى : \rقَوْله تَعَالَى : {إلَّا أَنْ يَخَافَا أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ} وَفِي ذَلِكَ تَأْوِيلَاتٌ كُلُّهَا أَبَاطِيلُ ، وَإِنَّمَا الْمُرَادُ بِهِ أَنْ يَظُنَّ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِنَفْسِهِ أَلَّا يُقِيمَ حَقَّ النِّكَاحِ لِصَاحِبِهِ حَسْبَمَا يَجِبُ عَلَيْهِ فِيهِ لِكَرَاهِيَةٍ يَعْتَقِدُهَا ، فَلَا حَرَجَ عَلَى الْمَرْأَةِ أَنْ تَفْتَدِيَ وَلَا عَلَى الزَّوْجِ أَنْ يَأْخُذَ.","part":6,"page":312},{"id":2474,"text":"وَقَدْ أَكَّدَ اللَّهُ تَعَالَى الْمَنْعَ حَالَةَ الْفِرَاقِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى : {وَإِنْ أَرَدْتُمْ اسْتِبْدَالَ زَوْجٍ مَكَانَ زَوْجٍ وَآتَيْتُمْ إحْدَاهُنَّ قِنْطَارًا فَلَا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئًا أَتَأْخُذُونَهُ بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا} وَذَلِكَ لِأَنَّهَا حَالَةٌ تَشْرَهُ النُّفُوسَ فِيهَا إلَى أَنْ يَأْخُذَ الزَّوْجُ مَا نَحَلَهُ الزَّوْجَةَ فِي حَالَةِ النِّكَاحِ ؛ إذْ يَخْطُرُ لَهُ أَنَّك إنَّمَا كُنْت أُعْطِيت عَلَى النِّكَاحِ ، وَقَدْ فَارَقْت فَأَنْتَ مَعْذُورٌ فِي أَخْذِك ؛ فَمَنَعَ اللَّهُ تَعَالَى ذَلِكَ بِقَوْلِهِ : {وَلَا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مَا آتَيْتُمُوهُنَّ} وَجَوَّزَهُ عِنْدَ مُسَامَحَةِ الْمَرْأَةِ بِهِ فَقَالَ تَعَالَى : {فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ} وَحَلَّلَ أَخْذَ النِّصْفِ بِوُقُوعِ الْفِرَاقِ قَبْلَ الدُّخُولِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى : {وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ} وَطِيبُهُ عِنْدَ عَفْوِهَا أَوْ عَفْوِ صَاحِبِ الْعُقْدَةِ عَنْ جَمِيعِهِ ، فَقَالَ تَعَالَى : {إلَّا أَنْ يَعْفُونَ أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ} عَلَى مَا يَأْتِي بَيَانُهُ فِي مَوْضِعِهِ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. أ هـ {أحكام القرآن لابن العربى حـ 1 صـ 384}","part":6,"page":313},{"id":2475,"text":"فصل\rقال الفخر : \rاختلفوا في قدر ما يجوز وقوع الخلع به ، فقال الشعبي والزهري والحسن البصري وعطاء وطاوس : لا يجوز أن يأخذ أكثر مما أعطاها ، وهو قول علي بن أبي طالب رضي الله عنه ، قال سعيد بن المسيب : بل ما دون ما أعطاها حتى يكون الفضل له ، وأما سائر الفقهاء فإنهم جوزوا المخالعة بالأزيد والأقل والمساوي ، واحتج الأولون بالقرآن والخبر والقياس ، أما القرآن فقوله تعالى : {وَلاَ يَحِلُّ لَكُمْ أَن تَأْخُذُواْ مِمَّا ءَاتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا} ثم قال بعد ذلك : {فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افتدت بِهِ} فوجب أن يكون هذا راجعاً إلى ما آتاها : وإذا كان كذلك لم يدخل في إباحة الله تعالى إلا قدر ما آتاها من المهر ، وأما الخبر روينا أن ثابتاً لما طلب من جميلة أن ترد عليه حديقته ، فقالت جميلة وأزيده ، فقال صلى الله عليه وسلم : لا حديقته فقط ، ولو كان الخلع بالزائد جائزاً لما جاز للنبي صلى الله عليه وسلم أن يمنعها منه ، وأما القياس فهو أنه استباح بعضها ، فلو أخذ منها أزيد مما دفع إليها لكان ذلك إجحافاً بجانب المرأة وإلحاقاً للضرر بها ، وأنه غير جائز ، وأما سائر الفقهاء فإنهم قالوا الخلع عقد معاوضة ، فوجب أن لا يتقيد بمقدار معين ، فكما أن للمرأة أن لا ترضى عند النكاح إلا بالصداق الكثير ، فكذا للزوج أن لا يرضى عند المخالعة إلا بالبذل الكثير ، لا سيما وقد أظهرت الاستخفاف بالزوج ، حيث أظهرت بغضه وكراهته ، ويتأكد هذا بما روي أن عمر رضي الله عنه رفعت إليه امرأة ناشزة أمرها فأخذها عمر وحبسها في بيت الزبل ليلتين ، ثم قال لها : كيف حالك ؟ فقالت : ما بت أطيب من هاتين الليلتين ، فقال عمر : اخلعها ولو بقرطها ، والمراد اخلعها حتى بقرطها وعن ابن عمر أنه جاءته امرأة قد اختلعت من زوجها بكل شيء وبكل ثوب عليها إلا درعها ، فلم ينكر عليها.","part":6,"page":314},{"id":2476,"text":"المسألة السابعة : الخلع تطليقة بائنة وهو قول علي وعثمان وابن مسعود والحسن والشعبي والنخعي وعطاء وابن المسيب وشريح ومجاهد ومكحول والزهري ، وهو قول أبي حنيفة وسفيان ، وهو أحد قولي الشافعي رضي الله عنهم ، وقال ابن عباس وطاوس وعكرمة رضي الله عنهم : إنه فسخ للعقد ، وهو القول الثاني للشافعي ، وبه قال أحمد وإسحق وأبو ثور.\r( حجة من قال إنه طلاق ) أن الأمة مجمعة على أنه فسخ أو طلاق ، فإذا بطل كونه فسخاً ثبت أنه طلاق وإنما قلنا : إنه ليس بفسخ لأنه لو كان فسخاً لما صح بالزيادة على المهر المسمى : كالإقالة في البيع ، وأيضاً لو كان الخلع فسخاً فإذا خالعها ولم يذكر المهر وجب أن يجب عليها المهر ، كالإقالة ، فإن الثمن يجب رده ، وإن لم يذكر ولما لم يكن كذلك ثبت أن الخلع ليس بفسخ ، وإذا بطل ذلك ثبت أنه طلاق.\rحجة من قال إنه ليس بطلاق وجوه : \rالحجة الأولى : أنه تعالى قال : {فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ يُقِيمَا حُدُودَ الله فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افتدت بِهِ} ثم ذكر الطلاق فقال : {فَإِن طَلَّقَهَا فَلاَ تَحِلُّ لَهُ مِن بَعْدُ حتى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ} [ البقرة : 230 ] فلو كان الخلع طلاقاً لكان الطلاق أربعاً ، وهذا الاستدلال نقله الخطابي في كتاب معالم السنن عن ابن عباس.\rالحجة الثانية : وهو أن النبي صلى الله عليه وسلم أذن لثابت بن قيس بن شماس في مخالعة امرأته ، مع أن الطلاق في زمان الحيض أو في طهر حصل الجماع فيه حرام ، فلو كان الخلع طلاقاً لكان يجب على النبي صلى الله عليه وسلم أن يستكشف الحال في ذلك ، فلما لم يستكشف بل أمره بالخلع مطلقاً دل على أن الخلع ليس بطلاق.","part":6,"page":315},{"id":2477,"text":"الحجة الثالثة : روى أبو داود في \"سننه\" عن عكرمة عن ابن عباس أن امرأة ثابت بن قيس لما اختلعت منه جعل النبي صلى الله عليه وسلم عدتها حيضة ، قال الخطابي : وهذا أدل شيء على أن الخلع فسخ وليس بطلاق ، لأن الله تعالى قال : {والمطلقات يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثلاثة قُرُوء} [ البقرة : 228 ] فلو كانت هذه مطلقة لم يقتصر لها على قرء واحد. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 6 صـ 88 ـ 89}\rوقال ابن عاشور : \rوالحق أن الآية صريحة في تحريم أخذ العوض عن الطلاق إلا إذا خيف فساد المعاشرة بألا تحب المرأة زوجها ، فإن الله أكد هذا الحكم إذ قال : {إلا أن يخافا ألا يقيما حدود الله} لأن مفهوم الاستثناء قريب من الصريح في أنهما إن لم يخافا ذلك لا يحل الخلع ، وأكده بقوله : {فإن خفتم ألا يقيما حدود الله فلا جناح عليهما فيما أفتدت به} فإن مفهومه أنهما إن لم يخافا ذلك ثبت الجناح ، ثم أكد ذلك كله بالنهي بقوله : تلك حدود الله فلا تعتدوها ثم بالوعيد بقوله : {ومن يتعد حدود الله فأولئك هم الظالمون} وقد بين ذلك كله قضاء رسول الله صلى الله عليه وسلم بين جميلة بنت أو أخت عبد الله بن أبي بن سلول ، وبين زوجها ثابت بن قيس بن شماس ؛ إذ قالت له يا رسول الله لا أنا ولا ثابت ، أو لا يجمع رأسي ورأس ثابت شيء ، والله ما أعتب عليه في دين ولا خلق ولكني أكره الكفر في الإسلام لا أطيقه بغضاً فقال لها النبي صلى الله عليه وسلم \" أتردين عليه حديقته التي أصدقك \" قالت \"نعم وأزيده\" زاد في رواية قال : \" أما الزائد فلا \" وأجاب الجمهور بأن الآية لم تذكر قوله : {إلا أن يخافا ألا يقيما حدود الله} على وجه الشرط بل لأنه الغالب من أحوال الخلع ، ألا يُرى قوله تعالى : {فإن طبن لكم عن شيء منه نفسا فكلوه هنيئاً مريئاً} [ النساء : 4 ] هكذا أجاب المالكية كما في \"أحكام ابن العربي\" ، و\"تفسير القرطبي\".","part":6,"page":316},{"id":2478,"text":"وعندي أنه جواب باطل ، ومتمسك بلا طائل ، أما إنكار كون الوارد في هاته الآية شرطا ، فهو تعسف وصرف للكلام عن وجهه ، كيف وقد دل بثلاثة منطوقات وبمفهومين وذلك قوله : {ولا يحل لكم أن تأخذوا مما أتيتموهن شيئاً} فهذا نكرة في سياق النفي ، أي لا يحل أخذ أقل شيء ، وقوله : {إلا أن يخافا} ففيه منطوق ومفهوم ، وقوله : {فإن خفتم} ففيه كذلك ، ثم إن المفهوم الذي يجيء مجيء الغالب هو مفهوم القيود التوابع كالصفة والحال والغاية ، دون ما لا يقع في الكلام إلا لقصد الاحتراز ، كالاستثناء والشرط.\rوأما الاحتجاج للجواز بقوله : {فإن طبن لكم عن شيء منه نفساً} ، فمورده في عفو المرأة عن بعض الصداق ، فإن ضمير {منه} عائد إلى الصدقات ، لأن أول الآية {وأتوا النساء صدقاتهن نحلة فإن طبن لكم} [ النساء : 4 ] الآية فهو إرشاد لما يعرض في حال العصمة مما يزيد الألفة ، فلا تعارض بين الآيتين ولو سلمنا التعارض لكان يجب على الناظر سلوك الجمع بين الآيتين أو الترجيح. أ هـ {التحرير والتنوير حـ 2 صـ 411}\rلطيفة\rروي أن امرأة نشزت على عهد عمر ، فبيتها في اصطبل في بيت الزبل ثلاث ليال ، ثم دعاها ، فقال : كيف رأيت مكانك ؛ فقالت ما رأيت ليالي أقرّ لعيني منها ، وما وجدت الراحة مذ كنت عنده إلاَّ هذه الليالي. فقال عمر : هذا وأبيكم النشوز ، وقال لزوجها اجلعها ولو من قرطها ، اختلعها بما دون عقاص رأسها ، فلا خير لك فيها. أ هـ {البحر المحيط حـ 2 صـ 208}\rقوله تعالى : {تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَعْتَدُوهَا وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (229)}\rالمناسبة\rقال البقاعى :","part":6,"page":317},{"id":2479,"text":"ولما كانت أحكام النساء تارة بالمرافقة وتارة بالمفارقة وكانت مبنية على الشهوات تارة على البهيمية وتارة على السبعية وكان سبحانه وتعالى قد حد فيها حدوداً تكون بها المصالح وتزول المفاسد منع سبحانه وتعالى من تعدى تلك الحدود أي الأحكام التي بينها في ذلك ولم يذكر قربانها كما مضى في آية الصوم فقال : {تلك} أي الأحكام العظيمة التي تولى الله بيانها من أحكام الطلاق والرجعة والخلع وغيرها {حدود الله} أي شرائع الملك الأعظم الذي له جميع العزة من الأوامر والنواهي التي بينها فصارت كالحدود المعروفة في الأراضي.\rولما كانت شرائع الله ملائمة للفطرة الأولى السليمة عن نوازع النقائص وجواذب الرذائل أشار إلى ذلك سبحانه بصيغة الافتعال في قوله : {فلا تعتدوها} أي لا تتكلفوا مجاوزتها ، وفيه أيضاً إشارة إلى العفو عن المجاوزة من غير تعمد.","part":6,"page":318},{"id":2480,"text":"ولما أكد الأمر تارة بالبيان وتارة بالنهي زاد في التأكيد بالتهديد فقال عاطفاً على ما تقديره : فمن تعدى شيئاً منها فقد ظلم : {ومن يتعد} أي يتجاوز {حدود الله} أي المحيط بصفات الكمال التي بينها وأكد أمرها وزاد تعظيمها بتكرير اسمه الأعظم. قال الحرالي : ففيه ترجية فيما يقع من تعدي الحدود من دون ذلك من حدود أهل العلم ووجوه السنن وفي إعلامه إيذان بأن وقوع الحساب يوم الجزاء على حدود القرآن التي لا مندوحة لأحد بوجه من وجوه السعة في مخالفتها ولذلك تتحقق التقوى والولاية مع الأخذ بمختلفات السنن ومختلفات أقوال العلماء - انتهى. وإليه يرشد الحصر في قوله : {فأولئك} أي المستحقون للابعاد {هم الظالمون} أي العريقون في الظلم بوضع الأشياء في غير مواضعها فكأنهم يمشون في الظلام. قال الحرالي : وفي إشعاره تصنيف الحدود ثلاثة أصناف : حد الله سبحانه وتعالى ، وحد النبي صلى الله عليه وسلم ، وحد العالم ؛ قال صلى الله عليه وسلم : \" ما جاء من الله فهو الحق ، وما جاء مني فهو السنة ، وما جاء من أصحابي فهو السعة \" فأبرأ العباد من الظلم من حافظ على أن لا يخرج عن حدود العلماء ليكون أبعد أن يخرج من حدود السنة ليكون أبعد أن يخرج من حدود الكتاب ، فالظالم المنتهي ظلمه الخارج عن الحدود الثلاثة : حد العالم ، وحد السنة ، وحد الله - انتهى. أ هـ {نظم الدرر حـ 1 صـ 432 ـ 433}\rقال الفخر : ","part":6,"page":319},{"id":2481,"text":"أما قوله تعالى : {تِلْكَ حُدُودُ الله} فالمعنى أن ما تقدم ذكره من أحكام الطلاق والرجعة والخلع {فَلاَ تَعْتَدُوهَا} أي فلا تتجاوزوا عنها ، ثم بعد هذا النهي المؤكد أتبعه بالوعيد ، فقال : {وَمَن يَتَعَدَّ حُدُودَ الله فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظالمون} وفيه وجوه أحدها : أنه تعالى ذكره في سائر الآيات {أَلاَ لَعْنَةُ الله عَلَى الظالمين} [ هود : 18 ] فذكر الظلم ههنا تنبيهاً على حصول اللعن ، وثانيها : أن الظالم اسم ذم وتحقير ، فوقوع هذا الاسم يكون جارياً مجرى الوعيد ، وثالثها : أنه أطلق لفظ الظلم تنبيهاً على أنه ظلم من الإنسان على نفسه ، حيث أقدم على المعصية ، وظلم أيضاً للغير بتقدير أن لا تتم المرأة عدتها ، أو كتمت شيئاً مما خلق في رحمها ، أو الرجل ترك الإمساك بالمعروف والتسريح بالإحسان ، أو أخذ من جملة ما آتاها شيئاً لا بسبب نشوز من جهة المرأة ، ففي كل هذه المواضع يكون ظالماً للغير فلو أطلق لفظ الظالم دل على كونه ظالماً لنفسه ، وظالماً لغيره ، وفيه أعظم التهديدات. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 6 صـ 89}\rوقال ابن عاشور : \rجملة {تلك حدود الله فلا تعتدوها} معترضة بين جملة {ولا يحل لكم أن تأخذوا مما أتيتموهن شيئاً} وما اتصل بها ، وبين الجملة المفرعة عليها وهي {فإن طلقها فلا تحل له من بعد} الآية.\rومناسبة الاعتراض ما جرى في الكلام الذي قبلها من منع أخذ العوض عن الطلاق ، إلا في حالة الخوف من ألا يقيما حدود الله ، وكانت حدود الله مبينة في الكتاب والسنة ، فجيء بهذه الجملة المعترضة تبْيِيناً ؛ لأن منع أخذ العوض على الطلاق هو من حدود الله.\rوحدود الله استعارة للأوامر والنواهي الشرعية بقرينة الإشارة ، شبهت بالحدود التي هي الفواصل المجعولة بين أملاك الناس ، لأن الأحكام الشرعية ، تفصل بين الحلال والحرام ، والحق والباطل وتفصل بين ما كان عليه الناس قبل الإسلام ، وما هم عليه بعده.","part":6,"page":320},{"id":2482,"text":"والإقامة في الحقيقة الإظهار والإيجاد ، يقال : أقام حداً لأرضه ، وهي هنا استعارة للعمل بالشرع تبعاً لاستعارة الحدود للأحكام الشرعية ، وكذلك إطلاق الاعتداء الذي هو تجاوز الحد على مخالفة حكم الشرع ، هو استعارة تابعة لتشبيه الحكم بالحد.\rوجملة : {ومن يتعد حدود الله فأولئك هم الظالمون} تذييل وأفادت جملة {فأولئك هم الظالمون} حصراً وهو حصر حقيقي ، إذ ما من ظالم إلا وهو متعد لحدود الله ، فظهر حصر حال المتعدي حدود الله في أنه ظالم.\rواسم الإشارة من قوله : {فأولئك هم الظالمون} مقصود منه تمييز المشار إليه ، أكمل تمييز ، وهو من يتعدى حدود الله ، اهتماماً بإيقاع وصف الظالمين عليهم.\rوأطلق فعل {يتعد} على معنى يخالف حكم الله ترشيحاً لاستعارة الحدود لأحكام الله ، وهو مع كونه ترشيحاً مستعار لمخالفة أحكام الله ؛ لأن مخالفة الأمر والنهي تشبه مجاوزة الحد في الاعتداء على صاحب الشيء المحدود. أ هـ {التحرير والتنوير حـ 2 صـ 413}\rوقال السعدى : \r{وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ} وأي ظلم أعظم ممن اقتحم الحلال ، وتعدى منه إلى الحرام ، فلم يسعه ما أحل الله ؟ \rوالظلم ثلاثة أقسام : \rظلم العبد فيما بينه وبين الله ، وظلم العبد الأكبر الذي هو الشرك ، وظلم العبد فيما بينه وبين الخلق ، فالشرك لا يغفره الله إلا بالتوبة ، وحقوق العباد ، لا يترك الله منها شيئا ، والظلم الذي بين العبد وربه فيما دون الشرك ، تحت المشيئة والحكمة. أ هـ {تفسير السعدى صـ 102}\rمن فوائد ابن عرفة فى الآية\rقوله تعالى : {الطلاق مَرَّتَانِ...}.\rفسّروه بوجهين : إما الطّلاق الرجعي مرتان لأن الطلقة ( الثالثة ) لا رجعة فيها ، وإما الطّلاق السني مرتان.","part":6,"page":321},{"id":2483,"text":"( فإن ) قلت : الطلاق السّني ثلاث تطليقات ؟ ( قلنا ) لأجل هذا قال الزمخشري : إنّ التثنية ليست على حقيقتها بل للتكرار أي مرة بعد مرة مثل {ثُمَّ ارجع البَصَرَ كَرَّتَيْنِ} أي كرة بعد كرة فيكون تنبيها على أنّ الطّلاق الموقع في كلمة واحدة غيرُ سنّي. فإن قلت : هلاّ قال : الطلاق ثنتان ؟ فالجواب من وجوه : \rالأول : قال ابن عرفة : قدمنا أن ( الثنتين ) يصدقان على الطلاق الممكن والمحال فيقال : الطلاق طلاقان. ويكون محالا بخلاف المرتين لأن المرة تفيد بدلالتها / على الزمان أن الطّلاق وجودي واقع.\rالثاني : أنه إنما قيل \" مرتان \" تنبيها على أن المراد الطلاق ( مرة بعد مرة لأن المرة زمان والزمانان متفرقان بلا شك لاستحالة اجتماعهما ) ولو قيل : ثنتان الطلاق مجتمعا ومفرقا لأفاد بذلك النهي عن أيقاع الثالث في كلمة واحدة.\rقيل لابن عرفة : إن الشيخ الفقيه القاضي أبا العباس أحمد بن حيدرة والفقيه المفتي أبا القاسم الغبريني رحمهما الله تعالى سئلا عمن شهد عليه أنه قال : لزوجته ما نصّه : أنت طالق مرتين ؟ قال لها في مرة واحدة فقالا : يُنَوّى. فاستشكله ابن عرفة لأنه صريح أو ظاهر في الاثنتين وقد أسرته البينة.\rأبو حيان : أي عدد الطلاق مرتان أو إيقاعه مرتان.\rقال اين عرفة : إن أراد تقدير معنى فصواب ، وإن أراد أمرا حاجيا لا بد منه ولا يتم اللفظ إلا به ، فليس كذلك.\rقال ابن عرفة : والآية دالة على أن طلاق الحر مساو لطلاق العبد.\rقوله تعالى : {فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ...}.\rقال ابن عرفة : فإن قلت : هلا قيل : فإمساك بإحسان أو تسريح بمعروف ، وهذا السؤال مذكور في حسن الائتلاف ؟ ","part":6,"page":322},{"id":2484,"text":"قال : وعادتهم يجيبون بأن المعروف أخفّ من الإحسان لأن المعروف حسن العشرة والتزام حقوق الزوجية والإحسان ألاّ يظلمها شيئا من حقها ، فيقتضي الإعطاء وبذل المال أشق على النفوس من حسن العشرة ( فجعل ) المعروف مع الإمساك المقتضي لدوام العصمة إذ لا يضر تكرّره ، وجعل الإحسان المشق على النفوس ( مع ) التسريح الذي لا يتكرر بل هو مرة أو مرتان أو ثلاث فقط.\rونقل ابن يونس عن أبي ( عمر ) : أنّ هذه الآية ما زالت يكتبها الموثقون في الصّدُقات.\rقال : وكان الشيخ القاضي أبو عبد الله محمد بن عبد السلام ينكر على أهل زماننا كتبها في الصدقات إذ لا يذكر في عقد النكاح إلا ما يلائمه ويناسبه. وأما الطلاق ففي ذكره فيه تفاؤل ومناقضة للنكاح ولذا ( تجد ) بعضهم يقول : من الإمساك بالمعروف أو المعاشرة بالإحسان ( فيؤول ) اللفظ.\rأبو حيان : ( \" إِمْسَاكٌ \" ) إما خبر ، أي فالواجب إمساك ، وإما مبتدأ وخبره مقدر إما قبله أي فعليكم امساك أو بعده أي فإمساك عليكم.\rقال ابن عرفة : سببه أنّ \" بِمَعْرُوفٍ \" إن كان صفة الإمساك قدر الخبر متأخرا ، وإن كان متعلقا به قدر مقدما لأن المبتدأ نكرة.\rقوله تعالى : {وَلاَ يَحِلُّ لَكُمْ أَن تَأْخُذُواْ مِمَّآ آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئاً...}.\rقال ابن عرفة : إن أريد تأكيد التحريم يقال : لا يحل كذا ، وإن أريد مطلق التحريم يقال : لا تفعل كذا ، لاحتماله الكراهة ، وكذلك المفتي لا يقول : لا يحل كذا ، إلاّ فيما قوي دليل تحريمه عنده ، وأما دون ذلك فيقول : لا يُفعل أو لا ينبغي ( أن تفعل ) كذا.\rقوله تعالى : {مِمَّآ آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئاً...}.\rقال أبو حيان : حذف العائد على ( ما ) لأنه ( المفعول ) الأول للفعل وهو ضمير نصب متصل ، والثاني كذلك. وتقديره مِمَّا ءَاتَيْتُمُوهُنّ. هذا نص أبي حيان ، إن \" ءاتَيْتُمْ \" يعتدّى إلى مفعولين حذف أحدهما وهو العائد على ما تقديره ( ءاتيتموهن إيّاه ).","part":6,"page":323},{"id":2485,"text":"قال الصفاقسي : فيه نظر لأنّهم نصّوا على أنّ الضمير المنصوب لا يجوز ( حذفه ) ولا يجوز اجتماع ضميري نصب متصلين.\rفقال بعض الطلبة : إنّما ذلك إذا اتفقا في الإفراد والتثنية والجمع أما إذا كان أحدهما مفردا والآخر مجموعا فنص سيبويه على جوازه.\rوقال بعض الطلبة : بل ضعفه ابن مالك.\rقال ابن عرفة : وعادتهم يجيبون بأن ( يردوا ) على أبي حيان بأنّ المحذوف هنا ضمير نصب متصل. والتقدير : مما ءَاتتموه إيّاهن ، فحذف الضمير المفرد واتصل الآخر بالفعل بعد أن كان منفصلا فصار \" ءَاتَيْتُمُوهُنّ \".\rقوله تعالى : {إِلاَّ أَن يَخَافَآ أَلاَّ يُقِيمَا حُدُودَ الله...}.\rهذا إما استثناء من الأسباب ، أي منهن شيئا لسبب من الأسباب : خوف عدم إقامة حدود الله. والزمخشري يعبر عنه في غير هذا بأنه استثناء من أعمّ العام.\rقال ابن عرفة : وهذا يدل بالمطابقة على جواز الخلغ منهما معا وباللزوم على جوازه من المرأة وحدها وأما الزوج فيستحيل ذلك في حقه. وهذا الخلع للزوجين قد يكون للحاكم. ومثاله : إذا زوج الأب ابنه الصغير ومات وأراد القاضي أن يخالع منه.\rقوله تعالى : {إِلاَّ أَن يَخَافَآ...}.\rذكر أبو حيان أنّه في موضع الحال.\rورده ابن عرفة بأنّ \" أَنْ \" الموصولة ( أعرف المعارف عندهم والحال لايكون إلا نكرة. قلت : الحال هنا ) معنوية لا لفظية والتعريف في اللفظ لا في المعنى.\rقوله تعالى : {فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افتدت بِهِ...}.\rقيل لابن عرفة : الفدية في اصطلاح الفقهاء هي المخالعة بالبعض لا بالكل وهو مناسب لقوله \" أَن تَأْخُذُواْ مِمَّآ آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئاً \".\rفقال : اللّغة لا تفسر بإصطلاح. والمناسب هناك منع الخلع بالبعض فيستلزم منعه بالكلّ من باب أحرى. والمناسب هنا إباحة الخلع بالجميع فيستلزم إباحته بالبعض.\rقوله تعالى : {وَمَن يَتَعَدَّ حُدُودَ الله فأولئك هُمُ الظالمون}.","part":6,"page":324},{"id":2486,"text":"قال ابن عرفة : إفراد الضمير العائد على ( مَنْ ) أوّلا (و) جمعه ثانيا مناسب لفظا ومعنى ؛ أما اللفظ فالمستحسن عند النحويين معاملة لفظ ( من ) أولا ثم معناها ، وأما المعنى فأفرد ضمير المتعدي تقليلا له ومبالغة في التنفير من صفة التعدي حتى كأنه لا يقع ( الأمر ) من أحد. ثم جمع الظالمين لأنه ( جزاء ) انتقام وعقوبة فالمناسب جمعه ( ليعم ) كل ظالم حتى يزجر عن ذلك من هذه صفته. أ هـ {تفسير ابن عرفة صـ 296 ـ 297}\rمن لطائف الإمام القشيرى فى الآية\rقوله جلّ ذكره : {الطَّلاَقُ مّرَّتَانِ}.\rندب إلى تفريق الطلاق لئلا تسارع إلى إتمام الفراق ، وقيل في معناه : \rإنْ تَبْيَنْتُ أَنَّ عَزْمَكِ قتلى... فذريني أضني قليلاً قليلا\rثم قال جلّ ذكره : {فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ}.\rإمَّا صحبة جميلة أو فُرْقة جميلة. فأمَّا سوء العشرة وإذهاب لذة العيش بالأخلاق الذميمة فغير مَرَْضِيٍ في الطريقة ، ولا محمود في الشريعة.\rقوله جلّ ذكره : {وَلاَ يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئاً}.\rفإِن في الخبر \" العائد في هبته كالعائد في قَيْئِه \" والرجوع فيما خرجتَ عنه خِسَّة.\rثم قال جلّ ذكره : {إِلاَّ أَنْ يَخَافَا أَلاَّ يُقِيمَا حُدُودَ اللهِ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ يُقِيمَا حُدُودَ اللهِ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ}.\rيعني إنْ أرادت المرأة أن تتخلص من زوجها فلا جناح عليها فيما تبذل من مال ، فإنَّ النفس تساوي لصاحبها كل شيء ، والرجال إذا فاتته صحبة المرأة فلو اعتاض عنها شيئاً فلا أقلَّ من ذلك ، حتى إذا فاتته راحة الحال يصل إلى يده شيء من المال.\rقوله جلّ ذكره : {تِلْكَ حُدُودُ اللهِ فَلاَ تَعْتَدُوهَا وَمَن يَتَعَدَّ حُدُودَ اللهِ فَأُلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ}.","part":6,"page":325},{"id":2487,"text":"هذه آداب يُعَلِّمكموها الله ويَسُنُّها لكم ، فحافظوا على حدوده ، وداوموا على معرفة حقوقه. أ هـ {لطائف الإشارات حـ 1 صـ 182}\rمسائل وألفاظ تكثر الحاجة إليها فى باب الطلاق\rقال القرطبى : \rلم يختلف العلماء فيمن قال لامرأته ؛ قد طلقتك ، أنه من صريح الطلاق في المدخول بها وغير المدخول بها ؛ فمن قال لامرأته : أنت طالق فهي واحدة إلاَّ أن ينوي أكثر من ذلك. فإن نوى اثنتين أو ثلاثاً لزمه ما نواه ، فإن لم ينو شيئاً فهي واحدة تملك الرجعة. ولو قال : أنت طالق ، وقال : أردت من وَثَاق لم يقبل قوله ولزمه ، إلاَّ أن يكون هناك ما يدل على صدقه. ومن قال : أنت طالق واحدة ، لا رجعة لي عليك فقوله : \"لا رجعة لي عليك\" باطل ، وله الرجعة لقوله واحدة ؛ لأن الواحدة لا تكون ثلاثاً ؛ فإن نوى بقوله : \"لا رجعة لي عليك\" ثلاثاً فهي ثلاث عند مالك.","part":6,"page":326},{"id":2488,"text":"واختلفوا فيمن قال لامرأته : قد فارقتك ، أو سرحتك ، أو أنت خلية ، أو برية ، أو بائن ، أو حبلك على غاربك ، أو أنت عليّ حرام ، أو الحقي بأهلِكِ ، أو قد وهبتك لأهلك ، أو قد خليت سبيلك ، أولا سبيل لي عليك ؛ فقال أبو حنيفة وأبو يوسف : هو طلاق بائن ، وروي عن ابن مسعود وقال : إذا قال الرجل لامرأته استقلي بأمرِك ، أو أمرِك لكِ ، أو الحقي بأهلك فقبِلوها فواحدة بائنة. وروي عن مالكٍ فيمن قال لامرأته : قد فارقتك ، أو سرحتك ، أنه من صريح الطلاق ؛ كقوله : أنت طالق. وروي عنه أنه كناية يرجع فيها إلى نية قائِلها ، ويسأل ما أراد من العدد ، مدخولاً بها كانت أو غير مدخول بها. قال ابن الموّاز : وأصح قوليه في التي لم يدخل بها أنها واحدة ، إلاَّ أن ينوي أكثر ؛ وقاله ابن القاسم وابن عبد الحكم. وقال أبو يوسف : هي ثلاث ؛ ومثله خلعتك ، أو لا مِلك لي عليك. وأمّا سائر الكنايات فهي ثلاث عند مالك في كل من دخل بها لا ينوَّى فيها قائلها ، وينوّى في غير المدخول بها. فإن حلف وقال أردت واحدة كان خاطباً من الخطاب ، لأنه لا يخلى المرأة التي قد دخل بها زوجها ولا يُبينها ولا يبريها إلاَّ ثلاث تطليقات. والتي لم يدخل بها يُخليها ويُبريها ويُبينها الواحدة. وقد روي عن مالك وطائفة من أصحابه ، وهو قول جماعة من أهل المدينة ، أنه ينوى في هذه الألفاظ كلها ويلزمه من الطلاق ما نوى. وقد روي عنه في البتة خاصة من بين سائر الكنايات أنه لا ينوي فيها لا في المدخول بها ولا في غير المدخول بها. وقال الثوريّ وأبو حنيفة وأصحابه : له نيته في ذلك كله ، فإن نوى ثلاثاً فهي ثلاث ، وإن نوى واحدة فهي واحدة بائنة وهي أحق بنفسها. وإن نوى اثنتين فهي واحدة. وقال زفر : إن نوى اثنتين فهي اثنتان. وقال الشافعيّ : هو في ذلك كله غير مطلق حتى يقول : أردت بمخرج الكلام مني طلاقاً فيكون ما نوى. فإن نوى دون الثلاث كان رجعياً ، ولو طلقها واحدة بائنة كانت رجعية.","part":6,"page":327},{"id":2489,"text":"وقال إسحاق : كل كلام يشبِه الطلاق فهو ما نوى من الطلاق. وقال أبو ثور : هي تطليقة رجعية ولا يسأل عن نيته. وروي عن ابن مسعود أنه كان لا يرى طلاقاً بائناً إلاَّ في خلع أو إيلاء وهو المحفوظ عنه ؛ قاله أبو عبيد. وقد ترجم البخاريّ \"باب إذا قال فارقتك أو سرحتك أو البرية أو الخلية أو ما عني به الطلاق فهو على نيته\". وهذا منه إشارة إلى قول الكوفيين والشافعيّ وإسحاق في قوله : \"أو ما عنى به من الطلاق\" والحجة في ذلك أن كل كلمة تحتمل أن تكون طلاقاً أو غير طلاق فلا يجوز أن يلزم بها الطلاق إلاَّ أن يقول المتكلم : إنه أراد بها الطلاق فيلزمه بإقراره ، ولا يجوز إبطال النكاح لأنهم قد أجمعوا على صحته بيقين.\rقال أبو عمر : واختلف قول مالك في معنى قول الرجل لامرأته : اعتدى ، أو قد خليتك ، أو حبلك على غارِبك ؛ فقال مرة : لا ينوى فيها وهي ثلاث. وقال مرّة : ينوى فيها كلها ، في المدخول بها وغير المدخول بها ؛ وبه أقول.","part":6,"page":328},{"id":2490,"text":"قلت : ما ذهب إليه الجمهور ، وما روي عن مالك أنه ينوي في هذه الألفاظ ويحكم عليه بذلك هو الصحيح ؛ لما ذكرناه من الدليل ، وللحديث الصحيح الذي خرّجه أبو داود وابن ماجه والدارقطنيّ وغيرهم عن يزيد بن ركانة : أن ركانة بن عبد يزيد طلق امرأته سهيمة البتة فأخبر النبي صلى الله عليه وسلم بذلك ؛ فقال : \"آلله ما أردت إلاَّ واحدة\" ؟ فقال ركانة : والله ما أردت إلاَّ واحدة ؛ فرّدها إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم ؛ قال ابن ماجه : سمعت أبا الحسن الطنافِسيّ يقول : ما أشرف هذا الحديث! وقال مالك في الرجل يقول لامرأته : أنت عليّ كالميتة والدّم ولحم الخنزير : أراها البتّة وإن لم تكن له نية ، فلا تحِلّ إلاَّ بعد زوج. وفي قول الشافعيّ : إن أراد طلاقاً فهو طلاق ، وما أراد من عدد الطلاق ؛ وإن لم يُرد طلاقاً فليس بشيء بعد أن يحلف. وقال أبو عمر : أصل هذا الباب في كل كناية عن الطلاق ، ما روي \" عن النبيّ صلى الله عليه وسلم أنه قال للتي تزوّجها حين قالت : أعوذ بالله منك : \"قد عذتِ بمعاذٍ الحقي بأهلك\" \" فكان ذلك طلاقاً. وقال كعب بن مالك لامرأته حين أمره رسول الله صلى الله عليه وسلم باعتزالها : الحقي بأهلك فلم يكن ذلك طلاقاً ؛ فدل على أن هذه اللفظة مفتقرة إلى النية ، وأنها لا يقضى فيها إلاَّ بما ينوِي اللاّفِظ بها ، وكذلك سائر الكنايات المحتملات للفراق وغيره. والله أعلم. وأما الألفاظ التي ليست من ألفاظ الطلاق ولا يكنّى بها عن الفراق ، فأكثر العلماء لا يُوقعون بشيء منها طلاقاً وإن قصده القائل.\rوقال مالك : كل من أراد الطلاق بأيّ لفظ كان لزمه الطلاقُ ، حتى بقوله : كلي واشربي وقومي واقعدي ؛ ولم يتابع مالكاً على ذلك إلاَّ أصحابه. أ هـ {تفسير القرطبى حـ 3 صـ 134 ـ 136}\r( فروع ) : تتعلق بأحكام الطلاق : ","part":6,"page":329},{"id":2491,"text":"( الفرع الأول ) : صريح اللفظ الذي يقع به الطلاق ، من غير نية ثلاث الطلاق والفراق والسراح ، وعند أبي حنيفة الصريح هو لفظ الطلاق فقط.\r( الفرع الثاني ) : الحر إذا طلق زوجته طلقة أو طلقتين بعد الدخول بها فله مراجعتها من غير رضاها ما دامت في العدة فإذا لم يراجعها حتى انقضت عدتها أو طلقها قبل الدخول بها أو خالعها ، فلا تحل له إلا بنكاح جديد بإذنها وإذن وليها.\r( الفرع الثالث ) : العبد يملك على زوجته الأمة تطليقتين. واختلف فيما إذا كان أحد الزوجين حراً فالحر يملك على زوجته الأمة ثلاث تطليقات ، والعبد يملك على زوجته الحرة تطليقتين فالاعتبار بحال الزوج في عدد الطلاق وبه قال الشافعي ومالك وأحمد وذهب أبو حنيفة إلى أن الاعتبار بالمرأة فالعبد يملك على زوجته الحرة ثلاث تطليقات ، والحر يملك على زوجته الأمة تطليقتين. أ هـ {تفسير الخازن حـ 1 صـ 157}","part":6,"page":330},{"id":2492,"text":"بحثان قيمان لابن القيم\rالأول في حكمه ـ صلى الله عليه وسلم ـ فيمن طلق ثلاثا بكلمة واحدة\rوالثانى فى مسألة وقوع الثلاث بكلمة واحدة.\rالبحث الأول في حكمه ـ صلى الله عليه وسلم ـ فيمن طلق ثلاثا بكلمة واحدة\rقال رحمه الله : \rقد تقدم حديث محمود بن لبيد رضى الله عنه : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أخبر عن رجل طلق امرأته ثلاث تطليقات جميعا فقام مغضبا ثم قال : [ أيلعب بكتاب الله وأنا بين أظهركم ؟! ] وإسناده على شرط مسلم فإن ابن وهب قد رواه عن مخرمة بن بكير بن الأشج عن أبيه قال : سمعت محمود بن لبيد فذكره ومخرمة ثقة بلا شك وقد احتج مسلم في صحيحه بحديثه عن أبيه\rوالذين أعلوه قالوا : لم يسمع منه وإنما هو كتاب قال أبو طالب : سألت أحمد بن حنبل عن مخرمة بن بكير ؟ فقال : هو ثقة ولم يسمع من أبيه إنما هو كتاب مخرمة فنظر فيه كل شئ يقول : بلغني عن سليمان بن يسار فهو من كتاب مخرمة وقال أبو بكر بن أبي خيثمة : سمعت يحيي بن معين يقول : مخرمة بن بكير وقع إليه كتاب أبيه ولم يسمعه وقال في رواية عباس الدوري : هو ضعيف وحديثه عن أبيه كتاب ولم يسمعه منه وقال أبو داود : لم يسمع من أبيه إلا حديثا واحدا حديث الوتر وقال سعيد بن أبي مريم عن خاله موسى بن سلمة : أتيت مخرمة فقلت : حدثك أبوك ؟ قال : لم أدرك أبي ولكن هذه كتبه\rوالجواب عن هذا من وجهين","part":6,"page":331},{"id":2493,"text":"أحدهما : أن كتاب أبيه كان عنده محفوظا مضبوطا فلا فرق في قيام الحجة بالحديث بين ما حدثه به أو رآه في كتابه بل الأخذ عن النسخة أحوط إذا تيقن الراوي أنها نسخة الشيخ بعينها وهذه طريقة الصحابة والسلف وقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يبعث كتبه إلى الملوك وتقوم عليهم بها الحجة وكتب كتبه إلى عماله في بلاد الإسلام فعملوا بها واحتجوا بها ودفع الصديق كتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم في الزكاة إلى أنس بن مالك فحمله وعملت به الأمة وكذلك كتابه إلى عمرو بن حزم في الصدقات الذي كان عند آل عمرو ولم يزل السلف والخلف يحتجون بكتاب بعضهم إلى بعض ويقول المكتوب إليه : كتب إلي فلان أن فلانا أخبره ولو بطل الإحتجاج بالكتب لم يبق بأيدي الأمة إلا أيسر اليسير فإن الإعتماد إنما هو على النسخ لا على الحفظ والحفظ خوان والنسخة لا تخون ولا يحفظ في زمن من الأزمان المتقدمة أن أحدا من أهل العلم رد الإحتجاج بالكتاب وقال : لم يشافهني به الكاتب فلا أقبله بل كلهم مجمعون على قبول الكتاب والعمل به إذا صح عنده أنه كتابه","part":6,"page":332},{"id":2494,"text":"الجواب الثاني : أن قول من قال : لم يسمع من أبيه معارض بقول من قال : سمع منه ومعه زيادة علم وإثبات قال عبد الرحمن بن أبي حاتم : سئل أبي عن مخرمة بن بكير ؟ فقال : صالح الحديث قال : وقال ابن أبي أويس : وجدت في ظهر كتاب مالك : سألت مخرمة عما يحدث به عن أبيه سمعها من أبيه ؟ فحلف لي : ورب هذه البنية - يعني المسجد - سمعت من أبي وقال علي بن المديني : سمعت معن بن عيسى يقول : مخرمة سمع من أبيه وعرض عليه ربيعة أشياء من رأي سليمان بن يسار وقال علي : ولا أظن مخرمة سمع من أبيه كتاب سليمان لعله سمع منه الشئ اليسير ولم أجد أحدا بالمدينة يخبرني عن مخرمة بن بكير أنه كان يقول في شئ من حديثه : سمعت أبي ومخرمة ثقة انتهى ويكفي أن مالكا أخذ كتابه فنظر فيه واحتج به في موطئه وكان يقول : حدثني مخرمة وكان رجلا صالحا وقال أبو حاتم : سألت إسماعيل بن أبي أويس قلت : هذا الذي يقول مالك بن أنس : حدثني الثقة من هو ؟ قال : مخرمة بن بكير وقيل لأحمد بن صالح المصري : كان مخرمة من ثقات الرجال ؟ قال : نعم وقال ابن عدي عن ابن وهب ومعن بن عيسى عن مخرمة : أحاديث حسان مستقيمة وأرجو أنه لا بأس به\rوفي صحيح مسلم قول ابن عمر للمطلق ثلاثا : حرمت عليك حتى تنكح زوجا غيرك وعصيت ربك فيما أمرك به من طلاق امرأتك وهذا تفسير منه للطلاق المأمور به وتفسير الصحابي حجة وقال الحاكم : هو عندنا مرفوع","part":6,"page":333},{"id":2495,"text":"ومن تأمل القرآن حق التأمل تبين له ذلك وعرف أن الطلاق المشروع بعد الدخول هو الطلاق الذي يملك به الرجعة ولم يشرع الله سبحانه إيقاع الثلاث جملة واحدة البتة قال تعالى : {الطلاق مرتان} ولا تعقل العرب في لغتها وقوع المرتين إلا متعاقبتين كما قال النبي صلى الله عليه وسلم : [ من سبح الله دبر كل صلاة ثلاثا وثلاثين وحمده ثلاثا وثلاثين وكبره أربعا وثلاثين ] ونظائره فإنه لا يعقل من ذلك إلا تسبيح وتكبير وتحميد متوال يتلو بعضه بعضا فلو قال : سبحان الله ثلاثا وثلاثين والحمد لله ثلاثا وثلاثين والله أكبر أربعا وثلاثين بهذا اللفظ لكان ثلاث مرات فقط وأصرح من هذا قوله سبحانه : {والذين يرمون أزواجهم ولم يكن لهم شهداء إلا أنفسهم فشهادة أحدهم أربع شهادات بالله} [ النور : 6 ] فلو قال : أشهد بالله أربع شهادات إني لمن الصادقين كانت مرة وكذلك قوله : {ويدرأ عنها العذاب أن تشهد أربع شهادات بالله إنه لمن الكاذبين} [ النور : 8 ] فلو قالت : أشهد بالله أربع شهادات إنه لمن الكاذبين كانت واحدة وأصرح من ذلك قوله تعالى : {سنعذبهم مرتين} [ التوبة : 101 ] فهذا مرة بعد مرة ولا ينتقض هذا بقوله تعالى : {نؤتها أجرها مرتين} [ الاحزاب : 31 ] وقوله صلى الله عليه وسلم : [ ثلاثة يؤتون أجرهم مرتين ] فإن المرتين هنا هما الضعفان وهما المثلان وهما مثلان في القدر كقوله تعالى : {يضاعف لها العذاب ضعفين} [ الأحزاب : 30 ] وقوله : {فآتت أكلها ضعفين} [ البقرة : 265 ] أي : ضعفي ما يعذب به غيرها وضعفي ما كانت تؤتي ومن هذا قول أنس : انشق القمر على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم مرتين أي : شقتين وفرقتين كما قال في اللفظ الآخر : انشق القمر فلقتين وهذا أمر معلوم قطعا أنه إنما انشق القمر مرة واحدة والفرق معلوم بين ما يكون مرتين في الزمان وبين ما يكون مثلين وجزأين ومرتين في المضاعفة فالثاني : يتصور فيه اجتماع المرتين في آن","part":6,"page":334},{"id":2496,"text":"واحد والأول لا يتصور فيه ذلك\rومما يدل على أن الله لم يشرع الثلاث جملة : أنه قال تعالى : {والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء} إلى أن قال : {وبعولتهن أحق بردهن في ذلك إن أرادوا إصلاحا} [ البقرة : 228 ] فهذا يدل على أن كل طلاق بعد الدخول فالمطلق أحق فيه بالرجعة سوى الثالثة المذكورة بعد هذا وكذلك قوله تعالى : {يا أيها النبي إذا طلقتم النساء فطلقوهن لعدتهن} إلى قوله : {فإذا بلغن أجلهن فأمسكوهن بمعروف أو فارقوهن بمعروف} فهذا هو الطلاق المشروع وقد ذكر الله سبحانه وتعالى أقسام الطلاق كلها في القرآن وذكر أحكامها فذكر الطلاق قبل الدخول وأنه لا عدة فيه وذكر الطلقة الثالثة وأنها تحرم الزوجة على المطلق حتى تنكح زوجا غيره وذكر طلاق الفداء الذي هو الخلع وسماه فدية ولم يحسبه من الثلاث كما تقدم وذكر الطلاق الرجعي الذي المطلق أحق فيه بالرجعة وهو ما عدا هذه الأقسام الثلاثة\rوبهذا احتج أحمد والشافعي وغيرهما على أنه ليس في الشرع طلقة واحدة بعد الدخول بغير عوض بائنة وأنه إذا قال لها : أنت طالق طلقة بائة كانت رجعة ويلغو وصفها بالبينونة وأنه لا يملك إبانتها إلا بعوض وأما أبو حنيفة فقال : تبين بذلك لأن الرجعة حق له وقد أسقطها والجمهور يقولون : وإن كانت الرجعة حقا له لكن نفقة الرجعية وكسوتها حق عليه فلا يملك إسقاطه إلا باختيارها وبذلها العوض أو سؤالها أن تفتدي نفسها منه بغير عوض في أحد القولين وهو جواز الخلع بغير عوض\rوأما إسقاط حقها من الكسوة والنفقة بغير سؤالها ولا بذلها العوض فخلاف النص والقياس","part":6,"page":335},{"id":2497,"text":"قالو ! : وأيضا فالله سبحانه شرع الطلاق على أكمل الوجوه وأنفعها للرجل والمرأة فإنهم كانوا يطلقون في الجاهلية بغير عدد فيطلق أحدهم المرأة كلما شاء ويراجعها وهذا وإن كان فيه رفق بالرجل ففيه إضرار بالمرأة فنسخ سبحانه ذلك بثلاث وقصر الزوج عليها وجعله أحق بالرجعة ما لم تنقض عدتها فإذا استوفى العدد الذي ملكه حرمت عليه فكان في هذا رفق بالرجل إذ لم تحرم بأول طلقة وبالمرأة حيث لم يجعل إليه أكثر من ثلاث فهذا شرعه وحكمته وحدوده التي حدها لعباده فلو حرمت عليه بأول طلقة يطلقها كان خلاف شرعه وحكمته وهو لم يملك إيقاع الثلاث جملة بل إنما ملك واحدة فالزائد عليها غير مأذون له فيه\rقالوا : وهذا كما أنه لم يملك إبانتها بطلقة واحدة إذ هو خلاف ما شرعه لم يملك إبانتها بثلاث مجموعة إذ هو خلاف شرعه\rونكتة المسألة أن الله لم يجعل للأمة طلاقا بائنا قط إلا في موضعين أحدهما : طلاق غير المدخول بها والثاني : الطلقة الثالثة وما عداه من الطلاق فقد جعل للزوج فيه الرجعة هذا مقتضى الكتاب كما تقدم تقريره وهذا قول الجمهور منهم : الإمام أحمد والشافعي وأهل الظاهر قالوا : لا يملك إبانتها بدون الثلاث إلا في الخلع\rولأصحاب مالك ثلاثة أقوال فيما إذا قال : أنت طالق طلقة لا رجعة فيها أحدها : أنها ثلاث قاله ابن الماجشون لأنه قطع حقه من الرجعة وهي لا تنقطع إلا بثلاث فجاءت الثلاث ضرورة الثاني : أنها واحدة بائنة كما قال هذا قول ابن القاسم لأنه يملك إبانتها بطلقة بعوض فملكها بدونه والخلع عنده طلاق الثالث : أنها واحدة رجعية وهذا قول ابن وهب وهو الذي يقتضيه الكتاب والسنة والقياس وعليه الأكثرون. أ هـ {زاد المعاد حـ 5 صـ 220 ـ 225}\rالبحث الثانى فى مسألة وقوع الثلاث بكلمة واحدة\rقال رحمه الله :\rاختلف الناس فيها على أربعة مذاهب\rأحدها : أنها تقع وهذا قول الأئمة الأربعة وجمهور التابعين وكثير من الصحابة رضي الله عنهم","part":6,"page":336},{"id":2498,"text":"الثاني : أنها لا تقع بل ترد لأنها بدعة محرمة والبدعة مردودة لقوله صلى الله عليه وسلم : [ من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد ] وهذا المذهب حكاه أبو محمد ابن حزم وحكي للإمام أحمد فأنكره وقال : هو قول الرافضة\rالثالث : أنه يقع به واحدة رجعية وهذا ثابت عن ابن عباس ذكره أبو داود عنه قال الإمام أحمد : وهذا مذهب ابن إسحاق يقول : خالف السنة فيرد إلى السنة انتهى وهو قول طاووس وعكرمة وهو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية\rالرابع : أنه يفرق بين المدخول بها وغيرها فتقع الثلاث بالمدخول بها ويقع بغيرها واحدة وهذا قول جماعة من أصحاب ابن عباس وهو مذهب إسحاق بن راهويه فيما حكاه عنه محمد بن نصر المروزي في كتاب اختلاف العلماء\rفأما من لم يوقعها جملة فاحتجوا بأنه طلاق بدعة محرم والبدعة مردودة وقد اعترف أبو محمد ابن حزم بانها لو كانت بدعة محرمة لوجب أن ترد وتبطل ولكنه اختار مذهب الشافعي أن جمع الثلاث جائز غير محرم وسيأتي حجة هذا القول\rوأما من جعلها واحدة فاحتج بالنص والقياس فأما النص فما رواه معمر وابن جريج عن ابن طاووس عن أبيه أن أبا الصهباء قال لابن عباس : ألم تعلم أن الثلاث كانت تجعل واحدة على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبي بكر وصدرا من إمارة عمر ؟ قال نعم رواه مسلم في صحيحه\rوفي لفظ : ألم تعلم أن الثلاث كانت على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبي بكر وصدرا من خلافة عمر ترد إلى واحدة ؟ قال : نعم","part":6,"page":337},{"id":2499,"text":"وقال أبو داود : حدثنا أحمد بن صالح حدثنا عبد الرزاق أن ابن جريج قال : أخبرني بعض بني أبى رافع مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن عكرمة عن ابن عباس قال : [ طلق عبد يزيد - أبو ركانة وإخوته - أم ركانة ونكح امرأة من مزينة فجاءت النبي صلى الله عليه وسلم فقالت : ما يغني عني إلا كما تغني هذه الشعرة لشعرة أخذتها من رأسها ففرق بيني وبينه فأخذت النبي صلى الله عليه وسلم حمية فدعا بركانة وإخوته ثم قال لجلسائه : ألا ترون أن فلانا يشبه منه كذا وكذا من عبد يزيد وفلانا منه كذا وكذا ؟ قالوا : نعم قال النبي صلى الله عليه وسلم لعبد يزيد : طلقها ففعل ثم قال : راجع امرأتك أم ركانة وإخوته فقال : إنى طلقتها ثلاثا يا رسول الله قال : قد علمت راجعها ] وتلا : {يا أيها النبي إذا طلقتم النساء فطلقوهن لعدتهن}\rوقال الإمام أحمد : حدثنا سعد بن إبراهيم قال : حدثنا أبي عن محمد بن إسحاق قال : حدثني داود بن الحصين عن عكرمة مولى ابن عباس عن عبد الله بن عباس قال : [ طلق ركانة بن عبد يزيد أخو بني المطلب امرأته ثلاثا في مجلس وحد فحزن عليها حزنا شديدا قال : فسأله رسول الله صلى الله عليه وسلم كيف طلقتها : فقال : طلقتها ثلاثا فقال : في مجلس واحد قال : نعم قال : فإنما تلك واحدة فارجعها إن شئت ] قال : فراجعها فكان ابن عباس يرى أنما الطلاق عند كل طهر","part":6,"page":338},{"id":2500,"text":"قالوا : وأما القياس فقد تقدم أن جمع الثلاث محرم وبدعة والبدعة مردودة لأنها ليست على أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم قالوا : وسائر ما تقدم في بيان التحريم يدل على عدم وقوعها جملة قالوا : ولو لم يكن معنا إلا قوله تعالى : {فشهادة أحدهم أربع شهادات بالله} [ النور : 6 ] وقوله : {ويدرأ عنها العذاب أن تشهد أربع شهادات بالله} [ النور : 8 ] قالوا : وكذلك كل ما يعتبر له التكرار من حلف أو إقرار أو شهادة وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم : [ تحلفون خمسين يمينا وتستحقون دم صاحبكم ]\rفلو قالوا : نحلف بالله خمسين يمينا : إن فلانا قتله كانت يمينا واحدة قالوا : وكذلك الإقرار بالزنى كما في الحديث : أن بعض الصحابة قال لماعز : إن أقررت أربعا رجمك رسول الله صلى الله عليه وسلم فهذا لا يعقل أن تكون الأربع فيه مجموعة بفم واحد\rوأما الذين فرقوا بين المدخول بها وغيرها فلهم حجتان\rإحداهما : ما رواه أبو داود بإسناد صحيح عن طاووس أن رجلا يقال له : أبو الصهباء كان كثير السؤال لابن عباس قال له : أما علمت أن الرجل كان إذا طلق امرأته ثلاثا قبل أن يدخل بها جعلوها واحدة على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبي بكر وصدرا من إمارة عمر ؟ فلما رأى عمر الناس قد تتايعوا فيها قال أجيزوهن عليهم\rالحجة الثانية : أنها تبين بقوله : أنت طالق فيصادفها ذكر الثلاث وهى بائن فتلغو ورأى هؤلاء أن إلزام عمر بالثلاث هو في حق المدخول بها وحديث أبي الصهباء في غير المدخول بها قالوا : ففي هذا التفريق موافقة المنقول من الجانبين وموافقة القياس وقال بكل قول من هذه الأقوال جماعة من أهل الفتوى كما حكاه أبو محمد ابن حزم وغيره ولكن عدم الوقوع جملة هو مذهب الإمامية وحكوه عن جماعة من أهل البيت\rقال الموقعون للثلاث : الكلام معكم في مقامين\rأحدهما : تحريم جمع الثلاث والثاني : وقوعها جملة ولو كان محرمة ونحن نتكلم معكم في المقامين فأما الأول : ","part":6,"page":339},{"id":2501,"text":"فقد قال الشافعي وأبو ثور وأحمد بن حنبل في إحدى الروايات عنه وجماعة من أهل الظاهر : إن جمع الثلاث سنة واحتجوا عليه بقوله تعالى : {فإن طلقها فلا تحل له من بعد حتى تنكح زوجا غيره} [ البقرة : 236 ] ولم يفرق بين أن تكون الثلاث مجموعة أو مفرقة ولا يجوز أن نفرق بين ما جمع الله بينه كما لا نجمع بين ما فرق الله بينه وقال تعالى : {وإن طلقتموهن من قبل أن تمسوهن} [ البقرة : 227 ] ولم يفرق وقال : {لا جناح عليكم إن طلقتم النساء ما لم تمسوهن} الآية ولم يفرق وقال : {وللمطلقات متاع بالمعروف} [ البقرة : 241 ] وقال : {يا أيها الذين آمنوا إذا نكحتم المؤمنات ثم طلقتموهن من قبل أن تمسوهن} [ الأحزاب : 49 ] ولم يفرق قالوا : وفي الصحيحين أن عويمرا العجلاني طلق امرأته ثلاثا بحضرة رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل أن يأمره بطلاقها قالوا : فلو كان جمع الثلاث معصية لما أقر عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا يخلو طلاقها أن يكون قد وقع وهي امرأته أو حين حرمت عليه باللعان فإن كان الأول فالحجة منه ظاهرة وإن كان الثاني فلا شك أنه طلقها وهو يظنها امرأته فلو كان حراما لبينها له رسول الله صلى الله عليه وسلم وإن كانت قد حرمت عليه قالوا : وفي صحيح البخاري من حديث القاسم بن محمد عن عائشة أم المؤمنين أن رجلا طلق امرأته ثلاثا فتزوجت فطلقت فسئل رسول الله صلى الله عليه وسلم أتحل للأول ؟ قال : [ لا حتى يذوق عسيلتها كما ذاق الأول ] فلم ينكر صلى الله عليه وسلم ذلك وهذا يدل على إباحة جمع الثلاث وعلى وقوعها إذ لو لم تقع لم يوقف رجوعها إلى الأول على ذوق الثاني عسيلتها","part":6,"page":340},{"id":2502,"text":"قالوا : وفي الصحيحين من حديث أبي سلمة بن عبد الرحمن [ أن فاطمة بنت قيس أخبرته أن زوجها أبا حفص بن المغيرة المخزومي طلقها ثلاثا ثم انطلق إلى اليمن فانطلق خالد بن الوليد في نفر فأتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم في بيت ميمونة أم المؤمنين فقالوا : إن أبا حفص طلق امرأته ثلاثا فهل لها من نفقة ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ليس لها نفقة وعليها العدة ]\rوفي صحيح مسلم في هذه القصة : قالت فاطمة فأتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : [ كم طلقك ؟ قلت : ثلاثا فقال : صدق ليس لك نفقة ]\rوفي لفظ له : قالت : يا رسول الله ! إن زوجي طلقني ثلاثا وإني أخاف أن يقتحم علي\rوفي لفظ له : عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم قال في المطلقة ثلاثا : [ ليس لها سكنى ولا نفقة ]\rقالوا : وقد روى عبد الرزاق في مصنفه عن يحيى بن العلاء عن عبيد الله بن الوليد الوصافي عن إبراهيم بن عبيد الله بن عبادة بن الصامت عن داود بن عبادة بن الصامت قال : طلق جدي امرأة له ألف تطليقة فانطلق أبي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكر له ذلك فقال النبي صلى الله عليه وسلم : [ ما اتقى الله جدك أما ثلاث فله وأما تسعمائة وسبعة وتسعون فعدوان وظلم إن شاء الله عذبه وإن شاء غفر له ]\rورواه بعضهم عن صدقة بن أبي عمران عن إبراهيم بن عبيد الله بن عبادة بن الصامت عن أبيه عن جده قال : [ طلق بعض آبائي امرأته فانطلق بنوه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا : يا رسول الله ! إن أبانا طلق أمنا ألفا فهل له من مخرج ؟ فقال : إن أباكم لم يتق الله فيجعل له مخرجا بانت منه بثلاث على غير السنة وتسعمائة وسبعة وتسعون إثم في عنقه ]","part":6,"page":341},{"id":2503,"text":"قالوا : وروى محمد بن شاذان عن معلى بن منصور عن شعيب بن زريق أن عطاء الخراساني حدثهم عن الحسن قال : حدثنا عبد الله بن عمر رضي الله عنهما أنه طلق امرأته وهي حائض ثم أراد أن يتبعها بطلقتين أخريين عند القرءين الباقيين فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : [ يا ابن عمر ! ما هكذا أمرك الله أخطأت السنة ] وذكر الحديث وفيه فقلت : يا رسول الله ! لو كنت طلقتها ثلاثا أكان لي أن أجمعها قال : [ لا كانت تبين وتكون معصية ]\rقالوا : وقد روى أبو داود في سننه : عن نافع بن عجير بن عبد يزيد بن ركانة أن ركانة بن عبد يزيد طلق امرأته سهيمة البتة فأخبر النبي صلى الله عليه وسلم بذلك فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : [ والله ما أردت إلا واحدة ؟ فقال ركانة : والله ما أردت إلا واحدة فردها إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم ] فطلقها الثانية في زمن عمر والثالثة في زمن عثمان\rوفي جامع الترمذي : [ عن عبد الله بن علي بن يزيد بن ركانة عن أبيه عن جده أنه طلق امرأته البتة فأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : ما أردت بها ؟ قال : واحدة قال : آلله قال : آلله قال : هو على ما أردت ] قال الترمذي : لا نعرفه إلا من هذا الوجه وسألت محمدا - يعني البخاري - عن هذا الحديث ؟ فقال : فيه اضطراب\rووجه الإستدلال بالحديث أنه صلى الله عليه وسلم أحلفه أنه أراد بالبتة واحدة فدل على أنه لو أراد بها أكثر لوقع ما أراده ولو لم يفترق الحال لم يحلفه\rقالوا : وهذا أصح من حديث ابن جريج عن بعض بني أبي رافع عن عكرمة عن ابن عباس أنه طلقها ثلاثا قال أبو داود : لأنهم ولد الرجل وأهله أعلم به أن ركانة إنما طلقها البتة\rقالوا : وابن جريج إنما رواه عن بعض بني أبي رافع فإن كان عبيد الله فهو ثقة معروف وإن كان غيره من إخوته فمجهول العدالة لا تقوم به حجة","part":6,"page":342},{"id":2504,"text":"قالوا : وأما طريق الإمام أحمد ففيها ابن إسحاق والكلام فيه معروف وقد حكى الخطابي أن الإمام أحمد كان يضعف طرق هذا الحديث كلها\rقالوا : وأصح ما معكم حديث أبي الصهباء عن ابن عباس وقد قال البيهقي : هذا الحديث أحد ما اختلف فيه البخاري ومسلم فأخرجه مسلم وتركه البخاري وأظنه تركه لمخالفته سائر الروايات عن ابن عباس ثم ساق الروايات عنه بوقوع الثلاث ثم قال : فهذه رواية سعيد بن جبير وعطاء بن أبي رباح ومجاهد وعكرمة وعمرو بن دينار ومالك بن الحارث ومحمد بن إياس بن البكير قال : ورويناه عن معاوية بن أبى عياش الأنصاري كلهم عن ابن عباس أنه أجاز الثلاث وأمضاهن\rوقال ابن المنذر : فغير جائز أن يظن بابن عباس أنه يحفط عن النبي صلى الله عليه وسلم شيئا ثم يفتي بخلافه\rوقال الشافعي : فإن كان معنى قول ابن عباس : إن الثلاث كانت تحسب على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم واحدة يعني أنه بأمر النبي صلى الله عليه وسلم فالذي يشبه - والله أعلم - أن يكون ابن عباس قد علم أنه كان شيئا فنسخ قال البيهقي : ورواية عكرمة عن ابن عباس فيها تأكيد لصحة هذا التأويل - يريد البيهقي - ما رواه أبو داود والنسائي من حديث عكرمة في قوله تعالى : {والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء} الآية وذلك أن الرجل كان إذا طلق امرأته فهو أحق برجعتها وإن طلقها ثلاثا فنسخ ذلك فقال : {الطلاق مرتان}\rقالوا : فيحتمل أن الثلاث كانت تجعل واحدة من هذا الوقت بمعنى أن الزوج كان يتمكن من المراجعة بعدها كما يتمكن من المراجعة بعد الواحدة ثم نسخ ذلك","part":6,"page":343},{"id":2505,"text":"وقال ابن سريج : يمكن أن يكون ذلك إنما جاء في نوع خاص من الطلاق الثلاث وهو أن يفرق بين الألفاظ كأن يقول : أنت طالق أنت طالق أنت طالق وكان في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وعهد أبي بكر رضي الله عنه الناس على صدقهم وسلامتهم لم يكن فيهم الخب والخداع فكانوا يصدقون أنهم أرادوا به التأكيد ولا يريدون به الثلاث فلما رأى عمر رضي الله عنه في زمانه أمورا ظهرت وأحوالا تغيرت منع من حمل اللفظ على التكرار وألزمهم الثلاث\rوقالت طائفة : معنى الحديث أن الناس كانت عادتهم على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم إيقاع الواحدة ثم يدعها حتى تنقضي عدتها ثم اعتادوا الطلاق الثلاث جملة وتتايعوا فيه ومعنى الحديث على هذا : كان الطلاق الذي يوقعه المطلق الآن ثلاثا يوقعه على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبي بكر واحدة فهو إخبار عن الواقع لا عن المشروع\rوقالت طائفة : ليس في الحديث بيان أن رسول الله صلى الله عليه وسلم هو الذي كان يجعل الثلاث واحدة ولا أنه أعلم بذلك فأقر عليه ولا حجة إلا فيما قاله أو فعله أو علم به فأقر عليه ولا يعلم صحة واحدة من هذه الأمور في حديث أبي الصهباء\rقالوا : وإذا اختلفت علينا الأحاديث نظرنا إلى ما عليه أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فإنهم أعلم بسنته فنظرنا فإذا الثابت عن عمر بن الخطاب الذي لا يثبت عنه غيره ما رواه عبد الرزاق عن سفيان الثوري عن سلمة بن كهيل حدثنا زيد بن وهب أنه رفع إلى عمر بن الخطاب رجل طلق امرأته ألفا فقال له عمر : أطلقت امرأتك ؟ فقال : إنما كنت ألعب فعلاه عمر بالدرة وقال : إنما يكفيك من ذلك ثلاث\rوروى وكيع عن الأعمش عن حبيب بن أبي ثابت قال : جاء رجل إلى علي بن أبي طالب فقال : إني طلقت امرأتي ألفا فقال له علي : بانت منك بثلاث واقسم سائرهن بين نسائك","part":6,"page":344},{"id":2506,"text":"وروى وكيع أيضا عن جعفر بن برقان عن معاوية بن أبي يحيى قال : جاء رجل إلى عثمان بن عفان فقال : طلقت امرأتي ألفا فقال : بانت منك بثلاث\rوروى عبد الرزاق عن سفيان الثوري عن عمرو بن مرة عن سعيد بن جبير قال : قال رجل لابن عباس : طلقت امرأتي ألفا فقال له ابن عباس : ثلاث تحرمها عليك وبقيتها عليك وزر اتخذت آيات الله هزوا\rوروى عبد الرزاق أيضا عن معمر عن الأعمش عن إبراهيم عن علقمة قال : جاء رجل إلى ابن مسعود فقال : إني طلقت امرأتي تسعا وتسعين فقال له ابن مسعود : ثلاث تبينها منك وسائرهن عدوان\rوذكر أبو داود في سننه عن محمد بن إياس أن ابن عباس وأبا هريرة وعبد الله بن عمرو بن العاص سئلوا عن البكر يطلقها زوجها ثلاثا فكلهم قال : لا تحل له حتى تنكح زوجا غيره\rقالوا : فهؤلاء أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم كما تسمعون قد أوقعوا الثلاث جملة ولو لم يكن فيهم إلا عمر المحدث الملهم وحده لكفى فإنه لا يظن به تغيير ما شرعه النبي صلى الله عليه وسلم من الطلاق الرجعي فيجعله محرما وذلك يتضمن تحريم فرج المرأة على من لم تحرم عليه وإباحته لمن لا تحل له ولو فعل ذلك عمر لما أقره عليه الصحابة فضلا عن أن يوافقوه ولو كان عند ابن عباس حجة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أن الثلاث واحدة لم يخالفها ويفتي بغيرها موافقة لعمر وقد علم مخالفته له في العول وحجب الأم بالإثنين من الإخوة والأخوات وغير ذلك\rقالوا : ونحن في هذه المسألة تبع لأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فهم أعلم بسنته وشرعه ولو كان مستقرا من شريعته أن الثلاث واحدة وتوفي والأمر على ذلك لم يخف عليهم ويعلمه من بعدهم ولم يحرموا الصواب فيه ويوفق له من بعدهم ويروي حبر الأمة وفقيهها خبر كون الثلاث واحدة ويخالفه","part":6,"page":345},{"id":2507,"text":"قال المانعون من وقوع الثلاث : التحاكم في هذه المسألة وغيرها إلى من أقسم الله سبحانه وتعالى أصدق قسم وأبره أنا لا نؤمن حتى نحكمه فيما شجر بيننا ثم نرضى بحكمه ولا يلحقنا فيه حرج ونسلم له تسليما لا إلى غيره كائنا من كان اللهم إلا أن تجمع أمته إجماعا متيقنا لا نشك فيه على حكم فهو الحق الذي لا يجوز خلافه ويأبى الله أن تجتمع الأمة على خلاف سنة ثابتة عنه أبدا ونحن قد أوجدناكم من الأدلة ما تثبت المسألة به بل وبدونه ونحن نناظركم فيما طعنتم به في تلك الأدلة وفيما عارضتمونا به على أنا لا نحكم على أنفسنا إلا نصا عن الله أو نصا ثابتا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أو إجماعا متيقنا لا شك فيه وما عدا هذا فعرضة للنزاع وغايته أن يكون سائغ الإتباع لا لازمه فلتكن هذه المقدمة سلفا لنا عندكم وقد قال تعالى : {فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول} [ النساء : 59 ] فقد تنازعنا نحن وأنتم في هذه المسألة فلا سبيل إلى ردها إلى غير الله ورسوله البتة وسيأتي أننا أحق بالصحابة وأسعد بهم فيها فنقول :\rأما منعكم لتحريم جمع الثلاث فلا ريب أنها مسألة نزاع ولكن الأدلة الدالة على التحريم حجة عليكم","part":6,"page":346},{"id":2508,"text":"أما قولكم : إن القرآن دل على جواز الجمع فدعوى غير مقبولة بل باطلة وغاية ما تمسكتم به إطلاق القرآن للفظ الطلاق وذلك لا يعم جائزه ومحرمه كما لا يدخل تحته طلاق الحائض وطلاق الموطوءة في طهرها وما مثلكم في ذلك إلا كمثل من عارض السنة الصحيحة في تحريم الطلاق المحرم بهذه الإطلاقات سواء ومعلوم أن القرآن لم يدل على جواز كل طلاق حتى تحملوه ما لا يطيقه وإنما دل على أحكام الطلاق والمبين عن الله عز وجل بين حلاله وحرامه ولا ريب أنا أسعد بظاهر القرآن كما بينا في صدر الإستدلال وأنه سبحانه لم يشرع قط طلاقا بائنا بغير عوض لمدخول بها إلا أن يكون آخر العدد وهذا كتاب الله بيننا وبينكم وغاية ما تمسكتم به ألفاظ مطلقة قيدتها السنة وبينت شروطها وأحكامها","part":6,"page":347},{"id":2509,"text":"وأما استدلالكم بأن الملاعن طلق امرأته ثلاثا بحضرة رسول الله صلى الله عليه وسلم فما أصحه من حديث وما أبعده من استدلالكم على جواز الطلاق الثلاث بكلمة واحدة في نكاح يقصد بقاؤه ودوامه ثم المستدل بهذا إن كان ممن يقول : إن الفرقة وقعت عقيب لعان الزوج وحده كما يقوله الشافعي أو عقيب لعانهما وإن لم يفرق الحاكم كما يقوله أحمد في إحدى الروايات عنه فالإستدلال به باطل لأن الطلاق الثلاث حينئذ لغو لم يفد شيئا وإن كان ممن يوقف الفرقة على تفريق الحاكم لم يصح الإستدلال به أيضا لأن هذا النكاح لم يبق سبيل إلى بقائه ودوامه بل هو واجب الإزالة ومؤبد التحريم فالطلاق الثلاث مؤكد لمقصود اللعان ومقرر له فإن غايته أن يحرمها عليه حتى تنكح زوجا غيره وفرقة اللعان تحرمها عليه على الأبد ولا يلزم من نفوذ الطلاق في نكاح قد صار مستحق التحريم على التأبيد نفوذه في نكاح قائم مطلوب البقاء والدوام ولهذا لو طلقها في هذا الحال وهي حائض أو نفساء أو في طهر جامعها فيه لم يكن عاصيا لأن هذا النكاح مطلوب الإزالة مؤيد التحريم ومن العجب أنكم متمسكون بتقرير رسول الله صلى الله عليه وسلم على هذا الطلاق المذكور ولا تتمسكون بإنكاره وغضبه للطلاق الثلاث من غير الملاعن وتسميته لعبا بكتاب الله كما تقدم فكم بين هذا الإقرار وهذا الإنكار ؟ ونحن بحمد الله قائلون بالأمرين مقرون لما أقره رسول الله صلى الله عليه وسلم منكرون لما أنكره","part":6,"page":348},{"id":2510,"text":"وأما استدلالكم بحديث عائشة رضي الله عنها أن رجلا طلق امرأته ثلاثا فتزوجت فسئل رسول الله صلى الله عليه وسلم هل تحل للأول ؟ قال : [ لا حتى تذوق العسيلة ] فهذا لا ننازعكم فيه نعم هو حجة على من اكتفى بمجرد عقد الثاني ولكن أين في الحديث أنه طلق الثلاث بفم واحد بل الحديث حجة لنا فإنه لا يقال : فعل ذلك ثلاثا وقال ثلاثا إلا من فعل وقال : مرة بعد مرة هذا هو المعقول في لغات الأمم عربهم وعجمهم كما يقال : قذفه ثلاثا وشتمه ثلاثا وسلم عليه ثلاثا\rقالوا : وأما استدلالكم بحديث فاطمة بنت قيس فمن العجب العجاب فإنكم خالفتموه فيما هو صريح فيه لا يقبل تأويلا صحيحا وهو سقوط النفقة والكسوة للبائن مع صحته وصراحته وعدم ما يعارضه مقاوما له وتمسكتم به فيما هو مجمل بل بيانه في نفس الحديث مما يبطل تعلقكم به فإن قوله : طلقها ثلاثا ليس بصريح في جمعها بل كما تقدم كيف وفي الصحيح في خبرها نفسه من رواية الزهري عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة أن زوجها أرسل إليها بتطليقة كانت بقيت لها من طلاقها\rوفي لفظ في الصحيح : أنه طلقها آخر ثلاث تطليقات وهو سند صحيح متصل مثل الشمس فكيف ساغ لكم تركه إلى التمسك بلفظ مجمل وهو أيضا حجة عليكم كما تقدم ؟ ","part":6,"page":349},{"id":2511,"text":"قالوا : وأما استدلالكم بحديث عبادة بن الصامت الذي رواه عبد الرزاق فخبر في غاية السقوط لأن في طريقه يحيى بن العلاء عن عبيد الله بن الوليد الوصافي عن إبراهيم بن عبيد الله - ضعيف عن هالك عن مجهول ثم الذي يدل على كذبه وبطلانه أنه لم يعرف في شئ من الآثار صحيحا ولا سقيما ولا متصلا ولا منقطعا أن والد عبادة بن الصامت أدرك الإسلام فكيف بجده فهذا محال بلا شك وأما حديث عبد الله بن عمر فأصله صحيح بلا شك لكن هذه الزيادة والوصلة التي فيه : فقلت : يا رسول الله : لو طلقتها ثلاثا أكانت تحل لي ؟ إنما جاءت من رواية شعيب بن زريق وهو الشامي وبعضهم يقلبه فيقول : زريق بن شعيب وكيفما كان فهو ضعيف ولو صح لم يكن فيه حجة لأن قوله : لو طلقتها ثلاثا بمنزلة قوله : لو سلمت ثلاثا أو أقررت ثلاثا أو نحوه مما لا يعقل جمعه\rوأما حديث نافع بن عجير الذي رواه أبو داود أن ركانة طلق امرأته البتة فأحلفه رسول الله صلى الله عليه وسلم ما أراد إلا واحدة فمن العجب تقديم نافع بن عجير المجهول الذي لا يعرف حاله البتة ولا يدرى من هو ولا ما هو على ابن جريج ومعمر وعبد الله بن طاووس في قصة أبي الصهباء وقد شهد إمام أهل الحديث محمد بن إسماعيل البخاري بأن فيه اضطرابا هكذا قال الترمذي في الجامع وذكر عنه في موضع آخر : أنه مضطرب فتارة يقول : طلقها ثلاثا وتارة يقول : واحدة وتارة يقول : البتة وقال الإمام أحمد : وطرقه كلها ضعيفة وضعفه أيضا البخاري حكاه المنذري عنه","part":6,"page":350},{"id":2512,"text":"ثم كيف يقدم هذا الحديث المضطرب المجهول رواية على حديث عبد الرزاق عن ابن جريج لجهالة بعض بني أبي رافع هذا وأولاده تابعيون وإن كان عبيد الله أشهرهم وليس فيهم متهم بالكذب وقد روى عنه ابن جريج ومن يقبل رواية المجهول أو يقول : رواية العدل عنه تعديل له فهذا حجة عنده فأما أن يضعفه ويقدم عليه رواية من هو مثله في الجهالة أو أشد فكلا فغاية الأمر أن تتساقط روايتا هذين المجهولين ويعدل إلى غيرهما وإذا فعلنا ذلك نظرنا في حديث سعد بن إبراهيم فوجدناه صحيح الإسناد وقد زالت علة تدليس محمد بن إسحاق بقوله : حدثني داود بن الحصين وقد احتج أحمد بإسناده في مواضع وقد صحح هو وغيره بهذا الإسناد بعينه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رد زينب على زوجها أبي العاص بن الربيع بالنكاح الأول ولم يحدث شيئا\rوأما داود بن الحصين عن عكرمة فلم تزن الأئمة تحتج به وقد احتجوا به في حديث العرايا فيما شك فيه ولم يجزم به من تقديرها بخمسة أوسق أو دونها مع كونها على خلاف الأحاديث التي نهى فيها عن بيع الرطب بالتمر فما ذنبه في هذا الحديث سوى رواية ما لا يقولون به وإن قدحتم في عكرمة - ولعلكم فاعلون - جاءكم ما لا قبل لكم به من التناقض فيما احتججتم به أنتم وأئمة الحديث من روايته وارتضاء البخاري لإدخال حديثه في صحيحه\rفصل\rوأما تلك المسالك الوعرة التي سلكتموها في حديث أبي الصهباء فلا يصح شئ منها","part":6,"page":351},{"id":2513,"text":"أما المسلك الأول وهو انفراد مسلم بروايته وإعراض البخاري عنه فتلك شكاة ظاهر عنك عارها وما ضر ذلك الحديث انفراد مسلم به شيئا ثم هل تقبلون أنتم أو أحد مثل هذا في كل حديث ينفرد به مسلم عن البخاري وهل قال البخاري قط : إن كل حديث لم أدخله في كتابي فهو باطل أو ليس بحجة أو ضعيف وكم قد احتج البخاري بأحاديث خارج الصحيح ليس لها ذكر في صحيحه وكم صحح من حديث خارج عن صحيحه فأما مخالفة سائر الروايات له عن ابن عباس فلا ريب أن عن ابن عباس روايتين صحيحتين بلا شك إحداهما : توافق هذا الحديث والأخرى : تخالفه فإن أسقطنا رواية برواية سلم الحديث على أنه بحمد الله سالم ولو اتفقت الروايات عنه على مخالفته فله أسوة أمثاله وليس بأول حديث خالفه راويه فنسألكم : هل الأخذ بما رواه الصحابي عندكم أو بما رآه ؟ فإن قلتم : الأخذ بروايته وهو قول جمهوركم بل جمهور الأمة على هذا كفيتمونا مؤونة الجواب وإن قلتم : الأخذ برأيه أريناكم من تناقضكم ما لا حيلة لكم في دفعه ولا سيما عن ابن عباس نفسه فإنه روى حديث بريرة وتخييرها ولم يكن بيعها طلاقا ورأى خلافه وأن بيع الأمة طلاقها فأخذتم - وأصبتم - بروايته وتركتم رأيه فهلا فعلتم ذلك فيما نحن فيه وقلتم : الرواية معصومة وقول الصحابي غير معصوم ومخالفته لما رواه يحتمل احتمالات عديدة من نسيان أو تأويل أو اعتقاد معارض راجح في ظنه أو اعتقاد أنه منسوخ أو مخصوص أو غير ذلك من الإحتمالات فكيف يسوغ ترك روايته مع قيام هذه الإحتمالات ؟ وهل هذا إلا ترك معلوم لمظنون بل مجهول ؟ قالوا : وقد روى أبو هريرة رضي الله عنه حديث التسبيح من ولوغ الكلب وأفتى بخلافه فأخذتم بروايته وتركتم فتواه ولو تتبعنا ما أخذتم فيه برواية الصحابي دون فتواه لطال\rقالوا : واما دعواكم نسخ الحديث فموقوفة على ثبوت معارض مقاوم متراخ فأين هذا ؟!","part":6,"page":352},{"id":2514,"text":"وأما حديث عكرمة عن ابن عباس في نسخ المراجعة بعد الطلاق الثلاث فلو صح لم يكن فيه حجة فإنه إنما فيه أن الرجل كان يطلق امرأته ويراجعها بغير عدد فنسخ ذلك وقصر على ثلاث فيها تنقطع الرجعة فأين في ذلك الإلزام بالثلاث بفم واحد ثم كيف يستمر المنسوخ على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبي بكر وصدرا من خلافة عمر لا تعلم به الأمة وهو من أهم الأمور المتعلقة بحل الفروج ثم كيف يقول عمر : إن الناس قد استعجلوا في شئ كانت لهم فيه أناة وهل للأمة أناة في المنسوح بوجه ما ؟! ثم كيف يعارض الحديث الصحيح بهذا الذي فيه علي بن الحسين بن واقد وضعفه معلوم ؟ \rوأما حملكم الحديث على قول المطلق : أنت طالق أتت طالق أنت طالق ومقصوده التأكيد بما بعد الأول فسياق الحديث من أوله إلى آخره يرده فإن هذا الذي أولتم الحديث عليه لا يتغير بوفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا يختلف على عهده وعهد خلفائه وهلم جرا إلى آخر الدهر ومن ينويه في قصد التأكيد لا يفرق بين بر وفاجر وصادق وكاذب بل يرده إلى نيته وكذلك من لا يقبله في الحكم لا يقبله مطلقا برا كان أو فاجرا","part":6,"page":353},{"id":2515,"text":"وأيضا فإن قوله : إن الناس قد استعجلوا وتتايعوا في شئ كانت لهم فيه أناة فلو أنا أمضيناه عليهم إخبار من عمر بأن الناس قد استعجلوا ما جعلهم الله في فسحة منه وشرعه متراخيا بعضه عن بعض رحمة بهم ورفقا وأناة لهم لئلا يندم مطلق فيذهب حبيبه من يديه من أول وهلة فيعز عليه تداركه فجعل له أناة وسهلة يستعتبه فيها ويرضيه ويزول ما أحدثه العتب الداعي إلى الفراق ويراجع كل منهما الذي عليه بالمعروف فاستعجلوا فيما جعل لهم فيه أناة ومهلة وأوقعوه بفم واحد فرأى عمر رضي الله عنه أنه يلزمهم ما التزموه عقوبة لهم فإذا علم المطلق أن زوجته وسكنه تحرم عليه من أول مرة بجمعه الثلاث كف عنها ورجع إلى الطلاق المشروع المأذون فيه وكان هذا من تأديب عمر لرعيته لما أكثروا من الطلاق الثلاث كما سيأتي مزيد تقريره عند الإعتذار عن عمر رضي الله عنه في إلزامه بالثلاث هذا وجه الحديث الذي لا وجه له غيره فأين هذا من تأويلكم المستكره المستبعد الذي لا توافقه ألفاظ الحديث بل تنبو عنه وتنافره","part":6,"page":354},{"id":2516,"text":"وأما قول من قال : إن معناه كان وقوع الطلاق الثلاث الآن على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم واحدة فإن حقيقة هذا التأويل : كان الناس على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم يطلقون واحدة وعلى عهد عمر صاروا يطلقون ثلاثا والتأويل إذا وصل إلى هذا الحد كان من باب الألغاز والتحريف لا من باب بيان المراد ولا يصح ذلك بوجه ما فإن الناس ما زالوا يطلقون واحدة وثلاثا وقد طلق رجال نساءهم على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ثلاثا فمنهم من ردها إلى واحدة كما في حديث عكرمة عن ابن عباس ومنهم من أنكر عليه وغضب وجعله متلاعبا بكتاب الله ولم يعرف ما حكم به عليهم وفيهم من أقره لتأكيد التحريم الذي أوجبه اللعان ومنهم من ألزمه بالثلاث لكون ما أتى به من الطلاق آخر الثلاث فلا يصح أن يقال : إن الناس ما زالوا يطلقون واحدة إلى أثناء خلافة عمر فطلقوا ثلاثا ولا يصح أن يقال : إنهم قد استعجلوا في شئ كانت لهم فيه أناة فنمضيه عليهم ولا يلائم هذا الكلام الفرق بين عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وبين عهده بوجه ما فإنه ماض منكم على عهده وبعد عهده\rثم إن في بعض ألفاظ الحديث الصحيحة : ألم تعلم أنه من طلق ثلاثا جعلت واحدة على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم\rوفي لفظ : أما علمت أن الرجل كان إذ طلق امرأته ثلاثا قبل أن يدخل بها جعلوها واحدة على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبي بكر وصدرا من خلافة عمر فقال ابن عباس : بلى كان الرجل إذا طلق امرأته ثلاثا قبل أن يدخل بها جعلوها واحدة على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبي بكر وصدرا من إمارة عمر فلما رأى الناس - يعني عمر - قد تتايعوا فيها قال : أجيزوهن عليهم هذا لفظ الحديث وهو بأصح إسناد وهو لا يحتمل ما ذكرتم من التأويل بوجه ما ولكن هذا كله عمل من جعل الأدلة تبعا للمذهب فاعتقد ثم استدل وأما من جعل المذهب تبعا للدليل واستدل ثم اعتقد لم يمكنه هذا العمل","part":6,"page":355},{"id":2517,"text":"وأما قول من قال : ليس في الحديث بيان أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان هو الذي يجعل ذلك ولا أنه علم به وأقره عليه فجوابه أن يقال : سبحانك هذا بهتان عظيم أن يستمر هذا الجعل الحرام المتضمن لتغيير شرع الله ودينه وإباحة الفرج لمن هو عليه حرام وتحريمه على من هو عليه حلال على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه خير الخلق وهم يفعلونه ولا يعلمونه ولا يعلمه هو والوحي ينزل عليه وهو يقرهم عليه فهب أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يكن يعلمه وكان الصحابة يعلمونه ويبدلون دينه وشرعه والله يعلم ذلك ولا يوحيه إلى رسوله ولا يعلمه به ثم يتوفى الله رسوله صلى الله عليه وسلم والأمر على ذلك فيستمر هذا الضلال العظيم والخطأ المبين عندكم مدة خلافة الصديق كلها يعمل به ولا يغير إلى أن فارق الصديق الدنيا واستمر الخطأ والضلال المركب صدرا من خلافة عمر حتى رأى بعد ذلك برأيه أن يلزم الناس بالصواب فهل في الجهل بالصحابة وما كانوا عليه في عهد نبيهم وخلفائه أقبح من هذا وتالله لو كان جعل الثلاث واحدة خطأ محضا لكان أسهل من هذا الخطإ الذي ارتكبتموه والتأويل الذي تأولتموه ولو تركتم المسألة بهيأتها لكان أقوى لشأنها من هذه الأدلة والأجوبة\rقالوا : وليس التحاكم في هذه المسألة إلى مقلد متعصب ولا هياب للجمهور ولا مستوحش من التفرد إذا كان الصواب في جانبه وإنما التحاكم فيها إلى راسخ في العلم قد طال منه باعه ورحب بنيله ذراعه وفرق بين الشبهة والدليل وتلقى الأحكام من نفس مشكاة الرسول وعرف المراتب وقام فيها بالواجب وباشر قلبه أسرار الشريعة وحكمها الباهرة وما تضمنته من المصالح الباطنة والظاهرة وخاض في مثل هذه المضايق لججها واستوفى من الجانبين حججها والله المستعان وعليه التكلان\rقالوا : وأما قولكم : إذا اختلفت علينا الأحاديث نظرنا فيما عليه الصحابة رضي الله عنهم فنعم والله وحيهلا بيرك الإسلام وعصابة الإيمان","part":6,"page":356},{"id":2519,"text":"( فلا تطلب لي الأعواض بعدهم... فإن قلبي لا يرضى بغيرهم )\rولكن لا يليق بكم أن تدعونا إلى شئ وتكونوا أول نافر عنه ومخالف له فقد توفي النبي صلى الله عليه وسلم عن أكثر من مائة ألف عين كلهم قد رآه وسمع منه فهل صح لكم عن هؤلاء كلهم أو عشرهم أو عشر عشرهم أو عشر عشر عشرهم القول بلزوم الثلاث بفم واحد ؟ هذا ولو جهدتم كل الجهد لم تطيقوا نقله عن عشرين نفسا منهم أبدا مع اختلاف عنهم في ذلك فقد صح عن ابن عباس القولان وصح عن ابن مسعود القول باللزوم وصح عنه التوقف ولو كاثرناكم بالصحابة الذين كان الثلاث على عهدهم واحدة لكانوا أضعاف من نقل عنه خلاف ذلك ونحن نكاثركم بكل صحابي مات إلى صدر من خلافة عمر ويكفينا مقدمهم وخيرهم وأفضلهم ومن كان معه من الصحابة على عهده بل لو شئنا لقلنا ولصدقنا : إن هذا كان إجماعا قديما لم يختلف فيه على عهد الصديق اثنان ولكن لا ينقرض عصر المجمعين حتى حدث الإختلاف فلم يستقر الإجماع الأول حتى صار الصحابة على قولين واستمر الخلاف بين الأمة في ذلك إلى اليوم ثم نقول : لم يخالف عمر إجماع من تقدمه بل رأى إلزامهم بالثلاث عقوبة لهم لما علموا أنه حرام وتتايعوا فيه ولا ريب أن هذا سائغ للأئمة أن يلزموا الناس بما ضيقوا به على أنفسهم ولم يقبلوا فيه رخصة الله عز وجل وتسهيله بل اختاروا الشدة والعسر فكيف بأمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه وكمال نظره للأمة وتأديبه لهم ولكن العقوبة تختلف باختلاف الأزمنة والأشخاص والتمكن من العلم بتحريم الفعل المعاقب عليه وخفائه وأمير المؤمنين عمر رضي الله عنه لم يقل لهم : إن هذا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وإنما هو رأي رآه مصلحة للأمة يكفهم بها عن التسارع إلى إيقاع الثلاث ولهذا قال : فلو أنا أمضيناه عليهم وفي لفظ آخر : [ فأجيزوهن عليهم ] أفلا يرى أن هذا رأي منه رآه للمصلحة لا إخبار عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ولما علم رضي الله عنه أن تلك الأناة والرخصة نعمة من الله على المطلق ورحمة به وإحسان","part":6,"page":357},{"id":2520,"text":"إليه وأنه قابلها بضدها ولم يقبل رخصة الله وما جعله له من الأناة عاقبه بأن حال بينه وبينها وألزمه ما ألزمه من الشدة والإستعجال وهذا موافق لقواعد الشريعة بل هو موافق لحكمة الله في خلقه قدرا وشرعا فإن الناس إذا تعدوا حدوده ولم يقفوا عندها ضيق عليهم ما جعله لمن اتقاه من المخرج وقد أشار إلى هذا المعنى بعينه من قال من الصحابة للمطلق ثلاثا : إنك لو اتقيت الله لجعل لك مخرجا كما قاله ابن مسعود وابن عباس فهذا نظر أمير المؤمنين ومن معه من الصحابة لا أنه رضي الله غير أحكام الله وجعل حلالها حراما فهذا غاية التوفيق بين النصوص وفعل أمير المؤمنين ومن معه وأنتم لم يمكنكم ذلك إلا بإلغاء أحد الجانبين فهذا نهاية أقدام الفريقين في هذا المقام الضنك والمعترك الصعب وبالله التوفيق. أ هـ {زاد المعاد حـ 5 صـ 226 ـ 248}","part":6,"page":358},{"id":2521,"text":"قوله تعالى : {فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يَتَرَاجَعَا إِنْ ظَنَّا أَنْ يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ يُبَيِّنُهَا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (230)}\rقال ابن عاشور : \rقوله تعالى : {فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ}\rتفريع مرتب على قوله : {الطلاق مرتان فَإِن طَلَّقَهَا فَلاَ تَحِلُّ لَهُ مِن بَعْدُ حتى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ فَإِن طَلَّقَهَا فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِمَآ أَن يَتَرَاجَعَآ إِن ظَنَّآ أَن يُقِيمَا حُدُودَ الله} [ البقرة : 229 ] وما بينهما بمنزلة الاعتراض ، على أن تقديمه يكسبه تأثيراً في تفريع هذا على جميع ما تقدم ؛ لأنه قد علم من مجموع ذلك أن بعد المرتين تخييراً بني المراجعة وعدمها ، فرتب على تقدير المراجعة المعبر عنها بالإمساك {فإن طلقها} وهو يدل بطريق الاقتضاء على مقدر أي فإن راجعها فطلقها لبيان حكم الطلقة الثالثة.","part":6,"page":359},{"id":2522,"text":"وقد تهيأ السامع لتلقي هذا الحكم من قوله : {الطلاق مرتان} [ البقرة : 229 ] إذ علم أن ذلك بيان لآخر عدد في الرجعي وأن ما بعده بتات ، فذكر قوله : {فإن طلقها} زيادة في البيان ، وتمهيد لقوله : {فلا تحل له من بعد} إلخ فالفاء إما عاطفة لجملة {فإن طلقها} على جملة {فإمساك} [ البقرة : 229 ] باعتبار ما فيها من قوله {فإمساك} ، إن كان المراد من الإمساك المراجعة ومن التسريح عدمها ، أي فإن أمسك المطلق أي راجع ثم طلقها ، فلا تحل له من بعد ، وهذا هو الظاهر ، وإما فصيحة لبيان قوله : {أو تسريح بإحسان} [ البقرة : 229 ] ، إن كان المراد من التسريح إحداث الطلاق ، أي فإن ازداد بعد المراجعة فسرح فلا تحل له من بعد ، وإعادة هذا على هذا الوجه ليرتب عليه تحريم المراجعة إلا بعد زوج ، تصريحاً بما فهم من قوله : {الطلاق مرتان} ويكون التعبير بالطلاق هنا دون التسريح للبيان وللتفنن على الوجهين المتقدمين ، ولا يعوزك توزيعه عليهما ، والضمير المستتر راجع للمطلق المستفاد من قوله : {الطلاق مرتان} والضمير المنصوب راجع للمطلقة المستفادة من الطلاق أيضاً ، كما تقدم في قوله : {إلا أن يخافا ألا يقيما حدود الله} [ البقرة : 229 ].\rوالآية بيان لنهاية حق المراجعة صراحة ، وهي إما إبطال لما كانوا عليه في الجاهلية وتشريع إسلامي جديد ، وإما نسخ لما تقرر أول الإسلام إذا صح ما رواه أبو داود في \"سننه\" ، في باب نسخ المراجعة بعد التطليقات الثلاث ، عن ابن عباس \"أن الرجل كان إذا طلق امرأته فهو أحق برجعتها وإن طلقها ثلاثاً فنسخ ذلك ونزل {الطلاق مرتان}.","part":6,"page":360},{"id":2523,"text":"ولا يصح بحال عطف قوله : {فإن طلقها} على جملة {ولا يحل لكم أن تأخذوا} [ البقرة : 229 ] ، ولا صدق الضميرين على ما صدقت عليه ضمائر {إلا أن يخافا ألا يقيما} ، و{فلا جناح عليهما} لعدم صحة تعلق حكم قوله تعالى : {فإن طلقها فلا تحل له من بعد} بما تعلق به حكم قوله : {ولا يحل لكم أن تأخذوا} [ البقرة : 229 ] إلخ إذ لا يصح تفريع الطلاق الذي لا تحل بعده المرأة على وقوع الخلع ، إذ ليس ذلك من أحكام الإسلام في قول أحد ، فمن العجيب ما وقع في \"شرح الخطابي على سنن أبي داود\" : أن ابن عباس احتج لكون الخلع فسخاً بأن الله ذكر الخلع ثم أعقبه بقوله : {فإن طلقها فلا تحل له من بعد} الآية قال : \" فلو كان الخلع طلاقاً لكان الطلاق أربعاً \" ولا أحسب هذا يصح عن ابن عباس لعدم جريه على معاني الاستعمال العربي. أ هـ {التحرير والتنوير حـ 2 صـ 414}\rقال الفخر : \rاعلم أن هذا هو الحكم الخامس من أحكام الطلاق ، وهو بيان أن الطلقة الثالثة قاطعة لحق الرجعة ، وفيه مسائل : ","part":6,"page":361},{"id":2524,"text":"المسألة الأولى : الذين قالوا : إن قوله {أَوْ تَسْرِيحٌ بإحسان} [ البقرة : 229 ] إشارة إلى الطلقة الثالثة قالوا إن قوله : {فَإِن طَلَّقَهَا} تفسير لقوله : {تَسْرِيحٌ بإحسان} وهذا قول مجاهد ، إلا أنا بينا أن الأولى أن لا يكون المراد من قوله : {تَسْرِيحٌ بإحسان} الطلقة الثالثة ، وذلك لأن للزوج مع المرأة بعد الطلقة الثانية أحوالاً ثلاثة أحدها : أن يراجعها ، وهو المراد بقوله : {فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ} [ البقرة : 229 ] والثاني : أن لا يراجعها بل يتركها حتى تنقضي العدة وتحصل البينونة ، وهو المراد بقوله : {أَوْ تَسْرِيحٌ بإحسان} والثالث : أن يطلقها طلقة ثالثة ، وهو المراد بقوله : {فَإِن طَلَّقَهَا} فإذا كانت الأقسام ثلاثة ، والله تعالى ذكر ألفاظاً ثلاثة وجب تنزيل كل واحد من الألفاظ الثلاثة على معنى من المعاني الثلاثة ، فأما إن جعلنا قوله : {أَوْ تَسْرِيحٌ بإحسان} عبارة عن الطلقة الثالثة كنا قد صرفنا لفظين إلى معنى واحد على سبيل التكرار ، وأهملنا القسم الثالث ، ومعلوم أن الأول أولى.\rواعلم أن وقوع آية الخلع فيما بين هاتين الآيتين كالشيء الأجنبي ، ونظم الآية {الطلاق مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بإحسان فَإِن طَلَّقَهَا فَلاَ تَحِلُّ لَهُ مِن بَعْدُ حتى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ}.\rفإن قيل : فإذا كان النظم الصحيح هو هذا فما السبب في إيقاع آية الخلع فيما بين هاتين الآيتين ؟ .\rقلنا : السبب أن الرجعة والخلع لا يصحان إلا قبل الطلقة الثالثة ، أما بعدها فلا يبقى شيء من ذلك : فلهذا السبب ذكر الله حكم الرجعة ، ثم أتبعه بحكم الخلع ، ثم ذكر بعد الكل حكم الطلقة الثالثة لأنها كالخاتمة لجميع الأحكام المعتبرة في هذا الباب والله أعلم. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 6 صـ 89 ـ 90}\rقال البقاعى : ","part":6,"page":362},{"id":2525,"text":"{فإن طلقها} أي الثالثة التي تقدم التخيير فيها بلفظ التسريح فكأنه قال : فإن اختار الطلاق البات بعد المرتين إما في العدة من الطلاق الرجعي أو بعد الرجعة بعوض أو غيره ولا فرق في جعلها ثالثة بين أن تكون بعد تزوج المرأة بزوج آخر أو لا. قال الحرالي : فردد معنى التسريح الذي بينه في موضعه بلفظ الطلاق لما هيأها بوجه إلى المعاد ، وذلك فيما يقال من خصوص هذه الأمة وإن حكم الكتاب الأول أن المطلقة ثلاثاً لا تعود أبداً فلهذا العود بعد زوج صار السراح طلاقاً - انتهى. {فلا تحل له} ولما كان إسقاط الحرف والظرف يوهم أن الحرمة تختص بما استغرق زمن البعد فيفهم أن نكاحه لها في بعض ذلك الزمن يحل قال : {من بعد} أي في زمن ولو قل من أزمان ما بعد استيفاء الدور الذي هو الثلاث بما أفاده إثبات الجار ، وتمتد الحرمة {حتى} أي إلى أن {تنكح} أي تجامع بذوق العسيلة التي صرح بها النبي صلى الله عليه وسلم ، قال الفارسي : إذا قال العرب : نكح فلان فلانة ، أرادوا عقد عليها ؛ وإذا قالوا : نكح امرأته أو زوجته ، أرادوا جامعها ؛ وقال الإمام : إن هذا الذي قاله أبو علي جار على قوانين الأصول وإنه لا يصح إرادة غيره ودل على ذلك بقياس رتبة ، فالآية دالة على أنه لا يكتفى في التحليل بدون الجماع كما بينته السنة وإلا كانت السنة ناسخة ، لأن غاية الحرمة في الآية العقد وفي الخبر الوطء وخبر الواحد لا ينسخ القرآن ، وأشار بقوله : {زوجاً} إلى أن شرط هذا الجماع أن يكون حلالاً في عقد صحيح {غيره} أي المطلق ، وفي جعل هذا غاية للحل زجر لمن له غرض ما في امرأته عن طلاقها ثلاثاً لأن كل ذي مروة يكره أن يفترش امرأته آخر ومجرد العقد لا يفيد هذه الحكمة وذلك بعد أن أثبت له سبحانه وتعالى من كمال رأفته بعباده الرجعة في الطلاق الرجعي مرتين لأن الإنسان في حال الوصال لا يدري ما يكون حاله بعده ولا تفيده الأولى كمال التجربة فقد يحصل له نوع شك بعدها وفي الثانية","part":6,"page":363},{"id":2526,"text":"يضعف ذلك جداً ويقرب الحال من التحقق فلا يحمل على الفراق بعدها إلا قلة التأمل ومحض الخرق بالعجلة المنهي عنها. أ هـ {نظم الدرر حـ 1 صـ 433 ـ 434}\rوقال ابن عاشور : \rقوله : {فلا تحل له} أي تحرم عليه وذكر قوله : {من بعد} أي من بعد ثلاث تطليقات تسجيلاً على المطلق ، وإيماء إلى علة التحريم ، وهي تهاون المطلق بشأن امرأته ، واستخفافه بحق المعاشرة ، حتى جعلها لعبة تقلبها عواصف غضبه وحماقته ، فلما ذكر لهم قوله {من بعد} علم المطلقون أنهم لم يكونوا محقين في أحوالهم التي كانوا عليها في الجاهلية.\rوالمراد من قوله : {تنكح زوجاً غيره} أن تعقد على زوج آخر ، لأن لفظ النكاح في كلام العرب لا معنى له إلا العقد بين الزوجين ، ولم أر لهم إطلاقاً آخر فيه لا حقيقة ولا مجازاً ، وأياً ما كان إطلاقه في الكلام فالمراد في هاته الآية العقد بدليل إسناده إلى المرأة ، فإن المعنى الذي ادعى المدعون أنه من معاني النكاح بالاشتراك والمجاز أعني المسيس ، لا يسند في كلام العرب للمرأة أصلاً ، وهذه نكتة غفلوا عنها في المقام.\rوحكمة هذا التشريع العظيم ردع الأزواج عن الاستخفاف بحقوق أزواجهم ، وجعلهن لُعباً في بيوتهم ، فجعل للزوج الطلقة الأولى هفوة ، والثانية تجربة ، والثالثة فراقاً ، كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في حديث موسى والخضر : \"فكانت الأولى من موسى نسياناً والثانية شرطاً والثالثة عمداً فلذلك قال له الخضر في الثالث {هذا فراق بيني وبينك} [ الكهف : 78 ].","part":6,"page":364},{"id":2527,"text":"وقد رتب الله على الطلقة الثالثة حكمين وهما سلب الزوج حق الرجعة ، بمجرد الطلاق ، وسلب المرأة حق الرضا بالرجوع إليه إلا بعد زوج ، واشتراط التزوج بزوج ثان بعد ذلك لقصد تحذير الأزواج من المسارعة بالطلقة الثالثة ، إلا بعد التأمل والتريث ، الذي لا يبقى بعده رجاء في حسن المعاشرة ، للعلم بحرمة العود إلا بعد زوج ، فهو عقاب للأزواج المستخفين بحقوق المرأة ، إذا تكرر منهم ذلك ثلاثاً ، بعقوبة ترجع إلى إيلام الوجدان ، لما ارتكز في النفوس من شدة النفرة من اقتران امرأته برجل آخر ، وينشده حال المرأة قول ابن الزَّبير : \rوفي الناس إن رثَّتْ حِبالك وَاصل\rوفي الأرض عن دار القِلَى متحول...","part":6,"page":365},{"id":2528,"text":"وفي الطيبي قال الزجاج : \"إنما جعل الله ذلك لعلمه بصعوبة تزوج المرأة على الرجل فحرم عليهما التزوج بعد الثلاث لئلا يعجلوا وأن يثبتوا\" وقد علم السامعون أن اشتراط نكاح زوج آخر هو تربية للمطلقين ، فلم يخطر ببال أحد إلا أن يكون المراد من النكاح في الآية حقيقته وهي العقد ، إلا أن العقد لما كان وسيلة لما يقصد له في غالب الأحوال من البناء وما بعده ، كان العقد الذي لا يعقبه وطء العاقد لزوجه غير معتد به فيما قصد منه ، ولا يعبأ المطلق الموقع الثلاث بمجرد عقد زوج آخر لم يمس فيه المرأة ، ولذلك لما طلق رفاعة بن سموأل القرظي زوجه تميمة ابنة وهب طلقة صادفت أخرى الثلاث ، وتزوجت بعده عبد الرحمن بن الزَّبير القرظي ، جاءت النبي صلى الله عليه وسلم فقالت له : \"يا رسول الله إن رفاعة طلقني فبت طلاقي ، وإن عبد الرحمن بن الزبير تزوجني وإنما معه مثل هدبة هذا الثوب\" وأشارت إلى هدب ثوب لها فقال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم \" أتريدين أن ترجعي إلى رفاعة \" قالت \"نعم\" قال \" لا ، حتى تذوقي عسيلته \" الحديث ، فدل سؤالها على أنها تتوقع عدم الاعتداد بنكاح ابن الزبير في تحليل من بتها ، لعدم حصول المقصود من النكاية والتربية بالمطلق ، فاتفق علماء الإسلام على أن النكاح الذي يحل المبتوتة هو دخول الزوج الثاني بالمرأة ومسيسه لها ، ولا أحسب دليلهم في ذلك إلا الرجوع إلى مقصد الشريعة ، الذي علمه سائر من فهم هذا الكلام العربي الفصيح ، فلا حاجة بنا إلى متح دلاء الاستدلال بأن هذا من لفظ النكاح المراد به في خصوص هذه الآية المسيسُ أو هو من حديث رفاعة ، حتى يكون من تقييد الكتاب بخبر الواحد ، أو هو من الزيادة على النص حتى يجىء فيه الخلاف في أنها نسخ أم لا ، وفي أن نسخ الكتاب بخبر الواحد يجوز أم لا ، كل ذلك دخول فيما لا طائل تحت تطويل تقريره بل حسبنا إجماع الصحابة وأهل اللسان على فهم هذا المقصد من لفظ القرآن ، ولم يشذ عن ذلك","part":6,"page":366},{"id":2529,"text":"إلا سعيد بن المسيب فإنه قال : يحل المبتوتة مجرد العقد على زوج ثان ، وهو شذوذ ينافي المقصود ؛ إذ أية فائدة تحصل من العقد ، إن هو إلا تعب للعاقدين ، والولي ، والشهود إلا أن يجعل الحكم منوطاً بالعقد ، باعتبار ما يحصل بعده غالباً ، فإذا تخلف ما يحصل بعده اغتفر ، من باب التعليل بالمظنة ، ولم يتابعه عليه أحد معروف ، ونسبه النحاس لسعيد بن جبير ، وأحسب ذلك سهواً منه واشتباهاً ، وقد أمر الله بهذا الحكم ، مرتباً على حصول الطلاق الثالث بعد طلقتين تقدمتاه فوجب امتثاله وعلمت حكمته فلا شك في أن يقتصر به على مورده ، ولا يتعدى حكمه ذلك إلى كل طلاق عبر فيه المطلق بلفظ الثلاث تغليظاً ، أو تأكيداً ، أو كذباً لأن ذلك ليس طلاقاً بعد طلاقين ، ولا تتحقق فيه حكمة التأديب على سوء الصنيع ، وما المتلفظ بالثلاث في طلاقه الأول إلا كغير المتلفظ بها في كون طلقته الأولى ، لا تصير ثانية ، وغاية ما اكتسبه مقاله أنه عد في الحمقى أو الكذابين ، فلا يعاقب على ذلك بالتفريق بينه وبين زوجه ، وعلى هذا الحكم استمر العمل في حياة رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبي بكر ، وصدر من خلافة عمر ، كما ورد في كتب الصحيح : \"الموطأ\" وما بعده ، عن ابن عباس رضي الله عنه ، وقد ورد في بعض الآثار رواية حديث ابن عمر حين طلق امرأته في الحيض أنه طلقها ثلاثاً في كلمة ، وورد حديث ركانة بن عبد يزيد المطلبي ، أنه طلق امرأته ثلاثاً في كلمة واحدة فسأل النبي صلى الله عليه وسلم فقال له : إنما ملكك الله واحدة فأمره أن يراجعها. أ هـ {التحرير والتنوير حـ 2 صـ 415 ـ 417}\rسؤالان : فإن قيل : ما الحكمة في إسناد النِّكاح إلى المرأة دون الرجل فقال {حتى تَنْكِحَ زَوْجاً} ؟ \rفالجواب : فيه فائدتان : \rإحداهما : ليفيد أنَّ المقصود من هذا النكاح الوطء ، لا مجرَّد العقد ؛ لأن المرأة لا تعقد عقد النكاح ، بخلاف الرجل ؛ فإنه يطلِّق عند العقد.\rالثانية : لأنَّه أفصح ، لكونه أوجز.\rفإن قيل : فقد أُسند النِّكاح إلى المرأة في قوله - عليه الصَّلاة والسَّلام - : \" أَيُّمَا امْرَأَةٍ نَكَحَتْ نَفْسَهَا بِغَيْرِ إِذْنِ وَلِيِّهَا فَنِكَاحُهَا بَاطِلٌ \" وإنما أراد العقد.\rفالجواب : أن هذا يدلُّ لنا ؛ لأنَّ جَعْلَ إسناد النكاح إلى المرأة ، والمراد به العقد ، يكون باطلاً ، وكلامنا في إسناد النِّكاح الصَّحيح. أ هـ {تفسير ابن عادل حـ 4 صـ 145}","part":6,"page":367},{"id":2530,"text":"فصل\rقال الفخر : \rمذهب جمهور المجتهدين أن المطلقة بالثلاث لا تحل لذلك الزوج إلا بخمس شرائط : تعتد منه ، وتعقد للثاني ، ويطؤها ، ثم يطلقها ، ثم تعتد منه ، وقال سعيد بن جبير وسعيد بن المسيب : تحل بمجرد العقد ، واختلف العلماء في أن شرط الوطء بالسنة ، أو بالكتاب ، قال أبو مسلم الأصفهاني : الأمران معلومان بالكتاب وهذا هو المختار.\rوقبل الخوض في الدليل لا بد من التنبيه على مقدمة ، قال عثمان بن جني : سألت أبا علي عن قولهم : نكح المرأة ، فقال : فرقت العرب بالاستعمال ، فإذا قالوا : نكح فلان فلانة ، أرادوا أنه عقد عليها ، وإذا قالوا : نكح امرأته أو زوجته أرادوا به المجامعة ، وأقول : هذا الذي قاله أبو علي كلام محقق بحسب القوانين العقلية ، لأن الإضافة الحاصلة بين الشيئين مغايرة لذات كل واحد من المضافين ، فإذا قيل : نكح فلان زوجته ، فهذا النكاح أمر حاصل بينه وبين زوجته فهذا النكاح مغاير له ولزوجته ، ثم الزوجة ليست اسماً لتلك المرأة بحسب ذاتها بل اسماً لتلك الذات بشرط كونها موصوفة بالزوجية ، فالزوجة ماهية مركبة من الذات ومن الزوجية والمفرد مقدم لا محالة على المركب.","part":6,"page":368},{"id":2531,"text":"إذا ثبت هذا فنقول : إذا قلنا نكح فلان زوجته ، فالناكح متأخر عن المفهوم من الزوجية ، والزوجية متقدمة على الزوجة من حيث إنها زوجة ، تقدم المفرد على المركب ، وإذا كان كذلك لزم القطع بأن ذلك النكاح غير الزوجية ، إذا ثبت هذا كان قوله : {حتى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ} يقتضي أن يكون ذلك النكاح غير الزوجية ، فكل من قال بذلك قال : إنه الوطء ، فثبت أن الآية دالة على أنه لا بد من الوطء ، فقوله : {تَنْكِحَ} يدل على الوطء ، وقوله : {زَوْجًا} يدل على العقد ، وأما قول من يقول : إن الآية غير دالة على الوطء ، وإنما ثبت الوطء بالسنة فضعيف ، لأن الآية تقتضي نفي الحل ممدوداً إلى غاية ، وهي قوله : {حتى تَنْكِحَ} وما كان غاية للشيء يجب انتهاء الحكم عند ثبوته ، فيلزم انتهاء الحرمة عند حصول النكاح ، فلو كان النكاح عبارة عن العقد لكانت الآية دالة على وجوب انتهاء الحرمة عند حصول العقد ، فكان رفعها بالخبر نسخاً للقرآن بخبر الواحد ، وأنه غير جائز ، أما إذا حملنا النكاح على الوطء ، وحملنا قوله : {زَوْجًا} على العقد ، لم يلزم هذا الإشكال ، وأما الخبر المشهور في السنة فما روي أن تميمة بنت عبد الرحمن القرظي ، كانت تحت رفاعة بن وهب بن عتيك القرظي ابن عمها ، فطلقها ثلاثاً ، فتزوجت بعبد الرحمن بن الزبير القرظي ، فأتت النبي صلى الله عليه وسلم وقالت : كنت تحت رفاعة فطلقني فبت طلاقي ، فتزوجت بعده عبد الرحمن بن الزبير ، وإن ما معه مثل هدبة الثواب ، وأنه طلقني قبل أن يمسني أفأرجع إلى ابن عمي ؟ فتبسم رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : \" أتريدين أن ترجعي إلى رفاعة لا حتى تذوقي عسيلته ويذوق عسيلتك \" والمراد بالعسيلة الجماع شبه اللذة فيه بالعسل ، فلبثت ما شاء الله ثم عادت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وقالت : إن زوجي مسني فكذبها رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وقال : كذبت في الأول فلن أصدقك في الآخر ، فلبثت حتى قبض رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فأتت أبا بكر فاستأذنت ، فقال : لا ترجعي إليه فلبثت حتى مضى لسبيله ، فأتت عمر فاستأذنت فقال لئن رجعت إليه لأرجمنك ، وفي قصة رفاعة نزل قوله : {فَإِن طَلَّقَهَا فَلاَ تَحِلُّ لَهُ مِن بَعْدُ حتى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ}.\rأما القياس فلأن المقصود من توقيف حصول الحل على هذا الشرط زجر الزوج عن الطلاق لأن الغالب أن الزوج يستنكر أن يفترش زوجته رجل آخر ، ولهذا المعنى قال بعض أهل العلم إنما حرم الله تعالى على نساء النبي أن ينكحن غيره لما فيه من الغضاضة ، ومعلوم أن الزجر إنما يحصل بتوقيف الحل على الدخول فأما مجرد العقد فليس فيه زيادة نفرة فلا يصح جعله مانعاً وزاجراً. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 6 صـ 90 ـ 91}","part":6,"page":369},{"id":2532,"text":"فائدة\rقال ابن القيم : \rحكم رسول الله صلى الله عليه وسلم فى المطلقة ثلاثا لا تحل للأول حتى يطأها الزوج الثانى\rثبت فى \"الصحيحين\" : عن عائشة رضى الله عنها ، أن امرأة رفاعة القرظى جاءت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقالت : يا رسول الله ، إن رفاعة طلقنى ، فبت طلاقى ، وإنى نكحت بعده عبد الرحمن بن الزبير القرظى ، وإن ما معه مثل الهدبة ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : \"لعلك تريدين أن ترجعى إلى رفاعة. لا ، حتى تذوقى عسيلته ويذوق عسيلتك\".\rوفى سنن النسائى : عن عائشة رضى الله عنها ، قالت : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : \"العسيلة : الجماع ولو لم ينزل\".\rوفيها عن ابن عمر ، قال : سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الرجل يطلق امرأته ثلاثا ، فيتزوجها الرجل ، فيغلق الباب ، ويرخى الستر ، ثم يطلقها قبل أن يدخل بها ؟ قال : \"لا تحل للأول حتى يجامعها الآخر\".\rفتضمن هذا الحكم أمورا.\rأحدهما : أنه لا يقبل قول المرأة على الرجل أنه لا يقدر على جماعها.\rالثانى : أن إصابة الزوج الثانى شرط فى حلها للأول ، خلافا لمن اكتفى بمجرد العقد ، فإن قوله مردود بالسنة التى لا مرد لها.\rالثالث : أنه لا يشترط الإنزال ، بل يكفى مجرد الجماع الذى هو ذوق العسيلة.\rالرابع : أنه صلى الله عليه وسلم لم يجعل مجرد العقد المقصود الذى هو نكاح رغبة كافيا ، ولا اتصال الخلوة به ، وإغلاق الأبواب ، وإرخاء الستور حتى يتصل به الوطء ، وهذا يدل على أنه لا يكفى مجرد عقد التحليل الذى لا غرض للزوج والزوجة فيه سوى صورة العقد ، وإحلالها للأول بطريق الأولى ، فإنه إذا كان عقد الرغبة المقصود للدوام غير كاف حتى يوجد فيه الوطء ، فكيف يكفى عقد تيس مستعار ليحلها لا رغبة له فى إمساكها ، إنما هو عارية كحمار العشرين المستعار للضراب ؟ . أ هـ {زاد المعاد حـ 5 صـ 281 ـ 282}","part":6,"page":370},{"id":2533,"text":"قال الفخر : \rأما قوله تعالى : {فَإِن طَلَّقَهَا} فالمعنى : إن طلقها الزوج الثاني الذي تزوجها بعد الطلقة الثالثة لأنه تعالى قد ذكره بقوله : {حتى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِمَا} أي على المرأة المطلقة والزوج الأول أن يتراجعا بنكاح جديد ، فذكر لفظ النكاح بلفظ التراجع ، لأن الزوجية كانت حاصلة بينهما قبل ذلك ، فإذا تناكحا فقد تراجعا إلى ما كانا عليه من النكاح ، فهذا تراجع لغوي. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 6 صـ 91}\rقال البقاعى : \r{فإن طلقها} أي الثاني وتعبيره بإن التي للشك للتنبيه على أنه متى شرط الطلاق على المحلل بطل العقد بخروجه عن دائرة الحدود المذكورة. لأن النكاح كما قال الحرالي عقد حرمة مؤبدة لا حد متعة مؤقتة فلذلك لم يكن الاستمتاع إلى أمد محللاً في السنة وعند الأئمة لما يفرق بين النكاح والمتعة من التأبيد والتحديد - انتهى.\r{فلا جناح عليهما} أي على المرأة ومطلقها الأول {أن يتراجعا} بعقد جديد بعد عدة طلاق الثاني المعلومة مما تقدم من قوله : {والمطلقات يتربصن} وهذه مطلقة إلى ما كانا فيه من النكاح. أ هـ {نظم الدرر حـ 1 صـ 434 ـ 435}","part":6,"page":371},{"id":2534,"text":"من لطائف الإمام تاج الدين السبكى ـ رحمه الله ـ : \rقوله تعالى {فلا تحل له من بعد حتى تنكح زوجا غيره}\rقال الشيخ الإمام ـ رحمه الله ـ لا شك أن الحل منتف من حين الطلاق الثلاث حتى تنكح ولكن هذه الصيغة لو جاءت في غير هذا المحل كقولك لا يقوم زيد حتى تزول الشمس محتملة معنيين أحدهما أن القيام حتى تزول الشمس منتف وقد لا ينتفي قيام دونه ومأخذ هذا أن حتى متعلقة بالفعل قبل دخول النفي ثم ورد النفي عليه وهو الذي تقتضيه صناعة العربية عند الجمهور في تعليقهم ذلك بالفعل الصريح والثاني أن النفي في جميع الزمان المتصل بالكلام حتى تزول الشمس ومأخذ هذا إما أن يؤخذ فعل من معنى النفي الذي دلت عليه لا كما يفعله بعض النحاة والزمخشري في بعض الأوقات أي انتفاء وإما أن يؤخذ الفعل بقيد كونه منتفيا وهذان الاحتمالان يأتي مثلهما في قولك لا يقوم القوم إلا زيد أحدهما المعنى أن قيام القوم غير زيد منتف إما بقيامهم جميعهم وإما بقيامه والثاني قيامه وعدم قيامهم\rولم يأت هذان الاحتمالان في سائر تعلقات الفعل من الظروف والحال وغيرهما وإنما هما في الغاية والاستثناء ولا يطرد ذلك في الصفة لأنها متعلقة بالمفرد لا بالنسبة ولا بالشرط وإن تعلق بالنسبة لأن له صدر الكلام انتهى\rومن كلامه أيضا رحمه الله قوله تعالى حتى تنكح زوجا غيره قال كنت أظن أنه قرينة في إفادة الوطء كقولهم نكح زوجته إذا وطئها\rونكح امرأة إذا عقد عليها\rثم رجعت عن ذلك وإن كانت القاعدة صحيحة لكن ذلك إذا قال زوجته لدلالة اللفظ على أنها زوجة متقدمة","part":6,"page":372},{"id":2535,"text":"أما نكح زوجته فلا بل يصح بمعنى نكح امرأة كقوله من قتل قتيلا فإن قلت قد يقال اشتريت عبدي هذا والمراد العقد فلم لا يقال نكحت زوجتي هذه والمراد العقد قلت إذا أريد الإخبار بأصل الشراء أو أصل النكاح فلا ينبغي أن يقال عبدي ولا زوجتي لخلوه عن الفائدة وإنما يقال اشتريت هذا وتزوجت هذه أو نكحتها وإنما يحسن ذلك إذا أريد الإخبار بأمر زائد كقولك اشتريت عبدي هذا فأنفقت منه كذا أو نكحت زوجتي هذه فحمدت عشرتها فمحط الفائدة هو الثاني انتهى. أ هـ {فتاوى السبكى حـ 1 صـ 23 ـ 24}","part":6,"page":373},{"id":2536,"text":"فصل\rقال الفخر : \rظاهر الآية يقتضي أن عندما يطلقها الزوج الثاني تحل المراجعة للزوج الأول ، إلا أنه مخصوص بقوله تعالى : {والمطلقات يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثلاثة قُرُوء} [ البقرة : 228 ] لأن المقصود من العدة استبراء الرحم ، وهذا المعنى حاصل ههنا ، وهذا هو الذي عول عليه سعيد بن المسيب في أن التحليل يحصل بمجرد العقد ، لأن الوطء لو كان معتبراً لكانت العدة واجبة ، وهذه الآية تدل على سقوط العدة ، لأن الفاء في قوله : {فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَن يَتَرَاجَعَا} تدل على أن حل المراجعة حاصل عقيب طلاق الزوج الثاني إلا أن الجواب ما قدمنا. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 6 صـ 91}\rفصل\rقال القرطبى : \rاختلفوا فيما يكفي من النكاح ، وما الذي يبيح التحليل ؛ فقال سعيد بن المسيب ومن وافقه : مجرّد العقد كاف وقال الحسن بن أبي الحسن : لا يكفي مجرّد الوطء حتى يكون إنزال. وذهب الجمهور من العلماء والكافّة من الفقهاء إلى أن الوطء كاف في ذلك ، وهو التقاء الختانين الذي يوجب الحدّ والغسل ، ويفسد الصوم والحجّ ويُحصن الزوجين ويوجب كمال الصداق. قال ابن العربيّ : ما مرت بي في الفقه مسألة أعسر منها ، وذلك أن من أُصول الفقه أن الحكم هل يتعلق بأوائل الأسماء أو بأواخرها ؟ فإن قلنا : إن الحكم يتعلق بأوائل الأسماء لزِمنا أن نقول بقول سعيد بن المسيب. وإن قلنا : إن الحكم يتعلق بأواخر الأسماء لزمنا أن نشترط الإنزال مع مِغيب الحشفة في الإحلال ، لأنه آخر ذوق العُسَيْلة على ما قاله الحسن.\rقال ابن المنذر : ومعنى ذوق العسيلة هو الوطء ؛ وعلى هذا جماعة العلماء إلا سعيد بن المسيب فقال : أما الناس فيقولون : لا تحل للأوّل حتى يجامعها الثاني ؛ وأنا أقول : إذا تزوّجها تزوّجا صحيحاً لا يريد بذلك إحلالها فلا بأس أن يتزوّجها الأوّل. وهذا قول لا نعلم أحداً وافقه عليه إلا طائفة من الخوارج ؛ والسنة مستغنًى بها عما سواها.","part":6,"page":374},{"id":2537,"text":"قلت : وقد قال بقول سعيد بن المسيب سعيد بن جبير ؛ ذكره النحاس في كتاب \"معاني القرآن\" له. قال : وأهل العلم على أن النكاح هاهنا الجماع ؛ لأنه قال : {زَوْجاً غَيْرَهُ} فقد تقدّمت الزوجية فصار النكاح الجماع ؛ إلا سعيد بن جبير فإنه قال : النكاح هاهنا التزوّج الصحيح إذا لم يرد إحلالها.\rقلت : وأظنهما لم يبلغهما حديث العسيلة أو لم يصح عندهما فأخذا بظاهر القرآن ، وهو قوله تعالى : {حتى تَنْكِحَ زَوْجاً غَيْرَهُ} والله أعلم. روى الأئمة واللفظ للدارقطنِيّ عن عائشة قالت : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : \" إذا طلق الرجل امرأته ثلاثاً لا تحل له حتى تنكح زوجاً غيره ويذوق كل واحد منهما عسيلة صاحبه \" قال بعض علماء الحنفية : من عقد على مذهب سعيد بن المسيب فللقاضي أن يفسخه ؛ ولا يعتبر فيه خلافه لأنه خارج عن إجماع العلماء. قال علماؤنا : ويفهم من قوله عليه السلام : \" حتى يذوق كل واحد منهما عسيلة صاحبه \" استواؤهما في إدراك لذة الجماع ، وهو حجة لأحد القولين عندنا في أنه لو وطئها نائمة أو مغمى عليها لم تحل لمطلقها ؛ لأنها لم تذق العسيلة إذ لم تدركها.\r","part":6,"page":375},{"id":2538,"text":"الثالثة : روى النسائيّ عن عبد الله قال : لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم الواشمة والمستوشِمة والواصلة والمستوصلة وآكل الربا ومؤكِله والمحلِّل والمحلَّل له. وروى الترمذيّ عن عبد الله بن مسعود قال : \"لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم المحلِّل والمحلَّل له\". وقال : هذا حديث حسن صحيح.\rوقد روي هذا الحديث عن النبيّ صلى الله عليه وسلم من غير وجه. والعمل على هذا عند أهل العلم من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ؛ منهم عمر بن الخطاب وعثمان بن عفان وعبد الله بن عمر وغيرهم ؛ وهو قول الفقهاء من التابعين ، وبه يقول سفيان الثوريّ وابن المبارك والشافعيّ ومالك وأحمد وإسحاق ، وسمعت الجارود يذكر عن وكَيع أنه قال بهذا ، وقال : ينبغي أن يرمى بهذا الباب من قول أصحاب الرأي. وقال سفيان : إذا تزوّج الرجل المرأة ليحلها ثم بدا له أن يمسكها فلا تحِل له حتى يتزوّجها بنكاح جديد.\rقال أبو عمر بن عبد البر : اختلف العلماء في نكاح المحلِّل ؛ فقال مالك : المحلِّل لا يقيم على نكاحه حتى يستقبل نكاحاً جديداً ؛ فإن أصابها فلها مهر مثلها ، ولا تحلها إصابته لزوجها الأوّل ؛ وسواء علما أو لم يعلما إذا تزوّجها ليحلها ، ولا يقرّ على نكاحه ويفسخ ؛ وبه قال الثوريّ والأُوزاعيّ.","part":6,"page":376},{"id":2539,"text":"وفيه قول ثانٍ روي عن الثوري في نكاح الحيار والمحلّل أن النكاح جائز والشرط باطل ؛ وهو قول ابن أبي ليلى في ذلك وفي نكاح المتعة. وروي عن الأُوزاعيّ في نكاح المحلل : بئس ما صنع والنكاح جائز. وقال أبو حنيفة وأبو يوسف ومحمد : النكاح جائز إن دخل بها ، وله أن يمسكها إن شاء. وقال أبو حنيفة مرة هو وأصحابه : لا تحل للأوّل إن تزوّجها ليحلّها ، ومرة قالوا : تحل له بهذا النكاح إذا جامعها وطلقها. ولم يختلفوا في أن نكاح هذا الزوج صحيح ، وأن له أن يقيم عليه. وفيه قول ثالث قال الشافعيّ : إذا قال أتزوّجِك لأحِلك ثم لا نكاح بيننا بعد ذلك فهذا ضرب من نكاح المتعة ، وهو فاسد لا يقرّ عليه ويفسخ ؛ ولو وطىء على هذا لم يكن تحليلاً. إن تزوّجها تزوّجا مطلقاً لم يشترط ولا اشترط عليه التحليل فللشافعيّ في ذلك قولان في كتابه القديم : أحدهما مثل قول مالك ، والآخر مثل قول أبي حنيفة. ولم يختلف قوله في كتابه الجديد المصريّ أن النكاح صحيح إذا لم يشترط ، وهو قول داود.\rقلت : وحكى الماورديّ عن الشافعيّ أنه إن شُرط التحليل قبل العقد صح النكاح وأحلها للأوّل ، وإن شرطاه في العقد بطل النكاح ولم يحلها للأوّل ، قال : وهو قول الشافعيّ. وقال الحسن وإبراهيم : إذا همّ أحد الثلاثة بالتحليل فسد النكاح ؛ وهذا تشديد. وقال سالم والقاسم : لا بأس أن يتزوّجها ليحلها إذا لم يعلم الزوجان وهو مأجور ؛ وبه قال ربيعة ويحيى بن سعيد ، وقاله داود بن عليّ إذا لم يظهر ذلك في اشتراطه في حين العقد.\r","part":6,"page":377},{"id":2540,"text":"الرابعة : مدار جواز نكاحِ التحليل عند علمائنا على الزوج الناكح ، وسواء شرط ذلك أو نواه ؛ ومتى كان شيء من ذلك فسد نكاحه ولم يقرّ عليه ، ولم يحلِّل وطؤه المرأةَ لزوجها. وعِلْمُ الزوج المطلِّق وجهلُه في ذلك سواء. وقد قيل : إنه ينبغي له إذا علم أن الناكح لها لذلك تزوّجها أنْ يتنزّه عن مراجعتها ، ولا يُحلها عند مالك إلا نكاح رغبةٍ لحاجته إليها ، ولا يقصد به التحليل ، ويكون وطؤه لها وطأ مباحاً : لا تكون صائمة ولا مُحرِمة ولا في حيضتها ، ويكون الزوج بالغاً مسلماً. وقال الشافعيّ : إذا أصابها بنكاح صحيح وغيب الحشفة في فرجها فقد ذاقا العُسَيْلَة ؛ وسواء في ذلك قويّ النكاح وضعيفه ، وسواء أدخله بيده أم بيدها ، وكان من صبيّ أو مراهق أو مجبوب بقي له ما يغيبه كما يغيب غير الخصيّ ، وسواء أصابها الزوج مُحرِمةً أو صائمة ؛ وهذا كله على ما وصف الشافعي قول أبي حنيفة وأصحابه والثوري والأُوزاعي والحسنِ بنِ صالح ، وقول بعضِ أصحاب مالك. أ هـ {تفسير القرطبى حـ 3 صـ 147 ـ 150}","part":6,"page":378},{"id":2541,"text":"سؤال : فإن قلت ما معنى لعنهما ؟ \rقلت معنى اللعن على المحلل لأنه نكح على قصد الفراق والنكاح شرع للدوام وصار كالتيس المستعار والتيس هو الذكر من الغنم وقد يستعيره الناس لاستيلاد الغنم واللعن على المحلل له لأنه صار سببا لمثل هذا النكاح والمتسبب شريك المباشر فى الإثم والثواب.\rأو المراد من اللعن إظهار خساستهما\rأما خساسة المحلل فلمباشرته مثل هذا النكاح بدليل قوله ـ عليه السلام ـ \" ألا أنبئكم بالتيس المستعار \" وأما خساسة المحلل له فلمباشرة ما ينفر عنه الطبع السليم من عودها إليه بعد مضاجعة غيره إياها واستمتاعه بها لا حقيقة اللعن إذ هو لا يليق بمنصب الرسالة فى حق الأمة لأنه عليه الصلاة والسلام لم يبعث لعانا. أ هـ {روح البيان حـ 1 صـ 443}","part":6,"page":379},{"id":2542,"text":"كلام نفيس لابن القيم فى هذا الموضوع\rقال رحمه الله : \rإنما سموه محللا لأنه أحل ما حرم الله فاستحق اللعنة فإن الله سبحانه حرمها على المطلق حتى تنكح زوجا غيره والنكاح اسم في كتاب الله وسنة رسوله للنكاح الذي يتعارفه الناس بينهم نكاحا وهو الذي شرع إعلانه والضرب عليه بالدفوف والوليمة فيه وجعل للإيواء والسكن وجعله الله مودة ورحمة وجرت العادة فيه بضد ما جرت به في نكاح المحلل فان المحلل لم يدخل على نفقه ولا كسوة ولا سكنى ولا إعطاء مهر ولا يحصل به نسب ولا صهر ولا قصد المقام مع الزوجة وإنما دخل عارية كالتيس المستعار للضراب ولهذا شبههبه النبيصلى الله عليه وسلم ثم لعنه فعلم قطعا لا شك فيه أنه ليس هو الزوج المذكور في القرآن ولا نكاحه هو النكاح المذكور في القرآن وقد فطر الله سبحانه قلوب الناس على أن هذا ليس بنكاح ولا المحلل بزوج وأن هذا منكر قبيح وتعير به المرأة والزوج والمحلل والولي فكيف يدخل هذا في النكاح الذي شرعه الله ورسوله وأحبه وأخبر أنه سنته ومن رغب عنه فليس منه\rوتأمل قوله تعالى : فإن طلقها فلا جناح عليهما أن يتراجعا [ البقره : 230 ] أي فإن طلقها هذا الثاني فلا جناح عليها وعلى الأول أن يتراجعا أي ترجع إليه بعقد جديد فأتى بحرف إن الدالة على أنه يمكنه أن يطلق وأن يقيم والتحليل الذي يفعله هؤلاء لا يتمكن الزوج فيه من الأمرين بل يشرطون عليه أنه متى وطئها فهي طالق ثم لما علموا أنه قد لا يخبر بوطئها ولا يقبل قولها في وقوع الطلاق انتقلوا إلى أن جعلوا الشرط إخبار المرأة بأنه دخل بها فبمجرد إخبارها بذلك تطلق عليه والله سبحانه وتعالى شرع النكاح للوصلة الدائمة\r","part":6,"page":380},{"id":2543,"text":"وللاستمتاع وهذا النكاح جعله أصحابه سببا لانقطاعه ولوقوع الطلاق فيه فإنه متى وطىء كان وطؤه سببا لانقطاع النكاح وهذا ضد شرع الله وأيضا فإن الله سبحانه جعل نكاح الثاني وطلاقه واسمه كنكاح الأول وطلاقه واسمه فهذا زوج وهذا زوج وهذا نكاح وهذا نكاح وكذلك الطلاق ومعلوم أن نكاح المحلل وطلاقه واسمه لا يشبه نكاح الأول ولا طلاقه ولا اسمه كاسمه ذاك زوج راغب قاصد للنكاح باذل للمهر ملتزم للنفقة والسكنى والكسوة وغير ذلك من خصائص النكاح والمحلل برىء من ذلك كله غير ملتزم لشىء منه\rوإذا كان الله تعالى ورسوله قد حرم نكاح المتعة مع أن قصد الزوج الاستمتاع بالمرأة وأن يقيم معها زمانا وهو ملتزم لحقوق النكاح فالمحلل الذي ليس له غرض أن يقيم مع المرأة إلا قدر ما ينزو عليها كالتيس المستعار لذلك ثم يفارقها أولى بالتحريم\rوسمعت شيخ الإسلام يقول : نكاح المتعة خير من نكاح التحليل من عشرة أوجه : \rأحدها : أن نكاح المتعة كان مشروعا في أول الإسلام ونكاح التحليل لم يشرع في زمن من الأزمان\rالثاني أن الصحابة تمتعوا على عهد النبي صلى الله تعالى عليه وآله وسلم ولم يكن في الصحابة محلل قط\rالثالث : أن نكاح المتعة مختلف فيه بين الصحابة فأباحه ابن عباس وإن قيل : إنه رجع عنه وأباحه عبدالله بن مسعود ففي الصحيحين عنه قال : كنا نغزو مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وليس لنا نساء فقلنا : ألا نختصي فنهانا عن ذلك ثم رخص لنا أن ننكح المرأة بالثوب إلى أجل ثم قرأ عبدالله : يا أيها الذين آمنوا لا تحرموا طيبات ما أحل الله لكم\rوفتوى ابن عباس بها مشهورة\rقال عروة : قام عبدالله بن الزبير بمكة فقال : إن ناسا أعمى الله قلوبهم كما أعمى أبصارهم يفتون بالمتعة : يعرض بعبدالله بن عباس فناداه فقال : إنك لجلف جاف فلعمري لقد كانت المتعة تفعل على عهد إمام المتقين يريد رسول الله صلى الله عليه وسلم\r","part":6,"page":381},{"id":2544,"text":"فقال له ابن الزبير : فجرب نفسك فوالله لئن فعلتها لأرجمنك بأحجارك\rفهذا قول ابن مسعود وابن عباس في المتعة وذاك قولهما وروايتهما في نكاح التحليل\rالرابع : أن رسول اللهصلى الله عليه وسلملم يجىء عنه في لعن المستمتع والمستمتع بها حرف واحد وجاء عنه في لعن المحلل والمحلل له وعن الصحابة : ما تقدم\rالخامس : أن المستمتع له غرض صحيح في المرأة ولها غرض أن تقيم معه مدة النكاح فغرضه المقصود بالنكاح مدة والمحلل لا غرض له سوى أنه مستعار للضراب كالتيس فنكاحه غير مقصود له ولا للمرأة ولا للولي وإنما هو كما قال الحسن : مسمار نار في حدود الله وهذه التسمية مطابقة للمعنى\rقال شيخ الإسلام : يريد الحسن : أن المسمار هو الذي يثبت الشىء المسمور فكذلك هذا يثبت تلك المرأة لزوجها وقد حرمها الله عليه\rالسادس : أن المستمتع لم يحتل على تحليل ما حرم الله فليس من المخادعين الذين يخادعون الله كأنما يخادعون الصبيان بل هو ناكح ظاهرا وباطنا والمحلل ماكر مخادع متخذ آيات الله هزوا ولذلك جاء في وعيده مالم يجىء في وعيد المستمتع مثله ولا قريب منه\rالسابع : أن المستمتع يريد المرأة لنفسه وهذا سر النكاح ومقصوده فيريد بنكاحه حلها له ولا يطؤها حراما والمحلل لا يريد حلها لنفسه وإنما يريد حلها لغيره ولهذا سمي محللا فأين من يريد أن يحل له وطىء امرأة يخاف أن يطأها حراما إلى من لا يريد ذلك وإنما يريد بنكاحها أن يحل وطأها لغيره فهذا ضد شرع الله ودينه وضد ما وضع له النكاح\rالثامن : أن الفطر السليمة والقلوب التي لم يتمكن منها مرض الجهل والتقليد تنفر من التحليل أشد نفار وتعير به أعظم تعيير حتى إن كثيرا من النساء تعير المرأة به أكثر مما تعيرها بالزنا ونكاح المتعة لا تنفر منه الفطر والعقول ولو نفرت منه لم يبح في أول الإسلام\rالتاسع : أن نكاح المتعة يشبه إجارة الدابة مدة للركوب وإجارة الدار مدة للانتفاع\r","part":6,"page":382},{"id":2545,"text":"والسكنى وإجارة العبد للخدمة مدة ونحو ذلك مما للباذل فيه غرض صحيح ولكن لما دخله التوقيت أخرجه عن مقصود النكاح الذي شرع بوصف الدوام والاستمرار وهذا بخلاف نكاح المحلل فإنه لا يشبه شيئا من ذلك ولهذا شبهه الصحابة رضي الله عنهم بالسفاح وشبهوه باستعارة التيس للضراب\rالعاشر : أن الله سبحانه نصب هذه الأسباب كالبيع والإجارة والهبة والنكاح مفضية إلى أحكام جعلها مسببات لها ومقتضيات فجعل البيع سببا لملك الرقبة والإجارة سببا لملك المنفعة أو الانتفاع والنكاح سببا لملك البضع وحل الوطء والمحلل مناقض معاكس لشرع الله تعالى ودينه فإنه جعل نكاحه سببا لتمليك المطلق البضع وإحلاله له ولم يقصد بالنكاح ما شرعه الله له من ملكه هو للبضع وحله له ولا له غرض في ذلك ولا دخل عليه وإنما قصد به أمرا آخر لم يشرع له ذلك السبب ولم يجعل طريقا له\rالحادي عشر : أن المحلل من جنس المنافق فإن المنافق يظهر أنه مسلم ملتزم لعقد الإسلام ظاهرا وباطنا وهو في الباطن غير ملتزم له وكذلك المحلل يظهر أنه زوج وأنه يريد النكاح ويسمى المهر ويشهد على رضى المرأة وفي الباطن بخلاف ذلك ولا القيام بحقوق النكاح وقد أظهر خلاف ما أبطن وأنه مريد لذلك والله يعلم والحاضرون والمرأة وهو والمطلق : أن الأمر كذلك وأنه غير زوج على الحقيقة ولا هي امرأته على الحقيقة","part":6,"page":383},{"id":2546,"text":"الثاني عشر : أن نكاح المحلل لا يشبه نكاح أهل الجاهلية ولا نكاح أهل الإسلام فكان أهل الجاهلية يتعاطون في أنكحتهم أمورا منكرة ولم يكونوا يرضون نكاح التحليل ولا يفعلونه ففي صحيح البخاري عن عروة بن الزبير أن عائشة رضي الله عنها أخبرته : أن النكاح في الجاهلية كان على أربعة أنحاء : فنكاح منها نكاح الناس اليوم : يخطب الرجل إلى الرجل وليته أو ابنته فيصدقها ثم ينكحها ونكاح آخر : كان الرجل يقول لامرأته إذا طهرت من طمثها : أرسلي إلى فلان فاستبضعي منه فيعتزلها زوجها ولا يمسها أبدا حتى يتبين حملها من ذلك الرجل الذي تستبضع منه فإذا تبين حملها أصابها زوجها إذا أحب وإنما يفعل ذلك\rرغبة في نجابة الولد فكان هذا النكاح نكاح الاستبضاع ونكاح آخر : يجتمع الرهط ما دون العشرة فيدخلون على المرأة كلهم يصيبها فإذا حملت ووضعت ومر ليالي بعد أن تضع حملها أرسلت إليهم فلم يستطع رجل منهم أن يمتنع حتى يجتمعوا عندها فتقول لهم : قد عرفتم الذي كان من أمركم وقد ولدت فهو ابنك يا فلان تسمى من أحبت باسمه فيلحق به ولدها لا يستطيع أن يمتنع منه ونكاح رابع : يجتمع الناس الكثير فيدخلون على المرأة لا تمتنع ممن جاءها وهن البغايا كن ينصبن على أبوابهن رايات تكون علما فمن أرادهن دخل عليهن فإذا حملت إحداهن ووضعت حملها جمعوا لها ودعوا لهم القافة ثم ألحقوا ولدها بالذي يرون فالتاط به ودعى ابنه لا يمتنع من ذلك فلما بعث الله تعالى محمدا صلى الله عليه وسلم بالحق هدم نكاح الجاهلية كله إلا نكاح الناس اليوم\rومعلوم أن نكاح المحلل ليس من نكاح الناس الذي أشارت إليه عائشة رضي الله عنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أقره ولم يهدمه ولا كان أهل الجاهلية يرضون به فلم يكن من أنكحتهم فإن الفطر والأمم تنكره وتعير به. أ هـ {إغاثة اللهفان حـ 1 صـ 276 ـ 280}","part":6,"page":384},{"id":2547,"text":"كلام نفيس لحجة الإسلام فى الطلاق\rقال رحمه الله : \rالطلاق مباح ، ولكنه أبغض المباحات إلى الله تعالى ، وإنما يكون مباحاً إذا لم يكن فيه إيذاء بالباطل ، ومهما طلقها فقد آذاها ، ولا يباح إيذاء الغير إلا بجناية من جانبها أو بضرورة من جانبه ، قال الله تعالى \" فإن أطعنكم فلا تبغوا عليهن سبيلا \" أي لا تطلبوا حيلة للفراق. أ هـ\rثم قال رحمه الله : \rثم ليراع الزوج في الطلاق أربعة أمور.\rالأول : أن يطلقها في طهر لم يجامعها فيه ، فإن الطلاق في الحيض أو الطهر الذي جامع فيه يدعى حرام وإن كان واقعاً ، لما فيه من تطويل العدة عليها ؛ فإن فعل ذلك فليراجعها : طلق ابن عمر زوجته في الحيض فقال صلى الله عليه وسلم لعمر : مره فليراجعها حتى تطهر ثم تحيض ثم تطهر ، ثم إن شاء طلقها وإن شاء أمسكها ، فتلك العدة التي أمر الله أن يطلق لها النساء \" وإنما أمره بالصبر بعد الرجعة طهرين لئلا يكون مقصود الرجعة الطلاق فقط.\rالثاني : أن يقتصر على طلقة واحدة فلا يجمع بين الثلاث ، لأن الطلقة الواحدة بعد العدة تفيد المقصود ويستفيد بها الرجعة إن ندم في العدة وتجديد النكاح إن أراد بعد العدة ، وإذا طلق ثلاثاً ربما ندم فيحتاج إلى أن يتزوجها محلل وإلى الصبر مدة ، وعقد المحلل منهي عنه ، ويكون هو الساعي فيه ثم يكون قلبه معلقاً بزوجة الغير وتطليقه - أعني زوجة المحلل بعد أن زوج منه - ثم يورث ذلك تنفيراً من الزوجة ، وكل ذلك ثمرة الجمع ، وفي الواحدة كفاية في المقصود من غير محذور ، ولست أقول الجمع حرام \" لكنه مكروه بهذه المعاني ، وأعني بالكراهة تركه النظر لنفسه.\rالثالث : أن يتلطف في التعلل بتطليقها من غير تعنيف واستخفاف ، وتطيب قلبها بهدية على سبيل الإمتاع والجبر لما فجعها به من أذى الفراق. قال تعالى \" ومتعوهن \" وذلك واجب مهما لم يسم لها مهر في أصل النكاح.\r","part":6,"page":385},{"id":2548,"text":"كان الحسن بن علي رضي الله عنهما مطلاقاً ومنكاحاً ، ووجه ذات يوم بعض أصحابه لطلاق امرأتين من نسائه وقال : قل لهما اعتدا ، وأمره أن يدفع إلى كل واحدة عشرة آلاف درهم ، ففعل ، فلما رجع إليه قال : ماذا فعلتا ؟ قال أما إحداهما فنكست رأسها وتنكست ، وأما الأخرى فبكت وانتحت وسمعتها تقول : متاع قليل من حبيب مفارق فأطرق الحسن وترحم لها وقال : لو كنت مراجعاً امرأةً بعد ما فارقتها لراجعتها ، ودخل الحسن ذات يوم على عبد الرحمن بن الحارث بن هشام - فقيه المدينة ورئيسها - ولم يكن له بالمدينة نظير وبه ضربت المثل عائشة رضي الله عنها حيث قالت لو لم أسر مسيري ذلك لكان أحب إلي من أن يكون لي ستة عشراً ذكراً من رسول الله صلى الله عليه وسلم مثل عبد الرحمن بن الحارث بن هشام : فدخل عليه الحسن في بيته ، فعظمه عبد الرحمن وأجلسه في مجلسه وقال : ألا أرسلت إلي فكنت أجيئك ، فقال : الحاجة لنا. قال : وما هي ؟ قال جئتك خاطباً ابنتك ، فأطرق عبد الرحمن ثم رفع رأسه وقال : والله ما على وجه الأرض أحد يمشي عليها أعز علي منك ، ولكنك تعلم أن ابنتي بضعة مني يسوءني ما ساءها ويسرني ما سرها ، وأنت مطلاق ، فأخاف أن تطلقها ، وإن فعلت خشيت أن يتغير قلبي في محبتك وأكره أن يتغير قلبي عليك ، فأنت بضعة من رسول الله صلى الله عليه وسلم فإن شرطت أن لا تطلقها زوجتك ، فسكت الحسن وقام وخرج وقال بعض أهل بيته. سمعته وهو يمشي ويقول : ما أراد عبد الرحمن إلا أن يجعل ابنته طوقاً في عنقي. وكان علي رضي الله عنه يضجر من كثرة تطليقه ، فكان يعتذر منه على المنبر ويقول في خطبته ، إن حسناً مطلاقاً فلا تنكحوه ، حتى قام رجل من همدان فقال : والله يا أمير المؤمنين لننكحه ما شاء ، فإن أحب أمسك وإن شاء ترك ، فسر ذلك علياً وقال : \rلو كنت بواباً على باب الجنة... لقلت لهمدان ادخلي بسلام\r","part":6,"page":386},{"id":2549,"text":"وهذا تنبيه على أن من طعن في حبيبه من أهل وولد بنوع حياء فلا ينبغي أن يوافق عليه ، فهذه الموافقة القبيحة ، بل الأدب المخالفة ما أمكن ، فإن ذلك أسر لقلبه وأوفق لباطن ذاته ، والقصد من هذا بيان أن الطلاق مباح ، وقد وعد الله الغنى في الفراق والنكاح جميعاً فقال \" وأنكحوا الأيام منكم والصالحين من عبادكم وإمائكم إن يكونوا فقراء يغنيهم الله من فضله \" وقال سبحانه وتعالى \" وإن يتفرقا يغن الله كلاً من سعته.\rالرابع : أن لا يفشي سرها لا في الطلاق ولا عند النكاح ، فقد ورد في إفشاء سر النساء في الخبر الصحيح وعيد عظيم. ويروى عن بعض الصالحين أنه أراد طلاق امرأة ، فقيل له : ما الذي يريبك فيها ؟ فقال : العاقل ، لا يهتك ستر امرأته ، فلما طلقها قيل له. لم طلقتها ؟ فقال : مالي ولامرأة غيري ، فهذا بيان ما على الزوج. أ هـ {إحياء علوم الدين حـ 2 صـ 55 ـ 56}","part":6,"page":387},{"id":2550,"text":"قوله تعالى : {إِن ظَنَّا أَن يُقِيمَا حُدُودَ الله}\rقال البقاعى : \r{إن ظنا} أي وقع في ظن كل منهما {أن يقيما حدود الله} أي الذي له الكمال كله التي حدها لهما في العشرة. قال الحرالي : لما جعل الطلاق سراحاً جعل تجديد النكاح مراجعة كل ذلك إيذاناً بأن الرجعة للزوج أولى من تجديد الغير - انتهى. أ هـ {نظم الدرر حـ 1 صـ 435}\rقال ابن عاشور : \rووصف {زوجاً غيره} تحذير للأزواج من الطلقة الثالثة ، لأنه بذكر المغايرة يتذكر أن زوجته ستصير لغيره كحديث الواعظ الذي اتعظ بقول الشاعر : \rاليومَ عندك دَلُّها وحديثُها\rوغداً لغيرك زندها والمعصم...\rوأسند الرجعة إلى المتفارقين بصيغة المفاعلة لتوقفها على رضا الزوجة بعد البينونة ثم علق ذلك بقوله : {إن ظنا أن يقيما حدود الله} أي أن يسيرا في المستقبل على حسن المعاشرة وإلا فلا فائدة في إعادة الخصومات.\rو {حدود الله} هي أحكامه وشرائعه ، شبهت بالحدود لأن المكلف لا يتجاوزها فكأنه يقف عندها.\rوحقيقة الحدود هي الفواصل بين الأرضين ونحوها وقد تقدم في قوله : {إلا أن يخافا ألا يقيما حدود الله} [ البقرة : 229 ] والإقامة استعارة لحفظ الأحكام تبعاً لاستعارة الحدود إلى الأحكام كقولهم : نَقَض فلان غزله. أ هـ {التحرير والتنوير حـ 2 صـ 420}\rوقال الفخر : \rأما قوله تعالى : {إِن ظَنَّا أَن يُقِيمَا حُدُودَ الله} ففيه مسألتان : \rالمسألة الأولى : قال كثير من المفسرين {إِن ظَنَّا} أي إن علما وأيقنا أنهما يقيمان حدود الله ، وهذا القول ضعيف من وجوه أحدها : أنك لا تقول : علمت أن يقوم زيد ولكن علمت أنه يقوم زيد والثاني : أن الإنسان لا يعلم ما في القدر وإنما يظنه والثالث : أنه بمنزلة قوله تعالى : {وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدّهِنَّ فِي ذلك إِنْ أَرَادُواْ إصلاحا} [ البقرة : 228 ] فإن المعتبر هناك الظن فكذا ههنا ، وإذا بطل هذا القول فالمراد منه نفس الظن ، أي متى حصل هذا الظن ، وحصل لهما العزم على إقامة حدود الله ، حسنت هذه المراجعة ومتى لم يحصل هذا الظن وخافا عند المراجعة من نشوز منها أو إضرار منه فالمراجعة تحرم.\rالمسألة الثانية : كلمة {إن} في اللغة للشرط والمعلق بالشرط عدم عند عدم الشرط فظاهر الآية يقتضي أنه متى لم يحصل هذا الظن لم يحصل جواز المراجعة ، لكنه ليس الأمر كذلك ، فإن جواز المراجعة ثابت سواء حصل هذا الظن أو لم يحصل إلا أنا نقول : ليس المراد أن هذا شرط لصحة المراجعة : بل المراد منه أنه يلزمهم عند المراجعة بالنكاح الجديد رعاية حقوق الله تعالى ، وقصد الإقامة لحدود الله وأوامره. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 6 صـ 92}\rفائدة\rقال القرطبى : ","part":6,"page":388},{"id":2551,"text":"جاء عن عمر بن الخطاب في هذا الباب تغليظ شديد وهو قوله : لا أُوتي بمحلِّل ولا محلِّل له إلا رجمتهما. وقال ابن عمر : التحليل سفاح ؛ لا يزالان زانيين ولو أقاما عشرين سنة. قال أبو عمر : لا يحتمل قول عمر إلا التغليظ ؛ لأنه قد صح عنه أنه وضع الحدّ عن الواطىء فرجاً حراماً قد جهل تحريمه وعذَره بالجهالة ؛ فالتأويل أولى بذلك ، ولا خلاف أنه لا رجم عليه. أ هـ {تفسير القرطبى حـ 3 صـ 152}\rقوله تعالى : {وَتِلْكَ حُدُودُ الله}\rالمناسبة\rقال البقاعى : \rولما كان الدين مع سهولته ويسره شديداً لن يشاده أحد إلا غلبه وكانت الأحكام مع وضوحها قد تخفى لما في تنزيل الكليات على الجزئيات من الدقة لأن الجزئي الواحد قد يتجاذبه كليان فأكثر فلا تجردها من مواقع الشبه إلا من نور الله بصيرته عطف على تلك الماضية تعظيماً للحدود قوله : {وتلك} أي الأحكام المتناهية في مدارج العظم ومراتب الحكم {حدود الله} أي العظيمة بإضافتها إليه سبحانه وتعالى وبتعليقها بالاسم الأعظم {يبينها} أي يكشف اللبس عنها بتنوير القلب {لقوم} فيهم نهضة وجد في الاجتهاد وقيام وكفاية {يعلمون} أي يجددون النظر والتأمل بغاية الاجتهاد في كل وقت فبذلك يعطيهم الله ملكة يميزون بها ما يلبس على غيرهم {أن تتقوا الله يجعل لكم فرقاناً} [ الأنفال : 29 ] {واتقوا الله ويعلمكم الله} [ البقرة : 282 ]. أ هـ {نظم الدرر حـ 1 صـ 435}\rقال الفخر : ","part":6,"page":389},{"id":2552,"text":"قوله تعالى : {وَتِلْكَ حُدُودُ الله} إشارة إلى ما بينها من التكاليف ، وقوله : {يُبَيّنُهَا} إشارة إلى الاستقبال والجمع بينهما متناقض وعندي أن هذه النصوص التي تقدمت أكثرها عامة يتطرق إليها تخصيصات كثيرة ، وأكثر تلك المخصصات إنما عرفت بالسنة ، فكان المراد والله أعلم أن هذه الأحكام التي تقدمت هي حدود الله وسيبينها الله تعالى كمال البيان على لسان نبيه صلى الله عليه وسلم ، وهو كقوله تعالى : {لِيُبَيّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزّلَ إِلَيْهِمْ} [ النحل : 44 ].\rأ هـ {مفاتيح الغيب حـ 6 صـ 92}\rوقال ابن عاشور : \rوأما قوله : {وتلك حدود الله يبينها} فالبيان صالح لمناسبة المعنى الحقيقي والمجازي ؛ لأنّ إقامة الحدّ الفاصل فيه بيان للناظرين.\rوالمراد {بقوم يعلمون} ، الذين يفهمون الأحكام فهماً يهيئهم للعمل بها ، وبإدراك مصالحها ، ولا يتحيلون في فهمها.\r{وَتِلْكَ حُدُودُ الله يُبَيِّنُهَا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ}\rالواو اعتراضية ، والجملة معترضة بين الجملتين المعطوفة إحداهما على الأخرى ، وموقع هذه الجملة كموقع جملة {تلك حدود الله فلا تعتدوها} [ البقرة : 229 ] المتقدمة آنفاً.\rو {وتلك حدود الله} تقدم الكلام عليها قريباً.\rوتبيين الحدود ذكرها للناس موضحة مفصلة معللة ، ويتعلق قوله {لقوم يعلمون} بفعل {يبينها} ، ووصف القوم بأنهم يعلمون صريح في التنويه بالذين يدركون ما في أحكام الله من المصالح ، وهو تعريض بالمشركين الذين يعرضون عن اتّباع الإسلام.\rوإقحام كلمة ( لقوم ) للإِيذان بأن صفة العلم سجيتهم وملكة فيهم. أ هـ {التحرير والتنوير حـ 2 صـ 420 ـ 421}\rوقال الآلوسى : \r{يُبَيّنُهَا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ} أي يفهمون ويعملون بمقتضى العلم فهو للتحريض على العمل كما قيل أو لأنهم المنتفعون بالبيان ، أو لأن ما سيلحق بعض الحدود منه لا يعقله إلا الراسخون ، أو ليخرج غير المكلفين. أ هـ {روح المعانى حـ 2 صـ 142}","part":6,"page":390},{"id":2553,"text":"سؤال : لم خص العلماء بهذا البيان ؟ \rالجواب : إنما خص العلماء بهذا البيان لوجوه\rأحدها : أنهم هم الذين ينتفعون بالآيات فغيرهم بمنزلة من لا يعتد به ، وهو كقوله : {فِيهِ هُدًى لّلْمُتَّقِينَ} [ البقرة : 2 ] ، والثاني : أنه خصهم بالذكر كقوله : {وملائكته وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وميكال} [ البقرة : 98 ] والثالث : يعني به العرب لعلمهم باللسان ، والرابع : يريد من له عقل وعلم ، كقوله : {وَمَا يَعْقِلُهَا إِلاَّ العالمون} [ العنكبوت : 43 ] والمقصود أنه لا يكلف إلا عاقلاً عالماً بما يكلفه ، لأنه متى كان كذلك فقد أزيح عذر المكلف ، والخامس : أن قوله : {تِلْكَ حُدُودُ الله} يعني ما تقدم ذكره من الأحكام يبينها الله لمن يعلم أن الله أنزل الكتاب وبعث الرسول ليعملوا بأمره وينتهوا عما نهوا عنه. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 6 صـ 92}\rفائدة\rقال السعدى فى معنى الآية\rيقول تعالى : {فَإِنْ طَلَّقَهَا} أي : الطلقة الثالثة {فَلا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ} أي : نكاحا صحيحا ويطؤها ، لأن النكاح الشرعي لا يكون إلا صحيحا ، ويدخل فيه العقد والوطء ، وهذا بالاتفاق.\rويشترط أن يكون نكاح الثاني ، نكاح رغبة ، فإن قصد به تحليلها للأول ، فليس بنكاح ، ولا يفيد التحليل ، ولا يفيد وطء السيد ، لأنه ليس بزوج ، فإذا تزوجها الثاني راغبا ووطئها ، ثم فارقها وانقضت عدتها {فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا} أي : على الزوج الأول والزوجة {أَنْ يَتَرَاجَعَا} أي : يجددا عقدا جديدا بينهما ، لإضافته التراجع إليهما ، فدل على اعتبار التراضي.\rولكن يشترط في التراجع أن يظنا {أَنْ يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ} بأن يقوم كل منهما ، بحق صاحبه ، وذلك إذا ندما على عشرتهما السابقة الموجبة للفراق ، وعزما أن يبدلاها بعشرة حسنة ، فهنا لا جناح عليهما في التراجع.\r","part":6,"page":391},{"id":2554,"text":"ومفهوم الآية الكريمة ، أنهما إن لم يظنا أن يقيما حدود الله ، بأن غلب على ظنهما أن الحال السابقة باقية ، والعشرة السيئة غير زائلة أن عليهما في ذلك جناحا ، لأن جميع الأمور ، إن لم يقم فيها أمر الله ، ويسلك بها طاعته ، لم يحل الإقدام عليها.\rوفي هذا دلالة على أنه ينبغي للإنسان ، إذا أراد أن يدخل في أمر من الأمور ، خصوصا الولايات ، الصغار ، والكبار ، نظر في نفسه ، فإن رأى من نفسه قوة على ذلك ، ووثق بها ، أقدم ، وإلا أحجم.\rولما بين تعالى هذه الأحكام العظيمة قال : {وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ} أي : شرائعه التي حددها وبينها ووضحها.\r{يُبَيِّنُهَا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ} لأنهم هم المنتفعون بها ، النافعون لغيرهم.\rوفي هذا من فضيلة أهل العلم ، ما لا يخفى ، لأن الله تعالى جعل تبيينه لحدوده ، خاصا بهم ، وأنهم المقصودون بذلك ، وفيه أن الله تعالى يحب من عباده ، معرفة حدود ما أنزل على رسوله والتفقه بها. أ هـ {تفسير السعدى صـ 102}\rمن فوائد ابن عرفة فى الآية\rقوله تعالى : {فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلاَ تَحِلُّ لَهُ مِن بَعْدُ...} \rقيل لابن عرفة : وما أفاد قوله \" من بعد \" والكلام يستقل بدونه ؟ \rفقال : أفاد التنبيه على مرجوحية الطلقة الثالثة.\rقال ابن عرفة : ( وهذا الخلع ) هل هو فسخ أو طلاق ؟ منهم من قال : لا يكون طلاقا إلا إذا كان بلفظ الطلاق فتقول له : خالعتك على كذا. فيقول : أنت طالق على ذلك ، ولو قال وأنا أخالعك على ذلك أو قال : سرّحتك على ( ذلك ) وخليت سبيلك وأبحت لك الأزواج ، فهو فسخ. وهي مسألة وقعت في المغرب في رجل كان يقال له البخاري ، لأنه كان يحفظ البخاري ، كان طلق زوجته طلاق الخلع ثلاثا بغير لفظ الطلاق ، ثم ردها قبل زوج فاختلف الفاسيون. فبعضهم قال : يرجم ، وآخرون قالوا : يلزمه الأدب فقط ، لأنه خالع بغير لفظ الطّلاق ، وحدّوه حينئذ وتركوه. وهي مسالة المدونه إما أن يعذر بجهل أولا ، وهذا الرجل كان عالما.\r","part":6,"page":392},{"id":2555,"text":"قوله تعالى : {حتى تَنكِحَ زَوْجاً غَيْرَهُ...}.\rقال سعيد بن المسيب : إنها تحلّ بالعقد.\rقال ابن عرفة : وما حمله عندي إلا أنه يقول : اقتضت الآية أنّها تحل بالعقد ، وبينت السنة أنّه لا بد من الوطء. وبهذا كان يرد بعضهم على من قال : كل نكاح في القرآن المراد به العقد إلا ( في ) هذه الآية ، فكان يقول : بل هو هنا حقيقة في العقد ، وبينت السنة أنه لابدّ من الوطء.\rقوله تعالى : {إِن ظَنَّآ أَن يُقِيمَا حُدُودَ الله...}.\rولَمْ يَقُلْ : إن لم يخافا ألاّ يقيما حدود الله ، لأن هذه أبلغ في التكليف. أ هـ {تفسير ابن عرفة صـ 298}","part":6,"page":393},{"id":2556,"text":"قوله تعالى : {وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وَلَا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَارًا لِتَعْتَدُوا وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ وَلَا تَتَّخِذُوا آَيَاتِ اللَّهِ هُزُوًا وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَمَا أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنَ الْكِتَابِ وَالْحِكْمَةِ يَعِظُكُمْ بِهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (231)}\rمناسبة الآية لما قبلها\rقال البقاعى : \rولما ذكر الطلاق رجعية وبائنة عقبه ببيان وصف الرجعة من الحل والحرمة وبيان وقتها وتحديده والإشارة إلى تصوير بعض صور المضارة ترهيباً منها فليست الآية مكررة فقال : {وإذا طلقتم النساء} أي طلاقاً رجعياً والمراد من يملك نكاحها من هذا النوع الشامل للقليل والكثير ولم يقل : نساءكم ، لئلا تفهم الإضافة أن لطلاقهم غير نسائهم حكماً مغائراً لهذا في بلوغ الأجل مثلاً ونحوه.\r","part":6,"page":394},{"id":2557,"text":"ولما كانت إباحة الرجعة في آخر العدة دالة على إباحتها فيما قبل ذلك بطريق الأولى وكان من المقطوع به عقلاً أن لما بعد الأجل حكماً غير الحكم الذي كان له قبله لم يكن التعبير بالبلوغ ملبساً وكان التعبير به مفيداً أقصى ما يمكن به المضارة فقال : {فبلغن أجلهن} أي شارفن انقضاء العدة ، بدليل الأمر بالإمساك لأنه لا يتأتى بعد الأجل. وقال الحرالي : ولما كان للحد المحدود الفاصل بين أمرين متقابلين بلوغ وهو الانتهاء إلى أول حده وقرار وهو الثبات عليه ومجاوزة لحده ذكر سبحانه وتعالى البلوغ الذي هو الانتهاء إلى أول الحد دون المجاوزة والمحل ، والأجل مشارفة انقضاء أمد الأمر حيث يكون منه ملجأ الذي هو مقلوبه كأنه مشارفة فراغ المدة - انتهى {فأمسكوهن} أي بالمراجعة إن أردتم ولو في أخر لحظة من العدة {بمعروف} أي بحال حسنة تحمد عاقبتها ، ونكره إشعاراً بأنه لا يشترط فيه رضى المرأة {أو سرحوهن بمعروف} بأن تتركوهن حتى تنقضي العدة فيملكن أنفسهن من غير تلبيس بدعوى ولا تضييق في شيء من الأشياء.\rوقال الحرالي : هذا معروف الإمتاع والإحسان وهو غير معروف الإمساك ، ولذلك فرقه الخطاب ولم يكن : فأمسكوهن أو سرحوهن بمعروف - انتهى. أ هـ {نظم الدرر حـ 1 صـ 435 ـ 436}\rسبب نزول الآية\rقال أبو حيان : \rنزلت في ثابت بن بشار ، ويقال أسنان الأنصاري ، طلق امرأته حتى إذا بقي من عدّتها يومان أو ثلاثة ، وكادت أن تبين راجعها ، ثم طلقها ثم راجعها ، ثم طلقها حتى مضت سبعة أشهر مضارّة لها ، ولم يكن الطلاق يومئذ محصوراً.\rأ هـ {البحر المحيط حـ 2 صـ 217}\rسؤال : لقائل أن يقول : لا فرق بين هذه الآية وبين قوله : {الطلاق مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بإحسان} [ البقرة : 229 ] فتكون إعادة هذه الآية بعد ذكر تلك الآية تكريراً لكلام واحد في موضع واحد من غير فائدة وأنه لا يجوز.","part":6,"page":395},{"id":2558,"text":"والجواب : أما أصحاب أبي حنيفة فهم الذين حملوا قوله : {الطلاق مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بإحسان} على أن الجمع بين الطلقات غير مشروع ، وإنما المشروع هو التفريق ، فهذا السؤال ساقط عنهم ، لأن تلك الآية في بيان كيفية الجمع والتفريق ، وهذه الآية في بيان كيفية الرجعة ، وأما أصحاب الشافعي رحمهم الله وهم الذين حملوا تلك الآية على كيفية الرجعة فهذا السؤال وارد عليهم ، ولهم أن يقولوا : إن من ذكر حكماً يتناول صوراً كثيرة ، وكان إثبات ذلك الحكم في بعض تلك الصور أهم لم يبعد أن يعيد بعد ذلك الحكم العام تلك الصورة الخاصة مرة أخرى ، ليدل ذلك التكرير على أن في تلك الصورة من الاهتمام ما ليس في غيرها وههنا كذلك وذلك لأن قوله : {الطلاق مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بإحسان} [ البقرة : 229 ] فيه بيان أنه لا بد في مدة العدة من أحد هذين الأمرين ، وأما في هذه الآية ففيه بيان أن عند مشارفة العدة على الزوال لا بد من رعاية أحد هذين الأمرين ومن المعلوم أن رعاية أحد هذين الأمرين عند مشارفة زوال العدة أولى بالوجوب من سائر الأوقات التي قبل هذا الوقت ، وذلك لأن أعظم أنواع الإيذاء أن يطلقها ، ثم يراجعها مرتين عند آخر الأجل حتى تبقى في العدة تسعة أشهر ، فلما كان هذا أعظم أنواع المضارة لم يقبح أن يعيد الله حكم هذه الصورة تنبيهاً على أن هذه الصورة أعظم الصور اشتمالاً على المضارة وأولاها بأن يحترز المكلف عنها. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 6 صـ 93}\rقال ابن عاشور : \rقوله : {فبلغهن أجلهن} مؤذن بأن المراد : وإذا طلقتم النساء طلاقاً فيه أجل.\rوالأجل هنا لما أضيف إلى ضمير النساء المطلقات علم أنه أجل معهود بالمضاف إليه ، أعني أجل الانتظار وهو العدة ، وهو التربص في الآية السابقة.\r","part":6,"page":396},{"id":2559,"text":"وبلوغ الأجل : الوصول إليه ، والمراد به هنا مشارفة الوصول إليه بإجماع العلماء ؛ لأن الأجل إذا انقضى زال التخيير بين الإمساك والتسريح ، وقد يطلق البلوغ على مشارفة الوصول ومقاربته ، توسعاً أي مجازاً بالأوْل.\rوفي القاعدة الخامسة من الباب الثامن من \"مغني اللبيب\" أن العرب يعبرون بالفعل عن أمور : أحدها ، وهو الكثير المتعارف عن حصول الفعل وهو الأصل.\rالثاني : عن مشارفته نحو {وإذا طلقتم النساء فبلغن أجلهن والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجاً} [ البقرة : 240 ] أي يقاربون الوفاة ، لأنه حينَ الوصية.\rالثالث : إرادته نحو {إذا قمتم إلى الصلوات فاغسلوا} [ المائدة : 6 ].\rالرابع : القدرة عليه نحو {وعداً علينا إنا كنا فاعلين} [ الأنبياء : 104 ] أي قادرين.\rوالأجل في كلام العرب يطلق على المدة التي يمهل إليها الشخص في حدوث حادث معين ، ومنه قولهم : ضرب له أجلاً {أيما الأجلين قضيت} [ القصص : 28 ].\rوالمراد بالأجل هنا آخر المدة ، لأن قوله : {فبلغن} مؤذن بأنه وصول بعد مسير إليه ، وأسند ( بلغن ) إلى النساء لأنهن اللاتي ينتظرن انقضاء الأجل ، ليخرجن من حبس العدة ، وإن كان الأجل للرجال والنساء معاً ، للأوَّلين توسعة للمراجعة ، وللأخيرات تحديداً للحِل للتزوج.\rوأضيف الأجل إلى ضمير النساء لهاته النكتة. أ هـ {التحرير والتنوير حـ 2 صـ 421 ـ 422}\rقال أبو حيان : \rفبلغن أي : قاربن انقضاء العدة والأجل ، هو الذي ضربه الله للمعتدّات من الأقراء ، والأشهر ، ووضع الحمل. وأضاف الأجل إليهن لأنه أمس بهنّ ، ولهذا قيل : الطلاق للرجال والعدة للنساء ، ولا يحمل : بلغن أجلهنّ على الحقيقة ، لأن الإمساك إذ ذاك ليس له ، لأنها ليست بزوجة ، إذ قد تقضت عدتها فلا سبيل له عليها. أ هـ {البحر المحيط حـ 2 صـ 217}","part":6,"page":397},{"id":2560,"text":"سؤال : لقائل أن يقول : إنه تعالى أثبت عند بلوغ الأجل حق المراجعة ، وبلوغ الأجل عبارة عن انقضاء العدة ، وعند انقضاء العدة لا يثبت حق المراجعة ؟ \rوالجواب من وجهين : أحدهما : المراد ببلوغ الأجل مشارفة البلوغ لا نفس البلوغ ، وبالجملة فهذا من باب المجاز الذي يطلق فيه اسم الكل على الأكثر ، وهو كقول الرجل إذا قارب البلد : قد بلغنا الثاني : أن الأجل اسم للزمان فنحمله على الزمان الذي هو آخر زمان يمكن إيقاع الرجعة إليه ، بحيث إذا فات لا يبقى بعده مكنة الرجعة ، وعلى هذا التأويل فلا حاجة بنا إلى المجاز. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 6 صـ 94}\rفصل\rقال الفخر : \rاختلف العلماء في كيفية المراجعة ، فقال الشافعي رضي الله عنه : لما لم يكن نكاح ولا طلاق إلا بكلام ، لم تكن الرجعة إلا بكلام ، وقال أبو حنيفة والثوري رضي الله عنهما : تصح الرجعة بالوطء ، وقال مالك رضي الله عنه : إن نوى الرجعة بالوطء كانت رجعة وإلا فلا.","part":6,"page":398},{"id":2561,"text":"حجة الشافعي رضي الله عنه ما روي أن ابن عمر رضي الله عنه لما طلق زوجته وهي حائض فسأل عمر رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ذلك فقال عليه الصلاة والسلام \" مره فليراجعها ثم ليمسكها \" حتى تطهر أمره النبي صلى الله عليه وسلم بالمراجعة مطلقاً ، وقيل : درجات الأمر الجواز فنقول : إنه كان مأذوناً بالمراجعة في زمان الحيض ، وما كان مأذوناً بالوطء في زمان الحيض فيلزم أن لا يكون الوطء رجعة وحجة أبي حنيفة رضي الله تعالى عنه أنه تعالى قال : {فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ} أمر بمجرد الإمساك ، وإذا وطئها فقد أمسكها ، فوجب أن يكون كافياً ، أما الشافعي رضي الله تعالى عنه فإنه لما قال : إنه لا بد من الكلام ، فظاهر مذهبه أن الإشهاد على الرجعة مستحب ولا يجب وبه قال مالك وأبو حنيفة رضي الله عنهما ، وقال في \"الإملاء\" : هو واجب ، وهو اختيار محمد بن جرير الطبري ، والحجة فيه قوله تعالى : {فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ} ولا يكون معروفاً إلا إذا عرفه الغير ، وأجمعنا على أنه لا يجب عرفان غير الشاهد ، فوجب أن يكون عرفان الشاهد واجباً وأجاب الأولون بأن المراد بالمعروف هو المراعاة وإيصال الخير لا ما ذكرتم. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 6 صـ 93 ـ 94}\rقال ابن عاشور : \rوقوله : {أو سرحوهن بمعروف} قيد التسريح هنا بالمعروف ، وقيد في قوله السالف {أو تسريح بإحسان} ، بالإحسان للإشارة إلى أن الإحسان المذكور هنالك ، هو عين المعروف الذي يعرض للتسريح ، فلما تقدم ذكره لم يُحتج هنا إلى الفرق بين قيده وقيد الإمساك.\rأو لأن إعادة أحوال الإمساك والتسريح هنا ليبنى عليه النهي عن المضارة ، والذي تخاف مضارته بمنزلة بعيدة عن أن يطلب منه الإحسان ، فطلب منه الحق ، وهو المعروف الذي عدم المضارة من فروعه ، سواء في الإمساك أو في التسريح ، ومضارة كل بما يناسبه. أ هـ {التحرير والتنوير حـ 2 صـ 422}\rسؤال : لم عبر بالتسريح عن التخلية ؟ \rالجواب : عبر بالتسريح عن التخلية لأن مآلها إليه ، إذ بانقضاء العدّة حصلت البينونة. أ هـ {البحر المحيط حـ 2 صـ 218}","part":6,"page":399},{"id":2562,"text":"لطيفة\rقوله تعالى {وإذا طلقتم النساء فبلغن أجلهن فأمسكوهن بمعروف أو سرحوهن بمعروف} وفى سورة الطلاق : {فإذا بلغن أجلهن فأمسكوهن بمعروف أو فارقوهن بمعروف}.\rللسائل أن يسأل عن الفرق بين قوله\" أو سرحوهن\" وقوله\" أو فارقوهن\" واختصاص كل من الموضعين بما اختص به من ذلك.\rوالجواب والله أعلم أن آية البقرة قد اكتنفها النهى عن مضارة النساء وتحريم أخذ شئ منهن ما لم يكن منهن ما يسوغ ذلك من ألا يقيما حدود الله ، فلما اكتنفها ما ذكر وأتبع ذلك بالمنع عن عضلهن وتكرر أثناء ذلك ما يفهم الأمر بمجاملتهن والإحسان إليهن حالى الاتصال والانفصال لم يكن ليناسب ما قصد من هذا أن يعبر بلفظ أو فارقوهن لأن لفظ الفراق أقرب إلى الاساءة منه إلى الإحسان فعدل إلى ما يحصل منه المقصود مع تحسين العبارة وهو لفظ التسريح فقال تعالى : \" فأمسكوهن بمعروف أو سرحوهن بمعروف\" وليجرى مع ماتقدم من قوله تعالى : \"الطلاق مرتان فامساك بمعروف أو تسريح بإحسان\" ، وقيل هنا\"بإحسان\" ليناسب ما به تعلق المجرور من قوله\"أو تسريح\" وقد روعى فى هذه الآى كلها مقصد التلطف وتحسين الحال فى المحبة والافتراق ولما لم يكن فى سورة الطلاق تعرض لعضل ولا ذكر مضارة لم يذكر ورود التعبير بلفظ \"أو فارقوهن\" عن الانفصال ووقع الاكتفاء فيما يراد من المجاملة فى الحالين بقوله\"بمعروف\" وبان افتراق القضيتين فى السورتين ، وورد كل من العباراتين على ما يجب من المناسبة والله أعلم. أ هـ {ملاك التأويل صـ 91}","part":6,"page":400},{"id":2563,"text":"قوله تعالى : {وَلَا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَارًا لِتَعْتَدُوا وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ}\rالمناسبة\rقال البقاعى : \rولما كان المعروف يعم كل خير وكان الأمر به لا يفيد التكرار خص ترك الشر اهتماماً به معبراً بما يتناول جميع الأوقات فقال : {ولا تمسكوهن} أي بالمراجعة في آخر العدة {ضراراً} كما كان في الجاهلية {لتعتدوا} أي قاصدين بذلك التوصل إلى شيء من مجاوزة الحدود التي بينت لكم مثل أن يريد تطويل العدة عليها فإنه قد يفضي إلى اعتدادها تسعة أشهر.\rولما كان التقدير : فمن يفعل ذلك فقد ظلم زوجه عطف عليه زيادة في التنفير عنه قوله : {ومن يفعل ذلك} أي الفعل البعيد عن الخير ، وفي التعبير بالمضارع إشعار بأن في الأمة من يتمادى على فعله {فقد ظلم نفسه} أي بتعريضها لسخط الله عليه ونفرة الناس منه. أ هـ {نظم الدرر حـ 1 صـ 436}\rسؤال : لقائل أن يقول : فلا فرق بين أن يقول : {فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ} وبين قوله : {وَلاَ تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَارًا} لأن الأمر بالشيء نهي عن ضده فما الفائدة في التكرار ؟ .\rوالجواب : الأمر لا يفيد إلا مرة واحدة ، فلا يتناول كل الأوقات ، أما النهي فإنه يتناول كل الأوقات ، فلعله يمسكها بمعروف في الحال ، ولكن في قلبه أن يضارها في الزمان المستقبل ، فلما قال تعالى : {وَلاَ تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَارًا} اندفعت الشبهات وزالت الاحتمالات. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 6 صـ 94}\rقال ابن عاشور : ","part":6,"page":401},{"id":2564,"text":"وقوله : {ولا تمسكوهن ضراراً} تصريح بمفهوم {فأمسكوهن بمعروف} إذ الضرار ضد المعروف ، وكأن وجه عطفه مع استفادته من الأمر بضده التشويه بذكر هذا الضد لأنه أكثر أضداد المعروف يقصده الأزواج المخالفون لحكم الإمساك بالمعروف ، مع ما فيه من التأكيد ، ونكتته تقرير المعنى المراد في الذهن بطريقتين غايتهما واحدة وقال الفخر : نكتة عطف النهي على الأمر بالضد في الآية هي أن الأمر لا يقتضي التكرار بخلاف النهي ، وهذه التفرقة بين الأمر والنهي غير مسلمة ، وفيها نزاع في علم الأصول ، ولكنه بناها على أن الفرق بين الأمر والنهي هو مقتضى اللغة.\rعلى أن هذا العطف إن قلنا : إن المعروف في الإمساك حيثما تحقق انتفى الضرار ، وحيثما انتفى المعروف تحقق الضرار ، فيصير الضرار مساوياً لنقيض المعروف ، فلنا أن نجعل نكتة العطف حينئذٍ لتأكيد حكم الإمساك بالمعروف : بطريقي إثبات ونفي ، كأنه قيل : ( ولا تمسكوهن إلاّ بالمعروف ) ، كما في قول السموأل : \rتسيل على حد الظُّباتتِ نُفُوسنا\rوليستْ على غير الظُّبات تسيل...\rأ هـ {التحرير والتنوير حـ 2 صـ 423}\rفصل\rقال الفخر : \rقال القفال : الضرار هو المضارة قال تعالى : {والذين اتخذوا مَسْجِدًا ضِرَارًا} [ التوبة : 107 ] أي اتخذوا المسجد ضراراً ليضاروا المؤمنين ، ومعناه رجع إلى إثارة العداوة وإزالة الألفة وإيقاع الوحشة ، وموجبات النفرة ، وذكر المفسرون في تفسير هذا الضرار وجوها أحدها : ما روي أن الرجل كان يطلق المرأة ثم يدعها ، فإذا قارب انقضاء القرء الثالث راجعها ، وهكذا يفعل بها حتى تبقى في العدة تسعة أشهر أو أكثر والثاني : في تفسير الضرار سوء العشرة والثالث : تضييق النفقة ، واعلم أنهم كانوا يفعلون في الجاهلية أكثر هذه الأعمال رجاء أن تختلع المرأة منه بمالها. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 6 صـ 94}\rقوله تعالى : {لّتَعْتَدُواْ}\rقال الفخر : \r","part":6,"page":402},{"id":2565,"text":"أما قوله تعالى : {لّتَعْتَدُواْ} ففيه وجهان الأول : المراد لا تضاروهن فتكونوا معتدين ، يعني فتكون عاقبة أمركم ذلك وهو كقوله : {فالتقطه ءالُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوّاً وَحَزَناً} [ القصص : 8 ] أي فكان لهم وهي لام العاقبة والثاني : أن يكون المعنى : لا تضاروهن على قصد الاعتداء عليهن ، فحينئذٍ تصيرون عصاة الله ، وتكونون متعمدين قاصدين لتلك المعصية ، ولا شك أن هذا أعظم أنواع المعاصي. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 6 صـ 94}\rسؤال : لم حذف مفعول \"تعتدوا\" ؟ \rالجواب : حذف مفعول \"تعتدوا\" ليشمل الاعتداء عليهن وعلى أحكام الله تعالى ، فتكون اللام مستعملة في التعليل والعاقبة.\rوالاعتداء على أحكام الله لا يكون علة للمسلمين ، فنزل منزلة العلة مجازاً في الحصول ، تشنيعاً على المخالفين ، فحرف اللام مستعمل في حقيقته ومجازه. أ هـ {التحرير والتنوير حـ 2 صـ 423}\rقوله تعالى : {وَمَن يَفْعَلْ ذلك فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ}\rقال الفخر : \rأما قوله تعالى : {وَمَن يَفْعَلْ ذلك فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ} ففيه وجوه أحدها : ظلم نفسه بتعريضها لعذاب الله وثانيها : ظلم نفسه بأن فوت عليها منافع الدنيا والدين ، أما منافع الدنيا فإنه إذا اشتهر فيما بين الناس بهذه المعاملة القبيحة لا يرغب في التزوج به ولا معاملته أحد ، وأما منافع الدين فالثواب الحاصل على حسن العشرة مع الأهل والثواب الحاصل على الانقياد لأحكام الله تعالى وتكاليفه. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 6 صـ 94}\rوقال ابن عاشور : \rوقوله {فقد ظلم نفسه} جعل ظلمهم نساءهم ظلماً لأنفسهم ، لأنه يؤدي إلى اختلال المعاشرة واضطراب حال البيت وفوات المصالح بشغب الأذهان في المخاصمات.\rوظلم نفسه أيضاً بتعريضها لعقاب الله في الآخرة. أ هـ {التحرير والتنوير حـ 2 صـ 423}\rقوله تعالى : {وَلَا تَتَّخِذُوا آَيَاتِ اللَّهِ هُزُوًا}\rالمناسبة\rقال البقاعى : \r","part":6,"page":403},{"id":2566,"text":"ولما كان قد لا يقصد شيئاً من انتهاك الحرمات ولا من المصالح فكان مقدماً على ما لا يعلم أو يظن له عاقبة حميدة تهاوناً بالنظر وكان فاعل ذلك شبيهاً بالهازىء كما يقال لمن لا يجد فى أمر : هو لاعب ، قال : {ولا تتخذوا آيات الله} أي مع ما تعلمون من عظمتها بعظمة ناصبها {هزواً} بإهمالها عن قصد المصالح الذي هو زوجها. أ هـ {نظم الدرر حـ 1 صـ 436}\rقوله تعالى : {وَلاَ تَتَّخِذُواْ آيات الله هُزُوًا}\rقال ابن عاشور : \rعطف هذا النهي على النهي في قوله : {ولا تمسكوهن ضراراً لتعتدوا} لزيادة التحذير من صنيعهم في تطويل العدة ، لقصد المضارة ، بأن في ذلك استهزاء بأحكام الله التي شرع فيها حق المراجعة ، مريداً رحمة الناس ، فيجب الحذر من أن يجعلوها هزؤاً.\rوآيات الله هي ما في القرآن من شرائع المراجعة نحو قوله : {والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء} [ البقرة : 228 ] إلى قوله {وتلك حدود الله يبينها لقوم يعلمون} [ البقرة : 230 ].\rوالهزء بضمتين مصدر هزأ به إذا سخر ولعب ، وهو هنا مصدر بمعنى اسم المفعول ، أي لا تتخذوها مستهزأ به ، ولما كان المخاطب بهذا المؤمنين ، وقد علم أنهم لم يكونوا بالذين يستهزئون بالآيات ، تعين أن الهزء مراد به مجازه وهو الاستخفاف وعدم الرعاية ، لأن المستخف بالشيء المهم يعد لاستخفافه به ، مع العلم بأهميته ، كالساخر واللاعب.\rوهو تحذير للناس من التوصل بأحكام الشريعة إلى ما يخالف مراد الله ، ومقاصد شرعه ، ومن هذا التوصل المنهي عنه ، ما يسمى بالحيل الشرعية بمعنى أنها جارية على صور صحيحة الظاهر ، بمقتضى حكم الشرع ، كمن يهب ماله لزوجه ليلة الحول ليتخلص من وجوب زكاته ، ومن أبعد الأوصاف عنها الوصف بالشرعية.","part":6,"page":404},{"id":2567,"text":"فالمخاطبون بهذه الآيات محذرون أن يجعلوا حكم الله في العدة ، الذي قصد منه انتظار الندامة وتذكر حسن المعاشرة ، لعلهما يحملان المطلق على إمساك زوجته حرصاً على بقاء المودة والرحمة ، فيغيروا ذلك ويجعلوه وسيلة إلى زيادة النكاية ، وتفاقم الشر والعداوة.\rوفي \"الموطأ\" أن رجلاً قال لابن عباس : إني طلقت امرأتي مائة طلقة فقال له ابن عباس \"بانت منك بثلاث ، وسبع وتسعون اتخذت بها آيات الله هزؤاً\" يريد أنه عمد إلى ما شرعه الله من عدد الطلاق ، بحكمة توقع الندامة مرة أولى وثانية ، فجعله سبب نكاية وتغليظ ، حتى اعتقد أنه يضيق على نفسه المراجعة إذ جعله مائة.\rأ هـ {التحرير والتنوير حـ 2 صـ 424}\rوقال الفخر : \rأما قوله تعالى : {وَلاَ تَتَّخِذُواْ آيات الله هُزُوًا} ففيه وجوه الأول : أن من نسي فلم يفعله بعد أن نصب نفسه منصب من يطيع ذلك الأمر ، يقال فيه أنه استهزأ بهذا الأمر ويلعب به ، فعلى هذا كل من أمر بأنه تجب عليه طاعة الله وطاعة رسوله ، ثم وصلت إليه هذه التكاليف التي تقدم ذكرها في العدة والرجعة والخلع وترك المضارة فلا يتشمر لأدائها ، كان كالمستهزىء بها ، وهذا تهديد عظيم للعصاة من أهل الصلاة\rوثانيها : المراد : ولا تتسامحوا في تكاليف الله كما يتسامح فيما يكون من باب الهزل والعبث\rوالثالث : قال أبو الدرداء : كان الرجل يطلق في الجاهلية ، ويقول : طلقت وأنا لاعب ، ويعتق وينكح ، ويقول مثل ذلك ، فأنزل الله تعالى هذه الآية ، فقرأها رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وقال : \" من طلق ، أو حرر ، أو نكح ، فزعم أنه لاعب فهو جد \"","part":6,"page":405},{"id":2568,"text":"والرابع : قال عطاء : المعنى أن المستغفر من الذنب إذا كان مصراً عليه أو على مثله ، كان كالمستهزىء بآيات الله تعالى ، والأقرب هو الوجه الأول ، لأن قوله : {وَلاَ تَتَّخِذُواْ آيات الله هُزُوًا} تهديد ، والتهديد إذا ذكر بعد ذكر التكاليف كان ذلك التهديد تهديداً على تركها ، لا على شيء آخر غيرها أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 6 صـ 94 ـ 95}\rوقال أبو حيان : \rقال ابن عطية ، المراد آياته النازلة في الأوامر والنواهي ، وخصها الكلبي بقوله : {فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسان} {ولا تمسكوهنّ}.\rوقال الحسن : نزلت هذه الآية فيمن طلق لاعباً أو هازلاً ، أو راجع كذلك ، والذي يظهر أنه تعالى لما أنزل آيات تضمنت الأمر والنهي في النكاح ، وأمر الحيض والإيلاء ، والطلاق والعدة ، والرجعة والخلع ، وترك المعاهدة ، وكانت هذه أحكامها جارية بين الرجل وزوجته ، وفيها إيجاب حقوق للزوجة على الزوج ، وله عليها ، وكان من عادة العرب عدم الاكتراث بأمر النساء والاغتفال بأمر شأنهن ، وكنّ عندهم أقل من أن يكون لهنّ أمر أو حق على الزوج ، فأنزل الله فيهنّ ما أنزل من الأحكام ، وحدّ حدوداً لا تتعدى ، وأخبرهم أن من خالف فهو ظالم متعدٍّ ، أكد ذلك بالنهي عن اتخاذ آيات الله ، التي منها هذه الآيات النازلة في شأن النساء ، هزؤاً ، بل تؤخذ وتتقبل بجد واجتهاد ، لأنها من أحكام الله ، فلا فرق بينها وبين الآيات التي نزلت في سائر التكاليف التي بين العبد وربه ، وبين العبد والناس. أ هـ {البحر المحيط حـ 2 صـ 219}\rقال القرطبى : \r{وَلاَ تتخذوا آيَاتِ الله هُزُواً}. قال علماؤنا : \rوالأقوال كلها داخلة في معنى الآية ؛ لأنه يُقال لمن سخر من آيات الله : اتخذها هزواً. ويُقال ذلك لمن كفر بها ، ويُقال ذلك لمن طرحها ولم يأخذ بها وعمل بغيرها ؛ فعلى هذا تدخل هذه الأقوال في الآية.\rوآيات الله : دلائله وأمره ونهيه.","part":6,"page":406},{"id":2569,"text":"ولا خلاف بين العلماء أن من طلق هازلاً أن الطلاق يلزمه ، واختلفوا في غيره على ما يأتي بيانه في \"براءة\" إن شاء الله تعالى. وخرّج أبو داود عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : \" ثلاث جِدّهن جِدّ وهزلِهن جِدّ النكاح والطلاق والرّجعة \"\rوروي عن عليّ بن أبي طالب وابن مسعود وأبي الدّرداء كلهم قالوا : ثلاث لا لعب فيهنّ واللاعب فيهنّ جادّ : النكاح والطلاق والعِتاق.\rوقيل : المعنى لا تتركوا أوامر الله فتكونوا مقصرين لاعبين. ويدخل في هذه الآية الاستغفار من الذنب قولاً مع الإصرار فعلاً ؛ وكذا كل ما كان في هذا المعنى فاعلمه. أ هـ {تفسير القرطبى حـ 3 صـ 157}\rفائدة\rقال الشيخ الشنقيطى : \rقوله تعالى : {وَلاَ تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَاراً لِّتَعْتَدُواْ} الآية.\rصرح تعالى في هذه الآية الكريمة بالنهي عن إمساك المرأة مضارة لها. لأجل الاعتداء عليها بأخذه ما أعطاها. لأنها إذا طال عليها الإضرار افتدت منه. ابتغاء السلامة من ضرره. وصرح في موضع آخر بأنها إذا أتت بفاحشة مبينة جاز له عضلها ، حتى تفتدى منه وذلك في قوله تعالى : {وَلاَ تَعْضُلُوهُنَّ ُلِتَذْهَبُواْ بِبَعْضِ مَآ آتَيْتُمُوهُنَّ إِلاَّ أَن يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُّبَيِّنَةٍ} [ النساء : 19 ] واختلف العلماء في المراد بالفاحشة المبينة.\rفقال جماعة منهم هي : الزنا ، وقال قوم هي : النشوز والعصيان وبذاء اللسان. والظاهر شمول الآية للكل كما اختاره ابن جرير.\rوقال ابن كثير : إنه جيد ، فإذا زنت أو أساءت بلسانها ، أو نشزت جازت مضاجرتها. لتفتدي منه بما أعطاها على ما ذكرنا من عموم الآية. أ هـ {أضواء البيان حـ 1 صـ 174}\rقوله تعالى : {وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَمَا أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنَ الْكِتَابِ وَالْحِكْمَةِ يَعِظُكُمْ بِهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ}\rالمناسبة\rقال البقاعى : ","part":6,"page":407},{"id":2570,"text":"ولما كان على العبد أن يقتفي أثر السيد في جميع أفعاله قال : {واذكروا نعمة الله} أي الذي له الكمال كله ثم عبر بأداة الاستعلاء إشارة إلى عموم النعم وغلبتها فقال : {عليكم} هل ترون فيها شيئاً من وادي العبث بخلوه عن حكمة ظاهرة {وما} أي وخصوا بالذكر الذي {أنزل عليكم من الكتاب} الذي فاق جميع الكتب وعلا عن المعارضة فغلب جميع الخلق بما أفادته أداة الاستعلاء {والحكمة} التي بثها فيه وفي سنة نبيه صلى الله عليه وسلم حال كونه {يعظكم} أي يذكر بما يرقق قلوبكم {به} أي بذلك كله {واتقوا الله} أي بالغوا في الخوف ممن له الإحاطة بجميع صفات الكمال باستحضار ما له من العظمة التي لا تتناهى ونبه على عظيم أمره بقوله : {واعلموا} وبتكرير الاسم الأعظم في قوله : {أن الله} فلم يبق وراء ذلك مرمى {بكل شيء} أي من أمور النكاح وغيرها {عليم} أي بالغ العلم فاحذروه حذر من يعلم أنه بحضرته وكل ما يعمله من سر وعلن فبعينه. قال الحرالي : والتهديد بالعلم منتهى التحديد - انتهى. أ هـ {نظم الدرر حـ 1 صـ 436}\rقال الفخر : \rاعلم أنه تعالى لما رغبهم في أداء التكاليف بما ذكر من التهديد ، رغبهم أيضاً في أدائها بأن ذكرهم أنواع نعمه عليهم ، فبدأ أولاً بذكرها على سبيل الإجمال فقال : {واذكروا نِعْمَةَ الله عَلَيْكُمْ} وهذا يتناول كل نعم الله على العبد في الدنيا وفي الدين ، ثم إنه تعالى ذكر بعد هذا نعم الدين ، وإنما خصها بالذكر لأنها أجل من نعم الدنيا ، فقال : {وَمَا أَنزَلَ عَلَيْكُم مّنَ الكتاب والحكمة يَعِظُكُم بِهِ} والمعنى أنه إنما أنزل الكتاب والحكمة ليعظكم به. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 6 صـ 95}\rوقال أبو حيان : ","part":6,"page":408},{"id":2571,"text":"و : الكتاب ، القرآن ، و: الحكمة ، هي السنة التي بها كمال الأحكام التي لم يتضمنها القرآن ، والمبينة ما فيه من الإجمال. ودل هذا على أن السنة أنزلها الله على رسوله صلى الله عليه وسلم ، كما قال تعالى : {وما ينطق عن الهوى إن هو إلاَّ وحي يوحى}\rوقيل : وفي ظاهره رد على من زعم أن له الحكم بالاجتهاد ، لأن ما يحكم به من السنة ينزل من الله عليه ، فلا اجتهاد ، وذكر : النعم ، لا يراد به سردها على اللسان ، وإنما المراد بالذكر الشكر عليها ، لأن ذكر المسلم النعمة سبب لشكرها ، فعبر بالسبب عن المسبب ، فإن أريد بالنعمة المنعم به فيكون : عليكم ، في موضع الحال ، فيتعلق بمحذوف ، أي : كائنة عليكم ، ويكون في ذلك تنبيه على أن نعمته تعالى منسحبة علينا ، قد استعلت وتجللت وصارت كالظلة لنا ، وإن أريد بالنعمة الإنعام فيكون : عليكم ، متعلقاً بلفظ النعمة ، ويكون إذ ذاك مصدراً من : أنعم ، على غير قياس ، كنبات من أنبت. أ هـ {البحر المحيط حـ 2 صـ 219}\rوقال السعدى : \r{وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ} عموما باللسان ثناء وحمدا ، وبالقلب اعترافا وإقرارا ، وبالأركان بصرفها في طاعة الله ، {وَمَا أَنزلَ عَلَيْكُمْ مِنَ الْكِتَابِ وَالْحِكْمَةِ} أي : السنة اللذين بيّن لكم بهما طرق الخير ورغبكم فيها ، وطرق الشر وحذركم إياها ، وعرفكم نفسه ووقائعه في أوليائه وأعدائه ، وعلمكم ما لم تكونوا تعلمون.\rوقيل : المراد بالحكمة أسرار الشريعة ، فالكتاب فيه ، الحكم ، والحكمة فيها ، بيان حكمة الله في أوامره ونواهيه ، وكلا المعنيين صحيح ، ولهذا قال {يَعِظُكُمْ بِهِ} أي : بما أنزل عليكم ، وهذا مما يقوي أن المراد بالحكمة ، أسرار الشريعة ، لأن الموعظة ببيان الحكم والحكمة ، والترغيب ، أو الترهيب ، فالحكم به ، يزول الجهل ، والحكمة مع الترغيب ، يوجب الرغبة ، والحكمة مع الترهيب يوجب الرهبة. أ هـ {تفسير السعدى صـ 103}\rوقال الآلوسى : ","part":6,"page":409},{"id":2572,"text":"{واذكروا نِعْمَتَ الله عَلَيْكُمْ} أي قابلوها بالشكر والقيام بحقوقها والنعمة إمّا عامة فعطف {وَمَا أَنزَلَ عَلَيْكُم} عليها من عطف الخاص على العام ، وإمّا أن تخص بالإسلام ونبوّة محمد صلى الله عليه وسلم وخصا بالذكر ليناسب ما سبقه ، وليدل على أن ما كانوا عليه من الإمساك إضراراً من سنن الجاهلية المخالفة ، كأنه لما قيل : جدّوا في العمل بالآيات على طريق الكناية أكد ذلك بأنه شكر النعمة فقوموا بحقه ، ويكون العطف تأكيداً على تأكيد لأن الإسلام ونبوّة محمد صلى الله عليه وسلم يشملان إنزال الكتاب والسنة وهو قريب من عطف التفسير ولا بأس أن يسمى عطف التقرير ، قيل : ولو عمم النعمة لم يحسن موقعه هذا الحسن ، ولا يخفى أنه في حيز المنع ، والظرف الأوّل متعلق بمحذوف وقع حالاً من نعمة أو صفة لها على رأي من يجوّز حذف الموصول مع بعض الصلة ، ويجوز أن يتعلق بنفسها إن أريد بها الإنعام لأنها اسم مصدر كنبات من أنبت ولا يقدح في عمله تاء التأنيث لأنه مبني عليها كما في قوله : \rفلولا رجاء النصر منك وهيبة... عقابك قد كانوا لنا كالموارد\rوالظرف الثاني متعلق بما عنده وأتى به تنبيهاً للمأمورين وتشريفاً لهم ، و{مَا} موصولة حذف عائدها من الصلة ، و{مِنْ} في قوله تعالى : {مّنَ الكتاب والحكمة} بيانية ، والمراد بهما القرآن الجامع للعنوانين ، أو القرآن والسنة ، والإفراد بالذكر بعد الاندراج في المذكور إظهاراً للفضل وإيماءاً إلى أن الشرف وصل إلى غاية لا يمكن معها الاندراج ، وذاك من قبيل : \rفإن تفق الأنام وأنت منهم... فإن المسك بعض دم الغزال\rأ هـ {روح المعانى حـ 2 صـ 144}\rوقال ابن عاشور : ","part":6,"page":410},{"id":2573,"text":"ثم إن الله تعالى بعد أن حذرهم دعاهم بالرغبة فقال : {واذكروا نعمت الله عليكم} فذكرهم بما أنعم عليهم بعد الجاهلية بالإسلام ، الذي سماه نعمة كما سماه بذلك في قوله : {واذكروا نعمت الله عليكم إذ كنتم أعداء فألف بين قلوبكم فأصبحتم بنعمته إخواناً} [ آل عمران : 103 ] فكما أنعم عليكم بالإنسلاخ عن تلك الضلالة ، فلا ترجعوا إليها بالتعاهد بعد الإسلام.\rوقوله : {وما أنزل عليكم من الكتاب والحكمة} معطوف على ( نعمة ) ، وجملة {يعظكم به} حال ويجوز جعله مبتدأ ؛ وجملة {يعظكم} خبراً ، والكتاب : القرآن.\rوالحكمة : العلم المستفاد من الشريعة ، وهو العبرة بأحوال الأمم الماضية وإدراك مصالح الدين ، وأسرار الشريعة ، كما قال تعالى ، بعد أن بين حكم الخمر والميسر {كذلك يبين الله لكم الآيات لعلكم تتفكرون في الدنيا والآخرة} [ البقرة : 219 ، 220 ] ومعنى إنزال الحكمة أنها كانت حاصلة من آيات القرآن كما ذكرنا ، ومن الإيماء إلى العلل ، ومما يحصل أثناء ممارسة الدين ، وكل ذلك منزل من الله تعالى بالوحي إلى الرسول صلى الله عليه وسلم ومن فسر الحكمة بالسنة فقد فسرها ببعض دلائلها.\rوالموعظة والوعظ : النصح والتذكير بما يلين القلوب ، ويحذر الموعوظ.\rوقوله : {واتقوا الله واعلموا أن الله بكل شيء عليم} تذكير بالتقوى وبمراعاة علمهم بأن الله عليم بكل شيء تنزيلاً لهم في حين مخالفتهم بأفعالهم لمقاصد الشريعة ، منزلة من يجهل أن الله عليم ، فإن العليم لا يخفى عليه شيء ، وهو إذا علم مخالفتهم لا يحول بين عقابه وبينهم شيء ، لأن هذا العليم قدير. أ هـ {التحرير والتنوير حـ 2 صـ 425}\rقال أبو حيان : \r","part":6,"page":411},{"id":2574,"text":"{واتقوا الله} لما كان تعالى قد ذكر أوامر ونواهي ، وذلك بسبب النساء اللاتي هنّ مظنة الإهمال وعدم الرعاية ، أمر الله تعالى بالتقوى ، وهي التي بحصولها يحصل الفلاح في الدنيا والآخرة ، ثم عطف عليها ما يؤكد طلبها وهي قوله : {واعلموا أن الله بكل شيء عليم} والمعنى : بطلب العلم الديمومة عليه ، إذ هم عالمون بذلك ، وفي ذلك تنبيه على أنه يعلم نياتكم في المضارة والاعتداء ، فلا تلبسوا على أنفسكم. وكرر اسم الله في قوله تعالى : {واتقوا الله} {واعلموا أن الله} لكونه من جملتين ، فتكريره أفخم ، وترديده في النفوس أعظم. أ هـ {البحر المحيط حـ 2 صـ 220}\rمن فوائد ابن عرفة فى الآية\rقوله تعالى : {وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النسآء فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وَلاَ تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَاراً}.\rوقال قبل هذا : {فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ} وتقدّم أن المعروف أخف من الإحسان فالجمع بين الآيتين بأنه لما وقع الأمر بتسريحهن مقارنا للإحسان إليهن خاف أن يتوهّم أن الأمر بالإحسان إليهن عند تسريحهن للوجوب فعقبه بهذا تنبيها على أنه إحسان بمعروف فهو للندب لا للوجوب. ولفظ التسريح عندهم من الكنايات الظاهرة في الثلاث.\rوقوله \" لاَ تُمْسِكُوهُنّ \" قال أبو حيان : إن كان \" ضرارا \" حالا تعلقت اللاّم ( من \" لِّتَعْتَدُواْ \" به أو بـ \" وَلاَ تُمْسِكُوهُنَّ \" ، وإن كان مفعولا من أجله تعلقت اللام ) بـ \" ضرارا \" أو كان علة للعلة كقولك : ضربت بني تأديبا لينتفع. ولا يجوز أن يتعلق بـ \" لاَ تُمْسِكُوهُنَّ \" فيكون الفعل قد تغير إلى علة وإلى عاقبة وهما مختلفان.","part":6,"page":412},{"id":2575,"text":"قال ابن عرفة : ليس امتناعه من جهة الإعراب بل من جهة المعنى لأنه لا يقصد أحد ( بإمساك زوجته أنه متعدّ حكم الله كما لا يقصد أحد ) بالزنا أنه متعدّ حكم الله ، وإنّما يقصد أضدادها فيؤول ( أمره ) إلى تعدى ( حكم الله ) والزاني يقصد اتّباع شهوته ويؤول أمره إلى أنه تعدى حدود الله.\rقوله تعالى : {وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ...}.\rقال ابن عرفة : هذا احتراس لأنّ من يأمره بأمر ويؤكده بالنّهي عن ضده ثم يزيد تأكيدا ، فإنما يفعل ذلك لتعلق غرضه به وانتفاعه به وتضرره من ( عدمه ) فبين أنه تعالى لا يلحقه من فعل ذلك نفع ولا يناله من ( تركه ) ضرر بوجه.\rقوله تعالى : {وَلاَ تتخذوا آيَاتِ الله هُزُواً...}.\rولم يقل : ولا تستهزئوا بآيات اللهِ ، مع أن الاستهزاء بها أعم من اتّخاذها هزؤا ونفي الأعم أخص من نفي الأخص لأن اتّخاذ آيات الله هزؤا أخص من مطلق الاستهزاء.\rفالجواب أنّ الاستهزاء بها لو وقع لما وقع إلاّ على المعنى الأخص ولذلك أضاف الآية إلى الله تعالى إضافة تشريف. ونظيره قول الله تعالى : {وَمَا رَبُّكَ بِظَلاَّمٍ لِّلْعَبِيدِ} أجابوا بوجهين : إما بأن المبالغة في نفس الظلم أي لو كان وقع لكان عظيما لأنّ الحقير من العظيم ، وإما باعتبار تعدد متعلقاته. وآيات الله إما أحكامه أو دلائل أحكامه وهو الظاهر لأن الزاني لم يستهزىء بالزنا ولا بتحريمه ، ( بل ) بالدليل الدال على تحريمه.\rقوله تعالى : {لِّتَعْتَدُواْ}.\rلتعتدوا : متعلق بـ \" ضرار \" وهي لام العاقبة وليس متعلقاً بـ \" تمسكوا \". أ هـ {تفسير ابن عرفة صـ 299}\rموعظة\rقال فى روح البيان : \rالأذية والمضارة ليست من الإسلام ولا من آثار الإيمان ولا من شعار المسلمين عموما كما قال ـ عليه السلام ـ \" المؤمن من أمنه الناس \" وقال \" المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده \" ويتضمن حسن المعاشرة مع الخلق جميعا.\r","part":6,"page":413},{"id":2576,"text":"فأما الزوجان ففيهما خصوصية بالأمر بحسن المعاشرة معهن وترك أذيتهن والمغايظة معهن على وجه اللجاج فأما تخلية سبيل من غير جفاء أو قيام بحق الصحبة على شرائط الوفاء بلا اعتداء {ومن يفعل ذلك} أى من الأذية والمضارة والاعتداء بالجفاء {فقد ظلم نفسه} لأن الله تعالى يجازى الظالم والمظلوم يوم القيامة بأن يكافىء المظلوم من حسنات الظالم ويجازى الظالم من سيئات المظلوم والظالم إذا أساء إلى غيره صارت نفسه مسيئة وإذا أحسن صارت نفسه محسنة فترجع إساءة الظالم إلى نفسه لا إلى نفس غيره حقيقة فإنه ظلم نفسه لا غيره ولهذا قال تعالى {إن أحسنتم أحسنتم لأنفسكم وإن أسأتم فلها}. أ هـ {روح البيان حـ 1 صـ 445}","part":6,"page":414},{"id":2577,"text":"قوله تعالى : {وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ إِذَا تَرَاضَوْا بَيْنَهُمْ بِالْمَعْرُوفِ ذَلِكَ يُوعَظُ بِهِ مَنْ كَانَ مِنْكُمْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ ذَلِكُمْ أَزْكَى لَكُمْ وَأَطْهَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ (232)} \rمناسبة الآية لما قبلها\rقال البقاعى : \rولما نهى عن الضرار في العصمة وفي أثرها الذي هو العدة أتبعه النهي عما كان منه بعد انقضائها بالعضل من كل من يتصور منه عضل لكن لما كان نهي الأولياء إذا كانوا أزواجاً نهياً لغيرهم بطريق الأولى أسنده إلى الأزواج وهم في غمارهم فقال : {وإذا طلقتم} أي أيها الأزواج ، وأظهر ولم يضمر لأن المذكور هنا أعم من الأول فقال : {النساء} أيّ طلاق كان {فبلغن أجلهن} أي انقضت عدتهن فقد دل سياق الكلامين على اختلاف البلوغين - نقله الأصبهاني عن الشافعي يعني أن الأول دل على المشارفة للأمر بالإمساك وهذا على الحقيقة للنهي عن العضل {فلا تعضلوهن} أي تمنعوهن أيها الأولياء أزواجاً كنتم أو غير أزواج ، والعضل قال الحرالي هو أسوأ المنع ، من عضلت الدجاجة إذا نشبت بيضتها فيها حتى تهلك - انتهى.\r","part":6,"page":415},{"id":2578,"text":"{أن ينكحن أزواجهن} أي الذين طلقوهن وغيرهم ، وسموا أزواجاً لمآل أمرهم إلى ذلك كما أن المطلقين سموا أزواجاً بما كان ؛ واستدل الشافعي رضي الله تعالى عنه ورحمه بها على أنه لا نكاح إلا بولي ، لأن التعبير بالعضل دال على المنع الشديد المعبر من الداء العضال ، وإن عضل من غير كفوء جاز ولم تزوج منه ولو كانت المرأة تزوج نفسها لما كان إعياء ولا يثبت عضله الممنوع ليحصل عزله إلا إذا منع عند الحاكم وقد بينت ذلك السنة. وهذه الآية من عجائب أمر الاحتباك {طلقتم} يفهم الأزواج من {تعضلوهن} و{تعضلوهن} يفهم الأولياء من {طلقتم} وقد بينت ذلك في كتابي الإدراك {إذا تراضوا} أي النساء والأزواج الأكفاء بما أفهمته الإضافة دون أن يقال : أزواجاً لهن مثلاً. ولما كان الرضى ينبغي أن يكون على العدل أشار إليه بقوله : {بينهم} ولما كانا قد يتراضيان على ما لا ينبغي قيده بقوله : {بالمعروف} فإن تراضوا على غيره كما لو كان الزوج غير كفوء فاعضلوهن ، وعرفه كما قال الحرالي لاجتماع معروفين منهما فكان مجموعهما المعروف التام وأما المنكر فوصف أحدهما - انتهى. أ هـ {نظم الدرر حـ 1 صـ 437}\rسبب نزول الآية\rقال ابن القرطبى : ","part":6,"page":416},{"id":2579,"text":"روى أن مَعْقِل بن يَسّار كانت أُخته تحت أبي البدّاح فطلقها حتى انقضت عدّتها ، ثم ندم فخطبها فرضيت وأبى أخوها أن يزوّجها وقال : وجهي من وجهك حرام إن تزوّجتيه. فنزلت الآية. قال مقاتل : فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم معقِلاً فقال : \"إن كنت مؤمناً فلا تمنع أُختك عن أبي البدّاح\" فقال : آمنت بالله ، وزوّجها منه \" وروى البخاريّ عن الحسن : \" أن أُخت معقل بن يسار طلقها زوجها حتى انقضت عدّتها فخطبها فأبى معقِلٌ فنزلت : {فَلاَ تَعْضُلُوهُنَّ أَن يَنكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ} \" وأخرجه أيضاً الدارقطنيّ عن الحسن قال : حدّثني معقِل بن يسار قال : كانت لي أُخت فخطِبت إليّ فكنت أمنعها الناس ، فأتى ابن عم لي فخطبها فأنكحتها إياه ، فاصطحبا ما شاء الله ثم طلقها طلاقاً رجعياً ثم تركها حتى انقضت عدّتها فخطبها مع الخُطّاب ؛ فقلت : منعتُها الناس وزوّجتك إياها ثم طلقتها طلاقاً له رجعة ثم تركتها حتى انقضت عدّتها فلما خطبت إليّ أتيتني تخطبها مع الخطاب! لا أزوّجك أبدا! فأنزل الله ، أو قال أنزلت : {وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النسآء فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلاَ تَعْضُلُوهُنَّ أَن يَنكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ} فكفّرت عن يميني وأنكحتها إياه. في رواية للبخاريّ : \"فحمِيَ معقلٌ من ذلك آنفاً ، وقال : خَلّى عنها وهو يقدر عليها ثم يخطبها! فأنزل الله الآية ؛ فدعاه رسول الله صلى الله عليه وسلم فقرأ عليه الآية فترك الحمِية وانقاد لأمر الله تعالى. وقيل : هو معقل بن سنان ( بالنون ). قال النحاس : رواه الشافعيّ في كتبه عن معقل بن يَسّار أو سنان. وقال الطحاويّ : هو معقل بن سنان. أ هـ {تفسير القرطبى حـ 3 صـ 158}\rوقيل : إنها نزلت عموماً في نهي كل ولي عن مضارة وليّته من النساء أن يعضلها عن النكاح ، وهذا قول ابن عباس ، والضحاك ، والزهري. أ هـ {النكت والعيون حـ 1 صـ 298}\rقال ابن عاشور : ","part":6,"page":417},{"id":2580,"text":"المراد من هذه الآية مخاطبة أولياء النساء بألا يمنعوهن من مراجعة أزواجهن بعد أن أمر المفارقين بإمساكهن بمعروف ورغبهم في ذلك ، إذ قد علم أن المرأة إذا رأت الرغبة من الرجل الذي كانت تألفه وتعاشره لم تلبث أن تقرن رغبته برغبتها ، فإن المرأة سريعة الانفعال قريبة القلب ، فإذا جاء منع فإنما يجيء من قبل الأولياء ولذلك لم يذكر الله ترغيب النساء في الرضا بمراجعة أزواجهن ونهى الأولياء عن منعهن من ذلك.\rوقد عرف من شأن الأولياء في الجاهلية وما قاربها ، الأنفة من أصهارهم ، عند حدوث الشقاق بينهم وبين ولاياهم ، وربما رأوا الطلاق استخفافاً بأولياء المرأة وقلة اكتراث بهم ، فحملتهم الحمية على قصد الانتقام منهم عند ما يرون منهم ندامة ، ورغبة في المراجعة.\rأ هـ {التحرير والتنوير حـ 2 صـ 425 ـ 426}\rقال الفخر : \r","part":6,"page":418},{"id":2581,"text":"اختلف المفسرون في أن قوله : {فَلاَ تَعْضُلُوهُنَّ} خطاب لمن ؟ فقال الأكثرون إنه خطاب للأولياء ، وقال بعضهم إنه خطاب للأزواج ، وهذا هو المختار ، الذي يدل عليه أن قوله تعالى : {وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النساء فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلاَ تَعْضُلُوهُنَّ} جملة واحدة مركبة من شرط وجزاء ، فالشرط قوله : {وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النساء فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ} والجزاء قوله : {فَلاَ تَعْضُلُوهُنَّ} ولا شك أن الشرط وهو قوله : {وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النساء} خطاب مع الأزواج ، فوجب أن يكون الجزاء وهو قوله : {فَلاَ تَعْضُلُوهُنَّ} خطاباً معهم أيضاً ، إذ لو لم يكن كذلك لصار تقدير الآية : إذا طلقتم النساء أيها الأزواج فلا تعضلوهن أيها الأولياء وحيئنذٍ لا يكون بين الشرط وبين الجزاء مناسبة أصلاً وذلك يوجب تفكك نظم الكلام وتنزيه كلام الله عن مثله واجب ، فهذا كلام قوي متين في تقرير هذا القول ، ثم إنه يتأكد بوجهين آخرين الأول : أن من أول آية في الطلاق إلى هذا الموضع كان الخطاب كله مع الأزواج ، وألبتة ما جرى للأولياء ذكر فكان صرف هذا الخطاب إلى الأولياء على خلاف النظم والثاني : ما قبل هذه الآية خطاب مع الأزواج في كيفية معاملتهم مع النساء قبل انقضاء العدة ، فإذا جعلنا هذه الآية خطاباً لهم في كيفية معاملتهم مع النساء بعد انقضاء العدة كان الكلام منتظماً ، والترتيب مستقيماً ، أما إذا جعلناه خطاباً للأولياء لم يحصل فيه مثل هذا الترتيب الحسن اللطيف ، فكان صرف الخطاب إلى الأزواج أولى.\r","part":6,"page":419},{"id":2582,"text":"حجة من قال الآية خطاب للأولياء وجوه الأول : وهو عمدتهم الكبرى : أن الروايات المشهورة في سبب نزول الآية دالة على أن هذه الآية خطاب مع الأولياء لا مع الأزواج ، ويمكن أن يجاب عنه بأنه لما وقع التعارض بين هذه الحجة وبين الحجة التي ذكرناها كانت الحجة التي ذكرناها أولى بالرعاية لأن المحافظة على نظم الكلام أولى من المحافظة على خبر الواحد وأيضاً فلأن الروايات متعارضة ، فروي عن معقل أنه كان يقول ، إن هذه الآية لو كانت خطاباً مع الأزواج لكانت إما أن تكون خطاباً قبل انقضاء العدة أو مع انقضائها ، والأول باطل لأن ذلك مستفاد من الآية ، فلو حملنا هذه الآية على مثل ذلك المعنى كان تكراراً من غير فائدة ، وأيضاً فقد قال تعالى : {فلا تَعْضُلُوهُنَّ أَن يَنكِحْنَ أزواجهن إِذَا تراضوا بَيْنَهُم بالمعروف} فنهى عن العضل حال حصول التراضي ، ولا يحصل التراضي بالنكاح إلا بعد التصريح بالخطبة ، ولا يجوز التصريح بالخطبة إلا بعد انقضاء العدة ، قال تعالى : {وَلاَ تَعْزِمُواْ عُقْدَةَ النكاح حتى يَبْلُغَ الكتاب أَجَلَهُ} [ البقرة : 235 ] والثاني : أيضاً باطل لأن بعد انقضاء العدة ليس للزوج قدرة على عضل المرأة ، فكيف يصرف هذا النهي إليه ، ويمكن أن يجاب عنه بأن الرجل قد يكون بحيث يشتد ندمه على مفارقة المرأة بعد انقضاء عدتها وتلحقه الغيرة إذا رأى من يخطبها ، وحينئذٍ يعضلها عن أن ينكحها غيره إما بأن يجحد الطلاق أو يدعي أنه كان راجعها في العدة ، أو يدس إلى من يخطبها بالتهديد والوعيد ، أو يسيء القول فيها وذلك بأن ينسبها إلى أمور تنفر الرجل عن الرغبة فيها ، فالله تعالى نهى الأزواج عن هذه الأفعال وعرفهم أن ترك هذه الأفعال أزكى لهم وأطهر من دنس الآثام.\r","part":6,"page":420},{"id":2583,"text":"الحجة الثالثة لهم قالوا قوله تعالى : {أَن يَنكِحْنَ أزواجهن} معناه : ولا تمنعوهن من أن ينكحن الذين كانوا أزواجاً لهن قبل ذلك ، وهذا الكلام لا ينتظم إلا إذا جعلنا الآية خطاباً للأولياء ، لأنهم كانوا يمنعونهن من العود إلى الذين كانوا أزواجاً لهن قبل ذلك ، فأما إذا جعلنا الآية خطاباً للأزواج ، فهذا الكلام لا يصح ، ويمكن أن يجاب عنه بأن معنى قوله : {يَنكِحْنَ أزواجهن} من يريدون أن يتزوجوهن فيكونون أزواجاً والعرب قد تسمي الشيء باسم ما يؤول إليه ، فهذا جملة الكلام في هذا الباب. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 6 صـ 96 ـ 97}\rقال ابن عاشور : \rوالخطاب الواقع في قوله {طلقتم} و{تعضلوهن} ينبغي أن يحمل على أنه موجه إلى جهة واحدة دون اختلاف التوجه ، فيكون موجهاً إلى جميع المسلمين ، لأن كل واحد صالح لأن يقع منه الطلاق إن كان زوجاً ، ويقع منه العضل إن كان ولياً ، والقرينة ظاهرة على مثله فلا يكاد يخفى في استعمالهم ، ولما كان المسند إليه أحد الفعلين ، غير المسند إليه الفعل الآخر ، إذ لا يكون الطلاق ممن يكون منه العضل ولا العكس ، كان كل فريق يأخذ من الخطاب ما هو به جدير ، فالمراد بقوله : {طلقتم} أوقعتم الطلاق ، فهم الأزواج ، وبقوله {فلا تعضلوهن} النهي عن صدور العضل ، وهم أولياء النساء.\rوجعل في \"الكشاف\" الخطاب للناس عامة أي إذا وجد فيكم الطلاق وبلغ المطلقات أجلهن ، فلا يقع منكم العضل ووجه تفسيره هذا بقوله : \"لأنه إذا وجد العضل بينهم وهم راضون كانوا في حكم العاضلين\". أ هـ {التحرير والتنوير حـ 2 صـ 426}\rقوله تعالى : {فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ}\rقال الفخر : \r","part":6,"page":421},{"id":2584,"text":"قوله تعالى : {فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ} محمول في هذه الآية على انقضاء العدة ، قال الشافعي رضي الله عنه : دل سياق الكلامين على افتراق البلوغين ، ومعنى هذا الكلام أنه تعالى قال في الآية السابقة : {فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ سَرّحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ} ولو كانت عدتها قد انقضت لما قال : {فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ} لأن إمساكها بعد انقضاء العدة لا يجوز ، ولما قال : {أَوْ سَرّحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ} لأنها بعد انقضاء العدة تكون مسرحة فلا حاجة إلى تسريحها ، وأما هذه الآية التي نحن فيها فالله تعالى نهى عن عضلهن عن التزوج بالأزواج ، وهذا النهي إنما يحسن في الوقت الذي يمكنها أن تتزوج فيه بالأزواج ، وذلك إنما يكون بعد انقضاء العدة ، فهذا هو المراد من قول الشافعي رضي الله عنه ، دل سياق الكلامين على افتراق البلوغين. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 6 ـ 98}\rفوائد لغوية\rقال ابن عاشور : \rالعضل : المنع والحبس وعدم الانتقال ، فمنه عضَّلت المرأة بالتشديد إذا عسرت ولادتها وعضَّلت الدجاجة إذا نشب بيضها فلم يخرج ، والمعاضلة في الكلام : احتباس المعنى حتى لا يبدو من الألفاظ ، وهو التعقيد ، وشاع في كلام العرب في منع الولي مولاته من النكاح.\rوفي الشرع هو المنع بدون وجه صلاح ، فالأب لا يعد عاضلاً برد كفء أو اثنين ، وغير الأب يعد عاضلاً برد كفء واحد.\rوإسناد النكاح إلى النساء هنا لأنه هو المعضول عنه ، والمراد بأزواجهن طالبو المراجعة بعد انقضاء العدة ، وسماهن أزواجاً مجازاً باعتبار ما كان ، لقرب تلك الحالة ، وللإشارة إلى أن المنع ظلم ؛ فإنهم كانوا أزواجاً لهن من قبل ، فهم أحق بأن يُرَجَّعن إليهم.\r","part":6,"page":422},{"id":2585,"text":"وقوله : {إذا تراضوا بينهم بالمعروف} شرط للنهي ، لأن الولي إذا علم عدم التراضي بين الزوجين ، ورأى أن المراجعة ستعود إلى دخل وفساد فله أن يمنع مولاته نصحاً لها ، وفي هذا الشرط إيماء إلى علة النهي : وهي أن الولي لا يحق له منعها مع تراضي الزوجين بعود المعاشرة ، إذ لا يكون الولي أدرى بميلها منها ، على حد قولهم في المثل المشهور \"رضي الخصمان ولم يرض القاضي\". أ هـ {التحرير والتنوير حـ 2 صـ 427}\rبحث نفيس للعلامة الجصاص فى النكاح بغير ولى\rقال رحمه الله : \rوَقَدْ دَلَّتْ هَذِهِ الْآيَةُ مِنْ وُجُوهٍ عَلَى جَوَازِ النِّكَاحِ إذَا عَقَدَتْ عَلَى نَفْسِهَا بِغَيْرِ وَلِيِّ وَلَا إذْنِ وَلِيِّهَا : أَحَدُهَا إضَافَةُ الْعَقْدِ إلَيْهَا مِنْ غَيْرِ شَرْطِ إذْنِ الْوَلِيِّ.\rوَالثَّانِي : نَهْيُهُ عَنْ الْعَضْلِ إذَا تَرَاضَى الزَّوْجَانِ.\rفَإِنْ قِيلَ : لَوْلَا أَنَّ الْوَلِيَّ يَمْلِكُ مَنْعَهَا عَنْ النِّكَاحِ لَمَا نَهَاهُ عَنْهُ كَمَا لَا يُنْهَى الْأَجْنَبِيُّ الَّذِي لَا وِلَايَةَ لَهُ عَنْهُ.\rقِيلَ لَهُ : هَذَا غَلَطٌ ؛ لِأَنَّ النَّهْيَ يَمْنَعُ أَنْ يَكُونَ لَهُ حَقٌّ فِيمَا نُهِيَ عَنْهُ فَكَيْفَ يُسْتَدَلُّ بِهِ عَلَى إثْبَاتِ الْحَقِّ ؟ وَأَيْضًا فَإِنَّ الْوَلِيَّ يُمْكِنُهُ أَنْ يَمْنَعَهَا مِنْ الْخُرُوجِ وَالْمُرَاسَلَةِ فِي عَقْدِ النِّكَاحِ ، فَجَائِزٌ أَنْ يَكُونَ النَّهْيُ عَنْ الْعَضْلِ مُنْصَرِفًا إلَى هَذَا الضَّرْبِ مِنْ الْمَنْعِ ؛ لِأَنَّهَا فِي الْأَغْلَبِ تَكُونُ فِي يَدِ الْوَلِيِّ بِحَيْثُ يُمْكِنُهُ\rمَنْعُهَا مِنْ ذَلِكَ.\r","part":6,"page":423},{"id":2586,"text":"وَوَجْهٌ آخَرُ مِنْ دَلَالَةِ الْآيَةِ عَلَى مَا ذَكَرْنَا ، وَهُوَ أَنَّهُ لَمَّا كَانَ الْوَلِيُّ مَنْهِيًّا عَنْ الْعَضْلِ إذَا زَوَّجَتْ هِيَ نَفْسَهَا مِنْ كُفُوٍ ، فَلَا حَقَّ لَهُ فِي ذَلِكَ ، كَمَا لَوْ نُهِيَ عَنْ الرِّبَا وَالْعُقُودِ الْفَاسِدَةِ لَمْ يَكُنْ لَهُ حَقٌّ فِيمَا قَدْ نُهِيَ عَنْهُ ، فَلَمْ يَكُنْ لَهُ فَسْخُهُ ؛ وَإِذَا اخْتَصَمُوا إلَى الْحَاكِمِ فَلَوْ مَنَعَ الْحَاكِمُ مِنْ مِثْلِ هَذَا الْعَقْدِ كَانَ ظَالِمًا مَانِعًا مِمَّا هُوَ مَحْظُورٌ عَلَيْهِ مَنْعُهُ ، فَيَبْطُلُ حَقُّهُ أَيْضًا فِي الْفَسْخِ فَيَبْقَى الْعَقْدُ لَا حَقَّ لِأَحَدٍ فِي فَسْخِهِ فَيَنْفُذُ وَيَجُوزُ.\rفَإِنْ قِيلَ : إنَّمَا نَهَى اللَّهُ سُبْحَانَهُ الْوَلِيَّ عَنْ الْعَضْلِ إذَا تَرَاضَوْا بَيْنَهُمْ بِالْمَعْرُوفِ ، فَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّهُ لَيْسَ بِمَعْرُوفٍ إذَا عَقَدَهُ غَيْرُ الْوَلِيِّ.\rقِيلَ لَهُ : قَدْ عَلِمْنَا أَنَّ الْمَعْرُوفَ مَهْمَا كَانَ مِنْ شَيْءٍ فَغَيْرُ جَائِزٍ أَنْ يَكُونَ مَعْنَى الْمَعْرُوفِ أَنْ لَا يَجُوزَ عَقْدُهَا لِمَا فِيهِ مِنْ نَفْيٍ مُوجِبِ الْآيَةِ ، وَذَلِكَ لَا يَكُونُ إلَّا عَلَى وَجْهِ النَّسْخِ ؛ وَمَعْلُومٌ امْتِنَاعُ جَوَازِ النَّاسِخِ وَالْمَنْسُوخِ فِي خِطَابٍ وَاحِدٍ ؛ لِأَنَّ النَّسْخَ لَا يَجُوزُ إلَّا بَعْدَ اسْتِقْرَارِ الْحُكْمِ وَالتَّمَكُّنِ مِنْ الْفِعْلِ ؛ فَثَبَتَ بِذَلِكَ أَنَّ الْمَعْرُوفَ الْمَشْرُوطَ فِي تُرَاضِيهِمَا لَيْسَ هُوَ الْوَلِيُّ.\r","part":6,"page":424},{"id":2587,"text":"وَأَيْضًا فَإِنَّ الْبَاءَ تَصْحَبُ الْأَبْدَالَ ، فَإِنَّمَا انْصَرَفَ ذَلِكَ إلَى مِقْدَارِ الْمَهْرِ ، وَهُوَ أَنْ يَكُونَ مَهْرُ مِثْلِهَا لَا نَقْصَ فِيهِ ، وَلِذَلِكَ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : ( إنَّهَا إذَا نُقِصَتْ مِنْ مَهْرِ الْمِثْلِ فَلِلْأَوْلِيَاءِ أَنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَهُمَا ).\rوَنَظِيرُ هَذِهِ الْآيَةِ فِي جَوَازِ النِّكَاحِ بِغَيْرِ وَلِيٍّ قَوْله تَعَالَى : {فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يَتَرَاجَعَا} قَدْ حَوَى الدَّلَالَةَ مِنْ وَجْهَيْنِ عَلَى مَا ذَكَرْنَا : أَحَدُهُمَا : إضَافَتُهُ عَقْدَ النِّكَاحِ إلَيْهَا فِي\rقَوْلِهِ : {حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ} ، وَالثَّانِي : {فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يَتَرَاجَعَا} فَنَسَب التَّرَاجُعَ.\rإلَيْهِمَا مِنْ غَيْرِ ذِكْرِ الْوَلِيِّ.\rوَمِنْ دَلَائِلِ الْقُرْآنِ عَلَى ذَلِكَ قَوْله تَعَالَى : {فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ} فَجَازَ فِعْلُهَا فِي نَفْسِهَا مِنْ غَيْرِ شَرْطِ الْوَلِيِّ ، وَفِي إثْبَاتِ شَرْطِ الْوَلِيِّ فِي صِحَّةِ الْعَقْدِ نَفْيٌ لِمُوجِبِ الْآيَةِ.\rفَإِنْ قِيلَ : إنَّمَا أَرَادَ بِذَلِكَ اخْتِيَارَ الْأَزْوَاجِ وَأَنْ لَا يَجُوزَ الْعَقْدُ عَلَيْهَا إلَّا بِإِذْنِهَا.\r","part":6,"page":425},{"id":2588,"text":"قِيلَ لَهُ : هَذَا غَلَطٌ مِنْ وَجْهَيْنِ : أَحَدُهُمَا : عُمُومُ اللَّفْظِ فِي اخْتِيَارِ الْأَزْوَاجِ وَفِي غَيْرِهِ ، وَالثَّانِي : أَنَّ اخْتِيَارَ الْأَزْوَاجِ لَا يَحْصُلُ لَهَا بِهِ فِعْلٌ فِي نَفْسِهَا وَإِنَّمَا يَحْصُلُ ذَلِكَ بِالْعَقْدِ الَّذِي يَتَعَلَّقُ بِهِ أَحْكَامُ النِّكَاحِ ؛ وَأَيْضًا فَقَدْ ذَكَرَ الِاخْتِيَارَ مَعَ الْعَقْدِ بِقَوْلِهِ : {إذَا تَرَاضَوْا بَيْنَهُمْ بِالْمَعْرُوفِ} ذِكْرُ الِاخْتِلَافِ فِي ذَلِكَ اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي عَقْدِ الْمَرْأَةِ عَلَى نَفْسِهَا بِغَيْرِ وَلِيِّ ، فَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : ( لَهَا أَنْ تُزَوِّجَ نَفْسَهَا كُفُوًا وَتَسْتَوْفِيَ الْمَهْرَ وَلَا اعْتِرَاضَ لِلْوَلِيِّ عَلَيْهَا ) وَهُوَ قَوْلُ زُفَرَ ( وَإِنْ زَوَّجَتْ نَفْسَهَا غَيْرَ كُفُوٍ فَالنِّكَاحُ جَائِزٌ أَيْضًا وَلِلْأَوْلِيَاءِ أَنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَهُمَا ).\rوَرُوِيَ عَنْ عَائِشَةَ أَنَّهَا زَوَّجَتْ حَفْصَةَ بِنْتَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ مِنْ الْمُنْذِرِ بْنِ الزُّبَيْرِ وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ غَائِبٌ ؛ فَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ مِنْ مَذْهَبِهِمَا جَوَازُ النِّكَاحِ بِغَيْرِ وَلِيِّ ، وَهُوَ قَوْلُ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ وَالشَّعْبِيِّ وَالزُّهْرِيِّ وَقَتَادَةَ.\rوَقَالَ أَبُو يُوسُفَ : ( لَا يَجُوزُ النِّكَاحُ بِغَيْرِ وَلِيٍّ ، فَإِنْ سَلَّمَ الْوَلِيُّ جَازَ ، وَإِنْ أَبَى أَنْ يُسَلِّمَ وَالزَّوْجُ كُفُوٌ أَجَازَهُ الْقَاضِي ) وَإِنَّمَا يَتِمُّ النِّكَاحُ عِنْدَهُ حِينَ يُجِيزُهُ الْقَاضِي ؛ وَهُوَ قَوْلُ مُحَمَّدٍ.\rوَقَدْ رُوِيَ عَنْ أَبِي يُوسُفَ غَيْرُ ذَلِكَ ، وَالْمَشْهُورُ عَنْهُ مَا ذَكَرْنَاهُ.\r","part":6,"page":426},{"id":2589,"text":"وَقَالَ الْأَوْزَاعِيُّ : ( إذَا وَلَّتْ أَمْرَهَا رَجُلًا فَزَوَّجَهَا كُفُوًا فَالنِّكَاحُ جَائِزٌ ، وَلَيْسَ لِلْوَلِيِّ أَنْ يُفَرِّقَ بَيْنَهُمَا ).\rوَقَالَ ابْنُ أَبِي لَيْلَى وَالثَّوْرِيُّ وَالْحَسَنُ بْنُ صَالِحٍ وَالشَّافِعِيُّ : ( لَا نِكَاحَ إلَّا بِوَلِيٍّ ).\rوَقَالَ ابْنُ شُبْرُمَةَ : ( لَا يَجُوزُ النِّكَاحُ إلَّا بِوَلِيٍّ ، وَلَيْسَ الْوَالِدَةُ بِوَلِيٍّ وَلَا أَنْ تَجْعَلَ الْمَرْأَةُ وَلِيَّهَا رَجُلًا إلَّا قَاضٍ مِنْ قُضَاةِ الْمُسْلِمِينَ ).\rوَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ عَنْ مَالِكٍ : ( إذَا كَانَتْ امْرَأَةً مُعْتَقَةً أَوْ مِسْكِينَةً أَوْ دَنِيَّةً لَا خَطَرَ لَهَا ، فَلَا بَأْسَ أَنْ تَسْتَخْلِفَ رَجُلًا وَيُزَوِّجُهَا ، وَيَجُوزُ ).\rوَقَالَ مَالِكٌ : ( وَكُلُّ امْرَأَةٍ لَهَا مَالُ وَغِنًى وَقَدْرٌ فَإِنَّ تِلْكَ لَا يَنْبَغِي أَنْ يُزَوِّجَهَا إلَّا الْأَوْلِيَاءُ أَوْ السُّلْطَانُ ) قَالَ : وَأَجَازَ مَالِكٌ لِلرَّجُلِ أَنْ يُزَوِّجَ الْمَرْأَةَ وَهُوَ مِنْ فَخِذِهَا وَإِنْ كَانَ غَيْرُهُ أَقْرَبَ مِنْهُ إلَيْهَا.\rوَقَالَ اللَّيْثُ فِي الْمَرْأَةِ تُزَوَّجُ بِغَيْرِ وَلِيٍّ : ( إنْ غَيْرُهُ أَحْسَنَ مِنْهُ يُرْفَعُ أَمْرُهَا إلَى السُّلْطَانِ ، فَإِنْ كَانَ كُفُؤًا أَجَازَهُ وَلَمْ يَفْسَخْهُ ) وَذَلِكَ فِي الثَّيِّبِ ، وَقَالَ فِي السَّوْدَاءِ تُزَوَّجُ بِغَيْرِ وَلِيٍّ : ( إنَّهُ جَائِزٌ ) ، قَالَ : ( وَالْبِكْرُ إذَا زَوَّجَهَا غَيْرُ وَلِيٍّ وَالْوَلِيُّ قَرِيبٌ حَاضِرٌ فَهَذَا الَّذِي أَمْرُهُ إلَى الْوَلِيِّ يَفْسَخُهُ لَهُ السُّلْطَانُ إنْ رَأَى لِذَلِكَ وَجْهًا ، وَالْوَلِيُّ مِنْ قِبَلِ هَذَا أَوْلَى مِنْ الَّذِي أَنْكَحَهَا ).\r","part":6,"page":427},{"id":2590,"text":"قَالَ أَبُو بَكْرٍ : وَجَمِيعُ مَا قَدَّمْنَا مِنْ دَلَائِلِ الْآيِ الْمُوجِبَةِ لِجَوَازِ عَقْدِهَا تَقْضِي بِصِحَّةِ قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ ؛ وَمِنْ جِهَةِ السُّنَّةِ حَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُد قَالَ : حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ قَالَ : حَدَّثَنَا مَعْمَرٌ ، عَنْ صَالِحِ بْنِ كَيْسَانَ ، عَنْ نَافِعِ بْنِ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعَمٍ ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : {لَيْسَ لِلْوَلِيِّ مَعَ الثَّيِّبِ أَمْرٌ} قَالَ أَبُو دَاوُد : وَحَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ قَالَا : حَدَّثَنَا مَالِكٌ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْفَضْلِ ، عَنْ نَافِعِ بْنِ جُبَيْرٍ ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : {الْأَيِّمُ أَحَقُّ بِنَفْسِهَا مِنْ وَلِيِّهَا}.\rفَقَوْلُهُ : {لَيْسَ لِلْوَلِيِّ مَعَ الثَّيِّبِ أَمْرٌ} يُسْقِطُ اعْتِبَارَ الْوَلِيِّ فِي الْعَقْدِ ، وَقَوْلُهُ : {الْأَيِّمُ أَحَقُّ بِنَفْسِهَا مِنْ وَلِيِّهَا} يَمْنَعُ أَنْ يَكُونَ لَهُ حَقٌّ فِي مَنْعِهَا الْعَقْدَ عَلَى نَفْسِهَا ، كَقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : {الْجَارُ أَحَقُّ بِصَقَبِهِ} {وَقَوْلُهُ لِأُمِّ الصَّغِيرِ : أَنْتِ أَحَقُّ بِهِ مَا لَمْ تَنْكِحِي} فَنَفَى بِذَلِكَ كُلِّهِ أَنْ يَكُونَ لَهُ مَعَهَا حَقٌّ.\r","part":6,"page":428},{"id":2591,"text":"وَيَدُلُّ عَلَيْهِ حَدِيثُ الزُّهْرِيِّ عَنْ {سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ فِي الْمَرْأَةِ الَّتِي وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : مَا لِي فِي النِّسَاءِ مِنْ أَرَبٍ فَقَامَ رَجُلٌ فَسَأَلَهُ أَنْ يُزَوِّجَهَا ، فَزَوَّجَهَا وَلَمْ يَسْأَلْهَا هَلْ لَهَا وَلِيٌّ أَمْ لَا} ، وَلَمْ يَشْتَرِطْ الْوَلِيَّ فِي جَوَازِ عَقْدِهَا.\r{وَخَطَبَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أُمَّ سَلَمَةَ ، فَقَالَتْ : مَا أَحَدٌ مِنْ أَوْلِيَائِي شَاهِدٌ ؛ فَقَالَ لَهَا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : مَا أَحَدٌ مِنْ أَوْلِيَائِك شَاهِدٌ وَلَا غَائِبٌ يَكْرَهُنِي فَقَالَتْ لِابْنِهَا وَهُوَ غُلَامٌ صَغِيرٌ : قُمْ فَزَوِّجْ أُمَّك رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَتَزَوَّجَهَا صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِغَيْرِ وَلِيٍّ}.\rفَإِنْ قِيلَ : لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ وَلِيَّهَا وَوَلِيُّ الْمَرْأَةِ الَّتِي وَهَبَتْ نَفْسَهَا لَهُ ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى : {النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ} قِيلَ لَهُ : هُوَ أَوْلَى بِهِمْ فِيمَا يَلْزَمُهُمْ مِنْ اتِّبَاعِهِ وَطَاعَتِهِ فِيمَا يَأْمُرُهُمْ بِهِ ، فَأَمَّا أَنْ يَتَصَرَّفَ عَلَيْهِمْ فِي أَنْفُسِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ فَلَا ؛ أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَمْ يَقُلْ لَهَا حِينَ قَالَتْ لَهُ لَيْسَ أَحَدٌ مِنْ أَوْلِيَائِي شَاهِدٌ ( وَمَا عَلَيْك مِنْ أَوْلِيَائِك وَأَنَا أَوْلَى بِك مِنْهُمْ ) بَلْ قَالَ : ( مَا أَحَدٌ مِنْهُمْ يَكْرَهُنِي ) ؟ وَفِي هَذَا دَلَالَةٌ عَلَى أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ وَلِيًّا لَهُنَّ فِي النِّكَاحِ.\r","part":6,"page":429},{"id":2592,"text":"وَيَدُلُّ عَلَيْهِ مِنْ جِهَةِ النَّظَرِ اتِّفَاقُ الْجَمِيعِ عَلَى جَوَازِ نِكَاحِ الرَّجُلِ إذَا كَانَ جَائِزَ التَّصَرُّفِ فِي مَالِهِ ، كَذَلِكَ الْمَرْأَةُ لَمَّا كَانَتْ جَائِزَةَ التَّصَرُّفِ فِي مَالِهَا وَجَبَ جَوَازُ عَقْدِ نِكَاحِهَا.\rوَالدَّلِيلُ عَلَى أَنَّ الْعِلَّةَ فِي جَوَازِ نِكَاحِ الرَّجُلِ مَا وَصَفْنَا أَنَّ الرَّجُلَ إذَا كَانَ مَجْنُونًا غَيْرَ جَائِزِ التَّصَرُّفِ فِي مَالِهِ لَمْ يَجُزْ نِكَاحُهُ ، فَدَلَّ عَلَى صِحَّةِ مَا وَصَفْنَا.\rوَاحْتَجَّ مَنْ خَالَفَ فِي ذَلِكَ بِحَدِيثِ شَرِيكٍ عَنْ سِمَاكٍ عَنْ ابْنِ أُبَيٍّ أَخِي مَعْقِلِ بْنِ يَسَارٍ عَنْ مَعْقِلٍ : {أَنَّ أُخْتَ مَعْقِلٍ كَانَتْ تَحْتَ رَجُلٍ ، فَطَلَّقَهَا ثُمَّ أَرَادَ أَنْ يُرَاجِعَهَا ، فَأَبَى عَلَيْهَا مَعْقِلٌ ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ : {فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ}}.\rوَقَدْ رُوِيَ عَنْ الْحَسَنِ أَيْضًا هَذِهِ الْقِصَّةُ ، وَأَنَّ الْآيَةَ نَزَلَتْ فِيهَا ، وَأَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دَعَا مَعْقِلًا وَأَمَرَهُ بِتَزْوِيجِهَا.\rوَهَذَا الْحَدِيثُ غَيْرُ ثَابِتٍ عَلَى مَذْهَبِ أَهْلِ النَّقْلِ ، لِمَا فِي سَنَدِهِ مِنْ الرَّجُلِ الْمَجْهُولِ الَّذِي رَوَى عَنْهُ سِمَاكٌ.\rوَحَدِيثُ الْحَسَنِ مُرْسَلٌ ، وَلَوْ ثَبَتَ لَمْ يَنْفِ دَلَالَةَ الْآيَةِ عَلَى جَوَازِ عَقْدِهَا ، مِنْ قِبَلِ أَنَّ مَعْقِلًا فَعَلَ ذَلِكَ فَنَهَاهُ اللَّهُ عَنْهُ فَبَطَلَ حَقُّهُ فِي الْعَضْلِ.\r","part":6,"page":430},{"id":2593,"text":"فَظَاهِرُ الْآيَةِ يَقْتَضِي أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ خِطَابًا لِلْأَزْوَاجِ ؛ لِأَنَّهُ قَالَ : {وَإِذَا طَلَّقْتُمْ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ} فَقَوْلُهُ تَعَالَى : {فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ} إنَّمَا هُوَ خِطَابٌ لِمَنْ طَلَّقَ ؛ وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ كَانَ مَعْنَاهُ عَضْلَهَا عَنْ الْأَزْوَاجِ بِتَطْوِيلِ الْعِدَّةِ عَلَيْهَا كَمَا قَالَ : {وَلَا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَارًا لِتَعْتَدُوا}.\rوَجَائِزٌ أَنْ يَكُونَ قَوْله تَعَالَى : {وَلَا تَعْضُلُوهُنَّ} خِطَابًا لِلْأَوْلِيَاءِ وَلِلْأَزْوَاجِ وَلِسَائِرِ النَّاسِ ؛ وَالْعُمُومُ يَقْتَضِي ذَلِكَ.\rوَاحْتَجُّوا أَيْضًا بِمَا رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ : {أَيُّمَا امْرَأَةٍ نَكَحَتْ بِغَيْرِ إذْنِ وَلِيِّهَا فَنِكَاحُهَا بَاطِلٌ}.\rوَبِمَا رُوِيَ مِنْ قَوْلِهِ : {لَا نِكَاحَ إلَّا بِوَلِيٍّ} ، وَبِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : {لَا تُزَوِّجُ الْمَرْأَةُ الْمَرْأَةَ ، وَلَا تُزَوِّجُ الْمَرْأَةُ نَفْسَهَا ، فَإِنَّ الزَّانِيَةَ هِيَ الَّتِي تُزَوِّجُ نَفْسَهَا}.\rفَأَمَّا الْحَدِيثُ الْأَوَّلُ فَغَيْرُ ثَابِتٍ ، وَقَدْ بَيَّنَّا عِلَلَهُ فِي شَرْحِ الطَّحَاوِيِّ ؛ وَقَدْ رُوِيَ فِي بَعْضِ الْأَلْفَاظِ : {أَيُّمَا امْرَأَةٍ تَزَوَّجَتْ بِغَيْرِ إذْنِ مَوَالِيهَا} وَهَذَا عِنْدَنَا عَلَى الْأَمَةِ تُزَوِّجُ نَفْسَهَا بِغَيْرِ إذْنِ مَوْلَاهَا.\r","part":6,"page":431},{"id":2594,"text":"وَقَوْلُهُ : {لَا نِكَاحَ إلَّا بِوَلِيٍّ} لَا يَعْتَرِضُ عَلَى مَوْضِعِ الْخِلَافِ ؛ لِأَنَّ هَذَا عِنْدَنَا نِكَاحٌ بِوَلِيٍّ ؛ لِأَنَّ الْمَرْأَةَ وَلِيُّ نَفْسِهَا كَمَا أَنَّ الرَّجُلَ وَلِيُّ نَفْسِهِ ؛ لِأَنَّ الْوَلِيَّ هُوَ الَّذِي يَسْتَحِقُّ الْوِلَايَةَ عَلَى مَنْ يَلِي عَلَيْهِ ، وَالْمَرْأَةُ تَسْتَحِقُّ الْوِلَايَةَ وَالتَّصَرُّفَ عَلَى نَفْسِهَا فِي مَالِهَا فَكَذَلِكَ فِي بُضْعِهَا.\rوَأَمَّا حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ ، فَمَحْمُولٌ عَلَى وَجْهِ الْكَرَاهَةِ لِحُضُورِ الْمَرْأَةِ مَجْلِسَ الْإِمْلَاكِ ؛ لِأَنَّهُ مَأْمُورٌ بِإِعْلَانِ النِّكَاحِ ، وَلِذَلِكَ يُجْمَعُ لَهُ النَّاسُ ، فَكُرِهَ لِلْمَرْأَةِ حُضُورُ ذَلِكَ الْمَجْمَعِ ؛ وَقَدْ ذُكِرَ أَنَّ قَوْلَهُ : ( الزَّانِيَةُ هِيَ الَّتِي تَنْكِحُ نَفْسَهَا ) مِنْ قَوْلِ أَبِي هُرَيْرَةَ.\rوَقَدْ رُوِيَ فِي حَدِيثٍ آخَرَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ هَذَا الْحَدِيثُ ، وَذُكِرَ فِيهِ أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ قَالَ : ( كَانَ يُقَالُ الزَّانِيَةُ هِيَ الَّتِي تَنْكِحُ نَفْسَهَا ).\rوَعَلَى أَنَّ هَذَا اللَّفْظَ خَطَأٌ بِإِجْمَاعِ الْمُسْلِمِينَ ؛ لِأَنَّ تَزْوِيجَهَا نَفْسَهَا لَيْسَ بِزِنًا عِنْدَ أَحَدٍ مِنْ الْمُسْلِمِينَ وَالْوَطْءُ غَيْرُ مَذْكُورٍ فِيهِ ، فَإِنْ حَمَلْته عَلَى أَنَّهَا زَوَّجَتْ نَفْسَهَا وَوَطِئَهَا الزَّوْجُ فَهَذَا أَيْضًا لَا خِلَافَ فِيهِ أَنَّهُ لَيْسَ بِزِنًا ؛ لِأَنَّ مَنْ لَا يُجِيزُهُ إنَّمَا يَجْعَلُهُ نِكَاحًا فَاسِدًا يُوجِبُ الْمَهْرَ وَالْعِدَّةَ وَيَثْبُتُ بِهِ النَّسَبُ إذَا وَطِئَ ؛ وَقَدْ اسْتَقْصَيْنَا الْكَلَامَ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ فِي شَرْحِ الطَّحَاوِيِّ.\r","part":6,"page":432},{"id":2595,"text":"وَقَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ : {ذَلِكُمْ أَزْكَى لَكُمْ وَأَطْهَرُ} يَعْنِي إذَا لَمْ تَعْضُلُوهُنَّ ؛ لِأَنَّ الْعَضْلَ رُبَّمَا أَدَّى إلَى ارْتِكَابِ الْمَحْظُورِ مِنْهُمَا عَلَى غَيْرِ وَجْهِ الْعَقْدِ ؛ وَهُوَ مَعْنَى قَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { : إذَا أَتَاكُمْ مَنْ تَرْضَوْنَ دِينَهُ وَخُلُقَهُ فَزَوِّجُوهُ ، إلَّا تَفْعَلُوهُ تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الْأَرْضِ وَفَسَادٌ كَبِيرٌ}.\rوَحَدَّثَنَا عَبْدُ الْبَاقِي بْنُ قَانِعٍ قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ شَاذَانَ قَالَ : حَدَّثَنَا مُعَلَّى قَالَ : حَدَّثَنَا حَاتِمُ بْنُ إسْمَاعِيلَ قَالَ : سَمِعْت عَبْدَ اللَّهِ بْنَ هُرْمُزٍ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : {إذَا جَاءَكُمْ مَنْ تَرْضَوْنَ دِينَهُ وَخُلُقَهُ فَأَنْكِحُوهُ ، إلَّا تَفْعَلُوا تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الْأَرْضِ وَفَسَادٌ عَرِيضٌ}. أ هـ {أحكام القرآن للجصاص حـ 2 صـ 100 ـ 104}","part":6,"page":433},{"id":2596,"text":"وقال العلامة الفخر : \r","part":6,"page":434},{"id":2597,"text":"وقال الإمام فخر الدين الرازى : \rتمسك الشافعي رضي الله عنه بهذه الآية في بيان أن النكاح بغير ولي لا يجوز وبنى ذلك الاستدلال على أن الخطاب في هذه الآية مع الأولياء ، قال : وإذا ثبت هذا وجب أن يكون التزويج إلى الأولياء لا إلى النساء ، لأنه لو كان للمرأة أن تتزوج بنفسها أو توكل من يزوجها لما كان الولي قادراً على عضلها من النكاح ، ولو لم يقدر الولي على هذا العضل لما نهاه الله عز وجل عن العضل ، وحيث نهاه عن العضل كان قادراً على العضل ، وإذا كان الولي قادراً على العضل وجب أن لا تكون المرأة متمكنة من النكاح ، واعلم أن هذا الاستدلال بناءً على أن هذا الخطاب مع الأولياء ، وقد تقدم ما فيه من المباحث ، ثم إن سلمنا هذه المقدمة لكن لم لا يجوز أن يكون المراد بقوله : {وَلاَ تَعْضُلُوهُنَّ} أن يخليها ورأيها في ذلك ، وذلك لأن الغالب في النساء الأيامى أن يركن إلى رأي الأولياء في باب النكاح ، وإن كان الاستئذان الشرعي لهن ، وإن يكن تحت تدبيرهم ورأيهم ، وحينئذٍ يكونون متمكنين من منعهن لتمكنهم من تزويجهن ، فيكون النهي محمولاً على هذا الوجه ، وهو منقول عن ابن عباس في تفسير الآية ، وأيضاً فثبوت العضل في حق الولي ممتنع ، لأنه مهما عضل لا يبقى لعضله أثر ، وعلى هذا الوجه فصدور العضل عنه غير معتبر ، وتمسك أبو حنيفة رضي الله عنه بقوله تعالى : {أَن يَنكِحْنَ أزواجهن} على أن النكاح بغير ولي جائز ، وقال إنه تعالى أضاف النكاح إليها إضافة الفعل إلى فاعله ، والتصرف إلى مباشره ، ونهى الولي عن منعها من ذلك ، ولو كان ذلك التصرف فاسداً لما نهى الولي عن منعها منه ، قالوا : وهذا النص متأكد بقوله تعالى : {حتى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ} [ البقرة : 230 ] وبقوله : {فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا فَعَلْنَ فِى أَنفُسِهِنَّ بالمعروف} [ البقرة : 234 ] وتزويجها نفسها من الكفء فعل بالمعروف فوجب أن يصح ، وحقيقة هذه الإضافة على","part":6,"page":435},{"id":2598,"text":"المباشر دون الخطاب ، وأيضاً قوله تعالى : {وامرأة مُّؤْمِنَةً إِن وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِىّ إِنْ أَرَادَ النبى أَن يَسْتَنكِحَهَا} [ الأحزاب : 50 ] دليل واضح مع أنه لم يحضر هناك ولي ألبتة ، وأجاب أصحابنا بأن الفعل كما يضاف إلى المباشر قد يضاف أيضاً إلى المتسبب ، يقال : بنى الأمير داراً ، وضرب ديناراً ، وهذا وإن كان مجازاً إلا أنه يجب المصير إليه لدلالة الأحاديث على بطلان هذا النكاح. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 6 صـ 97 ـ 98}","part":6,"page":436},{"id":2599,"text":"وقال العلامة ابن العربى : \rالْعَضْلُ يَتَصَرَّفُ عَلَى وُجُوهٍ مَرْجِعُهَا إلَى الْمَنْعِ ، وَهُوَ الْمُرَادُ هَاهُنَا ؛ فَنَهَى اللَّهُ تَعَالَى أَوْلِيَاءَ الْمَرْأَةِ مِنْ مَنْعِهَا عَنْ نِكَاحِ مَنْ تَرْضَاهُ.\rوَهَذَا دَلِيلٌ قَاطِعٌ عَلَى أَنَّ الْمَرْأَةَ لَا حَقَّ لَهَا فِي مُبَاشَرَةِ النِّكَاحِ ، وَإِنَّمَا هُوَ حَقُّ الْوَلِيِّ ، خِلَافًا لِأَبِي حَنِيفَةَ ، وَلَوْلَا ذَلِكَ لَمَا نَهَاهُ اللَّهُ عَنْ مَنْعِهَا.\rوَقَدْ صَحَّ أَنَّ مَعْقِلَ بْنَ يَسَارٍ كَانَتْ لَهُ أُخْتٌ فَطَلَّقَهَا زَوْجُهَا ، فَلَمَّا انْقَضَتْ عِدَّتُهَا خَطَبَهَا ، فَأَبَى مَعْقِلٌ ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى هَذِهِ الْآيَةَ ، وَلَوْ لَمْ يَكُنْ لَهُ حَقٌّ لَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى لِنَبِيِّهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ : لَا كَلَامَ لِمَعْقِلٍ فِي ذَلِكَ.\rوَفِي الْآيَةِ أَسْئِلَةٌ كَثِيرَةٌ يَقْطَعُهَا هَذَا الْحَدِيثُ الصَّحِيحُ ، خَرَّجَهُ الْبُخَارِيُّ. أ هـ {أحكام القرآن لابن العربى حـ 1 صـ 398}\rوقال ابن عاشور : \rوفي الآية إشارة إلى اعتبار الولاية للمرأة في النكاح بناء على غالب الأحوال يومئذٍ ؛ لأن جانب المرأة جانب ضعيف مطموع فيه ، معصوم عن الامتهان ، فلا يليق تركها تتولى مثل هذا الأمر بنفسها ؛ لأنه ينافي نفاستها وضعفها ، فقد يستخف بحقوقها الرجال ، حرصاً على منافعهم وهي تضعف عن المعارضة.","part":6,"page":437},{"id":2600,"text":"ووجه الإشارة : أن الله أشار إلى حقين : حق الولي بالنهي عن العضل ؛ إذ لو لم يكن الأمر بيده لما نهي عن منعه ، ولا يقال : نهي عن استعمال ما ليس بحق له لأنه لو كان كذلك لكان النهي عن البغي والعدوان كافياً ، ولجيء بصيغة : ما يكون لكم ونحوها وحق المرأة في الرضا ولأجله أسند الله النكاح إلى ضمير النساء ، ولم يقل : أن تُنكحوهن أزواجهن ، وهذا مذهب مالك والشافعي وجمهور فقهاء الإسلام ، وشذ أبو حنيفة في المشهور عنه فلم يشترط الولاية في النكاح ، واحتج له الجصاص بأن الله أسند النكاح هنا للنساء وهو استدلال بعيد استعمال العرب في قولهم : نكحت المرأة ، فإنه بمعنى تزوجت دون تفصيل بكيفية هذا التزوج لأنه لا خلاف في أن رضا المرأة بالزوج هو العقد المسمى بالنكاح ، وإنما الخلاف في اشتراط مباشرة الولي لذلك دون جبر ، وهذا لا ينافيه إسناد النكاح إليهن ، أما ولاية الإجبار فليست من غرض هذه الآية ؛ لأنها واردة في شأن الأيامى ولا جبر على أيم باتفاق العلماء. أ هـ {التحرير والتنوير حـ 2 صـ 427}\rقوله تعالى : {إِذَا تراضوا بَيْنَهُم بالمعروف}\rقال الفخر : \rفي التراضي وجهان أحدهما : ما وافق الشرع من عقد حلال ومهر جائز وشهود عدول\rوثانيها : أن المراد منه ما يضاد ما ذكرناه في قوله تعالى : {وَلاَ تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَارًا لّتَعْتَدُواْ} [ البقرة : 231 ] فيكون معنى الآية أن يرضى كل واحد منهما ما لزمه في هذا العقد لصاحبه ، حتى تحصل الصحبة الجميلة ، وتدوم الألفة. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 6 ـ 98}\rوقال ابن العربى : \r","part":6,"page":438},{"id":2601,"text":"قَوْله تَعَالَى : {إذَا تَرَاضَوْا بَيْنَهُمْ بِالْمَعْرُوفِ} يَعْنِي إذَا كَانَ لَهَا كُفُؤًا ، لِأَنَّ الصَّدَاقَ فِي الثَّيِّبِ الْمَالِكَةِ أَمْرَ نَفْسِهَا لَا حَقَّ لِلْوَلِيِّ فِيهِ ، وَالْآيَةُ نَزَلَتْ فِي ثَيِّبٍ مَالِكَةٍ أَمْرَ نَفْسِهَا ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّ الْمَعْرُوفَ الْمُرَادَ بِالْآيَةِ هُوَ الْكَفَاءَةُ ، وَفِيهَا حَقٌّ عَظِيمٌ لِلْأَوْلِيَاءِ ، لَمَا فِي تَرْكِهَا مِنْ إدْخَالِ الْعَارِ عَلَيْهِمْ ؛ وَذَلِكَ إجْمَاعٌ مِنْ الْأُمَّةِ. أ هـ {أحكام القرآن لابن العربى حـ 1 صـ 399}\rقوله {بالمعروف}\rقال أبو حيان : \rفسر بأنه ما يحسن من الدين والمروءة في الشرائط وقيل : مهر المثل ، وقيل : المهر والإشهاد. أ هـ {البحر المحيط حـ 2 صـ 221}\rفصل\rقال الفخر : \rقال بعضهم : التراضي بالمعروف ، هو مهر المثل ، وفرعوا عليه مسألة فقهية وهي أنها إذا زوجت نفسها ونقصت عن مهر مثلها نقصاناً فاحشاً ، فالنكاح صحيح عند أبي حنيفة ، وللولي أن يعترض عليها بسبب النقصان عن المهر ، وقال أبو يوسف ومحمد : ليس للولي ذلك.","part":6,"page":439},{"id":2602,"text":"حجة أبي حنيفة رحمه الله في هذه الآية هو قوله تعالى : {إِذَا تراضوا بَيْنَهُم بالمعروف} وأيضاً أنها بهذا النقصان أرادت إلحاق الشين بالأولياء ، لأن الأولياء يتضررون بذلك لأنهم يعيرون بقلة المهور ، ويتفاخرون بكثرتها ، ولهذا يكتمون المهر القليل حياء ويظهرون المهر الكثير رياء ، وأيضاً فإن نساء العشيرة يتضررن بذلك لأنه ربما وقعت الحاجة إلى إيجاب مهر المثل لبعضهن ، فيعتبرون ذلك بهذا المهر القليل ، فلا جرم للأولياء أن يمنعوها عن ذلك وينوبوا عن نساء العشيرة ثم أنه تعالى لما بين حكمة التكليف قرنه بالتهديد فقال : {ذلك يُوعَظُ بِهِ مَن كَانَ مِنكُمْ يُؤْمِنُ بالله واليوم الأخر} وذلك لأن من حق الوعظ أن يتضمن التحذير من المخالفة كما يتضمن الترغيب في الموافقة ، فكانت الآية تهديداً من هذا الوجه. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 6 ـ 98}\rقوله تعالى : {ذَلِكَ يُوعَظُ بِهِ مَنْ كَانَ مِنْكُمْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ}\rالمناسبة\rقال البقاعى : \rولما ذكر الأحكام مبيناً لحكمها فكان {ذلك} وعظاً وكان أكثر الناس يظن أن الوعظ مغائر للأحكام أقبل على المختار للكمال فقال : ذلك الأمر العظيم يا أيها الرسول {يوعظ} أي يرقق {به} قلوب {من كان} والوعظ قال الحرالي إهزاز النفس بموعود الجزاء ووعيده - انتهى. فهو تهديد لمن تشق عليه الأحكام وهم الأكثر.\r","part":6,"page":440},{"id":2603,"text":"ولما كان من أتباعه صلى الله عليه وسلم من جاهد نفسه حتى صار أهلاً لفهم الدقائق وإدراك الإشارات والرقائق فألقى كليته للسماع لحظه بقوله : {منكم} معلماً أن الخطاب في الحقيقة لكل فاهم ، وإنما قيد بهم لأنهم المنتفعون به الفاهمون له لما لهم من رقة القلوب الناشئة عن الإذعان لأن الخطاب وإن كان بالأحكام فهو وعظ يتضمن الترهيب كما يتضمن الترغيب ولما كان من الحكمة أن من لا ينتفع بشيء لا يقصد به أشار إلى ذلك بقوله : {يؤمن بالله} أي لما له من العظمة {واليوم الآخر} خوفاً من الفضيحة فيه ، وفي تسميته وعظاً إفهام بأن من تجاوز حداً في غيره سلط عليه من يتجاوز فيه حداً.\rقال الحرالي : لأن من فعل شيئاً فعل به نحوه كأنه من عضل عن زوج عضل ولي آخر عنه حين يكون هو زوجاً ، ومن زنى زنى به {سيجزيهم وصفهم} [ الأنعام : 139 ].\rفلما وقع ما هيجوا إليه من كمال الإصغاء قال مقبلاً عليهم : {ذلكم} أي الأمر العظيم الشأن {أزكى لكم} أي أشد تنمية وتكثيراً وتنقية وتطهيراً بما يحصل منه بينكم من المودة والبركة من الله سبحانه وتعالى {وأطهر} للقلوب. ولما كان وصف المتكلم بالعلم أدعى لقبول من دونه منه قال مظهراً ومعيداً للاسم الأعظم تعظيماً للأمر : {والله} أي أشير إليكم بهذا والحال أن الملك الأعظم {يعلم} أي له هذا الوصف {وأنتم لا تعلمون} أي ليس لكم هذا الوصف بالذات لا في الحال ولا في الاستقبال لما أفهمه النفي بكلمة لا وصيغة الدوام. أ هـ {نظم الدرر حـ 1 صـ 437 ـ 438}\rقال أبو حيان : ","part":6,"page":441},{"id":2604,"text":"{ذلك يوعظ به من كان منكم يؤمن بالله واليوم الآخر} ذلك خطاب للنبي صلى الله عليه وسلم ، وقيل : لكل سامع ، ثم رجع إلى خطاب الجماعة فقال : منكم ، وقيل : ذلك بمعنى : ذلكم ، وأشار بذلك إلى ما ذكر في الآية من النهي عن العضل ، و: ذلك ، للبعد ناب عن اسم الإشارة الذي للقرب ، وهو : هذا ، وان كان الحكم قريباً ذكره في الآية ، وذلك يكون لعظمة المشير إلى الشيء ، ومعنى : يوعظ به أي يذكر به ، ويخوّف. و: منكم ، متعلق بكان ، أو : بمحذوف في موضع الحال من الضمير المستكن في : يؤمن ، وذكر الإيمان بالله لأنه تعالى هو المكلف لعباده ، الناهي لهم ، والآمر. و: اليوم الآخر ، لأنه هو الذي يحصل به التخويف ، وتجنى فيه ثمرة مخالفة النهي. وخص المؤمنين لأنه لا ينتفع بالوعظ إلاَّ المؤمن ، إذ نور الإيمان يرشده إلى القبول {إنما يستجيب الذين يسمعون} وسلامة عقله تذهب عنه مداخلة الهوى ، {إنما يتذكر أولوا الألباب}. أ هـ {البحر المحيط حـ 2 صـ 221}\rفائدة\rقال الفخر : \rفي الآية سؤالان : \rالسؤال الأول : لم وحد الكاف في قوله تعالى : {ذلك} مع أنه يخاطب جماعة ؟ .\rوالجواب : هذا جائز في اللغة ، والتثنية أيضاً جائزة ، والقرآن نزل باللغتين جميعاً ، قال تعالى : {ذلكما مِمَّا عَلَّمَنِى رَبّى} [ يوسف : 37 ] وقال : {فذلكن الذى لُمْتُنَّنِى فِيهِ} [ يوسف : 32 ] وقال : {يُوعَظُ بِهِ} وقال : {أَلَمْ أَنْهَكُمَا عَن تِلْكُمَا الشجرة} [ الأعراف : 22 ].\rالسؤال الثاني : لم خصص هذا الوعظ بالمؤمنين دون غيرهم ؟ .\rالجواب : لوجوه أحدها : لما كان المؤمن هو المنتفع به حسن تخصيصه به كقوله : {هُدًى لّلْمُتَّقِينَ} وهو هدى للكل ، كما قال : {هُدًى لّلنَّاسِ} وقال : {إِنَّمَا أَنتَ مُنذِرُ مَن يخشاها} [ النازعات : 45 ] ، {إِنَّمَا تُنذِرُ مَنِ اتبع الذكر} [ يس : 11 ] مع أنه كان منذراً للكل كما قال : \r{لِيَكُونَ للعالمين نَذِيراً} [ الفرقان : 1 ]","part":6,"page":442},{"id":2605,"text":"وثانيها : احتج بعضهم بهذه الآية على أن الكفار ليسوا مخاطبين بفروع الدين ، قالوا : والدليل عليه أن قوله : {ذلك} إشارة إلى ما تقدم ذكره من بيان الأحكام ، فلما خصص ذلك بالمؤمنين دل على أن التكليف بفروع الشرائع غير حاصل إلا في حق المؤمنين وهذا ضعيف ، لأنه ثبت أن ذلك التكليف عام ، قال تعالى : {وَللَّهِ عَلَى الناس حِجُّ البيت} [ آل عمران : 97 ] وثالثها : أن بيان الأحكام وإن كان عاماً في حق المكلفين ، إلا أن كون ذلك البيان وعظاً مختص بالمؤمنين ، لأن هذه التكاليف إنما توجب على الكفار على سبيل إثباتها بالدليل القاهر الملزم المعجز ، أما المؤمن الذي يقر بحقيقتها ، فإنها إنما تذكر له وتشرح له على سبيل التنبيه والتحذير. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 6 ـ 98 ـ 99}\rقال الزجاج : إنما قال \"ذلك\" ، ولم يقل : \"ذلكم\" وهو يخاطب جماعة ، لأن لفظ الجماعة لفظ الواحد ، والمعنى : ذلك أيها القبيل. أ هـ {زاد المسير حـ 1 صـ 269}\rوقال ابن عاشور : \rوإفراد الكاف مع اسم الإشارة مع أن المخاطب جماعة ، رعياً لتناسي أصل وضعها من الخطاب إلى ما استعملت فيه من معنى بعد المشار إليه فقط ، فإفرادها في أسماء الإشارة هو الأصل ، وأما جمعها في قوله {ذلكم أزكى لكم} فتجديد لأصل وضعها. أ هـ {التحرير والتنوير حـ 2 صـ 428}\rوقال الآلوسى : \rالخطاب للجمع على تأويل القبيل أو لكل واحد واحد أو أن الكاف تدل على خطاب قطع فيه النظر عن المخاطب وحدة وتذكيراً وغيرهما. والمقصود الدلالة على حضور المشار إليه عند من خوطب للفرق بين الحاضر والمنقضي الغائب أو للرسول صلى الله عليه وسلم ليطابق ما في سورة الطلاق ، وفيه إيذان بأن المشار إليه أمر لا يكاد يتصوره كل أحد بل لا بد لتصور ذلك من مؤيد من عند الله تعالى. أ هـ {روح المعانى حـ 2 صـ 145}\rسؤال : لم خصه بالذكر ؟ \rالجواب : خصه بالذكر لأنه المسارع إلى الامتثال إجلالاً لله تعالى وخوفاً من عقابه. أ هـ {روح المعانى حـ 2 صـ 145}","part":6,"page":443},{"id":2606,"text":"لطيفة\rقوله تعالى : \"ذلك يوعظ به من كان منكم يؤمن بالله واليوم الآخر\" وفى سورة الطلاق : \"ذلكم يوعظ به من كان يؤمن بالله واليوم الآخر\" فقال فى آية البقرة\"ذلك\" فأفرد الخطاب وقال\"منكم\" وفى آية الطلاق\"ذلكم\" بأداة خطاب الجميع ولم يقل\"منكم\".\rووجه ذلك والله أعلم : أن آية البقرة ترتبت على تصنيف المضرين بالزوجات واحتيالهم على أخذ أموالهن بغير حق\rألا ترى إلى ما تقدمها من قوله تعالى\"ولا يحل لكم أن تأخذوا مما آتيتموهن شيئا\" وقوله بعد ذلك\"ولا تمسكوهن ضرارا لتعتدوا\" وقد بالغت الآية فى زجرهم حين قال تعالى\"ولا تتخذوا آيات الله هزؤا\" وهذا من أشد شئ فى تعنيف المضرين بهن ثم نهى سبحانه عن عضل النساء وهو من فعله من الضرار والاعتداء ومناسب لأخذ أموالهن لأنه قطع عن قصد شرعى به قوام دينهن ودنياهن إذا نكحن من يقدرن فيه ذلك فعضلها ظلم لها ، فحصل من مجموع هذا أن المنهى المتوعد عليه فى سورة البقرة أبلغ من التعدى وأسوأ فى المرتكب من الواقع عليه الزجر فى آية الطلاق ، ومن المعلوم أن المطلب إذا اعتاص كانت السلامة فيه أعز وسالك طريق النجاة فيه أقل.\rوالخطاب وإن عم فأولى المخاطبين بأهليته والذين هم كأنهم هم المعنيون به على الخصوص إنما هم الممتثلون وكأن غير الممتثل غير داخل تحت الخطاب فعلى ذلك روعى هذا\rورد إفراد الخطاب فى البقرة فقيل\"ذلك\" بحرف الخطاب الذى للواحد إشارة لتقليل المستجيبين المتورعين عن الطمع فى أموال الزوجات والإضرار بهن عضلا أو احتيالا على ما لديهن وعلى هذا الرعى ورد فى هذه الآية\"منكم\" يشعر أن المستجيبين ليسوا الكل بما يعطيه مفهوم منكم ، \r","part":6,"page":444},{"id":2607,"text":"ولما كان الوارد فى سورة الطلاق أخف فى المطلب وأيسر فى التكليف ترى أن الأحكام المتعلقة بالطلاق وهى التى دارت عليها آى هذه السورة كلها فروع ثوان فالسلامة فيها أيسر وسالك طريقها أكثر فناسب ذلك ورود الخطاب بالحرف الذى يخاطب به الجميع ويشملهم فقيل\"ذلكم\" وقيل\"من كان مؤمنا\" ولم يرد هنا\"من كان منكم\". لم يرد هنا إشعار بتبعيض وهو الذى يعطيه المفهوم فروعى فى كل من السورتين ما بنيت عليه القصة فى الأخرى والله سبحانه أعلم. أ هـ {ملاك التأويل صـ 92}","part":6,"page":445},{"id":2608,"text":"كلام نفيس لحجة الإسلام فى النصيحة\rقال عليه سحائب الرحمة والرضوان من الرحيم الرحمن : \rالفرق بين التوبيخ والنصيحة بالإسرار والإعلان كما أن الفرق بين المداراة والمداهنة بالغرض الباعث على الإغضاء ، فإن أغضيت لسلامة دينك ولما ترى من إصلاح أخيك بالإغضاء فأنت مدار ، وإن أغضيت لحظ نفسك واجتلاب شهواتك وسلامة جاهك فأنت مداهن\rوقال ذو النون لا تصحب مع الله إلا بالموافقة ولا مع الخلق إلا بالمناصحة ولا مع النفس إلا بالمخالفة ولا مع الشيطان إلا بالعداوة\rفإن قلت فإذا كان في النصح ذكر العيوب ففيه إيحاش القلب فكيف يكون ذلك من حق الأخوة ؟ \rفاعلم أن الإيحاش إنما يحصل بذكر عيب يعلمه أخوك من نفسه فأما تنبيهه على ما لا يعمله فهو عين الشفقة وهو استمالة القلوب أعني قلوب العقلاء ، وأما الحمقى فلا يلتفت إليهم فإن من ينبهك على فعل مذموم تعاطيته أو صفة مذمومة اتصفت بها لتزكي نفسك عنها كان كمن ينبهك على حية أو عقرب تحت ذيلك وقد همت بإهلاكك فإن كنت تكره ذلك فما أشد حمقك ، والصفات الذميمة عقارب وحيات وهي في الآخرة مهلكات فإنها تلذغ القلوب والأرواح وألمها أشد مما يلدغ الظواهر والأجساد وهي مخلوقة من نار الله الموقدة ولذلك كان عمر رضي الله عنه يستهدي ذلك من إخوانه ويقول : رحم الله امرءا أهدى إلى أخيه عيوبه ، ولذلك قال عمر لسلمان وقد قدم عليه : ما الذي بلغك عني مما تكره ؟ \rفاستعفى فألح عليه فقال بلغني أن لك حلتين تلبس إحداهما بالنهار والأخرى بالليل ، وبلغني أنك تجمع بين إدامين على مائدة واحدة ، فقال عمر ـ رضي الله عنه ـ أما هذان فقد كفيتهما فهل بلغك غيرهما ؟ \rفقال لا\rوكتب حذيفة المرعشي إلى يوسف بن أسباط بلغني أنك بعت دينك بحبتين وقفت على صاحب لبن فقلت بكم هذا ؟ ","part":6,"page":446},{"id":2609,"text":"فقال بسدس فقلت له : لا بثمن فقال : هو لك وكان يعرفك\rاكشف عن رأسك قناع الغافلين وانتبه عن رقدة الموتى ، واعلم أن من قرأ القرآن ولم يستغن وآثر الدنيا لم آمن أن يكون بآيات الله من المستهزئين.\rوقد وصف الله تعالى الكاذبين ببعضهم للناصحين إذ قال {ولكن لا تحبون الناصحين}\rوهذا في عيب هو غافل عنه ، فأما ما علمت أنه يعلمه من نفسه فإنما هو مقهور عليه من طبعه فلا ينبغي أن يكشف فيه ستره إن كان يخفيه ، وإن كان يظهره فلا بد من التلطف في النصح بالتعريض مرة وبالتصريح أخرى إلى حد لا يؤدي إلى الإيحاش فإن علمت أن النصح غير مؤثر فيه وأنه مضطر من طبعه إلى الإصرار عليه فالسكوت عنه أولى وهذا كله فيما يتعلق بمصالح أخيك في دينه أو دنياه.\rأما ما يتعلق بتقصيره في حقك فالواجب فيه الاحتمال والعفو والصفح والتعامى عنه والتعرض لذلك ليس من النصح في شيء نعم إن كان بحيث يؤدي استمراره عليه إلى القطيعة فالعتاب في السر خير من القطيعة ، والتعريض به خير من التصريح ، والمكاتبة خير من المشافهة ، والاحتمال خير من الكل إذ ينبغي أن يكون قصدك من أخيك إصلاح نفسك بمراعاتك إياه وقيامك بحقه واحتمالك تقصيره لا الاستعانة به والاسترفاق منه. أ هـ {إحياء علوم الدين حـ 2 صـ 182 ـ 183}\rقوله تعالى {ذَلِكُمْ أَزْكَى لَكُمْ وَأَطْهَرُ}\rقال ابن عاشور : \rومعنى أزكى وأطهر أنه أوفر للعرض وأقرب للخير ، فأزكى دال على النماء والوفر ، وذلك أنهم كانوا يعضلونهن حمية وحفاظاً على المروءة من لحاق ما فيه شائبة الحطيطة ، فأعلمهم الله أن عدم العضل أوفر للعرض ؛ لأن فيه سعياً إلى استبقاء الود بين العائلات التي تقاربت بالصهر والنسب ؛ فإذا كان العضل إباية للضيم ، فالإذن لهن بالمراجعة حلم وعفو ورفاء للحال وذلك أنفع من إباية الضيم.\r","part":6,"page":447},{"id":2610,"text":"وأما قوله : {وأطهر} فهو معنى أنزه ، أي إنه أقطع لأسباب العداوات والإحن والأحقاد بخلاف العضل الذي قصدتم منه قطع العود إلى الخصومة ، وماذا تضر الخصومة في وقت قليل يعقبها رضا ما تضر الإحن الباقية والعداوات المتأصلة ، والقلوب المحرَّقة.\rولك أن تجعل {أزكى} بالمعنى الأول ، ناظراً لأحوال الدنيا ، وأطهر بمعنى فيه السلامة من الذنوب في الآخرة ، فيكون أطهر مسلوب المفاضلة ، جاء على صيغة التفضيل للمزاوجة مع قوله {أزكى}. أ هـ {التحرير والتنوير حـ 2 صـ 428}\rفائدة\rقال ابن عطية : \rالإِشارة في {ذلكم أزكى} إِلى ترك العَضْل ، و{أزكى... وَأَطْهَرُ} : معناه : أطيبُ للنفْسِ ، وأطهر للعِرْضِ والدِّين ؛ بسبب العلاقاتِ التي تكونُ بين الأزواجِ ، وربَّما لم يعلمها الوليُّ ، فيؤدِّي العَضْلُ إِلى الفسادِ ، والمخالطةِ ؛ على ما لا ينبغِي ، واللَّه تعالى يعلَمُ من ذلك ما لا يعلَمُ البَشَر. أ هـ {المحرر الوجيز حـ 1 صـ 310}\rقوله تعالى {والله يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ}\rقال الفخر : \r{والله يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ} والمعنى أن المكلف وإن كان يعلم وجه الصلاح في هذه التكاليف على الجملة ، إلا أن التفصيل في هذه الأمور غير معلوم والله تعالى عالم في كل ما أمر ونهى بالكمية والكيفية بحسب الواقع وبحسب التقدير ، لأنه تعالى عالم بما لا نهاية له من المعلومات ، فلما كان كذلك صح أن يقول : {والله يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ} ويجوز أن يراد به والله يعلم من يعمل على وفق هذه التكاليف ومن لا يعمل بها وعلى جميع الوجوه فالمقصود من الآيات تقرير طريقة الوعد والوعيد. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 6 ـ 98 ـ 99}\rوقال أبو حيان : ","part":6,"page":448},{"id":2611,"text":"{والله يعلم وأنتم لا تعلمون} أي : يعلم ما تنطوي عليه قلوب الزوجين من ميل كل منهما للآخر ، لذلك نهى تعالى عن العضل ، قال معناه ابن عباس ؛ أو : يعلم ما فيه من اكتساب الثواب وإسقاط العقاب. أو : يعلم بواطن الأمور ومآلها. وأنتم لا تعلمون ذلك ، إنما تعلمون ما ظهر. أو : يعلم من يعمل على وفق هذه التكاليف ومن لا يعمل بها. ويكون المقصود بذلك : تقرير الوعد والوعيد. أ هـ {البحر المحيط حـ 2 صـ 221}\rوقال ابن عاشور : \rوقوله : {والله يعلم وأنتم لا تعلمون} تذييل وإزالة لاستغرابهم حين تلقى هذا الحكم ، لمخالفته لعاداتهم القديمة ، وما اعتقدوا نفعاً وصلاحاً وإباء على أعراضهم ، فعلمهم الله أن ما أمرهم به ونهاهم عنه هو الحق ، لأن الله يعلم النافع ، وهم لا يعلمون إلاّ ظاهراً ، فمفعول {يعلم} محذوف أي والله يعلم ما فيه كمال زكاتكم وطهارتكم ؛ وأنتم لا تعلمون ذلك. أ هـ {التحرير والتنوير حـ 2 صـ 428}\rمن فوائد ابن عرفة فى الآية\rقوله : {فَلاَ تَعْضُلُوهُنَّ} ليس المراد به ( نساءكم ) المطلقات بل المراد لا تعضلوا النّساء بالإطلاق فيقال للرّجل : إذا طلقت امرأتك لا تعضل النّساء ، أي لا تمنعها هي من التزويج ولا تمنع وليّتك من التّزويج. قالوا : وبلوغ الأجل هنا حقيقة وليس المراد مقاربته.\rقال ابن عرفة : ليس مرادهم أنّه يجب ( هنا حمله على حقيقته ) وإنّما يريدون أن الأصل في الإطلاق الحقيقة ، اقترن بالأول ما أوجب صرفه عن حقيقته إلى مجازه وبقي هذا على الأصل فيصح حمله على المجاز فإن ( صح بأن ) خوطب الأزواج فظاهر ، وإن خوطب الأولياء فالمراد نهي الأولياء عن عضل المرأة عن التزويج في العدة بقرب فراغها خوف الضرار ، لو فرض جواز ذلك وهم ممنوعون منه شرعا فأحرى أن يُنهوا عن ذلك بعد العدة حيث هم متمكنون من المنع والإباحة.\rقوله تعالى : {إِذَا تَرَاضَوْاْ بَيْنَهُمْ بالمعروف...}.\rإن قلت : ما أفاد قوله \" بينهم \" ؟ ","part":6,"page":449},{"id":2612,"text":"قلنا : أفاد ذلك قصر ذلك على تراضي الزوجين خشية أن يظن توقفه على تراضي عموم العشيرة وسائر القرابات.\rقوله تعالى : {ذلك يُوعَظُ بِهِ مَن كَانَ مِنكُمْ يُؤْمِنُ بالله واليوم الآخر...}.\rأي يوعظ به الوعظ النافع المحصل للانزجار.\rقوله تعالى : {ذلكم أزكى لَكُمْ وَأَطْهَرُ...}.\rأي يزكيكم ، فيجعل لكم صعود الدّرجات في الجنات ، ويطهركم من الآثام ويبعدكم عن الدّركات والحلول في النار.\rوقوله تعالى : {والله يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ}.\rإما باعتبار عاقبة الأمر في المستقبل وإما لكون العلم القديم مباينا للعلم الحديث ولا مماثلة فيهما بوجه.\rأ هـ {تفسير ابن عرفة صـ 300}\rلطيفة بلاغية\rقال أبو حيان : \rتضمنت هذه الآية ستة أنواع من ضروب الفصاحة ، والبلاغة ، من علم البيان.\rالأول : الطباق ، وهو الطلاق والإمساك ، فإنهما ضدان ، والتسريح طباق ثان لأنه ضد الإمساك ، والعلم وعدم العلم ، لأن عدم العلم هو الجهل.\rالثاني : المقابلة في {فأمسكوهنّ بمعروف} و{ولا تمسكوهنّ ضراراً} قابل المعروف بالضرار ، والضرار منكر فهذه مقابلة معنوية.\rالثالث : التكرار في : {فبلغهن أجلهنّ} كرر اللفظ لتغيير المعنيين ، وهو غاية الفصاحة ، إذ اختلاف معنى الاثنين دليل على اختلاف البلوغين.\rالرابع : الالتفات في {وإذا طلقتم النساء فبلغن أجلهن} ثم التفت إلى الأولياء فقال : {فلا تعضلوهنّ} وفي الآية ، في قوله : ذلك ، إذ كان خطاباً للنبي صلى الله عليه وسلم ، ثم التفت إلى الجمع في قوله : منكم.\rالخامس : التقديم والتأخير ، التقدير ، أن ينكحن أزواجهنّ بالمعروف إذا تراضوا.\rالسادس : مخاطبة الواحد بلفظ الجمع ، لأنه ذكر في أسباب النزول أنها نزلت في معقل بن يسار ، أو في أخت جابر ، وقيل ابنته. أ هـ {البحر المحيط حـ 2 صـ 221 ـ 222}\rتم الجزء السادس من كتاب {جامع لطائف التفسير} ولله الحمد والمنة\rويليه إن شاء الله تعالى الجزء السابع وأوله قوله تعالى : \r{وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ لَا تُكَلَّفُ نَفْسٌ إِلَّا وُسْعَهَا لَا تُضَارَّ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا وَلَا مَوْلُودٌ لَهُ بِوَلَدِهِ وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ فَإِنْ أَرَادَا فِصَالًا عَنْ تَرَاضٍ مِنْهُمَا وَتَشَاوُرٍ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا وَإِنْ أَرَدْتُمْ أَنْ تَسْتَرْضِعُوا أَوْلَادَكُمْ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِذَا سَلَّمْتُمْ مَا آَتَيْتُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (233)}","part":6,"page":450},{"id":2613,"text":"بسم الله الرحمن الرحيم\rاسم الكتاب / جامع لطائف التفسير\rالعاجز الفقير\rعبد الرحمن بن محمد القماش\rإمام وخطيب بدولة الإمارات العربية\rعفا الله عنه وغفر له\rالجزء السابع\rحقوق النسخ والطبع والنشر مسموح بها لكل مسلم\r{يا قوم لا أسألكم عليه أجرا}","part":7,"page":3},{"id":2614,"text":"الجزء السابع\rمن الآية {233} من سورة البقرة\rوحتى الآية {248} من نفس السورة","part":7,"page":4},{"id":2615,"text":"قوله تعالى : {وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ لَا تُكَلَّفُ نَفْسٌ إِلَّا وُسْعَهَا لَا تُضَارَّ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا وَلَا مَوْلُودٌ لَهُ بِوَلَدِهِ وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ فَإِنْ أَرَادَا فِصَالًا عَنْ تَرَاضٍ مِنْهُمَا وَتَشَاوُرٍ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا وَإِنْ أَرَدْتُمْ أَنْ تَسْتَرْضِعُوا أَوْلَادَكُمْ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِذَا سَلَّمْتُمْ مَا آَتَيْتُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (233)}\rمناسبة الآية لما قبلها\rقال البقاعى :\rولما كان النكاح قد يكون عنه ولادة فيكون عنها رضاع وقد تكون المرضعة زوجة وقد تكون أجنبية والزوجة قد تكون متصلة وقد تكون منفصلة وكان الفراق بالطلاق أكثر منه بالموت وسّطه بين عدتي الطلاق والوفاة لإدلائه إلى كل بسبب واهتماماً بشأنه وحثاً على الشفقة على الصغير وشدة العناية بأمره لأن الأم ربما كانت مطلقة فاستهانت بالولد إيذاء للزوج إن كان الطلاق عن شقاق أو رغبة في زوج آخر ، وكذا الأب فقال تعالى عاطفاً على ما تقديره مثلاً : فالنساء لهن أحكام كثيرة وقد علمتم منها هنا أصولاً تفهم من بصره الله كثيراً من الفروع ، والمطلقات إن لم يكن بينكم وبينهن علقة بولادة أو نحوها فلا سبيل لكم عليهن.","part":7,"page":5},{"id":2616,"text":"وقال الحرالي : لما ذكر سبحانه وتعالى أحكام الاشتجار بين الأزواج التي عظم متنزل الكتاب لأجلها وكان من حكم تواشج الأزواج وقوع الولد وأحكام الرضاع نظم به عطفاً أيضاً على معاني ما يتجاوزه الإفصاح ويتضمنه الإفهام لما قد علم من أن إفهام القرآن أضعاف إفصاحه بما لا يكاد ينتهي عده فلذلك يكثر فيه الخطاب عطفاً أي على غير مذكور ليكون الإفصاح أبداً مشعراً بإفهام يناله من وهب روح العقل من الفهم كما ينال فقه الإفصاح من وهبه الله نفس العقل الذي هو العلم ؛ انتهى - فقال تعالى : {والوالدات} أي من المطلقات وغيرهن ، وأمرهن بالإرضاع في صيغة الخبر الذي من شأنه أن يكون قد فعل وتم تنبيهاً على تأكيده وإن كان الندب بما أفهمه إيجاب الأجرة لهن هنا وفي سورة الطلاق وما يأتي من الاسترضاع فقال : {يرضعن أولادهن} قال الحرالي : جعل تعالى الأم أرض النسل الذي يغتذي من غذائها في البطن دماً كما يغتذي أعضاؤها من دمها فكان لذلك لبنها أولى بولدها من غيرها ليكون مغذاه وليداً من مغذاه جنيناً فكان الأحق أن يرضعن أولادهن ، وذكره بالأولاد ليعم الذكور والإناث ؛ وقال : الرضاعة التغذية بما يذهب الضراعة وهو الضعف والنحول بالرزق الجامع الذي هو طعام وشراب","part":7,"page":6},{"id":2617,"text":"وهو اللبن الذي مكانه الثدي من المرأة والضرع من ذات الظلف - انتهى.\rولما ذكر الرضاع ذكر مدته ولما كان المقصود مجرد تحول الزمان بفصوله الأربعة ورجوع الشمس بعد قطع البروج الاثني عشر إلى البرج الذي كانت فيه عند الولادة وليس المراد الإشعار بمدح الزمان ولا ذمه ولا وصفه بضيق ولا سعة عبر بما يدل على مطلق التحول فقال : {حولين} والحول تمام القوة في الشيء الذي ينتهي لدورة الشمس وهو العام الذي يجمع كمال النبات الذي يتم فيه قواه - قاله الحرالي. وكأنه مأخوذ مما له قوة التحويل. ولما كان الشيء قد يطلق على معظمه مجازاً فيصح أن يراد حول وبعض الثاني بين أن المراد الحقيقة قطعاً لتنازع الزوجين في مدة الرضاع وإعلاماً بالوقت المقيد للتحريم كما قال صلى الله عليه وسلم \" إنما الرضاعة من المجاعة \" بقوله : {كاملين} ولما كان ذلك ربما أفهم وجوب الكمال نفاه بقوله : {لمن} أي هذا الحكم لمن {أراد أن يتم الرضاعة} فأفهم أنه يجوز الفطام للمصلحة قبل ذلك وأنه لا رضاع بعد التمام. وقال الحرالي : وهو أي الذي يكتفى به دون التمام هو ما جمعه قوله تعالى : {وحمله وفصاله ثلاثون شهراً} [ الأحقاف : 15 ] فإذا كان الحمل تسعاً كان الرضاع أحداً وعشرين شهراً ، وإذا كان حولين كان المجموع ثلاثاً وثلاثين شهراً فيكون ثلاثة آحاد وثلاثة عقود فيكون ذلك تمام الحمل والرضاع ليجتمع في الثلاثين تمام الرضاع وكفاية الحمل - انتهى. أ هـ {نظم الدرر حـ 1 صـ 438 ـ 439}\rقال ابن عاشور : \rقوله تعالى : {وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ}\r","part":7,"page":7},{"id":2618,"text":"انتقال من أحكام الطلاق والبينونة ؛ فإنه لما نهى عن العضل ، وكانت بعض المطلقات لهن أولاد في الرضاعة ويتعذر عليهن التزوج وهن مرضعات ؛ لأن ذلك قد يضر بالأولاد ، ويقلل رغبة الأزواج فيهن ، كانت تلك الحالة مثار خلاف بين الآباء والأمهات ، فلذلك ناسب التعرض لوجه الفصل بينهم في ذلك ، فإن أمر الإرضاع مهم ، لأن به حياة النسل ، ولأن تنظيم أمره من أهم شؤون أحكام العائلة.\rواعلم أن استخلاص معاني هذه الآية من أعقد ما عرض للمفسرين.\rفجملة {والوالدات يرضعن} معطوفة على جملة {وإذا طلقتم النساء فبلغن أجلهن فلا تعضلوهن} [ البقرة : 232 ] والمناسبة غير خفية. أ هـ {التحرير والتنوير حـ 2 صـ 429}\rقال الفخر : \rاعلم أن في قوله تعالى : {والوالدات} ثلاثة أقوال\rالأول : أن المراد منه ما أشعر ظاهر اللفظ وهو جميع الوالدات ، سواء كن مزوجات أو مطلقات ، والدليل عليه أن اللفظ عام وما قام دليل التخصيص فوجب تركه على عمومه.\rوالقول الثاني : المراد منه : الوالدات المطلقات ، قالوا : والذي يدل على أن المراد ذلك وجهان\rأحدها : أن الله تعالى ذكر هذه الآية عقيب آية الطلاق ، فكانت هذه الآية تتمة تلك الآيات ظاهراً ، وسبب التعليق بين هذه الآية وبين ما قبلها أنه إذا حصلت الفرقة حصل التباغض والتعادي ، وذلك يحمل المرأة على إيذاء الولد من وجهين\rأحدهما : أن إيذاء الولد يتضمن إيذاء الزوج المطلق\rوالثاني : أنها ربما رغبت في التزوج بزوج آخر ، وذلك يقتضي إقدامها على إهمال أمر الطفل فلما كان هذا الاحتمال قائماً لا جرم ندب الله الوالدات المطلقات إلى رعاية جانب الأطفال والاهتمام بشأنهم ، فقال : {والوالدات يُرْضِعْنَ أولادهن} والمراد المطلقات.\r","part":7,"page":8},{"id":2619,"text":"الحجة الثانية لهم : ما ذكره السدي ، قال : المراد بالوالدات المطلقات ، لأن الله تعالى قال بعد هذه الآية : {وَعلَى المولود لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ} ولو كانت الزوجية باقية لوجب على الزوج ذلك بسبب الزوجية لا لأجل الرضاع ، واعلم أنه يمكن الجواب عن الحجة الأولى أن هذه الآية مشتملة على حكم مستقل بنفسه ، فلم يجب تعلقها بما قبلها ، وعن الحجة الثانية لا يبعد أن تستحق المرأة قدراً من المال لمكان الزوجية وقدراً آخر لمكان الرضاع فإنه لا منافاة بين الأمرين.\rالقول الثالث : قال الواحدي في \"البسيط\" : الأولى أن يحمل على الزوجات في حال بقاء النكاح لأن المطلقة لا تستحق الكسوة وإنما تستحق الأجرة.\rفإن قيل : إذا كانت الزوجية باقية فهي مستحقة النفقة والكسوة بسبب النكاح سواء أرضعت الولد أو لم ترضع فما وجه تعليق هذا الاستحقاق بالإرضاع.\rقلنا : النفقة والكسوة يجبان في مقابلة التمكين ، فإذا أشغلت بالحضانة والإرضاع لم تتفرغ لخدمة الزوج فربما توهم متوهم أن نفقتها وكسوتها تسقط بالخلل الواقع في خدمة الزوج فقطع الله ذلك الوهم بإجاب الرزق والكسوة ، وإن اشتغلت المرأة بالإرضاع ، هذا كله كلام الواحدي رحمه الله. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 6 صـ 99 ـ 100}\rقال ابن عاشور : \r","part":7,"page":9},{"id":2620,"text":"والوالدت عام لأنه جمع معرف باللام ، وهو هنا مراد به خصوص الوالدات من المطلقات بقرينة سياق الآي التي قبلها من قوله : {والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء} [ البقرة : 228 ] ولذلك وصلت هذه الجملة بالعطف للدلالة على اتحاد السياق ، فقوله : {والوالدات} معناه : والوالدات منهن ، أي من المطلقات المتقدم الإخبار عنهن في الآي الماضية ، أي المطلقات اللائي لهن أولاد في سن الرضاعة ، ودليل التخصيص أن الخلاف في مدة الإرضاع لا يقع بين الأب والأم إلاّ بعد الفراق ، ولا يقع في حالة العصمة ؛ إذ من العادة المعروفة عند العرب ومعظم الأمم أن الأمهات يرضعن أولادهن في مدة العصمة ، وأنهن لا تمتنع منه من تمتنع إلاّ لسبب طلب التزوج بزوج جديد بعد فراق والد الرضيع ؛ فإن المرأة المرضع لا يرغب الأزواج منها ؛ لأنها تشتغل برضيعها عن زوجها في أحوال كثيرة. أ هـ {التحرير والتنوير حـ 2 صـ 429}\rقوله تعالى : {يُرْضِعْنَ أولادهن}\rقال الفخر : \rأما قوله تعالى : {يُرْضِعْنَ أولادهن} ففيه مسألتان : \rالمسألة الأولى : هذا الكلام وإن كان في اللفظ خبراً إلا أنه في المعنى أمر وإنما جاز ذلك لوجهين\rالأول : تقدير الآية : والوالدات يرضعن أولادهن في حكم الله الذي أوجبه ، إلا أنه حذف لدلالة الكلام عليه\rوالثاني : أن يكون معنى يرضعن : ليرضعن ، إلا أنه حذف ذلك للتصرف في الكلام مع زوال الإيهام.\rالمسألة الثانية : هذا الأمر ليس أمر إيجاب ، ويدل عليه وجهان\r","part":7,"page":10},{"id":2621,"text":"الأول : قوله تعالى : {فإن أرضعن لكم فآتوهن أجورهن} [ الطلاق : 6 ] ولو وجب عليها الرضاع لما استحقت الأجرة والثاني : أنه تعالى قال بعد ذلك : {وَإِن تَعَاسَرْتُمْ فَسَتُرْضِعُ لَهُ أخرى} [ الطلاق : 6 ] وهذا نص صريح ، ومنهم من تمسك في نفي الوجوب عليها بقوله تعالى : {وَعلَى المولود لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ} [ البقرة : 233 ] والوالدة قد تكون مطلقة فلم يكن وجوب رزقها على الوالد إلا بسبب الإرضاع ، فلو كان الإرضاع واجباً عليها لما وجب ذلك ، وفيه البحث الذي قدمناه ، إذا ثبت أن الإرضاع غير واجب على الأم فهذا الأمر محمول على الندب من حيث أن تربية الطفل بلبن الأم أصلح له من سائر الألبان ، ومن حيث إن شفقة الأم عليه أتم من شفقة غيرها هذا إذا لم يبلغ الحال في الولد إلى حد الاضطرار بأن لا يوجد غير الأم ، أو لا يرضع الطفل إلا منها ، فواجب عليها عند ذلك أن ترضعه كما يجب على كل أحد مواساة المضطر في الطعام. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 6 صـ 100 ـ 101}\rوقال العلامة الجصاص\rقَولَ اللَّهُ تَعَالَى : {وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ} الْآيَةَ.\rقَالَ أَبُو بَكْرٍ : ظَاهِرُهُ الْخَبَرُ ، وَلَكِنَّهُ مَعْلُومٌ مِنْ مَفْهُومِ الْخِطَابِ أَنَّهُ لَمْ يُرِدْ بِهِ الْخَبَرَ ؛ لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ خَبَرًا لَوُجِدَ مَخْبَرُهُ ، فَلَمَّا كَانَ فِي الْوَالِدَاتِ مَنْ لَا يُرْضِعُ عُلِمَ أَنَّهُ لَمْ يُرِدْ بِهِ الْخَبَرَ.\rوَلَا خِلَافَ أَيْضًا فِي أَنَّهُ لَمْ يُرِدْ بِهِ الْخَبَرَ.\r","part":7,"page":11},{"id":2622,"text":"وَإِذَا لَمْ يَكُنْ الْمُرَادُ حَقِيقَةَ اللَّفْظِ الَّذِي هُوَ الْخَبَرُ ، لَمْ يَخْلُ مِنْ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ إيجَابُ الرَّضَاعِ عَلَى الْأُمِّ وَأَمْرُهَا بِهِ ؛ إذْ قَدْ يَرِدُ الْأَمْرُ فِي صِيغَةِ الْخَبَرِ ، كَقَوْلِهِ : {وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ} ، وَأَنْ يُرِيدَ بِهِ إثْبَاتَ حَقِّ الرَّضَاعِ لِلْأُمِّ وَإِنْ أَبَى الْأَب ، أَوْ تَقْدِيرُ مَا يَلْزَمُ الْأَبَ مِنْ نَفَقَةِ الرَّضَاعِ فَلَمَّا قَالَ فِي آيَةٍ أُخْرَى : {فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ} وَقَالَ تَعَالَى : {وَإِنْ تَعَاسَرْتُمْ فَسَتُرْضِعُ لَهُ أُخْرَى} دَلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّهُ لَيْسَ الْمُرَادُ الرَّضَاعَ شَاءَتْ الْأُمُّ أَوْ أَبَتْ ، وَأَنَّهَا مُخَيَّرَةٌ فِي أَنْ تُرْضِعَ أَوْ لَا تُرْضِعَ ؛ فَلَمْ يَبْقَ إلَّا الْوَجْهَانِ الْآخَرَانِ ، وَهُوَ أَنَّ الْأَبَ إذَا أَبَى اسْتِرْضَاعَ الْأُمِّ أُجْبِرَ عَلَيْهِ ، وَأَنَّ أَكْثَرَ مَا يَلْزَمُهُ فِي نَفَقَةِ الرَّضَاعِ لِلْحَوْلَيْنِ ، فَإِنْ أَبَى أَنْ يُنْفِقَ نَفَقَةَ الرَّضَاعِ أَكْثَرَ مِنْهُمَا لَمْ يُجْبَرْ عَلَيْهِ. أ هـ {أحكام القرآن للجصاص حـ 2 صـ 140}\rسؤال : لم صرح بالمفعول فى قوله : {أولادهن} مع كونه معلوماً ؟ \rالجواب : صرح بالمفعول مع كونه معلوماً ، إيماء إلى أحقية الوالدات بذلك وإلى ترغيبهن فيه ؛ لأن في قوله : {أولادهن} تذكيراً لهن بداعي الحنان والشفقة. أ هـ {التحرير والتنوير حـ 2 صـ 430}\rفائدة\rقال ابن عاشور : \rقال ابن عطية : قوله : {يرضعن} خبر معناه الأمر على الوجوب لبعض الوالدات ، والأمر على الندب والتخيير لبعضهن وتبعه البيضاوي ، وفي هذا استعمال صيغة الأمر في القدر المشترك وهو مطلق الطلب ولا داعي إليه.","part":7,"page":12},{"id":2623,"text":"والظاهر أن حكم إرضاع الأم ولدها في العصمة يستدل له بغير هذه الآية ، ومما يدل على أنه ليس المراد الوالدات اللائي في العصمة قوله تعالى : {وعلى المولود له رزقهن} الآية ، فإن اللائي في العصمة لهن النفقة والكسوة بالأصالة. أ هـ {التحرير والتنوير حـ 2 صـ 430}\rقوله تعالى : {حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ}\rقال الفخر : \rأصل الحول من حال الشيء يحول إذا انقلب فالحول منقلب من الوقت الأول إلى الثاني ، وإنما ذكر الكمال لرفع التوهم من أنه على مثل قولهم أقام فلان بمكان كذا حولين أو شهرين ، وإنما أقام حولاً وبعض الآخر ، ويقولون : اليوم يومان مذ لم أره ، وإنما يعنون يوماً وبعض اليوم الآخر. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 6 صـ 101}\rوقال ابن عاشور : \rووصف الحولين بكاملين تأكيد لرفع توهم أن يكون المراد حولاً وبعض الثاني ؛ لأن إطلاق التثنية والجمع في الأزمان والأسنان ، على بعض المدلول ، إطلاق شائع عند العرب ، فيقولون : هو ابن سنتين ويريدون سنة وبعض الثانية ، كما مر في قوله : {الحج أشهر معلومات} [ البقرة : 197 ]. أ هـ {التحرير والتنوير حـ 2 صـ 431}\rفصل\rقال الفخر : \rاعلم أنه ليس التحديد بالحولين تحديد إيجاب ويدل عليه وجهان الأول : أنه تعالى قال بعد ذلك : {لِمَنْ أَرَادَ أَن يُتِمَّ الرضاعة} فلما علق هذا الإتمام بإرادتنا ثبت أن هذا الإتمام غير واجب الثاني : أنه تعالى قال : {فَإِنْ أَرَادَا فِصَالاً عَن تَرَاضٍ مّنْهُمَا وَتَشَاوُرٍ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِمَا} فثبت أنه ليس المقصود من ذكر هذا التحديد إيجاب هذا المقدار ، بل فيه وجوه\r","part":7,"page":13},{"id":2624,"text":"الأول : وهو الأصح أن المقصود منه قطع التنازع بين الزوجين إذا تنازعا في مدة الرضاع ، فقدر الله ذلك بالحولين حتى يرجعا إليه عند وقوع التنازع بينهما ، فإن أراد الأب أن يفطمه قبل الحولين ولم ترض الأم لم يكن له ذلك ، وكذلك لو كان على عكس هذا فأما إذا اجتمعا على أن يفطما الولد قبل تمام الحولين فلهما ذلك.\rالوجه الثاني : في المقصود من هذا التحديد هو أن للرضاع حكماً خاصاً في الشريعة ، وهو قوله صلى الله عليه وسلم : \" يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب \" والمقصود من ذكر هذا التحديد بيان أن الارتضاع ما لم يقع في هذا الزمان ، لا يفيد هذا الحكم ، هذا هو مذهب الشافعي رضي الله عنه ، وهو قول علي وابن مسعود وابن عباس وابن عمر وعلقمة والشعبي والزهري رضي الله عنهم ، وقال أبو حنيفة رضي الله عنه : مدة الرضاع ثلاثون شهراً.\rحجة الشافعي رضي الله عنه من وجوه : \rالحجة الأولى : أنه ليس المقصود من قوله : {لِمَنْ أَرَادَ أَن يُتِمَّ الرضاعة} هو التمام بحسب حاجة الصبي إلى ذلك ، إذ من المعلوم أن الصبي كما يستغني عن اللبن عند تمام الحولين ، فقد يحتاج إليه بعد الحولين لضعف في تركيبه لأن الأطفال يتفاوتون في ذلك ، وإذا لم يجز أن يكون المراد بالتمام هذا المعنى ، وجب أن يكون المراد هو الحكم المخصوص المتعلق بالرضاع ، وعلى هذا التقدير تصير الآية دالة على أن حكم الرضاع لا يثبت إلا عند حصول الإرضاع في هذه المدة.\rالحجة الثانية : روي عن علي رضي الله عنه أنه صلى الله عليه وسلم قال : \" لا رضاع بعد فصال \" وقال تعالى : {وَفِصَالُهُ فِى عَامَيْنِ} [ لقمان : 14 ].\rالحجة الثالثة : ما روى ابن عباس رضي الله عنه أنه صلى الله عليه وسلم قال : \" لا يحرم من الرضاع إلا ما كان في الحولين \".\r","part":7,"page":14},{"id":2625,"text":"والوجه الثالث : في المقصود من هذا التحديد ما روى ابن عباس أنه قال للتي تضع لستة أشهر أنها ترضع حولين كاملين ، فإن وضعت لسبعة أشهر أرضعت ثلاثة وعشرين شهراً ، وقال آخرون : الحولان هذا الحد في رضاع كل مولود ، وحجة ابن عباس رضي الله عنهما أنه تعالى قال : {وَحَمْلُهُ وفصاله ثَلاَثُونَ شَهْراً} [ الأحقاف : 15 ] دلت هذه الآية على أن زمان هاتين الحالتين هو هذا القدر من الزمان ، فكما ازداد في مدة إحدى الحالتين انتقص من مدة الحالة الأخرى. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 6 صـ 101 ـ 102}\rفائدة\rقال ابن الجوزى : \rاختلف علماء الناسخ والمنسوخ في هذا القدر من الآية ، فقال بعضهم : هو محكم ، والمقصود منه بيان مدة الرضاع ، ويتعلق به أحكام ، منها أنه كمال الرضاع ، ومنها أنه يلزم الأب نفقة الرضاع مدّة الحولين ، ويجبره الحاكم على ذلك ، ومنها أنه يثبت تحريم الرضاع في مدَّة الحولين ، ولا يثبت فيما زاد ، ونقل عن قتادة ، والربيع بن أنس في آخرين أنه منسوخ بقوله تعالى : {فإن أَرادا فصالاً عن تراضٍ منهما} قال شيخنا عليّ بن عبيد الله : وهذا قول بعيد ، لأن الله تعالى قال في أولها : {لمن أراد أن يُتمّ الرضاعة} فلما قال في الثاني : {فإن أرادا فصالاً عن تراضٍ منهما} خيّر بين الإرادتين ، وذلك لا يعارض المدة المقدرة في التمام. أ هـ {زاد المسير حـ 1 صـ 271}\rسؤال : فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ : قَوْله تَعَالَى : {وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ} نَصَّ عَلَى أَنَّ الْحَوْلَيْنِ تَمَامُ الرَّضَاعِ ، فَغَيْرُ جَائِزٍ أَنْ يَكُونَ بَعْدَهُ رَضَاعٌ.","part":7,"page":15},{"id":2626,"text":"قِيلَ لَهُ إطْلَاقُ لَفْظِ الْإِتْمَامِ غَيْرُ مَانِعٍ مِنْ الزِّيَادَةِ عَلَيْهِ ، أَلَا تَرَى أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَدْ جَعَلَ مُدَّةَ الْحَمْلِ سِتَّةَ أَشْهُرٍ فِي قَوْلِهِ {وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْرًا} وقَوْله تَعَالَى : {وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ} ؟ فَجَعَلَ مَجْمُوعُ الْآيَتَيْنِ الْحَمْلَ سِتَّةَ أَشْهُرٍ ، ثُمَّ لَمْ تَمْتَنِعْ الزِّيَادَةُ عَلَيْهَا ، فَكَذَلِكَ ذِكْرُ الْحَوْلَيْنِ لِلرَّضَاعِ غَيْرُ مَانِعٍ جَوَازَ الزِّيَادَةِ عَلَيْهِمَا ؛ وَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { : مَنْ أَدْرَكَ عَرَفَةَ فَقَدْ تَمَّ حَجُّهُ} وَلَمْ تَمْتَنِعْ زِيَادَةُ الْفَرْضِ عَلَيْهَا.\rوَأَيْضًا فَإِنَّ ذَلِكَ تَقْدِيرٌ لِمَا يَلْزَمُ الْأَبَ مِنْ أُجْرَةِ الرَّضَاعِ ، وَأَنَّهُ غَيْرُ مُجْبَرٍ عَلَى أَكْثَرَ مِنْهُمَا ، لِإِثْبَاتِهِ الرَّضَاعَ بِتَرَاضِيهِمَا بِقَوْلِهِ تَعَالَى : {فَإِنْ أَرَادَا فِصَالًا عَنْ تَرَاضٍ مِنْهُمَا وَتَشَاوُرٍ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا} وَبِقَوْلِهِ تَعَالَى : {وَإِنْ أَرَدْتُمْ أَنْ تَسْتَرْضِعُوا أَوْلَادَكُمْ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ} فَلَمَّا ثَبَتَ الرَّضَاعُ بَعْدَ الْحَوْلَيْنِ دَلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّ حُكْمَ التَّحْرِيمِ بِهِ غَيْرُ مَقْصُورٍ عَلَيْهِمَا. أ هـ {أحكام القرآن للجصاص حـ 2 صـ 117}\rلطيفة","part":7,"page":16},{"id":2627,"text":"روي أن رجلاً جاء إلى علي رضي الله عنه فقال : تزوجت جارية بكراً وما رأيت بها ريبة ، ثم ولدت لستة أشهر ، فقال علي رضي الله عنه قال الله : {وَحَمْلُهُ وفصاله ثَلاَثُونَ شَهْراً} وقال تعالى : {والوالدات يُرْضِعْنَ أولادهن حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ} فالحمل ستة أشهر الولد ولدك ، وعن عمر أنه جىء بامرأة وضعت لستة أشهر ، فشاور في رجمها ، فقال ابن عباس : إن خاصمتكم بكتاب الله خصمتكم ، ثم ذكر هاتين الآيتين واستخرج منهما أن أقل الحمل ستة أشهر. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 6 صـ 102}\rفصل\rقال الفخر : \rفي كيفية اتصال هذه الآية بما قبلها وجهان الأول : أن تقدير الآية : هذا الحكم لمن أراد إتمام الرضاعة ، وعن قتادة أنزل الله حولين كاملين ، ثم أنزل اليسر والتخفيف فقال : {لِمَنْ أَرَادَ أَن يُتِمَّ الرضاعة} والمعنى أنه تعالى جوز النقصان بذكر هذه الآية والثاني : أن اللام متعلقة بقوله : {يُرْضِعْنَ} كما تقول : أرضعت فلانة لفلان ولده ، أي يرضعن حولين لمن أراد أن يتم الإرضاع من الآباء ، لأن الأب يجب عليه إرضاع الولد دون الأم لما بيناه. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 6 صـ 102}\rقوله تعالى : {وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ لَا تُكَلَّفُ نَفْسٌ إِلَّا وُسْعَهَا}\rالمناسبة\rقال البقاعى : \r","part":7,"page":17},{"id":2628,"text":"ولما أوهم أن ذلك يكون مجاناً نفاه بقوله : {وعلى} ولما كانت الوالدية لا تتحقق في الرجل كما تتحقق في المرأة وكان النسب يكتفى فيه بالفراش وكان للرجل دون المرأة فقال : {المولود له} أي على فراشه {رزقهن} أي المرضعات لأجل الرضاع سواء كن متصلات أو منفصلات فلو نشزت المتصلة لم يسقط وإن سقط ما يخص الزوجية. فلما كان اشتغالها بالرضاع عن كل ما يريده الزوج من الاستمتاع ربما أوهم سقوط الكسوة ذكرها فقال : {وكسوتهن} أجرة لهن. قال الحرالي : الكسوة رياش الآدمي الذي يستر ما ينبغي ستره من الذكر والأنثى وقال : فأشعرت إضافة الرزق والكسوة إليهن باعتبار حال المرأة فيه وعادتها بالسنة لا بالبدعة - انتهى.\rولما كان الحال مختلفاً في النفقة والكسوة باختلاف أحوال الرجال والنساء قال : {بالمعروف} أي - من حال كل منهما. قال الحرالي : فأكد ما أفهمته الإضافة وصرح الخطاب بإجماله - انتهى. ثم علله أو فسره بالحنيفية التي منَّ علينا سبحانه وتعالى بها فقال : {لا تكلف} قال الحرالي : من التكليف وهو أن يحمل المرء على أن يكلف بالأمر كلفة بالأشياء التي يدعوه إليها طبعه {نفس} أي لا يقع تكليفها وإن كان له سبحانه وتعالى أن يفعل ما يشاء {إلا وسعها} أي ما تسعه وتطيقه لا كما فعل سبحانه بمن قبل ، كان أحدهم يقرض ما أصاب البول من جلده بالمقراض والوسع قال الحرالي ما يتأتى بمنة وكمال قوة. أ هـ {نظم الدرر حـ 1 صـ 439 ـ 440}\rقال الفخر : \r{المولود لَهُ} هو الوالد ، وإنما عبر عنه بهذا الاسم لوجوه الأول : قال صاحب \"الكشاف\" : إن السبب فيه أن يعلم أن الوالدات إنما ولدن الأولاد للآباء ، ولذلك ينسبون إليهم لا إلى الأمهات وأنشد للمأمون بن الرشيد : \rوإنما أمهات الناس أوعية.. مستودعات وللآباء أبناء\r","part":7,"page":18},{"id":2629,"text":"الثاني : أن هذا تنبيه على أن الولد إنما يلتحق بالوالد لكونه مولوداً على فراشه على ما قال صلى الله عليه وسلم : \" الولد للفراش \" فكأنه قال : إذا ولدت المرأة الولد للرجل وعلى فراشه ، وجب عليه رعاية مصالحه ، فهذا تنبيه على أن سبب النسب واللحاق مجرد هذا القدر الثالث : أنه قيل في تفسير قوله : {قَالَ ابن أُمَّ} [ طه : 94 ] أن المراد منه أن الأم مشفقة على الولد ، فكان الغرض من ذكر الأم تذكير الشفقة ، فكذا ههنا ذكر الوالد بلفظ المولود له تنبيهاً على أن هذا الولد إنما ولد لأجل الأب ، فكان نقصه عائداً إليه ، ورعاية مصالحه لازمة له ، كما قيل : كلمة لك ، وكلمة عليك. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 6 صـ 103}\rوقال ابن عاشور :\rعبر عن الوالد بالمولود له ، إيماء إلى أنه الحقيق بهذا الحكم ؛ لأن منافع الولد منجرة إليه ، وهو لاحق به ومعتز به في القبيلة حسب مصطلح الأمم ، فهو الأجدر بإعاشته ، وتقويم وسائلها. أ هـ {التحرير والتنوير حـ 2 صـ 432}\rلطيفة\rقال العلامة أبو حيان :\rو : المولود له ، هو الوالد ، وهو الأب ، ولم يأت بلفظ الوالد ، ولا بلفظ الأب ، بل جاء بلفظ : المولود له ، لما في ذلك من إعلام الأب ما منح الله له وأعطاه ، إذ اللام في : له ، معناها شبه التمليك كقوله تعالى : {وجعل لكم من أزواجكم بنين وحفدة} وهو أحد المعاني التي ذكرناها في اللام في أول الفاتحة ، ولذلك يتصرف الوالد في ولده بما يختار ، وتجد الولد في الغالب مطيعاً لأبيه ، ممتثلاً ما أمر به ، منفذاً ما أوصى به ، فالأولاد في الحقيقة هم للآباء ، وينتسبون إليهم لا إلى أمهاتهم ، كما أنشد المأمون بن الرشيد ، وكانت أمه جارية طباخة تدعى مراجل ، قال :\rفإنما أمهات الناس أوعية... مستودعات وللابناء آباء","part":7,"page":19},{"id":2630,"text":"فلما كان لفظ : المولود ، مشعراً بالمنحة وشبه التمليك ، أتى به دون لفظ : الوالد ، ولفظ : الأب ، وحيث لم يرد هذا المعنى أتى بلفظ الوالد ولفظ الأب ، كما قال تعالى : {لا يجزى والد عن ولده} وقال : {لا جناح عليهن في آبائهن}\rولطيفة أخرى في قوله : {وعلى المولود له} وهو أنه لما كلف بمؤن المرضعة لولده من الرزق والكسوة ، ناسب أن يسلى بأن ذلك الولد هو وُلِد لك لا لأمه ، وأنك الذي تنتفع به في التناصر وتكثير العشيرة ، وأن لك عليه الطواعية كما كان عليك لأجله كلفة الرزق ، والكسوة لمرضعته. أ هـ {البحر المحيط حـ 2 صـ 242}\rفائدة\rقال القرطبى : \rقوله تعالى : {وَعلَى المولود لَهُ} أي وعلى الأب. ويجوز في العربية \"وعلى المولود لهم\" كقوله تعالى : {وَمِنْهُمْ مَّن يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ} [ يونس : 42 ] لأن المعنى وعلى الذي ولد له و\"الذي\" يعبر به عن الواحد والجمع كما تقدّم. أ هـ {تفسير القرطبى حـ 3 صـ 163}\rفائدتان\rقال الفخر : \rإنه تعالى كما وصى الأم برعاية جانب الطفل في قوله تعالى : {والوالدات يُرْضِعْنَ أولادهن حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ} وصى الأب برعاية جانب الأم حتى تكون قادرة على رعاية مصلحة الطفل فأمره برزقها وكسوتها بالمعروف ، والمعرَّف في هذا الباب قد يكون محدوداً بشرط وعقد ، وقد يكون غير محدود إلا من جهة العرف ، لأنه إذا قام بما يكفيها في طعامها وكسوتها ، فقد استغنى عن تقدير الأجرة ، فإنه إن كان ذلك أقل من قدر الكفاية لحقها من الجوع والعري ، فضررها يتعدى إلى الولد.","part":7,"page":20},{"id":2631,"text":"الثانية : إنه تعالى وصى الأم برعاية الطفل أولاً ، ثم وصى الأب برعايته ثانياً ، وهذا يدل على أن احتياج الطفل إلى رعاية الأم أشد من احتياجه إلى رعاية الأب ، لأنه ليس بين الطفل وبين رعاية الأم واسطة ألبتة ، أما رعاية الأب فإنما تصل إلى الطفل بواسطة ، فإنه يستأجر المرأة على إرضاعه وحضانته بالنفقة والكسوة ، وذلك يدل على أن حق الأم أكثر من حق الأب ، والأخبار المطابقة لهذا المعنى كثيرة مشهورة. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 6 صـ 102 ـ 103}\rقال القرطبى : \rقوله تعالى : {رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ} الرزق في هذا الحكم الطعام الكافي ، وفي هذا دليل على وجوب نفقة الولد على الوالد لضعفه وعجزه. وسماه الله سبحانه للأُمّ ؛ لأن الغذاء يصل إليه بواسطتها في الرّضاع كما قال : {وَإِن كُنَّ أُوْلاَتِ حَمْلٍ فَأَنفِقُواْ عَلَيْهِنَّ} [ الطلاق : 6 ] لأن الغذاء لا يصل إلا بسببها.\rوأجمع العلماء على أن على المرء نفقة ولده الأطفال الذين لا مال لهم. \" وقال صلى الله عليه وسلم لهند بنت عتبة وقد قالت له : إن أبا سفيان رجل شحيحٌ وإنه لا يعطيني من النفقة ما يكفيني ويكفي بنيّ إلاّ ما أخذت من ماله بغير علمه فهل عليّ في ذلك جناح ؟ فقال : \"خذِي ما يكفيك وولدكِ بالمعروف\" \"\rوالكسوة : اللباس. وقوله : \"بالمعروف\" أي بالمتعارف في عرف الشرع من غير تفريط ولا إفراط. ثم بيّن تعالى أن الإنفاق على قدر غِنَى الزوج ومَنْصِبها من غير تقدير مُدٍّ ولا غيره بقوله تعالى : {لاَ تُكَلَّفُ نَفْسٌ إِلاَّ وُسْعَهَا} على ما يأتي بيانه في الطلاق إن شاء الله تعالى. وقيل المعنى : أي لا تُكلَّف المرأةُ الصبرَ على التقتير في الأُجرة ، ولا يكلف الزوج ما هو إسراف بل يراعي القصد. أ هـ {تفسير القرطبى حـ 3 صـ 163 ـ 164}\rقال العلامة ابن العربى","part":7,"page":21},{"id":2632,"text":"قَوْله تَعَالَى : {وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ} دَلِيلٌ عَلَى وُجُوبِ نَفَقَةِ الْوَلَدِ عَلَى الْوَالِدِ لِعَجْزِهِ وَضَعْفِهِ ؛ فَجَعَلَ اللَّهُ تَعَالَى ذَلِكَ عَلَى يَدَيْ أَبِيهِ لِقَرَابَتِهِ مِنْهُ وَشَفَقَتِهِ عَلَيْهِ ؛ وَسَمَّى اللَّهُ تَعَالَى الْأُمَّ لِأَنَّ الْغِذَاءَ يَصِلُ إلَيْهِ بِوَسَاطَتِهَا فِي الرَّضَاعَةِ ، كَمَا قَالَ تَعَالَى : {وَإِنْ كُنَّ أُولَاتِ حَمْلٍ فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ} لِأَنَّ الْغِذَاءَ لَا يَصِلُ إلَى الْحَمْلِ إلَّا بِوَسَاطَتِهِنَّ فِي الرَّضَاعَةِ ؛ وَهَذَا بَابٌ مِنْ أُصُولِ الْفِقْهِ ، وَهُوَ أَنَّ مَا لَا يَتِمُّ الْوَاجِبُ إلَّا بِهِ وَاجِبٌ مِثْلُهُ. أ هـ {أحكام القرآن لابن العربى حـ 1 صـ 274}\rفائدة\rقال ابن عاشور : \rالمعروف : ما تعارفه أمثالهم وما لا يجحف بالأب.\rوالمراد بالرزق والكسوة هنا ما تأخذه المرضع أجراً عن إرضاعها ، من طعام ولباس لأنهم كانوا يجعلون للمراضع كسوة ونفقة ، وكذلك غالب إجاراتهم ؛ إذ لم يكن أكثر قبائل العرب أهل ذهب وفضة ، بل كانوا يتعاملون بالأشياء ، وكان الأجراء لا يرغبون في الدرهم والدينار ، وإنما يطلبون كفاية ضروراتهم ، وهي الطعام والكسوة ، ولذلك أحال الله تقديرهما على المعروف عندهم من مراتب الناس وسعتهم ، وعقبه بقوله : {لا تكلف نفس إلا وسعها}. أ هـ {التحرير والتنوير حـ 2 صـ 432}\rوقال العلامة الجصاص\rوقَوْله تَعَالَى : {بِالْمَعْرُوفِ} يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْوَاجِبَ مِنْ النَّفَقَةِ وَالْكِسْوَةِ هُوَ عَلَى قَدْرِ حَالِ الرَّجُلِ فِي إعْسَارِهِ وَيَسَارِهِ ؛ إذْ لَيْسَ مِنْ الْمَعْرُوفِ إلْزَامُ الْمُعْسِرِ أَكْثَرَ مِمَّا يَقْدِرُ عَلَيْهِ وَيُمْكِنُهُ ، وَلَا إلْزَامُ الْمُوسِرِ الشَّيْءَ الطَّفِيفَ.","part":7,"page":22},{"id":2633,"text":"وَيَدُلُّ أَيْضًا عَلَى أَنَّهَا عَلَى مِقْدَارِ الْكِفَايَةِ مَعَ اعْتِبَارِ حَالِ الزَّوْجِ ، وَقَدْ بَيَّنَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ عَقِيبَ ذَلِكَ : {لَا تُكَلَّفُ نَفْسٌ إلَّا وُسْعَهَا} ، فَإِذَا اشْتَطَّتْ الْمَرْأَةُ وَطَلَبَتْ مِنْ النَّفَقَةِ أَكْثَرَ مِنْ الْمُعْتَادِ الْمُتَعَارَفِ لِمِثْلِهَا لَمْ تُعْطَ ، وَكَذَلِكَ إذَا قَصَّرَ الزَّوْجُ عَنْ مِقْدَارِ نَفَقَةِ مِثْلِهَا فِي الْعُرْفِ وَالْعَادَةِ لَمْ يَحِلَّ ذَلِكَ وَأُجْبِرَ عَلَى نَفَقَةِ مِثْلِهَا. أ هـ {أحكام القرآن للجصاص حـ 2 صـ 106}\rفائدة\rقال ابن الجوزى : \rوفي الآية دليل على تسويغ اجتهاد الرأي في أحكام الحوادث ، إذ لا يتوصل إلى تقدير النفقة بالمعروف إلا من جهة غالب الظن ، إذ هو معتبر بالعادة. أ هـ {زاد المسير حـ 1 صـ 273}\rفصل\rقال القرطبى : ","part":7,"page":23},{"id":2634,"text":"في هذه الآية دليل لمالكٍ على أن الحضانة للأُم ؛ فهي في الغلام إلى البلوغ ، وفي الجارية إلى النكاح ؛ وذلك حق لها ، وبه قال أبو حنيفة. وقال الشافعيّ : إذا بلغ الولد ثمان سنين وهو سنّ التمييز ، خُيِّر بين أبويْه ، فإنه في تلك الحالة تتحرّك همته لتعلم القرآن والأدب ووظائف العبادات ، وذلك يستوي فيه الغلام والجارية. وروَى النسائيّ وغيره عن أبي هريرة \" أن امرأة جاءت إلى النبيّ صلى الله عليه وسلم فقالت له : زوجي يريد أن يذهب بابني ، فقال له النبيّ صلى الله عليه وسلم : \"هذا أبوك وهذه أُمّك فخذ أيهما شئت\" فأخذ بيد أُمّه \" وفي كتاب أبي داود عن أبي هريرة قال : \" جاءت امرأة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنا قاعد عنده فقالت : يا رسول الله ، إن زوجي يريد أن يذهب بابني ، وقد سقاني من بئر أبي عِنَبَة ، وقد نفعني ، فقال النبيّ صلى الله عليه وسلم : \"1649; اسْتَهِما عليه\" فقال زوجها : من يحاقّنِي في ولدي! فقال النبيّ صلى الله عليه وسلم : \"هذا أبوك وهذه أُمك فخذ بيد أحدهما شئت\" فأخذ بيد أُمّه فانطلقت به \" ودليلنا ما رواه أبو داود عن الأُوزاعيّ قال : حدّثني عمرو بن شعيب عن أبيه عن جدّه عبد الله بن عمرو \" أن امرأة جاءت إلى النبيّ صلى الله عليه وسلم فقالت : يا رسول الله ، إن ابني هذا كان بطني له وِعاءً ، وثديي له سِقاءً ، وحِجري له حِواء ، وإن أباه طلقني وأراد أن ينتزعه مني ؛ فقال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم : \"أنت أحق به ما لم تنكحي\" \" قال ابن المنذر : أجمع كل من يُحفظ عنه من أهل العلم على أن الزوجين إذا افترقا ولهما ولد أن الأُمّ أحق به ما لم تنكح. وكذا قال أبو عمر : لا أعلم خلافاً بين السلف من العلماء في المرأة المطلقة إذا لم تتزوّج أنها أحق بولدها من أبيه ما دام طفلاً صغيراً لا يميز شيئاً إذا كان عندها في حِرز وكفاية ولم يثبت فيها فسق ولا تبرج.\r","part":7,"page":24},{"id":2635,"text":"ثم اختلفوا بعد ذلك في تخييره إذا ميز وعقل بين أبيه وأُمه وفيمن هو أولى به ؛ قال ابن المنذر : وثبت أن النبيّ صلى الله عليه وسلم قضى في ابنة حمزة للخالة من غير تخيير. روى أبو داود عن عليّ قال : \" خرج زيد بن حارثة إلى مكة فقدِم بابنة حمزة ، فقال جعفر : أنا آخذها أنا أحقّ بها ، ابنة عمي وخالتها عندي والخالة أُمّ. فقال عليّ : أنا أحق بها ، ابنة عمي وعندي ابنة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وهي أحق بها. فقال زيد : أنا أحق بها ، أنا خرجت إليها وسافرت وقدمت بها. فخرج النبيّ صلى الله عليه وسلم فذكر حديثاً قال : \"وأما الجارية فأقضِي بها لجعفر تكون مع خالتها وإنما الخالة أُمّ\" \". أ هـ {تفسير القرطبى حـ 3 صـ 164 ـ 165}\rقوله تعالى : {لاَ تُكَلَّفُ نَفْسٌ إِلاَّ وُسْعَهَا}\rفوائد لغوية\rقال ابن عاشور : \rالوسع ، بتثليث الواو : الطاقة ، وأصله من وسع الإناء الشيء إذا حواه ولم يبق منه شيء ، وهو ضد ضاق عنه ، والوسع هو ما يسعه الشيء فهو بمعنى المفعول ، وأصله استعارة ؛ لأن الزمخشري في \"الأساس\" ذكر هذا المعنى في المجاز ، فكأنهم شبهوا تحمل النفس عملاً ذا مشقة باتساع الظرف للمحوي ، لأنهم ما احتاجوا لإفادة ذلك إلاّ عند ما يتوهم الناظر أنه لا يسعه ، فمن هنا استعير للشاق البالغ حد الطاقة.\rفالوسع إن كان بكسر الواو فهو فعل بمعنى مفعول كذبح ، وإن كان بضمها فهو مصدر كالصلح والبرء صار بمعنى المفعول ، وإن كان بفتحها فهو مصدر كذلك بمعنى المفعول كالخلق والدرس والتكليف بما فوق الطاقة منفي في الشريعة.","part":7,"page":25},{"id":2636,"text":"وبني فعل تكلف للنائب ليحذف الفاعل ، فيفيد حذفه عموم الفاعلين ، كما يفيد وقوع نفس ، وهو نكرة في سياق النفس ، عموم المفعول الأول لفعل تكلف : وهو الأنفس المكلفة ، وكما يفيد حذف المستثنى في قوله : {إلا وسعها} عموم المفعول الثاني لفعل تكلف ، وهو الأحكام المكلف بها ، أي لا يكلف أحد نفساً إلاّ وسعها ، وذلك تشريع من الله للأمة بأن ليس لأحد أن يكلف أحداً إلاّ بما يستطيعه ، وذلك أيضاً وعد من الله بأنه لا يكلف في التشريع الإسلامي إلاّ بما يستطاع : في العامة والخاصة ، فقد قال في آيات ختام هذه السورة {لا يكلف الله نفساً إلا وسعها} [ البقرة : 286 ]. أ هـ {التحرير والتنوير حـ 2 صـ 432 ـ 433}\rفصل فى المراد من الآية\rقال الفخر : \rالمراد من الآية أن أب هذا الصبي لا يكلف الإنفاق عليه وعلى أمه ، إلا ما تتسع له قدرته ، لأن الوسع في اللغة ما تتسع له القدرة ، ولا يبلغ استغراقها ، وبين أنه لا يلزم الأب إلا ذلك ، وهو نظير قوله في سورة الطلاق : {فإن أرضعن لكم فآتوهن أجورهن} ثم قال : {وَإِن تَعَاسَرْتُمْ فَسَتُرْضِعُ لَهُ أخرى} ثم بين في النفقة أنها على قدر إمكان الرجل بقوله : {لِيُنفِقْ ذُو سَعَةٍ مّن سَعَتِهِ وَمَن قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنفِقْ مِمَّا ءاتَاهُ الله لاَ يُكَلّفُ الله نَفْساً إِلاَّ مَا ءاتاها} [ الطلاق : 6 ، 7 ]. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 6 صـ 103}\rفائدة\rقال العلامة الجصاص\rوقَوْله تَعَالَى : {لَا تُكَلَّفُ نَفْسٌ إلَّا وُسْعَهَا} يُوجِبُ بُطْلَانَ قَوْلِ أَهْلِ الْإِجْبَارِ فِي اعْتِقَادِهِمْ أَنَّ اللَّهَ يُكَلِّفُ عِبَادَهُ مَا لَا يُطِيقُونَ ، وَإِكْذَابٌ لَهُمْ فِي نِسْبَتِهِمْ ذَلِكَ إلَى اللَّهِ تَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يَقُولُونَ وَيَنْسُبُونَ إلَيْهِ مِنْ السَّفَهِ وَالْعَبَثِ عُلُوًّا كَبِيرًا. أ هـ {أحكام القرآن للجصاص حـ 2 صـ 106}","part":7,"page":26},{"id":2637,"text":"قوله تعالى : {لَا تُضَارَّ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا وَلَا مَوْلُودٌ لَهُ بِوَلَدِهِ وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ}\rالمناسبة\rقال البقاعى : \rولما كانت نتيجة ذلك حصول النفع ودفع الضر قال : {لا تضآر والدة بولدها} أي لا تضر المنفق به ولا يضرها ، وضم الراء ابن كثير وأبو عمرو ويعقوب على الخير وهو آكد ، وفتح الباقون على النهي ، ويحتمل فيها البناء للفاعل والمفعول {ولا مولود له بولده} أي المولود على فراشه ليس له أن يضر الوالدة به وليس لها أن تضره به ولا أن تضر الولد بتفريط ونحوه حملاً للمفاعلة على الفعل المجرد ، وكل من أسند سبحانه وتعالى المضارة إليه أضاف إليه الولد استعطافاً له عليه وتحريكاً لطبعه إلى مزيد نفعه. قال الحرالي : ففيه إيذان بأن لا يمنع الوالد الأم أن ترضع ولدها فيضرها في فقدها له ولا يسيء معاملتها في رزقها وكسوتها بسبب ولدها ، فكما لم يصلح أن يمسكها زوجة إلا بمعروف لم يصلح أن يسترضعها إلا بالمعروف ولا يتم المعروف إلا بالبراءة من المضارة. وفي إشعاره تحذير الوالدات من ترك أولادهن لقصد الإضرار مع ميل الطبع إلى القيام بهم وكذلك في إشعاره أن لا تضره في سرف رزق ولا كسوة - انتهى.\rولما تم الأمر بالمعروف وما تبعه من تفسيره وكان ذلك على تقدير وجود الوالد إذ ذاك بين الحال بعده فقال : {وعلى الوارث} أي وارث الوالد وهو الرضيع {مثل ذلك} أي المأمور به من المعروف على ما فسره به في ماله إن مات والده والوارث. قال الحرالي : المتلقى من الأحياء عن الموتى ما كان لهم من حق أو مال - انتهى. وقيل في الوارث غير ذلك لأنه تقدم ذكر الوالدات والولد والمولود له فاحتمل أن يضاف الوارث إلى كل منهم. أ هـ {نظم الدرر حـ 1 صـ 440}\rفائدة\r","part":7,"page":27},{"id":2638,"text":"قرأ ابن كثير وأبو عمرو وقتيبة عن الكسائي {لاَ تُضَارَّ} بالرفع والباقون بالفتح ، أما الرفع فقال الكسائي والفراء إنه نسق على قوله : {لاَ تُكَلَّفُ} قال علي بن عيسى : هذا غلط لأن النسق بلا إنما هو إخراج الثاني مما دخل فيه الأول نحو : ضربت زيداً لا عمراً فأما أن يقال : يقوم زيد لا يقعد عمرو ، فهو غير جائز على النسق ، بل الصواب أنه مرفوع على الاستئناف في النهي كما يقال : لا يضرب زيد لا تقتل عمراً وأما النصب فعلى النهي ، والأصل لا تضار فأدغمت الراء الأولى في الثانية وفتحت الثانية لالتقاء الساكنين ، يقال : يضارر رجل زيداً ، وذلك لأن أصل الكلمة التضعيف ، فأدغمت إحدى الراءين في الأخرى ، فصار لا تضار ، كما تقول : لا تردد ثم تدغم فتقول : لا ترد بالفتح قال تعالى : {ياأيها الذين ءَامَنُواْ مَن يَرْتَدَّ مِنكُمْ عَن دِينِهِ} [ المائدة : 54 ] وقرأ الحسن : {لاَ تُضَارَّ} بالكسر وهو جائز في اللغة ، وقرأ أبان عن عاصم {لاَ تُضَارر} مطهرة الراء مكسورة على أن الفعل لها. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 6 صـ 103}\rفائدة أخرى\rقال العلامة الجصاص\rقَوْله تَعَالَى : {لَا تُضَارَّ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا وَلَا مَوْلُودٌ لَهُ بِوَلَدِهِ}\rفِي الآية دَلَالَةٌ عَلَى أَنَّ الْأُمَّ أَحَقُّ بِإِمْسَاكِ الْوَلَدِ مَا دَامَ صَغِيرًا ، وَإِنْ اسْتَغْنَى عَنْ الرَّضَاعِ بَعْدَمَا يَكُونُ مِمَّنْ يَحْتَاجُ إلَى الْحَضَانَةِ ؛ لِأَنَّ حَاجَتَهُ إلَى الْأُمِّ بَعْدَ الرَّضَاعِ كَهِيَ قَبْلَهُ ، فَإِذَا كَانَتْ فِي حَالِ الرَّضَاعِ أَحَقُّ بِهِ ، وَإِنْ كَانَتْ الْمُرْضِعَةُ غَيْرَهَا عَلِمْنَا أَنَّ فِي كَوْنِهِ عِنْدَ الْأُمِّ حَقًّا لَهَا ؛ وَفِيهِ حَقٌّ لِلْوَلَدِ أَيْضًا ، وَهُوَ أَنَّ الْأُمَّ أَرْفَقُ بِهِ وَأَحْنَى عَلَيْهِ.\r","part":7,"page":28},{"id":2639,"text":"وَذَلِكَ فِي الْغُلَامِ عِنْدَنَا إلَى أَنْ يَأْكُلَ وَحْدَهُ وَيَشْرَبَ وَحْدَهُ وَيَتَوَضَّأَ وَحْدَهُ ، وَفِي الْجَارِيَةِ حَتَّى تَحِيضَ ؛ لِأَنَّ الْغُلَامَ إذَا بَلَغَ إلَى الْحَدِّ الَّذِي يَحْتَاجُ فِيهِ إلَى التَّأْدِيبِ وَيَعْقِلُهُ فَفِي كَوْنِهِ عِنْدَ الْأُمِّ دُونَ الْأَبِ ضَرَرٌ عَلَيْهِ ، وَالْأَبُ مَعَ ذَلِكَ أَقْوَمُ بِتَأْدِيبِهِ ، وَهِيَ الْحَالُ الَّتِي قَالَ فِيهَا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { : مُرُوهُمْ بِالصَّلَاةِ لِسَبْعٍ وَاضْرِبُوهُمْ عَلَيْهَا لِعَشْرٍ ، وَفَرِّقُوا بَيْنَهُمْ فِي الْمَضَاجِعِ}.\rفَمَنْ كَانَ سِنُّهُ سَبْعًا فَهُوَ مَأْمُورٌ بِالصَّلَاةِ عَلَى وَجْهِ التَّعْلِيمِ وَالتَّأْدِيبِ ؛ لِأَنَّهُ يَعْقِلُهَا ؛ فَكَذَلِكَ سَائِرُ الْأَدَبِ الَّذِي يَحْتَاجُ إلَى تَعَلُّمِهِ.\rوَفِي كَوْنِهِ عِنْدَهَا فِي هَذِهِ الْحَالِ ضَرَرٌ عَلَيْهِ ، وَلَا وِلَايَةَ لِأَحَدٍ عَلَى الصَّغِيرِ فِيمَا يَكُونُ فِيهِ ضَرَرٌ عَلَيْهِ.\rوَأَمَّا الْجَارِيَةُ فَلَا ضَرَر عَلَيْهَا فِي كَوْنِهَا عِنْدَ الْأُمِّ إلَى أَنْ تَحِيضَ ، بَلْ كَوْنُهَا عِنْدَهَا أَنْفَعَ لَهَا ؛ لِأَنَّهَا تَحْتَاجُ إلَى آدَابِ النِّسَاءِ ، وَلَا تَزُولُ هَذِهِ الْوِلَايَةُ عَنْهَا إلَّا بِالْبُلُوغِ ؛ لِأَنَّهَا تَسْتَحِقُّهَا عَلَيْهَا بِالْوِلَادَةِ ، وَلَا ضَرَرَ عَلَيْهَا فِي كَوْنِهَا عِنْدَهَا ؛ فَلِذَلِكَ كَانَتْ أَوْلَى إلَى وَقْتِ الْبُلُوغِ ، فَإِذَا بَلَغَتْ احْتَاجَتْ إلَى التَّحْصِينِ وَالْأَبُ أَقُومُ بِتَحْصِينِهَا ، فَلِذَلِكَ كَانَ أَوْلَى بِهَا. أ هـ {أحكام القرآن للجصاص حـ 2 صـ 107}\rفائدة ثالثة\rقال الفخر : ","part":7,"page":29},{"id":2640,"text":"قوله : {لاَ تُضَارَّ} يحتمل وجهين كلاهما جائز في اللغة ، وإنما احتمل الوجهين نظراً لحال الإدغام الواقع في تضار أحدهما : أن يكون أصله لا تضار بكسر الراء الأولى ، وعلى هذا الوجه تكون المرأة هي الفاعلة للضرار والثاني : أن يكون أصله لا تضارر بفتح الراء الأولى فتكون المرأة هي المفعولة بها الضرار ، وعلى الوجه الأول يكون المعنى : لا تفعل الأم الضرار بالأب بسبب إيصال الضرار إلى الولد ، وذلك بأن تمتنع المرأة من إرضاعه مع أن الأب ما امتنع عليها في النفقة من الرزق والكسوة ، فتلقى الولد عليه ، وعلى الوجه الثاني معناه : لا تضارر ، أي لا يفعل الأب الضرار بالأم فينزع الولد منها مع رغبتها في إمساكها وشدة محبتها له ، وقوله : {وَلاَ مَوْلُودٌ لَّهُ بِوَلَدِهِ} أي : ولا تفعل الأم الضرار بالأب بأن تلقي الولد عليه ، والمعنيان يرجعان إلى شيء واحد ، وهو أن يغيظ أحدهما صاحبه بسبب الولد. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 6 صـ 103 ـ 104}\rقال ابن عاشور : \rجملة {لا تضار والدة بولدها} اعتراض ثان ، ولم تعطف على التي قبلها تنبيهاً على أنها مقصودة لذاتها ، فإنها تشريع مستقل ، وليس فيها معنى التعليل الذي في الجملة قبلها بل هي كالتفريع على جملة {لا تكلف نفس إلا وسعها} ؛ لأن إدخال الضر على أحد بسبب ما هو بضعة منه ، يكاد يخرج عن طاقة الإنسان ؛ لأن الضرار تضيق عنه الطاقة ، وكونه بسبب من يترقب منه أن يكون سبب نفع أشد ألماً على النفس ، فكان ضره أشد.\rولذلك اختير لفظ الوالدة هنا دون الأم كما تقدم في قوله : {يرضعن أولادهن} وكذلك القول في {ولا مولود له بولده} وهذا الحكم عام في جميع الأحوال من فراق أو دوام عصمة ، فهو كالتذييل ، وهو نهي لهما عن أن يكلف أحدهما الآخر ما هو فوق طاقته ، ويستغل ما يعلمه من شفقة الآخر على ولده فيفترص ذلك لإحراجه ، والإشفاق عليه.\r","part":7,"page":30},{"id":2641,"text":"وفي \"المدونة\" : عن ابن وهب عن الليث عن خالد بن يزيد عن زيد بن أسلم في قوله تعالى : {لا تضار والدة بولدها} الآية \"يقول ليس لها أن تلقي ولدها عليه ولا يجد من يرضعه ، وليس له أن ينتزع منها ولدها ، وهي تحب أن ترضعه\" وهو يؤيد ما ذكرناه.\rوقيل : الباء في قوله : {بولدها وبولده} باء الإلصاق وهي لتعدية {تضار} فيكون مدخول الباء مفعولاً في المعنى لفعل {تضار} وهو مسلوب المفاعلة مراد منه أصل الضر ، فيصير المعنى : لا تضر الوالدة ولدها ولا المولود له ولده أي لا يكن أحد الأبويين بتعنته وتحريجه سبباً في إلحاق الضر بولده أي سبباً في إلجاء الآخر إلى الامتناع مما يعين على إرضاع الأم ولدها فيكون في استرضاع غير الأم تعريض المولود إلى الضر ونحو هذا من أنواع التفريط. أ هـ {التحرير والتنوير حـ 2 صـ 433 ـ 434}\rسؤال : فإن قيل : لم قال {تُضَارَّ} والفعل لواحد ؟ .\rقلنا لوجوه أحدها : أن معناه المبالغة ، فإن إيذاء من يؤذيك أقوى من إيذاء من لا يؤذيك والثاني : لا يضار الأم والأب بأن لا ترضع الأم أو يمنعها الأب وينزعه منها والثالث : أن المقصود لكل واحد منهما بإضرار الولد إضرار الآخر ، فكان ذلك في الحقيقة مضارة. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 6 صـ 104}\rفائدة\rقوله : {لاَ تُضَارَّ والدة بِوَلَدِهَا} وإن كان خبراً في الظاهر ، لكن المراد منه النهي ، وهو يتناول إساءتها إلى الولد بترك الرضاع ، وترك التعهد والحفظ. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 6 صـ 104}\rوقوله : {وَلاَ مَوْلُودٌ لَّهُ بِوَلَدِهِ} يتناول كل المضار ، وذلك بأن يمنع الوالدة أن ترضعه وهي به أرأف وقد يكون بأن يضيق عليها النفقة والكسوة أو بأن يسيء العشرة فيحملها ذلك على إضرارها بالولد ، فكل ذلك داخل في هذا النهي والله أعلم.\rأ هـ {مفاتيح الغيب حـ 6 صـ 104}\rقال العلامة الجصاص\r","part":7,"page":31},{"id":2642,"text":"وَأَمَّا قَوْله تَعَالَى : {وَلَا مَوْلُودٌ لَهُ بِوَلَدِهِ} فَإِنَّهُ عَائِدٌ عَلَى الْمَضَارِّ نَهْيُ الرَّجُلِ أَنْ يُضَارَّهَا بِوَلَدِهَا وَنَهْيُ الْمَرْأَةِ أَيْضًا أَنْ تُضَارَّ بِوَلَدِهِ.\rوَالْمُضَارَّةُ مِنْ جِهَتِهَا قَدْ تَكُونُ فِي النَّفَقَةِ وَغَيْرِهَا ، فَأَمَّا فِي النَّفَقَةِ فَأَنْ تَشْتَطَّ عَلَيْهِ وَتَطْلُبَ فَوْقَ حَقِّهَا ، وَفِي غَيْرِ النَّفَقَةِ أَنْ تَمْنَعَهُ مِنْ رُؤْيَتِهِ وَالْإِلْمَامِ بِهِ.\rوَيَحْتَمِلُ أَنْ تَغْتَرِبَ بِهِ وَتُخْرِجَهُ عَنْ بَلَدِهِ فَتَكُونَ مُضَارَّةً لَهُ بِوَلَدِهِ ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ تُرِيدَ أَنْ لَا يُطِيعَهُ وَتَمْتَنِعَ مِنْ تَرْكِهِ عِنْدَهُ.\rفَهَذِهِ الْوُجُوهُ كُلُّهَا مُحْتَمَلَةٌ يَنْطَوِي عَلَيْهَا قَوْله تَعَالَى : {وَلَا مَوْلُودٌ لَهُ بِوَلَدِهِ} فَوَجَبَ حَمْلُ الْآيَةِ عَلَيْهَا. أ هـ {أحكام القرآن للجصاص حـ 2 صـ 108}\rلطائف بلاغية\rقال أبو حيان : \rوفي هذه الجمل الأربع من بلاغة المعنى ونصاعة اللفظ ما لا يخفى على من تعاطى علم البيان.\rفالجملة الأولى : أبرزت في صورة المبتدأ والخبر وجعل الخبر فعلاً لأن الإرضاع مما يتجدد دائماً ، ثم أضيف الأولاد إلى الوالدات تنبيهاً على شفقتهن على الأولاد ، وهزالهن وحثاً على الإرضاع ، وقيد الإرضاع بمدة ، وجعل ذلك لمن أراد الإتمام. وجاء الوالدات بلفظ العموم ، وأضيف الأولاد لضمير العام ليعم ، وجمع القلة إذا دخلته الألف واللام ، أو أضيف إلى عام ، عم. وقد تكلمنا على شيء من هذا في كتابنا المسمى ( بالتكميل في شرح التسهيل ).","part":7,"page":32},{"id":2643,"text":"والجملة الثانية : أبرزت أيضاً في صورة المبتدأ والخبر ، وجعل الخبر جاراً ومجروراً بلفظ : على ، الدالة على الاستعلاء المجازي والوجوب. فأكد بذلك مضمون الجملة ، لأن من عادة المرء منع ما في يده من المال ، وإهمال ما يجب عليه من الحقوق ، فأكد ذلك. وقدم الخبر على سبيل الإعتناء به ، وجاء الرزق مقدماً على الكسوة ، لأنه الأهم في بقاء الحياة ، والمتكرر في كل يوم.\rوالجملة الثالثة : أبرزت في صورة الفعل ومرفوعه ، وأتى بمرفوعه نكرة لأنه في سياق النفي ، فيعم ، ويتناول أولاً ما سيق لأجله : وهو حكم الوالدات في الإرضاع ، وحكم المولود له في الرزق والكسوة اللذين للوالدات.\r","part":7,"page":33},{"id":2644,"text":"والجملة الرابعة : كالثالثة ، لأنها في سياق النفي ، فتعم أيضاً ، وهي كالشرح للجملة قبلها ، لأن النفس إذا لم تكلف إلاَّ طاقتها لا يقع ضرر لا للوالدة ولا للمولود له ، ولذلك جاءت غير معطوفة على الجملة قبلها ، فلا يناسب العطف بخلاف الجملتين الأوليين ، فإن كل جملة منهما مغايرة للأخرى ، ومخصصة بحكم ليس في الأخرى ، ولما كان تكليف النفس فوق الطاقة ، ومضارة أحد الزوجين الآخر مما يتجدد كل وقت ، أتى بالجملتين فعليتين ، أدخل عليهما حرف النفي الذي هو : لا ، الموضوع للاستقبال غالباً ، وفي قراءة من جزم : لا تضار ، أدخل حرف النهي المخلص المضارع للاستقبال ، ونبه على محل الشفقة بقوله : بولدها ، فأضاف الولد إليها ، وبقوله : بولده ، فأضاف الولد إليه ، وذلك لطلب الاستعطاف والإشفاق. وقدم ذكر عدم مضارة الوالدة على عدم مضارة الوالد مراعاة للجملتين الأوليين ، إذ بدىء فيهما بحكم الوالدات ، وثنى بحكم الوالد في قوله : لا تضار ، دلالة على أنه إذا اجتمع مؤنث ومذكر معطوفان ، فالحكم في الفعل السابق عليهما للسابق منهما ، تقول : قام زيد وهند وقامت هند وزيد ، ويقوم زيد وهند ، وتقوم هند وزيد ، إلاَّ إن كان المؤنث مجازياً بغير علامة تأنيث فيه فيحسن عدم إلحاق العلامة ، كقوله تعالى : {وجُمع الشمس والقمر}. أ هـ {البحر المحيط حـ 2 صـ 226}\rقوله تعالى : {وَعَلَى الوارث مِثْلُ ذلك}\rقال الفخر : \rأما قوله تعالى : {وَعَلَى الوارث مِثْلُ ذلك} فاعلم أنه لما تقدم ذكر الولد وذكر الوالد وذكر الوالدات احتمل في الوارث أن يكون مضافاً إلى واحد من هؤلاء ، والعلماء لم يدعوا وجهاً يمكن القول به إلا وقال به بعضهم.\r","part":7,"page":34},{"id":2645,"text":"فالقول الأول : وهو منقول عن ابن عباس رضي الله عنهما : أن المراد وارث الأب ، وذلك لأن قوله : {وَعَلَى الوارث مِثْلُ ذلك} معطوف على قوله : {وَعلَى المولود لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بالمعروف} وما بينهما اعتراض لبيان المعروف ، والمعنى أن المولود له إن مات فعلى وارثه مثل ما وجب عليه من الرزق والكسوة ، يعني إن مات المولود له لزم وارثه أن يقوم مقامه في أن يرزقها ويكسوها بالشرط المذكور ، وهو رعاية المعروف وتجنب الضرار ، قال أبو مسلم الأصفهاني هذا القول ضعيف ، لأنا إذا حملنا اللفظ على وارث الولد والولد أيضاً وارثه ، أدى إلى وجوب نفقته على غيره ، حال ماله مال ينفق منه وإن هذا غير جائز ، ويمكن أن يجاب عنه بأن الصبي إذا ورث من أبيه مالاً فإنه يحتاج إلى من يقوم بتعهده وينفق ذلك المال عليه بالمعروف ، ويدفع الضرار عنه ، وهذه الأشياء يمكن إيجابها على وارث الأب.\rالقول الثاني : أن المراد وارث الأب يجب عليه عند موت الأب كل ما كان واجباً على الأب وهذا قول الحسن وقتادة وأبي مسلم والقاضي ، ثم القائلون بهذا القول اختلفوا في أنه أي وارث هو ؟ فقيل : هو العصبات دون الأم ، والأخوة من الأم ، وهو قول عمر والحسن ومجاهد وعطاء وسفيان وإبراهيم وقيل : هو وارث الصبي من الرجال والنساء على قدر النصيب من الميراث ، وهو قول قتادة وابن أبي ليلى ، قالوا : النفقة على قدر الميراث ، وقيل : الوارث ممن كان ذا رحم محرم دون غيرهم من ابن العم والمولى وهو قول أبي حنيفة وأصحابه ، \rواعلم أن ظاهر الكلام يقتضي أن لا فضل بين وارث ووارث ، لأنه تعالى أطلق اللفظ فغير ذي الرحم بمنزلة ذي الرحم ، كما أن البعيد كالقريب ، والنساء كالرجال ، ولولا أن الأم خرجت من ذلك من حيث مر ذكرها بإيجاب الحق لها ، لصح أيضاً دخولها تحت الكلام ، لأنها قد تكون وارث كغيرها.\r","part":7,"page":35},{"id":2646,"text":"القول الثالث : المراد من الوارث الباقي من الأبوين ، وجاء في الدعاء المشهور : واجعله الوارث منا ، أي الباقي وهو قول سفيان وجماعة.\rالقول الرابع : أراد بالوارث الصبي نفسه الذي هو وارث أبيه المتوفى فإنه إن كان له مال وجب أجر الرضاعة في ماله ، وإن لم يكن له مال أجبرت أمه على إرضاعه ، ولا يجبر على نفقة الصبي إلا الوالدان ، وهو قول مالك والشافعي.\rأما قوله تعالى : {مِثْلُ ذلك} فقيل من النفقة والكسوة عن إبراهيم ، وقيل : من ترك الإضرار عن الشعبي والزهري والضحاك ، وقيل : منهما عن أكثر أهل العلم. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 6 صـ 104 ـ 105}\rقال ابن عاشور : \rوحقيقة الوارث هو من يصير إليه مال الميت بعد الموت بحق الإرث.\rوالإشارة بقوله {ذلك} إلى الحكم المتقدم وهو الرزق والكسوة بقرينة دخول على عليه الدالة على أنه عديل لقوله : {وعلى المولود له رزقهن} وجوز أن يكون {ذلك} إشارة إلى النهي عن الإضرار المستفاد من قوله : {لا تضار والدة بولدها} كما سيأتي ، وهو بعيد عن الاستعمال ؛ لأنه لما كان الفاعل محذوفاً وحكم الفعل في سياق النهي كما هو في سياق النفي علم أن جميع الإضرار منهي عنه أياً ما كان فاعله ، على أن الإضرار منهي عنه فلا يحسن التعبير عنه بلفظ على الذي هو من صيغ الإلزام والإيجاب ، على أن ظاهر المِثل إنما ينصرف لمماثلة الذوات وهي النفقة والكسوة لا لمماثلة الحكم وهو التحريم.\rوقد علم من تسمية المفروض عليه الإنفاق والكسوة وارثاً أن الذي كان ذلك عليه مات ، وهذا إيجاز.\rوالمعنى : فإن مات المولود له فعلى وارثه مثل ما كان عليه فإن على الواقعة بعد حرف العطف هنا ظاهرة في أنها مثل على التي في المعطوف عليه.\r","part":7,"page":36},{"id":2647,"text":"فالظاهر أن المراد وارث الأب وتكون أل عوضاً عن المضاف إليه كما هو الشأن في دخول أل على اسم غير معهود ولا مقصود جنسه وكان ذلك الاسم مذكوراً بعد اسم يصلح لأن يضاف إليه كما قال تعالى : {لئن لم ينته لنسفعا بالناصية} [ العلق : 15 ] وكما قال : {وأما من خاف مقام ربه ونهى النفس عن الهوى فإن الجنة هي المأوى} [ النازعات : 40 41 ] أي نهى نفسه ؛ فإن الجنة هي مأواه ، وقول إحدى نساء حديث أم زرع : \"زوجي المَسُّ مَسُّ أَرْنَب والرِّيح رِيح زَرْنَب\" وما سماه الله تعالى وارثاً إلاّ لأنه وارث بالفعل لا من يصلح لأن يكون وارثاً على تقدير موت غيره ؛ لأن اسم الفاعل إنما يطلق على الحال ما لم تقم قرينة على خلافه فما قال : {وعلى الوارث} إلاّ لأن الكلام على الحق تعليق بهذا الشخص في تركة الميت وإلاّ لقال : وعلى الأقارب أو الأولياء مثل ذلك على أنه يكون كلاماً تأكيداً حينئذٍ ؛ لأن تحريم الإضرار المذكور قبله لم يذكر له متعلق خاص ؛ فإن فاعل {تضار} محذوف. أ هـ {التحرير والتنوير حـ 2 صـ 434 ـ 435}\rقوله تعالى : {فَإِنْ أَرَادَا فِصَالًا عَنْ تَرَاضٍ مِنْهُمَا وَتَشَاوُرٍ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا}\rالمناسبة\rقال البقاعى : \rولما بين أمد الرضاع وأمر النفقة صرح بما أفهمه الكلام من جواز الفطام قبل التمام فقال مسبباً عما أفهمته العبارة : {فإن أرادا} أي الوالدان {فصالاً} أي فطاماً قبل تمام الحولين للصغير عن الرضاع. قال الحرالي : وهو من الفصل وهو عود المتواصلين إلى بين سابق - انتهى. وهو أعم من الفطم فلذا عبر به. ولما بين ذلك نبه على أنه لا يجوز إلا مع المصلحة فقال : {عن تراض منهما} ثم بين أن الأمر خطر يحتاج إلى تمام النظر بقوله : {وتشاور} أي إدارة للكلام في ذلك ليستخرج الرأي الذي ينبغي أن يعمل به.\r","part":7,"page":37},{"id":2648,"text":"قال الحرالي : فأفصح بإشعار ما في قوله : {أن يتم} وأن الكفاية قد تقع بدون الحولين فجعل ذلك لا يكون برياً من المضارة إلا باجتماع إرادتهما وتراضيهما وتشاورهما لمن له تبصرة لئلا تجتمعا على نقص الرأي ، قال عليه الصلاة والسلام \" ما خاب من استخار ولا ندم من استشار \" والمشورة أن تستخلص حلاوة الرأي وخالصه من خلايا الصدور كما يشور العسل جانيه - انتهى. {فلا جناح عليهما} فيما نقصاه عن الحولين لأنهما غير متهمين في أمره واجتماع رأيهما فيه ورأي من يستشيرانه قلّ ما يخطىء.\rقال الحرالي : فيه إشعار بأنها ثلاث رتب : رتبة تمام فيها الخير والبركة ، ورتبة كفاية فيها رفع الجناح ، وحالة مضارة فيها الجناح - انتهى. وقد أفهم تمام هذه العناية أن الإنسان كلما كان أضعف كانت رحمة الله له أكثر وعنايته به أشد. أ هـ {نظم الدرر حـ 1 صـ 440 ـ 441}\rقال الفخر : \rفي الفصال قولان الأول : أنه الفطام لقوله تعالى : {وَحَمْلُهُ وفصاله ثَلاَثُونَ شَهْراً} [ الأحقاف : 15 ] وإنما سمي الفطام بالفصال لأن الولد ينفصل عن الاغتذاء بلبن أمه إلى غيره من الأقوات قال المبرد : يقال فصل الولد عن الأم فصلاً وفصالاً ، وقرىء بهما في قوله : {وَحَمْلُهُ وفصاله} والفصال أحسن ، لأنه إذا انفصل من أمه فقد انفصلت منه ، فبينهما فصال نحو القتال والضراب ، وسمي الفصيل فصيلاً لأنه مفصول عن أمه ، ويقال : فصل من البلد إذا خرج عنه وفارقه قال تعالى : {فَلَمَّا فَصَلَ طَالُوتُ بالجنود} [ البقرة : 249 ] واعلم أن حمل الفصال ههنا على الفطام هو قول أكثر المفسرين.\r","part":7,"page":38},{"id":2649,"text":"واعلم أنه تعالى لما بين أن الحولين الكاملين هو تمام مدة الرضاع وجب حمل هذه الآية على غير ذلك حتى لا يلزم التكرار ، ثم اختلفوا فمنهم من قال : المراد من هذه الآية أن الفطام قبل الحولين جائز ومنهم من قال : إنها تدل على أن الفطام قبل الحولين جائز ، وبعده أيضاً جائز وهذا القول مروي عن ابن عباس رضي الله عنهما.\rحجة القول الأول أن ما قبل الآية لما دل على جواز الفطام عند تمام الحولين كان أيضاً دليلاً على جواز الزيادة على الحولين وإذا كان كذلك بقيت هذه الآية دالة على جواز الفطام قبل تمام الحولين فقط.\rوحجة القول الثاني أن الولد قد يكون ضعيفاً فيحتاج إلى الرضاع ويضر به فطمه كما يضر ذلك قبل الحولين ، وأجاب الأولون أن حصول المضرة في الفطام بعد الحولين نادر وحمل الكلام على المعهود واجب ، والله أعلم.\rالقول الثاني : في تفسير الفصال ، وهو أن أبا مسلم لما ذكر القول الأول قال : ويحتمل معنى آخر ، وهو أن يكون المراد من الفصال إيقاع المفاصلة بين الأم والولد إذا حصل التراضي والتشاور في ذلك ولم يرجع بسبب ذلك ضرر إلى الولد. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 6 صـ 105}\rفائدة\rقال ابن عاشور : \rعن في قوله : {عن تراض} متعلقة بأرادا أي إرادة ناشئة عن التراضي ، إذ قد تكون إرادتهما صورية أو يكون أحدهما في نفس الأمر مرغماً على الإرادة ، بخوف أو اضطرار. أ هـ {التحرير والتنوير حـ 2 صـ 438}\rوقال ابن عرفة : \rينبغي أن تحمل الآية على ( أن ) التراضي والتشاور قبل انقضاء الحولين لأنه جعل التشاور بعدهما غير معتبر.\rوتقدم لنا سؤال وهو أن التراضي سبب عن التشاور ( لأن المشورة ) ( تحصّل ) التراضي أو عدمه فكان الأنسب تقديم التشاور على التراضي ).\rقال : وتقدم الجواب بأنه أفاد عدم الاقتصار على تراضيهما فإذا تراضيا على الفصال وكانت مشورتهما للغير تنتج أن المصلحة في عدم الفصال فلا عبرة بما تراضيا عليه.\r","part":7,"page":39},{"id":2650,"text":"قيل لابن عرفة : أو يجاب بأنّه لو قيل : عن تشاور وتراض ، لأفاد تبعية أحدهما للآخر فإن المستشير أضعف رتبة ( من ) المستشار فقدم الرضى ليفيد اعتبار رضاهما معا من غير تبعية ؟\rفقال ابن عرفة : ليس في الآية أن أحدهما يستشير مع الآخر وإنّما يَسْتَشِيرَانِ مع الأجنبي.\rقال ابن عرفة : ( وعبر ) بـ ( إنْ ) دون ( إِذَا ) لأن النفوس مجبولة على محبة الولد فإرادتهم الفصال أقل بالنسبة إلى إرادة الرضاع ، فكأنه غير واقع ، أو يكون أفاد أنّه ( غير ) ( مرجوح ) شرعا. وعبر في الثاني بـ ( إذا ) لأن استرضاع الولد للأجنبية ( مرجوح ) بالنسبة إلى إرضاع أمه.\rقيل لابن عرفة : ما الفائدة في هذه الآية مع أن معناها مستفاد من قوله : {والوالدات يُرْضِعْنَ أَوْلاَدَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَن يُتِمَّ الرضاعة} فمفهومها أن من لم يرد الإتمام فلا جناح عليه في الفصال.\rفقال : هذا جاء احتراسا لأن مفهوم تلك أن من أراد الفصال له ذلك فاقتضت الآية هذه اعتبار رضاهما معا بذلك.\rفقيل : قوله لمن أراد أن يتم الرضاعة يفيد هذا لأنه إن أراد أحدهما ( الفصال ) وأراد الآخر الإتمام لم يتراضيا معا بالفصال ؟\rفقال : أفادت هذه زيادة الأمر بمشورتهما غيرهما.\rقال : وقوله {تَرَاضٍ مِّنْهُمَا} ولم يقل : عن تراضيهما ، ليفيد التفسير بعد الإتمام كما قال الزمخشري في قوله الله تعالى : {وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ القواعد مِنَ البيت} قوله تعالى : {فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِمَا...}.\rدليل على مرجوحية الفصال لأن اللّفظ غالب استعماله في فعل المرجوح. أ هـ {تفسير ابن عرفة صـ 302}\rفائدة\rقال الفخر :","part":7,"page":40},{"id":2651,"text":"دلت الآية على أن الفطام في أقل من حولين لا يجوز إلا عند رضا الوالدين وعند المشاورة مع أرباب التجارب وذلك لأن الأم قد تمل من الرضاع فتحاول الفطام والأب أيضاً قد يمل من إعطاء الأجرة على الإرضاع ، فقد يحاول الفطام دفعاً لذلك ، لكنهما قلما يتوافقان على الإضرار بالولد لغرض النفس ، ثم بتقدير توافقهما اعتبر المشاورة مع غيرهما ، وعند ذلك يبعد أن تحصل موافقة الكل على ما يكون فيه إضرار بالولد ، فعند اتفاق الكل يدل على أن الفطام قبل الحولين لا يضره ألبتة فانظر إلى إحسان الله تعالى بهذا الطفل الصغير كم شرط في جواز إفطامه من الشرائط دفعاً للمضار عنه ، ثم عند اجتماع كل هذه الشرائط لم يصرح بالإذن بل قال : {لاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ} وهذا يدل على أن الإنسان كلما كان أكثر ضعفاً كانت رحمة الله معه أكثر وعنايته به أشد. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 6 صـ 106}\rقال ابن عاشور : \rوقوله : {وتشاور} هو مصدر شاور إذا طلب المشورة.\rوالمشورة قيل مشتقة من الإشارة لأن كل واحد من المتشاورين يشير بما يراه نافعاً فلذلك يقول المستشير لمن يستشيره : بماذا تشير عليَّ كأنَّ أصله أنه يشير للأمر الذي فيه النفع ، مشتق من الإشارة باليد ، لأن الناصح المدبر كالذي يشير إلى الصواب ويعينه له من لم يهتد إليه ، ثم عدي بعلى لما ضمن معنى التدبير ، وقال الراغب : إنها مشتقة من شار العسل إذا استخرجه ، وأياً ما كان اشتقاقها فمعناها إبداء الرأي في عمل يريد أن يعمله من يشاور. أ هـ {التحرير والتنوير حـ 2 صـ 438}\rسؤال : لم عطف التشاور على التراضي ؟ \rالجواب : عطف التشاور على التراضي تعليماً للزوجين شؤون تدبير العائلة ، فإن التشاور يظهر الصواب ويحصل به التراضي. أ هـ {التحرير والتنوير حـ 2 صـ 438}\r","part":7,"page":41},{"id":2652,"text":"قوله تعالى : {وَإِنْ أَرَدْتُمْ أَنْ تَسْتَرْضِعُوا أَوْلَادَكُمْ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِذَا سَلَّمْتُمْ مَا آَتَيْتُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ}\rالمناسبة\rقال البقاعى : \rولما بين رضاع الوالدات وقدمه دليلاً على أولويته أتبعه ما يدل على جواز غيره فقال : {وإن أردتم} أي أيّها الرجال {أن تسترضعوا} أي أن تطلبوا من يرضع {أولادكم} من غير الأمهات {فلا جناح} أي ميل بإثم {عليكم إذا سلمتم} أي إلى المراضع {ما آتيتم} أي ما جعلتم لهن من العطاء {بالمعروف} موفراً طيبة به أنفسكم من غير تشاحح ولا تعاسر لأن ذلك أقطع لمعاذير لمراضع فهو أجدر بالاجتهاد في النصيحة وعدم التفريط في حق الصغير.\rولما كان التقدير : فافعلوا جميع ما أمرتكم به وانتهوا عن جميع ما نهيتكم عنه فقد جمعت لكم مصالح الدارين في هذا الكتاب الذي هو هدى للمتقين ، عطف عليه قوله : {واتقوا الله} أي الذي له القدرة الشاملة والعلم الكامل ثم خوفهم سطواته بقوله منبهاً على عظم هذه الأحكام {واعلموا} وعلق الأمر بالاسم الأعظم الجامع لجميع الأسماء الحسنى فقال : {أن الله} أي المحيط بصفات الكمال تعظيماً للمقام ولذلك أكد علمه سبحانه وتعالى هنا على نحو ما مضى في {وما تفعلوا من خير فإن الله به عليم} [ البقرة : 215 ] بتقديم قوله للإعلام بمزيد الاهتمام {بما تعملون} أي من سر وعلن.\rولما كانت هذه الأحكام أدق مما في الآية التي بعدها وكثير منها منوط بأفعال القلوب ختمها بما يدل على البصر والعلم فقال : {بصير} أي بالغ العلم به فاعملوا بحسب ذلك. أ هـ {نظم الدرر حـ 1 صـ 441 ـ 442}\rقال الفخر : \rاعلم أنه تعالى لما بين حكم الأم وأنها أحق بالرضاع ، بين أنه يجوز العدول في هذا الباب عن الأم إلى غيرها ثم في الآية مسائل : \r","part":7,"page":42},{"id":2653,"text":"المسألة الأولى : قال صاحب \"الكشاف\" : استرضع منقول من أرضع ، يقال : أرضعت المرأة الصبي واسترضعها الصبي ، فتعديه إلى مفعولين ، كما تقول : أنجح الحاجة واستنجحته الحاجة والمعنى : أن تسترضعوا المراضع أولادكم ، فحذف أحد المفعولين للاستغناء عنه ، كما تقول : استنجحت الحاجة ولا تذكر من استنجحته ، وكذلك حكم كل مفعولين لم يكن آخرهما عبارة عن الأول ، وقال الواحدي : {أَن تَسْتَرْضِعُواْ أولادكم} أي لأولادكم وحذف اللام اجتزاءً بدلالة الاسترضاع ، لأنه لا يكون إلا للأولاد ، ولا يجوز دعوت زيداً وأنت تريد لزيد ، لأنه تلبيس ههنا بخلاف ما قلنا في الاسترضاع ، ونظير حذف اللام قوله تعالى : {وَإِذَا كَالُوهُمْ أَوْ وَّزَنُوهُمْ} [ المطففين : 3 ] أي كالوا لهم أو وزنوا لهم. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 6 صـ 106}\rقال ابن عاشور : \rوقوله : {وإن أردتم أن تسترضعوا أولادكم فلا جناح عليكم} انتقال إلى حالة إرضاع الطفل غيرَ والدته إذا تعذر على الوالدة إرضاعه ، لمرضها ، أو تزوجها أو إن أبت ذلك حيث يجوز لها الإباء ، كما تقدم في الآية السابقة ، أي إن أردتم أن تطلبوا الإرضاع لأولادكم فلا إثم في ذلك.\rوالمخاطب بأردتم : الأبوان باعتبار تعدد الأبوين في الأمة وليس المخاطب خصوص الرجال ، لقوله تعالى فيما سبق {والوالدات يرضعن أولادهن} فعلم السامع أن هذا الحكم خاص بحالة تراضي الأبوين على ذلك لعذر الأم ، وبحالة فقد الأم.\rوقد علم من قوله : {فلا جناح عليكم} أن حالة التراضي هي المقصودة أولاً ، لأن نفي الجناح مؤذن بتوقعه ، وإنما يتوقع ذلك إذا كانت الأم موجودة وأريد صرف الابن عنها إلى مرضع أخرى ، لسبب مصطلح عليه ، وهما لا يريدان ذلك إلاّ حيث يتحقق عدم الضر للابن ، فلو علم ضر الولد لم يجز ، وقد كانت العرب تسترضع لأولادها ، لا سيما أهل الشرف. أ هـ {التحرير والتنوير حـ 2 صـ 438 ـ 439}\rفروع مهمة\rقال الفخر : \r","part":7,"page":43},{"id":2654,"text":"اعلم أنا قد بينا أن الأم أحق بالإرضاع ، فأما إذا حصل مانع عن ذلك فقد يجوز العدول عنها إلى غيرها ، منها ما إذا تزوجت آخر ، فقيامها بحق ذلك الزوج يمنعها عن الرضاع ، ومنها أنه إذا طلقها الزوج الأول فقد تكره الرضاع حتى يتزوج بها زوج آخر ، ومنها أن تأتي المرأة قبول الولد إيذاء للزوج المطلق وإيحاشاً له ، ومنها أن تمرض أو ينقطع لبنها ، فعند أحد هذه الوجوه إذا وجدنا مرضعة أخرى وقبل الطفل لبنها جاز العدول عن الأم إلى غيرها ، فأما إذا لم نجد مرضعة أخرى ، أو وجدناها ولكن الطفل لا يقبل لبنها فههنا الإرضاع واجب على الأم. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 6 صـ 106 ـ 107}\rفصل\rقال الفخر : \rقرأ ابن كثير وحده {مَّا ءَاتَيْتُم} مقصورة الألف ، والباقون {مَّا ءَاتَيْتُم} ممدودة الألف ، أما المد فتقديره : ما آتيتموه المرأة أي أردتم إيتاءه وأما القصر فتقديره : ما آتيتم به ، فحذف المفعولان في الأول وحذف لفظة بِه في الثاني لحصول العلم بذلك ، وروى شيبان عن عاصم {مَا أُوتِيتُمْ} أي ما آتاكم الله وأقدركم عليه من الأجرة ، ونظيره قوله تعالى : {وَأَنفِقُواْ مِمَّا جَعَلَكُم مُّسْتَخْلَفِينَ فِيهِ} [ الحديد : 7 ].\rأ هـ {مفاتيح الغيب حـ 6 صـ 107}\rوقال ابن عاشور : \rوقوله : {إذا سلمتم ما آتيتم بالمعروف} أي إذا سلمتم إلى المراضع أجورهن.\rفالمراد بما آتيتم : الأجر ، ومعنى آتى في الأصل دفع ؛ لأنه معدى أتى بمعنى وصل ، ولما كان أصل إذا أن يكون ظرفاً للمستقبل مضمناً معنى الشرط ، لم يلتئم أن يكون مع فعل {آتيتم} الماضي.\rوتأول في \"الكشاف\" {آتيتم} بمعنى : أردتم إيتاءه ، كقوله تعالى : {إذا قمتم إلى الصلاة} [ المائدة : 6 ] تبعاً لقوله : {وإن أردتم أن تسترضعوا أولادكم} ، والمعنى : إذا سلمتم أجور المراضع بالمعروف ، دون إجحاف ولا مطل.\rوقرأ ابن كثير {أتيتم} بترك همزة التعدية.\r","part":7,"page":44},{"id":2655,"text":"فالمعنى عليه : إذا سلمتم ما جئتم ، أي ما قصدتم ، فالإتيان حينئذٍ مجاز عن القصد ، كقوله تعالى : {إذ جاء ربه بقلب سليم} [ الصافات : 84 ] وقال زهير :\rوما كان من خير أَتوه فإنما\rتوارثَه آباءُ آبائِهم قَبْلُ...\rأ هـ {التحرير والتنوير حـ 2 صـ 440}\rفائدة\rقال الفخر :\rليس التسليم شرطاً للجواز والصحة ، وإنما هو ندب إلى الأولى والمقصود منه أن تسليم الأجرة إلى المرضعة يداً بيد حتى تكون طيبة النفس راضية فيصير ذلك سبباً لصلاح حال الصبي. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 6 صـ 107}\rقال ابن عرفة :\rقرىء : \" مَّآ أُتِيتُمْ \".\rقال ابن عرفة : وفي هذه القراءة تهييج على الأمر بالتّسليم لأن تسليم الإنسان ما لا يملك أهون عليه من تسليم ما يملك. ومعنى قوله \" مَّآ آتَيْتُم \" بالنّصب أن يعطي الأب ( الأم ) دينارا على الإرضاع ثم يريد أن يسترضع الولد ( عند ) الأجنبية فلا جناح ( عليهما ) إذا سلم الدّينار للأم ولم يسترجعه من عندها. أ هـ {تفسير ابن عرفة صـ 302}\rقوله تعالى : {واتقوا الله}\rقال ابن عاشور :\rوقوله : {واتقوا الله} تذييل للتخويف ، والحث على مراقبة ما شرع الله ، من غير محاولة ولا مكابدة ، وقوله : {واعلموا أن الله} تذكير لهم بذلك ، وإلاّ فقد علموه. أ هـ {التحرير والتنوير حـ 2 صـ 440}\rوقال ابن عرفة :\rقوله تعالى : {واتقوا الله...}.\rإشارة إلى مراعاة حق الولد في ذلك لأنه لا يتكلم ولا يخبر بشيء.\rقوله تعالى : {واعلموا أَنَّ الله بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ}.\rابن عرفة : الوصف بـ ( بصير ) أشدّ في الوعيد والتخويف من الوصف بـ ( عليم ) لأن الإنسان قد يتجرأ على مخالفة سيده الغائب عنه وإن علم أنه يعلم ولا يتجرأ على مخالفته إذا كان حاضرا يشاهده وينظر إليه. أ هـ {تفسير ابن عرفة صـ 302}\rمن لطائف الإمام القشيرى فى الآية","part":7,"page":45},{"id":2656,"text":"قوله جلّ ذكره : {وَالوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلاَدَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَن يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ}.\rغايةُ الرحمة التي يُضْرب بها المَثَلُ رحمةُ الأمهات ؛ فأَمَرَ الله سبحانه الأمهاتِ بإكمال الرحمة بإرضاع المولود حَوْلَين كاملين ، وقطعُ الرضاعة عنه قبل الحولين إشارةٌ إلى أن رحمة الله بالعبد أتمُّ من رحمة الأمهات.\rثم قال جلّ ذكره : {وَعَلَى المَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالمَعْرُوفِ}.\rيعني الأب عليه رزقهن وكسوتهن - أي المرضعات - بالمعروف. لمَّا يَنُبْن عنك وَجَبَ حَقَّهُن عليك ، فإِنَّ مَنْ لك كله فعليك كله.\rثم قال جلّ ذكره : {لاَ تُكَلَّفُ نَفْسٌ إِلاَّ وُسْعَهَا}.\rادخارُ المستطاع بُخْلٌ ، والوقوفُ - عند العجز - عذر.\rثم قال جلّ ذكره : {لاَ تُضَارَّ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا}.\rفي الإرضاع وما يجب عليه.\r{وَلاَ مَوْلُودٌ لَّهُ بِوَلَدِهِ وَعَلَى الوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ}.\rيعني الوالد بولده يعني فيما يلزم من النفقة والشفقة. فكما يجب حق المولود على الوالدين يجب حق الوالدين على المولود.\rثم قوله جلّ ذكره : {فَإِنْ أَرَادَا فِصَالاً عَنْ تَرَاضٍ مِّنْهُمَا وَتَشَاوُرٍ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِمَا وَإِنْ أَرَدْتُمْ أَن تَسْتَرْضِعُوا أَوْلاَدَكُمْ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِذَا سَلَّمْتُمْ مَّا آتَيْتُمْ بِالمَعْرُوفِ وَاتَّقُوا اللهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ}.\rيعني فطاماً قبل الحولين ، فلا جناح بعدما كان القصد الصلاح. اشتملت الآية على تمهيد طريق الصحبة ، وتعليم محاسن الأخلاق في أحكام العسرة وإن من لا يَرْحَم لا يُرْحَم.\rوقال صلى الله عليه وسلم لمن ذكر أنه لم يُقَبِّل أولاده : \" إن الله لا ينزع الرحمة إلا من قلب شقي \". أ هـ {لطائف الإشارات حـ 1 صـ 184}\rفوائد ولطائف بلاغية\rقال أبو حيان : ","part":7,"page":46},{"id":2657,"text":"وفي الآية ضروب من البيان والبديع ، منها : تلوين الخطاب ، ومعدوله في : {والوالدات يرضعن} فإنه خبر معناه الآمر على قول الأكثر ، والتأكيد : بكاملين ، والعدل عن رزق الأولاد إلى رزق أمهاتهنّ ، لأنهنّ سبب توصل ذلك. والإيجاز في : {وعلى الوارث مثل ذلك} وتلوين الخطاب : في {وإن أردتم أن تسترضعوا} فإنه خطاب للآباء والأمهات ثم قال : {إذا سلمتم} وهو خطاب للآباء خاصة ، والحذف في : {أن تسترضعوا} التقدير : مراضع للأولاد ، وفي قوله : {إذا سلمتم ما آتيتم بالمعروف}. أ هـ {البحر المحيط حـ 2 صـ 229}\rحكمة تحديد مدة الرضاعة بحولين كاملين من منظور علمي\rأ.د. مجاهد محمد أبو المجد\r","part":7,"page":47},{"id":2658,"text":"ذكر كتاب نلسون وهو أحد المراجع المشهورة في طب الأطفال في طبعته عام 1994م : أن الأبحاث الحديثة أظهرت وجود علاقة ارتباطية قوية بين عدد ومدة الرضاعة من ثدي الأم وبين ظهور مرض السكري من النوع الأول في عدد من الدراسات على الأطفال في كل من النرويج والسويد والدنمارك. وعلل الباحثون ذلك بأن لبن الأم يمد الطفل بحماية ضد عوامل بيئية تؤدي إلى تدمير خلايا بيتا البنكرياسية في الأطفال الذين لديهم استعداد وراثي لذلك. وأن مكونات الألبن الصناعية وأطعمة الرضع تحتوي على مواد كيميائية سامة لخلايا بيتا البنكرياسية ، وأن ألبان البقر تحتوي على بروتينات يمكن أن تكون ضارة لهذه الخلايا ، كما لوحظ أيضا في بعض البلدان الأخرى أن مدة الرضاعة من الثدي تتناسب عكسيا مع حدوث مرض السكري لذلك ينصح الباحثون الآن بإطالة مدة الرضاعة من ثدي الأم للوقاية من هذا المرض الخطير وللحفاظ على صحة الأطفال في المستقبل. وبناء على هذه الحقائق برزت في السنوات الأخيرة نظرية مفادها أن بروتين لبن البقر يمكن أن يحدث تفاعلاً حيوياً مناعياً يؤدي إلى تحطيم خلايا بيتا البنكرياسية التي تفرز الأنسولين. ويعضد هذه النظرية وجود أجسام مضادة بنسب مرتفة لبروتين لبن البقر في مصل الأطفال المصابين بداء السكري بالمقارنة مع الأطفال غير المصابين بالمرض كمجموعة مقارنة(Borch- Nelson (1994) Text book of pediatric, 15th.ed).\r","part":7,"page":48},{"id":2659,"text":"وفي دراسة حديثة منشورة في مجلة السكري في يناير 1998م : استخلص الباحثون أن البروتين الموجود في لبن الأبقار يعتبر عاملاً مستقلاً في إصابة بعض الأطفال بمرض السكري بغض النظر عن الاستعداد الوراثي(Scand J Immunol. 1998 Fed, 47 : 2, 131-5). وفي دراسة حديثة منشورة في فبراير 1998م في جريدة المناعة أشار المؤلفون إلا أن تناول لبن البقر وبعض الألبان الصناعية كبديل للبن الأم يؤدي إلى زيادة نسبة الإصابة بمرض السكري في هؤلاء الأطفال ، وقد أجريت هذه الدراسة على أطفال صغار السن حتى الشهر التاسع من العمر ولهذ نصح المؤلفون بإطالة مدة الرضاعة الطبيعية(Saukkonen et al.,Daiadetologia, 1998 Jan. 4 : 7,72-8).\rوفي دراسة مشابهة منشورة في مجلة السكري يناير 1994م : أوضح الباحثون وجود ارتباط قوي بين تناول منتجات الألبان الصناعية (خاصة لبن الأبقار) في السن المبكر حتى العام الأول من العمر وازدياد نسبة الإصابة بمرض السكري(Garstein He, Diabetes, 1994 Jan. 17 : 1,13-9). وفي دؤاسة أجريت بقسم الباطنة سنة 1995م تحت إشرافي وجدنا أن الأجسام المناعية المضادة للبن الأبقار وجدت في مصل الأطفال الذين تناولوا لبن الأبقار حتى نهاية العام الثاني أما الأطفال الذين تناولوا لبن الأبقار بعد عامين من العمر فلم يتضح فيهم وجود هذه الأجسام المناعية مما يظهر جلياً حكمة تحديد القرآن الكريم للرضاعة بعامين كاملين. لكن لماذا يسبب لبن الأبقار هذا الضرر قبل العام الثاني بينما يزول الأثر السيء للبن الأبقار بعد هذه المدة ؟ \r","part":7,"page":49},{"id":2660,"text":"في دراسة أجريت بفنلندا عام 1994م منشورة في مجلة المناعة الذاتية(Autoimmunity 1994 23 : 165-74) : يقول المؤلفون : أن بروتين لبن الأبقار يمر بحالته الطبيعية من الغشاء المبطن للجهاز الهضمي نتيجة عدم اكتمال نمو هذا الغشاء من خلال ممرات موجودة فيه. حيث إن إنزيمات الجهاز الهضمي لا تستطيع تكسير البروتين إلى أحماض أمينية ولذلك يدخل بروتين لبن الابقار كبروتين مركب مما يحفز على تكوين أجسام مناعية داخل جسم الطفل.\rوتشير المراجع الحديثة إلى أن الإنزيمات والغشاء المبطن للجهاز الهضمي وحركية هذا الجهاز وديناميكية الهضم والامتصاص لا يتكل عملها بصورة طبيعية في الأشهر الأولى بعد الولادة وتكتمل تدريجيا حتى نهاية العام الثاني(Lucas et : (1992) Lancet 59722-730).\rومجموع هذه الأبحاث يشير إلى أنه كلما اقتربت مدة الرضاعة الطبيعية من عامين كلما قل تركيز الأجسام المناعية الضارة بخلايا بيتا البنكرياسية التي تفرز الأنسولين وكلما بدأت الرضاعة البديلة وخاصة لبن الأبقار في فترة مبكرة بعد الولادة كلما ازداد تركيز الأجسام المناعية الضارة في مصل الأطفال(Pettitt et;(1997) Lancet : 16-168).\r","part":7,"page":50},{"id":2661,"text":"وفي إشارة علمية دقيقة أخرى للقرآن الكريم نراه يحدد مدة الرضاعة بما يقرب من حولين كما جاء في الآية رقم 14 في سورة لقمان {ووصينا الإنسان بوالديه حملته أمه وهناً على وهن وفصاله في عامين} والآية رقم 15 في سورة الأحقاف {حملته أمه كرهاً ووضعته كرهاً وحمله وفصاله ثلاثون شهراً} ويفهم من هذا إن أرضاع الحولين ليس حتماً بل هو التمام ، ويجوز الاقتصار على ما هو دونه ، كما أشارت الأحكام الإسلامية الخاصة بالرضاعة إلى ذلك اعتمادا على قوله تعالى : {فإن أرادا فصالاً عن تراض منهما وتشاور فلا جناح عيهما..}الآية. يقول بن كثير- رحمه الله- أي فإن اتفق والدا الطفل على فطامه قبل الحولين ورأيا ذلك في مصلحه له وتشاورا في ذلك وأجمعا عليه ، فلا جناح عليهما في ذلك ، فيؤخذ منه أن انفراد أحدهما بذلك بدون الآخر لا يكفي ، ولا يجوز لواحد منهما أن يستبد بذلك من غير مشاورة الآخر ، قاله الثوري وغيره. وهذا فيه احتياط للطفل والتزام للنظر في أمره وهو من رحمة الله بعباده حيث حجر على الوالدين في تربية طفلهما وأرشدهما إلى ما يصلحهما ويصلحه(14).\rوهكذا يتضح جلياً حكمة تحديد الرضاعة بحولين كاملين في إشارة علمية دقيقة من القرآن الكريم. وجاءت الأبحاث العلمية الحديثة لتؤكد ولتبرهن على صدق إعجاز ما أخبر به القرآن الكريم ، منذ أكثر من ألف وأربعمائة عام قال تعالى : {سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم حتى يتبين لهم أنه الحق أو لم يكف بربك أنه على كل شيء شهيد} فصلت53. أ هـ {بحث للدكتور مجاهد محمد أبو المجد}\rالإشارات الكونية في القرآن الكريم ومغزي دلالتها العلمية\rبقلم : الدكتور زغلول النجار\rقوله تعالى : {والوالدات يرضعن أولادهن حولين كاملين لمن أراد أن يتم الرضاعة... * البقرة : 233}\r","part":7,"page":51},{"id":2662,"text":"تثبت البحوث الصحية والنفسية اليوم أن فترة عامين ضرورية لينمو الطفل نموا سليما من الجهتين الصحية والنفسية. ولكن نعمة الله علي الجماعة المسلمة لم تنتظر بهم حتي يعلموا هذا من تجاربهم , فالرصيد الإنساني من ذخيرة الطفولة لم يكن ليترك يأكله الجهل كل هذا الأمد الطويل , والله رحيم بعباده , خاصة بهؤلاء الصغار الضعاف المحتاجين للعطف والرعاية...\rمن الدلالات الطبية والتشريعية في النص الكريم\rيؤكد هذا النص القرآني الكريم أهمية الرضاعة الطبيعية من الأم الوالدة لمدة أقصاها حولين كاملين ( أربعة وعشرون شهرا قمريا ) ولذلك قال ـ تعالي ـ والوالدات يرضعن أولادهن حولين كاملين لمن أراد أن يتم الرضاعة ( البقرة : 233) وهذا النص فيه من الدلالات الطبية والتشريعية مايمكن إيجازه فيما يلي :\rأولا : من الدلالات الطبية :\r(1) أن لبن الوالدة مناسب في تركيبه الكيميائي وصفاته الطبيعية وكمياته لحاجة الرضيع طوال فترة الرضاعة , ومن معجزات الخالق ـ سبحانه وتعالي ـ أن هذا التركيب الكيميائي وتلك الصفات والكميات للبن الوالدة يتغير تلقائيا مع تغير أحوال الرضيع ووزنه وهل هو مكتمل العمر الرحمي أو مبتسر , ومع إحتياجاته الغذائية وحالته الصحية بل مع مراحل الرضعة الواحدة من أولها إلي آخرها. ففي الأسبوع الأول من عمر الرضيع يحتوي لبن الوالدة علي كميات أعلي من البروتينات , ومن كريات الدم البيضاء والفيتامينات خاصة فيتامين ـ أ , ومادة اللاكتوفرين المثبتة لعنصر الحديد حتي يستفيد منه الرضيع , وعلي كميات أقل من الدهون والمواد الكربوهيدراتية عن اللبن في الأسابيع التالية.","part":7,"page":52},{"id":2663,"text":"(2) أن الدهون في لبن الأم هي دهون ثلاثية بسيطة يسهل هضمها وامتصاصها مع كميات متدرجة من الأحماض الدهنية المشبعة والزيوت الدهنية الطيارة , وكذلك الكربوهيدرات وأغلبها سكر ثنائي بسيط يعرف باسم سكر اللبن أو اللاكتوز (Lactose) يسهل علي معدة الرضيع هضمه وامتصاصه , ويحول بعضه إلي حمض اللبن (Lacticacid) في أمعاء الرضيع مما يساعد علي امتصاص عنصر الكالسيوم اللازم لبناء عظامه. والأملاح في لبن الوالدة محددة بنسب يسهل امتصاصها وتمثيلها في جسد الرضيع , والفيتامينات في هذا اللبن الفطري كافية لتلبية كل احتياجات الرضيع طوال الشهور الستة الأولي من عمره , وفيه من الخمائر الهاضمة مايعين معدته علي امتصاص مافي الرضعة من مركبات كيميائية.\r(3) أن لبن الوالدة معقم تعقيما ربانيا , ولذلك فهو خال تماما من الميكروبات والفيروسات ومن غيرها من مسببات الأمراض خاصة إذا كانت الوالدة من صاحبات الأيدي المتوضئة والمحافظات علي طهارة البدن والثياب والمكان , والحريصات علي سلامة فلذات أكبادهن.\rهذا بالإضافة الي أن هذا اللبن الفطري جاهز للرضيع في كل زمان ومكان ودائم الطزاجة , والوجود في درجة حرارة توائم المناخ المحيط به صيفا وشتاء.\r(4) في لبن الوالدة من المضادات الحيوية النوعية ومن مقويات جهاز المناعة مايحمي الرضيع من كثير من الأمراض خاصة أمراض الحساسية ( التحسس ). والإسهال , والنزيف المعوي , والمغص , وغيرها , وعلي ذلك فهو أفضل غذاء للوليد حتي تمام السنتين من عمره وإن كان بإمكان الأم إضافة قدر ملائم من الطعام المناسب ابتداء من الشهر السادس من عمر الوليد.\r","part":7,"page":53},{"id":2664,"text":"(5) أن الرضاعة الطبيعية ليست فقط مفيدة للرضيع بل للوالدة المرضعة أيضا , لأن الرضاعة تساعد في تنشيط إفرازات الغدد المختلفة في جسدها مما يعين علي استقرارها النفسي والجسدي , وعلي وقف نزيف مابعد الولادة برجوع الرحم الي حجمه الطبيعي وانطماره , هذا بالإضافة إلي إن الهرمونات المسئولة عن إدرار اللبن هي هي المسئولة عن عملية تثبيط عملية التبويض ( إنتاج البيوضات ) حتي لاتحمل الأم وهي لاتزال ترضع لما في ذلك من أخطار صحية عليها وعلي رضيعها , كما يريحها ذلك من آلام الطمث وهي في مرحلة الإرضاع , وفوق ذلك كله لوحظ أن الوالدات المرضعات هن أقل إصابة بالأورام السرطانية ـ خاصة في الصدر وفي المبيضين ـ عن كل من غير المرضعات , وغير الوالدات , وغير المتزوجات.\r(6) أن نشاط مخ المرضعة أثناء الرضاعة هو من الأمور المتعلقة بنشاط وظائف الأعضاء في جسدها كله حيث تنبعث إشارات عصبية من الهالة الداكنة المحيطة بحلمة الثدي الي الغدة النخامية بالمخ عن طريق العصب الحائر فتفرز هرمون البرولاكتين (Prolactin) اللازم لإنتاج اللبن في الثديين عن طريق الخلايا المختصة بذلك في كل منهما ـ كما أن عملية الرضاعة ذاتها تنبه الغدة النخامية أيضا لإفراز هرمون الأكسيتوسين (Oxytocin) المنشط لعضلات الثدي فتبدأ في الانقباض والانبساط من أجل إفراز اللبن وتوجيهه إلي الحلمة , وعدم استخدام هذه الأجهزة التي وهبها الله ـ تعالي ـ لجسد المرأة قد يكون فيه من الأضرار الصحية لها مالايعلمه إلا الله ـ تعالي ـ.\r","part":7,"page":54},{"id":2665,"text":"(7) أن الانعكاسات الإيجابية التي تحققها عملية الرضاعة الطبيعية علي نفسية كل من الرضيع والمرضعة , والتي تتجلي في تقوية الصلة الروحية بينهما علي أساس من التعاطف والحب والحنان والارتباط الوثيق هي من الأمور الفطرية التي أودعها الخالق ـ سبحانه وتعالي ـ في قلب كل من الوالدة والمولود , وبفقدانها يفقد كل منهما مرحلة من مراحل حياته تهبه من أسباب التوازن النفسي والعاطفي مايجعله مخلوقا سويا.\r(8) ولما كان للرضاعة في الحولين الأولين من عمر الوليد تأثير علي صفاته الوراثية أعطي القرآن الكريم الأولوية في إرضاع المولود للأم التي ولدته فقال ربنا ـ تبارك وتعالي ـ : والوالدات يرضعن أولادهن حولين كاملين لمن أراد أن يتم الرضاعة.... ( البقرة : 233)\rوالأمر الإلهي بالإرضاع جاء بصيغة المضارع إقرارا لاستمرارية هذا الأمر لكل والدة أن ترضع مولودها تحقيقا لدور الأمومة ولحق مولودها عليها. ولكن في بعض الظروف الخاصة التي لاتستطيع الوالدة أن ترضع فيها وليدها صرح القرآن الكريم بأن ترضع له أخري مع بقاء الأولوية في الرضاعة للأم الوالدة فقال ـ تعالي ـ.. وإن تعاسرتم فسترضع له أخري ( الطلاق : 6).\r","part":7,"page":55},{"id":2666,"text":"(9) ويفهم من النص الكريم أن تمام مدة الرضاعة هو حولان كاملان ( أربعة وعشرون شهرا قمريا ) ولكن ترك الأمر لتقدير الوالدين فقال ـ تعالي ـ : فإن أرادا فصالا عن تراض منهما وتشاور فلا جناح عليهما...( البقرة : 233) علي أن تمام الرضاعة هو عامان وذلك في مقام آخر بقوله ـ تعالي ـ : ... وفصاله في عامين..( لقمان : 14) وذلك لتباين مدد الحمل بين ستة وتسعة أشهر قمرية ( بين 117 و266 يوما ) لقوله تعالي : ... وحمله وفصاله ثلاثون شهرا...( الأحقاف : 15). فإذا ولد الحميل لستة أشهر قمرية كان واجبا إتمام مدة الحمل والفصال ثلاثين شهرا قمريا , ولكن إذا اكتملت فترة الحمل إلي تسعة أشهر قمرية كان كافيا لفترة الرضاعة التامة واحد وعشرون شهرا ليكمل فترتي الحمل والرضاعة إلي ثلاثين شهرا.\r(10) أثبتت الأبحاث في مجال طب الأطفال ( كما أشار الأستاذ الدكتور مجاهد أبو المجد ) أن هناك ارتباطا وثيقا بين الرضاعة من منتجات الألبان الحيوانية المصنعة وغير المصنعة ـ خاصة لبن الأبقار ـ وبين انتشار مرض الداء السكري بين الأطفال الرضع , وانعدام ذلك في حالات الرضاعة الطبيعية من الوالدة. وكان تعليل ذلك أن البروتين الموجود في لبن الأبقار يؤدي الي تكوين أجسام مناعية مضادة في دم الرضع دون العامين لأن انزيمات الهضم عندهم لاتستطيع تكسير البروتينات المعقدة في ألبان الأبقار , وأن هذه الأجسام المناعية تقوم بتدمير أعداد من الخلايا المهمة في بنكرياس الرضيع من مثل الخلايا التي تقوم بإفراز مادة الإنسولين.","part":7,"page":56},{"id":2667,"text":"ولكن بعد تجاوز العام الثاني من عمر الوليد فإن تناوله للبن الأبقار لايسبب تكون مثل هذه الأجسام المناعية المضادة ويفسر ذلك باكتمال نمو الغشاء المخاطي المبطن للجهاز الهضمي عند الوليد والذي لا يتم اكتماله إلا بعد عامين كاملين من عمره , فتستطيع إنزيمات الهضم عنده تكسير البروتينات المعقدة في ألبان الحيوانات فلا تتكون أجسام مناعية مضادة لها , وهنا تتضح ومضة الإعجاز العلمي والطبي في قول ربنا ـ تبارك وتعالي ـ والوالدات يرضعن أولادهن حولين كاملين لمن أراد أن يتم الرضاعة...( البقرة : 233).\r(11) كذلك أثبتت الدراسات العلمية أخيرا أن ألبان الأنعام ـ خاصة ألبان الأبقار ـ تحتوي علي عدد من الأحماض الأمينية تزيد بثلاثة إلي أربعة الأمثال علي ما في لبن الأم مما قد يؤدي إلي ارتفاع نسبة تلك الأحماض في دم الرضيع فيعرضه للإصابة ببعض الإعاقات الذهنية , ويؤدي إلي رفع نسب وفيات الرضع الذين يتغذون أساسا علي الألبان الحيوانية غير المصنعة والمصنعة.\rثانيا : من الدلالات التشريعية :\r(1) في قول ربنا ـ تبارك وتعالي ـ : والوالدات يرضعن أولادهن حولين كاملين لمن أراد أن يتم الرضاعة...( البقرة : 233) دليل علي أن الأولوية في رضاعة المولود هي لأمه التي ولدته , وذلك لأن الدراسات المختبرية أكدت أن تفاصيل التركيب الكيميائي لألبان النساء يختلف من امرأة الي أخري. وهذا له تأثيره علي نمو الوليد واتزانه العاطفي والنفسي , وان الجهاز الهضمي للرضيع مهيأ أفضل تهيئة لهضم وامتصاص لبن أمه التي ولدته.\r(2) ويفهم من النص الكريم أن الوالدات لسن فقط اللائي ولدن , ولكن تنزل المرضعة منزلة الوالدة فتصبح كل مرضعة والدة , مع بقاء الأولوية في الرضاعة للأم التي ولدت , ولما كانت المرضعة والدة كانت الحرمة من الرضاعة في الحولين الأولين من عمر الرضيع لقول الرسول ـ صلي الله عليه وسلم : يحرم من الرضاعة مايحرم من النسب ( صحيح مسلم ).","part":7,"page":57},{"id":2668,"text":"ولقوله : الرضاعة ما كان في الحولين ( جامع الترمذي ).\rوقوله : لايحرم من الرضاعة إلا مافتق الأمعاء من الثدي وكان قبل الفطام ( جامع الترمذي )\rوقوله : لايحرم من الرضاع إلا ماأنبت اللحم وأنشأ العظم )( سنن أبي داود ). أ هـ {الإشارات الكونية في القرآن الكريم ومغزي دلالتها العلمية\rبقلم : الدكتور / زغلول النجار}\rماذا يقول أطباء الغرب عن الرضاعة من لبن الأم\rالدكتور حسان شمسي باشا\rطبيب وباحث إسلامي\rلبن الأم منحة السماء.. لزائر جديد أطل على وجه الأرض..\rتهيأت لتركيبه مصانع أودعها الله تعالى في جسم الأم ، وفاق بتركيبه كل لبن.. يمر عبره كل ما يحتاج إليه الطفل من وقاية وغذاء.. ويعطي الأم إحساسا يوثق عرى الروابط بينها وبين وليدها.\rورغم ذلك.. وصلت نسبة الإرضاع الطبيعي في أوروبا وأمريكا إلى الحضيض في الخمسينات ، وظن الكثير من الأمهات - بتأثير الدعاية التجارية - أن الإرضاع الاصطناعي أفضل من الإرضاع الطبيعي ، وأن الحليب الاصطناعي يحتوي على عناصر إضافية لا وجود لها في لبن الأم.\rواقتدت كثيرات من نسائنا في بلادنا العربية والإسلامية بنساء الغرب ، فانتشر الإرضاع الصناعي ، وأصبح الإرضاع الطبيعي - في وقت من الأوقات - تقليدا من التقاليد القديمة\rومنذ ذلك الحين توالت الأبحاث والدراسات العلمية في أوروبا وأمريكا تؤكد حقيقة واحدة مفادها أن ( لبن الأم هو الأفضل ).\rولا عجب أن نرى كباء خبراء الطب في العالم ينشرون أبحاثهم ، ويكتبون المقالات العديدة عن فوائد لبن الأم. وتوالت الصيحات من مختلف الأوساط الطبية من جامعات غربية تدعو الأمهات إلى العودة إلى لبن الأم.\r","part":7,"page":58},{"id":2669,"text":"تقول الأستاذة الدكتورة ( روش لورنس ) أستاذة أمراض الأطفال بجامعة روتشستر في نيويورك بالولايات المتحدة : \" ينبغي أن تعلم النساء أن لبن الأم هو أفضل غذاء للطفل ، وأنه يحتوي على حماية مناعة خاصة ، وحماية ضد الالتهابات الجرثومية غير متوفرة في أي نوع آخر من الغذاء. ورغم تقدم العلوم الطبية ، إلا أنها لم تتمكن بحال من الأحوال من إنتاج لبن يشبه لبن الأم ، وأنه ليس هناك على وجه الأرض محلول بيولوجي يستطيع أن يغني تماما عن لبن الأم \".\rويقول البروفسور بورسدن : \" إذا كانت الكائنات الثديية تحتاج إلى لبن أمها وإلى صلة جسدية وثيقة مع أمها لعدة سنين ، فمن الأولى أن يتمتع الطفل البشري بلبن أمه بكل ما فيه من خصائص ومزايا لمدة 4 سنوات \".\rوتقول نشرة حديثة أصدرها قسم الصحة والأمن الاجتماعي في بريطانيا : \" يظل لبن الأم أفضل حليب حتى السنتين من العمر ، وبإمكان الأم إضافة أنواع الطعام الأخرى منذ الشهر الرابع \".\rوصدق الله تعالى حيث يقول : {والوالدات يرضعن أولادهن حولين كاملين لمن أراد أن يتم الرضاعة} ( البقرة آية 233 )\rلقد صحا الغرب إلى هذه الحقيقة حديثا ، وبدأت وسائل الإعلام الطبية في أوروبا وأمريكا تنبه النساء إلى ضرورة العودة إلى الإرضاع الطبيعي.\rولقد نشرت مجلة اللانست الطبية البريطانية مقالة رئيسة تسائل فيها المؤلف ( لماذا لا تزداد العودة إلى الإرضاع الطبيعي بسرعة أكبر مما هي عليه الآن ؟ رغم إجماع كل الآراء الطبية على فائدة لبن الأم ، وسموه على الحليب الاصطناعي ).\rويعزو المؤلف سبب ذلك إلى سيطرة الشركات المنتجة للحليب الاصطناعي على الكثير من المؤسسات التي ترعى شؤون الأطفال ، والدعاية الكبيرة التي تروجها هذه الشركات في إقناع الأمهات - رغم أن ذلك خطأ شنيع وأكذوبة لا حقيقة لها - بأن الحليب الاصطناعي يغني عن لبن الأم.\r","part":7,"page":59},{"id":2670,"text":"وفي الوقت الذي يشيع فيه استعمال الحليب الاصطناعي في بلادنا العربية والإسلامية نجد أن الحكومة البريطانية قد أصدرت منذ ثلاث عشرة سنة قرارا بمنع هذه الشركات من ممارسة الدعاية لأصناف الحليب الاصطناعي ، وقد اختفت تماما تلك الدعايات من شاشات التلفزيون ووسائل الإعلام الأخرى في بريطانيا.\rونشرت مجلة اللانست البريطانية مقالا رئيسا جاء فيه :\rإن 95 % من الأمهات قادرات إذا رغبت على إرضاع أطفالهن الإرضاع الطبيعي لمدة 4 - 6 شهور ، وأنه يمكن لهؤلاء الأمهات خلال هذه المدة أن يؤمن كميات كافية من اللبن تكفي لنمو أطفالهن نموا طبيعيا.\rإنه بإمكان بعض الأمهات أن يرضعن أطفالهن لبن الثدي منفردا لمدة اثني عشر شهرا أو أكثر.\rإن الأطفال الذين يتناولون لبن الأم مع الحليب الاصطناعي هم أكثر عرضة لالتهابات المعدة والأمعاء.\rوأعرب تقرير منظمة الصحة الدولية عن الأسى لوضع العالم الثالث الذي يقبل استعمال الحليب الاصطناعي في الوقت الذي تتراجع فيه أوروبا وأمريكا عن ذلك.\rويقول المؤلف : \" إن استعمال الحليب الاصطناعي في ازدياد مستمر في العالم الثالث مع ما ينطوي عليه ذلك من نتائج خطيرة على صحة الطفل \".\rويتابع المؤلف : \" إن الشركات المنتجة للحليب الاصطناعي تتنافس فيما بينها عن طريق ممثلين يمارسون الدعاية لهذه المنتجات بشتى الوسائل \".\rويحذر المؤلف هذه الشركات المنتجة للحليب الاصطناعي بأن العالم سيصحو عاجلا أم آجلا ويعود إلى لبن الأم. وأن على هذه الشركات ألا تتوقع ازديادا من مبيعاتها من الحليب الاصطناعي.\rوتقول الأستاذة ( لورنس ) : \" على الرغم من أن العلوم الطبية قد خطت خطوات عظيمة في مجال التغذية إلا أنها لم تستطع أن تقلد إلا جزءا بسيطا من لبن الأم. فهناك أكثر من مائة أنزيم ( خميرة ) في لبن الأم ، كلها غير موجودة في الحليب الاصطناعي.","part":7,"page":60},{"id":2671,"text":"إن لبن الأم يحتوي على حماية مناعية خاصة ، وحماية ضد الإنتان غير متوفرة في أي نوع آخر من الغذاء \".\rوتختم هذه الأستاذة مقالها بالقول : \" ليس هناك على وجه الأرض محلول بيولوجي يستطيع أن يغني تماما عن لبن الأم ، ويقوم بتأمين الخلايا الحية والإنزيمات الفعالة ، والحماية المناعية ضد الالتهابات ، والفوائد النفسية \".\rوجاء في كتاب ( لبن الأم هو الأفضل - Breast is best - ) للدكتور ستانوي : \r\" مما لا شك فيه أن سرطان الثدي - وهو أكثر السرطانات شيوعا عند النساء - قد أصبح أكثر شيوعا خلال القرنين السابقين ، ويقدر العلماء أن امرأة من أصل عشرين امرأة في الغرب تموت بسرطان الثدي ، وأن واحدة من أصل أربعة نساء تشكو من مرض من أمراض الثدي في وقت من الأوقات هناك \"\rفلم هذه الكثرة ، ولماذا تتعرف أثداء النساء لهذه الأمراض ؟ يقول الدكتور ستانوي مجيبا : \r\" من المحتمل كثيرا أن النساء يعاملن الثدي معاملة غير طبيعية ويخالفن الوظيفة الطبيعية للثدي ، ألا وهي الرضاعة. فإن النساء - يحرمن أثداءهن من وظيفتها الرئيسة ( وهي الرضاعة ) - إنما يدفعن ثمنا باهظا بالأمراض التي يكسبنها من وراء ذلك. وأن الإرضاع الطبيعي هو أهم وسيلة لتنظيم النسل حول العالم كله ، حيث ينقطع الطمث عند معظم النساء اللواتي يرضعن أطفالهن. ومن المعروف أن لسرطان الرحم علاقة وثيقة بسرطان الثدي. وربما كانت دورات الطمث التي تراها المرأة في حياتها ( وتبلغ 450 دورة ) تلعب دورا يؤثر في الرحم. ففي كل شهر يتعرض الثديان والرحم والمبايض لتغيرات فيزيولوجية وتشريحية.. وتكون هذه الأجهزة جاهزة لحدوث تلقيح للبيضة وتشكل الجنين.\r","part":7,"page":61},{"id":2672,"text":"ولكن في حياتنا العصرية.. فإن بيضة واحدة أو اثنتين تلقح فقط ( حيث تنجب المرأة ولدا أو اثنين ) خلال كل فترة العمر التي ترى فيها المرأة 450 دورة طمثية. أما الدورات الطمثية الأخرى فتهدر سدى.. وتشعر تغييرات الجسم بالخيبة والمرارة سنة بعد سنة حينما لا تحمل المرأة في عمرها سوى مرة أو مرتين. وربما كان هذا سببا لانتشار أمراض الجهاز التناسلي \".\rهذا ما قاله الدكتور ( ستانوي ) في كتابه. وهو بهذا يشير إلى نساء العصر الحديث - حينما يحرصن على ألا ينجبن أكثر من طفل أو طفلين - إنما يعرضن أعضاءهم التناسلية لتلك الأمراض.\rألم يقل رسول الله صلى الله عليه وسلم : \" تزوجوا الودود الولود ، فإني مكاثر بكم \" رواه أبو داوود والنسائي صحيح الجامع الصغير 2940\rويقول الدكتور ستانوي أيضا : \" إن سرطان الثدي والرحم شائعان جدا ، فإن امرأة من أصل كل خمسة نساء تنتهي باستئصال رحمها في وقت من الأوقات. وإن على المرأة أن تبدأ بالحمل خلال سنوات قليلة بعد سن البلوغ ، فقد تبين أن إنجاب المرأة لأول طفل من أطفالها في سن مبكرة تحت العشرين هو أحد أهم وسائل الوقاية من سرطان الثدي. وأن الجهاز التناسلي عند المرأة يبقى لفترة 12 - 15 سنة ( حتى تبلغ المرأة سن الطمث غير قادر على إنجاب أول طفل. وإننا إذا ما قررنا الاستمرار في منع هذا الجهاز من الإنجاب ، فإننا سوف نعرض نساءنا لمشكلات كثيرة ) \".\rوأما فيما يتعلق بمدة الإرضاع فيقول الدكتور ستانوي : \" قد يكفي الرضيع من الناحية الغذائية أن يرضع لمدة ثمانية أشهر في المجتمع الغربي. إلا أنه من حيث الفائدة للأم ، فإن هناك كل الأسباب التي تدعو الأم لأن تستمر في الرضاع المديد حتى ولو بلغ الطفل سنا يستطيع فيه تناول معظم غذائه من الأطعمة الأخرى. فالتمريض المتكرر لحلمة الثدي يحرض الهرمونات عند الأم لتمنع نزول البيضة من المبيض إلى الرحم عند الأم لعدة شهور.\r","part":7,"page":62},{"id":2673,"text":"وفي هذا فإن الرضاع لا يعمل مانعا طبيعيا للحمل فسحب ، بل إنه يمنع التغيرات الحاصلة شهريا في فترة الطمث.. مما يريح الجهاز التناسلي من هذا العناء \".\rألم تقض حكمة الله تعالى بأن تكون مدة الرضاعة عامين اثنين.. ينال فيها الرضيع حظه من الغذاء والمناعة الطبيعية والحنان.. وترتاح خلال تلك المدة أعضاء المرأة من رحم ومبايض…!!\rيقول الشهيد سيد قطب ( في ظلال القرآن ) : \" والله يفرض للمولود على أمه أن ترضعه حولين كاملين ، لأنه سبحانه يعلم أن هذه الفترة هي المثلي من جميع الوجوه الصحية والنفسية للطفل ( لمن أراد أن يتم الرضاعة ) ، وتثبت البحوث الصحية والنفسية اليوم أن فترة عامين ضرورية لنمو الطفل نموا سليما من الوجهة الصحية والنفسية.\rولكن نعمة الله تعالى على الجماعة الإسلامية لم تنتظر بهم حتى يعلموا هذا من تجاربهم ، فالرصيد الإنساني من ذخيرة الطفولة لم يكن ليترك يأكله الجهل كل هذا الأمد الطويل ، والله رحيم بعباده وخاصة هؤلاء الأطفال الصغار المحتاجين للعطف والرعاية. أ هـ (في ظلال القرآن 1/ 248 )\rأ هـ {ماذا يقول أطباء الغرب عن الرضاعة من لبن الأم}","part":7,"page":63},{"id":2674,"text":"قوله تعالى : {وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (234)}\rمناسبة الآية لما قبلها\rقال البقاعى : \r","part":7,"page":64},{"id":2675,"text":"ولما ذكر الرضاع وكان من تقاديره ما إذا مات الأب ذكر عدة الوفاة لذلك وتتميماً لأنواع العدد فقال. وقال الحرالي : لما ذكر عدة الطلاق الذي هو فرقة الحياة انتظم برأس آيته ذكر عدة الوفاة الذي هو فراق الموت واتصل بالآية السابقة لما انجر في ذكر الرضاع من موت الوالد وأمر الوارث وكذلك كل آية تكون رأساً لها متصلان متصل بالرأس النظير لها المنتظمة به ومتصل بالآية السابقة قبلها بوجه ما- انتهى. فقال : {والذين} أي وأزواج الذين {يتوفون منكم} أي يحصل وفاتهم بأن يستوفي أنفسهم التي كانت عارية في أبدانهم الذي أعارهم إياها. قال الحرالي : من الوفاة وهو استخلاص الحق من حيث وضع ، إن الله عز وجل نفخ الروح وأودع النفس ليستوفيها بعد أجل من حيث أودعها فكان ذلك توفياً تفعلاً من الوفاء وهو أداء الحق {ويذرون} من الوذر وهو أن يؤخذ المرء عما شأنه إمساكه {أزواجاً} بعدهم. ولما أريد تأكيد التربص مراعاة لحق الأزواج وحفظاً لقلوب الأقارب واحتياطاً للنكاح أتى به في صيغة الخبر الذي من شأنه أن يكون قد وجد وتمّ فقال : {يتربصن} أي ينتظرن أزواجهن لانقضاء العدة. ولما كان الممنوع إنما هو العقد والتعرض له بالأفعال دون طلبه بالتعريض قال معبراً بالنفس لذلك وللتنبيه على أن العجلة عن ذلك إنما تكون شهوة نفسانية بهيمية ليكون ذلك حاوياً على البعد عنها : {بأنفسهن} فلا يبذلنها لزوج ولا يخرجن من منزل الوفاة ويتركن الزينة وكل ما للنفس فيه شهوة تدعو إلى النكاح كما بينت ذلك السنّة {أربعة أشهر وعشراً} إن كن حرائر ولم يكن حمل سواء كانت صغيرة أو كبيرة تحيض أو لا ، ابتداؤها من حين الوفاة لأنها السبب وغلب الليالي فأسقط التاء لأن أول الشهر الليل {فإذا بلغن أجلهن} ولما كان الله سبحانه وتعالى قد جعل المسلمين كالجسد الواحد وكان الكلام في أزواج الموتى أعلم سبحانه وتعالى بأنه يجب على إخوانهم المسلمين من حفظ حقوقهم ما كانوا يحفظونه لو كانوا","part":7,"page":65},{"id":2676,"text":"أحياء بقوله : {فلا جناح عليكم} أي يا أهل الدين {فيما} ولما كان لا بد من إذن المرأة وقد تأذن للقاضي على رغم الولي عند عضله مثلا أسند الفعل إليهن فقال : {فعلن في أنفسهن} أي من النكاح ومقدماته التي كانت ممنوعة منها بالإحداد ، ولا يحمل هذا على المباشرة ليكون دليلاً على - إنكاح المرأة نفسها لمعارضة آية {ولا تعضلوهن} المتأيدة بالسنّة. ولما كان ذلك قد لا يكون على وجه شرعي قال : {بالمعروف} لينصرف إلى الكامل فلا يكون في ذلك شوب نكارة ، فإن فعلن ما ينكر كان على الناس الجناح بترك الأمر كما عليهن بالفعل ؛ وأجمع الفقهاء غير أبي مسلم الأصفهاني على أن هذه الآية ناسخة لآية العدة بالحول ، والتقدم في التلاوة لا يمنع التأخر في النزول لأن الترتيب ليس على ترتيب النزول - نقل ذلك الشمس الأصفهاني ، ويرد عليه ما سيأتي نقله له عن مجاهد.\rولما كان التقدير : فالله حد لكم هذه الحدود فاحفظوها عطف عليه قوله محذراً من التهاون في شيء منها في أنفسهم أو من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في حق غيرهم : {والله} أي الذي له صفات الكمال {بما تعملون} من سر وعلانية. ولما كان هنا من أمر العدة ما لم تعرفه العرب قبل فربما أنكرته القلوب لكونها لم تفهم سره وكان أمر النكاح إن قيد بالمعروف باطناً ختم بقوله {خبير} أي يعلم خفايا البواطن كما يعلم ظواهرها فاحذروا مخالفته وأطيعوا أمره. أ هـ {نظم الدرر حـ 1 صـ 442 ـ 443}\rقال الفخر : \rقوله : {والذين} مبتدأ ولا بد له من خبر ، واختلفوا في خبره على أقوال\rالأول : أن المضاف محذوف والتقدير ، وأزواج الذين يتوفون منكم يتربصن\rوالثاني : وهو قول الأخفش التقدير : يتربصن بعدهم إلا أنه أسقط لظهوره كقوله : السمن منوان بدرهم وقوله تعالى : {وَلَمَن صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الأمور} [ الشورى : 43 ]\r","part":7,"page":66},{"id":2677,"text":"والثالث : وهو قول المبرد : والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجاً ، أزواجهم يتربصن ، قال : وإضمار المبتدأ ليس بغريب قال تعالى : {قُلْ أَفَأُنَبّئُكُم بِشَرّ مّن ذلكم النار} [ الحج : 72 ] يعني هو النار ، وقوله : {فَصَبْرٌ جَمِيلٌ} [ يوسف : 18 ].\rفإن قيل : أنتم أضمرتم ههنا مبتدأ مضافاً ، وليس ذلك شيئاً واحداً بل شيئان ، والأمثلة التي ذكرتم المضمر فيها شيء واحد.\r{لاَ يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الذين كَفَرُواْ فِى البلاد * متاع قَلِيلٌ} [ آل عمران : 196 ، 197 ] والمعنى : تقلبهم متاع قليل الرابع : وهو قول الكسائي والفراء ، أن قوله تعالى : {والذين يُتَوَفَّوْنَ مِنكُمْ} مبتدأ ، إلا أن الغرض غير متعلق ههنا ببيان حكم عائد إليهم ، بل ببيان حكم عائد إلى أزوجهم ، فلا جرم لم يذكر لذلك المبتدأ خبراً ، وأنكر المبرد والزجاج ذلك ، لأن مجىء المبتدأ بدون الخبر محال. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 6 صـ 107 ـ 108}\rقال ابن عاشور : \rويتوفون مبني للمجهول ، وهو من الأفعال التي التزمت العرب فيها البناء للمجهول مثل عني واضطر ، وذلك في كل فعل قد عرف فاعله ما هو ، أو لم يعرفوا له فاعلاً معيناً.\rوهو من توفاه الله أو توفاه الموت فاستعمال التوفي منه مجاز ، تنزيلاً لعمر الحي منزلة حق للموت ، أو لخالق الموت ، فقالوا : توفى فلان كما يقال : توفى الحق ونظيره قبض فلان ، وقبض الحق فصار المراد من توفى : مات ، كما صار المراد من قبض وشاع هذا المجاز حتى صار حقيقة عرفية وجاء الإسلام فقال الله تعالى : {الله يتوفى الأنفس} [ الزمر : 42 ] وقال : {حتى يتوفاهن الموت} [ النساء : 15 ] وقال : {قل يتوفاكم ملك الموت} [ السجدة : 11 ] فظهر الفاعل المجهول عندهم في مقام التعليم أو الموعظة ، وأبقي استعمال الفعل مبنياً للمجهول فيما عدا ذلك إيجازاً وتبعاً للاستعمال.\r","part":7,"page":67},{"id":2678,"text":"وقوله : {يتربصن بأنفسهن} خبر ( الذين ) وقد حصل الربط بين المبتدأ والخبر بضمير {يتربصن} ، العائد إلى الأزواج ، الذي هو مفعول الفعل المعطوف على الصلة ، فهن أزواج المتوفين ؛ لأن الضمير قائم مقام الظاهر ، وهذا الظاهر قائم مقام المضاف إلى ضمير المبتدأ ، بناء على مذهب الأخفش والكسائي من الاكتفاء في الربط بعود الضمير على اسم مضاف إلى مثل العائد ، وخالف الجمهور في ذلك ، كما في \"التسهيل\" و\"شرحه\" ، ولذلك قدروا هنا : ( ويذرون أزواجاً يتربصن ) بعدهم كما قالوا : \"السَّمْن مَنَوَانِ بِدِرْهَم\" أي منه ، وقيل : التقدير : وأزواج الذين يتوفون منكم إلخ يتربصن ، بناء على أنه حذف لمضاف ، وبذلك قدر في \"الكشاف\" داعي إليه كما قال التفتازاني ، وقيل التقدير : ومما يتلى عليكم حكم الذين يتوفون منكم ، ونقل ذلك عن سيبويه ، فيكون {يتربصن} : استئنافاً ، وكلها تقديرات لا فائدة فيها بعد استقامة المعنى.\rوقوله : {يتربصن بأنفسهن} تقدم بيانه عند قوله تعالى : {والمطلقات يتربصن بأنفسهن} [ البقرة : 228 ]. أ هـ {التحرير والتنوير حـ 2 صـ 441 ـ 442}\rلطيفة\rقال الخطيب الشربينى\rحكي عن أبي الأسود الدؤلي أنه كان يمشي خلف جنازة فقال له رجل : من المتوفِّى ؟ بكسر الفاء فقال الله : وكان أحد الأسباب الباعثة لعلي رضي الله تعالى عنه على أن أمره أن يضع كتاباً في النحو ، لكن يجوز الكسر على معنى أنه مستوف أجله ، ويدل له قوله تعالى : {والذين يتوفون} بفتح الياء على قراءة شاذة نقلت عن علي ، أي : يستوفون آجالهم. أ هـ {السراج المنير حـ 1 صـ 242}\rفائدة جليلة\rقال الفخر : \rقوله : {وَعَشْرًا} مذكور بلفظ التأنيث مع أن المراد عشرة أيام ، وذكروا في العذر عنه وجوهاً","part":7,"page":68},{"id":2679,"text":"الأول : تغليب الليالي على الأيام وذلك أن ابتداء الشهر يكون من الليل ، فلما كانت الليالي هي الأوائل غلبت ، لأن الأوائل أقوى من الثواني ، قال ابن السكيت : يقولون صمنا خمساً من الشهر ، فيغلبون الليالي على الأيام ، إذ لم يذكروا الأيام ، فإذا أظهروا الأيام قالوا صمنا خمسة أيام\rالثاني : أن هذه الأيام أيام الحزن والمكروه ، ومثل هذه الأيام تسمى بالليالي على سبيل الاستعارة ، كقولهم : خرجنا ليالي الفتنة ، وجئنا ليالي إمارة الحجاج والثالث : ذكره المبرد ، وهو أنه إنما أنث العشر لأن المراد به المدة ، معناه وعشر مدد ، وتلك المدة كل مدة منها يوم وليلة الرابع : ذهب بعض الفقهاء إلى ظاهر الآية ، فقال : إذا انقضى لها أربعة أشهر وعشر ليال حلت للأزواج ، فيتأول العشرة بالليالي ، وإليه ذهب الأوزاعي وأبو بكر الأصم. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 6 صـ 108}\rوقال ابن عاشور : \rوتأنيث اسم العدد في قوله : {وعشراً} لمراعاة الليالي ، والمراد : الليالي بأيامها ؛ إذ لا تكون ليلة بلا يوم ولا يوم بلا ليلة ، والعرب تعتبر الليالي في التاريخ والتأجيل ، يقولون : كتب لسبع خلون في شهر كذا ، وربما اعتبروا الأيام كما قال تعالى : {فصيام ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجعتم} [ البقرة : 196 ] وقال : {أياماً معدودات} [ البقرة : 184 ] لأن عمل الصيام إنما يظهر في اليوم لا في الليلة.\rقال في \"الكشاف\" : والعرب تجري أحكام التأنيث والتذكير في أسماء الأيام إذا لم تجر على لفظ مذكور ، بالوجهين قال تعالى : {يتخافتون بينهم إن لبثتم إلا عشراً نحن أعلم بما يقولون إذ يقول أمثلهم طريقة إن لبثتم إلا يوماً} [ طه : 103 104 ] فأراد بالعشر : الأيام ومع ذلك جردها من علامة تذكير العدد ، لأن اليوم يعتبر مع ليلته.\r","part":7,"page":69},{"id":2680,"text":"وقد جعل الله عدة الوفاة منوطة بالأمد الذي يتحرك في مثله الجنين تحركاً بيناً ، محافظة على أنساب الأموات ؛ فإنه جعل عدة الطلاق ما يدل على براءة الرحم دلالة ظنية وهو الأقراء على ما تقدم ؛ لأن المطلق يعلم حال مطلقته من طهر وعدمه ، ومن قربانه إياها قبل الطلاق وعدمه ، وكذلك العلوق لا يخفى فلو أنها ادعت عليه نسباً وهو يوقن بانتفائه ، كان له في اللعان مندوحة ، أما الميت فلا يدافع عن نفسه ، فجعلت عدته أمداً مقطوعاً بانتفاء الحمل في مثله وهو الأربعة الأشهر والعشرة ، فإن الحمل يكون نطفة أربعين يوماً ، ثم علقة أربعين يوماً ، ثم مضغة أربعين يوماً ، ثم ينفخ فيه الروح ، فما بين استقرار النطفة في الرحم إلى نفخ الروح في الجنين أربعة أشهر ، وإذ قد كان الجنين عقب نفخ الروح فيه يقوى تدريجاً ، جعلت العشر الليالي الزائدة على الأربعة الأشهر ، لتحقق تحرك الجنين تحركاً بيناً ، فإذا مضت هذه المدة حصل اليقين بانتفاء الحمل ؛ إذ لو كان ثمة حمل لتحرك لا محالة ، وهو يتحرك لأربعة أشهر ، وزيدت عليها العشر احتياطاً لاختلاف حركات الأجنة قوة وضعفاً ، باختلاف قوى الأمزجة. أ هـ {التحرير والتنوير حـ 2 صـ 442}\rوقال القرطبى : \r","part":7,"page":70},{"id":2681,"text":"قال الخَطّابيّ : قوله {وَعَشْراً} يريد والله أعلم الأيام بلياليها. وقال المبرد : إنما أنث العشر لأن المراد به المدّة. والمعنى وعشر مدد ، كل مدّة من يوم وليلة ، فالليلة مع يومها مدّة معلومة من الدهر. وقيل : لم يقل عشرة تغليباً لحكم الليالي إذ الليلة أسبق من اليوم والأيام في ضمنها. \"وَعَشْراً\" أخف في اللفظ ؛ فتغلّب الليالي على الأيام إذا اجتمعت في التاريخ ، لأن ابتداء الشهور بالليل عندالاستهلال ، فلما كان أوّل الشهر الليلة غلب الليلة ؛ تقول : صمنا خمساً من الشهر ؛ فتغلب الليالي وإن كان الصوم بالنهار. وذهب مالك والشافعي والكوفيّون إلى أن المراد بها الأيام والليالي. قال ابن المنذر : فلو عقد عاقد عليها النكاح على هذا القول وقد مضت أربعة أشهر وعشر ليالي كان باطلاً حتى يمضي اليوم العاشر. وذهب بعض الفقهاء إلى أنه إذا انقضى لها أربعة أشهر وعشر ليالي حلت للأزواج ، وذلك لأنه رأى العدّة مبهمة فغلّب التأنيث وتأوّلها على الليالي. أ هـ {تفسير القرطبى حـ 3 صـ 183}\rفائدة\rروي عن أبي العالية أن الله سبحانه إنما حد العدة بهذا القدر لأن الولد ينفخ فيه الروح في العشر بعد الأربعة ، وهو أيضاً منقول عن الحسن البصري. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 6 صـ 108}\rفصل في ابتداء هذه المدَّة ، فقال بعضهم : ابتداؤها من حين العلم بالوفاة ؛ لقوله تعالى : {يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ} والتربص بأنفسهن لا يحصل إلاَّ بقصد التربُّص ، والقصد لا يكون إلا مع العلم.\rوقال الأكثرون : ابتداؤها من حيث الموت ؛ لأنَّه سببها ، فلو انقضت المدَّة أو أكثرها ، ثم بلغها خبر الوفاة ، اعتدَّت بما انقضى من المدَّة ، ويدلُّ على ذلك أنَّ الصَّغيرة الَّتي لا علم لها يكفي في انقضاء عدَّتها مضيُّ هذه المدة. أ هـ {تفسير ابن عادل حـ 4 صـ 194}\rفصل فيمن تستثنى من هذه العدَّة\rقال الفخر : \rاعلم أن هذه العدة واجبة في كل امرأة مات عنها زوجها إلا في صورتين","part":7,"page":71},{"id":2682,"text":"إحداهما : أن تكون أمة فإنها تعتد عند أكثر الفقهاء نصف عدة الحرة ، وقال أبو بكر الأصم : عدتها عدة الحرائر ، وتمسك بظاهر الآية ، وأيضاً الله تعالى جعل وضع الحمل في حق الحامل بدلاً عن هذه المدة ، ثم وضع الحمل مشترك فيه الحرة والرقيقة ، فكذا الاعتداد بهذه المدة يجب أن يشتركا فيه ، وسائر الفقهاء قالوا : التنصيف في هذه المدة ممكن ، وفي وضع الحمل غير ممكن ، فظهر الفرق.\rالصورة الثانية : أن يكون المراد إن كانت حاملاً فإن عدتها تنقضي بوضع الحمل ، فإذا وضعت الحمل حلت ، وإن كان بعد وفاة الزوج بساعة ، وعن علي عليه السلام : تتربص أبعد الأجلين ، والدليل عليه القرآن والسنة.\rأما القرآن فقوله تعالى : {وأولات الأحمال أَجَلُهُنَّ أَن يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ} [ الطلاق : 4 ] ومن الناس من جعل هذه الآية مخصصة لعموم قوله تعالى : {والذين يُتَوَفَّوْنَ مِنكُمْ وَيَذَرُونَ أزواجا} والشافعي لم يقل بذلك لوجهين الأول : أن كل واحدة من هاتين الآيتين أعم من الأخرى من وجه وأخص منها من وجه ، لأن الحامل قد يتوفى عنها زوجها وقد لا يتوفى ، كما أن التي توفى عنها زوجها قد تكون حاملاً وقد لا تكون ، ولما كان الأمر كذلك امتنع جعل إحدى الآيتين مخصصة للأخرى والثاني : أن قوله : {وأولات الأحمال أَجَلُهُنَّ أَن يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ} إنما ورد عقيب ذكر المطلقات ، فربما يقول قائل : هي في المطلقة لا في المتوفى عنها زوجها.\r","part":7,"page":72},{"id":2683,"text":"فلهذين السببين لم يعول الشافعي في الباب على القرآن ، وإنما عول على السنة ، وهي ما روى أبو داود بإسناده أن سبيعة بنت الحرث الأسلمية كانت تحت سعد بن خولة ، فتوفي عنها في حجة الوداع وهي حامل ، فولدت بعد وفاة زوجها بنصف شهر ، فلما طهرت من دمها تجملت للخطاب ، فقال لها بعض الناس : ما أنت بناكح حتى تمر عليك أربعة أشهر وعشر ، قالت سبيعة : فسألت النبي صلى الله عليه وسلم عن ذلك فأفتاني بأني قد حللت حين وضعت حملي ، فأمرني بالتزوج إن بدا لي ، إذا عرفت هذا الأصل فههنا تفاريع الأول : لا فرق في عدة الوفاة بين الصغيرة والكبيرة وقال ابن عباس : لا عدة عليها قبل الدخول وهذا قول متروك لأن الآية عامة في حق الكل.\rالحكم الثاني : إذا تمت أربعة أشهر وعشر انقضت عدتها ، وإن لم تر عادتها من الحيض فيها وقال مالك : لا تنقضي عدتها حتى ترى عادتها من الحيض في تلك الأيام ، مثلاً إن كانت عادتها أن تحيض في كل شهر مرة فعليها في عدة الوفاة أربع حيض ، وإن كانت عادتها أن تحيض في كل شهرين مرة فعليها حيضتان ، وإن كانت عادتها أن تحيض في كل أربعة أشهر مرة فعليها حيضة واحدة ، وإن كانت عادتها أن تحيض في كل خمسة أشهر مرة فههنا تكفيها الشهور حجة الشافعي رحمه الله أن هذه الآية دلت على أنه تعالى أمر المتوفى عنها زوجها بهذه المدة ولم يزد على هذا القدر فوجب أن يكون هذا القدر كافياً ، ثم قال الشافعي : إنها إن ارتابت استبرأت نفسها من الريبة ، كما أن ذات الإقراء لو ارتابت وجب عليها أن تحتاط.\r","part":7,"page":73},{"id":2684,"text":"الحكم الثالث : إذا مات الزوج فإن كان بقي من شهر الوفاة أكثر من عشرة أيام فالشهر الثاني والثالث والرابع يؤخذ بالأهلة سواء خرجت كاملة أو ناقصة ، ثم تكمل الشهر الأول بالخامس ثلاثين يوماً ، ثم تضم إليها عشرة أيام ، وإن مات وقد بقي من الشهر أقل من عشرة أيام اعتبر أربعة أشهر بعد ذلك بالأهلة وكمل العشر من الشهر السادس. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 6 صـ 108 ـ 109}\rفائدة\rقال الفخر : \rالمراد من تربصها بنفسها الامتناع عن النكاح ، والامتناع عن الخروج من المنزل الذي توفي زوجها فيه : والامتناع عن التزين وهذا اللفظ كالمجمل لأنه ليس فيه بيان أنها تتربص في أي شيء إلا أنا نقول : الامتناع عن النكاح مجمع عليه ، وأما الامتناع عن الخروج من المنزل فواجب إلا عند الضرورة والحاجة ، وأما ترك التزين فهو واجب ، لما روي عن عائشة وحفصة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : \" لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تحد على ميت فوق ثلاث ليال إلا على زوج أربعة أشهر وعشراً \" وقال الحسن والشعبي : هو غير واجب لأن الحديث يقتضي حل الإحداد لا وجوبه والله أعلم.\rواحتجوا بما روي عن أسماء بنت عميس قالت : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : \" وتلبثي ثلاثاً ثم اصنعي ما شئت \". أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 6 صـ 109 ـ 110}\rسؤال : ما الحكمة من كون عدة المرأة أربعة أشهر وعشرا عند وفاة زوجها ؟ .\rالجواب : الحمد لله\rأولا : معرفة الحكمة من أمر الله أو أمر رسوله صلى الله عليه وسلم له طريقان : ","part":7,"page":74},{"id":2685,"text":"الأول : أن تكون الحكمة قد ورد النص عليها في الكتاب أو السنة كقوله تعالى : ( وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْهَا إِلا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ ) البقرة/143 ، وقوله تعالى : ( رُسُلاً مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزاً حَكِيماً ) النساء/165 . وكقوله صلى الله عليه وسلم : ( فَزُورُوا الْقُبُورَ فَإِنَّهَا تُذَكِّرُ الْمَوْتَ ) رواه مسلم (976) .\rفهذا وأمثاله كثير مما جاءت فيه الحكمة منصوصا عليها.\rوالثاني : أن يستخرجها العلماء عن طريق الاستنباط والاجتهاد ، وهذا قد يكون صوابا ، وقد يكون خطأ ، وقد تخفى الحكمة على كثير من الناس ، والمطلوب من المؤمن التسليم لأمر الله تعالى وامتثاله في جميع الأحوال ، مع الاعتقاد الجازم بأن الله تعالى حكيم ، له الحكمة التامة والحجة البالغة ، لا يُسأل عما يفعل وهم يُسألون .\rثانيا : أمر الله تعالى المرأة أن تعتد لوفاة زوجها أربعة أشهر وعشرا ، فقال : ( وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجاً يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْراً فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ ) البقرة/234 ، ولم ينص سبحانه على الحكمة من ذلك نصا صريحا ، فاستنبط أهل العلم ما رأوه حكمة تتناسب مع قواعد الشريعة العامة في حفظ الأنساب والأعراض .\r","part":7,"page":75},{"id":2686,"text":"قال ابن كثير رحمه الله في تفسيره : \" وقد ذكر سعيد بن المسيب ، وأبو العالية وغيرهما ، أن الحكمة في جعل عدة الوفاة أربعة أشهر وعشراً ، لاحتمال اشتمال الرحم على حمل ، فإذا انتُظر به هذه المدة ، ظهر إن كان موجوداً ، كما جاء في حديث ابن مسعود الذي في الصحيحين وغيرهما : ( إن خلق أحدكم يجمع في بطن أمه أربعين يوماً نطفة ، ثم يكون علقة مثل ذلك ، ثم يكون مضغة مثل ذلك ، ثم يبعث إليه الملك فينفخ فيه الروح ) فهذه ثلاث أربعينات بأربعة أشهر ، والاحتياط بعشر بعدها لما قد ينقص بعض الشهور ، ثم لظهور الحركة بعد نفخ الروح فيه ، والله أعلم .\rقال سعيد بن أبي عروبة ، عن قتادة : سألت سعيد بن المسيب : ما بال العشر ؟ قال : فيه ينفخ الروح ، وقال الربيع بن أنس : قلت لأبي العالية : لم صارت هذه العشر مع الأشهر الأربعة ؟ قال : لأنه ينفخ فيه الروح ، رواهما ابن جرير \" انتهى .\rوقال الشوكاني رحمه الله في \"فتح القدير\" : \" ووجه الحكمة في جعل العدة للوفاة هذا المقدار أن الجنين الذكر يتحرك في الغالب لثلاثة أشهر ، والأنثى لأربعة ، فزاد الله سبحانه على ذلك عشراً ، لأن الجنين ربما يضعف عن الحركة فتتأخر حركته قليلاً ولا تتأخر عن هذا الأجل \" انتهى .\rوينظر : زاد المسير لابن الجوزي (1/275) ، إعلام الموقعين (2/52).\rوينبغي التنبه إلى أنه لا يجوز الخروج عن الحكم الشرعي استنادا للحكمة المستنبطة ، فليس لقائل أن يقول : إذا كانت الحكمة من العدة هي التأكد من وجود الحمل أو عدمه ، فإن الطب الحديث يمكنه معرفة ذلك في بداية الحمل فلا حاجة لاعتداد المرأة هذه المدة . ليس له ذلك ، لأن الحكمة المذكورة أمر أخذه العلماء بالاستنباط والاجتهاد ، وقد يكون خطأ ، أو يكون جزءا من الحكمة لا تمامها ، فلا يجوز ترك الأمر المقطوع به ، المجمع عليه ، لحكمة مستنبطة يعتريها الخطأ. والله أعلم. أ هـ {الإسلام سؤال وجواب}","part":7,"page":76},{"id":2687,"text":"سؤال : هذه الآية ناسخة لقوله تعالى : {وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجاً وَصِيَّةً لأزْوَاجِهِم مَتَاعاً إِلَى الْحَولِ غَيرَ إِخْرَاج} [ البقرة : 240 ]\rفإن قيل : فهي متقدمة والناسخ يجب أن يكون متأخراً ، قيل هو في التنزيل متأخر ، وفي التلاوة متقدم.\rفإن قيل : فَلِمَ قُدِّم في التلاوة مع تأخره في التنزيل ؟ قيل : ليسبق القارىء إلى تلاوته ومعرفة حكمه حتى إن لم يقرأ ما بعده من المنسوخ أجزأه. أ هـ {النكت والعيون حـ 1 صـ 303}\rقوله تعالى : {فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ}\rقال ابن عاشور : \rوقوله : {فإذا بلغن أجلهن} أي إذا انتهت المدة المعينة بالتربص ، أي إذا بلغن بتربصهن تلك المدة ، وجعل امتداد التربص بلوغاً ، على وجه الإطلاق الشائع في قولهم بلغ الأمد ، وأصله اسم البلوغ وهو الوصول ، استعير لإكمال المدة تشبيهاً للزمان بالطريق الموصلة إلى المقصود.\rوالأجل مدة من الزمن جعلت ظرفاً لإيقاع فعل في نهايتها أو في أثنائها تارة.\rوضمير {أجلهن} للأزواج اللائي توفي عنهن أزواجهن ، وعرف الأجل بالإضافة إلى ضميرهن دون غير الإضافة من طرق التعريف لما يؤذن به إضافة أجل من كونهن قضين ما عليهن ، فلا تضايقوهن بالزيادة عليه.\rوأسند البلوغ إليهن وأضيف الأجل إليهن ، تنبيهاً على أن مشقة هذا الأجل عليهن.\rومعنى الجناح هنا : الحرج ، لإزالة ما عسى أن يكون قد بقي في نفوس الناس من استفظاع تسرع النساء إلى التزوج بعد عدة الوفاة وقبل الحول ، فإن أهل الزوج المتوفى قد يتحرجون من ذلك ، فنفى الله هذا الحرج ، وقال : {فيما فعلن في أنفسهن} تغليظاً لمن يتحرج من فعل غيره ، كأنه يقول لو كانت المرأة ذات تعلق شديد بعهد زوجها المتوفى ، لكان داعي زيادة تربصها من نفسها ، فإذا لم يكن لها ذلك الداعي ، فلماذا التحرج مما تفعله في نفسها.","part":7,"page":77},{"id":2688,"text":"ثم بين الله ذلك وقيده بأن يكون من المعروف نهياً للمرأة أن تفعل ما ليس من المعروف شرعاً وعادة ، كالإفراط في الحزن المنكر شرعاً وعادة ، أو التظاهر بترك التزوج بعد زوجها ، وتغليظاً للذين ينكرون على النساء تسرعهن للتزوج بعد العدة ، أو بعد وضع الحمل ، كما فعلت سبيعة أي فإن ذلك من المعروف. أ هـ {التحرير والتنوير حـ 2 صـ 446}\rسؤال : فإن قيل : فما المعنى في رفع الجناح عن الرجال في بلوغ النساء أجلهن ؟ \rففيه جوابان : \rأحدهما : أن الخطاب تَوَجّه إلى الرجال فيما يلزم النساء من أحكام العِدّة ، فإذا بلغن أجلهن ارتفع الجناح عن الرجال في الإنكار عليهن وأخذهن بأحكام عددهن.\rوالثاني : أنه لا جناح على الرجال في نكاحهن بعد انقضاء عِدَدِهن. أ هـ {النكت والعيون حـ 1 صـ 303}\rوقال الفخر : \rوأما قوله تعالى : {فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ} فالمعنى إذا انقضت هذه المدة التي هي أجل العدة فلا جناح عليكم قيل الخطاب مع الأولياء لأنهم الذين يتولون العقد ، وقيل : الخطاب مع الحكام وصلحاء المسلمين ، وذلك لأنهن إن تزوجن في مدة العدة وجب على كل واحد منعهن عن ذلك إن قدر على المنع ، فإن عجز وجب عليه أن يستعين بالسلطان ، وذلك لأن المقصود من هذه العدة أنه لا يؤمن اشتمال فرجها على ماء زوجها الأول ، وفي الآية وجه ثالث وهو أنه {لاَّ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ} تقديره : لا جناح على النساء وعليكم ، ثم قال : {فِيمَا فَعَلْنَ فِى أَنفُسِهِنَّ بالمعروف} أي ما يحسن عقلاً وشرعاً لأنه ضد المنكر الذي لا يحسن ، وذلك هو الحلال من التزوج إذا كان مستجمعاً لشرائط الصحة. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 6 صـ 110}\rسؤال : فإن قلت : كيف لا تلتفت الشريعة على هذا إلى ما في طباع النساء من الحزن على وفاة أزواجهن ؟ وكيف لا تبقى بعد نسخ حزن الحول الكامل مدة ما يظهر فيها حال المرأة ؟ وكيف تحل الحامل للأزواج لو وضعت حملها وزوجها لما يوضع عن سريره كما وقع في قول عمر ؟ ","part":7,"page":78},{"id":2689,"text":"قلت : كان أهل الجاهلية يجعلون إحداد الحول فرضاً على كل متوفى عنها ، والأزواج في هذا الحزن متفاوتات ، وكذلك هن متفاوتات في المقدرة على البقاء في الانتظار لقلة ذات اليد في غالب النساء ، فكن يصبرن على انتظار الحول راضيات أو كارهات ، فلما أبطل الشرع ذلك فيما أبطل من أوهام الجاهلية ، لم يكترث بأن يشرع للنساء حكماً في هذا الشأن ، ووكله إلى ما يحدث في نفوسهن وجِدَتهن ، كما يوكل جميع الجبليات والطبيعيات إلى الوجدان ؛ فإنه لم يعين للناس مقدار الأكلات والأسفار والحديث ونحو هذا ، وإنما اهتم بالمقصد الشرعي وهو حفظ الأنساب ، فإذا قضى حقه فقد بقي للنساء أن يفعلن في أنفسهن ما يشأن من المعروف ، كما قال : {فلا جناح عليكم فيما فعلن} فإذا شاءت المرأة بعد انقضاء العدة أن تحبس نفسها فلتفعل.\rأما الأزواج غير المدخول بهن فعليهن عدة الوفاة دون عدة الطلاق لعموم هذه الآية ، ولأن لهن الميراث ، فالعصمة تقررت بوجه معتبر ، حتى كانت سبب إرث ، وعدم الدخول بالزوجة لا ينفي احتمال أن يكون الزوج قد قاربها خفية ، إذ هي حلال له ، فأوجب عليها الاعتداد احتياطاً لحفظ النسب ، ولذلك قال مالك ، وإن كان للنظر فيه مجال ، فقد تقاس المتوفى عنها زوجها الذي لم يدخل بها على التي طلقها زوجها قبل أن يمسها ، التي قال الله تعالى فيها : {يا أيها الذين آمنوا إذا نكحتم المؤمنات ثم طلقتموهن من قبل أن تمسوهن فما لكم عليهن من عدة تعتدونها} [ الأحزاب : 49 ].\rوقد ذكروا حديث بروع بنت واشق الأشجعية ، رواه الترمذي عن معقل بن سنان الأشجعي : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قضى في بروع بنت واشق وقد مات زوجها ، ولم يفرض لها صداقاً ، ولم يدخل بها أن لها مثل صداق نسائها ، وعليها العدة ولها الميراث ولم يخالف أحد في وجوب الاعتداد عليها ، وإنما اختلفوا في وجوب مهر المثل لها. أ هـ {التحرير والتنوير حـ 2 صـ 445 ـ 446}\rفصل\rقال الفخر : \r","part":7,"page":79},{"id":2690,"text":"بقي في الآية مسائل : \rالمسألة الأولى : تمسك بعضهم في وجوب الإحداد على المرأة بقوله تعالى : {فِيمَا فَعَلْنَ فِى أَنفُسِهِنَّ} فإن ظاهره يقتضي أن يكون المراد منه ما تنفرد المرأة بفعله ، والنكاح ليس كذلك ، فإنه لا يتم إلا مع الغير فوجب أن يحمل ذلك على ما يتم بالمرأة وحدها من التزين والتطيب وغيرهما.\rالمسألة الثانية : تمسك أصحاب أبي حنيفة بهذه الآية في جواز النكاح بغير ولي ، قالوا : إنها إذا زوجت نفسها وجب أن يكون ذلك جائزاً لقوله تعالى : {وَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا فَعَلْنَ فِى أَنفُسِهِنَّ} وإضافة الفعل إلى الفاعل محمول على المباشرة ، لأن هذا هو الحقيقة في اللفظة ، وتمسك أصحاب الشافعي رضي الله تعالى عنه في أن هذا النكاح لا يصح إلا من الولي لأن قوله : {لاَّ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ} خطاب مع الأولياء ولولا أن هذا العقد لا يصح إلا من الولي وإلا لما صار مخاطباً بقوله : {لاَّ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ} وبالله التوفيق. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 6 صـ 110 ـ 111}\rفائدة\rقال القرطبى : \rفي هذه الآية دليل على أن للأولياء منعهن من التبرُّج والتشوّف للزوج في زمان العِدّة. وفيها ردّ على إسحاق في قوله : إن المطلقة إذا طعنت في الحيضة الثالثة بانت وانقطعت رجعة الزوج الأوّل ، إلاَّ أنه لا يحل لها أن تتزوّج حتى تغتسل. وعن شُريك أن لزوجها الرجعة ما لم تغتسل ولو بعد عشرين سنة ؛ قال الله تعالى : {فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا فَعَلْنَ في أَنْفُسِهِنَّ} وبلوغ الأجل هنا انقضاء العدّة بدخولها في الدّم من الحيضة الثالثة ولم يذكر غسلاً ؛ فإذا انقضت عدّتها حلّت للأزواج ولا جناح عليها فيما فعلت من ذلك. والحديث عن ابن عباس لو صَحّ يحتمل أن يكون منه على الاستحباب ، والله أعلم. أ هـ {تفسير القرطبى حـ 3 صـ 187}\rمن لطائف الإمام القشيرى فى الآية","part":7,"page":80},{"id":2691,"text":"لمّا كان حق الميت أعظم لأن فراقه لم يكن بالاختيار كانت مدة الوفاء له أطول. وكانت عدة الوفاة في ابتداء الإسلام سَنَةً ، ثم رُدت إلى أربعة أشهر وعشرة أيام لتتحقق براءة الرحم عن ماء الزوج ، ثم إذا انقضت العدة أبيح لها التزوج بزوجٍ آخر. والميت لا يستديم وفاءه إلى آخر العمر أحدٌ كما قيل : \rوكما تَبْلى وجوهٌ في الثرى... فكذا يَبْلَى عليهن الحَزَن. أ هـ {لطائف الإشارات حـ 1 صـ 185}\rمن فوائد ابن عرفة فى الآية\rقوله تعالى : {والذين يُتَوَفَّوْنَ مِنكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجاً يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ...}.\rقال ابن عرفة : وتقدم لنا فيه سؤال وهو أن يقال : ما الفائدة في زيادة ( منكم ) ولو أسقط لكان اللَّفظ أعم فائدة ؟ كما تقدم لنا الجواب عنه بقول بعضهم : إن العام إذا قيد بشيء غالب أمره أنه يتخصص به ، وقد يكون تقييده موجبا لتأكيد عمومه كهذه الآية ، فإن توهّم وقوع المخالفة ممن لم يدرك النبي صلى الله عليه وسلم ( من المؤمنين ) أشد من توهّم وقوع المخالفة ممن أدركه منهم فإذا خوطب بذلك من أدركه فأحرى من سواهم ، ف ( منكم ) تأكيد لا تخصيص. وأجيب أيضا بأنّ ( منكم ) تخصيص لا تأكيد.\rوالمراد من المسلمين الحاضرين والغائبين وغلب فيها ضمير المخاطبين على غيرهم ويكون في الآية على هذا دليل على أنّ الكفار غير مخاطبين بفروع الشريعة.\rفإن قلت : ما فائدة قوله : \" بِأَنْفُسِهِنَّ \" ؟ \rقلت : فائدته التنبيه على مجاهدة النفس بمنعها شهواتها وتحملها الصبر على النكاح حتى تنقضي العدة.\rفإن قلت : ظاهر الآية أن يكون التربص مقصودا لها. والمذهب على أنها إذا لم تعلم بوفاة زوجها إلاّ بعد مضي العدة فإنّها تجزيها تلك ولا تستأنف عدة أخرى بوجه ؟ ","part":7,"page":81},{"id":2692,"text":"قلنا : الأغلب في النساء معرفة - وكذلك المذهب - في الأربعة أشهر وعشرا أنها تكفي بشرط أن تحيض فيها حيضة وهو الأعم الأغلب في النساء فإن لم تحض ( واسترابت ) رفعت إلى تسعة أشهر فإن زالت عنها الرّيبة فقد انقضت عدتها وإن ( استرابت ) بحس بطن فإنّها تمكث أقصى أمد الحمل ، ولهذا قال في المدونة : والعدة في الطلاق بعد الرّيبة وفي الوفاة قبل الريبة.\rقوله تعالى : {أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْراً...}.\rقيل : أراد عشر ليال بأيامها وغلب اللّيالي لأنها أسبق.\rالزمخشري : ولا تراهم فقط يستعملون التّذكير فيه ذاهبين إلى الأيام تقول : صمت عشرا ، ولو ذُكرت خرجت من كلامهم.\rقال المبرّد : وعشر مدد كل مدة منها يوم وليلة.\rوتعقبه أبو حيان بأنه لا حاجة إلى ذكر اللّيالي والعدد لأنهم مضوا على أن المعدود إذا كان مذكرا أو حذفته فلك في العدد وجهان إما التذكير الفصيح أو التأنيث.\rقال ابن عرفة : كان الشيوخ يحكون عن شيوخهم خلافا فيمن يشتري سلعة بعشرة دارهم وفي تونس القديم والجديد فكان سيدى الشيخ الفقيه أبو محمد عبد الله الزواوي يفتي بأن له أن يعطيه عنها ثمانية دراهم جديدة لأن غالب حال الناس التعامل بالجديد وهو الأكثر.\rوكان الشيخ الفقيه القاضي أبو القاسم بن زيتون يقول أسماء العدد نصوص فما يعطيه إلا عشرة دراهم قديمة كما وقع العقد بينهما.\rقلت : وذكرت هذا بعينه في سورة العنكبوت. أ هـ {تفسير ابن عرفة صـ 304}","part":7,"page":82},{"id":2693,"text":"أسئلة وأجوبة\rقوله تعالى : \"فإذا بلغن أجلهن فلا جناح عليكم فيما فعلن فى أنفسهن بالمعروف\" وفى الآية الأخرى بعد : \"والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجا وصية لأزواجهم متاعا إلى الحول غير إخراج فإن خرجن فلا جناح عليكم فيما فعلن فى أنفسهن من معروف والله عزيز حكيم\" فيهما ثلاث سؤالات.\rالأول : ما وجه التعريف فى قوله\"بالمعروف\" والتنكير فى الثانية فى قوله\"من معروف\" ؟ والثانى : ما وجه خصوص الأول بالباء والثانى بمن ؟ \rوالثالث : ما وجه تعقيب الأولى بقوله\"والله بما تعملون خبير\" والثانية بقوله\"والله عزيز حكيم\" ؟ \rوالجواب عن الأول : أن الواقع فى الآية الأولى من قوله تعالى : \" والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجا يتربصن فى أنفسهن أربعة أشهر وعشرا\" ثم قال\"فإذا بلغن أجلهن\" أى باستيفائهن أربعة أشهر والعشر والمراد يخرجن عند ذلك من تمام الأجل المضروب لعدتهن فهذا كله بما تقتضيه\"إذا\" قد أحرز أمدا محدودا معلوم القدر معروف الغاية يتقيد به خروجهن فناسبه التعريف فى قوله تعالى\"فلا جناح عليكم فيما فعلن فى أنفسهن بالمعروف\" أن المعلوم من موجب الشرع.\rوأما قوله تعالى فى الآية الأخرى\"فإن خرجن\" ولم يذكر بلوغ الأجل وليس التقييد الحاصل من\"إن\" بلوغ الأمد المضروب قبل وهو الحول مثل التقييد الحاصل من الظرف المستقبل الذى هو\"إذا\" إذ ليست\"إن\"كـ\"إذا\" ، ألا ترى أنك تقول : أقوم إذا قام زيد فيقتضى من قيامك هذا أن قيامك مرتبط بقيامه ولا يتقدم عليه ولا يتأخر عنه بل يعاقبه على الاتصال وأما إذا قلت : أقوم إن قام زيد فأقصى ما يقتضى هذا أن قيامك بعد قيامه وقد يكون عقبه وقد يتأخر عنه فإنما يحصل من\"أن\" التقييد بالاستقبال دون اقتضاء تعقيب أو مباعدة فحصل فى ظاهر اللفظ إبهام من جهتين : \rإحداهما كون الأجل لم يذكر بلوغه والثانية ما تقتضيه\"إن\" على ما بين فناسبه التنكير فى قوله\"من معروف\".\r","part":7,"page":83},{"id":2694,"text":"فإن قيل : الحول المذكور فى قوله تعالى فى أول الآية\"متاعا إلى الحول\" معلوم التوقف وهو كأن الأجل المضروب لهن فى العدة قبل أن ينسخ الأربعة أشهر والعشر وقد اتصل بقوله \"فإن خرجن\" قوله\"فلا جناح عليكم فيما فعلن فى أنفسهن\" وذلك منبئ أعنى قوله\"فلا جناح عليكم\" برفع الحرج وأنهن لم يقع منهن معصية فى الخروج وإنما ذلك لخروجهن عند الأمد فقد تقيد خروجهن بوقت معلوم وهو تمام الحول فارتفع الإبهام\rقلت : بقى رعى المناسبة مما يتأكد التفاته فوضح ورود كل من العبارتين على مايجب من المناسبة.\rوجواب ثان وهو أن قوله فى الآية الأولى\"بالمعروف\"المراد به الوجه الذى لا ينكره الشرع ولا يمنعه ولهذا وصل الفعل ههنا بالباء والإحالة على متقرر معلوم وهو الشرع فورد معرفا بأداة العهد وعدى \"فعلن\" بالباء ثم جاءت الآية الثانية لتأخرها فى التلاوة مشيرة إلى تفصيل ما يفعلن فى أنفسهن من التزين والتعرض للخطاب وما يجارى ذلك من معروف مما ليس بمنكر شرعا والتنكير هنا محرز للمعنى المقصود ومن للتبعيض وهو تفسير وكأن قد قيل فى الوجه المباح لهن الذى لا يمنعه الشرع فجووب بتفصيل مشير إلى أنه ليس وجها واحدا لا يتعدينه بل لهن أن يتزين ويتعرض للخطاب ويفصحن بما يطلبنه من صداق وغير ذلك من مصالحهن المباحة لهن شرعا فهذا موضع من وموضع التنكير والأول موضوع الباء والتعريف بحسب ما قصد فى كل من الموضعين على ما تقدم وقد وضح جواب السؤالين.\r","part":7,"page":84},{"id":2695,"text":"والجواب عن السؤال الثالث أن تعقيب الأولى بقوله تعالى\"والله بما تعملون خبير\" مناسب لما قبله من تأمينهن على أنفسهن فيما يلزمهن فى مدة العدة المذكورة من إحداد وما يتعلق به وفيما يفعلن بعده فإن أضمرن أو كتمن شيئا لا يجوز فعلم الله سبحانه محيط بذلك وهو الخبير به ولما وقع فى الآية بعد قوله\"فإن خرجن\" وقام فيه احتمال أن يخرجن غير طائعات فيستعجلن أو يتعدين ناسبه ذكر قدرته سبحانه عليهن بالمعاقبة بما شاء أو العفو عن مرتكبهن فهو العزيز الذى لا مغالب له والذى لا يفوته هارب ولا يغيب عنه شئ. أ هـ {ملاك التأويل صـ 93 ـ 94}","part":7,"page":85},{"id":2696,"text":"فصل : في حكم عدة المتوفي عنها زوجها والإحداد.\rوفيه مسائل\rالمسألة الأولى : عدة المتوفى عنها زوجها أربعة أشهر وعشر وعدة الأمة على نصف عدة الحرة شهران وخمسة أيام ، وبه قال جمهور العلماء ، وقال أبو بكر الأصم : عدة الأمة كعدة الحرائر وتمسك بظاهر هذه الآية ، وعدة الحامل بوضع الحمل سواء فيه الحرة والأمة ، ولو وضعت بعد وفاة زوجها بلحظة حل لها أن تتزوج ، ويدل على هذا ما روي عن سبيعة الأسلمية أنها كانت تحت سعد بن خولة وهو من بني عامر بن لؤي ، وكان ممن شهد بدراً ، فتوفي عنها في حجة الوداع وهي حامل ، فلم تلبث أن وضعت حملها بعد وفاته ، فلما تعلت من نفاسها تجملت للخطاب فدخل عليها أبو السنابل بن بعكك رجل من بني عبد الدار فقال : ما لي أراك تجملت للخطاب لعلك ترجين النكاح وإنك والله ما أنت بناكح حتى تمر بناكح حتى تمر عليك أربعة أشهر وعشر. قالت سبيعة : فلما قال لي ذلك جمعت عليَّ ثيابي حين أمسيت وأتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فسألته عن ذلك فأفتاني بأني قد حللت حين وضعت حملي وأمرني بالتزويج إن بدا لي ، أخرجاه في الصحيحين ، وفيه قال ابن شهاب : ولا أرى بأساً أن تتزوج حين وضعت وإن كانت في دمها غير أنه لا يقربها حتى تطهر ، فعلى هذا حكم الآية عام في كل من توفي عنها زوجها بأن تعتد أربعة أشهر وعشراً ، ثم خصص من هذا العموم أولات الأحمال بهذا الحديث وبقوله تعالى : {وأولات الأحمال أجلهن أن يضعن حملهن}.","part":7,"page":86},{"id":2697,"text":"المسألة الثانية : يجب على من توفي عنها زوجها الإحداد ، وهو ترك الزينة والطيب ودهن الرأس بكل دهن والحكل المطيب ، فإن اضطرت إلى كحل فيه زينة فيرخص لها ، وبه قال مالك وأبو حنيفة. وقال الشافعي : تكتحل به بالليل وتمسحه بالنهار. عن أم سلمة قالت : \" دخل عليَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم حين توفي أبو سلمة وقد جعلت عليّ صبراً فقال : ما هذا يا أم سلمة ؟ قلت : إنما هو صبر يا رسول الله ليس فيه طيب ، فقال : إنه يشب الوجه فلا تجعليه إلاّ بالليل وتنزعيه بالنهار ولا تمتشطي بالطيب ولا بالحناء فإنه خضاب. قلت : بأي شيء أمتشط يا رسول الله ؟ قال : بالسدر تغلفين به رأسك \" أخرجه أبو داود وللنسائي نحوه. قوله \" فإنه يشب الوجه \" أي يوقده ويحسنه وبنوره من شب النار إذا أوقدها. قوله \" تغلفين به رأسك \" أي تلطخين به رأسك والتغلف هو الغمرة على وجه المرأة وكذا رأسها إذا لطخته بشيء فأكثرت منه. ولا يجوز لها لبس الديباج والحرير والحلي والمصبوغ للزينة كالأحمر والأصفر ويجوز لها لبس ما صبغ لغير الزينة كالأسود والأزرق ، ويجوز لها أن تلبس البياض من الثياب والصوف والوبر\rعن زينب بنت أبي سلمة قالت : دخلت على أم حبيبة زوج النبي صلى الله عليه وسلم حين توفي أبوها أبو سفيان بن حرب فدعت أم حبيبة بطيب فيه صفرة خلوق أو غيره فدهنت به جارية ثم مست بعارضيها ثم قالت : والله ما لي بالطيب من حاجة غير أني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول على المنبر : \" لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تحدَّ على ميت فوق ثلاث إلاّ على زوج أربعة أشهر وعشراً \" قالت زينب : ثم دخلت على زينب بنت جحش حين توفي أخوها فدعت بطيب فمست منه ثم قالت : والله ما لي بالطيب من حاجة غير أني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول على المنبر : \" لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تحدّ على ميت فوق ثلاث إلاّ على زوج أربعة عشر شهراً \"\r","part":7,"page":87},{"id":2698,"text":"عن عائشة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : \" لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تحدَّ على ميت فوق ثلاث إلاّ على زوجها أربعة أشهر وعشراً \"\rولا نكتحل ولا نتطيب ولا نلبس ثوباً مصبوغاً إلاّ ثوب عصب وقد رخص لنا عند الطهر إذا اغتسلت إحدانا من حيضتها في نبذة من كست أظفار \" قولها : إلاّ ثوب عصب العصب بالعين والصاد المهملتين من البرود الذي صبغ غزله قبل النسج. قولها : نبذة من كست. النبذة الشيء اليسير. والكست لغة في القسط وهو شيء معروف يتبخر به. عن أم سلمة قالت : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : \" لا تلبس المتوفى عنها زوجها المعصفرة من الثياب ولا الممشقة ولا الحلي ولا تختضب ولا تكتحل ولا تطيب \" أخرجه أبو داود. قولها : ولا الممشقة الثياب. الممشقة هي المصبوغة بالمشق وهي المغرة ، عن نافع : \" أن صفية بنت عبدالله اشتكت عينها وهي حادٌّ على زوجها ابن عمر فلم تكتحل حتى كادت عيناها ترمضان \" أخرجه مالك في الموطأ.\rالمسألة الثالثة : اختلفوا في أن هذه المدة سببها الوفاة أو العلم بالوفاة ، فقال بعضهم : ما لم تعلم بوفاة زوجها لا تعتد بانقضاء الأيام في العدة ، واحتجوا على ذلك بأن الله تعالى قال : {يتربصن بأنفسهن} وذلك لا يحل إلاّ بالقصد إلى التربص ولا يحل ذلك إلاّ مع العلم. قال الجمهور : السبب هو الموت فلو انقضت المدة أو أكثرها أو بعضها ثم بلغها خبر موت الزوج وجب أن تعتد بما انقضى ويدل على ذلك أن الصغيرة التي لا علم لها يكفي في انقضاء عدتها هذه المدة. أ هـ {تفسير الخازن حـ 1 صـ 161 ـ 162}\rبحث نفيس للعلامة ابن القيم فى الفرق بين مدة الإحداد على الزوج وغيره\rقال رحمه الله : ","part":7,"page":88},{"id":2699,"text":"وأما قوله : \"ومنع المرأة من الإحداد على أمها وأبيها فوق ثلاث وأوجبه على زوجها أربعة أشهر وعشرا وهو أجنبي\" فيقال : هذا من تمام محاسن هذه الشريعة وحكمتها ورعايتها لمصالح العباد على أكمل الوجوه فإن الإحداد على الميت من تعظيم مصيبة الموت التي كان أهل الجاهلية يبالغون فيها أعظم مبالغة ويضيفون إلى ذلك شق الجيوب ولطم الخدود وحلق الشعور والدعاء بالويل والثبور وتمكث المرأة سنة في أضيق بيت وأوحشه لا تمس طيبا ولا تدهن ولا تغتسل إلى غير ذلك مما هو تسخط على الرب تعالى وأقداره فأبطل الله سبحانه برحمته ورأفته سنة الجاهلية وأبدلنا بها الصبر ومحمد والاسترجاع الذي هو أنفع للمصاب في عاجلته وآجلته ولما كانت مصيبة الموت لا بد أن تحدث للمصاب من الجزع والألم والحزن مما تتقاضاه الطباع سمح لها الحكيم الخبير في اليسير من ذلك وهو ثلاثة أيام تجدبها نوع راحة وتقضي بها وطرا من الحزن كما رخص للمهاجر أن يقيم بمكة بعد قضاء نسكه ثلاثا وما زاد على الثلاث فمفسدته راجحة فمنع منه بخلاف مفسدة الثلاث فإنها مرجوحة مغمورة بمصلحتها فإن فطام النفوس على مألوفاتها بالكلية من أشق الأمور عليها فأعطيت بعض الشيء ليسهل عليها ترك الباقي فإن النفس إذا أخذت بعض مرادها قنعت به فإن سئلت ترك الباقي كانت إجابتها إليه أقرب من إجابتها لو حرمت بالكلية.\r","part":7,"page":89},{"id":2700,"text":"ومن تأمل أسرار الشريعة وتدبر حكمها رأى ذلك ظاهرا على صفحات أوامرها ونواهيها باديا لمن نظره نافذ فإذا حرم عليهم شيئا عوضهم عنه بما هو خير لهم وأنفع وأباح لهم منه ما تدعو حاجتهم إليه ليسهل عليهم تركه كما حرم عليهم بيع الرطب بالتمر وأباح لهم منه العرايا وحرم عليهم النظر إلى الأجنبية وأباح لهم منه نظر الخاطب والمعامل والطبيب وحرم عليهم أكل المال بالمغالبات الباطلة كالنرد والشطرنج وغيرهما وأباح لهم أكله بالمغالبات النافعة كالمسابقة والنضال وحرم عليهم لباس الحرير وأباح لهم منه اليسير الذي تدعو الحاجة إليه وحرم عليهم كسب المال بربا النسيئة وأباح لهم كسبه بالسلم وحرم عليهم في الصيام وطء نسائهم وعوضهم عن ذلك بأن أباحه لهم ليلا فسهل عليهم تركه بالنهار وحرم عليهم الزنا وعوضهم بأخذ ثانية وثالثة ورابعة ومن الإماء ما شاءوا فسهل عليهم تركه غاية التسهيل وحرم عليهم الاستقسام بالأزلام وعوضهم عنه بالاستخارة ودعائها ويا بعد ما بينهما وحرم عليهم نكاح أقاربهم وأباح لهم منه بنات العم والعمة والخال والخالة وحرم عليهم وطء الحائض وسمح لهم في مباشرتها وأن يصنعوا بها كل شيء إلا الوطء فسهل عليهم تركه غاية السهولة وحرم عليهم الكذب وأباح لهم المعاريض التي لا يحتاج من عرفها إلى الكذب معها البتة وأشار إلى هذا صلى الله عليه وسلم بقوله : \"إن في المعاريض مندوحة عن الكذب\" وحرم عليهم الخيلاء بالقول والفعل وأباحها لهم في الحرب لما فيها من المصلحة الراجحة الموافقة لمقصود الجهاد وحرم عليهم كل ذي ناب من السباع ومخلب من الطير وعوضهم عن ذلك بسائر أنواع الوحوش والطير على اختلاف أجناسها وأنواعها وبالجملة فما حرم عليهم خبيثا ولا ضارا إلا أباح لهم طيبا بإزائه أنفع لهم منه ولا أمرهم بأمر إلا وأعانهم عليه فوسعتهم رحمته ووسعهم تكليفه.\r","part":7,"page":90},{"id":2701,"text":"والمقصود أنه أباح للنساء لضعف عقولهن وقلة صبرهن الإحداد على موتاهن ثلاثة أيام وأما الإحداد على الزوج فإنه تابع للعدة وهو من مقتضياتها ومكملاتها فإن المرأة إنما تحتاج إلى التزين والتجمل والتعطر لتتحبب إلى زوجها وترد لها نفسه ويحسن ما بينهما من العشرة فإذا مات الزوج واعتدت منه وهي لم تصل إلى زوج آخر فاقتضى تمام حق الأول وتأكيد المنع من الثاني قبل بلوغ الكتاب أجله أن تمنع مما تصنعه النساء لأزواجهن مع ما في ذلك من سد الذريعة إلى طمعها في الرجال وطمعهم فيها بالزينة والخضاب والتطيب فإذا بلغ الكتاب أجله صارت محتاجة إلى ما يرغب في نكاحها فأبيح لها من ذلك ما يباح لذات الزوج فلا شيء أبلغ في الحسن من هذا المنع والإباحة ولو اقترحت عقول العالمين لم تقترح شيئا أحسن منه. أ هـ {إعلام الموقعين حـ 2 صـ 165 ـ 167}","part":7,"page":91},{"id":2702,"text":"قوله تعالى : {وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا عَرَّضْتُمْ بِهِ مِنْ خِطْبَةِ النِّسَاءِ أَوْ أَكْنَنْتُمْ فِي أَنْفُسِكُمْ عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ سَتَذْكُرُونَهُنَّ وَلَكِنْ لَا تُوَاعِدُوهُنَّ سِرًّا إِلَّا أَنْ تَقُولُوا قَوْلًا مَعْرُوفًا وَلَا تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِّكَاحِ حَتَّى يَبْلُغَ الْكِتَابُ أَجَلَهُ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي أَنْفُسِكُمْ فَاحْذَرُوهُ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ (235)}\rمناسبة الآية لما قبلها\rقال البقاعى : \rولما حد سبحانه وتعالى هذه المدة لمنعهن عن الرجال بين أن التعريض بالخطبة ليس داخلاً في المنع فقال : {ولا جناح عليكم} أي إثم يميل {فيما عرضتم به} أي قلتموه وأنتم تقصدون ما هو بعيد عنه كأنه في جانب وهو في جانب آخر لا يتأدى إليه إلا بدورة كأنت جميلة أو نافعة ، وأنا عازم على أن أتزوج ، وعسى أن ييسر الله لي قرينة صالحة وقال الحرالي : من التعريض وهو تفعيل من العرض والعرض وهو إلقاء القول عرضاً أي ناحية على غير قصد إليه وصمد نحوه - انتهى. والفرق بينه وبين الكناية أنه كلام ظاهر في معنى يقصد به غير معناه الظاهر فلا يفهم المراد إلا بالقرائن ، كقول المحتاج : جئت لأسلم عليك وأنظر وجهك الكريم ، ويسمى التلويح أيضاً ، والكناية ذكر اللازم وإرادة الملزوم ، وقد أفهم نوط الحل بالتعريض تحريم التصريح المقابل له وللكناية ، والصريح اسم لما هو ظاهر المراد عند السامع بحيث يسبق إلى فهمه المراد ولا يسبق غيره عند الإطلاق {من خطبة} وهي الخطاب في قصد التزوج. وقال الحرالي : هي هيئة الحال فيما بين الخاطب والمخطوبة التي النطق عنها هو الخطبة بالضم {النساء} المتوفى عنهن أزواجهن ومن أشبههن في طلاق بائن بالثلاث أو غيرها.\r","part":7,"page":92},{"id":2703,"text":"ولما أحل له التعريض وكان قد يعزم على التصريح إذا حل له ذلك نفى عنه الحرج فيه بقوله {أو أكننتم} أي أضمرتم {في أنفسكم} من تصريح وغيره سواء كان من شهوات النفس أو لا. قال الحرالي : من الكن - بالفتح - وهو الذي من معناه الكن - بالكسر - وهو ما وارى بحيث لا يوصل به إلى شيء. أ هـ {نظم الدرر حـ 1 صـ 434 ـ 444}\rقال الفخر : \rالتعريض في اللغة ضد التصريح ، ومعناه أن يضمن كلامه ما يصلح للدلالة على مقصوده ويصلح للدلالة على غير مقصوده إلا أن إشعاره بجانب المقصود أتم وأرجح وأصله من عرض الشيء وهو جانبه كأنه يحوم حوله ولا يظهره ، ونظيره أن يقول المحتاج للمحتاج إليه : جئتك لأسلم عليك ولأنظر إلى وجهك الكريم ولذلك قالوا : \rوحسبك بالتسليم مني تقاضياً.. والتعريض قد يسمى تلويحاً لأنه يلوح منه ما يريد والفرق بين الكناية والتعريض أن الكناية أن تذكر الشيء بذكر لوازمه ، كقولك : فلان طويل النجاد ، كثير الرماد ، والتعريض أن تذكر كلاماً يحتمل مقصودك ويحتمل غير مقصودك إلا أن قرائن أحوالك تؤكد حمله على مقصودك ، وأما الخطبة فقال الفراء : الخطبة مصدر بمنزلة الخطب وهو مثل قولك : أنه لحسن القعدة والجلسة تريد العقود والجلوس وفي اشتقاقه وجهان الأول : أن الخطب هو الأمر ، والشأن يقال : ما خطبك ، أي ما شأنك ، فقولهم : خطب فلان فلانة ، أي سألها أمراً وشأناً في نفسها الثاني : أصل الخطبة من الخطاب الذي هو الكلام ، يقال : خطب المرأة خطبة لأنه خاطب في عقد النكاح ، وخطب خطبة أي خاطب بالزجر والوعظ والخطب : الأمر العظيم ، لأنه يحتاج فيه إلى خطاب كثير. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 6 صـ 111}\rوقال ابن عاشور : \rوقوله : {ما عرضتم به} ما موصولة ، وما صْدَقها كلام ، أي كلام عرضتم به ، لأن التعريض يطلق على ضرب من ضروب المعاني المستفادة من الكلام ، وقد بينه بقوله : {من خطبة النساء} فدل على أن المراد كلام.\r","part":7,"page":93},{"id":2704,"text":"ومادة فعَّل فيه دالة على الجعل مثل صوَّر ، مشتقة من العرض بضم العين وهو الجانب أي جعل كلامه بجانب ، والجانب هو الطرف ، فكأن المتكلم يحيد بكلامه من جادة المعنى إلى جانب.\rونظير هذا قولهم جَنَبَه ، أي جعله في جانب.\rفالتعريض أن يريد المتكلم من كلامه شيئاً ، غير المدلول عليه بالتركيب وضعاً ، لمناسبة بين مدلول الكلام وبين الشيء المقصود ، مع قرينة على إرادة المعنى التعريضي ، فعلم ألا بد من مناسبة بين مدلول الكلام وبين الشيء المقصود ، وتلك المناسبة : إما ملازمة أو مماثلة ، وذلك كما يقول العافى لرجل كريم : جئت لأسلم عليك ولأنظر وجهك ، وقد عبر عن إرادتهم مثل هذا أمية بن أبي الصلت في قوله : \rإذَا أَثَنى عليكَ المرءُ يوماً\rكفاهُ عن تَعَرُّضه الثَّنَاء...\rوجعل الطيبي منه قوله تعالى : {وإذا قال الله يا عيسى ابن مريم أأنت قلت للناس اتخذوني وأمي إلهين من دون الله} [ المائدة : 116 ].\rفالمعنى التعريضي في مثل هذا حاصل من الملازمة ، وكقول القائل \"المسلم من سلم المسلمون من لسانه\" في حضرة من عرف بأذى الناس ، فالمعنى التعريضي حاصل من علم الناس بمماثلة حال الشخص المقصود للحالة التي ورد فيها معنى الكلام ، ولما كانت المماثلة شبيهة بالملازمة لأن حضور المماثل في الذهن يقارن حضور مثيله صح أن نقول إن المعنى التعريضي بالنسبة إلى المركبات شبيه بالمعنى الكنائي بالنسبة إلى دلالة الألفاظ المفردة ، وإن شئت قلت : المعنى التعريضي من قبيل الكناية بالمركب فخص باسم التعريض كما أن المعنى الكنائي من قبيل الكناية باللفظ المفرد ، وعلى هذا فالتعريض من مستتبعات التراكيب ، وهذا هو الملاقى لما درج عليه صاحب \"الكشاف\" في هذا المقام ، فالتعريض عنده مغاير للكناية من هذه الجهة وإن كان شبيهاً بها ، ولذلك احتاج إلى الإشارة إلى الفرق بينهما ، فالنسبة بينهما عنده التباين.\r","part":7,"page":94},{"id":2705,"text":"وأما السكاكي فقد جعل بعض التعريض من الكناية وهو الأصوب ، فصارت النسبة بينهما العموم والخصوص الوجهي ، وقد حمل الطيبي والتفتازاني كلام \"الكشاف\" على هذا ، ولا إخاله يتحمله.\rوإذ قد تبين لك معنى التعريض ، وعلمت حد الفرق بينه وبين الصريح فأمثلة التعريض والتصريح لا تخفى. أ هـ {التحرير والتنوير حـ 2 صـ 450 ـ 451}\rفصل\rقال الفخر : \rالنساء في حكم الخطبة على ثلاثة أقسام\rأحدها : التي تجوز خطبتها تعريضاً وتصريحاً وهي التي تكون خالية عن الأزواج والعدد لأنه لما جاز نكاحها في هذه الحالة فكيف لا تجوز خطبتها ، بل يستثنى عنه صورة واحدة ، وهي ما روى الشافعي عن مالك عن نافع عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : \" لا يخطبن أحدكم على خطبة أخيه \" ثم هذا الحديث وإن ورد مطلقاً لكن فيه ثلاثة أحوال.\rالحالة الأولى : إذا خطب امرأته فأجيب إليه صريحاً ههنا لا يحل لغيره أن يخطبها لهذا الحديث.\rالحالة الثانية : إذا وجد صريح الإباء عن الإجابة فههنا يحل لغيره أن يخطبها.\rالحالة الثالثة : إذا لم يوجد صريح الإجابة ولا صريح الرد للشافعي ههنا قولان أحدهما : أنه يجوز للغير خطبتها ، لأن السكوت لا يدل على الرضا والثاني : وهو القديم وقول مالك : أن السكوت وإن لم يدل على الرضا لكنه لا يدل أيضاً على الكراهة ، فربما كانت الرغبة حاصلة من بعض الوجوه فتصير هذه الخطبة الثانية مزيلة لذلك القدر من الرغبة.\rالقسم الثاني : التي لا تجوز خطبتها لا تصريحاً ولا تعريضاً ، وهي ما إذا كانت منكوحة للغير لأن خطبته إياها ربما صارت سبباً لتشويش الأمر على زوجها من حيث أنها إذا علمت رغبة الخاطب فربما حملها ذلك على الامتناع من تأدية حقوق الزوج ، والتسبب إلى هذا حرام ، وكذا الرجعة فإنها في حكم المنكوحة ، بدليل أنه يصح طلاقها وظاهرها ولعانها ، وتعتد منه عدة الوفاة ، ويتوارثان.\r","part":7,"page":95},{"id":2706,"text":"القسم الثالث : أن يفصل في حقها بين التعريض والتصريح وهي المعتدة غير الرجعية وهي أيضاً على ثلاثة أقسام : \rالقسم الأول : التي تكون في عدة الوفاة فتجوز خطبتها تعريضاً لا تصريحاً ، أما جواز التعريض فلقوله تعالى : {لاَّ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا عَرَّضْتُم بِهِ مِنْ خِطْبَةِ النساء} وظاهره أنه للمتوفى عنها زوجها ، لأن هذه الآية مذكورة عقيب تلك الآية ، أما أنه لا يجوز التصريح ، فقال الشافعي : لما خصص التعريض بعدم الجناح وجب أن يكون التصريح بخلافه ، ثم المعنى يؤكد ذلك ، وهو أن التصريح لا يحتمل غير النكاح ، فلا يؤمن أن يحملها الحرص على النكاح على الإخبار عن انقضاء العدة قبل أوانها بخلاف التعريض فإنه يحتمل غير ذلك فلا يدعوها ذلك إلى الكذب.\rالقسم الثاني : المعتدة عن الطلاق الثلاث ، قال الشافعي رحمه الله في \"الأم\" : ولا أحب التعريض لخطبتها ، وقال في \"القديم\" و\"الإملاء\" : يجوز لأنها ليست في النكاح ، فأشبهت المعتدة عن الوفاة وجه المنع هو أن المعتدة عن الوفاة يؤمن عليها بسبب الخطبة الخيانة في أمر العدة فإن عدتها تنقضي بالأشهر أما ههنا تنقضي عدتها بالإقراء فلا يؤمن عليها الخيانة بسبب رغبتها في هذا الخاطب وكيفية الخيانة هي أن تخبر بانقضاء عدتها قبل أن تنقضي.\rالقسم الثالث : البائن التي يحل لزوجها نكاحها في عدتها ، وهي المختلعة والتي انفسخ نكاحها بعيب أو عنة أو إعسار نفقته فههنا لزوجها التعريض والتصريح ؛ لأنه لما كان له نكاحها في العدة فالتصريح أولى وأما غير الزوج فلا شك في أنه لا يحل له التصريح وفي التعريض قولان أحدهما : يحل كالمتوفى عنها زوجها والمطلقة ثلاثاً والثاني : وهو الأصح أنه لا يحل لأنها معتدة تحل للزوج أن ينكحها في عدتها فلم يحل التعريض لها كالرجعية. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 6 صـ 111 ـ 112}\rقال ابن عطية : \r","part":7,"page":96},{"id":2707,"text":"أجمعت الأمة على أن الكلام مع المعتدة بما هو نص في تزويجها وتنبيه عليه لا يجوز ، وكذلك أجمعت على أن الكلام معها بما هو رفث وذكر جماع أو تحريض عليه لا يجوز . وجوز ما عدا ذلك ، ومن أعظمه قرباً إلى التصريح قول النبي صلى الله عليه وسلم لفاطمة بنت قيس : \" كوني عند أم شريك ولا تسبقيني بنفسك \" . ومن المجوز قول الرجل : إنك لإلى خير ، وإنك لمرغوب فيك ، وإني لأرجو أن أتزوجك ، وإن يقدر أمر يكن ، هذا هو تمثيل مالك وابن شهاب وكثير من أهل العلم في هذا ، وجائز أن يمدح نفسه ويذكر مآثره على جهة التعريض بالزواج ، وقد فعله أبو جعفر محمد بن علي بن حسين ، واحتج بأن النبي صلى الله عليه وسلم فعله مع أم سلمة ، والهدية إلى المعتدة جائزة ، وهي من التعريض ، قاله سحنون وكثير من العلماء .\rقال القاضي أبو محمد : وقد كره مجاهد أن يقول لا تسبقيني بنفسك ، ورآه من المواعدة سراً ، وهذا عندي على أن يتأول قول النبي صلى الله عليه وسلم لفاطمة بنت قيس إنه على جهة الرأي لها فيمن يتزوجها لا أنه أرادها لنفسه ، وإلا فهو خلاف لقوله صلى لله عليه وسلم. أ هـ {المحرر الوجيز حـ 1 صـ 315}\rفائدة\rقال الشافعي : والتعريض كثير ، وهو كقوله : رب راغب فيك ، أو من يجد مثلك ؟ أو لست بأيم وإذا حللت فأدريني ، وذكر سائر المفسرين من ألفاظ التعريض : إنك لجميلة وإنك لصالحه ، وإنك لنافعة ، وإن من عزمي أن أتزوج ، وإني فيك لراغب. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 6 صـ 112}\rفائدة\rقال القرطبى : ","part":7,"page":97},{"id":2708,"text":"استدلت الشافعية بهذه الآية على أن التعريض لا يجب فيه حَدٌّ ؛ وقالوا : لما رفع الله تعالى الحرج في التعريض في النكاح دَلّ على أن التعريض بالقَذْف لا يوجب الحدّ ؛ لأنّ الله سبحانه لم يجعل التعريض في النكاح مقام التصريح. قلنا هذا ساقط لأن الله سبحانه وتعالى لم يأذن في التصريح بالنكاح في الخِطبة ، وأذن في التعريض الذي يفهم منه النكاح ، فهذا دليل على أن التعريض يفهم منه القذف ؛ والأعراض يجب صيانتها ، وذلك يوجب حدّ المعرِّض ؛ لئلا يتطرّق الفَسَقة إلى أخذ الأعراض بالتعريض الذي يفهم منه ما يفهم بالتصريح. أ هـ {تفسير القرطبى حـ 3 صـ 190}\rقوله تعالى : {أَوْ أَكْنَنتُمْ فِى أَنفُسِكُمْ}\rقال الفخر : \rأما قوله تعالى : {أَوْ أَكْنَنتُمْ فِى أَنفُسِكُمْ} فاعلم أن الإكنان الإخفاء والستر قال الفراء : للعرب في أكننت الشيء أي سترته لغتان : كننته وأكننته في الكن وفي النفس بمعنى ، ومنه : {مَا تُكِنُّ صُدُورُهُمْ} [ النمل : 74 ] ، و{بَيْضٌ مَّكْنُونٌ} [ الصافات : 49 ] وفرق قوم بينهما ، فقالوا : كننت الشيء إذا صنته حتى لا تصيبه آفة ، وإن لم يكن مستوراً يقال : در مكنون ، وجارية مكنونة ، وبيض مكنون ، مصون عن التدحرج وأما أكننت فمعناه أضمرت ، ويستعمل ذلك في الشيء الذي يخفيه الإنسان ويستره عن غيره ، وهو ضد أعلنت وأظهرت ، والمقصود من الآية أنه لا حرج في التعريض للمرأة في عدة الوفاة ولا فيما يضمره الرجل من الرغبة فيها. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 6 صـ 112 ـ 113}\rوقال أبو حيان : ","part":7,"page":98},{"id":2709,"text":"{أو أكننتم في أنفسكم} أي : أخفيتم في أنفسكم من أمر النكاح فلم تعرضوا به ولم يصرّحوا بذكر ، وكان المعنى رفع الجناح عمن أظهر بالتعريض أو ستر ذلك في نفسه ، وإذا ارتفع الحرج عمن تعرض باللفظ فأحرى أن يرتفع عمن كتم ، ولكنهما حالة ظهور وإخفاء عفى عنهما ، وقيل : المعنى أنه يعقد قلبه على أنه سيصرّح بذلك في المستقبل بعد انقضاء العدة ، فأباح الله التعريض ، وحرم التصريح في الحال ، وأباح عقد القلب على التصريح في المستقبل.\rولا يجوز أن يكون الإكنان في النفس هو الميل إلى المرأة ، لأنه كان يكون من قبيل إيضاح الواضحات ، لأن التعريض بالخطبة أعظم حالاً من ميل القلب.\r{علم الله أنكم ستذكرونهن} هذا عذر في التعريض ، لأن الميل متى حصل في القلب عسر دفعه ، فأسقط الله الحرج في ذلك ، وفيه طرف من التوبيخ ، كقوله : \" علم الله أنكم كنتم تختانون \" وجاء الفعل بالسين التي تدل على تقارب الزمان المستقبل لا تراخيه ، لأنهن يذكرن عندما انفصلت حبالهن من أزواجهن بالموت ، وتتوق إليهن الأنفس ، ويتمنى نكاحهن.\rوقال الحسن ، معنى : ستذكرونهن ، كأنه قال : إن لم تنهوا. انتهى.\rوقوله : ستذكرونهن ، شامل لذكر اللسان وذكر القلب ، فنفى الحرج عن التعريض وهو كسر اللسان ، وعن الإخفاء في النفس وهو ذكر القلب. أ هـ {البحر المحيط حـ 2 صـ 236}\rفائدة\rقال ابن عاشور : ","part":7,"page":99},{"id":2710,"text":"أخر الإكنان في الذكر للتنبيه على أنه أفضل وأبقى على ما للعدة من حرمة ، مع التنبيه على أنه نادر وقوعه ، لأنه لو قدمه لكان الانتقال من ذكر الإكنان إلى ذكر التعريض جارياً على مقتضى ظاهر نظم الكلام في أن يكون اللاَّحق زائد المعنى على ما يشمله الكلام السابق ، فلم يتفطن السامع لهذه النكتة ، فلما خولف مقتضى الظاهر علم السامع أن هذه المخالفة ترمي إلى غرض ، كما هو شأن البليغ في مخالفة مقتضى الظاهر ، وقد زاد ذلك إيضاحاً بقوله عقبه : {علم الله أنكم ستذكرونهن} أي علم أنكم لا تستطيعون كتمان ما في أنفسكم ، فأباح لكم التعريض تيسيراً عليكم ، فحصل بتأخير ذكر {أو أكنتم} فائدة أخرى وهي التمهيد لقوله : {علم الله أنكم ستذكرونهن} وجاء النظم بديعاً معجزاً ، ولقد أهمل معظم المفسرين التعرض لفائدة هذا العطف ، وحاول الفخر توجيهه بما لا ينثلج له الصدر ووجهه ابن عرفة بما هو أقرب من توجيه الفخر ، ولكنه لا تطمئن له نفس البليغ. أ هـ {التحرير والتنوير حـ 2 صـ 452 ـ 453}\rسؤال : فإن قيل : إن التعريض بالخطبة أعظم حالاً من أن يميل قلبه إليها ولا يذكر شيئاً فلما قدم جواز التعريض بالخطبة كان قوله بعد ذلك : {أَوْ أَكْنَنتُمْ فِى أَنفُسِكُمْ} جارياً مجرى إيضاح الواضحات.\r","part":7,"page":100},{"id":2711,"text":"قلنا : ليس المراد ما ذكرتم بل المراد منه أنه أباح التعريض وحرم التصريح في الحال ، ثم قال : {أَوْ أَكْنَنتُمْ فِى أَنفُسِكُمْ} والمراد أنه يعقد قلبه على أنه سيصرح بذلك في المستقبل ، فالآية الأولى إباحة للتعريض في الحال ، وتحريم للتصريح في الحال ، والآية الثانية إباحة لأن يعقد قلبه على أنه سيصرح بذلك بعد انقضاء زمان العدة ، ثم أنه تعالى ذكر الوجه الذي لأجله أباح ذلك ، فقال : {عَلِمَ الله أَنَّكُمْ سَتَذْكُرُونَهُنَّ} لأن شهوة النفس إذا حصلت في باب النكاح لا يكاد يخلو ذلك المشتهي من العزم والتمني ، فلما كان دفع هذا الخاطر كالشيء الشاق أسقط تعالى عنه هذا الحرج وأباح له ذلك. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 6 صـ 113}\rقوله تعالى : {ولكن لاَّ تُوَاعِدُوهُنَّ سِرّا}\rقال أبو حيان : \r{علم الله أنكم ستذكرونهن} هذا عذر في التعريض ، لأن الميل متى حصل في القلب عسر دفعه ، فأسقط الله الحرج في ذلك ، وفيه طرف من التوبيخ ، كقوله : \" علم الله أنكم كنتم تختانون \" وجاء الفعل بالسين التي تدل على تقارب الزمان المستقبل لا تراخيه ، لأنهن يذكرن عندما انفصلت حبالهن من أزواجهن بالموت ، وتتوق إليهن الأنفس ، ويتمنى نكاحهن.\rوقال الحسن ، معنى : ستذكرونهن ، كأنه قال : إن لم تنهوا. انتهى.\rوقوله : ستذكرونهن ، شامل لذكر اللسان وذكر القلب ، فنفى الحرج عن التعريض وهو كسر اللسان ، وعن الإخفاء في النفس وهو ذكر القلب.\rقال الزمخشري ، فإن قلت ، أين المستدرك بقوله : {ولكن لا تواعدوهن} ؟ .\rقلت ، هو محذوف لدلالة : {ستذكرونهن} عليه {علم الله أنكم ستذكرونهن} فاذكروهن {ولكن لا تواعدوهن سرا} انتهى كلامه.\r","part":7,"page":101},{"id":2712,"text":"وقد ذكرنا أنه لا يحتاج إلى تقدير محذوف قبل لكن ، بل الاستدراك جاء من قبل قوله : ستذكرونهن ، ولم يأمر الله تعالى بذكر النساء ، لا على طريق الوجوب ، ولا الندب ، فيحتاج إلى تقدير : فاذكروهن ، على ما قررناه قبل قولك : سألقاك ولكن لا تخف مني ، لما كان اللقاء من بعض أحواله أن يخاف من الملقي استدرك فقال : ولكن لا تخف مني. أ هـ {البحر المحيط حـ 2 صـ 236}\rسؤال : ما معنى السر ؟ .\rوالجواب : أن السر ضد الجهر والإعلان ، فيحتمل أن يكون السر ههنا صفة المواعدة على شيء : ولا تواعدوهن مواعدة سرية ويحتمل أن يكون صفة للموعود به على معنى ولا تواعدوهن بالشيء الذي يكون موصوفاً بوصف كونه سراً ، أما على التقدير الأول وهو أظهر التقديرين ، فالمواقعة بين الرجل وبين المرأة على وجه السر لا تنفك ظاهراً عن أن تكون مواعدة بشيء من المنكرات ، \rوههنا احتمالات\rالأول : أن يواعدها في السر بالنكاح فيكون المعنى أن أول الآية إذن في التعريض بالخطبة وآخر الآية منع عن التصريح بالخطبة\rالثاني : أن يواعدها بذكر الجماع والرفث ، لأن ذكر ذلك بين الأجنبي والأجنبية غير جائز ، قال تعالى لأزواج النبي صلى الله عليه وسلم : {فَلاَ تَخْضَعْنَ بالقول} [ الأحزاب : 32 ] أي لا تقلن من أمر الرفث شيئاً {فَيَطْمَعَ الذى فِى قَلْبِهِ مَرَضٌ} [ الأحزاب : 32 ]\rالثالث : قال الحسن : {ولكن لاَّ تُوَاعِدُوهُنَّ سِرّاً} بالزنا طعن القاضي في هذا الوجه ، وقال : إن المواعدة محرمة بالإطلاق فحمل الكلام ما يخص به الخاطب حال العدة أولى.\rوالجواب : روى الحسن أن الرجل يدخل على المرأة ، وهو يعرض بالنكاح فيقول لها : دعيني أجامعك فإذا أتممت عدتك أظهرت نكاحك ، فالله تعالى نهى عن ذلك\rالرابع : أن يكون ذلك نهياً عن أن يسار الرجل المرأة الأجنبية ، لأن ذلك يورث نوع ريبة فيها\rالخامس : أن يعاهدها بأن لا يتزوج أحداً سواها.\rأما إذا حملنا السر على الموعود به ففيه وجوه","part":7,"page":102},{"id":2713,"text":"الأول : السر الجماع قال امرؤ القيس : \rوأن لا يشهد السر أمثالي.. وقال الفرزدق : \rموانع للأسرار إلا من أهلها.. ويخلفن ما ظن الغيور المشغف\rأي الذي شغفه بهن ، يعني أنهن عفائف يمنعن الجماع إلا من أزواجهن ، قال ابن عباس رضي الله عنهما : المراد لا يصف نفسه لها فيقول : آتيك الأربعة والخمسة الثاني : أن يكون المراد من السر النكاح ، وذلك لأن الوطء يسمى سراً والنكاح سببه وتسمية الشيء باسم سببه جائز. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 6 صـ 113 ـ 114}\rوقال القرطبى : \rاختلف العلماء في معنى قوله تعالى : {سِرّاً} فقيل : معناه نكاحاً ، أي لا يقل الرجل لهذا المعتدة تزوّجيني ؛ بل يعرّض إن أراد ، ولا يأخذ ميثاقها وعهدها ألا تنكح غيره في استسرار وخفية ؛ هذا قول ابن عباس وابن جبير ومالك وأصحابه والشعبيّ ومجاهد وعكرمة والسدّيّ وجمهور أهل العلم. \"وسِرّاً\" على هذا التأويل نصب على الحال ، أي مستسِرين. وقيل : السر الزنا ، أي لا يكونن منكم مواعدة على الزنا في العدّة ثم التزوّج بعدها. قال معناه جابر بن زيد وأبو مِجْلزَ لاحق بن حُميد ، والحسن بن أبي الحسن وقتادة والنخعيّ والضحاك ، وأن السر في هذه الآية الزنا ، أي لا تواعدوهنّ زنا ، واختاره الطبريّ ؛ ومنه قول الأعشى : \rفَلاَ تقرَبَنّ جارةً إنّ سرّها ... عليك حرامٌ فانكحن أو تَأَبَّدا\rوقال الحُطَيئة : \rويحرم سِرُّ جارتهم عليهم ... ويأكل جارُهم أنفَ القِصاعِ\rوقيل : السر الجِماع ، أي لا تصفوا أنفسكم لهن بكثرة الجماع ترغيباً لهن في النكاح فإنّ ذكر الجماع مع غير الزوج فُحْشٌ ؛ هذا قول الشافعيّ. وقال امرؤ القيس : \rألاَ زعمت بَسْباسة اليومَ أنني ... كبِرْتُ وألاَّ يُحِسن السِرّ أمْثَالِي\rوقال رؤبة : \rفكُفّ عن إسرارها بعد العَسَقْ ... أي كف عن جماعها بعد ملازمته لذلك. وقد يكون السر عقدة النكاح ، سِرّاً كان أو جهراً ، قال الأعشى : \rفلن يطلبوا سِرّها للغِنَى ... ولن يُسْلِموها لإزهادها\r","part":7,"page":103},{"id":2714,"text":"وأراد أن يطلبوا نكاحها لكثرة مالها ، ولن يسلموها لقِلة مالها. وقال ابن زيد : معنى قوله {ولكن لاَّ تُوَاعِدُوهُنَّ سِرّاً} أن لا تنكحوهنّ وتكتمون ذلك ؛ فإذا حلّت أظهرتموه ودخلتم بهن ؛ وهذا هو معنى القول الأوّل ؛ فابن زيد على هذا قائل بالقول الأوّل ؛ وإنما شَذّ في أن سمى العقد مُوَاعَدَةً ، وذلك قَلِقٌ. وحكى مكيّ والثعلبي عنه أنه قال : الآية منسوخة بقوله تعالى : {وَلاَ تعزموا عُقْدَةَ النكاح}. (1) أ هـ {تفسير القرطبى حـ 3 صـ 191}\rقال أبو حيان ـ رحمه الله ـ\rوأما تفسير {السر} هنا بالزنا فبعيد ، لأنه حرام على المسلم مع معتدة وغيرها. انتهى كلامه\rوإذا كان القرآن نهى عن المواعدة بالنكاح سراً وجهراً\rفهل يصح القول بالأوجه السابقة ؟؟!!!\rوالله أعلم بمراده.\rقوله تعالى : {إِلاَّ أَن تَقُولُواْ قَوْلاً مَّعْرُوفًا}\rقال الفخر :\rأما قوله تعالى : {إِلاَّ أَن تَقُولُواْ قَوْلاً مَّعْرُوفًا} ففيه سؤال ، وهو أنه تعالى بأي شيء علق هذا الاستثناء.\rوجوابه : أنه تعالى لما أذن في أول الآية بالتعريض ، ثم نهى عن المسارة معها دفعاً للريبة والغيبة استثنى عنه أن يساررها بالقول المعروف ، وذلك أن يعدها في السر بالإحسان إليها ، والاهتمام بشأنها ، والتكفل بمصالحها ، حتى يصير ذكر هذه الأشياء الجميلة مؤكداً لذلك التعريض والله أعلم. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 6 صـ 114}\r_____________\r(1) لا يخفى ما فى بعض هذه الوجوه من البعد البعيد كالقول بأن المراد من قوله {سرا} هو الجماع أين هذا من الحياء الذى جمل الله به الدين وزين به المسلم والمقام مقام حزن وألم وفراق وتفجع فهل يقتضى هذا المعنى ؟؟!!!\rوأبعد من ذلك القول بأن المراد من {السر} فى الآية الزنا.والله أعلم.","part":7,"page":104},{"id":2715,"text":"فائدة نفيسة\rقال العلامة ابن عاشور : \rفإن قلتم حظر : صريح الخطبة والمواعدة ، وإباحة التعريض بذلك يلوح بصور التعارض ، فإن مآل التصريح والتعريض واحد ، فإذا كان قد حصل بين الخاطب والمعتدة العلم بأنه يخطبها وبأنها توافقه ، فما فائدة تعلق التحريم والتحليل بالألفاظ والأساليب ، إن كان المفاد واحداً قلت : قصد الشارع من هذا حماية أن يكون التعجل ذريعة إلى الوقوع فيما يعطل حكمة العدة ، إذ لعل الخوض في ذلك يتخطى إلى باعث تعجل الراغب إلى عقد النكاح على المعتدة بالبناء بها ؛ فإن دبيب الرغبة يوقع في الشهوة ، والمكاشفة تزيل ساتر الحياء فإن من الوازع الطبيعي الحياء الموجود في الرجل ، حينما يقصد مكاشفة المرأة بشيء من رغبته فيها ، والحياء في المرأة أشد حينما يواجهها بذلك الرجل ، وحينما تقصد إجابته لما يطلب منها ، فالتعريض أسلوب من أساليب الكلام يؤذن بما لصاحبه من وقار الحياء فهو يقبض عن التدرج إلى ما نهي عنه ، وإيذانه بهذا الاستحياء يزيد ما طبعت عليه المرأة من الحياء فتنقبض نفسها عن صريح الإجابة ، بله المواعدة فيبقى حجاب الحياء مسدولاً بينهما وبرقع المروءة غير منضى وذلك من توفير شأن العدة فلذلك رخص في التعريض تيسيراً على الناس ، ومنع التصريح إبقاء على حرمات العدة. أ هـ {التحرير والتنوير حـ 2 صـ 454}\rقوله تعالى : {عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ سَتَذْكُرُونَهُنَّ وَلَكِنْ لَا تُوَاعِدُوهُنَّ سِرًّا إِلَّا أَنْ تَقُولُوا قَوْلًا مَعْرُوفًا}\rالمناسبة\rقال البقاعى : \rولما كان لله سبحانه وتعالى بهذه الأمة عناية عظيمة في التخفيف عنها أعلمها بذلك بقوله على سبيل التعليل : {علم الله} أي بما له من صفات الكمال {أنكم ستذكرونهن} أي في العدة فأذن لكم في ذلك على ما حد لكم.\rقال الحرالي : ففيه إجراء الشرعة على الحيلة الخاص بهذه الأمة انتهى.","part":7,"page":105},{"id":2716,"text":"ولما كان التقدير : فاذكروهن ، استثنى منه قوله : {ولكن لا تواعدوهن} أي في ذكركم إياهن {سراً} ولما كان السر يطلق على ما أسر بالفعل وما هو أهل أن يسر به وإن جهر بين أن المراد الثاني وهو السر بالقوة فقال : {إلا أن تقولوا} أي في الذكر لهن {قولاً معروفاً} لا يستحيي منه عند أحد من الناس ، فآل الأمر إلى أن المعنى لا تواعدوهن إلا ما لا يستحيي من ذكره فيسر وهو التعريض ؛ فنصت هذه الآية على تحريم التصريح بعد إفهام الآية الأولى لذلك اهتماماً به لما للنفس من الداعية إليه. أ هـ {نظم الدرر حـ 1 صـ 444}\rقوله تعالى : {وَلَا تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِّكَاحِ حَتَّى يَبْلُغَ الْكِتَابُ أَجَلَهُ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي أَنْفُسِكُمْ فَاحْذَرُوهُ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ}\rالمناسبة\rقال البقاعى : \rولما كانت عدة الوفاة طويلة فكان حبس النفس فيها عن النكاح شديداً وكانت إباحة التعريض قريبة من الرتع حول الحمى وكان من يرتع حول الحمى يوشك أن يواقعه خصها باتباعها النهي عن العقد قبل الانقضاء حملاً على التحري ومنعاً من التجري فقال : {ولا تعزموا} أي تبتّوا أي تفعلوا فعلاً بتاً مقطوعاً به غير متردد فيه {عقدة النكاح} أي النكاح الذي يصير معقوداً للمعتدة عدة هي فيها بائن فضمن العزم البتة ولذلك أسقط \" على \" وأوقعه على العقدة التي هي من آثاره ولا تتحقق بدونه فكأنه قال : ولا تعزموا على النكاح باقين عقدته ، وهو أبلغ مما لو قيل : ولا تعقدوا النكاح ، فإن النهي عن العزم الذي هو سبب العقد نهي عن العقد بطريق الأولى. قال الحرالي : والعقدة توثيق جمع الطرفين المفترقين بحيث يشق حلها وهو معنى دون الكتب الذي هو وصلة وخرز {حتى يبلغ الكتاب} أي الذي تقدم فيما أنزلت عليكم منه بيان عدة من زالت عصمتها من رجل بوفاه أو طلاق ، أو ما كتب وفرض من العدة {أجله} أي أخر مدته التي ضربها للعدة.\r","part":7,"page":106},{"id":2717,"text":"ولما أباح سبحانه وتعالى التعريض وحظر عزم العقدة وغلظ الأمر بتعليقه بالكتاب وبقي بين الطرفين أمور كانت الشهوة في مثلها غالبة والهوى مميلاً غلظ سبحانه وتعالى الزواجر لتقاوم تلك الدواعي فتولى تلك الأمور تهديد قوله تعالى : {واعلموا} أي أيها الراغبون في شيء من ذلك {أن الله} وله جميع الكمال {يعلم ما في أنفسكم} كله {فاحذروه} ولا تعزموا على شر فإنه يلزم من إحاطة العلم إحاطة القدرة.\r","part":7,"page":107},{"id":2718,"text":"ولما هددهم بعلمه وكان ذلك النهاية في التهديد وكان كل أحد يعلم من نفسه في النقائص ما يجل عن الوصف أخبرهم بما أوجب الإمهال على ذلك من منه بغفرانه وحلمه حثاً على التوبة وإقامة بين الرجاء والهيبة فقال : {واعلموا أن الله} أي كما اقتضى جلاله العقوبة اقتضى جماله العفو فهو لذلك {غفور} أي ستور لذنوب الخطائين إن تابوا {حليم} لا يعاجل أحد العقوبة فبادروا بالتوبة رجاء غفرانه ولا تغتروا بإمهاله فإن غضب الحليم لكونه بعد طول الأناة لا يطاق ، ويجوز أن يكون التقدير : ولا تصرحوا للنساء المعتدات بعقدة النكاح في عدة من العدد ؛ والسر في تفاوتها أن عدة الوفاة طولت مراعاة للورثة إلى حد هو أقصى دال على براءة الرحم ، لأن الماء يكون فيه أربعين يوماً نطفة ومثلها علقة ومثلها مضغة ثم ينفخ فيه الروح فتلك أربعة أشهر ، وقد تنقص الأشهر أربعة أيام فزيدت عليها وجبرت بما أتم أقرب العقود إليها ؛ وفي صحيح مسلم رضي الله تعالى عنه تقدير المدة الأولى \" باثنين وأربعين يوماً \" وفي رواية : \" خمس وأربعين \" وفي رواية : \" بضع وأربعين \" فإذا حمل البضع على ست وزيد ما قد تنقصه الأشهر صارت أربعة أشهر وعشراً ؛ ولم تزد على ذلك مراعاة للمرأة لما قيل : إنه يقل صبر النساء بعد ذلك ، واقتصر في الاستبراء على قرء وهو أقل دال على براءة الرحم لأن السيد يكون مخالطاً للأمة غالباً فيشق الصبر ، وثلثت عدة الحرة جرياً على سنة الشارع في الاستظهار بالتثليث مع زوال علة الإسراع من المخالطة ، ولأن أكثر الطلاق رجعي فربما كان عن غيظ فمدت ليزول فيتروى ، وكانت عدة الأمة من الطلاق بين الاستبراء وعدة الحرة لما تنازعها من حق السيد المقتضي للقصر وحق الزوج المقتضي للطول مع عدم إمكان التصنيف - والله سبحانه وتعالى أعلم. أ هـ {نظم الدرر حـ 1 صـ 444 ـ 445}\rقال الفخر : \rاعلم أن في لفظ العزم وجوهاً\r","part":7,"page":108},{"id":2719,"text":"الأول : أنه عبارة عن عقد القلب على فعل من الأفعال ، قال تعالى : {فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى الله} [ آل عمران : 159 ] واعلم أن العزم إنما يكون عزماً على الفعل ، فلا بد في الآية من إضمار فعل ، وهذا اللفظ إنما يعدى إلى الفعل بحرف على فيقال : فلان عزم على كذا إذا ثبت هذا كان تقدير الآية : ولا تعزموا على عقدة النكاح ، قال سيبويه : والحذف في هذه الأشياء لا يقاس ، فعلى هذا تقدير الآية : ولا تعزموا عقدة النكاح أن تقدروها حتى يبلغ الكتاب أجله والمقصود منه المبالغة في النهي عن النكاح في زمان العدة فإن العزم متقدم على المعزوم عليه ، فإذا ورد النهي عن العزم فلأن يكون النهي متأكداً عن الإقدام على المعزوم عليه أولى.\rالقول الثاني : أن يكون العزم عبارة عن الإيجاب ، يقال : عزمت عليكم ، أي أوجبت عليكم ويقال : هذا من باب العزائم لا من باب الرخص ، وقال عليه الصلاة والسلام : \" عزمة من عزمات ربنا \" وقال : \" إن الله يحب أن تؤتى رخصه كما يحب أن تؤتى عزائمه \" ولذلك فإن العزم بهذا المعنى جائز على الله تعالى ، وبالوجه الأول لا يجوز.\rإذا عرفت هذا فنقول : الإيجاب سبب الوجود ظاهراً ، فلا يبعد أن يستفاد لفظ العزم في الوجود وعلى هذا فقوله : {وَلاَ تَعْزِمُواْ عُقْدَةَ النكاح} أي لا تحققوا ذلك ولا تنشئوه ، ولا تفرغوا منه فعلاً ، حتى يبلغ الكتاب أجله ، وهذا القول هو اختيار أكثر المحققين.\rالقول الثالث : قال القفال رحمه الله : إنما لم يقل ولا تعزموا على عقدة النكاح ، لأن المعنى : لا تعزموا عليهن عقدة النكاح ، أي لا تعزموا عليهن أن يعقدن النكاح ، كما تقول : عزمت عليك أن تفعل كذا.\rفأما قوله تعالى : {عُقْدَةَ النكاح} فاعلم أن أصل العقد الشد ، والعهود والأنكحة تسمى عقوداً لأنها تعقد كما يعقد الحبل.\r","part":7,"page":109},{"id":2720,"text":"وأما قوله تعالى : {حتى يَبْلُغَ الكتاب أَجَلَهُ} ففي الكتاب وجهان الأول : المراد منه : المكتوب والمعنى : تبلغ العدة المفروضة آخرها ، وصارت منقضية\rوالثاني : أن يكون الكتاب نفسه في معنى الفرض كقوله : {كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصيام} [ البقرة : 183 ] فيكون المعنى حتى يبلغ هذا التكليف آخره ونهايته ، وإنما حسن أن يعبر عن معنى : فرض ، بلفظ {كُتِبَ} لأن ما يكتب يقع في النفوس أنه أثبت وآكد وقوله : {حتى} هو غاية فلا بد من أن يفيد ارتفاع الخطر المتقدم ، لأن من حق الغاية ضربت للحظر أن تقتضي زواله. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 6 صـ ـ 115114}\rوقال ابن عطية : \rعزم العقدة عقدها بالإشهاد والولي ، وحينئذ تسمى {عقدة} ، وقوله تعالى {حتى يبلغ الكتاب أجله} يريد تمام العدة ، و{الكتاب} هنا هو الحد الذي جعل والقدر الذي رسم من المدة ، سماه كتاباً إذ قد حده وفرضه كتاب الله ، كما قال : {كتاب الله عليكم} [ النساء : 24 ] ، وكما قال : {إن الصلاة كانت على المؤمنين كتاباً موقوتاً} [ النساء : 103 ] ، ولا يحتاج عندي في الكلام إلى حذف مضاف ، وقد قدر إسحاق في ذلك حذف مضاف أي فرض الكتاب ، وهذا على أن جعل الكتاب القرآن. أ هـ {المحرر الوجيز حـ 1 صـ 317}\rفائدة\rقال أبو حيان : \rنهوا عن العزم على عقدة النكاح ، وإذا كان العزم منهياً عنه فأحرى أن ينهى عن العقدة.\rوانتصاب : عقدة ، على المفعول به لتضمين : تعزموا ، معنى ما يتعدّى بنفسه ، فضمن معنى : تنووا ، أو معنى : تصححوا ، أو معنى : توجبوا ، أو معنى : تباشروا ، أو معنى : تقطعوا ، أي : تبتوا. وقيل : انتصب عقدة على المصدر ، ومعنى تعزموا تعقدوا. وقيل : انتصب على إسقاط حرف الجر ، وهو على هذا التقدير : ولا تعزموا على عقدة النكاح. وحكى سيبويه أن العرب تقول : ضرب زيد الظهر والبطن ، أي على الظهر والبطن وقال الشاعر : \rولقد أبيت على الطوى وأظله... حتى أنال به كريمَ المأكلِ","part":7,"page":110},{"id":2721,"text":"الأصل وأظل عليه ، فحذف : على ، ووصل الفعل إلى الضمير فنصبه ، إذ أصل هذا الفعل أن يتعدّى بعلى ، قال الشاعر : \rعزمت على إقامة ذي صباح... لأمر ما يسوّد من يسود. أ هـ {البحر المحيط حـ 2 صـ 239}\rقوله تعالى {واعلموا أَنَّ الله يَعْلَمُ مَا فِى أَنفُسِكُمْ فاحذروه}\rقال الفخر : \rإنه تعالى ختم الآية بالتهديد فقال : {واعلموا أَنَّ الله يَعْلَمُ مَا فِى أَنفُسِكُمْ فاحذروه} وهو تنبيه على أنه تعالى لما كان عالماً بالسر والعلانية ، وجب الحذر في كل ما يفعله الإنسان في السر والعلانية ثم ذكر بعد الوعيد الوعد ، فقال : {واعلموا أَنَّ الله غَفُورٌ حَلِيمٌ}. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 6 صـ 115}\rوقال ابن عطية : \rوقوله تعالى {واعلموا} إلى آخر الآية : تحذير من الوقوع فيما نهى عنه ، وتوقيف على غفره وحلمه في هذه الأحكام التي بيَّنَ ووسَّعَ فيها من إباحة التعريض ونحوه. أ هـ {المحرر الوجيز حـ 1 صـ 318}\rوقال أبو حيان : \r{واعلموا أن الله يعلم ما في أنفسكم فاحذروه} قيل : المعنى ما في أنفسكم من هواهنّ ، وقيل : من الوفاء والإخلاف ، قاله ابن عباس : فاحذروه ، الهاء تعود على الله تعالى ، أي : فاحذروا عقابه.","part":7,"page":111},{"id":2722,"text":"وقال الزمخشري : يعلم ما في أنفسكم من العزم على ما لا يجوز فاحذروه ولا تعزموا عليه. انتهى. فيحتمل أن تعود في كلام الزمخشري على ما لا يجوز من العزم ، أي فاحذور ما لا يجوز ولا تعزموا عليه ، فتكون الهاء في : فاحذروه ولا تعزموا عليه ، عائدة على شيء واحد ، ويحتمل في كلامه أن تعود على الله ، والهاء في : عليه ، على ما لا يجوز ، فيختلف ما تعود عليه الهاآن ، ولما هدّدهم بأنه مطلع على ما في أنفسهم ، وحذرهم منه ، أردف ذلك بالصفتين الجليلتين ليزيل عنهم بعض روع التهديد والوعيد ، والتحذير من عقابه ، ليعتدل قلب المؤمن في الرجاء والخوف ، وختم بهاتين الصفتين المقتضيتين المبالغة في الغفران والحلم ، ليقوي رجاء المؤمن في إحسان الله تعالى ، وطمعه في غفرانه وحلمه إن زل وهفا ، وأبرز كل معنى من التحذير والإطماع في جملة مستقلة ، وكرر اسم الله تعالى للتفخيم ، والتعظيم بمن يسند إليه الحكم ، وجاء خبر أن الأولى بالمضارع ، لأن ما يهجس في النفوس يتكرر فيتعلق العلم به ، فكأن العلم يتكرر بتكرر متعلقه ، وجاء خبر إن الثانية بالاسم ليدل على ثبوت الوصف ، وأنه قد صار كأنه من صفات الذات ، وإن كان من صفات الفعل. أ هـ {البحر المحيط حـ 2 صـ 239 ـ 240}\rوقال التسترى : \rقوله : {واعلموا أَنَّ الله يَعْلَمُ مَا في أَنفُسِكُمْ فاحذروه} [ 235 ] أي علم ما في غيب أنفسكم قبل خلقه لكم من فعل حركة أو سكون بخير أمر به وأعان على فعله ، وفعل ما نهى عنه ، ولم يعصم من نزل به ، وخلى من شاء مع الهوى لإظهار فعل ما نهى عنه ، ولم يعصم عدلاً منه وحكماً ، فكان معنى قوله : {مَا في أَنفُسِكُمْ} [ 235 ] أي ما ستفعلونه ، {فاحذروه} [ 235 ] أي اضرعوا إليه فيه حتى يكون هو الذي يتولى الأمر بالمعونة والتوفيق على الطاعة ، ويعصم عن النهي بالنصر والتأييد .\rألا ترون إلى قول عبدالله بن مسعود رضي الله عنهما : اللهم إن كنا عندك في أم الكتاب أشقياء محرومين فامْحُ ذلك عنا وأثبتنا سعداء مرحومين ، فإنك تمحو ما تشاء ، وتثبت وعندك أم الكتاب. أ هـ {تفسير التسترى صـ 49}\rوقال ابن عاشور : \rابتدىء الخطاب باعلموا لما أريد قطع هواجس التساهل والتأول ، في هذا الشأن ، ليأتي الناس ما شرع الله لهم عن صفاء سريرة من كل دخل وحيلة ، وقدم تقدم نظيره في قوله : {واعلموا أنكم ملاقوه} [ البقرة : 223 ].","part":7,"page":112},{"id":2723,"text":"وقوله : {واعلموا أن الله غفور حليم} تذييل ، أي فكما يؤاخذكم على ما تضمرون من المخالفة يغفر لكم ما وعد بالمغفرة عنه كالتعريض لأنه حليم بكم ، وهذا دليل على أن إباحة التعريض رخصة كما قدمنا ، وأن الذريعة تقتضي تحريمه ، لولا أن الله علم مشقة تحريمه على الناس للوجوه التي قدمناها ، فلعل المراد من المغفرة هنا التجاوز لا مغفرة الذنب ؛ لأن التعريض ليس بإثم ، أو يراد به المعنى الأعم الشامل لمغفرة الذنب والتجاوز عن المشاق ، وشأن التذييل التعميم. أ هـ {التحرير والتنوير حـ 2 صـ 456}\rمن فوائد ابن عرفة فى الآية\rقوله تعالى : {وَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا عَرَّضْتُم بِهِ مِنْ خِطْبَةِ النسآء...}.\rالزمخشري الكناية : هي أن يذكر الشيء بغير لفظه الموضوع له مثل : فلان جبان ، ( القلب ) عظيم الرماد. والتعريض : أن يذكر شيئا يستدل به على شيء لم يذكره.\rابن عرفة : فلفظه يقتضي أن الكناية ترجع لدلالة المطابقة والتعريض لدلالة الالتزام ولهذا كان بعضهم يقول في قولك : رأيت أسدا يريد به رجلا شجاعا إنه مطابقة ويرد على من كان يقول : إنّه مجاز ولذلك فرقوا بين دلالة اللفظ وبين الدلالة باللفظ لأن المطابقة دلالة اللّفظ على تمام مسماه بالإطلاق وما عرض من جعله مجازا ، إلا أنه ( فسر دلالة المطابقة بأنها دلالة اللّفظ على ) تمام ما وضع له أوّلا.\rقلت : قال القزويني في الإيضاح الكناية لفظ أريد به لازم معناه مع جواز إرادة ذلك كقولك فلان : كثير رماد القدر ، كناية عن الكرم. وطويل نجاد السيف كناية عن طول قامة الرجل. ومثله : بَعِيدَةٌ ( مَهْوَى ) القرط كناية عن طول قامة المرأة.\rقيل لابن عرفة : هل يجوز لمن عنده أربع نسوة أن يعرض ويواعد خامسة ؟ \r","part":7,"page":113},{"id":2724,"text":"فقال : الظاهر الجواز وهو أخف من المواعدة في العدة لأن من تزوج في العدة تحرم عليه للأبد ، ومن تزوج خامسة يجبر على تطليق واحدة ونكاحه صحيح ، وأيضا فالمواعد في العدة غير قادر على تنجيز ( العقد عليها في الحال ومتزوج الخامسة ) قادر على تطليق واحدة في الحال ويتزوجها.\rفإن قلت : ( ليس ) قادرا على أن يطلقها طلقة بائنة ؟ \rقلنا : هو قادر على أن يطلقها بالثلاث.\rقيل لشيخنا القاضي أبي عبد الله : محمد بن القاضي أبي العباس أحمد بن حيدرة كان يقول : هذا إذا كان التعريض من أحد الجانبين فقط. وأما إذا وقع منهما التعريض فظاهر المذهب أنه كصريح المواعدة.\rفان قلت : إذا نفي الجناح في التعريض فأحرى أن ينتفي عما يخطر بالقلب فما فائدة عطفه عليه.\rقلت : فائدته الإشعار بالتّسوية بينه وبين ما في النفس من الجواز أي هما سواء في رفع الحرج عن صاحبهما وعلى الحكم بتعريض الرجل للمرأة لأنه الأغلب والأكثر وجودا أن الرجال يخطبون النّساء فهو مفهوم خرج مخرج الغالب فيستفاد منه جواز العكس قياسا عليه.\rقوله تعالى : {ولكن لاَّ تُوَاعِدُوهُنَّ سِرّاً...}.\rالزمخشري : المستدرك مقدر ، أي فاذكروهنّ وَلكِن لاَ تُوَاعدوهنّ سِرّا.\rقال ابن عرفة : هذا يتخرج من الخلاف في أنّ ما بعد ( لَكِن ) إن كان مناقضا لما قبلها جاز بلا خلاف وإن وافقه امتنع اتّفاقا فإن خالفه فقولان ، ومفهومه تحريم المواعدة جهرا من باب أحرى.\rقوله تعالى : {إِلاَّ أَن تَقُولُواْ قَوْلاً مَّعْرُوفاً...}.\rجلعها الزمخشري متصلا أمّا مستثنى من مصدر \" تُوَاعِدُوهُنَّ \" أي إلاّ مواعدة القول المعروف فينتصب على المصدر أو مفرعا من مجرور أي إلاّ بالقول المعروف فينتصب على إسقاط حرف الجر ، ومنع انفصاله على استثنائه من \" سِرّا \" لعدم تسلّط العامل عليه فلا يجوز : لاَ تُوَعِدُوهُنّ إِلاّ التعريض.\rورده أبو حيان بمنع الحصر لأن المنفصل قسمان ما تسلط عليه العامل.\r","part":7,"page":114},{"id":2725,"text":"مثل : مَا رَأَيْتُ أَحَدا ( إِلاّ حِمَارا ) فالحجازيون أوجبوا نصبه والتميميون أجازوا اتباعه لما قبله. وما لم يسلط عليه العامل نحو ما زاد إلا ما نقص.\r( قلت : وعبر القرافي عمّا يتسلط عليه العامل بأن يكون الحكم على المستثنى بنقيض الحكم على المستثنى منه ، وعمّا لا يتسلط عليه بأن يكون الحكم بغير النقيض مثل ما زاد إلا ما نقص ) ، فالزيادة هي نقيض عدم الزيادة وذلك بعد أن قال : الاستثناء المتصل هو أن يكون الحكم على المستثنى بنقيض الحكم على المستثنى منه وأن يكون استثناء من غير الجنس فإن اختل أحدهما أو هما كان منقطعا ومثل الحكم بعدم النقيض فقول الله تعالى : {لاَ تأكلوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بالباطل إِلاَّ أَن تَكُونَ تِجَارَةً عَن تَرَاضٍ مِّنكُمْ} فظاهره جواز أكل التجارة بالباطل وليس كذلك.\rوتعقب ابن عرفة منع الزمخشري الانفصال وتعليله بأنه مشترك الالزام بين المتصل والمنفصل.\rوأجيب عن ذلك بأن ( المفرّغ ) أصله مستثنى من شيء محذوف تقديره في الآية : وَلَكِن لاَ تُوَاعِدُوهُنّ سِرّا بشيء من الأشياء بالقول المعروف. ونظيره : ما مررت إلاّ بزيد ، أي ما مررت بأحد فليس ( فيه ) مشترك الإلزام.\rوتعقب ابن عرفة قول أبي حيان في : ما رأيت أحدا إلاّ حمارا بأن ذلك إنّما هو في النقيض.\rقيل لابن عرفة : قد ذكر القرافي والشلوبين وغيرهما ومثلوه بقول الله تعالى : {لاَ يَذُوقُونَ فِيهَا الموت إِلاَّ الموتة الأولى} فقال : هذا منفي ، مع صحة قولك لا يذوقون إلاّ الموتة الأولى.\rفقيل له : لايجوز لا يذوقون إلاّ الموتة الأولى ؟ \rفقال : ( سقط فيها ).\rقلت : قال بعضهم : كلام أبي حيان صحيح وما تقدم للقرافي بيّنه.\rقوله تعالى : {وَلاَ تَعْزِمُواْ عُقْدَةَ النكاح حتى يَبْلُغَ الكتاب أَجَلَهُ...}.\rأبو البقاء : عقدة مصدر مضاف إلى المفعول ، أو على إسقاط حرف الجر كقول عنترة : ","part":7,"page":115},{"id":2726,"text":"ولقد أبيت على الطوى وأظلّه... حتى أنال به كريم المأكل\rأي وأظل عليه.\rقيل لابن عرفة : تقدم النهي عن المواعدة في العدة وهي أدنى من هذا والنهي عن الأدنى يستلزم النهي عما فوقه من باب أحرى ؟ \rفقال : دلالة المطابقة أقوى.\rقيل له : والأول من دلالة المطابقة مثل : {فَلاَ تَقُل لَّهُمَآ أُفٍّ} فقال : الصحيح عنهم أنّه من دلالة الالتزام ؟ \rقال : والعزم منهم من يفسره هنا بالفعل وهو عقد النكاح. ومنهم من فسره بالنية ، أي لا تنووا عقدة النكاح وهو الصحيح لأن العزم هو الجزم بفعل الشيء فهو أمر قلبي. قال الله تعالى : {فَإِذَا عَزَمَ الأمر} وَمما ( يؤيده ) هنا قوله : {واعلموا أَنَّ الله يَعْلَمُ مَا في أَنفُسِكُمْ فاحذروه}.\rفدل على أنّه أمر قلبي.\rوحكى ابن عطية عن ابن الجلاب : أن العقد في العدة يوجب حرمتها أبدا. وكان بعضهم يقيده بما إذا تعمد ذلك فإن وقع العقد خطأ لم يتأبد التحريم.\rقيل لابن عرفة : الصواب العكس لأن النكاح متى كانت له شبهة تأبد فيه التحريم ومتى لم تكن له شبهة لم يتأبد التحريم ؟ \rفقال ابن عرفة : ليس كذلك لأن ( عليه ) المعاقبة بنقيض المقصود.\rقوله تعالى : {واعلموا أَنَّ الله يَعْلَمُ مَا في أَنفُسِكُمْ فاحذروه...}.\rعبر فيه بِ ( اعْلَمُوا ) وب ( احْذَرُوهُ ) تأكيدا في التنفير عن ذلك والعقوبة من المواطأة هنا على ما في النفس والإصرار عليه. أ هـ {تفسير ابن عرفة صـ 305 ـ 306}\rفوائد بلاغية\rقال أبو حيان : \rتضمنت هذه الآية ضروباً من البديع\rمنها : الكناية ، في قوله : {ولكن لا تواعدوهنّ سرًّا} كنى بالسر عن النكاح ، وهي من أبلغ الكنايات. ومنها : التعريض ، في قوله : {يعلم ما في أنفسكم} ومنها : التهديد ، بقوله {فاحذروه} ومنها : الزيادة في الوصف ، بقوله : {غفور حليم}. أ هـ {البحر المحيط حـ 2 صـ 240}","part":7,"page":116},{"id":2727,"text":"فروع مهمة\rقال العلامة الجصاص : \rوَقَدْ اخْتَلَفَ السَّلَفُ وَمَنْ بَعْدَهُمْ فِي حُكْمِ مِنْ تَزَوَّجَ امْرَأَةً فِي عِدَّتِهَا مِنْ غَيْرِهِ ، فَرَوَى ابْنُ الْمُبَارَكِ قَالَ : حَدَّثَنَا أَشْعَثُ عَنْ الشَّعْبِيِّ عَنْ مَسْرُوقٍ قَالَ : ( بَلَغَ عُمَرَ أَنَّ امْرَأَةً مِنْ قُرَيْشٍ تَزَوَّجَهَا رَجُلٌ مِنْ ثَقِيفٍ فِي عِدَّتِهَا فَأَرْسَلَ إلَيْهِمَا فَفَرَّقَ بَيْنَهُمَا وَعَاقَبَهُمَا وَقَالَ : لَا يَنْكِحُهَا أَبَدًا ، وَجَعَلَ الصَّدَاقَ فِي بَيْتِ الْمَالِ ، وَفَشَا ذَلِكَ بَيْنَ النَّاسِ فَبَلَغَ عَلِيًّا كَرَّمَ اللَّهُ وَجْهَهُ فَقَالَ رَحِمَ اللَّهُ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ مَا بَالُ الصَّدَاقِ وَبَيْتِ الْمَالِ ؟ إنَّهُمَا جَهِلَا فَيَنْبَغِي لِلْإِمَامِ أَنْ يَرُدَّهُمَا إلَى السُّنَّةِ.\rقِيلَ : فَمَا تَقُولُ أَنْتَ فِيهَا ؟ قَالَ : لَهَا الصَّدَاقُ بِمَا اسْتَحَلَّ مِنْ فَرْجِهَا وَيُفَرَّقُ بَيْنَهُمَا وَلَا جَلْدَ عَلَيْهِمَا وَتُكْمِلُ عِدَّتَهَا مِنْ الْأَوَّلِ ثُمَّ تُكْمِلُ الْعِدَّةَ مِنْ الْآخَرِ ثُمَّ يَكُونُ خَاطِبَا.\rفَبَلَغَ ذَلِكَ عُمَرَ فَقَالَ : يَا أَيُّهَا النَّاسُ رُدُّوا الْجَهَالَاتِ إلَى السُّنَّةِ ).\rوَرَوَى ابْنُ أَبِي زَائِدَةَ عَنْ أَشْعَثَ مِثْلَهُ ، وَقَالَ فِيهِ : ( فَرَجَعَ عُمَرُ إلَى قَوْلِ عَلِيٍّ ).\rقَالَ أَبُو بَكْرٍ : قَدْ اتَّفَقَ عَلِيٌّ وَعُمَرُ عَلَى قَوْلٍ وَاحِدٍ ، لِمَا رُوِيَ أَنَّ عُمَرَ رَجَعَ إلَى قَوْلِ عَلِيٍّ.\rوَاخْتَلَفَ فُقَهَاءُ الْأَمْصَارِ فِي ذَلِكَ أَيْضًا ، فَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ وَزُفَرُ : ( يُفَرَّقُ بَيْنَهُمَا وَلَهَا مَهْرُ مِثْلِهَا ، فَإِذَا انْقَضَتْ عِدَّتُهَا مِنْ الْأَوَّلِ تُزَوَّجَهَا الْآخَرُ إنْ شَاءَ ) وَهُوَ قَوْلُ الثَّوْرِيِّ وَالشَّافِعِيِّ.","part":7,"page":117},{"id":2728,"text":"وَقَالَ مَالِكٌ وَالْأَوْزَاعِيُّ وَاللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ : ( لَا تَحِلُّ لَهُ أَبَدًا ) قَالَ مَالِكٌ وَاللَّيْثُ : ( وَلَا بِمِلْكِ الْيَمِينِ ).\rقَالَ أَبُو بَكْرٍ : لَا خِلَافَ بَيْنَ مَنْ ذَكَرْنَا قَوْلَهُ مِنْ الْفُقَهَاءِ أَنَّ رَجُلًا لَوْ زَنَى بِامْرَأَةٍ جَازَ لَهُ أَنْ يَتَزَوَّجَهَا ، وَالزِّنَا أَعْظَمُ مِنْ النِّكَاحِ فِي الْعِدَّةِ ، فَإِذَا كَانَ الزِّنَا لَا يُحَرِّمُهَا عَلَيْهِ تَحْرِيمًا مُؤَبَّدًا فَالْوَطْءُ بِشُبْهَةٍ أَحْرَى أَنْ لَا يُحَرِّمَهَا عَلَيْهِ.\rوَكَذَلِكَ مَنْ تَزَوَّجَ أَمَةً عَلَى حُرَّةٍ أَوْ جَمَعَ بَيْنَ أُخْتَيْنِ وَدَخَلَ بِهِمَا ، لَمْ تُحَرَّمْ عَلَيْهِ تَحْرِيمًا مُؤَبَّدًا ، فَكَذَلِكَ الْوَطْءُ عَنْ عَقْدٍ كَانَ فِي الْعِدَّةِ لَا يَخْلُو مِنْ أَنْ يَكُونَ وَطْئًا بِشُبْهَةٍ أَوْ زِنَا ، وَأَيُّهُمَا كَانَ فَالتَّحْرِيمُ غَيْرُ وَاقِعٍ بِهِ.\rفَإِنْ قِيلَ : قَدْ يُوجِبُ الزِّنَا وَالْوَطْءُ بِالشُّبْهَةِ تَحْرِيمًا مُؤَبَّدًا عِنْدَكُمْ كَاَلَّذِي يَطَأُ أُمَّ امْرَأَتِهِ أَوْ ابْنَتَهَا فَتَحْرُمُ عَلَيْهِ تَحْرِيمًا مُؤَبَّدًا قِيلَ لَهُ : لَيْسَ هَذَا مِمَّا نَحْنُ فِيهِ بِسَبِيلٍ ؛ لِأَنَّ كَلَامَنَا إنَّمَا هُوَ فِي وَطْءٍ يُوجِبُ تَحْرِيمَ الْمَوْطُوءَةِ نَفْسِهَا ، فَأَمَّا وَطْءٌ يُوجِبُ تَحْرِيمَ غَيْرِهَا فَإِنَّ ذَلِكَ حُكْمُ كُلِّ وَطْءٍ عِنْدَنَا زِنًا كَانَ أَوْ وَطْئًا بِشُبْهَةٍ أَوْ مُبَاحًا ، وَأَنْتَ لَمْ تَجِدْ فِي الْأُصُولِ وَطْئًا يُوجِبُ تَحْرِيمَ الْمَوْطُوءَةِ ، فَكَانَ قَوْلُك خَارِجًا عَنْ الْأُصُولِ وَعَنْ أَقَاوِيلِ السَّلَفِ أَيْضًا ؛ لِأَنَّ عُمَرَ قَدْ رَجَعَ إلَى قَوْلِ عَلِيٍّ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ.\r","part":7,"page":118},{"id":2729,"text":"وَأَمَّا مَا رُوِيَ عَنْ عُمَرَ أَنَّهُ جَعَلَ الْمَهْرَ فِي بَيْتِ الْمَالِ ، فَإِنَّهُ ذَهَبَ إلَى أَنَّهُ مَهْرٌ حَصَلَ لَهَا مِنْ وَجْهٍ مَحْظُورٍ فَسَبِيلُهُ أَنْ يُتَصَدَّقَ بِهِ ، فَلِذَلِكَ جَعَلَهُ فِي بَيْتِ الْمَالِ ثُمَّ رَجَعَ فِيهِ إلَى قَوْلِ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ.\rوَمَذْهَبُ عُمَرَ فِي جَعْلِ مَهْرِهَا لِبَيْتِ الْمَالِ ؛ إذْ قَدْ حَصَلَ لَهَا ذَلِكَ مِنْ وَجْهٍ مَحْظُورٍ ، يُشْبِهُ مَا رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الشَّاةِ الْمَأْخُوذَةِ بِغَيْرِ إذْنِ مَالِكِهَا ، قُدِّمَتْ إلَيْهِ مَشْوِيَّةً ، فَلَمْ يَكَدْ يُسِيغُهَا حِينَ أَرَادَ الْأَكْلَ مِنْهَا فَقَالَ : {إنَّ هَذِهِ الشَّاةَ تُخْبِرُنِي أَنَّهَا أُخِذَتْ بِغَيْرِ حَقٍّ فَأَخْبَرُوهُ بِذَلِكَ ، فَقَالَ : أَطْعِمُوهَا الْأُسَارَى}.\rوَوَجْهُ ذَلِكَ عِنْدَنَا أَنَّهَا صَارَتْ لَهُمْ بِضَمَانِ الْقِيمَةِ ، فَأَمَرَهُمْ بِالصَّدَقَةِ بِهَا ؛ لِأَنَّهَا حَصَلَتْ لَهُمْ مِنْ وَجْهٍ مَحْظُورٍ وَلَمْ يَكُونُوا قَدْ أَدَّوْا الْقِيمَةَ إلَى أَصْحَابِهَا.\rوَقَدْ رُوِيَ عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ أَنَّ مَهْرَهَا لِبَيْتِ الْمَالِ.\r","part":7,"page":119},{"id":2730,"text":"وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ وَإِبْرَاهِيمُ وَالزُّهْرِيُّ : ( الصَّدَاقُ لَهَا عَلَى مَا رُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ ) وَفِي اتِّفَاقِ عُمَرَ وَعَلِيٍّ عَلَى أَنْ لَا حَدَّ عَلَيْهِمَا دَلَالَةٌ عَلَى أَنَّ النِّكَاحَ فِي الْعِدَّةِ لَا يُوجِبُ الْحَدَّ مَعَ الْعِلْمِ بِالتَّحْرِيمِ ، لِأَنَّ الْمَرْأَةَ كَانَتْ عَالِمَةً بِكَوْنِهَا فِي الْعِدَّةِ وَلِذَلِكَ جَلَدَهَا عُمَرُ وَجَعَلَ مَهْرَهَا فِي بَيْتِ الْمَالِ ، وَمَا خَالَفَهُمَا فِي ذَلِكَ أَحَدٌ مِنْ الصَّحَابَةِ ؛ فَصَارَ ذَلِكَ أَصْلًا فِي أَنَّ كُلَّ وَطْءٍ عَنْ عَقْدٍ فَاسِدٍ أَنَّهُ لَا يُوجِبُ الْحَدَّ سَوَاءً كَانَا عَالِمَيْنِ بِالتَّحْرِيمِ أَوْ غَيْرَ عَالِمَيْنِ بِهِ ؛ وَهَذَا يَشْهَدُ لِأَبِي حَنِيفَةَ فِيمَنْ وَطِئَ ذَاتَ مَحْرَمٍ مِنْهُ بِنِكَاحٍ أَنَّهُ لَا حَدَّ عَلَيْهِ.\rوَقَدْ اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي الْعِدَّةِ إذَا وَجَبَتْ مِنْ رَجُلَيْنِ ، فَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ وَزُفَرُ وَمَالِكٌ فِي رِوَايَةِ ابْنِ الْقَاسِمِ عَنْهُ وَالثَّوْرِيُّ وَالْأَوْزَاعِيُّ : ( إذَا وَجَبَتْ عَلَيْهَا الْعِدَّةُ مِنْ رَجُلَيْنِ فَإِنَّ عِدَّةً وَاحِدَةً تَكُونُ لَهُمَا جَمِيعًا ، سَوَاءً كَانَتْ الْعِدَّةُ بِالْحَمْلِ أَوْ بِالْحَيْضِ أَوْ بِالشُّهُورِ ) وَهُوَ قَوْلُ إبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ.\rوَقَالَ الْحَسَنُ بْنُ صَالِحٍ وَاللَّيْثُ وَالشَّافِعِيُّ : ( تَعْتَدُّ لِكُلِّ وَاحِدٍ عِدَّةً مُسْتَقْبَلَةً ).\r","part":7,"page":120},{"id":2731,"text":"وَاَلَّذِي يَدُلُّ عَلَى صِحَّةِ الْقَوْلِ الْأَوَّلِ قَوْله تَعَالَى : {وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ} يَقْتَضِي كَوْنَ عِدَّتِهَا ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ إذَا طَلَّقَهَا زَوْجُهَا وَوَطِئَهَا رَجُلٌ بِشُبْهَةٍ ؛ لِأَنَّهَا مُطَلَّقَةٌ قَدْ وَجَبَتْ عَلَيْهَا عِدَّةٌ ؛ وَلَوْ أَوْجَبْنَا عَلَيْهَا أَكْثَرَ مِنْ ثَلَاثَةِ قُرُوءٍ كُنَّا زَائِدِينَ فِي الْآيَةِ مَا لَيْسَ فِيهَا ؛ إذْ لَمْ تُفَرِّقْ بَيْنَ مَنْ وُطِئَتْ بِشُبْهَةٍ مِنْ الْمُطَلَّقَاتِ وَبَيْنَ غَيْرِهَا \".\rوَيَدُلُّ عَلَيْهِ أَيْضًا قَوْله تَعَالَى : {وَاَللَّائِي يَئِسْنَ مِنْ الْمَحِيضِ مِنْ نِسَائِكُمْ إنْ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلَاثَةُ أَشْهُرٍ وَاَللَّائِي لَمْ يَحِضْنَ} وَلَمْ يُفَرِّقْ بَيْنَ مُطَلَّقَةٍ قَدْ وَطِئَهَا أَجْنَبِيٌّ بِشُبْهَةٍ وَبَيْنَ مَنْ لَمْ تُوطَأْ ، فَاقْتَضَى ذَلِكَ أَنْ تَكُونَ عِدَّتُهَا ثَلَاثَةَ أَشْهُرٍ فِي الْوَجْهَيْنِ جَمِيعًا.\rوَيَدُلُّ عَلَيْهِ أَيْضًا قَوْله تَعَالَى : {وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ} وَلَمْ يُفَرِّقْ بَيْنَ مَنْ عَلَيْهَا عِدَّةٌ مِنْ رَجُلٍ أَوْ رَجُلَيْنِ.\rوَيَدُلُّ عَلَيْهِ أَيْضًا قَوْله تَعَالَى {يَسْأَلُونَكَ عَنْ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ} لِأَنَّ الْعِدَّةَ إنَّمَا هِيَ بِمُضِيِّ الْأَوْقَاتِ وَالْأَهِلَّةِ وَالشُّهُورِ ، وَقَدْ جَعَلَهَا اللَّهُ وَقْتًا لِجَمِيعِ النَّاسِ ، فَوَجَبَ أَنْ تَكُونَ الشُّهُورُ وَالْأَهِلَّةُ وَقْتًا لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا لِعُمُومِ الْآيَةِ.\r","part":7,"page":121},{"id":2732,"text":"وَيَدُلُّ عَلَيْهِ اتِّفَاقُ الْجَمِيعِ عَلَى أَنَّ الْأَوَّلَ لَا يَجُوزُ لَهُ عَقْدُ النِّكَاحِ عَلَيْهَا قَبْلَ انْقِضَاءِ عِدَّتِهَا مِنْهُ ، فَعَلِمْنَا أَنَّهَا فِي عِدَّةٍ مِنْ الثَّانِي ؛ لِأَنَّ الْعِدَّةَ مِنْهُ لَا تَمْنَعُ مِنْ تَزْوِيجِهَا. أ هـ {أحكام القرآن للجصاص حـ 2 صـ 133 ـ 135}","part":7,"page":122},{"id":2733,"text":"قوله تعالى : {لَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً وَمَتِّعُوهُنَّ عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ مَتَاعًا بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُحْسِنِينَ (236)}\rمناسبة الآية لما قبلها\rقال البقاعى : \rولما تمت أحكام العدد وما يتبعها مما حق الرجال فيه أغلب أتبعها أحكام الأصدقة ، ولما كان الكلام قد طال في أحكام الطلاق والموت ولم يذكر الصداق وكان قد ختم تلك الأحكام بصفتي الغفر والحلم وكان الصداق معلوماً عندهم قبل الإسلام اقتضى ذلك السؤال : هل يجب للمفارقة صداق أو هو مما دخل تحت المغفرة والحلم فلا يجب ؟ فقيل : {لا جناح عليكم} أي لا تبعة من مهر ولا غيره إلا ما يأتي من المتعة ، وأصل الجناح الميل من الثقل {إن طلقتم النساء} أي إن طلق أحد منكم ما يملك عصمته منهن {ما لم تمسوهن} أي تجامعوهن.\rمن المس ومن المماسة في القراءة الأخرى وهو ملاقاة الجرمين بغير حائل بينهما - قاله الحرالي {أو تفرضوا لهن فريضة} أي تسموا لهن مهراً معلوماً.\rأي لا جناح عليكم ما لم يقع أحد الأمرين أي مدة انتفائه ولا ينتفي الأحد المبهم إلا بانتفاء الأمرين معاً فإذا انتفيا انتفى الجناح وإن وجدا أو أحدهما وجد ، فإن وجد المسيس وجب المسمى أو مهر المثل.\rوإن وجد الفرض وجب نصفه إن خلا عن مسيس.\rقال الحرالي : ففي إنبائه صحة عقد النكاح مع إهمال ذكر الصداق لا مع إبطاله ، ففيه صحة نكاح التفويض ونكاح التأخير لذكر الصداق ، فبان به أن الصداق ليس ركناً فيه وأن إبطاله مانع من بنائه ، فيكون له ثلاثة أحوال من رفع الجناح فيه عن المهمل الذي لم يمس فيه كأنه كان يستحق فرضاً ما فرفع عنه جناحه من حيث إن على الماس كلية النحلة وعلى الفارض شطر النحلة فرفع عنه جناح الفرض وجبر موضع الفرض بالإمتاع ، ولذلك ألزمت المتعة طائفة من العلماء - انتهى.\r","part":7,"page":123},{"id":2734,"text":"ولما كان التقدير : وطلقوهن إن أردتم وراعوا فيهن ما أوجبت من الحقوق لكم وعليكم عطف عليه قوله : {ومتعوهن} أي جبراً لما وقع من الكسر بالطلاق على حسب حال المطلقين ، والمطلقة من غير مس ولا فرض تستحقه للمتعة بالإجماع - نقله الأصبهاني.\rو {على الموسع} منهم أي الذي له في حاله سعة.\rوقال الحرالي : هو من الإيساع وهو المكنة في السعة التي هي أكثر من الكفاية {قدره} من القدر وهو الحد المحدود في الشيء حساً أو معنى {وعلى المقتر} أي الذي في حاله ضيق.\rقال الحرالي : هو من الإقتار وهو النقص من القدر الكافي - انتهى {قدره} أي ما يقدر عليه ويطيقه ، وقراءة فتح الدال كقراءة إسكانها فإنهما لغتان أو أن الفتح مشير إلى التفضل بتحمل شيء ما فوق القدرة {متاعاً} أي تمتيعاً {بالمعروف} وهو ما ليس فيه في الشرع نكارة {حقاً على المحسنين} أي الذين صار الإحسان لهم وصفاً لازماً ، والإحسان غاية رتب الدين كأنه كما قال الحرالي إسلام ظاهر يقيمه إيمان باطن يكمله إحسان شهودي - انتهى.\rفالكلام على هذا النظام إلهاب وتهييج لا قيد ، وإنما كانت إحساناً لأن ملاك القصد فيها كما قال الحرالي ما تطيب به نفس المرأة ويبقى باطنها وباطن أهلها سلماً أو ذا مودة {لعل الله يحدث بعد ذلك أمراً} [ الطلاق : 1 ] انتهى.\rولا شك في أن هذا إحسان. أ هـ {نظم الدرر حـ 1 صـ 446 ـ 447}\rقال القرطبى : \r","part":7,"page":124},{"id":2735,"text":"قوله تعالى : {لاَّ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِن طَلَّقْتُمُ النسآء} هذا أيضاً من أحكام المطلقات ؛ وهو ابتداء إخبار برفع الحرج عن المطلِّق قبل البِناء والجماع ، فرض مهراً أو لم يفرض ؛ ولما نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن التزوّج لمعنى الذوق وقضاء الشهوة ، وأمر بالتزوّج لطلب العصمة والتماس ثواب الله وقصدِ دوام الصحبة ؛ وقع في نفوس المؤمنين أن من طلق قبل البناء قد واقع جزءاً من هذا المكروه ؛ فنزلت الآية رافعة للجناح في ذلك إذا كان أصل النكاح على المقصد الحسن. وقال قوم : {لاَّ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ} معناه لا طلب لجميع المهر بل عليكم نصف المفروض لمن فرض لها ، والمتعة لمن لم يفرض لها. وقيل : لما كان أمر المهر مؤكداً في الشرع فقد يتوهم أنه لا بدّ من مهر إما مسمى وإما مهر المِثل ؛ فرفع الحرج عن المطلق في وقت التطليق وإن لم يكن في النكاح مهر. وقال قوم : {لاَّ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ} معناه في أن ترسلوا الطلاق في وقت الحيض ، بخلاف المدخول بها ؛ إذْ غير المدخول بها لا عدّة عليها. أ هـ {تفسير القرطبى حـ 3 صـ 197}\rقال الفخر : \rحكم المطلقة قبل الدخول\rاعلم أن أقسام المطلقات أربعة\rأحدها : المطلقة التي تكون مفروضاً لها ومدخولاً بها وقد ذكر الله تعالى فيما تقدم أحكام هذا القسم وهو أنه لا يؤخذ منهن على الفراق شيء على سبيل الظلم ثم أخبر أن لهن كمال المهر ، وأن عدتهن ثلاثة قروء.\rوالقسم الثاني : من المطلقات ما لا يكون مفروضاً ولا مدخولاً بها وهو الذي ذكره الله تعالى في هذه الآية ، وذكر أنه ليس لها مهر ، وأن لها المتعة بالمعروف.","part":7,"page":125},{"id":2736,"text":"والقسم الثالث : من المطلقات : التي يكون مفروضاً لها ، ولكن لا يكون مدخولاً بها وهي المذكورة في الآية التي بعد هذه الآية ، وهي قوله سبحانه وتعالى : {وَإِن طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِن قَبْلِ أَن تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ} [ البقرة : 237 ] واعلم أنه تعالى بين حكم عدة غير المدخول بها وذكر في سورة الأحزاب أنه لا عدة عليها ألبتة ، فقال : {إِذَا نَكَحْتُمُ المؤمنات ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِن قَبْلِ أَن تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا فَمَتّعُوهُنَّ} [ الأحزاب : 49 ].\rالقسم الرابع : من المطلقات : التي تكون مدخولاً بها ، ولكن لا يكون مفروضاً لها ، وحكم هذا القسم مذكور في قوله : {فَمَا استمتعتم بِهِ مِنْهُنَّ فَئَاتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ} [ النساء : 24 ] أيضاً القياس الجلي دال عليه وذلك لأن الأمة مجمعة على أن الموطوءة بالشبهة لها مهر المثل ، فالموطوءة بنكاح صحيح أولى بهذا الحكم ، فهذا التقسيم تنبيه على المقصود من هذه الآية ، ويمكن أن يعبر عن هذا التقسيم بعبارة أخرى ، فيقال : إن عقد النكاح يوجب بدلاً على كل حال ، ثم ذلك البدل إما أن يكون مذكوراً أو غير مذكور ، فإن كان البدل مذكوراً ، فإن حصل الدخول استقر كله ، وهذا هو حكم المطلقات التي ذكرهن الله تعالى قبل هذه الآية ، وإن لم يحصل الدخول سقط نصف المذكور بالطلاق ، وهذا هو حكم المطلقات التي ذكرهن الله تعالى في الآية التي تجىء عقيب هذه الآية.\rفإن لم يكن البدل مذكوراً فإن لم يحصل الدخول فهو هذه المطلقة التي ذكر الله تعالى حكمها في هذه الآية ، وحكمها أنه لا مهر لها ، ولا عدة عليها ، ويجب عليه لها المتعة ، وإن حصل الدخول فحكمها غير مذكور في هذه الآيات ، إلا أنهم اتفقوا على أن الواجب فيها مهر المثل. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 6 صـ 115 ـ 116}\r","part":7,"page":126},{"id":2737,"text":"قوله تعالى : {لاَّ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِن طَلَّقْتُمُ النساء}\rقال ابن عاشور : \rوحقيقة الجناح الإثم كما تقدم في قوله : {فلا جناح عليه أن يطوف بهما} [ البقرة : 158 ].\rولا يعرف إطلاق الجناح على غير معنى الإثم ، ولذلك حمله جمهور المفسرين هنا على نفي الإثم في الطلاق ، ووقع في \"الكشاف\" تفسير الجناح بالتبعة فقال : {لا جناح عليكم لا تبعة عليكم من إيجاب المهر} ثم قال : والدليل على أن الجناح تبعة المهر ، قوله : {وإن طلقتموهن} إلى قوله : {فنصف ما فرضتم} فقوله : {فنصف ما فرضتم} إثبات للجناح المنفي ثمة\" وقال ابن عطية وقال قوم : لا جناح عليكم معناه لا طلب بجميع المهر فعلمنا أن صاحب \"الكشاف\" مسبوق بهذا التأويل ، وهو لم يذكر في \"الأساس\" هذا المعنى للجناح حقيقة ولا مجازاً ، فإنما تأوله من تأوله تفسيراً لمعنى الكلام كله لا لكلمة {جناح} وفيه بعد ، ومحمله على أن الجناح كناية بعيدة عن التبعة بدفع المهر.\rوالوجه ما حمل عليه الجمهور لفظ الجناح ، وهو معناه المتعارف ، وفي \"تفسير ابن عطية\" عن مكي بن أبي طالب \"لا جناح عليكم في الطلاق قبل البناء ؛ لأنه قد يقع الجناح على المطلق بعد أن كان قاصداً للذوق ، وذلك مأمون قبل المسيس\" وقريب منه في الطيبي عن الراغب أي في \"تفسيره\".\rفالمقصود من الآية تفصيل أحوال دفع المهر أو بعضه أو سقوطه ، وكأن قوله : {لا جناح عليكم إن طلقتم النساء ما لم تمسوهن} إلى آخره تمهيد لذلك وإدماج لإباحة الطلاق قبل المسيس لأنه بعيد عن قصد التذوق ، وأبعد من الطلاق بعد المسيس عن إثارة البغضاء بين الرجل والمرأة ، فكان أولى أنواع الطلاق بحكم الإباحة الطلاق قبل البناء.\r","part":7,"page":127},{"id":2738,"text":"قال ابن عطية وغيره : إنه لكثرة ما حض الرسول عليه الصلاة والسلام المؤمنين على أن يقصدوا من التزوج دوام المعاشرة ، وكان ينهى عن فعل الذواقين الذين يكثرون تزوج النساء وتبديلهن ، ويكثر النهي عن الطلاق حتى قد يظن محرماً ، فأبانت الآية إباحته بنفي الجناح بمعنى الوزر. أ هـ {التحرير والتنوير حـ 2 صـ 457 ـ 458}\rقال الفخر : \rأما قوله تعالى : {لاَّ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِن طَلَّقْتُمُ النساء} فهذا نص في أن الطلاق جائز ، واعلم أن كثيراً من أصحابنا يتمسكون بهذه الآية في بيان أن الجمع بين الثلاث ليس بحرام ، قالوا : لأن قوله : {لاَّ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِن طَلَّقْتُمُ النساء} يتناول جميع أنواع التطليقات ، بدليل أنه يصح استثناء الثلاث منها فيقال لا جناح عليكم إن طلقتم النساء إلا إذا طلقتموهن ثلاث طلقات فإن هناك يثبت الجناح ، قالوا : وحكم الاستثناء إخراج ما لولاه لدخل ، فثبت أن قوله : {لاَّ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِن طَلَّقْتُمُ النساء} يتناول جميع أنواع التطليقات ، أعني حال الإفراد وحال الجمع ، وهذا الاستدلال عندي ضعيف ، وذلك لأن الآية دالة على الإذن في تحصيل هذه الماهية في الوجود ، ويكفي في العمل به إدخاله في الوجود مرة واحدة ، ولهذا قلنا : إن الأمر المطلق لا يفيد التكرار ، ولهذا قلنا : إنه إذا قال لامرأته : إن دخلت الدار فأنت طالق انعقدت اليمين على المرة الواحدة فقط ؛ فثبت أن هذا اللفظ لا يتناول حالة الجمع ، وأما الاستثناء الذي ذكروه فنقول : يشكل هذا بالأمر فإنه لا يفيد التكرار بالاتفاق من المحققين ، مع أنه يصح أن يقال : صل إلا في الوقت الفلاني وصم إلا في اليوم الفلاني ، والله أعلم. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 6 صـ 116}\rقوله تعالى : {مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ}\rقال الفخر : \r","part":7,"page":128},{"id":2739,"text":"قرأ حمزة والكسائي {تماسوهن} بالألف على المفاعلة ، وكذلك في الأحزاب والباقون {تَمَسُّوهُنَّ} بغير ألف ، حجة حمزة والكسائي أن بدن كل واحد يمس بدن صاحبه ويتماسان جميعاً وأيضاً يدل على ذلك قوله تعالى : {مّن قَبْلِ أَن يَتَمَاسَّا} [ المجادلة : 3 ] وهو إجماع وحجة الباقين إجماعهم على قوله : {وَلَمْ يَمْسَسْنِى بَشَرٌ} [ آل عمران : 47 ] ولأن أكثر الألفاظ في هذا المعنى جاء على المعنى بفعل دون فاعل كقوله : {لَمْ يَطْمِثْهُنَّ} [ الرحمن : 56 ] وكقوله : {فانكحوهن بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ} [ النساء : 25 ] وأيضاً المراد من هذا المس : الغشيان ، وذلك فعل الرجل ، ويدل في الآية الثانية على أن المراد من هذا المس الغشيان ، وأما ما جاء في الظهار من قوله تعالى : {مّن قَبْلِ أَن يَتَمَاسَّا} فالمراد به المماسة التي هي غير الجماع وهي حرام في الظهار ، وبعض من قرأ : {تماسوهن} قال : إنه بمعنى {تَمَسُّوهُنَّ} لأن فاعل قد يراد به فعل ، كقوله : طارقت النعل ، وعاقبت اللص ، وهو كثير. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 6 صـ 116}\rسؤال : لقائل أن يقول : ظاهر الآية مشعر بأن نفي الجناح عن المطلق مشروط بعدم المسيس وليس كذلك فإنه لا جناح عليه أيضاً بعد المسيس.\rوجوابه من وجوه الأول : أن الآية دالة على إباحة الطلاق قبل المسيس مطلقاً ، وهذا الإطلاق غير ثابت بعد المسيس ، فإنه لا يحل الطلاق بعد المسيس في زمان الحيض ، ولا في الطهر الذي جامعها فيه ، فلما كان المذكور في الآية حل الطلاق على الإطلاق ، وحل الطلاق على الإطلاق لا يثبت إلا بشرط عدم المسيس ، صح ظاهر اللفظ.\r","part":7,"page":129},{"id":2740,"text":"الوجه الثاني : في الجواب قال بعضهم : إن {مَا} في قوله : {مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ} بمعنى الذي والتقدير : لا جناح عليكم إن طلقتم النساء اللاتي لم تمسوهن ، إلا أن {مَا} اسم جامد لا ينصرف ، ولا يبين فيه الإعراب ولا العدد ، وعلى هذا التقدير لا يكون لفظ {مَا} شرطاً ، فزال السؤال.\rالوجه الثالث : في الجواب ما يدور حوله القفال رحمه الله ، وحاصله يرجع إلى ما أقوله ، وهو أن المراد من الجناح في هذه الآية لزوم المهر ، فتقدير الآية : لا مهر عليكم إن طلقتم النساء ما لم تمسوهن أو تفرضوا لهن فريضة ، بمعنى : لا يجب المهر إلا بأحد هذين الأمرين ، فإذا فقدا جميعاً لم يجب المهر ، وهذا كلام ظاهر إلا أنا نحتاج إلى بيان أن قوله : {لاَّ جُنَاحَ} معناه لا مهر ، فنقول : إطلاق لفظ الجناح على المهر محتمل ، والدليل دل عليه فوجب المصير إليه ، وأما بيان الاحتمال فهو أن أصل الجناح في اللغة هو الثقل ، يقال : أجنحت السفينة إذا مالت لثقلها والذنب يسمى جناحاً لما فيه من الثقل ، قال تعالى : {وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقَالَهُمْ وَأَثْقَالاً مَّعَ أَثْقَالِهِمْ} [ العنكبوت : 13 ] إذا ثبت أن الجناح هو الثقل ، ولزوم أداء المال ثقل فكان جناحاً ، فثبت أن اللفظ محتمل له ، وإنما قلنا : إن الدليل دل على أنه هو المراد لوجهين الأول : أنه تعالى قال : {لاَّ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِن طَلَّقْتُمُ النساء مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أنْ تَفْرِضُواْ لَهُنَّ فَرِيضَةً} نفى الجناح محدوداً إلى غاية وهي إما المسيس أو الفرض ، والتقدير : فوجب أن يثبت ذلك الجناح عند حصول أحد هذين الأمرين ثم إن الجناح الذي يثبت عند أحد هذين الأمرين هو لزوم المهر ، فوجب القطع بأن الجناح المنفي في أول الآية هو لزوم المهر\rالثاني : أن تطليق النساء قبل المسيس على قسمين\rأحدهما : الذي يكون قبل المسيس وقبل تقدير المهر ، وهو المذكور في هذه الآية\r","part":7,"page":130},{"id":2741,"text":"والثاني : الذي يكون قبل المسيس وبعد تقدير المهر وهو المذكور في الآية التي بعد هذه الآية وهي قوله : {وَإِن طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِن قَبْلِ أَن تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً} [ البقرة : 237 ] ثم إنه في هذا القسم أوجب نصف المفروض وهذا القسم كالمقابل لذلك القسم فيلزم أن يكون الجناح المنفي هناك هو المثبت ههنا ، فلما كان المثبت ههنا هو لزوم المهر وجب أن يقال : الجناح المنفي هناك هو لزوم المهر والله أعلم. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 6 صـ 117}\rفائدة\rقال الفخر : \rاعلم أنا قد ذكرنا في أول تفسير هذه الآية أن أقسام المطلقات أربعة ، وهذه الآية تكون مشتملة على بيان حكم ثلاثة أقسام منها ، لأنه لما صار تقدير الآية : لا مهر إلا عند المسيس أو عند التقدير ، عرف منه أن التي لا تكون ممسوسة ولا مفروضاً لها لا يجب لها المهر ، وعرف أن التي تكون ممسوسة ولا تكون مفروضاً لها والتي تكون مفروضاً لها ولا تكون ممسوسة يجب لكل واحدة منهما المهر ، فتكون هذه الآية مشتملة على بيان حكم هذه الأقسام الثلاثة.\rوأما القسم الرابع : وهي التي تكون ممسوسة ومفروضاً لها ، فبيان حكمه مذكور في الآية المتقدمة ، وعلى هذا التقدير تكون هذه الآيات مشتملة على بيان حكم هذه الأقسام الأربعة بالتمام وهذا من لطائف الكلمات والحمد لله على ذلك. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 6 صـ 117 ـ 118}\rفصل\rقال أبو بكر الأصم والزجاج : هذه الآية تدل على أن عقد النكاح بغير المهر جائز ، وقال القاضي : إنها لا تدل على الجواز لكنها تدل على الصحة ، أما بيان دلالتها على الصحة ، فلأنه لو لم يكن صحيحاً لم يكن الطلاق مشروعاً ، ولم تكن المتعة لازمة ، وأما أنها لا تدل على الجواز ، فلأنه لا يلزم من الصحة الجواز ، بدليل أن الطلاق في زمان الحيض حرام ومع ذلك واقع وصحيح. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 6 صـ 118}\rبحث نفيس للعلامة ابن عاشور : \rقال رحمه الله : \r","part":7,"page":131},{"id":2742,"text":"الآية دلت على مشروعية أصل الطلاق ، لما أشعرت بنفي الجناح عن الطلاق قبل المسيس وحيث أشعرت بإباحة بعض أنواعه : بالتصدي لبيان أحكامها ، ولما لم يتقدم لنا موضع هو أنسب بذكر مشروعية الطلاق من هذه الآية ، فنحن نبسط القول في ذلك : \rإن القانون العام لانتظام المعاشرة هو الوفاق في الطبائع والأخلاق والأهواء والأميال ، وقد وجدنا المعاشرة نوعين : أولهما معاشرة حاصلة بحكم الضرورة ، وهي معاشرة النسب ، المختلفة في القوة والضعف ، بحسب شدة قرب النسب وبعده كمعاشرة الآباء مع الأبناء ، والإخوة بعضهم مع بعض ، وأبناء العم والعشيرة ، واختلافها في القوة والضعف يستتبع اختلافها في استغراق الأزمان ، فنجد في قصر زمن المعاشرة ، عند ضعف الآصرة ، ما فيه دافع للسآمة والتخالف الناشئين عما يتطرق إلى المتعاشرين من تنافر في الأهواء والأميال ، وقد جعل الله في مقدار قرب النسب تأثيراً في مقدار الملاءمة ؛ لأنه بمقدار قرب النسيب ، يكون التئام الذات مع الأخرى أقوى وأتم ، وتكون المحاكة والممارسة والتقارب أطول ، فنشأ من السببين الجبلي ، والاصطحابي ، ما يقوي اتحاد النفوس في الأهواء والأميال بحكم الجبلة ، وحكم التعود والإلف ، وهكذا يذهب ذلك السببان يتباعدان بمقدار ما يتباعد النسيب.\rالنوع الثاني : معاشرة بحكم الاختيار وهي معاشرة الصحبة والخلة والحاجة والمعاونة ، وما هي إلا معاشرة مؤقتة تطول أو تقصر ، وتستمر أو تغب ، بحسب قوة الداعي وضعفه ، وبحسب استطاعة الوفاء بحقوق تلك المعاشرة ، والتقصير في ذلك ، والتخلص من هذا النوع ممكن إذا لم تتحد الطباع.\r","part":7,"page":132},{"id":2743,"text":"ومعاشرة الزوجين في التنويع ، هي من النوع الثاني ، وفي الآثار محتاجة إلى آثار النوع الأول ، وينقصها من النوع الأول سببه الجبلي لأن الزوجين يكثر ألا يكونا قريبين وسببه الاصطحابي ، في أول عقد التزوج حتى تطول المعاشرة ويكتسب كل من الآخر خلقه ، إلا أن الله تعالى جعل في رغبة الرجل في المرأة إلى حد أن خطبها ، وفي ميله إلى التي يراها ، مذ انتسبت به واقترنت ، وفي نيته معاشرتها معاشرة طيبة ، وفي مقابلة المرأة الرجل بمثل ذلك ما يغرز في نفس الزوجين نوايا وخواطر شريفة وثقة بالخير ، تقوم مقام السبب الجبلي ، ثم تعقبها معاشرة وإلف تكمل ما يقوم مقام السبب الاصطحابي ، وقد أشار الله تعالى إلى هذا السر النفساني الجليل ، بقوله : {ومن آياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجاً لتسكنوا إليها وجعل بينكم مودة ورحمة} [ الروم : 21 ].\rوقد يعرض من تنافر الأخلاق وتجافيها ما لا يطمع معه في تكوين هذين السببين أو أحدهما ، فاحتيج إلى وضع قانون للتخلص من هذه الصحبة ، لئلا تنقلب سبب شقاق وعداوة فالتخلص قد يكون مرغوباً لكلا الزوجين ، وهذا لا إشكال فيه ، وقد يكون مرغوباً لأحدهما ويمتنع منه الآخر ، فلزم ترجيح أحد الجانبين وهو جانب الزوج لأن رغبته في المرأة أشد ، كيف وهو الذي سعى إليها ورغب في الاقتران بها ؛ ولأن العقل في نوعه أشد ، والنظر منه في العواقب أسد ، ولا أشد احتمالاً لأذى وصبراً على سوء خلق من المرأة ، فجعل الشرع التخلص من هذه الورطة بيد الزوج ، وهذا التخلص هو المسمى : بالطلاق ، فقد يعمد إليه الرجل بعد لأي ، وقد تسأله المرأة من الرجل ، وكان العرب في الجاهلية تسأل المرأة الرجل الطلاق فيطلقها ، قال سعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل يذكر زوجتيه : \rتلك عِرساي تنطقان على عمد\rإلى اليوم قولَ زور وهَتْر...\rسَالَتَانِي الطلاق أَن رأَتا مَا\rلي قليلاً قد جئتماني بنُكْر...\rوقال عبيد بن الأبرصْ : \rتلكَ عِرسي غضبى تريد زيالي\r","part":7,"page":133},{"id":2744,"text":"أَلبَيْن تريد أم لِدَلال...\rإن يكن طِبُّككِ الفراقَ فلا أح\rفِلُ أن تعطفي صُدور الجِمال...\rوجعل الشرع للحاكم إذا أبى الزوج الفراق ولحق الزوجة الضرُّ من عشرته ، بعد ثبوت موجباته ، أن يطلقها عليه.\rفالطلاق فسخ لعقدة النكاح بمنزلة الإقالة في البيع ، إلا أنه فسخ لم يشترط فيه رضا كلا المتعاقدين بل اكتُفي برضا واحد : وهو الزوج ، تسهيلاً للفراق عند الاضطرار إليه ، ومقتضى هذا الحكم أن يكون الطلاق قبل البناء بالمرأة ممنوعاً ؛ إذ لم تقع تجربة الأخلاق ، لكن لما كان الداعي إلى الطلاق قبل البناء لا يكون إلا لسبب عظيم لأن أفعال العقلاء تصان عن العبث ، كيف يعمد راغب في امرأة ، باذل لها ماله ونفسه إلى طلاقها قبل التعرف بها ، لولا أن قد علم من شأنها ما أزال رجاءه في معاشرتها ، فكان التخلص وقتئذ قبل التعارف ، أسهل منه بعد التعارف. أ هـ {التحرير والتنوير حـ 2 صـ 459 ـ 461}\rلطيفة\rقال الفخر : \rاتفقوا على أن المراد من المسيس في هذه الآية الدخول ، قال أبو مسلم : وإنما كنى تعالى بقوله : {تَمَسُّوهُنَّ} عن المجامعة تأديباً للعباد في اختيار أحسن الألفاظ فيما يتخاطبون به ، والله أعلم. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 6 صـ 118}\rقوله تعالى : {أَوْ تَفْرِضُواْ لَهُنَّ فَرِيضَةً}\rقال الفخر : \rأما قوله تعالى : {أَوْ تَفْرِضُواْ لَهُنَّ فَرِيضَةً} فالمعنى يقدر لها مقداراً من المهر يوجبه على نفسه ، لأن الفرض في اللغة هو التقدير ، وذكر كثير من المفسرين أن {أَوْ} ههنا بمعنى الواو ، ويريد : ما لم تمسوهن ولم تفرضوا لهن فريضة ، كقوله : {أَوْ يَزِيدُونَ} [ الصافات : 147 ] وأنت إذا تأملت فيما لخصناه علمت أن هذا التأويل متكلف ، بل خطأ قطعاً والله أعلم. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 6 صـ 118}\rوقال القرطبى : \r","part":7,"page":134},{"id":2745,"text":"\"أو\" في \"أَوْ تَفْرِضُوا\" قيل هو بمعنى الواو ؛ أي ما لم تمسوهن ولم تفرضوا لهن ؛ كقوله تعالى : {وَكَم مِّن قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا فَجَآءَهَا بَأْسُنَا بَيَاتاً أَوْ هُمْ قَآئِلُونَ} [ الأعراف : 4 ] أي وهم قائلون. وقولِه : {وَأَرْسَلْنَاهُ إلى مِائَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ} [ الصافات : 147 ] أي ويزيدون. وقوله : {وَلاَ تُطِعْ مِنْهُمْ آثِماً أَوْ كَفُوراً} [ الإنسان : 24 ] أي وكفورا. وقوله : {وَإِنْ كُنْتُمْ مرضى أَوْ على سَفَرٍ أَوْ جَآءَ أَحَدٌ مِّنْكُمْ مِّن الغآئط} [ النساء : 43 ] معناه وجاء أحد منكم من الغائط وأنتم مرضى أو مسافرون. وقوله : {إِلاَّ مَا حَمَلَتْ ظُهُورُهُمَا أَوِ الحوايآ أَوْ مَا اختلط بِعَظْمٍ} [ الأنعام : 146 ] وما كان مِثله. ويعتضد هذا بأنه تعالى عطف عليها بعد ذلك المفروض لها فقال : {وَإِن طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِن قَبْلِ أَن تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً}. فلو كان الأوّل لبيان طلاق المفروض لها قبل المسِيس لما كرّره. أ هـ {تفسير القرطبى حـ 3 صـ 199 ـ 200}\rمسائل مهمة للعلامة الفخر :","part":7,"page":135},{"id":2746,"text":"المسألة الأولى : المطلقات قسمان ، مطلقة قبل الدخول ، ومطلقة بعد الدخول ، أما المطلقة قبل الدخول ينظر إن لم يكن فرض لها مهر فلها المتعة بهذه الآية التي نحن فيها ، وإن كان قد فرض لها فلا متعة ، لأن الله تعالى أوجب في حقها نصف المهر ولم يذكر المتعة ، ولو كانت واجبة لذكرها وقال ابن عمر : لكل مطلقة متعة إلا التي فرض لها ولم يدخل بها فحسبها نصف المهر ، وأما المطلقة بعد الدخول سواء فرض لها أو لم يفرض ، فهل تستحق المتعة ، فيه قولان : قال في \"القديم\" وبه قال أبو حنيفة : لا متعة لها ، لأنها تستحق المهر كالمطلقة بعد الفرض قبل الدخول ، وقال في \"الجديد\" : بل لها المتعة ، وهو قول علي بن أبي طالب عليه السلام ، والحسن بن علي ، وابن عمر ، والدليل عليه قوله تعالى : {وللمطلقات متاع بالمعروف} [ البقرة : 241 ] وقال تعالى : {فَتَعَالَيْنَ أُمَتّعْكُنَّ} [ الأحزاب : 28 ] وكان ذلك في نساء دخل بهن النبي صلى الله عليه وسلم ، وليس كالمطلقة بعد الفرض قبل المسيس ، لأنها استحقت الصداق لا بمقابلة استباحة عوض فلم تستحق المتعة والمطلقة بعد الدخول استحقت الصداق بمقابلة استباحة البضع فتجب لها المتعة للإيحاش بالفراق.\r","part":7,"page":136},{"id":2747,"text":"المسألة الثانية : مذهب الشافعي وأبي حنيفة أن المتعة واجبة ، وهو قول شريح والشعبي والزهري ، وروي عن الفقهاء السبعة من أهل المدينة أنهم كانوا لا يرونها واجبة ، وهو قول مالك لنا قوله تعالى : {وَمَتّعُوهُنَّ} وظاهر الأمر للإيجاب ، وقال : {وللمطلقات متاع} فجعل ملكاً لهن أو في معنى الملك ، وحجة مالك أنه تعالى قال في آخر الآية : {حَقّاً عَلَى المحسنين} فجعل هذا من باب الإحسان وإنما يقال : هذا الفعل إحسان إذا لم يكن واجباً فإن وجب عليه أداء دين فأداه لا يقال إنه أحسن ، وأيضاً قال تعالى : {مَا عَلَى المحسنين مِن سَبِيلٍ} [ التوبة : 91 ] وهذا يدل على عدم الوجوب ، والجواب عنه أن الآية التي ذكرتموها تدل على قولنا لأنه تعالى قال : {حَقّاً عَلَى المحسنين} فذكره بكلمة {على} وهي للوجوب ، ولأنه إذا قيل : هذا حق على فلان ، لم يفهم منه الندب بل الوجوب. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 6 صـ ـ 119118}\rقوله تعالى : {عَلَى الموسع قَدَرُهُ وَعَلَى المقتر قَدْرُهُ}\rقال ابن عاشور : \rوقوله : {على الموسع قدره وعلى المقتر قدره} الموسع من أوسع إذا صار ذا سعة ، والمقتر من أقتر إذا صار ذا قَتر وهو ضيق العيش ، والقدر بسكون الدال وبفتحها ما به تعيين ذات الشيء أو حاله ، فيطلق على ما يساوي الشيء من الأجرام ، ويطلق على ما يساويه في القيمة ، والمراد به هنا الحال التي يقدر بها المرء في مراتب الناس في الثروة ، وهو الطبقة من القوم ، والطاقة من المال ، وقرأه الجمهور بسكون الدال ، وقرأه ابن ذكوان عن ابن عامر ، وحمزة ، والكسائي ، وحفص عن عاصم ، وأبو جعفر بفتح الدال. أ هـ {التحرير والتنوير حـ 2 صـ 462 ـ 463}\rقال الفخر : \r","part":7,"page":137},{"id":2748,"text":"قوله تعالى : {عَلَى الموسع قَدَرُهُ وَعَلَى المقتر قَدْرُهُ} يدل على أن تقدير المتعة مفوض إلى الاجتهاد ، ولأنها كالنفقة التي أوجبها الله تعالى للزوجات ، وبين أن الموسع يخالف المقتر وقال الشافعي : المستحب على الموسع خادم ، وعلى المتوسط ثلاثون درهماً ، وعلى المقتر مقنعة ، روي عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال : أكثر المتعة خادم وأقلها مقنعة ، وأي قدر أدى جاز في جانبي الكثرة والقلة ، وقال أبو حنيفة المتعة لا تزاد على نصف مهر المثل ، قال : لأن حال المرأة التي يسمى لها المهر أحسن من حال التي لم يسم لها ، ثم لما لم يجب لها زيادة على نصف المسمى إذا طلقها قبل الدخول ، فلأن لا يجب زيادة على نصف مهر المثل أولى والله أعلم. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 6 صـ 119}\rقال القرطبى : \rاختلفوا في الضمير المتصل بقوله {وَمَتِّعُوهُنَّ} مَنْ المراد به مِن النساء ؟ فقال ابن عباس وابن عمر وجابر بن زيد والحسن والشافعي وأحمد وعطاء وإسحاق وأصحاب الرأي : المُتْعَة واجبةٌ للمطلِّقة قبل البِناء والفرض ، ومندوبة في حق غيرها. وقال مالك وأصحابه : المتعة مندوب إليها في كل مطلقة وإن دُخل بها ، إلاّ في التي لم يُدخل بها وقد فُرِض لها فحسْبُها ما فُرض لها ولا مُتْعة لها. وقال أبو ثور : لها المُتْعَة ولكل مطلَّقة. وأجمع أهل العلم على أن التي لم يُفرض لها ولم يُدخل بها لا شيء لها غيرُ المتعة. قال الزُّهْري : يقضي لها بها القاضي. وقال جمهور الناس : لا يقضي بها لها.\r","part":7,"page":138},{"id":2749,"text":"قلت : هذا الإجماع إنما هو في الحرّة ، فأما الأمة إذا طلقت قبل الفرض والمسِيس فالجمهور على أن لها المُتْعَةَ. وقال الأُوزاعيّ والثوريّ : لا متعة لها لأنها تكون لسيدها وهو لا يستحق مالاً في مقابلة تأذِّي مملوكته بالطلاق. وأما ربط مذهب مالك فقال ابن شعبان : المتعة بإزاء غمّ الطلاق ، ولذلك ليس للمخْتَلِعة والمبارِئة والمُلاعنة متعةٌ قبل البناء ولا بعده ، لأنها هي التي اختارت الطلاق. وقال الترمذيّ وعطاء والنخعيّ : للمختلعة متعة. وقال أصحاب الرأي : للملاعنة متعة. قال ابن القاسم : ولا متعة في نكاح مفسوخ. قال ابن الموّاز : ولا فيما يدخله الفسخ بعد صحة العقد ؛ مثل مِلك أحد الزوجين صاحبه. قال ابن القاسم : وأصل ذلك قوله تعالى : {وَلِلْمُطَلَّقَاتِ مَتَاعٌ بالمعروف} [ البقرة : 241 ] فكان هذا الحكم مختصاً بالطلاق دون الفسخ. وروى ابن وهب عن مالك أن المخيَّرة لها المتعة بخلاف الأمَة تعتِق تحت العبد فتختار هي نفسها ، فهذه لا متعة لها. وأما الحرّة تُخَير أو تملك أو يتزوّج عليها أمة فتختار هي نفسها في ذلك كله فلها المتعة ؛ لأن الزوج سبب للفراق.\r","part":7,"page":139},{"id":2750,"text":"الثامنة : قال مالك : ليس للمتعة عندنا حدّ معروف في قليلها ولا كثيرها. وقد اختلف الناس في هذا ؛ فقال ابن عمر : أدنى ما يجزىء في المتعة ثلاثون درهماً أو شبهها. وقال ابن عباس : أرفع المتعة خادم ثم كسوة ثم نفقة. عطاء : أوسطها الدرع والخِمار والمِلحفة. أبو حنيفة : ذلك أدناها. وقال ابن مَحيْريز : على صاحب الديوان ثلاثة دنانير ، وعلى العبد المتعة. وقال الحسن : يُمَتِّع كل بقدره ، هذا بخادم وهذا بأثواب وهذا بثوب وهذا بنفقة ؛ وكذلك يقول مالك بن أنس ، وهو مقتضى القرآن فإن الله سبحانه لم يقدّرها ولا حدّدها وإنما قال : {عَلَى الموسع قَدَرُهُ وَعَلَى المقتر قَدْرُهُ}. ومتع الحسن ابن عليّ بعشرين ألفاً وزِقاق من عسل. ومتع شريح بخمسمائة درهم. وقد قيل : إن حالة المرأة مُعتَبَرة أيضاً ؛ قاله بعض الشافعية ، قالوا : لو اعتبرنا حال الرجل وحده لزم منه أنه لو تزوّج امرأتين إحداهما شريفة والأُخرى دَنيّة ثم طلقهما قبل المَسِيس ولم يُسمّ لهما أن يكونا متساويتين في المتعة فيجب للدّنية ما يجب للشريفة وهذا خلاف ما قال الله تعالى : {مَتَاعاً بالمعروف} ويلزم منه أن الموسر العظيم اليسار إذا تزوّج امرأة دنية أن يكون مثلها ؛ لأنه إذا طلَّقها قبل الدخول والفَرْض لزمته المتعة على قدر حاله ومهر مثلها ؛ فتكون المتعة على هذا أضعاف مهر مِثلها ؛ فتكون قد استحقّت قبل الدخول أضعاف ما تستحقه بعد الدخول من مهر الْمِثْل الذي فيه غاية الابتذال وهو الوطء.","part":7,"page":140},{"id":2751,"text":"وقال أصحاب الرأي وغيرهم : مُتْعَة التي تطلَّق قبل الدخول والفرض نصف مهر مثلها لا غير ؛ لأن مهر المثل مستَحَقٌّ بالعقد ، والمتعة هي بعض مهر المثل ؛ فيجب لها كما يجب نصف المسمَّى إذا طلَّق قبل الدخول ، وهذا يرده قوله تعالى : {عَلَى الموسع قَدَرُهُ وَعَلَى المقتر قَدْرُهُ} وهذا دليل على رفض التحديد ؛ والله بحقائق الأُمور عليم. وقد ذكر الثعلبيّ حديثاً قال : نزلت {لاَّ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِن طَلَّقْتُمُ النسآء} الآية ، في رجل من الأنصار تزوّج امرأة من بني حنيفة ولم يسم لها مهراً ثم طلقها قبل أن يمسَّها فنزلت الآية ؛ فقال النبيّ صلى الله عليه وسلم : \" متِّعْها ولو بقَلَنْسُوَتك \" وروى الدارقطنيّ عن سُويد بن غَفَلة قال : كانت عائشة الخثْعَمية عند الحسن بن علي بن أبي طالب فلما أُصيب عَليٌّ وبويع الحسن بالخلافة قالت : لِتَهْنِكَ الخلافةُ يا أمير المؤمنين! فقال : يُقتل عَليٌّ وتُظهرين الشماتة! اذهبي فأنت طالق ثلاثاً. قال : فَتَلفّعت بسَاجِها وقعدت حتى انقضت عدّتها ؛ فبعث إليها بعشرة الاف متعةً ، وبقيةِ ما بقي لها من صداقها. فقالت : \rمَتاعٌ قليلٌ من حَبِيب مُفارِقِ ... فلما بلغه قولُها بكى وقال : لولا أني سمعت جدّي أو حدثني أبي أنه سمع جدّي يقول : أيّما رجل طلّق امرأته ثلاثاً مبهمة أو ثلاثاً عند الأَقْرَاء لم تحل له حتى تنكح زوجاً غيره لراجعتها. وفي رواية : أخبره الرسول فبكى وقال : لولا أني أَبَنْت الطلاق لها لراجعتها ، ولكني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : \" أيّما رجل طلّق امرأته ثلاثاً عند كل طهر تطليقةً أو عند رأس كل شهر تطليقةً أو طلقها ثلاثاً جميعاً لم تَحِل له حتى تنكح زوجاً غيره \". أ هـ {تفسير القرطبى حـ 3 صـ 200 ـ 202}\rوقال الطبرى : ","part":7,"page":141},{"id":2752,"text":"والصواب من القول في ذلك ما قال ابن عباس ومن قال بقوله : من أن الواجب من ذلك للمرأة المطلقة على الرجل على قدر عسره ويسره ، كما قال الله تعالى ذكره : \"على الموسع قدره وعلى المقتر قدره\" ، لا على قدر المرأة.\rولو كان ذلك واجبا للمرأة على قدر صداق مثلها إلى قدر نصفه ، لم يكن لقيله تعالى ذكره : \"على الموسع قدره وعلى المقتر قدره\" ، معنى مفهوم ولكان الكلام : ومتعوهن على قدرهن وقدر نصف صداق أمثالهن.\rوفي إعلام الله تعالى ذكره عباده أن ذلك على قدر الرجل في عسره ويسره ، لا على قدرها وقدر نصف صداق مثلها ، ما يبين عن صحة ما قلنا ، وفساد ما خالفه. وذلك أن المرأة قد يكون صداق مثها المال العظيم ، والرجل في حال طلاقه إياها مقتر لا يملك شيئا ، فإن قضي عليه بقدر نصف صداق مثلها ، ألزم ما يعجز عنه بعض من قد وسع عليه ، فكيف المقدور عليه ؟ وإذا فعل ذلك به ، كان الحاكم بذلك عليه قد تعدى حكم قول الله تعالى ذكره : \"على الموسع قدره وعلى المقتر قدره\" -ولكن ذلك على قدر عسر الرجل ويسره ، لا يجاوز بذلك خادم أو قيمتها ، إن كان الزوج موسعا. وإن كان مقترا ، فأطاق أدنى ما يكون كسوه لها ، وذلك ثلاثة أثواب ونحو ذلك ، قضي عليه بذلك. وإن كان عاجزا عن ذلك ، فعلى قدر طاقته. وذلك على قدر اجتهاد الإمام العادل عند الخصومة إليه فيه. أ هـ {تفسير الطبرى حـ 5 صـ 124}\rكلام نفيس للعلامة الجصاص : \rقال رحمه الله : \r","part":7,"page":142},{"id":2753,"text":"ذِكْرُ تَقْدِيرِ الْمُتْعَةِ الْوَاجِبَةِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : {وَمَتِّعُوهُنَّ عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ مَتَاعًا بِالْمَعْرُوفِ} وَإِثْبَاتُ الْمِقْدَارِ عَلَى اعْتِبَارِ حَالِهِ فِي الْإِعْسَارِ وَالْيَسَارِ طَرِيقُهُ الِاجْتِهَادِ وَغَالِبُ الظَّنِّ ، وَيَخْتَلِفُ ذَلِكَ فِي الْأَزْمَانِ أَيْضًا ؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى شَرَطَ فِي مِقْدَارِهَا شَيْئَيْنِ : أَحَدُهُمَا : اعْتِبَارُهَا بِيَسَارِ الرَّجُلِ وَإِعْسَارِهِ ، وَالثَّانِي : أَنْ يَكُونَ بِالْمَعْرُوفِ مَعَ ذَلِكَ ؛ فَوَجَبَ اعْتِبَارُ الْمَعْنَيَيْنِ فِي ذَلِكَ.\rفَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ وَكَانَ الْمَعْرُوفُ مِنْهُمَا مَوْقُوفًا عَلَى عَادَاتِ النَّاسِ فِيهَا وَالْعَادَاتُ قَدْ تَخْتَلِفُ وَتَتَغَيَّرُ ، وَجَبَ بِذَلِكَ مُرَاعَاةُ الْعَادَاتِ فِي الْأَزْمَانِ وَذَلِكَ أَصْلٌ فِي جَوَازِ الِاجْتِهَادِ فِي أَحْكَامِ الْحَوَادِثِ ؛ إذْ كَانَ ذَلِكَ حُكْمًا مُؤَدِّيًا إلَى اجْتِهَادٍ رَأَيْنَا.\rوَقَدْ ذَكَرْنَا أَنَّ شَيْخَنَا أَبَا الْحَسَنِ رَحِمَهُ اللَّهُ يَقُولُ : ( يَجِبُ مَعَ ذَلِكَ اعْتِبَارُ حَالِ الْمَرْأَةِ أَيْضًا ) وَذَكَرَ ذَلِكَ أَيْضًا عَلِيُّ بْنُ مُوسَى الْقُمِّيُّ فِي كِتَابِهِ ، وَاحْتَجَّ بِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى عَلَّقَ الْحُكْمَ فِي تَقْدِيرِ الْمُتْعَةِ بِشَيْئَيْنِ : حَالِ الرَّجُلِ بِيَسَارِهِ وَإِعْسَارِهِ ، وَأَنْ يَكُونَ مَعَ ذَلِكَ بِالْمَعْرُوفِ.\r","part":7,"page":143},{"id":2754,"text":"قَالَ : فَلَوْ اعْتَبَرْنَا حَالَ الرَّجُلِ وَحْدَهُ عَارِيًّا مِنْ اعْتِبَارِ حَالِ الْمَرْأَةِ ، لَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ لَوْ تَزَوَّجَ امْرَأَتَيْنِ إحْدَاهُمَا شَرِيفَةٌ وَالْأُخْرَى دَنِيَّةٌ مَوْلَاةٌ ثُمَّ طَلَّقَهُمَا قَبْلَ الدُّخُولِ وَلَمْ يُسَمِّ لَهُمَا أَنْ تَكُونَا مُتَسَاوِيَتَيْنِ فِي الْمُتْعَةِ ، فَتَجِبُ لِهَذِهِ الدَّنِيَّةِ كَمَا تَجِبُ لِهَذِهِ الشَّرِيفَةِ ؛ وَهَذَا مُنْكَرٌ فِي عَادَاتِ النَّاسِ وَأَخْلَاقِهِمْ غَيْرُ مَعْرُوفٍ.\rقَالَ : وَيَفْسُدُ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ قَوْلُ مَنْ اعْتَبَرَ حَالَ الرَّجُلِ وَحْدَهُ دُونَهَا ، وَهُوَ أَنَّهُ لَوْ كَانَ رَجُلًا مُوسِرًا عَظِيمَ الشَّأْنِ فَتَزَوَّجَ امْرَأَةً دَنِيَّةً مَهْرُ مِثْلِهَا دِينَارٌ ، أَنَّهُ لَوْ دَخَلَ بِهَا وَجَبَ لَهَا مَهْرُ مِثْلِهَا ؛ إذْ لَمْ يُسَمِّ لَهَا شَيْئًا دِينَارٌ وَاحِدٌ ، وَلَوْ طَلَّقَهَا قَبْلَ الدُّخُولِ لَزِمَتْهُ الْمُتْعَةُ عَلَى قَدْرِ حَالِهِ ، وَقَدْ يَكُونُ ذَلِكَ أَضْعَافُ مَهْرِ مِثْلِهَا ، فَتَسْتَحِقُّ قَبْلَ الدُّخُولِ بَعْدَ الطَّلَاقِ أَكْثَرَ مِمَّا تَسْتَحِقُّهُ بَعْدَ الدُّخُولِ.\rوَهَذَا خُلْفٌ مِنْ الْقَوْلِ ؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَدْ أَوْجَبَ لِلْمُطْلَقَةِ قَبْلَ الدُّخُولِ نِصْفَ مَا أَوْجَبَهُ لَهَا بَعْدَ الدُّخُولِ ، فَإِذَا كَانَ الْقَوْلُ بِاعْتِبَارِ حَالِ الرَّجُلِ دُونَهَا يُؤَدِّي إلَى مُخَالَفَةِ مَعْنَى.\rالْكِتَابِ وَدَلَالَتِهِ وَإِلَى خِلَافِ الْمَعْرُوفِ فِي الْعَادَاتِ سَقَطَ وَوَجَبَ اعْتِبَارُ حَالِهَا مَعَهُ.\r","part":7,"page":144},{"id":2755,"text":"وَيَفْسُدُ أَيْضًا مِنْ وَجْهٍ آخَرَ : وَهُوَ أَنَّهُ لَوْ تَزَوَّجَ رَجُلَانِ مُوسِرَانِ أُخْتَيْنِ فَدَخَلَ أَحَدُهُمَا : بِامْرَأَتِهِ كَانَ لَهَا مَهْرُ مِثْلِهَا أَلْفُ دِرْهَمٍ ، إذْ لَمْ يُسَمِّ لَهَا مَهْرًا ؛ وَطَلَّقَ الْآخَرُ امْرَأَتَهُ قَبْلَ الدُّخُولِ مِنْ غَيْرِ تَسْمِيَةٍ أَنْ تَكُونَ الْمُتْعَةُ لَهَا عَلَى قَدْرِ حَالِ الرَّجُلِ ، وَجَائِزٌ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ أَضْعَافُ مَهْرِ أُخْتِهَا فَيَكُونُ مَا تَأْخُذُهُ الْمَدْخُولُ بِهَا أَقَلَّ مِمَّا تَأْخُذُهُ الْمُطَلَّقَةُ ، وَقِيمَةُ الْبُضْعَيْنِ وَاحِدَةٌ وَهُمَا مُتَسَاوِيَتَانِ فِي الْمَهْرِ ، فَيَكُونُ الدُّخُولُ مُدْخِلًا عَلَيْهَا ضَرَرًا وَنُقْصَانًا فِي الْبَدَلِ ؛ وَهَذَا مُنْكَرٌ غَيْرُ مَعْرُوفٍ.\rفَهَذِهِ الْوُجُوهُ كُلُّهَا تَدُلُّ عَلَى اعْتِبَارِ حَالِ الْمَرْأَةِ مَعَهُ.\rوَقَدْ قَالَ أَصْحَابُنَا : \" إنَّهُ إذَا طَلَّقَهَا قَبْلَ الدُّخُولِ وَلَمْ يُسَمِّ لَهَا وَكَانَتْ مُتْعَتُهَا أَكْثَرَ مِنْ نِصْفِ مَهْرِ مِثْلِهَا أَنَّهَا لَا تُجَاوِزُ بِهَا نِصْفَ مَهْرِ مِثْلِهَا فَيَكُونُ لَهَا الْأَقَلُّ مِنْ نِصْفِ مَهْرِ مِثْلِهَا وَمِنْ الْمُتْعَةِ ؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَمْ يَجْعَلْ الْمُسَمَّى.\rلَهَا أَكْثَرَ مِنْ نِصْفِ التَّسْمِيَةِ مَعَ الطَّلَاقِ قَبْلَ الدُّخُولِ ، فَغَيْرُ جَائِزٍ أَنْ يُعْطِيَهَا عِنْدَ عَدَمِ التَّسْمِيَةِ أَكْثَرَ مِنْ نِصْفِ مَهْرِ الْمِثْلِ ؛ وَلَمَّا كَانَ الْمُسَمَّى مَعَ ذَلِكَ أَكْثَرَ مِنْ مَهْرِ الْمِثْلِ فَلَمْ تَسْتَحِقَّ بَعْدَ الطَّلَاقِ أَكْثَرَ مِنْ النِّصْفِ ، فَفِي مَهْرِ الْمِثْلِ أَوْلَى \".\r","part":7,"page":145},{"id":2756,"text":"وَلَمْ يُقَدِّرْ أَصْحَابُنَا لَهَا مِقْدَارًا مَعْلُومًا لَا يَتَجَاوَزُ بِهِ وَلَا يَقْصُرُ عَنْهُ ، وَقَالُوا : ( هِيَ عَلَى قَدْرِ الْمُعْتَادِ الْمُتَعَارَفِ عَلَيْهِ فِي كُلِّ وَقْتٍ ) وَقَدْ ذُكِرَ عَنْهُمْ ثَلَاثَةُ أَثْوَابٍ دِرْعٌ وَخِمَارٌ وَإِزَارٌ ، وَالْإِزَارُ هُوَ الَّذِي تَسْتَتِرُ بِهِ بَيْنَ النَّاسِ عِنْدَ الْخُرُوجِ.\rوَقَدْ ذُكِرَ عَنْ السَّلَفِ فِي مِقْدَارِهَا أَقَاوِيلُ مُخْتَلِفَةٌ عَلَى حَسَبِ مَا غَلَبَ فِي رَأْيِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ.\rثم قال رحمه الله : \rوَهَذِهِ الْمَقَادِيرُ كُلُّهَا صَدَرَتْ عَنْ اجْتِهَادِ آرَائِهِمْ وَلَمْ يُنْكِرْ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ مَا صَارَ إلَيْهِ مِنْ مُخَالَفَتِهِ فِيهِ ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّهَا عِنْدَهُمْ مَوْضُوعَةٌ عَلَى مَا يُؤَدِّيهِ إلَيْهِ اجْتِهَادُهُ ، وَهِيَ بِمَنْزِلَةِ تَقْوِيمِ الْمُتْلَفَاتِ وَأَرْوَشِ الْجِنَايَاتِ الَّتِي لَيْسَ لَهَا مَقَادِيرُ مَعْلُومَةٌ فِي النُّصُوصِ. أ هـ {أحكام القرآن للجصاص حـ 2 صـ 143 ـ 144}\rقوله تعالى : {متاعا بالمعروف حقا عَلَى المحسنين}\rسؤال : لم خص المحسنين بالذكر ؟ \rالجواب : في سبب تخصيصه بالذكر وجوه\rأحدها : أن المحسن هو الذي ينتفع بهذا البيان : كقوله : {إِنَّمَا أَنتَ مُنذِرُ مَن يخشاها} [ النازعات : 45 ]\rوالثاني : قال أبو مسلم : المعنى أن من أراد أن يكون من المحسنين فهذا شأنه وطريقه ، والمحسن هو المؤمن ، فيكون المعنى أن العمل بما ذكرت هو طريق المؤمنين الثالث : {حَقّاً عَلَى المحسنين} إلى أنفسهم في المسارعة إلى طاعة الله تعالى. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 6 صـ 120}\rقال الجصاص : ","part":7,"page":146},{"id":2757,"text":"فَإِنْ قِيلَ : لَمَّا خَصَّ الْمُتَّقِينَ وَالْمُحْسِنِينَ بِالذِّكْرِ فِي إيجَابِ الْمُتْعَةِ عَلَيْهِمْ ، دَلَّ عَلَى أَنَّهَا غَيْرُ وَاجِبَةٍ وَأَنَّهَا نَدْبٌ ؛ لِأَنَّ الْوَاجِبَاتِ لَا يَخْتَلِفُ فِيهَا الْمُتَّقُونَ وَالْمُحْسِنُونَ وَغَيْرُهُمْ.\rقِيلَ لَهُ : إنَّمَا ذَكَرَ الْمُتَّقِينَ وَالْمُحْسِنِينَ تَأْكِيدًا لِوُجُوبِهَا ، وَلَيْسَ تَخْصِيصُهُمْ بِالذِّكْرِ نَفْيًا لِإِيجَابِهَا عَلَى غَيْرِهِمْ كَمَا قَالَ تَعَالَى : {هُدًى لِلْمُتَّقِينَ} وَهُوَ هُدًى لِلنَّاسِ كَافَّةً ، وقَوْله تَعَالَى {شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ} فَلَمْ يَكُنْ قَوْله تَعَالَى : {هُدًى لِلْمُتَّقِينَ} مُوجِبًا ؛ لَأَنْ لَا يَكُونَ هُدًى لِغَيْرِهِمْ ؛ كَذَلِكَ قَوْله تَعَالَى : {حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ} و{حَقًّا عَلَى الْمُحْسِنِينَ} غَيْرُ نَافٍ أَنْ يَكُونَ حَقًّا عَلَى غَيْرِهِمْ.\rوَأَيْضًا فَإِنَّا نُوجِبُهَا عَلَى الْمُتَّقِينَ وَالْمُحْسِنِينَ بِالْآيَةِ وَنُوجِبُهَا عَلَى غَيْرِهِمْ بِقَوْلِهِ تَعَالَى : {فَمَتِّعُوهُنَّ وَسَرِّحُوهُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا} وَذَلِكَ عَامٌّ فِي الْجَمِيعِ بِالِاتِّفَاقِ ؛ لِأَنَّ كُلَّ مَنْ أَوْجَبَهَا مِنْ فُقَهَاءِ الْأَمْصَارِ عَلَى الْمُحْسِنِينَ وَالْمُتَّقِينَ أَوْجَبَهَا عَلَى غَيْرِهِمْ.\r","part":7,"page":147},{"id":2758,"text":"وَيَلْزَمُ هَذَا السَّائِلَ أَنْ لَا يَجْعَلَهَا نَدْبًا أَيْضًا ؛ لِأَنَّ مَا كَانَ نَدْبًا لَا يَخْتَلِفُ فِيهِ الْمُتَّقُونَ وَغَيْرُهُمْ ، فَإِذَا جَازَ تَخْصِيصُ الْمُتَّقِينَ وَالْمُحْسِنِينَ بِالذِّكْرِ فِي الْمَنْدُوبِ إلَيْهِ مِنْ الْمُتْعَةِ وَهُمْ وَغَيْرُهُمْ فِيهِ سَوَاءٌ ، فَكَذَلِكَ جَائِزٌ تَخْصِيصُ الْمُحْسِنِينَ وَالْمُتَّقِينَ بِالذِّكْرِ فِي الْإِيجَابِ وَيَكُونُونَ هُمْ وَغَيْرُهُمْ فِيهِ سَوَاءً. أ هـ {أحكام القرآن للجصاص حـ 2 صـ 138}\rمن لطائف الإمام القشيرى فى الآية\rإنْ ابتلاءَ تَمَّ بوصيلة أشكالكم ثم بدا لكم فلا جناح عليكم في اختيار الفرقة - إذا أردتم - فإن الذي لا يجوز اختيار فرقته - واحد ؛ فأَما صحبة الخَلْق بعضهم مع بعض فليس بواجب ، بل غاية وصفه أنه جائز.\rولمَّا وقع عليهن اسمكم فنصف المسمَّى يجب لهن ، فإِن الفراق - كيفما كان - فهو شديد ، فجعل ما يستحق من العوض كالخَلفِ لها عند تجرع كأس الفرقة.\rفإن لم يكن مسمًّى فلا يخلو العقد من متعة ؛ فإن تجرع الفرقة - مجرداً عن الراحة - بلاء عظيم. أ هـ {لطائف الإشارات حـ 1 صـ 186}\rفوائد بلاغية\rقال أبو حيان : \rوقد تضمنت هذه الآية الكريمة أنواعاً من الفصاحة ، وضروباً من علم البيان والبلاغة.\rالكناية في : أن تمسوهنّ ، والتجنيس المغاير ، في : فرضتم لهنّ فريضة ، والطباق في : الموسع والمقتر ، والتأكيد بالمصدرين في : متاعاً وحقاً ، والاختصاص : في : حقاً على المحسنين ، ويمكن أن يكون من : التتميم ، لما قال : حقاً ، أفهم الإيجاب ، فلما قال : على المحسنين تمم المعنى ، وبيَّن أنه من باب التفضل والإحسان لا من باب الإيجاب ، فلما قال : على المحسنين تمم التعميم ، وبين أنه من باب التفضل والإحسان ، لا من باب الإيجاب. أ هـ {البحر المحيط حـ 2 صـ 247}\rمن فوائد ابن عرفة فى الآية\rقوله تعالى : {لاَّ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ}.","part":7,"page":148},{"id":2759,"text":"وجه الفصل كونها جملة خبرية والأولى طلبية فلذلك لم يعطفها عليها.\rقال ابن مالك : وإلا فالقاعدة أن الجملتين إذا كانتا متقاربتين في المعنى لم يعطف.\rقوله تعالى : {مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ...}.\rابن عرفة هذا كما ( قال ) غير مرة : إن من أكثر ما وردت ( لَمْ ) في القرآن لنفي الماضي المتصل بزمن الحال قال : و( أو ) هنا بمعنى الواو. كما قال ابن راشد ، وهو الصحيح ، لأنها إذا كانت على بابها أعني ( للتنويع ) لزم نفي الجناح ( عمن طلق بعد الدخول في نكاح التفويض ، وإذا اكانت بمعنى الواو فيكون المراد برفع الجناح ) بسقوط نصف الصداق ) بالطلاق.\rقوله تعالى : {وَمَتِّعُوهُنَّ...}.\rقال ابن عرفة : إنما عطف هذه وهي أمر على ما قبلها وهي خبر لأن قبلها تضمن حكم الطّلاق وهو سبب في الأمر بالمتعة والسببية ظاهرة فلذلك عطفت ( بالواو ) ولو كانت خفية لعطفت بالفاء.\rقال ابن عرفة في مختصره الفقهي : المتعة ما يؤمر الزوج بإعطائه الزوجة لطلاقه إياها ، والمعروف أنّها مستحبة يؤمر بها ولا يقضى بها ولا ( تحاصص ).\rقال ابن زرقون في المبسوط عن محمد بن مسلمة هي واجبة ( يقضي بها ) ( لأنه ) لا يأبى أن يكون من المحسنين ولا المتقين إلاّ رجل سوء.\rقال ابن عرفة : ولأن رأي المتقدمين أن المؤمن والمتقي متساويان ولأن قوله : {حَقّاً عَلَى المتقين} يقتضي عموم تعلقها بكل مسلم لأنه متق الشرك وقوله \" عَلَى الْمُحْسِنِينَ \" مفهومه عدم تعقلها بمن ليس بمحسن من المسلمين فيتعارض العموم والمفهوم والأصح عند الأصوليين أن العموم مقدم ونقله اللَّخمي ولم يعزه وعزاه الإمام ابن عبد السلام لابن حبيب.\rقال ابن عرفة : قال أبو عمران : إنما يقدر حال المرأة ، وابن عبد البر يقدر حال الرجل وابن رشد ( يقدر ) حالهما.\rقال ابن عرفة : وهي لكل مطلقة في عصمة لا رجعة فيها ولا خيار على الزوج.","part":7,"page":149},{"id":2760,"text":"وفي المدونة ما نصّه : لا متعة لمختلعة ولا مصالحة ولا ملاعنة ولا مطلقة قبل البناء.\rوقد فرض لها اللخمي. ولا مفتدية ولا متبارية ولا من اختارت نفسها لعتقها ولا من فسخ نكاحها ولم تعارض.\rقال الإمام ابن رشد : ظاهر قول ابن القاسم إن طلّق فيما يفسخ بطلاق فسخه ، فلا متعة عليه.\rاللخمي : إن فسخ الرضاع بأمر الزوج رأيت عليها المتعة وإن اشترى زوجته لم يمتعها لبقائها معه ولو اشترى بعضها متّعها ، وأما المخيرة والمملكة فقال الإمام ابن رشد : روى ابن وهب : أنّ لهما المتعة.\rوقال ابن خويز منداد : لا متعة لهما ، وقال ابن يونس : لمن اختارت نفسها بتزويج أمة عليها المتعة ، انتهى.\rقال ابن عرفة : المطلقة لا متعة لها في البائن دون الرجعي فإن ماتت في العدة فالظاهر أن المطلق يرث من تلك المتعة.\rقيل لابن عرفة : لا يرث لأنّه إذا كان الطلاق بائنا فلا متعة ولا ميراث ، وإن كانت رجعية فقد ماتت قبل أن تجب لها لأنها إنّما تجب لها بعد انقضاء العدة ؟\rفقال إنّما ( أجّلنا ) المتعة بانقضاء العدة رجاء أن يرتجعها قبل تمامها فإذا ماتت ذهبت تلك العدة.\rقيل لابن عرفة : إنما هي جبر لقلبها ففي الموت لا متعة ؟\rفقال : قد قالوا : إنّها تجب.\rوقرىء \" عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ \". واستشكلها ابن عرفة بحذف المجرور. وقد انتقد القرافي على الفخر الرازي تسميته كتاب المحصول ، لأن اسم المفعول من الفعل الذي لا يتعدى إلا بحرف الجر لا يجوز أن يحذف مجروره ، وأجابوا : بأن ذلك اسم عَلَمٍ سمّاه بالمحصول كما قال تعالى {عِندَ سِدْرَةِ المنتهى} لكن ذلك الجواب لا يتصور هنا.\rوأجيب : بأن هذا يتعدى بنفسه تقول : وسعت المكان والدار والطريق ووسعت الأمر :\r- قال الله تعالى : {وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السماوات والأرض} _ وقال : {وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ.} أ هـ {تفسير ابن عرفة صـ 308 ـ 309}","part":7,"page":150},{"id":2761,"text":"قوله تعالى : {وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ إِلَّا أَنْ يَعْفُونَ أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ وَأَنْ تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَلَا تَنْسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ إِنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (237)}\rمناسبة الآية لما قبلها\rقال البقاعى : \rولما نفي الجناح بانتفاء المسيس والفرض فأفهم أنهما إذا وجدا وجد الجناح بوجوب المفروض كله أتبعه ما إذا انتفى أحدهما فقط فذكر الحكم عند انتفاء المسيس وحده صريحاً في ضد المفوضة السابقة وأفهم بذلك ما إذا انتفى الفرض وحده تلويحاً فقال : {وإن طلقتموهن} أي الزوجات {من قبل أن تمسوهن} أي تجامعوهن سواء كانت هناك خلوة أو لا {وقد} أي والحال أنكم {فرضتم} أي سميتم {لهن فريضة} أي مهراً مقدراً {فنصف} أي فالمأخوذ نصف {ما فرضتم} أي سميتم لهن من الصداق لا غير.\rولما أوجب لها ذلك بعثها على تركه لأن الزوج لم ينتفع منها بشيء بالتعبير بالعفو فقال : {إلا أن يعفون} أي النساء فإن النون ضميرهن والواو لام الفعل فلا يؤخذ منكم شيء {أو يعفوا الذي بيده} أي إليه ولكن لما كان أغلب الأعمال باليد أسندت كلها إليها فصارت كناية عن القدرة {عقدة النكاح} وهو الزوج الذي إن شاء أبقاها وإن شاء حلها فيسمح لها بالجميع كان التعبير بهذا هزاً للزوج إلى العفو في نظير ما جعل إليه من هذا دونها.\rقال الحرالي : إذا قرن هذا الإيراد بقوله : {ولا تعزموا عقدة النكاح} خطاباً للأزواج قوي فسر من جعل الذي بيده عقدة النكاح هو الزوج معادلة للزوجات ، ومن خص عفوهن بالمالكات أي الراشدات خص هذا بالأولياء فكان هذا النمط من التهديف للاختلاف ليس عن سعة إيهام وكأنه عن تبقية بوجه ما من نهاية الإفصاح فمنشأ الخلاف فيه دون منشأ الخلاف من خطابات السعة بالإيهام - انتهى.\r","part":7,"page":151},{"id":2762,"text":"وجعل الإمام هذا مفهوماً من التعبير بالعقدة لأنها تدل على المفعول كالأكلة واللقمة والذي بيده ذلك الزوج والذي بيد الولي العقد وهو المصدر كالأكل واللقم لا العقدة الحاصلة بعد العقد {وأن تعفوا} أيها الرجال والنساء {أقرب} أي من الحكم بالعدل الذي هو السواء.\rولما كان المقام للترغيب عبر باللام الدالة على مزيد القرب دون إلى فقال : {للتقوى} أما من المرأة فلأجل أن الزوج لم ينل منها شيئاً ولا حظي بطائل فهو أقرب إلى رضاه ، وأما من الرجل فلما أشار إليه بجعل العقدة بيده فإنه كما ربطها باختياره حلها باختياره فدفعه الكل أقرب إلى جبر المرأة ورضاها ، ومن فعل الفضل كان بفعله ذلك أقرب إلى أن يفعل الواجب بمن لم يفضل.\rولما كان العفو فضلاً من العافي وإحساناً لها منه وكانوا إنما يتفاخرون بالفضائل أكده بقوله : {ولا تنسوا} أي تتركوا ترك المنسي ، والتعبير بالنسيان آكد في النهي {الفضل} أي أن تكونوا مفضلين في جميع ما مضى لا مفضلاً عليكم ، فإن اليد العليا خير من اليد السفلى ، وزاده تأكيداً بقوله : {بينكم} أي حال كونه واقعاً فيكم من بعضكم لبعض ليس شيء منه خارجاً عنكم ، ولن ينال الله منه شيء لأنه غني عن كل شيء ، فما أمركم به إلا لنفعكم خاصة ، لئلا يتأذى الزوج ببذل لم ينتفع في مقابله من المرأة بشيء ، ولا المرأة بطلاق لم يحصل لها في نظير ما يلحقها من الكسر بسببه شيء ، وهو يصح أن يكون بالتغليب خطاباً للقبيلين.\rوخصه الحرالي بالرجال فقال : فمن حق الزوج الذي له فضل الرجولة أن يكون هو العافي وأن لا يؤاخذ النساء بالعفو ، ولذلك لم يأت في الخطاب أمر لهن ولا تحريض ، فمن أقبح ما يكون حمل الرجل على المرأة في استرجاع ما آتاها بما يصرح به قوله : {أو آتيتم إحداهن قنطاراً فلا تأخذوا منه شيئاً} [ آل عمران : 20 ] فينبغي أن لا تنسوا ذلك الفضل فتجرون عليه حيث لم تلزموا به - انتهى.\r","part":7,"page":152},{"id":2763,"text":"ثم علل ذلك مرغباً مرهباً بقوله : {إن الله} أي الذي له الكمال كله {بما تعملون} أي وإن دق {بصير} وأفهم ذلك : وإن طلقتموهن بعد المسيس وقبل الفرض فجميع مهر المثل. أ هـ {نظم الدرر حـ 1 صـ 447 ـ 449}\rقال الفخر : \rاعلم أنه تعالى لما ذكر حكم المطلقة غير الممسوسة إذا لم يفرض لها مهر ، تكلم في المطلقة غير الممسوسة إذا كان قد فرض لها مهر.\rوفي الآية مسائل : \rالمسألة الأولى : مذهب الشافعي أن الخلوة لا تقرر المهر ، وقال أبو حنيفة : الخلوة الصحيحة تقرر المهر ، ويعني بالخلوة الصحيحة : أن يخلوا بها وليس هناك مانع حسي ولا شرعي ، فالحسي نحو : الرتق والقرن والمرض ، أو يكون معهما ثالث وإن كان نائماً ، والشرعي نحو ، الحيض والنفاس وصوم الفرض وصلاة الفرض والإحرام المطلق سواء كان فرضاً أو نفلاً ، حجة الشافعي أن الطلاق قبل المسيس يوجب سقوط نصف المهر وههنا وجد الطلاق قبل المسيس فوجب القول بسقوط نصف المهر.\rبيان المقدمة الأولى : قوله تعالى : {وَإِن طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِن قَبْلِ أَن تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ} فقوله : {فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ} ليس كلاماً تاماً بل لا بد من إضمار آخر ليتم الكلام ، فأما أن يضمر {فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ} ساقط ، أو يضمر {فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ} ثابت والأول هو المقصود ، والثاني مرجوح لوجوه\r","part":7,"page":153},{"id":2764,"text":"أحدها : أن المعلق على الشيء بكلمة إن عدم ذلك الشيء ظاهراً ، فلو حملناه على الوجوب تركنا العمل بقضية التعليق ، لأنه غير منفي قبله ، أما لو حملناه على السقوط ، عملنا بقضية التعليق ، لأنه منفي قبله وثانيها : أن قوله تعالى : {وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً} يقتضي وجوب كل المهر عليه ، لأنه لما التزم لزمه الكل لقوله تعالى : {أَوْفُواْ بالعقود} فلم تكن الحاجة إلى بيان ثبوت النصف قائمة لأن المقتضى لوجوب الكل مقتض أيضاً لوجوب النصف إنما المحتاج إليه بيان سقوط النصف ، لأن عند قيام المقتضى لوجوب الكل كان الظاهر هو وجوب الكل ، فكان سقوط البعض في هذا المقام هو المحتاج إلى البيان ، فكان حمل الآية على بيان السقوط أولى من حملها على بيان الوجوب وثالثها : أن الآية الدالة على وجوب إيتاء كل المهر قد تقدمت كقوله : {وَلاَ يَحِلُّ لَكُمْ أَن تَأْخُذُواْ مِمَّا ءَاتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا} [ البقرة : 129 ] فحمل الآية على سقوط النصف أولى من حملها على وجوب النصف ورابعها : وهو أن المذكور في الآية هو الطلاق قبل المسيس ، وكون الطلاق واقعاً قبل المسيس يناسب سقوط نصف المهر ، ولا يناسب وجوب شيء ، فلما كان المذكور في الآية ما يناسب السقوط ، لا ما يناسب الوجوب كان إضمار السقوط أولى ، وإنما استقصينا في هذه الوجوه لأن منهم من قال : إن معنى الآية : فنصف ما فرضتم واجب ، وتخصيص النصف بالوجوب لا يدل على سقوط النصف الآخر ، إلا من حيث دليل الخطاب ، وهو عند أبي حنيفة ليس بحجة ، فكان غرضنا من هذا الاستقصاء دفع هذا السؤال.\r","part":7,"page":154},{"id":2765,"text":"بيان المقدمة الثانية : وهي أن ههنا وجد الطلاق قبل المسيس ، هو أن المراد بالمسيس إما حقيقة المس باليد أو جعل كناية عن الوقاع ، وأيهما كان فقد وجد الطلاق قبله ، حجة أبي حنيفة قوله تعالى : {وَإِنْ أَرَدْتُّمُ استبدال زَوْجٍ مَّكَانَ زَوْجٍ وَءاتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَاراً فَلاَ تَأْخُذُواْ مِنْهُ شَيْئاً} [ النساء : 20 ] إلى قوله : {وَقَدْ أفضى بَعْضُكُمْ إلى بَعْضٍ} [ النساء : 21 ] وجه التمسك به من وجهين الأول : هو أنه تعالى نهى عن أخذ المهر ، ولم يفصل بين الطلاق وعدم الطلاق إلا أن توافقنا على أنه خص الطلاق قبل الخلوة ، ومن ادعى التخصيص ههنا فعليه البيان والثاني : أن الله تعالى نهى عن أخذ المهر وعلل بعلة الإفضاء ، وهي الخلوة ، والإفضاء مشتق من الفضاء ، وهو المكان الخالي ، فعلمنا أن الخلوة تقرر المهر.\rوجوابنا عن ذلك أن الآية التي تمسكوا بها عامة ، والآية التي تمسكنا بها خاصة والخاص مقدم على العام ، والله أعلم. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 6 صـ 120 ـ 121}\rفصل\rقال القرطبى : \rاختلف الناس في هذه الآية ؛ \rفقالت فرقة منها مالك وغيره : إنها مُخْرِجَةٌ المطلَّقةَ بعد الفرض من حكم التَّمتُّع ؛ إذْ يتناولها قوله تعالى : {وَمَتِّعُوهُنَّ}.\rوقال ابن المسيب : نسخت هذه الآيةَ الآيةُ التي في \"الأحزاب\" لأن تلك تضمنت تمتيع كل من لم يدخل بها. وقال قتادة : نسخت هذه الآيةُ الآيةَ التي قبلها.\rقلت : قول سعيد وقتادة فيه نظر ؛ إذْ شروط النسخ غير موجودة والجمع ممكنٌ.\rوقال ابن القاسم في المدوّنة : كان المتاع لكل مطلقة بقوله تعالى : {وَلِلْمُطَلَّقَاتِ مَتَاعٌ بالمعروف} [ البقرة : 241 ] ولغير المدخول بها بالآية التي في سورة \"الأحزاب\" فاستثنى الله تعالى المفروضَ لها قبل الدخول بها بهذه الآية ، وأثبت للمفروض لها نصف ما فُرِض فقط.\r","part":7,"page":155},{"id":2766,"text":"وقال فريق من العلماء منهم أبو ثور : المتعة لكل مطلقة عموماً ، وهذه الآية إنما بيَّنتْ أن المفروض لها تأخذ نصفَ ما فُرض لها ، ولم يعن بالآية إسقاط مُتْعتها ، بل لها المتعة ونصف المفروض. أ هـ {تفسير القرطبى حـ 3 صـ 204}\rقوله تعالى : {وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً}\rقوله تعالى : {فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ}\rقال القرطبى : \rقوله تعالى : {فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ} أي فالواجب نصف ما فرضتم ، أي من المهر فالنصف للزوج والنصف للمرأة بإجماع. والنصف الجزء من اثنين ؛ فيقال : نَصَف الماءُ القدحَ أي بلغ نصفه. ونصَف الإزارُ السّاقَ ؛ وكل شيء بلغ نصف غيره فقد نصَفَه. وقرأ الجمهور \"فَنِصْفُ\" بالرفع. وقرأت فرقة \"فَنِصْفَ\" بنصب الفاء ؛ المعنى فادفعوا نصف. وقرأ علي بن أبي طالب وزيد بن ثابت \"فَنُصْفُ\" بضم النون في جميع القرآن وهي لُغَةٌ. وكذلك رَوى الأصمعيُّ قراءةً عن أبي عمرو بن العلاء يقال : نِصف ونُصف ونِصيف ، لغات ثلاث في النصف ؛ وفي الحديث : \" لو أنّ أحدكم أنفق مثل أحدٍ ذهبا ما بلغ مد أحدهم ولا نِصيفه \" أي نصفه. والنصيف أيضاً القِناع. أ هـ {تفسير القرطبى حـ 3 صـ 204 ـ 205}\rفائدة\rقال الجصاص : ","part":7,"page":156},{"id":2767,"text":"وقَوْله تَعَالَى : {فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ} يُوجِبُ أَنْ يَكُونَ إذَا تَزَوَّجَهَا عَلَى أَلْفِ دِرْهَمٍ وَدَفْعَهَا إلَيْهَا ثُمَّ طَلَّقَهَا قَبْلَ الدُّخُولِ وَقَدْ اشْتَرَتْ بِهَا مَتَاعًا ، أَنْ يَكُونَ لَهَا نِصْفُ الْأَلْفِ وَتَضْمَنُ لِلزَّوْجِ النِّصْفَ ؛ وَقَالَ مَالِكٌ : ( يَأْخُذُ الزَّوْجُ نِصْفَ الْمَتَاعِ الَّذِي اشْتَرَتْهُ ) وَاَللَّهُ تَعَالَى إنَّمَا جَعَلَ لَهُ نِصْفَ الْمَفْرُوضِ وَكَذَلِكَ الْمَرْأَةُ ، فَكَيْفَ يَجُوزُ أَنْ يُؤْخَذَ مِنْهَا مَا لَمْ يَكُنْ مَفْرُوضًا وَلَا هُوَ قِيمَةٌ لَهُ ؟ وَهُوَ أَيْضًا خِلَافُ الْأُصُولِ ؛ لِأَنَّ رَجُلًا لَوْ اشْتَرَى عَبْدًا بِأَلْفِ دِرْهَمٍ وَقَبَضَ الْبَائِعُ الْأَلْفَ وَاشْتَرَى بِهَا مَتَاعًا ثُمَّ وَجَدَ الْمُشْتَرِي بِالْعَبْدِ عَيْبًا فَرَدَّ ، لَمْ يَكُنْ لَهُ عَلَى الْمَتَاعِ الَّذِي اشْتَرَاهُ الْبَائِعُ سَبِيلٌ ، وَكَانَ الْمَتَاعُ كُلُّهُ لِلْبَائِعِ وَعَلَيْهِ أَنْ يَرُدَّ عَلَى الْمُشْتَرِي أَلْفًا مِثْلَهَا.\rفَالنِّكَاحُ مِثْلُهُ لَا فَرْقَ بَيْنَهُمَا ؛ إذْ لَمْ يَقَعْ عَقْدُ النِّكَاحِ عَلَى الْمَتَاعِ كَمَا لَمْ يَقَعْ عَقْدُ الْبَيْعِ عَلَيْهِ ، وَإِنَّمَا وَقَعَ عَلَى الْأَلْفِ.\rوَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ. أ هـ {أحكام القرآن للجصاص حـ 2 صـ 155}\rقوله تعالى : {إَّلا أَن يَعْفُونَ}\rسؤال : لم لم تسقط النون من {يَعْفُونَ} مع دخول {أن} الناصبة للأفعال عليه ؟ ","part":7,"page":157},{"id":2768,"text":"الجواب : إنما لم تسقط النون من {يَعْفُونَ} وإن دخلت عليه {أن} الناصبة للأفعال لأن {يَعْفُونَ} فعل النساء ، فاستوى فيه الرفع والنصب والجزم ، والنون في {يَعْفُونَ} إذا كان الفعل مسنداً إلى النساء ضمير جمع المؤنث ، وإذا كان الفعل مسنداً إلى الرجال فالنون علامة الرفع فلذلك لم تسقط النون التي هي ضمير جمع المؤنث ، كما لم تسقط الواو التي هي ضمير جمع المذكر ، والساقط في {يَعْفُونَ} إذا كان للرجال الواو التي هي لام الفعل في {يَعْفُونَ} لا الواو التي هي ضمير الجمع ، والله أعلم. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 6 صـ 121}\rالمعنى : إلا أن يعفون المطلقات عن أزواجهن فلا يطالبنهم بنصف المهر ، وتقول المرأة : ما رآني ولا خدمته ، ولا استمتع بي فكيف آخذ منه شيئاً. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 6 صـ 121}\rقوله تعالى : {أَوْ يَعْفُوَاْ الذى بِيَدِهِ عُقْدَةُ النكاح}\rقال ابن عاشور : \rوقوله : {إلا أن يعفون أو يعفوا الذي بيده عقدة النكاح} استثناء من عموم الأحوال أي إلا في حالة عفوهن أي النساء بأن يسقطن هذا النصف ، وتسمية هذا الإسقاط عفواً ظاهرة ، لأن نصف المهر حق وجب على المطلق للمطلقة قبل البناء بما استخف بها ، أو بما أوحشها ، فهو حق وجب لغرم ضر ، فإسقاطه عفو لا محالة ، أو عند عفو الذي بيده عقدة النكاح.\rوأل في النكاح للجنس ، وهو متبادر في عقد نكاح المرأة لا في قبول الزوج ، وإن كان كلاهما سمي عقداً ، فهو غير النساء لا محالة لقوله : {الذي بيده عقدة النكاح} فهو ذَكر ، وهو غير المطلق أيضاً ، لأنه لو كان المطلق ، لقال : أو تعفو بالخطاب ، لأن قبله {وإن طلقتموهن} ولا داعي إلى خلاف مقتضى الظاهر.\r","part":7,"page":158},{"id":2769,"text":"وقيل : جيء بالموصول تحريضاً على عفو المطلق ، لأنه كانت بيده عقدة النكاح فأفاتها بالطلاق ، فكان جديراً بأن يعفو عن إمساك النصف ، ويترك لها جميع صداقها ، وهو مردود بأنه لو أريد هذا المعنى ، لقال أو يعفو الذي كان بيده عقدة النكاح ، فتعين أن يكون أريد به ولي المرأة لأن بيده عقدة نكاحها ؛ إذ لا ينعقد نكاحها إلا به ، فإن كان المراد به الولي المجبر وهو الأب في ابنته البكر ، والسيد في أمته ، فكونه بيده عقدة النكاح ظاهر ، إلا أنه جعل ذلك من صفته باعتبار ما كان ، إذ لا يحتمل غير ذلك ، وإن كان المراد مطلق الولي ، فكونه بيده عقدة النكاح ، من حيث توقف عقد المرأة على حضوره ، وكان شأنهم أن يخطبوا الأولياء في ولاياهم فالعفو في الموضعين حقيقة ، والاتصاف بالصلة مجاز. أ هـ {التحرير والتنوير حـ 2 صـ 464}\rقال الفخر : \rأما قوله تعالى : {أَوْ يَعْفُوَاْ الذى بِيَدِهِ عُقْدَةُ النكاح} ففيه مسألتان : \rالمسألة الأولى : في الآية قولان\rالأول : أنه الزوج ، وهو قول علي بن أبي طالب عليه السلام ، وسعيد بن المسيب ، وكثير من الصحابة والتابعين وهو قول أبي حنيفة.\rوالقول الثاني : أنه الولي ، وهو قول الحسن ، ومجاهد وعلقمة ، وهو قول أصحاب الشافعي.\rحجة القول الأول وجوه\rالأول : أنه ليس للولي أن يهب مهر موليته صغيرة كانت أو كبيرة فلا يمكن حمل هذه الآية على الولي والثاني : أن الذي بيد الولي هو عقد النكاح ، فإذا عقد حصلت العقدة ، لأن بناء الفعلة يدل على المفعول ، كالأكلة واللقمة ، وأما المصدر فالعقد كالأكل واللقم ، ثم من المعلوم أن العقدة الحاصلة بعد العقد في يد الزوج لا في يد الولي\r","part":7,"page":159},{"id":2770,"text":"والثالث : أن قوله تعالى : {الذى بِيَدِهِ عُقْدَةُ النكاح} معناه الذي بيده عقدة نكاح ثابت له لا لغيره ، كما أن قوله : {وَنَهَى النفس عَنِ الهوى فَإِنَّ الجنة هِىَ المأوى} [ النازعات : 40 ] أي نهى النفس عن الهوى الثابت له لا لغيره ، كانت الجنة ثابتة له ، فتكون مأواه\rالرابع : ما روي عن جبير بن مطعم ، أنه تزوج امرأة فطلقها قبل أن يدخل بها فأكمل الصداق ، وقال : أنا أحق بالعفو ، وهذا يدل على أن الصحابة فهموا من الآية العفو الصادر من الزوج.\rحجة من قال : المراد هو الولي وجوه\rالأول : أن الصادر من الزوج هو أن يعطيها كل المهر ، وذلك يكون هبة ، والهبة لا تسمى عفواً ، \rأجاب الأولون عن هذا من وجوه أحدها : أنه كان الغالب عندهم أن يسوق المهر إليها عند التزوج ، فإذا طلقها استحق أن يطالبها بنصف ما ساق إليها ، فإذا ترك المطالبة فقد عفا عنها\rوثانيها : سماه عفواً على طريق المشاكلة\rوثالثها : أن العفو قد يراد به التسهيل يقال : فلان وجد المال عفواً صفواً ، وقد بينا وجه هذا القول في تفسير قوله تعالى : {فَمَنْ عُفِىَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَىْء} وعلى هذا عفو الرجل أن يبعث إليها كل الصداق على وجه السهولة.\rأجاب القائلون بأن المراد هو الولي عن السؤال الأول بأن صدور العفو عن الزوج على ذلك الوجه لا يحصل إلا على بعض التقديرات والله تعالى ندب إلى العفو مطلقاً وحمل المطلق على المقيد خلاف الأصل ، وأجابوا عن السؤال الثاني أن العفو الصادر عن المرأة هو الإبراء وهذا عفو في الحقيقة أما الصادر عن الرجل محض الهبة فكيف يسمى عفواً ؟ .\rوأجابوا عن السؤال الثالث بأنه لو كان العفو هو التسهيل لكان كل من سهل على إنسان شيئاً يقال إنه عفا عنه ومعلوم أنه ليس كذلك.\r","part":7,"page":160},{"id":2771,"text":"الحجة الثانية : للقائلين بأن المراد هو الولي هو أن ذكر الزوج قد تقدم بقوله عز وجل : {وَإِن طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِن قَبْلِ أَن تَمَسُّوهُنَّ} فلو كان المراد بقوله : {أَوْ يَعْفُوَاْ الذى بِيَدِهِ عُقْدَةُ النكاح} هو الزوج ، لقال : أو تعفو على سبيل المخاطبة ، فلما لم يفعل ذلك بل عبر عنه بلفظ المغايبة ، علمنا أن المراد منه غير الزواج.\rوأجاب الأولون بأن سبب العدول عن الخطاب إلى الغيبة التنبيه على المعنى الذي من أجله يرغب الزوج في العفو ، والمعنى : إلا أن يعفو أو يعفو الزوج الذي حبسها بأن ملك عقدة نكاحها عن الأزواج ثم لم يكن منها سبب في الفراق وإنما فارقها الزوج ، فلا جرم كان حقيقاً بأن لا ينقصها من مهرها ويكمل لها صداقها.\rالحجة الثالثة : للقائلين بأنه هو الولي هو أن الزوج ليس بيده ألبتة عقدة النكاح ، وذلك لأن قبل النكاح كان الزوج أجنبياً عن المرأة ، ولا قدرة له على التصرف فيها بوجه من الوجوه ، فلا يكون له قدرة على إنكاحها ألبتة وأما بعد النكاح فقد حصل النكاح ولا قدرة على إيجاد الموجود بل له لا قدرة على إزالة النكاح ، والله تعالى أثبت العفو لمن في يده وفي قدرته عقدة النكاح ، فلما ثبت أن الزوج ليس له يد ولا قدرة على عقد النكاح ثبت أنه ليس المراد هو الزوج ، أما الولي فله قدرة على إنكاحها ، فكان المراد من الآية هو الولي لا الزوج ، ثم إن القائلين بهذا القول أجابوا عن دلائل من قال : المراد هو الزوج.\rأما الحجة الأولى : فإن الفعل قد يضاف إلى الفاعل تارة عند المباشرة وأخرى عند السبب يقال بنى الأمير داراً ، وضرب ديناراً ، والظاهر أن النساء إنما يرجعن في مهماتهن وفي معرفة مصالحهن إلى أقوال الأولياء والظاهر أن كل ما يتعلق بأمر التزوج فإن المرأة لا تخوض فيه ، بل تفوضه بالكلية إلى رأي الولي ، وعلى هذا التقدير يكون حصول العفو باختيار الولي وبسعيه فلهذا السبب أضيف العفو إلى الأولياء.\r","part":7,"page":161},{"id":2772,"text":"وأما الحجة الثانية : وهي قولهم : الذي بيد الولي عقد النكاح لا عقدة النكاح ، قلنا : العقدة قد يراد بها العقد قال تعالى : {وَلاَ تَعْزِمُواْ عُقْدَةَ النكاح} سلمنا أن العقدة هي المعقودة لكن تلك المعقودة إنما حصلت وتكونت بواسطة العقد ، وكان عقد النكاح في يد الولي ابتداءً ، فكانت عقدة النكاح في يد الولي أيضاً بواسطة كونها من نتائج العقد ومن آثاره.\rوأما الحجة الثالثة : وهي قوله : إن المراد من الآية الذي بيده عقدة النكاح لنفسه فجوابه : أن هذا التقييد لا يقتضيه اللفظ لأنه إذا قيل : فلان في يده الأمر والنهي والرفع والخفض فلا يراد به أن الذي في يده الأمر نفسه ونهى نفسه بل المراد أن في يده أمر غيره ونهى غيره فكذا ههنا. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 6 صـ 121 ـ 123}\rقال العلامة ابن العربى : \rوَاَلَّذِي تَحَقَّقَ عِنْدِي بَعْدَ الْبَحْثِ وَالسَّبْرِ أَنَّ الْأَظْهَرَ هُوَ الْوَلِيُّ لِثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ : أَحَدُهَا : أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ فِي أَوَّلِ الْآيَةِ : {ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ} إلَى قَوْله تَعَالَى : {وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ} فَذَكَرَ الْأَزْوَاجَ وَخَاطَبَهُمْ بِهَذَا الْخِطَابِ ، ثُمَّ قَالَ : {إلَّا أَنْ يَعْفُونَ} فَذَكَرَ النِّسْوَانَ {أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ} فَهَذَا ثَالِثٌ ؛ فَلَا يُرَدُّ إلَى الزَّوْجِ الْمُتَقَدِّمِ إلَّا لَوْ لَمْ يَكُنْ لِغَيْرِهِ وُجُودٌ ، وَقَدْ وُجِدَ وَهُوَ الْوَلِيُّ ، فَلَا يَجُوزُ بَعْدَ هَذَا إسْقَاطُ التَّقْدِيرِ بِجَعْلِ الثَّلَاثِ اثْنَيْنِ مِنْ غَيْرِ ضَرُورَةٍ.\r","part":7,"page":162},{"id":2773,"text":"الثَّانِي : أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ : {أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ} وَلَا إشْكَالَ فِي أَنَّ الزَّوْجَ بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ لِنَفْسِهِ ، وَالْوَلِيُّ بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ لِوَلِيَّتِهِ ، عَلَى الْقَوْلِ بِأَنَّ الَّذِي يُبَاشِرُ الْعَقْدَ الْوَلِيُّ ؛ فَهَذِهِ الْمَسْأَلَةُ هِيَ أُصُولُ الْعَفْوِ مَعَ أَبِي حَنِيفَةَ ، وَقَدْ بَيَّنَّاهَا قَبْلُ ، وَشَرَحْنَاهَا فِي مَسَائِلِ الْخِلَافِ.\rفَقَدْ ثَبَتَ بِهَذَا أَنَّ الْوَلِيَّ بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ ، فَهُوَ الْمُرَادُ ؛ لِأَنَّ الزَّوْجَيْنِ يَتَرَاضَيَانِ فَلَا يَنْعَقِدُ لَهُمَا أَمْرٌ إلَّا بِالْوَلِيِّ ، بِخِلَافِ سَائِرِ الْعُقُودِ ، فَإِنَّ الْمُتَعَاقِدَيْنِ يَسْتَقِلَّانِ بِعَقْدِهِمَا.\rالثَّالِثُ : إنَّ مَا قُلْنَا أَنْظَمُ فِي الْكَلَامِ ، وَأَقْرَبُ إلَى الْمَرَامِ ؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ : {إلَّا أَنْ يَعْفُونَ} وَمَعْلُومٌ أَنَّهُ لَيْسَ كُلُّ امْرَأَةٍ تَعْفُو ، فَإِنَّ الصَّغِيرَةَ أَوْ الْمَحْجُورَةَ لَا عَفْوَ لَهَا ، فَبَيَّنَ اللَّهُ تَعَالَى الْقِسْمَيْنِ ، وَقَالَ : {إلَّا أَنْ يَعْفُونَ} إنْ كُنَّ لِذَلِكَ أَهْلًا ، أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ ؛ لِأَنَّ الْأَمْرَ فِيهِ إلَيْهِ.\rوَكَذَلِكَ رَوَى ابْنُ وَهْبٍ ، وَابْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ ، وَابْنُ الْقَاسِمِ عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ الْأَبُ فِي ابْنَتِهِ الْبِكْرِ ، وَالسَّيِّدُ فِي أَمَتِهِ ؛ لِأَنَّ هَذَيْنِ هُمَا اللَّذَانِ يَتَصَرَّفَانِ فِي الْمَالِ وَيَنْفُذُ لَهُمَا الْقَوْلُ. أ هـ {أحكام القرآن لابن العربى حـ 1 صـ 296}\rوهذا كلام نفيس للعلامة الجصاص فى هذا الموضع\rقَالَ رحمه الله : ","part":7,"page":163},{"id":2774,"text":"قَوْله تَعَالَى : {أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ} مُتَشَابِهٌ لَاحْتِمَالِهِ الْوَجْهَيْنِ اللَّذَيْنِ تَأَوَّلَهُمَا السَّلَفُ عَلَيْهِمَا ، فَوَجَبَ رَدُّهُ إلَى الْمُحْكَمِ وَهُوَ قَوْله تَعَالَى : {وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَرِيئًا} وَقَالَ تَعَالَى فِي آيَةٍ أُخْرَى : {وَإِنْ أَرَدْتُمْ اسْتِبْدَالَ زَوْجٍ مَكَانَ زَوْجٍ وَآتَيْتُمْ إحْدَاهُنَّ قِنْطَارًا فَلَا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئًا} وَقَالَ تَعَالَى : {وَلَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا إلَّا أَنْ يَخَافَا أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ} فَهَذِهِ الْآيَاتُ مُحْكَمَةٌ لَا احْتِمَالَ فِيهَا لِغَيْرِ الْمَعْنَى الَّذِي اقْتَضَتْهُ ، فَوَجَبَ رَدُّ الْآيَةِ الْمُتَشَابِهَةِ وَهِيَ قَوْله تَعَالَى : {أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ} إلَيْهَا ؛ لِأَمْرِ اللَّهِ تَعَالَى النَّاسَ بِرَدِّ الْمُتَشَابِهِ إلَى الْمُحْكَمِ ، وَذَمِّ مُتَّبِعِي الْمُتَشَابِهِ مِنْ غَيْرِ حَمْلِهِ عَلَى مَعْنَى الْمُحْكَمِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى : {فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ} وَأَيْضًا لَمَّا كَانَ اللَّفْظُ مُحْتَمِلًا لِلْمَعَانِي ، وَجَبَ حَمْلُهُ عَلَى مُوَافَقَةِ الْأُصُولِ ؛ وَلَا خِلَافَ أَنَّهُ غَيْرُ جَائِزٍ لِلْأَبِ هِبَةُ شَيْءٍ مِنْ مَالِهَا لِلزَّوْجِ وَلَا لِغَيْرِهِ ، فَكَذَلِكَ الْمَهْرُ ؛ لِأَنَّهُ مَالُهَا.\r","part":7,"page":164},{"id":2775,"text":"وَقَوْلُ مَنْ حَمَلَهُ عَلَى الْوَلِيِّ خَارِجٌ عَنْ الْأُصُولِ ؛ لِأَنَّ أَحَدًا لَا يَسْتَحِقُّ الْوِلَايَةَ عَلَى غَيْرِهِ فِي هِبَةِ مَالِهِ ؛ فَلَمَّا كَانَ قَوْلُ الْقَائِلِينَ بِذَلِكَ مُخَالِفًا لِلْأُصُولِ خَارِجًا عَنْهَا وَجَبَ حَمْلُ مَعْنَى الْآيَةِ عَلَى مُوَافَقَتِهَا ؛ إذْ لَيْسَ ذَلِكَ أَصْلًا بِنَفْسِهِ لَاحْتِمَالِهِ لِلْمَعَانِي ، وَمَا لَيْسَ بِأَصْلِ فِي نَفْسِهِ فَالْوَاجِبُ رَدُّهُ إلَى غَيْرِهِ\rمِنْ الْأُصُولِ وَاعْتِبَارُهُ بِهَا.\rوَأَيْضًا فَلَوْ كَانَ الْمَعْنَيَانِ جَمِيعًا فِي حَيِّزِ الِاحْتِمَالِ وَوُجِدَ نَظَائِرُهُمَا فِي الْأُصُولِ لَكَانَ فِي مُقْتَضَى اللَّفْظِ مَا يُوجِبُ أَنْ يَكُونَ أَوْلَى بِظَاهِرِ اللَّفْظِ مِنْ الْوَلِيِّ ، وَذَلِكَ لِأَنَّ قَوْله تَعَالَى : {أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ} لَا يَجُوزُ أَنْ يَتَنَاوَلَ الْوَلِيَّ بِحَالٍ لَا حَقِيقَةً وَلَا مَجَازًا ؛ لِأَنَّ قَوْله تَعَالَى : {الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ} يَقْتَضِي أَنْ تَكُونَ الْعُقْدَةُ مَوْجُودَةً وَهِيَ فِي يَدِ مَنْ هِيَ فِي يَدِهِ ، فَأَمَّا عُقْدَةٌ غَيْرُ مَوْجُودَةٍ فَغَيْرُ جَائِزٍ إطْلَاقُ اللَّفْظِ عَلَيْهَا بِأَنَّهَا فِي يَدِ أَحَدٍ ، فَلَمَّا لَمْ تَكُنْ هُنَاكَ عُقْدَةٌ مَوْجُودَةٌ فِي يَدِ الْوَلِيِّ قَبْلَ الْعَقْدِ وَلَا بَعْدَهُ وَقَدْ كَانَتْ الْعُقْدَةُ فِي يَدِ الزَّوْجِ قَبْلَ الطَّلَاقِ فَقَدْ تَنَاوَلَهُ اللَّفْظُ بِحَالٍ ، فَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ حَمْلُهُ عَلَى الزَّوْجِ أَوْلَى مِنْهُ عَلَى الْوَلِيِّ.\rفَإِنْ قِيلَ : إنَّمَا حَكَمَ اللَّهُ بِذَلِكَ بَعْدَ الطَّلَاقِ ، وَلَيْسَتْ عُقْدَةُ النِّكَاحِ بِيَدِ الزَّوْجِ بَعْدَ الطَّلَاقِ.\r","part":7,"page":165},{"id":2776,"text":"قِيلَ لَهُ : يَحْتَمِلُ اللَّفْظُ بِأَنْ يُرِيدَ الَّذِي كَانَ بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ ، وَالْوَلِيُّ لَمْ يَكُنْ بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ ، وَلَا هِيَ فِي يَدِهِ فِي الْحَالِ ، فَكَانَ الزَّوْجُ أَوْلَى بِمَعْنَى الْآيَةِ مِنْ الْوَلِيِّ.\rوَيَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ قَوْله تَعَالَى فِي نَسَقِ التِّلَاوَةِ : {وَلَا تَنْسَوْا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ} فَنَدَبَهُ إلَى الْفَضْلِ ؛ وَقَالَ تَعَالَى : {وَأَنْ تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى} وَلَيْسَ فِي هِبَةِ مَالِ الْغَيْرِ إفْضَالٌ مِنْهُ عَلَى غَيْرِهِ وَالْمَرْأَةُ لَمْ يَكُنْ مِنْهَا إفْضَالٌ.\rوَفِي تَجْوِيزِ عَفْوِ الْوَلِيِّ إسْقَاطُ مَعْنَى الْفَضْلِ الْمَذْكُورِ فِي الْآيَة ، وَجَعَلَهُ تَعَالَى بَعْد الْعَفْوِ أَقْرَبَ لِلتَّقْوَى ، وَلَا تَقْوَى لَهُ فِي هِبَةِ مَالِ غَيْرِهِ ، وَذَلِكَ الْغَيْرُ لَمْ يَقْصِدْ إلَى الْعَفْوِ فَلَا يَسْتَحِقُّ بِهِ سِمَةَ التَّقْوَى.\rوَأَيْضًا فَلَا خِلَافَ أَنَّ الزَّوْجَ مَنْدُوبٌ إلَى ذَلِكَ ، وَعَفْوُهُ وَتَكْمِيلُ الْمَهْرِ لَهَا جَائِزٌ مِنْهُ ، فَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ مُرَادًا بِهَا ؛ وَإِذَا كَانَ الزَّوْجُ مُرَادًا انْتَفَى أَنْ يَكُونَ الْوَلِيُّ مُرَادًا بِهَا ؛ لِأَنَّ السَّلَفَ تَأَوَّلُوهُ عَلَى أَحَدِ مَعْنَيَيْنِ : إمَّا الزَّوْجِ ، وَإِمَّا الْوَلِيِّ ؛ وَإِذْ قَدْ دَلَّلْنَا عَلَى أَنَّ الزَّوْجَ مُرَادٌ وَجَبَ أَنْ تَمْتَنِعَ إرَادَةُ الْوَلِيِّ.\r","part":7,"page":166},{"id":2777,"text":"فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ عَلَى مَا قَدَّمْنَا فِيمَا تَضَمَّنَتْهُ الْآيَةُ مِنْ النَّدْبِ إلَى الْفَضْلِ وَإِلَى مَا يَقْرُبُ مِنْ التَّقْوَى ، وَإِنْ كَانَ ذَلِكَ خِطَابًا مَخْصُوصًا بِهِ الْمَالِكُ دُونُ مَنْ يَهَبُ مَالَ الْغَيْرِ ، لَيْسَ يَمْتَنِعُ فِي الْأُصُولِ أَنْ تَلْحَقَ هَذِهِ التَّسْمِيَةُ لِلْوَلِيِّ وَإِنْ فَعَلَ ذَلِكَ فِي مَالِ مَنْ يَلِي عَلَيْهِ ؛ وَالدَّلِيلُ عَلَى ذَلِكَ أَنَّهُ يَسْتَحِقُّ الثَّوَابَ بِإِخْرَاجِ صَدَقَةِ الْفِطْرِ عَنْ الصَّغِيرِ مِنْ مَالِ الصَّغِيرِ ، وَكَذَلِكَ الْأُضْحِيَّةُ وَالْخِتَانُ.\rقِيلَ : أَغْفَلْت مَوْضِعَ الْحِجَاجِ مِمَّا قَدَّمْنَاهُ ، وَذَلِكَ أَنَّا قُلْنَا : هُوَ غَيْرُ مُسْتَحِقٍّ لِلثَّوَابِ وَالْفَضْلِ بِالتَّبَرُّعِ بِمَالِ الْغَيْرِ ، فَعَارَضْتنَا بِمَنْ وَجَبَ عَلَيْهِ حَقٌّ فِي مَالِهِ فَأَخْرَجَهُ عَنْهُ وَلِيٌّ وَهُوَ الْأَبُ ، وَنَحْنُ نُجِيزُ لِلْوَصِيِّ وَلِغَيْرِ الْوَصِيِّ أَنْ يُخْرِجَ عَنْهُ هَذِهِ الْحُقُوقَ وَلَا نُجِيزُ عَفْوَهُمْ عَنْهُ ، فَكَيْفَ تَكُونُ الْأُضْحِيَّةُ وَصَدَقَةُ الْفِطْرِ وَالْحُقُوقُ الْوَاجِبَةُ بِمَنْزِلَةِ التَّبَرُّعِ وَإِخْرَاجِ مَا لَا يَلْزَمُ مِنْ مِلْكِهَا.\rوَزَعَمَ بَعْضُ مَنْ احْتَجَّ لِمَالِكٍ أَنَّهُ لَوْ أَرَادَ الزَّوْجَ لَقَالَ ( إلَّا أَنْ يَعْفُونَ أَوْ يَعْفُوَ الزَّوْجُ ) لِمَا قَدْ تَقَدَّمَ مِنْ ذِكْرِ الزَّوْجَيْنِ ، فَيَكُونُ الْكَلَامُ رَاجِعًا إلَيْهِمَا جَمِيعًا ، فَلَمَّا عَدَلَ عَنْ ذَلِكَ إلَى ذِكْرِ مَنْ لَا يُعْرَفُ إلَّا بِالصِّفَةِ عُلِمَ أَنَّهُ لَمْ يُرِدْ الزَّوْجَ.\r","part":7,"page":167},{"id":2778,"text":"قَالَ أَبُو بَكْرٍ : وَهَذَا الْكَلَامُ فَارِغٌ لَا مَعْنَى تَحْتَهُ ؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَذْكُرُ إيجَابَ الْأَحْكَامِ تَارَةً بِالنُّصُوصِ ، وَتَارَةً بِالدَّلَالَةِ عَلَى الْمَعْنَى الْمُرَادِ مِنْ غَيْرِ نَصٍّ عَلَيْهِ ، وَتَارَةً بِلَفْظٍ يَحْتَمِلُ لِلْمَعَانِي وَهُوَ فِي بَعْضِهَا أَظْهَرُ وَبِهِ أَوْلَى ، وَتَارَةً بِلَفْظٍ مُشْتَرَكٍ يَتَنَاوَلُ مَعَانِيَ مُخْتَلِفَةً يُحْتَاجُ فِي الْوُصُولِ إلَى الْمُرَادِ بِالِاسْتِدْلَالِ عَلَيْهِ مِنْ غَيْرِهِ ؛ وَقَدْ وُجِدَ ذَلِكَ كُلُّهُ فِي الْقُرْآنِ. أ هـ {أحكام القرآن للجصاص حـ 2 صـ 152 ـ 153}\rفائدة\rقال أبو حيان : \rسمي ذلك عفواً إما على طريق المشاكلة ، لأن قبله {إلا أن يعفون} أو لأن من عادتهم أن كانوا يسوقون المهر عند التزوج ، ألا ترى إلى قوله صلى الله عليه وسلم لعلي كرم الله وجهه : \" فأين درعك الحطيمة \" يعني أن يصدقها فاطمة صلى الله على رسول الله وعليها ، فسمى ترك أخذهم النصف مما ساقوه عفوا عنه. أ هـ {البحر المحيط حـ 2 صـ 245}\rفائدة\rقال الفخر : \rللشافعي أن يتمسك بهذه الآية في بيان أنه لا يجوز النكاح إلا بالولي ، وذلك لأن جمهور المفسرين أجمعوا على أن المراد من قوله : {أَوْ يَعْفُوَاْ الذى بِيَدِهِ عُقْدَةُ النكاح} إما الزوج وإما الولي ، وبطل حمله على الزوج لما بينا أن الزوج لا قدرة له ألبتة على عقدة النكاح ، فوجب حمله على الولي.\rإذا ثبت هذا فنقول : قوله : {بِيَدِهِ عُقْدَةُ النكاح} هذا يفيد الحصر لأنه إذا قيل : بيده الأمر والنهي معناه أنه بيده لا بيد غيره ، قال تعالى : {لَكُمْ دِينَكُمْ} [ الكافرون : 6 ] أي لا لغيركم ، فكذا ههنا بيد الولي عقدة النكاح لا بيد غيره ، وإذا كان كذلك فوجب أن يكون بيد المرأة عقدة النكاح وذلك هو المطلوب والله أعلم. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 6 صـ 123}","part":7,"page":168},{"id":2779,"text":"قوله تعالى : {وَأَن تَعْفُواْ أَقْرَبُ للتقوى}\rقال الفخر : \rهذا خطاب للرجال والنساء جميعاً إلا أن الغلبة للذكور إذا اجتمعوا مع الإناث ، وسبب التغليب أن الذكورة أصل والتأنيث فرع في اللفظ وفي المعنى أما في اللفظ فلأنك تقول : قائم.\rثم تريد التأنيث فتقول : قائمة.\rفاللفظ الدال على المذكر هو الأصل ، والدال على المؤنث فرع عليه ، وأما في المعنى فلأن الكمال للذكور والنقصان للإناث ، فلهذا السبب متى اجتمع التذكير والتأنيث كان جانب التذكير مغلباً. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 6 صـ 123}\rوقال أبو حيان : \r{وأن تعفوا أقرب للتقوى}. هذا خطاب للزوج والزوجة ، وغلب المذكر ، قاله ابن عباس.\rوقال ابن عطية : خاطب تعالى الجميع تأدباً بقوله : {وأن تعفوا أقرب للتقوى} أي : يا جميع الناس. انتهى كلامه.\rوالذي يظهر أنه خطاب للأزواج فقط ، وقاله الشعبي ، إذ هم المخاطبون في صدر الآية ، فيكون ذلك من الالتفات ، إذ رجع من ضمير الغائب ، وهو الذي بيده عقدة النكاح على ما اخترناه في تفسيره ، إلى الخطاب الذي استفتح به صدر الآية ، وكون عفو الزوج أقرب للتقوى من حيث إنه كسر قلب مطلقته ، فيجبرها بدفع جميع الصداق لها ، إذ كان قد فاتها منه صحبته ، فلا يفوتها منه نحلته ، إذ لا شيء أصعب على النساء من الطلاق ، فإذا بذل لها جميع المهر لم تيأس من ردّها إليه ، واستشعرت من نفسها أنه مرغوب فيها ، فانجبرت بذلك.\rوقرأ الشعبي ، وأبو نهيك : وأن يعفوا ، بالياء باثنتين من تحتها ، جعله غائباً ، وجمع على معنى : الذي بيده عقدة النكاح ، لأنه للجنس لا يراد به واحد ، وقيل : هذه القراءة تؤيد أن العفو مسند للأزواج ، قيل : والعفوا أقرب لاتقاء كل واحد منهما ظلم صاحبه.\rوقيل : لاتقاء معاصي الله.\r","part":7,"page":169},{"id":2780,"text":"و : أقرب ، يتعدّى بالَّلام كهذه ، ويتعدّى بإلى كقوله : {ونحن أقرب إليه} ولا يقال : إن اللام بمعنى إلى ، ولا إن اللام للتعليل ، بل على سبيل التعدية لمعنى المفعول به المتوصل إليه بحرف الجر ، فمعنى اللام ومعنى إلى متقاربان من حيث التعدية ، وقد قيل : بأن اللام بمعنى إلى ، فيكون ذلك من تضمين الحروف ، ولا يقول به البصريون. وقيل أيضاً : إن اللام للتعليل ، فيدل على علة ازدياد قرب العفو على تركه ، والمفضل عليه في القرب محذوف ، وحسن ذلك كون أفعل التفضيل وقع خبراً للمبتدأ ، والتقدير : والعفو منكم أقرب للتقوى من ترك العفو. أ هـ {البحر المحيط حـ 2 صـ 247}\rوقال ابن عاشور : \rوقوله : {وأن تعفوا أقرب للتقوى} تذييل أي العفو من حيث هو ، ولذلك حذف المفعول ، والخطاب لجميع الأمة ، وجيء بجمع المذكر للتغليب ، وليس خطاباً للمطلقين ، وإلا لما شمل عفو النساء مع أنه كله مرغوب فيه ، ومن الناس من استظهر بهذه الآية على أن المراد بالذي بيده عقدة النكاح المطلق ، لأنه عبر عنه بعد بقوله : {وأن تعفوا} وهو ظاهر في المذكر ، وقد غفل عن مواقع التذييل في آي القرآن كقوله : {أن يصلحا بينهما صلحا والصلح خير} [ النساء : 128 ].\rومعنى كون العفو أقرب للتقوى : أن العفو أقرب إلى صفة التقوى من التمسك بالحق ؛ لأن التمسك بالحق لا ينافي التقوى لكنه يؤذن بتصلب صاحبه وشدته ، والعفو يؤذن بسماحة صاحبه ورحمته ، والقلب المطبوع على السماحة والرحمة أقرب إلى التقوى من القلب الصلب الشديد ، لأن التقوى تقرب بمقدار قوة الوازع ، والوازع شرعي وطبيعي ، وفي القلب المفطور على الرأفة والسماحة لين يزعه عن المظالم والقساوة ، فتكون التقوى أقرب إليه ، لكثرة أسبابها فيه. أ هـ {التحرير والتنوير حـ 2 صـ 464}\rفائدة لغوية\rوقال أبو السعود : ","part":7,"page":170},{"id":2781,"text":"اللام فى قوله {للتقوى} للتعدية ، ومن قواعدهم التي قلّ من يضبطها أن أفعل التفضيل وكذا فعل التعجب يتعدى بالحرف الذي يتعدى به فعله كأزهد فيه من كذا وإن كان من متعد في الأصل فإن كان الفعل يفهم علماً أو جهلاً تعدى بالباء كأعلم بالفقه وأجهل بالنحو ، وإن كان لا يفهم ذلك تعدى باللام كأنت أضرب لعمرو إلا في باب الحب والبغض فإنه يتعدى إلى المفعول بفي كهو أحب في بكر وأبعض في عمرو وإلى الفاعل المعنوي بإلى كزيد أحب إلى خالد من بشر أو أبغض إليه منه. أ هـ {روح المعانى حـ 2 صـ 155}\rقال السعدى : \rرغب الله في العفو ، وأن من عفا ، كان أقرب لتقواه ، لكونه إحسانا موجبا لشرح الصدر ، ولكون الإنسان لا ينبغي أن يهمل نفسه من الإحسان والمعروف ، وينسى الفضل الذي هو أعلى درجات المعاملة ، لأن معاملة الناس فيما بينهم على درجتين : إما عدل وإنصاف واجب ، وهو : أخذ الواجب ، وإعطاء الواجب. وإما فضل وإحسان ، وهو إعطاء ما ليس بواجب والتسامح في الحقوق ، والغض مما في النفس ، فلا ينبغي للإنسان أن ينسى هذه الدرجة ، ولو في بعض الأوقات ، وخصوصا لمن بينك وبينه معاملة ، أو مخالطة ، فإن الله مجاز المحسنين بالفضل والكرم. أ هـ {تفسير السعدى صـ 105}\rلطيفة\rقال القشيرى : \rذكر أن العفو أتم وأحسن ، إمَّا من جهة المرأة في النصف المستحق لها ، أو من قِبَل الزوج في النصف العائد إليه.\rثم قال جلّ ذكره : {وَلاَ تَنسَوُا الفَضْلَ بَيْنَكُمْ إِنَّ اللهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ}.\rيقال من أخذ بالفضل واقتصر على الفرض فعن قريب يخل بالفرض.\rويقال نسيان الفضل يقرب صاحبه من البخل ، وإن من سُنَّةِ الكرام إذا خفيت عليهم مواضع الكرم أن يشحذوا بصائر الجود لتطالع لطائف الكرم فتتوفر دواعيهم في اقتناء أسباب الفضل. أ هـ {لطائف الإشارات حـ 1 صـ 186 ـ 187}\rلطيفة ثانية\rقال فى روح البيان : ","part":7,"page":171},{"id":2782,"text":"{وأن تعفوا أقرب للتقوى} اللام فى التقوى تدل على علة قرب العفو تقديره : العفو أقرب من أجل التقوى إذ الأخذ كأنه عوض من غير معوض عنه أو ترك المروءة عند ذلك ترك للتقوى وفى الحديث \" كفى بالمرء من الشح أن يقول آخذ حقى لا أترك منه شيئا \" وفى حديث الأصمعى : أتى أعرابى قوما فقال لهم : هذا فى الحق أو فيما هو خير منه ؟ \rقالوا : وما خير من الحق ؟ \rقال : التفضل والتغافل أفضل من أخذ الحق كله كذا فى المقاصد الحسنة للسخاوى. أ هـ {روح البيان حـ 1 صـ 457}\rقوله تعالى : {ولا تنسوا الفضل بينكم\rقال أبو حيان : \r{ولا تنسوا الفضل بينكم} الخطاب فيه من الخلاف ما في قوله : {وأن تعفوا}.\rوالنسيان هنا الترك مثل : {نسوا الله فنسيهم} والفضل : هو فعل ما ليس بواجب من البر ، فهو من الزوج تكميل المهر ، ومن الزوجة ترك شطره الذي لها ، قاله مجاهد ، وإن كان المراد به الزوج فهو تكميل المهر.\rودخل جبير بن مطعم على سعد بن أبي وقاص ، فعرض عليه بنتاً له ، فتزوّجها ، فلما خرج طلقها وبعث إليها بالصداق كاملاً ، فقيل له : لم تزوّجتها ؟ فقال : عرضها علي فكرهت ردّه ، قيل : فلم بعثت بالصداق كاملاً ؟ قال : فأين الفضل ؟ .\rوقرأ علي ، ومجاهد ، وأبو حيوة ، وابن أبي عبلة : ولا تناسوا الفضل. قال ابن عطية وهي قراءة متمكنة المعنى ، لأنه موضع تناسٍ لا نسيان إلاّ على التشبيه. انتهى.\rوقرأ يحيى بن يعمر : ولا تنسوا الفضل ، بكسر الواو على أصل التقاء الساكنين ، تشبيهاً للواو التي هي ضمير بواو ولو في قوله تعالى : {لو استطعنا} كما شبهوا : واو : لو ، بواو الضمير ، فضموها ، قرأ {لو استطعنا} بضم الواو.","part":7,"page":172},{"id":2783,"text":"وانتصاب : بينكم ، بالفعل المنهي عنه و: بين ، مشعر بالتخلل والتعارف ، كقوله : {ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل} فهو أبلغ من أن يأتي النهي عن شيء لا يكون بينهم ، لأن الفعل المنهي عنه لو وقع لكان ذلك مشتهراً بينهم ، قد تواطأوا عليه وعلموا به ، لأن ما تخلل أقواماً يكون معروفاً عندهم. أ هـ {البحر المحيط حـ 2 صـ 247}\rوقال ابن عاشور : \rوقوله : {ولا تنسوا الفضل بينكم} تذييل ثان ، معطوف على التذييل الذي قبله ، لزيادة الترغيب في العفو بما فيه من التفضل الدنيوي ، وفي الطباع السليمة حب الفضل.\rفأُمروا في هاته الآية بأن يتعاهدوا الفضل ولا ينسوه ؛ لأن نسيانه يباعد بينهم وبينه ، فيضمحل منهم ، وموشك أن يحتاج إلى عفو غيره عنه في واقعة أخرى ، ففي تعاهده عون كبير على الإلف والتحابب ، وذلك سبيل واضحة إلى الاتحاد والمؤاخاة والانتفاع بهذا الوصف عند حلول التجربة.\rوالنسيان هنا مستعار للإهمال وقلة الاعتناء كما في قوله تعالى : {فذوقوا بما نسيتم لقاء يومكم هذا} [ السجدة : 14 ] وهو كثير في القرآن ، وفي كلمة {بينكم ، } إشارة إلى هذا العفو ، إذا لم ينس تعامل الناس به بعضهم مع بعض. أ هـ {التحرير والتنوير حـ 2 صـ 464 ـ 465}\rلطيفة\rقال سفيان ، عن أبي هارون قال : رأيت عون بن عبد الله في مجلس القرظي ، فكان عون يحدثنا ولحيته تُرَش من البكاء ويقول : صحبت الأغنياء فكنت من أكثرهم هَمًّا ، حين رأيتهم أحسن ثيابًا ، وأطيب ريحًا ، وأحسن مركبًا [منى] (4). وجالست الفقراء فاسترحت بهم ، وقال : {وَلا تَنْسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ} إذا أتاه السائل وليس عنده شيء فَلْيَدْعُ له : رواه ابن أبي حاتم. أ هـ {تفسيرابن كثير حـ 1 صـ 645}\rفصل\rمعنى الآية : عفو بعضكم عن بعض أقرب إلى حصول معنى التقوى وإنما كان الأمر كذلك لوجهين","part":7,"page":173},{"id":2784,"text":"الأول : أن من سمح بترك حقه فهو محسن ، ومن كان محسناً فقد استحق الثواب ، ومن استحق الثواب نفى بذلك الثواب ما هو دونه من العقاب وأزاله والثاني : أن هذا الصنع يدعوه إلى ترك الظلم الذي هو التقوى في الحقيقة ، لأن من سمح بحقه وهو له معرض تقرباً إلى ربه كان أبعد من أن يظلم غيره يأخذ ما ليس له بحق ، ثم قال تعالى : {وَلاَ تَنسَوُاْ الفضل بَيْنَكُمْ} وليس المراد منه النهى عن النسيان لأن ذلك ليس في الوسع بل المراد منه الترك ، فقال تعالى : ولا تتركوا الفضل والإفضال فيما بينكم ، وذلك لأن الرجل إذا تزوج بالمرأة فقد تعلق قلبها به ، فإذا طلقها قبل المسيس صار ذلك سبباً لتأذيها منه ، وأيضاً إذا كلف الرجل أن يبذل لها مهراً من غير أن انتفع بها ألبتة صار ذلك سبباً لتأذيه منها ، فندب تعالى كل واحد منهما إلى فعل يزيل ذلك التأذى عن قلب الآخر ، فندب الزوج إلى أن يطيب قلبها بأن يسلم المهر إليها بالكلية ، وندب المرأة إلى ترك المهر بالكلية ، ثم إنه تعالى ختم الآية بما يجرى مجرى التهديد على العادة المعلومة ، فقال : {إِنَّ الله بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ}. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 6 صـ 123 ـ 124}\rقوله تعالى : {إِنَّ الله بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ}\rقال القرطبى : \rقوله تعالى : {إِنَّ الله بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ} خبر في ضمنه الوعد للمحسن والحرمان لغير المحسن ، أي لا يخفى عليه عفوكم واستقضاؤكم. أ هـ {تفسير القرطبى حـ 3 صـ 208}\rوقال أبو حيان : \r{إن الله بما تعملون بصير} ختم هذه الآية بهذه الصفة الدالة على المبصرات ، لأن ما تقدمه من العفو من المطلقات والمطلقين ، وهو أن يدفع شطر ما قبضن أو يكملون لهنّ الصداق ، هو مشاهد مرئي ، فناسب ذلك المجيء بالصفة المتعلقة بالمبصرات.","part":7,"page":174},{"id":2785,"text":"ولما كان آخر قوله : {والذين يتوفون منكم} الآية قوله : {فلا جناح عليكم فيما فعلن في أنفسهنّ} مما يدرك بلطف وخفاء ، ختم ذلك بقوله : {والله بما تعملون خبير}. أ هـ {البحر المحيط حـ 2 صـ 247}\rلطيفة\rقال فى روح البيان : \r{إن الله بما تعملون بصير} فلا يكاد يضيع ما عملتم من التفضل والإحسان. والبصر فى حقه تعالى عبارة عن الوصف الذى به ينكشف كمال نعوت المبصرات وذلك أوضح وأجلى مما يفهم من إدراك البصر القاصر على ظواهر المرئيات.\rوالحظ الدينى للعبد من البصر أمران. أحدهما أن يعلم أنه خلق له البصر لينظر إلى الآيات وعجائب الملكوت والسموات فلا يكون نظره إلا عبرة قيل لعيسى ـ عليه السلام ـ\rهل أحد من الخلق مثلك ؟ \rفقال : من كان نظره عبرة وصمته فكرا وكلامه ذكرا فهو مثلى.\rوالثانى : أن يعلم أنه بمرأى من الله ومسمع فلا يستهين بنظره إليه واطلاعه عليه ، ومن أخفى عن غير الله ما لا يخفيه عن الله فقد استهان بنظر الله والمراقبة إحدى ثمرات الإيمان بهذه الصفة فمن قارف معصية وهو يعلم أن الله يراه فما أجسره وأخسره ومن ظن أنه لا يراه فما أكفره كذا فى شرح الأسماء الحسنى للإمام الغزالى. أ هـ {روح البيان حـ 1 صـ 458}\rمن فوائد ابن عرفة فى الآية\rقوله تعالى : {مِن قَبْلِ أَن تَمَسُّوهُنَّ...}.\rقوله تعالى : {وَأَن تعفوا أَقْرَبُ للتقوى...}.\rالخطاب للأولياء ، ويحتمل أن يكون الخطاب بالأول للزوجات والأولياء ليعفوا عن نصف الصداق إذا لم ( يمكن ) قبضه ، وذلك حيث تكون ملية والزوج معسر. والخطاب ( بهذه ) للأزواج حيث يكون الزوج مليا والمرأة معسرة فالعفو عما زاد على النصف. ومعنى \" أَقْرَبُ للتقوى \" أن الصداق أمر دنيوي وقد ورد \" حبّ الدّنيا رأس كل خطيئة \" فتركه أقرب للتقوى ) ، وإنما عدي باللام التي للاختصاص دون ( إلى ) إشارة إلى خصوص العفو عنه بالتقوى.\rقوله تعالى : {وَلاَ تَنسَوُاْ الفضل بَيْنَكُمْ...}.","part":7,"page":175},{"id":2786,"text":"المراد إما إنشاء التفضل أو مراعاة الفضل المتقدم ، أي لا تتركوا أيقاع التفضل ولا تتركوا عند الطلاق مراعاة ما وقع بينكم من الفضل عند عقد النكاح ، فإن أريد الأول فيكون تأكيدا لأن ما قبله يغني عنه ، وإن أريد الثاني فهو تهييج على ( العفو عن ) الصداق.\rقوله تعالى : {بَيْنَكُمْ...}.\rدليل على أن الخطاب للأزواج وللزوجات وغلب فيه ضمير ( المذكر ).\rوقوله تعالى : {إِنَّ الله بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ}.\rقال ابن عرفة : وعد ووعيد.\rقيل له : إنما هو وعد خاصة لأن ما قبله تفضل ومستحب لا واجب ؟ \rفقال : هو وعيد بالذات ويحتمل أن يتناول الواجب. أ هـ {تفسير ابن عرفة صـ 310}\rفوائد بلاغية\rقال أبو حيان : \rتضمنت هذه الآية الكريمة أنواعاً من الفصاحة ، وضروباً من علم البيان والبلاغة.\rالالتفات : في : وأن تعفوا ، ولا تنسوا ؛ والعدول عن الحقيقة إلى المجاز في : الذي بيده عقدة النكاح ، عبر عن الإيجاب والقبول بالعقدة التي تعقد حقيقة ، لما في ذلك القول من الارتباط لكل واحد من الزوجين بالآخر. أ هـ {البحر المحيط حـ 2 صـ 248}","part":7,"page":176},{"id":2787,"text":"قوله تعالى : {حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ (238)}\rمناسبة الآية لما قبلها\rقال البقاعى : \r","part":7,"page":177},{"id":2788,"text":"ولما ذكرت أحكام النساء وشعبت حتى ضاق فسيح العقل بانتشارها وكاد أن يضيع في متسع مضمارها مع ما هناك من مظنة الميل بالعشق والنفرة بالبغض الحامل على الإحن والشغل بالأولاد وغير ذلك من فتن وبلايا ومحن يضيق عنها نطاق الحصر ويكون بعضها مظنة للتهاون بالصلاة بل وبكل عبادة اقتضى الحال أن يقال : يا رب! إن الإنسان ضعيف وفي بعض ذلك له شاغل عن كل مهم فهل بقي له سعة لعبادتك ؟ فقيل : {حافظوا} بصيغة المفاعلة الدالة على غاية العزيمة أي ليسابق بعضكم بعضاً في ذلك ويجوز أن يكون ذلك بالنسبة إلى العبد وربه فيكون المعنى : احفظوا صلاتكم له ليحفظ صلاته عليكم فلا يفعل فيها فعل الناسي فيترك تشريفكم بها ، وأخصر منه أن يقال : لما ذكر سبحانه وتعالى ما بين العباد خاصة ذكر ما بينه وبينهم فقال : - وقال الحرالي : لما كان ما أنزل له الكتاب إقامة ثلاثة أمور : إقامة أمر الدين الذي هو ما بين العبد وربه ، وتمشية حال الدنيا التي هي دار محنة العبد ، وإصلاح حال الآخرة والمعاد الذي هو موضع قرار العبد ، صار ما يجري ذكره من أحكام تمشية الدنيا غلساً نجوم إنارته أحكام أمر الدين فلذلك مطلع نجوم خطابات الدين أثناء خطابات أمر الدنيا فيكون خطاب الأمر نجماً خلال خطابات الحرام والحلال في أمر الدنيا ؛ وإنما كان نجم هذا الخطاب للمحافظة على الصلاة لأن هذا الاشتجار المذكور بين الأزواج فيما يقع من تكره في الأنفس وتشاح في الأموال إنما وقع من تضييع المحافظة على الصلوات لأن الصلاة بركة في الرزق وسلاح على الأعداء وكراهة الشيطان ؛ فهي دافعة للأمور التي منها تتضايق الأنفس وتقبل الوسواس ويطرقها الشح ، فكان في إفهام نجم هذا الخطاب أثناء هذه الأحكام الأمر بالمحافظة على الصلوات لتجري أمورهم على سداد يغنيهم عن الارتباك في جملة هذه الأحكام - انتهى.\r","part":7,"page":178},{"id":2789,"text":"فقال تعالى : {حافظوا} قال الحرالي : من المحافظة مفاعلة من الحفظ وهو رعاية العمل علماً وهيئة ووقتاً وإقامة بجميع ما يحصل به أصله ويتم به عمله وينتهي إليه كماله ، وأشار إلى كمال الاستعداد لذلك بأداة الاستعلاء فقال : {على الصلوات} فجمع وعرف حتى يعم جميع أنواعها ، أي افعلوا في حفظها فعل من يناظر آخر فيه فإنه لا مندوحة عنها في حال من الأحوال حتى ولا في حال خوف التلف ، فإن في المحافظة عليها كمال صلاح أمور الدنيا والآخرة لا سيما إدرار الأرزاق وإذلال الأعداء {وأمر أهلك بالصلاة واصطبر عليها} [ طه : 132 ] و{استعينوا بالصبر والصلاة} [ البقرة : 193 ] \" كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا حزبه أمر فزع إلى الصلاة \" ولا شك أن اللفظ صالح لدخول صلاة الجنازة فيه ، ويزيده وضوحاً اكتناف آيتي الوفاة لهذه الآية سابقاً ولاحقاً.\r","part":7,"page":179},{"id":2790,"text":"وقال الحرالي : إن الله سبحانه وتعالى يعطي الدنيا على نية الآخرة وأبى أن يعطي الآخرة على نية الدنيا ، خلل حال المرء في دنياه ومعاده إنما هو عن خلل حال دينه ، وملاك دينه وأساسه إيمانه وصلاته ، فمن حافظ على الصلوات أصلح الله حال دنياه وأخراه ، وفي المحافظة عليها تجري مقتضيات عملها عملاً إسلامياً وخشوعاً وإخباتاً إيمانياً ورؤية وشهوداً إحسانياً فبذلك تتم المحافظة عليها ، وأول ذلك الطهارة لها باستعمال الطهور على حكم السنة وتتبع معاني الحكمة ، كما في مسح الأذنين مع الرأس ، لأن من فرق بينهما لم يكد يتم له طهور نفسه بما أبدته الحكمة وأقامته السنة وعمل العلماء فصد عنه عامة الخلق الغفلة ؛ ثم التزام التوبة عندها لأن طهور القلب التوبة كما أن طهور البدن والنفس الماء والتراب ، فمن صلى على غير تجديد توبة صلى محدثاً بغير طهارة ؛ ثم حضور القلب في التوحيد عند الأذان والإقامة ، فإن من غفل قلبه عند الأذان والإقامة عن التوحيد نقص من صلاته روحها فلم يكن لها عمود قيام ، من حضر قلبه عند الأذان والإقامة حضر قلبه في صلاته ، ومن غفل قلبه عندهما غفل قلبه في صلاته ؛ ثم هيئتها في تمام ركوعها وسجودها ؛ وإنطاق كل ركن عملي بذكر الله يختص به أدنى ما يكون ثلاثاً فليس في الصلاة عمل لا نطق له ؛ ولا يقبل الله صلاة من لم يقم صلبه في ركوعه وسجوده وقيامه وجلوسه ؛ فبالنقص من تمامها تنقص المحافظة عليها وبتضييع المحافظة عليها يتملك الأعداء النفس ويلحقها الشح فتنتقل عليها الأحكام وتتضاعف عليها مشاق الدنيا ، وما من عامل يعمل عملاً في وقت صلاة أو حال أذان إلا كان وبالاً عليه وعلى من ينتفع به من عمله ، وكان ما يأخذه من أجر فيه شقى خبث لا يثمر له عمل بر ولا راحة نفس في عاجلته ولا آجلته ، وخصوصاً بعد أن أمهل الله الخلق من طلوع شمس يومهم إلى زوالها ست ساعات فلم يكن لدنياهم حق في الست الباقية فكيف إذا طولبوا منها بأويقات الأذان","part":7,"page":180},{"id":2791,"text":"والصلاة وما نقص عمل من صلاة ، فبذلك كانت المحافظة على الصلوات ملاكاً لصلاح أحوال الخلق مع أزواجهم في جميع أحوالهم - انتهى. أ هـ {نظم الدرر حـ 1 صـ 449 ـ 451}\rقال الفخر : \rاعلم أنه سبحانه وتعالى لما بين للمكلفين ما بين من معالم دينه ، وأوضح لهم من شرائع شرعه أمرهم بعد ذلك بالمحافظة على الصلوات وذلك لوجوه أحدها : أن الصلاة لما فيها من القراءة والقيام والركوع والسجود والخضوع والخشوع تفيد انكسار القلب من هيبة الله تعالى ، وزوال التمرد عن الطبع ، وحصول الانقياد لأوامر الله تعالى والانتهاء عن مناهيه ، كما قال : {إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر} [ العنكبوت : 45 ] والثاني : أن الصلاة تذكر العبد جلالة الربوبية وذلة العبودية وأمر الثواب والعقاب فعند ذلك يسهل عليه الانقياد للطاعة ولذلك قال : {استعينوا بالصبر والصلاة} [ البقرة : 45 ] والثالث : أن كل ما تقدم من بيان النكاح والطلاق والعدة اشتغال بمصالح الدنيا ، فأتبع ذلك بذكر الصلاة التي هي مصالح الآخرة. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 6 صـ 124}\rوقال أبو حيان : \r","part":7,"page":181},{"id":2792,"text":"{حافظوا على الصلوات} قالوا : هذه الآية معترضة بين آيات المتوفى عنها زوجها ، والمطلقات ، وهي متقدّمة عليهنّ في النزول ، متأخرة في التلاوة ورسم المصحف ، وشبهوها بقوله : {إن الله يأمركم أن تذبحوا بقرة} وبقوله : {وإذ قتلتم نفساً} قالوا : فيجوز أن تكون مسوقة على الآيات التي ذكر فيها القتال ، لأنه بين فيها أحوال الصلاة في حال الخوف ، قالوا : وجاء ما هو متعلق بأبعد من هذا ، زعموا أن قوله تعالى : {ليس بأمانيكم ولا أماني أهل الكتاب} رداً لقوله : {وقالوا لن يدخل الجنة إلاَّ من كان هوداً أو نصارى} قالوا : وأبعد منه : {سأل سائل بعذاب واقع} راجع إلى قوله : {وإذا قالوا اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك} الآية قالوا : أو يجوز أن يكون حدث خوف قبل إنزال إتمام أحكام المطلقات ، فبين تعالى أحكام صلاة الخوف عند مسيس الحاجة إلى بيانه ، ثم أنزل إتمام أحكام المطلقات.\rقالوا : ويجوز أن تكون متقدمة في التلاوة ورسم المصحف ، متأخرة في النزول قبل هذه الآيات ، على قوله بعد هذه الآية : {وقاتلوا في سبيل الله} وهذه كلها أقوال كما ترى.\r","part":7,"page":182},{"id":2793,"text":"والذي يظهر في المناسبة أنه تعالى ، لما ذكر تعالى جملة كثيرة من أحوال الأزواج والزوجات ، وأحكامهم في النكاح والوطء ، والإيلاء والطلاق ، والرجعة ، والإرضاع والنفقة والكسوة ، والعدد والخطبة ، والمتعة والصداق والتشطر ، وغير ذلك ، كانت تكاليف عظيمة تشغل من كلفها أعظم شغل ، بحيث لا يكاد يسع معها شيء من الأعمال ، وكان كل من الزوجين قد أوجب عليه للآخر ما يستفرغ فيه الوقت ، ويبلغ منه الجهد ، وأمر كلا منهما بالإحسان إلى الآخر حتى في حالة الفراق ، وكانت مدعاة إلى التكاسل عن الاشتغال بالعبادة إلاَّ لمن وفقه الله تعالى ، أمر تعالى بالمحافظة على الصلوات التي هي الوسيلة بين الله وبين عبده ، وإذا كان قد أمر بالمحافظة على أداء حقوق الآدميين ، فلأن يؤمر بأداء حقوق الله أولى وأحق ، ولذلك جاء : \"فدين الله أحق أن يقضى\" فكأنه قيل : لا يشغلنكم التعلق بالنساء وأحوالهنّ عن أداء ما فرض الله عليكم ، فمع تلك الأشغال العظيمة لا بد من المحافظة على الصلاة ، حتى في حالة الخوف ، فلا بد من أدائها رجالاً وركباناً ، وإن كانت حالة الخوف أشد من حالة الاشتغال بالنساء ، فإذا كانت هذه الحالة الشاقة جداً لا بد معها من الصلاة ، فأحرى ما هو دونها من الأشغال المتعلقة بالنساء.\rوقيل : مناسبة الأمر بالمحافظة على الصلوات عقيب الأوامر السابقة أن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر ، فيكون ذلك عوناً لهم على امتثالها ، وصوناً لهم عن مخالفتها ، وقيل : وجه ارتباطها بما قبلها وبما بعدها ، أنه لما أمر تعالى بالمحافظة على حقوق الخلق بقوله : {ولا تنسوا الفضل بينكم} ناسب أن يأمر بالمحافظة على حقوق الحق ، ثم لما كانت حقوق الآدميين منها ما يتعلق بالحياة ، وقد ذكره ، ومنها ما يتعلق بالممات ، ذكره بعده ، في قوله : {والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجاً وصية} الآية. أ هـ {البحر المحيط حـ 2 صـ 248}\rوقال ابن عاشور : \r","part":7,"page":183},{"id":2794,"text":"الانتقال من غرض إلى غرض في آي القرآن لا تلزم له قوة ارتباط ، لأن القرآن ليس كتاب تدريس يرتب بالتبويب وتفريع المسائل بعضها على بعض ، ولكنه كتاب تذكير وموعظة فهو مجموع ما نزل من الوحي في هدى الأمة وتشريعها وموعظتها وتعليمها ، فقد يجمع به الشيء للشيء من غير لزوم ارتباط وتفرع مناسبة ، وربما كفى في ذلك نزول الغرض الثاني عقب الغرض الأول ، أو تكون الآية مأموراً بإلحاقها بموضع معين من إحدى سور القرآن كما تقدم في المقدمة الثامنة ، ولا يخلو ذلك من مناسبة في المعاني ، أو في انسجام نظم الكلام ، فلعل آية {حافظوا على الصلوات} نزلت عقب آيات تشريع العدة والطلاق لسبب اقتضى ذلك من غفلة عن الصلاة الوسطى ، أو استشعار مشقة في المحافظة عليها ، فموقع هذه الآية موقع الجملة المعترضة بين أحكام الطلاق والعدد.\rوإذا أبيت ألاّ تطلب الارتباط فالظاهر أنه لما طال تبيان أحكام كثيرة متوالية : ابتداء من قوله : {يسألونك ماذا ينفقون} [ البقرة : 215 ] ، جاءت هذه الآية مرتبطة بالتذييل الذي ذيلت به الآية السابقة وهو قوله : {وأن تعفوا أقرب للتقوى ولا تنسوا الفضل بينكم} [ البقرة : 237 ] فإن الله دعانا إلى خلق حميد ، وهو العفو عن الحقوق ، ولما كان ذلك الخلق قد يعسر على النفس ، لما فيه من ترك ما تحبه من الملائم ، من مال وغيره كالانتقام من الظالم ، وكان في طباع الأنفس الشح ، علمنا الله تعالى دواء هذا الداء بدواءين ، أحدهما دنيوي عقلي ، وهو قوله : {ولا تنسوا الفضل بينكم} ، المذكر بأن العفو يقرب إليك البعيد ، ويصير العدو صديقاً وأنك إن عفوت فيوشك أن تقترف ذنباً فيعفى عنك ، إذا تعارف الناس الفضل بينهم ، بخلاف ما إذا أصبحوا لا يتنازلون عن الحق.\r","part":7,"page":184},{"id":2795,"text":"الدواء الثاني أخروي روحاني : وهو الصلاة التي وصفها الله تعالى في آية أخرى بأنها تنهى عن الفحشاء والمنكر ، فلما كانت معينة على التقوى ومكارم الأخلاق ، حث الله على المحافظة عليها.\rولك أن تقول : لما طال تعاقب الآيات المبينة تشريعات تغلب فيها الحظوظ الدنيوية للمكلفين ، عقبت تلك التشريعات بتشريع تغلب فيه الحظوظ الأخروية ، لكي لا يشتغل الناس بدراسة أحد الصنفين من التشريع عن دراسة الصنف الآخر ، قال البيضاوي : \"أمر بالمحافظة عليها في تضاعيف أحكام الأولاد والأزواج ، لئلا يلهيهم الاشتغال بشأنهم عنها\".\rوقال بعضهم : \"لما ذكر حقوق الناس دلهم على المحافظة على حقوق الله\" وهو في الجملة مع الإشارة إلى أن في العناية بالصلوات أداء حق الشكر لله تعالى على ما وجه إلينا من عنايته بأمورنا التي بها قوام نظامنا وقد أومأ إلى ذلك قوله في آخر الآية {كما علمكم ما لم تكونوا تعلمون} [ البقرة : 239 ] أي من قوانين المعاملات النظامية. أ هـ {التحرير والتنوير حـ 2 صـ 465 ـ 466}\rفصل\rقال الفخر : \rأجمع المسلمون على أن الصلاة المفروضة خمسة ، وهذه الآية التي نحن في تفسيرها دالة على ذلك ، لأن قوله : {حافظوا عَلَى الصلوات} يدل على الثلاثة من حيث أن أقل الجمع ثلاثة ، ثم إن قوله تعالى : {والصلاة الوسطى} يدل على شيء أزيد من الثلاثة ، وإلا لزم التكرار ، والأصل عدمه ، ثم ذلك الزائد يمتنع أن يكون أربعة ، وإلا فليس لها وسطى ، فلا بد وأن ينضم إلى تلك الثلاثة عدد آخر يحصل به للمجموع وسط ، وأقل ذلك أن يكون خمسة ، فهذه الآية دالة على وجوب الصلوات الخمسة بهذا الطريق ، واعلم أن هذا الاستدلال إنما يتم إذا بينا أن المراد من الوسطى ما تكون وسطى في العدد لا ما تكون وسطى بسبب الفضيلة ونبين ذلك بالدليل إن شاء الله تعالى إلا أن هذه الآية وإن دلت على وجوب الصلوات الخمس لكنها لا تدل على أوقاتها ، والآيات الدالة على تفصيل الأوقات أربع : ","part":7,"page":185},{"id":2796,"text":"الآية الأولى : قوله : {فسبحان الله حين تمسون وحين تصبحون * وله الحمد في السموات والأرض وعشياً وحين تظهرون} [ الروم : 17 ، 18 ] وهذه الآية أبين آيات المواقيت فقوله : {فَسُبْحَانَ الله} أي سبحوا الله معناه صلوا لله حين تمسون ، أراد به صلاة المغرب والعشاء {وَحِينَ تُصْبِحُونَ} أراد صلاة الصبح {وَعَشِيّاً} [ مريم : 11 ] أراد به صلاة العصر {وَحِينَ تُظْهِرُونَ} صلاة الظهر.\rالآية الثانية : قوله : {أَقِمِ الصلاة لِدُلُوكِ الشمس إلى غَسَقِ اليل} [ الإسراء : 78 ] أراد بالدلوك زوالها فدخل فيه صلاة الظهر ، والعصر ، والمغرب ، والعشاء ، ثم قال : {أَقِمِ الصلاة} أراد صلاة الصبح.\rالآية الثالثة : قوله : {وَسَبّحْ بِحَمْدِ رَبّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشمس وَقَبْلَ غُرُوبِهَا وَمِنْ ءَانَاء اليل فَسَبّحْ وَأَطْرَافَ النهار} [ طها : 130 ] فمن الناس من قال : هذه الآية تدل على الصلوات الخمس ، لأن الزمان إما أن يكون قبل طلوع الشمس أو قبل غروبها ، فالليل والنهار داخلان في هاتين اللفظتين.\rالآية الرابعة : قوله تعالى : {وَأَقِمِ الصلاة طَرَفَىِ النهار وَزُلَفاً مِّنَ اليل} [ هود : 114 ] فالمراد بطرفي النهار : الصبح ، والعصر ، وقوله : {وَزُلَفاً مِّنَ اليل} المغرب والعشاء ، وكان بعضهم يتمسك به في وجوب الوتر ، لأن لفظ زلفاً جمع فأقله الثلاثة. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 6 صـ 124 ـ 125}\rقال أبو حيان : \rالألف واللام فيها للعهد ، وهي : الصلوات الخمس. قالوا : وكل صلاة في القرآن مقرونة بالمحافظة ، فالمراد بها الصلوات الخمس. أ هـ {البحر المحيط حـ 2 صـ 248}\rفصل فى المحافظة على الصلاة\rقال الفخر : \r","part":7,"page":186},{"id":2797,"text":"اعلم أن الأمر بالمحافظة على الصلاة أمر بالمحافظة على جميع شرائطها ، أعني طهارة البدن ، والثوب ، والمكان ، والمحافظة على ستر العورة ، واستقبال القبلة ، والمحافظة على جميع أركان الصلاة ، والمحافظة على الاحتراز عن جميع مبطلات الصلاة سواء كان ذلك من أعمال القلوب أو من أعمال اللسان ، أو من أعمال الجوارح ، وأهم الأمور في الصلاة ، رعاية النية فإنها هي المقصود الأصلي من الصلاة ، قال تعالى : {وأقم الصلاة لذكري} [ طه : 14 ] فمن أدى الصلاة على هذا الوجه كان محافظاً على الصلاة وإلا فلا.\rفإن قيل : المحافظة لا تكون إلا بين اثنين ، كالمخاصمة ، والمقاتلة ، فكيف المعنى ههنا ؟ .\rوالجواب : من وجهين أحدهما : أن هذه المحافظة تكون بين العبد والرب ، كأنه قيل له : احفظ الصلاة ليحفظك الإله الذي أمرك بالصلاة وهذا كقوله : {فاذكرونى أَذْكُرْكُمْ} [ البقرة : 152 ] وفي الحديث : \" احفظ الله يحفظك \" الثاني : أن تكون المحافظة بين المصلي والصلاة فكأنه قيل : احفظ الصلاة حتى تحفظك الصلاة ، واعلم أن حفظ الصلاة للمصلي على ثلاثة أوجه\r","part":7,"page":187},{"id":2798,"text":"الأول : أن الصلاة تحفظه عن المعاصي ، قال تعالى : {إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر} [ العنكبوت : 45 ] فمن حفظ الصلاة حفظته الصلاة عن الفحشاء والثاني : أن الصلاة تحفظه من البلايا والمحن ، قال تعالى : {واستعينوا بالصبر والصلاة} [ البقرة : 153 ] وقال تعالى : {وَقَالَ الله إِنّى مَعَكُمْ لَئِنْ أَقَمْتُمُ الصلاة وَءاتَيْتُمْ الزكواة} [ المائدة : 12 ] ومعناه : إني معكم بالنصرة والحفظ إن كنتم أقمتم الصلاة وآتيتم الزكاة والثالث : أن الصلاة تحفظ صاحبها وتشفع لمصليها ، قال تعالى : {وَأَقِيمُواْ الصلاة وَءَاتُواْ الزكواة وَمَا تُقَدّمُواْ لأَنْفُسِكُم مّنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِندَ الله} [ البقرة : 110 ] ولأن الصلاة فيها القراءة ، والقرآن يشفع لقارئه ، وهو شافع مشفع وفي الخبر : \" إنه تجىء البقرة وآل عمران كأنهما عمامتان فيشهدان ويشفعان \" وأيضاً في الخبر \" سورة الملك تصرف عن المتهجد بها عذاب القبر وتجادل عنه في الحشر وتقف في الصراط عند قدميه وتقول للنار لا سبيل لك عليه \" والله أعلم. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 6 صـ 125}\rقوله تعالى : {وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى}\rقال البقاعى : \r{والصلاة الوسطى} أي خصوصاً فإنها أفضل الصلوات لأنها أخصها بهذا النبي الخاتم كما مضى بيانه في أول السورة في قوله : {استعينوا بالصبر والصلاة} [ البقرة : 193 ] فخصها سبحانه وتعالى بمزيد تأكيد وأخفاها لأداء ذلك إلى المحافظة على الكل ولهذا السبب أخفى ليلة القدر في رمضان ، وساعة الإجابة في يوم الجمعة ، والاسم الأعظم في جميع الأسماء ، ووقت الموت حملاً على التوبة في كل لحظة.\r","part":7,"page":188},{"id":2799,"text":"وقال الحرالي : وما من جملة إلا ولها زهرة فكان في الصلوات ما هو منها بمنزلة الخيار من الجملة وخيارها وسطاها فلذلك خصص تعالى خيار الصلوات بالذكر ، وذكرها بالوصف إبهاماً ليشمل الوسطى الخاصة بهذه الأمة وهي العصر التي لم تصح لغيرها من الأمم ، ولينتظم الوسطى العامة لجميع الأمم ولهذه الأمة التي هي الصبح ، ولذلك اتسع لموضع أخذها بالوصف مجال العلماء فيها ثم تعدت أنظارهم إلى جميعها لموقع الإبهام في ذكرها حتى تتأكد المحافظة في الجميع بوجه ما ، وفي قراءة عائشة رضي الله تعالى عنها : وصلاة العصر - عطفاً ما يشعر بظاهر العطف باختصاص الوسطى بالصبح على ما رآه بعض العلماء ، وفيه مساغ لمرجعه على {الصلاة الوسطى} بنفسها ليكون عطف أوصاف ، وتكون تسميتها بالعصر مدحة ووصفاً من حيث إن العصر خلاصة الزمان كما أن عصارات الأشياء خلاصاتها\r{ثم يأتي من بعد ذلك عام فيه يغاث الناس وفيه يعصرون} [ يوسف : 49 ] فعصر اليوم هو خلاصة لسلامته من وهج الهاجرة وغسق الليل ، ولتوسط الأحوال والأبدان والأنفس بين حاجتي الغداء والعشاء التي هي مشغلتهم بحاجة الغذاء ؛ ومن إفصاح العرب عطف الأوصاف المتكاملة فيقال : فلان كريم وشجاع - إذا تم فيه الوصفان ، فإذا نقصا عن التمام قيل : كريم شجاع - بالاتباع ، فبذلك يقبل معنى هذه القراءة أن تكون الوسطى هي العصر عطفاً لوصفين ثابتين لأمر واحد - انتهى.\r","part":7,"page":189},{"id":2800,"text":"ويوضح ما قاله رحمه الله تعالى قولهم في الرمان المز : حلو حامض - من غير عطف ، وبرهانه أنهم قالوا : إن الجمل إذا تتابعت من غير عطف كان ذلك مؤذناً بتمام الاتصال بينها فتكون الثانية إما علة للأولى وإما مستأنفة على تقدير سؤال سائل ونحو ذلك مما قاله البيانيون في باب الفصل والوصل ، ولولا إشعار الكلام الأول بالجملة الثانية لاحتياجه إليها لم يوجد محرك للسؤال بخلاف ما إذا تعاطفت كان ذلك يؤذن بأن كل واحدة منها غنية عما بعدها وذلك مؤذن بالتمام : وأما أسماء الله تعالى فتتابعها دون عطف ، لأن شيئاً منها لا يؤدي جميع مفهوم اسم الذات العلم ولذلك ختم سبحانه وتعالى آيات سورة الحشر بقوله : {له الأسماء الحسنى} [ الحشر : 24 ] أي أن هذه الأسماء التي ذكرت هي مما أفهمه مدلول الاسم العلم المبتدأ به سواء قلنا إنه مشتق أو لا ، ومهما اطلعت على وصف حسن يليق به سبحانه وتعالى فهو مما دل عليه الاسم الأعظم ، لأن من يستحق العبادة لا يكون إلا كذلك جامعاً لأوصاف الكمال ، أو لأنه لما جبلت النفوس وطبعت القلوب على المعرفة بأنه سبحانه وتعالى منزه عن شوائب النقص ومتصف بأوصاف الكمال كان الإعراء من العطف فيها للإيذان بذلك وما عطف منها فلمعنى دعا إليه كما يأتي بيانه إن شاء الله تعالى في مواضعه ، وأنا لا أشك أن المعطل إذا وقع في ضيق أخرجه ودهمه من البلاء ما أعجزه وأحرق قلبه وأجرى دمعه التفت قلبه ضرورة إلى الله سبحانه وتعالى في كشفه وضرع إليه في إزالته لما ركز في جبلته من كماله وعظمته وجلاله ذاهلاً عما تكسبه من قُرناه السوء من سوء الاعتقاد وجر نفسه إليه من العناد - والله سبحانه وتعالى أعلم ؛ فدونك قاعدة نفيسة طال ما تطلبتها وسألت عنها الفضلاء فما وجدتها وضربت بفكري في رياض الفنون ومهامه العلوم حتى تصورتها ثم بعد فراغي من تفسيري رأيت الكشاف أشار إليها في آية \" والمستغفرين بالأسحار \" في آل عمران - والله سبحانه وتعالى","part":7,"page":190},{"id":2801,"text":"الموفق. أ هـ {نظم الدرر حـ 1 صـ 451 ـ 452}\rقال أبو حيان : \r{والصلاة الوسطى} الوسطى فعلى مؤنثة الأوسط ، كما قال أعرابي يمدح رسول الله صلى الله عليه وسلم : \rيا أوسط الناس طرّاً في مفاخرهم... وأكرم الناس أمَّاً برّة وأبا\rوهو خيار الشيء وأعدله ، كما يقال : فلان من واسطة قومه ، أي : من أعيانهم ، وهل سميت : الوسطى ، لكونها بين شيئين من : وسط فلان يسط ، إذا كان وسطاً بين شيئين ؟ أو : من وسط قومه إذا فضلهم ؟ فيه قولان ، والذي تقتضيه العربية أن تكون الوسطى مؤنث الأوسط ، بمعنى الفضلى مؤنث الأفضل ، كالبيت الذي أنشدناه : يا أوسط الناس ، وذكر أن أفعل التفضيل لا يبنى إلاَّ مما يقبل الزيادة والنقص ، وكذلك فعل التعجب ، فكل ما لا يقبل الزيادة والنقص لا يبنيان منه ألا ترى أنك لا تقول زيد أموت الناس ؟ ولا : ما أموت زيداً ؟ لأن الموت شيء لا يقبل الزيادة ولا النقص ، وإذا تقرر هذا فكون الشيء وسطاً بين شيئين لا يقبل الزيادة ولا النقص ، فلا يجوز أن يبنى منه أفعل التفضيل ، لأنه لا تفاضل فيه ، فتعين أن تكون الوسطى بمعنى الأخير والأعدل ، لأن ذلك معنى يقبل التفاوت ، وخصت الصلاة الوسطى بالذكر ، وان كانت قد اندرجت في عموم الصلوات قبلها ، تنبيهاً على فضلها على غيرها من الصلوات ، كما نبه على فضل جبريل وميكال في تجريدهما بالذكر في قوله : {وملائكته ورسله وجبريل وميكال} وعلى فضل من ذكر وجرد من الأنبياء بعد قوله : {وإذ أخذنا من النبيين ميثاقهم ومنك ومن نوح} الآية ، وعلى فضل النخل والرمان في قوله : {فيهما فاكهة ونخل ورمان} وقد تكلمنا على هذا النوع من الذكر في قوله : {وملائكته ورسله وجبريل وميكال}. أ هـ {البحر المحيط حـ 2 صـ 248 ـ 249}\rفائدة\rقال الماوردى : \rوفي تسميتها بالوسطى ثلاثة أوجه\rأحدها : لأنها أوسط الصلوات الخمس محلاً ، لأنها بين صلاتي ليل وصلاتي نهار.\r","part":7,"page":191},{"id":2802,"text":"والثاني : لأنها أوسط الصلاة عدداً ، لأن أكثرهن أربع وأقلهن ركعتان.\rوالثالث : لأنها أفضل الصلوات ووسط الشيء ووسطاه أفضله ، وتكون الوُسْطَى بمعنى الفُضْلَى. أ هـ {النكت والعيون حـ 1 صـ 309}\rفصل فى اختلافهم فى الصلاة الوسطى\rقال الفخر : \rاختلفوا في الصلاة الوسطى على سبعة مذاهب.","part":7,"page":192},{"id":2803,"text":"فالقول الأول : أن الله تعالى أمر بالمحافظة عليها ، ولم يبين لنا أنها أي صلاة هي ، وإنما قلنا : إنه لم يبين لأنه لو بين ذلك لكان إما أن يقال : إنه تعالى بينها بطريق قطعي ، أو بطريق ظني والأول باطل لأنه بيان إما أن يكون بهذه الآية ، أو بطريق آخر قاطع ، أو خبر متواتر ولا يمكن أن يكون البيان حاصلاً في هذه الآية ، لأن عدد الصلوات خمس ، وليس في الآية ذكر لأولها وآخرها ، وإذا كان كذلك أمكن في كل واحدة من تلك الصلوات أن يقال : إنما هي الوسطى ، وإما أن يقال : بيان حصل في آية أخرى أو في خبر متواتر ، وذلك مفقود ، وأما بيانه بالطريق الظني وهو خبر الواحد والقياس فغير جائز ، لأن الطريق المفيد للظن معتبر في العمليات ، وهذه المسألة ليست كذلك ، فثبت أن الله تعالى لم يبين أن الصلاة الوسطى ما هي ثم قالوا : والحكمة فيه أنه تعالى لما خصها بمزيد التوكيد ، مع أنه تعالى لم يبينها جوز المرء في كل صلاة يؤديها أنها هي الوسطى فيصير ذلك داعياً إلى أداء الكل على نعت الكمال والتمام ، ولهذا السبب أخفى الله تعالى ليلة القدر في رمضان ، وأخفى ساعة الإجابة في يوم الجمعة ، وأخفى اسمه الأعظم في جميع الأسماء ، وأخفى وقت الموت في الأوقات ليكون المكلف خائفاً من الموت في كل الأوقات ، فيكون آتياً بالتوبة في كل الأوقات ، وهذا القول اختاره جمع من العلماء ، قال محمد بن سيرين : إن رجلاً سأل زيد بن ثابت عن الصلاة الوسطى فقال : حافظ على الصلوات كلها تصبها ، وعن الربيع بن خيثم أنه سأله واحد عنها ، فقال : يا ابن عم الوسطى واحدة منهن فحافظ على الكل تكن محافظاً على الوسطى ثم قال الربيع : لو علمتها بعينها لكنت محافظاً لها ومضيعاً لسائرهن ، قال السائل : لا.\rقال الربيع : فإن حافظت عليهن فقد حافظت على الوسطى.\r","part":7,"page":193},{"id":2804,"text":"القول الثاني : هي مجموع الصلوات الخمس وذلك لأن هذه الخمسة هي الوسطى من الطاعات وتقريره أن الإيمان بضع وسبعون درجة ، أعلاها شهادة أن لا إله إلا الله ، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق ، والصلوات المكتوبات دون الإيمان وفوق إماطة الأذى فهي واسطة بين الطرفين.\rالقول الثالث : أنها صلاة الصبح ، وهذا القول من الصحابة قول علي عليه السلام ، وعمر وابن عباس ، وجابر بن عبد الله ، وأبي أمامة الباهلي ، ومن التابعين قول طاوس ، وعطاء ، وعكرمة ومجاهد ، وهو مذهب الشافعي رحمه الله والذي يدل على صحة هذا القول وجوه الأول : أن هذه الصلاة تصلى في الغلس فأولها يقع في الظلام فأشبهت صلاة الليل ، وآخرها يقع في الضوء فأشبهت صلاة النهار الثاني : أن هذه الصلاة تؤدى بعد طلوع الصبح ، وقبل طلوع الشمس ، وهذا القدر من الزمان لا تكون الظلمة فيه تامة ، ولا يكون الضوء أيضاً تاماً ، فكأنه ليس بليل ولا نهار فهو متوسط بينهما الثالث : أنه حصل في النهار التام صلاتان : الظهر والعصر ، وفي الليل صلاتان : المغرب والعشاء ، وصلاة الصبح كالمتوسط بين صلاتي الليل والنهار.\r","part":7,"page":194},{"id":2805,"text":"فإن قيل : فهذه المعاني حاصلة في صلاة المغرب قلنا : إنا نرجح صلاة الصبح على المغرب بكثرة فضائل صلاة الصبح على ما سيأتي بيانه إن شاء الله تعالى الرابع : أن الظهر والعصر يجمعان بعرفة بالاتفاق ، وفي السفر عند الشافعي ، وكذا المغرب والعشاء ، وأما صلاة الفجر فهي منفردة في وقت واحد فكان وقت الظهر والعصر وقتاً واحداً ووقت المغرب والعشاء وقتاً واحداً ، ووقت الفجر متوسطاً بينهما ، قال القفال رحمه الله : وتحقيق هذا الاحتجاج يرجع إلى أن الناس يقولون : فلان وسط ، إذا لم يمل إلى أحد الخصمين ، فكان منفرداً بنفسه عنهما ، والله أعلم الخامس : قوله تعالى : {إن قرآن الفجر كان مشهوداً} [ الإسراء : 78 ] وقد ثبت بالتواتر أن المراد منه صلاة الفجر ، وإنما جعلها مشهوداً لأنها تؤدى بحضرة ملائكة الليل وملائكة النهار.\r","part":7,"page":195},{"id":2806,"text":"إذا عرفت هذا فوجه الاستدلال بهذه الآية من وجهين أحدهما : أن الله تعالى أفرد صلاة الفجر بالذكر ، فدل هذا على مزيد فضلها ، ثم إنه تعالى خص الصلاة الوسطى بمزيد التأكيد ، فيغلب على الظن أن صلاة الفجر لما ثبت أنها أفضل بتلك الآية ، وجب أن تكون هي المراد بالتأكيد المذكور في هذه الآية والثاني : أن الملائكة تتعاقب بالليل والنهار ، فلا تجتمع ملائكة الليل وملائكة النهار في وقت واحد إلا صلاة الفجر ، فثبت أن صلاة الفجر قد أخذت بطرفي الليل والنهار من هذا الوجه ، فكانت كالشيء المتوسط السادس : أنه تعالى قال بعد ذكر الصلاة الوسطى : {وَقُومُواْ لِلَّهِ قانتين} قرن هذه الصلاة بذكر القنوت ، وليس في الشرع صلاة ثبت بالأخبار الصحاح القنوت فيها إلا الصبح ، فدل على أن المراد بالصلاة الوسطى هي صلاة الصبح السابع : لا شك أنه تعالى إنما أفردها بالذكر لأجل التأكيد ، ولا شك أن صلاة الصبح أحوج الصلوات إلى التأكيد ، إذ ليس في الصلاة أشق منها ، لأنها تجب على الناس في ألذ أوقات النوم ، حتى إن العرب كانوا يسمون نوم الفجر العسيلة للذتها ، ولا شك أن ترك النوم اللذيذ الطيب في ذلك الوقت ، والعدول إلى استعمال الماء البارد ، والخروج إلى المسجد والتأهب للصلاة شاق صعب على النفس ، فيجب أن تكون هي المراد بالصلاة الوسطى إذ هي أشد الصلوات حاجة إلى التأكيد الثامن : أن صلاة الصبح أفضل الصلوات ، وإذا كان كذلك وجب أن يكون المراد من الصلاة الوسطى صلاة الصبح ، إنما قلنا : إنها أفضل الصلوات لوجوه أحدها : قوله تعالى : {الصابرين والصادقين} إلى قوله تعالى : {والمستغفرين بالأسحار} [ آل عمران : 17 ] فجعل ختم طاعاتهم الشريفة وعباداتهم الكاملة بذكر كونهم مستغفرين بالأسحار ، ثم يجب أن يكون أعظم أنواع الاستغفار هو أداء الفرض ، لقوله عليه الصلاة والسلام حاكياً عن ربه تعالى \" لن يتقرب إلي المتقربون بمثل أداء ما افترضت عليهم \" وذلك يقتضي","part":7,"page":196},{"id":2807,"text":"أن أفضل الطاعات بعد الإيمان هو صلاة الصبح وثانيها : ما روي فيها أن التكبيرة الأولى منها مع الجماعة خير من الدنيا وما فيها وثالثها : أنه ثبت بالأخبار الصحيحة أن صلاة الصبح مخصوصة بالأذان مرتين : مرة قبل طلوع الفجر ، ومرة أخرى بعده وذلك لأن المقصود من المرة الأولى إيقاظ الناس حتى يقوموا ويتشمروا للوضوء ورابعها : أن الله تعالى سماها بأسماء ، فقال في بني إسرائيل : \r","part":7,"page":197},{"id":2808,"text":"{وقرآن الفجر} [ الإسراء : 78 ] وقال في النور : {مّن قَبْلِ صلاة الفجر} [ النور : 58 ] وقال في الروم : {وَحِينَ تُصْبِحُونَ} [ الروم : 17 ] وقال عمر بن الخطاب : المراد من قوله : {وإدبار النجوم} [ الطور : 49 ] صلاة الفجر وخامسها : أنه تعالى أقسم به فقال : {والفجر * وَلَيالٍ عَشْر} [ الفجر : 1 ، 2 ] ولا يعارض هذا بقوله تعالى : {والعصر * إِنَّ الإنسان لَفِى خُسْرٍ} [ العصر : 1 ، 2 ] فإنا إذا سلمنا أن المراد منه القسم بصلاة العصر لكن في صلاة الفجر تأكيد ، وهو قوله : {أَقِمِ الصلاة طَرَفَىِ النهار} [ هود : 114 ] وقد بينا أن هذا التأكيد لم يوجد في العصر وسادسها : أن التثويب في أذان الصبح معتبر ، وهو أن يقول بعد الفراغ من الحيعلتين : الصلاة خير من النوم مرتين ، ومثل هذا التأكيد غير حاصل في سائر الصلوات وسابعها : أن الإنسان إذا قام من منامه فكأنه كان معدوماً ، ثم صار موجوداً ، أو كان ميتاً ، ثم صار حياً ، بل كأن الخلق كانوا في الليل كلهم أمواتاً ، فصاروا أحياء ، فإذا قاموا من منامهم وشاهدوا هذا الأمر العظيم من كمال قدرة الله ورحمته حيث أزال عنهم ظلمة الليل ، وظلمة النوم والغفلة ، وظلمة العجز والخيرة ، وأبدل الكل بالإحسان ، فملأ العالم من النور ، والأبدان من قوة الحياة والعقل والفهم والمعرفة ، فلا شك أن هذا الوقت أليق الأوقات بأن يشتغل العبد بأداء العبودية ، وإظهار الخضوع والذلة والمسكنة ، فثبت بمجموع هذه البيانات أن صلاة الصبح أفضل الصلوات ، فكان حمل الوسطى عليها أولى التاسع : ما روي عن علي بن أبي طالب عليه السلام أنه سئل عن الصلاة الوسطى ، فقال : كنا نرى أنها الفجر ، وعن ابن عباس رضي الله عنهما أنه صلى صلاة الصبح ثم قال : هذه هي الصلاة الوسطى العاشر : أن سنن الصبح آكد من سائر السنن ففرضها يجب أن يكون أقوى من سائر الفروض فصرف التأكيد إليها أولى ، فهذا جملة ما يستدل به على أن الصلاة","part":7,"page":198},{"id":2809,"text":"الوسطى هي صلاة الصبح.\rالقول الرابع : قول من قال : إنها صلاة الظهر ، ويروى هذا القول عن عمر وزيد وأبي سعيد الخدري وأسامة بن زيد رضي الله عنهم ، وهو قول أبي حنيفة وأصحابه ، واحتجوا عليه بوجوه الأول : أن الظهر كان شاقاً عليهم لوقوعه في وقت القيلولة وشدة الحر فصرف المبالغة إليه أولى ، وعن زيد بن ثابت أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يصلي بالهاجرة ، وكانت أثقل الصلوات على أصحابه ، وربما لم يكن وراءه إلا الصف والصفان ، فقال عليه الصلاة والسلام : \" لقد هممت أن أحرق على قوم لا يشهدون الصلاة بيوتهم \" فنزلت هذه الآية ، والثاني : صلاة الظهر تقع وسط النهار وليس في المكتوبات صلاة تقع في وسط الليل أو النهار غيرها ، والثالث : أنها بين صلاتين نهاريتين : الفجر والعصر ، الرابع : أنها صلاة بين البردين : برد الغداة وبرد العشي ، الخامس : قال أبو العالية : صليت مع أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم الظهر ، فلما فرغوا سألتهم عن الصلاة الوسطى ، فقالوا التي صليتها ، السادس : روي عن عائشة رضي الله عنها أنها كانت تقرأ \"حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى وصلاة العصر\" وجه الاستدلال أنها عطفت صلاة العصر على الصلاة الوسطى ، والمعطوف عليه قبل المعطوف ، والتي قبل العصر هي الظهر السابع : روي أن قوماً كانوا عند زيد بن ثابت ، فأرسلوا إلى أسامة بن زيد وسألوه عن الصلاة الوسطى ، فقال : هي صلاة الظهر كانت تقام في الهاجرة الثامن : روي في الأحاديث الصحيحة أن أول إمامة جبريل للنبي صلى الله عليه وسلم كانت في صلاة الظهر ، فدل هذا على أنها أشرف الصلوات ، فكان صرف التأكيد إليها أولى التاسع : أن صلاة الجمعة هي أشرف الصلوات ، وهي صلاة الظهر ، فصرف المبالغة إليها أولى.\r","part":7,"page":199},{"id":2810,"text":"القول الخامس : قول من قال : إنها صلاة العصر ، وهو من الصحابة مروي عن علي عليه السلام وابن مسعود ، وابن عباس ، وأبي هريرة ، ومن الفقهاء : النخعي ، وقتادة ، والضحاك ، وهو مروي عن أبي حنيفة ، واحتجوا عليه بوجوه الأول : ما روي عن علي عليه السلام أن النبي صلى الله عليه وسلم قال يوم الخندق : \" شغلونا عن الصلاة الوسطى ملأ الله بيوتهم وقبورهم ناراً \" وهذا الحديث رواه البخاري ومسلم وسائر الأئمة ، وهو عظيم الوقع في المسألة ، وفي صحيح مسلم : \" شغلونا عن الصلاة الوسطى صلاة العصر \" ومن الفقهاء من أجاب عنه فقال : العصر وسط ، ولكن ليس هي المذكورة في القرآن ، فههنا صلاتان وسطيان الصبح والعصر ، وأحدهما ثبت بالقرآن والآخر بالسنة ، كما أن الحرم حرمان : حرم مكة بالقرآن ، وحرم المدينة بالسنة ، وهذا الجواب متكلف جداً الثاني : قالوا روي في صلاة العصر من التأكيد ما لم يرو في غيرها قال عليه الصلاة والسلام : \" من فاته صلاة العصر فكأنما وتر أهله وماله \" وأيضاً أقسم الله تعالى بها فقال : {والعصر إِنَّ الإنسان لَفِى خُسْرٍ} [ العصر : 1 ، 2 ] فدل على أنها أحب الساعات إلى الله تعالى الثالث : أن العصر بالتأكيد أولى من حيث إن المحافظة على سائر أوقات الصلاة أخف وأسهل من المحافظة على صلاة العصر ، والسبب فيه أمران أحدهما : أن وقت صلاة العصر أخفى الأوقات ، لأن دخول صلاة الفجر بطلوع الفجر المستطير ضوؤه ، ودخول الظهر بظهور الزوال ، ودخول المغرب بغروب القرص ودخول العشاء بغروب الشفق ، أما صلاة العصر فلا يظهر دخول وقتها إلا بنظر دقيق وتأمل عظيم في حال الظل ، فلما كانت معرفته أشق لا جرم كانت الفضيلة فيها أكثر الثاني : أن أكثر الناس عند العصر يكونون مشتغلين بالمهمات ، فكان الإقبال على الصلاة أشق ، فكان صرف التأكيد إلى هذه الصلاة أولى.\r","part":7,"page":200},{"id":2811,"text":"الحجة الرابعة : في أن الوسطى هي العصر أشبه بالصلاة الوسطى لوجوه أحدها : أنها متوسطة بين صلاة هي شفع ، وبين صلاة هي وتر ، أما الشفع فالظهر ، وأما الوتر فالمغرب ، إلا أن العشاء أيضاً كذلك ، لأن قبلها المغرب وهي وتر ، وبعدها الصبح وهو شفع وثانيها : العصر متوسطة بين صلاة نهارية وهي الظهر ، وليلية وهي المغرب وثالثها : أن العصر بين صلاتين بالليل وصلاتين بالنهار.\rوالقول السادس : أنها صلاة المغرب ، وهو قول عبيدة السلماني ، وقبيصة بن ذؤيب ، والحجة فيه من وجهين الأول : أنها بين بياض النهار وسواد الليل ، وهذا المعنى وإن كان حاصلاً في الصبح إلا أن المغرب يرجح بوجه آخر ، وهو أنه أزيد من الركعتين كما في الصبح ، وأقل من الأربع كما في الظهر والعصر والعشاء ، فهي وسط في الطول والقصر.\rالحجة الثانية : أن صلاة الظهر تسمى بالصلاة الأولى ، ولذلك ابتدأ جبريل عليه السلام بإمامة فيها ، وإذا كان الظهر أول الصلوات كان الوسطى هي المغرب لا محالة.\rالقول السابع : أنها صلاة العشاء ، قالوا لأنها متوسطة بين صلاتين لا يقصران ، المغرب والصبح ، وعن عثمان بن عفان رضي الله عنه ، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : \" من صلى العشاء الآخرة في جماعة كان كقيام نصف ليلة \" فهذا مجموع دلائل الناس وأقوالهم في هذه المسألة ، وقد تركت ترجيح بعضها فإنه يستدعي تطويلاً عظيماً ، والله أعلم.\rالمسألة الرابعة : احتج الشافعي بهذه الآية على أن الوتر ليس بواجب ، قال : الوتر لو كان واجباً لكانت الصلوات الواجبة ستة ، ولو كان كذلك لما حصل لها وسطى ، والآية دلت على حصول الوسطى لها.\r","part":7,"page":201},{"id":2812,"text":"فإن قيل : الاستدلال إنما يتم إذا كان المراد هو الوسطى في العدد وهذا ممنوع بل المراد من الوسطى الفضيلة قال تعالى : {وكذلك جعلناكم أُمَّةً وَسَطًا} [ البقرة : 143 ] أي عدولاً وقال تعالى : {قَالَ أَوْسَطُهُمْ} [ القلم : 28 ] أي أعدلهم ، وقد أحكمنا هذا الاشتقاق في تفسير قوله تعالى : {وكذلك جعلناكم أُمَّةً وَسَطًا} وأيضاً لم لا يجوز أن يكون المراد الوسطى في المقدار كالمغرب فإنه ثلاث ركعات وهو متوسط بين الإثنين وبين الأربع ، وأيضاً لم لا يجوز أن يكون المراد الوسطى في الصفة وهي صلاة الصبح فإنها تقع في وقت ليس بغاية في الظلمة ولا غاية في الضوء.\rالجواب : أن الخلق الفاضل إنما يسمى وسطاً لا من حيث إنه خلق فاضل ، بل من حيث إنه يكون متوسطاً بين رذيلتين هما طرفا الإفراط والتفريط ، مثل الشجاعة فإنها خلق فاضل وهي متوسطة بين الجبن والتهور فيرجع حاصل الأمر إلى أن لفظ الوسط حقيقة فيما يكون وسطاً بحسب العدد ومجاز في الخلق الحسن والفعل الحسن من حيث إن من شأنه أن يكون متوسطاً بين الطرفين اللذين ذكرناهما وحمل اللفظ على الحقيقة أولى من حمله على المجاز.\rأما قوله : نحمله على ما يكون وسطاً في الزمان وهو الظهر.\rفجوابه : أن الظهر ليست بوسط في الحقيقة ، لأنها تؤدى بعد الزوال ، وهنا قد زال الوسط.\rوأما قوله : نحمله على الصبح لكون وقت وجوبه وسطاً بين وقت الظلمة وبين وقت النور ، أو على المغرب لكون عددها متوسطاً بين الإثنين والأربعة.\rفجوابه : أن هذا محتمل وما ذكرناه أيضاً محتمل ، فوجب حمل اللفظ على الكل فهذا هو وجه الاستدلال في هذه المسألة بهذه الآية بحسب الإمكان والله أعلم. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 6 صـ 125 ـ 130}\rوقد ذكر القرطبى أقوالا أخرى فى المراد بالصلاة الوسطى\r","part":7,"page":202},{"id":2813,"text":"منها : صلاة الجمعة ؛ لأنها خُصّت بالجمع لها والخطبة فيها وجُعِلَت عيداً ؛ ذكره ابن حبيب ومكي. وروى مسلم عن عبد الله أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لقوم يتخلَّفون عن الجمعة : \" لقد هممت أن آمر رجلاً يصلّي بالناس ثم أحرق على رجال يتخلّفون عن الجمعة بيوتهم\".\rوقيل : إنها الصبح والعصر معاً. قاله الشيخ أبو بكر الأبهرِيّ ؛ واحتج بقول رسول الله صلى الله عليه وسلم : \" يتعاقبون فيكم ملائكة بالليل وملائكة بالنهار \" الحديث ، رواه أبو هريرة. وروى جرير بن عبد الله قال : كنا جلوساً عند رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ نظر إلى القمر ليلة البدر فقال : \" أما أنكم سترون ربكم كما ترون هذا القمر لا تضامون في رؤيته فإن استطعتم ألا تُغلبوا على صلاة قبل طلوع الشمس وصلاة قبل غروبها \" يعني العصر والفجر : ثم قرأ جرير {وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشمس وَقَبْلَ غُرُوبِهَا} [ طه : 130 ]. وروى عُمارة بن رُؤَيْبة قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : \" لن يلِج النار أحد صلّى قبل طلوع الشمس وقبل غروبها \" يعني الفجر والعصر. وعنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : \" من صلّى البَرْدَيْن دخل الجنة \" كلُّه ثابت في صحيح مسلم وغيره ، وسميتا البَرْدَيْن لأنهما يُفعلان في وقتي البرد.\r","part":7,"page":203},{"id":2814,"text":"وقيل : إنها العتمة والصبح. قال أبو الدرداء رضي الله عنه في مرضه الذي مات فيه : اسمعوا وبلِّغوا من خلفكم حافظوا على هاتين الصَّلاتين يعني في جماعة العشاء والصبح ، ولو تعلمون ما فيهما لأتيتموهما ولو حَبْواً على مرافقكم ورُكَبِكم ؛ قاله عمر وعثمان. وروى الأئمّة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال : \" ولو يعلمون ما في العَتَمة والصبح لأتوهما ولوحَبْواً وقال إنهما أشدّ الصَّلاة على المنافقين \" وجعل لمصلّي الصبح في جماعة قيام ليلة والعَتَمة نصف ليلة ؛ ذكره مالك موقوفاً على عثمان ورفعه مسلم ، وخرّجه أبو داود والترمذي عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : \" من شهد العِشاء في جماعة كان له قيام نصف ليلة ومن صلى العشاء والفجر في جماعة كان له كقيام ليلة \" وهذا خلاف ما رواه مالك ومسلم. أ هـ {تفسير القرطبى حـ 3 صـ 212}\rوقال ابن العربى : \rوَأَمَّا مَنْ قَالَ : إنَّهَا غَيْرُ مُعَيَّنَةٍ ، فَلِتَعَارُضِ الْأَدِلَّةِ وَعَدَمِ التَّرْجِيحِ ، وَهَذَا هُوَ الصَّحِيحُ ؛ فَإِنَّ اللَّهَ خَبَّأَهَا فِي الصَّلَوَاتِ كَمَا خَبَّأَ لَيْلَةَ الْقَدْرِ فِي رَمَضَانَ ، وَخَبَّأَ السَّاعَةَ فِي يَوْمِ الْجُمُعَةِ ، وَخَبَّأَ الْكَبَائِرَ فِي السَّيِّئَاتِ ؛ لِيُحَافِظَ الْخَلْقُ عَلَى الصَّلَوَاتِ ، وَيَقُومُوا جَمِيعَ شَهْرِ رَمَضَانَ ، وَيَلْزَمُوا الذِّكْرَ فِي يَوْمِ الْجُمُعَةِ كُلِّهِ ، وَيَجْتَنِبُوا جَمِيعَ الْكَبَائِرِ وَالسَّيِّئَاتِ. أ هـ {أحكام القرآن لابن العربى حـ 1 صـ 300}\rوقال أبو حيان بعد أن ذكر الأقوال السابقة ما نصه : \rورجح كل قول من الأقوال التي عينت فيها : أن الوسطى هي كذا ، بأحاديث وردت في فضل تلك الصلاة ، ورُجح بعضها بأنها وسط بين كذا وكذا ، ولا حجة في شيء من ذلك ، لأن ذكر فضل صلاة معينة لا يدل على أنا التي أراد الله بقوله : {والصلاة الوسطى} ولأن كونها وسطاً بين كذا وكذا لا يصلح أن يبنى منه أفعل التفضيل ، كما بيناه قبل.","part":7,"page":204},{"id":2815,"text":"وقد صنف شيخنا الإمام المحدّث ، أوحد زمانه وحافظ أوانه ، شرف الدين أبو محمد عبد المؤمن بن خلف بن أبي الحسن بن العفيف شرف بن الخضر بن موسى الدمياطي كتاباً في هذا المعنى سماه ( كتاب كشف المغطى في تبيين الصلاة الوسطى ) قرأناه عليه ، ورجح فيه أنها صلاة العصر ، وأن ذلك مروي نصاً عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، روى ذلك عنه : عليّ بن أبي طالب ، واستفاض ذلك عنه ، وعبد الله بن مسعود ، وحذيفة بن اليمان ، وعبد الله بن عباس ، وسمرة بن جندب ، وعبد الله بن عمر ، وأبو هريرة ، وأبو هاشم بن عتبة بن ربيعة. وذكر فيه بقية الأقاويل العشرة التي سردناها ، وزاد سبعة أقاويل :\rأحدها : أنها الجمعة خاصة. الثاني : أنها الجماعة في جميع الصلوات. الثالث : أنها صلاة الخوف. الرابع : أنها الوتر ، واختاره أبو الحسن عليّ بن محمد السخاوي النحوي المقري. الخامس : أنها صلاة عيد الأضحى. السادس : أنها صلاة العيد يوم الفطر. السابع : أنها صلاة الضحى ، حكاه بعضهم وتردد فيه.\rفإن ثبت هذا القول فيكون تمام سبعة عشر قولاً ، والذي ينبغي أن نعوّل عليه منها هو قول رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وهو : أنها صلاة العصر (1) ، وبه قال شيخنا الحافظ أبو محمد ، رحمه الله. أ هـ {البحر المحيط حـ 2 صـ 250 ـ 251}\rروى مسلم في \"أفراده\" من حديث عليّ رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم ، أنه قال يوم الأحزاب : \" شغلونا عن الصلاة الوسطى صلاة العصر ، ملأ الله قبورهم وبيوتهم ناراً \" وروى ابن مسعود ، وسمرة ، وعائشة ، عن النبي صلى الله عليه وسلم ، أنها صلاة العصر.\r__________\r(1) هذا ما تطمئن إليه النفس فينبغى تقديم كلامه صلى الله عليه وسلم على كلام غيره بأبى وأمى هو صلى الله عليه وسلم. والله أعلم وأحكم.","part":7,"page":205},{"id":2816,"text":"روى مسلم في \"أفراده\" من حديث البراء بن عازب قال : نزلت هذه الآية {حافظوا على الصلوات [ والصلاة الوسطى ] وصلاة العصر} فقرأناها ما شاء الله ، ثم نسخها الله ، فنزلت : {حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى} وهذا قول علي بن أبي طالب رضي الله عنه ، وابن مسعود ، وأبيّ أيوب ، وابن عمر في رواية ، وسمرة بن جندب ، وأبي هريرة ، وابن عباس ، في رواية عطية ، وأبي سعيد الخدري ، وعائشة في رواية ، وحفصة ، والحسن ، وسعيد ابن المسيب ، وسعيد بن جبير ، وعطاء في رواية ، وطاووس ، والضحاك ، والنخعي ، وعبيد بن عمير ، وزرّ بن حبيش ، وقتادة ، وأبي حنيفة ، ومقاتل في آخرين ، وهو مذهب أصحابنا. أ هـ {زاد المسير حـ 1 صـ 282}\rقال الإمام أحمد : حدثنا أبو معاوية ، حدثنا الأعمش عن مسلم ، عن شتير بن شكل عن علي قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الأحزاب : \"شغلونا عن الصلاة الوسطى ، صلاة العصر ، ملأ الله قلوبهم وبيوتهم نارًا\". ثم صلاها بين العشاءين : المغرب والعشاء.\rوكذا رواه مسلم ، من حديث أبي معاوية محمد بن حازم الضرير ، والنسائي من طريق عيسى بن يونس ، كلاهما عن الأعمش عن مسلم بن صبيح عن أبي الضحى ، عن شتير بن شكل بن حميد ، عن علي بن أبي طالب ، عن النبي صلى الله عليه وسلم مثله.\rوقد رواه مسلم أيضا ، من طريق شعبة ، عن الحكم بن عتيبة عن يحيى بن الجزار ، عن علي ، به.\rوأخرجه الشيخان ، وأبو داود ، والترمذي ، والنسائي ، وغير واحد من أصحاب المساند والسنن ، والصحاح من طرق يطول ذكرها ، عن عبيدة السلماني ، عن علي ، به.\rورواه الترمذي ، والنسائي من طريق الحسن البصري ، عن علي ، به.\rقال الترمذي : ولا يعرف سماعه منه.","part":7,"page":206},{"id":2817,"text":"وقال ابن أبي حاتم : حدثنا أحمد بن سنان ، حدثنا عبد الرحمن بن مهدي ، عن سفيان ، عن عاصم ، عن زر : قال قلت لعبيدة : سل عليًا عن صلاة الوسطى ، فسأله ، فقال : كنا نراها الفجر -أو الصبح -حتى سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول يوم الأحزاب : \"شغلونا عن الصلاة الوسطى صلاة العصر ، ملأ الله قبورهم وأجوافهم -أو بيوتهم -نارًا\" ورواه ابن جرير ، عن بندار ، عن ابن مهدي. أ هـ {تفسيرابن كثير حـ 1 صـ 648}\rوقال الطبرى : \rوالصواب من القول في ذلك ما تظاهرت به الأخبار عن رسول الله صلى الله عليه وسلم التي ذكرناها قبل في تأويله : وهو أنها العصر. أ هـ {تفسير الطبرى حـ 5 صـ 221}\rقوله تعالى : {وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ}\rالمناسبة\rقال البقاعى : \rولما أمر بالمحافظة عليها أتبعه جامع ذلك فقال : {وقوموا لله} أي الذي له الجلال والإكرام {قانتين} أي مطيعين - قاله الحسن وسعيد بن جبير والشعبي وعطاء وقتادة وطاوس.\r","part":7,"page":207},{"id":2818,"text":"وروى الطبراني في الأوسط والإمام أحمد وأبو يعلى الموصلي في مسنديهما وابن حبان في صحيحه عن أبي سعيد رضي الله تعالى عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : \" كل حرف ذكر من القنوت في القرآن فهو الطاعة \" وقيل : القنوت السكوت ، ففي الصحيحين عن زيد بن أرقم رضي الله تعالى عنه قال : \" كنا نتكلم في الصلاة ، يكلم الرجل صاحبه وهو إلى جنبه في حاجته حتى نزلت {وقوموا لله قانتين} فأمرنا بالسكوت ونهينا عن الكلام \" وقال مجاهد : خاشعين ، وقيل غير ذلك ؛ وإذا علم أصل معنى هذه الكلمة لغة علم أن المراد : مخلصين ، وإليه يرجع جميع ما قالوه ، وذلك أن مادة قنت بأي ترتيب كان تدور على الضمور من القتين للقليل اللحم والطعم ، وقتن المسك إذا يبس ، فيلزمه الاجتذاب والخلوص ، فإنه لولا تجاذب الأجزاء لزوال ما بينها من المانع لم يضمر ، ومنه امرأة ناتق إذا كانت ولوداً كأنها تجتذب المني كله فتظفر بما يكون منه الولد ، أو أنه لما كان المقصود الأعظم من الجماع الولد كانت كأنها المختصة بجذب المني وكأن اجتذاب غيرها عدم ، أو كأنها تجتذب الولد من رحمها فتخرجه ، وذلك من نتق السقاء وهو نفضه ، حتى يقتلع ما فيه فيخلص ، ومن ذلك : البيت المعمور نتاق الكعبة ، أي مطل عليها من فوق فلو أنه جاذب شيئاً من الأرض لكان إياها لأنه تجاهها ، ومن الضمور : التقن - لرسابة الماء ؛ وهو الكدر الذي يبقى في الحوض فإنه متهيىء لاجتذاب العكولة ؛ ويلزم الضمور الإحكام لجودة التراص في الأجزاء لخلوصها عن مانع ، ومنه : أمر متقن ، أي محكم ، و: رجل تقن - إذا كان حاذقاً بالأشياء ، فهو خالص الرأي ؛ ويلزمه الإخلاص والخشوع والتواضع فتأتي الطاعة بالدعاء وغيره فإنها جمع الهم على المطاع {أمَّن هو قانت آناء الليل} [ الزمر : 9 ] ونحو ذلك ، والتقن أيضاً الطبيعة فإنها سر الشيء وخالصه ، ومنه الفصاحة من : تقن فلان ، أي طبعه ؛ ويلزم الضمور القيام فإنه ضمور بالنسبة إلى","part":7,"page":208},{"id":2819,"text":"بقية الهيئات ؛ ومنه : أفضل الصلاة طول القنوت.\rوالسكوت ضمور بالنسبة إلى الكلام ؛ ويلزم الضمور اليبس والذبول ومنه التقن للطين الذي يذهب عنه الماء فييبس ويتشقق ؛ والقلة ومنه : قراد قتين ، أي قليل الدم ، فيأتي أيضاً السكوت والإحكام ؛ وإذا راجعت معاني هذه المادة وهي قنت وقتن وتقن ونتق من كتب اللغة ازددت بصيرة في هذا ، وإذا علم ذلك علم أن الآية منطبقة على الحديث محتملة لجميع أقوال العلماء رضي الله تعالى عنهم ، وذلك أن الصلاة إذا أخلصت لم يكن فيها قول ولا فعل ليس منها وذلك محض الطاعة والخشوع.\rوقال الحرالي : القنوت الثبات على أمر الخير وفعله ، وذلك أن فعل الخير والبر يسير على الأكثر ولكن الثبات والدوام عسير عليهم ، وكان من القنوت مداومة الحق فيما جاء به في الصلاة حتى لا يقع التفات للخلق ، فلذلك لزم الصمت عن الخلق من معناه ، لأن كلام الناس قطع لدوام المناجاة ، ففي إشعاره أن من قام لله سبحانه وتعالى قانتاً في صلاته أقام الله سبحانه وتعالى في دنياه حاله في إقامته ومع أهله ، كما يشير إليه معنى آية {وأمر أهلك بالصلاة واصطبر عليها لا نسئلك رزقاً نحن نرزقك} [ طه : 32 ] ففيه إيذان بأن الصلاة تصلح الحال مع الأهل وتستدر البركة في الرزق - انتهى.\r","part":7,"page":209},{"id":2820,"text":"وحديث زيد هذا صريح في أن الصلاة في أول الأمر لم تكن على الحدود التي صارت إليها آخراً ؛ فيحتمل أن الفعل كان مباحاً فيها كما كان الكلام ، ويؤيده أن الأصل في الأشياء الإباحة حتى يأتي نص بالمنع ، وبهذا يزول ما في حديث ذي اليدين من الإشكال من أنه يقتضي إباحة القول والفعل للمصلي إذا ظن أنه أكمل الصلاة أو نسي أنه فيها ، \" لأن النبي صلى الله عليه وسلم صلى إحدى صلاتي العشي فسلم من ركعتين ثم قام إلى خشبة في ناحية المسجد فاتكأ عليها وخرج سرعان الناس ، فلما أعلمه ذو اليدين بالحال سأل الناس فصدقوه ، فرجع فأكمل الصلاة \" فإن الحديث غير مؤرخ فيحتمل أنه كان قبل تحريم الأفعال والأقوال بهذه الآية.\rويؤيد احتمال إباحة الأفعال أولاً اتباع الآية بقوله تعالى : {فإن خفتم} أي بحال من أحوال الجهاد الذي تقدم أنه {كتب عليكم} أو نحو ذلك من عدو أو سبع أو غريم يجوز الهرب منه أو غير ذلك {فرجالاً} أي قائمين على الأرجل. أ هـ {نظم الدرر حـ 1 صـ 452 ـ 455}\rقال الفخر : \rأما قوله تعالى : {وَقُومُواْ لِلَّهِ قانتين} ففيه وجوه أحدها : وهو قول ابن عباس أن القنوت هو الدعاء والذكر ، واحتج عليه بوجهين الأول : أن قوله : {حافظوا عَلَى الصلوات} أمر بما في الصلاة من الفعل ، فوجب أن يحمل القنوت على كل ما في الصلاة من الذكر ، فمعنى الآية : وقوموا لله ذاكرين داعين منقطعين إليه والثاني : أن المفهوم من القنوت هو الذكر والدعاء ، بدليل قوله تعالى : {أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ ءَانَاء اليل ساجدا وَقَائِماً} [ الزمر : 9 ] وهو المعني بالقنوت في صلاة الصبح والوتر ، وهو المفهوم من قولهم : قنت على فلان لأن المراد به الدعاء عليه.\r","part":7,"page":210},{"id":2821,"text":"والقول الثاني : {قانتين} أي مطيعين ، وهو قول ابن عباس والحسن والشعبي وسعيد بن جبير وطاوس وقتادة والضحاك ومقاتل ، الدليل عليه وجهان الأول : ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : \" كل قنوت في القرآن فهو الطاعة \" الثاني : قوله تعالى في أزواج الرسول صلى الله عليه وسلم : {وَمَن يَقْنُتْ مِنكُنَّ للَّهِ وَرَسُولِهِ} [ النساء : 34 ] وقال في كل النساء : {فالصالحات قانتات} [ النساء : 34 ] فالقنوت عبارة عن إكمال الطاعة وإتمامها ، والاحتراز عن إيقاع الخلل في أركانها وسننها وآدابها ، وهو زجر لمن لم يبال كيف صلى فخفف واقتصر على ما يجزىء وذهب إلى أنه لا حاجة لله إلى صلاة العباد ، ولو كان كما قال لوجب أن لا يصلي رأساً ، لأنه يقال : كما لا يحتاج إلى الكثير من عبادتنا ، فكذلك لا يحتاج إلى القليل وقد صلى الرسول صلى الله عليه وسلم والرسل والسلف الصالح فأطالوا وأظهروا الخشوع والاستكانة وكانوا أعلم بالله من هؤلاء الجهال.\rالقول الثالث : {قانتين} ساكتين ، وهو قول ابن مسعود وزيد بن أرقم : كنا نتكلم في الصلاة فيسلم الرجل فيردون عليه ، ويسألهم : كم صليتم ؟ كفعل أهل الكتاب ، فنزل الله تعالى : {وَقُومُواْ لِلَّهِ قانتين} فأمرنا بالسكوت ونهينا عن الكلام.\rالقول الرابع : وهو قول مجاهد : القنوت عبارة عن الخشوع ، وخفض الجناح وسكون الأطراف وترك الالتفات من هيبة الله تعالى وكان أحدهم إذا قام إلى الصلاة يهاب ربه فلا يلتفت ولا يقلب الحصى ، ولا يعبث بشيء من جسده ، ولا يحدث نفسه بشيء من الدنيا حتى ينصرف.\r","part":7,"page":211},{"id":2822,"text":"القول الخامس : القنوت هو القيام ، واحتجوا عليه بحديث جابر قال : سئل النبي صلى الله عليه وسلم : \" أي الصلاة أفضل ؟ قال طول القنوت \" يريد طول القيام ، وهذا القول عندي ضعيف ، وإلا صار تقدير الآية : وقوموا لله قائمين اللهم إلا أن يقال : وقوموا لله مديمين لذلك القيام فحينئذٍ يصير القنوت مفسراً بالإدامة لا بالقيام.\rالقول السادس : وهو اختيار علي بن عيسى : أن القنوت عبارة عن الدوام على الشيء والصبر عليه والملازمة له وهو في الشريعة صار مختصاً بالمداومة على طاعة الله تعالى ، والمواظبة على خدمة الله تعالى ، وعلى هذا التقدير يدخل فيه جميع ما قاله المفسرون ، ويحتمل أن يكون المراد : وقوموا لله مديمين على ذلك القيام في أوقات وجوبه واستحبابه والله تعالى أعلم. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 6 صـ 130 ـ 131}\rقال ابن العربى : \rقَوْله تَعَالَى : {قَانِتِينَ} وَالصَّحِيحُ رِوَايَةُ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ ؛ لِأَنَّهَا نَصٌّ ثَابِتٌ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَلَا يُلْتَفَتُ إلَى مُحْتَمَلٍ سِوَاهَا. أ هـ {أحكام القرآن لابن العربى حـ 1 صـ 302}\rلطيفة\rقال القشيرى : \rالمحافظة على الصلاة أن يدخلها بالهيبة ، ويخرج بالتعظيم ، ويستديم بدوام الشهود بنعت الأدب ، والصلاة الواسطى أيهم ذكرها على البيت لتراعي الجميع اعتقاداً منك لكل واحدة أنها هي لئلا يقع منك تقصير في شيء منها. أ هـ {لطائف الإشارات حـ 1 صـ 187}\rفائدة\rقال ابن العربى : \rقَالَ بَعْضُ عُلَمَائِنَا : فِي هَذِهِ الْآيَةِ فَائِدَةٌ ؛ وَهِيَ الرَّدُّ عَلَى أَبِي حَنِيفَةَ فِي قَوْلِهِ : إنَّ الْوِتْرَ وَاجِبٌ ؛ لِأَنَّ الْوَسَطَ إنَّمَا يُعَدُّ فِي عَدَدٍ وِتْرٍ ؛ لِيَكُونَ الْوَسَطُ شَفْعًا يُحِيطُ بِهِ مِنْ جَانِبَيْهِ ؛ وَإِذَا عُدَّتْ الصَّلَوَاتُ الْوَاجِبَاتُ سِتًّا لَمْ تَكُنْ الْوَاحِدَةُ وَسَطًا ؛ لِأَنَّهَا بَيْنَ صَلَاتَيْنِ مِنْ جِهَةٍ ، وَبَيْنَ ثَلَاثِ صَلَوَاتٍ مِنْ أُخْرَى ، وَهَذَا مَبْنِيٌّ عَلَى أَنَّ الْوَسَطَ مُعْتَبَرٌ بِالْعَدَدِ أَوْ بِالْوَقْتِ ؛ وَقَدْ بَيَّنَّا أَنَّ ذَلِكَ مُحْتَمَلٌ لَا يَدُلُّ عَلَى تَعْيِينِهِ دَلِيلٌ. أ هـ {أحكام القرآن لابن العربى حـ 1 صـ 301}","part":7,"page":212},{"id":2823,"text":"وقال الثعلبى : \rوفي قوله عزّ وجلّ {والصلاة الوسطى} دليل على أن الوتر ليس بواجب وذلك أن المسلمين اتفقوا على أن الصلوات المفروضات تنقص عن سبعة وتزيد على ثلاثة ، \rوليس من الثلاثة والسبعة فرد إلاّ خمسة ، \rوالأزواج لا وسطى لها ، \rفثبت أنها خمسة.\rقتادة عن أنس قال : قال رجل : يا رسول الله ، \rكم افترض الله على عباده الصلوات ؟ \rقال : خمس صلوات ، \rقال : فهل قبلهنّ وبعدهنّ شيء افترض الله على عباده قال : لا ، \rفحلف الرجل بالله لا يزيد عليهنّ ولا ينقص ، \rفقال النبي {صلى الله عليه وسلم} \"إن صدق الرجل دخل الجنة\".\rوعن طلحة بن عبيد الله قال : جاء رجل إلى رسول الله {صلى الله عليه وسلم} من أهل نجد ثائر الرأس ، \rيسمع دوي صوته ولا يفهم ما يقول ، \rحتى دنا فإذا هو يسأل عن الإسلام ، \rفقال له رسول الله {صلى الله عليه وسلم} \"خمس صلوات في اليوم والليلة\" قال : هل عليّ غيرهنّ ؟ \rقال : \"لا إلاّ أن تتطوع\" قال {صلى الله عليه وسلم} \"وصيام شهر رمضان\" قال : هل عليّ غيره ؟ \rقال : \"لا ، \rإلاّ أن تتطوع\" وذكر له عليه الصلاة والسلام الزكاة ، \rقال : هل عليّ غيرها ؟ \rقال : \"لا ، \rإلاّ أن تتطوع\" فأدبر الرجل وهو يقول : والله لا أزيد على هذا ولا أنقص منه ، \rقال رسول الله {صلى الله عليه وسلم} \"أفلح إن صدق\".\rعن محمد بن يحيى بن حيان عن ابن جرير أن رجلا من بني كنانة يدعى المحدجي كان يسمع رجلا بالشام يكنى أبا محمد يقول : الوتر واجب ، \rقال المحدجي : فرحت إلى عبادة بن الصامت واعترضت له وهو رايح إلى المسجد فأخبرته بالذي قال أبو محمد ، \rفقال عبادة : كذب أبو محمد ، \rسمعت رسول الله {صلى الله عليه وسلم} يقول : \"خمس صلوات كتبهنّ الله على العباد ، \rمن جاء بهنّ لم يضيّع منهنّ استخفافاً بحقهنّ كان له عند الله عهد أن يدخله الجنة ، \rومن لم يأت بهنّ فليس له عند الله عهد إن شاء عذّبه الله وإن شاء أدخله الجنة\".\r","part":7,"page":213},{"id":2824,"text":"وعن عاصم بن ضمرة عن علي بن أبي طالب (رضي الله عنه) قال : ليس الوتر بحتم لأنه لا تكبير به ولكنه سنّة سنّها رسول الله {صلى الله عليه وسلم} ، \rوالدليل على أنّ الوتر ليس بواجب ما روى نافع عن ابن عمر أن النبي {صلى الله عليه وسلم} كان يوتر على راحلته ، \rوعن نافع أيضاً أن ابن عمر كان يوتر على بعيره ، \rويذكر أن النبي {صلى الله عليه وسلم} كان يفعل ذلك ، \rوأجمع الفقهاء على أن الصلاة المكتوبة على الراحلة في حال الأمن لا تجوز. أ هـ {الكشف والبيان حـ 2 صـ 198 ـ 199}","part":7,"page":214},{"id":2825,"text":"من فوائد ابن عرفة فى الآية\rقوله تعالى : {حَافِظُواْ عَلَى الصلوات...}.\rإن قلت : ما وجه مناسبتها مع أن ما قبلها في شأن الزوجات ؟ \rقلنا : الجواب عنه بأمرين : إما بأنّه تنبيه الأزواج أن لا يشتغلوا بأمور زوجاتهم عن الصلوات ، وإما بأن بعضهم كان لا يراعي ( المناسبة ولا يشتغل ) بها.\rقال ابن عرفة : إنما قال \" حَافِظُوا \" ولم يقل : احفظوا ، إشارة إلى تأكدها ( وتكرر ) الأمر بها من وجهين : \rأحدهما : أن \" حَافِظُوا \" مفاعلة لا تكون إلاّ من اثنين مثل : قاتلت زيدا ، ووقوعها هنا من الجانبين مستحيل ، فيتعين صرف ذلك إلى تكرر ( الأمر ) بوقوعه وتأكده.\rالثاني : إنّ لفظه يقتضي الاستيلاء والإحاطة فهو إشارة إلى تعميم الإحاطة بالصلوات دون ترك شيء ( منها ) وتخصيص الصّلاة الوسطى منها بالذكر : إما لورودها على النّاس في زمن شغلهم أو في زمن راحتهم ونومهم أو لكونهم من بقية الصلوات التي كانت مفروضة على الأمم المتقدمة وهو من عطف الخاص على العام.\rقوله تعالى : {وَقُومُواْ لِلَّهِ قَانِتِينَ}.\rفسره ابن عطية بالقيام الحسي حقيقة قال : ومعناه في صلاتهم فسره بعضهم بالقيام المعنوي وهو الجد في الطلب والطاعة فيتناول ركوع الصلوات وسجودها مثل : \" قمت بالأمر \". أ هـ {تفسير ابن عرفة صـ 311}","part":7,"page":215},{"id":2826,"text":"قوله تعالى : {فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالًا أَوْ رُكْبَانًا فَإِذَا أَمِنْتُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَمَا عَلَّمَكُمْ مَا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ (239)}\rقال البقاعى : \r{فإن خفتم} أي بحال من أحوال الجهاد الذي تقدم أنه {كتب عليكم} أو نحو ذلك من عدو أو سبع أو غريم يجوز الهرب منه أو غير ذلك {فرجالاً} أي قائمين على الأرجل ، وهو جمع راجل من حيث إنه أقرب إلى صورة الصلاة.\rقال البغوي : أي إن لم يمكنكم أن تصلوا قانتين موفين للصلاة حقها لخوف فصلوا مشاة على أرجلكم {أو ركباناً} أي كائنين على ظهور الدواب على هيئة التمكن.\rوقال الحرالي : ما من حكم شرعه الله في السعة إلا وأثبته في الضيق والضرورة بحيث لا يفوت في ضيقه بركة من حال سعته ليعلم أن فضل الله لا ينقصه وقت ولا يفقده حال ، وفيه إشعار بأن المحافظة على الصلاة في التحقيق ليس إلا في إقبال القلب بالكلية على الرب ، فما اتسع له الحال ما وراء ذلك فعل وإلا اكتفى بحقيقتها ، ولذلك انتهت الصلاة عند العلماء في شدة الخوف إلى تكبيرة واحدة يجتمع إليها وحدها بركة أربع الركعات التي تقع في السعة ، وفيها على حالها من البركة في اتساع الرزق وصلاح الأهل ما في الواقعة في السعة مع معالجة النصرة لعزيمة إقامتها على الإمكان في المخافة ، وقد وضح باختلاف أحوال صلاة الخوف أن حقيقتها أنها لا صورة لها ، فقد صح فيها عن النبي صلى الله عليه وسلم أربع عشرة صورة وزيادة صور في الأحاديث الحسان - انتهى.\rوروى البخاري في التفسير عن عبد الله بن عمر رضي الله تعالى عنهما كيفية في صلاة الخوف ثم قال : فإن كان خوف أشد من ذلك صلوا رجالاً قياماً على أقدامهم أو ركباناً مستقبلي القبلة أو غير مستقبليها.\r","part":7,"page":216},{"id":2827,"text":"قال مالك : قال نافع : لا أرى عبد الله بن عمر رضي الله تعالى عنهما ذكر ذلك إلا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم - يعني لأن مثل ذلك لا يقال من قبل الرأي {فإذا أمنتم} أي حصل لكم الأمن مما كان أخافكم.\rولما كان المراد الأعظم من الصلاة الذكر وهو دوام حضور القلب قال مشيراً إلى أن صلاة الخوف يصعب فيها ذلك منبهاً بالاسم الأعظم على ما يؤكد الحضور في الصلاة وغيرها من كل ما يسمى ذكراً {فاذكروا الله} أي الذي له الأمر كله.\rقال البغوي : أي فصلوا الصلوات الخمس تامة بحقوقها.\rوقال الحرالي : أظهر المقصد في عمل الصلاة وأنه إنما هو الذكر الذي هو قيام الأمن والخوف - انتهى : فكأنه سبحانه وتعالى لما منع مما ليس من الصلاة من الأقوال والأفعال استثنى الأفعال حال الخوف فأبقيت على الأصل لكن قد روى الشافعي رضي الله تعالى عنه وصرحه في كتاب اختلاف الحديث من الأم وأبو داود والنسائي من طريق عاصم بن أبي النجود عن أبي وائل عن ابن مسعود رضي الله تعالى عنه قال : كنا نسلم على رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو في الصلاة - الحديث في أنه لما رجع من الحبشة قال له النبي صلى الله عليه وسلم : \" إن الله يحدث من أمره ما شاء وإن مما أحدث أن لا تتكلموا في الصلاة \" وحكم بأنه قيل حديث ذي اليدين لما في بعض طرقه مما يقتضي أن رجوعه كان قبل هجرة النبي صلى الله عليه وسلم إلى المدينة وهو كذلك ، لكن عاصم له أوهام في الحديث وإن كان حجة في القراءة فلا يقوى حديثه لمعارضة ما في الصحيحين من حديث زيد الماضي المغيا بنزول الآية.\r","part":7,"page":217},{"id":2828,"text":"ولما أمر سبحانه وتعالى بالذكر عند الأمن علله بقوله : {كما علمكم} أي لأجل إنعامه عليكم بأن خلق فيكم العلم المنقذ من الجهل ، فتكون الكاف للتعليل وقد جوزه أبو حيان في النهر ونقله في موضع آخر منه عن النحاة - والله سبحانه وتعالى أعلم {ما لم تكونوا تعلمون} بما آتاكم على لسان هذا النبي الكريم من الأحكام التي تقدمت في هذه السورة المفصلة ببدائع الأسرار من الأصول ودقائق العلوم كلها.\rوقال الحرالي : من أحكام هيئة الصلاة في الأعضاء والبدن وحالها في النفس من الخشوع والإخبات والتخلي من الوسواس وحالها في القلب من التعظيم والحرمة ، وفي إشارته ما وراء ظاهر العلم من أسرار القلوب التي اختصت بها أئمة هذه الأمة - انتهى.\rأ هـ {نظم الدرر حـ 1 صـ 454 ـ 458} باختصار يسير.\rقال الفخر : \rاعلم أنه تعالى لما أوجب المحافظة على الصلوات والقيام على أدائها بأركانها وشروطها ، بين من بعد أن هذه المحافظة على هذا الحد لا تجب إلا مع الأمن دون الخوف ، فقال : {فَإنْ خِفْتُمْ فَرِجَالاً أَوْ رُكْبَانًا}. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 6 صـ 131}\rوقال القرطبى : \rلمّا أمر الله تعالى بالقيام له في الصلاة بحال قُنوت وهو الوَقار والسّكينة وهدوء الجوارح وهذا على الحالة الغالبة من الأمن والطُّمَأنينة ذكر حالة الخوف الطارئة أحياناً ، وبيّن أن هذه العبادةَ لا تسقط عن العبد في حال ، ورخّص لعبيده في الصلاة رجالاً على الأقدام ورُكباناً على الخيل والإبل ونحوها ، إيماءً وإشارة بالرأس حيثما توجّه ؛ هذا قول العلماء ، وهذه هي صلاة الفَذّ الذي قد ضايقه الخوف على نفسه في حال المُسَايفة أو من سَبُع يطلبه أو من عدوّ يتبعه أو سَيْل يحمله ، وبالجملة فكل أمر يخاف منه على روحه فهو مبيح ما تضمّنته هذه الآية. أ هـ\rثم قال رحمه الله : \r","part":7,"page":218},{"id":2829,"text":"هذه الرخصة في ضمنها إجماع العلماء أن يكون الإنسان حيثما توجّه من السُّموت ويتقلّب ويتصرّف بحسب نظره في نجاة نفسه. أ هـ {تفسير القرطبى حـ 3 صـ 223}\rوقال ابن عاشور : \rقوله تعالى {وقوموا لله قانتين}\rتفريع على قوله : {وقوموا لله قانتين} [ البقرة : 238 ] للتنبيه على أن حالة الخوف لا تكون عذراً في ترك المحافظة على الصلوات ، ولكنها عذر في ترك القيام لله قانتين ، فأفاد هذا التفريع غرضين : أحدهما بصريح لفظه ، والآخر بلازم معناه.\rوالخوف هنا خوف العدو ، وبذلك سميت صلاة الخوف ، والعرب تسمي الحرب بأسماء الخوف فيقولون الرَّوْع ويقولون الفَزَع ، قال عمرو بن كلثوم : \rوتحملنا غداة الروع جرد\rالبيت.\rوقال سبرة بن عمر الفقعسي : \rونسوتكم في الروع باد وجوهها\rيُخَلْنَ إماءً والإماء حرائر...\rوفي الحديث : \" إنكم لتكثرون عند الفزع وتقلون عند الطمع \" ولا يعرف إطلاق الخوف على الحرب قبل القرآن قال تعالى : {ولنبلونكم بشيء من الخوف والجوع} [ البقرة : 155 ].\rوالمعنى : فإن حاربتم أو كنتم في حرب ، ومنه سمى الفقهاء صلاة الخوف الصلاة التي يؤديها المسلمون وهم يصافون العدو في ساحة الحرب وإيثار كلمة الخوف في هذه الآية لتشمل خوف العدو وخوف السباع وقطاع الطريق ، وغيرها. أ هـ {التحرير والتنوير حـ 2 صـ 469 ـ 470}\rفصل\rقال الواحدي رحمه الله معنى الآية : فإن خفتم عدواً فحذف المفعول لإحاطة العلم به ، قال صاحب الكشاف : فإن كان بكم خوف من عدو أو غيره ، وهذا القول أصح لأن هذا الحكم ثابت عند حصول الخوف ، سواء كان الخوف من العدو أو من غيره ، وفيه قول ثالث وهو أن المعنى : فإن خفتم فوات الوقت إن أخرتم الصلاة إلى أن تفرغوا من حربكم فصلوا رجالاً أو ركباناً ، وعلى هذا التقدير الآية تدل على تأكيد فرض الوقت حتى يترخص لأجل المحافظة عليه بترك القيام والركوع والسجود. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 6 صـ 131}\rفائدة لغوية\rقال الفخر : ","part":7,"page":219},{"id":2830,"text":"في الرجال قولان أحدهما : رجالاً جمع راجل مثل تجار وتاجر وصحاب وصاحب والراجل هو الكائن على رجله ماشياً كان أو وافقاً ويقال في جمع راجل : رجل ورجالة ورجالة ورجال ورجال.\rوالقول الثاني : ما ذكره القفال ، وهو أنه يجوز أن يكون جمع الجمع ، لأن راجلاً يجمع على راجل ، ثم يجمع رجل على رجال ، والركبان جمع راكب ، مثل فرسان وفارس ، قال القفال : ويقال إنه إنما يقال راكب لمن كان على جمل ، فأما من كان على فرس فإنما يقال له فارس ، والله أعلم. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 6 صـ 131}\rفصل\rقال الفخر : \rصلاة الخوف قسمان\rأحدهما : أن تكون في حال القتال وهو المراد بهذه الآية والثاني : في غير حال القتال وهو المذكور في سورة النساء في قوله تعالى : {وَإِذَا كُنتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصلاة فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مّنْهُمْ مَّعَكَ} [ النساء : 102 ] وفي سياق الآيتين بيان اختلاف القولين.\rإذا عرفت هذا فنقول : إذا التحم القتال ولم يمكن ترك القتال لأحد ، فمذهب الشافعي رحمه الله أنهم يصلون ركباناً على دوابهم ومشاة على أقدامهم إلى القبلة وإلى غير القبلة يومئون بالركوع والسجود ، ويجعلون السجود أخفض من الركوع ويحترزون عن الصيحات لأنه لا ضرورة إليها وقال أبو حنيفة : لا يصلي الماشي بل يؤخر ، واحتج الشافعي رحمه الله بهذه الآية من وجهين الأول : قال ابن عمر : {فَرِجَالاً أَوْ رُكْبَانًا} يعني مستقبلي القبلة أو غير مستقبليها قال نافع : لا أرى ابن عمر ذكر ذلك إلا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.\r","part":7,"page":220},{"id":2831,"text":"الوجه الثاني : وهو أن الخوف الذي تجوز معه الصلاة مع الترجل والمشي ومع الركوب والركض لا يمكن معه المحافظة على الاستقبال ، فصار قوله : {فَرِجَالاً أَوْ رُكْبَانًا} يدل على الترخص في ترك التوجه ، وأيضاً يدل على الترخص في ترك الركوع والسجود إلى الإيماء لأن مع الخوف الشديد من العدو لا يأمن الرجل على نفسه إن وقف في مكانه لا يتمكن من الركوع والسجود ، فصح بما ذكرنا دلالة رجالاً أو ركباناً على جواز ترك الاستقبال ، وعلى جواز الاكتفاء بالإيماء في الركوع والسجود.\rإذا ثبت هذا فلنتكلم فيما يسقط عنه وفيما لا يسقط ، فنقول : لا شك أن الصلاة إنما تتم بمجموع أمور ثلاثة أحدها : فعل القلب وهو النية ، وذلك لا يسقط لأنه لا يتبدل حال الخوف بسبب ذلك والثاني : فعل اللسان وهي القراءة ، وهي لا تسقط عند الخوف ، ولا يجوز له أيضاً أن يتكلم حال الصلاة بكلام أجنبي ، أو يأتي بصيحات لا ضرورة إليها والثالث : أعمال الجوارح فنقول : أما القيام والقعود فساقطان عنه لا محالة وأما الاستقبال فساقط على ما بيناه ، وأما الركوع والسجود فالإيماء قائم مقامهما ، فيجب أن يجعل الإيماء النائب عن السجود أخفض من الإيماء النائب عن الركوع ، لأن هذا القدر ممكن ، وأما ترك الطهارة فغير جائز لأجل الخوف ، فإنه يمكنه التطهير بالماء أو التراب ، إنما الخلاف في أنه إذا وجد الماء وامتنع عليه التوضي به هل يجوز له أن يتيمم بالغبار الذي يتمكن منه حال ركوبه ، والأصح أنه يجوز ، لأنه إذا كان خوف العطش يرخص التيمم ، فالخوف على النفس أولى أن يرخص في ذلك ، فهذا تفصيل قول الشافعي رحمه الله وبالجملة فاعتماده في هذا الباب على قوله عليه الصلاة والسلام : \"إذا أمرتكم بشيء فأتوا منه ما استطعتم\" واحتج أبو حنيفة بأنه عليه السلام أخر الصلاة يوم الخندق فوجب علينا ذلك أيضاً.\r","part":7,"page":221},{"id":2832,"text":"والجواب : أن يوم الخندق لم يبلغ الخوف هذا الحد ومع ذلك فإنه صلى الله عليه وسلم أخَّرَ الصلاة فعلمنا كون هذه الآية ناسخة لذلك الفعل. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 6 صـ 131 ـ 132}\rفصل في اختلافهم فى الخوف الذي يفيد هذه الرخصة\rقال الفخر\rاختلفوا في الخوف الذي يفيد هذه الرخصة وطريق الضبط أن نقول : الخوف إما أن يكون في القتال ، أو في غير القتال ، أما الخوف في القتال فإما أن يكون في قتال واجب ، أو مباح ، أو محظور ، أما القتال الواجب فهو كالقتال مع الكفار وهو الأصل في صلاة الخوف ، وفيه نزلت الآية ، ويلتحق به قتال أهل البغي ، قال تعالى : {فقاتلوا التى تَبْغِى حتى تَفِىء إلى أَمْرِ الله} [ الحجرات : 9 ] وأما القتال المباح فقد قال القاضي أبو المحاسن الطبري في كتاب شرح المختصر : أن دفع الإنسان عن نفسه مباح غير واجب بخلاف ما إذا قصد الكافر نفسه ، فإنه يجب الدفع لئلا يكون إخلالاً بحق الإسلام.\rإذا عرفت هذا فنقول : أما القتال في الدفع عن النفس وفي الدفع عن كل حيوان محترم ، فإنه يجوز فيه صلاة الخوف ، أما قصد أخذ ماله ، أو إتلاف حاله ، فهل له أن يصلي صلاة شدة الخوف ، فيه قولان : الأصح أن يجوز ، واحتج الشافعي بقوله عليه السلام : \" من قتل دون ماله فهو شهيد \" فدل هذا على أن الدفع عن المال كالدفع عن النفس والثاني : لا يجوز لأن حرمة الزوج أعظم ، أما القتال المحظور فإنه لا تجوز فيه صلاة الخوف ، لأن هذا رخصة والرخصة إعانة والعاصي لا يستحق الإعانة ، أما الخوف الحاصل لا في القتال ، كالهارب من الحرق والغرق والسبع وكذا المطالب بالدين إذا كان معسراً خائفاً من الحبس ، عاجزاً عن بينة الإعسار ، فلهم أن يصلوا هذه الصلاة ، لأن قوله تعالى : {فَإِنْ خِفْتُمْ} مطلق يتناول الكل. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 6 صـ 132}\rفائدة\rقال القرطبى : \r","part":7,"page":222},{"id":2833,"text":"فرّق مالك بين خوف العدوّ المقاتل وبين خوف السبع ونحوه من جمل صائل أو سَيْل أو ما الأغلب من شأنه الهلاك ، فإنه استحب من غير خوف العدوّ الإعادةَ في الوقت إن وقع الأمن. وأكثر فقهاء الأمصار على أن الأمر سواء. أ هـ {تفسير القرطبى حـ 3 صـ 224}\rسؤال : فإن قيل : قوله : {فَرِجَالاً أَوْ رُكْبَانًا} يدل على أن المراد منه الخوف من العدو حال المقاتلة.\rقلنا : هب أنه كذلك إلا أنه لما ثبت هناك دفعاً للضرر ، وهذا المعنى قائم ههنا ، فوجب أن يكون ذلك الحكم مشروعاً والله أعلم. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 6 صـ 132}\rفائدة لغوية\rقال أبو حيان : \rو : رجالاً ، منصوب على الحال ، والعامل محذوف ، قالوا تقديره : فصلوا رجالاً ، ويحسن أن يقدر من لفظ الأول ، أي : فحافظوا عليها رجالاً ، ورجالاً جمع راجل ، كقائم وقيام ، قال تعالى : {وأذن في الناس بالحج يأتوك رجالاً} وقال الشاعر : \rوبنو غدانة شاخص أبصارهم... يمشون تحت بطونهنّ رجالاً\rوالمعنى : ماشين على الأقدام ، يقال منه : رجل يرجل رجلاً ، إذا عدم المركوب ، ومشى على قدميه ، فهو راجل ورجل ورجل ، على وزن رجل مقابل امرأة. وهي لغة أهل الحجاز ، يقولون : مشى فلان إلى بيت الله حافياً رجلاً ، ويقال رجلان ورجيل ورجل ، قال الشاعر : \rعليّ إذا لاقيتُ ليلى بخلوة... أن ازدار بيت الله رجلان حافياً\rقالوا : ويجمع على : رجال ورجيل ورُجالي ورجالى ورجالة ورجلان ورَجلة ورجلة بفتح الجيم وأرجلة وأراجل وأراجيل ؛ قرأ عكرمة ، وأبو مجلز : فرُجَّالاً ، بضم الراء وتشديد الجيم ، وروي عن عكرمة التخفيف مع ضم الراء ، وقرىء : فرجلاً ، بضم الراء وفتح الجيم مشدودة بغير ألف ؛ وقرىء : فرجلا ، بفتح الراء وسكون الجيم.","part":7,"page":223},{"id":2834,"text":"وقرأ بديل بن ميسرة : فرجالاً فركباناً بالفاء ، وهو جمع راكب. قال الفضل : لا يقال راكب إلاَّ لصاحب الجمل ، وأما صاحب الفرس فيقال له فارس ، ولراكب الحمار حمَّار ، ولراكب البغل بغَّال ، وقيل : الأفصح أن يقال : صاحب بغل ، وصاحب حمار.\rوظاهر قوله : {فإن خفتم} حصول مطلق الخوف ، وأنه بمطلق الخوف تباح الصلاة في هاتين الحالتين.\rوقالوا : هي صلاة الغداة للذي قد ضايقه الخوف على نفسه في حالة المسايفة أو ما يشبهه ، وأما صلاة الخوف بالإمام ، وانقسام الناس فليس حكمها في هذه الآية.\rوقيل : فرجالاً ، مشاة بالجماعة لأنهم يمشون إلى العدو في صلاة الخوف ، أو ركباناً أي : وجداناً بالإيماء.\rوظاهر قوله : فرجالاً ، أنهم يوقعون الصلاة وهم ماشون ، فيصلون على كل حال ، والركب يومىء ويسقط عنه التوجه إلى القبلة ، وهو قول الشافعي ؛ وقال أبو حنيفة : لا يصلون في حال المشي والمسايفة ما لم يمكن الوقوف. أ هـ {البحر المحيط حـ 2 صـ 252}\rفصل\rقال القرطبى : \rلا نقصان في عدد الركعات في الخوف عن صلاة المسافر عند مالك والشافعيّ وجماعة من العلماء ، وقال الحسن بن أبي الحسن وقتادة وغيرهما : : يصلّي ركعة إيماء ؛ روى مسلم عن بُكير بن الأخْنَس عن مجاهد عن ابن عباس قال : فرض الله الصلاة على لسان رسول الله صلى الله عليه وسلم في الحَضَر أربعاً وفي السفر ركعتين وفي الخوف ركعة. قال ابن عبد البَرّ : انفرد به بُكير بن الأخْنَس وليس بحجة فيما ينفرد به ، والصلاة أوْلى ما احتيط فيه ، ومن صلّى ركعتين في خوفه وسفره خرج من الاختلاف إلى اليقين. وقال الضحاك بن مزاحم : يصلّي صاحب خوف الموت في المُسَايفة وغيرها ركعة فإن لم يقدر فليكبّر تكبيرتين. وقال إسحاق بن رَاهْوَيْه : فإن لم يقدر إلا على تكبيرة واحدة أجزأت عنه ؛ ذكره ابن المنذر. أ هـ {تفسير القرطبى حـ 3 صـ 224}\rقوله تعالى : {فَإِذَا أَمِنتُمْ}\rقال أبو حيان : ","part":7,"page":224},{"id":2835,"text":"{فإذا أمنتم} قال مجاهد أي : خرجتم من السفر إلى دار الإقامة ، ورده الطبري ، قيل : ولا ينبغي رده لأنه شرح الأمن بمحل الأمن لأن الإنسان إذا رجع من سفره وحل دار اقامته أمن ، فكان السفر مظنة الخوف ، كما أن دار الإقامة محل الأمن. وقيل : معنى فإذا أمنتم أي : زال خوفكم الذي ألجاكم إلى هذه الصلاة. وقيل : فإذا كنتم آمنين ، أي : متى كنتم على أمن قبل أو بعد..\rأ هـ {البحر المحيط حـ 2 صـ 253}\rقال الفخر : \rأما قوله تعالى : {فَإِذَا أَمِنتُمْ} فالمعنى بزوال الخوف الذي هو سبب الرخصة {فاذكروا الله كَمَا عَلَّمَكُم} وفيه قولان الأول : فاذكروا بمعنى فافعلوا الصلاة كما علمكم بقوله : {حافظوا عَلَى الصلوات والصلاة الوسطى وَقُومُواْ لِلَّهِ قانتين} [ البقرة : 238 ] وكما بينه بشروطه وأركانه ، لأن سبب الرخصة إذا زال عاد الوجوب فيه كما كان من قبل ، والصلاة قد تسمى ذكراً لقوله تعالى : {فاسعوا إلى ذِكْرِ الله} [ الجمعة : 9 ].\rوالقول الثاني : {فاذكروا الله} أي فاشكروه لأجل إنعامه عليكم بالأمن ، طعن القاضي في هذا القول وقال : إن هذا الذكر لما كان معلقاً بشرط مخصوص ، وهو حصول الأمن بعد الخوف لم يكن حمله على ذكر يلزم مع الخوف والأمن جميعاً على حد واحد ، ومعلوم أن مع الخوف يلزم الشكر ، كما يلزم مع الأمن ، لأن في كلا الحالين نعمة الله تعالى متصلة ، والخوف ههنا من جهة الكفار لا من جهته تعالى ، فالواجب حمل قوله تعالى : {فاذكروا الله} على ذكر يختص بهذه الحالة.\rوالقول الثالث : أنه دخل تحت قوله : {فاذكروا الله} الصلاة والشكر جميعاً ، لأن الأمن بسبب الشكر محدد يلزم فعله مع فعل الصلاة في أوقاتها.\r","part":7,"page":225},{"id":2836,"text":"أما قوله تعالى : {كَمَا عَلَّمَكُم} فبيان إنعامه علينا بالتعليم والتعريف ، وأن ذلك من نعمه تعالى ، ولولا هدايته لم نصل إلى ذلك ، ثم إن إصحابنا فسروا هذا التعليم بخلق العلم والمعتزلة فسروه بوضع الدلائل ، وفعل الألطاف ، وقوله تعالى : {مَّا لَمْ تَكُونُواْ تَعْلَمُونَ} إشارة إلى ما قبل بعثة محمد صلى الله عليه وسلم من زمان الجهالة والضلالة. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 6 صـ 133}\rفائدة\rقال أبو حيان : \rوقال أبو حيان\r{فاذكروا الله} بالشكر والعبادة {كما علمكم} أي : أحسن إليكم بتعليمكم ما كنتم جاهليه من أمر الشرائع ، وكيف تصلون في حال الخوف وحال الأمَن.\rو : ما ، مصدرية ، و: الكاف ، للتشبيه.\rأمر أن يذكروا الله تعالى ذكراً يعادل ويوازي نعمة ما علمهم ، بحيث يجتهد الذاكر في تشبيه ذكره بالنعمة في القدر والكفاءة ، وإن لم يقدر على بلوغ ذلك.\rومعنى : كما علمكم ، كما أنعم عليكم فعلمكم ، فعبر بالمسبب عن السبب ، لأن التعليم ناشىء عن إنعام الله على العبد وإحسانه له.\rوقد تكون الكاف للتعليل ، أي : فاذكروا الله لأجل تعليمه إياكم أي : يكون الحامل لكم على ذكره وشكره وعبادته تعليمه إياكم ، لأنه لا منحة أعظم من منحة العلم.\r{ما لم تكونوا تعلمون} ما : مفعول ثان لعلمكم ، وفيه الامتنان بالتعليم على العبد ، وفي قوله : {ما لم تكونوا تعلمون} إفهام أنكم علمتم شيئاً لم تكونوا لتصلوا لإدراكه بعقولكم لولا أنه تعالى علمكموه ، أي : أنكم لو تركتم دون تعليم لم تكونوا لتعلموه أبدا.\rوحكى النقاش وغيره أن معنى : {فاذكروا الله} أي صلوا الصلاة التي قد علمتموها ، أي : صلاة تامة بجميع شروطها وأركانها وتكون : ما ، في : {كما علمكم} موصولة أي : فصلوا الصلاة كالصلاة التي علمكم ، وعبر بالذكر عن الصلاة والكاف إذ ذاك للتشبيه بين هيئتي الصلاتين : الصلاة التي كانت أولاً قبل الخوف ، والصلاة التي كانت بعد الخوف في حالة الأمن.\r","part":7,"page":226},{"id":2837,"text":"قال ابن عطية : وعلى هذا التأويل : {ما لم تكونوا} بدل من : ما ، التي في قوله : كما ، وإلاَّ لم يتسق لفظ الآية. انتهى. وهو تخريج يمكن ، وأحسن منه أن يكون بدلاً من الضمير المحذوف في علمكم العائد على ما ، إذ التقدير علمكموه ، أي : علمكم ما لم تكونوا تعلمون.\rوقد أجاز النحويون : جاءني الذي ضربت أخاك ، أي ضربته أخاك ، على البدل من الضمير المحذوف. أ هـ {البحر المحيط حـ 2 صـ 253}\rلطيفة\rقال ابن عاشور : \rوجاء في الأمن بإذا وفي الخوف بإن بشارة للمسلمين بأنهم سيكون لهم النصر والأمن. أ هـ {التحرير والتنوير حـ 2 صـ 470}\rفصل\rقال القرطبى : \rاختلف العلماء من هذا الباب في بناء الخائف إذا أمِن ؛ فقال مالك : إن صلّى ركعة آمنا ثم خاف ركب وبَنَى ، وكذلك إن صلّى ركعة راكباً وهو خائف ثم أمِن نزل وبَنَى ؛ وهو أحد قولي الشافعيّ ، وبه قال المزنِيّ. وقال أبو حنيفة : إذا افتتح الصلاة آمناً ثم خاف استقبل ولم يَبْن ، فإن صلّى خائفاً ثم أمِن بَنَى. وقال الشافعيّ : يَبْني النازلُ ولا يبني الراكب. وقال أبو يوسف : لا يبني في شيء من هذا كله. أ هـ {تفسير القرطبى حـ 3 صـ 225}\rوتدل هذه الآية على عظيم قدر الصلاة وتأكيد طلبها إذا لم تسقط بالخوف ، فلا تسقط بغيره من مرض وشغل ونحوه ، حتى المريض إذا لم يمكنه فعلها لزمه الإشارة بالعين عند أكثر العلماء ، وبهذا تميزت عن سائر العبادات لأنها كلها تسقط بالأعذار ويترخص فيها. أ هـ {البحر المحيط حـ 2 صـ 252 ـ 253}\rسؤال : فإن قيل : كيف الجمع بين هذه الآية ، وبين ما روى ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه صلى يوم الخندق الظهر والعصر ، والمغرب والعشاء بعد ما غاب الشفق ؟ \rفالجواب : أن أبا سعيد روى أن ذلك كان قبل نزول قوله تعالى : {فان خفتم فرجالاً أو ركباناً} قال أبو بكر الأثرم : فقد بين الله أن ذلك الفعل الذي كان يوم الخندق منسوخ. أ هـ {زاد المسير حـ 1 صـ 285}\rفائدة","part":7,"page":227},{"id":2838,"text":"قال السعدى فى معنى الآية : \r{فَإِنْ خِفْتُمْ} لم يذكر ما يخاف منه ليشمل الخوف من كافر وظالم وسبع ، وغير ذلك من أنواع المخاوف ، أي : إن خفتم بصلاتكم على تلك الصفة فصلوها {رِجَالا} أي : ماشين على أقدامكم ، {أَوْ رُكْبَانًا} على الخيل والإبل وغيرها ، ويلزم على ذلك أن يكونوا مستقبلي القبلة وغير مستقبليها ، وفي هذا زيادة التأكيد على المحافظة على وقتها حيث أمر بذلك ولو مع الإخلال بكثير من الأركان والشروط ، وأنه لا يجوز تأخيرها عن وقتها ولو في هذه الحالة الشديدة ، فصلاتها على تلك الصورة أحسن وأفضل بل أوجب من صلاتها مطمئنا خارج الوقت {فَإِذَا أَمِنْتُمْ} أي : زال الخوف عنكم {فَاذْكُرُوا اللَّهَ} وهذا يشمل جميع أنواع الذكر ومنه الصلاة على كمالها وتمامها {كما علمكم ما لم تكونوا تعلمون} فإنها نعمة عظيمة ومنة جسيمة ، تقتضي مقابلتها بالذكر والشكر ليبقي نعمته عليكم ويزيدكم عليها. أ هـ {تفسير السعدى صـ 106}\rفصل\rقال القرطبى : \rقال علماؤنا رحمة الله عليهم : \r","part":7,"page":228},{"id":2839,"text":"الصلاة أصلها الدعاء ، وحالة الخوف أولى بالدعاء ؛ فلهذا لم تسقط الصلاة بالخوف ؛ فإذا لم تسقط الصلاة بالخوف فأحْرَى ألاّ تسقط بغيره من مرض أو نحوه ، فأمر الله سبحانه وتعالى بالمحافظة على الصلوات في كل حال من صحة أو مرض ، وحضر أو سفر ، وقدرة أو عجز وخوف أو أمن ، لا تسقط عن المكلَّف بحال ، ولا يتطرّق إلى فرضيتها اختلال. وسيأتي بيان حكم المريض في آخر \"آل عمران\" إن شاء الله تعالى. والمقصود من هذا أن تُفعل الصلاةُ كيفما أمكن ، ولا تسقط بحال حتى لو لم يتَّفق فعلها إلا بالإشارة بالعين لزم فعلها ، وبهذا تميَّزت عن سائر العبادات ، كلها تسقطُ بالأعذار ويترخص فيها بالرُّخَص. قال ابن العربيّ : ولهذا قال علماؤنا : وهي مسألة عظمى ، إن تارك الصلاة يقتل ؛ لأنها أشبهت الإيمان الذي لا يسقط بحال ، وقالوا فيها : إحدى دعائم الإسلام لا تجوز النيابة عنها ببدن ولا مال ، فيقتل تاركها ؛ أصله الشهادتان. وسيأتي ما للعلماء في تارك الصلاة في \"براءة\" إن شاء الله تعالى. أ هـ {تفسير القرطبى حـ 3 صـ 225}\rكلام نفيس لابن العربى فى الآية الكريمة\rقال رحمه الله : \rقَوْله تَعَالَى : {فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالًا أَوْ رُكْبَانًا فَإِذَا أَمِنْتُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَمَا عَلَّمَكُمْ مَا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ} أَمَرَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ بِالْمُحَافَظَةِ عَلَى الصَّلَوَاتِ فِي كُلِّ حَالٍ مِنْ صِحَّةٍ وَمَرَضٍ ، وَحَضَرٍ وَسَفَرٍ ، وَقُدْرَةٍ وَعَجْزٍ ، وَخَوْفٍ وَأَمْنٍ ، لَا تَسْقُطُ عَنْ الْمُكَلَّفِ بِحَالٍ ، وَلَا يَتَطَرَّقُ إلَى فَرْضِيَّتِهَا اخْتِلَالٌ.\rوَقَدْ قَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : {صَلِّ قَائِمًا ، فَإِنْ لَمْ تَسْتَطِعْ فَقَاعِدًا ، فَإِنْ لَمْ تَسْتَطِعْ فَعَلَى جَنْبٍ}.","part":7,"page":229},{"id":2840,"text":"وَقَالَ فِي الصَّحِيحِ مِنْ رِوَايَةِ ابْنِ عُمَرَ فِي حَالِ الْخَوْفِ : {فَإِنْ كَانَ خَوْفٌ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ صَلُّوا قِيَامًا وَرُكْبَانًا مُسْتَقْبِلِي الْقِبْلَةِ وَغَيْرَ مُسْتَقْبِلِيهَا}.\r{وَقَدْ صَلَّى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَلَاةَ الْخَوْفَ مِرَارًا مُتَعَدِّدَةً بِصِفَاتٍ مُخْتَلِفَةٍ} ، وَقَدْ مَهَّدْنَاهَا فِي كُتُبِ الْحَدِيثِ.\rوَالْمَقْصُودُ مِنْ ذَلِكَ أَنْ تَفْعَلَ الصَّلَاةَ كَيْفَمَا أَمْكَنَ ، وَلَا تَسْقُطُ بِحَالٍ حَتَّى لَوْ لَمْ يَتَّفِقْ فِعْلُهَا إلَّا بِالْإِشَارَةِ بِالْعَيْنِ لَلَزِمَ فِعْلُهَا ؛ كَذَلِكَ إذَا لَمْ يَقْدِرْ عَلَى حَرَكَةِ سَائِرِ الْجَوَارِحِ ، وَبِهَذَا الْمَعْنَى تَمَيَّزَتْ عَنْ سَائِرِ الْعِبَادَاتِ ؛ فَإِنَّ الْعِبَادَاتِ كُلَّهَا تَسْقُطُ بِالْأَعْذَارِ ، وَيُتَرَخَّصُ فِيهَا بِالرُّخَصِ الضَّعِيفَةِ ، وَلِذَلِكَ قَالَ عُلَمَاؤُنَا ، وَهِيَ مَسْأَلَةٌ عُظْمَى : إنَّ تَارِكَ الصَّلَاةِ يُقْتَلُ ؛ لِأَنَّهَا أَشْبَهَتْ الْإِيمَانَ الَّذِي لَا يَسْقُطُ بِحَالٍ.\rوَقَالُوا فِيهَا : إحْدَى دَعَائِمِ الْإِسْلَامِ ، لَا تَجُوزُ النِّيَابَةُ فِيهَا بِبَدَنٍ وَلَا مَالٍ ، يُقْتَلُ تَارِكُهَا ، وَأَصْلُهُ الشَّهَادَتَانِ.\rوَقَدْ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : إنَّ الْقِتَالَ يُفْسِدُ الصَّلَاةَ ، وَقَدْ قَدَّمْنَا مِنْ طَرِيقِ ابْنِ عُمَرَ الرَّدَّ عَلَيْهِ ، وَظَاهِرُ الْآيَةِ أَقْوَى دَلِيلٍ عَلَيْهِ. أ هـ {أحكام القرآن لابن العربى حـ 1 صـ 303}\rمن فوائد ابن عرفة فى الآية\rقوله تعالى : {فَإنْ خِفْتُمْ فَرِجَالاً أَوْ رُكْبَاناً...}.","part":7,"page":230},{"id":2841,"text":"قال ابن عرفة : الخوف أمر محقق لكونه شرطا في الرخصة والرخصة إنما تكون في الأمر المحقق الثابت لأنها مظنة المبادرة للعمل بمقتضاها لما فيها من التخفيف ، فلو لم يكن شرطها محققا لأدّى إلى التهاون بفعلها من غير استيفاء شروطها ، فحق هذا الشرط أن يكون بـ ( إذا ) الدالة على التحقيق كما كان الشرط وهو \" فَإِذَآ أَمِنتُمْ \" لكنه روعي في الشرطين شيء آخر وهو الحظ على تشجيع النفس بإحضار الطمأنينة والأمن من العدوّ وعدم الاهتبال به حتى كأن الخوف منه غير واقع في الوجود بوجه ، ولها عبر في آية الخوف بـ ( إن ) وفي آية الأمن بـ ( إذَا ).\rوقال الزمخشري : وعند الإمام أبي حنيفة لا يصلون في حال المشي. وعند الإمام الشافعي رضي الله عنه يصلّون في كل حال والراكب يومىء ويسقط عنه التوجه إلى القبلة.\rقال ابن عرفة : مذهب الإمام مالك والشافعي رضي الله عنهما في ذلك سواء وينوي بقلبه التوجّه إلى القبلة ( وهذا إذا خاف العدوّ وفوات الوقت المختار ) فإن رَجَا حصول الأمن فيه أخّر الصلاة و( وكذا ) الخائف من لصوص أو سباع لأنّ الفرع في هذا أقوى من أصله كما ( قالوا ) في الجدة للأم مع الجد للأب ، لأن الخائف من العدوّ لا يقضي والخائف من اللصوص أو السباع يقضي.\rقوله تعالى : {فَإِذَآ أَمِنتُمْ فاذكروا الله...}.\rقال ابن عطية : قيل فإذا زال خوفكم الذي اضطرّكم إلى هذه الصلاة. وقيل : فإذا كنتم آمنين قبل أو بعد أي فمتى كنتم عل ( أمن ).\rورده ابن عرفة بأن الشرط هنا يقتضي أنه مستقبل لم يقع في الوجود لا أنه ماض. أ هـ {تفسير ابن عرفة صـ 312}","part":7,"page":231},{"id":2842,"text":"قوله تعالى : {وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا وَصِيَّةً لِأَزْوَاجِهِمْ مَتَاعًا إِلَى الْحَوْلِ غَيْرَ إِخْرَاجٍ فَإِنْ خَرَجْنَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِي مَا فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ مِنْ مَعْرُوفٍ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (240)}\rمناسبة الآية لما قبلها\rقال البقاعى : \r","part":7,"page":232},{"id":2843,"text":"ولما كان ذكر أحكام عشرة النساء على هذا الوجه مظنة سؤال سائل كما تقدم يقول : قد استغرق الاشتغال بهن الزمان وأضر بالفراغ للعبادة وكان هذا السؤال إيماء إلى الاستئذان في الرهبانية والاختصاء الذي سأل فيه من سأل كما سيبين إن شاء الله سبحانه وتعالى في المائدة في قوله : {ولا تحرموا طيبات ما أحل الله لكم} [ المائدة : 87 ] وكان الإعراض عن جواب السائل بالأمر بالمحافظة على الصلاة ربما أشعر بالإقرار على مضمون السؤال والإذن في الترهّب بقرينة الإعراض عن السؤال وربما كان مشيراً إلى النهي عن الترهب بقرينة السكوت على ما تقدم من الأمر بعشرتهن من غير نهي عنه عقب الأمر بذلك ببعض آيات النساء تأكيداً لما أفهمته تلك الإشارة أي اتركوا الترهب وكونوا رجالاً في الاقتداء بنبيكم صلى الله عليه وسلم في القيام بحقوق الله وحقوق نفسه وغيره من سائر العباد وجعل ما تعقب آية الصلاة من تعلق النكاح آيتين فقط أولاهما في حكم من أحكام الموت وهي منسوخة كما قال الأكثر ليست من دعائم أحكام هذا الباب إشارة إلى أنه ينبغي أن يكون الإقبال على العبادة أكثر وأن يكون الاشتغال بأمر النساء والأولاد إنما هو على وجه التزود للموت وما بعده فقال تعالى : {والذين} وقال الحرالي : لما ذكر سبحانه وتعالى أحكام الأزواج في الطلاق والوفاة وحكم الفرض والمتعة في المطلقات قبل الدخول ختم هذه الأحكام المؤكدة بالفرض والأمر بما هو من نحوها فنظم بالمتعة من النفقة والكسوة والإخدام وما في معناه المتعة بالسكنى للمتوفى عنها زوجها إلى حد ما كانت العدة في الجاهلية ليكون للخير والمعروف بقاء في الإسلام بوجه ما أيما عقد وعهد كان في الجاهلية فلن يزيده الإسلام إلا شدة - انتهى.\r","part":7,"page":233},{"id":2844,"text":"فقال تعالى : {يتوفون منكم} أي يقاربون أن يستوفي أرواحهم من أعارها أبدانهم فيخلصها منها كاملة لا يغادر منها شيئاً ولا يأخذ شيئاً من الجسم معها مع ما بينهما من كمال الامتزاج الذي لا يقدر معه على تمييز أحدهما عن الآخر إلا هو سبحانه وتعالى {ويذرون أزواجاً} بعد موتهم ، فليوصوا {وصية} ومن رفع فالتقدير عندهم : فعليهم وصية ، ويجوز أن تحمل الوفاة على حقيقتها ويكون التقدير : وصية من الله لأزواجهم ، أو يوصيكم الله وصية {لأزواجهم} بالسكنى في بيوتهم {متاعاً} لهن {إلى} رأس {الحول} من حين الوفاة.\rقال الحرالي : وهو غاية العمر وجامع لجملة الفصول التي بوفائها تظهر أحوال الصبر عن الشيء والحرص عليه وإنما الحول الثاني استدراك - انتهى.\r{غير إخراج} أي غير مصاحب ذلك المتاع بنوع إخراج أو غير ذوي إخراج.\rقال الحرالي : لتكون الأربعة الأشهر والعشر فرضاً وباقي الحول متاعاً لتلحق أنواع المتعة بأنواع اللازم في الزوجية من نفقة وكسوة وإخدام وسكنى ، ولما كان هذا المتاع الزائد إنما هو تقرير للزوجة في حال ما كانت عليه مع زوجها إشعاراً ببقاء العصمة وإلاحة من الله تعالى بحسن صبر المرأة المتوفى عنها زوجها على زوجها ، لا تتزوج عليه غيره حتى تلقاه فتكون معه على النكاح السابق ليكون للأمة في أزواجهم لمحة حظ من تحريم أزواج نبيهم بعده اللاتي يقمن بعده إلى أن يلقينه أزواجاً بحالهن ، فيكون ذلك لمن يستشرف من خواص أمته إلى اتباعه في أحكامه وأحكام أزواجه لأن الرجال مما يستحسنون ذلك لأزواجهم ، فمن أشد ما يلحق الرجل بعد وفاته تزوج زوجه من بعده لأنها بذلك كأنها هي المطلقة له ، ولذلك ورد أن المرأة إنما تكون لآخر زوج.\r","part":7,"page":234},{"id":2845,"text":"لأنها تركت الزوج ولم يتركها هو ، قال صلى الله عليه وسلم : \" أنا وسفعاء الخدين حبست نفسها على يتاماها حتى ماتوا - أو : بانوا - كهاتين في الجنة \" كأنه صلى الله عليه وسلم أكد ذلك المعنى على من ترك لها المتوفى ذرية لأنه أثبت عهد معه - انتهى.\rروى البخاري في التفسير عن مجاهد {والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجاً} [ البقرة : 234 ] قال : كانت هذه العدة تعتد عند أهل زوجها واجب فأنزل الله عزّ وجلّ : {والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجاً وصية لأزواجهم متاعاً إلى الحول غير إخراج} [ البقرة : 240 ] قال : جعل الله سبحانه وتعالى لها تمام السنة سبعة أشهر وعشرين ليلة وصية ، إن شاءت سكنت في وصيتها وإن شاءت خرجت وهو قول الله سبحانه وتعالى : {غير إخراج} فالعدة كما هي واجب عليها. أ هـ {نظم الدرر حـ 1 صـ 458 ـ 459}\rقال ابن عاشور : \rموقع هذه الآية هنا بعد قوله : {والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجاً يتربصن} [ البقرة : 243 ] إلى آخرها في غاية الإشكال فإن حكمها يخالف في الظاهر حكم نظيرتها التي تقدمت ، وعلى قول الجمهور هاته الآية سابقة في النزول على آية {والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجاً يتربصن} يزداد موقعها غرابة إذ هي سابقة في النزول متأخرة في الوضع.\rوالجمهور على أن هذه الآية شرعت حكم تربص المتوفى عنها حولاً في بيت زوجها وذلك في أول الإسلام ، ثم نسخ ذلك بعدة الوفاة وبالميراث ، روي هذا عن ابن عباس ، وقتادة والربيع وجابر بن زيد.\r","part":7,"page":235},{"id":2846,"text":"وفي البخاري في كتاب التفسير عن عبد الله بن الزبير قال : \"قلت لعثمان هذه الآية ، {والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجاً وصية لأزواجهم} قد نسختها الآية الآخرى فلم تكتبها ، قال : لا أغير شيئاً منه عن مكانه بابن أخي\" فاقتضى أن هذا هو موضع هذه الآية ، وأن الآية التي قبلها ناسخة لها ، وعليه فيكون وضعها هنا بتوقيف من النبي صلى الله عليه وسلم لقول عثمان \"لا أغير شيئاً منه عن مكانه\" ويحتمل أن ابن الزبير أراد بالآية الأخرى آية سورة النساء في الميراث.\rوفي البخاري قال مجاهد \"شرع الله العدة أربعة أشهر وعشراً تعتد عند أهل زوجها واجباً ، ثم نزلت {وصية لأزواجهم} فجعل الله لها تمام السنة وصية ، إن شاءت سكنت في وصيتها وإن شاءت خرجت ، ولم يكن لها يومئذ ميراث معين ، فكان ذلك حقها في تركة زوجها ، ثم نسخ ذلك بالميراث\" فلا تعرض في هذه الآية للعدة ولكنها في بيان حكم آخر وهو إيجاب الوصية لها بالسكنى حولاً : إن شاءت أن تحتبس عن التزوج حولاً مراعاة لما كانوا عليه ، ويكون الحول تكميلاً لمدة السكنى لا للعدة ، وهذا الذي قاله مجاهد أصرح ما في هذا الباب ، وهو المقبول.\r","part":7,"page":236},{"id":2847,"text":"واعلموا أن العرب في الجاهلية كان من عادتهم المتبعة أن المرأة إذا توفي عنها زوجها تمكث في شر بيت لها حولاً ، محدة لابسة شر ثيابها متجنبة الزينة والطيب ، كما تقدم في حاشية تفسير قوله تعالى : {فلا جناح عليكم فيما فعلن في أنفسهن بالمعروف} [ البقرة : 234 ] عن \"الموطأ\" ، فلما جاء الإسلام أبطل ذلك الغلو في سوء الحالة ، وشرع عدة الوفاة والإحداد ، فلما ثقل ذلك على الناس ، في مبدأ أمر تغيير العادة ، أمر الأزواج بالوصية لأزواجهم بسكنى الحول بمنزل الزوج والإنفاق عليها من ماله ، إن شاءت السكنى بمنزل الزوج ، فإن خرجت وأبت السكنى هنالك لم ينفق عليها ، فصار الخيار للمرأة في ذلك بعد أن كان حقاً عليها لا تستطيع تركه ، ثم نسخ الإنفاق والوصية بالميراث ، فاللَّه لما أراد نسخ عدة الجاهلية ، وراعى لطفه بالناس في قطعهم عن معتادهم ، أقر الاعتداد بالحول ، وأقر ما معه من المكث في البيت مدة العدة ، لكنه أوقفه على وصية الزوج عند وفاته لزوجه بالسكنى ، وعلى قبول الزوجة ذلك ، فإن لم يوص لها أو لم تقبل ، فليس عليها السكنى ، ولها الخروج ، وتعتد حيث شاءت ، ونسخ {وصية} السكنى حولاً بالمواريث ، وبقي لها السكنى في محل زوجها مدة العدة مشروعاً بحديث الفُريعة. أ هـ {التحرير والتنوير حـ 2 صـ 471 ـ 472}\rقال ابن عادل : ","part":7,"page":237},{"id":2848,"text":"قرأ ابن كثير ، ونافع ، والكسائي ، وأبو بكرٍ ، عن عاصم : \" وَصِيَّةٌ \" بالرفع والباقون : بالنصب. وفي رفع {الذين يُتَوَفَّوْنَ} ثمانية أوجهٍ ، خمسةٌ منها على قراءة من رفع \" وَصِيَّةً \" ، وثلاثةٌ على قراءة من نصب \" وصيةٌ \" ؛ فأوّل الخمسة ، أنه مبتدأ ، و\" وَصِيَّةٌ \" مبتدأ ثانٍ ، وسوَّغ الابتداء بها كونها موصوفة تقديراً ؛ إذ التقدير : \" وَصِيَّةٌ مِنَ اللهِ \" أو \" مِنْهُمْ \" ؛ على حسب الخلاف فيها : أهي واجبةٌ من الله تعالى ، أو مندوبةٌ للأزواج ؟ و\" لأَزْوَاجِهِمْ \" خبر المبتدأ الثاني ، فيتعلَّق بمحذوفٍ ، والمبتدأ الثاني وخبره خبر الأول ، وفي هذه الجملة ضمير الأول ، وهذه نظير قولهم : \" السَّمْنُ مَنَوَانِ بِدِرْهَمٍ \" تقديره : \" مَنَوَانِ مِنْهُ \" ، وجعل ابن عطية المسوِّغ للابتداء بها كونها في موضع تخصيص ؛ قال : \" كما حَسُنَ أَنْ يرتفع : \" سَلاَمٌ عَلَيْكَ \" و\" خَيْرٌ بَيْنَ يَدَيْكَ \" ؛ لأنها موضع دعاءٍ \" قال شهاب الدين : وفيه نظرٌ.\rالثاني : أن تكون \" وَصِيَّةٌ \" مبتدأ ، و\" لأَزْوَاجِهِمْ \" صفتها ، والخبر محذوفٌ ، تقديره : فعليهم وصيةٌ لأزواجهم ، والجملة خبر الأوَّل.\rالثالث : أنها مرفوعة بفعل محذوفٍ ، تقديره : كتب عليهم وصيَّةٌ و\" لأَزْوَاجِهِمْ \" صفةٌ ، والجملة خبر الأول أيضاً ؛ ويؤيِّد هذا قراءة عبدالله : \" كُتِبَ عَلَيْهِمْ وَصِيَّةٌ \" وهذا من تفسير المعنى ، لا الإعراب ؛ إذ ليس هذا من المواضع التي يضمر فيها الفعل.\rالرابع : أن \" الَّذِينَ \" مبتدأٌ ، على حذف مضافٍ من الأول ، تقديره : ووصيَّةُ الذين.\rالخامس : أنه كذلك إلا أنه على حذف مضافٍ من الثاني ، تقديره : \" وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ أَهْلُ وَصيَّةٍ \" ذكر هذين الوجهين الزمخشريُّ ، قال أبو حيان : \" ولا ضرورة تدعونا إلى ذلك \".","part":7,"page":238},{"id":2849,"text":"فهذه الخمسة الأولى التي على رفع \" وَصِيَّةٌ \". وأمَّا الثلاثة التي على قراءة النصب في \" وَصِيَّةٌ \" :\rفأحدها : أنه فاعل فعل محذوفٍ ، تقديره : وليوص الذين ، ويكون نصب \" وَصِيَّةٌ \" على المصدر.\rالثاني : أنه مرفوع بفعل مبني للمفعول يتعدَّى لاثنين ، تقديره : \" وأُلْزِمَ الَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ \" ويكون نصب \" وَصِيَّةً \" على أنها مفعولٌ ثانٍ لـ \" أُلْزِمَ \" ، ذكره الزمخشريُّ ، وهو والذي قبله ضعيفان ؛ لأنه ليس من مواضع إضمار الفعل.\rالثالث : أنه مبتدأٌ ، وخبره محذوف ، وهو الناصب لوصية ، تقديره : والذين يتوفون يوصون وصيَّة ، وقدره ابن عطية : \" لِيُوصُوا \" و\" وَصِيَّةً \" منصوبةٌ على المصدر أيضاً ، وفي حرف عبدالله : \" الوَصِيَّةُ \" رفعاً بالابتداء ، والخبر الجارُّ بعدها ، أو مضمرٌ أي : فعليهم الوصية ، والجارُّ بعدها حالٌ ، أو خبرٌ ثانٍ ، أو بيانٌ. أ هـ {تفسير ابن عادل حـ 4 صـ 239 ـ 240}\rقوله تعالى {مَتَاعًا إِلَى الْحَوْلِ غَيْرَ إِخْرَاجٍ}\rقال الفخر :\rأما قوله تعالى : {متاعا} ففيه وجوه الأول : أن يكون على معنى : متعوهن متاعاً ، فيكون التقدير : فليوصوا لهن وصية ، وليمتعوهن متاعاً\rالثاني : أن يكون التقدير : جعل الله لهن ذلك متاعاً لأن ما قبل الكلام يدل على هذا الثالث : أنه نصب على الحال.\rأما قوله : {غَيْرَ إِخْرَاجٍ} ففيه قولان الأول : أنه نصب بوقوعه موقع الحال كأنه قال : متعوهن مقيمات غير مخرجات والثاني : انتصب بنزع الخافض ، أراد من غير إخراج. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 6 صـ 134}\rوقال ابن عاشور :\rقوله : {مَتَاعًا إِلَى الْحَوْلِ غَيْرَ إِخْرَاجٍ فَإِنْ خَرَجْنَ} [ البقرة : 240 ] والمتاع هنا هو السكنى ، وهو منصوب على حذف فعله أي ليمتعوهن متاعاً ، وانتصب متاعاً على نزع الخافض ، فهو متعلق بوصية والتقدير وصية لأزواجهم بمتاع.","part":7,"page":239},{"id":2850,"text":"و ( إلى ) مؤذنة بشيء جعلت غايته الحول ، وتقديره متاعاً بسكنى إلى الحول ، كما دل عليه قوله : {غير إخراج}.\rوالتعريف في الحول تعريف العهد ، وهو الحول المعروف عند العرب من عهد الجاهلية الذي تعتد به المرأة المتوفى عنها ، فهو كتعريفه في قول لبيد :\rإلى الحول ثم اسم السلام عليكما\rومن يَبْككِ حولاً كاملاً فقد اعتذر\rوقوله : {غير إخراج} حال من {متاعاً} مؤكدة ، أو بدل من {متاعاً} بدلاً مطابقاً ، والعرب تؤكد الشيء بنفي ضده ، ومنه قول أبي العباس الأعمى يمدح بني أمية :\rخباءٌ على المنابر فُرسانٌ\rعليها وقالَةٌ غيرُ خُرْس...\rأ هـ {التحرير والتنوير حـ 2 صـ 4736}\rفوائد لغوية\rقال ابن عادل :\rقوله تعالى : {مَّتَاعاً} في نصبه سبعة أوجهٍ :\rأحدها : أنَّه منصوبٌ بلفظ \" وَصِيَّة \" لأنها مصدرٌ منونٌ ، ولا يضرُّ تأنيثها بالتاء ؛ لبنائها عليها ؛ فهي كقوله : [ الطويل ]\r1150- فَلَوْلاَ رَجَاءُ النَّضْرِ مِنْكَ وَرَهْبَةٌ... عِقَابَكَ قَدْ كَانُوا لَنَا كَالْمَوَارِدِ\rوالأصل : وصية بمتاع ، ثم حذف حرف الجرِّ ، اتساعاً ، فنصب ما بعده ، وهذا إذا لم تجعل \" الوصيَّة \" منصوبةٌ على المصدر ؛ لأن المصدر المؤكَّد لا يعمل ، وإنما يجيء ذلك حال رفعها ، أو نصبها على المفعول ؛ كما تقدَّم تفصيله.\rوالثاني : أنه منصوبٌ بفعلٍ ، إمَّا من لفظه ، أي : متِّعوهنَّ متاعاً ، أي : تمتيعاً ، أو من غير لفظه ، أي : جعل الله لهنَّ متاعاً.\rالثالث : أنه صفةٌ لوصية.\rالرابع : أنه بدل منها.\rالخامس : أنه منصوبٌ بما نصبها ، أي : يوصون متاعاً ، فهو مصدر أيضاً على غير الصدر ؛ كـ \" قَعَدْتُ جُلُوساًَ \" ، هذا فيمن نصب \" وَصِيَّةٌ \".\rالسادس : أنه حالٌ من الموصين : أي ممتَّعين أو ذوي متاعٍ.\rالسابع : أنه حالٌ من أزواجهم ، [ أي ] : ممتَّعاتٍ أو ذوات متاعٍ ، وهي حالٌ مقدَّرة إن كانت الوصية من الأزواج.","part":7,"page":240},{"id":2851,"text":"وقرأ أُبيٌّ : \" مَتَاعٌ لأَزْوَاجِهِمْ \" بدل \" وَصِيَّةٌ \" ، وروي عنه \" فَمَتَاعٌ \" ، ودخول الفاء في خبر الموصول ؛ لشبهه بالشرط ، وينتصب \" مَتَاعاً \" في هاتين الروايتين على المصدر بهذا المصدر ، فإنه بمعنى التمتيع ؛ نحو : \" يُعْجِبُنِي ضَرْبٌ لَكَ ضَرْباً شَدِيداً \" ، ونظيره : {قَالَ اذهب فَمَن تَبِعَكَ مِنْهُمْ فَإِنَّ جَهَنَّمَ جَزَآؤُكُمْ جَزَاءً مَّوْفُوراً} [ الإسراء : 63 ] ، و\" إِلَى الحَوْلِ \" متعلِّقٌ بـ \" مَتَاع \" أو بمحذوفٍ ؛ على أنه صفة له.\rقوله تعالى : {غَيْرَ إِخْرَاجٍ} في نصبه ستة أوجهٍ :\rأحدها : أنه نعتٌ لـ \" مَتَاعاً \".\rالثاني : أنه بدلٌ منه.\rالثالث : أنه حالٌ من الزوجات ، أي : غير مخرجات.\rالرابع : أنه حالٌ من الموصين ، أي : غير مخرجين.\rالخامس : أنه منصوب على المصدر ، تقديره : لا إخراجاً ، قاله الأخش.\rالسادس : أنه على حذف حرف الجرِّ ، تقديره : من غير إخراجٍ ، قاله أبو البقاء ، قال شهاب الدين : وفيه نظر. أ هـ {تفسير ابن عادل حـ 4 صـ 240 ـ 241}\rفصل\rقال الفخر :","part":7,"page":241},{"id":2852,"text":"في هذه الآية ثلاثة أقوال الأول : وهو اختيار جمهور المفسرين ، أنها منسوخة ، قالوا : كان الحكم في ابتداء الإسلام أنه إذا مات الرجل لم يكن لامرأته من ميراثه شيء إلا النفقة والسكنى سنة ، وكان الحول عزيمة عليها في الصبر عن التزوج ، ولكنها كانت مخيرة في أن تعتد إن شاءت في بيت الزوج ، وإن شاءت خرجت قبل الحول ، لكنها متى خرجت سقطت نفقتها ، هذا جملة ما في هذه الآية ، لأنا إن قرأنا {وَصِيَّة} بالرفع ، كان المعنى : فعليهم وصية ، وإن قرأناها بالنصب ، كان المعنى : فليوصوا وصية ، وعلى القراءتين هذه الوصية واجبة ، ثم إن هذه الوصية صارت مفسرة بأمرين أحدهما : المتاع والنفقة إلى الحول والثاني : السكنى إلى الحول ، ثم أنزل تعالى أنهن إن خرجن فلا جناح عليكم في ذلك ، فثبت أن هذه الآية توجب أمرين أحدهما : وجوب النفقة والسكنى من مال الزوج سنة والثاني : وجوب الاعتداد سنة ، لأن وجوب السكنى والنفقة من مال الميت سنة توجب المنع من التزوج بزوج آخر في هذه السنة ، ثم إن الله تعالى نسخ هذين الحكمين ، أما الوصية بالنفقة والسكنى فلأن القرآن دل على ثبوت الميراث لها ، والسنة دلت على أنه لا وصية لوارث ، فصار مجموع القرآن والسنة ناسخاً للوصية للزوجة بالنفقة والسكنى في الحول ، وأما وجوب العدة في الحول فهو منسوخ بقوله : {يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا} [ البقرة : 234 ] فهذا القول هو الذي اتفق عليه أكثر المتقدمين والمتأخرين من المفسرين.\rالقول الثاني : وهو قول مجاهد : أن الله تعالى أنزل في عدة المتوفى عنها زوجها آيتين أحدهما : ما تقدم وهو قوله : {يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا} والأخرى : هذه الآية ، فوجب تنزيل هاتين الآيتين على حالتين.\r","part":7,"page":242},{"id":2853,"text":"فنقول : إنها إن لم تختر السكنى في دار زوجها ولم تأخذ النفقة من مال زوجها ، كانت عدتها أربعة أشهر وعشراً على ما في تلك الآية المتقدمة ، وأما إن اختارت السكنى في دار زوجها ، والأخذ من ماله وتركته ، فعدتها هي الحول ، وتنزيل الآيتين على هذين التقديرين أولى ، حتى يكون كل واحد منهما معمولاً به.\rالقول الثالث : وهو قول أبي مسلم الأصفهاني : أن معنى الآية : من يتوفى منكم ويذرون أزواجاً ، وقد وصوا وصية لأزواجهم بنفقة الحول وسكنى الحول فإن خرجن قبل ذلك وخالفن وصية الزوج بعد أن يقمن المدة التي ضربها الله تعالى لهن فلا حرج فيما فعلن في أنفسهن من معروف أي نكاح صحيح ، لأن إقامتهن بهذه الوصية غير لازمة ، قال : والسبب أنهم كانوا في زمان الجاهلية يوصون بالنفقة والسكنى حولاً كاملاً ، وكان يجب على المرأة الاعتداد بالحول ، فبين الله تعالى في هذه الآية أن ذلك غير واجب ، وعلى هذا التقدير فالنسخ زائل ، واحتج على قوله بوجوه أحدها : أن النسخ خلاف الأصل فوجب المصير إلى عدمه بقدر الإمكان الثاني : أن يكون الناسخ متأخراً عن المنسوخ في النزول ، وإذا كان متأخراً عنه في النزول كان الأحسن أن يكون متأخراً عنه في التلاوة أيضاً ، لأن هذا الترتيب أحسن ، فأما تقدم الناسخ على المنسوخ في التلاوة ، فهو وإن كان جائزاً في الجملة ، إلا أنه يعد من سوء الترتيب وتنزيه كلام الله تعالى عنه واجب بقدر الإمكان ولما كانت هذه الآية متأخرة عن تلك التلاوة ، كان الأولى أن لا يحكم بكونها منسوخة بتلك.\r","part":7,"page":243},{"id":2854,"text":"الوجه الثالث : وهو أنه ثبت في علم أصول الفقه أنه متى وقع التعارض بين النسخ وبين التخصيص ، كان التخصيص أولى ، وههنا إن خصصنا هاتين الآيتين بالحالتين على ما هو قول مجاهد اندفع النسخ فكان المصير إلى قول مجاهد أولى من التزام النسخ من غير دليل ، وأما على قول أبي مسلم فالكلام أظهر ، لأنكم تقولون تقدير الآية : فعليهم وصية لأزواجهم ، أو تقديرها : فليوصوا وصية ، فأنتم تضيفون هذا الحكم إلى الله تعالى ، وأبو مسلم يقول : بل تقدير الآية : والذين يتوفون منكم ولهم وصية لأزواجهم ، أو تقديرها : وقد أوصوا وصية لأزواجهم ، فهو يضيف هذا الكلام إلى الزوج ، وإذا كان لا بد من الإضمار فليس إضماركم أولى من إضماره ، ثم على تقدير أن يكون الإضمار ما ذكرتم يلزم تطرق النسخ إلى الآية ، وعند هذا يشهد كل عقل سليم بأن إضمار أبي مسلم أولى من إضماركم ، وأن التزام هذا النسخ التزام له من غير دليل ، مع ما في القول بهذا النسخ من سوء الترتيب الذي يجب تنزيه كلام الله تعالى عنه ، وهذا كلام واضح.\rوإذا عرفت هذا فنقول : هذه الآية من أولها إلى آخرها تكون جملة واحدة شرطية ، فالشرط هو قوله : {والذين يُتَوَفَّوْنَ مِنكُمْ وَيَذَرُونَ أزواجا وَصِيَّةً لأَزْوَاجِهِم متاعا إِلَى الحول غَيْرَ إِخْرَاجٍ} فهذا كله شرط ، والجزاء هو قوله : {فَإِنْ خَرَجْنَ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا فَعَلْنَ فِى أَنفُسِهِنَّ مِن مَّعْرُوفٍ} فهذا تقرير قول أبي مسلم ، وهو في غاية الصحة. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 6 صـ 134 ـ 135}\rوقال القرطبى : \r","part":7,"page":244},{"id":2855,"text":"قوله تعالى : {والذين يُتَوَفَّوْنَ مِنكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجاً} ذهب جماعة من المفسرين في تأويل هذه الآية أنّ المتوفّى عنها زوجها كانت تجلس في بيت المتوفَّى عنها حولاً ، ويُنفق عليها من ماله ما لم تخرج من المنزل ؛ فإن خرجت لم يكن على الورثة جُناح في قطع النفقة عنها ؛ ثم نُسخ الحولُ بالأربعة الأشهر والعشر ، ونُسخت النفقةُ بالرُّبُع والثُّمن في سورة \"النساء\" قاله ابن عباس وقتادة والضحاك وابن زيد والربيع. وفي السكنى خلاف للعلماء ، روى البخاري عن ابن الزبير قال : قلت لعثمان هذه الآية التي في \"البقرة\" : {والذين يُتَوَفَّوْنَ مِنكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجاً} إلى قوله {غَيْرَ إِخْرَاجٍ} قد نسختها الآية الأُخرى فلم تكتبها أو تَدَعُها ؟ قال : يابن أخي لا أُغير شيئاً منه من مكانه. وقال الطبري عن مجاهد : إن هذه الآية محكمة لا نسخ فيها ، والعدّة كانت قد ثبتت أربعة أشهر وعشراً ، ثم جعل الله لهن وصِيَّةً منه سُكْنَى سبعة أشهر وعشرين ليلة ، فإن شاءت المرأة سكنت في وصيتها ، وإن شاءت خرجت ، وهو قول الله عز وجل : {غَيْرَ إِخْرَاجٍ فَإِنْ خَرَجْنَ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ}. قال ابن عطية : وهذا كله قد زال حكمه بالنسخ المتّفق عليه إلا ما قوّله الطبري مجاهداً رحمهما الله تعالى ، وفي ذلك نظر على الطبري. وقال القاضي عِياض : والإجماع منعقد على أن الحول منسوخ وأن عِدّتها أربعةُ أشهر وعشرٌ. قال غيره : معنى قوله \"وَصِيَّةً\" أي من الله تعالى تجب على النساء بعد وفاة الزوج بلزوم البيوت سنَةً ثم نُسخ.\r","part":7,"page":245},{"id":2856,"text":"قلت : ما ذكره الطبري عن مجاهد صحيح ثابت ، خرّج البخاريّ قال : حدّثنا إسحاق قال حدّثنا روح قال حدّثنا شِبْل عن ابن أبي نجِيح عن مجاهد {والذين يُتَوَفَّوْنَ مِنكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجاً} قال : كانت هذه العدّة تعتدّ عند أهل زوجها واجبة فأنزل الله تعالى : {والذين يُتَوَفَّوْنَ مِنكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجاً إلى قوله مِن مَّعْرُوفٍ} قال : جعل الله لها تمام السَّنَة سبعةَ أشهر وعشرين ليلةً وصِيَّةً ، إن شاءت سكنت في وصيتها وإن شاءت خرجت ، وهو قول الله تعالى : {غَيْرَ إِخْرَاجٍ فَإِنْ خَرَجْنَ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ} إلا أن القول الأوّل أظهر لقوله عليه السلام : \" إنما هي أربعة أشهر وعشر وقد كانت إحداكن في الجاهلية ترمي بالبعرة عند رأس الحول \" الحديث. وهذا إخبار منه صلى الله عليه وسلم عن حالة المتوفَّى عنهنّ أزواجهنّ قبل ورود الشرع ، فلما جاء الإسلام أمرهنّ الله تعالى بملازمة البيوت حولا ثم نسخ بالأربعة الأشهر والعشر ، هذا مع وضوحه في السُّنة الثابتة المنقولة بأخبار الآحاد إجماعٌ من علماء المسلمين لا خلاف فيه ؛ قاله أبو عمر ، قال : وكذلك سائر الآية.\rفقوله عز وجل : {والذين يُتَوَفَّوْنَ مِنكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجاً وَصِيَّةً لأَزْوَاجِهِمْ مَّتَاعاً إِلَى الحول غَيْرَ إِخْرَاجٍ} منسوخٌ كله عند جمهور العلماء ، ثم نسخ الوصية بالسكنى للزوجات في الحول ، إلا رواية شاذّة مهجورة جاءت عن ابن أبي نَجِيح عن مجاهد لم يُتابع عليها ، ولا قال بها فيما زاد على الأربعة الأشهر والعشر أحدٌ من علماء المسلمين من الصحابة والتابعين ومَن بعدهم فيما علمتُ. وقد رَوى ابن جُرَيْج عن مجاهد مثل ما عليه الناس ، فانعقد الإجماع وارتفع الخلاف ، وبالله التوفيق. أ هـ {تفسير القرطبى حـ 3 صـ 226 ـ 227}\rفصل\rقال الفخر : ","part":7,"page":246},{"id":2857,"text":"القائلون بأن هذه الوصية كانت واجبة أوردوا على أنفسهم سؤالاً فقالوا : الله تعالى ذكر الوفاة ، ثم أمر بالوصية ، فكيف يوصي المتوفى ؟ وأجابوا عنه بأن المعنى : والذين يقاربون الوفاة ينبغي أن يفعلوا هذا فالوفاة عبارة عن الإشراف عليها وجواب آخر وهو أن هذه الوصية يجوز أن تكون مضافة إلى الله تعالى بمعنى أمره وتكليفه ، كأنه قيل : وصية من الله لأزواجهم ، كقوله : {يُوصِيكُمُ الله فِى أولادكم} [ النساء : 11 ] وإنما يحسن هذا المعنى على قراءة من قرأ بالرفع. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 6 صـ 136}\rقوله تعالى : {فَإِنْ خَرَجْنَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِي مَا فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ مِنْ مَعْرُوفٍ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ}\rالمناسبة\rقال البقاعى : \rولما كان هذا المتاع الواجب من جهة الزوج جائزاً من جهة المرأة نبه عليه بقوله {فإن خرجن} أي من أنفسهن من غير مزعج ولا مخرج {فلا جناح عليكم} يا أهل الدين الذين يجب عليهم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر {فيما فعلن في أنفسهن} من النكاح ومقدماته.\rولما كانت لهن في الجاهلية أحوال منكرة في الشرع قيده بقوله : {من معروف} أي عندكم يا أهل الإسلام.\r","part":7,"page":247},{"id":2858,"text":"ولما كان في هذا حكمان حكم من جهة الرجال فضل وآخر من جهة النساء عفو فكان التقدير : فالله غفور حليم ، عطف عليه قوله : {والله} أي الذي لا كفوء له {عزيز حكيم} وفي ضمنه كما قال الحرالي تهديد شديد للأولياء إن لم ينفذوا ويمضوا هذه الوصية بما ألزم الله ، ففي إلاحته أن من أضاع ذلك ناله من عزة الله عقوبات في ذات نفسه وزوجه ومخلفيه من بعده ويجري مأخذ ما تقتضيه العزة على وزن الحكمة جزاء وفاقاً وحكماً قصاصاً ، وهذه الآية مما ذكر فيها بعض الناس النسخ وإنما هي مما لحقها نسيان أوقعه الله تعالى على الخلق حتى لا يكاد أن يكون عمل بها أحد إلا أحداً لم يذكر به ولم يشتهر منه فهي مما أنسى فران عليه النسيان لأمر شاءه الله سبحانه وتعالى والله يقول الحق وهو يهدي السبيل ، وقد ورد \" أن النبي صلى الله عليه وسلم أنفذ لامرأة من تركة زوجها نفقة سنة \" وذلك والله سبحانه وتعالى أعلم قبل نزول آية الفرائض حين كانت الوصية للوالدين والأقربين بالمعروف - انتهى.\rوبما قال الحرالي من أنها غير منسوخة قال مجاهد كما تقدم في رواية البخاري عنه أن الزوجة إن اختارت هذا فعدتها الحول وإلا فعدتها الآية الأولى ، ونقله الشمس الأصفهاني عنه في تفسيره ، ونقل عن بلديه أبي مسلم قريباً منه فإنه قال بعد أن نقل عنه أنها غير منسوخة : ليس التقدير ما يفيد الوجوب على الزوج مثل : فليوصوا بل التقدير : وقد وصوا ، أو : ولهم وصية.\r","part":7,"page":248},{"id":2859,"text":"وحسن تعقيب آية المحافظة على الصلاة بعدة الوفاة كون الخوف المذكور فيها من أسباب القتل ، ولعل إثباتها في التلاوة مع كونها منسوخة الحكم على ما قال الجمهور تذكيراً للنساء بما كان عدة لهن في أول الأمر لئلا يستطلن العدة الثابتة بأربعة أشهر وعشر فينتهكن شيئاً من حرماتها ، كما أشار إليه ما في الصحيحين وغيرهما عن أم سلمة رضي الله تعالى عنها \" \" أن امرأة استأذنت النبي صلى الله عليه وسلم أن تكحل ابنتها لوجع أصابها ، فأبى وقال : \" قد كانت إحداكن في الجاهلية ترمي بالبعرة على رأس الحول \". أ هـ {نظم الدرر حـ 1 صـ 459 ـ 460}\rقال الفخر : \rأما قوله تعالى : {فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ} فالمعنى : لا جناح عليكم يا أولياء الميت فيما فعلن في أنفسهن من التزين ، ومن الإقدام على النكاح ، وفي رفع الجناح وجهان أحدهما : لا جناح في قطع النفقة عنهن إذا خرجن قبل انقضاء الحول\rوالثاني : لا جناح عليكم في ترك منعهن من الخروج ، لأن مقامها حولاً في بيت زوجها ليس بواجب عليها. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 6 صـ 136}\rقوله : {فِي مَا فَعَلْنَ في أَنْفُسِهِنَّ}\rقال ابن عادل : \rقوله : {فِي مَا فَعَلْنَ في أَنْفُسِهِنَّ} هذان الجارَّان يتعلَّقان بما تعلَّق به خبر \" لا \" وهو \" عَلَيْكُمْ \" من الاستقرار ، والتقدير : لا جناح مستقرٌّ عليكم فيما فعلن في أنفسهنَّ ، و\" مَا \" موصولةٌ اسميةٌ ، والعائد محذوف ، تقديره : فعلنه ، و\" مِنْ مَعْرُوفٍ \" متعلِّقٌ بمحذوفٍ ؛ لأنه حالٌ من ذلك العائد المحذوف ، وتقديره : فيما فعلنه كائناً من معروفٍ. أ هـ {تفسير ابن عادل حـ 4 صـ 242}\rقوله تعالى {والله عزيز حكيم}\rقال أبو حيان","part":7,"page":249},{"id":2860,"text":"{والله عزيز حكيم} ختم الآية بهاتين الصفتين ، فقوله : عزيز ، إظهار للغلبة والقهر لمن منع من إنفاذ الوصية بالتمتيع المذكور ، أو أخرجهن وهنّ لا يخترن الخروج ، ومشعر بالوعيد على ذلك. وقوله : حكيم ، إظهار أن ما شرع من ذلك فهو جارٍ على الحكمة والإتقان ، ووضع الأشياء مواضعها.\rقال ابن عطية : وهذا كله قد زال حكمه بالنسخ المتفق عليه إلاَّ ما قاله الطبري عن مجاهد وفي ذلك نظر على الطبري. انتهى كلامه.\rوقد تقدّم أوّل الآي ما نقل عن مجاهد من أنها محكمة ، وهو قول ابن عطية في ذلك. أ هـ {البحر المحيط حـ 2 صـ 255}\rفصل\rالمعتدَّة من فرقة الوفاة ، لا نفقة لها ، ولا كسوة حاملاً كانت ، أو حائلاً.\rوروي عن عليٍّ ، وابن عمر - رضي الله عنهما - أنَّ لها النَّفقة إذا كانت حاملاً ، وعن جابر ، وابن عبَّاس - رضي الله عنهما - أنهما قالا : لا نفقة لها ، حسبها الميراث ، وهل تستحقُّ السُّكنى ؟ قال عليٌّ ، وابن عباس ، وعائشة - رضي الله عنهم - : لا تستحقُّ السُّكنى ، وهذا مذهب أبي حنيفة والمزنيّ.\rوقال عمر ، وابن عمر ، وعثمان ، وابن مسعود ، وأمُّ سلمة : إنها تستحقُّ السُّكنى ، وبه قال مالك ، والثَّوريُّ ، وأحمد.\rواحتجَّ كلٌّ من الطائفتين بخبر فريعة بنت مالك ، أخت أبي سعيدٍ الخدريِّ ، قتل زوجها ؛ فسألت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت : إنّي أرجع إلى أهلي ، فإنَّ زوجي ما تركني في منزل يملكه ؛ فقال - عليه الصَّلاة والسَّلام - : \" نَعَمْ \" ، فانصرفت حتى إذا كنت في المسجد ، أو في الحجرة دعاني فقال : \" امْكُثِي في بَيْتِكِ حَتَّى يَبْلُغَ الكِتَابُ أَجَلَهُ \" ، فاختلفوا في تنزيل هذا الحديث.\rفقيل : لم يوجب في الابتداء ، ثمَّ أوجب ؛ فصار الأوَّل منسوخاً.\rوقيل : أمرها بالمكث في بيتها أجراً على سبيل الاستحباب ، لا على سبيل الوجوب.","part":7,"page":250},{"id":2861,"text":"واحتجَّ المزنيُّ على أنَّه لا سكنى لها فقال : أجمعنا على أنَّه لا نفقة لها ؛ لأنَّ الملك انقطع بالموت ، فكذلك السُّكنى بدليل : أنهم أجمعوا على أنَّ من وجب له نفقةً ، وسكنى عن ولد ووالد على رجلٍ ؛ فمات ؛ انقطعت نفقتهم ، وسكناهم ؛ لأنّ ماله صار ملكاً للوارث ، فكذا ها هنا.\rوأجيب بأنَّه لا يمكن قياس السُّكنى على النفقة ؛ لأنَّ المطلقة ثلاثاً تستحقُّ السُّكنى بكلِّ حالٍ ، ولا تستحقُّ النَّفقة لنفسها عند المزنيّ. ولأن النَّفقة وجبت في مقابلة التَّمكين من الاستمتاع ، ولا يمكن ها هنا ، وأمَّا السُّكنى وجبت لتحصين النساء ، وهو موجودٌ ها هنا فافترقا. أ هـ {تفسير ابن عادل حـ 4 صـ 244 ـ 245}","part":7,"page":251},{"id":2862,"text":"قوله تعالى : {وَلِلْمُطَلَّقَاتِ مَتَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ (241) كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آَيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (242)}\rمناسبة الآية لما قبلها\rقال البقاعى : \rولما ذكر سبحانه وتعالى متاع المتوفى عنهن عقبه متاع المطلقات تأكيداً للحكم بالتكرير وتعميماً بعد تخصيص بعض أفراده فقال تعالى : {وللمطلقات} أي أيّ المدخول بهن بأي طلاق كان {متاع} أي من جهة الزوج يجبر ما حصل لها من الكسر {بالمعروف} أي من حالهما {حقاً على المتقين} قال الحرالي : حيث كان الذي قبل الدخول حقاً على المحسنين كان المحسن يمتع بأيسر وصلة في القول دون الإفضاء والمتقي يحق عليه الإمتاع بمقدار ما وقع له من حرمة الإفضاء ولما وقع بينهم من الإرهاق والضجر فيكون في المتعة إزالة لبعض ذلك وإبقاء بسلام أو مودة - انتهى.\rوفيه إشارة إلى أن الطلاق كالموت لانقطاع حبل الوصلة الذي هو كالحياة وأن المتاع كالإرث. أ هـ {نظم الدرر حـ 1 صـ 461}\rقال ابن عاشور : \rقوله تعالى : {وَلِلْمُطَلَّقَاتِ مَتَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ}\rعطف على جملة : {والذين يتوفون منكم} [ البقرة : 240 ] جُعل استيفاء لأحكام المتعة للمطلقات ، بعد أن تقدم حكم متعة المطلقات قبل المسيس وقبل الفرض ، فعمم بهذه الآية طلب المتعة للمطلقات كلهن ، فاللام في قوله : {وللمطلقات متاع} لام الاستحقاق.\rوالتعريف في المطلقات يفيد الاستغراق ، فكانت هذه الآية قد زادت أحكاماً على الآية التي سبقتها.\rوعن جابر بن زيد قال : لما نزل قوله تعالى : {ومتعوهن على الموسع قدره} إلى قوله : {حقا على المحسنين} [ البقرة : 236 ] قال رجل : إن أحسنت فعلت وإن لم أرد ذلك لم أفعل ، فنزل قوله تعالى : {وللمطلقات متاع بالمعروف حقا على المتقين} فجعلها بيانا للآية السابقة ، إذ عوض وصف المحسنين بوصف المتقين.","part":7,"page":252},{"id":2863,"text":"والوجه أن اختلاف الوصفين في الآيتين لا يقتضي اختلاف جنس الحكم باختلاف أحوال المطلقات ، وأن جميع المتعة من شأن المحسنين والمتقين ، وأن دلالة صيغة الطلب في الآيتين سواء إن كان استحباباً أو كان إيجاباً.\rفالذين حملوا الطلب في الآية السابقة على الاستحباب ، حملوه في هذه الآية على الاستحباب بالأولى ، ومعولهم في محمل الطلب في كلتا الآيتين ليس إلا على استنباط علة مشروعية المتعة وهي جبر خاطر المطلقة استبقاء للمودة ، ولذلك لم يستثن مالك من مشمولات هذه الآية إلا المختلعة ؛ لأنها هي التي دعت إلى الفرقة دون المطلق.\rوالذين حملوا الطلب في الآية المتقدمة على الوجوب ، اختلفوا في محمل الطلب في هذه الآية فمنهم من طرد قوله بوجوب المتعة لجميع المطلقات ، ومن هؤلاء عطاء وجابر بن زيد وسعيد ابن جبير وابن شهاب والقاسم بن محمد وأبو ثور ، ومنهم من حمل الطلب في هذه الآية على الاستحباب وهو قول الشافعي ، ومرجعه إلى تأويل ظاهر قوله : {وللمطلقات} بما دل عليه مفهوم قوله في الآية الأخرى {ما لم تمسوهن أو تفرضوا لهن فريضة} [ البقرة : 236 ]. أ هـ {التحرير والتنوير حـ 2 صـ 474 ـ 475}\rقال الفخر : \rيروى أن هذه الآية إنما نزلت ، لأن الله تعالى لما أنزل قوله تعالى : {وَمَتّعُوهُنَّ} إلى قوله : {حَقّاً عَلَى المحسنين} [ البقرة : 236 ] قال رجل من المسلمين : إن أردت فعلت ، وإن لم أرد لم أفعل ، فقال تعالى : {وللمطلقات متاع بالمعروف حَقّاً عَلَى المتقين} يعني على كل من كان متقياً عن الكفر ، واعلم أن المراد من المتاع ههنا فيه قولان\r","part":7,"page":253},{"id":2864,"text":"أحدهما : أنه هو المتعة ، فظاهر هذه الآية يقتضي وجوب هذه المتعة لكل المطلقات ، فمن الناس من تمسك بظاهر هذه الآية وأوجب المتعة لجميع المطلقات ، وهو قول سعيد بن جبير وأبي العالية والزهري قال الشافعي رحمه الله تعالى : لكل مطلقة إلا المطلقة التي فرض لها مهر ولم يوجد في حقها المسيس ، وهذه المسألة قد ذكرناها في تفسير قوله تعالى : {وَمَتّعُوهُنَّ عَلَى الموسع قَدَرُهُ وَعَلَى المقتر قَدْرُهُ} [ البقرة : 236 ].\rفإن قيل : لم أعيد ههنا ذكر المتعة مع أن ذكرها قد تقدم في قوله : {وَمَتّعُوهُنَّ عَلَى الموسع قَدَرُهُ وَعَلَى المقتر قَدْرُهُ}.\rقلنا : هناك ذكر حكماً خاصاً ، وههنا ذكر حكماً عاماً.\rوالقول الثاني : أن المراد بهذه المتعة النفقة ، والنفقة قد تسمى متاعاً وإذا حملنا هذا المتاع على النفقة اندفع التكرار فكان ذلك أولى ، وههنا آخر الآيات الدالة على الأحكام ، والله أعلم.\rأ هـ {مفاتيح الغيب حـ 6 صـ 137}\rوقال الخازن : \rقوله عز وجل : {وللمطلقات متاع بالمعروف} إنما أعاد الله تعالى ذكر المتعة هنا لزيادة معنى وهو أن في تلك الآية بيان حكم غير الممسوسة وفي هذه الآية بيان حكم جميع المطلقات في المتعة وقيل لأنه لما نزل قوله تعالى : {ومتعوهن على الموسع قدره} إلى قوله : {حقاً على المحسنين} قال رجل من المسلمين إن فعلت أحسنت وإن لم أرد أفعل فأنزل الله تعالى : {وللمطلقات متاع بالمعروف} فجعل المتعة لهن بلام التمليك. أ هـ {تفسير الخازن حـ 1 صـ 168}\rقال القرطبى : ","part":7,"page":254},{"id":2865,"text":"اختلف الناس في هذه الآية ؛ فقال أبو ثور : هي مُحكمةٌ ، والمُتْعَة لكل مطلَّقة ؛ وكذلك قال الزُّهريّ. ( قال الزهري ) حتى للأمة يطلقها زوجها.\rوكذلك قال سعيد بن جبير : لكل مطلقة متعة وهو أحد قولي الشافعيّ لهذه الآية. وقال مالك لكل مطلقة اثنتين أو واحدة بَنَى بها أم لا ؛ سَمَّى لها صداقاً أم لا المتعةُ ، إلا المطلقة قبل البناء وقد سمي لها صداقاً فحسبُها نصفُه ، ولو لم يكن سمى لها كان لها المتعة أقلّ من صداق المِثل أو أكثر ، وليس لهذه المتعة حدّ ؛ حكاه عنه ابن القاسم. وقال ابن القاسم في إرْخَاء السُّتُور من المدوّنة ، قال : جعل الله تعالى المتعة لكل مطلقة بهذه الآية ، ثم استثنى في الآية الأُخرى التي قد فُرض لها ولم يدخل بها فأخرجها من المتعة ، وزعم ابن زَيْد أنها نسختها. قال ابن عطية : فقرّ ابن القاسم من لفظ النّسْخ إلى لفظ الاستثناء والاستثناء لا يَتّجِه في هذا الموضع ، بل هو نسخ محضٌ كما قال زيد بن أسلم ، وإذا التزم ابن القاسم أن قوله : {وَلِلْمُطَلَّقَاتِ} يعُمّ كل مطلقة لزمه القول بالنسخ ولا بدّ. وقال عطاء بن أبي رباح وغيره : هذه الآية في الثِّيبات اللواتي قد جُومِعْن ، إذْ تقدّم في غير هذه الآية ذكر المتعة للّواتي لم يُدخَل بهنّ ؛ فهذا قول بأن التي قد فُرض لها قبل المَسِيس لم تدخل قط في العموم. فهذا يجيء على أن قوله تعالى : {وَإِن طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِن قَبْلِ أَن تَمَسُّوهُنَّ} مخصِّصة لهذا الصنف من النِّساء ، ومتى قيل : إن هذا العموم يتناولها فذلك نسخ لا تخصيص. وقال الشافعيّ في القول الآخر : إنه لا متعة إلا للتي طلقت قبل الدخول وليس ثمّ مَسِيسٌ ولا فرض ؛ لأن من استحقت شيئاً من المهر لم تحتج في حقها إلى المتعة. وقول الله عز وجل في زوجات النبيّ صلى الله عليه وسلم : {فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ} [ الأحزاب : 28 ] محمول على أنه تطوّع من النبيّ صلى الله عليه وسلم ، ولا وجوبَ","part":7,"page":255},{"id":2866,"text":"له. وقوله : {فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا فَمَتِّعُوهُنَّ} [ الأحزاب : 49 ] محمول على غير المفروضة أيضاً ؛ قال الشافعيّ : والمفروض لها المهر إذا طُلِّقت قبل المسِيس لا مُتْعَةَ لها ؛ لأنها أخذت نصف المهر من غير جريان وطء ، والمدخول بها إذا طلقت فلها المتعة ؛ لأن المهر يقع في مقابلة الوطء والمتعة بسبب الابتذال بالعقد. وأوجب الشافعيّ المتعة للمُخْتَلِعة والمبَارِئة. وقال أصحاب مالك : كيف يكون لِلمفْتدِيَةِ مُتْعَةٌ وهي تعطي ، فكيف تأخذ متاعا! لا متعة لمختارة الفراق من مختلِعة أو مفتدِية أو مبارِئة أو مصالِحة أو ملاعنة أو معتقة تختار الفراق ، دخل بها أم لا ، سمى لها صداقاً أم لا ، وقد مضى هذا مبيناً. أ هـ {تفسير القرطبى حـ 3 صـ 228 ـ 229}\rقوله تعالى {حقا على المتقين}\rقال أبو حيان : \rوظاهر : المتقين : من يتصف بالتقوى التي هي أخص من اتقاء الشرك ، وخصوا بالذكر تشريفاً لهم ، أو لأنهم أكثر الناس وقوفاً والله أسرعهم لامتثال أمر الله ، وقيل : على المتقين أي : متقي الشرك. أ هـ {البحر المحيط حـ 2 صـ 255}\rفائدة\rقال العلامة الشنقيطى : \rظاهر هذه الآية الكريمة أن المتعة حق لكل مطلقة على مطلقها المتقي ، سواء أطلقت قبل الدخول أم لا ؟ فرض لها صداق أم لا ؟ ويدل لهذا العموم قوله تعالى : {ياأيها النبي قُل لأَزْوَاجِكَ إِن كُنتُنَّ تُرِدْنَ الحياة الدنيا وَزِينَتَهَا فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحاً جَمِيلاً} [ الأحزاب : 28 ] مع قوله : {لَّقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ الله أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ} [ الأحزاب : 21 ] الآية - وقد تقرر في الأصول أن الخطاب الخاص به صلى الله عليه وسلم يعم حكمه جميع الأمة إلا بدليل على الخصوص كما عقده في مراقي السعود بقوله : \rوما به قد خوطب النَّبي... تعميمه في المذهب السني","part":7,"page":256},{"id":2867,"text":"وهو مذهب الأئمة الثلاثة ، خلافاً للشافعي القائل بخصوصه به صلى الله عليه وسلم إلا بدليل على العموم ، كما بيناه في غير هذا الموضع.\rوإذا عرفت ذلك فاعلم : أن أزواج النَّبي مفروض لهن ومدخول بهن ، وقد يفهم من موضع آخر أن المتعة لخصوص المطلقة قبل الدخول. وفرض الصداق معاً. لأن المطلقة بعد الدخول تستحق الصداق ، والمطلقة قبل الدخول وبعد فرض الصداق تستحق نصف الصداق. والمطلقة قبلهما لا تستحق شيئاً ، فالمتعة لها خاصة لجبر كسرها وذلك في قوله تعالى : {لاَّ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِن طَلَّقْتُمُ النسآء مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُواْ لَهُنَّ فَرِيضَةً وَمَتِّعُوهُنَّ} [ البقرة : 236 ] ثم قال : {وَإِن طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِن قَبْلِ أَن تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ} [ البقرة : 237 ] فهذه الآية ظاهرة في هذا التفصيل ، ووجهه ظهر معقول.\rوقد ذكر تعالى في موضع آخر ما يدل على الأمر بالمتعة للمطلقة قبل الدخول وإن كان مفروضاً لها ، وذلك في قوله تعالى : {ياأيها الذين آمنوا إِذَا نَكَحْتُمُ المؤمنات ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِن قَبْلِ أَن تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا فَمَتِّعُوهُنَّ وَسَرِّحُوهُنَّ سَرَاحاً جَمِيلاً} [ الأحزاب : 49 ]. لأن ظاهر عمومها يشمل المفروض لها الصداق وغيرها ، وبكل واحدة من الآيات الثلاث أخذ جماعة من العلماء. والأحوط الأخذ بالعموم ، وقد تقرر في الأصول أن النص الدال على الأمر مقدم على الدال على الإباحة ، وعقده في مراقي السعود بقوله : \rوناقل ومثبت والآمر... بعد النواهي ثم هذا الآخر\rعلى إباحة إلخ.\rفقوله ثم هذا الآخر على إباحة ، يعني : أن النص الدال على أمر مقدم على النص الدال على غباحة ، للاحتياط في الخروج من عهدة الطلب.\r","part":7,"page":257},{"id":2868,"text":"والتحقيق أن قدر المتعة لا تحديد فيه شرعاً لقوله تعالى : {عَلَى الموسع قَدَرُهُ وَعَلَى المقتر قَدْرُهُ} [ البقرة : 236 ] فإن توافقا على قدر معين فالأمر واضح ، وإن اختلفا فالحاكم يجتهد في تحقيق المناط ، فيعين القدر على ضوء قوله تعالى : {عَلَى الموسع قَدَرُهُ} [ البقرة : 236 ] الآية هذا هو الظاهر وظاهر قوله : {ومَتِّعُوهُنَّ} [ البقرة : 236 ] وقوله : {وَلِلْمُطَلَّقَاتِ مَتَاعٌ} [ البقرة : 241 ] يقتضي وجوب المتعة في الجملة خلافاً لمالك ومن وافقه في عدم وجوب المتعة أصلاً ، واستدل بعض المالكية على عدم وجوب المتعة بأن الله تعالى قال : {حَقّاً عَلَى المحسنين} [ البقرة : 236 ] وقال : {حَقّاً عَلَى المتقين} [ البقرة : 241 ] قالوا : فلو كانت واجبة لكانت حقاً على كل أحد. وبأنها لو كانت واجبة لعين فيها القدر الواجب.\rقال مقيده - عفا الله عنه - هذا الاستدلال على عدم وجوبها لا ينهض فيما يظهر. لأن قوله : {عَلَى المحسنين} [ البقرة : 236 ] و{عَلَى المتقين} [ البقرة : 241 ] تأكيد للوجوب وليس لأحد أن يقول لست متقياً مثلاً. لوجوب التقوى على جميع الناس قال القرطبي في تفسير قوله تعالى ومتعوهن الآية ما نصه : وقوله على المتقين تأكيد لإيجابها. لأن كل واحد يجب عليه أن يتقي الله في الإشراك به ومعاصيه وقد قال تعالى في القرآن : {هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ} [ البقرة : 2 ] ، وقولهم لو كانت واجبة لعين القدر الواجب فيها ، ظاهر السقوط. فنفقة الأزواج والأقارب واجبة ولم يعين فيها القدر اللازم ، وذلك النوع من تحقيق المناط مجمع عليه في جميع الشرائع كما هو معلوم. أ هـ {أضواء البيان حـ 1 صـ 177 ـ 178}\rقوله تعالى : {كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آَيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (242)}\rمناسبة الآية لما قبلها\rقال البقاعى : \r","part":7,"page":258},{"id":2869,"text":"ولما بيّن سبحانه وتعالى هذه الأحكام هذا البيان الشافي كان كأن سائلاً قال : هل يبين غيرها مثلها ؟ فقال : {كذلك} أي مثل هذا البيان {يبين الله} أي الذي له الحكمة البالغة لأنه المحيط بكل شيء {لكم آياته} أي المرئية بما يفصل لكم في آياته المسموعة {لعلكم تعقلون} أي لتكونوا على حال يرجى لكم معها التفكر في الآيات المسموعات والآيات المرئيات كما يفعل العقلاء فيهديكم ذلك إلى سواء السبيل ؛ وقد كرر مثل هذا القول كثيراً وفصلت به الآيات تفصيلاً وكان لعمري يكفي الفطن السالم من مرض القلب وآفة الهوى إيراده مرة واحدة في الوثوق بمضمونه والركون إلى مدلوله ، وإنما كرر تنبيهاً على بلاغة الآيات المختومة به وخروجها عن طوق البشر وقدرة المخلوق ، وذلك أنهم كلما سمعوا شيئاً من ذلك وهم أهل السبق في البلاغة والظفر على جميع أرباب الفصاحة والبراعة فرأوه فائتاً لقواهم وبعيداً من قدرهم خطر لهم السؤال عن مثل ذلك البيان ناسين لما تقدم من صادق الوعد وثابت القول بأن الكل على هذا المنوال البديع المثال البعيد المنال ، لما اعتراهم من دهش العقول وانبهار الألباب والفهوم. أ هـ {نظم الدرر حـ 1 صـ 461 ـ 462}\rقال ابن الجوزى : \rقوله تعالى : {كذلك يبين الله لكم آياته} أي : كما بيّن الذي تقدم من الأحكام {يبين الله لكم آياته لعلكم تعقلون} أي : يثبت لكم وصف العقلاء باستعمال ما بين لكم ، وثمرة العقل استعمال الأشياء المستقيمة.\rألا ترى إلى قوله تعالى : {إنما التوبة على الله للذين يعملون السوء بجهالة} [ النساء : 17 ].\rوإنما سموا جهالاً ، لأنهم آثروا أهواءهم على ما علموا أنه الحق. أ هـ {زاد المسير حـ 1 صـ 287}\rوقال أبو حيان : \r{كذلك يبين الله لكم آياته} أي مثل هذا التبيين الذي سبق من الأحكام ، يبين لكم في المستقبل ما بقي من الأحكام التي يكلفها العباد.","part":7,"page":259},{"id":2870,"text":"{لعلكم تعقلون} ما يراد منكم من التزام الشرائع والوقوف عندها ، لأن التبيين للأشياء مما يتضح للعقل بأول إدراك ، بخلاف الأشياء المغيبات والمجملات ، فإن العقل يرتبك فيها ، ولا يكاد يحصل منها على طائل. أ هـ {البحر المحيط حـ 2 صـ 255}\rمن فوائد ابن عرفة فى الآيتين الكريمتين\rقال ابن عرفة : عادتهم يقولون إنّ هذا أبلغ من قوله : \" فَمَتِّعُوهُنّ عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ \" من وجهين :\rأحدهما : لقوله {حَقّاً عَلَى المتقين} ( إذا قلنا إنّ المتّقي مرادف للمؤمن ، فأفاد وجوبها على عموم المؤمنين وتلك اقتضت خصوص وجوبها بالمحسنين فقط ).\rالثاني : أن ذلك أمر وهذا خبر في معنى الأمر وورود الأمر عندهم بصيغة الخبر أبلغ لاقتضائه ثبوت الشيء المأمور به ووقوعه في الوجود حتى صار مخبرا عنه بذلك.\rقوله تعالى : {كَذَلِكَ يُبَيِّنُ الله لَكُمْ آيَاتِهِ...}.\rأي مثل هذا البيان في المتعة وفي العدة وجميع ما تقدم يبين الله لكم ءاياته. ( والظاهر ) أن المراد آيات الأحكام ، ويحتمل العموم في المعجزات وغيرها وهو دليل على صحة من منع الوقف على قوله {وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ الله} وقال لابد من وصله بقوله {والراسخون فِي العلم} قوله تعالى : {لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ}.\rقال ابن عرفة : ليس المراد هنا العقل التكليفي بل أخص منه وهو العقل النافع. وذكر ابن عطية حديثا وقال هو حديث لين.\rابن عرفة أي ضعيف. أ هـ {تفسير ابن عرفة صـ 314 ـ 315}\rفوائد بلاغية فى الآيات السابقة\rقال أبو حيان :\rقيل : وفي هذه الآيات من بدائع البديع ، وصنوف الفصاحة : النقل من صيغة : افعلوا ، إلى : فاعلوا ، للمبالغة وذلك في : حافظوا ، والاختصاص بالذكر في : والصلاة الوسطى ، والطباق المعنوي في : فإن خفتم.","part":7,"page":260},{"id":2871,"text":"لأن التقدير في : حافظوا ، وهو مراعاة أوقاتها وهيآتها إذا كنتم آمنين ، والحذف في : فإن خفتم ، العدوّ ، أو ما جرى مجراه. وفي : فرجالاً ، أي : فصلوا رجالاً ، وفي : وصية لأزواجهم ، سواء رفع أم نصب ، وفي : غير إخراج ، أي : لهنّ من مكانهنّ الذي يعتدون فيه ، وفي : فإن خرجن من بيوتهنّ من غير رضا منهنّ ، وفي : فيما فعلن في أنفسهنّ ، أي : من ميلهنّ إلى التزويج أو الزينة بعد انقضاء المدّة وفي : بالمعروف ، أي : عادة أو شرعاً وفي : عزيز ، أي : انتقامه ، وفي : حكيم ، في أحكامه.\rوفي قوله : حقاً ، أي : حق ذلك حقاً ، وفي : على المتقين ، أي عذاب الله والتشبيه : في : كما علمكم ، والتجنيس المماثل : وهو أن يكون بفعلين أو باسمين ، وذلك في : علمكم ما لم تكونوا تعلمون ، والتجنيس المغاير : في غير إخراج فان خرجهن ، والمجاز في : يوفون ، أي يقاربون الوفاة ، والتكرار : في متاعاً إلى الحول ، ثم قال : وللمطلقات متاع ، فيكون للتأكيد إن كان إياه ولاختلاف المعنيين إن كان غيره. أ هـ {البحر المحيط حـ 2 صـ 255}","part":7,"page":261},{"id":2872,"text":"قوله تعالى : {أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ حَذَرَ الْمَوْتِ فَقَالَ لَهُمُ اللَّهُ مُوتُوا ثُمَّ أَحْيَاهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَشْكُرُونَ (243)}\rمناسبة الآية لما قبلها\rقال الفخر :\rاعلم أن عادته تعالى في القرآن أن يذكر بعد بيان الأحكام القصص ليفيد الاعتبار للسامع ، ويحمله ذلك الاعتبار على ترك التمرد والعناد ، ومزيد الخضوع والانقياد فقال : {أَلَمْ تَرَ إِلَى الذين خَرَجُواْ مِن ديارهم}. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 6 صـ 137}\rوقال ابن عاشور :\rقوله تعالى : {أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ حَذَرَ الْمَوْتِ}\rاستئناف ابتدائي للتحريض على الجهاد والتذكير بأن الحذر لا يؤخر الأجل ، وأن الجبان قد يلقى حتفه في مظنة النجاة.\rوقد تقدم أن هذه السورة نزلت في مدة صلح الحديبية وأنها تمهيد لفتح مكة ، فالقتال من أهم أغراضها ، والمقصود من هذا الكلام هو قوله : {وقاتلوا في سبيل الله} الآية.\rفالكلام رجوع إلى قوله : {كتب عليكم القتال وهو كره لكم} [ البقرة : 216 ] وفصلت بين الكلامين الآيات النازلة خلالهما المفتتحة بـ {يسألونك} [ البقرة : 217 ، 219 ، 220 ، 222 ].","part":7,"page":262},{"id":2873,"text":"وموقع {ألم تر إلى الذين خرجوا من ديارهم} قبل قوله : {وقاتلوا في سبيل الله} موقع ذكر الدليل قبل المقصود ، وهذا طريق من طرق الخطابة أن يقدم الدليل قبل المستدل عليه لمقاصد كقول علي رضي الله عنه في بعض خطبه لما بلغه استيلاء جند الشام على أكثر البلاد ، إذ افتتح الخطبة فقال : \"ما هي إلا الكوفة أقبضها وأبسطها أنبئت بُسْراً هو ابن أبي أرطأة من قادة جنود الشام قد اطلع اليمن ، وإني والله لأظن أن هؤلاء القوم سيدالون منكم باجتماعهم على باطلهم ، وتفرقكم عن حقكم\" فقوله : \"ما هي إلا الكوفة\" موقعه موقع الدليل على قوله : \"لأظن هؤلاء القوم إلخ\" وقال عيسى بن طلحة لما دخل على عروة بن الزبير حين قطعت رجله \"ما كنا نعدك للصراع ، والحمد لله الذي أبقى لنا أكثرك : أبقى لنا سمعك ، وبصرك ، ولسانك ، وعقلك ، وإحدى رجليك\" فقدم قوله : ما كنا نعدك للصراع ، والمقصود من مثل ذلك الاهتمام والعناية بالحجة قبل ذكر الدعوى تشويقاً للدعوى ، أو حملاً على التعجيل بالامتثال. أ هـ {التحرير والتنوير حـ 2 صـ 475 ـ 476}\rوقال أبو حيان : \rمناسبة هذه الآية لما قبلها أنه تعالى متى ذكر شيئاً من الأحكام التكليفية ، أعقب ذلك بشيء من القصص على سبيل الاعتبار للسامع ، فيحمله ذلك على الانقياد وترك العناد ، وكان تعالى قد ذكر أشياء من أحكام الموتى ومن خلفوا ، فأعقب ذلك بذكر هذه القصة العجيبة ، وكيف أمات الله هؤلاء الخارجين من ديارهم ، ثم أحياهم في الدنيا ، فكما كان قادراً على إحيائهم في الدنيا هو قادر على إحياء المتوفين في الآخرة ، فيجازي كلاَّ منهم بما عمل.\rففي هذه القصة تنبيه على المعاد ، وأنه كائن لا محالة ، فيليق بكل عاقل أن يعمل لمعاده : بأن يحافظ على عبادة ربه ، وأن يوفي حقوق عباده.\r","part":7,"page":263},{"id":2874,"text":"وقيل : لما بين تعالى حكم النكاح ، بين حكم القتال ، لأن النكاح تحصين للدّين ، والقتال تحصين للدّين والمال والروح ، وقيل : مناسبة هذه الآية لما قبلها : هو أنه لما ذكر : {كذلك يبين الله لكم آياته لعلكم تعقلون} ذكر هذه القصة لأنها من عظيم آياته ، وبدائع قدرته. أ هـ {البحر المحيط حـ 2 صـ 258}\rوقال البقاعى : ","part":7,"page":264},{"id":2875,"text":"ولما انقضى ما لا بد منه مما سيق بعد الإعلام بفرض القتال المكروه للأنفس من تفصيل ما أحمل في ليل الصيام من المشارب والمناكح وما تبعها وكان الطلاق كما سلف كالموت وكانت المراجعة كالإحياء وختم ذلك بالصلاة حال الخوف الذي أغلب صورة الجهاد ثم بتبيين الآيات أعم من أن تكون في الجهاد أو غيره عقب ذلك بقوله دليلاً على آية كتب القتال المحثوث فيها على الإقدام على المكاره لجهل المخلوق بالغايات : {ألم تر} وقال الحرالي : لما كان أمر الدين مقاماً بمعالمه الخمس التي إقامة ظاهرها تمام في الأمة وإنما تتم إقامتها بتقوى القلوب وإخلاص النيات كان القليل من المواعظ والقصص في شأنه كافياً ، ولما كان حظيرة الدين إنما هو الجهاد الذي فيه بذل الأنفس وإنفاق الأموال كثرت فيه مواعظ القرآن وترددت وعرض لهذه الأمة بإعلام بما يقع فيه فذكر ما وقع من الأقاصيص في الأمم السالفة وخصوصاً أهل الكتابين بني إسرائيل ومن لحق بهم من أبناء العيص فكانت وقائعهم مثلاً لوقائع هذه الأمة فلذلك أحيل النبي صلى الله عليه وسلم على استنطاق أحوالهم بما يكشفه الله سبحانه وتعالى له من أمرهم عياناً وبما ينزله من خبرهم بياناً وكان من جامعة معنى ذلك ما تقدم من قوله سبحانه وتعالى : {سل بني إسرائيل كم آتيناهم من آية بينة} [ البقرة : 211 ] وكان من جملة الآيات التي يحق الإقبال بها على النبي صلى الله عليه وسلم لعلو معناها فأشرف المعاني ما قيل فيه {ألم تر} إقبالاً على النبي صلى الله عليه وسلم وعموم المعاني ما قيل فيه {ألم تروا} [ لقمان : 20 ] إقبالاً على الأمة ليخاطب كل على قدر ما قدم لهم من تمهيد موهبة العقل لتترتب المكسبة من العلم على مقدار الموهبة من العقل فكان من القصص العلي العلم اللطيف الاعتبار ما تضمنته هذه الآيات من قوله : {ألم تر} ليكون ذلك عبرة لهذه الأمة حتى لا يفروا من الموت فرار من قبلهم ، قال عليه الصلاة والسلام : \" إذا نزل الوباء","part":7,"page":265},{"id":2876,"text":"بأرض وأنتم بها فلا تخرجوا فراراً منه \" وذلك لتظهر مزيتهم على من قبلهم بما يكون من عزمهم كما أظهر الله تعالى مزيتهم على من قبلهم بما آتاهم من فضله ورحمته التي لم ينولها لمن قبلهم - انتهى.\rولما كانت مفارقة الأوطان مما لا يسمح به نبه بذكره على عظيم ما دهمهم فقال : {إلى الذين خرجوا} أي ممن تقدمكم من الأمم {من ديارهم} التي ألفوها وطال ما تعبوا حتى توطنوها لما وقع فيها مما لا طاقة لهم به على الموت {وهم ألوف} أي كثيرة جداً تزيد على العشرة بما أفهمه جمع التكثير.\rقال الحرالي : فيه إشعار بأن تخوفهم لم يكن من نقص عدد وإنما كان من جزع أنفس فأعلم سبحانه وتعالى أن الحذر لا ينجي من القدر وإنما ينجى منه كما قال النبي صلى الله عليه وسلم الدعاء \" إن الدعاء ليلقي القدر فيعتلجان إلى يوم القيامة \" انتهى.\r{حذر الموت} فراراً من طاعون وقع في مدينتهم أو فراراً من عدو دعاهم نبيهم إلى قتاله - على اختلاف الرواية - ظناً منهم أن الفرار ينجيهم.\rودل سبحانه وتعالى على أن موتهم كان كنفس واحدة بأن جعلهم كالمأمور الذي لم يمكنه التخلف عن الامتثال بقوله مسبباً عن خروجهم على هذا الوجه : {فقال لهم الله} أي الذي لا يفوته هارب ولا يعجزه طالب لأن له الكمال كله {موتوا} أي فماتوا أجمعون موت نفس واحدة لم ينفعهم حذرهم ولا صد القدر عنهم علمهم بالأمور وبصرهم إعلاماً بأن من هاب القتال حذر الموت لم يغنه حذره مع ما جناه من إغضاب ربه ومن أقدم عليه لم يضره إقدامه مع ما فاز به من مرضاة مولاه.\r","part":7,"page":266},{"id":2877,"text":"قال الحرالي : في إشعاره إنباء بأن هذه الإماتة إماتة تكون بالقول حيث لم يقل : فأماتهم الله ، فتكون إماتة حاقة لا مرجع منها ، ففيه إبداء لمعنى تدريج ذات الموت في أسنان متراقية من حد ضعف الأعضاء والقوى بالكسل إلى حد السنة إلى حد النوم إلى حد الغشي إلى حد الصعق إلى حد هذه الإماتة بالقول إلى حد الإماتة الآتية على جملة الحياة التي لا ترجع إلا بعد البعث وكذلك الإماتة التي يكون عنها تبدد الجسم مع بقائه على صورة أشلائه أشد إتياناً على الميت من التي لا تأتي على أعضائه \" إن الله حرم على الأرض أن تأكل أجساد الأنبياء والشهداء والعلماء والمؤذنين \" فكما للحياة أسنان من حد ربو الأرض إلى حد حياة المؤمن إلى ما فوق ذلك من الحياة كذلك للموت أسنان بعدد أسنان الحياة مع كل سن حياة موت إلى أن ينتهي الأمر إلى الحي الذي لا يموت {وأن إلى ربك المنتهى} [ النجم : 42 ] ، فبذلك يعلم ذو الفهم أن ذلك توطئة لقوله : {ثم أحياهم} وفي كلمة {ثم} إمهال إلى ما شاء الله - انتهى.\r","part":7,"page":267},{"id":2878,"text":"وجعل سبحانه وتعالى ذلك تقريراً له صلى الله عليه وسلم بالرؤية إما لأنه كشف له عنهم في الحالتين وإما تنبيهاً على أنه في القطع بإخبار الله تعالى له على حالة هي كالرؤية لغيره تدريباً لأمته ؛ ولعل في الآية حضاً على التفضل بالمراجعة من الطلاق كما تفضل الله على هؤلاء بالإحياء بعد أن أدبهم بالإماتة وختم ما قبلها بالإقامة في مقام الترجي للعقل فيه إشارة إلى أن الخارجين من ديارهم لهذا الغرض سفهاء فكأنه قيل : لتعقلوا فلا تكونوا كهؤلاء الذين ظنوا أن فرارهم ينجيهم من الله بل تكونون عالمين بأنكم أينما كنتم ففي قبضته وطوع مشيئته وقدرته فيفيدكم ذلك الإقدام على ما كتب عليكم مما تكرهونه من القتال ، أو يقال : ولما كان المتوفى قد يطلق زوجه في مرض موته فراراً من إرثها وقد يخص بعض وارثيه مما يضار به غيره وقد يحتال على المطلقة ضراراً بما يمنع حقها ختم آية الوفاة عن الأزواج والمطلقات بترجية العقل بمعنى أنكم إذا عقلتم لم تمنعوا أحداً من فضل الله الذي آتاكم علماً منكم بأنه تعالى قادر على أن يمنع المراد إعطاؤه ويمنح المراد منعه بأسباب يقيمها ودواعي يخلقها أو يشفي فاعل ذلك من مرضه ثم يسلبه فضله فيفقره بعد غناه ويضعفه بعد قواه ، فإنه لا ينفع من قدره حذر ، ولا يدفع مراده كيد ولا حيل وإن كثر العدد وجل المدد ، {ألم تر} إلى أن قال : {إن الله} أي الذي له الإحاطة بالجلال والإكرام {لذو فضل} {على الناس} أي عامة فليذكر كل واحد ما له عليه من الفضل ، وليرغبوا في العفو عمن يرون أن منعه عدل لأن ذلك أقرب إلى الشكر وأبعد عن الكفر ، فطلاق الفار إخراج الزوجة عن دائرة عصمته حذراً من إماتة ماله بأخذ ما يخصها منه وخروج الزوج عن دائرة النكاح حذراً من موت مقيد بكونها في عصمته وخروج الألوف من دار الإقامة حذراً من موت مطلق ، ومن المناسبات البديعة أنه لما كانت حقيقة حال العرب أنهم انتقلوا بعد أبيهم إسماعيل عليه الصلاة والسلام","part":7,"page":268},{"id":2879,"text":"والتابعين له بإحسان من ضيق دار العلم والإيمان حذراً من هلاك الأبدان بتكاليف الأديان إلى قضاء الشهوات والعصيان فوقعوا في موت الجهل والكفران فلما نزل عليهم القرآن وكان أكثر هذه السورة في الرد على أهل الكتاب وكرر فيها هداية العرب من الكفر والجهل بكلمة الإطماع في غير موضع نحو {ولأتم نعمتي عليكم ولعلكم تهتدون} [ البقرة : 150 ] {لعلكم تتقون} [ البقرة : 21 ] {لعلهم يرشدون} [ البقرة : 186 ] {لعلكم تتفكرون في الدنيا والآخرة} [ البقرة : 219 ، 220 ] وغير ذلك إلى أن ختم هذه الآيات بترجي العقل وكان أهل الكتاب قد اشتد حسدهم لهم بجعل النبي الذي كانوا ينتظرونه منهم وكان الحاسد يتعلق في استبعاد الخير عن محسوده بأدنى شيء كانوا كأنهم قالوا : أيحيي هؤلاء العرب على كثرتهم وانتشارهم في أقطار هذه الجزيرة من موت الكفر والجهل بالإيمان والعلم بعد أن تمادت بهم فيهما الأزمان وتوالت عليهم الليالي والأيام حتى عتوا فيهما وعسوا ومردوا عليهما وقسوا ؟ فأجيبوا بنعم وما استبعدتموه غير بعيد ، فقالوا : فإن كان لله بهم عناية فلم تركهم يجهلون ويكفرون بعد ما شرع لهم أبوهم إسماعيل عليه الصلاة والسلام دين أبيه إبراهيم عليه الصلاة والسلام ؟ فأجيبوا بأنه فعل بهم ذلك لذنب استحقوه لحكمة اقتضاها سابق علمه ثم ذكّرهم قدرته في مثل ذلك من العقوبة واللطف بما هم به عالمون فقال تعالى مخاطباً لنبيه صلى الله عليه وسلم والمراد هم - كما يقال : الكلام لك واسمعي يا جارة - {ألم تر} ويجوز أن يكون الخطاب لكل فاهم أي تعلم بقلبك أيها السامع علماً هو كالرؤية ببصرك لما تقدم من الأدلة التي هي أضوأ من الشمس على القدرة على البعث ويؤيد أنه لمح فيه الإبصار تعديته بإلى في قوله : {إلى الذين خرجوا} وقال : {فقال لهم الله} أي الذي له العظمة كلها عقوبة لهم بفرارهم من أمره {موتوا ثم أحياهم} بعد أن تطاول عليهم الأمد وتقادم بهم الزمن كما أفهمه العطف بحرف","part":7,"page":269},{"id":2880,"text":"التراخي تفضلاً منه ، فكما تفضل على أولئك بحياة أشباههم بعد عقوبتهم بالموت فهو يتفضل على هؤلاء بحياة أرواحهم من موت الكفر والجهل إظهاراً لشرف نبيهم صلى الله عليه وسلم ، ثم علل ذلك بقوله : {إن الله} أي الذي له العظمة كلها بما له من الجلال والعظمة والكمال {لذو فضل} أي عظيم {على الناس} أي كافة مطيعهم وعاصيهم.\rقال الحرالي : بما ينسبهم تارة إلى أحوال مهوية ثم ينجيهم منها إلى أحوال منجية بحيث لو أبقى هؤلاء على هذه الإماتة ومن لحق بسنتهم من بعدهم لهلكت آخرتهم كما هلكت دنياهم ولكن الله سبحانه وتعالى أحياهم لتجدد فضله عليهم - انتهى.\rكما تفضل عليكم يا بني إسرائيل بأن أحياكم من موت العبودية وذلك الذل بعد أن كان ألزمكموه بذنوبكم دهوراً طويلة وكما تفضل عليكم أيها العرب بقص مثل هذه الأخبار عليكم لتعتبروا {ولكن أكثر الناس} كرر الإظهار ولم يضمر ليكون أنص على العموم لئلا يدعي مدع أن المراد بالناس الأول أهل زمان ما فيخص الثاني أكثرهم {لا يشكرون} وذلك تعريض ببني إسرائيل في أنهم لم يشكروه سبحانه وتعالى في الوفاء بمعاهدته لهم في اتباع هذا النبي الكريم عليه أفضل الصلاة والسلام ، وفي هذا الأسلوب بعد هذه المناسبات إثبات لقدرته سبحانه وتعالى على الإعادة وجرّ لمنكر ذلك إلى الحق من حيث لا يشعر.\rقال الحرالي : والشكر ظهور باطن الأمر على ظاهر الخلق بما هو باطن فمن حيث إن الأمر كله لله قسراً فالشكر أن يبدو الخلق كله بالله شكراً ، لأن أصل الشكور الدابة التي يظهر عليها ما تأكله سمناً وصلاحاً ، فمن أودع خلق أمر لم يبد على خلقه فهو كفور.\r","part":7,"page":270},{"id":2881,"text":"فلما أودعه سبحانه وتعالى في ذوات الأشياء من معرفته وعلمه وتكبيره كان من لم يبد ذلك على ظاهر خلقه كفوراً ، ومن بدا ما استسر فيه من ذلك شكوراً ، وليس من وصف الناس ذلك لترددهم بين أن يكون البادي عليهم عندهم تارة من الله سبحانه وتعالى وتارة من أنفسهم وممن دون الله ممن اتخذوه أولياء على حد كفر أو هوى أو بدعة أو خطيئة وعلى حد رين كسبهم على قلوبهم ، ففي اعتبار هذه الآية تحذير لهذه الأمة من أن يحذروا الموت.\rقال بعض التابعين رضي الله تعالى عنهم : لقد رأينا أقواماً يعنون من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم الموت إلى أحدهم أشهى من الحياة عندكم اليوم ؛ وإنما ذلك لما تحققوا من موعود الآخرة حتى كأنهم يشاهدونه فهان عليهم الخروج من خراب الدنيا إلى عمارة آخرتهم - انتهى.\rوما أحسن الرجوع إلى قصص الأقدمين والالتفات إلى قوله : {كتب عليكم القتال وهو كره لكم} [ البقرة : 216 ] على هذا الوجه وهؤلاء الذين أماتهم الله ثم أحياهم. أ هـ {نظم الدرر حـ 1 صـ 462 ـ 466}\rفائدة\rقال الفخر : \rاعلم أن الرؤية قد تجىء بمعنى رؤية البصيرة والقلب ، وذلك راجع إلى العلم ، كقوله : {وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا} [ البقرة : 128 ] معناه : علمنا ، وقال : {لِتَحْكُمَ بَيْنَ الناس بِمَا أَرَاكَ الله} [ النساء : 105 ] أي علمك ، ثم إن هذا اللفظ قد يستعمل فيما تقدم للمخاطب العلم به ، وفيما لا يكون كذلك فقد يقول الرجل لغيره يريد تعريفه ابتداء : ألم تر إلى ما جرى على فلان ، فيكون هذا ابتداء تعريف ، فعلى هذا يجوز أن يكون النبي صلى الله عليه وسلم لم يعرف هذه القصة إلا بهذه الآية ، ويجوز أن نقول : كان العلم بها سابقاً على نزول هذه الآية ، ثم إن الله تعالى أنزل هذه الآية على وفق ذلك العلم. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 6 صـ 137 ـ 138}\rوقال ابن عاشور : \r","part":7,"page":271},{"id":2882,"text":"واعلم أن تركيب ( ألم تر إلى كذا ) إذا جاء فعل الرؤية فيه متعدياً إلى ما ليس من شأن السامع أن يكون رآه ، كان كلاماً مقصوداً منه التحريض على علم ما عدي إليه فعل الرؤية ، وهذا مما اتفق عليه المفسرون ولذلك تكون همزة الاستفهام مستعملة في غير معنى الاستفهام بل في معنى مجازي أو كنائي ، من معاني الاستفهام غير الحقيقي ، وكان الخطاب به غالباً موجهاً إلى غير معين ، وربما كان المخاطب مفروضاً متخيلاً.\rولنا في بيان وجه إفادة هذا التحريض من ذلك التركيب وجوه ثلاثة : \rالوجه الأول : أن يكون الاستفهام مستعملاً في التعجب أو التعجيب ، من عدم علم المخاطب بمفعول فعل الرؤية ، ويكون فعل الرؤية علمياً من أخوات ظن ، على مذهب الفراء وهو صواب ؛ لأن إلى ولام الجر يتعاقبان في الكلام كثيراً ، ومنه قوله تعالى : {والأمر إليك} [ النمل : 33 ] أي لك وقالوا : {أحمد الله إليك} كما يقال : {أحمد لك الله} والمجرور بإلى في محل المفعول الأول ، لأن حرف الجر الزائد لا يطلب متعلقاً ، وجملة {وهم ألوف} في موضع الحال ، سادة مسد المفعول الثاني ، لأن أصل المفعول الثاني لأفعال القلوب أنه حال ، على تقدير : ما كان من حقهم الخروج ، وتفرع على قوله : {وهم ألوف} قوله : {فقال لهم الله موتوا} فهو من تمام معنى المفعول الثاني أو تجعل ( إلى ) تجريداً لاستعارة فعل الرؤية لمعنى العلم ، أو قرينة عليها ، أو لتضمين فعل الرؤية معنى النظر ، ليحصل الادعاء أن هذا الأمر المدرك بالعقل كأنه مدرك بالنظر ، لكونه بين الصدق لمن علمه ، فيكون قولهم : {ألم تر إلى كذا} في قوله : جملتين : ألم تعلم كذا وتنظر إليه.\rالوجه الثاني : أن يكون الاستفهام تقريرياً فإنه كثر مجيء الاستفهام التقريري في الأفعال المنفية ، مثل : {ألم نشرح لك صدرك} [ الشرح : 1 ] {ألم تعلم أن الله على كل شيء قدير} [ البقرة : 106 ].\r","part":7,"page":272},{"id":2883,"text":"والقول في فعل الرؤية وفي تعدية حرف ( إلى ) نظير القول فيه في الوجه الأول.\rالوجه الثالث : أن تجعل الاستفهام إنكارياً ، إنكاراً لعدم علم المخاطب بمفعول فعل الرؤية والرؤية علمية ، والقول في حرف ( إلى ) نظير القول فيه على الوجه الأول ، أو أن تكون الرؤية بصرية ضمن الفعل معنى تنظر على أن أصله أن يخاطب به من غفل عن النظر إلى شيء مبصر ويكون الاستفهام إنكارياً : حقيقة أو تنزيلاً ، ثم نقل المركب إلى استعماله في غير الأمور المبصرة فصار كالمثل ، وقريب منه قول الأعشى : \rترى الجود يجري ظاهراً فوق وجهه\rواستفادة التحريض ، على الوجوه الثلاثة إنما هي من طريق الكناية بلازم معنى الاستفهام لأن شأن الأمر المتعجب منه أو المقرر به أو المنكور علمه ، أن يكون شأنه أن تتوافر الدواعي على علمه ، وذلك مما يحرض على علمه.\rواعلم أن هذا التركيب جرى مجرى المثل في ملازمته لهذا الأسلوب ، سوى أنهم غيروه باختلاف أدوات الخطاب التي يشتمل عليها من تذكير وضده ، وإفراد وضده ، نحو ألم ترَيْ في خطاب المرأة وألم تريا وألم تروا وألم ترين ، في التثنية والجمع هذا إذا خوطب بهذا المركب في أمر ليس من شأنه أن يكون مبصراً للمخطاب أو مطلقاً. أ هـ {التحرير والتنوير حـ 2 صـ 476 ـ 477}\rقال الفخر : \rهذا الكلام ظاهره خطاب مع النبي صلى الله عليه وسلم إلا أنه لا يبعد أن يكون المراد هو وأمته ، إلا أنه وقع الابتداء بالخطاب معه ، كقوله تعالى : {ياأيها النبى إِذَا طَلَّقْتُمُ النساء فَطَلّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ} [ الطلاق : 1 ]. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 6 صـ 138}\rفائدة\rقال الفخر : \r","part":7,"page":273},{"id":2884,"text":"دخول لفظة {إلى} في قوله تعالى : {أَلَمْ تَرَ إِلَى الذين} يحتمل أن يكون لأجل أن {إلى} عندهم حرف للانتهاء كقولك : من فلان إلى فلان ، فمن علم بتعليم معلم ، فكأن ذلك المعلم أوصل ذلك المتعلم إلى ذلك المعلوم وأنهاه إليه ، فحسن من هذا الوجه دخول حرف {إلى} فيه ، ونظيره قوله تعالى : {أَلَمْ تَرَ إلى رَبّكَ كَيْفَ مَدَّ الظل} [ الفرقان : 45 ]. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 6 صـ 138}\rقوله تعالى : {إِلَى الذين خَرَجُواْ مِن ديارهم}\rفصل\rقال الفخر : \rأما قوله : {إِلَى الذين خَرَجُواْ مِن ديارهم} ففيه روايات أحدها : قال السدي : كانت قرية وقع فيها الطاعون وهرب عامة أهلها ، والذين بقوا مات أكثرهم ، وبقي قوم منهم في المرض والبلاء ، ثم بعد ارتفاع المرض والطاعون رجع الذين هربوا سالمين ، فقال من بقي من المرضى : هؤلاء أحرص منا ، لو صنعنا ما صنعوا لنجونا من الأمراض والآفات ، ولئن وقع الطاعون ثانياً خرجنا فوقع وهربوا وهم بضعة وثلاثون ألفاً ، فلما خرجوا من ذلك الوادي ، ناداهم ملك من أسفل الوادي وآخر من أعلاه : أن موتوا ، فهلكوا وبليت أجسامهم ، فمر بهم نبي يقال له حزقيل ، فلما رآهما وقف عليهم وتفكر فيهم فأوحى الله تعالى إليه أتريد أن أريك كيف أحييهم ؟ فقال نعم فقيل له : ناد أيتها العظام إن الله يأمرك أن تجتمعي ، فجعلت العظام يطير بعضها إلى بعض حتى تمت العظام ثم أوحى الله إليه : ناد يا أيتها العظام إن الله يأمرك أن تكتسي لحماً ودماً ، فصارت لحماً ودماً ، ثم قيل : ناد إن الله يأمرك أن تقومي فقامت ، فلما صاروا أحياء قاموا ، وكانوا يقولون : \"سبحانك ربنا وبحمدك لا إله إلا أنت\" ثم رجعوا إلى قريتهم بعد حياتهم ، وكانت أمارات أنهم ماتوا ظاهرة في وجوههم ثم بقوا إلى أن ماتوا بعد ذلك بحسب آجالهم.\r","part":7,"page":274},{"id":2885,"text":"الرواية الثانية : قال ابن عباس رضي الله عنهما : إن ملكاً من ملوك بني إسرائيل أمر عسكره بالقتال ، فخافوا القتال وقالوا لملكهم : إن الأرض التي نذهب إليها فيها الوباء ، فنحن لا نذهب إليها حتى يزول ذلك الوباء ، فأماتهم الله تعالى بأسرهم ، وبقوا ثمانية أيام حتى انتفخوا ، وبلغ بني إسرائيل موتهم ، فخرجوا لدفنهم ، فعجزوا من كثرتهم ، فحظروا عليهم حظائر ، فأحياهم الله بعد الثمانية ، وبقي فيهم شيء من ذلك النتن وبقي ذلك في أولادهم إلى هذا اليوم ، واحتج القائلون بهذا القول بقوله تعالى عقيب هذه الآية {وقاتلوا فِي سَبِيلِ الله} [ البقرة : 244 ].\rوالرواية الثالثة : أن حزقيل النبي عليه السلام ندب قومه إلى الجهاد فكرهوا وجبنوا ، فأرسل الله عليهم الموت ، فلما كثر فيهم خرجوا من ديارهم فراراً من الموت ، فلما رأى حزقيل ذلك قال : اللهم إله يعقوب وإله موسى ترى معصية عبادك فأرهم آية في أنفسهم تدلهم على نفاذ قدرتك وأنهم لا يخرجون عن قبضتك ، فأرسل الله عليهم الموت ، ثم إنه عليه السلام ضاق صدره بسبب موتهم ، فدعا مرة أخرى فأحياهم الله تعالى. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 6 صـ 138}\rوقال ابن عاشور : \rوقد اختلف في المراد من هؤلاء الذين خرجوا من ديارهم ، والأظهر أنهم قوم خرجوا خائفين من أعدائهم فتركوا ديارهم جبناً ، وقرينة ذلك عندي قوله تعالى : {وهم ألوف} فإنه جملة حال وهي محل التعجيب ، وإنما تكون كثرة العدد محلاً للتعجيب إذا كان المقصود الخوف من العدو ، فإن شأن القوم الكثيرين ألا يتركوا ديارهم خوفاً وهلعاً والعرب تقول للجيش إذا بلغ الألوف {لا يغلب من قلة.\r","part":7,"page":275},{"id":2886,"text":"} فقيل هم من نبي إسرائيل خالفوا على نبي لهم في دعوته إياهم للجهاد ، ففارقوا وطنهم فراراً من الجهاد ، وهذا الأظهر ، فتكون القصة تمثيلاً لحال أهل الجبن في القتال ، بحال الذين خرجوا من ديارهم ، بجامع الجبن وكانت الحالة الشبه بها أظهر في صفة الجبن وأفظع ، مثل تمثيل حال المتردد في شيء بحال من يقدم رجلاً ويؤخر أخرى ، فلا يقال إن ذلك يرجع إلى تشبيه الشيء بمثله ، وهذا أرجح الوجوه لأن أكثر أمثال القرآن أن تكون بأحوال الأمم الشهيرة وبخاصة بني إسرائيل.\rأفيح فرماهم الله بداء موت ثمانية أيام ، حتى انتفخوا ونتنت أجسامهم ثم أحياها.\rوقيل هم من أهل أذرعات ، بجهات الشام.\rواتفقت الروايات كلها على أن الله أحياهم بدعوة النبي حزقيال بن بوزى فتكون القصة استعارة شبه الذين يجبنون عن القتال بالذين يجبنون من الطاعون ، بجامع خوف الموت ، والمشبهون يحتمل أنهم قوم من المسلمين خامرهم الجبن لما دُعوا إلى الجهاد في بعض الغزوات ، ويحتمل أنهم فريق مفروض وقوعه قبل أن يقع ، لقطع الخواطر التي قد تخطر في قلوبهم.\rوفي \"تفسير ابن كثير\" عن ابن جريج عن عطاء أن هذا مثل لا قصة واقعة ، وهذا بعيد يبعده التعبير عنهم بالموصول وقوله : {فقال لهم الله}\rوانتصب {حذر الموت} على المفعول لأجله ، وعامله {خرجوا}.\rوالأظهر أنهم قوم فروا من عدوهم ، مع كثرتهم ، وأخلوا له الديار ، فوقعت لهم في طريقهم مصائب أشرفوا بها على الهلاك ، ثم نجوا ، أو أوبئة وأمراض ، كانت أعراضها تشبه أعراض الموت ، مثل داء السكت ثم برئوا منها فهم في حالهم تلك مثَل قول الراجز : \rوخارجٍ أَخرجه حب الطمع\rفَرَّ من الموت وفي الموت وقع...\r","part":7,"page":276},{"id":2887,"text":"ويؤيد أنها إشارة إلى حادثةٍ وليست مثلاً قولُه : {إن الله لذو فضل على الناس} الآية ويؤيد أن المتحدث عنهم ليسوا من بني إسرائيل قوله تعالى بعد هذه {ألم تر إلى الملأ من بني إسرائيل من بعد موسى} [ البقرة : 246 ] والآية تشير إلى معنى قوله تعالى : {أينما تكونوا يدرككم الموت} [ النساء : 78 ] وقوله {قل لو كنتم في بيوتكم لبرز الذين كتب عليهم القتل إلى مضاجعهم} [ آل عمران : 154 ].\rفأما الذين قالوا إنهم قوم من بني إسرائيل أحياهم الله بدعوة حزقيال ، والذين قالوا إنما هذا مثَل لا قصةٌ واقعةٌ ، فالظاهر أنهم أرادوا الرؤيا التي ذكرت في كتاب حزقيال في الإصحاح 37 منه إذ قال : \"أخرجَني روحُ الرب وأنزلني في وسط بقعة ملآنة عظاماً ومرَّ بي من حولها وإذا هي كثيرة ويابسة فقال لي يابن آدم أتحيا هذه العظام ؟ فقلت يا سيدي أنت تعلم ، فقال لي تنبأْ على هذه العظام وقُل لها أيتها العظام اليابسة اسمعي كلمة الرب ، فتقاربت العظام ، وإذا بالعصَب واللحم كساها وبُسط الجلدُ عليها من فوق وليس فيها روح فقال لي تنبأْ للروح وقل قال الرب هلم يا روح من الرياح الأربععِ وهِبِّ على هؤلاء القتلى فتنبأْتُ كما أمرني فدخل فيهم الروح فحيُوا وقاموا على أقدامهم جيش عظيم جداً جداً\" وهذا مثل ضربهُ النبي لاستماتة قومه ، واستسلامهم لأعدائهم ، لأنه قال بعده \"هذه العظام وهي كل بيوت إسرائيل هم يقولون يبست عظامنا وهلك رجاؤنا قد انقطعنا فتنبأْ وقل لهم قال السيد الرب هأنذا أفتح قبوركم وأصعدكم منها يا شعبي وآتي بكم إلى أرض إسرائيل وأجعل روحي فيكم فتحيَوْن\" فلعل هذا المثل مع الموضع الذي كانت فيه مرائي هذا النبي ، وهو الخابور ، وهو قرب واسط ، هو الذي حدا بعض أهل القصص إلى دعوى أن هؤلاء القوم من أهل دَاوَرْدَان : إذ لعل دَاوَرْدَان كانت بجهات الخابور الذي رأى عنده النبي حزقيال ما رأى. أ هـ {التحرير والتنوير حـ 2 صـ 477 ـ 479}\r","part":7,"page":277},{"id":2888,"text":"قال ابن عطية\rوهذا القصص كله لين الأسانيد ، وإنما اللازم من الآية أن الله تعالى أخبر نبيه محمداً صلى الله عليه وسلم أخباراً في عبارة التنبيه والتوقيف ، عن قوم من البشر خرجوا من ديارهم فراراً من الموت ، فأماتهم الله تعالى ثم أحياهم ، ليروا هم وكل من خلف بعدهم أن الإماتة إنما هي بيد الله لا بيد غيره ، فلا معنى لخوف خائف ولاغترار مغتر ، وجعل الله تعالى هذه الآية مقدمة بين يدي أمره المؤمنين من أمة محمد بالجهاد . هذا قول الطبري ، وهو ظاهر رصف الآية ، ولموردي القصص في هذه القصة زيادات اختصرتها لضعفها . أ هـ {المحرر الوجيز حـ 1 صـ 328}\rوقال أبو حيان : \rوقد كثر الاختلاف والزيادة والنقص في هذه القصص ، والله أعلم بصحة ذلك ، ولا تعارض بين هذه القصص ، إلاَّ أن عين أن {الذين خرجوا من ديارهم} هم من ذكر في القصة لا غير ، وإلاَّ فيجوز أن ذكرت كل قصة على سبيل المثال ، إذ لا يمتنع أن يفر ناسٌ من الجهاد ، وناس من الطاعون ، وناس من الحمى ، فيميتهم ثم يحييهم ليعتبروا بذلك ، ويعتبر من يأتي بعدهم ، وليعلموا جميعاً أن الإماتة والإحياء بيد الله ، فلا ينبغي أن يخاف من شيء مقدّر ، ولا يغتر فطن بحيلة أنها تنجيه مما شاء الله. أ هـ {البحر المحيط حـ 2 صـ 259}\rقوله تعالى : {وَهُمْ أُلُوفٌ}\rقال الفخر : \rأما قوله تعالى : {وَهُمْ أُلُوفٌ} ففيه قولان\rالأول : أن المراد منه بيان العدد ، واختلفوا في مبلغ عددهم ، قال الواحدي رحمه الله : ولم يكونوا دون ثلاثة آلاف ، ولا فوق سبعين ألفاً ، والوجه من حيث اللفظ أن يكون عددهم أزيد من عشرة آلاف لأن الألوف جمع الكثرة ، ولا يقال في عشرة فما دونها ألوف.","part":7,"page":278},{"id":2889,"text":"والقول الثاني : أن الألوف جمع آلاف كقعود وقاعد ، وجلوس وجالس ، والمعنى أنهم كانوا مؤتلفي القلوب ، قال القاضي : الوجه الأول أولى ، لأن ورود الموت عليهم وهم كثرة عظيمة يفيد مزيد اعتبار بحالهم ، لأن موت جمع عظيم دفعة واحدة لا يتفق وقوعه يفيد اعتباراً عظيماً ، فأما ورود الموت على قوم بينهم ائتلاف ومحبة ، كوروده وبينهم اختلاف في أن وجه الاعتبار لا يتغير ولا يختلف.\rويمكن أن يجاب عن هذا السؤال بأن المراد كون كل واحد منهم آلفاً لحياته ، محباً لهذه الدنيا فيرجع حاصله إلى ما قال تعالى في صفتهم : {وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ الناس على حياة} [ البقرة : 96 ] ثم إنهم مع غاية حبهم للحياة والفهم بها ، أماتهم الله تعالى وأهلكهم ، ليعلم أن حرص الإنسان على الحياة لا يعصمه من الموت فهذا القول على هذا الوجه ليس في غاية البعد. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 6 صـ 138 ـ 139}\rوقال القرطبى :\rقوله تعالى : {وَهُمْ أُلُوفٌ} قال الجمهور :\rهي جمع ألف. قال بعضهم : كانوا ستمائة ألف. وقيل : كانوا ثمانين ألفاً. ابن عباس : أربعين ألفاً. أبو مالك : ثلاثين ألفاً. السدّي : سبعة وثلاثين ألفاً. وقيل : سبعين ألفاً ؛ قاله عطاء ابن أبي رباح. وعن ابن عباس أيضاً أربعين ألفاً ، وثمانية آلاف ؛ رواه عنه ابن جُريج. وعنه أيضاً ثمانية آلاف ، وعنه أيضاً أربعة آلاف ، وقيل : ثلاثة آلاف. والصحيح أنهم زادوا على عشرة آلاف لقوله تعالى : {وَهُمْ أُلُوفٌ} وهو جمع الكثرة ، ولا يقال في عشرة فما دونها أُلوف. (1) أ هـ {تفسير القرطبى حـ 3 صـ 231}\r____________\r(1) الأولى تفويض العلم إلى الله تعالى فى هذه المسألة وما شابهها والمهم الوقوف عند مواطن العبر والعظات فلو كان فى ذكر العدد فائدة هنا لذكره القرآن وحيث لم يذكره يجب التوقف عند إخبار القرآن إلا إذا صحت الأخبار عن الصادق المعصوم صلى الله عليه وسلم. والله أعلم.","part":7,"page":279},{"id":2890,"text":"وقال أبو حيان ـ ولله دره ـ : \r{وهم ألوف} في هذا تنبيه على أن الكثرة والتعاضد ، وإن كانا نافعين في دفع الأذيات الدنيوية ، فليسا بمغنيين في الأمور الإلهية.\rوهي جملة حالية ، وألوف جمع ألف جمع كثرة ، فناسب أن يفسر بما زاد على عشرة آلاف ، فقيل : ستمائة ألف. وقال عطاء : تسعون ، وقيل : ثمانون ، وقال عطاء أيضاً سبعون وقال ابن عباس : أربعون. وقال أيضاً : بضع وثلاثون. وقال أبو مالك : ثلاثون ، يعنون ألفاً.\rوقد فسر بما هو لأدنى العدد استعير لفظ الجمع الكثير للجمع القليل ، فقال أبو روق : عشرة آلاف ، وقال الكلبي ومقاتل : ثمانية ، وقال أبو صالح : سبعة ، وقال ابن عباس ، وابن جبير : أربعة وقال عطاء الخراساني : ثلاثة آلاف.\rوقال البغوى : الأَوْلى قول من قال : إنهم كانوا زيادة على عشرة آلاف ، لأن ألوفاً جمع الكثير ، ولا يقال لما دون العشرة الآلاف ألوف. انتهى. وهذا ليس كما ذكر ، فقد يستعار أحد الجمعين للآخر ، وإن كان الأصل استعمال كل واحد منهما في موضوعه.\rوهذه التقديرات كلها لا دليل على شيء منها ، ولفظ القرآن : {وهم ألوف} لم ينص على عدد معين ، ويحتمل أن لا يراد ظاهر جمع ألف ، بل يكون ذلك المراد منه التكثير ، كأنه قيل : خرجوا من ديارهم وهم عالم كثيرون ، لا يكادون يحصيهم عادٌّ ، فعبر عن هذا المعنى بقوله : وهم ألوف ، كما يصح أن تقول : جئتك ألف مرة ، لا تريد حقيقة العدد إنما تريد جئتك مراراً كثيرة لا تكاد تحصى من كثرتها ونظير ذلك قول الشاعر : هو المنزل الآلاف من جوّ ناعط... بني أسد حزناً من الأرض أوعرا","part":7,"page":280},{"id":2891,"text":"ولعل من كان معه لم يكن ألوفاً ، فضلاً عن أن يكونوا آلافاً ، ولكنه أراد بذلك التكثير ، لأن العرب تكثر بآلاف وتجمعه ، والجمهور على أن قوله : وهم ألوف ، جمع ألف العدد المعروف الذي هو تكرير مائة عشر مرات ، وقال ابن زيد : ألوف جمع آلف. كقاعد وقعود. أي : خرجوا وهم مؤتلفون لم يخرجهم فرقة قومهم ولا فتنة بينهم ، بل ائتلفوا ، فخالفت هذه الفرقة ، فخرجت فراراً من الموت وابتغاء الحياة ، فأماتهم الله في منجاهم بزعمهم. وقال الزمخشري : وهذا من بدع التفاسير ، وهو كما قال. وقال القاضي : كونه جمع ألف من العدد أولى ، لأن ورود الموت عليهم وهم كثرة عظيمة تفيد مزيد اعتبار ، وأما وروده على قوم بينهم ائتلاف فكوروده وبينهم اختلاف في أن وجه الاعتبار لا يتغير. أ هـ {البحر المحيط حـ 2 صـ 259}\rقوله تعالى : {حَذَرَ الموت}\rقال الفخر : \rأما قوله : {حَذَرَ الموت} فهو منصوب لأنه مفعول له ، أي لحذر الموت ، ومعلوم أن كل أحد يحذر الموت ، فلما خص هذا الموضع بالذكر ، علم أن سبب الموت كان في تلك الواقعة أكثر ، إما لأجل غلبة الطاعون أو لأجل الأمر بالمقاتلة. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 6 صـ 139}\rفائدة\rقال ابن العربى : \rالْأَصَحُّ وَالْأَشْهَرُ أَنَّ خُرُوجَهُمْ إنَّمَا كَانَ فِرَارًا مِنْ الطَّاعُونِ ، وَهَذَا حُكْمٌ بَاقٍ فِي مِلَّتِنَا لَمْ يَتَغَيَّرْ.\rقَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ : سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ : {إذَا سَمِعْتُمْ بِهِ بِأَرْضٍ فَلَا تَقْدَمُوا عَلَيْهِ ، وَإِذَا وَقَعَ بِأَرْضٍ وَأَنْتُمْ بِهَا فَلَا تَخْرُجُوا فِرَارًا مِنْهُ}.\rوَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي وَجْهِ الْحُكْمِ فِي ذَلِكَ : أَمَّا الدُّخُولُ فَفِيهِ الْخِلَافُ عَلَى أَرْبَعَةِ أَقْوَالٍ : الْأَوَّلُ : مَا فِيهِ مِنْ التَّعَرُّضِ لِلْبَلَاءِ ؛ وَذَلِكَ لَا يَجُوزُ فِي حُكْمِ اللَّهِ تَعَالَى فَإِنَّ صِيَانَةَ النَّفْسِ عَنْ كُلِّ مَكْرُوهٍ مَخُوفٍ وَاجِبٌ.\rالثَّانِي : إنَّمَا نَهَى عَنْ دُخُولِهِ لِئَلَّا يَشْتَغِلَ عَنْ مُهِمَّاتِ دِينِهِ بِمَا يَكُونُ فِيهِ مِنْ الْكَرْبِ وَالْخَوْفِ ، بِمَا يُرَى مِنْ عُمُومِ الْآلَامِ وَشُمُولِ الْأَسْقَامِ.\rالثَّالِثُ : مَا يُخَافُ مِنْ السَّخَطِ عِنْدَ نُزُولِ الْبَلَاءِ بِهِ ، وَذَهَابِ الصَّبْرِ عَلَى مَا يَنْزِلُ مِنْ الْقَضَاءِ.\rالرَّابِعُ : مَا يُخَافُ عَلَيْهِ مِنْ سُوءِ الِاعْتِقَادِ ، كَأَنْ يَقُولَ : لَوْلَا دُخُولِي فِي هَذَا الْبَلَدِ لَمَا نَزَلَ بِي مَكْرُوهٌ.\rوَأَمَّا الْخُرُوجُ فَإِنَّمَا نُهِيَ عَنْهُ لِمَا فِيهِ مِنْ تَرْكِ الْمَرْضَى مُهْمَلِينَ مَعَ مَا يَنْتَظِمُ بِهِ مِمَّا تَقَدَّمَ.\rوَاَللَّهُ أَعْلَمُ. أ هـ {أحكام القرآن لابن العربى حـ 1 صـ 304 ـ 305}\rقوله تعالى : {فَقَالَ لَهُمُ الله مُوتُواْ}\rقال الفخر : \rأما قوله تعالى : {فَقَالَ لَهُمُ الله مُوتُواْ} ففي تفسير {قَالَ الله} وجهان\rالأول : أنه جار مجرى قوله : {إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَىْء إِذَا أَرَدْنَاهُ أَن نَّقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ} [ النحل : 40 ] وقد تقدم أنه ليس المراد منه إثبات قول ، بل المراد أنه تعالى متى أراد ذلك وقع من غير منع وتأخير ، ومثل هذا عرف مشهور في اللغة ، ويدل عليه قوله : {ثُمَّ أحياهم} فإذا صح الإحياء بالقول ، فكذا القول في الإماتة.","part":7,"page":281},{"id":2892,"text":"والقول الثاني : أنه تعالى أمر الرسول أن يقول لهم : موتوا ، وأن يقول عند الإحياء ما رويناه عن السدي ، ويحتمل أيضاً ما رويناه من أن الملك قال ذلك ، والقول الأول أقرب إلى التحقيق. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 6 صـ 139}\rوقال ابن عاشور :\rوقوله تعالى : {فقال لهم الله موتوا ثم أحياهم} القَولُ فيه إما مجاز في التكوين والموت حقيقة أي جعل فيهم حالة الموت ، وهي وقوف القلب وذهاب الإدراك والإحساس ، استعيرت حالة تلقي المكوَّن لأثر الإرادة بتلقي المأمور للأمر ، فأطلق على الحالة المشبهة المركبُ الدال على الحالة المشبَّه بها على طريقة التمثيل ، ثم أحياهم بزوال ذلك العارض فعلموا أنهم أصيبوا بما لو دام لكان موتاً مستمراً ، وقد يكون هذا من الأدواء النادرة المشْبِهة داء السكت وإما أن يكون القول مجازاً عن الإنذار بالموت ، والموتُ حقيقة ، أي أراهم الله مهالك شموا منها رائحة الموت ، ثم فرج الله عنهم فأحياهم.\rوإما أن يكون كلاماً حقيقياً بوحي الله ، لبعض الأنبياء ، والموتُ موت مجازي ، وهو أمر للتحقير شتماً لهم ، ورَماهم بالذل والصغار ، ثم أحياهم ، وثبتَ فيهم روح الشجاعة. (1)\r_____________\r(1) لا يخفى ما فى هذا الوجه وما قبله من بعد بعيد فما سبب حمل الموت على المجاز مع أن المجاز خلاف الأصل ولا يصار إليه إلا إذا تعذر حمل اللفظ على الحقيقة كذلك المجاز يحتاج إلى قرينة أو مرجح وهو مفقود فى الآية الكريمة فلم يبق إلا حمل الموت على الحقيقة. والله أعلم بمراده.","part":7,"page":282},{"id":2893,"text":"والمقصود من هذا موعظة المسلمين بترك الجبن ، وأن الخوف من الموت لا يدفع الموت ، فهؤلاء الذين ضُرب بهم هذا المثلُ خرجوا من ديارهم خائفين من الموت ، فلم يغن خوفهم عنهم شيئاً ، وأراهم الله الموت ثم أحياهم ، ليصير خُلُق الشجاعة لهم حاصلاً بإدراك الحس.\rومحل العبرة من القصة هو أنهم ذاقوا الموت الذي فروا منه ، ليعلموا أن الفرار لا يغني عنهم شيئاً ، وأنهم ذاقوا الحياة بعد الموت ، ليعلموا أن الموت والحياة بيد الله ، كما قال تعالى : {قل لن ينفعكم الفرار إن فررتم من الموت أو القتل} [ الأحزاب : 16 ]. أ هـ {التحرير والتنوير حـ 2 صـ 479 ـ 480}\rوقال أبو حيان : \r{فقال لهم الله موتوا} ظاهره أن ثَمّ قولاً لله ، فقيل : قال لهم ذلك على لسان الرسول الذي أذن له في أن يقول لهم ذلك عن الله ، وقيل : على لسان الملك. وحكي : أن ملكين صاحا بهم : موتوا ، فماتوا. وقيل : سمعت الملائكة ذلك فتوفتهم ، وقيل : لا قول هناك ، وهو كناية عن قابليتهم الموت في ساعة واحدةٍ وموتهم كموتة رجل واحد ، والمعنى : فأماتهم ، لكن أخرج ذلك مخرج الشخص المأمور بشيء ، المسرع الامتثال من غير توقف ، ولا امتناع ، كقوله تعالى : {كن فيكون}\rوفي الكلام حذف ، التقدير : فماتوا ، وظاهر هذا الموت مفارقة الأرواح الأجساد ، فقيل : ماتوا ثمانية أيام ثم أحياهم بعد ، بدعاء حزقيل ؛ وقيل : سبعة أيام ، وقد تقدّم في بعض القصص أنه عريت عظامهم وتفرقت أوصالهم ، وهذا لا يكون في العادة في ثمانية أيام ، وهذا الموت ليس بموت الآجال ، بل جعله الله في هؤلاء كمرض وحادث مما يحدث على البشر ، كحال {الذي مر على قرية} المذكورة بعد هذا.\r{ثم أحياهم} العطف بثم يدل على تراخي الإحياء عن الإماتة ، قال قتادة : أحياهم ليستوفوا آجالهم.","part":7,"page":283},{"id":2894,"text":"وظاهره أن الله هو الذي أحياهم بغير واسطة ، وقال مقاتل : كانوا قوم حزقيل ، فخرج فوجدهم موتى ، فأوحى الله إليه : إني جعلت حياتهم إليك ، فقال لهم : احيوا. وقال ابن عباس : النبي شمعون ، وريح الموتى توجد في أولادهم. وقيل : النبي يوشع بن نون ، وقال وهب : اسمه شمويل وهو ذو الكفل ، وقال مجاهد : لما أحيوا رجعوا إلى قومهم يعرقون ، لكن سحنة الموت على وجوههم ولا يلبس أحد منهم ثوباً إلاَّ عاد كفناً دسماً ، حتى ماتوا لآجالهم التي كتبت لهم (1) ، وقيل : معنى إماتتهم تذليلهم تذليلاً يجري مجرى الموت ، فلم تغن عنهم كثرتهم وتظاهرهم من الله شيئاً ، ثم أعانهم وخلصهم ليعرفوا قدرة الله في أنه يذل من يشاء ، ويعز من يشاء ، وقيل : عنى بالموت : الجهل ، وبالحياة : العلم ، كما يحيا الجسد بالروح.\r_____________\r(1) كثير من هذه الأقوال يفتقر إلى الدليل والسند الصحيح والأولى الإعراض عن الجزم بصحتها وتفويض علم ذلك إلى الله تعالى. والله أعلم.","part":7,"page":284},{"id":2895,"text":"وأتت هذه القصة بين يدي الأمر بالقتال تشجيعاً للمؤمنين ، وحثاً على الجهاد والتعريض للشهادة ، وإعلاماً أن لا مفر مما قضى الله تعالى : {قل لن يصيبنا إلاَّ ما كتب الله لنا} واحتجاجاً على اليهود ، والنصارى بإنبائه صلى الله عليه وسلم بما لا يدفعون صحته ، مع كونه أمّياً لم يقرأ كتاباً ، ولم يدارس أحداً ، وعلى مشركي العرب إذ من قرأ الكتب يصدقه في إخباره بما جاء به مما هو في كتبهم. أ هـ {البحر المحيط حـ 2 صـ 260}\rسؤال : لم عبر بالأمر ، دون أن يقال : فأماتهم الله ثم أحياهم ؟ \rالجواب : إنما عبر بالأمر ، دون أن يقال : فأماتهم الله ثم أحياهم ليكون أدل على نفوذ القدرة وغلبة الأمر ، فإن التعبير بالإنشاء في التكوينيات أقوى وآكد من التعبير بالإخبار كما أن التعبير بصورة الإخبار الدال على الوقوع في التشريعيات أقوى وآكد من الإنشاء ، ولا يخلو قوله تعالى : {ثم أحياهم} عن الدلالة على أن الله أحياهم ليعيشوا فعاشوا بعد حياتهم ، إذ لو كان إحياؤهم لعبرة يعتبر بها غيرهم أو لإتمام حجة أو لبيان حقيقة لذكر ذلك على ما هو دأب القرآن في بلاغته كما في قصة أصحاب الكهف ، على أن قوله تعالى بعد : {إن الله لذو فضل على الناس} ، يشعر بذلك أيضا. أ هـ {الميزان 2 صـ 279}\rقوله تعالى : {ثُمَّ أحياهم}\rقال الفخر : \rأما قوله تعالى : {ثُمَّ أحياهم} ففيه مسائل : \rالمسألة الأولى : الآية دالة على أنه تعالى أحياهم بعد أن ماتوا فوجب القطع به ، وذلك لأنه في نفسه جائز والصادق أخبر عن وقوعه فوجب القطع بوقوعه ، أما الإمكان فلأن تركب الأجزاء على الشكل المخصوص ممكن ، وإلا لما وجد أولاً ، واحتمال تلك الأجزاء للحياة ممكن وإلا لما وجد أولاً ، ومتى ثبت هذا فقد ثبت الإمكان ، وأما إن الصادق قد أخبر عنه ففي هذه الآية ، ومتى أخبر الصادق عن وقوع ما ثبت في العقل إمكان وقوعه وجب القطع به.\rالمسألة الثانية : قالت المعتزلة : إحياء الميت فعل خارق للعادة ، ومثل هذا لا يجوز من الله تعالى إظهاره إلا عندما يكون معجزة لنبي ، إذ لو جاز ظهوره لا لأجل أن يكون معجزة لنبي لبطلت دلالته على النبوة ، وأما عند أصحابنا فإنه يجوز إظهار خوارق العادات لكرامة الولي ، ولسائر الأغراض ، فكأن هذا الحصر باطلاً ، ثم قالت المعتزلة : وقد روي أن هذا الإحياء إنما وقع في زمان حزقيل النبي عليه السلام ببركة دعائه ، وهذا يحقق ما ذكرناه من أن مثل هذا لا يوجد إلا ليكون معجزة للأنبياء عليهم السلام ، وقيل : حزقيل هو ذو الكفل ، وإنما سمي بذلك لأنه تكفل بشأن سبعين نبياً وأنجاهم من القتل ، وقيل : إنه عليه السلام مر بهم وهم موتى فجعل يفكر فيهم متعجباً ، فأوحى الله تعالى إليه : إن أردت أحييتهم وجعلت ذلك الإحياء آية لك ، فقال : نعم فأحياهم الله تعالى بدعائه.","part":7,"page":285},{"id":2896,"text":"المسألة الثالثة : أنه قد ثبت بالدلائل أن معارف المكلفين تصير ضرورية عند القرب من الموت : وعند معاينة الأهوال والشدائد ، فهؤلاء الذين أماتهم الله ثم أحياهم لا يخلو إما أن يقال إنهم عاينوا الأهوال والأحوال التي معها صارت معارفهم ضرورية ، وإما ما شاهدوا شيئاً من تلك الأهوال بل الله تعالى أماتهم بغتة ، كالنوم الحادث من غير مشاهدة الأهوال ألبتة ، فإن كان الحق هو الأول ، فعندما أحياهم يمتنع أن يقال : إنهم نسوا تلك الأهوال ونسوا ما عرفوا به ربهم بضرورة العقل ، لأن الأحوال العظيمة لا يجوز نسيانها مع كمال العقل ، فكان يجب أن تبقى تلك المعارف الضرورية معهم بعد الإحياء ، وبقاء تلك المعارف الضرورية يمنع من صحة التكليف ، كما أنه لا يبقى التكليف في الآخرة ، وإما أن يقال : إنهم بقوا بعد الإحياء غير مكلفين ، وليس في الآية ما يمنع منه ، أو يقال : إن الله تعالى حين أماتهم ما أراهم شيئاً من الآيات العظيمة التي تصير معارفهم عندها ضرورية ، وما كان ذلك الموت كموت سائر المكلفين الذين يعاينون الأهوال عند القرب من الموت ، والله أعلم بحقائق الأمور.\rالمسألة الرابعة : قال قتادة : إنما أحياهم ليستوفوا بقية آجالهم ، وهذا القول فيه كلام كثير وبحث طويل. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 6 صـ 139 ـ 140}\rفائدة\rقال البقاعى : \rقال أهل التفسير : إن إحياءهم كان على يد حزقيل أحد أنبياء بني إسرائيل عليهم الصلاة والسلام ؛ وقال البغوي : إنه ثالث خلفائهم ، والذي رأيته في سفر الأنبياء المبعوثين منهم بعد موسى عليه الصلاة والسلام لتجديد أمر التوراة وإقامة ما درس من أحكامها وهم ستة عشر نبياً أولهم يوشع بن نون وآخرهم دانيال على جميعهم الصلاة والسلام والتحية والإكرام أن حزقيل خامس عشرهم عليه الصلاة والسلام.\r","part":7,"page":286},{"id":2897,"text":"قال في الإصحاح الحادي والعشرين من نبوته : وكانت على يد الرب وأخرجني روح الرب إلى صحراء مملوءة عظام موتى وأمرني أجوز عليها وأدور حولها ، فرأيتها كثيرة في الصحراء يابسة وقال لي : يا ابن الإنسان! هل تعيش هذه العظام ؟ فقلت : أنت تعلم يا رب الأرباب! قال لي : تنبأ على هذه العظام وقل لها : أيتها العظام البالية! اسمعوا كلام الله أن هكذا يقول رب الأرباب لهذه العظام : إني أرد فيكم الروح فتحيون وتعلمون أني أنا الرب ، آتي بالعصب والجلد واللحم أنبته ، وأرد فيكم الأرواح فتحيون ، فلما تنبأت بهذا صار صوت عظيم وزلزلة ، واقتربت العظام كل عظم إلى مفصله ، ورأيت قد صعد عليها العصب ونبت اللحم ورد عليها الجلد من فوق ذلك ولم يكن فيهم روح ، وقال الرب : يا ابن الإنسان! هذه العظام كلها من بني إسرائيل ومن الأنبياء الذين كانوا يقتلون وقد بليت عظامهم وكل رجل بطل ، تنبأ أيها الإنسان وقل للروح : هكذا يقول رب الأرباب : تعالوا أيها الأرواح ، وأنفخ في هؤلاء القتلى فيعيشوا ، فتنبأت كالذي أمرني الرب ، فدخلت فيهم الروح وعاشوا وقاموا على أرجلهم جيش عظيم جداً ، وقال لي الرب : يا ابن الإنسان! هذه العظام كلها من بني إسرائيل ومن الأنبياء الذين كانوا يقتلون وقد بليت عظامهم وكل رجل بطل ، فمن أجل هذا تنبأ وقل : هكذا يقول رب الأرباب : هو ذا أفتح قبوركم وأصعدكم من قبوركم وآتي بكم إلى أرض إسرائيل وتعلمون أني أنا الرب أنفخ فيكم روحي فتعيشون وأترككم تعملون ؛ قد قلت هذا وأنا أفعله - انتهى. (1) أ هـ {نظم الدرر حـ 1 صـ 466 ـ 467}\r______________\r(1) ما ذكر فى التوراة ينبغى عدم التعويل عليه لعدم سلامتها من التحريف. والله أعلم بحقائق الأمور.","part":7,"page":287},{"id":2898,"text":"شبهة والرد عليها\rقال صاحب الميزان : \rوقد ذكر بعض المفسرين أن الآية مثل ضربه الله لحال الأمة في تأخرها وموتها باستخزاء الأجانب إياها ببسط السلطة والسيطرة عليها ، ثم حياتها بنهضتها ودفاعها عن حقوقها الحيوية واستقلالها في حكومتها على نفسها.\rقال ما حاصله : إن الآية لو كانت مسوقة لبيان قصة من قصص بني إسرائيل كما يدل عليه أكثر الروايات أو غيرهم كما في بعضها لكان من الواجب الإشارة إلى كونهم من بني إسرائيل ، وإلى النبي الذي أحياهم كما هو دأب القرآن في سائر قصصه مع أن الآية خالية عن ذلك ، على أن التوراة أيضا لم تتعرض لذلك في قصص حزقيل النبي على نبينا وآله و(عليه السلام) فليست الروايات إلا من الإسرائيليات التي دستها اليهود ، مع أن الموت والحياة الدنيويتين ليستا إلا موتا واحدا أو حياة واحدة كما يدل عليه قوله تعالى : \" لا يذوقون فيها الموت إلا الموتة الأولى \" الدخان - 56 ، وقوله تعالى : \" وأحييتنا اثنتين \" المؤمن - 11 ، فلا معنى لحياتين في الدنيا هذا ، فالآية مسوقة سوق المثل ، والمراد بها قوم هجم عليهم أولوا القدرة والقوة من أعدائهم باستذلالهم واستخزائهم وبسط السلطة فيهم والتحكم عليهم فلم يدافعوا عن استقلالهم ، وخرجوا من ديارهم وهم الوف لهم كثرة وعزيمة حذر الموت ، فقال لهم الله موتوا موت الخزى والجهل ، فإن الجهل والخمود موت كما أن العلم وإباء الضيم حياة ، قال تعالى : \" يا أيها الذين آمنوا استجيبوا لله وللرسول إذا دعاكم لما يحييكم \" الأنفال - 24 ، وقال تعالى : \"أو من كان ميتا فأحييناه وجعلنا له نورا يمشي به في الناس كمن مثله في الظلمات ليس بخارج منها \" الأنعام - 122.\r","part":7,"page":288},{"id":2899,"text":"وبالجملة فهؤلاء يموتون بالخزى وتمكن الأعداء منهم ويبقون أمواتا ، ثم أحياهم الله بإلقاء روح النهضة والدفاع عن الحق فيهم ، فقاموا بحقوق أنفسهم واستقلوا في أمرهم ، وهؤلاء الذين أحياهم الله وإن كانوا بحسب الأشخاص غير الذين أماتهم الله إلا أن الجميع أمة واحدة ماتت في حين وحييت في حين بعد حين ، وقد عد الله تعالى القوم واحدا مع اختلاف الأشخاص كقوله تعالى في بني إسرائيل : \" أنجيناكم من آل فرعون \" الأعراف - 141 ، وقوله تعالى : \" ثم بعثناكم من بعد موتكم \" البقرة - 56 ، ولولا ما ذكرناه من كون الآية مسوقة للتمثيل لم يستقم ارتباط الآية بما يتلوها من آيات القتال وهو ظاهر ، انتهى ما ذكره ملخصا.\rوهذا الكلام كما ترى مبني أولا : على إنكار المعجزات وخوارق العادات أو بعضها كإحياء الموتى وقد مر إثباتها ، على أن ظهور القرآن في إثبات خرق العادة بإحياء الموتى ونحو ذلك مما لا يمكن إنكاره ولو لم يسع لنا إثبات صحته من طريق العقل.\rوثانيا : على دعوى أن القرآن يدل على امتناع أكثر من حياة واحدة في الدنيا كما استدل بمثل قوله تعالى : \" لا يذوقون فيها الموت إلا الموتة الأولى \" الدخان - 56 ، وقوله تعالى : \" أحييتنا اثنتين \" المؤمن - 11.\rوفيه أن جميع الآيات الدالة على إحياء الموتى كما في قصص إبراهيم وموسى وعيسى وعزير ، بحيث لا تدفع دلالتها ، يكفي في رد ما ذكره ، على أن الحياة الدنيا لا تصير بتخلل الموت حياتين كما يستفاد أحسن الاستفادة من قصة عزير ، حيث لم يتنبه لموته الممتد ، والمراد بما أورده من الآيات الدالة على نوع الحياة.\rوثالثا : على أن الآية لو كانت مسوقة لبيان القصة لتعرضت لتعيين قومهم وتشخيص النبي الذي أحياهم.\r","part":7,"page":289},{"id":2900,"text":"وأنت تعلم أن مذاهب البلاغة مختلفة متشتتة ، والكلام كما ربما يجري مجرى الإطناب كذلك يجري مجرى الإيجاز ، وللآية نظائر في القرآن كقوله تعالى : \" قتل أصحاب الأخدود النار ذات الوقود إذ هم عليها قعود وهم على ما يفعلون بالمؤمنين شهود \" البروج - 7 ، وقوله تعالى : \" وممن خلقنا أمة يهدون بالحق وبه يعدلون \" الاعراف - 181.\rورابعا : على أن الآية لو لم تحمل على التمثيل لم ترتبط بما بعدها من الآيات بحسب المعنى ، وأنت تعلم أن نزول القرآن نجوما يغني عن كل تكلف بارد في ربط الآيات بعضها ببعض إلا ما كان منها ظاهر الارتباط ، بين الاتصال على ما هو شأن الكلام البليغ.\rفالحق أن الآيه كما هو ظاهرها مسوقة لبيان القصة ، وليت شعري أي بلاغة في أن يلقي الله سبحانه للناس كلاما لا يرى أكثر الناظرين فيه إلا أنه قصة من قصص الماضين ، وهو في الحقيقة تمثيل مبني على التخييل من غير حقيقة.\rمع أن دأب كلامه تعالى على تمييز المثل عن غيره في جميع الأمثال الموضوعة فيه بنحو قوله : \" مثلهم كمثل الذي \" البقرة - 17 ، وقوله : \" إنما مثل الحياة الدنيا \" يونس - 24 ، وقوله : \" مثل الذين حملوا \" الجمعة - 5 ، إلى غير ذلك. أ هـ {الميزان 2 صـ 280 ـ 281}","part":7,"page":290},{"id":2901,"text":"سؤال : فإن قلت كيف أميت هؤلاء مرتين في الدنيا وقد قال الله تعالى : {لا يذوقون فيها الموت إلا الموتة الأولى} [ الدخان : 56 ] ؟ .\rقلت : إن موتهم كان عقوبة لهم كما قال قتادة\rوقيل : إن موتهم وإحياءهم كان معجزة من معجزات ذلك النبي ومعجزات الأنبياء خوارق للعادات ، ونوادر فلا يقاس فيكون قوله {إلاّ الموتة الأولى} عاماً مخصوصاً بمعجزات الأنبياء أي إلاّ الموتة الأولى التي ليست من معجزات الأنبياء ولا من خوارق العادات. أ هـ {تفسير الخازن حـ 1 صـ 169}\rقوله تعالى : {إِنَّ الله لَذُو فَضْلٍ عَلَى الناس}\rقال الفخر : \rأما قوله تعالى : {إِنَّ الله لَذُو فَضْلٍ عَلَى الناس} ففيه وجوه\rأحدها : أنه تفضل على أولئك الأقوام الذين أماتهم بسبب أنه أحياهم ، وذلك لأنهم خرجوا من الدنيا على المعصية ، فهو تعالى أعادهم إلى الدنيا ومكنهم من التوبة والتلافي\rوثانيها : أن العرب الذين كانوا ينكرون المعاد كانوا متمسكين بقول اليهود في كثير من الأمور ، فلما نبه الله تعالى اليهود على هذه الواقعة التي كانت معلومة لهم ، وهم يذكرونها للعرب المنكرين للمعاد ، فالظاهر أن أولئك المنكرين يرجعون من الدين الباطل الذي هو الإنكار إلى الدين الحق الذي هو الإقرار بالبعث والنشور فيخلصون من العقاب ، ويستحقون الثواب ، فكان ذكر هذه القصة فضلاً من الله تعالى وإحساناً في حق هؤلاء المنكرين\rوثالثها : أن هذه القصة تدل على أن الحذر من الموت لا يفيد ، فهذه القصة تشجع الإنسان على الإقدام على طاعة الله تعالى كيف كان ، وتزيل عن قلبه الخوف من الموت ، فكان ذكر هذه القصة سبباً لبعد العبد عن المعصية وقربه من الطاعة التي بها يفوز بالثواب العظيم ، فكان ذكر هذه القصة فضلاً وإحساناً من الله تعالى على عبده ، ثم قال : {ولكن أَكْثَرَ الناس لاَ يَشْكُرُونَ} وهو كقوله : {فأبى أَكْثَرُ الناس إِلاَّ كُفُورًا} [ الفرقان : 50 ]. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 6 صـ 140}\rوقال ابن عطية : ","part":7,"page":291},{"id":2902,"text":"وقوله تعالى : {إن الله لذو فضل على الناس} الآية ، تنبيه على فضل الله على هؤلاء القوم الذين تفضل عليهم بالنعم وأمرهم بالجهاد ، وأمرهم بأن لا يجعلوا الحول والقوة إلاّ له ، حسبما أمر جميع العالم بذلك ، فلم يشكروا نعمته في جميع هذا ، بل استبدوا وظنوا أن حولهم وسعيهم ينجيهم . وهذه الآية تحذير لسائر الناس من مثل هذا الفعل ، أي فيجب أن يشكر الناس فضل الله في إيجاده لهم ورزقه إياهم وهدايته بالأوامر والنواهي ، فيكون منهم الجري إلى امتثالها لا طلب الخروج عنها ، وتخصيصه تعالى الأكثر دلالة على الأقل الشاكر. أ هـ {المحرر الوجيز حـ 1 صـ 328}\rوقال العلامة أبو حيان :\r{إن الله لذو فضل على الناس} أكد هذه الجملة : بإن ، واللام ، وأتى الخبر : لذو ، الدالة على الشرف ، بخلاف صاحب ، و: الناس ، هنا عام ، لأن كل أحد لله عليه فضل أيّ فضل ، وخصوصاً هنا ، حيث نبههم على ما به يستبصرون ويعتبرون على النشأة الآخرة ، وأنها ممكنة عقلا ، كائنة بإخباره تعالى : إذ أعاد إلى الأجسام البالية المشاهدة بالعين الأرواح المفارقة ، وأبقاها فيها الأزمان الطويلة إلى أن قبضها ثانية ، وأي فضل أجل من هذا الفضل ، إذ تتضمن جميع كليات العقائد المنجية وجزئياتها : ويجوز أن يراد : بالناس ، ههنا الخصوص ، وهم هؤلاء الذين تفضل عليهم بالنعم ، وأمرهم بالجهاد ففروا منه خوفاً من الموت ، فأماتهم ، ثم تفضل عليهم بالإحياء وطوّل لهم في الحياة ليستيقنوا أن لا مفر من القدر ، ويستدركوا ما فاتهم من الطاعات ، وقص الله علينا ذلك تنبيهاً على أن لا نسلك مسلكهم بل نمتثل ما يأمر به تعالى.","part":7,"page":292},{"id":2903,"text":"{ولكن أكثر الناس لا يشكرون} تقدّم فضل الله على جميع الناس بالإيجاد والرزق ، وغير ذلك ، فكان المناسب لهم أنهم يشكرون الله على ذلك ، وهذا الاستدراك : بلكن ، مما تضمنه قوله : {إن الله لذو فضل على الناس} والتقدير : فيجب عليهم أن يشكروا الله على فضله ، فاستدرك بأن أكثرهم لا يشكرون ، ودل على أن الشاكر قليل ، كقوله : {وقليل من عبادي الشكور} ويخص : الناس ، الثاني بالمكلفين. أ هـ {البحر المحيط حـ 2 صـ 260}\rسؤال : لم إظهارُ الناس في مقام الإضمار ؟ \rالجواب : إظهارُ الناس في مقام الإضمار لمزيد التشنيع. أ هـ {تفسير أبى السعود حـ 1 صـ 238}\rفوائد وفصول مهمة للعلامة القرطبى\rقال رحمه الله : : \rروى الأئمة واللفظ للبخاريّ من حديث عامر بن سعد بن أبي وقاص أنه سمع أُسامة بن زيد يحدّث سعداً أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ذكر الوجع فقال : \" رِجْزٌ أَوْ عَذابٌ عُذِّب به بعض الأُمم ثم بقي منه بِقيّةٌ فيذهب المرّةَ ويأتي الأُخْرى فمن سمع به بأرض فلا يقِدَمنّ عليه ومن كان بأرض وقع بها فلا يخرج فِراراً منه \" وأخرجه أبو عيسى الترمذيّ فقال : حدّثنا قتيبة أنبأنا حمّاد بن زيد عن عمرو بن دينار عن عامر بن سعد عن أُسامة بن زيد أن النبيّ صلى الله عليه وسلم ذكر الطاعون فقال : \" بقية رجز أو عذاب أرسل على طائفة من بني إسرائيل فإذا وقع بأرض وأنتم بها فلا تخرجوا منها وإذا وقع بأرض ولستم بها فلا تهبطوا عليها \" قال : حديث حسن صحيح. وبمقتضى هذه الأحاديث عمل عمر والصحابة رضوان الله عليهم لما رجعوا من سَرْغ حين أخبرهم عبد الرحمن بن عوف بالحديث ، على ما هو مشهور في الموطأ وغيره.","part":7,"page":293},{"id":2904,"text":"وقد كَرِه قوم الفِرار من الوَبَاء والأرض السقيمة ؛ رُوي عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت : الفِرار من الوباء كالفرار من الزَّحْف. وقصة عمر في خروجه إلى الشام مع أبي عبيدة معروفة ، وفيها : أنه رجع. وقال الطبريّ : في حديث سعد دلالةٌ على أن على المرء توقِّي المكاره قبل نزولها ، وتجنُّب الأشياء المخوفة قبل هجومها ، وأن عليه الصبر وترك الجزع بعد نزولها ؛ وذلك أنه عليه السلام نَهى مَن لم يكن في أرض الوَبَاء عن دخولها إذا وقع فيها ، ونَهى مَن هو فيها عن الخروج منها بعد وقوعه فيها فراراً منه ؛ فكذلك الواجب أن يكون حكم كل مُتّق من الأُمور غوائلها ، سبيله في ذلك سبيل الطاعون. وهذا المعنى نظير قوله عليه السلام : \" لا تتَمنَّوْا لقاء العدوّ وسَلُوا الله العافية فإذا لقيتموهم فاصبروا \". قلت : وهذا هو الصحيح في الباب ، وهو مقتضى قول الرسول عليه السلام ، وعليه عمل أصحابه البررة الكرام ( رضي الله عنهم ) ، وقد قال عمر لأبي عبيدة محتجّاً عليه لما قال له : أفراراً من قدر الله! فقال عمر : لو غيرك قالها يا أبا عبيدة! نعم ، نَفِرّ من قدر الله إلى قدر الله. المعنى : أي لا محيص للإنسان عما قدّره الله له وعليه ، لكن أمرنا الله تعالى بالتحرّز من المخاوف ( والمهلكات ) ، وباستفراغ الوسع في التَوقِّي من المكروهات. ثم قال له : أرأيت لو كانت لك إبْلٌ فهبطت وادياً له عُدْوَتان إحداهما خَصْبة والأُخرى جَدْبَة ، أليس إن رَعَيْتَ الخَصْبة رعيتها بقدر الله ، وإن رعيت الجَدْبَة رعيتها بقَدَر الله ( عز وجل ). فرجع عمر من موضعه ذلك إلى المدينة. قال الكيا الطبريّ : ولا نعلم خلافاً أن الكفار أو قُطّاع الطريق إذا قصدوا بلدة ضعيفة لا طاقة لأهلها بالقاصدين فلهم أن يتنحّوا من بين أيديهم ، وإن كانت الآجال المقدّرة لا تزيد ولا تنقص. وقد قيل : إنما نُهي عن الفرار منه لأن الكائن بالموضع الذي الوباء فيه لعله قد أخذ بحظ منه ، ","part":7,"page":294},{"id":2905,"text":"لاشتراك أهل ذلك الموضع في سبب ذلك المرض العام ، فلا فائدة لفراره ، بل يُضِيف إلى ما أصابه من مَبادىء الوباء مَشَقّات السفر ، فتتضاعف الآلام ويكثر الضرر فيهلكون بكل طريق ويطرحون في كل فَجْوَة ومَضِيق ، ولذلك يقال : ما فرّ أحد من الوباء فسَلِم ؛ حكاه ابن المدائني. ويكفي في ذلك موعظة قوله تعالى : {أَلَمْ تَرَ إِلَى الذين خَرَجُواْ مِن دِيَارِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ حَذَرَ الموت فَقَالَ لَهُمُ الله مُوتُواْ} ولعله إن فرّ ونجا يقول : إنما نجوت من أجل خروجي عنه. فيسوء اعتقاده. وبالجملة فالفرار منه ممنوع لما ذكرناه ، ولما فيه من تخلية البلاد : ولا تخلو من مستَضْعَفين يصعب عليهم الخروج منها ، ولا يتأتّى لهم ذلك ، ويتأذّون بخلوِّ البلاد من المياسير الذين كانوا أركاناً للبلاد ومَعُونَةً للمستضعفين.\rوإذا كان الوباء بأرض فلا يقدَم عليه أحدٌ أخْذاً بالحَزْم والحَذَر والتحرّز من مواضع الضرر ، ودفْعاً للأوهام المشوِّشة لنفس الإنسان ؛ وفي الدخول عليه الهلاك ، وذلك لا يجوز في حكم الله تعالى ، فإنّ صيانة النفس عن المكروه واجبةٌ ، وقد يُخاف عليه من سوء الاعتقاد بأن يقول : لولا دخولي في هذا المكان لما نَزَل بي مكروه. فهذه فائدة النّهْي عن دخول أرض بها الطاعون أو الخروج منها ، والله أعلم. وقد قال ابن مسعود : الطاعون فِتْنَةٌ على المقيم والفارّ ؛ فأما الفارّ فيقول : فبفراري نجوت ، وأما المقيم فيقول : أقمتُ فمتّ ؛ وإلى نحو هذا أشار مالك حين سئل عن كراهة النظر إلى المجْذُوم فقال : ما سمعت فيه بكراهة ، وما أرى ما جاء من النهي عن ذلك إلا خِيفَةَ أن يفزعه أو يُخيفه شيء يقع في نفسه ؛ \" قال النبيّ صلى الله عليه وسلم في الوباء : \"إذا سمعتم به في أرض فلا تقدموا عليه وإذا وقع وأنتم بها فلا تخرجوا فراراً منه\" \" وسئل أيضاً عن البلدة يقع فيها الموت وأمراض ، فهل يُكره الخروج منها ؟ فقال : ما أرى بأساً خرج أو أقام.\r","part":7,"page":295},{"id":2906,"text":"فصل في قوله عليه السلام : \" إذا وقع الوباء بأرض وأنتم بها فلا تخرجوا فراراً منه \" دليل على أنه يجوز الخروج من بلدة الطاعون على غير سبيل الفرار منه ، إذا اعتقد أن ما أصابه لم يكن ليخطئه ، وكذلك حكم الداخل إذا أيْقَنَ أن دخولها لا يجلب إليه قَدَراً لم يكن الله قدّره له ؛ فباح له الدخول إليه والخروج منه على هذا الحدّ الذي ذكرناه ، والله أعلم.\rفصل\rفي فضل الصبر على الطاعون وبيانه. الطاعون وزنه فاعول من الطَّعْن ، غير أنه لما عُدِل به عن أصله وُضع دالاّ على الموت العام بالوباء ؛ قاله الجوهري. ويروى من حديث عائشة رضي الله عنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : \" \"فَناء أُمتي بالطَّعْن والطاعون\" قالت : الطعن قد عرفنا فما الطاعون ؟ قال : \"غُدّة كغدّة البعير تخرج في المَرَاقِّ والآباط\" \" قال العلماء : وهذا الوَبَاء قد يُرسله الله نِقْمَةً وعُقوبةً على من يشاء من العُصَاة من عبيده وكَفَرَتهم ، وقد يُرسله شهادةً ورحمةً للصالحين ؛ كما قال معاذ في طاعون عَمْوَاس : إنه شهادة ورحمة لكم ودعوة نبيِّكم ، اللهم أعط معاذاً وأهله نصيبهم من رحمتك. فطعن في كفه رضي الله عنه. قال أبو قِلابة : قد عرفت الشهادة والرحمة ولم أعرف ما دعوة نبيكم ؟ فسألت عنها فقيل : دعا عليه السلام أن يجعل فَناء أُمته بالطعن والطاعون حين دعاء ألا يجعل بأس أُمته بينهم فمُنِعَها فدعا بهذا. ويروى من حديث جابر وغيره عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : \" الفارّ من الطاعون كالفارّ من الزَّحْف والصابر فيه كالصابر في الزحف \"\r","part":7,"page":296},{"id":2907,"text":"وفي البخاري \" عن يحيى بن يَعْمَر عن عائشة أنها أخبرته أنها سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الطاعون فأخبرها نبي الله صلى الله عليه وسلم : \"أنه كان عذاباً يبعثه الله على من يشاء فجعله الله رحمة للمؤمنين فليس من عبد يَقَع الطاعون فيمكث في بلده صابراً يعلم أنه لن يصيبه إلا ما كتب الله له إلا كان له مِثْلَ أجر الشهيد\" \" وهذا تفسير لقوله عليه الصلاة والسلام : \" الطاعون شهادة والمطعون شهيد \" أي الصابر عليه المحتسب أجره على الله العالم أنه لن يصيبه إلا ما كتب الله عليه ؛ ولذلك تَمَنّى معاذٌ أن يموت فيه لعلمه أن من مات فهو شهيد. وأما من جزع من الطاعون وكرهه وفرّ منه فليس بداخل في معنى الحديث ، والله أعلم.\rفصل\rقال أبو عمر : لم يبلغني أن أحداً من حملة العلم فرّ من الطاعون إلا ما ذكره ابن المدائني أن علي بن زيد بن جُدْعان هرب من الطاعون إلى السَّيَالة فكان يُجَمِّع كل جمعة ويرجع ؛ فكان إذا جَمَّع صاحوا به : فرّ من الطاعون! فمات بالسَّيَالة. قال : وهرب عمرو بن عبيد ورباط بن محمد إلى الرباطية فقال إبراهيم بن علي الفُقَيْمي في ذلك : \rولما استفز الموتُ كلَّ مكذِّب ... صبرتُ ولم يصبر رباطٌ ولا عمْرو\rوذكر أبو حاتم عن الأصمعي قال : هرب بعض البصريين من الطاعون فركب حماراً له ومضى بأهله نحو سَفَوَان ؛ فسمع حادِياً يَحْدُو خلفه : \rلن يُسبقَ الله على حمارِ ... ولا على ذي مَنْعة طيّار\rأو يأتيَ الحَتْفُ على مقدار ... قد يُصبح اللَّه أمام السّاري\rوذكر المدائني قال : وقع الطاعون بمصر في ولاية عبد العزيز بن مَرْوَان فخرج هارباً منه فنزل قرية من قُرى الصعيد يقال لها \"سُكَر\". فقدم عليه حين نزلها رسول لعبد الملك بن مروان. فقال له عبد العزيز : ما اسمك ؟ فقال له : طالب بن مُدْرِك. فقال : أَوْه ما أرَاني راجعاً إلى الفُسْطاط! فمات في تلك القرية. أ هـ {تفسير القرطبى حـ 3 صـ 232 ـ 236}","part":7,"page":297},{"id":2908,"text":"من لطائف الإمام القشيرى فى الآية\rلمّا استبعدوا قدرة الله في الإعادة أراهم في أنفسهم عياناً ، ثم لم ينفع إظهار ذلك لِمَنْ لم يشحذ بصيرته في التوحيد. ومن قويت بصيرته لم يضره عدم تلك المشاهدات فإنهم تحققوا بما أُخْبِرُوا ، لِمَا آمنوا به بالغيب. أ هـ {لطائف الإشارات حـ 1 صـ 189}\rمن فوائد ابن عرفة فى الآية\rقوله تعالى : {أَلَمْ تَرَ إِلَى الذين خَرَجُواْ مِن دِيَارِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ...}.\rأي متآلفون مجتمعون ، خرجوا في وقت واحد فارين من الموت ، والرؤية إما بصرية أو علمية لكن ( العلمية لاتتعدى بـ ( إلى ) فلذلك قال أبو حيان : \" المعنى لم ينته علمك إلى الذين خرجوا من ديارهم ).\rقال ابن عرفة : وكذا البصرية ممتنعة هنا فإن أولئك غير موجودين ( حين ) الخطاب لكن نزل الماضي منزلة الحاضر تحقيقا له حتى كأنه مشاهد كما قال سيبويه ، وهذا باب كذا. وفرق في الإرشاد بين نظر في كذا وهو النظر الفكري فجعله يتعدى ( بفي ).\rقوله تعالى : {فَقَالَ لَهُمُ الله مُوتُواْ...}.\rأورد الزمخشري هنا سؤالا فقال : كيف قال لهم الله \" مُوتُوا \" وكان الأصل فأماتهم الله.\rقال ابن عرفة : هذا السؤال إنّما يرد على مذهبه لأنه ينفي الكلام النفسي.\rوأجاب بأنه عبارة عن سرعة ( التكوين ) وزاد فيه ( تدقيقا ) لمذهبه بقاعدة ( إجماعية ) وهي قول الله تعالى : {إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَآ أَرَدْنَاهُ أَن نَّقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ} وهذا بناء على خطاب المعدوم وهل يصح ( أم ) لا ؟\rقال ابن عرفة : وهنا إضمارٌ أي : فماتوا ثم أحياهم.\rقوله تعالى : {إِنَّ الله لَذُو فَضْلٍ عَلَى الناس...}.","part":7,"page":298},{"id":2909,"text":"فضله عام باعتبار الكم وباعتبار الكيف فالكم راجع إلى تكثير أعداد النعم والكيف راجع إلى حالها في أنفسها ، والناس عام ، فالكافر منعم عليه في الدنيا وأما في الأخرة فمحل نظر. والاستدراك في قوله {ولكن أَكْثَرَ الناس} راجع إلى لازم قوله {لَذُو فَضْلٍ} فإن من لوازم فضله على الناس أن يشكروه ويحمدوه فلذلك استدرك بعده بـ ( لكن ). أ هـ {تفسير ابن عرفة صـ 316}","part":7,"page":299},{"id":2910,"text":"كلام نفيس للعلامة الشنقيطى فى الآية\rقال رحمه الله : \rقوله تعالى : {أَلَمْ تَرَ إِلَى الذين خَرَجُواْ مِن دِيَارِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ حَذَرَ الموت فَقَالَ لَهُمُ الله مُوتُواْ ثُمَّ أَحْيَاهُمْ}.\rالمقصود من هذه الآية الكريمة ، تشجيع المؤمنين على القتال بإعلامهم بأن الفرار من الموت لا ينجي ، فإذا علم الإنسان أن فراره من الموت أو القتل لا ينجيه ، هانت عليه مبارزة الأقران. والتقدم في الميدان. وقد أشار تعالى أن هذا هو مراده بالآية حيث أتبعها بقوله : {وَقَاتِلُواْ فِي سَبِيلِ الله} [ البقرة : 190 ] الآية وصرح بما أشار إليه هنا في قوله : {قُل لَّن يَنفَعَكُمُ الفرار إِن فَرَرْتُمْ مِّنَ الموت أَوِ القتل وَإِذاً لاَّ تُمَتَّعُونَ إِلاَّ قَلِيلاً} [ الأحزاب : 16 ] وهذه أعظم آية في التشجيع على القتال. لأنها تبين أن الفرار من القتل لا ينجي منه ولو فرض نجاته منه فهو ميت عن قريب ، كما قال قعنب ابن أم صاحب : \rإذا أنت لاقيت في نجدة... فلا تتهيبك أن تقدما\rفإن المنية من يخشها... فسوف تصادفه أينما\rوإن تتخطاك أسبابها... فإن قصاراك أن تهرما\rوقال زهير : \rرأيت المنايا خبط عشواء من تصب... تمته ومن تخطئ يعمر فيهرم\rوقال أبو الطيب : \rوإذا لم يكن من الموت بلد... فمن العجز أن تكون جبانا\rولقد أجاد من قال : \rفي الجبن عار وفي الإقدام مكرمة... والمرء في الجبن لا ينجو من القدر\rوهذا هو المراد بالآيات المذكورة ، ويؤخذ من هذه الآية عدم جواز الفرار من الطاعون إذا وقع بأرض وأنت فيها ، وقد ثبت عن النَّبي صلى الله عليه وسلم النهي عن الفرار من الطاعون وعن القدوم على الأرض التي هو فيها إذا كنت خارجاً عنها.\rتنبيه : لم تأت لفظة ألم تر ونحوها في القرآن مما تقدمه لفظ ألم ، معداة إلا بالحرف الذي هو إلى. وقد ظن بعض العلماء أن ذلك لازم والتحقيق عدم لزومه وجواز تعديته بنفسه دون حرف الجر ، كما يشهد له قول امرئ القيس : \rألم ترياني كلما جئت طارقاً... وجدت بها طيباً وإن لم تطيب. أ هـ {أضواء البيان حـ 1 صـ 179}","part":7,"page":300},{"id":2912,"text":"من فوائد العلامة الجصاص فى الآية\rقال رحمه الله : \rبَابُ الْفِرَارِ مِنْ الطَّاعُونِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : {أَلَمْ تَرَ إلَى الَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ حَذَرَ الْمَوْتِ فَقَالَ لَهُمْ اللَّهُ مُوتُوا ثُمَّ أَحْيَاهُمْ} قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : ( كَانُوا أَرْبَعَةَ آلَافٍ خَرَجُوا فِرَارًا مِنْ الطَّاعُونِ فَمَاتُوا فَمَرَّ عَلَيْهِمْ نَبِيٌّ مِنْ الْأَنْبِيَاءِ فَدَعَا رَبَّهُ أَنْ يُحْيِيَهُمْ فَأَحْيَاهُمْ اللَّهُ ).\rوَرُوِيَ عَنْ الْحَسَنِ أَيْضًا أَنَّهُمْ فَرُّوا مِنْ الطَّاعُونِ.\rوَقَالَ عِكْرِمَةُ : ( فَرُّوا مِنْ الْقِتَالِ ).\rوَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى كَرِهَ فِرَارَهُمْ مِنْ الطَّاعُونِ ؛ وَهُوَ نَظِيرُ قَوْله تَعَالَى {أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ} وقَوْله تَعَالَى : {قُلْ إنَّ الْمَوْتَ الَّذِي تَفِرُّونَ مِنْهُ فَإِنَّهُ مُلَاقِيكُمْ} وقَوْله تَعَالَى : {قُلْ لَنْ يَنْفَعَكُمْ الْفِرَارُ إنْ فَرَرْتُمْ مِنْ الْمَوْتِ أَوْ الْقَتْلِ} وقَوْله تَعَالَى : {فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ}.\rوَإِذَا كَانَتْ الْآجَالُ مُوَقَّتَةً مَحْصُورَةً لَا يَقَعُ فِيهَا تَقْدِيمٌ وَلَا تَأْخِيرٌ عَمَّا قَدَّرَهَا اللَّهُ عَلَيْهِ ، فَالْفِرَارُ مِنْ الطَّاعُونِ عُدُولٌ عَنْ مُقْتَضَى ذَلِكَ ؛ وَكَذَلِكَ الطِّيَرَةُ وَالزَّجْرُ وَالْإِيمَانُ بِالنُّجُومِ ، كُلُّ ذَلِكَ فِرَارٌ مِنْ قَدَرِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ الَّذِي لَا مَحِيصَ لِأَحَدٍ عَنْهُ.\r","part":7,"page":301},{"id":2913,"text":"وَقَدْ رُوِيَ عَنْ عَمْرِو بْنِ جَابِرٍ الْحَضْرَمِيِّ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : {الْفِرَارُ مِنْ الطَّاعُونِ كَالْفِرَارِ مِنْ الزَّحْفِ وَالصَّابِرُ فِيهِ كَالصَّابِرِ فِي الزَّحْفِ}.\rوَرَوَى يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِير عَنْ سَعِيد بْنِ الْمُسَيِّبِ عَنْ سَعْدٍ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ : {لَا عَدْوَى وَلَا طِيَرَةَ ، وَإِنْ تَكُنْ الطِّيَرَةُ فِي شَيْءٍ فَهِيَ فِي الْفَرَسِ وَالْمَرْأَةِ وَالدَّارِ ، وَإِذَا سَمِعْتُمْ بِالطَّاعُونِ بِأَرْضٍ لَسْتُمْ بِهَا فَلَا تَهْبِطُوا عَلَيْهِ ، وَإِذَا كَانَ وَأَنْتُمْ بِهَا فَلَا تَخْرُجُوا فِرَارًا عَنْهُ}.\rوَرُوِيَ عَنْ أُسَامَةَ بْنَ زَيْدٍ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِثْلُهُ فِي الطَّاعُونِ.\r","part":7,"page":302},{"id":2914,"text":"وَرَوَى الزُّهْرِيُّ عَنْ عَبْدِ الْحَمِيدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ نَوْفَلٍ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ : {أَنَّ عُمَرَ خَرَجَ إلَى الشَّامِ ، حَتَّى إذَا كَانَ بِسَرْغَ لَقِيَهُ التُّجَّارُ فَقَالُوا : الْأَرْضُ سَقِيمَةٌ ؛ فَاسْتَشَارَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارَ فَاخْتَلَفُوا عَلَيْهِ فَعَزَمَ عَلَى الرُّجُوعِ ، فَقَالَ لَهُ أَبُو عُبَيْدَةَ : أَفِرَارًا مِنْ قَدَرِ اللَّهِ ؟ فَقَالَ لَهُ عُمَرَ : لَوْ غَيْرُك يَقُولُهَا يَا أَبَا عُبَيْدَة ، نَفِرُّ مِنْ قَدَرِ اللَّهِ إلَى قَدَرِ اللَّهِ أَرَأَيْت لَوْ كَانَ لَك إبِلٌ فَهَبَطْت بِهَا وَادِيًا لَهُ عُدْوَتَانِ إحْدَاهُمَا خَصِيبَةٌ وَالْأُخْرَى جَدِيبَةٌ أَلَسْت إنْ رَعَيْت الْخَصِيبَةَ رَعَيْتَهَا بِقَدَرِ اللَّهِ وَإِنْ رَعَيْت الْجَدِيبَةَ رَعَيْتهَا بِقَدَرِ اللَّهِ ؟ فَجَاءَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ فَقَالَ : عِنْدِي مِنْ هَذَا عِلْمٌ ، سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ : إذَا سَمِعْتُمْ بِهِ فِي أَرْضٍ فَلَا تَقْدُمُوا عَلَيْهِ ، وَإِذَا وَقَعَ بِأَرْضٍ وَأَنْتُمْ بِهَا فَلَا تَخْرُجُوا فِرَارًا مِنْهُ فَحَمِدَ اللَّهَ عُمَرُ وَانْصَرَفَ}.\rفَفِي هَذِهِ الْأَخْبَارِ النَّهْيُ عَنْ الْخُرُوجِ عَنْ الطَّاعُونِ فِرَارًا مِنْهُ وَالنَّهْيُ عَنْ الْهُبُوطِ عَلَيْهِ أَيْضًا.\r","part":7,"page":303},{"id":2915,"text":"فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ : إذَا كَانَتْ الْآجَالُ مُقَدَّرَةً مَحْصُورَةً لَا تَتَقَدَّمُ وَلَا تَتَأَخَّرُ عَنْ وَقْتِهَا ، فَمَا وَجْهُ نَهْيِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ دُخُولِ أَرْضٍ بِهَا الطَّاعُونُ وَهُوَ قَدْ مَنَعَ الْخُرُوجَ مِنْهَا بَدِيًّا لِأَجْلِهِ وَلَا فَرْقَ بَيْنَ دُخُولِهَا وَبَيْنَ الْبَقَاءِ فِيهَا ؟ قِيلَ لَهُ : إنَّمَا وَجْهُ النَّهْيِ أَنَّهُ إذَا دَخَلَهَا وَبِهَا الطَّاعُونُ فَجَائِزٌ أَنْ تُدْرِكَهُ مَنِيَّتُهُ وَأَجَلُهُ بِهَا ، فَيَقُولُ قَائِلٌ : لَوْ لَمْ يَدْخُلْهَا مَا مَاتَ ؛ فَإِنَّمَا نَهَاهُ عَنْ دُخُولِهَا لِئَلَّا يُقَالَ هَذَا ؛ وَهُوَ كَقَوْلِهِ تَعَالَى : {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَكُونُوا كَاَلَّذِينَ كَفَرُوا وَقَالُوا لِإِخْوَانِهِمْ إذَا ضَرَبُوا فِي الْأَرْضِ أَوْ كَانُوا غُزًّى لَوْ كَانُوا عِنْدَنَا مَا مَاتُوا وَمَا قُتِلُوا لِيَجْعَلَ اللَّهُ ذَلِكَ حَسْرَةً فِي قُلُوبِهِمْ} فَكَرِهَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يَدْخُلَهَا ، فَعَسَى يَمُوتُ فِيهَا بِأَجَلِهِ فَيَقُولُ قَوْمٌ مِنْ الْجُهَّالِ : لَوْ لَمْ يَدْخُلْهَا لَمْ يَمُتْ.\r","part":7,"page":304},{"id":2916,"text":"وَقَدْ أَصَابَ بَعْضُ الشُّعَرَاءِ فِي هَذَا الْمَعْنَى حِينَ قَالَ : يَقُولُونَ لِي لَوْ كَانَ بِالرَّمْلِ لَمْ تَمُتْ بُثَيْنَةُ وَالْأَنْبَاءُ يُكَذَّبُ قِيلُهَا وَلَوْ أَنَّنِي اسْتَوْدَعْتهَا الشَّمْسَ لَاهْتَدَتْ إلَيْهَا الْمَنَايَا عَيْنُهَا وَدَلِيلُهَا وَعَلَى هَذَا الْمَعْنَى الَّذِي قَدَّمْنَا مَا رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : {لَا يُورِدَنَّ ذُو عَاهَةٍ عَلَى مُصِحٍّ} مَعَ قَوْلِهِ : {لَا عَدْوَى وَلَا طِيَرَةَ} لِئَلَّا يُقَالَ إذَا أَصَابَ الصَّحِيحَ عَاهَةٌ بَعْد إيرَادِ ذِي عَاهَةٍ عَلَيْهِ : إنَّمَا أَعْدَاهُ مَا وَرَدَ عَلَيْهِ.\r{وَقِيلَ لَهُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ إنَّ النُّقْبَةَ تَكُونُ بِمِشْفَرِ الْبَعِيرِ فَتَجْرَبُ لَهَا الْإِبِلُ فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : فَمَا أَعْدَى الْأَوَّلَ ؟ }.\rوَقَدْ رَوَى هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ ، أَنَّ الزُّبَيْرَ اسْتَفْتَحَ مِصْرًا فَقِيلَ لَهُ : إنَّ هُنَا طَاعُونًا ؛ فَدَخَلَهَا وَقَالَ : مَا جِئْنَا إلَّا لِلطَّعْنِ وَالطَّاعُونِ.\rوَقَدْ رُوِيَ أَنَّ أَبَا بَكْرٍ لَمَّا جَهَّزَ الْجُيُوشَ إلَى الشَّامِّ شَيَّعَهُمْ وَدَعَا لَهُمْ وَقَالَ : ( اللَّهُمَّ أَفْنِهِمْ بِالطَّعْنِ وَالطَّاعُونِ ).\rفَاخْتَلَفَ أَهْلُ الْعِلْمِ فِي مَعْنَى ذَلِكَ ، فَقَالَ قَائِلُونَ : لَمَّا رَآهُمْ عَلَى حَالِ الِاسْتِقَامَةِ وَالْبَصَائِرِ الصَّحِيحَةِ وَالْحِرْصِ عَلَى جِهَادِ الْكُفَّارِ خَشِيَ عَلَيْهِمْ الْفِتْنَةَ ، وَكَانَتْ بِلَادُ الشَّامِ بِلَادَ الطَّاعُونِ مَشْهُورٌ ذَلِكَ بِهَا ، أَحَبَّ أَنْ يَكُونَ مَوْتُهُمْ عَلَى الْحَالِ الَّتِي خَرَجُوا عَلَيْهَا قَبْل أَنْ يَفْتَتِنُوا بِالدُّنْيَا وَزَهْرَتِهَا.\r","part":7,"page":305},{"id":2917,"text":"وَقَالَ آخَرُونَ : قَدْ كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ {فَنَاءُ أُمَّتِي بِالطَّعْنِ وَالطَّاعُونِ} يَعْنِي عِظَمَ الصَّحَابَةِ ، وَأَخْبَرَ أَنَّ اللَّهِ سَيَفْتَحُ الْبِلَادَ بِمَنْ هَذِهِ صِفَتُهُ ، فَرَجَا أَبُو بَكْرٍ أَنْ يَكُونَ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ ذَكَرَهُمْ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَخْبَرَ عَنْ حَالِهِمْ ؛ وَلِذَلِكَ لَمْ يُحِبَّ أَبُو عُبَيْدَةَ الْخُرُوجَ مِنْ الشَّامِ.\rوَقَالَ مُعَاذٌ : لَمَّا وَقَعَ الطَّاعُونُ بِالشَّامِ وَهُوَ بِهَا قَالَ : اللَّهُمَّ اقْسِمْ لَنَا حَظًّا مِنْهُ وَلَمَّا طُعِنَ فِي كَفِّهِ أَخَذَ يُقَبِّلُهَا وَيَقُولُ : مَا يَسُرُّنِي بِهَا كَذَا وَكَذَا وَقَالَ : لَئِنْ كُنْت صَغِيرًا فَرُبَّ صَغِيرٍ يُبَارِكُ اللَّهُ فِيهِ أَوْ كَلِمَةً نَحْوَهَا ، يَتَمَنَّى الطَّاعُونَ لِيَكُونَ مِنْ أَهْلِ الصِّفَةِ الَّتِي وَصَفَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِهَا أُمَّتَهُ الَّذِينَ يَفْتَحُ اللَّهُ بِهِمْ الْبِلَادَ وَيُظْهِرُ بِهِمْ الْإِسْلَامَ.\rوَفِي هَذِهِ الْآيَةِ دَلَالَةٌ عَلَى بُطْلَانِ قَوْلِ مَنْ أَنْكَرَ عَذَابَ الْقَبْرِ وَزَعَمَ أَنَّهُ مِنْ الْقَوْلِ بِالتَّنَاسُخِ ؛ لِأَنَّ اللَّهَ أَخْبَرَ أَنَّهُ أَمَاتَ هَؤُلَاءِ الْقَوْمَ ثُمَّ أَحْيَاهُمْ ، فَكَذَلِكَ يُحْيِيهِمْ فِي الْقَبْرِ وَيُعَذِّبُهُمْ إذَا اسْتَحَقُّوا ذَلِكَ. أ هـ {أحكام القرآن للجصاص حـ 2 صـ 146 ـ 166}","part":7,"page":306},{"id":2918,"text":"بحث نفيس {دروس من السماء}\rقصة أمة : \rإنها أمة واهنة القوى ، ساقطة المستوى ، كهذه الأمم المبعثرة فى ربوع الشرق ، الباقية على خريطة العالم القديم ، كأنها أطلال دارسة ، لحضارات طال عليها الأمد ، وانقطع بها الزمن ، وأدبرت عنها الحياة.\rفهى ـ فى شيخوختها العاثرة ـ تذكر ماضيها فترجو ، ويلحقها حاضرها فتكبو.\rإنها بين اليأس والأمل ، وبين الحياة والموت ، وبين رغبتها فى العيش الكريم ، وتعثرها فى الأخذ بأسبابه.\rتواجه الدنيا بأمانيها ، ويواجهها القدر بدروسه ، وتنزل إلى ميدان الحياة برغائبها المجردة ، فيفاجئها الميدان بعقباته المعترضة ، ومتاهاته المحيرة.\rوقد وصلت ـ أخيرا ـ إلى ما تبغى ، ولكن مثل ما يصل الفتى الغر إلى تحقيق أحلامه ، بعد سنوات طويلات تترك تجاعيدها على جبينه.\rوبعد أحداث قاهرات تدع ندوبها فى فؤاده ، وكفاح موصول المرارة والتجهم والمصابرة ، لم يزل به حتى يغير منه كل شىء.\rفكأن الذى وصل إلى أخر الطريق ، شخص آخر ، غير الذى بدأ مراحله ، ووقف على أوائله لا يعرف ما يكون ، ولا يدرى ما يخبأ له.\rهذه الأمم تموت حتما : الأمة التى تقبل الخنوع وتعطى الدنية من نفسها ، لن تحرم من مكان تعيش فيه ، فإن سادة العالم لن يرفضوا الاستكثار من الخدم والأتباع.\rولا ضير على الواحد منهم ، إن سخر مستعمرة واسعة الرقعة ، ليعيش ما فيها من حيوان ، وما فيها من إنسان ، سواسية فى العمل له والفناء فيه.\rبيد أن الشعوب الخادمة لغيرها ، ليست إلا شعوبا ماتت فيها المواهب الإنسانية العليا ، وارتكست فيها الملكات الذكية اليقظة.\rفهى توصف بالحياة ، كما يصف السادة بالحياة كلاب الصيد التى تلهث بين أيديهم ، أو أبقار الحرث التى تعمل فى حقولهم!.\rأما هم ـ من الناحية الإنسانية المحضة ـ فأموات.\rوكل أمة تنكل عن حمل أعباء الحياة الحرة الأبية ، وتنكص عن الإقدام فى ساحات الجهاد والتضحية ، وتخشى عواقب المخاطرة والجرأة ، فلابد أن تصدر عليها محكمة التاريخ ، حكمها بالإعدام.","part":7,"page":307},{"id":2919,"text":"وهكذا بدأ القرآن يقص أنباء هذه الأمة التى فرت من تكاليف الحياة فأدركها الموت! : (ألم تر إلى الذين خرجوا من ديارهم وهم ألوف حذر الموت فقال لهم الله موتوا).\rفحقت عليهم كلمة العذاب ، وماتوا فى الديار التى عجزوا عن الدفاع عنها ، كما تموت ـ الآن ـ شعوب كثيرة فى المستعمرات ، وفى الأمم المستقلة اسما ، والمرتبطة مع قاهريها بمعاهدات!.\rفلما أراد الله أن يعلم هذه الأمة كيف تحيا ، أشعرها أن دون نيل الحياة الكريمة.\rبذل النفس والنفيس ، ودفع الضرائب المفروضة على الدم والمال فقال لهم : (..قاتلوا في سبيل الله).\rثم قال لهم : (من ذا الذي يقرض الله قرضا حسنا فيضاعفه له).\rوهيهات أن تستطيع الأمم الخوارة ، دفع ذلك الثمن الغالى! وكيف تدفعه من نفوس هى بها ـ فى الحق ـ شحيحة ؟! ومن أموال هى بها ـ فى الخير ـ ضنينة ؟ . أ هـ {الإسلام المفترى عليه للشيخ محمد الغزالى صـ 151}","part":7,"page":308},{"id":2923,"text":"بحث قيم فى الطاعون والفاحشة\rسمي بأسماء عديدة ولكنها مرعبة ، فهو تارة يسمى بالموت الأسود ، وتارة أخرى بالطاعون الأسود ، لنتأمل كيف أخبر النبي عليه الصلاة والسلام بهذا الوباء القاتل....\rبدأ الانحطاط الأخلاقي بالانتشار في أجزاء مختلفة من أنحاء العالم ، ومنها الدول الإسلامية بسبب كثرة الأموال والجاريات والغواني ومجالس اللهو الطرب والخمر. وقد كانت أماكن كثيرة من العالم تعجّ بالفساد والفاحشة.\rوفي القرن الرابع عشر في عام 1347 بدأ مرض جديد لم يكن منتشراً من قبل هو مرض الطاعون ، بدأ بالانتشار في جنوب آسيا والصين وقتل أكثر من\rلوحة تعبر عن صورة الموت الذي خلفه الطاعون في أوربا في القرن السابع عشر.\r75 مليون شخص وانتقل إلى أوربا ، وقتل وقتها ثلثي سكان أوربا ، وسمي بالموت الأسود [1].\rومع بداية عصر النهضة في أوربا بدأت ظاهرة الفساد الأخلاقي بالتفشي أكثر فأكثر ، وبدأ الناس في دول الغرب يجاهرون بالمعاصي بشكل غير مسبوق ، وكان ذلك في القرن السابع عشر الميلادي. ولذلك وبسبب كثرة الزنا والشذوذ الجنسي بدأ مرض الطاعون بالانتشار في مختلف أنحاء أوربا.\rوبالطبع لا يمكن مقارنة ذلك العصر بما تعيشه اليوم أوربا من فساد أخلاقي ، ولكن بدايات تفشي الفواحش بدأت مع القرن السابع عشر بسبب توافر أماكن خاصة للدعارة وانتشارها في أنحاء متفرقة من أوربا.","part":7,"page":309},{"id":2924,"text":"لقد كان هذا المرض إنذاراً إلهياً مرعباً ، فقد أحدث خللاً كبيراً في حياة البشر ، وفوضى لم يسبق لها مثيل من قبل.\rكيف بدأت القصة\rيؤكد العديد من علماء الغرب أنفسهم أن انتشار مرض الطاعون والذي حصد أكثر من عشرين مليون إنسان خلال أسابيع قليلة ، يؤكدون أن هذا المرض إنما هو عقاب من الله بسبب فساد الأخلاق وتفشي الفواحش ، ونؤكد عزيزي القارئ أن هذا كلامهم أنفسهم [1].\rجرثومة الطاعون Yersinia pestis التي قتلت أكثر من ثلثي سكان الصين والهند وأوربا خلال زمن قصير وبشكل مفاجئ.\rويسبب الطاعون ألماً شديداً وحمى وورماً في الغدد اللمفاوية ، ويسبب هذا المرض بقعاً حمراء على الجلد ثم تتجول إلى بقع سوداء مخيفة. ويشعر مريض الطاعون بالصداع والبرد في الأطراف ، وتسرع في ضربات القلب ، ثم يحدث نزيف تحت جلدي ، ويسبب لطخات على الجلد ، ثم يبدأ الجهاز العصبي بالانهيار ، وتبدأ بعد ذلك الاضطرابات العصبية الغريبة والتي يتمايل منها المريض وكأنه يرقص رقصة الموت! وخلال عدة أيام يكون الجلد قد اسود وفارق المريض الحياة.\rإحصائيات مرعبة\rنقدم من خلال هذا الجدول إحصائية بسيطة لنسبة الذين ماتوا بالطاعون في أوربا فقط ، ونلاحظ أن الطاعون الذي ضرب أوربا عام 1630 قد حصد بحدود 69 % من سكان أوربا ، وهي أعلى نسبة للموت في التاريخ [2]!\rالسنة نسبة الموت ـ من عدد السكان\r1347-52 5%-35%\r1563-1636 10-30%\r1665 28%\r1630 35%-69%\r1709-13 30%-49%\r1720 25%-50%\r1743 60%\rويؤكد الباحثون حديثاً بأن هذا المرض كان يظهر بشكل مفاجئ ثم يختفي. ولم يختفي هذا المرض إلا في القرن التاسع عشر ، وفي القرن العشرين عادت الكثير من الأمراض التي ظهرت بسبب تفشي الفواحش من جديد.","part":7,"page":310},{"id":2925,"text":"وربما يكون أشهرها مرض الإيدز الذي يقتل ملايين الأشخاص في المناطق الأكثر فساداً في العالم. إذن يمكننا أن نستنتج حقيقة تاريخية وطبية وهي أنه بدأ مرض الطاعون بالتفشي لقرون عدة ، ثم بدأت بعده أمراضاً لم تكن معروفة من قبل مثل الإيدز وغيره من الأمراض التي ارتبطت بالفواحش مثل الزنا والشذوذ الجنسي.\rوالسؤال : هل من حديث نبوي يتنبأ بهذه الحقائق ؟ \rالمعجزة النبوية\rيقول صلى الله عليه وسلم : (لم تظهر الفاحشة في قوم قط حتى يعلنوا بها إلا فشا فيهم الطاعون والأوجاع التي لم تكن مضت في أسلافهم الذين مضوا) [رواه ابن ماجه]. إن هذا الحديث يمثل معجزة نبوية حيث يتحدث بوضوح عن مرض الطاعون ، ثم عن أمراض وأوجاع لم تكن معروفة من قبل ، وهذا هو مرض الإيدز خير شاهد على ذلك.\rبعض آثار الطاعون الأسود الذي فاجأ البشر مرات عديدة وقتل مئات الملايين من الناس بسرعة مرعبة.\rلقد ربط البيان النبوي بين ظهور الفاحشة والإعلان بها ، وبين الطاعون والأمراض التي لم تكن في الأمم السابقة ، ومن خلال المعلومات التي رأيناها نستنتج أن ظهور الطاعون أولاً ثم الأمراض الجديدة التي لم تكن معروفة من قبل ، يرتبط بكثرة الفواحش.\rولا نملك إلا أن ندعو بأكثر دعاء النبي صلى الله عليه وسلم : (اللهم قنا عذابك يوم تبعث عبادك).أ هـ {موسوعة الإعجاز العلمي في القرآن والسنة\r/ بحث بقلم عبد الدائم الكحيل}","part":7,"page":311},{"id":2926,"text":"قوله تعالى : {وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (244)}\rمناسبة الآية لما قبلها\rقال البقاعى : \rولما بيّن سبحانه وتعالى أن الموت لا يصون منه فرار أمر بالجهاد الذي هو المقصود الأعظم بهذه السياقات ولفت القول إلى من يحتاج إلى الأمر به وصدره بالواو فأفهم العطف على غير معطوف عليه مذكور أن التقدير : فلا تفروا من أسباب الموت بل اثبتوا في مواطن البأساء {وقاتلوا} وعبر بفي الظرفية إشارة إلى وجوب كونهم في القتال وإن اشتدت الأحوال مظروفين للدين مراعين له لا بخرجون عنه بوجه ما فيصدقون في الإقدام على من لج في الكفران ويسارعون إلى الإحجام عمن بدا منه الإذعان ونحو ذلك من مراعاة شرائع الإيمان ، وعبر بالسبيل إشارة إلى يسر الدين ووضوحه فلا عذر في الخروج عن شيء منه بحال فقال : {في سبيل الله} أي الذي لا كفوء له كما كتبه عليكم وإن كنتم تكرهون القتال.\rولما أمرهم بعد ما حذرهم رغبهم ورهبهم بقوله : {واعلموا} منبهاً لهم لأن يلقوا أسماعهم ويحضروا أفهامهم لما يلقى عليهم {أن الله} أي الذي له القدرة الكاملة والعلم المحيط {سميع} لما تقولون إذا أمرتم بما يكره من القتال {عليم} بما تضمرون من الإعراض عنه والإقبال فهو يجازيكم على الخير قولاً وعملاً ونية ، الحسنة بعشر أمثالها إلى سبعين ضعفاً إلى سبعمائة ضعف إلى أضعاف كثيرة وعلى السيئة بمثلها إن شاء {ولا يظلم ربك أحداً} [ الكهف : 49 ]. أ هـ {نظم الدرر حـ 1 صـ 467 ـ 468}\rقال الفخر : \rفيه قولان الأول : أن هذا خطاب للذين أحيوا ، قال الضحاك : أحياهم ثم أمرهم بأن يذهبوا إلى الجهاد لأنه تعالى إنما أماتهم بسبب أن كرهوا الجهاد.","part":7,"page":312},{"id":2927,"text":"واعلم أن القول لا يتم إلا بإضمار محذوف تقديره : وقيل لهم قاتلوا.\rوالقول الثاني : وهو اختيار جمهور المحققين : أن هذا استئناف خطاب للحاضرين ، يتضمن الأمر بالجهاد إلا أنه سبحانه بلطفه ورحمته قدم على الأمر بالقتال ذكر الذين خرجوا من ديارهم لئلا ينكص عن أمر الله بحب الحياة بسبب خوف الموت ، وليعلم كل أحد أنه يترك القتال لا يثق بالسلامة من الموت ، كما قال في قوله : {قُل لَّن يَنفَعَكُمُ الفرار إِن فَرَرْتُمْ مّنَ الموت أَوِ القتل وَإِذاً لاَّ تُمَتَّعُونَ إِلاَّ قَلِيلاً} [ الأحزاب : 16 ] فشجعهم على القتال الذي به وعد إحدى الحسنيين ، إما في العاجل الظهور على العدو ، أو في الآجل الفوز بالخلود في النعيم ، والوصول إلى ما تشتهي الأنفس وتلذ الأعين.\rأما قوله تعالى : {فِى سَبِيلِ الله} فالسبيل هو الطريق ، وسميت العبادات سبيلاً إلى الله تعالى من حيث أن الإنسان يسلكها ، ويتوصل إلى الله تعالى بها ، ومعلوم أن الجهاد تقوية للدين ، فكان طاعة ، فلا جرم كان المجاهد مقاتلاً في سبيل الله ثم قال : {واعلموا أَنَّ الله سَمِيعٌ عَلِيمٌ} أي هو يسمع كلامكم في ترغيب الغير في الجهاد ، وفي تنفير الغير عنه ، وعليم بما في صدوركم من البواعث والأغراض وأن ذلك الجهاد لغرض الدين أو لعاجل الدنيا. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 6 صـ 140 ـ 141}\rقال الطبرى : \r","part":7,"page":313},{"id":2928,"text":"يعني تعالى ذكره بذلك : \"وقاتلوا\" ، أيها المؤمنون \"في سبيل الله\" ، يعني : في دينه الذي هداكم له ، لا في طاعة الشيطان أعداء دينكم ، الصادين عن سبيل ربكم ، ولا تحتموا عن قتالهم عند لقائهم ، ولا تجبنوا عن حربهم ، فإن بيدي حياتكم وموتكم. ولا يمنعن أحدكم من لقائهم وقتالهم حذر الموت وخوف المنية على نفسه بقتالهم ، فيدعوه ذلك إلى التعريد عنهم والفرار منهم ، فتذلوا ، ويأتيكم الموت الذي خفتموه في مأمنكم الذي وألتم إليه ، كما أتى الذين خرجوا من ديارهم فرارا من الموت ، الذين قصصت عليكم قصتهم ، فلم ينجهم فرارهم منه من نزوله بهم حين جاءهم أمري ، وحل بهم قضائي ، ولا ضر المتخلفين وراءهم ما كانوا لم يحذروه ، إذ دافعت عنهم مناياهم ، وصرفتها عن حوبائهم ، فقاتلوا في سبيل الله من أمرتكم بقتاله من أعدائي وأعداء ديني ، فإن من حيي منكم فأنا أحييه ، ومن قتل منكم فبقضائي كان قتله.\rثم قال تعالى ذكره لهم : واعلموا ، أيها المؤمنون ، أن ربكم\"سميع\" لقول من يقول من منافقيكم لمن قتل منكم في سبيلي : لو أطاعونا فجلسوا في منازلهم ما قتلوا \"عليم\" بما تجنه صدورهم من النفاق والكفر وقلة الشكر لنعمتي عليهم ، وآلائي لديهم في أنفسهم وأهليهم ، ولغير ذلك من أمورهم وأمور عبادي.\rيقول تعالى ذكره لعباده المؤمنين : فاشكروني أنتم بطاعتي فيما أمرتكم من جهاد عدوكم في سبيلي ، وغير ذلك من أمري ونهيي ، إذ كفر هؤلاء نعمي. واعلموا أن الله سميع لقولهم ، وعليم بهم وبغيرهم وبما هم عليه مقيمون من الإيمان والكفر ، والطاعة والمعصية ، محيط بذلك كله ، حتى أجازي كلا بعمله ، إن خيرا فخيرا ، وإن شرا فشرا. أ هـ {تفسير الطبرى حـ 5 صـ 280 ـ 281}\rوقال القرطبى : ","part":7,"page":314},{"id":2929,"text":"هذا خطاب لأُمة محمد صلى الله عليه وسلم بالقتال في سبيل الله في قول الجمهور. وهو الذي يُنْوَى به أن تكون كلمة الله هي العليا. وسُبُل الله كثيرة فهي عامة في كل سبيل ؛ قال الله تعالى : {قُلْ هذه سبيلي} [ يوسف : 108 ]. قال مالك : سُبُل الله كثيرة ، وما من سبيل إلا يقاتل عليها أو فيها أولها ، وأعظمها دين الإسلام ، لا خلاف في هذا. وقيل : الخطاب للذين أُحْيُوا من بني إسرائيل ؛ روي عن ابن عباس والضحاك. والواو على هذا في قوله {وَقَاتِلُواْ} عاطفة على الأمر المتقدّم ، وفي الكلام متروك تقديره : وقال لهم قاتلوا. وعلى القول الأوّل عاطفة جملة كلام على جملة ما تقدّم ، ولا حاجة إلى إضمار في الكلام.\rقال النحاس : \"وقَاتِلُوا\" أمر من الله تعالى للمؤمنين ألاّ تهربوا كما هرب هؤلاء. أ هـ {تفسير القرطبى حـ 3 صـ 236}\rقال الطبري : \rولا وجه لقول من زعم أن قوله : \"وقاتلوا في سبيل الله\" ، أمر من الله الذين خرجوا من ديارهم وهم ألوف بالقتال ، بعد ما أحياهم. لأن قوله : \"وقاتلوا في سبيل الله\" ، لا يخلو- إن كان الأمر على ما تأولوه- من أحد أمور ثلاثة : \rإما أن يكون عطفا على قوله : \"فقال لهم الله موتوا\" ، وذلك من المحال أن يميتهم ، ويأمرهم وهم موتى بالقتال في سبيله.\rأو يكون عطفا على قوله : \"ثم أحياهم\" ، وذلك أيضا مما لا معنى له.\rلأن قوله : \"وقاتلوا في سبيل الله\" ، أمر من الله بالقتال ، وقوله : \"ثم أحياهم\" ، خبر عن فعل قد مضى. وغير فصيح العطف بخبر مستقبل على خبر ماض ، لو كانا جميعا خبرين ، لاختلاف معنييهما. فكيف عطف الأمر على خبر ماض ؟ ","part":7,"page":315},{"id":2930,"text":"أو يكون معناه : ثم أحياهم وقال لهم : قاتلوا في سبيل الله ، ثم أسقط\"القول\" ، كما قال تعالى ذكره : ( إِذِ الْمُجْرِمُونَ نَاكِسُو رُءُوسِهِمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ رَبَّنَا أَبْصَرْنَا وَسَمِعْنَا ) [سورة السجدة : 12] ، بمعنى يقولون : ربنا أبصرنا وسمعنا. وذلك أيضا إنما يجوز في الموضع الذي يدل ظاهر الكلام على حاجته إليه ، ويفهم السامع أنه مراد به الكلام وإن لم يذكر. فأما في الأماكن التي لا دلالة على حاجة الكلام إليه ، فلا وجه لدعوى مدع أنه مراد فيها. أ هـ {تفسير الطبرى حـ 5 صـ 281 ـ 282}\rوقال أبو حيان : \rوالذي يظهر القول الأول ، وأن هذه الآية ملتحمة بقوله : {حافظوا على الصلوات} وبقوله : {فإن خفتم فرجالاً أو ركباناً} لأن في هذا إشعاراً بلقاء العدو ، ثم ما جاء بين هاتين الآيتين جاء كالاعتراض ، فقوله : {وللمطلقات متاع بالمعروف} تتميم أو توكيد لبعض أحكام المطلقات ، وقوله : {ألم تر إلى الذين} اعتبار بمن مضى ممن فرّ من الموت ، فمات ، أن لا ننكص ولا نحجم عن القتال ، وبيان المقاتل فيه ، وأنه سبيل الله فيه حث عظيم على القتال ، إذ كان الإنسان يقاتل للحمية ، ولنيل عرض من الدنيا ، والقتال في سبيل الله مورث للعز الأبدي والفوز السرمدي. أ هـ {البحر المحيط حـ 2 صـ 261}\rفائدة\rقال ابن عاشور : \rوجملة : {وقاتلوا في سبيل الله} الآية هي المقصود الأول ، فإن ما قبلها تمهيد لها كما علمتَ ، وقد جعلت في النظم معطوفة على جملة {ألم تر إلى الذين خرجوا من ديارهم} عطفاً على الاستئناف ، فيكون لها حكم جملة مستأنفة استئنافاً ابتدائياً ، ولولا طول الفصل بينها وبين جملة {كتب عليكم القتال وهو كره لكم} [ البقرة : 216 ] ، لقُلنا : إنها معطوفة عليها على أن اتصال الغرضين يُلحقها بها بدون عطف.\rوجملة {واعلموا أن الله سميع عليم} حث على القتال وتحذير من تركه بتذكيرهم بإحاطة علم الله تعالى بجميع المعلومات : ظاهرها وباطنها.","part":7,"page":316},{"id":2931,"text":"وقدِّم وصف سميع ، وهو أخص من عليم ، اهتماماً به هنا ؛ لأن معظم أحوال القتال في سبيل الله من الأمور المسموعة ، مثل جلبة الجيش وقعقعة السلاح وصهيل الخيل.\rثم ذكر وصف عليم لأنه يعم العلم بجميع المعلومات ، وفيها ما هو من حديث النفس مثل خلُق الخوف ، وتسويل النفس القعودَ عن القتال ، وفي هذا تعريض بالوعد والوعيد.\rوافتتاح الجملة بقوله : {واعلموا} للتنبيه على ما تحتوي عليه من معنى صريح وتعريض ، وقد تقدم قريباً عند قوله تعالى : {واتقوا الله واعلموا أنكم ملاقوه} [ البقرة : 223 ]. أ هـ {التحرير والتنوير حـ 2 صـ 480 ـ 481}\rلام نفيس للعلامة الآلوسى فى الآية الكريمة\rقال رحمه الله : \r","part":7,"page":317},{"id":2932,"text":"{وقاتلوا فِي سَبِيلِ الله} وهو عطف في المعنى على {أَلَمْ تَرَ} [ البقرة : 3 24 ] لأنه بمعنى انظروا وتفكروا ، والسورة الكريمة لكونها سنام القرآن ذكر فيها كليات الأحكام الدينية من الصيام والحج والصلاة والجهاد على نمط عجيب مستطرداً تارة للاهتمام بشأنها يكر عليها كلما وجد مجال ، ومقصوداً أخرى دلالة على أن المؤمن المخلص لا ينبغي أن يشغله حال عن حال ، وإن المصالح الدنيوية ذرائع إلى الفراغة للمشاغل الأخروية ، والجهاد لما كان ذروة سنام الدين ، وكان من أشق التكاليف حرضهم عليه من طرق شتى مبتدأ من قوله سبحانه : {وَلاَ تَقُولُواْ لِمَن يُقْتَلُ فِى سَبيلِ الله} [ البقرة : 4 15 ] منتهياً إلى هذا المقام الكريم مختتماً بذكر الانفاق في سبيله للتتميم قاله في \"الكشف\" وجوز في العطف وجوه أخر ، الأوّل : أنه عطف على مقدر يعينه ما قبله كأنه قيل فاشكروا فضله بالاعتبار بما قص عليكم وقاتلوا في سبيله لما علمتم أن الفرار لا ينجي من الحمام وأن المقدر لا يمحى فإن كان قد حان الأجل فموت في سبيل الله تعالى خير سبيل وإلا فنصر وثواب ، الثاني : أنه عطف على ما يفهم من القصة أي اثبتوا ولا تهربوا كما هرب هؤلاء وقاتلوا ، والثالث : أنه عطف على {حافظوا عَلَى الصلوات} إلى {فَإِنْ خِفْتُمْ} [ البقرة : 283 ، 9 23 ] الآية لأن فيه إشعاراً بلقاء العدوّ وما جاء جاء كالاعتراض ، الرابع : أنه عطف على {فَقَالَ لَهُمُ الله} [ البقرة : 3 24 ] والخطاب لمن أحياهم الله تعالى وهو كما ترى {واعلموا أَنَّ الله سَمِيعٌ} لما يقوله المتخلف عن الجهاد من تنفير الغير عنه وما يقوله السابق إليه من ترغيب فيه {عَلِيمٌ} بما يضمره هذا وذلك من الأغراض والبواعث فيجازي كلاً حسب عمله ونيته. أ هـ {روح المعانى حـ 2 صـ 162}\rمن فوائد ابن عرفة فى الآية\rقوله تعالى : {وَقَاتِلُواْ فِي سَبِيلِ الله...}.","part":7,"page":318},{"id":2933,"text":"المقاتلة تكون للجهاد بالذات لتكون كلمة الله هي العليا أو باللزوم كمن يقاتل ليذبّ عن حريمه ، فإنّه يستلزم الجهاد. معناها ليكن اعتقادهم ونيتكم بالقتال ( سبيل الله ).\rقوله تعالى : {واعلموا أَنَّ الله سَمِيعٌ عَلِيمٌ}.\rقال ابن عرفة : وجه مناسبة الصفتين أن من قعد ولم يخرج للقتال لا بد أن يتكلم في المؤمنين ويتحدث في أمره فالله سميع له عليم. ( قتال ) من قاتل ، ففيه وعد ووعيد. أ هـ {تفسير ابن عرفة صـ 317}","part":7,"page":319},{"id":2934,"text":"قوله تعالى : {مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافًا كَثِيرَةً وَاللَّهُ يَقْبِضُ وَيَبْسُطُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (245)}\rمناسبة الآية لما قبلها\rقال البقاعى : \rولما كانت النفقة التي هي من أعظم مقاصد السورة أوثق دعائم الجهاد وأقوى مصدق للإيمان ومحقق لمبايعة الملك الديان كرر الحث عليها على وجه أبلغ تشويقاً مما مضى فقال على هيئه الممتحن للصادق ممن أمره وحذره وأنذره : {من ذا الذي} منكم يا من كتب عليهم القتال والخروج عن الأنفس والأموال {يقرض الله} الذي تفرد بالعظمة ، وهو من الإقراض أي إيقاع القرض ولذا قال : {قرضاً} وشبه سبحانه وتعالى العمل به لما يرجى عليه من الثواب فهو كالقرض الذي هو بذل المال للرجوع بمثله ، وعبر به لدلالته على المحبة لأنه لا يقرضك إلا محب ، ولأن أجره أكثر من أجر الصدقة {حسناً} أي جامعاً لطيب النفس وإخلاص النية وزكاء المال.\rوقال الحرالي : القرض الجزّ من الشيء والقطع منه ، كأنه يقطع له من ماله قطعة ليقطع له من ثوابه أقطاعاً مضاعفة ، والقرض بين الناس قرضاً بقرض مثلاً بمثل فمن ازداد فقد أربى ومن زاد من غير عقد ولا عهد فقد وفى ، فالقرض مساواة والربا ازدياد ، ووصف سبحانه وتعالى القرض الذي حرض عليه بالحسن لتكون المعاملة بذلة على وجه الإحسان الذي هو روح الدين وهو أن يعامل الله به كأنه يراه - انتهى.\rولما كانت الأنفس مجبولة على الشحّ بما لديها إلا لفائدة رغبها بقوله مسبباً عن ذلك : {فيضاعفه} قال الحرالي : من المضاعفة مفاعلة من الضعف - بالكسر - وهي ثني الشيء بمثله مرة أو مرات ، وأزال عنه ريب الاحتمال بقوله : {له} أي في الدنيا والآخرة.\r","part":7,"page":320},{"id":2935,"text":"قال الحرالي : هذه المضاعفة أول إنبائها أن الزائد ضعف ليس كسراً من واحد المقرض ليخرج ذلك عن معنى وفاء القضاء فإن المقترض تارة يوفي على الواحد كسراً من وزنه ، \" كان رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يقترض قرضاً إلا وفى عليه زيادة ، وقال : خير الناس أحسنهم قضاء \" فأنبأ تعالى أن اقتراضه ليس بهذه المثابة بل بما هو فوق ذلك لأنه يضعف القرض بمثله وأمثاله إلى ما يقال فيه الكثرة ؛ وفي قوله : {أضعافاً} ما يفيد أن الحسنة بعشر ، وفي قوله : {كثيرة} ما يفيد البلاغ إلى فوق العشر وإلى المائة كأنه المفسر في قوله بعد هذا {مثل الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله} [ البقرة : 261 ] ، فأوصل تخصيص هذه الكثرة إلى المئين ثم فتح باب التضعيف إلى ما لا يناله علم العالمين في قوله : {والله يضاعف لمن يشاء} [ البقرة : 261 ] - انتهى. أ هـ {نظم الدرر حـ 1 صـ 468 ـ 469}\rقال ابن عاشور : \rقوله تعالى : {مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافًا كَثِيرَةً}\rاعتراض بين جملة : {ألم تر إلى الذين خرجوا من ديارهم} [ البقرة : 243 ] إلى آخرها ، وجملة {ألم تر إلى الملإ من بني إسرائيل} [ البقرة : 246 ] الآية ، قصد به الاستطراد للحث على الإنفاق لوجه الله في طرق البر ، لمناسبة الحث على القتال ، فإن القتال يستدعي إنفاق المقاتل على نفسه في العُدَّة والمَؤُونة مع الحث على إنفاق الواجد فضلاً في سبيل الله بإعطاء العُدَّة لمن لا عُدَّة له ، والإنفاق على المعسرين من الجيش ، وفيها تبيين لمضمون جملة : {واعلموا أن الله سميع عليم} [ البقرة : 244 ] فكانت ذات ثلاثة أغراض. أ هـ {التحرير والتنوير حـ 2 صـ 481}\rوقال أبو حيان : \r","part":7,"page":321},{"id":2936,"text":"{من ذا الذي يقرض الله قرضاً حسناً فيضاعفه له أضعافاً كثيرة} هذا على سبيل التأسيس والتقريب للناس بما يفهمونه والله هو الغني الحميد ، شبه تعالى عطاء المؤمن في الدنيا بما يرجو ثوابه في الآخرة بالقرض ، كما شبه بذل النفوس والأموال في الجنة بالبيع والشراء.\rومناسبة هذه الآية لما قبلها : أنه تعالى لما أمر بالقتال في سبيل الله ، وكان ذلك مما يفضي إلى بذل النفوس والأموال في إعزاز دين الله ، أثنى على من بذل شيئاً من ماله في طاعة الله ، وكان هذا أقل حرجاً على المؤمنين ، إذ ليس فيه إلاَّ بذل المال دون النفس ، فأتى بهذه الجملة الاستفهامية المتضمنة معنى الطلب. أ هـ {البحر المحيط حـ 2 صـ 261}\rسبب نزول الآية","part":7,"page":322},{"id":2937,"text":"عن عبد الله بن مسعود قال : لما نزلت : {مَّن ذَا الذي يُقْرِضُ الله قَرْضاً حَسَناً} قال أبو الدحداح : يا رسول الله أو إنّ الله تعالى يريد منا القرض ؟ قال : \"نعم يا أبا الدحداح\" قال : أرِنِي يدك ( قال ) فناوله ؛ قال : فإني أقرضت الله حائطاً فيه ستمائة نخلة. ثم جاء يمشي حتى أتى الحائط وأُمّ الدحداح فيه وعياله ؛ فناداها : يا أُمّ الدحداح ؛ قالت : لبيك ؛ قال : اخرجي ، قد أقرضت ربي عز وجل حائطاً فيه ستمائة نخلة. وقال زيد ابن أسلم : لما نزل : {مَّن ذَا الذي يُقْرِضُ الله قَرْضاً حَسَناً} قال أبو الدحداح : فداك أبي وأُمي يا رسول اللها إن الله يستقرضنا وهو غني عن القرض ؟ قال : \"نعم يريد أن يدخلكم الجنة به\". قال : فإني إن أقرضتُ ربي قرضاً يضمن لي به ولِصِبْيَتي الدَّحْداحة معي الجنة ؟ قال : \"نعم\" قال : فناولني يدك ؛ فناوله رسول الله صلى الله عليه وسلم يده. فقال : إن لي حديقتين إحداهما بالسافلة والأُخرى بالعالية ، والله لا أملك غيرهما ، قد جعلتهما قرضاً لله تعالى. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : \"اجعل إحداهما لله والأُخرى دعها معيشة لك ولعيالك\" قال : فأشهدك يا رسول الله أني قد جعلت خيرهما لله تعالى ، وهو حائط فيه ستمائة نخلة. قال : \"إذاً يجزيك الله به الجنة\" \"\rفانطلق أبو الدحداح حتى جاء أم الدحداح وهي مع صبيانها في الحديقة تدور تحت النخل فأنشأ يقول : \rهداكِ ربّي سُبُلَ الرشادِ ... إلى سبيل الخير والسّدادِ\rبِينِي من الحائط بالوِداد ... فقد مضى قرضاً إلى التَّناد\rأقرضتُه اللَّه على اعتمادي ... بالطَّوْع لا مَنٍّ ولا ارتداد\rإلاّ رَجاءَ الضِّعْف في المَعاد ... فارتحِلِي بالنفس والأولادِ\rوالبِرّ لا شَكّ فخيْرُ زادِ ... قدّمَه المرءُ إلى المعادِ\rقالت أُم الدحداح : رَبِحَ بيعُك! بارك الله لك فيما اشتريت ، ثم أجابته أُم الدحداح وأنشأت تقول : \r","part":7,"page":323},{"id":2938,"text":"بشّرك اللَّهُ بخَيْر وفَرَحْ ... مِثلُك أدّى ما لديه ونَصَحْ\rقد مَتَّع اللّه عيالي ومَنَحْ ... بالعَجْوَة السّوْداءِ والزَّهْوِ البَلَحْ\rوالعبدُ يسعى وله ما قد كَدَحْ ... طولَ الليالي وعليه ما اجْتَرحْ\rثم أقبلت أُم الدحداح على صبيانها تُخْرج ما في أفواههم وتنفض ما في أكمامهم حتى أفضت إلى الحائط الآخر ؛ فقال النبي صلى الله عليه وسلم : \" كم من عِذَقٍ رَدَاح ودار فَياح لأبي الدحداح \". أ هـ {تفسير القرطبى حـ 3 صـ 238 ـ 239}\rقال الفخر :\rإنه تعالى لما أمر بالقتال في سبيل الله ثم أردفه بقوله : {مَّن ذَا الذى يُقْرِضُ الله قَرْضًا حَسَنًا}\rاختلف المفسرون فيه على قولين :\rالأول : أن هذه الآية متعلقة بما قبلها والمراد منها القرض في الجهاد خاصة ، فندب العاجز عن الجهاد أن ينفق على الفقير القادر على الجهاد ، وأمر القادر على الجهاد أن ينفق على نفسه في طريق الجهاد ، ثم أكد تعالى ذلك بقوله : {والله يَقْبِضُ وَيَبْسُطُ} وذلك لأن من علم ذلك كان اعتماده على فضل الله تعالى أكثر من اعتماده على ماله وذلك يدعوه إلى إنفاق المال في سبيل الله ، والاحتراز عن البخل بذلك الإنفاق.\rوالقول الثاني : أن هذا الكلام مبتدأ لا تعلق له بما قبله ، ثم القائلون بهذا القول اختلفوا فمنهم من قال : المراد من هذا القرض إنفاق المال ، ومنهم من قال : إنه غيره ، والقائلون بأنه إنفاق المال لهم ثلاثة أقوال :\rالأول : أن المراد من الآية ما ليس بواجب من الصدقة ، وهو قول الأصم واحتج عليه بوجهين\rالأول : أنه تعالى سماه بالقرض والقرض لا يكون إلا تبرعاً.","part":7,"page":324},{"id":2939,"text":"الحجة الثانية : سبب نزول الآية قال ابن عباس رضي الله عنهما : نزلت الآية في أبي الدحداح قال : \" يا رسول الله إن لي حديقتين فإن تصدقت بإحداهما فهل لي مثلاها في الجنة ؟ قال : نعم ، قال : وأم الدحداح معي ؟ قال : نعم ، قال : والصبية معي ؟ قال : نعم ، فتصدق بأفضل حديقته ، وكانت تسمى الحنينة ، قال : فرجع أبو الدحداح إلى أهله وكانوا في الحديقة التي تصدق بها ، فقام على باب الحديقة ، وذكر ذلك لامرأته فقالت أم الدحداح : بارك الله لك فيما اشتريت ، فخرجوا منها وسلموها ، فكان النبي صلى الله عليه وسلم يقول : كم من نخلة رداح ، تدلي عروقها في الجنة لأبي الدحداح \".\rإذا عرفت سبب نزول هذه الآية ظهر أن المراد بهذا القرض ما كان تبرعاً لا واجباً.\rوالقول الثاني : أن المراد من هذا القرض الإنفاق الواجب في سبيل الله ، واحتج هذا القائل على قوله بأنه تعالى ذكر في آخر الآية : {وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ} وذلك كالزجر ، وهو إنما يليق بالواجب.\rوالقول الثالث : وهو الأقرب أنه يدخل فيه كلا القسمين ، كما أنه داخل تحت قوله : {مَّثَلُ الذين يُنفِقُونَ أموالهم فِي سَبِيلِ الله كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنبَتَتْ} [ البقرة : 261 ] من قال : المراد من هذا القرض شيء سوى إنفاق المال ، قالوا : روي عن بعض أصحاب ابن مسعود أنه قول الرجل \"سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر\" قال القاضي : وهذا بعيد ، لأن لفظ الإقراض لا يقع عليه في عرف اللغة ثم قال : ولا يمكن حمل هذا القول على الصحة ، إلا أن نقول : الفقير الذي لا يملك شيئاً إذا كان في قلبه أنه لو كان قادراً لأنفق وأعطى فحينئذٍ تكون تلك النية قائمة مقام الإنفاق ، وقد روي عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال : \" من لم يكن عنده ما يتصدق به فليلعن اليهود فإنه له صدقة \". أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 6 صـ 141 ـ 142}\rفوائد لغوية\rقال ابن عاشور : \r","part":7,"page":325},{"id":2940,"text":"و {القرض} إسلاف المال ونحوه بنية إرجاع مثله ، ويطلق مجازاً على البذل لأجل الجزاء ، فيشمل بهذا المعنى بذل النفس والجسم رجاءَ الثواب ، ففعل ( يقرض ) مستعمل في حقيقته ومجازه.\rوالاستفهام في قوله : {من ذا يقرض الله} مستعمل في التحضيض والتهييج على الاتصاف بالخير كأنَّ المستفهم لا يدري مَن هو أهل هذا الخير والجديرُ به ، قال طرفة : \rإذا القوم قالوا مَن فتى خِلْتُ أنني\rعُنِيتُ فلَم أَكسَلْ ولم أتَبَلَّدِ...\r","part":7,"page":326},{"id":2941,"text":"و ( ذا ) بعد أسماء الاستفهام قد يكون مستعملاً في معناه كما تقول وقد رأيتَ شخصاً لا تعرفه : ( مَن ذا ) فإذا لم يكن في مقام الكلام شيء يصلح لأن يشار إليه بالاستفهام كان استعمال ( ذا ) بعد اسم الاستفهام للإشارة المجازية بأن يَتصوَّر المتكلم في ذهنه شخصاً موهوماً مجهولاً صدر منه فعل فهو يسأل عن تعيينه ، وإنما يكون ذلك للاهتمام بالفعل الواقع وتطلُّب معرفة فاعله ولكون هذا الاستعمال يلازم ذكر فعللٍ بعد اسم الإشارة ، قال النُّحاة كلهم بصريُّهم وكوفيُّهم : بأن ( ذا ) مع الاستفهام تتحوّل إلى اسم موصول مبهم غير معهود ، فعدُّوه اسمَ موصول ، وبوَّب سيبويه في \"كتابه\" فقال : \"باب إجرائهم ذَا وحدَه بمنزلة الذي وليس يكون كالذي إلا مع ( ما ) و( من ) في الاستفهام فيكون ( ذا ) بمنزلة الذي ويكون ما أي أو من حرفَ الاستفهام وإجراؤهم إياه مع ما أي أو من بمنزلة اسم واحد\" ومثَّله بقوله تعالى : {ماذا أنزل ربكم قالوا خيراً} [ النحل : 30 ] وبقية أسماء الإشارة مثل اسم ( ذا ) عند الكوفيين ، وأما البصريون فقصروا هذا الاستعمال على ( ذا ) وليس مرادهم أن ذا مع الاستفهام يصير اسم موصول فإنه يكثر في الكلام أن يقع بعده اسم موصول ، كما في هذه الآية ، ولا معنى لوقوع اسمى موصول صلتهما واحدة ، ولكنهم أرادوا أنه يفيد مُفاد اسم الموصول ، فيكون ما بعده من فِعل أو وصف في معنى صلة الموصول ، وإنما دوَّنوا ذلك لأنهم تناسوا ما في استعمال ذا في الاستفهام من المجاز ، فكان تدوينها قليل الجدوى.\rوالوجه أن ( ذا ) في الاستفهام لا يخرج عن كونه للإشارة وإنما هي إشارة مجازية ، والفعل الذي يجيء بعده يكون في موضع الحال ، فوزان قوله تعالى : {ماذا أنزل ربكم} [ النحل : 24 ] وزان قول يزيد بن ربيعة بن مفرغ يخاطب بغلته : \rنَجَوْتتِ وهذا تَحْمِلِينَ طَلِيق\rوالإقراض : فعل القرض.\r","part":7,"page":327},{"id":2942,"text":"والقرض : السلف ، وهو بذل شيء ليرد مثله أو مساويه ، واستعمل هنا مجازاً في البذل الذي يرجى الجزاء عليه تأكيداً في تحقيق حصول التعويض والجزاء.\rووصف القرض بالحسن لأنه لا يرضَى الله به إلاَّ إذا كان مبرَّأً عن شوائب الرياء والأذى ، كما قال النابغة : \rليست بذات عقارب\rوقيل : القرض هنا على حقيقته وهو السلف ، ولعله علق باسم الجلالة لأن الذي يُقرض الناس طمعاً في الثواب كأنه أقرض الله تعالى ؛ لأن القرض من الإحسان الذي أمر الله به وفي معنى هذا ما جاء في الحديث القدسي \" أن الله عز وجل يقول يوم القيامة : يا ابن آدم استطعمتك فلم تطعمني قال يا رب وكيف أطعمك وأنت رب العالمين قال أما علمت أنه استطعمك عبدي فلان فلم تطعمه \" الحديث.\rوقد رووا أن ثواب الصدقة عشْر أمْثالها وثواب القرض ثمانية عشر من أمثاله. أ هـ {التحرير والتنوير حـ 2 صـ 481 ـ 482}\rوقال القرطبى : \rواستدعاء القرض في هذه الآية إنما هو تأنيس وتقريب للناس بما يفهمونه ، والله هو الغنى الحميد ؛ لكنه تعالى شَبّه عطاء المؤمن في الدنيا بما يرجو به ثوابه في الآخرة بالقرض كما شبّه إعطاء النفوس والأموال في أخذ الجنة بالبيع والشراء ، حسب ما يأتي بيانه في \"براءة\" إن شاء الله تعالى.\rوقيل المراد بالآية الحث على الصدقة وإنفاق المال على الفقراء والمحتاجين والتوسعة عليهم ، وفي سبيل الله بنصرة الدِّين.\rوكَنَى الله سبحانه عن الفقير بنفسه العلية المنزهة عن الحاجات ترغيباً في الصدقة ، كما كنى عن المريض والجائع والعطشان بنفسه المقدَّسة عن النقائص والآلام.\r","part":7,"page":328},{"id":2943,"text":"ففي صحيح الحديث إخباراً عن الله تعالى : \" \"يابن آدم مرِضتُ فلم تَعُدْني واستطعمتك فلم تُطْعمني واستسقيتك فلم تسقني\" قال يا رب كيف أسقيك وأنت رب العالمينا ؟ قال : \"استسقاك عبدي فلان فلم تسقِه أما إنك لو سقيته وجدت ذلك عندي\" \" وكذا فيما قبْلُ ؛ أخرجه مسلم والبخاريّ وهذا كله خرج مخرج التّشْريف لمن كَنَى عنه ترغيباً لمن خُوطب به. أ هـ {تفسير القرطبى حـ 3 صـ 240}\rفائدة\rقال الواحديُّ : والقَرْضُ في هذه الآيةِ اسمٌ لا مصدر ، ولو كان مصدراً ؛ لكان إقراضاً. و\" حَسَناً \" يجوز أَن يكونَ صفةً لقرضاً بالمعنيينِ المذكورين ، ويجوزُ أن يكونَ نعتَ مصدرٍ محذوفٍ ، إذا جعلنا \" قَرْضاً \" بمعنى مفعول أي : إقراضاً حسناً. أ هـ {تفسير ابن عادل حـ 4 صـ 254}\rفصل\rقال الفخر : \rاختلفوا في أن إطلاق لفظ القرض على هذا الإنفاق حقيقة أو مجاز ، قال الزجاج : إنه حقيقة ، وذلك لأن القرض هو كل ما يفعل ليجازى عليه ، تقول العرب : لك عندي قرض حسن وسيء ، والمراد منه الفعل الذي يجازى عليه ، قال أمية بن أبي الصلت : \rكل امرىء سوف يجزى قرضه حسنا.. أو سيئاً أو مديناً كالذي دانا\rومما يدل على أن القرض ما ذكرناه أن القرض أصله في اللغة القطع ، ومنه القراض ، وانقرض القوم إذا هلكوا ، وذلك لانقطاع أثرهم فإذا أقرض فالمراد قطع له من ماله أو عمله قطعة يجازى عليها.","part":7,"page":329},{"id":2944,"text":"والقول الثاني : أن لفظ القرض ههنا مجاز ، وذلك لأن القرض هو أن يعطي الإنسان شيئاً ليرجع إليه مثله وههنا المنفق في سبيل الله إنما ينفق ليرجع إليه بدله إلا أنه جعل الاختلاف بين هذا الإنفاق وبين القرض من وجوه أحدها : أن القرض إنما يأخذه من يحتاج إليه لفقره وذلك في حق الله تعالى محال وثانيها : أن البدل في القرض المعتاد لا يكون إلا المثل ، وفي هذا الإنفاق هو الضعف وثالثها : أن المال الذي يأخذه المستقرض لا يكون ملكاً له وههنا هذا المال المأخوذ ملك لله ، ثم مع حصول هذه الفروق سماه الله قرضاً ، والحكمة فيه التنبيه على أن ذلك لا يضيع عند الله ، فكما أن القرض يجب أداؤه لا يجوز الإخلال به فكذا الثواب الواجب على هذا الإنفاق واصل إلى المكلف لا محالة ، ويروى أنه لما نزلت هذه الآية قالت اليهود : إن الله فقير ونحن أغنياء ، فهو يطلب منا القرض ، وهذا الكلام لائق بجهلهم وحمقهم ، لأن الغالب عليهم التشبيه ، ويقولون : إن معبودهم شيخ ، قال القاضي : من يقول في معبوده مثل هذا القول لا يستبعد منه أن يصفه بالفقر.\rفإن قيل : فما معنى قوله تعالى : {مَّن ذَا الذى يُقْرِضُ الله قَرْضًا حَسَنًا} ولأي فائدة جرى الكلام على طريق الاستفهام.\rقلنا : إن ذلك في الترغيب في الدعاء إلى الفعل أقرب من ظاهر الأمر. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 6 صـ 142 ـ 143}\rسؤال : فإن قيل : ما وجه تسمية الصدقة قرضاً ؟ \rفالجواب من ثلاثة أوجه.\rأحدهما : لأن هذا القرض يبدل بالجزاء ، \rوالثاني : لأنه يتأخر قضاؤه إلى يوم القيامة ، \rوالثالث : لتأكيد استحقاق الثواب به ، إذ لا يكون قرض إلا والعوض مستحق به. أ هـ {زاد المسير حـ 1 صـ 290}\rقوله تعالى : {قَرْضًا حَسَنًا}\rقال الفخر : \rكون القرض حسناً يحتمل وجوهاً\rأحدها : أراد به حلالاً خالصاً لا يختلط به الحرام ، لأن مع الشبهة يقع الاختلاط ، ومع الاختلاط ربما قبح الفعل وثانيها : أن لا يتبع ذلك الإنفاق مناً ولا أذى","part":7,"page":330},{"id":2945,"text":"وثالثها : أن يفعله على نية التقرب إلى الله تعالى ، لأن ما يفعل رياء وسمعة لا يستحق به الثواب. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 6 صـ 143}\rوقال ابن الجوزى : \rوفي معنى القرض الحسن ستة أقوال.\rأحدها : أنه الخالص لله ، قاله الضحاك ، \rوالثاني : أن يخرج عن طيب نفس ، قاله مقاتل ، \rوالثالث : أن يكون حلالا ، قاله ابن المبارك.\rوالرابع : أن يحتسب عند الله ثوابه ، \rوالخامس : أن لا يتبعه مناً ولا أذى ، \rوالسادس : أن يكون من خيار المال. أ هـ {زاد المسير حـ 1 صـ 290}\rقوله تعالى : {فَيُضَاعِفَهُ لَهُ}\rقال الفخر : \rالتضعيف والإضعاف والمضاعفة واحد وهو الزيادة على أصل الشيء حتى يبلغ مثلين أو أكثر ، وفي الآية حذف ، والتقدير : فيضاعف ثوابه. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 6 صـ 143}\rقال ابن عادل : \rقوله : \" فَيُضَاعِفَهُ \" قرأ عاصمٌ وابن عامر هنا ، وفي الحديد بنصب الفاء ، إلاَّ أنَّ ابنَ عامر وعاصماً ويعقوب يشدِّدون العينَ من غير ألفٍ وبابه التشديد وقرأ أبو عمرو في الأحزاب والباقون برفعِها ، إلاَّ أنَّ ابن كثير يشدِّد العينَ من غير ألفٍ ؛ فحصَلَ فيها أربعُ قراءتٍ.\rأحدها : قرأ أبو عمرو ونافع ، وحمزة ، والكسائيُّ فيضاعفُهُ بالألف ورفع الفاء.\rوالثانية : قراءة عاصم \" فيضاعفه \" بالألف ونصب الفاء.\rوالثالثة : قرأ ابن كثير : \" فَيُضَعِّفُهُ \" بالتَّشديد ، ورفع الفاءِ.\rوالرابعة : قرأ ابن عامرٍ فيضعِّفَه بالتَّشْديد ، ونصب الفاء. فالرَّفْعُ من وجهين : \rأحدهما : أنَّهُ عطفٌ على \" يقرض \" الصِّلةِ.\rوالثاني : أَنَّهُ رفعٌ على الاستئناف أي : فهو يُضاعِفُهُ ، والأولُ أحسنُ لعدَمِ الإِضمارِ.\rوالنصبُ من وجهين : \rأحدهما : أنَّهُ منصوبٌ بإضمارٍ \" أَنْ \" عطفاً على المصدر المفهوم من \" يقرضُ \" في المعنى ، فيكونُ مصدراً معطوفاً على مصدرٍ تقديرُهُ : مَنْ ذا الذي يكونُ منه إقراضٌ فمضاعفةٌ مِنَ اللهِ تعالى كقوله : [ الوافر ]","part":7,"page":331},{"id":2946,"text":"لَلُبْسُ عَبَاءَةٍ وَتَقَرَّ عَيْنِي... أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ لُبْسِ الشُّفُوفِ\rوالثاني : أنه نصبٌ على جوابِ الاستفهام في المعنى ؛ لأَنَّ الاستفهام وإِنْ وَقَعَ عن المُقْرِضِ لفظاً ، فهو عن الإِقراضِ معنى كأنه قال : أيقرضُ اللهَ أَحَدٌ فيضاعفَه.\rقال أبو البقاء : \" ولا يجوز أن يكونَ جوابَ الاستفهام على اللفظ ؛ لأنَّ المُسْتَفْهَمَ عنه في اللَّفْظِ المُقرِضُ أي الفاعلُ للقَرْضِ ، لا عن القَرْضِ ، أي : الذي هو الفِعْلُ \" وقد مَنَع بعضُ النَّحويّين النَّصبَ بعد الفاء في جواب الاستفهام الواقع عن المسندِ إليه الحكمُ لا عن الحُكم ، وهو مَحْجوجٌ بهذه الآيةِ وغيرها ، كقوله : \" مَنْ يَسْتَغْفِرُنِي ؛ فأغفرَ له ، مَنْ يَدْعُونِي ؛ فأَسْتَجِيبَ له \" بالنصبِ فيهما.\rقال أبو البقاء : فإنْ قيلَ : لِمَ لاَ يُعْطَفُ [ الفعل على ] المصدرِ الذي هو \" قرضاً \" كما يُعْطَفُ الفعلُ على المصدرِ بإضمار \" أَنْ \" كقولِ الشاعر [ الوافر ]\r1154- لَلُبْسُ عَبَاءَةٍ وتَقَرَّ عَيْنِي...............................\rقيل : هذا لا يصحُّ لوجهين : \rأحدهما : أنَّ \" قرضاً \" هنا مصدرٌ مؤكِّدٌ ، والمصدرُ المُؤكِّدِ لا يُقَدَّرُ بـ \" أَنْ \" والفعلِ.\rوالثاني : أنَّ عطفَهُ عليه يُوجبُ أن يكونَ معمولاً ليقرضُ ، ولا يصِحُّ هذا في المعنى ؛ لأَنَّ المضاعفةَ ليستُ مُقْرضَةً ، وإِنَّما هي فعلُ اللهِ تعالى ، وتعليله في الوجهِ الأولِ يُؤذِنُ بأنه يُشترط في النصبِ أنْ يُعْطَفَ على مصدر يتقدَّر بـ \" أَنْ \" والفعلِ ، وهذا ليس بشرطٍ ؛ بل يجوزُ ذلك وإن كان الاسمُ المعطوفُ عليه غيرَ مصدرٍ ؛ كقوله : [ الطويل ]\r1155- وَلَوْلاَ رِجَالٌ مِنْ رِزَامٍ أَعِزَّةٍ... وآلُ سُبَيْعٍ أَوْ أَسُوءَكَ عَلْقَمَا","part":7,"page":332},{"id":2947,"text":"فـ \" أَسُوءَكَ \" منصوبٌ بـ \" أَنْ \" ؛ عطفاً على \" رِجَالٌ \" ، فالوجهُ في مَنْعِ ذلك أنْ يُقال : لو عُطفَ على \" قرضاً \" ؛ لشاركه في عامِلِه ، وهو \" يُقْرض \" فيصيرُ التَّقْدِيرُ : مَنْ ذا الذي يَقْرِضُ مضاعفةً ، وهذا ليسَ صحيحاً معنى.\rوقد تقدَّم أَنَّه قرئ \" يُضاعِفُ \" ، و\" يُضَعِّفُ \" فقيل : هما بمعنى ، وتكونُ المفاعلَةُ بمعنى فَعَل المجرد ، نحو عاقَبْت ، وقيل : بل هما مختلفان ، فقيل : إنَّ المضعَّفَ للتكثير.\rوقيل : إنَّ \" يُضَعِّف \" لِما جُعِلَ مثلين ، و\" ضاعَفَه \" لِما زيد عليه أكثرُ من ذلك. أ هـ {تفسير ابن عادل حـ 4 صـ 255 ـ 256}\rقوله تعالى : {أَضْعَافًا كَثِيرَةً}\rقال الفخر : \rأما قوله تعالى : {أَضْعَافًا كَثِيرَةً} فمنهم من ذكر فيه قدراً معيناً ، وأجود ما يقال فيه : إنه القدر المذكور في قوله تعالى : {مَّثَلُ الذين يُنفِقُونَ أموالهم فِي سَبِيلِ الله كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ} [ البقرة : 261 ] فيقال يحمل المجمل على المفسر لأن كلتا الآيتين وردتا في الإنفاق ، ويمكن أن يجاب عنه بأنه تعالى لم يقتصر في هذه الآية على التحديد ، بل قال بعده : {والله يضاعف لِمَن يَشَاء} [ البقرة : 261 ].\rوالقول الثاني : وهو الأصح واختيار السدي : أن هذا التضعيف لا يعلم أحد ما هو وكم هو ؟ وإنما أبهم تعالى ذلك لأن ذكر المبهم في باب الترغيب أقوى من ذكر المحدود. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 6 صـ 143}\rقال أبو حيان : \rانتصب : أضعافاً ، على الحال من الهاء في : يضاعفه ، قيل : ويجوز أن ينتصب على أنه مفعول به ، تضمن معنى فيضاعفه : فيصيره. ويجوز أن ينتصب على المصدر باعتبار أن يطلق الضعف ، وهو المضاعف أو المضعف ، بمعنى المضاعفة أو التضعيف ، كما أطلق العطاء وهو اسم المعطى بمعنى الإعطاء ، وجمع لاختلاف جهات التضعيف باعتبار الإخلاص ، وهذه المضاعفة غير محدودة لكنها كثيرة.","part":7,"page":333},{"id":2948,"text":"قال الحسن ، والسدّي : لا يعلم كُنْهَ التضعيف إلاَّ الله تعالى : وهو قول ابن عباس ، وقد رويت مقادير من التضعيف ، وجاء في القرآن : {كمثل حبة أنبتت سبع سنابل في كل سنبلة مائة حبة} ثم قال : {والله يضاعف لمن يشاء}\rقيل والآية عامّة في سائر وجوه البرّ من : صدقة ، وجهاد ، وغير ذلك ، وقيل : خاصة بالنفقة في الجهاد ، وقيل : بالصدقة وإنفاق المال على الفقراء المحتاجين. أ هـ {البحر المحيط حـ 2 صـ 261 ـ 262}\rفصل\rقال القرطبى : \rثواب القَرْض عظيم ، لأن فيه تَوْسِعة على المسلم وتفريجاً عنه.\rخرّج ابن ماجه في سننه عن أنس بن مالك قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : \" رأيت ليلة أسرِي بي على باب الجنة مكتوباً الصدقةُ بعشر أمثالها والقرضُ بثمانية عشر فقلت لجبريل : ما بالُ القرض أفضل من الصدقة قال لأن السائل يسأل وعنده والمستقرض لا يستقرض إلا من حاجة \" قال حدّثنا محمد بن خَلَف العَسْقَلاني حدّثنا يَعْلَى حدّثنا سليمان بن يُسَيْر عن قيس بن رومي قال : كان سليمان بن أُذُنَانِ يُقرِض علقَمَة ألف درهم إلى عطائه ، فلما خرج عطاؤه تقاضاها منه ، واشتدّ عليه فقضاه ، فكأنّ علقمة غِضب فمكث أشهراً ثم أتاه فقال : أقرِضنِي ألف درهم إلى عطائي ، قال : نعم وكرامة! يا أُمّ عُتبة هَلمي تلك الخريطةَ المختومة التي عندكِ ، قال : فجاءت بها فقال : أما والله إنها لَدراهمُكَ التي قضيتني ما حركت منها درهماً واحداً ؛ قال : فللَّه أبوك ؟ ما حملك على ما فعلتَ بي ؟ قال : ما سمعتُ منك ؛ قال : ما سمعتَ مني ؟ قال : سمعتك تذكر عن ابن مسعود أنّ النبيّ صلى الله عليه وسلم قال : \" ما من مسلم يقرِض مسلماً قرضاً مرتين إلا كان كصدقتها مرة \" قال : كذلك أنبأني ابن مسعود. أ هـ {تفسير القرطبى حـ 3 صـ 241}\rفائدة\rقال ابن كثير","part":7,"page":334},{"id":2949,"text":"قال الإمام أحمد : حدثنا يزيد أخبرنا مبارك بن فضالة عن علي بن زيد عن أبي عثمان النهدي ، قال : أتيت أبا هريرة فقلت له : إنه بلغني أنك تقول : إن الحسنة تضاعف ألف ألف حسنة. فقال : وما أعجبك من ذلك ؟ لقد سمعته من النبي صلى الله عليه وسلم يقول : \"إن الله يضاعف الحسنة ألفي ألف حسنة\". {المسند (2/296)}.\rهذا حديث غريب ، وعلي بن زيد بن جدعان عنده مناكير ، لكن رواه ابن أبي حاتم من وجه آخر فقال : \rحدثنا أبو خلاد سليمان بن خلاد المؤدب ، حدثنا يونس بن محمد المؤدب ، حدثنا محمد بن عقبة الرباعي عن زياد الجصاص عن أبي عثمان النهدي ، قال : لم يكن أحد أكثر مجالسة لأبي هريرة مني فقدم قبلي حاجا قال : وقدمت بعده فإذا أهل البصرة يأثرون عنه أنه قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : إن الله يضاعف الحسنة ألف ألف حسنة\" فقلت : ويحكم ، والله ما كان أحد أكثر مجالسة لأبي هريرة مني ، فما سمعت هذا الحديث. قال : فتحملت أريد أن ألحقه فوجدته قد انطلق حاجا فانطلقت إلى الحج أن ألقاه في هذا الحديث ، فلقيته لهذا فقلت : يا أبا هريرة ما حديث سمعت أهل البصرة يأثرون عنك ؟ قال : ما هو ؟ قلت : زعموا أنك تقول : إن الله يضاعف الحسنة ألف ألف حسنة. قال : يا أبا عثمان وما تعجب من ذا والله يقول : {مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافًا كَثِيرَةً} ويقول : {فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الآخِرَةِ إِلا قَلِيلٌ} [التوبة : 38] والذي نفسي بيده لقد سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : \"إن الله يضاعف الحسنة ألفي ألف حسنة\". {رواه أحمد في المسند (5/521) من طريق علي بن زيد ، عن أبي عثمان به}. أ هـ {تفسيرابن كثير حـ 1 صـ 663 ـ 664}","part":7,"page":335},{"id":2950,"text":"فائدة\rقال ابن العربي : \rالْقَرْضُ يَكُونُ مِنْ الْمَالِ وَيَكُونُ مِنْ الْعِرْضِ قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي مَشْهُورِ الْآثَارِ : {أَيَعْجِزُ أَحَدُكُمْ أَنْ يَكُونَ كَأَبِي ضَمْضَمٍ ، كَانَ إذَا خَرَجَ مِنْ بَيْتِهِ قَالَ : اللَّهُمَّ إنِّي قَدْ تَصَدَّقْت بِعِرْضِي عَلَى عِبَادِك}.\rوَرُوِيَ عَنْ ابْنِ عُمَرَ : أَقْرِضْ مِنْ عِرْضِك لِيَوْمِ فَقْرِك يَعْنِي مَنْ سَبَّك فَلَا تَأْخُذْ مِنْهُ حَقًّا ، وَلَا تُقِمْ عَلَيْهِ حَدًّا ، حَتَّى تَأْتِيَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مُوَفَّرَ الْأَجْرِ.\rوَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : لَا يَجُوزُ التَّصَدُّقُ بِالْعِرْضِ ؛ لِأَنَّهُ حَقٌّ لِلَّهِ تَعَالَى ، وَهَذَا فَاسِدٌ ، قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الصَّحِيحِ : {إنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ وَأَعْرَاضَكُمْ عَلَيْكُمْ حَرَامٌ كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا فِي شَهْرِكُمْ هَذَا فِي بَلَدِكُمْ هَذَا}.\rوَهَذَا يَقْتَضِي أَنَّ هَذِهِ الْمُحَرَّمَاتِ الثَّلَاثَ تَجْرِي مَجْرًى وَاحِدًا فِي كَوْنِهَا بِاحْتِرَامِهَا حَقًّا لِلْآدَمِيِّ ، وَقَدْ بَيَّنَّا ذَلِكَ فِي مَسَائِلِ الْخِلَافِ ، فَلْيُنْظَرْ هُنَالِكَ. أ هـ {أحكام القرآن لابن العربى حـ 1 صـ 308 ـ 309}","part":7,"page":336},{"id":2951,"text":"قوله تعالى : {وَاللَّهُ يَقْبِضُ وَيَبْسُطُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ}\rالمناسبة\rقال البقاعى : \rولما رغب سبحانه وتعالى في إقراضه أتبعه جملة حالية من ضمير يضاعف مرهبة مرغبة فقال : {والله} أي المحيط علماً وقدرة {يقبض} أي له هذه الصفة وهي إيقاع القبض والإقتار بمن يشاء وإن جلت أمواله.\rقال الحرالي : والقبض إكمال الأخذ ، أصله القبض باليد كله ، والقبض - بالمهملة - أخذ بأطراف الأصابع وهو جمع عن بسط فلذلك قوبل به {ويبصط} أي لمن يشاء وإن ضاقت حاله ، والبسط توسعة المجتمع إلى حد غاية {وإليه ترجعون} حساً بالبعث ومعنى في جميع أموركم ، فهو يجازيكم في الدارين على حسب ما يعلم من نياتكم. أ هـ {نظم الدرر حـ 1 صـ 469}\rقال ابن عاشور : \rوقوله : {والله يقبض ويبصط} أصل القبض الشد والتماسك ، وأصل البسط : ضد القبض وهو الإطلاق والإرسال ، وقد تفرعت عن هذا المعنى معان : منها القبض بمعنى الأخذ {فَرِهانٌ مقبوضة} [ البقرة : 283 ] وبمعنى الشح {ويقبضون أيديَهم} [ التوبة : 67 ] ومنها البَسط بمعنى البذل {الله يبسط الرزق لمن يشاء} [ الرعد : 26 ] وبمعنى السخاء {بل يداه مبسوطتان} [ المائدة : 64 ] ومن أسمائه تعالى القابض الباسط بمعنى المانع المعطي.\rوقرأ الجمهور : ( ويبسط ) بالسين ، وقرأه نافع والبزي عن ابن كثير وأبو بكر عن عاصم والكسائي وأبو جعفر وزوج عن يعقوب بالصاد وهو لغة.\rيحتمل أن المراد هنا : يقبض العطايا والصدقات ويبسط الجزاء والثواب ، ويحتمل أن المراد يقبض نفوساً عن الخير ويبسط نفوساً للخير ، وفيه تعريض بالوعد بالتوسعة على المنفق في سبيل الله ، والتقتير على البخيل.\rوفي الحديث \" اللهم أعط منفقاً خلفا وممسكاً تلفاً \" وفي ابن عطية عن الحلواني عن قالون عن نافع \"أنه لا يبالي كيف قرأ يبسط وبسطه بالسين أو بالصاد\" أي لأنهما لغتان مثل الصراط والسراط ، والأصل هو السين ، ولكنها قلبت صاداً في بصطه ويبصط لوجود الطاء بعدها ، ومخرجها بعيد عن مخرج السين ؛ لأن الانتقال من السين إلى الطاء ثقيل بخلاف الصاد.","part":7,"page":337},{"id":2952,"text":"وقوله : {وإليه ترجعون} خبر مستعمل في التنبيه والتذكير بأن ما أعد لهم في الآخرة من الجزاء على الإنفاق في سبيل الله أعظم مما وعدوا به من الخير في الدنيا ، وفيه تعريض بأن الممسك البخيل عن الإنفاق في سبيل الله محروم من خير كثير. أ هـ {التحرير والتنوير حـ 2 صـ 483}\rقال الفخر :\rأما قوله تعالى : {والله يَقْبِضُ وَيَبْسُطُ} ففي بيان أن هذا كيف يناسب ما تقدم وجوه\rأحدها : أن المعنى أنه تعالى لما كان هو القابض الباسط ، فإن كان تقدير هذا الذي أمر بإنفاق المال الفقر فلينفق المال في سبيل الله ، فإنه سواء أنفق أو لم ينفق فليس له إلا الفقر ، وإن كان تقديره الغنى فلينفق فإنه سواء أنفق أو لم ينفق فليس له إلا الغنى والسعة وبسط اليد ، فعلى كلا التقديرين يكون إنفاق المال في سبيل الله أولى وثانيها : أن الإنسان إذا علم أن القبض والبسط بالله انقطع نظره عن مال الدنيا ، وبقي اعتماده على الله ، فحينئذٍ يسهل عليه إنفاق المال في سبيل مرضاة الله تعالى\rوثالثها : أنه تعالى يوسع عن عباده ويقتر ، فلا تبخلوا عليه بما وسع عليكم ، لئلا يبدل السعة الحاصلة لكم بالضيق ورابعها : أنه تعالى لما أمرهم بالصدقة وحثهم عليها أخبر أنه لا يمكنهم ذلك إلا بتوفيقه وإعانته ، فقال : {والله يَقْبِضُ وَيَبْسُطُ} يعني يقبض القلوب حتى لا تقدم على هذه الطاعة ، ويبسط بعضها حتى يقدم على هذه الطاعة ، ثم قال : {وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ} والمراد به إلى حيث لا حاكم ولا مدبر سواه ، والله أعلم. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 6 صـ 143 ـ 144}\rوقال ابن عادل :\r{وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ} فيجزيكم بأعمالكم ، حيث لا حاكم ولا مُدَبِّرَ سواه.\rوقال قتادة : الهاء في \" إليه \" راجعة إلى التّراب كنايةً عن غير مذكور ، أي من التُّراب خلقتم ، وإليه تُرْجعون ، وتعودون. (1) أ هـ {تفسير ابن عادل حـ 4 صـ 261}\r____________\r(1) لا يخفى ما فى القول الأخير من الوهن والضعف والتكلف وسياق الآية يأباه ويرده. والله أعلم.","part":7,"page":338},{"id":2953,"text":"فائدة\rقال ابن العربي : \rانْقَسَمَ الْخَلْقُ بِحُكْمِ الْخَالِقِ وَحِكْمَتِهِ وَإِرَادَتِهِ وَمَشِيئَتِهِ وَقَضَائِهِ وَقَدَرِهِ حِينَ سَمِعُوا هَذِهِ الْآيَةَ أَقْسَامًا وَتَفَرَّقُوا فِرَقًا ثَلَاثَةً : الْفِرْقَةُ الْأُولَى : الرَّذْلَى ، قَالُوا : إنَّ رَبَّ مُحَمَّدٍ فَقِيرٌ مُحْتَاجٌ إلَيْنَا ، وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ ؛ وَهَذِهِ جَهَالَةٌ لَا تَخْفَى عَلَى ذِي لُبٍّ ، وَقَدْ رَدَّ اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِمْ بِقَوْلِهِ : {لَقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قَالُوا إنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ سَنَكْتُبُ مَا قَالُوا} وَالْعَجَبُ مِنْ مُعَانَدَتِهِمْ مَعَ خِذْلَانِهِمْ ؛ وَفِي التَّوْرَاةِ نَظِيرُ هَذِهِ الْأَلْفَاظِ.\rالْفِرْقَةُ الثَّانِيَةُ : لَمَّا سَمِعَتْ هَذَا الْقَوْلَ آثَرَتْ الشُّحَّ وَالْبُخْلَ ، وَقَدَّمَتْ الرَّغْبَةَ فِي الْمَالِ ؛ فَمَا أَنْفَقَتْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ، وَلَا فَكَّتْ أَسِيرًا ، وَلَا أَغَاثَتْ أَحَدًا ، تَكَاسُلًا عَنْ الطَّاعَةِ وَرُكُونًا إلَى هَذِهِ الدَّارِ.\rالْفِرْقَةُ الثَّالِثَةُ : لَمَّا سَمِعَتْ بَادَرَتْ إلَى امْتِثَالِهِ ، وَآثَرَ الْمُجِيبُ مِنْهُمْ بِسُرْعَةٍ بِمَالِهِ ، أَوَّلُهُمْ أَبُو الدَّحْدَاحِ لَمَّا سَمِعَ هَذَا جَاءَ إلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : يَا نَبِيَّ اللَّهِ ؛ أَلَا أَرَى رَبَّنَا يَسْتَقْرِضُ مِمَّا أَعْطَانَا لِأَنْفُسِنَا ، وَلِي أَرْضَانِ : أَرْضٌ بِالْعَالِيَةِ وَأَرْضٌ بِالسَّافِلَةِ ، وَقَدْ جَعَلْت خَيْرَهُمَا صَدَقَةً.\rفَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : {كَمْ عَذْقٍ مُذَلَّلٍ لِأَبِي الدَّحْدَاحِ فِي الْجَنَّةِ}.\rفَانْظُرُوا إلَى حُسْنِ فَهْمِهِ فِي قَوْلِهِ : يَسْتَقْرِضُ مِمَّا أَعْطَانَا لِأَنْفُسِنَا ، وَجُودِهِ بِخَيْرِ مَالِهِ وَأَفْضَلِهِ ؛ فَطُوبَى لَهُ ، طُوبَى لَهُ ، ثُمَّ طُوبَى لَهُ ، ثُمَّ طُوبَى لَهُ. أ هـ {أحكام القرآن لابن العربى حـ 1 صـ 308}\rلطيفة\rقال الثعالبى : ","part":7,"page":339},{"id":2954,"text":"قال صاحب \"سِلاحِ المؤمن\" عند شَرْحه لاسمه تعالَى \"القَابِضِ البَاسِطِ\" : قال بعْضُ العلماءِ : يجبُ أن يُقْرَنَ بيْنَ هذَيْن الاسمين ، ولا يفصل بينهما ؛ ليكون أنبأَ عن القُدْرة ، وأدلَّ على الحكمة ؛ كقوله تعالى : {يَقْبِضُ وَيَبْسُطُ} ، وإِذا قلْتَ : \"القَابِض\" مفرداً ، فكأنَّك قَصَرْتَ بالصفة على المنع والحرْمان ، وإِذا جمعْتَ أَثْبَتَّ الصفتين ؛ وكذلك القولُ في الخافضِ والرافعِ والمُعِزِّ والمُذِلِّ. انتهى ، وما ذكره عن بعض العلماءِ ، هو كلامُ الإِمام الفَخْر في شرحه لأسماء اللَّه الحسنى ، ولفظه : القابضُ والباسطُ : الأحسنُ في هذين الاِسمَيْن أنْ يقْرَنَ أحدهما في الذِّكْر بالآخر ؛ ليكون ذلك أدلَّ على القدرة والحكمةِ ؛ ولهذا السببِ قال اللَّه تعالى : {والله يَقْبِضُ وَيَبْصُطُ} وإذا ذكرت \"القابضَ\" منْفرداً عن \"البَاسِطِ\" ، كنْتَ قد وصفته بالمَنْع والحرمانِ ، وذلك غير جائز ، وقوله : \"المُعِزُّ المُذِلّ\" ، وقد عرفْتَ أنه يجبُ في أَمثالِ هذَيْن ذكْرُ كل واحد منهما مع الآخر. انتهى. أ هـ {الجواهر الحسان حـ 1 صـ 191}\rلطيفة\rقال فى روح البيان : \rاجتمع جماعة من الأغنياء والفقراء فقال غنى : إن الله تعالى رفع درجاتنا حتى استقرض منا ، وقال فقير : بل رفع درجاتنا حتى استقرض لنا ، والواحد قد يستقرض من غير الحبيب ، ولك أن لا تستقرض إلا لأجل الحبيب وقبض رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم ودرعه عند يهودى بشعير أخذه لقوت عياله.\rانظر ممن استدان ولمن استدان. ؟؟!!!\rأ هـ {روح البيان حـ 1 صـ 469}\rفصل\rقال القرطبى : \rأجمع المسلمون نقلاً عن نبيهم صلى الله عليه وسلم أن اشتراط الزيادة في السلف رِباً ولو كان قبضة من علَفٍ كما قال ابن مسعود أو حبّة واحدة.","part":7,"page":340},{"id":2955,"text":"ويجوز أن يردّ أفضل مما يستلِف إذا لم يشترط ذلك عليه ؛ لأن ذلك من باب المعروف ؛ استدلالاً بحديث أبي هريرة في البكْر : \" إنّ خِياركم أحسنكم قضاء \" رواه الأئمة : البخاريّ ومسلم وغيرهما.\rفأثنى صلى الله عليه وسلم على من أحسن القضاء ، وأطلق ذلك ولم يقيده بصفة.\rوكذلك قضى هو صلى الله عليه وسلم في البِكْرِ وهو الفَتِيّ المختار من الإبل جملا خِياراً رَباعِياً ، والخِيار : المختار ، والرَّباعِي هو الذي دخل في السّنة الرابعة ؛ لأنه يُلقِي فيها رباعيته وهي التي تلِي الثنايا وهي أربع رباعِيات مخففة الباء وهذا الحديث دليل على جواز قرض الحيوان ، وهو مذهب الجمهور ، ومنع من ذلك أبو حنيفة وقد تقدّم. أ هـ\rوقال رحمه الله : \rولا يجوز أن يهدِي من استقرض هدية لِلمُقرِض ، ولا يحِل للمقرِض قبولها إلا أن يكون عادتهما ذلك ؛ بهذا جاءت السنة : خرّج ابن ماجه حدّثنا هشام بن عمار قال حدّثنا إسماعيل بن عَيّاش حدّثنا عُتبة بن حُمَيْد الضبيِّ عن يحيى بن أبي إسحاق الهُنَائي قال : سألت أنس بن مالك عن الرجل مِنا يقرض أخاه المال فيهدِي إليه ؟ قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : \" إذا أقرض أحدكم أخاه قرضاً فأهدى له أو حمله على دابته فلا يقبلها ولا يركبها إلا أن يكون جرى بينه وبينه قبل ذلك \". أ هـ {تفسير القرطبى حـ 3 صـ 241 ـ 242}\rمن لطائف الإمام القشيرى فى الآية\rقوله جلّ ذكره : {مَّن ذَا الَّذِى يُقْرِضُ اللهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافًا كَثِيرَةً}.\rسُمِّي القرض قرضاً لأنه يقطع من ماله شيئاً ليعطيه للمقترض ، والمتصدِّق لما يقطع الصدقة من ماله سميت صدقته قرضاً ، فالقرض القطع ، ولكن هذه التسمية لحفظ قلوب الأحباب حيث خاطبك في باب الصدقة باسم القرض ولفظه.","part":7,"page":341},{"id":2956,"text":"ويقال دلّت الآية على عِظَم رتبة الغَنِيِّ حيث سأل منه القرض ، ولكن رتبة الفقير في هذا أعظم لأنه سأَل لأَجْله القَرضَ ، وقد يسأل القرض من كل أحد ولكن لا يسأل لأجل كل أحد. وفي الخبر \" مات رسول الله صلى الله عليه وسلم ودرعه مرهونة عند أبي شحمة اليهودي على شعير أخذه لقوت عياله أَبْصِرْ مِمَّن اقترض ولأجل مَنْ اقترض \".\rويقال القرض الحسن ما لا تتطلع عليه لجزاء ولا تطلب بسببه العِوَض.\rويقال القرض الحسن ألا يعطى على الغفلة ، وإنما يعطى عن شهود.\rويقال القرض الحسن من العلماء إذا كان عند ظهر الغني ، ومن الأكابر إذا كان بشرط الإيثار يعطى ما لا بد منه.\rويقال القرض الحسن من العلماء عن مائتين خَمْسَة ، وعلى لسان القوم بذل الكل ، وزيادة الروح على ما يبذل.\rقوله جلّ ذكره : {وَاللهُ يَقْبِضُ وَيَبْصُطُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ}.\rيقبض الصدقة من الأغنياء قبض قبوله ، ويبسط عليهم بسط خَلَفِه.\rويقال يقبض الرزق أي يُضَيق ، يبسط الرزق أي يوسِّع ؛ يقبض على الفقراء ليمتحنَهم بالصبر ، ويبسط على الأغنياء ليطالبهم بالشكر.\rويقال يقبض تسلية للفقراء ليطالبهم حتى لا يروا من الأغنياء ، ويبسط لئلا يتقلدوا المِنَّةَ من الأغنياء.\rويقال قال للأغنياء : إذا أنا قبضت الرزق على الفقراء فلا تذروهم ، وإذا أنا بسطت عليكم فلا تروا ذلك لفضيلة لكم.\rويقال قَبَضَ القلوب بإعراضه وبَسَطَها بإقباله.\rويقال القبض لما غلب القلوب من الخوف ، والبسط لما يغلب عليها من الرجاء.\rويقال القبض لقهره والبسط لِبِرَّه.\rويقال القبض لِسرِّه والبسط لكشْفِه.\rويقال القبض للمريدين والبسط للمُرادين.\rويقال القبض للمتسابقين والبسط للعارفين.\rويقال يقبضك عنك ثم يبسطك به.\rويقال القبض حقه ، والبسط حظك.\rويقال القبض لمن تولَّى عن الحق ، والبسط لمن تجلى له الحق.\rويقال يقبض إذا أَشْهَدَكَ فِعْلَكَ ، ويبسط إذا أشهدك فضله.\r","part":7,"page":342},{"id":2957,"text":"ويقال يقبض بذكر العذاب ويبسط بذكر الإيجاب. أ هـ {لطائف الإشارات حـ 1 صـ 189 ـ 191}\rمن فوائد ابن عرفة فى الآية\rقوله تعالى : {مَّن ذَا الذي يُقْرِضُ الله قَرْضاً حَسَناً...}.\rهذه رحمة من الله تعالى لأنه متولّ على جميع الخلق غني بذاته عنهم ، ومع هذا يجعل طاعتهم له ( سلفا ) منهم له ، وقال في سورة براءة : {إِنَّ الله اشترى مِنَ المؤمنين أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الجنة} ووصفه بالحسن في كميته وكيفيته. و\" قرضا \" إن كان مصدرا فهو مجاز ، كما قال الإمام المازري في {وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً} إنّ التأكيد يصير التطهير المعنوي حسيا وهو من ترشيح المجاز كقولك قول هند زوجة ابن زنباع :\rبكى الخزمن ( عوف ) وانكره جلده... وعج عجيجا من جذام المطارق\rقوله تعالى : {أَضْعَافاً كَثِيرَةً...}.\rقال ابن عرفة : \" كثيرة \" راجع إلى المجموع ( وإفراد ) ، كل واحد من تلك الأضعاف موصوف بالكثرة.\rقوله تعالى : {والله يَقْبِضُ وَيَبْسُطُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ}.\rقدم القبض ترجيحا له أي ذلك القبض الذي ينالكم ( بالصلاة ) والزكاة ( راجع ) لكونه يعود عليكم بالبسط في الدنيا والثواب في الآخرة ، وهذا بحسب الأشخاص فقد يكون إنفاق درهم قليلا لشخص ( وكثيرا لآخر كما في الحديث : \" سَبَقَ دينار مائة ، فمن عنده درهمان فأنفق منهما ) درهما ليس كمن عنده عشرة دراهم فينفق منها درهما \". أ هـ {تفسير ابن عرفة صـ 318}\rفوائد بلاغية فى الآيات السابقة\rقال أبو حيان :","part":7,"page":343},{"id":2958,"text":"تضمنت هذه الآيات الكريمة من ضروب علم البيان ، وصنوف البلاغة : الاستفهام الذي أجرى مجرى التعجب في قوله : {ألم تر إلى الذين} والحذف بين : موتوا ثم أحياهم ، أي : فماتوا ثم أحياهم ، وفي قوله تعالى : فقال لهم الله ، أي : ملك الله بإذنه ، وفي لا لا يشكرونه ، وفي قوله : سميع لأقوالكم عليم باعمالكم ، وفي قوله : ترجعون ، فيجازي كلاً بما عمل. والطباق في قوله : موتوا ثم أحياهم ، وفي : يقبض ويبسط ؛ والتكرار في : على الناس ، ولكن أكثر الناس ؛ والالتفات في : وقاتلوا في سبيل الله ؛ والتشبيه بغير أداته في : قرضاً حسناً ، شبه قبوله تعالى إنفاق العبد في سبيله ومجازاته عليه بالقرض الحقيقي ، فأطلق اسم القرض عليه ، والاختصاص بوصفه بقوله : حسناً ؛ والتجنيس المغاير في قوله : فيضاعفه له أضعافاً. أ هـ {البحر المحيط حـ 2 صـ 262}","part":7,"page":344},{"id":2959,"text":"كلام نفيس للعلامة ابن القيم يتعلق بالآية الكريمة\rقال رحمه الله : \rفصل في مراتب المكلفين في الدار الآخرة وطبقاتهم فيها وهم ثمان عشرة طبقة\rوذكر منهم أهل الإيثار والصدقة\rفقال ما نصه : \rالطبقة السابعة : أهل الإيثار والصدقة والإحسان إلى الناس بأموالهم على اختلاف حاجاتهم ومصالحهم من تفريج كرباتهم ودفع ضروراتهم وكفايتهم فى مهماتهم وهم أحد الصنفين اللذين قال النبى صلى الله عليه وسلم فيهم : \"لا حسد إلا فى اثنين : رجل آتاه الله الحكمة فهو يقضى بها ويعلمها الناس ، ورجل آتاه الله مالاً وسلطه على هلكته فى الحق\" ، يعنى أنه لا ينبغى لأحد أن يغبط أحداً على نعمة ويتمنى مثلها ، إلا أحد هذين ، وذلك لما فيهما من منافع النفع العام والإحسان المتعدى إلى الخلق ، فهذا ينفعهم بعلمه وهذا ينفعهم بماله ، والخلق كلهم عيال الله وأحبهم إليه أنفعهم لعياله.\r","part":7,"page":345},{"id":2960,"text":"ولا ريب أن هذين الصنفين من أنفع الناس لعيال الله ، ولا يقوم أمر الناس إلا بهذين الصنفين ولا يعمر العالم إلا بهما ، قال تعالى : {الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِى سَبِيلِ الله ثُمَّ لا يُتْبِعُونَ مَا أنفقوا مِنَّا وَلا أَذًى لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ} [البقرة : 262] ، [وقال تعالى : {الذين ينفقون أموالهم بالليل والنهار سراً وعلانية فلهم أجرهم عند ربهم ولا خوف عليهم ولا يحزنون وقال تعالى : {إنَّ الْمُصَّدِّقِينَ وَالمصَّدِّقَات وَأَقْرَضُوا اللهَ قَرْضاً حَسَناً يُضَاعَفُ لَهُمْ وَلهُمْ أَجْرٌ كَرِيمٌ} [الحديد : 18] قال تعالى {من ذا الذى يقرض الله قرضاً حسناً فَيْضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعافاً كَثِيرَةً وَاللهُ يَقْبِضُ وَيَبْسُطُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ} [البقرة : 542] ، وقال تعالى : {مَنْ ذَا الَّذِى يُقْرِضُ الله قَرْضاً حَسَناً فَيُضَاعِفَهُ لَهُ وَلَهُ أَجْرٌ كَرِيمٌ} [الحديد : 11] ، فصدَّر سبحانه الآية بألطف أنواع الخطاب ، وهو الاستفهام المتضمن لمعنى الطلب ، وهو أبلغ فى الطلب من صيغة الأمر ، والمعنى : هل أحد يبذل هذا القرض الحسن فيجازى عليه أضعافاً مضاعفة ؟ وسمى ذلك الإنفاق قرضاً حسناً حثاً للنفوس وبعثاً لها على البذل لأن الباذل متى علم أن عين ماله يعود إليه ولا بد طوّعت له نفسه بذله وسهل عليه إخراجه.\rفإن علم أن المستقرض ملى وفى محسن كان أبلغ فى طيب قلبه وسماحة نفسه ، فإن علم أن المستقرض يتجر له بما اقترضه وينميه له ويثمرة حتى يصير أضعاف ما بذله كان بالقرض أسمح وأسمح ، فإن علم أنه مع ذلك كله يزيده من فضله وعطائه أجراً آخر من غير جنس القرض وأن ذلك الأجر حظ عظيم وعطاءٌ كريم فإنه لا يتخلف عن قرضه إلا لآفة فى نفسه من البخل والشح أو عدم الثقة بالضمان ، وذلك من ضعف إيمانه ، ولهذا كانت الصدقة برهاناً لصاحبها.\r","part":7,"page":346},{"id":2961,"text":"وهذه الأمور كلها تحت هذه الألفاظ التى تضمنتها الآية ، فإنه [سبحانه] سماه قرضاً ، وأخبر أنه هو المقترض لا قرض حاجة ، ولكن قرض إحسان إلى المقرض [استدعاه] لمعاملته ، وليعرف مقدار الربح فهو الذى أعطاه ماله واستدعى منه معاملته به ، ثم أخبر [عن ما] يرجع إليه بالقرض وهو الأضعاف المضاعفة ، ثم أخبر عما يعطيه فوق ذلك من الزيادة وهو الأجر الكريم.\rوحيث جاءَ هذا القرض فى القرآن قيده بكونه حسناً ، وذلك يجمع أموراً ثلاثة : أحدها أن يكون من طيب ماله لا من رديئه وخبيثه. الثانى : أن [يخرجه] طيبة به نفسه ثابتة عند بذله ابتغاءَ مرضاة الله. الثالث : أن لا يمن به ولا يؤذى. فالأول يتعلق بالمال ، والثانى يتعلق بالمنفق بينه وبين الله ، والثالث بينه وبين الآخذ. أ هـ {طريق الهجرتين صـ 537 ـ 539}","part":7,"page":347},{"id":2962,"text":"قوله تعالى : {أَلَمْ تَرَ إِلَى الْمَلَإِ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى إِذْ قَالُوا لِنَبِيٍّ لَهُمُ ابْعَثْ لَنَا مَلِكًا نُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ قَالَ هَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ أَلَّا تُقَاتِلُوا قَالُوا وَمَا لَنَا أَلَّا نُقَاتِلَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَقَدْ أُخْرِجْنَا مِنْ دِيَارِنَا وَأَبْنَائِنَا فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ تَوَلَّوْا إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ (246)}\rمناسبة الآية لما قبلها\rقال البقاعى : \rولما كان الصحابة رضوان الله تعالى عليهم يتمنون في مكة المشرفة الإذن في مقارعة الكفار ليردوهم عما هم عليه من الأذى والغي والعمى عجب من حال بني إسرائيل حيث سألوا الأمر بالقتال ثم لم ينصفوا إذ أمروا تحذيراً من مثل حالهم ، وتصويراً لعجيب قدرته على نقض العزائم وتقليب القلوب ، وإعلاماً بعظيم مقادير الأنبياء وتمكنهم في المعارف الإلهية ، ودليلاً على ختام الآية التي قبلها فقال مقبلاً على أعلى الخلق إشارة إلى أن للنفوس من دقائق الوساوس ما لا يفهمه إلا البصراء : {ألم تر} قال الحرالي : أراه في الأولى حال أهل الحذر من الموت بما في الأنفس من الهلع الذي حذرت منه هذه الأمة ثم أراه في هذه مقابل ذلك من الترامي إلى طلب الحرب وهما طرفا انحراف في الأنفس ، قال صلى الله عليه وسلم : \" لا تتمنوا لقاء العدو واسألوا الله العافية ، فإذا لقيتموه فاصبروا واعلموا أن الجنة تحت ظلال السيوف \" ففيه إشعار لهذه الأمة بأن لا تطلب الحرب ابتداء وإنما تدافع عن منعها من إقامة دينها كما قال سبحانه وتعالى : {أذن للذين يقاتلون بأنهم ظلموا} [ الحج : 39 ] وقال عليه الصلاة والسلام : \r\" والمشركون قد بغوا علينا . . .\rإذا أرادوا فتنة أبينا \"\r","part":7,"page":348},{"id":2963,"text":"فحق المؤمن أن يأبى الحرب ولا يطلبه فإنه إن طلبه فأوتيه عجز كما عجز هؤلاء حين تولوا إلا قليلاً فهذه الأقاصيص ليس المراد منها حديثاً عن الماضين وإنما هو إعلام بما يستقبله الآتون ، إياك أعني واسمعي يا جارة! فلذلك لا يسمع القرآن من لم يأخذه بجملته خطاباً لهذه الأمة بكل ما قص له من أقاصيص الأولين - انتهى.\rويجوز أن يكون الخطاب لكل من ألقى السمع وهو شهيد.\rولما كان الإخلال من الشريف أقبح قال {إلى الملإ} أي الأشراف ، قال الحرالي : الذين يملؤون العيون بهجة والقلوب هيبة - انتهى.\rولما كان ذلك من أولاد الصلحاء أشنع قال : {من بني إسراءيل} ولما كان ممن تقرر له الدين واتضحت له المعجزات واشتهرت عنده الأمور الإلهيات أفحش قال {من بعد موسى} أي الذي أتاهم من الآيات بما طبق الأرض كثرة وملأ الصدور عظمة وأبقى فيهم كتاباً عجباً ما بعد القرآن من الكتب السماوية مثله.\rقال الحرالي : وفيه إيذان بأن الأمة تختل بعد نبيها بما يصحبها من نوره زمن وجوده معهم ، قالوا : ما نفضنا أيدينا من تراب رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى أنكرنا قلوبنا - انتهى.\r{إذ قالوا} ولما كان الإخلاف مع الأكابر لا سيما مع الأنبياء أفظع قال : {لنبي لهم} ونكره لعدم مقتض لتعريفه.\rقال الحرالي : لأن نبيهم المعهود الآمر لهم إنما هو موسى عليه الصلاة والسلام ، ومن بعده إلى عيسى عليهم الصلاة والسلام إنما هم أنبياء بمنزلة الساسة والقادة لهم كالعلماء في هذه الأمة منفذون وعالمون بما أنزل على موسى عليه الصلاة والسلام كذلك كانوا إلى حين تنزيل الإنجيل فكما قص في صدر السورة حالهم مع موسى عليه الصلاة والسلام قص في خواتيمها حالهم من بعد موسى لتعتبر هذه الأمة من ذلك حالها مع نبيها صلى الله عليه وسلم وبعده انتهى.\r","part":7,"page":349},{"id":2964,"text":"ولما كان عندهم من الغلظة ما لا ينقادون به إلا لإنالة الملك وكان القتال لا يقوم إلا برأس جامع تكون الكلمة به واحدة قالوا : {ابعث لنا} أي خاصة {ملكاً} أي يقيم لنا أمر الحرب {نقاتل} أي عن أمره {في سبيل الله} أي الملك الأعلى.\rقال الحرالي في إعلامه أخذهم الأمر بمنة الأنفس حيث لم يظهر في قولهم إسناد إلى الله سبحانه وتعالى الذي لا تصح الأعمال إلا بإسنادها إليه فما كان بناء على تقوى تم ، وما كان على دعوى نفس انهدّ {قال} أي ذلك النبي {هل} كلمة تنبىء عن تحقيق الاستفهام اكتفي بمعناها عن الهمزة - انتهى.\r{عسيتم} أي قاربتم ولما كانت العناية بتأديب السائلين في هذا المهم أكثر قدم قوله : {إن كتب} أي فرض - كذا قالوا ، والأحسن عندي كما يأتي إن شاء الله تعالى تحقيقه في سورة براءة أن يكون المعنى : هل تخافون من أنفسكم ، ولما كان القصد التنبيه على سؤال العافية والبعد عن التعرض للبلاء لخطر المقام بأن الأمر إذا وجب لم تبق فيه رخصة فمن قصر فيه هلك وسط بين عسى وصلتها قوله : {عليكم القتال} فرضاً لازماً ، وبناه للمفعول صيانة لاسم الفاعل عن مخالفة يتوقع تقصيرهم بها {ألا تقاتلوا} فيوقعكم ذلك في العصيان ، قال الحرالي : بكسر سين عسى وفتحها لغتان ، عادة النحاة أن لا يلتمسوا اختلاف المعاني من أوساط الصيغ وأوائلها ، وفي فهم اللغة وتحقيقها إعراب في الأوساط والأوائل كما اشتهر إعراب الأواخر عند عامة النحاة ، فالكسر حيث كان مبنى عن باد عن ضعف وانكسار ، والفتح معرب عن باد عن قوة واستواء - انتهى.\rفكأنه صلى الله عليه وسلم فهم أن بعضهم يترك القتال عن ضعف عنه وبعضهم يتركه عن قوة ولذلك نفى الفعل ولم يقل : أن تعجزوا.\rقال الحرالي : فأنبأهم بما آل إليه أمرهم فلم يلتفوا عنه وحاجوه وردوا عليه بمثل سابقة قولهم ، ففي إشعاره إنباء بما كانوا عليه من غلظ الطباع وعدم سرعة التنبه - انتهى. أ هـ {نظم الدرر حـ 1 صـ 469 ـ 471}\r","part":7,"page":350},{"id":2965,"text":"قال ابن عاشور : \rجملة : {ألم تر إلى الملأ من بني إسرائيل} استئناف ثان من جملة {ألم تر إلى الذين خرجوا من ديارهم} [ البقرة : 243 ] سيق مساق الاستدلال لجملة {وقاتلوا في سبيل الله} [ البقرة : 190 ] وفيها زيادة تأكيد لفظاعة حال التقاعس عن القتال بعد التهيؤ له في سبيل الله ، والتكرير في مثله يفيد مزيد تحذير وتعريض بالتوبيخ ؛ فإن المأمورين بالجهاد في قوله : {وقاتلوا في سبيل الله} لا يخلون من نفر تعتريهم هواجس تثبطهم عن القتال ، حباً للحياة ومن نفر تعترضهم خواطر تهون عليهم الموت عند مشاهدة أكدار الحياة ، ومصائب المذلة ، فضرب الله لهذين الحالين مثلين : أحدهما ما تقدم في قوله : {ألم تر إلى الذين أخرجوا من ديارهم} والثاني قوله : {ألم تر إلى الملأ من بني إسرائيل} وقد قدم أحدهما وأخر الآخر ليقع التحريض على القتال بينهما.\r\"\rومناسبة تقديم الأولى أنها تشنع حال الذين استسلموا واستضعفوا أنفسهم ، فخرجوا من ديارهم مع كثرتهم ، وهذه الحالة أنسب بأن تقدم بين يدي الأمر بالقتال والدفاع عن البيضة ؛ لأن الأمر بذلك بعدها يقع موقع القبول من السامعين لا محالة ، ومناسبة تأخير الثانية أنها تمثيل حال الذين عرفوا فائدة القتال في سبيل الله لقولهم : {وما لنا ألا نقاتل} إلخ.\rفسألوه دون أن يفرض عليهم فلما عين لهم القتال نكصوا على أعقابهم ، وموضع العبرة هو التحذير من الوقوع في مثل حالهم بعد الشروع في القتال أو بعد كتبه عليهم ، فلله بلاغة هذا الكلام ، وبراعة هذا الأسلوب تقديماً وتأخيراً.\rوتقدم القول على {ألم تر} [ البقرة : 243 ] في الآية قبل هذه. أ هـ {التحرير والتنوير حـ 2 صـ 484}\rقال القرطبى : \rالملأ : الأشراف من الناس ، كأنّهم ممتلئون شرفاً.\rوقال الزجاج : سموا بذلك لأنهم ممتلئون مما يحتاجون إليه منهم.\rوالملأ في هذه الآية القوم ؛ لأنّ المعنى يقتضيه.\rوالملأ : اسم للجمع كالقوم والرهط.\r","part":7,"page":351},{"id":2966,"text":"والملأ أيضاً : حسن الخلقِ ، ومنه الحديث : \" أحسِنوا المَلأ فكلكم سَيَرْوَى \" خرجه مسلم. أ هـ {تفسير القرطبى حـ 3 صـ 243}\rوقال ابن عاشور : \rوالملأ : الجماعة الذين أمرهم واحد ، وهو اسم جمع كالقوم والرهط ، وكأنه مشتق من الملْء وهو تعمير الوعاء بالماء ونحوه ، وأنه مؤذن بالتشاور لقولهم : تمالأ القوم إذا اتفقوا على شيء والكل مأخوذ من ملء الماء ؛ فإنهم كانوا يملأون قربهم وأوعيتهم كل مساء عند الورد ، فإذا ملأ أحد لآخر فقد كفاه شيئاً مهماً ؛ لأن الماء قوام الحياة ، فضربوا ذلك مثلاً للتعاون على الأمر النافع الذي به قوام الحياة والتمثيل بأحوال الماء في مثل هذا منه قول علي \" اللهم عليك بقريش فإنهم قد قطعوا رحمي وأكفأوا إنائي \" تمثيلاً لإضاعتهم حقه. أ هـ {التحرير والتنوير حـ 2 صـ 484 ـ 485}\rقوله تعالى : {من بعد موسى}\rقال ابن عاشور : \rوقوله : {من بعد موسى} إعلام بأن أصحاب هذه القصة كانوا مع نبيء بعد موسى ، فإن زمان موسى لم يكن فيه نصب ملوك على بني إسرائيل وكأنه إشارة إلى أنهم أضاعوا الانتفاع بالزمن الذي كان فيه رسولهم بين ظهرانيهم ، فكانوا يقولون : اذهب أنت وربك فقاتلا ، وكان النصر لهم معه أرجى لهم ببركة رسولهم ، والمقصود التعريض بتحذير المسلمين من الاختلاف على رسولهم.\rوتنكير نبيء لهم للإشارة إلى أن محل العبرة ليس هو شخص النبي فلا حاجة إلى تعيينه ، وإنما المقصود حال القوم وهذا دأب القرآن في قصصه. أ هـ {التحرير والتنوير حـ 2 صـ 485}\rقوله تعالى : {إِذْ قَالُواْ لِنَبِىّ لَّهُمُ ابعث لَنَا}\rقال الفخر : \rقوله تعالى : {إِذْ قَالُواْ لِنَبِىّ لَّهُمُ ابعث لَنَا}","part":7,"page":352},{"id":2967,"text":"تعلق هذه الآية بما قبلها من حيث إنه تعالى لما فرض القتال بقوله : {وقاتلوا فِي سَبِيلِ الله} [ البقرة : 244 ] ثم أمرنا بالإنفاق فيه لما له من التأثير في كمال المراد بالقتال ذكر قصة بني إسرائيل ، وهي أنهم لما أمروا بالقتال نكثوا وخالفوا فذمهم الله تعالى عليه ، ونسبهم إلى الظلم والمقصود منه أن لا يقدم المأمورون بالقتال من هذه الأمة على المخالفة ، وأن يكونوا مستمرين في القتال مع أعداء الله تعالى. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 6 صـ 144}\rقال الماوردى : \r{ابْعَثْ لَنَا مَلَكاً نُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ} في سبب سؤالهم لذلك قولان : \rأحدهما : أنهم سألوا ذلك لقتال العمالقة ، وهو قول السدي.\rوالثاني : أن الجبابرة الذين كانوا في زمانهم استزلوهم ، فسألوا قتالهم ، وهو قول وهب والربيع. أ هـ {النكت والعيون حـ 1 صـ 314}\rفصل\rقال الفخر : \rلا شك أن المقصود الذي ذكرناه حاصل ، سواء علمنا أن النبي من كان من أولئك ، وأن أولئك الملأ من كانوا أو لم نعلم شيئاً من ذلك ، لأن المقصود هو الترغيب في باب الجهاد وذلك لا يختلف ، وإنما يعلم من ذلك النبي ومن ذلك الملأ بالخبر المتواتر وهو مفقود ، وأما خبر الواحد فإنه لا يفيد إلا الظن ، ومنهم من قال : إنه يوشع بن نون بن افرايم بن يوسف ، والدليل عليه قوله تعالى : {مِن بَعْدِ موسى} وهذا ضعيف لأن قوله : {مِن بَعْدِ موسى} كما يحتمل الاتصال يحتمل الحصول من بعد زمان ، ومنهم من قال : كان اسم ذلك النبي أشمويل من بني هارون واسمه بالعربية : إسماعيل ، وهو قول الأكثرين ، وقال السدي : هو شمعون ، سمته أمه بذلك ، لأنها دعت الله تعالى أن يرزقها ولداً فاستجاب الله تعالى دعاءها ، فسمته شمعون ، يعني سمع دعاءها فيه ، والسين تصير شيناً بالعبرانية ، وهو من ولد لاوى بن يعقوب عليه السلام. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 6 صـ 144 ـ 145}\rوقال ابن عطية : ","part":7,"page":353},{"id":2968,"text":"اختلف المتأولون في النبي الذي قيل له {ابعث} ، فقال ابن إسحاق وغيره عن وهب بن منبه : هو سمويل بن بالي : وقال السدي : هو شمعون وقال قتادة : هو يوشع بن نون .\rقال القاضي أبو محمد عبد الحق رضي الله عنه : وهذا قول ضعيف ، لأن مدة داود هي بعد مدة موسى بقرون من الناس ، ويوشع هو فتى موسى ، وكانت بنو إسرائيل تغلب من حاربها ، وروي أنها كانت تضع التابوت الذي فيه السكينة والبقية في مأزق الحرب ، فلا تزال تغلب حتى عصوا وظهرت فيهم الأحداث . وخالف ملوكهم الأنبياء ، واتبعوا الشهوات ، وقد كان الله تعالى أقام أمورهم بأن يكون أنبياؤهم يسددون ملوكهم ، فلما فعلوا ما ذكرناه سلط الله عليهم أمماً من الكفرة فغلبوهم وأخذ لهم التابوت في بعض الحروب فذل أمرهم . وقال السدي : \" كان الغالب لهم جالوت وهو من العمالقة ، فلما رأوا أنه الاصطلام وذهاب الذكر أنف بعضهم وتكلموا في أمرهم . حتى اجتمع ملأهم على أن قالوا لنبي الوقت : {ابعث لنا ملكاً} الآية ، وإنما طلبوا ملكاً يقوم بأمر القتال ، وكانت المملكة في سبط من أسباط بني إسرائيل يقال لهم : \" بنو يهوذا \" ، فعلم النبي بالوحي أنه ليس في بيت المملكة من يقوم بأمر الحرب ، ويسر الله لذلك طالوت. أ هـ {المحرر الوجيز حـ 1 صـ 330}\rفائدة\rقال القرطبى : \rوهذه الآية هي خبر عن قوم من بني إسرائيل نالتهم ذِلة وغَلَبَةُ عدوّ فطلبوا الإذن في الجهاد وأن يؤمروا به ، فلما أُمِروا كَعَّ أكثرهم وصبر الأقل فنصرهم الله.\rوفي الخبر أن هؤلاء المذكورين هم الذين أُميتوا ثم أُحيوا ، والله أعلم. أ هـ {تفسير القرطبى حـ 3 صـ 244}\rفصل\rقال الفخر : ","part":7,"page":354},{"id":2969,"text":"قال وهب والكلبي : إن المعاصي كثرت في بني إسرائيل ، والخطايا عظمت فيهم ، ثم غلب عليهم عدو لهم فسبى كثيراً من ذراريهم ، فسألوا نبيهم ملكاً تنتظم به كلمتهم ويجتمع به أمرهم ، ويستقيم حالهم في جهاد عدوهم ، وقيل تغلب جالوت على بني إسرائيل ، وكان قوام بني إسرائيل بملك يجتمعون عليه يجاهد الأعداء ، ويجري الأحكام ، ونبي يطيعه الملك ، ويقيم أمر دينهم ، ويأتيهم بالخبر من عند ربهم. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 6 صـ 145}\rقال الفخر :\rأما قوله : {نقاتل فِى سَبِيلِ الله} فاعلم أنه قرىء {نقاتل} بالنون والجزم على الجواب ، وبالنون والرفع على أنه حال ، أي ابعثه لنا مقدرين القتال ، أو استئناف كأنه قيل : ما تصنعون بالملك ، قالوا نقاتل ، وقرىء بالياء والجزم على الجواب ، وبالرفع على أنه صفة لقوله : {مَلَكًا}. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 6 صـ 145}\rقوله : {قَالَ هَلْ عَسَيْتُمْ إِن كُتِبَ عَلَيْكُمُ القتال أَن لا تقاتلوا}\rقال القرطبى :\rقوله تعالى : {قَالَ هَلْ عَسَيْتُمْ} و\"عَسِيْتُمْ\" بالفتح والكسر لغتان ، وبالثانية قرأ نافع ، والباقون بالأُولى وهي الأشهر.\rقال أبو حاتم : وليس للكسر وجه (1) ، وبه قرأ الحسن وطلحة.\r________________\r(1) القراءة بكسر السين فى {عسيتم} متواترة ومن ثم فلا يجوز الطعن فيها مطلقا. والله أعلم.","part":7,"page":355},{"id":2970,"text":"قال مكيّ في اسم الفاعل : عَسٍ ، فهذا يدل على كسر السين في الماضي.\rوالفتح في السين هي اللغة الفاشية.\rقال أبو عليّ : ووجه الكسر قول العرب : هو عسٍ بذلك ، مثل حرٍ وشَج ، وقد جاء فَعل وفَعِل في نحو نَعَم ونعِم ، وكذلك عَسَيت وعَسِيت ، فإن أسند الفعل إلى ظاهر فقياس عسيتم أن يقال : عَسِيَ زيد ، مثل رَضِيَ زيد ، فإن قيل فهو القياس ، وإن لم يقل ، فسائغ أن يؤخذ باللغتين فتستعمل إحداهما موضع الأُخرى.\rومعنى هذه المقالة : هل أنتم قريب من التولي والفِرار ؟ . أ هـ {تفسير القرطبى حـ 3 صـ 244}\rوقال الفخر : \rقرأ نافع وحده {عَسَيْتُمْ} بكسر السين ههنا ، وفي سورة محمد صلى الله عليه وسلم ، واللغة المشهورة فتحها ووجه قراءة نافع ما حكاه ابن الأعرابي أنهم يقولون : هو عسى بكذا وهذا يقوي {عَسَيْتُمْ} بكسر السين ، ألا ترى أن عسى بكذا ، مثل حري وشحيح وطعن أبو عبيدة في هذه القراءة فقال لو جاز ذلك لجاز {عسى رَبُّكُمْ} أجاب أصحاب نافع عنه من وجهين\rالأول : أن الياء إذا سكنت وانفتح ما قبلها حصل في التلفظ بها نوع كلفة ومشقة ، وليست الياء من {عَسَى} كذلك ، لأنها وإن كانت في الكتابة ياء إلا أنها في اللفظ مدة ، وهي خفيفة فلا تحتاج إلى خفة أخرى.\rوالجواب الثاني : هب أن القياس يقتضي جواز {عسى رَبُّكُمْ} إلا أنا ذكرنا أنهما لغتان ، فله أن يأخذ باللغتين فيستعمل إحداهما في موضع والأخرى في موضع آخر. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 6 صـ 145}\rقال ابن عاشور : \rوقوله : {هل عسيتم إن كتب عليكم القتال} الآية ، استفهام تقريري وتحذير ، فقوله : {ألا تقاتلوا} مستفهم عنه بهل وخبر لعسى متوقع ، ودليل على جواب الشرط {إن كتب عليكم القتال} وهذا من أبدع الإيجاز فقد حكى جملاً كثيرة وقعت في كلام بينهم ، وذلك أنه قررهم على إضمارهم نية عدم القتال اختباراً وسبراً لمقدار عزمهم عليه ، ولذلك جاء في الاستفهام بالنفي فقال ما يؤدي معنى \"هلْ لاَ تقاتلون\" ولم يقل : هل تقاتلون ؛ لأن المستفهم عنه هو الطرَف الراجح عند المستفهم ، وإن كان الطرَف الآخر مقدراً ، وإذا خرج الاستفهام إلى معانيه المجازية كانت حاجة المتكلم إلى اختيار الطرف الراجح متأكدة.\rوتوقع منهم عدم القتال وحذرهم من عدم القتال إن فرض عليهم ، فجملة : {ألا تقاتلوا} يتنازع معناها كل من هَل وَعسى وإنْ ، وأُعطيت لعسى ، فلذلك قرنت بإنْ ، وهي دليل للبقية فيقدر لكل عامل ما يقتضيه.","part":7,"page":356},{"id":2971,"text":"والمقصود من هذا الكلام التحريض لأن ذا الهمة يأنف من نسبته إلى التقصير ، فإذا سجل ذلك عليه قبل وجود دواعيه كان على حذر من وقوعه في المستقبل ، كما يقول من يوصي غيره : افعل كذا وكذا وما أظنك تفعل. أ هـ {التحرير والتنوير حـ 2 صـ 485 ـ 486}\rقال الزمخشرى :\rوالمعنى : هل قاربتم أن لا تقاتلوا ؟ يعني هل الأمر كما أتوقعه أنكم لا تقاتلون ؟ أراد أن يقول : عسيتم أن لا تقاتلوا ، بمعنى أتوقع جبنكم عن القتال ، فأدخل هل مستفهماً عما هو متوقع عنده ومظنون. وأراد بالاستفهام التقرير ، وتثبيت أنّ المتوقع كائن ، وأنه صائب في توقعه ، كقوله تعالى : {هَلْ أتى عَلَى الإنسان} [ الإنسان : 1 ] معناه التقرير. وقرىء \"عسيتم\" بكسر السين وهي ضعيفة. (1) أ هـ {الكشاف حـ 1 صـ 319}\rفصل\rقال الفخر :\rخبر {هَلْ عَسَيْتُمْ} وهو قوله : {أَن لا تقاتلوا} والشرط فاصل بينهما ، والمعنى هل قاربتم أن تقاتلوا بمعنى أتوقع جبنكم عن القتال فأدخل {هَلُ} مستفهماً عما هو متوقع عنده ومظنون ، وأراد بالاستفهام التقرير ، وثبت أن المتوقع كائن له ، وأنه صائب في توقعه كقوله تعالى : {هَلْ أتى عَلَى الإنسان حِينٌ مّنَ الدهر} معناه التقرير. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 6 صـ 145}\r________________\r(1) تقدمت الإشارة إلى خطأ هذا القول لأنه طعن فى قراءة متواترة ، وسبحان الله فمن العجب العجاب أنهم يستندون أحيانا فى إثبات بعض القواعد النحوية بشطر بيت لا يعرف قائله ويطعنون فى بعض القراءات المتواترة. والقرآن أساس وأصل للغة العربية وأهل مكة مع شدة عداوتهم للقرآن إلا أنهم لم يستطيعوا توجيه طعن واحد فيه بل كانوا يذهبون خفية لسماعه من رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ وسمع أحدهم قول الله تعالى {فاصدع بما تؤمر} فسجد فقيل له : لم سجدت ؟ فقال : سجدت لفصاحته. والله أعلم.","part":7,"page":357},{"id":2972,"text":"قوله تعالى : {قَالُوا وَمَا لَنَا أَلَّا نُقَاتِلَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَقَدْ أُخْرِجْنَا مِنْ دِيَارِنَا وَأَبْنَائِنَا فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ تَوَلَّوْا إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ}\rالمناسبة\rقال البقاعى : \rولما كان مضمون هذا الاستفهام : إني أخشى عليكم القعود عن القتال أعلمنا الله عن جوابهم بقوله : {قالوا} أي لموسى في المخالفة ولما أرشد العطف على غير مذكور أن التقدير : ما يوجب لنا القعود وإنا لا نخاف ذلك على أنفسنا بل نحن جازمون بأنا نقاتل أشد القتال! عطف عليهم قولهم : {وما} أي وأي شيء {لنا} في {ألا نقاتل} ولما كانت النفس فيما لله أجد وإليه أنهض قالوا : {في سبيل الله} أي الذي لا كفوء له إلهاباً وتهييجاً {وقد} أي والحال أنا قد {أخرجنا} أعم من أن يكون مع لإخراج إبعاد أو لا ، وبناه للمجهول لأن موجب الإحفاظ والإخراج نفس الإخراج لا نسبة إلى حد بعينه {من ديارنا} التي هي لأبداننا كأبداننا لأرواحنا.\rولما كان في {أخرجنا} معنى أبعدنا عطف عليه {وأبنائنا} فخلطوا بذلك ما لله بما لغيره وهو أغنى الشركاء لا يقبل إلا خالصاً.\rقال الحرالي : فأنبأ سبحانه وتعالى أنهم أسندوا ذلك إلى غضب الأنفس على الإخراج وإنما يقاتل في سبيل الله من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا - انتهى.\r","part":7,"page":358},{"id":2973,"text":"ولما كان إخلاف الوعد مع قرب العهد أشنع قال : {فلما} بالفاء المؤذنة بالتعقيب {كتب عليهم} أي خاصة {القتال} أي الذي سألوه كما كتب عليكم بعد أن كنتم تمنونه إذ كنتم بمكة كما سيبين إن شاء الله تعالى في النساء عند قوله تعالى : {ألم تر إلى الذين قيل لهم كفوا أيديكم} [ النساء : 77 ] ، {تولوا} فبادروا الإدبار بعد شدة ذلك الإقبال {إلا قليلاً منهم} أي فقاتلوا والله عليم بهم {والله} أي الذي له الإحاطة بكل كمال {عليم} بالمتولين ، هكذا كان الأصل ولكنه قال : {بالظالمين} معلماً بأنهم سألوا البلاء وكان من حقهم سؤال العافية ، ثم لما أجيبوا إلى ما سألوا أعرضوا عنه فكفوا حيث ينبغي المضاء ومضوا حيث كان ينبغي الكف فعصوا الله الذي أوجبه عليهم ، فجمعوا بين عار الإخلاف وفضيحة العصيان وخزي النكوص عن الأقران وقباحة الخذلان للإخوان. أ هـ {نظم الدرر حـ 1 صـ 471 ـ 472}\rقال الفخر : \rإنه تعالى ذكر أن القوم قالوا : {وَمَا لَنَا أَن لا نقاتل فِى سَبِيلِ الله} وهذا يدل على ضمان قوي خصوصاً واتبعوا ذلك بعلة قوية توجب التشدد في ذلك ، وهو قولهم : {وَقَدْ أُخْرِجْنَا مِن ديارنا وَأَبْنَائِنَا} لأن من بلغ منه العدو هذا المبلغ فالظاهر من أمره الاجتهاد في قمع عدوه ومقاتلته.\rفإن قيل : المشهور أنه يقال : مالك تفعل كذا ؟ ولا يقال : مالك أن تفعل كذا ؟ قال تعالى : {مَالَكُمْ لاَ تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَاراً} [ نوح : 13 ] وقال : {وَمَا لَكُمْ لاَ تُؤْمِنُونَ بالله} [ الحديد : 8 ].\rوالجواب من وجهين : الأول : وهو قول المبرد : أن {مَا} في هذه الآية جحد لا استفهام كأنه قال : ما لنا نترك القتال ، وعلى هذا الطريق يزول السؤال.\rالوجه الثاني : أن نسلم أن {مَا} ههنا بمعنى الاستفهام ، ثم على هذا القول وجوه\rالأول : قال الأخفش : أن ههنا زائدة ، والمعنى : ما لنا لا نقاتل وهذا ضعيف ، لأن القول بثبوت الزيادة في كلام الله خلاف الأصل\r","part":7,"page":359},{"id":2974,"text":"الثاني : قال الفراء : الكلام ههنا محمول على المعنى ، لأن قولك : مالك لا تقاتل معناه ما يمنعك أن تقاتل ؟ فلما ذهب إلى معنى المنع حسن إدخال أن فيه قال تعالى : {مَا مَنَعَكَ أَن تَسْجُدَ} [ ص : 75 ] وقال : {مالك أَن لا تَكُونَ مَعَ الساجدين} [ الحجر : 32 ]\rالثالث : قال الكسائي : معنى {وَمَا لَنَا أَن لا نقاتل} أي شيء لنا في ترك القتال ؟ ثم سقطت كلمة {فِى} ورجح أبو علي الفارسي ، قول الكسائي على قول الفراء ، قال : وذلك لأن على قول الفراء لا بد من إضمار حرف الجر ، والتقدير : ما يمنعنا من أن نقاتل ، إذا كان لا بد من إضمار حرف الجر على القولين ، ثم على قول الكسائي يبقى اللفظ مع هذا الإضمار على ظاهره ، وعلى قول الفراء لا يبقى ، فكان قول الكسائي لا محالة أولى وأقوى. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 6 صـ 145 ـ 146}\rقال ابن عاشور : \rوقوله : {قالوا وما لنا ألا نقاتل في سبيل الله} جاءت واو العطف في حكاية قولهم ؛ إذ كان في كلامهم ما يفيد إرادة أن يكون جوابهم عن كلامه معطوفاً على قولهم : {ابعث لنا ملكاً نقاتل في سبيل الله} ما يؤدَّى مثله بواو العطف فأرادوا تأكيد رغبتهم ، في تعيين ملك يدبر أمور القتال ، بأنهم ينكرون كل خاطر يخطر في نفوسهم من التثبيط عن القتال ، فجعلوا كلام نبيئهم بمنزلة كلام معترض في أثناء كلامهم الذي كملوه ، فما يحصل به جوابهم عن شك نبيهم في ثباتهم ، فكان نظم كلامهم على طريقة قوله تعالى حكاية عن الرسل : {وعلى الله فليتوكل المؤمنون} [ آل عمران : 122 ] ، {وما لنا ألا نتوكل على الله وقد هدانا سبلنا} [ إبراهيم : 12 ].\rو ( ما ) اسم استفهام بمعنى أي شيء واللام للاختصاص والاستفهام إنكاري وتعجبي من قول نبيهم : {هل عسيتم إن كتب عليكم القتال ألا تقاتلوا} لأن شأن المتعجب منه أن يسأل عن سببه.\r","part":7,"page":360},{"id":2975,"text":"واسم الاستفهام في موضع الابتداء ، و{لنا} خبره ، ومعناه ما حصل لنا أو ما استقرَّ لنا ، فاللام في قوله : {لنا} لام الاختصاص و\"أن\" حرف مصدر واستقبال ، و{نقاتل} منصوب بأن ، ولما كان حرف المصدر يقتضي أن يكون الفعل بعده في تأويل المصدر ، فالمصدر المنسبك من أن وفعلها إما أن يجعل مجروراً بحرف جر مقدر قبل أن مناسب لتعلق ( لا نقاتل ) بالخبر ما لنا في ألا نقاتل أي انتفاء قتالنا أو ما لنا لأَلا نقاتل أي لأجل انتفاء قتالنا ، فيكون معنى الكلام إنكارهم أن يثبت لهم سبب يحملهم على تركهم القتال ، أو سبب لأجل تركهم القتال ، أي لا يكون لهم ذلك.\rوإما أن يجعل المصدر المنسبك بدلاً من ضمير {لنا} : بَدَل اشتمال ، والتقدير : ما لنا لِتَرْكِنا القتال.\rومثل هذا النظم يجيء بأشكال خمسة : مثل {مالك لا تأمنا على يوسف} [ يوسف : 11 ] {ومالي لا أعبد الذي فطرني} [ يس : 22 ] {ما لكم كيف تحكمون} [ النساء : 88 ] فمالك والتلدد حول نجد {فما لكم في المنافقين فئتين} [ الصافات : 154 ] ، والأكثر أن يكون ما بعد الاستفهام في موضع حال ، ولكن الإعراب يختلف ومآل المعنى متحد.\rو\"ما\" مبتدأ و\"لنا\" خبره ، والمعنى : أي شيء كان لنا.\rوجملة \"ألا نُقَاتل\" حال وهي قيد للاستفهام الإنكاري ، أي لا يثبت لنا شيء في حالة تركنا القتال.\rوهذا كنظائره في قولك : مالي لا أفعل أو مالي أفعل ، فإن مصدرية مجرورة بحرف جر محذوف يقدر بفي أو لام الجر ، متعلق بما تعلقَ به {لنا}.\rوجملة {وقد أخرجنا} حال معللة لوجه الإنكار ، أي إنهم في هذه الحال أبعد الناس عن ترك القتال ؛ لأن أسباب حب الحياة تضعف في حالة الضر والكدر بالإخراج من الديار والأبناء.\r","part":7,"page":361},{"id":2976,"text":"وعطف الأبناء على الديار لأن الإخراج يطلق على إبعاد الشيء من حيزه ، وعلى إبعاده من بين ما يصاحبه ، ولا حاجة إلى دعوى جعل الواو عاطفة عاملاً محذوفاً تقديره وأبعدنا عن أبنائنا. أ هـ {التحرير والتنوير حـ 2 صـ 486 ـ 487}\rقال ابن الجوزى : \rقوله تعالى : {وقد أُخرجنا من ديارنا} يعنون : أُخرج بعضنا ، وهم الذين سبوا منهم وقهروا ، فظاهره العموم ، ومعناه الخصوص. أ هـ {زاد المسير حـ 1 صـ 292}\rقوله تعالى : {فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ}\rقال القرطبى : \rقوله تعالى : {فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ} أي فرِض عليهم {القتال تَوَلَّوْاْ} أخبر تعالى أنه لما فَرض عليهم القتال ورَأُوا الحقيقة ورجعت أفكارهم إلى مباشرة الحرب وأن نفوسهم ربما قد تذهب \"تَوَلَّوْا\" أي اضطربت نياتُهم وفَتَرت عزائمهم ، وهذا شأن الأُمم المتنعِّمَة المائلة إلى الدَّعَة تتمنّى الحرب أوقات الأنفة فإذا حَضرتِ الحرب كَعَّت وانقادت لِطبعها.\rوعن هذا المعنى نهى النبيّ صلى الله عليه وسلم بقوله : \" لا تتمنوا لِقاء العدوّ وسلوا الله العافية فإذا لقيتموهم فاثبتوا \" رواه الأئمة.\rثم أخبر الله تعالى عن قليل منهم أنهم ثَبَتُوا على النية الأُولى واستمرّت عزيمتهم على القتال في سبيل الله تعالى. أ هـ {تفسير القرطبى حـ 3 صـ 244 ـ 245}\rوقال الفخر : \rأما قوله : {فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ القتال تَوَلَّوْاْ} فاعلم أن في الكلام محذوفاً تقديره : فسأل الله تعالى ذلك فبعث لهم ملكاً وكتب عليهم القتال فتولوا.\rأما قوله : {إِلاَّ قَلِيلاً مّنْهُمُ} فهم الذين عبروا منهم النهر وسيأتي ذكرهم ، وقيل : كان عدد هذا القليل ثلثمائة وثلاثة عشر على عدد أهل بدر (1 ) {والله عَلِيمٌ بالظالمين} أي هو عالم بمن ظلم نفسه حين خالف ربه ولم يف بما قيل من ربه ، وهذا هو الذي يدل على تعلق هذه الآية بقوله قبل ذلك : {وقاتلوا فِي سَبِيلِ الله} فكأنه تعالى أكد وجوب ذلك بأن ذكر قصة بني إسرائيل في الجهاد وعقب ذلك بأن من تقدم على مثله فهو ظالم والله أعلم بما يستحقه الظالم وهذا بين في كونه زجراً عن مثل ذلك في المستقبل وفي كونه بعثاً على الجهاد ، وأن يستمر كل مسلم على القيام بذلك ، والله أعلم. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 6 صـ 146}\r________________\r(1 ) الجزم بهذا العدد يفتقر إلى سند صحيح فإن وجد قلنا به وإلا وجب التوقف والسكوت عند ما أخبر القرآن. والله أعلم.","part":7,"page":362},{"id":2977,"text":"قوله تعالى {والله عليم بالظالمين}\rقال أبو حيان : \r{والله عليم بالظالمين} فيه وعيد وتهديد لمن تقاعد عن القتال بعد أن فرض عليه بسؤاله ورغبته ، وأن الإعراض عما أوجب الله على العبد ظلم ، إذ الظلم وضع الشيء في غير موضعه. أ هـ {البحر المحيط حـ 2 صـ 265}\rوقال ابن عاشور : \rوقوله : {والله عليم بالظالمين} تذييل ، لأن فعلهم هذا من الظلم ؛ لأنهم لما طلبوا القتال خيلوا أنهم محبون له ثم نكصوا عنه.\rومن أحسن التأديب قول الراجز : \rمَن قال لاَ في حاجة\rمسؤولة فما ظلم...\rوإنما الظالم من\rيقول لا بعد نعم...\rأ هـ {التحرير والتنوير حـ 2 صـ 487}\rمن لطائف الإمام القشيرى فى الآية\rقوله جلّ ذكره : {أَلَمْ تَرَ إِلَى المَلإِ مِن بَنِى إِسْرَائِيلَ مِن بَعْدِ مُوسَى إِذْ قَالُوا لِنَبِىٍ لَّهُمُ ابْعَثْ لَنَا مَلِكاً نُّقَاتِلْ فِى سَبِيلِ اللهِ قَالَ هَلْ عَسَيْتُمْ إِن كُتِبَ عَلَيْكُمُ القِتَالُ أَلاَّ تُقَاتِلُوا}.","part":7,"page":363},{"id":2978,"text":"استقبلوا الأمر بالاختيار ، واقترحوا على نبيِّهم بسؤال الإذن لهم في القتال ، فلمَّا أجيبوا إلى ما ضمنوه من أنفسهم ركنوا إلى التكاسل ، وعرَّجوا في أوطان التجادل والتغافل. ويقال إنهم أظهروا التصلب والجد في القتال ذَبَّاً عن أموالهم ومنازلهم حيث : \r{قَالُوا وَمَا لَنَا أَلاَّ نُقَاتِلَ فِى سَبِيلِ اللهِ وَقَدْ أُخْرِجْنَا مِن دِيَارِنَا وَأَبْنَائِنَا فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ القِتَالُ تَوَلَّوْا إلاَّ قَلِيلاً مِّنْهُمْ وَاللهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ}.\rفلذلك لم يتم قصدهم لأنه لم يَخْلُص - لحقِّ الله - عزمُهم ، ولو أنهم قالوا : وما لنا ألا نقاتل في سبيل الله لأنه قد أمرنا ، وأوجب علينا ، فإنه سيدنا ومولانا ، ويجب علينا أمره - لعلَّهم وُفِّقُوا لإتمام ما قصدوه. أ هـ {لطائف الإشارات حـ 1 صـ 191}\rلطيفة\rقال فى روح البيان : \rإن القوم لما أظهروا خلاف ما أضمروا وزعموا غير ما كتموا عرض نقد دعواهم على محك معناهم فما أفلحوا عند الامتحان ؛ إذ عجزوا عن البرهان ، وعند الامتحان يكرم الرجل أو يهان. أ هـ {روح البيان حـ 1 صـ 471}\rمن فوائد ابن عرفة فى الآية\rقوله تعالى : {أَلَمْ تَرَ إِلَى الملإ مِن بني إِسْرَائِيلَ...}.\rقال ابن عرفة : الرؤية إن كانت بصرية ونزل الغائب منزلة الحاضر تحقيقا له ، ( فالخطاب ) للنبي صلى الله عليه وسلم وحده ، وكذلك قالوا في قول سيبويه : هذا باب : إنّ الخطاب للخواص لا للعوام. وإن كانت علمية فالخطاب للجميع والظاهر الأول ( لتعديه بإلى ).\rقوله تعالى : {إِذْ قَالُواْ...}.\rقوله تعالى : {لِنَبِيٍّ لَّهُمُ ابعث لَنَا مَلِكاً...}.\rلم يقل : لنبيّهم لأجل مخالفتهم له وعدم اتّباعهم إياه فلذلك لم يضفه إليهم ، والنبي إما شمعون ، أو شمويل ، أو يوشع.\rوأبطل ابن عطية كونه يوشع لأن يوشع كان بعد موسى وبينه وبين داود قرون كثيرة.","part":7,"page":364},{"id":2979,"text":"قال ابن عرفة : لعل يوشع رجل آخر ( غير ) الذي كان بعد موسى.\r( ابن عرفة قال : وتقدم لنا أنّ الإخبار بهذا القصص إما معجزة له صلى الله عليه وسلم ( أو وعظ وتخويف لأمّته أن ينالهم مثل ما نال أولئك ).\rقوله تعالى : {نُّقَاتِلَ فِي سَبِيلِ الله...}.\rالقتال مع أنّهم لم يقاتلوا إلا لأجل استخلاص ( حريمهم ) وأولادهم لكنه مستلزم لقتالهم في سبيل الله.\rقوله تعالى : {هَلْ عَسَيْتُمْ...}.\rقال الزمخشري : ( هل ) استفهام في معنى الإنكار عليهم والتقدير مثل : {هَلْ أتى عَلَى الإنسان حِينٌ مِّنَ الدهر} قال ابن عرفة : ويظهر لي أنه استفهام على بابه ، وأنه تأكيد في التلطف في الخطاب لمّا وبخهم على العصيان تلطف في العبارة عنه بوجهين : \rأحدهما : ذكره له بلفظ الرجاء ( مقاربة ) العصيان دون التحقيق.\rالثاني : لفظ الاستفهام دون الخبر.\rفإن قلت : هم إنما طلبوا منه أن يؤمر عليهم ملكا في قتال يتطوعون به فكيف أجابهم بامتناعهم من قتال يكتب عليهم فرضا ؟ \rقلت : إذا امتنعوا من امتثال قتال يجب عليهم ( فأحرى ) ( ألا يوفوا ) بقتال يتطوعون به.\rوقرأ الكل \" عَسَيتُمْ \" بفتح السين إلا نافعا كسرها.\rقال الزمخشري : وهي ضعيفة.\rقال ابن عرفة : هذا ( عادته ) في تجاسره على القراءات ( السبعة ) وتصريحه بأنها غير متواترة.\rقوله تعالى : {وَقَدْ أُخْرِجْنَا مِن دِيَارِنَا وَأَبْنَآئِنَا...}.\rقال ابن عرفة : ( إما أنّهم جعلوا ) إخراج مثلهم كإخراجهم فنزّلوا إخراج المماثل لهم منزلة إخراجهم ، وإمّا أن المراد وقد قاربنا الإخراج من الديار.\rقيل لابن عرفة ( أو ) أخرجوا منها حقيقة ثم رجعوا إليها وقيل : إنّه على القلب ، أي إخراج أبنائنا من ديارنا.\rقوله تعالى : {فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ القتال تَوَلَّوْاْ...}.\r","part":7,"page":365},{"id":2980,"text":"ابن عرفة : هذا أبلغ من لو قيل : فكُتب عليهم القتال فتولوا ، لأن قولك : لما قام زيد قام عمرو ، أبلغ من قولك : قام زيد فقام عمرو ، لاقتضائه تحقيق السبيبية والارتباط.\rابن عرفة : ويحتمل أن يكون ( تقدم ) سؤالهم سببا في ( وجوب ) القتال عليهم وكان قبل ذلك تطوعا كقضية بني إسرائيل في البقرة. أ هـ {تفسير ابن عرفة صـ 319}\rقال السعدى فى معنى الآية\r","part":7,"page":366},{"id":2981,"text":"يقص تعالى على نبيه قصة الملأ من بني إسرائيل وهم الأشراف والرؤساء ، وخص الملأ بالذكر ، لأنهم في العادة هم الذين يبحثون عن مصالحهم ليتفقوا فيتبعهم غيرهم على ما يرونه ، وذلك أنهم أتوا إلى نبي لهم بعد موسى عليه السلام فقالوا له {ابعث لنا ملكا} أي : عيِّن لنا ملكا {نقاتل في سبيل الله} ليجتمع متفرقنا ويقاوم بنا عدونا ، ولعلهم في ذلك الوقت ليس لهم رئيس يجمعهم ، كما جرت عادة القبائل أصحاب البيوت ، كل بيت لا يرضى أن يكون من البيت الآخر رئيس ، فالتمسوا من نبيهم تعيين ملك يرضي الطرفين ويكون تعيينه خاصا لعوائدهم ، وكانت أنبياء بني إسرائيل تسوسهم ، كلما مات نبي خلفه نبي آخر ، فلما قالوا لنبيهم تلك المقالة {قال} لهم نبيهم {هل عسيتم إن كتب عليكم القتال ألا تقاتلوا} أي : لعلكم تطلبون شيئا وهو إذا كتب عليكم لا تقومون به ، فعرض عليهم العافية فلم يقبلوها ، واعتمدوا على عزمهم ونيتهم ، فقالوا : {وما لنا ألا نقاتل في سبيل الله وقد أخرجنا من ديارنا وأبنائنا} أي : أي شيء يمنعنا من القتال وقد ألجأنا إليه ، بأن أخرجنا من أوطاننا وسبيت ذرارينا ، فهذا موجب لكوننا نقاتل ولو لم يكتب علينا ، فكيف مع أنه فرض علينا وقد حصل ما حصل ، ولهذا لما لم تكن نياتهم حسنة ولم يقوَ توكلهم على ربهم {فلما كتب عليهم القتال تولوا} فجبنوا عن قتال الأعداء وضعفوا عن المصادمة ، وزال ما كانوا عزموا عليه ، واستولى على أكثرهم الخور والجبن {إلا قليلا منهم} فعصمهم الله وثبتهم وقوى قلوبهم فالتزموا أمر الله ووطنوا أنفسهم على مقارعة أعدائه ، فحازوا شرف الدنيا والآخرة ، وأما أكثرهم فظلموا أنفسهم وتركوا أمر الله ، فلهذا قال : {والله عليم بالظالمين}. أ هـ {تفسير السعدى صـ 107}\rفصل\rقال الخازن : \rذكر الإشارة إلى القصة\r","part":7,"page":367},{"id":2982,"text":"كان سبب مسألة أولئك الملأ لذلك النبي أنه لما مات موسى عليه السلام خلف من بعده في بني إسرائيل يوشع بن نون يقيم فيهم أمر الله تعالى. ويحكم بالتوراة حتى قبضة الله تعالى. ثم خلف من بعده كالب بن يوقنا كذلك ، ثم حزقيل كذلك ، حتى قبضه الله تعالى فعظمت الأحداث بعده في بني إسرائيل ونسوا عهد الله حتى عبدوا الأصنام فبعث الله إليهم إلياس نبياً فدعاهم إلى الله تعالى ، وكانت الأنبياء من بني إسرائيل من بعد موسى يبعثون إليهم ليجددوا ما نسوا من التوراة ويأمروهم بالعمل بأحكامها. ثم خلف من بعد إلياس اليسع فكان فيهم ما شاء الله تعالى ثم قبضة الله تعالى. ثم خلف من بعده خلوف وعظمت فيهم الخطايا وظهر لهم عدو يقال له البلثاثا وهم قوم جالوت وكانوا يسكنون ساحل البحر الروم بين مصر وفلسطين وهم العمالقة فظهروا على بني إسرائيل وغلبوا على كثير من أرضهم وسبوا كثيراً من ذراريهم وأسروا من أبناء ملوكهم أربعمائة وأربعين غلاماً ، فضربوا عليهم الجزية وأخذوا توراتهم ولقي بنو إسرائيل منهم بلاء وشدة ولم يكن لهم نبي يدبر أمرهم وكان سبط النبوة قد هلكوا كلهم إلا امرأة حبلى فحبسوها في بيت رهبة أن تلد جارية فتبدلها بغلام لما ترى من رغبة بني إسرائيل في ولدها وجعلت المرأة تدعو الله أن يرزقها غلاماً فولدت غلاماً فسمته أشمويل ومعناه بالعربية إسماعيل. تقول : سمع الله دعائي فلما كبر الغلام أسلمته لتعليم التوراة في بيت المقدس وكفله شيخ من علمائهم وتبناه فلما بلغ الغلام أتاه جبريل عليه السلام وهو نائم إلى جانب الشيخ وكان الشيخ لا يأمن عليه أحداً فدعاه جبريل بلحن الشيخ يا أشمويل! فقام الغلام فزعاً إلى الشيخ وقال : يا أبتاه رأيتك تدعوني فكره الشيخ أن يقول لا فيفزع الغلام فقال يا بني ارجع فنم فنام ثم دعاه الثانية فقال الغلام : دعوتني فقال : نم فإن دعوتك فلا تجبني فلما كانت الثالثة ظهر له : جبريل عليه السلام وقال له اذهب إلى قومك","part":7,"page":368},{"id":2983,"text":"فبلغهم رسالة ربك فإن الله قد بعثك فيهم نبياً فلما أتاها كذبوه وقالوا به استعجلت بالنبوة ولم تنلك وقالوا له إن كنت صادقاً فابعث لنا ملكاً نقاتل في سبيل الله آية على نبوتك وإنما كان قوام أمر بني إسرائيل بالاجتماع على الملوك وطاعة أنبياءهم وكان الملك هو الذي يسير بالجموع والنبي هو الذي يقيم له أمره ويشير عليه ويرشده ويأتيه بالخبر من ربه.\rقال وهب فبعث الله أشمويل نبياً فلبثوا أربعين سنة بأحسن حال ثم كان من أمر جالوت والعمالقة ما كان فذلك قوله تعالى : {إذ قالوا لنبي لهم ابعث لنا ملكاً نقاتل في سبيل الله}. أ هـ {تفسير الخازن حـ 1 صـ 170 ـ 171}\rوقال ابن عاشور : \rوهذه الآية أشارت إلى قصة عظيمة من تاريخ بني إسرائيل ، لما فيها من العلم والعبرة ، فإن القرآن يأتي بذكر الحوادث التاريخية تعليماً للأمة بفوائد ما في التاريخ ، ويختار لذلك ما هو من تاريخ أهل الشرائع ، لأنه أقرب للغرض الذي جاء لأجله القرآن.","part":7,"page":369},{"id":2984,"text":"هذه القصة هي حادث انتقال نظام حكومة بني إسرائيل من الصبغة الشورية ، المعبر عنها عندهم بعصر القضاة إلى الصبغة الملكية ، المعبر عنها بعصر الملوك وذلك أنه لما توفي موسى عليه السلام في حدود سنة 1380 قبل الميلاد المسيحي ، خلفه في الأمة الإسرائيلية يوشع بن نُون ، الذي عهد له موسى في آخر حياته بأن يخلفه فلما صار أمر بني إسرائيل إلى يوشع جعل لأسباط بني إسرائيل حكاماً يسوسونهم ويقضون بينهم ، وسماهم القضاة فكانوا في مدن متعددة ، وكان من أولئك الحكام أنبياء ، وكان هنالك أنبياء غير حكام ، وكان كل سِبط من بني إسرائيل يسيرون على ما يظهر لهم ، وكان من قضاتهم وأنبيائهم صمويل بن القانة ، من سبط أفرايم ، قاضياً لجميع بني إسرائيل ، وكان محبوباً عندهم ، فلما شاخ وكبر وقعت حروب بين بني إسرائيل والفلسطينيين وكانت سجالاً بينهم ، ثم كان الانتصار للفلسطينيين ، فأخذوا بعض قرى بني إسرائيل حتى إن تابوت العهد ، الذي سيأتي الكلام عليه ، أسره الفلسطينيون ، وذهبوا به إلى ( أَشدود ) بلادهم وبقي بأيديهم عدة أشهر ، فلما رأت بنو إسرائيل ما حل بهم من الهزيمة ، ظنوا أن سبب ذلك هو ضعف صمويل عن تدبير أمورهم ، وظنوا أن انتظام أمر الفلسطينيين ، لم يكن إلاّ بسبب النظام الملكي ، وكانوا يومئذٍ يتوقعون هجوم ناحاش : ملك العمونيين عليهم أيضاً ، فاجتمعت إسرائيل وأرسلوا عرفاءهم من كل مدينة ، وطلبوا من صمويل أن يقيم لهم ملكاً يقاتل بهم في سبيل الله ، فاستاء صمويل من ذلك ، وحذرهم عواقب حكم الملوك \"إن الملك يأخذ بينكم لخدمته وخدمة خيله ويتخذ منكم من يركض أمام مراكبه ، ويسخر منكم حراثين لحرثه ، وعملة لعُدد حربه ، وأدوات مراكبه ، ويجعل بناتكم عطَّارات وطباخات وخبازات ، ويصطفي من حقولكم ، وكرومكم ، وزياتينكم ، أجودها فيعطيها لعبيده ، ويتخذكم عبيداً ، فإذا صرختم بعد ذلك في وجه ملككم لا يستجيب الله لكم ، فقالوا : لا بد لنا من ملك","part":7,"page":370},{"id":2985,"text":"لنكون مثل سائر الأمم ، وقال لهم : هل عسيتم إن كتب عليكم القتال ألا تقاتلوا قالوا {وما لنا ألا نقاتل} الخ.\rوكان ذلك في أوائل القرن الحادي عشر قبل المسيح.\rوقوله : {وقد أخرجنا من ديارنا وأبناءنا} يقتضي أن الفلسطينيين أخذوا بعض مدن بني إسرائيل ، وقد صُرح بذلك إجمالاً في الإصحاح السابع من سفر صمويل الأول ، وأنهم أسروا أبناءهم ، وأطلقوا كهولهم وشيوخهم ، وفي ذكر الإخراج من الديار والأبناء تلهيب للمهاجرين من المسلمين على مقاتلة المشركين الذين أخرجوهم من مكة ، وفرقوا بينهم وبين نسائهم ، وبينهم وبين أبنائهم ، كما قال تعالى : {وما لكم لا تقاتلون في سبيل الله والمستضعفين من الرجال والنساء والولدان} [ النساء : 75 ]. أ هـ {التحرير والتنوير حـ 2 صـ 487 ـ 488}","part":7,"page":371},{"id":2986,"text":"قوله تعالى : {وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ اللَّهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طَالُوتَ مَلِكًا قَالُوا أَنَّى يَكُونُ لَهُ الْمُلْكُ عَلَيْنَا وَنَحْنُ أَحَقُّ بِالْمُلْكِ مِنْهُ وَلَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِنَ الْمَالِ قَالَ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاهُ عَلَيْكُمْ وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ وَاللَّهُ يُؤْتِي مُلْكَهُ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (247)}\rمناسبة الآية لما قبلها\rقال البقاعى : \rولما أرشد العطف على غير مذكور إلى أن التقدير : فقال لهم نبيّهم : ألم أقل لكم : لا تسألوا البلاء ولا تدانوا أمر القضاء فإن أكثر قول النفس كذب وجل أمانيها زور وأما أمر الله فمتى برز يجب ، عطف عليه قوله : {وقال لهم} أي خاصة لم يكن معهم أحد غيرهم يحال عليهم جوابهم الذي لا يليق وصرح بالمقصود لئلا يظن أن القائل الله وأنهم واجهوه بالاعتراض فقال : {نبيهم} أي الذي تقدم أنهم سألوه ذلك مؤكداً معظماً محققاً بأداة التوقع لأن سؤالهم على لسان نبي يقتضي توقع الإجابة {إن الله} أي بجلاله وعزّ كماله {قد} ولما كان إلباس الشخص عزّ الملك مثل إعزاز الجماد بنفخ الروح كان التعبير عن ذلك بالبعث أليق فقال : {بعث لكم} أي خاصة لأجل سؤالكم {طالوت} اسم ملك من بني إسرائيل من سبط لم يكن الملك فيهم {ملكاً} تنتهون في تدبير الحرب إلى أمره.\rقال الحرالي : فكان أول ما ابتلوا به أن ملك عليهم من لم يكن من أهل بيت الملك عندهم فكان أول فتنتهم بما طلبوا ملكاً فأجيبوا فلم يرضوا بما بعث لهم - انتهى.\r","part":7,"page":372},{"id":2987,"text":"ولما أجابهم إلى ما سألوا كان من أول جلافتهم اعتراضهم على أمر الملك الديان الذي أورده لهم باسمه الأعظم الدال على جميع الكمال من الجلال والجمال ليكون أجدر لهم بقبول أمره والوقوف عند زجره وأورد اعتراضهم في جواب من كأنه قال : ما فعلوا إذ أجابهم إلى ما سألوا ؟ فقال : {قالوآ} أي هم لا غيرهم {أنى} أي من أين وكيف {يكون له} أي خاصة {الملك علينا ونحن} أي والحال أنا نحن {أحق بالملك منه} لأن فينا من هو من سبط الملوك دونه.\rقال الحرالي : فثنوا اعتراضهم بما هو أشد وهو الفخر بما ادعوه من استحقاق الملك على من ملكه الله عليهم فكان فيه حظ من فخر إبليس حيث قال حين أمر بالسجود لآدم : {أنا خير منه} [ ص : 76 ] انتهى.\r{ولم} أي والحال أنه لم {يؤت سعة من المال} أي فصار له مانعان : أحدهما أنه ليس من بيت المملكة ، والثاني أنه مملق والملك لا بد له من مال يعتضد به.\rقال الحرالي : فكان في هذه الثالثة فتنة استصنام المال وأنه مما يقام به ملك وإنما الملك بايتاء الله فكان في هذه الفتنة الثالثة جهل وشرك ، فتزايدت صنوف فتنتهم فيما انبعثوا إلى طلبه من أنفسهم - انتهى. أ هـ {نظم الدرر حـ 1 صـ 472 ـ 473}\rقال الفخر : \r","part":7,"page":373},{"id":2988,"text":"اعلم أنه لما بين في الآية الأولى أنه أجابهم إلى ما سألوا ، ثم إنهم تولوا فبين أن أول ما تولوا إنكارهم إمرة طالوت ، وذلك لأنهم طلبوا من نبيهم أن يطلب من الله أن يعين لهم ملكاً فأجابهم بأن الله قد بعث لهم طالوت ملكاً ، قال صاحب \"الكشاف\" : طالوت اسم أعجمي ، كجالوت ، وداود وإنما امتنع من الصرف لتعريفه وعجمته ، وزعموا أنه من الطول لما وصف به من البسطة في الجسم ، ووزنه إن كان من الطول فعلوت ، وأصله طولوت ، إلا أن امتناع صرفه يدفع أن يكون منه ، إلا أن يقال : هو اسم عبراني وافق عربياً كما وافق حطة حنطة ، وعلى هذا التقدير يكون أحد سببيه العجمة لكونه عبرانياً ، ثم إن الله تعالى لما عينه لأن يكون ملكاً لهم أظهروا التولي عن طاعته ، والإعراض عن حكمه ، وقالوا : {أنى يَكُونُ لَهُ الملك عَلَيْنَا} واستبعدوا جداً أن يكون هو ملكاً عليهم ، قال المفسرون : وسبب هذا الاستبعاد أن النبوة كانت مخصوصة بسبط معين من أسباط بني إسرائيل ، وهو سبط لاوى بن يعقوب ، ومنه موسى وهرون ، وسبط المملكة ، سبط يهوذا ، ومنه داود وسليمان ، وأن طالوت ما كان من أحد هذين السبطين ، بل كان من ولد بنيامين فلهذا السبب أنكروا كونه ملكاً لهم ، وزعموا أنهم أحق بالملك منه ، ثم أنهم أكدوا هذه الشبهة بشبهة أخرى ، وهي قولهم : ولم يؤت سعة من المال ، وذلك إشارة إلى أنه فقير ، واختلفوا فقال وهب ، كان دبّاغاً ، وقال السدي : كان مكارياً ، وقال آخرون ، كان سقاء. (1) أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 6 صـ 146 ـ 147}\rقال ابن عاشور :\rأعاد الفعل في قوله : {وقال لهم نبيهم} للدلالة على أن كلامه هذا ليس من بقية كلامه الأول ، بل هو حديث آخر متأخر عنه وذلك أنه بعد أن حذرهم عواقب الحكومة الملكية وحذرهم التولي عن القتال ، تكلم معهم كلاماً آخَرَ في وقت آخر.\r_________________\r(1) مثل هذا الكلام يفتقر إلى السند ولا يترتب على ذكره كبير فائدة. والله أعلم.","part":7,"page":374},{"id":2989,"text":"وتأكيدُ الخبر بإنَّ إيذان بأن من شأن هذا الخبر أن يُتلقى بالاستغراب والشك ، كما أنبأ عنه قولهم : {أنى يكون له الملك علينا}.\rووقع في سفر صمويل في الإصحاح التاسع أنه لما صمم بنو إسرائيل في سؤالهم أن يعين لهم مِلكاً ، صلى لله تعالى فأوحى الله إليه أنْ أجبْهم إلى كل ما طلبوه ، فأجابهم وقال لهم : اذهبوا إلى مدنكم ، ثم أوحى الله إليه صفة الملك الذي سيعينه لهم ، وأَنه لقيه رجل من بنيامين اسمه شَاول بن قيس ، فوجد فيه الصفة وهي أنه أطول القوم ، ومسَحَهُ صمويلُ ملكاً على إسرائيل ، إذْ صب على رأسه زيتاً ، وقبَّله وجمع بني إسرائيل بعد أيام في بلد المصفاة وأحضره وعينه لهم ملكاً ، وذلك سنة 1095 قبل المسيح.\rوهذا الملك هو الذي سمي في الآية طالوت وهو شاول وطالوت لقبهُ ، وهو وزن اسم مصدر من الطول ، على وزن فعَلُوت مثل جَبَروت ومَلكوت ورَهَبوت ورغَبوت ورحموت ، ومنه طاغوت أصله طَغَيُوت فوقع فيه قلب مكاني ، وطالوت وصف به للمبالغة في طول قامته ، ولعله جعل لقباً له في القرآن للإِشارة إلى الصفة التي عرف بها لصمويل في الوحي الذي أوحى الله إليه كما تقدم ، ولمراعاة التنظير بينه وبين جالوت غريمه في الحرب ، أو كان ذلك لقباً له في قومه قبلَ أن يؤتى الملك ، وإنما يلقب بأمثال هذا اللقب من كان من العموم.\r","part":7,"page":375},{"id":2990,"text":"ووزن فَعَلوت وزن نادر في العربية ولعله من بقايا العربية القديمة السامية ، وهذا هو الذي يؤذن به منعه من الصرف ، فإن منعه من الصرف لا علة له إلاّ العلمية والعجمة ، وجزم الراغب بأنه اسم عجمي ولم يُذكر في كتب اللغة لذلك ولعله عومل معاملة الاسم العجمي لمَّا جُعل علماً على هذا العَجمي في العربية ، فعُجمته عارضة وليس هو عجمياً بالأصالة ، لأنه لم يعرف هذا الاسم في لغة العبرانيين كداوود وشاوول ، ويجوز أن يكون منعه من الصرف لمصيره بالإبدال إلى شبه وزن فاعُول ، ووزنُ فاعول في الأعلام عجمي ، مثل هاروت وماروت وشاوول وداوود ، ولذلك منعوا قابوس من الصرف ، ولم يعتدوا باشتقاقه من القبس ، وكأنَّ عدول القرآن عن ذكره باسمه شاول لثقل هذا اللفظ وخفة طالوت. أ هـ {التحرير والتنوير حـ 2 صـ 489 ـ 490}\rقال ابن الجوزى :\rقوله تعالى : {وقال لهم نبيهم إِن الله قد بعث لكم طالوت ملكاً} ذكر أهل التفسير أن نبي بني إسرائيل سأل الله أن يبعث لهم ملكاً ، فأتى بعصا وقرن فيه دهن ، وقيل له : إن صاحبكم الذي يكون ملكاً يكون طوله طول هذه العصا ، ومتى دخل عليك رجل ، فنشق الدهن ، فهو الملك ، فادهن به رأسه ، وملكه على بني إسرائيل ، فقاس القوم أنفسهم بالعصا ، فلم يكونوا على مقدارها.\rقال عكرمة ، والسدي : كان طالوت سقاءً يسقي على حمار له ، فضلَّ حماره ، فخرج يطلبه ، وقال وهب : بل كان دباغاً يعمل الأدم ، فضلت حمرٌ لأبيه ، فأرسل مع غلام له في طلبها ، فمرا ببيت شمويل النبي صلى الله عليه وسلم ، فدخلا ليسألاه عن ضالتهما ، فنشق الدهن ، فقام شمويل فقاس طالوت بالعصا ، وكان على مقدارها ، فدهنه ، ثم قال له : أنت ملك بني إسرائيل ، فقال طالوت : أما علمت أن وسطي أدنى أسباط بني إسرائيل ، وبيتي أدنى بيوتهم ؟ قال : بلى ، قال فبأية آية ؟ قال بآية أنك ترجع وقد وجد أبوك حمره ، فكان كما قال. (1) أ هـ {زاد المسير حـ 1 صـ 293}\r______________\r(1) يجب التثبت من أخبار وهب بن منبه وكعب الأحبار ، وهذا ما عليه العلماء المحققون.","part":7,"page":376},{"id":2991,"text":"قال أبو حيان : \rقول النبي لهم : إن الله قد بعث ، لا يكون إلاَّ بوحي ، لأنهم سألوه أن يبعث لهم ملكاً يقاتل في سبيل الله ، فأخبر ذلك النبي أن الله قد بعثه ، فيحتمل أن يكون ذلك بسؤال من النبيّ الله أن يبعثه ويحتمل أن يكون ذلك بغير سؤاله ، بل لما علم حاجتهم إليه بعثه. أ هـ {البحر المحيط حـ 2 صـ 265}\rقال القرطبى : \rقوله تعالى : {أنى يَكُونُ لَهُ الملك عَلَيْنَا} أي كيف يملكنا ونحن أحق بالملك منه ؟ .\rجَروا على سنّتهم في تَعْنِيتهم الأنبياء وحَيْدهم عن أمر الله تعالى فقالوا : \"أَني\" أيْ من أيّ جهة ، ف \"أَنّي\" في موضع نصب على الظرف ، ونحن من سِبط الملوك وهو ليس كذلك وهو فقير ، فتركوا السبب الأقوى وهو قَدَر الله تعالى وقضاؤه السابق. أ هـ {تفسير القرطبى حـ 3 صـ 246}\rوقال أبو حيان : \r{قالوا أنَّى يكون له الملك علينا ونحن أحق بالملك منه ولم يؤت سعة من المال} هذا كلام من تعنتَ وحادَ عن أمر الله ، وهي عادة بني اسرائيل ، فكان ينبغي لهم إذ قال لهم النبي عن الله {إن الله قد بعث لكم طالوت ملكاً} أن يسلموا لأمر الله ، ولا تنكره قلوبهم ، ولا يتعجبوا من ذلك ، ففي المقادير أسرار لا تدرك ، فقالوا : كيف يملك علينا من هو دوننا.\rليس من بيت الملك الذي هو سبط يهوذا.\rومنه داود وسليمان ؟ وليس من بيت النبوّة الذي هو سبط لاوي ومنه موسى وهارون ؟ قال ابن السائب : وكان سبط طالوت قد عملوا ذنباً عظيماً ، نكحوا النساء نهاراً على ظهر الطريق ، فغضب الله عليهم ، فنزع النبوّة والملك منهم ، وكانوا يسمون سبط الإثم.","part":7,"page":377},{"id":2992,"text":"وفي قولهم : {أنى يكون له الملك علينا} إلى آخره ما يدل على أنه مركوز في الطباع أن لا يقدم المفضول على الفاضل ، واستحقار من كان غير موسع عليه ، فاستبعدوا أن يتملك عليهم من هم أحق بالملك منه ، وهو فقير والملك يحتاج إلى أصالة فيه ، إذ يكون أعظم في النفوس ، وإلى غنى يستعبد به الرجال ، ويعينه على مقاصد الملك ، لم يعتبروا السبب الأقوى ، وهو : قضاء الله وقدره : {قل اللهم مالك الملك تؤتي الملك من تشاء} واعتبروا السبب الأضعف ، وهو : النسب والغنى {يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم} \"لا فضل لعربي على عجمي ولا لعجمي على عربي إلاَّ بالتقوى {إن أكرمكم عند الله أتقاكم} \" وقال الله تعالى {ولعبد مؤمن خير من مشرك ولو أعجبكم} قال الشاعر :\rوأعجب شيء إلى عاقل . . .\rفتوّ عن المجد مستأخره\rإذا سئلوا ما لهم من علا ؟ . . .\rأشاروا إلى أعظم ناخره. أ هـ {البحر المحيط حـ 2 صـ 266}\rوقال ابن عاشور :\rوأَنَّى في قوله : {أنى يكون له الملك علينا} بمعنى كيف ، وهو استفهام مستعمل في التعجب ، تعجبوا من جعل مِثله ملكاً ، وكان رجلاً فلاحاً من بيت حقير ، إلاّ أنه كان شجاعاً ، وكان أطول القوم ، ولما اختاره صمويل لذلك ، فتح الله عليه بالحكمة ، وتنبأ نبوءات كثيرة ، ورضيت به بعض إسرائيل ، وأباه بعضهم ، ففي سفر صمويل أن الذين لم يرضَوا به هم بنو بليعال (1) والقرآن ذكر أن بني إسرائيل قالوا : أنى يكون له الملك علينا وهو الحق ؛ لأنهم لا بد أن يكونوا قد ظنوا أن مَلكهم سيكون من كبرائهم وقوادهم.\r_____________\r(1) ما ذكر فى التوراة لا ينبغى التعويل عليه لعدم سلامتها من الأيادى الآثمة التى حرفتها. والله أعلم.","part":7,"page":378},{"id":2993,"text":"والسر في اختيار نبيئهم لهم هذا الملك أنه أراد أن تبقى لهم حالتهم الشورية بقدر الإمكان ، فجعل مَلِكهم من عامتهم لا من سادتهم ، لتكون قدمه في الملك غير راسخة ، فلا يخشى منه أن يشتد في استعباد أمته ، لأن الملوك في ابتداء تأسيس الدول يكونون أقرب إلى الخير لأنهم لم يعتادوا عظمة الملك ولم ينسوا مساواتَهم لأمثالهم ، وما يزالون يتوقعون الخلع ، ولهذا كانت الخلافة سُنَّةَ الإسلام ، وكانت الوراثة مبدأ الملك في الإسلام ، إذ عهد معاوية ابن أبي سفيان لابنه يزيد بالخلافة بعده ، والظن به أنه لم يكن يسعه يومئذٍ إلاّ ذلك ؛ لأن شيعة بني أمية راغبون فيه ، ثم كانت قاعدة الوراثة للملك في دول الإسلام وهي من تقاليد الدول من أقدم عصور التاريخ ، وهي سنة سيئة ولهذا تجد مؤسسي الدول أفضل ملوك عائلاتهم ، وقواد بني إسرائيل لم يتفطنوا لهذه الحكمة لقصر أنظارهم ، وإنما نظروا إلى قلة جدته ، فتوهموا ذلك مانعاً من تمليكه عليهم ، ولم يعلموا أن الاعتبار بالخلال النفسانية ، وأن الغنى غنى النفس لا وفرة المال وماذا تجدي وفرته إذا لم يكن ينفقه في المصالح ، وقد قال الراجز : \rقدني من نصر الخُبَيْبين قَدِي\rليسَ الإمامُ بالشحيح المُلحد...\rأ هـ {التحرير والتنوير حـ 2 صـ 490}\rفإن قيل : ما الفرق بين الواوين في قوله : {وَنَحْنُ أَحَقُّ} وفي قوله : {وَلَمْ يُؤْتَ}.\rقلنا : الأولى للحال ، والثانية لعطف الجملة على الجملة الواقعة حالاً ، والمعنى : كيف يتملك علينا والحال أنه لا يستحق التملك لوجود من هو أحق بالملك ، وأنه فقير ولا بد للملك من مال يعتضد به. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 6 صـ 147}\rقوله تعالى : {قَالَ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاهُ عَلَيْكُمْ وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ وَاللَّهُ يُؤْتِي مُلْكَهُ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ}\rالمناسبة\rقال البقاعى : \r","part":7,"page":379},{"id":2994,"text":"ولما كان الخلق كلهم متساوين في أصل الجسمية وإنما جاء تفضيل بعضهم على بعض من الله فكان هو المدار علق الأمر به في قوله : {قال} أي النبي لا غيره مؤكداً لأجل إنكارهم معظماً عليهم الحق بإعادة الاسم الأعظم {إن الله} أي الذي له جميع الأمر فلا اعتراض عليه وهو أعلم بالمصالح {اصطفاه} قال الحرالي : والاصطفاء أخذ الصفوة - انتهى.\rولما كان ذلك مضمناً معنى ملكه قال في تعديته {عليكم} ثم أتبع ذلك ما أودعه سبحانه مما اقتضى ذلك فقال : {وزاده} أي عليكم {بسطة في العلم} الذي به تحصل المكنة في التدبير والنفاذ في كل أمر ، وهو يدل على اشتراط العلم في الملك ، وفي تقديمه أن الفضائل النفسانية أشرف من الجسمانية وغيرها ، وأن الملك ليس بالإرث {والجسم} الذي به يتمكن من الظفر بمن بارزه من الشجعان وقصده من سائر الأقران.\rولما كان من إليه شيء كان له الخيار في إسناده إلى غيره قال : والله} أي اصطفاه والحال أن الملك الذي لا أمر لغيره {يؤتي ملكه} أي الذي هو له وليس لغيره فيه شيء {من يشاء} كما آتاكموه بعد أن كنتم مستعبدين عند آل فرعون {والله} الذي له الإحاطة الكاملة فلا يجوز الاعتراض عليه {واسع} أي في إحاطة قدرته وشمول عظمته وكثرة جنوده ورزقه {عليم} أي بالغ العلم ، فما اختاره فهو المختار وليس لأحد معه خيرة فهو يفعل بما له من السعة في القدرة والعلم ما قد لا تدركه العقول ولا تحتمل وصفه الألباب والفهوم ويؤتي من ليس له مال من خزائن رزقه ما يشاء. أ هـ {نظم الدرر حـ 1 صـ 473}\rقال أبو السعود : \r","part":7,"page":380},{"id":2995,"text":"{قَالَ إِنَّ الله اصطفاه عَلَيْكُمْ} لمّا استبعدوا تملُّكَه بسقوط نسَبِه وبفقره ردَّ عليهم ذلك أولاً بأن مَلاكَ الأمرِ هو اصطفاءُ الله تعالى وقد اختاره عليكم وهو أعلم بالمصالح منكم ، وثانياً بأن العُمدة فيه وُفورُ العلم ليتمكَّنَ به من معرفة أمورِ السياسةِ ، وجسامةُ البدن ليعظُم خطرُه في القلوب ويقدِرَ على مقاومة الأعداءِ ومكابدةِ الحروب وقد خصه الله تعالى منهما بحظَ وافرٍ. أ هـ {تفسير أبى السعود حـ 1 صـ 240}\rقوله تعالى : {إِنَّ الله اصطفاه عَلَيْكُمْ}\rقال الفخر : \rإنه تعالى أجاب عن شبههم بوجوه الأول : قوله : {إِنَّ الله اصطفاه عَلَيْكُمْ} وفيه مسائل : \rالمسألة الأولى : معنى الآية أنه تعالى خصه بالملك والإمرة.\rواعلم أن القوم لما كانوا مقرين بنبوة ذلك النبي ، كان إخباره عن الله تعالى أنه جعل طالوت ملكاً عليهم حجة قاطعة في ثبوت الملك له لأن تجويز الكذب على الأنبياء عليهم السلام يقتضي رفع الوثوق بقولهم وذلك يقدح في ثبوت نبوتهم ورسالتهم ، وإذا ثبت صدق المخبر ثبت أن الله تعالى خصه بالملك ، وإذا ثبت ذلك كان ملكاً واجب الطاعة وكانت الاعتراضات ساقطة.\rالمسألة الثانية : قوله : {اصطفاه} أي أخذ الملك من غيره صافياً له ، واصطفاه ، واستصفاه بمعنى الاستخلاص ، وهو أن يأخذ الشيء خالصاً لنفسه ، وقال الزجاج : إنه مأخوذ من الصفوة ، والأصل فيه اصتفى بالتاء فأبدلت التاء طاء ليسهل النطق بها بعد الصاد ، وكيفما كان الاشتقاق فالمراد ما ذكرناه أنه تعالى خصه بالملك والإمرة ، وعلى هذا الوجه وصف تعالى نفسه بأنه اصطفى الرسل ووصفهم بأنهم : المصطفون الأخيار ووصف الرسول بأنه المصطفى.","part":7,"page":381},{"id":2996,"text":"المسألة الثالثة : هذه الآية تدل على بطلان قول من يقول : إن الإمامة موروثة ، وذلك لأن بني إسرائيل أنكروا أن يكون ملكهم من لا يكون من بيت المملكة ، فأعلمهم الله تعالى أن هذا ساقط ، والمستحق لذلك من خصه الله تعالى بذلك وهو نظير قوله : {تُؤْتِى الملك مَن تَشَاء وَتَنزِعُ الملك مِمَّن تَشَاء} [ آل عمران : 26 ].\rالوجه الثاني : في الجواب عن هذه الشبهة قوله تعالى : {وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي العلم والجسم} وتقرير هذا الجواب أنهم طعنوا في استحقاقه للملك بأمرين أحدهما : أنه ليس من أهل بيت الملك الثاني : أنه فقير ، والله تعالى بين أنه أهل للملك وقرر ذلك بأنه حصل له وصفان أحدهما : العلم والثاني : القدرة ، وهذان الوصفان أشد مناسبة لاستحقاقه الملك من الوصفين الأولين وبيانه من وجوه أحدها : أن العلم والقدرة من باب الكمالات الحقيقية ، والمال والجاه ليسا كذلك والثاني : أن العلم والقدرة من الكمالات الحاصلة لجوهر نفس الإنسان والمال والجاه أمران منفصلان عن ذات الإنسان الثالث : أن العلم والقدرة لا يمكن سلبهما عن الإنسان ، والمال والجاه يمكن سلبهما عن الإنسان والرابع : أن العلم بأمر الحروب ، والقوي الشديد على المحاربة يكون الانتفاع به في حفظ مصلحة البلد ، وفي دفع شر الأعداء أتم من الانتفاع بالرجل النسيب الغني إذا لم يكن له علم بضبط المصالح ، وقدرة على دفع الأعداء ، فثبت بما ذكرنا أن إسناد الملك إلى العالم القادر ، أولى من إسناده إلى النسيب الغني. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 6 صـ 147 ـ 148}\rقال الماوردى : \r{قَالَ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاهُ عَلَيكُم وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ} يعني زيادة في العلم وعظماً في الجسم. واختلفوا هل كان ذلك فيه قبل الملك ؟ فقال وهب بن منبه ، والسدي : كان له ذلك قبل الملك ، وقال ابن زيد : زيادة ذلك بعد الملك. أ هـ {النكت والعيون حـ 1 صـ 315}\rفائدة\rقال الفخر : ","part":7,"page":382},{"id":2997,"text":"قال بعضهم : المراد بالبسطة في الجسم طول القامة ، وكان يفوق الناس برأسه ومنكبه ، وإنما سمي طالوت لطوله ، وقيل المراد من البسطة في الجسم الجمال ، وكان أجمل بني إسرائيل وقيل : المراد القوة ، وهذا القول عندي أصح لأن المنتفع به في دفع الأعداء هو القوة والشدة ، لا الطول والجمال. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 6 صـ 148}\rوقال القرطبى : \rقال ابن عباس : كان طالوت يومئذ أعلم رجل في بني إسرائيل وأجملَه وأتَمّه ؛ وزيادة الجسم مما يَهيب العدوّ.\rوقيل : سُمي طالوت لطوله.\rوقيل : زيادة الجسم كانت بكثرة معاني الخير والشجاعة ، ولم يرد عِظم الجسم ؛ ألم تر إلى قول الشاعر : ترى الرّجُلَ النّحِيف فتَزْدَرِيهِ . . .\rوفي أثْوابه أسَدٌ هَصُورُ\rويُعجبك الطّرِير فتَبْتَلِيه . . .\rفيُخْلِف ظنّك الرجلُ الطّرِيرُ\rوقد عَظُم البعير بغير لُبٍّ . . .\rفلم يَسْتَغْنِ بالعِظَم البعيرُ\rقلت : ومن هذا المعنى قوله صلى الله عليه وسلم لأزواجه : \" أسرعكنّ لحاقا بي أطولكنّ يداً \" فكنّ يتطاولن ؛ فكانت زينب أوّلهن موتاً ؛ لأنها كانت تعمل بيدها وتتصدّق ؛ خرّجه مسلم.\rوقال بعض المتأوّلين : المراد بالعلم عِلم الحرب ، وهذا تخصيص العموم من غير دليل.\rوقد قيل : زيادة العلم بأن أوحى الله إليه ، وعلى هذا كان طالوت نبياً ، وسيأتي. أ هـ {تفسير القرطبى حـ 3 صـ 246 ـ 247}\rفائدة\rقال الفخر : \rإنه تعالى قدم البسطة في العلم ، على البسطة في الجسم ، وهذا منه تعالى تنبيه على أن الفضائل النفسانية أعلى وأشرف وأكمل من الفضائل الجسمانية. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 6 صـ 148}\rوقال ابن عاشور : \rقدم النبي في كلامه العلم على القوة لأن وقعه أعظم ، قال أبو الطيب : \rالرأي قبلَ شجاعةِ الشجعان\rهو أَوَّلٌ وهي المحل الثاني...\rفالعلم المراد هنا ، هو علم تدبير الحرب وسياسة الأمة ، وقيل : هو علم النبوءة ، ولا يصح ذلك لأن طالوت لم يكن معدوداً من أنبيائهم.","part":7,"page":383},{"id":2998,"text":"ولم يجبهم نبيئهم عن قوله : {ولم يؤت سعة من المال} اكتفاء بدلالة اقتصاره على قوله : {وزاده بسطة في العلم والجسم} فإنه ببسطة العلم وبالنصر يتوافر له المال ؛ لأن \"المال تجلبه الرعية\" كما قال أرسططاليس ، ولأن الملك ولو كان ذا ثروة ، فثروته لا تكفي لإقامة أمور المملكة ولهذا لم يكن من شرط ولاة الأمور من الخليفة فما دونه أن يكون ذا سعة ، وقد ولي على الأمة أبو بكر وعمر وعلي ولم يكونوا ذوي يسار ، وغنى الأمة في بيت مالها ومنه تقوم مصالحها ، وأرزاق ولاة أمورها. أ هـ {التحرير والتنوير حـ 2 صـ 491}\rفصل\rقال الفخر : \rاحتج أصحابنا في مسألة خلق الأعمال بقوله : {وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي العلم والجسم} وهذا يدل على أن العلوم الحاصلة للخلق ، إنما حصلت بتخليق الله تعالى وإيجاده ، وقالت المعتزلة هذه الإضافة إنما كانت لأنه تعالى هو الذي يعطي العقل ونصب الدلائل ، وأجاب الأصحاب بأن الأصل في الإضافة المباشرة دون التسبب. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 6 صـ 148}\rفائدة\rقوله تعالى : {والله يُؤْتِى مُلْكَهُ مَن يَشَاء}\rقال الفخر : \rالوجه الثالث : في الجواب عن الشبهة قوله تعالى : {والله يُؤْتِى مُلْكَهُ مَن يَشَاء} وتقريره أن الملك لله والعبيد لله فهو سبحانه يؤتي ملكه من يشاء ولا اعتراض لأحد عليه في فعله ، لأن المالك إذا تصرف في ملكه فلا اعتراض لأحد عليه في فعله. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 6 صـ 148}\rقال أبو حيان : \r{والله يؤتي ملكه من يشاء والله واسع عليم} ظاهره أنه من معمول قول النبي لهم ، لما علم بغيتهم في مسائلهم ومجادلتهم في الحجج التي تبديها ، أتم كلامه بالأمر القطعي ، وهو إن الله هو الفاعل المختار ، يفعل ما يشاء.\r","part":7,"page":384},{"id":2999,"text":"ولما قالوا : {ونحن أحق بالملك منه} فكان في قولهم ادّعاء الأحقية في الملك ، حتى كأن الملك هو في ملكهم ، أضاف الملك إلى الله في قوله : ملكاً ، فالملك ملكه يتصرف فيه كما أراد ، فلستم بأحق فيه ، لأنه ملك الله يؤتيه من يشاء ، وقيل : هاتان الجملتان ليستا داخلتين في قول النبي ، بل هي إخبار من الله تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم ، فهي معترضة في هذه القصة ، جاءت للتشديد والتقوية لمن يؤتيه الله الملك ، أي : فإذا كان الله تعالى هو المتصرف في ملكه فلا اعتراض عليه {لا يسأل عما يفعل} وختم بهاتين الصفتين ، إذ تقدّم دعواهم أنهم أهل الملك ، وأنهم الأغنياء ، وأن طالوت ليس من بيت الملك ، وأنه فقير فقال تعالى : إنه واسع ، يوسع فضله على الفقير ، عليم بمن هو أحق بالملك ، فيضعه فيه ويختاره له. أ هـ {البحر المحيط حـ 2 صـ 267}\rقال الفخر :\rالوجه الرابع : في الجواب قوله تعالى : {والله واسع عَلِيمٌ} وفيه ثلاثة أقوال\rأحدها : أنه تعالى واسع الفضل والرزق والرحمة ، وسعت رحمته كل شيء ، والتقدير : أنتم طعنتم في طالوت بكونه فقيراً ، والله تعالى واسع الفضل والرحمة ، فإذا فوض الملك إليه ، فإن علم أن الملك لا يتمشى إلا بالمال ، فالله تعالى يفتح عليه باب الرزق والسعة في المال.\rوالقول الثاني : أنه واسع ، بمعنى موسع ، أي يوسع على من يشاء من نعمه ، وتعلقه بما قبله على ما ذكرناه والثالث : أنه واسع بمعنى ذو سعة ، ويجيء فاعل ومعناه ذو كذا ، كقوله : {عِيشَةٍ رَّاضِيَةٍ} [ الحاقة : 21 ] أي ذات رضا ، وهم ناصب ذو نصب ، ثم بين بقوله : {عَلِيمٌ} أنه تعالى مع قدرته على إغناء الفقير عالم بمقادير ما يحتاج إليه في تدبير الملك ، وعالم بحال ذلك الملك في الحاضر والمستقبل ، فيختار لعلمه بجميع العواقب ما هو مصلحته في قيامه بأمر الملك. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 6 صـ 148}\rقال ابن عاشور :","part":7,"page":385},{"id":3000,"text":"وقوله : والله يؤتي ملكه من يشاء} يحتمل أن يكون من كلام النبي ، فيكون قد رجع بهم إلى التسليم إلى أمر الله ، بعد أن بين لهم شيئاً من حكمة الله في ذلك.\rويحتمل أن يكون تذييلاً للقصة من كلام الله تعالى ، وكذلك قوله : {والله واسع عليم}. أ هـ {التحرير والتنوير حـ 2 صـ 491}\rقال الماوردى : \r{وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ} وفي واسع ثلاثة أقاويل : \rأحدها : واسع الفضل ، فحذف ذكر الفضل اكتفاء بدليل اللفظ ، كما يقال فلان كبير ، بمعنى كبير القَدْر.\rالثاني : أنه بمعنى مُوسِع النعمة على مَنْ يشاء من خلقه.\rوالثالث : أنه بمعنى ذو سعة. أ هـ {النكت والعيون حـ 1 صـ 315}\rلطيفة\rقال الآلوسى : \rوفي اختيار واسع وعليم في الأخبار عنه تعالى هنا حسن المناسبة لبسطة الجسم وكثرة العلم ما تهتش له الخواطر لا سيما على ما يتبادر من بسطة الجسم ، وقدم الوصف الأول مع أن ما يناسبه ظاهراً مؤخر لأن له مناسبة معنى لأول الأخبار إذ الاصطفاء من سعة الفضل أيضاً ، ولأنّ عليم أوفق بالفواصل وإظهار الاسم الجليل لتربية المهابة. أ هـ {روح المعانى حـ 2 صـ 167}\rفائدة\rقال أبو حيان فى معنى الآية : \rأخبر تعالى عن نبيهم أنه قال لهم عن الله إنه قد بعث طالوت ملكاً عليهم ، ولم يكن عندهم من أنفسهم ولا أشرفهم منصباً ، إذ ليس من سبط النبوّة ، ولا من سبط الملك ، فلم يأخذوا ما أخبرهم عن الله بالقبول ، وشرعوا يتعنتون على عادتهم مع أنبيائهم ، فاستبعدوا تمليكه عليهم ، لأن فيهم من هو أحق بالملك منه على زعمهم ، إذ لم يسبق له أن يكون من آبائه ملك فيعظم عند العامّة ، ولأنه فقير ، وهاتان الخلتان هما يضعفان الملك ، إذ سابق الرئاسة والجاه والملاءة بالأموال مما يستتبع الرجال ، ويستعبد الأحرار ، وما علموا أن عناية المقادير تجعل المفضول فاضلاً.\rفأخبرهم نبيهم ، أن الله تعالى قد اختاره عليكم ، وشرّفه بخصلتين : هما في ذاته : إحداهما : الخلق العظيم ، والأخرى : المعرفة التي هي الفضل الجسيم ، واستغنى بهذين الوصفين الذاتيين عن الوصفين الخارجين عن الذات ، وهما الفخر : بالعظم الرميم ، والاستكثار بالمال الذي مرتعه وخيم.\rثم أخبر أن الله تعالى يعطي ملكه من أراد ، وأنه الواسع الفضل ، العالم بمصالح العباد ، فلا اعتراض عليه. أ هـ {البحر المحيط حـ 2 صـ 268}","part":7,"page":386},{"id":3001,"text":"( بصيرة فى وسع )\rوَسِعَهُ الشىءُ بالكسر يَسَعُه سَعَةً وسِعَة كدَعَة وزِنَةٍ. وقرأَ زَيْدُ بن علىّ : {وَلَمْ يُؤْتَ سِعَةً} بالكسر.\rوالواسِعُ من صِفات الله تعالى الَّذى وَسِع رِزْقُه جميع خَلْقِه ، ووَسِعَت رحمتُه كلَّ شىءِ. وقال ابن الأَنبارىّ : هو الكثيرُ العطاءِ ، والَّذى يَسَعُ لما يُسْأَل. ويقال : معناه : المُحيط بكلّ شىءٍ من قوله تعالى : {وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ}. ويقال : إِنَّه لَيَسْعُنَى/ ما وَسِعَكَ. ويُقال : ما أَسَعُ ذلك ، أَى ما أُطِيقُه. وفى النَّوادر : الَّلهُمَّ سَعْ عَلَيْه ، أَى وَسّع عليه. ويقال : لِيَسَعْكَ بَيْتُك ، معناه : القَرارُ فيه.\rوهذا الوعاءُ يَسَعه عِشْرون كَيْلاً على مِثال : أَنا أَسَعُ هذا الأَمرَ.\rوهذا الأَمرُ يَسَعُنْى. قال أَبو زُبَيْد حَرْمَلَة بن المُنْذِرالطَّائىّ : \r*حَمّالُ أَثْقالِ أَهْلِ الوُدِّ آونَةً * أُعْطِيهُمُ الجَهْدَ منِّى بَلْهَ ما أَسَعُ*\rويقال أَيضاً : هذا يَسَعُ عِشْرِين كَيْلاً ، معناه : يَسَعُ لِعشرين ، أَى يتَّسِع لذلك. ومِثْلُه : هذا الخُفُّ يَسَعُ رِجْلِى ، أَى يتَّسع لَها وعليها. وتقول : هذا يَسَعُه عشرون كَيْلاً ، أَى يَسَعُ فيه عِشْرِين كَيْلاً ، ويقال : وَسِعَتْ رحمةُ اللهِ كلّ شىءٍ ولكلّ شىءٍ وعلى كلِّ شىءٍ. وفى حديث النبىّ صلَّى الله عليه وسلَّم : \"إِنكم لن تَسَعُوا النَّاسَ بأَمْوالِكم فَلْيَسَعْهم منكم بَسْطُ وَجْه وحُسْنُ خُلُق\".\rوالوُسْعُ والوَسْعُ بالحركات الثلاث : السَّعَةُ والجدَةُ والطَّاقَةُ. وقرأَ ابن أَبِى عَيْلة : {لا يُكَلِّفُ اللهُ نَفْساً إِلاَّ وَسْعَها} بالفتح ، وقرأ عِكْرِمَةُ : (وسِْعَها) بالكسر. والهاءُ فى السَّعَةِ عِوَضٌ عن الواو. وشىْءٌ وَسِيعٌ ، أَى واسِعٌ.\r","part":7,"page":387},{"id":3002,"text":"ويَسَع : اسمٌ من أَسماءِ العَجَم ، وقد أُدْخِل عليه الأَلفُ واللاَّم ، وهما لا يَدْخلان على نظائره ، نحو يَعْمُرَ ويَزيدَ ويَشْكُرَ. وقرأَ حَمزة والكسائىّ وخَلَف.\rواللَّيْسَع بِلامَيْن ، وقرأَ الباقون والْيَسَع بلامٍ واحدة.\rوأَوسع الرّجلُ صارَ ذا سَعَة وغِنىً ، قال الله تعالى : {وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ} أَى أَغنياءُ قادِرون. وأَوْسَعَ الله عليك ، أَى أَغْناك. وأَوْسعْتُ المكانَ : وجدتُه واسِعاً ، يقال : \"أَوْسَعْتَ فابْنِ\" والتَّوّسِيعُ : خلاف التَّضْيْيق وتَوَسَّعُوا فى المَجْلس أَى تَفَسَّحوا. واسْتَوْسَعَ : اتَّسع. وقولُ النابغة : \r*تَسَعُ البلادُ إِذا أَتَيْتُكُ زائراً * وإِذا هَجَرْتُك ضاقَ عَنِّى مَقْعَدِى*\rأَى تتَوَسَّع لى البِلادُ.\rواعلم أَنَّ السَّعَة تكونُ فى الأَمكِنَة وفى الحال ، وفى الفعل ، كالقُدْرة والجُودِ ونحو ذلك ، ففى المكان نحو قوله تعالى : {أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً} ، وفى الحال : نحو {لِيُنفِقْ ذُو سَعَةٍ مِّن سَعَتِهِ}\rقال أَبو القاسم : الوُسْعُ من القُدْرَة : ما يَفْضُل عن قَدْرِ المكلَّف ، قال تعالى : {لاَ يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلاَّ وُسْعَهَا} تنبيهاً أَنَّه يكلِّف عبدَه دون ما تَنُوءُ به قُدْرَته. وقيل : معناه : يُكلِّفه ما يُثْمِرُ له السَّعَة ، أَى جَنَّة عرضُها السماوات والأَرض.\rوقوله تعالى : {وَسِعَ كُلَّ شَيْءٍ عِلْماً} وقوله : {وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ} ، {وَكَانَ اللَّهُ وَاسِعاً حَكِيماً} عبارة عن سَعَةِ عِلْمه وقُدْرته وأَفضْاله ورَحْمَته ، كقوله تعالى : {وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ}. أ هـ {بصائر ذوى التمييز حـ 6 صـ 51 ـ 52}","part":7,"page":388},{"id":3003,"text":"من لطائف الإمام القشيرى فى الآية\rنسوا حق الاختيار فنظروا إلى الحال بعين الظاهر فاستبعدوا أن يكون طالوت ملكاً لأنه كان فقيراً لا مال له ، فبيَّن لهم أن الفضيلة باختيار الحق ، وأنه وإن عَدِمَ المالَ فقد زاده الله علماً فَفَضَلَكم بعلمه وجسمه ، وقيل أراد أنه محمود خصال النفس ولم يُرِدْ عظيم البِنْيَة فإن في المثل : \" فلان اسم بلا جسم \" أي ذكر بلا معنى. أ هـ {لطائف الإشارات حـ 1 صـ 192}\rلطائف وفوائد ومواعظ\rقال فى روح البيان : \rإنما حرم بنوا إسرائيل من الملك لأنهم كانوا معجبين بأنفسهم متكبرين على طالوت ناظرين إليه بنظر الحقارة\rمن عجبهم قالوا : {ونحن أحق بالملك منه}\rومن تكبرهم عليه قالوا : {أنى يكون له الملك علينا}\rومن تحقيرهم إياه قالوا : {ولم يؤت سعة من المال}\rفلما تكبروا وضعهم الله وحرموا من الملك.\rومن بلاغات الزمخشرى\rكم يحدث بين الخبيثين ابن لا يعابن والفرث والدم يخرج من بينهما اللبن يعنى حدوثا كثيرا يحدث بين الزوجين الخبيثين ابن طيب لا يعاب بين الناس ولا يذكر بقبيح وهذا غير مستبعد لأن اللبن يخرج من بين السرجين والدم وهما مع كونهما مستقذرين لا يؤثران فى اللبن بشىء من طعمهما ولونهما بل يحدث اللبن من بينهما لطيفا نظيفا سائغا للشاربين.\rقالوا يخلق الله اللبن وسيطا بين الفرث والدم يكتنفانه وبينه وبينهما برزخ من قدرة الله لا يبغى أحدهما عليه بلون ولا طعم ولا رائحة بل هو خالص من ذلك كله.","part":7,"page":389},{"id":3004,"text":"قيل : إذا أكلت البهيمة العلف فاستقر فى كرشها وهو من الحيوان بمنزلة المعدة من الإنسان طبخته فكان أسفله فرثا وأوسطه مادة اللبن وأعلاه مادة الدم والكبد مسلطة على هذه الأصناف الثلاثة تقسمها فتجرى الدم فى العروق واللبن فى الضروع وتبقى الفرث فى الكرش فسبحان الله ما أعظم قدرته وألطف حكمته لمن تأمل\rوالإنسان له استعداد الصلاح والفساد فتارة يظهر فى الأولاد الصلاح المبطون فى الآباء وتارة يكون الأمر بالعكس وأمر الإيجاد يدور على الإظهار والإبطان فانظر إلى آدم وابنيه قابيل وهابيل ثم وثم إلى انتهاء الزمان. والحاصل أن طالوت ولو كان أخس الناس عند بنى إسرائيل لكنه عظيم شريف عند الله لما أن النظر الآلهى إذا تعلق بحجر يجعله جوهرا وبشوك يجعله وردا وريحانا فلا معترض لحكمه ولا راد لقضائه.\rفالوضيع من وضعه الله وإن كان قد رفعه الناس والرفيع من رفعه الله وإن كان قد وضعه الناس.\rوالعاقل إذا تأمل أمثال هذا يجد من نفسه الإنصاف والسكوت وتفويض الأمر إلى الحى الذى لا يموت والله يقول الحق وهو يهدى السبيل. أ هـ {روح البيان حـ 1 صـ 473 ـ 474}باختصار يسير.\rمن فوائد ابن عرفة فى الآية\rقوله تعالى : {وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ...}.\rإن قلت : لِمَ أضافه هنا إليهم ولم يضفه في {إِذْ قَالُواْ لِنَبِيٍّ لَّهُمُ} قلنا : إنّما أضافه هنا لأنه في مقام التبليغ لهم بخلاف الأول فإنه حكاية عن ( مقالتهم ) التي لم يوفّوا بها وعصوا وقدم المجرور لأنهم المقصودون بالذكر.\rابن عطية : عن وهب بن منبه لما سأل شمويل من الله عز وجل أن يبعث لهم ملكا ونزله عليهم قال الله تعالى : \" انظر القرن الذي فيه الدهن في بيتك فإذا دخل عليك رجل فسرا الدهن الذي فيه فهو ملك لبني إسرائيل.\rقال ابن عرفة سرا أي ارتفع. وهذا الخبر إن صح وإلاّ فما يكون ( مفسره ) ( في قوله {بَعَثَ لَكُمْ طَالُوتَ مَلِكاً} ) إلا مجرد ( الوحي ).","part":7,"page":390},{"id":3005,"text":"فإن قلت : ( قد ) حرف ( توقع ) حسبما ذكره الزمخشري في قول الله تعالى {قَدْ أَفْلَحَ المؤمنون} وبنو اسرائيل لم يكونوا قط ( متوقعين تأمّر طالوت عليهم ؟ \rفالجواب : أنّهم كانوا ) متوقعين البعثة بالإطلاق لا من حيث تعلقها بشخص معين.\rقال الزمخشري : طالوت إن كان من الطول فوزنه فعلوت إلا أن امتناع صرفه يمنع أن يكون منه إلا أن يقال : هو اسم عبراني وافق عربيا ، كما وافق : حنط حنطة ، وبسمالاها رحمانا رحيما ، بِسْم الله الرّحْمَانِ الرّحِيمِ.\rقال ابن عرفة : واستدلّوا على مرجوحية ملكه بالأصل ، لأنه ليس في آبائه ملك ولا نبي أحق منه بالعادة لأن الأمير باعتبار العادة لا بد أن يكون غنيا عن غيره ولا يكون فقيرا أصلا. وغالطوا في احتجاجهم فأتوا بدليل ظاهره صواب يمكن قبوله فقالوا : {وَلَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِّنَ المال}. وعدلوا عن أن يقولوا : ولم يؤت شيئا من المال ، لئلا يرمى دليلهم في وجوههم فيقال لهم : قد أوتي بعض المال وإنْ قل مع أن طالوت لم يكن لديه مال البتة. فأجيبوا عن الدليل الأول بقول الله تعالى : {إِنَّ الله اصطفاه عَلَيْكُمْ} فلا مزية لكم عليه بآبائكم ، وعن الثاني بإن الزيادة في العلم والجسم أرجح / من الزيادة في المال ، فإنّ المال سريع الذّهاب والعلم إذا حصل ثابت لا يزول وكذلك الجسم الطويل لا يعود قصيرا بوجه.\rالزمخشري : والواو في {وَنَحْنُ أَحَقُّ بالملك مِنْهُ} واو الحال وفي {وَلَمْ يُؤْتَ} واو العطف.\rقال ابن عرفة : الأولى أن يكونا معا للحال وهو أبلغ في التعليل لأنّ كل واحد منهما علة مستقلة ، أي أنّى يكون له الملك والحالة أنّا أحق به منه ، وأنّى يكون له الملك علينا والحالة أنّه فقير لا مال له ، فلم يعللوا بمجموع الأمرين بل بكل واحد منهما.\rقال ابن عرفة : وهما حالان من الفاعل والمفعول. أ هـ {تفسير ابن عرفة صـ 320}","part":7,"page":391},{"id":3006,"text":"قوله تعالى : {وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ آَيَةَ مُلْكِهِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ التَّابُوتُ فِيهِ سَكِينَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَبَقِيَّةٌ مِمَّا تَرَكَ آَلُ مُوسَى وَآَلُ هَارُونَ تَحْمِلُهُ الْمَلَائِكَةُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَةً لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (248)}\rمناسبة الآية لما قبلها\rقال البقاعى : \rولما كان أغلبهم واقفاً مع المشاهدات غير ثابت القدم في الإيمان بالغيب قال : {وقال لهم نبيهم} مثبتاً لأمر طالوت {إن آية} أي علامة {ملكه} قال الحرالي : وقل ما احتاج أحد في إيمانه إلى آية خارقة إلا كان إيمانه إن آمن غلبة يخرج عنه بأيسر فتنة ، ومن كان إيمانه باستبصار ثبت عليه ولم يحتج إلى آية ، فإن كانت الآية كانت له نعمة ولم تكن عليه فتنة {وما منعنا أن نرسل بالآيات إلاّ أن كذب بها الأولون - وما نرسل بالآيات إلاّ تخويفاً} [ الإسراء : 59 ] فإن الآيات طليعة المؤاخذة والاقتناع بالاعتبار طليعة القبول والثبات - انتهى.\r{أن يأتيكم} أي من غير آت به ترونه {التابوت} قال الحرالي : ويعز قدره - انتهى.\rوهو والله سبحانه وتعالى أعلم الصندوق الذي وضع فيه اللوحان اللذان كتب فيهما العشر الآيات التي نسبتها من التوراة نسبة فاتحة الكتاب من القرآن وهو يسمى تابوت الشهادة كما تقدم ذكره في وصف قبة الزمان فيما مضى أول قصة بني إسرائيل وكانوا إذا حاربوا حمله جماعة منهم موظفون لحمله ويتقدمون به أمام الجيش فيكون ذلك سبب نصرهم وكان العمالقة أصحاب جالوت لما ظهروا عليهم أخذوه في جملة ما أخذوا من نفائسهم وكأن عهدهم به كأن قد طال فذكّرهم بماثره ترغيباً فيه وحملاً على الانقياد لطالوت فقال : {فيه سكينة} أي شيء يوجب السكون والثبات في مواطن الخوف.\r","part":7,"page":392},{"id":3007,"text":"وقال الحرالي : معناه ثبات في القلوب يكون له في عالم الملكوت صورة بحسب حال المثبت ، ويقال : كانت سكينة بني إسرائيل صورة هرّ من ياقوت ولؤلؤ وزبرجد ملفق منه أعضاء تلك الصورة تخرج منه ريح هفّافة تكون علم النصر لهم - انتهى.\rوزاده مدحاً بقوله : {من ربّكم} أي الذي طال إحسانه إليكم وتربيته باللطف لكم.\rوقال الحرالي وغيره : إنه كان في التابوت صورة يأتي منها عند النصر ريح تسمع.\rقال الحرالي : كما كانت الصبا تهب لهذه الأمة بالنصر ، قال صلى الله عليه وسلم : \" نصرت بالصبا \" فكانت سكينتها كلية آفاقها وتابوتها كلية سمائها حتى لا تحتاج إلى محمل يحملها ولا عدة تعدها لأنها أمة أمية تولى الله لها إقامة علمها وأعمالها - انتهى. أ هـ {نظم الدرر حـ 1 صـ 474 ـ 475}\rقال الفخر : \rاعلم أن ظاهر الآية المتقدمة يدل على أن أولئك الأقوام كانوا مقرين بنبوة النبي الذي كان فيهم لأن قوله تعالى حكاية عنهم {إِذْ قَالُواْ لِنَبِىّ لَّهُمُ ابعث لَنَا مَلِكًا} كالظاهر في أنهم كانوا معترفين بنبوة ذلك النبي ، ومقرين بأنه مبعوث من عند الله تعالى ، ثم إن ذلك النبي لما قال : {إِنَّ الله قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طَالُوتَ مَلِكًا} كان هذا دليلاً قاطعاً في كون طالوت ملكاً ، ثم إنه تعالى لكمال رحمته بالخلق ، ضم إلى ذلك الدليل دليلاً آخر يدل على كون ذلك النبي صادقاً في ذلك الكلام ، ويدل أيضاً على أن طالوت نصبه الله تعالى للملك وإكثار الدلائل من الله تعالى جائز ، ولذلك أنه كثرت معجزات موسى عليه السلام ، ومحمد عليه الصلاة والسلام ، فلهذا قال تعالى : {وَقَالَ لَهُمْ نِبِيُّهُمْ إِنَّ ءَايَةَ مُلْكِهِ أَن يَأْتِيَكُمُ التابوت}. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 6 صـ 149}\rقال القرطبى : \r","part":7,"page":393},{"id":3008,"text":"قوله تعالى : {وَقَالَ لَهُمْ نِبِيُّهُمْ إِنَّ آيَةَ مُلْكِهِ أَن يَأْتِيَكُمُ التابوت} أي إتيانُ التابوت ، والتابوت كان من شأنه فيما ذكر أنه أنزله الله على آدم عليه السلام ، فكان عنده إلى أن وصل إلى يعقوب عليه السلام ، فكان في بني إسرائيل يَغلبون به من قاتلهم حتى عَصَوْا فَغُلبوا على التابوت غلبهم عليه العمالقة : جالوت وأصحابه في قول السدي ، وسلبوا التابوت منهم.\rقلت : وهذا أدل دليل على أن العصيان سبب الخذلان ، وهذا بَيِّن.\rقال النحاس : والآية في التابوت على ما رُوي أنه كان يسمع فيه أنِينٌ ، فإذا سمعوا ذلك ساروا لحربهم ، وإذا هَدأَ الأنين لم يسيروا ولم يسِر التابوت.\rوقيل : كانوا يضعونه في مأزق الحرب فلا تزال تَغلِب حتى عصوا فغُلبوا وأُخِذ منهم التابوت وذلّ أمرهم ؛ فلما رأُوا آية الاصْطِلام وذهاب الذكر ، أنِف بعضهم وتكلموا في أمرهم حتى اجتمع ملؤهم أن قالوا لنبيّ الوقت : ابعث لنا ملكاً ؛ فلما قال لهم : ملككم طالوت راجعوه فيه كما أخبر الله عنهم ؛ فلما قطعهم بالحجة سألوه البيِّنة على ذلك ، في قول الطبريّ.\rفلما سألوا نبيهم البينة على ما قال ، دعا ربه فنزل بالقوم الذين أخذوا التابوت داءٌ بسببه ، على خلاف في ذلك.\rقيل : وضعوه في كنيسة لهم فيها أصنام فكانت الأصنام تصبح منكوسة.\rوقيل : وضعوه في بيت أصنامهم تحت الصنم الكبير فأصبحوا وهو فوق الصنم ، فأخذوه وشدّوه إلى رجليه فأصبحوا وقد قُطعت يدا الصنم ورجلاه وألقيت تحت التابوت ؛ فأخذوه وجعلوه في قرية قوم فأصاب أُولئك القوم أوجاع في أعناقهم.\r","part":7,"page":394},{"id":3009,"text":"وقيل : جعلوه في مَخْرأة قوم فكانوا يُصيبهم الباسُور ؛ فلما عظم بلاؤهم كيفما كان ، قالوا : ما هذا إلا لهذا التابوت! فلنردّه إلى بني إسرائيل فوضعوه على عجلة بين ثورين وأرسلوهما في الأرض نحو بلاد بني إسرائيل ، وبعث الله ملائكة تسوق البقرتين حتى دخلتا على بني إسرائيل ، وهم في أمر طالوت فأيقنوا بالنصر ؛ وهذا هو حمل الملائكة للتابوت في هذه الرواية. أ هـ {تفسير القرطبى حـ 3 صـ 247 ـ 248}","part":7,"page":395},{"id":3010,"text":"وقال الطبرى : \rوهذا الخبر من الله تعالى ذكره عن نبيه الذي أخبر عنه به ، دليل على أن الملأ من بني إسرائيل الذين قيل لهم هذا القول ، لم يقروا ببعثة الله طالوت عليهم ملكا إذ أخبرهم نبيهم بذلك ، وعرفهم فضيلته التي فضله الله بها ، ولكنهم سألوه الدلالة على صدق ما قال لهم من ذلك وأخبرهم به. فتأويل الكلام ، إذ كان الأمر على ما وصفنا : \"والله يؤتي ملكه من يشاء والله واسع عليم\" ، فقالوا له : ما آية ذلكإن كنت من الصادقين ؟ \"قال لهم نبيهم إن آية ملكه أن يأتيكم التابوت\" . وهذه القصة وإن كانت خبرا من الله تعالى ذكره عن الملإ من بني إسرائيل ونبيهم ، وما كان من ابتدائهم نبيهم بما ابتدءوا به من مسألته أن يسأل الله لهم أن يبعث لهم ملكا يقاتلون معه في سبيله ، ونبأً عما كان منهم من تكذيبهم نبيهم بعد علمهم بنبوته ، ثم إخلافهم الموعد الذي وعدوا الله ووعدوا رسوله ، من الجهاد في سبيل الله ، بالتخلف عنه حين استنهضوا لحرب من استنهضوا لحربه ، وفتح الله على القليل من الفئة ، مع تخذيل الكثير منهم عن ملكهم وقعودهم عن الجهاد معه فإنه تأديب لمن كان بين ظهراني مهاجر رسول الله صلى الله عليه وسلم من ذراريهم وأبنائهم يهود قريظة والنضير ، وأنهم لن يعدوا في تكذيبهم محمدا صلى الله عليه وسلم فيما أمرهم به ونهاهم عنه مع علمهم بصدقه ، ومعرفتهم بحقيقة نبوته ، بعد ما كانوا يستنصرون الله به على أعدائهم قبل رسالته ، وقبل بعثة الله إياه إليهم وإلى غيرهم أن يكونوا كأسلافهم وأوائلهم الذين كذبوا نبيهم شمويل بن بالي ، مع علمهم بصدقه ، ومعرفتهم بحقية نبوته ، وامتناعهم من الجهاد مع طالوت لما ابتعثه الله ملكا عليهم ، بعد مسألتهم نبيهم ابتعاث ملك يقاتلون معه عدوهم ويجاهدون معه في سبيل ربهم ، ابتداء منهم بذلك نبيهم ، وبعد مراجعة نبيهم شمويل إياهم في ذلك وحض لأهل الإيمان بالله وبرسوله من أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم على الجهاد في سبيله ، وتحذير منه لهم أن يكونوا في","part":7,"page":396},{"id":3011,"text":"التخلف عن نبيهم محمد صلى الله عليه وسلم عند لقائه العدو ، ومناهضته أهل الكفر بالله وبه ، على مثل الذي كان عليه الملأ من بني إسرائيل في تخلفهم عن ملكهم طالوت إذ زحف لحرب عدو الله جالوت ، وإيثارهم الدعة والخفض على مباشرة حر الجهاد والقتال في سبيل الله وشحذ منه لهم على الإقدام على مناجزة أهل الكفر به الحرب ، وترك تهيب قتالهم أن قل عددهم وكثر عدد أعدائهم واشتدت شوكتهم بقوله : ( قَالَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلاقُو اللَّهِ كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ ) [سورة البقرة : 249] ، وإعلام منه تعالى ذكره عباده المؤمنين به أن بيده النصر والظفر والخير والشر. أ هـ {تفسير الطبرى حـ 5 صـ 215 ـ 216}","part":7,"page":397},{"id":3012,"text":"فائدة لغوية\rقال ابن عادل : \rوفي » التَّابوتِ « ، قولان : \rأحدهما : أنه فاعولٌ ، ولا يعرف له اشتقاقٌ ، ومنع قائل هذا أن يكون وزنه فعلوتاً مشتقاً من تاب يتوب كملكوت من الملك ورهبوت من الرُّهب ، قال : لأنَّ المعنى لا يساعد على ذلك.\rالثاني : أن وزنه فعلوت كملكوت ، وجعله مشتقاً من التَّوب وهو الرُّجوع ، وجعل معناه صحيحاً فيه ، لأنَّ التَّابوت هو الصُّندوق الذي توضع فيه الأشياء ، فيرجع إليه صاحبه عند احتياجه إليه ، فقد جعلنا فيه معنى الرجوع.\rوالمشهور أن يوقف على تائه بتاءٍ من غير إبدالها هاءً ؛ لأنَّها إمَّا أصلٌ إن كان وزنه فاعولاً ، وإمَّا زائدةٌ لغير التَّأنيث كملكوت ، ومنهم من يقلبها هاءً ، وقد قرئ بها شاذّاً ، قرأها أُبيّ ، وزيد بن ثابت ، وهي لغة الأنصار ، ويحكى أنهم لمَّا كتبوا المصاحف زمن عثمان - رضي الله عنه - اختلفوا فيه فقال زيد : » بالهَاءِ « ، وقال : [ أُبَيّ : ] » بالتَّاءِ « ، فجاءوا عثمان فقال : » اكْتبوه على لغة قريش « يعني بالتَّاءِ.\rوهذه الهاء هل هي أصل بنفسها ، فيكون فيه لغتان ، ووزنه على هذا فاعول ليس إلاَّ ، أو بدلٌ من التَّاء ؛ لأنها قريبةٌ منها لاجتماعهما في الهمس ، أو إجراءٌ لها مجرى تاء التَّأنيث ؟ قال الزَّمخشريُّ : » فإنْ قلت : ما وزنُ التابوت ؟ قلت : لا يَخْلو أن يَكُونَ فَعَلوتاً ، أو فاعُولاً ، فلا يَكُونُ فاعُولاً لقلته نحو سَلِسٌ وقَلِقٌ « يعني : في الأوزان العربيَّة ، ولا يجوز ترك المعروف [ إليه ] فهو إذاً فعلوت من التَّوب وهو الرُّجوع ؛ لأنَّه ظرفٌ تودع فيه الأشياء ، فيرجع إليه كلَّ وقتٍ.\rوأمَّا من قرأ بالهاء فهو فاعول عنده ، إلاَّ من يجعل هاءه بدلاً من التَّاء لاجتماعهما في الهمس ، ولأنَّهما من حروف الزِّيادة ، ولذلك أُبدلت من تاء التَّأنيث.أ هـ {تفسير ابن عادل حـ 4 صـ 273 ـ 274}","part":7,"page":398},{"id":3013,"text":"فصل\rقال الفخر : \rإن مجيء ذلك التابوت لا بد وأن يقع على وجه يكون خارقاً للعادة حتى يصح أن يكون آية من عند الله ، دالة على صدق تلك الدعوى ، ثم قال أصحاب الأخبار : إن الله تعالى أنزل على آدم عليه السلام تابوتاً فيه صور الأنبياء من أولاده ، فتوارثه أولاد آدم إلى أن وصل إلى يعقوب ، ثم بقي في أيدي بني إسرائيل ، فكانوا إذا اختلفوا في شيء تكلم وحكم بينهم وإذا حضروا القتال قدموه بين أيديهم يستفتحون به على عدوهم ، وكانت الملائكة تحمله فوق العسكر وهم يقاتلون العدو فإذا سمعوا من التابوت صيحة استيقنوا بالنصرة ، فلما عصوا وفسدوا سلط الله عليهم العمالقة فغلبوهم على التابوت وسلبوه ، فلما سألوا نبيهم البينة على ملك طالوت ، قال ذلك النبي : إن آية ملكه أنكم تجدون التابوت في داره ، ثم إن الكفار الذين سلبوا ذلك التابوت كانوا قد جعلوه في موضع البول والغائط ، فدعا النبي عليهم في ذلك الوقت ، فسلط الله على أولئك الكفار البلاء حتى إن كلّ من بال عنده أو تغوط ابتلاه الله تعالى بالبواسير ، فعلم الكفار أن ذلك لأجل استخفافهم بالتابوت ، فأخرجوه ووضعوه على ثورين فأقبل الثوران يسيران ووكل الله تعالى بهما أربعة من الملائكة يسوقونهما ، حتى أتوا منزل طالوت ، ثم إن قوم ذلك النبي رأوا التابوت عند طالوت ، فعلموا أن ذلك دليل على كونه ملكاً لهم ، فذلك هو قوله تعالى : {وَقَالَ لَهُمْ نِبِيُّهُمْ إِنَّ ءايَةَ مُلْكِهِ أن يأتيكم التابوت} والإتيان على هذا مجاز ، لأنه أتى به ولم يأت هو فنسب إليه توسعاً ، كما يقال : ربحت الدراهم ، وخسرت التجارة.","part":7,"page":399},{"id":3014,"text":"والرواية الثانية : أن التابوت صندوق كان موسى عليه السلام يضع التوراة فيه ، وكان من خشب ، وكانوا يعرفونه ، ثم إن الله تعالى رفعه بعد ما قبض موسى عليه السلام لسخطه على بني إسرائيل ، ثم قال نبي ذلك القوم : إن آية ملك طالوت أن يأتيكم التابوت من السماء ، ثم إن التابوت لم تحمله الملائكة ولا الثوران ، بل نزل من السماء إلى الأرض ، والملائكة كانوا يحفظونه ، والقوم كانوا ينظرون إليه حتى نزل عند طالوت ، وهذا قول ابن عباس رضي الله عنهما ، وعلى هذا الإتيان حقيقة في التابوت ، وأضيف الحمل إلى الملائكة في القولين جميعاً ، لأن من حفظ شيئاً في الطريق جاز أن يوصف بأنه حمل ذلك الشيء وإن لم يحمله كما يقول القائل : حملت الأمتعة إلى زيد إذا حفظها في الطريق ، وإن كان الحامل غيره.\rواعلم أنه تعالى جعل إتيان التابوت معجزة ، ثم فيه احتمالان أحدهما : أن يكون مجىء التابوت معجزاً ، وذلك هو الذي قررناه\rوالثاني : أن لا يكون التابوت معجزاً ، بل يكون ما فيه هو المعجز ، وذلك بأن يشاهدوا التابوت خالياً ، ثم إن ذلك النبي يضعه بمحضر من القوم في بيت ويغلقوا البيت ، ثم إن النبي يدعي أن الله تعالى خلق فيه ما يدل على واقعتنا ، فإذا فتحوا باب البيت ونظروا في التابوت رأوا فيه كتاباً يدل على أن ملكهم هو طالوت ، وعلى أن الله سينصرهم على أعدائهم فهذا يكون معجزاً قاطعاً دالاً على أنه من عند الله تعالى ، ولفظ القرآن يحتمل هذا ، لأن قوله : {يَأْتِيَكُمُ التابوت فِيهِ سَكِينَةٌ مّن رَّبّكُمْ} يحتمل أن يكون المراد منه أنهم يجدون في التابوت هذا المعجز الذي هو سبب لاستقرار قلبهم واطمئنان أنفسهم فهذا محتمل. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 6 صـ 149 ـ 150}\rوقال الطبرى : \rوأولى القولين في ذلك بالصواب ما قاله ابن عباس ووهب بن منبه : من أن التابوت كان عند عدو لبني إسرائيل كان سلبهموه.\r","part":7,"page":400},{"id":3015,"text":"وذلك أن الله تعالى ذكره قال مخبرا عن نبيه في ذلك الزمان قوله لقومه من بني إسرائيل : \"إن آية ملكه أن يأتيكم التابوت\" ، و\"الألف واللام\" لا تدخلان في مثل هذا من الأسماء إلا في معروف عند المتخاطبين به. وقد عرفه المخبر والمخبر. فقد علم بذلك أن معنى الكلام : إن آية ملكه أن يأتيكم التابوت الذي قد عرفتموه ، الذي كنتم تستنصرون به ، فيه سكينة من ربكم. ولو كان ذلك تابوتا من التوابيت غير معلوم عندهم قدره ومبلغ نفعه قبل ذلك ، لقيل : إن آية ملكه أن يأتيكم تابوت فيه سكينة من ربكم.\rفإن ظن ذو غفلة أنهم كانوا قد عرفوا ذلك التابوت وقدر نفعه وما فيه وهو عند موسى ويوشع ، فإن ذلك ما لا يخفى خطؤه. وذلك أنه لم يبلغنا أن موسى لاقى عدوا قط بالتابوت ولا فتاه يوشع ، بل الذي يعرف من أمر موسى وأمر فرعون ما قص الله من شأنهما ، وكذلك أمره وأمر الجبارين. وأما فتاه يوشع ، فإن الذين قالوا هذه المقالة ، زعموا أن يوشع خلفه في التيه حتى رد عليهم حين ملك طالوت. فإن كان الأمر على ما وصفوه ، فأي الأحوال للتابوت الحال التي عرفوه فيها ، فجاز أن يقال : إن آية ملكه أن يأتيكم التابوت الذي قد عرفتموه وعرفتم أمره ؟ وفي فساد هذا القول بالذي ذكرنا ، أبين الدلالة على صحة القول الآخر ، إذ لا قول في ذلك لأهل التأويل غيرهما. أ هـ {تفسير الطبرى حـ 5 صـ 224 ـ 225}\rفائدة\rقال أبو حيان : \rونسبة الإتيان إلى التابوت مجاز لأن التابوت لا يأتي ، إنما يؤتى به ، كقوله : {فإذا عزم الأمور} {فما ربحت تجارتهم}. أ هـ {البحر المحيط حـ 2 صـ 270}\rقال ابن عاشور : \r","part":7,"page":401},{"id":3016,"text":"والتابوت بمعنى الصندوق المستطيل : وهو صندوق أمر موسى عليه السلام بصنعه صنعه بصلئيل الملهم في صناعة الذهب والفضة والنحاس ونجارة الخشب ، فصنعه من خشب السنط وهو شجرة من صنف القرظ وجعل طوله ذراعين ونصفاً وعرضه ذراعاً ونصفاً وارتفاعه ذراعاً ونصفاً ، وغشاه بذهب من داخل ومن خارج ، وصنع له إكليلاً من ذهب ، وسبك له أربع حلق من ذهب على قوائمه الأربع ، وجعل له عصوين من خشب مغشاتين بذهب لتدخل في الحلقات لحمل التابوت ، وجعل غطاءه من ذهب ، وجعل على طريق الغطاء صورة تخيل بها اثنين من الملائكة من ذهب باسطين أجنحتهما فوق الغطاء ، وأمر الله موسى أن يضع في هذا التابوت لوحي الشهادة اللذين أعطاه الله إياهما وهي الألواح التي ذكرها الله في قوله : {ولما سكت عن موسى الغضب أخذ الألواح} [ الأعراف : 154 ]. أ هـ {التحرير والتنوير حـ 2 صـ 493}\rفصل فى المراد بالسكينة\rقال الفخر : \rاختلفوا في السكينة ، وضبط الأقوال فيها أن نقول : المراد بالسكينة إما أن يقال إنه كان شيئاً حاصلاً في التابوت أو ما كان كذلك.\rوالقسم الثاني : هو قول أبي بكر الأصم ، فإنه قال : {آية مُلْكِهِ أَن يَأْتِيَكُمُ التابوت فِيهِ سَكِينَةٌ مّن رَّبّكُمْ} أي تسكنون عند مجيئه وتقرون له بالملك ، وتزول نفرتكم عنه ، لأنه متى جاءهم التابوت من السماء وشاهدوا تلك الحالة فلا بد وأن تسكن قلوبهم إليه وتزول نفرتهم بالكلية.","part":7,"page":402},{"id":3017,"text":"وأما القسم الأول : وهو أن المراد من السكينة شيء كان موضوعاً في التابوت ، وعلى هذا ففيه أقوال الأول : وهو قول أبي مسلم أنه كان في التابوت بشارات من كتب الله تعالى المنزلة على موسى وهارون ومن بعدهما من الأنبياء عليهم السلام ، بأن الله ينصر طالوت وجنوده ، ويزيل خوف العدو عنهم الثاني : وهو قول علي عليه السلام : كان لها وجه كوجه الإنسان ، وكان لها ريح هفافة والثالث : قول ابن عباس رضي الله عنهما : هي صورة من زبرجد أو ياقوت لها رأس كرأس الهر ، وذنب كذنبه ، فإذا صاحت كصياح الهر ذهب التابوت نحو العدو وهم يمضون معه فإذا وقف وقفوا ونزل النصر.\rالقول الرابع : وهو قول عمرو بن عبيد : إن السكينة التي كانت في التابوت شيء لا يعلم.\rواعلم أن السكينة عبارة عن الثبات والأمن ، وهو كقوله في قصة الغار : {فَأَنزَلَ الله سَكِينَتَهُ على رَسُولِهِ وَعَلَى المؤمنين} [ الفتح : 26 ] فكذا قوله تعالى : {فِيهِ سَكِينَةٌ مّن رَّبّكُمْ} معناه الأمن والسكون. (1)\rواحتج القائلون بأنه حصل في التابوت شيء بوجهين الأول : أن قوله : {فِيهِ سَكِينَةٌ} يدل على كون التابوت ظرفاً للسكينة والثاني : وهو أنه عطف عليه قوله : {وَبَقِيَّةٌ مّمَّا تَرَكَ ءالُ موسى} فكما أن التابوت كان ظرفاً للبقية وجب أن يكون ظرفاً للسكينة.\rوالجواب عن الأول : أن كلمة {فِى} كما تكون للظرفية فقد تكون للسببية قال عليه الصلاة والسلام : \" في النفس المؤمنة مائة من الإبل \" وقال : \" في خمس من الإبل شاة \" أي بسببه فقوله في هذه الآية : {فِيهِ سَكِينَةٌ} أي بسببه تحصل السكينة.\rوالجواب عن الثاني : لا يبعد أن يكون المراد بقية مما ترك آل موسى وآل هارون من الدين والشريعة ، والمعنى أن بسبب هذا التابوت ينتظم أمر ما بقي من دينهما وشريعتهما.\r_________________\r(1) هذا ما تطمئن إليه النفس فى المراد من السكينة فى الآية الكريمة. والله أعلم.","part":7,"page":403},{"id":3018,"text":"وأما القائلون بأن المراد بالبقية شيء كان موضوعاً في التابوت فقالوا : البقية هي رضاض الألواح وعصا موسى وثيابه وشيء من التوراة وقفير من المن الذي كان ينزل عليهم. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 6 صـ 151}\rفائدة\rقال ابن عطية\rوالصحيح أن التابوت كانت فيه أشياء فاضلة من بقايا الأنبياء وآثارهم ، فكانت النفوس تسكن إلى ذلك وتأنس به وتقوى ، فالمعهود أن الله ينصر الحق والأمور الفاضلة عنده ، والسكينة على هذا فعيلة مأخوذة من السكون ، كما يقال عزم عزيمة وقطع قطيعة.أ هـ {المحرر الوجيز حـ 1 صـ 333}\rوعلق القرطبى على هذا الكلام بقوله :\rوفي صحيح مسلم \" عن البَرَاء قال : كان رجل يقرأ سورة \"الكهف\" وعنده فرس مربوط بشَطَنَيْن فتغشّته سحابةٌ فجعلت تدور وتدنو وجعل فرسُه ينفِر منها ، فلما أصبح أتى النبي صلى الله عليه وسلم فذكر ذلك له فقال : \"تلك السّكِينَة تنزّلت للقرآن\" \" وفي حديث أبي سعيد الخدرِي : أن أُسَيد بن الحُضَير بينما هو ليلة يقرأ في مِرْبَده الحديث.\rوفيه : فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : \" تلك الملائكة كانت تستمع لك ولو قرأتَ لأصبحت يراها الناس ما تستتر منهم \" خرحه البخاري ومسلم.\rفأخبر صلى الله عليه وسلم عن نزول السكينة مرة ، ومرة عن نزول الملائكة ؛ فدل على أن السكينة كانت في تلك الظُّلّة ، وأنها تنزل أبداً مع الملائكة.\rوفي هذا حجة لمن قال إن السكينة روح أو شيء له روح ؛ لأنه لا يصح استماع القرآن إلا لمن يعقل (1) ، والله أعلم. أ هـ {تفسير القرطبى حـ 3 صـ 249}\r_________________\r(1) هذا الكلام معارض بقوله تعالى {وإن من شىء إلا يسبح بحمده} ومن ثم فلا دلالة فيه على المراد من السكينة. والله أعلم.","part":7,"page":404},{"id":3019,"text":"وقال الخازن : \rوقال قتادة والكلبي هي فعلية من السكون أي طمأنينة من ربكم ففي أي مكان كان التابوت اطمأنوا وسكنوا إليه وهذا القول أولى بالصحة فعلى هذا كل شيء كانوا يسكنون إليه فهو سكينة فيحمل على جميع ما قيل فيه لأن كل شيء يسكن إليه القلب فهو سكينة ولم يرد فيه نص صريح فلا يجوز تصويب قول وتضعيف آخر. أ هـ {تفسير الخازن حـ 1 صـ 172}\rفصل\rقال الفخر : \rمن الناس من قال : إن طالوت كان نبياً ، لأنه تعالى أظهر المعجزة على يده وكل من كان كذلك كان نبياً ، ولا يقال : إن هذا كان من كرامات الأولياء ، لأن الفرق بين الكرامة والمعجزة أن الكرامة لا تكون على سبيل التحدي ، وهذا كان على سبيل التحدي ، فوجب أن لا يكون من جنس الكرامات.\rوالجواب : لا يبعد أن يكون ذلك معجزة لنبي ذلك الزمان ، ومع كونه معجزة له فإنه كان آية قاطعة في ثبوت ملكه. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 6 صـ 140}\rفائدة\rقال أبو حيان : \rالسكينة : هي الطمأنينة ولما كانت حاصلة بإتيان التابوت ، جعل التابوت ظرفاً لها ، وهذا من المجاز الحسن ، وهو تشبيه المعاني بالأجرام ، وجاء في حديث عمران بن حصين أنه كان يقرأ سورة الكهف وعنده فرس مربوطة ، فغشيته سحابة ، فجعلت تدور وتدنو ، وجعل فرسه ينفر منها ، فلما أصبح أتى النبي صلى الله عليه وسلم ، فذكر ذلك له فقال : \" تلك السكينة تنزلت للقرآن \"","part":7,"page":405},{"id":3020,"text":"وفي حديث أسيد بن حضير ، بينما هو ليلة يقرأ في مربده الحديث ، وفيه : فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : \" تلك الملائكة كانت تسمع لذلك ، ولو قرأت لأصبحت تراها الناس ما تستتر منهم \" فأخبر صلى الله عليه وسلم عن نزول السكينة مرة ، ومرة عن نزول الملائكة ، ودل حديث أسيد على أن نزول السكينة في حديث عمران هو على مضاف ، أي : تلك أصحاب السكينة ، وهم الملائكة المخبر عنهم في حديث أسيد ، وجعلوا ذوي السكينة لأن إيمانهم في غاية الطمأنينة ، وطواعيتهم دائمة لا يعصون الله ما أمرهم ، وقد جاء في ( الصحيح ) : \" ما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله يتلون كتاب الله ويتدارسونه بينهم إلاَّ نزلت عليهم السكينة.\rوحفتهم الملائكة ، وغشيتهم الرحمة وذكرهم الله فيمن عنده \"\rفنزول السكينة عليهم كناية عن التباسهم بطمأنينة الإيمان ، واستقرار ذلك في قلوبهم ، لأن من تلا كتاب الله وتدارسه يحصل له بالتدبر في معانيه.\rوالتفكر في أساليبه ، ما يطمئن إليه قلبه ، وتستقر له نفسه ، وكأنه كان قبل التلاوة له والدراسة خالياً من ذلك ، فحين تلا نزل ذلك عليه.\rوقد قال بهذا المعنى بعض المفسرين ، قال قتادة السكينة هنا الوقار.\rوقال عطاء : ما يعرفون من الآيات فيسكنون إليها ، وقال نحوه الزجاج.\rوقال الزمخشري : التابوت صندوق التوراة ، كان موسى عليه السلام إذا قاتل قدمه فكانت تسكن نفوس بني إسرائيل ولا يفرون ، والسكينة : السكون والطمأنينة ، وذكر عن عليّ أن السكينة لها وجه كوجه الإنسان ، وهي ريح هفافة ، وقيل : السكينة صورة من زبرجد أو ياقوت ، لها رأس كرأس الهر ، وذنب كذنبه ، وجناحان ، فتئن فيزف التابوت نحو العدو ، وهم يمضون معه ، فإذا استقر ثبتت وسكنوا ، ونزل النصر.\rوقيل : بالسكينة بشارات من كتب الله المنزلة على موسى وهارون ومن بعدهما من الأنبياء ، فإن الله ينصر طالوت وجنوده ، ويقال : جعل تعالى سكينة بني إسرائيل في التابوت الذي فيه رضاض الألواح ، والعصا ، وآثار أصحاب نبوتهم ، وجعل تعالى سكينة هذه الأمة في قلوبهم ، وفرق بين مقر تداولته الأيدي ، قد فر مرة ، وغلب عليه مرة ، وبين مقر بين أصبعين من أصابع الرحمن. أ هـ {البحر المحيط حـ 2 صـ 270 ـ 271}","part":7,"page":406},{"id":3021,"text":"فائدة\rقال ابن القيم ـ رحمه الله ـ : \rومن منازل إياك نعبد وإياك نستعين منزلة السكينة\rهذه المنزلة من منازل المواهب لا من منازل المكاسب وقد ذكر الله سبحانه السكينة في كتابه في ستة مواضع : \rالأولى : قوله تعالى : وقال لهم نبيهم : {إِنَّ آيَةَ مُلْكِهِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ التَّابُوتُ فِيهِ سَكِينَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ} [ البقرة : 248 ]\rالثاني قوله تعالى {ثُمَّ أَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ} [ التوبة : 26 ]\rالثالث : قوله تعالى : {إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْهَا} [ التوبة : 40 ]\rالرابع : قوله تعالى : {هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ لِيَزْدَادُوا إِيمَاناً مَعَ إِيمَانِهِمْ وَلِلَّهِ جُنُودُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيماً حَكِيماً} [ الفتح : 4 ]\rالخامس : قوله تعالى : {لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحاً قَرِيباً} [ الفتح : 18 ]\r","part":7,"page":407},{"id":3022,"text":"السادس : قوله تعالى : {إِذْ جَعَلَ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْحَمِيَّةَ حَمِيَّةَ الْجَاهِلِيَّةِ فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ} [ الفتح : 26] الآية وكان شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله إذا اشتدت عليه الأمور : قرأ آيات السكينة وسمعته يقول في واقعة عظيمة جرت له فى مرضه تعجز العقول عن حملها من محاربة أرواح شيطانية ظهرت له إذ ذاك في حال ضعف القوة قال : فلما اشتد علي الأمر قلت لأقاربي ومن حولي : اقرؤا آيات السكينة قال : ثم أقلع عني ذلك الحال وجلست وما بي قلبة وقد جربت أنا أيضا قراءة هذه الآيات عند اضطراب القلب مما يرد عليه فرأيت لها تأثيراعظيما في سكونه وطمأنينته وأصل السكينة هي الطمأنينة والوقار والسكون الذي ينزله الله في قلب عبده عند اضطرابه من شدة المخاوف فلا ينزعج بعد ذلك لما يرد عليه ويوجب له زيادة الإيمان وقوة اليقين والثبات ولهذا أخبر سبحانه عن إنزالها على رسوله وعلى المؤمنين في مواضع القلق والاضطراب كيوم الهجرة إذ هو وصاحبه في الغار والعدو فوق رءوسهم لو نظر أحدهم إلى ما تحت قدميه لرآهما وكيوم حنين حين ولوا مدبرين من شدة بأس الكفار لا يلوي أحد منهم على أحد وكيوم الحديبية حين اضطربت قلوبهم من تحكم الكفار عليهم ودخولهم تحت شروطهم التي لا تحملها النفوس وحسبك بضعف عمر رضي الله عنه عن حملها وهو عمر حتى ثبته الله بالصديق رضي الله عنه قال ابن عباس رضي الله عنهما : كل سكينة في القرآن فهي طمأنينة إلا التي في سورة البقرة\rوفي الصحيحين عن البراء بن عازب رضي الله عنهما قال : رأيت النبي ينقل من تراب الخندق حتى وارى التراب جلدة بطنه وهو يرتجز بكلمة عبدالله بن رواحة رضي الله عنه : \rاللهم لولا أنت ما اهتدينا\rولا تصدقنا ولا صلينا\rفأنزلن سكينة علينا\rوثبت الأقدام إن لاقينا\rإن الأولى قد بغوا علينا\rوإن أرادوا فتنة أبينا","part":7,"page":408},{"id":3023,"text":"وفي صفة رسول الله صلى الله عليه وسلم في الكتب المتقدمة : إني باعث نبيا أميا ليس بفظ ولا غليظ ولا صخاب في الأسواق ولا متزين بالفحش ولا قوال للخنا أسدده لكل جميل وأهب له كل خلق كريم ثم أجعل السكينة لباسه والبر شعاره والتقوى ضميره والحكمة معقولة والصدق والوفاء طبيعته والعفو والمعروف خلقه والعدل سيرته والحق شريعته والهدى إمامه والإسلام ملته وأحمد اسمه. أ هـ {مدارج السالكين حـ 2 صـ 502 ـ 503}","part":7,"page":409},{"id":3024,"text":"قوله تعالى : {وَبَقِيَّةٌ مِمَّا تَرَكَ آَلُ مُوسَى وَآَلُ هَارُونَ تَحْمِلُهُ الْمَلَائِكَةُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَةً لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ}\rالمناسبة\rقال البقاعى : \rولما كان الكليم وأخوه عليهما الصلاة والسلام أعظم أنبيائه قال : {وبقية} قال الحرالي : فضلة جملة ذهب جلها {مما ترك} من الترك وهو أن لا يعرض للأمر حساً أو معنى {آل موسى وهارون} أي وهي لوحا العهد.\rقال الحرالي : وفي إشعار تثنية ذكر الآل ما يعلم باختصاص موسى عليه الصلاة والسلام بوصف دون هارون عليه السلام بما كان فيه من الشدة في أمر الله وباختصاص هارون عليه الصلاة والسلام بما كان فيه من اللين والاحتمال حيث لم يكن آل موسى وهارون ، لأن الآل حقيقة من يبدو فيه وصف من هو آله.\rوقال : الآل أصل معناه السراب الذي تبدو فيه الأشياء البعيدة كأنه مرآة تجلو الأشياء فآل الرجل من إذا حضروا فكأنه لم يغب - انتهى.","part":7,"page":410},{"id":3025,"text":"ثم صرح بما أفهمه إسناد الإتيان إليه فقال : {تحمله} من الحمل وهو ما استقل به الناقل {الملائكة} وما هذا بأغرب من قصة سفينة رضي الله تعالى عنه قال : \" خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم ومعه أصحابه رضي الله تعالى عنهم فثقل عليهم متاعهم فقال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم : ابسط كساءك ، فبسطته فجعلوا فيه متاعهم فحملوه علي فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : احمل فإنما أنت سفينة! قال : فلو حملت من يومئذ وقر بعير أو بعيرين أو ثلاثة أو أربعة أو خمسة أو ستة أو سبعة ما ثقل عليّ \" وأما مقاتلة الملائكة صلوات الله وسلامه عليهم في غزوة بدر فأمر شهير ، كان الصحابي يكون قاصداً الكافر ليقاتله فإذا رأسه قد سقط من قبل أن يصل إليه ، ولما كان هذا أمراً باهراً قال منبهاً على عظمته : {إن في ذلك} أي الأمر العظيم الشأن {لآية} أي باهرة {لكم إن كنتم مؤمنين} فإن المواعظ لا تنفع غيرهم.\rقال الحرالي : ولما ضعف قبولهم عن النظر والاستبصار صار حالهم في صورة الضعف الذي يقال فيه : إن كان كذا ، فكان في إشعاره خللهم وفتنتهم إلا قليلاً - انتهى. أ هـ {نظم الدرر حـ 1 صـ 475 ـ 476}\rفصل فى المقصود بالبقية\rقال أبو حيان : \rوالبقية ؛ قيل : رضاض الألواح التي تكسرت حين ألقاها موسى على نبينا وعليه الصلاة والسلام ، قاله عكرمة.\rوقيل : عصا موسى قاله وهب وقيل : عصا موسى وهارون وثيابهما ولوحان من التوراة المنّ ، قاله أبو صالح.\rوقيل : العلم والتوراة قاله مجاهد ، وعطاء وقيل : رضاض الألواح وطست من ذهب وعصا موسى وعمامته ، قاله مقاتل وقيل : قفيز من منّ ورضاض الألواح حكاه سفيان الثوري.\rوقيل : العصا والنعلان ، حكاه الثوري أيضاً ، وقيل : الجهاد في سبيل الله ، وبذلك أمروا ، قاله الضحاك.\rوقيل : التوراة ورضاض الألواح قاله السدّي.","part":7,"page":411},{"id":3026,"text":"وقيل : لوحان من التوراة ، وثياب موسى وهارون وعصواهما ، وكلمة الله : لا إله إلا الله الحكيم الكريم ، وسبحان الله رب السموات السبع ورب العرش العظيم ، والحمد لله رب العالمين ، وقيل : عصا موسى وأمور من التوراة ، قاله الربيع.\rويحتمل أن يكون مجموع ما ذكر في التابوت ، فأخبر كل قائل عن بعض ما فيه ، وانحصر بهذه الأقوال ما في التابوت من البقية. أ هـ {البحر المحيط حـ 2 صـ 271}\rقال الطبرى : \rوأولى الأقوال في ذلك بالصواب أن يقال : إن الله تعالى ذكره أخبر عن التابوت الذي جعله آية لصدق قول نبيه صلى الله عليه الذي قال لأمته : \"إن الله قد بعث لكم طالوت ملكا\" أن فيه سكينة منه ، وبقية مما تركه آل موسى وآل هارون. وجائز أن يكون تلك البقية : العصا ، وكسر الألواح ، والتوراة ، أو بعضها ، والنعلين ، والثياب ، والجهاد في سبيل الله وجائز أن يكون بعض ذلك ، وذلك أمر لا يدرك علمه من جهة الاستخراج ولا اللغة ، ولا يدرك علم ذلك إلا بخبر يوجب عنه العلم. ولا خبر عند أهل الإسلام في ذلك للصفة التي وصفنا. وإذ كان كذلك ، فغير جائز فيه تصويب قول وتضعيف آخر غيره ، إذ كان جائزا فيه ما قلنا من القول. أ هـ {تفسير الطبرى حـ 5 صـ 234}\rقال الفخر : \rأما قوله : {آل موسى وآل هارون} ففيه قولان الأول : قال بعض المفسرين يحتمل أن يكون المراد من آل موسى وآل هارون هو موسى وهارون أنفسهما ، والدليل عليه قوله عليه الصلاة والسلام لأبي موسى الأشعري : \" لقد أوتي هذا مزماراً من مزامير آل داود \" وأراد به داود نفسه ، لأنه لم يكن لأحد من آل داود من الصوت الحسن مثل ما كان لداود عليه السلام.\r","part":7,"page":412},{"id":3027,"text":"والقول الثاني : قال القفال رحمه الله : إنما أضيف ذلك إلى آل موسى وآل هارون ، لأن ذلك التابوت قد تداولته القرون بعدهما إلى وقت طالوت ، وما في التابوت أشياء توارثها العلماء من أتباع موسى وهارون ، فيكون الآل هم الأتباع ، قال تعالى : {ادخلوا آل فرعون أشد العذاب} [ غافر : 46 ]. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 6 صـ 151 ـ 152}\rوقال أبو حيان : \rو : {آل موسى وآل هارون} هم من الأنبياء ، إليهما من قرابة أو شريعة ، والذي يظهر أن آل موسى وآل هارون هم الأنبياء الذين كانوا بعدهما ، فإنهم كانوا يتوارثون ذلك إلى أن فقد.\rونذكر كيفية فقده إن شاء الله.\rوقال الزمخشري : ويجوز أن يراد مما تركه موسى وهارون ، والآل مقحم لتفخيم شأنهما. انتهى.\rوقال غيره : آل هنا زائدة ، والتقدير : مما ترك موسى وهارون ، ومنه اللهم صل على محمد وعلى آل محمد وعلى آل أبي أوفى ، يريد نفسه ، ولقد أوتي هذا مزماراً من مزامير آل داود ، أي : من مزامير داود ومنه قول جميل : \rبثينة من آل النساء وإنما . . .\rيكنّ لأدنى ، لا وصال لغائب\rأي : من النساء. انتهى.\r","part":7,"page":413},{"id":3028,"text":"ودعوى الإقحام والزيادة في الأسماء لا يذهب إليه نحوي محقق ، وقول الزمخشري : والآل مقحم لتفخيم شأنهما إن عنى بالإقحام ما يدل عليه أول كلامه في قوله : ويجوز أن يراد مما تركه موسى وهارون ، فلا أدري كيف يفيد زيادة آل تفخيم شأن موسى وهارون ؟ وإن عنى بالآل الشخص ، فإنه يطلق على شخص الرجل آله ، فكأنه قيل : مما ترك موسى وهارون أنفسهما ، فنسب تلك الأشياء العظيمة التي تضمنها التابوت إلى أنها من بقايا موسى وهارون شخصيهما ، أي أنفسهما لا من بقايا غيرهما ، فجرى آل هنا مجرى التوكيد الذي يراد به : أن المتروك من ذلك الخير هو منسوب لذات موسى وهارون ، فيكون في التنصيص عليهما ذاتهما تفخيم لشأنهما ، وكان ذلك مقحماً لأنه لو قيل : مما ترك موسى وهارون لاكتفى ، وكان ظاهر ذلك أنهما أنفسهما ، تركا ذلك وورث عنهما. أ هـ {البحر المحيط حـ 2 صـ 271 ـ 272}\rقوله تعالى {تحمله الملائكة}\rقال أبو حيان : \rقرأ مجاهد : يحمله ، بالياء من أسفل ، والضمير يعود على التابوت ، وهذه الجملة حال من التابوت ، أي حاملاً له الملائكة ، ويحتمل الاستئناف ، كأنه قيل : ومن يأتي به وقد فقد ؟ فقال : {تحمله الملائكة} استعظاماً لشأن هذه الآية العظيمة ، وهو أن الذي يباشر إتيانه إليكم الملائكة الذين يكونون معدين للأمور العظام ، ولهم القوّة والتمكين والاطلاع بأقدار الله لهم على ذلك ، ألا ترى إلى تلقيهم الكتب الإلهية وتنزيلهم بها على من أوحي إليهم ، وقلبهم مدائن العصاة ، وقبض الأرواح ، وإزجاء السحاب ، وحمل العرش ، وغير ذلك من الأمور الخارقة ، والمعنى : تحمله الملائكة إليكم.\rقال ابن عباس : جاءت الملائكة بالتابوت تحمله بين السماء والأرض ، وهم ينظرون إليه حتى وضعته عند طالوت.\rقال وهب : قالوا لنبيهم : انعت وقتاً تأتينا به! فقال : الصبح ، فلم يناموا ليلتهم حتى سمعوا حفيف الملائكة بين السماء والأرض.\r","part":7,"page":414},{"id":3029,"text":"وقال قتادة : كان التابوت في التيه خلفه موسى عند يوشع ، فبقي هناك ولم يعلم به بنو إسرائيل ، فحملته الملائكة حتى وضعته في دار طالوت ، فأقروا بملكه.\rقال ابن زيد : غير راضين ، وقيل : سبى التابوت أهل الأردن ، قرية من قرى بفلسطين ، وجعلوه في بيت صنم لهم تحت الصنم ، فأصبح الصنم تحت التابوت ، فسمروا قدمي الصنم على التابوت ، فأصبح وقد قطعت يداه ورجلاه ملقى تحت التابوت ، وأصنامهم منكسة ، فوضعوه في ناحية من مدينتهم فأخذ أهلها وجع في أعناقهم وهلك أكثرهم ، فدفنوه بالصحراء في متبَّرزٍ لهم ، فكان من تبرز هناك أخذه الناسور والقولنج ، فتحيروا ، وقالت امرأة من أولاد الأنبياء من بني إسرائيل : ما تزالوان ترون ما تكرهون ما دام هذا التابوت فيكم! فاخرجوه عنكم! فحملوا التابوت على عجلة ، وعلقوا بها ثورين أو بقرتين ، وضربوا جنوبهما ، فوكل الله أربعة من الملائكة يسوقونهما ، فما مرّ التابوت بشيء من الأرض إلاَّ كان مقدّساً ، إلى أرض بني إسرائيل ، وضع التابوت في أرض فيها حصاد بني إسرائيل ، ورجعا إلى أرضهما ، فلم يرع بني إسرائيل إلاَّ التابوت ، فكبروا وحمدوا الله على تمليك طالوت ، فذلك قوله : {تحمله الملائكة}.\rوقال ابن عباس : إن التابوت والعصا في بحيرة طبرية يخرجان قبل يوم القيامة ، وقيل يوم القيامة ، وقيل : عند نزول عيسى على نبينا وعليه السلام. أ هـ {البحر المحيط حـ 2 صـ 272}\rوقال ابن عاشور : \rوقوله : {تحمله الملائكة} حال من ( التابوت ) ، والحمل هنا هو الترحيل كما في قوله تعالى : {قلت لا أجد ما أحملكم عليه} [ التوبة : 92 ] لأن الراحلة تحمل راكبها ؛ ولذلك تسمى حمولة وفي حديث غزوة خيبر : \" وكانت الحمر حمولتهم \" وقال النابغة : \rيُخَال به راعي الحَمُولة طَائرا\r","part":7,"page":415},{"id":3030,"text":"فمعنى حمل الملائكة التابوت هو تسييرهم بإذن الله البقرتين السائرتين بالعجلة التي عليها التابوت إلى محلة بني إسرائيل ، من غير أن يسبق لهما إلف بالسير إلى تلك الجهة ، هذا هو الملاقى لما في كتب بني إسرائيل. أ هـ {التحرير والتنوير حـ 2 صـ 494 ـ 495}\rقال الطبرى : \rاختلف أهل التأويل في صفة حمل الملائكة ذلك التابوت.\rفقال بعضهم : معنى ذلك : تحمله بين السماء والأرض ، حتى تضعه بين أظهرهم.\rوقال آخرون : معنى ذلك : تسوق الملائكة الدواب التي تحمله. أ هـ\rثم قال رحمه الله : \rوأولى القولين في ذلك بالصواب قول من قال : \"حملت التابوت الملائكة حتى وضعته لها في دار طالوت قائما بين أظهر بني إسرائيل\".\rوذلك أن الله تعالى ذكره قال : \"تحمله الملائكة\" ، ولم يقل : تأتي به الملائكة. وما جرته البقر على عجل. وإن كانت الملائكة هي سائقتها ، فهي غير حاملته. لأن\"الحمل\" المعروف ، هو مباشرة الحامل بنفسه حمل ما حمل ، فأما ما حمله على غيره وإن كان جائزا في اللغة أن يقال\"حمله\" بمعنى معونته الحامل ، وبأن حمله كان عن سببه فليس سبيله سبيل ما باشر حمله بنفسه ، في تعارف الناس إياه بينهم. وتوجيه تأويل القرآن إلى الأشهر من اللغات ، أولى من توجيهه إلى الأنكر ، ما وُجد إلى ذلك سبيل. أ هـ {تفسير الطبرى حـ 5 صـ 235 ـ 237} باختصار يسير.\rفائدة\rقال ابن عطية ـ وقد أجاد ـ : \rوكثر الرواة في قصص التابوت وصورة حمله بما لم أر لإثباته وجهاً للين إسناده. أ هـ {المحرر الوجيز حـ 1 صـ 333}\rقوله تعالى : {إِنَّ فِي ذلك لأَيَةً لَّكُمْ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ}\rقال الفخر\rوأما قوله : {إِنَّ فِي ذلك لأَيَةً لَّكُمْ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ} فالمعنى أن هذه الآية معجزة باهرة إن كنتم ممن يؤمن بدلالة المعجزة على صدق المدعي. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 6 صـ 152}\rوقال الطبرى : ","part":7,"page":416},{"id":3031,"text":"يعني تعالى ذكره بذلك : أن نبيه أشمويل قال لبني إسرائيل : إن في مجيئكم التابوت فيه سكينة من ربكم وبقية مما ترك آل موسى وآل هارون حاملته الملائكة\"لآية لكم\" ، يعني : لعلامة لكم ودلالة ، أيها الناس ، على صدقي فيما أخبرتكم : أن الله بعث لكم طالوت ملكا ، أن كنتم قد كذبتموني فيما أخبرتكم به من تمليك الله إياه عليكم ، واتهمتموني في خبري إياكم بذلك\"إن كنتم مؤمنين\" ، يعني بذلك : إن كنتم مصدقي عند مجيء الآية التي سألتمونيها على صدقي فيما أخبرتكم به من أمر طالوت وملكه.\rوإنما قلنا ذلك معناه ، لأن القوم قد كانوا كفروا بالله في تكذيبهم نبيهم وردهم عليه قوله : \"إن الله قد بعث لكم طالوت ملكا\" ، بقولهم : \"أنى يكون له الملك علينا ونحن أحق بالملك منه\" ، وفي مسألتهم إياه الآية على صدقه. فإذ كان ذلك منهم كفرا ، \rفغير جائز أن يقال لهم وهم كفار : لكم في مجيء التابوت آية إن كنتم من أهل الإيمان بالله ورسوله : وليسوا من أهل الإيمان بالله ولا برسوله. ولكن الأمر في ذلك على ما وصفنا من معناه ، لأنهم سألوا الآية على صدق خبره إياهم ليقروا بصدقه ، فقال لهم : في مجيء التابوت- على ما وصفه لهم - آية لكم إن كنتم عند مجيئه كذلك مصدقي بما قلت لكم وأخبرتكم به. أ هـ {تفسير الطبرى حـ 5 صـ 237 ـ 238}\rوقال أبو حيان : \r{إن في ذلك لآية لكم ، إن كنتم مؤمنين} قيل : الإشارة إلى التابوت ، والأحسن أن يعود على الإتيان أي : إتيان التابوت على الوصف المذكور ليناسب أول الآية آخرها ، لأن أولها {إن آية ملكه أن يأتيكم التابوت} والمعنى لآية لكم على ملكه واختياره لكم ، وقيل : علامة لكم على نصركم على عدوّكم ، لأنهم كانوا يستنصرون بالتابوت أينما توجهوا ، فينصرون.\rو : إن ، قيل على حالها من وضعها للشرط.\rأي : ذلك آية لكم على تقدير إيمانكم لأنهم قيل : صاروا كفرة بإنكارهم على نبيهم.\r","part":7,"page":417},{"id":3032,"text":"وقيل : إن كان من شأنكم وهممكم الإيمان بما تقوم به الحجة عليكم ، وقيل : إن كنتم مصدّقين بأن الله قد جعل لكم طالوت ملكاً.\rوقيل : مصدّقين بأن وعد الله حق.\rوقيل : إن ، بمعنى : إذ ، ولم يسألوا تكذيباً لنبيهم ، وإنما سألوا تعرفاً لوجه الحكمة ، والسؤال عن الكيفية لا يكون إنكارا كلياً. (1) أ هـ {البحر المحيط حـ 2 صـ 272}\rفائدة\rقال البقاعى :\rوفي هذه القصة توطئة لغزوة بدر وتدريب لمن كتب عليهم القتال وهو كره لهم وتأديب لهم وتهذيب وإشارة عظيمة واضحة إلى خلافة الصديق رضي الله تعالى عنه بما دل عليه من أمر استخلافه في الإمامة في الصلاة التي هي خلاصة هذا الدين كما أن ما في تابوت الشهادة كان خلاصة ذلك الدين ، وتحذير لمن لعله يخالف فيها أو يقول إنه ليس من بني هاشم ولا عبد مناف الذين هم بيت الإمامة والرئاسة ونحو ذلك مما حمى الله المؤمنين منه ، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم : \" يأبى الله ذلك والمؤمنون \" وفي توجيه الخطاب إلى النبي صلى الله عليه وسلم إعلام بأن أول مقصود به الأقرب منه صلى الله عليه وسلم فالأقرب ، وفيها تشجيع للصحابة رضوان الله تعالى عليهم فيما يندبهم إليه الصديق رضي الله عنه من قتال أهل الردة وما بعده إلى غير ذلك من الإشارات التي تقصر عنها العبارات - والله سبحانه وتعالى الموفق. أ هـ {نظم الدرر حـ 1 صـ 476}\r________________\r(1) فى هذا القول توجيه وبيان لما استبعده الطبرى بقوله : فغير جائز أن يقال لهم وهم كفار : لكم في مجيء التابوت آية إن كنتم من أهل الإيمان بالله ورسوله. والله أعلم.","part":7,"page":418},{"id":3033,"text":"فصل\rقال الخازن : \rوكانوا إذا حضروا القتال قدموه {التابوت} بين أيديهم يستفتحون به على عدوهم فينصرون فلما عصوا وأفسدوا سلط الله عز وجل عليهم العمالقة فغلبوهم على التابوت وأخذه منهم وكان السبب في ذلك أنه كان لعيلى وهو الذي ربى أشمويل ابنان شابان وكان عيلى حبر بني إسرائيل وصاحب قربانهم في زمنه فأحدث ابناه في القربان شيئاً لم يكن فيه وذلك أنه كان منوط القربان الذي ينوطونه كلابين فما أخرجا كانا للكاهن الذي كانا ينوطه فجعل ابناه كلاليب. وكان النساء يصلين في بيت المقدس فيتشبثان بهن فأوحي إلى اشمويل : أن انطلق إلى عيلى وقل له منعك حب الولد من أن تزجر ابنيك عن أن يحدثا في قرباني وقدسي شيئاً وأن يعصياني فلأنزعن الكهانة منك ومن ولدك ولأهلكنك وإياهما. فأخبره أشمويل بذلك ففزع وسار إليهم عدوهم من حولهم فأمر عيلى ابنيه أن يخرجا بالناس فيقاتلا ذلك العدو فخرجا واخرجا معهما التابوت فلما تهيؤوا القتال جعل عيلى يتوقع الخبر فجاءه رجل فأخبره أن الناس قد انهزموا وقد قتل ابناه قال : فما فعل في التابوت قال أخذه العدو. وكان عيلى قاعداً على كرسيه فشهق ووقع على قفاه فمات فخرج أمر بني إسرائيل وتفرقوا إلى أن بعث الله طالوت ملكاً فسألوا أشمويل البينة على صحة ملك الطالوت فقال لهم نبيهم يعني أشمويل : إن الآية ملكه يعني علامة ملكة التي تدل على صحته أن يأتيكم التابوت وكانات قصة رجوع التابوت على ما ذكره أصحاب الأخبار أن الذين أخذوا التابوت من بني إسرائيل أتوا به قرية من قرى فلسطين يقال لها أزدود فجعلوه في بيت أصنام لهم ووضعوه تحت الصنم الأعظم فأصحبوا من الغد والصنم تحته فأخذوه ووضعوه فوقه وسمروا قدمي الصنم على التابوت فأصحبوا وقد قطعت يد الصنم ورجلاه وأصبح الصنم ملقى تحت التابوت وأصبحت أصنامهم منكسة فأخرجوا التابوت من بيت الأصنام ووضعوه في ناحية من مدينتهم فأخذ أهل تلك الناحية وجع في أعناقهم حتى هلك أكثرهم. فقال بعضهم لبعض أليس قد علمتم","part":7,"page":419},{"id":3034,"text":"أن إله بني إسرائيل لا يقوم له شيء فأخرجوه إلى قرية أخرى فبعث الله على أهل تلك الناحية فأرة فكانت الفأرة تبيت مع الرجل فيصبح ميتاً قد أكلت ما في جوفه.\rفأخرجوه إلى الصحراء ودفنوه في مخرأة لهم فكان كل من تبرز هناك أخذه الباسور والقولنج فتحيروا فيه فقالت لهم امرأة من بني إسرائيل كانت عندهم وهي من بنات الأنبياء : لا تزالون ترون ما تكرهون ما دام هذا التابوت فيكم فأخرجوه عنكم. فأتوا بعجلة بإشارة تلك المرأة وحملوا عليها التابوت عن علقوها في ثورين وضربوا جنوبهما فأقبل الثوران يسيران ووكل الله بالثورين أربعة أملاك يسوقونهما فأقبلا حتى وقفا على أرض بني إسرائيل فكسرا نيريهما وقطعا حبالهما ووضعا التابوت في أرض فيها حصاد لبني إسرائيل ورجعا إلى أرضهما ما لم يرع بني إسرائيل إلا والتابوت عندهم فكبروا وحمدوا الله تعالى. (1) أ هـ {تفسير الخازن حـ 1 صـ 172 ـ 173}\rوقال ابن عاشور :\rأراد نبيئهم أن يتحداهم بمعجزة تدل على أن الله تعالى اختار لهم شاوول ملكاً ، فجعل لهم آية تدل على ذلك وهي أن يأتيهم التابوت ، أي تابوت العهد ، بعد أن كان في يد الفلسطينيين كما تقدم ، وهذا إشارة إلى قصة تيسير الله تعالى إرجاع التابوت إلى بني إسرائيل بدون قتال ، وذلك أن الفلسطينيين أرجعوا التابوت إلى بني إسرائيل في قصة ذكرت في سفر صمويل ، حاصلها أن التابوت بقي سبعة أشهر في بلاد فلسطين موضوعاً في بيت صنمهم داجون ورأى الفلسطينيون آيات من سقوط صنمهم على وجهه ، وانكسار يديه ورأسه ، وإصابتهم بالبواسير في أشدود وتخومها ، وسلطت عليهم الجرذان تفسد الزروع ، فلما رأوا ذلك استشاروا الكهنة ، فأشاروا عليهم بإلهام من الله بإرجاعه إلى إسرائيل لأن إله إسرائيل قد غضب لتابوته وأن يرجعوه مصحوباً بهدية : صورة خمس بواسير من ذهب ، وصورة خمس فيران من ذهب ، على عدد مدن الفلسطينيين العظيمة : أشدود ، وغزة ، واشقلون ، وجت ، وعفرون.\r__________\r(1) كما تقدم فلا ينبغى التعويل على مثل هذه الكلام. والله أعلم.","part":7,"page":420},{"id":3035,"text":"ويوضع التابوت على عجلة جديدة تجرها بقرتان ومعه صندوق به التماثيل الذهبية ، ويطلقون البقرتين تذهبان بإلهام إلى أرض إسرائيل ، ففعلوا واهتدت البقرتان إلى أن بلغ التابوت والصندوق إلى يد اللاويين في تخم بيت شمس ، هكذا وقع في سفر صمويل غير أن ظاهر سياقه أن رجوع التابوت إليهم كان قبل تمليك شاوول ، وصريح القرآن يخالف ذلك ، ويمكن تأويل كلام السفر بما يوافق هذا بأن تحمل الحوادث على غير ترتيبها في الذكر ، وهو كثير في كتابهم.\rوالذي يظهر لي أن الفلسطينيين لما علموا اتحاد الإسرائيليين تحت ملك علموا أنهم ما أجمعوا أمرهم إلاّ لقصد أخذ الثأر من أعدائهم وتخليص تابوت العهد من أيديهم ، فدبروا أن يظهروا إرجاع التابوت بسبب آيات شاهدوها ، ظناً منهم أن حدة بني إسرائيل تفل إذا أرجع إليهم التابوت بالكيفية المذكورة آنفاً ، ولا يمكن أن يكون هذا الرعب حصل لهم قبل تمليك شاول ، وابتداء ظهور الانتصار به. أ هـ {التحرير والتنوير حـ 2 صـ 492 ـ 493}\rمن لطائف الإمام القشيرى فى الآية\rإن الله سبحانه إذا أظهر نوراً أمدَّه بتأييد من قِبَلهِ ، فلما ملك طالوت عليهم أزال الإشكال عن صفته بما أظهر من آياته الدالة على صدق قول نبيِّهم في اختياره ، فردَّ عليهم التابوت الذي فيه السكينة ، فاتضحت لهم آية ملكه ، وأن نبيهم عليه السلام صَدَقَهم فيما أخبرهم.\rويقال إن الله تعالى جعل سكينة بني إسرائيل في التابوت الذي رَضوا عن الألواح ، وعصا موسى عليه السلام ، وآثار صاحب نبوتهم. وجعل سكينة هذه الأمة في قلوبهم ، فقال : \" هو الذي أنزل السكينة في قلوب المؤمنين \" ثم إن التابوت كان تتداوله أيدي الأعداء وغيرهم ؛ فَمرَّةً كان يُدْفَن ومرة كان يُغلب عليه فيُحمَل ، ومرة يُرَد ومرة ومرة... وأما قلوب المؤمنين فَحَالَ بين أربابها وبينها ، ولم يستودعها ملكاً ولا نبياً ، ولا سماء ولا هواء ، ولا مكاناً ولا سخصاً ، وقال صلى الله عليه وسلم : \r","part":7,"page":421},{"id":3036,"text":"\" قلب المؤمن بين إصبعين من أصابع الرحمن \" يعني في قبضة الحق سبحانه ، وتحت تغليبه وتصريفه ، والمراد منه \" القدرة \" ، وشتَّان بين أمة سكينتهم فيما للأعداء عليه تَسَلُّط وأمةٍ سكينتهم فيما ليس لمخلوق عليه لسلطان. أ هـ {لطائف الإشارات حـ 1 صـ 192 ـ 193}\rمن فوائد ابن عرفة فى الآية\rقوله تعالى : {وَقَالَ لَهُمْ نِبِيُّهُمْ إِنَّ آيَةَ مُلْكِهِ أَن يَأْتِيَكُمُ التابوت...}.\rقال ابن عرفة : هذا دليل على صحة ما يقول ابن التلمساني من أنّ لفظ الآية ليس خاصا بالمعجزة لأن المراد ( بها ) هنا الدليل والعلامة بلا خلاف ، وهذا اللفظ من حيث هو قابل لأن يراد به آية ثبوت ملكه ملكه أو آية بطلان ملكه ، والمراد هنا الأول ، فإما أن يكون على حذف مضاف أو ( يقول ) : \" القرينة معينة فلا يحتاج إلى إضماره \".\rقال ابن عرفة : والتأكيد بـ ( إنّ ) إنّما هو لمن ينكر ذلك وهم لا ينكرون هذا عند ظهور هذه العلامة.\rقال ابن عرفة : كان بعض الشيوخ يجيب بأن الإنكار تارة يتسلط على نسبة الخبر ( للمخبر ) عنه ، وتارة يتسلط على الذات المخبر عنها وإن كانت النسبة متفقا عليها كقول الولد لأبيه الذي لا شك في صدقه : جميع ما نربح في هذه السلعة فهو لك وتكون السلعة بخيسة فالأب مستعد للرّبح من أصله وإن كان موافقا على النسبة. فالإنكار بمعنى استبعادهم وقوع ذلك ، لأنه إن وقع لا يكون دليلا على صحة ملكه ؟ \rوأجيب أيضا بأنّه روعي في ذلك مخالفتهم له أخيرا لأن بعضهم تعنتوا عليه.\rوذكر ابن عطية هنا أقوالا منها : أن التابوت من خشب ( الشمشار ) طوله ثلاثة أذرع وفيه عصى موسى.\rقيل لابن عرفة : ( كيف ) تَسَعُ فيه وهي طويلة ؟ \rفقال : لعل ذراعهم كان أكبر من ذراعنا أو تكون العصا مفصلة أو مكسورة.\rوحكي في السكينة عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه أنها ريح ( هفافة ) لها وجه كوجه الإنسان وعنه أيضا أنها ريح ( خجوج ) لها رأسان.\rوقال الزمخشري هي صرصرة فيها ريح.","part":7,"page":422},{"id":3037,"text":"قال ابن عرفة : ولا يبعد ما حكى ابن عطية على مذهبنا لأن الوجود مصحح للرؤية فيمكن أن ترى الريح. وقوله : ريح ( خجوج ) أي لينة.\rقال ابن عطية : وقال أبو صالح : ( البقية ) عصى موسى وعصى هارون ولوحان من التّوراة والمنّ المنزل على بني إسرائيل.\rواستشكله ابن عرفة لأنهم ذكروا أنّ المراد المنّ إذا بقي يفسد.\rقلت : يجاب بأنّ هذه آية وخرق عادة.\rابن عرفة : لما ذكر الخلاف كله قال : وهذه أخبار متعارضة ويمكن الجمع بينهما فإنّ السّكينة ( تتطور ) فتارة تكون كالطست وتارة كالهرّ وتارة كغيره (1) ، والله أعلم!\rقوله تعالى : {إِنَّ فِي ذَلِكَ لأَيَةً لَّكُمْ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ}.\rقال ابن عرفة : إنّما أكّده بـ ( إِنّ ) ( لأن ) الخطاب بهذا قبل وقوعه وقد كانوا منكرين له حينئذ أو بعد وقوعه ويكون تأكيدا لكونه آية.\rوقوله {إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ} إما حقيقة أو تهييجا على الاتصاف بالإيمان. أ هـ {تفسير ابن عرفة صـ 321}\r_______________\r(1) تقدمت الإشارة إلى ضعف مثل هذه الأقوال.\rوالراجح والله أعلم أنها من أساطير بنى إسرائيل التى شوهوا بها التوراة. قبحهم الله ولعنهم.","part":7,"page":423},{"id":3038,"text":"فائدة مهمة\rقال الدكتور محمد أبو شهبة ـ رحمه الله ـ فى كتابه القيم الإسرائيليات والموضوعات فى كتب التفسير : \rمعلقا على ما ذكر فى التابوت : \rوهذا الكلام وإن كان محتملا للصدق والكذب ، لكننا فى غنية ولا يتوقف تفسير الآية عليه.\rوعلق على ما ذكر فى المراد بالسكينة بقوله : \rوالحق أنه ليس فى القرآن ما يدل على شىء من ذلك ، ولا فيما صح عن النبى ـ صلى الله عليه وسلم ـ وإنما هى من أخبار بنى إسرائيل التى نقلها إلينا مسلمة أهل الكتاب ، وحملها عنهم بعض الصحابة والتابعين ومرجعها إلى وهب بن منبه ، وكعب الأحبار وأمثالهما.\rوعلق على ما ذكر فى كيفية مجىء التابوت فقال : \rوكذلك ذكروا فى مجىء التابوت أقوالا متضاربة ، يرد بعضها بعضا ، مما يدل على أن مرجعه إلى أخبار بنى إسرائيل ، وابتداعهم ، وأنه ليس فيه نقل يعتد به.\rثم قال رحمه الله : \rوالذى نقطع به ، ويجب الإيمان به : أنه كان فى بنى إسرائيل تابوت ـ أى صندوق ـ ، من غير بحث فى حقيقته ، وهيئته ، ومن أين جاء ، إذ ليس فى ذلك خبر صحيح عن المعصوم ـ صلى الله عليه وسلم ـ ، وأن هذا التابوت كان فيه مخلفات موسى وهارون ـ عليهما السلام ـ . أ هـ {الإسرائيليات والموضوعات فى كتب التفسير صـ 172 ـ 173} باختصار يسير.\rتم الجزء السابع من كتاب {جامع لطائف التفسير} ولله الحمد والمنة\rويليه إن شاء الله تعالى الجزء الثامن وأوله قوله تعالى : \r{فَلَمَّا فَصَلَ طَالُوتُ بِالْجُنُودِ قَالَ إِنَّ اللَّهَ مُبْتَلِيكُمْ بِنَهَرٍ فَمَنْ شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي وَمَنْ لَمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي إِلَّا مَنِ اغْتَرَفَ غُرْفَةً بِيَدِهِ فَشَرِبُوا مِنْهُ إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ فَلَمَّا جَاوَزَهُ هُوَ وَالَّذِينَ آَمَنُوا مَعَهُ قَالُوا لَا طَاقَةَ لَنَا الْيَوْمَ بِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ قَالَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلَاقُو اللَّهِ كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ (249)}","part":7,"page":424},{"id":3039,"text":"بسم الله الرحمن الرحيم\rاسم الكتاب / جامع لطائف التفسير\rالعاجز الفقير\rعبد الرحمن بن محمد القماش\rإمام وخطيب بدولة الإمارات العربية\rعفا الله عنه وغفر له\rالجزء الثامن\rحقوق النسخ والطبع والنشر مسموح بها لكل مسلم\r{ يا قوم لا أسألكم عليه أجرا }","part":8,"page":3},{"id":3040,"text":"الجزء الثامن\rمن الآية {249} من سورة البقرة\rوحتى الآية {262} من نفس السورة","part":8,"page":4},{"id":3041,"text":"قوله تعالى : {فَلَمَّا فَصَلَ طَالُوتُ بِالْجُنُودِ قَالَ إِنَّ اللَّهَ مُبْتَلِيكُمْ بِنَهَرٍ فَمَنْ شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي وَمَنْ لَمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي إِلَّا مَنِ اغْتَرَفَ غُرْفَةً بِيَدِهِ فَشَرِبُوا مِنْهُ إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ فَلَمَّا جَاوَزَهُ هُوَ وَالَّذِينَ آَمَنُوا مَعَهُ قَالُوا لَا طَاقَةَ لَنَا الْيَوْمَ بِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ قَالَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلَاقُوش اللَّهِ كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ (249)}\rمناسبة الآية لما قبلها\rقال البقاعى :\rولما كان التقدير : فأتاهم التابوت على الصفة المذكورة فأطاعوا نبيهم فيه فملكوه وانتدبوا معه فخرج بهم إلى العدو وفصل بالجنود من محل السكن ، عطف عليه قوله : {فلما فصل} من الفصل وهو انقطاع بعض من كل ، وأصله : فصل نفسه أو جنده - أو نحو ذلك ، ولكنه كثر حذف المفعول للعلم به فصار يستعمل استعمال اللازم {طالوت} أي الذي ملكوه {بالجنود} أي التي اختارها وخرجوا للقاء من سألوا لقاءه لكفره بالله مع ما قد أحرقهم به من أنواع القهر.\rقال الحرالي : وهو جمع جند وهم أتباع يكونون نجدة للمستتبع {قال} أي ملكهم {إن الله} أي الذي لا أعظم منه وأنتم خارجون في مرضاته {مبتليكم بنهر} من الماء الذي جعله سبحانه وتعالى حياة لكل شيء ، فضربه مثلاً للدنيا التي من ركن إليها ذل ومن صدف عنها عز.\rقال الحرالي : فأظهر الله على لسانه ما أنبأ به نبيّهم في قوله {وزاده بسطة في العلم} [ البقرة : 247 ] - انتهى.","part":8,"page":5},{"id":3042,"text":"{فمن شرب منه} أي ملأ بطنه {فليس مني} أي كمن انغمس في الدنيا فلا يخفف عنهم العذاب ولا هم ينصرون {ومن لم يطعمه فإنه مني} كمن عزف عنها بكليته ثم تلا هذه الدرجة العلية التي قد قدمت للعناية بها بما يليها من الاقتصاد فقال مستثنياً من {فمن شرب} : {إلا من اغترف} أي تكلف الغرف {غرفة بيده} ففي قراءة فتح الغين إعراب عن معنى إفرادها أخذة ما أخذت من قليل أو كثير ، وفي الضم إعلام بملئها ، والغرف بالفتح الأخذ بكلية اليد ، والغرفة الفعلة الواحدة منه ، وبالضم اسم ما حوته الغرفة ، فكان في المغترفين من استوفى الغرفة ومنهم من لم يستوف - قاله الحرالي وقال : فكان فيه إيذان بتصنيفهم ثلاثة أصناف : من لم يطعمه ألبتة وأولئك الذين ثبتوا وظنوا أنهم ملاقو الله ، ومن شرب منهم وأولئك الذين افتتنوا وانقطعوا عن الجهاد في سبيل الله ومن اغترف غرفة وهم الذين ثبتوا وتزلزلوا حتى ثبتهم الذين لم يطعموا.\rولما كان قصص بني إسرائيل مثالاً لهذه الأمة كان مبتلى هذه الأمة بالنهر ابتلاهم بنهر الدنيا الجاري خلالها ، فكانت جيوشهم بحكم هذا الإيحاء الاعتباري إذا مروا بنهر أموال الناس وبلادهم وزروعهم وأقطارهم في سبيلهم إلى غزوهم ، فمن أصاب من أموال الناس ما لم ينله الإذن من الله انقطع عن ذلك الجيش ولو حضره.\rفما كان في بني إسرائيل عياناً يكون وقوعه في هذه الأمة استبصاراً سترة لها وفضيحة لأولئك ، ومن لم يصب منها شيئاً بتاً كان أهل ثبت ذلك الجيش الثابت المثبت ، قيل لعلي رضي الله تعالى عنه : يا أمير المؤمنين! ما بال فرسك لم يكب بك قط ؟ قال : ما وطئت به زرع مسلم قط.\rومن أصاب ما له فيه ضرورة من منزل ينزله أو غلبة عادة تقع منه ويوده أن لا يقع فهؤلاء يقبلون التثبيت من الذين تورعوا كل الورع ، فملاك هذا الدين الزهد في القلب والورع في التناول باليد ، قال صلى الله عليه وسلم :","part":8,"page":6},{"id":3043,"text":"\" إنما تنصرون بضعفائكم \" وفي إلاحة هذا التمثيل والاعتبار أن أعظم الجيوش جيش يكون فيه من أهل الورع بعدد الثابتين من أصحاب طالوت الذين بعددهم كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم بدر وهم ثلاثمائة وثلاثة عشر عدد المرسلين من كثرة عدد النبيين ، قال : وفي إفراد اليد إيذان بأنها غرفة اليد اليمنى لأنها اليد الخاصة للتعريف ، ففي اعتباره أن الأخذ من الدنيا إنما يكون بيد لا بيدين لاشتمال اليدين على جانبي الخير والشر - انتهى.\rفعرض لهم النهر كما أخبرهم به {فشربوا منه} مجاوزين حد الاقتصاد {إلاّ قليلاً منهم} فأطاعوا فأرواهم الله وقوى قلوبهم ، ومن عصى في شربه غلبه العطش وضعف عن اللقاء فبقي على شاطىء النهر.\rقال الحرالي : وفيما يذكر أنه قرىء بالرفع وهو إخراج لهم من الشاربين بالاتباع كأن الكلام مبني عليه حيث صار تابعاً وإعرابه مما أهمله النحاة فلم يحكموه وحكمه أن ما بني على إخراج اتبع وما لم يبن على إخراجه وكأنه إنما انثنى إليه بعد مضار الكلام الأول قطع ونصب - انتهى.\rوكان المعنى في النصب أنه لما استقر الفعل للكل رجع الاستثناء إلى البعض ، وفي الاتباع نوى الاستثناء من الأول فصار كالمفرغ وهذه القراءة عزاها الأهوازي في كتاب الشواذ إلى الأعمش وعزاها السمين في إعرابه إلى عبد الله وأُبيّ رضي الله تعالى عنهما ، وعقد سيبويه رحمه الله تعالى في نحو نصف كتابه لاتباع مثل هذا باباً ترجمه بقوله : باب ما يكون فيه إلاّ وما بعده وصفاً بمنزلة غير ومثل ، ودل عليه بأبيات كثيرة منها :\rوكل أخ مفارقه أخوه . . .\rلعمر أبيك إلا الفرقدان","part":8,"page":7},{"id":3044,"text":"قال كأنه قال : وكل أخ غر الفرقدين ، وسوى بين هذا وبين آية {لا يستوي القاعدون من المؤمنين غير أولي الضرر} [ النساء : 95 ] بالرفع {وغير المغضوب عليهم} [ الفاتحة : 7 ] ، وجوز في ما قام القوم إلا زبد ، - بالرفع البدل والصفة ، قال الرضي تمسكاً بقوله : وكل أخ - البيت ، وقوله صلى الله عليه وسلم : \" الناس كلهم هلكى إلا العالمون ، والعالمون كلهم هلكى إلا العاملون والعاملون كلهم هلكى إلا المخلصون ، والمخلصون على خطر عظيم \" وقال السمين : والفرق بين الوصف بإلا والوصف بغيرها أن لا يوصف بها المعارف والنكرات والظاهر والمضمر ، وقال بعضهم : لا يوصف بها إلا النكرة والمعرفة بلام الجنس فإنه في قوة النكرة. أ هـ {نظم الدرر حـ 1 صـ 476 ـ 478}\rقال الفخر :\rاعلم أن وجه اتصال هذه الآية بما قبلها يظهر بتقدير محذوف يدل عليه باقي الكلام ، والتقدير أنه لما أتاهم بآية التابوت أذعنوا له ، وأجابوا إلى المسير تحت رايته.\rفلما فصل بهم أي فارق بهم حد بلده وانقطع عنه ، ومعنى الفصل القطع ، يقال : قول فصل ، إذا كان يقطع بين الحق والباطل وفصلت اللحم عن العظم فصلاً وفاصل الرجل شريكه وامرأته فصالاً ، ويقال للفطام فصال ، لأنه يقطع عن الرضاع ، وفصل عن المكان قطعه بالمجاوزة عنه ، ومنه قوله : {وَلَمَّا فَصَلَتِ العير} [ يوسف : 94 ]\rقال صاحب \"الكشاف\" قوله : فصل عن موضع كذا أصله فصل نفسه ، ثم لأجل الكثرة في الاستعمال حذفوا المفعول حتى صار في حكم غير المتعدي كما يقال انفصل والجنود جمع جند وكل صنف من الخلق جند على حدة ، يقال للجراد الكثيرة إنها جنود الله ، ومنه قوله عليه الصلاة والسلام : \" الأرواح جنود مجندة \". أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 6 صـ 152}\rفائدة\rقال ابن الجوزى :\rوفي عدد من خرج معه ثلاثة أقوال.\rأحدها : سبعون ألفاً ، قاله ابن عباس.\rوالثاني : ثمانون ألفاً ، قاله عكرمة والسدي.","part":8,"page":8},{"id":3045,"text":"والثالث : مائة ألف ، قاله مقاتل. (1) أ هـ {زاد المسير حـ 1 صـ 297}\rفصل\rقال الفخر :\rروي أن طالوت قال لقومه : لا ينبغي أن يخرج معي رجل يبني بناءً لم يفرغ منه ولا تاجر مشتغل بالتجارة ، ولا متزوج بامرأة لم يبن عليها ولا أبغي إلا الشاب النشيط الفارغ فاجتمع إليه ممن اختار ثمانون ألفاً. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 6 صـ 152}\r{قَالَ إِنَّ الله مُبْتَلِيكُم بِنَهَرٍ}\rقال الفخر :\rاختلفوا في أن هذا القائل من كان\rفقال الأكثرون : إنه هو طالوت وهذا هو الأظهر لأن قوله لا بد وأن يكون مسنداً إلى مذكور سابق ، والمذكور السابق هو طالوت ، ثم على هذا يحتمل أن يكون القول من طالوت لكنه تحمله من نبي الوقت ، وعلى هذا التقدير لا يلزم أن يكون طالوت نبياً ويحتمل أن يكون من قبل نفسه فلا بد من وحي أتاه عن ربه ، وذلك يقتضي أنه مع الملك كان نبياً.\rوالقول الثاني : أن قائل هذا القول هو النبي المذكور في أول الآية ، والتقدير : فلما فصل طالوت بالجنود قال لهم نبيهم : {إِنَّ الله مُبْتَلِيكُم بِنَهَرٍ} ونبي ذلك الوقت هو اشمويل عليه السلام. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 6 صـ 152}\rوقال ابن عاشور :\r____________\r(1) الأولى تفويض علم ذلك إلى الله تعالى.","part":8,"page":9},{"id":3046,"text":"وضمير { قال } راجع إلى ( طالوت ) ، ولا يصح رجوعه إلى نبيئهم لأنه لم يخرج معهم ، وإنما أخبر طالوت عن الله تعالى بأنه مبتليهم ، مع أنه لم يكن نبيئاً ، يوحى إليه : إما إستناداً لإخبار تلقاه من صمويل ، وإما لأنه اجتهد أن يختبرهم بالشرب من النهر لمصلحة رآها في ذلك ، فأخبر عن اجتهاده ، إذ هو حكم الله في شرعهم فأسنده إلى الله ، وهذا من معنى قول علماء أصول الفقه إن المجتهد يصح له أن يقول فيما ظهر له باجتهاده إنه دين الله أو لأنه في شرعهم أن الله أوجب على الجيش طاعة أميرهم فيما يأمرهم به ، وطاعة الملك فيما يراه من مصالحهم ، وكان طالوت قد رأى أن يختبر طاعتهم ومقدار صبرهم بهذه البلوى فجعل البلوى من الله ؛ إذ قد أمرهم بطاعته بها. أ هـ {التحرير والتنوير حـ 2 صـ 496}\rفصل في حكمة هذا الابتلاء\rقال الفخر :\rفي حكمة هذا الابتلاء وجهان الأول : قال القاضي : كان مشهوراً من بني إسرائيل أنهم يخالفون الأنبياء والملوك مع ظهور الآيات الباهرة فأراد الله تعالى إظهار علامة قبل لقاء العدو يتميز بها من يصبر على الحرب ممن لا يصبر لأن الرجوع قبل لقاء العدو لا يؤثر كتأثيره حال لقاء العدو ، فلما كان هذا هو الصلاح قبل مقاتلة العدو لا جرم قال : {فَإِنَّ الله مُبْتَلِيكُم بِنَهَرٍ}\rالثاني : أنه تعالى ابتلاهم ليتعودوا الصبر على الشدائد. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 6 صـ 152}\rقال القرطبى :\rومعنى هذا الابتلاء أنه اختبار لهم ، فمن ظهرت طاعته في ترك الماء عُلِم أنه مطيع فيما عدا ذلك ، ومن غلبته شهوته ( في الماء ) وعصى الأمر فهو في العصيان في الشدائد أحرى ، فرُوي أنهم أتوا النهر وقد نالهم عطش وهو في غاية العذوبة والحسن ، فلذلك رُخِّص للمطيعين في الغَرْفة ليرتفع عنهم أذى العطش بعض الارتفاع وليَكْسِروا نزاع النفس في هذه الحال.","part":8,"page":10},{"id":3047,"text":"وبين أن الغَرْفة كافَّةٌ ضررَ العطش عند الحَزَمة الصابرين على شَظَف العيْش الذين هَمُّهم في غير الرفاهية ، كما قال عروة :\rوأحْسُوا قَرَاح الماءِ والماءُ باردُ . . .\rقلت : ومن هذا المعنى قوله عليه السلام : \" حسْب المرء لُقيْمات يُقِمن صلبه \" وقال بعض من يتعاطى غوامض المعاني : هذه الآية مثلٌ ضربه الله للدنيا فشبهها الله بالنهر والشارب منه والمائل إليها والمستكثر منها ، والتارك لشربه بالمنحرف عنها والزاهِد فيها ، والمغترف بيده غرفة بالآخذ منها قدر الحاجة ، وأحوال الثلاثة عند الله مختلفة. (1)\rقلت : ما أحسن هذا لولا ما فيه من التحريف في التأويل والخروج عن الظاهر ، لكن معناه صحيح من غير هذا. أ هـ {تفسير القرطبى حـ 3 صـ 251}\rوقال ابن عاشور :\rتسمية هذا التكليف ابتلاء تقريب للمعنى إلى عقولهم لأن المقصود إظهار الاعتناء بهذا الحكم ، وأن فيه مرضاة الله تعالى على الممتثل ، وغضبه على العاصي ، وأمثال هذه التقريبات في مخاطبات العموم شائعة ، وأكثر كلام كتب بني إسرائيل من هذا القبيل.\rوالظاهر أن الملك لما علم أنه سائر بهم إلى عدو كثير العدد ، وقوي العهد أراد أن يختبر قوة يقينهم في نصرة الدين ، ومخاطرتهم بأنفسهم وتحملهم المتاعب وعزيمة معاكستهم نفوسهم فقال لهم إنكم ستمرون على نهر ، وهو نهر الأردن ، فلا تشربوا منه فمن شرب منه فليس مني ، ورخص لهم في غرفة يغترفها الواحد بيده يبل بها ريقه ، وهذا غاية ما يختبر به طاعة الجيش ، فإن السير في الحرب يعطش الجيش ، فإذا وردوا الماء توافرت دواعيهم إلى الشرب منه عطشاً وشهوة ، ويحتمل أنه أراد إبقاء نشاطهم : لأن المحارب إذا شرب ماء كثيراً بعد التعب ، انحلت عراه ومال إلى الراحة ، وأثقله الماء.\rوالعرب تعرف ذلك قال طفيل يذكر خيلهم :\rفلما شَارَفَتْ أَعلام طي...\rوطيٌّ في المَغَار وفي الشعاب\r_____________\r(1) ذكر هذا الكلام الماوردى فى النكت والعيون حـ 1 صـ 318}","part":8,"page":11},{"id":3048,"text":"سَقَيْنَاهُنَّ من سهل الأداوى...\rفمصطبح على عَجَل وآبي\rيريد أن الذي مارس الحرب مراراً لم يشرب ؛ لأنه لا يسأم من الركض والجهد ، فإذا كان حاجزاً كان أخفَّ له وأسرعَ ، والغر منهم يشرب لجهله لما يراد منه ، ولأجل هذا رخص لهم في اغتراف غرفة واحدة. أ هـ {التحرير والتنوير حـ 2 صـ 496 ـ 497}\rفائدة\rقال الفخر :\rفي النهر أقوال أحدها : وهو قول قتادة والربيع ، أنه نهر بين الأردن وفلسطين والثاني : وهو قول ابن عباس والسدي : أنه نهر فلسطين ، قال القاضي : والتوفيق بين القولين أن النهر الممتد من بلد قد يضاف إلى أحد البلدين.\rالقول الثالث : وهو الذي رواه صاحب \"الكشاف\" : أن الوقت كان قيظاً فسلكوا مفازة فسألوا الله أن يجري لهم نهراً فقال : إن الله مبتليكم بما اقترحتموه من النهر. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 6 صـ 152 ـ 153}\rفائدة\rقال الفخر :\rقوله : {مُبْتَلِيكُم بِنَهَرٍ} أي ممتحنكم امتحان العبد كما قال : {إِنَّا خَلَقْنَا الإنسان مِن نُّطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَّبْتَلِيهِ} [ الإنسان : 2 ] ولما كان الابتلاء بين الناس إنما يكون لظهور الشيء ، وثبت أن الله تعالى لا يثبت ، ولا يعاقب على علمه ، إنما يفعل ذلك بظهور الأفعال بين الناس ، وذلك لا يحصل إلا بالتكليف لا جرم سمي التكليف ابتلاء ، وفيه لغتان بلا يبلو ، وابتلى يبتلي ، قال الشاعر :\rولقد بلوتك وابتليت خليفتي.. ولقد كفاك مودتي بتأدب\rفجاء باللغتين. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 6 صـ 153}\rفائدة\rقال القرطبى :\rاستدل من قال إن طالوت كان نبياً بقوله : \"إنَّ اللَّهَ مُبْتَلِيكُمْ\" وأن الله أوحى إليه بذلك وألهمه ، وجعل الإلهام ابتلاء من الله لهم.\rومن قال لم يكن نبياً قال : أخبره نبيهم شمويل بالوحي حين أخبر طالوتُ قومه بهذا ، وإنما وقع هذا الابتلاء ليتميّز الصادق من الكاذب. أ هـ {تفسير القرطبى حـ 3 صـ 251}","part":8,"page":12},{"id":3049,"text":"قوله تعالى {فَمَن شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنّي وَمَن لَّمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنّى}\rقال الفخر :\rقوله : {فَلَيْسَ مِنّي} كالزجر ، يعني ليس من أهل ديني وطاعتي ، ونظيره قوله تعالى : {والمؤمنون والمؤمنات بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بالمعروف وَيَنْهَوْنَ عَنِ المنكر} ثم قال قبل هذا : {المنافقون والمنافقات بَعْضُهُمْ مّن بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بالمنكر وَيَنْهَوْنَ عَنِ المعروف} وأيضاً نظيره قوله صلى الله عليه وسلم : \" ليس منا من لم يرحم صغيرنا ولم يوقر كبيرنا \" أي ليس على ديننا ومذهبنا والله أعلم. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 6 صـ 153}\rوقال أبو حيان :\r{ فمن شرب منه فليس مني } أي : ليس من أتباعي في هذه الحرب ، ولا أشياعي ، ولم يخرجهم بذلك عن الإيمان نحو : \"من غشنا فليس منا\" ، \"ليس منا من شق الجيوب ولطم الخدود\" ، أو : ليس بمتصل بي ومتحد معي ، من قولهم : فلان مني كأنه بعضه ، لاختلاطهما واتحادهما قال النابغة :\rإذا حاولت في أسد فجوراً . . .\rفإني لست منك ولست مني. أ هـ {البحر المحيط حـ 2 صـ 273}\rوقال ابن عاشور :\rومعنى قول طالوت \"ليس مني\" يحتمل أنه أراد الغضب عليه والبعد المعنوي ، ويحتمل أنه أراد أنه يفصله عن الجيش ، فلا يكمل الجهاد معه ، والظاهر الأول لقوله { ومن لم يطعَمْه فإنه مني } لأنه أراد به إظهار مكانة من ترك الشرب من النهر وولائه وقربه ، ولو لم يكن هذا مراده لكان في قوله : { فمن شرب منه فليس مني } غنية عن قوله : ومن لم يطعمه فإنه مني ؛ لأنه إذا كان الشارب مبعداً من الجيش فقد علم أن من لم يشرب هو باقي الجيش. أ هـ {التحرير والتنوير حـ 2 صـ 497}\rفائدة جليلة\rقال الفخر :","part":8,"page":13},{"id":3050,"text":"قال أهل اللغة {لَّمْ يَطْعَمْهُ} أي لم يذقه ، وهو من الطعم ، وهو يقع على الطعام والشراب هذا ما قاله أهل اللغة ، وعندي إنما اختير هذا اللفظ لوجهين من الفائدة أحدهما : أن الإنسان إذا عطش جداً ، ثم شرب الماء وأراد وصف ذلك الماء بالطيب واللذة قال : إن هذا الماء كأنه الجلاب ، وكأنه عسل فيصفه بالطعوم اللذيذة ، فقوله : {وَمَن لَّمْ يَطْعَمْهُ} معناه أنه وإن بلغ به العطش إلى حيث يكون ذلك الماء في فمه كالموصوف بهذه الطعوم الطيبة فإنه يجب عليه الاحتراز عنه ، وأن لا يشربه والثاني : أن من جعل الماء في فمه وتمضمض به ثم أخرجه من الفم ، فإنه يصدق عليه أنه ذاقه وطعمه ، ولا يصدق عليه أنه شربه ، فلو قال : ومن لم يشربه فإنه مني كان المنع مقصوراً على الشرب ، أما لما قال : {وَمَن لَّمْ يَطْعَمْهُ} كان المنع حاصلاً في الشرب وفي المضمضة ، ومعلوم أن هذا التكليف أشق ، وأن الممنوع من شرب الماء إذا تمضمض به وجد نوع خفة وراحة. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 6 صـ 153}\rوقال القرطبى :\rقوله تعالى : { وَمَن لَّمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مني } يقال : طعِمت الشيء أي ذقته.\rوأطعمته الماء أي أذقته ، ولم يقل ومن لم يشربه لأن من عادة العرب إذا كرروا شيئاً أن يكرروه بلفظ آخر ، ولغة القرآن أفصح اللغات ، فلا عِبرة بقدح من يقول : لا يقال طعمت الماء. أ هـ {تفسير القرطبى حـ 3 صـ 252}\rوقال أبو حيان :\r{ ومن لم يطعمه فإنه مني } أي : من لم يذقه ، وطعم كل شيء ذوقه ، ومنه التطعم ، يقال : تطعمت منه أي : ذقته ، وتقول العرب لمن لا تميل نفسه إلى مأكول ، تطعم منه يسهل أكله ، قال ابن الأنباري : العرب تقول : أطعمتك الماء تريد أذقتك ، وطعمت الماء أطعمه بمعنى ذقته قال الشاعر :\rفإن شئتُ حرمت النساء عليكم . . .\rوإن شئتُ لم أطعم نقاخاً ولا برداً\rالنقاخ : العذب ، والبرد : النوم ، ويقال : ما ذقت غماضاً.\rوفي حديث أبي ذر.\r\"في ماء زمزم.","part":8,"page":14},{"id":3051,"text":"طعام طعم\" وفي الحديث : \" ليس لنا طعام إلاَّ الأسودين : التمر والماء \" والطعم يقع على الطعام والشراب ، واختير هذا اللفظ لأنه أبلغ ، لأن نفي الطعم يستلزم نفي الشرب ، ونفي الشرب لا يستلزم نفي الطعم ، لأن الطعم ينطلق على الذوق ، والمنع من الطعم أشق في التكليف من المنع من الشرب ، إذ يحصل بإلقائه في الفم ، وإن لم يشربه ، نوع راحة.\rوفي قوله : { ومن لم يطعمه } دلالة على أن الماء طعام ، وقد تقدّم أيضاً ما يدل على ذلك. أ هـ {البحر المحيط حـ 2 صـ 273}\rوقال الخليل بن أحمد :\rالطَّعامُ اسمٌ جامعٌ لكلِّ ما يُؤْكَلُ ، وكذلك الشّراب لكلّ ما يُشْرَبُ.\rوالعالي في كلامِ العَرَب : أنّ الطّعام هو البُرُّ خاصّة. ويقال : اسم له وللخُبْزِ المخبوز ، ثم يُسَمَّى بالطعام ما قرب منه ، وصار في حدّه ، وكلُّ ما يَسُدُّ جوعاً فهو طَعام. قال تعالى : أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ البَحْرِ وطَعَامُهُ مَتاعاً لكُمْ .\rفسمَّى الصّيدَ طَعاماً ، لأنّه يَسُدُّ الجوعَ ، ويُجْمَعُ : أطْعِمَة وأَطْعِمات.\rورجل طاعِمٌ : حسن الحال في المَطْعَم. قال :\rفَاقْعُدْ فإنّكَ أنْتَ الطّاعم الكاسي\rوطَعِمَ يَطْعَمُ طعاماً ، هكذا قياسُه.\rوقول العرب : مُرُّ الطَّعْمِ وحُلْو الطَّعْمِ معناه الذّوق ، لأنّكَ تقول : اطْعَمْهُ ، أي : ذُقْهُ ، ولا تُريد به امضَغْه كما يُمْضَغ الخبز ، وهكذا في القرآن : \" ومَنْ لم يَطْعَمْهُ فإِنّه منّي \" .\rفجعل ذوق الشّراب طَعْماً. نهاهم أن يأخذوا منه إلا غَرْفَة وكان فيها ريُّ الرّجُلِ وريُّ دابَّتِهِ. أ هـ {العين حـ 2 صـ 25 ـ 26}\rفائدة\rقال الفخر :\rإنه تعالى قال في أول الآية : {فَمَن شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنّي} ثم قال بعده : {وَمَن لَّمْ يَطْعَمْهُ} وكان ينبغي أن يقال : ومن لم يطعم منه ليكون آخر الآية مطابقاً أولها ، إلا أنه ترك ذلك اللفظ ، واختير هذا لفائدة ، وهي أن الفقهاء اختلفوا في أن من حلف لا يشرب من هذا النهر كيف يحنث ؟ قال أبو حنيفة لا يحنث إلا إذا كرع من النهر ، حتى لو اغترف بالكوز ماء من ذلك النهر وشربه لا يحنث ، لأن الشرب من الشيء هو أن يكون ابتداء شربه متصلاً بذلك الشيء ، وهذا لا يحصل إلا بأن يشرب من النهر ، وقال الباقون إذا اغترف الماء بالكوز من ذلك النهر وشربه يحنث ، لأن ذلك وإن كان مجازاً إلا أنه مجاز معروف مشهور.\rإذا عرفت هذا فنقول : إن قوله : {فَمَن شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنّي} ظاهره أن يكون النهي مقصوراً على الشرب من النهر ، حتى لو أخذه بالكوز وشربه لا يكون داخلاً تحت النهي ، فلما كان هذا الاحتمال قائماً في اللفظ الأول ذكر في اللفظ الثاني ما يزيل هذا الإبهام ، فقال : {وَمَن لَّمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنّى} أضاف الطعم والشرب إلى الماء لا إلى النهر إزالة لذلك الإبهام. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 6 صـ 153 ـ 154}\rفائدة أخرى\rقال القرطبى :","part":8,"page":15},{"id":3052,"text":"استدل علماؤنا بهذا على القول بسدّ الذرائع ؛ لأن أدنى الذوق يدخل في لفظ الطعم ، فإذا وقع النهي عن الطعم فلا سبيل إلى وقوع الشرب ممن يتجنب الطعم ؛ ولهذه المبالغة لم يأت الكلام \"ومن لم يشرب منه\". أ هـ {تفسير القرطبى حـ 3 صـ 252}\rقال أبو حيان :\rواستثنى من الطعم منه الاغتراف ، فحظرُ الشرب باقٍ ، ودل على أن الاغتراف ليس بشرب ، وأتى بقوله : { ومن لم } معدّى لضمير الماء ، لا إلى النهر ، ليزيل ذلك الإبهام ، وليعلم أن المقصود هو المنع من وصولهم إلى الماء من النهر ، بمباشرة الشرب منه ، أو بواسطة. أ هـ {البحر المحيط حـ 2 صـ 274}\rوقال ابن عاشور :\rوالمقصود من هذا الاستثناء الرخصة للمضطر في بلال ريقه ، ولم تذكر كتب اليهود هذا الأمر بترك شرب الماء من النهر حين مرور الجيش في قصة شاول ، وإنما ذكرت قريباً منه إذ قال في سفر صمويل لما ذكر أشد وقعة بين اليهود وأهل فلسطين : \"وضنك رجال إسرائيل في ذلك اليوم ؛ لأن شاول حلف القوم قائلاً ملعون من يأكل خبزاً إلى المساء حتى أنتقم من أعدائي\" وذكر في سفر القضاة في الإصحاح السابع مثل واقعة النهر ، في حرب جَدعون قاضي إسرائيل للمديانيين ، والظاهر أن الواقعة تكررت لأن مثلها يتكرر فأهملتها كتبهم في أخبار شاول. أ هـ {التحرير والتنوير حـ 2 صـ 497}\rفائدة\rقال القرطبى :\rقال ابن العربيّ قال أبو حنيفة : من قال إن شرِب عبدي فلان من الفُرَات فهو حُرّ فلا يعتق إلا أن يكْرَع فيه ، والكرع أن يشرب الرجل بِفيه من النهر ، فإن شرب بيده أو اغترف بالإناء منه لم يعتق ؛ لأن الله سبحانه فرّق بين الكرع في النهر وبين الشرب باليد.\rقال : وهذا فاسد ؛ لأن شرب الماء يطلق على كل هيئة وصفة في لسان العرب من غَرْفٍ باليد أو كَرْع بالفم انطلاقاً واحداً ، فإذا وُجِد الشّرب المحلوفُ عليه لغة وحقيقة حنَث فاعلمه.\rقلت : قول أبي حنيفة أصح ، فإن أهل اللغة فرّقوا بينهما كما فرّق الكتاب والسنة.","part":8,"page":16},{"id":3053,"text":"قال الجوهري وغيره : وكَرَع في الماء كُروعا إذا تناوله بفيه من موضعه من غير أن يشرب بكفيه ولا بإناء ، وفيه لغة أُخرى \"كرِع\" بكسر الراء ( يكرع ) كَرَعا.\rوالكَرَع : ماء السماء يكرع فيه.\rوأما السنة فذكر ابن ماجه في سننه : حدّثنا واصل بن عبد الأعلى حدّثنا ابن فُضيل عن ليث عن سعيد بن عامر عن ابن عمر قال : مررنا على بركة فجعلنا نكرع فيها فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : \" لا تكْرَعوا ولكن اغسلوا أيديكم ثم اشربوا فيها فإنه ليس إناء أطيب من اليد \" وهذا نص.\rوليث بن أبي سليم خرّج له مسلم وقد ضُعِّف. أ هـ {تفسير القرطبى حـ 3 صـ 253}\rقوله : {إِلاَّ مَنِ اغترف غُرْفَةً بِيَدِهِ}\rقال الفخر :\rقرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو {غَرْفَةً} بفتح الغين ، وكذلك يعقوب وخلف ، وقرأ عاصم وابن عامر وحمزة والكسائي بالضم ، قال أهل اللغة الغرفة بالضم الشيء القليل الذي يحصل في الكف ، والغرفة بالفتح الفعل ، وهو الاغتراف مرة واحدة ، ومثله الأكلة والأكلة ، يقال : فلان يأكل في النهار أكله واحدة ، وما أكلت عندهم إلا أكلة بالضم أي شيئاً قليلاً كاللقمة ، ويقال : الحزة من اللحم بالضم للقطعة اليسيرة منه ، وحززت اللحم حزة أي قطعته مرة واحدة ، ونحوه : الخطوة والخطوة بالضم مقدار ما بين القدمين ، والخطوة أن يخطو مرة واحدة ، وقال المبرد : غرفة بالفتح مصدر يقع على قليل ما في يده وكثيره والغرفة بالضم اسم ملء الكف أو ما اغترف به. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 6 صـ 154}\rوقال القرطبى :\rقوله تعالى : { إِلاَّ مَنِ اغترف غُرْفَةً بِيَدِهِ } الاغتراف : الأخذ من الشيء باليد وبآلة ، ومنه المِغْرفَة ، والغَرْف مثل الاغتراف.\rوقرىء \"غَرْفة\" بفتح الغين وهي مصدر ، ولم يقل اغترافة ؛ لأن معنى الغَرْف والاغتراف واحد.\rوالغَرفة المرة الواحدة.\rوقرىء \"غُرْفَة\" بضم الغين وهي الشيء المُغْتَرَفُ.","part":8,"page":17},{"id":3054,"text":"وقال بعض المفسرين : الغَرْفة بالكفِّ الواحد والغُرْفة بالكفَّيْن.\rوقال بعضهم : كلاهما لغتان بمعنى واحد.\rوقال عليّ رضي الله عنه : الأكُفّ أنْظَفُ الآنية ، ومنه قول الحسن :\rلا يَدلِفون إلى ماء بآنية . . .\rإلا اغترافاً من الغُدْران بالرّاح\rالدلِيف : المشي الرويد.\rقلت : ومن أراد الحلال الصِّرف في هذه الأزمان دون شبهة ولا امتراء ولا ارتياب فليشرب بكفَّيْه الماء من العيون والأنهار المسخَّرة بالجَرَيَان آناء الليل و( آناء ) النهار ، مُبْتغياً بذلك من الله كسب الحسنات ووضع الأوزار واللُّحوق بالأئمة الأبرار ، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : \" من شرب بيده وهو يقدر على إناء يريد به التواضع كتب الله له بعدد أصابعه حسنات وهو إناء عيسى بن مريم عليهما السّلام إذ طرح القدح فقال أفّ هذا مع الدنيا \" خرّجه ابن ماجه من حديث ابن عمر قال : نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نشرب على بطوننا وهو الكَرْع ، ونهانا أن نغترف باليد الواحدة ، وقال : \" لا يلِغ أحدكم كما يلِغ الكلب ولا يشرب باليد الواحدة كما يشرب القوم الذين سخِط الله عليهم ولا يشرب بالليل في إناء حتى يحركه إلا أن يكون إناء مُخَمَّراً ومن شرب بيده وهو يقدر على إناء \".\rالحديث كما تقدّم ، وفي إسناده بَقِيّة بن الوليد ، قال أبو حاتم : يكتب حديثه ولا يحتج به.\rوقال أبو زرعة : إذا حدّث بَقيّة عن الثقات فهو ثقة. أ هـ {تفسير القرطبى حـ 3 صـ 254}\rوقال أبو حيان ـ وقد أجاد ـ :","part":8,"page":18},{"id":3055,"text":"وقرأ الحرميان ، وأبو عمر ، و: غرفة ، بفتح الغين وقرأ الباقون بضمها ، فقيل : هما بمعنى المصدر ، وقيل : هما بمعنى المغروف ، وقيل : الغرفة بالفتح المرة ، وبالضم ما تحمله اليد ، فإذا كان مصدراً فهو على غير الصدر ، إذ لو جاء على الصدر لقال : اغترافة ، ويكون مفعول اغترف محذوفاً ، أي : ماء ، وإذا كان بمعنى المغروف كان مفعولاً به ، قال ابن عطية : وكان أبو عليّ يرجح ضم الغين ، ورجحه الطبري أيضاً : أن غرفة بالفتح إنما هو مصدر على غير اغتراف. انتهى.\rوهذا الترجيح الذي يذكره المفسرون والنحويون بين القراءتين لا ينبغي ، لأن هذه القراءات كلها صحيحة ومروية ثابتة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ولكل منها وجه ظاهر حسن في العربية ، فلا يمكن فيها ترجيح قراءة على قراءة. (1) أ هـ {البحر المحيط حـ 2 صـ 275}\rفائدة\rقال الفخر :\rقال ابن عباس رضي الله عنهما : كانت الغرفة يشرب منها هو ودوابه وخدمه ، ويحمل منها.\rوأقول : هذا الكلام يحتمل وجهين\rأحدهما : أنه كان مأذوناً أن يأخذ من الماء ما شاءه مرة واحدة ، بغرفة واحدة ، بحيث كان المأخوذ في المرة الواحدة يكفيه ولدوابه وخدمه ، ولأن يحمله مع نفسه\rوالثاني : أنه كان يأخذ القليل إلا أن الله تعالى يجعل البركة فيه حتى يكفي لكل هؤلاء ، وهذا كان معجزة لنبي ذلك الزمان ، كما أنه تعالى كان يروي الخلق العظيم من الماء القليل في زمان محمد عليه الصلاة والسلام. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 6 صـ 154}\rوقال أبو حيان :\r_______________\r(1) هذه قاعدة جليلة تكثر الحاجة إليها فكثيرا ما نرى بعض المفسرين يفاضلون ويرجحون بين القراءات المتواترة وكلها ثابت عن رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ فلا يجوز تضعيف شىء منها بحال. والله أعلم.","part":8,"page":19},{"id":3056,"text":"قال بعض المفسرين : لم يرد غرفة الكف ، وإنما أراد المرة الواحدة بقربة أو جرة أو ما أشبه ذلك ، وهذا الابتلاء الذي ابتلى الله به جنود طالوت ابتلاء عظيم ، حيث منعوا من الماء مع وجوده وكثرته في شدة الحر والقيظة ، وأن من أبيح له شيء منه فإنما هو مقدار ما يغرف بيده ، فأين يصل منه ذلك ؟ وهذا أشد في التكليف مما ابتلى به أهل أيلة من ترك الصيد يوم السبت ، مع إمكان ذلك فيه ، وكثرة ما يرد إليهم فيه من الحيتان. أ هـ {البحر المحيط حـ 2 صـ 275}\rوقال القرطبى :\rقال ابن عباس : شرِبوا على قدر يقينهم ، فشرِب الكفار شرب الهِيمِ وشرِب العاصون دون ذلك ، وانصرف من القوم ستة وسبعون ألفاً وبقي بعض المؤمنين لم يشرب شيئاً وأخذ بعضهم الغُرْفة ، فأما من شرب فلم يَرْوَ ، بل برّح به العطش ، وأما من ترك الماء فحسُنَت حاله وكان أجْلَد ممن أخذ الغُرفة. أ هـ {تفسير القرطبى حـ 3 صـ 254}\rقوله تعالى : {فَشَرِبُواْ مِنْهُ إِلاَّ قَلِيلاً مّنْهُمْ}\rقال الفخر :\rأما قوله تعالى : {فَشَرِبُواْ مِنْهُ إِلاَّ قَلِيلاً مّنْهُمْ} ففيه مسائل :\rالمسألة الأولى : قرأ أبي والأعمش {إِلاَّ قَلِيلٌ} قال صاحب \"الكشاف\" : وهذا بسبب ميلهم إلى المعنى ، وإعراضهم عن اللفظ ، لأن قوله : {فَشَرِبُواْ مِنْهُ} في معنى : فلم يطيعوه ، لا جرم حمل عليه كأنه قيل : فلم يطيعوه إلا قليل منهم.","part":8,"page":20},{"id":3057,"text":"المسألة الثانية : قد ذكرنا أن المقصود من هذا الابتلاء أن يتميز الصديق عن الزنديق ، والموافق عن المخالف ، فلما ذكر الله تعالى أن الذين يكونون أهلاً لهذا القتال هم الذين لا يشربون من هذا النهر ، وأن كل من شرب منه فإنه لا يكون مأذوناً في هذا القتال ، وكان في قلبهم نفرة شديدة عن ذلك القتال ، لا جرم أقدموا على الشرب ، فتميز الموافق عن المخالف ، والصديق عن العدو ، ويروى أن أصحاب طالوت لما هجموا على النهر بعد عطش شديد ، وقع أكثرهم في النهر ، وأكثروا الشرب ، وأطاع قوم قليل منهم أمر الله تعالى ، فلم يزيدوا على الاغتراف ، وأما الذين شربوا وخالفوا أمر الله فاسودت شفاههم وغلبهم العطش ولم يرووا ، وبقوا على شط النهر ، وجبنوا على لقاء العدو ، وأما الذين أطاعوا أمر الله تعالى ، فقوي قلبهم وصح إيمانهم ، وعبروا النهر سالمين. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 6 صـ 154 ـ 155}\rقال ابن عاشور :\rوقد دل قوله : { فشربوا منه } على قِلة صبرهم ، وأنهم ليسوا بأهل لمزاولة الحروب ، ولذلك لم يلبثوا أن صرحوا بعدَ مجاوزة النهر فقالوا : { لا طاقة لنا اليوم بجالوت وجنوده } فيحتمل أن ذلك قالوه لما رأوا جنود الأعداء ، ويحتمل أنهم كانوا يعلمون قوة العدو ، وكانوا يسرون الخوف ، فلما اقترب الجيشان ، لم يستطيعوا كتمان ما بهم. أ هـ {التحرير والتنوير حـ 2 صـ 498}\rفصل\rقال الفخر :\rالقليل الذي لم يشرب قيل : إنه أربعة آلاف ، والمشهور وهو قول الحسن أنهم كانوا على عدد أهل بدر ثلثمائة وبضعة عشر وهم المؤمنون ، والدليل عليه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لأصحابه يوم بدر : أنتم اليوم على عدة أصحاب طالوت حين عبروا النهر وما جاز معه إلا مؤمن ، قال البراء بن عازب : وكنا يومئذٍ ثلثمائة وثلاثة عشر رجلاً. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 6 صـ 155}","part":8,"page":21},{"id":3058,"text":"قوله تعالى : { فَلَمَّا جَاوَزَهُ هُوَ وَالَّذِينَ آَمَنُوا مَعَهُ قَالُوا لَا طَاقَةَ لَنَا الْيَوْمَ بِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ }\rالمناسبة\rقال البقاعى :\rولما ذكر فتنتهم بالنهر أتبعه فتنة اللقاء ببحر الجيش وما فيه من عظيم الخطر المزلزل للقلوب حثاً على سؤال العافية وتعريفاً بعظيم رتبتها كما قال صلى الله عليه وسلم يوم عرض نفسه الشريفة على أهل الطائف ومسه منهم من عظيم الأذى ما مسه : إن لم يكن بك عليَّ غضب فلا أبالي ولكن هي أوسع لي! فقال سبحانه وتعالى : {فلما جاوزه} أي النهر من غير شرب ، من المجاوزة مفاعلة من الجواز وهو العبور من عدوة دنيا إلى عدوة قصوى {هو والذين آمنوا} أي أقروا بالإيمان وجاوزوا {معه} وتراءت الفئتان {قالوا} أي معظمهم.\rقال الحرالي : رد الضمير مرداً عاماً إيذاناً بكثرة الذين اغترفوا وقلة الذين لم يطعموا كما آذن ضمير شربوا بكثرة الذين شربوا منه - انتهى.\r{لا طاقة} مما منه الطوق وهو ما استقل به الفاعل ولم يعجزه {لنا اليوم} أي على ما نحن فيه من الحال {بجالوت وجنوده} لما هم فيه من القوة والكثرة.\rقال الحرالي : ففيه من نحو قولهم {ولم يؤت سعة من المال} اعتماداً على أن النصر بعدة مال أو قوة ، وليس إلا بنصر الله ، ثم قال : فإذا نوظر هذا الإنباء منهم والطلب أي كما يأتي في {ربنا أفرغ} بما تولى الله من أمر هذه الأمة في جيشهم الممثول لهذا الجيش في سورة الأنفال من نحو قوله {إذ يغشيكم النعاس أمنة منه} [ الأنفال : 11 ] - الآيات ، علم عظيم فضل الله على هذه الأمة واستشعر بما يكون لها في خاتمتها مما هو أعظم نبأ وأكمل عياناً فلله الحمد على ما أعظم من فضله ولطفه - انتهى. أ هـ {نظم الدرر حـ 1 صـ 478 ـ 479}\rقال ابن عاشور :","part":8,"page":22},{"id":3059,"text":"وفي الآية انتقال بديع إلى ذكر جند جالوت والتصريح باسمه ، وهو قائد من قواد الفلسطينيين اسمه في كتب اليهود جُلْيَات كان طوله ستة أذرع وشبراً ، وكان مسلحاً مدرعاً ، وكان لا يستطيع أن يبارزه أحد من بني إسرائيل ، فكان إذا خرج للصف عرض عليهم مبارزته وعيرهم بجنبهم. أ هـ {التحرير والتنوير حـ 2 صـ 498}\rقال ابن عادل :\rقوله تعالى : { والذين آمَنُواْ مَعَهُ }.\rليس المراد منه المعيّة في الإِيمان ، لأنَّ إيمانهم لم يكُن مع إِيمان طَالُوت ، بل المراد : أَنَّهم جاوزا النَّهر معه لأَنَّ لفظ \" مع \" لا تقتضي المعيَّة لقوله تعالى : { فَإِنَّ مَعَ العسر يُسْراً } [ الشرح : 5 ] واليسر لا يكون مع العسر. أ هـ {تفسير ابن عادل حـ 4 صـ 286}\rفصل\rقال الفخر :\rلا خلاف بين المفسرين أن الذين عصوا الله وشربوا من النهر رجعوا إلى بلدهم ولم يتوجه معه إلى لقاء العدو إلا من أطاع الله تعالى في باب الشرب من النهر ، وإنما اختلفوا في أن رجوعهم إلى بلدهم كان قبل عبور النهر أو بعده ، وفيه قولان الأول : أنه ما عبر معه إلا المطيع ، واحتج هذا القائل بأمور الأول : أن الله تعالى قال : {فلما جاوزه هو والذين آمنوا معه} فالمراد بقوله : {الذين ءامَنُواْ مَعَهُ} الذين وافقوه في تلك الطاعة ، فلما ذكر الله تعالى كل العسكر ، ثم خص المطيعين بأنهم عبروا النهر ، علمنا أنه ما عبر النهر أحد إلا المطيعين.\rالحجة الثانية : الآية المتقدمة وهي قوله تعالى حكاية عن طالوت {فَمَن شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنّي} أي ليس من أصحابي في سفري ، كالرجل الذي يقول لغيره : لست أنت منا في هذا الأمر ، قال : ومعنى {فَشَرِبُواْ مِنْهُ} أي ليتسببوا به إلى الرجوع ، وذلك لفساد دينهم وقلبهم.","part":8,"page":23},{"id":3060,"text":"الحجة الثالثة : أن المقصود من هذا الابتلاء أن يتميز المطيع عن العاصي والمتمرد ، حتى يصرفهم عن نفسه ويردهم قبل أن يرتدوا عند حضور العدو ، وإذا كان المقصود من هذا الابتلاء ليس إلا هذا المعنى كان الظاهر أنه صرفهم عن نفسه في ذلك الوقت وما أذن لهم في عبور النهر.\rالقول الثاني : أنه استصحب كل جنوده وكلهم عبروا النهر واعتمدوا في إثبات هذا القول على قوله تعالى حكاية عن قوم طالوت {قَالُواْ لاَ طَاقَةَ لَنَا اليوم بِجَالُوتَ وَجُنودِهِ} ومعلوم أن هذا الكلام لا يليق بالمؤمن المنقاد لأمر ربه ، بل لا يصدر إلا عن المنافق أو الفاسق ، وهذه الحجة ضعيفة ، وبيان ضعفها من وجوه أحدها : يحتمل أن يقال : إن طالوت لما عزم على مجاوزة النهر وتخلف الأكثرون ذكر المتخلفون أن عذرنا في هذا التخلف أنه لا طاقة لنا اليوم بجالوت وجنوده فنحن معذورون في هذا التخلف ، أقصى ما في الباب أن يقال : إن الفاء في قوله : {فَلَمَّا جَاوَزَهُ} تقتضي أن يكون قولهم : {لاَ طَاقَةَ لَنَا اليوم بِجَالُوتَ} إنما وقع بعد المجاوزة ، إلا أنا نقول يحتمل أن يقال : إن طالوت والمؤمنين لما جاوزوا النهر ورأوا القوم تخلفوا وما جاوزوه ، سألهم عن سبب التخلف فذكروا ذلك ، وما كان النهر في العظم بحيث يمنع من المكالمة ، ويحتمل أن يكون المراد بالمجاوزة قرب حصول المجاوزة ، وعلى هذا التقدير فالإشكال أيضاً زائل.\rوالجواب الثاني : أنه يحتمل أن يقال : المؤمنون الذين عبروا النهر كانوا فريقين : بعضهم ممن يحب الحياة ويكره الموت وكان الخوف والجزع غالباً على طبعه ، ومنهم من كان شجاعاً قوي القلب لا يبالي بالموت في طاعة الله تعالى.\rفالقسم الأول : هم الذين قالوا : {لاَ طَاقَةَ لَنَا اليوم }.\rوالقسم الثاني : هم الذين أجابوا بقولهم : {كَم مّن فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةٍ كَثِيرَةً }.","part":8,"page":24},{"id":3061,"text":"والجواب الثالث : يحتمل أن يقال : القسم الأول من المؤمنين لما شاهدوا قلة عسكرهم قالوا : {لاَ طَاقَةَ لَنَا اليوم بِجَالُوتَ وَجُنودِهِ} فلا بد أن نوطن أنفسنا على القتل ، لأنه لا سبيل إلى الفرار من أمر الله ، والقسم الثاني قالوا : لا نوطن أنفسنا بل نرجو من الله الفتح والظفر ، فكان غرض الأولين الترغيب في الشهادة والفوز بالجنة ، وغرض الفريق الثاني الترغيب في طلب الفتح والنصرة ، وعلى هذا التقدير لا يكون في واحد من القولين ما ينقض الآخر. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 6 صـ 155 ـ 156}\rقوله تعالى : { قَالَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلَاقُو اللَّهِ كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ }\rالمناسبة\rقال البقاعى :\rولما أخبر عنهم بهذا القول نبه على أنه لا ينبغي أن يصدر ممن يظن أن أجله مقدر لا يزيد بالجبن والإحجام ولا ينقص بالجرأة والإقدام وأنه يلقى الله فيجازيه على عمله وأن النصر من الله لا بالقوة والعدد فقال : {قال الذين يظنون} أي يعلمون ولكنه عبر بالظن لما ذكر {أنهم ملاقوا الله} أي الذي له الجلال والإكرام إشارة إلى أنه يكفي في الخوف من الله والرجاء له الظن لأنه يوجب فرار العقل مما يظن أنه يكرهه سبحانه وتعالى إنقاذاً لنفسه من الهلاك بذلك كما أسرف هؤلاء في الشرب لظن الهلاك بعدمه ورجعوا لظن الهلاك باللقاء ؛ ويجوز أن يكون الظن على بابه ويأول اللقاء بالحالة الحسنة {كم من فئة قليلة} كما كان في هذه الأمة في يوم بدر {غلبت فئة كثيرة} ثم نبه على أن سبب النصر الطاعة والذكر لله بقوله : {بإذن الله} أي بتمكين الذي لا كفوء له ، فلا ينبغي لمن علم ذلك أن يفتر عن ذكره ويرضى بقضائه.\rثم بين أن ملاك ذلك كله الصبر بقوله : {والله} أي الملك الأعظم {مع الصابرين} ولا يخذل من كان معه. أ هـ {نظم الدرر حـ 1 صـ 479}\rقال أبو السعود :","part":8,"page":25},{"id":3062,"text":"{ الذين يَظُنُّونَ أَنَّهُم مُلاَقُواْ الله } قيل : أي الخُلَّصُ منهم الذين يوقنون بلقاءِ الله تعالى بالبعث ويتوقّعون ثوابَه ، وإفرادُهم بذلك الوصف لا ينافي إيمانَ الباقين فإن درجاتِ المؤمنين في التيقن والتوقع مُتفاوتةٌ أو الذين يعلمون أنهم يُستشهدون عما قريب فيلقَوْن الله تعالى ، وقيل : الموصولُ عبارةٌ عن المؤمنين كافةً والضميرُ في قالوا للمنخذِلين عنهم كأنهم قالوه اعتذاراً عن التخلُّف والنهرُ بينهما. أ هـ {تفسير أبى السعود حـ 1 صـ 243}\rسؤال :\rقال الفخر :\rأما قوله تعالى : {قَالَ الذين يَظُنُّونَ أَنَّهُم مُلاَقُواْ الله} ففيه سؤال ، وهو أنه تعالى لم جعلهم ظانين ولم يجعلهم حازمين ؟ .\rوجوابه : أن السبب فيه أمور\rالأول : وهو قول قتادة : أن المراد من لقاء الله الموت ، قال عليه الصلاة والسلام : \" من أحب لقاء الله أحب الله لقاءه ومن كره لقاء الله كره الله لقاءه \" وهؤلاء المؤمنون لما وطنوا أنفسهم على القتل ، وغلب على ظنونهم أنهم لا يتخلصون من الموت ، لا جرم قيل في صفتهم : إنهم يظنون أنهم ملاقوا الله\rالثاني : {الذين يَظُنُّونَ أَنَّهُم مُلاَقُواْ الله} أي ملاقوا ثواب الله بسبب هذه الطاعة ، وذلك لأن أحداً لا يعلم عاقبة أمره ، فلا بد أن يكون ظاناً راجياً وإن بلغ في الطاعة أبلغ الأمر ، إلا من أخبر الله بعاقبة أمره ، وهذا قول أبي مسلم وهو حسن.\rالوجه الثالث : أن يكون المعنى : قال الذين يظنون أنهم ملاقوا طاعة الله ، وذلك لأن الإنسان لا يمكنه أن يكون قاطعاً بأن هذا العمل الذي عمله طاعة ، لأنه ربما أتى فيه بشيء من الرياء والسمعة ، ولا يكون بنية خالصة فحيئذٍ لا يكون الفعل طاعة ، إنما الممكن فيه أن يظن أنه أتى به على نعت الطاعة والإخلاص.","part":8,"page":26},{"id":3063,"text":"الوجه الرابع : أنا ذكرنا في تفسير قوله تعالى : {أَن يَأْتِيَكُمُ التابوت فِيهِ سَكِينَةٌ مّن رَّبّكُمْ} أن المراد بالسكينة على قول بعض المفسرين أنه كان في التابوت كتب إلهية نازلة على الأنبياء المتقدمين ، دالة على حصول النصر والظفر لطالوت وجنوده ، ولكنه ما كان في تلك الكتب أن النصر والظفر يحصل في المرة الأولى أو بعدها ، فقوله : {الذين يَظُنُّونَ أَنَّهُم مُلاَقُواْ الله} يعني الذين يظنون أنهم ملاقوا وعد الله بالظفر ، وإنما جعله ظناً لا يقيناً لأن حصوله في الجملة وإن كان قطعاً إلا أن حصوله في المرة الأولى ما كان إلا على سبيل حسن الظن.\rالوجه الخامس : قال كثير من المفسرين : المراد بقوله : {يَظُنُّونَ أَنَّهُم مُلاَقُواْ الله} أنهم يعلمون ويوقنون ، إلا أنه أطلق لفظ الظن على اليقين على سبيل المجاز لما بين الظن واليقين من المشابهة في تأكد الاعتقاد. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 6 صـ 156 ـ 157}\rوقال القرطبى :\rويجوز أن يكون شَكّاً لا علماً ، أي قال الذين يتوَهّمون أنهم يُقْتلون مع طالوت فيلقون الله شهداء ، فوقع الشك في القتل. أ هـ {تفسير القرطبى حـ 3 صـ 255}\rقوله تعالى : {كَم مّن فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةٍ كَثِيرَةً بِإِذْنِ الله}\rقال الفخر :\rأما قوله : {كَم مّن فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةٍ كَثِيرَةً بِإِذْنِ الله}\rالمراد منه تقوية قلوب الذين قالوا : {لاَ طَاقَةَ لَنَا اليوم بِجَالُوتَ وَجُنودِهِ} والمعنى أنه لا عبرة بكثرة العدد إنما العبرة بالتأييد الإلهي ، والنصر السماوي ، فإذا جاءت الدولة فلا مضرة في القلة والذلة ، وإذا جاءت المحنة فلا منفعة في كثرة العدد والعدة. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 6 صـ 157}\rوقال القرطبى ـ ولله دره ـ :\rوفي قولهم رضي الله عنهم : \"كم من فئة قليلة\" الآية ، تحريضٌ على القتال واستشعارٌ للصبر واقتداءٌ بمن صدّق ربه.","part":8,"page":27},{"id":3064,"text":"قلت : هكذا يجب علينا نحن أن نفعل ؟ لكن الأعمال القبيحة والنيات الفاسدة منعت من ذلك حتى ينكسر العدد الكبير منا قدّام اليسير من العدوّ كما شاهدناه غير مرة ، وذلك بما كسبت أيدينا! وفي البخاريّ : وقال أبو الدرداء : إنما تقاتلون بأعمالكم.\rوفيه مُسْند أن النبيّ صلى الله عليه وسلم قال : \" هل ترزقون وتنصرون إلا بضعفائكم \" فالأعمال فاسدة والضعفاء مُهْمَلون والصبر قليل والاعتماد ضعيف والتقوى زائلة! قال الله تعالى : { اصبروا وَصَابِرُواْ وَرَابِطُواْ واتقوا الله } [ آل عمران : 200 ] وقال : { وَعَلَى الله فتوكلوا } [ المائدة : 23 ] وقال : { إِنَّ الله مَعَ الذين اتقوا والذين هُم مُّحْسِنُونَ } [ النحل : 128 ] وقال : { وَلَيَنصُرَنَّ الله مَن يَنصُرُهُ } [ الحج : 40 ] وقال : { إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فاثبتوا واذكروا الله كَثِيراً لَّعَلَّكُمْ تُفْلَحُونَ } [ الأنفال : 45 ].\rفهذه أسباب النصر وشروطه وهي معدومة عندنا غير موجودة فينا ، فإنا لله وإنا إليه راجعون على ما أصابنا وحلَّ بنا! بل لم يبق من الإسلام إلى ذكره ، ولا من الدِّين إلاّ رَسْمُه لظهور الفساد ولكثرة الطغيان وقلة الرشاد حتى استولى العدوّ شرقاً وغرباً براً وبحراً ، وعَمّت الفتن وعظُمت المحَن ولا عاصم إلا من رحِم!. (1) أ هـ {تفسير القرطبى حـ 3 صـ 255}\r________________\r(1) رحم الله الإمام القرطبى فكأنه كان ينظر من شرفات الغيب بهذا الكلام الذى يجسد واقعنا المر وما آلت إليه أحوال الأمة الممزقة. وحسبنا الله ونعم الوكيل.","part":8,"page":28},{"id":3065,"text":"قال أبو السعود :\r{ كَم مّن فِئَةٍ } أي فِرْقة وجماعة من الناس من فأَوْتُ رأسَه إذا شققتها أو من فاء إليه إذا رجَع فوزنُها على الأول فِعةٌ وعلى الثاني فِلَةٌ { قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةٍ كَثِيرَةً } وكم خبرية كانت أو استفهامية مفيدةٌ للتكثير وهي في حيز الرفعِ بالابتداء خبرُها غلبتْ أي كثيرٌ من الفئات القليلةِ غلبت الفئاتِ الكثيرةَ { بِإِذُنِ الله } أي بحُكمه وتيسيرِه فإن دورانَ كافةِ الأمور على مشيئته تعالى فلا يذِلُّ من نصرَه وإن قل عددُه ولا يعِزُّ مَنْ خَذله وإن كثُرت أسبابُه وعُددُه وقد روُعيَ في الجواب نُكتةٌ بديعة حيث لم يقُلْ أطاقت بفئة كثيرةٍ حسبما وقع في كلام أصحابهم مبالغةً في رد مقالتِهم وتسكينِ قلوبهم ، وهذا كما ترى جواب ناشىء من كمال ثقتِهم بنصر الله تعالى وتوفيقه ولا دخل في ذلك لظن لقاءِ الله تعالى بالبعث لا سيما بالاستشهاد فإن العلمَ به ربما يورِثُ اليأسَ من الغَلَبة ولا لتوقُّع ثوابِه تعالى ولا ريب في أن ما ذُكر في حيز الصلةِ ينبغي أن يكونَ مداراً للحكم الواردِ على الموصول فلا أقلَّ من أن يكون وصفاً ملائماً له ، فلعل المرادَ بلقائه تعالى لقاءُ نصرِه وتأييدُه عُبر عنه بذلك مبالغةً كما عُبر عن مقارَنةِ نصرِه تعالى لمعيَّته سبحانه حيث قيل : { والله مَعَ الصابرين } فإن المرادَ به معيّةُ نصرِه وتوفيقِه حتماً ، وحملُها على المعية بالإثابة كما فعل يأباه أنهم إنما قالوه تتميماً لجوابهم وتأييداً له بطريق الاعتراضِ التذييليِّ تشجيعاً لأصحابهم وتثبيتاً لهم على الصبر المؤدي إلى الغَلَبة ، ولا تعلّقَ له بما ذكر من المعية بالإثابة قطعاً وكذا الحالُ إذا جُعل ذلك ابتداءَ كلامٍ من جهة الله تعالى جيء به تقريراً لكلامهم ، والمعنى قال الذين يظنون أو يعلمون من جهة النبي أو من جهة التابوتِ والسكينة أنهم ملاقوا نصرِ الله العزيزِ : كم من فئةٍ قليلة غلبت فئة كثيرة بإذن الله تعالى فنحن أيضاً نغلِبُ","part":8,"page":29},{"id":3066,"text":"جالوتَ وجنودَه ، وإيرادُ خبرِ أن اسماً مع أن اللقاءَ مستقبلٌ للدَلالة على تقرره وتحققه. أ هـ {تفسير أبى السعود حـ 1 صـ 243 ـ 244}\rفائدة جليلة\rقال أبو حيان :\rوفي هذه الآية دليل على جواز قتال الجمع القليل للجمع الكثير ، وإن كانوا أضعاف أضعافهم ، إذا علموا أن في ذلك نكاية لهم ، وأما جواز الفرار من الجمع الكثير إذا زادوا عن ضعفهم فسيأتي بيانه في سورة الأنفال إن شاء الله تعالى. أ هـ {البحر المحيط حـ 2 صـ 277}\rقوله تعالى {والله مَعَ الصابرين}\rقال الفخر :\rقوله : {والله مَعَ الصابرين} فلا شبهة أن المراد المعونة والنصرة ، ثم يحتمل أن يكون هذا قولاً للذين قالوا : {كَم مّن فِئَةٍ قَلِيلَةٍ} ويحتمل أن يكون قولاً من الله تعالى ، وإن كان الأول أظهر. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 6 صـ 157}\rوقال أبو حيان :\r{ والله مع الصابرين } ، تحريض على الصبر في القتال ، فإن الله مع من صبر لنصرة دينه ، ينصره ويعينه ويؤيده ، ويحتمل أن يكون من تمام كلامهم ، ويحتمل أن يكون استئنافاً من الله ، قاله القفال. أ هـ {البحر المحيط حـ 2 صـ 277}\rمن لطائف الإمام القشيرى فى الآية\rقوله جلّ ذكره : { فَلَمَّا فَصَلَ طَالُوتُ بِالجُنُودِ قَالَ إِنَّ اللهَ مُبْتَلِيكُم بِنَهرٍ فَمَن شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّى وَمَن لَّمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّى إِلاَّ مَنِ اغْتَرَفَ غُرْفَةً بِيَدِهِ }.\rالإشارة من هذه الآية أن الله سبحانه ابتلى الخَلْق بصحبة الخلْق وبالدنيا وبالنَّفس ، ومن كانت صحبته مع هذه الأشياء على حدِّ الاضطرار بمقدار القوام ، وما لا بد منه نجا وسَلِمَ ، ومن جاوز حد الاضطرار وانبسط في صحبته مع شيء من ذلك من الدنيا والنفس والخلْق بموجب الشهادة والاختيار - فليس من الله في شيء إنْ كان ارتكاب محظور ، وليس من هذه الطريق في شيء إن كان على جهة الفضيلة وماله منه بُدٌّ.\rثم قال جلّ ذكره : { فَشَرِبُوا مِنْهُ إِلاَّ قَلِيلاً مِّنْهُمْ }.","part":8,"page":30},{"id":3067,"text":"كذلك الخواص في كل وقت يقل عددهم ولكن يجل قدرهم.\rقوله جلّ ذكره : { فَلَمَّا جَاوَزَهُ هُوَ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ قَالُوا لاَ طَاقَةَ لَنَا اليَوْمَ بِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ }.\rفنظروا إلى الحال بعين الظاهر فَدَاخَلَهم شيء من رعب البشرية ، فربط الله على قلوبهم بما ذكَرهم من نصرة الحق سبحانه لأوليائه إذا شاء.\rقوله جلّ ذكره : { قَالَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُم مُّلاَقُوا اللهِ كَم مِّن فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بإِذْنِ اللهِ وَاللهُ مَعَ الصَّابِرِينَ }.\rلا بهم ولكن بإذن الله ، بمشيئته وعونه ونصرته ، والله مع الصابرين بالنصرة والتأييد والقوة. أ هـ {لطائف الإشارات حـ 1 صـ 193 ـ 194}\rمن فوائد ابن عرفة فى الآية\rقوله تعالى : { فَلَمَّا فَصَلَ طَالُوتُ بالجنود قَالَ إِنَّ الله مُبْتَلِيكُم بِنَهَرٍ... }.\rأضمر ابن عطية هنا الجواب فقال : التقدير ، فاتفق بنو اسرائيل على أن طالوت ملك وأذعنوا وتهيّؤوا لغزوهم عدوهم فلما فصل طالوت بالجنود ( تعنتوا ).\rقال ابن عرفة : ترك ( إضماره ) سبب الجواب وحقه إن كان يضمر شيئين : الجواب وسبب الجواب ، ويقول : التقدير فلما أتاهم بآية ملكه وفصل بالجنود تعنتوا.\rقال ابن عرفة : وعطفه بالفاء لأنه سبب ظاهر كما تقول : جاء الغيم فلما نزل المطر كان كذا ، وتقول أيضا : قام زيد ولما نزل المطر قعد فهذا ليس بسبب.\rقال ابن عرفة : وإنما قال : \" بِالجُنُودِ \" ولم يقل : بجنوده لما اقتضت الآية من أن أكثرهم تعنتوا عليه وخرجوا عن طاعته فليسوا بجنوده ، وإنما قال : \" مُبْتَلِيكُمْ \" فعبر بالاسم دون الفعل تحقيقا لوقوع ذلك في نفس الأمر وثبوته في علم الله تعالى أزلا ، وأنه لا بد منه.\rوعلمه بذلك ، إما بالوحي أو بإخبار من النبي.\rقوله تعالى : { فَمَن شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي... }.","part":8,"page":31},{"id":3068,"text":"فسره الشيخ الزمخشري : بالكرع مع أنه ينفي فيه المفهوم لأن الشرب منه يكون كرعا ويكون بإناء تملأ منه أو باليد.\rوقوله \" فَلَيْسَ مِنِّي \" فسره إن أراد نفيه حقيقة عنه فيكون مجازا لأنه معلوم أنه ليس منه ، فعبر بنفيه عنه نفيه عن ملته ، وإن أراد نفيه عن اتباعه أي فليس من أتباعي وجندي فيكون على إضمار مضاف فيتعارض المجاز والإضمار.\rقوله تعالى : { وَمَن لَّمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مني }.\rقال ابن عرفة : أكد الثّاني بـ ( إن ) ، ولم يقل في الأول \" فمن شرب منه فإنه ليس منّي \" ؟ قال : والجواب بأنه إنّما لم يؤكد الأول لأن سببه أكثر ( في ) الوقوع ، وأكد الثاني لأن سببه أقل في الوقوع فأكده حضا على المبادرة إلى امتثال سببه والعمل بمقتضاه.\rقال : واحتج به بعضهم على أنّ الماء طعام وهو قول ابن نافع نقله ابن يونس في كتاب السلم الثالث.\rوكان القاضي أبو عبد الله بن عبد السلام يحكي لنا عن الفقيه القاضي أبي القاسم بن علي بن البراء أن رجلا سأله وهو راكب على بغلته عمن حلف بالله لا يتناول طعاما ؟ فقال له : لا يأكل ولا يشرب الماء لأنه طعام واحتجّ بهذه الآية.\rورده ابن عرفة بوجهين :\rالأول منهما : أن الآية اقتضت ذلك لغة ، وأما الشرع فلا يسميه طعاما.\rالثاني : أنه نفى في الأول الشرب وفي الثاني الطعمية ، والطعمية أوائل الشرب ، ولذلك ذكروا في الصيام أن الصّائم إذا استطعم الماء وبصقه فإنه لا يفسد صومه ، فلما تعلق النفي بأوائل الشرب قال : \" فَإِنَّهُ مِنِّي \" ، فأكد نسبته إليه بـ ( إنّ ) أي من اتّصف بكمال البعد عنه فهو موصوف بكمال القرب مني وبقي الواسطة مسكوتا عنه وهو الذي شرب بالإناء على تفسير الزمخشري فإما أن ذنبه أقل من ذنب من كرع أو مُسَاوٍ.\rقال ابن عرفة : وَ ( لَمْ ) هنا بمعنى ( لما ).\rقوله تعالى : { إِلاَّ مَنِ اغترف غُرْفَةً بِيَدِهِ... }.","part":8,"page":32},{"id":3069,"text":"قال أبو حيان : يستثني من الجملة ( الأولى وهي ) { فَمَن شَرِبَ }. زاد أبو البقاء أو مِنْ \" مَنْ \" الثانية وهي { وَمَن لَّمْ يَطْعَمْهُ }. وتعقب بأنّه لو كان من \" مَن \" الثانية للزم أن يكون من اغترف غرفة واحدة بيده ليس منه ( مع أنّه أبيحت لهم الغرفة ) الواحدة باليد لأن الاستثناء من الإثبات نفي ومن النفي إثبات.\rقال ابن عرفة : هذا لا يتعين بل يحتمل عندي استثناؤه من الجملتين فعلى أنّه مستثنى من الأولى يكون المراد نفيه عن الدخول في حكم ليس منِّي أي هو ( منه ) وعلى أنّه مستثنى من قوله : { وَمَن لَّمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مني } يكون ( النَّاس ) على ثلاثة أقسام :\rشارب بفيه فليس منه ، وشارب منه بيده وهذا يقال فيه ( هو ) منه فقط ، ومن لم يشرب منه شيئا يقال فيه : إنَّه منه مجاله أبلغ ، فاستثناؤه من الأخص أي إلا من اغترف غرفة بيده فليس محكوما عليه بأنّه \" منّي \" أي ليس متصفا بكمال القرب مني.\rقيل لابن عرفة : يلزمك أن يكون {ليس منّي} قدرا مشتركا بين الحرام والمباح ؟\rفقال : لم نخرجه ( منه ) وإنّما أخرجتهم ، من قوله : { وَمَن لَّمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مني } فإذا خرج من هذا كان منفيا عنه أي يكون منه ( وقد ) قال : أول الآية { فَمَن شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي }. فيتعين أنّ النفي هنا ( نفي ) أخص باعتبار ترك الأمر المستحب بفعل الأمر المباح ، فالمستحب ترك الشرب ، والمباح الشرب باليد ، والحرام الكرع فيه بالفم.\rقال ابن عرفة : وغرفة بالضم والفتح ، فالفتح هو الماء والضم الفعل.\r( قال ابن عرفة ) : وعلى أنها الفعل يكون المفعول مقدرا أي إلا من اغترف غرفة ماء.\rقال ( ابن عرفة ) : وفائدة التأكيد بالمصدر على هذا تحقيقا للرخصة في ذلك الفعل وتأكيدَ ( إباحتها ) خشية أن يتوهم قصر ذلك على أدنى شيء من الماء المأخوذ باليد فأكده تنبيها على إباحتة الغرفة الواحدة بكمالها.","part":8,"page":33},{"id":3070,"text":"قوله تعالى : { قَالَ الذين يَظُنُّونَ أَنَّهُم مُّلاَقُواْ الله }.\rقال ابن عرفة : إن أريد الملاقاة بالإطلاق فهي بمعنى العلم وإن أريد الملاقاة حينئذ فالظن على بابه لأن الإنسان لا علم له بزمن موته.\rقال ( ابن عرفة ) : وعبر عنهم بهذا إشارة إلى ما قاله بعضهم في رسالة : \" من أحب الممات حيي ومن أحب الحياة مات \".\rقوله تعالى : { بِإِذْنِ الله }.\rقال ابن عرفة : قال ابن عطية : إذنُ الله هنا تمكينه وعلمه بمجموع ذلك الإذن.\r( ابن عرفة : كذا يقول في كل موضع ) والصواب أنّ معناه بقدرة الله وفضله وإرادته.\rقال ابن عرفة : وهذا إما أن بعضهم قاله لبعض أو قالوه كلهم لأنفسهم ( تشجيعا ) لها وتوطينا على الصبر على القتال والهجوم عليه.\rقوله تعالى : { والله مَعَ الصابرين }.\rقالوا : هذا إما من كلامهم أو من كلام الله تعالى.\rابن عرفة : ( والصواب أنه من كلامهم لأن فيه تشجيعا لأنفسهم وحضا لها على المقاتلة وأما إن كان من قوله الله تعالى ) خطابا لنبيه صلى الله عليه وسلم فهو بعد انفصال تلك القضية فلا مناسبة لها ، انتهى. أ هـ {تفسير ابن عرفة صـ 322 ـ 323}\rموعظة\rقال بعض الحكماء : الدنيا كنهر طالوت ، لا ينجو منها إلا من لم يشربْ أو اغترف غرفةً بيده ، فمن أخذ منها قَدْرَ الضرورةِ كَفَتْه ، ونَشَطَ لعبادة مولاه ، ومن أخذ فوق الحاجة حُبس في سجنها ، وكان أسيراً في يدها.\rوقال بعضهم : طالبُ الدنيا كشارب ماءِ البحر ، كلما زاد شربه ازداد عطشه. ه. وقال صلى الله عليه وسلم : \" من أُشرب قلبه حُبَ الدنيا التاط منها بثلاث : بشغل لا ينفد عناه ، وأمل لا يبلغ منتهاه ، وحرص لا يدرك مداه \" وقال عيسى عليه السلام : الدنيا مزرعة لإبليس ، وأهلها حراث له. أ هـ.\rوقال عليّ رضي الله عنه : الدنيا كالحية : لَيِّن مسها ، قاتل سمها ، فكن أحذر ما تكونُ منها ، أَسَرَّ ما تكون بها ؛ فإن من سكن منها إلى إيناس أزاله عنها إيحاش.","part":8,"page":34},{"id":3071,"text":"وقال عليه الصلاة والسلام : \" مِنْ هوان الدنيا على الله أنه لا يُعصى إلا فيها ، ولا ينال ما عنده إلا بتركها \" وقال سيدنا عليّ - كرّم الله وجهه- : أول الدنيا عناء ، وآخرها فناء ، حلالها حساب ، وحرامها عقاب ، ومتشابهها عتاب ، من استغنى فيها فُتن ، ومن افتقر فيها حزن. ه. وقيل : الدنيا تُقبل إقبال الطالب ، وتُدبر إدبار الهارب ، وتصل وصال الملول ، وتُفارق فراق العجول ، خيرها يسير ، وعمرها قصير ، ولذاتها فانية ، وتبعاتها باقية.\rوقال عيسى عليه السلام : تعملون للدنيا ، وأنتم تُرزقون فيها بغير عمل ، ولا تعملون للآخرة ، وأنتم لا ترزقون فيها إلا بالعمل. ه. وقيل : أوحى الله إلى الدنيا : مَنْ خدَمني فاخدِميه ، ومن خدمك فاستخدِميه.\rوكان عمرُ بنُ عبد العزيز يتمثل بهذه الأبيات :\rنهارُكَ مغرورُ سهوٌ وغفلةٌ... وليلُكَ نومٌ ، والأسَى لك لازمٌ\rتُسَرُّ بما يفْنَى ، وتفرحُ بالمُنَى... كما سُرَّ باللذَّات في النومِ حالمُ\rوشغلُك فيها سوف تكرَه غَبَّه... كذلك في الدنيا تَعيِشُ البهائمُ\rوقال آخر :\rهي الدارُ دَارُ الأذى والقذى... ودارُ الفناءِ ودارُ الْغِيَرْ\rفلو نِلْتَها بحذافيرها... لمِتَّ ولم تَقْضِ منا الوطرْ\rأيا مَنْ يؤملُ طولَ الخلودِ... وطولُ الخلودِ عليه ضررْ\rإذا ما كبِرْتَ وفات الشبَابُ... فلا خيرَ في العيش بعد الكِبرْ (1) أ هـ {البحر المديد حـ 1 صـ 205 ـ 206}\r__________________\r(1) بعض ما ذكر من آثار عن سيدنا عيسى عليه السلام يفتقر إلى سند. والله أعلم.","part":8,"page":35},{"id":3072,"text":"فوائد لغوية\rقال ابن عادل :\r[ قوله تعالى : \" فَصَلَ \" : أي : انْفَصَلَ ، فلذلك كان قاصِراً. وقيل إِنَّ أصلَه التَّعدِّي إلى مفعولٍ ولكن حُذِفَ ، والتقديرُ : فَصَلَ نفسه ثم إن هذا المفعول حذف حتى صار الفعلُ كالقاصِرِ.\rو { بالجنود } متعلِّقٌ بمحذوفٍ؛ لأنه حالٌ من \" طَالُوت \" أي مصاحباً لهم ]. وبين جملةِ قوله : \" فلمَّا فَصَلَ \" وبين ما قبلَها من الجملِ جُمل محذوفةٌ يَدُلُّ عليها فحوى الكلامِ وقوتُه ، تقديرُهُ : فلما أتاهم بالتَّابُوت أذعنوا له وأجابوا فَمَلَّكُوا طالوتَ ، وتأهَّبوا للخروجِ ، وهي كقوله : { فَأَرْسِلُونِ يُوسُفُ أَيُّهَا الصديق } [ يوسف : 45 ، 46 ]. ومعنى الفصل : القَطْعُ.\rيقال : فصلت اللَّحْمَ عن العَظم فَصْلاً ، وفاصل الرَّجُل شريكهُ وامرأته فصالاً. ويُقالُ للفطام فِصالٌ؛ لأَنَّه يقطعُ عن الرَّضاع وفصل عن المكان قطعه بالمجاوزة عنه ، قال تعالى : { وَلَمَّا فَصَلَتِ العير } [ يوسف : 94 ] والجنود جمع جُنْدٍ ، وكل صنف من الخلق جُنْدٌ على حدةٍ ، يقال للجراد الكثيرة : إنَّها جنود اللهِ ، ومنه قوله عليه الصَّلاة والسَّلام : \" الأَرْوَاح جُنُودٌ مُجَنَّدَةٌ \".\rوالابتلاء الامتحان وفيه لغتان من \" بَلاَ يَبْلُو \" و\" ابْتَلَى يَبْتَلِي \" ؛ قال : [ الكامل ]\rوَلَقَدْ بَلَوْتُكَ وَابْتَلَيْتُ خَلِيفَتِي... وَلَقَدْ كَفَاكَ مَوَدَّتِي بِتَأَدُّبِ\rفجاء باللُّغتين ، وأصلُ الياءِ في مبتليكم واوٌ لأَنَّهُ من بلا يبلُو؛ وابتلى يَبْتَلِي ، أي : اختبر ، وإِنَّما قلبت لانكِسَارِ ما قبلها.","part":8,"page":36},{"id":3073,"text":"قوله { بِنَهَرٍ } الجمهورُ على قراءتَه بفتح الهاء وهي اللَّغة الفصيحةُ ، وفيه لغةٌ أخرى : تسكينُ الهاءِ ، وبها قرأ مجاهد وأبو السَّمَّال في جميع القرآن وكلُّ ثلاثي حشوه حرف حلق ، فإِنّهُ يجيء على هذين الوجهين؛ كقوله : صَخَرَ وَصَخْر وشَعَر وشَعْر وَبَحَر وَبَحْر؛ قال : [ البسيط ]\rكَأَنَّمَا خُلِقَتْ كَفَّاهُ مِن حَجَرٍ... فَلَيْسَ بَيْنَ يَدَيْهِ وَالنِّى عَمَلُ\rيَرَى التَّيَمُّمَ فِي بَرٍّ وفي بَحَرٍ... مَخَافَةَ أَنْ يُرَى فِي كَفِّهِ بَلَلُ\rوتقدم اشتقاقُ هذه اللَّفظة عند قوله تعالى : { مِن تَحْتِهَا الأنهار } [ البقرة : 25 ].\rقوله : { فَلَيْسَ مِنِّي } ، أي : من أَشياعي وأصحابي ، و\" مِنْ \" للتَّبعيض؛ كأنه يجعلُ أصحابَه بعضه؛ ومثله قول النَّابغة : [ الوافر ]\rإِذَا حَاوَلْتَ فِي أَسَدٍ فُجُوراً... فَإِنِّي لَسْتُ مِنْكَ وَلَسْتَ مِنِّي\rومعنى يَطْعَمْهُ : يَذُقْهُ؛ تقولُ العربُ : \" طَمِعْتُ الشَّيْءَ \" أي : ذُقْتُ طَعْمَهُ؛ قال : [ الطويل ]\rفَإِنْ شِئْتَ حَرَّمْتُ النِّسَاءَ سِوَاكُمُ... وَإِنْ شِئْتَ لَمْ أَطْعَمْ نُقَاخاً وَلاَ بَرْدَا\rوالنقاخ : الماءُ العذبُ المروِي ، والبردُ : هو النَّومُ.\rفصل\rقال أهلُ اللُّغة : وإِنَّما اختير هذا اللَّفظُ لوجهين :\rأحدهما : أَنَّ الإِنسانَ إذا عطش جدّاً ، ثم شربَ الماء ، وأراد وصف ذلك الماء ، فإِنَّهُ يصفُهُ بالطُّعُومِ اللَّذِيذة ، فقوله : { وَمَن لَّمْ يَطْعَمْهُ } ، أي : وَإِنْ بلغ به العطشُ إلى حيث يكون الماءُ في فَمِهِ موصوفاً بالطُّعوم الطَّيِّبة؛ فإنه يجب عليه الاحتراز عنه ، وألا يشرب.","part":8,"page":37},{"id":3074,"text":"الثاني : أَنَّ مَنْ جعل الماءَ في فمه ، وتمضمض به ، ثم أخرجه فإنّه يصدق عليه أَنَّهُ ذاقه وطعمه ، ولا يصدُق عليه أَنَّه شربه ، فلو قال : ومن لم يشربه فإِنَّهُ مني ، كان المنعُ مقصوراً على الشّرب. فلما قال : { وَمَن لَّمْ يَطْعَمْهُ } حصل المنعُ في الشُّربِ ، والمضمضة ، ومعلومٌ أَنَّ هذا التَّكليف أَشَقُّ ، فإِنَّ الممنُوع من الشُّربِ ، إِذَا تَمَضْمضَ بالماءِ وجد نوع خِفَّةٍ وراحةٍ.\rقوله : { إِلاَّ مَنِ اغترف } منصوبٌ على الاستثناء ، وفي المُستَثنى منه وجهان :\rالصَّحيح أَنَّهُ الجملةُ الأولى ، وهي : { فَمَن شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي } ، والجملةُ الثانيةُ معترِضةٌ بين المُستَثنى والمُستَثنى مِنْهُ وأصلُها التَّأخيرِ ، وإِنَّما قُدِّمَتْ ، لأنها تَدلُّ عليها الأولى بطريقِ المفهوم ، فإنَّه لمَّا قال تعالى : { فَمَن شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي } ، فُهِمَ منه أَنَّ من لم يشرب فإنَّه منه ، فَلَمَّا كانت مدلولاً عليها بالمفهوم ، صارَ الفصلُ بها كلا فصلٍ.\rوقال الزمخشريُّ : والجُمْلَةُ الثَّانيةُ في حُكم المُتَأَخِّرة ، إلاَّ أَنَّها قُدِّمَتْ للعناية ، كما قُدِّمَتْ للعناية ، كما قُدِّمَ \" والصَّابِئُونَ \" في قوله : { إِنَّ الذين آمَنُواْ والذين هَادُواْ والصابئون } [ المائدة : 69 ].\rوالثاني : أَنَّهُ مستثنى من الجملة الثَّانية ، وإليه ذهب أبو البقاء. قال شهاب الدين : وهذا غيرُ سديدٍ لأنه يؤدِّي إلى أَنَّ المعنى : ومَنْ لم يطعمْه فإِنَّهُ مِنِّي ، إلاَّ مَنِ اغْتَرَفَ غُرفة بيده؛ فإنه ليس مني ، لأَنَّ الاسْتثناء من النَّفْي إثباتٌ ، ومن الإِثبات نفيٌ ، كما هو الصَّحيحُ ، ولكن هذا فاسدٌ في المعنى؛ لأنهم مفسوحٌ لهم في الاغترافِ غرفةً واحدةً.","part":8,"page":38},{"id":3075,"text":"والاستثناءُ إذا تعقَّبَ الجُمَلَ ، وصلح عَوْدُهُ على كلٍّ منها هل يختصُّ بالأخيرة ، أم لا؟\rخلافٌ مشهورٌ ، فإنْ دلَّ دليلٌ على اختصاصِهِ بإحدى الجُمَلِ عمِلَ به ، والآيةُ من هذا القبيل ، فإنَّ المعنى يعودُ إلى عودِهِ إلى الجُملة الأولى ، لا الثَّانية لِمَا قَرَّرْنَاهُ.\rوقرأ الحرمِيَّان وأبو عمرو : \" غَرْفَة \" بفتح الغين وكذلك يعقوب وخلفٌ. والباقون بضمها. فقيل : هما بمعنى المصدر ، إلاَّ أنهما جاءا على غير الصَّدر كنبات من أَنْبَتَ ، وَلَوْ جاءَ على الصَّدر لقيل : اغترافاً. وقيل : هما بمعنى المُغْتَرف كالأَكل بمعنى المأكولِ. وقيل : المَفْتُوح مصدرٌ قُصِدَ به الدَّلالة على الوحدةِ ، فإنَّ \" فَعْلَة \" يدُلُّ على المَرَّة الواحدة ، ومثله الأكلة يقال فلان يأكل بالنهار أكلة واحدة والمضمُومُ بمعنى المفعول ، فحيثُ جعلتهما مَصْدراً فالمفعولُ [ محذوفٌ ، تقديره : إلاَّ مَن اغترف ماءً ، وحيثُ جعلتهما بمعنى المفعول ] كانا مفعولاً به ، فَلا يُحتاج إلى تقديرِ مَفْعُولٍ.\rويدل على الشَّيء الَّذي يحصُلُ بالكَفِّ كاللُّقمة والحُسْوة والخُطوةِ بالضم ، والحُزَّة القطعة اليسيرة من اللحم. قال القرطبيُّ : وقال بعضهم : الغرقة بالكَفّ الواحد ، والغُرفة بالكفين.\r","part":8,"page":39},{"id":3076,"text":"وقال المبرِّدُ \" غَرْفَةً \" بالفتح مصدر يقعُ على قليل ما في يده وكثيره وبالضَّمِّ اسم ملء الكف ، أو ما اغترف به ، فحيثُ جعلتهما مصدراً ، فالمفعولُ محذوفٌ تقديره : إِلاَّ من اغترف ماءً ، وحيثُ جعلتهما بمعنى المفعول كان مفعولاً به ، فلا يحتاجُ إلى تقديره مفعولٍ ونُقِلَ عن أبي علي أَنَّهُ كان يُرَجِّح قراءة الضَّمِّ؛ لأَنَّه في قراءةِ الفتح يجعلها مصدراً ، والمصدرُ لا يوافق الفعل في بنائِهِ ، إِنَّما جاءَ على حذفِ الزوائد وجعلُها بمعنى المفعول لا يحوج إلى ذلك فكان أرجح.\rقوله : { بِيَدِهِ } يجوزُ أن يتعلَّق بـ \" اغْتَرَفَ \" وهو الظَّاهر. ويجوزُ أَنْ يتعلَّقَ بمحذوفٍ على أنه نعتٌ لـ \" غُرْفَة \" ، وهذا على قولنا : بأن \" غُرْفَة \" ، بمعنى المفعول أَظْهر منه على قولنا : بأنها مَصْدَرٌ ، فإنَّ الظَّاهِرَ من الباء على هذا أن تكون ظرفيَّةٌ ، أي : غُرفةً كائِنَةً في يده.\rقوله : { جَاوَزَهُ هُوَ والذين آمَنُواْ مَعَهُ } \" هو \" ضميرٌ مرفوعٌ منفصِلٌ مؤكِّدٌ للضّمير المستكنِّ في \" جَاوَزَ \".\rقوله : \" والَّذِين \" يحتملُ وجهين :\rأظهرهما : أنه عطفٌ على الضَّمير المستكنِّ في \" جَاوَزَ \" لوجود الشَّرط ، وهو توكيدُ المعطوفِ عليه بالضَّمير المنفصلِ.\rوالثاني : أَنْ تكُون الواوُ للحالِ ، قالوا : ويلزَمُ من الحالِ أن يكونُوا جاوزوا معه ، وهذا القائلُ يجعلُ \" الَّذِينَ \" مبتدأ ، والخبرَ قالوا : \" لاَ طَاقَةَ \" ؛ فصار المعنى : \" َفَمَّا جَاوَزَهُ ، والحالُ أنَّ الَّذِين آمنوا قالوا هذه المقالة \" ، والمعنى ليس عليه.","part":8,"page":40},{"id":3077,"text":"ويجوزُ إدغامُ هاء \" جَاوَزَهُ \" في هاء \" هُو \" ، ولا يُعْتدُّ بفصلِ صلةِ الهاءِ؛ لأنها ضعيفةٌ ، وإِنْ كان بعضهم استضعف الإِدغام ، قال : \" إِلاَّ أَنْ تُخْتَلَسَ الهاءُ \" ، يعني : فلا يبقى فاصلٌ. وهي قراءة أبي عمرو ، وأدغم أيضاً واوَ \" هُوَ \" في واو العطف بخلاف عنه ، فوه الإِدغام ظاهرٌ لالتقاءِ مثلين بشروطِهما. ومَنْ أظهر وهو ابن مجاهدٍ ، وأصحابُهُ قال : \" لأَنَّ الواو إِذا أُدْغِمَت سَكَنَتْ ، وإذا سكنت صَدَقَ عليها أنها واوٌ ساكنة قبلها ضمَّةٌ ، فصارَت نظير : { آمَنُواْ وَكَانُواْ } [ يونس : 63 ] فكما لا يُدغم ذاك لا يدغم هذا. وهذه العِلَّةُ فاسدةٌ لوجهين :\rأحدهما : أنها ما صارَتْ مثلَ \" آمنوا ، وكانوا \" إلا بعد الإِدغام ، فكيف يُقال ذلك؟ وأيضاً فإِنَّهُم أدغموا : { يَأْتِيَ يَوْمٌ } [ البقرة : 254 ] وهو نظيرُ : { فِي يَوْمٍ } [ إبراهيم : 18 ] و{ الذى يُوَسْوِسُ } [ الناس : 4 ] بعين ما عَلَّلوا به.\rوشرطُ هذا الإِدغام في هذا الحرف عند أبي عمرو ضمُّ الهاءِ ، كهذه الآية ، ومثله : { هُوَ والملائكة } [ آل عمران : 18 ] { هُوَ وَجُنُودُهُ } [ القصص : 39 ] ، فلو سكنت الهاءُ؛ امتنع الإِدغامُ نحو { وَهُوَ وَلِيُّهُمْ } [ الأنعام : 127 ] ولو جرى فيه الخلافُ أيضاً لم يكن بعيداً ، فله أُسوة بقوله : { خُذِ العفو وَأْمُرْ } [ الأعراف : 199 ] بل أولى لأَنَّ سكون هذا عارضٌ بخلافِ : \" الْعفوَ وأمر \".\rقوله تعالى : { والذين آمَنُواْ مَعَهُ }.\rليس المراد منه المعيّة في الإِيمان ، لأنَّ إيمانهم لم يكُن مع إِيمان طَالُوت ، بل المراد : أَنَّهم جاوزا النَّهر معه لأَنَّ لفظ \" مع \" لا تقتضي المعيَّة لقوله تعالى : { فَإِنَّ مَعَ العسر يُسْراً } [ الشرح : 5 ] واليسر لا يكون مع العسر.\r","part":8,"page":41},{"id":3078,"text":"قوله : { لاَ طَاقَةَ لَنَا اليوم } [ لنَا ] هو : خبر \" لا \" ، فيتعلَّقُ بمحذوفٍ ، ولا يجوزُ أن يتعلَّقَ بطاقة ، وكذلك ما بعده من قوله \" اليَومَ \" و\" بِجَالُوتَ \" ؛ لأنه حينئذٍ يصير مُطَوَّلاً والمُطَوَّلُ ينصبُ منوناً ، وهذا كما تراهُ مبنياً على الفتح ، بل \" اليَوْمَ \" و\" بِجَالُوتَ \" متعلِّقان بالاستقرار الَّذي تعلَّق به \" لنَا \".\rوأجاز أبو البقاء : أن يكون \" بِجَالُوتَ \" هو خبرَ \" لا \" ، و\" لنَا \" حينئذٍ : إِمَّا تبيينٌ أو متعلِّقٌ بمحذوف على أَنَّه صفةٌ لطاقة.\rوالطَّاقةُ : القُدرةُ وعينُها واو؛ لأَنَّها مِنَ الطَّوقِ وهو القُدرةُ ، وهي مصدرٌ على حذفِ الزَّوائدِ ، فإِنَّها من \" أَطَاقَ \" ونظيرها : أجَابَ جابةً ، وأَغَارَ غارةً ، وَأَطَاعَ طَاعةً.\rو \" جالوت \" اسمٌ أعجميٌّ ممنوعُ الصرفِ ، لا اشتقاقَ له ، وليس هو فَعَلوتاً من جال يَجُول ، كما تقدَّم في طَالُوت ، ومثلهما داود.\rقوله : { كَم مِّن فِئَةٍ } \" كَمْ \" خبريةٌ ، فإنَّ معناها التَّكثيرُ ، ويدلُّ على ذلك قراءة أبي : \" وكَائِن \" ، وهي للتكثير ، ومحلُّها الرَّفعُ بالابتداء ، و\" مِنْ فِئَةٍ \" تمييزُها ، و\" مِنْ \" زائدةٌ فيه. وأكثرُ ما يجيءُ مميِّزها ، ومميِّز \" كَائِن \" مجروراً بمِنْ ، ولهذا جاء التنزيلُ على ذلك ، وقد تُحْذفُ \" مِنْ \" فيُجَرُّ مميِّزها بالإِضافة لا بمِنْ مقدرةً على الصَّحيح ، وقد يُنصَبُ حَمْلاً على مُميِّز \" كَم \" الاستفهامية ، كما أَنَّهُ قد يُجَرُّ مميِّز الاستفهاميّةِ حَمْلاً عليها ، وذلك بشروطٍ ذكرها النُّحاةُ.\rقال الفرَّاء : لو ألغيت \" مِنْ \" ها هنا جاز فيه الرَّفع والنَّصبُ والخفضُ.","part":8,"page":42},{"id":3079,"text":"أَمَّا النَّصبُ فلأنّ \" كم \" بمنزلة عددٍ ، فينصب ما بعدهُ نحو : عشرونَ رجلاً. وَأَمَّا الخَفْضُ ، فبتقدير دخول حرف \" من \" عليه.\rوأَمَّا الرَّفعُ ، فعلى نيَّة الفِعْل تقديره \" كم غلبت فئةٌ \" ومِنْ مجيءِ \" كَائِن \" منصوباً قولُ الشاعر : [ الخفيف ]\rأُطْرُدِ اليَأْسَ بالرَّجَاءِ فَكَائِنْ... آلِماً حُمَّ يُسْرُهُ بَعْدَ عُسْرِ\rوَأَجازُوا أَنُ يكونَ \" مِنْ فِئَةٍ \" في محلِّ رفع صفةً لـ \" كم \" فيتعلَّق بمحذوفٍ. و\" غَلَبَت \" هذه الجملةُ هي خبرُ \" كم \" والتقديرُ : كثيرٌ من الفئاتِ القليلةِ غالبٌ الفئاتِ الكثيرةَ.\rوفي اشتقاق \" فئة \" قولان :\rأحدهما : أنها من فاء يَفِيء ، أي : رجع فَحُذِفَتْ عينُها ووزنُها فِلَة.\rوالثاني : أَنَّها مِنْ فَأَوْتُ رأسَه أي : كسرتُه ، فحُذِفت لامُها ووزنُها فِعَة كمئة ، إِلاَّ أَنَّ لامَ مائة ياءٌ ، ولامَ هذه واوٌ ، والفِئَةُ : الجماعةُ من النَّاسِ قلَّت ، أو كثرت ، وهي جمعٌ لا واحد له من لفظه ، وجمعها : فئات وفئون في الرَّفع ، وفئين في النَّصب والجرِّ ، ومعناها على كلٍّ من الاشتقاقين صحيحٌ ، فإنَّ الجماعَةَ من النَّاسِ يَرْجِعُ بعضهم إلى بعضٍ ، وهم أيضاً قطعةٌ من النَّاسِ كقطَعِ الرَّأْسِ المكسَّرة.\rقوله : { بِإِذْنِ الله } فيه وجهان.\rأَظهرهُمَا : أنَّه حالٌ فيتعلَّقُ بمحذوفٍ ، والتَّقدير : ملتبسين بتيسير الله لهم.\rوالثاني : أَنَّ الباءَ للتَّعْدية ، ومجرورها مفعولٌ به في المعنى ، ولهذا قال أبو البقاء : \" وإِنْ شِئْتَ جَعَلْتَها مَفْعُولاً به \".\rوقوله : { والله مَعَ الصابرين } مبتدأٌ وخبرٌ ، وتحتمِل وجهين :\rأحدهما : أن يكون محلُّها النَّصْبَ على أنها من مقولهم.\rوالثاني : أنَّها لا محلَّ لها من الإِعراب ، على أَنّها استئنافٌ أَخْبَرَ اللهُ تعالى بها. أ هـ {تفسير ابن عادل حـ 4 صـ 278 ـ 287}. بتصرف.","part":8,"page":43},{"id":3081,"text":"قوله تعالى : { وَلَمَّا بَرَزُوا لِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ قَالُوا رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ (250)}\rقال البقاعى :\rثم بين أنهم صدقوا قولهم قبل المباشرة بالفعل عندها فقال عاطفاً على ما تقديره : فلما قالوا لهم ذلك جمع الله كلمتهم فاعتمدوا عليه وبرزوا للقتال بين يديه : {ولما برزوا} وهم على ما هم عليه من الضعف والقلة ، والبروز هو الخروج عن كل شيء يوارى في براز من الأرض وهو الذي لا يكون فيه ما يتوارى فيه عن عين الناظر {لجالوت} اسم ملك من ملوك الكنعانيين كان بالشام في زمن بني إسرائيل {وجنوده} على ما هم عليه من القوة والكثرة والجرأة بالتعود بالنصر {قالوا ربنا أفرغ} من الإفراغ وهو السكب المفيض على كلية المسكوب عليه {علينا صبراً} حتى نبلغ من الضرب ما نحب في مثل هذا الموطن {وثبت} من التثبيت تفعيل من الثبات وهو التمكن في الموضع الذي شأنه الاستزلال {أقدامنا} جمع قدم وهو ما يقوم عليه الشيء ويعتمده ، أي بتقوية قلوبنا حتى لا نفر وتكون ضرباتنا منكبة موجعة وأشاروا بقولهم {وانصرنا على القوم الكافرين} موضع قولهم : عليهم ، إلى أنهم إنما يقاتلونهم لتضييعهم حقه سبحانه وتعالى لا لحظ من حظوظ النفس كما كان من معظمهم أول ما سألوا وإلى أنهم أقوياء فلا بد لهم من معونته عليهم سبحانه وتعالى أ هـ {نظم الدرر حـ 1 صـ 479}\rقال الفخر :\rإن العلماء والأقوياء من عسكر طالوت لما قرروا مع العوام والضعفاء أنه كم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة بإذن الله ، وأوضحوا أن الفتح والنصرة لا يحصلان إلا بإعانة الله ، لا جرم لما برز عسكر طالوت إلى عسكر جالوت ورأوا القلة في جانبهم ، والكثرة في جانب عدوهم ، لا جرم اشتغلوا بالدعاء والتضرع ، فقالوا : {رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا} ونظيره ما حكى الله عن قوم آخرين أنهم قالوا حين الالتقاء مع المشركين : {وَكَأَيّن مّن نَّبِىّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبّيُّونَ كَثِيرٌ} [ آل عمران : 146 ] إلى قوله : {وَمَا كَانَ قَوْلَهُمْ إِلاَّ أَن قَالُواْ ربَّنَا اغفر لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسْرَافَنَا فِى أَمْرِنَا وَثَبّتْ أَقْدَامَنَا وانصرنا عَلَى القوم الكافرين} [ آل عمران : 147 ] وهكذا كان يفعل رسول الله صلى الله عليه وسلم في كل المواطن ، وروي عنه في قصة بدر أنه عليه السلام لم يزل يصلي ويستنجز من الله وعده ، وكان متى لقي عدواً قال : \" اللهم إني أعوذ بك من شرورهم وأجعلك في نحورهم \" وكان يقول : \" اللهم بك أصول وبك أجول \". أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 6 صـ 157 ـ 158}\rفائدة لغوية\rقال ابن عادل :\rقوله تعالى : { بَرَزُواْ لِجَالُوتَ } في هذه اللام وجهان :\rأحدهما : أنَّها تتعلَّق بـ \" برزوا \".\rوالثاني : أنها تتعلَّقُ بمحذُوفٍ على أَنَّها ومجرورها حالٌ من فاعل : \" بَرَزوا \" قال أبو البقاء : \" وَيَجُوزُ أن تكُونَ حالاً أي : برزوا قاصِدِين لِجَالُوتَ \". ومعنى برزوا : صاروا إلى بَراز من الأرض ، وهو ما انْكَشَفَ منها وَاسْتَوَى ، وسميت المبارزة لظهور كُلّ قرنٍ لصاحبه. أ هـ {تفسير ابن عادل حـ 4 صـ 288}\rفصل\rقال الفخر :","part":8,"page":44},{"id":3082,"text":"الإفراغ الصب ، يقال : أفرغت الإناء إذا صببت ما فيه ، وأصله من الفراغ ، يقال : فلان فارغ معناه أنه خال مما يشغله ، والإفراغ إخلاء الإناء مما فيه ، وإنما يخلو بصب كل ما فيه.\rإذا عرفت هذا فنقول قوله : {أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا} يدل على المبالغة في طلب الصبر من وجهين أحدهما : أنه إذا صب الشيء في الشيء فقد أثبت فيه بحيث لا يزول عنه ، وهذا يدل على التأكيد والثاني : أن إفراغ الإناء هو إخلاؤه ، وذلك يكون بصب كل ما فيه ، فمعنى : أفرغ علينا صبراً : أي أصبب علينا أتم صب وأبلغه. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 6 صـ 158}\rفصل\rقال الفخر : \rالمسألة الرابعة : اعلم أن الأمور المطلوبة عند المحاربة مجموع أمور ثلاثة فأولها : أن يكون الإنسان صبوراً على مشاهدة المخاوف والأمور الهائلة ، وهذا هو الركن الأعلى للمحارب فإنه إذا كان جباناً لا يحصل منه مقصود أصلاً وثانيها : أن يكون قد وجد من الآلات والأدوات والاتفاقات الحسنة مما يمكنه أن يقف ويثبت ولا يصير ملجأ إلى الفرار وثالثها : أن تزداد قوته على قوة عدوه حتى يمكنه أن يقهر العدو.\rإذا عرفت هذا فنقول المرتبة الأولى : هي المراد من قوله : {أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا} والثانية : هي المراد بقوله : {وَثَبّتْ أَقْدَامَنَا} والثالثة : هي المراد بقوله : {وانصرنا عَلَى القوم الكافرين }. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 6 صـ 158}\rفصل : \rقال الفخر : ","part":8,"page":45},{"id":3083,"text":"احتج الأصحاب على أن أفعال العباد مخلوقة لله تعالى بقوله : {رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا} وذلك لأنه لا معنى للصبر إلا القصد على الثبات ، ولا معنى للثبات إلا السكون والاستقرار وهذه الآية دالة على أن ذلك القصد المسمى بالصبر من الله تعالى ، وهو قوله : {أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا} وعلى أن الثبات والسكون الحاصل عند ذلك القصد أيضاً بفعل الله تعالى ، وهو قوله : {وَثَبّتْ أَقْدَامَنَا} وهذا صريح في أن الإرادة من فعل العبد وبخلق الله تعالى ، أجاب القاضي عنه بأن المراد من الصبر وتثبيت القدم تحصيل أسباب الصبر ، وأسباب ثبات القدم ، وتلك الأسباب أمور أحدها : أن يجعل في قلوب أعدائهم الرعب والجبن منهم فيقع بسبب ذلك منهم الاضطراب فيصير ذلك سبباً لجراءة المسلمين عليهم ، ويصير داعياً لهم إلى الصبر على القتال وترك الانهزام ، وثانيها : أن يلطف ببعض أعدائهم في معرفة بطلان ما هم عليه فيقع بينهم الاختلاف والتفرق ويصير ذلك سبباً لجراءة المؤمنين عليهم وثالثها : أن يحدث تعالى فيهم وفي ديارهم وأهاليهم من البلاء مثل الموت والوباء ، وما يكون سبباً لاشتغالهم بأنفسهم ، ولا يتفرغون حينئذٍ للمحاربة فيصير ذلك سبباً لجراءة المسلمين عليهم ورابعها : أن يبتليهم بمرض وضعف يعمهم أو يعم أكثرهم ، أو يموت رئيسهم ومن يدبر أمرهم فيعرف المؤمنون ذلك فيصير ذلك سبباً لقوة قلوبهم ، وموجباً لأن يحصل لهم الصبر والثبات ، هذا كلام القاضي.\rوالجواب عنه من وجهين : الأول : أنا بينا أن الصبر عبارة عن القصد إلى السكوت والثبات عبارة عن السكون ، فدلت هذه الآية على أن إرادة العبد ومراده من الله تعالى وذلك يبطل قولكم وأنتم تصرفون الكلام عن ظاهره وتحملونه على أسباب الصبر وثبات الأقدام ، ومعلوم أن ترك الظاهر بغير دليل لا يجوز.","part":8,"page":46},{"id":3084,"text":"الوجه الثاني : في الجواب أن هذه الأسباب التي سلمتم أنها بفعل الله تعالى إذا حصلت ووجدت فهل لها أثر في الترجيح الداعي أوليس لها أثر فيه وإن لم يكن لها أثر فيه لم يكن لطلبها من الله قائدة وإن كان لها أثر في الترجيح فعند صدور هذه الأسباب المرجحة من الله يحصل الرجحان ، وعند حصول الرجحان يمتنع الطرف المرجوح ، فيجب حصول الطرف الراجح ، لأنه لا خروج عن طرفي النقيض ، وهو المطلوب ، والله أعلم. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 6 صـ 158 ـ 159}\rكلام نفيس للعلامة أبى السعود فى الآية الكريمة\rقال رحمه الله : \r{ وَلَمَّا بَرَزُواْ } أي ظهر طالوتُ ومن معه من المؤمنين وصاروا إلى براز من الأرض في موطن الحرب { لِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ } وشاهدوا ما هم عليه من العَدد والعُدد وأيقنوا أنهم غيرُ مطيقين لهم عادة { قَالُواْ } أي جميعاً عند تقوى قلوب الفريقُ الأولُ منهم بقول الفريق الثاني متضرعين إلى الله تعالى مستعينين به { رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا } على مقاساة شدائِد الحربِ واقتحامِ مواردِه الصعبةِ الضيقة وفي التوسل بوصف الربوبية المُنبىء عن التبليغ إلى الكمال وإيثارِ الإفراغِ المعرب عن الكثرة وتنكيرِ الصبر المفصح عن التفخيم من الجزالة ما لا يخفى { وَثَبّتْ أَقْدَامَنَا } في مداحض القتالِ ومزالِّ النزال وثباتُ القدم عبارةٌ عن كمال القوةِ والرسوخِ عند المقارعة وعدمِ التزلزل وقت المقاومة لا مجرد التقرّر في حيز واحد { وانصرنا عَلَى القوم الكافرين } بقهرهم وهزمِهم ، ووضعُ الكافرين في موضع الضمير العائد إلى جالوتَ وجنودِه للإشعار بعِلة النصرِ عليهم ، ولقد راعَوْا في الدعاء ترتيباً بديعاً حيث قدموا سؤالَ إفراغِ الصبر الذي هو مِلاكُ الأمر ثم سؤالَ تثبيتِ القدم المتفرغِ عليه ثم سؤالَ النصرِ الذي هو الغاية القصوى. أ هـ {تفسير أبى السعود حـ 1 صـ 244}\rوقال أبو حيان : ","part":8,"page":47},{"id":3085,"text":"{ ولما برزوا لجالوت وجنوده } صاروا بالبراز من الأرض ، وهو ما ظهر واستوى ، والمبارزة في الحرب أن يظهر كل قرن لصاحبه بحيث يراه قرنه ، وكان جنود طالوت ثلاثمائة ألف فارس ، وقيل : مائة ألف ، وقال عكرمة : تسعين ألفاً.\r{ قالوا ربنا أفرغ علينا صبرا } الصبر : هنا حبس النفس للقتال ، فزعوا إلى الدعاء لله تعالى فنادوا بلفظ الرب الدال على الإصلاح وعلى الملك ، ففي ذلك إشعار بالعبودية.\rوقولهم : أفرغ علينا صبراً سؤال بأن يصب عليهم الصبر حتى يكون مستعلياً عليهم ، ويكون لهم كالظرف وهم كالمظروفين فيه.\r{ وثبت أقدامنا } فلا تزل عن مداحض القتال ، وهو كناية عن تشجيع قلوبهم وتقويتها ، ولما سألوا ما يكون مستعلياً عليهم من الصبر سألوا تثبيت أقدامهم وإرساخها.\r{ وانصرنا على القوم الكافرين } أي : أعنا عليهم ، وجاؤا بالوصف المقتضي لخذلان أعدائهم ، وهو الكفر ، وكانوا يعبدون الأصنام ، وفي قولهم : ربنا ، إقرار لله تعالى بالوحدانية ، وقرار له بالعبودية. أ هـ {البحر المحيط حـ 2 صـ 277}\rلطيفة\rقال العلامة الآلوسى : \rوفي هذا الدعاء من اللطافة وحسن الأسلوب والنكات ما لا يخفى ، أما أولاً : فلأن فيه التوسل بوصف الربوبية المنبئة عن التبليغ إلى الكمال ، \rوأما ثانياً : فلأن فيه الإفراغ ، وهو يؤذن بالكثرة ، وفيه جعل الصبر بمنزلة الماء المنصب عليهم لثلج صدورهم وإغنائهم عن الماء الذي منعوا عنه ، \rوأما ثالثاً : فلأن فيه التعبير بعلى المشعر بجعل ذلك كالظرف وجعلهم كالمظروفين ، \rوأما رابعاً : فلأن فيه تنكير صبراً المفصح عن التفخيم ، \rوأما خامساً : فلأن في الطلب الثاني وهو تثبيت الأقدام ما يرشح جعل الصبر بمنزلة الماء في الطلب الأول إذ مصاب الماء مزالق فيحتاج فيها إلى التثبت ، \rوأما سادساً : فلأن فيه حسن الترتيب حيث طلبوا\rأولاً : إفراغ الصبر على قلوبهم عند اللقاء","part":8,"page":48},{"id":3086,"text":"وثانياً : ثبات القدم والقوة على مقاومة العدوّ حيث أن الصبر قد يحصل لمن لا مقاومة له ، \rوثالثاً : العمدة والمقصود من المحاربة وهو النصرة على الخصم حيث إن الشجاعة بدون النصرة طريق عتبته عن النفع خارجة ، وقيل : إنما طلبوا\rأولاً : إفراغ الصبر لأنه ملاك الأمر ، \rوثانياً : التثبيت لأنه متفرع عليه ، \rوثالثاً : النصر لأنه الغاية القصوى ، \rواعترض هذا بأنه يقتضي حينئذٍ التعبير بالفاء لأنها التي تفيد الترتيب ، \rوأجيب بأن الواو أبلغ لأنه عول في الترتيب على الذهن الذي هو أعدل شاهد كما ذكر السكاكي. أ هـ {روح المعانى حـ 2 صـ 173}\rفائدة بلاغية\rقال ابن عاشور : \rعبروا عن إلهامهم إلى الصبر بالإفراغ استعارة لقوة الصبر فإن القوة والكثرة يتعاوران الألفاظَ الدالة عليهما ، كقول أبي كبير الهذلي : \rكثير الهوى شَتَّى النوى والمسالك...\rوقد تقدم نظيره ، فاستعير الإفراغ هنا للكثرة مع التعميم والإحاطة وتثبيت الأقدام استعارة لعدم الفرار شبه الفرار والخوف بزلق القدم ، فشبه عدمه بثبات القدم في المأزق. أ هـ {التحرير والتنوير حـ 2 صـ 499}\rمن لطائف الإمام القشيرى فى الآية\rكان أهم أمورهم الصبر والوقوف للعدو ، ثم بعده النصرة عليهم فإن الصبر حق الحق ، والنصرة نصيبهم ، فقدَّموا تحقيق حقه - سبحانه - وتوفيقه لهم ، ثم وجود حظِّهم من النصرة ، ثم أشاروا إلى أنهم يطلبون النصرة عليهم - لا للانتقام منهم لأَجْل ما فاتهم من نصيبهم - ولكن لكونهم كافرين ، أعداء الله.\rفقاموا بكل وجهٍ لله بالله ؛ فلذلك نُصِرُوا وَوَجدوا الظفر. أ هـ {لطائف الإشارات حـ 1 صـ 194}\rمن فوائد ابن عرفة فى الآية\rقوله تعالى : { قَالُواْ رَبَّنَآ أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْراً... }.\rدَعَوْا بالأمر المعنوي وهو الصبر وبالحسي ( والمراد ) بتثبيت الأقدام عدم الرجوع على الأعقاب ، وليس المراد الوقوف في موضع واحد وابتدؤوا في الدعاء بالصبر لأنه سبب في تثبيت الأقدام.","part":8,"page":49},{"id":3087,"text":"قاله الزمخشري : \" أي هب لنا ما نثبت به من القوة والرعب ( في قلب العدو ) ونحوه من الأسباب.\rقال ابن عرفة : وهذا على مذهبه في أن العبد يستقل بفعله ونحن نقول : المراد ثبت أقدامنا حقيقة.\rقوله تعالى : { وانصرنا عَلَى القوم الكافرين }.\rتنبيه على أن قتالهم إياهم إنما هو لوصف كفرهم لا لغرض دنيوي ، وهنا محذوف مقدر أي فقاتلوهم فهزموهم.\rوحكى ابن عطية هنا والزمخشري أن ( ايشي ) كان له ستة أولاد أحدهم ( داود ) وكان صغير السن فمر في طريقه بثلاثة أحجار ، قال له : كل واحد منها خذني ( فَبِي تقتل ) جالوت فجعلها في مخلاته وطلب جالوت ( المبارزة ) ، فقال طالوت : من يبرز فيقلته فأنا أزوجه بنتي وأحكمه في مالي ؟ وكان داود من أرمى الناس بالمقلاع والتأمت الحجارة فوضعها في ( المقلاع ) وسمى بالله وأداره ورماه فأصاب رأس جالوت فقتله وحزّ رأسه وجعله في مخلاته.\rقال ابن عرفة : المقلاع شبه الوضف.\rالزمخشري : وزوجه طالوت ابنته وروي أنه ( حسده ) وأراد قتله ثم تاب.\rقيل لابن عرفة : كيف صحّ هذا وقد حكى الزمخشري عن بعضهم أنّ طالوت ( نبي ). والنّبي معصوم ؟ \rفقال : الأكثر على أنّه غير نبي وقد ( تاب ) من هذا ، ومعلوم ما فيه.\rقال ابن عرفة : وهذه الآية يرد بها على الكوفيين في قولهم : إن الواو تفيد الترتيب لأن المفسرين نقلوا هنا أنّ الهزيمة إنما كانت بعد أن قتل داود جالوت فحينئذ انهزموا وتفرقوا. أ هـ {تفسير ابن عرفة صـ 324}","part":8,"page":50},{"id":3088,"text":"قوله تعالى : { فَهَزَمُوهُمْ بِإِذْنِ اللَّهِ وَقَتَلَ دَاوُودُ جَالُوتَ وَآَتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَهُ مِمَّا يَشَاءُ وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ وَلَكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالَمِينَ (251)}\rمناسبة الآية لما قبلها\rقال البقاعى :\rثم رتب على ذلك النتيجة حثاً على الاقتداء بهم لنيل ما نالوا فقال عاطفاً على ما تقديره : فأجاب الله سبحانه وتعالى دعاءهم : {فهزموهم} مما منه الهزيمة وهو فرار من شأنه الثبات - قاله الحرالي ، وقال : ولم يكن فهزمهم الله ، كما لهذه الأمة في {ولكن الله قتلهم} [ الأنفال : 17 ] انتهى.\r{بإذن الله} أي الذي له الأمر كله.\rثم بين ما خص به المتولي لعظم الأمر بتعريض نفسه للتلف في ذات الله سبحانه وتعالى من الخلال الشريفة الموجبة لكمال الحياة الموصلة إلى البقاء السرمدي فقال : {وقتل داود} وكان في جيش طالوت {جالوت} قال الحرالي : مناظرة قوله {وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى} [ الأنفال : 17 ] وكان فضل الله عليك عظيماً - انتهى.\rوفي الزبور في المزمور الحادي والخمسين بعد المائة وهو آخره : صغيراً كنت في إخوتي ، حدثاً في بيت أبي ، راعياً غنمه ، يداي صنعتا الأرغن ، وأصابعي عملت القيثار ، من الآن اختارني الرب إلهي واستجاب لي وأرسل ملاكه وأخذني من غنم أبي ومسحني بدهن مسحته إخوتي حسان وأكرمني ولم يسر بهم الرب ، خرجت ملتقياً الفلسطيني الجبار الغريب فدعا علي بأوثانه فرميته بثلاثة أحجار في جبهته بقوة الرب فصرعته واستللت سيفه وقطعت به رأسه ونزعت العار عن بني إسرائيل.","part":8,"page":51},{"id":3089,"text":"{وآتاه الله} بجلاله وعظمته {الملك} قال الحرالي : كان داود عليه الصلاة والسلام عندهم من سبط الملك فاجتمعت له المزيتان من استحقاق البيت وظهور الآية على يديه بقتل جالوت ، قال تعالى : {والحكمة} تخليصاً للملك مما يلحقه بفقد الحكمة من اعتداء الحدود انتهى.\rفكان داود عليه الصلاة والسلام أول من جمع له بين الملك والنبوة {وعلمه} أي زيادة مما يحتاجان إليه {مما يشاء} من صنعة الدروع وكلام الطير وغير ذلك. أ هـ {نظم الدرر حـ 1 صـ 479 ـ 480}\rقال الفخر : \r","part":8,"page":52},{"id":3090,"text":"المعنى : أن الله تعالى استجاب دعاءهم ، وأفرغ الصبر عليهم ، وثبت أقدامهم ، ونصرهم على القوم الكافرين : جالوت وجنوده وحقق بفضله ورحمته ظن من قال : {كَم مّن فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةٍ كَثِيرَةً بِإِذْنِ الله وهزموهم بِإِذُنِ الله} وأصل الهزم في اللغة الكسر ، يقال سقاء منهزم إذا تشقق مع جفاف ، وهزمت العظم أو القصبة هزماً ، والهزمة نقرة في الجبل ، أو في الصخرة ، قال سفيان بن عيينة في زمزم : هي هَزْمَةُ جبريل يريد هزمها برجله فخرج الماء ، ويقال : سمعت هزمة الرعد كأنه صوت فيه تشقق ، ويقال للسحاب : هزيم ، لأنه يتشقق بالمطر ، وهزم الضرع وهزمه ما يكسر منه ، ثم أخبر تعالى أن تلك الهزيمة كانت بإذن الله وبإعانته وتوفيقه وتيسيره ، وأنه لولا إعانته وتيسيره لما حصل ألبتة ثم قال : {وَقَتَلَ دَاوُودُ جَالُوتَ} قال ابن عباس رضي الله عنهما : إن داود عليه السلام كان راعياً وله سبعة إخوة مع طالوت فلما أبطأ خبر إخوته على أبيهم إيشاً أرسل ابنه داود إليهم ليأتيه بخبرهم ، فأتاهم وهم في المصاف وبدر جالوت الجبار وكان من قوم عاد إلى البراز فلم يخرج إليه أحد فقال : يا بني إسرائيل لو كنتم على حق لبارزني بعضكم فقال داود لإخوته أما فيكم من يخرج إلى هذا الأقلف ؟ فسكتوا ، فذهب إلى ناحية من الصف ليس فيها إخوته فمر به طالوت وهو يحرض الناس ، فقال له داود : ما تصنعون بمن يقتل هذا الأقلف ؟ فقال طالوت : أنكحه ابنتي وأعطيه نصف ملكي فقال داود : فأنا خارج إليه وكان عادته أن يقاتل بالمقلاع الذئب والأسد في الرعي ، وكان طالوت عارفاً بجلادته ، فلما هم داود بأن يخرج رماه فأصابه في صدره ، ونفذ الحجر فيه ، وقتل بعده ناساً كثيراً ، فهزم الله جنود جالوت {وَقَتَلَ دَاوُودُ جَالُوتَ} فحسده طالوت وأخرجه من مملكته ، ولم يف له بوعده ، ثم ندم فذهب يطلبه إلى أن قتل ، وملك داود وحصلت له النبوة ، ولم يجتمع في بني إسرائيل الملك","part":8,"page":53},{"id":3091,"text":"والنبوة إلا له. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 6 صـ 159}\rقال القرطبى : \rقوله تعالى : { وَقَتَلَ دَاوُدُ جَالُوتَ } وذلك أن طالوت الملك اختاره من بين قومه لقتال جالوت ، وكان رجلاً قصيراً مِسقاماً مِصفاراً أصغر أزرق ، وكان جالوت من أشدّ الناس وأقواهم وكان يهزم الجيوش وحده ، وكان قتل جالوت وهو رأس العمالقة على يده.\rوهو داود بن إيشَى بكسر الهمزة ، ويُقال : داود بن زكريا بن رشوى ، وكان من سِبط يهوذا بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم عليهم السَّلام ، وكان من أهل بيت المقدس جمع له بين النبوّة والملك بعد أن كان راعياً وكان أصغر إخوته وكان يرعى غنماً ، وكان له سبعة إخوة في أصحاب طالوت ؛ فلما حضرت الحرب قال في نفسه : لأذهبنّ إلى رؤية هذه الحرب ، فلما نهض في طريقه مر بحجر فناداه : يا داود خذني فبي تقتل جالوت ، ثم ناداه حَجَر آخر ثم آخر فأخذها وجعلها في مخِلاته وسار ، فخرج جالوت يطلب مبارِزاً فكَعّ الناس عنه حتى قال طالوت : من يَبْرُز إليه ويقتله فأنا أزوّجه ابنتي وأحكِّمه في مالي ؛ فجاء داود عليه السَّلام فقال : أنا أبرز إليه وأقتله ، فازدراه طالوت حين رآه لصغر سِنِّه وقصره فردّه ، وكان داود أزرق قصيراً ؛ ثم نادى ثانية وثالثة فخرج داود ، فقال طالوت له : هل جرّبت نفسك بشيء ؟ قال نعم ؛ قال بماذا ؟ قال : وقع ذئب في غنمي فضربته ثم أخذت رأسه فقطعته من جسده.\rقال طالوت : الذئب ضعيف ، هلى جرّبت نفسك في غيره ؟ قال : نعم ، دخل الأسد في غنمي فضربته ثم أخذت بلحييه فشققتهما ؛ أفترى هذا أشدّ من الأسد ؟ قال لا ؛ وكان عند طالوت دِرْعٌ لا تستوي إلاَّ على من يقتل جالوت ، فأخبره بها وألقاها عليه فاستوت ؛ فقال طالوت : فاركب فرسي وخذ سلاحي ففعل ؛ فلما مشى قليلاً رجع فقال الناس : جَبُن الفتى! فقال داود : إن الله إن لم يقتله لي ويُعِنِّي عليه لم ينفعني هذا الفرس ولا هذا السلاح ، ولكنِّي أحب أن أُقاتله على عادتي.\r","part":8,"page":54},{"id":3092,"text":"قال : وكان داود من أرْمَى الناس بالمِقْلاع ، فنزل وأخذ مِخْلاته فتقلّدها وأخذ مقلاعه وخرج إلى جالوت ، وهو شاكٍ في سلاحه على رأسه بيضة فيها ثلاثمائة رطل ، فيما ذكر الماوردي وغيره ؛ فقال له جالوت : أنت يا فتى تخرج إلي! قال نعم ؛ قال : هكذا كما تخرج إلى الكلب! قال نعم ، وأنت أهون.\rقال : لأطعمنّ لحمك اليوم للطّيْر والسِّباع ؛ ثم تدانيا وقصد جالوت أن يأخذ داود بيده استخفافاً به ، فأدخل داود يده إلى الحجارة ، فرُوي أنها التأمَتْ فصارت حجراً واحداً ، فأخذه فوضعه في المقلاع وسمى الله وأداره ورماه فأصاب به رأس جالوت فقتله ، وحز رأسه وجعله في مِخلاته ، واختلط الناس وحمل أصحاب طالوت فكانت الهزيمة.\rوقد قيل : إنما أصاب بالحجر من البيضة موضع أنفه ، وقيل : عينه وخرج من قفاه ، وأصاب جماعة من عسكره فقتلهم.\rوقيل : إن الحجر تفَتّت حتى أصاب كل من في العسكر شيء منه ؛ وكان كالقبْضَة التي رمى بها النبي صلى الله عليه وسلم هَوَازن يوم حُنَيْن ، والله أعلم.\rوقد أكثر الناس في قصص هذه الآي ، وقد ذكرت لك منها المقصود والله المحمود. أ هـ {تفسير القرطبى حـ 3 صـ 257 ـ 258}\rوقال الآلوسى : ","part":8,"page":55},{"id":3093,"text":"أخرج عبد الرزاق وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن وهب بن منبه قال : لما برز طالوت لجالوت قال جالوت : أبرزوا إليّ من يقاتلني فإن قتلني فلكم ملكي وإن قتلته فلي ملككم فأتى بداود إلى طالوت فقاضاه إن قتله أن ينكحه ابنته وأن يحكمه في ماله فألبسه طالوت سلاحاً فكره داود أن يقاتله بسلاح وقال : إن الله تعالى إن لم ينصرني عليه لم يغن السلاح شيئاً فخرج إليه بالمقلاع ومخلاة فيها أحجار ثم برز له فقال له جالوت : أنت تقاتلني ؟ قال داود : نعم قال : ويلك ما خرجت إلا كما تخرج إلى الكلب بالمقلاع والحجارة لأبددن لحمك ولأطعمنه اليوم للطير والسباع فقال له داود : بل أنت عدو الله تعالى شر من الكلب فأخذ داود حجراً فرماه بالمقلاع فأصابت بين عينيه حتى قعدت في دماغه فصرخ جالوت وانهزم من معه واحتز رأسه.\r","part":8,"page":56},{"id":3094,"text":"{ آتاه الله الملك } في بني إسرائيل بعد ما قتل جالوت وهلك طالوت ، وذلك أن طالوت كما روي في بعض الأخبار لما رجع وفي الشرط فأنكح داود ابنته وأجرى خاتمه في ملكه فمال الناس إلى داود وأحبوه فلما رأى ذلك طالوت وجد في نفسه وحسده فأراد قتله فعلم به داود فسجى له زق خمر في مضجعه فدخل طالوت إلى منام داود وقد هرب داود فضرب الزق ضربة فخرقه فسال الخمر منه فقال : يرحم الله تعالى داود ما كان أكثر شربه للخمر ثم إن داود أتاه من القابلة في بيته وهو نائم فوضع سهمين عند رأسه وعند رجليه وعن يمينه وعن شماله سهمين فلما استيقظ طالوت بصر بالسهام فعرفها فقال : يرحم الله تعالى داود هو خير مني ظفرت به فقتلته وظفر بي فكف عني ثم إنه ركب يوماً فوجده يمشي في البرية وطالوت على فرس فقال : اليوم أقتل داود وكان داود إذا فزع لا يدرك فركض على أثره طالوت ففزع داود فاشتد فدخل غاراً وأوحى الله تعالى إلى العنكبوت فضربت عليه بيتاً فلما انتهى طالوت إلى الغار ونظر إلى بناء العنكبوت قال : لو كان دخل ههنا لخرق بيت العنكبوت فرجع ، وجعل العلماء والعباد يطعنون عليه بما فعل مع داود وجعل هو يقتل العلماء وسائر من ينهاه عن قتل داود حتى قتل كثيراً من الناس ثم إنه ندم بعد ذلك وخلى الملك وكان له عشرة بنين فأخذهم وخرج يقاتل في سبيل الله تعالى كفارة لما فعل حتى قتل هو وبنوه في سبيل الله تعالى فاجتمعت بنو إسرائيل على داود وملكوه أمرهم فهذا إيتاء الملك.(1) أ هـ {روح المعانى حـ 2 صـ 173}\r________________\r(1) هذا الكلام فيه نظر والأولى عدم التعويل عليه. والله أعلم.","part":8,"page":57},{"id":3095,"text":"فائدة\rقال الفخر : \rاعلم أن قوله : {فَهَزَمُوهُم بِإِذْنِ الله وَقَتَلَ دَاوُودُ جَالُوتَ} يدل على أن هزيمة عسكر جالوت كانت من طالوت وإن كان قتل جالوت ما كان إلا من داود ولا دلالة في الظاهر على أن انهزام العسكر كان قبل قتل جالوت أو بعده ، لأن الواو لا تفيد الترتيب. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 6 صـ 159}\rفائدة\rقال القرطبى : \rوفي قول طالوت : \"ومن يبرز له ويقتله فأني أزوّجه ابنتي وأحكِّمه في مالي\" معناه ثابت في شرعنا ، وهو أن يقول الإمام : من جاء برأس فله كذا ، أو أسير فله كذا ، على ما يأتي بيانه في \"الأنفال\" إن شاء الله تعالى.\rوفيه دليل على أن المبارزة لا تكون إلاَّ بإذن الإمام ؛ كما يقوله أحمد وإسحاق وغيرهما.\rواختلف فيه عن الأوزاعيّ فحكي عنه أنه قال : لا يحمل أحد إلاَّ بإذن إمامه.\rوحكي عنه أنه قال : لا بأس به ، فإن نهى الإمام عن البَرَاز فلا يُبارز أحد إلاَّ بإذنه.\rوأباحت طائفة البراز ولم تذكر بإذن الإمام ولا بغير إذنه ؛ هذا قول مالك.\rسئل مالك عن الرجل يقول بين الصفين : من يبارز ؟ فقال : ذلك إلى نيته إن كان يريد بذلك الله فأرجو ألا يكون به بأس ، قد كان يُفعَل ذلك فيما مضى.\rوقال الشافعيّ : لا بأس بالمبارزة.\rقال ابن المنذر : المبارزة بإذن الإمام حسن ، وليس على من بارز بغير إذن الإمام حرج ، وليس ذلك بمكروه لأني لا أعلم خبراً يمنع منه. أ هـ {تفسير القرطبى حـ 3 صـ 258}\rقوله تعالى : {وآتاه الله الملك والحكمة}\rفصل\rقال الفخر : ","part":8,"page":58},{"id":3096,"text":"قال بعضهم آتاه الله الملك والنبوة جزاء على ما فعل من الطاعة العظيمة ، وبذل النفس في سبيل الله ، مع أنه تعالى كان عالماً بأنه صالح لتحمل أمر النبوة ، والنبوة لا يمتنع جعلها جزاء على الطاعات كما قال تعالى : {وَلَقَدِ اخترناهم على عِلْمٍ عَلَى العالمين * وءاتيناهم مِنَ الآيات مَا فِيهِ بَلَؤٌاْ مُّبِينٌ} [ الدخان : 32 ، 33 ] وقال : {الله أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ} [ الأنعام : 124 ] وظاهر هذه الآية يدل أيضاً على ذلك لأنه تعالى لما حكى عن داود أنه قتل جالوت ، قال بعده : {وآتاه الله الملك والحكمة} والسلطان إذا أنعم على بعض عبيده الذين قاموا بخدمة شاقة ، يغلب على الظن أن ذلك الإنعام لأجل تلك الخدمة ،\rوقال الأكثرون : إن النبوة لا يجوز جعلها جزاء على الأعمال ، بل ذلك محض التفضل والإنعام ، قال تعالى : {الله يَصْطَفِى مِنَ الملائكة رُسُلاً وَمِنَ الناس} [ الحج : 75 ]. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 6 صـ 160}\rقال القرطبى :\r{ وَآتَاهُ الله الملك والحكمة } قال السدي : أتاه الله ملك طالوت ونبوّة شمعون.\rوالذي علّمه هو صنعة الدرُوع ومنطق الطير وغير ذلك من أنواع ما علمه صلى الله عليه وسلم.\rوقال ابن عباس : هو أن الله أعطاه سلسلة موصولة بالمجرّة والفلك ورأسها عند صومعة داود ؛ فكان لا يحدث في الهواء حدث إلاَّ صلصلت السلسلة فيعلم داود ما حدث ، ولا يمسها ذو عاهة إلاَّ برىء ؛ وكانت علامة دخول قومه في الدِّين أن يمسوها بأيديهم ثم يمسحون أكفّهم على صدورهم ، وكانوا يتحاكمون إليها بعد داود عليه السَّلام إلى أن رفعت. (1) أ هـ {تفسير القرطبى حـ 3 صـ 258}\r________________\r(1) لا يخفى ما فى بعض هذا الكلام من غرابة وبعد ، وألفاظ الآية لم تشر إليه ألبتة ، ولا يترتب على ذكره كثير فائدة. والله أعلم.","part":8,"page":59},{"id":3097,"text":"فصل\rقال الفخر :\rقال بعضهم : ظاهر الآية يدل على أن داود حين قتل جالوت آتاه الله الملك والنبوة ، وذلك لأنه تعالى ذكر إيتاء الملك والنبوة عقيب ذكره لقتل داود جالوت ، وترتيب الحكم على الوصف المناسب مشعر بكون ذلك الوصف علة لذلك الحكم ، وبيان المناسبة أنه عليه السلام لما قتل مثل ذلك الخصم العظيم بالمقلاع والحجر ، كان ذلك معجزاً ، لا سيما وقد تعلقت الأحجار معه وقالت : خذنا فإنك تقتل جالوت بنا ، فظهور المعجز يدل على النبوة ، وأما الملك فلأن القوم لما شاهدوا منه قهر ذلك العدو العظيم المهيب بذلك العمل القليل ، فلا شك أن النفوس تميل إليه وذلك يقتضي حصول الملك له ظاهراً ، وقال الأكثرون : إن حصول الملك والنبوة له تأخر عن ذلك الوقت بسبع سنين على ما قاله الضحاك ، قالوا والروايات وردت بذلك ، قالوا : لأن الله تعالى كان قد عين طالوت للملك فيبعد أن يعزله عن الملك حال حياته ، والمشهور في أحوال بني إسرائيل كان نبي ذلك الزمان أشمويل ، وملك ذلك الزمان طالوت ، فلما توفي أشمويل أعطى الله تعالى النبوة لداود ، ولما مات طالوت أعطى الله تعالى الملك لداود ، فاجتمع الملك والنبوة فيه. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 6 صـ 160}\rفصل\rقال أبو حيان :\rالحكمة وضع الأمور مواضعها على الصواب ، وكمال ذلك إنما يحصل بالنبوّة ، ولم يكن ذلك لغيره قبله ، كان الملك في سبط والنبوّة في سبط ، فلما مات شمويل وطالوت اجتمع لداود الملك والنبّوة.\rوقال مقاتل : الحكمة الزبور ، وقيل : العدل في السيرة ؟ وقيل : الحكمة العلم والعمل به.\rوقال الضحاك : هي سلسلة كانت متدلية من السماء لا يمسكها ذو عاهة إلاَّ برىء ، يتحاكم إليها ، فمن كان محقاً تمكن منها حتى إن رجلاً كانت عنده درة لرجل ، فجعلها في عكازته ودفعها إليه أن احفظها حتى أمس السلسلة ، فتمكن منها لأنه ردها ، فرفعت لشؤم احتياله. (1)\rوإذا كانت الحكمة كان ذكر الملك قبلها.\r_____________\r(1) لا يخفى ما فى هذا القول من البعد البعيد.","part":8,"page":60},{"id":3098,"text":"والنبوّة بعده من باب الترقي. أ هـ {البحر المحيط حـ 2 صـ 278}\rوقال الفخر : \r{الحكمة} هي وضع الأمور مواضعها على الصواب والصلاح ، وكمال هذا المعنى إنما يحصل بالنبوة ، فلا يبعد أن يكون المراد بالحكمة ههنا النبوة ، قال تعالى : {أم يحسدون الناس على ما آتاهم الله من فضله فقد آتينا آل إبراهيم الكتاب والحكمة وآتيناهم ملكاً عظيماً} [ النساء : 54 ] وقال فيما بعث به نبيه عليه السلام {وَيُعَلّمُهُمُ الكتاب والحكمة} [ آل عمران : 146 ].\rفإن قيل : فإذا كان المراد من الحكمة النبوة ، فلم قدم الملك على الحكمة ؟ مع أن الملك أدون حالاً من النبوة.\rقلنا : لأن الله تعالى بين في هذه الآية كيفية ترقي داود عليه السلام إلى المراتب العالية ، وإذا تكلم المتكلم في كيفية الترقي ، فكل ما كان أكثر تأخراً في الذكر كان أعلى حالاً وأعظم رتبة. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 6 صـ 160}\rقوله تعالى : {وَعَلَّمَهُ مِمَّا يَشَاء}\rقال الفخر : \rأما قوله تعالى : {وَعَلَّمَهُ مِمَّا يَشَاء} ففيه وجوه أحدها : أن المراد به ما ذكره في قوله : {وَعَلَّمْنَاهُ صَنْعَةَ لَبُوسٍ لَّكُمْ لِتُحْصِنَكُمْ مّن بَأْسِكُمْ} [ الأنبياء : 80 ] وقال : {وَأَلَنَّا لَهُ الحديد * أَنِ اعمل سابغات وَقَدّرْ فِى السرد }\r[ سبأ : 10 ، 11 ]\rوثانيها : أن المراد كلام الطير والنمل ، قال تعالى حكاية عنه : {عُلّمْنَا مَنطِقَ الطير} [ النمل : 16 ]\rوثالثها : أن المراد به ما يتعلق بمصالح الدنيا وضبط الملك ، فإنه ما ورث الملك من آبائه ، لأنهم ما كانوا ملوكاً بل كانوا رعاة ورابعها : علم الدين ، قال تعالى : {وَءاتَيْنَا دَاوُودُ زَبُوراً} [ النساء : 163 ] وذلك لأنه كان حاكماً بين الناس ، فلا بد وأن يعلمه الله تعالى كيفية الحكم والقضاء وخامسها : الألحان الطيبة ، ولا يبعد حمل اللفظ على الكل.","part":8,"page":61},{"id":3099,"text":"فإن قيل : إنه تعالى لما ذكر إنه آتاه الحكمة ، وكان المراد بالحكمة النبوة ، فقد دخل العلم في ذلك ، فلم ذكر بعده {علمه مِمَّا يَشَاء }.\rقلنا : المقصود منه التنبيه على أن العبد قط لا ينتهي إلى حالة يستغني عن التعلم ، سواء كان نبياً أو لم يكن ، ولهذا السبب قال لمحمد صلى الله عليه وسلم : {وَقُل رَّبّ زِدْنِى عِلْماً} [ طه : 114 ]. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 6 صـ 160 ـ 161}\rوقال أبو حيان :\r{ وعلمه مما يشاء }وقيل : الزبور ، وقيل : الصوت الطيب والألحان ، قيل : ولم يعط الله أحداً من خلقه مثل صوته ، كان إذا قرأ الزبور تدنو الوحوش حتى يأخذ بأعناقها ، وتظله الطير مصيخة له ، ويركد الماء الجاري ، وتسكن الريح ، وما صنعت المزامير والصنوج إلاَّ على صوته. (1)\rوقيل : { مما يشاء } فعل الطاعات والأمر بها ، واجتناب المعاصي.\rوالضمير الفاعل في : يشاء عائد على داود أي : مما يشاء داود. أ هـ {البحر المحيط حـ 2 صـ 278}\rوقال الآلوسى :\rالضمير المستتر راجع إلى الله تعالى ، وعوده إلى داود كما قال السمين ضعيف لأن معظم ما علمه تعالى له مما لا يكاد يخطر ببال ، ولا يقع في أمنية بشر ليتمكن من طلبه ومشيئته. أ هـ {روح المعانى حـ 2 صـ 173}\rقوله تعالى : { وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ وَلَكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالَمِينَ }\rالمناسبة\rقال البقاعى :\r_____________\r(1) هذا الكلام يفتقر إلى سند.","part":8,"page":62},{"id":3100,"text":"ولما بين سبحانه وتعالى هذه الواقعة على طولها هذا البيان الذي يعجز عنه الإنس والجان بين حكمة الجهاد والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بل ما هو أعم من ذلك من تسليط بعض الناس على بعض بسبب أنه جبل البشر على خلائق موجبة للتجبر وطلب التفرد بالعلو المفضي إلى الاختلاف فقال - بانياً له على ما تقديره : فدفع الله بذلك عن بني إسرائيل ما كان ابتلاهم به - : {ولولا دفع الله} المحيط بالحكمة والقدرة بقوته وقدرته {الناس} وقرىء : دفاع.\rقال الحرالي : فعال من اثنين وما يقع من أحدهما دفع وهو رد الشيء بغلبة وقهر عن وجهته التي هو منبعث إليها بأشد منته ، وهو أبلغ من الأول إشارة إلى أنه سبحانه وتعالى يفعل في ذلك فعل المبالغ.","part":8,"page":63},{"id":3101,"text":"ولما أثبت سبحانه وتعالى أن الفعل له خلقاً وإيجاداً بيّن أنه لعباده كسباً ومباشرة فقال : {بعضهم ببعض} فتارة ينصر قويهم على ضعيفهم كما هو مقتضى القياس ، وتارة ينصر ضعيفهم - كما فعل في قصة طالوت - على قويهم حتى لا يزال ما أقام بينهم من سبب الحفظ بهيبة بعضهم لبعض قائماً {لفسدت الأرض} بأكل القوي الضعيف حتى لا يبقى أحد {ولكن الله} تعالى بعظمته وجلاله وعزته وكماله يكف بعض الناس ببعض ويولي بعض الظالمين بعضاً وقد يؤيد الدين بالرجل الفاجر على نظام دبّره وقانون أحكمه في الأزل يكون سبباً لكف القوي عن الضعيف إبقاء لهذا الوجود على هذا النظام إلى الحد الذي حده ثم يزيل الشحناء على زمن عيسى عليه الصلاة والسلام ليتم العلم بكمال قدرته واختياره وذلك من فضله على عباده وهو {ذو فضل} عظيم جداً {على العالمين} أي كلهم أولاً بالإيجاد وثانياً بالدفاع فهو يكف من ظلم الظلمة إما بعضهم ببعض أو بالصالحين وقليل ما هم ويسبغ عليهم غير ذلك من أثواب نعمه ظاهرة وباطنة ، ومما يشتد اتصاله بهذه القصة ما أسنده الحافظ أبو القاسم بن عساكر في الكنى من تاريخ دمشق في ترجمة أبي عمرو بن العلاء عن الأصمعي قال : أنشدنا أبو عمرو بن العلاء قال : سمعت أعرابياً ينشد وقد كنت خرجت إلى ظاهر البصرة متفرجاً مما نالني من طلب الحجاج واستخفائي منه : \rصبر النفس عند كل ملمّ . . .\rإن في الصبر حيلة المحتال\rلا تضيقن في الأمور فقد . . .\rيكشف لأواؤها بغير احتيال\rربما تجزع النفوس من . . .\rالأمر له فرجة كحل العقال\rقد يصاب الجبان في آخر . . .\rالصفّ وينجو مقارع الأبطال\rفقلت ما وراءك يا أعربي ؟ فقال : مات الحجاج ، فلم أدر بأيهما أفرح بموت الحجاج أو بقوله : له فرجة! لأني كنت أطلب شاهداً لاختياري القراءة في سورة البقرة {إلا من اغترف غرفة} [ البقرة : 249 ] - انتهى. أ هـ {نظم الدرر حـ 1 صـ 481 ـ 482}\rقال الفخر : \r","part":8,"page":64},{"id":3102,"text":"اعلم أنه تعالى لما بين أن الفساد الواقع بجالوت وجنوده زال بما كان من طالوت وجنوده ، وبما كان من داود من قتل جالوت بين عقيب ذلك جملة تشتمل كل تفصيل في هذا الباب ، وهو أنه تعالى يدفع الناس بعضهم ببعض لكي لا تفسد الأرض ، فقال : {وَلَوْلاَ دَفْعُ الله الناس بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الأرض} وههنا مسائل : \rالمسألة الأولى : قرأ ابن كثير وأبو عمرو {وَلَوْلاَ دَفْعُ الله} بغير ألف ، وكذلك في سورة الحج {وَلَوْلاَ دَفْعُ الله} [ الحج : 40 ] وقرآ جميعاً {إِنَّ الله يدفع عَنِ الذين ءامَنُواْ} [ الحج : 38 ] بغير ألف ووافقهما عاصم وحمزة والكسائي وابن عامر اليحصبي على دفع الله بغير ألف إلا أنهم قرؤا {إِنَّ الله يُدَافِعُ عَنِ الذين ءامَنُواْ} بالألف ، وقرأ نافع {وَلَوْلاَ دفاع الله} و{إِنَّ الله يُدَافِعُ} بالألف.\rإذا عرفت هذه الروايات فنقول : أما من قرأ : {وَلَوْلاَ دَفْعُ الله} ، {إِنَّ الله يدفع} فوجهه ظاهر ، وأما من قرأ : {وَلَوْلاَ دفاع الله} ، {إِنَّ الله يُدَافِعُ عَنِ الذين ءامَنُواْ} فوجه الإشكال فيه أن المدافعة مفاعلة ، وهي عبارة عن كون كل واحد من المدافعين دافعاً لصاحبه ومانعاً له من فعله ، وذلك من العبد في حق الله تعالى محال ، وجوابه أن لأهل اللغة في لفظ دفاع قولين\rأحدهما : أنه مصدر لدفع ، تقول : دفعته دفعاً ودفاعاً ، كما تقول : كتبته كتباً وكتاباً ، قالوا : وفعال كثيراً يجيء مصدراً للثلاثي من فعل وفعل ، تقول : جمح جماحاً ، وطمح طماحاً ، وتقول : لقيته لقاء ، وقمت قياماً ، وعلى هذا التأويل كان قوله : {وَلَوْلاَ دفاع الله} معناه ولولا دفع الله.\r","part":8,"page":65},{"id":3103,"text":"والقول الثاني : قول من جعل دفاع من دافع ، فالمعنى أنه سبحانه إنما يكف الظلمة والعصاة عن ظلم المؤمنين على أيدي أنبيائه ورسله وأئمة دينه وكان يقع بين أولئك المحقين وأولئك المبطلين مدافعات ومكافحات ، فحسن الإخبار عنه بلفظ المدافعة ، كما قال : {يُحَارِبُونَ الله وَرَسُولَهُ} [ المائدة : 33 ] ، {وَشَاقُّواْ الله} [ الأنفال : 13 ] وكما قال : {قاتلهم الله} [ التوبة : 30 ] ونظائره والله أعلم. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 6 صـ 161}\rفصل\rقال القرطبى : \rاختلف العلماء في الناس المدفوع بهم الفساد من هم ؟ فقيل : هم الأبْدَال وهم أربعون رجلاً كلما مات واحد بدّل الله آخر ، فإذا كان عند القيامة ماتوا كلهم ؛ اثنان وعشرون منهم بالشام وثمانية عشر بالعراق.\rوروي عن عليّ رضي الله عنه قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : \" إن الأبدال يكونون بالشام وهم أربعون رجلاً كلما مات منهم رجل أبدل الله مكانه رجلاً يسقي بهم الغيث وينصر بهم على الأعداء ويصرف بهم عن أهل الأرض البلاء \" ذكره الترمذيّ الحكيم في \"نوادر الأُصول\".\rوخرّج أيضاً عن أبي الدرداء قال : إن الأنبياء كانوا أوتاد الأرض ، فلما انقطعت النبوّة أبدل الله مكانهم قوماً من أُمة محمد صلى الله عليه وسلم يُقال لهم الأبدال ؛ لم يفضلوا الناس بكثرة صوم ولا صلاة ولكن بحسن الخلق وصدق الورع وحسن النية وسلامة القلوب لجميع المسلمين والنصيحة لهم ابتغاء مرضاة الله بصبر وحلم ولب وتواضع في غير مَذلّة ، فهم خلفاء الأنبياء قوم اصطفاهم الله لنفسه واستخلصهم بعلمه لنفسه ، وهم أربعون صِدّيقاً منهم ثلاثون رجلاً على مثل يقين إبراهيم خليل الرحمن ، يدفع الله بهم المكاره عن أهل الأرض والبلايا عن الناس ، وبهم يُمطَرون ويُرزَقون ، لا يموت الرجل منهم حتى يكون الله قد أنشأ من يخلفه.\r","part":8,"page":66},{"id":3104,"text":"وقال ابن عباس : ولولا دفع الله العدوّ بجنود المسلمين لغلب المشركون فقتلوا المؤمنين وخرّبوا البلاد والمساجد.\rوقال سفيان الثوريّ : هم الشهود الذين تُستخرج بهم الحقوق.\rوحكى مكيّ أن أكثر المفسرين على أن المعنى : لولا أن الله يدفع بمن يصلِّي عمن لا يصلِّي وبمن يتقي عمن لا يتقي لأهلك الناس بذنوبهم ؛ وكذا ذكر النحاس والثعلبيّ أيضاً.\r( قال الثعلبي ) وقال سائر المفسرين : ولولا دفاع الله المؤمنين الأبرار عن الفجار والكفار لفسدت الأرض ، أي هلكت.\rوذكر حديثاً أن النبيّ صلى الله عليه وسلم قال : \" \"إن الله يدفع العذاب بمن يصلّي من أُمتي عمن لا يصلِّي وبمن يزكِّي عمن لا يزكِّي وبمن يصوم عمن لا يصوم وبمن يحج عمن لا يحج وبمن يجاهد عمن لا يجاهد ، ولو اجتمعوا على ترك هذه الأشياء ما أنظرهم الله طرفة عين\" ثم تلا رسول الله صلى الله عليه وسلم \"وَلَوْلاَ دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الاٌّرْضُ\"\"\rوعن النبيّ صلى الله عليه وسلم قال : \" إن لله ملائكة تنادي كل يوم لولا عباد رُكَّعٌ وأطفال رُضّع وبهائم رُتّع لصبّ عليكم العذاب صبا \" خرّجه أبو بكر الخطيب بمعناه من حديث الفضيل بن عياض.\rحدّثنا منصور عن إبراهيم عن علقمة عن عبد الله قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : \" لولا فيكم رجال خُشّع وبهائم رُتّع وصبيان رُضّع لصب العذاب على المؤمنين صبا \" أخذ بعضهم هذا المعنى فقال : \rلولا عبادٌ للإله رُكّعُ . . .\rوصِبْيَة من اليتامى رُضّعُ\rوَمُهْمَلاتٌ في الفَلاة رُتّعُ . . .\rصُبّ عليكم العذاب الأوْجَعُ\rوروى جابر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : \" إن الله ليصلح بصلاح الرجل ولده وولد ولده وأهل دويرته ودويرات حوله ولا يزالون في حفظ الله ما دام فيهم \" وقال قتادة : يبتلى الله المؤمن بالكافر ويعافى الكافر بالمؤمن.\r","part":8,"page":67},{"id":3105,"text":"وقال ابن عمر قال النبي صلى الله عليه وسلم : \" إن الله ليدفع بالمؤمن الصالح عن مائة من أهل بيته وجيرانه البلاء \" ثم قرأ ابن عمر \"وَلَوْلاَ دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الأَرْضُ\".\rوقيل : هذا الدفع بما شرع على ألْسِنَة الرسل من الشرائع ، ولولا ذلك لتسالب الناس وتناهبوا وهلكوا ، وهذا قول حسن فإنه عموم في الكف والدفع وغير ذلك فتأمّله. أ هـ {تفسير القرطبى حـ 3 صـ 260 ـ 261}\rوقال أبو حيان : \rوالذي يظهر : أن المدفوع بهم هم المؤمنون ، ولولا ذلك لفسدت الأرض ، لأن الكفر كان يطبقها ويتمادى في جميع أقطارها ، ولكنه تعالى لا يخلي زماناً من قائم يقوم بالحق ويدعو إلى الله تعالى ، إلى أن جعل ذلك في أمّة محمد صلى الله عليه وسلم.\rوقال الزمخشري : لولا أن الله يدفع بعض الناس ببعض ، ويكف بهم فسادهم ، لغلب المفسدون ، وفسدت الأرض ، وبطلت منافعها ، وتعطلت مصالحها من الحرث والنسل وسائر ما يعمر الأرض. انتهى.\rوهو كلام حسن. أ هـ {البحر المحيط حـ 2 صـ 279}\rوقال الفخر : \rاعلم أنه تعالى ذكر في هذه الآية المدفوع والمدفوع به ، فقوله : {وَلَوْلاَ دَفْعُ الله الناس بَعْضَهُم} إشارة إلى المدفوع ، وقوله : {بِبَعْضِ} إشارة إلى المدفوع به ، فأما المدفوع عنه فغير مذكور في الآية ، فيحتمل أن يكون المدفوع عنه الشرور في الدين ويحتمل أن يكون المدفوع عنه الشرور في الدنيا ، ويحتمل أن يكون مجموعهما.\rأما القسم الأول : وهو أن يكون المدفوع عنه الشرور في الدين ، فتلك الشرور إما أن يكون المرجع بها إلى الكفر ، أو إلى الفسق ، أو إليهما ، فلنذكر هذه الاحتمالات.","part":8,"page":68},{"id":3106,"text":"الاحتمال الأول : أن يكون المعنى : ولولا دفع الله بعض الناس عن الكفر بسبب البعض ، وعلى هذا التقدير فالدافعون هم الأنبياء وأئمة الهدى فإنهم الذين يمنعون الناس عن الوقوع في الكفر بإظهار الدلائل والبراهين والبينات قال تعالى : {كِتَابٌ أنزلناه إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ الناس مِنَ الظلمات إِلَى النور} [ إبراهيم : 1 ].\rوالاحتمال الثاني : أن يكون المراد : ولولا دفع الله بعض الناس عن المعاصي والمنكرات بسبب البعض ، وعلى هذا التقدير فالدافعون هم القائمون بالأمر بالمعروف ، والنهي عن المنكر على ما قال تعالى : {كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بالمعروف وَتَنْهَوْنَ عَنِ المنكر} [ آل عمران : 110 ] ويدخل في هذا الباب : الأئمة المنصوبون من قبل الله تعالى لأجل إقامة الحدود وإظهار شعائر الإسلام ونظيره قوله تعالى : {ادفع بالتى هِىَ أَحْسَنُ السيئة} [ المؤمنون : 96 ] وفي موضع آخر : {وَيَدْرَؤُنَ بالحسنة السيئة} [ الرعد : 22 ].\rالاحتمال الثالث : ولولا دفع الله بعض الناس عن الهرج والمرج وإثارة الفتن في الدنيا بسبب البعض ، \r","part":8,"page":69},{"id":3107,"text":"واعلم أن الدافعين على هذا التقدير هم الأنبياء عليهم السلام ، ثم الأئمة والملوك الذابون عن شرائعهم ، وتقريره : أن الإنسان الواحد لا يمكنه أن يعيش وحده ، لأنه ما لم يخبز هذا لذاك ولا يطحن ذاك لهذا ، ولا يبني هذا لذاك ، ولا ينسج ذاك لهذا ، لا تتم مصلحة الإنسان الواحد ، ولا تتم إلا عند اجتماع جمع في موضع واحد ، فلهذا قيل : الإنسان مدني بالطبع ، ثم إن الاجتماع بسبب المنازعة المفضية إلى المخاصمة أولاً ، والمقاتلة ثانياً ، فلا بد في الحكمة الإلهية من وضع شريعة بين الخلق ، لتكون الشريعة قاطعة للخصومات والمنازعات ، فالأنبياء عليهم السلام الذين أوتوا من عند الله بهذه الشرائع هم الذين دفع الله بسببهم وبسبب شريعتهم الآفات عن الخلق فإن الخلق ما داموا يبقون متمسكين بالشرائع لا يقع بينهم خصام ولا نزاع ، فالملوك والأئمة متى كانوا يتمسكون بهذه الشرائع كانت الفتن زائلة ، والمصالح حاصلة فظهر أن الله تعالى يدفع عن المؤمنين أنواع شرور الدنيا بسبب بعثة الأنبياء عليهم السلام واعلم أنه كما لا بد في قطع الخصومات والمنازعات من الشريعة فكذا لا بد في تنفيذ الشريعة من الملك ، ولهذا قال عليه الصلاة والسلام\r","part":8,"page":70},{"id":3108,"text":"\" الإسلام والسلطان أخوان توأمان \" وقال أيضاً : \" الإسلام أمير ، والسلطان حارس ، فما لا أمير له فهو منهزم ، وما لا حارس له فهو ضائع \" ولهذا يدفع الله تعالى عن المسلمين أنواع شرور الدنيا بسبب وضع الشرائع وبسبب نصب الملوك وتقويتهم ، ومن قال بهذا القول قال في تفسير قوله : {لَفَسَدَتِ الأرض} أي لغلب على أهل الأرض القتل والمعاصي ، وذلك يسمى فساداً قال الله تعالى : {وَيُهْلِكَ الحرث والنسل والله لاَ يُحِبُّ الفساد} [ البقرة : 205 ] وقال : {أَتُرِيدُ أَن تَقْتُلَنِى كَمَا قَتَلْتَ نَفْساً بالأمس إِن تُرِيدُ إِلاَّ أَن تَكُونَ جَبَّاراً فِى الأرض وَمَا تُرِيدُ أَن تَكُونَ من المصلحين} [ القصص : 19 ] وقال : {إِنّى أَخَافُ أَن يُبَدّلَ دِينَكُمْ أَوْ أَن يُظْهِرَ فِى الأرض الفساد} [ غافر : 26 ] وقال : {أَتَذَرُ موسى وَقَوْمَهُ لِيُفْسِدُواْ فِى الأرض} [ الأعراف : 127 ] وقال : {ظَهَرَ الفساد فِى البر والبحر بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِى الناس} [ الروم : 41 ] وهذا التأويل يشهد له قوله في سورة الحج : {وَلَوْلاَ دَفْعُ الله الناس بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَّهُدّمَتْ صوامع وَبِيَعٌ وصلوات ومساجد} [ الحج : 40 ]\r","part":8,"page":71},{"id":3109,"text":"الاحتمال الرابع : ولولا دفع الله بالمؤمنين والأبرار عن الكفار والفجار ، لفسدت الأرض ولهلكت بمن فيها ، وتصديق هذا ما روي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : \" يدفع بمن يصلي من أمتي عمن لا يصلي ، وبمن يزكي عمن لا يزكي ، وبمن يصوم عمن لا يصوم ، وبمن يحج عمن لا يحج ، وبمن يجاهد عمن لا يجاهد ، ولو اجتمعوا على ترك هذه الأشياء لما أنظرهم الله طرفة عين \" ثم تلا رسول الله صلى الله عليه وسلم هذه الآية على صحة هذا القول من القرآن قوله تعالى : {وَأَمَّا الجدار فَكَانَ لغلامين يَتِيمَيْنِ فِى المدينة وَكَانَ تَحْتَهُ كَنزٌ لَّهُمَا وَكَانَ أَبُوهُمَا صالحا} [ الكهف : 82 ] وقال تعالى : {وَلَوْلاَ رِجَالٌ مُّؤْمِنُونَ وَنِسَاء مؤمنات} [ الفتح : 25 ] إلى قوله : {لَوْ تَزَيَّلُواْ لَعَذَّبْنَا الذين كَفَرُواْ مِنْهُمْ عَذَاباً أَلِيماً} [ الفتح : 25 ] وقال : {وَمَا كَانَ الله لِيُعَذّبَهُمْ وَأَنتَ فِيهِمْ} [ الأنفال : 33 ] ومن قال بهذا القول قال في تفسير قوله : {لَفَسَدَتِ الأرض} أي لأهلك الله أهلها لكثرة الكفار والعصاة.\rوالاحتمال الخامس : أن يكون اللفظ محمولاً على الكل ، لأن بين هذه الأقسام قدراً مشتركاً وهو دفع المفسدة ، فإذا حملنا اللفظ عليه دخلت الأقسام بأسرها فيه. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 6 صـ 161 ـ 163}","part":8,"page":72},{"id":3110,"text":"قال الطبرى فى معنى الآية : \rوهذه الآية إعلامٌ من الله تعالى ذكره أهلَ النفاق الذين كانوا على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ، المتخلِّفين عن مَشاهده والجهادِ معه للشكّ الذي في نفوسهم ومرض قلوبهم ، والمشركين وأهلِ الكفر منهم ، وأنه إنما يدفع عنهم معاجَلَتهم العقوبة على كفرهم ونفاقهم بإيمان المؤمنين به وبرسوله ، الذين هم أهل البصائر والجدّ في أمر الله ، وذوو اليقين بإنجاز الله إياهم وعدَه على جهاد أعدائه وأعداء رسوله ، من النصر في العاجل ، والفوز بجنانه في الآجل. أ هـ {تفسير الطبرى حـ 5 صـ 373}","part":8,"page":73},{"id":3111,"text":"كلام نفيس للعلامة ابن عاشور فى معنى الآية : \rقال رحمه الله : \rومعنى الآية : أنه لولا وقوع دفع بعض الناس بعضاً آخر بتكوين الله وإيداعه قوة الدفع وبواعثه في الدافع لفسدت الأرض ، أي من على الأرض ، واختل نظام ما عليها ، ذلك أن الله تعالى لما خلق الموجودات التي على الأرض من أجناس وأنواع وأصناف ، خلقها قابلة للاضمحلال ، وأودع في أفرادها سننا دلت على أن مراد الله بقاؤها إلى أمد أراده ، ولذلك نجد قانون الخَلَفية منبثاً في جميع أنواع الموجودات فما من نوع إلاّ وفي أفراده قوة إيجاد أمثالها لتكون تلك الأمثال أخلافاً عن الأفراد عند اضمحلالها ، وهذه القوة هي المعبر عنها بالتناسل في الحيوان ، والبذر في النبت ، والنضح في المعادن ، والتولد في العناصر الكيماوية.\rووجود هذه القوة في جميع الموجودات أول دليل على أن موجِدها قد أراد بقاء الأنواع ، كما أراد اضمحلال الأفراد عند آجال معينة ، لاختلال أو انعدام صلاحيتها ، ونعلم من هذا أن الله خالق هذه الأكوان لا يحب فسادها ، وقد تقدم لنا تفسير قوله : { وإذا تولى سعى في الأرض ليفسد فيها ويهلك الحرث والنسل والله لا يحب الفساد } [ البقرة : 205 ].\rثم إن الله تعالى كما أودع في الأفراد قوة بها بقاء الأنواع ، أودع في الأفراد أيضاً قوى بها بقاء تلك الأفراد بقدر الطاقة ، وهي قوى تطلُّب الملائم ودفع المنافي ، أو تطلُّب البقاء وكراهية الهلاك ، ولذلك أودع في جميع الكائنات إدراكات تنساق بها ، بدون تأمل أو بتأمل ، إلى ما فيه صلاحها وبقاؤها ، كانسياق الوليد لالتهام الثدي ، وأطفال الحيوان إلى الأثداء والمراعي ، ثم تتوسع هذه الإدراكات ، فيتفرع عنها كل ما فيه جلب النافع الملائم عن بصيرة واعتياد ، ويسمى ذلك بالقوة الشاهية.","part":8,"page":74},{"id":3112,"text":"وأودع أيضاً في جميع الكائنات إدراكات تندفع بها إلى الذب عن أنفسها ، ودفع العوادي عنها ، عن غير بصيرة ، كتعريض اليد بين الهاجم وبين الوجه ، وتعريض البقرة رأسها بمجرد الشعور بما يهجم عليها من غير تأمل في تفوق قوة الهاجم على قوة المدافع ، ثم تتوسع هاته الإدراكات فتتفرع إلى كل ما فيه دفع المنافر من ابتداء بإهلاك من يُتوقع منه الضر ، ومن طلب الكِن ، واتخاذ السلاح ، ومقاومة العدو عند توقع الهلاك ، ولو بآخر ما في القوة وهو القوة الغاضبة ولهذا تزيد قوة المدافعة اشتداداً عند زيادة توقع الأخطار حتى في الحيوان.\rوما جعله الله في كل أنواع الموجودات من أسباب الأذى لمريد السوء به أدل دليل على أن الله خلقها لإرادة بقائها ، وقد عَوَّضَ الإنسان عما وهبه إلى الحيوان العقلَ والفكرة في التحيل على النجاة ممن يريد به ضرراً ، وعلى إيقاع الضر بمن يريده به قبل أن يقصده به ، وهو المعبر عنه بالاستعداد.\rثم إنه تعالى جعل لكل نوع من الأنواع ، أو فرد من الأفراد خصائص فيها منافع لغيره ولنفسه ليحرص كل على إبقاء الآخر ، فهذا ناموس عام ، وجعل الإنسان بما أودَعه من العقل هو المهيمن على بقية الأنواع.\rوجعل له العلم بما في الأنواع من الخصائص ، وبما في أفراد نوعه من الفوائد.\rفخلق الله تعالى أسباب الدفاع بمنزلة دفع من الله يدفع مريد الضر بوسائل يستعملها المراد إضراره ، ولولا هذه الوسائل التي خولها الله تعالى أفراد الأنواع ، لاشتد طمع القوي في إهلاك الضعيف ، ولاشتدت جراءة من يجلب النفع إلى نفسه على منافع يجدها في غيره ، فابتزها منه ، ولأفرَطتْ أفراد كل نوع في جلب النافع الملائم إلى أنفسها بسلب النافع الملائم لغيرها ، مما هو له ، ولتناسى صاحب الحاجة حين الاحتياج ما في بقاء غيره من المنفعة له أيضاً.\r","part":8,"page":75},{"id":3113,"text":"وهكذا يتسلط كل ذي شهوة على غيره ، وكل قوي على ضعيفه ، فيهلك القوي الضعيف ، ويهلك الأقوى القويَّ ، وتذهب الأفراد تباعاً ، والأنواع كذلك حتى لا يبقى إلاّ أقوى الأفراد من أقوى الأنواع ، وذلك شيء قليل ، حتى إذا بقي أعوزته حاجات كثيرة لا يجدها في نفسه ، وكان يجدها في غيره من أفراد نوعه ، كحاجة أفراد البشر بعضهم إلى بعض ، أو من أنواع أخر ، كحاجة الإنسان إلى البقرة ، فيذهب هدراً.\rولما كان نوع الإنسان هو المهيمن على بقية موجودات الأرض وهو الذي تظهر في أفراده جميع التطورات والمساعي ، خصتهُ الآية بالكلام فقالت : { ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لفسدت الأرض } إذ جعل الله في الإنسان القوة الشاهية لبقائه وبقاء نوعه ، وجعل فيه القوة الغاضبة لرد المفرط في طلب النافع لنفسه ، وفي ذلك استبقاء بقية الأنواع ؛ لأن الإنسان يذب عنها لما في بقائها من منافع له.\rوبهذا الدفاع حصلت سلامة القوي ، وهو ظاهر ، وسلامة الضعيف أيضاً لأن القوي إذا وجد التعب والمكدرات في جلب النافع سئم ذلك ، واقتصر على ما تدعو إليه الضرورة.\rوإنما كان الحاصل هو الفساد ، لولا الدفاع ، دون الصلاح ، لأن الفساد كثيراً ما تندفع إليه القوة الشاهية بما يوجد في أكثر المفاسد من اللذات العاجلة القصيرة الزمن ، ولأن في كثير من النفوس أو أكثرها الميل إلى مفاسد كثيرة ، لأن طبع النفوس الشريرة ألا تراعي مضرة غيرها ، بخلاف النفوس الصالحة ، فالنفوس الشريرة أعمد إلى انتهاك حرمات غيرها ، ولأن الأعمال الفاسدة أسرع في حصول آثارها وانتشارها ، فالقليل منها يأتي على الكثير من الصالحات ، فلا جرم لولا دفاع الناس بأن يدافع صالحهم المفسدين ، لأسرع ذلك في فساد حالهم ، ولعم الفساد أمورهم في أسرع وقت.\r","part":8,"page":76},{"id":3114,"text":"وأعظم مظاهر هذا الدفاع هو الحروب ؛ فبالحرب الجائرة يطلب المحارب غصب منافع غيره ، وبالحرب العادلة ينتصف المحق من المبطل ، ولأجلها تتألف العصبيات والدعوات إلى الحق ، والإنحاء على الظالمين ، وهزم الكافرين.\rثم إن دفاع الناس بعضهم بعضاً يصد المفسد عن محاولة الفساد ، ونفس شعور المفسد بتأهب غيره لدفاعه يصده عن اقتحام مفاسد جمة.\rومعنى فساد الأرض : إما فساد الجامعة البشرية كما دل عليه تعليق الدفاع بالناس ، أي لفسد أهل الأرض ، وإما فساد جميع ما يقبل الفساد فيكون في الآية احتباك ، والتقدير : ولولا دفاع الله الناس بعضهم ببعض وبقية الموجودات بعضها ببعض لفسدت الأرض أي من على الأرض ولفسد الناس.\rوالآية مسوقة مساق الامتنان ، فلذلك قال تعالى : { لفسدت الأرض } لأنا لا نحب فساد الأرض ، إذ في فسادها بمعنى فساد ما عليها اختلالُ نظامنا وذهاب أسباب سعادتنا ، ولذلك عقبه بقوله : { ولكن الله ذو فضل على العالمين } فهو استدراك مما تضمنته \"لولا\" من تقدير انتفاء الدفاع ؛ لأن أصل لولا لو مع لا النافية ، أي لو كان انتفاءُ الدفاع موجوداً لفسدت الأرض وهذا الاستدراك في هذه الآية أدل دليل على تركيب ( لولا ) من ( لو ) و( لا ) ، إذ لا يتم الاستدراك على قوله : { لفسدت الأرض } لأن فساد الأرض غير واقع بعد فرض وجود الدفاع ، إن قلنا \"لولا\" حرف امتناع لوجود.\rوعلق الفضل بالعالمين كلهم لأن هذه المنة لا تختص. أ هـ {التحرير والتنوير حـ 2 صـ 500 ـ 503}\rفائدة\rقال الفخر : \rقال القاضي : هذه الآية من أقوى ما يدل على بطلان الجبر ، لأنه إذا كان الفساد من خلقه فكيف يصلح أن يقول تعالى : {وَلَوْلاَ دَفْعُ الله الناس بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الأرض} ويجب أن لا يكون على قولهم لدفاع الناس بعضهم ببعض تأثير في زوال الفساد وذلك لأن على قولهم الفساد إنما لا يقع بسبب أن لا يفعله الله تعالى ولا يخلقه لا لأمر يرجع إلى الناس.\r","part":8,"page":77},{"id":3115,"text":"والجواب : أن الله تعالى لما كان عالماً بوقوع الفساد ، فإذا صح مع ذلك العلم أن لا يفعل الفساد كان المعنى أنه يصح من العبد أن يجمع بين عدم الفساد وبين العلم بوجود الفساد ، فيلزم أن يكون قادراً على الجمع بين النفي والإثبات وهو محال. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 6 صـ 163}\rقوله تعالى : {ولكن الله ذُو فَضْلٍ عَلَى العالمين}\rقال الفخر : \rأما قوله : {ولكن الله ذُو فَضْلٍ عَلَى العالمين} فالمقصود منه أن دفع الفساد بهذا الطريق إنعام يعم الناس كلهم ، واحتج أصحابنا بهذه الآية على أن الكل بقضاء الله تعالى ، فقالوا : لو لم يكن فعل العبد خلقاً لله تعالى ، لم يكن دفع المحققين شر المبطلين فضلاً من الله تعالى على أهل الدنيا لأن المتولي لذلك الدفع إذا كان هو العبد من قبل نفسه وباختياره ولم يكن لله تعالى {ولكن الله ذُو فَضْلٍ عَلَى العالمين} عقيب قوله : {وَلَوْلاَ دَفْعُ الله الناس بَعْضَهُم بِبَعْضٍ} يدل على أنه تعالى ذو فضل على العالمين بسبب ذلك الدفع ، فدل هذا على أن ذلك الدفع الذي هو فعلهم هو من خلق الله تعالى ومن تقديره.\rفإن قالوا : يحمل هذا على البيان والإرشاد والأمر.\rقلنا : كل ذلك قائم في حق الكفار والفجار ولم يحصل منه الدفع ، فعلمنا أن فضل الله ونعمته علينا إنما كان بسبب نفس ذلك الدفع وذلك يوجب قولنا ، والله أعلم. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 6 صـ 163}\rفائدة جليلة\rقال البقاعى : \r","part":8,"page":78},{"id":3116,"text":"ولعل ختام قصص بني إسرائيل بهذه القصة لما فيها للنبي صلى الله عليه وسلم من واضح الدلالة على صحة دعواه الرسالة لأنها مما لا يعلمه إلا القليل من حذاق علماء بني إسرائيل ثم عقبها بآية الكرسي التي هي العلم الأعظم من دلائل التوحيد فكان ذلك في غاية المناسبة لما في أوائل السورة في قوله تعالى {يا أيها الناس اعبدوا ربكم} [ البقرة : 21 ] إلى آخر تلك الآيات من دلائل التوحيد المتضمنة لدلائل النبوة المفتتح بها قصص بني إسرائيل فكانت دلائل التوحيد مكتنفة قصتهم أولها وآخرها مع ما في أثنائها جرياً على الآسلوب الحكيم في مناضلة العلماء ومجادلة الفضلاء ، فكان خلاصة ذلك كأنه قيل : {ألم} تنبيهاً للنفوس بما استأثر العليم سبحانه وتعالى بعلمه فلما ألقت الأسماع وأحضرت الأفهام قيل يا أيها الناس فلما عظم التشوف قال {اعبدوا ربكم} [ البقرة : 21 ] ثم عينه بعد وصفه بما بينه بقوله {الله لا إله إلا هو الحي القيوم} [ البقرة : 255 ] كما سيجمع ذلك من غير فاصل أول سورة التوحيد آل عمران المنزلة في مجادلة أهل الكتاب من النصارى وغيرهم ، وتختم قصصهم بقوله : {ربنا إننا سمعنا منادياً ينادي للإيمان أن آمنوا بربكم} [ آل عمران : 193 ] يعني بالمنادي والله سبحانه وتعالى أعلم القائل {يا أيها الناس اعبدوا ربكم} [ البقرة : 21 ] - إلى آخرها ، ومما يجب التنبه له من قصتهم هذه ما فيها لأنها تدريب لمن كتب عليهم القتال وتأديب في ملاقاة الرجال من الإرشاد إلى أن أكثر حديث النفس وأمانيها الكذب لا سيما بالثبات في مزال الأقدام فتشجع الإنسان ، فإذا تورّط أقبلت به على الهلع حتى لا يتمنوا لقاء العدو كما أدبهم به نبيهم صلى الله عليه وسلم ، وذلك أن بني إسرائيل مع كونهم لا يحصون كثرة سألوا نبيهم صلى الله عليه وسلم بعث ملك للجهاد ، فلما بعث فخالف أغراضهم لم يفاجئوه إلا بالاعتراض ، ثم لما استقر الحال بعد نصب الأدلة وإظهار الآيات ندبهم ، فانتدب","part":8,"page":79},{"id":3117,"text":"جيش لا يحصى كثرة ، فشرط عليهم الشاب الفارغ بناء دار وبناء بامرأة ، فلم يكن الموجود بالشرط إلا ثمانين ألفاً ؛ ثم امتحنوا بالنهر فلم يثبت منهم إلا ثلاثمائة وثلاثة عشر وهم دون الثلث من ثمن العشر من المتصفين بالشرط من الذين هم دون الدون من المنتدبين الذين هم دون الدون من السائلين في بعث الملك ، فكان الخالصون معه ، كما قال بعض الأولياء المتأخرين لآخر قصده بالزيارة : \rألم تعلم بأني صيرفيّ . . .\rأحك الأصدقاء على محك\rفمنهم بهرج لا خير فيه . . .\rومنهم من أجوزه بشك\rوأنت الخالص الذهب المصفى . . .\rبتزكيتي ومثلي من يزكي\rوهذا سر قول الصادق عليه الصلاة والسلام \" أمتي كالإبل المائة لا تكاد تجد فيها راحلة \" وقوله صلى الله عليه وسلم \" لا تمنوا لقاء العدو واسألوا الله العافية ، فإذا لقيتموهم فاصبروا \" فالحاصل أنه على العاقل المعتقد جهله بالعواقب وشمول قدرة ربه أن لا يثق بنفسه في شيء من الأشياء ، ولا يزال يصفها بالعجز وإن ادعت خلاف ذلك ، ويتبرأ من حوله وقوته إلى حول مولاه وقوته ولا ينفك يسأله العفو والعافية. أ هـ {نظم الدرر حـ 1 صـ 482 ـ 483}\rفائدة\rقال الآلوسى : \r{ ولكن الله ذُو فَضْلٍ } لا يقدر قدره { عَلَى العالمين } كافة وهذا إشارة إلى قياس استثنائي مؤلف من وضع نقيض المقدم منتج لنقيض التالي خلا أنه قد وضع موضعه ما يستتبعه ويستوجبه أعني كونه تعالى ذا فضل على العالمين إيذاناً بأنه تعالى يتفضل في ذلك الدفع من غير أن يجب عليه ذلك وأن فضله تعالى غير منحصر فيه بل هو فرد من أفراد فضله العظيم كأنه قيل : ولكنه تعالى يدفع فساد بعضهم ببعض فلا تفسد الأرض وينتظم به مصالح العالم وينصلح أحوال الأمم ، قاله مولانا مفتي الديار الرومية قدس سره.\r","part":8,"page":80},{"id":3118,"text":"واعترض بأنه مخالف لقول المنطقيين : إن المتصلة ينتج استثناء عين مقدمها عين تاليها لاستلزام وجود الملزوم وجود اللازم واستثناء نقيض تاليها نقيض المقدم لاستلزام عدم اللازم عدم الملزوم ولا ينعكس فلا ينتج استثناء عين التالي عين المقدم ولا نقيض المقدم نقيض التالي لجواز أن يكون التالي أعم من المقدم فلا يلزم من وجود اللازم وجود الملزوم ولا من عدم الملزوم عدم اللازم ، وأجيب بأن ذلك إنما هو باعتبار الهيئة ، وقد يستلزمه بواسطة خصوصية مادة المساواة ، وقد صرح ابن سينا في \"الفصول\" بأن الملازمة إذا كانت من الطرفين كما بين العلة والمعلول ينتج استثناء كل من المقدم والتالي عين الآخر ونقيضه نقيض الآخر ، وفي تعليل القوم أيضاً إشارة إليه حيث قالوا : لجواز أن يكون اللازم أعم وكأن في عبارة المولى إشارة إلى أن الملازمة في الشرطية من الطرفين حيث قال : منتج ولم يقل ينتج. أهـ\rوأجاب بعضهم بأن قولهم ذلك ليس على سبيل الاطراد بل إذا كان نقيض المقدم أعم من نقيض التالي ، وأما إذا كان نقيضه بعكس هذا كما في هذه الآية الكريمة وأمثالها فإنه ينتج التالي ، وذلك أن الدفع المذكور لما كان ملزوماً لعدم فساد الأرض كانت الملازمة ثابتة بينهما لأن وجود الملزوم يستلزم وجود اللازم كما بين في موضعه وادعاء أن الملازمة من الطرفين هنا كما زعمه المجيب الأول ليس بشيء بل اللازم ههنا أعم من الملزوم كما لا يخفى على ذي روية ، وكون عبارة المولى مشيرة إلى أن الملازمة من الطرفين في حيز المنع وما ذكره لا يدل عليه كما لا يخفى فافهم وتدبر فإن نظر المولى دقيق. أ هـ {روح المعانى حـ 2 صـ 174}\rمن لطائف الإمام القشيرى فى الآية\rقوله جلّ ذكره : { فَهَزَمُوهُم بِإِذْنِ اللهِ وَقَتَلَ دَاوُدُ جَالُوتَ وَآتَاهُ اللهُ المُلْكَ وَالحِكْمَةَ وَعَلَّمَهُ مِمَّا يَشَاءُ }.","part":8,"page":81},{"id":3119,"text":"هيب الله الأعداء بطالوت لما زاده من البسطة في الجسم ولكن عند القتال جعل الظفر على يدي داود. وكان كما في القصة رَبْعَ القامة غير عظيم الجثة ، مختصر الشخص ، ولم يكن معه من السلاح إلا مقلاع ، ولكن الظفر كان له لأن نصرة الله سبحانه كانت معه.\rقوله جلّ ذكره : { فَهَزَمُوهُمْ بِإِذْنِ اللهِ }.\rفلم يبق منهم أثر ولا عين ، وقتل داودُ جالوتَ وداود بالإضافة إلى جالوت في الضخامة والجسامة كان بحيث لا تُتَوهَم غلبته إياه ولكن كما قال قائلهم : \rاستقبلني وسيفه مسلول... وقال لي واحدنا معذول\rقوله جلّ ذكره : { وَلَوْلاَ دَفْعُ اللهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَّفَسَدَتِ الأَرْضُ وَلَكِنَّ اللهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى العَالَمِينَ }.\rلو تظاهر الخلْق وتوافقوا بأجمعهم لهلك المستضعفون لغلبة الأقوياء ولكن شغل بعضهم ببعض ليدفع بتشاغلهم شرَّهم عن قوم. أ هـ {لطائف الإشارات حـ 1 صـ 195}\rمن فوائد ابن عرفة فى الآية\rقوله تعالى : { مِمَّا يَشَآءُ... }.\rقوله تعالى : { وَلَوْلاَ دَفْعُ الله الناس بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَّفَسَدَتِ الأرض... }.\rقال ابن عطية : أي لولا دفعه لكفر بالمؤمنين لفسدت الأرض بعموم ( الكفر ) من أقطارها ، لكنه لا يخلو زمان من داع إلى الله ومقاتل عليه إلى أن جعله في أمة محمد صلى الله عليه وسلم.\rوقال مكي : أكثر المفسرين على أن المراد لولا أن يدفع الله بمن يصلي عمن لا يصلي وبمن يتقي عمن لا يتقي ( لأهلك ) لأناس بذنوبهم.\rوضعفه ابن عطية قال : والحديث الذي ذكر عن ابنِ عمر رضي الله عنهما المعارض للآية لا يصح.\rقلت : انظره في تفسير مكي.","part":8,"page":82},{"id":3120,"text":"قال ابن عرفة : وكان بعضهم يبدي في هذه الآية معنى ذكره البيانيون وهو الفرق بين قولك : أكلت بعض الرغيف وبين قولك : أكلت الّرغيف بعضه. وكذلك : أكلت بعض الشاة ، وأكلت الشاة بعضها. ( فما تقول ) إلا إذا كان المأكول أكثرها أو كان أفضلها ، لأنه من باب إطلاق اسم الكل على الجزء ولا يكون إلا لمعنى. قال : وفي الآية حجة على من يجعل لفظ البعض لا يطلق إلا على الأقل وهو ( خلاف نقله ) الآمدي في شرح الجزولية في باب التثنية والجمع لأن البعض الأول عبر به عن الدافع والبعض الثاني عن المدفوع ، والدافع إما أقل من المدفوع أو أكثر أو مساو.\rوأجيب بأن هذا لازم إذا كانا قسمين فقط ولعلها ثلاثة أقسام دافع ومدفوع عنه ومدفوع.\rقال ابن عرفة : وفي الآية حجة لمن قال : إن العقل ما خلا عن سمع قط لاقتضائها أنّه لولا ذهاب الفساد بالصلاح المرشد إلى اتباع أوامر الله ونواهيه لعمّ الكفر والفساد الأرض ، فلو خلا العقل من سمع في زمن من الأزمان لهلك الخلق كلهم.\rفقال : بعض الطلبة بمحضره : إنّما يتم هذا على أحد تفسيري ابن عطية.\rفقال ابن عرفة : والآية دالة على أنّ الفساد هو الأصل والأكثر فيستفاد ( منها ) فيما إذا كنّا شككنا في صفته ، واحتملت الصحة والفساد أنّها تحمل على الفساد كقولهم في فداء المسلمين من أيدي الكفار بالسلاح والكراع هل يجوز ؟ وتغلب مصلحة استخلاص المسلمين منهم على مفسدة تقوي الكافرين بالسّلاح أو يمتنع ؟ وكذلك إذا تترّس الكفار بالمسلمين هل يباح قتل الترس أم لا ؟ \rقوله تعالى : { ولكن الله ذُو فَضْلٍ عَلَى العالمين }.\rقال ابن عرفة : هذا احتراس وهو حجة لأهل السنة لأن ما قبلها تضمّن أنّ الله تعالى يذهب الفاسد بالصالح فلو اقتصر عليه لأوهم وجوب مراعاة الأصلح على الله تعالى فبين بهذه الآية أن ذلك محض تفضل من الله تعالى ولا يجب عليه شيء.\r","part":8,"page":83},{"id":3121,"text":"قال ابو حيان : \" وَلَكِنّ \" استدراك بإثبات الفضل على جميع العالمين لما يتوهمه من يريد الفساد أن الله غير متفضل عليه إذ لم يبلغه مقاصده.\rقال ابن عرفة : هذا بناء على أنّ ما بعد ( لَكِنّ ) لا يكون ( مضادا ) لما قبلها ، ومن يجيز كونه مخالفا له لا يحتاج إلى هذا بل نقول : معناه لهلك النّاس كلّهم بغلبة الفساد. ( وعلّل تفضله ) بالجميع لأنّه عام يناله المفسد والمصلح والمدفوع عنه ، أما نيله المدفوع فظاهر وأما المفسد فلأن منعه من ذلك منقذ ( له ) من الهلاك ودخول النّار فيصير صالحا. أ هـ {تفسير ابن عرفة صـ 225}","part":8,"page":84},{"id":3122,"text":"فائدة\rقال ابن القيم : \rمعلوم أن الصبر والتوفيق فعل اختياري للعبد وقد أخبر أنه به لا بالعبد وهذا لا ينبغي أن يكون فعلا للعبد حقيقة ولهذا أمر به وهو لا يأمر عبده بفعل نفسه سبحانه وإنما يؤمر العبد بفعله هو ومع هذا فليس فعله واقعا به وإنما هو بالخالق لكل شيء الذي ما شاء كان وما لم يشأ لم يكن فالتصبير منه سبحانه وهو فعله والصبر هو القائم بالعبد وهو فعل العبد ولهذا أثنى على من يسأله أن يصبره فقال تعالى {ولما برزوا لجالوت وجنوده قالوا ربنا أفرغ علينا صبرا وثبت أقدامنا وانصرنا على القوم الكافرين فهزموهم بإذن الله}\rففي الآية أربعة أدلة : \rأحدها : قولهم أفرغ علينا صبرا ، والصبر فعلهم الاختياري فسألوه ممن هو\rبيده ومشيئته وإذنه إن شاء أعطاهموه وإن شاء منعهموه\rوالثاني قولهم وثبت أقدامنا ، وثبات الأقدام فعل اختياري ، ولكن التثبيت فعله والثبات فعلهم ولا سبيل إلى فعلهم إلا بعد فعله\rالثالث قولهم {وانصرنا على القوم الكافرين } فسألوه النصر وذلك بأن يقوي عزائمهم ويشجعهم ويصبرهم ويثبتهم ويلقي في قلوب أعداهم الخور والخوف والرعب فيحصل النصر ، وأيضا فإن كون الإنسان منصورا على غيره إما أن يكون بأفعال الجوارح وهو واقع بقدرة العبد واختياره ، وإما أن يكون بالحجة والبيان والعلم وذلك أيضا فعل العبد وقد أخبر سبحانه أن النصر بجملته من عنده وأثنى على من طلبه منه وعند القدرية لا يدخل تحت مقدور الرب\rالرابع قوله {فهزموهم بإذن الله}\rوإذنه ههنا هو الإذن الكوني القدري أي بمشيئته وقضائه وقدره وليس هو الإذن الشرعي الذي بمعنى الأمر فإن ذلك لا يستلزم الهزيمة بخلاف إذنه الكوني وأمره الكوني فإن المأمور المكون لا يتخلف عنه ألبتة أ هـ {شفاء العليل صـ 63 ـ 64}","part":8,"page":85},{"id":3123,"text":"فصل فى قصة قتل داود ـ عليه السلام ـ جالوت\rقال البغوى : \r{ فَهَزَمُوهُمْ بِإِذْنِ اللَّهِ } أي بعلم الله تعالى { وَقَتَلَ دَاوُدُ جَالُوتَ } وصفة قتله : قال أهل التفسير\r","part":8,"page":86},{"id":3124,"text":"عبر النهر مع طالوت فيمن عبر إيشا أبو داود في ثلاثة عشر ابنا له وكان داود أصغرهم وكان يرمي بالقذافة فقال لأبيه يوما يا أبتاه ما أرمي بقذافتي شيئا إلا صرعته فقال : أبشر يا بني فإن الله جعل رزقك في قذافتك ، ثم أتاه مرة أخرى فقال : يا أبتاه لقد دخلت بين الجبال فوجدت أسدا رابضا فركبته فأخذت بأذنيه فلم يهجني ، فقال : أبشر يا بني فإن هذا خير يريده الله بك ثم أتاه يوما آخر فقال : يا أبتاه إني لأمشي بين الجبال فأسبح فما يبقى جبل إلا سبح معي ، فقال : أبشر يا بني فإن هذا خير أعطاكه الله تعالى فأرسل جالوت إلى طالوت أن ابرز إلي أو أبرز إلي من يقاتلني فإن قتلني فلكم ملكي وإن قتلته فلي ملككم فشق ذلك على طالوت فنادى في عسكره من قتل جالوت زوجته ابنتي وناصفته ملكي فهاب الناس جالوت فلم يجبه أحد فسأل طالوت نبيهم أن يدعو الله تعالى فدعا الله في ذلك ، فأتى بقرن فيه دهن القدس وتنور في حديد فقيل إن صاحبكم الذي يقتل جالوت هو الذي يوضع هذا القرن على رأسه فيغلي الدهن حتى يدهن منه رأسه ولا يسيل على وجهه ويكون على رأسه كهيئة الإكليل ويدخل في هذا التنور فيملؤه ولا يتقلقل فيه ، فدعا طالوت بني إسرائيل فجربهم فلم يوافقه منهم أحد فأوحى الله إلى نبيهم أن في ولد إيشا من يقتل الله به جالوت فدعا طالوت إيشا فقال : اعرض علي بنيك فأخرج له اثنى عشر رجلا أمثال السواري فجعل يعرضهم على القرن فلا يرى شيئا فقال : لإيشا هل بقي لك ولد غيرهم فقال لا فقال النبي : يا رب إنه زعم أن لا ولد له غيرهم ، فقال كذب ، فقال النبي : إن ربي كذبك فقال : صدق الله يا نبي الله إن لي ابنا صغيرا يقال له داود استحييت أن يراه الناس لقصر قامته وحقارته( فخلفته ) في الغنم يرعاها وهو في شعب كذا وكذا ، وكان داود رجلا قصيرا مسقاما\r","part":8,"page":87},{"id":3125,"text":"مصفارا أزرق أمعر ، فدعاه طالوت ، ويقال : بل خرج طالوت إليه فوجد الوادي قد سال بينه وبين الزريبة التي كان يريح إليها ، فوجده يحمل شاتين يجيز بهما السيل ولا يخوض بهما الماء فلما رآه قال : هذا هو لا شك فيه ، هذا يرحم البهائم فهو بالناس أرحم فدعاه ووضع القرن على رأسه ففاض فقال طالوت : هل لك أن تقتل جالوت وأزوجك ابنتي وأجري خاتمك في ملكي قال : نعم قال : وهل آنست من نفسك شيئا تتقوى به على قتله ؟ قال : نعم ، أنا أرعى فيجيء الأسد أو النمر أو الذئب فيأخذ شاة فأقوم إليه فأفتح لحييه عنها وأضرقها إلى قفاه ، فرده إلى عسكره ، فمر داود عليه السلام في طريقه بحجر فناداه الحجر يا داود احملني فإني حجر هارون الذي قتل بي ملك كذا ، فحمله في مخلاته ، ثم مر بحجر آخر فقال : احملني فإني حجر موسى الذي قتل بي ملك كذا وكذا فحمله في مخلاته ، ثم مر بحجر آخر فقال : احملني فإني حجرك الذي تقتل بي جالوت فوضعها في مخلاته ، فلما تصافوا للقتال وبرز جالوت وسأل المبارزة انتدب له داود فأعطاه طالوت فرسا ودرعا وسلاحا فلبس السلاح وركب الفرس وسار قريبا ثم انصرف إلى الملك فقال : من حوله جبن الغلام فجاء فوقف على الملك فقال : ما شأنك ؟ فقال : إن الله إن لم ينصرني لم يغن عني هذا السلاح شيئا ، فدعني أقاتل كما أريد ، قال : فافعل ما شئت قال : نعم ، فأخذ داود مخلاته فتقلدها وأخذ المقلاع ومضى نحو جالوت وكان جالوت من أشد الرجال وأقواهم ، وكان يهزم الجيوش وحده وكان له بيضة فيها ثلاثمائة رطل حديد فلما نظر إلى داود ألقي في قلبه الرعب فقال له : أنت تبرز إلي ؟ قال : نعم.\r","part":8,"page":88},{"id":3126,"text":"وكان جالوت على فرس أبلق عليه السلاح التام ، قال : فأتيتني بالمقلاع والحجر كما يؤتى الكلب ؟ قال : نعم أنت شر من الكلب ، قال لا جرم لأقسمن لحمك بين سباع الأرض وطير السماء قال داود : أو يقسم الله لحمك ، فقال داود : باسم إله إبراهيم وأخرج حجرا ثم أخرج الآخر وقال : باسم إله إسحاق ووضعه في مقلاعه ثم أخرج الثالث وقال : باسم إله يعقوب ووضعه في مقلاعه فصارت كلها حجرا واحدا ودور داود المقلاع ورمى به فسخر الله له الريح حتى أصاب الحجر أنف البيضة فخالط دماغه وخرج من قفاه وقتل من ورائه ثلاثين رجلا وهزم الله تعالى الجيش وخر جالوت قتيلا فأخذه يجره حتى ألقاه بين يدي طالوت ، ففرح المسلمون فرحا شديدا ، وانصرفوا إلى المدينة سالمين غانمين والناس يذكرون داود فجاء داود طالوت وقال انجز لي ما وعدتني ، فقال : أتريد ابنة الملك بغير صداق ؟ فقال داود : ما شرطت علي صداقا وليس لي شيء فقال لا أكلفك إلا ما تطيق أنت رجل جريء وفي حيالنا أعداء لنا غلف فإذا قتلت منهم مائتي رجل وجئتني بغلفهم زوجتك ابنتي فأتاهم فجعل كلما قتل واحدا منهم نظم غلفته في خيط حتى نظم غلفهم فجاء بها إلى طالوت فألقى إليه وقال ادفع إلي امرأتي فزوجه ابنته وأجرى خاتمه في ملكه ، فمال الناس إلى داود وأحبوه وأكثروا ذكره ، فحسده طالوت وأراد قتله فأخبر ذلك ابنة طالوت رجل يقال له ذو العينين فقالت لداود إنك مقتول في هذه الليلة قال : ومن يقتلني ؟ قالت أبي قال وهل أجرمت جرما ؟ قالت : حدثني من لا يكذب ولا عليك أن تغيب هذه الليلة حتى تنظر مصداق ذلك ، فقال : لئن كان أراد الله ذلك لا أستطيع خروجا ولكن ائتيني بزق خمر فأتت به فوضعه في مضجعه على السرير وسجاه ودخل تحت السرير فدخل طالوت نصف الليل فقال لها : أين بعلك ؟ فقالت : هو نائم على السرير فضربه بالسيف ضربة فسال الخمر فلما وجد ريح الشراب قال : يرحم الله داود ما كان أكثر شربه للخمر ، وخرج.\r","part":8,"page":89},{"id":3127,"text":"فلما أصبح علم أنه لم يفعل شيئا فقال : إن رجلا طلبت منه ما طلبت لخليق أن لا يدعني حتى يدرك مني ثأره فاشتد حجابه وحراسه وأغلق دونه أبوابه ، ثم إن داود أتاه ليلة وقد هدأت العيون فأعمى الله سبحانه الحجبة وفتح له الأبواب فدخل عليه وهو نائم على فراشه ، فوضع سهما عند رأسه وسهما عند رجليه وسهما عن يمينه وسهما عن شماله ثم خرج ، فلما استيقظ طالوت بصر بالسهام فعرفها فقال : يرحم الله تعالى داود هو خير مني ظفرت به فقصدت قتله وظفر بي فكف عني ولو شاء لوضع هذا السهم في حلقي وما أنا بالذي آمنه ، فلما كانت القابلة أتاه ثانيا وأعمى الله الحجاب فدخل عليه وهو نائم فأخذ إبريق طالوت الذي كان يتوضأ منه وكوزه الذي كان يشرب منه وقطع شعرات من لحيته وشيئا من هدب ثيابه ، ثم خرج وهرب وتوارى ، فلما أصبح طالوت ورأى ذلك سلط على داود العيون وطلبه أشد الطلب فلم يقدر عليه ، ثم إن طالوت ركب يوما فوجد داود يمشي في البرية فقال : اليوم أقتله فركض على أثره ، فاشتد داود وكان إذا فزع لم يدرك ، فدخل غارا فأوحى الله تعالى إلى العنكبوت فنسج عليه بيتا فلما انتهى طالوت إلى الغار ونظر إلى بناء العنكبوت قال : لو كان دخل هاهنا لخرق بناء العنكبوت فتركه ومضى ، فانطلق داود وأتى الجبل مع المتعبدين فتعبد فيه فطعن العلماء والعباد على طالوت في شأن داود فجعل طالوت لا ينهاه أحد عن قتل داود إلا قتله ، وأغرى بقتل العلماء فلم يكن يقدر على عالم في بني إسرائيل يطيق قتله إلا قتله ، حتى أتى بامرأة تعلم اسم الله الأعظم فأمر خبازه بقتلها فرحمها الخباز وقال : لعلنا نحتاج إلى عالم فتركها فوقع في قلب طالوت التوبة وندم على ما فعل ، وأقبل على البكاء حتى رحمه الناس.\r","part":8,"page":90},{"id":3128,"text":"وكان كل ليلة يخرج إلى القبور فيبكي وينادي : أنشد الله عبدا يعلم أن لي توبة إلا أخبرني بها ، فلما أكثر عليهم ناداه مناد من القبور يا طالوت أما ترضى أن قتلتنا حتى تؤذينا أمواتا فازداد بكاء وحزنا فرحمه الخباز فقال : ما لك أيها الملك ؟ قال : هل تعلم لي في الأرض عالما أسأله هل لي من توبة فقال الخباز : إنما مثلك مثل ملك نزل قرية عشاء فصاح الديك فتطير منه فقال : لا تتركوا في القرية ديكا إلا ذبحتموه ، فلما أراد أن ينام قال لأصحابه : إذا صاح الديك فأيقظونا حتى ندلج فقالوا له : وهل تركت ديكا نسمع صوته ؟ ولكن هل تركت عالما في الأرض ؟ فازداد حزنا وبكاء فلما رأى الخباز ذلك قال له : أرأيتك إن دللتك على عالم لعلك أن تقتله قال : لا فتوثق عليه الخباز فأخبره أن المرأة العالمة عنده قال : انطلق بي إليها أسألها هل لي من توبة ؟ وكانت من أهل بيت يعلم الاسم الأعظم فإذا فنيت رجالهم علمت نساؤهم فلما بلغ طالوت الباب قال الخباز إنها إذا رأتك فزعت فخلفه خلفه ثم دخله عليها فقال لها : ألست أعظم الناس منة عليك أنجيتك من القتل وآويتك ، قالت : بلى ، قال : فإن لي إليك حاجة هذا طالوت يسأل هل لي من توبة ؟ فغشي عليها من الفرق فقال لها : إنه لا يريد قتلك ولكن يسألك هل له من توبة ؟ قالت : لا والله لا أعلم لطالوت توبة ، ولكن هل تعلمون مكان قبر نبي ؟ فانطلق بهما إلى قبر إشمويل فصلت ودعت ثم نادت يا صاحب القبر فخرج إشمويل من القبر ينفض رأسه من التراب فلما نظر إليهم ثلاثتهم قال : ما لكم أقامت القيامة ؟ قالت : لا ولكن طالوت يسألك هل له من توبة ؟ قال إشمويل : يا طالوت ما فعلت بعدي ؟ قال : لم أدع من الشر شيئا إلا فعلته وجئت أطلب التوبة قال : كم لك من الولد ؟ قال عشرة رجال ، قال : ما أعلم لك من توبة إلا أن تتخلى من ملكك وتخرج أنت وولدك في سبيل الله ، ثم تقدم ولدك حتى يقتلوا بين يديك ثم تقاتل أنت حتى تقتل آخرهم ؟ ثم رجع إشمويل إلى القبر وسقط ميتا ، ورجع طالوت","part":8,"page":91},{"id":3129,"text":"أحزن ما كان رهبة أن لا يتابعه ولده وقد بكى حتى سقطت أشفار عينيه ونحل جسمه فدخل عليه أولاده فقال لهم : أرأيتم لو دفعت إلى النار هل كنتم تفدونني ؟ قالوا : نعم نفديك بما قدرنا عليه قال : فإنها النار إن لم تفعلوا ما أقول لكم قالوا : فاعرض علينا فذكر لهم القصة ، قالوا : وإنك لمقتول قال : نعم ، قالوا : فلا خير لنا في الحياة بعدك قد طابت أنفسنا بالذي سألت ، فتجهز بماله وولده فتقدم ولده وكانوا عشرة فقاتلوا بين يديه حتى قتلوا ثم شد هو بعدهم حتى قتل فجاء قاتله إلى داود ليبشره وقال : قتلت عدوك فقال داود : ما أنت بالذي تحيا بعده ، فضرب عنقه ، وكان ملك طالوت إلى أن قتل أربعين سنة وأتى بنو إسرائيل إلى داود وأعطوه خزائن طالوت وملكوه على أنفسهم.\rقال الكلبي والضحاك : ملك داود بعد قتل طالوت سبع سنين ولم يجتمع بنو إسرائيل على ملك واحد إلا على داود فذلك قوله تعالى : { وَآتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ}. أ هـ {تفسيرالبغوى حـ 1 صـ 302 ـ 307}\rقال العلامة ابن عطية : \rوقد أكثر الناس في قصص هذه الآية ، وذلك كله لين الأسانيد ، فلذلك انتقيت منه ما تنفك به الآية وتعلم به مناقل النازلة واختصرت سائر ذلك. أ هـ {المحرر الوجيز حـ 1 صـ 337}","part":8,"page":92},{"id":3130,"text":"قوله تعالى : { تِلْكَ آَيَاتُ اللَّهِ نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ (252)}\rمناسبة الآية لما قبلها\rقال البقاعى : \rولما علت هذه الآيات عن أقصى ما يعرفه البصراء البلغاء من الغايات ، وتجاوزت إلى حد تعجز العقول عن مناله ، وتضاءل نوافذ الأفهام عن الإتيان بشيء من مثاله ، نبه سبحانه وتعالى على ذلك بقوله : {تلك} أي الآيات المعجزات لمن شمخت أنوفهم ، وتعالت في مراتب الكبر هممهم ونفوسهم ؛ والإشارة إلى ما ذكر في هذه السورة ولا سيما هذه القصة من أخبار بني إسرائيل والعبارة عن ذلك في هذه الأساليب الباهرة والأفانين المعجزة القاهرة {آيات الله} أي الذي علت عظمته وتمت قدرته وقوته ، ولما كانت الجلالة من حيث إنها اسم للذات جامعة لصفات الكمال والجمال ونعوت الجلال لفت القول إلى مظهر العظمة إشارة إلى إعجازهم عن هذا النظم بنعوت الكبر والتعالي فقال : {نتلوها} أي ننزلها شيئاً في إثر شيء بما لنا من العظمة {عليك} تثبيتاً لدعائم الكتاب الذي هو الهدى ، وتشييداً لقواعده {بالحق} قال الإمام سعد الدين التفتازاني في شرح العقائد : الحق الحكم المطابق للواقع ، يطلق على الأقوال والعقائد والأديان والمذاهب باعتبار اشتمالها على ذلك ويقابله الباطل ، وأما الصدق فقد شاع في الأقوال خاصة ويقابله الكذب ، وقد يفرق بينهما بأن المطابقة تعتبر في الحق من جانب الواقع.\rوفي الصدق من جانب الحكم ؛ فمعنى صدق الحكم مطابقته الواقع.\rومعنى حقيته مطابقة الواقع إياه - انتهى.\r","part":8,"page":93},{"id":3131,"text":"فمعنى الآية على هذا : إنا عالمون بالواقع من هذه الآيات فأتينا بعبارة يطابقها ذلك الواقع لا يزيد عنها ولا ينقص ، فتلك العبارة ثابتة ثبات الواقع لا يتمكن منصف عالم من إنكارها ولا إنكار شيء منها ، كما لا يتمكن من إنكار الواقع المعلوم وقوعه ، ويكون الخبر عنها صدقاً لأنه مطابق لذلك الواقع بغير زيادة ولا نقص ؛ والحاصل أن الحق يعتبر من جانب المخبر ، فإنه يأتى بعبارة يساويها الواقع فتكون حقاً ، وأن الصدق يعتبر من جانب السامع ، فإنه ينظر إلى الخبر ، فإن وجده مطابقاً للواقع قال : هذا صدق ، وليس ببعيد أن يكون من الشواهد على ذلك هذه الآية وقوله سبحانه وتعالى {والذي جاء بالصدق وصدق به} [ الزمر : 33 ] وقوله {قال فالحق والحق أقول} [ ص : 84 ] {بل جاء بالحق وصدق المرسلين} [ الصافات : 37 ] و{هو الحق مصدقاً لما بين يديه} [ فاطر : 31 ] ، وكذا {وما خلقنا السماوات والأرض وما بينهما إلا بالحق} [ الحجر : 85 ] أي أن هذا الفعل وهو خلقنا لها لسنا متعدين فيه ، وهذ الواقع يطابق خلقها لا يزيد عليه بمعنى أنه كان علينا أن نزيد فيها شيئاً وليس لنا الاقتصار على ما وجد ولا ننقص عنه بمعنى أنه كان علينا أن نجعلها ناقصة عما هي عليه ولم يكن لنا إتمامها هكذا ؛ أو بالحق الذي هو قدرتنا واختيارنا لا كما يدعيه الفلاسفة من الفعل بالذات من غير اختيار : أو بسبب الحق أي إقامته وإثباته وإبطال الباطل ونفيه ، وقوله {وأتيناك بالحق وإنا لصادقون} [ الحجر : 64 ] أي أتيناك بالخبر بعذابهم وهو ثابت ، لأن مضمونه إذا وقع فنسبتَه إلى الخبر علمت مطابقته له أي مطابقة الواقع إياه وإخبارنا عنه على ما هو به فنحن صادقون فيه ، أي نسبنا وقوع العذاب إليهم نسبة تطابق الواقع فإذا وقع نظرت إلى إخبارنا فرأيته مطابقاً له فعلمت صدقنا فيه ؛ والذي لا يدع في ذلك لبساً قوله سبحانه وتعالى حكاية عن يوسف عليه الصلاة والسلام {قد جعلها ربي حقاً} [ يوسف : 100","part":8,"page":94},{"id":3132,"text":"] أتى بمطابقة الواقع لتأويلها ، وأما صدقه صلى الله عليه وسلم فهو بنسبة الخبر إلى الواقع وهو أنه رأى ما أخبر به وذلك موجود من حين إخباره صلى الله عليه وسلم فإن خبره كان حين إخباره به مطابقاً للواقع ، وأما صدق الرؤيا فباعتبار أنه كان لها واقع طابقه تأويلها ؛ فإن قيل : تأسيس المفاعلة أن تكون بين اثنين فصاعداً يفعل أحدهما بالآخر ما يفعل الآخر به ، فهب أنّا اعتبرنا المطابقة من جانب واحد فذلك لا ينفي اعتبارها من الجانب الآخر فماذا يغني ما ادعيته ، قيل إنها وإن كان لا بد فيها من مراعاة الجانبين لكنها تفهم أن الذي أسند إليه الفعل هو الطالب ، بخلاف باب التفاعل فإنه لا دلالة لفعله على ذلك ، وجملة الأمر أن الواقع أحق باسم الحق لأنه الثابت والخبر أحق باسم الصدق ، والواقع طالب لخبر يطابقه ليعرف على ما هو عليه والخبر طالب لمطابقة الواقع له فيكتسب الشرف بتسميته صدقاً.\rوأول ثابت في نفس الأمر هو الواقع فإنه قبل الخبر عنه بأنه وقع ، فإذا كان مبدأ الطلب من الواقع سمي الخبر باسمه ، إذا كان مبدأ الطلب من الخبر سمي باسمه الحقيق به ، ولعلك إذا اعتبرت آيات الكتاب الناطق بالصواب وجدتها كلها على هذا الأسلوب - والله سبحانه وتعالى الموفق.\rولما ثبت أن التلاوة عليه صلى الله عليه وسلم حق قال تعالى : {وإنك} أي والحال أنك {لمن المرسلين} بما دلت هذه الآيات عليه من علمك بها من غير معلم من البشر ثم بإعجازها الباقي على مدى الدهر. أ هـ {نظم الدرر حـ 1 صـ 483 ـ 484}\rقال الفخر : \rاعلم أن قوله : {تِلْكَ} إشارة إلى القصص التي ذكرها من حديث الألوف وإماتتهم وإحيائهم وتمليك طالوت ، وإظهار الآية التي هي نزول التابوت من السماء ، وغلب الجبابرة على يد داود وهو صبي فقير ، ولا شك أن هذه الأحوال آيات باهرة دالة على كمال قدرة الله تعالى وحكمته ورحمته.\r","part":8,"page":95},{"id":3133,"text":"فإن قيل : لم قال : {تِلْكَ} ولم يقل : ( هذه ) مع أن تلك يشار بها إلى غائب لا إلى حاضر ؟ .\rقلنا : قد بينا في تفسير قوله : {ذلك الكتاب لاَ رَيْبَ فِيهِ} [ البقرة : 2 ] أن تلك وذلك يرجع إلى معنى هذه وهذا ، وأيضاً فهذه القصص لما ذكرت صارت بعد ذكرها كالشيء الذي انقضى ومضى ، فكانت في حكم الغائب فلهذا التأويل قال : {تِلْكَ }.\rأما قوله تعالى : {نَتْلُوهَا} يعني يتلوها جبريل عليه السلام عليك لكنه تعالى جعل تلاوة جبريل عليه السلام تلاوة لنفسه ، وهذا تشريف عظيم لجبريل عليه السلام ، وهو كقوله : {إِنَّ الذين يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ الله} [ الفتح : 10 ].\rأما قوله : {بالحق} ففيه وجوه\rأحدها : أن المراد من ذكر هذه القصص أن يعتبر بها محمد صلى الله عليه وسلم ، وتعتبر بها أمته في احتمال الشدائد في الجهاد ، كما احتملها المؤمنون في الأمم المتقدمة\rوثانيها : {بالحق} أي باليقين الذي لا يشك فيه أهل الكتاب ، لأنه في كتبهم ، كذلك من غير تفاوت أصلاً\rوثالثها : إنا أنزلنا هذه الآيات على وجه تكون دالة في نبوتك بسبب ما فيها من الفصاحة والبلاغة ورابعها : {تِلْكَ آيات الله نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بالحق} أي يجب أن يعلم أن نزول هذه الآيات عليك من قبل الله تعالى ، وليس بسبب إلقاء الشياطين ، ولا بسبب تحريف الكهنة والسحرة.\rثم قال : {وَإِنَّكَ لَمِنَ المرسلين} وإنما ذكر هذا عقيب ما تقدم لوجوه\rأحدها : أنك أخبرت عن هذه الأقاصيص من غير تعلم ولا دراسة ، وذلك يدل على أنه عليه الصلاة والسلام إنما ذكرها وعرفها بسبب الوحي من الله تعالى\r","part":8,"page":96},{"id":3134,"text":"وثانيها : أنك قد عرفت بهذه الآيات ما جرى على الأنبياء عليهم السلام في بني إسرائيل من الخوف عليهم والرد لقولهم ، فلا يعظمن عليك كفر من كفر بك ، وخلاف من خالف عليك ، لأنك مثلهم ، وإنما بعث الكل لتأدية الرسالة ولامتثال الأمر على سبيل الاختيار والتطوع ، لا على سبيل الإكراه ، فلا عتب عليك في خلافهم وكفرهم والوبال في ذلك يرجع عليهم فيكون تسلية للرسول صلى الله عليه وسلم فيما يظهر من الكفار والمنافقين ، ويكون قوله : {وَإِنَّكَ لَمِنَ المرسلين} كالتنبيه على ذلك. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 6 صـ 163 ـ 164}\rقال ابن الجوزى : \rقوله تعالى : { تلك آيات الله نتلوها عليك } أي : نقص عليك من أخبار المتقدمين.\r{ وإنك لمن المرسلين } حُكمُك حكمهم ، فمن صدقك ، فسبيله سبيل من صدقهم ، ومن عصاك ، فسبيله سبيل من عصاهم. أ هـ {زاد المسير حـ 1 صـ 201}\rوقال أبو حيان : \r{ تلك آيات الله نتلوها عليك بالحق وإنك لمن المرسلين } تلك إشارة للبعيد ، وآيات الله قيل : هي القرآن ، والأظهر أنها الآيات التي تقدمت في القصص السابق من خروج أولئك الفارين من الموت ، وإماتة الله لهم دفعة واحدة ، ثم أحياهم إحياءة واحدة ، وتمليك طالوت على بني إسرائيل وليس من أولاد ملوكهم ، والإتيان بالتابوت بعد فقده مشتملاً على بقايا من إرث آل موسى وآل هارون ، وكونه تحمله الملائكة معاينة على ما نقل عن ترجمان القرآن ابن عباس ، وذلك الابتلاء العظيم بالنهر في فصل القيظ والسفر ، وإجابة من توكل على الله في النصرة ، وقتل داود جالوت ، وإيتاء الله إياه الملك والحكمة ، فهذه كلها آيات عظيمة خوارق ، تلاها الله على نبيه بالحق أي مصحوبة ، بالحق لا كذب فيها ولا انتحال ، ولا بقول كهنة ، بل مطابقاً لما في كتب بني إسرائيل.","part":8,"page":97},{"id":3135,"text":"ولأمّة محمد صلى الله عليه وسلم من هذا القصص الحظ الأوفر في الاستنصار بالله والإعداد للكفار ، وأن كثرة العدد قد يغلبها العقل ، وأن الوثوق بالله والرجوع إليه هو الذي يعوّل عليه في الملمات ، ولما ذكر تعالى أنه تلا الآيات على نبيه ، أعلم أنه من المرسلين ، وأكد ذلك بأن واللام حيث أخبر بهذه الآية ، من غير قراءة كتاب ، ولا مدارسة أحبار ، ولا سماع أخبار. أ هـ {البحر المحيط حـ 2 صـ 280}\rفائدة\rقال ابن عاشور : \rوقوله : { وإنك لمن المرسلين } خطاب للرسول صلى الله عليه وسلم تنويهاً بشأنه وتثبيتاً لقلبه ، وتعريضاً بالمنكرين رسالته.\rوتأكيد الجملة بإنَّ للاهتمام بهذا الخبر ، وجيء بقوله ( من المرسلين ) دون أن يقول : وإنك لرسول الله ، للرد على المنكرين بتذكيرهم أنه ما كان بدْعاً من الرسل ، وأنه أرسله كما أرسل من قبله ، وليس في حاله ما ينقص عن أحوالهم. أ هـ {التحرير والتنوير حـ 2 صـ 503}\rمن فوائد ابن عرفة فى الآية\rقوله تعالى : { تِلْكَ آيَاتُ الله نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بالحق . . . }.\rقال ابن عرفة : الإشارة إلى الآيات المتقدمة.\rوعبر عن التلاوة الماضية بصيغة المستقبل للتصور والدّوام ، وإمّا أن يكون \" نتلوها \" مستقبلا حقيقة والإشارة إلى المتقدم باعتبار لفظه فقط.\rمثل : عندي درهم ونصفه ، أو الإشارة إلى المستقبل ( المقدر ) في الذهن تحقيقا لوقوعه وتنزيلا له منزلة الدافع حقيقة.\rوفي الآية التفات بالانتقال من الغيبة إلى التكلم.\rقوله \" ءَايَاتُ اللهِ \" إشارة إلى عظمها وجلالة قدرها.\rوقوله \" نَتْلُوهَا \" لم يقل : يتلوها الله عليك فعبر ( بالنون المشتركة ) بين المتكلم وحده وبين المتكلم ومعه غيره إشارة إلى بلوغها للنبي صلى الله عليه وسلم بواسطة الملك.\rقوله تعالى : { وَإِنَّكَ لَمِنَ المرسلين }.\rابن عرفة : هذا كالنتيجة بعد المقدمتين لأن تلك الآيات المعجزات دالة على صحة رسالة محمد صلى الله عليه وسلم.","part":8,"page":98},{"id":3136,"text":"وأكدت رسالته بـ ( أن ) واللاّم بورودها بهذا اللفظ لأنه أبلغ من قوله وإنّك ( المرسل ) كما قال { يس والقرآن الحكيم إِنَّكَ لَمِنَ المرسلين } قاله الزمخشري في قول الله عز وجل في سورة العنكبوت { والذين آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصالحات لَنُدْخِلَنَّهُمْ فِي الصالحين}. أ هـ {تفسير ابن عرفة صـ 326}","part":8,"page":99},{"id":3137,"text":"قوله تعالى : { تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللَّهُ وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَاتٍ وَآَتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنَاتِ وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلَ الَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَلَكِنِ اخْتَلَفُوا فَمِنْهُمْ مَنْ آَمَنَ وَمِنْهُمْ مَنْ كَفَرَ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلُوا وَلَكِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ (253)}\rمناسبة الآية لما قبلها\rقال البقاعى :\rولما تقدم في هذه السورة ذكر رسل كثيرة وختم هذه الآيات بأنه صلى الله عليه وسلم منهم تشوفت النفس إلى معرفة أحوالهم في الفضل هل هم فيه سواء أو هم متفاضلون ، فأشار إلى علو مقادير الكل في قوله : {تلك الرسل} بأداة البعد إعلاماً ببعد مراتبهم وعلو منازلهم وأنها بالمحل الذي لا ينال والمقام الذي لا يرام ، وجعل الحرالي التعبير بتلك التي هي أداة التأنيث دون أولئك التي هي إشارة المذكر توطئة وإشارة لما يذكر بعد من اختلاف الأمم بعد أنبيائها وقال : يقول فيه النحاة إشارة لجماعة المؤنث وإنما هو في العربية لجماعة ثانية في الرتبة ، لأن التأنيث أخذ الثواني عن أولية تناسبه في المعنى وتقابله في التطرق ، قال : ومن لسن العرب وإشارة تأسيس كلمها أن المعنى متى أريد إرفاعه أطلق عن علامة الثاني في الرتبة وإشارته ، ومتى أريد إنزاله قيد بعلامة الثاني وإشارته ، ثم قال : ففي ضمن هذه الإشارة لأولي التنبه إشعار بما تتضمنه الآية من الإخبار النازل عن رتبة الثبات والدوام إلى رتبة الاختلاف والانقطاع كما أنه لما كان الذكر واقعاً في محل إعلاء في آية الأنعام قيل : {أولئك الذين هدى الله فبهداهم اقتده} [ الأنعام : 90 ]","part":8,"page":100},{"id":3138,"text":"ولما كان شأن الاختلاف والانقطاع غير مستغرب في محل النقص والإشكال وطأ لهذا الواقع بعد الرسل بأنه ليس من ذلك وأنه من الواقع بعد إظهار التفضيل وإبلاغ البينات لما يشاؤه من أمره - انتهى.\rثم أتبع هذه الإشارة حالاً منها أو استئنافاً قوله : {فضلنا بعضهم على بعض} أي بالتخصيص بمآثر لم تجتمع لغيره بعد أن فضلنا الجميع بالرسالة.\r","part":8,"page":101},{"id":3139,"text":"ولما كان أكثر السورة في بني إسرائيل وأكثر ذلك في أتباع موسى عليه الصلاة والسلام بدأ بوصفه وثنى بعيسى عليه الصلاة والسلام لأنه الناسخ لشريعته وهو آخر أنبيائهم فقال مبيناً لما أجمل من ذلك التفضيل بادئاً بدرجة الكلام لأنها من أعظم الدرجات لافتاً القول إلى مظهر الذات بما لها من جميع الصفات لأنه أوفق للكلام المستجمع للتمام {منهم من كلم الله} أي بلا واسطة بما له من الجلال كموسى ومحمد وآدم عليهم الصلاة والسلام {ورفع بعضهم} وهو محمد صلى الله عليه وسلم على غيره ، ومن فوائد الإبهام الاستنباط بالدليل ليكون مع أنه أجلى أجدر بالحفظ وذلك الاستنباط أن يقال إنه سبحانه وتعالى قد عمهم بالتفضيل بالرسالة أولاً ، ثم بين أنه فضل بعضهم على غيره ، وذلك كله رفعة فلو كانت هذه مجرد رفعة لكان تكريراً فوجب أن يفهم أنها رفعة على أعلاهم ، وأسقط الفوقية هنا إكراماً للرسل بخلاف ما في الزخرف فقال معيناً بعض ما اقتضاه التفضيل : {درجات} أي عظيمة بالدعوة العامة والمعجزات الباقية ؛ والأتباع الكثيرة في الأزمان الطويلة ، من غير تبديل ولا تحريف ، وبنسخ شرعه لجميع الشرائع ، وبكونه رحمة العالمين ، وأمته خير أمة أخرجت للناس ، وكونه خاتماً للنبيين الذين أرسلهم سبحانه وتعالى عند الاختلاف مبشرين ومنذرين وأنزل معهم الكتاب ، فلا نبي بعده ينسخ شريعته ، وإنما يأتي النبي الناسخ لشريعة موسى عليه الصلاة والسلام مقرراً لشريعته مجدداً لما درس منها كما كان من أنبياء بني إسرائيل الذين بينه وبين موسى عليهم الصلاة والسلام ، ولما كان الشخص لا يبين فضله إلا بآثاره وكانت آيات موسى وعيسى عليهما الصلاة والسلام أكثر من آيات من سبقهما خصهما بالذكر إشارة إلى ذلك ، فكان فيه إظهار الفضل لنبينا صلى الله عليه وسلم ، لأنه لا نسبة لما أوتي أحد من الأنبياء إلى ما أوتي ، وإبهامه يدل على ذلك من حيث إنه إشارة إلى أن إبهامه في الظهور والجلاء كذكره ، ","part":8,"page":102},{"id":3140,"text":"لأن ما وصف به لا ينصرف إلا إليه. أ هـ {نظم الدرر حـ 1 صـ 485 ـ 486}\rقال ابن عاشور :\rموقع هذه الآية موقع الفذلكة لما قبلها والمقدمة لما بعدها.\rفأما الأول فإنّ الله تعالى لما أنبأ باختبار الرسل إبراهيم وموسى وعيسى وما عرض لهم مع أقوامهم وختم ذلك بقوله : تلك آيات اللَّه نتلوها عليك بالحق { تِلْكَ الرسل فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ على بَعْضٍ مِّنْهُمْ مَّن كَلَّمَ الله وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ درجات وَءَاتَيْنَا عِيسَى ابن مَرْيَمَ البينات وأيدناه بِرُوحِ القدس } [ البقرة : 252 ].\rجمع ذلك كلّه في قوله : { تلك الرسل } لَفْتاً إلى العبر التي في خلال ذلك كلّه.\rولما أنهى ذلك كلّه عَقَّبه بقوله : { وإنّك لمن المرسلين } [ البقرة : 252 ] تذكيراً بأنّ إعلامه بأخبار الأمم والرسل آية على صدق رسالته.\rإذ ما كان لمثله قِبَلٌ بعلم ذلك لولا وحي الله إليه.\rوفي هذا كلّه حجة على المشركين وعلى أهل الكتاب الذين جحدوا رسالة محمد صلى الله عليه وسلم فموقع اسم الإشارة مثل موقعه في قول النابغة :\rبني عمه دنيا وعمِرو بن عامر\rأولئك قومٌ بأسهم غير كاذب...\rوالإشارة إلى جماعة المرسلين في قوله : { وإنّك لمن المرسلين }.\rوجيء بالإشارة لما فيها من الدلالة على الاستحضار حتى كأنّ جماعة الرسل حاضرة للسامع بعد ما مرّ من ذكر عجيب أحوال بعضهم وما أعقبه من ذكرهم على سبيل الإجمال.\rوأما الثاني فلأنّه لما أفيض القول في القتال وفي الحثّ على الجهاد والاعتبار بقتال الأمم الماضية عقب ذلك بأنّه لو شاء الله ما اختلف الناس في أمر الدين من بعد ما جاءتهم البيّنات ولكنّهم أساؤوا الفهم فجحدوا البيّنات فأفضى بهم سود فهمهم إلى اشتطاط الخلاف بينهم حتى أفضى إلى الاقتتال.","part":8,"page":103},{"id":3141,"text":"فموقع اسم الإشارة على هذا الاعتبار كموقع ضمير الشأن ، أي هي قصة الرسل وأممهم ، فضّلنا بعض الرسل على بعض فحسدت بعض الأمم أتباع بعض الرسل فكذّب اليهود عيسى ومحمداً عليهما الصلاة والسلام وكذب النصارى محمداً صلى الله عليه وسلم\rوقرن اسم الإشارة بكاف البعد تنويهاً بمراتبهم كقوله : { ذلك الكتاب } [ البقرة : 2 ].\rواسم الإشارة مبتدأ والرسل خبر ، وليس الرسل بدلاً لأنّ الإخبار عن الجماعة بأنّها الرسل أوقع في استحضار الجماعة العجيب شأنهم الباهر خبرهم ، وجملة \"فضّلنا\" حال.\rوالمقصود من هذه الآية تمجيد سمعة الرسل عليهم السلام ، وتعليم المسلمين أنّ هاته الفئة الطيّبة مع عظيم شأنها قد فضّل الله بعضها على بعض ، وأسباب التفضيل لا يعلمها إلاّ الله تعالى ، غير أنّها ترجع إلى ما جرى على أيديهم من الخيرات المُصلِحة للبشر ومن نصر الحق ، وما لقوه من الأذى في سبيل ذلك ، وما أيَّدُوا به من الشرائع العظيمة المتفاوتة في هدى البشر ، وفي عموم ذلك الهديِ ودوامهِ ، وإذا كان الرسول صلى الله عليه وسلم يقول : \" لأنْ يهدي الله بك رجلاً خير لك ممّا طلعت عليه الشمس \"\rفما بالك بمن هدى الله بهم أمماً في أزمان متعاقبة ، ومن أجل ذلك كان محمد صلى الله عليه وسلم أفضل الرّسل.\rويتضمن الكلام ثناء عليهم وتسلية للرسول عليه السلام فيما لقي من قومه. أ هـ {التحرير والتنوير حـ 3 صـ 5 ـ 6}\rوقال الفخر : \r","part":8,"page":104},{"id":3142,"text":"وجه تعليق هذه الآية بما قبلها ما ذكره أبو مسلم وهو أنه تعالى أنبأ محمداً صلى الله عليه وسلم من أخبار المتقدمين مع قومهم ، كسؤال قوم موسى {أَرِنَا الله جَهْرَةً} [ النساء : 153 ] وقولهم : {اجعل لَّنَا إلها كَمَا لَهُمْ ءالِهَة} [ الأعراف : 138 ] وكقوم عيسى بعد أن شاهدوا منه إحياء الموتى وإبراء الأكمه والأبرص بإذن الله فكذبوه وراموا قتله ، ثم أقام فريق على الكفر به وهم اليهود ، وفريق زعموا أنهم أولياؤه وادعت على اليهود من قتله وصلبه ما كذبهم الله تعالى فيه كالملأ من بني إسرائيل حسدوا طالوت ودفعوا ملكه بعد المسألة ، وكذلك ما جرى من أمر النهر ، فعزى الله رسوله عما رأى من قومه من التكذيب والحسد ، فقال : هؤلاء الرسل الذين كلم الله تعالى بعضهم ، ورفع الباقين درجات وأيد عيسى بروح القدس ، قد نالهم من قومهم ما ذكرناه بعد مشاهدة المعجزات ، وأنت رسول مثلهم فلا تحزن على ما ترى من قومك ، فلو شاء الله لم تختلفوا أنتم وأولئك ، ولكن ما قضى الله فهو كائن ، وما قدره فهو واقع وبالجملة فالمقصود من هذا الكلام تسلية الرسول صلى الله عليه وسلم على إيذاء قومه له. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 6 صـ 165}\rوقال أبو حيان : \r} مناسبة هذه الآية لما قبلها أنه لما ذكر اصطفاء طالوت على بني إسرائيل ، وتفضل داود عليهم بإيتائه الملك والحكمة وتعليمه ، ثم خاطب نبيه محمداً صلى الله عليه وسلم ، بأنه من المرسلين ، وكان ظاهر اللفظ يقتضي التسوية بين المرسلين ، بين بأن المرسلين متفاضلون أيضاً ، كما كان التفاضل بين غير المرسلين : كطالوت وبني إسرائيل. أ هـ {البحر المحيط حـ 2 صـ 282}\rفائدة\rقال القرطبى : \rقوله تعالى : { تِلْكَ الرسل } قال : \"تلك\" ولم يقل : ذلك مراعاة لتأنيث لفظ الجماعة ، وهي رفع بالابتداء.\rو \"الرُّسُلُ\" نعته ، وخبر الابتداء الجملة.\rوقيل : الرسل عطف بيان ، و{ فَضَّلْنَا } الخبر. أ هـ {تفسير القرطبى حـ 3 صـ 261}\r","part":8,"page":105},{"id":3143,"text":"وقال الفخر : \r{تِلْكَ} ابتداء ، وإنما قال : {تِلْكَ} ولم يقل أولئك الرسل ، لأنه ذهب إلى الجماعة ، كأنه قيل : تلك الجماعة الرسل بالرفع ، لأنه صفة لتلك وخبر الابتداء {فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ على بَعْضٍ }. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 6 صـ 165}\rفوائد لغوية\rقال أبو حيان : \rو : تلك ، مبتدأ وخبره : الرسل ، و: فضلنا ، جملة حالية ، وذو الحال : الرسل ، والعامل فيه اسم الإشارة.\rويجوز أن يكون : الرسل ، صفة لاسم الإشارة ، أو عطف بيان ، وأشار بتلك التي للبعيد لبعد ما بينهم من الأزمان وبين النبي صلى الله عليه وسلم ، قيل الإشارة إلى الرسل الذين ذكروا في هذه السورة ، أو للرسل التي ثبت علمها عند رسول الله صلى الله عليه وسلم ، والأولى أن تكون إشارة إلى المرسلين في قوله : { وإنك لمن المرسلين } ولا يلزم من ذلك علمه صلى الله عليه وسلم بأعيانهم ، بل أخبر أنه من جملة المرسلين ، وأن المرسلين فضل الله بعضهم على بعض ، وأتى : بتلك ، التي للواحدة المؤنثة ، وإن كان المشار إليه جمعاً ، لأنه جمع تكسير ، وجمع التكسير حكمه حكم الواحدة المؤنثة في الوصف ، وفي عود الضمير ، وفي غير ذلك ، وكان جمع تكسير هنا لاختصار اللفظ ، ولإزالة قلق التكرار ، لأنه لو جاء : أولئك المرسلون فضلنا ، كان اللفظ فيه طول ، وكان فيه التكرار.\rوالالتفات في : نتلوها ، وفي : فضلنا ، لأنه خروج إلى متكلم من غائب ، إذ قبله ذكر لفظ : الله ، وهو لفظ غائب.\rوالتضعيف في : فضلنا ، للتعدية ، و: على بعض ، متعلق بفضلنا ، قيل : والتفضيل بالفضائل بعد الفرائض أو الشرائع على غير ذي الشرائع ، أو بالخصائص كالكلام. أ هـ {البحر المحيط حـ 2 صـ 282}\rوقال الآلوسى : \r","part":8,"page":106},{"id":3144,"text":"{ تِلْكَ الرسل } استئناف مشعر بالترقي كأنه قيل : إنك لمن المرسلين وأفضلهم فضلاً ، والإشارة لجماعة الرسل الذين منهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وما فيه من معنى البعد كما قيل للإيذان بعلو طبقتهم وبعد منزلتهم ، واللام للاستغراق ، ويجوز أن تكون للجماعة المعلومة له صلى الله عليه وسلم أو المذكورة قصصها في السورة ، واللام للعهد ، واختيار جمع التكسير لقرب جمع التصحيح. أ هـ {روح المعانى حـ 3 صـ 2}\rفصل\rقال الفخر :\rفي قوله : {تِلْكَ الرسل} أقوال\rأحدها : أن المراد منه : من تقدم ذكرهم من الأنبياء عليهم السلام في القرآن ، كإبراهيم وإسماعيل وإسحق ويعقوب وموسى وغيرهم صلوات الله عليهم والثاني : أن المراد منه من تقدم ذكرهم في هذه الآية كأشمويل وداود وطالوت على قول من يجعله نبياً والثالث : وهو قول الأصم : تلك الرسل الذين أرسلهم الله لدفع الفساد ، الذين إليهم الإشارة بقوله تعالى : {وَلَوْلاَ دَفْعُ الله الناس بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الأرض} [ البقرة : 251 ]. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 6 صـ 165}","part":8,"page":107},{"id":3145,"text":"قال فى الميزان :\rقوله تعالى : {تلك الرسل فضلنا بعضهم على بعض} ، إشارة إلى فخامة أمر الرسل وعلو مقامهم ولذلك جئ في الإشارة بكلمة تلك الدالة على الإشارةإلى بعيد ، وفيه دلالة على التفضيل الإلهي الواقع بين الأنبياء (عليهم السلام) ففيهم من هو أفضل وفيهم من هو مفضل عليه ، وللجميع فضل فإن الرسالة في نفسها فضيلة وهي مشتركة بين الجميع ، ففيما بين الرسل أيضا اختلاف في المقامات وتفاوت في الدرجات كما أن بين الذين بعدهم اختلافا على ما يدل عليه ذيل الآية إلا أن بين الاختلافين فرقا ، فإن الاختلاف بين الأنبياء اختلاف في المقامات وتفاضل في الدرجات مع اتحادهم في أصل الفضل وهو الرسالة ، واجتماعهم في مجمع الكمال وهو التوحيد ، وهذا بخلاف الاختلاف الموجود بين امم الأنبياء بعدهم فإنه اختلاف بالإيمان والكفر ، والنفى والإثبات ، ومن المعلوم أن لا جامع في هذا النحو من الاختلاف ، ولذلك فرق تعالى بينهما من حيث التعبير فسمى ما للأنبياء تفضيلا ونسبه إلى نفسه ، وسمى ما عند الناس بالاختلاف ونسبه إلى أنفسهم ، فقال في مورد الرسل فضلنا ، وفي مورد أممهم اختلفوا.\rولما كان ذيل الآية متعرضا لمسألة القتال مرتبطا بها والآيات المتقدمة على الآية أيضا راجعة إلى القتال بالأمر به والاقتصاص فيه لم يكن مناص من كون هذه القطعة من الكلام أعني قوله تعالى : {تلك الرسل فضلنا} إلى قوله {بروح القدس} مقدمة لتبيين ما في ذيل الآية من قوله : {ولو شاء الله ما اقتتل الذين من بعدهم} إلى قوله تعالى : {ولكن الله يفعل ما يريد}.\rوعلى هذا فصدر الآية لبيان أن مقام الرسالة على اشتراكه بين الرسل (عليهم السلام) مقام تنمو فيه الخيرات والبركات ، وتنبع فيه الكمال والسعادة ودرجات القربى والزلفى كالتكليم الإلهي وإيتاء البينات والتأييد بروح القدس ، وهذا المقام على ما فيه من الخير والكمال لم يوجب ارتفاع القتال لاستناده إلى اختلاف الناس أنفسهم.","part":8,"page":108},{"id":3146,"text":"وبعبارة أخرى محصل معنى الآية أن الرسالة على ما هي عليه من الفضيلة مقام تنمو فيه الخيرات كلما انعطفت إلى جانب منه وجدت فضلا جديدا ، وكلما ملت إلى نحو من أنحائه ألفيت غضا طريا ، وهذا المقام على ما فيه من البهاء والسناء والإتيان بالآيات البينات لايتم به رفع الاختلاف بين الناس بالكفر والإيمان ، فإن هذا الاختلاف إنما يستند إلى أنفسهم ، فهم أنفسهم أوجدوا هذا الاختلاف كما قال تعالى في موضع\rآخر : { \"إن الدين عند الله الإسلام وما اختلف الذين أوتوا الكتاب إلا من بعد ما جاءهم العلم بغيا بينهم \" آل عمران - 19}. أ هـ {الميزان حـ 2 صـ 310 ـ 311}","part":8,"page":109},{"id":3147,"text":"قوله تعالى : {مّنْهُمْ مَّن كَلَّمَ الله}\rفائدة\rقال الفخر :\rقرىء {كلم الله} بالنصب ، والقراءة الأولى أدل على الفضل ، لأن كل مؤمن فإنه يكلم الله على ما قال عليه السلام : \" المصلي مناج ربه \" إنما الشرف في أن يكلمه الله تعالى ، وقرأ اليماني : {كالم الله} من المكالمة ، ويدل عليه قولهم : كليم الله بمعنى مكالمه. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 6 صـ 170}\rفصل\rقال الفخر :\rاتفقوا على أن موسى عليه السلام مراد بقوله تعالى : {مِّنْهُمْ مَّن كَلَّمَ الله} قالوا وقد سمع من قوم موسى السبعون المختارون وهم الذين أرادهم الله بقوله : {واختار موسى قَوْمَهُ سَبْعِينَ رَجُلاً} [ الأعراف : 155 ] وهل سمعه محمد صلى الله عليه وسلم ليلة المعراج ؟ اختلفوا فيه منهم من قال : نعم بدليل قوله : {فأوحى إلى عَبْدِهِ مَا أوحى} [ النجم : 10 ]. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 6 صـ 170}\rقال أبو حيان :\rوذكر التفضيل بالكلام وهو من أشرف تفضيل حيث جعله محلاً لخطابه ومناجاته من غير سفير ، وتضافرت نصوص المفسرين هنا على أن المراد بالمكلم هنا هو موسى على نبينا وعليه الصلاة والسلام ، \" وقد سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن آدم : أنبي مرسل ؟ فقال : \"نعم نبي مكلم \" وقد صح في حديث الإسراء حيث ارتقى رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى مقام تأخر عنه فيه جبريل ، أنه جرت بينه صلى الله عليه وسلم وبين ربه تعالى مخاطبات ومحاورات ، فلا يبعد أن يدخل تحت قوله : { منهم من كلم الله } : موسى وآدم ومحمد صلى الله عليه وسلم ، لأنه قد ثبت تكليم الله لهم.\rوفي قوله : { كلم الله } التفات ، إذ هو خروج إلى ظاهر غائب من ضمير متكلم ، لما في ذكر هذا الاسم العظيم من التفخيم والتعظيم ، ولزوال قلق تكرار ضمير المتكلم ، إذ كأن يكون : فضلنا ، وكلمنا ، ورفعنا ، وآتينا. أ هـ {البحر المحيط حـ 2 صـ 282}","part":8,"page":110},{"id":3148,"text":"سؤال : فإن قيل : إن قوله تعالى : {مّنْهُمْ مَّن كَلَّمَ الله} المقصود منه بيان غاية منقبة أولئك الأنبياء الذين كلم الله تعالى ، ولهذا السبب لما بالغ في تعظيم موسى عليه السلام ، قال : {وَكَلَّمَ الله موسى تَكْلِيماً} ثم جاء في القرآن مكالمة بين الله وبين إبليس ، حيث قال : {فَأَنظِرْنِى إلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ * قَالَ فَإِنَّكَ مِنَ المنظرين * إلى يَوْمِ الوقت المعلوم} [ ص : 79 81 ] إلى آخر هذه الآيات وظاهر هذه الآيات يدل على مكالمة كثيرة بين الله وبين إبليس فإن كان ذلك يوجب غاية الشرف فكيف حصل لإبليس الذم وإن لم يوجب شرفاً فكيف ذكره في معرض التشريف لموسى عليه السلام حيث قال : {وَكَلَّمَ الله موسى تَكْلِيماً} ؟ .\rوالجواب : أن قصة إبليس ليس فيها ما يدل على أنه تعالى قال تلك الجوابات معه من غير واسطة فلعل الواسطة كانت موجودة. (1) أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 6 صـ 170 ـ 171}\rقوله تعالى : {وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ درجات}\rقال الفخر :\rأما قوله تعالى : {وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ درجات} ففيه قولان\r_______________\r(1) شتان بين خطاب التشريف والإكرام وبين خطاب الذل والهوان ، وهذا أيضا متحقق فى خطاب الله تعالى لأهل الجنة ولأهل النار. والله أعلم.","part":8,"page":111},{"id":3149,"text":"الأول : أن المراد منه بيان أن مراتب الرسل متفاوتة ، وذلك لأنه تعالى اتخذ إبراهيم خليلاً ، ولم يؤت أحداً مثله هذه الفضيلة ، وجمع لداود الملك والنبوة ولم يحصل هذا لغيره ، وسخر لسليمان الإنس والجن والطير والريح ، ولم يكن هذا حاصلاً لأبيه داود عليه السلام ، ومحمد عليه السلام مخصوص بأنه مبعوث إلى الجن والإنس وبأن شرعه ناسخ لكل الشرائع ، وهذا إن حملنا الدرجات على المناصب والمراتب ، أما إذا حملناها على المعجزات ففيه أيضاً وجه ، لأن كل واحد من الأنبياء أوتي نوعاً آخر من المعجزة لائقاً بزمانه فمعجزات موسى عليه السلام ، وهي قلب العصا حية ، واليد البيضاء ، وفلق البحر ، كان كالشبيه بما كان أهل ذلك العصر متقدمين فيه وهو السحر ، ومعجزات عيسى عليه السلام وهي إبراء الأكمه والأبرص ، وإحياء الموتى ، كانت كالشبيه بما كان أهل ذلك العصر متقدمين فيه ، وهو الطب ، ومعجزة محمد عليه السلام ، وهي القرآن كانت من جنس البلاغة والفصاحة والخطب والأشعار ، وبالجملة فالمعجزات متفاوتة بالقلة والكثرة ، وبالبقاء وعدم البقاء ، وبالقوة وعدم القوة ،\rوفيه وجه ثالث ، وهو أن يكون المراد بتفاوت الدرجات ما يتعلق بالدنيا ، وهو كثرة الأمة والصحابة وقوة الدولة ، فإذا تأملت الوجوه الثلاثة علمت أن محمداً صلى الله عليه وسلم كان مستجمعاً للكل فمنصبه أعلى ومعجزاته أبقى وأقوى وقومه أكثر ودولته أعظم وأوفر.\rالقول الثاني : أن المراد بهذه الآية محمد عليه السلام ، لأنه هو المفضل على الكل ، وإنما قال : {وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ درجات} على سبيل التنبيه والرمز كمن فعل فعلاً عظيماً فيقال له : من فعل هذا فيقول أحدكم أو بعضكم ويريد به نفسه ، ويكون ذلك أفخم من التصريح به ، وسئل الحطيئة عن أشعر الناس ، فذكر زهيراً والنابغة ، ثم قال : ولو شئت لذكرت الثالث أراد نفسه ، ولو قال : ولو شئت لذكرت نفسي لم يبق فيه فخامة. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 6 صـ 171}","part":8,"page":112},{"id":3150,"text":"لطيفة\rقال أبو حيان :\rولما كان نبينا محمد صلى الله عليه وسلم هو الذي أوتي ما لم يؤته أحد من كثرة المعجزات وعظمها ، وكان المشهود له بإحراز قصبات السبق ، حف ذكره بذكر هذين الرسولين العظيمين ، ليحصل لكل منهما بمجاورة ذكره الشرف ، إذ هو بينهما واسطة عقد النبوّة ، فينزل منهما منزلة واسطة العقد التي يزدان بها ما جاورها من اللآليء ، وتنوع هذا التقسيم ولم يرد على أسلوب واحد ، فجاءت الجملة الأولى من مبتدأ وخبر مصدرة بمن الدالة على التقسيم ، وجاءت الثانية فعلية مسندة لضمير اسم الله ، لا لفظه ، لقربه ، إذ لو أسند إلى الظاهر لكان منهم من كلم الله ، ورفع الله ، فكان يقرب التكرار ، فكان الإضمار أحسن.\rوفي الجملتين : المفضل منهم لا معين بالاسم ، لكن يعين الأول صلة الموصول ، لأنها معلومة عند السامع ، ويعين الثاني ما أخبر به عنه ، وهو أنه مرفوع على غيره من الرسل بدرجات ، وهذه الرتبة ليست إلاَّ لمحمد صلى الله عليه وسلم ، وجاءت الثانية فعلية مسندة لضمير المتكلم على سبيل الالتفات ، إذ قبله غائب ، وكل هذا يدل على التوسع في أفانين البلاغة وأساليب الفصاحة. أ هـ {البحر المحيط حـ 2 صـ 283}\rقال ابن عاشور :\rوقوله : { ورفع بعضهم درجات } يتعيّن أن يكون المراد من البعض هنا واحداً من الرسل معيّناً لا طائفة ، وتكون الدرجات مراتبَ من الفضيلة ثابتة لذلك الواحد : لأنّه لو كان المراد من البعض جماعة من الرسل مُجملاً ، ومن الدرجات درجات بينهم لصار الكلام تكراراً مع قوله فضّلنا بعضهم على بعض ، ولأنّه لو أريد بعضٌ فُضِّل على بعض لقال ، ورفع بعضهم فوق بعض درجات كما قال في الآية الأخرى : { ورفع بعضكم فوق بعض درجات } [ الأنعام : 165 ].","part":8,"page":113},{"id":3151,"text":"وعليه فالعدول من التصريح بالاسم أو بالوصف المشهور به لقصد دفع الاحتشام عن المبلِّغ الذي هو المقصود من هذا الوصف وهو محمد صلى الله عليه وسلم والعرب تعبّر بالبعض عن النفس كما في قول لبيد :\rتَرّاكُ أمْكِنَةٍ إذَا لَمْ أرْضَها\rأوْ يعْتَلِقْ بعضَ النّفوسسِ حِمَامُها...\rأراد نفسه ، وعن المخاطب كقولي أبي الطيّب :\rإذا كان بعضُ النّاس سيفاً لِدَوْلَةٍ\rففي النّاسِ بُوقات لها وطُبُول...\rوالذي يعيِّن المراد في هذا كلّه هو القرينة كانطباق الخبر أو الوصف على واحد كقول طرفة :\rإذا القَوْم قالوا مَنْ فتًى خِلْتُ أنّني\rعُنِيْتُ فلم أكسل ولم أتَبَلَّدِ...\rوقد جاء على نحو هذه الآية قوله تعالى : { وما أرسلناك عليهم وكيلاً وربّك أعلم بمن في السموات والأرض ولقد فضّلنا بعض النبيين على بعض } [ الإسراء : 54 ، 55 ] عَقب قوله : { وإذا قرآتَ القرآن جعلنا بينك وبين الذين لا يؤمنون بالآخرة حجاباً مستورا } إلى أن قال { وقل لعبادي يقولوا التي هي أحسن } إلى قوله { ولقد فضّلنا بعض النبيين على بعض } [ الإسراء : 45 ، 55 ].\rوهذا إعلام بأن بعض الرسل أفضل من بعض على وجه الإجمال وعدمِ تعيين الفاضل من المفضول : ذلك أنّ كل فريق اشتركوا في صفةِ خيرٍ لا يخلُونَ من أن يكون بعضهم أفضل من بعض بما للبعض من صفات كمال زائدة على الصفة المشتركة بينهم ، وفي تمييز صفات التفاضل غموض ، وتطرق لتوقّع الخطأ وعروض ، وليس ذلك بسهلٍ على العقول المعرّضة للغفلة والخطأ.\rفإذا كان التفضيل قد أنبأ به ربّ الجميع ، ومَنْ إليه التفضيل ، فليس من قدْر النّاس أن يتصدّوا لوضع الرسل في مراتبهم ، وحسبهم الوقوف عندما ينبئهم الله في كتابه أو على لسان رسوله.\rوهذا مورد الحديث الصحيح\r\" لا تُفضّلوا بين الأنبياء \" يعني به النهى عن التفضيل التفصيلي ، بخلاف التفضيل على سبيل الإجمال ، كما نقول : الرسل أفضل من الأنبياء الذين ليسوا رسلاً.","part":8,"page":114},{"id":3152,"text":"وقد ثبت أنّ محمداً صلى الله عليه وسلم أفضل الرّسل لما تظاهر من آيات تفضيله وتفضيل الدين الذي جاء به وتفضيل الكتاب الذي أنزل عليه.\rوهي متقارنة الدلالة تنصيصاً وظهوراً.\rإلاّ أنّ كثرتها تحصل اليقين بمجموع معانيها عملاً بقاعدة كثرة الظواهر تفيد القطع.\rوأعظمها آية { وإذ أخذ الله ميثاق النبيين لَمَا آتيناكم من كتاب وحكمةٍ ثم جاءكم رسول مصدّق لما معكم لتؤمنُنّ به ولتنصُرنَّه } [ آل عمران : 81 ] الآية.\rوأما قول النبي صلى الله عليه وسلم \" لا يقولَنّ أحَدُكُم أنا خير من يونس بن مَتَّى \" يعني بقوله : \" أنا \" نفسه على أرجح الاحتمالين ، وقوله : \" لا تُفَضِّلوني على مُوسَى \" فذلك صدر قبل أن يُنبئَه اللَّهُ بأنّه أفضل الخلق عنده.\rوهذه الدرجات كثيرة عرَفْنَا منها : عمومَ الرسالة لكافة الناس ، ودوامَها طُولَ الدهر ، وختمها للرسالات ، والتأييد بالمعجزة العظيمة التي لا تلتبس بالسحر والشعْوذة ، وبدوام تلك المعجزة ، وإمكان أن يشاهدها كل من يؤهّل نفسه لإدراك الإعجاز ، وبابتناء شريعته على رعي المصالح ودرء المفاسد والبلوغ بالنفوس إلى أوج الكمال ، وبتيسير إدانة معانديه له ، وتمليكه أرضهم وديارَهم وأموالَهم في زمن قصير ، وبجعل نقل معجزته متواتراً لا يجهلها إلاّ مُكابر ، وبمشاهدة أمته لقبره الشريف ، وإمكان اقترابهم منه وائتناسهم به صلى الله عليه وسلم\rوقد عطف ما دل على نبيئنا على ما دل على موسى عليهما السلام لشدة الشبه بين شريعَتَيْهما ، لأنّ شريعة موسى عليه السلام أوسع الشرائع ، ممّا قبلها ، بخلاف شريعة عيسى عليه السلام. أ هـ {التحرير والتنوير حـ 3 صـ 6 ـ 8}\rوقال القرطبى :\rوهذه آية مشكلة والأحاديث ثابتة بأن النبيّ صلى الله عليه وسلم قال : \" لا تخيِّروا بين الأنبياء \" و\" لا تفضِّلوا بين أنبياء الله \" رواها الأئمّة الثقات ، أي لا تقولوا : فلان خير من فلان ، ولا فلان أفضل من فلان.","part":8,"page":115},{"id":3153,"text":"يُقال : خيّر فلان بين فلان وفلان ، وفضّل ( مشدداً ) إذا قال ذلك : وقد اختلف العلماء في تأويل هذا المعنى ؛ فقال قوم : إن هذا كان قبل أن يُوحى إليه بالتفضيل ، وقبل أن يعلم أنه سيِّد ولد آدم ، وأن القرآن ناسخ للمنع من التفضيل.\rوقال ابن قتيبة : إنما أراد بقوله : \" أنا سيد ولد آدم \" يوم القيامة ؛ لأنه الشافع يومئذ وله لواء الحمد والحوض ، وأراد بقوله : \" لا تخيِّروني على موسى \" على طريق التواضع ؛ كما قال أبو بكر : وليتكم ولست بخيركم.\rوكذلك معنى قوله : \" لا يقل أحد أنا خير من يونس بن متى \" على معنى التواضع.\rوفي قوله تعالى : { وَلاَ تَكُن كَصَاحِبِ الحوت } [ القلم : 48 ] ما يدل على أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أفضل منه ؛ لأن الله تعالى يقول : ولا تكن مثله ؛ فدلّ على أن قوله : \"لا تفضِّلوني عليه\" من طريق التواضع.\rويجوز أن يريد لا تفضلوني عليه في العمل فلعله أفضل عملاً منِّي ، ولا في البَلْوى والامتحان فإنه أعظم محنة منِّي.\rوليس ما أعطاه الله لنبينا محمدٍ صلى الله عليه وسلم من السُّودَد والفضل يوم القيامة على جميع الأنبياء والرسل بعمله بل بتفضيل الله إياه واختصاصه له ، وهذا التأويل اختاره المهلّب.\rومنهم من قال : إنما نهى عن الخوض في ذلك ، لأن الخوض في ذلك ذرِيعة إلى الجدال وذلك يؤدّي إلى أن يذكر منهم ما لا ينبغي أن يذكر ويَقِلّ احترامهم عند المُماراة.\rقال شيخنا : فلا يُقال : النبيّ أفضل من الأنبياء كلهم ولا من فلان ولا خَيْرٌ ، كما هو ظاهر النهي لما يتوهم من النقص في المفضول ؛ لأن النهي اقتضى منع إطلاق اللفظ لا منع اعتقاد ذلك المعنى ؛ فإن الله تعالى أخبر بأن الرسُل متفاضلون ، فلا تقول : نبينا خير من الأنبياء ولا من فلان النبيّ اجتناباً لما نُهي عنه وتأدّباً به وعملاً باعتقاد ما تضمنه القرآن من التفضيل ، والله بحقائق الأُمور عليم.","part":8,"page":116},{"id":3154,"text":"قلت : وأحسن من هذا قول من قال : إن المنع من التفضيل إنما هو من جهة النبوّة التي هي خصلة واحدة لا تفاضل فيها ، وإنما التفضيل في زيادة الأحوال والخصوص والكرامات والألطاف والمعجزات المتباينات ، وأما النبوّة في نفسها فلا تتفاضل وإنما تتفاضل بأُمور أُخَر زائدةٍ عليها ؛ ولذلك منهم رُسُل وأولوا عَزْم ، ومنهم مَن أُتّخِذ خليلاً ، ومنهم مَن كلّم الله ورفع بعضهم درجات ، قال الله تعالى : { وَلَقَدْ فَضَّلْنَا بَعْضَ النبيين على بَعْضٍ وَآتَيْنَا دَاوُودَ زَبُوراً } [ الإسراء : 55 ] وقال : { تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ على بَعْضٍ }.\rقلت : وهذا قول حسن ، فإنه جمع بين الآي والأحاديث من غير نسخ ، والقول بتفضيل بعضهم على بعض إنما هو بما مُنِح من الفضائل وأعطَي من الوسائل ، وقد أشار ابن عباس إلى هذا فقال : إن الله فضل محمّداً على الأنبياء وعلى أهل السماء ، فقالوا : بِم يا ابن عباس فضله على أهل السماء ؟ فقال : إن الله تعالى قال : { وَمَن يَقُلْ مِنْهُمْ إني إله مِّن دُونِهِ فذلك نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ كَذَلِكَ نَجْزِي الظالمين } [ الأنبياء : 29 ].\rوقال لمحمد صلى الله عليه وسلم : { إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحاً مُّبِيناً لِّيَغْفِرَ لَكَ الله مَا تَقَدَّمَ مِن ذَنبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ } [ الفتح : 1 ، 2 ].\rقالوا : فما فضله على الأنبياء ؟ قال قال الله تعالى : { وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلاَّ بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ } [ إبراهيم : 4 ] وقال الله عزّ وجلّ لمحمّد صلى الله عليه وسلم : { وَمَآ أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ كَآفَّةً لِّلنَّاسِ } [ سبأ : 28 ] فأرسله إلى الجن والإنس \"ذكره أبو محمد الدارميّ في مسنده\".","part":8,"page":117},{"id":3155,"text":"وقال أبو هريرة : خير بني آدم نوح وإبراهيم وموسى ومحمد صلى الله عليه وسلم ، وهم أولو العزم من الرسل ، وهذا نص من ابن عباس وأبي هريرة في التعيين ، ومعلوم أن من أُرسل أفضل ممن لم يُرسل ، فإنّ من أُرسل فُضِّل على غيره بالرسالة واستووا في النبوّة إلى ما يلقاه الرسل من تكذيب أُممهم وقتلهم إياهم ، وهذا مما لا خفاء فيه ، إلاَّ أن ابن عطية أبا محمد عبد الحق قال : إن القرآن يقتضي التفضيل ، وذلك في الجملة دون تعيين أحد مفضول ، وكذلك هي الأحاديث ؛ ولذلك قال النبيّ صلى الله عليه وسلم : \" أنا أكرم ولد آدم على ربي \" وقال : \" أنا سيد ولد آدم \" ولم يعيِّن ، وقال عليه السَّلام : \" لا ينبغي لأحد أن يقول أنا خير من يونس بن مَتّى \" وقال : \" لا تفضِّلوني على موسى \" وقال ابن عطية : وفي هذا نهي شديد عن تعيين المفضول ؛ لأن يونس عليه السَّلام كان شاباً وتفَسّخ تحت أعْبَاء النبوّة.\rفإذا كان التوقيف لمحمد صلى الله عليه وسلم فغيره أحرى.\rقلت : ما اخترناه أولى إن شاء الله تعالى ؛ فإن الله تعالى لما أخبر أنه فضل بعضهم على بعض جعل يُبيِّن بعض المتفاضلين ويذكر الأحوال التي فُضِّلوا بها فقال : { مِّنْهُمْ مَّن كَلَّمَ الله وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَاتٍ وَآتَيْنَا عِيسَى ابن مَرْيَمَ البينات } وقال : { وَآتَيْنَا دَاوُودَ زَبُوراً } [ الإسراء : 55 ] وقال تعالى : { وَآتَيْنَاهُ الإنجيل } [ المائدة : 46 ] ، { وَلَقَدْ آتَيْنَا موسى وَهَارُونَ الفرقان وَضِيَآءً وَذِكْراً لَّلْمُتَّقِينَ }\r[ الأنبياء : 48 ] وقال تعالى : { وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ عِلْماً } [ النمل : 15 ] وقال : { وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النبيين مِيثَاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِن نُّوحٍ } [ الأحزاب : 7 ] فعمّ ثم خصّ وبدأ بمحمد صلى الله عليه وسلم ، وهذا ظاهر.\rقلت : وهكذا القول في الصحابة إن شاء الله تعالى ، اشتركوا في الصحبة ثم تباينوا في الفضائل بما منحهم الله من المواهب والوسائل ، فهم متفاضلون بتلك مع أن الكل شملتهم الصحبة والعدالة والثناء عليهم ، وحسبك بقوله الحق : { مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ الله والذين مَعَهُ أَشِدَّآءُ عَلَى الكفار } [ الفتح : 29 ] إلى آخر السورة.\rوقال : { وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التقوى وكانوا أَحَقَّ بِهَا وَأَهْلَهَا } [ الفتح : 26 ] ثم قال : { لاَ يَسْتَوِي مِنكُم مَّنْ أَنفَقَ مِن قَبْلِ الفتح وَقَاتَلَ } [ الحديد : 10 ] وقال : { لَّقَدْ رَضِيَ الله عَنِ المؤمنين إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشجرة } [ الفتح : 18 ] فعمّ وخص ، ونفي عنهم الشين والنقص ، رضي الله عنهم أجمعين ونفعنا بحبهم آمين. أ هـ {تفسير القرطبى حـ 3 صـ 261 ـ 264}","part":8,"page":118},{"id":3156,"text":"فوائد لغوية\rقال ابن عادل :\rقوله : { وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَاتٍ }.\rفي نصبه ستَّةُ أوجهٍ :\rأحدها : أنه مصدرٌ واقعٌ موقع الحال.\rالثاني : أَنَّهُ حالٌ على حذفِ مُضَافٍ ، أي : ذوي درجاتٍ.\rالثالث : أَنَّهُ مفعولٌ ثانٍ لـ \" رفع \" على أَنَّهُ ضُمِّنَ معنى بلَّغ بعضهم درجات.\rالرابع : أنه بدلُ اشتمالٍ ، أي : رفع درجاتٍ بعضهم ، والمعنى : على درجاتِ بعض.\rالخامس : أنه مصدرٌ على معنى الفعل لا لفظه؛ لأَنَّ الدّرجة بمعنى الرَّفعة ، فكأنه قيل : ورَفَع بعضهم رَفعاتٍ.\rالسادس : أنه على إِسْقاط الخافضِ ، وذلك الخافضُ يَحْتمل أن يَكُون \" عَلَى \" أو \" فِي \" ، أو \" إلى \" تقديره : على درجاتٍ أو في درجاتٍ أو إلى درجات ، فلمَّا حُذِفَ حرفُ الجر انتصَبَ ما بعده. أ هـ {تفسير ابن عادل حـ 4 صـ 304}","part":8,"page":119},{"id":3157,"text":"بحث نفيس وقيم للعلامة فخر الدين الرازى ـ ولله دره ـ\rقال رحمه الله :\rأجمعت الأمة على أن بعض الأنبياء أفضل من بعض ، وعلى أن محمداً صلى الله عليه وسلم أفضل من الكل ، ويدل عليه وجوه أحدها : قوله تعالى : {وَمَا أرسلناك إِلاَّ رَحْمَةً للعالمين} [ الأنبياء : 107 ] فلما كان رحمة لكل العالمين لزم أن يكون أفضل من كل العالمين.\rالحجة الثانية : قوله تعالى : {وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ} فقيل فيه لأنه قرن ذكر محمد بذكره في كلمة الشهادة وفي الأذان وفي التشهد ولم يكن ذكر سائر الأنبياء كذلك.\rالحجة الثالثة : أنه تعالى قرن طاعته بطاعته ، فقال : {مَّنْ يُطِعِ الرسول فَقَدْ أَطَاعَ الله} [ النساء : 80 ] وبيعته ببيعته فقال : {إِنَّ الذين يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ الله يَدُ الله فَوْقَ أَيْدِيهِمْ} [ الفتح : 10 ] وعزته بعزته فقال : {وَلِلَّهِ العزة وَلِرَسُولِهِ }","part":8,"page":120},{"id":3158,"text":"[ المنافقون : 8 ] ورضاه برضاه فقال : {والله وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَن يُرْضُوهُ} [ التوبة : 62 ] وإجابته بإجابته فقال : {ياأيها الذين ءَامَنُواْ استجيبوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُول} [ الأنفال : 24 ].\rالحجة الرابعة : أن الله تعالى أمر محمداً بأن يتحدى بكل سورة من القرآن فقال : {فَأْتُواْ بِسُورَةٍ مّن مِّثْلِهِ} [ البقرة : 23 ] وأقصر السور سورة الكوثر وهي ثلاث آيات ، وكان الله تحداهم بكل ثلاث آيات من القرآن ، ولما كان كل القرآن ستة آلاف آية ، وكذا آية ، لزم أن لا يكون معجز القرآن معجزاً واحداً بل يكون ألفي معجزة وأزيد.\rوإذا ثبت هذا فنقول : إن الله سبحانه ذكر تشريف موسى بتسع آيات بينات ، فلأن يحصل التشريف لمحمد بهذه الآيات الكثيرة كان أولى.\rالحجة الخامسة : أن معجزة رسولنا صلى الله عليه وسلم أفضل من معجزات سائر الأنبياء فوجب أن يكون رسولنا أفضل من سائر الأنبياء.\rبيان الأول قوله عليه السلام : \" القرآن في الكلام كآدم في الموجودات \".\rبيان الثاني أن الخلعة كلما كانت أشرف كان صاحبها أكرم عند الملك.\rالحجة السادسة : أن معجزته عليه السلام هي القرآن وهي من جنس الحروف والأصوات وهي أعراض غير باقية وسائر معجزات سائر الأنبياء من جنس الأمور الباقية ثم إنه سبحانه جعل معجزة محمد صلى الله عليه وسلم باقية إلى آخر الدهر ، ومعجزات سائر الأنبياء فانية منقضية.","part":8,"page":121},{"id":3159,"text":"الحجة السابعة : أنه تعالى بعد ما حكى أحوال الأنبياء عليهم السلام قال : {أُوْلَئِكَ الذين هَدَى الله فَبِهُدَاهُمُ اقتده} [ الأنعام : 90 ] فأمر محمداً صلى الله عليه وسلم بالاقتداء بمن قبله ، فإما أن يقال : إنه كان مأموراً بالاقتداء بهم في أصول الدين وهو غير جائز لأنه تقليد ، أو في فروع الدين وهو غير جائز ، لأن شرعه نسخ سائر الشرائع ، فلم يبق إلا أن يكون المراد محاسن الأخلاق ، فكأنه سبحانه قال : إنا أطلعناك على أحوالهم وسيرهم ، فاختر أنت منها أجودها وأحسنها وكن مقتدياً بهم في كلها ، وهذا يقتضي أنه اجتمع فيه من الخصال المرضية ما كان متفرقاً فيهم ، فوجب أن يكون أفضل منهم.","part":8,"page":122},{"id":3160,"text":"الحجة الثامنة : أنه عليه السلام بعث إلى كل الخلق وذلك يقتضي أن تكون مشقته أكثر ، فوجب أن يكون أفضل ، أما إنه بعث إلى كل الخلق فلقوله تعالى : {وَمَا أرسلناك إِلاَّ كَافَّةً لّلنَّاسِ} [ سبأ : 28 ] وأما أن ذلك يقتضي أن تكون مشتقه أكثر فلأنه كان إنساناً فرداً من غير مال ولا أعوان وأنصار ، فإذا قال لجميع العالمين : يا أيها الكافرون صار الكل أعداء له ، وحينئذٍ يصير خائفاً من الكل ، فكانت المشقة عظيمة ، وكذلك فإن موسى عليه السلام لما بعث إلى بني إسرائيل فهو ما كان يخاف أحداً إلا من فرعون وقومه ، وأما محمد عليه السلام فالكل كانوا أعداء له ، يبين ذلك أن إنساناً لو قيل له : هذا البلد الخالي عن الصديق والرفيق فيه رجل واحد ذو قوة وسلاح فاذهب إليه اليوم وحيداً وبلغ إليه خبراً يوحشه ويؤذيه ، فإنه قلما سمحت نفسه بذلك ، مع أنه إنسان واحد ، ولو قيل له : اذهب إلى بادية بعيدة ليس فيها أنس ولا صديق ، وبلغ إلى صاحب البادية كذا وكذا من الأخبار الموحشة لشق ذلك على الإنسان ، أما النبي صلى الله عليه وسلم فإنه كان مأموراً بأن يذهب طول ليله ونهاره في كل عمره إلى الجن والإنس الذين لا عهد له بهم ، بل المعتاد منهم أنهم يعادونه ويؤذونه ويستخفونه ، ثم إنه عليه السلام لم يمل من هذه الحالة ولم يتلكأ ، بل سارع إليها سامعاً مطيعاً ، فهذا يقتضي أنه تحمل في إظهار دين الله أعظم المشاق ، ولهذا قال تعالى :\r{لاَ يَسْتَوِى مِنكُم مَّنْ أَنفَقَ مِن قَبْلِ الفتح وقاتل} [ الحديد : 10 ] ومعلوم أن ذلك البلاء كان على الرسول صلى الله عليه وسلم ، فإذا عظم فضل الصحابة بسبب تلك الشدة فما ظنك بالرسول ، وإذا ثبت أن مشقته أعظم من مشقة غيره وجب أن يكون فضله أكثر من فضل غيره لقوله عليه السلام : \" أفضل العبادات أحمزها \".","part":8,"page":123},{"id":3161,"text":"الحجة التاسعة : أن دين محمد عليه السلام أفضل الأديان ، فيلزم أن يكون محمد صلى الله عليه وسلم أفضل الأنبياء ، بيان الأول أنه تعالى جعل الإسلام ناسخاً لسائر الأديان ، والناسخ يجب أن يكون أفضل لقوله عليه السلام : \" من سن سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة \" فلما كان هذا الدين أفضل وأكثر ثواباً ، كان واضعه أكثر ثواباً من واضعي سائر الأديان ، فيلزم أن يكون محمد عليه السلام أفضل من سائر الأنبياء.\rالحجة العاشرة : أمة محمد صلى الله عليه وسلم أفضل الأمم ، فوجب أن يكون محمد أفضل الأنبياء ، بيان الأول قوله تعالى : {كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ} [ آل عمران : 110 ] بيان الثاني أن هذه الأمة إنما نالت هذه الفضيلة لمتابعة محمد صلى الله عليه وسلم ، قال تعالى : {قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ الله فاتبعونى يُحْبِبْكُمُ الله} [ آل عمران : 31 ] وفضيلة التابع توجب فضيلة المتبوع ، وأيضاً أن محمداً صلى الله عليه وسلم أكثر ثواباً لأنه مبعوث إلى الجن والإنس ، فوجب أن يكون ثوابه أكثر ، لأن لكثرة المستجيبين أثراً في علو شأن المتبوع.\rالحجة الحادية عشر : أنه عليه السلام خاتم الرسل ، فوجب أن يكون أفضل ، لأن نسخ الفاضل بالمفضول قبيح في المعقول.\rالحجة الثانية عشرة : أن تفضيل بعض الأنبياء على بعض يكون لأمور منها : كثرة المعجزات التي هي دالة على صدقهم وموجبة لتشريفهم ، وقد حصل في حق نبينا عليه السلام ما يفضل على ثلاثة آلاف ، وهي بالجملة على أقسام ، منها ما يتعلق بالقدرة ، كإشباع الخلق الكثير من الطعام القليل ، وإروائهم من الماء القليل ، ومنها ما يتعلق بالعلوم كالإخبار عن الغيوب ، وفصاحة القرآن ، ومنها اختصاصه في ذاته بالفضائل ، نحو كونه أشرف نسباً من أشراف العرب ، وأيضاً كان في غاية الشجاعة ، كما روي أنه قال بعد محاربة علي رضي الله عنه لعمرو بن ود :","part":8,"page":124},{"id":3162,"text":"\" كيف وجدت نفسك يا علي ، قال : وجدتها لو كان كل أهل المدينة في جانب وأنا في جانب لقدرت عليهم فقال : تأهب فإنه يخرج من هذا الوادي فتى يقاتلك \" ، الحديث إلى آخره وهو مشهور ، ومنها في خلقه وحلمه ووفائه وفصاحته وسخائه ، وكتب الحديث ناطقة بتفصيل هذه الأبواب.\rالحجة الثالثة عشرة : قوله عليه السلام : \" آدم ومن دونه تحت لوائي يوم القيام \" وذلك يدل على أنه أفضل من آدم ومن كل أولاده ، وقال عليه السلام : \" أنا سيد ولد آدم ولا فخر \" وقال عليه السلام : \" لا يدخل الجنة أحد من النبيين حتى أدخلها أنا ، ولا يدخلها أحد من الأمم حتى تدخلها أمتي \" وروى أنس قال صلى الله عليه وسلم : \" أنا أول الناس خروجاً إذا بعثوا ، وأنا خطيبهم إذا وفدوا ، وأنا مبشرهم إذا أيسوا ، لواء الحمد بيدي ، وأنا أكرم ولد آدم على ربي ولا فخر \" وعن ابن عباس قال : جلس ناس من الصحابة يتذاكرون فسمع رسول الله صلى الله عليه وسلم حديثهم فقال بعضهم : عجباً إن الله اتخذ إبراهيم خليلاً ، وقال آخر : ماذا بأعجب من كلام موسى كلمه تكليماً ، وقال آخر : فعيسى كلمة الله وروحه ، وقال آخر : آدم اصطفاه الله فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال : \" قد سمعت كلامكم وحجتكم أن إبراهيم خليل الله وهو كذلك ، وموسى نجى الله وهو كذلك ، وعيسى روح الله وهو كذلك ، وآدم اصطفاه الله تعالى وهو كذلك ، ألا وأنا حبيب الله ولا فخر ، وأنا حامل لواء الحمد يوم القيامة ولا فخر ، وأنا أول شافع وأنا أول مشفع يوم القيامة ولا فخر ، وأنا أول من يحرك حلقة الجنة فيفتح لي فأدخلها ومعي فقراء المؤمنين ولا فخر ، وأنا أكرم الأولين والآخرين ولا فخر.","part":8,"page":125},{"id":3163,"text":"\" الحجة الرابعة عشرة : روى البيهقي في \"فضائل الصحابة\" أنه ظهر علي بن أبي طالب من بعيد فقال عليه السلام : \" هذا سيد العرب \" فقالت عائشة : ألست أنت سيد العرب ؟ \" فقال أنا أسيد العالمين وهو سيد العرب \" ، وهذا يدل على أنه أفضل الأنبياء عليهم السلام.\rالحجة الخامسة عشرة : روى مجاهد عن ابن عباس قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : \" أعطيت خمساً لم يعطهن أحد قبلي ولا فخر ، بعثت إلى الأحمر والأسود وكان النبي قبلي يبعث إلى قومه ، وجعلت لي الأرض مسجداً وطهوراً ، ونصرت بالرعب أمامي مسيرة شهر ، وأحلت لي الغنائم ولم تكن لأحد قبلي ، وأعطيت الشفاعة فادخرتها لأمتي ، فهي نائلة إن شاء الله تعالى لمن لا يشرك بالله شيئاً \"\rوجه الاستدلال أنه صريح في أن الله فضله بهذه الفضائل على غيره.","part":8,"page":126},{"id":3164,"text":"الحجة السادسةَ عشرةَ : قال محمد بن عيسى الحكيم الترمذي في تقرير هذا المعنى : إن كل أمير فإنه تكون مؤنته على قدر رعيته ، فالأمير الذي تكون أمارته على قرية تكون مؤنته بقدر تلك القرية ، ومن ملك الشرق والغرب احتاج إلى أموال وذخائر أكثر من أموال أمير تلك القرية فكذلك كل رسول بعث إلى قومه فأعطي من كنوز التوحيد وجواهر المعرفة على قدر ما حمل من الرسالة ، فالمرسل إلى قومه في طرف مخصوص من الأرض إنما يعطي من هذه الكنوز الروحانية بقدر ذلك الموضع ، والمرسل إلى كل أهل الشرق والغرب إنسهم وجنهم لا بد وأن يعطي من المعرفة بقدر ما يمكنه أن يقوم بسعيه بأمور أهل الشرق والغرب ، وإذا كان كذلك كانت نسبة نبوة محمد صلى الله عليه وسلم إلى نبوة سائر الأنبياء كنسبة كل المشارق والمغارب إلى ملك بعض البلاد المخصوصة ، ولما كان كذلك لا جرم أعطي من كنوز الحكمة والعلم ما لم يعط أحد قبله ، فلا جرم بلغ في العلم إلى الحد الذي لم يبلغه أحد من البشر قال تعالى في حقه : {فأوحى إلى عَبْدِهِ مَا أوحى} [ النجم : 10 ] وفي الفصاحة إلى أن قال : \" أوتيت جوامع الكلم \" وصار كتابه مهيمناً على الكتب وصارت أمته خير الأمم.\rالحجة السابعةَ عشرةَ : روى محمد بن الحكيم الترمذي رحمه الله في كتاب \"النوادر\" : عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : \" إن الله اتخذ إبراهيم خليلاً ، وموسى نجياً ، واتخذني حبيباً ، ثم قال وعزتي وجلالي لأوثرن حبيبي على خليلي ونجيي \".\rالحجة الثامنة عشرة : في \"الصحيحين\" عن همام بن منبه عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : \" مثلي ومثل الأنبياء من قبلي كمثل رجل ابتنى بيوتاً فأحسنها وأجملها وأكملها إلا موضع لبنة من زاوية من زواياها ، فجعل الناس يطوفون به ويعجبهم البنيان فيقولون : ألا وضعت ههنا لبنة فيتم بناؤك ؟ فقال محمد : كنت أنا تلك اللبنة \".","part":8,"page":127},{"id":3165,"text":"الحجة التاسعة عشرة : أن الله تعالى كلما نادى نبياً في القرآن ناداه باسمه {ويائادم اسكن} [ البقرة : 35 ] ، {وناديناه أَن ياإبراهيم} [ الصافات : 104 ] ، {يا موسى * إِنّى أَنَاْ رَبُّكَ} [ طه : 10 ، 11 ] وأما النبي عليه السلام فإنه ناداه بقوله : {ياأيها النبى} ، {ياأيها الرسول} وذلك يفيد الفضل.\rواحتج المخالف بوجوه الأول : أن معجزات الأنبياء كانت أعظم من معجزاته ، فإن آدم عليه السلام كان مسجوداً للملائكة ، وما كان محمد عليه السلام كذلك ، وإن إبراهيم عليه السلام ألقي في النيران العظيمة فانقلبت روحاً وريحاناً عليه ، وأن موسى عليه السلام أوتي تلك المعجزات العظيمة ، ومحمد ما كان له مثلها ، وداود لأن له الحديد في يده ، وسليمان كان الجن والإنس والطير والوحش والرياح مسخرين له ، وما كان ذلك حاصلاً لمحمد صلى الله عليه وسلم ، وعيسى أنطقه الله في الطفولية وأقدره على إحياء الموتى وإبراء الأكمه والأبرص وما كان ذلك حاصلاً لمحمد صلى الله عليه وسلم.\rالحجة الثانية : أنه تعالى سمى إبراهيم في كتابه خليلاً ، فقال : {واتخذ الله إبراهيم خَلِيلاً} [ النساء : 125 ] وقال في موسى عليه السلام {وَكَلَّمَ الله موسى تَكْلِيماً} [ النساء : 164 ] وقال في عيسى عليه السلام : {فَنَفَخْنَا فِيهِ مِن رُّوحِنَا} [ التحريم : 12 ] وشيء من ذلك لم يقله في حق محمد عليه السلام.\rالحجة الثالثة : قوله عليه السلام : \" لا تفضلوني على يونس بن متى \" وقال صلى الله عليه وسلم : \" لا تخيروا بين الأنبياء \".","part":8,"page":128},{"id":3166,"text":"الحجة الرابعة : روي عن ابن عباس قال : كنا في المسجد نتذاكر فضل الأنبياء فذكرنا نوحاً بطول عبادته ، وإبراهيم بخلته ، وموسى بتكليم الله تعالى إياه ، وعيسى برفعه إلى السماء ، وقلنا رسول الله أفضل منهم ، بعث إلى الناس كافة ، وغفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر ، وهو خاتم الأنبياء ، فدخل رسول الله فقال : \" فيم أنتم ؟ \" فذكرنا له فقال : \" لا ينبغي لأحد أن يكون خيراً من يحيى بن زكريا \" وذلك أنه لم يعمل سيئة قط ولم يهم بها.\rوالجواب : أن كون آدم عليه السلام مسجوداً للملائكة لا يوجب أن يكون أفضل من محمد عليه السلام ، بدليل قوله صلى الله عليه وسلم : \" آدم ومن دونه تحت لوائي يوم القيامة \" وقال : \" كنت نبياً وآدم بين الماء والطين \" ونقل أن جبريل عليه السلام أخذ بركاب محمد صلى الله عليه وسلم ليلة المعراج ، وهذا أعظم من السجود ، وأيضاً أنه تعالى صلى بنفسه على محمد ، وأمر الملائكة والمؤمنين بالصلاة عليه ، وذلك أفضل من سجود الملائكة ، ويدل عليه وجوه الأول : أنه تعالى أمر الملائكة بسجود آدم تأديباً ، وأمرهم بالصلاة على محمد صلى الله عليه وسلم تقريباً والثاني : أن الصلاة على محمد عليه السلام دائمة إلى يوم القيامة ، وأما سجود الملائكة لآدم عليه السلام ما كان إلا مرة واحدة الثالث : أن السجود لآدم إنما تولاه الملائكة ، وأما الصلاة على محمد صلى الله عليه وسلم فإنما تولاها رب العالمين ثم أمر بها الملائكة والمؤمنين والرابع : أن الملائكة أمروا بالسجود لآدم لأجل أن نور محمد عليه السلام في جبهة آدم.","part":8,"page":129},{"id":3167,"text":"فإن قيل : إنه تعالى خص آدم بالعلم ، فقال : {وَعَلَّمَ ءَادَمَ الأسماء كُلَّهَا} [ البقرة : 31 ] وأما محمد عليه السلام فقال في حقه : {مَا كُنتَ تَدْرِى مَا الكتاب وَلاَ الإيمان} [ الشورى : 52 ] وقال : {وَوَجَدَكَ ضَالاًّ فهدى} [ الضحى : 7 ] وأيضاً فمعلم آدم هو الله تعالى ، قال : {وَعَلَّمَ ءَادَمَ الأسماء} ومعلم محمد عليه السلام جبريل عليه السلام لقوله :\r{عَلَّمَهُ شَدِيدُ القوى} [ النجم : 5 ].\rوالجواب : أنه تعالى قال في علم محمد صلى الله عليه وسلم : {وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ الله عَلَيْكَ عَظِيماً} [ النساء : 113 ] وقال عليه السلام : \" أدبني ربي فأحسن تأديبي \" وقال تعالى : {الرحمن علم القرآن} [ الرحمن : 2 ] وكان عليه السلام يقول : \" أرنا الأشياء كما هي \" وقال تعالى لمحمد عليه السلام : {وَقُل رَّبّ زِدْنِى عِلْماً} [ طه : 114 ] وأما الجمع بينه وبين قوله تعالى : {عَلَّمَهُ شَدِيدُ القوى} فذاك بحسب التلقين ، وأما التعليم فمن الله تعالى ، كما أنه تعالى قال : {قُلْ يتوفاكم مَّلَكُ الموت} [ السجدة : 11 ] ثم قال تعالى : {الله يَتَوَفَّى الأنفس حِينَ مِوْتِهَا} [ الزمر : 42 ].\rفإن قيل : قال نوح عليه السلام {وَمَا أَنَاْ بِطَارِدِ المؤمنين} [ الشعراء : 114 ] وقال الله تعالى لمحمد عليه السلام : {وَلاَ تَطْرُدِ الذين يَدْعُونَ رَبَّهُمْ} [ الأنعام : 52 ] وهذا يدل على أن خلق نوح أحسن.\rقلنا : إنه تعالى قال : {إِنَّا أَرْسَلْنَا نُوحاً إلى قَوْمِهِ أَنْ أَنذِرْ قَوْمَكَ مِن قَبْلِ أَن يَأْتِيَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} [ نوح : 1 ] فكان أول أمره العذاب ، وأما محمد عليه السلام فقيل فيه : {وَمَا أرسلناك إِلاَّ رَحْمَةً للعالمين} [ الأنبياء : 107 ] ، {لقد جاءكم رسول من أنفسكم} [ التوبة : 128 ] إلى قوله : {رَءوفٌ رَّحِيمٌ} فكان عاقبة نوح أن قال : {رَّبّ لاَ تَذَرْ عَلَى الأرض مِنَ الكافرين دَيَّاراً} [ نوح : 26 ] وعاقبة محمد عليه السلام الشفاعة {عسى أَن يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَاماً مَّحْمُودًا} [ الإسراء : 79 ] وأما سائر المعجزات فقد ذكر في \"كتب دلائل النبوة\" في مقابلة كل واحد منها معجزة أفضل منها لمحمد صلى الله عليه وسلم ، وهذا الكتاب لا يحتمل أكثر مما ذكرناه ، والله أعلم. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 6 صـ 165 ـ 170}","part":8,"page":130},{"id":3169,"text":"لطيفة\rقال ابن كثير فى البداية والنهاية :\rقال الفقيه أبو محمد عبد الله بن حامد\rفى مقام الخلة :\rويقال : الخليل الذي يعبد ربه على الرغبة والرهبة ، من قوله : * (إن إبراهيم لأواه حليم) * [ التوبة : 114 ] من كثرة ما يقول : أواه ، والحبيب الذي يعبد ربه على الرؤية والمحبة ، ويقال : الخليل الذي يكون معه انتظار العطاء ، والحبيب الذي يكون معه انتظار اللقاء ، ويقال : الخليل الذي يصل بالواسطة من قوله : * (وكذلك نرى إبراهيم ملكوت السموات والأرض وليكون من الموقنين) * [ الأنعام : 75 ] والحبيب الذي يصل إليه من غير واسطة ، من قوله : * (فكان قاب قوسين أو أدنى) * [ النجم : 9 ] وقال الخليل : * (والذي أطمع أن يغفر لي خطيئتي يوم الدين) * [ الشعراء : 82 ] وقال الله للحبيب محمد : * (ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر) * [ الفتح : 2 ] وقال الخليل : * (ولا تخزني يوم يبعثون) * [ الشعراء : 87 ] وقال الله للنبي : * (يوم لا يخزى الله النبي والذين آمنوا معه) * [ التحريم : 8 ] وقال الخليل حين ألقي في النار : * (حسبي الله ونعم الوكيل) * [ آل عمران : 173 ] وقال الله لمحمد : * (يا أيها النبي حسبك الله ومن اتبعك من المؤمنين) * [ الأنفال : 64 ] وقال الخليل : * (إني ذاهب إلى ربي سيهدين) * [ الصافات : 99 ] وقال الله لمحمد : * (ووجدك ضالا فهدى) * [ الضحى : 7 ] وقال الخليل : * (واجعل لي لسان صدق في الآخرين) * [ الشعراء : 84 ] وقال لمحمد : * (رفعنا لك ذكرك) * [ الشرح : 4 ] وقال الخليل : * (واجنبني وبنى أن نعبد الأصنام) * [ إبراهيم : 35 ] وقال الله للحبيب : * (إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا) * [ الأحزاب : 33 ] وقال الخليل : * (واجعلني من ورثة جنة النعيم) * [ الشعراء : 85 ] وقال الله لمحمد : * (إنا أعطيناك الكوثر) * [ الكوثر : 1 ] * وذكر أشياء أخر ، وسيأتي الحديث في صحيح مسلم عن أبي بن كعب أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : إني سأقوم مقاما يوم القيامة يرغب إلى الخلق كلهم حتى أبوهم إبراهيم الخليل * فدل على أنه أفضل إذ هو يحتاج إليه في ذلك المقام ، ودل على أن إبراهيم أفضل الخلق بعده ، ولو كان أحد أفضل من إبراهيم بعده لذكره. أ هـ {البداية والنهاية حـ 6 صـ 300 ـ 302}","part":8,"page":131},{"id":3171,"text":"سؤال : فإن قيل : المفهوم من قوله : {وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ درجات} هو المفهوم من قوله : {تِلْكَ الرسل فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ على بَعْضٍ} فما الفائدة في التكرير ؟ وأيضاً قوله : {تِلْكَ الرسل فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ على بَعْضٍ} كلام كلي ، وقوله بعد ذلك : {مّنْهُمْ مَّن كَلَّمَ الله} شروع في تفصيل تلك الجملة ، وقوله بعد ذلك : {وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ درجات} إعادة لذلك الكلي ، ومعلوم أن إعادة الكلام بعد الشروع في تفصيل جزئياته يكون مستدركاً.\rوالجواب : أن قوله : {تِلْكَ الرسل فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ على بَعْضٍ} يدل على إثبات تفضيل البعض على البعض ، فأما أن يدل على أن ذلك التفضيل حصل بدرجات كثيرة أو بدرجات قليلة فليس فيه دلالة عليه فكان قوله : {وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ درجات} فيه فائدة زائدة فلم يكن تكريراً. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 6 صـ 171}","part":8,"page":132},{"id":3172,"text":"قوله تعالى : { وَآَتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنَاتِ وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلَ الَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَلَكِنِ اخْتَلَفُوا فَمِنْهُمْ مَنْ آَمَنَ وَمِنْهُمْ مَنْ كَفَرَ }\rالمناسبة\rقال البقاعى :\rولما كان الناس واقفين مع الحس إلا الفرد النادر وكان لعيسى صلى الله عليه وسلم من تكرر الآيات المحسوسات كالإحياء والإبراء ما ليس لغيره ومع ذلك ارتد أكثرهم بعد رفعه عليه الصلاة والسلام قال صارفاً القول إلى مظهر العظمة تهديداً لمن كفر بعد ما رأى أو سمع من تلك الآيات الكبر : {وءاتينا} بما لنا من العظمة بالقدرة على كل شيء من الخلق والتصوير كيف نشاء وعلى غير ذلك {عيسى} ونسبه إلى أمه إشارة إلى أنه لا أب له فقال : {ابن مريم} أي الذي خلقناه منها بغير واسطة ذكرٍ أصلاً {البينات} من إحياء الموتى وغيره.","part":8,"page":133},{"id":3173,"text":"قال الحرالي : والبينة ما ظهر برهانه في الطبع والعلم والعقل بحيث لا مندوحة عن شهود وجوده ، وذلك فيما أظهر الله سبحانه وتعلى على يديه من الإحياء والإماتة الذي هو من أعلى آيات الله ، فإن كل باد في الخلق ومتنزل في الأمر فهو من آيات الله ، فما كان أقرب إلى ما اختص الله تعالى به كان أعلى وأبهر ، وما كان مما يجري نحوه على أيدي خلقه كان أخفى وألبس إلا على من نبه الله قلبه لاستبصاره فيه {وأيدناه} أي بعظمتنا البالغة {بروح القدس} في إعلامه ذكر ما جعل تعالى بينه وبين عيسى عليه الصلاة والسلام في كيانه فجرى نحوه في عمله من واسطة الروح كما قال سبحانه وتعالى : {فأرسلنا إليها روحنا} [ مريم : 17 ] كذلك كان فعله مع تأييده ؛ وفي ذلك بينه وبين موسى عليهما الصلاة والسلام موازنة ابتدائية ، حيث كان أمر موسى من ابتداء أمر التكليم الذي هو غاية سقوط الواسطة ، وكان أمر عيسى عليه الصلاة والسلام من ابتداء أمر الإحياء الذي هو غاية تصرف المتصرفين - انتهى. أ هـ {نظم الدرر حـ 1 صـ 486 ـ 487}\rأسئلة وأجوبة للعلامة الفخر\rقال رحمه الله :\rأما قوله تعالى : {وءَاتينا عيسى ابن مريم البينات} ففيه سؤالات :\rالسؤال الأول : أنه تعالى قال في أول الآية : {فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ على بَعْضٍ} ثم عدل عن هذا النوع من الكلام إلى المغايبة فقال : {مّنْهُمْ مَّن كَلَّمَ الله وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ درجات} ثم عدل من المغايبة إلى النوع الأول فقال : {وآتينا عيسى بن مريم البينات} فما الفائدة في العدول عن المخاطبة إلى المغايبة ثم عنها إلى المخاطبة مرة أخرى ؟ .\rوالجواب : أن قوله : {مِّنْهُمْ مَّن كَلَّمَ الله} أهيب وأكثر وقعاً من أن يقال منهم من كلمنا ، ولذلك قال : {وَكَلَّمَ الله موسى تَكْلِيماً} فلهذا المقصود اختار لفظة الغيبة.","part":8,"page":134},{"id":3174,"text":"وأما قوله : {وآتينا عيسى ابن مريم البينات} فإنما اختار لفظ المخاطبة ، لأن الضمير في قوله : {وَءاتَيْنَا} ضمير التعظيم وتعظيم المؤتى يدل على عظمة الإيتاء.\rالسؤال الثاني : لم خص موسى وعيسى من بين الأنبياء بالذكر ؟ وهل يدل ذلك على أنهما أفضل من غيرهما ؟ .\rوالجواب : سبب التخصيص أن معجزاتهما أبر وأقوى من معجزات غيرهما وأيضاً فأمتهما موجودون حاضرون في هذا الزمان وأمم سائر الأنبياء ليسوا موجودين فتخصيصهما بالذكر تنبيه على الطعن في أمتهما ، كأنه قيل : هذان الرسولان مع علو درجتهما وكثرة معجزاتهما لم يحصل الانقياد من أمتهما ، بل نازعوا وخالفوا ، وعن الواجب عليهم في طاعتهما أعرضوا.\rالسؤال الثالث : تخصيص عيسى بن مريم بإيتاء البينات ، يدل أو يوهم أن إيتاء البينات ما حصل في غيره ، ومعلوم أن ذلك غير جائز فإن قلتم : إنما خصهما بالذكر لأن تلك البينات أقوى ؟ فنقول : إن بينات موسى عليه السلام كانت أقوى من بينات عيسى عليه السلام ، فإن لم تكن أقوى فلا أقل من المساواة.\rالجواب : المقصود منه التنبيه على قبح أفعال اليهود ، حيث أنكروا نبوة عيسى عليه السلام مع ما ظهر على يديه من البينات اللائحة.\rالسؤال الرابع : البينات جمع قلة ، وذلك لا يليق بهذا المقام.\rقلنا : لا نسلم أنه جمع قلة ، والله أعلم. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 6 صـ 171 ـ 172}\rقوله تعالى : {وأيدناه بِرُوحِ القدس}\rفصل فى تفسير القدس\rقال الفخر :\rفي تفسيره أقوال","part":8,"page":135},{"id":3175,"text":"الأول : قال الحسن : القدس هو الله تعالى ، وروحه جبريل عليه السلام ، والإضافة للتشريف ، والمعنى أعناه بجبريل عليه السلام في أول أمره وفي وسطه وفي آخره ، أما في أول الأمر فلقوله : {فَنَفَخْنَا فِيهِ مِن رُّوحِنَا} [ التحريم : 12 ] وأما في وسطه فلأن جبريل عليه السلام علمه العلوم ، وحفظه من الأعداء ، وأما في آخر الأمر فحين أرادت اليهود قتله أعانه جبريل عليه السلام ورفعه إلى السماء والذي يدل على أن روح القدس جبريل عليه السلام قوله تعالى : {قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ القدس} [ النحل : 102 ].\rوالقول الثاني : وهو المنقول عن ابن عباس أن روح القدس هو الاسم الذي كان يحيي به عيسى عليه السلام الموتى.\rوالقول الثالث : وهو قول أبي مسلم : أن روح القدس الذي أيد به يجوز أن يكون الروح الطاهرة التي نفخها الله تعالى فيه ، وأبانه بها عن غيره ممن خلق من اجتماع نطفتي الذكر والأنثى. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 6 صـ 171}\rقوله تعالى : { وَلَوْ شَآءَ الله مَا اقتتل الذين مِن بَعْدِهِم }\rقال القرطبى :\rقوله تعالى : { وَلَوْ شَآءَ الله مَا اقتتل الذين مِن بَعْدِهِم } أي من بعد الرسل.\rقيل : الضمير لموسى وعيسى ، والاثنان جمع.\rوقيل : من بعد جميع الرسل ، وهو ظاهر اللفظ.\rوقيل : إن القتال إنما وقع من الذين جاءوا بعدهم وليس كذلك المعنى ، بل المراد ما اقتتل الناس بعد كل نبيّ ، وهذا كما تقول : اشتريت خيلاً ثم بعتها ، فجاز لك هذه العبارة وأنت إنما اشتريت فرساً وبعته ثم آخر وبعته ، ثم آخر وبعته ، وكذلك هذه النوازل إنما اختلف الناس بعد كل نبيّ فمنهم من آمن ومنهم من كفر بغياً وحسداً وعلى حطام الدنيا ، وذلك كله بقضاء وقدر وإرادة من الله تعالى ، ولو شاء خلاف ذلك لكان ولكنه المستأثر بِسرّ الحكمة في ذلك الفعل لما يريد. أ هـ {تفسير القرطبى حـ 3 صـ 265}\rوقال أبو حيان :","part":8,"page":136},{"id":3176,"text":"{ ولو شاء الله ما اقتتل الذين من بعدهم من بعد ما جاءتهم البينات } قيل : في الكلام حذف ، التقدير : فاختلف أممهم واقتتلوا ولو شاء الله ، ومفعول شاء محذوف تقديره : أن لا تقتتلوا ، وقيل : أن لا يأمر بالقتال ، قاله الزجاج.\rوقال مجاهد : أن لا تختلفوا الاختلاف الذي هو سبب القتال ، وقيل : ولو شاء الله أن يضطرهم إلى الإيمان فلم يقتتلوا ، وقال أبو عليّ بأن يسلبهم القوى والعقول التي يكون بها التكليف ، ولكن كلفهم فاختلفوا بالكفر والإيمان.\rوقال عليّ بن عيسى : هذه مشيئة القدرة ، مثل : { ولو شاء ربك لآمن من في الأرض كلهم جميعاً } ولم يشأ ذلك ، وشاء تكليفهم فاختلفوا وقال الزمخشري : ولو شاء الله مشيئة إلجاء وقسر ، وجواب لو : ما اقتتل ، وهو فعل منفي بما ، فالفصيح أن لا يدخل عليه اللام كما في الآية ، ويجوز في القليل أن تدخل عليه اللام ، فتقول : لو قام زيد لما قام عمرو ، و: من بعدهم صلة للذين ، فيتعلق بمحذوف أي : الذين كانوا من بعدهم ، والضمير عائد على الرسل ، وقيل : عائد على موسى وعيسى وأتباعهما.\rوظاهر الكلام أنهم القوم الذين كانوا من بعد جميع الرسل ، وليس كذلك ، بل المراد : ما اقتتل الناس بعد كل نبي ، فلف الكلام لفاً لم يفهمه السامع وهذا كما تقول : اشتريت خيلاً ثم بعتها ، وإن كنت قد اشتريتها فرساً فرساً وبعته ، وكذلك هذا ، إنما اختلف بعد كل نبي ، و: من بعد ، قيل : بدل من بعدهم ، والظاهر أنه متعلق بقوله ما اقتتل ، إذ كان في البينات ، وهي الدلائل الواضحة ، ما يفضي إلى الاتفاق وعدم التقاتل ، وغنية عن الاختلاف الموجب للتقاتل.\r{ ولكن اختلفوا } هذا الاستدراك واضح لأن ما قبلها ضدّ لما بعدها ، لأن المعنى : لو شاء الاتفاق لاتفقوا ، ولكن شاء الاختلاف فاختلفوا. أ هـ {البحر المحيط حـ 2 صـ 284}\rقوله تعالى { ولكن اختلفوا }\rقال الآلوسى :","part":8,"page":137},{"id":3177,"text":"{ ولكن اختلفوا } استدراك من الشرطية أشير به إلى قياس استثنائي مؤلف من وضع نقيض مقدمها منتج لنقيض تاليها إلا أنه قد وضع فيه الاختلاف موضع نقيض المقدم المترتب عليه للإيذان بأن الاقتتال ناشيء من قبلهم وسوء اختيارهم لا من جهته تعالى ابتداءاً كأنه قيل : ولكن لم يشأ عدم اقتتالهم لأنهم اختلفوا اختلافاً فاحشاً. أ هـ {روح المعانى حـ 3 صـ 3}\rقوله تعالى : { فمنهم من آمن ومنهم من كفر }\rقال أبو حيان : \rقوله تعالى : { فمنهم من آمن ومنهم من كفر } من آمن بالتزامه دين الرسل واتباعهم ، ومن كفر بإعراضه عن اتباع الرسل حسداً وبغياً واستئثاراً بحطام الدنيا. أ هـ {البحر المحيط حـ 2 صـ 284}\rقوله تعالى : { وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلُوا وَلَكِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ }\rالمناسبة\rقال البقاعى : \rولما تقدم أن الله سبحانه وتعالى أرسل رسلاً وأنزل معهم كتباً ، وأنهم تعبوا ومستهم البأساء والضراء وزلزلوا حتى جمعوا الناس على الحق ، وأن أتباعهم اختلفوا بعد ما جاءتهم البينات كان مما يتوجه النفس للسؤال عنه سبب اختلافهم ، فبين أنه مشيئته سبحانه وتعالى لا غير إعلاماً بأنه الفاعل المختار فكان التقدير : ولو شاء الله سبحانه وتعالى لساوى بين الرسل في الفضيلة ، ولو شاء لساوى بين أتباعهم في قبول ما أتوا به فلم يختلف عليهم اثنان ، ولكنه لم يشأ ذلك فاختلفوا عليهم وهم يشاهدون البينات ، وعطف عليه قوله تسلية لنبيه صلى الله عليه وسلم لافتاً القول إلى التعبير بالجلالة إشارة إلى أن الاختلاف مع دلالة العقل على أنه لا خير فيه شاهد للخالق بجميع صفات الجلال والجمال {ولو شاء الله} أي الذي له جميع الأمر.\rقال الحرالي : وهي كلمة جامعة قرآنية محمدية تشهد الله وحده وتمحو عن الإقامة ما سواه - انتهى.\r{ما اقتتل} أي ما تكلف القتال مع أنه مكروه للنفوس {الذين من بعدهم} لاتفاقهم على ما فارقوا عليه نبيهم من الهدى.","part":8,"page":138},{"id":3178,"text":"قال الحرالي : فذكر الاقتتال الذي إنما يقع بعد فتنة المقال بعد فتنة الأحوال بالضغائن والأحقاد بعد فقد السلامة بعد فقد الوداد بعد فقد المحبة الجامعة للأمة مع نبيها - انتهى {من بعد ما جآءتهم البينات} أي على أيدي رسلهم.\rقال الحرالي : فيه إيذان بأن الوسائل والأسباب لا تقتضي آثارها إلا بإمضاء كلمة الله فيها - انتهى.\r{ولكن اختلفوا} لأنه سبحانه وتعالى لم يشأ اتفاقهم على الهدى {فمنهم} أي فتسبب عن اختلافهم أن كان منهم {من آمن} أي ثبت على ما فارق عليه نبيه حسبما دعت إليه البينات فكان إيمانه هذا هو الإيمان في الحقيقة لأنه أعرق في أمر الغيب {ومنهم من كفر} ضلالاً عنها أو عناداً.\rولما كان من الناس من أعمى الله قلبه فنسب أفعال المختارين من الخلق إليهم استقلالاً قال تعالى معلماً أن الكل بخلقه تأكيداً لما مضى من ذلك معيداً ذكر الاسم الأعظم إشارة إلى عظم الحال في أمر القتال الكاشف لمن باشره في ضلال عن أقبح الخلال : {ولو شاء الله} الذي لا كفوء له {ما اقتتلوا} بعد اختلافهم بالإيمان والكفر ، وكرر الاسم الأعظم زيادة في الإعلام بعظم المقام {ولكن الله} أي بجلاله وعزّ كماله شاء اقتتالهم فإنه {يفعل ما يريد} فاختلفوا واقتتلوا طوع مشيئته على خلاف طباعهم وما يناقض ما عندهم من العلم والحكمة. أ هـ {نظم الدرر حـ 1 صـ 491 ـ 492}\rفصل\rقال الفخر : \rاحتج القائلون بأن كل الحوادث بقضاء الله وقدره بهذه الآية ، وقالوا تقدير الآية : ولو شاء الله أن لا يقتتلوا لم يقتتلوا ، والمعنى أن عدم الاقتتال لازم لمشيئة عدم الاقتتال ، وعدم اللازم يدل على عدم اللزوم ، فحيث وجد الاقتتال علمنا أن مشيئة عدم الاقتتال مفقودة ، بل كان الحاصل هو مشيئة الاقتتال ، ولا شك أن ذلك الاقتتال معصية ، فدل ذلك على أن الكفر والإيمان والطاعة والعصيان بقضاء الله وقدره ومشيئته ، وعلى أن قتل الكفار وقتالهم للمؤمنين بإرادة الله تعالى.\r","part":8,"page":139},{"id":3179,"text":"وأما المعتزلة فقد أجابوا عن الاستدلال ، وقالوا : المقصود من الآية بيان أن الكفار إذا قتلوا فليس ذلك بغلبة منهم لله تعالى وهذا المقصود يحصل بأن يقال : إنه تعالى لو شاء لأهلكهم وأبادهم أو يقال : لو شاء لسلب القوى والقدر منهم أو يقال : لو شاء لمنعهم من القتال جبراً وقسراً وإذا كان كذلك فقوله : {وَلَوْ شَاء الله} المراد منه هذه الأنواع من المشيئة ، وهذا كما يقال : لو شاء الإمام لم يعبد المجوس النار في مملكته ، ولم تشرب النصارى الخمر ، والمراد منه المشيئة التي ذكرناها ، وكذا ههنا ، ثم أكد القاضي هذه الأجوبة وقال : إذا كانت المشيئة تقع على وجوه وتنتفي على وجوه لم يكن في الظاهر دلالة على الوجه المخصوص ، لا سيما وهذه الأنواع من المشيئة متباينة متنافية.\rوالجواب : أن أنواع المشيئة وإن اختلفت وتباينت إلا أنها مشتركة في عموم كونها مشيئة ، والمذكور في الآية في معرض الشرط هو المشيئة من حيث إنها مشيئة ، لا من حيث إنها مشيئة خاصة ، فوجب أن يكون هذا المسمى حاصلاً ، وتخصيص المشيئة بمشيئة خاصة ، وهي إما مشيئة الهلاك ، أو مشيئة سلب القوى والقدر ، أو مشيئة القهر والإجبار ، تقييد للمطلق وهو غير جائز ، وكما أن هذا التخصيص على خلاف ظاهر اللفظ فهو على خلاف الدليل القاطع ، وذلك لأن الله تعالى إذا كان عالماً بوقوع الاقتتال ، والعلم بوقوع الاقتتال حال عدم وقوع الاقتتال جمع بين النفي والإثبات ، وبين السلب والإيجاب ، فحال حصول العلم بوجود الاقتتال لو أراد عدم الاقتتال لكان قد أراد الجمع بين النفي والإثبات وذلك محال ، فثبت أن ظاهر الآية على ضد قولهم ، والبرهان القاطع على ضد قولهم وبالله التوفيق.\r","part":8,"page":140},{"id":3180,"text":"ثم قال : {ولكن اختلفوا فَمِنْهُمْ مَّنْ ءَامَنَ وَمِنْهُم مَّن كَفَرَ} فقد ذكرنا في أول الآية أن المعنى : ولو شاء لم يختلفوا ، وإذا لم يختلفوا لم يقتتلوا ، وإذا اختلفوا فلا جرم اقتتلوا ، وهذه الآية دالة على أن الفعل لا يقع إلا بعد حصول الداعي ، لأنه بين أن الاختلاف يستلزم التقاتل ، والمعنى أن اختلافهم في الدين يدعوهم إلى المقاتلة ، وذلك يدل على أن المقاتلة لا تقع إلا لهذا الداعي ، وعلى أنه متى حصل هذا الداعي وقعت المقاتلة ، فمن هذا الوجه يدل على أن الفعل ممتنع الوقوع عند عدم الداعي ، وواجب عند حصول الداعي ، ومتى ثبت ذلك ظهر أن الكل بقضاء الله وقدره ، لأن الدواعي تستند لا محالة إلى داعية يخلقها الله في العبد دفعاً للتسلسل ، فكانت الآية دالة أيضاً من هذا الوجه على صحة مذهبنا. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 6 صـ 173}\rقوله تعالى : {وَلَوْ شَاءَ الله مَا اقتتلوا}\rسؤال : فإن قيل : فما الفائدة في التكرير ؟ .\rقلنا : قال الواحدي رحمه الله تعالى : إنما كرره تأكيداً للكلام وتكذيباً لمن زعم أنهم فعلوا ذلك من عند أنفسهم ولم يجر به قضاء ولا قدر من الله تعالى. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 6 صـ 173 ـ 174}\rقوله تعالى : {ولكن الله يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ}\rقال أبو حيان : \r{ ولكن الله يفعل ما يريد } هذا يدل على أن ما أراد الله فعله فهو كائن لا محالة ، وإن إرادة غيره غير مؤثرة ، وهو تعالى المستأثر بسر الحكمة فيما قدّر وقضى من خير وشر ، وهو فعله تعالى.\rوقال الزمخشري : ولكنّ الله يفعل ما يريد من الخذلان والعصمة ، وهذا على طريقة الاعتزالية. أ هـ {البحر المحيط حـ 2 صـ 284}\rكلام نفيس فى هذا الموضع للعلامة ابن عاشور\rقال رحمه الله : \r","part":8,"page":141},{"id":3181,"text":"{ وَلَوْ شَآءَ الله مَا اقتتل الذين مِن بَعْدِهِم مِّن بَعْدِ مَا جَآءَتْهُمُ البينات ولكن اختلفوا فَمِنْهُمْ مَّنْ ءَامَنَ وَمِنْهُم مَّن كَفَرَ وَلَوْ شَآءَ الله مَا اقتتلوا ولكن الله يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ }.\rاعتراض بين الفذلكة المستفادة من جملة تلك الرسل إلى آخرها وبين الجملة { يأيها الذين آمنوا أنفقوا مما رزقناكم } [ البقرة : 254 ] ، فالواو اعتراضية : فإنّ ما جرى من الأمر بالقتال ومن الأمثال التي بَيّنَتْ خصال الشجاعة والجبن وآثارهما ، المقصود منه تشريعاً وتمثيلاً قتالُ أهلِ الإيمان لأهلِ الكفر لإعلاءِ كلمة الله ونصر الحق على الباطل وبث الهُدى وإزهاق الضلال.\rبيّن اللَّه بهذا الاعتراض حجة الذين يقاتلون في سبيل الله على الذين كفروا : بأن الكافرين هم الظالمون إذ اختلفوا على ما جاءتهم به الرسل ، ولو اتّبعوا الحق لسلموا وسالموا.\rثم يجوز أن يكون الضمير المضاف إليه في قوله : { من بعدهم } مراداً به جملة الرسّل أي ولو شاء الله ما اقتتل الذين من بعد أولئك الرسل من الأمم المختلفة في العقائد مثل اقتتال اليهود والنصارى في اليمن في قصة أصحاب الأخدود ، ومقاتلة الفلسطينيَّين لبني إسرائيل انتصاراً لأصنامهم ، ومقاتلة الحبشة لمشركي العرب انتصاراً لبيعة القليس التي بناها الحبشة في اليَمن ، والأمم الذين كانوا في زمن الإسلام وناوَوْه وقاتلوا المسلمين أهلَه ، وهم المشركون الذين يزعمون أنّهم على ملة إبراهيم واليهودُ والنصارى ، ويكون المراد بالبيّنات دلائللِ صدق محمد صلى الله عليه وسلم فتكون الآية بإنحاء على الذين عاندوا النبي وناووا المسلمين وقاتلوهم ، وتكون الآية على هذا ظاهرة التفرّع على قوله : { وقاتلوا في سبيل الله واعلموا } [ البقرة : 244 ] إلخ.","part":8,"page":142},{"id":3182,"text":"ويجوز أن يكون ضمير \"مِنْ بعدهم\" ضميرَ الرسل على إرادة التوزيع ، أي الذين من بعد كل رسول من الرسل ، فيكون مفيداً أنّ أمة كل رسول من الرسل اختلفوا واقتتلوا اختلافاً واقتتالاً نشَأ من تكفير بعضهم بعضاً كما وقع لبني إسرائيل في عصور كثيرة بلغت فيها طوائف منهم في الخروج من الدِّين إلى حد عبادة الأوثان ، وكما وقع للنصارى في عصور بلغ فيها اختلافهم إلى حد أن كفَّر بعضهم بعضاً ، فتقاتلت اليهود غير مرة قتالاً جرى بين مملكة يهوذا ومملكة إسرائيل ، وتقاتلت النصارى كذلك من جرّاء الخلاف بين اليعاقبة والمَلَكية قبل الإسلام ، وأشهر مقاتلات النصارى الحروب العظيمة التي نشأت في القرن السادس عشر من التاريخ المسيحي بين أشياع الكاثوليك وبين أشياع مذهب لوثير الراهب الجرماني الذي دعا الناس إلى إصلاح المسيحية واعتبار أتباع الكنيسة الكاثوليكية كفّاراً لادّعائهم ألوهية المسيح ، فعظمت بذلك حروب بين فرَنسا وأسبانيا وجرمانيا وإنكلترا وغيرها من دول أوروبا.\rوالمقصود تحذير المسلمين من الوقوع في مثل ما وقع فيه أولئك ، وقد حَذر النبي صلى الله عليه وسلم من ذلك تحذيراً متواتراً بقوله في خطبة حجة الوداع : \" فَلاَ ترجعوا بعدي كُفّاراً يضرِبُ بعضُكم رقابَ بعض \" يحذّرهم ما يقع من حروب الردَّة وحروب الخوارج بدعوى التكفير ، وهذه الوصية من دلائلِ النبوءة العظيمة.\rوورد في \"الصحيح\" قوله : \" إذا التقَى المسلمان بسيْفَيْهِما فالقاتلُ والمقتولُ في النار \" قيل يا رسول الله هذا القاتلُ ، فما بالُ المقتول ، قال : \" أمَا إنَّه كان حريصاً على قتل أخيه \" وذلك يفسّر بعضه بعضاً أنّه القتالَ على اختلاف العقيدة.\r","part":8,"page":143},{"id":3183,"text":"والمراد بالبينات على هذا الاحتمال أدلة الشريعة الواضحة التي تفرق بين متبع الشريعة ومعاندها والتي لا تقْبل خطأ الفهم والتأويل لو لم يكن دأبهم المكابرة ودحض الدين لأجل عَرض الدنيا ، والمعنى أن الله شاء اقتتالهم فاقتتلوا ، وشاء اختلافهم فاختلفوا ، والمشيئة هنا مشيئة تكوين وتقديرِ لا مشيئة الرضا لأن الكلام مسوق مساق التمني للجواب والتحسير على امتناعه وانتفائه المفاد بلَوْ كقول طرفة : \rفلو شاء ربي كنتُ قيس بن خالد\rولو شاء ربي كنتُ عَمْرو بن مرثد...\rوقوله : { ولكن اختلفوا } استدراك على ما تضمنه جواب لو شاء الله : وهو ما اقتتل ، لكن ذكر في الاستدراك لازم الضد لِجواب لوْ وهو الاختلاف لأنهم لما اختلفوا اقتتلوا ولو لم يختلفوا لَمَا اقتتلوا.\rوإنما جيء بلازم الضد في الاستدراك للإيماء إلى سبب الاقتتال ليظهر أن معنى نفي مشيئة الله تَرْكَهم الاقتتال ، هو أنه خلَق داعية الاختلاف فيهم ، فبتلك الداعية اختلفوا ، فجرهم الخلاف إلى أقصاه وهو الخلاف في العقيدة ، فمنهم من آمن ومنهم من كفر ، فاقتتلوا لأن لزوم الاقتتال لهذه الحالة أمر عرفي شائع ، فإن كان المراد اختلاف أمة الرسول الواحد فالإيمان والكفر في الآية عبارة عن خطأ أهل الدين فيه إلى الحد الذي يفضي ببعضهم إلى الكفر به ، وإن كان المراد اختلاف أمممِ الرسل كلٍ للأخرى كما في قوله : { وقالت اليهود ليست النصارى على شيء } [ البقرة : 113 ] ، فالإيمان والكفر في الآية ظاهر ، أي فمنهم من آمن بالرسول الخاتم فاتّبعه ومنهم من كفر به فعاداه ، فاقتتل الفريقان.\r","part":8,"page":144},{"id":3184,"text":"وأياما كان المراد من الوجهين فإن قوله : { فمنهم من آمن ومنهم من كفر } ينادي على أن الاختلاف الذي لا يبلغ بالمختلفين إلى كفر بعضهم بما آمن به الآخر لا يبلغ بالمختلفين إلى التقاتل ، لأن فيما أقام الله لهم من بينات الشرع ما فيه كفاية الفصل بين المختلفين في اختلافهم إذا لم تغلب عليهم المكابرة والهوى أو لم يُعْمِهم سوء الفهم وقلة الهدى.\rلا جرم أن الله تعالى جعل في خلقة العقول اختلاف الميول والأفهام ، وجعل في تفاوت الذكاء وأصالة الرأي أسباباً لاختلاف قواعد العلوم والمذاهب ، فأسباب الاختلاف إذَنْ مركوزة في الطباع ، ولهذَا قال تعالى : { ولو شاء الله ما اقتتل الذين من بعدهم } ثم قال : { ولكن اختلفوا } فصار المعنى لو شاء الله ما اختلفوا ، لكنّ الخلاف مركوز في الجبلة.\rبيد أن الله تَعالى قد جعل أيضاً في العقول أصُولاً ضرورية قطعية أو ظنّية ظناً قريباً من القطع به تستطيع العقول أن تعيِّن الحق من مختلف الآراء ، فما صرف الناس عن اتباعه إلا التأويلاتُ البعيدة التي تحمِل عليها المكابرةُ أو كراهيةُ ظهور المغلوبيّة ، أو حُب المدحة من الأشياع وأهلِ الأغراض ، أو السعي إلى عَرَض عاجل من الدنيا ، ولو شاء الله ما غَرز في خلقة النفوس دواعي الميل إلى هاته الخواطر السيئة فما اختلفوا خلافاً يدوم ، ولكن اختلفوا هذا الخلافَ فمنهم من آمن ، ومنهم من كفر ، فلا عذر في القتال إلا لفريقين : مؤمن ، وكافر بما آمن به الآخر ، لأن الغضب والحمية الناشئين عن الاختلاف في الدين قد كانا سبب قتال منذ قديم ، أما الخلاف الناشيء بين أهل دين واحد لم يبلغ إلى التكفير فلا ينبغي أن يكون سبب قتال.\r","part":8,"page":145},{"id":3185,"text":"ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم \" من قال لأخيه يا كافر فقد باء هو بها \" لأنّه إذا نسب أخاه في الدين إلى الكفر فقد أخذ في أسباب التفريق بين المسلمين وتوليد سبب التقاتل ، فرجع هو بإثم الكفر لأنّه المتسبب فيما يتسبب على الكفر ، ولأنّه إذا كان يرى بعضَ أحوال الإيمان كفراً ، فقد صار هو كافراً لأنّه جعل الإيمان كفراً.\rوقال عليه الصلاة والسلام : \"فلا ترجعوا بعدي كفّاراً يضرب بعضكم رقاب بعض\" ، فجعل القتال شعار التكفير.\rوقد صم المسلمون عن هذه النصيحة الجليلة فاختلفوا خلافاً بلغ بهم إلى التكفير والقتال ، وأوّله خلاف الردة في زمن أبي بكر ، ثم خلاف الحرورية في زمن عليّ وقد كفَّروا علياً في قبوله تحكيم الحكمي ، ثم خلاف أتباع المقنَّع بخراسان الذي ادعى الإلاهية واتخذ وجهاً من ذهب ، وظهر سنة 159 وهلك سنة 163 ، ثم خلاف القرامطة مع بقية المسلمين وفيه شائِبة مِن الخلاف المذهبي لأنّهم في الأصل من الشيعة ثم تطرفوا فكفَروا وادّعوا الحلول أي حلول الرب في المخلوقات واقتلعوا الحجر الأسود من الكعبة وذهبوا به إلى بلدهم في البحرين ، وذلك من سنة 293.\rواختلف المسلمون أيضاً خلافاً كثيراً في المذاهب جَرّ بهم تارات إلى مقاتلات عظيمة ، وأكثرها حروب الخوارج غير المكفِّرين لبقية الأمة في المشرق ، ومقاتلات أبي يزيد النكارى الخارجي بالقيروان وغيرها سنة 333 ، ومقاتلة الشيعة وأهل السنة بالقيروان سنة 407 ، ومقاتلة الشافعية والحنابلة ببغداد سنة 475 ، ومقاتلة الشيعة وأهل السنة بها سنة 445 ، وأعقبتها حوادث شر بينهم متكررة إلى أن اصطلحوا في سنة 502 وزال الشر بينهم ، وقتال الباطنية المعروفين بالإسْمَاعِيلية لأهل السنة في سَاوَة وغيرها من سنة 494 إلى سنة 523.\rثم انقلبت إلى مقاتلات سياسية.\rثم انقلبوا أنصاراً للإسلام في الحروب الصليبية ، وغير ذلك من المقاتلات الناشئة عن التكفير والتضليل.\r","part":8,"page":146},{"id":3186,"text":"لا نذكر غيرها من مقاتلات الدول والأحزاب التي نخرت عظم الإسلام.\rوتطرّقت كل جهة منه حتى البلدِ الحرام.\rفالآية تنادي على التعجيب والتحذير من فعل الأمم في التقاتل للتخالف حيث لم يبلغوا في أصاله العقول أو في سلامة الطوايا إلى الوسائلِ التي يتفادون بها عن التقاتل ، فهم ملومون من هذه الجهة ، ومشيرة إلى أنّ الله تعالى لو شاء لخلقهم من قبل على صفة أكمل مما هم عليه حتى يستعدّوا بها إلى الاهتداء إلى الحق وإلى التبصّر في العواقب قبل ذلك الإبّان ، فانتفاء المشيئة راجع إلى حكمة الخلقة ، واللوم والحسرة راجعان إلى التقصير في امتثال الشريعة ، ولذلك قال : { ولو شاء الله ما اقتتلوا ولكن الله يفعل ما يريد } فأعاد { ولو شاء الله ما اقتتلوا } تأكيداً للأول وتمهيداً لقوله : { ولكن الله يفعل ما يريد } ليعلَمَ الواقف على كلام الله تعالى أنّ في هدى الله تعالى مقنعاً لهم لو أرادوا الاهتداء ، وأنّ في سعة قدرته تعالى عصمة لهم لو خلقهم على أكملَ من هذا الخَلق كما خلق الملائكةِ.\rفالله يخلق ما يشاء ولكنّه يكمل حال الخلق بالإرشاد والهدى ، وهم يفرّطون في ذلك. أ هـ {التحرير والتنوير حـ 3 صـ 11 ـ 13}","part":8,"page":147},{"id":3187,"text":"هل الأديان تسبّب الاختلافات ؟ \rيتّهم بعض الكتّاب الغربيين الأديان على أنّها هي سبب التفرقة والنزاع بين أفراد البشر ، وهي السبب في إراقة الكثير من الدماء ، فالتاريخ شهد الكثير من الحروب الدينية ، وهكذا سعوا إلى إدانة الأديان واعتبارها من الأسباب المثيرة للحروب والمخاصمات.\rوإزاء هذا القول لابدّ من الانتباه إلى ما يلي : أولاً : إنّ الاختلافات ـ كما جاء في الآية المذكورة ـ لا تنشأ في الحقيقة بين الأتباع الصادقين لدين من الأديان ، بل هي بين أتباع الدين ومخالفيه. وإذا ما شاهدنا صراعاً بين أتباع مختلف الأديان فإنّ ذلك لم يكن بسبب التعاليم الدينية ، بل بسبب تحريف التعاليم والأديان وبالتعصّب المقيت ومزج الأديان السماوية بالخرافات.\rثانياً : إنّ الدين ـ أو تأثيره ـ قد انحسر اليوم عن قسم من المجتمعات البشرية ، ومع ذلك نرى أنّ الحروب قد ازدادت قسوةً واتساعاً وانتشرت في مختلف أرجاء العالم.\rفهل الدين هو السبب ، أم أنّ روح الطغيان في مجموعة من البشر هي السبب الحقيقي لهذه الحروب ، ولكنّها تظهر اليوم بلبوس الدين ، وفي يوم آخر بلبوس المذاهب الاقتصادية والسياسية ، وفي أيّام أخرى بقوالب ومسمّيات أُخرى ؟! وعليه فالدِين لا ذنب له في هذا ، إنّما الطغاة هم الذين يشعلون نيران الحروب بحجج متنوّعة.\rثالثاً : إنّ الأديان السماوية ـ وعلى الأخصّ الإسلام ـ التي تكافح العنصرية والقومية ، كانت سبباً في إلغاء الحدود العنصرية والجغرافية والقبلية ، فقضت بذلك على الحروب التي كانت تثار باسم هذه العوامل. وعليه فإن الكثير من الحروب في التاريخ قد خمدت نيرانها بفضل الدين. كما أنّ روح السلام والصداقة والأخلاق والعواطف الإنسانية التي ترفع لواءها جميع الأديان السماوية ، كان لها أثر عميق في تخفيض الخصومات والمشاكسات بين مختلف الأقوام.\r","part":8,"page":148},{"id":3188,"text":"رابعاً : أنّ من رسالات الأديان السماوية تحرير الطبقات المحرومة المعذّبة ، وكانت هذه الرسالة هي سبب الحروب التي شنّها الأنبياء وأتباعهم على الظالمين والمستغلّين ، من أمثال فرعون والنمرود.\rإنّ هذه الحروب التي تعتبر جهاداً في سبيل تحرير الإنسان ، ليست عيوباً تلصق بالأديان ، بل هي من مظاهر فخرها واعتزازها وقوّتها.\rإنّ حروب رسول الإسلام (صلى الله عليه وآله وسلم) مع المشركين من العرب والمرابين في مكّة من جهة ، ومع قيصر وكسرى من جهة أُخرى ، كانت كلّها من هذا القبيل. أ هـ {الأمثل حـ 2 صـ 237 ـ 238}","part":8,"page":149},{"id":3189,"text":"فائدة\rقال الفخر : \rاحتج الأصحاب بهذه الآية على أنه تعالى هو الخالق لإيمان المؤمنين ، وقالوا : لأن الخصم يساعد على أنه تعالى يريد الإيمان من المؤمن ، \rودلت الآية على أنه يفعل كل ما يريد ، فوجب أن يكون الفاعل لإيمان المؤمن هو الله تعالى ، وأيضاً لما دل على أنه يفعل كل ما يريد فلو كان يريد الإيمان من الكفار لفعل فيهم الإيمان ، ولكانوا مؤمنين ، ولما لم يكن كذلك دل على أنه تعالى لا يريد الإيمان منهم ، فكانت هذه الآية دالة على مسألة خلق الأعمال ، وعلى مسألة إرادة الكائنات والمعتزلة يقيدون المطلق ويقولون : المراد يفعل كل ما يريد من أفعال نفسه ، وهذا ضعيف لوجوه\rأحدها : أنه تقييد للمطلق\rوالثاني : أنه على هذا التقييد تصير الآية بياناً للواضحات فإنه يصير معنى الآية أنه يفعل ما يفعله\rالثالث : أن كل أحد كذلك فلا يكون في وصف الله تعالى بذلك دليلاً على كمال قدرته وعلو مرتبته ، والله أعلم. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 6 صـ 173}\rلطيفة\rقال الثعلبى : \rعن الحرث الأعور قال : قام رجل إلى عليّ (رضي الله عنه) فقال : يا أمير المؤمنين أخبرني عن القدر ، \rقال : طريق مظلم لا تسلكه.\rقال : يا أمير المؤمنين أخبرني عن القدر ، \rقال : بحر عميق لا تلجه ، \rقال : يا أمير المؤمنين أخبرني عن القدر ، \rقال : سرّ الله قد خفي عليك فلا تفشه ، \rقال : يا أمير المؤمنين أخبرني عن القدر ، \rفقال عليّ : أيُّها السائل إن الله خلقك كما شاء أو كما شئت ؟ .\rفقال : كما شاء.\rقال : فيبعثك يوم القيامة كما شاء أو كما شئت ؟ .\rقال : كما شاء.\rقال : أيّها السائل ألك مع الله مشيئة أو فوق الله مشيئة أو دون الله مشيئة ؟ \rفإن زعمت أن لك دون الله مشيئة فقد اكتفيت عن مشيئة الله ، \rوإن زعمت أنّ لك فوق الله مشيئة فقد زعمت أن مشيئتك غالبة على مشيئة الله ، وإن زعمت أن لك مع الله مشيئة فقد ادعيت الشركة ، \rألست تسأل ربّك العافية ؟ \rقال : بلى.\rقال : فمن أي شيء تسأله ، \rأمن البلاء الذي ابتلاك به ، \rأم من البلاء الذي ابتلاك به غيره ؟ .\rقال : من البلاء الذي ابتلاني به.\rقال : ألست تقول : لا حول ولا قوّة إلاّ بالله ؟ \rقال : بلى.\rقال : فتعلّم تفسيرها ؟ \rقال : لا ، علّمني يا أمير المؤمنين مما علمك الله.\rقال : تفسيرها : أن العبد لا يقدر على طاعة الله ولا يكون له قوّة على معصية الله في الأمرين جميعاً إلاّ بالله ، \rأيّها السائل إن الله عزّ وجلّ (يصح ويداوي ، منه الداء ومنه الدواء) أعقلت عن الله أمره.\rقال : نعم.\rقال علي (رضي الله عنه) : الآن أسلم أخوكم قوموا فصافحوه.\rثم قال : لو وجدت رجلاً من القدرية لأخذت برقبته فلا أزال أطأ عنقه حتى أكسرها فإنّهم يهود هذه الأمّة ونصاراها ومجوسها.\rوقال المزني : سمعت الشافعي يقول : \rوما شئتَ كانَ وإن لم أشأ\rوما شئتُ إن لم تشأ لم يكن. أ هـ {الكشف والبيان حـ 2 صـ 226}\rفوائد لغوية\rقال أبو حيان : \rتضمنت هذه الآية الكريمة من أنواع البلاغة : التقسيم ، في قوله : { منهم من كلم الله } بلا واسطة ، ومنهم من كلمه بواسطة ، وهذا التقسيم اقتضاه المعنى ، وفي قوله { فمنهم من آمن ومنهم من كفر } وهذا التقسيم ملفوظ به.\rو : الاختصاص ، مشاراً إليه ومنصوباً عليه ، و: التكرار ، في لفظ البينات ، وفي { ولو شاء الله ما اقتتلوا } على أحد التأويلين.\rو : الحذف ، في قوله { منهم من كلم الله } أي كفاحاً وفي قوله { يفعل ما يريد } يعني من هداية من شاء وضلالة من شاء. أ هـ {البحر المحيط حـ 2 صـ 284}\rمن لطائف الإمام القشيرى فى الآية\rقوله جلّ ذكره : { تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ مِّنْهُم مَّن كَلَّمَ اللهُ وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَاتٍ وَآتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ البَيِّنَاتِ وَاَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ القُدُسِ }.\rجمعتهم الرسالة ولكن تباينوا في خصائص التفضيل ، لكل واحدٍ منهم أنوار ، ولأنوارهم مطارح ، فمنهم من هو أعلى نورا ، وأتم من الرفعة وفوراً. فلم تكن فضائلهم استحقاقهم على أفعالهم وأحوالهم ، بل حُكْمٌ بالحسنى أدركهم ، وعاقبة بالجميل تداركتهم.","part":8,"page":150},{"id":3190,"text":"قوله جلّ ذكره : { وَلَوْ شَاءَ اللهُ مَا اقْتَتَلَ الَّذِينَ مِن بَعْدِهِم مِّن بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ البَيِّنَاتُ وَلَكِنِ اخْتَلَفُوا فَمِنْهُم مَّن ءَامَنَ وَمِنْهُم مَّن كَفَرَ وَلَوْ شَاءَ اللهُ مَا اقْتَتَلُوا وَلَكِنَّ اللهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ }.\rولكنهم مُصَرّفون بالمشيئة الأزلية ، ومسلوبون من الاختيار الذي عليه المدار وبه الاعتبار. والعبودية شدُّ نطاق الخدمة وشهود سابق القسمة. أ هـ {لطائف الإشارات حـ 1 صـ 196}\rمن فوائد ابن عرفة فى الآية\rقوله تعالى : { تِلْكَ الرسل فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ على بَعْضٍ . . . }.\rقال ( الزمخشري ) : الإشارة إلى جماعة الرسل التي ذكرت فقط في السّورة ، أو التي ( ثبت ) علمها عند رسول الله صلى الله عليه وسلم.\rقال ابن عرفة : بل الإشارة إلى ما قبله يليه وهي الرسل المفهومة من قوله { وَإِنَّكَ لَمِنَ المرسلين } قال ابن عرفة : فهذا التفضيل إما مطلقا / أي بعضهم أفضل من بعض ( مطلقا ) ، أو من وجه دون وجه ، فبعضهم أفضل من بعض في شيء والمفضول في ذلك أفضل من الفاضل في شيء آخر ، فهل هو كالأعم مطلقا أو كالأعم من وجه دون وجه ، والظاهر الأول.\rوما ورد في الحديث : \" لا تفضلوني على موسى ولا ينبغي لأحد أن يقول : أنا أفضل من يونس بن متى \" فلا يعارض هذا لأن الآية اقتضت تفضيل بعضهم على بعض من غير تعيين الفاضل من المفضول.\rقيل له : معلوم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أفضل الخلق ؟ \r( فقال ) : بأن ذلك يعتقده ( الإنسان ) ولا يقوله بمحضر الكفار لئلا يقعوا بالنبي صلى الله عليه وسلم بتنقيص ( فيتركه ) سدّا للذريعة ، أو يجاب بأنه تواضع من النبي صلى الله عليه وسلم ، قاله الغزالي كقوله : \" أنا سيد ولد آدم ولا فخر \".\rوأجاب القاضي عياض في الإكمال عن معارضة حديث نوح","part":8,"page":151},{"id":3191,"text":"لحديث \" لا ينبغي لأحد أن يقول أنا خير من يونس بن متى \" وحديث \" لا تفضلوا بين الأنبياء \" مع حديث \" أنا سيد ولد آدم ولا فخر \".\rأحدها أن يكون قبل إعلام الله له أنه أفضل ولد آدم أو يكون على طريق الأدب والتواضع ، أو المراد : لا تفضّلوا بينهم في النبوة وإنّما تفضيلهم بخصائص خص الله بها بعضهم كما قال { فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ على بَعْضٍ مِّنْهُم مَّن كَلَّمَ الله } الآية.\rقيل لابن عرفة : ( إنّ ) ابن عطية أخطأ في قوله هنا لأن يونس عليه السلام كان شابا وتشيخ تحت أعباء النبوة ؟ \rفقال : لا شيء في مثل هذا.\rقال ابن عرفة : وكون بعض الرسل أوتي ما لم يؤته النبي صلى الله عليه وسلم ( لا ينافي كون النبي صلى الله عليه وسلم ) أفضل الخلق لأن المفضول قد يختص بفضيلة هي ليست في الفاضل كما قالوا : إن ( أفضل ) الصحابة أبو بكر مع أن لبعضهم من الخصوصيات ما ليست في أبي بكر ، وكذلك كون عيسى ( اختص ) بإحياء الموتى وموسى بالكلام لا ينافي كون النبي صلى الله عليه وسلم أفضل منهم ، وكذلك قوله في سورة النجم { وَإِبْرَاهِيمَ الذي وفى } وتكليم الله للرسل ليس بمعجزة ، وكذلك رفع الدرجات مشترك بينهم ، فلذلك لم يسنده إلى معين ( ولما كان إيتاء البينات والتأييد خاصا بروح القدس أسنده إلى عيسى.\rوالكلام هنا المراد به ) كلام الرحمة.\rفإن قلت : وكل رسول أيّد بروح القدس وهو جبريل ؟ \rقلت : عيسى اختص من ذلك بقدر زائد من صغره إلى كبره لتكونه من نفخ جبريل عليه السلام في فرج مريم وتكلّمه في المهد.\rقوله تعالى : { وَلَوْ شَآءَ الله مَا اقتتل الذين مِن بَعْدِهِم مِّن بَعْدِ مَا جَآءَتْهُمُ البينات . . . }.\rقال الزمخشري : مشيئته قَصْدٌ وَإلجاءٌ لأنّ العبد عنده يستقل بفعله وفعله بإرادته فيقول : إنّه لا تتعلق إرادة الله تعالى بذلك الفعل.\r","part":8,"page":152},{"id":3192,"text":"قال ابن عرفة : وفي هذه الآية عندي حجة لمن يقول : إنّ العدم الإضافي تتعلق به القدرة لأن المعنى : ولو شاء الله عدم اقتتالهم.\rفقيل له : فرق بين الإرادة والقدرة ؟ \rفقال : قد تقدم الخلاف في الإرادة هل هي مؤثرة أو لا ؟ والصحيح أنه اختلاف لفظي ( وأنَّه ) خلاف في حال.\rفإن كان المقصود بها الإبراز من العدم إلى الوجود فليست مؤثرة ، إن أريد به كون الشيء على صفة مخصوصة فهي مؤثرة ، وإذا كانت مؤثرة فيه كالقدرة وقد تعلقت هنا بالعدم.\rقال ( السكاكي ) : ومفعول ( شاء ) ( لا يحذف ) إلا إذا كان ( عدما ) أو أريد به العموم.\rقوله تعالى : { فَمِنْهُم مَّنْ آمَنَ وَمِنْهُم مَّن كَفَرَ وَلَوْ شَآءَ الله مَا اقتتلوا . . . }.\rقدم المؤمن لشرفه وإلاّ فالكافر أكثر وأسبق وجودا.\rوقوله تعالى : { وَلَوْ شَآءَ الله } إما تأكيد ، أو المراد بالأول جميع الخلق.\r( والمراد ) بهذا المؤمنون.\rقوله تعالى : { ولكن الله يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ }.\rصريح في مذهب أهل السنة وهو ينعكس بنفسه ، فكل مراد مفعول لقوله ( { ولكن الله يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ }.\rوكل مفعول مراد ).\rولقوله : { وَلَوْ شَآءَ الله مَا اقتتلوا } فدل على أنه أراد اقتتالهم إذ لو لم يرده لما وقع. انتهى. أ هـ {تفسير ابن عرفة صـ 227 ـ 228}\rفائدة\rقال السعدى : \r","part":8,"page":153},{"id":3193,"text":"فائدة : كما يجب على المكلف معرفته بربه ، فيجب عليه معرفته برسله ، ما يجب لهم ويمتنع عليهم ويجوز في حقهم ، ويؤخذ جميع ذلك مما وصفهم الله به في آيات متعددة ، منها : أنهم رجال لا نساء ، من أهل القرى لا من أهل البوادي ، وأنهم مصطفون مختارون ، جمع الله لهم من الصفات الحميدة ما به الاصطفاء والاختيار ، وأنهم سالمون من كل ما يقدح في رسالتهم من كذب وخيانة وكتمان وعيوب مزرية ، وأنهم لا يقرون على خطأ فيما يتعلق بالرسالة والتكليف ، وأن الله تعالى خصهم بوحيه ، فلهذا وجب الإيمان بهم وطاعتهم ومن لم يؤمن بهم فهو كافر ، ومن قدح في واحد منهم أو سبه فهو كافر يتحتم قتله ، ودلائل هذه الجمل كثيرة ، من تدبر القرآن تبين له الحق. أ هـ {تفسير السعدى صـ 109 ـ 110}","part":8,"page":154},{"id":3194,"text":"قوله تعالى : { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لَا بَيْعٌ فِيهِ وَلَا خُلَّةٌ وَلَا شَفَاعَةٌ وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ (254) }\rمناسبة الآية لما قبلها\rقال البقاعى :\rولما كان الاختلاف على الأنبياء سبباً للجهاد الذي هو حظيرة الدين وكان عماد الجهاد النفقة أتبع ذلك قوله رجوعاً إلى أول السورة من هنا إلى آخرها وإلى التأكيد بلفظ الأمر لما تقدم الحث عليه من أمر النفقة : {يا أيها الذين آمنوا} أي أقروا بألسنتهم بالإيمان {أنفقوا} تصديقاً لدعواكم في جميع أبواب الجهاد الأصغر والأكبر ولا تبخلوا فأي داء أدوأ من البخل {ومن يوق شح نفسه فأولئك هم المفلحون} [ الحشر : 9 ]\rولما أمر بذلك هونه عليهم بالإعلام بأنه له لا لهم فقال : {مما} أي الشيء الذي ورد القول إلى مظهر العظمة حثاً على المبادرة إلى امتثال الأمر وتقبيحاً بحال من أبطأ عنه فقال : {رزقناكم} بما لنا من العظمة ، وجزم هنا بالأمر لأنه لما رغب في النفقة من أول السورة إلى هنا مرة بعد أخرى في أساليب متعددة صارت دواعي العقلاء في درجة القبول لما تندب إليه من أمرها وإن كان الخروج عما في اليد في غاية الكراهة إلى النفس ، وصرف الأمر بالتبعيض إلى الحلال الطيب ، فمنع احتجاج المعتزلة بها في أن الرزق لا يكون إلا حلالاً لكونه مأموراً به ، وأتبعه بما يرغب ويرهب من حال يوم التناد الذي تنقطع فيه الأسباب التي أقامها سبحانه وتعالى في هذه الدار فقال : {من قبل أن يأتي يوم} موصوف بأنه {لا بيع فيه} موجود {ولا خلة} قال الحرالي : هي مما منه المخاللة وهي المداخلة فيما يقبل التداخل حتى يكون كل واحد خلال الآخر ، وموقع معناها الموافقة في وصف الرضى والسخط ، فالخليل من رضاه رضى خليله وفعاله من فعاله - انتهى.","part":8,"page":155},{"id":3195,"text":"{ولا شفاعة} والمعنى أنه لا يفدى فيه أسير بمال ، ولا يراعى لصداقة من مساوٍ ولا شفاعة من كبير ، لعدم إرادة الله سبحانه وتعالى لشيء من ذلك ولا يكون إلا ما يريد ، وفي الآية التفات شديد إلى أول السورة حيث وصف المؤمنين بالإنفاق مما رزقهم والإيقان بالآخرة ، وبيان لأن المراد بالإنفاق أعم من الزكاة وأن ذلك يحتمل جميع وجوه الإنفاق من جميع المعادن والحظوظ التي تكسب المعالي وتنجي من المهالك ، وسيأتي في الآيات الحاثّة على النفقة ما يرشد إلى ذلك كقوله تعالى {إن تبدوا الصدقات} [ البقرة : 271 ] وغيرها وقال الحرالي : فانتظم هذا الانتهاء في الخطاب بما في ابتداء السورة من {الذين يؤمنون بالغيب ويقيمون الصلاة} [ البقرة : 3 ] إلى قوله {المفلحون} [ البقرة : 5 ] فلذلك وقع بعد هذا الانتهاء افتتاح آية هي سيدة آي هذه السورة المنتظمة بأولها انتظاماً معنوياً برأس {الم ذلك الكتاب} [ البقرة : 1 2 ] فكان في إشارة هذا الانتظام توطئة لما أفصح به الخطاب في فاتحة سورة آل عمران ، لما ذكر من أن القرآن مثاني إفهام وحمد.\rفكان أوله حمداً وآخره حمداً ينثني ما بين الحمدين على أوله ، كما قال \" حمدني عبدي ، أثنى عليّ عبدي \" فجملته حمد وتفاصيله ثناء - انتهى. أ هـ {نظم الدرر حـ 1 صـ 492 ـ 493}\rقال الفخر :\rاعلم أن أصعب الأشياء على الإنسان بذل النفس في القتال ، وبذل المال في الإنفاق فلما قدم الأمر بالقتال أعقبه بالأمر بالإنفاق ، وأيضاً فيه وجه آخر ، وهو أنه تعالى أمر بالقتال فيما سبق بقوله : {وقاتلوا فِي سَبِيلِ الله} [ البقرة : 244 ] ثم أعقبه بقوله : {مَّن ذَا الذى يُقْرِضُ الله قَرْضًا حَسَنًا} [ البقرة : 245 ] والمقصود منه إنفاق المال في الجهاد ، ثم إنه مرة ثانية أكد الأمر بالقتال وذكر فيه قصة طالوت ، ثم أعقبه بالأمر بالإنفاق في الجهاد ، وهو قوله : {ياأيها الذين ءامَنُواْ أَنفِقُواْ }. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 6 صـ 174}","part":8,"page":156},{"id":3196,"text":"فصل\rقال الفخر :\rالمعتزلة احتجوا على أن الرزق لا يكون إلا حلالاً بقوله : {أَنفِقُواْ مِمَّا رزقناكم} فنقول : الله تعالى أمر بالإنفاق من كل ما كان رزقاً بالإجماع أما ما كان حراماً فإنه لا يجوز إنفاقه ، وهذا يفيد القطع بأن الرزق لا يكون حراماً ، والأصحاب قالوا : ظاهر الآية وإن كان يدل على الأمر بإنفاق كل ما كان رزقاً إلا أنا نخصص هذا الأمر بإنفاق كل ما كان رزقاً حلالاً. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 6 صـ 174}\rفصل\rقال الفخر :\rاختلفوا في أن قوله : {أَنفَقُواْ} مختص بالإنفاق الواجب كالزكاة أم هو عام في كل الإنفاقات سواء كانت واجبة أو مندوبة ، فقال الحسن : هذا الأمر مختص بالزكاة ، قال لأن قوله : {مّن قَبْلِ أَن يَأْتِىَ يَوْمٌ لاَّ بَيْعٌ فِيهِ وَلاَ خُلَّةٌ} كالوعد والوعيد لا يتوجه إلا على الواجب\rوقال الأكثرون : هذا الأمر يتناول الواجب والمندوب ، وليس في الآية وعيد ، فكأنه قيل : حصلوا منافع الآخرة حين تكونون في الدنيا ، فإنكم إذا خرجتم من الدنيا لا يمكنكم تحصيلها واكتسابها في الآخرة\rوالقول الثالث : أن المراد منه الإنفاق في الجهاد : والدليل عليه أنه مذكور بعد الأمر بالجهاد ، فكان المراد منه الإنفاق في الجهاد ، وهذا قول الأصم. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 6 صـ 174 ـ 175 }\rقال القرطبى :\rوقال ابن جريج وسعيد بن جبير : هذه الآية تجمع الزكاة المفروضة والتطوّع.\rقال ابن عطية.\rوهذا صحيح ، ولكن ما تقدّم من الآيات في ذكر القتال وأن الله يدفع بالمؤمنين في صدور الكافرين يترجح منه أن هذا النّدب إنما هو في سبيل الله ، ويقوي ذلك في آخر الآية قوله : { هُمُ الظالمون } أي فكافحوهم بالقتال بالأنفس وإنفاق الأموال.\rقلت : وعلى هذا التأويل يكون إنفاق الأموال مرّة واجباً ومرّة ندباً بحسب تعين الجهاد وعدم تعينه. أ هـ {تفسير القرطبى حـ 3 صـ 266}\rفصل فى المقصود من الآية\rقال الفخر :","part":8,"page":157},{"id":3197,"text":"المقصود من الآية أن الإنسان يجىء وحده ، ولا يكون معه شيء مما حصله في الدنيا ، قال تعالى : {وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فرادى كَمَا خلقناكم أَوَّلَ مَرَّةٍ وَتَرَكْتُمْ مَّا خولناكم وَرَاءَ ظُهُورِكُمْ} [ الأنعام : 94 ] وقال : {وَنَرِثُهُ مَا يَقُولُ وَيَأْتِينَا فَرْداً} [ مريم : 80 ]. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 6 صـ 175}\rقوله تعالى : {لاَّ بَيْعٌ فِيهِ وَلاَ خُلَّةٌ وَلاَ شفاعة }\rقال القرطبى :\rقرأ ابن كثير وأبو عمرو { لاَّ بَيْعٌ فِيهِ وَلاَ خُلَّةٌ وَلاَ شَفَاعَةٌ } بالنصب من غير تنوين ، وكذلك في سورة \"إبراهيم\" { لاَّ بَيْعٌ فِيهِ وَلاَ خِلاَلٌ } [ إبراهيم : 31 ] وفي \"الطور\" { لاَّ لَغْوٌ فِيهَا وَلاَ تَأْثِيمٌ } [ الطور : 23 ] وأنشد حسان بن ثابت :\rألاَ طِعانَ وَلاَ فُرْسَانَ عاديةٌ . . .\rإلاَّ تَجَشُّؤكمْ عند التَّنَانِير\rوألف الاستفهام غير مغيِّرة عملَ \"لا\" كقولك : ألا رجلَ عندك ، ويجوز ألاَ رجلٌ ولا امرأةٌ كما جاز في غير الاستفهام فاعلمه.\rوقرأ الباقون جميع ذلك بالرفع والتنوين ، كما قال الراعيّ :\rوما صَرَمْتُكِ حتى قُلْتِ مُعْلِنَةً . . .\rلا ناقةٌ لِيَ في هذا ولا جَمَلُ\rويروى \"وما هجرتكِ\" فالفتح على النفي العام المستغرق لجميع الوجوه من ذلك الصنف ، كأنّه جواب لمن قال : هل فيه مِن بيع ؟ فسأل سؤالاً عاماً فأُجيب جواباً عاماً بالنفي.\rو \"لا\" مع الاسم المنفي بمنزلة اسم واحد في موضع رفع بالابتداء ، والخبر \"فيه\".\rوإن شئت جعلته صفة ليوم ، ومَن رفع جعل \"لا\" بمنزلة ليس.\rوجعل الجواب غير عام ، وكأنه جواب مَن قال : هل فيه بيع ؟ بإسقاط من ، فأتى الجواب غير مغير عن رفعه ، والمرفوع مبتدأ أو اسم ليس و\"فيه\" الخبر.\rقال مكيّ : والاختيار الرفع ؛ لأن أكثر القرّاء عليه (1) ، ويجوز في غير القرآن لا بيعَ فيه ولا خلةٌ ، وأنشد سيبويه لرجل من مَذْحِج :\rهذا لعَمْركُمُ الصَّغار بعيْنِه . . .\r______________\r(1) هذا الكلام وما شابهه فيه نظر لأن القراءة بالنصب متواترة. والله أعلم.","part":8,"page":158},{"id":3198,"text":"لا أُمَّ لِي إن كان ذاك ولا أَبُ\rويجوز أن تبني الأوّل وتنصب الثاني وتنوّنه فتقول : لا رجلَ فيه ولا امرأة ، وأنشد سيبويه :\rلا نَسبَ اليومَ ولا خلةً . . .\rاتسع الخرْقُ على الرّاقِعِ\rفلا زائدة في الموضعين ، الأوّل عطف على الموضع والثاني على اللفظ.\rووجه خامس أن ترفع الأوّل وتبني الثاني كقولك : لا رجل فيها ولا امرأة ، قال أُمّيّةُ :\rفلا لَغْوٌ ولا تَأتِيمَ فيها . . .\rوما فَاهُوا به أبَداً مُقيمَ\rوهذه الخمسة الأوجه جائزة في قولك : لا حول ولا قوّة إلا بالله ، وقد تقدّم هذا والحمد لله. أ هـ {تفسير القرطبى حـ 3 صـ 266 ـ 267}\rقال الفخر :\rأما قوله : {لاَّ بَيْعٌ فِيهِ} ففيه وجهان\rالأول : أن البيع ههنا بمعنى الفدية ، كما قال : {فاليوم لاَ يُؤْخَذُ مِنكُمْ فِدْيَةٌ} [ الحديد : 15 ] وقال : {وَلاَ يُقْبَلُ مِنْهَا عَدْلٌ} [ البقرة : 123 ] وقال : {وَإِن تَعْدِلْ كُلَّ عَدْلٍ لاَّ يُؤْخَذْ مِنْهَا} [ الأنعام : 7 ] فكأنه قال : من قبل أن يأتي يوم لا تجارة فيه فتكتسب ما تفتدي به من العذاب\rوالثاني : أن يكون المعنى : قدموا لأنفسكم من المال الذي هو في ملككم قبل أن يأتي اليوم الذي لا يكون فيه تجارة ولا مبايعة حتى يكتسب شيء من المال. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 6 صـ 175}\rقوله : {وَلاَ خُلَّةٌ وَلاَ شفاعة }\rقال الفخر :","part":8,"page":159},{"id":3199,"text":"أما قوله : {وَلاَ خُلَّةٌ} فالمراد المودة ، ونظيره من الآيات قوله تعالى : {الأخلاء يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلاَّ المتقين} [ الزخرف : 67 ] وقال : {وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الأسباب} [ البقرة : 166 ] وقال : {وَيَوْمَ القيامة يَكْفُرُونَ بَعْضُكُمْ بِبَعْضٍ وَيَلْعَنُ بَعْضُكُمْ بَعْضاً} [ العنكبوت : 25 ] وقال حكاية عن الكفار : {فَمَا لَنَا مِن شافعين وَلاَ صَدِيقٍ حَمِيمٍ} [ الشعراء : 100 ] وقال : {وَمَا للظالمين مِنْ أَنصَارٍ} [ البقرة : 270 ] وأما قوله : {وَلاَ شفاعة} يقتضي نفي كل الشفاعات.\rواعلم أن قوله : {وَلاَ خُلَّةٌ وَلاَ شفاعة} عام في الكل ، إلا أن سائر الدلائل دلت على ثبوت المودة والمحبة بين المؤمنين ، وعلى ثبوت الشفاعة للمؤمنين ، وقد بيناه في تفسير قوله تعالى : {واتقوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى الله} [ البقرة : 281 ] {لاَّ تَجْزِى نَفْسٌ عَن نَّفْسٍ شَيْئًا وَلاَ يُقْبَلُ مِنْهَا شفاعة} [ البقرة : 48 ].\rواعلم أن السبب في عدم الخلة والشفاعة يوم القيامة أمور أحدها : أن كل أحد يكون مشغولاً بنفسه ، على ما قال تعالى : {لِكُلّ امرىء مّنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ} [ عبس : 37 ] والثاني : أن الخوف الشديد غالب على كل أحد ، على ما قال : {يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا وَتَرَى الناس سكارى وَمَا هُم بسكارى} [ الحج : 2 ] والثالث : أنه إذا نزل العذاب بسبب الكفر والفسق صار مبغضاً لهذين الأمرين ، وإذا صار مبغضاً لهما صار مبغضاً لمن كان موصوفاً بهما. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 6 صـ 175}\rقال القرطبى :\rأخبر الله تعالى ألاّ خُلّة في الآخرة ولا شفاعة إلاَّ بإذن الله.\rوحقيقتها رحمة منه تعالى شرّف بها الذي أذن له في أن يشفع. أ هـ {تفسير القرطبى حـ 3 صـ 266}\rقال أبو حيان :","part":8,"page":160},{"id":3200,"text":"{ ولا شفاعة } اللفظ عام والمراد الخصوص ، أي : ولا شفاعة للكفار ، وقال تعالى : { فما لنا من شافعين ولا صديق حميم } أو : ولا شفاعة إلاَّ بإذن الله ، قال تعالى : { ولا تنفع الشفاعة عنده إلاَّ لمن أذن له } وقال : { ولا يشفعون إلاَّ لمن ارتضى } فعلى الخصوص بالكفار لا شفاعة لهم ولا منهم ، وعلى تأويل الإذن : لا شفاعة للمؤمنين إلاَّ بإذنه.\rوقيل : المراد العموم ، والمعنى أن انتداب الشافع وتحكمه على كره المشفوع عنده لا يكون يوم القيامة ألبتة ، وأما الشفاعة التي توجد بالإذن من الله تعالى فحقيقتها رحمة الله ، لكن شرف تعالى الذي أذن له في أن يشفع.\rوقد تعلق بقوله : ولا شفاعة ، منكرو الشفاعة ، واعتقدوا أن هذا نفي لأصل الشفاعة ، وقد أثبتت الشفاعة في الآخرة مشروطة بإذن الله ورضاه ، وصح حديث الشفاعة الذي تلقته الأمّة بالقبول ، فلا التفات لمن أنكر ذلك. أ هـ {البحر المحيط حـ 2 صـ 275 ـ 276}\rقال ابن عاشور :\rوالشفاعة الوساطة في طلب النافع ، والسعي إلى من يراد استحقاق رضاه على مغضوب منه عليه أو إزالة وحشة أو بغضاء بينهما ، فهي مشتقة من الشفع ضد الوتر ، يقال شفع كمنع إذا صيّر الشيء شفعاً ، وشفع أيضاً كمنع إذا سعى في الإرضاء ونحوه لأنّ المغضوب عليه والمحروم يبعد عن واصله فيصير وتراً فإذا سعى الشفيع بجلب المنفعة والرضا فقد أعادهما شفعاً ، فالشفاعة تقتضي مشفوعاً إليه ومشفوعاً فيه ، وهي في عرفهم لا يتصدّى لها إلاّ من يتحقّق قبول شفاعته ، ويقال شفع فلان عند فلان في فلان فشفَّعهُ فيه أي فقبل شفاعته ، وفي الحديث : \"قالوا هذا جدير إن خطب بأن ينكح وإن شفع بأن يشفع\".\rوبهذا يظهر أنّ الشفاعة تكون في دفع المضرة وتكون في جلب المنفعة قال :\rفذاك فتًى إن تأته في صنيعة\rإلى ماله لا تأته بشفيع...","part":8,"page":161},{"id":3201,"text":"ومما جاء في منشور الخليفة القادر بالله للسلطان محمود بن سبكتكين الغزنوي \"ولّيناك كورة خراسان ولقبناك يمين الدولة ، بشفاعة أبي حامد الإسفرائيني\" ، أي بواسطته ورغبته.\rفالشفاعة في العرف تقتضي إدلال الشفيع عند المشفوع لديه ، ولهذا نفاها الله تعالى هنا بمعنى نفي استحقاق أحد من المخلوقات أن يكون شفيعاً عند الله بإدلال ، وأثبتها في آيات أخرى كقوله قريباً { من ذا الذي يشفع عنده إلا بإذنه } [ البقرة : 255 ] وقوله : { ولا يشفعون إلاّ لمن ارتضى } [ الأنبياء : 28 ] ، وثبتت للرسول عليه السلام في أحاديث كثيرة وأشير إليها بقوله تعالى : { عسى أن يبعثك ربك مقاما محمودا } [ الإسراء : 79 ] وفسّرت الآية بذلك في الحديث الصحيح ، ولذلك كان من أصول اعتقادنا إثبات الشفاعة للنبيء صلى الله عليه وسلم وأنكرها المعتزلة وهم مخطئون في إنكارها وملبسون في استدلالهم ، والمسألة مبسوطة في كتب الكلام.\rوالشفاعة المنفية هنا مراد بها الشفاعة التي لا يسع المشفوعَ إليه ردّها ، فلا يعارض ما ورد من شفاعة النبي صلى الله عليه وسلم في الأحاديث الصحيحة لأنّ تلك كرامة أكرمه الله تعالى بها وأذن له فيها إذ يقول : \"اشفع تشفع\" فهي ترجع إلى قوله تعالى : { من ذا الذي يشفع عنده إلا بإذنه } [ البقرة : 255 ] وقوله : { ولا يشفعون إلاّ لمن ارتضى } [ الأنبياء : 28 ] وقوله : { ولا تنفع الشفاعة عنده إلاّ لمن أذن له } [ سبأ : 23 ]. أ هـ {التحرير والتنوير حـ 3 صـ 15 ـ 16}\rقوله تعالى : { وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ }\rالمناسبة\rقال البقاعى :","part":8,"page":162},{"id":3202,"text":"ولما حث سبحانه وتعالى على الإنفاق ختم الآية بذم الكافرين لكونهم لم يتحلوا بهذه الصفة لتخليهم من الإيمان وبعدهم عنه وتكذيبهم بذلك اليوم فهم لا ينفقون لخوفه ولا رجائه فقال بدل - ولا نصرة لكافر : {والكافرون} أي المعلوم كفرهم في ذلك اليوم ، وهذا العطف يرشد إلى أن التقدير : فالذين آمنوا يفعلون ما أمرناهم به لأنهم المحقون ، والكافرون {هم} المختصون بأنهم {الظالمون} أي الكاملون في الظلم لا غيرهم ، ومن المعلوم أن الظالم خاسر وأنه مخذول غير منصور ، لأنه يضع الأمور في غير مواضعها ، ومن كان كذلك لا يثبت له أمر ولا يرتفع له شأن بل هو دائماً على شفا جرف هار ، ولأجل ذلك يختم سبحانه وتعالى كثيراً من آياته بقوله {وما للظالمين من أنصار} [ البقرة : 270 ] فقد انتفى بذلك جميع أنواع الخلاص المعهودة في الدنيا في ذلك اليوم من الافتداء بالمال والمراعاة لصداقة أو عظمة ذي شفاعة أو نصرة بقوة. أ هـ {نظم الدرر حـ 1 صـ 493 ـ 494}\rقال الفخر :\rأما قوله تعالى : {والكافرون هُمُ الظالمون} فنقل عن عطاء بن يسار أنه كان يقول : الحمد لله الذي قال : {والكافرون هُمُ الظالمون} ولم يقل الظالمون هم الكافرون ، ثم ذكروا في تأويل هذه الآية وجوهاً\rأحدها : أنه تعالى لما قال : {وَلاَ خُلَّةٌ وَلاَ شفاعة} أوهم ذلك نفي الخلة والشفاعة مطلقاً ، فذكر تعالى عقيبه : {والكافرون هُمُ الظالمون} ليدل على أن ذلك النفي مختص بالكافرين ، وعلى هذا التقدير تصير الآية دالة على إثبات الشفاعة في حق الفساق ، قال القاضي : هذا التأويل غير صحيح لأن قوله : {والكافرون هُمُ الظالمون} كلام مبتدأ فلم يجب تعليقه بما تقدم.\rوالجواب : أنا لو جعلنا هذا الكلام مبتدأ ، تطرق الخُلفْ إلى كلام الله تعالى ، لأن غير الكافرين قد يكون ظالماً ، أما إذا علقناه بما تقدم زال الإشكال فوجب المصير إلى تعليقه بما قبله.","part":8,"page":163},{"id":3203,"text":"التأويل الثاني : أن الكافرين إذا دخلوا النار عَجَزوا عن التخلص عن ذلك العذاب ، فالله تعالى لم يظلمهم بذلك العذاب ، بل هم الذين ظلموا أنفسهم حيث اختاروا الكفر والفسق حتى صاروا مستحقين لهذا العذاب ، ونظيره قوله تعالى : {وَوَجَدُواْ مَا عَمِلُواْ حَاضِرًا وَلاَ يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا} [ الكهف : 49 ].\rوالتأويل الثالث : أن الكافرين هم الظالمون حيث تركوا تقديم الخيرات ليوم فاقتهم وحاجتهم وأنتم أيها الحاضرون لا تقتدوا بهم في هذا الاختيار الردىء ، ولكن قدموا لأنفسكم ما تجعلونه يوم القيامة فدية لأنفسكم من عذاب الله.\rوالتأويل الرابع : الكافرون هم الظالمون لأنفسهم بوضع الأمور في غير مواضعها ، لتوقعهم الشفاعة ممن لا يشفع لهم عند الله ، فإنهم كانوا يقولون في الأوثان : {هَؤُلاء شفعاؤنا عِندَ الله} [ يونس : 18 ] ، وقالوا أيضاً : {مَا نَعْبُدُهُمْ إِلاَّ لِيُقَرّبُونَا إِلَى الله زُلْفَى} [ الزمر : 3 ] فمن عبد جماداً وتوقع أن يكون شفيعاً له عند الله فقد ظلم نفسه حيث توقع الخير ممن لا يجوز التوقع منه.\rوالتأويل الخامس : المراد من الظلم ترك الإنفاق ، قال تعالى : {آتَتْ أُكُلَهَا وَلَمْ تَظْلِمِ مّنْهُ شَيْئًا} [ الكهف : 33 ] أي أعطت ولم تمنع فيكون معنى الآية والكافرون التاركون للإنفاق في سبيل الله ، وأما المسلم فلا بد وأن ينفق منه شيئاً قل أو كثر.\rوالتأويل السادس : {والكافرون هُمُ الظالمون} أي هم الكاملون في الظلم البالغون المبلغ العظيم فيه كما يقال : العلماء هم المتكلمون أي هم الكاملون في العلم فكذا ههنا ، وأكثر هذه الوجوه قد ذكرها القفال رحمه الله والله أعلم. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 6 صـ 175 ـ 176}\rقال الزمخشرى :","part":8,"page":164},{"id":3204,"text":"{ والكافرون هُمُ الظالمون } أراد والتاركون الزكاة هم الظالمون ، فقال { والكافرون } للتغليظ ، كما قال في آخر آية الحج { وَمَن كَفَرَ } [ النور : 55 ] مكان : ومن لم يحج ، ولأنه جعل ترك الزكاة من صفات الكفار في قوله : { وَوَيْلٌ لّلْمُشْرِكِينَ الذين لاَ يُؤْتُونَ الزكواة } [ فصلت : 6 ]. (1) أ هـ {الكشاف حـ 1 صـ 327}\rقال ابن عاشور :\rوقوله : { والكافرون هم الظالمون } صيغة قصر نشأت عن قوله : { لا بيع فيه ولا خلّة ولا شفاعة } فدلّت على أن ذلك النفي تعريض وتهديد للمشركين فعقب بزيادة التغليظ عليهم والتنديد بأنّ ذلك التهديد والمهدّد به قد جلبوه لأنفسهم بمكابرتهم فما ظلمهم الله ، وهذا أشدّ وقعاً على المعاقب لأنّ المظلوم يجد لنفسه سلوّاً بأنّه معتدى عليه ، فالقصر قصر قلب ، بتنزيلهم منزلة من يعتقد أنّهم مظلومون.\rولك أن تجعلَه قصراً حقيقياً ادّعائياً لأنّ ظلمهم لما كان أشدّ الظلم جعلوا كمن انحصر الظلم فيهم.\rوالمراد بالكافرين ظاهراً المشركون ، وهذا من بدائع بلاغة القرآن ، فإنّ هذه الجملة صالحة أيضاً لتذييل الأمر بالإنفاق في سبيل الله ، لأنّ ذلك الإنفاق لقتال المشركين الذين بدأوا الدين بالمناوأة ، فهم الظالمون لا المؤمنون الذين يقاتلونهم لحماية الدين والذبّ عن حوزته.\r_______________\r(1) تبع الزمخشرى فى هذا القول البيضاوى وأبو السعود والآلوسى ، ولا يخفى ما فيه من البعد والتكلف ، والأولى حمل الآية على الكفر الذى يخرج من الملة ؛ لأنه ذكر فى مقابلة صدر الآية التى افتتحت بنداء التشريف{يا أيها الذين آمنوا}. والله أعلم.","part":8,"page":165},{"id":3205,"text":"وذكر الكافرين في مقام التسجيل فيه تنزيه للمؤمنين عن أن يتركوا الإنفاق إذ لا يظنّ بهم ذلك ، فتركه والكفر متلازمان ، فالكافرون يظلمون أنفسهم ، والمؤمنون لا يظلمونها ، وهذا كقوله تعالى : { وويل للمشركين الذين لا يؤتون الزكاة } [ فصلت : 6 ، 7 ] ، وذلك أنّ القرآن يصوّر المؤمنين في أكمل مراتب الإيمان ويقابل حالهم بحال الكفار تغليظاً وتنزيهاً ، ومن هذه الآية وأمثالها اعتقد بعض فرق الإسلام أنّ المعاصي تبطل الإيمان كما قدّمناه.أ هـ {التحرير والتنوير حـ 3 صـ 16}\rقال ابن عطية فى معنى الآية :\rندب الله بهذه الآية ، إلى إنفاق شيء مما أنعم به وهذه غاية التفضل فعلاً وقولاً ، وحذر تعالى من الإمساك ، إلى أن يجيء يوم لا يمكن فيه بيع ولا شراء ولا استدراك بنفقة في ذات الله ، إذ هي مبايعة على ما قد فسرناه في قوله تعالى : { من ذا الذي يقرض الله } [ البقرة : 245 ] ، أو إذ البيع فدية لأن المرء قد يشتري نفسه ومراده بماله ، وكأن معنى الآية معنى سائر الآي التي تتضمن إلا فدية يوم القيامة .\rوأخبر الله تعالى بعدم الخلة يوم القيامة ، والمعنى : خلة نافعة تقتضي المساهمة كما كانت في الدنيا ، وأهل التقوى بينهم في ذلك اليوم خلة ولكنها غير محتاج إليها ، وخلة غيرهم لا تغني من الله شيئاً ، وأخبر تعالى أن الشفاعة أيضاً معدومة في ذلك اليوم ، فحمل الطبري ذلك على عموم اللفظ وخصوص المعنى ، وأن المراد { ولا شفاعة } للكفار . وهذا لا يحتاج إليه . بل الشفاعة المعروفة في الدنيا وهي انتداب الشافع وتحكمه على كره المشفوع عنده مرتفعة يوم القيامة البتة . وإنما توجد شفاعة بإذن الله تعالى . فحقيقتها رحمة من الله تعالى . لكنه شرف الذي أذن له في أن يشفع ، وإنما المعدوم مثل حال الدنيا من البيع والخلة والشفاعة . أ هـ {المحرر الوجيز حـ 1 صـ 340}\rوقال السعدى فى معنى الآية :","part":8,"page":166},{"id":3206,"text":"{ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لا بَيْعٌ فِيهِ وَلا خُلَّةٌ وَلا شَفَاعَةٌ وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ } .\rوهذا من لطف الله بعباده أن أمرهم بتقديم شيء مما رزقهم الله ، من صدقة واجبة ومستحبة ، ليكون لهم ذخرا وأجرا موفرا في يوم يحتاج فيه العاملون إلى مثقال ذرة من الخير ، فلا بيع فيه ولو افتدى الإنسان نفسه بملء الأرض ذهبا ليفتدي به من عذاب يوم القيامة ما تقبل منه ، ولم ينفعه خليل ولا صديق لا بوجاهة ولا بشفاعة ، وهو اليوم الذي فيه يخسر المبطلون ويحصل الخزي على الظالمين ، وهم الذين وضعوا الشيء في غير موضعه ، فتركوا الواجب من حق الله وحق عباده وتعدوا الحلال إلى الحرام ، وأعظم أنواع الظلم الكفر بالله الذي هو وضع العبادة التي يتعين أن تكون لله فيصرفها الكافر إلى مخلوق مثله ، فلهذا قال تعالى : { والكافرون هم الظالمون } وهذا من باب الحصر ، أي : الذين ثبت لهم الظلم التام ، كما قال تعالى : { إن الشرك لظلم عظيم }. أ هـ {تفسير السعدى صـ 110}\rلطيفة\rقال فى روح البيان :\rقال الراغب : حث المؤمنين على الإنفاق مما رزقهم من النعماء النفسية والبدنية الجارحية وإن كان الظاهر فى التعارف إنفاق المال ولكن قد يراد به بذل النفس والبدن فى مجاهدة العدو والهوى وسائر العبادات\rولما كانت الدنيا دار اكتساب وابتلاء والآخرة دار ثواب وجزاء بين أن لا سبيل للإنسان إلى تحصيل ما ينتفع به فى الآخرة فابتلى بذكر هذه الثلاثة لأنها أسباب اجتلاب المنافع المفضية إليها. أحدها المعاوضة وأعظمها المبايعة. والثانى ما تناوله بالمودة وهو المسمى بالصلات والهدايا.\rوالثالث ما يصل إليه بمعاونة الغير وذلك هو الشفاعة.","part":8,"page":167},{"id":3207,"text":"ولما كانت العدالة بالقول المجمل ثلاثا عدالة بين الإنسان ونفسه وعدالة بينه وبين الناس وعدالة بينه وبين الله. فكذلك الظلم له مراتب ثلاث وأعظم العدالة ما بين العبد وبين الله وهو الإيمان وأعظم الظلم ما يقابله وهو الكفر ولذلك قال { والكافرون هم الظالمون } أى هم المستحقون لإطلاق هذا الوصف عليهم بلا مشوبة. فليسارع العبد إلى تقوية الإيمان بالإنفاق والإحسان. أ هـ {روح البيان حـ 1 صـ 487 ـ 488}\rمن فوائد ابن عرفة فى الآية\rقوله تعالى : { ياأيها الذين آمنوا أَنفِقُواْ مِمَّا رَزَقْنَاكُم }.\rقال ابن عطية : ( هو عام في الجهاد والتطوع ).\rوالتحاكم في هذا إلى السبب المتقدم ( هل ينهض ) إلى وجوب القصد عليه أو يعم فيه وفي غيره ؟\rقال ابن عرفة : وفرقوا بين قولك : تَصَدّقْ ، وبين قولك : يا غني تَصَدّقْ.\rبثلاثة أوجه : إما للوصف المناسب ، أو تنبيه المخاطب ، أو استحضار ذهنه.\rوإما خوف احتمال الشركة في النّداء.\rفإن قلنا : إن الكفار غير مخاطبين بفروع الشريعة فينتفي احتمال ( الشريك ) هنا ، وأيضا فسبب النّزول يعين كون الخطاب للمؤمنين فانحصر كون فائدته إمّا التنبيه أو الإشعار بأنّ سبب الأمر بذلك وصف الإيمان.\rقوله تعالى : { مِمَّا رَزَقْنَاكُم . . . }.\rمذهب أهل السنة تعميم الرزق في الحلال والحرام ، وأمروا هنا بالحلال لأن ( من ) للتبعيض فيبقى البعض الآخر.\rقوله تعالى : { مِّن قَبْلِ أَن يَأْتِيَ يَوْمٌ لاَّ بَيْعٌ فِيهِ وَلاَ خُلَّةٌ . . . }.\rواليوم حمله المفسرون على يوم القيامة.\rقال ابن عرفة : وعندي أنه يوم موت كل واحد لأن من مات قد قامت قيامته.\rقيل لابن عرفة : يلزمك الإضمار لأن يوم القيامة لا بيع فيه بالإطلاق ويوم موت كل واحد لا بيع له فيه ولا خلة له فيه ، وإلاّ فالبيع لغيره ثابت له فيه لأن غيره حي قطعا ؟","part":8,"page":168},{"id":3208,"text":"فقال : إنّما تعلق النّفي بيوم الموت والبيع غير ثابت فيه من حيث كونه يوم الموت ، ونفي البيع لايستلزم نفي الخلة لأنه قد لا يكون عنده ما يبيع وقد يكون ( له ) صاحب يحميه وينصره ، ولا يلزم من نفي الخليل نفي الشفاعة لأن العدو قد ( يرق ) لعدوه ويشفع فيه ، ولأن الخليل يستنقذ بالانتصار والقوة والغلبة والشفيع يستنقذ بالرغبة والفضل لا بالقوة. أ هـ {تفسير ابن عرفة صـ 329}","part":8,"page":169},{"id":3209,"text":"فوائد لغوية\rقال ابن عادل :\rقوله : { أَنْفِقُواْ } : مفعوله محذوفٌ ، تقديره : شيئاً ممَّا رزقناكم ، فعلى هذا { مِمَّا رَزَقْنَاكُم } متعلّقٌ بمحذوفٍ في الأصل لوقوعه صفةً لذلك المفعول ، وإن لم تقدِّر مفعولاً محذوفاً ، فتكون متعلِّقة بنفس الفعل. و\" مَا \" يجوز أن تكون بمعنى الذي ، والعائد محذوفٌ ، أي : رزقناكموه ، وأن تكون مصدريَّةً ، فلا حاجة إلى عائدٍ ، ولكن الرّزق المراد به المصدر لا ينفق ، فالمراد به اسم المفعول ، وأن تكون نكرةً موصوفةً وقد تقدَّم تحقيق هذا عند قوله تعالى : { وَممَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ } [ البقرة : 3 ].\rقوله : { مِّن قَبْلِ } متعلِّقٌ أيضاً بأنفقوا ، وجاز تعلُّقُ حرفين بلفظٍ واحدٍ بفعلٍ واحدٍ لاختلافهما معنًى؛ فإنَّ الأولى للتَّبعيض والثانية لابتداء الغاية ، و\" أَنْ يَأْتي \" في محلِّ جرٍّ بإضافة \" قبل \" إليه ، أي : من قبل إتيانه.\rوقوله : { لاَّ بَيْعٌ فِيهِ وَلاَ خُلَّةٌ } إلى آخره : الجملة المنفيَّة صفةٌ لـ \" يَوم \" فمحلُّها الرَّفع. وقرأ \" بَيْعٌ \" وما بعده مرفوعاً منوناً نافع والكوفيون وابن عامر ، وبالفتح أبو عمرو وابن كثير ، وتوجيه ذلك تقدم في قوله تبارك وتعالى : { فَلاَ رَفَثَ وَلاَ فُسُوقَ } [ البقرة : 197 ].\rوالخلَّة : الصَّداقة ، كأنها تتخلَّل الأعضاء ، أي : تدخل خلالها ، أي وسطها.\rوالخلَّة : الصديق نفسه؛ قال : [ الطويل ]\rوَكَانَ لَهَا في سَالِفِ الدَّهْرِ خُلَّةٌ... يُسَارِقُ بِالطَّرْفِ الخِبَاءَ المُسَتَّرَا","part":8,"page":170},{"id":3210,"text":"وكأنه من إطلاق المصدر على العين مبالغةً ، أو على حذف مضافٍ ، أي : كان لها ذو خلَّة ، والخليل : الصَّديق لمداخلته إيَّاك ، ويصلح أن يكون بمعنى فاعل ، أو مفعول ، وجمعه \" خُلاَّن \" ، وفعلان جمع فعيل يقل في الصّفات ، وإنما يكثر في الجوامد نحو : \" رُغْفَانٍ \".\rقال القرطبيُّ : والخُلَّة : خالص المودَّة [ مأخوذة من تخلل الأسرار بين الصديقين والخِلالة والخَلالة ، والخُلالة : الصداقة ، والمودة ] ؛ قال الشاعر : [ المتقارب ]\rوَكَيْفَ تُواصِلُ مَنْ أَصْبَحَتْ... خِلاَلَتُهُ كَأَبِي مَرْحَبِ\rوأبو مرحب كنية الظِّلّ ، ويقال : هو كنية عرقوب الذي قيل فيه : \" مواعيد عرقوب \".\rوالخَلَّة - بالضَّمِّ - أيضاً - ما خالل من النبت يقال : الخلة خبز الإبل ، والحمض فاكهتها.\rوالخَلَّة : - بالفتح - الحاجة والفقر ، يقال : سدَّ خلته ، أي : فقره.\rوالخِلَّة بالكسر ابن مَخَاض ، عن الأصمعي : يقال أتاهم بقرص كأنَّه فِرْسِنُ خلة.\rوالأنثى خلَّة أيضاً ، والخلّة : الخمرة الحامضة.\rوالخِلَّة - بالكسر - واحدة خلل السُّيوف ، وهي بطائن كانت تغشى بها أجفان السُّيوف منقوشة بالذَّهب وغيره ، وهي أيضاً سُيُور تلبس ظهور سيتي القوس ، والخلّة أيضاً ما يبقى بين الأسنان.\rو \" هم \" يجوز أن تكون فصلاً أو مبتدأ ثانياً ، و{ الظالمون } خبره والجملة خبر الأوَّل. أ هـ {تفسير ابن عادل حـ 4 صـ 310 ـ 311}","part":8,"page":171},{"id":3211,"text":"قوله تعالى : { اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَلَا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ (255)}\rمناسبة الآية لما قبلها\rقال أبو حيان :\rومناسبة هذه الآية لما قبلها أنه تعالى لما ذكر أنه فضل بعض الأنبياء على بعض ، وأن منهم من كلمه ، وفسر بموسى عليه السلام ، وأنه رفع بعضهم درجات ، وفسر بمحمد صلى الله عليه وسلم ، ونص على عيسى عليه السلام ، وتفضيل المتبوع يفهم منه تفضيل التابع ، وكانت اليهود والنصارى قد أحدثوا بعد نبيهم بدعاً في أديانهم وعقائدهم ، ونسبوا الله تعالى إلى ما لا يجوز عليه ، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث إلى الناس كافة ، فكان منهم العرب ، وكانوا قد اتخذوا من دون الله آلهة وأشركوا ، فصار جميع الناس المبعوث إليهم صلى الله عليه وسلم على غير استقامة في شرائعهم وعقائدهم ، وذكر تعالى أن الكافرين هم الظالمون ، وهم الواضعون الشيء غير مواضعه ، أتى بهذه الآية العظيمة الدالة على إفراد الله بالوحدانية ، والمتضمنة صفاته العلا من : الحياة ، والاستبداد بالملك ، واستحالة كونه محلاً للحوادث ، وملكه لما في السموات والأرض ، وامتناع الشفاعة عنده إلاَّ باذنه ، وسعة علمه ، وعدم إحاطة أحد بشيء من علمه إلاَّ بارادته ، وباهر ما خلق من الكرسي العظيم الاتساع ، ووصفه بالمبالغة العلو والعظيمة ، إلى سائر ما تضمنته من أسمائه الحسنى وصفاته العلا ، نبههم بها على العقيدة الصحيحة التي هي محض التوحيد ، وعلى طرح ما سواها. أ هـ {البحر المحيط حـ 2 صـ 286}\rوقال البقاعى :","part":8,"page":172},{"id":3212,"text":"ولما أبتدأ سبحانه وتعالى الفاتحة كما مضى بذكر الذات ، ثم تعرف بالأفعال لأنها مشاهدات ، ثم رقي الخطاب إلى التعريف بالصفات ، ثم أعلاه رجوعاً إلى الذات للتأهل للمعرفة ابتدأ هذه السورة بصفة الكلام لأنها أعظم المعجزات وأبينها وأدلها على غيب الذات وأوقعها في النفوس لا سيما عند العرب ، ثم تعرف بالأفعال فأكثر منها.\r","part":8,"page":173},{"id":3213,"text":"فلما لم يبق لبس أثبت الوحدانية بآيتها السابقة مخللاً ذلك بأفانين الحكم ومحاسن الأحكام وأنواع الترغيب والترهيب في محكم الوصف والترتيب فلما تمت الأوامر وهالت تلك الزواجر وتشوقت الأنفس وتشوفت الخواطر إلى معرفة سبب انقطاع الوصل بانبتار الأسباب وانتفاء الشفاعة في ذلك اليوم ، إذ كان المألوف من ملوك الدنيا أنهم لا يكادون يتمكنون من أمر من الأمور حق التمكن من كثرة الشفعاء والراغبين من الأصدقاء ، إذ كان الملك منهم لا يخلو مجلسه قط عن جمع كل منهم صالح للقيام مقامه ولو خذله أو وجه إليه مكره ضعضع أمره وفتّ في عضده فهو محتاج إلى مراعاتهم واسترضائهم ومداراتهم ، بين سبحانه وتعالى صفة الآمر بما هو عليه من الجلال والعظمة ونفوذ الأمر والعلو عن الصد والتنزه عن الكفر والند والتفرد بجميع الكمالات والهيبة المانعة بعد انكشافها هناك أتم انكشاف لأن تتوجه الهمم لغيره وأن تنطق بغير إذنه وأن يكون غير ما يريد ليكون ذلك أدعى إلى قبول أمره والوقوف عند نهيه وزجره ، ولأجل هذه الأغراض ساق الكلام مساق جواب السؤال فكأنه قيل : هذا ما لا يعرف من أحوال الملوك فمن الملك في ذلك اليوم ؟ فذكر آية الكرسي سيدة آي القرآن التي ما اشتمل كتاب على مثلها مفتتحاً لها بالاسم العلم الفرد الجامع الذي لم يتسم به غيره ، وذلك لما تأهل السامع بعد التعرف بالكلام والتودد بالأفعال لمقام المعرفة فترقى إلى أوج المراقبة وحضرة المشاهدة فقال عائداً إلى مظهر الجلال الجامع لصفات الجلال والإكرام لأنه من أعظم مقاماته : {الله} أي هو الملك في ذلك اليوم ثم أثبت له صفات الكمال منزهاً عن شوائب النقص مفتتحاً لها بالتفرد فقال : {لا إله إلا هو} مقرراً لكمال التوحيد ، فإنه المقصود الأعظم من جميع الشرائع ولكن الإنسان لما جبل عليه من النقصان لا بد له من ترغيب يشده وترهيب يرده ومواعظ ترفقه وأعمال تصدقه وأخلاق تحققه ، فخلل سبحانه وتعالى أي التوحيد بالأحكام","part":8,"page":174},{"id":3214,"text":"والقصص ، والأحكام تفيد الأعمال الصالحة فترفع أستار الغفلة عن عيون القلوب وتكسب الأخلاق الفاضلة لتصقل الصدأ عن مرائي النفوس فتتجلى فيها حقائق التوحيد ، والقصص تلزم بمواعظها واعتباراتها بالأحكام وتقرر دلائل المعارف فيرسخ التوحيد ، وكان هذا التفصيل لأنه أنشط للنفس بالانتقال من نوع إلى آخر مع الهز بحسن النظم وبلاغة التناسب والإلهاب ببداعة الربط وبراعة التلاحم.\rوقال الحرالي : لما أتى بالخطاب على بيان جوامع من معالم الدين وجهات الاعتبار وبيان أحكام الجهاد والإنفاق فيه فتم الدين بحظيرته معالم إسلام وشعائر إيمان ولمحة إحسان أعلى تعالى الخطاب إلى بيان أمر الإحسان كما استوفى البيان في أمر الإيمان والإسلام فاستفتح هذا الخطاب العلي الذي يسود كل خطاب ليعلي به الذين آمنوا فيخرجهم به من ظلمة الإيمان بالغيب الذي نوره يذهب ظلمة الشك والكفر إلى صفاء ضياء الإيقان الذي يصير نور الإيمان بالإضافة إليه ظلمة كما يصير نور القمر عند ضياء الشمس ظلمة ، فكانت نسبة هذه الآية من آية الإلهية في قوله سبحانه وتعالى {وإلهكم إله واحد} [ البقرة : 163 ] وما بعدها من الاعتبار في خلق السماوات والأرض نسبة ما بين علو اسمه الله الذي لم يقع فيه شرك بحق ولا بباطل إلى اسمه الإله الذي وقع فيه الشرك بالباطل فينقل تعالى المؤمنين الذين استقر لهم إيمان الاعتبار بآية {وإلهكم إله واحد} [ البقرة : 163 ] وما بعدها من الاعتبار في خلق السماوات والأرض إلى يقين العيان باسمه {الله} وما يلتئم بمعناه من أوصافه العظيمة - انتهى.\rولما وحّد سبحانه وتعالى نفسه الشريفة أثبت استحقاقه لذلك بحياته وبين أن المراد بالحياة الأبدية بوصف القيومية فقال : {الحي} أي الذي له الحياة وهي صفة توجب صحة العلم والقدرة أي الذي يصح أن يعلم ويقدر {القيوم} أي القائم بنفسه المقيم لغيره على الدوام على أعلى ما يكون من القيام والإقامة.\r","part":8,"page":175},{"id":3215,"text":"قال الحرالي : فيعول زيدت في أصوله الياء ليجتمع فيه لفظ ما هو من معناه الذي هو القيام بالأمر مع واوه التي هي من قام يقوم فأفادت صيغته من المبالغة ما في القيام والقوام على حد ما تفهمه معاني الحروف عند المخاطبة بها من أئمة العلماء الوالجين في مدينة العلم المحمدي من بابه العلوي - انتهى.\rثم بين قيوميته وكمال حياته بقوله : {لا تأخذه سنة} قال الحرالي : هي مجال النعاس في العينين قبل أن يستغرق الحواس ويخامر القلب {ولا نوم} وهو ما وصل من النعاس إلى القلب فغشيه في حق من ينام قلبه وما استغرق الحواس في حق من لا ينام قلبه - انتهى ، ولما عبر بالأخذ الذي هو بمعنى القهر والغلبة وجب تقديم السنة ، كما لو قيل : فلان لا يغلبه أمير ولا سلطان ، ثم بين هذه الجملة بقوله : {له} أي بيده وفي تصرفه واختصاصه {ما في السماوات} الذي من جملته الأرض {وما في الأرض} أي من السنة والنوم وغيرهما إبداعاً ودواماً وما هو في قبضته وتصرفه لا يغلبه.\rقال الحرالي : وسلب بالجملة الأولى أمر الملكوت من أيدي الملائكة إلى قهر جبروته والآثار من نجوم الأفلاك إلى جبره ، وسلب بالجملة الثانية الآثار والصنائع من أيدي خليفته وخليقته إلى قضائه وقدره وظهور قدرته ، فكان هذا الخطاب بما أبدى للفهم إقامة قيامه على مجعول الحكمة الأرضية والسمائية التي هي حجاب قيوميته سلباً لقيام ما سواه - انتهى.\rثم بين ما تضمنته هذه الجملة بقوله منكراً على من ربما توهم أن شيئاً يخرج عن أمره فلا يكون مختصاً به {من ذا الذي يشفع} أي مما ادعى الكفار شفاعته وغيره {عنده إلا بإذنه} أي بتمكينه لأن من لم يقدر أحد على مخالفته كان من البيّن أن كل شيء في قبضته ، وكل ذلك دليل على تفرده بالإلهية.\r","part":8,"page":176},{"id":3216,"text":"قال الحرالي : وحقيقة الشفاعة وصلة بين الشفيع والمشفوع له لمزية وصلة بين الشفيع والمشفوع عنده ، فكان الإذن في باطن الشفاعة حظاً من سلب ما للشفعاء ليصير بالحقيقة إنما الشفاعة لله سبحانه وتعالى عند الله سبحانه وتعالى ، فهو سبحانه وتعالى بالحقيقة الذي شفع عند نفسه بنفسه ، فبإخفائه تعالى شفاعته في شفاعة الشفعاء كان هو الشفيع في الابتداء من وراء حجاب لأن إبداءه كله في حجاب وإعادته من غير حجاب ، فلذلك هو سبحانه وتعالى خاتم الشفعاء حيث يقول كما ورد في الخبر \" شفع الأنبياء والمرسلون ولم يبق إلى الحي القيوم \" انتهى.\rثم بين جميع ما مضى بقوله : {يعلم ما بين أيديهم} أي ما في الخافقين ممن ادعت شفاعته وغيرهم.\rقال الحرالي : أي ما أتاهم علمه من أمر أنفسهم وغيرهم ، لأن ما بين يدي المرء يحيط به حسه ، وما علمه أيضاً فكأنه بين يدي قلبه يحيط به علمه {وما خلفهم} وهو ما لم ينله علمهم ، لأن الخلف هو ما لا يناله الحس ، فأنبأ أن علمه من وراء علمهم محيط بعلمهم فيما علموا وما لم يعلموا - انتهى. أ هـ {نظم الدرر حـ 1 صـ 494 ـ 497}\rقال الفخر : \r","part":8,"page":177},{"id":3217,"text":"اعلم أن من عادته سبحانه وتعالى في هذا الكتاب الكريم أنه يخلط هذه الأنواع الثلاثة بعضها ببعض ، أعني علم التوحيد ، وعلم الأحكام ، وعلم القصص ، والمقصود من ذكر القصص إما تقرير دلائل التوحيد ، وإما المبالغة في إلزام الأحكام والتكاليف ، وهذا الطريق هو الطريق الأحسن لا إبقاء الإنسان في النوع الواحد لأنه يوجب الملال ، فأما إذا انتقل من نوع من العلوم إلى نوع آخر فكأنه يشرح به الصدر ويفرح به القلب ، فكأنه سافر من بلد إلى بلد آخر وانتقل من بستان إلى بستان آخر ، وانتقل من تناول طعام لذيذ إلى تناول نوع آخر ، ولا شك أنه يكون ألذ وأشهى ، ولما ذكر فيما تقدم من علم الأحكام ومن علم القصص ما رآه مصلحة ذكر الآن ما يتعلق بعلم التوحيد ، فقال : {الله لاَ إله إِلاَّ هُوَ الحى القيوم}. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 7 صـ 3}\rلطيفة\rقال القرطبى : \rقال ابن عباس : أشرف آية في القرآن آية الكرسي.\rقال بعض العلماء : لأنه يكرر فيها اسم الله تعالى بين مضمر وظاهر ثمان عشرة مرّة. أ هـ {تفسير القرطبى حـ 3 صـ 271}\rفصل\rقال الفخر : \rاعلم أن الذكر والعلم يتبعان المذكور والمعلوم فكلما كان المذكور والمعلوم أشرف كان الذكر والعلم أشرف ، وأشرف المذكورات والمعلومات هو الله سبحانه بل هو متعال عن أن يقال : إنه أشرف من غيره ، لأن ذلك يقتضي نوع مجانسة ومشاكلة ، وهو مقدس عن مجانسة ما سواه ، فلهذا السبب كل كلام اشتمل على نعوت جلاله وصفات كبريائه ، كان ذلك الكلام في نهاية الجلال والشرف ، ولما كانت هذه الآية كذلك لا جرم كانت هذه الآية بالغة في الشرف إلى أقصى الغايات وأبلغ النهايات. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 7 صـ 4}\rبحث لطيف للعلامة الفخر فى الآية الكريمة\rقال الفخر : ","part":8,"page":178},{"id":3218,"text":"اعلم أن تفسير لفظة {الله} قد تقدم في أول الكتاب وتفسير قوله {لاَ إله إِلاَّ هُوَ} قد تقدم في قوله {وإلهكم إله واحد لاَّ إله إِلاَّ هُوَ} [ البقرة : 163 ] بقي ههنا أن نتكلم في تفسير قوله : {الحى القيوم} وعن ابن عباس رضي الله عنه أنه كان يقول : أعظم أسماء الله {الحى القيوم} وما روينا أنه صلوات الله وسلامه عليه ما كان يزيد على ذكره في السجود يوم بدر يدل على عظمة هذا الاسم والبراهين العقلية دالة على صحته وتقريره ، ومن الله التوفيق : أنه لا شك في وجود الموجودات فهي إما أن تكون بأسراها ممكنة ، وإما أن تكون بأسراها واجبة وإما أن تكون بعضها ممكنة وبعضها واجبة لا جائز أن تكون بأسراها ممكنة ، لأن كل مجموع فهو مفتقر إلى كل واحد من أجزائه وكل واحد من أجزاء هذا المجموع ممكن والمفتقر إلى الممكن أولى بالإمكان ، فهذا المجموع ممكن بذاته وكل واحد من أجزائه ممكن فإنه لا يترجح وجوده على عدمه إلا لمرجح مغاير له ، فهذا المجموع مفتقر بحسب كونه مجموعاً وبحسب كل واحد من أجزائه إلى مرجح مغاير له وكل ما كان مغايراً لكل الممكنات لم يكن ممكناً فقد وجد موجود ليس بممكن ، فبطل القول بأن كل موجود ممكن وأما القسم الثاني وهو أن يقال الموجودات بأسرها واجبة فهذا أيضاً باطل.\r","part":8,"page":179},{"id":3219,"text":"لأنه لو حصل وجودان كل واحد منهما واجب لذاته لكانا مشتركين في الوجوب بالذات ومتغايرين بالنفي ، وما به المشاركة مغاير لما به الممايزة ، فيكون كل واحد منهما مركباً في الوجوب الذي به المشاركة ، ومن الغير الذي به الممايزة ، وكل مركب فهو مفتقر إلى كل واحد من جزئه وجزء غيره ، وكل مركب فهو مفتقر إلى غيره ، وكل مفتقر إلى غيره فهو ممكن لذاته ، فلو كان واجب الوجود أكثر من واحد لما كان شيء منها واجب الوجود وذلك محال ، ولما بطلل هذان القسمان ثبت أنه حصل في مجموع الموجودات موجود واحد واجب الوجود لذاته وأن كل ما عداه فهو ممكن لذاته موجود بإيجاد ذلك الموجود الذي هو واجب الوجود لذاته ، ولما بطل هذان فالواجب لذاته موجود لذاته وبذاته ، ومستغن في وجوده عن كل ما سواه ، وأما كل ما سواه فمفتقر في وجوده وماهيته إلى إيجاد الواجب لذاته ، فالواجب لذاته قائم بذاته وسبب لتقوم كل ما سواه في ماهيته وفي وجوده ، فهو القيوم الحي بالنسبة إلى كل الموجودات ، فالقيوم هو المتقوم بذاته ، المقوم لكل ما عداه في ماهيته ووجوده ، ولما كان واجب الوجود لذاته كان هو القيوم الحق بالنسبة إلى الكل ، ثم إنه لما كان المؤثر في الغير إما أن يكون مؤثراً على سبيل العلية والإيجاب وإما أن يكون مؤثراً على سبيل الفعل والاختيار : لا جرم أزال وهم كونه مؤثراً بالعلية والإيجاب بقوله {الحى القيوم} فإن {الحى} هو الدراك الفعال ، فبقوله {الحى} دل على كونه عالماً قادراً ، وبقوله {القيوم} دل على كونه قائماً بذاته ومقوماً لكل ما عداه ، ومن هذين الأصلين تتشعب جميع المسائل المعتبرة في علم التوحيد.\r","part":8,"page":180},{"id":3220,"text":"فأولها : أن واجب الوجود واحد بمعنى أن ماهيته غير مركبة من الأجزاء ، وبرهانه أن كل مركب فإنه مفتقر في تحققه إلى تحقق كل واحد من أجزائه ، وجزؤه غيره ، وكل مركب فهو متقوّم بغيره ، والمتقوم بغيره لا يكون متقوماً بذاته ، فلا يكون قيوماً ، وقد بينا بالبرهان أنه قيوم وإذا ثبت أنه تعالى في ذاته واحد ، فهذا الأصل له لازمان أحدها : أن واجب الوجود واحد ، بمعنى أنه ليس في الوجود شيئان كل واحد منهما واجب لذاته ، إذ لو فرض ذلك لاشتركا في الوجوب ، وتباينا في التعين ، وما به المشاركة غير ما به المباينة ، فيلزم كون كل واحد منهما في ذاته مركباً من جزأين ، وقد بينا أنه محال.\rاللازم الثاني : أنه لما امتنع في حقيقته أن تكون مركبة من جزأين امتنع كونه متحيزاً ، لأن كل متحيز فهو منقسم ، وقد ثبت أن التركيب عليه ممتنع ، وإذا ثبت أنه ليس بمتحيزاً امتنع كونه في الجهة ، لأنه لا معنى للمتحيز إلا ما يمكن أن يشار إليه إشارة حسيّة ، وإذا ثبت أنه ليس بمتحيز وليس في الجهة ، امتنع أن يكون له أعضاء وحركة وسكون.\rوثانيها : أنه لما كان قيوماً كان قائماً بذاته ، وكونه قائماً بذاته يستلزم أمور : \rاللازم الأول : أن لا يكون عَرَضاً في موضوع ، ولا صورة في مادة ، ولا حالاّ في محل أصلاً لأن الحال مفتقر إلى المحل والمفتقر إلى الغير لا يكون قيوماً بذاته.\r","part":8,"page":181},{"id":3221,"text":"واللازم الثاني : قال بعض العلماء : لا معنى للعلم إلا حضور حقيقة المعلوم للعالم ، فإذا كان قيوماً بمعنى كونه قائماً بنفسه لا بغيره كانت حقيقته حاضرة عند ذاته ، وإذا كان لا معنى للعلم إلا هذا الحضور ، وجب أن تكون حقيقته معلومة لذاته فإذن ذاته معلومة لذاته ، وكل ما عداه فإنه إنما يحصل بتأثيره ، ولأنا بينا أنه قيوم بمعنى كونه مقوماً لغيره ، وذلك التأثير إن كان بالاختيار فالفاعل المختار لا بدّ وأن يكون له شعور بفعله وإن كان بالإيجاب لزم أيضاً كونه عالماً بكل ما سواه لأن ذاته موجبة لكل ما سواه ، وقد دللنا على أنه يلزم من كونه قائماً بالنفس لذاته كونه عالماً بذاته ، والعلم بالعلة علة للعلم بالمعلول ، فعلى التقديرات كلها يلزم من كونه قيوماً كونه عالماً بجميع المعلومات.\rوثالثها : لما كان قيوماً لكل ما سواه كان كل ما سواه مُحْدَثاً ، لأن تأثيره في تقويم ذلك الغير يمتنع أن يكون حال بقاء ذلك الغير لأن تحصيل الحاصل محال فهو إما حال عدمه وإما حال حدوثه وعلى التقديرين وجب أن يكون الكل محدثاً.\r","part":8,"page":182},{"id":3222,"text":"ورابعها : أنه لما كان قيوماً لكل الممكنات استندت كل الممكنات إليه إما بواسطة أو بغير واسطة ، وعلى التقديرين كان القول بالقضاء والقدر حقاً ، وهذا مما قد فصلناه وأوضحناه في هذا الكتاب في آيات كثيرة فأنت إن ساعدك التوفيق وتأملت في هذه المعاقد التي ذكرناها علمت أنه لا سبيل إلى الإحاطة بشيء من المسائل المتعلقة بالعلم الإلهي إلا بواسطة كونه تعالى حياً قيوماً فلا جرم لا يبعد أن يكون الاسم الأعظم هو هذا ، وأما سائر الآيات الإلهية ، كقوله {وإلهكم إله واحد لاَّ إله إِلاَّ هُوَ} [ البقرة : 163 ] وقوله {شَهِدَ الله أَنَّهُ لا إله إِلاَّ هُوَ} [ آل عمران : 18 ] ففيه بيان التوحيد بمعنى نفي الضد والند ، وأما قوله {قُلْ هُوَ الله أَحَدٌ} [ الصمد : 1 ] ففيه بيان التوحيد بمعنى نفي الضد والند ، وبمعنى أن حقيقته غير مركبة من الأجزاء ، وأما قوله {إِنَّ رَبَّكُمُ الله الذى خَلَقَ السموات والأرض} [ الأعراف : 54 ] ففيه بيان صفة الربوبية وليس فيه بيان وحدة الحقيقة ، أما قوله {الحى القيوم} فإنه يدل على الكل لأن كونه قيوماً يقتضي أن يكون قائماً بذاته ، وأن يكون مقوماً لغيره وكونه قائماً بذاته يقتضي الوحدة بمعنى نفي الكثرة في حقيقته ، وذلك يقتضي الوحدة بمعنى نفي الضد والند ويقتضي نفي التحيز وبواسطته يقتضي نفي الجهة ، وأيضاً كونه قيوماً بمعنى كونه مقوماً لغيره يقتضي حدوث كل ما سواه جسماً كان أو روحاً عقلاً كان أو نفساً ، ويقتضي استناد الكل إليه وانتهاء جملة الأسباب والمسببات إليه ، وذلك يوجب القول بالقضاء والقدر فظهر أن هذين اللفظين كالمحيطين بجميع مباحث العلم الإلهي ، فلا جرم بلغت هذه الآية في الشرف إلى المقصد الأقصى واستوجب أن يكون هو الاسم الأعظم من أسماء الله تعالى ، \r","part":8,"page":183},{"id":3223,"text":"ثم إنه تعالى لما بين أنه حي قيوم أكد ذلك بقوله {لاَ تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلاَ نَوْمٌ} والمعنى : أنه لا يغفل عن تدبير الخلق ، لأن القيم بأمر الطفل لو غفل عنه ساعة لاختل أمر الطفل ، فهو سبحانه قيم جميع المحدثات ، وقيوم الممكنات ، فلا يمكن أن يغفل عن تدبيرهم ، فقوله {لاَ تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلاَ نَوْمٌ} كالتأكيد لبيان كونه تعالى قائماً ، وهو كما يقال لمن ضيع وأهمل : إنك لو سنان نائم ، ثم إنه تعالى لما بيّن كونه قيوماً بمعنى كونه قائماً بذاته ، مقوماً لغيره ، رتب عليه حكماً وهو قوله {لَّهُ مَا فِي السموات وَمَا فِي الأرض} لأنه لما كان كل ما سواه إنما تقومت ماهيته ، وإنما يحصل وجوده بتقويمه وتكوينه وتخليقه لزم أن يكون كل ما سواه ملكاً له وملكاً له ، وهو المراد من قوله {لَّهُ مَا فِي السموات وَمَا فِي الأرض} ثم لما ثبت أنه هو الملك والمالك لكل ما سواه ، ثبت أن حكمه في الكل جار ليس لغيره في شيء من الأشياء حكم إلا بإذنه وأمره ، وهو المراد بقوله {مَن ذَا الذى يَشْفَعُ عِندَهُ إِلاَّ بِإِذْنِهِ} ثم لما بيّن أنه يلزم من كونه مالكاً للكل ، أن لا يكون لغيره في ملكه تصرف بوجه من الوجوه ، بيّن أيضاً أنه يلزم من كونه عالماً بالكل وكون غيره غير عالم بالكل ، أن لا يكون لغيره في ملكه تصرف بوجه من الوجوه إلا بإذنه ، وهو قوله {يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ} وهو إشارة إلى كونه سبحانه عالماً بالكل ، ثم قال : {وَلاَ يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِّنْ عِلْمِهِ} وهو إشارة إلى كون غيره غير عالم بجميع المعلومات ، ثم إنه لما بيّن كمال ملكه وحكمه في السموات وفي الأرض ، بيّن أن ملكه فيما وراء السماوات والأرض أعظم وأجل ، وأن ذلك مما لا تصل إليه أوهام المتوهمين وينقطع دون الارتقاء إلى أدنى درجة من درجاتها المتخيلين ، فقال : {وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السموات والأرض} ثم بيّن أن نفاذ حكمه وملكه في الكل على","part":8,"page":184},{"id":3224,"text":"نعت واحد ، وصورة واحدة ، فقال : {وَلاَ يَؤُدُهُ حِفْظُهُمَا} ثم لما بين كونه قيوماً بمعنى كونه مقوماً للمحدثات والممكنات والمخلوقات ، بيّن كونه قيوماً بمعنى قائماً بنفسه وذاته ، منزّهاً عن الاحتياج إلى غيره في أمر من الأمور ، فتعالى عن أن يكون متحيزاً حتى يحتاج إلى مكان ، أو متغيراً حتى يحتاج إلى زمان ، فقال : {وَهُوَ العلى العظيم} فالمراد منه العلو والعظمة ، بمعنى أنه لا يحتاج إلى غيره في أمر من الأمور ، ولا ينسب غيره في صفة من الصفات ولا في نعت من النعوت ، فقال : {وَهُوَ العلى العظيم} إشارة إلى ما بدأ به في الآية من كونه قيوماً بمعنى كونه قائماً بذاته مقوماً لغيره ، ومن أحاط عقله بما ذكرنا علم أنه ليس عند العقول البشرية من الأمور الإلهية كلام أكمل ، ولا برهان أوضح مما اشتملت عليه هذه الآيات. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 7 صـ 4 ـ 6}\rفائدة\rقال الفخر :\rقال بعضهم : الإله هو المعبود ، وهو خطأ لوجهين\rالأول : أنه تعالى كان إلها في الأزل ، وما كان معبوداً\rوالثاني : أنه تعالى أثبت معبوداً سواه في القرآن بقوله {إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ الله} [ الأنبياء : 98 ] بل الإله هو القادر على ما إذا فعله كان مسحتقاً للعبادة. (1) أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 7 صـ 7}\rقوله {الحى}\rقال القرطبى :\r{ الحي القيوم } نعت لله عز وجل ، وإن شئت كان بدلاً من \"هو\" ، وإن شئت كان خبراً بعد خبر ، وإن شئت على إضمار مبتدأ.\rويجوز في غير القرآن النصب على المدح.\rو \"الحيّ\" اسم من أسمائه الحسنى يسمى به ، ويقال : إنه اسم الله تعالى الأعظم.\rويقال : إن عيسى ابن مريم عليه السلام كان إذا أراد أن يحيي الموتي يدعو بهذا الدعاء : يا حيّ يا قيوم.\rويقال : إن آصف بن بَرْخِيَا لما أراد أن يأتي بعرش بلقيس إلى سليمان دعا بقوله يا حيّ يا قيوم.\r______________\r(1) من الممكن أن يعارض هذا الكلام بأن الله تعالى خالق قبل وجود المخلوق ورازق قبل وجود المرزوق ومحمود قبل وجود من يحمده. والله أعلم وأحكم.","part":8,"page":185},{"id":3225,"text":"ويقال : إن بني إسرائيل سألوا موسى عن اسم الله الأعظم فقال لهم : أياهيا شراهيا ، يعني يا حيّ يا قيوم.\rويقال : هو دعاء أهل البحر إذا خافوا الغرق يدعون به.\rقال الطبريّ عن قوم : إنه يقال حيّ قيوم كما وصف نفسه ، ويُسلّم ذلك دون أن يُنْظْر فيه.\rوقيل : سمى نفسه حياً لصرفه الأُمور مصاريفها وتقديره الأشياء مقاديرها.\rوقال قتادة : الحيّ الذي لا يموت.\rوقال السدي : المراد بالحيّ الباقي.\rقال لبيد :\rفإمّا تَرِيني اليومَ أصبحتُ سالماً . . .\rفلستُ بأحْيَا من كِلابٍ وجَعْفَرِ\rوقد قيل : إن هذا الاسم هو اسم الله الأعظم. (1) أ هـ {تفسير القرطبى حـ 3 صـ 271}\rسؤال : لقائل أن يقول : لما كان معنى الحي هو أنه الذي يصح أن يعلم ويقدر ، وهذا القدر حاصل لجميع الحيوانات ، فكيف يحسن أن يمدح الله نفسه بصفة يشاركه فيها أخس الحيوانات.\r_______________\r(1) بعض هذه الأقوال فيه نظر ، وأما بالنسبة لاسم الله الأعظم فقد أخافه الله تعالى فى أسمائه الحسنى ، لنسأله بجميعها ، والأولى تفويض علم ذلك إلى العليم الحكيم. والله أعلم.","part":8,"page":186},{"id":3226,"text":"والذي عندي في هذا الباب أن الحي في أصل اللغة ليس عبارة عن هذه الصحة ، بل كل شيء كان كاملاً في جنسه ، فإنه يسمى حياً ، ألا ترى أن عمارة الأرض الخربة تسمى : إحياء الموات ، وقال تعالى : {فانظر إلى ءاثار رَحْمَةِ الله كَيْفَ يُحْىِ الأرض بَعْدَ مَوْتِهَا} [ الروم : 50 ] وقال : {إلى بَلَدٍ مَّيّتٍ فَأَحْيَيْنَا بِهِ الأرض} [ فاطر : 9 ] والصفة المسماة في عرف المتكلمين ، إنما سميت بالحياة لأن كمال حال الجسم أن يكون موصوفاً بتلك الصفة فلا جرم سميت تلك الصفة حياة وكمال حال الأشجار أن لا تكون مورقة خضرة فلا جرم سميت هذه الحالة حياة وكمال الأرض أن تكون معمورة فلا جرم سميت هذه الحالة حياة فثبت أن المفهوم الأصلي من لفظ الحي كونه واقعاً على أكمل أحواله وصفاته ، وإذا كان كذلك فقد زال الإشكال لأن المفهوم من الحي هو الكامل ، ولما لم يكن ذلك مقيداً بأنه كامل في هذا دون ذاك دل على أنه كامل على الإطلاق ، فقوله الحي يفيد كونه كاملاً على الإطلاق ، والكامل هو أن لا يكون قابلاً للعدم ، لا في ذاته ولا في صفاته الحقيقة ولا في صفاته النسبية والإضافية ، ثم عند هذا إن خصصنا القيوم بكونه سبباً لتقويم غيره فقد زال الإشكال ، لأن كونه سبباً لتقويم غيره يدل على كونه متقوماً بذاته ، وكونه قيوماً يدل على كونه مقوماً لغيره ، وإن جعلنا القيوم اسماً يدل على كونه يتناول المتقوم بذاته والمقوم لغيره كان لفظ القيوم مفيداً فائدة لفظ الحي مع زيادة ، فهذا ما عندي في هذا الباب والله أعلم. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 7 صـ 7}\rوقد تعقب الآلوسى الإمام الفخر فى هذا الجواب فقال ما نصه : \rولا يخفى أنه صرح ممرد من قوارير.\r","part":8,"page":187},{"id":3227,"text":"أما أولاً : فلأن قوله : إن الحي بمعنى الذي يصح أن يعلم ويقدر مما يشترك به سائر الحيوانات فلا يحسن أن يمدح الله تعالى به نفسه في غاية السقوط لأنه إن أراد الاشتراك في إطلاق اللفظ فليس الحي وحده كذلك بل السميع والبصير أيضاً مثله في الإطلاق على أخس الحيوانات ، وقد مدح الله تعالى بهما نفسه ولم يستشكل ذلك أهل السنة ، وإن أراد الاشتراك في الحقيقة فمعاذ الله تعالى من ذلك إذ الاشتراك فيها مستحيل بين التراب ورب الأرباب ، وبين الأزلي والزائل ، ومتى قلت إن الاشتراك في إطلاق اللفظ يوجب ذلك الاشتراك حقيقة ، ولا مناص عنه إلا بالحمل على المجاز لزمك مثل ذلك في سائر الصفات ولا قائل به من أهل السنة ، وأما ثانياً : فلأن كون الحياة في اللغة بمعنى الكمال مما لم يثبت في شيء من كتب اللغة أصلاً وإنما الثابت فيها غير ذلك ووصف الجمادات بها إنما هو على سبيل المجاز دون الحقيقة كما وهم فإن قال : إنها مجاز في الله تعالى أيضاً بذلك المعنى عاد الإشكال بحصول الاشتراك في الكمال مع الجمادات فضلاً عن الحيوان ، فإن قال : كمال كل شيء بالنسبة إلى ما يليق به قلنا : فحياة كل حي حقيقة بالنسبة إلى ما يليق به ، وليس كمثل الله تعالى شيء ، وكأني بك تفهم من كلامي الميل إلى مذهب السلف في مثل هذه المواطن فليكن ذلك فهم القوم كل القوم.\rويا حبذا هند وأرض بها هند... والزمخشري فسر الحي بالباقي الذي لا سبيل عليه للموت والفناء وجعلوا ذلك منه تفسيراً بما هو المتعارف من كلام العرب وأرى أن في القلب منه شيء ، ولعلي من وراء المنع لذلك ، نعم روي عن قتادة أنه الذي لا يموت وهو ليس بنص في المدعي. (1) أ هـ {روح المعانى حـ 3 صـ 7}\r_________________\r(1) نسبة صفات الخلق لصفات الخالق ـ جل جلاله ـ كنسبة العدم إلى الوجود {ليس كمثله شىء وهو السميع البصير}. والله أعلم.","part":8,"page":188},{"id":3228,"text":"كلام نفيس لصاحب الميزان فى معنى الحياة\rقال رحمه الله : \rوأما اسم الحي فمعناه ذو الحياة الثابتة على وزن سائر الصفات المشبهة في دلالتها على الدوام والثبات.\rوالناس في بادئ مطالعتهم لحال الموجودات وجدوها على قسمين : قسم منها لا يختلف حاله عند الحس ما دام وجوده ثابتا كالأحجار وسائر الجمادات ، وقسم منها ربما تغيرت حاله وتعطلت قواه وأفعاله مع بقاء وجودها على ما كان عليه عند الحس ، وذلك كالإنسان وسائر أقسام الحيوان والنبات فإنا ربما نجدها تعطلت قواها ومشاعرها وأفعالها ثم يطرأ عليها الفساد تدريجا ، وبذلك أذعن الإنسان بأن هناك وراء الحواس أمرا آخر هو المبدأ للإحساسات والإدراكات العلمية والأفعال المبتنية على العلم والإرادة وهو المسمى بالحياة ويسمى بطلانه بالموت ، فالحياة نحو وجود يترشح عنه العلم والقدرة.\rوقد ذكر الله سبحانه هذه الحياة في كلامه ذكر تقرير لها ، قال تعالى : \" اعلموا أن الله يحيى الأرض بعد موتها \" الحديد - 17 ، وقال تعالى : \" أنك ترى الأرض خاسعة فإذا أنزلنا عليها الماء اهتزت وربت إن الذي أحياها لمحي الموتى \" فصلت - 39 ، وقال تعالى : \" وما يستوي الأحياء ولا الأموات \" فاطر - 22 ، وقال تعالى : \" وجعلنا من الماء كل شئ حي \" الأنبياء - 30 ، فهذه تشمل حياة أقسام الحي من الإنسان والحيوان والنبات.\rوكذلك القول في أقسام الحياة ، قال تعالى : \" ورضوا بالحياة الدنيا واطمأنوا بها \" يونس - 7 ، وقال تعالى : \" ربنا أمتنا اثنتين وأحييتنا اثنتين \" المؤمن - 11 ، والإحيائان المذكوران يشتملان على حياتين : \rإحداهما : الحياة البرزخية ، والثانية : الحياة الآخرة ، فللحياة أقسام كما للحي أقسام.","part":8,"page":189},{"id":3229,"text":"والله سبحانه مع ما يقرر هذه الحياة الدنيا يعدها في مواضع كثيرة من كلامه شيئا رديا هينا لا يعبأ بشأنه كقوله تعالى : \" وما الحياة الدنيا في الآخرة إلا متاع \" الرعد - 26 ، وقوله تعالى : \" تبتغون عرض الحياة الدنيا \" النساء - 94 ، وقوله تعالى : \" تريد زينة الحياة الدنيا \" الكهف - 28 ، وقوله تعالى : \" وما الحياة الدنيا إلا لعب ولهو \" الأنعام - 32 ، وقوله تعالى : \" وما الحياة الدنيا إلامتاع الغرور \" الحديد - 20 ، فوصف الحياة الدنيا بهذه الأوصاف فعدها متاعا والمتاع ما يقصد لغيره ، وعدها عرضا والعرض ما يعترض ثم يزول ، وعدها زينة والزينة هو الجمال الذي يضم على الشئ ليقصد الشئ لأجله فيقع غير ما قصد ويقصد غير ما وقع ، وعدها لهوا واللهو ما يلهيك ويشغلك بنفسه عما يهمك ، وعدها لعبا واللعب هو الفعل الذي يصدر لغاية خيالية لا حقيقية ، وعدها متاع الغرور وهو ما يغر به الإنسان.\rويفسر جميع هذه الآيات ويوضحها قوله تعالى : \" وما الحياة الدنيا إلا لهو ولعب وإن الدار الآخرة لهي الحيوان لو كانوا يعلمون \" العنكبوت - 64 ، يبين أن الحياة الدنيا إنما تسلب عنها حقيقة الحياة أي كمالها في مقابل ما تثبت للحياة الآخرة حقيقة الحياة وكمالها ، وهي الحياة التي لا موت بعدها ، قال تعالى : \" آمنين لا يذوقون فيها الموت إلا الموتة الأولى \" الدخان - 56 ، وقال تعالى : لهم ما يشاؤون فيها ولدينا مزيد \" ق - 35 ، فلهم في حياتهم الآخرة أن لا يعتريهم الموت ، ولا يعترضهم نقص في العيش وتنغص ، لكن الأول من الوصفين أعني الأمن هو الخاصة الحقيقة للحياة الضرورية له.\r","part":8,"page":190},{"id":3230,"text":"فالحياة الأخروية هي الحياة بحسب الحقيقة لعدم إمكان طرو الموت عليها بخلاف الحياة الدنيا ، لكن الله سبحانه مع ذلك أفاد في آيات أخر كثيرة أنه تعالى هو المفيض للحياة الحقيقية الأخروية والمحيي للإنسان في الآخرة ، وبيده تعالى أزمة الأمور ، فأفاد ذلك أن الحياة الأخروية أيضا مملوكة لا مالكة ومسخرة لا مطلقة أعني أنها إنما ملكت خاصتها المذكورة بالله لا بنفسها.\rومن هنا يظهر أن الحياة الحقيقية يجب أن تكون بحيث يستحيل طرو الموت عليها لذاتها ولا يتصور ذلك إلا بكون الحياة عين ذات الحي غير عارضة لها ولاطارئة عليها بتمليك الغير وإفاضته ، قال تعالى : \" وتوكل على الحي الذي لا يموت \" الفرقان - 58 ، وعلى هذا فالحياة الحقيقية هي الحياة الواجبة ، وهي كون وجوده بحيث يعلم ويقدر بالذات.\rومن هنا يعلم : أن القصر في قوله تعالى : \" هو الحي لا إله إلا هو \" قصر حقيقي غير إضافي ، وأن حقيقة الحياة التي لا يشوبها موت ولا يعتريها فناء وزوال هي حياته تعالى.\rفالأوفق فيما نحن فيه من قوله تعالى : الله لا إله إلا هو الحي القيوم الآية ، وكذا في قوله تعالى : \" الم الله لا إله إلا هو الحي القيوم \" آل عمران - 1 ، أن يكون لفظ الحي خبرا بعد خبر فيفيد الحصر لأن التقدير ، الله الحي فالآية تفيد أن الحياة لله محضا إلا ما أفاضه لغيره. أ هـ {الميزان حـ 2 صـ 329 ـ 330}","part":8,"page":191},{"id":3231,"text":"قوله تعالى : {القيوم}\rقال القرطبى : \r{ القيوم } مِن قام ؛ أي القائم بتدبير ما خلق ؛ عن قتادة.\rوقال الحسن : معناه القائم على كل نفس بما كسبت حتى يجازيها بعملها ، من حيث هو عالم بها لا يخفى عليه شيء منها.\rوقال ابن عباس : معناه الذي لا يحول ولا يزول ؛ قال أُمَيَّة بن أبي الصَّلْت : \rلم تُخلَقِ السماءُ والنجومُ . . .\rوالشمس مَعْها قَمرٌ يقومُ\rقدّره مُهَيْمِن قَيّومُ . . .\rوالحشْرُ والجنَّة والنّعيمُ\rإلاّ لأمْرٍ شأنُه عظيمُ . . .\rقال البيهقي : ورأيت في \"عيون التفسير\" لإسماعيل الضرير في تفسير القَيُّوم قال : ويقال هو الذي لا ينام ؛ وكأنه أخذه من قوله عز وجل عقيبه في آية الكرسي : { لاَ تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلاَ نَوْمٌ }.\rوقال الكلبيّ : القيوم الذي لا بدىء له ؛ ذكره أبو بكر الأنباريّ. أ هـ {تفسير القرطبى حـ 3 صـ 271 ـ 272}\rفصل\rقال الفخر : \rاختلفت عبارات المفسرين في هذا الباب ، فقال مجاهد : القيوم القائم على كل شيء ، وتأويله أنه قائم بتدبير أمر الخلق في إيجادهم ، وفي أرزاقهم ، ونظيره من الآيات قوله تعالى : {أَفَمَنْ هُوَ قَائِمٌ على كُلّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ} [ الرعد : 33 ] وقال : {شَهِدَ الله أَنَّهُ لا إله إِلاَّ هُوَ} [ آل عمران : 18 ] إلى قوله {قَائِمَاً بالقسط} وقال : {إِنَّ الله يُمْسِكُ السموات والأرض أَن تَزُولاَ وَلَئِن زَالَتَا إِنْ أَمْسَكَهُمَا مِنْ أَحَدٍ مّن بَعْدِهِ} [ فاطر : 41 ] وهذا القول يرجع حاصله إلى كونه مقوماً لغيره ، وقال الضحاك : القيوم الدائم الوجود الذي يمتنع عليه التغير ، وأقول : هذا القول يرجع معناه إلى كونه قائماً بنفسه في ذاته وفي وجوده ، وقال بعضهم : القيوم الذي لا ينام بالسريانية ، وهذا القول بعيد حينئذ في قوله تعالى : { لاَ تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلاَ نَوْمٌ }. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 7 صـ 8}\rقوله تعالى : {لاَ تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلاَ نَوْمٌ}\rقال أبو حيان : ","part":8,"page":192},{"id":3232,"text":"{ لا تأخذه سنة ولا نوم } يقال : وسن سنة ووسناً ، والمعنى : أنه تعالى لا يغفل عن دقيق ولا جليل ، عبر بذلك عن الغفلة لأنه سببها ، فأطلق اسم السبب على المسبب قال ابن جرير : معناه لا تحله الآفات والعاهات المذهلة عن حفظ المخلوقات ، وأقيم هذا المذكور من الآفات مقام الجميع ، وهذا هو مفهوم الخطاب ، كما قال تعالى : { ولا تقبل لهما أف } وقيل : نزه نفسه عن السنة والنوم لما فيها من الراحة ، وهو تعالى لا يجوز عليه التعب والاستراحة.\rوقيل : المعنى لا يقهره شيء ولا يغلبه ، وفي المثل : النوم سلطان قال الزمخشري : وهو تأكيد للقيوم ، لأن من جاز عليه ذلك استحال أن يكون قيوماً. أ هـ {البحر المحيط حـ 2 صـ 287 ـ 288}\rسؤال : فإن قيل : إذ كانت السنة عبارة عن مقدمة النوم ، فإذا قال : {لاَ تَأْخُذُهُ سِنَةٌ} فقد دل ذلك على أنه لا يأخذه نوم بطريق الأولى ، وكان ذكر النوم تكريراً.\rقلنا : تقدير الآية : لا تأخذه سنة فضلاً عن أن يأخذه النوم. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 7 صـ 8}\rقال ابن عاشور : \rونفي استيلاء السنة والنوم على الله تعالى تحقيق لكمال الحياة ودوام التدبير ، وإثبات لكمال العلم ؛ فإنّ السنة والنوم يشبهان الموت ، فحياة النائم في حالهما حياة ضعيفة ، وهما يعوقان عن التدبير وعن العلم بما يحصل في وقت استيلائهما على الإحساس.\rونفي السنة عن الله تعالى لا يغني عن نفي النوم عنه لأنّ من الأحياء من لا تعتريه السنة فإذا نام نام عميقاً ، ومن الناس من تأخذه السنة في غير وقت النوم غلبة ، وقد تمادحت العرب بالقدرة على السهر ، قال أبو كبير : \rفأتَتْ به حُوشَ الفُؤادِ مُبَطَّناً\rسُهُداً إذَا ما نَام ليلُ الهَوْجَلِ...\rوالمقصود أنّ الله لا يحجب علمه شيء حجباً ضعيفاً ولا طويلاً ولا غلبة ولا اكتساباً ، فلا حاجة إلى ما تطلّبه الفخر والبيضاوي من أن تقديم السنة على النوم مراعى فيه ترتيب الوجود ، وأنّ ذكر النوم من قبيل الاحتراس.\r","part":8,"page":193},{"id":3233,"text":"وقد أخذ هذا المعنى بشّار وصاغه بما يناسب صناعة الشعر فقال :\rوليلٍ دَجُوجِي تَنَامُ بناتُه\rوأبناؤه من طُوله ورَبَائِبه...\rفإنّه أراد من بنات الليل وأبنائه الساهرات والساهرين بمواظبة ، وأراد بربائب الليل من هم أضعف منهم سهراً لليلِ لأنّ الربيب أضعف نسبة من الولد والبنت. أ هـ {التحرير والتنوير حـ 3 صـ 19 ـ 20}\rسؤال : ما فائدة تكرار : لا ، في قوله : ولا نوم ؟\rالجواب : فائدة تكرار : لا ، في قوله : ولا نوم ، انتفاؤهما على كل حال ، إذ لو أسقطت ، لا : لا ، احتمل انتفاؤهما بقيد الاجتماع ، تقول : ما قام زيد وعمرو ، بل أحدهما ، ولا يقال : ما قام زيد ولا عمرو ، بل أحدهما. أ هـ {البحر المحيط حـ 2 صـ 288}\rفصل\rقال الفخر :\rالدليل العقلي دل على أن النوم والسهو والغفلة محالات على الله تعالى ، لأن هذه الأشياء ، إما أن تكون عبارات عن عدم العلم ، أو عن أضداد العلم ، وعلى التقديرين فجواز طريانها يقتضي جواز زوال علم الله تعالى ، فلو كان كذلك لكانت ذاته تعالى بحيث يصح أن يكون عالماً ، ويصح أن لا يكون عالماً ، فحينئذ يفتقر حصول صفة العلم له إلى الفاعل ، والكلام فيه كما في الأول والتسلسل محال فلا بد وأن ينتهي إلى من يكون علمه صفة واجبة الثبوت ممتنعة الزوال ، وإذا كان كذلك كان النوم والغفلة والسهو عليه محالا. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 7 صـ 8}\rلطيفة\rقال الفخر :\rيروى عن الرسول صلى الله عليه وسلم أنه حكي عن موسى عليه السلام أنه وقع في نفسه : هل ينام الله تعالى أم لا ، فأرسل الله إليه ملكاً فأرقه ثلاثا ، ثم أعطاه قارورتين في كل يد واحدة ، وأمره بالاحتفاظ بهما ، وكان يتحرز بجهده إلى أن نام في آخر الأمر فاصطفقت يداه فانكسرت القارورتان ، فضرب الله تعالى ذلك مثلاً له في بيان أنه لو كان ينام لم يقدر على حفظ السموات والأرض. (1)\r________________\r(1) قال القرطبى : ولا يصح هذا الحديث ، ضعّفه غير واحد منهم البيهقي. أ هـ {تفسير القرطبى حـ 3 صـ 273}","part":8,"page":194},{"id":3234,"text":"واعلم أن مثل هذا لا يمكن نسبته إلى موسى عليه السلام ، فإن من جوز النوم على الله أو كان شاكاً في جوازه كان كافراً ، فكيف يجوز نسبة هذا إلى موسى ، بل إن صحت الرواية ، .\rفالواجب نسبة هذا السؤال إلى جهال قومه. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 7 صـ 8 ـ 9}\rقوله تعالى : {لَّهُ مَا فِي السموات وَمَا فِي الأرض}\rقال أبو حيان : \r{ له ما في السموات وما في الأرض } يصح أن يكون خبراً بعد خبر ، ويصح أن يكون استئناف خبر ، كما يصح ذلك في الجملة التي قبلها.\rو : ما ، للعموم تشمل كل موجود ، و: اللام ، للملك أخبر تعالى أن مظروف السموات والأرض ملك له تعالى ، وكرر : ما ، للتوكيد.\rوكان ذكر المظروف هنا دون ذكر الظرف ، لأن المقصود نفي الإلهية عن غير الله تعالى ، وأنه لا ينبغي أن يعبد غيره ، لأن ما عبد من دون الله من الأجرام النيرة التي في السموات : كالشمس ، والقمر ، والشعرى ؛ والأشخاص الأرضية : كالأصنام ، وبعض بني آدم ، كل منهم ملك لله تعالى ، مربوب مخلوق.\rوتقدّم أنه تعالى خالق السموات والأرض ، فلم يذكرهما كونه مالكاً لهما استغناء بما تقدّم. أ هـ {البحر المحيط حـ 2 صـ 288}\rقال الفخر : \rأما قوله تعالى : {لَّهُ مَا فِي السموات وَمَا فِي الأرض} فالمراد من هذه الإضافة إضافة الخلق والملك ، وتقديره ما ذكرنا من أنه لما كان واجب الوجود واحداً كان ما عداه ممكن الوجود لذاته وكل ممكن فله مؤثر ، وكل ما له مؤثر فهو محدث فإذن كل ما سواه فهو محدث بإحداثه مبدع بإبداعه فكانت هذه الإضافة إضافة الملك والإيجاد. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 7 صـ 9}\rوقال ابن عاشور : ","part":8,"page":195},{"id":3235,"text":"وجملة { له ما في السماوات وما في الأرض } تقرير لانفراده بالإلهية إذ جميع الموجودات مخلوقاته ، وتعليل لاتّصافه بالقيّوميّة لأنّ من كانت جميع الموجودات مِلكاً له فهو حقيق بأن يكون قيّومها وألاّ يهملها ولذلك فُصلت الجملة عن التي قبلها.\rواللامُ للمِلك.\rوالمراد بالسماوات والأرض استغراق أمكنة الموجودات ، فقد دلت الجملة على عموم الموجودات بالموصول وصلته ، وإذا ثبت ملكه للعموم ثبت أنّه لا يشذّ عن مِلكه موجود فحصل معنى الحصر ، ولكنّه زاده تأكيداً بتقديم المسند أي لا لِغيره لإفادة الردّ على أصناف المشركين ، من الصابئة عبدة الكواكب كالسريان واليونان ومن مشركي العرب لأن مجرّد حصول معنى الحصر بالعموم لا يكفي في الدلالة على إبطال العقائد الضّالة.\rفهذه الجملة أفادت تعليم التوحيد بعمومها ، وأفادت إبطال عقائد أهل الشرك بخصوصية القصر ، وهذا بلاغة معجِزة. أ هـ {التحرير والتنوير حـ 3 صـ 20}\rسؤال : فإن قيل : لم قال : {لَّهُ مَا فِي السموات} ولم يقل : له من في السموات ؟ .\rقلنا : لما كان المراد إضافة ما سواه إليه بالمخلوقية ، وكان الغالب عليه ما لا يعقل أجرى الغالب مجرى الكل فعبر عنه بلفظ {مَا} وأيضاً فهذه الأشياء إنما أسندت إليه من حيث إنها مخلوقة ، وهي من حيث إنها مخلوقة غير عاقلة ، فعبّر عنها بلفظ {مَا} للتنبيه على أن المراد من هذه الإضافة إليه الإضافة من هذه الجهة. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 7 صـ 9}\rفائدة\rقال الفخر : \r","part":8,"page":196},{"id":3236,"text":"اعلم أن الأصحاب قد احتجوا بهذه الآية على أن أفعال العباد مخلوقة لله تعالى ، قالوا : لأن قوله {لَّهُ مَا فِي السموات وَمَا فِي الأرض} يتناول كل ما في السموات والأرض ، وأفعال العباد من جملة ما في السموات والأرض ، فوجب أن تكون منتسبة إلى الله تعالى انتساب الملك والخلق ، وكما أن اللفظ يدل على هذا المعنى فالعقل يؤكده ، وذلك لأن كل ما سواه فهو ممكن لذاته ، والممكن لذاته لا يترجح إلا بتأثير واجب الوجود لذاته ، وإلا لزم ترجح الممكن من غير مرجح وهو محال. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 7 صـ 9}\rقوله تعالى : {مَن ذَا الذى يَشْفَعُ عِندَهُ إِلاَّ بِإِذْنِهِ}\rقال الفخر : \rقوله {مَن ذَا الذى} استفهام معناه الإنكار والنفي ، أي لا يشفع عنده أحد إلا بأمره وذلك أن المشركين كانوا يزعمون أن الأصنام تشفع لهم وقد أخبر الله تعالى عنهم بأنهم يقولون {مَا نَعْبُدُهُمْ إِلاَّ لِيُقَرّبُونَا إِلَى الله زُلْفَى} [ الزمر : 3 ] وقولهم {هَؤُلاء شفعاؤنا عِندَ الله} [ يونس : 18 ] ثم بيّن تعالى أنهم لا يجدون هذا المطلوب.\rفقال : {وَيَعْبُدُونَ مِن دُونِ الله مَا لاَ يَضُرُّهُمْ وَلاَ يَنفَعُهُمْ} [ يونس : 18 ] فأخبر الله تعالى أنه لا شفاعة عنده لأحد إلا من استثناه الله تعالى بقوله {إِلاَّ بِإِذْنِهِ} ونظيره قوله تعالى : {يَوْمَ يَقُومُ الروح والملائكة صَفّاً لاَّ يَتَكَلَّمُونَ إِلاَّ مَنْ أَذِنَ لَهُ الرحمن وَقَالَ صَوَاباً} [ النبأ : 38 ]. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 7 صـ 9}\rوقال ابن عاشور : \rوجملة { من ذا الذي يشفع عنده ألا بإذنه } مقرّرة لمضمون جملة { له ما في السموات وما في الأرض } لما أفادُه لام الملك من شمول ملكه تعالى لِجميع ما في السماوات وما في الأرض ، وما تضمنّه تقديم المجرور من قَصْر ذلك الملك عليه تعالى قصرَ قلب ، فبطل وصف الإلهية عن غيره تعالى ، بالمطابقة.\r","part":8,"page":197},{"id":3237,"text":"وبطل حق الإدلال عليه والشفاعة عنده التي لا تردّ بالالتزام ، لأنّ الإدلال من شأن المساوي والمقارب ، والشفاعة إدلال.\rوهذا إبطال لمعتقد معظم مشركي العرب لأنّهم لم يثبتوا لإلهتهم وطواغيتهم ألوهية تامة ، بل قالوا : { هؤلاء شفعاؤنا عند الله } [ يونس : 18 ] وقالوا : { ما نعبدهم إلاَّ ليقرّبونا إلى الله زُلْفى } [ الزمر : 3 ] ، فأكّد هذا المدلول بالصريح ، ولذلك فصلت هذه الجملة عمّا قبلها.\rوَ { ذا } مزيدة للتأكيد إذ ليس ثمّ مشار إليه معيَّن ، والعرب تزيد ( ذا ) لما تدل عليه الإشارة من وجود شخص معيّن يتعلق به حكم الاستفهام ، حتى إذا أظهر عدم وجوده كان ذلك أدلّ على أن ليس ثمّةَ متطلع ينصب نفسه لادّعاء هذا الحكم ، وتقدم القول في ( من ذا ) عند قوله تعالى : { مَن ذا الذي يقرض الله قرضاً حسناً } [ البقرة : 245 ].\rوالاستفهام في قوله : \r{ من ذا الذي يشفع عنده } مستعمل في الإنكار والنفي بقرينة الاستثناء مِنه بقوله { إلا بإذنه }. أ هـ {التحرير والتنوير حـ 3 صـ 20 ـ 21}\rفصل\rقال القرطبى : \rوتقرر في هذه الآية أن الله يأذن لمن يشاء في الشفاعة ، وهم الأنبياء والعلماء والمجاهدون والملائكة وغيرهم ممن أكرمهم وشرفهم الله ، ثم لا يشفعون إلا لمن ارتضى ؛ كما قال : { وَلاَ يَشْفَعُونَ إِلاَّ لِمَنِ ارتضى } [ الأنبياء : 28 ] قال ابن عطية : والذي يظهر أن العلماء والصالحين يشفعون فيمن لم يصل إلى النار وهو بين المنزلتين ، أو وصل ولكن له أعمال صالحة.\rوفي البخاريّ في \"بابٌ بقيّةٌ من أبواب الرؤية\" : إن المؤمنين يقولون : ربنا إن إخواننا كانوا يُصلّون معنا ويصومون معنا.\rوهذه شفاعة فيمن يقرب أمره ، وكما يشفع الطفل المُحْبَنْطِىء على باب الجنة.\rوهذا إنما هو في قراباتهم ومعارفهم.\r","part":8,"page":198},{"id":3238,"text":"وإن الأنبياء يشفعون فيمن حصل في النار من عصاة أُممهم بذنوبٍ دون قُربى ولا معرفة إلا بنفس الإيمان ، ثم تبقى شفاعة أرحم الراحمين في المستغرقين في الخطايا والذنوب الذين لم تعمل فيهم شفاعة الأنبياء.\rوأما شفاعة محمد صلى الله عليه وسلم في تعجيل الحساب فخاصّة له.\rقلت : قد بيّن مسلم في صحيحه كيفية الشفاعة بياناً شافياً ، وكأنه رحمه الله لم يقرأه وأن الشافعين يدخلون النار ويُخرجون منها أناساً استوجبوا العذاب ؛ فعلى هذا لا يبعد أن يكون للمؤمنين شفاعتان : شفاعة فيمن لم يصل إلى النار ، وشفاعة فيمن وصل إليها ودخلها ؛ أجارنا الله منها.\r","part":8,"page":199},{"id":3239,"text":"فذكر من \" حديث أبي سعيد الخدريّ : \"ثم يُضرب الجسرُ على جهنم وتحِلّ الشفاعة ويقولون اللهم سلِّم سلِّم قيل : يا رسول الله وما الجسر ؟ قال : دَحْضٌ مَزِلّةٌ فيها خَطاطيف وكلاليب وحَسَكَةٌ تكون بنَجْد فيها شُوَيْكة يقال لها السّعْدان فيمرّ المؤمنون كطرف العين وكالبرق وكالريح وكالطير وكأجاويد الخيل والرِّكاب فَنَاجٍ مُسَلَّمٌ ومَخْدُوشٌ مُرْسَل ومَكْدُوس في نار جهنم حتى إذا خلص المؤمنون من النار فوالذي نفسي بيده ما من أحد منكم بأشدّ مناشدة لله في استيفاء الحق من المؤمنين لله يوم القيامة لإخوانهم الذين في النار ، يقولون ربنا كانوا يصومون معنا ويصلون ويُحجّون ، فيقال لهم أخرجوا من عرفتم ، فتُحرَّم صورُهم على النار فيُخرجون خلقاً كثيراً قد أخذتِ النار إلى نصف ساقيْه وإلى ركبتيْه ثم يقولون ربنا ما بقى فيها أحد ممن أمرتنا به ، فيقول عز وجل ارجعوا فمن وجدتم في قلبه مِثقال دينار من خير فأخرجوه ، فيُخرجون خلقاً كثيراً ، ثم يقولون ربنا لم نذر فيها أحداً ممن أمر تنابه ، ثم يقول ارجعوا فمن وجدتم في قلبه مِثقال نصفِ دينار من خير فأخرجوه ، فيخرجون خلقاً كثيراً ثم يقولون ربنا لم نذر فيها أحداً ممن أمرتنا به ، ثم يقول ارجعوا فمن وجدتم في قلبه مثقال ذرة من خير فأخرجوه ، فيُخرجون خلقاً كثيراً ثم يقولون ربنا لم نذر فيها خيراً\" \"\rوكان أبو سعيد يقول : إن لم تصدقوني بهذا الحديث فاقرءوا إن شئتم { إِنَّ الله لاَ يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِن تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا وَيُؤْتِ مِن لَّدُنْهُ أَجْراً عَظِيماً } [ النساء : 40 ] \" فيقول الله تعالى : شفعت الملائكة وشفع النبيون وشفع المؤمنون ولم يبق إلا أرحم الراحمين فيقبض قبضة من النار فيُخرج منها قوماً لم يعملوا خيراً قَطّ قد عادوا حُمما \" وذكر الحديث.\r","part":8,"page":200},{"id":3240,"text":"وذكر من \" حديث أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم : \"فأقول يا رب ائذن لي فيمن قال : لا إله إلا الله قال ليس ذلك لك أو قال ليس ذلك إليك وعِزتي وكبريائي وعظمتي ( وكبريائي ) لأخرجنّ من قال لا إله إلا الله\" \" وذكر من حديث أبي هريرة عنه عليه الصلاة والسلام : \" حتى إذا فرغ الله من القضاء بين العباد وأراد أن يخرج برحمته من أراد من أهل النار أمر الملائكة أن يخرجوا من النار من كان لا يشرك بالله شيئاً ممن أراد الله تعالى أن يرحمه ممن يقول لا إله إلا الله فيعرفونهم في النار يعرفونهم بأثر السجود تأكل النار ابن آدم إلا أثر السجود حرّم الله على النار أن تأكل أثر السجود \" الحديث بطوله.\rقلت : فدلّت هذه الأحاديث على أن شفاعة المؤمنين وغيرهم إنما هي لمن دخل النار وحصل فيها ، أجارنا الله منها!\rوقول ابن عطية : \"ممن لم يصل أو وصل\" يحتمل أن يكون أخذه من أحاديث أُخَر ، والله أعلم.\rوقد خرّج ابن ماجه في سننه عن أنس بن مالك قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : \" يُصفّ الناسُ يوم القيامة صُفُوفاً وقال ابن نمير أهل الجنة فيمرّ الرجل من أهل النار على الرجل فيقول يا فلان أما تذكر يوم استسقيتَ فسقيتُك شَربة ؟ قال فيشفع له ويمرّ الرجل على الرجل فيقول أما تذكر يوم ناولتك طهوراً ؟ فيشفع له قال ابن نمير ويقول يا فلان أما تذكر يوم بعثتني لحاجة كذا وكذا فذهبت لك ؟ فيشفع له \".\rوأما شفاعات نبيِّنا محمد صلى الله عليه وسلم فاختلف فيها ؛ فقيل ثلاث ، وقيل اثنتان ، وقيل : خمس ، يأتي بيانها في \"سبحان\" إن شاء الله تعالى. أ هـ {تفسير القرطبى حـ 3 صـ 273 ـ 276}\rفصل\rقال الفخر : \rقال القفال : إنه تعالى لا يأذن في الشفاعة لغير المطيعين ، إذ كان لا يجوز في حكمته التسوية بين أهل الطاعة وأهل المعصية ، وطول في تقريره.\r","part":8,"page":201},{"id":3241,"text":"وأقول : إن هذا القفال عظيم الرغبة في الاعتزال حسن الاعتقاد في كلماتهم ، ومع ذلك فقد كان قليل الإحاطة بأصولهم ، وذلك لأن من مذهب البصريين منهم أن العفو عن صاحب الكبيرة حسن في العقول ، إلا أن السمع دل على أن ذلك لا يقع ، وإذا كان كذلك كان الاستدلال العقلي على المنع من الشفاعة في حق العصاة خطأ على قولهم ، بل على مذهب الكعبي أن العفو عن المعاصي قبيح عقلاً ، فإن كان القفال على مذهب الكعبي ، فحينئذ يستقيم هذا الاستدلال ، إلا أن الجواب عنه يرد ذلك من وجوه الأول : أن العقاب حق الله تعالى وللمستحق أن يسقط حق نفسه ، بخلاف الثواب فإنه حق العبد فلا يكون لله تعالى أن يسقطه ، وهذا الفرق ذكره البصريون في الجواب عن شبهة الكعبي والثاني : أن قوله : لا يجوز التسوية بين المطيع والعاصي إن أراد به أنه لا يجوز التسوية بينهما في أمر من الأمور فهو جهل ، لأنه تعالى قد سوى بينهما في الخلق والحياة والرزق وإطعام الطيبات ، والتمكين من المرادات وإن كان المراد أنه لا يجوز التسوية بينهما في كل الأمور فنحن نقول بموجبه ، فكيف لا يقول ذلك والمطيع لا يكون له جزع ، ولا يكون خائفاً من العقاب ، والمذنب يكون في غاية الخوف وربما يدخل النار ويتألم مدة ، ثم يخلصه الله تعالى عن ذلك العذاب بشفاعة الرسول صلى الله عليه وسلم.\rواعلم أن القَفّال رحمه الله كان حسن الكلام في التفسير دقيق النظر في تأويلات الألفاظ إلا أنه كان عظيم المبالغة في تقرير مذهب المعتزلة مع أنه كان قليل الحظ من علم الكلام قليل النصيب من معرفة كلام المعتزلة. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 7 صـ 9 ـ 10}\rقوله تعالى : {يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ}\rقال أبو حيان : \r","part":8,"page":202},{"id":3242,"text":"{ يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم } الضمير يعود على : ما ، وهم الخلق ، وغلب من يعقل ، وقيل : الضميران في : أيديهم وخلفهم ، عائدان على كل من يعقل ممن تضمنه قوله : { له ما في السموات وما في الأرض } قاله ابن عطية. أ هـ {البحر المحيط حـ 2 صـ 289}\rفصل\rقال الفخر : \rفي الآية وجوه\rأحدها : قال مجاهد ، وعطاء ، والسدي {مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ} ما كان قبلهم من أمور الدنيا {وَمَا خَلْفَهُمْ} ما يكون بعدهم من أمر الآخرة\rوالثاني : قال الضحاك والكلبي {يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ} يعني الآخرة لأنهم يقدمون عليها {وَمَا خَلْفَهُمْ} الدنيا لأنهم يخلفونها وراء ظهورهم\rوالثالث : قال عطاء عن ابن عباس {يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ} من السماء إلى الأرض {وَمَا خَلْفَهُمْ} يريد ما في السموات\rالرابع {يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ} بعد انقضاء آجالهم {وَمَا خَلْفَهُمْ} أي ما كان من قبل أن يخلقهم\rوالخامس : ما فعلوا من خير وشر وما يفعلونه بعد ذلك.\rواعلم أن المقصود من هذا الكلام : أنه سبحانه عالم بأحوال الشافع والمشفوع له فيما يتعلق باستحقاق العقاب والثواب ، لأنه عالم بجميع المعلومات لا تخفى عليه خافية ، والشفعاء لا يعلمون من أنفسهم أن لهم من الطاعة ما يستحقون به هذه المنزلة العظيمة عند الله تعالى ، ولا يعلمون أن الله تعالى هل أذن لهم في تلك الشفاعة وأنهم يستحقون المقت والزجر على ذلك ، وهذا يدل على أنه ليس لأحد من الخلائق أن يقدم على الشفاعة إلا بإذن الله تعالى. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 7 صـ 10}\rقال أبو حيان : \r","part":8,"page":203},{"id":3243,"text":"والذي يظهر أن هذا كناية عن إحاطة علمه تعالى بسائر المخلوقات من جميع الجهات وكنى بهاتين الجهتين عن سائر جهات من أحاط علمه به ، كما تقول : ضرب زيد الظهر والبطن ، وأنت تعني بذلك جميع جسده ، واستعيرت الجهات لأحوال المعلومات ، فالمعنى أنه تعالى عالم بسائر أحوال المخلوقات ، لا يعزب عنه شيء ، فلا يراد بما بين الأيدي ولا بما خلفهم شيء معين. أ هـ {البحر المحيط حـ 2 صـ 289}\rقال ابن عاشور : \rوجملة { يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم ولا يحيطون بشيء من علمه } تقرير وتكميل لما تضمنّه مجموع جملتي { الحيّ القيوم لا تأخذه سنة ولا نوم } ولما تضمنّته جملة { من ذا الذي يشفع عنده إلاّ بإذنه } ، فإنّ جملتي { الحيّ القيوم لا تأخذه سنة ولا نوم } دلتا على عموم علمه بما حدث ووُجد من الأكوان ولم تَدُلاّ على علمه بما سيكون فأُكد وكمل بقوله يعلمُ الآية ، وهي أيضاً تعليل لجملة من ذا الذي يشفع عنده إلاّ بإذنه إذ قد يتّجه سؤال لماذا حُرموا الشفاعة إلاّ بعد الإذن فقيل لأنّهم لا يعلمون من يستحقّ الشفاعة وربّما غرّتهم الظواهر ، والله يعمل من يستحقّها فهو يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم ولأجل هذين المعنيين فصلت الجملة عما قبلها.\rوالمراد بما بين أيديهم وما خلفهم ما هو ملاحظ لهم من المعلومات وما خفي عنهم أو ذهلوا عنه منها ، أو ما هو واقع بعدهم وما وقع قبلهم.\rوأما علمه بما في زمانهم فأحرى.\rوقيل المستقبل هو ما بين الأيدي والماضي هوالخَلف ، وقيل عكس ذلك ، وهما استعمالان مبنيان على اختلاف الاعتبار في تمثيل ما بين الأيدي والخلف ، لأنّ ما بين أيدي المرء هو أمامَه ، فهو يستقبله ويشاهده ويسعى للوصول إليه ، وما خلفه هو ما وراء ظهره ، فهو قد تخلّف عنه وانقطع ولا يشاهده ، وقد تجاوزه ولا يتّصل به بعد وقيل أمور الدنيا وأمور الآخرة ، وهو فرع من الماضي والمستقبل ، وقيل المحسوسات والمعقولات.\r","part":8,"page":204},{"id":3244,"text":"وأياماً كان فاللفظ مجاز ، والمقصود عموم العلم بسائرِ الكائنات.\rوضمير { أيديهم } و{ خلفهم } عائد إلى { ما في السماوات وما في الأرض } بِتغليب العقلاء من المخلوقات لأنّ المراد بما بين أيديهم وما خلفهم ما يشمل أحوال غير العقلاء ، أو هو عائد على خصوص العقلاء من عموم ما في السموات وما في الأرض فيكون المراد ما يختصّ بأحوال البشر وهو البعض ، لضمير ولا يحيطون لأنّ العلم من أحوال العقلاء. أ هـ {التحرير والتنوير حـ 3 صـ 21 ـ 22}\rقوله تعالى : { وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَلَا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ}\rالمناسبة\rقال البقاعى : \rولما بين قهره لهم بعلمه بين عجزهم عن كل شيء من علمه إلا ما أفاض عليهم بحلمه فقال : {ولا يحيطون بشيء} أي قليل ولا كثير {من علمه إلا بما شاء} فبان بذلك ما سبقه ، لأن من كان شامل العلم ولا يعلم غيره إلا ما علمه كان كامل القدرة ، فكان كل شيء في قبضته ، فكان منزهاً عن الكفوء متعالياً عن كل عجز وجهل ، فكان بحيث لا يقدر غيره أن ينطق إلاّ بإذنه لأنه يسبب له ما يمنعه مما لا يريده.\rثم بين ما في هذه الجملة من إحاطة علمه وتمام قدرته بقوله مصوراً لعظمته وتمام علمه وكبريائه وقدرته بما اعتاده الناس في ملوكهم : {وسع كرسيه} ومادة كرس تدور على القوة والاجتماع والعظمة والكرس الذي هو البول والبعر الملبد مأخوذ من ذلك.\rوقال الأصفهاني : الكرسي ما يجلس عليه ولا يفضل عن مقعد القاعد.\r","part":8,"page":205},{"id":3245,"text":"وقال الحرالي : معنى الكرس هو الجمع ، فكل ما كان أتم جمعاً فهو أحق بمعناه ، ويقال على المرقى للسرير الذي يسمى العرش الذي يضع الصاعد عليه قدمه إذا صعد وإذا نزل وحين يستوي إن شاء : كرسي ، ثم قال : والكرسي فيه صور الأشياء كلها كما بدت آيته في الأرض التي فيها موجودات الأشياء كلها ، فما في الأرض صورة إلاّ ولها في الكرسي مثل ، فما في العرش إقامته ففي الكرسي أمثلته ، وما في السماوات إقامته ففي الأرض صورته ، فكان الوجود مثنياً كما كان القرآن مثاني إجمالاً وتفصيلاً في القرآن ومداداً وصوراً في الكون ، فجمعت هذه الآية العلية تفصيل المفصلات وانبهام صورة المداديات بنسبة ما بين السماء وما منه ، وجعل وسع الكرسي وسعاً واحداً حيث قال : {السماوات والأرض} ولم يكن وسعان لأن الأرض في السماوات والسماوات في الكرسي والكرسي في العرش والعرش في الهواء - انتهى.\rفبان بذلك ما قبله لأن من كان بهذه العظمة في هذا التدبير المحكم والصنع المتقن كان بهذا العلم وهذه القدرة التي لا يثقلها شيء ولذا قال : {ولا يؤوده} أي يثقله.\rقال الحرالي : من الأود أي بلوغ المجهود ذوداً ، ويقابله ياء من لفظ لايد أي وهو القوة ، وأصل معناه والله سبحانه وتعالى أعلم أنه لا يعجزه علو أيده ولذلك يفسره اللغويون بلفظة يثقله {حفظهما} في قيوميته كما يثقل غيره أو يعجزه حفظ ما ينشئه بل هو عليه يسير لأنه لو أثقله لاختل أمرهما ولو يسيراً ولقدر غيره ولو يوماً ما على غير ما يريده.\rوالحفظ قال الحرالي : الرعاية لما هو متداع في نفسه فيكون تماسكه بالرعاية له عما يوهنه أو يبطله - انتهى.\r","part":8,"page":206},{"id":3246,"text":"ولما لم يكن علوه وعظمته بالقهر والسلطان والإحاطة بالكمال منحصراً فيما تقدم عطف عليه قوله : {وهو} أي مع ذلك كله المتفرد بأنه {العلي} أي الذي لا رتبة إلا وهي منحطة عن رتبته {العظيم} كما أنبأ عن ذلك افتتاح الآية بالاسم العلم الأعظم الجامع لجميع معاني الأسماء الحسنى علواً وعظمة تتقاصر عنهما الأفهام لما غلب عليها من الأوهام ، ونظم الاسمين هكذا دال على أنه أريد بالعظم علو الرتبة وبعد المنال عن إدراك العقول. أ هـ {نظم الدرر حـ 1 صـ 497 ـ 498}\rقال الفخر : \rأما قوله {وَلاَ يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِّنْ عِلْمِهِ} ففيه مسائل : \rالمسألة الأولى : المراد بالعلم هاهنا كما يقال : اللّهم اغفر لنا علمك فينا ، أي معلومك وإذا ظهرت آية عظيمة ، قيل : هذه قدرة الله ، أي مقدوره والمعنى : أن أحداً لا يحيط بمعلومات الله تعالى.\rالمسألة الثانية : احتج بعض الأصحاب بهذه الآية في إثبات صفة العلم لله تعالى وهو ضعيف لوجوه أحدها : أن كلمة {مِّنْ} للتبعيض ، وهي داخلة هاهنا على العلم.\rفلو كان المراد من العلم نفس الصفة لزم دخول التبعيض في صفة الله تعالى وهو محال والثاني : أن قوله {بِمَا شَاء} لا يأتي في العلم إنما يأتي في المعلوم والثالث : أن الكلام إنما وقع هاهنا في المعلومات ، والمراد أنه تعالى عالم بكل المعلومات ، والخلق لا يعلمون كل المعلومات ، بل لا يعلمون منها إلا القليل. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 7 صـ 10 ـ 11}\rقال ابن عاشور : \rوعطفت جملة { ولا يحيطون بشيء من علمه على جملة يعلم ما بين أيديهم لأنّها تكملة لمعناها كقوله : { والله يعلم وأنتم لا تعلمون } [ البقرة : 216 ].\rومعنى يحيطون يعلمون علماً تاماً ، وهومجاز حقيقته أنّ الإحاطة بالشيء تقتضي الاحتواء على جميع أطرافه بحيث لا يشذّ منه شيء من أوله ولا آخره ، فالمعنى لا يعلمون علم اليقين شيئاً من معلوماته ، وأمَّا ما يدّعونه فهو رجم بالغيب.\r","part":8,"page":207},{"id":3247,"text":"فالعلمُ في قوله : { من علمه } بمعنى المعلوم ، كالخَلْق بمعنى المخلوق ، وإضافته إلى ضمير اسم الجلالة تخصيص له بالعلوم اللدُنية التي استأثر الله بها ولم ينصب الله تعالى عليها دلائل عقلية أو عادية. أ هـ {التحرير والتنوير حـ 3 صـ 22}\rقوله تعالى {إِلاَّ بِمَا شَاء}\rقال الفخر : \rوأما قوله {إِلاَّ بِمَا شَاء} ففيه قولان\rأحدها : أنهم لا يعلمون شيئاً من معلوماته إلا ما شاء هو أن يعلمهم كما حكي عنهم أنهم قالوا {لاَ عِلْمَ لَنَا إِلاَّ مَا عَلَّمْتَنَا}\rوالثاني : أنهم لا يعلمون الغيب إلا عند إطلاع الله بعض أنبيائه على بعض الغيب ، كما قال : {عالم الغيب فَلاَ يُظْهِرُ على غَيْبِهِ أَحَداً إِلاَّ مَنِ ارتضى مِن رَّسُولٍ }. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 7 صـ 11}\rقوله تعالى : {وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السموات والأرض}\rقال ابن عاشور : \rوالكرسي شيء يُجلس عليه مُتركب من أعواد أو غيرها موضوعة كالأعمدة متساوية ، عليها سطح من خشب أو غيره بمقدار ما يسع شخصاً واحداً في جلوسه ، فإن زاد على مجلس واحد وكان مرتفعاً فهو العرش.\rوليس المراد في الآية حقيقة الكرسي إذ لا يليق بالله تعالى لاقتضائه التحيّز ، فتعين أن يكون مراداً به غير حقيقته.\rوالجمهور قالوا : إنّ الكرسي مخلوق عظيم ، ويضاف إلى الله تعالى لعظمته ، فقيل هو العرش ، وهو قول الحسَن.\rوهذا هو الظاهر لأنّ الكرسي لم يذكر في القرآن إلاّ في هذه الآية وتكرّر ذكر العرش ، ولم يَرِد ذكرهما مقترنين ، فلو كان الكرسي غير العرش لذكر معه كما ذُكرت السماوات مع العرش في قوله تعالى : { قل من رب السموات السبع وربُ العرش العظيم } [ المؤمنون : 86 ] ، وقيل الكرسي غير العرش ، فقال ابن زيد هو دون العرش وروى في ذلك عن أبي ذَر أنّ النبي صلى الله عليه وسلم قال : \" ما الكرسيُ في العرش إلاّ كحلقة من حديد ألقيَتْ بين ظهري فلاة من الأرض \" وهو حديث لم يصح.\r","part":8,"page":208},{"id":3248,"text":"وقال أبو موسى الأشعري والسُدى والضحاك : الكرسي موضع القدمين من العرش ، أي لأنّ الجالس على عرش يكون مرتفعاً عن الأرض فيوضع له كرسي لئلا تكون رجلاه في الفضاء إذا لم يتربَّع ، وروي هذا عن ابن عباس.\rوقيل الكرسي مثلَ لعلم الله ، وروي عن ابن عباس لأنّ العالم يجلس على كرسي ليعلّم الناس.\rوقيل مثل لملك الله تعالى كما يقولون فلان صاحب كرسي العراق أي ملك العراق. أ هـ {التحرير والتنوير حـ 3 صـ 23}\rفصل فى المراد من الكرسى\rقال الفخر : \rواختلف المفسرون على أربعة أقوال الأول : أنه جسم عظيم يسع السموات والأرض ، ثم اختلفوا فيه فقال الحسن الكرسي هو نفس العرش ، لأن السرير قد يوصف بأنه عرش ، وبأنه كرسي ، لكون كل واحد منهما بحيث يصح التمكن عليه ، وقال بعضهم : بل الكرسي غير العرش ، ثم اختلفوا فمنهم من قال : إنه دون العرش وفوق السماء السابعة ، وقال آخرون إنه تحت الأرض وهو منقول عن السدي.\rواعلم أن لفظ الكرسي ورد في الآية وجاء في الأخبار الصحيحة أنه جسم عظيم تحت العرش وفوق السماء السابعة ولا امتناع في القول به فوجب القول باتباعه ، وأما ما روي عن سعيد بن جبير عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أنه قال : موضع القدمين ، ومن البعيد أن يقول ابن عباس : هو موضع قدمي الله تعالى وتقدس عن الجوارح والأعضاء ، وقد ذكرنا الدلائل الكثيرة على نفي الجسمية في مواضع كثيرة من هذا الكتاب ، فوجب رد هذه الرواية أو حملها على أن المراد أن الكرسي موضع قدمي الروح الأعظم أو ملك آخر عظيم القدر عند الله تعالى.\rالقول الثاني : أن المراد من الكرسي السلطان والقدرة والملك ، ثم تارة يقال : الإلهية لا تحصل إلا بالقدرة والخلق والإيجاد ، والعرب يسمون أصل كل شيء الكرسي وتارة يسمى الملك بالكرسي ، لأن الملك يجلس على الكرسي ، فيسمى الملك باسم مكان الملك.\r","part":8,"page":209},{"id":3249,"text":"القول الثالث : أن الكرسي هو العلم ، لأن العلم موضع العالم ، وهو الكرسي فسميت صفة الشيء باسم مكان ذلك الشيء على سبيل المجاز لأن العلم هو الأمر المعتمد عليه ، والكرسي هو الشيء الذي يعتمد عليه ، ومنه يقال للعلماء : كراسي ، لأنهم الذين يعتمد عليهم كما يقال لهم : أوتاد الأرض.\rوالقول الرابع : ما اختاره القفال ، وهو أن المقصود من هذا الكلام تصوير عظمة الله وكبريائه ، وتقريره أنه تعالى خاطب الخلق في تعريف ذاته وصفاته بما اعتادوه في ملوكهم وعظمائهم من ذلك أنه جعل الكعبة بيتاً له يطوف الناس به كما يطوفون ببيوت ملوكهم وأمر الناس بزيارته كما يزور الناس بيوت ملوكهم وذكر في الحجر الأسود أنه يمين الله في أرضه ثم جعله موضعاً للتقبيل كما يقبل الناس أيدي ملوكهم ، وكذلك ما ذكر في محاسبة العباد يوم القيامة من حضور الملائكة والنبيّين والشهداء ووضع الموازين ، فعلى هذا القياس أثبت لنفسه عرشاً ، فقال {الرحمن عَلَى العرش استوى} [ طه : 5 ] ثم وصف عرشه فقال {وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الماء} [ هود : 7 ] ثم قال : {وَتَرَى الملائكة حَافّينَ مِنْ حَوْلِ العرش يُسَبّحُونَ بِحَمْدِهِ رَّبِّهِمْ} [ الزمر : 75 ] وقال : {وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثمانية} [ الحاقة : 17 ] وقال : {الذين يَحْمِلُونَ العرش وَمَنْ حَوْلَهُ} [ غافر : 7 ] ثم أثبت لنفسه كرسياً فقال : {وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السموات والأرض }.\rإذا عرفت هذا فنقول : كل ما جاء من الألفاظ الموهمة للتشبيه في العرش والكرسي ، فقد ورد مثلها بل أقوى منها في الكعبة والطواف وتقبيل الحجر ، ولما توافقنا هاهنا على أن المقصود تعريف عظمة الله وكبريائه مع القطع بأنه منزّه عن الكعبة ، فكذا الكلام في العرش والكرسي ، وهذا جواب مبين إلا أن المعتمد هو الأول ، لأن ترك الظاهر بغير دليل لا يجوز ، والله أعلم. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 7 صـ 11 ـ 12}\rوقال القرطبى : \r","part":8,"page":210},{"id":3250,"text":"قوله تعالى : { وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السماوات والأرض } ذكر ابن عساكر في تاريخه عن عليّ رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : \" الكرسي لؤلؤة والقلم لؤلؤة وطول القلم سبعمائة سنة وطول الكرسيّ حيث لا يعلمه إلا الله \" وروى حمّاد بن سلمة عن عاصم بن بَهْدَلَة وهو عاصم بن أبي النجود عن زِرّ بن حُبَيش عن ابن مسعود قال : بين كل سماءين مسيرة خمسمائة عام وبين السماء السابعة وبين الكرسي خمسمائة عام ، وبين الكرسي وبين العرش مسيرة خمسمائة عام ، والعرش فوق الماء والله فوق العرش يعلم ما أنتم فيه وعليه.\rيقال : كُرسيّ وكرسِيّ والجمع الكراسيّ.\rوقال ابن عباس : كرسيه علمه.\rورجحه الطبري ، قال : ومنه الكُرّاسة التي تضم العلم ؛ ومنه قيل للعلماء : الكراسيّ ؛ لأنهم المعتمد عليهم ؛ كما يقال : أَوْتَادُ الأرض.\rقال الشاعر : \rيَحُفّ بهم بِيضُ الوُجوه وعُصْبَةٌ . . .\rكَراسيّ بالأحْداث حين تَنُوبُ\rأي علماء بحوادث الأُمور.\rوقيل : كُرسيّه قدرته التي يمسك بها السموات والأرض ، كما تقول : اجعل لهذا الحائط كرسياً ، أي ما يعمده.\rوهذا قريب من قول ابن عباس في قوله \"وَسِعَ كُرْسِيُّهُ\" قال البيهقيّ : وروينا عن ابن مسعود وسعيد بن جبير عن ابن عباس في قوله \"وسع كرسيه\" قال : علمه.\rوسائر الروايات عن ابن عباس وغيره تدل على أن المراد به الكرسي المشهور مع العرش.\rوروى إسرائيل عن السدي عن أبي مالك في قوله \"وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ\" قال : إن الصّخْرة التي عليها الأرض السابعة ومنتهى الخلق على أرجائها ، عليها أربعة من الملائكة لكل واحد منهم أربعة وجوه : وجه إنسان ووجه أسد ووجه ثور ووجه نسر ؛ فهم قيام عليها قد أحاطوا بالأرضين والسموات ، ورؤوسهم تحت الكرسيّ والكرسيّ تحت العرش والله واضع كرسيه فوق العرش.\rقال البيهقيّ : في هذا إشارة إلى كرسيين : أحدهما تحت العرش ، والآخر موضوع على العرش.\r","part":8,"page":211},{"id":3251,"text":"وفي رواية أسباط عن السديّ عن أبي مالك ، وعن أبي صالح عن ابن عباس ، وعن مرّة الهمدانيّ عن ابن عباس ، وعن مُرّة الهَمَدَانيّ عن ابن مسعود عن ناس من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم في قوله \"وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ\" فإن السَّمَوَاتِ والأَرْضَ في جوف الكرسيّ والكرسيّ بين يدي العرش.\rوأرباب الإلحاد يحملونها على عِظم المُلْك وجلالة السلطان ، وينكرون وجود العرش والكرسيّ وليس بشيء.\rوأهل الحق يجيزونهما ؛ إذ في قدرة الله متّسع فيجب الإيمان بذلك.\rقال أبو موسى الأشعري : الكرسيّ موضع القدمين وله أطِيطٌ كأطِيط الرَّحْل.\rقال البيهقيّ : قد روينا أيضاً في هذا عن ابن عباس وذكرنا أن معناه فيما يُرى أنه موضوع من العرش موضع القدمين من السرير ، وليس فيه إثبات المكان لله تعالى.\rوعن ابن بُريدة عن أبيه قال : \" لما قدم جعفر من الحبشة قال له رسول الله صلى الله عليه وسلم : \"ما أعجب شيء رأيتَه\" ؟ قال : رأيت امرأة على رأسها مِكْتَلُ طعامٍ فمرّ فارس فأذْرَاه فقعدت تجمع طعامها ، ثم التفتت إليه فقالت له : ويل لك يوم يضع الملك كرسيه فيأخذ للمظلوم من الظالم! فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم تصديقاً لقولها : \"لا قُدِّست أُمّةٌ أو كيف تقدس أُمة لا يأخذ ضعيفُها حقَّه من شديدها\" \" قال ابن عطية : في قول أبي موسى \"الكرسي موضع القدمين\" يريد هو من عرش الرحمن كموضع القدمين من أسِرة الملوك ، فهو مخلوق عظيم بين يدي العرش نسبته إليه كنسبة الكرسيّ إلى سرير الملك.\rوقال الحسن ابن أبي الحسن : الكرسيّ هو العرش نفسه ؛ وهذا ليس بمرضيّ ، والذي تقتضيه الأحاديث أن الكرسيّ مخلوق بين يديّ العرش والعرش أعظم منه.\r","part":8,"page":212},{"id":3252,"text":"وروى أبو إدريس الخولانيّ \" عن أبي ذرّ قال : قلت يا رسول الله ، أيّ ما أنزل عليك أعظم ؟ قال : \"آية الكرسيُّ ثم قال يا أبا ذرّ ما السموات السبع مع الكرسيّ إلا كحلقة ملقاة في أرض فلاة وفضل العرش على الكرسيّ كفضل الفلاة على الحلقة\" \" أخرجه الآجُرِّي وأبو حاتم البستيّ في صحيح مسنده والبيهقيّ وذكر أنه صحيح.\rوقال مجاهد : ما السموات والأرض في الكرسيّ إلا بمنزلة حلقة ملقاة في أرض فلاة.\rوهذه الآية منبِئة عن عِظم مخلوقات الله تعالى ، ويستفاد من ذلك عِظم قدرة الله عز وجل إذْ لا يَؤُدُه حفظ هذا الأمر العظيم. أ هـ {تفسير القرطبى حـ 3 صـ 276 ـ 278}\rقال ابن عطية ـ ولله دره ـ : \rوالذي تقتضيه الأحاديث أن الكرسي مخلوق عظيم بين يدي العرش ، والعرش أعظم منه ، وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : \" ما السموات السبع في الكرسي إلاَّ كدراهم سبعة ألقيت في ترس \" وقال أبو ذرّ : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : \" ما الكرسيّ في العرش إلاَّ كحلقة من حديد ألقيت في فلاة من الأرض \" وهذه الآية منبئة عن عظم مخلوقات الله. أ هـ {المحرر الوجيز حـ 1 صـ 342}\rقوله تعالى {وَلَا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ}\rقال أبو حيان : \r{ ولا يؤوده حفظهما } قرأ الجمهور : يؤوده بالهمز ، وقرىء شاذاً بالحذف ، كما حذفت همزة أناس ، وقرىء أيضاً : يووده ، بواو مضمومة على البدل من الهمزة أي : لا يشقه ، ولا يثقل عليه ، قاله ابن عباس ، والحسن ، وقتادة ، وغيرهم.\rوقال ابان بن تغلب : لا يتعاظمه حفظهما ، وقيل : لا يشغله حفظ السموات عن حفظ الأرضين ، ولا حفظ الأرضين عن حفظ السموات.\rوالهاء تعود على الله تعالى ، وقيل : تعود على الكرسي ، والظاهر الأول لتكون الضمائر متناسبة لواحد ولا تختلف ، ولبعد نسبة الحفظ إلى الكرسي. أ هـ {البحر المحيط حـ 2 صـ 290 ـ 291}\rفائدة\rقال الآلوسى : ","part":8,"page":213},{"id":3253,"text":"{ حِفْظُهُمَا } أي السموات والأرض وإنما لم يتعرض لذكر ما فيهما لما أن حفظهما مستتبع لحفظه ، وخصهما بالذكر دون الكرسي لأن حفظهما هو المشاهد المحسوس ، والقول بالاستخدام ليدخل هو والعرش وغيرهما مما لا يعلمه إلا الله تعالى بعيد. أ هـ {روح المعانى حـ 3 صـ 11}\rقال القرطبى : \rو { العلي } يراد به علو القدر والمنزلة لا علو المكان ؛ لأن الله منزَّه عن التحيُّز.\rوحكى الطبريّ عن قوم أنهم قالوا : هو العلِيّ عن خلقه بارتفاع مكانه عن أماكن خلقه.\rقال ابن عطية : وهذا قول جهلةٍ مجسِّمين ، وكان الوجه ألا يُحكى.\rوعن عبد الرحمن بن قُرْط أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة أسرى به سمع تسبيحاً في السموات العلى : سبحانه الله العلِيّ الأعلى سبحانه وتعالى.\rوالعلِي والعالي : القاهر الغالب للأشياء ؛ تقول العرب : علا فلان فلاناً أي غلبه وقهره ؛ قال الشاعر : \rفَلَمّا عَلَوْنا واسْتَوَيْنا عليهم . . .\rتَرَكْنَاهُمُ صَرْعَى لِنَسْرٍ وكاسرٍ\rومنه قوله تعالى : { إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلاَ فِي الأرض } [ القصص : 4 ].\rو { العظيم } صفة بمعنى عظيم القدر والخطر والشّرف ، لا على معنى عِظَم الأجرام.\rوحكى الطبريّ عن قوم أن العظيم معناه المعظَّم ، كما يقال : العتيق بمعنى المعتق ، وأنشد بيت الأعشى : \rفكأنّ الخمرَ العَتِيقَ من الإِس . . .\rفِنِّط مَمْزُوجَةً بماءٍ زُلالِ\rوحكى عن قوم أنهم أنكروا ذلك وقالوا : لو كان بمعنى مُعَظَّم لوجب ألاّ يكون عظيماً قبل أن يخلق الخلق وبعد فَنائهم ؛ إذْ لا معظِّم له حينئذ. أ هـ {تفسير القرطبى حـ 3 صـ 278 ـ 279}\rوقال أبو حيان : \r{ وهو العلي العظيم } عليّ في جلاله ، عظيم في سلطانه.\rوقال ابن عباس : الذي كمل في عظمته ، وقيل : العظيم المعظّم ، كما يقال : العتيق في المعتق ، قال الأعشى : \rوكأنّ الخمر العتيق من الاس . . .\rفنط ممزوجة بماء زلال","part":8,"page":214},{"id":3254,"text":"وأنكر ذلك لانتفاء هذا الوصف قبل الخلق وبعد فنائهم ، إذ لا معظم له حينئذ ، فلا يجوز هذا القول.\rوقيل : والجواب أنها صفة فعل : كالخلق والرزق ، فلا يلزم ما قالوه.\rوقيل : العلي الرفيع فوق خلقه ، المتعالي عن الأشباه والأنداد ، وقيل : العالي من : علا يعلو : ارتفع ، أي : العالي على خلقه بقدرته ، والعظيم ذو العظمة الذي كل شيء دونه ، فلا شيء أعظم منه.\rقال الماوردي : وفي الفرق بين العلي والعالي وجهان : أحدهما : أن العالي هو الموجود في محل العلو ، والعلي هو مستحق للعلو.\rالثاني : أن العالي هو الذي يجوز أن يشارك ، والعلي هو الذي لا يجوز أن يشارك ، فعلى هذا الوجه يجوز أن يوصف الله بالعليّ لا بالعالي ، وعلى الأول يجوز أن يوصف بهما ، وقيل : العلي : القاهر الغالب للأشياء ، تقول العرب : علا فلان فلاناً غلبه وقهره.\rقال الشاعر :\rفلما علونا واستوينا عليهم . . .\rتركناهم صرعى لنسر وكاسر\rومنه { إن فرعون علا في الأرض } وقال الزمخشري : العلي الشأن العظيم الملك والقدرة. انتهى.\rوقال قوم : العلي عن خلقه بارتفاع مكانه عن أماكن خلقه.\rقال ابن عطية : وهذا قول جهلة مجسمين ، وكان الوجه أن لا يحكى.\rوقال أيضاً : العلي يراد به علو القدر والمنزلة ، لا علو المكان ، لأن الله منزه عن التحيز. أ هـ {البحر المحيط حـ 2 صـ 291}\rفائدة جليلة\rقال البقاعى :","part":8,"page":215},{"id":3255,"text":"وقد ختمت الآية بما بدئت به غير أن بدأها بالعظمة كما قال الحرالي كان باسم {الله} إلاحة وختمها كان بذلك إفصاحاً لما ذكر من أن الإبداء من وراء حجاب والإعادة بغير حجاب ، كذلك تنزل القرآن ، مبدأ الخطاب إلاحة وخاتمته إفصاح ليتطابق الوحي والكون تطابق قائم ومقام {ألا له الخلق والأمر} [ الأعراف : 54 ] ولما في العلو من الظهور وفي العظمة من الخفاء لموضع الإحاطة لأن العظيم هو ما يستغرق كما يستغرق الجسم العظيم جميع الأقطار {وله المثل الأعلى} [ الروم : 27 ] وذلك حين كان ظاهر العلو هو كبرياؤه الذي شهد به كبير خلقه ، قال سبحانه وتعالى فيما أنبأ عنه نبيه صلى الله عليه وسلم \" الكبرياء ردائي \" لأن الرداء هو ما على الظاهر \" والعظمة إزاري \" والإزار ما ستر الباطن والأسفل ، فإذا في السماء كبرياؤه وفي الأرض عظمته ، وفي العرش علوه وفي الكرسي عظمته ، فعظمته أخفى ما يكون حيث التفصيل ، وكبرياؤه وعلوه أجلى ما يكون حيث الإبهام والانبهام ، فتبين بهذا المعنى علو رتبة هذه الآية بما علت على الإيمان علو الإيمان على الكفران ، ولما ألاحته للأفهام من قيوميته تعالى وعلوه وعظمته وإبادة ما سواه في أن ينسب إليهم شيء لأنه سبحانه وتعالى إذا بدا باد ما سواه كان في إلاحة هذه الآية العلية العظيمة تقرير دين الإسلام الذي هو دين الإلقاء كما كان فيما تقدم من إيراد السورة تقرير دين القيمة الذي ما أمروا إلا ليعبدوا به مخلصين حنفاء ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة ، ولذلك كان ذكر دين الإسلام في سورة الإفصاح بمعاني هذه السورة آل عمران إثر قوله {شهد الله أنه لا إله إلا هو} [ آل عمران : 18 ] - انتهى.\r","part":8,"page":216},{"id":3256,"text":"وقد علم من هذا التقرير أن كل جملة استؤنفت فهي علة لما قبلها وأن الأخيرة شارحة للازم العلم المحيط وهو القدرة التامة التي أقمت دليل لزومها في طه ، فمن ادعى شركة فليحفظ هذا الكون ولو في عام من الأعوام وليعلم بما هو فاعل في ذلك العام ليصح قوله : وأنى له ذلك وأنى! واتضح بما تقرر له سبحانه وتعالى من العلو والعظمة أن الكافر به هو الظالم ، وأن يوم تجليه للفصل لا تكون فيه شفاعة ولا خلة ، وأما البيع فهم عنه في أشغل الشغل ، وإن كان المراد به الفداء فقد علم أنه لا سبيل إليه ولا تعريج عليه ، وبهذه الأسرار اتضح قول السيد المختار صلى الله عليه وسلم : \" إن هذه الآية سيدة آي القرآن \" وذلك لما اشتملت عليه من أسماء الذات والصفات والأفعال ، ونفي النقص وإثبات الكمال ، ووفت به من أدلة التوحيد على أتم وجه في أحكم نظام وأبدع أسلوب متمحضة لذلك ، فإن فضل الذكر والعلم يتبع المذكور والمعلوم ، وقد احتوت على الصفات السبع : الحياة والعلم والقدرة والإرادة والكلام صريحاً ، فإن الإذن لا يكون إلا بالكلام والإرادة ، وعلى السمع والبصر من لازم {له ما في السماوات وما في الأرض} ومن لازم {الحي} لأن المراد الحياة الكاملة ؛ وكررت فيها الأسماء الشريفة ظاهرة ومضمرة سبع عشرة مرة بل إحدى وعشرين ، ولم يتضمن هذا المجموع آية غيرها في كتاب الله ، وهي خمسون كلمة على عدد الصلوات المأمور بها أولاً في تلك الحضرة السماء حضرة العرش والكرسي فوق سدرة المنتهى ، وبعدد ما استقرت عليه من رتبة الأجر آخراً ، فكأنها مراقي لروح قارئها إلى ذلك المحل الأسمى الذي هو آتيه الذي تعرج الملائكة والروح إليه في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة ، ولعل هذا سر ما ثبت من أنه لا يقرب من يقرؤها عند النوم شيطان ، لأن من كان في حضرة الرحمن عال عن وساوس الشيطان - والله سبحانه وتعالى الموفق. أ هـ {نظم الدرر حـ 1 صـ 498 ـ 500}\rلطيفة\rقال أبو حيان : \r","part":8,"page":217},{"id":3257,"text":"تضمنت هذه الآية الكريمة صفات الذات ، منها : الوحدانية ، بقوله : لا إله إلا هو ، والحياة ، الدالة على البقاء بقوله : الحي ، و: القدرة ، بقوله : القيوم ، واستطرد من القيومية لانتفاء ما يؤول إلى العجز ، وهو ما يعرض للقادر غيره تعالى من الغفلة والآفات ، فينتفي عنه وصفه بالقدرة إذ ذاك ، واستطرد من القيومية الدالة على القدرة إلى ملكه وقهره وغلبته لما في السموات والأرض ، إذ الملك آثار القدرة ، إذ للمالك التصرف في المملوك.\rو : الإرادة ، بقوله : { من ذا الذي يشفع عنده إلا بإذنه } فهذا دال على الاختيار والإرادة ، و: العلم بقوله : { يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم } ثم سلب عنهم العلم ، إلاَّ أن أعلمهم هو تعالى ، فلما تكملت صفات الذات العلا ، واندرج معها شيء من صفات الفعل وانتفى عنه تعالى أن يكون محلاً للحوادث ، ختم ذلك بكونه : العلي القدر العظيم الشأن. أ هـ {البحر المحيط حـ 2 صـ 291}\rمن لطائف الإمام القشيرى فى الآية\rقوله جلّ ذكره : { اللهُ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الحَىُّ القَيُّومُ }.\r\" الله \" اسم تفرّد به الحق - سبحانه فلا سمِيّ له فيه. قال الله تعالى : { هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا } [ مريم : 65 ] أي هل تعرف أحداً غيره تسمَّى \" الله \" ؟ .\rمن اعتبر في هذا الاسم الاشتقاق فهو كالمتعارض ، فهذا اسم يدل على استحقاق صفات الجلال لا على اشتقاق الألفاظ ، فلا يعارض ما لا يعارض فيه من الأقوال.\r","part":8,"page":218},{"id":3258,"text":"قوله : { لا إله إلا هو } : إخبار عن نفي النظير والشبيه ، بما استوجب من التقديس والتنزيه. ومن تحقق بهذه القالة لا يرى ذَرّةً من الإثبات بغيره أو من غيره ؛ فلا يرفع إلى غيره حاجته ، ولا يشهد من غيره ذرة ، فَيَصْدُقُ إليه انقطاعه ، ويديم لوجوده انفرادَه ، فلا يسمع إلا من الله وبالله ، ولا يشهد إلا بالله ، ولا يُقْبِلْ إلا على الله ، ولا يشتغل إلا بالله ، فهو محوٌ عما سِوى الله ، فَمَالَهُ شكوى ولا دعوى ، ولا يتحرك منه لغيره عِرْقٌ ، فإذا استوفى الحق عبداً لم يَبْقَ للحظوظ - ألبتة - مساغ.\rثم إن هذه القالة تقتضي التحقق بها ، والفناء عن الموسومات بجملتها ، والتحقق بأنه لا سبيل لمخلوق إلى وجود الحق - سبحانه ، فلا وصل ولا فصل ولا قُرْبَ ولا بُعدَ ، فإن ذلكَ أجمعَ آفاتٌ لا تليق بالقِدَم.\rوقوله : { الحي القيوم } : المتولي لأمور عباده ، القائم بكل حركة ، و( المحوي ) ، لكل عين وأثر.\r{ لا تأخذه سنة ولا نوم } لأنه أحدي لا ترهقه غفلة ، وصمد لا تمسه علة ، وعزيز لا تقاربه قلة ، وجبار لا تميزه عزلة ، وفَرْدٌ لا تضمه جثة ، ووتر لا تحده جهة ، وقديم لا تلْحَقُه آفة ، وعظيم لا تدركه مسافة.\rتَقَدَّس مِنْ جمالِه جلالُه ، وجلالُه جمالُه ، وسناؤه بهاؤه ، وبهاؤه سناؤه ، وأزله أبده ، وأبده سرمده ، وسرمدهِ قدَمُه ، وقدمه وجوده.\rقوله جلّ ذكره : { لَّهُ مَا فِى السَّمَوَاتِ وَمَا فِى الأرْضِ }\rمِلْكاً وإبداعاً ، وخَلْقاً واختراعاً.\r{ مَنْ ذَا الَّذِى يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلاَّ بِإِذْنِهِ }.\rمن ذا الذي يتنفس بنَفَس (... ) إلا بإجرائه ، أو يتوسل إليه من دون إذنه وإبدائه. ومن ظنَّ أنه يتوسل إليه باستحقاقٍ أو عمل ، أو تذلل أو أمل ، أو قربة أو نسب ، أو علة أو سبب - فالظنُّ وطنه والجهل مألفه والغلظ غايته والبعد قُصاراه.\rقوله جلّ ذكره : { يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ }\r","part":8,"page":219},{"id":3259,"text":"لأنه لا يخرج عن علمه معلوم ، ولا يلتبس عليه موجود ولا معدوم.\r{ وَلاَ يُحِيطُونَ بِشَيءٍ مِّنْ عِلْمِهِ إِلاَّ بِمَا شَاءَ }.\rيعني من معلوماته ، أي تقاصرت العلوم عن الإحاطة بمعلوماته إلا بإذنه.\rفأي طمع لها في الإحاطة بذاته وحقه ؟ وأَنَّى تجوز الإحاطة عليه وهو لا يقطعه في عِزِّه أَمَد ، ولا يدركه حَدٌّ ؟!.\rقوله جلّ ذكره : { وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ }.\rخطاب لهم على قدر فهمهم. وإلا فأي خَطَرٍ للأكوان عند صفاته ؟ \rجلَّ قَدْرُه عن التعزز بعرش أو كرسي ، والتجمل بجنٍ أو إنْسِي.\rقوله جلّ ذكره : { وَلاَ يَؤُدُهُ حِفْظُهُمَا وَهُوَ العَلِىُّ العَظِيمُ }.\rكَيف تُتْعِبُ المخلوقاتُ مَنْ خَلْقُ الذرة والكونِ بجملته - لو سواء ؛ فلا من القليل له تَيَسُّر ، ولا من الكثير عليه تَعَسُّر. أ هـ {لطائف الإشارات حـ 1 صـ 196 ـ 198}\rلطيفة\rقال العلامة أبو السعود : \rانطوت هذه الآيةِ الكريمةِ على أمهات المسائل الإلهية المتعلقةِ بالذات العليةِ والصفاتِ الجلية فإنها ناطقةٌ بأنه تعالى موجودٌ متفردٌ بالإلهية متصفٌ بالحياة واجبُ الوجود لذاته موجدٌ لغيره لما أن القيومَ هو القائمُ بذاته المقيمُ لغيره منزَّهٌ عن التحيز والحلول مبرأٌ عن التغير والفتور ، لا مناسبةَ بينه وبين الأشباح ولا يعتريه ما يعتري النفوسَ والأرواحَ مالكُ المُلك والملكوتِ ومُبدعُ الأصولِ والفروع ، ذو البطش الشديد لا يشفَع عنده إلا من أذِن له فيه ، العالِمُ وحده بجميع الأشياء جليِّها وخفيِّها كليِّها وجزئيِّها واسعُ الملك والقدرة لكل ما من شأنه أن يُملَكَ ويُقدَرَ عليه لا يشُقّ عليه شاقٌّ ولا يشغَلُه شأنٌ عن شأن ، متعالٍ عما تناله الأوهامُ ، عظيمٌ لا تُحدق به الأفهام ، تفردت بفضائلَ رائقةٍ وخواصَّ فائقة خلت عنها أخواتُها. أ هـ {تفسير أبى السعود حـ 1 صـ 249}\rقال السعدى فى معنى الآية : ","part":8,"page":220},{"id":3260,"text":"هذه الآية الكريمة أعظم آيات القرآن وأفضلها وأجلها ، وذلك لما اشتملت عليه من الأمور العظيمة والصفات الكريمة ، فلهذا كثرت الأحاديث في الترغيب في قراءتها وجعلها وردا للإنسان في أوقاته صباحا ومساء وعند نومه وأدبار الصلوات المكتوبات ، فأخبر تعالى عن نفسه الكريمة بأن { لا إله إلا هو } أي : لا معبود بحق سواه ، فهو الإله الحق الذي تتعين أن تكون جميع أنواع العبادة والطاعة والتأله له تعالى ، لكماله وكمال صفاته وعظيم نعمه ، ولكون العبد مستحقا أن يكون عبدا لربه ، ممتثلا أوامره مجتنبا نواهيه ، وكل ما سوى الله تعالى باطل ، فعبادة ما سواه باطلة ، لكون ما سوى الله مخلوقا ناقصا مدبرا فقيرا من جميع الوجوه ، فلم يستحق شيئا من أنواع العبادة ، وقوله : { الحي القيوم } هذان الاسمان الكريمان يدلان على سائر الأسماء الحسنى دلالة مطابقة وتضمنا ولزوما ، فالحي من له الحياة الكاملة المستلزمة لجميع صفات الذات ، كالسمع والبصر والعلم والقدرة ، ونحو ذلك ، والقيوم : هو الذي قام بنفسه وقام بغيره ، وذلك مستلزم لجميع الأفعال التي اتصف بها رب العالمين من فعله ما يشاء من الاستواء والنزول والكلام والقول والخلق والرزق والإماتة والإحياء ، وسائر أنواع التدبير ، كل ذلك داخل في قيومية الباري ، ولهذا قال بعض المحققين : إنهما الاسم الأعظم الذي إذا دعي الله به أجاب ، وإذا سئل به أعطى ، ومن تمام حياته وقيوميته أن { لا تأخذه سنة ولا نوم } والسنة النعاس { له ما في السماوات وما في الأرض } أي : هو المالك وما سواه مملوك وهو الخالق الرازق المدبر وغيره مخلوق مرزوق مدبر لا يملك لنفسه ولا لغيره مثقال ذرة في السماوات ولا في الأرض فلهذا قال : { من ذا الذي يشفع عنده إلا بإذنه } أي : لا أحد يشفع عنده بدون إذنه ، فالشفاعة كلها لله تعالى ، ولكنه تعالى إذا أراد أن يرحم من يشاء من عباده أذن لمن أراد أن يكرمه من عباده أن يشفع فيه ، لا يبتدئ الشافع قبل الإذن ، ثم قال {","part":8,"page":221},{"id":3261,"text":"يعلم ما بين أيديهم } أي : ما مضى من جميع الأمور { وما خلفهم } أي : ما يستقبل منها ، فعلمه تعالى محيط بتفاصيل الأمور ، متقدمها ومتأخرها ، بالظواهر والبواطن ، بالغيب والشهادة ، والعباد ليس لهم من الأمر شيء ولا من العلم مثقال ذرة إلا ما علمهم تعالى ، ولهذا قال : { ولا يحيطون بشيء من علمه إلا بما شاء وسع كرسيه السماوات والأرض } وهذا يدل على كمال عظمته وسعة سلطانه ، إذا كان هذه حالة الكرسي أنه يسع السماوات والأرض على عظمتهما وعظمة من فيهما ، والكرسي ليس أكبر مخلوقات الله تعالى ، بل هنا ما هو أعظم منه وهو العرش ، وما لا يعلمه إلا هو ، وفي عظمة هذه المخلوقات تحير الأفكار وتكل الأبصار ، وتقلقل الجبال وتكع عنها فحول الرجال ، فكيف بعظمة خالقها ومبدعها ، والذي أودع فيها من الحكم والأسرار ما أودع ، والذي قد أمسك السماوات والأرض أن تزولا من غير تعب ولا نصب ، فلهذا قال : { ولا يؤوده } أي : يثقله { حفظهما وهو العلي } بذاته فوق عرشه ، العلي بقهره لجميع المخلوقات ، العلي بقدره لكمال صفاته { العظيم } الذي تتضائل عند عظمته جبروت الجبابرة ، وتصغر في جانب جلاله أنوف الملوك القاهرة ، فسبحان من له العظمة العظيمة والكبرياء الجسيمة والقهر والغلبة لكل شيء ، فقد اشتملت هذه الآية على توحيد الإلهية وتوحيد الربوبية وتوحيد الأسماء والصفات ، وعلى إحاطة ملكه وإحاطة علمه وسعة سلطانه وجلاله ومجده ، وعظمته وكبريائه وعلوه على جميع مخلوقاته ، فهذه الآية بمفردها عقيدة في أسماء الله وصفاته ، متضمنة لجميع الأسماء الحسنى والصفات العلا. أ هـ {تفسير السعدى صـ 110}\rأسئلة وأجوبة لصاحب الكشاف\rقال رحمه الله :\rفإن قلت : كيف ترتبت الجمل في آية الكرسي من غير حرف عطف ؟","part":8,"page":222},{"id":3262,"text":"قلت : ما منها جملة إلا وهي واردة على سبيل البيان لما ترتبت عليه والبيان متحد بالمبين ، فلو توسط بينهما عاطف لكان كما تقول العرب : بين العصا ولحائها ، فالأولى بيان لقيامه بتدبير الخلق وكونه مهيمنا عليه غير ساه عنه. والثانية لكونه مالكاً لما يدبره.\rوالثالثة لكبرياء شأنه.\rوالرابعة لإحاطته بأحوال الخلق ، وعلمه بالمرتضى منهم المستوجب للشفاعة ، وغير المرتضى.\rوالخامسة لسعة علمه وتعلقه بالمعلومات كلها ، أو لجلاله وعظم قدره.\rفإن قلت : لم فضلت هذه الآية حتى ورد في فضلها ما ورد منه قوله صلى الله عليه وسلم :\r\" ما قرئت هذه الآية في دار إلا هجرتها الشياطين ثلاثين يوماً ولا يدخلها ساحر ولا ساحرة أربعين ليلة ، يا عليّ علمها ولدك وأهلك وجيرانك ، فما نزلت آية أعظم منها \" وعن عليّ رضي الله عنه : سمعت نبيكم صلى الله عليه وسلم على أعواد المنبر وهو يقول :\r\" من قرأ آية الكرسي في دبر كل صلاة مكتوبة لم يمنعه من دخول الجنة إلا الموت ، ولا يواظب عليها إلا صدّيق أو عابد ، ومن قرأها إذا أخذ مضجعه أمّنه الله على نفسه وجاره وجار جاره والأبيات حوله \" وتذاكر الصحابة رضوان الله عليهم أفضل ما في القرآن ، فقال لهم عليّ رضي الله عنه.\rأين أنتم عن آية الكرسي ، ثم قال : قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم \" يا عليّ ، سيد البشر آدم ، وسيد العرب محمد ولا فخر ، وسيد الفرس سلمان ، وسيد الروم صهيب ، وسيد الحبشة بلال ، وسيد الجبال الطور ، وسيد الأيام يوم الجمعة ، وسيد الكلام القرآن ، وسيد القرآن البقرة ، وسيد البقرة آية الكرسي \" قلت : لما فضلت له سورة الإخلاص لاشتمالها على توحيد الله وتعظيمه وتمجيده وصفاته العظمى ، ولا مذكور أعظم من رب العزة فما كان ذكراً له كان أفضل من سائر الأذكار. وبهذا يعلم أنّ أشرف العلوم وأعلاها منزلة عند الله علم أهل العدل والتوحيد ولا يغرّنك عنه كثرة أعدائه :","part":8,"page":223},{"id":3263,"text":"فإنَّ الْعَرَانِينَ تَلْقَاهَا مُحَسَّدَةً... وَلاَ تَرَى لِلئَامِ النَّاسِ حُسَّادًا. أ هـ {الكشاف حـ 1 صـ 228 ـ 231}\rقال أبو حيان :\rوأهل العدل والتوحيد الذين أشار إليهم هم المعتزلة ، سموا أنفسهم بذلك قال بعض شعرائهم من أبيات :\rإن أنصر التوحيد والعدل في . . .\rكل مقام باذلاً جهدي\rوهذا الزمخشري لغلوه في محبة مذهبه يكاد أن يدخله في كل ما يتكلم به ، وإن لم يكن مكانه. أ هـ {البحر المحيط حـ 2 صـ 286}\rمن فوائد ابن عرفة فى الآية\rقوله تعالى : { الله لاَ إله إِلاَّ هُوَ الحي القيوم . . . }.\rقال الإمام ابن العربي في شرح الأسماء الحسنى : يقال : حي وحيى ويحيي وقيل : حاي على وزن فاعل والخبر آكد ، أي جنس الحي ، وقيل : هو الحياة والحي نوع من القبيلة سمى به مجازا لأن به يستعزون على حماية أنفسهم وحياة مواشيهم بالخصب ورعي الحَيَا ، وشربه وهو المطر ، والحياة وصف للجسم ( عرض ) إذا وجدت في جسم أو جوهر كان دراكا فعالا والعرب إذا أرادت الإدراك والحس قالت : هذا حي ، والحي في الشاهد من قوله : حياة.\rوأما الغائب فبعضهم قال : لا أقول : إنّ الله حي بحياة ، إذ لم يرد فيه ولا في السمع والبصر ونقول : ( عالم بعلم ) لِوروده \".\rوقال الإمام الغزالي : والكثير من علمائنا : الحي : الفعال الدرّاك.\rوهو باطل بوجوه : منها أن البارىء في الأزل حي مدرك بنفسه وصفاته ولم يفعل ، وأيضا الإدراك معنى غير الحياة والفعل فكيف يفسر معنى بمعنى مغاير له ، واعلم أنّ وجود الحياة مصحح للإدراك والفعل فيلزم الإدراك إذ لايصح حي غير مدرك ويصح الفعل ولا يلزم.\rووجوب الحياة للبارىء يختص بخمسة أوصاف : أنه لم يسبقه موت ، ولا ( يعتريه ) ، وليس له ( بلل ) ورطوبة ، ولا يحتاج إلى غذاء ، فإنه يطعم وهي للعبد بعكس ذلك كله.\rقال الزمخشري : والحي الباقي الّذي لا سبيل للفناء عليه وهو على اصطلاح المتكلمين الذي يصح أن يعلم ويقدر.","part":8,"page":224},{"id":3264,"text":"قال ابن عرفة : وكل شيء يصح اتصافه بالعلم والقدرة لكن الحي بغير واسطة والجماد بواسطة الحياة.\rقال ابن عرفة : \rقال ابن عطية : قال المعتزلة وقوم : الله حي لا بحياة ، وهو باطل.\rوقال آخرون : حي بحياة ، وقال قوم : هو حي كما وصف نفسه ، وسلم ذلك أن ينظر فيه.\rوقد تقدم الخلاف في الصفات فنحن نثبتها ونقول : الله عالم بعلم ، قادر بقدرة. حي بحياة.\rالمعتزلة ينفونها ، وتقدم الخلاف بيننا في الأحوال كالعالمية والقادرية والحيية.\rفمنا من يثبتها ، ومنا من ينفيها ، والمثبتون لها قسموها على قسمين : معللة وغير معللة ، والمعللة عندهم مشروطة بالحياة والسوادية والبياضية غير معللة ، والعالمية معللة كالقادرية.\rوكان بعضهم يرد على من يقول : إنها معللة بصفات الحياة لأن الحياة حال ليست معللة لئلا يلزم عليه تعليل الشيء بنفسه.\rقوله تعالى : { الحي القيوم . . . }.\rقال الإمام ابن العربي : على وزن فيعول : اجتمعت ياء وواو ، سبقت إحداهما بالسكون فقلبت وأدغمت.\rوالقيام أصله القيوام وأهل الحجاز يصرفون الفعال إلى الفعلان فيقولون في الصّداع صداع.\rوالقيم عند سيبويه فيعل للتأكيد ، فقلب وأدغم.\rوأنكر الفراء أن في الأمثلة فيعل ، وقال : أصلها فعيل ككريم وكان ( أصلهم ) أن يجعلوا الواو وألفا لافتتاح ما قبلها ثم يسقطونها لسكونها وسكون الياء بعدها فلمّا فعلوا ذلك صار فعيل على لفظ فعل فزادوا ياء ليكمل بها بناء الحرف.\rقال ابن العربي : واختلفوا في معناه فقيل : الدائم الذي لا يزول ، فالقيوم معناه : الباقي الدائم.\rوقيل : القيوم هو القيم على كل شيء بالرعاية والمدبر لجميع أمور العالم بمعنى : الحفيظ والمدبّر.\rوقيل : الذي لا تفنيه الدهور ولا يتغير بانقلاب الأمور فهو بمعنى : الثابت القدوس.\rقال : والصحيح أنه مبالغة قائم من قام إذا أطاق.\r","part":8,"page":225},{"id":3265,"text":"قال : وروى ابن راشد الأزدي أنه ورد على النبي صلى الله عليه وسلم فقال له : \" ما اسمك ؟ فقال عبد العزى بن ( غاويه \" ) فقال له : عليه الصلاة والسلام : بل اسمك عبد الرحمن بن راشد ، قال : من الذي معك ؟ قال : مولاي قال : ما اسمه ؟ قال : قيوم.\rقال : ولكنه عبد القيوم \".\rورواه الدار قطني وعبد الغني الحافظ كذلك ورواه ابن ( رشد ) قال : \" ما اسم مولاك.\rقال : القيوم.\rقال : لا بل عبد القيوم \" والدارقطني أحفظ وأوثق.\rقال : فأما القائم فله في اللغة ثلاثة معان : قام إذا انتصب وعلا ، وقام بالأمر أي استقل به ، وقام إذا لازم.\rقال الله تعالى : { إِلاَّ مَا دُمْتَ عَلَيْهِ قَآئِماً } فقيل كلها حقيقة ، وقيل : الأول فقط ، واختلفوا في معنى كون الله قائما بنفسه ، فقيل : لا يحتاج إلى مكان ، وقيل : موصوف بصفاته العلية ، وقيل : مستغن عن كل شيء.\rوالصحيح أنه لا يصح وصفه إلا مُضافا لما يبينه\rفإذا قلت : قائم على كل نفس بما كسبت فصحيح معنى وارد شرعا ، وإن قلت : قائم بنفسه فصحيح لم يرد.\rواختلفوا في معنى قائم على كل نفس بما كسبت ، فقيل بما كسبت من رزق تفضلا فهو امتنان ، وقيل : بما كسبت من عمل يحفظه عليها فهو وعيد.\rوقيل : يطلع عليها لا يخفى عليه من أمرها شيء ، وقيل : المراد الملائكة الموكلون بحفظ بني آدم لا يستوون مع الأصنام فكيف بخالق الملائكة ومن هو قائم عليها ومدبرها وهذا مجاز.\rابن العربي : والصّحيح أنه قائم بالخلق والحفظ والرزق وغير ذلك فهو غني عنه.\rقوله تعالى : { لاَ تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلاَ نَوْمٌ }.\rقال ابن عرفة : هذا كالدليل على كونه حيا قيوما و{ لَّهُ مَا فِي السماوات وَمَا فِي الأرض } كالدّليل على أنه لا تأخذه سنة ولا نوم.\rفإن قلت : نفي السِّنة يستلزم نفي النوم فهلا قدم النوم على السنة ؟ \rقال : فالجواب من وجهين : \rالأول منهما : ( قصد ) نفى السنة بالمطابقة واللزوم.\r","part":8,"page":226},{"id":3266,"text":"الثاني : إنّا نجد من يدافع النوم لا تأخذه سنة لأنه مهما تأخذه السّنة يدافعها ويغلبها حتى يأتيه النوم غلبة فينام فما يلزم من عدم السّنة عدم النوم.\rقوله تعالى : { لَّهُ مَا فِي السماوات } دليل على أن أعمال العباد مخلوقة لله تعالى لأنها ما في السَّمَاوَاتِ وما في الأرض.\rقوله تعالى : { مَن ذَا الذي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلاَّ بِإِذْنِهِ . . . }.\rقال ابن عرفة : ورد النّفي بصغية الاستفهام وهو أبلغ لاقتضائه موافقة المخاطب عليه.\rقال ابن عطية : الإذن قسمان فهو في الشفاعة في الخروج من النّار بمعنى الأمر لحديث \" يامحمد ارفع رأسك تعطه واشفع تشفع \" ، وهو ( ( في شفاعة غيره من الأنبياء والعلماء وشفاعة ( الجار ) والصاحب الذين يشفعون ) ) قبل أن ( يؤمروا ) بمعنى العلم والتمكين.\rقال ابن عرفة : ( يريد ) بمعنى خلق الدّاعي والقدرة على ذلك.\rقال : واقتضت الآية ألاّ شفاعة إلا بإذن والإذن فيها يقتضي قبولها فيعارض قوله تعالى : { فَمَا تَنفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشافعين } فدلّ على أنّ هناك من يشفع ولا تقبل منه ، إلا أن يجاب بأن تلك سالبة ، مثل : الحائط لا يبصر ( لا معدومة ) مثل : زيد غير بصير ، فليس المراد شفاعة الشافعين لا تنفعهم بل هو من باب نفي الشيء بنفي لازمه مثل : \rعلى لا حب لا يهتدى بمنارة . . .\rأي ليس له منار يهدى به ، أي لا شافع هناك فتنفع شفاعته.\rقوله تعالى : { يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ . . . }.\rهنا دليل على عموم تعلق علمه بالجزيئات والكليات فيرد بها على من نفى تعلقه بالجزيئات.\rقيل لابن عرفة : قد يقال إنه دليل ظاهر لا نص وندعى تخصيص عمومه ؟ \rفقال : استدلوا بظواهر ( الآي ) في ( كثير ) من المطالب وتعقبوا على ابن الخطيب في قوله في المحصول : إن الدلائل السمعية لا تفيد الظن فضلا عن اليقين.\r","part":8,"page":227},{"id":3267,"text":"قال ابن عرفة : وتقدم لنا سؤال وهو أنه تسلط النفي هنا على الأخص دون الأعم فلو قيل : ولا يعلمون شيئا من علمنا بل علمه إلا ما شاء لكان أبلغ لأن الإحاطة بعلم الشيء أخص من مطلق علمه.\rقال : والجواب أنّا إن قلنا : إن العلوم كلها متساوية فلا فرق بين الإحاطة وعدمها.\rوإن قلنا : إنها غير متساوية فالسؤال وارد.\rوعادتهم يجيبون بأن ( الآية ) خرجت مخرج التمدح.\rوالعلوم قسمان : ضرورية ونظرية ، فالضرورية لا يقع عليها مدح ولا ذم لأنها جبرية يستوي فيها كل الناس وإنما يقع المدح على العلوم النظرية وهي لا تحصل إلاّ بالإحاطة لأنها ناشئة عن مقدمتين والعلم بالمقدمتين مستلزم الإحاطة بعلم النتيجة ، فالإحاطة بها وعلمها ( متساويان ).\rقيل لابن عرفة : الآية دالة أن المعدوم ( يصدق ) عليه شيء لأنّا إن لم نجعله داخلا تحت مسمى شيء لزم إبطال العمل بمفهوم الصّفة لأنّه يكون مفهوم الآية ( أنهم ) يحيطون بالمعدوم من ( تعلق ) علمه وهذا كفر ؟ \rفأجاب : بأنه مفهوم أحرى لأنهم إذا لم يحيطوا بالموجود فأحرى المعدوم.\rقلت : وقال بعضهم : إن هذا السؤال غير وارد لأن المعنى إلا بما شاء أن يحيطوا به فإنهم محيطون به ولا يلزم منه نفي تعلق المشيئة بالمعدوم بل يبقى الأمر مسكوتا عنه فلا يلزم تعلق الحكم بنفيه ولا بإثباته.\rقال ابن عطية : \" وقد قال الخضر لموسى عليهما السلام : ما نقص علمي وعلمك من علم الله إلاّ ما نقص هذا العصفور من البحر \".\rقال ابن عرفة : شبّه ما ليس بمُتناه بما هو متناهٍ لأن البحر متناهٍ ، فالنقص فيه معقول وليس المراد حقيقة النقص ، بل معناه نسبة علمي وعلمك من معلوم الله تعالى الذي لم ندركه نحن كنسبة ما يتعلق بالعصفور من ماء البحر إلى ماء البحر. انتهى.\rقوله تعالى : { وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السماوات والأرض . . . }.\r","part":8,"page":228},{"id":3268,"text":"قال ابن عرفة : كلام الزمخشري هنا حسن وكلام ابن عطية في بعضه إيهام والألفاظ الموهمة إذا وردت من الشارع تأولت وردت إلى الصواب ، وإن وردت من غيره لم تتأول لأن الشارع يذكر الألفاظ الموهمة للابتلاء بها { فَيُضِلُّ الله مَن يَشَآءُ وَيَهْدِي مَن يَشَآءُ } ( فالمحق ) يصرفها عن ظاهرها إلى الصواب والمبطل يقف مع الظاهر ، وأما إذا وردت من غير ( الشارع ) فلا تتأول.\rقلت : وكذا قال الزمخشري : لفظ الكرسي تخييلُ.\rوالتخييل أن يعبر عن الشيء بلازمه كقوله تعالى : { طَلْعُهَا كَأَنَّهُ رُءُوسُ الشياطين } قوله تعالى : { وَلاَ يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا . . . }.\rإن قلت : هلا قيل : حفظُها ، بضمير جماعة ما لا يعقل أو : حفظُه ، بضمير الكرسي لا شتماله على العرش والسّماوات والأرض ، ( والشيء ) ( في نفسه ) ليس كهو مع غيره ، فلا يلزم من نفي الثقل ( عن ) السماوات والأرض ( بخصوصيتها ) نفي الثقل ( عنها ) مع غيرها ؟ \rفالجواب : أنّه ( خصهما ) بالذكر لأنهما المشاهدان للإنسان الذي يراهما ويوافق على إمساكهما وعدم إزالتهما ليكون ذلك أقطع في طريق الاستدلال وأقوى في قيام الحجة عليه.\rقوله تعالى : { وَهُوَ العلي العظيم }.\rقال ابن عطية : أي عظيم القدر والخطر وليس من عظيم الأجرام وحكى ( الطبّري ) عن قوم أن العظيم بمعنى المعظم كقولهم : العتيق بمعنى المعتق ، وأنكره آخرون وقالوا : لو كان بمعنى معظم لوجب أن لا يكون عظيما قبل أن يخلق الخلق وبعد فنائهم إذ لا معظم له حينئذ.\rقال ابن عرفة : وهذا الإنكار غير صحيح ، بل يفهم كما قال الضرير في أرجوزته لأنه قسم الحمد على قسمين : قديم وحادث ، فالقديم حمده تعالى نفسه. أ هـ {تفسير ابن عرفة صـ 330 ـ 333}\rفصل فى فضل آية الكرسى\rقال القرطبى : \r","part":8,"page":229},{"id":3269,"text":"قوله تعالى : { الله لاَ إله إِلاَّ هُوَ الحي القيوم } هذه آية الكرسيّ سيدة آي القرآن وأعظم آية ، كما تقدّم بيانه في الفاتحة ، ونزلت ليلاً ودعا النبيّ صلى الله عليه وسلم زيداً فكتبها.\rروى عن محمد بن الحنفية أنه قال : لما نزلت آية الكرسي خرّ كل صنم في الدنيا ، وكذلك خرّ كل ملِك في الدنيا وسقطت التيجان عن رؤوسهم ، وهربت الشياطين يضرب بعضهم على بعض إلى أن أتوا إبليس فأخبروه بذلك فأمرهم أن يبحثوا عن ذلك ، فجاءوا إلى المدينة فبلغهم أن آية الكرسي قد نزلت.\rوروى الأئمة \" عن أُبيّ بن كعب قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : \"يا أبا المنذر أتدري أي آية من كتاب الله معك أعظم\" ؟ قال قلت : الله ورسوله أعلم ، قال : \"يا أبا المنذر أتدري أيّ آية من كتاب الله معك أعظم\" ؟ قال قلت : \"اللَّهُ لاَ إلَهَ إلاَّ هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ\" فضرب في صدري وقال : \"لِيهنِك العلم يا أبا المنذر\" \" زاد الترمذيّ الحكيم أبو عبد الله : \" فوالذي نفسي بيده إن لهذه الآية للسانا وشفتين تقدّس المَلِك عند ساق العرش \" قال أبو عبد الله : فهذه آية أنزلها الله جل ذكره ، وجعل ثوابها لقارئها عاجلاً وآجلاً ، فأما في العاجل فهي حارسة لمن قرأها من الآفات ، ورُوي لنا عن نَوْف البِكاليّ أنه قال : آية الكرسي تدعى في التوراة وَليّة الله.\rيريد يدعى قارئها في ملكوت السموات والأرض عزيزاً ، قال : فكان عبد الرحمن بن عوف إذا دخل بيته قرأ آية الكرسي في زوايا بيته الأربع ، معناه كأنه يلتمس بذلك أن تكون له حارساً من جوانبه الأربع ، وأن تنفي عنه الشيطان من زوايا بيته.\rورُوي عن عمر أنه صارع جنِّياً فصرعه عمر رضي الله عنه ، فقال له الجني : خلِّ عني حتى أُعلمك ما تمتنعون به منا ، فخلى عنه وسأله فقال : إنكم تمتنعون منا بآية الكرسي.\r","part":8,"page":230},{"id":3270,"text":"قلت : هذا صحيح ، وفي الخبر : من قرأ آية الكرسي دُبُر كل صلاة كان الذي يتولى قبض روحه ذو الجلال والإكرام ، وكان كمن قاتل مع أنبياء الله حتى يستشهد.\rوعن عليّ رضي الله عنه قال : سمعت نبيكم صلى الله عليه وسلم يقول وهو على أعواد المنبر : \" من قرأ آية الكرسي دبر كل صلاة لم يمنعه من دخول الجنة إلا الموت ولا يواظب عليها إلا صدّيق أو عابد ، ومن قرأها إذا أخذ مضجعه آمنه الله على نفسه وجاره وجار جاره والأبيات حوله \" وفي البخاريّ \" عن أبي هريرة قال : وكلّني رسول الله صلى الله عليه وسلم بحفظ زكاة رمضان ، وذكر قصة وفيها : فقلت يا رسول الله ، زعم أنه يعلِّمني كلمات ينفعني الله بها فخلّيْت سبيله ، قال : \"ما هي\" ؟ قلت قال لي : إذا آويت إلى فراشك فاقرأ آية الكرسي من أوّلها حتى تختم { الله لاَ إله إِلاَّ هُوَ الحي القيوم }.\rوقال لي : لن يزال عليك من الله حافظ ولا يقربك شيطان حتى تصبح ، وكانوا أحرص شيء على الخير.\rفقال النبيّ صلى الله عليه وسلم : \"أمَا إنه قد صَدَقك وهو كَذُوب تعلم مَن تخاطب منذُ ثلاثِ ليالٍ يا أبا هُرَيرة\" ؟ قال : لا ؛ قال : \"ذاك شيطان\" \"\rوفي مسند الدّارِمِيّ أبي محمد قال الشعبيّ قال عبد الله بن مسعود : لقِي رجل من أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم رجلاً من الجنّ فصارعه فصرعه الإنسيّ ، فقال له الإنسي : إني لأراك ضئيلاً شَخِيتاً كأن ذُرَيْعتيْك ذُرَيْعتا كلب فكذلك أنتم معشر الجن ، أم أنت من بينهم كذلك ؟ قال : لا والله إني منهم لضَليع ولكن عاوِدْني الثانية فإن صرعتني علمتك شيئاً ينفعك ، قال نعم ، فصرعه ، قال : تقرأ آية الكرسيّ : { الله لاَ إله إِلاَّ هُوَ الحي القيوم } ؟ قال : نعم ؛ قال : فإنك لا تقرأها في بيت إلا خرج منه الشيطان له خَبَج كَخَبج الحمار ثم لا يدخله حتى يصبح.\rأخرجه أبو نعيم عن أبي عاصم الثقفيّ عن الشعبيّ.\r","part":8,"page":231},{"id":3271,"text":"وذكره أبو عبيدة في غريب حديث عمر حدّثناه أبو معاوية عن أبي عاصم الثقفيّ عن الشعبيّ عن عبد الله قال : فقيل لعبد الله : أهو عمر ؟ فقال : ما عسى أن يكون إلا عمر! قال أبو محمد الدِراميّ : الضّئيل : الدقيق ، والشّخِيت : المهزول ، والضّلِيع : جيد الأضلاع ، والخَبَج : الريح.\rوقال أبو عبيدة : الخَبج : الضراط ، وهو الحبَج أيضاً بالحاء.\rوفي الترمذي عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : \" من قرأ حم المؤمن إلى إليه المصير وآية الكرسي حين يصبح حفظ بهما حتى يمسي ، ومن قرأهما حين يمسي حفظ بهما حتى يصبح \" قال : حديث غريب.\rوقال أبو عبد الله الترمذيّ الحكيم : وروى أن المؤمنين ندبوا إلى المحافظة على قراءتها دبر كل صلاة.\rعن أنس رفع الحديث إلى النبي صلى الله عليه وسلم قال : \" أوحى الله إلى موسى عليه السلام مَن داوم على قراءة آية الكرسي دبر كل صلاة أعطيته فوق ما أعطي الشاكرين وأجر النبيّين وأعمال الصدّيقين وبسطت عليه يميني بالرحمة ولم يمنعه أن أدخله الجنة إلا أن يأتيه ملك الموت \" قال موسى عليه السلام : يا رب من سمع بهذا لا يداوم عليه ؟ قال : \"إني لا أُعطيه من عبادي إلا لنبيّ أو صدّيق أو رجل أحبه أو رجل أُريد قتله في سبيلي\".\rوعن أُبيّ بن كعب قال قال الله تعالى : \"يا موسى من قرأ آية الكرسي في دبر كل صلاة أعطيته ثواب الأنبياء\" (1)\rقال أبو عبد الله : معناه عندي أعطيته ثواب عمل الأنبياء ، فأما ثواب النبوّة فليس لأحد إلا للأنبياء.\rوهذه الآية تضمنت التوحيد والصفات العُلا ، وهي خمسون كلمة ، وفي كل كلمة خمسون بركة ، وهي تعدل ثلث القرآن ، ورَدَ بذلك الحديث ، ذكره ابن عطِية. أ هـ {تفسير القرطبى حـ 3 صـ 268 ـ 270}\r________________\r(1) لا يخلو بعض هذه الآثار من مقال. والله أعلم.","part":8,"page":232},{"id":3272,"text":"فصل في كون آية الكرسي سيدة آي القرآن وبيان الاسم الأعظم\rقال حجة الإسلام ـ عليه الرحمه ـ ما نصه : \rهل لك أن تتفكر في آية الكرسي أنها لم تسمى سيدة الآيات فإن كنت تعجز عن استنباطه بتفكرك فارجع إلى الأقسام التي ذكرناها والمراتب التي رتبناها وقد ذكرنا لك أن معرفة الله تعالى ومعرفة ذاته وصفاته هي المقصد الأقصى من علوم القرآن وأن سائر الأقسام مرادة له وهو مراد لنفسه لا لغيره فهو المتبوع وما عداه التابع وهي سيدة الاسم المقدم الذي يتوجه إليه وجوه الأتباع وقلوبهم فيحذون حذوه وينحون نحوه ومقصده وآية الكرسي تشتمل على ذكر الذات والصفات والأفعال فقط ليس فيها غيرها\rفقوله {الله} إشارة إلى الذات\rوقوله {لا إله إلا هو} إشارة إلى توحيد الذات وقوله {الحي القيوم} إشارة إلى صفة الذات وجلاله فإن معنى القيوم هو الذي يقوم بنفسه ويقوم به غيره فلا يتعلق قوامه بشيء ويتعلق به قوام كل شيء وذلك غاية الجلال والعظمة\rوقوله {لا تأخذه سنة ولا نوم} تنزيه وتقديس له عما يستحيل عليه من أوصاف الحوادث والتقديس عما يستحيل أحد أقسام المعرفة بل هو أوضح أقسامها\rوقوله {له ما في السموات وما في الأرض} إشارة إلى كلها وأن جميعها منه مصدرها وإليه مرجعها\rوقوله {من ذا الذي يشفع عنده إلا بإذنه} إشارة إلى انفراده بالملك والحكم والأمر وأن من يملك الشفاعة فإنما يملك بتشريفه إياه والإذن فيه ، وهذا نفي للشركة عنه في الملك والأمر\rوقوله {يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم ولا يحيطون بشيء من علمه إلا بما شاء} إشارة إلى صفة العلم وتفضيل بعض المعلومات والانفراد بالعلم حتى لا علم لغيره من ذاته وإن كان لغيره علم فهو من عطائه وهبته وعلى قدر إرادته ومشيئته\rوقوله {وسع كرسيه السموات والأرض} إشارة إلى عظمة ملكه وكمال قدرته وفيه سر لا يحتمل الحال كشفه فإن معرفة الكرسي ومعرفة صفاته واتساع السموات والأرض معرفة شريفة غامضة ويرتبط بها علوم كثيرة\r","part":8,"page":233},{"id":3273,"text":"وقوله {ولا يؤوده حفظهما} إشارة إلى صفات القدرة وكمالها وتنزيهها عن الضعف والنقصان\rوقوله {وهو العلي العظيم} إشارة إلى أصلين عظيمين في الصفات وشرح هذين الوصفين يطول وقد شرحنا منهما ما يحتمل الشرح في كتاب المقصد الأسنى في أسماء الله الحسنى فاطلبه منه\rوالآن إذا تأملت جملة هذه المعاني ثم تلوت جميع آيات القرآن لم تجد جملة هذه المعاني من التوحيد والتقديس وشرح الصفات العلى مجموعة في آية واحدة منها فلذلك قال النبي سيدة آي القرآن فإن {شهد الله}\rليس فيه إلا التوحيد\r{وقل هو الله أحد}\rليس فيه إلا التوحيد والتقديس\r{وقل اللهم مالك الملك}\rليس فيه إلا الأفعال وكمال القدرة\rوالفاتحة فيها رموز إلى هذه الصفات من غير شرح وهي مشروحة في آية الكرسي والذي يقرب منها في جميع المعاني آخر الحشر وأول الحديد إذ اشتملا على أسماء وصفات كثيرة ولكنها آيات لا آية\rواحدة وهذه آية الكرسي آية واحدة إذا قابلتها بإحدى تلك الآيات وجدتها أجمع المقاصد فلذلك تستحق السيادة على الآي وقال هي سيدة الآيات كيف لا وفيها {الحي القيوم} وهو الاسم الأعظم وتحته سر ويشهد له ورود الخبر بأن الاسم الأعظم في آية الكرسي وأول آل عمران وقوله {وعنت الوجوه للحي القيوم}. أ هـ {جواهر القرآن صـ 73 ـ 76}","part":8,"page":234},{"id":3274,"text":"لمسات بيانية للدكتور فاضل السامرائى فى آية الكرسى\rآية الكرسي هي سيّدة آي القرآن الكريم.\rبدأت الآية بالتوحيد ونفي الشرك وهو المطلب الأول للعقيدة عن طريق الإخبار عن الله.\rبدأ الإخبار عن الذات الإلهية ونلاحظ أن كل جملة في هذه الآية تصح أن تكون خبراً للمبتدأ (الله) لأن كل جملة فيها ضمير يعود إلى الله سبحانه وتعالى : {الله لا تأخذه سنة ولا نوم} ، {الله له ما في السموات وما في الأرض} ، {الله من ذا الذي يشفع عنده إلا بإذنه} ، {الله يعلم مابين أيديهم وما خلفهم} ، {الله لا يحيطون بعلمه إلا بما شاء} ، {الله وسع كرسيّه السموات والأرض} ، {الله لا يؤده حفظهما وهو العلي العظيم}.\rاللّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ : \rالحيّ معرّفة والقيّوم معرّفة. والحيّ هو الكامل الاتصاف بالحياة ، ولم لم يقل حيّ ؟ \rلأنها تفيد أنه من جملة الأحياء. فالتعريف بـ(ال) هي دلالة على الكمال والقصر لأن ما سواه يصيبه الموت.\rوالتعريف قد يأتي بالكمال والقصر ، فالله له الكمال في الحياة وقصراً كل من عداه يجوز عليه الموت وكل ما عداه يجوز عليه الموت وهو الذي يفيض على الخلق بالحياة.\rفالله هو الحيّ لا حيّ سواه على الحقيقة لأن من سواه يجوز عليه الموت.\rالقيّوم : من صيغ المبالغة (على وزن فيعال وفيعول من صيغ المبالغة وهي ليست من الأوزان المشهورة) هي صيغة المبالغة من القيام ومن معانيها القائم في تدبير أمر خلقه في إنشائهم وتدبيرهم ، ومن معانيها القائم على كل شيء ، ومن معانيها الذي لا ينعس ولا ينام لأنه إذا نعس أو نام لا يكون قيّوماً ، ومن معانيها القائم بذاته وهو القيّوم جاء بصيغة المتعريف لأنه لا قيّوم سواه على الأرض حصراً.\r{لاَ تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلاَ نَوْمٌ}\rسنة هي النعاس الذي يتقدم النوم ولهذا جاءت في ترتيب الآية قبل النوم وهذا ما يعرف بتقديم السبق ، فهو سبحانه لا يأخذه نعاس أو ما يتقدم النوم من الفتور أو النوم ـ المتعارف عليه ـ يأتي النعاس ثم ينام الإنسان.","part":8,"page":235},{"id":3275,"text":"ولم يقل سبحانه لا (تأخذه سنة ونوم) أو (سنة أو نوم) ففي قوله سنة ولا نوم ينفيهما سواءً اجتمعا أو افترقا لكن لو قال سبحانه : سنة ونوم فإنه ينفي الجمع ولا ينفي الإفراد فقد تأخذه سنة دون النوم أو يأخذه النوم دون السنة.\r{لَّهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ}\rدلالة (ما) : ما تفيد ذوات غير العاقل وصفات العقلاء ، إذن لمّا قال (له ما) جمع العقلاء وغيرهم ولو قال (من) لخصّ العقلاء. (ما) أشمل وعلى سبيل الإحاطة. قال (ما في السموات وما في الأرض) أولاً بقصد الإحاطة والشمول ، وثانياً قدّم الجار والمجرور على المبتدأ (له ما في السموات) إفادة القصر أن ذلك له حصراً لا شريك له في الملك (ما في السموات والأرض ملكه حصراُ قصراً فنفى الشرك). وجاء ترتيب (له ما في السموات وما في الأرض) بعد (الحيّ القيّوم) له دلالة خاصة : يدلّ على أنه قيوم على ملكه الذي لا يشاركه فيه أحد غيره\rوهناك فرق بين من يقوم على ملكه ومن يقوم على ملك غيره فهذا الأخير قد يغفل عن ملك غيره\rأما الذي يقوم على ملكه لا يقغل ولا ينام ولا تأخذه سنة ولا نوم سبحانه. فله كمال القيومية.\rوفي قوله (له ما في السموات وما في الأرض) تفيد التخصيص فهو لا يترك شيئاً في السموات والأرض إلا هو قائم عليه سبحانه.\r{مَن ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلاَّ بِإِذْنِهِ}\rدلالة واضحة على تبيان ملكوت الله وكبريائه وأن أحداً لا يملك أن يتكلم إلا بإذنه ولا يتقدم إلا بإذنه مصداقاً لقوله تعالى : (لا يتكلمون إلا من أذن له الرحمن وقال صوابا) هذا الجزء من الآية والجزء الذي قبلها (له ما في السموات وما في الأرض) يدل على ملكه وحكمه في الدنيا والآخرة لأنه لمّا قال (له ما في السموات وما في الأرض) يشمل ما في الدنيا وفي قوله (لمن ذا الذي يشفع عنده إلا بإذنه) هذا في الآخرة فدلّ هذا على ملكوته في الدنيا والآخرة وأخرجه مخرج الاستفهام الإنكاري لأنه أقوى من النفي.\rفدلّ هذا على أنه حيّ قيّوم كيف ؟\rلأن الذي يَستشفع عنده حيّ والذي لا يستطيع أحد أن يتقدم إلا بإذنه يجعله قائم بأمر خلقه وكلها تؤكد معنى أنه الحيّ القيّوم.\r{من ذا}\rفيها احتمالان كما يذكر أهل النحو : فقد تكون كلمة واحدة بمعنى (من) استفهامية لكن (من ذا) أقوى من (من) لزيادة مبناها (يقال في النحو :\rزيادة المبنى زيادة في المعنى) فقد نقول من حضر ، ومن ذا حضر ؟ . أ هـ {من لقاء لقناة الشارقة الفضائية مع الدكتور / فاضل السامرائى }","part":8,"page":236},{"id":3276,"text":"فوائد لغوية\rقال ابن عادل :\rقوله تعالى : { الله لاَ إله إِلاَّ هُوَ الحي } : مبتدأٌ وخبرٌ وهو مرفوعٌ محمولٌ على المعنى ، أي : ما إله إلاَّ هو ، ويجوز في غير القرآن لا إله إلاَّ إيَّاه ، نصب على الاستثناء.\rوقيل : { الله } مبتدأٌ ، و{ لاَ إله } مبتدأ ثان ، وخبره محذوف تقديره معبود أو موجود.\rو { الحي } فيه سبعة أوجه :\rأحدها : أن يكون خبراً ثانياً للجلالة.\rالثاني : أن يكون خبراً لمبتدأ محذوف ، أي : هو الحيُّ.\rالثالث : بدل من موضع : { لاَ إله إِلاَّ هُوَ } فيكون في المعنى خبراً للجلالة ، وهذا في المعنى كالأول ، إلا أنَّه هنا لم يخبر عن الجلالة إلاَّ بخبرٍ واحدٍ بخلاف الأول.\rالرابع : أن يكون بدلاً من \" هُوَ \" وحده ، وهذا يبقى من باب إقامة الظاهر مقام المضمر ، لأنَّ جملة النَّفي خبرٌ عن الجلالة ، وإذا جعلته بدلاً حلَّ محلَّ الأول ، فيصير التقدير : الله لا إله إلا الله.\rالخامس : أن يكون مبتدأٌ وخبره { لاَ تَأْخُذُهُ سِنَةٌ }.\rالسادس : أنه بدلٌ من \" اللهِ \".\rالسابع : أنه صفة لله ، وهو أجودها ، لأنه قرئ بنصب \" الحيَّ القَيُّومَ \" على القطع ، والقطع إنَّما هو في باب النَّعت ، ولا يقال في هذا الوجه الفصل بين الصِّفة والموصوف بالخبر ، لأنَّ ذلك جائزٌ حسن [ تقول : قائمٌ العاقلُ ].\rو { الحي } فيه قولان :\rأحدهما : أن أصله حييٌ بياءين من حيي يحيا فهو حيٌّ ، وإليه ذهب أبو البقاء.\r","part":8,"page":237},{"id":3277,"text":"والثاني : أنَّ أصله حيوٌ فلامه واو فقلبت الواو ياء لانكسار ما قبلها متطرِّفة ، وهذا لا حاجة إليه ، وكأنَّ الذي أحوج هذا القائل إلى ادِّعاء ذلك أنَّ كون العين ، واللام من واد واحدٍ هو قليل في كلامهم بالنسبة إلى عدم ذلك فيه ، ولذلك كتبوا \" الحَيَاةَ \" بواوٍ في رسم المصحف العزيز تنبيهاً على هذا الأصل ، ويؤيده \" الحَيَوَانُ \" لظهور الواو فيه. ولناصر القول الأول أن يقول : قلبت الياء الثانية واواً تخفيفاً؛ لأنَّه لمَّا زيد في آخره ألفٌ ونونٌ استثقل المثلان.\rوفي وزنه أيضاً قولان :\rأحدهما : أنه فعل.\rوالثاني : أنَّه فيعل فخُفِّف ، كما قالوا ميْت ، وهيْن ، والأصل : هيّن وميّت.\rقال السُّدِّيُّ المراد بـ \" الحَيّ \" الباقي؛ قال لبيدٌ : [ الطويل ]\rفَإِمَّا تَرَيْنِي اليَوْمَ أَصْبَحْتُ سَالِماً... فَلَسْتُ بِأَحْيَا مِنْ كِلاَبٍ وَجَعْفَرِ\rوقال قتادة : والحيُّ الذي لا يموتُ والحيُّ اسمٌ من أسمائه الحسنى ، ويقال إنه اسم الله الأعظم.\rوالقيُّوم : فيعولٌ من : قام بالأمر يقوم به ، إذا دبَّره؛ قال أميَّة : [ الرجز ]\rلَمْ تُخْلَقِ السَّمَاءُ والنُّجُومُ... وَالشَّمْسُ مَعْهَا قَمَرٌ يَعُومُ\rقَدَّرَهُ مُهَيْمِنٌ قَيُّومُ... وَالحَشْرُ وَالجَنَّةُ والنَّعِيمُ\rإلاَّ لأَمْرٍ شَأْنُهُ عَظِيمُ... وأصله \" قَيْوُومٌ \" ، فاجتمعت الياء والواو وسبقت إحداهما بالسكون فقلبت الواو ياء وأدغمت فيها الياء فصار قيُّوماً.\r","part":8,"page":238},{"id":3278,"text":"وقرأ ابن مسعود والأعمش ويروى عن عمر : \" الحَيُّ القَيَّام \" ، وقرأ علقمة : \" القَيِّم \" وهذا كما يقولون : ديُّور ، وديار ، وديِّر. ولا يجوز أن يكون وزنه فعُّولاً كـ \" سَفُّود \" إذ لو كان كذلك؛ لكان لفظه قوُّوماً؛ لأنَّ العين المضاعفة أبداً من جنس الأصليَّة كسُبُّوح ، وقُدُّوس ، وضرَّاب ، وقتَّال ، فالزَّائد من جنس العين ، فلمَّا جاء بالياء دون الواو؛ علمنا أنَّ أصله فيعول ، لا فعُّول ، وعدَّ بعضهم فيعولاً من صيغ المبالغة كضروبٍ ، وضرَّاب.\rقال بعضهم : هذه اللَّفظة عبريَّة؛ لأنَّهم يقولون \" حياً قياماً \" ، وليس الأمر كذلك؛ لأنا قد بيَّنا أن له وجهاً صحيحاً في اللُّغة.\rقوله : { لاَ تَأْخُذُهُ سِنَةٌ } في هذه الجملة خمسة أوجه :\rأحدها : أنها في محلِّ رفع خبراً للحيّ كما تقدَّم في أحد أوجه رفع الحيّ.\rالثاني : أنَّها خبرٌ عن الله تعالى عند من يجيز تعدُّد الخبر.\rالثالث : أنها في محلِّ نصبٍ على الحال من الضَّمير المستكنِّ في \" القَيُّومِ \" كأنَّه قيل : يقوم بأمر الخلق غير غافل ، قاله أبو البقاء رحمه الله تعالى.\rالرابع : أنها استئناف إخبارٍ ، أخبر - تبارك وتعالى - عن ذاته القديمة بذلك.\rالخامس : أنها تأكيد للقيُّوم؛ لأن من جاز عليه ذلك استحال أن يكون قيُّوماً ، قاله الزَّمخشريُّ ، فعلى قوله إنَّها تأكيدٌ يجوز أن يكون محلُّها النصب على الحال المؤكَّدة ، ويجوز أن تكون استئنافاً ، وفيها معنى التأكيد ، فتصير الأوجه أربعةً.\rوالسِّنة : النُّعاس ، وهو ما يتقدَّم النَّوم من الفتور؛ قال عديّ بن الرقاع : [ الكامل ]\rوَسْنَانُ أَقْصَدَهُ النُّعَاسُ فَرَنَّقَتْ... في عَيْنِهِ سِنَةٌ وَلَيْسَ بِنَائِمِ","part":8,"page":239},{"id":3279,"text":"وهي مصدر وسن يَسِنُ؛ مثل : وَعَد ، يَعِد ، وقد تقدَّم علة الحذف عند قوله { سَعَةً مِّنَ المال } [ البقرة : 247 ].\rقوله : { لَّهُ مَا فِي السماوات وَمَا فِي الأرض } هي كالتي قبلها إلاَّ في كونها تأكيداً ، و\" ما \" للشُّمول ، واللاّم في \" لَهُ \" للملك ، وكرَّر \" مَا \" تأكيداً ، وذكرها هنا المظروف دون الظرف؛ لأنَّ المقصود نفي الإلهيَّة عن غير الله تعالى ، وأنه لا ينبغي أن يعبد إلاّ هو ، لأنَّ ما عبد من دونه في السَّماء كالشَّمس ، والقمر ، والنجوم أو في الأرض كالأصنام وبعض بني آدم ، فكلُّهم ملكه تعالى تحت قهره ، واستغنى عن ذكر أنَّ السَّموات ، والأرض ملكٌ له بذكره قبل ذلك أنه خالق السَّموات والأرض.\rقوله : { مَن ذَا الذي يَشْفَعُ عِنْدَهُ } كقوله : { مَّن ذَا الذي يُقْرِضُ الله } [ البقرة : 245 ].\rقال القرطبيُّ : \" مَنْ \" رفع بالابتداء ، و\" ذَا \" خبره ، و\" الَّذِي \" نعتٌ لـ \" ذَا \" ، أو بدل ولا يجوز أن تكون \" ذا \" زائدة كما زيدت مع \" مَا \" ؛ لأنَّ \" ما \" مبهمة ، فزيدت \" ذا \" معها لشبهها بها.\rو \" مَنْ \" ، وإن كان لفظها استفهاماً فمعناه النَّفي ، ولذلك دخلت \" إلاَّ \" في قوله : { إِلاَّ بِإِذْنِهِ }.\rو \" عِنْدَهُ \" فيه وجهان :\rأحدهما : أنَّه متعلِّق بيشفع.\rوالثاني : أنه متعلِّق بمحذوف لكونه [ حالاً ] من الضَّمير في \" يَشْفَعُ \" ، أي : يشفع مستقراً عنده ، وقوي هذا الوجه بأنه إذا لم يشفع عنده من هو عنده وقريبٌ منه فشفاعة غيره أبعد وضعَّف بعضهم الحاليَّة بأنَّ المعنى : يشفع إليه.","part":8,"page":240},{"id":3280,"text":"و { إِلاَّ بِإِذْنِهِ } متعلِّققٌ بمحذوف ، لأنَّه حال من فاعل ، \" يَشْفَع \" فهو استثناءٌ مفرَّغ ، والباء للمصاحبة ، والمعنى : لا أحد يشفع عنده إلاَّ مأذوناً له منه ، ويجوز أن يكون مفعولاً به ، أي : بإذنه يشفعون كما تقول : \" ضَرَب بِسَيْفِهِ \" ، أي : هو آلةٌ للضَّرب ، والباء للتعدية.\rو \" يَعْلَمُ \" هذه الجملة يجوز أن تكون خبراً لأحد المبتدأين المتقدمين ، أو استئنافاً ، أو حالاً. والضَّمير فِي \" أيْدِيهم \" و\" خَلْفَهُم \" يعود على \" مَا \" في قوله تعالى : { لَّهُ مَا فِي السماوات وَمَا فِي الأرض } إلا أنَّه غلَّب من يعقل على غيره. وقيل : يعود على العقلاء ممَّن تضمَّنه لفظ \" ما \" دون غيرهم. وقيل : يعود على ما دلَّ عليه \" مَنْ ذَا \" من الملائكة والأنبياء. وقيل : من الملائكة خاصّةً.\r","part":8,"page":241},{"id":3281,"text":"قوله : { بِشَيْءٍ } متعلِّقٌ بـ \" يحيطون \". والعلم عنا بمعنى المعلوم؛ لأنَّ علمه تعالى الذي هو صفةٌ قائمةٌ بذاته المقدَّسة لا يتبعَّض ، ومن وقوع العلم موقع المعلوم قولهم : \" اللَّهُمَّ اغْفِرْ لَنَا عِلْمَكَ فِينَا \" وحديث موسى ، والخَضِر - عليهما الصَّلاة والسَّلام - \" مَا نَقَص علمي وعلمُك من علمه إلاَّ كَمَا نقص العُصْفُورُ من هذا البَحْر \" ولكون العلم بمعنى المعلوم ، صحَّ دخول التَّبعيض ، والاستثناء عليه. و\" مِنْ عِلْمِهِ \" يجوز أن يتعلَّق بـ \" يحيطون \" ، وأن يتعلَّق بمحذوف لأنه صفة لشيء ، فيكون في محلِّ جر. و\" بمَا شَاءَ \" متعلِّقٌ بـ \" يحيطون \" أيضاً ، ولا يضرُّ تعلُّق هذين الحرفين المتَّحدين لفظاً ومعنًى بعاملٍ واحدٍ؛ لأنَّ الثاني ومجروره بدلان من الأول ، بإعادة العامل بطرق الاستثناء ، كقولك : \" مَا مَرَرْتُ بأحدٍ إلاَّ بِزَيْدٍ \" ، ومفعول \" شَاءَ \" محذوفٌ تقديره : إلا بما شَاءَ أن يحيطوا به ، وإنما قدَّرته كذلك لدلالة قوله : { وَلاَ يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِّنْ عِلْمِهِ }. أ هـ {تفسير ابن عادل حـ 4 صـ 313 ـ 321}. بتصرف.","part":8,"page":242},{"id":3282,"text":"قوله تعالى : { لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى لَا انْفِصَامَ لَهَا وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (256)}\rمناسبة الآية لما قبلها\rقال البقاعى :\rولما اتضحت الدلائل لكل عالم وجاهل صار الدين إلى حد لا يحتاج فيه منصف لنفسه إلى إكراه فيه فقال : {لا إكراه في الدين} وقال الحرالي : لما نقل سبحانه وتعالى رتبة الخطاب من حد خطاب الأمر والنهي والحدود وما ينبني عليه المقام به دين القيمة الذي أخفى لهم أمر العظمة والجبروت الجابر لأهل الملكوت والملك فيما هم فيه مصرفون إلى علو رتبة دين الله المرضي الذي لا لبس فيه ولا حجاب عليه ولا عوج له ، وهو اطلاعه سبحانه وتعالى عبده على قيوميته الظاهرة بكل باد وفي كل باد وعلى كل باد وأظهر من كل بادٍ وعظمته الخفية التي لا يشير إليها اسم ولا يجوزها رسم وهي مداد كل مداد بين سبحانه وتعالى وأعلن بوضع الإكراه الخفي موقعه في دين القيمة من حيث ما فيه من حمل الأنفس على كرهها فيما كتب عليها مما هو علم عقابها وآية عذابها ، فذهب بالاطلاع على أمر الله في قيوميته وعظمته كره النفس بشهودها جميع ما تجري فيه لها ما عليها.\rفأولئك يبدل الله سيئاتهم حسنات بما استشعرته قلوبهم من ماء التوحيد الجاري تحت مختلفات أثمار أعمالهم فعاد حلوه ومره بذلك التوحيد حلواً ، كما يقال في الكبريت الأحمر الذي يقلب أعيان الأشياء الدنية إلى حال أرفعها - انتهى.\rثم علل سبحانه وتعالى انتفاء الإكراه عنه بقوله : {قد تبين الرشد} قال الحرالي : وهو حسن التصرف في الأمر والإقامة عليه بحسب ما يثبت ويدوم {من الغي} وهو سوء التصرف في الشيء وإجراؤه على ما تسوء عاقبته - انتهى.","part":8,"page":243},{"id":3283,"text":"أي فصار كل ذي لب يعرف أن الإسلام خير كله وغيره شر كله ، لما تبين من الدلائل وصار بحيث يبادر كل من أراد نفع نفسه إليه ويخضع أجبر الجبابرة لديه فكأنه لقوة ظهوره وغلبة نوره قد انتفى عنه الإكراه بحذافيره ، لأن الإكراه الحمل على ما لم يظهر فيه وجه المصلحة فلم يبق منه مانع إلاّ حظ النفس الخبيث في شهواتها البهيمية والشيطانية {فمن} أي فكان ذلك سبباً لأنه من {يكفر بالطاغوت} وهو نفسه وما دعت إليه ومالت بطبعها الرديء إليه.\rوقال الحرالي : وهو ما أفحش في الإخراج عن الحد الموقف عن الهلكة صيغة مبالغة وزيادة انتهاء مما منه الطغيان - انتهى.\r{ويؤمن بالله} أي الملك الأعلى ميلاً مع العقل الذي هو خير كله لما رأى بنوره من الأدلة القاطعة والبراهين الساطعة وداوم على ذلك بما أفادته صيغة المضارع من يكفر ويؤمن {فقد استمسك} على بصيرة منه {بالعروة الوثقى} أي التي لا يقع شك في أنها أوثق الأسباب في نجاته بما ألقى بيده واستسلم لربه {ومن يسلم وجهه إلى الله} [ الحج : 31 ] ، والعروة ما تشد به العياب ونحوها بتداخلها بعضها في بعض دخولاً لا ينفصم بعضه من بعض إلا بفصم طرفه فإذا انفصمت منه عروة انفصم جميعه ، والوثقى صيغة فعلى للمبالغة من الثقة بشدة ما شأنه أن يخاف وهنه ، ثم بين وثاقتها بقوله : {لا انفصام لها} أي لا مطاوعة في حل ولا صدع ولا ذهاب.\rقال ابن القطاع : فصمت الشيء صدعته ، والعقدة حللتها ، والشيء عنه ذهب.\r","part":8,"page":244},{"id":3284,"text":"وقال الحرالي : من الفصم وهو خروج العرى بعضها من بعض ، أي فهذه العروة لا انحلال لها أصلاً ، وهو تمثيل للمعلوم بالنظر والاحتجاج بالمشاهد المحسوس ليتصوره السامع كأنه ينظر إليه بعينه فيحكم اعتقاده فيه ويجل اغتباطه به ، فعلم من هذا أنه لم يبق عائق عن الدخول في هذا الدين إلا القضاء والقدر ، فمن سبقت له السعادة قيض الله سبحانه وتعالى له من الأسباب ما يخرجه به من الظلمات إلى النور ، ومن غلبت عليه الشقاوة سلط عليه الشياطين فأخرجته من نور الفطرة إلى ظلمات الكفر والحيرة.\rولما كان كل من الإيمان والكفر المتقدمين قولاً وفعلاً واعتقاداً قال مرغباً فيهما ومرهباً من تركهما : {والله} الذي له صفات الكمال {سميع} أي لما يقال مما يدل على الإيمان {عليم} أي بما يفعل أو يضمر من الكفر والطغيان ومجاز عليه ، ولعل في الآية التفاتاً إلى ما ذكر أول السورة في الكفار من أنه سواء عليهم الإنذار وتركه وإلى المنافقين وتقبيح ما هم عليه مما هو في غاية المخالفة لما صارت أدلته أوضح من الشمس وهي مشعرة بالإذن في الإعراض عن المنافقين. أ هـ {نظم الدرر حـ 1 صـ 500 ـ 501}\rقال ابن عاشور : \rقوله تعالى : { لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ}\rاستئناف بياني ناشىء عن الأمر بالقتال في سبيل الله في قوله : { وقاتلوا في سبيل الله واعلموا أن الله سميع عليم } [ البقرة : 244 ] إذ يبدو للسامع أن القتال لأجل دخول العدو في الإسلام فبيّن في هذه الآية أنه لا إكراه على الدخول في الإسلام وسيأتي الكلام على أنّها محكمة أو منسوخة.\r","part":8,"page":245},{"id":3285,"text":"وتعقيب آية الكرسي بهاته الآية بمناسبة أنّ ما اشتملت عليه الآية السابقة من دلائل الوحدانية وعظمة الخالق وتنزيهه عن شوائب ما كفرت به الأممُ ، من شأنه أن يسوق ذوي العقول إلى قبول هذا الدين الواضحِ العقيدة ، المستقيم الشريعةِ ، باختيارهم دون جبر ولا إكراه ، ومن شأنه أن يجعل دوامهم على الشرك بمحل السؤال : أيُتْرَكون عليه أم يُكْرَهُون على الإسلام ، فكانت الجملة استئنافاً بيانياً. أ هـ {التحرير والتنوير حـ 3 صـ 25}\rقال الفخر : \rاللام في {الدين} فيه قولان أحدهما : أنه لام العهد والثاني : أنه بدل من الإضافة ، كقوله {فَإِنَّ الجنة هِىَ المأوى} [ النازعات : 41 ] أي مأواه ، والمراد في دين الله.\rأ هـ {مفاتيح الغيب حـ 7 صـ 13}\rفصل\rقال ابن عاشور : \rونفي الإكراه خبر في معنى النهي ، والمراد نفي أسباب الإكراه في حُكم الإسلام ، أي لا تكرهوا أحداً على اتباع الإسلام قسراً ، وجيء بنفي الجنس لقصد العموم نصاً.\rوهي دليل واضح على إبطال الإكراه على الدِّين بسائر أنواعه ، لأنّ أمر الإيمان يجري على الاستدلال ، والتمكين من النظر ، وبالاختيار.\rوقد تقرر في صدر الإسلام قتال المشركين على الإسلام ، وفِي الحديث : \" أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلاّ الله فإذا قالوها عصموا منّي دماءهم وأموالهم إلاّ بحقّها \".\r","part":8,"page":246},{"id":3286,"text":"ولا جائز أن تكون هذه الآية قد نزلت قبل ابتداء القتال كله ، فالظاهر أنّ هذه الآية نزلت بعد فتح مكة واستخلاص بلاد العرب ، إذ يمكن أن يدوم نزول السورة سنين كما قدمناه في صدر تفسير سورة الفاتحة لا سيما وقد قيل بأنّ آخر آية نزلت هي في سورة النساء ( 176 ) { يبين الله لكم أن تضلوا } الآية (1) ، فنسخت حكم القتال على قبول الكافرين الإسلام ودلت على الاقتناع منهم بالدخول تحت سلطان الإسلام وهو المعبّر عنه بالذمة ، ووضحُه عمل النبي وذلك حين خلصت بلاد العرب من الشرك بعد فتح مكة وبعد دخول الناس في الدين أفواجاً حين جاءت وفود العرب بعد الفتح ،\rفلما تم مراد الله من إنقاذ العرب من الشرك والرجوع بهم إلى ملَّة إبراهيم ، ومن تخليص الكعبة من أرجاس المشركين ، ومن تهيئة طائفة عظيمة لحمل هذا الدين وحماية بيضته ، وتبيّنَ هدى الإسلام وزال ما كان يحول دون أتِّباعه من المكابرة ، وحقّق الله سلامه بلاد العرب من الشرك كما وقع في خطبة حجة الوداع إنّ الشيطان قد يئس من أن يُعبد في بلدكم هذا لَمَّا تم ذلك كله أبطل الله القتال على الدين وأبقى القتال على توسيع سلطانه ، ولذلك قال ( سورة التوبة 29 )\r{ قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر ولا يحرمون ما حرم الله ورسوله ولا يدينون دين الحق من الذين أوتوا الكتاب حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون } وعلى هذا تكون الآية ناسخة لما تقدّم من آيات القتال مثل قوله قبلها { يا أيها النبي جاهد الكفار والمنافقين واغلظ عليهم } [ التوبة : 73 ] على أن الآيات النازلة قبلها أو بعدها أنواع ثلاثة :\r__________________\r(1) الراجح عند العلماء المحققين أن آخر آية نزلت هى قوله تعالى فى سورة البقرة {واتقوا يوما ترجعون فيه إلى الله}\rولا يخلو بعض كلامه ـ رحمه الله ـ من نظر. والله أعلم.","part":8,"page":247},{"id":3287,"text":"أحدها : آيات أمرت بقتال الدفاع كقوله تعالى : { وقاتلوا المشركين كافة كما يقاتلونكم كافة } [ التوبة : 36 ] ، وقوله : { الشهر الحرام بالشهر الحرام والحرمات قصاص فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم واتقوا الله } [ البقرة : 194 ] ، وهذا قتال ليس للإكراه على الإسلام بل هو لدفع غائلة المشركين.\rالنوع الثاني : آيات أمرت بقتال المشركين والكفّار ولم تغيّ بغاية ، فيجوز أن يكون إطلاقها مقيّداً بغاية آيةِ { حتى يعطوا الجزية } [ التوبة : 29 ] وحينئذ فلا تعارضه آيتنا هذه { لا إكراه في الدين }.\rالنوع الثالث : مَا غُيِّيَ بغاية كقوله تعالى : { وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين لله } [ البقرة : 193 ] ، فيتعين أن يكون منسوخاً بهاته الآية وآيةِ { حتى يعطوا الجزية } [ التوبة : 29 ] كما نُسخ حديثُ \" أمرتُ أن أقاتل الناس \" هذا ما يظهر لنا في معنى الآية ، والله أعلم.\rولأهل العلم قبلنا فيها قولان : الأول قال ابن مسعود وسليمان بن موسى : هي منسوخة بقوله { يأيها النبي جاهد الكفّار والمنافقين } [ التوبة : 73 ] ، فإنّ النبي صلى الله عليه وسلم أكره العرب على الإسلام وقاتلهم ولم يرض منهم إلاّ به.\rولعلهما يريدان من النسخ معنى التخصيص.\rوالاستدلال على نسخها بقتال النبي صلى الله عليه وسلم العربَ على الإسلام ، يعارضه أنّه عليه السلام أخذ الجزية من جميع الكفّار ، فوجه الجمع هو التنصيص.\rالقول الثاني أنها محكّمة ولكنّها خاصة ، فقال الشعبي وقتادة والحسن والضحاك هي خاصة بأهل الكتاب فإنّهم لا يُكْرَهون على الإسلام إذا أدّوا الجزية وإنّما يجبر على الإسلام أهل الأوثان ، وإلى هذا مال الشافعي فقال : إنّ الجزية لا تؤخذ إلاّ من أهل الكتاب والمجوسِ.\rقال ابن العربي في الأحكام \"وعلى هذا فكل من رأى قبول الجزية من جنسٍ يَحمل الآية عليه\" ، يعني مع بقاء طائفة يتحقق فيها الإكراه.\r","part":8,"page":248},{"id":3288,"text":"وقال ابن عباس وسعيد بن جبير ومجاهد : نزلت هذه الآية في الأنصار كانوا في الجاهلية إذا كانت المرأة منهم مِقلاتاً أي لا يعيش لها ولد تنذر إن عاش لها ولد أن تهوّده ، فلما جاء الإسلام وأسلموا كان كثير من أبناء الأنصار يهودا فقالوا : لا ندع أبناءنا بل نكرههم على الإسلام ، فأنزل الله تعالى : { لا إكراه في الدين }. أ هـ {التحرير والتنوير حـ 3 صـ 26 ـ 27}\rفصل\rقال الفخر : \rفي تأويل الآية وجوه أحدها : وهو قول أبي مسلم والقفال وهو الأليق بأصول المعتزلة : معناه أنه تعالى ما بنى أمر الإيمان على الإجبار والقسر ، وإنما بناه على التمكن والاختيار ، ثم احتج القفال على أن هذا هو المراد بأنه تعالى لما بيّن دلائل التوحيد بياناً شافياً قاطعاً للعذر ، قال بعد ذلك : إنه لم يبق بعد إيضاح هذه الدلائل للكافر عذر في الإقامة على الكفر إلا أن يقسر على الإيمان ويجبر عليه ، وذلك مما لا يجوز في دار الدنيا التي هي دار الابتلاء ، إذ في القهر والإكراه على الدين بطلان معنى الابتلاء والامتحان ، ونظير هذا قوله تعالى : {فَمَن شَاء فَلْيُؤْمِن وَمَن شَاء فَلْيَكْفُرْ} [ الكهف : 29 ] وقال في سورة أخرى {وَلَوْ شَاء رَبُّكَ لآمَنَ مَن فِى الأرض كُلُّهُمْ جَمِيعًا أَفَأَنتَ تُكْرِهُ الناس حتى يَكُونُواْ مُؤْمِنِينَ} [ الشعراء : 3 ، 4 ] وقال في سورة الشعراء {لَعَلَّكَ باخع نَّفْسَكَ أَلاَّ يَكُونُواْ مُؤْمِنِينَ إِن نَّشَأْ نُنَزّلْ عَلَيْهِمْ مّنَ السماء ءَايَةً فَظَلَّتْ أعناقهم لَهَا خاضعين} ومما يؤكد هذا القول أنه تعالى قال بعد هذه الآية {قَد تَّبَيَّنَ الرشد مِنَ الغي} يعني ظهرت الدلائل ، ووضحت البينات ، ولم يبق بعدها إلا طريق القسر والإلجاء والإكراه ، وذلك غير جائز لأنه ينافي التكليف فهذا تقرير هذا التأويل.\r","part":8,"page":249},{"id":3289,"text":"القول الثاني : في التأويل هو أن الإكراه أن يقول المسلم للكافر : إن آمنت وإلا قتلتك فقال تعالى : {لا إِكْرَاهَ فِى الدين} أما في حق أهل الكتاب وفي حق المجوس ، فلأنهم إذا قبلوا الجزية سقط القتل عنهم ، وأما سائر الكفار فإذا تهودوا أو تنصروا فقد اختلف الفقهاء فيهم ، فقال بعضهم : إنه يقر عليه ؛ وعلى هذا التقدير يسقط عنه القتل إذا قبل الجزية ، وعلى مذهب هؤلاء كان قوله {لا إِكْرَاهَ فِى الدين} عاماً في كل الكفار ، أما من يقول من الفقهاء بأن سائر الكفار إذا تهودوا أو تنصروا فإنهم لا يقرون عليه ، فعلى قوله يصح الإكراه في حقهم ، وكان قوله {لا إِكْرَاهَ} مخصوصاً بأهل الكتاب.\rوالقول الثالث : لا تقولوا لمن دخل في الدين بعد الحرب إنه دخل مكرهاً ، لأنه إذا رضي بعد الحرب وصح إسلامه فليس بمكره ، ومعناه لا تنسبوهم إلى الإكراه ، ونظيره قوله تعالى : {وَلاَ تَقُولُواْ لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السلام لَسْتَ مُؤْمِناً} [ النساء : 94 ]. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 7 صـ 13 ـ 14}\rفصل\rقال القرطبى : \rاختلف العلماء في ( معنى ) هذه الآية على ستة أقوال : \r( الأوّل ) قيل إنها منسوخة ؛ لأن النبيّ صلى الله عليه وسلم قد أكره العرب على دين الإسلام وقاتلهم ولم يرض منهم إلا بالإسلام ؛ قاله سليمان بن موسى ، قال : نسختها { ياأيها النبي جَاهِدِ الكفار والمنافقين } [ التوبة : 73 ].\rوروي هذا عن ابن مسعود وكثير من المفسرين.\r( الثاني ) ليست بمنسوخة وإنما نزلت في أهل الكتاب خاصةً ، وأنهم لا يُكرهون على الإسلام إذا أدّوا الجزية ، والذين يُكرهون أهلُ الأوثان فلا يقبل منهم إلا الإسلام فهم الذين نزل فيهم { ياأيها النبي جَاهِدِ الكفار والمنافقين } [ التوبة : 73 ].\rهذا قول الشعبيّ وقتادة والحسن والضحاك.\r","part":8,"page":250},{"id":3290,"text":"والحجة لهذا القول ما رواه زيد بن أسلم عن أبيه قال : سمعت عمر بن الخطاب يقول لعجوز نصرانية : أسلمِي أيتها العجوز تسلمي ، إن الله بعث محمداً بالحق.\rقالت : أنا عجوز كبيرة والموت إليّ قريب! فقال عمر : اللهم اشهد ، وتلا { لاَ إكْرَاهَ في الدِّينِ }.\r( الثالث ) ما رواه أبو داود عن ابن عباس قال : نزلت هذه في الأنصار ، كانت تكون المرأة مِقلاتاً فتجعل على نفسها إن عاش لها ولد أن تهوِّده ؛ فلما أجليت بنو النضير كان فيهم كثير من أبناء الأنصار فقالوا : لا ندع أبناءنا! فأنزل الله تعالى : { لاَ إِكْرَاهَ فِي الدين قَد تَّبَيَّنَ الرشد مِنَ الغي }.\rقال أبو داود : والمِقلاتُ التي لا يعيش لها ولدٌ.\rفي رواية : إنما فعلنا ما فعلنا ونحن نرى أن دينهم أفضل مما نحن عليه ، وأما إذا جاء الله بالإسلام فنُكرِههم عليه فنزلت : { لاَ إِكْرَاهَ فِي الدين } من شاء التحق بهم ومن شاء دخل في الإسلام.\rوهذا قول سعيد بن جبير والشعبيّ ومجاهد إلا أنه قال : كان سبب كونهم في بني النضير الاسترضاع.\rقال النحاس : قول ابن عباس في هذه الآية أُولى الأقوال لصحة إسناده ، وأن مثله لا يؤخذ بالرأي.\r","part":8,"page":251},{"id":3291,"text":"( الرابع ) قال السدي : نزلت الآية في رجل من الأنصار يقال له أبو حصين كان له ابنان ، فقدم تجارٌ من الشام إلى المدينة يحملون الزيت ، فلما أرادوا الخروج أتاهم ابنا الحصين فدعوهما إلى النصرانية فتنصّرا ومضيا معهم إلى الشام ، فأتى أبوهما رسول الله صلى الله عليه وسلم مشتكياً أمرهما ، ورغب في أن يبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم من يردّهما فنزلت : { لاَ إِكْرَاهَ فِي الدين } ولم يؤمر يومئذ بقتال أهل الكتاب ، وقال : \"أبعدهما الله هما أوّل من كفر\"! فوجد أبو الحصين في نفسه على النبيّ صلى الله عليه وسلم حين لم يبعث في طلبهما فأنزل الله جل ثناؤه { فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حتى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ } [ النساء : 65 ] ، الآية ثم إنه نسخ { لاَ إِكْرَاهَ فِي الدين } فأمر بقتال أهل الكتاب في سورة \"براءة\".\rوالصحيح في سبب قوله تعالى : { فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ } حديث الزبير مع جاره الأنصاري في السَّقْي ، على ما يأتي في \"النساء\" بيانه إن شاء الله تعالى.\rوقيل : معناها لا تقولوا لمن أسلم تحت السيف مُجْبَراً مُكْرهاً ؛ وهو القول الخامس.\rوقول سادس ، وهو أنها وردت في السبي متى كانوا من أهل الكتاب لم يجبروا إذا كانوا كباراً ، وإن كانوا مجوساً صغاراً أو كباراً أو وثنيين فإنهم يجبرون على الإسلام ؛ لأن من سباهم لا ينتفع بهم مع كونهم وثنيين ؛ ألا ترى أنه لا تؤكل ذبائحهم ولا توطأ نساؤهم ، ويدينون بأكل الميتة والنجاسات وغيرهما ، ويستقذرهم المالك لهم ويتعذّر عليه الانتفاع بهم من جهة الملك فجاز له الإجبار.\rونحو هذا روى ابن القاسم عن مالك.\rوأما أشهب فإنه قال : هم على دين من سباهم ، فإذا امتنعوا أُجبروا على الإسلام ، والصغار لا دين لهم فلذلك أجبروا على الدخول في دين الإسلام لئلا يذهبوا إلى دين باطل.\rفأما سائر أنواع الكفر متى بذلوا الجزية لم نكرههم على الإسلام سواء كانوا عرباً أم عجماً قريشاً أو غيرهم. أ هـ {تفسير القرطبى حـ 3 صـ 280 ـ 281}","part":8,"page":252},{"id":3292,"text":"بحث\rقال فى الميزان : \rوفي قوله تعالى : {لا إكراه في الدين} ، نفى الدين الإجبارى ، لما أن الدين وهو سلسلة من المعارف العلمية التي تتبعها أخرى عملية يجمعها أنها اعتقادات ، والاعتقاد والإيمان من الأمور القلبية التي لا يحكم فيها الإكراه والإجبار ، فإن الإكراه إنما يؤثر في الأعمال الظاهرية والأفعال والحركات البدنية المادية ، وأما الاعتقاد القلبي فله علل وأسباب أخرى قلبية من سنخ الاعتقاد والإدراك ، ومن المحال أن ينتج الجهل علما ، أو تولد المقدمات غير العلمية تصديقا علميا ، فقوله : لا إكراه في الدين ، إن كان قضية إخبارية حاكية عن حال التكوين أنتج حكما دينيا بنفي الإكراه على الدين والاعتقاد ، وإن كان حكما إنشائيا تشريعيا كما يشهد به ما عقبه تعالى من قوله : \"قد تبين الرشد من الغي\" ، كان نهيا عن الحمل على الاعتقاد والإيمان كرها ، وهو نهي متك على حقيقة تكوينية ، وهي التي مر بيانها أن الإكراه إنما يعمل ويؤثر في مرحلة الأفعال البدنية دون الاعتقادات القلبية.\rوقد بين تعالى هذا الحكم بقوله : \"قد تبين الرشد من الغي\" ، وهو في مقام التعليل فإن الإكراه والإجبار إنما يركن إليه الآمر الحكيم والمربي العاقل في الأمور المهمة التي لا سبيل إلى بيان وجه الحق فيها لبساطة فهم المأمور وردائة ذهن المحكوم ، أو لأسباب وجهات أخرى ، فيتسبب الحاكم في حكمه بالإكراه أو الأمر بالتقليد ونحوه ، وأما الأمور المهمة التي تبين وجه الخير والشر فيها ، وقرر وجه الجزاء الذي يلحق فعلها وتركها فلا حاجة فيها إلى الإكراه ، بل للإنسان أن يختار لنفسه ما شاء من طرفي الفعل وعاقبتي الثواب والعقاب ، والدين لما انكشفت حقائقه واتضح طريقه بالبيانات الإلهية الموضحة بالسنة النبوية فقد تبين أن الدين رشد والرشد في اتباعه ، والغي في تركه والرغبة عنه ، وعلى هذا لا موجب لأن يكره أحد أحدا على الدين.\r","part":8,"page":253},{"id":3293,"text":"وهذه إحدى الآيات الدالة على أن الإسلام لم يبتن على السيف والدم ، ولم يفت بالإكراه والعنوة على خلاف ما زعمه عدة من الباحثين من المنتحلين وغيرهم أن الإسلام دين السيف واستدلوا عليه : بالجهاد الذي هو أحد أركان هذا الدين.\rوقد تقدم الجواب عنه في ضمن البحث عن آيات القتال وذكرنا هناك أن القتال الذي ندب إليه الإسلام ليس لغاية إحراز التقدم وبسط الدين بالقوة والإكراه ، بل لإحياء الحق والدفاع عن أنفس متاع للفطرة وهو التوحيد ، وأما بعد انبساط التوحيد بين الناس وخضوعهم لدين النبوة ولو بالتهود والتنصر فلا نزاع لمسلم مع موحد ولا جدال ، فالإشكال ناش عن عدم التدبر.\rويظهر مما تقدم أن الآية أعني قوله : \"لا إكراه في الدين\" غير منسوخة بآية السيف\rكما ذكره بعضهم.\rومن الشواهد على أن الآية غير منسوخة التعليل الذي فيها أعني قوله : \"قد تبين الرشد من الغي\" ، فإن الناسخ ما لم ينسخ علة الحكم لم ينسخ نفس الحكم ، فإن الحكم باق ببقاء سببه ، ومعلوم أن تبين الرشد من الغي في أمر الإسلام أمر غير قابل للارتفاع بمثل آية السيف ، فإن قوله : \"فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم\" مثلا ، أو قوله : \"وقاتلوا في سبيل الله\" الآية لا يؤثران في ظهور حقية الدين شيئا حتى ينسخا حكما معلولا لهذا\rوبعبارة أخرى الآية تعلل قوله : \"لا إكراه في الدين\" بظهور الحق ، هو معنى لا يختلف حاله قبل نزول حكم القتال وبعد نزوله ، فهو ثابت على كل حال ، فهو غير منسوخ. أ هـ {الميزان حـ 2 صـ 343 ـ 344}","part":8,"page":254},{"id":3294,"text":"قوله تعالى : {قَد تَّبَيَّنَ الرشد مِنَ الغي}\rقال الفخر : \r{تَّبَيَّنَ الرشد مِنَ الغي} أي تميز الحق من الباطل ، والإيمان من الكفر والهدى من الضلالة بكثرة الحجج والآيات الدالة ، قال القاضي : ومعنى {قَد تَّبَيَّنَ الرشد} أي أنه قد اتضح وانجلى بالأدلة لا أن كل مكلف تنبه لأن المعلوم ذلك وأقول : قد ذكرنا أن معنى {تَّبَيَّنَ} انفصل وامتاز ، فكان المراد أنه حصلت البينونة بين الرشد والغي بسبب قوة الدلائل وتأكيد البراهين ، وعلى هذا كان اللفظ مُجْرَى على ظاهره. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 7 صـ 14}\rوقال البيضاوى : \r{ قَد تَّبَيَّنَ الرشد مِنَ الغي } تميز الإِيمان من الكفر بالآيات الواضحة ، ودلت الدلائل على أن الإِيمان رشد يوصل إلى السعادة الأبدية والكفر غي يؤدي إلى الشقاوة السرمدية ، والعاقل متى تبين له ذلك بادرت نفسه إلى الإِيمان طلباً للفوز بالسعادة والنجاة ، ولم يحتج إلى الإِكراه والإِلجاء. أ هـ {تفسير البيضاوى حـ 1 صـ 557}\rوقال ابن عاشور : \rوقوله : { قد تبين الرشد من الغيّ } واقع موقع العلة لقوله : { لا إكراه في الدين } ولذلك فصلت الجملة.\rوالرشد بضم فسكون ، وبفتح ففتح الهُدى وسداد الرأي ، ويقابله الغيّ والسفه ، والغيّ الضلال ، وأصله مصدرُ غَوَى المتعدي فأصله غَوْي قلبت الواو ياء ثم أدغمتا.\rوضُمّن تبيّن معنى تميز فلذلك عدي بمَن ، وإنّما تبيّن ذلك بدعوة الإسلام وظهوره في بلد مستقل بعد الهجرة. أ هـ {التحرير والتنوير حـ 3 صـ 28}\rقوله تعالى : {فَمَنْ يَكْفُرْ بالطاغوت ويؤمن بالله فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى لَا انْفِصَامَ لَهَا}\rقال ابن عاشور : ","part":8,"page":255},{"id":3295,"text":"وقوله : { فمن يكفر بالطاغوت ويؤمن بالله فقد استمسك بالعروة الوثقى } تفريع على قوله : { قد تبيّن الرشد من الغي } إذ لم يبق بعد التبيين إلاّ الكفرُ بالطاغوت ، وفيه بيان لنفي الإكراه في الدين ؛ إذ قد تفرّع عن تميّز الرشد من الغي ظهور أنّ متّبع الإسلام مستمسك بالعروة الوثقى فهو ينساق إليه اختياراً.\rوالطاغوت الأوثان والأصنام ، والمسلمون يسمّون الصَّنم الطاغية ، وفي الحديث : \" كانوا يهلون لمناة الطاغية \" ويجمعون الطاغوت على طواغيت ، ولا أحسبه إلاّ من مصطلحات القرآن وهو مشتق من الطغيان وهو الارتفاع والغلو في الكبر وهو مذموم ومكروه.\rووزن طاغوت على التحقيق طَغَيُوت فَعَلُوت من أوزان المصادر مثل مَلَكوت ورَهَبوت وَرَحَمُوت فوقع فيه قلب مكاني بين عينه ولامه فصيرُ إلى فَلَعوت طيَغوت ليتأتى قلب اللام ألفاً فصار طَاغوت ، ثم أزيل عنه معنى المصدر وصار اسماً لطائفة مما فيه هذا المصدر فصار مثل مَلَكوت في أنه اسم طائفة مما فيه معنى المصدر لا مثل رَحَموت ورهبوت في أنّهما مصدران فتاؤه زائدة ، وجعل علماً على الكفر وعلى الأصنام ، وأصله صفة بالمصدر ويطلق على الواحد والجمع والمذكر والمؤنث كشأن المصادر.\rوعطف { ويؤمن بالله } على الشرط لأنّ نبذ عبادة الأصنام لا مزيّة فيه إن لم يكن عَوّضها بعبادة الله تعالى.\rومعنى استمسك تمسك ، فالسينُ والتاء للتأكيد كقوله : { فاستمسكْ بالذي أُوحيَ إليك } [ الزخرف : 43 ] وقوله : { فاستجاب لهم ربهم } [ آل عمران : 195 ] وقول النابغة : \"فاستنكحوا أمّ جابر\" إذ لا معنى لطلب التمسك بالعروة الوثقى بعد الإيمان ، بل الإيمان التمسك نفسه.\rوالعروة بضم العين ما يُجعل كالحلْقة في طرف شيء ليقبض على الشيء منه ، فللدّلوْ عروة وللكُوز عُروة ، وقد تكون العروة في حبل بأن يشدّ طرفه إلى بعضه ويعقد فيصير مثل الحلقة فيه ، فلذلك قال في \"الكشاف\" : العروة الوثقى من الحبل الوثيق.\r","part":8,"page":256},{"id":3296,"text":"و { الوثقى } المحكمة الشدّ.\r{ ولا انفصام لها } أي لا انقطاع ، والفصم القطع بتفريق الاتصال دون تجزئة بخلاف القصم بالقاف فهو قطع مع إبانة وتجزئة. أ هـ {التحرير والتنوير حـ 3 صـ 28 ـ 29}\rقال أبو حيان : \rقال ابن عطية وقدّم ذكر الكفر بالطاغوت على الإيمان بالله ليظهر الاهتمام بوجوب الكفر بالطاغوت. انتهى.\rوناسب ذلك أيضاً اتصاله بلفط الغي ، ولأن الكفر بالطاغوت متقدّم على الإيمان بالله ، لأن الكفر بها هو رفضها ، ورفض عبادتها ، ولم يكتف بالجملة الأولى لأنها لا تستلزم الجملة الثانية ، إذ قد يرفض عبادتها ولا يؤمن بالله ، لكن الإيمان يستلزم الكفر بالطاغوت ، ولكنه نبه بذكر الكفر بالطاغوت على الانسلاخ بالكلية ، مما كان مشتبهاً به ، سابقاً له قبل الإيمان ، لأن في النصية عليه مزيد تأكيد على تركه. أ هـ {البحر المحيط حـ 2 صـ 292 ـ 293}\rفصل\rقال الماوردى : \r{ فَمَن يَكْفُرُ بِالطَّاغُوتِ } فيه سبعة أقوال : \rأحدها : أنه الشيطان وهو قول عمر بن الخطاب.\rوالثاني : أنه الساحر ، وهو قول أبي العالية.\rوالثالث : الكاهن ، وهو قول سعيد بن جبير.\rوالرابع : الأصنام.\rوالخامس : مَرَدَة الإنس والجن.\rوالسادس : أنه كل ذي طغيان طغى على الله ، فيعبد من دونه ، إما بقهر منه لمن عبده ، أو بطاعة له ، سواء كان المعبود إنساناً أو صنماً ، وهذا قول أبي جعفر الطبري.\rوالسابع : أنها النفس لطغيانها فيما تأمر به من السوء ، كما قال تعالى : { إِنَّ النَّفْسَ لأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ } [ يوسف : 53 ].\rواختلفوا في { الطَّاغُوتِ } على وجهين : \rأحدهما : أنه اسم أعجمي معرّب ، يقع على الواحد والجماعة.\rوالثاني : أنه اسم عربي مشتق من الطاغية ، قاله ابن بحر. أ هـ {النكت والعيون حـ 1 صـ 327 ـ 328}\rقال الفخر : ","part":8,"page":257},{"id":3297,"text":"والتحقيق أنه لما حصل الطغيان عند الاتصال بهذه الأشياء جعلت هذه الأشياء أسباباً للطغيان كما في قوله {رَبّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًا مّنَ الناس} [ إبراهيم : 36 ]. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 7 صـ 15}\rوقال أبو حيان : \rينبغي أن تجعل هذه الأقوال كلها تمثيلاً ، لأن الطاغوت محصور في كل واحد منها. أ هـ {البحر المحيط حـ 2 صـ 292}\rقال الفخر : \rأما قوله {وَيُؤْمِن بالله} ففيه إشارة إلى أنه لا بد للكافر من أن يتوب أولاً عن الكفر ، ثم يؤمن بعد ذلك.\rأما قوله {فَقَدِ استمسك بالعروة الوثقى} فاعلم أنه يقال : استمسك بالشيء إذا تمسك به والعروة جمعها عرا نحو عروة الدلو والكوز وإنما سميت بذلك ، لأن العروة عبارة عن الشيء الذي يتعلق به والوثقى تأنيث الأوثق ، وهذا من باب استعارة المحسوس للمعقول ، لأن من أراد إمساك شيء يتعلق بعروته ، فكذا هاهنا من أراد إمساك هذا الدين تعلق بالدلائل الدالة عليه ، ولما كانت دلائل الإسلام أقوى الدلائل وأوضحها ، لا جرم وصفها بأنها العروة الوثقى. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 7 صـ 15}\rفائدة\rقال أبو حيان : \rوجواب الشرط : فقد استمسك ، وأبرز في صورة الفعل الماضي المقرون بقد الدالة في الماضي على تحقيقه ، وإن كان مستقبلاً في المعنى لأنه جواب الشرط ، إشعاراً بأنه مما وقع استمساكه وثبت وذلك للمبالغة في ترتيب الجزاء على الشرط ، وأنه كائن لا محالة لا يمكن أن يتخلف عنه ، و: بالعروة ، متعلق باستمسك ، جعل ما تمسك به من الإيمان عروة ، وهي في الأجرام موضع الإمساك وشد الأيدي شبه الإيمان بذلك.\rقال الزمخشري : وهذا تمثيل للمعلوم بالنظر ، والاستدلال بالمشاهد المحسوس ، حتى يتصوره السامع كأنه ينظر إليه بعينه ، فيحكم اعتقاده والتيقن.\rوالمشبه بالعروة الإيمان ، قاله : مجاهد.\r","part":8,"page":258},{"id":3298,"text":"أو : الإسلام قاله السدّي أو : لا إله إلا الله ، قاله ابن عباس ، وابن جبير ، والضحاك ، أو : القرآن ، قاله السدّي أيضاً ، أو : السنة ، أو : التوفيق.\rأو : العهد الوثيق.\rأو : السبب الموصل إلى رضا الله وهذه أقوال متقاربه.\r{ لا انفصام لها } لا انكسار لها ولا انقطاع ، قال الفراء : الانفصام والانقصام هما لغتان ، وبالفاء أفصح ، وفرق بعضهم بينهما ، فقال : الفصم انكسار بغير بينونة ، والقصم انكسار ببينونة. أ هـ {البحر المحيط حـ 2 صـ 293}\rقال ابن كثير : \rقال مجاهد : { فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى } يعني : الإيمان. وقال السدي : هو الإسلام وقال سعيد بن جبير والضحاك : يعني لا إله إلا الله. وعن أنس بن مالك : { بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى } : القرآن. وعن سالم بن أبي الجعد قال : هو الحب في الله والبغض في الله.\rوكل هذه الأقوال صحيحة ولا تنافي بينها.\rوقال معاذ بن جبل في قوله : { لا انْفِصَامَ لَهَا } أي : لا انقطاع لها دون دخول الجنة.\rوقال مجاهد وسعيد بن جبير : { فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى لا انْفِصَامَ لَهَا } ثم قرأ : { إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ } [الرعد : 11].\rوقال الإمام أحمد : حدثنا إسحاق بن يوسف حدثنا ابن عون عن محمد عن قيس بن عباد قال : كنت في المسجد فجاء رجل في وجهه أثر من خشوع ، فدخل فصلى ركعتين أوجز فيهما فقال القوم : هذا رجل من أهل الجنة. فلما خرج اتبعته حتى دخل منزله فدخلت معه فحدثته فلما استأنس قلت له : إن القوم لما دخلت قبل المسجد قالوا كذا وكذا. قال : سبحان الله ما ينبغي لأحد أن يقول ما لا يعلم وسأحدثك لم : إني رأيت رؤيا على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فقصصتها عليه : رأيت كأني في روضة خضراء\r","part":8,"page":259},{"id":3299,"text":"قال ابن عون : فذكر من خضرتها وسعتها وسطها عمود حديد أسفله في الأرض وأعلاه في السماء في أعلاه عروة ، فقيل لي : اصعد عليه فقلت : لا أستطيع. فجاءني مِنْصَف -قال ابن عون : هو الوصيف فرفع ثيابي من خلفي ، فقال : اصعد. فصعدت حتى أخذت بالعروة فقال : استمسك بالعروة. فاستيقظت وإنها لفي يدي فأتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقصصتها عليه. فقال : \"أما الروضة فروضة الإسلام وأما العمود فعمود الإسلام وأما العروة فهي العروة الوثقى ، أنت على الإسلام حتى تموت\". {المسند (5/452)}.\rقال : وهو عبد الله بن سلام أخرجاه في الصحيحين من حديث عبد الله بن عون. { صحيح البخاري برقم (3813) وصحيح مسلم برقم (2484).} وأخرجه البخاري من وجه آخر ، عن محمد بن سيرين به. { صحيح البخاري برقم (7010)}.\rأ هـ {تفسيرابن كثير حـ 1 صـ 683}\rفائدة بلاغية\rقال ابن عاشور : \rوالاستمساك بالعروة الوثقى تمثيلي ، شبهت هيأة المؤمن في ثباته على الإيمان بهيأة من أمسك بعروة وثقى من حَبل وهو راكب على صَعب أو في سفينة في هَول البحر ، وهي هيأة معقولة شبهت بهيأة محسوسة ، ولذلك قال في \"الكشاف\" \"وهذا تمثيل للمعلوم بالنظَر ، بالمشاهَد\" وقد أفصح عنه في تفسير سورة لقمان إذ قال \"مثلت حال المتوكل بحال من أراد أن يتدلى من شاهق فاحتاط لنفسه بأن استمسك بأوثق عروة من حبل متين مأمون انقطاعه\" ، فالمعنى أنّ المؤمن ثابت اليقين سالم من اضطراب القلب في الدنيا وهو ناج من مَهاوي السقوط في الآخرة كحال من تمسك بعروة حبل متين لا ينفصم. أ هـ {التحرير والتنوير حـ 3 صـ 29}\rقوله {لاَ انفصام لَهَا}\rفصل\rقال الفخر : \rقال النحويون : نظم الآية بالعروة الوثقى التي لا انفصام لها ، والعرب تضمر ( التى ) و( الذى ) و( مَنْ ) وتكتفي بصلاتها منها ، قال سلامة بن جندل : \rوالعاديات أسامي للدماء بها.. كأن أعناقها أنصاب ترحيب\r","part":8,"page":260},{"id":3300,"text":"يريد العاديات التي قال الله : {وَمَا مِنَّا إِلاَّ لَهُ مَقَامٌ مَّعْلُومٌ} [ الصافات : 164 ] أي من له. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 7 صـ 15}\rلطيفة\rقال ابن كثير : \rقال أبو القاسم البغوي : حدثنا أبو روح البلدي حدثنا أبو الأحوص سلام بن سليم ، عن أبي إسحاق عن حسان -هو ابن فائد العبسي-قال : قال عمر رضي الله عنه : إن الجِبت : السحر والطاغوت : الشيطان ، وإن الشجاعة والجبن غرائز تكون في الرجال يقاتل الشجاع عمن لا يعرف ويفر الجبان من أمه ، وإن كرم الرجل دينه ، وحسبه خلقه ، وإن كان فارسيًّا أو نبطيا. وهكذا رواه ابن جرير وابن أبي حاتم من حديث الثوري عن أبي إسحاق عن حسان بن فائد العبسي عن عمر فذكره.\rومعنى قوله في الطاغوت : إنه الشيطان قوي جدًّا فإنه يشمل كل شر كان عليه أهل الجاهلية ، من عبادة الأوثان والتحاكم إليها والاستنصار بها. أ هـ {تفسيرابن كثير حـ 1 صـ 683}\rقوله تعالى {والله سَمِيعٌ عَلِيمٌ}\rقال الفخر : \rفيه قولان : \rالقول الأول : أنه تعالى يسمع قول من يتكلم بالشهادتين ، وقول من يتكلم بالكفر ، ويعلم ما في قلب المؤمن من الاعتقاد الطاهر ، وما في قلب الكافر من الاعتقاد الخبيث.\rوالقول الثاني : روى عطاء عن ابن عباس رضي الله عنهما قال : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يحب إسلام أهل الكتاب من اليهود الذين كانوا حول المدينة ، وكان يسأل الله تعالى ذلك سراً وعلانية ، فمعنى قوله {والله سَمِيعٌ عَلِيمٌ} يريد لدعائك يا محمد بحرصك عليه واجتهادك. هـ {مفاتيح الغيب حـ 7 صـ 15}\rفائدة\rقال الشيخ الشنقيطى : \r","part":8,"page":261},{"id":3301,"text":"قوله تعالى : {لا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيّ} هذه الآية تدل بظاهرها على أنه لا يكره أحد على الدخول في الدين, ونظيرها قوله تعالى : {أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ}, قوله تعالى : {فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظاً إِنْ عَلَيْكَ إِلا الْبَلاغُ}, وقد جاء في آيات كثيرة ما يدل على إكراه الكفار على الدخول في الإسلام بالسيف كقوله تعالى : {تُقَاتِلُونَهُمْ أَوْ يُسْلِمُونَ}, وقوله : {وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ} أي الشرك, ويدل لهذا التفسير الحديث الصحيح : \"أُمرتُ أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله\" الحديث, والجواب عن هذا بأمرين : \r","part":8,"page":262},{"id":3302,"text":"الأول - وهو الأصح - : أنّ هذه الآية في خصوص أهل الكتاب, والمعنى أنهم قبل نزول قتالهم لا يكرهون على الدين مطلقا, وبعد نزول قتالهم لا يكرهون عليه إذا أعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون, والدليل على خصوصها بهم ما رواه أبو داود وابن أبي حاتم والنسائي وابن حبان وابن جرير عن ابن عباس رضي الله عنه قال : \"كانت المرأة تكون مقلاة فتجعل على نفسها إن عاش لها ولد أن تهوِّده, فلما أجليت بنو النضير كان فيهم من أبناء الأنصار فقالوا : \"لا ندع أبناءنا\", فأنزل الله : {لا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ}, المقلاة التي لا يعيش لها ولد, وفي المثل : \"أحر من دمع المقلاة\", وأخرج ابن جرير عن ابن عباس رضي الله عنه قال \"نزلت {لا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ} في رجل من الأنصار من بني سالم بن عوف يقال له : (الحصين), كان له ابنان نصرانيان, وكان هو مسلما, فقال للنبي صلى الله عليه وسلم : \"ألا استكرههما فإنهما أبيا إلا النصرانية ؟ \", فأنزل الله الآية\", وروى ابن جرير عن سعيد بن جبير سأله أبو بشر عن هذه الآية ؟ فقال : نزلت في الأنصار, قال : خاصة ؟ قال : خاصة\", واخرج ابن جرير عن قتادة بإسنادين في قوله : {لا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ} قال : أكره عليه هذا الحي من العرب ؛ لأنهم كانوا أمة أمية ليس لهم كتاب يعرفونه فلم يقبل منهم غير الإسلام, ولا يكره عليه أهل الكتاب إذا أقرّوا بالجزية أو بالخراج ولم يفتنوا عن دينهم فيخلى سبيلهم\" وأخرج ابن جرير عن الضحاك في قوله : {لا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ} قال : أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يقاتل جزيرة العرب من أهل الأوثان فلم يقبل منهم إلاَّ لا إله إلا الله أو السيف, ثم أمر فيمن سواهم أن يقبلوا منهم الجزية فقال : {لا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ}, وأخرج ابن جرير عن ابن عباس أيضا في قوله : {لا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ}, قال : \"وذلك لما دخل الناس في الإسلام, وأعطى أهل الكتاب الجزية\",","part":8,"page":263},{"id":3303,"text":"فهذه النقول تدل على خصوصها بأهل الكتاب المعطين الجزية, ومن في حكمهم, ولا يرد على هذا أن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب ؛ لأن التخصيص فيها عرف بنقل عن علماء التفسير لا بمطلق خصوص السبب, ومما يدل للخصوص أنه ثبت في الصحيح : \"عجب ربك من قوم يقادون إلى الجنة في السلاسل\" .\rالأمر الثاني : أنها منسوخة بآيات القتال كقوله : {فَإِذَا انْسَلَخَ الأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ} الآية, ومعلوم أن سورة البقرة من أول ما نزل بالمدينة, وسورة براءة من آخر ما نزل بها, والقول بالنسخ مروي عن ابن مسعود, وزيد بن أسلم, وعلى كل حال فآيات السيف نزلت بعد نزول السورة التي فيها {لا إِكْرَاهَ} الآية, والمتأخر أولى من المتقدم, والعلم عند الله تعالى. أ هـ {دفع إيهام الاضطراب صـ 44 ـ 46}\rمن فوائد ابن عرفة فى الآية\rقوله تعالى : { لاَ إِكْرَاهَ فِي الدين . . . }.\rنقل ابن عرفة عن ابن عطية الخلاف في سبب نزولها ثم قال : الظاهر عندي ( أنّها ) على ظاهرها ويكون خبرا في اللفظ والمعنى.\rوالمراد أنه ليس في الاعتقاد إكراه وهو أولى من قول من جعلها خبرا في معنى النّهي.\rوكان أبو عمر ولد الأمير أبي الحسن على المريني في ( أيام ) مملكته جمع كل من كان في بلده من النّصارى وأهل الذمة وقال لهم : إما أن تسلموا أو ضربت أعناقكم ، فأنكر عليه ذلك فقهاء بلده ومنعوه وكان في عقله اختبال.\rقيل لابن عرفة : من فسّر الدين بالإسلام لا يتمّ إلا على مذهب المعتزلة القائلين بأن الاعتقاد غير كاف.\rفقال : قد قال الله تعالى : { إِنَّ الدين عِندَ الله الإسلام } وفسره في الحديث \" بأنّ تشهد أن لاَ إله إلا الله وأن محمدا رسول الله وتقيم الصلاة وتؤتي الزكاة وتصوم رمضان وتحج البيت إن استطعت إليه سبيلا \".\rقوله تعالى : { قَد تَّبَيَّنَ الرشد مِنَ الغي . . . }.\r( قد ) للتوقع لأن المشركين كانوا يتوقعون بعثة رسول الله صلى الله عليه وسلم.\r","part":8,"page":264},{"id":3304,"text":"وعارضوها بقوله تعالى : { لِيَمِيزَ الله الخبيث مِنَ الطيب } فجعل الخبيث مخرجا من الطيب ، وعكس هنا.\rوأجيب : بأن هذا في أول الإسلام كان الكفر أكثر وتلك في آخر الإسلام كان الإيمان أكثر ودخل الناس في الدين أفواجا.\rقوله تعالى : { فَمَن يَكْفُرْ بالطاغوت وَيْؤْمِن بالله . . . }.\rقدم الكفر إما لأنّه من دفع المؤلم ، أو لأنه مانع ولا يتم الدليل على الشيء إلاّ مع نفي المانع المعارض ولذلك قال في الإرشاد : \" النظر في الشيء يضاد العلم بالمنظور ويضاد الجهل به والشك فيه \".\rفإذا كان الكافر مصمما على كفره استحال إيمانه وإذا ظهر له بطلان الكفر وبقي قابلا للإيمان ونظر في دلائله أنتجت له الإيمان.\rقوله تعالى : { فَقَدِ استمسك بالعروة الوثقى . . . }.\rقال الزمخشري : هذا تمثيل للمعلوم بالنّظر والاستدلال بالمشاهد المحسوس ( ونظرٌ في دلالات أنتجت له ) حتى يتصوره السّامع كأنّه ينظر ( إليه ) بعينه.\rابن عطية : هذا تشبيه واختلفوا في المشبه بالعروة فقال مجاهد : العروة الإيمان وقال السدى : الإسلام.\rوقال سعيد بن جبير والضّحاك : ( العروة ) لا إله إلا الله.\rقال ابن عرفة : إنما يريد المشبه خاصة ولو أراد المشبه به لكان تشبيه الشيء بنفسه.\rقوله تعالى : { والله سَمِيعٌ عَلِيمٌ }.\rقال ابن عطية : لما كان الكفر بالطاغوت والإيمان بالله مما ينطق به اللسان ويعتقده القلب حسن في الصفات سميع من أجل النّطق وعليم من أجل المعتقد.\rوقال الفخر : هذا دليل على أنّ اعتقاد القلب الإيمان غير كاف ولا بد من النطق.\rقال ابن عرفة : لايتم هذا إلاّ على مذهب المعتزلة الذين ينكرون الكلام النفسي ونحن نقول : كلام النفس مسموع ولذلك نتصوره في الكلام القديم الأزلي وهم ينكرونه. هـ {تفسير ابن عرفة صـ 334}","part":8,"page":265},{"id":3305,"text":"بحث\rالدين لا يُفرض : \rلا يمكن للإسلام ولا للأديان الحقّة الأخرى أن تُفرض فرضاً على الناس لسببين : \r1 ـ بَعدَ كلّ تلك الأدلّة والبراهين الواضحة والاستدلالات المنطقية والمعجزات الجلية لم تكن ثمة حاجة لذلك.\rإنّما يستخدم القوّة من أعوزه المنطق والحجّة.\rوالدين الإلهي ذو منطق متين وحجّة قويّة.\r2 ـ إنّ الدين القائم على أساس مجموعة من العقائد القلبية لا يمكن أن يُفرض بالإكراه.\rإن عوامل القوّة والسيف والقدرة العسكرية يمكنها أن تؤثّر في الأجسام ، لا في الأفكار والمعتقدات.\rيتّضح ممّا تقدّم الردّ على الإعلام الصليبي ـ المسموم ضدّ الإسلام ـ القائل \"إنّ الإسلام انتشر بالسيف\" ، إذ لا قول أبلغ ولا أفصح من (لا إكراه في الدين) الذي أعلنه القرآن.\rهؤلاء الحاقدون يتناسون هذا الإعلان القرآني الصريح ، ويحاولون من خلال تحريف مفهوم الجهاد وأحداث الحروب الإسلامية أن يثبتوا مقولتهم ، بينما يتّضح بجلاء لكلّ منصف أنّ الحروب التي خاضها الإسلام كانت إمّا دفاعية ، وإمّا تحريرية ، ولم يكن هدف هذه الحروب السيطرة والتوسّع ، بل الدفاع عن النفس ، أو إنقاذ الفئة المستضعفة الرازحة تحت سيطرة طواغيت الأرض وتحريرها من\rربقة العبودية لتستنشق عبير الحرية وتختار بنفسها الطريق الذي ترتئيه.\rوالشاهد الحيّ على هذا هو ما تكرّر حدوثه في التاريخ الإسلامي ، فقد كان المسلمون إذا افتتحوا بلداً تركوا أتباع الأديان الأُخرى أحراراً كالمسلمين.\rأمّا الضريبة الصغيرة التي كانوا يتقاضونها منهم باسم الجزية ، فقد كانت ثمناً للحفاظ على أمنهم ، ولتغطية ما تتطلّبه هذه المحافظة من نفقات ، وبذلك كانت أرواحهم وأموالهم وأعراضهم مصونة في حمى الإسلام.\rكما أنّه كانوا أحراراً في أداء طقوسهم الدينية الخاصّة بهم.\rجميع الذين يطالعون التاريخ الإسلامي يعرفون هذه الحقيقة ، بل إن المسيحيين الذين كتبوا في الإسلام يعترفون بهذا أيضاً.\r","part":8,"page":266},{"id":3306,"text":"يقول مؤلّف \"حضارة الإسلام أو العرب\" : \r\"كان تعامل المسلمين مع الجماعات الأُخرى من التساهل بحيث إنّ رؤساء تلك الجماعات كان مسموحاً لهم بإنشاء مجالسهم الدينية الخاصّة\".\rوقد جاء في بعض كتب التاريخ أنّ جمعاً من المسيحيين الذين كانوا قد زاروا رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) للتحقيق والاستفسار أقاموا قدّاساً في مسجد النبي في المدينة بكلّ حرّية.\rإنّ الإسلام ـ من حيث المبدأ ـ توسّل بالقوّة العسكرية لثلاثة أمور : \r1 ـ لمحو آثار الشرك وعبادة الأصنام ، لأنّ الإسلام لا يعتبر عبادة الأصنام ديناً من الأديان ، بل يراها انحرافاً ومرضاً وخرافة ، ويعتقد أنّه لا يجوز مطلقاً أن يسمح لجمع من الناس أن يسيروا في طريق الضلال والخرافة ، بل يجب إيقافهم عند حدّهم ؛ لذلك دعا الإسلام عبدة الأصنام إلى التوحيد ، وإذا قاوموه توسّل بالقوِّة وحطّم الأصنام وهدّم معابدها ، وحال دون بروز أي مظهر من مظاهر عبادة الأصنام ، لكي يقضي تماماً على منشأ هذا المرض الروحي والفكري.\rوهذا يتبيّن من آيات القتال مع المشركين ، مثل الآية 193 من سورة البقرة : (وقاتلوهم حتّى لا تكون فتنة). وليس هناك أيّ تعارض بين الآية التي نحن بصددها وهذه الآية ، ولا نسخ في هذا المجال.\r2 ـ لمقابلة المتآمرين للقضاء على الإسلام ، عندئذ كانت الأوامر تصدر بالجهاد الدفاعي وبالتوسّل بالقوّة العسكرية. ولعلّ معظم الحروب الإسلامية على عهد رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) كانت من هذا القبيل ، مثل حرب أُحد والأحزاب وحنين ومؤته وتبوك.\r3 ـ للحصول على حريّة الدعوة والتبليغ. حيث إنّ لكل دين الحقّ في أن يكون حرّاً في الإعلان عن نفسه بصورة منطقية ، فإذا منعه أحد من ذلك فله أن ينتزع حقّه هذا بقوّة السلاح. أ هـ {الأمثل حـ 2 صـ 261 ـ 263}","part":8,"page":267},{"id":3307,"text":"لطيفة\rقال ابن القيم : \rقال بشر بن منصور عن وهيب ابن الورد قال : خرج رجل إلى الجبانة بعد ساعة من الليل قال : فسمعت حسا ـ أو صوتا ـ شديدا وجيء بسرير حتى وضع وجاء شيء حتى جلس عليه قال : واجتمعت إليه جنوده ثم صرخ فقال : من لي بعروة بن الزبير ؟ فلم يجبه أحد حتى تتابع ما شاء الله من الأصوات فقال واحد : انا أكفيكه قال : فتوجه نحو المدينة وأنا ناظر ثم أوشك الرجعة فقال : لا سبيل إلى عروة وقال : ويلكم وجدته يقول كلمات إذا أصبح وإذا أمسى فلا نخلص إليه معهن قال الرجل : فلما أصبحت قلت لأهلي جهزوني فأتيت المدينة فسألت عنه حتى دللت عليه فإذا بشيخ كبير فقلت : شيئا تقوله إذا أصبحت وإذا أمسيت ؟ فأبى أن يخبرني فأخبرته بما رأيت وما سمعت فقال : ما أدري غير أني أقول إذا أصبحت : آمنت بالله العظيم وكفرت بالجبت والطاغوت واستمسكت بالعروة الوثقى التي لا انفصام لها والله سميع عليم وإذا أصبحت قلت ثلاث مرات وإذا أمسيت قلت ثلاث مرات. أ هـ {الوابل الصيب صـ 111}","part":8,"page":268},{"id":3308,"text":"قوله تعالى : { اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آَمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (257) }\rمناسبة الآية لما قبلها\rقال البقاعى : \rولما قرر ذلك وأرشد السياق إلى شيء اقتضت البلاغة طيه إرشاداً إلى البعد منه والهرب عنه لبشاعته وسوء مغبته وهو ومن يؤمن بالطاغوت ويكفر بالله فلا يتمسك له والله يهويه إلى الجحيم ، \rكأنه قيل : فمن يخلص النفس من ظلمات الهوى والشهوة ووساوس الشيطان ؟ فقال مستأنفاً : {الله} أي بما له من العظمة والأسماء الحسنى {ولي الذين آمنوا} أي يتولى مصالحهم ، \rولذلك بين ولايته بقوله : {يخرجهم من الظلمات} أي المعنوية جمع ظلمة وهو ما يطمس الباديات حساً أو معنى ، \rوجمعها لأن طرق الضلال كثيرة فإن الكفر أنواع {إلى النور} أي المعنوي وهو ما يظهر الباديات حساً أو معنىً - قاله الحرالي ، \rووحده لأن الصراط المستقيم واحد {ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله} [ الأنعام : 153 ] ومن المحامل الحسنة أن يشار بالجمع إلى ما ينشأ من الجهل عن المشاعر التي أخبر بالختم عليها ، \rفصار البصر عرياً عن الاعتبار ، \rوالسمع خالياً عن الفهم والاستبصار ، \rوالقلب معرضاً عن التدبر والافتكار ، \rوبالوحدة في النور إلى صلاح القلب فإنه كفيل بجلب كل سار ودفع كل ضار ، \rوالنور الذي هو العقل والفطرة الأولى ذو جهة واحدة وهي القوم ، \rوالظلمة الناشئة عن النفس ذات جهات هي في غاية الاختلاف.\rولما ذكر عبّاده الخلص ذكر عُبّاد الشهوات فقال : {والذين كفروا} أي ستروا ما دلت عليه أدلة العقول أولاً والنقول ثانياً بشهوات النفوس {أولياؤهم الطاغوت} من شهواتهم وما أدت إليه من اتباع كل ما أطغى من الشياطين والعكوف على الأصنام وغير ذلك ، \r","part":8,"page":269},{"id":3309,"text":"ثم بين استيلاءهم عليهم بقوله : {يخرجونهم} وإسناده إلى ضمير الجمع يؤيد أن جمع الظلمات لكثرة أنواع الكفر {من النور} أي الفطرى {إلى الظلمات} قال الحرالي : وفيه بيان استواء جميع الخلق في حقيقة النور الأول إلى الروح المجندة إلى الفطرة المستوية \" كل مولود يولد على الفطرة \" انتهى.\rولما ذكر استيلاء الشهوات عليهم الداعي إليها الطيش والخفة الناشىء عن عنصر النار التي هي شعبة من الشيطان بين أن أجزاءهم من جنس مرتكبهم فقال : {أولئك} أي الحالون في محل البعد والبغض {أصحاب النار} قال الحرالي : الذين اتبعوها من حيث لم يشعروا من حيث إن الصاحب من اتبع مصحوبه - انتهى.\rولما علم من ذكر الصحبة دوامهم فيها صرح به تأكيداً بقوله مبيناً اختصاصهم بها : {هم} أي خاصة {فيها خالدون} إلى ما لا آخر له.\rقال الحرالي : وجعل الخلود وصفاً لهم إشعاراً بأنهم فيها وهم في دنياهم - انتهى. أ هـ {نظم الدرر حـ 1 صـ 501 ـ 502}\rقال ابن عاشور : \rوقع قوله : { الله ولي الذين آمنوا } الآية موقع التعليل لقوله : { لا انفصام لها } [ البقرة : 256 ] لأنّ الذين كفروا بالطاغوت وآمنوا بالله قد تولّوا الله فصار وليّهم ، فهو يقدّر لهم ما فيه نفعهم وهو ذبّ الشبهات عنهم ، فبذلك يستمر تمسّكهم بالعروة الوثقى ويأمنون انفصامها ، أي فإذا اختار أحد أن يكون مسلماً فإنّ الله يزيده هدى. أ هـ {التحرير والتنوير حـ 3 صـ 30}\rفائدة\rقال الفخر : \r( الولى ) فعيل بمعنى فاعل من قولهم : ولي فلان الشيء يليه ولاية فهو وال وولي ، وأصله من الولي الذي هو القرب ، قال الهذلي : \r","part":8,"page":270},{"id":3310,"text":"وعدت عواد دون وليك تشغب.. ومنه يقال : داري تلى دارها ، أي تقرب منها ، ومنه يقال : للمحب المعاون : ولي لأنه يقرب منك بالمحبة والنصرة ولا يفارقك ، ومنه الوالي ، لأنه يلي القوم بالتدبير والأمر والنهي ومنه المولى ومن ثم قالوا في خلاف الولاية : العداوة من عدا الشيء إذا جاوزه ، فلأجل هذا كانت الولاية خلاف العداوة. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 7 صـ 16}\rفصل\rقال الفخر : \rاحتج أصحابنا بهذه الآية على أن ألطاف الله تعالى في حق المؤمن فيما يتعلق بالدين أكثر من ألطافه في حق الكافر ، بأن قالوا : الآية دلت على أنه تعالى ولي الذين آمنوا على التعيين ومعلوم أن الولي للشيء هو المتولي لما يكون سبباً لصلاح الإنسان واستقامة أمره في الغرض المطلوب ولأجله قال تعالى : {يَصُدُّونَ عَنِ المسجد الحرام وَمَا كَانُواْ أَوْلِيَاءهُ إِنْ أَوْلِيَاءهُ إِلاَّ المتقون} [ الأنفال : 34 ] فجعل القيم بعمارة المسجد ولياً له ونفى في الكفار أن يكونوا أولياءه ، فلما كان معنى الولي المتكفل بالمصالح ، ثم إنه تعالى جعل نفسه ولياً للمؤمنين على التخصيص ، علمنا أنه تعالى تكفل بمصالحهم فوق ما تكفل بمصالح الكفار ، وعند المعتزلة أنه تعالى سوى بين الكفار والمؤمنين في الهداية والتوفيق والألطاف ، فكانت هذه الآية مبطلة لقولهم ، قالت المعتزلة : هذا التخصيص محمول على أحد وجوه\rالأول : أن هذا محمول على زيادة الألطاف ، كما ذكره في قوله {والذين اهتدوا زَادَهُمْ هُدًى} [ محمد : 17 ] وتقريره من حيث العقل أن الخير والطاعة يدعو بعضه إلى بعض ، وذلك لأن المؤمن إذا حضر مجلساً يجري فيه الوعظ ، فإنه يلحق قلبه خشوع وخضوع وانكسار ، ويكون حاله مفارقاً لحال من قسا قلبه بالكفر والمعاصي ، وذلك يدل على أنه يصح في المؤمن من الألطاف ما لا يصح في غيره ، فكان تخصيص المؤمنين بأنه تعالى وليهم محمولاً على ذلك.\r","part":8,"page":271},{"id":3311,"text":"والوجه الثاني : أنه تعالى يثيبهم في الآخرة ، ويخصهم بالنعيم المقيم والإكرام العظيم فكان التخصيص محمولاً عليه.\rوالوجه الثالث : وهو أنه تعالى وإن كان ولياً للكل بمعنى كونه متكفلاً بمصالح الكل على السوية ، إلا أن المنتفع بتلك الولاية هو المؤمن ، فصح تخصيصه بهذه الآية ، كما في قوله {هُدًى لّلْمُتَّقِينَ} [ البقرة : 2 ].\rالوجه الرابع : أنه تعالى ولي المؤمنين ، بمعنى : أنه يحبهم ، والمراد أنه يحب تعظيمهم.\rأجاب الأصحاب عن الأول بأن زيادة الألطاف متى أمكنت وجبت عندكم ، ولا يكون لله تعالى في حق المؤمن إلا أداء الواجب ، وهذا المعنى بتمامه حاصل في حق الكافر ، بل المؤمن فعل ما لأجله استوجب من الله ذلك المزيد من اللطف.\rأما السؤال الثاني : وهو أنه تعالى يثيبه في الآخرة فهو أيضاً بعيد ، لأن ذلك الثواب واجب على الله تعالى ، فولي المؤمن هو الذي جعله مستحقاً على الله ذلك الثواب ، فيكون وليه هو نفسه ولا يكون الله هو ولياً له.\rوأما السؤال الثالث : وهو أن المنتفع بولاية الله هو المؤمن ، فنقول : هذا الأمر الذي امتاز به المؤمن عن الكافر في باب الولاية صدر من العبد لا من الله تعالى ، فكان ولي العبد على هذا القول هو العبد نفسه لا غير.\rوأما السؤال الرابع : وهو أن الولاية هاهنا معناها المحبة والجواب : أن المحبة معناها إعطاء الثواب ، وذلك هو السؤال الثاني ، وقد أجبنا عنه. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 7 صـ 16 ـ 17}\rقوله تعالى : {يُخْرِجُهُم مّنَ الظلمات إِلَى النور}\rقال أبو حيان : \r","part":8,"page":272},{"id":3312,"text":"الإخراج هنا إن كان حقيقة فيكون مختصاً بمن كان كافراً ثم آمن وإن كان مجازاً فهو مجاز عن منع الله إياهم من دخولهم في الظلمات قال الحسن معنى يخرجهم يمنعهم وإن لم يدخلوا والمعنى أنه لو خلا عن توفيق الله لوقع في الظلمات فصار توفيقه سبباً لدفع تلك الظلمة قالوا ومثل هذه الاستعارة شائع سائغ في كلامهم كما قال طفيل الغنوي فإن تكنِ الأيام أحسنَّ مرة\rإليّ فقد عادت لهنّ ذنوب\rقال الواقدي كل شيء في القرآن من الظلمات والنور فإنه أراد به الكفر والإيمان غير التي في الأنعام وهو وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ فإنه أراد به الليل والنهار\rوقال الواسطي يخرجهم من ظلمات نفوسهم إلى آدابها كالرضا والصدق والتوكل والمعرفة والمحبة\rوقال أبو عثمان يخرجهم من ظلمات الوحشة والفرقة إلى نور الوصلة والإلفة\rوقال الزمخشري آمنوا أرادوا أن يؤمنوا تلطف بهم حتى يخرجهم بلطفه وتأييده من الكفر إلى الإيمان أو الله ولي المؤمنين يخرجهم من الشبه في الدين إن وقعت لهم بما يهديهم ويوفقهم لها من حلها حتى يخرجوا منها إلى نور اليقين. أ هـ {البحر المحيط حـ 2 صـ 293}\rوقال السمرقندى :\r{ يُخْرِجُهُم مّنَ الظلمات إِلَى النور } ، يعني من الكفر إلى الإيمان.\rواللفظ لفظ المستقبل والمراد به الماضي ، يعني أخرجهم.\rويقال : ثبتهم على الاستقامة كما أخرجهم من الظلمات.\rويقال : يخرجهم من الظلمات ، أي من ظلمة الدنيا ومن ظلمة القبر ومن ظلمة الصراط إلى الجنة. (1) أ هـ {بحر العلوم حـ 1 صـ 195}\r_________________\r(1) الأولى حمل اللفظ على العموم مالم يوجد مخصص. والله أعلم.","part":8,"page":273},{"id":3313,"text":"فصل\rقال الفخر : \rأجمع المفسرون على أن المراد هاهنا من الظلمات والنور : الكفر والإيمان فتكون الآية صريحة في أن الله تعالى هو الذي أخرج الإنسان من الكفر وأدخله في الإيمان ، فيلزم أن يكون الإيمان بخلق الله ، لأنه لو حصل بخلق العبد لكان هو الذي أخرج نفسه من الكفر إلى الإيمان ، وذلك يناقض صريح الآية.\rأجابت المعتزلة عنه من وجهين الأول : أن الإخراج من الظلمات إلى النور محمول على نصب الدلائل ، وإرسال الأنبياء ، وإنزال الكتب ، والترغيب في الإيمان بأبلغ الوجوه ، والتحذير عن الكفر بأقصى الوجوه ، وقال القاضي : قد نسب الله تعالى الإضلال إلى الصنم في قوله {رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًا مّنَ الناس} [ إبراهيم : 36 ] لأجل أن الأصنام سبب بوجه ما لضالهم ، فإن يضاف الإخراج من الظلمات إلى النور إلى الله تعالى مع قوة الأسباب التي فعلها بمن يؤمن كان أولى.\rوالوجه الثاني : أن يحمل الإخراج من الظلمات إلى النور على أنه تعالى يعدل بهم من النار إلى الجنة\rقال القاضي : هذا أدخل في الحقيقة ، لأن ما يقع من ذلك في الآخرة يكون من فعله تعالى فكأنه فعله.\rوالجواب عن الأول من وجهين : أحدهما : أن هذه الإضافة حقيقة في الفعل ، مجاز في الحث والترغيب ، والأصل حمل اللفظ على الحقيقة والثاني : أن هذه الترغيبات إن كانت مؤثرة في ترجيح الداعية صار الراجح واجباً ، والمرجوح ممتنعاً ، وحينئذ يبطل قول المعتزلة وإن لم يكن لها أثر في الترجيح لم يصح تسميتها بالإخراج.\rوأما السؤال الثاني : وهو حمل اللفظ على العدول بهم من النار إلى الجنة فهو أيضاً مدفوع من وجهين","part":8,"page":274},{"id":3314,"text":"الأول : قال الواقدي : كل ما كان في القرآن {مِنَ الظلمات إِلَى النور} فإنه أراد به الكفر والإيمان ، غير قوله تعالى في سورة الأنعام {وَجَعَلَ الظلمات والنور} [ الأنعام : 1 ] فإنه يعني به الليل والنهار ، وقال : وجعل الكفر ظلمة ، لأنه كالظلمة في المنع من الإدراك ، وجعل الإيمان نوراً لأنه كالسبب في حصول الإدراك.\rوالجواب الثاني : أن العدول بالمؤمن من النار إلى الجنة أمر واجب على الله تعالى عند المعتزلة فلا يجوز حمل اللفظ عليه. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 7 صـ 17 ـ 18}\rقال الآلوسى : \rواقتصر الواقدي في تفسير الظلمات ، والنور على ذكر الكفر والإيمان وحمل كل ما في القرآن على ذلك سوى ما في الأنعام من قوله تعالى : { وَجَعَلَ الظلمات والنور } فإن المراد بهما هناك الليل والنهار ، والأولى أن يحمل الظلمات على المعنى الذي يعم سائر أنواعها ويحمل النور أيضاً على ما يعم سائر أنواعه ، ويجعل في مقابلة كل ظلمة مخرج منها نور مخرج إليه حتى إنه سبحانه ليخرج من شاء من ظلمة الدليل إلى نور العيان ، ومن ظلمة الوحشة إلى نور الوصلة ، ومن ظلمة عالم الأشباح إلى نور عالم الأرواح إلى غير ذلك \"مما لا ، ولا\" وأفرد النور لوحدة الحق كما أن جمع الظلمات لتعدد فنون الضلال ، أو أن الأول : إيماء إلى القلة والثاني : إلى الكثرة. أ هـ {روح المعانى حـ 3 صـ 14}\rفائدة\rقال الخازن : \rإنما سمي الكفر ظلمة لالتباس طريقه ، ولأن الظلمة تحجب الأبصار عن إدراك الحقائق فكذلك الكفر يحجب القلوب عن إدراك حقائق الإيمان وسمي الإسلام نوراً لوضوح طريقه وبيان أدلته. أ هـ {تفسير الخازن حـ 1 صـ 182}\rسؤال : فان قيل : متى كان المؤمنون في ظلمة ؟ ومتى كان الكفار في نور ؟ \rفعنه ثلاثة أجوبة.","part":8,"page":275},{"id":3315,"text":"أحدها : أن عصمة الله للمؤمنين عن مواقعة الضلال ، إخراج لهم من ظلام الكفر ، وتزيين قرناء الكفار لهم الباطل الذي يحيدون به عن الهدى ، إخراج لهم من نور الهدى ، و\"الإخراج\" مستعار هاهنا : وقد يقال للممتنع من الشيء : خرج منه ، وإن لم يكن دخل فيه.\rقال تعالى : { إِني تركت ملة قوم لا يؤمنون بالله } [ يوسف : 37 ].\rوقال : { ومنكم من يردُّ إِلى أرذل العمر } [ النحل : 70 ].\rوقد سبقت شواهد هذا في قوله تعالى : { وإِلى الله ترجع الأمور } [ البقرة : 210 ].\rوالثاني : أن إيمان أهل الكتاب بالنبي قبل أن يظهر نورٌ لهم ، وكفرهم به بعد أن ظهر ، خروج إلى الظلمات.\rوالثالث : أنه لما ظهرت معجزات رسول الله صلى الله عليه وسلم ، كان المخالف له خارجاً من نور قد علمه ، والموافق له خارجاً من ظلمات الجهل إلى نور العلم. أ هـ {زاد المسير حـ 1 صـ 307}\rوقال العلامة الماوردى : \rفإن قيل : فكيف يخرجونهم من النور ، وهم لم يدخلوا فيه ؟ فعن ذلك جوابان : \rأحدهما : أنها نزلت في قوم مُرْتَدِّين ، قاله مجاهد.\rوالثاني : أنها نزلت فيمن لم يزل كافراً ، وإنما قال ذلك لأنهم لو لم يفعلوا ذلك بهم لدخلوا فيه ، فصاروا بما فعلوه بمنزلة من قد أخرجهم منه. وفيه وجه ثالث : أنهم كانوا على الفطرة عند أخذ الميثاق عليهم ، فلما حَمَلُوهم على الكفر أخرجوهم من نور فطرتهم. أ هـ {النكت والعيون حـ 1 صـ 329}\rوقال الفخر : \rقوله {يُخْرِجُهُم مِّنَ الظلمات إِلَى النور} ظاهره يقتضي أنهم كانوا في الكفر ثم أخرجهم الله تعالى من ذلك الكفر إلى الإيمان ، ثم هاهنا قولان : \rالقول الأول : أن يجري اللفظ على ظاهره ، وهو أن هذه الآية مختصة بمن كان كافراً ثم أسلم ، والقائلون بهذا القول ذكروا في سبب النزول روايات","part":8,"page":276},{"id":3316,"text":"أحدها : قال مجاهد : هذه الآية نزلت في قوم آمنوا بعيسى عليه السلام وقوم كفروا به ، فلما بعث الله محمداً صلى الله عليه وسلم آمن به من كفر بعيسى ، وكفر به من آمن بعيسى عليه السلام\rوثانيتها : أن الآية نزلت في قوم آمنوا بعيسى عليه السلام على طريقة النصارى ، ثم آمنوا بعده بمحمد صلى الله عليه وسلم ، فقد كان إيمانهم بعيسى حين آمنوا به ظلمةً وكفراً ، لأن القول بالاتحاد كفر ، والله تعالى أخرجهم من تلك الظلمات إلى نور الإسلام\rوثالثتها : أن الآية نزلت في كل كافر أسلم بمحمد صلى الله عليه وسلم.\r","part":8,"page":277},{"id":3317,"text":"والقول الثاني : أن يحمل اللفظ على كل من آمن بمحمد صلى الله عليه وسلم سواء كان ذلك الإيمان بعد الكفر أو لم يكن كذلك ، وتقريره أنه لا يبعد أن يقال يخرجهم من النور إلى الظلمات وإن لم يكونوا في الظلمات ألبتة ، ويدل على جوازه : القرآن والخبر والعُرْف ، أما القرآن فقوله تعالى : {وَكُنتُمْ على شَفَا حُفْرَةٍ مّنَ النار فَأَنقَذَكُمْ مّنْهَا} [ آل عمران : 103 ] ومعلوم أنهم ما كانوا قط في النار وقال {لَمَّا ءَامَنُواْ كَشَفْنَا عَنْهُمْ عَذَابَ الخزى} [ يونس : 98 ] ولم يكن نزل بهم عذاب ألبتة ، وقال في قصة يوسف عليه السلام : {تَرَكْتُ مِلَّةَ قَوْمٍ لاَّ يُؤْمِنُونَ بالله} [ يوسف : 37 ] ولم يكن فيها قط ، وقال : {وَمِنكُم مَّن يُرَدُّ إلى أَرْذَلِ العمر} [ النحل : 70 ] وما كانوا فيه قط ، وأما الخبر فروي \" أنه صلى الله عليه وسلم سمع إنساناً قال : أشهد أن لا إله إلا الله ، فقال على الفطرة ، فلما قال : أشهد أن محمداً رسول الله ، فقال خرج من النار \" ، ومعلوم أنه ما كان فيها ، وروي أيضاً \" أنه صلى الله عليه وسلم أقبل على أصحابه فقال : تتهافتون في النار تهافت الجراد ، وها أنا آخذ بحجزكم \" ، ومعلوم أنهم ما كانوا متهافتين في النار ، وأما العرف فهو أن الأب إذا أنفق كل ماله فالابن قد يقول له : أخرجتني من مالك أي لم تجعل لي فيه شيئاً ، لا أنه كان فيه ثم أخرج منه ، وتحقيقه أن العبد لو خلا عن توفيق الله تعالى لوقع في الظلمات.\rفصار توفيقه تعالى سبباً لدفع تلك الظلمات عنه ، وبين الدفع والرفع مشابهة ، فهذا الطريق يجوز استعمال الإخراج والإبعاد في معنى الدفع والرفع والله أعلم. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 7 صـ 18}\rفائدة\rقال ابن عاشور : \r","part":8,"page":278},{"id":3318,"text":"المراد بالنور نور البرهان والحق ، وبالظلمات ظلمات الشبهات والشك ، فالله يزيد الذين اهتدوا هدى لأنّ اتِّباعهم الإسلام تيسير لطرق اليقين فهم يزدادون توغّلا فيها يوماً فيوماً ، وبعكسهم الذين اختاروا الكفر على الإسلام فإنّ اختيارهم ذلك دل على ختم ضُرب على عقولهم فلم يهتدوا ، فهم يزدادون في الضلال يوماً فيوماً.\rولأجل هذا الازدياد المتجدّد في الأمرين وقع التعبير بالمضارع في يخرجهم ويخرجونهم وبهذا يتضّح وجه تعقيب هذه الآيات بآية { ألم تر إلى الذي حاجّ إبراهيم } [ البقرة : 258 ] ثم بآية { أوْ كالذي مر على قرية } [ البقرة : 259 ] ثم بآية { وإذ قال إبراهيم رب أرني كيف تُحْيي الموتى } فإنّ جميعها جاء لبيان وجوه انجلاء الشك والشبهات عن أولياء الله تعالى الذين صدق إيمانهم. أ هـ {التحرير والتنوير حـ 3 صـ 30 ـ 31}\rقوله تعالى : {والذين كَفَرُواْ أَوْلِيَاؤُهُمُ الطاغوت}\rقال أبو السعود : \r{ والذين كَفَرُواْ } أي الذين ثبت في علمه تعالى كفرُهم { أَوْلِيَاؤُهُمُ الطاغوت } أي الشياطينُ وسائرُ المضلين عن طريق الحق فالموصولُ مبتدأ وأولياؤُهم مبتدأٌ ثانٍ والطاغوتُ خبرُه والجملةُ خبرٌ للأول والجملةُ الحاصلةُ معطوفةٌ على ما قبلها ، ولعل تغييرَ السبك للاحتراز عن وضع الطاغوتِ في مقابلة الاسم الجليل ولقصد المبالغة بتكرير الإسناد مع الإيماء إلى التباين بين الفريقين من كل وجهٍ حتى من جهة التعبير أيضاً.\r{ يُخْرِجُونَهُم } بالوساوس وغيرِها من طرق الإضلال والإغواء { مّنَ النور } الفِطري الذي جُبل عليه الناسُ كافةً أو من نور البيناتِ التي يشاهدونها من جهة النبيِّ صلى الله عليه وسلم بتنزيل تمكُّنِهم من الاستضاءة بها منزلةَ نفسِها { إِلَى الظلمات } ظلماتِ الكفر والانهماكِ في الغِل. أ هـ {تفسير أبى السعود حـ 1 صـ 250}\rفائدة\rقال الفخر : ","part":8,"page":279},{"id":3319,"text":"قرأ الحسن {أَوْلِيَاؤُهُمُ الطواغيت} واحتج بقوله تعالى بعده {يُخْرِجُونَهُم} إلا أنه شاذ مخالف للمصحف وأيضاً قد بينا في اشتقاق هذا اللفظ أنه مفرد لا جمع. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 7 صـ 18}\rقال أبو حيان : \r{ والذين كفروا أولياؤهم الطاغوت يخرجونهم من النور إلى الظلمات } قال مجاهد ، وعبدة بن أبي لبابة ، نزلت في قوم آمنوا بعيسى ، فلما جاء محمد عليه السلام كفروا به ، فذلك إخراجهم من النور إلى الظلمات.\rوقال الكلبي يخرجونهم من إيمانهم بموسى عليه السلام واستفتاحهم بمحمد صلى الله عليه وسلم إلى كفرهم به ، وقيل : من فطرة الإسلام ، وقيل : من نور الإقرار بالميثاق ، وقيل : من الإقرار باللسان إلى النفاق.\rوقيل : من نور الثواب في الجنة إلى ظلمة العذاب في النار.\rوقيل : من نور الحق إلى ظلمة الهوى.\rوقيل : من نور العقل إلى ظلمة الجهل.\rوقال الزمخشري : من نور البينات التي تظهر لهم إلى ظلمات الشك والشبهة.\rوقال ابن عطية : لفظ الآية مستغن عن التخصيص ، بل هو مترتب في كل أمة كافرة آمن بعضها كالعرب ، وذلك أن كان من آمن منهم فالله وليه ، أخرجه من ظلمة الكفر إلى نور الإيمان ، ومن كفر بعد وجود الداعي ، النبي المرسل ، فشيطانه ومغويه كأنه أخرجه من الإيمان ، إذ هو معد ، وأهل للدخول فيه ، وهذا كما تقول لمن منعك الدخول في أمر : أخرجتني يا فلان من هذا الأمر ، وإن كنت لم تدخل فيه ألبتة. انتهى. أ هـ {البحر المحيط حـ 2 صـ 294}\rفصل\rقال الفخر : \r","part":8,"page":280},{"id":3320,"text":"أما قوله تعالى {يُخْرِجُونَهُم مّنَ النور إِلَى الظلمات} فقد استدلت المعتزلة بهذه الآية على أن الكفر ليس من الله تعالى ، قالوا : لأنه تعالى أضافه إلى الطاغوت مجازاً باتفاق ، لأن المراد من الطاغوت على أظهر الأقوال هو الصنم ويتأكد هذا بقوله تعالى : {رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًا مّنَ الناس} [ إبراهيم : 36 ] فأضاف الإضلال إلى الصنم ، وإذا كانت هذه الإضافة بالاتفاق بيننا وبينكم مجازاً ، خرجت عن أن تكون حجة لكم. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 7 صـ 18 ـ 19}\rفائدة\rقال البيضاوى : \rإسناد الإِخراج إلى الطاغوت باعتبار التسبب لا يأبى تعلق قدرته تعالى وإرادته بها. أ هـ {تفسير البيضاوى حـ 1 صـ 558}\rفائدة أخرى\rقال ابن عاشور : \rأعيد الضمير إلى الطاغوت بصيغة جمع العقلاء لأنّه أسند إليهم ما هو من فِعل العقلاء وإن كانوا في الحقيقة سبب الخروج لا مُخرجين. أ هـ {التحرير والتنوير حـ 3 صـ 31}\rلطيفة\rقال أبو حيان : \rوقد تباين الإخبار في هاتين الجملتين ، فاستفتحت آية المؤمنين باسم الله تعالى ، وأخبر عنه بأنه ولي المؤمنين تشريفاً لهم إذ بدىء في جملتهم باسمه تعالى ، ولقربه من قوله : { والله سميع عليم } واستفتحت آية الكافرين بذكرهم نعياً عليهم ، وتسمية لهم بما صدر منهم من القبيح.\rثم أخبر عنهم بأن أولياءهم الطاغوت ، ولم يصدّر الطاغوت استهانة به ، وأنه مما ينبغي أن لا يجعل مقابلاً لله تعالى ، ثم عكس الإخبار فيه فابتدأ بقوله : أولياؤهم ، وجعل الطاغوت خبراً.\rكأن الطاغوت هو مجهول.\rأعلم المخاطب بأن أولياء الكفار هو الطاغوت ، والأحسن في : يخرجهم ويخرجونهم أن لا يكون له موضع من الإعراب ، لأنه خرج مخرج التفسير للولاية ، وكأنه من حيث إن الله ولي المؤمنين بين وجه الولاية والنصر والتأييد ، بأنها اخراجهم من الظلمات إلى النور ، وكذلك في الكفار.","part":8,"page":281},{"id":3321,"text":"وجوّزوا أن يكون : يخرجهم ، حالاً والعامل فيه : ولي ، وأن يكون خبراً ثانياً ، وجوّزوا أن يكون : يخرجونهم ، حالاً والعامل فيه معنى الطاغوت. أ هـ {البحر المحيط حـ 2 صـ 294}\rقوله تعالى : {أُولَئِكَ أصحاب النار هُمْ فِيهَا خالدون}\rقال الفخر : \rيحتمل أن يرجع ذلك إلى الكفار فقط ، ويحتمل أن يرجع إلى الكفار والطواغيت معاً ، فيكون زجراً للكل ووعيداً ، لأن لفظ {أولئك} إذا كان جمعاً وصح رجوعه إلى كلا المذكورين ، وجب رجوعه إليهما معاً ، والله تعالى أعلم بالصواب. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 7 صـ 19}\rوقال الآلوسى : \r{ أولئك } إشارة إلى الموصول باعتبار اتصافه بما في حيز الصلة وما يتبع ذلك من القبائح ، وجوز أن تكون إشارة إلى الكفار وأوليائهم ، وفيه بعد { أصحاب النار } أي ملابسوها وملازموها لعظم ما هم عليه { هُمْ فِيهَا خالدون } ماكثون أبداً ، وفي هذا وعد وتحذير للكافرين ، ولعل عدم مقابلته بوعد المؤمنين كما قيل : للإشعار بتعظيمهم وأن أمرهم غير محتاج إلى البيان وأن شأنهم أعلى من مقابلة هؤلاء ، أو أن ما أعد لهم لا تفي ببيانه العبارة ، وقيل : إنّ قوله سبحانه : ( ولي المؤمنين ) دل على الوعد وكفى به. أ هـ {روح المعانى حـ 3 صـ 15}\rفائدة\rقال القرطبى : \rحكم عليهم بالدخول في النار لكفرهم ؛ عدلاً منه ، لا يسأل عما يفعل. أ هـ {تفسير القرطبى حـ 3 صـ 283}\rلطائف بلاغية\rقال أبو حيان : \rوذكروا في هذه الآيات أنواعاً من الفصاحة وعلم البيان ، منها في آية الكرسي : حسن الافتتاح لأنها افتتحت بأجل أسماء الله تعالى ، وتكرار اسمه في ثمانية عشر موضعاً ، وتكرير الصفات ، والقطع للجمل بعضها عن بعض ، ولم يصلها بحرف العطف.\rوالطباق : في قوله { الحي القيوم لا تأخذه سنة ولا نوم } فإن النوم موت وغفلة ، والحي القيوم يناقضه.","part":8,"page":282},{"id":3322,"text":"وفي قوله : { يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم ولا يحيطون } والتشبيه : في قراءة من قرأ { وسع كرسيه السموات والأرض } أي كوسع ، فإن كان الكرسي جرماً فتشبيه محسوس بمحسوس ، أو معنى فتشبيه معقول بمحسوس.\rومعدول الخطاب في { لا إكراه في الدين } إذا كان المعنى لا تكرهوا على الدين أحداً.\rوالطباق : أيضاً في قوله { قد تبين الرشد من الغي } وفي قوله : { آمنوا وكفروا } وفي قوله { من الظلمات إلى النور } والتكرار : في الإخراج لتباين تعليقهما ، والتأكيد : بالمضمر في قوله : { هم فيها خالدون }.\rأ هـ {البحر المحيط حـ 2 صـ 294 ـ 295}\rمن لطائف الإمام القشيرى فى الآية\rقوله جلّ ذكره : { اللهُ وَلِىُّ الَّذِينَ آمَنُوا }.\rالولي بمعنى المتولي لأمورهم ، والمتفرد بإصلاح شؤونهم ، ويصح أن يكون الولي على وزن فعيل في معنى المفعول فالمؤمنون يتولون طاعته. وكلاهما حق : فالأول جمع والثاني فرق ، وكلُّ جمع لا يكون مقيداً بفرقٍ وكلُّ فرقٍ لا يكون مؤيداً بجمع فذلك خطأ وصاحبه مبطل والآية تُحْمَلُ عليهما جميعاً.\r{ يُخْرِجُهُم مِّنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ }.\rيعني بحكمه الأزلي صانهم عن الظلمات التي هي الضلال والبدع ، لأنهم ما كانوا في الظلمات قط في سابق علمه.\r{ وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ }.\rما استهواهم من دواعي الكفر.\r{ يُخْرِجُونَهُمْ مِّنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ أُوْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ }.\rباستيلاء الشُبَه على قلوبهم ، فيجحدون الربوبية ، أولئك الذين بقوا عن الحق بقاء أبدياً.\rويقال بخرجهم من ظلمات تدبيرهم إلى سعة شهود تقديره.\rويقال يخرجهم من ظلمات ظنونهم أنهم يتوسلون أو يَصِلُون إليه بشيء من سكناتهم وحركاتهم.\rويقال يخرجهم من ظلماتهم بأن يرفع عنهم ظِلْ أنفسهم ويدخلهم في ظل عنايته.\rويقال يخلصهم عن حسبان النجاة بهم.\r","part":8,"page":283},{"id":3323,"text":"ويقال يحول بينهم وبين الاعتماد على أعمالهم والاستناد إلى أحوالهم. أ هـ {لطائف الإشارات حـ 1 صـ 198 ـ 199}\rمن فوائد ابن عرفة فى الآية\rقوله تعالى : { الله وَلِيُّ الذين آمَنُواْ . . . }.\rأفرد الولي هنا لأن الإيمان من لوازمه التوحيد والكفر من لوازمه الشرك وتعدد الآلهة.\rقوله تعالى : { يُخْرِجُهُم مِّنَ الظلمات إِلَى النور . . . }.\rوأورد الزمخشري في أول سورة الأنعام سؤالا فقال : لأي شيء جمع الظلمات وأفرد النور وحقه إن كان يورده هنا ؟ وأجاب بتعدد طريق الشرك واتحاد طريق الإيمان.\rقال ابن عرفة : وإخراج المؤمنين من الظلمات إلى النور بالفعل حقيقة ، لأنهم كانوا كافرين فآمنوا ، والكافرون كانوا في مظنة الإيمان أو القبول إلى الإيمان فأخرجهم إلى التصميم على الكفر والقسمة رباعية كفر مستديم إلى الموت وإيمان دائم إلى الموت وكفر بعد الإيمان وإيمان بعد كفر فتضمنت الآية القسمين الأخيرين.\rقال ابن عرفة : إما أن يتجوز في لفظ \" ءَامَنُوا \" فيريد به المستقبل ويبقى \" يخرجهم \" على ظاهره ، أو يبقى \" ءَامَنُوا \" على ظاهره ويتجوز في لفظ \" يُخْرِجُهُم \" وغلب في الآية مقام الوعظ والتخويف على مقام البشارة فلذلك لم يقل في الأول : { أولئك أَصْحَابُ النار هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ } وذكر في الثاني. أ هـ {تفسير ابن عرفة صـ 335}","part":8,"page":284},{"id":3324,"text":"لطيفة\rقال سهل في قول الله تعالى : { الله وَلِيُّ الذين آمَنُواْ } [ 257 ] أي ولاية الرضا فهو المتولي لهم بما سبق لهم من هدايته ومعرفته إياهم على توحيده وذلك لعلمه بتبرئهم من كل سبب إلا من خالقهم فأخرجوا من الظلمات إلى النور ومن الكفر والضلالة والمعاصي والبدع إلى الإيمان وهو النور الذي أثبته الحق عزَّ وجلَّ في قلوبهم وهو نور بصيرة اليقين الذي به يستبصرون التوحيد والطاعة له فيما أمر ونهى { وَمَن لَّمْ يَجْعَلِ الله لَهُ نُوراً فَمَا لَهُ مِن نُورٍ } [ النور : 40 ] قوله عزَّ وجلَّ : { والذين كفروا أَوْلِيَآؤُهُمُ الطاغوت } [ 257 ] أي الشيطان . قال سهل : ورأس الطواغيت كلها النفس الأمارة بالسوء ، لأن الشيطان لا يقدر على الإنسان إلاَّ من طريق هوى النفس ، فإن أحس منها بما تهم به ألقى إليها الوسوسة. أ هـ {تفسير التسترى صـ 54}","part":8,"page":285},{"id":3325,"text":"من فوائد الشيخ الشنقيطى فى الآية\rقال رحمه الله : \rقوله تعالى : { الله وَلِيُّ الذين آمَنُواْ يُخْرِجُهُمْ مِّنَ الظلمات إِلَى النور }.\rصرح في هذه الآية الكريمة بأن الله ولي المؤمنين ، وصرح في آية أخرى بانه وليهم وأن رسول الله صلى الله عليه وسلم وليهم وأن بعضهم أولياء بعض وذلك في قوله تعالى : { إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ الله وَرَسُولُهُ والذين آمَنُواْ } [ المائدة : 55 ] الآية وقال : { والمؤمنون والمؤمنات بَعْضُهُمْ أَوْلِيَآءُ بَعْضٍ } [ التوبة : 71 ] وصرح في موضع آخر بخصوص هذه الولاية للمسلمين دون الكافرين وهو قوله تعالى : { ذَلِكَ بِأَنَّ الله مَوْلَى الذين آمَنُواْ وَأَنَّ الكافرين لاَ مولى لَهُمْ } [ محمد : 11 ] ، وصرح في موضع آخر بأن نبيه صلى الله عليه وسلم أولى بالمؤمنين من أنفسهم ، وهو قوله تعالى : { النبي أولى بالمؤمنين مِنْ أَنْفُسِهِمْ } [ الأحزاب : 6 ] وبين في آية البقرة هذه ، ثمرة ولايته تعالى للمؤمنين ، وهي إخراجه لهم من الظلمات إلى النور بقوله تعالى : { الله وَلِيُّ الذين آمَنُواْ يُخْرِجُهُمْ مِّنَ الظلمات إِلَى النور } [ البقرة : 257 ] وبين في موضع آخر أن من ثمرة ولايته إذهاب الخوف والحزن عن أوليائه ، وبين أن ولايتهم له تعالى بإيمانهم وتقواهم وذلك في قوله تعالى : { ألا إِنَّ أَوْلِيَآءَ الله لاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ الذين آمَنُواْ وَكَانُواْ يَتَّقُونَ } [ يونس : 62-63 ] ، وصرح في موضع آخر أنه تعالى ولى نبيه صلى الله عليه وسلم وأنه أيضاً يتولى الصالحين وهو قوله تعالى : { إِنَّ وَلِيِّيَ الله الذي نَزَّلَ الكتاب وَهُوَ يَتَوَلَّى الصالحين } [ الأعراف : 196 ].\rقوله تعالى : { يُخْرِجُهُمْ مِّنَ الظلمات إِلَى النور }.\r","part":8,"page":286},{"id":3326,"text":"المراد بالظلمات الضلالة ، وبالنور الهدى ، وهذه الآية يفهم منها أن طرق الضلال متعددة. لجمعه الظلمات وأن طريق الحق واحدة. لإفراده النور ، وهذا المعنى المشار إليه هنا بينه تعالى في مواضع أخر كقوله : { وَأَنَّ هذا صِرَاطِي مُسْتَقِيماً فاتبعوه وَلاَ تَتَّبِعُواْ السبل فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ } [ الأنعام : 153 ] قال ابن كثير في تفسير هذه الآية ما نصه : ولهذا وحد تعالى لفظ النور وجمع الظلمات. لأن الحق واحد والكفر أجناس كثيرة وكلها باطلة كما قال : { وَأَنَّ هذا صِرَاطِي مُسْتَقِيماً فاتبعوه وَلاَ تَتَّبِعُواْ السبل فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ ذلكم وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ } [ الأنعام : 153 ] وقال تعالى : { وَجَعَلَ الظلمات والنور } [ الأنعام : 1 ] وقال تعالى : { عَنِ اليمين وَعَنِ الشمال } [ ق : 17 ] إلى غير ذلك من الآيات التي في لفظها إشعار بتفرد الحق وانتشار الباطل وتعدده وتشعبه منه بلفظه. قوله تعالى : { والذين كفروا أَوْلِيَآؤُهُمُ الطاغوت } [ البقرة : 257 ] الآية. قال بعض العلماء : الطاغوت الشيطان ويدل لهذا قوله تعالى : { إِنَّمَا ذلكم الشيطان يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ } [ آل عمران : 175 ] أي يخوفكم من أوليائه وقوله تعالى : { الذين آمَنُواْ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ الله والذين كَفَرُواْ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ الطاغوت فقاتلوا أَوْلِيَاءَ الشيطان إِنَّ كَيْدَ الشيطان كَانَ ضَعِيفاً } [ النساء : 76 ] وقوله : { أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِيَآءَ مِن دُونِي وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ } [ الكهف : 50 ] الآية وقوله : { إِنَّهُمُ اتخذوا الشياطين أَوْلِيَآءَ } [ الأعراف : 30 ] الآية. والتحقيق أن كل ما عبد من دون الله فهو طاغوت والحظ الأكبر من ذلك للشيطان كما قال تعالى : { أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يا بني آدَمَ أَن لاَّ تَعْبُدُواْ الشيطان } [ يس : 60] الآية وقال : { إِن يَدْعُونَ مِن دُونِهِ إِلاَّ إِنَاثاً وَإِن يَدْعُونَ إِلاَّ شَيْطَاناً مَّرِيداً } [ النساء : 117 ] وقال عن خليله إبراهيم : { يا أبت لاَ تَعْبُدِ الشيطان } [ مريم : 44 ] الآية وقال : { وَإِنَّ الشياطين لَيُوحُونَ إلى أَوْلِيَآئِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ } [ الأنعام : 121 ] إلى غير ذلك من الآيات. أ هـ {أضواء البيان حـ 1 صـ 186}","part":8,"page":287},{"id":3327,"text":"من لطائف ابن القيم فى الآية\rقال رحمه الله : \rقال الله تعالى {الله ولي الذين آمنوا يخرجهم من الظلمات إلى النور والذين كفروا أولياؤهم الطاغوت يخرجونهم من النور إلى الظلمات}\rفأولياؤهم يعيدونهم إلى ما خلقوا فيه من ظلمة طبائعهم وجهلهم وأهوائهم وكلما أشرق لهم نور النبوة والوحي وكادوا أن يدخلوا فيه منعهم أولياؤهم منه وصدوهم فذلك إخراجهم إياهم من النور إلى الظلمات وقال تعالى أومن كان ميتا فأحييناه وجعلنا له نورا يمشي به في الناس كمن مثله في الظلمات ليس بخارج منها فاحياؤه سبحانه وتعالى بروحه الذي هو وحيه وهو روح الإيمان والعلم وجعل له نورا يمشي به بين أهل الظلمة كما يمشي الرجل بالسراج المضيء في الليلة الظلماء فهو يرى أهل الظلمة في ظلامتهم وهم لا يرونه كالبصير الذي يمشي بين العميان. أ هـ\rثم قال رحمه الله : \rفصل في أن الخارجين عن طاعة الرسل يتقلبون في الظلمات وأن اتباعهم يتقلبون في عشرة أنوار\rوالخارجون عن طاعة الرسل صلوات الله وسلامه عليهم ومتابعتهم يتقلبون في عشر ظلمات ظلمة الطبع وظلمة الجهل وظلمة الهوى وظلمة القول وظلمة العمل وظلمة المدخل وظلمة المخرج وظلمة القبر وظلمة القيامة وظلمة دار القرار فالظلمة لازمة لهم في دورهم الثلاثة\rوأتباع الرسل صلوات الله وسلامه عليهم يتقلبون في عشرة أنوار ولهذه الأمة من النور ما ليس لأمة غيرها ولنبيها وآله من النور ما ليس لنبي غيره فإن لكل نبي منهم نورين ولنبينا وآله تحت كل شعرة من رأسه وجسده نور تام كذلك صفته وصفة أمته في الكتب المتقدمة. أ هـ {اجتماع الجيوش الإسلامية صـ 8 ـ 9}\rوقال فى البدائع : \rوالمقصود أن طريق الحق واحد إذ مرده إلى الله الملك الحق وطرق الباطل متشعبة متعددة فإنها لا ترجع إلى شيء موجود ولا غاية لها يوصل إليها بل هي بمنزلة بنيات الطريق وطريق الحق بمنزلة الطريق الموصل إلى المقصود فهي وإن تنوعت فأصلها طريق واحد\r","part":8,"page":288},{"id":3328,"text":"ولما كانت الظلمة بمنزلة طرق الباطل والنور بمنزلة طريق الحق فقد أفرد النور وجمعت الظلمات وعلى هذا جاء قوله {الله ولي الذين آمنوا يخرجهم من الظلمات إلى النور والذين كفروا أولياؤهم الطاغوت يخرجونهم من النور إلى الظلمات}\rفوحد ولي الذين آمنوا وهو الله الواحد الأحد وجمع الذين كفروا لتعددهم وكثرتهم وجمع الظلمات وهي طرق الضلال والغي لكثرتها واختلافها ووحد النور وهو دينه الحق وطريقه المستقيم الذي لا طريق إليه سواه. أ هـ {بدائع الفوائد حـ 1 صـ 137}","part":8,"page":289},{"id":3329,"text":"فوائد لغوية\rقال ابن عادل :\r\" الوليّ \" فعيل بمعنى : فاعل من قولهم : ولي فلان الشَّيء يليه ولاية ، فهو وَال وولى ، وأصله من الوَلْي الَّذي هو القُرْبُ؛ قال الهُذليُّ : [ الكامل ]\r.......................... وَعَدَتْ عَوَادٍ دُونَ وَلْيِكَ تَشْعَبُ\rومنه يقال داري تلي دارها ، أي : تقرب منها ومنه يُقالُ للمحبّ المقارب ولي؛ لأَنَّهُ يقرب منك بالمحبَّةِ والنُّصرة ، ولا يفارقك ، ومنه الوالي؛ لأَنَّه يلي القوم بالتَّدبير والأمر والنّهي ، ومنه المولى ، ومن ثمّ قالوا في خلاف الولاية : العداوة من عدا الشَّيء : إذا جاوزه ، فلأجل هذا كانت العَدَاوةُ خلاف الوِلاَية ومعنى قوله تبارك وتعالى : { الله وَلِيُّ الذين آمَنُواْ } ، أي : ناصرهم ومعينهم ، وقيل : مُحبهم.\rوقيل : متولي أمورهم لا يكلهم إلى غيره.\rوقال الحسنُ : ولي هدايتهم.\rقوله : { يُخْرِجُهُمْ مِّنَ الظلمات إِلَى النور } ، أي : من الكُفْرِ إلى الإيمان.\rقال الواقدي : كلّ ما في القرآن من الظُلُماتِ ، والنور فالمرادُ منه : الكفر والإيمان غير التي في سورة الأنعام { وَجَعَلَ الظلمات والنور } [ الأنعام : 1 ] فالمراد منه اللَّيل والنَّهار ، سُمي الكفر ظُلمة لالتباس طريقه ، وسُمي الإسلام نُوراً ، لوضوح طريقه.\rوقال أَبو العبَّاس المُقْرىءُ \" الظُّلُمَات \" على خمسة أوجه :\rالأول : \" الظُّلُمَاتُ \" الكفر كهذه الآية الكريمة.\rالثاني : ظُلمة اللَّيلِ قال تعالى : { وَجَعَلَ الظلمات والنور } يعني اللَّيل والنهار.\rالثالث : الظُّلُمَات ظلمات البر والبحر والأهوال قال تعالى : { قُلْ مَن يُنَجِّيكُمْ مِّن ظُلُمَاتِ البر والبحر } [ الأنعام : 63 ] أي من أهوالهما.\r","part":8,"page":290},{"id":3330,"text":"الرابع : \" الظُّلُمَات \" بطون الأُمَّهات ، قال تعالى : { فِي ظُلُمَاتٍ ثَلاَثٍ } [ الزمر : 6 ] يعني المشيمة والرحم والبطن.\rالخامس : بطنُ الحُوتِ قال تعالى : { فنادى فِي الظلمات } [ الأنبياء : 87 ] أي في بطنِ الحوت.\rقوله تعالى : { والذين كفروا أَوْلِيَآؤُهُمُ الطاغوت } : \" الذين \" مبتدأ أولُ ، وَأَوْلياؤهم مبتدأ ثانٍ ، وَالطَّاغُوتُ : خبرهُ ، والجملةُ خبرُ الأَوَّلِ. وقرأ الحسنُ \" الطَّوَاغيت \" بالجمع ، وإن كان أصلُه مصدراً؛ لأنه لمَّا أطلق على المعبود مِنْ دُونِ الله اختلفَت أنواعهُ ، ويؤيِّد ذلك عَوْدُ الضميرِ مَجْمُوعاً من قوله : \" يُخْرِجونهم \".\rقوله : \" يُخْرِجونهم \" هذه الجُملة وما قبلها من قوله : \" يُخْرِجُهم \" الأحسنُ ألاَّ يكونَ لها محلٌّ من الإِعرابِ ، لأَنَّهُمَا خَرَجا مخرجَ التفسير للولاية ، ويجوزُ أن يكونَ \" يُخْرِجُهم \" خبراً ثانياً لقوله : \" الله \" وَأَنْ يكونَ حالاً من الضَّمير في \" وليُّ \" ، وكذلك \" يُخْرِجُونَهُم \" والعاملُ في الحالِ ما في معنى الطَّاغُوتِ ، وهذا نظيرُ ما قاله الفارسيُّ في قوله تعالى : { نَزَّاعَةً للشوى } [ المعارج : 16 ] إنها حالٌ العاملُ فيها \" لَظَى \" وسيأتي تحقيقه إن شاء الله تعالى و\" مَنْ \" [ و] \" إِلى \" مُتعلِّقان بفعلي الإِخراج. أ هـ {تفسير ابن عادل حـ 4 صـ 333 ـ 335}. بتصرف.","part":8,"page":291},{"id":3331,"text":"قوله تعالى : { أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رَبِّهِ أَنْ آَتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ إِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ قَالَ أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ قَالَ إِبْرَاهِيمُ فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (258)}\rمناسبة الآية لما قبلها\rقال البقاعى :\rولما ذكر ما له سبحانه وتعالى من الإحاطة والعظمة وأتبعه أمر الإيمان وتوليه حزبه وأمر الكفران وخذلانه أهله أخذ يدل على ذلك بقصة المحاج للخليل والمار على القرية مذكراً بقصة الذين قال لهم موتوا ثم أحياهم في سياق التعجيب من تلك الجرأة - قال الحرالي : ولما كان ما أظهره الحق في آية عظمته وما اتصل بها في خاصة عباده اختص هذا الخطاب بالنبي صلى الله عليه وسلم لعلو مفهوم مغزاه عمن دونه ،\rانتهى - فقال تعالى : {ألم تر} أي تعلم بما نخبرك به علماً هو عندك كالمشاهدة لما لك من كمال البصيرة وبما أودعناه فيك من المعاني المنيرة.\rولما كان هذا المحاج بعيداً من الصواب كثيف الحجاب أشار إلى بعده بحرف الغاية فقال : {إلى الذي حآج إبراهيم} أي الذي هو أبو العرب وهم أحق الناس بالاقتداء به {في ربه} الضمير يصح أن يعود على كل منهما أي فيما يختص به خالقه المربي له المحسن إليه بعد وضوح هذه الأدلة وقيام هذه البراهين إشارة إلى أنه سبحانه أوضح على لسان كل نبي أمره وبين عظمته وقدره مع أنه ركز ذلك في جميع الفطر وقادها إلى بحور جلاله بأدنى نظر فكأن نمرود المحاج للخليل ممن أخرجته الشياطين من النور إلى الظلمات ،\rولما كان ذلك أمراً باهراً معجباً بين أن علته الكبر الذي أشقى إبليس فقال : {أن} أي لأجل أن {آتاه الله} أي الملك الأعلى بفيض فضله {الملك} الفاني في الدنيا الدنيئة ،","part":8,"page":292},{"id":3332,"text":"فجعل موضع ما يجب عليه من شكر من ملكه ذلك محاجته فيه وكبره رغم عليه ،\rوعرفه إشارة إلى كماله بالنسبة إلى الآدميين بالحكم على جميع الأرض.\rقال الحرالي : وفي إشعاره أن الملك فتنة وبلاء على من أوتيه - انتهى.\rفتكبر بما خوله الله فيه على عباد الله وهم يطيعونه لما مكّن الله له من الأسباب إلى أن رسخت قدمه في الكبر المختص بالملك الأعظم مالك الملك ومبيد الملوك فظن جهلاً أنه أهل له. أ هـ {نظم الدرر حـ 1 صـ 503}\rوقال أبو حيان :\rمناسبة هذه الآية لما قبلها أنه تعالى : لما أخبر أنه ولي الذين آمنوا ، وأخبر : أن الكفار أولياؤهم الطاغوت ، ذكر هذه القصة التي جرت بين إبراهيم والذي حاجه ، وانه ناظر ذلك الكافر فغلبه وقطعه ، إذ كان الله وليه ، وانقطع ذلك الكافر وبهت إذ كان وليه هو الطاغوت : { ألا إن حزب الله هم الغالبون } { ألا إن حزب الله هم المفلحون } فصارت هذه القصة مثلاً للمؤمن والكافر اللذين تقدّم ذكرهما. أ هـ {البحر المحيط حـ 2 صـ 297}\rقال الفخر :\rاعلم أنه تعالى ذكر هاهنا قصصاً ثلاثة : الأولى : منها في بيان إثبات العلم بالصّانع ، والثانية والثالثة : في إثبات الحشر والنشر والبعث ، والقصة الأولى مناظرة إبراهيم صلى الله عليه وسلم مع ملك زمانه وهي هذه الآية التي نحن في تفسيرها فنقول :\rأما قوله تعالى : {أَلَمْ تَرَ} فهي كلمة يوقف بها المخاطب على تعجب منها ، ولفظها لفظ الاستفهام وهي كما يقال : ألم تر إلى فلان كيف يصنع ، معناه : هل رأيت كفلان في صنعه كذا.","part":8,"page":293},{"id":3333,"text":"أما قوله : {إِلَى الذى حَاجَّ إبراهيم فِى رِبّهِ} فقال مجاهد : هو نمروذ بن كنعان ، وهو أول من تجبر وادعى الربوبية ، واختلفوا في وقت هذه المحاجة قيل : إنه عند كسر الأصنام قبل الإلقاء في النار عن مقاتل ، وقيل : بعد إلقائه في النار ، والمحاجة المغالبة ، يقال : حاججته فحججته ، أي غالبته فغلبته ، والضمير في قوله {فِى رِبّهِ} يحتمل أن يعود إلى إبراهيم ، ويحتمل أن يرجع إلى الطاعن ، والأول أظهر ، كما قال : {وَحَاجَّهُ قَوْمُهُ قَالَ أَتُحَاجُّونّى فِى الله} [ الأنعام : 80 ] والمعنى وحاجه قومه في ربه. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 7 صـ 19 ـ 20}\rقال القرطبى : \rقوله تعالى : { أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رَبِّهِ}\rهو النُّمْروذ بن كوش بن كنعان بن سام بن نوح مِلك زمانه وصاحبُ النار والبَعُوضَة! هذا قول ابن عباس ومجاهد وقَتادة والرّبيع والسُّدِّي وابن إسحاق وزيد بن أسلم وغيرهم.\rوكان إهلاكه لما قصد المحاربة مع الله تعالى بأن فتح الله تعالى عليه باباً من البَعُوض فستروا عين الشمس وأكلوا عسكره ولم يتركوا إلا العظام ، ودخلت واحدة منها في دماغه فأكلته حتى صارت مثل الفأرة ؛ فكان أعز الناس عنده بعد ذلك من يضرب دماغه بمطرقة عَتيدَة لذلك ، فبقي في البلاء أربعين يوماً.\rقال ابن جُريج : هو أوّل ملِك في الأرض.\rقال ابن عطية : وهذا مردود.\rوقال قتادة : هو أوّل من تجبّر وهو صاحب الصَّرْح ببَابِلَ.\rوقيل : إنه ملك الدنيا بأجمعها ؛ وهو أحد الكافرينْ ؛ والآخر بُخْتَنَصَّر.\rوقيل : إن الذي حاجّ إبراهيم نمروذ بن فالخ بن شالخ بن أرفخشد بن سام ؛ حكى جميعه ابن عطية.\rوحكى السهيليّ أنه النمروذ بن كوش بن كنعان بن حام بن نوح وكان ملكاً على السواد وكان ملّكه الضحاك الذي يعرف بالازدهاق واسمه بيوراسب بن أندراست وكان ملك الأقاليم كلها ، وهو الذي قتله أفريدون بن أثفيان ؛ وفيه يقول حبيب : \r","part":8,"page":294},{"id":3334,"text":"وكأنه الضّحّاك من فَتَكاتهِ . . .\rفي العالمين وأنْتَ أفْرِيدُونُ\rوكان الضحاك طاغياً جبّاراً ودام ملكه ألف عام فيما ذكروا.\rوهو أوّل من صلب وأوّل من قطع الأيدي والأرجل ، وللنمروذ ابن لصلبه يسمى \"كوشا\" أو نحو هذا الاسم ، وله ابن يسمى نمروذ الأصغر.\rوكان ملك نمروذ الأصغر عاماً واحداً ، وكان ملك نمروذ الأكبر أربعمائة عام فيما ذكروا. أ هـ {تفسير القرطبى حـ 3 صـ 284}\rقال ابن عاشور : \rوالذي حَاجّ إبرهيم كافر لا محالة لقوله : { فبهت الذي كفر } ، وقد قيل : إنّه نمرودُ بن فالخ بن عابر بن شالح بن أرفخشد بن سام بن كوش بن حام بن نوح ، فيكون أخا ( رَعو ) جدِّ إبراهيم.\rوالذي يُعتمد أنّه ملك جبّار ، كان ملكاً في بابل ، وأنّه الذي بنى مدينة بابل ، وبنى الصرح الذي في بابل ، واسمه نمرُود بالدال المهملة في آخره ويقال بالذال المعجمة ، ولم تتعرّض كتب اليهود لهذه القصة وهي في المرويات. أ هـ {التحرير والتنوير حـ 3 صـ 32}\rفائدة\rقال أبو حيان : \rفي : ربه ، يحتمل أن يعود الضمير على ابراهيم ، وأن يعود على النمروذ ، والظاهر الأول. أ هـ {البحر المحيط حـ 2 صـ 298}\rفصل\rقال القرطبى : \rوفي قصص هذه المحاجّة روايتان : إحداهما أنهم خرجوا إلى عيد لهم فدخل إبراهيم على أصنامهم فكسرها ؛ فلما رجعوا قال لهم : أتعبدون ما تنحتون ؟ فقالوا : فمن تعبد ؟ قال : أعبد ( ربي ) الذي يُحْيي ويُمِيت.\rوقال بعضهم : إن نمروذ كان يحتكر الطعام فكانوا إذا احتاجوا إلى الطعام يشترونه منه ، فإذا دخلوا عليه سجدوا له ؛ فدخل إبراهيم فلم يسجد له ، فقال : مالك لا تسجد لي! قال : أنا لا أسجد إلا لِرَبِّي.\rفقال له نمروذ : من ربك! ؟ قال إبراهيم : ربي الذي يحيي ويميت.\rوذكر زيد بن أسلم أن النمروذ هذا قعد يأمر الناس بالمِيَرة ، فكلما جاء قوم يقول : من ربكم وإلهكم ؟ فيقولون أنت ؛ فيقول : مِيروهم.\r","part":8,"page":295},{"id":3335,"text":"وجاء إبراهيم عليه السلام يمتار فقال له : من ربك وإلهك ؟ قال إبراهيم : ربي الذي يحيي ويميت ؛ فلما سمعها نمروذ قال : أنا أُحيي وأُميت ؛ فعارضه إبراهيم بأمر الشمس فبُهِتَ الذي كفر ، وقال لا تَمِيروه ؛ فرجع إبراهيم إلى أهله دون شيء فمرّ على كَثِيبِ رملٍ كالدقيق فقال في نفسه : لو ملأت غِرَارتيّ من هذا فإذا دخلت به فرح الصبيان حتى أُنظر لهم ، فذهب بذلك فلما بلغ منزله فرح الصبيان وجعلوا يلعبون فوق الغِرارتين ونام هو من الإعْيَاء ؛ فقالت امرأته : لو صنعتُ له طعاماً يجده حاضراً إذا انتبه ، ففتحت إحدى الغرارتين فوجدت أحسن ما يكون من الحُوَّارَى فخبزتْه ، فلما قام وضعته بين يديه فقال : من أين هذا ؟ فقالت : من الدقيق الذي سُقتَ.\rفعلم إبراهيم أن الله تعالى يسر لهم ذلك.\rقلت : وذكر أبو بكر بن أبي شيبة عن أبي صالح قال : انطلق إبراهيم النبيّ عليه السلام يمتار فلم يقدر على الطعام ، فمرّ بسِهْلَة حمراء فأخذ منها ثم رجع إلى أهله فقالوا : ما هذا ؟ فقال : حنطة حمراء ؛ ففتحوها فوجدوها حنطة حمراء ، قال : وكان إذا زرع منها شيئاً جاء سنبله من أصلها إلى فرعها حَبّاً متراكباً.\rوقال الرّبيع وغيره في هذا القصص : إن النمروذ لما قال أنا أُحيي وأُميت أحضر رجلين فقتل أحدهما وأرسل الآخر فقال : قد أحييت هذا وأمت هذا ؛ فلما ردّ عليه بأمر الشمس بُهِتَ.\rوروي في الخبر : أن الله تعالى قال : وعزَّتي وجلالي لا تقوم الساعة حتى آتي بالشمس من المغرب ليعلم أني أنا القادر على ذلك.\rثم أمر نمروذ بإبراهيم فأُلقِيَ في النار ، وهكذا عادة الجبابرة فإنهم إذا عورضوا بشيء وعجزوا عن الحجة اشتغلوا بالعقوبة ، فأنجاه الله من النار ، على ما يأتي.\rوقال السدي : إنه لما خرج إبراهيم من النار أدخلوه على الملك ولم يكن قبل ذلك دخل عليه فكلمه وقال له : من ربك ؟ فقال : ربي الذي يحيي ويميت.\r","part":8,"page":296},{"id":3336,"text":"قال النمروذ : أنا أُحيي وأُميت ، وأنا آخذ أربعة نفر فأدخلهم بيتاً ولا يطعمون شيئاً ولا يسقون حتى إذا جاعوا أخرجتهم فأطعمت اثنين فحييا وتركت اثنين فماتا.\rفعارضه إبراهيم بالشمس فبُهِت. أ هـ {تفسير القرطبى حـ 3 صـ 284 ـ 286}\rقوله تعالى : {أَنْ آتاه الله الملك}\rقال الآلوسى : \r{ أنٍ آتاه الله الملك } أي لأن آتاه الله تعالى ذلك فالكلام على حذف اللام وهو مطرد في أن ، وإن وليس هناك مفعولاً لأجله منصوب لعدم اتحاد الفاعل ، والتعليل فيه على وجهين : إما أن إيتاء الملك حمله على ذلك لأنه أورثه الكبر والبطر فنشأت المحاجة عنهما ، وإما أنه من باب العكس في الكلام بمعنى أنه وضع المحاجة موضع الشكر إذ كان من حقه أن يشكر على ذلك فعلى الأول : العلة تحقيقية ، وعلى الثاني : تهكمية كما تقول : عاداني فلان لأني أحسنت إليه. أ هـ {روح المعانى حـ 3 صـ 16}\rوقال فى الميزان : \rقوله تعالى : {أن آتاه الله الملك} ، ظاهر السياق : أنه من قبيل قول القائل : أساء إلى فلان لأني أحسنت إليه يريد : أن إحساني إليه كان يستدعي أن يحسن إلى لكنه بدل الإحسان من الإساءة فأساء إلى ، وقولهم : واتق شر من أحسنت إليه ، \rقال الشاعر : جزى بنوه أبا الغيلان عن كبر *\rوحسن فعل كما يجزى سنمار\rفالجملة أعني قوله : أن آتاه الله الملك بتقدير لام التعليل وهي من قبيل وضع الشئ موضع ضده للشكوى والاستعداء ونحوه ، فإن عدوان نمرود وطغيانه في هذه المحاجة كان ينبغي أن يعلل بضد إنعام الله عليه بالملك ، لكن لما لم يتحقق من الله في حقه إلا الإحسان إليه وإيتائه الملك فوضع في موضع العلة فدل على كفرانه لنعمة الله فهو بوجه كقوله تعالى : \" فالتقطه آل فرعون ليكون لهم عدوا وحزنا \" القصص - 8 ، فهذه نكتة في ذكر إيتائه الملك.\rوهناك نكتة أخرى\rوهي : الدلالة على رداءة دعواه من رأس ، وذلك أنه إنما كان يدعي هذه الدعوى لملك آتاه الله تعالى من غير أن يملكه لنفسه ، فهو إنما كان نمرود الملك ذا السلطة والسطوة بنعمة من ربه ، وأما هو في نفسه فلم يكن إلا واحدا من سواد الناس لا يعرف له وصف ، ولا يشار إليه بنعت ، ولهذا لم يذكر اسمه وعبر عنه بقوله : \"الذي حاج إبراهيم في ربه\" ، دلالة على حقارة شخصه وخسة أمره. أ هـ {الميزان حـ 2 صـ 352 }\rفصل\rقال الفخر : \rأما قوله : {أَنْ آتاه الله الملك} فاعلم أن في الآية قولين\rالأول : أن الهاء في آتاه عائد إلى إبراهيم ، يعني أن الله تعالى آتى إبراهيم صلى الله عليه وسلم الملك ، واحتجوا على هذا القول بوجوه الأول : قوله تعالى : {فَقَدْ ءَاتَيْنَا ءَالَ إبراهيم الكتاب والحكمة وءاتيناهم مُّلْكاً عَظِيماً} [ النساء : 54 ] أي سلطاناً بالنبوّة ، والقيام بدين الله تعالى والثاني : أنه تعالى لا يجوز أن يؤتي الملك الكفار ، ويدعي الربوبية لنفسه والثالث : أن عود الضمير إلى أقرب المذكورين واجب ، وإبراهيم أقرب المذكورين إلى هذا الضمير ، فوجب أن يكون هذا الضمير عائداً إليه والقول الثاني : وهو قول جمهور المفسرين : أن الضمير عائد إلى ذلك الإنسان الذي حاج إبراهيم.\rوأجابوا عن الحجة الأولى بأن هذه الآية دالة على حصول الملك لآل إبراهيم ، وليس فيها دلالة على حصول الملك لإبراهيم عليه السلام.","part":8,"page":297},{"id":3337,"text":"وعن الحجة الثانية بأن المراد من الملك هاهنا التمكن والقدرة والبسطة في الدنيا ، والحس يدل على أنه تعالى قد يعطي الكافر هذا المعنى ، وأيضاً فلم لا يجوز أن يقال : إنه تعالى أعطاه الملك حال ما كان مؤمناً ، ثم أنه بعد ذلك كفر بالله تعالى.\rوعن الحجة الثالثة بأن إبراهيم عليه السلام وإن كان أقرب المذكورين إلا أن الروايات الكثيرة واردة بأن الذي حاج إبراهيم كان هو الملك ، فعود الضمير إليه أولى من هذه الجهة ، ثم احتج القائلون بهذا القول على مذهبهم من وجوه الأول : أن قوله تعالى : {أَنْ آتاه الله الملك} يحتمل تأويلات ثلاثة ، وكل واحد منها إنما يصح إذا قلنا : الضمير عائد إلى الملك لا إلى إبراهيم ، وأحد تلك التأويلات أن يكون المعنى حاج إبراهيم في ربه لأجل أن آتاه الله الملك ، على معنى أن إيتاء الملك أبطره وأورثه الكبر والعتو فحاج لذلك ، ومعلوم أن هذا إنما يليق بالملك العاتي ، والتأويل الثاني أن يكون المعنى أنه جعل محاجته في ربه شكراً على أن آتاه ربه الملك ، كما يقال : عاداني فلان لأني أحسنت إليه ، يريد أنه عكس ما يجب عليه من الموالاة لأجل الإحسان ، ونظيره قوله تعالى : {وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذّبُونَ} [ الواقعة : 82 ] وهذا التأويل أيضاً لا يليق بالنبي فإنه يجب عليه إظهار المحاجة قبل حصول الملك وبعده\rأما الملك العاتي فإنه لا يليق به إظهار هذا العتو الشديد إلا بعد أن يحصل الملك العظيم له ، فثبت أنه لا يستقيم لقوله {أَنْ آتاه الله الملك} معنى وتأويل إلا إذا حملناه على الملك العاتي.\rالحجة الثانية : أن المقصود من هذه الآية بيان كمال حال إبراهيم صلى الله عليه وسلم في إظهار الدعوة إلى الدين الحق ، ومتى كان الكافر سلطاناً مهيباً ، وإبراهيم ما كان ملكاً ، كان هذا المعنى أتم مما إذا كان إبراهيم ملكاً ، ولما كان الكافر ملكاً ، فوجب المصير إلى ما ذكرنا.\r","part":8,"page":298},{"id":3338,"text":"الحجة الثانية : ما ذكره أبو بكر الأصم ، وهو أن إبراهيم صلى الله عليه وسلم لو كان هو الملك لما قدر الكافر أن يقتل أحد الرجلين ويستبقي الآخر ، بل كان إبراهيم صلى الله عليه وسلم يمنعه منه أشد منع ، بل كان يجب أن يكون كالملجأ إلى أن لا يفعل ذلك ، قال القاضي هذا الاستدلال ضعيف ، لأنه من المحتمل أن يقال : إن إبراهيم صلى الله عليه وسلم كان ملكاً وسلطاناً في الدين والتمكن من إظهار المعجزات ، وذلك الكافر كان ملكاً مسلطاً قادراً على الظلم ، فلهذا السبب أمكنه قتل أحد الرجلين ، وأيضاً فيجوز أن يقال إنما قتل أحد الرجلين قوداً ، وكان الاختيار إليه ، واستبقى الآخر ، إما لأنه لا قتل عليه أو بذل الدية واستبقاه.\rوأيضاً قوله {أنا أحيي وأميت} خبر ووعد ، ولا دليل في القرآن على أنه فعله ، فهذا ما يتعلق بهذه المسألة. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 7 صـ 19 ـ 20 ـ 21}\rسؤال : فإن قلت : كيف جاز أن يؤتي الله الملك الكافر ؟\rقلت : فيه قولان : آتاه ما غلب به وتسلط من المال والخدم والأتباع ، وأما التغليب والتسليط فلا ، وقيل : ملكة امتحاناً لعباده. انتهى. أ هـ {الكشاف حـ 1 صـ 333}\rقال أبو حيان :\rوفيه نزعة اعتزالية ، وهو قوله : وأما التغليب والتسليط فلا ، لأنه عندهم هو الذي تغلب وتسلط ، فالتغليب والتسليط فعله لا فعل الله عندهم. أ هـ {البحر المحيط حـ 2 صـ 299}\rفصل\rقال القرطبى :\rهذه الآية تدل على جواز تسمية الكافر مَلِكاً إذا آتاه الله المُلْك والعِزّ والرِّفعة في الدنيا ، وتدلّ على إثبات المناظرة والمجادلة وإقامة الحجة.\rوفي القرآن والسنة من هذا كثير لمن تأمّله ؛ قال الله تعالى : { قُلْ هَاتُواْ بُرْهَانَكُمْ إِن كُنْتُمْ صَادِقِينَ } [ البقرة : 111 ].\r{ إِنْ عِندَكُمْ مِّن سُلْطَانٍ } [ يونس : 68 ] أي من حجة.\rوقد وصف خصومة إبراهيم عليه السلام قومه وردّه عليهم في عبادة الأوثان كما في سورة \"الأنبياء\" وغيرها.","part":8,"page":299},{"id":3339,"text":"وقال في قصة نوح عليه السلام : { قَالُواْ يا نوح قَدْ جَادَلْتَنَا فَأَكْثَرْتَ جِدَالَنَا } [ هود : 32 ] الآياتِ إلى قوله : { وَأَنَاْ بريء مِّمَّا تُجْرَمُونَ } [ هود : 35 ].\rوكذلك مجادلة موسى مع فرعون إلى غير ذلك من الآي.\rفهو كله تعليم من الله عز وجل السؤال والجواب والمجادلة في الدِّين ؛ لأنه لا يظهر الفرق بين الحق والباطل إلا بظهور حجة الحق ودحض حجة الباطل.\rوجادل رسول الله صلى الله عليه وسلم أهل الكتاب وباهَلَهُم بعد الحجة ، على ما يأتي بيانه في \"آل عمران\".\rوتحَاجّ آدم وموسى فغلبه آدم بالحجة.\rوتجادل أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم السّقِيفَة وتدافعوا وتقرّروا وتناظروا حتى صدر الحق في أهله ، وتناظروا بعد مبايعة أبي بكر في أهل الردّة ، إلى غير ذلك مما يكثر إيراده.\rوفي قول الله عز وجل : { فَلِمَ تُحَآجُّونَ فِيمَا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ } [ آل عمران : 66 ] دليل على أن الاحتجاج بالعلم مباح شائع لمن تدبر.\rقال المُزنِيّ صاحب الشافعيّ : ومِن حق المناظرة أن يراد بها الله عز وجل وأن يُقبل منها ما تبيّن.\rوقالوا : لا تصح المناظرة ويظهر الحق بين المتناظرين حتى يكونوا متقاربين أو مستويين في مرتبة واحدة من الدين والعقل والفهم والإنصاف ، وإلاّ فهو مِرَاءٌ ومكابرة. أ هـ {تفسير القرطبى حـ 3 صـ 286 ـ 287}\rفائدة\rقال القرطبى : \rذكر الأصوليون في هذه الآية أن إبراهيم عليه السلام لما وصف ربه تعالى بما هو صفة له من الإحياء والإماتة لكنه أمر له حقيقة ومجاز ، قصد إبراهيم عليه السلام إلى الحقيقة ، وفَزِع نمروذ إلى المجاز ومَوّه على قومه ؛ فسلّم له إبراهيم تسليم الجدل وانتقل معه من المثال وجاءه بأمر لا مجاز فيه { فَبُهِتَ الذي كَفَرَ } أي انقطعت حجته ولم يمكنه أن يقول أنا الآتي بها من المشرق ؛ لأن ذوي الألباب يكذبونه. أ هـ {تفسير القرطبى حـ 3 صـ 286}\r","part":8,"page":300},{"id":3340,"text":"فائدة\rقال الجصاص : \rقَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ : { أَلَمْ تَرَ إلَى الَّذِي حَاجَّ إبْرَاهِيمَ فِي رَبِّهِ أَنْ آتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ } الْآيَةَ.\rقَالَ رحمه الله : \rإنَّ إيتَاءَ اللَّهِ الْمُلْكَ لِلْكَافِرِ إنَّمَا هُوَ مِنْ جِهَةِ كَثْرَةِ الْمَالِ وَاتِّسَاعِ الْحَالِ ، وَهَذَا جَائِزٌ أَنْ يُنْعِمَ اللَّهُ عَلَى الْكَافِرِينَ بِهِ فِي الدُّنْيَا ، وَلَا يَخْتَلِفُ حُكْمُ الْكَافِرِ وَالْمُؤْمِنِ فِي ذَلِكَ ، أَلَا تَرَى إلَى قَوْله تَعَالَى : { مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ لِمَنْ نُرِيدُ ثُمَّ جَعَلْنَا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلَاهَا مَذْمُومًا مَدْحُورًا } فَهَذَا الضَّرْبُ مِنْ الْمُلْكِ جَائِزٌ أَنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الْكَافِرَ ، وَأَمَّا الْمُلْكُ الَّذِي هُوَ تَمْلِيكُ الْأَمْرِ وَالنَّهْيِ وَتَدْبِيرُ أُمُورِ النَّاسِ فَإِنَّ هَذَا لَا يَجُوزُ أَنْ يُعْطِيَهُ اللَّهُ أَهْلَ الْكُفْرِ وَالضَّلَالِ ؛ لِأَنَّ أَوَامِرَ اللَّهِ تَعَالَى وَزَوَاجِرَهُ إنَّمَا هِيَ اسْتِصْلَاحٌ لِلْخَلْقِ فَغَيْرُ جَائِزٍ اسْتِصْلَاحُهُمْ بِمَنْ هُوَ عَلَى الْفَسَادِ مُجَانِبٌ لِلصَّلَاحِ وَلِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ يَأْتَمِنَ أَهْلَ الْكُفْرِ وَالضَّلَالِ عَلَى أَوَامِرِهِ وَنَوَاهِيهِ وَأُمُورِ دِينِهِ كَمَا قَالَ تَعَالَى فِي آيَةٍ أُخْرَى : { لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ }. أ هـ {أحكام القرآن للجصاص حـ 2 صـ 169}","part":8,"page":301},{"id":3341,"text":"قوله تعالى : { إِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ قَالَ أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ قَالَ إِبْرَاهِيمُ فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ }\rالمناسبة\rقال البقاعى : \rولما أخبر سبحانه وتعالى بمحاجته بين ما هي تقريراً لآية {فقال لهم الله موتوا ثم أحياهم} [ البقرة : 243 ] دلالة على البعث ليوم لا بيع فيه ولا خلة ولا شفاعة فقال : {إذ} أي حاجه حين {قال إبراهيم ربي} أي الذي أحسن إليّ بخلقي وإدامة الهداية لي {الذي يحيي ويميت} أي وحده ، \rوهذه العبارة تدل على تقدم كلام في هذا وادعاء أحد لمشاركة في هذه الصفة.\rولما كان كأنه قيل : هذا أمر ظاهر مجمع عليه فما ذا الذي يحاج المحاج فيه ؟ أجيب بقوله : {قال} أي ذلك المحاج بجرأة وعدم تأمل لما ألفه من ذل الناس له وطواعيتهم لجبروته {أنا} أي أيضاً {أحيي وأميت} بأن أمُنَّ على من استحق القتل وأقتل من لا يستحق القتل.\rفلما رأى إبراهيم عليه الصلاة والسلام أنه قد اجترأ على عظيم وأن محاجته في نفس الإحياء ربما خفيت أو طالت رأى أن يعجل إبهاته مع بيان حقارته بما هو أجلى من ذلك ، \r","part":8,"page":302},{"id":3342,"text":"وفيه أنه دون ما ادعاه بمراتب لأن الإحياء إفاضة الروح على صورة بعد إيجادها من العدم بأن {قال إبراهيم} وقال الحرالي : ولما كان من حسن الاحتجاج ترك المراء بمتابعة الحجة الملبسة كما قال تعالى {فلا تمار فيهم إلا مراء ظاهراً} [ الكهف : 53 ] نقل المحاج من الحجة الواقعة في الأنفس إلى الحجة الواقعة في الآفاق بأعظم كواكبها الشمس {سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم} [ فصلت : 53 ] ففي ظاهر الاحتجاج انتقال وفي طيه تقرير الأول لأن الروح شمس البدن فكأنه ضرب مثل من حيث إن الإحياء إنما هو أن يؤتى بشمس الروح من حيث غربت فكان في ظاهر واستقبال حجة قاطعة باطنه تتميم للحجة الأولى قال تعالى : {فإن} بالفاء الرابطة بين الكلامين إشعاراً لتتمة الحجة الأولى بالحجة الثانية - انتهى.\rأي تسبب عن دعواك هذه أو أقول لك : إن {الله} بما له من العظمة والجلال باستجماع صفات الكمال {يأتي بالشمس} أي وهو الذي أوجدها {من المشرق} أي في كل يوم من قبل أن توجد أنت بدهور {فأت بها} أنت {من المغرب} ولو يوماً واحداً.\rقال الحرالي : إظهاراً لمرجع العالم بكليته إلى واحد ، \rوأن قيوم الإنسان في الإحياء والإماتة هو قيوم الآفاق في طلوع الشمس وغروبها ، \rوفي لحنه إشعار بأن الله سبحانه وتعالى لا بد وأن يأتي بالشمس من المغرب ليكون في ذلك إظهار تصريفه لها حيث شاء حتى يطلعها من حيث غربت كما يطلع الروح من حيث قبضت ليكون طلوع الشمس من مغربها آية مقاربة قيام الساعة وطلوع الأرواح من أبدانها - انتهى.\r{فبهت} قال الحرالي : من البهت وهو بقاء الشيء على حاله وصورته لا يتغير عنها لأمر يبهره وقعه أي فتسبب عن ذلك أنه بهت {الذي كفر} أي حصل له الكفر بتلك الدعوى التي لزمه بها إنكاره لاختصاصه سبحانه وتعالى بالقدرة على ذلك وادعاؤه لنفسه الشركة ، \r","part":8,"page":303},{"id":3343,"text":"فبين له الخليل عليه الصلاة والسلام بهذا المثال أنه عاجز عن تحويل صورة صورها الله سبحانه وتعالى ووضعها في جهة إلى غير تلك الجهة فكيف له بأن يوجد صورة من العدم فكيف ثم كيف بإفاضة الروح عليها فكيف بالروح الحساسة فكيف بالروح الناطقة! وسيأتي لهذا الشأن في سورة الشعراء مزيد بيان ، \rفيالله ما أعلى مقامات الأنبياء! وما أصفى بصائرهم! وما أسمى درجاتهم وأزكى عناصرهم! عليهم أجمعين مني أعظم الصلاة والسلام وأعلى التحية والإكرام.\rوقال الحرالي : فعرفه أي في قوله : {كفر} بوصفه من حيث دخل عليه البهت منه - انتهى.\rأي لأنه ستر ما يعلمه من عجز نفسه وقدرة خالقه ، \rفكشف سبحانه وتعالى بلسان خليله صلى الله عليه وسلم الستر الذي أرخاه كشفاً واضحاً وهتكه بعظيم البيان هتكاً فاضحاً.\rولما كان التقدير : لأنه ظلم في ادعائه ذلك وفي الوجه الذي ادعى ذلك بسبه من قتل البريء وترك المجترىء ، \rقال سبحانه وتعالى : {والله} أي الذي لا أمر لأحد معه {لا يهدي القوم} أي الذين أعطاهم قوة المقاومة للأمور {الظالمين} عامة لوضعهم الأشياء بإرادته وتقديره في غير مواضعها ، \rلأنه أظلم قلوبهم فجعلها أحلك من الليل الحالك فلم يبق لهم ذلك وجهاً ثابتاً يستمسكون به ، \rفأين منهم الهداية وقد صاروا بمراحل عن مواطن أهل العناية! وقصر فعل الهداية لإفادة العموم ، \rقال الإمام : فاختصر اللفظ إفادة لزيادة المعنى وهو من اللطائف القرآنية. أ هـ {نظم الدرر حـ 1 صـ 503 ـ 505}\rقال الفخر : \r","part":8,"page":304},{"id":3344,"text":"الظاهر أن هذا جواب سؤال سابق غير مذكور ، وذلك لأن من المعلوم أن الأنبياء عليهم السلام بعثوا للدعوة ، والظاهر أنه متى ادعى الرسالة ، فإن المنكر يطالبه بإثبات أن للعالم إلها ، ألا ترى أن موسى عليه السلام لما قال : {إِنّى رَسُولُ رَبِّ العالمين} [ الزخرف : 46 ] {قَالَ فِرْعَوْنُ وَمَا رَبُّ العالمين} [ الشعراء : 23 ] فاحتج موسى عليه السلام على إثبات الإلهية بقوله {رَبّ السموات والأرض} فكذا هاهنا الظاهر أن إبراهيم ادعى الرسالة ، فقال نمروذ : من ربك ؟ فقال إبراهيم : ربي الذي يحيي ويميت ، إلا أن تلك المقدمة حذفت ، لأن الواقعة تدل عليها. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 7 صـ 21}\rقال أبو حيان : \rوفي قول إبراهيم : { ربي الذي يحيي ويميت } تقوية لقول من قال إن الضمير في قوله : في ربه ، عائد على إبراهيم.\rو { ربي الذي يحيي ويميت } ، مبتدأ وخبر ، وفيه إشارة إلى أنه هو الذي أوجد الكافر ويحييه ويميته ، كأنه قال : ربي الذي يحيي ويميت هو متصرّف فيك وفي أشباهك بما لا تقدر عليه أنت ولا أشباهك من هذين الوصفين العظميين المشاهدين للعالم اللذين لا ينفع فيهما حيل الحكماء ولا طب الأطباء ، وفيه إشارة أيضاً إلى المبدأ والمعاد وفي قوله : { ربي الذي يحيي ويميت } دليل على الاختصاص لأنهم قد ذكروا أن الخبر ، إذا كان بمثل هذا ، دل على الاختصاص ، فتقول : زيد الذي يصنع كذا ، أي : المختص بالصنع. أ هـ {البحر المحيط حـ 2 صـ 299}\rفائدة\rقال ابن عاشور : \rوفي تقديم الاستدلال بخلق الحياة إدماج لإثبات البعث لأنّ الذي حاجّ إبراهيم كان من عبدة الأصنام ، وهم ينكرون البعث.\rوذلك موضع العِبرة من سياق الآية في القرآن على مسامع أهل الشرك ، ثم أعقبه بدلالة الأمانة ، فإنّه لا يستطيع تنهية حياة الحي ، ففي الإحياء والأمانة دلالة على أنّهما من فعل فاعل غير البشر ، فالله هو الذي يحيي ويميت.\r","part":8,"page":305},{"id":3345,"text":"فالله هو الباقي دون غيره الذين لا حياة لهم أصلاً كالأصنام إذْ لا يُعطون الحياة غيرَهم وهم فاقدوها ، ودون من لا يدفع الموت على نفسه مثل هذا الذي حاجّ إبراهيم. أ هـ {التحرير والتنوير حـ 3 صـ 33}\rفصل\rقال الفخر : \rدليل إبراهيم عليه السلام كان في غاية الصحة ، وذلك لا سبيل إلى معرفة الله تعالى إلا بواسطة أفعاله التي لا يشاركه فيها أحد من القادرين ، والأحياء والإماتة كذلك ، لأن الخلق عاجزون عنهما ، والعلم بعد الاختيار ضروري ، فلا بد من مؤثر آخر غير هؤلاء القادرين الذين تراهم ، وذلك المؤثر إما أن يكون موجباً أو مختاراً ، والأول : باطل ، لأنه يلزم من دوامه دوام الأثر ، فكان يجب أن لا يتبدل الأحياء بالاماتة ، وأن لا تتبدل الاماتة بالأحياء ، والثاني : وهو أنا نرى في الحيوان أعضاء مختلفة في الشكل والصفة والطبيعة والخاصية ، وتأثير المؤثر الموجب بالذات لا يكون كذلك فعلمنا أنه لا بد في الأحياء والاماتة من وجود آخر يؤثر على سبيل القدرة ، والاختيار في إحياء هذه الحيوانات وفي إماتتها ، وذلك هو الله سبحانه وتعالى ، وهو دليل متين قوي ذكره الله سبحانه وتعالى في مواضع في كتابه كقوله {وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإنسان مِن سلالة مّن طِينٍ} [ المؤمنون : 12 ] إلى آخره ، وقوله {لَقَدْ خَلَقْنَا الإنسان فِى أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ ، ثُمَّ رددناه أَسْفَلَ سافلين} [ التين : 4 ، 5 ] وقال تعالى : {الذى خَلَقَ الموت والحياة} [ الملك : 2 ]. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 7 صـ 21}\r","part":8,"page":306},{"id":3346,"text":"سؤال : لقائل أن يقول : إنه تعالى قدم الموت على الحياة في آيات منها قوله تعالى : {كَيْفَ تَكْفُرُونَ بالله وَكُنتُمْ أمواتا فأحياكم} [ البقرة : 28 ] وقال : {الذى خَلَقَ الموت والحياة} [ الملك : 2 ] وحكي عن إبراهيم أنه قال في ثنائه على الله تعالى : {والذى يُمِيتُنِى ثُمَّ يُحْيِينِ} [ الشعراء : 81 ] فلأي سبب قدم في هذه الآية ذكر الحياة على الموت ، حيث قال : {رَبّيَ الذى يُحْىِ وَيُمِيتُ }.\rوالجواب : لأن المقصود من ذكر الدليل إذا كان هو الدعوة إلى الله تعالى وجب أن يكون الدليل في غاية الوضوح ، ولا شك أن عجائب الخلقة حال الحياة أكثر ، واطلاع الإنسان عليها أتم ، فلا جرم وجب تقديم الحياة هاهنا في الذكر. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 7 صـ 21 ـ 22}\rقوله تعالى : {أنا أحيي وأميت}\rفصل\rقال الفخر : \r","part":8,"page":307},{"id":3347,"text":"يروى أن إبراهيم عليه السلام لما احتج بتلك الحجة ، دعا ذلك الملك الكافر شخصين ، وقتل أحدهما ، واستبقى الآخر ، وقال : أنا أيضاً أحيي وأميت ، هذا هو المنقول في التفسير ، وعندي أنه بعيد ، وذلك لأن الظاهر من حال إبراهيم أنه شرح حقيقة الأحياء وحقيقة الإماتة على الوجه الذي لخصناه في الاستدلال ، ومتى شرحه على ذلك الوجه امتنع أن يشتبه على العاقل الإماتة والإحياء على ذلك الوجه بالإماتة والإحياء بمعنى القتل وتركه ، ويبعد في الجمع العظيم أن يكونوا في الحماقة بحيث لا يعرفون هذا القدر من الفرق ، والمراد من الآية والله أعلم شيء آخر ، وهو أن إبراهيم صلى الله عليه وسلم لما احتج بالإحياء والإماتة من الله قال المنكر ، تدعى الإحياء والإماتة من الله ابتداء من غير واسطة الأسباب الأرضية والأسباب السماوية ، أو تدعى صدور الإحياء والإماتة من الله تعالى بواسطة الأسباب الأرضية والأسباب السماوية ، أما الأول : فلا سبيل إليه ، وأما الثاني : فلا يدل على المقصود لأن الواحد منا يقدر على الإحياء والإماتة بواسطة سائر الأسباب ، فإن الجماع قد يفضي إلى الولد الحي بواسطة الأسباب الأرضية والسماوية ، وتناول السم قد يفضي إلى الموت ، فلما ذكر نمروذ هذا السؤال على هذا الوجه أجاب إبراهيم عليه السلام بأن قال : هب أن الإحياء والإماتة حصلا من الله تعالى بواسطة الاتصالات الفلكية إلا أنه لا بد لتلك الاتصالات والحركات الفلكية من فاعل مدبر ، فإذا كان المدبر لتلك الحركات الفلكية هو الله تعالى ، كان الإحياء والإماتة الحاصلان بواسطة تلك الحركات الفلكية أيضاً من الله تعالى ، وأما الإحياء والإماتة الصادران على البشر بواسطة الأسباب الفلكية والعنصرية فليست كذلك ، لأنه لا قدرة للبشر على الاتصالات الفلكية ، فظهر الفرق.\r","part":8,"page":308},{"id":3348,"text":"وإذا عرفت هذا فقوله {إِنَّ الله يَأْتِ بالشمس مِنَ المشرق} ليس دليلاً آخر ، بل تمام الدليل الأول : ومعناه : أنه وإن كان الإحياء والإماتة من الله بواسطة حركات الأفلاك ، إلا أن حركات الأفلاك من الله فكان الإحياء والإماتة أيضاً من الله تعالى ، وأما البشر فإنه وإن صدر منه الإحياء والإماتة بواسطة الاستعانة بالأسباب السماوية والأرضية إلا أن الأسباب ليست واقعة بقدرته ، فثبت أن الإحياء والإماتة الصادرين عن البشر ليست على ذلك الوجه ، وأنه لا يصلح نقضاً عليه ، فهذا هو الذي أعتقده في كيفية جريان هذه المناظرة ، لا ما هو المشهور عند الكل ، والله أعلم بحقيقة الحال. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 7 صـ 22}\rقوله تعالى : {قَالَ إبراهيم فَإِنَّ الله يَأْتِى بالشمس مِنَ المشرق فَأْتِ بِهَا مِنَ المغرب}\rقال الآلوسى : \rوإنما أتى في الجملة الثانية بالاسم الكريم ولم يؤت بعنوان الربوبية كما أتى بها في الجملة الأولى بأن يقال : إن ربي ليكون في مقابلة أنا في ذلك القول مع ما فيه من الدلالة على ربوبيته تعالى له عليه السلام ولذلك المارد عليه اللعنة ففيه ترق عما في تلك الجملة كالترقي من الأرض إلى السماء وهو في هذا المقام حسن حسن التأكيد بأن والأمر للتعجيز والفاء الأولى للإيذان بتعلق ما بعدها بما قبلها ، والمعنى إذا ادعيت الإحياء والإماتة لله تعالى وأخطأت أنت في الفهم أو غالطت فمريح البال ومزيح الالتباس والأشكال ( إن الله يأتي بالشمس ) الخ.\rوالباء للتعدية و( من ) في الموضعين لابتداء الغاية متعلقة بما تقدمها من الفعل ، وقيل : متعلقة بمحذوف وقع حالا أي مسخرة أو منقادة. أ هـ {روح المعانى حـ 3 صـ 19}\rفصل\rقال الفخر : ","part":8,"page":309},{"id":3349,"text":"أما قوله تعالى : {قَالَ إبراهيم فَإِنَّ الله يَأْتِى بالشمس مِنَ المشرق فَأْتِ بِهَا مِنَ المغرب} فاعلم أن للناس في هذا المقام طريقين الأول : وهو طريقة أكثر المفسرين أن إبراهيم عليه السلام لما رأى من نمروذ أنه ألقى تلك الشبهة عدل عن ذلك إلى دليل آخر أوضح منه ، فقال : {إِنَّ الله يَأْتِى بالشمس مِنَ المشرق فَأْتِ بِهَا مِنَ المغرب} فزعم أن الانتقال من دليل إلى دليل آخر أوضح منه جائز للمستدل.\rفإن قيل : هلا قال نمروذ : فليأت ربك بها من المغرب ؟ .\rقلنا : الجواب من وجهين : \rأحدهما : أن هذه المحاجة كانت مع إبراهيم بعد إلقائه في النار وخروجه منها سالماً ، فعلم أن من قدر على حفظ إبراهيم في تلك النار العظيمة من الاحتراق يقدر على أن يأتي بالشمس من المغرب\rوالثاني : أن الله خذله وأنساه إيراد هذه الشبهة نصرة لنبيه عليه السلام.\rوالطريق الثاني : وهو الذي قال به المحققون : إن هذا ما كان انتقالاً من دليل إلى دليل آخر بل الدليل واحد في الموضعين وهو أنا نرى حدوث أشياء لا يقدر الخلق على إحداثها فلا بد من قادر آخر يتولى إحداثها وهو الله سبحانه وتعالى ، ثم إن قولنا : نرى حدوث أشياء لا يقدر الخلق على إحداثها له أمثلة منها : الإحياء ، والإماتة ، ومنها السحاب ، والرعد ، والبرق ، ومنها حركات الأفلاك ، والكواكب ، والمستدل لا يجوز له أن ينتقل من دليل إلى دليل آخر ، لكن إذا ذكر لإيضاح كلام مثالاً فله أن ينتقل من ذلك المثال إلى مثال آخر ، فكان ما فعله إبراهيم من باب ما يكون الدليل واحد إلا أنه يقع الانتقال عند إيضاحه من مثال إلى مثال آخر ، وليس من باب ما يقع الانتقال من دليل إلى دليل آخر ، وهذا الوجه أحسن من الأول وأليق بكلام أهل التحقيق منه ، \rوالإشكال عليهما من وجوه : \r","part":8,"page":310},{"id":3350,"text":"الإشكال الأول : أن صاحب الشبهة إذا ذكر الشبهة ، ووقعت تلك الشبهة في الأسماع ، وجب على المحق القادر على الجواب أن يذكر الجواب في الحال إزالة لذلك التلبيس والجهل عن العقول ، فلما طعن الملك الكافر في الدليل الأول ، أو في المثال الأول بتلك الشبهة كان الاشتغال بإزالة تلك الشبهة واجباً مضيقاً ، فكيف يليق بالمعصوم أن يترك ذلك الواجب.\rوالإشكال الثاني : أنه لما أورد المبطل ذلك السؤال ، فإذا ترك المحق الكلام الأول وانتقل إلى كلام آخر ، أوهم أن كلامه الأول كان ضعيفاً ساقطاً ، وأنه ما كان عالماً بضعفه ، وأن ذلك المبطل علم وجه ضعفه وكونه ساقطاً ، وأنه كأنه عالماً بضعفه فنبه عليه ، وهذا ربما يوجب سقوط وقع الرسول وحقارة شأنه وأنه غير جائز.\rوالإشكال الثالث : وهو أنه وإن كان يحسن الانتقال من دليل إلى دليل ، أو من مثال إلى مثال ، لكنه يجب أن يكون المنتقل إليه أوضح وأقرب ، وهاهنا ليس الأمر كذلك ، لأن جنس الإحياء لا قدرة للخلق عليه ، وأما جنس تحريك الأجسام ، فللخلق قدرة عليه ، ولا يبعد في العقل وجود ملك عظيم في الجثة أعظم من السموات ، وأنه هو الذي يكون محركاً للسموات ، وعلى هذا التقدير الاستدلال بالإحياء والإماتة على وجود الصانع أظهر وأقوى من الاستدلال بطلوع الشمس على وجود الصانع فكيف يليق بالنبي المعصوم أن ينتقل من الدليل الأوضح الأظهر إلى الدليل الخفي الذي لا يكون في نفس الأمر قوياً.\r","part":8,"page":311},{"id":3351,"text":"والإشكال الرابع : أن دلالة الإحياء والإماتة على وجود الصانع أقوى من دلالة طلوع الشمس عليه وذلك لأنا نرى في ذات الإنسان وصفاته تبديلات واختلافات والتبدل قوي الدلالة على الحاجة إلى المؤثر القادر ، أما الشمس فلا نرى في ذاتها تبدلاً ، ولا في صفاتها تبدلاً ، ولا في منهج حركاتها تبدلاً ألبتة ، فكانت دلالة الإحياء والإماتة على الصانع أقوى ، فكان العدول منه إلى طلوع الشمس انتقالاً من الأقوى الأجلى إلى الأخفى الأضعف ، وأنه لا يجوز.\r","part":8,"page":312},{"id":3352,"text":"الإشكال الخامس : أن نمروذ لما لم يستح من معارضة الإحياء والإماتة الصادرين عن الله تعالى بالقتل والتخلية ، فكيف يؤمن منه عند استدلال إبراهيم بطلوع الشمس أن يقول : طلوع الشمس من المشرق مني فإن كان لك إله فقل له حتى يطلعها من المغرب ، وعند ذلك التزم المحققون من المفسرين ذلك فقالوا : إنه لو أورد هذا السؤال لكان من الواجب أن تطلع الشمس من المغرب ومن المعلوم أن الاشتغال بإظهار فساد سؤاله في الإحياء والإماتة أسهل بكثير من التزام إطلاع الشمس من المغرب ، فبتقدير أن يحصل طلوع الشمس من المغرب ، إلا أنه يكون الدليل على وجود الصانع هو طلوع الشمس من المغرب ، ولا يكون طلوع الشمس من المشرق دليلاً على وجود الصانع ، وحينئذ يصير دليله الثاني ضائعاً كما صار دليله الأول ضائعاً ، وأيضاً فما الدليل الذي حمل إبراهيم عليه السلام على أن ترك الجواب عن ذلك السؤال الركيك والتزم الانقطاع ، واعترف بالحاجة إلى الانتقال إلى تمسك بدليل لا يمكنه تمشيته إلا بالتزام طلوع الشمس من المغرب ، وبتقدير أن يأتي باطلاع الشمس من المغرب فإنه يضيع دليله الثاني كما ضاع الأول ومن المعلوم أن التزام هذه المحذورات لا يليق بأقل الناس علماً فضلاً عن أفضل العقلاء وأعلم العلماء ، فظهر بهذا أن هذا التفسير الذي أجمع المفسرون عليه ضعيف ، وأما الوجه الذي ذكرناه فلا يتوجه عليه شيء من هذه الإشكالات ، لأنا نقول : لما احتج إبراهيم عليه السلام بالإحياء والإماتة أورد الخصم عليه سؤالاً لا يليق بالعقلاء ، وهو أنك إذا ادعيت الإحياء والإماتة لا بواسطة ، فذلك لا تجد إلى إثباته سبيلاً ، وإن ادعيت حصولهما بواسطة حركات الأفلاك فنظيره أو ما يقرب منه حاصل للبشر ، فأجاب إبراهيم عليه السلام بأن الإحياء والإماتة وإن حصلا بواسطة حركات الأفلاك ، لكن تلك الحركات حصلت من الله تعالى وذلك لا يقدح في كون الإحياء والإماتة من الله تعالى بخلاف الخلق فإنه لا","part":8,"page":313},{"id":3353,"text":"قدرة لهم على تحريكات الأفلاك فلا جرم لا يكون الإحياء والإماتة صادرين منهم ، ومتى حملنا الكلام على هذا الوجه لم يكن شيء من المحذورات المذكورة لازماً عليه ، والله أعلم بحقيقة كلامه. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 7 صـ 23 ـ 24}\rقال ابن عرفة : \rإن قلت : هلا قال نمرود : أَنا هو الَّذي يأتي بها من المشرق فليأت بها ربّك من المغرب ؟ \rقلت : إنه لا يقدر أن يقول ذلك لئلا تقوم عليه الحجة لأن الشمّس كانت تطلع من المشرق قبل أن يوجد نمرود.\rوذكره ابن عطية فقال : إن ذوي الأسنان يكذبونه. أ هـ {تفسير ابن عرفة صـ 337}\rوقال ابن الجوزى : \rفإن قيل : لم انتقل إبراهيم إلى حجة أخرى ، وعدل عن نصرة الأولى ، فالجواب : أن إبراهيم رأى من فساد معارضته أمراً على ضعف فهمه ، فإنه عارض اللفظ بمثله ، ونسي اختلاف الفعلين ، فانتقل إلى حجة أخرى ، قصداً لقطع المحاجّ ، لا عجزاً عن نصرة الأولى. أ هـ {زاد المسير حـ 1 صـ 308}\rوقال السمرقندى : \rفإن قيل : لِمَ لَمْ يثبت إبراهيم على الحجة الأولى ؟ وانتقل إلى حجة أخرى ؛ والانتقال في المناظرة من حجة إلى حجة غير محمود.\rقيل له : الانتقال على ضربين : \rانتقال محمود إذا كان بعد الإلزام ، وانتقال مذموم إذا كان قبل الإلزام.\rوإبراهيم عليه السلام انتقل بعد الإلزام ، لأنه قد تبين له فساد قوله ، حيث قال له : إنك قد أحييت الحي ولم تحيي الميت.\rوجواب آخر : إن قصد إبراهيم عليه السلام لم يكن للمناظرة ، وإنما كان قصده إظهار الحجة ، فترك مناظرته في الإحياء والإماتة على ترك الإطالة ، وأخذ بالاحتجاج بالحجة المسكتة ، ولأن الكافر هو الذي ترك حدّ النظر ، حيث لم يسأل عما قال له إبراهيم ، ولكنه اشتغل بالجواب عن ذات نفسه ، حيث قال : أنا أحيي وأميت. أ هـ {بحر العلوم حـ 1 صـ 196}","part":8,"page":314},{"id":3355,"text":"لطيفة\rقال الجصاص : \rوَفِي حِجَاجِ إبْرَاهِيمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ بِهَذَا أَلْطَفُ دَلِيلٍ وَأَوْضَحُ بُرْهَانٍ لِمَنْ عَرَفَ مَعْنَاهُ وَذَلِكَ أَنَّ الْقَوْمَ الَّذِينَ بُعِثَ فِيهِمْ إبْرَاهِيمُ عَلَيْهِ السَّلَامُ كَانُوا صَابِئِينَ عَبَدَةَ أَوْثَانٍ عَلَى أَسْمَاءِ الْكَوَاكِبِ السَّبْعَةِ ، وَقَدْ حَكَى اللَّهُ عَنْهُمْ فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ أَنَّهُمْ كَانُوا يَعْبُدُونَ الْأَوْثَانَ وَلَمْ يَكُونُوا يُقِرُّونَ بِاَللَّهِ تَعَالَى ، وَكَانُوا يَزْعُمُونَ أَنَّ حَوَادِثَ الْعَالَمِ كُلَّهَا فِي حَرَكَاتِ الْكَوَاكِبِ السَّبْعَةِ وَأَعْظَمُهَا عِنْدَهُمْ الشَّمْسُ وَيُسَمُّونَهَا وَسَائِرَ الْكَوَاكِبِ آلِهَةً وَالشَّمْسُ عِنْدَهُمْ هُوَ الْإِلَهُ الْأَعْظَمُ الَّذِي لَيْسَ فَوْقَهُ إلَهٌ ، وَكَانُوا لَا يَعْتَرِفُونَ بِالْبَارِي جَلَّ وَعَزَّ وَهُمْ لَا يَخْتَلِفُونَ وَسَائِرُ مَنْ يَعْرِفُ مَسِيرَ الْكَوَاكِبِ أَنَّ لَهَا وَلِسَائِرِ الْكَوَاكِبِ حَرَكَتَيْنِ مُتَضَادَّتَيْنِ : إحْدَاهُمَا مِنْ الْمَغْرِبِ إلَى الْمَشْرِقِ وَهِيَ حَرَكَتُهَا الَّتِي تَخْتَصُّ بِهَا لِنَفْسِهَا ، وَالْأُخْرَى تَحْرِيكُ الْفُلْكِ لَهَا مِنْ الْمَشْرِقِ إلَى الْمَغْرِبِ وَبِهَذِهِ الْحَرَكَةُ تَدُورُ عَلَيْنَا كُلَّ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ دَوْرَةً ، وَهَذَا أَمْرٌ مُقَرَّرٌ عِنْدَ مَنْ يَعْرِفُ مَسِيرَهَا ؛ فَقَالَ لَهُ إبْرَاهِيمُ عَلَيْهِ السَّلَامُ : إنَّك تَعْتَرِفُ أَنَّ الشَّمْسَ الَّتِي تَعْبُدُهَا وَتُسَمِّيهَا إلَهًا لَهَا حَرَكَةُ قَسْرٍ لَيْسَ هِيَ حَرَكَةَ نَفْسِهَا بَلْ هِيَ بِتَحْرِيكِ غَيْرِهَا لَهَا يُحَرِّكُهَا مِنْ الْمَشْرِقِ إلَى الْمَغْرِبِ ، وَاَلَّذِي أَدْعُوك إلَى عِبَادَتِهِ هُوَ فَاعِلُ هَذِهِ الْحَرَكَةِ فِي الشَّمْسِ ، وَلَوْ كَانَتْ إلَهًا لَمَا كَانَتْ مَقْسُورَةً وَلَا","part":8,"page":315},{"id":3356,"text":"مُجْبَرَةً.\rفَلَمْ يُمْكِنْهُ عِنْدَ ذَلِكَ دَفْعَ هَذِهِ الْحِجَاجِ بِشُبْهَةٍ وَلَا مُعَارَضَةٍ إلَّا قَوْلَهُ : { حَرِّقُوهُ وَانْصُرُوا آلِهَتَكُمْ إنْ كُنْتُمْ فَاعِلِينَ } وَهَاتَانِ الْحَرَكَتَانِ الْمُتَضَادَّتَانِ لِلشَّمْسِ وَلِسَائِرِ الْكَوَاكِبِ لَا تُوجَدَانِ لَهَا فِي حَالٍ وَاحِدَةٍ ، لِاسْتِحَالَةِ وُجُودِ ذَلِكَ فِي جِسْمٍ وَاحِدٍ فِي وَقْتٍ وَاحِدٍ ، وَلَكِنَّهَا لَا بُدَّ مِنْ أَنْ تَتَخَلَّلَ إحْدَاهَا سُكُونٌ فَتُوجَدَ الْحَرَكَةُ الْأُخْرَى فِي وَقْتٍ لَا تُوجَدُ فِيهِ الْأُولَى. أ هـ {أحكام القرآن للجصاص حـ 2 صـ 170 ـ 171}","part":8,"page":316},{"id":3357,"text":"قوله تعالى : {فَبُهِتَ الذى كَفَرَ}\rقال الآلوسى : \r{ فَبُهِتَ الذى كَفَرَ } أي غلب وصار مبهوتاً منقطعاً عن الكلام متحيراً لاستيلاء الحجة عليه ، وقرىء ( بهت ) بفتح الباء وضم الهاء وبهت بفتح الأولى وكسر الثانية وهما لغتان والفعل فيهما لازم وبهت بفتحهما فيجوز أن يكون لازماً أيضاً ، و( الذي ) فاعله وأن يكون متعدياً وفاعله ضمير إبراهيم ، و( الذي ) مفعوله أي فغلب إبراهيم عليه السلام الكافر وأسكته وإيراد الكفر في حيز الصلة للإشعار بعلة الحكم. أ هـ {روح المعانى حـ 3 صـ 19}\rقال الفخر : \rأما قوله تعالى : {فَبُهِتَ الذى كَفَرَ} فالمعنى : فبقي مغلوباً لا يجد مقالاً ، ولا للمسألة جوابه ، وهو كقوله {بَلْ تَأْتِيهِم بَغْتَةً فَتَبْهَتُهُمْ فَلاَ يَسْتَطِيعُونَ رَدَّهَا} [ الأنبياء : 40 ] قال الواحدي ، وفيه ثلاث لغات : بهت الرجل فهو مبهوت ، وبهت وبهت ، قال عروة العذري : \rفما هو إلا أن أراها فجاءة.. فأبهت حتى ما أكاد أجيب\rأي أتحير وأسكت. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 7 صـ 24}\rقوله تعالى {والله لاَ يَهْدِى القوم الظالمين}\rقال الفخر : \r{والله لاَ يَهْدِى القوم الظالمين} تأويله على قولنا ظاهر ، أما المعتزلة فقال القاضي : يحتمل وجوهاً : منها أنه لا يهديهم لظلمهم وكفرهم للحجاج وللحق كما يهدي المؤمن فإنه لا بد في الكافر من أن يعجز وينقطع.\rوأقول : هذا ضعيف ، لأن قوله لا يهديهم للحجاج ، إنما يصح حيث يكون الحجاج موجوداً ولا حجاج على الكفر ، فكيف يصح أن يقال : إن الله تعالى لا يهديه إليه ، قال القاضي : ومنها أن يريد أنه لا يهديهم لزيادات الألطاف من حيث أنهم بالكفر والظلم سدوا على أنفسهم طريق الانتفاع به.","part":8,"page":317},{"id":3358,"text":"وأقول : هذا أيضاً ضعيف ، لأن تلك الزيادات إذا كانت في حقهم ممتنعة عقلاً لم يصح أن يقال : إنه تعالى لا يهديهم ، كما لا يقال : إنه تعالى يجمع بين الضدين فلا يجمع بين الوجود والعدم قال القاضي : ومنها أنه تعالى لا يهديهم إلى الثواب في الآخرة ولا يهديهم إلى الجنة.\rوأقول : هذا أيضاً ضعيف ، لأن المذكور هاهنا أمر الاستدلال وتحصيل المعرفة ولم يجر للجنة ذكر ، فيبعد صرف اللفظ إلى الجنة ، بل أقول : اللائق بسياق الآية أن يقال إنه تعالى لما بيّن أن الدليل كان قد بلغ في الظهور والحجة إلى حيث صار المبطل كالمبهوت عند سماعه إلا أن الله تعالى لما لم يقدر له الاهتداء لم ينفعه ذلك الدليل الظاهر ، ونظير هذا التفسير قوله {وَلَوْ أَنَّنَا نَزَّلْنَا إِلَيْهِمُ الملئكة وَكَلَّمَهُمُ الموتى وَحَشَرْنَا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَىْءٍ قُبُلاً مَّا كَانُواْ لِيُؤْمِنُواْ إِلاَّ أَن يَشَاء الله} [ الأنعام : 111 ]. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 7 صـ 24 ـ 25}\rوقال الماوردى : \r{ واللهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ } يحتمل وجهين : \rأحدهما : لا يعينهم على نصرة الظلم.\rوالثاني : لا يُخلِّصُهم من عقاب الظلم. ويحتمل الظلم هنا وجهين : \rأحدهما : أنه الكفر خاصة.\rوالثاني : أنه التعدي من الحق إلى الباطل. أ هـ {النكت والعيون حـ 1 صـ 330}\rوقال أبو حيان : \r{ والله لا يهدي القوم الظالمين } إخبار من الله تعالى بأن الظالم لا يهديه ، وظاهره العموم ، والمراد هداية خاصة ، أو ظالمون مخصوصون ، فما ذكر في الهداية الخاصة أنه لا يرشدهم في حجتهم ، وقيل : لا يهديهم إلى الثواب في الآخرة ولا إلى الجنة ، وقيل : لا يلطف بهم ولا يلهم ولا يوفق ، وخص الظالمون بمن يوافي ظالماً أي كافراً.","part":8,"page":318},{"id":3359,"text":"والذي يظهر أن هذا إخبار من الله بأن من حكم عليه ، وقضى بأن يكون ظالماً أي كافراً وقدّر أن لا يسلم ، فإنه لا يمكن أن يقع هداية من الله له { أفمن حقت عليه كلمة العذاب أفأنت تنقذ من في النار }\rومناسبة هذه الآية بهذا الإخبار ظاهرة ، لأنه ذكر حال مدّع شركة الله في الإحياء والإماتة ، مموّهاً بما فعله أنه إحياء وإماتة ، ولا أحد أظلم ممن يدعي ذلك ، فأخبر الله تعالى : أن من كان بهذه الصفة من الظلم لا يهديه الله إلى اتباع الحق ، ومثل هذا محتوم له عدم الهداية ، مختوم له بالكفر ، لأن مثل هذه الدعوى ليست مما يلتبس على مدّعيها ، بل ذلك من باب الزندقة والفلسفة والسفسطة ، فمدّعيها إنما هو مكابر مخالف للعقل ، وقد منع الله هذا الكافر أن يدعي أنه هو الذي يأتي بالشمس من المشرق إذ من كابر في ادّعاء الإحياء والإماتة قد يكابر في ذلك ويدعيه. أ هـ {البحر المحيط حـ 2 صـ 301}\rفائدة\rقال ابن عاشور :\rوإنّما انتفى هدي الله للقوم الظالمين لأنّ الظلم حائل بين صاحبه وبين التنازل إلى التأمّل من الحجج وإعمال النظر فيما فيه النفع ؛ إذ الذهن في شاغل عن ذلك بزهوه وغروره. أ هـ {التحرير والتنوير حـ 3 صـ 34}\rمن لطائف الإمام القشيرى فى الآية\rعَجَّل الحق سبحانه لأعدائه عقوبة الفرقة قبل أن يعاقبهم بالحرقة ، وهذه العقوبة أشد أثراً في التحقيق - لو كانت لهم عين البصيرة. وإن الحق سبحانه أخبر أن إبراهيم عليه السلام انتقل مع العدو اللعين من الحجة الصحيحة إلى أخرى ، أَوْضَحَ منها - لا لِخَلَلٍ في الحجة - ولكنْ لقصورٍ في فهم الكافر ، ومحكُّ مَنْ سُدَّتْ بصائره عن التحقيق تضييعُ الوقت بلا فائدة تُجدِي ، لا بمقدار ما يكون من الحاجة لأمرٍ لا بُدَّ منه. أ هـ {لطائف الإشارات حـ 1 صـ 200}","part":8,"page":319},{"id":3360,"text":"فوائد لغوية\rقال ابن عادل :\rقوله : { أَنْ آتَاهُ الله } فيه وجهان :\rأظهرهما : أَنَّهُ مفعولٌ من أجله على حذفِ العِلّة ، أي : لأَنْ آتاه ، فحينئذٍ في محلِّ \" أَنْ \" الوجهان المشهوران ، أعني النَّصب ، أو الجرِّ ، ولا بُدَّ من تقديرِ حرفِ الجرِّ قبل \" أَنْ \" ؛ لأَنَّ المفعول مِنْ أجلهِ هنا نَقَّص شرطاً ، وهو عدمُ اتِّحادِ الفاعلِ ، وإنما حُذفت اللامُ ، لأَنَّ حرف الجرِّ يطَّرد حذفُهُ معها ، ومع أنَّ ، كما تقدَّم.\rوفي كونِهِ مفعولاً من أجلِهِ وجهان :\rأحدهما : أَنَّهُ من باب العكسِ في الكلام بمعنى : أنه وضعَ المُحاجَّة موضع الشُّكْر ، إذ كان مِنْ حقِّه أن يشكرَ في مقابلة إتيانِ المُلْكِ ، ولكنَّهُ عَمِلَ على عكس القضية ، كقوله تعالى : { وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ } [ الواقعة : 82 ] ، وتقول : \" عَادَاني فُلانٌ؛ لأني أَحسنت إليه \" وهو باب بليغٌ.\rوالثاني : أَنَّ إيتاءَ المُلْكِ حَمَلَه على ذلك؛ لأَنَّهُ أورثه الكِبْرَ وَالبَطَرَ ، فَنَشَأَ عنهما المُحاجَّةُ.\r","part":8,"page":320},{"id":3361,"text":"الوجه الثاني : أنَّ \" أَنْ \" ، وما في حيِّزها واقعةٌ موقعَ ظرفِ الزَّمانِ ، قال الزَّمخشريُّ رحمه الله \" وَيَجُوزُ أن يكونَ التَّقديرُ : حاجَّ وقتَ أَنْ آتاهُ اللهُ \". وهذا الذي أجازه الزمخشريُّ فيه نظر؛ لأَنَّهُ إِنْ عنى أَنَّ ذلكَ على حذفِ مُضافٍ ففيه بُعْدٌ من جهةِ أَنَّ المحاجَّة لم تقع وقتَ إِيتاءِ اللهِ له المُلْك ، إِلاَّ أَنْ يُتَجَوَّز في الوقتِ ، فلا يُحْمَل على الظَّاهر ، وهو أنَّ المُحاجَّة وَقَعَت ابتداء إيتاءِ المُلْك ، بل يُحْمَلُ على أنَّ المُحاجَّة وقعت وقتَ وجود المُلْك ، وإن عنى أَنَّ \" أَنْ \" وما حيِّزها واقعةٌ موقع الظَّرف ، فقد نصَّ النَّحويون على منع ذلك وقالوا : لا يَنُوب عن الظَّرف الزَّماني إلا المصدرُ الصَّريحُ ، نحو : \" أَتيتُكَ صِيَاحَ الدِّيكِ \" ولو قلت : \" أَنْ يصيحَ الدِّيكُ \" لم يَجز. كذا قاله أبو حيَّان قال شهاب الدين وفيه نظرٌ ، لأنه قال : \" لا ينوبٌ عن الظَّرفِ إلا المصدرُ الصّريح \" ، وهذا معارضٌ بأنهم نَصُّوا على أنَّ \" ما \" المصدريةَ تنوبُ عن الزَّمانِ ، وليست بمصدرٍ صريحٍ.\rوالضمير في \" آتاه \" فيه وجهان :\r","part":8,"page":321},{"id":3362,"text":"أظهرهما : أَنْ يعودَ على \" الَّذِي \" ، وهو قول جمهور المفسرين وأَجاز المهدويُّ أن يعودَ على \" إِبْرَاهِيم \" ، أي : ملك النُّبُوَّة. قال ابن عطيَّة : \" هذا تَحاملٌ من التَّأْوِيل \" ، وقال أبو حيان : هذا قولُ المعتزلة ، قالوا : لأنَّ الله تعالى قال : { لاَ يَنَالُ عَهْدِي الظالمين } [ البقرة : 124 ] والمُلْك عهدٌ ، ولقوله تبارك وتعالى : { فَقَدْ آتَيْنَآ آلَ إِبْرَاهِيمَ الكتاب والحكمة وَآتَيْنَاهُمْ مُّلْكاً عَظِيماً } [ النساء : 54 ]. وعودُ الضَّمير إِلى أقرب مذكور واجب ، وأقرب مذكورٍ إبراهيم - عليه الصَّلاة والسَّلام - وأجيب عن الأَوَّل بأَنَّ الملك حصل لآل إبراهيم ، وليس فيها دلالةٌ على حصوله لإبراهيم - عليه الصَّلاة والسَّلام -.\rوعن الثاني : بأن الذي حاج إبراهيم كان هو المَلِكُ ، فعود الضَّمير إليه أَوْلَى.\rقوله : \" إِذْ قَالَ \" فيه أربعةُ أوجهٍ :\rأظهرها : أَنَّهُ معمولٌ لحاجَّ.\rوالثاني : أن يكون معمولاً لآتاه ، ذكرهُ أبو البقاء. وفيه نظرٌ من حيثُ إنَّ وقت إيتاءِ المُلْكِ ليس وقتَ قولِ إبراهيم ، { رَبِّيَ الذي يُحْيِي وَيُمِيتُ } ، إِلاَّ أَنْ يُتَجَوَّز في الظَّرفِ كما تقدَّم.\rوالثالث : أن يكون بدلاً من { أَنْ آتَاهُ الله الملك } إذا جُعِلَ بمعنى الوقت ، أجازه الزَّمخشريّ بناءً منه على أَنَّ \" أَنْ \" واقعةٌ موقعَ الظَّرف ، وقد تقدَّم ضعفُهُ ، وأيضاً فإِنَّ الظّرفين مختلفان ، كما تقدَّم إلا بالتَّجوز المذكورِ.\r","part":8,"page":322},{"id":3363,"text":"وقال أبو البقاء رحمه الله \" وَذَكَرَ بَعْضُهم أنه بَدَلٌ من \" أَنْ آتَاهُ الملك \" وليس بشيءٍ؛ لأَنَّ الظرفَ غيرُ المصدرِ ، فلو كان بدلاً لكان غلطاً إلا أَنْ تُجْعَل \" إذ \" بمعنى \" أَنْ \" المصدرية ، وقد جاء ذلك \" انتهى. وهذا بناءً منه على أنَّ \" أَنْ \" مفعولٌ من أجله ، وليست واقعةً موقع الظَّرفِ ، أمَّا إِذَا كانت \" أَنْ \" واقعةٌ موقع الظرف فلا تكون بدل غلط ، بل بدلُ كلِّ من كُلِّ ، كما هو قول الزمخشري وفيه ما تقدَّم بجوابه ، مع أَنَّه يجوزُ أَنْ تكون بدلاً مِنْ \" أَنْ آتاهُ \" ، و\" أَنْ آتَاهُ \" مصدرٌ مفعولٌ من أجلِهِ بدلَ اشتمالٍ؛ لأَنَّ وقتَ القولِ لاتِّسَاعِهِ مُشتملٌ عليه وعلى غيره.\rالرابع : أَنَّ العامِلَ فيه \" تَرَ \" منق وله : \" أَلَمْ تَرَ \" ذكره مكيٌّ رحمه الله تعالى ، وهذا ليس بشيءٍ؛ لأَنَّ الرُّؤية على كِلاَ المذكورين في نظيرها لم تكن في وقتِ قوله : { رَبِّيَ الذي يُحْيِي وَيُمِيتُ }.\rقوله : { الذي يُحْيِي } مبتدأٌ في محلِّ نصب بالقول.\r{ قَالَ أَنَا أُحْيِي } مبتدأٌ ، وخبرٌ منصوب المحلِّ بالقول أيضاً. وأخبر عن \" أَنَا \" بالجملة الفعلية ، وعن \" رَبّي \" بالموصولِ بها؛ لأَنَّه في الإِخبار بالموصولِ يُفيد الاختصاص بالمُخبَرِ عنه بخلافِ الثاني ، فإِنَّهُ لم يدَّعِ لنفسه الخسيسة الخصوصية بذلك.\rو \" أَنَا \" : ضميرٌ مرفوعٌ مُنفصلٌ ، والاسمُ منه \" أَنَ \" والألفُ زائدةٌ؛ لبيان الحركةِ في الوقفِ ، ولذلك حُذِفت وصلاً ، ومن العربِ مَنْ يثبتها مطلقاً ، فقيل : أُجريَ الوصلُ مجرى الوقف؛ قال القائل في ذلك : [ المتقارب ]\rوَكَيْفَ أَنَا وَانْتِحَالي القَوَا... فِي بَعْدَ المَشِيبِ كَفَى ذَاكَ عَارا\rوقال آخر : [ الوافر ]\r","part":8,"page":323},{"id":3364,"text":"أَنَا سَيْفُ فَاعْرِفُونِي... حُمَيْداً قَدْ تَذَرَّيْتُ السَّنَاما\rوالصحيح أنه فيه لغتان ، إحداهما : لغةُ تميم ، وهي إثباتُ ألفه وصلاً ووقفاً ، وعليها تُحْمَلُ قراءةُ نافع فإِنَّه قرأ بثبوت الألف وصلاً قبل همزةٍ مضمومة نحو : { أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ } ، أو مفتوحةٍ نحو : { وَأَنَاْ أَوَّلُ } [ الأعراف : 143 ] ، واختلف عنه في المكسروة نحو : { إِنْ أَنَا إِلاَّ نَذِيرٌ } [ الشعراء : 115 ] ، وقرأ ابن عامرٍ : { لَّكِنَّا هُوَ الله رَبِّي وَلاَ أُشْرِكُ بِرَبِّي أَحَداً } [ الكهف : 38 ] على ما سيأتي إن شاء الله تعالى وهذا أحسنُ من توجيه مَنْ يَقُولُ \" أُجْري الوصلُ مجرى الوَقْفِ \". واللُّغة الثانية : إثباتُها وَقْفاً وحَذفُها وَصْلاً ، ولا يجوزُ إثباتُها وصلاً إِلاَّ ضرورةً كالبيتين المتقدِّمين. وقيل : بل \" أَنَا \" كلُّه ضمير.\rوفيه لغاتٌ : \" أَنا وأَنْ \" - كلفظ أَنِ النَّاصبةِ - و\" آن \" ؛ وكأنه قَدَّم الألف على النون ، فصار \" أانَ \" ، قيل : إنَّ المراد به الزَّمان ، وقالوا : أَنَهْ ، وهي هاءُ السَّكْتِ ، لا بدلٌ من الألف؛ قال : \" هكذا فَرْدِي أَنَهْ \" ؛ وقال آخر : [ الرجز ]\rإِنْ كُنْتُ أَدْرِي فَعَلَيَّ بَدَنَهْ... مِنْ كَثْرَةِ التَّخْلِيطِ أَنِّي مَنْ أَنَهْ\rوإنما أثبت نافعٌ ألفَه قبل الهمز جمعاً بين اللُّغتين ، أو لأَنَّ النُّطقَ بالهمزِ عسرٌ فاستراح له بالألف لأنها حرفُ مدٍّ.\r","part":8,"page":324},{"id":3365,"text":"قوله : { فَإِنَّ الله } هذه الفاءُ جواب شرطٍ مقدَّر تقديره : قال إبراهيم - عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ - إِنْ زعمتَ ، أو موَّهْتَ بذلك فإِنَّ اللهَ. ولو كانت الجملةُ محكيَّةً بالقول ، لما دخلت هذه الفاءُ ، بل كان تركيب الكلام : قال إبراهيم : إِنَّ اللهَ يَأْتِي ، وقال أبو البقاء رحمه الله : \" دَخَلَتِ الفاءُ؛ إيذاناً بتعلُّق هذه الكلام بما قبلَه ، والمعنى : إذا ادَّعيت الإِحياءَ والإِماتة ، ولم تفهم ، فالحُجَّة أَنَّ الله تعالى يأتي ، هذا هو \" المعنى \" والباءُ في \" بالشَّمْسِ \" للتعديةِ ، تقول : أَتَتِ الشَّمْسُ ، وأَتَى اللهُ بها ، أي : أجاءها ، و\" مِنَ المَشْرِقِ \" و\" مِنَ المَغْرِبِ \" متعلِّقان بالفعلين قبلهما ، وأجاز أبو البقاء فيهما بعد أَنْ مَنع ذلك أن يكونا حالين ، وجعل التقدير : مُسخَّرةً أو منقادةً قال شهاب الدين - رحمه الله - : وليته استمر على منعه ذلك.\rقوله : { فَبُهِتَ الذي كَفَرَ } الجمهور : \" بُهِتَ \" مبنيّاً للمفعول ، والموصول مرفوعٌ به ، والفاعل في الأصل هو إبراهيم ، لأنه المناظر له ، ويحتمل أن يكون الفالع في الأصل ضمير المصدر المفهوم من \" قَالَ \" ، أي : فبهته قول إبراهيم ، وقرأ ابن السَّميفع : \" فَبَهَتَ \" بفتح الباء والهاء مبنيّاً للفاعل ، وهذا يحتمل وجهين :\rأحدهما : أن يكون الفعل متعديّاً ، وفاعله ضمير يعود على إبراهيم - عليه الصَّلاة والسَّلام - ، و\" الَّذِي \" هو المفعول ، أي : فبهت إبراهيم الكافر ، أي : غلبه في الحجَّة ، أو يكون الفاعل الموصول ، والمفعول محذوفٌ ، وهو إبراهيم ، أي : بهت الكافر إبراهيم ، أي : لمَّا انقطع عن الحجَّة بهته ، أي : سبَّه وقذفه حين انقطع ، ولم تكن له حيلةٌ.\r","part":8,"page":325},{"id":3366,"text":"والثاني : أن يكون لازماً ، والموصول فاعلٌ ، والمعنى معنى بهت ، فتتَّحد القراءتان ، أو بمعنى أتى بالبهتان ، وقرأ أبو حيوة : \" فَبَهُتَ \" بفتح الباء ، وضمِّ الهاء ، كظرف ، والفاعل الموصول ، وحكى الأخفش : فَبَهِتَ بكسر الهاء ، وهو قاصر أيضاً ، فيحصل فيه ثلاث لغاتٍ : بَهَت بفتحهما ، بَهُتَ بضم العين ، بَهِتَ بكسرها.\rقال عروة العدويُّ : [ الطويل ]\rفَمَا هُوَ إِلاَّ أَنْ أَرَاهَا فُجَاءَةً... فَأُبْهَتَ حَتَّى مَا أَكَادُ أُجِيبُ\rفالمفتوح يكون لازماً ومتعدياً ، قال تعالى : { فَتَبْهَتُهُمْ } [ الأنبياء : 40 ].\rوالبَهْتُ : التحيُّر ، والدَّهش ، وبَاهَتَهُ وَبَهَتَهُ واجهه بالكذب ، ومنه الحديث : \" إنَّ اليَهُودَ قَوْمٌ بُهُتٌ \" ، وذلك أن الكذب يحيِّر المكذوب عليه.\rومعنى الآية : أنَّه : بقي مغلوباً لا يجد مقالاً ، ولا للمسألة جواباً. أ هـ {تفسير ابن عادل حـ 4 صـ 337 ـ 346}. بتصرف.","part":8,"page":326},{"id":3367,"text":"قوله تعالى : { أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلَى قَرْيَةٍ وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا قَالَ أَنَّى يُحْيِي هَذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا فَأَمَاتَهُ اللَّهُ مِائَةَ عَامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ قَالَ كَمْ لَبِثْتَ قَالَ لَبِثْتُ يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ قَالَ بَلْ لَبِثْتَ مِائَةَ عَامٍ فَانْظُرْ إِلَى طَعَامِكَ وَشَرَابِكَ لَمْ يَتَسَنَّهْ وَانْظُرْ إِلَى حِمَارِكَ وَلِنَجْعَلَكَ آَيَةً لِلنَّاسِ وَانْظُرْ إِلَى الْعِظَامِ كَيْفَ نُنْشِزُهَا ثُمَّ نَكْسُوهَا لَحْمًا فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ قَالَ أَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (259)}\rمناسبة الآية لما قبلها\rقال البقاعى :\rولما كان الإحياء والإماتة من أظهر آيات الربانية وأخصها بها أظهر سبحانه وتعالى الغيرة عليها تارة بإبهات المدعي للمشاركة ،\rوتارة بإشهاد المستبعد في نفسه وغيره بفعل ربه ،\rوتارة بإشهاد المسترشد في غيره بنفسه معبراً في كل منها بما اقتضاه حاله وأشعر به سؤاله ،\rفعبر في الكافر بإلى إشارة إلى أنه في محل البعد عن المخاطب صلى الله عليه وسلم ،\rوفي المتعجب بإسقاطها إسقاطاً لذلك البعد ،\rوفي المسترشد المستطلع بإذ كما هي العادة المستمرة في أهل الصفاء والمحبة والوفاء فأتبع التعجيب من حال المحاجج التعجيب أيضاً من حال من استعظم إحياءه تعالى لتلك القرية.","part":8,"page":327},{"id":3368,"text":"ولما كان معنى {ألم تر} هل رأيت لأن هل كما ذكر الرضي وغيره تختص مع كونها للاستفهام بأن تفيد فائدة النافي حتى جاز أن يجيء بعدها {إلا} قصداً للايجاب كقوله سبحانه تعالى {هل جزاء الإحسان إلا الإحسان} [ الرحمن : 60 ] وقوله سبحانه وتعالى {هل هذا إلا بشر مثلكم} [ الأنبياء : 3 ] كان كأنه قيل : هل رأيت الذي حاج إبراهيم {أو} هل رأيت {كالذي} ويجوز أن يكون التقدير لأن أخبار الأولين إنما هي مواعظ لنا : أقومك كهذا المحاج لأعظم إبائهم فهم يقولون : إن الإحياء ليس على حقيقته بالبعث بعد الموت ، \rأو هم كالذي {مر} قال الحرالي : من المرور وهو جعل الشيء على مسلك إلى غيره مع التفات إليه في سبيله {على قرية} وهي التي خرج منها الألوف أو بيت المقدس {وهي خاوية} أي متهدمة ساقطة جدرانها {على عروشها} أي سقوفها ، \rأو خالية على بقاء سقوفها.\rقال الحرالي : من الخوا وهو خلو الشيء عما شأنه أن يعينه حساً أو معنىً ، \rوالعروش جمع عرش من نحو معنى العريش وهو ما أقيم من البناء على حالة عجالة يدفع سورة الحر والبرد ولا يدفع جملتها كالكن المشيد ، \rفكان المشيد في الحقيقة عريشاً لوهاء الدنيا بجملتها في عين الاستبصار - انتهى.\rولما كان كأنه قيل : ما الذي في حاله ذلك مما يعجب منه ؟ قيل : {قال أنى يحيي هذه} أي القرية {الله} أي الذي له الأمر كله {بعد موتها} أي بما صارت إليه من الخراب وذهاب الأهل فيعيدها إلى ما كانت عليه عامرة آهلة.\rقال الحرالي : وفي لفظة \" أنى \" لشمول معناها لمعنى كيف وحيث ومتى استبعاده الإحياء في الكيف والمكان والزمان ، \rومنشأ هذا الاستبعاد إنما يطوق النفس من طلبها لمعرفة تكييف ما لا يصل إليه علمها - انتهى.\r","part":8,"page":328},{"id":3369,"text":"ولما كان هذا المستبعد قاصراً عن رتبة الخليل عليه الصلاة والسلام في التهيؤ للطمأنينة بل كان إيقانه على الكيفية متوقفاً في الحكمة على تركه في عالم الغيب المدة التي ضربت لبقائه ميتاً ليكون ذلك كالتخمير في الطين لتتهيأ نفسه لعلم ذلك والإيقان به قال : {فأماته} أي فتسبب عن ذلك أن أماته {الله} أي الذي لا كفوء له فمهما أراد كان لإيقانه على علم ذلك عناية من الله به {مائة} ولما كان المراد أن مدة موته كانت طويلة ليكون قد بلي فيها فتكون إعادته أمكن في القدرة على ما تستبعده العرب وأن ذلك الزمان كان حسناً طيباً لقبوله الإحياء والعمارة عبر عنه بما يدل على السعة فقال : {عام} حتى بلي حماره وحفظ طعامه وشرابه من التغير ليتحقق كمال القدرة بحفظ ما شأنه التغير وتغير ما شأنه البقاء وإعادة ما فني.\rقال الحرالي : وخص المائة لكمالها في العد المثلث من الآحاد والعشرات وعشرها وتر الشفع لأن ما تم في الثالث كان ما زاد عليه تكراراً يجزىء عنه الثلاث {ثم بعثه} في بيانه إشعار بأن بدنه لم يتغير ولا فني فناء حماره حيث لم يكن ثم نشره والله سبحانه وتعالى أعلم كما قال {ثم إذا شاء أنشره} [ عبس : 22 ] - انتهى. أ هـ {نظم الدرر حـ 1 صـ 505 ـ 506}\rفصل\rقال الفخر : \rاختلف النحويون في إدخال الكاف في قوله {أَوْ كالذى} وذكروا فيه ثلاثة أوجه\r","part":8,"page":329},{"id":3370,"text":"الأول : أن يكون قوله {أَلَمْ تَرَ إِلَى الذى حَاجَّ إبراهيم} [ البقرة : 258 ] في معنى ( أَلم تر كالذي حاج ابراهيم ) وتكون هذه الآية معطوفة عليه ، والتقدير : أرأيت كالذي حاج إبراهيم ، أو كالذي مرّ على قرية ، فيكون هذا عطفاً على المعنى ، وهو قول الكسائي والفرّاء وأبي علي الفارسي ، وأكثر النحويين قالوا : ونظيره من القرآن قوله تعالى : {قُل لّمَنِ الأرض وَمَن فِيهَا إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ سَيَقُولُونَ لِلَّهِ} [ المؤمنون : 84 ، 85 ] ثم قال : {مَن رَّبُّ السموات السبع وَرَبُّ العرش العظيم ، سَيَقُولُونَ لِلَّهِ} [ المؤمنون : 85 ، 86 ] فهذا عطف على المعنى لأن معناه : لمن السموات ؟ فقيل لله.\rقال الشاعر : \rمعاوي إننا بشر فأسجح.. فلسنا بالجبال ولا الحديدا\rفحمل على المعنى وترك اللفظ.\rوالقول الثاني : وهو اختيار الأخفش : أن الكاف زائدة ، والتقدير : ألم تر إلى الذي حاج والذي مرّ على قرية.\rوالقول الثالث : وهو اختيار المبرد : أنا نضمر في الآية زيادة ، والتقدير : ألم تر إلى الذي حاج إبراهيم ، وألم تر إلى من كان كالذي مرّ على قرية. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 7 صـ 25}\rفصل\rقال الفخر : \rاختلفوا في الذي مرّ بالقرية ، فقال قوم : كان رجلاً كافراً شاكاً في البعث وهو قول مجاهد وأكثر المفسرين من المعتزلة ، وقال الباقون : إنه كان مسلماً ، ثم قال قتادة وعكرمة والضحاك والسدي : هو عزير ، وقال عطاء عن ابن عباس : هو أرمياء ، ثم من هؤلاء من قال : إن أرمياء هو الخضر عليه السلام ، وهو رجل من سبط هارون بن عمران عليهما السلام ، وهو قول محمد بن إسحاق ، وقال وهب بن منبه : إن أرمياء هو النبي الذي بعثه الله عندما خرب بختنصر بيت المقدس وأحرق التوراة ، حجة من قال : إن هذا المار كان كافراً وجوه الأول : أن الله حكى عنه أنه قال : {أنى يحي هذه الله بعد موتها} وهذا كلام من يستبعد من الله الإحياء بعد الإماتة وذلك كفر.\r","part":8,"page":330},{"id":3371,"text":"فإن قيل : يجوز أن ذلك وقع منه قبل البلوغ.\rقلنا : لو كان كذلك لم يجز من الله تعالى أن يعجب رسوله منه إذ الصبي لا يتعجب من شكه في مثل ذلك ، وهذه الحجة ضعيفة لاحتمال أن ذلك الاستبعاد ما كان بسبب الشك في قدرة الله تعالى على ذلك ، بل كان بسبب إطراد العادات في أن مثل ذلك الموضع الخراب قلما يصيره الله معموراً وهذا كما أن الواحد منا يشير إلى جبل ، فيقول : متى يقلبه الله ذهباً ، أو ياقوتاً ، لا أن مراده منه الشك في قدرة الله تعالى ، بل على أن مراده منه أن ذلك لا يقع ولا يحصل في مطرد العادات ، فكذا هاهنا.\rالوجه الثاني : قالوا : إنه تعالى قال في حقه {فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ} وهذا يدل على أنه قبل ذلك لم يكن ذلك التبين حاصلاً له وهذا أيضاً ضعيف لأن تبين الإحياء على سبيل المشاهدة ما كان حاصلاً له قبل ذلك ، فأما أن تبين ذلك على سبيل الاستدلال ما كان حاصلاً فهو ممنوع.\rالوجه الثالث : أنه قال : {أَعْلَمُ أَنَّ الله على كُلّ شَيْء قَدِيرٌ} وهذا يدل على أن هذا العالم إنما حصل له في ذلك الوقت ، وأنه كان خالياً عن مثل ذلك العلم قبل ذلك الوقت ، وهذا أيضاً ضعيف لأن تلك المشاهدة لا شك أنها أفادت نوع توكيد وطمأنينة ووثوق ، وذلك القدر من التأكيد إنما حصل في ذلك الوقت ، وهذا لا يدل على أن أصل العلم ما كان حاصلاً قبل ذلك.\rالوجه الرابع : لهم أن هذا المار كان كافراً لانتظامه مع نمروذ في سلك واحد وهو ضعيف أيضاً ، لأن قبله وإن كان قصة نمروذ ، ولكن بعده قصة سؤال إبراهيم ، فوجب أن يكون نبياً من جنس إبراهيم.\r","part":8,"page":331},{"id":3372,"text":"وحجة من قال : إنه كان مؤمناً وكان نبياً وجوه الأول : أن قوله {أنى يحيي هذه الله بعد موتها} يدل على أنه كان عالماً بالله ، وعلى أنه كان عالماً بأنه تعالى يصح منه الإحياء في الجملة ، لأن تخصيص هذا الشيء باستبعاد الإحياء إنما يصح أن لو حصل الاعتراف بالقدرة على الإحياء في الجملة فأما من يعتقد أن القدرة على الإحياء ممتنعة لم يبق لهذا التخصيص فائدة.\rالحجة الثانية : أن قوله {كَمْ لَبِثْتَ} لا بد له من قائل والمذكور السابق هو الله تعالى فصار التقدير : قال الله تعالى : {كَمْ لَبِثْتَ} فقال ذلك الإنسان {لَبِثْتُ يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ} فقال الله تعالى : {بَل لَّبِثْتَ مِاْئَةَ عَامٍ} ومما يؤكد أن قائل هذا القول هو الله تعالى قوله {وَلِنَجْعَلَكَ ءَايَةً لِلنَّاسِ} ومن المعلوم أن القادر على جعله آية للناس هو الله تعالى ، ثم قال : {وانظر إِلَى العظام كَيْفَ نُنشِزُهَا ثُمَّ نَكْسُوهَا لَحْمًا} ولا شك أن قائل هذا القول هو الله تعالى ؛ فثبت أن هذه الآية دالة من هذه الوجوه الكثيرة على أنه تكلم معه ، ومعلوم أن هذا لا يليق بحال هذا الكافر.\rفإن قيل : لعله تعالى بعث إليه رسولاً أو ملكاً حتى قال له هذا القول عن الله تعالى.\rقلنا : ظاهر هذا الكلام يدل على أن قائل هذه الأقوال معه هو الله تعالى ، فصرف اللفظ عن هذا الظاهر إلى المجاز من غير دليل يوجبه غير جائز.\rوالحجة الثالثة : أن إعادته حياً وإبقاء الطعام والشراب على حالهما ، وإعادة الحمار حياً بعد ما صار رميماً مع كونه مشاهداً لإعادة أجزاء الحمار إلى التركيب وإلى الحياة إكرام عظيم وتشريف كريم ، وذلك لا يليق بحال الكافر له.\rفإن قيل : لم لا يجوز أن يقال : إن كل هذه الأشياء إنما أدخلها الله تعالى في الوجود إكراماً لإنسان آخر كان نبياً في ذلك الزمان.\r","part":8,"page":332},{"id":3373,"text":"قلنا : لم يجر في هذه الآية ذكر هذا النبي ، وليس في هذه القصة حالة مشعرة بوجود النبي أصلاً فلو كان المقصود من إظهار هذه الأشياء إكرام ذلك النبي وتأييد رسالته بالمعجزة لكان ترك ذكر ذلك الرسول إهمالاً لما هو الغرض الأصلي من الكلام وأنه لا يجوز.\rفإن قيل : لو كان ذلك الشخص لكان إما أن يقال : إنه ادعى النبوّة من قبل الإماتة والإحياء أو بعدهما ، والأول : باطل ، لأن إرسال النبي من قبل الله يكون لمصلحة تعود على الأمة ، وذلك لا يتم بعد الإماتة ، وإن ادعى النبوّة بعد الإحياء فالمعجز قد تقدم على الدعوى ، وذلك غير جائز.\rقلنا : إظهار خوارق العادات على يد من يعلم الله أنه سيصير رسولاً جائز عندنا ، وعلى هذا الطريق زال السؤال.\rالحجة الرابعة : أنه تعالى قال في حق هذا الشخص {وَلِنَجْعَلَكَ ءَايَةً لِلنَّاسِ} وهذا اللفظ إنما يستعمل في حق الأنبياء والرسل قال تعالى : {وجعلناها وابنها ءَايَةً للعالمين} [ الأنبياء : 91 ] فكان هذا وعداً من الله تعالى بأنه يجعله نبياً ، وأيضاً فهذا الكلام لم يدل على النبوّة بصريحه فلا شك أنه يفيد التشريف العظيم ، وذلك لا يليق بحال من مات على الكفر وعلى الشك في قدرة الله تعالى.\rفإن قيل : لم لا يجوز أن يكون المراد من جعله آية أن من عرفه من الناس شاباً كاملاً إذا شاهدوه بعد مائة سنة على شبابه وقد شاخوا أو هرموا ، أو سمعوا بالخبر أنه كان مات منذ زمان وقد عاد شاباً صح أن يقال لأجل ذلك إنه آية للناس لأنهم يعتبرون بذلك ويعرفون به قدرة الله تعالى ، ونبوّة نبي ذلك الزمان.\r","part":8,"page":333},{"id":3374,"text":"والجواب من وجهين الأول : أن قوله {وَلِنَجْعَلَكَ ءَايَةً} إخبار عن أنه تعالى يجعله آية ، وهذا الأخبار إنما وقع بعد أن أحياه الله ، وتكلم معه ، والمجعول لا يجعل ثانياً ، فوجب حمل قوله {وَلِنَجْعَلَكَ ءَايَةً لِلنَّاسِ} على أمر زائد عن هذا الإحياء ، وأنتم تحملونه على نفس هذا الإحياء فكان باطلاً والثاني : أنه وجه التمسك أن قوله {وَلِنَجْعَلَكَ ءَايَةً لِلنَّاسِ} يدل على التشريف العظيم ، وذلك لا يليق بحال من مات على الكفر والشك في قدرة الله تعالى.\r","part":8,"page":334},{"id":3375,"text":"الحجة الخامسة : ما روي عن ابن عباس رضي الله عنهما في سبب نزول الآية قال : إن بختنصر غزا بني إسرائيل فسبى منهم الكثيرون ، ومنهم عزير وكان من علمائهم ، فجاء بهم إلى بابل ، فدخل عزير يوماً تلك القرية ونزل تحت شجرة وهو على حمار ، فربط حماره وطاف في القرية فلم ير فيها أحداً فعجب من ذلك وقال : {أنى يحيي هذه الله بعد موتها} لا على سبيل الشك في القدرة ، بل على سبيل الاستبعاد بحسب العادة ، وكانت الأشجار مثمرة ، فتناول من الفاكهة التين والعنب ، وشرب من عصير العنب ونام ، فأماته الله تعالى في منامه مائة عام وهو شاب ، ثم أعمى عن موته أيضاً الإنس والسباع والطير ، ثم أحياه الله تعالى بعد المائة ونودي من السماء : يا عزير {كَمْ لَبِثْتَ} بعد الموت فقال {يَوْماً} فأبصر من الشمس بقية فقال {أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ} فقال الله تعالى : {بَل لَّبِثْتَ مِاْئَةَ عَامٍ فانظر إلى طَعَامِكَ} من التين والعنب وشرابك من العصير لم يتغير طعمهما ، فنظر فإذا التين والعنب كما شاهدهما ثم قال : {وانظر إلى حِمَارِكَ} فنظر فإذا هو عظام بيض تلوح وقد تفرقت أوصاله وسمع صوتاً أيتها العظام البالية إني جاعل فيك روحاً فانضم أجزاء العظام بعضها إلى بعض ، ثم التصق كل عضو بما يليق به الضلع إلى الضلع والذراع إلى مكانه ثم جاء الرأس إلى مكانه ثم العصب والعروق ثم أنبت طراء اللحم عليه ، ثم انبسط الجلد عليه ، ثم خرجت الشعور عن الجلد ، ثم نفخ فيه الروح ، فإذا هو قائم ينهق فخر عزير ساجداً ، وقال : {أَعْلَمُ أَنَّ الله على كُلّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} ثم إنه دخل بيت المقدس فقال القوم : حدثنا آباؤنا أن عزير بن شرخياء مات ببابل ، وقد كان بختنصر قتل ببيت المقدس أربعين ألفاً ممن قرأ التوراة وكان فيهم عزير ، والقوم ما عرفوا أنه يقرأ التوراة ، فلما أتاهم بعد مائة عام جدد لهم التوراة وأملاها عليهم عن ظهر قلبه لم يخرم منها حرفاً ، وكانت التوراة قد دفنت","part":8,"page":335},{"id":3376,"text":"في موضع فأخرجت وعورض بما أملاه فما اختلفا في حرف ، فعند ذلك قالوا : عزير بن الله ، وهذه الرواية مشهورة فيما بين الناس ، وذلك يدل على أن ذلك المار كان نبياً. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 7 صـ 26 ـ 28}\rقال ابن عاشور : \rوالذي يظهر لي أنّه حزقيال ابن بوزي نبيء إسرائيل كان معاصراً لأرميا ودانيال وكان من جملة الذين أسرهم بختنصر إلى بابل في أوائل القرن السادس قبل المسيح ، وذلك أنه لما رأى عزم بختنصر على استئصال اليهود وجمعه آثار الهيكل ليأتي بها إلى بابل ، جمع كتب شريعة موسى وتابوتَ العهد وعصَا موسى ورماها في بئر في أورشليم خشية أن يحرقها بختنصر ، ولعله اتّخذ علامة يعرفها بها وجعلها سراً بينه وبين أنبياء زمانِه وورثتهم من الأنبياء.\rفلما أخرج إلى بابل بقي هنالك وكتب كتاباً في مَراءً رآها وَحْيا تدل على مصائب اليهودِ وما يرجى لهم من الخلاص ، وكان آخر ما كتبه في السنة الخامسة والعشرين بعد سبي اليهود ، ولم يعرف له خبر بعدُ كما ورد في تاريخهم ، ويظن أنّه مات أو قُتل.\rومن جملة ما كتبه \"أخْرَجَنِي روحُ الرب وأنزلني في وسط البقعة وهي ملآنة عظاماً كثيرة وأمّرَني عليها وإذا تلك البقعة يابسة فقال لي : أتَحيَى هذه العظامُ ؟ فقلت : يا سيدي الرّب أنتَ تعلم.\rفقال لي : تنبأْ على هذه العظام وقل لها : أيتها العظام اليابسة اسمعي كلمة الرب قال ها أنا ذا أدخل فيكم الروح وأضع عليكم عصباً وأكسوكم لحماً وجلداً.\rفتنبأت ، كما أمرني فتقاربتْ العظام كل عظم إلى عطمه ، ونظرت وإذا باللحم والعصب كساها وبسط الجلد عليها من فوق ودخل فيهم الروح فحيُوا وقاموا على أقدامهم جيش عظيم جداً\".\r","part":8,"page":336},{"id":3377,"text":"ولما كانت رؤيا الأنبياء وحيا فلا شكّ أن الله لما أعاد عُمران أورشليم في عهد عزرا النبي في حدود سنة450 قبل المسيح أحيا النبي حزقيال عليه السلام ليرى مصداق نبوته ، وأراه إحياء العظام ، وأراه آية في طعامه وشرابه وحماره وهذه مخاطبة بين الخالق وبعض أصفيائه على طريق المعجزة وجعل خبره آية للناس من أهل الإيمان الذين يوقنون بما أخبرهم الله تعالى ، أو لقوم أطلعهم الله على ذلك من أصفيائه ، أو لأهل القرية التي كان فيها وفُقِد من بينهم فجاءهم بعد مائة سنة وتحققه من يعرفه بصفاته ، فيكون قوله تعالى : { مرّ على قرية } إشارة إلى قوله : \"أخرجني روح الرب وأمّرني عليها\".\rفقوله : { قال أنَّى يحيي هذه الله } إشارة إلى قوله أتحيي هذه العظام فقلت يا سيدي أنت تعلم لأنّ كلامه هذا ينبىء باستبعاد إحيائها ، ويكون قوله تعالى : { فأماته الله مائة عام } إلخ مما زاده القرآن من البيان على ما في كتب اليهود لأنّهم كتبوها بعد مرور أزمنة ، ويظن من هنا أنّه مات في حدود سنة 560 قبل المسيح ، وكان تجديد أورشليم في حدود 458 فتلك مائة سنة تقريباً ، ويكون قوله : { وانظر إلى العظام كيف ننشرها ثم نكسوها لحمَا } تذكرة له بتلك النبوءة وهي تجديد مدينة إسرائيل. (1) أ هـ {التحرير والتنوير حـ 3 صـ 35 ـ 36}\rقوله تعالى : {وَهِىَ خَاوِيَةٌ على عُرُوشِهَا}\rقال الفخر :\r_______________\r(1) فى النفس شىء بل أشياء من هذا الكلام فهو ـ كما ترى ـ يعتمد على ما ذكر فى التوراة ونحن مأمورون بالتوقف فى قبول أخبار التوراة ، وألفاظ الآية لم تبين شيئا من ذلك\rوالأولى ـ والله أعلم ـ الوقوف عند ما أخبر القرآن وتفويض ما سكت الوحى عن ذكره إلى الله ـ عز وجل ـ فما فائدة تعيين القرية ومن مر عليها ؟؟!!! والله أعلم بحقائق الأمور.","part":8,"page":337},{"id":3378,"text":"أما قوله تعالى : {وَهِىَ خَاوِيَةٌ على عُرُوشِهَا} قال الأصمعي : خوى البيت فهو يخوى خواء ممدود إذا ما خلا من أهله ، والخوا : خلو البطن من الطعام ، وفي الحديث : \" كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا سجد خوى \" أي خلى ما بين عضديه وجنبيه ، وبطنه وفخذيه ، وخوى الفرس ما بين قوائمه ، ثم يقال للبيت إذا انهدم : خوى لأنه بتهدمه يخلو من أهله ، وكذلك : خوت النجوم وأخوت إذا سقطت ولم تمطر لأنها خلت عن المطر ، والعرش سقف البيت ، والعروش الأبنية ، والسقوف من الخشب يقال : عرش الرجل يعرش ويعرش إذا بني وسقف بخشب ، فقوله : {وَهِىَ خَاوِيَةٌ على عُرُوشِهَا} أي منهدمة ساقطة خراب ، قاله ابن عباس رضي الله عنهما ، وفيه وجوه أحدها : أن حيطانها كانت قائمة وقد تهدمت سقوفها ، ثم انقعرت الحيطان من قواعدها فتساقطت على السقوف المنهدمة ، ومعنى الخاوية المنقلعة وهي المنقلعة من أصولها يدل عليه قوله تعالى : {أَعْجَازُ نَخْلٍ خَاوِيَةٍ} [ الحاقة : 7 ] وموضع آخر {أَعْجَازُ نَخْلٍ منقعر} [ القمر : 20 ] وهذه الصفة في خراب المنازل من أحسن ما يوصف به والثاني : قوله تعالى : {خَاوِيَةٌ على عُرُوشِهَا} أي خاوية عن عروشها ، جعل ( على ) بمعنى ( عَنْ ) كقوله {إِذَا اكتالوا عَلَى الناس} [ المطففين : 2 ] أي عنهم والثالث : أن المراد أن القرية خاوية مع كون أشجارها معروشة فكان التعجب من ذلك أكثر ، لأن الغالب من القرية الخالية الخاوية أن يبطل ما فيها من عروش الفاكهة ، فلما خربت القرية مع بقاء عروشها كان التعجب أكثر. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 7 صـ 28 ـ 29}\rقوله تعالى : {قَالَ أنى يُحْىِ هذه الله بَعْدَ مَوْتِهَا}\rقال الفخر : \r","part":8,"page":338},{"id":3379,"text":"أما قوله تعالى : {قَالَ أنى يُحْىِ هذه الله بَعْدَ مَوْتِهَا} فقد ذكرنا أن من قال : المار كان كافراً حمله على الشك في قدرة الله تعالى ، ومن قال كان نبياً حمله على الاستبعاد بحسب مجاري العرف والعادة أو كان المقصود منه طلب زيادة الدلائل لأجل التأكيد ، كما قال إبراهيم عليه السلام : {أرني كيف تحيي الموتى} [ البقرة : 260 ] وقوله {أنّى} أي من أين كقوله {أنى لَكِ هذا} [ آل عمران : 37 ] والمراد بإحياء هذه القرية عمارتها ، أي متى يفعل الله تعالى ذلك ، على معنى أنه لا يفعله فأحب الله أن يريه في نفسه ، وفي إحياء القرية آية {فَأَمَاتَهُ الله مِاْئَةَ عَامٍ} وقد ذكرنا القصة. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 7 صـ 29}\rوقال القرطبى : \rقوله تعالى : { أنى يُحْيِي هذه الله بَعْدَ مَوْتِهَا } معناه من أيّ طريق وبأيّ سبب ، وظاهر اللفظ السؤال عن إحياء القرية بعمارة وسكّان ، كما يقال الآن في المدن الخِربة التي يبعد أن تعمر وتسكن : أنَّى تعمر هذه بعد خرابها.\rفكأن هذا تلهّف من الواقف المعتبر على مدينته التي عهد فيها أهله وأحبّته.\rوضرب له المَثَل في نفسه بما هو أعظم مما سأل عنه ، والمثال الذي ضرب له في نفسه يحتمل أن يكون على أن سؤاله إنما كان على إحياء الموتى من بني آدم ، أي أنَّى يحيي الله موتاها.\rوقد حكى الطبريّ عن بعضهم أنه قال : كان هذا القول شكّاً في قدرة الله تعالى على الإحياء ؛ فلذلك ضرب له المثل في نفسه.\rقال ابن عطيّة : وليس يدخل شكّ في قدرة الله تعالى على إحياء قرية بجلب العمارة إليها وإنما يتصوّر الشك ( من جاهل ) في الوجه الآخر ، والصواب ألاّ يتأوّل في الآية شك. أ هـ {تفسير القرطبى حـ 3 صـ 290 ـ 291}\rوقال أبو حيان : \rالإحياء والإماتة هنا مجازان ، عبر بالإحياء عن العمارة ، وبالموت عن الخراب.\r","part":8,"page":339},{"id":3380,"text":"وقيل : حقيقتان فيكون ثم مضاف محذوف تقديره : أنَّى يحيي أهل هذه القرية ، أو يكون هذه إشارة إلى ما دل عليه المعنى من عظام أهلها البالية ، وجثثهم المتمزقة ، وأوصالهم المتفرقة ، فعلى القول بالمجاز يكون قوله : أنَّى يحيي على سبيل التلهف من الواقف المعتبر على مدينته التي عهد فيها أهله وأحبته ، وضرب له المثل في نفسه بما هو أعظم مما سأل عنه ، وعلى القول الثاني يكون قوله : أنَّى يحيي اعترافاً بالعجز عن معرفة طريقة الإحياء واستعظاماً لقدرة المحيي ، وليس ذلك على سبيل الشك. أ هـ {البحر المحيط حـ 2 صـ 303}\rقوله تعالى : { فَأَمَاتَهُ الله مِائَةَ عَامٍ }\rقال القرطبى :\rقوله تعالى : { فَأَمَاتَهُ الله مِائَةَ عَامٍ } \"مائة\" نصب على الظرف.\rوالعام : السنة ؛ يقال : سِنون عُوَّم وهو تأكيد للأوّل ؛ كما يقال : بينهم شُغْلٌ شاغلٌ.\rوقال العجّاج :\rمِن مرّ أعوامِ السِّنين العُوَّم . . .\rوهو في التقدير جمع عائم ، إلا أنه لا يفرد بالذِّكر ؛ لأنه ليس باسم وإنما هو توكيد ، قاله الجوهريّ.\rوقال النقاش : العام مصدر كالعَوْم ؛ سُمّيَ به هذا القدر من الزمان لأنها عومة من الشمس في الفَلك.\rوالعَوْم كالسَّبْح ؛ وقال الله تعالى : { كُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ } [ الأنبياء : 33 ].\rقال ابن عطية : هذا بمعنى قول النقاش ، والعامُ على هذا كالقول والقال. أ هـ {تفسير القرطبى حـ 3 صـ 291}\rسؤال : فإن قيل : ما الفائدة في إماتة الله له مائة عام ، مع أن الاستدلال بالإحياء يوم أو بعد بعض يوم حاصل.\rقلنا : لأن الإحياء بعد تراخي المدة أبعد في العقول من الإحياء بعد قرب المدة ، وأيضاً فلأن بعد تراخي المدة ما يشاهد منه ، ويشاهد هو من غيره أعجب. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 7 صـ 29}\rفصل\rقال القرطبى :\rروي في قصص هذه الآية أن الله تعالى بعث لها مَلكاً من الملوك يعمرها ويجدّ في ذلك حتى كان كمال عمارتها عند بعث القائل.","part":8,"page":340},{"id":3381,"text":"وقد قيل : إنه لما مضى لموته سبعون سنة أرسل الله ملِكاً من ملوك فارس عظيماً يقال له \"كوشك\" فعمّرها في ثلاثين سنة. (1) أ هـ {تفسير القرطبى حـ 3 صـ 291}\rقوله تعالى : {ثُمَّ بَعَثَهُ}\rقال الفخر :\rأما قوله تعالى : {ثُمَّ بَعَثَهُ} فالمعنى : ثم أحياه ، ويوم القيامة يسمى يوم البعث لأنهم يبعثون من قبورهم ، وأصله من بعثت الناقة إذا أقمتها من مكانها ، وإنما قال {ثُمَّ بَعَثَهُ} ولم يقل : ثم أحياه لأن قوله {ثُمَّ بَعَثَهُ} يدل على أنه عاد كما كان أولاً حياً عاقلاً فهما مستعدا للنظر والاستدلال في المعارف الإلهية ، ولو قال : ثم أحياه لم تحصل هذه الفوائد. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 7 صـ 29}\rوقال ابن عاشور :\rوقوله : { ثم بعثه } أي أحياه وهي حياة خاصة ردّت بها روحه إلى جسده ؛ لأنّ جسده لم يبلَ كسائر الأنبياء ، وهذا بعث خارق للعادة وهو غير بعث الحشر. أ هـ {التحرير والتنوير حـ 3 صـ 36}\rقوله تعالى : { قَالَ كَمْ لَبِثْتَ قَالَ لَبِثْتُ يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ قَالَ بَلْ لَبِثْتَ مِائَةَ عَامٍ فَانْظُرْ إِلَى طَعَامِكَ وَشَرَابِكَ لَمْ يَتَسَنَّهْ وَانْظُرْ إِلَى حِمَارِكَ وَلِنَجْعَلَكَ آَيَةً لِلنَّاسِ وَانْظُرْ إِلَى الْعِظَامِ كَيْفَ نُنْشِزُهَا ثُمَّ نَكْسُوهَا لَحْمًا فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ قَالَ أَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ }\rالمناسبة\rقال البقاعى :\r________________\r(1) هذا الكلام يفتقر إلى سند صحيح لأنه من الأمور الغيبية. والله أعلم.","part":8,"page":341},{"id":3382,"text":"ولما أحاط العلم بأن هذا العمل لأجل إيقانه على القدرة تشوفت النفس إلى ما حصل له بعد البعث فأجيبت بقوله تنبيهاً له ولكل سامع على ما في قصته من الخوارق : {قال} أي له الله سبحانه وتعالى أو من شاء ممن خطابه ناشىء عنه {كم لبثت} أي في رقدتك هذه {قال} لنظره إلى سلامة طعامه وشرابه {لبثت يوماً} ثم تغير ظنه بحسب الشمس أو غيرها فقال : {أو بعض يوم} وكأنه استعجل بهذا الجواب - كما هي عادة الإنسان - قبل النظر إلى حماره {قال} أي الذي خاطبه مضرباً عن جوابه بياناً لأنه غلط ظاهر {بل لبثت مائة عام} معبراً عن الحول بلفظ يدور على معنى السعة والامتداد والطول ودله على ذلك وعلى كمال القدرة بقوله : {فانظر إلى طعامك وشرابك} أي الذي كان معك لما رقدت وهو أسرع الأشياء فساداً تين وعصير {لم يتسنه} من السنة أي يتغير بمر السنين على طول مرورها وقوة تقلباتها وتأثيرها ، \rومعنى القراءة بهاء السكت أن الخبر بذلك أمر جازم مقنع لا مرية فيه ولا تردد أصلاً {وانظر إلى} {حمارك} بالياً رميماً ، \rفجمع الله له سبحانه وتعالى بين آيتي الرطب في حفظه واليابس في نقضه.\rولما كان التقدير : فعلنا ذلك لنجعله آية لك على كمال القدرة أو لتعلم أنت قدرتنا ، \rعطف عليه قوله : {ولنجعلك} أي في مجموع خبرك {آية للناس} أي كافة فكان أمره إبقاء وتثبيتاً آية في موجود الدنيا على ما سيكون في أمر الآخرة قيام ساعة وبعثاً ونشوراً - قاله الحرالي.\rولما أمره بالنظر إلى ما جعله له آية على لبثه ذلك الزمن الطويل أمره بالنظر إلى ما جعله له آية على اقتداره على الإحياء كيف ما أراد فقال : {وانظر إلى العظام} أي من حمارك وهي جمع عظم وهو عماد البدن الذي عليه مقوم صورته {كيف ننشزها} قال الحرالي : بالراء من النشر وهو عود الفاني إلى صورته الأولى وبالضم جعل وتصيير إليه ، \rوبالزاي من النشز وهو إظهار الشيء وإعلاؤه ، \rمن نشز الأرض وهو ما ارتفع منها وظهر - انتهى.\r","part":8,"page":342},{"id":3383,"text":"وضم بعضها إلى بعض على ما كانت عليه ينظم ذلك كله {ثم نكسوها لحماً} قال الحرالي : جعل حياته بعثاً وحياة حماره نشوراً وأراه النشر ، \rواللحم الذي لحم بين العظام حتى صارت صورة واحدة ليتبين أمر الساعة عياناً فيكون حجة على الكافر والمستبعد {فلما تبين له} أي هذا الأمر الخارق الباهر الدال على ما وصف سبحانه وتعالى به نفسه المقدسة في آية الكرسي.\rقال الحرالي : وفي صيغة تفعل إشعار بتردده في النظر بين الآيتين حتى استقر عنده أمر ما أعلم به واضمحل عنده ما قدره {قال أعلم} بصيغة الفعل بناء على نفسه وبصيغة الأمر إفادة لغيره ما علم لتدل القراءتان على أنه علم وعلم لأن العلم إنما يتم حين يصل إلى غير العالم فيجمع فضل العلم والتعليم - انتهى.\rويجوز أن يدل التعبير بالمضارع في أعلم على أنه لم يزل متصفاً بهذا العلم من غير نظر إلى حال ولا استقبال ويكون ذلك اعتذاراً عن تعبيره في التعجيب بما دل على الاستبعاد بأنه إنما قاله استبعاداً لتعليق القدرة بذلك لا للقدرة عليه {أن الله} أي لما أعلم من عظمته {على كل شيء} أي من هذا وغيره {قدير} قال الحرالي : في إشعاره إلزام البصائر شهود قدرة الله سبحانه وتعالى في تعينها في الأسباب الحكمية التي تتقيد بها الأبصار إلحاقاً لما دون آية الإحياء والإماتة بأمرها ليستوي في العلم أن محييك هو مصرفك ، \rفكما أن حياتك بقدرته فكذلك عملك بقدرته فلاءم تفصيل افراد القدرة لله بما تقدم من إبداء الحفظ بالله والعظمة لله ، \rفكأنها جوامع وتفاصيل كلها تقتضي إحاطة أمر الله سبحانه وتعالى بكلية ما أجمل وبدقائق تفاصيل ما فصل - انتهى.\rوفي الآية بيان لوجه مغالطة الكافر لمن استخفه من قومه في المحاجة مع الخليل صلوات الله وسلامه عليه بأن الإحياء الذي يستحق به الملك الألوهية هو هذا الإحياء الحقيقي لا التخلية عمن استحق القتل. أ هـ {نظم الدرر حـ 1 صـ 506 ـ 508}\rفصل\rقال الفخر : \r","part":8,"page":343},{"id":3384,"text":"أجمعوا على أن قائل هذا القول هو الله تعالى وإنما عرف أن هذا الخطاب من الله تعالى ، لأن ذلك الخطاب كان مقروناً بالمعجز ، ولأنه بعد الإحياء شاهد من أحوال حماره وظهور البلى في عظامه ما عرف به أن تلك الخوارق لم تصدر إلا من الله تعالى. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 7 صـ 29 }\rوقال القرطبى : \rاختُلف في القائل له \"كم لبثت\" ؛ فقيل : الله جل وعز ؛ ولم يقل له إن كنت صادقاً كما قال للملائكة على ما تقدّم.\rوقيل : سمع هاتفاً من السماء يقول له ذلك.\rوقيل ؛ خاطبه جبريل.\rوقيل : نبيّ.\rوقيل : رجل مؤمن ممن شاهده من قومه عند موته وعمر إلى حين إحيائه فقال له : كم لبثت.\rويقال : كان هذا السؤال بواسطة الملك على جهة التقرير.\rثم قال رحمه الله : \rقلت : والأظهر أن القائل هو الله تعالى ؛ لقوله { وانظر إِلَى العظام كَيْفَ نُنْشِزُهَا ثُمَّ نَكْسُوهَا لَحْماً } والله أعلم. أ هـ {تفسير القرطبى حـ 3 صـ 291}. بتصرف يسير.\rقال أبو حيان : \rولا نص في الآية على أن الله كلَّمه شفاهاً. أ هـ {البحر المحيط حـ 2 صـ 303}\rفصل\rقال الفخر : \rفي الآية إشكال ، وهو أن الله تعالى كان عالماً بأنه كان ميتاً وكان عالماً بأن الميت لا يمكنه بعد أن صار حياً أن يعلم أن مدة موته كانت طويلة أم قصيرة ، فمع ذلك لأي حكمة سأله عن مقدار تلك المدة.\rوالجواب عنه : أن المقصود من هذا السؤال التنبيه على حدوث ما حدث من الخوارق. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 7 صـ 29 }\rقوله تعالى : {لَبِثْتُ يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ}\rقال القرطبى : \r","part":8,"page":344},{"id":3385,"text":"{ قَالَ لَبِثْتُ يَوْماً أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ } إنما قال هذا على ما عنده وفي ظنه ، وعلى هذا لا يكون كاذباً فيما أخبر به ؛ ومثله قول أصحاب الكهف { قَالُواْ لَبِثْنَا يَوْماً أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ } [ الكهف : 19 ] وإنما لبثوا ثلاثمائة سنة وتسع سنين على ما يأتي ولم يكونوا كاذبين لأنهم أخبروا عما عندهم ، كأنهم قالوا : الذي عندنا وفي ظنوننا أننا لبثنا يوماً أو بعض يوم.\rونظيره \" قول النبيّ صلى الله عليه وسلم في قصة ذي اليَدَين : \"لم أقصر ولم أَنْس\" \" ومن الناس من يقول : إنه كذبٌ على معنى وجود حقيقة الكذب فيه ولكنه لا مؤاخذة به ، وإلا فالكذب الإخبار عن الشيء على خلاف ما هو عليه وذلك لا يختلف بالعلم والجهل ، وهذا بيّن في نظر الأُصول.\rفعلى هذا يجوز أن يقال : إن الأنبياء لا يُعصمون عن الإخبار عن الشيء على خلاف ما هو عليه إذا لم يكن عن قصد ، كما لا يعصمون عن السهو والنسيان.\rفهذا ما يتعلق بهذه الآية ، والقول الأول أصح.\rقال ابن جُريج وقَتادة والربيع : أماته الله غُدوةَ يومٍ ثم بُعث قبل الغروب فظن هذا اليومَ واحداً فقال : لبثتُ يوماً ، ثم رأى بقيةً من الشمس فخشي أن يكون كاذباً فقال : أو بعض يوم. أ هـ {تفسير القرطبى حـ 3 صـ 292}\rأسئلة وأجوبة للإمام الفخر\rقال رحمه الله : \rأما قوله تعالى : {لَبِثْتُ يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ} ففيه سؤالات : \rالسؤال الأول : لم ذكر هذا الترديد ؟ .\rالجواب : أن الميت طالت مدة موته أو قصرت فالحال واحدة بالنسبة إليه فأجاب بأقل ما يمكن أن يكون ميتاً لأنه اليقين ، وفي التفسير أن إماتته كانت في أول النهار ، فقال {يَوْماً} ثم لما نظر إلى ضوء الشمس باقياً على رؤوس الجدران فقال : {أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ }.\rالسؤال الثاني : أنه لما كان اللبث مائة عام ، ثم قال : {لَبِثْتُ يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ} أليس هذا يكون كذباً ؟ .","part":8,"page":345},{"id":3386,"text":"والجواب : أنه قال ذلك على حسب الظن ، ولا يكون مؤاخذاً بهذا الكذب ، ونظيره أنه تعالى حكى عن أصحاب الكهف أنهم قالوا {لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ} [ الكهف : 19 ] على ما توهموه ووقع عندهم ، وأيضاً قال أخوة يوسف عليه السلام : {ياأبانا إِنَّ ابنك سَرَقَ وَمَا شَهِدْنَا إِلاَّ بِمَا عَلِمْنَا} [ يوسف : 81 ] وإنما قالوا : ذلك بناء على الأمارة من إخراج الصواع من رحله.\rالسؤال الثالث : هل علم أن ذلك اللبث كان بسبب الموت ، أو لم يعلم ذلك بل كان يعتقد أن ذلك اللبث بسبب الموت.\rالجواب : الأظهر أنه علم أن ذلك اللبث كان بسبب الموت ، وذلك لأن الغرض الأصلي في إماتته ثم إحيائه بعد مائة عام أن يشاهد الإحياء بعد الإماتة وذلك لا يحصل إلا إذا عرف أن ذلك اللبث كان بسبب الموت ، وهو أيضاً قد شاهد إما في نفسه ، أو في حماره أحوالاً دالة على أن ذلك اللبث كان بسبب الموت. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 7 صـ 29 ـ 30}\rقوله تعالى : {قَالَ بَل لَّبِثْتَ مِاْئَةَ عَامٍ}\rلطيفة\rقال أبو حيان : \rوذكر تعيين المدة هنا في قوله : بل لبثت مائة عام ، ولم يذكر تعيينها في قوله : { إن لبثتم إلاَّ قليلاً } وإن اشتركوا في جواب : { لبثنا يوماً أو بعض يوم } لأن المبعوث في البقرة واحد فانحصرت مدّة إماتة الله إياه ، وأولئك متفاوتو اللبث تحت الأرض نحو من مات في أول الدنيا ، ومن مات في آخرها ، فلم ينحصروا تحت عدد مخصوص ، فلذلك أدرجوا تحت قوله : إلاَّ قليلاً ، لأن مدة الحياة الدنيا بالنسبة إلى حياة الآخرة قليلة ، والله تعالى محيط علمه بمدة لبث كل واحد واحد ، فلو ذكر مدة كل واحد واحد لاحتيج في عدة ذلك إلى أسفار كثيرة. أ هـ {البحر المحيط حـ 2 صـ 303}\rقوله تعالى : {فانظر إلى طَعَامِكَ وَشَرَابِكَ لَمْ يَتَسَنَّهْ}\rقال أبو حيان : \r","part":8,"page":346},{"id":3387,"text":"{ فانظر إلى طعامك وشرابك لم يتسنه } في قصة عزير أنه لما نجا من بابل ارتحل على حمار له حتى نزل دير هرقل على شط دجلة ، فطاف في القرية فلم ير فيها أحداً ، وعامة شجرها حامل ، فأكل من الفاكهة واعتصر من العنب فشرب منه ، وجعل فضل الفاكهة في سلة وفضل العنب في زق ، فلما رأى خراب القرية وهلاك أهلها قال : أنى يحيي ؟ على سبيل التعجب ، لا شكاً في البعث ، وقيل : كان شرابه لبناً.\rقيل : وجد التين والعنب كما تركه جنياً ، والشراب على حاله. (1) أ هـ {البحر المحيط حـ 2 صـ 304}\rفصل\rقال الفخر :\rاختلف القراء في إثبات الهاء في الوصل من قوله {لَمْ يَتَسَنَّهْ} و{اقتده} و{مَالِيَهْ} و{سلطانيه} و{ماهيه} بعد أن اتفقوا على إثباتها في الوقف ، فقرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو وابن عامر وعاصم هذه الحروف كلها بإثبات الهاء في الوصل ، وكان حمزة يحذفهن في الوصل وكان الكسائي يحذف الهاء في الوصل من قوله {وَشَرَابِكَ لَمْ يَتَسَنَّهْ} و{اقتده} ويثبتها في الوصل في الباقي ولم يختلفوا في قوله {لَمْ أُوتَ كتابيه وَلَمْ أَدْرِ مَا حِسَابِيَهْ} [ الحاقة : 25 ، 26 ] أنها بالهاء في الوصل والوقف.\rإذا عرفت هذا فنقول : أما الحذف ففيه وجوه\rأحدها : أن اشتقاق قوله {يَتَسَنَّهْ} من السنة وزعم كثير من الناس أن أصل السنة سنوة ، قالوا : والدليل عليه أنهم يقولون في الاشتقاق منها أسنت القوم إذا أصابتهم السنة ، وقال الشاعر :\rورجال مكة مسنتون عجاف.. ويقولون في جمعها : سنوات وفي الفعل منها : سانيت الرجل مساناة إذا عامله سنة سنة ، وفي التصغير : سنية إذا ثبت هذا كان الهاء في قوله {لَمْ يَتَسَنَّهْ} للسكت لا للأصل\r________________\r(1) الأولى التوقف فى قبول هذه الأخبار وأمثالها وتفويض علمها إلى علام الغيوب.","part":8,"page":347},{"id":3388,"text":"وثانيها : نقل الواحدي عن الفرّاء أنه قال : يجوز أن تكون أصل سنة سننة ، لأنهم قالوا في تصغيرها : سنينة وإن كان ذلك قليلاً ، فعلى هذا يجوز أن يكون {لَمْ يَتَسَنَّهْ} أصله لم يتسنن ، ثم أسقطت النون الأخيرة ثم أدخل عليها هاء السكت عن الوقف عليه كما أن أصل لم يتقض البازي لم يتقضض البازي ثم أسقطت الضاد الأخيرة ، ثم أدخل عليه هاء السكت عند الوقف ، فيقال : لم يتقضه\rوثالثها : أن يكون {لَمْ يَتَسَنَّهْ} مأخوذاً من قوله تعالى : \r{مّنْ حَمَإٍ مَّسْنُونٍ} [ الحجر : 26 ] والسن في اللغة هو الصب ، هكذا قال أبو علي الفارسي ، فقوله : لم يتسنن.\rأي الشراب بقي بحاله لم ينضب ، وقد أتى عليه مائة عام ، ثم أنه حذفت النون الأخيرة وأبدلت بها السكت عند الوقف على ما قررناه في الوجه الثاني ، فهذه الوجوه الثلاثة لبيان الحذف ، وأما بيان الإثبات فهو أن {لَمْ يَتَسَنَّهْ} مأخوذ من السنة ، والسنة أصلها سنهه ، بدليل أنه يقال في تصغيرها : سنيهة ، ويقال : سانهت النخلة بمعنى عاومت ، وآجرت الدار مسانهة ، وإذا كان كذلك فالهاء في {لَمْ يَتَسَنَّهْ} لام الفعل ، فلا جرم لم يحذف ألبتة لا عند الوصل ولا عند الوقف. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 7 صـ 30 ـ 31}\rسؤالان : \rالسؤال الأول : أنه تعالى لما قال : {بَل لَّبِثْتَ مِاْئَةَ عَامٍ} كان من حقه أن يذكر عقيبه ما يدل على ذلك وقوله {فانظر إلى طَعَامِكَ وَشَرَابِكَ لَمْ يَتَسَنَّهْ} لا يدل على أنه لبث مائة عام بل يدل ظاهراً على ما قاله من أنه لبث يوماً أو بعض يوم.\r","part":8,"page":348},{"id":3389,"text":"والجواب : أنه كلما كانت الشبهة أقوى مع علم الإنسان في الجملة أنها شبهة كان سماع الدليل المزيل لتلك الشبهة آكد ووقوعه في العمل أكمل فكأنه تعالى لما قال : {بَل لَّبِثْتَ مِاْئَةَ عَامٍ} قال : {فانظر إلى طَعَامِكَ وَشَرَابِكَ لَمْ يَتَسَنَّهْ} فإن هذا مما يؤكد قولك {لَبِثْتُ يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ} فحينئذ يعظم اشتياقك إلى الدليل الذي يكشف عن هذه الشبهة ، ثم قال بعده {وانظر إلى حِمَارِكَ} فرأى الحمار صار رميماً وعظاماً نخرة فعظم تعجبه من قدرة الله تعالى ، فإن الطعام والشراب يسرع التغير فيهما ، والحمار ربما بقي دهراً طويلاً وزماناً عظيماً ، فرأى ما لا يبقى باقياً ، وهو الطعام والشراب ، وما يبقى غير باق وهو العظام ، فعظم تعجبه من قدرة الله تعالى ، وتمكن وقوع هذه الحجة في عقله وفي قلبه.\rالسؤال الثاني : أنه تعالى ذكر الطعام والشراب ، وقوله {لَمْ يَتَسَنَّهْ} راجع إلى الشراب لا إلى الطعام.\rوالجواب : كما يوصف الشراب بأنه لم يتغير ، كذلك يوصف الطعام بأنه لم يتغير ، لا سيما إذا كان الطعام لطيفاً يتسارع الفساد إليه ، والمروى أن طعامه كان التين والعنب ، وشرابه كان عصير العنب واللبن ، وفي قراءة ابن مسعود رضي الله عنه ( وانظر إِلى طعامك وهذا شرابك لم يتسنن ). أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 7 صـ 31}\rقوله تعالى : {وانظر إلى حِمَارِكَ}\rقال الفخر : \rأما قوله تعالى : {وانظر إلى حِمَارِكَ} فالمعنى أنه عرفه طول مدة موته بأن شاهد عظام حماره نخرة رميمة ، وهذا في الحقيقة لا يدل بذاته ، لأنه لما شاهد انقلاب العظام النخرة حياً في الحال علم أن القادر على ذلك قادر على أن يميت الحمار في الحال ويجعل عظامه رميمة نخرة في الحال ، وحينئذ لا يمكن الاستدلال بعظام الحمار على طول مدة الموت ، بل انقلاب عظام الحمار إلى الحياة معجزة دالة على صدق ما سمع من قوله {بَل لَّبِثْتَ مِاْئَةَ عَامٍ}\r","part":8,"page":349},{"id":3390,"text":"قال الضحاك : معنى قوله أنه لما أحيى بعد الموت كان دليلاً على صحة البعث ، وقال غيره : كان آية لأن الله تعالى أحياه شاباً أسود الرأس ، وبنو بنيه شيوخ بيض اللحى والرؤوس. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 7 صـ 31}\rقال القرطبى :\rقوله تعالى : { وانظر إلى حِمَارِكَ } قال وهب بن مُنْبّه وغيره : وانظر إلى اتصال عظامه وإحيائه جزءاً جزءاً.\rويُروى أنه أحياه الله كذلك حتى صار عظاماً ملتئمة ، ثم كساه لحماً حتى كمل حماراً ، ثم جاءه ملَك فنفخ فيه الروح فقام الحمار ينْهَق ؛ على هذا أكثر المفسرين.\rورُوي عن الضحّاك ووهب بن منبّه أيضاً أنهما قالا : بل قيل له : وانظر إلى حمارك قائماً في مربطه لم يصبه شيء مائةَ عام ؛ وإنما العظام التي نظر إليها عظام نفسه بعد أن أحيا الله منه عينيه ورأسَه ، وسائرُ جسده ميتٌ ، قالا : وأعمى الله العيون عن إرمياء وحماره طول هذه المدة. أ هـ {تفسير القرطبى حـ 3 صـ 294}\rقال الزمخشري :\rوذلك من أعظم الآيات أن يعيشه مائة عام من غير علف ولا ماء ، كما حفظ طعامه وشرابه من التغير. أ هـ {الكشاف حـ 1 صـ 335}\rفائدة\rقال ابن عاشور :\rوقد جمع الله له أنواع الإحياء إذْ أحيى جسده بنفخ الروح عن غير إعادة وأحيى طعامه بحفظه من التغيّر وأحيى حماره بالإعادة فكان آية عظيمة للناس الموقنين بذلك ، ولعلّ الله أطْلَع على ذلك الإحياءِ بعض الأحياء من أصفيائه. أ هـ {التحرير والتنوير حـ 3 صـ 37}\rقوله تعالى : {وَلِنَجْعَلَكَ ءَايَةً لِلنَّاسِ}\rقال الفخر :\rأما قوله تعالى : {وَلِنَجْعَلَكَ ءَايَةً لِلنَّاسِ} فقد بينا أن المراد منه التشريف والتعظيم والوعد بالدرجة العالية في الدين والدنيا ، وذلك لا يليق بمن مات على الكفر والشك في قدرة الله تعالى. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 7 صـ 32}\rفصل\rقال القرطبى :\rقال الأعمش : موضع كونه آيةً هو أنه جاء شاباً على حاله يوم مات ، فوجد الأبناء والحَفَدة شيوخاً.","part":8,"page":350},{"id":3391,"text":"عِكرمة : وكان يوم مات ابنَ أربعين سنة.\rورُوي عن علي رضوان الله عليه أن عُزيراً خرج من أهله وخلّف امرأته حاملاً ، وله خمسون سنة فأماته الله مائةَ عام ، ثم بعثه فرجع إلى أهله وهو ابن خمسين سنة وله ولد من مائة سنة فكان ابنه أكبر منه بخمسين سنة.\rورُوي عن ابن عباس قال : لما أحيا الله عُزيراً ركب حماره فأتى مَحلّته فأنكر الناسَ وأنكروه ، فوجد في منزله عجوزاً عمياء كانت أمَة لهم ، خرج عنهم عُزير وهي بنت عشرين سنة ، فقال لها : أهذا منزل عُزير ؟ فقالت نعم! ثم بكت وقالت : فارقنا عُزير منذ كذا وكذا سنة! قال : فأنا عُزير ؛ قالت : إن عزيراً فقدناه منذ مائة سنة.\rقال : فالله أماتني مائة سنة ثم بعثني.\rقالت : فعزير كان مستجاب الدعوة للمريض وصاحبِ البلاء فيُفيق ، فادع الله يرد عليّ بصري ؛ فدعا الله ومسح على عينيها بيده فصحّت مكانها كأنها أُنْشطت من عِقَال.\rقالت : أشهد أنك عُزير! ثم انطلقت إلى ملإ بني إسرائيل وفيهم ابنٌ لعزير شيخٌ ابن مائة وثمانية وعشرين سنة ، وبنو بنيه شيوخ ، فقالت : يا قوم ، هذا والله عُزير! فأقبل إليه ابنه مع الناس فقال ابنه : كانت لأبي شامة سوداء مثل الهلال بين كتفيه ؛ فنظرها فإذا هو عُزير.\rوقيل : جاء وقد هلك كل من يعرف ، فكان آيةً لمن كان حيّاً من قومه إذ كانوا موقنين بحاله سماعاً. أ هـ {تفسير القرطبى حـ 3 صـ 294 ـ 295}\rقال ابن عطية ـ وقد أجاد ـ : \rوفي إماتته هذه المدّة ثم إحيائه بعدها أعظم آية ، وأمره كلّه آية للناس غابر الدهر ، ولا يحتاج إلى تخصيص بعض ذلك دون بعض. أ هـ {المحرر الوجيز حـ 1 صـ 350}","part":8,"page":351},{"id":3392,"text":"سؤال : فإن قيل : ما فائدة الواو في قوله {وَلِنَجْعَلَكَ} قلنا : قال الفرّاء : دخلت الواو لأنه فعل بعدها مضمر ، لأنه لو قال : وانظر إلى حمارك لنجعلك آية ، كان النظر إلى الحمار شرطاً ، وجعله آية جزاء ، وهذا المعنى غير مطلوب من هذا الكلام ، أما لما قال : {وَلِنَجْعَلَكَ ءايَةً} كان المعنى : ولنجعلك آية فعلنا ما فعلنا من الإماتة والإحياء ، ومثله قوله تعالى : {وكذلك نُصَرّفُ الأيات وَلِيَقُولُواْ دَرَسْتَ} [ الأنعام : 105 ] والمعنى : وليقولوا درست صرفنا الآيات {وَكَذَلِكَ نُرِى إبراهيم مَلَكُوتَ السموات والأرض وَلِيَكُونَ مِنَ الموقنين} [ الأنعام : 75 ] أي ونريه الملكوت. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 7 صـ 32}\rقوله تعالى : {وانظر إِلَى العظام}\rقال الفخر : \rأما قوله تعالى : {وانظر إِلَى العظام} فأكثر المفسرين على أن المراد بالعظام عظام حماره ، فإن اللام فيه بدل الكناية ، وقال آخرون أرادوا به عظام هذا الرجل نفسه ، قالوا : إنه تعالى أحيا رأسه وعينيه ، وكانت بقية بدنه عظاماً نخرة ، فكان ينظر إلى أجزاء عظام نفسه فرآها تجتمع وينضم البعض إلى البعض ، وكان يرى حماره واقفاً كما ربطه حين كان حياً لم يأكل ولم يشرب مائة عام ، وتقدير الكلام على هذا الوجه : وانظر إلى عظامك ، وهذا قول قتادة والربيع وابن زيد ، وهو عندي ضعيف لوجوه\rأحدها : أن قوله {لَبِثْتُ يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ} إنما يليق بمن لا يرى أثر التغير في نفسه فيظن أنه كان نائماً في بعض يوم ، أما من شاهد أجزاء بدنة متفرقة ، وعظام بدنة رميمة نخرة ، فلا يليق به ذلك القول وثانيها : أنه تعالى حكي عنه أن خاطبه وأجاب ، فيجب أن يكون المجيب هو الذي أماته الله ، فإذا كانت الإماتة راجعة إلي كله ، فالمجيب أيضاً الذي بعثه الله يجب أن يكون جملة الشخص\r","part":8,"page":352},{"id":3393,"text":"وثالثها : أن قوله {فَأَمَاتَهُ الله مِاْئَةَ عَامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ} يدل على أن تلك الجملة أحياها وبعثها. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 7 صـ 32}\rقوله تعالى {كَيْفَ ننشرها}\rقال الفخر : \rأما قوله {كَيْفَ ننشرها} فالمراد يحييها ، يقال : أنشر الله الميت ونشره ، قال تعالى : {ثُمَّ إِذَا شَاء أَنشَرَهُ} وقد وصف الله العظام بالإحياء في قوله تعالى : {قَالَ مَن يُحىِ العظام وَهِىَ رَمِيمٌ ، قُلْ يُحْيِيهَا} [ ياس : 78 ، 79 ] وقرىء {ننشرها} بفتح النون وضم الشين ، قال الفرّاء : كأنه ذهب إلى النشر بعد الطي ، وذلك أن بالحياة يكون الانبساط في التصرف ، فهو كأنه مطوي ما دام ميتاً ، فإذا عاد صار كأنه نشر بعد الطي ، \rوقرأ حمزة والكسائي {كَيْفَ نُنشِزُهَا} بالزاي المنقوطة من فوق ، والمعنى نرفع بعضها إلى بعض ، وانشاز الشيء رفعه ، يقال أنشزته فنشز ، أي رفعته فارتفع ، ويقال لما ارتفع من الأرض نشز ، ومنه نشوز المرأة ، وهو أن ترتفع عن حد رضا الزوج ، \rومعنى الآية على هذه القراءة : كيف نرفعها من الأرض فنردها إلى أماكنها من الجسد ونركب بعضها على البعض ، وروي عن النخعي أنه كان يقرأ {ننشِزُهَا} بفتح النون وضم الشين والزاي ووجهه ما قال الأخفش أنه يقال : نشزته وأنشزته أي رفعته ، والمعنى من جميع القراءات أنه تعالى ركب العظام بعضها على بعض حتى اتصلت على نظام ، ثم بسط اللحم عليها ، ونشر العروق والأعصاب واللحوم والجلود عليها ، ورفع بعضه إلى جنب البعض ، فيكون كل القراءات داخلاً في ذلك. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 7 صـ 32}\rقال القرطبى : \rالقراءة بالراء بمعنى الإحياء ، والعظام لا تحيا على الانفراد حتى ينضم بعضها إلى بعض ، والزاي أوْلى بذلك المعنى ، إذ هو بمعنى الانضمام دون الإحياء.\r","part":8,"page":353},{"id":3394,"text":"فالموصوف بالإحياء هو الرجل دون العظام على انفرادها ، ولا يقال : هذا عظم حيّ ، وإنما المعنى فانظر إلى العظام كيف نرفعها من أماكنها من الأرض إلى جسم صاحبها للإحياء. أ هـ {تفسير القرطبى حـ 3 صـ 295 ـ 296}\rقال ابن عطية : \rوتعلق عندي أن يكون معنى النشوز رفع العظام بعضها إلى بعض ، وإنما النشوز الارتفاع قليلاً ، فكأنه وقف على نبات العظام الرفاة ، وخرج ما يوجد منها عند الاختراع. أ هـ {المحرر الوجيز حـ 1 صـ 351}\rقوله تعالى { ثم نكسوها لحماً }\rقال أبو حيان : \rالكسوة حقيقة هي ما وارى الجسد من الثياب ، واستعارها هنا لما أنشأ من اللحم الذي غطى به العظم.\rكقوله : { فكسونا العظام لحماً } وهي استعارة في غاية الحسن ، إذ هي استعارة عين لعين ، وقد جاءت الاستعارة في المعنى للجرم.\rقال النابغة : \rالحمد لله إذ لم يأتني أجلي . . .\rحتى اكتسيت من الإسلام سربالاً\rوروي أنه كان يشاهد اللحم والعصب والعروق كيف تلئم وتتواصل ، والذي يدل عليه ظاهر اللفظ : أن قول الله له كان بعد تمام بعثه ، لا أن القول كان بعد إحياء بعضه.\rوالتعقيب بالفاء في قوله : فانظر إلى آخره ، يدل على أن العظام لا يراد بها عظام نفسه ، وتقدّم ذكر شيء من هذا ، إلاَّ إن كان وضع : ننشرها ، مكان : أنشرتها ، و: نكسوها ، مكان : كسوتها ، فيحتمل.\rوتكرر الأمر بالنظر إلى الطعام والشراب في الثلاث الخوارق ، ولم ينسق نسق المفردات ، لأن كل واحد منها خارق عظيم ، ومعجز بالغ ، وبدأ أولاً بالنظر إلى العظام والشراب حيث لم يتغيرا على طول هذه المدة ، لأن ذلك أبلغ ، إذ هما من الأشياء التي يتسارع إليها الفساد ، إذ ما قام به الحياة وهو الحمار يمكن بقاؤه الزمان الطويل ، ويمكن أن يحتش بنفسه ويأكل ويرد المياه.","part":8,"page":354},{"id":3395,"text":"كما قال صلى الله عليه وسلم في ضالة الإبل : \" معها سقاؤها وحذاؤها ترد الماء وتأكل الشجر حتى يأتيها ربها \" ولما أمر بالنظر إلى الطعام والشراب ، وبالنظر إلى الحمار ، وهذه الأشياء هي التي كانت صحبته ، وقال تعالى : { ولنجعلك آية للناس } أي فعلنا ذلك : ولما كان قوله : { وانظر إلى حمارك } كالمجمل ، بين له جهة النظر بالنسبة إلى الحمار ، فجاء النظر الثالث توضيحاً للنظر الثاني ، من أي جهة ينظر إلى الحمار ، وهي جهة إحيائه وارتفاع عظامه شيئاً فشيئاً عند التركيب وكسوتها اللحم ، فليس نظراً مستقلاً ، بل هو من تمام النظر الثاني ، فلذلك حسن الفصل بين النظرين بقوله : { ولنجعلك آية للناس }.\rوليس في الكلام تقديم وتأخير كما زعم بعضهم ، وأن الأنظار منسوق بعضها على بعض ، وأن قوله : { ولنجعلك آية للناس } الخ وهو مقدّم في اللفظ ، مؤخر في الرتبة. أ هـ {البحر المحيط حـ 2 صـ 306}\rقوله تعالى : { فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ قَالَ أَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ}\rقال الفخر : \rهذا راجع إلى ما تقدم ذكره من قوله {أنى يحيي هذه الله بعد موتها} والمعنى فلما تبين له وقوع ما كان يستبعد وقوعه وقال صاحب \"الكشاف\" : فاعل {تَبَيَّنَ لَهُ} مضمر تقديره فلما تبين له أن الله على كل شيء قدير قال : {أَعْلَمُ أَنَّ الله على كُلّ شَيْء قَدِيرٌ} فحذف الأول لدلالة الثاني عليه ، وهذا عندي فيه تعسف ، بل الصحيح أنه لما تبين له أمر الإماتة والإحياء على سبيل المشاهدة قال : {أَعْلَمُ أَنَّ الله على كُلّ شَيْء قَدِيرٌ} وتأويله : أني قد علمت مشاهدة ما كنت أعلمه قبل ذلك الاستدلال وقرأ حمزة والكسائي {قَالَ أَعْلَمُ} على لفظ الأمر وفيه وجهان أحدهما : أنه عند التبين أمر نفسه بذلك ، قال الأعشى : \rودع أمامة إن الركب قد رحلوا..\r","part":8,"page":355},{"id":3396,"text":"والثاني : أن الله تعالى قال : {أَعْلَمُ أَنَّ الله على كُلّ شَيْء قَدِيرٌ} ويدل على صحة هذا التأويل قراءة عبد الله والأعمش : قيل أعلم أن الله على كل شيء قدير ويؤكده قوله في قصة إبراهيم {ربي أرني كيف تحيي الموتى} [ البقرة : 260 ] ثم قال في آخرها {واعلم أَنَّ الله عَزِيزٌ حَكِيمٌ} [ البقرة : 260 ] قال القاضي : والقراءة الأولى وذلك لأن الأمر بالشيء إنما يحسن عند عدم المأمور به ، وهاهنا العلم حاصل بدليل قوله {فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ} فكان الأمر بتحصيل العلم بعد ذلك غير جائز ، \rأما الإخبار عن أنه حصل كان جائزاً. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 7 صـ 32 ـ 33}\rقال القرطبى : \rوقد رُوي أن الله جل ذكره أحيا بعضه ثم أراه كيف أحيا باقي جسده.\rقال قَتادة : إنه جعل ينظر كيف يوصل بعض عظامه إلى بعض ؛ لأن أوّل ما خلق الله منه رأسه وقيل له : انظر ، فقال عند ذلك : \"أعلم\" بقطع الألف ، أي أعلم هذا.\rوقال الطبري : المعنى في قوله \"فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ\" أي لما اتضح له عياناً ما كان مستنكراً في قدرة الله عنده قبل عيانه قال : أعلم.\rقال ابن عطية : وهذا خطأ ؛ لأنه ألزم ما لا يقتضيه اللفظ ، وفسّر على القول الشاذ والاحتمال الضعيف ، وهذا عندي ليس بإقرار بما كان قبلُ ينكره كما زعم الطبريّ ، بل هو قول بعثه الاعتبار ؛ كما يقول الإنسان المؤمن إذا رأى شيئاً غريباً من قدرة الله تعالى : لا إله إلا الله ونحو هذا.\rوقال أبو عليّ : معناه أعلم هذا الضرب من العلم الذي لم أكن علمته.\rقلت : وقد ذكرنا هذا المعنى عن قتادة ، وكذلك قال مَكّيّ رحمه الله ، قال مَكّيّ : إنه أخبر عن نفسه عند ما عاين من قدرة الله تعالى في إحيائه الموتى ، فتيقّن ذلك بالمشاهدة ، فأقرّ أنه يعلم أن الله على كل شيء قدير ، أي أعلم ( أنا ) هذا الضرب من العلم الذي لم أكن أعلمه على معاينة ؛ وهذا على قراءة من قرأ \"أَعْلَمُ\" بقطع الألف وهم الأكثر من القراء.\r","part":8,"page":356},{"id":3397,"text":"وقرأ حمزة والكسائي بوصل الألف ، ويحتمل وجهين : أحدهما قال له الملك : اعلم ، والآخر هو أن ينزِّل نفسه منزلة المخاطَب الأجنبي المنفصل ؛ فالمعنى فلما تبين له قال لنفسه : اعلمي يا نفس هذا العلم اليقين الذي لم تكوني تعلمين معاينة ؛ وأنشد أبو عليّ في مثل هذا المعنى : \rودّع هريرةَ إن الرّكب مُرتحِلُ . . .\rألم تغْتَمِضْ عيناك ليلةَ أَرْمَدا . . .\rقال ابن عطية : وتأنّس أبو عليّ في هذا المعنى بقول الشاعر : \rتذَكّر من أنَّى ومن أين شُرْبُه . . .\rيُؤامِرُ نَفْسَيْه كذِي الهَجْمَة الأَبِل\rقال مَكّيّ : ويبعد أن يكون ذلك أمراً من الله جلّ ذكره له بالعلم ؛ لأنه قد أظهر إليه قدرته ، وأراه أمراً أيقن صحته وأقرّ بالقدرة فلا معنى لأن يأمره الله بعلم ذلك ، بل هو يأمر نفسه بذلك وهو جائز حسَن.\rوفي حرف عبد الله ما يدل على أنه أمرٌ من الله تعالى له بالعلم على معنى الزم هذا العلم لما عاينت وتيقنت ، وذلك أن في حرفه : قيل اعلم.\rوأيضاً فإنه موافق لما قبله من الأمر في قوله : \"انْظُرْ إلى طَعَامِكَ\" و\"انْظُرْ إلى حمارك\" و\"وَانْظُرْ إلى الْعِظَامِ\" فكذلك و\"واعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ\" وقد كان ابن عباس يقرؤها \"قيل أعلم\" ويقول أهو خير أم إبراهيم ؟ إذ قيل له : \"واعلم أن الله عزيز حكيم\".\rفهذا يبيّن أنه من قول الله سبحانه له لما عاين من الإحياء. أ هـ {تفسير القرطبى حـ 3 صـ 296 ـ 297}\rمن لطائف الإمام القشيرى فى الآية\r","part":8,"page":357},{"id":3398,"text":"لم يكن لك سؤال جحدٍ ، ولا قضية جهل ، ولا دلالة شكٍ في القدرة ، فإن هذا الخبر عن عُزَيْر النبي عليه السلام ، والأنبياءعليهم السلام لا يجوز عليهم الشّكُّ والجهل ، ولكنه كان سؤال تعجُّب ، وأراد بهذه المقالة زيادة اليقين ، فأراه الله ذلك في نفسه ، بأن أماته ثم أحياه ثم بعث حماره وهو ينظر إليه ، فازداد يقيناً على يقين. وسؤالُ اليقين من الله ، والحيلةُ في ردِّ الخواطر المشكلةُ ، دَيْدَنُ المتعرفين ، ولذلك (.... ) الله سبحانه عُزيراً في هذه المقالة حتى قدَّر عليه ما طلب من زيادة اليقين فيه. ثم قال { واعلم أن الله على كل شيء قدير } من الإحياء والإماتة أي ازددت معرفة بذلك ، وأراني من عظيم الآيات ما أزداد به يقيناً ؛ فإنَّ طعامه وشرابه لم يتغيرا في طول تلك المدة ، وحماره مات بلا عظام والطعام والشراب بالتغيير أَوْلى. أ هـ {لطائف الإشارات حـ 1 صـ 230 ـ 201}\rمن فوائد ابن عرفة فى الآية\rقوله تعالى : { أَوْ كالذي مَرَّ على قَرْيَةٍ . . . }.\rقال ابن عطية عن ابن عباس وجماعة : هو عزيز بن منبه ، وجماعة هو أرمياء.\r( وقال ابن اسحاق أرميا هو الخضر ).\r( وضعفه ابن عطية.\rقال : إلاّ أن يكون اسما وافق اسما لأن الخضر ) هو معاصر لموسى عليه السلام ، والّذي مر على القرية ( هو ) بعده بزمان من سبط هارون فيما روى وهب بن منبه.\rقال ابن عرفة : هذا بناء منه على أنّ الخضر عليه السلام مات والنّاس يقولون : لم يزل حيا إلى الآن على أنّ العلماء قد حكوا في موته خلافا.\r( قال ابن عرفة : وعطفه ) بغير فاء دليل على سرعة القول حتى أنه قال ذلك مع المرور لا بعده وتعجب من نفس الإحياء أو من كيفيته.\rقوله تعالى : { بَعْدَ مَوْتِهَا . . . }.","part":8,"page":358},{"id":3399,"text":"ولم يقل من بعد موتها إشارة إلى ( كمال ) التأخر والانفصال عن أزمنة البعدية لا أوّلها والمجاز فيها من أحد وجهين : إما أن يراد بالإحياء العمارة وبالموت الخراب أو يكون الإحياء حقيقة ، والموت كذلك والمراد بعد موت أهلها.\rقوله تعالى : { ثُمَّ بَعَثَهُ . . . }.\rقيل لابن عرفة : ثم للمهلة ولا مهلة بين المائة عام وبين البعثة ؟ \rفقال : إما أن يعتبر أول أزمنة المائة عام أو نقول : المائة عام ماهية مركبة من أجزاء والإماتة بعد مجموعها ، ولا تسمى الماهية إلا بكمال أجزائها فكانت المهلة بين إماتته مائة عام وبعثه لابين آخر جزء مائة ).\rقوله تعالى : { قَالَ لَبِثْتُ يَوْماً أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ . . . }.\rقالوا : إنه مات في أول النهار ضحوة وبُعث آخر النهار فقال : لبثت يوما ثم نظر فوجد الشّمس لم تزل على ( الجدران ) فقال : بعض يوم.\rقيل لابن عرفة : وكذلك كان يقول : لو وجدها غابت لأنه ( ما مات ) إلا ضحوة بعد مضي بعض النهار ؟ \rفقال : ما اعتبر إلاّ ما بعد ( موته ) وما قبله كان فيها فيها مستصحبا الحياة.\rقوله تعالى : { فانظر إلى طَعَامِكَ وَشَرَابِكَ لَمْ يَتَسَنَّهْ . . . }.\rالفاء للسببية والنّظر البصر ويستلزم العلم لقول الله : { أَعْلَمُ أَنَّ الله على كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ }.\rوقوله : { لَمْ يَتَسَنَّهْ }.\rالزمخشري حمله على ثلاثة أوجه : \rأحدها : لم تمرّ عليه السنون لعدم تغيره مثل \" عَلى لا حب لا يهتدي بمناره \" فبقاؤه دال على عدم مرور السنين عليه ومرور السّنين عليه يقتضي عدم بقائه.\rالثاني : أنّ معناه لم يتغير.\rقوله تعالى : { كَيْفَ نُنشِزُهَا ثُمَّ نَكْسُوهَا لَحْماً . . . }.\rقال أبو حيان : أعربوا \" كَيْفَ نُنشِزُهَا \" حالا من \" العظام \" أي انظر إلى العظام محياة.\rوردّ بأن الجملة الاستفهامية لا تقع حالا وإنما تقع حالا ( كيف ) وحدها.\r","part":8,"page":359},{"id":3400,"text":"قال ابن عرفة : ( يصح ) ذلك على إضمار القول كما قال : \" جاؤوا بمذق هل رأيت الذيب قط \" ؟ .\rقوله تعالى : { نُنشِزُهَا . . . }.\rعلى قراءة الرّاء معناه نحييها فيحتج به على أن العظام تحلمها الحياة.\rقوله تعالى : { فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ . . . }.\rوقال أولا : { أنى يُحْيِي هذه الله بَعْدَ مَوْتِهَا } ؟\rقال ابن عرفة : إن كان كافرا فظاهر ، وإن كان مؤمنا ( فمذهبنا ) على القول بأن العلوم النظرية تتفاوت بالقوة والضعف خلافا لقول أبي بكر الصديق رضي الله عنه \" لو كشف الغطاء ما ازددت يقينا \".(1)\rفهذا كان يعلم ذلك لكن علم المشاهدة أقوى من علم ما هو غائب.\rقيل لابن عرفة : إنّ بعض الناس يجري على لسانه : يا حمار عزير.\rفقال : يتقدم إليه وينهى عن ذلك فإن عاد إليه فلا يبعد أن يقال : إنه يؤدب.\rقلت : في كتاب القذف من التهذيب ومن قال : يا شارب خمر أو يا خائن ، أو يا آكل الربا ، أو يا ابن الحمار ، ( أو يا ثور ) ، أو يا خنزير فعليه النكال.\rوفي المدارك للقاضي أبي الفضل عياض رحمه الله في باب نوادر من أخبار مالك سأله رجل عمن قال للآخر : يا حمار ؟ قال : يجلد.\rقال : وإن قال له : يا فرس ؟ قال : تجلد أنت.\rثم قال : يا ضعيف هل سمعت أحدا يقول : يا فرس ؟ . أ هـ {تفسير ابن عرفة صـ 337 ـ 338}\rفائدة جليلة\rقال ابن عطية :\rوكثر أهل القصص في صورة هذه النازلة تكثيراً اختصرته لعدم صحته. أ هـ {المحرر الوجيز حـ 1 صـ 350}\r_____________\r(1) قيل صاحب هذه العبارة هو علي ـ رضي الله عنه ـ وقيل : عامر بن عبد الله. والله أعلم.","part":8,"page":360},{"id":3401,"text":"فوائد لغوية\rقال ابن عادل :\rالجمهور على سكون واو \" أَوْ \" وهي هنا للتفضيل ، وقيل : للتخيير بين التعجُّب من شأنهما ، وقرأ سفيان بن حسين \" أَوَ \" بفتحها ، على أنها واو العطف ، والهمزة قبلها للاستفهام.\rوفي قوله : \" كَالَّذِي \" أربعة أوجهٍ :\rأحدها : أنه عطفٌ على المعنى وهو قولٌ عند الكسائي والفرَّاء وأبي علي الفارسيِّ وأكثر النحويّين ، قالوا : ونظيره من القرآن قوله تعالى : { قُل لِّمَنِ الأرض وَمَن فِيهَآ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ سَيَقُولُونَ لِلَّهِ } [ المؤمنون : 84-85 ] ثم قال : { مَن رَّبُّ السماوات السبع وَرَبُّ العرش العظيم سَيَقُولُونَ لِلَّهِ } [ المؤمنون : 86-87 ]. فهذا عطف على المعنى؛ لأنَّ معناه : لمن السَّموات؟! فقيل لله؛ وقال الشَّاعر : [ الوافر ]\rمُعَاوِيَ ، إِنَّنَا بَشَرٌ فَأَسْجِحْ... فَلَسْنَا بِالجِبَالِ وَلاَ الحَدِيدَا\rفحمل على المعنى ، وترك اللفظ ، وتقدير الآية :\rهل رأيت كالذي حاجَّ إبراهيم ، أو كالذي مرَّ على قريةٍ ، هكذا قال مكيٌّ ، أمَّا العطف على المعنى ، فهو وإن كان موجوداً في لسانهم؛ كقوله : [ الطويل ]\rتَقِيٌّ نَقِيٌّ لَمْ يُكَثِّرْ غَنِيمَةٌ... بِنَهْكَةِ ذِي قُرْبَى وَلاَ بِحَقَلَّدِ\rوقول الأخر في هذين البيتين : [ الوافر ]\rأَجِدَّكَ لَنْ تَرَى بِثُعَيْلِبَاتٍ... وَلاَ بَيْدَانَ نَاجِيَةً ذَمُولاَ\rوَلاَ مُتَدَارِكٍ وَاللَّيْلُ طَفْلٌ... بِبَعْضِ نَوَاشِغِ الوَادِي حُمُولاَ\rفإنَّ معنى الأول : ليس بمكثِّر ، ولذلك عطف عليه \" وَلاَ بِحَقَلَّد \" ، ومعنى الثاني : أجِدَّك لست بِرَاءٍ ، ولذلك عطف عليه \" وَلاَ مُتَدَارِكٍ \" ، إلا أنهم نصُّوا على عدم اقتياسه.\r","part":8,"page":361},{"id":3402,"text":"الثاني : أنه منصوبٌ على إضمار فعل ، وإليه نحا الزمخشريُّ ، وأبو البقاء ، قال الزمخشريُّ : \" أو كالَّذِي : معناه أوَ رَأَيْتَ مَثَلَ الَّذِي \" ، فحذف لدلالة \" أَلَمْ تَرَ \" عليه؛ لأنَّ كلتيهما كلمتا تعجُّبٍ ، وهو حسنٌ؛ لأنَّ الحذف ثابتٌ كثيرٌ ، بخلاف العطف على المعنى.\rالثالث : أنَّ الكاف زائدةٌ؛ كهي في قوله : { لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ } [ الشورى : 11 ] ، وقول الآخر : [ السريع أو الرجز ]\rفَصُيِّرُوا مِثْلَ كَعَصْفٍ مَأْكُولْ... والتقدير : ألم تر إلى الذي حاجَّ ، أو إلى الذي مرَّ على قريةٍ. وفيه ضعفٌ؛ لأنَّ الاصل عدم الزيادة.\rوالرابع : أنَّ الكاف اسم بمعنى مثل ، لا حرفٌ؛ وهو مذهب الأخفش. قال شهاب الدِّين : وهو الصحيح من جهة الدليل ، وإن كان جمهور البصريين على خلافه ، فالتقدير : ألم تر إلى الذي حاجَّ ، أو إلى مثل الذي مرَّ ، وهو معنى حسنٌ. وللقول باسمية الكاف دلائل مذكورةٌ في كتب القوم ، ذكرنا أحسنها في هذا الكتاب.\rمنها : معادلتها في الفاعلية بـ \" مِثْل \" في قوله : [ الطويل ]\rوَإِنَّكَ لَمْ يَفْخَرْ عَلَيْكَ كَفَاخِرٍ... ضَعِيفٍ وَلَمْ يَغْلِبْكَ مِثْلُ مُغَلَّبِ\rومنها دخول حروف الجر ، والإسناد إليها. وتقدَّم [ الكلام ] في اشتقاق القرية.\rقوله : \" وهي خَاوِيَةٌ \" هذه الجملة فيها خمسة أوجهٍ :\rأحدها : أن تكون حالاً من فاعل \" مَرَّ \" والواو هنا رابطةٌ بين الجملة الحالية وصاحبها ، والإتيان بها واجبٌ؛ لخلوِّ الجملة من ضمير يعود إليه.\rالثاني : أنها حالٌ من \" قرية \" : إمَّا على جعل \" عَلَى عُرُوشِهَا \" صفةٌ لقرية على أحد الأوجه الآتية في هذا الجارِّ ، أو على رأي من يجيز الإتيان بالحال من النكرة مطلقاً؛ وهو ضعيف عند سيبويه.\r","part":8,"page":362},{"id":3403,"text":"الثالث : أنها حالٌ من \" عُرُوشِهَا \" مقدَّمةٌ عليه ، تقديره : مرَّ على قرية على عروشها خاويةٌ.\rالرابع : أن تكون حالاً من \" هَا \" المضاف إليها \" عُرُوش \" قال أبو البقاء : \" والعَامِلُ مَعْنَى الإِضَافَةِ ، وهو ضَعِيفٌ مع جوازه \" انتهى. والذي سهَّل مجيء الحال من المضاف إليه ، كونه بعض المضاف؛ لأنَّ \" العُرُوشَ \" بعض القرية ، فهو قريب من قوله تعالى : { مَا فِي صُدُورِهِم مِّنْ غِلٍّ إِخْوَاناً } [ الحجر : 47 ].\r","part":8,"page":363},{"id":3404,"text":"الخامس : أن تكون الجملة صفةً لقرية ، وهذا ليس بمرتضى عندهم؛ لأنَّ الواو لا تدخل بين الصفة والموصوف ، وإن كان الزمخشريُّ قد أجاز ذلك في قوله تعالى : { وَمَآ أَهْلَكْنَا مِن قَرْيَةٍ إِلاَّ وَلَهَا كِتَابٌ مَّعْلُومٌ } [ الحجر : 4 ] [ فجعل : \" وَلَهَا كِتَابٌ \" ] صفةً ، قال : \" وتَوَسَّطَتِ الواوُ؛ إيذاناً بإلصاق الصفة بالموصوف \" وهذا مذهب سبقه إليه أبو الفتح ابن جنِّي في بعض تصانيفه ، وفي ما تقدَّم ، وكأنَّ الذي سهَّل ذلك تشبيه الجملة الواقعة صفةً ، بالواقعة حالاً ، لأنَّ الحال صفةٌ في المعنى ، ورتَّب أبو البقاء جعل هذه الجملة صفةً لقرية ، على جواز جعل \" عَلَى عُرُوشِهَا \" بدلاً من \" قَرْيَةٍ \" على إعادة حرف الجرِّ ، ورتَّب جعل \" وَهِي خَاوِيَةٌ \" حالاً من العروش ، أو من القرية ، أو من \" ها \" المضاف إليها ، على جعل \" عَلَى عُرُوشِهَا \" صفةٌ للقرية ، وهذا نصُّه ، قد ذكرته؛ ليتضح لك ، فإنه قال : وقد قيل : هو بدلٌ من القرية تقديره : مرَّ على قريةٍ على عروشها ، أي : مَرَّ على عروش القرية ، وأعاد حرف الجرِّ مع البدل ، ويجوز أن يكون \" عَلَى عُرُوشِهَا \" على هذا القول صفةً للقرية ، لا بدلاً ، تقديره : على قرية ساقطةٍ على عروشها ، فعلى هذا لا يجوز أن تكون \" وَهِيَ خَاوِيَةٌ \" حالاً من العروش وأن تكون حالاً من القرية؛ لأنها قد وصفت ، وأن تكون حالاً من \" هَا \" المضاف إليه ، وفي هذا البناء نظرٌ لا يخفى.\rقوله : { على عُرُوشِهَا } فيه أربعة أوجهٍ :\rأحدها : أن يكون بدلاً من \" قرية \" بإعادة العامل.\rالثاني : أن يكون صفةً لـ \" قَرْيَةٍ \" كما تقدَّم فعلى الأول : يتعلَّق بـ \" مَرَّ \" ؛ لأنَّ العامل في البدل العامل في المبدل منه ، وعلى الثاني : يتعلَّق بمحذوفٍ ، أي : ساقطةٍ على عروشها.","part":8,"page":364},{"id":3405,"text":"الثالث : أن يتعلَّق بنفس خاوية ، إذا فسَّرنا \" خَاوِيَةٌ \" بمعنى متهدِّمة ساقطة.\rالرابع : أن يتعلَّق بمحذوفٍ يدلُّ عليه المعنى ، وذلك المحذوف قالوا : هو لفظ \" ثَابِتَةٌ \" ؛ لأنهم فسَّروا \" خَاوِيَةٌ \" بمعنى : خاليةٌ من أهلها ثابتةٌ على عروشها ، وبيوتها قائمة لم تتهدَّم ، وهذا حذفٌ من غير دليلٍ ، ولا يتبادر إليه الذهن ، وقيل : \" عَلَى \" بمعنى \" مَعَ \" ، أي : مع عروشها ، قالوا : وعلى هذا فالمراد بالعروش الأبنية.\rوقيل : \" عَلَى \" بمعنى \" عَنْ \" أي : خاويةٌ عن عروشها ، جعل \" عَلَى \" بمعنى \" عَنْ \" كقوله : { إِذَا اكتالوا عَلَى الناس } [ المطففين : 2 ] أي : عنهم.\rوالخاوي : الخالي. يقال : خوت الدار تخوي خواءً بالمد ، وخويّاً ، وخويت - أيضاً - بكسر العين تَخْوَى خَوّى بالقصر ، وخَوْياً ، والخَوَى : الجوع؛ لخلوِّ البطن من الزَّاد. والخويُّ على فعيل : البطن السَّهل من الأرض ، وخوَّى البعير : جَافَى جنبه عن الأرض؛ قال القائل في ذلك : [ الرجز ]\rخَوَّى عَلَى مُسْتَوِيَاتٍ خَمْسِ... كِرْكِرَةٍ وَثَفِنَاتٍ مُلْسِ\rومنه الحديث : \" كان النبي - صلى الله عليه وسلم - إِذَا سَجَدَ خَوَّى \" أي : خلا عن عضده ، وجنبيه ، وبطنه ، وفخذيه ، وخوَّى الفرس ما بين قوائمه ، ويقال للبيت إذا انهدم خوى؛ لأنه بتهدمه يخلو من أهله ، وكذلك خوت النجوم وأخوت إذا سقطت.\rوالعُرُوشُ : جمع عرش ، وهو سقف البيت ، وكذلك كلُّ ما هُيِّىءَ ليستظلَّ به ، وقيل : هو البنيان نفسه؛ قال القائل في ذلك : [ الكامل ]\rإِنْ يَقْتُلُوكَ فَقَدْ ثَلَلْتَ عُرُوشَهُمْ... بِعُتَيْبَةَ بْنِ الحَارِثِ بِنْ شِهَابِ\rوقوله : { أنى يُحْيِي هذه الله } في \" أَنَّى \" وجهان :\rأحدهما : أن تكون بمعنى \" متى \".\r","part":8,"page":365},{"id":3406,"text":"قال أبو البقاء رحمه الله : \" فَعَلى هذا تكون ظرفاً \".\rوالثاني : أنَّها بمعنى كيف.\rقال أبو البقاء رحمه الله : فيكون مَوْضِعُها حالاً من \" هذه \" ، وتقدَّم لما فيه من الاستفهام ، والظاهرُ أنها بمعنى كيف ، وعلى كلا القولين : فالعاملُ فيها \" يُحْيِي \" ، و\" بعد \" أيضاً معمول له. والإحياء ، والإماتة : مجازٌ؛ إن أريد بهما العمران والخراب ، أو حقيقةٌ إن قدَّرنا مضافاً ، أي : أنَّى يحيي أهل هذه القرية بعد موت أهلها ، ويجوز أن تكون هذه إشارة إلى عظام أهل القرية البالية ، وجثثهم المتمزقة ، دلَّ على ذلك السياق.\rقوله : { مِائَةَ عَامٍ } قال أبو البقاء رحمه الله : \" مائَة عامٍ \" : ظرفٌ لأماته على المعنى؛ لأنَّ المعنى ألبثه مائة عام ، ولا يجوز أن يكون ظرفاً على ظاهر اللفظ ، لأنَّ الإماتة تقع في أدنى زمانٍ ، ويجوز أن يكون ظرفاً لفعل محذوف ، تقديره : \" فأَمَاتَه اللهُ فلبِثَ مائة عام \" ويدلُّ على ذلك قوله : \" كَمْ لَبِثْتَ \" ، ولا حاجة إلى هذين التأويلين ، بل المعنى جعله ميِّتاً مائة عام.\rو \" مِائة \" عقدٌ من العدد معروفٌ ، ولامها محذوفة ، وهي ياء ، يدلُّ على ذلك قولهم : \" أَمْأَيْتُ الدَّرَاهِمَ \" ، أي : صيَّرتها مائة ، فوزنها فعة ويجمع على \" مِئَات \" ، وشذَّ فيها مئون؛ قال القائل : [ الطويل ]\rثَلاَثُ مِئِينٍ لِلْمُلُوكِ وَفَى بِهَا... رِدَائِي وَجَلَّتْ عَنْ وُجُوهِ الأَهَاتِمِ\rكأنَّهم جروها بهذا الجمع لما حذف منها؛ كما قالوا : سنون : في سنة.\rوالعام : مدَّة من الزمان معلومةٌ ، وعينه واوٌ؛ لقولهم في التصغير : عويم ، وفي التكسير : \" أَعْوَام \".","part":8,"page":366},{"id":3407,"text":"وقال النقَّاش : \" هو في الأصل مصدرٌ وسمِّي به الزمان؛ لأنه عومةٌ من الشمس في الفلك ، والعوم : هو السبح؛ وقال تعالى : { وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ } [ يس : 40 ] فعلى هذا يكون العوم والعام كالقول والقال \".\rقوله : \" كَمْ \" منصوبٌ على الظرف ، ومميِّزها محذوفٌ تقديره : كم يوماً ، أو وقتاً.\rوالناصب له \" لَبِثْتَ \" ، والجملة في محلِّ نصب بالقول ، والظاهر أنَّ \" أَوْ \" في قوله : \" يوماً أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ \" بمعنى \" بَلْ \" للإضراب ، وهو قول ثابت ، وقيل : هي للشك.\rقوله : { لَمْ يَتَسَنَّهْ } هذه الجملة في محلِّ نصب على الحال ، وزعم بعضهم : أنَّ المضارع المنفيَّ بـ \" لَمْ \" إذا وقع حالاً ، فالمختار دخول واو الحال؛ وأنشد : [ الطويل ]\rبِأَيْدِي رِجَالٍ لَمْ يَشِيْمُوا سُيُوفَهُمْ... وَلَمْ تَكْثُرِ القَتْلَى بِهَا حِينَ سُلَّتِ\rوزعم آخرون : أنَّ الأولى نفي المضارع الواقع حالاً بما ، ولمَّا. وهذان الزَّعمان غير صحيحين؛ لأنَّ الاستعمالين واردان في القرآن ، قال تعالى : { فانقلبوا بِنِعْمَةٍ مِّنَ الله وَفَضْلٍ لَّمْ يَمْسَسْهُمْ سواء } [ آل عمران : 174 ] ، وقال تعالى : { أَوْ قَالَ أُوْحِيَ إِلَيَّ وَلَمْ يُوحَ إِلَيْهِ شَيْءٌ } [ الأنعام : 93 ] فجاء النفي بـ \" لم \" مع الواو ودونها.\rفإن قيل : قد تقدَّم شيئان ، وهما \" طَعَامِكَ وشَرَابِكَ \" ولم يعد الضَّمير إلاَّ مفرفاً ، قلنا فيه ثلاثة أوجهٍ :\rأحدهما : أنها لمَّا كانا متلازمين ، بمعنى أنَّ أحدهما لا يكتفى به بدون الآخر ، صارا بمنزلة شيء واحد؛ حتى كأنه [ قال : ] فانظر إلى غذائك.\r","part":8,"page":367},{"id":3408,"text":"الثاني : أنَّ الضمير يعود إلى الشَّراب فقط؛ لأنه أقرب مذكور ، وثمَّ جملة أخرى حذفت لدلالة هذه عليها. والتقدير : وانظر إلى طعامك لم يتسنَّه ، وإلى شرابك لم يتسنَّه ، وقرأ ابن مسعود - رضي الله عنه - \" فانْظُرْ إِلى طَعَامِكَ وهذا شَرابُك لم يتسنه \" ، أو يكون سكت عن تغيُّر الطعام؛ تنبيهاً بالأدنى على الأعلى ، وذلك أنه إذا لم يتغيَّر الشراب مع نزعة النَّفس إليه ، فعدم تغيُّر الطعام أولى ، قال معناه أبو البقاء.\rالثالث : أنه أفرد في موضع التثنية ، قاله - أيضاً - أبو البقاء؛ وأنشد : [ الكامل ]\rفَكَأَنَّ في الْعَيْنَيْنِ حَبَّ قَرَنْفُلٍ... أَوْ سُنْبَلٍ كُحِلَتْ بِهِ فَانْهَلَّتِ\rوليس بشيءٍ.\rوقرأ حمزة ، والكسائي : \" لَمْ يَتَسَنَّهْ \" بالهاءِ وقفاً ، وبحذفها وصلاً ، والباقون : بإثباتها في الحالين. فأمَّا قراءتهما ، فالهاءُ فيها للسكتِ. وأمَّا قراءةُ الجماعةِ : فالهاءُ تحتملُ وجهين :\rأحدهما : أن تكون - أيضاً - للسكت ، وإنما أُثبتت وصلاً إِجراءً للوصل مجرى الوقف ، وهو في القرآن كثيرٌ ، [ سيمرُّ بك منه مواضع ] فعلى هذا يكون أصل الكلمة : إِمَّا مشتقاً من لفظ \" السَّنَةِ \" على قولنا إِنَّ لامَها المحذوفة واوٌ ، ولذلك تُرَدُّ في التصغير والجمع؛ قالوا : \" سُنَيَّة وَسَنَوات \" ؛ وعلى هذه اللغة قالوا : \" سَانَيْتُ \" أُبْدِلَتِ الواو ياءً؛ لوقوعها رابعةً ، وقالوا : أَسْنَتَ القومُ إذا أصابتهُمُ السَّنَةُ؛ قال الشاعر : [ الكامل ]\r............................. وَرِجَالُ مَكَّةَ مُسْنِتُونَ عِجَافُ\rويقولون في جمعها : سنوات فقلبوا الواو تاءً ، والأصلُ : أَسْنُووا ، فأَبْدلوها كما أَبْدلُوها في تُجاه وتُخمة؛ كما تقدَّم ، فأصله : يَتَسَنَّى فحُذِفت الألف جزماً.\r","part":8,"page":368},{"id":3409,"text":"وإما من لفظ \" مَسْنُون \" وهو المتغيرُ ، ومنه { حَمَإٍ مَّسْنُونٍ } [ الحجر : 28 ] ، والأصلُ : يتَسَنَّنُ ، بثلاثٍ نونات ، فاسْتُثْقل توالي الأَمثال ، فأَبدلنا الأخيرة ياءً؛ كما قالوا في تظنَّن : تظنَّى ، وفي قصَّصت أظفاري : قصَّيتُ ، ثم أبدلنا الياء ألفاً؛ لتحرُّكها وانفتاح ما قبلها ، ثم حُذِفت جزماً ، قاله أبو عمرو ، وخطَّأَه الزجاج ، قال : \" لأنَّ المسنونَ : المصبوبُ على سنن الطريق \".\rوحُكِيَ عن النقَّاش أنه قال : \" هو مأخوذٌ من أَسِن الماءُ \" أي : تغيَّر ، وهذا وإِنْ كان صحيحاً معنًى ، فقد رَدَّ عليه النحاةُ قوله؛ لأنه فاسِدٌ اشتقاقاً ، إذ لو كان مشتقاً من \" أَسِنَ الماءُ \" لكان ينبغي حين منه تفعَّل ، أَنْ يقال تأسَّنَ. ويمكن أَنْ يُجاب عنه : أنه يمكنُ أن يكون قد قُلبت الكلمةُ بأن أُخِّرت فاؤها - وهي الهمزة - إلى موضع لامها ، فبقي : يَتَسَنَّأ ، بالهمزة آخراً ، ثمَّ أُبدلت الهمزةُ ألفاً ، كقولهم في قرأ : \" قَرَا \" ، وفي استهزأ : \" اسْتَهْزا \" ثم حُذفت جزماً.\rوالوجه الثاني : أن تكون الهاءُ أصلاً بنفسها ، ويكونُ مشتقاً من لفظ \" سَنَة \" أيضاً ، ولكن في لغةِ من يجعلُ لامها المحذوفة هاءً ، وهم الحجازيون ، والأصلُ : سُنَيْهة ، يدلُّ على ذلك التصغير والتكسير ، قالوا : سُنَيْهةٌ ، وسُنَيْهَاتٌ ، وسَانَهْتُ؛ قال شاعرهم :\rوَلَيْسَتْ بِسَهْنَاءٍ وَلاَ رُجَبِيَّةٍ... وَلَكِنْ عَرَايَا فِي السِّنِينَ الجَوَائِحِ\r","part":8,"page":369},{"id":3410,"text":"ومعنى \" لم يَتَسَنَّهْ \" على قولنا : إِنَّهُ من لفظ السَّنَة ، أي : لم يتغيَّر بمَرِّ السنين عليه ، بل بقي على حالِهِ ، وهذا أَوْلَى من قول أَبي البقاء في أثناء كلامه : \" مِنْ قولك : أَسْنَى يُسْنِي ، إذا مَضَتْ عليه سِنُون \" ؛ لأنه يصير المعنى : لم تمضِ عليه سِنُون ، وهذا يخالفه الحِسُّ ، والواقع.\rوقرأ أُبَيّ؛ \" لَمْ يَسَّنَّهْ \" بإِدْغَام التَّاءِ في السِّينِ ، والأَصْلُ : \" لم يَتَسَنَّهْ \".\rكما قُرِئ : { لاَّ يَسَّمَّعُونَ إلى الملإ } [ الصافات : 8 ] ، والأصل : يَتَسَمَّعُونَ؛ فأُدغم ، وقرأ طلحة بن مصرفٍ : \" لِمِئَةِ سَنَةٍ \".\rقوله : \" وَلِنَجْعَلَكَ \" فيه ثلاثة أوجه :\rأحدها : أنه متعلقٌ بفعلٍ محذوفٍ مقدَّرٍ بعده ، تقديره : ولنجعلك فعلنا ذلك.\rالثاني : أنه معطوفٌ على محذوفٍ تقديره : فعلنا ذلك ، لتعلَمَ قُدْرتنا ولنجعلك.\rالثالث : أن الواو زائدة واللامُ متعلقةٌ بالفعلِ قبلها ، أي : وانظر إلى حِمارِك ، لنجعلَكَ.\r","part":8,"page":370},{"id":3411,"text":"قال الفرَّاء : وهذا المعنى غير مطلوبٍ من الكلامِ؛ لأنه لو قال فانظر إلى حِمارك لنجعلك آيةً للناسِ ، كان النظرُ إلى الحمار شرطاً ، وجعله آية جزاءً أَمَّا لمَّا قال : \" وَلِنَجْعَلَكَ آيَةً \" [ كان المعنى : ولنجعلك آيةً فعلنا ما فعلنا ، من الإماتة ، والإحياء. وليس في الكلامِ تقديمٌ وتأخيرٌ ، كما زعم بعضهم؛ فقال : إن قوله : \" وَلِنَجْعَلَكَ \" مؤخر بعد قوله تعالى : { وانظر إِلَى العظام } ، وأَنَّ الأَنظارَ الثلاثةَ منسوقةٌ بعضها على بعضٍ ، فُصِل بينها بهذا الجارّ؛ لأنَّ الثالث مِنْ تمامِ الثاني ، فلذلك لم تجعل هذه العلةُ فاصلةً معترضةً. وهذه اللامُ لامُ كي ، والفعلُ بعدها منصوبٌ بإضمار \" أَنْ \" وهي وما بعدها من الفعلِ في محلِّ جرٍّ على ما سبق بيانُهُ غير مرةٍ. و\" آية \" مفولٌ ثانٍ؛ لأنَّ الجَعْلَ هنا بمعنى : التصيير. و\" لِلنَّاسِ \" صفةٌ لآيةٍ ، و\" أَلْ \" في الناس ، قيل : للعهدِ ، إِنْ عَنَى بهم بقيةَ قومِهِ ، وقيل : للجنس ، إِنْ عَنَى بهم جميع بني آدم ].\rقوله : \" كَيْفَ \" منصوبٌ نصبَ الأَحوال ، والعاملُ فيها \" نُنْشِزُها \" وصاحبُ الحالِ الضميرُ المنصوبُ في \" نُنْشِزُها \" ، ولا يعملُ في هذا الحالِ \" انظُرْ \" إذ الاستفهامُ له صدرُ الكلام ، فلا يعملُ فيه ما قبله ، هذا هو القولُ في هذه المسألة ، ونظائرها.\rوقال أبو البقاء : \" كيف نُنْشِزُها \" في موضِعِ الحالِ من \" العِظَامِ \" ، والعاملُ في \" كيف \" نُنْشِزُها ، ولا يجوز أن يعمل فيها \" انظُرْ \" لأنَّ هذه جملة استفهام ، والاستفهامُ لا يقعُ حالاً ، وإنما الذي يقعُ حالاً \" كَيْفَ \" ، ولذلك تُبْدَلُ منه الحالُ بإعادة حرفِ الاستفهامِ ، نحو : \" كيف ضَرَبْتَ زيداً؛ أقائماً أم قاعداً \" ؟\r","part":8,"page":371},{"id":3412,"text":"والذي يَقْتَضِيه النظرُ الصحيحُ في هذه المسألة ، وأمثالها : أَنْ تكونَ جملةُ \" كَيْفَ نُنْشِزُها \" بدلاً مِنَ \" العِظَامِ \" فيكونَ في محلِّ جَرٍّ أو محلِّ نصبِ ، وذلك أنَّ \" نظر \" البصرية تتعدَّى بـ \" إِلَى \" ، ويجوزُ فيها التعليقُ ، كقوله تعالى : { انظر كَيْفَ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ على بَعْضٍ } [ الإسراء : 21 ] فتكونُ الجملةُ في محلِّ نصبٍ؛ لأنَّ ما يتعدى بحرف الجرِّ يكونُ ما بعده في محلِّ نصبٍ به. ولا بُدَّ مِنْ حذف مضافٍ؛ لتصِحَّ البدليَّة ، والتقدير : إلى حال العظام ، ونظيرُهُ قولهم : عَرفْتُ زيداً : أبو مَنْ هُوَ؟ ف \" أَبُو مَنْ \" هو بدلٌ من \" زَيْداً \" ، على حذفٍ تقديرُهُ : \" عَرَفْتُ قِصَّةَ زَيْدٍ \". والاستفهامُ في بابِ التعليقِ ، لا يُراد به معناه؛ بل جرى في لسانِهم مُعلَّقاً عليه ، حكُم اللفظِ دونَ المعنى ، و[ هو ] نظيرُ \" أي \" في الاختصاص ، نحو : \" اللهُمَّ اغفِرْ لنا أَيَّتُها العِصَابَةُ \" فاللفظُ كالنداء في جميعِ أَحكامه ، وليس معناه عليه.\rقوله : \" لَحْماً \" مفعولٌ ثانٍ لِ \" نَكْسُوها \" وهو من باب أَعْطَى ، وهذا من الاستعارة ، ومثله قول لبيدٍ : [ البسيط ]\rالحَمْدُ لِلَّهِ إِذْ لَمْ يَأْتِيني أَجَلِي... حَتَّى اكْتَسَيْتُ مِنَ الإِسْلاَمِ سِرْبَالا\rقوله : \" فَلَمَّا تَبَيَّنَ \" في فاعل \" تَبيَّن \" قولان :\rأحدهما : مُضمرٌ يُفَسِّره سياقُ الكلامِ ، تقديرُهُ : فلمَّا تبيَّن له كيفيةُ الإِحياءِ التي استقر بها ، وقدَّره الزمخشريُّ : \" فلمَّا تبيَّن له ما أَشْكَل عليه \" يعني مِنْ أَمْرِ إِحياءِ الموتى ، والأَوَّلُ أَوْلَى؛ لأنَّ قوةَ الكلامِ تدِلُّ عليه بخلافِ الثاني.\r","part":8,"page":372},{"id":3413,"text":"والثاني : - وبه بدأ الزمخشري - : أن تكون المسألةُ من بابِ الإِعمالِ ، يعني أن \" تَبَيَّن \" يطلُبُ فاعلاً ، و\" أَعْلَمُ \" يطلبُ مفعولاً ، و\" أَنَّ اللهَ على كُلِّ شَيءٍ قَدِيرٌ \" يصلُح أَنْ يكونَ فاعلاً لتبيَّن ، ومفعولاً لأعلَمُ ، فصارَتِ المسألةُ من التنازع ، وهذا نصُّه ، قال : وفَاعِلُ \" تبيَّن \" مضمرٌ تقديره : فلمَّا تبيَّن له أَنَّ الله على كل شيءٍ قدير قال : أَعْلَمُ أَنَّ اللهَ على كل شيء قديرٌ ، فحُذف الأَوَّل؛ لدلالةِ الثاني عليه ، كما في قولهم : \" ضَرَبَنِي ، وضَرَبْتُ زَيْداً \" فجعله مِنْ باب التنازع وجعله من إعمال الثاني ، وهو المختارُ عند البصريين ، فلمَّا أعملَ الثاني ، أَضْمَرَ في الأَولِ فاعلاً ، ولا يجوزُ أَنْ يكونَ من إعمال الأَولِ؛ لأنه كان يلزَمُ الإِضمارُ في الثاني بضميرِ المفعول ، فكأنه قال : فلمَّا تبيَّن له ، قال أعلمه أن الله. ومثله في إعمال الثاني : { آتوني أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْراً } [ الكهف : 96 ] { هَآؤُمُ اقرؤا كِتَابيَهْ } [ الحاقة : 19 ] لما ذكرت.\rقوله : { قَالَ أَعْلَمُ } الجمهورُ على : \" قال \" مبنيّاً للفاعلِ. وفي فاعله على قراءة حمزة والكسائي : \" اعْلَمْ \" أمراً من \" عَلِمَ \" قولان :\rأظهرهما : أنه ضميرٌ يعودُ على اللهِ تعالى أو على المَلِك ، أي : قال اللهُ تعالى أو الملكُ لذلك المارِّ اعْلَمْ.\rالثاني : أنه ضميرٌ يعودُ على المارِّ نفسه ، نزَّل نفسه منزلة الأجنبي ، فخاطبها؛ ومنه : [ البسيط ]\rوَدِّعْ أُمَامَة إِنَّ الرَّكْبَ مُرْتَحِلُ...........................\rوقوله : [ المتقارب ]\rتَطَاوَلَ لَيْلُكَ..............................................","part":8,"page":373},{"id":3414,"text":"يعني نفسه ، قال أبو البقاء رحمه الله : \" كما تقول لنفسك : اعلم يا عبد الله ، ويُسَمَّى هذا التجريدَ \" يعني : كأنه جَرَّد من نفسه مُخَاطباً يخاطِبُه.\rوأمَّا على قراءةِ \" أَعْلَمُ \" مضارعاً [ للمتكلم ] وهي قراة الجمهور ففاعل \" قال \" ضميرُ المارِّ ، أي : قال المارُّ : أعلمُ أنا. وقرأ الأَعمشُ : \" قِيل \" مبنيّاً للمفعولِ. والقائمُ مقام الفاعل : إمَّا ضميرُ المصدرِ من الفعلِ ، وإمَّا الجملةُ التي بعده ، على حسبِ ما تقدَّم أول السورة.\rو \" أَنَّ الله \" في محلّ نصب ، سادَّةً مسد المفعولين ، أو الأَوَّل والثاني محذوفٌ على ما تقدّم من الخلاف. أ هـ {تفسير ابن عادل حـ 4 صـ 346 ـ 364}. بتصرف.","part":8,"page":374},{"id":3415,"text":"قوله تعالى : { وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي قَالَ فَخُذْ أَرْبَعَةً مِنَ الطَّيْرِ فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ ثُمَّ اجْعَلْ عَلَى كُلِّ جَبَلٍ مِنْهُنَّ جُزْءًا ثُمَّ ادْعُهُنَّ يَأْتِينَكَ سَعْيًا وَاعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (260)}\rمناسبة الآية لما قبلها\rقال البقاعى ـ ولله دره ـ :\rولما كان الإيمان بالبعث بل الإيقان من المقاصد العظمى في هذه السورة وانتهى إلى هذا السياق الذي هو لتثبيت دعائم القدرة على الإحياء مع تباين المناهج واختلاف الطرق فبين أولاً بالرد على الكافر ما يوجب الإيمان وبإشهاد المتعجب ما ختم الإيقان علا عن ذلك البيان في قصة الخليل صلوات الله وسلامه عليه إلى ما يثبت الطمأنينة ،\rوقد قرر سبحانه وتعالى أمر البعث في هذه السورة بعد ما أشارت إليه الفاتحة بيوم الدين أحسن تقرير ،\rفبث نجومه فيها خلال سماوات آياتها وفرق رسومه في أرجائها بين دلائلها وبيناتها فعل الحكيم الذي يلقي ما يريد بالتدريج غير عجل ولا مقصر ،\rفكرر سبحانه وتعالى ذكره بالآخرة تارة والإحياء أخرى تارة في الدنيا وتارة في الآخرة في مثل قوله {وبالآخرة هم يوقنون} [ البقرة : 4 ] {كيف تكفرون بالله وكنتم أمواتاً فأحياكم} [ البقرة : 28 ] {ثم بعثناكم من بعد موتكم} [ البقرة : 56 ] {كذلك يحيي الله الموتى} [ البقرة : 73 ] {فقال لهم الله موتوا ثم أحياهم} [ البقرة : 243 ] وما كان من أمثاله ونظائره وأشكاله في تلك الأساليب المرادة غالباً بالذات لغيره فاستأنست أنفس المنكرين له به ،\rفصار لها استعداد لسماع الاستدلال عليه حتى ساق لهم أمر خليله عليه الصلاة والسلام والتحية والإكرام ،","part":8,"page":375},{"id":3416,"text":"فكان كأنه قيل : يا منكري البعث ومظهري العجب منه ومقلدي الآباء في أمره بالأخبار التي أكثرها كاذب! اسمعوا قصة أبيكم إبراهيم صلى الله عليه وسلم التي لقاكم بها الاستدلال على البعث وجمع المتفرق وإعادة الروح باخبار من لا يتهم بشهادة القرآن الذي أعجزكم عن الإتيان بمثل شيء منه فشهادته شهادة الله لتصيروا من ذلك على علم اليقين بل عين اليقين فقال تعالى : {وإذ} عطفاً على نحو اذكروا ما تلي عليكم من أمر البعث واذكروا قصة أبيكم إبراهيم فيما يدل عليه إذ.\rوقال الحرالي : ولما كان أمر منزل القرآن إقامة الدين بمكتوبه وحدوده فأنهاه تعالى منتهى منه ثم نظم به ما نظم من علنه في آية الكرسي ورتب على ذلك دين الإسلام الذي هو إلقاء كإلقاء اليد عند الموت انتظم به أمر المعاد الذي لا مدخل للعباد في أمره فرتب سبحانه وتعالى ذكر المعاد في ثلاثة أحوال : حال الجاحد الذي انتهت غايته إلى بهت ، \rثم حال المستبعد الذي انتهت غايته إلى علم وإيمان ، \rوأنهى الخطاب إلى حال المؤمن الذي انتهى حاله إلى يقين وطمأنينة ورؤية ملكوت في ملكوت الأرض - انتهى ، \rفقال سبحانه وتعالى : واذ {قال إبراهيم} ولقد استولى الترتيب والتعبير في هذه الآيات الثلاث على الأمد الأقصى من الحسن ، \rفإنها بدئت بمن أراد أن يخفي ما أوضحته البراهين من أمر الإله في الإحياء بأن ادعى لنفسه المشاركة بإحياء مجازي تلبيساً بلفظ إلى الدال على بعده ولعنه وطرده ، \rثم بمن استبعد إحياء القرية فأراه الله سبحانه وتعالى كيفية الإحياء الحقيقي آية له وتتميماً للرد على ذلك مع الإقبال عليه بالمخاطبة ولذة الملاطفة ثم بمن سأل إكرام الله تعالى له بأن يريه كيف يحيي فيثبت ثم أثبتت ثم أكدت ، \rومناسبة الثلاث بكونها في إحياء الأشباح بالأرواح لما قبلها وهو في إحياء الأرواح بأسرار الصلاح أجل مناسبة ، \r","part":8,"page":376},{"id":3417,"text":"فالمراد التحذير عن حال الأول والندب إلى الارتقاء عن درجة الثاني إلى مقام الثالث الذي حقيقته الصدق في الإيمان لرجاء الحيازة مما أكرم به ، \rولذلك عبر في قصته بقوله واذ ولم يسقها مساق التعجيب كالأول {رب} أي أيها المحسن إليّ {أرني كيف تحيي الموتى} قال الحرالي : طلب ما هو أهله بما قال تعالى {وكذلك نري إبراهيم ملكوت السماوات والأرض} [ الأنعام : 75 ] فمن ملكوت الأرض الإحياء ، \rفقرره سبحانه وتعالى على تحقيق ابتداء حاله من تقرر الإيمان فقال مستأنفاً : {قال} ولما كان التقدير : ألم تعلم أني قادر على الإحياء لأني قادر على كل شيء عطف عليه قوله : {أو لم تؤمن} فإن الإيمان يجمع ذلك كله {قال بلى} فتحقق أن طلبه كيفية الإحياء ليس عن بقية تثبت في الإيمان ، \rفكان في إشعاره أن أكثر طالبي الكيف في الأمور إنما يطلبونه عن وهن في إيمانهم ، \rومن طلب لتثبت الإيمان مع أن فيما دون الكيف من الآيات كفايته لم ينتفع بالآية في إيمانه ، \rلأن كفايتها فيما دونه ولم يعل لليقين لنقص إيمانه عن تمام حده ، \rفإذا تم الإيمان بحكم آياته التي في موجود حكمة الله في الدنيا بيناته ترتب عليه برؤية ملكوت شهود الدنيا رتبة اليقين ، \rكما وجد تجربته أهل الكشف من الصادقين في أمر الله حيث أورث لهم اليقين ، \rومتى شاركهم في أمر من رؤية الكشف أو الكرامات ضعيف الإيمان طلب فيه تأويلاً ، \rوربما كان عليه فتنة تنقصه مما كان عنده من حظ من إيمانه حتى ربما داخله نفاق لا ينفك منه إلا أن يستنقذه الله ، \rفلذلك أبدى تعالى خطاب تقريره لخليله صلى الله عليه وسلم على تحقيق الإيمان ليصح الترقي منه إلى رتبة الإيقان ، \rوهو مثل نحو ما تقدم في مطلق قوله سبحانه وتعالى {الله ولي الذين آمنوا يخرجهم من الظلمات إلى النور} [ البقرة : 257 ] وذكر عن الخليل عليه الصلاة والسلام أنه نظر إلى بدن دابة توزعها دواب البحر ودواب البر وطير الهواء ، \r","part":8,"page":377},{"id":3418,"text":"فتعجب منها وقال : يا رب! قد علمت لتجمعنها فأرني كيف تحييها لأعاين ذلك ، \rفإنما ينبني يقين العيان على تحقيق الإيمان {ولكن} أريد المعاينة {ليطمئن} من الطمأنينة وهي الهدو والسكون على سواء الخلقة واعتدال الخلق {قلبي} من فطر على نيل شيء جبل على الشوق له ، \rفلما كان إبراهيم عليه الصلاة والسلام متهيئاً لقبول الطمأنينة قذف في قلبه طلبها ، \rفأجابه الله بما قد هيأه له ، \rفضرب سبحانه وتعالى له مثلاً أراه إياه ، \rجعله جري العيان جلي الإيقان ، \rوذلك أن الله تعالى سبحانه هو الأحد الذي لا يعد ولا يحد وكان من تنزل تجليه لعباده أنه الإله الواحد ، \rوالواحد بريء من العد ، \rفكان أول ظهور الخلق هو أول ظهور العد ، \rفأول العد الاثنان {ومن كل شيء خلقنا زوجين} [ الذاريات : 49 ] فالاثنان عد هو خلق كل واحد منهما واحد ، \rفجعل تعالى اثنين كل واحد منهما اثنان لتكون الاثنينية فيه كلاًّ وجزءاً فيكون زوجاً من زوج ، \rفكان ذلك العد هو الأربع ، \rفجعله الله سبحانه وتعالى أصلاً لمخلوقاته فكانت جملتها وتره ، فجعل الأقوات من أربع {وقدر فيها أقواتها في أربعة أيام} [ فصلت : 10 ] وجعل الأركان التي خلق منها صور المخلوقات أربعاً ، \rوجعل الأقطار أربعاً ، \rوجعل الأعمار أربعاً ، \rوقال عليه الصلاة والسلام : \" خير الرفقاء أربعة ، \rوخير البعوث أربعون ، \rوخير السرايا أربعمائة وخير الجيوش أربعة آلاف \" والمربعات في أصول الخلق كثيرة تتبعها العلماء واطلع عليها الحكماء {هو الذي بعث في الأميين رسولاً} [ الجمعة : 2 ] ولما كان خلق آدم وسائر المخلوقات من مداد الأركان التي هي الماء والتراب والهواء والنار فأظهر منها الصور {وصوركم فأحسن صوركم} [ غافر : 64 ] ثم أظهر سبحانه وتعالى قهره بإماتته وإفناء صوره ، \r\" كل ابن آدم يأكله التراب إلا عجب الذَّنَبِ ، \rمنه خلق وفيه يركب \" فكان بددها في أربعة أقطار شرقاً وغرباً وشمالاً وجنوباً ، \r","part":8,"page":378},{"id":3419,"text":"أرى خليله عليه الصلاة والسلام كيف يدعو خلقه من أقطار آفاقه الأربعة بعد بددها واختلاطها والتئام أجزائها على غير حدها ، \rيقال إن علياً رضي الله تعالى عنه ضرب بيده على قدح من فخار فقال : كم فيه من خد أسيل وعين كحيل! {قد علمنا ما تنقص الأرض منهم} [ ق : 4 ] فأرى تعالى خليله عليه الصلاة والسلام مثلاً من جملة ذلك {قال فخذ} بالفاء تحقيقاً لمقاله وتصديقاً فيما تحقق من إيمانه وإبداء لاستحقاقه اليقين والطمأنينة بتقرر إيمانه {أربعة من الطير} هو اسم جمع من معنى ما منه الطيران وهو الخفة من ثقل ما ليس من شأنه أن يعلو في الهواء ، \rجعل تعالى المثل من الطير لأن الأركان المجتمعة في الأبدان طوائر تطير إلى أوكارها ومراكزها التي حددها الله تعالى لها جعلاً فيها لا طبعاً واجباً منها ، \rفإن الله عزّ وجلّ هو الحكيم الذي جعل الحكمة ، \rفمن أشهده الحكمة وأشهده أنه جاعلها فهو حكيمها ، \rومن أشهده الحكمة الدنياوية ولم يشهده أنه جاعلها فهو جاهلها ، \rفالحكمة شهود الحكمة مجعولة من الله كل ماهية ممهاة ، \rوكل معنوية ممعناة ، \rوكل حقيقة محققة ، \rفالطبع وما فيه جعل من الله ، \rمن جهله ألحد ومن تحققه وحد.\rكذلك المعقول وما فيه إقباس من الله وإراءة من أمر الله ، \rمن تقيد به واعتقده لا ينفك نسبة الحد في الطبع واحتاج إلى ملجأ فتن التأويل في غيب الشرع ، \rوكل ما سوى الحق موضوع معطي حظاً وحداً ينال ما أعطى ويعجز عما فوقه ، \rللعقول حد تقف عنده لا تتعداه ، \rفلذلك جعلها تعالى طوائر يقهرها قفص الصورة وتمام التسوية ، \rويظهر تماسكها نفخ الروح انتهى.\rوقوله سبحانه وتعالى ، \r{فصرهن} أي اضممهن {إليك} أي لتعرف أشكالها فيكون ذلك أثبت في أمرها.\rقال الحرالي : من الصور وهو استمالة القلوب بالإحسان حتى يشتد إلى المستميل صغوها وميلها ، \r","part":8,"page":379},{"id":3420,"text":"وإشعاره ينبىء والله سبحانه وتعالى أعلم أن إبراهيم عليه الصلاة والسلام رباهن وغذاهن حتى عرفنه ليكون ذلك مثلاً لما لله سبحانه وتعالى في خلقه من تربيتهم بخلقهم ورزقهم حتى عرفوه بما احتاجوا إليه ، \rفوجدوه معرفة عجز عنه لا معرفة نيل له ، \rفمتى دعاهم من أقطار الآفاق أجابوه إجابة هذه الطوائر لخليله بحظ يسير من تربيته لهن ، \rوإذا كانت هذه الأربع مجيبة للخليل عليه السلام بهذا الحظ اليسير من الصور والصغو فكيف تكون إجابة الجملة للجليل العزيز الحكيم! قال تعالى : {ثم اجعل} عطفاً بكلمة المهلة تجاوزاً بعد تربيتهن عن ذبحهن ودرسهن وخلطهن حتى صرن لحمة واحدة لا يبين في جملتها شيء من الصور الذاهبة ، \rكما تصير المواليد تراباً عند موتها وتبددها صورة واحدة ترابية ليتطابق المثل والممثول مطابقة تامة إلى ما وراء ذلك من مجاوزة عبرة وروية {على كل جبل} من الجبال القريبة إليك {منهن جزءاً} والجزء بعض من كل يشابهه كالقطعة من الذهب ونحوه ، \rفجعل الجبال مثل الأقطار وهي لارتفاعها أمكن في الرؤية وأبعد من الاشتباه {إن كانت إلا صيحة واحدة فإذا هم جميع لدينا محضرون} [ يس : 53 ] {فإنما هي زجرة واحدة فإذا هم بالساهرة} [ النازعات : 13 ] فما كان بالصيحة والزجرة من الممثول كان بالدعاء في المثل ، \rكما أن ما كان بالخلق والرزق في الممثول كان بالصور في المثل وجعله جزءاً حيث كان يشبه بعضه بعضاً {ثم ادعهن يأتينك سعياً} والسعي هو العدو والقصد المسرع يكون في الحس ، \rوالمعنى في إتيان الطائر طائراً حظ من مُنَّته وفي إتيانه سعياً حظ من ذلته ، \rفلذلك جلبهن عليه سعياً بحال المتذلل الطالب للرزق والأمنة من اليد التي عهد منها الرزق والجنبة التي ألف منها الأمن فبدأ المثل مطابقاً للمثول وغايته مرأى عين ، \rفصار موقناً مطمئناً وليس ذلك بأعجب من مشي الأحجار تارة والأشجار كرة وأغصانها أخرى إلى خدمة ولده المصطفى صلى الله عليه وسلم ، \r","part":8,"page":380},{"id":3421,"text":"\" وكذا إلحام يد معوذ بن عفراء بعد ما قطعت وجاء يحملها كما ذكر في السير في غزوة بدر ، \rفصارت مثل أختها \" في أشياء من أمثال ذلك ، \rعلى أنه قد كان له من إحياء الموتى ما أذكره في آل عمران ، وكان لآحاد أمته من ذلك ما ذكره البيهقي في الدلائل منه عدداً كثيراً ، \rوإنما لم يكثر ذلك على يده صلى الله عليه وسلم لأنه مرسل إلى قوم لا يقرون بالبعث ، \rومحط الإيمان التصديق بالغيب ، \rفلو كثر وقوع ذلك له صلى الله عليه وسلم لكشف الغطاء ، \rوإذا كشف الغطاء عوجل من تخلف عن الإيمان بالعذاب وهو نبي الرحمة صلى الله عليه وسلم ، \rوأما عيسى عليه الصلاة والسلام فكان في قوم يؤمنون بالآخرة ففعله ذلك لإظهار المعجزة بنوع أعلى مما كانوا يصلون إليه بالطب ، \rعلى أنه لا فرق في إظهار الخارق بين واحد وأكثر - والله سبحانه وتعالى الموفق. أ هـ {نظم الدرر حـ 1 صـ 508 ـ 512}\rقال ابن عاشور : \rقوله تعالى : { وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي الْمَوْتَى}\rمعطوف على قوله : { أو كالذي مر على قرية } [ البقرة : 259 ] ، فهو مثال ثالث لقضية قوله : { الله ولي الذين آمنوا } [ البقرة : 257 ] الآية ومثال ثان لقضية { أو كالذي مر على قرية } فالتقدير : أو هو كإبراهيم إذ قال رب أرني إلخ.\rفإنّ إبراهيم لفرط محبته الوصول إلى مرتبة المعاينة في دليل البعث رام الانتقال من العلم النظري البرهاني ، إلى العلم الضروري ، فسأل الله أن يريه إحياء الموتى بالمحسوس. أ هـ {التحرير والتنوير حـ 3 صـ 38}\rقال أبو حيان : \r","part":8,"page":381},{"id":3422,"text":"مناسبة هذه الآية لما قبلها في غاية الظهور ، إذ كلاهما أتى بها دلالة على البعث المنسوب إلى الله تعالى ، في قول إبراهيم لنمروذ { ربي الذي يحيي ويميت } لكن المار على القرية أراه الله ذلك في نفسه وفي حماره ، وإبراهيم أراه ذلك في غيره ، وقدّمت آية المار على آية إبراهيم ، وإن كان إبراهيم مقدّماً في الزمان على المار ، لأنه تعجب من الإحياء بعد الموت ، وإن كان تعجب اعتبارٍ فأشبه الإنكار ، وإن لم يكن إنكاراً فكان أقرب إلى قصة النمروذ وإبراهيم ،\rوأما إن كان المار كافراً فظهرت المناسبة أقوى ظهور. (1)\rوأما قصة إبراهيم فهي سؤال لكيفية إراءة الإحياء ، ليشاهد عياناً ما كان يعلمه بالقلب ، وأخبر به نمروذ. أ هـ {البحر المحيط حـ 2 صـ 308}\rلطيفة\rقال الفخر :\rإنه تعالى لم يسم عزيراً حين قال : {أَوْ كالذى مَرَّ على قَرْيَةٍ} [ البقرة : 259 ] وسمى هاهنا إبراهيم مع أن المقصود من البحث في كلتا القصتين شيء واحد ، والسبب أن عزيراً لم يحفظ الأدب ، بل قال : {أنى يحيي هذه الله بعد موتها} وإبراهيم حفظ الأدب فإنه أثنى على الله أولاً بقوله {رَبّ} ثم دعا حيث قال : {أَرِنِى} وأيضاً أن إبراهيم لما راعى الأدب جعل الإحياء والإماتة في الطيور ، وعزيراً لما لم يراع الأدب جعل الإحياء والإماتة في نفسه. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 7 صـ 33}\rفائدة\rقال أبو حيان :\rوفي افتتاح السؤال بقوله : رب ، حسن استلطاف واستعطاف للسؤال ، وليناسب قوله لنمروذ { ربي الذي يحيي ويميت } لأن الرب هو الناظر في حاله ، والمصلح لأمره ، وحذفت ياء الإضافة اجتزاء بالكسرة ، وهي اللغة الفصحى في نداء المضاف لياء المتكلم ، وحذف حرف النداء للدّلالة عليه.\r______________\r(1) الراجح عند الجمهور أنه لم يكن كافرا.","part":8,"page":382},{"id":3423,"text":"و : أرني ، سؤال رغبة ، وهو معمول : لقال ، والرؤية هنا بصرية ، دخلت على رأى همزة النقل ، فتعدّت لاثنين : أحدهما ياء المتكلم ، والآخر الجملة الاستفهامية. أ هـ {البحر المحيط حـ 2 صـ 308}\rفصل\rقال القرطبى : \rاختلف الناس في هذا السؤال هل صدر من إبراهيم عن شكّ أم لا ؟ فقال الجمهور : لم يكن إبراهيم عليه السَّلام شاكّاً في إحياء الله الموتى قطُّ وإنما طلب المعانية ، وذلك أن النفوس مستشرفة إلى رؤية ما أخبرت به ؛ ولهذا قال عليه السلام : \" ليس الخبر كالمعانية \" رواه ابن عباس لم يروه غيره ؛ قاله أبو عمر.\rقال الأخفش : لم يُرد رؤية القلب وإنما أراد رؤية العين.\rوقال الحسن وقَتادة وسعيد ابن جُبير والربيع : سأل ليزداد يقيناً إلى يقينه.\rقال ابن عطية : وترجم الطبريّ في تفسيره فقال : وقال آخرون سأل ذلك ربّه ؛ لأنه شك في قدرة الله تعالى.\rوأدخل تحت الترجمة عن ابن عباس قال : ما في القرآن آية أرجى عندي منها.\rوذُكر عن عطاء بن أبي رَبَاح أنه قال : دخل قلبَ إبراهيم بعضُ ما يدخل قلوب الناس فقال : رب أرني كيف تحيي الموتى.\rوذكر حديث أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : \" نحن أحقّ بالشك من إبراهيم \" الحديث ، ثم رجّح الطبريّ هذا القول.\rقلت : حديث أبي هريرة خرّجه البخاريّ ومُسْلم عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : \" نحن أحق بالشّك من إبراهيم إذ قال رب أرني كيف تحيي الموتى قال أوَ لم تؤمن قال بلى ولكن ليطمئن قلبي ويرحم الله لوطاً لقد كان يأوِي إلى ركن شديد ولو لبثت في السجن ما لبث يوسف لأجبت الدّاعي \" قال ابن عطية : وما ترجم به الطبريّ عندي مردود ، وما أدخل تحت الترجمة متأوّل ؛ فأما قول ابن عباس : \"هي أرجى آية\" فمن حيث فيها الإدلال على الله تعالى وسؤال الإحياء في الدنيا وليست مظنة ذلك.\rويجوز أن يقول : هي أرجى آية لقوله \"أوَلم تؤمن\" أي إن الإيمان كاف لا يحتاج معه إلى تنقير وبحث.\r","part":8,"page":383},{"id":3424,"text":"وأما قول عطاء : \"دخل قلبَ إبراهيم بعضُ ما يدخل قلوب الناس\" فمعناه من حيث المعاينة على ما تقدّم.\rوأما قول النبيّ صلى الله عليه وسلم : \" نحن أحق بالشك من إبراهيم \" فمعناه أنه لو كان شاكاً لكنا نحن أحق به ونحن لا نشك فإبراهيم عليه السَّلام أحرى ألاّ يشك ؛ فالحديث مبني على نفي الشك عن إبراهيم ، والذي روي فيه عن النبيّ صلى الله عليه وسلم أنه قال : \" ذلك محض الإيمان \" إنما هو في الخواطر التي لا تثبت ، وأما الشك فهو توقف بين أمرين لا مزية لأحدهما على الآخر ، وذلك هو المنفي عن الخليل عليه السَّلام.\rوإحياء الموتى إنما يثبت بالسمع وقد كان إبراهيم عليه السَّلام أعلم به ، يدلّك على ذلك قوله { رَبِّيَ الذي يُحْيِي وَيُمِيتُ } [ البقرة : 258 ] فالشك يبعد على من تثبت قدمه في الإيمان فقط فكيف بمرتبة النبوّة والخُلّة ، والأنبياء معصومون من الكبائر ومن الصغائر التي فيها رذيلة إجماعاً.\rوإذا تأمّلت سؤاله عليه السلام وسائر ألفاظ الآية لم تعط شكاً وذلك أن الاستفهام بكيف إنما هو سؤال عن حالة شيء موجود متقرّر الوجود عند السائل والمسؤول ؛ نحو قولك : كيف عِلْمُ زيد ؟ وكيف نَسْجُ الثوب ؟ ونحو هذا.\rومتى قلت : كيف ثَوبكِ ؟ وكيف زيد ؟ فإنما السؤال عن حال من أحواله.\rوقد تكون \"كيف\" خبراً عن شيء شأنه أن يُستفهم عنه بكيف ، نحو قولك : كيف شئت فكن ، ونحو قول البخاريّ : كيف كان بدء الوَحْي.\r","part":8,"page":384},{"id":3425,"text":"و \"كيف\" في هذه الآية إنما هي استفهام عن هيئة الإحياء ، والإحياءُ متقرِّرٌ ، ولكن لما وجدنا بعض المنكرين لوجود شيء قد يعبّرون عن إنكاره بالاستفهام عن حالة لذلك الشيء يعلم أنها لا تصح ، فيلزم من ذلك أن الشيء في نفسه لا يصح ؛ مثال ذلك أن يقول مدّع : أنا أرفع هذا الجبل ؛ فيقول المكذِّب له : أرني كيف ترفعه! فهذه طريقة مجازٍ في العبارة ، ومعناها تسليم جَدَليٌّ ، كأنه يقول : افرض أنك ترفعه ، فأرني كيف ترفعه! فلما كانت عبارة الخليل عليه السَّلام بهذا الإشتراك المجازي ، خلص الله له ذلك وحمله على أن بيّن له الحقيقة فقال له : { أَوَلَمْ تُؤْمِن قَالَ بلى } فكمل الأمر وتخلّص من كل شك ، ثم علّل عليه السَّلام سؤاله بالطمأنينة.\rقلت : هذا ما ذكره ابن عطية وهو بالغ ، ولا يجوز على الأنبياء صلوات الله عليهم مثل هذا الشك فإنه كفر ، والأنبياء متفقون على الإيمان بالبعث.\rوقد أخبر الله تعالى أن أنبياءه وأولياءه ليس للشيطان عليهم سبيل فقال : { إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ } [ الحجر : 42 ] وقال اللعين : {إلاَّ عبادك منهم المخلصين} ، وإذا لم يكن له عليهم سلطنة فكيف يشككهم ، وإنما سأل أن يشاهد كيفية جمع أجزاء الموتى بعد تفريقها وإيصال الأعصاب والجلود بعد تمزيقها ؛ فأراد أن يترقى من علم اليقين إلى علم اليقين ؛ فقوله : \"أرني كيف\" طلب مشاهدة الكيفية.\rوقال بعض أهل المعاني : إنما أراد إبراهيم من ربه أن يريه كيف يحيي القلوب ؛ وهذا فاسد مردود بما تعقّبه من البيان ، ذكره الماورديّ وليست الألف في قوله : \"أَوَ لَمْ تُؤْمِنْ\" ألف استفهام وإنما هي ألف إيجاب وتقرير كما قال جرير : \rألستُم خيَر من ركب المَطايَا . . .\rوالواو واو الحال.\rو \"تُؤْمِنْ\" معناه إيماناً مطلقاً ، دخل فيه فضل إحياء الموتى. أ هـ {تفسير القرطبى حـ 3 صـ 299 ـ 300}\rوقال أبو حيان : \r","part":8,"page":385},{"id":3426,"text":"وعلم أن الأنبياء ، عليهم السلام ، معصومون من الكبائر والصغائر التي فيها رذيلة إجماعاً ، قاله ابن عطية ، والذي اخترناه أنهم معصومون من الكبائر والصغائر على الإطلاق ، وإذا كان كذلك ، فقد تكلم بعض المفسرين هنا في حق من سأل الرؤية هنا بكلام ضربنا عن ذكره صفحاً ، ونقول : ألفاظ الآية لا تدل على عروض شيء يشين المعتقد ، لأن ذلك سؤال أن يريه عياناً كيفية إحياء الموتى ، لأنه لما علم ذلك بقلبه وتيقنه ، واستدل به على نمروذ في قوله { ربي الذي يحيي ويميت } طلب من الله تعالى رؤية ذلك ، لما في معاينة ذلك من رؤية اجتماع الأجزاء المتلاشية ، والأعضاء المتبدّدة ، والصور المضمحلة ، واستعظام باهر قدرته تعالى.\rوالسؤال عن الكيفية يقتضي تيقن ما سأل عنه : وهو الإحياء ، وتقرره ، والإيمان به ، وأنه مما انطوى الضمير على اعتقاده. أ هـ {البحر المحيط حـ 2 صـ 308}\rوقال الآلوسى : \rوعلى كل تقدير لا يعود نقص على إبراهيم من هذا السؤال ولا ينافي منصب النبوة أصلاً ، وللناس ولوع بالسؤال عن هذه الآية وما ذكر هو المشهور فيها ويعجبني ما حرره بعض المحققين في هذا المقام وبسطه في الذب عن الخليل عليه السلام من الكلام ، وهو أن السؤال لم يكن عن شك في أمر ديني والعياذ بالله ولكنه سؤال عن كيفية الإحياء ليحيط علماً بها وكيفية الإحياء لا يشترط في الإيمان الإحاطة بصورتها ، فالخليل عليه السلام طلب علم ما لا يتوقف الإيمان على علمه ، ويدل على ذلك ورود السؤال بصيغة { كَيْفَ } وموضوعها السؤال عن الحال ، ونظير هذا أن يقول القائل : كيف يحكم زيد في الناس فهو لا يشك أنه يحكم فيهم ولكنه سأل عن كيفية حكمه المعلوم ثبوته ولو كان سائلاً عن/ ثبوت ذلك لقال أيحكم زيد في الناس ولما كان الوهم قد يتلاعب ببعض الخواطر فتنسب إلى إبراهيم وحاشاه شكا من هذه الآية قطع النبي صلى الله عليه وسلم دابر هذا الوهم بقوله على سبيل التواضع : \r","part":8,"page":386},{"id":3427,"text":"\" نحن أحق بالشك من إبراهيم \" أي ونحن لم نشك فلأن لا يشك إبراهيم أحرى ، وقيل : إن الكلام مع أفعل جاء هنا لنفي المعنى عن الحبيب والخليل عليهما الصلاة والسلام أي لا شك عندنا جميعاً ، ومن هذا الباب { أَهُمْ خَيْرٌ أَمْ قَوْمُ تُبَّعٍ } [ الدخان : 37 ] أي لا خير في الفريقين ، وإنما جاء التقرير بعد لأن تلك الصيغة وإن كانت تستعمل ظاهراً في السؤال عن الكيفية كما علمت إلا أنها قد استعمل أيضاً في الاستعجاز كما إذا ادعى مدع أنه يحمل ثقلاً من الأثقال وأنت جازم بعجزه عن حمله فتقول له : أرني كيف تحمل هذا وتريد أنك عاجز عن حمله فأراد سبحانه لما علم براءة الخليل عن الحوم حول حمى هذا المعنى أن ينطقه في الجواب بما يدفع عنه ذلك الاحتمال اللفظي في العبارة الأولى ليكون إيمانه مخلصاً بعبارة تنص عليه بفهمها كل من يسمعها فهماً لا يتخالجه فيه شك. أ هـ {روح المعانى حـ 3 صـ 27}\rفصل نفيس\rقال الإمام الفخر : \rذكروا في سبب سؤال إبراهيم وجوهاً\rالأول : قال الحسن والضحاك وقتادة وعطاء وابن جريج : أنه رأى جيفة مطروحة في شط البحر فإذا مد البحر أكل منها دواب البحر ، وإذا جزر البحر جاءت السباع فأكلت ، وإذا ذهبت السباع جاءت الطيور فأكلت وطارت ، فقال إبراهيم : رب أرني كيف تجمع أجزاء الحيوان من بطون السباع والطيور ودواب البحر ، فقيل : أو لم تؤمن قال بلى ولكن المطلوب من السؤال أن يصير العلم بالاستدلال ضرورياً.","part":8,"page":387},{"id":3428,"text":"الوجه الثاني : قال محمد بن إسحاق والقاضي : سبب السؤال أنه مع مناظرته مع نمروذ لما قال : {رَبّيَ الذى يُحْىِ وَيُمِيتُ قَالَ أَنَا أُحْىِ وَأُمِيتُ} فأطلق محبوساً وقتل رجلاً قال إبراهيم : ليس هذا بإحياء وإماتة ، وعند ذلك قال : {رَبّ أَرِنِى كَيْفَ تُحْىِ الموتى} لتنكشف هذه المسألة عند نمروذ وأتباعه ، وروي عن نمرود أنه قال : قل لربك حتى يحيي وإلا قتلتك ، فسأل الله تعالى ذلك ، وقوله {لّيَطْمَئِنَّ قَلْبِى} بنجاتي من القتل أو ليطمئن قلبي بقوة حجتي وبرهاني ، وإن عدولي منها إلى غيرها ما كان بسبب ضعف تلك الحجة ، بل كان بسبب جهل المستمع.\rوالوجه الثالث : قال ابن عباس وسعيد بن جُبَيْر والسُّدّي رضي الله عنهم : أن الله تعالى أوحى إليه إني متخذ بشراً خليلاً : فاستعظم ذلك إبراهيم صلى الله عليه وسلم ، وقال إلهي ما علامات ذلك ؟ فقال : علامته أنه يحيي الميت بدعائه ، فلما عظم مقام إبراهيم عليه السلام في درجات العبودية وأداء الرسالة ، خطر بباله : إني لعلي أن أكون ذلك الخليل ، فسأل إحياء الميت فقال الله {أَوَلَمْ تُؤْمِنُ قَالَ بلى ولكن لّيَطْمَئِنَّ قَلْبِى} على أنني خليل لك.\rالوجه الرابع : أنه صلى الله عليه وسلم إنما سأل ذلك لقومه وذلك أتباع الأنبياء كانوا يطالبونهم بأشياء تارة باطلة وتارة حقة ، كقولهم لموسى عليه السلام : \r{اجعل لنا إلها كما لهم آلهة} [ الأعراف : 138 ] فسأل إبراهيم ذلك.\rوالمقصود أن يشاهده فيزول الإنكار عن قلوبهم.\r","part":8,"page":388},{"id":3429,"text":"الوجه الخامس : ما خطر ببالي فقلت : لا شك أن الأمة كما يحتاجون في العلم بأن الرسول صادق في ادعاء الرسالة إلى معجز يظهر على يده فكذلك الرسول عند وصول الملك إليه وإخباره إياه بأن الله بعثه رسولاً يحتاج إلى معجز يظهر على يد ذلك الملك ليعلم الرسول أن ذلك الواصل ملك كريم لا شيطان رجيم وكذا إذا سمع الملك كلام الله احتاج إلى معجز يدل على أن ذلك الكلام كلام الله تعالى لا كلام غيره وإذا كان كذلك فلا يبعد أن يقال : إنه لما جاء الملك إلى إبراهيم وأخبره بأن الله تعالى بعثك رسولاً إلى الخلق طلب المعجز فقال : {رَبّ أَرِنِى كَيْفَ تُحْىِ الموتى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِن قَالَ بلى ولكن لّيَطْمَئِنَّ قَلْبِى} على أن الآتي ملك كريم لا شيطان رجيم.\rالوجه السادس : وهو على لسان أهل التصوف : أن المراد من الموتى القلوب المحجوبة عن أنوار المكاشفات والتجلي ، والإحياء عبارة عن حصول ذلك التجلي والأنوار الإلهية فقوله {أرني كيف تحيي الموتى} طلب لذلك التجلي والمكاشفات فقال أولم تؤمن قال بلى أؤمن به إيمان الغيب ، ولكن أطلب حصولها ليطمئن قلبي بسبب حصول ذلك التجلي ، وعلى قول المتكلمين : العلم الاستدلالي مما يتطرق إليه الشبهات والشكوك فطلب علماً ضرورياً يستقر القلب معه استقرار لا يتخالجه شيء من الشكوك والشبهات.\rالوجه السابع : لعله طالع في الصحف التي أنزلها الله تعالى عليه أنه يشرف ولده عيسى بأنه يحيي الموتى بدعائه فطلب ذلك فقيل له {أَوَلَمْ تُؤْمِن قَالَ بلى ولكن لّيَطْمَئِنَّ قَلْبِى} على أني لست أقل منزلة في حضرتك من ولدي عيسى.\rالوجه الثامن : أن إبراهيم صلى الله عليه وسلم أمر بذبح الولد فسارع إليه ، ثم قال : أمرتني أن أجعل ذا روح بلا روح ففعلت ، وأنا أسألك أن تجعل غير ذي روح روحانياً ، فقال : أولم تؤمن قال بلى ولكن ليطمئن قلبي على أنك اتخذتني خليلاً.\r","part":8,"page":389},{"id":3430,"text":"الوجه التاسع : نظر إبراهيم صلى الله عليه وسلم في قلبه فرآه ميتاً بحب ولده فاستحيى من الله وقال : أرني كيف تحيي الموتى أي القلب إذا مات بسبب الغفلة كيف يكون إحياؤه بذكر الله تعالى.\rالوجه العاشر : تقدير الآية أن جميع الخلق يشاهدون الحشر يوم القيامة فأرني ذلك في الدنيا ، فقال : أولم تؤمن قال بلى ولكن ليطمئن قلبي على أن خصصتني في الدنيا بمزيد هذا التشريف.\rالوجه الحادي عشر : لم يكن قصد إبراهيم إحياء الموتى ، بل كان قصده سماع الكلام بلا واسطة.\rالثاني عشر : ما قاله قوم من الجهال ، وهو أن إبراهيم صلى الله عليه وسلم كان شاكاً في معرفة المبدأ وفي معرفة المعاد ، أما شكه في معرفة المبدأ فقوله {هذا رَبّى} وقوله {لَئِن لَّمْ يَهْدِنِى رَبّى لأَكُونَنَّ مِنَ القوم الضالين} [ الأنعام : 77 ] وأما شكه في المعاد فهو في هذه الآية ، وهذا القول سخيف ، بل كفر وذلك لأن الجاهل بقدرة الله تعالى على إحياء الموتى كافر ، فمن نسب النبي المعصوم إلى ذلك فقد كفر النبي المعصوم ، فكان هذا بالكفر أولى ، ومما يدل على فساد ذلك وجوه أحدها : قوله تعالى : {أَوَلَمْ تُؤْمِن قَالَ بلى ولكن لّيَطْمَئِنَّ قَلْبِى} ولو كان شاكاً لم يصح ذلك\rوثانيها : قوله {ولكن لّيَطْمَئِنَّ قَلْبِى} وذلك كلام عارف طالب لمزيد اليقين ، ومنها أن الشك في قدرة الله تعالى يوجب الشك في النبوّة فكيف يعرف نبوّة نفسه. (1) أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 7 صـ 34 ـ 35}\rقوله تعالى : {أَوَلَمْ تُؤْمِن}\rقال الفخر :\rقوله تعالى : {أَوَلَمْ تُؤْمِن} ففيه وجهان أحدهما : أنه استفهام بمعنى التقرير ، قال الشاعر :\rألستم خير من ركب المطايا.. وأندى العالمين بطون راح\r______________\r(1) بعض هذه الوجوه لا يخلو من مقال\rورحم الله الإمام الفخر فقد كان حبرا لا يبارى ولا يجارى. والله أعلم وأحكم.","part":8,"page":390},{"id":3431,"text":"والثاني : المقصود من هذا السؤال أن يجيب بما أجاب به ليعلم السامعون أنه عليه السلام كان مؤمناً بذلك عارفاً به وأن المقصود من هذا السؤال شيء آخر. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 7 صـ 35}\rقوله تعالى : {قَالَ بلى ولكن لّيَطْمَئِنَّ قَلْبِى}\rقال الفخر : \rاعلم أن اللام في {لّيَطْمَئِنَّ} متعلق بمحذوف ، والتقدير : سألت ذلك إرادة طمأنينة القلب ، قالوا.\rوالمراد منه أن يزول عنه الخواطر التي تعرض للمستدل وإلا فاليقين حاصل على كلتا الحالتين. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 7 صـ 35}\rكلام نفيس للعلامة الآلوسى فى هذا الموضع\rقال رحمه الله ما نصه : \r","part":8,"page":391},{"id":3432,"text":"ومعنى الطمأنينة حينئذ سكون القلب عن الجولان في كيفيات الإحياء المحتملة بظهور التصوير المشاهد ، وعدم حصول هذه الطمأنينة قبل لا ينافي حصول الإيمان بالقدرة على الإحياء على أكمل الوجوه ، ولا أرى رؤية الكيفية زادت في إيمانه المطلوب منه عليه السلام شيئاً وإنما أفادت أمراً لا يجب الإيمان به ، ومن هنا تعلم أن علياً كرم الله تعالى وجهه لم يثبت لنفسه مرتبة في الإيمان أعلى من مرتبة الخليل فيه بقوله : لو كشفت لي الغطاء ما ازددت يقيناً كما ظنه جهلة الشيعة وكثير من أصحابنا لما لم يقف على ما حررنا تجشم لدفع ما عسى أن يتوهم من كلامي الخليل والأمير من أفضلية الثاني على الأول فبعض دفعه بأن اليقين يتصور أن يطرأ عليه الجحود لقوله تعالى : { وَجَحَدُواْ بِهَا واستيقنتها أَنفُسُهُمْ } [ النمل : 14 ] والطمأنينة لا يتصور طرو ذلك عليها ونسب هذا لحجة الإسلام الغزالي وفي القلب منه شيء ، وبعض قرر في دفعه أن مقام النبوة مغاير لمقام الصديقية ، فلمقام النبوة طمأنينة وعدم طمأنينته بحسبه ، ولمقام الصديقية طمأنينة وعدم طمأنينته بحسبه أيضاً ، وطمأنينة مقام النبوة كانت لخاتم النبيين صلى الله عليه وسلم كما كشف عنها بقوله تعالى : { أَلَمْ تَرَ إلى رَبّكَ كَيْفَ مَدَّ الظل } [ الفرقان : 45 ] على ما يعرفه أهل الذوق من الآية وكان الاستعداد من إبراهيم وكذا من موسى عليهما السلام متوجهاً إلى ابتغاء تلك الطمأنينة كما أبانا عن أنفسهما بـ { رَبّ أَرِنِى كَيْفَ * يُحْيِىَ الموتى } و{ رَبّ أَرِنِى أَنظُرْ إِلَيْكَ } [ الأعراف : 143 ] وطمأنينة مقام الصديقية كانت للصديقين من أمة محمد صلى الله عليه وسلم كما أبدى عن نفسه إمام الصديقين كرم الله تعالى وجهه بقوله : \"لو كشف\" الخ ، وكان الاستعداد في صدِّيقي سائر الأنبياء متوجهاً إلى ابتغاء تلك الطمأنينة فثبتت الفضيلة لمحمد صلى الله عليه وسلم على سائر إخوانه من الأنبياء والصديقية","part":8,"page":392},{"id":3433,"text":"على سائر الصديقين من أممهم ولم يثبت لصديقيه لوجدانهم طمأنينتهم الفضيلة على الأنبياء عند فقدانهم طمأنينتهم لأن ما فقدوه من الطمأنينة غير ما وجده الصديقون منها لأنهم إنما يفقدون الطمأنينة اللائقة بمقام النبوة والصديقون لم يجدوا مثل تلك الطمأنينة وإنما وجدوا طمأنينة لائقة بمقام الصديقين ولو رضي النبيون بمثله لكان حاصلاً لهم ، وأجل من ذلك بعدة مراتب ولقد اعترف الصديق الأكبر رضي الله تعالى عنه بهذا التخلف حين بلغه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال : إني لأسهو فقال : يا ليتني كنت سهو محمد صلى الله عليه وسلم إذ علم أن ما يعده رسول الله صلى الله عليه وسلم من نفسه الكريمة سهواً فوق أعلى يقظان الصديق إذ حسنات الأبرار سيآت المقربين وحسنات المقربين سيآت النبيين ، وهذا أولى مما سبق ، وبعض من المتصوفة كجهلة الشيعة التزموا ظاهر كل من الكلامين وزعموا أن أولياء هذه الأمة وصديقهم أعلى كعباً من الأنبياء ولو نالوا مقام الصديقية محتجين بما روي عن الإمام الرباني سيدي وسندي عبد القادر الكيلاني قدس سره أنه قال : يا معشر الأنبياء الفرق بيننا وبينكم بالألقاب وأوتينا ما لم تؤتوه ، وببعض عبارات للشيخ الأكبر قدس سره ينطق بذلك ، وأنت تعلم أن التزام ذلك والقول به خرق لإجماع المسلمين ومصادم للأدلة القطعية على أفضلية الأنبياء على سائر الخلق أجمعين ، ويوشك أن يكون القول به كفراً بل قد قيل به ، وما روي عن الشيخ عبد القادر قدس سره فمما لم يثبت نقله عنه في كتاب يعول عليه ، وما يعزى إلى الشيخ الأكبر قدس سره فتعارضه عبارات له أخر مثل قوله قدس سره وهو الذي تعلم ترجمته لنفسه وعده إياها من أكبر الصديقين بل خاتم الولاية الخاصة والمقام المحمدي فتح لي قدر خرم إبرة من مقام النبوة تجليّاً لا دخولاً فكدت أحترق ، وبتقدير تسليم ما نقل عمن نقل والقول بعدم قوة المعارض لنا أن نقول : إن ذلك القول صدر عن القائل عند فنائه","part":8,"page":393},{"id":3434,"text":"في الحقيقة المحمدية والذات الأحمدية فاللسان حينئذ لسانها والقول قولها ولم يصدر ذلك منه حين رؤية نفسه ، والوقوف عند رتبته وهذا غير ما ذهب إليه الشيعة وبعيد عنه بمراحل ، ولعل النوبة تفضي إلى تحقيقه بأتم من هذا إن شاء الله تعالى ، فخزائن الفكر ولله الحمد مملوءة ، ولكل مقام مقال ، هذا وذكر الزمخشري أن المراد بالطمأنينة هنا العلم الذي لا مجال للتشكيك فيه وهو علم الضرورة المخالف لعلم الاستدلال حيث يجوز معه ذلك ، واعترض بأن العلم الموقوف على سبب لا يتصور فيه تشكيك ما دام سببه مذكوراً في نفس العالم وإنما الذي قبل التشكيك قبولاً مطلقاً هو الاعتقاد وإن كان صحيحاً وسببه باق في الذكر وبهذا ينحط الاعتقاد الصحيح عن العلم ، وأجيب بأن هذا مبني على تفسير العلم بأنه صفة توجب تمييزاً لا يحتمل النقيض بوجه على ما ذكره ابن الحاجب في \"مختصره\" وقد قيل عليه ما قيل فتدبر. أ هـ {روح المعانى حـ 3 صـ 28}\rقوله تعالى : {فَخُذْ أَرْبَعَةً مّنَ الطير}\rقال أبو حيان : \rالطير اسم جمع لما لا يعقل ، يجوز تذكيره وتأنيثه ، وهنا أتى مذكراً لقوله تعالى { وخذ أربعة من الطير } وجاء على الأفصح في اسم الجمع في العدد حيث فصل : بمن ، فقيل : أربعة من الطير يجوز الإضافة ، كما قال تعالى : { تسعة رهط } ونص بعض أصحابنا على أن الإضافة لاسم الجمع في العدد نادرة لا يقاس عليها ، ونص بعضهم على أن اسم الجمع لما لا يعقل مؤنث ، وكلا القولين غير صواب. أ هـ {البحر المحيط حـ 2 صـ 310}\rفصل\rقال الفخر : \rأما قوله تعالى : {فَخُذْ أَرْبَعَةً مّنَ الطير} فقال ابن عباس رضي الله عنهما : أخذ طاوساً ونسراً وغراباً وديكاً ، وفي قول مجاهد وابن زيد رضي الله عنهما : حمامة بدل النسر ، وهاهنا أبحاث : ","part":8,"page":394},{"id":3435,"text":"البحث الأول : أنه لما خص الطير من جملة الحيوانات بهذه الحالة ذكروا فيه وجهين الأول : أن الطيران في السماء ، والارتفاع في الهواء ، والخليل كانت همته العلو والوصول إلى الملكوت فجعلت معجزته مشاكلة لهمته.\rوالوجه الثاني : أن الخليل عليه السلام لما ذبح الطيور وجعلها قطعة قطعة ، ووضع على رأس كل جبل قطعاً مختلطة ، ثم دعاها طار كل جزء إلى مشاكله ، فقيل له كما طار كل جزء إلى مشاكله كذا يوم القيامة يطير كل جزء إلى مشاكله حتى تتألف الأبدان وتتصل به الأرواح ، ويقرره قوله تعالى : \r{يَخْرُجُونَ مِنَ الأجداث كَأَنَّهُمْ جَرَادٌ مُّنتَشِرٌ} [ القمر : 7 ].\rالبحث الثاني : أن المقصود من الإحياء والإماتة كان حاصلاً بحيوان واحد ، فلم أمر بأخذ أربع حيوانات ، وفيه وجهان الأول : أن المعنى فيه أنك سألت واحداً على قدر العبودية وأنا أعطي أربعاً على قدر الربوبية والثاني : أن الطيور الأربعة إشارة إلى الأركان الأربعة التي منها تركيب أبدان الحيوانات والنباتات والإشارة فيه أنك ما لم تفرق بين هذه الطيور الأربعة لا يقدر طير الروح على الارتفاع إلى هواء الربوبية وصفاء عالم القدس.\rالبحث الثالث : إنما خص هذه الحيوانات لأن الطاوس إشارة إلى ما في الإنسان من حب الزينة والجاه والترفع ، قال تعالى : {زُيّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشهوات} [ آل عمران : 14 ] والنسر إشارة إلى شدة الشغف بالأكل والديك إشارة إلى شدة الشغف بقضاء الشهوة من الفرج والغراب إشارة إلى شدة الحرص على الجمع والطلب ، فإن من حرص الغراب أنه يطير بالليل ويخرج بالنهار في غاية البرد للطلب ، والإشارة فيه إلى أن الإنسان ما لم يسع في قتل شهوة النفس والفرج وفي إبطال الحرص وإبطال التزين للخلق لم يجد في قلبه روحاً وراحة من نور جلال الله. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 7 صـ 36}\rقال أبو حيان : \r","part":8,"page":395},{"id":3436,"text":"وما أبدوه في تخصيص الأربعة وفي تعيينها لا تكاد تظهر حكمته فيما ذكروه ، وما أجراه الله تعالى لأنبيائه من الخوارق مختلف ، وحكمة اختصاص كل نبي بما أجرى الله له منها مغيبة عنا.\rألا ترى خرق العادة لموسى في أشياء ، ولعيسى في أشياء غيرها ، ولرسولنا محمد صلى الله عليه وسلم وعليهم في أشياء لا يظهر لنا سر الحكمة في ذلك ؟ فكذلك كون هذه الأربعة من الطير ، لا يظهر لنا سر حكمته في ذلك. أ هـ {البحر المحيط حـ 2 صـ 310}\rلطيفة\rقال ابن عاشور : \rوجيء بمن للتبعيض لدلالة على أنّ الأربعة مختلفة الأنواع ، والظاهر أنّ حكمة التعدّد والاختلاف زيادة في تحقّق أنّ الإحياء لم يكن أهون في بعض الأنواع دون بعض ، فلذلك عدّدت الأنواع ، ولعلّ جعلها أربعة ليكون وضعُها على الجهات الأربع : المشرق والمغرب والجنوب والشمال لئلاّ يظنّ لبعض الجهات مزيد اختصاص بتأتي الإحياء ، ويجوز أنّ المراد بالأربعة أربعة أجزاء من طير واحد فتكون اللام للعهد إشارة إلى طير حاضر ، أي خذ أربعة من أجزائه ثم ادعهنّ ، والسعي من أنواع المشي لا من أنواع الطيران ، فجعل ذلك آية على أنَّهنّ أعيدت إليهن حياة مخالفة للحياة السابقة ، لئلا يظن أنّهن لم يمتن تماماً. أ هـ {التحرير والتنوير حـ 3 صـ 39 ـ 40}\rقوله تعالى : {فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ}\rفصل\rقال الفخر : \rقرأ حمزة {فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ} بكسر الصاد ، والباقون بضم الصاد ، أما الضم ففيه قولان\rالأول : أن من صرت الشيء أصوره إذا أملته إليه ورجل أصور أي مائل العنق ، ويقال : صار فلان إلى كذا إذا قال به ومال إليه ، وعلى هذا التفسير يحصل في الكلام محذوف ، كأنه قيل : أملهن إليك وقطعهن ، ثم اجعل على كل جبل منهن جزأ ، فحذف الجملة التي هي قطعهن لدلالة الكلام عليه كقوله {أَنِ اضرب بّعَصَاكَ البحر فانفلق} على معنى : فضرب فانفلق لأن قوله {ثُمَّ اجعل على كُلّ جَبَلٍ مّنْهُنَّ جزءاً} يدل على التقطيع.\r","part":8,"page":396},{"id":3437,"text":"فإن قيل : ما الفائدة في أمره بضمها إلى نفسه بعد أن يأخذها ؟ .\rقلنا : الفائدة أن يتأمل فيها ويعرف أشكالها وهيآتها لئلا تلتبس عليه بعد الإحياء ، ولا يتوهم أنها غير تلك.\rوالقول الثاني : وهو قول ابن عباس وسعيد بن جبير والحسن ومجاهد {صرهن إليك} معناه قطعهن ، يقال : صار الشيء يصوره صوراً ، إذ قطعه ، قال رؤبة يصف خصماً ألد : صرناه بالحكم ، أي قطعناه ، وعلى هذا القول لا يحتاج إلى الإضمار ، وأما قراءة حمزة بكسر الصاد ، فقد فسّر هذه الكلمة أيضاً تارة بالإمالة ، وأخرى بالتقطيع ، أما الإمالة فقال الفرّاء : هذه لغة هذيل وسليم : صاره يصيره إذا أماته ، وقال الأخفش وغيره {صرهن} بكسر الصاد : قطعهن.\rيقال : صاره يصيره إذا قطعه ، قال الفرّاء : أظن أن ذلك مقلوب من صرى يصري إذا قطع ، فقدمت ياؤها ، كما قالوا : عثا وعاث ، قال المبرّد : وهذا لا يصح ، لأن كل واحد من هذين اللفظين أصل في نفسه مستقل بذاته ، فلا يجوز جعل أحدهما فرعاً عن الآخر. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 7 صـ 36 ـ 37}\rفصل\rقال الفخر : \rأجمع أهل التفسير على أن المراد بالآية : قطعهن ، وأن إبراهيم قطع أعضاءها ولحومها وريشها ودماءها ، وخلط بعضها على بعض ، غير أبي مسلم فإنه أنكر ذلك ، وقال : إن إبراهيم عليه السلام لما طلب إحياء الميت من الله تعالى أراه الله تعالى مثالا قرب به الأمر عليه ، والمراد بصرهن إليك الإمالة والتمرين على الإجابة ، أي فعود الطيور الأربعة أن تصير بحيث إذا دعوتها أجابتك وأتتك ، فإذا صارت كذلك ، فاجعل على كل جبل واحداً حال حياته ، ثم ادعهن يأتينك سعياً ، والغرض منه ذكر مثال محسوس في عود الأرواح إلى الأجساد على سبيل السهولة وأنكر القول بأن المراد منه : فقطعهن.\rواحتج عليه بوجوه\r","part":8,"page":397},{"id":3438,"text":"الأول : أن المشهور في اللغة في قوله {فَصُرْهُنَّ} أملهن وأما التقطيع والذبح فليس في الآية ما يدل عليه ، فكان إدراجه في الآية إلحاقاً لزيادة بالآية لم يدل الدليل عليها وأنه لا يجوز والثاني : أنه لو كان المراد بصرهن قطعهن لم يقل إليك ، فإن ذلك لا يتعدى بإلي وإنما يتعدى بهذا الحرف إذا كان بمعنى الإمالة.\rفإن قيل : لم لا يجوز أن يقال في الكلام تقديم وتأخير ، والتقدير : فخذ إليك أربعة من الطير فصرهن.\rقلنا : التزام التقديم والتأخير من غير دليل ملجىء إلى التزامه خلاف الظاهر والثالث : أن الضمير في قوله {ثُمَّ ادعهن} عائد إليها لا إلى أجزائها ، وإذا كانت الأجزاء متفرقة متفاصلة وكان الموضوع على كل جبل بعض تلك الأجزاء يلزم أن يكون الضمير عائداً إلى تلك الأجزاء لا إليها ، وهو خلاف الظاهر ، وأيضاً الضمير في قوله {يَأْتِينَكَ سَعْيًا} عائداً إليها لا إلى إجزائها وعلى قولكم إذا سعى بعض الأجزاء إلى بعض كان الضمير في {يَأْتِينَكَ} عائداً إلى أجزائها لا إليها ، واحتج القائلون بالقول المشهور بوجوه\rالأول : أن كل المفسرين الذين كانوا قبل أبي مسلم أجمعوا على أنه حصل ذبح تلك الطيور وتقطيع أجزائها ، فيكون إنكار ذلك إنكاراً للإجماع والثاني : أن ما ذكره غير مختص بإبراهيم صلى الله عليه وسلم ، فلا يكون له فيه مزية على الغير\rوالثالث : أن إبراهيم أراد أن يريه الله كيف يحيي الموتى ، وظاهر الآية يدل على أنه أجيب إلى ذلك ، وعلى قول أبي مسلم لا تحصل الإجابة في الحقيقة\r","part":8,"page":398},{"id":3439,"text":"والرابع : أن قوله {ثُمَّ اجعل على كُلّ جَبَلٍ مّنْهُنَّ جُزْءا} يدل على أن تلك الطيور جعلت جزأ جزأ ، قال أبو مسلم في الجواب عن هذا الوجه : أنه أضاف الجزء إلى الأربعة فيجب أن يكون المراد بالجزء هو الواحد من تلك الأربعة والجواب : أن ما ذكرته وإن كان محتملاً إلا أن حمل الجزء على ما ذكرناه أظهر والتقدير : فاجعل على كل جبل من كل واحد منهن جزأً أو بعضاً. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 7 صـ 37 ـ 38}\rقوله تعالى : {ثُمَّ اجعل على كُلّ جَبَلٍ مّنْهُنَّ جُزْءاً}\rفصل\rقال الفخر : \rظاهر قوله {على كُلّ جَبَلٍ} جميع جبال الدنيا ، فذهب مجاهد والضحاك إلى العموم بحسب الإمكان ، كأنه قيل : فرقها على كل جبل يمكنك التفرقة عليه ، \rوقال ابن عباس والحسن وقتادة والربيع أربعة جبال على حسب الطيور الأربعة وعلى حسب الجهات الأربعة أيضاً أعني المشرق والمغرب والشمال والجنوب ، \rوقال السدي وابن جريج : سبعة من الجبال لأن المراد كل جبل يشاهده إبراهيم عليه السلام حتى يصح منه دعاء الطير ، لأن ذلك لا يتم إلا بالمشاهدة ، والجبال التي كان يشاهدها إبراهيم عليه السلام سبعة. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 7 صـ 38}\rقال أبو حيان : \rوالظاهر أنه أمر أن يجعل على كل جبل ثلاثة مما يشاهده بصره ، بحيث يرى الأجزاء ، وكيف تلتئم إذا دعا الطيور. أ هـ {البحر المحيط حـ 2 صـ 311}\rفصل\rقال الفخر : \rروي أنه صلى الله عليه وسلم أمر بذبحها ونتف ريشها وتقطيعها جزءاً جزءاً وخلط دمائها ولحومها ، وأن يمسك رؤوسها ، ثم أمر بأن يجعل أجزاءها على الجبال على كل جبل ربعاً من كل طائر ، ثم يصيح بها : تعالين بإذن الله تعالى ، ثم أخذ كل جزء يطير إلى الآخر حتى تكاملت الجثث ، ثم أقبلت كل جثة إلى رأسها وانضم كل رأس إلى جثته ، وصار الكل أحياء بإذن الله تعالى. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 7 صـ 38}\rقوله تعالى : {ثُمَّ ادعهن يَأْتِينَكَ سَعْيًا}\rفصل\rقال الفخر : \r","part":8,"page":399},{"id":3440,"text":"أما قوله تعالى : {ثُمَّ ادعهن يَأْتِينَكَ سَعْيًا} فقيل عدواً ومشياً على أرجلهن ، لأن ذلك أبلغ في الحجة ، وقيل طيراناً وليس يصح ، لأنه لا يقال للطير إذا طار : سعى ، ومنهم من أجاب عنه بأن السعي هو الاشتداد في الحركة ، فإن كانت الحركة طيراناً فالسعي فيها هو الاشتداد في تلك الحركة. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 7 صـ 38}\rوقال أبو حيان : \r{ ثم ادعهنّ يأتينك سعياً } أمره بدعائهنّ وهنّ أموات ، ليكون أعظم له في الآية ، ولتكون حياتها متسببة عن دعائه ، ولذلك رتب على دعائه إياهنّ إتيانهنّ إليه ، والسعي هو : الإسراع في الشيء.\rوقال الخليل : لا يقال سعى الطائر ، يعنى على سبيل المجاز ، فيقال : وترشيحه هنا هو أنه لما دعاهنّ فأتينه تنزلن منزلة العاقل الذي يوصف بالسعي ، وكان إتيانهنّ مسرعات في المشي أبلغ في الآية ، إذ اتيانهنّ إليه من الجبال يمشين مسرعات هو على خلاف المعهود لهنّ من الطيران ، وليظهر بذلك عظم الآية ، إذ أخبره أنهنّ يأتين على خلاف عادتهنّ من الطيران ، فكان كذلك.\rوجعل سيرهنّ إليه سعياً ، إذ هو مشية المجد الراغب فيما يمشي إليه ، لإظهار جدها في قصد إبراهيم ، وإجابة دعوته.\rوانتصاب : سعياً ، على أنه مصدر في موضع الحال من ضمير الطيور ، أي : ساعيات ، وروي عن الخليل : أن المعنى يأتينك وأنت تسعى سعياً.\rفعلى هذا يكون مصدراً لفعل محذوف ، هو في موضع الحال من الكاف ، وكان المعنى : يأتينك وأنت ساع إليهنّ ، أي يكون منهنّ إتيان إليك ، ومنك سعي إليهنّ ، فتلتقي بهنّ.\rوالوجه الأول أظهر ، وقيل : انتصب : سعياً ، على أنه مصدر مؤكد لأن السعي والإتيان متقاربان. أ هـ {البحر المحيط حـ 2 صـ 311}\rسؤال : فإنْ قيل : فكيف أجيب إبراهيم إلى آيات الآخرة دون موسى في قوله : { رَبِّ أَرِنِي أَنظُرْ إِلَيْكَ } [ الأعراف : 143 ] فعنه جوابان : \rأحدهما : أن ما سأله موسى لا يصح مع بقاء التكليف ، وما سأله إبراهيم خاص يصح.\r","part":8,"page":400},{"id":3441,"text":"والثاني : أن الأحوال تختلف ، فيكون الأصلح في بعض الأوقات الإجابة ، وفي بعض وقت آخر المنع فيما لم يتقدم فيه إذن. أ هـ {النكت والعيون حـ 1 صـ 335 ـ 336}\rقوله تعالى : { وَاعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ }\rالمناسبة\rقال البقاعى : \rولما أراه سبحانه وتعالى ملكوت الأرض صارت تلك الرؤية علماً على عزة الله من وراء الملكوت في محل الجبروت فقال : {واعلم أن الله} أي المحيط علماً وقدرة {عزيز} ولما كان للعزة صولة لا تقوى لها فطر المخترعين نزل تعالى الخطاب إلى محل حكمته فقال : {حكيم} فكان فيه إشعار بأنه سبحانه وتعالى جعل الأشياء بعضها من بعض كائنة وبعضها إلى بعض عامدة وبعضها من ذلك البعض معادة {منها خلقناكم وفيها نعيدكم ومنها نخرجكم تارة أخرى} [ طه : 55 ] وهذه الحكمة التي أشار إليها اسمه الحكيم حكمة ملكوتية جامعة لوصلة ما بين حكمة الدنيا وحكمة الآخرة ، \rلأن الحكيم بالحقيقة ليس من علمه الله حكمة الدنيا وألبس عليه جعله لها بل ذلك جاهلها كما تقدم ، \rإنما الحكيم الذي أشهده الله حكمة الدنيا أرضاً وأفلاكاً ونجوماً وآفاقاً وموالد وتوالداً ، \rوأشهده أنه حكيمها ، \rومزج له علم حكمة موجود الدنيا بعلم حكمة موجود الآخرة ، \rوأراه كيفية توالج الحكمتين بعضها في بعض ومآل بعضها إلى بعض حتى يشهد دوران الأشياء في حكمة أمر الآخرة التي هي غيب الدنيا إلى مشهود حكمة الدنيا ثم إلى مشهود حكمة الآخرة كذلك عوداً على بدء وبدءاً على عود في ظهور غيب الإبداء إلى مشهوده وفي عود مشهوده إلى غيبه {قالوا ربنا أمتنا اثنتين وأحييتنا اثنتين} [ غافر : 11 ] كذلك إلى المعاد الأعظم الإنساني {يوم يجمعكم ليوم الجمع ذلك يوم التغابن} [ التغابن : 9 ] فهذا هو الحكيم المتوسط الحكمة ، \rثم وراء ذلك أمر آخر من على أمر الله في متعالي تجلياته بأسماء وأوصاف يتعالى ويتعاظم للمؤمنين ويتبارك ويستعلن للموقنين الموحدين ، ","part":8,"page":401},{"id":3442,"text":"فله سبحانه وتعالى العزّة في خلقه وأمره وله الحكمة في خلقه وأمره ومن ورائها كلمته التي لا ينفد تفصيل حكمها {قل لو كان البحر مداداً} [ الكهف : 109 ] وكلماته لا تحد ولا تعد {ولو أن ما في الأرض من شجرة أقلام} [ لقمان : 27 ] ، \rفهو العزيز الحكيم العلي العظيم - انتهى.\rوهو أعلى من الجوهر الثمين وقد لاح بهذا أن قصد الخليل عليه أفضل الصلاة والسلام الانتقال من علم اليقين إلى عين اليقين بل إلى حق اليقين ، \rوكأنه عد المرتبة الدنيا من الطمأنينة بالنسبة إلى العليا عدماً ، \rوقيل : بل كان قصده بالسؤال رؤية المحيي ولكنه طلبها تلويحاً فأجيب بالمنع منها بوصف العزة تلويحاً ، \rوموسى عليه الصلاة والسلام لما سأل تصريحاً أجيب تصريحاً ، \rوسؤال الخليل عليه الصلاة والسلام ليس على وجه الشك ، \rوقول النبي صلى الله عليه وسلم \" نحن أحق بالشك من إبراهيم \" يرشد إلى ذلك ، \rلأنه صلى الله عليه وسلم لم يشك ، \rوإذا انتفى الشك عن الأحق انتفى الشك عن غيره من باب الأولى ، \rولئن سلمنا فالمراد أنه فعل مثل ما يفعل الشاك إطلاقاً لاسم الملزوم على اللازم في الجملة ، \rوأما نفس الشك فقد نفاه القرآن عنه صلى الله عليه وسلم تصريحاً بقوله \" بلى \" وتلويحاً بكون هذه الآية عقب آية محاجته لذلك الذي بهت ، \rنقل أن الشيخ أحمد أخا حجة الإسلام الغزالي سئل أيما أعلى المقام الإبراهيمي في سؤال الطمأنينة أو المقام العلوي القائل : لو كشف الغطاء ما ازددت يقيناً ؟ فقال : الإبراهيمي لقوله تعالى {وجحدوا بها واستيقنتها أنفسهم} [ النمل : 14 ]. أ هـ {نظم الدرر حـ 1 صـ 513 ـ 514}\rقال أبو حيان : \r{ واعلم أن الله عزيز حكيم } عزيز لا يمتنع عليه ما يريد ، حكيم فيما يريد ويمثل ، والعزة تتضمن القدرة ، لأن الغلبة تكون عن العزة.\rوقيل : عزيز منتقم ممن ينكر بعث الأموات ، حكيم في نشر العظام الرفاة. أ هـ {البحر المحيط حـ 2 صـ 312}\rفائدة\rقال أبو حيان : \r","part":8,"page":402},{"id":3443,"text":"وقد تضمنت هذه القصص الثلاث ، من فصيح المحاورة بذكر : قال ، سؤالاً وجواباً ، وغير ذلك من غير عطف ، إذ لا يحتاج إلى التشريك بالحرف إلاَّ إذا كان الكلام بحيث لو لم يشرك لم يستقل ، فيؤتى بحرف التشريك ليدل على معناه.\rأما إذا كان المعنى يدل على ذلك ، فالأحسن ترك الحرف إذا كان أخذ بعضه بعنق بعض ، ومرتب بعضه من حيث المعنى على بعض ، وقد أشرنا إلى شيء من هذا في قوله : { وإذ قال ربك للملائكة أنى جاعل في الأرض خليفة }\rومما جاء ذلك كثيراً محاورة موسى وفرعون في سورة الشعراء وسيأتي تفسير ذلك إن شاء الله تعالى. أ هـ {البحر المحيط حـ 2 صـ 312}\rمن لطائف الإمام القشيرى فى الآية\rقيل كان في طلب في زيادة اليقين ، فأراد أن يقرن حق اليقين بما كان له حاصلاً من عين اليقين.\rوقيل استجلب خطابه بهذه المقالة إلى قوله سبحانه : { أو لم تؤمن قال بلى } كنت أومن ولكني اشتقتُ إلى قولك لي : أَوَلم تؤمن ، فإن بقولك لي : { أو لم تؤمن } تطميناً لقلبي. والمحبُّ أبداً يجتهد في أن يجد خطاب حبيبه على أي وجه أمكنه.\rوقيل : إنه طلب رؤية الحق سبحانه ولكن بالرمز والإشارة فَمُنِعَ منها بالإشارة بقوله { وَاعْلَمْ أَنَّ اللهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ }. وإن موسى - عليه السلام - لما سأل الرؤية جهراً وقال : { رَبِّ أَرِنِى أَنظُرْ إِلَيْكَ } [ الأعراف : 143 ] فَرُدَّ بالجهر صريحاً وقيل له { لَن تَرَانِى }.\rوقيل إنما طلب حياة قلبه فأُشير إليه بأن ذلك بذبح هذه الطيور ، وفي الطيور الأربعة طاووس ، والإشارة إلى ذبحه تعني زينة الدنيا ، وزهرتها ، والغراب لحِرصِه ، والديك لمشيته ، والبط لطلبه لرزقه.\rولما قال إبراهيم عليه السلام { أرِنِى كَيْفَ تُحْيِ المَوْتَى } ؟ قيل له : وأرني كيف تذبح الحي ؟ يعني إسماعيل ، مطالبة بمطالبة. فلمَّا وَفَّى بما طولب به وفَّى الحق سبحانه بحكم ما طلب.\r","part":8,"page":403},{"id":3444,"text":"وقيل كان تحت ميعاد من الحق - سبحانه - أن يتخذه خليلاً ، وأمارة ذلك إحياء الموتى على يده ، فجرى ما جرى.\rووصل بين قصة الخليل صلى الله عليه وسلم فيما أراه وأظهره على يده من إحياء الموتى وبين عُزَير إذ أراه في نفسه ؛ لأن الخليل يَرْجُح على عزير في السؤال وفي الحال ، فإن إبراهيم - عليه السلام - لم يَرُدَّ عليه في شيء ولكنه تَلَطَّف في السؤال ، وعُزَير كلمه كلام من يُشْبِه قولُه قولَ المسْتَبْعِد ، فأراد الحق أن يظهر له أقوى معجزة وأتمَّ دلالة حيث أظهر إحياءَ الموتى على يده حين التبس على نمرود ما قال إبراهيم - عليه السلام - ربي الذي يحيي ويميت ، فقال : { أَنَا أُحْىِ وَأُمِيتُ } أراد إبراهيم أن يُرِيَه الله سبحانه إحياء الموتى ليعلم أنه ليس هو الذي ادَّعى.\rوفي هاتين الآيتين رخصة لمن طلب زيادةَ اليقين من الله سبحانه وتعالى في حال النظر.\rويقال إن إبراهيم أراد إحياء القلب بنور الوصلة بحكم التمام ، فقيل له : { أَوَلَمْ تُؤْمِن } يعني أما تذكر حال طلبك إيانا حين كنت تقول لكل شيء رأيته { هَذَا رَبِّى } [ الأنعام : 77 ] فلم تَدْرِ كيف بَلَّغْنَاكَ إلى هذه الغاية ، فكذلك يوصلك إلى ما سَمَتْ إليه هِمَّتُك.\rوالإشارة من هذا أن حياة القلب لا تكون إلا بذبح هذه الأشياء يعني النفس ؛ فَمَنْ لم يذبح نفسه بالمجاهدات لم يَحْيَى قلبُه بالله.\rوفيه إشارة أيضاً وهو أنه قال قَطِّعْ بيدك هذه الطيور ، وفَرِّقْ أجزاءها ، ثم ادْعُهُنَّ يأتينك سعياً ، فما كان مذبوحاً بيد صاحب الخلة ، مقطعاً مُفَرَّقاً بيده - فإذا ناداه استجاب له كل جزء مُفَرَّق.. كذلك الذي فَرَّقه الحق وشتَّته فإذا ناداه استجاب :\rولو أنَّ فوقي تُرْبةً وَدَعَوْتَنِي... لأجَبْتُ صَوْتَكَ والعِظَامُ رُفَاتُ (1)\rأ هـ {لطائف الإشارات حـ 1 صـ 201 ـ 203}\r_______________\r(1) ما أجمل هذا الكلام مع أن فى بعضه نظر ، رحم الله الإمام القشيرى.","part":8,"page":404},{"id":3445,"text":"من فوائد ابن عرفة فى الآية\rقوله تعالى : { وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي الموتى . . . }.\rقال ابن عطية : قال الجمهور : إن إبراهيم لم يكن شاكا قط في إحياء الله الموتى ، وإنما طلب المعاينة ، وقال آخرون : إنه شك في قدرة الله تعالى ( في ) إحياء الموتى ( ولذلك قال ابن عباس رضي الله عنهما ما في القرآن آية أرجى عندي من هذه.\rابن عرفة : هذا كلام لا يليق بابن عباس ).\rوحمله على ظاهره يلزم عليه الكفر فلا بد من تأويله وهو أن الشك في كيفية وجود الشيء لا يلزم منه الشك في وجود ذلك الشيء ، كما أنا لا نشك في موت عثمان رضي الله عنه مقتولا ونشك في كيفية ذلك حسبما اختلف فيه الرواة والنقلة.\rقال : ومن هنا يستدل على القول بعدم تواتر القراءات ( السبعة ) غير ملزوم ( للقول ) بعدم تواتر القرآن جملة.\rقال ابن عرفة : فأراد ابراهيم عليه السلام الانتقال من العلم النظري إلى العلم الضروري لأن ( النظري ) تعرض له الشكوك ( والضروري لا تعرض له الشكوك ) ولذلك يقول الفخر ابن الخطيب : في كلامه هذا تشكيك في الضروريات فلا يستحق جوابا.\rقيل له علم ( النبي ) ضروري لا نظري ؟ \rفقال : علمه بنفس الإحياء ضروري وبكيفيته نظري ، وقول النبي صلى الله عليه وسلم \" نحن أحق بالشك من إبراهيم \" على سبيل الفرض والتقدير في حق إبراهيم ، وعلى جهة التواضع منه عليه الصلاة والسلام ، أي لو فرض وقوع الشك من إبراهيم عليه السلام لكنا نحن أحق بذلك منه.\rقلت : تأول عياض في الشفاء هذه الآية بستة أوجه.\rأحدها : ما تقدم أنه طلب زيادة اليقين لأن العلوم تتفاوت.\rالثاني : علم وقوعه وأراد مشاهدته وكيفيته.\rالثالث : المراد اختبار منزلته عند الله تعالى وأن يعلم / إجابة دعوته ، والمراد : أو لم تؤمن بمنزلتك واصطفائي ( لك ).\rالرابع : لما احتج على الكفار بأن الله يحيي ويميت طلبه من ربه ليصحح احتجاجه به عيانا.\r","part":8,"page":405},{"id":3446,"text":"الخامس : أنّه سؤال على طريق الأدب أي ( أقدرني ) على إحياء الموتى.\rوالسادس : أنه آمن من نفسه الشّك ولم يشك لكن ليجاب فيزداد قربة.\rوقول ( رسول الله صلى الله عليه وسلم ) \" نحن أحق بالشك من إبراهيم \" نفي لأن يكون من إبراهيم شك أي نحن موقنون بالبعث وإحياء الموتى ، فلو شك إبراهيم لكنا أولى بالشك منه ( أو ) على طريق الأدب أو المراد أمته ( الذين ) يجوز عليهم الشك أو هو تواضع ، فأما قول الله تعالى { فَإِن كُنتَ فِي شَكٍّ مِّمَّآ أَنزَلْنَآ إِلَيْكَ } فقيل : معناه قل يا محمد للشاك : إن كنت في شك ، كقوله تعالى : { ياأيها الناس إِن كُنتُمْ فِي شَكٍّ مِّن دِينِي } وَ { فَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ الممترين } وقيل : المخاطب غيره وقيل : إنّه تقرير كقوله : \r{ ءَأَنتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتخذوني وَأُمِّيَ إلهين مِن دُونِ الله } وقد علم أنّه لم يقل.\r\" وقيل : إن كنت في شك فأسأل تزدد علما إلى علمك ، وقيل : إن كنت شاكا فيما شرّفناك به فاسألهم عن صفتك في الكتاب ؟ وقيل : إن كنت في شك من غيرك فيما أنزلنا إليك.\rقال القاضي عياض : واحذر أن يخطر ببالك ما نقله بعضهم عن ابن عباس رضي الله عنهما أو غيره من إثبات شك النبي صلى الله عليه وسلم فيما أوحي إليه وأنه من البشر فمثل هذا لا يجوز جملة بل قال ابن عباس : لم يشك عليه الصلاة والسلام.\rوانظر ما قيل على هذا الحديث ( في كتاب الإيمان في دفتر الحديث ، وفي أسئلة السكوني ).\rقوله تعالى : { قَالَ بلى ولكن لِّيَطْمَئِنَّ قَلْبِي . . . }.\rدليل على أن ( العقل ) في القلب.\rقوله تعالى : { فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ . . . }.\rقوله تعالى : { ثُمَّ اجعل على كُلِّ جَبَلٍ مِّنْهُنَّ جُزْءاً . . . }.\rأي من الطير لأنهم جعلوه حالا من جزء فيكون نكرة تقدم عليها فانتصب ( على الحال ).\rقال ابن عرفة : ويحتمل هذا أن يكون على كل جبل من الجبال فيعود الضمير على الجبال المفهومة من كل جبل.\r","part":8,"page":406},{"id":3447,"text":"قيل لابن عرفة : هلا بين له ذلك بإعدامهن جملة ثم إيجادهن عن عدم ؟ \rفقال : إيجادهن لايلزم منه إعادتهن بأعيانهن لأنه يشاهد كل قوم أمثالهن : وقد يظن أن الموجود غير هذا مماثل لهن فهذا أغرب ، وهو رؤيته أجْزَاءهُنّ المفترقة ( حين ) تجتمع وتعود كما كانت أول مرة قالوا : ولما اجتمعت أتت إليه التصق كل جسد مع رأسه.\rقال ابن راشد في اختصار ابن الخطيب : في الآية دليل على عدم اشتراط البنية خلافا للمعتزلة.\rفقال ابن عرفة : هذا بناء فيه على أن البنية هي الشكل الخاص وليس كذلك مطلقا بل البنية المشترطة في الرؤية هي الشكل الخاص والبنية المشترطة في الحياة هي البلة والرطوبة المزاجية.\rنص عليه القاضي والمقترح وغيرهما لأنا نجد الحيوانات على أشكال متنوعة ولو كانت الشكل الخاص لكانت على ( شكل ) واحد.\rقوله تعالى : { يَأْتِينَكَ سَعْياً . . . }.\rدليل على أنّهن أتينه يمشين خلافا لمن قال أتينه يطرن.\rقوله تعالى : { واعلم أَنَّ الله عَزِيزٌ حَكِيمٌ }.\rالحكمة مشروطة ( بالإتقان ) وهو سأل عن كيفية الإتقان فأخبره أنّه إذا علم كيفية الإتقان فلا يسأل عما وراء ذلك ، فَإنّ اللهَ عَزِيز حَكِيم لا يمانع ولا يعاند في فعله فإذا تدبّر الإنسان في ملكوت الله وقدرته على الأشياء وخلقه لها ، فلا يتدبّر فيها وراء ذلك لئلا ( يجر به ) تدبيره إلى الكفر وفساد العقيدة كما قال تعالى : { فارجع البصر هَلْ ترى مِن فُطُورٍ ثُمَّ ارجع البصر كَرَّتَيْنِ يَنقَلِبْ إِلَيْكَ البَصَرُ خَاسِئاً وَهُوَ حَسِيرٌ}. أ هـ {تفسير ابن عرفة صـ 339 ـ 340}","part":8,"page":407},{"id":3448,"text":"لطائف ونفائس\rسئل رحمه الله عن قوله : { وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي الموتى } [ 260 ] أفكان شاكاً في إيمانه حتى سأل ربه أن يريه آية ومعجزة ليصح معها إيمانه ؟ فقال سهل : لم يكن سؤاله ذلك عن شك ، وإنما كان طالباً زيادة يقين إلى إيمان كان معه ، فسأل كشف غطاء العيان بعيني رأسه ليزداد بنور اليقين يقيناً في قدرة الله ، وتمكيناً في خلقه ، ألا تراه كيف قال : { أَوَلَمْ تُؤْمِن قَالَ بلى } [ 260 ] فلو كان شاكاً لم يجب بـ \" بلى \" ، ولو علم الله منه الشك وهو أخبر بـ \" بلى \" وستر شكه لكشف الله تعالى ذلك ، إذ كان مثله مما لا يخفى عليه ، فصح أن طلب طمأنينته كان على معنى طلب الزيادة في يقينه . فقيل : إن أصحاب المائدة طلبوا الطمأنينة بإنزال المائدة ، وكان ذلك شكاً ، فكيف الوجه فيه ؟ فقال : إن إبراهيم عليه السلام أخبر أنه مؤمن ، وإنما سأل الطمأنينة بعد الإيمان زيادة ، وأصحاب المائدة أخبروا أنهم يؤمنون بعد أن تطمئن قلوبهم ، كما قال : { وَتَطْمَئِنَّ قُلُوبُنَا وَنَعْلَمَ أَن قَدْ صَدَقْتَنَا } [ المائدة : 113 ] فأخبروه أن علمهم بصدقة بعد طمأنينتهم إلى معاينتهم المائدة يكون ابتداء إيمان لهم . وقال أبو بكر : وسمعته مرة أخرى يقول : { وَلَكِن لِّيَطْمَئِنَّ قَلْبِي } [ 260 ] أي لست آمنُ أن يعارضني عدو لك\rقلنا فقوله : { لِّيَطْمَئِنَّ قَلْبِي } [ 260 ] أي خلتي ، هذا لما أعلمه أنك تحيي وتميت .\rوسئل سهل : إذا بلغ العبد إلى كفاح العيان ما علامته في البيان ؟ فقال : يغلب بطرد الشيطان ، وهو أن النفس في معاينة الهوان ، ولا سبيل إليه للنفس والشيطان بعزلهما عن الشيطان إلاَّ بحفظ الرحمن . وقال : [ من الوافر ]\rكفاياتُ الكِفاح بِحُسْنِ ظنِّي ... كنسجِ العنكبوتِ بباب غارِ\rوحسنُ الظَّنِّ جاوزَ كُلَّ حجبٍ ... وحُسْنُ الظَّنِّ جاوز نُورَ نار","part":8,"page":408},{"id":3449,"text":"علاماتُ الْمُقَرَّبِ واضحاتٌ ... بعيدٌ أمْ قريبٌ ليلُ سارِ\rفمنْ كانَ الإِله لهُ عِياناً ... فلا نومَ القرارِ إلى النهارِ\rتقاضاه الإله لَهم ثلاثاً ... فهل من سائلٍ من لطف بارِ\rمتى نَجس الولوغ ببحر ود ... فدع شقي النباح بباب داري\rألا يا نفس والشيطان أخسوا ... كبطلان الوساوس والغمارِ\rقوله : \" كفايات الكفاح بحسن ظني \" كأنه أشار إلى قوله : { أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ } [ فصلت : 53 ] فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : \" بلى يا رب \" وكذلك لما أنزلت { أَلَيْسَ الله بِأَحْكَمِ الحاكمين } [ التين : 8 ] قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : \" بلى يا رب \" ومن طريق فهمهم القرآن : أوَ لم يَكْفِ بِرَبِّكَ يا محمد بنصرتك في الدنيا على أعدائك بالقتل والهزيمة ، وفي العقبى بالمقام المحمود والشفاعة ، وفي الجنة باللقاء والزيارة ، وقوله : \" كنسج العنكبوت بباب غار \" وذلك أنَّ غار العارفين هو السر ، واطلاع رب العالمين إذا بلغوا إلى مقام الكفاح ، وهو عيان العيان بعد البيان ، فليس بينهم وبين الله تعالى إلاَّ حجاب العبودية بنظره إلى صفات الربوبية والهوية والإلهية والصمدية إلى السرمدية بلا منع ولا حجاب ، مثل من طريق الأمثال كنسيج العنكبوت حول قلبه ، وسره فؤاده بلطف الربوبية وكمال الشفقة بلا حجاب بينه وبين الله تعالى كنسج العنكبوت بباب غار رسول الله صلى الله عليه وسلم صرف الله به جميع أعدائه من صناديد قريش بدلالة إبليس إياهم عليه ، كذلك أهل المعرفة إذا بلغوا إلى مقام العيان بعد البيان انقطع وصرف وساوس الشيطان وسلطان النفس ، وصار كيدهم ضعيفاً ، بيانه قوله : \r","part":8,"page":409},{"id":3450,"text":"{ إِنَّ كَيْدَ الشيطان كَانَ ضَعِيفاً } [ النساء : 76 ] يعني صار عليهم ضعيفاً كما قال : { إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ } [ الحجر : 42 ] لأن العبد إذا جاوز بحسن ظنه جميع الحجب ، حتى لا يكون بينه وبين الله حجاب ، فليس للنفس والشيطان والدنيا دخول على قلبه وفؤاده بالوساوس ، ولذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم : \" رأيت البارحة عجباً عبد بينه وبين الله حجاب فجاء حسن ظنه بالله فأدخله الحجاب \" .\rوقوله : \" وحسن الظن جاوز نور نار \" كأنه أشار إلى متابعة الرسول شرفاً بتفضيله على الخليل والكليم ، لأن الأنبياء والأولياء في مقام رؤية النار والنور على مقامات شتى ، فالخليل رأى النار وصارت عليه برداً وسلاماً ، والكليم رأى النار نوراً بيانه قوله : { إني ءَانَسْتُ نَاراً } [ طه : 10 ] وكان في الأصل نوراً مع قوله : { أَن بُورِكَ مَن فِي النار } [ النمل : 8 ] يعني موسى في وسط النور فاشتغل بالنور فعاتبه فقال : لا تشتغل بالنور فإني منور النور ، بيانه : { إني أَنَاْ رَبُّكَ فاخلع نَعْلَيْكَ } [ طه : 12 ] وأما الحبيب صلى الله عليه وسلم فأراه النار والنور ، وجاوز حجاب النار والنور ، ثم أدناه بلا نار ولا نور ، حتى رأى في دنوه الأدنى منوّر الأنوار ، بيانه قوله : { مَا كَذَبَ الفؤاد مَا رأى } [ النجم : 11 ] فرفع الحبيب عن مقام الخليل والكليم ومقامات جميع الأنبياء المقربين ، حتى صار مكلماً بالله بلا وحي ولا ترجمان أحد ، بيانه قوله : { فأوحى إلى عَبْدِهِ مَآ أوحى } [ النجم : 10 ] يعني قال الحبيب للحبيب سراً وعلمه وأكرمه بفاتحة الكتاب وخواتيم سورة البقرة .\r","part":8,"page":410},{"id":3451,"text":"وقوله : \" علامات المقرب واضحات \" أراد أن جميع الأنبياء والملائكة لهم قربة ، ومحمد صلى الله عليه وسلم أقربهم قربة ، على وزن أفعل ، يقول قريب وأقرب ، فالقريب يدخل في الفهم والوهم والتفسير ، وأما الأقرب خارج عن الفهم والوهم والتفسير ، وما بعده لا يدخل في العبارة ولا في الإشارة ، وذلك أن موسى عليه السلام لما سمع ليلة النار نداء الوحدانية من الحق فقال : إلهي أقريب أنت فأناجيك أم بعيد فأناديك ؟ فنادى الكليم من مكان القريب والبعيد أنه قريب . ولم يكن هذا في وصف الرسول حينئذ صيره مقرباً ، حتى سلم الله عليه فقال : السلام عليكم ، وإن الله تعالى مدح أمته فقال : { والسابقون السابقون أولئك المقربون } [ الواقعة : 10-11 ] ولم يقل القريبون ، وعلامات المقرب واضحات من هذه الأمة ، فالقريب وجد من الله المنة والكرامة ، والبعيد وجد من الله العذاب والعقوب ، والمبعد وجد من الله الحجاب والقطيعة ، والمقرب وجد من الله اللقاء والزيارة .\rقوله : \" فمن كان الإله له عياناً \" علامات المشتاقين ، فليس لهم نوم ولا قرار لا بالليل ولا بالنهار ، والمخصوص بهذه الصفة صهيب وبلال ، لأن بلالاً كان من المشتاقين ، وكذلك صهيب ، لم يكن لهما نوم ولا قرار ، وقد حكي أن امرأة كانت اشترت صهيباً فرأته كذلك فقالت : لا أرضى حتى تنام بالليل لأنك تضعف فلا يتهيأ لك الاشتغال بأعمالي ، فبكى صهيب وقال : إن صهيباً إذا ذكر النار طار نومه ، وإذا ذكر الجنة جاء شوقه ، وإذا ذكر الله تعالى طال شوقه .\rوقوله : \" تقاضاه الإله لهم ثلاثاً \" لأن \" هل \" من حروف الاستفهام ، وأن الله عزَّ وجلَّ يرفع الحجاب كل ليلة فيقول : \" هل من سائل فأعطيه سؤله ؟ هل من مستغفر فأغفر له ؟ هل من داعٍ فأجيب دعوته ؟ \" فإذا كانت ليلة القدر رفع الله الشرط فقال : \" غفرت لكم وإن لم تستغفروني ، وأعطيتكم وإن لم تسألوني ، وأجبت لكم قبل أن تدعوني \" ، وهذا غاية الكرم .\r","part":8,"page":411},{"id":3452,"text":"قوله : \" متى نجس الولوغ ببحر ود \" أشار إلى ولوغ الكلب ، إذا ولغ في الإناء يغسل سبع مرات أو ثلاثاً ، باختلاف الألفاظ الواردة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فكيف ولو أن ألف ألف كلب ولغوا في بحر ؟ فلا اختلاف بين الأمة أن البحر لا ينجس بوساوس الشيطان ، وولوغه في قلوب العارفين والمحبين في بحر الوداد متى يوجب التنجس ، لأنه كلما ولغ فيه جاءه موج فطهره .\rوقوله : \" فدع شقي النباح بباب داري \" يعني دع يشقى إبليس يصيح على باب الدنيا بألوان الوساوس ، فإنه لا يضرني ، كقوله : { إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِّنَ الشيطان تَذَكَّرُواْ } [ الأعراف : 201 ] بالوحدانية مع قوله : { وَإِذَا ذَكَرْتَ رَبَّكَ فِي القرآن وَحْدَهُ وَلَّوْاْ على أَدْبَارِهِمْ نُفُوراً } [ الإسراء : 46 ] .\rقوله : \" اخسؤوا \" تباعدوا عني ، يقال للكلب اخسأ على كمال البعد والطرد ، وبهذا عاقبهم في آخر عقوباته إياهم ، كقوله : { اخسئوا فِيهَا وَلاَ تُكَلِّمُونِ } [ المؤمنون : 108 ]. أ هـ {تفسير التسترى صـ 56 ـ 58}","part":8,"page":412},{"id":3453,"text":"فوائد لغوية\rقال ابن عادل :\rفي العامل في \" إذْ \" ثلاثةُ أوجه :\rأظهرها : أنه قال : { أَوَلَمْ تُؤْمِن } ، أي : قال له ربَّه وقتَ قوله ذلك.\rوالثاني : أنه \" أَلَمْ تَرَ \" أي : ألم تر إذ قال إبراهيم.\rوالثالث : أنه مضمرٌ تقديره : واذكر قاله الزجاح ف \" إِذْ \" على هذين القولين مفعولٌ به ، لا ظرفٌ. و\" ربِّ \" منادى مضافٌ لياءِ المتكلم ، حُذفَتْ؛ استغناءً عنها بالكسرةِ قبلَها ، وهي اللغةُ الفصيحةُ ، وحُذِف حرفُ النداءِ.\rوقوله : \" أَرِنِي \" تقدَّم ما فيه من القراءات ، والتوجيه في قوله : { وَأَرِنَا } [ البقرة : 128 ] والرؤية - هنا - بصرية تتعدَّى لواحدٍ ، ولمَّا دخلَتْ همزةُ النقل ، أكسبته مفعولاً ثانياً ، والأولُ ياءُ المتكلم ، والثاني الجملة الاستفهامية ، وهي معلقة للرؤية و\" رأى \" البصرية تُعَلَّق ، كما تعلق \" نَظر \" البصرية ، ومن كلامهم : \" أَمَا تَرَى أَيُّ بَرْقٍ هَهُنَا \".\rو \" كَيْفَ \" في محلِّ نصب : إمَّا على التشبيه بالظرف ، وإمَّا على التشبيه بالحال ، كما تقدَّم في قوله : { كَيْفَ تَكْفُرُونَ } [ البقرة : 28 ]. والعاملُ فيها \" تُحيي \" وقدَّره مكي : بأي حالٍ تُحْيي الموتى ، وهو تفسيرُ معنًى ، لا إعرابٍ.\rقوله : { قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِن } في هذه الواوِ وجهان :\rأظهرهما : أنها للعطفِ قُدِّمت عليها همزةُ الاستفهامِ ، لأنها لها صدرُ الكلامِ والهمزةُ هنا للتقريرِ؛ لأنَّ الاستفهامَ إذا دخل على النفي ، قَرَّره؛ كقول القائل : [ الوافر ]\rأَلَسْتُمْ خَيْرَ مَنْ رَكِبَ المَطَايَا... وَأَنْدَى العَالَمِينَ بُطُونَ رَاحِ\rو { أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ } [ الشرح : 1 ] ، المعنى : أنتم خيرُ ، وقد شرحنا.\r","part":8,"page":413},{"id":3454,"text":"والثاني : أنها واوُ الحالِ ، دخلت عليها ألفُ التقرير ، قال ابن عطية؛ وفيه نظرٌ من حيث إنها إذا كانَتْ للحالِ ، كانت الجملةُ بعدها في محلِّ نصبٍ ، وإذا كانت كذلك ، استدعَتْ ناصباً ، وليس ثمَّ ناصبٌ في اللفظِ ، فلا بُدَّ من تقديره؛ والتقديرُ \" أَسأَلْتَ وَلَمْ تُؤْمِنْ \" ، فالهمزةُ في الحقيقة ، إِنما دخَلَتْ على العامل في الحالِ. وهذا ليس بظاهر ، بل الظاهرُ الأَوَّلُ ، ولذلك أُجيبت ببلى ، وعلى ما قال ابنُ عطية يَعْسُر هذا المعنى.\rوقوله : { بلى } جوابٌ للجملة المنفيَّة ، وإنْ صار معناه الإِثبات اعتباراً باللفظ لا بالمعنى ، وهذا من قسم ما اعتبر فيه جانبُ اللفظِ دون المعنى ، نحو : { سَوَآءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنذَرْتَهُمْ } [ البقرة : 6 ] وقد تقدَّم تحقيقه واللهُ أَعْلَمُ.\rقوله : { لِّيَطْمَئِنَّ } اللامُ لامُ كَيْ ، فالفعلُ منصوبٌ بعدها ، بإضمار \" أَنْ \" ، وهو مبنيٌّ لاتِّصاله بنون التوكيد واللامُ متعلِّقة بمحذوفٍ بعد \" لكنْ \" تقديرُه \" ولكن سألتُكَ كيفية الإِحياء للاطمئنان ، ولا بُدَّ من تقدير حذفٍ آخر ، قبل \" لكنْ \" ؛ حتَّى يصحَّ معه الاستدراكُ ، والتقديرُ : بلى آمنْتُ ، وما سألتُ غير مؤمنٍ ، ولكنْ سألتُ ليطمئِنَّ قَلْبي ليحصل الفرقُ بين المعلوم بالبرهان وبين المعلوم عياناً.\rقال السُّدِّيُّ ، وابن جبير : { أَوَلَمْ تُؤْمِن } بأَنَّكَ خليلي { قَالَ بلى وَلَكِن لِّيَطْمَئِنَّ قَلْبِي } بالخُلَّةِ.\rقوله : { مِّنَ الطير } في متعلِّقه قولان :\rأحدهما : أنه محذوفٌ لوقوع الجارِّ صفةً لأربعة ، تقديره : أربعةً كائنةً من الطير.\rوالثاني : أنه متعلقٌ بخذ ، أي : خذ من الطير.\rفصل في لفظ \" الصِّرِّ \" في القرآن\rقال أبو العبَّاس المقرئ : ورد لفظ الصِّرِّ في القرآن على ثلاثة أوجهٍ :\r","part":8,"page":414},{"id":3455,"text":"الأول : بمعنى القطع؛ كهذه الآية ، أي : قطِّعهنَّ إليك صوراً.\rالثاني : بمعنى الريح الباردة ، قال تعالى : { رِيحٍ فِيهَا صِرٌّ } [ آل عمران : 117 ] أي : بردٌ.\rالثالث : يعني الإقامة على الشيء؛ قال تعالى { وَلَمْ يُصِرُّواْ على مَا فَعَلُواْ } [ آل عمران : 135 ] ، أي : لم يقيموا ، ومثله : { وَكَانُواْ يُصِرُّونَ عَلَى الحنث العظيم } [ الواقعة : 46 ].\rونقل عن الفرَّاء أيضاً : أنه قال : \" صَارَه \" مقلوبٌ من قولهم : \" صَرَاهُ عَنْ كَذَا \" ، أي : قطعه عنه ، ويقال : صُرْتُ الشيء ، فانصار ، أي : انقطع؛ قالت الخنساء : [ البسيط ]\rفَلَوْ يُلاَقِي الَّذي لاَقَيْتُهُ حَضِنٌ... لَظَلَّتِ الشُّمُّ مِنْهُ وَهْيَ تَنْصَارُ\rأي : تنقطع.\rقال المبرد : وهذا لا يصحُّ؛ لأنَّ كلَّ واحد من اللفظين أصل بنفسه فرع على الآخر.\rواختلف في هذه اللفظة : هل هي عربيةٌ ، أو معرَّبة؟ فعن ابن عباس : أنها معرَّبة من النَّبطية ، وعن أبي الأسود ، أنَّها من السُّريانية ، والجمهور على أنها عربيةٌ ، لا معرَّبةٌ.\rو \" إِلَيْكَ \" إن قلنا : إِنَّ \" صُرْهُنَّ \" بمعنى أملهنَّ : تعلَّق به ، وإن قلنا : إنه بمعنى : قطِّعهنَّ ، تعلَّق بـ \" خُذْ \".\rولمَّا فسَّر أبو البقاء \" فَصُرْهُنَّ \" بمعنى : أَمْلْهُنَّ \" قدَّر محذوفاً بعده تقديره : فأملهنَّ إليك ، ثم قطِّعهنَّ ، ولمَّا فسَّره بقطِّعهن - كما تقدم - قدَّر محذوفاً يتعلَّق به \" إِلَى \" تقديره : قطِّعهنَّ بعد أن تميلهنَّ إليك. ثم قال : \" والأجودُ عندي أن يكون \" إليك \" حالاً من المفعول المضمر تقديره : فقطِّعهنَّ مقرَّبةً إليك ، أو ممالةً ، أو نحو ذلك \".\r","part":8,"page":415},{"id":3456,"text":"وقرأ ابن عباس - رضي الله عنه - : \" فَصُرْهُنَّ \" بتشديد الراء ، مع ضم الصاد وكسرها ، مِنْ : صرَّه يَصُرّه ، إذا جمعه؛ إلاَّ أنَّ مجيء المضعَّف المتعدِّي على يفعل - بكسر العين في المضارع - قليلٌ.\rقوله : { ثُمَّ اجعل } \" جَعَلَ \" يحتمل أن يكون بمعنى الإلقاء ، فيتعدَّى لواحدٍ ، وهو \" جُزْءاً \" ، فعلى هذا يتعلَّق \" عَلَى كُلِّ \" و\" مِنْهُنَّ \" بـ \" اجعل \" ، وأن يكون بمعنى \" صَيَّر \" ، فيتعدَّى لاثنين ، فيكون \" جُزءاً \" الأول ، و\" عَلَى كُلِّ \" هو الثاني ، فيتعلَّق بمحذوفٍ.\rو \" منهنَّ \" يجوز أن يتعلَّق على هذا بمحذوفً على أنَّه حالٌ من \" جُزْءاً \" ، لأنه في الأصل صفة نكرة ، فلمَّا قُدِّم عليها ، نصب حالاً.\rوأجاز أبو البقاء أن يكون مفعولاً لـ \" اجْعَلْ \" يعني : إذا كانت \" اجْعَلْ \" بمعنى \" صَيَّر \" ، فيكون \" جُزْءاً \" مفعولاً أول ، و\" منهنَّ \" مفعولاً ثانياً قدِّم على الأول ، ويتعلَّق حينئذٍ بمحذوف. [ ولا بد من حذف صفةٍ مخصِّصة بعد ] قوله : \" كُلِّ جَبَلٍ \" تقديره : \" عَلَى كُلِّ جبلٍ بحضرتك ، أو يليك \" حتى يصحَّ المعنى.\rوقرأ الجمهور : \" جُزْءاً \" بسكون الزاي والهمز ، وأبو بكر ضمَّ الزاي ، وأبو جعفر شدَّد الزاي ، من غير همزٍ؛ ووجهها : أنَّه لمَّا حذف الهمزة ، وقف على الزاي ، ثم ضعَّفها ، كما قالوا : \" هذا فَرَجّ \" ، ثم أُجري الوصل مجرى الوقف. وقد تقدم تقرير ذلك عند قوله : { هُزُواً } [ البقرة : 67 ]. وفيه لغةٌ أخرى وهي : كسر الجيم.\rقال أبو البقاء : \" وَلاَ أَعْلَمُ أَحَداً قرأ بها \". والجزء : القطعة من الشيء ، وأصل المادَّة يدلُّ على القطع ، والتفرق ، ومنه : التجزئة والأجزاء.\rقوله : { سَعْياً } فيه أوجه :","part":8,"page":416},{"id":3457,"text":"أحدها : أنه مصدرٌ واقعٌ موقع الحال من ضمير الطير ، أي : يَأتينك ساعياتٍ ، أو ذوات سعي.\rوالثاني : أن يكون حالاً من المخاطب ، ونقل عن الخليل ما يقوِّي هذا ، فإنه روي عنه : \" أن المعنى : يأتينك وأنت تسعى سعياً \" فعلى هذا يكون \" سعياً \" منصوباً على المصدر ، وذلك الناصب لهذا المصدر في محلِّ نصب على الحال من الكاف في \" يَأْتِينَكَ \". قال شهاب الدين : والذي حمل الخليل - رحمه الله - على هذا التقدير؛ أنه لا يقال عنده : \" سَعَى الطائرُ \" فلذلك جعل السَّعي من صفات الخليل - عليه السلام - لا من صفة الطيور.\rالثالث : أن يكون \" سَعْياً \" منصوباً على نوع المصدر؛ لأنه نوعٌ من الإتيان ، إذ هو إتيانٌ بسرعةٍ ، فكأنه قيل : يأتينك إتياناً سريعاً.\rوقال أبو البقاء : \" ويجوز أن يكون مصدراً مؤكِّداً؛ لأنَّ السعي ، والإتيان يتقاربان \" ، وهذا فيه نظرٌ؛ لأن المصدر المؤكِّد لا يزيد على معنى عامله ، إلاَّ أنه تساهل في العبارة. أ هـ {تفسير ابن عادل حـ 4 صـ 364 ـ 375}. بتصرف.","part":8,"page":417},{"id":3458,"text":"قوله تعالى : { مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (261)}\rمناسبة الآية لما قبلها\rولما انقضى جواب السؤال عن الملك الذي لا تنفع عنده شفاعة بغير إذنه ولا خلة ولا غيرهما وما تبع ذلك إلى أن ختم بقصة الأطيار التي صغت إلى الخليل بالإنفاق عليها والإحسان إليها ثنى الكلام إلى الأمر بالنفقة قبل ذلك اليوم الذي لا تنفع فيه الوسائل إلا بالوجه الذي شرعه بعد قوله : {من ذا الذي يقرض الله قرضاً حسناً فيضاعفه له} [ الحديد : 11 ] نظراً إلى أول السورة تذكيراً بوصف المتقين حثاً عليه ،\rفضرب لذلك مثلاً صريحة لمضاعفتها فاندرج فيه مطلق الأمر بها اندراج المطلق في المقيد وتلويحه الذي هو من جملة المشار إليه بحكيم للاحياء ،\rفصرح بأن النفقة المأمور بها من ذخائر ذلك اليوم الذي لا ينفع فيه إلا ما شرعه وهو من جليل العزة ،\rوساقه على وجه يتضمن إحياء الموات الذي هو أنسب الأشياء لما قبله من نشر الأموات ،\rفهو إيماء إلى الاستدلال على البعث بأمر محسوس ،\rوذلك من دقيق الحكمة ،\rفكأنه سبحانه وتعالى يقول : إن خليلي عليه الصلاة والسلام لما كان من الراسخين في رتبة الإيمان أهّلته لامتطاء درجة أعلى من درجة الإيقان بخرق العادة في رفع الأستار على يده عن إحياء الأطيار وأقمت نمطاً من ذلك لعامة الخلق مطوياً في إحياء النبات على وجه معتاد فمن اعتبر به أبصر ومن عمي عنه انعكس حاله وأدبر فقال سبحانه وتعالى : {مثل} فكان كأنه قيل : {من ذا الذي يقرض الله قرضاً حسناً} [ الحديد : 11 ] {يا أيها الذين آمنوا أنفقوا} [ البقرة : 254 ] فإنه مثل {الذين ينفقون} أي يبذلون {أموالهم} بطيب نفس {في سبيل الله} أي الذي له الكمال كله كمثل زارع مثل ما ينفقون {كمثل حبة} مما زرعه.","part":8,"page":418},{"id":3459,"text":"قال الحرالي : من الحب وهو تمام النبات المنتهي إلى صلاحية كونه طعاماً للآدمي الذي هو أتم الخلق ،\rفالحب أكمل من الثمرة طعامية والثمرة إدامية {أنبتت} أي بما جعل الله سبحانه وتعالى لها من قوة الإنبات بطيب أرضها واعتدال ريها {سبع سنابل} بأن تشعب منها سبع شعب في كل شعبة سنبلة وهو من السنبل.\rقال الحرالي : وهو مجتمع الحب في أكمامه ،\rكأنه آية استحقاق اجتماع أهل ذلك الرزق في تعاونهم في أمرهم ،\rوتعريف بأن الحب يجمعه لا بوحدته {في كل سنبلة مائة حبة} فصارت الحبة سبعمائة حبة بمضاعفة الله لها.\rقال الحرالي : فضرب المثل للإنفاق في سبيل الله وذكر السبع لما فيه من التمام بالحرث الذي هو كيميا عباده يشهدون من تثميره حيث تصير الحبة أصلاً ويثمر الأصل سنابل ويكون في كل سنبلة أعداد من الحب ،\rفكان ما ذكر تعالى هو أول الإنفاق في سبيل الله وذكر السبع لما فيه من التمام وما يقبله من التكثير ،\rفإن ما أنبت أكثر من سبع إذا قصد بالتكثير أنبأ عنه بالسبع ،\rلأن العرب تكثر به ما هو أقل منه أو أكثر ،\rفجعل أدنى النفقة في سبيل الله سبعمائة ضعف ،\rثم فتح تعالى باب التضعيف إلى ما لا يصل إليه عد - انتهى.\rفالآية من الاحتباك وتقديرها : مثل الذين ينفقون ونفقتهم كمثل حبة وزارعها ،\rفذكر المنفق أولاً دليل على حذف الزارع ثانياً ،\rوذكر الحبة ثانياً دليل على حذف النفقة أولاً. أ هـ {نظم الدرر حـ 1 صـ 514 ـ 515}\rفصل\rقال الفخر :","part":8,"page":419},{"id":3460,"text":"في كيفية النظم وجوه الأول : قال القاضي رحمه الله : إنه تعالى لما أجمل في قوله {مَّن ذَا الذى يُقْرِضُ الله قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافًا كَثِيرَةً} فصل بعد ذلك في هذه الآية تلك الأضعاف ، وإنما ذكر بين الآيتين الأدلة على قدرته بالإحياء والإماتة من حيث لولا ذلك لم يحسن التكليف بالإنفاق ، لأنه لولا وجود الإله المثيب المعاقب ، لكان الإنفاق في سائر الطاعات عبثاً ، فكأنه تعالى قال لمن رغبه في الإنفاق قد عرفت أني خلقتك وأكملت نعمتي عليك بالإحياء والأقدار وقد علمت قدرتي على المجازاة والإثابة ، فليكن علمك بهذه الأحوال داعياً إلى إنفاق المال ، فإنه يجازي القليل بالكثير ، ثم ضرب لذلك الكثير مثلاً ، وهو أن من بذر حبة أخرجت سبع سنابل في كل سنبلة مائة حبة ، فصارت الواحدة سبعمائة.\rالوجه الثاني : في بيان النظم ما ذكره الأصم ، وهو أنه تعالى ضرب هذا المثل بعد أن احتج على الكل بما يوجب تصديق النبي صلى الله عليه وسلم ليرغبوا في المجاهدة بالنفس والمال في نصرته وإعلاء شريعته.\rوالوجه الثالث : لما بين تعالى أنه ولي المؤمنين ، وأن الكفار أولياؤهم الطاغوت بين مثل ما ينفق المؤمن في سبيل الله وما ينفق الكافر في سبيل الطاغوت. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 7 صـ 36}\rقال القرطبى :\rلما قص الله سبحانه ما فيه من البراهين ، حث على الجهاد ، واعلم أن من جاهد بعد هذا البرهان الذي لا يأتي به إلاَّ نبيّ فله في جهاده الثواب العظيم.","part":8,"page":420},{"id":3461,"text":"روى البستِيّ في صحيح مسنده \" عن ابن عمر قال : لما نزلت هذه الآية قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : \"رب زِد أُمّتي\" فنزلت { مَّن ذَا الذي يُقْرِضُ الله قَرْضاً حَسَناً فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافاً كَثِيرَةً } [ البقرة : 245 ] قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : \"رب زد أُمتي\" فنزلت { إِنَّمَا يُوَفَّى الصابرون أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ } [ الزمر : 10 ] \" وهذه الآية لفظها بيان مثال لشرف النفقة في سبيل الله ولحسنها ، وضمنها التحريض على ذلك. أ هـ {تفسير القرطبى حـ 3 صـ 302 ـ 303}\rفائدة\rقال الفخر :\rفي الآية إضمار ، والتقدير : مثل صدقات الذين ينفقون أموالهم كمثل حبة وقيل : مثل الذين ينفقون أموالهم كمثل زارع حبة. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 7 صـ 36}\rفصل\rقال القرطبى :\r\" روي أن هذه الآية نزلت في شأن عثمان بن عفان وعبد الرحمن بن عوف رضي الله عنهما ؛ وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما حث الناس على الصدقة حين أراد الخروج إلى غزوة تَبُوكَ جاءه عبد الرّحمن بأربعة آلاف فقال : يا رسول الله ، كانت لي ثمانية آلاف فأمسكت لنفسي ولعيالي أربعة آلاف ، وأربعة آلاف أقرضتها لربي.\rفقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : \"بارك الله لك فيما أمسكت وفيما أعطيت\".\rوقال عثمان : يا رسول الله عليّ جهاز من لا جهاز له ؛ فنزلت هذه الآية فيهما \" وقيل : نزلت في نفقة التطوّع.\rوقيل : نزلت قبل آية الزكاة ثم نُسخت بآية الزكاة ، ولا حاجة إلى دعوى النسخ ؛ لأن الإنفاق في سبيل الله مندوب إليه في كل وقت.\rوسُبُل الله كثيرة أعظمها الجهاد لتكون كلمة الله هي العليا. أ هـ {تفسير القرطبى حـ 3 صـ 303}\rفصل\rقال الفخر :","part":8,"page":421},{"id":3462,"text":"معنى {يُنفِقُونَ أموالهم فِي سَبِيلِ الله} يعني في دينه ، قيل : أراد النفقة في الجهاد خاصة ، وقيل : جميع أبواب البر ، ويدخل فيه الواجب والنفل من الإنفاق في الهجرة مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ومن الإنفاق في الجهاد على نفسه وعلى الغير ، ومن صرف المال إلى الصدقات ، ومن إنفاقها في المصالح ، لأن كل ذلك معدود في السبيل الذي هو دين الله وطريقته لأن كل ذلك إنفاق في سبيل الله. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 7 صـ 36}\rفائدة\rقال أبو حيان :\rوهذه الآية شبيهة في تقدير الحذف بقوله : { ومثل الذين كفروا كمثل الذي ينعق } فيحتمل أن يكون الحذف من الأول ، أي : مثل منفق الذين ، أو من الثاني : أي كمثل زارع ، حتى يصح التشبيه ، أو من الأول ومن الثاني باختلاف التقدير ، أي : مثل الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله ومنفقهم.\rكمثل حبة وزارعها.\rوقد تقدم الكلام في تقرير هذا الوجه في قصة الكافر والناعق ، فيطالع هناك.\rوهذا المثل يتضمن التحريض على الإنفاق في سبيل الله جميع ما هو طاعة ، وعائد نفعه على المسلمين ، وأعظمها وأعناها الجهاد لإعلاء كلمة الله وقيل : المراد : بسبيل الله ، هنا الجهاد خاصة ، وظاهر الإنفاق في سبيل الله يقتضي الفرض والنفل ، ويقتضي الإنفاق على نفسه في الجهاد وغيره ، والإنفاق على غيره ليتقوى به على طاعة من جهاد أو غيره.\rوشبه الإنفاق بالزرع ، لأن الزرع لا ينقطع. أ هـ {البحر المحيط حـ 2 صـ 315}\rسؤال : فإن قيل : فهل رأيت سنبلة فيها مائة حبة حتى يضرب المثل بها ؟ .","part":8,"page":422},{"id":3463,"text":"قلنا : الجواب عنه من وجوه الأول : أن المقصود من الآية أنه لو علم إنسان يطلب الزيادة والربح أنه إذا بذر حبة واحدة أخرجت له سبعمائة حبة ما كان ينبغي له ترك ذلك ولا التقصير فيه فكذلك ينبغي لمن طلب الأجر في الآخرة عند الله أن لا يتركه إذا علم أنه يحصل له على الواحدة عشرة ومائة ، وسبعمائة ، وإذا كان هذا المعنى معقولاً سواء وجد في الدنيا سنبلة بهذه الصفة أو لم يوجد كان المعنى حاصلاً مستقيماً ، وهذا قول القَفّال رحمه الله وهو حسن جداً.\rوالجواب الثاني : أنه شوهد ذلك في سنبلة الجاورس ، وهذا الجواب في غاية الركاكة. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 7 صـ 36 ـ 37}\rفوائد ونفائس للعلامة أبى حيان\rقال رحمه الله :\rونسب الإنبات إلى الحبة على سبيل المجاز ، إذ كانت سبباً للإنبات ، كما ينسب ذلك إلى الماء والأرض والمنبت هو الله ، والمعنى : أن الحبة خرج منها ساق ، تشعب منها سبع شعب ، في كل شعبة سنبلة ، في كل سنبلة مائة حبة ، وهذا التمثيل تصوير للأضعاف كأنها ماثلة بين عيني الناظر ، قالوا : والممثل به موجود ، شوهد ذلك في سنبلة الجاورس.\rوقال الزمخشري : هو موجود في الدخن والذرة وغيرهما ، وربما فرخت ساق البرة في الأراضي القوية المغلة ، فبلغ حبها هذا المبلغ ، ولو لم يوجد لكان صححيحاً في سبيل الفرض والتقدير ؛ انتهى كلامه.\rوقال ابن عيسى : ذلك يتحقق في الدخن ، على أن التمثيل يصح بما يتصور ، وإن لم يعاين.\rكما قال الشاعر :\rفما تدوم على عهد تكون به . . .\rكما تلوّن في أثوابها الغول\rانتهى كلامه.\rوكما قال امرؤ القيس :\rأيقتلني والمشرفيّ مضاجعي . . .\rومسنونة زرق كأنياب أغوال\rوخص سبعاً من العدد لأنه كما ذكر ، وأقصى ما تخرجه الحبة من الأسؤق.","part":8,"page":423},{"id":3464,"text":"وقال ابن عطية : قد يوجد في سنبل القمح ما فيه مائة حبة ، وأما في سائر الحبوب فأكثر ، ولكن المثال وقع بمائة ، وقد ورد القرآن بأن الحسنة في جميع أعمال البر بعشرة أمثالها ، واقتضت هذه الآية أن نفقة الجهاد بسبعمائة ضعف ، ومن ذلك الحديث الصحيح.\rانتهى ما ذكره.\rوقيل : واختص هذا العدد لأن السبع أكثر أعداد العشرة ، والسبعين أكثر أعداد المائة ، وسبع المائة أكثر أعداد الألف ، والعرب كثيراً ما تراعي هذه الأعداد.\rقال تعالى : { سبع سنابل } و{ سبع ليال } و{ سبع سنبلات } و{ سبع بقرات } و{ سبع سموات } و{ سبع سنين } و{ إن نستغفر لهم سبعين مرة } { ذرعها سبعون ذراعاً } وفي الحديث : \" إلى سبعمائة ضعف \" \" إلى سبعة آلاف \" \" إلى ما لا يحصي عدده إلاَّ الله \" وأتى التمييز هنا بالجمع الذي لا نظير له في الآحاد ، وفي سورة يوسف بالجمع بالألف والتاء في قوله : { وسبع سنبلات خضر }\rقال الزمخشري : فإن قلت : هلا قيل : { سبع سنبلات } على حقه من التمييز لجمع القلة ، كما قال : { وسبع سنبلات خضر }\rقلت : هذا لما قدمت عند قوله : { ثلاثة قروء } من وقوع أمثلة الجمع متعاورة مواقعها. انتهى كلامه.\rفجعل هذا من باب الاتساع ، ووقوع أحد الجمعين موقع الآخر على سبيل المجاز ، إذ كان حقه أن يميز بأقل الجمع ، لأن السبع من أقل العدد ، وهذا الذي قاله الزمخشري ليس على إطلاقه ، فنقول : جمع السلامة بالواو والنون ، أو بالألف والتاء ، لا يميز به من ثلاثة إلى عشرة إلاَّ إذا لم يكن لذلك المفرد جمع غير هذا الجمع ، أو جاور ما أهمل فيه هذا الجمع ، وإن كان المجاور لم يهمل فيه هذا الجمع.\rفمثال الأول : قوله تعالى : { سبع سموات } فلم يجمع سماء هذه المظلة سوى هذا الجمع ، وأما قوله :\rفوق سبع سمائيا . . .","part":8,"page":424},{"id":3465,"text":"فنصوا على شذوذه ، وقوله تعالى : { سبع بقرات } { وتسع آيات } وخمس صلوات لأن البقرة والآية والصلاة ليس لها سوى هذا الجمع ، ولم يجمع على غيره.\rومثال الثاني : قوله تعالى : { وسبع سنبلات خضر } لما عطف على : { سبع بقرات } وجاوره حسن فيه جمعه بالألف والتاء ، ولو كان لم يعطف ولم يجاور لكان : { سبع سنابل } ، كما في هذه الآية ، ولذلك إذا عرى عن المجاور جاء على مفاعل في الأكثر ، والأَوْلى ، وإن كان يجمع بالألف والتاء ، مثال ذلك قوله تعالى : { سبع طرائق } و{ سبع ليال } ولم يقل : طريقات ، ولا : ليلات ، وإن كان جائزاً في جمع طريقة وليلة ، وقوله تعالى : { عشرة مساكين } ، وإن كان جائزاً في جمعه أن يكون جمع سلامة.\rفتقول : مسكينون ومسكينين ، وقد آثروا ما لا يماثل مفاعل من جموع الكثرة على جمع التصحيح ، وإن لم يكن هناك مجاور يقصد مشاكلته لقوله تعالى : { ثماني حجج } وإن كان جائزاً فيه أن يجمع بالألف والتاء ، لأن مفرده حجة ، فتقول : حجات ، فعلى هذا الذي تقرر إذا كان للاسم جمعان : جمع تصحيح ، وجمع تكسير ، فجمع التكسير إما أن يكون للكثرة أو للقلة ، فإن كان للكثرة ، فإما أن يكون من باب مفاعل ، أو من غير باب مفاعل ، إن كان من باب مفاعل أوثر على جمع التصحيح ، فتقول : جاءني ثلاثة أحامد ، وثلاث زيانب ، ويجوز التصحيح على قلة ، فتقول : جاءني ثلاثة أحمدين ، وثلاث زينبات ، وإن لم يكن من باب مفاعل.\rفإما أن يكثر فيه غير التصحيح ، وغير جمع الكثرة ، فلا يجوز التصحيح ، ولا جمع الكثرة إلاَّ قليلاً ، مثال ، ذلك : جاءني ثلاثة زيود ، وثلاث هنود ، وعندي ثلاثة أفلس ، ولا يجوز : ثلاثة زيدين ، ولا : ثلاث هندات ، ولا : ثلاثة فلوس ، إلاَّ قليلاً.\rوإن قل فيه غير التصحيح ، وغير جمع الكثرة أوثر التصحيح وجمع الكسرة ، مثال ذلك : ثلاث سعادات ، وثلاثة شسوع ، ويجوز على قلة : ثلاث سعائد ، وثلاثة أشسع.\rوتحصل من هذا الذي قررناه أن قوله { سبع سنابل } جاء على ما تقرر في العربية من كونه جمعاً متناهياً ، وأن قوله : { سبع سنبلات } إنما جاز لأجل مشاكلة : { سبع بقرات } ومجاورته ، فليس استعذار الزمخشري بصحيح.\rو { في كل سنبلة } في موضع الصفة : لسنابل ، فتكون في موضع جر ، أو : لسبع ، فيكون في موضع نصب ، وترتفع على التقديرين : مائة ، على الفاعل لأن الجار قد اعتمد بكونه صفة ، وهو أحسن من أن يرتفع على الابتداء ، و: في كل ، خبره ، والجملة صفة ، لأن الوصف بالمفرد أولى من الوصف بالجملة ، ولا بد من تقدير محذوف ، أي : في كل سنبلة منها ، أي : من السنابل.\rأ هـ {البحر المحيط حـ 2 صـ 315 ـ 317}","part":8,"page":425},{"id":3466,"text":"لطيفة\rقال ابن القيم :\rوأما خاصية السبع فإنها قد وقعت قدرا وشرعا فخلق الله عز وجل السماوات سبعا والأرضين سبعا والأيام سبعا والإنسان كمل خلقه في سبعة أطوار وشرع الله سبحانه لعباده الطواف سبعا والسعي بين الصفا والمروة سبعا ورمي الجمار سبعا سبعا وتكبيرات العيدين سبعا في الأولى وقال صلى الله عليه وسلم : [ مروهم بالصلاة لسبع ] : [ وإذا صار للغلام سبع سنين خير بين أبويه ] في رواية وفي رواية أخرى : [ أبوه أحق به من أمه ] وفي ثالثة : [ أمه أحق به ] وأمر النبي صلى الله عليه وسلم في مرضه أن يصب عليه من سبع قرب وسخر الله الريح على قوم عاد سبع ليال ودعا النبي صلى الله عليه وسلم أن يعينه الله على قومه بسبع كسبع يوسف ومثل الله سبحانه ما يضاعف به صدقة المتصدق بحبة أنبتت سبع سنابل في كل سنبلة مائة حبة والسنابل التي رآها صاحب يوسف سبعا والسنين التي زرعوها دأبا سبعا وتضاعف الصدقة إلى سبعمائة ضعف إلى أضعاف كثيرة ويدخل الجنة من هذه الأمة بغير حساب سبعون ألفا\rفلا ريب أن لهذا العدد خاصية ليست لغيره والسبعة جمعت معاني العدد كله وخواصه فإن العدد شفع ووتر والشفع : أول وثان والوتر : كذلك فهذه أربع مراتب : شفع أول وثان ووتر أول وثان ولا تجتمع هذه المراتب في أقل من سبعة وهي عدد كامل جامع لمراتب العدد الأربعة أعني الشفع والوتر والأوائل والثواني ونغني بالوتر الأول الثلاثة وبالثاني الخمسة وبالشفع الأول الاثنين وبالثاني الأربعة وللأطباء اعتناء عظيم بالسبعة ولا سيما في البحارين وقد قال بقراط : كل شئ من هذا العالم فهو مقدر على سبعة أجزاء والنجوم سبعة والأيام سبعة وأسنان الناس سبعة أولها طفل إلى سبع ثم صبي إلى أربع عشرة ثم مراهق ثم شاب ثم كهل ثم شيخ ثم هرم إلى منتهى العمر والله تعالى أعلم بحكمته وشرعه وقدره في تخصيص هذا العدد هل هو لهذا المعنى أو لغيره ؟","part":8,"page":426},{"id":3467,"text":"ونفع هذا العدد من هذا التمر من هذا البلد من هذه البقعة بعينها من السم والسحر بحيث تمنع إصابته من الخواص التي لو قالها بقراط وجالينوس وغيرهما من الأطباء لتلقاها عنهم الأطباء بالقبول والإذعان والإنقياد مع أن القائل إنما معه الحدس والتخمين والظن فمن كلامه كله يقين وقطع وبرهان ووحي أولى أن تتلقى أقواله بالقبول والتسليم وترك الاعتراض وأدوية السموم تارة تكون بالكيفية وتارة تكون بالخاصية كخواص كثير من الأحجار والجواهر واليواقيت والله أعلم. أ هـ {زاد المعاد حـ 4 صـ 88}","part":8,"page":427},{"id":3468,"text":"فائدة\rقال أبو حيان :\rوفي تمثيل النفقة بالحبة المذكورة إشارة أيضاً إلى البعث ، وعظيم القدرة ، إذ حبة واحدة يخرج الله منها سبعائة حبة ، فمن كان قادراً على مثل هذا الأمر العجاب ، فهو قادر على إحياء الموات ، ويجامع ما اشتركا فيه من التغذية والنمو. أ هـ {البحر المحيط حـ 2 صـ 315}\rقوله تعالى : { وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ }\rالمناسبة\rقال البقاعى :\rولما كان التقدير : فكما ضاعف سبحانه وتعالى للزارع حبته فهو يضاعف للمنفق نفقته ،\rعطف عليه قوله : {والله يضاعف لمن يشاء} بما له من السعة في القدرة وكل صفة حسنى {والله} أي بما له من الكمال في كل صفة {واسع} لا يحد في صفة من صفاته التي تنشأ عنها أفعاله {عليم} فهو يضاعف لأهل النفقة على قدر ما علمه من نياتهم ؛ ولما ختم أول آيات هذه الأمثال بهاتين الصفتين ختم آخرها بذلك إشارة إلى أن سعته قد أحاطت بجميع الكائنات فهو جدير بالإثابة في الدارين ،\rوأن علمه قد شمل كل معلوم فلا يخشى أن يترك عملاً. أ هـ {نظم الدرر حـ 1 صـ 515 ـ 516}\rقال الفخر :","part":8,"page":428},{"id":3469,"text":"قوله تعالى : {والله يضاعف لِمَن يَشَاء} وليس فيه بيان كمية تلك المضاعفة ، ولا بيان من يشرفه الله بهذه المضاعفة ، بل يجب أن يجوز أنه تعالى يضاعف لكل المتقين ، ويجوز أن يضاعف لبعضهم من حيث يكون إنفاقه أدخل في الإخلاص ، أو لأنه تعالى بفضله وإحسانه يجعل طاعته مقرونة بمزيد القبول والثواب.\rثم قال : {والله سَمِيعٌ} أي واسع القدرة على المجازاة على الجود والإفضال عليهم ، بمقادير الانفاقات ، وكيفية ما يستحق عليها ، ومتى كان الأمر كذلك لم يصر عمل العامل ضائعاً عند الله تعالى. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 7 صـ 36}\rقال القرطبى :\rاختلف العلماء في معنى قوله { والله يُضَاعِفُ لِمَن يَشَآءُ } فقالت طائفة : هي مبيِّنة مؤكدة لما تقدّم من ذكر السبعمائة ، وليس ثمَّ تضعيف فوق السبعمائة.\rوقالت طائفة من العلماء : بل هو إعلام بأن الله تعالى يضاعف لمن يشاء أكثر من سبعمائة ضعف.\rقلت : وهذا القول أصحُّ لحديث ابن عمر المذكور أوّل الآية.\rوروى ابن ماجة حدّثنا هارون بن عبد الله الحمال حدّثنا ابن أبي فُديك عن الخليل بن عبد الله عن الحسن ( عن ) عليّ بن أبي طالب وأبي الدرداء وعبد الله بن عمر وأبي أُمامة الباهليّ وعبد الله بن عمرو وجابر بن عبد الله وعمران بن حصين كلهم يحدّث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال :\r\" من أرسل بنفقة في سبيل الله وأقام في بيته فله بكل درهم سبعمائة درهم ومن غزا بنفسه في سبيل الله وأنفق في وجهه فله بكل درهم سبعمائة ألف درهم ثم تلا ( هذه الآية ) والله يضاعف لمن يشاء الله \" وقد روي عن ابن عباس أن التضعيف ( ينتهي ) لمن شاء الله إلى ألفي ألف.\rقال ابن عطية : وليس هذا بثابت الإسناد عنه. أ هـ {تفسير القرطبى حـ 3 صـ 305}\rفائدة\rقال القرطبى :","part":8,"page":429},{"id":3470,"text":"في هذه الآية دليل على أن اتخاذ الزرع من أعلى الحِرف التي يتخذها الناس والمكاسب التي يشتغل بها العمال ؛ ولذلك ضرب الله به المثل فقال : \"مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ\" الآية.\rوفي صحيح مسلم عن النبيّ صلى الله عليه وسلم : \" ما من مسلم يغرس غرساً أو يزرع زرعاً فيأكل منه طير أو إنسان أو بهيمة إلاَّ كان له صدقة \" وروى هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة قالت قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : \" التمسوا الرزق في خبايا الأرض \" يعني الزرع ، أخرجه الترمذيّ.\r\" وقال صلى الله عليه وسلم في النخل : \"هي الراسخات في الوَحَل المُطْعِمات في المَحْل\" \" وهذا خرج مخرج المدح.\rوالزراعة من فروض الكفاية فيجب على الإمام أن يجبر الناس عليها وما كان في معناها من غرس الأشجار.\rولقِي عبد الله بن عبد الملك بن شهاب الزُّهْريّ فقال : دُلّني على مالٍ أعالجه ؛ فأنشأ ابن شهاب يقول :\rأقول لعبد اللَّه يوم لقيته . . .\rوقد شدّ أحْلاسَ المطِيّ مُشرِّقا\rتتَبَّع خَبايا الأرض وادع مليكَها . . .\rلعلّك يوماً أن تُجاب فتُرزقا\rفيؤتيك مالاً واسعاً ذا مَثابَة . . .\rإذا ما مياهُ الأرض غارتْ تدَفّقا\rوحُكي عن المعتضد أنه قال : رأيت عليّ بن أبي طالب رضي الله عنه في المنام يُناولني مِسْحاة وقال : خذها فإنها مفاتيح خزائن الأرض. أ هـ {تفسير القرطبى حـ 3 صـ 305 ـ 306}\rوقال ابن عاشور :\rومعنى قوله : { والله يضعاف لمن يشاء } أنّ المضاعفة درجات كثيرة لا يعلمها إلاّ الله تعالى ؛ لأنّها تترتّب على أحوال المتصدّق وأحوال المتصدّق عليه وأوقات ذلك وأماكنه.\rوللإخلاص وقصد الامتثال ومحبة الخير للناس والإيثار على النفس وغير ذلك مما يحفّ بالصدقة والإنفاق ، تأثير في تضعيف الأجر ، والله واسع عليم. أ هـ {التحرير والتنوير حـ 3 صـ 42}\rقال الماوردى :\r{ وَاللهُ وَسِعٌ عَلِيمٌ } فيه قولان :","part":8,"page":430},{"id":3471,"text":"أحدهما : واسع لا يَضِيق عن الزيادة ، عليم بمن يستحقها ، قاله ابن زيد.\rوالثاني : واسع الرحمة لا يَضِيق عن المضاعفة ، عليم بما كان من النفقة.\rويحتمل تأويلاً ثالثاً : واسع القدرة ، عليم بالمصلحة. أ هـ {النكت والعيون حـ 1 صـ 337}\rفائدة\rقال السعدى فى معنى الآية\rهذا بيان للمضاعفة التي ذكرها الله في [ ص 113 ] قوله { من ذا الذي يقرض الله قرضا حسنا فيضاعفه له أضعافا كثيرة } وهنا قال : { مثل الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله } أي : في طاعته ومرضاته ، وأولاها إنفاقها في الجهاد في سبيله { كمثل حبة أنبتت سبع سنابل في كل سنبلة مائة حبة } وهذا إحضار لصورة المضاعفة بهذا المثل ، الذي كان العبد يشاهده ببصره فيشاهد هذه المضاعفة ببصيرته ، فيقوى شاهد الإيمان مع شاهد العيان ، فتنقاد النفس مذعنة للإنفاق سامحة بها مؤملة لهذه المضاعفة الجزيلة والمنة الجليلة ، { والله يضاعف } هذه المضاعفة { لمن يشاء } أي : بحسب حال المنفق وإخلاصه وصدقه وبحسب حال النفقة وحلها ونفعها ووقوعها موقعها ، ويحتمل أن يكون { والله يضاعف } أكثر من هذه المضاعفة { لمن يشاء } فيعطيهم أجرهم بغير حساب { والله واسع } الفضل ، واسع العطاء ، لا ينقصه نائل ولا يحفيه سائل ، فلا يتوهم المنفق أن تلك المضاعفة فيها نوع مبالغة ، لأن الله تعالى لا يتعاظمه شيء ولا ينقصه العطاء على كثرته ، ومع هذا فهو { عليم } بمن يستحق هذه المضاعفة ومن لا يستحقها ، فيضع المضاعفة في موضعها لكمال علمه وحكمته. أ هـ {تفسير السعدى صـ 112}\rلطيفة\rقال ابن عجيبة","part":8,"page":431},{"id":3472,"text":"التقرب إلى الله تعالى يكون بالعمل البدني وبالعملي المالي ، وبالعمل القلبي ، أما العمل البدني ، ويدخل فيه العمل اللساني ، فقد ورد فيه التضعيف بعشر وبعشرين وبثلاثين وبخمسين وبمائة ، وبأكثر من ذلك أو أقل ، وكذلك العمل المالي : قد ورد تضعيفه إلى سبعمائة ، ويتفاوت ذلك بحسب النيات والمقاصد ، وأما العمل القلبي : فليس له أجر محصور ، قال تعالى : { إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ } [ الزُّمَر : 10 ] ، فالصبر ، والخوف ، والرجاء ، والورع ، والزهد ، والتوكل ، والمحبة ، والرضا ، والتسليم ، والمعرفة ، وحسن الخلق ، والفكرة ، وسائر الأخلاق الحميدة ، إنما جزاؤها : الرضا ، والإقبال والتقريب ، وحسن الوصال. قال تعالى : { وَرِضْوَانٌ مِّنَ اللَّهِ أَكْبَرُ } [ التّوبَة : 72 ] أي : أكبر من الجزاء الحسيّ الذي هو القصور والحور. أ هـ {البحر المديد حـ 1 صـ 222}\rمن فوائد ابن عرفة فى الآية\rقوله تعالى : { مَّثَلُ الذين يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ الله . . . }.\rقال ابن عرفة : ويتناول ( نفقة ) النفوس وقدروه على حذف مضاف إمّا من الأول أو من الثاني.\rوعندي أنّه لا يحتاج إليه لأنّ المنفقين للأموال نشأ عنهم نفقات ، ونشأ عن نفقاتهم منافع دنيوية من إعلاء كلمة الله وإظهار الإسلام وتكثير المسلمين وهضم ( حمية ) الكافرين واستئصالهم ومنافع أخروية بتكثير الثواب في الدار الآخرة كما أنّ الحبّة ينشأ عنها أولاد كثيرة.\rوعن الإمام مالك رضي الله عنه الأولاد حبوب كثيرة.\rقال الزمخشري : فإن قلت هلاّ قيل سبع سنبلات بلفظ جمع القلة ؟\rوأجاب بجواز إيقاع جمع الكثرة على جمع القلة فوقع جمع القلة مثل \" ثَلاثَةُ قُرُوءٍ \".\rوأجاب ابن عرفة بأنّه لما سلك في الآية مسلك الحظ على النفقة في سبيل الله وتكثير الثواب المعد عليها روعي في ذلك وصف الكثرة فأتى به بجمع الكثرة.","part":8,"page":432},{"id":3473,"text":"وجعله الزمخشري وابن ( عطية ) من تشبيه المحسوس بالمحسوس قبل الوجود.\rزاد الزمخشري : أو تشبيه محسوس بمعقول مقدر الوجود.\rقال ابن عرفة : كان ابن عبد السلام يقول : هذا عندهم في أرض الحجاز وأما نحن فهو عندنا كثير والحبة الواحدة تنبت قدر الخمسين سنبلة أو مائة\rوأما أنّ ( في ) كل سنبلة مائة حبة فهذا عندنا قليل الوجود. أ هـ {تفسير ابن عرفة صـ 341}","part":8,"page":433},{"id":3475,"text":"من لطائف ابن القيم فى الآية\rقال رحمه الله :\rوهذه الآية كأنها كالتفسير والبيان لمقدار الأضعاف التي يضاعفها للمقرض ومثل سبحانه بهذا المثل إحضارا لصورة التضعيف في الأذهان بهذه الحبة التي غيبت في الأرض فأنبتت سبع سنابل في كل سنبلة مائة حبة حتى كأن القلب ينظر إلى هذا التضعيف ببصيرته كما تنظر العين إلى هذه السنابل التي من الحبة الواحدة فينضاف الشاهد العياني إلى الشاهد الإيماني القرآني فيقوى إيمان المنفق وتسخو نفسه بالإنفاق وتأمل كيف جمع السنبلة في هذه الآية على سنابل وهي من جموع الكثرة إذ المقام مقام تكثير وتضعيف وجمعها على سنبلات في قوله تعالى وسبع سنبلات خضر وأخر يابسات فجاء بها على جمع القلة لأن السبعة قليلة ولا مقتضى للتكثير وقوله تعالى والله يضاعف لمن يشاء قيل المعنى والله يضاعف هذه المضاعفة لمن يشاء لا لكل منفق بل يختص برحمته من يشاء وذلك لتفاوت أحوال الإنفاق في نفسه ولصفات المنفق وأحواله في شدة الحاجة وعظيم النفع وحسن الموقع وقيل والله يضاعف لمن يشاء فوق ذلك فلا يقتصر به على السبعمائة بل يجاوز في المضاعفة هذا المقدار إلى أضعاف كثيرة واختلف في تفسير الآية فقيل مثل نفقة الذين ينفقون في سبيل الله كمثل حبة وقيل مثل الذين ينفقون في سبيل الله كمثل باذر حبة ليطابق الممثل للممثل به فههنا أربعة أمور منفق ونفقة وباذر وبذر فذكر سبحانه من كل شق أهم قسميه فذكر من شق الممثل المنفق إذ المقصود ذكر حاله وشأنه وسكت عن ذكر النفقة لدلالة اللفظ عليها وذكر من شق الممثل به البذر إذ هو المحل الذي حصلت فيه المضاعفة وترك ذكر الباذر لأن القرض لا يتعلق بذكره فتأمل هذه البلاغة والفصاحة والإيجاز المتضمن لغاية البيان وهذا كثير في أمثال القرآن بل عامتها ترد على هذا النمط ثم ختم الآية باسمين من أسمائه الحسنى مطابقين لسياقها وهما الواسع والعليم فلا يستبعد العبد هذه المضاعفة ولا يضيق عنها عطاؤه فإن المضاعف واسع العطاء واسع الغنى واسع الفضل ومع ذلك","part":8,"page":434},{"id":3476,"text":"فلا يظن أن سعة عطائه تقتضي حصولها لكل منفق فإنه عليم بمن تصلح له هذه المضاعفة وهو أهل لها ومن لا يستحقها ولا هو أهل لها فإن كرمه وفضله تعالى لا يناقض حكمته بل يضع فضله مواضعه لسعته ورحمته ويمنعه من ليس من أهله بحكمته وعلمه. أ هـ {طريق الهجرتين صـ 539 ـ 540}","part":8,"page":435},{"id":3477,"text":"بحث\rالإنفاق ومشكلة الفوارق الطبقيّة :\rمن المشكلات الاجتماعية الكبرى التي يعاني منها الإنسان دوماً ولازال يعاني رغم كلّ ما حقّقه البشر من تقدّم صناعي ومادّي هي مشكلة التباين الطبقي المتمثّلة بالفقر المدقع في جانب ، وتراكم الثروة في جانب آخر.\rإنّك لترى بعضهم يكتنز من الثروة بحيث إنّه لا يستطيع أن يحصيها ، وترى بعضهم من الفقر في عذاب ممض بحيث لا يستطيع أن يجد حتّى الضروريّ اللازم لحياته كالحدّ الأدنى من الغذاء والملبس والمأوى.\rلاشكّ أنّ المجتمع الذي يقوم قسم من بنيانه على الغنى الفاحش ، والقسم الأعظم على الفقر المدقع والجوع القاتل ، لا دوام له ، ولن يصل إلى السعادة الحقيقة أبداً ، إنّ مجتمعاً كهذا يسوده حتماً الهلع والاضطراب والقلق والخوف وسوء الظن ، ومن ثمّ العداء والصراع.\rهذا التباين الطبقي الذي كان موجوداً في القديم قد تفشّى فينا اليوم ـ مع الأسف ـ بأكثر وأخطر ممّا سبق ، ذلك لأنك تجد أبواب التعاون الإنساني الحقيقي قد أُغلقت بوجوه الناس ، وفُتحت بمكانها أبواب الربا الفاحش الذي هو من أهمّ أسباب اتساع الهوة الطبقية بين الناس ، ولا أدلّ على ذلك من ظهور الشيوعية\rوأمثالها ، وإراقة الدماء في أنواع الحروب المروعة التي اندلعت في قرننا الأخير وما زالت مندلعة هنا وهناك في أنحاء مختلفة من العالم ، ومعظمها ذات منشأ اقتصادي وردّ فعل لحرمان أكثرية شعوب العالم.","part":8,"page":436},{"id":3478,"text":"وقد سعى العلماء والمذاهب الاقتصادية في العالم للبحث عن علاج ، واختار كلّ طريقاً ، فالشيوعية اختارت إلغاء الملكية الفردية ، والرأسمالية اختارت طريق استيفاء الضرائب الثقيلة وإنشاء المؤسّسات الخيرية العامّة (وهي شكلية أكثر من كونها حلاًّ لمشكلة الطبقية) ، ظانّين أنّهم بذلك يكافحون هذه المشكلة ، لكن أيّاً من هؤلاء لم يستطع في الحقيقة أن يخطو خطوة فعّالة في هذا السبيل ، وذلك لأنّ حلّ هذه المشكلة غير ممكن ضمن الروح المادّية التي تسيطر على العالم.\rبالتدقيق في آيات القرآن الكريم يتّضح أنّ واحداً من الأهداف التي يسعى لها الإسلام هو إزالة هذه الفوارق غير العادلة الناشئة من الظلم الاجتماعي بين الطبقتين الغنية والفقيرة ، ورفع مستوى معيشة الذين لا يستطيعون رفع حاجاتهم الحياتية ولا توفير حدّ أدنى من متطلّباتهم اليومية دون مساعدة الآخرين.\rوللوصول إلى هذا الهدف وضع الإسلام برنامجاً واسعاً يتمثّل بتحريم الربا مطلقاً ، وبوجوب دفع الضرائب الإسلامية كالزكاة والخُمس ، والحثّ على الإنفاق ، والقرض الحسن ، والمساعدات المالية المختلفة ، وأهمّ من هذا كلّه هو إحياء روح الأخوّة الإنسانية في الناس. أ هـ {الأمثل صـ 293 ـ 294}","part":8,"page":437},{"id":3480,"text":"فوائد لغوية\rقال ابن عادل :\rقوله : { أَنبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ } أي : أخرجت وهذه الجملة في محلِّ جرٍّ؛ لأنها صفةٌ لحبة ، كأن قيل : كمثل حبَّةٍ منبتةٍ.\rوأدغم تاء التأنيث في سين \" سَبْع \" أبو عمرو ، وحمزة ، والكسائي ، وهشامٌ. وأظهر الباقون ، والتاء تقارب السين ، ولذلك أُبدلت منها؛ قالوا : ناسٌ ، وناتُ ، وأكياسٌ ، وأكياتٌ؛ قال : [ الرجز ]\rعَمْرو بْنَ يَرْبُوعٍ شِرَارَ النَّاتِ... لَيْسُوا بَأَجْيَادٍ وَلاَ أَكْيَاتِ\rأي : شرار الناس ، ولا أكياسِ.\rوجاء التَّمييز هنا على مثال مفاعل ، وفي سورة يوسف مجموعاً بالألف والتَّاء ، فقال الزمخشريُّ : \" فإنْ قلتَ : هلاَّ قيل : \" سَبْعَ سُنْبُلاَتٍ \" على حقِّه من التمييز بجمع القلَّة ، كما قال : { وَسَبْعَ سُنْبُلاَتٍ خُضْرٍ } [ يوسف : 43 و46 ]. قلت : هذا لما قدَّمت عند قوله : { ثَلاَثَةَ قرواء } [ البقرة : 228 ] من وقوع أمثلة الجمع [ متعاورةً ] مواقعها \".\rيعني : أنه من باب الاتساع ، ووقوع أحد الجمعين موقع الآخر ، وهذا الذي قاله ليس بمخلِّص ، [ ولا محَصِّلٍ ] ، فلا بدَّ من ذكر قاعدةٍ مفيدة في ذلك :\rقال شهاب الدين - رحمه الله - : اعلم أن جمعي السَّلامة لا يميَّز بهما عددٌ إلا في موضعين :\rأحدهما : ألا يكون لذلك المفرد جمعٌ سواه ، نحو : سبع سموات ، وسبع بقرات ، وسبع سنبلات ، وتسع آيات ، وخمس صلوات ، لأنَّ هذه الأشياء لم تجمع إلا جمع السلامة ، فأمَّا قوله : [ الطويل ]\r....................................... فَوْقَ سَبْعِ سَمَائِيَا\rفشاذٌ ، منصوصٌ على قلَّته ، فلا يلتفت إليه.","part":8,"page":438},{"id":3481,"text":"والثاني : أن يعدل إليه لمجاوزة غيره ، كقوله : { وَسَبْعَ سُنْبُلاَتٍ خُضْرٍ } [ يوسف : 43 و46 ] عدل من \" سَنَابِلَ \" إِلى \" سُنْبُلاَتٍ \" ؛ لأجل مجاورته \" سَبْعَ بَقَرات \" ، ولذلك إذا لم توجد المجاورة ، ميِّز بجمع التكسير دون جمع السلامة ، وإن كان موجوداً نحو : \" سَبْعَ طَرَائِق ، وسَبْعِ لَيَالٍ \" مع جواز : طريقات ، وليلات.\rوالحاصل أنَّ الاسم إذا كان له جمعان : جمع تصحيح ، وجمع تكسيرٍ ، فالتكسير إمَّا للقلة ، أو للكثرة ، فإن كان للكثرة : فإمَّا من باب مفاعل ، أو من غيره ، فإن كان من باب مفاعل ، أُوثر على التصحيح ، تقول : ثلاثة أحَامِدَ ، وثَلاَثُ زَيَانِبَ ، ويجوز قليلاً : أَحْمَدِينَ وَزَيْنَبَات.\rوإن كان من غير باب مفاعل : فإمَّا أن يكثر فيه من غير التصحيح ، وغير جمع الكثرة ، أو يقلَّ.\rفإن كان الأول : فلا يجوز التصحيح ، ولا جمع الكثرة إلا قليلاً؛ نحو : ثَلاثَةُ زُيُودٍ ، وَثَلاثُ هُنُودٍ ، وثَلاَثَةُ أَفْلُسٍ ، ولا يجوز : ثلاثةُ زيْدِينَ ، ولا ثَلاَثُ هِنْدَات ، ولا ثَلاَثةُ فُلُوسٍ ، إلاَّ قليلاً.\rوإن كان الثاني : أُوثر التصحيح وجمع الكثرة ، نحو : ثلاثُ سُعَادَات ، وثلاثة شُسُوع ، وعلى قلّة يجوز : ثَلاثُ سَعَائد ، وثلاثةُ أشْسُع. فإذا تقرَّر هذا ، فقوله : \" سَبْعَ سَنَابِلَ \" جاء على المختار ، وأمَّا قوله \" سَبْعِ سُنْبُلاَتٍ \" ؛ فلأجل المجاورة كما تقدَّم.\rوقيل : لمَّا كان الكلام - ها هنا - في تضعيف الأجر ، ناسبها جمع الكثرة ، وفي سورة يوسف ذكرت في سياق الكلام في سني الجدب؛ فناسبها التقليل؛ فجمعت جمع القلة.\rوالسُّنْبُلَةُ فيها قولان :\rأحدهما : أنَّ نونها أصليةٌ؛ لقولهم : \" سَنْبَلَ الزرعُ \" أي : أخرج سنبله.","part":8,"page":439},{"id":3482,"text":"والثاني : أنها زائدةٌ ، وهذا هو المشهور؛ لقولهم : \" أَسْبَلَ الزرعُ \" ، فوزنها على الأول : فُعلُلَةٌ ، وعلى الثاني : فُنْعُلَة ، فعلى ما ثبت من حكاية اللُّغتين : سَنْبَلَ الزرعُ ، وأسْبَلَ تكون من باب سَبِط وسِبَطْر.\rقال القرطبي : من أسْبَلَ الزرعُ : إذا صار فيه السُّنبل ، كما يسترسل الستر بالإسبال وقيل : معناه : صار فيه حبٌّ مستورٌ ، كما يستر الشيء بإسبال السَّتر عليه.\rقوله : { فِي كُلِّ سُنبُلَةٍ } هذا الجارُّ في محلِّ جر؛ صفةً لسنابل ، أو نصبٍ؛ صفةً لسبع ، نحو : رأيت سبع إماءٍ أحرارٍ ، وأحراراً ، وعلى كلا التقديرين فيتعلَّق بمحذوفٍ.\rوفي رفع \" مائة \" وجهان :\rأحدهما : بالفاعلية بالجارِّ؛ لأنه قد اعتمد إذ قد وقع صفةً.\rوالثاني : أنها مبتدأٌ والجارُّ قبله خبره ، والجملة صفةٌ ، إمَّا في محلِّ جرٍّ ، أو نصبٍ على حسب ما تقدَّم ، إلاَّ أنَّ الوجه [ الأول ] أولى؛ لأنَّ الأصل الوصف بالمفردات ، دون الجمل. ولا بدَّ من تقدير حذف ضميرٍ ، أي : في كلِّ سنبلة منها ، أي : من السنابل.\rوالجمهور على رفع : \" مِائَة \" على ما تقدَّم ، وقرئ : بنصبها.\rوجوَّز أبو البقاء في نصبها وجهين :\rأحدهما : بإضمار فعلٍ ، أي : أَنْبَتَتْ ، أو أَخْرَجَتْ.\rوالثاني : أنها مبتدأٌ والجارُّ قبله خبره ، والجملة صفةٌ ، إمَّا في محلِّ جرٍّ ، أو نصبٍ على حسب ما تقدَّم ، إلاَّ أنَّ الوجه [ الأول ] أولى؛ لأنَّ الأصل الوصف بالمفردات ، دون الجمل. ولا بدَّ من تقدير حذف ضميرٍ ، أي : في كلِّ سنبلة منها ، أي : من السنابل.\rوالجمهور على رفع : \" مِائَة \" على ما تقدَّم ، وقرئ : بنصبها.\rوجوَّز أبو البقاء في نصبها وجهين :\rأحدهما : بإضمار فعلٍ ، أي : أَنْبَتَتْ ، أو أَخْرَجَتْ.","part":8,"page":440},{"id":3483,"text":"والثاني : أنها بدلٌ من \" سَبْعِ \" ، وردَّ بأنَّه لا يخلو : إمَّا أن يكون بدل [ كلِّ ] من كلٍّ ، أو بدل بعضٍ من كلٍّ ، أو بدل اشتمالٍ.\rفالأول : لا يصحُّ؛ لأنَّ المائة ليست كلَّ السبع سنابل.\rوالثاني : لا يصحُّ - أيضاً؛ لعدم الضمير الراجع على المبدل منه ، ولو سلِّم عدم اشتراط الضمير ، فالمئة ليست بعض السبع؛ لأنَّ المظروف ليس بعضاً للظرف ، والسنبلة ظرفٌ للحبة ، ألا ترى قوله : { فِي كُلِّ سُنبُلَةٍ مِّائَةُ حَبَّةٍ } فجعل السُّنْبُلَة وعاءٌ للحَبِّ.\rوالثالث - أيضاً - لا يصحُّ؛ لعدم الضَّمير ، وإن سُلِّم ، فالمشتمل على \" مِائَةِ حَبَّةٍ \" هو سنبلة من سبع سنابل ، إلا أن يقال إنَّ المشتمل على المشتمل على الشيء ، هو مشتملٌ على ذلك الشيء ، فالسنبلة مشتملةٌ على مائة والسنبلة مشتمل عليها سبع سنابل ، فلزم أنَّ السبع مشتملةٌ على \" مائة حبة \".\rوأسهل من هذا كلِّه أن يكون ثمَّ مضافٌ محذوفٌ ، أي : حبَّ سَبْع سَنَابِلَ ، فعلى هذا يكون \" مِائَةُ حَبَّةٍ \" بدل بعضٍ من كل. أ هـ {تفسير ابن عادل حـ 4 صـ 378 ـ 380}. بتصرف.","part":8,"page":441},{"id":3484,"text":"قوله تعالى : { الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ لَا يُتْبِعُونَ مَا أَنْفَقُوا مَنًّا وَلَا أَذًى لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (262)}\rمناسبة الآية لما قبلها\rقال البقاعى :\rولما كان الإنسان قد يزرع ما يكون لغيره بين أن هذا لهم بشرط فقال : - وقال الحرالي : ولما كان للخلافة وخصوصاً بالإنفاق موقع من النفس بوجوه مما ينقص التضعيف أو يبطله كالذي يطرأ على الحرث الذي ضرب به المثل مما ينقص نباته أو يستأصله نبه تعالى على ما يبطل ؛ انتهى.\rفقال سبحانه وتعالى : {الذين ينفقون} ورغبهم في إصلاحها ورهبهم من إفسادها بإضافتها إليهم فقال : {أموالهم} وحث على الإخلاص في قوله : {في سبيل الله} أي الذي له الأسماء الحسنى.\rولما كانت النفس مطبوعة على ذكر فضلها وكان من المستبعد جداً تركها له نبه عليه بأداة البعد إعلاماً بعظيم فضله فقال : {ثم لا يتبعون ما أنفقوا} بما يجاهدون به أنفسهم {مناً} قال الحرالي : وهو ذكره لمن أنفق عليه فيكون قطعاً لوصله بالإغضاء عنه لأن أصل معنى المنّ القطع {ولا أذى} وهو ذكره لغيره فيؤذيه بذلك لما يتعالى عليه بإنفاقه - انتهى.\rوكذا أن يقول لمن شاركه في فعل خير : لو لم أحضر ما تم ،\rوتكرير {لا} تنبيه على أن انتفاء كل منهما شرط لحصول الأجر {لهم} ولم يقرنه بالفاء إعلاماً بأنه ابتداء عطاء من الله تفخيماً لمقداره وتعظيماً لشأنه حيث لم يجعله مسبباً عن إنفاقهم {أجرهم} أي الذي ذكره في التضعيف فأشعر ذلك أنه إن اقترن بما نهي عنه لم يكن لهم ،\rثم زادهم رغبة بقوله : {عند ربهم} أي المحسن إليهم بتربيتهم القائم على ما يقبل من النفقات بالحفظ والتنمية حتى يصير في العظم إلى حد يفوت الوصف {ولا خوف عليهم} من هضيمة تلحقهم {ولا هم يحزنون} على فائت ،","part":8,"page":442},{"id":3485,"text":"لأن ربهم سبحانه وتعالى لم يترك شيئاً من الفضل اللائق بهم إلا أوصله إليهم. أ هـ {نظم الدرر حـ 1 صـ 516}\rفصل فى نزول الآية\rقال القرطبى :\rقيل : إنها نزلت في عثمان بن عفان رضي الله عنه.\r\" قال عبد الرحمن بن سَمُرة : جاء عثمان بألف دينار في جيش العُسْرة فصبّها في حِجْر رسول الله صلى الله عليه وسلم فرأيته يدخل يده فيها ويقلبها ويقول : \"ما ضَرّ ابن عفان ما عمل بعد اليوم اللَّهُمَّ لا تنس هذا اليومَ لعثمان\".\rوقال أبو سعيد الخدرِيّ : رأيت النبيّ صلى الله عليه وسلم رافعاً يديه يدعو لعثمان يقول : \"يا ربّ عثمان إني رضيت عن عثمان فارض عنه\" \" فما زال يدعو حتى طلع الفجر فنزلت : { الذين يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ الله ثُمَّ لاَ يُتْبِعُونَ مَآ أَنْفَقُواُ مَنّاً وَلاَ أَذًى } الآية. أ هـ {تفسير القرطبى حـ 3 صـ 306}\rوقيل نزلت فى عليّ ، وقيل : في عبد الرحمن بن عوف وعثمان ، جاء ابن عوف في غزوة تبوك بأربعة آلاف درهم وترك عنده مثلها ، وجاء عثمان بألف بعير بأقتابها وأحلاسها ، وتصدق برومة ركية كانت له تصدق بها على المسلمين. أ هـ {البحر المحيط حـ 2 صـ 318}\rوقال الفخر :\rنزلت الآية في عثمان وعبد الرحمن بن عوف ، أما عثمان فجهز جيش العسرة في غزوة تبوك بألف بعير بأقتابها وألف دينار ، فرفع رسول الله صلى الله عليه وسلم يديه يقول : يا رب عثمان رضيت عنه فارض عنه ، وأما عبد الرحمن بن عوف فإنه تصدق بنصف ماله أربعة آلاف دينار فنزلت الآية. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 7 صـ 40}\rفائدة\rقال الفخر :\rقال بعض المفسرين :\rإن الآية المتقدمة مختصة بمن أنفق على نفسه ، وهذه الآية بمن أنفق على غيره فبيّن تعالى أن الإنفاق على الغير إنما يوجب الثواب العظيم المذكور في الآية إذا لم يتبعه بمن ولا أذى","part":8,"page":443},{"id":3486,"text":"قال القفال رحمه الله : وقد يحتمل أن يكون هذا الشرط معتبراً أيضاً فيمن أنفق على نفسه ، وذلك هو أن ينفق على نفسه ويحضر الجهاد مع رسول الله صلى الله عليه وسلم والمسلمين ابتغاء لمرضاة الله تعالى ، ولا يمن به على النبي صلى الله عليه وسلم والمؤمنين ، ولا يؤذي أحداً من المؤمنين ، مثل أن يقول : لو لم أحضر لما تم هذا الأمر ، ويقول لغيره : أنت ضعيف بطال لا منفعة منك في الجهاد. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 7 صـ 40 ـ 41}\rفائدة\rقال القرطبى :\rلما تقدّم في الآية التي قبلُ ذِكرُ الإنفاق في سبيل الله على العموم بَيَّن في هذه الآية أن ذلك الحكم والثواب إنما هو لمن لا يتبع إنفاقه مَنّا ولا أذًى ؛ لأن المنّ والأذى مبطلان لثواب الصدّقة كما أخبر تعالى في الآية بعد هذا ، وإنما على المرء أن يريد وجه الله تعالى وثوابَه بإنفاقه على المنَفق عليه ، ولا يرجو منه شيئاً ولا ينظر من أحواله في حالٍ سوى أن يراعي استحقاقه ؛ قال الله تعالى : { لاَ نُرِيدُ مِنكُمْ جَزَآءً وَلاَ شُكُوراً } [ الإنسان : 9 ].\rومتى أنفق ليريد من المنفَق عليه جزاء بوجهٍ من الوجوه فهذا لم يُرد وجهَ الله ؛ فهذا إذا أخلف ظنه فيه منّ بإنفاقه وآذى.\rوكذلك من أنفق مضطراً دَافع غَرْم إمّا لمانْةٍ للمنفَق عليه أو لقرينة أخرى من اعتناء معتن فهذا لم يرد وجه الله.\rوإنما يُقبل ما كان عطاؤه لله وأكثر قصده ابتغاء ما عند الله ، كالذي حُكي عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أن أعرابياً أتاه فقال :\rيا عُمَر الخيرِ جُزَيت الجنّهْ . . .\rأُكْسُ بُنَياتِّي وأمّهُنّه\rوكُنْ لنا من الزمان جُنَّه . . .\rأُقسم بالله لتفعلَنّهْ\rقال عمر : إن لم أفعل يكون ماذا ؟! قال :\rإذاً أبا حفصٍ لأذهَبَنّه . . .\rقال : إذا ذهبت يكون ماذا ؟! قال :\rتكون عن حالي لتُسْأَلنّهْ . . .\rيوم تكون الأُعْطِيات هَنّهْ\rومَوْقِفُ المسئول بيْنَهُنّهْ . . .\rإمّا إلى نارٍ وإمّا جَنّهْ","part":8,"page":444},{"id":3487,"text":"فبكى عمر حتى اخْضَلّت لحيته ، ثم قال : يا غلام ، أعطه قميصي هذا لذلك اليوم لا لِشعْره! والله لا أملك غيره.\rقال الماورديّ : وإذا كان العطاء على هذا الوجه خالياً من طلب جزاء وشُكر عُرْياً عن امتنان ونشرٍ كان ذلك أشرف للباذل وأهْنَأَ للقابل.\rفأما المعطِي إذا التمس بعطائه الجزاء ، وطلب به الشكر والثناء ، كان صاحبَ سُمْعة ورِياء ، وفي هذين من الذمّ ما ينافِي السخاء.\rوإن طلب الجزاء كان تاجراً مُربِحاً لا يستحق حمداً ولا مدحاً.\rوقد قال ابن عباس في قوله تعالى : { وَلاَ تَمْنُن تَسْتَكْثِرُ } [ المدثر : 6 ] أي لا تُعطِي عطية تلتمس بها أفضل منها.\rوذهب ابن زيد إلى أن هذه الآية إنما هي في الذين لا يخرجون في الجهاد بل ينفقون وهم قعود ، وأن الآية التي قبلها هي في الذين يخرجون بأنفسهم ، قال : ولذلك شرط على هؤلاء ولم يشترط على الأوّلين.\rقال ابن عطية : وفي هذا القول نظر ؛ لأن التحكُّم فيه بادٍ. أ هـ {تفسير القرطبى حـ 3 صـ 307 ـ 308}\rلطيفة\rقال أبو السعود :\rوإنما قُدم المن لكثرة وقوعِه ، وتوسيطُ كلمة { لا } للدَلالة على شمول النفي لإتباع كل واحدٍ منهما و{ ثُمَّ } لإظهار علوِّ رتبة المعطوف. أ هـ {تفسير أبى السعود حـ 1 صـ 258}\rفائدة\rقال أبو حيان :\r{ لهم أجرهم عند ربهم }\rعطف : بـ {ثم} ، التي تقتضي المهلة ، لأن من أنفق في سبيل الله ظاهراً لا يحصل منه غالباً المنّ والأذى ، بل إذا كانت بنية غير وجه الله تعالى ، لا يمنّ ولا يؤذي على الفور ، فذلك دخلت : ثم ، مراعاة للغالب.\rوإن حكم المن والأذى المعتقبين للإنفاق ، والمقارنين له حكم المتأخرين.\rوقال الزمخشري : ومعنى : ثم ، إظهار التفاوت بين الإنفاق وترك المن والأذى ، وأن تركهما خير من نفس الإنفاق ، كما جعل الاستقامة على الإيمان خيراً من الدخول فيه بقوله : { ثم استقاموا } انتهى كلامه.","part":8,"page":445},{"id":3488,"text":"وقد تكرر للزمخشري ادعاء هذا المعنى لـ {ثم} ، ولا أعلم له في ذلك سلفاً ، وقد تكلمنا قبل هذا معه في هذا المعنى. أ هـ {البحر المحيط حـ 2 صـ 319}\rفصل\rقال الفخر :\rالمن في اللغة على وجوه\rأحدها : بمعنى الإنعام ، يقال : قد من الله على فلان ، إذا أنعم ، أو لفلان على منّة ، وأنشد ابن الأنباري :\rفمنّي علينا بالسلام فإنما.. كلامك ياقوت ودر منظم\rومنه قوله صلى الله عليه وسلم : \" ما من الناس أحد أمن علينا في صحبته ولا ذات يده من ابن أبي قحافة \" يريد أكثر إنعاماً بماله ، وأيضاً الله تعالى يوصف بأنه منان أي منعم.\rوالوجه الثاني : في التفسير المن النقص من الحق والبخس له ، قال تعالى : {وَإِنَّ لَكَ لأَجْراً غَيْرَ مَمْنُونٍ} أي غير مقطوع وغير ممنوع ، ومنه سمي الموت : منوناً لأنه ينقص الأعمار ، ويقطع الأعذار : ومن هذا الباب المنة المذمومة ، لأن ينقص النعمة ، ويكدرها ، والعرب يمتدحون بترك المن بالنعمة ، قال قائلهم :\rزاد معروفك عندي عظما.. أنه عندي مستور حقير\rتتناساه كأن لم تأته.. وهو في العالم مشهور كثير\rإذا عرفت هذا فنقول : المن هو إظهار الاصطناع إليهم ، والأذى شكايته منهم بسبب ما أعطاهم وإنما كان المن مذموماً لوجوه الأول : أن الفقير الآخذ للصدقة منكسر القلب لأجل حاجته إلى صدقة غير معترف باليد العليا للمعطي ، فإذا أضاف المعطي إلى ذلك إظهار ذلك الإنعام ، زاد ذلك في انكسار قلبه ، فيكون في حكم المضرة بعد المنفعة ، وفي حكم المسيء إليه بعد أن أحسن إليه والثاني : إظهار المن يبعد أهل الحاجة عن الرغبة في صدقته إذا اشتهر من طريقه ذلك الثالث : أن المعطي يجب أن يعتقد أن هذه النعمة من الله تعالى عليه ، وأن يعتقد أن لله عليه نعماً عظيمة حيث وفقه لهذا العمل ، وأن يخاف أنه هل قرن بهذا الانعام ما يخرجه عن قبول الله إياه ، ومتى كان الأمر كذلك امتنع أن يجعله منة على الغير","part":8,"page":446},{"id":3489,"text":"الرابع : وهو السر الأصلي أنه إن علم أن ذلك الإعطاء إنما تيسر لأن الله تعالى هيأ له أسباب الاعطاء وأزال أسباب المنع ، ومتى كان الأمر كذلك كان المعطي هو الله في الحقيقة لا العبد ، فالعبد إذا كان في هذه الدرجة كان قلبه مستنيراً بنور الله تعالى وإذا لم يكن كذلك بل كان مشغولاً بالأسباب الجسمانية الظاهرة وكان محروماً عن مطالعة الأسباب الربانية الحقيقة فكان في درجة البهائم الذين لا يترقى نظرهم عن المحسوس إلى المعقول وعن الآثار إلى المؤثر ، وأما الأذى فقد اختلفوا فيه ، منهم من حمله على الإطلاق في أذى المؤمنين وليس ذلك بالمن بل يجب أن يكون مختصاً بما تقدم ذكره وهو مثل أن يقول للفقير : أنت أبداً تجيئني بالإيلام وفرج الله عني منك وباعد ما بيني وبينك ، فبيّن سبحانه وتعالى أن من أنفق ماله ثم أنه لا يتبعه المن والأذى فله الأجر العظيم والثواب الجزيل.\rفإن قيل : ظاهر اللفظ أنهما بمجموعهما يبطلان الأجر فيلزم أنه لو وجد أحدهما دون الثاني لا يبطل الأجر.\rقلنا : بل الشرط أن لا يوجد واحد منهما لأن قوله {لاَ يُتْبِعُونَ مَا أَنْفَقُواْ مَنّا وَلا أَذًى} يقتضي أن لا يقع منه لا هذا ولا ذاك. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 7 صـ 41 ـ 42}\rوقال القرطبى :\rالمَنُّ : ذكر النعمة على معنى التعديد لها والتقريع بها ؛ مثل أن يقول : قد أحسنت إليك ونَعْشْتُك وشبهه.\rوقال بعضهم : المنّ : التحدّث بما أَعطى حتى يبلغ ذلك المعطَى فيؤذيه.","part":8,"page":447},{"id":3490,"text":"والمنّ من الكبائر ، ثبت ذلك في صحيح مسلم وغيره ، وأنه أحد الثلاثة الذين لا ينظر الله إليهم ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم ؛ وروى النسائيّ عن ابن عمر قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : \" ثلاثة لا ينظر الله إليهم يوم القيامة العاقّ لوالديه والمرأة المترجِّلة تتشبّه بالرجال والديُّوث ، وثلاثة لا يدخلون الجنة العاقّ لوالديه والمدمِن الخمر والمنّان بما أعطى \" وفي بعض طرق مسلم : \" المنان هو الذي لا يعطي شيئاً إلا مِنّة \" والأذى : السب والتشكّي ، وهو أعمّ من المنّ ؛ لأن المنّ جزء من الأذى لكنه نص عليه لكثرة وُقُوعِه.\rوقال ابن زيد : لئن ظننت أن سلامك يثقل على من أنفقت عليه تريد وجه الله فلا تسلم عليه.\rوقالت له امرأة : يا أبا أُسامة دلني على رجل يخرج في سبيل الله حقاً فإنهم إنما يخرجون يأكلون الفواكه فإن عندي أسهماً وجعبة.\rفقال : لا بارك الله في أسهمك وجعبتك فقد آذيتهم قبل أن تعطيهم.\rقال علماؤنا رحمة الله عليهم : فمن أنفق في سبيل الله ولم يُتبعه مَنّا ولا أذًى كقوله : ما أشدّ إلحاحَك! وخلّصنا الله منك! وأمثال هذا فقد تضمّن الله له بالأجر ، والأجر الجنة ، ونفى عنه الخوف بعد موته لما يستقبل ، والحزن على ما سلف من دنياه ؛ لأنه يغتبط بآخرته فقال : { لَّهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ }.\rوكفى بهذا فضلاً وشرفاً للنفقة في سبيل الله تعالى.\rوفيها دلالة لمن فضّل الغنيّ على الفقر. أ هـ {تفسير القرطبى حـ 3 صـ 308 ـ 309}\rسؤال : فإن قيل : كيف مدحهم بترك المن ، ووصف نفسه بالمنان ؟ فالجواب : أنه يقال : منّ فلان على فلان : إذا أنعم عليه ، فهذا الممدوح ، قال الشاعر :\rفمنِّي علينا بالسلام فإنما . . .\rكلامك ياقوت ودر منظم\rأراد بالمن : الإنعام.\rوأما الوجه المذموم ، فهو أن يقال : منّ فلان على فلان : إذا استعظم ما أعطاه ، وافتخر بذلك ، قال الشاعر في ذلك :","part":8,"page":448},{"id":3491,"text":"أنلت قليلاً ثم أسرعت منَّة . . .\rفنيلك ممنون كذاك قليل\rذكر ذلك أبو بكر الأنباري. أ هـ {زاد المسير حـ 1 صـ 317}\rوقال الخازن : المنان في صفة الله تعالى معناه المتفضل فمن الله إفضال على عباده وإحسانه إليهم فجميع ما هم فيه منة منه سبحانه وتعالى ومن العباد تعيير وتكدير فظهر الفرق بينهما. أ هـ {تفسير الخازن حـ 1 صـ 189}\rوقال فى روح البيان :\rواعلم أن الله تعالى نهى عباده أن يمنوا على أحد بالمعروف مع أنه تعالى قد من على عباده كما قال { بل الله يمن عليكم } وذلك لأن الله تعالى تام الملك والقدرة وملكه وقدرته ليس بغيره والعبد وإن كان فيه خصال الخير فتلك خصاله من الله ولم يكن ذلك بقوة العبد فالعبد ناقص ، والناقص لا يجوز له أن يمن على أحد أو يمدح نفسه ، والمن ينقص قدر النعمة ويكدرها لأن الفقير الآخذ منكسر القلب لأجل حاجته إلى صدقة غيره معترف باليد العليا للمعطى فإذا أضاف المعطى إلى ذلك إظهار ذلك الإنعام زاد ذلك فى انكسار قلبه فيكون فى حكم المضرب به بعد أن نفعه وفى حكم المسيئ إليه بعد أن أحسن إليه. أ هـ {روح البيان حـ 1 صـ 514}\rلطيفة\rقال ابن الجوزى :\rولقد حدثنا عن حسان بن أبي سنان أنه كان يشتري أهل بيت الرجل وعياله ، ثم يعتقهم جميعاً ، ولا يتعرف إليهم ولا يخبرهم من هو. أ هـ {زاد المسير حـ 1 صـ 317}\rفصل\rقال الفخر :\rقالت المعتزلة : الآية دالة على أن الكبائر تحبط ثواب فاعلها ، وذلك لأنه تعالى بيّن أن هذا الثواب إنما يبقى إذا لم يوجد المن والأذى ، لأنه لو ثبت مع فقدهما ومع وجودهما لم يكن لهذا الاشتراط فائدة.","part":8,"page":449},{"id":3492,"text":"أجاب أصحابنا بأن المراد من الآية أن حصول المن والأذى يخرجان الإنفاق من أن يكون فيه أجر وثواب أصلاً ، من حيث يدلان على أنه إنما أنفق لكي يمن ، ولم ينفق لطلب رضوان الله ، ولا على وجه القربة والعبادة ، فلا جرم بطل الأجر ، طعن القاضي في هذا الجواب فقال : إنه تعالى بيّن أن هذا الإنفاق قد صح ، ولذلك قال : {ثُمَّ لاَ يُتْبِعُونَ مَا أَنْفَقُواْ} وكلمة {ثُمَّ} للتراخي ، وما يكون متأخراً عن الإنفاق موجب للثواب ، لأن شرط المتأثر يجب أن يكون حاصلاً حال حصول المؤثر لا بعده.\rأجاب أصحابنا عنه من وجوه\rالأول : أن ذكر المن والأذى وإن كان متأخراً عن الإنفاق ، إلا أن هذا الذكر المتأخر يدل ظاهراً على أنه حين أنفق ما كان إنفاقه لوجه الله ، بل لأجل الترفع على الناس وطلب الرياء والسمعة ، ومتى كان الأمر كذلك كان إنفاقه غير موجب للثواب\rوالثاني : هب أن هذا الشرط متأخر ، ولكن لم يجوز أن يقال : إن تأثير المؤثر يتوقف على أن لا يوجد بعده ما يضاده على ما هو مذهب أصحاب الموافاة ، وتقريره معلوم في علم الكلام. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 7 صـ 42}\rقوله تعالى { ما أنفقوا }\rقال أبو حيان :\rو : ما ، من { ما أنفقوا } موصول عائده محذوف ، أي : أنفقوه ، ويجوز أن تكون مصدرية ، أي : إنفاقهم ، وثم محذوف ، أي : منّاً على المنفق عليه ، ولا أذى له ، وبعد ما قاله بعضهم من أن ولا أذى من صفة المعطي ، وهو مستأنف ، وكأنه قال : الذين ينفقون ولا يمنون ولا يتأذون بالإنفاق ، وكذلك يبعد ما قاله بعضهم من أن قوله : { ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون } لا يراد به في الآخرة ، وأن المعنى : إن حق المنفق في سبيل الله أن يطيب به نفسه ، وأن لا يعقبه المن ، وأن لا يشفق من فقر يناله من بعد ، بل يثق بكفاية الله ولا يحزن إن ناله فقر. أ هـ {البحر المحيط حـ 2 صـ 319}\rفائدة\rقال الفخر :","part":8,"page":450},{"id":3493,"text":"الآية دلت أن المن والأذى من الكبائر ، حيث تخرج هذه الطاعة العظيمة بسبب كل واحد منهما عن أن تفيد ذلك الثواب الجزيل. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 7 صـ 42}\rقوله تعالى {لَهُمْ أَجْرُهُمْ}\rقال الفخر :\rأما قوله {لَهُمْ أَجْرُهُمْ} ففيه مسائل :\rالمسألة الأولى : احتجت المعتزلة بهذه الآية على أن العمل يوجب الأجر على الله تعالى ، وأصحابنا يقولون : حصول الأجر بسبب الوعد لا بسبب نفس العمل لأن العمل واجب على العبد وأداء الواجب لا يوجب الأجر.\rالمسألة الثانية : احتج أصحابنا بهذه الآية على نفي الإحباط ، وذلك لأنها تدل على أن الأجر حاصل لهم على الإطلاق ، فوجب أن يكون الأجر حاصلاً لهم بعد فعل الكبائر ، وذلك يبطل القول بالإحباط.\rالمسألة الثالثة : أجمعت الأمة على أن قوله {لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبّهِمْ} مشروط بأن لا يوجد منه الكفر ، وذلك يدل على أنه يجوز التكلم بالعام لإرادة الخاص ، ومتى جاز ذلك في الجملة لم تكن دلالة اللفظ العام على الاستغراق دلالة قطعية ، وذلك يوجب سقوط دلائل المعتزلة في التمسك بالعمومات على القطع بالوعيد. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 7 صـ 42}\rسؤال :\rفإن قلت : أي فرق بين قوله : { لَهُمْ أَجْرُهُمْ } وقوله فيما بعد : { فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ } ؟\rقلت : الموصول لم يضمن ههنا معنى الشرط. وضمنه ثمة. والفرق بينهما من جهة المعنى أنّ الفاء فيها دلالة على أنّ الإنفاق به استحق الأجر ، وطرحها عار عن تلك الدلالة. أ هـ {الكشاف حـ 1 صـ 339}\rوقال البيضاوى :\rلعله لم يدخل الفاء فيه وقد تضمن ما أسند إليه معنى الشرط إيهاماً بأنهم أهل لذلك وإن لم يفعلوا فكيف بهم إذا فعلوا. أ هـ {تفسير البيضاوى حـ 1 صـ 566}","part":8,"page":451},{"id":3494,"text":"قوله تعالى {وَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ}\rقال الفخر :\rأما قوله {وَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ} ففيه قولان الأول : أن إنفاقهم في سبيل الله لا يضيع ، بل ثوابه موفر عليهم يوم القيامة ، لا يخافون من أن لا يوجد ، ولا يحزنون بسبب أن لا يوجد ، وهو كقوله تعالى : {وَمَن يَعْمَلْ مِنَ الصالحات وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلاَ يَخَافُ ظُلْماً وَلاَ هَضْماً} [ طه : 112 ] والثاني : أن يكون المراد أنهم يوم القيامة لا يخافون العذاب ألبتة ، كما قال : {وَهُمْ مّن فَزَعٍ يَوْمَئِذٍ ءامِنُونَ} [ النمل : 89 ] وقال : {لاَ يَحْزُنُهُمُ الفزع الأكبر} [ الأنبياء : 103 ]. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 7 صـ 42 ـ 43}\rوقال أبو السعود :\r{ وَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ } في الدارين من لحوق مكروهٍ من المكاره { وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ } لفوات مطلوبٍ من المطالب قلَّ أو جلَّ ، أي لا يعتريهم ما يوجبه لا أنه يعتريهم ذلك لكنهم لا يخافون ولا يحزنون ولا أنه لا يعتريهم خوفٌ وحزن أصلاً بل يستمرون على النشاط والسرور ، كيف لا واستشعارُ الخوف والخشية استعظاماً لجلال الله وهيبته واستقصاراً للجِد والسعي في إقامة حقوقِ العبودية من خواصِّ الخاصةِ والمقرَّبين ، والمرادُ بيانُ دوامِ انتفائِهما لا بيانُ انتفاءِ دوامِهما كما يوهمه كونُ الخبر في الجملة الثانية مضارعاً عالماً أن النفي وإن دخل على نفس المضارع يفيدُ الدوام والاستمرار بحسب المقام. أ هـ {تفسير أبى السعود حـ 1 صـ 258}","part":8,"page":452},{"id":3495,"text":"فوائد لغوية\rقال ابن عادل :\r{ الذين يُنْفِقُونَ } فيه وجهان :\rأحدهما : أن يكون مرفوعاً بالابتداء ، وخبره الجملة من قوله تعالى : { لَّهُمْ أَجْرُهُمْ } ، ولم يضمَّن المبتدأ هنا معنى الشَّرط ، فلذلك لم تدخل الفاء في خبره ، لأنَّ القصد بهذه الجملة تفسير الجملة التي قبلها؛ لأنَّ الجملة قبلها أخرجت مخرج الشَّيء الثَّابت المفروغ منه ، وهو تشبيه نفقتهم بالحبَّة المذكورة ، فجاءت هذه الجملة كذلك ، والخبر فيها أُخرج مخرج الثَّابت المستقرِّ غير المحتاج إلى تعليق استحقاق بوقوع [ غيره ] ما قبله.\rوالثاني : أنَّ { الذين } خبرٌ لمبتدأ محذوف ، أي : هم الذين ينفقون ، وفي قوله : { لَّهُمْ أَجْرُهُمْ } على هذا وجهان :\rأحدهما : أنَّها في محل نصبٍ على الحال.\rوالثاني : - وهو الأولى - أن تكون مستأنفةٌ ، لا محلَّ لها من الإعراب ، كأنها جواب سائل قال : هل لهم أجرٌ؟ وعطف بـ \" ثمّ \" جَرْياً على الأغلب؛ لأنَّ المتصدِّق لغير وجه الله لا يحصل منه المنُّ عقيب صدقته ، ولا يؤذي على الفور ، فجرى هذا على الغالب ، وإن كان حكم المنِّ والأذى الواقعين عقيب الصّدقة كذلك.\rقال الزَّمخشريُّ : ومعنى \" ثُمَّ \" : إظهار التَّفاوت بين الإنفاق ، وترك المنِّ والأذى ، وأنَّ تركهما خبرٌ من نفس الإنفاق كما جعل الاستقامة على الإيمان خيراً من الدُّخول فيه بقوله : { ثُمَّ استقاموا } [ فصلت : 30 ] ، فجعلها للتَّراخي في الرُّتبة ، لا في الزَّمان ، وقد تكرَّر له ذلك غير مرَّةٍ.","part":8,"page":453},{"id":3496,"text":"و \" مَا \" في قوله تعالى : { مَآ أَنْفَقُواُ } يجوز أن تكون موصولةً اسميّةً ، فالعائد محذوفٌ ، أي : ما أنفقوه ، وأن تكون مصدريةً ، فلا تحتاج إلى عائدٍ ، أي : لا يتبعون إنفاقهم. ولا بدَّ من حذفٍ بعد \" مَناً \" ، أي : مناً على المنفق عليه ، ولا أذى له ، فحذف للدّلالة عليه.\rوالمنُّ : الاعتداد بالإحسان ، وهو في الأصل : القطع ، ولذلك يطلق على النِّعمة؛ لأنَّ المنعم يقطع من ماله قطعةً للمنعم عليه. يقال : قد منَّ الله على فلان ، إذا أنعم عليه ، ولفلان عليَّ منَّةٌ ، أي : نعمة؛ وأنشد ابن الأنباريّ : [ الطويل ]\rفَمُنِّي عَلَيْنَا بالسَّلاَمِ فَإِنَّمَا... كَلاَمُكِ يَاقُوتٌ وَدُرٌّ مُنَظَّمٌ\rومنه قوله - صلى الله عليه وسلم - : \" ما مِنْ أَحَدٍ مِنَ النَّاسِ أَمَنَّ عَلَيْنَا في صُحْبَتِهِ ، وَلاَ ذَات يَدِهِ مِنْ ابْنِ أَبِي قُحَافَةَ \" يريد أكثر إنعاماً بماله ، وأيضاً فالله تعالى يوصف بأنَّه منَّانٌ ، أي : منعمٌ ، و\" المنّ \" أيضاً النَّقص من الحقّ. قال تبارك وتعالى : { وَإِنَّ لَكَ لأَجْراً غَيْرَ مَمْنُونٍ } [ القلم : 3 ] أي : غير مقطوع وغير ممنوع؛ ومنه سمي الموت منوناص؛ لأنه ينقص الحياة ، ويقطعها ، ومن هذا الباب : المنَّةُ المذمومة؛ لأنَّها تنقص النّعمة ، وتكدّرها ، والعرب يمتدحون بترك المنّ بالنِّعمة قال قائلهم : [ الرمل ]\rزَادَ مَعْرُوفُكَ عِنْدِي عِظَماً... أَنَّهُ عِنْدَكَ مَسْتُورٌ حَقِيرْ\rتَتَنَاسَاهُ كَأَنْ لَمْ تَأْتِهِ... وَهْوَ في العَالَمِ مَشْهُودٌ كَثِيرْ\rوالمنُّ : الذي يوزن به ، ويقال في هذا : \" مَنَا \" مثل : عَصَا. وتقدَّم اشتقاق الأذى.","part":8,"page":454},{"id":3497,"text":"و \" مَنّاً \" مفعولٌ ثانٍ ، و\" لاَ أَذًى عطفٌ عليه ، وأبعد من جعل \" وَلاَ أَذًى \" مستأنفاً ، فجعله من صفات المتصدِّق ، كأنَّ قال : الذين ينفقون ، ولا يتأذَّون بالإِنفاق ، فيكون \" أَذى \" اسم لا ، وخبرها محذوفٌ ، أي : ولا أذًى حاصل لهم ، فهي جملةٌ منفيةٌ في معنى النَّهي.\rقال شهاب الدِّين : وهذا تكلُّفٌ ، وحقُّ هذا القائل أن يقرأ \" وَلاَ أَذَى \" بالألف غير منوَّنٍ؛ لأنَّه مبنيٌّ على الفتح على مشهور مذهب النُّحاة. أ هـ {تفسير ابن عادل حـ 4 صـ 382 ـ 383}","part":8,"page":455},{"id":3498,"text":"لطيفة\rقال فى روح البيان :\rاعلم أن الناس على ثلاث طبقات.\rالأولى الأقوياء وهم الذين أنفقوا جميع ما ملكوا وهؤلاء صدقوا فيما عاهدوا الله عليه من الحب كما فعل أبو بكر الصديق رضى الله تعالى عنه.\rوالثانية المتوسطون وهم الذين لم يقدروا على إخلاء اليد عن المال دفعة ولكن أمسكوه لا للتنعم بل للإنفاق عند ظهور محتاج إليه وقنعوا فى حق أنفسهم بما يقويهم على العبادة\rوالثالثة الضعفاء وهم المقتصرون على أداء الزكاة الواجبة اللهم اجعلنا من المتجردين عن عيرك والقانعين بك عما سواك. أ هـ {روح البيان حـ 1 صـ 515}\rمن فوائد ابن عرفة فى الآية\rقوله تعالى : { الذين يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ الله . . . }.\rقال ابن عرفة : أتى به غير معطوف لأنه في معنى التفسير للأول فعلى هذا يكون خبر مبتدإ مقدر ، أي هم الذين ينفقون أموالهم.\rقوله تعالى : { ثُمَّ لاَ يُتْبِعُونَ . . . }.\rعطفه بـ ( ثم ) إما لبعد ما بين المنزلتين أو للمهلة حقيقة ويكون فيه إشارة إلى أنهم يمنون بنفقة طال ( أمدها ) وداموا عليها ( فأحرى ) أن لا يَمُنُّوا بنفس الإنفاق.\rقوله تعالى : { مَنّاً وَلاَ أَذىً . . . }.\rقال ابن عرفة : قالوا الأذى هو الشكوى بذلك والسب عليه.\rابن عرفة : وتقدم لنا سؤال وهو أنه لا يلزم من نفي الأخص نفي الأعم بل العكس ، فالمنّ أعم من الأذى فإذا لم يمنّوا فأحرى أن لا يسبّوا عليها.\rوأجيب بأن الإنسان قد يشكو بإعطائه النفقة لغيره ويذم معه ولا يمن عليه لأنه إذا رآه يستحيي منه ( فلا يمن عليه ).\rفقال : المن على المعطي يكون بمحضره وفي غيبته.\rقال : وإنما عادتهم يجيبون بأن سبب المن أخف من سبب الأذى ، فإنهم اعتبروا الفاعل ونحن نعتبر المفعول.\rفنقول : سبب المن مجرد بذل المال للفقير فقط ، وأما الأذية ( والتشكي ) والسب فما يصدر إلا عن موجب وهو إذاية المعطي للفاعل ونحو ذلك.\rفلا يلزم من نفي المنّ نفي الأذى.\rقال : وقال هنا { لَّهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ } وقال ( بعده ) { الذين يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُم بالليل والنهار سِرّاً وَعَلاَنِيَةً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ } فعطفه بالفاء.\rوأجاب الزمخشري بأنّ الموصول لم يضمّن هنا معنى الشرط وضمنه هناك لأن الفاء تدل على أنّ الإنفاق به استحق الأجر.","part":8,"page":456},{"id":3499,"text":"قال ابن عرفة : هذا الكلام لا يستقل بنفسه ، ولا يزال السؤال واردا ، فيقال : لأي شيء أريد الشرط هناك ولم يرد هنا ؟\rقال : لكن عادتهم يجيبون بأنه لما قصد هناك الإخبار بأن مطلق الإنفاق في سبيل الله ( يلزمه ) الأجر قلّ أو كثر دخلت الفاء تحقيقا للارتباط ، ولما كان المراد هنا إنفاقا خاصا على وجه شبيه بحسنة موصوفة بهذه الصفة وأكدت خصوصية سلامته من المن والأذى كان ترتيب الأجر عليه كالمعلوم بالبديهة وكالمستفاد من اللفظ فلم يحتج إلى ما يحقق الارتباط.\rقوله تعالى : { لَّهُمْ أَجْرُهُمْ . . . }.\rأفادت الإضافة الاستحقاق أي أجرهم ( اللائق ) بهم فواحد يقل أجره وواحد يكثر وآخر في مادة التوسط بحسب ( عمله ) ونفقته. انتهى.\rقوله تعالى : { وَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ . . . }.\rقال : الخوف يتعلق بالمستقبل فالمناسب فيه أن يكون الفعل المقتضي للتجدد ، والحزن يتعلق بالماضي فالمناسب ( أن يكون بالاسم ) المقتضي للثبوت والتحقيق. أ هـ {تفسير ابن عرفة صـ 342}\rتم الجزء الثامن من كتاب {جامع لطائف التفسير} ولله الحمد والمنة\rويليه إن شاء الله تعالى الجزء التاسع وأوله قوله تعالى :\r{قَوْلٌ مَعْرُوفٌ وَمَغْفِرَةٌ خَيْرٌ مِنْ صَدَقَةٍ يَتْبَعُهَا أَذًى وَاللَّهُ غَنِيٌّ حَلِيمٌ (263)}","part":8,"page":457},{"id":3500,"text":"بسم الله الرحمن الرحيم\rاسم الكتاب / جامع لطائف التفسير\rالعاجز الفقير\rعبد الرحمن بن محمد القماش\rإمام وخطيب بدولة الإمارات العربية\rعفا الله عنه وغفر له\rالجزء التاسع\rحقوق النسخ والطبع والنشر مسموح بها لكل مسلم\r{يا قوم لا أسألكم عليه أجرا}","part":9,"page":3},{"id":3501,"text":"الجزء التاسع\rمن الآية {263} من سورة البقرة\rوحتى الآية {277} من نفس السورة","part":9,"page":4},{"id":3502,"text":"قوله تعالى : {قَوْلٌ مَعْرُوفٌ وَمَغْفِرَةٌ خَيْرٌ مِنْ صَدَقَةٍ يَتْبَعُهَا أَذًى وَاللَّهُ غَنِيٌّ حَلِيمٌ (263)}\rمناسبة الآية لما قبلها\rقال البقاعى :\rولما أفهم هذا وهي ما لا يقترن بالشرط من الإنفاق فتشوقت النفس إلى الوقوف على الحقيقة من أمره صرح به في قوله : {قول معروف} قال الحرالي : وهو ما لا يوجع قلب المتعرض بحسب حاله وحال القائل.\rولما كان السائل قد يلح ويغضب من الرد وإن كان بالمعروف من القول فيغضب المسؤول قال : {ومغفرة} للسائل إذا أغضب من رده {خير من صدقة} وهي الفعلة التي يبدو بها صدق الإيمان بالغيب من حيث إن الرزق غيب فالواثق منفق تصديقاً بالخلف إعلاماً بعظم فضله {يتبعها أذى} بمن أو غيره ،\rلأنه حينئذ يكون جامعاً بين نفع وضر وربما لم يف ثواب النفع بعقاب الضر {والله} أي والحال أن الملك الذي لا أعظم منه {غني} فهو لا يقبل ما لم يأذن فيه.\rولما رهب المتصدق بصفة الغني رغبة في الحلم عمن أغضبه بكفران الإحسان أو الإساءة في القول عند الرد بالجميل فقال : {حليم} أي لا يعاجل من عصاه بل يرزقه وينصره وهو يعصيه ويكفره. أ هـ {نظم الدرر حـ 1 صـ 516 ـ 517}\rقال الفخر :\rأما القول المعروف ، فهو القول الذي تقبله القلوب ولا تنكره ، والمراد منه هاهنا أن يرد السائل بطريق جميل حسن ، وقال عطاء : عدة حسنة ، أما المغفرة ففيه وجوه\rأحدها : أن الفقير إذا رد بغير مقصوده شق عليه ذلك ، فربما حمله ذلك على بذاءة اللسان ، فأمر بالعفو عن بذاءة الفقير والصفح عن إساءته\rوثانيها : أن يكون المراد ونيل مغفرة من الله بسبب الرد الجميل\rوثالثها : أن يكون المراد من المغفرة أن يستر حاجة الفقير ولا يهتك ستره ، والمراد من القول المعروف رده بأحسن الطرق وبالمغفرة أن لا يهتك ستره بأن يذكر حاله عند من يكره الفقير وقوفه على حاله\rورابعها : أن قوله {قَوْلٌ مَّعْرُوفٌ} خطاب مع المسؤول بأن يرد السائل بأحسن الطرق ،","part":9,"page":5},{"id":3503,"text":"وقوله {وَمَغْفِرَةٌ} خطاب مع السائل بأن يعذر المسؤول في ذلك الرد ، فربما لم يقدر على ذلك الشيء في تلك الحالة ، ثم بيّن تعالى أن فعل الرجل لهذين الأمرين خير له من صدقة يتبعها أذى ، وسبب هذا الترجيح أنه إذا أعطى ، ثم أتبع الإعطاء بالإيذاء ، فهناك جمع بين الإنفاع والإضرار ، وربما لم يف ثواب الإنفاع بعقاب الإضرار ،\rوأما القول المعروف ففيه إنفاع من حيث إنه يتضمن إيصال السرور إلى قلب المسلم ولم يقترن به الإضرار ، فكان هذا خيراً من الأول. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 7 صـ 43}\rوقال القرطبى :\rوالقول المعروف هو الدعاء والتأنيس والترجية بما عند الله ، خير من صدقة هي في ظاهرها صدقة وفي باطنها لا شيء ؛ لأن ذكر القول المعروف فيه أجر وهذه لا أجر فيها.\rقال صلى الله عليه وسلم : \" الكلمة الطيبة صدقة وإن من المعروف أن تلقى أخاك بوجه طَلِق \" أخرجه مسلم.\rفيتلقّى السائل بالبشر والترحيب ، ويقابله بالطلاقة والتقريب ؛ ليكون مشكوراً إن أعطى ومعذوراً إن منع.\rوقد قال بعض الحكماء : الق صاحب الحاجة بالبشر فإن عدمت شكره لم تعدم عذره.\rوحكى ابن لنكك أن أبا بكر بن دُرَيْد قصد بعض الوزراء في حاجة لم يقضها وظهر له منه ضجر فقال :\rلا تدخلنّك ضَجْرةٌ من سائلٍ . . .\rفَلخيرُ دهرِك أن تُرى مَسؤولا\rلا تَجْبَهنْ بالردِّ وجهَ مُؤمِّلٍ . . .\rفبقاءُ عِزِّك أن تُرى مأمُولا\rتلقَى الكريمَ فتستدلّ ببِشْره . . .\rوتَرى العُبُوس على اللّئيم دَليلا\rواعلم بأنك عن قليل صائرٌ . . .\rخبراً فكُنْ خَبراً يَروق جَميلاً\rوروي من حديث عمر رضي الله عنه قال قال النبيّ صلى الله عليه وسلم : \" إذا سأل السائل فلا تقطعوا عليه مسألته حتى يفرغ منها ثم رُدّوا عليه بوَقَار ولِين أو ببَذْلٍ يسير أو رَدّ جميل فقد يأتيكم من ليس بإنس ولا جانّ ينظرون صنيعكم فيما خوّلكم الله تعالى \".\rقلت : دليله حديث أبرص وأقرع وأعمى ، خرّجه مسلم وغيره.","part":9,"page":6},{"id":3504,"text":"وذلك أن ملكاً تصوّر في صورة أبْرَصَ مرةً وأقْرَع أُخرى وأعْمى أُخرى امتحاناً للمسؤول.\rوقال بِشْر بن الحارث : رأيت علياً في المنام فقلت : يا أمير المؤمنين! قل لي شيئاً ينفعني الله به ؛ قال : ما أحسن عطف الأغنياء على الفقراء رغبة في ثواب الله تعالى ، وأحسن منه تيه الفقراء على الأغنياء ثقة بموعود الله.\rفقلت : يا أمير المؤمن زِدني ؛ فولَّى وهو يقول :\rقد كنتَ مَيْتاً فصرتَ حيّا . . .\rوعن قليل تصير مَيْتَا\rفاخرب بدار الفناء بَيْتاً . . .\rوابن بدار البقاء بيتا.\rقوله تعالى : {وَمَغْفِرَةٌ} المغفرة هنا : الستر للخَلّة وسوء حالة المحتاج ؛ ومن هذا قول الأعرابيّ وقد سأل قوماً بكلام فصيح فقال له قائل : مِمّن الرجل ؟ فقال له : اللهم غَفْرا سُوءُ الاكتساب يمنع من الانتساب.\rوقيل : المعنى تجاوزٌ عن السائل إذا ألحّ وأغلظ وجفَى خيرٌ من التصدّق عليه مع المنِّ والأذى ؛ قال معناه النقّاش.\rوقال النحاس : هذا مشكل يبيّنه الإعراب.\r\"مَغْفِرَةٌ\" رفع بالابتداء والخبر {خَيْرٌ مِّن صَدَقَةٍ}.\rوالمعنى والله أعلم وفِعل يؤدي إلى المغفرة خير من صدقة يتبعها أذى ، وتقديره في العربية وفعل مغفِرةٍ.\rويجوز أن يكون مثل قولك : تفضُّلُ الله عليك أكْبَرُ من الصدقة التي تَمُنّ بها ، أي غفران الله خير من صدقتكم هذه التي تمُنّون بها. أ هـ {تفسير القرطبى حـ 3 صـ 309 ـ 310}\rوقال أبو حيان :\r{قول معروف ومغفرة خير من صدقة يتبعها أذى} أي : ردّ جميل من المسؤول ، وعفو من السائل إذا وجد منه ما يثقل على المسؤول من إلحاح أو سب أو تعريض بسبب ، كما يوجد في كثير من المستعطين ، وقيل : معنى و: مغفرة ، أي : نيل مغفرة من الله بسبب الرد الجميل.\rوقيل : ومغفرة ، أي عفو من جهة السائل ، لأنه إذا رده ردّاً جميلاً عذره.","part":9,"page":7},{"id":3505,"text":"وقيل : قول معروف ، هو الدعاء والتأسي والترجئة بما عند الله ، وقيل : الدعاء لأخيه بظهر الغيب ، وقيل : الأمر بالمعروف خير ثواباً عند الله من صدقة يتبعها أذى.\rوقيل : التسبيحات والدعاء والثناء والحمد لله والمغفرة ، أي : الستر على نفسه والكف عن إظهار ما ارتكب من المآثم خير ، أي : أخف على البدن من صدقة يتبعها أذى.\rوقيل : المغفرة الاقتصار على القول الحسن ، وقيل : المغفرة أن يسأل الله الغفران لتقصير في عطاء وسدّ خلة ، وقيل : المغفرة هنا ستر خلة المحتاج ، وسوء حاله.\rقاله ابن جرير ، وقيل ، لأعرابي سأل بكلام فصيح ، ممن الرجل ؟ فقال اللهم غفراً سوء الاكتساب يمنع من الانتساب ، وقيل : أن يستر على السائل سؤاله وبذل وجهه له ولا يفضحه ، وقيل : معناه السلامة من المعصية ، وقيل : القول المعروف أن تحث غيرك على إعطائه.\rوهذا كله على أن يكون الخطاب مع المسؤول لأن الخطاب في الآية قبل هذا ، وفي الآية بعد هذا ، إنما هو مع المتصدّق ، وقيل : الخطاب للسائل ، وهو حث له على إجمال الطلب ، أي يقول قولاً حسناً من تعريض بالسؤال أو إظهار للغنى حيث لا ضرورة ، ويكسب خير من مثال صدقة يتبعها أذى ، واشترك القول المعروف والمغفرة مع الصدقة التي يتبعها أذى في مطلق الخيرية ، وهو : النفع ، وإن اختلفت جهة النفع ، فنفع القول المعروف والمغفرة باقٍ ، ونفع تلك الصدقة فانٍ ، ويحتمل أن يكون الخيرية هنا من باب قولهم : شيء خير من لا شيء.\rوقال الشاعر :\rومنعك للندى بجميل قولٍ . . .\rأحب إليّ من بذل ومنَّه\rوقال آخر فأجاد :\rإن لم تكن ورق يوماً أجود بها . . .\rللمعتفين فإني لينُ العودِ\rلا يعدم السائلون الخير من خلقي . . .\rإما نوالي وإما حسن مردود. أ هـ {البحر المحيط حـ 2 صـ 319 ـ 320}\rفوائد لغوية\rقال أبو حيان :","part":9,"page":8},{"id":3506,"text":"وارتفاع : قول ، على أنه مبتدأ ، وسوغ الابتداء بالنكرة وصفها ، ومغفرة معطوف على المبتدأ ، فهو مبتدأ ومسوغ جواز الابتداء به وصف محذوف أي : ومغفرة من المسؤول ، أو : من السائل.\rأو : من الله ، على اختلاف الأقوال.\rو : خير ، خبر عنهما.\rوقال المهدوي وغيره : هما جملتان ، وخبر : قول ، محذوف ، التقدير : قول معروف أولى ومغفرة خير.\rقال ابن عطية : وفي هذا ذهاب ترويق المعنى ، وإنما يكون المقدّر كالظاهر. انتهى.\rوما قاله حسن ، وجوز أن يكون : قول معروف ، خبر مبتدأ محذوف تقديره : المأمور به قول معروف ، ولم يحتج إلى ذكر المن في قوله : يتبعها ، لأن الأذى يشمل المن وغيره كما قلنا. أ هـ {البحر المحيط حـ 2 صـ 320}\rلطيفة\rقال فى روح البيان :\rوإنما كان الرد الجميل خيرا من صدقة المان والمؤذى ؛ لأن القول الحسن وإن كان بالرد يفرح قلب السائل ويروح روحه ونفع الصدقة لجسده وسراية السرور لقلبه بالتبعية من تصور النفع فإذا قارن ما ينفع الجسد بما يؤذى الروح يكدر النفع حينئذ ولا ريب أن ما يروح الروح خير مما ينفع الجسد لأن الروحانية أوقع فى النفوس وأشرف\rقال الشعبى من لم ير نفسه إلى ثواب الصدقة أحوج من الفقير إلى صدقته فقد أبطل صدقته.\rوبالغ السلف فى الصدقة والتحرز فيها عن الرياء فإنه غالب على النفس وهو مهلك ينقلب فى القلب إذا وضع الإنسان فى قبره فى صورة حية أى يؤلم إيلام الحية والبخل ينقلب فى صورة عقرب والمقصود فى كل إنفاق الخلاص من رذيلة البخل فإذا امتزج به الرياء كان كأنه جعل العقرب غذاء الحية فتخلص من العقرب ولكن زاد فى قوة الحية إذ كل صفة من الصفات المهلكة فى القلب إنما غذاؤها وقوتها فى إجابتها إلى مقتضاها.\rثم إن الصدقة لا تنحصر فى المال بل تجرى فى كل معروف فالكلمة الطيبة والشفاعة الحسنة والإعانة فى حاجة واحد وعيادة مريض وتشييع جنازة وتطييب قلب مسلم كل ذلك صدقة. أ هـ {روح البيان حـ 1 صـ 515}\rفإن قيل : لِمَ لم يعد ذكر المنّ فيقول : يتبعها منّ أو أذى ؟\rأجيب : بأنّ الأذى يشمل المنّ وغيره ، كما تقرّر وإنما نصّ عليه فيما مرّ لكثرة وقوعه من المتصدّقين ، وعسر تحفظهم منه ، ولذلك قدّم على الأذى. أ هـ {السراج المنير حـ 1 صـ 278}","part":9,"page":9},{"id":3507,"text":"قوله تعالى {والله غَنِىٌّ حَلِيمٌ}\rقال الفخر : \r{والله غَنِىٌّ} عن صدقة العباد فإنما أمركم بها ليثيبكم عليها {حَلِيمٌ} إذا لم يعجل بالعقوبة على من يمن ويؤذي بصدقته ، وهذا سخط منه ووعيد له. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 7 صـ 44}\rوقال القرطبى : \rقوله تعالى : {والله غَنِيٌّ حَلِيمٌ} أخبر تعالى عن غناه المطلق أنه غني عن صدقة العِباد ؛ وإنما أمر بها ليُثِيبهم ، وعن حلمه بأنه لا يعاجل بالعقوبة مَنْ مَنّ وأذى بصدقته. أ هـ {تفسير القرطبى حـ 3 صـ 310}\rوقال ابن عاشور : \rوقوله : {والله غني حليم} تذييل للتذكير بصفتين من صفات الله تعالى ليتخلّق بهما المؤمنون وهما : الغِنَى الراجع إليه الترفّع عن مقابلة العطية بما يبرد غليل شحّ نفس المعطي ، والحلمُ الراجع إليه العفو والصفح عن رعونة بعض العُفاة. أ هـ {التحرير والتنوير حـ 3 صـ 47}\rفائدة\rقال الفخر : \rاعلم أن من الناس من قال : إن الآية واردة في التطوع ، لأن الواجب لا يحل منعه ، ولا رد السائل منه ، وقد يحتمل أن يراد به الواجب ، وقد يعدل به عن سائل إلى سائل وعن فقير إلى فقير. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 7 صـ 44}\rبحث نفيس للعلامة ابن عاشور فى الآية\rقال رحمه الله : \rقوله تعالى : {قَوْلٌ مَعْرُوفٌ وَمَغْفِرَةٌ خَيْرٌ مِنْ صَدَقَةٍ يَتْبَعُهَا أَذًى}\rتخلُّص من غرض التنويه بالإنفاق في سبيل الله إلى التنويه بضرب آخر من الإنفاق وهو الإنفاق على المحاويج من الناس ، وهو الصدقات.","part":9,"page":10},{"id":3508,"text":"ولم يتقدم ذكر للصدقة إلاّ أنّها تخطر بالبال عند ذكر الإنفاق في سبيل الله ، فلما وصف الإنفاق في سبيل الله بصفة الإخلاص لله فيه بقوله : {الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله ثم لا يتبعون ما انفقوا} [ البقرة : 262 ] الآية انتقل بمناسبة ذلك إلى طرد ذلك الوصف في الإنفاق على المحتاجين ؛ فإنّ المنّ والأذى في الصدقة أكثر حُصولاً لكون الصدقة متعلّقة بأشخاص معيّنين ، بخلاف الإنفاق في سبيل الله فإن أكثر من تنالهم النفقة لا يعلمهم المنفِق.\rفالمنّ على المتصدّق عليه هو تذكيره بالنعمة كما تقدم آنفاً.\rومن فقرات الزمخشري في \"الكَلِم النَّوابغ\" : \"طَعْمُ الآلاء أحْلى من المنّ.\rوهوَ أمَرُّ من الآلاء عند المنّ\" الآلاء الأول النعم والآلاء الثاني شَجر مُر الورق ، والمنّ الأول شيء شِبْه العسل يقع كالنَّدَى على بعض شجر بادية سِينا وهو الذي في قوله تعالى : {وأنزلنا عليكم المن والسلوى} [ البقرة : 57 ] ، والمنّ الثاني تذكير المنَعم عليه بالنعمة.\rوالأذى الإساءة والضرّ القليل للمنعم عليه قال تعالى : {لن يضروكم إلا أذى} [ آل عمران : 111 ] ، والمراد به الأذى الصريح من المنعِم للمنعم عليه كالتطاول عليه بأنّه أعطاه ، أو أن يتكبّر عليه لأجل العطاء ، بله تعيِيره بالفقر ، وهو غير الأذى الذي يحصل عند المن.\rوأشار أبو حامد الغزالي في كتاب الزكاة من \"الإحياء\" إلى أنّ المنّ له أصل ومغرس وهو من أحوال القلب وصفاته ، ثم تتفرّع عليه أحوال ظاهرة على اللسان والجوارح.","part":9,"page":11},{"id":3509,"text":"ومنبع الأذى أمران : كراهية المعطي إعطاءَ ماله وشدّةُ ذلك على نفسه ورؤيتُه أنّه خير من الفقير ، وكلاهما منشؤهُ الجهل ؛ فإنّ كراهية تسليم المال حمق لأنّ من بذل المال لطلب رضا الله والثواب فقد علم أنّ ما حصل له من بذل المال أشرف ممّا بذله ، وظنَه أنّه خير من الفقير جهل بِخطر الغنَى ، أي أنّ مراتب الناس بما تتفاوت به نفوسهم من التزكية لا بعوارض الغنى والفقر التي لا تنشأ عن درجات الكمال النفساني.\rولما حذّر الله المتصدّق من أن يؤذي المتصدّق عليه عُلِم أنّ التحذير من الإضرار به كشتمه وضربه حاصلٌ بفحوى الخطاب لأنّه أوْلى بالنهي.\rأوْسع اللَّهُ تعالى هذا المقام بيَاناً وترغيباً وزجراً بأساليب مختلفة وتفنّنات بديعة فنّبهنا بذلك إلى شدّة عناية الإسلام بالإنفاق في وجوه البرّ والمعُونة.\rوكيف لا تكون كذلك وقوام الأمة دوران أموالها بينها ، وإنّ من أكبر مقاصد الشريعة الانتفاع بالثروة العامة بين أفراد الأمة على وجوه جامعة بين رعْي المنفعة العامة ورعي الوجدان الخاص ، وذلك بمراعاة العدل مع الذي كدّ لجمع المال وكسبه ، ومراعاةِ الإحسان للذي بطَّأ به جُهده ، وهذا المقصد من أشرف المقاصد التشريعية.\rولقد كان مقدار الإصابة والخطأ فيه هو ميزان ارتقاء الأمم وتدهورها ، ولا تجد شريعة ظهرت ولا دعاة خير دعَوا إلاّ وهم يجعلون لتنويل أفراد الأمة حَظاً من الأموال التي بين أيدي أهل الثروة وموضعاً عظيماً من تشريعهم أو دعوتهم ، إلاّ أنّهم في ذلك متفاوتون بين مقارب ومقصِّر أو آمِل ومُدَبِّر ، غير أنّك لا تجد شريعة سدّدت السهم لهذا الغرض.\rوعرفت كيف تفرق بين المستحبّ فيه والمفتَرض.","part":9,"page":12},{"id":3510,"text":"ومثل هذه الشريعة المباركة ، فإنّها قد تصرّفت في نظام الثروة العامة تصرّفاً عجيباً أقامته على قاعدة توزيع الثروة بين أفراد الأمة ، وذلك بكفاية المحتاج من الأمة مؤونة حاجته ، على وجوه لا تحرم المكتسب للمال فائدة اكتسابه وانتفاعه به قبل كل أحد.\rفأول ما ابتدأت به تأمين ثقة المكتسب بالأمن على ماله من أن ينتزعه منه مُنتزع إذ قال تعالى : {يأيها الذين آمنوا لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل} [ النساء : 29 ] وقال النبي صلى الله عليه وسلم في خطبة حجة الوداع : \" إن دماءَكم وأموالكم حرام عليكم كحرمة يومكم هذا في شهركم هذا في بلدكم هذا \" سمع ذلك منه مائة ألف نفس أو يزيدون وتناقلوه في آفاق الإسلام حتى بلغ مبلغ التواتر ، فكان من قواعد التشريع العامة قاعدة حفظ الأموال لا يستطيع مسلم إبطالها.\rوقد أتْبعت إعلان هذه الثقةِ بحفظ الأموال بتفاريع الأحكام المتعلّقة بالمعاملات والتوثيقات ، كمشروعية الرهن في السلف والتوثّق بالإشهاد كما تُصرّح به الآيات الآتية وما سوى ذلك من نصوص الشريعة تنصيصاً واستنباطاً.\rثم أشارت إلى أنّ من مقاصدها ألاّ تبقى الأموال متنقّلة في جهة واحدة أو عائلة أو قبيلة من الأمة بل المقصد دورانها بقوله تعالى في آية الفيء : {ما أفاء الله على رسوله من أهل القرى فللَّه وللرسول ولذي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل كَيْلا يكون دُولةً بين الأغنياء منكم} [ الحشر : 7 ] ، فضمير يكون عائد إلى ما أفاء الله باعتبار كونه مالاً أي كيلا يكون المال دُولة.\rوالدُّولة ما يتداوله الناس من المال ، أي شرْعنا صرفه لمن سمّيناهم دون أن يكون لأهل الجيش حق فيه ، لينال الفقراءُ منه حظوظهم فيصبحوا أغنياء فلا يكون مُدالاً بين طائفة الأغنياء كما كانوا في الجاهلية يأخذ قادتهم المِرْبَاع ويأخذ الغزاة ثلاثة الأرباع فيبقى المال كله لطائفة خاصة.","part":9,"page":13},{"id":3511,"text":"ثم عمدت إلى الانتزاع من هذا المال انتزاعاً منظّماً فجعلت منه انتزاعاً جبرياً بعضه في حياة صاحب المال وبعضه بعد موته.\rفأما الذي في حياته فهو الصدقات الواجبة ، ومنها الزكاة ، وهي في غالب الأحوال عشر المملوكات أو نصف عشرها أو ربع عشرها.\rوقد بيّن النبي صلى الله عليه وسلم وجه تشريعها بقوله لمعاذ بن جبل حين أرسله إلى اليمن \" إن الله فرض عليهم زكاة تُؤخذ من أغنيائهم فتردّ على فقرائهم \" وجعل توزيع ما يتحصّل من هذا المال لإقامة مصالح الناس وكفاية مؤن الضعفاء منهم ، فصاروا بذلك ذوي حق في أموال الأغنياء ، غير مهينين ولا مهددّين بالمنع والقساوة.\rوالتفت إلى الأغنياء فوعدهم على هذا العطاء بأفضل ما وُعد به المحسنون ، من تسميته قرضاً لله تعالى ، ومن توفير ثوابه ، كما جاءت به الآيات التي نحن بصدد تفسيرها.\rويلحق بهذا النوع أخذ الخمس من الغنيمة مع أنّها حق المحاربين ، فانتزع منهم ذلك وقال لهم : {واعلموا أنّ ما غنمتم من شيء فإنّ للَّه خمسه وللرسول} إلى قوله {إن كنتم آمنتم بالله} [ الأنفال : 41 ] فحَرضهم على الرضا بذلك ، ولا شك أنّه انتزعه من أيدي الذين اكتسبوه بسيوفهم ورماحهم.\rوكذلك يلحق به النفقات الواجبة غير نفقة الزوجة لأنّها غير منظور فيها إلى الانتزاع إذ هي في مقابلة تألُّف العائلة ، ولا نفقةِ الأولاد كذلك لأنّ الداعي إليها جبلِيّ.\rأما نفقة غير البنين عند من يوجب نفقة القرابة فهي من قسم الانتزاع الواجب ، ومن الانتزاع الواجب الكفارات في حنث اليمين ، وفطر رمضان ، والظهار ، والإيلاء ، وجزاء الصيد.\rفهذا توزيع بعض مال الحي في حياته.\rوأما توزيع المال بعد وفاة صاحبه فذلك ببيان فرائض الإرث على وجه لا يقبل الزيادة والنقصان.\rوقد كان العرب يعطون أموالهم لمن يحبّون من أجنبي أو قريب كما قدمنا بيانه في قوله : {كتب عليكم إذا حضر أحدكم الموت} ( 180 ) ، وكان بعض الأمم يجعل الإرث للأكبر.","part":9,"page":14},{"id":3512,"text":"وجعل توزيع هذه الفرائض على وجه الرحمة بالناس أصحاب الأموال ، فلم تعط أموالهم إلاّ لأقرب الناس إليهم ، وكان توزيعه بحسب القرب كما هو معروف في مسائل الحجب من الفرائض ، وبحسب الأحوجية إلى المال ، كتفضيل الذكر على الأنثى لأنّه يعول غيره والأنثى يعولها غيرها.\rوالتفت في هذا الباب إلى أصحاب الأموال فترك لهم حقّ التصرّف في ثلث أموالهم يعينون من يأخذه بعد موتهم على شرط ألاّ يكون وارثاً ، حتى لا يتوسلوا بذلك إلى تنفيل وارث على غيره.\rوجعلت الشريعة من الانتزاع انتزاعاً مندوباً إليه غير واجب ، وذلك أنواع المواساة بالصدقات والعطايا والهدايا والوصايا وإسلاف المعسر بدون مراباة وليس في الشريعة انتزاع أعيان المملوكات من الأصول فالانتزاع لا يعدو انتزاع الفوائد بالعدالة والمساواة. أ هـ {التحرير والتنوير حـ 3 صـ 43 ـ 47}\rفائدة\rقال السعدى فى معنى الآية","part":9,"page":15},{"id":3513,"text":"{قول معروف} أي : تعرفه القلوب ولا تنكره ، ويدخل في ذلك كل قول كريم فيه إدخال السرور على قلب المسلم ، ويدخل فيه رد السائل بالقول الجميل والدعاء له {ومغفرة} لمن أساء إليك بترك مؤاخذته والعفو عنه ، ويدخل فيه العفو عما يصدر من السائل مما لا ينبغي ، فالقول المعروف والمغفرة خير من الصدقة التي يتبعها أذى ، لأن القول المعروف إحسان قولي ، والمغفرة إحسان أيضا بترك المؤاخذة ، وكلاهما إحسان ما فيه مفسد ، فهما أفضل من الإحسان بالصدقة التي يتبعها أذى بمنّ أو غيره ، ومفهوم الآية أن الصدقة التي لا يتبعها أذى أفضل من القول المعروف والمغفرة ، وإنما كان المنّ بالصدقة مفسدا لها محرما ، لأن المنّة لله تعالى وحده ، والإحسان كله لله ، فالعبد لا يمنّ بنعمة الله وإحسانه وفضله وهو ليس منه ، وأيضا فإن المانّ مستعبِدٌ لمن يمنّ عليه ، والذّل والاستعباد لا ينبغي إلا لله ، والله غني بذاته عن جميع مخلوقاته ، وكلها مفتقرة إليه بالذات في جميع الحالات والأوقات ، فصدقتكم وإنفاقكم وطاعاتكم يعود مصلحتها إليكم ونفعها إليكم ، {والله غني} عنها ، ومع هذا فهو {حليم} على من عصاه لا يعاجله بعقوبة مع قدرته عليه ، ولكن رحمته وإحسانه وحلمه يمنعه من معاجلته للعاصين ، بل يمهلهم ويصرّف لهم الآيات لعلهم يرجعون إليه وينيبون إليه ، فإذا علم تعالى أنه لا خير فيهم ولا تغني عنهم الآيات ولا تفيد بهم المثلات أنزل بهم عقابه وحرمهم جزيل ثوابه. أ هـ {تفسير السعدى صـ 113}\rوقال ابن عجيبة : \rيُفهم من الآية أن حسنَ الخلق ، ولينَ الجانب ، وخفض الجناح ، وكف الأذى ، وحمل الجفاء ، وشهود الصفاء ، من أفضل الأعمال وأزكى الأحوال وأحسن الخلال ، وفي الحديث : \" إنَّ حُسْن الخُلق يعدل الصيام والقيام \".","part":9,"page":16},{"id":3514,"text":"وفي قوله : {والله غني حليم} : تربية للسائل والمسؤول ، فتربية السائل : أن يستغني بالغنيِّ الكبير عن سؤال العبد الفقير ، ويكتفي بعلم الحال عن المقال ، وتربية المسؤول : أن يحلم عن جفوة السائل فيتلطف في الخطاب ، ويحسن الرد والجواب. قال في شرح الأسماء : والتخلق بهذا الاسم - يعني الحليم - بالصفح عن الجنايات ، والسمح فيما يقابلونه به من الإساءات ، بل يجازيهم بالإحسان ، تحقيقاً للحلم والغفران. أ هـ {البحر المديد حـ 1 صـ 223}\rلطيفة\rقال الثعالبى : \rحدَّث [ ابن ] الجَوْزِيِّ في \"صَفْوة الصَّفْوَة\" بسنده إِلى حارثَةَ بْنِ النُّعْمَانِ الصحابيِّ - رضي اللَّه عنه - قال ، لَمَّا كُفَّ بصره ، جعل خيطاً في مُصَلاَّه إِلى بابِ حُجْرته ، ووضع عنده مِكْتَلاً فيه تَمْرٌ وغير ذلك ، فكان إِذا سأل المِسْكِين أخذ من ذلك التَّمْر ، ثم أخذ من ذلك الخَيْط ؛ حتى يأخذ إِلى باب الحُجْرة ، فيناوله المِسْكِين ، فكان أهله يقولُونَ : نَحْنُ نَكْفِيكَ ، فيقولُ : سَمِعْتُ رسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ : \" إِنَّ مُنَاوَلَةَ المِسْكِينِ تَقِي مِيتَةَ السُّوءِ \" انتهى. أ هـ {الجواهر الحسان حـ 1 صـ 212}","part":9,"page":17},{"id":3515,"text":"قوله تعالى : {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذَى كَالَّذِي يُنْفِقُ مَالَهُ رِئَاءَ النَّاسِ وَلَا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ صَفْوَانٍ عَلَيْهِ تُرَابٌ فَأَصَابَهُ وَابِلٌ فَتَرَكَهُ صَلْدًا لَا يَقْدِرُونَ عَلَى شَيْءٍ مِمَّا كَسَبُوا وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ (264)}\rمناسبة الآية لما قبلها\rقال البقاعى : \rولما شرط لقبولها شرطاً ووهّى ما عري منها عنه أتبعه التصريح بالنهي عن إهماله والنص على محقه لها وإبطاله وضرب لذلك مثلاً وضرب للمثل مثلاً مبالغة في الزجر عن ذلك فقال : {يا أيها الذين آمنوا} أي أقروا بذلك صدقوا إقراركم بأن {لا تبطلوا} قال الحرالي : فبين أن ما اشترطه في الأجر المطلق مبطل للإنفاق - انتهى {صدقاتكم بالمن والأذى} فربما وازى عقابهما ثواب الصدقة أو زاد فكان كالإبطال لأوله إلى أن لا ثواب.\rقال الحرالي : فألحق عمل الإخلاص بآفة ما تعقبه بما بني على أصل الرياء - انتهى.\rفقال : {كالذي ينفق ماله} لغير الله ، \rإنما ينفقه {رئاء الناس} أي لقصد أن يروه.\rقال الحرالي : هو الفعل المقصود به رؤية الخلق غفلة عن رؤية الحق وعماية عنه.\rولما شبه المانّ والمؤذي بالمرائي لأنه أسقط الناس وأدناهم همة وأسوؤهم نظراً وأعماهم قلباً فأولو الهمم العلية لا سيما العرب أشد شيء نفرة منه وأبعده عنه وكان لمن يرائي حالان ألحقه بأشدهما فقال : {ولا يؤمن بالله} أي الذي له صفة الكمال {واليوم الآخر} الذي يقع فيه الجزاء بعد نقد الأعمال جيدها من رديئها.\rقال الحرالي : ولما ضرب مثلاً لنماء النفقة بالحرث ضرب مثلاً لإبطالها بخطأ الحارث في الحرث فقال : {فمثله} في إنفاقه مقارناً لما يفسده ، \rومثل نفقته {كمثل صفوان} وما زرع عليه ، ","part":9,"page":18},{"id":3516,"text":"وهو صيغة مبالغة من الصفا وهي الحجارة الملس الصلبة التي لا تقبل انصداعها بالنبات - انتهى.\r{عليه تراب} فاغتر به بعض الجهلة فزرع عليه.\rولما كانت إزالة التراب عما وقع عليه عقب وقوعه أجدر ما زالت بحذافيره ولا سيما إن كان حجراً أملس قال إبلاغاً في إبطال الرياء للعمل : {فأصابه} أي عقب كون التراب عليه من غير مهمة بخلاف ما يأتي من الربوة فإنها صفة لازمة فلو تعقبها المطر لدام بدوامها فأفسدها {وابل} أي مطر كثير فأزال التراب عنه {فتركه صلداً} أي صخراً لا يقبل النبات بوجه بل يخيب من يأمله كما يقال أصله الزند إذا لم يور ، \rفجعل قلب المؤذي المانّ بمنزلة الصفوان الذي أصابه وابل المطر ، \rفأذهب عائد نفقته كما أذهب بذر الحارث على الصفوان وابل المطر الذي شأنه أن يصلح البذر - قاله الحرالي وفيه تصرف.\rولما بان بهذا بطلان العمل في المثل والممثول ترجمة بقوله : {لا يقدرون} أي الممثل لهم والممثل بهم {على شيء مما كسبوا} فالآية من الاحتباك ولما كان الزارع على مثل هذا عجباً في الضلال والغباوة وكان التقدير : فإن الله لا يقبل عمل المؤذين كما لا يقبل عمل المرائين ، \rعطف عليه معلماً أنه يعمي البصراء عن أبين الأمور إذا أراد ومهما شاء فعل قوله : {والله} الذي له الحكمة كلها {لا يهدي} أي لوجه مصلحة.\rولما كان كل من المؤذي والمرائي قد غطى محاسن عمله بما جره من السوء قال : {القوم الكافرين} وفي ذكره ولهذه الجملة وحدها أشد ترهيب للمتصدق على هذا الوجه. أ هـ {نظم الدرر حـ 1 صـ 517 ـ 518}\rفإن قيل : ظاهر هذا اللفظ أنّ مجموع المنّ والأذى يبطلان الأجر فيلزم أنه لو وجد أحدهما دون الآخر ، لا يبطل الأجر\rأجيب : بأنّ الشرط أن لا يوجد واحد منهما دون الآخر لأنّ قوله تعالى : {ثم لا يتبعون ما أنفقوا مناً} ولا أذى يقتضي أن لا يقع هذا ولا هذا أي : فتبطل لكل واحد منهما إبطالاً. أ هـ {السراج المنير حـ 1 صـ 278 ـ 279}\rفصل\rقال القرطبى : \rعَبَّر تعالى عن عدم القبول وحرمان الثواب بالإبْطال ، والمراد الصدقة التي يمُنُّ بها ويُؤْذِي ، لا غيرها.\rوالعقيدة أن السيئات لا تُبطل الحسنات ولا تُحبطها ؛ فالمنّ والأذى في صدقة لا يُبطل صدقةً غيرها.\rقال جمهور العلماء في هذه الآية : إن الصدقة التي يعلم الله مِن صاحبها أنه يمنّ أو يؤذي بها فإنها لا تُقبل.","part":9,"page":19},{"id":3517,"text":"وقيل : بل قد جعل الله للمَلك عليها أمارة فهو لا يكتبها ؛ وهذا حسن.\rوالعرب تقول لما يُمَنُّ به : يَدٌ سوداء.\rولما يُعطي عن غير مسألة : يَدٌ بيضاء.\rولما يُعطي عن مسألة : يَدٌ خضراء.\rوقال بعض البلغاء : مَنْ مَنّ بمعروفه سقط شكره ، ومن أُعجب بعمله حَبَط أجره.\rوقال بعض الشعراء : \rوصاحب سلفتْ منه إليّ يَدٌ . . .\rأبطا عليه مُكافاتي فَعَادانِي\rلمّا تيقّن أن الدهر حاربني . . .\rأبدَى النّدامة فيما كان أوْلانِي\rوقال آخر : \rأفسدتَ بالمنّ ما أسدَيْتَ من حَسَنٍ . . .\rليس الكريم إذا أسْدَى بمنّانِ\rوقال أبو بكر الورّاق فأحسن : \rأحسَنُ من كلِّ حَسَنْ . . .\rفي كل وقت وزَمَنْ\rصنيعةٌ مَرْبُوبَةٌ . . .\rخالية من المِنَنْ\rوسمع ابن سيرين رجلاً يقول لرجل : فعلت إليك وفعلت! فقال له : اسكت فلا خير في المعروف إذا أُحْصِي.\rوروي عن النبيّ صلى الله عليه وسلم أنه قال : \" إياكم والامتنان بالمعروف فإنه يبطل الشكر ويمحق الأجر ثم تلا لاَ تُبْطِلُوا صَدَقاتِكُمْ بِالمَنّ وَالاٌّذَى \". أ هـ {تفسير القرطبى حـ 3 صـ 311 ـ 312}\rبحث\rقال العلامة الفخر : \rقال القاضي : إنه تعالى أكد النهي عن إبطال الصدقة بالمن والأذى وأزال كل شبهة للمرجئة بأن بيّن أن المراد أن المن والأذى يبطلان الصدقة ، ومعلوم أن الصدقة قد وقعت وتقدمت ، فلا يصح أن تبطل فالمراد إبطال أجرها وثوابها ، لأن الأجر لم يحصل بعد وهو مستقبل فيصح إبطاله بما يأتيه من المن والأذى.","part":9,"page":20},{"id":3518,"text":"واعلم أنه تعالى ذكر لكيفية إبطال أجر الصدقة بالمن والأذى مثلين ، فمثله أولاً : بمن ينفق ماله رئاء الناس ، وهو مع ذلك كافر لا يؤمن بالله واليوم الآخر ، لأن بطلان أجر نفقة هذا المرائي الكافر أظهر من بطلان أجر صدقة من يتبعها المن والأذى ، ثم مثله ثانياً : بالصفوان الذي وقع عليه تراب وغبار ، ثم أصابه المطر القوي ، فيزيل ذلك الغبار عنه حتى يصير كأنه ما كان عليه غبار ولا تراب أصلاً ، فالكافر كالصفوان ، والتراب مثل ذلك الإنفاق والوابل كالكفر الذي يحبط عمل الكافر ، وكالمن والأذى اللذين يحبطان عمل هذا المنفق ، قال : فكما أن الوابل أزال التراب الذي وقع على الصفوان ، فكذا المن والأذى يوجب أن يكونا مبطلين لأجر الإنفاق بعد حصوله ، وذلك صريح في القول بالاحباط والتفكير ، قال الجبائي : وكما دل هذا النص على صحة قولنا فالعقل دل عليه أيضاً ، وذلك لأن من أطاع وعصى ، فلو استحق ثواب طاعته وعقاب معصيته لوجب أن يستحق النقيضين ، لأن شرط الثواب أن يكون منفعة خالصة دائمة مقرونة بالإجلال ، وشرط العقاب أن يكون مضرة خالصة دائمة مقرونة بالإذلال فلو لم تقع المحابطة لحصل استحقاق النقيضين وذلك محال ، ولأنه حين يعاقبه فقد منعه الإثابة ومنع الإثابة ظلم ، وهذا العقاب عدل ، فيلزم أن يكون هذا العقاب عدلاً من حيث إنه حقه ، وأن يكون ظلماً من حيث إنه منع الإثابة ، فيكون ظالماً بنفس الفعل الذي هو عادل فيه وذلك محال ، فصح بهذا قولنا في الإحباط والتفكير بهذا النص وبدلالة العقل ، هذا كلام المعتزلة.\rوأما أصحابنا فإنهم قالوا : ليس المراد بقوله {لاَ تُبْطِلُواْ} النهي عن إزالة هذا الثواب بعد ثبوته بل المراد به أن يأتي بهذا العمل باطلاً ، وذلك لأنه إذا قصد به غير وجه الله تعالى فقد أتى به من الابتداء على نعت البطلان ، واحتج أصحابنا على بطلان قول المعتزلة بوجوه من الدلائل : ","part":9,"page":21},{"id":3519,"text":"أولها : أن النافي والطارىء إن لم يكن بينهما منافاة لم يلزم من طريان الطارىء زوال النافي ، وإن حصلت بينهما منافاة لم يكن اندفاع الطارىء أولى من زوال النافي ، بل ربما كان هذا أولى لأن الدفع أسهل من الرفع.\rثانيها : أن الطارىء لو أبطل لكان إما أن يبطل ما دخل منه في الوجود في الماضي وهو محال لأن الماضي انقضى ولم يبق في الحال وإعدام المعدوم محال وإما أن يبطل ما هو موجود في الحال وهو أيضاً محال لأن الموجود في الحال لو أعدمه في الحال لزم الجمع بين العدم والوجود وهو محال ، وإما أن يبطل ما سيوجد في المستقبل وهو محال ، لأن الذي سيوجد في المستقبل معدوم في الحال وإعدام ما لم يوجد بعد محال.\rوثالثها : أن شرط طريان الطارىء زوال النافي فلو جعلنا زوال النافي معللاً بطريان الطارىء لزم الدور وهو محال.\rورابعها : أن الطارىء إذا طرأ وأعدم الثواب السابق فالثواب السابق إما أن يعدم من هذا الطارىء شيئاً أو لا يعدم منه شيئاً ، والأول هو الموازنة وهو قول أبي هاشم وهو باطل ، وذلك لأن الموجب لعدم كل واحد منهما وجود الآخر فلو حصل العدمان معاً اللذان هما معلولان لزم حصول الوجودين اللذين هما علتان فيلزم أن يكون كل واحد منهما موجوداً حال كون كل واحد منهما معدوماً وهو محال.\rوأما الثاني : وهو قول أبي علي الجُبّائي فهو أيضاً باطل لأن العقاب الطارىء لما أزال الثواب السابق ، وذلك الثواب السابق ليس له أثر ألبتة في إزالة الشيء من هذا العقاب الطارىء ، فحينئذ لا يحصل له من العمل الذي أوجب الثواب السابق فائدة أصلاً لا في جلب ثواب ولا في دفع عقاب وذلك على مضادة النص الصريح في قوله {فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ} [ الزلزلة : 7 ] ولأنه خلاف العدل حيث يحمل العبد مشقة الطاعة ، ولم يظهر له منها أثر لا في جلب المنفعة ولا في دفع المضرة.","part":9,"page":22},{"id":3520,"text":"وخامسها : وهو أنكم تقولون : الصغيرة تحبط بعض أجزاء الثواب دون البعض ، وذلك محال من القول ، لأن أجزاء الاستحقاقات متساوية في الماهية ، فالصغيرة الطارئة إذا انصرف تأثيرها إلى بعض تلك الاستحقاقات دون البعض مع استواء الكل في الماهية كان ذلك ترجيحاً للممكن من غير مرجح وهو محال ، فلم يبق إلا أن يقال بأن الصغيرة الطارئة تزيل كل تلك الاستحقاقات وهو باطل بالاتفاق ، أو لا نزيل شيئاً منها وهو المطلوب.\rوسادسها : وهو أن عقاب الكبيرة إذا كان أكثر من ثواب العمل المتقدم ، فإما أن يقال بأن المؤثر في إبطال الثواب بعض أجزاء العقاب الطارىء أو كلها والأول : باطل لأن اختصاص بعض تلك الأجزاء بالمؤثرية دون البعض مع استواء كلها في الماهية ترجيح للممكن من غير مرجح وهو محال ، والقسم الثاني باطل ، لأنه حينئذ يجتمع على إبطال الجزء الواحد من الثواب جزآن من العقاب مع أن كل واحد من ذينك الجزأين مستقل بإيطال ذلك الثواب ، فقد اجتمع على الأثر الواحد مؤثران مستقلان وذلك محال ، لأنه يستغني بكل واحد منهما فيكون غنياً عنهما معاً حال كونه محتاجاً إليهما معاً وهو محال.\rوسابعها : وهو أنه لا منافاة بين هذين الاستحقاقين لأن السيد إذا قال لعبده : احفظ المتاع لئلا يسرقه السارق ، ثم في ذلك الوقت جاء العدو وقصد قتل السيد ، فاشتغل العبد بمحاربة ذلك العدو وقتله فذلك الفعل من العبد يستوجب استحقاقه للمدح والتعظيم حيث دفع القتل عن سيده ، ويوجب استحقاقه للذم حيث عرض ماله للسرقة ، وكل واحد من الاستحقاقين ثابت ، والعقلاء يرجعون في مثل هذه الواقعة إلى الترجيح أو إلى المهايأة ، فأما أن يحكموا بانتفاء أحد الاستحقاقين وزواله فذلك مدفوع في بداهة العقول.","part":9,"page":23},{"id":3521,"text":"وثامنها : أن الموجب لحصول هذا الاستحقاق هو الفعل المتقدم فهذا الطارىء إما أن يكون له أثر في جهة اقتضاء ذلك الفعل لذلك الاستحقاق أو لا يكون ، والأول : محال لأن ذلك الفعل إنما يكون موجوداً في الزمان الماضي ، فلو كان لهذا الطارىء أثر في ذلك الفعل الماضي لكان هذا إيقاعاً للتأثير في الزمان الماضي وهو محال ، وإن لم يكن للطارىء أثر في اقتضاء ذلك الفعل السابق لذلك الاستحقاق وجب أن يبقى ذلك الاقتضاء كما كان وأن لا يزول ولا يقال لم لا يجوز أن يكون هذا الطارىء مانعاً من ظهور الأثر على ذلك السابق ، لأنا نقول : إذا كان هذا الطارىء لا يمكنه أن يعمل بجهة اقتضاء ذلك الفعل السابق أصلاً وألبتة من حيث إيقاع الأثر في الماضي محال ، واندفاع أثر هذا الطارىء ممكن في الجملة كان الماضي على هذا التقدير أقوى من هذا الحادث فكان الماضي بدفع هذا الحادث أولى من العكس.\rوتاسعها : أن هؤلاء المعتزلة يقولون : إن شرب جرعة من الخمر يحبط ثواب الإيمان وطاعة سبعين سنة على سبيل الإخلاص ، وذلك محال.\rلأنا نعلم بالضرورة أن ثواب هذه الطاعات أكثر من عقاب هذه المعصية الواحدة ، والأعظم لا يحيط بالأقل ، قال الجبائي : إنه لا يمتنع أن تكون الكبيرة الواحدة أعظم من كل طاعة ، لأن معصية الله تعظم على قدر كثرة نعمه وإحسانه ، كما أن استحقاق قيام الربانية وقد رباه وملكه وبلغه إلى النهاية العظيمة أعظم من قيامه بحقه لكثرة نعمه ، فإذا كانت نعم الله على عباده بحيث لا تضبط عظماً وكثرة لم يمتنع أن يستحق على المعصية الواحدة العقاب العظيم الذي يوافي على ثواب جملة الطاعات ، ","part":9,"page":24},{"id":3522,"text":"واعلم أن هذا العذر ضعيف لأن الملك إذا عظمت نعمه على عبده ثم إن ذلك العبد قام بحق عبوديته خمسين سنة ثم إنه كسر رأس قلم ذلك الملك قصداً ، فلو أحبط الملك جميع طاعاته بسبب ذلك القدر من الجرم فكل أحد يذمه وينسبه إلى ترك الإنصاف والقسوة ، ومعلوم أن جميع المعاصي بالنسبة إلى جلال الله تعالى أقل من كسر رأس القلم ، فظهر أن ما قالوه على خلاف قياس العقول.\rوعاشرها : أن إيمان ساعة يهدم كفر سبعين سنة ، فالإيمان سبعين سنة كيف يهدم بفسق ساعة ، وهذا مما لا يقبله العقل والله أعلم ، فهذه جملة الدلائل العقلية على فساد القول بالمحابطة ، في تمسك المعتزلة بهذه الآية فنقول : قوله تعالى : {لاَ تُبْطِلُواْ صدقاتكم بالمن والأذى} يحتمل أمرين أحدهما : لا تأتوا به باطلاً ، وذلك أن ينوي بالصدقة الرياء والسمعة ، فتكون هذه الصدقة حين وجدت حصلت باطلة ، وهذا التأويل لا يضرنا ألبتة.","part":9,"page":25},{"id":3523,"text":"الوجه الثاني : أن يكون المراد بالإبطال أن يؤتي بها على وجه يوجب الثواب ، ثم بعد ذلك إذا اتبعت بالمن والأذى صار عقاب المن والأذى مزيلاً لثواب تلك الصدقة ، وعلى هذا الوجه ينفعهم التمسك بالآية ، فلم كان حمل اللفظ على هذا الوجه الثاني أولى من حمله على الوجه الأول واعلم أن الله تعالى ذكر لذلك مثلين أحدهما : يطابق الاحتمال الأول ، وهو قوله {كالذى يُنفِقُ مَالَهُ رِئَاء الناس وَلاَ يُؤْمِنُ بالله} إذ من المعلوم أن المراد من كونه عمل هذا باطلاً أنه دخل في الوجود باطلاً ، لا أنه دخل صحيحاً ، ثم يزول ، لأن المانع من صحة هذا العمل هو الكفر ، والكفر مقارن له ، فيمتنع دخوله صحيحاً في الوجود ، فهذا المثل يشهد لما ذهبنا إليه من التأويل ، وأما المثل الثاني وهو الصفوان الذي وقع عليه غبار وتراب ثم أصابه وابل ، فهذا يشهد لتأويلهم ، لأنه تعالى جعل الوابل مزيلاً لذلك الغبار بعد وقوع الغبار على الصفوان فكذا هاهنا يجب أن يكون المن والأذى مزيلين للأجر والثواب بعد حصول استحقاق الأجر ، إلا أن لنا أن نقول : لا نسلم أن المشبه بوقوع الغبار على الصفوان حصول الأجر للكافر ، بل المشبه بذلك صدور هذا العمل الذي لولا كونه مقروناً بالنية الفاسدة لكان موجباً لحصول الأجر والثواب ، فالمشبه بالتراب الواقع على الصفوان هو ذلك العمل الصادر منه ، وحمل الكلام على ما ذكرناه أولى ، لأن الغبار إذا وقع على الصفوان لم يكن ملتصقاً به ولا غائصاً فيه ألبتة ، بل كان ذلك الاتصال كالانفصال ، فهو في مرأى العين متصل ، وفي الحقيقة غير متصل ، فكذا الإنفاق المقرون بالمن والأذى ، يرى في الظاهر أنه عمل من أعمال البر ، وفي الحقيقة ليس كذلك ، فظهر أن استدلالهم بهذه الآية ضعيف ، وأما الحجة العقلية التي تمسكوا بها فقد بينا أنه لا منافاة في الجمع بين الاستحقاقين ، وأن مقتضى ذلك الجمع إما الترجيح وإما المهايأة. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 7 صـ 44","part":9,"page":26},{"id":3524,"text":"ـ 47}\rوقال ابن عاشور : \rالإبطال جعل الشيء باطلاً أي زائلاً غير نافع لما أُريدَ منه.\rفمعنى بطلان العمل عدم ترتّب أثره الشرعي عليه سواء كان العمل واجباً أم كان متطوّعاً به ، فإن كان العمل واجباً فبطلانه عدم إِجزائه بحيث لا تبرأ ذمة المكلّف من تكليفه بذلك العمل وذلك إذا اختلّ ركن أو شرط من العمل.\rوإن كان العمل متطوّعاً به رجع البطلان إلى عدم الثواب على العمل لمانع شرعي من اعتبار ثوابه وهو المراد هنا جمعاً بين أدلة الشريعة. أ هـ {التحرير والتنوير حـ 3 صـ 47}\rفائدة\rقال أبو حيان : \rولتعظيم قبح المن أعاد الله ذلك في معارض الكلام ، فأثنى على تاركه أولاً وفضل المنع على عطية يتبعها المن ثانياً.\rوصرح بالنهي عنها ثالثاً ، وخص الصدقة بالنهي إذ كان المن فيها أعظم وأشنع. أ هـ {البحر المحيط حـ 2 صـ 321}\rفصل\rقال الفخر : \rقال ابن عباس رضي الله عنهما : لا تبطلوا صدقاتكم بالمن على الله بسبب صدقتكم ، وبالأذى لذلك السائل ، وقال الباقون : بالمن على الفقير ، وبالأذى للفقير.\rوقول ابن عباس رضي الله عنهما محتمل ، لأن الإنسان إذا أنفق متبجحاً بفعله ، ولم يسلك طريقة التواضع والانقطاع إلى الله ، والاعتراف بأن ذلك من فضله وتوفيقه وإحسانه فكان كالمان على الله تعالى وإن كان القول الثاني أظهر له. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 7 صـ 47}\rقال الماوردى : \r{لاَ تُبْطِلُواْ صَدَقَاتِكُم بِالْمَنِّ وَالأَذَى}\rيريد إبطال الفضل دون الثواب.\rويحتمل وجهاً ثانياً : إبطال موقعها في نفس المُعْطَى. أ هـ {النكت والعيون حـ 1 صـ 338}\rقوله تعالى {كالذى يُنفِقُ مَالَهُ رِئَاءَ الناس}\rفصل\rقال الفخر : \rالكاف في قوله {كالذى} فيه قولان","part":9,"page":27},{"id":3525,"text":"الأول : أنه متعلق بمحذوف والتقدير : لا تبطلوا صدقاتكم بالمن والأذى كإبطال الذي ينفق ماله رئاء الناس ، فبيّن تعالى أن المن والأذى يبطلان الصدقة ، كما أن النفاق والرياء يبطلانها ، وتحقيق القول فيه أن المنافق والمرائي يأتيان بالصدقة لا لوجه الله تعالى ، ومن يقرن الصدقة بالمن والأذى ، فقد أتى بتلك الصدقة لا لوجه الله أيضاً إذ لو كان غرضه من تلك الصدقة مرضاة الله تعالى لما من على الفقير ولا آذاه ، فثبت اشتراك الصورتين في كون تلك الصدقة ما أتى بها لوجه الله تعالى ، وهذا يحقق ما قلنا إن المقصود من الإبطال الإتيان به باطلاً ، لا أن المقصود الإتيان به صحيحاً ، ثم إزالته وإحباطه بسبب المن والأذى.\rوالقول الثاني : أن يكون الكاف في محل النصب على الحال ، أي لا تبطلوا صدقاتكم مماثلين الذي ينفق ماله رئاء الناس. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 7 صـ 47}\rفائدة\rقال أبو حيان : \rوفي هذا المنافق قولان : \rأحدهما : أنه المنافق ، ولم يذكر الزمخشري غيره ينفق للسمعة وليقال إنه سخي كريم ، هذه نيته ، لا ينفق لرضا الله.\rوطلب ثواب الآخرة ، لأنه في الباطن لا يؤمن بالله واليوم الآخر.\rوقيل : المراد به الكافر المجاهر ، وذلك بإنفاقه لقول الناس : ما أكرمه وأفضله ولا يريد بإنفاقه إلاَّ الثناء عليه ، ورجح مكي القول الأول بأنه أضاف إليه الرياء ، وذلك من فعل المنافق الساتر لكفره ، وأما الكافر فليس عنده رياء لأنه مناصب للدّين مجاهر بكفره. أ هـ {البحر المحيط حـ 2 صـ 321}\rقوله تعالى {كمثل صفوان}\rقال الخطيب الشربينى : \r{كمثل صفوان} وهو الحجر الأملس {عليه} أي : استقرّ عليه {تراب} والتراب معروف وهو اسم جنس لا يثنى ولا يجمع. وقال المبرد : هو جمع واحده ترابة ، \rوفائدة هذا الخلاف أنه لو قال لزوجته : أنت طالق عدد التراب أنه يقع عليه طلقة على الأوّل وهو الأصح وثلاث على الثاني. أ هـ {السراج المنير حـ 1 صـ 279}\rفصل\rقال الفخر : ","part":9,"page":28},{"id":3526,"text":"واعلم أن هذا مثل ضربة الله تعالى لعمل المان المؤذي ، ولعمل المنافق ، فإن الناس يرون في الظاهر أن لهؤلاء أعمالاً ، كما يرى التراب على هذا الصفوان ، فإذا كان يوم القيامة اضمحل كله وبطل لأنه تبين أن تلك الأعمال ما كانت لله تعالى ، كما أذهب الوابل ما كان على الصفوان من التراب ، وأما المعتزلة فقالوا : إن المعنى أن تلك الصدقة أوجبت الأجر والثواب ، ثم إن المن والأذى أزالا ذلك الأجر ، كما يزيل الوابل التراب عن وجه الصفوان ، واعلم أن في كيفية هذا التشبيه وجهين الأول : ما ذكرنا أن العمل الظاهر كالتراب ، والمان والأذى والمنافق كالصفوان ويوم القيامة كالوابل هذا على قولنا ، وأما على قول المعتزلة فالمن والأذى كالوابل.","part":9,"page":29},{"id":3527,"text":"الوجه الثاني : في التشبيه ، قال القفال رحمه الله تعالى ، وفيه احتمال آخر ، وهو أن أعمال العباد ذخائر لهم يوم القيامة ، فمن عمل بإخلاص فكأنه طرح بذراً في أرض فهو يضاعف له وينمو حتى يحصده في وقته ، ويجده وقت حاجته ، والصفوان محل بذر المنافق ، ومعلوم أنه لا ينمو فيه شيء ولا يكون فيه قبول للبذر ، والمعنى أن عمل المان والمؤذي والمنافق يشبه إذا طرح بذراً في صفوان صلد عليه غبار قليل ، فإذا أصابه مطر جود بقي مستودعاً بذره خالياً لا شيء فيه ، ألا ترى أنه تعالى ضرب مثل المخلص بجنة فوق ربوة ، والجنة ما يكون فيه أشجار ونخيل ، فمن أخلص لله تعالى كان كمن غرس بستاناً في ربوة من الأرض ، فهو يجني ثمر غراسه في أوجات الحاجة وهي تؤتي أكلها كل حين بإذن ربها متضاعفة زائدة ، وأما عمل المان والمؤذي والمنافق ، فهو كمن بذر في الصفوان الذي عليه تراب ، فعند الحاجة إلى الزرع لا يجد فيه شيئاً ، ومن الملحدة من طعن في التشبيه ، فقال : إن الوابل إذا أصاب الصفوان جعله طاهراً نقياً نظيفاً عن الغبار والتراب فكيف يجوز أن يشبه الله به عمل المنافق ، والجواب أن وجه التشبيه ما ذكرناه ، فلا يعتبر باختلافها فيما وراءه ، قال القاضي : وأيضاً فوقع التراب على الصفوان يفيد منافع من وجوه أحدها : أنه أصلح في الاستقرار عليه وثانيها : الانتفاع بها في التيمم وثالثها : الانتفاع به فيما يتصل بالنبات ، وهذا الوجه الذي ذكره القاضي حسن إلا أن الاعتماد على الأول. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 7 صـ 47}","part":9,"page":30},{"id":3528,"text":"فصل فى الرياء\rقال العلامة الذهبى رحمه الله\rالكبيرة السابعة والثلاثون : الرياء\rقال الله تعالى مخبرا عن المنافقين : \r{يراؤون الناس ولا يذكرون الله إلا قليلا} وقال الله تعالى : {فويل للمصلين * الذين هم عن صلاتهم ساهون * الذين هم يراؤون * ويمنعون الماعون} وقال الله تعالى : {يا أيها الذين آمنوا لا تبطلوا صدقاتكم بالمن والأذى كالذي ينفق ماله رئاء الناس} الآية وقال الله تعالى : {فمن كان يرجو لقاء ربه فليعمل عملا صالحا ولا يشرك بعبادة ربه أحدا}\rأي لا يرائي بعمله و[ عن أبي هريرة رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : إن أول الناس يقضى عليه يوم القيامة رجل استشهد في سبيل الله فأتي به فعرفه نعمه فعرفها قال : فما فعلت فيها ؟ قال : قاتلت فيك حتى استشهدت قال : كذبت ولكنك فعلت ليقال هو جريء وقد قيل ثم أمر به فسحب على وجهه حتى ألقي في النار ورجل وسع الله عليه وأعطاه من أصناف المال فأتى به فعرفه نعمه فعرفها قال : فما عملت فيها ؟ قال : ما تركت من سبيل تحب أن ينفق فيها إلا أنفقت فيها لك قال : كذبت ولكنك فعلت ليقال هو جواد فقد قيل ثم أمر به فسحب على وجهه حتى ألقي في النار ورجل تعلم العلم وعلمه وقرأ القرآن فأتى به فعرفه نعمه فعرفها قال : فما عملت فيها ؟ قال : تعلمت العلم وعلمته وقرأت فيك القرآن قال : كذبت ولكنك تعلمت ليقال هو عالم وقرأت ليقال هو قارىء ثم أمر به فسحب على وجهه حتى ألقي في النار ] رواه مسلم وقال صلى الله عليه وسلم : [ من سمع سمع الله به ومن يرائي يراءى به ]\rقال الخطابي معناه من عمل عملا على غير إخلاص إنما يريد أن يراه الناس ويسمعوه جوزي على ذلك بأنه يشهره ويفضحه فيبدو عليه ما كان يبطنه ويسره من ذلك والله أعلم","part":9,"page":31},{"id":3529,"text":"و قال عليه الصلاة والسلام : [ اليسير من الرياء شرك ] وقال صلى الله عليه وسلم : [ أخوف ما أخاف عليكم الشرك الأصغر فقيل : وما هو يا رسول الله ؟ قال الرياء ] يقول الله تعالى يوم يجازي العباد بأعمالهم : اذهبوا إلى الذين كنتم تراءونهم بأعمالكم فانظروا هل تجدون عندهم جزاء وقيل في قول الله تعالى : {وبدا لهم من الله ما لم يكونوا يحتسبون} قيل : كانوا عملوا أعمالا كانوا يرونها في الدنيا حسنات بدت لهم يوم القيامة سيئات وكان بعض السلف إذا قرأ هذه الآية يقول : ويل لأهل الرياء وقيل : إن المرائي ينادى به يوم القيامة بأربعة أسماء : يا مرائي يا غادر يا فاجر يا خاسر اذهب فخذ أجرك ممن عملت له فلا أجر لك عندنا وقال الحسن : المرائي يريد أن يغلب قدر الله فيه هو رجل سوء يريد أن يقول الناس هو صالح فكيف يقولون وقد حل من ربه محل الإردياء ؟ فلا بد من قلوب المؤمنين أن تعرفه وقال قتادة : إذا راءى العبد يقول الله : انظروا إلى عبدي كيف يستهزىء بي وروي أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه نظر إلى رجل وهو يطأطى رقبته فقال : يا صاحب الرقبة ارفع رقبتك ليس الخشوع في الرقاب إنما الخشوع في القلوب وقيل : إن أبا أمامة الباهلي رضي الله عنه أتى على رجل في المسجد وهو ساجد يبكي في سجوده ويدعو فقال له أبو أمامة : أنت أنت لو كان هذا في بيتك ! وقال محمد بن مبارك الصوري : أظهر السمت في الليل فإنه أشرف من إظهاره بالنهار لأن السمت بالنهار للمخلوقين والسمت بالليل لرب العالمين وقال علي ابن أبي طالب رضي الله عنه : للمرائي ثلاث علامات : يكسل إذا كان وحده وينشط إذا كان في الناس ويزيد في العمل إذا أثني عليه وينقص إذا ذم به وقال الفضيل بن عياض رحمه الله : ترك العمل لأجل الناس رياء والعمل لأجل الناس شرك والإخلاص أن يعاقبك الله منهما","part":9,"page":32},{"id":3530,"text":"فنسأل الله المعونة والإخلاص في الأعمال والأقوال والحركات والسكنات إنه جواد كريم\rموعظة : عباد الله ! إن أيامكم قلائل ومواعظكم قواتل فليخبر الأواخر الأوائل وليستيقظ الغافل قبل سير القوافل يا من يوقن أنه لا شك راحل وما له زاد ولا رواحل يا من لج في لجة الهوى متى ترتقي إلى الساحل ؟ هل انتبهت من رقاد شامل وحضرت المواعظ بقلب غير غافل وقمت في الليل قيام عاقل وكتبت بالدموع سطور الرسائل تخفي بها زفرات الندم والوسائل وبعثتها في سفينة دمع سائل لعلها ترسى على الساحل وا أسفاه لمغرور جهول غافل لقد أثقل بعد الكهولة بالذنب الكاهل وقد ضيع البطالة وبذل الجاهل وركن إلى ركوب الهوى ركبة مائل يبني البنيان ويشيد المعاقل وهو عن ذكر قبره متشاغل ويدعي بعد هذا أنه عاقل تالله لقد سبقه الأبطال إلى أعلى المنازل وهو يؤمل في بطالته فوز العامل وهيهات هيهات ما فاز باطل بطائل :\r( أيها المعجب فخرا ... بمقاصير البيوت )\r( إنما الدنيا محل ... لقيام وقنوت )\r( فغدا تنزل بيتا ... ضيقا بعد النحوت )\r( بين أقوام سكوت ... ناطقات في الصموت )\r( فارض في الدنيا بثو ... بـ ومن العيش بقوت )\r( واتخذ بيتا ضعيفا ... مثل بيت بيت العنكبوت )\r( ثم قل : يا نفس هذا ... بيت مثواك فموتي ). أ هـ {الكبائر صـ 142}","part":9,"page":33},{"id":3531,"text":"قوله تعالى : {لاَّ يَقْدِرُونَ على شَىْء مّمَّا كَسَبُواْ}\rسؤال : الضمير في قوله {لاَّ يَقْدِرُونَ} إلى ماذا يرجع ؟ \rفيه قولان\rأحدهما : أنه عائد إلى معلوم غير مذكور ، أي لا يقدر أحد من الخلق على ذلك البذر الملقى في ذلك التراب الذي كان على ذلك الصفوان ، لأنه زال ذلك التراب وذلك ما كان فيه ، فلم يبق لأحد قدرة على الانتفاع بذلك البذر ، وهذا يقوي الوجه الثاني في التشبيه الذي ذكره القفال رحمه الله تعالى ، وكذا المان والمؤذي والمنافق لا ينتفع أحد منهم بعمله يوم القيامة\rوالثاني : أنه عائد إلى قوله {كالذى يُنفِقُ مَالَهُ} وخرج على هذا المعنى ، لأن قوله {كالذى يُنفِقُ مَالَهُ} إنما أشير به إلى الجنس ، والجنس في حكم العام ، قال القفال رحمه الله : \rوفيه وجه ثالث ، وهو أن يكون ذلك مردوداً على قوله {لاَ تُبْطِلُواْ صدقاتكم بالمن والأذى} فإنكم إذا فعلتم ذلك لم تقدروا على شيء مما كسبتم ، فرجع عن الخطاب إلى الغائب ، كقوله تعالى : {حتى إِذَا كُنتُمْ فِى الفلك وجرين بِهِمُ} [ يونس : 22 ]. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 7 صـ 48 ـ 49}\rسؤال : فإن قيل : كيف قال تعالى لا يقدرون بعد قوله كالذي ينفق ؟ \rأجيب : بأنه تعالى أراد بالذي ينفق الجنس أو الفريق الذي ينفق ولأن من والذي يتعاقبان فكأنه قيل كمن ينفق. أ هـ {السراج المنير حـ 1 صـ 279}\rلطيفة\rقال ابن عاشور : \rوقوله : {لا يقدرون على شيء مما كسبوا} أوقع موقعاً بديعاً من نظم الكلام تنهال به معانٍ كثيرة فهو بموقعه كان صالحاً لأن يكون حالاً من الذي ينفق ماله رئاء الناس فيكون مندرجاً في الحالة المشبّهة ، وإجراء ضمير كسبوا ضمير جمع لتأويل الذي ينفق بالجماعة ، وصالحاً لأن يكون حالاً من مثل صفوان باعتبار أنّه مثل على نحو ما جوّز في قوله تعالى : {أوكصيب من السماء} [ البقرة : 19 ] إذ تقديره فيه كمثل ذوي صيّب فلذلك جاء ضميره بصيغة الجمع رعياً للمعنى وإن كان لفظ المعاد مفرداً ، وصالحاً لأن يجعل استئنافاً بيانياً لأنّ الكلام الذي قبله يثير سؤال سائل عن مغبة أمر المشبّه ، وصالحاً لأن يجعل تذييلاً وفذلكة لضرب المثل فهو عود عن بدء قوله : {لا تبطلوا صدقاتكم بالمن والأذى} [ البقرة : 264 ] إلى آخر الكلام.","part":9,"page":34},{"id":3532,"text":"وصالحاً لأن يجعل حالاً من صفوان أي لا يقدرون على شيء ممّا كسبوا منه وحذف عائد الصلة لأنّه ضمير مجرور بما جرّ به اسم الموصول.\rومعنى {لا يقدرون} لا يستطيعون أن يسترجعوه ولا انتفعوا بثوابه فلم يبق لهم منه شيء.\rويجوز أن يكون المعنى لا يحسنون وضع شيء ممّا كسبوا موضعه ، فهم يبذلون ما لهم لغير فائدة تعود عليهم في آجلهم ، بدليل قوله : {الله لا يهدي القوم الكافرين}.\rوالمعنى فتركه صلداً لا يحصدون منه زرعاً كما في قوله : {فأصبح يقلب كفيه على ما أنفق فيها} [ الكهف : 42 ]. أ هـ {التحرير والتنوير حـ 3 صـ 49 ـ 50}\r{والله لاَ يَهْدِي القوم الكافرين}\rقال الفخر : \r{والله لاَ يَهْدِي القوم الكافرين} ومعناه على قولهم : سلب الإيمان ، وعلى قول المعتزلة : إنه تعالى يضلهم عن الثواب وطريق الجنة بسوء اختيارهم. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 7 صـ 49}\rوقال أبو حيان : \r{والله لا يهدي القوم الكافرين} يعني الموافقين على الكفر ، ولا يهديهم في كفرهم بل هو ضلال محض.\rأو : لا يهديهم في أعمالهم وهم على الكفر ، وفي هذا ترجح لمن قال : إن ضرب المثل عائد على الكافر. أ هـ {البحر المحيط حـ 2 صـ 322}\rمن لطائف الإمام القشيرى فى الآية\rإنما يُحْمَلُ جميلُ المنة من الحق سبحانه ، فأمَّا من الخلْق فليس لأحد على غيره مِنَّةَ ؛ فإنَّ تحمل المنن من المخلوقين أعظم محنة ، وشهود المنة من الله أعظم نعمة ، قال قائلهم : \rليس إجلالُكَ الكبار بِذُلِّ... إنما الذُّلُّ أنْ تُجِلَّ الصِّغَارا\rويقال أفقرُ الخلْق مَنْ ظنَّ نفسَه موسِراً فيَبِين له إفلاسه ، كذلك أقل الخلْق قدراً من ظن أنه على شيءٍ فيبدو له من الله ما لم يكن يحتسبه. أ هـ {لطائف الإشارات حـ 1 صـ 204}","part":9,"page":35},{"id":3533,"text":"من لطائف ابن القيم فى الآية\rقال رحمه الله : \rتضمنت هذه الآية الإخبار بأن المن والأذى يحبط الصدقة وهذا دليل على أن الحسنة قد تحبط بالسيئة مع قوله تعالى يا أيها الذين ءامنوا لا ترفعوا أصواتكم فوق صوت النبي ولا تجهروا له بالقول كجهر بعضكم لبعض أن تحبط أعمالكم وأنتم لا تشعرون وقد تقدم الكلام على هذه المسألة في أول هذه الرسالة فلا حاجة إلى إعادته وقد يقال إن المن والأذى المقارن للصدقة هو الذي يبطلها دون ما يلحقها بعدها إلا أنه ليس في الفظ ما يدل على\rهذا التقييد والسياق يدل على إبطالها به مطلقا وقد يقال تمثيله بالمرائي الذي لا يؤمن بالله واليوم الآخر يدل على أن المن والأذى المبطل هو المقارن كالرياء وعدم الإيمان فإن الرياء لو تأخر عن العمل لم يبطله ويجاب عن هذا بجوابين أحدهما أن التشبيه وقع في الحال التي يحبط بها العمل وهي حال المرائي والمان المؤذي في أن كل واحد منهما يحبط العمل الثاني أن الرياء لا يكون إلا مقارنا للعمل لأنه فعال من الرؤية التي صاحبها يعمل ليرى الناس عمله فلا يكون متراخيا وهذا بخلاف المن والأذى فإنه يكون مقارنا ومتراخيا وتراخيه أكثر من مقارنته وقوله كالذي ينفق إما أن يكون المعنى كإبطال الذي ينفق فيكون شبه الإبطال بالإبطال أو المعنى لا تكونوا كالذي ينفق ماله رئاء الناس فيكون تشبيها للمنفق بالمنفق وقوله فمثله أي مثل هذا المنفق الذي قد بطل ثواب نفقته كمثل صفوان وهو الحجر الأملس وفيه قولان أحدهما أنه واحد","part":9,"page":36},{"id":3534,"text":"والثاني جمع صفوة عليه تراب فأصابه وابل وهو المطر الشديد فتركه صلدا وهو الأملس الذي لا شيء عليه من نبات ولا غيره وهذا من أبلغ الأمثال وأحسنها فإنه يتضمن تشبيه قلب هذا المنفق المرائي الذي لم يصدر إنفاقه عن إيمان بالله واليوم الآخر بالحجر لشدته وصلاته وعدم الانتفاع به وتضمن تشبيه ما علق به من أثر الصدقة بالغبار الذي علق بذلك الحجر والوابل الذي أزال ذلك التراب عن الحجر فأذهبه بالمانع الذي أبطل صدقته وأزالها كما يذهب الوابل التراب الذي على الحجر فيتركه صلدا فلا يقدر المنفق على شيء من ثوابه لبطلانه وزواله وفيه معنى آخر وهو أن المنفق لغير الله هو في الظاهر عامل عملا يرتب عليه الأجر ويزكو له كما تزكو الحبة التي إذا بذرت في التراب الطيب أنبتت سبع سنابل في كل سنبلة مائة حبة ولكن وراء هذا الإنفاق مانع يمنع من نموه وزكائه كما أن تحت التراب حجرا يمنع من نبات ما يبذر من الحب فيه فلا ينبت ولا يخرج شيئا. أ هـ {طريق الهجرتين صـ 544 ـ 546}","part":9,"page":37},{"id":3535,"text":"فوائد لغوية\rقال ابن عادل :\rقوله : { كالذي } الكاف في محلِّ نصبٍ ، فقيل : نعتاً لمصدرٍ محذوفٍ ، أي : لا تبطلوها إبطالاً كإبطال الذي ينفق رئاء النَّاس. وقي : في محلِّ نصبٍ على الحال من ضمير المصدر المقدَّر كما هو رأي سيبويه ، وقيل : حالٌ من فاعل \" تُبْطِلُوا \" ، أي : لا تبطلوها مشبهين الذي ينفق ماله رياء النَّاس.\rو { رِئَآءَ } فيه ثلاثة أوجهٍ :\rأحدها : أنه نعتٌ لمصدر محذوفٍ تقديره : إنفاقاً رئاء النَّاس ، كذا ذكره مكي.\rوالثاني : أنه مفعول من أجله ، أي : لأجل رئاء النَّاس ، واستكمل شروط النَّصب.\rالثالث : أنه في محلِّ حالٍ ، أي : ينفق مرائياً.\rوالمصدر هنا مضافٌ للمفعول ، وهو \" النَّاس \" ، ورئاء مصدر راءى كقاتل قتالاً ، والأصل : \" رِئايا \" فالهمزة الأولى عين الكلمة ، والثانية بدلٌ من ياءٍ هي لام الكلمة ، لأنها وقعت طرفاً بعد ألفٍ زائدةٍ. والمفاعلة في \" راءَى \" على بابها ، لأنَّ المرائي يري النَّاس أعمال؛ حتى يروه الثَّناء عليه ، والتَّعظيم له. وقرأ طلحة - ويروى عن عاصم - : \" رِيَاء \" بإبدال الهمزة الأولى ياء ، وهو قياس الهمزة تخفيفاً؛ لأنَّها مفتوحةٌ بعد كسرةٍ.\rقوله : { فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ } مبتدأٌ وخبرٌ ، ودخلت الفاء ، قال أبو البقاء : \" لتربط الجُمْلَة بِمَا قَبْلَهَا \" كما تقدَّم ، والهاء في \" فَمَثَلُهُ \" فيها قولان :\rأظهرهما : أنها تعود على \" الَّذي يُنْفِقُ رِئَاءَ النَّاسِ \" ؛ لأنَّه أقرب مذكورٍ فيكون المعنى أنَّ الله شبّه المانَّ المؤذي بالمنافق ، ثم شبَّه المنافق بالحجر.\rوالثاني : أنها تعود على المانِّ المؤذي ، كأنه تعالى شبَّهه بشيئين : بالذي ينفق رئاء وبصفوان عليه ترابٌ ، فيكون قد عدل من خطاب إلى غيبة ، ومن جمع إلى إفراد.\rوالصَّفوان : حجرٌ كبيرٌ أملس ، وفيه لغتان :\r","part":9,"page":38},{"id":3536,"text":"أشهرهما سكون الفاء ، والثانية فتحها ، وبها قرأ ابن المسيّب والزُّهريُّ ، وهي شاذَّةٌ؛ لأنَّ \" فَعَلان \" إنَّما يكون في المصادر نحو : النَّزوان ، والغليان ، والصفات نحو : رجلٌ طغيان وتيس عدوان ، وأمَّا في الأسماء فقليلٌ جداً. واختلف في \" صَفْوَان \" فقيل : هو جمعٌ مفرده : صفا ، قال أبو البقاء : \" وجَمْعُ \" فَعَلَ \" على \" فَعْلاَن \" قليلٌ \". وقيل : هو اسم جنس.\rقال أبو البقاء : \" وهو الأجود ، ولذلك عاد الضَّمير عليه مفرداً في قوله : عَلَيْه \".\rوقيل : هو مفردٌ ، واحده \" صُفيٌّ \" قاله الكسائي ، وأنكره المبرَّد. قال : \" لأنَّ صُفيّاً جمع صفا نحو : عصيّ في عصا ، وقُفِيّ في قَفَا \". ونقل عن الكسائي أيضاً أنه قال : \" صَفْوان مفردٌ ، ويجمع على صِفوان بالكسر \". قال النَّحاس : \" ويجوز أن يكون المكسور الصَّاد واحداً أيضاً ، وما قاله الكسائيُّ غير صحيح ، بل صفوان - يعني بالكسر - جمعٌ لصفا : \" وَرَل \" وَوِرْلان ، وأخ وإخوان وكرى وكروان \".\rو { عَلَيْهِ تُرَابٌ } : يجوز أن يكون جملةً من مبتدأ ، وخبرٍ ، وقعت صفةً لصفوان ، ويجوز أن يكون \" عَلَيْه \" وحده صفةً له ، و\" تُرَابٌ \" فاعلٌ به ، وهو أولى لما تقدَّم عند قوله { فِي كُلِّ سُنبُلَةٍ مِّائَةُ حَبَّةٍ } [ البقرة : 261 ]. والتُّراب معروفٌ وهو اسم جنسٍ ، لا يثنَّى ، ولا يجمع.\rوقال المبرِّد : وهو جمع واحدته \" ترابة \". وذكر النَّحَّاس له خمسة عشر اسماً : ترابٌ وتَوْرَبٌ ، وتَوْرَابٌ ، وتَيْرَابٌ وإِثْلَب وأَثْلَب وَكَثْكَثٌ وَكِثْكِثٌ ودَقْعَمٌ وَدَقْعَاءُ ورَغام بفتح الراء ، ومنه : أرغم الله أنفه أي : ألصقه بالرَّغام وبَرى ، وقرى بالفتح مقصوراً [ كالعصا وكملح وعثير ] وزاد غيره تربة وصعيد.","part":9,"page":39},{"id":3537,"text":"ويقال : ترب الرَّجل : افتقر. ومنه : { أَوْ مِسْكِيناً ذَا مَتْرَبَةٍ } [ البلد : 16 ] كأنَّ جلده لصق به لفقره ، وأترب ، أي : استغنى ، كأنَّ الهمزة للسَّلب ، أو صار ماله كالتُّراب.\rقوله : { فَأَصَابَهُ } عطفٌ على الفعل الذي تعلَّق به قوله : \" عَلَيْهِ \" ، أي : استقرَّ عليه ترابٌ ، فأصابه. والضَّمير يعود على الصَّفوان ، وقيل : على التُّراب. وأمَّا الضَّمير في \" فَتَرَكَهُ \" فعلى الصفوان فقط. وألف \" أصَابَه \" من واوٍ؛ لأنه من صاب يصوب.\rقوله : { لاَّ يَقْدِرُونَ } في هذه الجملة قولان :\rأحدهما : أنها استئنافية فلا موضع لها من الإعراب.\rوالثاني : أنها في محلِّ نصب على الحال من \" الَّذِي \" في قوله : { كالذي يُنْفِقُ مَالَهُ } ، وإنما جمع الضَّمير حملاً على المعنى ، لأنَّ المراد بالذي الجنس ، فلذلك جاز الحمل على لفظه مرَّةً في قوله : \" مَالَهُ \" و\" لاَ يُؤْمِنُ \" ، \" فمثلُه \" وعلى معناه أخرى.\rوصار هذا نظير قوله : { كَمَثَلِ الذي استوقد نَاراً } [ البقرة : 17 ] ثم قال : { بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ } [ البقرة : 17 ] ، وقد تقدَّم.\rوزعم ابن عطيَّة أنَّ مهيع كلام العرب الحمل على اللَّفظ أولاً ، ثم المعنى ثانياً ، وأنَّ العكس قبيحٌ ، وتقدَّم الكلام معه في ذلك. وقيل : الضَّمير في \" يَقْدِرُونَ \" عائدٌ على المخاطبين بقوله : { ياأيها الذين آمَنُواْ لاَ تُبْطِلُواْ صَدَقَاتِكُم } ويكون من باب الالتفات من الخطاب إلى الغيبة ، وفيه بعدٌ.\rوقيل : يعود على ما يفهم من السِّياق ، أي : لا يقدر المانُّون ، ولا المؤذون على شيءٍ من نفع صدقاتهم. وسمَّى الصّدقة كسباً.\r","part":9,"page":40},{"id":3538,"text":"قال أبو البقاء : \" وَلا يَجُوزُ أن يَكُونَ \" لاَ يَقْدِرُونَ \" حالاً من \" الَّذِي \" ؛ لأنه قد فصل بينهما بقوله : \" فَمَثَلُه \" وما بعده \". ولا يلزم ذلك؛ لأنَّ هذا الفصل فيه تأكيدٌ ، وهو كالاعتراض \". أ هـ {تفسير ابن عادل حـ 4 صـ 387 ـ 390}. بتصرف.","part":9,"page":41},{"id":3539,"text":"بحث نفيس لحجة الإسلام الغزالى فى المن والأذى يجدر ذكره هنا ، لما فيه من الفوائد لطالب الآخرة\rقال رحمه الله :\rالوظيفة الخامسة ـ يعنى من وظائف مريد طريق الآخرة بصدقته\rأن لا يفسد صدقته بالمن والأذى قال الله تعالى {لا تبطلوا صدقاتكم بالمن والأذى} واختلفوا في حقيقة المن والأذى فقيل المن أن يذكرها والأذى أن يظهرها وقال سفيان من من فسدت صدقته فقيل له كيف المن فقال أن يذكره ويتحدث به وقيل المن أن يستخدمه بالعطاء والأذى أن يعيره بالفقر وقيل المن أن يتكبر عليه لأجل عطائه والأذى أن ينتهره أو يوبخه بالمسألة\rوقد قال صلى الله عليه وسلم لا يقبل الله صدقة منان {قال الحافظ العراقى فى تخريج أحاديث الإحياء : حديث لا يقبل الله صدقة منان هو كالذي قبله بحديث لم أجده. أ هـ}\rوعندي أن المن له أصل ومغرس وهو من أحوال القلب وصفاته ثم يتفرع عليه أحوال ظاهرة على اللسان والجوارح فأصله أن يرى نفسه محسنا إليه ومنعما عليه وحقه أن يرى الفقير محسنا إليه بقبول حق الله عز وجل منه الذي هو طهرته ونجاته من النار وأنه لو يقبله لبقي مرتهنا به فحقه أن يتقلد منه الفقير إذ جعل كفه نائبا عن الله عز وجل في قبض حق الله عز وجل\rقال رسول الله صلى الله عليه وسلم إن الصدقة تقع بيد الله عز وجل قبل أن تقع في يد السائل {{قال الحافظ العراقى فى تخريج أحاديث الإحياء : حديث إن الصدقة تقع بيد الله قبل أن تقع في يد السائل أخرجه الدار قطني في الأفراد من حديث ابن عباس وقال غريب من حديث عكرمة عنه ورواه البيهقي في الشعب بسند ضعيف. أ هـ} فليتحقق أنه مسلم إلى الله عز وجل حقه والفقير آخذ من الله تعالى رزقه بعد صيرورته إلى الله عز وجل\rولو كان عليه دين لإنسان فأحال به عبده أو خادمه الذي هو متكفل برزقه لكان اعتقاد مؤدى الدين كون القابض تحت منته سفها وجهلا فإن المحسن إليه هو المتكفل برزقه","part":9,"page":42},{"id":3540,"text":"أما هو فإنما يقضي الذي لزمه بشراء ما أحبه فهو ساع في حق نفسه فلم يمن به على غيره\rومهما عرف المعاني الثلاثة التي ذكرناها في فهم وجوب الزكاة أو أحدها لم ير نفسه محسنا إلا إلى نفسه إما ببذل ماله إظهارا لحب الله تعالى أو تطهيرا لنفسه عن رذيلة البخل أو شكرا على نعمة المال طلبا للمزيد\rوكيفما كان فلا معاملة بينه وبين الفقير حتى يرى نفسه محسنا إليه ومهما حصل هذا الجهل بأن رأى نفسه محسنا إليه تفرع منه على ظاهره ما ذكر في معنى المن وهو التحدث به وإظهاره وطلب المكافأة منه بالشكر والدعاء والخدمة والتوقير والتعظيم والقيام بالحقوق والتقديم في المجالس والمتابعة في الأمور فهذه كلها ثمرات المنة ومعنى المنة في الباطن ما ذكرناه\rوأما الأذى فظاهره التوبيخ والتعيير وتخشين الكلام وتقطيب الوجه وهتك الستر بالإظهار وفنون الاستخفاف وباطنه وهو منبعه أمران أحدهما كراهيته لرفع اليد عن المال وشدة ذلك على نفسه فإن ذلك يضيق الخلق لا محالة\rوالثاني رؤيته أنه خير من الفقير وأن الفقير لسبب حاجته أخس منه وكلاهما منشؤه الجهل\rأما كراهية تسليم المال فهو حمق لأن من كره بذل درهم في مقابلة ما يساوي ألفا فهو شديد الحمق\rومعلوم أنه يبذل المال لطلب رضا الله عز وجل والثواب في الدار الآخرة وذلك أشرف مما بذله أو يبذله لتطهير نفسه عن رذيلة البخل أو شكرا لطلب المزيد وكيفما فرض فالكراهة لا وجه لها","part":9,"page":43},{"id":3541,"text":"وأما الثاني فهو أيضا جهل لأنه لو عرف فضل الفقر على الغنى وعرف خطر الأغنياء لما استحقر الفقير بل تبرك به وتمنى درجته فصلحاء الأغنياء يدخلون الجنة بعد الفقراء بخمسمائة عام ولذلك قال صلى الله عليه وسلم هم الأخسرون ورب الكعبة فقال أبو ذر من هم قال هم الأكثرون أموالا الحديث ثم كيف يستحقر الفقير وقد جعله الله تعالى متجرة له إذ يكتسب المال بجهدك ويستكثر منه ويجتهد في حفظه بمقدار الحاجة وقد ألزم أن يسلم إلى الفقير قدر حاجته ويكف عنه الفاضل الذي يضره لو سلم إليه فالغني مستخدم للسعي في رزق الفقير ويتميز عليه بتقليد المظالم والتزام المشاق وحراسة الفضلات إلى أن يموت فيأكله أعداؤه فإن مهما انتقلت الكراهية وتبدلت بالسرور والفرح بتوفيق الله تعالى له أداء الواجب وتفضيله الفقير حتى يخلصه عن عهدته بقبوله منه انتفى الأذى والتوبيخ وتقطيب الوجه وتبدل بالاستبشار والثناء وقبول المنة فهذا منشأ المن والأذى\rفإن قلت فرؤيته نفسه في درجة المحسن أمر غامض فهل من علامة يمتحن بها قلبه فيعرف بها أنه لم ير نفسه محسنا فاعلم أن له علامة دقيقة واضحة وهو أن يقدر أن الفقير لو جنى عليه جناية أو مالا عدوا له عليه مثلا هل كان يزيد في استنكاره واستبعاده له على استنكاره قبل التصدق فإن زاد لم تخل صدقته عن شائبة المنة لأنه توقع بسببه ما لم يكن يتوقع قبل ذلك\rفإن قلت فهذا أمر غامض ولا ينفك قلب أحد عنه فما دواؤه فاعلم أن له دواء باطنا ودواء ظاهرا أما الباطن فالمعرفة بالحقائق التي ذكرناها في فهم الوجوب وأن الفقير هو المحسن إليه في تطهيره بالقبول","part":9,"page":44},{"id":3542,"text":"وأما الظاهر فالأعمال التي يتعاطاها متقلد المنة فإن الأفعال التي تصدر عن الأخلاق تصبغ القلب بالأخلاق كما سيأتي أسراره في الشطر الأخير من الكتاب ولهذا كان بعضهم يضع الصدقة بين يدي الفقير ويتمثل قائما بين يديه حتى يسأله قبولها حتى يكون هو في صورة السائلين وهو يستشعر مع ذلك كراهية لو رده وكان بعضهم يبسط كفه ليأخذ الفقير من كفه وتكون يد الفقير هي العليا\rوكانت عائشة وأم سلمة رضي الله عنهما إذا أرسلتا معروفا إلى فقير قالتا للرسول احفظ ما يدعو به ثم كانتا تردان عليه مثل قوله وتقولان هذا بذاك حتى تخلص لنا صدقتنا فكانوا لا يتوقعون الدعاء لأنه شبه المكافأة وكانوا يقابلون الدعاء\rبمثله وهكذا فعل عمر بن الخطاب وابنه عبد الله رضي الله عنهما وهكذا كان أرباب القلوب يداوون قلوبهم ولا دواء من حيث الظاهر إلا هذه الأعمال الدالة على التذلل والتواضع وقبول المنة ومن حيث الباطن المعارف التي ذكرناها هذا من حيث العمل وذلك من حيث العلم\rولا يعالج القلب إلا بمعجون العلم والعمل وهذه الشريطة من الزكوات تجري مجرى الخشوع من الصلاة وثبت ذلك بقوله صلى الله عليه وسلم ليس للمرء من صلاته إلا ما عقل منها. أ هـ {الإحياء حـ 1 صـ 216 ـ 218}","part":9,"page":45},{"id":3543,"text":"قوله تعالى : {وَمَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاةِ اللَّهِ وَتَثْبِيتًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ كَمَثَلِ جَنَّةٍ بِرَبْوَةٍ أَصَابَهَا وَابِلٌ فَآَتَتْ أُكُلَهَا ضِعْفَيْنِ فَإِنْ لَمْ يُصِبْهَا وَابِلٌ فَطَلٌّ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (265)}\rمناسبة الآية لما قبلها\rقال البقاعى :\rولما فرغ من مثل العاري عن الشرط ضرب للمقترن بالشرط من الإنفاق مثلاً منبهاً فيه على أن غيره ليس مبتغى به وجه الله فقال : {ومثل} قال الحرالي : عطفاً على {الذي ينفق ماله رئاء الناس} {ولا يؤمن بالله واليوم الآخر} عطف مقابلة وعلى {مثل الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله} [ البقرة : 261 ] عطف مناسبة - انتهى.\r{الذين ينفقون أموالهم} أي مثل نفقاتهم لغير علة دنياوية ولا شائبة نفسانية بل {ابتغاء مرضات الله} أي الذي له الجلال والإكرام فلذلك صلح كل الصلاح فعري عن المن والأذى وعيرهما من الشوائب الموجبة للخلل قال الحرالي : والمرضاة مفعلة لتكرر الرضى ودوامه - انتهى.\r{وتثبيتاً من أنفسهم} بالنظر في إصلاح العمل وإخلاصه بالحمل على الحلم والصفح والصبر على جميع مشاق التكاليف فإن من راض نفسه بحملها على بذل المال الذي هو شقيق الروح وذلت له خاضعة وقل طمعها في اتباعه لشهواتها فسهل عليه حملها على سائر العبادات ،\rومتى تركها وهي مطبوعة على النقائص زاد طمعاً في اتباع الشهوات ولزوم الدناءات ،\rفمن للتبعيض مفعول به مثلها في قولهم : لين من عطفه وحرك من نشاطه {كمثل جنة} أي بستان ومثل صاحبها.\rقال الحرالي : ولما كان حرث الدنيا حباً وثمراً جعل نفقات الأخرى كذلك حباً وتمراً.\rفمن أنفق في السبيل جعل مثله كالحب ،\rومن أنفق ابتغاء لمرضاة الله جعل مثله كالجنة التي لها أصل ثابت تدور عليها الثمرات وهي ثابتة وتستغني من الماء بما لا يستغني به الحرث لأن الحرث مستجد في كل وقت ،","part":9,"page":46},{"id":3544,"text":"كما أن الجهاد واقع عند الحاجة إليه والمنفق ابتغاء مرضاة الله ينفق في كل وجه دائم الإنفاق ، \rفكان مثله مثل الجنة الدائمة ليتطابق المثلان بالممثولين ، \rفعمت هذه النفقة جهات الإنفاق كلها في جميع سبل الخير - انتهى.\r{بربوة} أي مكان عال ليس بجبل.\rقال الحرالي : في إعلامه أن خير الجنات ما كان في الربوة لتنالها الشمس وتخترقها الرياح اللواقح ، \rفأما ما كان من الجنان في الوهاد تجاوزتها الرياح اللواقح من فوقها فضعفت حياتها ، \rلأن الرياح هي حياة النبات \" الريح من نفس الرحمن \" انتهى.\rثم وصفها بقوله : {أصابها وابل} أي مطر كثير {فأتت أكلها} أي أخرجته بإذن الله سبحانه وتعالى حتى صار في قوة المعطي {ضعفين} أي مثل ما كانت تخرجه لو أصابها دون الوابل - كذا قالوا : مثلين ، \rوالظاهر أن المراد أربعة أمثاله ، \rلأن المراد بالضعف قدر الشيء ومثله معه فيكون الضعفان أربعة - والله سبحانه وتعالى أعلم ؛ والآية من الاحتباك ، \rذكر المنفق أولاً دال على حذف صاحب الجنة ثانياً ، \rوذكر الجنة ثانياً دال على حذف النفقة أولاً.\rولما كان الوابل قد لا يوجد قال : {فإن لم يصبها وابل فطل} أي فيصيبها لعلوها طل ، \rوهو الندى الذي ينزل في الضباب.\rوقال الحرالي : الطل سن من أسنان المطر خفي لا يدركه الحس حتى يجتمع ، \rفإن المطر ينزل خفياً عن الحس وهو الطل ، \rثم يبدو بلطافة وهو الطش ، \rثم يقوى وهو الرش ، \rثم يتزايد ويتصل وهو الهطل ، \rثم يكثر ويتقارب وهو الوابل ، \rثم يعظم سكبه وهو الجود ؛ فله أسنان مما لا يناله الحس للطافته إلى ما لا يحمله الحس كثرة - انتهى.\rوالمعنى أن أهل هذا الصنف لا يتطرق إلى أعمالهم فساد ، \rغايتها أن يطرقها النقص باعتبار ضعف النيات ، \rولذلك كان التقدير تسبيباً عن ذلك : فالله بما تستحقون على نياتكم عليم ، \rفعطف عليه قوله : {والله} أي المحيط علماً وقدرة {بما تعملون} أي بما ظهر منه {بصير} كما هو كذلك بما بطن ، \r","part":9,"page":47},{"id":3545,"text":"فاجتهدوا في إحسان الظاهر والباطن.\rوقدم مثل العاري عن الشرط عليه لأن درء المفاسد أولى من جلب المصالح. أ هـ {نظم الدرر حـ 1 صـ 518 ـ 519}\rقال الفخر : \rاعلم أن الله تعالى لما ذكر مثل المنفق الذي يكون ماناً ومؤذياً ذكر مثل المنفق الذي لا يكون كذلك ، وهو هذه الآية ، وبيّن تعالى أن غرض هؤلاء المنفقين من هذا الإنفاق أمران أحدهما : طلب مرضاة الله تعالى ، والابتغاء افتعال من بغيت أي طلبت ، وسواء قولك : بغيت وابتغيت.\rوالغرض الثاني : هو تثبيت النفس ، وفيه وجوه أحدها : أنهم يوطنون أنفسهم على حفظ هذه الطاعة وترك ما يفسدها ، ومن جملة ذلك ترك إتباعها بالمن والأذى ، وهذا قول القاضي وثانيها : وتثبيتاً من أنفسهم عند المؤمنين أنها صادقة في الإيمان مخلصة فيه ، ويعضده قراءة مجاهد {وَتَثْبِيتًا مّنْ بَعْضُ أَنفُسِهِمْ}","part":9,"page":48},{"id":3546,"text":"وثالثها : أن النفس لا ثبات لها في موقف العبودية ، إلا إذا صارت مقهورة بالمجاهدة ، ومعشوقها أمران : الحياة العاجلة والمال ، فإذا كلفت بإنفاق المال فقد صارت مقهورة من بعض الوجوه ، وإذا كلفت ببذل الروح فقد صارت مقهورة من بعض الوجوه فلا جرم حصل بعض التثبيت ، فلهذا دخل فيه {مِنْ} التي هي التبعيض ، والمعنى أن من بذل ماله لوجه الله فقد ثبت بعض نفسه ، ومن بذل ماله وروحه معاً فهو الذي ثبتها كلها ، وهو المراد من قوله {وتجاهدون فِى سَبِيلِ الله بأموالكم وَأَنفُسِكُمْ} [ الصف : 11 ] وهذا الوجه ذكره صاحب \"الكشاف\" ، وهو كلام حسن وتفسير لطيف ورابعها : وهو الذي خطر ببالي وقت كتابة هذا الموضع : أن ثبات القلب لا يحصل إلا بذكر الله على ما قال : {أَلاَ بِذِكْرِ الله تَطْمَئِنُّ القلوب} [ الرعد : 28 ] فمن أنفق ماله في سبيل الله لم يحصل له اطمئنان القلب في مقام التجلي ، إلا إذا كان إنفاقه لمحض غرض العبودية ، ولهذا السبب حكي عن علي رضي الله عنه أنه قال في إنفاقه {إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ الله لاَ نُرِيدُ مِنكُمْ جَزَاءً وَلاَ شُكُوراً} [ الإنسان : 9 ] ووصف إنفاق أبي بكر فقال : {وَمَا لأَحَدٍ عِندَهُ مِن نّعْمَةٍ تجزى إِلاَّ ابتغاء وَجْهِ رَبّهِ الأعلى ، وَلَسَوْفَ يرضى} [ الليل : 19 ، 20 ، 21 ] فإذا كان إنفاق العبد لأجل عبودية الحق لا لأجل غرض النفس وطلب الحض.\rفهناك اطمأن قلبه ، واستقرت نفسه ، ولم يحصل لنفسه منازعه مع قلبه ، ولهذا قال أولاً في هذا الإنفاق إنه لطلب مراضاة الله ، ثم أتبع ذلك بقوله {وَتَثْبِيتًا مّنْ أَنفُسِهِمْ} وخامسها : أنه ثبت في العلوم العقلية ، أن تكرير الأفعال سبب لحصول الملكات.","part":9,"page":49},{"id":3547,"text":"إذا عرفت هذا فنقول : إن من يواظب على الإنفاق مرة بعد أخرى لابتغاء مرضاة الله حصل له من تلك المواظبة أمران أحدهما : حصول هذا المعنى والثاني : صيرورة هذا الابتغاء والطلب ملكة مستقرة في النفس ، حتى يصير القلب بحيث لو صدر عنه فعل على سبيل الغفلة والاتفاق رجع القلب في الحال إلى جناب القدس ، وذلك بسبب أن تلك العبادة صارت كالعادة والخلق للروح ، فإتيان العبد بالطاعة لله ، ولابتغاء مرضاة الله ، يفيد هذه الملكة المستقرة ، التي وقع التعبير عنها في القرآن بتثبيت النفس ، وهو المراد أيضاً بقوله {يُثَبّتُ الله الذين ءامَنُواْ} وعند حصول هذا التثبيت تصير الروح في هذا العالم من جوهر الملائكة الروحانية والجواهر القدسية ، فصار العبد كما قاله بعض المحققين : غائباً حاضراً ، ظاعناً مقيماً وسادسها : قال الزجاج : المراد من التثبيت أنهم ينفقونها جازمين بأن الله تعالى لا يضيع عملهم ، ولا يخيب رجاؤهم ، لأنها مقرونة بالثواب والعقاب والنشور بخلاف المنافق ، فإنه إذا أنفق عد ذلك الإنفاق ضائعاً ، لأنه لا يؤمن بالثواب ، فهذا الجزم هو المراد بالتثبيت وسابعها : قال الحسن ومجاهد وعطاء : المراد أن المنفق يتثبت في إعطاء الصدقة فيضعها في أهل الصلاح والعفاف ، قال الحسن : كان الرجل إذا هم بصدقة تثبت ، فإذا كان لله أعطى ، وإن خالطه أمسك ، قال الواحدي : وإنما جاز أن يكون التثبيت ، بمعنى التثبيت ، لأنهم ثبتوا أنفسهم في طلب المستحق ، وصرف المال في وجهه. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 7 صـ 49 ـ 50}\rوقال ابن عاشور : \rعطف مثل الذين ينفقون أموالهم في مرضاة الله على مَثَل الذي ينفق ماله رئاء الناس ، لزيادة بيان ما بين المرتبتين مِن البَوْن وتأكيداً للثناء على المنفقين بإخلاص ، وتفنّناً في التمثيل.","part":9,"page":50},{"id":3548,"text":"فإنّه قد مثَّله فيما سلف بحبَّة أنبتت سبع سنابل ، ومثّله فيما سلف تمثيلاً غير كثيرِ التركيب لتحصل السرعة بتخيّل مضاعفة الثواب ، فلما مَثَّل حال المنفق رِئاءً بالتمثيل الذي مضى أعيد تمثيل حال المنفق ابتغاء مرضاة الله بما هو أعجب في حسن التخيُّل ؛ فإنّ الأمثال تبهج السامع كلّما كانت أكثر تركيباً وضمّنت الهيأة المشبّه بها أحوالاً حسنة تكسبها حُسناً ليسري ذلك التحسين إلى المشبَّه ، وهذا من جملة مقاصد التشبيه. أ هـ {التحرير والتنوير حـ 3 صـ 50}\rفائدة\rقال أبو حيان : \rقال الزمخشري : فإن قلت : فما معنى التبعيض ؟ \rقلت : معناه أن من بذل ماله لوجه الله فقد ثبت بعض نفسه ، ومن بذل ماله وروحه معاً فهو الذي ثبتها كلها {وتجاهدون في سبيل الله بأموالكم وأنفسكم} انتهى.\rوالظاهر أن نفسه هي التي تثبته وتحمله على الإنفاق في سبيل الله ، ليس له محرك إلاَّ هي ، لما اعتقدته من الإيمان وجزيل الثواب ، فهي الباعثة له على ذلك ، والمثبتة له بحسن إيمانها وجليل اعتقادها. أ هـ {البحر المحيط حـ 2 صـ 324}\rفائدة لغوية\rقال ابن عاشور : \rوالتثبيت تحقيق الشيء وترسيخه ، وهو تمثيل يجوز أن يكون لكبح النفس عن التشكّك والتردّد ، أي أنّهم يمنعون أنفسهم من التردّد في الإنفاق في وجوه البر ولا يتْركون مجالاً لخواطر الشحّ ، وهذا من قولهم ثبت قدمه أي لم يتردّد ولم ينكص ، فإنّ إراضة النفس على فعل ما يشُق عليها لها أثر في رسوخ الأعمال حتى تعتاد الفضائل وتصير لها ديدناً.\rوإنفاق المال من أعظم ما ترسخ به الطاعة في النفس لأنّ المال ليس أمراً هيناً على النفس ، وتكون \"من\" على هذا الوجه للتبعيض ، لكنه تبعيض مجازي باعتبار الأحوال ، أي تثبيتاً لبعض أحوال النفس.","part":9,"page":51},{"id":3549,"text":"وموقع ( من ) هذه في الكلام يدل على الاستنزال والاقتصاد في تعلّق الفعل ، بحَيْث لا يطلب تسلّط الفعل على جميع ذات المفعول بل يُكتفى ببعض المفعول ، والمقصود الترغيب في تحصيل الفعل والاستدراج إلى تحصيله ، وظاهر كلام \"الكشاف\" يقتضي أنّه جعل التبعيض فيها حقيقياً.\rويجوز أن يكون تثبيتاً تمثيلاً للتصديق أي تصديقاً لوعد الله وإخلاصاً في الدين ليخالف حال المنافقين ؛ فإنّ امتثال الأحكام الشاقة لا يكون إلاّ عن تصديق للآمر بها ، أي يدُلُّون على تثبيت من أنفسهم.\rو ( مِنْ ) على هذا الوجه ابتدائية ، أي تصديقاً صادراً من أنفسهم.\rويجيء على الوجه الأول في تفسير التثبيت معنى أخلاقي جليل أشار إليه الفخر ، وهو ما تقرر في الحكمة الخُلُقية أن تكرّر الأفعال هو الذي يوجب حصول الملكة الفاضلة في النفس ، بحيث تنساق عقب حصولها إلى الكمالات باختيارها ، وبلا كلفة ولا ضجر.\rفالإيمان يأمر بالصدقة وأفعال البر ، والذي يأتي تلك المأمورات يثبِّت نفسه بأخلاق الإيمان ، وعلى هذا الوجه تصير الآية تحْريضاً على تكرير الإنفاق.\rأ هـ {التحرير والتنوير حـ 3 صـ 51 ـ 52}\rقوله تعالى {كَمَثَلِ جَنَّةٍ بِرَبْوَةٍ أَصَابَهَا وَابِلٌ}\rفصل\rقال الفخر : \rاعلم أن المفسرين قالوا : البستان إذا كان في ربوة من الأرض كان أحسن وأكثر ريعاً.","part":9,"page":52},{"id":3550,"text":"ولي فيه إشكال : وهو أن البستان إذا كان في مرتفع من الأرض كان فوق الماء ولا ترتفع إليه أنهار وتضربه الرياح كثيراً فلا يحسن ريعه ، وإذا كان في وهدة من الأرض انصبت مياه الأنهار ، ولا يصل إليه إثارة الرياح فلا يحسن أيضاً ريعه ، فإذن البستان إنما يحسن ريعه إذا كان على الأرض المستوية التي لا تكون ربوة ولا وهدة ، فإذن ليس المراد من هذه الربوة ما ذكروه ، بل المراد منه كون الأرض طيناً حراً ، بحيث إذا نزل المطر عليه انتفخ وربا ونما ، فإن الأرض متى كانت على هذه الصفة يكثر ريعها ، وتكمل الأشجار فيها ، وهذا التأويل الذي ذكرته متأكد بدليلين أحدهما : قوله تعالى : {وَتَرَى الأرض هَامِدَةً فَإِذَا أَنزَلْنَا عَلَيْهَا الماء اهتزت وَرَبَتْ} [ الحج : 5 ] والمراد من ربوها ما ذكرنا فكذا هاهنا والثاني : أنه تعالى ذكر هذا المثل في مقابلة المثل الأول ، ثم كان المثل الأول هو الصفوان الذي لا يؤثر فيه المطر ، ولا يربو ، ولا ينمو بسبب نزول المطر عليه ، فكان المراد بالربوة في هذا المثل كون الأرض بحيث تربو وتنمو ، فهذا ما خطر ببالي والله أعلم بمراده. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 7 صـ 50}\rقوله تعالى : {أَصَابَهَا وَابِلٌ فَأَتَتْ أُكُلَهَا ضِعْفَيْنِ}\rقال أبو حيان : \rومعنى : ضعفين : مِثْلا ما كانت تثمر بسبب الوابل ، وبكونه في ربوة ، لأن ريع الربا أكثر ، ومن السيل والبرد أبعد ، وقيل : ضعفي غيرها من الأرضين ، وقيل : أربعة أمثالها ، وهذا مبني على أن ضعف الشيء مثلاه.\rوقال أبو مسلم : ثلاثة أمثالها ، قال تاج القراء.\rوليس لهذا في العربية وجه ، وإيتاء الضعفين هو في حمل واحد.\rوقال عكرمة ، وعطاء : معنى ضعفين أنها حملت في السنة مرتين.\rويحتمل عندي أن يكون قوله : ضعفين ، مما لا يزاد به شفع الواحد ، بل يكون من التشبيه الذي يقصد به التكثير.","part":9,"page":53},{"id":3551,"text":"وكأنه قيل : فآتت أكلها ضعفين ، ضعفاً بعد ضعف أي : أضعافاً كثيرة ، وهذا أبلغ في التشبيه للنفقة بالجنة ، لأن الحسنة لا يكون لها ثواب حسنتين ، بل جاء تضاعف أضعافاً كثيرة ، وعشر أمثالها ، وسبع مائة وأزيد. أ هـ {البحر المحيط حـ 2 صـ 325}\rقوله تعالى : {فَإِن لَّمْ يُصِبْهَا وَابِلٌ فَطَلٌّ}\rقال الفخر : \rالطل : مطر صغير الفطر ، ثم في المعنى وجوه : \rالأول : المعنى أن هذه الجنّة إن لم يصبها وابل فيصيبها مطر دون الوابل ، إلا أن ثمرتها باقية بحالها على التقديرين لا ينقص بسبب انتقاص المطر وذلك بسبب كرم المنبت الثاني : معنى الآية إن لم يصبها وابل حتى تضاعف ثمرتها فلا بد وأن يصيبها طل يعطي ثمراً دون ثمر الوابل ، فهي على جميع الأحوال لا تخلوا من أن تثمر ، فكذلك من أخرج صدقة لوجه الله تعالى لا يضيع كسبه قليلاً كان أو كثيراً. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 7 صـ 51}\rوقال أبو حيان : \r{فإن لم يصبها وابل فطل} قال ابن عيسى : فيه إضمار ، التقدير : فإن لم يكن يصيبها وابل كما قال الشاعر : \rإذا ما انتسبنا لم تلدني لئيمة . . .\rأي : لم تكن تلدني ، والمعنى : إن الطل يكفيها وينوب مناب الوابل في إخراج الثمرة ضعفين ، وذلك أكرم الأرض وطيبها ، فلا تنقص ثمرتها بنقصان المطر.\rوقيل : المعنى فإن لم يصبها وابل فيتضاعف ثمرها ، وأصابها طل فأخرجت دون ما تخرجه بالوابل ، فهي على كل حال لا تخلو من أن تثمر. أ هـ {البحر المحيط حـ 2 صـ 325}\rوقال أبو حيان : \rودعوى التقديم والتأخير في الآية ، على ما قاله بعضهم ، من أن المعنى أصابها وابل.\rفإن لم يصبها وابل فطل . . .\rفآتت أكلها ضعفين حتى يجعل إيتاؤها الأكل ضعفين على الحالين من الوابل والطل ، لا حاجة إليها.\rوالتقديم والتأخير من ضرورات الشعر ، فينزه القرآن عن ذلك. أ هـ {البحر المحيط حـ 2 صـ 325}\rفائدة لغوية\rقال أبو حيان : ","part":9,"page":54},{"id":3552,"text":"وقوله : فطل جواب للشرط ، فيحتاج إلى تقدير بحيث تصير جملة ، فقدره المبرد مبتدأ محذوف الخبر لدلالة المعنى عليه ، أي : فطل يصيبها ، وابتدىء بالنكرة لأنها جاءت في جواب الشرط.\rوذكر بعضهم أن هذا من مسوّغات جواز الابتداء بالنكرة ، ومثله ما جاء في المثل : إن ذهب عير فعير في الرباط.\rوقدره غير المبرد : خبر مبتدأ محذوف.\rأي : فالذي يصيبها ، أو : فمصيبها طلٌ ، وقدره بعضهم فاعلاً ، أي فيصيبها طل ، وكل هذه التقادير سائغة.\rوالآخر يحتاج فيه إلى حذف الجملة الواقعة جواباً ، وإبقاء معمول لبعضها ، لأنه متى دخلت الفاء على المضارع فإنما هو على إضمار مبتدأ ، كقوله تعالى {ومن عاد فينتقم الله منه} أي فهو ينتقم ، فكذلك يحتاج إلى هذا التقدير هنا أي : فهي ، أي : الجنة يصيبها طل ، وأما في التقديرين السابقين فلا يحتاج إلاَّ إلى حذف أحد جزئي الجملة ، ونظير ما في الآية قوله : \rألا إن لا تكن إبل فمعزى . . .\rكأن قرون جلتها العصيّ.\rأ هـ {البحر المحيط حـ 2 صـ 325 ـ 326}\rفوائد ولطائف للعلامة ابن عاشور\rقال رحمه الله : \rومُثِّل هذا الإنفاق بجنّة بربوة إلخ ، ووجه الشبه هو الهيأة الحاصلة من مجموع أشياء تكامل بها تضعيف المنفعة ، فالهيأة المشبّهة هي النفقة التي حفّ بها طلب رضي الله والتصديقُ بوعده فضوعفت أضعافاً كثيرة أو دونها في الكثرة ، والهيأة المشبّهة بها هي هيأة الجنّة الطيّبة المكان التي جاءها التهتَان فزكا ثمرُها وتزايد فأكملت الثمرة ، أو أصابها طلّ فكانت دون ذلك.\rوالجنّة مكان من الأرض ذو شجر كثير بحيث يجِنّ أي يستر الكائن فيه فاسمها مشتقّ من جنَّ إذا ستر ، وأكثر ما تطلق الجنّة في كلامهم على ذات الشجر المثمر المختَلف الأصناف ، فأما ما كان مغروساً نخيلاً بحتاً فإنّما يسمى حائطاً.","part":9,"page":55},{"id":3553,"text":"والمشتهر في بلاد العرب من الشجر المثمر غير النخيل هو الكرم وثمره العنب أشهر الثمار في بلادهم بعد التمر ، فقد كان الغالبَ على بلاد اليمن والطائف.\rومن ثمارهم الرمّان ، فإن كان النخل معها قيل لها جنّة أيضاً كما في الآية التي بعد هذه.\rومما يدل على أنّ الجنّة لا يراد بها حائطُ النخل قوله تعالى في [ سورة الأنعام : 141 ] {وهوَ الذي أنشأ جناتتٍ معْروشات وغير معْروشات والنّخل والزرع} فعطف النخل على الجنّات ، وذكر العريش وهو مما يجعل للكرم ، هذا ما يستخلص من كلام علماء اللغة.\rوقد حصل من تمثيل حال الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله بحبّة ثم بجنّة جناس مصحَّف.\rوالربوة بضم الراء وفتحها مكان من الأرض مرتفع دون الجُبيل.\rوقرأ جمهور العشرة بربوة بضم الراء وقرأه ابن عامر وعاصم بفتح الراء.\rوتخصيص الجنة بأنّها في ربوة لأنّ أشجار الربى تكون أحسن منظراً وأزكى ثمراً فكان لهذا القيد فائدتان إحداهما قوة وجه الشبه كما أفاده قول ضعفين} ، والثانية تحسين المشبّه به الراجع إلى تحسين المشبّه في تخيّل السامع.\rوالأكل بضم الهمزة وسكون الكاف وبضم الكاف أيضاً ، وقد قيل إن كل فُعْل في كلام العرب فهو مخفف فُعُل كعُنْق وفُلْك وحُمْق ، وهو في الأصل ما يؤكل وشاع في ثمار الشجر قال تعالى : {بجناتهم جَنَّتَيْنِ ذَوَاتَىْ} [ سبإ : 16 ] وقال : {تؤتى أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا} [ إبراهيم : 25 ] ، وقرأ نافع وابن كثير وأبو عمرو وأبو جعفر ويعقوب \"أُكْلها\" بسكون الكاف ، وقرأه ابن عامر وحمزة وعاصم والكسائي وخلف بضم الكاف.\rوقوله : \"ضِعفين\" التثنية فيه لمجرد التكرير مثل لَبَّيْك أي آتت أكلها مضاعفاً على تفاوتها.\rوقوله : {فإن لم يُصبها وابل فطل} ، أي فإن لم يصبها مطر غزير كفاها مطر قليل فآتت أكلها دون الضعفين.","part":9,"page":56},{"id":3554,"text":"والمعنى أن الإنفاق لابتغاء مرضاة الله له ثواب عظيم ، وهو مع ذلك متفاوت على تفاوت مقدار الإخلاص في الابتغاء والتثبيت كما تتفاوت أحوال الجنات الزكية في مقدار زكائها ولكنها لا تخيب صاحبها. أ هـ {التحرير والتنوير حـ 3 صـ 52 ـ 53}\rقال الآلوسى : \r{فَإِن لَّمْ يُصِبْهَا وَابِلٌ فَطَلٌّ} أي فيصيبها ، أو فالذي يصيبها طل أو فطل يكفيها ، والمراد أن خيرها لا يخلف على كل حال لجودتها وكرم منبتها ولطافة هوائها والطل الرذاذ من المطر وهو اللين منه.\rوحاصل هذا التشبيه أن نفقات هؤلاء زاكية عند الله تعالى لا تضيع بحال وإن كانت تتفاوت بحسب تفاوت ما يقارنها من الإخلاص والتعب وحب المال والإيصال إلى الأحوج التقي وغير ذلك ، فهناك تشبيه حال النفقة النامية لابتغاء مرضاة الله تعالى الزاكية عن الأدناس لأنها للتثبيت الناشىء عن ينبوع الصدق والإخلاص بحال جنة نامية زاكية بسبب الربوة وأحد الأمرين الوابل ، والطل ، والجامع النمو المقرون بالزكاء على الوجه الأتم ، وهذا من التشبيه المركب العقلي ولك أن تعتبر تشبيه حال أولئك عند الله تعالى بالجنة على الربوة ونفقتهم القليلة والكثيرة بالوابل والطل ؛ فكما أن كل واحد من المطرين يضعف أكل تلك الجنة فكذلك نفقتهم جلت أو قلت بعد أن يطلب بها وجه الله تعالى زاكية زائدة في زلفاهم وحسن حالهم عند ربهم جل شأنه كذا قيل : وهو محتمل لأن يكون التشبيه حينئذٍ من المفرق ويحتمل أن يكون من المركب والكلام مساق للإرشاد إلى انتزاع وجه الشبه وطريق التركيب ، والفرق إذ ذاك بأن الحال للنفقة في الأول وللمنفق في الثاني.\rوالحاصل أن حالهم في إنتاج القل والكثر منهم الأضعاف لأجورهم كحال الجنة في إنتاج الوابل والطل الواصلين إليها الإضعاف لأثمارها ، واختار بعضهم الأول ، وأبى آخرون الثاني فافهم. أ هـ {روح المعانى حـ 3 صـ 36}\rوقال السعدى : ","part":9,"page":57},{"id":3555,"text":"{فإن لم يصبها وابل فطل} أي : مطر قليل يكفيها لطيب منبتها ، فهذه حالة المنفقين أهل النفقات الكثيرة والقليلة كل على حسب حاله ، وكل ينمى له ما أنفق أتم تنمية وأكملها والمنمي لها هو الذي أرحم بك من نفسك ، الذي يريد مصلحتك حيث لا تريدها ، فيالله لو قدر وجود بستان في هذه الدار بهذه الصفة لأسرعت إليه الهمم وتزاحم عليه كل أحد ، ولحصل الاقتتال عنده ، مع انقضاء هذه الدار وفنائها وكثرة آفاتها وشدة نصبها وعنائها ، وهذا الثواب الذي ذكره الله كأن المؤمن ينظر إليه بعين بصيرة الإيمان ، دائم مستمر فيه أنواع المسرات والفرحات ، ومع هذا تجد النفوس عنه راقدة ، والعزائم عن طلبه خامدة ، أترى ذلك زهدا في الآخرة ونعيمها ، أم ضعف إيمان بوعد الله ورجاء ثوابه ؟! وإلا فلو تيقن العبد ذلك حق اليقين وباشر الإيمان به بشاشة قلبه لانبعثت من قلبه مزعجات الشوق إليه ، وتوجهت همم عزائمه إليه ، وطوعت نفسه له بكثرة النفقات رجاء المثوبات ، ولهذا قال تعالى : {والله بما تعملون بصير} فيعلم عمل كل عامل ومصدر ذلك العمل ، فيجازيه عليه أتم الجزاء. أ هـ {تفسير السعدى صـ 114}\rفائدة\rقال أبو حيان : \rقال زيد بن أسلم : المضروب به المثل أرض مصر ، إن لم يصبها مطر زكت ، وإن أصابها مطر أضعفت.\rقال الزمخشري : مثل حالهم عند الله بالجنة على الربوة ، ونفقتهم الكثيرة والقليلة بالوابل والطل ، فكما أن كل واحد من المطرين يضعف أكل الجنة ، فكذلك نفقتهم كثيرة ، كانت أو قليلة ، بعد أن يطلب بها وجه الله ويبذل فيها الوسع ، زاكية عند الله ، زائدة في زلفاهم وحسن حالهم عنده.\rانتهى كلامه.\rوقال الماوردي قريباً من كلام الزمخشري ، قال : أراد بضرب هذا المثل أن كثير البر مثل زرع المطر ، كثير النفع ، وقليل البر مثل زرع الطل ، قليل النفع.\rفلا يدع قليل البر إذا لم يفعل كثيره ، كما لا يدع زرع الطل إذا لم يقدر على زرع المطر.\rانتهى كلامه.","part":9,"page":58},{"id":3556,"text":"وقال ابن عطية : شبه نموّ نفقات هؤلاء المخلصين الذين يربي الله صدقاتهم كتربية الفصيل والفلو ، بنموّ نبات هذه الجنة بالربوة الموصوفة ، بخلاف الصفوان الذي انكشف عنه ترابه فبقي صلداً.\rوقال ابن الجوزي : معنى الآية أن صاحب هذه الجنة لا يخيب فإنها إن أصابها الطل حسنت ، وإن أصابها الوابل أضعفت ، فكذلك نفقة المؤمن المخلص. انتهى. أ هـ {البحر المحيط حـ 2 صـ 325}\rقوله تعالى {والله بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ}\rقال الفخر\rالمراد من البصير العليم ، أي هو تعالى عالم بكمية النفقات وكيفيتها ، والأمور الباعثة عليها ، وأنه تعالى مجاز بها إن خيراً فخير وإن شراً فشر. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 7 صـ 51}\rوقال أبو حيان : \r{والله بما تعملون بصير} قرأ الزهري ، بالياء ، فظاهره أن الضمير يعود على المنافقين ، ويحتمل أن يكون عاماً فلا يختص بالمنافقين ، بل يعود على الناس أجمعين.\rوقرأ الجمهور بالتاء ، على الخطاب ، وفيه التفات.\rوالمعنى : أنه تعالى لا يخفى عليه شيء من الأعمال والمقاصد من رياء وإخلاص ، وفيه وعد ووعيد. أ هـ {البحر المحيط حـ 2 صـ 326}\rوقال الآلوسى : \rفي الجملة ترغيب للأوّل ، وترهيب للثاني مع ما فيها من الإشارة إلى الحط على الأخير حيث قصد بعمله رؤية من لا تغني رؤيته شيئاً وترك وجه البصير الحقيقي الذي تغني وتفقر رؤيته عز شأنه. أ هـ {روح المعانى حـ 3 صـ 37}\rمن لطائف الإمام القشيرى فى الآية","part":9,"page":59},{"id":3557,"text":"هذه آيات كثيرة ذكرها الله تعالى على جهة ضرب المثل للمخلص والمنافق : لمن أنفق في سبيل الله ، ولمن أنفق ماله في الباطل ؛ فهؤلاء يحصل لهم الشرف والخلف ، وهؤلاء لا يحصل لهم في الحال إلا الردّ ، وفي المآل إلا التلف. وهؤلاء ظلَّ سعيهم مشكوراً ، وهؤلاء يدعون ثبوراً ويَصْلَوْنَ سعيراً. هؤلاء تزكو أعمالهم وتنمو أموالهم وتعلو عند الله أحوالهم وتكون الوصلة مآلهم ، وهؤلاء حَبِطَتْ أعمالهم وخسرت أحوالهم وختم بالسوء آمالهم ويضاعف عليهم وَبالهم.\rويقال مَثَلُ هؤلاء كالذي أنبت زرعاً فزكا أصله ونما فصله ، وعلا فَرْعُه وكثر نَفْعُه. ومَثَلُ هؤلاء كالذي خسرت صفقته وسرقت بضاعته وضاعت - على كبره - حيلته وتواترت من كل وجهٍ وفي كل وقت محنته... هل يستويان مثلاً ؟ هل يتقاربان شَبَها ؟ . أ هـ {لطائف الإشارات حـ 1 صـ 205 ـ 206}\rمن فوائد ابن عرفة فى الآية\r( قوله تعالى ) : {وَمَثَلُ الذين يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمُ ابتغآء مَرْضَاتِ الله . . .}.\rتأوله المفسرون إمّا على الإضمار في الثاني أي كمثل غارس جنة بربوة أو على الإضمار في الأول أي ومثل إنفاق الذين ينفقون أموالهم.\rقال ابن عرفة : والظاهر أن يكون التقدير ومثل مال الذين ينفقون أموالهم فالمال هو الذي يُشبه \" جَنَّة بِرَبْوَةٍ \" وَ \" تَثْبِيتا مِنْ أَنفُسِهِمْ \".\rقال ابن عطية : \" ابْتِغَاءَ \" مفعول من أجله فكيف عطف عليه \" تثبيتا \" مع أنّ التثبيت سبب في \" ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللهِ \" ومتقدم عليه فهو علة فيه.\rوأجيب بأنّه علة غائبة فذكره أبو حيان.\rقوله تعالى : {فَآتَتْ أُكُلَهَا ضِعْفَيْنِ . . .}.\rقال المفسرون : الضعف هو المثل ، أي آتت أُكلها المعهود على مرتين أعني آتته وآتت مثله معه.\rقال ابن عرفة : ووقع في ابن الحاجب ما نصه : ولو أوصى بضعف نصيب ابنه فلا نص.\rفقيل مثله وقيل مثليه.\rابن عرفة : فعلى هذا الخلاف يكون المعنى فأتت أكلها أربع مرات وعلى القول الآخر ( يكون ) كما قال المفسرون.\rقوله تعالى : {فَإِن لَّمْ يُصِبْهَا وَابِلٌ . . .}.\rقال المفسرون : إن أصابها الوابل تؤتي أكلها مرتين وإن أصابها الطلّ فقط تؤتي أكلها مرة واحدة.\rابن عرفة : ولا يمتنع أن يراد أنها تؤتي أكلها مرتين سواء أصابها وابل أو طلّ ويكون ذلك مدحا فيها وتأكيدا في أوصاف حسنها. أ هـ {تفسير ابن عرفة صـ 344}","part":9,"page":60},{"id":3558,"text":"بحث نفيس للعلامة ابن القيم فى الآية\rقال عليه الرحمة : \rقوله تعالى {ومثل الذين ينفقون أموالهم ابتغاء مرضات الله وتثبيتا من أنفسهم كمثل جنة بربوة أصابها وابل فآتت أكلها ضعفين فإن لم يصبها وابل فطل والله بما تعملون بصير}\rهذا مثل الذي مصدر نفقته عن الإخلاص والصدق فإن ابتغاء مرضاته سبحانه هو الإخلاص والتثبيت من النفس هو الصدق في البذل فإن المنفق يعترضه عند إنفاقه آفتان إن نجا منهما كان مثله ما ذكره في هذه الآية إحداهما طلبه بنفقته محمدة أو ثناء أو غرضا من أغراضه الدنيوية وهذا حال أكثر المنفقين والآفة الثانية ضعف نفسه وتقاعسها وترددها هل يفعل أم لا\rفالآفة الأولى تزول بابتغاء مرضاة الله","part":9,"page":61},{"id":3559,"text":"والآفة الثانية تزول بالتثبيت فإن تثبيت النفس تشجيعها وتقويتها والإقدام بها على البذل وهذا هو صدقها وطلب مرضاة الله إرادة وجهه وحده وهذا إخلاصها فإذا كان مصدر الإنفاق عن ذلك كان مثله كجنة وهي البستان الكثير الأشجار فهو مجتن بها أي مستتر ليس قاعا فارغا والجنة بربوة وهو المكان المرتفع فإنها أكمل من الجنة التي بالوهاد والحضيض لأنها إذا ارتفعت كانت بدرجة الأهوية والرياح وكانت ضاحية للشمس وقت طلوعها واستوائها وغروبها فكانت أنضج ثمرا وأطيبه وأحسنه وأكثره فإن الثمار تزداد طيبا وزكاء بالرياح والشمس بخلاف الثمار التي تنشأ في الظلال وإذا كانت الجنة بمكان مرتفع لم يخش عليها إلا من قلة الماء والشراب فقال تعالى {أصابها وابل} وهو المطر الشديد العظيم القدر فأدت ثمرتها وأعطت بركتها فأخرجت ضعفي ما يثمر غيرها أو ضعفي ما كانت تثمر بسبب ذلك الوابل فهذا حال السابقين المقربين {فإن لم يصبها وابل فطل} فهو دون الوابل فهو يكفيها لكرم منبتها وطيب مغرسها فتكتفي في إخراج بركتها بالطل وهذا حال الأبرار المقتصدين في النفقة وهم درجات عند الله فأصحاب الوابل أعلاهم درجة وهم الذين ينفقون أموالهم بالليل والنهار سرا وعلانية ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة وأصحاب الطل مقتصدوهم فمثل حال القسمين وأعمالهم بالجنة على الربوة ونفقتهم الكثيرة بالوابل والطل\rوكما أن كل واحد من المطرين يوجب زكاء ثمر الجنة ونحوه بالأضعاف فكذلك نفقتهم كثيرة كانت أو قليلة بعد أن صدرت عن ابتغاء مرضاة الله والتثبيت من نفوسهم فهي زاكية عند الله نامية مضاعفة","part":9,"page":62},{"id":3560,"text":"واختلف في الضعفين فقيل ضعفا الشيء مثلاه زائدا عليه وضعفه مثله وقيل ضعفه مثلاه وضعفاه ثلاثة أمثاله وثلاثة أضعافه أربعة أمثاله كلما زاد ضعفا زاد مثلا والذي حمل هذا القائل ذلك فراره من استواء دلالة المفرد والتثنية فإنه رأى ضعف الشيء هو مثله الزائد عليه فإذا زاد إلى المثل صار مثلين وهما الضعف فلو قيل لها ضعفان لم يكن فرق بين المفرد والمثنى فالضعفان عنده مثلان مضافان إلى الأصل ويلزم من هذا أن يكون ثلاثة أضعاف ثلاثة أمثاله مضافة إلى الأصل ومثله وعليه يدل قوله تعالى {فآتت أكلها ضعفين} أي مثلين وقوله تعالى {يضاعف لها العذاب ضعفين} أي مثلين ولهذا قال في الحسنات {نؤتها أجرها مرتين}\rوأما ما توهموه من استواء دلالة المفرد والتثنية فوهم منشؤه ظن أن الضعف هو المثل مع الأصل وليس كذلك ، بل المثل له اعتباران إن اعتبر وحده فهو ضعف وإن اعتبر مع نظيره فهما ضعفان والله أعلم\rواختلف في رافع قوله {فطل}\rفقيل هو مبتدأ خبره محذوف أي وطله يكفيها وقيل خبر مبتدأه محذوف فالذي يرويها ويصيبها طل والضمير في أصابها إما أن يرجع إلى الجنة أو إلى الربوة وهما متلازمان. أ هـ {طريق الهجرتين صـ 546 ـ 548}","part":9,"page":63},{"id":3561,"text":"بحث علمى فى الإعجاز العلمى للقرآن فى الآية الكريمة بقلم الأستاذ الدكتور / زغلول النجار ـ حفظه الله}\rفي تعبير القرآن الكريم بكلمة ربوة وهي الأرض الخصبة المرتفعة إشارة إلي ما كشفه العلم الحديث لأنه بارتفاعها تبعد عن المياه الجوفية ليغوص المجموع الجذري في التربة من غير ماء يضره , ويتضاعف عدد الشعيرات الماصة لأكبر كمية من الغذاء للسيقان والمجموع الخضري فيتضاعف المحصول , وللوابل من الأمطار فائدة فوق التغذية أنه يذيب بعض المواد التي لا تحتاج إليها النباتات , ويغسلها من التربة لأن وجودها مما يعطل نمو النباتات , كما يغسلها من الآفات .\rثم قال : \rمن الدلالات العلمية للآية الكريمة\rمن الأمور المشاهدة أن سطح الأرض ليس تام الاستواء , فهناك القمم السامقة للسلاسل الجبلية , وهناك السفوح الهابطة , لتلك السلاسل حتي تصل إلي السهول المنبسطة والممتدة إلي ما فوق مستوي سطح البحر بقليل .\rوبين القمم السامقة والسهول المنبسطة نجد الروابي أو الربي ( جمع ربوة أو رابية ), والتلال جمع تل , والأكام ( جمع أكمة ) وهي النتوءات الأرضية المختلفة دون الربوة , ثم الهضاب ( جمع هضبة ) أو النجود ( جمع نجد ), ثم السهول ومن بعد السهول يأتي كل من المنخفضات الأرضية علي اليابسة , والمنخفضات البحرية ( المغمورة بماء البحار والمحيطات ),","part":9,"page":64},{"id":3562,"text":"ويرجع السبب في تباين تضاريس سطح الأرض إلي اختلاف التركيب الكيميائي والمعدني للصخور المكونة لها , وبالتالي إلي اختلاف كثافة تلك الصخور , وذلك لأن كتل الغلاف الصخري للأرض تطفو فوق نطاق من الصخور شبه المنصهرة يعرف باسم نطاق الضعف الأرضي يحكمها في ذلك قانون الطفو : تماما كما تطفو جبال الجليد في ماء المحيطات .\rويصل ارتفاع أعلي نقطة علي سطح الأرض ( وهي قمة جبل إفرست في سلسلة جبال الهمالايا ) إلي 8848 مترا فوق مستوي سطح البحر , بينما يقدر منسوب أخفض نقطة علي اليابسة ( وهي حوض البحر الميت ) بحوالي الأربعمائة متر تحت مستوي سطح البحر , ويقدر متوسط منسوب سطح اليابسة بحوالي 840 مترا\rفوق مستوي سطح البحر .\rوفي المقابل يصل أكثر أغوار المحيطات عمقا ( وهو غور ماريانا في قاع المحيط الهادي بالقرب من جزر الفلبين ) إلي أكثر قليلا من (11) كيلو مترا , بينما يصل متوسط أعماق المحيطات إلي حوالي الأربعة كيلو مترات (3729 إلي 4500 متر ) تحت مستوي سطح البحر .\rوهذا التباين في المناسيب وفر عددا هائلا من البيئات التي يتناسب كل منها مع أنواع محددة من صور الحياة , ومن ذلك أن أشجار الفاكهة والكستناء وأشجار الثمار بصفة عامة تجود في الهضاب والنجود والروابي دون الألف متر فوق مستوي سطح البحر , بينما يتوقف نمو الحبوب ودرنات البطاطس عند حوالي الألفي متر فوق مستوي سطح البحر (2160 مترا تقريبا ) ويصل الحد الأعلي لنمو الغابات إلي حوالي 2660 مترا فوق مستوي سطح البحر .\r","part":9,"page":65},{"id":3563,"text":"وتحديد بيئة الروابي للجنة المضروب بها المثل في الآية الكريمة التي نحن بصددها تحديد معجز لأن هذه البيئة هي أفضل البيئات المعروفة لنا لنمو أشجار الفاكهة ولنمو كل من أشجار الثمار الأخري كالزيتون واللوزيات والصنوبريات وغيرها وذلك لأن بيئة الروابي تتميز بلطف مناخها , ووفرة مائها , وزيادة فرص تعرضها لأشعة الشمس , ولأمطار السماء , ولرطوبة الجو , ولحركة الرياح , ولتجدد الهواء حولها , وكذلك فهي أنسب البيئات لنمو الأشجار بصفة عامة , ولنمو أشجار الثمار بصفة خاصة .\rفالروابي من أشكال سطح الأرض المستوية والمرتفعة فوق مستوي سطح البحر ارتفاعا متوسطا يتراوح بين الثلاثمائة والستمائة متر . لأنها دون الجبل وفوق التل , وعلي ذلك فإن ماء المطر لايغرقها مهما انهمر بغزارة لاندفاعه بالجاذبية إلي المستويات الأقل في منسوبها من الربوة في المنطقة المحيطة بها وذلك بعد تشبع تربتها وصخورها بالقدر اللازم من الماء المرطب لها والمخزون فيها . وضبط هذا المخزون المائي يساعد النبات علي القيام بجميع أنشطته الحيوية بكفاءة دون إغراق أو جفاف , وذلك لأن الجفاف يقضي علي النبات , كما أن الإغراق بالماء , أو الزيادة في مخزون الصخور والتربة منه يؤدي إلي تعفن جذوره وتعطنها وتحللها مما يؤدي كذلك إلي القضاء عليه .","part":9,"page":66},{"id":3564,"text":"وعند هطول المطر علي الربوة فإن كلا من تربتها وصخورها , والنباتات النامية عليها يأخذ كفايته من الماء بينما يفيض الزائد عن تلك الكفاية إلي المناسيب الأخفض حتي يصل إلي الأودية والسهول المحيطة بالربوة . ويساعد انضباط كمية المخزون المائي في تربة وصخور الربوة علي امتداد المجموع الجذري للنباتات بصفة عامة , وللأشجار منها بصفة خاصة إلي أبعاد أعمق في كل من التربة والصخور مما يضاعف من كمية العناصر والمركبات التي يتاح لجذور النبات الوصول إليها وامتصاصها مع عصارته الغذائية التي تستخلصها تلك الجذور من الأرض , كما يساعد علي زيادة تثبيت النباتات بالأرض ومقاومته لشدة هبوب الرياح , وغيرها من المتغيرات البيئية .\rومن مميزات بيئة الروابي أنها إذا نزلت بها الأمطار هاطلة تضاعف إنتاجها وإذا تضاءلت الرطوبة في الجو من حولها إلي الرذاذ أو الندي فقط فإنها تعطي ثمارها وافرة , لأن نباتات الربوة يمكنها الاستفادة بماء المطر مهما قل وبماء الندي الذي يتكثف من حولها بمعدلات أعلي من تكثفة في السهول أو في بطون الأودية المغلقة خاصة في المناطق الجافة .\rوعلي ذلك فإن إثمار كل من أشجار الفاكهة , وغيرها من أشجار الثمار الأخري كالزيتون واللوزيات والصنوبريات يجود بشكل ملحوظ في الروابي المرتفعة فوق مستوي سطح البحر عنها في السهول المنبسطة والأودية المغلقة , وذلك لأنها إذا أصابها المطر الغزير افادها ولم يضرها لسرعة انحسار مائه عنها بعد ريها ريا كافيا فتتحسن وتثمر ثمرا مضاعفا وإن لم يصبها هذا الوابل من المطر الغزير فإن الرذاذ الخفيف أو الندي المتكثف حولها يمكن أن يوفيها حاجتها من الماء فتستمر في الحياة وتؤتي أكلها بإذن الله .","part":9,"page":67},{"id":3565,"text":"هذا وقد شبهت الآية الكريمة المؤمنين الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله , ابتغاء مرضاته , وابتغاء التثبيت من أنفسهم ( مهما تكن إمكاناتهم المادية ) بالجنة من الأشجار المثمرة النامية علي الربوة المرتفعة تحت ظروف بيئية طيبة وفرت لها كل أسباب النماء والعطاء فأثمرت وأعطت بسخاء شديد إذا نزل عليها ماء المطر , وبسخاء أيضا إذا قل عليها المطر , فعطاؤها لايتوقف ولا ينقطع تحت مختلف الظروف وكذلك المؤمنون الذين ينطلقون من منطلق الإيمان الجازم بأن الله ( تعالي ) هو الرزاق ذو القوة المتين فيبذلون في سبيله سواء كثرت إمكاناتهم أو قلت , وذلك طلبا لمرضاته , وتثبيتا من أنفسهم لأن من وسائل تربية النفس الإنسانية إخراج المال في سبيل الله , وفي ذلك يقول ربنا ( تبارك وتعالي ) : \rومثل الذين ينفقون أموالهم ابتغاء مرضات الله وتثبيتا من أنفسهم كمثل جنة بربوة أصابها وابل فآتت أكلها ضعفين فإن لم يصبها وابل فطل والله بما تعملون بصير\r( البقرة : 265)\rوفي هذه الآية الكريمة إشارة واضحة إلي تفضيل زراعة أشجار الثمار في أراضي الروابي بصفة عامة , وهي أراض مسطحة مرتفعة , دون الجبل , وفوق التل ( يتراوح ارتفاعها بين ثلاثمائة وستمائة من الأمتار فوق مستوي سطح البحر ), وهذه حقيقة علمية أثبتتها التجارب علي مدي عقود متتالية , وورودها في كتاب الله الذي أنزل من قبل ألف وأربعمائة سنة علي نبي أمي ( صلي الله عليه وسلم ) في أمة كانت غالبيتها الساحقة من الأميين وكانت تعيش في صحراء جرداء قاحلة , لاتعرف الجنات ولا تعرف الأشجار المثمرة غير نخيل التمر وبعض الأعناب إلا في أماكن محدودة جدا منها , ومن هنا يأتي هذا الوصف القرآني شاهدا للقرآن الكريم بأنه كلام الله الخالق الذي أنزله بعلمه علي خاتم أنبيائه ورسله ( صلي الله عليه وسلم ).\rولكونه الرسالة الخاتمة فقد تعهد ربنا ( تبارك وتعالي ) بحفظه بنفس لغة وحيه ( اللغة\r","part":9,"page":68},{"id":3566,"text":"العربية ) فحفظه كلمة كلمة , وحرفا حرفا , من أية زيادة أو نقص , أو تبديل أو تغيير علي مدي يزيد علي الأربعة عشر قرنا وإلي أن يرث الله ( تعالي ) الأرض ومن عليها وذلك تحقيقا للوعد الإلهي الذي قال ( تعالي ) فيه : \rإنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون\r( الحجر : 9)\rفالحمد لله علي نعمة القرآن , والحمد لله علي نعمة الإسلام , والحمد لله الذي هدانا لهذا وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله , والحمد لله في الآخرة والأولي والصلاة والسلام علي خاتم الأنبياء والمرسلين , وعلي آله وصحبه , ومن تبع هداه , ودعا بدعوته إلي يوم الدين. أ هـ {بحث فى الإعجاز العلمى للقرآن / بقلم الأستاذ الدكتور / زغلول النجار ـ حفظه الله}","part":9,"page":69},{"id":3567,"text":"قوله تعالى : {أَيَوَدُّ أَحَدُكُمْ أَنْ تَكُونَ لَهُ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنَابٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ لَهُ فِيهَا مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ وَأَصَابَهُ الْكِبَرُ وَلَهُ ذُرِّيَّةٌ ضُعَفَاءُ فَأَصَابَهَا إِعْصَارٌ فِيهِ نَارٌ فَاحْتَرَقَتْ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآَيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ (266)}\rمناسبة الآية لما قبلها\rقال البقاعى : \rولما قدم سبحانه وتعالى أن المن مبطل للصدقة ومثله بالرياء وضرب لهما مثلاً ورغب في الخالص وختم ذلك بما يصلح للترهيب من المن والرياء رجع إليهما دلالة على الاهتمام بهما فضرب لهما مثلاً أوضح من السالف وأشد في التنفير عنهما والبعد منهما فقال {أيود أحدكم}\rوقال الحرالي : ولما تراجع خبر الإنفاقين ومقابلهما تراجعت أمثالها فضرب لمن ينفق مقابلاً لمن يبتغي مرضاة الله تعالى مثلاً بالجنة المخلفة ، انتهى.\rفقال - منكراً على من يبطل عمله كأهل مثل الصفوان بعد كشف الحال بضرب هذه الأمثال : {أيود أحدكم} أي يحب حباً شديداً {أن تكون له جنة} أي حديقة تستر داخلها وعين هنا ما أبهمه في المثل الأول فقال : {من نخيل} جمع نخلة وهي الشجرة القائمة على ساق الحية من أعلاها أشبه الشجر بالآدمي ، \rثابت ورقها ، \rمغذ مؤدم ثمرها ، \rفي كليتها نفعها حتى في خشبها طعام للآدمي بخلاف سائر الشجر ، \rمثلها كمثل المؤمن الذي ينتفع به كله {وأعناب} جمع عنب وهو شجر متكرم لا يختص ذهابة بجهة العلو اختصاص النخلة بل يتفرع علواً وسفلاً ويمنة ويسرة ، \rمثله مثل المؤمن المتقي الذي يكرم بتقواه في كل جهة - قاله الحرالي.\rولما كانت الجنان لا تقوم وتدومها إلا بالماء قال : {تجري من تحتها الأنهار} أي لكرم أرضها.\rوقال الحرالي : وفي إشعاره تكلف ذلك فيها بخلاف الأولى التي هي بعل فإن الجائحة في السقي أشد على المالك منها في البعل لقلة الكلفة في البعل ولشدة الكلف في السقي - انتهى.","part":9,"page":70},{"id":3568,"text":"ولما وصفها بكثرة الماء ذكر نتيجة ذلك فقال : {له فيها من كل الثمرات} أي مع النخل والعنب.\rولما ذكر كرمها ذكر شدة الحاجة إليها فقال : {وأصابه} أي والحال أنه أصابه {الكبر} فصار لا يقدر على اكتساب {وله ذرية ضعفاء} بالصغر كما ضعف هو بالكبر {فأصابها} أي الجنة مرة من المرات {إعصار} أي ريح شديدة جداً.\rقال الحرالي : صيغة اشتداد بزيادة الهمزة والألف فيه من العصر وهو الشدة المخرجة لخبء الأشياء ، \rوالإعصار ريح شديدة في غيم يكون فيها حدة من برد الزمهرير ، \rوهو أحد قسمي النار ، \rنظيره من السعير السموم.\rوقال الأصفهاني : ريح تستدير في الأرض ثم تسطع نحو السماء كالعمود {فيه نار ، \rفاحترقت} تلك الجنة وبقي صاحبها بمضيعة مع ضعفه وثقل ظهره بالعيال وقلة المال.\rقال الحرالي : من الاحتراق وهو ذهاب روح الشيء وصورته ذهاباً وحياً بإصابة قاصف لطيف يشيع في كليته فيذهبه ويفنيه ؛ فجعل المثل الأول في الحب أي الذي على الصفوان لآفة من تحته.\rوجعل المثل في الجنة بجائحة من فوقه كأنهما جهتا طرو العلل والآفات من جهة أصل أو فرع - انتهى.\rفحال من رأى في أعماله أو آذى في صدقة ماله في يوم القيامة وأهواله كحال هذا في نفسه وعياله عند خيبة آماله ، \rوروى البخاري رضي الله تعالى عنه في التفسير عن عبيد بن عمير قال قال عمر رضي الله تعالى عنه لأصحاب النبي صلى الله عليه وسلم : \" فيم ترون هذه الآية نزلت {أيود أحدكم} إلى أن قال : قال ابن عباس رضي الله تعالى عنه : ضربت مثلاً لعمل ، \rقال عمر رضي الله تعالى عنه : أيّ عمل ؟ قال ابن عباس : لعمل ، \rقال عمر رضي الله تعالى عنه : لرجل غني يعمل بطاعة الله سبحانه وتعالى ثم بعث الله له الشيطان فعمل بالمعاصي حتى أغرق أعماله \".\r","part":9,"page":71},{"id":3569,"text":"ولما بين لهم هذا البيان الذي أبهت بلغاء الإنس والجان نبههم على تعظيمه لتبجيله وتكريمه بقوله مستأنفاً : {كذلك} أي مثل هذا البيان {يبين الله} أي الذي له الكمال كله {لكم الآيات} أي كلها {لعلكم تتفكرون} أي ليكون حالكم حال من يرجى أن يحمل نفسه على الفكر ، \rومن يكون كذلك ينتفع بفكره.\rوقال الحرالي : فتبنون الأمور على تثبيت ، \rلا خير في عبادة إلا بتفكر ، \rكما أن الباني لا بد أن يفكر في بنائه ، \rكما قال الحكيم : أول الفكرة آخر العمل وأول العمل آخر الفكرة ، \rكذلك من حق أعمال الدين أن لا تقع إلا بفكرة في إصلاح أوائلها السابقة وأواخرها اللاحقة ، \rفكانوا في ذلك صنفين بما يشعر به {لعلكم} مطابقين للمثل متفكر مضاعف حرثه وجنته وعامل بغير فكرة تستهويه أهواء نفسه فتلحقه الآفة في عمله في حرثه وجنته من سابقه أو لاحقه - انتهى. أ هـ {نظم الدرر حـ 1 صـ 519 ـ 521}","part":9,"page":72},{"id":3570,"text":"قال الفخر : \rاعلم أن هذا مثل آخر ذكره الله تعالى في حق من يتبع إنفاقه بالمن والأذى ، والمعنى أن يكون للإنسان جنّة في غاية الحسن والنهاية ، كثيرة النفع ، وكان الإنسان في غاية العجز عن الكسب وفي غاية شدة الحاجة ، وكما أن الإنسان كذلك فله ذرية أيضاً في غاية الحاجة ، وفي غاية العجز ، ولا شك أن كونه محتاجاً أو عاجزاً مظنة الشدة والمحنة ، وتعلق جمع من المحتاجين العاجزين به زيادة محنة على محنة ، فإذا أصبح الإنسان وشاهد تلك الجنة محرقة بالكلية ، فانظر كم يكون في قلبه من الغم والحسرة ، والمحنة والبلية تارة بسبب أنه ضاع مثل ذلك المملوك الشريف النفيس ، وثانياً : بسبب أنه بقي في الحاجة والشدة مع العجز عن الاكتساب واليأس عن أن يدفع إليه أحد شيئاً ، وثالثاً : بسبب تعلق غيره به ، ومطالبتهم إياه بوجوه النفقة ، فكذلك من أنفق لأجل الله ، كان ذلك نظيراً للجنة المذكورة وهو يوم القيامة ، كذلك الشخص العاجز الذي يكون كل اعتماده في وجوه الانتفاع على تلك الجنة ، وأما إذا أعقب إنفاقه بالمن أو بالأذى كان ذلك كالإعصار الذي يحرق تلك الجنّة ، ويعقب الحسرة والحيرة والندامة فكذا هذا المال المؤذي إذا قدم يوم القيامة ، وكان في غاية الاحتياج إلى الانتفاع بثواب عمله ، لم يجد هناك شيئاً فيبقى لا محالة في أعظم غم ، وفي أكمل حسرة وحيرة ، وهذا المثل في غاية الحسن ، ونهاية الكمال. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 7 صـ 51 ـ 52}\rوقال البيضاوى : \rالمعنى تمثيل حال من يفعل الأفعال الحسنة ويضم إليها ما يحبطها كرياء وإيذاء في الحسرة والأسف ، فإذا كان يوم القيامة واشتدت حاجته إليها وجدها محبطة بحال من هذا شأنه ، وأشبههم به من جال بسره في عالم الملكوت ، وترقى بفكره إلى جناب الجبروت ، ثم نكص على عقبيه إلى عالم الزور والتفت إلى ما سوى الحق وجعل سعيه هباء منثوراً. أ هـ {تفسير البيضاوى حـ 1 صـ 568}","part":9,"page":73},{"id":3571,"text":"وقال القرطبى : \rحكى الطبريّ عن السدي أن هذه الآية مَثَلٌ آخر لنفقة الرياء ، ورجح هو هذا القول.\rقلت وروي عن ابن عباس أيضاً قال : هذا مثل ضَرَبَهُ الله للمرائين بالأعمال يبطلها يوم القيامة أحوج ما كان إليها ، كمثل رجل كانت له جنة وله أطفال لا ينفعونه فكبِر وأصاب الجنة إعصار أي ريح عاصف فيه نار فاحترقت ففقدها أحوج ما كان إليها.\rوحُكي عن ابن زيد أنه قرأ قول الله تعالى : {ياأيها الذين آمَنُواْ لاَ تُبْطِلُواْ صَدَقَاتِكُم بالمن والأذى} الآية ، قال ؛ ثم ضرب في ذلك مثلاً فقال : {أَيَوَدُّ أَحَدُكُمْ} الآية.\rقال ابن عطية : وهذا أبين من الذي رجّح الطبريّ ، وليست هذه الآية بِمَثَلٍ آخر لنفقة الرياء ؛ هذا هو مقتضى سياق الكلام.\rوأما بالمعنى في غير هذا السياق فتشبه حال كل منافق أو كافر عمل عملاً وهو يحسب أنه يحسن صنعاً فلما جاء إلى وقت الحاجة لم يجد شيئاً.\rقلت : قد روي عن ابن عباس أنها مَثَلٌ لمن عمل لغير الله من منافق وكافر على ما يأتي ، إلاَّ أن الذي ثبت في البخاريّ عنه خلاف هذا.\rخرج البخاري عن عُبيد بن عُمير قال : قال عمر بن الخطاب يوماً لأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم : فيم ترون هذه الآية نزلت : {أَيَوَدُّ أَحَدُكُمْ أَن تَكُونَ لَهُ جَنَّةٌ مِّن نَّخِيلٍ وَأَعْنَابٍ} ؟ قالوا : الله ورسوله أعلم ؛ فغضب عمر وقال : قولوا : نعلم أو لا نعلم! فقال ابن عباس : في نفسي منها شيء يا أمير المؤمنين ؛ قال : يابن أخي قل ولا تحقر نفسك ؛ قال ابن عباس : ضربت مثلاً لعملٍ.\rقال عمر : أي عمل ؟ قال ابن عباس : لعملِ رجل غنيِّ يعمل بطاعة الله ثم بعث الله عزّ وجلّ له الشيطان فعمل في المعاصي حتى أحرق عمله.\rفي رواية : فإذا فنِي عمره واقترب أجله ختم ذلك بعمل من أعمال الشقاء ؛ فرضى ذلك عمر.\rوروى ابن أبي مُليكة أن عمر تلا هذه الآية.","part":9,"page":74},{"id":3572,"text":"وقال : هذا مَثلٌ ضُرب للإنسان يعمل عملاً صالحاً حتى إذا كان عند آخر عمره أحوج ما يكون إليه عمل عمل السوء.\rقال ابن عطية : فهذا نَظَرٌ يحمل الآية على كل ما يدخل تحت ألفاظها ؛ وبنحو ذلك قال مجاهد وقتادة والربيع وغيرهم. أ هـ {تفسير القرطبى حـ 3 صـ 318 ـ 319}\rقال ابن كثير : \rوفي هذا الحديث كفاية في تفسير هذه الآية ، وتبيين ما فيها من المثل بعمل من أحسن العمل أولا ثم بعد ذلك انعكس سيره ، فبدل الحسنات بالسيئات ، عياذًا بالله من ذلك ، فأبطل بعمله الثاني ما أسلفه فيما تقدم من الصالح ، واحتاج إلى شيء من الأول في أضيق الأحوال ، فلم يحصل له منه شيء ، وخانه أحوجَ ما كان إليه ، ولهذا قال تعالى : {وَلَهُ ذُرِّيَّةٌ ضُعَفَاءُ فَأَصَابَهَا إِعْصَارٌ} وهو الريح الشديد {فِيهِ نَارٌ فَاحْتَرَقَتْ} أي : أحرق ثمارَها وأباد أشجارها ، فأيّ حال يكون حاله.\rوقد روى ابن أبي حاتم ، من طريق العَوْفي ، عن ابن عباس قال : ضرب الله له مثلا حسنًا ، وكل أمثاله حسن ، قال : {أَيَوَدُّ أَحَدُكُمْ أَنْ تَكُونَ لَهُ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنَابٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأنْهَارُ لَهُ فِيهَا مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ} يقول : ضيّعَه في شيبته {وَأَصَابَهُ الْكِبَرُ} وولده وذريته ضعاف عند آخر عمره ، فجاءه إعصار فيه نار فأحرق بستانه ، فلم يكن عنده قوة أن يغرس مثله ، ولم يكن عند نسله خير يعودون به عليه ، وكذلك الكافر يوم القيامة ، إذ ردّ إلى الله عز وجل ، ليس له خير فيُسْتَعْتَب ، كما ليس لهذا قوة فيغرس مثل بستانه ، ولا يجده قدم لنفسه خيرا يعود عليه ، كما لم يُغْن عن هذا ولدُه ، وحُرم أجره عند أفقر ما كان إليه ، كما حرم هذا جنة الله عند أفقر ما كان إليها عند كبره وضعف ذريته.","part":9,"page":75},{"id":3573,"text":"وهكذا ، روى الحاكم في مستدركه : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقول في دعائه : \"اللهم اجعل أوسع رزقك علي عند كبر سني وانقضاء عمري\" {المستدرك (1/542) من طريق سعيد بن سليمان ، عن عيسى بن ميمون ، عن القاسم ، عن عائشة ، رضي الله عنها ، مرفوعا ، وقال الحاكم : \"هذا حديث حسن الإسناد والمتن غريب في الدعاء مستحب للمشايخ إلا أن عيسى بن ميمون لم يحتج به الشيخان\" قال الذهبي : قلت : \"عيسى متهم\"}.\rولهذا قال تعالى : {كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ} أي : تعتبرون وتفهمون الأمثال والمعاني ، وتنزلونها على المراد منها ، كما قال تعالى : {وَتِلْكَ الأمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلا الْعَالِمُونَ} [العنكبوت : 43]. أ هـ {تفسير ابن كثير حـ 1 صـ 696}\rفصل\rقال الفخر : \rالهمزة في {أَيَوَدُّ} استفهام لأجل الإنكار ، وإنما قال : {أَيَوَدُّ} ولم يقل أيريد لأنا ذكرنا أن المودة هي المحبة التامة ومعلوم أن محبة كل أحد لعدم هذه الحالة محبة كاملة تامة فلما كان الحاصل هو مودة عدم هذه الحالة ذكر هذا اللفظ في جانب الثبوت فقال : {أَيَوَدُّ أَحَدُكُمْ} حصول مثل هذه الحالة تنبيهاً على الإنكار التام ، والنفرة البالغة إلى الحد الذي لا مرتبة فوقه. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 7 صـ 52}\rقوله تعالى {جَنَّةٌ مّن نَّخِيلٍ وَأَعْنَابٍ}\rفوائد لغوية\rقال صاحب مجمع البيان : \rالجنة : البستان الكثير الشجر ، لأن الشجر يجنه بكثرته فيه. والنخيل : معروف. وقيل : إنه مأخوذ من نخل المنخل لاستخلاصه كاستخلاص اللباب بالنخل. والنخل : جمع نخلة ، وهي شجرة التمر ويذكر ويؤنث. قال الله سبحانه : (كأنهم أعجاز نخل خاوية) ، و(أعجاز نخل منقعر). والإنتخال : الإختيار. والتنخل : التخير. وأصل الباب : النخل للدقيق. والعنب : ثمر الكرم. ورجل عانب وعنب ، ورجل عناب : عظيم الأنف. أ هـ {مجمع البيان حـ 2 صـ 188}\rوقال الخطيب الشربينى : \r{من نخيل} جمع نخلة ، وهي الشجرة القائمة على ساق ، ثمرها من أعلاها في كلها نفع حتى في خشبها مثلها كمثل المؤمن الذي ينتفع به كله {وأعناب} جمع عنب وهو شجر الكرم لا يختص ثمره بجهة العلو اختصاص النخلة ، بل يتفرّع علواً وسفلاً ويمنة ويسرة ، مثله كمثل المؤمن المتّقي الذي يكرم بتقواه في كل جهة. أ هـ {السراج المنير حـ 1 صـ 281}\rفصل\rقال الفخر : \rاعلم أن الله تعالى وصف هذه الجنة بصفات ثلاث : \rالصفة الأول : كونها من نخيل وأعناب ، واعلم أن الجنة تكون محتوية على النخيل والأعناب ، ولا تكون الجنة من النخيل والأعناب إلا أن بسبب كثرة النخيل والأعناب ، صار كأن الجنة إنما تكون من النخيل والأعناب ، وإنما خص النخيل والأعناب بالذكر لأنهما أشرف الفواكه ولأنهما أحسن الفواكه مناظر حين تكون باقية على أشجارها.","part":9,"page":76},{"id":3574,"text":"والصفة الثانية : قوله {تَجْرِى مِن تَحْتِهَا الأنهار} ولا شك أن هذا سبب لزيادة الحسن في هذه الجنة.\rالصفة الثالثة : قوله {لَهُ فِيهَا مِن كُلّ الثمرات} ولا شك أن هذا يكون سبباً لكمال حال هذا البستان فهذه هي الصفات الثلاثة التي وصف الله تعالى هذه الجنة بها ، ولا شك أن هذه الجنة تكون في غاية الحسن ، لأنها مع هذه الصفات حسنة الرؤية والمنظر كثيرة النفع والريع ، ولا تمكن الزيادة في حسن الجنة على ذلك ، ثم إنه تعالى بعد ذلك شرع في بيان شدة حاجة المالك إلى هذه الجنة ، فقال : {وَأَصَابَهُ الكبر} وذلك لأنه إذا صار كبيراً ، وعجز عن الاكتساب كثرت جهات حاجاته في مطعمه ، وملبسه ، ومسكنه ، ومن يقوم بخدمته ، وتحصيل مصالحه ، فإذا تزايدت جهات الحاجات وتناقصت جهات الدخل والكسب ، إلا من تلك الجنة ، فحينئذ يكون في نهاية الاحتياج إلى تلك الجنة. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 7 صـ 52}\rفائدة\rقال الماوردى : \r{وَأَصَابَهُ الْكِبَرُ} لأن الكِبَر قد يُنسِي من سعى الشباب في كسبه ، فكان أضعف أملاً وأعظم حسرة.\r{وَلَهُ ذُرِّيَّةٌ ضُعَفَآءُ} لأنه على الضعفاء أحَنّ ، وإشفاقه عليهم أكثر. أ هـ {النكت والعيون حـ 1 صـ 341}\rقال الآلوسى : \r{أَن تَكُونَ لَهُ جَنَّةٌ} وقرىء جنات {مّن نَّخِيلٍ وَأَعْنَابٍ} أي كائنة من هذين الجنسين النفيسين على معنى أنهما الركن والأصل فيها لا على أن لا يكون فيها غيرهما ، والنخيل قيل : اسم جمع ، وقيل : جمع نخل وهو اسم جنس جمعي ، و( أعناب ) جمع عنبة ويقال عنباء فلا ينصرف لألف التأنيث الممدودة وحيث جاء في القرآن ذكر هذين الأمرين فإنما ينص على النخل دون ثمرتها وعلى ثمرة الكرم دون شجرتها ولعل ذلك لأن النخلة كلها منافع ونعمت العمات هي أصلها ثابت وفرعها في السماء تؤتي أكلها حين يأذن ربها ، وأعظم منافع الكرم ثمرته دون سائره. أ هـ {روح المعانى حـ 3 صـ 37}\rفائدة\rقال الفخر : ","part":9,"page":77},{"id":3575,"text":"فإن قيل : كيف عطف {وَأَصَابَهُ} على {أَيَوَدُّ} وكيف يجوز عطف الماضي على المستقبل.\rقلنا الجواب عنه من وجوه الأول : قال صاحب \"الكشاف\" {الواو} للحال لا للعطف ، ومعناه {أَيَوَدُّ أَحَدُكُمْ أَن تَكُونَ لَهُ جَنَّةٌ} حال ما أصابه الكبر ثم إنها تحرق.\rوالجواب الثاني : قال الفرّاء : وددت أن يكون كذا ووددت لو كان كذا فحمل العطف على المعنى ، كأنه قيل : أيود أحدكم إن كان له جنّة وأصابه الكبر.\rثم إنه تعالى زاد في بيان احتياج ذلك الإنسان إلى تلك الجنّة فقال : {وَلَهُ ذُرّيَّةٌ ضُعَفَاء} والمراد من ضعف الذرية : الضعف بسبب الصغر والطفولية ، فيصير المعنى أن ذلك الإنسان كان في غاية الضعف والحاجة إلى تلك الجنة بسبب الشيخوخة والكبر ، وله ذرية في غاية الضعف والحاجة بسبب الطفولية والصغر.\rثم قال تعالى : {فَأَصَابَهَا إِعْصَارٌ فِيهِ نَارٌ فاحترقت} والاعصار ريح ترتفع وتستدير نحو السماء /كأنها عمود ، وهي التي يسميها الناس الزوبعة ، وهي ريح في غاية الشدة ومنه قول شاعر : \rإن كنت ريحاً فقد لاقيت إعصارا.. والمقصود من هذا المثل بيان أنه يحصل في قلب هذا الإنسان من الغم والمحنة والحسرة والحيرة ما لا يعلمه إلا الله ، فكذلك من أتى بالأعمال الحسنة ، إلا أنه لا يقصد بها وجه الله ، بل يقرن بها أموراً تخرجها عن كونها موجبة للثواب ، فحين يقدم يوم القيامة وهو حينئذ في غاية الحاجة ونهاية العجز عن الاكتساب عظمت حسرته وتناهت حيرته ، ونظير هذه الآية قوله تعالى : {وَبَدَا لَهُمْ مّنَ الله مَا لَمْ يَكُونُواْ يَحْتَسِبُونَ} [ الزمر : 47 ] وقوله {وَقَدِمْنَا إلى مَا عَمِلُواْ مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَّنثُوراً} [ الفرقان : 23 ]. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 7 صـ 52 ـ 53}","part":9,"page":78},{"id":3576,"text":"وقال الثعلبى :\rوإنّما قال : {أَصَابَهُ} فردّ الماضي على المستقبل ؛ لأن العرب تلفظ توددت مرّة مع (لو) وهي الماضي فتقول : وددت لو ذهبتَ عنّا ،\rومرّة مع (أن) وهي للمستقبل فتقول : وددت أن تذهب عنّا ،\rو(لو) و(أن) مضارعان في معنى الجزاء ،\rألا ترى أنّ العرب فيما جمعت بين (لو) و(أن) قال الله تعالى : {وَمَا عَمِلَتْ مِن سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ} . الآية كما تجمع بين (ما) و(أن) وهما جحد.\rقال الشاعر\rما أنْ رأيت ولا سمعت بمثله\rكاليوم طالي أينق جرب\rفلما جاز ذلك صلح أن يقال : فعل بتأويل يفعل ويفعل بتأويل فعل ،\rوأن ينطق بـ (لو) عنها ما كان (أن) وب (أن) مكان (لو). أ هـ {الكشف والبيان حـ 2 صـ 265}\rفوائد لغوية\rالفرق بين الكبير والكثير أن الكثير مضمن بعدد ، وليس كذلك الكبير ، تقول : دار واحدة كبيرة ، ولا يجوز كثيرة.\rالفرق بين المودة والمحبة أن المودة قد تكون بمعنى التمني نحو قولك : أود لو قدم زيد ، بمعنى أتمنى لو قدم. ولا يجوز أحب لو قدم. أ هـ {مجمع البيان حـ 2 صـ 188}\rفائدة\rقال القرطبى :\rقوله تعالى : {فَأَصَابَهَآ إِعْصَارٌ فِيهِ نَارٌ فاحترقت} قال الحسن : \"إعْصَارٌ فِيهِ نَارٌ\" ريح فيها برد شديد.\rالزجاج : الإعصار في اللغة الريح الشديدة التي تَهُبّ من الأرض إلى السماء كالعمود ، وهي التي يُقال لها : الزوبعة.\rقال الجوهريّ : الزوبعة رئيس من رؤساء الجِن ؛ ومنه سُمِّيَ الإعصار زوبعة.\rويُقال : أُمّ زوبعة ، وهي ريح تُثير الغبار وترتفع إلى السماء كأنها عمود.\rوقيل : الإعصار ريح تثير سحاباً ذا رعد وبرق.\rالمَهْدَوِيّ : قيل لها إعصار لأنها تلتفّ كالثوب إذا عُصر.\rابن عطية : وهذا ضعيف.\rقلت : بل هو صحيح : لأنه المشاهد المحسوس ، فإنه يصعد عموداً مُلْتَفّاً.\rوقيل ؛ إنما قيل للريح إعصار ؛ لأنه يعصر السحاب ، والسحاب مُعْصِرات إمّا لأنها حوامل فهي كالمعصر من النساء.\rوإمّا لأنها تنعصر بالرياح.\rوحكى ابن سِيَده : أن المعصرات فسرها قوم بالرياح لا بالسحاب.\rابن زيد : الإعصار ريح عاصف وسَموم شديدة ؛ وكذلك قال السديّ ؛ الإعصار الريح والنار السَّموم.\rابن عباس : ريح فيها سموم شديدة.\rقال ابن عطية : ويكون ذلك في شدّة الحرّ ويكون في شدّة البرد ، وكل ذلك فَيْح جهنم ونفَسِها ؛ كما تضمن قول النبيّ صلى الله عليه وسلم : \" إذا اشتدّ الحرّ فأبردوا عن الصَّلاة فإن شدّة الحرّ من فَيْح جهنم. أ هـ {تفسير القرطبى حـ 3 صـ 319 ـ 320}","part":9,"page":79},{"id":3577,"text":"قال الآلوسى : \rوتذكير الضمير لاعتبار التذكير فيه وإنما سمي ذلك الهواء إعصاراً لأنه يلتف كما يلتف الثوب المعصور ، وقيل : لأنه يعصر السحاب أو يعصر الأجسام المار بها ، والتنوين في النار للتعظيم وروي عن ابن عباس أن الإعصار الريح الشديدة مطلقاً وأن المراد من النار السموم وذكر سبحانه الإعصار ووصفه بما ذكر ، ولم يقتصر على ذكر النار كأن يقال فأصابها نار {فاحترقت} لما في تلك الجملة من البلاغة ما فيها لمن دقق النظر ، والفعل المقرون بالفاء عطف على {أَصَابَهَا} وقيل : على محذوف معطوف عليه أي فأحرقها فاحترقت وهذا كما روي عن السدي تمثيل حال من ينفق ويضم إلى إنفاقه ما يحبطه في الحسرة والأسف إذا كان يوم القيامة واشتدت حاجته إلى ذلك ووجده هباءاً منثوراً بحال من هذا شأنه. أ هـ {روح المعانى حـ 3 صـ 38}\rلطيفة\rقال الحسن : \rهذا مثل قل والله من يعقله : شيخ كبير ضعف جسمه وكثر صبيانه ، أفقر ما كان إلى جنته ، وأن أحدكم والله أفقر ما يكون إلى عمله إذا انقطعت عنه الدنيا. أ هـ {البحر المحيط حـ 2 صـ 326}\rقوله تعالى {كذلك يُبيّنُ الله لَكُمُ الآيات لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ}\rقال القرطبى : \rيريد كي ترجعوا إلى عظمتي ورُبُوبِيتِّي ولا تتخذوا من دوني أولياء ، وقال ابن عباس أيضاً : تتفكرون في زوال الدنيا وفنائها وإقبال الآخرة وبقائها. أ هـ {تفسير القرطبى حـ 3 صـ 320}\rوقال الماوردى : \r{كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللهُ لَكُمُ الآْيَاتِ} يحتمل وجهين : \rأحدهما : يوضح لكم الدلائل.\rوالثاني : يضرب لكم الأمثال.\r{لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ} يحتمل وجهين : \rأحدهما : تعتبرون ، لأن المفكر معتبر.\rوالثاني : تهتدون ، لأن الهداية التَّفَكُّر. أ هـ {النكت والعيون حـ 1 صـ 341}\rمن فوائد ابن عرفة فى الآية\rقوله تعالى : {أَيَوَدُّ أَحَدُكُمْ . . .}.\rالهمزة للإنكار ، أي لا يودّ أحدكم أن تكون له جنّة هكذا! وهذا التشبيه لمن أبطل صدقته بالمن والأذى.","part":9,"page":80},{"id":3578,"text":"( قوله تعالى ) : {لَهُ فِيهَا مِن كُلِّ الثمرات . . .}.\rوقد قال : {مِّن نَّخِيلٍ وَأَعْنَابٍ} ، يعني أنّ معظمها النخيل والأعناب وفيها من كل الثمرات.\rقوله تعالى : {وَلَهُ ذُرِّيَّةٌ ضُعَفَآءُ . . .}.\rبيان لتمام الحاجة ( إلى ) ثمر الجنة أو هو احتراس لأن من بلغ الكبر يكفيه ذرية ينفقون عليه ولا يحتاج إلى أحد. أ هـ {تفسير ابن عرفة صـ 345}","part":9,"page":81},{"id":3579,"text":"فوائد لغوية\rقال ابن عادل :\rقوله تعالى : { مِّن نَّخِيلٍ } في محلِّ رفعٍ؛ صفةً لجنة ، أي : كائنة من نخيل. و\" نَخِيلٍ \" فيه قولان :\rأحدهما : أنه اسم جمع.\rوالثاني : أنه جمع \" نَخْل \" الذي هو اسم الجنسِ ، ونحوه : كلب وكَلِيب ، قال الراغب : \" سُمِّي بذلك؛ لأنه منخولُ الأشجارِ ، وصَفِيُّها؛ لأنه أكرمُ ما يَنْبُتُ \" وذكر له منافع وشبهاً من الآدميين.\rوالأعنابُ : جمع عِنَبَة ، ويقال : \" عِنَباء \" مثل \" سِيرَاء \" بالمدِّ ، فلا ينصرفُ. وحيثُ جاء في القرآن ذكرُ هذين ، فإنما يَنصُّ على النخلِ دون ثمرتها ، وعلى ثمرةِ الكَرْم دون الكَرْم؛ لأنَّ النخلَ كلَّه منافعُ ، وأعظمُ منافِع الكَرْم ثَمرَتهُ دونَ باقيه.\rقوله : { تَجْرِي مِن تَحْتِهَا } هذه الجملة في محلِّها وجهان :\rأحدهما : أنَّها في محلِّ رفعٍ؛ صفةً لجنة.\rوالثاني : أنها في محلِّ نصب ، وفيه أيضاً وجهان ، فقيل : على الحال من \" جنَّة \" ؛ لأنها قد وُصِفَتْ. وقيل : على أنها خبرُ [ تكون ] نقله مكيّ.\rقوله : { لَهُ فِيهَا مِن كُلِّ الثمرات } جملة من مبتدإٍ ، وخبرٍ ، فالخبر قوله : \" لَهُ \" و\" مِنْ \" كُلِّ الثَّمَراتِ \" هو المبتدأُ ، وذلك لا يستقيمُ على الظاهر ، إذ المبتدأُ لا يكونُ جارّاً ومجروراً؛ فلا بُدَّ من تأويله. واختلف في ذلك :\rفقيل : المبتدأ في الحقيقة محذوفٌ ، وهذا الجارُّ والمجرورُ صفةٌ قائمةٌ مقامه ، تقديره : \" له فيها رِزقٌ من كلِّ الثمراتِ ، أو فاكهةٌ مِنْ كلِّ الثمرات \" فحُذف الموصوفُ ، وبقيت صفتُه؛ ومثله قول النَّابغة : [ الوافر ]\rكَأَنَّكَ مِنْ جِمَالِ بَنِي أُقَيْشٍ... يُقَعْقَعُ خَلْفَ رِجْلَيْهِ بِشَنِّ\r","part":9,"page":82},{"id":3580,"text":"أي : جملٌ من جمالِ بني أُقَيْشٍ ، وقوله تعالى : { وَمَا مِنَّآ إِلاَّ لَهُ مَقَامٌ مَّعْلُومٌ } [ الصافات : 164 ] أي : وما مِنَّا أحدٌ إِلاَّ له مقامٌ.\rوقيل : \" مِنْ \" زائدةٌ تقديره : له فيها كلُّ الثمرات ، وذلك عند الأخفش؛ لأنه لا يَشْتَرِطُ في زيادتها شيئاً.\rوأمَّا الكُوفيُّون : فيشترطون التنكير ، والبصريون يَشْتَرطونه وعدم الإِيجاب ، وإذا قُلنا بالزيادة ، فالمرادُ بقوله : \" كُلِّ الثَّمَرَاتِ \" التكثيرُ لا العموم ، لأنَّ العُمومَ مُتعذِّرٌ.\rقال أبو البقاء : ولا يجوزُ أَنْ تكونَ \" مِنْ \" زائدةً ، لا على قولِ سيبويه ولا قولِ الأخفشِ؛ لأنَّ المعنى يصيرُ : له فيها كُل الثمراتِ ، وليسَ الأمرُ على هذا ، إلاَّ أَنْ يُرادَ به هنا الكثرة لا الاستيعاب ، فيجوزُ عند الأخفش؛ لأنه يُجَوِّزُ زيادةَ \" مِنْ \" في الواجب. أ هـ {تفسير ابن عادل حـ 4 صـ 401 }","part":9,"page":83},{"id":3581,"text":"بحث نفيس للعلامة ابن القيم فى الآية\rقال عليه الرحمة :\rقوله تعالى {أيود أحدكم} أخرجه مخرج الاستفهام الإنكاري وهو ! من النفي والنهي وألطف موقعا كما ترى غيرك يفعل فعلا قبيحا فتقول لا يفعل هذا عاقل لا يفعل هذا من يخاف الله والدار الآخرة وقال تعالى {أيود أحدكم} بلفظ الواحد لتضمنه معنى الإنكار العام كما تقول : أيفعل هذا أحد فيه خير وهو أبلغ في الإنكار من أن يقول أيودون\r: وقوله {أيود}أبلغ في الإنكار من لو قيل أيريد ؛ لأن محبة هذا الحال المذكورة وتمنيها أقبح وأنكر من مجرد إرادتها\rوقوله تعالى {أن تكون له جنة من نخيل وأعناب} خص هذين النوعين من الثمار بالذكر لأنهما أشرف أنواع الثمار وأكثرها نفعا فإن منهما القوت والغذاء والدواء والشراب والفاكهة والحلو والحامض ويؤكلان رطبا ويابسا منافعهما كثيرة جدا وقد اختلف في الأنفع والأفضل منهما فرجحت طائفة النخيل ورجحت طائفة العنب وذكرت كل طائفة حججا لقولها فذكرناها في غير هذا الموضع وفصل الخطاب أن هذا يختلف باختلاف البلاد فإن الله سبحانه وتعالى أجرى العادة بأن سلطان أحدهما لا يحل حيث يحل سلطان الآخر فالأرض التي يكون فيها سلطان النخيل لا يكون العنب بها طائلا ولا كثيرا لأنه إنما يخرج في الأرض الرخوة اللينة المعتدلة غير السبخة فينمو فيها ويكثر\rوأما النخيل فنموه وكثرته في الأرض الحارة السبخة وهي لا تناسب العنب فالنخل في أرضه وموضعه أنفع وأفضل من العنب فيها والعنب في أرضه ومعدنه أفضل من النخل فيها والله أعلم","part":9,"page":84},{"id":3582,"text":"والمقصود أن هذين النوعين هما أفضل أنواع الثمار وأكرمها فالجنة المشتملة عليهما من أفضل الجنان ومع هذا فالأنهار تجري تحت هذه الجنة وذلك أكمل لها وأعظم في قدرها ومع ذلك فلم تعدم شيئا من أنواع الثمار المشتهاة بل فيها من كل الثمرات ولكن معظمها ومقصودها النخيل والأعناب فلا تنافي بين كونها من نخيل وأعناب وفيها من كل الثمرات ونظير هذا قوله تعالى {واضرب لهم مثلا رجلين جعلنا لأحدهما جنتين من أعناب وحففناهما\rبنخل وجعلنا بينهما زرعا} إلى قوله تعالى {وكان له ثمر}\rوقد قيل إن الثمار هنا وفي آية البقرة 266 المراد بها المنافع والأموال والسياق يدل على أنها الثمار المعروفة لا غيرها لقوله هنا {له فيها من كل الثمرات} ثم قال تعالى {فأصابها أي الجنة إعصار فيه نار فاحترقت} وفي {وأحيط بثمره فأصبح يقلب كفيه على ما أنفق فيها وهي خاوية على عروشها} وما ذلك إلا ثمار الجنة\rثم قال تعالى {وأصابه الكبر}\rهذا إشارة إلى شدة حاجته إلى جنته وتعلق قلبه بها من وجوه\rأحدها أنه قد كبر سنه عن الكسب والتجارة ونحوها\rالثاني أن ابن آدم عند كبر سنه يشتد حرصه الثالث أن له ذرية فهو حريص على بقاء جنته لحاجته وحاجة ذريته\rالرابع أنهم ضعفاء فهم كل عليه لا ينفعونه بقوتهم وتصرفهم الخامس أن نفقتهم عليه لضعفهم وعجزهم وهذا نهاية ما يكون من تعلق القلب بهذه الجنة لخطرها في نفسها وشدة حاجته وذريته إليها فإذا تصورت هذه الحال وهذه الحاجة فكيف تكون مصيبة هذا الرجل إذا أصاب جنته إعصار وهي الريح التي تستدير في الأرض ثم ترتفع في طبقات الجو كالعمود وفيه نار مرت بتلك الجنة فأحرقتها وصيرتها رمادا\rفصدق والله الحسن هذا مثل قل من يعقله من الناس ولهذا نبه سبحانه وتعالى على عظم هذا المثل وحدا القلوب إلى التفكر فيه لشدة حاجتها إليه فقال تعالى {كذلك يبين الله لكم الآيات لعلكم تتفكرون} فلو فكر العاقل في هذا المثل وجعله قبلة قلبه لكفاه وشفاه.أ هـ {طريق الهجرتين صـ 548 ـ 550}","part":9,"page":85},{"id":3583,"text":"قوله تعالى : {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ وَلَسْتُمْ بِآَخِذِيهِ إِلَّا أَنْ تُغْمِضُوا فِيهِ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ (267)}\rمناسبة الآية لما قبلها\rقال البقاعى :\rولما رغب في الفعل وتخليصه عن الشوائب أتبعه المال المنفق منه فأمر بطيبه فقال : {يا أيها الذين آمنوا} أي أقروا بالإيمان {أنفقوا} أي تصديقاً لإيمانكم {من طيبات ما كسبتم} وإنما قدم الفعل لأنه ألصق بالإنسان وتطييبه أعم نفعاً ،\rولما ذكر ما أباحه سبحانه وتعالى من أرباح التجارات ونحوها أتبعه ما أباحه من منافع النباتات ونحوها منبهاً بذلك على أن كل ما يتقلب العباد فيه من أنفسهم وغيرها نعمة منه أنشأها من الأرض التي أبدعها من العدم ترغيباً في الجود به وفي جعله خياراً حلالاً وترهيباً من الشح به وجعله ديناً أو حراماً فقال : {ومما أخرجنا} أي بعظمتنا {لكم} نعمة منا عليكم {من الأرض} قال الحرالي : قدم خطاب المكتسبين بأعمالهم كأنهم المهاجرون وعطف عليهم المنفقين من الحرث والزرع كأنهم الأنصار - انتهى.\rولما أمر بذلك أكد الأمر به بالنهي عن ضده فقال : {ولا تيمموا} أي لا تتكلفوا أن تقصدوا {الخبيث منه} أي خاصة {تنفقون} قال الحرالي : الخبيث صيغة مبالغة بزيادة الياء من الخبث وهو ما ينافر حس النفس : ظاهره وباطنه ،\rفي مقابله ما يرتاح إليه من الطيب الذي ينبسط إليه ظاهراً وباطناً ،\rوقال : ففي إلاحته معنى حصر كأنهم لا ينفقون إلا منه ليتجاوز النهي من ينفق من طيبه وخبيثه على غير قصد اختصاص النفقة من الخبيث - انتهى.\rثم أوضح قباحة ذلك بقوله : {ولستم بآخذيه} أي إذا كان لكم على أحد حق فأعطاكموه {إلا أن تغمضوا} أي تسامحوا {فيه} بالحياء مع الكراهة.","part":9,"page":86},{"id":3584,"text":"قال الحرالي : من الإغماض وهو الإغضاء عن العيب فيما يستعمل ،\rأصله من الغمض وهي نومة تغشي الحس ثم تنقشع ،\rوقال : ولما كان الآخذ هو الله سبحانه وتعالى ختم بقوله : {واعلموا} انتهى.\rوعبر بالاسم الأعظم فقال : {أن الله} المستكمل لجميع صفات الكمال من الجلال والجمال {غني} يفضل على من أسلف خيراً رغبة فيما عنده وليست به حاجة تدعوه إلى أخذ الرديء ولا رغبكم في أصل الإنفاق لحاجة منه إلى شيء مما عندكم وإنما ذلك لطف منه بكم ليجري عليه الثواب والعقاب {حميد} يجازي المحسن أفضل الجزاء على أنه لم يزل محموداً ولا يزال عذب أو أثاب.\rقال الحرالي : وهي صيغة مبالغة بزيادة ياء من الحمد الذي هو سواء أمر الله الذي لا تفاوت فيه من جهة إبدائه وافق الأنفس أو خالفها. أ هـ {نظم الدرر حـ 1 صـ 521 ـ 522}\rقال ابن عاشور :\rقوله تعالى : {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ}\rإفضاء إلى المقصود وهو الأمرُ بالصدقات بعد أن قُدم بين يديه مواعظ وترغيبٌ وتحذير.\rوهي طريقة بلاغية في الخطابة والخِطاب.\rفربما قدموا المطلوب ثم جاؤوا بما يكسبه قبولاً عند السامعين ، وربما قدموا ما يكسب القبولَ قبل المقصود كما هنا.\rوهذا من ارتكاب خلاف مقتضى الظاهر في ترتيب الجُمل ، ونكتة ذلك أنّه قد شاع بين الناس الترغيب في الصدقة وتكرّر ذلك في نزول القرآن فصار غرضاً دينياً مشهوراً ، وكان الاهتمام بإيضاحه والترغيب في أحواله والتنفير من نقائصه أجدر بالبيان. أ هـ {التحرير والتنوير حـ 3 صـ 55}\rقال الفخر :\rاعلم أنه رغب في الإنفاق ، ثم بيّن أن الإنفاق على قسمين : منه ما يتبعه المن والأذى ، ومنه ما لا يتبعه ذلك.\rثم إنه تعالى شرح ما يتعلق بكل واحد من هذين القسمين ، وضرب لكل واحد منهما مثلا يكشف عن المعنى ويوضح المقصود منه على أبلغ الوجوه.","part":9,"page":87},{"id":3585,"text":"ثم إنه تعالى ذكر في هذه الآية أن المال الذي أمر بإنفاقه في سبيل الله كيف ينبغي أن يكون فقال : {أَنفِقُواْ مِن طيبات مَا كَسَبْتُمْ} واختلفوا في أن قوله {أَنفَقُواْ} المراد منه ماذا فقال الحسن : المراد منه الزكاة المفروضة وقال قوم : المراد منه التطوع وقال ثالث : إنه يتناول الفرض والنفل ، حجة من قال المراد منه الزكاة المفروضة أن قوله {أَنفَقُواْ} أمر وظاهر الأمر للوجوب والإنفاق الواجب ليس إلا الزكاة وسائر النفقات الواجبة ، حجة من قال المراد صدقة التطوع ما روي عن علي بن أبي طالب كرم الله وجهه والحسن ومجاهد : أنهم كانوا يتصدقون بشرار ثمارهم ورديء أموالهم فأنزل الله هذه الآية ، وعن ابن عباس رضي الله عنهما : جاء رجل ذات يوم بعِذْق حَشَف فوضعه في الصدقة فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : \" بئس ما صنع صاحب هذا \" فأنزل الله تعالى هذه الآية ، حجة من قال الفرض والنفل داخلان في هذه الآية أن المفهوم من الأمر ترجيح جانب الفعل على جانب الترك من غير أن يكون فيه بيان أنه يجوز الترك أو لا يجوز ، وهذا المفهوم قدر مشترك بين الفرض والنفل ، فوجب أن يكونا داخلين تحت الأمر. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 7 صـ 53 ـ 54}\rقال القرطبى :\rقوله تعالى : {ياأيها الذين آمنوا أَنْفِقُواْ} هذا خطاب لجميع أُمة محمد صلى الله عليه وسلم.\rواختلف العلماء في المعنى المراد بالإنفاق هنا ؛ فقال عليّ بن أبي طالب وعبيدة السلمانيّ وابن سيرين : هي الزكاة المفروضة ، نهى الناس عن إنفاق الرّدىء فيها بدل الجيّد.\rقال ابن عطية : والظاهر من قول البراء بن عازب والحسن وقتادة أن الآية في التطوّع ، ندبوا إلى ألاّ يتطوّعوا إلاَّ بمختار جيّد.","part":9,"page":88},{"id":3586,"text":"والآية تعم الوجهين ، لكن صاحب الزكاة تعلّق بأنها مأمور بها والأمر على الوجوب ، وبأنه نهى عن الردىء وذلك مخصوص بالفرض ، وأما التطوّع فكما للمرء أن يتطوّع بالقليل فكذلك له أن يتطوّع بنازل في القدر ، ودرهمٌ خير من تمرة.\rتمسك أصحاب النّدب بأن لفظة افْعَلْ صالح للنّدب صلاحيته للفرض ، والرّدىء منهيّ عنه في النفل كما هو منهيّ عنه في الفرض ، والله أحق من اختير له.\r\" وروى البراء : أن رجلاً علّق قُنْوَ حَشَفٍ ، فرآه رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : \"بئسما علّق\" فنزلت الآية \" ، خرّجه الترمذيّ وسيأتى بكماله.\rوالأمر على هذا القول على الندب ، ندبوا إلى ألاّ يتطوّعوا إلاَّ بجيّد مختار.\rوجمهور المتأوّلين قالوا : معنى \"مِنْ طَيِّبَاتِ\" من جيد ومختار \"مَا كَسَبْتُمْ\".\rوقال ابن زيد : من حلال \"مَا كَسَبْتُمْ\". أ هـ {تفسير القرطبى حـ 3 صـ 320 ـ 321}\rفصل\rقال الفخر :\rظاهر الآية يدل على وجوب الزكاة في كل مال يكتسبه الإنسان ، فيدخل فيه زكاة التجارة ، وزكاة الذهب والفضة ، وزكاة النَّعم ، لأن ذلك مما يوصف بأنه مكتسب ، ويدل على وجوب الزكاة في كل ما تنبته الأرض ، على ما هو قول أبي حنيفة رحمه الله ، واستدلاله بهذه الآية ظاهر جداً ، إلا أن مخالفيه خصصوا هذا العموم بقوله صلى الله عليه وسلم : \" ليس في الخضراوات صدقة \" وأيضاً مذهب أبي حنيفة أن إخراج الزكاة من كل ما أنبتته الأرض واجب قليلاً كان أو كثيراً وظاهر الآية يدل على قوله إلا أن مخالفيه خصصوا هذا العموم بقوله صلى الله عليه وسلم : \" ليس فيما دون خمسة أوسق صدقة \". أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 7 صـ 54}\rفصل في المراد بالطيب\rقال الفخر :\rاختلفوا في المراد بالطيب في هذه الآية على قولين :\rالقول الأول : أنه الجيد من المال دون الرديء ، فأطلق لفظ الطيب على الجيد على سبيل الاستعارة ، وعلى هذا التفسير فالمراد من الخبيث المذكور في هذه الآية الرديء.","part":9,"page":89},{"id":3587,"text":"والقول الثاني : وهو قول ابن مسعود ومجاهد : أن الطيب هو الحلال ، والخبيث هو الحرام حجة الأول وجوه :\rالحجة الأولى : إنا ذكرنا في سبب النزول أنهم يتصدقون برديء أموالهم فنزلت الآية وذلك يدل على أن المراد من الطيب الجيد.\rالحجة الثانية : أن المحرم لا يجوز أخذه لا بإغماض ولا بغير إغماض ، والآية تدل على أن الخبيث يجوز أخذه بالإغماض قال القفال رحمه الله : ويمكن أن يجاب عنه بأن المراد من الإغماض المسامحة وترك الاستقصاء ، فيكون المعنى : ولستم بآخذيه وأنتم تعلمون أنه محرم إلا أن ترخصوا لأنفسكم أخذ الحرام ، ولا تبالوا من أي وجه أخذتم المال ، أمن حلاله أو من حرامه.","part":9,"page":90},{"id":3588,"text":"الحجة الثالثة : أن هذا القول متأيد بقوله تعالى : {لَن تَنَالُواْ البر حتى تنفقوا مِمَّا تُحِبُّونَ} [ آل عمران : 92 ] وذلك يدل على أن المراد بالطيبات الأشياء النفيسة التي يستطاب ملكها ، لا الأشياء الخسيسة التي يجب على كل أحد دفعها عن نفسه وإخراجها عن بيته ، واحتج القاضي للقول الثاني فقال : أجمعنا على أن المراد من الطيب في هذه الآية إما الجيد وإما الحلال ، فإذا بطل الأول تعين الثاني ، وإنما قلنا إنه بطل الأول لأن المراد لو كان هو الجيد لكان ذلك أمراً بإنفاق مطلق الجيد سواء كان حراماً أو حلالاً وذلك غير جائز والتزام التخصيص خلاف الأصل ، فثبت أن المراد ليس هو الجيد بل الحلال ، ويمكن أن يذكر فيه قول ثالث وهو أن المراد من الطيب هاهنا ما يكون طيباً من كل الوجوه فيكون طيباً بمعنى الحلال ، ويكون طيباً بمعنى الجودة ، وليس لقائل أن يقول حمل اللفظ المشترك على مفهوميه لا يجوز لأنا نقول الحلال إنما سمي طيباً لأنه يستطيبه العقل والدين ، والجيد إنما يسمى طيباً لأنه يستطيبه الميل والشهوة ، فمعنى الاستطابة مفهوم واحد مشترك بين القسمين ، فكان اللفظ محمولاً عليه إذا أثبت أن المراد منه الجيد الحلال فنقول : الأموال الزكاتية إما أن تكون كلها شريفة أو كلها خسيسة أو تكون متوسطة أو تكون مختلطة ، فإن كان الكل شريفاً كان المأخوذ بحساب الزكاة كذلك ، وإن كان الكل خسيساً كان الزكاة أيضاً من ذلك الخسيس ولا يكون خلافاً للآية لأن المأخوذ في هذه الحالة لا يكون خسيساً من ذلك المال بل إن كان في المال جيد ورديء ، فحينئذ يقال للإنسان لا تجعل الزكاة من رديء مالك وأما إن كان المال مختلطاً فالواجب هو الوسط قال صلى الله عليه وسلم لمعاذ بن جبل حين بعثه إلى اليمن \" أعلمهم أن عليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم وترد إلى فقرائهم وإياك وكرائم أموالهم \" هذا كله إذا قلنا المراد من قوله {أَنفِقُواْ مِن طيبات مَا كَسَبْتُمْ}","part":9,"page":91},{"id":3589,"text":"الزكاة الواجبة ، أما على القول الثاني وهو أن يكون المراد منه صدقة التطوع ، أو قلنا المراد منه الإنفاق الواجب والتطوع ، فنقول : إن الله تعالى ندبهم إلى أن يتقربوا إليه بأفضل ما يملكونه ، كمن تقرب إلى السلطان الكبير بتحفة وهدية ، فإنه لا بد وأن تكون تلك التحفة أفضل ما في ملكه وأشرفها ، فكذا هاهنا. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 7 صـ 54 ـ 55}\rقال ابن عطية : قوله : {من طيبات} يحتمل أن لا يقصد به لا الحل ولا الجيد ، لكن يكون المعنى كأنه قال : أنفقوا مما كسبتم ، فهو حض على الإنفاق فقط ، ثم دخل ذكر الطيب تبييناً لصفة حسنه في المكسوب عاماً ، وتقريراً للنعمة.\rكما تقول : أطعمت فلاناً من مشبع الخبز ، وسقيته من مروي الماء ، والطيب على هذه الجهة يعم الجودة ، والحل ، ويؤيد هذا الاحتمال أن عبد الله بن مغفل قال : ليس في مال المؤمن من خبيث. أ هـ {المحرر الوجيز حـ 1 صـ 362}\rوقال ابن عاشور :\rالمراد بالطيّبات خيار الأموال ، فيطلق الطيِّب على الأحسن في صنفه.\rوالكَسب ما يناله المرء بسعيه كالتجارة والإجارة والغنيمة والصيد.\rويطلق الطيّب على المال المكتسب بوجه حلال لا يخالطه ظلم ولا غشّ ، وهو الطيّب عند الله كقول النبي صلى الله عليه وسلم \" من تصدق بصدقة من كسب طيّب ولا يقبل الله إلاّ طيّباً تلقّاها الرحمن بيمينه \" الحديث ، وفي الحديث الآخر : \" إنّ الله طيّب لا يقبل إلاّ طيّباً \".\rولم يذكر الطيّبات مع قوله : {ومما أخرجنا لكم من الأرض} اكتفاء عنه بتقدم ذكره في قسيمه ، ويظهر أنّ ذلك لم يقيّد بالطيّبات لأنّ قوله : {أخرجنا لكم} أشعر بأنّه مما اكتسبه المرء بعمله بالحرث والغرس ونحو ذلك ، لأنّ الأموال الخبيثة تحصل غالباً من ظُلم الناس أو التحيّل عليهم وغشّهم وذلك لا يتأتّى في الثمرات المستخرجة من الأرض غالباً. أ هـ {التحرير والتنوير حـ 3 صـ 56}\rقال ابن كثير :","part":9,"page":92},{"id":3590,"text":"قال ابن عباس : أمرهم بالإنفاق من أطيب المال وأجوده وأنفسه ، ونهاهم عن التصدق بِرُذَالَةِ المال ودَنيه -وهو خبيثه -فإن الله طَيْب لا يقبل إلا طيبًا ، ولهذا قال : {وَلا تَيَمَّمُوا} أي : تقصدوا {الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ وَلَسْتُمْ بِآخِذِيهِ} أي : لو أعطيتموه ما أخذتموه ، إلا أن تتغاضوا فيه ، فالله أغنى عنه منكم ، فلا تجعلوا لله ما تكرهون.\rوقيل : معناه : {وَلا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ} أي : لا تعدلوا عن المال الحلال ، وتقصدوا إلى الحرام ، فتجعلوا نفقتكم منه.\rويذكر هاهنا الحديث الذي رواه الإمام أحمد : حدثنا محمد بن عبيد ، حدثنا أبان بن إسحاق ، عن الصباح بن محمد ، عن مُرّة الهَمْداني ، عن عبد الله بن مسعود قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : \"إن الله قسم بينكم أخلاقكم ، كما قسم بينكم أرزاقكم ، وإن الله يعطي الدنيا من يحب ومن لا يحب ، ولا يعطي الدين إلا لمن أحبَّ ، فمن أعطاه الله الدين فقد أحبه ، والذي نفسي بيده ، لا يسلم عَبْدٌّ حتى يُسلِمَ قلبُه ولسانه ، ولا يؤمن حتى يأمن جارُه بوائقه\". قالوا : وما بوائقه يا نبي الله ؟ . قال : \"غَشَمُه وظلمه ، ولا يكسب عبد مالا من حرام فينفقَ منه فيباركَ له فيه ، ولا يتصدقُ به فيقبل منه ، ولا يتركه خلف ظهره إلا كان زاده إلى النار ، إن الله لا يمحو السيئ بالسيئ ، ولكن يمحو السيئ بالحسن ، إن الخبيث لا يمحو الخبيث\". {المسند (1/387).} والصحيح القول الأول. أ هـ {تفسير ابن كثير حـ 1 صـ 698}\rوقال فى روح البيان :\rذكر بعض الأفاضل أنه إنما فسر الطيب بالجيد دون الحلال لأن الحل استفيد من الأمر فإن الإنفاق من الحرام لا يؤمر به ولأن قوله تعالى بعده {ولا تيمموا الخبيث منه تنفقون} والخبيث هو الردئ المستخبث يدل على أن المعنى أنفقوا مما يستطاب من أكسابكم. أ هـ {روح البيان حـ 1 صـ 525}\rفائدة\rقال القرطبى :","part":9,"page":93},{"id":3591,"text":"الكسب يكون بتعب بدن وهي الإجارة وسيأتى حكمها ، أو مقاولة في تجارة وهو البيع وسيأتى بيانه.\rوالميراث داخل في هذا ؛ لأن غير الوارث قد كسبه.\rقال سهل بن عبد الله : وسئل ابن المبارك عن الرجل يريد أن يكتسب وينوي باكتسابه أن يصل به الرّحم وأن يجاهد ويعمل الخيرات ويدخلَ في آفات الكسب لهذا الشأن.\rقال : إن كان معه قَوام من العيش بمقدار ما يكفّ نفسه عن الناس فتركُ هذا أفضل ؛ لأنه إذا طلب حلالاً وأنفق في حلال سئل عنه وعن كسبه وعن إنفاقه ؛ وترك ذلك زهد فإن الزهد في ترك الحلال. أ هـ {تفسير القرطبى حـ 3 صـ 321}\rفائدة\rقال أبو حيان :\rقال الراغب : تخصيص المكتسب دون الموروث لأن الإنسان بما يكتسبه أضن به مما يرثه ، فأذن الموروث معقول من فحواه. انتهى. وهو حسن. أ هـ {البحر المحيط حـ 2 صـ 330}\rسؤال : ما الفائدة في كلمة {مِنْ} في قوله {وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُم مّنَ الأرض} ؟ .\rوجوابه : تقدير الآية : أنفقوا من طيبات ما كسبتم ، وأنفقوا من طيبات ما أخرجنا لكم من الأرض ، إلا أن ذكر الطيبات لما حصل مرة واحدة حذف في المرة الثانية لدلالة المرة الأولى عليه. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 7 صـ 55}\rفائدة\rقال القرطبى :\rقال ابن خُوَيْزِمَنْدَاد : ولهذه الآية جاز للوالد أن يأكل من كسب ولده ؛ وذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : \" أولادكم من طيّب أكسابكم فكلوا من أموال أولادكم هنيئاً \". أ هـ {تفسير القرطبى حـ 3 صـ 321}\rقوله تعالى : {وَمِمَّآ أَخْرَجْنَا لَكُم مِّنَ الأرض}\rقال القرطبى :\rقوله تعالى : {وَمِمَّآ أَخْرَجْنَا لَكُم مِّنَ الأرض} يعني النبات والمعادن والرِّكاز ، وهذه أبواب ثلاثة تضمّنتها هذه الآية.\rأما النبات فروى الدَّارَقُطْنِيَّ عن عائشة رضي الله عنها قالت : جرت السُّنّة من رسول الله صلى الله عليه وسلم \"ليس فيما دون خمسة أَوْسُق زكاة\".","part":9,"page":94},{"id":3592,"text":"والوَسْق ستون صاعاً ، فذلك ثلاثمائة صاع من الحنطة والشعير والتمر والزبيب.\rوليس فيما أنبتت الأرض من الخضر زكاة.\rوقد احتج قوم لأبي حنيفة بقول الله تعالى : {وَمِمَّآ أَخْرَجْنَا لَكُم مِّنَ الأرض} وإن ذلك عمومٌ في قليل ما تُخرجه الأرض وكثيره وفي سائر الأصناف ، ورأوا ظاهر الأمر الوجوب.\rوسيأتي بيان هذا في \"الأنعام\" مستوفىً.\rوأما المعدِن فروى الأئمة عن أبي هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال : \" العجماء جرَحها جُبَار والبئر جُبَار والمعْدِن جُبَار وفي الرّكاز الخمس \" قال علماؤنا : لما قال صلى الله عليه وسلم : \" وفي الرّكاز الخُمُس \" دلَّ على أن الحكم في المعادن غير الحكم في الركاز ؛ لأنه صلى الله عليه وسلم قد فصل بين المعادن والرّكاز بالواو الفاصلة ، ولو كان الحكم فيهما سواء لقال والمعدن جُبَار وفيه الخمس ، فلما قال \"وفي الركاز الخمس\" عُلم أن حكم الرِّكاز غير حكم المعدن فيما يؤخذ منه ، والله أعلم.\rوالركاز أصله في اللغة ما ارتكز بالأرض من الذهب والفضة والجواهر ، وهو عند سائر الفقهاء كذلك ؛ لأنهم يقولون في النَّدْرة التي توجد في المعدن مرتكزة بالأرض لا تُنال بعمل ولا بَسْعي ولا نَصب ، فيها الخمسُ ؛ لأنها رِكاز. أ هـ {تفسير القرطبى حـ 3 صـ 321 ـ 322}\rفائدة\rقال أبو حيان :\rوفي قوله : أخرجنا لكم ، امتنان وتنبيه على الإحسان التام كقوله : {هو الذي خلق لكم ما في الأرض جميعاً} والمراد : من طيبات ما أخرجنا ، فحذف لدلالة ما قبله وما بعده عليه ، وكرر حرف الجر على سبيل التوكيد ، أو إشعاراً بتقدير عامل آخر ، حتى يكون الأمر مرتين.\rوفي قوله : {ومما أخرجنا لكم من الأرض} دلالة على وجوب الزكاة فيما تخرجه الأرض من قليل وكثير من سائر الأصناف لعموم الآية ، إذ قلنا إن الأمر للوجوب ، وبين العلماء خلاف في مسائل كثيرة مما أخرجت الأرض تذكر في كتب الفقه. أ هـ {البحر المحيط حـ 2 صـ 330}","part":9,"page":95},{"id":3593,"text":"قوله تعالى : {وَلاَ تَيَمَّمُواْ الخبيث}\rفصل\rقال الفخر :\rقرأ ابن كثير وحده {وَلاَ تَيَمَّمُواْ} بتشديد التاء لأنه كان في الأصل تاءان تاء المخاطبة ، وتاء الفعل فأدغم إحداهما في الأخرى ، والباقون بفتح التاء مخففة وعلى هذا الخلاف في أخواتها ، وهي ثلاثة وعشرون موضعاً : لا تفرقوا ، توفاهم ، تعاونوا ، فتفرق بكم ، تلقف ، تولوا ، تنازعوا ، تربصون ، فإن تولوا ، لا تكلم ، تلقونه ، تبرجن ، تبدل ، تناصرون ، تجسسوا ، تنابزوا ، لتعارفوا ، تميز ، تخيرون ، تلهى ، تلظى ، تنزل الملائكة ، وهاهنا بحثان :\rالبحث الأول : قال أبو علي : هذا الإدغام غير جائز ، لأن المدغم يسكن وإذا سكن لزم أن تجلب همزة الوصل عند الابتداء به ، كما جلبت في أمثلة الماضي نحو : ادارأتم ، وارتبتم واطيرنا ، لكن أجمعوا على أن همزة الوصل لا تدخل على المضارع. (1)\rالبحث الثاني : اختلفوا في التاء المحذوفة على قراءة العامة ، فقال بعضهم : هي التاء الأولى وسيبويه لا يسقط إلا الثانية ، والفرّاء يقول : أيهما أسقطت جاز لنيابة الباقية عنها. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 7 صـ 55 ـ 56}\rكلام نفيس للعلامة أبى حيان فى هذا الموضع\rقال رحمه الله :\rقرأ البزي : ولا تيمموا ، بتشديد التاء ، أصله : تتيمموا ، فأدغم التاء في التاء ، وذلك في مواضع من القرآن ، وقد حصرتها في قصيدتي في القراآت المسماة ( عقدة اللآلىء ) وذلك في أبيات وهي :\rتولوا بأنفال وهود هما معا . . .\rونور وفي المحنه بهم قد توصلا\rتنزل في حجر وفي الشعرا معاً . . .\rوفي القدر في الأحزاب لا أن تبدّلا\rتبرجن مع تناصرون تنازعوا . . .\rتكلم مع تيمموا قبلهن لا\rتلقف أنى كان مع لتعارفوا . . .\rوصاحبتيها فتفرّق حصلا\rبعمران لا تفرقوا بالنساء أتى . . .\rتوفاهم تخيرون له انجلا\rتلهى تلقونه تلظى تربصون . . .\rزد لا تعارفوا تميز تكملا\r______________\r(1) القراءة للبزي عن ابن كثير وهى قراءة متواترة ومن ثم فلا وجه لهذا الاعتراض. والله أعلم.","part":9,"page":96},{"id":3594,"text":"ثلاثين مع احدى وفي اللات خلفه . . .\rتمنون مع ما بعد ظلتم تنزلا\rوفي بدئه خفف ، وإن كان قبلها . . .\rلدى الوصل حرف المدِّ مُدَّ وطَوِّلا\rوروي عن أبي ربيعة ، عن البزي : تخفيف التاء كباقي القراء ، وهذه التاءات منها ما قبله متحرك ، نحو : {فتفرق بكم} {فإذا هي تلقف} ومنها ما قبله ساكن من حرف المد واللين نحو : {ولا تيمموا} ومنها ما قبله ساكن غير حرف مدّ ولين نحو : {فإن تولوا} {ناراً تلظى} {إذ تلقونه} {هل تربصون} قال صاحب ( الممتع ) : لا يجيز سيبويه إسكان هذه التاء في يتكلمون ونحوه ، لأنها إذا سكنت احتيج لها ألف وصل ، وألف الوصل لا تلحق الفعل المضارع ، فإذا اتصلت بما قبلها جاز ، لأنه لا يحتاج إلى همزة وصل.\rإلاَّ أن مثل {إن تولوا} و{إذ تلقونه} لا يجوز عند البصريين على حال لما في ذلك من الجمع بين الساكنين ، وليس الساكن الأول حرف مدّ ولين. انتهى كلامه.\rوقراءة البزي ثابتة تلقتها الأمة بالقبول ، وليس العلم محصوراً ولا مقصوراً على ما نقله وقاله البصريون ، فلا تنظر إلى قولهم : إن هذا لا يجوز.\rوقرأ عبد الله : ولا تأمموا ، من : أممت ، أي : قصدت.\rوقرأ ابن عباس ، والزهري ، ومسلم بن جندب : تيمموا.\rوحكى الطبري أن في قراءة عبد الله ولا تأمّوا ، من : أممت ، أي : قصدت ، والخبيث والطيب صفتان غالبتان لا يذكر معهما الموصوف إلاَّ قليلا ، ولذلك جاء : {والطيبون للطيبات} وجاء : {والخبيثون للخبيثات} وقال تعالى : {ويحرم عليهم الخبائث} وقال صلى الله عليه وسلم : \" أعوذ بالله من الخبث والخبائث \". أ هـ {البحر المحيط حـ 2 صـ 330 ـ 331}\rفائدة\rقال ابن عاشور :","part":9,"page":97},{"id":3595,"text":"الخبيث الشديد سُوءاً في صنفه فلذلك يطلق على الحرام وعلى المستقذر قال تعالى : {ويحرم عليهم الخبايث} [ الأعراف : 157 ] وهو الضدّ الأقصى للطيّب فلا يطلق على الرديء إلاّ على وجه المبالغة ، ووقوع لفظه في سياق النهي يفيد عموم ما يصدق عليه اللفظ.\rوجملة {منه تنفقون} حال ، والجار والمجرور معمولان للحال قدماً عليه للدلالة على الاختصاص ، أي لا تقصدوا الخبيث في حال إلاّ تنفقوا إلاّ منه ، لأنّ محل النهي أن يخرج الرجل صدقته من خصوص رديء ماله.\rأما إخراجه من الجيدَ ومن الرديء فليس بمنهي لا سيما في الزكاة الواجبة لأنّه يخرج عن كل ما هو عنده من نوعه.\rوفي حديث \"الموطأ\" في البيوع \" أنّ النبي صلى الله عليه وسلم أرسل عاملاً على صدقات خيبر فأتاه بتَمْر جَنيب فقال له : أكُلُّ تَمْرِ خيبر هكذا قال : لا ، ولكنّي أبيع الصاعين من الجَمْع بصاع من جنيب.\rفقال له : بع الجمع بالدّراهم ثم ابتع بالدراهم جنيباً \" فدل على أنّ الصدقة تؤخذ من كل نصاب من نوعه ، ولكنّ المنهي عنه أن يخصّ الصدقة بالأصناف الرديئة.\rوأما في الحيوان فيؤخذ الوسط لتعذّر التنويع غالباً إلاّ إذا أكثر عدده فلا إشكال في تقدير الظرف هنا. أ هـ {التحرير والتنوير حـ 3 صـ 56 ـ 57}\rقوله تعالى : {مِنْهُ تُنفِقُونَ}\rقال الفخر :\rأما قوله تعالى : {مِنْهُ تُنفِقُونَ}.","part":9,"page":98},{"id":3596,"text":"فاعلم أن في كيفية نظم الآية وجهين الأول : أنه تم الكلام عند قوله {وَلاَ تَيَمَّمُواْ الخبيث} ثم ابتدأ ، فقال : {مِنْهُ تُنفِقُونَ وَلَسْتُم بِأَخِذِيهِ إِلا أَن تُغْمِضُواْ فِيهِ} فقوله {مِنْهُ تُنفِقُونَ} استفهام على سبيل الإنكار ، والمعنى : أمنه تنفقون مع أنكم لستم بآخذيه إلا مع الاغماض والثاني : أن الكلام إنما يتم عند قوله {إِلا أَن تُغْمِضُواْ فِيهِ} ويكون الذي مضمراً ، والتقدير : ولا تيمموا الخبيث منه الذي تنفقونه ولستم بآخذيه إلا بالإغماض فيه ، ونظيره إضمار التي في قوله تعالى : {فَقَدِ استمسك بالعروة الوثقى لاَ انفصام لَهَا} [ البقرة : 256 ] والمعنى الوثقى التي لا انفصام لها. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 7 صـ 56}\rفائدة\rقال ابن العربى :\rفِي هَذِهِ الْآيَةِ فَائِدَةٌ ؛ وَهِيَ مَعْرِفَةُ مَعْنَى الْخَبِيثِ ، فَإِنَّ جَمَاعَةً قَالُوا : إنَّ الْخَبِيثَ هُوَ الْحَرَامُ ، وَزَلَّ فِيهِ صَاحِبُ الْعَيْنِ فَقَالَ : الْخَبِيثُ كُلُّ شَيْءٍ فَاسِدٍ ، وَأَخَذَهُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ مِنْ تَسْمِيَةِ الرَّجِيعِ خَبِيثًا.\rوَقَالَ يَعْقُوبُ : الْخَبِيثُ : الْحَرَامُ ، وَهَذَا تَفْسِيرٌ مِنْهُ لِلُّغَةِ بِالشَّرْعِ ، وَهُوَ جَهْلٌ عَظِيمٌ.\rوَالصَّحِيحُ أَنَّ الْخَبِيثَ يَنْطَلِقُ عَلَى مَعْنَيَيْنِ : أَحَدُهُمَا : مَا لَا مَنْفَعَةَ فِيهِ ، كَقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : {كَمَا يَنْفِي الْكِيرُ خَبَثَ الْحَدِيدِ}.\rالثَّانِي : مَا تُنْكِرُهُ النَّفْسُ ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى : {وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ}. أ هـ {أحكام القرآن لابن العربى حـ 2 صـ 414}\rفائدة أخرى\rقال القرطبى :\rدلّت الآية على أن المكاسب فيها طيب وخبيث.\rوروى النسائي عن أبى أُمامة ابن سهل بن حنيف في الآية التي قال الله تعالى فيها : {وَلاَ تَيَمَّمُواْ الخبيث مِنْهُ تُنْفِقُونَ} قال : هو الجُعْرُور وَلَوْن حُبَيْق ؛ فنهى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يؤخذا في الصدقة.\rوروى الدّارَقُطْنِيّ \" عن أبي أُمامة بن سهل بن حنيف عن أبيه قال : \"أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بصدقة فجاء رجل من هذا السُّحَّل بكبائس قال سفيان : يعني الشِّيص فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : \"مَن جَاء بهذا\" ؟! وكان لا يجىء أحد بشيء إلاَّ نُسب إلى الذي جاء به.\rفنزلت : {وَلاَ تَيَمَّمُواْ الخبيث مِنْهُ تُنْفِقُونَ}.\rقال : ونَهَى النبيّ صلى الله عليه وسلم عن الجُعْرُور وَلَوْن الحُبَيق أن يؤخذا في الصدقة\" \" قال الزهريّ : لونين من تمر المدينة وأخرجه الترمذيّ من حديث البراء وصححه. أ هـ {تفسير القرطبى حـ 3 صـ 325 ـ 326}\rقوله تعالى : {وَلَسْتُم بِأَخِذِيهِ إِلا أَن تُغْمِضُواْ فِيهِ}\rفصل\rقال الفخر :","part":9,"page":99},{"id":3597,"text":"الإغماض في اللغة غض البصر ، وإطباق جفن على جفن وأصله من الغموض ، وهو الخفاء يقال : هذا الكلام غامض أي خفي الإدراك والغمض المتطامن الخفي من الأرض. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 7 صـ 56}\rقال القرطبى :\rقوله تعالى : {وَلَسْتُمْ بِآخِذِيهِ إِلاَّ أَن تُغْمِضُواْ فِيهِ} أي لستم بآخذيه في ديونكم وحقوقكم من الناس إلاَّ أن تتساهلوا في ذلك وتتركوا من حقوقكم ، وتكرهونه ولا ترضونه.\rأي فلا تفعلوا مع الله ما لا ترضونه لأنفسكم ؛ قال معناه البَرَاء بن عازِب وابن عابس والضحّاك.\rوقال الحسن : معنى الآية : ولستم بآخذيه ولو وجدتموه في السوق يباع إلاَّ أن يهضم لكم من ثمنه.\rورُوي نحوه عن عليّ رضي الله عنه.\rقال ابن عطية : وهذان القولان يشبهان كون الآية في الزكاة الواجبة.\rقال ابن العربيّ : لو كانت في الفرض لما قال : \"وَلَسْتُمْ بِآخِذِيهِ\" لأن الردىء والمعِيب لا يجوز أخذه في الفرض بحال ، لا مع تقدير الإغماض ولا مع عدمه ، وإنما يؤخذ مع عدم إغماض في النفل.\rوقال البراء بن عازب أيضاً معناه : \"وَلَسْتُمْ بِآخِذِيهِ\" لو أهدى لكم \"إلاَّ أَنْ تُغْمِضُوا فِيهِ\" أي تستحي من المُهدِي فتقبل منه ما لا حاجة لك به ولا قَدْر له في نفسه.\rقال ابن عطية : وهذا يشبه كون الآية في التطوّع.\rوقال ابن زيد : ولستم بآخذي الحرام إلاَّ أن تُغمِضوا في مكروهه. أ هـ {تفسير القرطبى حـ 3 صـ 326}\rوقال ابن عاشور :\rوقوله : {ولستم بأخذيه إلا أن تغمضوا فيه} جملة حالية من ضمير تنفقون ويجوز أن يكون الكلام على ظاهره من الإخبار فتكون جملة الحال تعليلاً لنهيهم عن الإنفاق من المال الخبيث شرعاً بقياس الإنفاق منه على اكتسابه قياس مساواة أي كما تكرهون كسبه كذلك ينبغي أن تكرهوا إعطاءه.\rوكأنّ كراهية كسبه كانت معلومة لديهم متقرّرة في نفوسهم ، ولذلك وقع القياس عليها.","part":9,"page":100},{"id":3598,"text":"ويجوز أن يكون الكلام مستعملاً في النهي عن أخذ المال الخبيث ، فيكون الكلام منصرفاً إلى غرض ثانٍ وهو النهي عن أخذ المال الخبيث والمعنى لا تأخذوه ، وعلى كلا الوجهين هو مقتضٍ تحريم أخذ المال المعلومة حِرمته على من هو بيده ولا يُحلّه انتقاله إلى غيره. أ هـ {التحرير والتنوير حـ 3 صـ 57}\rفصل\rقال الفخر :\rفي معنى الإغماض في هذه الآية وجوه الأول : أن المراد بالإغماض هاهنا المساهلة ، وذلك لأن الإنسان إذا رأى ما يكره أغمض عينيه لئلا يرى ذلك ثم كثر ذلك حتى جعل كل تجاوز ومساهلة في البيع وغيره إغماضاً ، فقوله {وَلَسْتُم بِأَخِذِيهِ إِلا أَن تُغْمِضُواْ فِيهِ} يقول لو أهدى إليكم مثل هذه الأشياء لما أخذتموها إلا على استحياء وإغماض ، فكيف ترضون لي ما لا ترضونه لأنفسكم\rوالثاني : أن يحمل الإغماض على المتعدى كما تقول : أغمضت بصر الميت وغمضته والمعنى ولستم بآخذيه إلا إذا أغمضتم بصر البائع يعني أمرتموه بالإغماض والحط من الثمن. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 7 صـ 56}\rقال أبو حيان :\rوالظاهر عموم نفي الأخذ بأي طريق أخذ الخبيث ، من أخذ حق ، أو هبة. أ هـ {البحر المحيط حـ 2 صـ 332}\rوقال ابن عاشور :\rالإغماض إطباق الجفن ويطلق مجازاً على لازم ذلك ، فيطلق تارة على الهناء والاستراحة لأنّ من لوازم الإغماض راحة النائم قال الأعشى :\rعليكِ مثلُ الذي صَلِّيتِ فاغْتمضي\rجَفْناً فإنّ لِجَنْبِ المَرْءِ مُضْطَجَعَا...\rأراد فاهنئي.\rويطلق تارة على لازمه من عدم الرؤية فيدل على التسامح في الأمر المكروه كقول الطرماح :\rلم يَفُتْنا بِالْوِتْرِ قَوْمٌ وَللضّ\rيْممِ رجالٌ يَرْضَوْن بالإغماض...\rفإذا أرادوا المبالغة في التغافل عن المكروه الشديد قالوا أغمض عينه على قذى ؛ وذلك لأنّ إغماض الجفن مع وجود القذى في العين.\rلقصد الراحة من تحرّك القذى ، قال عبد العزيز بن زُرَارة الكَلاَئي :\rوأغْمَضْتُ الجُفُونَ على قَذَاها","part":9,"page":101},{"id":3599,"text":"ولَمْ أسْمَعْ إلى قالٍ وقِيلِ...\rوالاستثناء في قوله : {إلا أن تغمضوا فيه} على الوجه الأول من جعل الكلام إخباراً ، هو تقييد للنفي.\rوأما على الوجه الثاني من جعل النفي بمعنى النهي فهو من تأكيد الشيء بما يُشبه ضدّه أما لا تأخذوه إلاّ إذا تغاضيتم عن النهي وتجاهلتموه. أ هـ {التحرير والتنوير حـ 3 صـ 57 ـ 58}\rقوله تعالى {واعلموا أَنَّ الله غَنِيٌّ حَمِيدٌ}\rقال الفخر :\rالمعنى أنه غني عن صدقاتكم ، ومعنى حميد ، أي محمود على ما أنعم بالبيان وفيه وجه آخر ، وهو أن قوله {غَنِىٌّ} كالتهديد على إعطاء الأشياء الرديئة في الصدقات و{حَمِيدٌ} بمعنى حامد أي أنا أحمدكم على ما تفعلونه من الخيرات وهو كقوله {فَأُولَئِكَ كَانَ سَعْيُهُم مَّشْكُورًا}. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 7 صـ 56}\rوقال القرطبى :\rنبّه سبحانه وتعالى على صفة الغنى ، أي لا حاجة به إلى صدقاتكم ؛ فمن تقرّب وطلب مثوبةً فليفعل ذلك بما له قَدْرٌ وبَالٌ ، فإنما يقدّم لنفسه.\rو \"حَميدٌ\" معناه محمود في كل حال. أ هـ {تفسير القرطبى حـ 3 صـ 328}\rوقال أبو حيان :\r{واعلموا أن الله غني حميد} أي : غني عن صدقاتكم ، وإنما هي أعمالكم ترد عليكم ، حميد أي : محمود على كل حال ، إذ هو مستحق للحمد.\rوقال الحسن : يستحمد إلى خلقه ، أي : يعطيهم نعماً يستدعي بها حمدهم.\rوقيل : مستحق للحمد على ما تعبدكم به. أ هـ {البحر المحيط حـ 2 صـ 332}\rوقال السمرقندى :\rويقال : حميد بمعنى محمود ويقال : حميد من أهل أن يحمد ويقال : حميد يقبل القليل ، ويعطي الجزيل. أ هـ {بحر العلوم حـ 1 صـ 203}\rوقال ابن كثير :","part":9,"page":102},{"id":3600,"text":"{وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ} أي : وإن أمركم بالصدقات وبالطيب منها فهو غني عنها ، وما ذاك إلا ليساوي الغني الفقير ، كقوله : {لَنْ يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلا دِمَاؤُهَا وَلَكِنْ يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنْكُمْ} [الحج : 37] وهو غني عن جميع خلقه ، وجميع خلقه فقراء إليه ، وهو واسع الفضل لا ينفد ما لديه ، فمن تصدق بصدقة من كسب طيب ، فليَعلمْ أن الله غني واسع العطاء ، كريم جواد ، سيجزيه بها ويضاعفها له أضعافًا كثيرة من يقرض غَيْرَ عديم ولا ظلوم ، وهو الحميد ، أي : المحمود في جميع أفعاله وأقواله وشرعه وقدره ، لا إله إلا هو ، ولا رب سواه. أ هـ {تفسير ابن كثير حـ 1 صـ 699}\rوقال أبو السعود :\r{واعلموا أَنَّ الله غَنِيٌّ} عن إنفاقكم وإنما يأمرُكم به لمنفعتكم. وفي الأمر بأن يعلموا ذلك مع ظهور علمِهم به توبيخٌ لهم على ما يصنعون من إعطاء الخبيث وإيذانٌ بأن ذلك من آثار الجهلِ بشأنه تعالى فإن إعطاءَ مثلِه إنما يكون عادةً عند اعتقادِ المعطي أن الآخذَ محتاجٌ إلى ما يعطيه بل مضطرٌ إليه (1) {حَمِيدٌ} مستحِقٌّ للحمد على نعمه العِظام وقيل : حامد بقبول الجيّد والإثابة عليه. أ هـ {تفسير أبى السعود حـ 1 صـ 261}\rوقال ابن عاشور :\rوقوله : {واعلموا أن الله غني حميد} تذييل ، أي غني عن صدقاتكم التي لا تنفع الفقراء ، أو التي فيها استساغة الحرام.\r__________________\r(1) هذا الكلام فيه نظر فالخطاب مع الصحابة الكرام ـ رضى الله عنهم ـ وهم ما خالفوا نصا ولا وحيا لكن بعضهم أخرج الردىء من ماله معتقدا الجواز ، كما هى عادة النفس البشرية التى جبلت وفطرت على البخل والشح {قُلْ لَوْ أَنْتُمْ تَمْلِكُونَ خَزَائِنَ رَحْمَةِ رَبِّي إِذًا لَأَمْسَكْتُمْ خَشْيَةَ الْإِنْفَاقِ وَكَانَ الْإِنْسَانُ قَتُورًا (100)}(سورة الإسراء}\rوالله ـ عز وجل ـ لم يعنفهم فيما هو أكبر وأعظم من ذلك فعند فرار الأكثرية منهم فى غزوة أحد ما وبخهم ولا عنفهم ، بل كرمهم ورفع قدرهم وأمر الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ أب يعفو عنهم وأن يستغفر لهم وزاد من تكريمه لهم بأن أمر حبيبه ومصطفاه ـ صلى الله عليه وسلم ـ أن يشاورهم فى الأمر\rفقال تعالى {إن الذين تولوا منكم يوم التقى الجمعان إنما استزلهم الشيطان ببعض ما كسبوا ولقد عفا الله عنهم إن غفور حليم}\rوقال {فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ}. والله أعلم.","part":9,"page":103},{"id":3601,"text":"حميد ، أي شاكر لمن تصدّق صدقة طيّبة.\rوافتتحه باعلموا للاهتمام بالخبر كما تقدم عند قوله تعالى : {واتقوا الله واعلوا أنكم ملاقوه} [ البقرة : 223 ] ، أو نُزِّل المخاطبون الذين نُهوا عن الإنفاق من الخبيث منزلة من لا يعلم أن الله غني فأعطوا لوجههِ ما يقبله المحتاج بكل حال ولم يعلموا أنّه يحمد من يعطي لوجهه من طيّب الكسب.\rوالغني الذي لا يحتاج إلى ما تكثر حاجة غالب الناس إليه ، ولِلَّهِ الغنى المطلق فلا يعطى لأجله ولامتثال أمره إلاّ خير ما يعطيه أحد للغَنِي عن المال.\rوالحميد من أمثلة المبالغة ، أي شديد الحَمد ؛ لأنه يثني على فاعلي الخيرات.\rويجوز أن يكون المراد أنّه محمود ، فيكون حَميد بمعنى مفعول ، أي فتخلَّقُوا بذلك لأنّ صفات الله تعالى كمالات ، فكونوا أغنياء القلوب عن الشحّ محمودين على صدقاتكم ، ولا تعطوا صدقات تؤذن بالشحّ ولا تشكرون عليها. أ هـ {التحرير والتنوير حـ 3 صـ 58}\rفائدة\rقال فى روح البيان\rاعلم أن المتصدق كالزارع والزارع إذا كان له اعتقاد بحصول الثمرة يبالغ فى الزراعة وجودة البذر لتحققه أن جودة البذر مؤثرة فى جودة الثمرة وكثرتها فكذلك المتصدق إذا ازداد إيمانه بالله والبعث والثواب والعقاب يزيد فى الصدقة وجودتها لتحققه أن الله لا يظلم مثقال ذرة وإن تك حسنة يضاعفها ويؤت من لدنه أجرا عظيما والعبد كما أعطى الله أحب ما عنده فإن الله يجازيه بأحب ما عنده كما قال تعالى {هل جزاء الإحسان إلا الإحسان} ودلت الآية على جواز الكسب وأن أحسن وجوه التعيش هو التجارة والزراعة.\rفعلى العاقل أن يواظب على الأذكار فى الليل والنهار ويتصدق على الفقراء والمساكين بخلوص النية واليقين فى كل حين\rوجلس الإسكندر يوما مجلسا عاما فلم يسأل فيه حاجة فقال والله ما أعد هذا اليوم من ملكى قيل ولم أيها الملك ؟ قال لأنه لا توجد لذة الملك إلا بإسعاف الراغبين وإغاثة الملهوفين ومكافأة المحسنين. أ هـ\rوالدنيا مانعة عن الوصول فعليك بالإيثار وكمال الافتقار\rأ هـ {روح البيان حـ 1 صـ 526} بتصرف يسير.\rمن لطائف الإمام القشيرى فى الآية\rلينظرْ كلُّ واحدٍ ما الذي ينفقه لأجل نفسه ، وما الذي يخرجه بأمر ربه. والذي يخرج عليك من ديوانك : فما كان لحظِّك فنفائس ملكك ، وما كان لربك فخصائص مالك الذي لله ( فاللُّقْمَةُ لُقْمَتُه ) ، والذي لأجلك فأكثرها قيمة وأكملها نعمة.","part":9,"page":104},{"id":3602,"text":"ثم أبصر كيف يستر عليك بل كيف يقبله منك بل أبصر كيف يعوضك عليه ، بل أبصر كيف يقلبه منك ، بل أبصر كيف يمدحك بل أبصر كيف ينسبه إليك ؛ الكلُّ منه فضلاً لكنه ينسبه إليك فعلاً ، ثم يُولِي عليك عطاءه ويسمي العطاء جزاءً ، يوسعك بتوفيقه بِرًّاً ، ثم يملأ العَالَم منك شكراً.أ هـ {لطائف الإشارات حـ 1 صـ 206}\rمن فوائد ابن عرفة فى الآية\rقوله تعالى : {مِن طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ . . .}.\rيحتمل المستلذات فيعمّ الحلال و( غيره ) إلا أن يريد المستلذّ بقيد كونه ( حلالا ) أو يقال بالعموم لأن الغاصب إذا زكّى مَا غَصَبَ ( يجزى ) عن ربّه ولكن ذلك بعد الوقوع ، وأما ابتداء ( فيؤمر ) بردّه إلى ربّه ، وقيل : الطيب الحلال هنا.\r( وقوله ) : {وَمِمَّآ أَخْرَجْنَا لَكُم مِّنَ الأرض}.\rإشارة إلى الحقيقة وأن الكسب إنّما هو سبب ( لا مؤثر ) ، لأن ما أُخرج من الأرض يدخل في الكسب فهو عطف خاص على عام أو مقيد على مطلق.\rقوله تعالى : {وَلاَ تَيَمَّمُواْ الخبيث مِنْهُ تُنْفِقُونَ . . .}.\rإما الحرام أو ما تكرهون على التأويلين في الطيب.\rقال ابن عرفة : وعندي أن الإنسان إذا كانت عنده كسرة باردة وأخرى سخنة وهو يكره الباردة فتصدق بها يدخل في هذا.\rقوله تعالى : {واعلموا أَنَّ الله غَنِيٌّ حَمِيدٌ}.\rاحتراس أن تتوهموا أن الصدقة بهذا يحصل بها نفع للآمر بل النفع لمخرجها فقط. أ هـ {تفسير ابن عرفة صـ 346}","part":9,"page":105},{"id":3603,"text":"فوائد لغوية\rقال ابن عادل :\rقوله تعالى : { أَنْفِقُواْ مِن طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ } : في مفعول \" أَنْفِقُوا \" قولان :\rأحدهما : أنه المجرور بـ \" مِنْ \" ، و\" مِنْ \" للتبعيض ، أي : أنفقوا بعض ما رزقناكم.\rوالثاني : أنه محذوفٌ قامت صفته مقامه ، أي : شيئاً ممَّا رزقناكم ، وتقدَّم له نظائر.\rو \" ما \" يجوز أن تكون موصولةً اسمية ، والعائد محذوفٌ؛ لاستكمال الشروط ، أي : كسبتموه ، وأن تكون مصدريةً أي : من طيِّبات كسبكم ، وحينئذٍ لا بدَّ من تأويل هذا المصدر باسم المفعول ، أي : مكسوبكم ، ولهذا كان الوجه الأول أولى.\rو { وَمِمَّآ أَخْرَجْنَا } عطفٌ على المجرور بـ \" مِنْ \" بإعادة الجار ، لأحد معنيين : إمَّا التأكيد ، وإمَّا للدلالة على عاملٍ آخر مقدرٍ ، أي : وأنفقوا ممَّا أخرجنا. ولا بدَّ من حذف مضافٍ ، أي : ومن طيبات ما أخرجنا. و\" لكم \" متعلِّقٌ بـ \" أخرجنا \" ، واللام للتعليل. و\" مِنَ الأرض \" متعلِّقٌ بـ \" أخرجنا \" ، و\" مِنْ \" لابتداء الغاية.\rقوله : { مِنْهُ تُنْفِقُونَ } \" منه \" متعلِّقٌ بتنفقون ، وتنفقون فيها ثلاثة أوجه :\rأحدها : أنها في محلِّ نصبٍ على الحال من الفاعل في \" تَيَمَّموا \" أي : لا تقصدوا الخبيث منفقين منه ، قالوا : وهي حالٌ مقدَّرة ، لأن الإنفاق منه يعق بعد القصد إليه ، قاله أبو البقاء وغيره.\rوالثاني : أنها حالٌ من الخبيث؛ لأن في الجملة ضميراً يعود إليه ، أي : لا تقصدوا منفقاً منه.\rوالثالث : أنه مستأنف منه ابتداء إخبار بذلك ، وتمَّ الكلام عند قوله : { وَلاَ تَيَمَّمُواْ الخبيث } ثم ابتدأ خبراً آخر ، فقال : تنفقون منه ، وأنتم لا تأخذونه إلا إذا أغمضتم ، كأن هذا عتابٌ للناس ، وتقريعٌ.\r","part":9,"page":106},{"id":3604,"text":"والتقدير : تنفقون مع أنكم لستم بآخذيه إلا مع الإغماض ، فهو استفهامٌ على سبيل الإنكار. قال شهاب الدِّين : وهذا يردُّه المعنى.\rقوله : { وَلَسْتُمْ بِآخِذِيهِ } هذه الجملة فيها قولان :\rأحدهما : أنها مستأنفةٌ لا محلَّ لها من الإعراب ، وإليه ذهب أبو البقاء.\rوالثاني : أنها في محلِّ نصبٍ على الحال ، ويظهر هذا ظهوراً قوياً عند من يرى أن الكلام قد تمَّ عند قوله : { وَلاَ تَيَمَّمُواْ الخبيث } وما بعده استئنافٌ ، كما تقدَّم.\rوالهاء في { بِآخِذِيهِ } تعود على \" الخَبِيث \" وفيها ، وفي نحوها من الضمائر المتصل باسم الفاعل؛ قولان مشهوران :\rأحدهما : أنها في محلِّ جر ، وإن كان محلُّها منصوباً؛ لأنها مفعولٌ في المعنى.\rوالثاني : - وهو رأي الأخفش - أنها في محلِّ نصبٍ ، وإنما حذف التنوين ، والنون في نحو : \" ضَارِبُنْكَ \" بثبوت التنوين ، وقد يستدلُّ لمذهبه بقوله : [ الطويل ]\rهُمُ الفَاعِلُونَ الخَيْرَ والآمِرُونَهُ..........................\rوقوله الآخر : [ الطويل ]\rوَلَمْ يَرْتَفِقْ وَالنَّاسُ مُحْتَضِرُونَهُ...........................\rفقد جمع بين النون النائبة عن التنوين ، وبين الضمير.\r","part":9,"page":107},{"id":3605,"text":"قوله : { إِلاَّ أَن تُغْمِضُواْ } الأصل : إلاَّ بأن ، فحذف حرف الجرِّ مع \" أنْ \" فيجيء فيها القولان : أهي في محلِّ جرٍّ ، أم نصب؟ وهذه الباء تتعلَّق بقوله : { بِآخذيه }. وأجاز أبو البقاء - رحمه الله - أن تكون \" أنْ \" وما في حيِّزها في محلِّ نصب على الحال ، والعامل فيها \" آخِذيه \". والمعنى : لَسْتُم بآخذِيه في حالٍ من الأحوال إلا في حال الإغماض ، وقد تقدَّم أنَّ سيبويه - رحمه الله - لا يجيز أن تقع \" أَنْ \" ، وما في حيِّزها موقع الحال. وقال الفراء : المعنى على الشرط والجزاء؛ لأنَّ معناه : إن أغمضتم أخذتم ، ولكن لمَّا وقعت \" إلاَّ \" على \" أَنْ \" ، فتحها ، ومثله ، { إِلاَّ أَن يَخَافَآ } [ البقرة : 229 ] { إَلاَّ أَن يَعْفُونَ } [ البقرة : 237 ]. وهذا قول مردودٌ.\rوالجمهور على : \" تُغْمِضُوا \" بضمِّ التاء ، وكسر الميم مخففةً؛ من \" أَغْمَض \" ، وفيه وجهان :\rأحدهما : أنه على حذف مفعوله ، تقديره : تغمضوا أبصاركم ، أو بصائركم.\rوالثاني : في معنى ما لا يتعدَّى ، والمعنى إلاَّ أن تغضوا ، من قولهم : \" أَغْضَى عنه \".\rوقرأ الزهريُّ : \" تُغَمِّضُوا \" بضم التاء ، وفتح الغين ، وكسر الميم مشددةً؛ ومعناها كالأولى. وروي عنه أيضاً : \" تَغْمَضُوا \" بفتح التاء ، وسكون الغين ، وفتح الميم؛ مضارع \" غَمِضَ \" بكسر الميم ، وهي لغةٌ في \" أَغْمض \" الرباعي ، فيكون ممَّا اتفق فيه فعل وأفعل.\rوروي عن اليزيديّ : \" تَغْمُضُوا \" بفتح التاء ، وسكون الغين ، وضمِّ الميم.\rقال أبو البقاء - رحمه الله - : \" وهو مِنْ : يَغْمُضُ ، كظرفُ يظرُفُ ، أي : خَفِيَ عليكم رأيُكم فيه \".\rوروي عن الحسن : \" تُغَمَّضُوا \" بضمِّ التاء ، وفتح الغين ، وفتح الميم مشددةً على ما لم يسمَّ فاعله.\r","part":9,"page":108},{"id":3606,"text":"وقتادة كذلك ، إلا أنه خفَّف الميم ، والمعنى : إلاَّ أن تحملوا على التغافل عنه ، والمسامحة فيه. وقال أبو البقاء - رحمه الله - في قراءة قتادة : \" ويجوزُ أن يكون مِنْ أغْمَضَ ، أي : صودف على تلك الحال؛ كقولك : أَحْمَدْتُ الرجُلَ ، أي : وجدته مَحْمُوداً \" وبه قال أبو الفتح.\rوقيل فيها أيضاً : إنَّ معناها إلاَّ أن تدخلوا فيه وتجذبوا إليه.\rوالإغماض : في اللغة غضُّ البصر ، وإطباق الجفن ، وأصله من الغموض ، وهو الخفاء ، يقال : هذا كلامٌ غامضٌ أي خفي الإدراك. أ هـ {تفسير ابن عادل حـ 4 صـ 407 ـ 413}. بتصرف.","part":9,"page":109},{"id":3609,"text":"بحث نفيس للعلامة ابن القيم فى الآية\rقال عليه الرحمة :\rقوله تعالى {يا أيها الذين ءامنوا أنفقوا من طيبات ما كسبتم ومما أخرجنا لكم من الأرض ولا تيمموا الخبيث منه تنفقون}\rأضاف سبحانه الكسب إليهم وإن كان هو الخالق لأفعالهم لأنه فعلهم القائم بهم وأسند الإخراج إليه لأنه ليس فعلا لهم ولا هو مقدور لهم فأضاف مقدورهم إليهم وأضاف مفعوله الذي لا قدرة لهم عليه إليه ففي ضمنه الرد على من سوى بين النوعين وسلب قدرة العبد وفعله وتأثيره عنها بالكلية وخص سبحانه هذين النوعين وهما الخارج من الأرض والحاصل بكسب التجارة دون غيرهما من المواشي إما بحسب الواقع فإنهما كانا أغلب أموال القوم إذ ذاك فإن المهاجرين كانوا أصحاب تجارة وكسب والأنصار كانوا أصحاب حرث وزرع فخص هذين النوعين بالذكر لحاجتهم إلى بيان حكمهما وعموم وجودهما\rوإما لأنهما أصول الأموال وما عداهما فعنهما يكون ومنهما ينشأ فإن الكسب تدخل فيه التجارات كلها على اختلاف أصنافها وأنواعها من الملابس والمطاعم والرقيق والحيوانات والآلات والأمتعة وسائر ما تتعلق به التجارة والخارج من الأرض يتناول حبها وثمارها وركازها ومعدنها وهذان هما أصول الأموال وأغلبها على أهل الأرض فكان ذكرهما أهم\rثم قال {ولا تيمموا الخبيث منه تنفقون} فنهى سبحانه عن قصد إخراج الرديء للفقير ونهيه سبحانه عن قصد ذلك وتيممه فيه ما يشبه العذر لمن فعل ذلك لا عن قصد وتيمم بل عن اتفاق إذا كان هو الحاضر إذ ذاك أو كان ماله من جنسه فإن هذا لم يتيمم الخبيث بل تيمم إخراج بعض ما من الله عليه\rوموقع قوله {منه تنفقون} موقع الحال أي لا تقصدوه منفقين منه","part":9,"page":110},{"id":3610,"text":"ثم قال {ولستم بآخذيه إلا أن تغمضوا فيه} أي لو كنتم أنتم المستحقين له وبذل لكم لم تأخذوه في حقوقكم إلا بأن تتسامحوا في أخذه وتترخصوا فيه من قولهم أغمض فلان عن بعض حقه ويقال للبائع أغمض أي لا تستقص كأنك لا تبصر وحقيقته من إغماض الجفن فكأن الرائي لكراهته له لا يملأ عينه منه بل يغمض من بصره ويغمض عنه بعض نظره بغضا ومنه قول الشاعر\rلم يفتنا بالوتر قوم واللضي ... م رجال يرضون بالإغماض\rوفيه معنيان\rأحدهما كيف تبذلون لله وتهدون له مالا ترضون ببذله لكم ولا يرضى أحدكم من صاحبه أن يهديه له والله أحق من يخير له خيار الأشياء وأنفسها\rوالثاني كيف تجعلون له ما تكرهونه لأنفسكم وهو سبحانه طيب لا يقبل إلا طيبا ثم ختم الآيتين بصفتين يقتضيهما سياقهما فقال {واعلموا أن الله غني حميد} فغناه وحمده يأبى قبول الرديء فإن قبل الرديء الخبيث إما أن يقبله لحاجته إليه\rوإما أن نفسه لا تأباه لعدم كمالها وشرفها وأما الغني عنه الشريف القدر الكامل الأوصاف فإنه لا يقبله. أ هـ {طريق الهجرتين صـ 552 ـ 553}","part":9,"page":111},{"id":3611,"text":"فهكذا العبد إذا عمل بطاعة الله ثم أتبعها بما يبطلها ويفرقها من معاصي الله كانت كالإعصار ذي النار المحرق للجنة التي غرسها بطاعته وعمله الصالح ولولا أن هذه المواضع أهم مما كلامنا بصدده من ذكر مجرد الطبقات لم نذكرها ولكنها من أهم المهم والله المستعان الموفق لمرضاته فلو تصور العامل بمعصية الله بعد طاعته هذا المعنى حق تصوره وتأمله كما ينبغي لما سولت له نفسه والله إحراق أعماله الصالحة وإضاعتها ولكن لا بد أن يغيب عنه علمه عند المعصية ولهذا استحق اسم الجهل فكل من عصى الله فهو جاهل. أ هـ {طريق الهجرتين صـ 548 ـ 551}","part":9,"page":112},{"id":3612,"text":"قوله تعالى : {الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشَاءِ وَاللَّهُ يَعِدُكُمْ مَغْفِرَةً مِنْهُ وَفَضْلًا وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (268)}\rمناسبة الآية لما قبلها\rقال البقاعى :\rولما رغب سبحانه وتعالى في الإنفاق وختم آياته بما يقتضي الوعد من أصدق القائلين بالغنى والإثابة في الدارين أتبعه بما للعدو الكاذب من ضد ذلك فقال محذراً من البخل - في جواب من كأنه قال : هذا ما لا يشك فيه فما للنفوس لا توجد غالباً إلا شحيحة بالإنفاق- : {الشيطان} أي الذي اسمه أسوأ الأسماء ،\rفإنه يقتضي الهلاك والبعد ،\rوأحد الوصفين كاف في مجانبته فكيف إذا اجتمعا! {يعدكم الفقر} المانع من الإنفاق.\rقال الحرالي : الذي لخوفه تقاطع أهل الدنيا وتدابروا وحرصوا وادخروا.\rوكل ذلك لا يزيل الفقر ،\rكل حريص فقير ولو ملك الدنيا ،\rوكل مقتنع غني ،\rومن حق من كان عبداً لغني أن يتحقق أنه غني يغني سيده ،\rففي خوف الفقر إباق العبد عن ربه ؛ والفقر فقد ما إليه الحاجة في وقت من قيام المرء في ظاهره وباطنه - انتهى.\r{ويأمركم بالفحشاء} المبطلة له من المن والأذى وغيرهما من مستلذات الأنفس وربما كان فيها إتلاف الأموال وإذهاب الأرواح.\rوقال الحرالي : وكل ما اجتمعت عليه استقباحات العقل والشرع والطبع فهو فحشاء ،\rوأعظم مراد بها هنا البخل الذي هو أدوأ داء ،\rلمناسبة ذكر الفقر ،\rوعليه ينبني شر الدنيا والآخرة ويلازمه الحرص ويتابعه الحسد ويتلاحق به الشر كله انتهى وفيه تصرف.\rولما ذكر ما للعدو من الشر أتبعه سبحانه وتعالى بما له من الخير فقال مصرحاً بما تقدم التلويح به : {والله} أي الذي له الأسماء الحسنى والصفات العلى الرحيم الودود {يعدكم مغفرة منه} لما وقع منكم من تقصير ،\rوفيه إشعار بأنه لا يقدر أحد أن يقدر الله حق قدره لما له من الإحاطة بصفات الكمال ولما جبل عليه الإنسان من النقص {وفضلاً} بالزيادة في الدارين ،","part":9,"page":113},{"id":3613,"text":"وكل نعمة من فضل ؛ ثم أكد ذلك بقوله : {والله} أي المحيط بكل كمال {واسع} لتضمنه معنى حليم غني ،\rوأتبعه بقوله : {عليم} إشارة إلى أنه لا يضيع شيئاً وإن دق.\rقال الحرالي : وفي إشعاره توهين لكيد الشيطان ووعد كريم للمفتون بخوف الفقر وعمل الفحشاء لما علمه من ضعف الأنفس وسرعة قبولها من الوسواس - انتهى.\rفختم آخر آيات الأمثال بما ختم به أولها ترغيباً وترهيباً. أ هـ {نظم الدرر حـ 1 صـ 522}\rقال الفخر :\rاعلم أنه تعالى لما رغب الإنسان في إنفاق أجود ما يملكه حذره بعد ذلك من وسوسة الشيطان فقال : {الشيطان يَعِدُكُمُ الفقر} أي يقال إن أنفقت الأجود صرت فقيراً فلا تبال بقوله فإن الرحمن {يَعِدُكُم مَّغْفِرَةً مّنْهُ وَفَضْلاً}. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 7 صـ 56 ـ 57}\rفائدة\rقال ابن عاشور :\rوقدّم اسم الشيطان مسنداً إليه لأنّ تقديمه مؤذن بذمّ الحكم الذي سيق له الكلام وشؤمِه لتحذير المسلمين من هذا الحكم ، كما يقال في مثال علم المعاني \"السَّفَّاح في دَار صديقك\" ، ولأنّ في تقديم المسند إليه على الخبر الفعلي تَقَوِّيَ الحُكم وتحقيقه. أ هـ {التحرير والتنوير حـ 3 صـ 59}\rفصل\rقال الفخر :\rاختلفوا في الشيطان فقيل إبليس وقيل سائر الشياطين وقيل شياطين الجن والإنس وقيل النفس الأمارة بالسوء. (1) أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 7 صـ 57}\rفصل\rقال الفخر :\rالوعد يستعمل في الخير والشر ، قال الله تعالى : {النار وَعَدَهَا الله الذين كَفَرُواْ} [ الحج : 72 ] ويمكن أن يكون هذا محمولاً على التهكم ، كما في قوله {فَبَشّرْهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٍ}. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 7 صـ 57}\rوقال القرطبى :\rقوله تعالى : {والله يَعِدُكُم مَّغْفِرَةً مِّنْهُ وَفَضْلاً} الوَعْد في كلام العرب إذا أطلق فهو في الخير ، وإذا قُيّد بالموعود ما هو فقد يقدّر بالخير وبالشر كالبشارة.\rفهذه الآية مما يقيد فيها الوعد بالمعنيين جميعاً.\r__________\r(1) كل هذه المعانى تحتملها الآية لكن الأولى حملها على المعنى الأول بدليل قوله تعالى {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ وَمَنْ يَتَّبِعْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ فَإِنَّهُ يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ}(سورة النور ـ 21). والله أعلم بمراده.","part":9,"page":114},{"id":3614,"text":"قال ابن عباس : في هذه الآية اثنتان من الله تعالى واثنتان من الشيطان.\rوروى الترمذِيّ عن عبد الله بن مسعود قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : \" إن للشيطان لَمّةً بابن آدم وللمَلك لَمَّةً فأما لمّة الشيطان فإيعادٌ بالشّر وتكذيبٌ بالحق وأما لَمّة المَلَك فإيعادٌ بالخير وتصديقٌ بالحق فمن وجد ذلك فليعلم أنه من الله ومَن وجد الأُخرى فليتعوّذ بالله من الشيطان ثم قرأ الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشَاءِ \" قال : هذا حديث حسن صحيح.\rويجوز في غير القرآن \"ويأمركم الفحشاء\" بحذف الباء ؛ وأنشد سيبويه : \rأمرتُك الخيرَ فافعل ما أمرتَ به . . .\rفقد تركتك ذا مالٍ وذا نَشَبِ. أ هـ {تفسير القرطبى حـ 3 صـ 328 ـ 329}\rوقال ابن عاشور : \rومعنى {يعدكم} يسوّل لكم وقوعه في المستقبل إذا أنفقتم خيار أموالكم ، وذلك بما يلقيه في قلوب الذين تخلّقوا بالأخلاق الشيطانية.\rوسمّي الإخبار بحصول أمر في المستقبل وعداً مجازاً لأنّ الوعد إخبار بحصول شيء في المستقبل من جهة المخبِر ، ولذلك يقال : أنجز فلان وعده أو أخلف وعده ، ولا يقولون أنجز خَبَره ، ويقولون صدق خَبَرِه وصدَق وعده ، فالوعد أخصّ من الخبر ، وبذلك يؤذن كلام أئِمة اللغة.\rفشُبِّه إلقاء الشيطان في نفوسهم توقّع الفقر بوعد منه بحصوله لا محالة ، ووجه الشبه ما في الوعد من معنى التحقق ، وحسَّن هذا المجاز هنا مشاكلته لقوله : {والله يعدكم مغفرة} فإنّه وعد حقيقي.\rثم إن كان الوعد يطلق على التعهد بالخير والشر كما هو كلام \"القاموس\" تبعاً لفصيح ثعلب ففي قوله يعدكم الفقر مجاز واحد ، وإن كان خاصاً بالخير كما هو قول الزمخشري في الأساس ، ففي قوله : {يعدكم الفقر} مجازان. أ هـ {التحرير والتنوير حـ 3 صـ 59}\rفائدة\rقال أبو السعود : ","part":9,"page":115},{"id":3615,"text":"وإنما عبر عن ذلك بالوعد مع أن الشيطان لم يُضِف مجيءَ الفقرِ إلى جهته للإيذان بمبالغته في الإخبار بتحقق مجيئه كأنه نزّله في تقرّر الوقوعِ منزلةَ أفعالِه الواقعةِ بحسب إرادته ، أو لوقوعه في مقابلة وعدِه تعالى على طريقة المشاكلة. أ هـ {تفسير أبى السعود حـ 1 صـ 262}\rقوله تعالى : {وَيَأْمُرُكُم بالفحشاء}\rفصل\rقال الفخر : \rأما قوله تعالى : {وَيَأْمُرُكُم بالفحشاء} ففيه وجوه الأول : أن الفحشاء هي البخل {وَيَأْمُرُكُم بالفحشاء} أي ويغريكم على البخل إغراء الآمر للمأمور والفاحش عند العرب البخيل ، قال طرفة : \rأرى الموت يعتام الكرام ويصطفي.. عقيلة مال الفاحش المتشدد\rويعتام منقول من عام فلان إلى اللبن إذا اشتهاه وأراد بالفاحش البخيل ، قال تعالى : {وَإِنَّهُ لِحُبّ الخير لَشَدِيدٌ} [ العاديات : 8 ] وقد نبّه الله تعالى في هذه الآية على لطيفة وهي أن الشيطان يخوفه أولاً بالفقر ثم يتوصل بهذا التخويف إلى أن يأمره بالفحشاء ويغريه بالبخل ، وذلك لأن البخل صفة مذمومة عند كل أحد فالشيطان لا يمكنه تحسين البخل في عينه إلا بتقديم تلك المقدمة ، وهي التخويف من الفقر.","part":9,"page":116},{"id":3616,"text":"الوجه الثاني : في تفسير الفحشاء ، وهو أنه يقول : لا تنفق الجيد من مالك في طاعة الله لئلا تصير فقيراً ، فإذا أطاع الرجل الشيطان في ذلك زاد الشيطان ، فيمنعه من الإنفاق في الكلية حتى لا يعطي لا الجيد ولا الرديء وحتى يمنع الحقوق الواجبة ، فلا يؤدي الزكاة ولا يصل الرحم ولا يرد الوديعة ، فإذا صار هكذا سقط وقع الذنوب عن قلبه ويصير غير مبال بارتكابها ، وهناك يتسع الخرق ويصير مقداماً على كل الذنوب ، وذلك هو الفحشاء وتحقيقه أن لكل خلق طرفين ووسطاً فالطرف الكامل هو أن يكون بحيث يبذل كل ما يملكه في سبيل الله الجيد والرديء والطرف الفاحش الناقص لا ينفق شيئاً في سبيل الله لا الجيد ولا الرديء والأمر المتوسط أن يبخل بالجيد وينفق الرديء ، فالشيطان إذا أراد نقله من الطرف الفاضل إلى الطرف الفاحش ، لا يمكنه إلا بأن يجره إلى الوسط ، فإن عصى الإنسان الشيطان في هذا المقام انقطع طمعه عنه ، وإن أطاعه فيه طمع في أن يجره من الوسط إلى الطرف الفاحش ، فالوسط هو قوله تعالى : {يَعِدُكُمُ الفقر} والطرف الفاحش قوله {وَيَأْمُرُكُم بالفحشاء} ثم لما ذكر سبحانه وتعالى درجات وسوسة الشيطان أردفها بذكر إلهامات الرحمن فقال : {والله يَعِدُكُم مَّغْفِرَةً مّنْهُ وَفَضْلاً} فالمغفرة إشارة إلى منافع الآخرة ، والفضل إشارة إلى ما يحصل في الدنيا من الخلق. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 7 صـ 57 ـ 58}\rفوائد لغوية\rقال ابن عاشور : \rالفقر شدّة الحاجة إلى لوازم الحياة لقلة أو فقد ما يعاوض به ، وهو مشتق من فقار الظهر ، فأصله مصدر فَقَره إذا كسر ظهره ، جعلوا العاجز بمنزلة من لا يستطيع أدنى حركة لأنّ الظَّهر هو مجمع الحركات ، ومن هذا تسميتهم المصيبة فاقرة ، وقاصمة الظهر ، ويقال فَقْر وفُقْر وفَقَر وفُقُر بفتح فسكون ، وبفتحتين ، وبضم فسكون ، وبضمتين ، ويقال رجل فقير ، ويقال رجل فَقْر وصفاً بالمصدر.","part":9,"page":117},{"id":3617,"text":"والفحشاء اسم لفعل أو قول شديد السوء واستحقاقِ الذم عرفاً أو شرعاً.\rمشتق من الفحش بضم الفاء وسكون الحاء تجاوز الحد.\rوخصّه الاستعمال بالتجاوز في القبيح ، أي يأمركم بفعل قبيح.\rوهذا ارتقاء في التحذير من الخواطر الشيطانية التي تدعو إلى الأفعال الذميمة ، وليس المراد بالفحشاء البخل لأنّ لفظ الفحشاء لا يطلق على البخل وإن كان البخيل يسمّى فاحشاً.\rوإطلاق الأمر على وسوسة الشيطان وتأثير قوته في النفوس مجاز لأنّ الأمر في الحقيقة من أقسام الكلام.\rوالتعريف في الفحشاء تعريف الجنس. أ هـ {التحرير والتنوير حـ 3 صـ 59 ـ 60}\rلطائف ونفائس للعلامة الفخر\rقال رحمه الله : \rوفي هذه الآية لطيفة وهي أن الشيطان يعدك الفقر في غد دنياك ، والرحمن يعدك المغفرة في غد عقباك ، ووعد الرحمن في غد العقبى أولى بالقبول من وجوه أحدها : أن وجدان غد الدنيا مشكوك فيه ، ووجدان غد العقبى متيقن مقطوع به وثانيها : أن بتقدير وجدان غد الدنيا ، فقد يبقى المال المبخول به ، وقد لا يبقى وعند وجدان غد العقبى لا بد من وجدان المغفرة الموعود بها من عند الله تعالى ، لأنه الصادق الذي يمتنع وجود الكذب في كلامه وثالثها : أن بتقدير بقاء المال المبخول به في غد الدنيا ، فقد يتمكن الإنسان من الانتفاع به وقد لا يتمكن إما بسبب خوف أو مرض أو اشتغال بمهم آخر وعند وجدان غد العقبى الانتفاع حاصل بمغفرة الله وفضله وإحسانه ورابعها : أن بتقدير حصول الانتفاع بالمال المبخول به في غد الدنيا لا شك أن ذلك الانتفاع ينقطع ولا يبقى ، وأما الانتفاع بمغفرة الله وفضله وإحسانه فهو الباقي الذي لا ينقطع ولا يزول ، وخامسها : أن الانتفاع بلذات الدنيا مشوب بالمضار ، فلا ترى شيئاً من اللذات إلا ويكون سبباً للمحنة من ألف وجه بخلاف منافع الآخرة فإنها خالصة عن الشوائب ، ومن تأمل فيما ذكرناه علم أن الانقياد لوعد الرحمن بالفضل والمغفرة أولى من الانقياد لوعد الشيطان.","part":9,"page":118},{"id":3618,"text":"إذا عرفت هذا فنقول : المراد بالمغفرة تكفير الذنوب كما قال : {خُذْ مِنْ أموالهم صَدَقَةً تُطَهّرُهُمْ وَتُزَكّيهِمْ بِهَا} [ التوبة : 103 ] وفي الآية لفظان يدلان على كمال هذه المغفرة أحدها : التنكير في لفظة المغفرة ، والمعنى مغفرة أي مغفرة والثاني : قوله {مَّغْفِرَةً مّنْهُ} فقوله {مِنْهُ} يدل على كمال حال هذه المغفرة لأن كمال كرمه ونهاية جوده معلوم لجميع العقلاء وكون المغفرة منه معلوم أيضاً لكل أحد فلما خص هذه المغفرة بأنها منه علم أن المقصود تعظيم حال هذه المغفرة ، لأن عظم المعطي يدل على عظم العطية ، وكمال هذه المغفرة يحتمل أن يكون المراد منه ما قاله في آية أخرى","part":9,"page":119},{"id":3619,"text":"{فأولئك يُبَدّلُ الله سَيّئَاتِهِمْ حسنات} [ الفرقان : 70 ] ويحتمل أن يكون المراد منه أن يجعله شفيعاً في غفران ذنوب سائر المذنبين ، ويحتمل أن يكون كمال تلك المغفرة أمراً لا يصل إليه عقلنا ما دمنا في دار الدنيا فإن تفاصيل أحوال الآخرة أكثرها محجوبة عنا ما دمنا في الدنيا ، وأما معنى الفضل فهو الخلف المعجل في الدنيا ، وهذا الفضل يحتمل عندي وجوهاً أحدها : أن المراد من هذا الفضل الفضيلة الحاصلة للنفس وهي فضيلة الجود والسخاء ، وذلك لأن مراتب السعادة ثلاث : نفسانية ، وبدنية ، وخارجية ، وملك المال من الفضائل الخارجية وحصول خلق الجود والسخاوة من الفضائل النفسانية وأجمعوا على أن أشرف هذه المراتب الثلاث : السعادات النفسانية ، وأخسها السعادات الخارجية فمتى لم يحصل إنفاق المال كانت السعادة الخارجية حاصلة والنقيضة النفسانية معها حاصلها ومتى حصل الإنفاق حصل الكمال النفساني والنقصان الخارجي ولا شك أن هذه الحالة أكمل ، فثبت أن مجرد الإنفاق يقتضي حصول ما وعد الله به من حصول الفضل والثاني : وهو أنه متى حصل ملكة الإنفاق زالت عن الروح هيئة الاشتغال بلذات الدنيا والتهالك في مطالبها ، ولا مانع للروح من تجلي نور جلال الله لها إلا حب الدنيا ، ولذلك قال عليه الصلاة والسلام : \" لولا أن الشياطين يوحون إلى قلوب بني آدم لنظروا إلى ملكوت السموات \" وإذا زال عن وجه القلب غبار حب الدنيا استنار بأنوار عالم القدس وصار كالكوكب الدري والتحق بأرواح الملائكة ، وهذا هو الفضل لا غير والثالث : وهو أحسن الوجوه : أنه مهما عرف من الإنسان كونه منفقاً لأمواله في وجوه الخيرات مالت القلوب إليه فلا يضايقونه في مطالبه ، فحينئذ تنفتح عليه أبواب الدنيا ، ولأن أولئك الذين أنفق ماله عليهم يعينونه بالدعاء والهمة فيفتح الله عليه أبواب الخير. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 7 صـ 58 ـ 59}\rلطيفة\rقال الآلوسى : ","part":9,"page":120},{"id":3620,"text":"وقدم منافع الآخرة لأنها أهم عند المصدق بها ، وقيل : المغفرة والفضل كلاهما في الآخرة وتقديم الأوّل حينئذٍ لتقدم التخلية على التحلية ولكون رفع المفاسد أولى من جلب المصالح ، وفي الآية {فَمَن زُحْزِحَ عَنِ النار وَأُدْخِلَ الجنة فَقَدْ فَازَ} [ آل عمران : 185 ] وحذف صفة الثاني لدلالة المذكور عليها. أ هـ {روح المعانى حـ 3 صـ 40}\rفائدة\rقال القرطبى : \rذكر النّقاش أن بعض الناس تأنّس بهذه الآية في أن الفقر أفضل من الغنى ، لأن الشيطان إنما يُبعد العبد من الخير ، وهو بتخويفه الفقر يُبعد منه.\rقال ابن عطية : وليس في الآية حجة قاطعة بل المعارضة بها قويّة.\rورُوي أن في التوراة \"عبدي أنفِق من رزقي أَبْسُطْ عليك فضلي فإن يدي مبسوطة على كل يد مبسوطة\".\rوفي القرآن مِصداقه وهو قوله : {وَمَآ أَنفَقْتُمْ مِّن شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ وَهُوَ خَيْرُ الرازقين} [ سبأ : 39 ].\rذكره ابن عباس. أ هـ {تفسير القرطبى حـ 3 صـ 329}\rقوله تعالى {والله واسع عَلِيمٌ}\rقال الفخر : \rختم الآية بقوله {والله واسع عَلِيمٌ} أي أنه واسع المغفرة ، قادر على إغنائكم ، وإخلاف ما تنفقونه وهو عليم لا يخفى عليه ما تنفقون ، فهو يخلفه عليكم. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 7 صـ 59}\rوقال ابن عاشور : \rمعنى \"واسع\" أنّه واسع الفضل ، والوصف بالواسع مشتق من وَسِع المتعدي إذا عمّ بالعطاء ونحوه قال الله تعالى : {ربنا وسعت كل شيء رحمة وعلما} [ غافر : 7 ] ، وتقول العرب : \"لا يسعني أن أفعل كذا\" ، أي لا أجدُ فيه سعة ، وفي حديث علي في وصف رسول الله صلى الله عليه وسلم \" قد وسع الناسَ بِشْرُه وخُلقُه \".\rفالمعنى هنا أنّه وَسِعَ الناس والعالمين بعطائِه. أ هـ {التحرير والتنوير حـ 3 صـ 60}\rفائدة","part":9,"page":121},{"id":3621,"text":"روى الطَّبرانيُّ سليمانُ بْنُ أحْمَدَ ، بسنده عَنْ عبد اللَّه بنِ عمرٍو ، قال : قَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم : \" مَنْ أَطْعَمَ أَخَاهُ حتى يُشْبِعَهُ ، وسَقَاهُ مِنَ المَاءِ ، حتى يَرْوِيَهُ ، بَعَّدَهُ اللَّهُ مِنَ النَّارِ سَبْعَ خَنَادِقَ مَا بَيْنَ كُلِّ خَنْدَقَيْنِ مَسِيرَةُ مِائَةِ عَامٍ \" انتهى.\rوعن أبي سَعيدٍ الخُدْرِيِّ - رضي اللَّه عنه - عَنِ النبيِّ صلى الله عليه وسلم قال : \" أَيُّمَا مُسْلِمٍ كَسَا مُسْلِماً ثَوْباً على عُرْيٍ ، كَسَاهُ اللَّهُ مِنْ خُضْرِ الجَنَّةِ ، وَأَيُّمَا مُسْلِمٍ أَطْعَمَ مُسْلِماً على جُوعٍ أَطْعَمَهُ اللَّهُ مِنْ ثِمَارِ الجَنَّةِ ، وأَيُّمَا مُسْلِمٍ سقى مُسْلِماً على ظَمَإٍ ، سَقَاهُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ مِنَ الرَّحِيقِ المَخْتُومِ \" أخرجه أبو داود ، مِنْ حديثِ أبي خالدٍ ، هو الدَّالانِي ، عن نُبَيْح ، وقد وثَّق أبو حاتم أبا خالدٍ ، وسُئِل أبو زُرْعَة عن نُبَيْح ، فقال : هو كوفيٌّ ثقة. انتهى من \"الإِلمام في أحاديثِ الأحْكَامِ\" ؛ لابن دقيقِ العِيدِ. أ هـ {الجواهر الحسان حـ 1 صـ 225}\rعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : \" ما من يوم يصبح فيه العباد إلاّ وملكان ينزلان يقول : أحدهما اللهم أعط منفقاً خلفاً ويقول الآخر : اللهم أعط ممسكاً تلفاً \"","part":9,"page":122},{"id":3622,"text":"عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : \" قال الله تعالى أنفق ينفق عليك \" وفي رواية \" يد الله ملأى لا تغيضها نفقة سحاء الليل والنهار ، وقال : أرأيتم ما أنفق منذ خلق السموات والأرض فإنه لم يغض ما في يده \" وفي رواية \" فإنه لم يغض ما في يمينه ، وكان عرشه على الماء وبيده الميزان يخفض ويرفع \" {رواه البخاري : في تفسير سورة هود - باب : وكان عرشه على الماء - 8 / 352 وفي التوحيد. ومسلم : في الزكاة - باب الحث على النفقة وتبشير المنفق بالخلف برقم (993) 2 / 690. والبغوى : في شرح السنة : 6 / 154-155}.\rوفي رواية وبيده الأخرى الفيض القبض يرفع ويخفض.\rعن أسماء بنت أبو بكر الصديق قالت : قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم : \" أنفقي ولا تحصي فيحصى عليك ولا توعي فيوعى عليك \". {رواه البخاري : في الهبة - باب : هبة المرأة لغير زوجها وعتقها إذا كان لها زوج 5 / 217. ومسلم : في الزكاة : باب : الحث في الإنفاق وكراهية الإحصاء برقم (1029) 2 / 713. والبغوى : في شرح السنة : 6 / 154}\rقوله : ولا توعي أي لا تشحي فيشح الله عليك فيجازيك بالتقتير في رزقك ولا يخلف عليك ولا يبارك لك ، والمعنى لا تجمعي وتمنعي بل أنفقي ولا تعدي ولا تشحي. أ هـ {تفسير الخازن حـ 1 صـ 193}\rمن لطائف الإمام القشيرى فى الآية\rيَعِدُ الشيطانُ الفقرَ لفقره ، والله يَعِدُ المغفرةَ لكرمه.\rالشيطانُ يعدكم الفقر فيشير عليكم بإحراز المعلوم ، ويقال يشير عليكم - بطاعته- بالحرص ؛ ولا فقرَ فوقه.\rيعدكم الفقر بالإحالة على تدبيركم واختياركم.\rيعدكم الفقر بنسيان ما تَعَوَّدْتُموه من فضله - سبحانه.\rويقال يعدكم الفقر بأنه لا يزيد شكايتك.\rويقال يعدكم الفقر بتعليق قلبك بما لا تحتاج إليه.\rويقال بالتلبيس عليك رؤية كفايته.","part":9,"page":123},{"id":3623,"text":"{وَيَأْمُرُكُم بِالفَحْشَاءِ} أي الرغبة في الدنيا ، ويقال بالأسباب التي تقوي الحرص ، ويقال بكثرة الأمل ونسيان القناعة ، ويقال بمتابعة الشهوات ، ويقال بإيثار الحظوظ ، ويقال بالنظر إلى غيره ، ويقال بإخطار شيء سواه ببالك.\rويقال بالانحطاط إلى أوطان الرُّخص والتأويلات بعد وضوح الحق.\rويقال بالرجوع إلى ما تركته لله.\r{وَاللهُ يَعِدُكُم مَّغْفِرَةً مِّنْهُ وَفَضْلاً} : الفضل الموعود - في العاجل - القناعة ، وفي الآجل الثواب والجنان والرؤية والرضوان و(.... ) والغفران.\rويقال في العاجل الظفر بالنفس ، ويقال فتح باب العرفان ، ونشر بساط القرب ، والتلقي لمكاشفات الأنْس. أ هـ {لطائف الإشارات حـ 1 صـ 206 ـ 207}","part":9,"page":124},{"id":3626,"text":"من لطائف العلامة ابن القيم فى الآية\rقال عليه الرحمة : \rقوله تعالى {الشيطان يعدكم الفقر ويأمركم بالفحشاء والله يعدكم مغفرة منه وفضلا والله واسع عليم}\rهذه الآية تتضمن الحض على الإنفاق والحث عليه بأبلغ الألفاظ وأحسن المعاني فإنها اشتملت على بيان الداعي إلى البخل والداعي إلى البذل والإنفاق وبيان ما يدعوه إليه داعي البخل وما يدعو إليه داعي الإنفاق وبيان ما يدعو به داعي الأمرين فأخبر سبحانه أن الذي يدعوهم إلى البخل والشح هو الشيطان وأخبر أن دعوته هي بما يعدهم به ويخوفهم من الفقر إن أنفقوا أموالهم وهذا هو الداعي الغالب على الخلق فإنه يهم بالصدقة والبذل فيجد في قلبه داعيا يقول له متى أخرجت هذا دعتك الحاجة إليه وافتقرت إليه بعد إخراجه وإمساكه خير لك حتى لا تبقى مثل الفقير فغناك خير لك من غناه فإذا صور له هذه الصورة أمره بالفحشاء وهي البخل الذي هو من أقبح الفواحش وهذا إجماع من المفسرين أن الفحشاء هنا البخل فهذا وعده وهذا أمره وهو الكاذب في وعده الغار الفاجر في أمره فالمستجيب لدعوته مغرور مخدوع مغبون فإنه يدلي من يدعوه بغروره ثم يورده شر الموارد كما قال\rدلاهم بغرور ثم أوردهم ... إن الخبيث لمن والاه غرار","part":9,"page":125},{"id":3627,"text":"هذا وإن وعده له الفقر ليس شفقة عليه ولا نصيحة له كما ينصح الرجل أخاه ولا محبة في بقائه غنيا بل لا شيء أحب إليه من فقره وحاجته وإنما وعده له بالفقر وأمره إياه بالبخل ليسيء ظنه بربه ويترك ما يحبه من الإنفاق لوجهه فيستوجب منه الحرمان وأما الله سبحانه فإنه يعد عبده مغفرة منه لذنوبه وفضلا بأن يخلف عليه أكثر مما أنفق وأضعافه إما في الدنيا أو في الدنيا والآخرةفهذا وعد الله وذاك وعد الشيطان فلينظر البخيل والمنفق أي الوعدين هو أوثق وإلى أيهما يطمئن قلبه وتسكن نفسه والله يوفق من يشاء ويخذل من يشاء وهو الواسع العليم وتأمل كيف ختم هذه الآية بهذين الاسمين فإنه واسع العطاء عليم بمن يستحق فضله ومن يستحق عدله فيعطي هذا بفضله ويمنع هذا بعدله وهو بكل شيء عليم فتأمل هذه الآيات ولا تستطل بسط الكلام فيها فإن لها شأنا لا يعقله إلا من عقل عن الله خطابه وفهم مراده وتلك الأمثال نضربها للناس وما\rيعقلها إلا العالمون. أ هـ {طريق الهجرتين صـ 553 ـ 555}","part":9,"page":126},{"id":3629,"text":"بحث نفيس لحجة الإسلام الغزالى\rفى بيان تسلط الشيطان على القلب بالوساوس ومعنى الوسوسة وسبب غلبتها\rقال عليه الرحمة : \rاعلم أن القلب كما ذكرناه مثل قبة مضروبة لها أبواب تنصب إليه الأحوال من كل باب ومثاله أيضا مثال هدف تنصب إليه السهام من الجوانب أو هو مثال مرآة منصوبة تجتاز عليها أصناف الصور المختلفة فتتراءى فيها صورة بعد صورة ولا تخلو عنها أو مثال حوض تنصب فيه مياه مختلفة من أنهار مفتوحة إليه وإنما مداخل هذه الآثار المتجددة في القلب في كل حال أما من الظاهر فالحواس الخمس وأما من الباطن فالخيال والشهوة والغضب والأخلاق المركبة من مزاج الإنسان فإنه إذا أدرك بالحواس شيئا حصل منه أثر في القلب وكذلك إذا هاجت الشهوة مثلا بسبب كثرة الأكل وبسبب قوة في المزاج حصل منها في القلب أثر وإن كف عن الإحساس فالخيالات الحاصلة في النفس تبقى وينتقل الخيال من شيء إلى شيء وبحسب انتقال الخيال ينتقل القلب من حال إلى حال آخر والمقصود أن القلب في التغير والتأثر دائما من هذه الأسباب وأخص الآثار الحاصلة في القلب هو الخواطر وأعني بالخواطر ما يحصل فيه من الآفكار والأذكار وأعني به إدراكاته علوما إما على سبيل التجدد وإما على سبيل التذكر فإنها تسمى خواطر من حيث إنها تخطر بعد أن كان القلب غافلا عنها والخواطر هي المحركات للإرادات فإن النية والعزم والإرادة إنما تكون بعد خطور المنوى بالبال لا محالة فمبدأ الأفعال الخواطر ثم الخاطر يحرك الرغبة والرغبة تحرك العزم والعزم يحرك النية والنية تحرك الأعضاء والخواطر المحركة للرغبة تنقسم إلى ما يدعو إلى الشر أعني إلى ما يضر في العاقبة وإلى ما يدعو إلى الخير أعني إلى ما ينفع في الدار الآخرة فهما خاطران مختلفان فافتقرا إلى اسمين مختلفين فالخاطر المحمود يسمى إلهاما والخاطر المذموم أعني الداعي إلى الشر يسمى وسواسا ثم إنك تعلم أن هذه الخواطر حادثة ثم إن كل حادث فلا بد له من محدث ومهما اختلفت الحوادث دل ذلك على اختلاف الأسباب هذا ما عرف من سنة الله تعالى في ترتيب المسببات على الأسباب","part":9,"page":127},{"id":3630,"text":"فمهما استنارت حيطان البيت بنور النار وأظلم سقفه واسود بالدخان علمت أن سبب السواد غير سبب الأستنارة\rوكذلك لأنوار القلب وظلمته سببان مختلفان فسبب الخاطر الداعي إلى الخير يسمى ملكا وسبب الخاطر الداعي إلى الشر يسمى شيطانا واللطف الذي يتهيأ به القلب لقبول إلهام الخير يسمى توفيقا والذي به يتهيأ لقبول وسواس الشيطان يسمى إغواء وخذلانا فإن المعاني المختلفة تفتقر إلى أسامي مختلفة والملك عبارة عن خلق خلقه الله تعالى شأنه إفاضة الخير وإفادة العلم وكشف الحق والوعد بالخير والأمر بالمعروف وقد خلقه وسخره لذلك والشيطان عبارة عن خلق شأنه ضد ذلك وهو الوعد بالشر والأمر بالفحشاء والتخويف عند الهم بالخير بالفقر فالوسوسة في مقابلة الإلهام والشيطان في مقابلة الملك والتوفيق في مقابلة الخذلان وإليه الإشارة بقوله تعالى ومن كل شيء خلقنا زوجين فإن الموجودات كلها متقابلة مزدوجة إلا الله تعالى فإنه فرد لا مقابل له بل هو الواحد الحق الخالق للأزواج كلها فالقلب متجاذب بين الشيطان والملك وقد قال صلى الله عليه وسلم في القلب لمتان لمة من الملك إيعاد بالخير وتصديق بالحق فمن وجد ذلك فليعلم أنه من الله سبحانه وليحمد الله ولمة من العدو إيعاد بالشر وتكذيب بالحق ونهي عن الخير فمن وجد ذلك فليستعذ بالله من الشيطان الرجيم ثم تلا قوله تعالى الشيطان يعدكم الفقر ويأمركم بالفحشاء // حديث في القلب لمتان لمة من الملك إيعاد بالخير الحديث أخرجه الترمذي وحسنه والنسائي في الكبرى من حديث ابن مسعود // أخرجه الترمذي والنسائي // الآية وقال الحسن إنما هما همان يجولان في القلب هم من الله تعالى وهم من العدو فرحم الله عبدا وقف عند همه فما كان من الله تعالى أمضاه وما كان من عدوه جاهده","part":9,"page":128},{"id":3631,"text":"ولتجاذب القلب بين هذين المسلطين قال رسول الله صلى الله عليه وسلم قلب المؤمن بين أصبعين من أصابع الرحمن // حديث قلب المؤمن بين أصبعين الحديث تقدم فالله يتعالى عن أن يكون له أصبع مركبة من لحم ودم وعصب منقسمة بالأنامل ولكن روح الأصبع سرعة التقليب والقدرة على التحريك والتغيير فإنك لا تريد أصبعك لشخصه بل لفعله في التقليب والترديد كما أنك تتعاطى الأفعال بأصابعك والله تعالى يفعل ما يفعل باستسخار الملك والشيطان وهما مسخران بقدرته في تقليب القلوب كما أن أصابعك مسخرة لك في تقليب الأجسام مثلا والقلب بأصل الفطرة صالح لقبول آثار الملك ولقبول آثار الشيطان صلاحا متساويا ليس يترجح أحدهما على الآخر وإنما يترجح أحد الجانبين باتباع الهوى والإكباب على الشهوات أو الإعراض عنها ومخالفتها فإن اتبع الإنسان مقتضى الغضب والشهوة ظهر تسلط الشيطان بواسطة الهوى وصار القلب عش الشيطان ومعدنه لأن الهوى هو مرعى الشيطان ومرتعه وإن جاهد الشهوات ولم يسلطها على نفسه وتشبه بأخلاق الملائكة عليهم السلام صار قلبه مستقر الملائكة ومهبطهم ولما كان لا يخلو قلب عن شهوة وغضب وحرص وطمع وطول أمل إلى غير ذلك من صفات البشرية المتشعبة عن الهوى لا جرم لم يخل قلب عن أن يكون للشيطان فيه جولان بالوسوسة ولذلك قال صلى الله عليه وسلم ما منكم\rمن أحد إلا وله شيطان قالوا وأنت يا رسول الله قال وأنا إلا أن الله أعانني عليه فأسلم فلا يأمر إلا بخير // حديث ما منكم من أحد إلا وله شيطان الحديث أخرجه مسلم من حديث ابن مسعود // أخرجه مسلم //","part":9,"page":129},{"id":3632,"text":"وإنما كان هذا لأن الشيطان لا يتصرف إلا بواسطة الشهوة فمن أعانه الله على شهوته حتى صارت لا تنبسط إلا حيث ينبغي وإلى الحد الذي ينبغي فشهوته لا تدعو إلى الشر فالشيطان المتدرع بها لا يأمر إلا بالخير ومهما غلب على القلب ذكر الدنيا بمقتضيات الهوى وجد الشيطان مجالا فوسوس ومهما انصرف القلب إلى ذكر الله تعالى ارتحل الشيطان وضاق مجاله وأقبل الملك وألهم والتطارد بين جندي الملائكة والشياطين في معركة القلب دائم إلى أن ينفتح القلب لأحدهما فيستوطن ويستمكن ويكون اجتياز الثاني اختلاسا وأكثر القلوب قد فتحتها جنود الشياطين وتملكتها فامتلأت بالوساوس الداعية إلى إيثار العاجلة واطراح الآخرة ومبدأ استيلائها اتباع الشهوات والهوى ولا يمكن فتحها بعد ذلك إلا بتخلية القلب عن قوت الشيطان وهو الهوى والشهوات وعمارته بذكر الله تعالى الذي هو مطرح أثر الملائكة وقال جابر بن عبيدة العدوي شكوت إلى العلاء بن زياد ما أجد في صدري من الوسوسة فقال إنما مثل ذلك مثل البيت الذي يمر به اللصوص فإن كان فيه شيء عالجوه وإلا مضوا وتركوه يعني أن القلب الخالي عن الهوى لا يدخله الشيطان ولذلك قال الله تعالى إن عبادي ليس لك عليهم سلطان فكل من اتبع الهوى فهو عبد الهوى لا عبد الله ولذلك سلط الله عليه الشيطان وقال تعالى أفرأيت من اتخذ إلهه هواه وهو إشارة إلى أن من الهوى إلهه ومعبوده فهو عبد الهوى لا عبد الله\rولذلك قال عمرو ابن العاص للنبي صلى الله عليه وسلم يا رسول الله حال الشيطان بيني وبين صلاتي وقراءتي فقال ذلك شيطان يقال له خنزب فإذا أحسسته فتعوذ بالله منه واتفل على يسارك ثلاثا قال ففعلت ذلك فأذهبه الله عني // حديث ابن أبي العاص إن الشيطان حال بيني وبين صلاتي الحديث أخرجه مسلم من حديث ابن أبي العاص // أخرجه مسلم //","part":9,"page":130},{"id":3633,"text":"وفي الخبر إن للوضوء شيطانا يقال له الولهان فاستعيذوا بالله منه // حديث إن للوضوء شيطانا يقال له الولهان الحديث أخرجه ابن ماجه والترمذي من حديث أبي بن كعب وقال غريب وليس إسناده بالقوي عند أهل الحديث // أخرجه ابن ماجه والترمذي غريب وليس اسناده بالقوي // ولا يمحو وسوسة الشيطان من القلب إلا ذكر ما سوى ما يوسوس به لأنه إذا خطر في القلب ذكر شيء انعدم منه ما كان فيه من قبل ولكن كل شيء سوى الله تعالى وسوى ما يتعلق به فيجوز أيضا أن يكون مجالا للشيطان وذكر الله هو الذي يؤمن جانبه ويعلم أنه ليس للشيطان فيه مجال ولا يعالج الشيء إلا بضده وضد جميع وساوس الشيطان ذكر الله بالاستعاذة والتبري عن الحول والقوة وهو معنى قولك أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم وذلك لا يقدر عليه إلا المتقون الغالب عليهم ذكر الله تعالى وإنما الشيطان يطوف عليهم في أوقات الفلتات على سبيل الخلسة قال الله تعالى {إن الذين اتقوا إذا مسهم طائف من الشيطان تذكروا فإذا هم مبصرون}. أ هـ {الإحياء حـ 3 صـ 26 ـ 28}","part":9,"page":131},{"id":3634,"text":"قوله تعالى : {يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ (269)}\rمناسبة الآية لما قبلها\rقال البقاعى : \rولما انقضى الكلام في الإنفاق والمال المنفق على هذا الأسلوب الحكيم تصريحاً وتلويحاً وختم ذلك بهاتين الصفتين وتضمن ذلك مع التصريح بأنه عليم أنه حكيم أتبع ذلك الوصف بأن من سعته وعلمه وحكمته أنه يهب من صفاته ما يشاء لمن يشاء بأن يؤتيه الحكمة فيوقفه على علم ما خفي من هذه الأمثال المتقنة والأقوال الحسنة تصريحاً وتلويحاً ويوفقه للعمل بذلك إنشاء وتصحيحاً فقال تعالى منبهاً على ترجيح العمل بأمر الرحمن وقبول وعده بأنه على مقتضى العقل والحكمة وأن أمر الشيطان ووعده على وفق الهوى والشهوة : - وقال الحرالي : ولما أبدى سبحانه وتعالى أمر الآخرة وأظهر ما فيها وبين أمر الدنيا من الترتيب والتسبيب ورجع بعضها على بعض عوداً على بدء أنبأ تعالى أن ذلك من حكمته وأنهى الحكمة لما فيها من استيفاء حكمة الدارين فليس الحكيم من علم أمر الدنيا بل من علم أمر ما بين الدنيا والآخرة فداوى أدواء الدنيا بدواء الآخرة وداوى النفس بدواء الدارين وضم جوامعها في تيسير الكلم كما ضمّها لمن اصطفاه {ذلك مما أوحى إليك ربّك من الحكمة} [ النحل : 39 ] فقال سبحانه وتعالى : {يؤتي الحكمة} انتهى.\rوفي ترتيبها على واسع عليم بعد غني حميد بعد عزيز حكيم التحذير من التعريض لإنفاق ما يرده لعزته وغناه وسعته ويذم عليه لعلمه لرداءته أو فساد في نيته وإن خفي فإن ذلك خارج عن منهاج الحكمة منا ومقتضى الحكمة منه سبحانه وتعالى كما وقع لقابيل إذ قرب رديئاً كما هو مشهور في قصته ، ","part":9,"page":132},{"id":3635,"text":"ولعله لوح إليه بالتذكر في ختام هذه الآية ثم بقوله : {وما للظالمين من أنصار} فصار كأنه قال سبحانه وتعالى : واعلم أن الله عزيز حكيم يؤتي الحكمة وهي العلم بالأشياء على ما هي عليه المزين بالعمل والعمل المتقن بالعلم {من يشاء} من عباده ، \rثم مدح من حلاه بها فقال مشيراً ببناء الفعل للمفعول إلى أنها مقصودة في نفسها : {ومن يؤت الحكمة} أي التي هي صفة من صفاته ، \rوأشار بالتعريف إلى كمالها بحسب ما تحتمله قوى العبيد ، \rوالحكمة قوة تجمع أمرين : العلم المطابق وفعل العدل وهو العمل على وفق العلم.\rقال الأصبهاني : والقرآن مملوء من الآيات الدالة على أن كمال الإنسان ليس إلا هاتين القوتين {فقد أوتي خيراً كثيراً} قال الحرالي ما معناه : إنه نكرة لما في الحكمة من التسبب الذي فيه كلفة ولو يسرت فكان الخير الكثير المعرف في الكلمة لما فيها من اليسر والحياطة والإنالة الذي لا ينال منه منال بسبب وإنما هو فضله يؤتيه من يشاء فيصير سبحانه وتعالى سمعه وبصره - إلى آخره.\rولما كان التقدير : فإن ذلك الذي أوتي الحكمة يصير ذا لبّ فيتأهل لأن يتذكر بما يلقيه الله سبحانه وتعالى من كلمته ما بثّ في الأنفس والآفاق من حكمته وصل به قوله : {وما يذكر} أي بكلام الله سبحانه وتعالى حكمه {إلا أولوا الألباب} أي أصحاب العقول الصافية عن دواعي الهوى المنبعثة من التوهمات الحاصلة عن الوسوسة فهم يترقون بالتذكر بأنهم لا حول لهم عن المسببات إلى أسبابها إلى أن يصلوا إلى مسببها فيعرفوه حق معرفته.\rوقال الحرالي : الذين لهم لب العقل الذي ينال لب الحس كأن الدنيا قشر تنال بظاهر العقل ، \rوالآخرة لب تنال بلب العقل ظاهراً لظاهر وباطناً لباطن ، \rمن تذكر ابتداء من الابتداءات السابقة ورد عليه فضل الله منه ، \rمن رجع من حسه إلى نفسه تنشأت له أوصاف الفضائل النفسانية وترقى عما في محسوسه من المهاوي الشهوانية ، ","part":9,"page":133},{"id":3636,"text":"ومن تخلص من نفسه إلى روحه تحسس بالوصلة الرحمانية والمحبة الربانية ، \rكذلك من ترقى من روحه إلى أمره تحقق بالإحاطة الوحدانية ، \rومن استبطن من أمره إلى سره اجتمع إلى الأولية الفردانية ؛ فهذا الترتيب من كمالات هذه الحكمة المؤتاة المنزلة بالوحي في هذا الكتاب الجامع لنبأ ما سبق وخبر ما لحق وباطن ما ظهر أنهى تعالى إلى ذكرها أعمال الخلق وخصوصاً في الجود بالموجود كما أنهى إقامة مبنى الدين بظهور وجوده ، \rفأنهى تنزيل أمره بظهور وجوده وأنهى استخلاف عباده بالانتهاء إلى مدد جوده ، \rفكان أعلى الحكمة الجود بالموجود فبذلك - والله سبحانه وتعالى أعلم - اتصل ذكر آية الحكمة بالإنفاق نظماً وبآية الكرسي مناظرة - انتهى. أ هـ {نظم الدرر حـ 1 صـ 523 ـ 524}\rقال ابن عاشور : \rقوله تعالى : {يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشَاءُ}\rهذه الجملة اعتراض وتذييل لما تضمنته آيات الإنفاق من المواعظ والآدَاب وتلقين الأخلاق الكريمة ، مِما يكسب العاملين به رجاحة العقل واستقامة العمل.\rفالمقصود التنبيه إلى نفاسة ما وعظهم الله به ، وتنبيههم إلى أنّهم قد أصبحوا به حكماء بعد أن كانوا في جاهلية جهلاء.\rفالمعنى : هذا من الحكمة التي آتاكم الله ، فهو يؤتى الحكمة من يشاء ، وهذا كقوله : {وما أنزل عليكم من الكتاب والحكمة يعظكم به} [ البقرة : 231 ]. أ هـ {التحرير والتنوير حـ 3 صـ 60 ـ 61}\rقال الفخر : ","part":9,"page":134},{"id":3637,"text":"اعلم أنه تعالى لما ذكر في الآية المتقدمة أن الشيطان يعد بالفقر ويأمر بالفحشاء ، وأن الرحمن يعد بالمغفرة والفضل نبّه على أن الأمر الذي لأجله وجب ترجيح وعد الرحمن على وعد الشيطان هو أن وعد الرحمن ترجحه الحكمة والعقل ، ووعد الشيطان ترجحه الشهوة والنفس من حيث إنهما يأمران بتحصيل اللذة الحاضرة واتباع أحكام الخيال والوهم ، ولا شك أن حكم الحكمة والعقل هو الحكم الصادق المبرأ عن الزيغ والخلل ، وحكم الحس والشهوة والنفس توقع الإنسان في البلاء والمحنة ، فكان حكم الحكمة والعقل أولى بالقبول ، فهذا هو الإشارة إلى وجه النظم. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 7 صـ 59}\rفصل\rقال أبو حيان : \rالحكمة : القرآن ، قاله ابن مسعود ، ومجاهد ، والضحاك ، ومقاتل في آخرين.\rوقال ابن عباس فيما رواه عنه علي بن طلحة : معرفة ناسخ القرآن ومنسوخه ، ومحكمه ومتشابهه ، ومقدّمه ومؤخره.\rوقال ، فيما رواه عنه أبو صالح : النبوّة ، وقاله السدي.\rوقال إبراهيم ، وأبو العالية ، وقتادة : الفهم في القرآن.\rوقال مجاهد فيما رواه عنه ليث : العلم والفقه ؛ وقال فيما رواه عنه ابن نجيح : الإصابة في القول والفعل ، وقاله مجاهد.\rوقال الحسن : الورع في دين الله ، وقال الربيع بن أنس : الخشية ، وقال ابن زيد ، وأبوه زيد بن أسلم : العقل في أمر الله.\rوقال شريك : الفهم.\rوقال ابن قتيبة : العلم والعمل ، لا يسمى حكيماً حتى يجمعهما.\rوقال مجاهد أيضاً : الكتابة.\rوقال ابن المقفع : ما يشهد العقل بصحته ، وقال القشيري ، وقال فيما روى عنه ابن القاسم : التفكر في أمر الله والاتباع له ، وقال أيضاً : طاعة الله والفقه والدين والعمل به.\rوقال عطاء : المغفرة.\rوقال أبو عثمان : نور يفرق به بين الوسواس والمقام.\rووجدت في نسخة : والإلهام بدل المقام.\rوقال القاسم بن محمد : أن يحكم عليك خاطر الحق دون شهوتك.\rوقال بندار بن الحسين : سرعة الجواب مع إصابة الصواب.","part":9,"page":135},{"id":3638,"text":"وقال المفضل : الردّ إلى الصواب.\rوقال الكتاني : ما تسكن إليه الأرواح.\rوقيل إشارة بلا علة ، وقيل : إشهاد الحق على جميع الأحوال.\rوقيل : صلاح الدين وإصلاح الدنيا.\rوقيل : العلم اللدني.\rوقيل : تجريد السر لورود الإلهام.\rوقيل : التفكر في الله تعالى ، والاتباع له.\rوقيل : مجموع ما تقدّم ذكره : فهذه تسع وعشرون مقالة لأهل العلم في تفسير الحكمة.\rقال ابن عطية ، وقد ذكر جملة من الأقوال في تفسير الحكمة ما نصه : وهذه الأقوال كلها ، ما عدا قول السدي ، قريب بعضها من بعض ، لأن الحكمة مصدر من الإحكام وهو الإتقان في عمل أو قول ، وكتاب الله حكمة ، وسنة نبيه حكمة ، وكل ما ذكر فهو جزء من الحكمة التي هي الجنس. انتهى كلامه.\rوقد تقدّم تفسير الحكمة في قوله : {ويعلمهم الكتاب والحكمة ويزكيهم} فكان يغني عن إعادة تفسيرها هنا ، إلاَّ أنه ذكرت هنا أقاويل لم يذكرها المفسرون هناك ، فلذلك فسرت هنا. أ هـ {البحر المحيط حـ 2 صـ 334}\rوقال الخازن فى المراد بالحكمة ما نصه : \rوقال الضحاك : القرآن والفهم فيه وإنما قال : ذلك لتضمن القرآن الحكمة وقال في القرآن : مائة وتسع آيات ناسخه ومنسوخه وألف آية حلال وحرام لا يسع المؤمنين تركهن حتى يعلمونهن ولا يكونوا كأهل النهروان يعني الخوارج تأولوا آيات من القرآن في أهل القبلة وإنما نزلت في أهل الكتاب فجهلوا علمها فسفكوا بها الدماء ، وانتهبوا الأموال وشهدوا على أهل السنة بالضلالة فعليكم بعلم القرآن فإنه من علم فيما نزل لم يختلف في شيء منه ، وقيل : هي القرآن والعلم والفقه وقيل هي الإصابة في القول والفعل ، وحاصل هذه الأقوال إلى شيئين : العلم والإصابة فيه ، ومعرفة الأشياء بذواتها وأصل الحكمة المنع ومنه حكمه الدابة لأنها تمنعها قال الشاعر : \rأبني حنيفة أحكموا سفهاءكم . . .\rأي امنعوا سفهاءكم ، وقال السدي : الحكمة النبوة لأن النبي يحكم بين الناس فهو حاكم. أ هـ {تفسير الخازن حـ 1 صـ 193}","part":9,"page":136},{"id":3639,"text":"وقال ابن كثير : \rوالصحيح أن الحكمة -كما قاله الجمهور -لا تختص بالنبوة ، بل هي أعم منها ، وأعلاها النبوة ، والرسالة أخص ، ولكن لأتباع الأنبياء حظ من الخير على سبيل التبَع ، كما جاء في بعض الأحاديث : \"من حفظ القرآن فقد أدْرِجَت النبوة بين كتفيه غير أنه لا يوحى إليه\". {في إسناده إسماعيل بن رافع المدني ضعفه أحمد وابن معين والنسائي وقال ابن عدي : أحاديثه كلها مما فيه نظر}. أ هـ {تفسير ابن كثير حـ 1 صـ 701}\rوقال القرطبى : \rأصل الحكمة ما يمتنع به من السّفَه ؛ فقيل للعلم حكمة ؛ لأنه يُمتنع به ، وبه يعلم الإمتناع من السّفه وهو كل فعل قبيح ، وكذا القرآن والعقل والفهم.\rوفي البخاريّ : \" من يُرِد الله به خيراً يفقّهه في الدين \" وقال هنا : \"ومَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً\" وكرر ذِكر الحِكمة ولم يضمرها اعتناءً بها ، وتنبيهاً على شرفها وفضلها حسب ما تقدّم بيانه عند قوله تعالى : {فَبَدَّلَ الذين ظَلَمُواْ قَوْلاً} [ البقرة : 59 ].\rوذكر الدّارميّ أبو محمد في مسنده : حدّثنا مروان بن محمد حدّثنا رِفْدة الغسّانيّ قال أخبرنا ثابت بن عجلان الأنصاريّ قال : كان يقال : إن الله ليريد العذاب بأهل الأرض فإذا سمع تعليم المعلّم الصبيان الحكمة صرف ذلك عنهم.\rقال مروان : يعني بالحكمة القرآن. أ هـ {تفسير القرطبى حـ 3 صـ 330}\rوقال الفخر : ","part":9,"page":137},{"id":3640,"text":"المراد من الحكمة إما العلم وإما فعل الصواب يروى عن مقاتل أنه قال : تفسير الحكمة في القرآن على أربعة أوجه أحدها : مواعظ القرآن ، قال في البقرة {وَمَا أَنزَلَ عَلَيْكُم مّنَ الكتاب والحكمة يَعِظُكُم بِهِ} [ البقرة : 231 ] يعني مواعظ القرآن وفي النساء {وَمَا أَنزَلَ عَلَيْكُم مّنَ الكتاب والحكمة} يعني المواعظ ، ومثلها في آل عمران وثانيها : الحكمة بمعنى الفهم والعلم ، ومنه قوله تعالى : {وَآتَيْنَاهُ الحكم صَبِيّاً} [ مريم : 12 ] وفي لقمان {وَلَقَدْ ءَاتَيْنَا لُقْمَانَ الحكمة} [ لقمان : 12 ] يعني الفهم والعلم وفي الأنعام {أولئك الذين ءاتيناهم الكتاب والحكم} [ الأنعام : 89 ] وثالثها : الحكمة بمعنى النبوّة في النساء {فَقَدْ ءاتَيْنَا ءَالَ إبراهيم الكتاب والحكمة} [ النساء : 54 ] يعني النبوّة ، وفي ص {وءاتيناه الحكمة وفصل الخطاب} [ ص : 20 ] يعني النبوّة ، وفي البقرة {وآتاه الله الملك والحكمة} [ البقرة : 251 ] ورابعها : القرآن بما فيه من عجائب الأسرار في النحل {ادع إلى سَبِيلِ رَبّكَ بالحكمة} [ النحل : 125 ] وفي هذه الآية {وَمَن يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِىَ خَيْرًا كَثِيرًا} وجميع هذه الوجوه عند التحقيق ترجع إلى العلم ، ثم تأمل أيها المسكين فإنه تعالى ما أعطى إلا القليل من العلم ، قال تعالى : {وَمَا أُوتِيتُم مّن العلم إِلاَّ قَلِيلاً} [ الإسراء : 85 ] وسمى الدنيا بأسرها قليلا ، فقال : {قُلْ متاع الدنيا قَلِيلٌ} [ النساء : 77 ] وانظر كم مقدار هذا القليل حتى تعرف عظمة ذلك الكثير ، والبرهان العقلي أيضاً يطابقه لأن الدنيا متناهية المقدار ، متناهية المدة ، والعلوم لا نهاية لمراتبها وعددها ومدة بقائها ، والسعادة الحاصلة منها ، وذلك ينبئك على فضيلة العلم والاستقصاء في هذا الباب قد مرّ في تفسير قوله تعالى : {وَعَلَّمَ ءادَمَ الأسماء كُلَّهَا} [ البقرة : 31 ] وأما الحكمة بمعنى فعل","part":9,"page":138},{"id":3641,"text":"الصواب فقيل في حدها : إنها التخلق بأخلاق الله بقدر الطاقة البشرية ، ومداد هذا المعنى على قوله صلى الله عليه وسلم : \" تخلقوا بأخلاق الله تعالى \" واعلم أن الحكمة لا يمكن خروجها عن هذين المعنيين ، وذلك لأن كمال الإنسان في شيئين : أن يعرف الحق لذاته ، والخير لأجل العمل به ، فالمرجع بالأول : إلى العلم والإدراك المطابق ، وبالثاني : إلى فعل العدل والصواب ، فحكي عن إبراهيم صلى الله عليه وسلم قوله","part":9,"page":139},{"id":3642,"text":"{رَبّ هَبْ لِى حُكْماً} [ الشعراء : 83 ] وهو الحكمة النظرية {وَأَلْحِقْنِى بالصالحين} [ الشعراء : 83 ] الحكمة العملية ، ونادى موسى عليه السلام فقال : {إِنَّنِى أَنَا الله لا إله إِلا أَنَاْ} وهو الحكمة النظرية ، ثم قال : {فاعبدنى} وهو الحكمة العملية ، وقال عن عيسى عليه السلام إنه قال : {إِنّى عَبْدُ الله} [ مريم : 30 ] الآية ، وكل ذلك للحكمة النظرية ، ثم قال : {وأوصاني بالصلاة والزكاة ما دمت حيّا} [ مريم : 31 ] وهو الحكمة العملية ، وقال في حق محمد صلى الله عليه وسلم : {فاعلم أَنَّهُ لاَ إله إِلا الله} [ محمد : 19 ] وهو الحكمة النظرية ، ثم قال : {واستغفر لِذَنبِكَ} [ غافر : 55 ] [ محمد : 19 ] وهو الحكمة العملية ، وقال في جميع الأنبياء {يُنَزّلُ الملائكة بالروح مِنْ أَمْرِهِ على مَن يَشَآءُ مِنْ عِبَادِهِ أَنْ أَنْذِرُواْ أَنَّهُ لا إله إِلا أَنَاْ} [ النحل : 2 ] وهو الحكمة النظرية : ثم قال : {فاتقون} وهو الحكمة العملية ، والقرآن هو من الآية الدالة على أن كمال حال الإنسان ليس إلا في هاتين القوتين ، قال أبو مسلم : الحكمة فعلة من الحكم ، وهي كالنحلة من النحل ، ورجل حكيم إذا كان ذا حجى ولب وإصابة رأي ، وهو في هذا الموضع في معنى الفاعل ويقال : أمر حكيم ، أي محكم ، وهو فعيل بمعنى مفعول ، قال الله تعالى : {فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ} [ الدخان : 4 ] وهذا الذي قاله أبو مسلم من اشتقاق اللغة يطابق ما ذكرناه من المعنى. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 7 صـ 59 ـ 60}\rفصل\rقال ابن عاشور : \rوالحكمة إتقان العلم وإجراء الفعل على وفق ذلك العلم ، فلذلك قيل : نزلت الحكمة على ألسنة العرب ، وعقول اليونان ، وأيدي الصينيين.","part":9,"page":140},{"id":3643,"text":"وهي مشتقة من الحُكْم وهو المنع لأنّها تمنع صاحبها من الوقوع في الغلط والضلال ، قال تعالى : {كتاب أحكمت آياته} [ هود : 1 ] ، ومنه سميت الحديدة التي في اللجام وتجعل في فم الفرس ، حَكَمَة.\rومن يشاء الله تعالى إيتاءه الحكمة هو الذي يخلقه مستعداً إلى ذلك ، من سلامة عقله واعتدال قواه ، حتى يكون قابلاً لفهم الحقائق منقاداً إلى الحق إذا لاح له ، لا يصدّه عن ذلك هوى ولا عصبية ولا مكابرة ولا أنفة ، ثم ييسّر له أسباب ذلك من حضور الدعاة وسلامة البقعة من العُتاة ، فإذا انضمّ إلى ذلك توجّهه إلى الله بأن يزيد أسبابه تيسيراً ويمنع عنه ما يحجب الفهم فقد كمل له التيسير.\rوفسرت الحكمة بأنّها معرفة حقائق الأشياء على ما هي عليه بما تبلغه الطاقة ، أي بحيث لا تلتبس الحقائق المتشابهة بعضها مع بعض ولا يغلط في العلل والأسباب.\rوالحكمة قسمت أقساماً مختلفةَ الموضوع اختلافاً باختلاف العصور والأقاليم.\rومبدأ ظهور علم الحكمة في الشرق عند الهنود البراهمة والبوذيين ، وعند أهل الصين البوذيين ، وفي بلاد فارس في حكمة زرادشت ، وعند القبط في حكمة الكهنة.\rثم انتقلت حكمة هؤلاء الأمم الشرقية إلى اليونان وهُذّبت وصحّحت وفرّعت وقسّمت عندهم إلى قسمين : حكمة عملية ، وحكمة نظرية.\rفأما الحكمة العملية فهي المتعلّقة بما يصدر من أعمال الناس ، وهي تنحصر في تهذيب النفس ، وتهذيب العائلة ، وتهذيب الأمة.\rوالأول علم الأخلاق ، وهو التخلّق بصفات العلوّ الإلهيّ بحسب الطاقة البشرية ، فيما يصدر عنه كمال في الإنسان.\rوالثاني علم تدبير المنزل.\rوالثالث علم السياسة المدنية والشرعية.\rوأما الحكمَة النظرية في الباحثة عن الأمور التي تعلّم وليست من الأعمال ، وإنّما تعلم لتمام استقامة الأفهام والأعمال ، وهي ثلاثة علوم : \rعلم يلقّب بالأسفل وهو الطبيعيّ ، وعلم يلقّب بالأوسط وهو الرياضيّ ، وعلم يلقّب بالأعلى وهو الإلهيّ.","part":9,"page":141},{"id":3644,"text":"فالطبيعيّ يبحث عن الأمور العامة للتكوين والخواصّ والكون والفساد ، ويندرج تحته حوادث الجوّ وطبقات الأرض والنَبات والحيوان والإنسان ، ويندرج فيه الطبّ والكيمياء والنجوم.\rوالرياضيّ الحساب والهندسة والهيأة والموسيقى ، ويندرج تحته الجبر والمساحة والحيل المتحركة ( الماكينية ) وجرّ الأثقال.\rوأما الإلهيّ فهو خمسة أقسام : معاني الموجودات ، وأصول ومبادىء وهي المنطق ومناقضة الآراء الفاسدة ، وإثبات واجب الوجود وصفاتِه ، وإثبات الأرواح والمجرّدات ، وإثبات الوحي والرسالة ، وقد بَيّن ذلك أبو نصر الفارابي وأبو علي ابن سينا.\rفأمّا المتأخّرون من حكماء الغرب فقد قصروا الحكمة في الفلسفة على ما وراء الطبيعة وهو ما يسمّى عند اليونان بالإلهيّات.\rوالمهمّ من الحكمة في نظر الدين أربعة فصول : \rأحدها معرفة الله حق معرفته وهو علم الاعتقاد الحق ، ويسمّى عند اليونان العلم الإلهيّ أو ما وراء الطبيعة.\rالثاني ما يصدر عن العلم به كمال نفسية الإنسان ، وهو علم الأخلاق.\rالثالث تهذيب العائلة ، وهو المسمّى عند اليونان علم تدبير المنزل.\rالرابع تقويم الأمة وإصلاح شؤونها وهو المسمّى علم السياسة المدنية ، وهو مندرج في أحكام الإمامة والأحكام السلطانية.\rودعوةُ الإسلام في أصوله وفروعه لا تخلو عن شعبة من شعب هذه الحكمة.\rوقد ذكر الله الحكمة في مواضع كثيرة من كتابه مراداً بها ما فيه صلاح النفوس ، من النبوءة والهدى والإرشاد.\rوقد كانت الحكمة تطلق عند العرب على الأقوال التي فيها إيقاظ للنفس ووصاية بالخير ، وإخبار بتجارب السعادة والشقاوة ، وكليات جامعة لجماع الآداب.\r.\rوذكر الله تعالى في كتابه حكمة لقمان ووصاياه في قوله تعالى : {ولقد آتينا لقمان الحكمة} [ لقمان : 12 ] الآيات.","part":9,"page":142},{"id":3645,"text":"وقد كانت لشعراء العرب عناية بإبداع الحكمة في شعرهم وهي إرسال الأمثال ، كما فعل زُهير في الأبيات التي أولها \"رأيت المنايا خبط عشواء\" والتي افتتحها بمَنْ ومَنْ في معلقته.\rوقد كانت بيد بعض الأحبار صحائف فيها آداب ومواعظ مثل شيء من جامعة سليمان عليه السلام وأمْثاله ، فكان العرب ينقلون منها أقوالاً.\rوفي \"صحيح البخاري\" في باب الحياء من كتاب الأدب أنّ عمران بن حُصين قال : \" قال رسول الله صلى الله عليه وسلم الخياء لا يأتي إلاّ بخير ، فقال بُشير بن كعب العدوي : مَكتوب في الحكمة إنّ من الحياء وقاراً وإنّ من الحياء سكينة ، فقال له عمران : أحدّثك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وتحدّثني عن صحيفتك \".\rوالحكيم هو النابغ في هاته العلوم أو بعضها فبحكمته يعتصم من الوقوع في الغلط والضلال بمقدار مبلغ حكمته ، وفي الغرض الذي تتعلّق به حكمته.\rوعلوم الحكمة هي مجموع ما أرشد إليه هدي الهداة من أهل الوحي الإلهي الذي هو أصل إصلاح عقول البشر ، فكان مبدأ ظهور الحكمة في الأديان ، ثم ألحق بها ما أنتجه ذكاء العقول من أنظارهم المتفرّعة على أصول الهدى الأول.\rوقد مهّد قدماء الحكماء طرائق من الحكمة فنبعت ينابيع الحكمة في عصور متقاربة كانت فيها مخلوطة بالأوهام والتخيّلات والضلالات.\rبين الكلدانيين والمصريين والهنود والصين ، ثم درسها حكماء اليونان فهذّبوا وأبدعوا ، وميّزوا علم الحكمة عن غيره ، وتوخّوا الحق ما استطاعوا فأزالوا أوهاماً عظيمة وأبقوا كثيراً.\rوانحصرت هذه العلوم في طريقتي سقراط وهي نفسية ، وفيثاغورس وهي رياضية عقلية.\rوالأولى يونانية والثانية لإيطاليا اليونانية.\rوعنهما أخذ أفلاطون ، واشتهر أصحابه بالإشراقيين ، ثم أخذ عنه أفضل تلامذته وهو أرسططاليس وهذّب طريقته ووسّع العلوم ، وسُمّيت أتباعه بالمشَّائين ، ولم تزل الحكمة من وقت ظهوره معوّلة على أصوله إلى يومنا هذا. أ هـ {التحرير والتنوير حـ 3 صـ 61 ـ 64}","part":9,"page":143},{"id":3646,"text":"قوله تعالى : {وَمَن يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً}\rقال القرطبى : \rيقال : إن من أُعطيَ الحكمة والقرآن فقد أُعطي أفضل ما أُعطي من جمع علم كتب الأوّلين من الصحف وغيرها ؛ لأنه قال لأُولئك : {وَمَآ أُوتِيتُم مِّن العلم إِلاَّ قَلِيلاً} [ الإسراء : 85 ].\rوسمّى هذا خيراً كثيراً ؛ لأن هذا هو جوامع الكلم.\rوقال بعض الحكماء : من أعطي العلم والقرآن ينبغي أن يعرف نفسه ، ولا يتواضع لأهل الدنيا لأجل دنياهم ؛ فإنما أُعطي أفضلَ ما أُعطي أصحاب الدنيا ؛ لأن الله تعالى سَمَّى الدنيا متاعاً قليلاً فقال : {قُلْ مَتَاعُ الدنيا قَلِيلٌ} [ النساء : 77 ] وسَمّى العلم والقرآن \"خيراً كثيراً\". أ هـ {تفسير القرطبى حـ 3 صـ 330 ـ 331}\rوقال ابن عاشور : \r{ومن يؤت الحكمة فقد أوتي خيراً كثيراً} وهو الذي شاء الله إيتاءه الحكمة.\rوالخيرُ الكثير منجّر إليه من سداد الرأي والهدي الإلهي ، ومن تفاريع قواعد الحكمة التي تعصم من الوقوع في الغلط والضلال بمقدار التوغّل في فهمها واستحضار مهمها ؛ لأنّنا إذا تتبّعنا ما يحلّ بالناس من المصائب نجد معظمها من جرّاء الجهالة والضلالة وأفن الرأي.\rوبعكس ذلك نجد ما يجتنيه الناس من المنافع والملائمات منجّرا من المعارف والعلم بالحقائق ، ولو أنّنا علمنا الحقائق كلّها لاجتنبنا كل ما نراه موقعاً في البؤس والشقاء. أ هـ {التحرير والتنوير حـ 3 صـ 64}\rفصل\rقال أبو حيان : \r{ومن يؤت الحكمة} قرأ الجمهور مبنياً للمفعول الذي لم يسم فاعله ، وهو ضمير : من ، وهو المفعول الأول : ليؤت.\rوقرأ يعقوب : ومن يؤت ، بكسر التاء مبنياً للفاعل.\rقال الزمخشري : بمعنى ومن يؤته الله. انتهى.\rفإن أراد تفسير المعنى فهو صحيح ، وإن أراد تفسير الإعراب فليس كذلك ، ليس في يؤت ضمير نصب حذف ، بل مفعوله مقدّم بفعل الشرط ، كما تقول : أياً تعط درهماً أعطه درهماً.","part":9,"page":144},{"id":3647,"text":"وقرأ الأعمش : ومن يؤته الحكمة ، بإثبات الضمير الذي هو المفعول الأول : ليؤت ، والفاعل في هذه القراءة ضمير مستكن في : يؤت ، عائد على الله تعالى.\rوكرر ذكر الحكمة ولم يضمرها لكونها في جملة أخرى ، وللاعتناء بها ، والتنبيه على شرفها وفضلها وخصالها.\r{فقد أوتي خيراً كثيراً} هذا جواب الشرط ، والفعل الماضي المصحوب : بقد ، الواقع جواباً للشرط في الظاهر قد يكون ماضي اللفظ ، مستقبل المعنى.\rكهذا.\rفهو الجواب حقيقة ، وقد يكون ماضي اللفظ والمعنى ، كقوله تعالى {وإن يكذبوك فقد كذبت رسل من قبلك} فتكذيب الرسل واقع فيما مضى من الزمان ، وإذا كان كذلك فلا يمكن أن يكون جواب الشرط ، لأن الشرط مستقبل ، وما ترتب على المستقبل مستقبل ، فالجواب في الحقيقة إنما هو محذوف ، ودل هذا عليه ، التقدير : وإن يكذبوك فتسلّ ، فقد كذبت رسل من قبلك ، فحالك مع قومك كحالهم مع قومهم.\rقال الزمخشري : وخيراً كثيراً ، تنكير تعظيم ، كأنه قال : فقد أوتي أيّ خير كثير. انتهى.\rوهذا الذي ذكره يستدعي أن في لسان العرب تنكير تعظيم ، ويحتاج إلى الدليل على ثبوته وتقديره ، أي خير كثير ، إنما هو على أن يجعل خير صفة لخير محذوف ، أي : فقد أوتي خيراً ، أي خير كثير.\rويحتاج إلى إثبات مثل هذا التركيب من لسان العرب ، وذلك أن المحفوظ أنه إذا وصف بأي ، فإنما تضاف للفظ مثل الموصوف ، تقول : مررت برجل أي رجل كما قال الشاعر : \rدعوت امرأً ، أيّ امرىء ، فأجابني . . .\rوكنت وإياه ملاذاً وموئلا\rوإذا تقرر هذا ، فهل يجوز وصف ما يضاف إليه ؟ أي : إذا كانت صفة ، فتقول : مررت برجل أيّ رجل كريم ، أو لا يجوز ؟ يحتاج جواب ذلك إلى دليل سمعي ، وأيضاً ففي تقديره : أي خير كثير ، حذف الموصوف وإقامة أي الصفة مقامه ، ولا يجوز ذلك إلاَّ في ندور ، لا تقول : رأيت أي رجل ، تريد رجلاً ، أي رجل إلاّ في ندور.\rنحو قول الشاعر : \rإذا حارب الحجاج أيَّ منافق . . .","part":9,"page":145},{"id":3648,"text":"علاه بسيف كلما هُزَّ يقطع\rيريد : منافقاً ، أي منافق ، وأيضاً : ففي تقديره : خيراً كثيراً أيّ كثير ، حذف أي الصفة ، وإقامة المضاف إليه مقامها ، وقد حذف الموصوف به ، أي : فاجتمع حذف الموصوف به وحذف الصفة ، وهذا كله يحتاج في إثباته إلى دليل. أ هـ {البحر المحيط حـ 2 صـ 334 ـ 335}\rفصل\rقال الفخر : \rاحتج أصحابنا بهذه الآية على أن فعل العبد مخلوق لله تعالى وذلك لأن الحكمة إن فسرناها بالعلم لم تكن مفسرة بالعلوم الضرورية ، لأنها حاصلة للبهائم والمجانين والأطفال ، وهذه الأشياء لا توصف بأنها حكم ، فهي مفسرة بالعلوم النظرية ، وإن فسرناها بالأفعال الحسيّة فالأمر ظاهر ، وعلى التقديرين فيلزم أن يكون حصول العلوم النظرية والأفعال الحسيّة ثابتاً من غيرهم ، وبتقدير مقدر غيرهم ، وذلك الغير ليس إلا الله تعالى بالاتفاق ، فدل على أن فعل العبد خلق لله تعالى.\rفإن قيل : لم لا يجوز أن يكون المراد من الحكمة النبوّة والقرآن ، أو قوة الفهم والحسيّة على ما هو قول الربيع بن أنس.\rقلنا : الدليل الذي ذكرناه يدفع هذه الاحتمالات ، وذلك لأنه بالنقل المتواتر ثبت أنه يستعمل لفظ الحكيم في غير الأنبياء ، فتكون الحكمة مغايرة للنبوّة والقرآن ، بل هي مفسرة إما بمعرفة حقائق الأشياء ، أو بالإقدام على الأفعال الحسنة الصائبة ، وعلى التقديرين فالمقصود حاصل ، فإن حاولت المعتزلة حمل الإيتاء على التوفيق والإعانة والألطاف ، قلنا : كل ما فعله من هذا الجنس في حق المؤمنين فقد فعل مثله في حق الكفار ، مع أن هذا المدح العظيم المذكور في هذه الآية لا يتناولهم ، فعلمنا أن الحكمة المذكورة في هذه الآية شيء آخر سوى فعل الالطاف ، والله أعلم. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 7 صـ 60 ـ 61}\rفصل\rقال الآلوسى : ","part":9,"page":146},{"id":3649,"text":"أخرج الطبراني عن أبي أمامة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : \" إن لقمان قال لابنه : يا بني عليك بمجالسة العلماء واسمع كلام الحكماء فإن الله تعالى يحيي القلب الميت بنور الحكمة كما يحيي الأرض الميتة بوابل المطر \" وأخرج البخاري ومسلم عن ابن مسعود رضي الله تعالى عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : \" لا حسد إلا فى اثنتين رجل آتاه الله تعالى مالاً فسلطه على هلكته في الحق ورجل آتاه الله تعالى الحكمة فهو يقضي بها ويعلمها \" وأخرج الطبراني عن أبي موسى قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : \" يبعث الله تعالى العباد يوم القيامة ثم يميز العلماء فيقول : يا معشر العلماء إني لم أضع فيكم علمي لأعذبكم اذهبوا فقد غفرت لكم \" وفي رواية عن ثعلبة بن الحكم أنه سبحانه يقول : \"إني لم أجعل علمي وحكمي فيكم إلا وأنا أريد أن أغفر لكم على ما كان منكم ولا أبالي\" وهذا بالنسبة إلى حملة العلم الشرعي الذي جاء به حكيم الأنبياء ونبي الحكماء حضرة خاتم الرسالة ومحدد جهات العدالة والبسالة صلى الله عليه وسلم لا ما ذهب إليه جالينوس وديمقراطيس. وأفلاطون وأرسطاليس ومن مشى على آثارهم واعتكف في رواق أفكارهم فإن الجهل أولى بكثير مما ذهبوا إليه وأسلم بمراتب مما عولوا عليه حتى إن كثيراً من العلماء نهوا عن النظر في كتبهم واستدلوا على ذلك بما أخرجه الإمام أحمد وأبو يعلى من حديث جابر أن عمر رضي الله تعالى عنه استأذن رسول الله صلى الله عليه وسلم في جوامع كتبها من التوراة ليقرأها ويزداد بها علماً إلى علمه فغضب ولم يأذن له وقال : \" لو كان موسى حياً لما وسعه إلا اتباعي \" وفي رواية \" يكفيكم كتاب الله تعالى \" ووجه الاستدلال أنه صلى الله عليه وسلم لم يبح استعمال الكتاب الذي جاء به موسى هدى ونوراً في وقت كانت فيه أنوار النبوة ساطعة وسحائب الشبه والشكوك بالرجوع إليه منقشعة فكيف يباح الاشتغال بما وضعه المتخبطون من","part":9,"page":147},{"id":3650,"text":"فلاسفة اليونان إفكاً وزوراً في وقت كثرت فيه الظنون وعظمت فيه الأوهام وعاد الإسلام فيه غريباً ، وفي كتاب الله تعالى غنى عما سواه كما لا يخفى على من ميز القشر من اللباب والخطأ من الصواب. أ هـ {روح المعانى حـ 3 صـ 42}\rلطيفة\rقال الإِمامُ الفَخْر في شرحه لأسماء اللَّه الحسنى : \rقال المحقِّقون : العلماءُ ثلاثةٌ : علماءُ بأحكامِ اللَّهِ فقط ؛ وهم العلماءُ أصحابُ الفتوى ، وعلماءُ باللَّهِ فقَطْ ؛ وهم الحكماءُ ، وعلماءُ بالقِسْمَيْن ؛ وهُمُ الكبراءُ ، فالقسْم الأول كالسِّراجِ يحرقُ نَفْسَه ، ويضيءُ لغَيْره ، والقسم الثَّاني حالُهم أكْمَلُ من الأوَّل ؛ لأنه أَشْرَقَ قَلْبُهُ بمَعْرفة اللَّه ، وسره بنُور جلالِ اللَّه ، إِلاَّ أنه كالكَنْز تَحْت التُّرَابِ ، لا يصلُ أَثَرُه إلى غيره ، وأما القسمُ الثالثُ ، فهم أشرفُ الأقسامِ ، فهو كالشَّمْسِ تضيءُ العَالَمَ ؛ لأنه تامٌّ ، وفوْقَ التامِّ. انتهى. أ هـ {الجواهر الحسان حـ 1 صـ 218}\rقوله تعالى {وَمَا يَذَّكَّرُ إِلاَّ أُوْلُواْ الألباب}\rقال الفخر : \rالمراد به عندي والله أعلم أن الإنسان إذا رأى الحكم والمعارف حاصلة في قلبه ، ثم تأمل وتدبر وعرف أنها لم تحصل إلا بإيتاء الله تعالى وتيسيره ، كان من أولي الألباب ، لأنه لم يقف عند المسببات ، بل ترقى منها إلى أسبابها ، فهذا الانتقال من المسبب إلى السبب هو التذكر الذي لا يحصل إلا لأولي الألباب ، وأما من أضاف هذه الأحوال إلى نفسه ، واعتقد أنه هو السبب في حصولها وتحصيلها ، كان من الظاهريين الذين عجزوا عن الانتقال من المسببات إلى الأسباب ، وأما المعتزلة فإنهم لما فسروا الحكمة بقوة الفهم ووضع الدلائل ، قالوا : هذه الحكمة لا تقوم بنفسها ، وإنما ينتفع بها المرء بأن يتدبر ويتفكر ، فيعرف ماله وما عليه ، وعند ذلك يقدم أو يحجم. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 7 صـ 61}\rوقال الآلوسى : \r{وَمَا يَذَّكَّرُ إِلاَّ أُوْلُواْ الألباب} أي ما يتعظ أو ما يتفكر في الآيات إلا ذوو العقول الخالصة عن شوائب الوهم وظلم اتباع الهوى وهؤلاء هم الذين أوتوا الحكمة ولاظهار الاعتناء بمدحهم بهذه الصفة أقيم الظاهر مقام المضمر ، والجملة إما حال أو اعتراض تذييلي. أ هـ {روح المعانى حـ 3 صـ 42}","part":9,"page":148},{"id":3652,"text":"قوله تعالى : {وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ نَفَقَةٍ أَوْ نَذَرْتُمْ مِنْ نَذْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُهُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ (270)}\rمناسبة الآية لما قبلها\rقال البقاعى : \rولما كان السياق سابقاً ولاحقاً للإنفاق علم أن التقدير : فما جمعتم من شيء فإن الله مطالبكم في وضعه وجمعه بوجه الحكمة ومحاسبكم على ذلك ، \rفعطف عليه حثّاً على الإسرار بالنفقة في الخير والوفاء بالنذر وتحذيراً من الإنفاق في المعصية ولو على أدق الوجوه بأنه يعلم ذلك كله ويجازي عليه قوله : {وما أنفقتم من نفقة} أي في وجه من الوجوه ، \rفدخل فيه جميع التوسعات المشروعات عند النكاح والختان والولادة واتخاذ المسكن وفي الدعوات للإخوان وغير ذلك.\rولما كان الإنسان كثيراً ما يخشى فوات أمر فينذر إن حصل بنفقة في وجه خير ونحو ذلك ولكن ربما ظن أن الترغيب في الإنفاق خاص بما ندب الله إليه ابتداء لا بما ألزمه الإنسان نفسه قال {أو نذرتم من نذر} وإدخال من لتأكيد الاستغراق.\rقال الحرالي : والنذر إبرام العدة بخير يستقبل فعله أو يرتقب له ما يلتزم به وهو أدنى الإنفاق لا سيما إذا كان على وجه الاشتراط ، \rقال صلى الله عليه وسلم : \" إنما يستخرج به من البخيل \" انتهى.\r{فإن الله} عظم الأمر بهذا الاسم الأعظم {يعلمه} ذكر الضمير لأنه مع وضوح عوده إلى المتقدم أشد تعظيماً للنذر لما قد يتوهم فيه من النقص عن مندوب الشرع فتحروا في طيب ذلك والوفاء به وجميع ما يدخل فيه من الأوامر والنواهي تحري من يطلب إرضاء ملك عظيم بما يهدي إليه ويعرضه عليه ، \rفما تصرفتم فيه بالحكمة من إنفاق أو غيره فالله سبحانه وتعالى يجازيكم عليه على حسب ما ذكر لكم من التضعيف ، \rومن فعل منكم شيئاً منه على غير وجه الحكمة فهو ظالم واضع للشيء في غير موضعه فهو مردود عليه ومعاقب به وما له من ناصر ، ","part":9,"page":149},{"id":3653,"text":"هكذا كان الأصل ولكنه سبحانه وتعالى عم وعلق الحكم بالوصف فقال : {وما للظالمين} أي الواضعين للشيء في غير موضعه {من أنصار} قال الحرالي : ففي إفهامه أن الله آخذ بيد السخي وبيد الكريم كلما عثر فيجد له نصيراً ولا يجد الظالم بوضع القهر موضع البر ناصراً ، \rوفيه استغراق نفي بما تعرب عنه كلمة من - انتهى. أ هـ {نظم الدرر حـ 1 صـ 524 ـ 525}\rقال الفخر : \rاعلم أنه تعالى لما بيّن أن الإنفاق يجب أن يكون من أجود المال ، ثم حث أولاً : بقوله {وَلاَ تَيَمَّمُواْ الخبيث} [ البقرة : 267 ] وثانياً : بقوله {الشيطان يَعِدُكُمُ الفقر} [ البقرة : 268 ] حث عليه ثالثاً : بقوله {وَمَا أَنفَقْتُم مّن نَّفَقَةٍ أَوْ نَذَرْتُم مّن نَّذْرٍ فَإِنَّ الله يَعْلَمُهُ}. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 7 صـ 61}\rفائدة\rقال أبو حيان : \r{وما أنفقتم من نفقة أو نذرتم من نذر فان الله يعلمه} ظاهره العموم في كل صدقة في سبيل الله ، أو سبيل الشيطان ، وكذلك النذر عام في طاعة الله أو معصيته ، وأتى بالمميز في قوله : من نفقة ، و: من نذر ، وإن كان مفهوماً من قوله : وما أنفقتم ، ومن قوله : أو نذرتم ، من نذر ، لتأكيد اندراج القليل والكثير في ذلك ، ولا ينفقون نفقة صغيرة ولا كبيرة ، وقيل : تختص النفقة بالزكاة لعطف الواجب عليه وهو النذر. أ هـ {البحر المحيط حـ 2 صـ 335}\rفصل\rقال الفخر : \rفي قوله {فَإِنَّ الله يَعْلَمُهُ} على اختصاره ، يفيد الوعد العظيم للمطيعين ، والوعيد الشديد للمتمردين ، وبيانه من وجوه أحدها : أنه تعالى عالم بما في قلب المتصدق من نية الإخلاص والعبودية أو من نيّة الرياء والسمعة\rوثانيها : أن علمه بكيفية نية المتصدق يوجب قبول تلك الطاعات ، كما قال : {إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ الله مِنَ المتقين} [ المائدة : 27 ] وقوله {فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرّاً يَرَهُ} [ الزلزلة : 7 ، 8 ]","part":9,"page":150},{"id":3654,"text":"وثالثها : أنه تعالى يعلم القدر المستحق من الثواب والعقاب على تلك الدواعي والنيات فلا يهمل شيئاً منها ، ولا يشتبه عليه شيء منها. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 7 صـ 61}\rوقال ابن الجوزى : \r{فان الله يعلمه} قال مجاهد : يُحصيه ، وقال الزجاج : يجازى عليه. أ هـ {زاد المسير حـ 1 صـ 324}\rوقال ابن عاشور : \rوقوله : {فإن الله يعلمه} كناية عن الجزاء عليه لأنّ علم الله بالكائنات لا يَشُك فيه السامعون ، فأريد لازم معناه ، وإنّما كان لازماً له لأنّ القادر لا يصدّه عن الجزاء إلاّ عدم العلم بما يفعله المحسن أو المسيء. أ هـ {التحرير والتنوير حـ 3 صـ 66}\rفائدة\rقال الفخر : \rإنما قال : {فَإِنَّ الله يَعْلَمُهُ} ولم يقل : يعلمها ، لوجهين الأول : أن الضمير عائد إلى الأخير ، كقوله {وَمَن يَكْسِبْ خَطِيئَةً أَوْ إِثْماً ثُمَّ يَرْمِ بِهِ بَرِيئاً} وهذا قول الأخفش ، \rوالثاني : أن الكتابة عادت إلى ما في قوله {وَمَا أَنفَقْتُم مّن نَّفَقَةٍ} لأنها اسم كقوله {وَمَا أَنزَلَ عَلَيْكُم مّنَ الكتاب والحكمة يَعِظُكُم بِهِ} [ البقرة : 231 ]. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 7 صـ 61}\rوقال القرطبى : \rووحّد الضمير وقد ذكر شيئين ، فقال النحاس : التقدير {وَمَآ أَنفَقْتُمْ مِّن نَّفَقَةٍ} فإن الله يعلمها ، {أَوْ نَذَرْتُمْ مِّن نَّذْرٍ فَإِنَّ الله يَعْلَمُهُ} ثم حذف.\rويجوز أن يكون التقدير : وما أنفقتم فإن الله يعلمه وتعود الهاء على \"ما\" كما أنشد سيبويه ( لامرىء القيس ) : \rفتُوضِحَ فالمِقْراةِ لم يَعْفُ رَسْمُها . . .\rلِما نَسَجَتْها من جَنُوبٍ وشَمأَلِ\rويكون {أَوْ نَذَرْتُمْ مِّن نَّذْرٍ} معطوفاً عليه.\rقال ابن عطيّة : ووحّد الضمير في \"يعلمه\" وقد ذكر شيئين من حيث أراد ما ذُكر أو نُصّ.\rقلت : وهذا حسن : فإن الضمير قد يراد به جميع المذكور وإن كَثُر. أ هـ {تفسير القرطبى حـ 3 صـ 331}\rفصل\rقال الفخر : ","part":9,"page":151},{"id":3655,"text":"النذر ما يلتزمه الإنسان بإيجابه على نفسه يقال : نذر ينذر ، وأصله من الخوف لأن الإنسان إنما يعقد على نفسه خوف التقصير في الأمر المهم عنده ، وأنذرت القوم إنذاراً بالتخويف ، وفي الشريعة على ضربين : مفسر وغير مفسر ، فالمفسر أن يقول : لله عليّ عتق رقبة ، ولله علي حج ، فههنا يلزم الوفاء به ، ولا يجزيه غيره وغير المفسر أن يقول : نذرت لله أن لا أفعل كذا ثم يفعله ، أو يقول : لله علي نذر من غير تسمية فيلزم فيه كفارة يمين ، لقوله صلى الله عليه وسلم : \" من نذر نذراً وسمى فعليه ما سمى ، ومن نذر نذراً ولم يسم فعليه كفارة يمين \". أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 7 صـ 62}\rفصل\rقال ابن عاشور : \rالنذر التزام قربة أو صدقة بصيغة الإيجاب على النفس كقوله عليّ صدقة وعليّ تجهيز غاز أو نحو ذلك ، ويكون مطلَقاً ومعلَّقاً على شيء.\rوقد عرفت العرب النذر من الجاهلية ، فقد نذر عبدُ المطلب أنّه إن رُزق عشرة أولاد ليذبحنّ عاشرهم قرباناً للكعبة ، وكان ابنُه العاشر هو عبد الله ثاني الذبيحين ، وأكرِم بها مزيةً ، ونذرت نُتَيلةُ زوج عبد المطلب لما افتقدت ابنها العباسَ وهو صغير أنّها إن وجدته لتَكْسُوَنّ الكعبة الديباج ففعلت.\rوهي أول من كسا الكعبة الديباج.\rوفي حديث البخاري أنّ عمر بن الخطاب قال : \" يا رسول الله إني نذرت في الجاهلية أن أعتكف ليلة في المسجد الحرام ، فقال أوْفِ بنذرك \".\rوفي الأمم السالفة كان النذر ، وقد حكى الله عن امرأة عمران {إنّي نذرت لك ما في بطني محرّرا} [ آل عمران : 35 ].\rوالآية دلّت على مشروعيته في الإسلام ورجاء ثوابه ، لعطفه على ما هو من فعل الخير سواء كان النذر مطلقاً أم معلّقاً ، لأنّ الآية أطلقت ، ولأنّ قوله : {فإن الله يعلمه} مراد به الوعد بالثواب.","part":9,"page":152},{"id":3656,"text":"وفي الحديث الصحيح عن عمر وابنه عبد الله وأبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم \" إنّ النذر لا يُقدِّم شيئاً ولا يؤخّر ، ولا يردّ شيئاً ولا يأتي ابن آدم بشيء لم يكن قُدر له ، ولكنّه يُستخرج به من البَخيل \".\rومَساقه الترغيب في النذر غير المعلّق لا إبطال فائدة النذر.\rوقد مدح الله عباده فقال : {يوفون بالنذر} [ الإنسان : 7 ].\rوفي \"الموطأ\" عن النبي صلى الله عليه وسلم \" من نَذر أن يطيعَ الله فليُطِعْه ومن نذر أن يعصِيَ الله فلا يْعْصِه \". أ هـ {التحرير والتنوير حـ 3 صـ 65}\rقوله تعالى : {وَمَا للظالمين مِنْ أَنصَارٍ}\rقال الفخر : \rإنه وعيد شديد للظالمين ، وهو قسمان ، أما ظلمه نفسه فذاك حاصل في كل المعاصي ، وأما ظلمه غيره فبأن لا ينفق أو يصرف الإنفاق عن المستحق إلى غيره ، أو يكون نيته في الإنفاق على المستحق الرياء والسمعة ، أو يفسدها بالمعاصي ، \rوهذان القسمان الأخيران ليسا من باب الظلم على الغير ، بل من باب الظلم على النفس. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 7 صـ 62}\rوقال ابن عاشور : \r{وَمَا للظالمين مِنْ أَنصَارٍ}.\rهذا وعيد قوبل به الوعد الذي كنّي عنه بقوله : {فإن الله يعلمه} ، والمراد بالظالمين المشركون علنا والمنافقون ، لأنّهم إن منعوا الصدقات الواجبة فقد ظلموا مصارفها في حقّهم في المال وظلموا أنفسهم بإلقائها في تبعات المنع ، وإن منعوا صدقة التطوُّع فقد ظلموا أنفسهم بحرمانها من فضائل الصدقات وثوابها في الآخرة.\rوالأنصار جمع نصير ، ونفي الأنصار كناية عن نفي النصر والغوث في الآخرة وهو ظاهر ، وفي الدنيا لأنّهم لما بخلوا بنصرهم الفقير بأموالهم فإنّ الله يعدمهم النصير في المضائق ، ويقسي عليهم قلوب عباده ، ويلقي عليهم الكراهية من الناس. أ هـ {التحرير والتنوير حـ 3 صـ 65}\rقال أبو حيان : ","part":9,"page":153},{"id":3657,"text":"{وما للظالمين من أنصار} ظاهره العموم ، فكل ظالم لا يجد له من ينصره ويمنعه من الله ، وقال مقاتل : هم المشركون.\rوقال أبو سليمان الدمشقي : هم المنفقون بالمن والأذى والرياء ، والمبذورن في المعصية.\rوقيل : المنفقو الحرام. أ هـ {البحر المحيط حـ 2 صـ 336}\rفصل\rقال الفخر : \rالمعتزلة تمسكوا بهذه الآية في نفي الشفاعة عن أهل الكبائر ، قالوا : لأن ناصر الإنسان من يدفع الضرر عنه فلو اندفعت العقوبة عنهم بشفاعة الشفعاء لكان أولئك أنصاراً لهم وذلك يبطل قوله تعالى : {وَمَا للظالمين مِنْ أَنصَارٍ}.\rواعلم أن العرف لا يسمي الشفيع ناصراً ، بدليل قوله تعالى : {واتقوا يَوْمًا لاَّ تَجْزِى نَفْسٌ عَن نَّفْسٍ شَيْئًا وَلاَ يُقْبَلُ مِنْهَا شفاعة وَلاَ يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلاَ هُمْ يُنصَرُونَ} [ البقرة : 48 ] ففرق تعالى بين الشفيع والناصر فلا يلزم من نفي الأنصار نفي الشفعاء.\rوالجواب الثاني : ليس لمجموع الظالمين أنصار ، فلم قلتم ليس لبعض الظالمين أنصار.\rفإن قيل : لفظ الظالمين ولفظ الأنصار جمع ، والجمع إذا قوبل بالجمع توزع الفرد على الفرد ، فكان المعنى : ليس لأحد من الظالمين أحد من الأنصار.\rقلنا : لا نسلم أن مقابلة الجمع بالجمع توجب توزع الفرد على الفرد لاحتمال أن يكون المراد مقابلة الجمع بالجمع فقط لا مقابلة الفرد بالفرد.\rوالجواب الثالث : أن هذا الدليل النافي للشفاعة عام في حق الكل ، وفي كل الأوقات ، والدليل المثبت للشفاعة خاص في حق البعض وفي بعض الأوقات ، والخاص مقدم على العام والله أعلم.\rوالجواب الرابع : ما بينا أن اللفظ العام لا يكون قاطعاً في الاستغراق ، بل ظاهراً على سبيل الظن القوي فصار الدليل ظنياً ، والمسألة ليست ظنية ، فكان التمسك بها ساقطاً. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 7 صـ 62}\rلطيفة\rقال فى البحر المديد : \rطالبُ الدنيا أسير ، وطالب الآخرة أجير ، وطالب الحق أمير.","part":9,"page":154},{"id":3658,"text":"ثُم الناس في معاملة الحق على أقسام ثلاثة : قِسْمٍ يليق بهم الإخفاء والإسرار ، وهم طالبوا الإخلاص من المريدين السائرين. وقسْمٍ يليق بهم الإظهار وهم أهل الاقتداء من العلماء المخلصين. وقسْم لا يقفون مع ظهور ولا خفاء ، بل مع ما يبرز في الوقت ، وهم العارفون الكاملون. ولذلك قال الشيخ أبو العباس رضي الله عنه : ( من أحبَّ الظهور فهو عبد الظهور ، ومن أحب الخفاء فهو عبد الخفاء ، ومن كان عبد الله فسواء عليه أظهره أم أخفاه ).\rوالهداية كلها بيد الله ، ليس لغيره منها شيء. أ هـ {البحر المديد حـ 1 صـ 230}\rمن لطائف الإمام القشيرى فى الآية\rقوم تَوَعَّدَهم بعقوبته ، وآخرون توعدهم بمثوبته.. وآخرون توعدهم بعلمه ؛ فهؤلاء العوام وهؤلاء الخواص. قال تعالى : {وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا} [ الطور : 48 ] فلا شيء يوجب سقوط العبد من عين الله كمخالفته لعهوده معه بقلبه ، فليحذر المريد من إزلال نفسه في ذلك غايةَ الحذر. أ هـ {لطائف الإشارات حـ 1 صـ 208}","part":9,"page":155},{"id":3659,"text":"قوله تعالى : {إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ وَإِنْ تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَيُكَفِّرُ عَنْكُمْ مِنْ سَيِّئَاتِكُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (271)}\rمناسبة الآية لما قبلها\rقال البقاعى :\rولما كان حال الإنفاق المحثوث عليه يختلف بالسر والجهر فكان مما يسأل عنه قال سبحانه وتعالى حاثاً على الصدقة في كلتا الحالتين مع ترجيح الإسرار لما فيه من البعد عن الرياء : {إن تبدوا الصدقات} أي المتطوع بها ،\rقال الحرالي : وهي من أدنى النفقة ولذلك لا تحل لمحمد ولا لآل محمد لأنها طهرة وغسول يعافها أهل الرتبة العلية والاصطفاء ،\rوقال : والهدية أجل حق المال لأنها لمن فوق رتبة المهدي والهبة لأنها للمثل {فنعماً هي} فجمع لها الأمداح المبهمة لأن نعم كلمة مبالغة تجمع المدح كله وما كلمة مبهمة تجمع الممدوح فتطابقتا في الإبهام ؛ وقال أبو طالب العبدي في شرح الإيضاح : إن نِعْم ، وبِئْس للمبالغة فالمراد بهما التناهي في المدح والذم ولاختصاصهما بهذا المعنى منعتا التصرف ،\rواقتصر بهما على المعنى لأن المدح والذم إنما يكونان متعلقين بما ثبت واستقر ،\rلا يمدح الإنسان بما لم يقع منه - انتهى.\r{وإن تخفوها} حتى لا يعلم بها إلا من فعلتموها له.\rولما كان المقصود بها سد الخلة قال : {وتؤتوها الفقراء فهو} أي فذلك الإخفاء والقصد للمحتاج {خير لكم} لأنه أبعد عن الرياء وأقرب إلى الإخلاص الذي هو روح العبادات ،\rوفي تعريفها وجمعها ما ربما أشعر بعموم الفرض والنفل لما في إظهار المال الخفي من التعرض للظلم والحسد وفي إفهام السياق أن الصدقة تجوز على الغني.\rولما كان التقدير : فإنا نرفع بها درجاتكم ،\rعطف عليه قوله : {ويكفر عنكم من سيئاتكم} أي التي بيننا وبينكم.\rولما كان التقدير : فلا تخافوا من إخفائها أن يضيع عليكم شيء منها فإن الله بكل ما فعلتموه منها عليم ،","part":9,"page":156},{"id":3660,"text":"عطف عليه تعميماً وترغيباً وترهيباً : {والله} أي الذي له كل كمال {بما تعملون} أي من ذلك وغيره {خبير} فلم يدع حاجة أصلاً إلى الإعلان فعليكم بالإخفاء فإنه أقرب إلى صلاح الدين والدنيا فأخلصوا فيه وقروا عيناً بالجزاء عليه. أ هـ {نظم الدرر حـ 1 صـ 526}\rقال ابن عاشور :\rقوله تعالى : {إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ\rاستئناف بياني ناشىء عن قوله : {وما أنفقتم من نفقة أو نذرتم من نذر فإن الله يعلمه} [ البقرة : 270 ] ، إذ أشعر تعميمُ \"مِن نفقة\" بحال الصدقات الخفيّة فيتساءل السامع في نفسه هل إبداء الصدقات يُعد رِياءً وقد سمع قبل ذلك قوله : {كالذي ينفق ماله رئاء الناس} [ البقرة : 264 ] ، ولأنّ قوله : {فإن الله يعلمه} [ البقرة : 270 ] قد كان قولاً فصلاً في اعتبار نيَّات المتصدّقين وأحوال ما يظهرونه منها وما يخفونه من صدقاتهم.\rفهذا الاستئناف يدفع توهّماً من شأنه تعطيل الصدقات والنفقات ، وهو أن يمسك المرء عنها إذا لم يجد بُدّاً من ظهورها فيخشى أن يصيبه الرياء. أ هـ {التحرير والتنوير حـ 3 صـ 66 ـ 67}\rوقال الفخر :\rاعلم أنه تعالى بيّن أولاً : أن الإنفاق منه ما يتبعه المن والأذى ، ومنه ما لا يكون كذلك ، وذكر حكم كل واحد من القسمين ، ثم ذكر ثانياً : أن الإنفاق قد يكون من جيد ومن رديء ، وذكر حكم كل واحد من القسمين ، وذكر في هذه الآية أن الإنفاق قد يكون ظاهراً وقد يكون خفياً ، وذكر كل واحد من القسمين ، فقال : {إِن تُبْدُواْ الصدقات فَنِعِمَّا هِىَ}. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 7 صـ 63}\rفائدة\rقال ابن عاشور :\rوالتعريف في قوله : {الصدقات} تعريف الجنس ، ومحمله على العموم فيشمل كل الصدقات فرضِها ونفلها ، وهو المناسب لموقع هذه الآية عقب ذكر أنواع النفقاتِ.","part":9,"page":157},{"id":3661,"text":"وجاء الشرط بإنْ في الصدقتين لأنّها أصل أدوات الشرط ، ولا مقتضى للعدول عن الأصل ، إذ كلتا الصدقتين مُرض لله تعالى ، وتفضيل صدقة السرّ قد وفى به صريح قوله : {فهو خير لكم}. أ هـ {التحرير والتنوير حـ 3 صـ 67}\rفصل\rقال الفخر :\rالصدقة تطلق على الفرض والنفل قال تعالى : {خُذْ مِنْ أموالهم صَدَقَةً تُطَهّرُهُمْ} [ التوبة : 103 ] وقال : {إِنَّمَا الصدقات لِلْفُقَرَاء} وقال صلى الله عليه وسلم : \" نفقة المرء على عياله صدقة \" والزكاة لا تطلق إلا على الفرض ، قال أهل اللغة أصل الصدقة \"ص د ق\" على هذا الترتيب موضوع للصحة والكمال ، ومنه قولهم : رجل صدق النظر ، وصدق اللقاء ، وصدقوهم القتال ، وفلان صادق المودة ، وهذا خل صادق الحموضة ، وشيء صادق الحلاوة ، وصدق فلان في خبره إذا أخبر به على الوجه الذي هو عليه صحيحاً كاملاً ، والصديق يسمى صديقاً لصدقه في المودة ، والصداق سمي صداقاً لأن عقد النكاح به يتم ويكمل ، وسمى الله تعالى الزكاة صدقة لأن المال بها يصح ويكمل ، فهي سبب إما لكمال المال وبقائه ، وإما لأنه يستدل بها على صدق العبد في إيمانه وكماله فيه. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 7 صـ 63}\rقوله تعالى : {فَنِعِمَّا هِيَ}\rقال القرطبى :\rقوله تعالى : {فَنِعِمَّا هِيَ} ثناء على إبداء الصدقة ، ثم حكم على أن الإخفاء خير من ذلك.\rولذلك قال بعض الحكماء : إذا اصطنعت المعروف فاستره ، وإذا اصطُنع إليك فانشره.\rقال دِعْبِل الخُزَاعِيّ :\rإذا انتقموا أعْلَنُوا أمرَهم . . .\rوإن أَنعموا أَنْعَمُوا باكْتِتامِ\rوقال سهل بن هارون :\rخِلٌّ إذا جِئتَه يوماً لتسألَه . . .\rأعطاك ما ملكتْ كفّاه واعتذرَا\rيُخفِي صنائعَه واللَّهُ يُظْهِرها . . .\rإن الجميل إذا أخفيتَه ظهَرَا","part":9,"page":158},{"id":3662,"text":"وقال العباس بن عبد المطلب رضي الله عنه : لا يتمّ المعروف إلا بثلاث خصال : تعجيلُه وتصغيرُه وسترهُ ؛ فإذا أعجلته هنيّته ، وإذا صغّرته عظّمته ، وإذا سترته أتْمَمْته.\rوقال بعض الشعراء فأحسن :\rزاد معروفُك عندي عِظَماً . . .\rأنه عندك مستورٌ حقِيرْ\rتَتَناساه كأَنْ لَمْ تأتِه . . .\rوهو عند الناس مشهور خطِيرْ. أ هـ {تفسير القرطبى حـ 3 صـ 334}\rفصل\rقال الفخر :\rالأصل في قوله {فَنِعِمَّا} نعم ما ، إلا أنه أدغم أحد الميمين في الآخر ، ثم فيه ثلاثة أوجه من القراءة : قرأ أبو عمرو وقالون وأبو بكر عن عاصم {فَنِعِمَّا} بكسر النون وإسكان العين وهو اختيار أبي عبيد ، قال : لأنها لغة النبي صلى الله عليه وسلم حين قال لعمرو بن العاص : \" نعما بالمال الصالح للرجل الصالح \" هكذا روي في الحديث بسكون العين ، والنحويون قالوا : هذا يقتضي الجمع بين الساكنين ، وهو غير جائز إلا فيما يكون الحرف الأول منهما حرف المد واللين ، نحو : دابة وشابة ، لأن ما في الحرف من المد يصير عوضاً عن الحركة ، وأما الحديث فلأنه لما دل الحس على أنه لا يمكن الجمع بين هذين الساكنين علمنا أن النبي صلى الله عليه وسلم لما تكلم به أوقع في العين حركة خفيفة على سبيل الاختلاس والقراءة الثانية قرأ ابن كثير ونافع برواية ورش وعاصم في رواية حفص {فَنِعِمَّا هِىَ} بكسر النون والعين وفي تقريره وجهان أحدهما : أنهم لما احتاجوا إلى تحريك العين حركوها مثل حركة ما قبلها\rوالثاني : أن هذا على لغة من يقول {نِعْمَ} بكسر النون والعين ، قال سيبويه : وهي لغة هذيل ، القراء الثالثة وهي قراءة سائر القرّاء {فَنِعِمَّا هِىَ} بفتح النون وكسر العين ، ومن قرأ بهذه القراءة ، فقد أتى بهذه الكلمة على أصلها وهي {نِعْمَ} قال طرفة :\rنعم الساعون في الأمر المير. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 7 صـ 63 ـ 64}","part":9,"page":159},{"id":3663,"text":"وقال القرطبى :\rواختلف القرّاء في قوله {فَنِعِمَّا هِيَ} فقرأ أبو عمرو ونافع في رواية وَرْش وعاصم في رواية حفص وابن كَثير \"فَنِعِمَّا هَي\" بكسر النون والعين.\rوقرأ أبو عمرو أيضاً ونافع في غير رواية ورش وعاصم في رواية أبي بكر والمفضل \"فنِعْمَا\" بكسر النون وسكون العين.\rوقرأ الأعمش وابن عامر وحمزة والكسائيّ \"فَنَعِمَّا\" بفتح النون وكسر العين ، وكلهم سكَّن الميم.\rويجوز في غير القرآن فَنِعْمَ مَا هِي.\rقال النحاس : ولكنه في السّواد متصل فلزم الإدغام.\rوحكى النحويون في \"نِعْمَ\" أربع لغات : نَعِمَ الرجلُ زيدٌ ، هذا الأصل.\rونِعِمَ الرجل ، بكسر النون لكسر العين.\rونَعْمَ الرجل ، بفتح النون وسكون العين ، والأصل نَعِمَ حذفت الكسرة لأنها ثقيلة.\rونِعْمَ الرجل ، وهذا أفصح اللغات ، والأصل فيها نَعِم.\rوهي تقع في كل مدح ، فخففت وقلبت كسرة العين على النون وأسكنت العين ، فمن قرأ \"فَنِعِمّا هِيَ\" فله تقديران : أحدهما أن يكون جاء به على لغة من يقول نِعِم.\rوالتقدير الآخر أن يكون على اللغة الجيّدة ، فيكون الأصل نِعْمَ ، ثم كسرت العين لالتقاء الساكنين.\rقال النحاس : فأمّا الذي حُكي عن أبي عمرو ونافع من إسكان العين فمحال.\rحُكي عن محمد بن يزيد أنه قال : أمّا إسكان العين والميم مشدّدة فلا يقدر أحد أن ينطق به ، وإنما يَرُوم الجمع بين ساكنين ويحرّك ولا يأبَهُ.\rوقال أبو عليّ : من قرأ بسكون العين لم يستقم قوله ؛ لأنه جمع بين ساكنين الأوّل منهما ليس بحرف مدّ ولِين وإنما يجوز ذلك عند النحويين إذا كان الأوّل حرف مَدّ ، إذ المدّ يصير عِوضاً من الحركة ، وهذا نحو دابّة وضَوَالّ ونحوه.\rولعل أبا عمرو أخفى الحركة واختلسها كأخذه بالإخفاء في \"بَارِئِكُم ويَأْمُرُكُمْ\" فظنّ السامع الإخفاء إسكاناً للطف ذلك في السمع وخفائه.\rقال أبو عليّ : وأمّا من قرأ \"نَعِمَا\" بفتح النون وكسر العين فإنما جاء بالكلمة على أصلها ومنه قول الشاعر :","part":9,"page":160},{"id":3664,"text":"ما أقلّتْ قدمايَ إنّهُم . . .\rنَعِمَ السّاعون في الأمر المُبِرْ. أ هـ {تفسير القرطبى حـ 3 صـ 334 ـ 335}\rفائدة مهمة\rقال أبو حيان :\rوإنكار هؤلاء فيه نظر ، لأن أئمة القراءة لم يقرأوا إلاَّ بنقل عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ومتى تطرق إليهم الغلط فيما نقلوه من مثل هذا ، تطرق إليهم فيما سواه ، والذي نختاره ونقوله : إن نقل القراءات السبع متواتر لا يمكن وقوع الغلط فيه. أ هـ {البحر المحيط حـ 2 صـ 338}\rفائدة لغوية\rقال الفخر :\rقال الزجاج : {ما} في تأويل الشيء ، أي نعم الشيء هو ، قال أبو علي الجيد : في تمثيل هذا أن يقال : ما في تأويل شيء ، لأن ما هاهنا نكرة ، فتمثيله بالنكرة أبين ، والدليل على أن ما نكرة هاهنا أنها لو كانت معرفة فلا بد لها من الصلة ، وليس هاهنا ما يوصل به ، لأن الموجود بعد ما هو هي ، وكلمة هي مفردة والمفرد لا يكون صلة لما وإذا بطل هذا القول فنقول : ما نصب على التمييز ، والتقدير : نعم شيئاً هي إبداء الصدقات ، فحذف المضاف لدلالة الكلام عليه. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 7 صـ 64}\rوقال القرطبى :\rقال أبو عليّ : و\"ما\" من قوله تعالى : \"نِعِمَّا\" في موضع نصب ، وقوله \"هي\" تفسير للفاعل المضمر قبل الذكر ، والتقدير نعم شيئاً إبداؤها ، والإبداء هو المخصوص بالمدح إلا أن المضاف حذف وأُقيم المضاف إليه مقامه.\rويدلّك على هذا قوله \"فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ\" أي الإخفاء خير.\rفكما أن الضمير هنا للإخفاء لا للصدقات فكذلك ، أوّلاً الفاعل هو الإبداء وهو الذي اتصل به الضمير ، فحذف الإبداء وأُقيم ضمير الصدقات مثله. أ هـ {تفسير القرطبى حـ 3 صـ 335}\rفائدة\rقال القرطبى\rذهب جمهور المفسرين إلى أن هذه الآية في صدقة التطوّع ؛ لأن الإخفاء فيها أفضل من الإظهار ، وكذلك سائر العبادات الإخفاءُ أفضل في تطوّعها لانتفاء الرياء عنها ، وليس كذلك الواجبات.","part":9,"page":161},{"id":3665,"text":"قال الحسن : إظهار الزكاة أحسن ، وإخفاء التطوّع أفضل ؛ لأنه أدلّ على أنه يراد الله عز وجل به وحده.\rقال ابن عباس : جعل الله صدقة السر في التطوّع تفضُل علانيتها يقال بسبعين ضِعفاً ، وجعل صدقة الفريضة علانيتها أفضل من سِرِّها يقال بخمسة وعشرين ضِعفاً.\rقال : وكذلك جميع الفرائض والنوافل في الأشياء كلها.\rقلت : مثل هذا لا يقال من جهة الرأي وإنما هو توقيف ؛ وفي صحيح مسلم عن النبيّ صلى الله عليه وسلم أنه قال : \" أفضل صلاة المرء في بيته إِلا المكتوبة \" وذلك أن الفرائض لا يدخلها رياء والنوافل عُرضة لذلك وروى النَّسائيّ عن عُقبة بن عامر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : \" إن الذي يجهر بالقرآن كالذي يجهر بالصدقة والذي يُسِرّ بالقرآن كالذي يُسِرّ بالصدقة \" وفي الحديث : \" صدقة السرّ تُطْفِىء غضب الربّ \".\rقال ابن العربيّ : \"وليس في تفضيل صدقة العلانية على السر ، ولا تفضيل صدقة السر على العلانية حديث صحيح ولكنه الإجماع الثابت ؛ فأمّا صدقة النفل فالقرآن ورد مصرّحاً بأنها في السر أفضل منها في الجهر ؛ بَيْدَ أن علماءنا قالوا : إن هذا على الغالب مخرجه ، والتحقيق فيه أن الحال ( في الصدقة ) تختلف بحال المُعْطِي ( لها ) والمعطَى إياها والناس الشاهدين ( لها ).\rأما المعطي فله فيها فائدة إظهار السُّنَّة وثواب القدوة.\rقلت : \"هذا لمن قَوِيت حاله وحسنت نيّته وأمِن على نفسه الرياء ، وأما من ضعف عن هذه المرتبة فالسرّ له أفضل.\rوأما المُعْطَى إياها فإن السرّ له أسلم من احتقار الناس له ، أو نسبته إلى أنه أخذها مع الغنَى عنها وتَرَك التعفّف ، وأما حال الناس فالسر عنهم أفضل من العلانية لهم ، من جهة أنهم ربما طعنوا على المعطِي لها بالرياء وعلى الآخذ لها بالاستغناء ، ولهم فيها تحريك القلوب إلى الصدقة ؛ لكن هذا اليوم قليل\".","part":9,"page":162},{"id":3666,"text":"وقال يزيد بن أبي حبيب : إنما نزلت هذه الآية في الصدقة على اليهود والنصارى ، فكان يأمر بقَسْم الزكاة في السرّ.\rقال ابن عطيّة : وهذا مردود ، لا سِيّما عند السلف الصالح ؛ فقد قال الطبريّ : أجمع الناس على أن إظهار الواجب أفضل.\rقلت : ذكر الكِيَا الطبريّ أن في هذه الآية دلالة على قول إخفاء الصدقات مطلقاً أوْلى ، وأنها حق الفقير وأنه يجوز لرب المال تفريقها بنفسه ، على ما هو أحدُ قولي الشافعيّ.\rوعلى القول الآخر ذكروا أن المراد بالصدقات هاهنا التطوع دون الفرض الذي إظهاره أوْلى لئلا يلحقَه تُهمة ؛ ولأجل ذلك قيل : صلاة النفل فُرَادَى أفضل ، والجماعة في الفرض أبعد عن التُّهمَة.\rوقال المَهْدَوِيّ : المراد بالآية فرض الزكاة وما تطوّع به ، فكان الإخفاء أفضل في مدّة النبي صلى الله عليه وسلم ، ثم ساءت ظنون الناس بعد ذلك ، فاستحسن العلماء إظهار الفرائض لئلا يُظَنَّ بأحد المنع.\rقال ابن عطيّة : وهذا القول مخالف للآثار ، ويشبه في زماننا أن يحسن التستر بصدقة الفرض ، فقد كثر المانع لها وصار إخراجها عُرضة للرياء.\rوقال ابن خُوَيزْ مَنْدَاد : وقد يجوز أن يراد بالآية الواجبات من الزكاة والتطوّع ؛ لأنه ذَكر الإخفاء ومدَحه والإظهار ومَدحه ، فيجوز أن يتوجّه إليهما جميعاً.\rوقال النقّاش : إن هذه الآية نسخها قوله تعالى : {الذين يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ بالليل والنهار سِرّاً وَعَلاَنِيَةً} [ البقرة : 274 ] الآية. أ هـ {تفسير القرطبى حـ 3 صـ 332 ـ 334}\rبحث نفيس للعلامة الفخر\rقال رحمه الله :\rاختلفوا في أن المراد بالصدقة المذكورة في هذه الآية : التطوع ، أو الواجب ، أو مجموعهما.\rفالقول الأول : وهو قول الأكثرين : أن المراد منه صدقة التطوع ، قالوا : لأن الإخفاء في صدقة التطوع أفضل ، والإظهار في الزكاة أفضل ، وفيه بحثان :","part":9,"page":163},{"id":3667,"text":"البحث الأول : في أن الأفضل في إعطاء صدقة التطوع إخفاؤه ، أو إظهاره ، فلنذكر أولاً الوجوه الدالة على إخفاءه أفضل\rفالأول : أنها تكون أبعد عن الرياء والسمعة ، قال صلى الله عليه وسلم : \" لا يقبل الله مسمع ولا مراء ولا منان \" والمتحدث بصدقته لا شك أنه يطلب السمعة والمعطى في ملأ من الناس يطلب الرياء ، والإخفاء والسكوت هو المخلص منهما ، وقد بالغ قوم في قصد الإخفاء ، واجتهدوا أن لا يعرفهم الآخذ ، فكان بعضهم يلقيه في يد أعمى ، وبعضهم يلقيه في طريق الفقير ، وفي موضع جلوسه حيث يراه ولا يرى المعطي ، وبعضهم كان يشده في أثواب الفقير وهو نائم ، وبعضهم كان يوصل إلى يد الفقير على يد غيره ، والمقصود عن الكل الاحتراز عن الرياء والسمعة والمنة ، لأن الفقير إذا عرف المعطي فقد حصل الرياء والمنة معاً وليس في معرفة المتوسط الرياء وثانيها : أنه إذا أخفى صدقته لم يحصل له بين الناس شهرة ومدح وتعظيم ، فكان ذلك يشق على النفس ، فوجب أن يكون ذلك أكثر ثواباً وثالثها : قوله صلى الله عليه وسلم : \" أفضل الصدقة جهد المقل إلى الفقير في سر \" وقال أيضاً \" إن العبد ليعمل عملاً في السر يكتبه الله له سراً فإن أظهره نقل من السر وكتب في العلانية ، فإن تحدث به نقل من السر والعلانية وكتب في الرياء \" وفي الحديث المشهور \" سبعة يظلهم الله تعالى يوم القيامة في ظله يوم لا ظل إلا ظله : أحدهم رجل تصدق بصدقة فلم تعلم شماله بما أعطاه يمينه \" وقال صلى الله عليه وسلم :\r\" صدقة السر تطفيء غضب الرب \"\rورابعها : أن الإظهار يوجب إلحاق الضرر بالآخذ من وجوه ، والإخفاء لا يتضمن ذلك ، فوجب أن يكون الإخفاء أولى ، وبيان تلك المضار من وجوه\rالأول : أن في الإظهار هتك عرض الفقير وإظهار فقره ، وربما لا يرضى الفقير بذلك","part":9,"page":164},{"id":3668,"text":"والثاني : أن في الإظهار إخراج الفقير من هيئة التعفف وعدم السؤال ، والله تعالى مدح ذلك في الآية التي تأتي بعد هذه الآية ، وهو قوله تعالى : {يَحْسَبُهُمُ الجاهل أَغْنِيَاء مِنَ التعفف تَعْرِفُهُم بسيماهم لاَ يَسْئَلُونَ الناس إِلْحَافًا} [ البقرة : 273 ]\rوالثالث : أن الناس ربما أنكروا على الفقير أخذ تلك الصدقة ، ويظنون أنه أخذها مع الاستغناء عنها ، فيقع الفقير في المذمة والناس في الغيبة والرابع : أن في إظهار الإعطاء إذلالاً للآخذ وإهانة له وإذلال المؤمن غير جائز والخامس : أن الصدقة جارية مجرى الهدية ، وقال عليه الصلاة والسلام : \" من أهدى إليه هدية وعنده قوم فهم شركاؤه فيها \" وربما لا يدفع الفقير من تلك الصدقة شيئاً إلى شركائه الحاضرين فيقع الفقير بسبب إظهار تلك الصدقة في فعل ما لا ينبغي فهذه جملة الوجوه الدالة على أن إخفاء صدقة التطوع أولى.","part":9,"page":165},{"id":3669,"text":"وأما الوجه في جواز إظهار الصدقة ، فهو أن الإنسان إذا علم أنه إذا أظهرها ، صار ذلك سبباً لاقتداء الخلق به في إعطاء الصدقات ، فينتفع الفقراء بها فلا يمتنع ، والحال هذه أن يكون الإظهار أفضل ، وروى ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : \" السر أفضل من العلانية ، والعلانية أفضل لمن أراد الاقتداء به \" قال محمد بن عيسى الحكيم الترمذي : الإنسان إذا أتى بعمل وهو يخفيه عن الخلق وفي نفسه شهوة أن يرى الخلق منه ذلك وهو يدفع تلك الشهوة فههنا الشيطان يورد عليه ذكر رؤية الخلق ، والقلب ينكر ذلك ويدفعه ، فهذا الإنسان في محاربة الشيطان فضوعف العمل سبعين ضعفاً على العلانية ، ثم إن لله عباداً راضوا أنفسهم حتى من الله عليهم بأنواع هدايته فتراكمت على قلوبهم أنوار المعرفة ، وذهبت عنهم وساوس النفس ، لأن الشهوات قد ماتت منهم ووقعت قلوبهم في بحار عظمة الله تعالى ؛ فإذا عمل عملاً علانية لم يحتج أن يجاهد ، لأن شهوة النفس قد بطلت ، ومنازعة النفس قد اضمحلت ، فإذا أعلن به فإنما يريد به أن يقتدي به غيره فهذا عبد كملت ذاته فسعى في تكميل غيره ليكون تاماً وفوق التمام ، ألا ترى أن الله تعالى أثنى على قوم في تنزيله وسماهم عباد الرحمن ، وأوجب لهم أعلى الدرجات في الجنة ، فقال : {أولئك يُجْزَوْنَ الغرفة} [ الفرقان : 75 ] ثم ذكر من الخصال التي طلبوها بالدعاء أن قالوا {واجعلنا لِلْمُتَّقِينَ إِمَاماً} [ الفرقان : 74 ] ومدح أمة موسى عليه السلام فقال : {وَمِن قَوْمِ مُوسَى أُمَّةٌ يَهْدُونَ بالحق وَبِهِ يَعْدِلُونَ} [ الأعراف : 159 ] ومدح أمة محمد صلى الله عليه وسلم فقال :","part":9,"page":166},{"id":3670,"text":"{كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بالمعروف وَتَنْهَوْنَ عَنِ المنكر} [ آل عمران : 110 ] ثم أبهم المنكر فقال : {وَمِمَّنْ خَلَقْنَا أُمَّةٌ يَهْدُونَ بالحق وَبِهِ يَعْدِلُونَ} [ الأعراف : 181 ] فهؤلاء أئمة الهدى وأعلام الدين وسادة الخلق بهم يهتدون في الذهاب إلى الله.\rفإن قيل : إن كان الأمر على ما ذكرتم فلم رجح الإخفاء على الإظهار في قوله {وَإِن تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الفقراء فَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ}.\rوالجواب : من وجهين\rالأول : لا نسلم قوله {فَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ} يفيد الترجيح فإنه يحتمل أن يكون المعنى أن إعطاء الصدقة حال الاخفاء خير من الخيرات ، وطاعة من جملة الطاعات ، فيكون المراد منه بيان كونه في نفسه خيراً وطاعة ، لا أن المقصود منه بيان الترجيح.\rوالوجه الثاني : سلمنا أن المراد منه الترجيح ، لكن المراد من الآية أنه إذا كانت الحال واحدة في الإبداء والإخفاء ، فالأفضل هو الإخفاء ، فأما إذا حصل في الإبداء أمر آخر لم يبعد ترجيح الإبداء على الإخفاء.\rالبحث الثاني : أن الإظهار في إعطاء الزكاة الواجبة أفضل ، ويدل عليه وجوه الأول : أن الله تعالى أمر الأئمة بتوجيه السعاة لطلب الزكاة ، وفي دفعها إلى السعاة إظهارها وثانيها : أن في إظهارها نفي التهمة ، روي أنه صلى الله عليه وسلم كان أكثر صلاته في البيت إلا المكتوبة فإذا اختلف حكم فرض الصلاة ونفلها في الإظهار والإخفاء لنفي التهمة ، فكذا في الزكاة وثالثها : أن إظهارها يتضمن المسارعة إلى أمر الله تعالى وتكليفه ، وإخفاءها يوهم ترك الالتفات إلى أداء الواجب فكان الإظهار أولى ، هذا كله في بيان قول من قال المراد بالصدقات المذكورة في هذه الآية صدقة التطوع فقط.\rالقول الثاني : وهو قول الحسن البصري أن اللفظ متناول للواجب والمندوب ، وأجاب عن قول من قال : الإظهار في الواجب أولى من وجوه","part":9,"page":167},{"id":3671,"text":"الأول : أن إظهار زكاة الأموال توجب إظهار قدر المال ، وربما كان ذلك سبباً للضرر ، بأن يطمع الظلمة في ماله ، أو بكثرة حساده ، وإذا كان الأفضل له إخفاء ماله لزم منه لا محالة أن يكون إخفاء الزكاة أولى والثاني : أن هذه الآية إنما نزلت في أيام الرسول صلى الله عليه وسلم والصحابة ما كانوا متهمين في ترك الزكاة فلا جرم كان إخفاء الزكاة أولى لهم لأنه أبعد عن الرياء والسمعة أما الآن فلما حصلت التهمة كان الإظهار أولى بسبب حصول التهمة الثالث : أن لا نسلم دلالة قوله {فَهُوَ خَيْرٌ} على الترجيح وقد سبق بيانه.\rأ هـ {مفاتيح الغيب حـ 7 صـ 64 ـ 66}\rقوله تعالى : {وَإِن تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الفقراء فَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ}\rفصل\rقال الفخر :\rأما قوله تعالى : {وَإِن تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الفقراء فَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ} فالإخفاء نقيض الإظهار وقوله {فَهُوَ} كناية عن الإخفاء ، لأن الفعل يدل على المصدر ، أي الإخفاء خير لكم ، وقد ذكرنا أن قوله {خَيْرٌ لَّكُمْ} يحتمل أن يكون المراد منه أنه في نفسه خير من الخيرات ، كما يقال : الثريد خير وأن يكون المراد منه الترجيح ، وإنما شرط تعالى في كون الإخفاء أفضل أن تؤتوها الفقراء لأن عند الإخفاء الأقرب أن يعدل بالزكاة عن الفقراء ، إلى الأحباب والأصدقاء الذين لا يكونون مستحقين للزكاة ، ولذلك شرط في الإخفاء أن يحصل معه إيتاء الفقراء ، والمقصود بعث المتصدق على أن يتحرى موضع الصدقة ، فيصير عالماً بالفقراء ، فيميزهم عن غيرهم ، فإذا تقدم منه هذا الاستظهار ثم أخفاها حصلت الفضيلة. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 7 صـ 66}\rفائدة\rقال ابن كثير :","part":9,"page":168},{"id":3672,"text":"وقوله : {وَإِنْ تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُم} فيه دلالة على أن إسرار الصدقة أفضل من إظهارها ؛ لأنه أبعد عن الرياء ، إلا أن يترتب على الإظهار مصلحة راجحة ، من اقتداء الناس به ، فيكون أفضل من هذه الحيثية ، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : \"الجاهر بالقرآن كالجاهر بالصدقة والمُسِر بالقرآن كالمُسِر بالصدقة\" {رواه أحمد في المسند (4/151) وأبو داود في السنن برقم (1333) والترمذي في السنن برقم (2919) من حديث عقبة بن عامر رضي الله عنه ، وقال الترمذي : \"هذا حديث حسن غريب\"}.\rوالأصل أن الإسرار أفضل ، لهذه الآية ، ولما ثبت في الصحيحين ، عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : \"سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله : إمام عادل ، وشاب نشأ في عبادة الله ، ورجلان تحابا في الله اجتمعا عليه وتفرقا عليه ، ورجل قلبه معلق بالمسجد إذا خرج منه حتى يرجع إليه ، ورجل ذكر الله خاليًا ففاضت عيناه ، ورجل دعته امرأة ذات منصب وجمال فقال : إني أخاف الله ، ورجل تصدق بصدقة فأخفاها حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه\" {صحيح البخاري برقم (660 ، 1423) وصحيح مسلم برقم (1031)}.\rوقال الإمام أحمد : حدثنا يزيد بن هارون ، أخبرنا العوام بن حوشب ، عن سليمان بن أبي سليمان ، عن أنس بن مالك ، عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال : \"لما خلق الله الأرض جعلت تميد ، فخلق الجبال فألقاها عليها فاستقرت ، فتعجبت الملائكة من خلق الجبال ، فقالت : يا رب ، فهل من خلقك شيء أشد من الجبال ؟ قال : نعم ، الحديد. قالت : يا رب ، فهل من خلقك شيء أشد من الحديد ؟ قال : نعم ، النار. قالت : يا رب ، فهل من خلقك شيء أشد من النار ؟ قال : نعم ، الماء. قالت : يا رب ، فهل من خلقك شيء أشد من الماء ؟ قال : نعم ، الريح. قالت : يا رب ، فهل من خلقك شيء أشد من الريح ؟ قال : نعم ، ابنُ آدم يتصدق بيمينه فيخفيها من شماله\" {المسند (3/124)}.","part":9,"page":169},{"id":3673,"text":"وقد ذكرنا في فضل آية الكرسي ، عن أبي ذر قال : قلت : يا رسول الله ، أي الصدقة أفضل ؟ قال : \"سر إلى فقير ، أو جهد من مقِل\". رواه أحمد. {المسند (5/178)}.\rورواه ابن أبي حاتم من طريق علي بن يزيد ، عن القاسم ، عن أبي أمامة ، عن أبي ذر فذكره. وزاد : ثم نزع بهذه الآية : {إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ وَإِنْ تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُم} الآية. {ورواه الطبراني في المعجم الكبير (8/269) من طريق خالد بن أبي يزيد ، عن علي بن يزيد به}.\rوفي الحديث المروي : \"صدقة السر تطفئ غضب الرب ، عز وجل\". {رواه الترمذي في السنن برقم (2386) من حديث أنس ، رضي الله عنه ، وروي عن جماعة من الصحابة وهو حديث متواتر}.\rوقال ابن أبي حاتم : حدثنا أبي ، حدثنا الحسين بن زياد المحاربي مؤدب محارب ، أخبرنا موسى بن عمير ، عن عامر الشعبي في قوله : {إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ وَإِنْ تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُم} قال : أنزلت في أبي بكر وعمر ، رضي الله عنهما ، فأما عمر فجاء بنصف ماله حتى دفعه إلى النبي صلى الله عليه وسلم : فقال له النبي صلى الله عليه وسلم : \"ما خلفت وراءك لأهلك يا عمر ؟ \". قال : خلفت لهم نصف مالي ، وأما أبو بكر فجاء بماله كلّه يكاد أن يخفيه من نفسه ، حتى دفعه إلى النبي صلى الله عليه وسلم. فقال له النبي صلى الله عليه وسلم : \"ما خلفت وراءك لأهلك يا أبا بكر ؟ \". فقال : عدة الله وعدةُ رسوله. فبكى عمر ، رضي الله عنه ، وقال : بأبي أنت يا أبا بكر ، والله ما اسْتَبَقْنا إلى باب خير قط إلا كنت سابقا. {ورواه الأصبهاني في الترغيب والترهيب برقم (1643) من طريق محمد بن الصباح بن موسى بن عيسى عن الشعبي به.} أ هـ {تفسير ابن كثير حـ 1 صـ 701 ـ 702}.\rفائدة","part":9,"page":170},{"id":3674,"text":"وقوله : {وتؤتوها الفقراء} ، توقّف المفسّرون في حكمة ذكره ، مع العلم بأنّ الصدقة لا تكون إلاّ للفقراء ، وأنّ الصدقة المُبْدَاة أيضاً تعطي للفقراء.\rفقال العصام : \"كأنّ نكتة ذكره هنا أنّ الإبداء لا ينفكّ عن إيتاء الفقراء ؛ لأنّ الفقير يظهر فيه ويمتاز عن غيره إذ يعلمه الناس بحاله ، بخلاف الإخفاء ، فاشترط معه إيتاؤها للفقير حثّاً على الفحص عن حال من يعطيه الصدقة\" ( أي لأنّ الحرِيصينَ من غير الفقراء يستحيون أن يتعرّضوا للصدقات الظاهرة ولا يصدّهم شيء عن التعرّض للصدقات الخفيّة ).\rوقال الخفاجي : \"لم يذكر الفقراء مع المُبْدَاةِ لأنّه أريد بها الزكاة ومصارفها الفقراءُ وغيرهم ، وأما الصدقة المخفَاةُ فهي صدقة التطوّع ومصارفها الفقراء فقط\".\rوهو ضعيف لوجهين :\rأحدهما أنّه لا وجه لقصر الصدقة المبدَاةِ على الفريضة ولا قائل به بل الخلاف في أنّ تفضيل الإخفاء هل يعمّ الفريضة أولاً ، الثاني أنّ الصدقة المتطوّع بها لا يمتنع صرفها لغير الفقراء كتجهيز الجيوش.\rوقال الشيخ ابن عاشور جدّي في تعليق له على حديث فضل إخفاء الصدقة من \"صحيح مسلم\" : \" عطف إيتاء الفقراء على الإخفاء المجعول شرطاً للخيرية في الآية مع العلم بأنّ الصدقة للفقراء يؤذن بأنّ الخيرية لإخْفَاءِ حال الفقير وعدم إظهار اليد العليا عليه \" أي فهو إيماء إلى العلة وأنّها الإبقاء على ماء وجه الفقير ، وهو القول الفصل لانتفاء شائبة الرياء. أ هـ {التحرير والتنوير حـ 3 صـ 68 ـ 69}\rفائدة\rقال أبو حيان :\rوفي الإبداء والإخفاء طباق لفظي ، وفي قوله : وتؤتوها الفقراء طباق معنوى ، لأنه لا يؤتي الصدقات إلاَّ الأغنياء ، فكأنه قيل : إن يبد الصدقاتِ الأغنياءُ.\rوفي هذه الآية دلالة على أن الصدقة حق للفقير ، وفيها دلالة على أنه يجوز لرب المال أن يفرق الصدق بنفسه. أ هـ {البحر المحيط حـ 2 صـ 338}\rوقال ابن عادل :\rوفي قوله : \" إِن تُبْدُواْ ، وَإِن تُخْفُوهَا \" نوعٌ من البديع ، وهو الطِّباق اللَّفظيّ. وفي قوله : { وَتُؤْتُوهَا الفقرآء } طباق معنوي؛ لأنه لا يؤتي الصدقات إلا الأغنياء ، فكأنه قيل : إن يبد الأغنياء الصدقات ، وإن يخف الأغنياء الصدقات ، ويؤتوها الفقراء ، فقابل الإبداء بالإخفاء لفظاً ، والأغنياء بالفقراء معنًى. أ هـ {تفسير ابن عادل حـ 4 صـ 424 ـ 425}","part":9,"page":171},{"id":3676,"text":"قوله تعالى : {وَيُكَفّرُ عَنكُم مّن سَيّئَاتِكُمْ}\rفصل\rقال الفخر :\rقرأ ابن كثير وأبو عمرو وعاصم في رواية أبي بكر {نَّكْفُر} بالنون ورفع الراء وفيه وجوه\rأحدها : أن يكون عطفاً على محل ما بعد الفاء\rوالثاني : أن يكون خبر مبتدأ محذوف أي ونحن نكفر والثالث : أنه جملة من فعل وفاعل مبتدأ بمستأنفة منقطعة عما قبلها ، والقراءة الثانية قراءة حمزة ونافع والكسائي بالنون والجزم ، ووجهه أن يحمل الكلام على موضع قوله {فَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ} فإن موضعه جزم ، ألا ترى أنه لو قال : وإن تخفوها تكن أعظم لثوابكم ، لجزم فيظهر أن قوله {خَيْرٌ لَّكُمْ} في موضع جزم ، ومثله في الحمل على موضع الجزم قراءة من قرأ {مَن يُضْلِلِ الله فَلاَ هَادِيَ لَهُ وَيَذَرُهُمْ} [ الأعراف : 186 ] بالجزم ،\rوالقراءة الثالثة قراءة ابن عامر وحفص عن عاصم {يَكْفُرْ} بالياء وكسر الفاء ورفع الراء ، والمعنى : يكفر الله أو يكفر الاخفاء ، وحجتهم أن ما بعده على لفظ الافراد ، وهو قوله {والله بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ} فقوله {يَكْفُرْ} يكون أشبه بما بعده ، والأولون أجابوا وقالوا لا بأس بأن يذكر لفظ الجمع أولاً ثم لفظ الأفراد ثانياً كما أتى بلفظ الأفراد أولاً والجمع ثانياً في قوله {سُبْحَانَ الذى أسرى بِعَبْدِهِ لَيْلاً} [ الإسراء : 1 ] ثم قال : {وَءاتَيْنَآ مُوسَى الكتاب} [ الإسراء : 2 ] ونقل صاحب \"الكشاف\" قراءة رابعة {وتكفر} بالتاء مرفوعاً ومجزوماً والفاعل الصدقات ، وقراءة خامسة وهي قراءة الحسن بالتاء والنصب بإضمار {إن} ومعناها إن تخفوها يكن خير لكم ، وإن نكفر عنكم سيئاتكم فهو خير لكم. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 7 صـ 66}\rوقال القرطبى :\r{وَيُكَفِّرُ} اختلف القراء في قراءته ؛ فقرأ أبو عمرو وابن كَثير وعاصم في رواية أبي بكر وقتَادة وابن أبي إسحاق \"ونُكَفِّرُ\" بالنون ورفع الراء.\rوقرأ ( نافع ) وحمزة والكسائي بالنون والجزم في الراء ؛ ورُوي مثل ذلك أيضاً عن عاصم.","part":9,"page":172},{"id":3677,"text":"وروى الحسين بن عليّ الجَعْفِيّ عن الأعمش \"يُكَفِّرَ\" بنصب الراء.\rوقرأ ابن عامر بالياء ورفع الراء ؛ ورواه حفص عن عاصم ، وكذلك روى عن الحسن ، ورُوي عنه بالياء والجزم.\rوقرأ ابن عباس \"وتُكَفِّرْ\" بالتاء وكسر الفاء وجزم الراء.\rوقرأ عكرمة \"وتُكَفَّرْ\" بالتاء وفتح الفاء وجزم الراء.\rوحكى المَهْدَوِيّ عن ابن هُرْمُز أنه قرأ \"وتُكَفِّرُ\" بالتاء ورفع الراء.\rوحُكي عن عكرمة وشَهْر بن حَوشب أنهما قرءا بتاء ونصب الراء.\rفهذه تسع قراءات أَبْيَنُهَا \"ونُكَفِّرُ\" بالنون والرفع.\rهذا قول الخليل وسيبويه.\rقال النحاس قال سيبويه : والرفع هاهنا الوجه وهو الجيِّد ، لأن الكلام الذي بعد الفاء يجري مجراه في غير الجزاء.\rوأجاز الجزم بحمله على المعنى ؛ لأن المعنى وإن تخفوها وتؤتوها الفقراء يكن خيراً لكم ونكفر عنكم.\rوقال أبو حاتم : قرأ الأعمش \"يُكَفِّرُ\" بالياء دون واو قبلها.\rقال النحاس : والذي حكاه أبو حاتم عن الأعمش بغير واو جزماً يكون على البدل كأنه في موضع الفاء.\rوالذي روي عن عاصم \"ويُكَفِّرُ\" بالياء والرفع يكون معناه ويُكَفِّرُ الله ؛ هذا قول أبي عُبَيد.\rوقال أبو حاتم : معناه يكفِّر الإعطاء.\rوقرأ ابن عباس \"وتُكَفِّرْ\" يكون معناه وتكفِّر الصدقات.\rوبالجملة فما كان من هذه القراءات بالنون فهي نون العظمة ، وما كان منها بالتاء فهي الصدقة فاعلمه ؛ إلا ما رُوي عن عكرمة من فتح الفاء فإن التاء في تلك القراءة إنما هي للسيئات ، وما كان منها بالياء فالله تعالى هو المكفِّر ، والإعطاء في خفاء مكفِّر أيضاً كما ذكرنا ، وحكاه مَكِّيّ.\rوأما رفع الراء فهو على وجهين : \rأحدهما أن يكون الفعل خبر ابتداء تقديره ونحن نكفِّر أو وهي تكفِّر ، أعني الصدقة ، أو والله يكفِّر.\rوالثاني القطع والاستئناف لا تكون الواو العاطفة للاشتراك لكن تعطف جملة كلام على جملة.\rوقد ذكرنا معنى قراءة الجزم.\r","part":9,"page":173},{"id":3678,"text":"فأما نصب \"ونُكَفِّرَ\" فضعيف وهو على إضمار أن وجاز على بُعْد.\rقال المَهْدَوِيّ : وهو مشبه بالنصب في جواب الاستفهام ، إذ الجزاء يجب به الشيء لوجوب غيره كالاستفهام.\rوالجزم في الراء أفصح هذه القراءات ، لأنها تُؤْذن بدخول التكفير في الجزاء وكونه مشروطاً إن وقع الإخفاء.\rوأما الرّفع فليس فيه هذا المعنى.\rقلت : هذا خلاف ما اختاره الخليل وسيبويه. أ هـ {تفسير القرطبى حـ 3 صـ 335 ـ 336}\rقال الطبرى :\rوأولى القراءات في ذلك عندنا بالصواب قراءة من قرأ : ( ونكفر عنكم ) بالنون وجزم الحرف ، على معنى الخبر من الله عن نفسه أنه يجازي المخفي صدقته من التطوع ابتغاء وجهه من صدقته ، بتكفير سيئاته. (1)\rوإذا قرئ كذلك ، فهو مجزوم على موضع\"الفاء\" في قوله : \"فهو خير لكم\". لأن\"الفاء\" هنالك حلت محل جواب الجزاء.\rفإن قال لنا قائل : وكيف اخترت الجزم على النسق على موضع\" الفاء\" ، وتركت اختيار نسقه على ما بعد الفاء ، وقد علمت أن الأفصح من الكلام في النسق على جواب الجزاء الرفع ، وإنما الجزم تجويزه ؟ .\rقيل : اخترنا ذلك ليؤذن بجزمه أن التكفير- أعني تكفير الله من سيئات المصدق لا محالة داخل فيما وعد الله المصدق أن يجازيه به على صدقته. لأن ذلك إذا جزم ، مؤذن بما قلنا لا محالة ، ولو رفع كان قد يحتمل أن يكون داخلا فيما وعده الله أن يجازيه به ، وأن يكون خبرا مستأنفا أنه يكفر من سيئات عباده المؤمنين ، على غير المجازاة لهم بذلك على صدقاتهم ، لأن ما بعد\"الفاء\" في جواب الجزاء استئناف ، فالمعطوف على الخبر المستأنف في حكم المعطوف عليه ، في أنه غير داخل في الجزاء ، ولذلك من العلة ، اخترنا جزم\"نكفر\" عطفا به على موضع الفاء من قوله : \"فهو خير لكم\" وقراءته بالنون. أ هـ {تفسير الطبرى حـ 5 صـ 585 ـ 586}\rفائدة\rقال الفخر :\rفي دخول {مِنْ} في قوله {مّن سَيّئَاتِكُمْ} وجوه\r________________\r(1) لا يصح الطعن فى قراءة متواترة. والله أعلم.","part":9,"page":174},{"id":3679,"text":"أحدها : المراد : ونكفر عنكم بعض سيئاتكم لأن السيئات كلها لا تكفر بذلك ، وإنما يكفر بعضها ثم أبهم الكلام في ذلك البعض لأن بيانه كالإغواء بارتكابها إذا علم أنها مكفرة ، بل الواجب أن يكون العبد في كل أحواله بين الخوف والرجاء وذلك إنما يكون مع الإبهام والثاني : أن يكون {مِنْ} بمعنى من أجل ، والمعنى : ونكفر عنكم من أجل ذنوبكم ، كما تقول : ضربتك من سوء خلقك أي من أجل ذلك والثالث : أنها صلة زائدة كقوله {فِيهَا مِن كُلّ الثمرات} [ محمد : 15 ] والتقدير : ونكفر عنكم جميع سيئاتكم والأول أولى وهو الأصح. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 7 صـ 67}\rوقال القرطبى : \rو \"مِنْ\" في قوله {مِّن سَيِّئَاتِكُمْ} للتبعيض المحض.\rوحكى الطبريّ عن فرقة أنها زائدة.\rقال ابن عطيّة : وذلك منهم خطأ. أ هـ {تفسير القرطبى حـ 3 صـ 336}\rوقال الماوردى : \rإنها ليست زائدة وإنما دخلت للتبعيض ، لأنه إنما يكفر بالطاعة من غير التوبة الصغائر ، وفي تكفيرها وجهان : \rأحدهما : يسترها عليهم.\rوالثاني : يغفرها لهم. أ هـ {النكت والعيون حـ 1 صـ 345}\rوقال ابن الجوزى : \rقال أبو سليمان الدمشقي : ووجه الحكمة في ذلك {التعبير بتكفير بعض الذنوب دون الكل}\rأن يكون العباد على خوف ووجل. أ هـ {زاد المسير حـ 1 صـ 326}\rقوله تعالى {والله بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ}\rقال الفخر : \rإشارة إلى تفضيل صدقة السر على العلانية ، والمعنى أن الله عالم بالسر والعلانية وأنتم إنما تريدون بالصدقة طلب مرضاته ، فقد حصل مقصودكم في السر ، فما معنى الإبداء ، فكأنهم ندبوا بهذا الكلام إلى الإخفاء ليكون أبعد من الرياء.أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 7 صـ 67}\rوقال الطبرى : \rقوله : {وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ}","part":9,"page":175},{"id":3680,"text":"يعني بذلك جل ثناؤه : \"والله بما تعملون\" في صدقاتكم ، من إخفائها ، وإعلان وإسرار بها وجهار ، وفي غير ذلك من أعمالكم\"خبير\" يعني بذلك ذو خبرة وعلم ، لا يخفى عليه شيء من ذلك ، فهو بجميعه محيط ، ولكله محص على أهله ، حتى يوفيهم ثواب جميعه ، وجزاء قليله وكثيره. أ هـ {تفسير الطبرى حـ 5 صـ 586}\rوقال أبو حيان : \r{والله بما تعملون خبير} ختم الله بهذه الصفة لأنها تدل على العلم بما لطف من الأشياء وخفي ، فناسب الرفع ختمها بالصفة المتعلقة بما خفي ، والله أعلم. أ هـ {البحر المحيط حـ 2 صـ 339}\rمن فوائد ابن عرفة فى الآية\rقوله تعالى : {إِن تُبْدُواْ الصدقات فَنِعِمَّا هِيَ . . .}.\rابن عطية : هي تفسير الفاعل المضمر قبل الذكر.\rوالتقدير : نعم شيء إبدَاؤهَا.\rقال ابن عرفة : وكان بعضهم يقول : غير هذا.\rوهو أنّ المازري ذكر في قوله صلى الله عليه وسلم \" هذا وضوء لا يقبل الله الصلاة إلاّ به \".\rالخلاف هل هو إشارة للفعل فقط أو للفعل بصفته ( فكذلك ) يجيء هنا إن عاد الضمير على الصدقات بصفتها لم يحتج إلى هذا الإضمار والقرينة هنا تعيّن أن المراد الصفة ، وهي قرينة التقسيم بين الإخفاء والإظهار\rقيل لابن عرفة : لعل القرينة هي المفسرة للمضمر ؟ \rفقال : ثبت أن المراد هنا ( الصّدقة ) بصفتها وإنّما ثبت استعمال اللفظ في معنى ودار ( الأمر ) بين صرفه ذلك المعنى إلى القرينة أو إلى نفس اللّفظ فصرفه إلى نفس اللّفظ أولى.\rقوله تعالى : {وَإِن تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الفقرآء . . .}.\rقال ابن عرفة : لم يقل أو تبدوها وَتُؤْتُوهَا الفُقَرَاءَ.","part":9,"page":176},{"id":3681,"text":"وعادتهم يجيبون : بأن إظهارها مظنة الكشف عن حال آخذها ، وكثرة السؤال عنه وإخفاؤها مظنة لعدم الكشف عن ذلك فإعطاؤها في العلانية متوقف على علم المعطي وغيره بفقر آخذها فلا تقع إلا في يد فقير لأنه إما أن يسأل عن حاله أو يراه من يعلم أنّه غني فينهاه عن الصدقة عليه وإعطاؤها ( سّرا ) يتوقف على مجرد علم المعطي فقط بذلك ، فقد تقع في يد غني يظنه المعطي فقيرا لأنه لا يسأل عن حاله ولا يطلع عليه من يعرف حاله فيخبره بحاله فلذلك قال في الثاني : {وَتُؤْتُوهَا الفقرآء}. أ هـ {تفسير ابن عرفة صـ 348}\rفصل\rقال السعدى فى معنى الآية : \r{إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ وَإِنْ تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَيُكَفِّرُ عَنْكُمْ مِنْ سَيِّئَاتِكُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ} .\rأي : {إن تبدوا الصدقات} فتظهروها وتكون علانية حيث كان القصد بها وجه الله {فنعما هي} أي : فنعم الشيء {هي} لحصول المقصود بها {وإن تخفوها} أي : تسروها {وتؤتوها الفقراء فهو خير لكم} ففي هذا أن صدقة السر على الفقير أفضل من صدقة العلانية ، وأما إذا لم تؤت الصدقات الفقراء فمفهوم الآية أن السر ليس خيرا من العلانية ، فيرجع في ذلك إلى المصلحة ، فإن كان في إظهارها إظهار شعائر الدين وحصول الاقتداء ونحوه ، فهو أفضل من الإسرار ، ودل قوله : {وتؤتوها الفقراء} على أنه ينبغي للمتصدق أن يتحرى بصدقته المحتاجين ، ولا يعطي محتاجا وغيره أحوج منه ، ولما ذكر تعالى أن الصدقة خير للمتصدق ويتضمن ذلك حصول الثواب قال : {ويكفر عنكم من سيئاتكم} ففيه دفع العقاب {والله بما تعملون خبير} من خير وشر ، قليل وكثير والمقصود من ذلك المجازاة. أ هـ {تفسير السعدى صـ 116}","part":9,"page":177},{"id":3682,"text":"من فوائد ابن القيم فى الآية\rقال رحمه الله : \rقوله تعالى {إن تبدوا الصدقات فنعما هي} أي فنعم شيء هي وهذا مدح لها موصوفة بكونها ظاهرة بادية فلا يتوهم مبديها بطلان أثره وثوابه فيمنعه ذلك من إخراجها وينتظر بها الإخفاء فتفوت أو تعترضه الموانع ويحال بينه وبين قلبه أو بينه وبين إخراجها فلا يؤخر صدقة العلانية بعد حضور وقتها إلى وقت السر وهذه كانت حال الصحابة\rثم قال {وإن تخفوها وتؤتوها الفقراء فهو خير لكم} فأخبر أن إعطاءها للفقير في خفية خير للمنفق من إظهارها وإعلانها وتأمل تقييده تعالى الإخفاء بإيتاء الفقراء خاصة ولم يقل : وإن تخفوها فهو خير لكم فإن من الصدقة ما لا يمكن إخفاؤه كتجهيز جيش وبناء قنطرة وإجراء نهر أو غير ذلك وأما إيتاؤها الفقراء ففي إخفائها من الفوائد الستر عليه وعدم تخجيله بين الناس وإقامته مقام الفضيحة وأن يرى الناس أن يده هي اليد السفلى وأنه لا شيء له فيزهدون في معاملته ومعاوضته وهذا قدر زائد من الإحسان إليه بمجرد الصدقة مع تضمنه الإخلاص وعدم المراءاة وطلبهم المحمدة من الناس وكان إخفاؤها للفقير خيرا من إظهارها بين الناس ، ومن هذا مدح النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ صدقة السر وأثنى على فاعلها وأخبر أنه أحد السبعة الذين هم في ظل عرش الرحمن يوم القيامة ولهذا جعله سبحانه خيرا للمنفق وأخبر أنه يكفر عنه بذلك الإنفاق من سيئاته ولا يخفى عليه سبحانه أعمالكم ولا نياتكم فإنه بما تعملون خبير. أ هـ {طريق الهجرتين صـ 556}","part":9,"page":178},{"id":3683,"text":"قوله تعالى : {لَيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَلِأَنْفُسِكُمْ وَمَا تُنْفِقُونَ إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ اللَّهِ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تُظْلَمُونَ (272)}\rمناسبة الآية لما قبلها\rقال البقاعى : \rولما حث سبحانه وتعالى على وجوه الخير ورغب في لزوم الهدى وكان أكثرهم معرضين ، \rلأن ما دعا إليه هادم لما جبلوا عليه من الحب لتوفير المال والحفيظة على النفس ، \rوكان صلى الله عليه وسلم شديد الأسف عليهم دائم القلق من أجلهم لعظيم رحمته لهم وشفقته عليهم ، \rفكان يجد من تقاعدهم عما يدعوهم إليه من هذه الحالة العلية التي هي حكمة الله التي رأسها الإيمان بالله واشتراء الآخرة بكلية الدنيا وجداً شديداً ، \rخفض سبحانه وتعالى عليه الأمر وخفف عليه الحال فقال : {ليس عليك} أي عندك {هداهم} حتى تكون قادراً عليه ، \rفما عليك إلا البلاغ ، \rوأما خلق الهداية لهم فليس عليك ولا تقدر عليه {ولكن الله} الذي لا كفوء له هو القادر على ذلك وحده فهو {يهدي من يشاء} فظهر من هذا أنه يتعين أن يكون عليك بمعنى عندك ومعك ونحو ذلك ، \rلأن لكن للاستدراك وهو أن يكون حكم ما بعدها مخالفاً لما قبلها وكلام أهل اللغة يساعد على ذلك ، \rقال الإمام عبد الحق في كتابه الواعي : في حديث عمران بن حصين رضي الله تعالى عنهما : كنت أضحي بالجذع وعلينا ألف شاة ، \rمعناه : وعندنا ألف شاة ، \rتقول العرب : علينا كذا وكذا ، \rأي مننا - فسره قاسم ؛ انتهى.\rوهو يرجع إلى القدرة كما تقول : عليّ رضى فلان ، \rأي أنا مطيق لذلك قادر على حمله ، \rفالمعنى : لست تقدر على إيجاد الاهتداء فيهم أصلاً وإنما ذلك إلى الله سبحانه وتعالى فهو يهدي من يشاء فيفعل ما يقدره سبحانه له من وجوه الهدى من نفقة وغيرها.","part":9,"page":179},{"id":3684,"text":"قال الحرالي ما معناه : إن الأنصار رضي الله تعالى عنهم من أول مراد بهذه الجملة لأنه سبحانه وتعالى جعل فيهم نصرة دينه.\rولما كان المقصود الأعظم في هذه الحكمة وهذا الهدى إنما هو الهدى للتوسل إلى الجواد بالجود بالنفس والمال النائل عموماً القريب والبعيد والمؤمن والكافر بمنزلة المطر الجود الذي يأخذ السهل والجبل حتى كان هذا الخطاب صارفاً لقوم تحرجوا من الصدقة على فقراء الكفار وصلة قراباتهم منهم فحملوا على عموم الإنفاق - انتهى.\rفقال سبحانه وتعالى : {وما تنفقوا من خير} أي مال ومعروف على مؤمن أو كافر يحل فعل ذلك معه ولو قل \" لا تحقرن جارة لجارتها ولو فرسن شاة \" {فلأنفسكم} كما قيل له صلى الله عليه وسلم عن شاة ذبحت : ذهبت أي بالهدية والصدقة إلا رقبتها! فقال : بقيت إلا رقبتها! فهو يفهم أنكم إن بخلتم أو مننتم فإنما تفعلون ذلك بأنفسكم.\rولما كان الكلام في النفقة مع المؤمنين المنفقين وفي سبيل الله وعبر عنها بالخير وكل ذلك إشارة إلى الإخلاص الحري بحال المؤمن فقال : {وما} أي والحال أنكم ما {تنفقون إلا ابتغاء} أي إرادة.\rولما كان تذكر الوجه لما له من الشرف أدعى إلى الاجتهاد في تشريف العمل بإحسانه وإخلاصه قال : {وجه الله} أي الملك الأعظم من سد خلة فقير أو صلة رحم مسلم أو كافر تجوز الصدقة عليه لا لأنفسكم ولا غيرها بل تخلصاً من إمساك المال بأداء الأمانة فيه إلى عباد الله لأنهم عباده ، \rهذا هو الذي يدعو إليه الإيمان فلا يظن لمؤمن أن يفعل غيره وذلك يقتضي البعد جداً عن الأذى والرياء وكل نقيصة والملابسة لكل ما يوجب القبول من الكمال الحسي والمعنوي.","part":9,"page":180},{"id":3685,"text":"ولما كان الإيقان بالوفا مرغباً في الإحسان ومبعداً من الإساءة والامتنان خوفاً من جزاء الملك الديان قال {وما تنفقوا من خير} أي على أي وجه كان وبأي وصف كان التصدق والمتصدق عليه {يوف} أي يبالغ في وفائه بالتضعيف واصلاً {إليكم وأنتم لا تظلمون} أي لا يقع عليكم ظلم في ترك شيء مما أنفقتموه ولا في نقص مما وعدتموه من التضعيف إن أحسنتم والمماثلة إن أسأتم. أ هـ {نظم الدرر حـ 1 صـ 526 ـ 528}\rوقال أبو حيان :\rومناسبة تعلق هذه الجملة بما قبلها أنه لما ذكر تعالى قوله : {يؤتي الحكمة من يشاء} الآية اقتضى أنه ليس كل أحد آتاه الله الحكمة ، فانقسم الناس من مفهوم هذا إلى قسمين : من آتاه الله الحكمة فهو يعمل بها ، ومن لم يؤته إياها فهو يخبط عشواء في الضلال.\rفنبه بهذه الآية أن هذا القسم ليس عليك هداهم ، بل الهداية وإيتاء الحكمة إنما ذلك إلى الله تعالى ، ليتسلى بذلك في كون هذا القسم لم يحصل له السعادة الأبدية ، ولينبه على أنهم وإن لم يكونوا مهتدين ، تجوز الصدقة عليهم. أ هـ {البحر المحيط حـ 2 صـ 340}\rوقال ابن عاشور :\rقوله تعالى : {لَيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ}\rاستئناف معترض به بين قوله {إن تبدوا الصدقات} [ البقرة : 271 ] وبين قوله : {وما تنفقوا من خير فلأنفسكم} ، ومناسبته هنا أنّ الآيات المتقدمة يلوح من خلالها أصناف من الناس : منهم الذين ينفقون أموالهم رئاء الناس ولا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر ، ومنهم الذين يبطلون صدقاتهم بالمَنّ والأذى ، ومنهم الذين يتيمّمون الخبيث منه ينفقون ، ومنهم من يعَدهم الشيطان الفقرَ ويأمرهم بالفحشاء.\rوكان وجود هذه الفرق مما يَثقل على النبي صلى الله عليه وسلم فعقّب الله ذلك بتسكين نفس رسوله والتهوين عليه بأن ليس عليه هُداهم ولكن عليه البلاغ. أ هـ {التحرير والتنوير حـ 3 صـ 69}\rفصل فى سبب نزول الآية\rقال القرطبى :","part":9,"page":181},{"id":3686,"text":"روى سعيد بنُ جبير مُرْسَلاً عن النبيّ صلى الله عليه وسلم في سبب نزول هذه الآية أن المسلمين كانوا يتصدّقون على فقراء أهل الذمّة ، فلما كثُر فقراء المسلمين قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : \" لا تتصدّقوا إلاَّ على أهل دينكم \" فنزلت هذه الآية مبيحة للصدقة على من ليس من دِين الإسلام.\rوذكر النقّاش : \" أن النبيّ صلى الله عليه وسلم أُتِيَ بصدقات فجاءه يهوديّ فقال : أعطني.\rفقال النبيّ صلى الله عليه وسلم ؛ \"ليس لك من صدقة المسلمين شيء\".\rفذهب اليهوديّ غير بعيد فنزلت : {لَّيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ} فدعاه رسول الله صلى الله عليه وسلم فأعطاه \" ، ثم نسخ الله ذلك بآية الصدقات. (1)\rوروى ابن عباس أنه قال : كان ناس من الأنصار لهم قرابات من بني قُرَيظة والنَضَّير ، وكانوا لا يتصدّقون عليهم رغبة منهم في أن يُسلموا إذا احتاجوا ، فنزلت الآية بسبب أُولئك.\rوحكى بعض المفسّرين أن أسماء ابنة أبي بكر الصدّيق أرادت أن تصل جَدَّها أبا قُحافة ثم امتنعت من ذلك لكونه كافراً فنزلت الآية في ذلك.\rوحكى الطبريّ أن مقصد النبيّ صلى الله عليه وسلم بمنع الصدقة إنما كان ليُسلموا ويدخلوا في الدين ، فقال الله تعالى : {لَّيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ}.\rوقيل : {لَّيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ} ( ليس متصلاً ) بما قبلُ ، فيكون ظاهراً في الصدقات وصرفها إلى الكفار ، بل يحتمل أن يكون معناه ابتداء كلام. أ هـ {تفسير القرطبى حـ 3 صـ 337}\r_________________\r(1) لا يخفى ما فى هذه الرواية من البعد البعيد ومجانبة الصواب لكونها مخالفة لما هو معلوم عن رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ الذى قال الله فى حقه {وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين} فقد كان صلى الله عليه وسلم رحمة مهداة حتى بالحيوان الأعجم فكيف بالنفس البشرية ؟؟!!!\rوما ثبت أنه رد سائلا قط حتى ولو كان كافرا\rوالذى يدرس آيات العتاب فى حقه صلى الله عليه وسلم يجد أن الله تعالى عاتبه على فرط رحمته وشفقته بالمشركين فى قوله تعالى فى سورة الأنفال {مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا وَاللَّهُ يُرِيدُ الْآَخِرَةَ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (67)}. والله أعلم.","part":9,"page":182},{"id":3687,"text":"قال ابن العربى فى سبب نزول الآية : \rوَفِي ذَلِكَ قَوْلَانِ : \rأَحَدُهُمَا : أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : {لَا تَصَدَّقُوا إلَّا عَلَى أَهْلِ دِينِكُمْ} ، فَنَزَلَتْ : {لَيْسَ عَلَيْك هُدَاهُمْ}\rالثَّانِي : قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : كَانُوا لَا يَرْضَخُونَ لِقَرَابَاتِهِمْ مِنْ الْمُشْرِكِينَ ، فَنَزَلَتْ الْآيَةُ . وَهَذَا هُوَ الصَّحِيحُ لِوَجْهَيْنِ : أَحَدُهُمَا : أَنَّ الْأَوَّلَ حَدِيثٌ بَاطِلٌ . الثَّانِي : {أَنَّ أَسْمَاءَ سَأَلَتْ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَتْ : يَا رَسُولَ اللَّهِ : إنَّ أُمَّيْ قَدِمَتْ عَلَيَّ رَاغِبَةً وَهِيَ مُشْرِكَةٌ أَفَأَصِلُهَا ؟ قَالَ : صِلِي أُمَّك} ; فَإِنَّمَا شَكُّوا فِي جَوَازِ الْمُوَالَاةِ لَهُمْ وَالصَّدَقَةِ ( ذَوِي الْقُرْبَى الْمُشْرِكِينَ ) عَلَيْهِمْ فَسَأَلُوا النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَذِنَ لَهُمْ . أ هـ {أحكام القرآن لابن العربى حـ 1 صـ 316}","part":9,"page":183},{"id":3688,"text":"قال الفخر : \rوالمعنى على جميع الروايات : ليس عليك هدى من خالفك حتى تمنعهم الصدقة لأجل أن يدخلوا في الإسلام ، فتصدق عليهم لوجه الله ، ولا توقف ذلك على إسلامهم ، ونظيره قوله تعالى : {لاَّ ينهاكم الله عَنِ الذين لَمْ يقاتلوكم فِى الدين وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ} [ الممتحنة : 8 ] فرخص في صلة هذا الضرب من المشركين. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 7 صـ 67}\rفصل\rقال الفخر : \rإنه صلى الله عليه وسلم كان شديد الحرص على إيمانهم كما قال تعالى : {فَلَعَلَّكَ باخع نَّفْسَكَ على ءاثارهم إِن لَّمْ يُؤْمِنُواْ بهذا الحديث أَسَفاً} [ الكهف : 6 ] {لَعَلَّكَ باخع نَّفْسَكَ أَلاَّ يَكُونُواْ مُؤْمِنِينَ} [ الشعراء : 3 ] وقال : {أَفَأَنتَ تُكْرِهُ الناس حتى يَكُونُواْ مُؤْمِنِينَ} [ يونس : 99 ] وقال : {لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مّنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ} [ التوبة : 128 ] فأعلمه الله تعالى أنه بعثه بشيراً ونذيراً ، وداعياً إلى الله بإذنه وسراجاً منيراً ومبيناً للدلائل ، فأما كونهم مهتدين فليس ذلك منك ولا بك ، فالهدى هاهنا بمعنى الاهتداء ، فسواء اهتدوا أو لم يهتدوا فلا تقطع معونتك وبرك وصدقتك عنهم ، \rوفيه وجه آخر : ليس عليك أن تلجئهم إلى الاهتداء بواسطة أن توقف صدقتك عنهم على إيمانهم ، فإن مثل هذا الإيمان لا ينتفعون به ، بل الإيمان المطلوب منهم الإيمان على سبيل التطوع والاختيار. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 7 صـ 68}\rفائدة\rقال الفخر : ","part":9,"page":184},{"id":3689,"text":"ظاهر قوله {لَّيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ} خطاب مع النبي صلى الله عليه وسلم ولكن المراد به هو وأمته ، ألا تراه قال : {إِن تُبْدُواْ الصدقات} [ البقرة : 271 ] وهذا خطاب عام ، ثم قال : {لَّيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ} وهو في الظاهر خاص ، ثم قال بعده {وَمَا تُنفِقُواْ مِنْ خَيْرٍ فَلأَنفُسِكُمْ} وهذا عام فيفهم من عموم ما قبل الآية وعموم ما بعدها عمومها أيضاً. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 7 صـ 68}\rوقال أبو السعود : \r{لَّيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ} أي لا يجب عليك أن تجعلهم مهديين إلى فعلِ ما أُمروا به من المحاسن والانتهاءِ عما نُهوا عنه من القبائح المعدودة وإنما الواجبُ عليك الإرشادُ إلى الخير والحثُ عليه والنهيُ عن الشر والردعُ عنه بما أوحي إليك من الآياتِ والذكرِ الحكيم. أ هـ {تفسير أبى السعود حـ 1 صـ 264}\rفائدة\rقال ابن عاشور : \rو ( على ) في قوله {عليك} للاستعلاء المجازي ، أي طلب فعل على وجه الوجوب.\rوالمعنى ليس ذلك بواجب على الرسول ، فلا يحزن على عدم حصول هداهم لأنّه أدّى واجب التبليغ ، أو المعنى ليس ذلك بواجب عليكم أيّها المعالجين لإسلامهم بالحرمان من الإنفاق حتى تسعوا إلى هداهم بطرق الإلجاء.\rوتقديم الظرف وهو {عليك} على المسند إليه وهو {هُداهم} إذا أجرى على ما تقرّر في علم المعاني من أنّ تقديم المسند الذي حقّه التأخير يفيد قصر المسند إليه إلى المسند ، وكان ذلك في الإثبات بيّناً لا غبار عليه نحو {لكم دينكم ولي ديني} [ الكافرون : 6 ] وقولِه : {لها ما كسبت عليها ما اكتسبت} [ البقرة : 286 ] ، فهو إذا وقع في سياق النفي غير بيّن لأنّه إذا كان التقديم في صورة الإثبات مفيداً للحصر اقتضى أنّه إذا نفي فقد نفي ذلك الانحصار ؛ لأنّ الجملة المكيّفة بالقصر في حالة الإثبات هي جملة مقيَّدة نسبتُها بقيد الانحصار أي بقيد انحصار موضوعها في معنى محمولها.","part":9,"page":185},{"id":3690,"text":"فإذا دخل عليها النفي كان مقتضياً نفي النسبة المقيّدة ، أي نفي ذلك الانحصارِ ، لأنّ شأن النفي إذا توجّه إلى كلام مقيَّد أن ينْصَبّ على ذلك القيد.\rلكنّ أئمة الفن حين ذكروا أمثلة تقديم المسند على المسند إليه سَوّوا فيها بين الإثبات كما ذكرنا وبين النفي نحْو {لا فيها غَوْل} [ الصافات : 47 ] ، فقد مثل به في \"الكشاف\" عند قوله تعالى : {لا ريب فيه} [ البقرة : 2 ] فقال : \"قصد تفضيل خمر الجنّة على خمور الدنيا\" ، وقال السيد في شرحه هنالك \"عُدّ قصراً للموصوف على الصفة ، أي الغول مقصور على عدم الحصول في خمور الجنة لا يتعدّاه إلى عدم الحصول فيما يقابلها ، أو عَدمُ الغول مقصور على الحصول فيها لا يتجاوزه إلى الحصول في هذه الخمور\".\rوقد أحلتُ عند قوله تعالى : {لا ريب فيه} [ البقرة : 2 ] على هذه الآية هنا ، فبِنَا أن نبيِّن طريقة القصر بالتقديم في النفي ، وهي أنّ القصر لما كان كيفية عارضة للتركيب ولم يكن قيداً لفظياً بحيث يتوجّه النفي إليه كانت تلك الكيفية مستصحبة مع النفي ، فنحو {لا فيها غول} يفيد قصر الغَول على الانتفاء عن خمور الدنيا ولا يفيد نفي قصر الغول على الكون في خمور الجنة.\rوإلى هذا أشار السيّد في شرح \"الكشاف\" عند قوله {لا ريب فيه} إذ قال \"وبالجملة يجعل حرف النفي جزءاً أو حرفاً من حروف المسند أو المسند إليه\".\rوعلى هذا بنى صاحب \"الكشاف\" فجعل وجه أن لم يقدّمْ الظرفُ في قوله : {لا ريب فيه} كما قدم الظرف في قوله : {لا فيها غول} لأنّهُ لو أوّل لقُصد أنّ كتاباً آخر فيه الريب ، لا في القرآن ، وليس ذلك بمراد.\rفإذا تقرر هذا فقوله : {ليس عليك هداهم} إذا أجرى على هذا المنوال كان مفاده هداهم مقصور على انتفاء كونه عليك ، فيلزم منه استفادة إبطال انتفاء كونه على غير المخاطب ، أي إبطال انتفاء كونه على الله ، وكلا المفادين غير مراد إذ لا يُعتقد الأول ولا الثاني.","part":9,"page":186},{"id":3691,"text":"فالوجه : إما أن يكون التقديم هنا لِمجرد الاهتمام كتقديم يوم الندى في قول الحريري : \rما فيه من عيب سوى أنّه\rيوم النَّدى قِسمته ضيزى...\rبنفي كون هداهم حقاً على الرسول تهوينا للأمر عليه ، فأما الدلالة على كون ذلك مفوّضاً إلى الله فمن قوله : {ولكن الله يهدي من يشاء}.\rوإما أن يكون جرى على خلاف مقتضى الظاهر بتنزيل السامعين منزلة من يعتقد أنّ إيجاد الإيمان في الكفّار يكون بتكوين الله وبالإلجاء من المخلوق ، فقُصر هداهم على عدم الكون في إلجاء المخلوقين إياهم لا على عدم الكون في أنّه على الله ، فيلزم من ذلك أنّه على الله ، أي مفوّض إليه. أ هـ {التحرير والتنوير حـ 3 صـ 70 ـ 71}\rقوله تعالى : {ولكن الله يَهْدِى مَن يَشَاء}\rقال أبو السعود : \r{ولكن الله يَهْدِى} هدايةً خاصةً موصلةً إلى المطلوب حتماً {مَن يَشَآء} هدايتَه إلى ذلك ممن يتذكر بما ذُكّر ويتبعُ الحق ويختار الخيرَ ، والجملةُ معترضة جيء بها على طريق تلوينِ الخطاب ، وتوجيهه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم مع الالتفات إلى الغَيبة فيما بين الخطابات المتعلقة بالمكلفين مبالغةً في حملهم على الامتثال ، فإن الإخبارَ بعدم وجوب تدارُك أمرِهم على النبي صلى الله عليه وسلم مُؤْذنٌ بوجوبه عليهم حسبما ينطِق به ما بعده من الشرطية. وقيل : لما كثُر فقراءُ المسلمين نهى رسولُ الله صلى الله عليه وسلم المسلمين عن التصدق على المشركين كي تحمِلَهم الحاجة على الدخول في الإسلام فنزلت. أي ليس عليك هُدى مَنْ خالفك حتى تمنعَهم الصدقةَ لأجل دخولهم في الإسلام فلا التفاتَ حينئذٍ في الكلام ، وضميرُ الغيبة للمعهودين من فقراءِ المشركين بل فيه تلوينٌ فقط. أ هـ {تفسير أبى السعود حـ 1 صـ 264}\rوقال ابن عاشور : ","part":9,"page":187},{"id":3692,"text":"وقوله : {ولكن الله يهدي من يشاء} جيء فيه بحرف الاستدراك لما في الكلام المنفي من توهمّ إمكان هديهم بالحرص أو بالإلجاء ، فمصَبُّ الاستدراك هو الصلة ، أعْني {من يشاء} ؛ أي فلا فائدة في إلجاء من لم يشأ الله هديه.\rوالتقدير : ولكن هداهم بيد الله ، وهو يهدي من يشاء ، فإذا شاء أن يهديهم هداهم. أ هـ {التحرير والتنوير حـ 3 صـ 72}\rفائدة\rقال أبو حيان : \rوقال الزمخشري قوله : {ولكن الله يهدي من يشاء} تلطف بمن يعلم أن اللطف ينفع فيه ، فينتهي عما نهى عنه. انتهى.\rفلم يحمل الهدى في الموضعين على الإيمان المقابل للضلال ، وإنما حمله على هدى خاص ، وهو خلاف الظاهر ، كما قلنا.\rوقيل : الهداية هنا الغنى أي : ليس عليك أن تغنيهم ، وإنما عليك أن تواسيهم ، فإن الله يغني من يشاء.\rوتسمية الغنى : هداية ، على طريقة العرب من نحو قولهم : رشدت واهتديت ، لمن ظفر ، وغويت لمن خاب وخسر وعلى هذا قول الشاعر : \rفمن يلق خيراً يحمد الناس أمره . . .\rومن يغو لا يعدم على الغي لائماً\rوتفسير الهدى بالغنى أبعد من تفسير الزمخشري ، وفي قوله : هداهم ، طباق معنوي ، إذ المعنى : ليس عليك هدى الضالين ، وظاهر الخطاب في : ليس عليك ، أنه لرسول الله صلى الله عليه وسلم ، وفي ذلك تسلية له صلى الله عليه وسلم. أ هـ {البحر المحيط حـ 2 صـ 340}\rفصل\rقال الفخر : ","part":9,"page":188},{"id":3693,"text":"أما قوله تعالى : {ولكن الله يَهْدِى مَن يَشَاء} فقد احتج به الأصحاب على أن هداية الله تعالى غير عامة ، بل هي مخصوصة بالمؤمنين قالوا : لأن قوله {ولكن الله يَهْدِى مَن يَشَاء} إثبات للهداية التي نفاها بقوله {لَّيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ} لكن المنفي بقوله {لَّيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ} هو حصول الاهتداء على سبيل الاختيار ، فكان قوله {ولكن الله يَهْدِى مَن يَشَاء} عبارة عن حصول الاهتداء على سبيل الاختيار وهذا يقتضي أن يكون الاهتداء الحاصل بالاختيار واقعاً بتقدير الله تعالى وتخليقه وتكوينه وذلك هو المطلوب.\rقالت المعتزلة {ولكن الله يَهْدِى مَن يَشَاء} يحتمل وجوهاً أحدها : أنه يهدي بالإثابة والمجازاة من يشاء ممن استحق ذلك\rوثانيها : يهدي بالألطاف وزيادات الهدى من يشاء\rوثالثها : ولكن الله يهدي بالإكراه من يشاء على معنى أنه قادر على ذلك وإن لم يفعله\rورابعها : أنه يهدي بالاسم والحكم من يشاء ، فمن اهتدى استحق أن يمدح بذلك.\rأجاب الأصحاب عن هذه الوجوه بأسرها أن المثبت في قوله {ولكن الله يَهْدِى مَن يَشَاء} هو المنفي أولاً بقوله {لَّيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ} لكن المراد بذلك المنفي بقوله أولاً : {لَّيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ} هو الاهتداء على سبيل الاختيار ، فالمثبت بقوله {ولكن الله يَهْدِى مَن يَشَاء} يجب أن يكون هو الاهتداء على سبيل الاختيار ، وعلى هذا التقدير يسقط كل الوجوه. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 7 صـ 68}\r{وَمَا تُنفِقُواْ مِنْ خَيْرٍ فَلأَنفُسِكُمْ}\rقال القرطبى : \rقوله تعالى : {وَمَا تُنْفِقُواْ مِنْ خَيْرٍ فَلأَنْفُسِكُمْ وَمَا تُنْفِقُونَ إِلاَّ ابتغآء وَجْهِ الله} شرط وجوابه.","part":9,"page":189},{"id":3694,"text":"والخير في هذه الآية المال ؛ لأنه قد اقترن بذكر الإنفاق ؛ فهذه القرينة تدل على أنه المال ، ومتى لم تقترن بما يدل على أنه المال فلا يلزم أن يكون بمعنى المال ؛ نحو قوله تعالى : {خَيْرٌ مُّسْتَقَرّاً} [ الفرقان : 24 ] وقوله : {مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ} [ الزلزلة : 7 ].\rإلى غير ذلك.\rوهذا تحرُّز من قول عكرمة : كل خير في كتاب الله تعالى فهو المال.\rوحُكي أن بعض العلماء كان يصنع كثيراً من المعروف ثم يحلف أنه ما فعل مع أحد خيراً ، فقيل له في ذلك فيقول : إنما فعلت مع نفسي ؛ ويتلو {وَمَا تُنْفِقُواْ مِنْ خَيْرٍ فَلأَنْفُسِكُمْ}. أ هـ {تفسير القرطبى حـ 3 صـ 339}\rوقال أبو السعود : \r{وَمَا تُنفِقُواْ مِنْ خَيْرٍ} على الأول التفاتٌ من الغَيبة إلى خطاب المكلفين لزيادة هزّهم نحو الامتثال ، وعلى الثاني تلوينٌ للخطاب بتوجيهه إليهم وصرفهِ عن النبي صلى الله عليه وسلم و{مَا} شرطية جازمة و{تُنفِقُواْ} منتصبة به على المفعولية ومن تبعيضية متعلقة بمحذوفٍ وقعَ صفةً لاسم الشرط مبيّنةٌ ومخصصةٌ له أي أيِّ شيءٍ تنفقوا كائنٌ من مال {فَلاِنفُسِكُمْ} أي فهو لأنفسكم لا ينتفع به غيرُكم فلا تمنوا على من أعطيتموه ولا تؤذوه ولا تنفقوا من الخبيث ، أو فنفعُه الدينيَّ لكم لا لغيركم من الفقراء حتى تمنعوه ممن لا ينتفع به من حيث الدينُ من فقراء المشركين. أ هـ {تفسير أبى السعود حـ 1 صـ 264}\rقوله تعالى : {وَمَا تُنفِقُونَ إِلاَّ ابتغاء وَجْهِ الله}\rفصل\rقال الفخر : \rفي هذه الآية وجوه\rالأول أن يكون المعنى : ولستم في صدقتكم على أقاربكم من المشركين تقصدون إلا وجه الله ، فقد علم الله هذا من قلوبكم ، فانفقوا عليهم إذا كنتم إنما تبتغون بذلك وجه الله في صلة رحم وسد خلة مضطر ؛ وليس عليكم اهتداؤهم حتى يمنعكم ذلك من الإنفاق عليهم","part":9,"page":190},{"id":3695,"text":"الثاني : أن هذا وإن كان ظاهره خبراً إلا أن معناه نهي ، أي ولا تنفقوا إلا ابتغاء وجه الله ، وورد الخبر بمعنى الأمر والنهي كثيراً قال تعالى : {الوالدات يُرْضِعْنَ أولادهن} [ البقرة : 233 ] {والمطلقات يَتَرَبَّصْنَ} [ البقرة : 228 ]\rالثالث : أن قوله {وَمَا تُنفِقُونَ} أي ولا تكونوا منفقين مستحقين لهذا الاسم الذي يفيد المدح حتى تبتغوا بذلك وجه الله. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 7 صـ 68 ـ 69}\rوقال ابن الجوزى : \rقوله تعالى : {وما تنفقون إلا ابتغاء وجه الله} قال الزجاج : هذا خاص للمؤمنين ، أعلمهم الله أنه قد علم أن مُرادَهم ما عنده ، وإذا أعلمهم بصحة قصدهم ، فقد أعلمهم بالجزاء عليه. أ هـ {زاد المسير حـ 1 صـ 327}\rوقال القرطبى : \rبيّن تعالى أن النفقة المعتدّ بقبولها إنما هي ما كان ابتغاء وجهه.\rو \"ابتغاءَ\" هو على المفعول له.\rوقيل : إنه شهادة من الله تعالى للصحابة رضي الله عنهم أنهم إنما ينفقون ابتغاءَ وجهه ؛ فهذا خرج مخرج التفضيل والثناء عليهم.\rوعلى التأويل الأوّل هو اشتراط عليهم ، ويتناول الاشتراط غيرهم من الأُمة.\rقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لسعد بن أبي وقّاص : \" إنك لن تُنفق نفقةً تبتغي بها وجه الله تعالى إلاَّ أُجِرْتَ بها حتى ما تجعل في فيِ امرأتك \". أ هـ {تفسير القرطبى حـ 3 صـ 339}\rفائدة\rقال الفخر : \rذكر في الوجه في قوله {إِلاَّ ابتغاء وَجْهِ الله} قولان\rأحدهما : أنك إذا قلت : فعلته لوجه زيد فهو أشرف في الذكر من قولك : فعلته له لأن وجه الشيء أشرف ما فيه ، ثم كثر حتى صار يعبر عن الشرف بهذا اللفظ\rوالثاني : أنك إذا قلت : فعلت هذا الفعل له فههنا يحتمل أن يقال : فعلته له ولغيره أيضاً ، أما إذا قلت فعلت هذا الفعل لوجهه ، فهذا يدل على أنك فعلت الفعل له فقط وليس لغيره فيه شركة. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 7 صـ 69}\rفصل\rقال القرطبى : ","part":9,"page":191},{"id":3696,"text":"قال علماؤنا : هذه الصدقة التي أُبيحت لهم حسب ما تضمنته هذه الآثار هي صدقة التطوّع ، وأما المفروضة فلا يُجزىء دفعها لكافر ، لقوله عليه السَّلام : \" أُمرتُ أن آخذ الصدقة من أغنيائكم وأردّها في فقرائكم \" قال ابن المُنْذِر : أجمع ( كل ) من أحفظُ عنه من أهل العلم أن الذّميّ لا يُعْطَى من زكاة الأموال شيئاً ؛ ثم ذكر جماعةً ممن نصّ على ذلك ولم يذكر خلافاً.\rوقال المَهْدَوِيّ : رُخّص للمسلمين أن يُعطوا المشركين من قراباتهم من صدقة الفريضة لهذه الآية.\rقال ابن عطيّة ؛ وهذا مردود بالإجماع.\rوالله أعلم.\rوقال أبو حنيفة : تصرف إليهم زكاة الفطر.\rابن العربيّ : وهذا ضعيف لا أصل له.\rودليلنا أنها صدقة طهرة واجبة فلا تصرف إلى الكافر كصدقة الماشية والعيْن ؛ وقد قال النبيّ صلى الله عليه وسلم : \" أغنوهم عن سؤال هذا اليوم \" يعني يوم الفطر.\rقلت : وذلك لتشاغلهم بالعيد وصلاة العيد وهذا لا يتحقق في المشركين.\rوقد يجوز صرفها إلى غير المسلم في قول من جعلها سُنّة ، وهو أحد القولين عندنا ، وهو قول أبي حنيفة على ما ذكرنا ، نظراً إلى عموم الآية في البِرّ وإطعام الطعام وإطلاق الصدقات.\rقال ابن عطيّة : وهذا الحكم متصوّر للمسلمين مع أهل ذِمتهم ومع المسترقِّين من الحربيّين.\rقلت : وفي التنزيل {وَيُطْعِمُونَ الطعام على حُبِّهِ مِسْكِيناً وَيَتِيماً وَأَسِيراً} [ الإنسان : 8 ] والأسير في دار الإسلام لا يكون إلاَّ مشركاً.\rوقال تعالى : {لاَّ يَنْهَاكُمُ الله عَنِ الذين لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدين وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِّن دِيَارِكُمْ أَن تَبَرُّوهُمْ وتقسطوا إِلَيْهِمْ} [ الممتحنة : 8 ].\rفظواهر هذه الآيات تقتضي جواز صرف الصدقات إليهم جملة ، إلاَّ أن النبيّ صلى الله عليه وسلم خصّ منها الزكاة المفروضة ؛ لقوله عليه السَّلام لِمُعاذ : \" خُذِ الصدقة من أغنيائهم وردّها على فقرائهم \" واتفق العلماء على ذلك على ما تقدّم.","part":9,"page":192},{"id":3697,"text":"فيدفع إليهم من صدقة التطوّع إذا احتاجوا ، والله أعلم.\rقال ابن العربيّ : فأما المسلم العاصي فلا خلاف أن صدقة الفطر تصرف إليه إلاَّ إذا كان يترك أركان الإسلام من الصَّلاة والصيام فلا تدفع إليه الصدقة حتى يتوب.\rوسائر أهل المعاصي تصرف الصدقة إلى مرتكبيها لدخولهم في اسم المسلمين.\rوفي صحيح مسلم : أن رجلاً تصدّق على غَنِيّ وسارقٍ وزانيةٍ وتُقبّلت صدقته ، على ما يأتي بيانه في آية الصدقات. أ هـ {تفسير القرطبى حـ 3 صـ 337 ـ 338}\rوقال ابن كثير : \rوقوله : {وَمَا تُنْفِقُونَ إِلا ابْتِغَاءَ وَجْهِ اللَّهِ} قال الحسن البصري : نفقة المؤمن لنفسه ، ولا ينفق المؤمن - إذا أنفق - إلا ابتغاء وجه الله.","part":9,"page":193},{"id":3698,"text":"وقال عطاء الخراساني : يعني إذا أعطيت لوجه الله ، فلا عليك ما كان عملُه وهذا معنى حسن ، وحاصله أن المتصدق إذا تصدق ابتغاء وجه الله فقد وقع أجرُه على الله ، ولا عليه في نفس الأمر لمن أصاب : الِبَرّ أو فاجر أو مستحق أو غيره ، هو مثاب على قصده ، ومستَنَدُ هذا تمام الآية : {وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لا تُظْلَمُونَ} والحديث المخرج في الصحيحين ، من طريق أبي الزناد ، عن الأعرج ، عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : \"قال رجل : لأتصدقن الليلة بصدقة ، فخرج بصدقته فوضعها في يد زانية ، فأصبح الناس يتحدثون : تُصُدقَ على زانية! فقال : اللهم لك الحمد على زانية ، لأتصدقن الليلة بصدقة ، فخرج بصدقته فوضعها في يد غني ، فأصبحوا يتحدثون : تُصُدق الليلة على غَني! فقال : اللهم لك الحمد على غني ، لأتصدقن الليلة بصدقة ، فخرج بصدقته فوضعها في يد سارق ، فأصبحوا يتحدثون : تُصدق الليلة على سارق! فقال : اللهم لك الحمد على زانية ، وعلى غني ، وعلى سارق ، فأتي فقيل له : أما صدقتك فقد قبلت ؛ وأما الزانية فلعلها أن تستعف بها عن زناها ، ولعل الغني يعتبر فينفق مما أعطاه الله ، ولعل السارق أن يستعف بها عن سرقته\". {صحيح البخاري برقم (1421) وصحيح مسلم برقم (1022)} أ هـ {تفسير ابن كثير حـ 1 صـ 704}\rقوله تعالى : {وَمَا تُنفِقُواْ مِنْ خَيْرٍ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ}\rقال الفخر : \r{وَمَا تُنفِقُواْ مِنْ خَيْرٍ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ} أي يوف إليكم جزاؤه في الآخرة ، وإنما حسن قوله {إِلَيْكُمْ} مع التوفيه لأنها تضمنت معنى التأدية.\rثم قال : {وَأَنتُمْ لاَ تُظْلَمُونَ} أي لا تنقصون من ثواب أعمالكم شيئاً لقوله تعالى : {اتَتْ أُكُلَهَا وَلَمْ تَظْلِم وَمِنْهُ شَيْئاً} [ الكهف : 33 ] يريد لم تنقص. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 7 صـ 69}\rوقال الآلوسى : ","part":9,"page":194},{"id":3699,"text":"{وَمَا تُنفِقُواْ مِنْ خَيْرٍ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ} أي تعطون جزاءه وافراً وافياً كما تشعر به صيغة التفعيل في الآخرة حسبما تضمنته الآيات من قبل وهو المروي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما والمراد نفي أن يكون لهم عذر في مخالفة الأمر المشار إليه في الإنفاق ، فالجملة تأكيد للشرطية السابقة وليس بتأكيد صرف وإلا لفصلت ولكنها تضمنت ذلك من كون سياقها للاستدلال على قبح ترك ذلك الأمر فكأنه قيل : كيف يمنّ أو يقصر فيما يرجع إليه نفعه أو كيف يفعل ذلك فيما له عوض وزيادة ، وهي بهذا الاعتبار أمر مستقل ، وقيل : إن المعنى يوفر عليكم خلفه في الدنيا ولا ينقص به من مالكم شيء استجابة لقوله صلى الله عليه وسلم : \" اللهم اجعل لمنفق خلفاً ولممسك تلفاً \" والتوفية إكمال الشيء وإنما حسن معها إليكم لتضمنها معنى التأدية وإسنادها إلى {مَا} مجازي وحقيقته ما سمعت ، والآية بناءاً على سبب النزول دليل على جواز دفع الصدقة للكافر وهو في غير الواجبة أمر مقرر ، وأما الواجبة التي للإمام أخذها كالزكاة فلا يجوز ، وأما غيرها كصدقة الفطر والنذر والكفارة ففيه اختلاف ، والإمام أبو حنيفة رضي الله تعالى عنه يجوزه ، وظاهر قوله تعالى : {وَيُطْعِمُونَ الطعام على حُبّهِ مِسْكِيناً وَيَتِيماً وَأَسِيراً} [ الإنسان : 8 ] يؤيده إذ الأسير في دار الإسلام لا يكون إلا مشركاً. {وَأَنتُمْ لاَ تُظْلَمُونَ} أي لا تنقصون شيئاً مما وعدتم ، والجملة حال من ضمير {إِلَيْكُمْ} والعامل ( يوفَّ ). أ هـ {روح المعانى حـ 3 صـ 46}\rوقال ابن عاشور : \rوقوله : {وما تنفقوا من خير يوف إليكم وأنتم لا تظلمون} عطف على التي قبلها لبيان أنّ جزاء النفقات بمقدارها وأنّ مَن نُقِص له من الأجر فهو الساعي في نقصه.","part":9,"page":195},{"id":3700,"text":"وكُرّر فعل تنفقون ثلاث مرات في الآية لمزيد الاهتمام بمدلوله وجيء به مرتين بصيغة الشرط عند قصد بيان الملازمة بين الإنفاق والثواب ، وجيء به مرة في صيغة النفي والاستثناء لأنّه قصد الخبر بمعنى الإنشاء ، أي النهي عن أن ينفقوا إلاّ لابتغاء وجه الله.\rوتقديم {وأنتم} على الخَبَر الفعلي لمجرد التقوّي وزيادة التنبيه على أنّهم لا يُظلَمون ، وإنّما يَظْلمون أنفسهم.\rوإنما جعلت هاته الأحكام جملاً مستقلاً بعضُها عن بعض ولم تجعل جملة واحدة مقيَّدة فائدتها بقيود جميع الجمل وأعيد لفظ الإنفاق في جميعها بصيغ مختلفة تكريراً للاهتمام بشأنه ، لتكون كل جملة مستقلة بمعناها قصيرة الألفاظ كثيرة المعاني ، فتجري مجرى الأمثال ، وتتناقلها الأجيال. أ هـ {التحرير والتنوير حـ 3 صـ 72 ـ 73}\rمن لطائف الإمام القشيرى فى الآية\rلكَ المقام المحمود ، واللواء المعقود ، والرتب الشريفة ، والمنازل العلية ، والسنن المرضية. وأنت سيد الأولين والآخرين ، ولا يدانيك أحدُ - فضلاً عن أن يساميك ، ولكن ليس عليك هداهم فالهداية من خصائص حقنا ، وليس للأغيار منه شطية. يا محمد : أنت تدعوهم ولكن نحن نهديهم. أ هـ {لطائف الإشارات حـ 1 صـ 209}\rفائدة\rقال فى البحر المديد : \rما قيل في الرسول - عليه الصلاة والسلام - يقال في ورثته من أهل التذكير ، فليس بيدهم الهداية والتوفيق ، وإنما شأنهم الإرشاد وبيان الطريق ، فليس من شأن الدعاة إلى الله الحرص على هداية الخلق. وإنما من شأنهم بيان الحقّ. {إِن تَحْرِصْ عَلَى هُدَاهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ لاَ يَهْدِي مَن يُضِلُّ} [ النّحل : 37 ]. والله تعالى أعلم.\rثم رجع الحقّ تعالى إلى الترغيب في الصدقة والإخلاص فيها ، فقال : {... وَمَا تُنْفِقُواْ مِنْ خَيْرٍ فَلأَنْفُسِكُمْ وَمَا تُنْفِقُونَ إِلاَّ ابتغآء وَجْهِ الله وَمَا تُنْفِقُواْ مِنْ خَيْرٍ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لاَ تُظْلَمُونَ}","part":9,"page":196},{"id":3701,"text":"قلت : هذه ثلاث جمل كلها تدل على الترغيب في إنفاق الطيب وإخلاص النية.\rيقول الحقّ جلّ جلاله : {وما تنفقوا من خير} قليل أو كثير ، فهو {لأنفسكم} لا ينتفع به غيركم ، فإن كان طيباً فلأنفسكم ، وإن كان خبيثاً فأجره لكم ، وإن مننتم به أو آذيتم فقد ظلمتم أنفسكم ، وإن أخلصتم فيه فلأنفسكم ، وأيضاً إنكم تَدَّعُونَ أنكم {ما تنفقون إلا ابتغاء وجه الله} ، فكيف تقصدون الخبيث ، وتجعلونه لوجه الله ؟ وكيف تَمُنُّونَ أو تؤذون بها وهي وجه الله ؟ هذا تكذيب للدعوى ، وكل ما تنفقون من خير قليل أو كثير {يُوف إليكم} جزاؤه يوم القيامة بسبعمائة إلى أضعاف كثيرة ، ويخلفه لكم في الدنيا ، {وأنتم لا تظلمون} شيئاً من أعمالكم إن أخلصتم أو أحسنتم. أ هـ {البحر المديد حـ 1 صـ 231}\rمن فوائد ابن عرفة فى الآية\rقوله تعالى : {لَّيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ . . .}.\rقال ابن عرفة : الخطاب خاص بالنبي صلى الله عليه وسلم أو عام له ولسائر المؤمنين كقوله تعالى : {وَلَوْ ترى إِذِ المجرمون نَاكِسُواْ رُءُوسِهِمْ عِندَ رَبِّهِمْ} {وَلَوْ ترى إِذِ الظالمون مَوْقُوفُونَ عِندَ رَبِّهِمْ} وهو راجع إلى الخلاف الّذي ( حكاه ) ابن عطية لأن ما نقله عن سعيد بن جبير وعن النّقاش يقتضي الخصوص وما نقله عن ابن عباس يقتضي العموم.\rقال ابن عرفة : وعلى تقدير الخصوص يستلزم العموم فهو خصوص لأنه إذا رفع التكليف عن النبي صلى الله عليه وسلم الذي هو رسول مأمور بالتبليغ والدعاء إلى الإيمان فأحرى أن يرفع عن من سواه.\rقال ابن عطية : ذكر النّقاش أن النبي صلى الله عليه وسلم أتِىَ بصدقة فجاءه يهودي فقال : أعطني.","part":9,"page":197},{"id":3702,"text":"فقال له عليه الصلاة والسلام : \" ليس لك من صدقة المسلمين شيء \" فذهب اليهودي غير بعيد فنزلت الآية ، فدعاه رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم أعطاه ، ثم نسخ الله ذلك بقوله : {إِنَّمَا الصدقات لِلْفُقَرَآءِ والمساكين} قال ابن عرفة : هذا ليس بنسخ ولكن المتقدمين يطلقون عليه نسخا والمتأخرين يقولون : العام إن عمل به ثم ورد بعد ذلك خاص فهو نسخ له وإن ورد الخاص بعده وقبل العمل به فهو تخصيص لا نسخ.\rقال ابن عطية : والهدى المنفي هو خلق الإيمان في قلوبهم ، وأما الهدى الذي هو الدعاء إلى الإيمان فهو عليه.\rقال ابن عرفة : أما خلق الهدى ( فمنفي ) معلوم بالضرورة لا يحتاج إلى نفيه ، وأما الدعاء إلى الإيمان فغير منفي ، ويبقى قسم ثالث وهو الدعاء المحصل للإيمان الكسبي لا الجبري فيقال هديت فلانا إلى الإيمان ، أي دعوته إليه فاهتدى بخلاف ما إذا دعوته إليه فلم يهتد فإنك لا تقول : هديته إلى الإيمان ، فهذا هو المنفي في الآية ، أي ليس مطلوبا بتحصيل الهداية الكسبية لهم إنّما عليك أن تدعوهم فقط ، والإضافة على ما قلناه للمفعول.\rأي ليس عليك أن تهديهم.\rقيل لابن عرفة : لعل المراد لا يجب عليك أن تهديهم إلى الإيمان ؟ فرده بقول الله تعالى : {ولكن الله يَهْدِي مَن يَشَآءُ} فَإِنَّه ليس المراد به الجبر على الإيمان بل خلق الهداية.\rقال ابن عرفة : وهذا تسكين لروعته لأنه مضى قبل الآية مقدار ربع حزب في الحض على الصدقة ، وعلى ( خلوص ) النّية ، وكرر ذلك وأكد فخشي أن يتهالك عليه النبي صلى الله عليه وسلم لأجل عدم امتثالهم فأتت هذه الآية تسكينا لروعته وتطمينا لجنانه.\rقوله تعالى : {ولكن الله يَهْدِي مَن يَشَآءُ . . .}.\rفالتشديد كما في قوله تعالى : {ولكن الله رمى} وفي بعضها ولكن بالتخفيف.\rوسبب ذلك أنه إذا كان المخاطب منكرا وظهرت عليه مخائل الإنكار فيؤتي بها مشددة.","part":9,"page":198},{"id":3703,"text":"ابن عرفة : وهذا أعمّ من قول الله تعالى : {إِنَّكَ لاَ تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ ولكن الله يَهْدِي مَن يَشَآءُ} ( فإن عليك أن تهدي من أحببت ) أخص من قولك أنت تهدي من أحببت ، ونفي الأخص أعم من نفي الأعم.\rفإن قلت : الأصل في نسبة المتكلم إلى نفسه فعلا أن يأتي باسمه مضمرا فيقول : ليس عليك إكرام محمد ولكنه علي ، ولا تقول : ولكنه على زيد ، يعني نفسه.\rقال : وتقدم لنا الجواب بأنّه لما كان المعنى خاصا بالله تعالى أتى فيه باسم الجلالة الخاص به ولو قال : ولكنّا نهدي من نشاء لكان عاما لأن الضمائر كلية.\rقلت : ولأن النون والألف تكون للمتكلم وحده إذا عظّم نفسه وللمتكلم ومعه غيره بخلاف اسم الجلالة فإنه خاص بلا شك.\rقوله تعالى : {وَمَا تُنفِقُونَ إِلاَّ ابتغآء وَجْهِ الله . . .}.\rيحتمل أن تكون الواو واو الحال ( أى ) وما تنفقوا من ( خير ) فلأنفسكم حالة كونهم يقصدون به وجه الله وهذا خبر في معنى الطلب ( أو ) الأمر أو النهي.\rانتهى.\rقوله تعالى : {وَمَا تُنفِقُواْ مِنْ خَيْرٍ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنتُمْ لاَ تُظْلَمُونَ}.\rتأسيس ، والمراد بالتوفية في المقدار وعدم الظلم في الصفة لأن من لك عليه طعام موصوف تارة يعطيك مثل الصفة وأقل في المقدار ، وتارة يعطيك مثل القدر ( وأدوَن ) في الصفة. أ هـ {تفسير ابن عرفة صـ 349 ـ 350}","part":9,"page":199},{"id":3704,"text":"قوله تعالى : {لِلْفُقَرَاءِ الَّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَا يَسْتَطِيعُونَ ضَرْبًا فِي الْأَرْضِ يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاءَ مِنَ التَّعَفُّفِ تَعْرِفُهُمْ بِسِيمَاهُمْ لَا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ (273)}\rمناسبة الآية لما قبلها\rقال البقاعى : \rولما كان غالب هذه الأحكام التي ذكرت في الإنفاق من أجل المحاويج وكان ما مضى شاملاً للمؤمن وغيره بيّن أن محط القصد في الحثّ عليها المؤمن قال سبحانه وتعالى : {للفقراء} أي هذه الأحكام لهم {الذين أحصروا} أي منعوا عن التكسب ، \rوأشار بقوله : {في سبيل الله} أي الذي له الجلال والإكرام إلى أن المقعد لهم عن ذلك الاشتغال بإقامة الدين بالجهاد وغيره {لا يستطيعون ضرباً في الأرض} بالتجارة لأجل ذلك وأشار إلى شدة رضاهم عن الله سبحانه وتعالى بعدم شكايتهم فقال : {يحسبهم الجاهل} أي الذي ليس عنده فطنة الخلص {أغنياء من} أجل {التعفف} عن المسألة والتلويح بها قناعة بما أعطاهم الله سبحانه وتعالى مولاهم ورضي عنه وشرف نفس ، \rوالتعفف تكلف العفة وهي كف ما ينبسط للشهوة من الآدمي إلا بحقه ووجهه - قاله الحرالي.\rولما ذكر خفاءهم على الغبي ذكر جلاءهم عند المتوسم فقال : {تعرفهم} أي يا أبصر الموقنين وأفطنهم أنت ومن رسخت قدمه في متابعتك {بسيماهم} قال الحرالي : وهي صيغة مبالغة من السمة والوسم وهي العلامة الخفية التي تتراءى للمستبصر - انتهى.\rوتلك العلامة والله سبحانه وتعالى أعلم هي السكينة والوقار وضعف الصوت ورثاثة الحال مع علو الهمة والبراءة من الشماخة والكبر والبطر والخيلاء ونحو ذلك {لا يسئلون} لطموح أبصار بصائرهم عن الخلق إلى الخالق {الناس} من ملك ولا غيره {إلحافاً} سؤال إلزام ، \rأخذاً من اللحاف الذي يتغطى به للزومه لما يغطيه ، \rومنه لاحفه أي لازمه.","part":9,"page":200},{"id":3705,"text":"وقال الحرالي : هو لزوم ومداومة في الشيء من حروف الحلف الذي هو إنهاء الخبر إلى الغاية كذلك اللحف إنهاء السؤال إلى الغاية - انتهى.\rوإنما يسألون إن سألوا على وجه العرض والتلويح الخفي ، \rكما كان أبو هريرة رضي الله تعالى عنه يستقرىء غيره الآية ليضيفه وهو أعرف بها ممن يستقرئه فلا يفهم مراده إلا النبي صلى الله عليه وسلم ؛ فالتعبير بالتعفف يفيد الاجتهاد في العفة والمبالغة فيها ، \rوالتقيد بالإلحاف يدل على وقوع السؤال قليلاً جداً أو على وجه التلويح لا التصريح كما يؤيده ويؤكده المعرفة بالسيما.\rلصفات الكمال {به عليم} وإن اجتهدتم في إخفائه بإعطائه لمن لا يسأل بأن لا يعرف أو بغير ذلك ، \rوذكر العلم في موضع الجزاء أعظ مرغب وأخوف مرهب كما يتحقق ذلك بإمعان التأمل لذلك. أ هـ {نظم الدرر حـ 1 صـ 528 ـ 529}\rفصل\rقال الفخر : \rاللام في قوله {لِلْفُقَرَاء} متعلق بماذا فيه وجوه الأول : لما تقدمت الآيات الكثيرة في الحث على الإنفاق ، قال بعدها {لِلْفُقَرَاء} أي ذلك الإنفاق المحثوث عليه للفقراء ، وهذا كما إذا تقدم ذكر رجل فتقول : عاقل لبيب ، والمعنى أن ذلك الذي مر وصفه عاقل لبيب ، وكذلك الناس يكتبون على الكيس الذي يجعلون فيه الذهب والدراهم : ألفان ومائتان أي ذلك الذي في الكيس ألفان ومائتان هذا أحسن الوجوه\rالثاني : أن تقدير الآية اعمدوا للفقراء واجعلوا ما تنفقون للقراء الثالث : يجوز أن يكون خبر المبتدأ محذوف والتقدير وصدقاتكم للفقراء. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 7 صـ 69 ـ 70}\rفصل\rقال الفخر : ","part":9,"page":201},{"id":3706,"text":"نزلت في فقراء المهاجرين ، وكانوا نحو أربعمائة ، وهم أصحاب الصفة لم يكن لهم مسكن ولا عشائر بالمدينة ، وكانوا ملازمين المسجد ، ويتعلمون القرآن ، ويصومون ويخرجون في كل غزوة ، عن ابن عباس : وقف رسول الله صلى الله عليه وسلم يوماً على أصحاب الصفة فرأى فقرهم وجدهم فطيب قلوبهم ، فقال : \" أبشروا يا أصحاب الصفة فمن لقيني من أمتي على النعت الذي أنتم عليه راضياً بما فيه فإنه من رفاقي \". أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 7 صـ 70}\rوقال ابن عطية : \rالمراد بهؤلاء الفقراء فقراء المهاجرين من قريش وغيرهم ، \rقال الفقيه أبو محمد : ثم تتناول الآية كل من دخل تحت صفة الفقر غابر الدهر ، وإنما خص فقراء المهاجرين بالذكر لأنه لم يكن هناك سواهم ، لأن الأنصار كانوا أهل أموال وتجارة في قطرهم. أ هـ {المحرر الوجيز حـ 1 صـ 368}\rوقال القرطبى : \rوإنما خصّ فقراء المهاجرين بالذكر لأنه لم يكن هناك سواهم وهم أهل الصُّفّة وكانوا نحواً من أربعمائة رجل ، وذلك أنهم كانوا يَقْدَمون فقراء على رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وما لهم أهل ولا مال فبُنيت لهم صُفَّة في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقيل لهم : أهل الصُّفَّة.\rقال أبو ذَرّ : \" كنت من أهل الصّفة وكنا إذا أمسينا حضرنا باب رسول الله صلى الله عليه وسلم فيأمر كلَّ رجل فينصرف برجل ويبقى مَن بقي من أهل الصفة عشرة أو أقل فيؤتَي النبيّ صلى الله عليه وسلم بعشائه ونتعشَّى معه.","part":9,"page":202},{"id":3707,"text":"فإذا فرغنا قال رسول الله صلى الله عليه وسلم \"ناموا في المسجد\" \" وخرّج الترمذيّ عن البَرَاء بن عازِب : \"وَلاَ تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ\" قال : نزلت فينا معشر الأنصار كنا أصحاب نخل ، قال : فكان الرجل يأتي من نخله على قدر كثرته وقِلّته ، وكان الرجل يأتي بِالقُنْو والقنوين فيعلقه في المسجد ، وكان أهل الصفّة ليس لهم طعام ؛ فكان أحدهم إذا جاع أتى القُنْوَ فيضربه بعصاه فيسقط من البُسر والتمر فيأكل ، وكان ناس ممن لا يرغب في الخير يأتي بالقنو فيه الشيص والحَشَف ، وبالقنو قد انكسر فيعلقه في المسجد ، فأنزل الله تعالى : {ياأيها الذين آمنوا أَنْفِقُواْ مِن طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّآ أَخْرَجْنَا لَكُم مِّنَ الأرض وَلاَ تَيَمَّمُواْ الخبيث مِنْهُ تُنْفِقُونَ وَلَسْتُمْ بِآخِذِيهِ إِلاَّ أَن تُغْمِضُواْ فِيهِ}.\rقال : ولو أن أحدكم أُهْدِيَ إليه مثل ما أعطاه لم يأخذه إلاَّ على إغماض وحَيَاء.\rقال : فكنا بعد ذلك يأتي الرجل بصالح ما عنده.\rقال : هذا حديث حسن غريب صحيح.\rقال علماؤنا.\rوكانوا رضي الله عنهم في المسجد ضرورة ، وأكلوا من الصدقة ضرورة ؛ فلما فتح الله على المسلمين استغنَوْا عن تلك الحال وخرجوا ثم ملكوا وتأمّروا. أ هـ {تفسير القرطبى حـ 3 صـ 339 ـ 340}\rفصل\rقال الفخر : \rاعلم أن الله تعالى وصف هؤلاء الفقراء بصفات خمس : ","part":9,"page":203},{"id":3708,"text":"الصفة الأولى : قوله {الَّذِينَ أُحصِرُواْ فِى سَبِيلِ الله} [ البقرة : 273 ] فنقول : الإحصار في اللغة أن يعرض للرجل ما يحول بينه وبين سفره ، من مرض أو كبر أو عدو أو ذهاب نفقة ، أو ما يجري مجرى هذه الأشياء ، يقال : أحصر الرجل فهو محصر ، ومضى الكلام في معنى الإحصار عند قوله {فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ} بما يعني عن الإعادة ، أما التفسير فقد فسرت هذه الآية بجميع الأعداد الممكنة في معنى الإحصار فالأول : أن المعنى : إنهم حصروا أنفسهم ووقفوها على الجهاد ، وأن قوله {فِى سَبِيلِ الله} مختص بالجهاد في عرف القرآن ، ولأن الجهاد كان واجباً في ذلك الزمان ، وكان تشتد الحاجة إلى من يحبس نفسه للمجاهدة مع الرسول صلى الله عليه وسلم ، فيكون مستعداً لذلك ، متى مست الحاجة ، فبيّن تعالى في هؤلاء الفقراء أنهم بهذه الصفة ، ومن هذا حاله يكون وضع الصدقة فيهم يفيد وجوهاً من الخير\rأحدها : إزالة عيلتهم\rوالثاني : تقوية قلبهم لما انتصبوا إليه\rوثالثها : تقوية الإسلام بتقوية المجاهدين\rورابعها : أنهم كانوا محتاجين جداً مع أنهم كانوا لا يظهرون حاجتهم ، على ما قال تعالى : {لاَ يَسْتَطِيعُونَ ضَرْبًا فِى الأرض يَحْسَبُهُمُ الجاهل أَغْنِيَاء مِنَ التعفف}.\rوالقول الثاني : وهو قول قتادة وابن زيد : منعوا أنفسهم من التصرفات في التجارة للمعاش خوف العدو من الكفار لأن الكفار كانوا مجتمعين حول المدينة ، وكانوا متى وجدوهم قتلوهم.\rوالقول الثالث : وهو قول سعيد بن المسيب واختيار الكسائي : أن هؤلاء القوم أصابتهم جراحات مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وصاروا زمنى ، فأحصرهم المرض والزمانة عن الضرب في الأرض.\rوالقول الرابع : قال ابن عباس هؤلاء قوم من المهاجرين حبسهم الفقر عن الجهاد في سبيل الله فعذرهم الله.","part":9,"page":204},{"id":3709,"text":"والقول الخامس : هؤلاء قوم كانوا مشتغلين بذكر الله وطاعته وعبوديته ، وكانت شدة استغراقهم في تلك الطاعة أحصرتهم عن الاشتغال بسائر المهمات. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 7 صـ 70}\rقوله تعالى : {لاَ يَسْتَطِيعُونَ ضَرْبًا فِى الأرض}\rفصل\rقال الفخر : \rالصفة الثانية لهؤلاء الفقراء : قوله تعالى : {لاَ يَسْتَطِيعُونَ ضَرْبًا فِى الأرض} يقال ضربت في الأرض ضرباً إذا سرت فيها ، ثم عدم الاستطاعة إما أن يكون لأن اشتغالهم بصلاح الدين وبأمر الجهاد ، يمنعهم من الاشتغال بالكسب والتجارة ، وإما لأن خوفهم من الأعداء يمنعهم من السفر ، وإما لأن مرضهم وعجزهم يمنعهم منه ، وعلى جميع الوجوه فلا شك في شدة احتياجهم إلى من يكون معيناً لهم على مهماتهم. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 7 صـ 70 ـ 71}\rقوله تعالى : {يَحْسَبُهُمُ الجاهل أَغْنِيَاء مِنَ التعفف}\rفصل\rقال الفخر : \rالحسبان هو الظن ، وقوله {الجاهل} لم يرد به الجهل الذي هو ضد العقل ، وإنما أراد الجهل الذي هو ضد الاختبار ، يقول : يحسبهم من لم يختبر أمرهم أغنياء من التعفف ، وهو تفعل من العفة ومعنى العفة في اللغة ترك الشيء والكف عنه وأراد من التعفف عن السؤال فتركه للعلم ، وإنما يحسبهم أغنياء لإظهارهم التجمل وتركهم المسألة. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 7 صـ 71}\rوقال القرطبى : \rقوله تعالى : {يَحْسَبُهُمُ الجاهل أَغْنِيَآءَ مِنَ التعفف} أي أنهم من الانقباض وترك المسألة والتوكل على الله بحيث يظنهم الجاهل بهم أغنياء.\rوفيه دليل على أن اسم الفقر يجوز أن يطلق على من له كسوة ذات قيمة ولا يمنع ذلك من إعطاء الزكاة إليه.\rوقد أمر الله تعالى بإعطاء هؤلاء القوم ، وكانوا من المهاجرين الذين يقاتلون مع رسول الله صلى الله عليه وسلم غير مَرْضَى ولا عُمْيَان. أ هـ {تفسير القرطبى حـ 3 صـ 341}\rقوله تعالى : {تَعْرِفُهُم بسيماهم}\rفصل\rقال الفخر : ","part":9,"page":205},{"id":3710,"text":"الصفة الرابعة لهؤلاء الفقراء : قوله تعالى : {تَعْرِفُهُم بسيماهم} السيما والسيميا العلامة التي يعرف بها الشيء ، وأصلها من السمة التي هي العلامة ، قلبت الواو إلى موضع العين قال الواحدي : وزنه يكون فعلاً ، كما قالوا : له جاه عند الناس أي وجه ، وقال قوم : السيما الارتفاع لأنها علامة وضعت للظهور ، قال مجاهد {سيماهم} التخشع والتواضع ، قال الربيع والسدي : أثر الجهد من الفقر والحاجة وقال الضحاك صفرة ألوانهم من الجوع وقال ابن زيد رثاثة ثيابهم والجوع خفي وعندي أن كل ذلك فيه نظر لأن كل ما ذكروه علامات دالة على حصول الفقر وذلك يناقضه قوله {يَحْسَبُهُمُ الجاهل أَغْنِيَاء مِنَ التعفف} بل المراد شيء آخر هو أن لعباد الله المخلصين هيبة ووقعاً في قلوب الخلق ، كل من رآهم تأثر منهم وتواضع لهم وذلك إدراكات روحانية ، لا علات جسمانية ، ألا ترى أن الأسد إذا مرّ هابته سائر السباع بطباعها لا بالتجربة ، لأن الظاهر أن تلك التجربة ما وقعت ، والبازي إذا طار تهرب منه الطيور الضعيفة ، وكل ذلك إدراكات روحانية لا جسمانية ، فكذا هاهنا ، ومن هذا الباب آثار الخشوع في الصلاة ، كما قال تعالى : \r{سيماهم فِى وُجُوهِهِمْ مّنْ أَثَرِ السجود} [ الفتح : 29 ] وأيضاً ظهور آثار الفكر ، روي أنهم كانوا يقومون الليل للتهجد ويحتطبون بالنهار للتعفف. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 7 صـ 71}\rوقال القرطبى : \rوقد اختلف العلماء في تعيينها هنا ؛ فقال مجاهد : هي الخشوع والتواضع.\rالسُّدِّي : أثر الفاقة والحاجة في وجوههم وقلّة النَّعمة.\rابن زيد : رَثَاثة ثيابهم.\rوقال قوم وحكاه مَكِّيّ : أثر السجود.\rابن عطيّة : وهذا حسن ، وذلك لأنهم كانوا متفرّغين متوَكلِّين لا شغل لهم في الأغلب إلاَّ الصَّلاة ، فكان أثر السجود عليهم.","part":9,"page":206},{"id":3711,"text":"قلت : وهذه السِّيما التي هي أثر السجود اشترك فيها جميع الصحابة رضوان الله عليهم بإخبار الله تعالى في آخر \"الفتح\" بقوله : {سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِّنْ أَثَرِ السجود} [ الفتح : 29 ] فلا فرق بينهم وبين غيرهم ؛ فلم يبق إلاَّ أن تكون السيماء أثر الخصاصة والحاجة ، أو يكون أثر السجود أكثر ، فكانوا يعرفون بصفرة الوجوه من قيام الليل وصوم النهار.\rوالله أعلم.\rوأما الخشوع فذلك محله القلب ويشترك فيه الغنيّ والفقير ، فلم يبق إلاَّ ما اخترناه ، والموفق الإله. أ هـ {تفسير القرطبى حـ 3 صـ 341 ـ 342}\rفائدة\rقال القرطبى : \rقوله تعالى : {تَعْرِفُهُم بِسِيمَاهُمْ} فيه دليل على أن للسِّيما أثراً في اعتبار من يظهر عليه ذلك ، حتى إذا رأينا ميتاً في دار الإسلام وعَلَيْهِ زُنَّار وهو غير مختون لا يدفن في مقابر المسلمين ؛ ويقدّم ذلك على حكم الدار في قول أكثر العلماء ؛ ومنه قوله تعالى : {وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ القول} [ محمد : 30 ].\rفدلّت الآية على جواز صرف الصدقة إلى من له ثياب وكسوة وزيّ في التجمّل.\rواتفق العلماء على ذلك ، وإن اختلفوا بعده في مقدار ما يأخذه إذا احتاج.\rفأبو حنيفة اعتبر مقدار ما تجب فيه الزكاة ، والشافعيّ اعتبر قوت سنة ، ومالك اعتبر أربعين درهماً ؛ والشافعيّ لا يصرف الزكاة إلى المكتسب. أ هـ {تفسير القرطبى حـ 3 صـ 340}\rقوله تعالى : {لاَ يسألون الناس إلحافاً}\rفائدة\rقال القرطبى : \rاشتقاق الإلحاف من اللّحاف ، سُمِّيَ بذلك لاشتماله على وجوه الطلب في المسألة كاشتمال اللحاف من التغطية ، أي هذا السائل يعم الناس بسؤاله فيُلِحفهم ذلك ؛ ومنه قول ابن أحمر : \rفَظَلّ يَحُفُّهن بَقَفْقَفَيْه . . .\rوَيَلْحَفُهُنّ هَفْهافَا ثَخِينَا\rيصف ذكر النعام يحضُن بيضاً بجناحيه ويجعل جناحه لها كاللحاف وهو رقيق مع ثخنه.","part":9,"page":207},{"id":3712,"text":"وروى النَّسائيّ ومسلم عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : \" ليس المسكين الذي تردّه التمرة والتمرتان واللقمة واللقمتان إنما المسكين المتعفِّف اقرءوا إن شئتم {لاَ يَسْأَلُونَ النَّاسَ إلْحَافاً} \". أ هـ {تفسير القرطبى حـ 3 صـ342}\rفائدة\rقال ابن الجوزى : \rقال ابن قتيبة : لم يرد الجهل الذي هو ضد العقل ، إنما أراد الجهل الذي هو ضد الخُبْر ، فكأنه قال : يحسبهم من لا يخبرُ أمرهم.أ هـ {زاد المسير حـ 1 صـ 328}\rفائدة\rقال الآلوسى : \rأخرج أبو نعيم عن فضالة بن عبيد قال : \"كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا صلى بالناس تخر رجال من قيامهم في صلاتهم لما بهم من الخصاصة وهم أهل الصفة حتى يقول الأعراب إن هؤلاء مجانين\". وأخرج هو أيضاً عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال : \"كان من أهل الصفة سبعون رجلاً ليس لواحد منهم رداء\" والخطاب للرسول صلى الله عليه وسلم أو لكل من له حظ من الخطاب مبالغة في بيان وضوح فقرهم. أ هـ {روح المعانى حـ 3 صـ 47}\rفصل\rقال الفخر : \rالصفة الخامسة لهؤلاء الفقراء : قوله تعالى : {لاَ يسألون الناس إلحافاً} عن ابن مسعود رضي الله عنه : إن الله يحب العفيف المتعفف ، ويبغض الفاحش البذيء السائل الملحف الذي إن أعطى كثيراً أفرط في المدح ، وإن أعطى قليلاً أفرط في الذم ، وعن رسول الله صلى الله عليه وسلم : \" لا يفتح أحد باب مسألة إلا فتح الله عليه باب فقر ، ومن يستغن يغنه الله ، ومن يستعفف يعفه الله تعالى ، لأن يأخذ أحدكم حبلاً يحتطب فيبيعه بمد من تمر خير له من أن يسأل الناس \".","part":9,"page":208},{"id":3713,"text":"واعلم أن هذه الآية مشكلة ، وذكروا في تأويلها وجوهاً الأول : أن الإلحاف هو الإلحاح والمعنى أنهم سألوا بتلطف ولم يلحوا ، وهو اختيار صاحب \"الكشاف\" وهو ضعيف ، لأن الله تعالى وصفهم بالتعفف عن السؤال قبل ذلك فقال : {يَحْسَبُهُمُ الجاهل أَغْنِيَاء مِنَ التعفف} وذلك ينافي صدور السؤال عنهم والثاني : وهو الذي خطر ببالي عند كتابة هذا الموضوع : أنه ليس المقصود من قوله {لاَ يسألون الناس إلحافاً} وصفهم بأنهم لا يسألون الناس إلحافاً ، وذلك لأنه تعالى وصفهم قبل ذلك بأنهم يتعففون عن السؤال ، وإذا علم أنهم لا يسألون ألبتة فقد علم أيضاً أنهم لا يسألون إلحافاً ، بل المراد التنبيه على سوء طريقة من يسأل الناس إلحافاً ، ومثاله إذا حضر عندك رجلان أحدهما عاقل وقور ثابت ، والآخر طياش مهذار سفيه ، فإذا أردت أن تمدح أحدهما وتعرض بذم الآخر قلت فلان رجل عاقل وقور قليل الكلام ، لا يخوض في الترهات ، ولا يشرع في السفاهات ، ولم يكن غرضك من قولك ، لا يخوض في الترهات والسفاهات وصفه بذلك ، لأن ما تقدم من الأوصاف الحسنة يغني عن ذلك ، بل غرضك التنبيه على مذمة الثاني وكذا هاهنا قوله {لاَ يسألون الناس إلحافاً} بعد قوله {يَحْسَبُهُمُ الجاهل أَغْنِيَاء مِنَ التعفف} الغرض منه التنبيه على من يسأل الناس إلحافاً وبيان مباينة أحد الجنسين عن الآخر في استيجاب المدح والتعظيم.\rالوجه الثالث : أن السائل الملحف الملح هو الذي يستخرج المال بكثرة تلطفه ، فقوله {لاَ يسألون الناس} بالرفق والتلطف ، وإذا لم يوجد السؤال على هذا الوجه فبأن لا يوجد على وجه العنف أولى فإذا امتنع القسمان فقد امتنع حصول السؤال ، فعلى هذا يكون قوله {لاَ يسألون الناس إلحافاً} كالموجب لعدم صدور السؤال منهم أصلاً.","part":9,"page":209},{"id":3714,"text":"والوجه الرابع : هو الذي خطر ببالي أيضاً في هذا الوقت ، وهو أنه تعالى بيّن فيما تقدم شدة حاجة هؤلاء الفقراء ، ومن اشتدت حاجته فإنه لا يمكنه ترك السؤال إلا بإلحاح شديد منه على نفسه ، فكانوا لا يسألون الناس وإنما أمكنهم ترك السؤال عندما ألحوا على النفس ومنعوها بالتكليف الشديد عن ذلك السؤال ، ومنه قول عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه : \rولي نفس أقول لها إذا ما.. تنازعني لعلي أو عساني\rالوجه الخامس : أن كل من سأل فلا بد وأن يلح في بعض الأوقات ، لأنه إذا سأل فقد أراق ماء وجهه ، ويحمل الذلة في إظهار ذلك السؤال ، فيقول : لما تحملت هذه المشاق فلا أرجع بغير مقصود ، فهذا الخاطر يحمله على الإلحاف والإلحاح ، فثبت أن كل من سأل فلا بد وأن يقدم على الإلحاح في بعض الأوقات ، فكان نفي الإلحاح عنهم مطلقاً موجباً لنفي السؤال عنهم مطلقاً.\rالوجه السادس : وهو أيضاً خطر ببالي في هذا الوقت ، وهو أن من أظهر من نفسه آثار الفقر والذلة والمسكنة ، ثم سكت عن السؤال ، فكأنه أتى بالسؤال الملح الملحف ، لأن ظهور إمارات الحاجة تدل على الحاجة وسكوته يدل على أنه ليس عنده ما يدفع به تلك الحاجة ومتى تصور الإنسان من غير ذلك رق قلبه جداً ، وصار حاملاً له على أن يدفع إليه شيئاً ، فكان إظهار هذه الحالة هو السؤال على سبيل الإلحاف ، فقوله {لاَ يسألون الناس إلحافاً} معناه أنهم سكتوا عن السؤال لكنهم لا يضمون إلى ذلك السكوت من رثاثة الحال وإظهار الانكسار ما يقوم مقام السؤال على سبيل الإلحاف بل يزينون أنفسهم عند الناس ويتجملون بهذا الخلق ويجعلون فقرهم وحاجتهم بحيث لا يطلع عليه إلا الخالق ، فهذا الوجه أيضاً مناسب معقول وهذه الآية من المشكلات وللناس فيها كلمات كثيرة ، وقد لاحت هذه الوجوه الثلاثة بتوفيق الله تعالى وقت كتب تفسير هذه الآية والله أعلم بمراده. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 7 صـ 71 ـ 73}\rوقال القرطبى : ","part":9,"page":210},{"id":3715,"text":"وقال قوم : إن المراد نفى الإلحاف ، أي إنهم يسألون غير إلحاف ، وهذا هو السابق للفهم ، أي يسألون غير ملحفين.\rوفي هذا تنبيه على سوء حالة من يسأل الناس إلحافاً.\rروى الأئمَّة واللفظ لمسلم عن معاوية بن أبي سفيان قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : \" لاَ تُلْحِفوا في المسألة فوالله لا يسألني أحد منكم شيئاً فَتُخرِج له مسألُته منِّي شيئاً وأنا له كاره فيُبارَك له فيما أعطيتُه \" وفي الموطأ \" \"عن زيد بن أسلم عن عطاء بن يَسار عن رجل من بني أسد أنه قال : نزلت أنا وأهلي ببقِيع الغَرقَد فقال لي أهلي : اذهب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأسأله لنا شيئاً نأكله ؛ وجعلوا يذكرون من حاجتهم ؛ فذهبت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فوجدت عنده رجلاً يسأله ورسول الله صلى الله عليه وسلم يقول ؛ \"لا أجد ما أُعْطِيك\" فتولّى الرجل عنه وهو مُغْضَب وهو يقول : لَعَمْرِي إنك لتْعْطِي من شئت! فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : \"إنه يغضب عليّ ألاّ أجد ما أعطيه من سأل منكم وله أُوقِيّة أو عِدْلُها فقد سأل إلْحافاً\" \" قال الأسدي : فقلت لِلَقْحَةٌ لنا خير من أوقيّة قال مالك : والأوقيّة أربعون درهماً قال : فرجعت ولم أسأله ، فقُدِم على رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد ذلك بشعير وزبيب فقسم لنا منه حتى أغنانا الله\".\rفقال ابن عبد البر : هكذا رواه مالك وتابعه هشام بن سعد وغيره ، وهو حديث صحيح ، وليس حكم الصحابيّ إذا لم يُسَمّ كحكم مَن دونه إذا لم يُسَمّ عند العلماء ؛ لارتفاع الجُرْحة عن جميعهم وثبوت العدالة لهم.\rوهذا الحديث يدل على أن السؤال مكروه لمن له أوقية من فضة ؛ فمن سأل وله هذا الحدّ والعدد والقدر من الفضة أو ما يقوم مقامها ويكون عِدْلاً منها فهو مُلْحِف ، وما علمت أحداً من أهل العلم إلاَّ وهو يكره السؤال لمن له هذا المقدار من الفضة أو عدلها من الذهب على ظاهر هذا الحديث.","part":9,"page":211},{"id":3716,"text":"وما جاءه من غير مسألة فجائز له أن يأكله إن كان من غير الزكاة ، وهذا مما لا أعلم فيه خلافاً ، فإن كان من الزكاة ففيه خلاف يأتي بيانه في آية الصدقات إن شاء الله تعالى.أ هـ {تفسير القرطبى حـ 3 صـ 343 ـ 344}\rوقال ابن عطية : \rوالآية تحتمل المعنيين نفي السؤال جملة ونفي الإلحاف فقط ، أما الأولى فعلى أن يكون {التعفف} صفة ثابتة لهم ، ويحسبهم الجاهل بفقرهم لسبب تعففهم أغنياء من المال ، وتكون {من} لابتداء الغاية ويكون قوله : {لا يسألون الناس إلحافاً} لم يرد به أنهم يسألون غير إلحاف بل المراد به التنبيه على سوء حالة من يسأل إلحافاً من الناس ، كما تقول : هذا رجل خير لا يقتل المسلمين . فقولك : \" خير \" قد تضمن أنه لا يقتل ولا يعصي بأقل من ذلك ، ثم نبهت بقولك لا يقتل المسلمين على قبح فعل غيره ممن يقتل ، وكثيراً ما يقال مثل هذا إذا كان المنبه عليه موجوداً في القضية مشاراً إليه في نفس المتكلم والسامع . وسؤال الإلحاف لم تخل منه مدة ، وهو مما يكره ، فلذلك نبه عليه .\rوأما المعنى الثاني فعلى أن يكون {التعفف} داخلاً في المحسبة أي إنهم لا يظهر لهم سؤالاً ، بل هو قليل .\rوبإجمال فالجاهل به مع علمه بفقرهم يحسبهم أغنياء عفة ، ف {من} لبيان الجنس على هذا التأويل ، ثم نفى عنهم سؤال الإلحاف وبقي غير الإلحاف مقرراً لهم حسبما يقتضيه دليل الخطاب ، وهذا المعنى في نفي الإلحاف فقط هو الذي تقتضيه ألفاظ السدي ، وقال الزجّاج رحمه الله : المعنى لا يكون منهم سؤال فلا يكون إلحاف .\rوهذا كما قال امرؤ القيس : [ الطويل ]\rعَلَى لاَحِبٍ يُهتَدَى بِمَنَارِهِ ... أي ليس ثم منار فلا يكون اهتداء .","part":9,"page":212},{"id":3717,"text":"قال القاضي أبو محمد رحمه الله : إن كان الزجاج أراد لا يكون منهم سؤال ألبتة فذلك لا تعطيه الألفاظ التي بعد لا ، وإنما ينتفي السؤال إذا ضبط المعنى من أول الآية على ما قدمناه ، وإن كان أراد لا يكون منهم سؤال إلحاف فذلك نص الآية ، وأما تشبيهه الآية ببيت امرىء القيس فغير صحيح ، وذلك أن قوله : على لاحب لا يهتدى بمناره وقوله الآخر : [ البسيط ] .\rقِفْ بِالطُّلُولِ التي لَمْ يَعْفُهَا القدَمُ ... وقوله الشاعر : [ المتقارب ]\rوَمَنْ خفْتُ جَوْرِهِ فِي القَضَا ... ء فَمَا خِفْتُ جَوْرَك يَا عَافِيهْ\rوما جرى مجراه ترتيب يسبق منه أنه لا يهتدى بالمنار ، وإن كان المنار موجوداً فلا ينتفي إلا المعنى الذي دخل عليه حرف النفي فقط ، وكذلك ينتفي العفا وإن وجد القدم ، وكذلك ينتفي الخوف وإن وجد الجور ، وهذا لا يترتب في الآية ، ويجوز أن يريد الشعراء أن الثاني معدوم فلذلك أدخلوا على الأول حرف النفي إذ لا يصح الأول إلا بوجود الثاني ، أي ليس ثم منار ، فإذاً لا يكون اهتداء بمنار ، وليس ثم قدم فإذاً لا يكون عفا ، وليس ثم جور فإذاً لا يكون خوف ، وقوله تعالى : {لا يسألون الناس إلحافاً} ، لا يترتب فيه شيء من هذا ، لأن حرف النفي دخل على أمر عام للإلحاف وغيره ، ثم خصص بقوله : {إلحافاً} جزءاً من ذلك العام فليس بعدم الإلحاف ينتفي السؤال ، وبيت الشعر ينتفي فيه الأول بعدم الثاني إذ دخل حرف النفي فيه على شيء متعلق وجوده بوجود الذي يراد أنه معدوم ، والسؤال ليس هكذا مع الألحاف ، بل الأمر بالعكس إذ قد يعدم الإلحاف منهم ويبقى لهم سؤال لا إلحاف فيه ، ولو كان الكلام لا يلحفون الناس سؤالاً لقرب الشبه بالأبيات المتقدمة ، وكذلك لو كان بعد لا يسألون شيء إذا عدم السؤال ، كأنك قلت تكسباً أو نحوه لصح الشبه ، والله المستعان. أ هـ {المحرر الوجيز حـ 1 صـ 370}\rفائدة لغوية\rقال أبو حيان : \r{يحسبهم الجاهل أغنياء من التعفف}.","part":9,"page":213},{"id":3718,"text":"قرأ ابن عامر ، وعاصم ، وحمزة ، بفتح السين حيث وقع ، وهو القياس ، لأن ماضيه على فَعِلَ بكسر العين.\rوقرأ باقي السبعة بكسرها ، وهو مسموع في ألفاظ ، منها : عمد يعمد ويعمد ، وقد ذكرها النحويون ، والفتح في السين لغة تميم ، والكسر لغة الحجاز ، والمعنى : أنهم لفرط انقباضهم ، وترك المسألة ، واعتماد التوكل على الله تعالى ، يحسبهم من جَهِلَ أحوالهم أغنياء ، و: من ، سببية ، أي الحامل على حسبانهم أغنياء هو تعففهم ، لأن عادة من كان غني مال أن يتعفف ، ولا يسأل ، ويتعلق ، بيحسبهم وجر المفعول له هناك بحرف السبب ، لانخرام شرط من شروط المفعول له من أجله وهو اتحاد الفاعل ، لأن فاعل يحسب هو : الجاهل ، وفاعل التعفف هو : الفقراء.\rوهذا الشرط هو على الأصح ، ولو لم يكن هذا الشرط منخرماً لكان الجر بحرف السبب أحسن في هذا المفعول له ، لأنه معرف بالألف واللام ، وإذا كان كذلك فالأكثر في لسان العرب أن يدخل عليه حرف السبب ، وإن كان يجوز نصبه ، لكنه قليل كما أنشدوا.\rلا أقعد الجبن عن الهيجاء . . .\rأي : للجبن ، وإنما عرف المفعول له ، هنا لأنه سبق منهم التعفف مراراً ، فصار معهوداً منهم.\rوقيل : من ، لابتداء الغاية ، أي من تعففهم ابتدأت محسبته ، لأن الجاهل بهم لا يحسبهم أغنياء غنى تعفف ، وإنما يحسبهم أغنياء مال ، فمحسبته من التعفف ناشئة ، وهذا على أنهم متعففون عفة تامة من المسألة ، وهو الذي عليه جمهور المفسرين ، وكونها للسبب أظهر ، ولا يجوز أن تتعلق : من ، بأغنياء ، لأن المعنى يصير إلى ضد المقصود ، وذلك أن المعنى : حالهم يخفى على الجاهل به ، فيظن أنهم أغنياء ، وعلى تعليق : من ، بأغنياء يصير المعنى : أن الجاهل يظن أنهم أغنياء ، ولكن بالتعفف ، والغني بالتعفف فقير من المال ، وأجاز ابن عطية أن تكون : من ، لبيان الجنس ، قال : يكون التعفف داخلاً في المحسبة ، أي : أنهم لا يظهر لهم سؤال ، بل هو قليل.","part":9,"page":214},{"id":3719,"text":"وبإجمال فالجاهل بهم مع علمه بفقرهم يحسبهم أغنياء عفة.\rفمن ، لبيان الجنس على هذا التأويل. انتهى.\rوليس ما قاله من أن : من ، هذه في هذا المعنى لبيان الجنس المصطلح عليه في بيان الجنس ، لأن لها اعتباراً عند من قال بهذا المعنى لمن يتقدّر بموصول ، وما دخلت عليه يحصل خبر مبتدأ محذوف ، نحو : {فاجتنبوا الرجز من الأوثان} التقدير : فاجتنبوا الرجس الذي هو الأوثان.\rولو قلت هنا : يحسبهم الجاهل أغنياء الذي هو التعفف ، لم يصح هذا التقدير ، وكأنه سمى الجهة التي هم أغنياء بها بيان الجنس ، أي : بينت بأي جنس وقع غناهم بالتعفف ، لا غنى بالمال.\rفتسمى : من ، الداخلة على ما يبين جهة الغنى لبيان الجنس ، وليس المصطلح عليه كما قدمناه ، وهذا المعنى يؤول إلى أن من سببية ، لكنها تتعلق : بأغنياء ، لا : بـ {يحسبهم} ، ويحتمل أن يكون : يحسبهم ، جملة حالية ، ويحتمل أن يكون مستأنفة. أ هـ {البحر المحيط حـ 2 صـ 342}\rسؤال : فإن قيل : فهل كانوا يسألون غير إلحاف ؟ \rقيل : لا ؛ لأنهم كانوا أغنياء من التعفف ، وإنما تقدير الكلام لا يسألون فيكون سؤالهم إلحافاً. أ هـ {النكت والعيون حـ 1 صـ 346 ـ 347}\rفائدة\rقال ابن عاشور : \rوقوله : {لا يسألون الناس إلحافاً} بيان لقوله يحسبهم الجاهل أغنياء بياناً ثانياً ، لكيفية حُسبانهم أغنياء في أنّهم لا يسألون الناس.\rوكان مُقتضى الظاهر تقديمه على الذي قبله إلاّ أنّه أخّر للاهتمام بما سبقه من الحقّ على توسّم احتياجهم بأنّهم محصرون لا يستطيعون ضرباً في الأرض لأنّه المقصود من سياق الكلام.\rفأنت ترى كيف لم يغادر القرآن شيئاً من الحثّ على إبلاغ الصدقات إلى أيدي الفقراء إلاّ وقد جاء به ، وأظهر به مزيد الاعتناء. أ هـ {التحرير والتنوير حـ 3 صـ 76}","part":9,"page":215},{"id":3720,"text":"فائدة\rقال الجصاص : \rقَوْله تَعَالَى : {لَا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إلْحَافًا} يَعْنِي وَاَللَّهُ أَعْلَمُ : إلْحَاحًا وَإِدَامَةً لِلْمَسْأَلَةِ ؛ لِأَنَّ الْإِلْحَافَ فِي الْمَسْأَلَةِ هُوَ الِاسْتِقْصَاءُ فِيهَا وَإِدَامَتُهَا وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى كَرَاهَةِ الْإِلْحَافِ فِي الْمَسْأَلَةِ.\rفَإِنْ قِيلَ : فَإِنَّمَا قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ : {لَا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إلْحَافًا} فَنَفَى عَنْهُمْ الْإِلْحَافَ فِي الْمَسْأَلَةِ وَلَمْ يَنْفِ عَنْهُمْ الْمَسْأَلَةَ رَأْسًا ؟ قِيلَ لَهُ : فِي فَحَوَى الْآيَةِ وَمَضْمُونِ الْمُخَاطَبَةِ مَا يَدُلُّ عَلَى نَفْيِ الْمَسْأَلَةِ رَأْسًا ، وَهُوَ قَوْله تَعَالَى : {يَحْسَبُهُمْ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاءَ مِنْ التَّعَفُّفِ} فَلَوْ كَانُوا أَظْهَرُوا الْمَسْأَلَةَ ثُمَّ إنْ لَمْ تَكُنْ إلْحَافًا لَمَا حَسِبَهُمْ أَحَدٌ أَغْنِيَاءَ ، وَكَذَلِكَ قَوْله تَعَالَى : {مِنْ التَّعَفُّفِ} لِأَنَّ التَّعَفُّفَ هُوَ الْقَنَاعَةُ وَتَرْكُ الْمَسْأَلَةِ ، فَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى وَصْفِهِمْ بِتَرْكِ الْمَسْأَلَةِ أَصْلًا.\rوَيَدُلُّ عَلَى أَنَّ التَّعَفُّفَ هُوَ تَرْكُ الْمَسْأَلَةِ قَوْلُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : {مَنْ اسْتَغْنَى أَغْنَاهُ اللَّهُ وَمَنْ اسْتَعَفَّ أَعَفَّهُ اللَّهُ}.\rوَإِذَا ثَبَتَ بِمَا ذَكَرْنَا مِنْ دَلَالَةِ الْآيِ أَنَّ ثِيَابَ الْكِسْوَةِ لَا تَمْنَعُ أَخْذَ الزَّكَاةِ وَإِنْ كَانَتْ سِرِّيَّةً وَجَبَ أَنْ يَكُونَ كَذَلِكَ حُكْمُ الْمَسْكَنِ وَالْأَثَاثِ وَالْفَرَسِ وَالْخَادِمِ لِعُمُومِ الْحَاجَةِ إلَيْهِ ، فَإِذَا كَانَتْ الْحَاجَةُ إلَى هَذِهِ الْأَشْيَاءِ حَاجَةً مَاسَّةً فَهُوَ غَيْرُ غَنِيٍّ بِهَا ؛ لِأَنَّ الْغِنَى هُوَ مَا فَضَلَ عَنْ مِقْدَارِ الْحَاجَةِ. أ هـ {أحكام القرآن للجصاص حـ 2 صـ 181 ـ 182}","part":9,"page":216},{"id":3721,"text":"وقال ابن العربى : \r{إلْحَافًا} مَعْنَاهُ الشُّمُولُ بِالْمَسْأَلَةِ إمَّا لِلنَّاسِ ، وَإِمَّا فِي الْأَمْوَالِ ؛ فَيَسْأَلُ مِنْ النَّاسِ جَمَاعَةً ، وَيَسْأَلُ مِنْ الْمَالِ أَكْثَرَ مِمَّا يَحْتَاجُ إلَيْهِ وَبِنَاءُ \" لُحِفَ \" لِلشُّمُولِ ، وَمِنْهُ اللِّحَافُ ؛ وَهُوَ الثَّوْبُ الَّذِي يَشْتَمِلُ بِهِ ، وَنَحْوُهُ الْإِلْحَاحُ ؛ يُقَالُ : أَلْحَفَ فِي الْمَسْأَلَةِ إذَا شَمِلَ رِجَالًا أَوْ مَالًا ، وَأَلَحَّ فِيهَا إذَا كَرَّرَهَا.\rوَرَوَى الْمُفَسِّرُونَ عَنْ قَتَادَةَ أَنَّهُ قَالَ : ذُكِرَ لَنَا أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : {إنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْحَلِيمَ الْحَيِيَّ الْغَنِيَّ النَّفْسِ الْمُتَعَفِّفَ ، وَيُبْغِضُ الْغَنِيَّ الْفَاحِشَ الْبَذِيَّ السَّائِلَ الْمُلْحِفَ}.\rوَلَمْ يَصِحَّ لِهَذَا الْحَدِيثِ أَصْلٌ ، وَلَا عُرِفَ لَهُ سَنَدٌ ، لَكِنْ رَوَى مُسْلِمٌ عَنْ مُعَاوِيَةَ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : {لَا تُلْحِفُوا فِي الْمَسْأَلَةِ ، فَوَاَللَّهِ لَا يَسْأَلُنِي أَحَدٌ مِنْكُمْ شَيْئًا فَتُخْرِجُ لَهُ مَسْأَلَتُهُ مِنِّي شَيْئًا وَأَنَا كَارِهٌ فَيُبَارِكُ اللَّهُ لَهُ فِيمَا أَعْطَيْتُهُ}.\rوَرَوَى مَالِكٌ عَنْ الْأَسَدِيِّ أَنَّهُ قَالَ : {نَزَلْت أَنَا وَأَهْلِي بِبَقِيعِ الْغَرْقَدِ ، فَقَالَ لِي أَهْلِي : اذْهَبْ إلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَسَلْهُ لَنَا شَيْئًا نَأْكُلُهُ ، وَجَعَلُوا يَذْكُرُونَ مِنْ حَاجَتِهِمْ فَذَهَبْت إلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَوَجَدْت عِنْدَهُ رَجُلًا يَسْأَلُهُ ، وَرَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ : لَا أَجِدُ مَا أُعْطِيك.","part":9,"page":217},{"id":3722,"text":"فَوَلَّى الرَّجُلُ عَنْهُ وَهُوَ مُغْضَبٌ ، وَهُوَ يَقُولُ : لَعَمْرُك إنَّك لَتُعْطِي مَنْ شِئْت ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : إنَّهُ لَيَغْضَبُ عَلَيَّ أَلَّا أَجِدَ مَا أُعْطِيهِ ، مَنْ سَأَلَ مِنْكُمْ وَلَهُ أُوقِيَّةٌ أَوْ عِدْلُهَا فَقَدْ سَأَلَ إلْحَافًا.\rفَقَالَ الْأَسَدِيُّ : لَلَقْحَةٌ لَنَا خَيْرٌ مِنْ أُوقِيَّةٍ}.\rوَرَوَى عَمْرُو بْنُ شُعَيْبٍ ، عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : {مَنْ سَأَلَ وَلَهُ أُوقِيَّةٌ فَهُوَ مُلْحِفٌ}.\rفَتَبَيَّنَ بِهَذَا أَنَّ الْمُلْحِفَ هُوَ الَّذِي يَسْأَلُ الرَّجُلَ بَعْدَمَا رَدَّهُ عَنْ نَفْسِهِ ، أَوْ يَسْأَلُ وَعِنْدَهُ مَا يُغْنِيهِ عَنْ السُّؤَالِ ، إلَّا أَنْ يَسْأَلَ زَائِدًا عَلَى مَا عِنْدَهُ ، وَيُغْنِيهِ وَهُوَ مُحْتَاجٌ إلَيْهِ ؛ فَذَلِكَ جَائِزٌ.\rوَسَمِعْت بِجَامِعِ الْخَلِيفَةِ بِبَغْدَادَ رَجُلًا يَقُولُ : هَذَا أَخُوكُمْ يَحْضُرُ الْجُمُعَةَ مَعَكُمْ ، وَلَيْسَ لَهُ ثِيَابٌ يُقِيمُ بِهَا سُنَّةَ الْجُمُعَةِ ، فَلَمَّا كَانَ فِي الْجُمُعَةِ الْأُخْرَى رَأَيْت عَلَيْهِ ثِيَابًا جُدُدًا ، فَقِيلَ لِي : كَسَاهُ إيَّاهَا فُلَانٌ لِأَخْذِ الثَّنَاءِ بِهَا.\rوَيُكَرِّرُ الْمَسْأَلَةَ إذَا رَدَّهُ الْمَسْئُولُ وَالسَّائِلُ يَعْلَمُ أَنَّهُ قَادِرٌ عَلَى مَا سَأَلَهُ إيَّاهُ أَوْ جَاهِلٌ بِحَالِهِ ، فَيُعِيدُ عَلَيْهِ السُّؤَالَ إعْذَارًا أَوْ إنْذَارًا ثَلَاثًا لَا يَزِيدُ عَلَيْهِ ، وَذَلِكَ جَائِزٌ ، وَالْأَفْضَلُ تَرْكُهُ. وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. أ هـ {أحكام القرآن لابن العربى حـ 1 صـ 318 ـ 319}","part":9,"page":218},{"id":3723,"text":"فوائد ونفائس جليلة\rقال القرطبى : \rقال ابن عبد البر : مِن أحسن ما رُوي من أجوبة الفقهاء في معاني السؤال وكراهيته ومذهب أهل الوَرَع فيه ما حكاه الأثرم عن أحمد بن حنبل وقد سئل عن المسألة متى تحِل قال : إذا لم يكن عنده ما يُغذِّيه ويُعَشِّيه على حديث سهل بن الحَنْظَلِيّة.\rقيل لأبي عبد الله : فإن اضطر إلى المسألة ؟ قال : هي مباحة له إذا اضطر.\rقيل له : فإن تعفّف ؟ قال : ذلك خير له.\rثم قال : ما أظن أحداً يموت من الجوع! الله يأتيه برزقه.\rثم ذكر حديث أبي سعيد الخُدْرِي : \" مَنِ استعف أعفّه الله \" وحديث أبي ذرّ عن النبي صلى الله عليه وسلم قال له : \"تعفف\" ، قال أبو بكر : سمعته يسأل عن الرجل لا يجد شيئاً أيسأل الناس أم يأكل الميتة ؟ فقال : أيأكل الميتة وهو يجد من يسأله ، هذا شنيع.\rقال : وسمعته يسأله هل يسأل الرجل لغيره ؟ قال لا ، ولكن يُعَرِّض. كما. \" قال النبيّ صلى الله عليه وسلم حين جاءه قوم حُفَاة عُراة مُجْتَابِي النِّمار فقال : \"تصدّقوا\" \" ولم يقل أعطوهم.\rقال أبو عمر : قد قال النبيّ صلى الله عليه وسلم : \" اشفعوا تُؤجَرُوا \" وفيه إطلاق السؤال لغيره.\rوالله أعلم.\rوقال : \"ألاَ رجلٌ يتصدّق على هذا\" ؟ قال أبو بكر : قيل له يعني أحمد بن حنبل فالرجل يذكر الرجل فيقول : إنه محتاج ؟ فقال : هذا تعريض وليس به بأس ، وإنما المسألة أن يقول أعطه.\rثم قال : لا يعجبني أن يسأل المرء لنفسه فكيف لغيره ؟ والتعريض هنا أحبّ إليّ.\rقلت : قد روى أبو داود والنَّسائي وغيرهما : \" أن الفراسيّ قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم : أسأل يا رسول الله ؟ قال : \"لا وإن كنتَ سائلاً لا بُدّ فأسأل الصالحين\" \" فأباح صلى الله عليه وسلم سؤال أهل الفضل والصلاح عند الحاجة إلى ذلك ، وإن أوقع حاجته بالله فهو أعلى.","part":9,"page":219},{"id":3724,"text":"قال إبراهيم بن أَدْهم : سؤال الحاجات من الناس هي الحجاب بينك وبين الله تعالى ، فأنزْل حاجتك بمن يملك الضُّرَّ والنّفْع ، وليكن مَفْزَعك إلى الله تعالى يكفيك الله ما سواه وتعيش مسروراً. أ هـ .\rوقال القرطبى أيضا : \rفإن جاءه شيء من غير سؤال فله أن يقبله ولا يردّه ، إذ هو رزق رزقه الله.\rروى مالك عن زيد ابن أسلم عن عطاء بن يسار : \r\" أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أرسل إلى عمر بن الخطاب بعطاء فردّه ، فقال له رسول الله : \"لِم رَددته\" ؟ فقال : يا رسول الله ، أليس أخبرتنا أن أحدنا خير له ألاَّ يأخذ شيئاً ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : \"إنما ذاك عن المسألة فأما ما كان من غير مسألة فإنما هو رزق رزقكه الله\" \" فقال عمر بن الخطاب : والذي نفسي بيده لا أسأل أحداً شيئاً ولا يأتيني بشيء من غير مسألة إلاَّ أخذتُه. وهذا نصٌّ.\rوخرج مسلم في صحيحه والنسائيّ في سننه وغيرهما \" عن ابن عمر قال سمعت عمر يقول : كان النبيّ صلى الله عليه وسلم يُعطيني العطاءَ فأقول : أَعْطِه أفقرَ إليه مِنِّي ، حتى أعطاني مرّة مالاً فقلت : أعْطِهِ أفقَر إليه منّي ؛ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : \"خُذْه وما جاءك من هذا المال وأنت غير مُشْرِفٍ ولا سائِلٍ فخذه وَمَالا فَلا تُتبِعه نفْسَك\" \" زاد النسائي بعد قوله \"خذه\" \" فتموّلْه أو تصدّق به \" وروى مسلم من حديث عبد الله بن السَّعْدِيّ المالكيّ : عن عمر فقال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم : \" إذا أعطِيت شيئاً من غير أن تسأل فكُلْ وتصدّق \" وهذا يصحح لك حديث مالك المُرْسَل.\rقال الأَثْرَم : سمعت أبا عبد الله أحمد بن حنبل يسأل عن قول النبيّ صلى الله عليه وسلم : \" ما أتاك من غير مسألة ولا إشراف \" أيّ الإشراف أراد ؟ فقال : أن تستشرفه وتقول : لعلّهُ يُبعث إليّ بقلبك.\rقيل له : وإن لم يتعرّض ، قال نعم إنما هو بالقلب.\rقيل له : هذا شديد! قال : وإن كان شديداً فهو هكذا.","part":9,"page":220},{"id":3725,"text":"قيل له : فإن كان الرجل لم يعوّدني أن يرسل إليّ شيئاً إلاَّ أنه قد عرض بقلبي فقلت : عسى أن يبَعث إليّ.\rقال : هذا إشراف ، فأما إذا جاءك من غير أن تحتسبه ولا خطر على قلبك فهذا الآن ليس فيه إشراف.\rقال أبو عمر : الإشراف في اللغة رفع الرأس إلى المطموع عنده والمطموع فيه ، وأن يَهَشّ الإنسان ويتعرّض.\rوما قاله أحمد في تأويل الإشراف تضييق وتشديد وهو عندي بعيد ؛ لأن الله عزّ وجلّ تجاوز لهذه الأُمّة عما حدّثت به أنفسها ما لم ينطق به لسان أو تعمله جارحة.\rوأما ما اعتقده القلب من المعاصي لا خلا الكفر فليس بشيء حتى يعمل به ؛ وخطرات النفس متجاوز عنها بإجماع. أ هـ\rوقال رحمه الله : \rالإلحاح في المسألة والإلحاف فيها مع الغنى عنها حرام لا يحلّ.\rقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : \" من سأل الناس أموالَهم تكثُّراً فإنما يسأل جَمْراً فليَسْتَقِلّ أوْ لِيَسْتَكْثِرْ \" رواه أبو هريرة خرّجه مسلم.\rوعن ابن عمر أن النبيّ صلى الله عليه وسلم قال : \r\" لا تزال المسألة بأحدكم حتى يلقَى الله وليس في وجهه مُزْعَةُ لحم \" رواه مسلم أيضاً. أ هـ\rوقال عليه الرحمه : \rالسائل إذا كان محتاجاً فلا بأس أن يكرر المسألة ثلاثاً إعذاراً وإنذاراً والأفضل تركه.\rفإن كان المسؤول يعلم بذلك وهو قادر على ما سأله وجب عليه الإعطاء ، وإن كان جاهلاً به فيعطيه مخافة أن يكون صادقاً في سؤاله فلا يفلح في ردّه. أ هـ\rوقال أيضا : \rفإن كان محتاجاً إلى ما يُقيم به سُنّةً كالتجمّل بثوب يلبسه في العيد والجمعة فذكر ابن العربيّ ؛ \"سمعت بجامع الخليفة ببغداد رجلاً يقول : هذا أخوكم يحضر الجمعة معكم وليس عنده ثياب يُقيم بها سُنّة الجمعة.\rفلما كان في الجمعة الأخرى رأيت عليه ثياباً أُخر ، فقيل لي : كساه إياها أبو الطاهر البرسني أَخْذَ الثناء\". أ هـ {تفسير القرطبى حـ 3 صـ 344 ـ 346}","part":9,"page":221},{"id":3726,"text":"فائدة\rقال ابن العربى : \rالْوَاجِبُ عَلَى مُعْطِي الصَّدَقَةِ كَانَ إمَامًا أَوْ مَالِكًا أَنْ يُرَاعِيَ أَحْوَالَ النَّاسِ ، فَمَنْ عَلِمَ فِيهِ صَبْرًا عَلَى الْخَصَاصَةِ وَتَحَلِّيًا بِالْقَنَاعَةِ آثَرَ عَلَيْهِ مَنْ لَا يَسْتَطِيعُ الصَّبْرَ ، فَرُبَّمَا وَقَعَ فِي التَّسَخُّطِ قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الصَّحِيحِ : {إنِّي لَأُعْطِي الرَّجُلَ وَغَيْرُهُ أَحَبُّ إلَيَّ مِنْهُ مَخَافَةَ أَنْ يَكُبَّهُ اللَّهُ فِي النَّارِ عَلَى وَجْهِهِ}. أ هـ {أحكام القرآن لابن العربى حـ 1 صـ 318}","part":9,"page":222},{"id":3727,"text":"قوله تعالى {وَمَا تُنفِقُواْ مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ الله بِهِ عَلِيمٌ}\rقال الفخر : \rواعلم أنه تعالى ذكر صفات هؤلاء الفقراء ، ثم قال بعده {وَمَا تُنفِقُواْ مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ الله بِهِ عَلِيمٌ} [ البقرة : 273 ] وهو نظير ما ذكر قبل هذه الآية من قوله {وَمَا تُنفِقُواْ مِنْ خَيْرٍ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنتُمْ لاَ تُظْلَمُونَ} [ البقرة : 272 ] وليس هذا من باب التكرار وفيه وجهان أحدهما : أنه تعالى لما قال : {وَمَا تُنفِقُواْ مِنْ خَيْرٍ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ} وكان من المعلوم أن توفية الأجر من غير بخس ونقصان لا يمكن إلا عند العلم بمقدار العمل وكيفية جهاته المؤثرة في استحقاق الثواب لا جرم قرر في هذه الآية كونه تعالى عالماً بمقادير الأعمال وكيفياتها.\rوالوجه الثاني : وهو أنه تعالى لما رغب في التصدق على المسلم والذمي ، قال : {وَمَا تُنفِقُواْ مِنْ خَيْرٍ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ} بين أن أجره واصل لا محالة ، ثم لما رغب في هذه الآية في التصدق على الفقراء الموصوفين بهذه الأوصاف الكاملة ، وكان هذا الإنفاق أعظم وجوه الإنفاقات ، لا جرم أردفه بما يدل على عظمة ثوابه فقال : {وَمَا تُنفِقُواْ مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ الله بِهِ عَلِيمٌ} وهو يجري مجرى ما إذا قال السلطان العظيم لعبده الذي استحسن خدمته : ما يكفيك بأن يكون علي شاهداً بكيفية طاعتك وحسن خدمتك ، فإن هذا أعظم وقعاً مما إذا قال له : إن أجرك واصل إليك. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 7 صـ 73}\rوقال ابن عاشور : \r{وَمَا تُنفِقُواْ مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ الله بِهِ عَلِيمٌ}.\rأعيد التحريض على الإنفاق فذكر مرة رابعَة ، وقوله : {فإن الله به عليم} كناية عن الجزاء عليه لأن العلم يكنّى به عن أثره كثيراً ، فلما كان الإنفاق مرغّباً فيه من الله ، وكان عِلم الله بذلك معروفاً للمسلمين ، تعيَّن أن يكون الإخبارُ بأنّه عليم به أنّه عليم بامتثال المنفق ، أي فهو لا يضيع أجره إذ لا يمنعه منه مانع بعد كونه عليماً به ، لأنّه قدير عليه.","part":9,"page":223},{"id":3728,"text":"وقد حصل بمجموع هذه المرات الأربع من التحريض ما أفاد شدة فضل الإنفاق بأنّه نفع للمنفِق ، وصلة بينه وبين ربّه ، ونوال الجزاء من الله ، وأنّه ثابت له في علم الله. أ هـ {التحرير والتنوير حـ 3 صـ 76 ـ 77}\rلطيفة\rقال الثعالبى : \rينبغى للفقيرِ أنْ يتعفّف في فَقْره ، ويكتفي بعلْمِ ربِّه ، قال الشيخُ ابن أبي جَمْرة : وقد قال أهْلُ التوفيق : مَنْ لَمْ يَرْضَ باليسيرِ ، فهو أسير. أ هـ {الجواهر الحسان حـ 1 صـ 222}\rمن فوائد ابن عرفة فى الآية\rقوله تعالى : {لِلْفُقَرَآءِ الذين أُحْصِرُواْ فِي سَبِيلِ الله . . .}.\rقال الزمخشري : أي اعمدوا للفقراء أو جعلوا ما تنفقون للفقراء.\rويجوز أن يكون خبر متبدإ ( محذوف ) أي صدقاتكم للفقراء.\rقال ابن عرفة : المقدرات باعتبار المعنى متفقة وباعتبار كيفية الدليل مختلفة \" وَسَبِيلِ اللهِ \" قال مالك في كتاب الحبس : هو وجوه الخير. بالإطلاق كيف ما كانت.\rوقال ابن عبد البر : المشهور عن مالك أنه الجهاد.\rقوله تعالى : {أَغْنِيَآءَ مِنَ التعفف . . .}.\rولم يقل : من تعفّفهم إشارة إلى اتصافهم بأبلغ وجوه التعفف لأن تعفف المحتاج ( المضطر ) إلى المسألة ليس كتعفف من لم تبلغ به الحاجة إلى السؤال فأفاد أن هؤلاء لم يتّصفوا بتعفّفهم اللائق بهم بل اتصفوا بالتعفف الإجمالي.\rقوله تعالى : {تَعْرِفُهُم بِسِيمَاهُمْ}.\rالخطاب له ولغيره.\rقوله تعالى : {لاَ يَسْئَلُونَ الناس إِلْحَافاً . . .}.\rونقل هنا ابن عرفة كلام المفسرين ثم قال : ويحتمل أن يكون مثل {وَمَا رَبُّكَ بِظَلاَّمٍ لِّلْعَبِيدِ} أي لو قدر صدور السؤال منهم لما قدر وقوعه إلا بالإلحاف لأجل ما نالهم من الجهد والحاجة ، ويحتمل أن يكون مثل قول الله تعالى {لاَ يَحْزُنُهُمُ الفزع الأكبر} فيكون من باب ( نفي ) استلزام الأخص أمرا وإذا لم يستلزم الأخص أمرا لم يستلزمه الأعم.","part":9,"page":224},{"id":3729,"text":"والمعنى : لا يسألون الناس لأجل الإلحاف ( في السؤال ) أي لأجل سبب الإلحاف وهو شدة الحاجة وإذا لم يسألوهم لأجل شدة الحاجة فأحرى أن لا يسألوهم لأجل سبب عدم الإلحاف وهو مطلق الحاجة فقط.\rقال الفخر بن الخطيب يحتمل أن يراد بالإلحاف ( تأكيد ) صبرهم.\rقال ابن عرفة : ينبغي أن يوقف على قوله : {لاَ يَسْئَلُونَ الناس إِلْحَافاً} مصدر ، أي يلحفون إلحافا ، أي يبلغون في شدة صبرهم وتجلدهم على الفقر. انتهى.\rقوله تعالى : {وَمَا تُنفِقُواْ مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ الله بِهِ عَلِيمٌ}.\rقال ابن عرفة : قالوا : إن العبد يفرق بين حالة طاعته لسيده وهو حاضر ينظر إليه وبين حالة طاعته له في غيبته فمع الحضور يجتهد أكثر.\rقيل لابن عرفة : إذا بنينا على مذهب أهل السنّة في التفريق بين ( عليم وبصير ) فيرد السؤال على ما قلت ، فيقال : هلا قيل : فَإنّ اللهَ بِه بصير فهو أخص من ( عليم ) خلافا للمعتزلة ؟ فقال : الآية خطاب للعوام لا للخواص وصفة العلم عندهم ( أجلى ) إذ لا خلاف فيها ، بخلاف بصير فإنّ منهم من ردّه لعليم ومنهم من أبقاه على ظاهره. أ هـ {تفسير ابن عرفة صـ 151}\rلطيفة\rكان عبد الله بن المبارك يصرف مصروفه لأهل العلم ، ويقول : إني لا أعرف بعد النبوة أفضل من العلماء ، فإذا اشتغل قلب أحدهم بالحاجة والعيلة لم يتفرغ للعلم ، ولا يقبل على تعليم الناس ، فرأيت أن أكفيهم أمر الدنيا ؛ لأفرغهم للعلم ، فهو أفضل. أ هـ . والله تعالى أعلم. أ هـ {البحر المديد حـ 1 صـ 233}","part":9,"page":225},{"id":3730,"text":"من فوائد ابن القيم فى الآية\rقال رحمه الله : \rذكر المصرف الذي توضع فيه الصدقة فقال تعالى {للفقراء الذين أحصروا في سبيل الله لا يستطيعون ضربا في الأرض يحسبهم الجاهل أغنياء من التعفف تعرفهم بسيماهم لا يسألون الناس إلحافا} فوصفهم بست صفات إحداها الفقر\rالثانية حبسهم أنفسهم في سبيله تعالى وجهاد أعدائه ونصر دينه\rوأصل الحصر المنع فمنعوا أنفسهم من تصرفها في أشغال الدنيا وقصروها على بذلها لله في سبيله\rالثالثة عجزهم عن الأسفار للتكسب والضرب في الأرض هو السفر قال تعالى {علم أن سيكون منكم مرضى وآخرون يضربون في الأرض يبتغون من فضل الله} وقال تعالى {وإذا ضربتم في الأرض فليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلاة}\rالرابعة شدة تعففهم وهو حسن صبرهم وإظهارهم الغنى حتى يحسبهم الجاهل أغنياء من تعففهم وعدم تعرضهم وكتمانهم حاجتهم\rالخامسة أنهم يعرفون بسيماهم وهي العلامة الدالة على حالتهم التي وصفهم الله بها وهذا لا ينافي حسبان الجاهل أنهم أغنياء لأن الجاهل له ظاهر الأمر والعارف هو المتوسم المتفرس الذي يعرف الناس بسيماهم فالمتوسمون خواص المؤمنين كما قال تعالى {إن في ذلك لآيات للمتوسمين}\rالسادسة تركهم مسألة الناس فلا يسألونهم والإلحاف هو الإلحاح والنفي متسلط عليهما معا أي لا يسألون ولا يلحفون فليس يقع منهم سؤال يكون بسببه إلحاف وهذا كقوله : \rعلى لاحب لا يهتدي لمناره أي ليس فيه منار فيهتدي به وفيه كالتنبيه على أن المذموم من السؤال هو سؤال الإلحاف فأما السؤال بقدر الضرورة من غير إلحاف فالأفضل تركه ولا يحرم\rفهذه ست صفات للمستحقين للصدقة فألغاها أكثر الناس ولحظوا منها ظاهر الفقر وزيه من غير حقيقته وأما سائر الصفات المذكورة فعزيز أهلها ومن يعرفهم أعززه والله يختص بتوفيقه من يشاء فهؤلاء هم المحسنون في أموالهم. أ هـ {طريق الهجرتين صـ 557 ـ 558}","part":9,"page":226},{"id":3731,"text":"فروق لغوية دقيقة\rالفرق بين الفقر والمسكنة\rأن الفقر في ما قال الأزهري في تأويل قوله تعالى ( إنما الصدقات للفقراء والمساكين ) الفقير الذي لا يسأل والمسكين الذي يسأل ومثله عن ابن عباس والحسن وجابر بن زيد ومجاهد وهو قول أبي حنيفة وهذا يدل على أنه رأى المسكين أضعف حالا وأبلغ في جهة الفقر ويدل عليه قوله تعالى ( للفقراء الذين أحصروا في سبيل الله ) إلى قوله تعالى يحسبهم الجاهل أغنياء من التعفف ) فوصفهم بالفقر وأخبر مع ذلك عنهم بالتعفف حتى يحسبهم الحاهل بحالهم أغنياء من التعفف ولا يحسبهم أغنياء إلا ولهم ظاهر جميل وعليهم برة حسنة وقيل لأعرابي أفقير أنت فقال بل مسكين وأنشد من البسيط\r( أما الفقير الذي كانت حلوبته\rوفق فلم يترك له سبد )\rفجعل للفقير حلوبة المسكين الذي لا شيء له فأما قوله تعالى ( فكانت لمساكين يعملون في البحر ) فأثبت لهم ملك سفينة وسماهم مساكين فإنه روي أنهم كانوا أجراء فيها ونسبها إليهم لتصرفهم فيها\rوالكون فيها كما قال تعال ( لا تدخلوا بيوت النبي ) ثم قال ( وقرن في بيوتكن ) وعن أبي حنيفة في من قال مالي للفقراء والمساكين أنهما صنفان وعن أبي يوسف أن نصف المال لفلن ونصفه للفقراء والمساكين وهذا يدل على أنه جعلهما صنفا واحدا والقول قول أبي حنيفة ويجوز أن يقال المسكين هو الذي يرق له الإنسان إذا تأمل حاله وكل من يرق له الإنسان يسميه مسكينا\rالفرق بين الفقر والإعدام\rأن الإعدام أبلغ في الفقر وقال أهل اللغة المعدم الذي لا يجد شيئا وأصله من العدم خلاف الوجود وقد أعدم كانه صار ذا عدم وقيل في خلاف الوجود عدم للفرق بين المعنيين ولم يقل عدمه الله وإنما قيل أعدمه الله وقيل في خلافه قد وجد ولم يقل وجده الله وإنما قيل أوجده الله وقال بعضهم الإعدام فقر بعد غنى\rالفرق بين الفقير والمصرم","part":9,"page":227},{"id":3732,"text":"أن المصرم هو الذي له صرمة والصرمة الجماعة القليلة من الإبل ثم كثر ذلك حتى سمي كل قليل الحال مصرما وإن لم تكن له صرمة\rالفرق بين الفقير والمملق\rأن المملق مشتق من الملق وهو الخضوع والتضرع ومنه قيل للأجمة المفترشة ملقه والجمع ملقات فلما كان الفقير في أكثر الحال خاضعا متضرعا سمي مملقا ولا يكون غإلا بعد غنى كانه صار ذا ملق كم تقول أطفلت المرأة إذا صار لها طفل ويجوز أن يقال إن الإملاق نقل إلى عدم التمكن من النفقة على العيال ولهذا قال\rالله تعالى ( ولا تقتلوا أولادكم خشية إملاق ) أي خشية العجز عن النفقة عليهم\rالفرق بين الخلة والفقر\rأن الخلة الحاجة والمختل المحتاج وسمت الحالجة خلة لاختلال الحال بها كأنما بها خلل يحتاج إلى سدة والخلة أيضا الخصلة التي يختل إليها أي يحتاج والخلة المودة التي تتخل الإسرار معها بين الخليلين وسمي الطريق في الرمل خلا لأنه يتخلل لانعراجه والخل الذي يصطبغ به لأنه يتخل ما عين فيه بلطفه وحدته وخللت الثوب خلا وخللا وجمع الخلل خلال وفي القرآن ( فترى الودق يخرج من خلاله ) والخلا ما يخل به الثوب وما يخرج به الشيء من خلل الأسنان فالفقر أبلغ من الخلة لأن الفقر ذهاب المال والخلة الخلل في المال\rالفرق بين الفقر والحاجة\rأن الحاجة هي النقصان ولهذا يقال الثوب يحتاج إلى خزمة وفلان يحتاج إلى عقل وذلك إذا كان ناقصا ولهذا قال المتكلمون الظلم لا يكون إلا من جهل أو حاجة أي من جهل بقبحه أو نقصان زاد جبره بظلم الغير والفقر خلاف الغنى فأما قولهم فلان مفتقر إلى عقل فهو استعارة ومحتاج إلى عقل حقيقة\rوما يخالف الحظ الحرمان والحرمان\rالفرق بينهما\rأن الحرمان عدم الظفر بالمطلوب عند السؤال يقال سأله فحرمه والحرف عدم الوصول إلى المنافع من جهة الصنائع يقال للرجل إذا لم يصل إلى إحراز المنافع في صناعته إنه محارف وقد يجعل المحروم خلاف المرزوق في الجملة فيقال هذا محروم وهذا مرزوق","part":9,"page":228},{"id":3733,"text":"القرق بين الفقير والبائس\rقال مجاهد وغيره البائس الذي يسأله بيده قلنا وإنما سمي من هذه بائسا لظهور أثر البؤس عليه بمد يده للمسألة وهو على جهة المبالغة في الوصف له بالفقر وقال بعضهم هو بمعنى المسكين لأن المسكين هو الذي يكون في نهاية الفقر قد ظهر عليه السكون للحاجة وسوء الحال هو الذي يجد شيئا. أ هـ {الفروق فى اللغة صـ 150 ـ 151}","part":9,"page":229},{"id":3734,"text":"فوائد لغوية\rقال ابن عادل :\rقوله تعالى : { لِلْفُقَرَآءِ } الآية : في تعلُّق هذا الجارِّ خمسة أوجهٍ :\rأحدها : - وهو الظاهر - أنه متعلِّق بفعل مقدرٍ ، يدلُّ عليه سياق الكلام ، واختلفت عبارات المعربين فيه ، فقال مكي - ولم يذكر غيره - : \" أَعْطُوا لِلْفقراءِ \" ، وفي هذا نظرٌ؛ لأنه يلزم زيادة اللام في أحد مفعولي أعطى ، ولا تزاد اللام إلا لضعف العامل : إمَّا بتقدُّم معموله كقوله تعالى : { لِلرُّؤْيَا تَعْبُرُونَ } [ يوسف : 43 ] ، وإمَّا لكونه فرعاً؛ نحو قوله تعالى : { فَعَّالٌ لِّمَا يُرِيدُ } [ هود : 107 ] ويبعد أن يقال : لمَّا أُضمر العاملن ضعف؛ فقوي باللام ، على أنَّ بعضهم يجيز ذلك ، وإن لم يضعف العامل ، وجعل منه { رَدِفَ لَكُم } [ النمل : 72 ] ، وسيأتي بيانه إن شاء الله تعالى. وقدَّره أبو البقاء : \" اعْجَبُوا لِلْفُقَرَاءِ \" وفيه نظرٌ ، لأنه لا دلالة من سياق الكلام على العجب. وقدَّره الزمخشريُّ : \" اعْمدُوا ، أو اجعلوا ما تُنْفقون للفقراء \" والأحسن من ذلك ما قدَّره مكي ، لكن فيه ما تقدَّم.\rالثاني : أنَّ هذا الجارَّ خبر مبتدأ محذوف ، تقديره : الصدقات أو النفقات التي تنفقونها للفقراء ، وهو في المعنى جوابٌ لسؤالٍ مقدَّر ، كأنهم لما حثُّوا على الصدقات ، قالوا : فلمن هي؟ فأجيبوا بأنها لهؤلاء ، وفيها بيان مصرف الصَّدقات. وهذا اختيار ابن الأنباري.\rالثالث : أنَّ اللام تتعلَّق بقوله تعالى : { إِن تُبْدُواْ الصدقات } [ البقرة : 271 ] وهو مذهب القفَّال ، واستبعده الناس؛ لكثرة الفواصل.\r","part":9,"page":230},{"id":3735,"text":"الرابع : أنه متعلِّقٌ بقوله تعالى : { وَمَا تُنفِقُواْ مِنْ خَيْرٍ } وفي هذا نظرٌ؛ من حيث إنه يلزم فيه الفصل بين فعل الشرط وبين معموله بجملة الجواب ، فيصير نظير قولك : مَنْ يُكْرِمْ أُحْسِنْ إليه زيداً. وقد صرَّح الواحديُّ بالمنع من ذلك ، معلِّلاً بما ذكرناه ، فقال : وَلاَ يجوزُ أن يكون العاملُ في هذه اللام \" تنفقوا \" الأخير في الآية المتقدمة الكريمة؛ لأنه لا يفصل بين العامل ، والمعمول بما ليس منه ، كما لا يجوز : \" كانَتْ زَيْداً الحُمَّى تأخُذُ \".\rالخامس : أنَّ \" للفقراء \" بدلٌ من قوله : \" فلأَنْفُسِكُمْ \" ، وهذا مردودٌ؛ قال الواحدي ، وغيره : \" لأنَّ الإنفاق من حيث هو واصلٌ إليهم ، وليس من باب { وَللَّهِ عَلَى الناس حِجُّ البيت مَنِ استطاع إِلَيْهِ سَبِيلاً } [ آل عمران : 97 ] ؛ لأنَّ الأمر لازمٌ للمستطيع خاصةً \" قال شهاب الدين رحمه الله تعالى : يعني أنَّ الفقراء ليست هي الأنفس ، ولا جزاءً منها ، ولا مشتملةً عليها ، وكأن القائل بذلك توهَّم أنه من باب قوله تعالى : { وَلاَ تقتلوا أَنْفُسَكُمْ } [ النساء : 29 ] في أحد التأويلين.\rقوله : { فِي سَبِيلِ } في هذا الجار وجهان :\rأحدهما : أن يتعلَّق بالفعل قبله؛ فيكون ظرفاً له.\rوالثاني : أن يكون متعلِّقاً بمحذوف على أنه حال من مرفوع \" أُحصروا \" ، أي : مستقرين في سبيل الله. وقدَّره أبو البقاء بمجاهدين في سبيل الله ، فهو تفسير معنًى لا إعراب؛ لأنَّ الجارَّ لا يتعلَّق إلا بالكون المطلق.\rقوله تعالى : { لاَ يَسْتَطِيعُونَ ضَرْباً فِي الأرض } في هذه الجملة احتمالان :\rأظهرهما : أنها حالٌ ، وفي صاحبها وجهان :\rأحدهما : أنه \" الفقراء \" ، وثانيهما : أنه مرفوع \" أُحْصِرُوا \".\r","part":9,"page":231},{"id":3736,"text":"والاحتمال الثاني : أن تكون مستأنفة لا محلَّ لها من الإعراب؛ و\" ضَرْباً \" مفعولٌ به ، وهو هنا السفر للتجارة؛ قال : [ الوافر ]\rلَحِفْظُ المَالِ أَيْسَرُ مِنْ بَقَاهُ... وَضَرْبٌ في البِلاَدِ بِغَيْرِ زَادِ\rويقال : ضَرَبْتُ في الأَرْضِ ضَرْباً ، ومَضْرِباً ، أي : سرتُ.\rفصل في بيان عدم الاستطاعة في الآية\rعدم استطاعتهم : إمَّا أن يكون لاشتغالهم بصلاح الدِّين ، بأمر الجهاد؛ فيمنعهم من الاشتغال بالكسب والتجارة ، وإمَّا لخوفهم من الأعداء ، وإمَّا لمرضهم ، وعجزهم؛ وعلى جميع الوجوه فلا شكَّ في احتياجهم إلى من يعينهم.\rالصفة الثالثة : قوله : { يَحْسَبُهُمُ } يجوز في هذه الجملة ما جاز فيما قبلها من الحالية والاستئناف ، وكذلك ما بعدها.\rقوله : { مِنَ التعفف } في \" مِنْ \" هذه ثلاثة أوجه :\rأحدها : أنها سببيةٌ ، أي : سَبَبُ حُسْبَانِهم أغنياء تعفُّفهم ، فهو مفعولٌ من أجله ، وجرُّه بحرف السبب هنا واجبٌ ، لفقد شرطٍ من شروط النصب ، وهو اتحاد الفاعل ، وذلك أنَّ فاعل الحسبان الجاهل ، وفاعل التعفُّف هم الفقراء ، ولو كان هذا المفعول له مستكملاً لشروط النصب ، لكان الأحسن جرَّه بالحرف؛ لأنه معرَّفٌ بأل ، وقد تقدَّم أنَّ جرَّ هذا النوع أحسن من نصبه؛ نحو : جئت للإكرام ، وقد جاء نصبه؛ قال القائل : [ الرجز ]\rلاَ أَقْعُدُ الجُبْنَ عَنِ الهَيْجَاءِ... وَلَوْ تَوَالَتْ زُمَرَ الأَعْدَاءِ\rوالثاني : أنها لابتداء الغاية ، والمعنى أنَّ محسبة الجاهل غناهم ، نشأت من تعفُّفهم؛ لأنه لا يحسب غناهم غنى تعففٍ ، إنما يحسبه غنى مالٍ ، فقد نشأت محسبته من تفُّفهم ، وهذا على أنَّ تعفُّفهم تعففٌ تام.\r","part":9,"page":232},{"id":3737,"text":"والثالث : أنها لبيان الجنس ، وإليه نحا ابن عطية ، قال : يكون التعففُ داخلاً في المحسبة ، أي : إنه لا يظهر لهم سؤالٌ ، بل هو قليلٌ ، فالجاهل بهم مع علمه بفقرهم يحسبهم أغنياء عنه ، ف \" مِنْ \" لبيان الجنس على هذا التأويل.\rقال أبو حيَّان : \" وليس ما قالَه مِنْ أنَّ \" مِنْ \" هذه في هذا المعنى وهو أن تتقدَّر \" مِنْ بموصولٍ ، وما دخلت عليه يجعل خبر مبتدأ محذوف؛ كقوله تعالى : { فاجتنبوا الرجس مِنَ الأوثان } [ الحج : 30 ] يصح أن يقال : الذي هو الأوثان ، ولو قلت هنا : \" يَحْسَبُهُم الجَاهِلُ أغنياء الَّذِي هُوَ التَّعفف \" لم يصحَّ هذا التقدير؛ وكأنه سمَّى الجهة التي هم أغنياء بها بيان الجنس ، أي : بيَّنت بأيِّ جنسٍ وقع غناهم ، أي : غناهم بالتعفف لا غنى بالمال ، فسمَّى \" مِنْ \" الداخلة على ما يبيِّن جهة الغنى ببيان الجنس ، وليس المصطلح عليه كما قدَّمناه ، وهذا المعنى يؤول إلى أنَّ \" مِنْ \" سببية ، لكنها تتعلق بأغنياء ، لا بيحسبهم \". انتهى.\rوتتعلَّق \" مِنْ \" على الوجهين الأولين بيحسبهم. قال أبو البقاء رحمه الله : \" ولا يجوزُ أن تتعلَّق بمعنى \" أغْنِياء \" ؛ لأنَّ المعنى يصير إلى ضد المقصود ، وذلك أنَّ معنى الآية : أنَّ حالهم يخفى على الجاهل بهم؛ فيظنُّهم أغنياء ، ولو علِّقت بأغنياء ، صار المعنى ، أنَّ الجاهل يظنُّ أنهم أغنياء ، ولكن بالتعفف ، والغنيُّ بالتعفف فقيرٌ من المال \". انتهى ، وما قاله أبو البقاء يحتمل بحثاً.\rوأما على الوجه الثالث - وهو كونه لبيان الجنس - فقد صرَّح أبو حيان بتعلُّقها بأغنياء؛ لأن المعنى يعود إليه ، ولا يجوز تعلُّقها في هذا الوجه بالحسبان ، وعلى الجملة : فكونها لبيان [ الجنس ، قلق المعنى ].\r","part":9,"page":233},{"id":3738,"text":"قوله : { لاَ يَسْأَلُونَ الناس إِلْحَافاً } في نصبه \" إلحافاً \" ثلاثة أوجه :\rأحدها : نصبه على المصدر بفعلٍ مقدَّر ، أي : يلحفون إلحافاً ، والجملة المقدرة حالٌ من فاعل \" يَسْألون \".\rوالثاني : أن يكون مفعولاً من أجله ، أي : لا يسألون؛ [ لأجل الإلحاف.\rوالثالث : أن يكون مصدراً في موضع الحال ، تقديره : لا يسألون ] ملحفين. أ هـ {تفسير ابن عادل حـ 4 صـ 431 ـ 438}. بتصرف.","part":9,"page":234},{"id":3739,"text":"من لطائف العلامة الفيروزابادى\rقال رحمه الله :\rالفقر : ضدّ الغِنى.\rووقع فى القرآن لفظ الفقر فى أَربعة مواضع :\rأَحدها - قوله تعالى : {لِلْفُقَرَآءِ الَّذِينَ أُحصِرُواْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لاَ يَسْتَطِيعُونَ ضَرْباً فِي الأَرْضِ} ، أَى الصَّدقاتُ لهؤلاءِ ، وكان فقراءُ المهاجرين نحو أَربعمائة لم يكن لهم مساكن فى المدينة ولا عشائر ، وكانوا قد حبسوا أَنفسَهم على الجهاد ، وكانوا وَقْفاً على كلِّ سريَّه يبعثها رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم وهم أَهل الصُّفَّة. هذا أَحد الأَقوال [فى] إِحصارهم فى سبيل الله. وقيل : هو حبْسهم أَنفسهم فى طاعة الله. وقيل : حَبَسهم الفقر والعُدْم عن الجهاد. وقيل : لَمَّا عادَوا أَعداء الله وجاهدوهم أُحصِروا عن الضرب فى الأَرض لطلب المعاش ، فلا يستطيعون ضرباً فى الأَرض. والصَّحيح أَنه لفقرهم وعجزهم وضعفهم لا يستطيعون ضرباَ فى الأَرض ، ولِكمَال عفَّتهم وصيانتهم يحسبهم من لم يعرف حالهم أَغنياء.\rوالموضع الثانى - قوله تعالى : {إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَآءِ وَالْمَسَاكِينِ} الآية.\rوالموضع الثالث - قوله تعالى : {ياأَيُّهَا النَّاسُ أَنتُمُ الْفُقَرَآءُ إِلَى اللَّهِ}.\rوالموضع الرابع - قال الله تعالى : {رَبِّ إِنِّي لِمَآ أَنزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ}.\rوالصّنف الأَول خواصّ الفقراءِ ، والثَّانى فقراءُ المسلمين خاصّهم وعامّهم ، والثالث الفقر العامّ لأَهل الأَرض كلِّهم غنيّهم وفقيرهم ، مؤمِنهم وكافرهم. والرابع الفقر إِلى الله المشار إِليه بقوله : \"اللَّهم أَغْنِنى بالافتقار إِليك\". وبهذا أَلَمَّ الشاعر :\r*ويعجبنى فقرى إِليك ولم يكن * ليعجبنى لولا محبَّتُك الفقرُ*","part":9,"page":235},{"id":3740,"text":"والفقراءُ الموصوفون فى الآية الأُولى يقابلهم أَصحاب الجِدَة ، ومن ليس محصَرًا فى سبيل الله ، ومن لم يكتم فقرًا وضعفاً. فمقابلهم أَكثر من مقابل الصّنف الثانى. والصّنف الثانى يقابل أَصحاب الجِدَة ، ويدخل فيهم المتعفِّف وغيره ، والمحصَر وغيره. والصَّنف الثالث لا مقابل لهم ، بل الله وحده الغنىّ وكلُّ ما سواه فقير إِليه.\rومراد المشايخ بالفقر شىء أَخصُّ من هذه كلّها وهو الافتقار إِلى الله فى كلِّ حالة. وهذا المعنى أَجلّ من أَن يسمَّى فقرًا ، بل هو حقيقة العبوديَّة ولُبّها ، وعَزْل النفس عن مزاحمة الرُّبوبيَّة.","part":9,"page":236},{"id":3741,"text":"وسئل عنه يحيى بن مُعَاذ الرازىّ فقال : حقيقته أَلاَّ يستغنى إِلاَّ بالله ، ورَسْمه عدم الأَسباب كلّها. وقال بعض المشايخ : الفقر سرّ لا يضعه الله إِلاَّ عند من يحبّه ، ويسوقه إِلى مَن يريد. وقال : رُوَيم : إِرسال النَّفس فى أَحكام الله. وسئل أَبو حفص بم يقدَم الفقير على ربِّه ؟ فقال : ما للفقير أَن يقدَم به على ربّه سوى فقره. وسئل بعضهم : متى يستحق الفقير اسم الفقر ؟ قال إِذا لمّ [يبق] عليه منه بقيّة. فقيل له : وكيف ذاك ؟ فقال : إِذا كان له فليس له ، وإِذا لم يكن له فهو له. وهذه من أَحسن العبارات عن معنى الفقر الذى يشير إِليه القوم ، وهو أَن يصير كلُّه لله لا يبقى عليه بقيَّة من نفسه وحظِّه وهواه ، فمن بقى عليه شىء من أَحكام نفسه ففقره مدخول. ثم فسّر ذلك أَى قوله : إِذا كان له فليس له ، أَى إِذا كان لنفسه فليس لله ، وإِذا لم يكن لنفسه فهو لله. فحقيقة الفقر إِذًا أَلاَّ تكون لنفسك ولا يكون لها منك شىء بحيث تكون كلُّك لله. وهذا الفقر الذى يشيرون إِليه لا ينافيه الجدَة ولا الأَملاك ، فقد كان رُسُل الله وأَنبياؤه - صَلوات الله وسلامه علَيهم - فى ذروة الفقر مع جدتهم ومِلكهم ، كإِبراهيم الخليل عليه السَّلام كان أَبا الضِّيفان ، وكانت له الأَموال والمواشى ، وكذلك كان سليمان وداود ، وكذلك كان نبيّنا صلَّى الله عليه وسلَّم كما قال تعالى : {وَوَجَدَكَ عَآئِلاً فَأَغْنَى} ، وكانوا أَغنياءَ فى فقرهم ، فقراءَ فى\rغناهم.\rفالفقر الحقيقىُّ : دوام الافتقار إِلى الله تعالى فى كلِّ حال ، وأَن يشهد العبد فى كلِّ ذرّة من ذرَّاته الظَّاهرة والباطنة فاقة نامية إِلى الله تعالى من كلِّ وجه. فالفقر ذاتىّ للعبد ، وإِنما يتجدَّد له بشهوده حالاً ، وإِلاَّ فهو حقيقته ؛ كما قال بعض المشايخ :\r*الفقر لى وصفُ ذاتٍ لازمٌ أَبدا * كما الغِنَى أَبدا وصفٌ له ذاتى*","part":9,"page":237},{"id":3742,"text":"وله آثار وعلامات وموجِبات ، أَكثر إِشارات القوم إليها ، كقول بعضهم الفقير لا يسبق همَّته ، أَى ابن وقته ، فهمَّته مقصورة على وقته لا يتعدَّاه. وقيل : أَركان الفقر أَربعة : عِلْم يسوسه ، وورع يحجزه ، ويقين يحمله ، وذِكْر يؤنسه. وقال الشِّبلِىّ : حقيقة الفقر أَلاَّ يستغنى بشىء دون الله. وسئل سهل : متى يستريح الفقير ؟ فقال : إِذا لم ير لنفسه غير الوقت الَّذى هو فيه. وقال أَبو حفص : أَحسن ما يتوسَّل به العبد إِلى الله دوام الافتقار إِليه على جميع الأَحوال ، وملازمة السُنَّة فى جميع الأَفعال ، وطلب القُوت من وجه حلال. وقيل : مِن حكم الفقير أَلاَّ يكون له رغبة ، فإِن كان ولا بدّ فلا يجوز رغبتُه كفايتَه. وقيل : الفقِير من لا يَملك ولا يُمْلَك. وأَتمّ من هذا : لا يَملك ولا يملكه مالك. وقيل : من أَراد الفقر لشرفه مات فقيراً ، ومن أَراده لئلا يشتغل عن الله بغيره مات غنيّا.\rوالفقر له بداية ونهاية ، فبدايته الذلُّ ونهايته العزّ ، وظاهره العُدْم وباطنه الغِنى ، كما قال رجل لآخر ، [الفقر] فقر وذلّ ، فقال ، لا : بل فقر وعِزّ. فقال : فقر وثرًى. فقال : لا ، بل فقر وعَرْش. وكلاهما مصيب.\rواتَّفقت كلمةُ القوم على أَن دوام الافتقار إِلى الله مع تخليط خير من دوام الصَّفاء مع رؤية النَّفس والعُجْب ، مع أَنه لا صفاءَ معهما.\rوإِذا عرفت معنى الفقر عرفت عين الغنى بالله تعالى فلا معنى لسؤال من سأَل : أَىّ الحالين أَكمل ؟ الافتقار إِلى الله أَم الاستغناء به ؟ هذه مسأَلة غير صحيحة ، فإِنَّ الاستغناء به هو عين الافتقار إِليه.","part":9,"page":238},{"id":3743,"text":"وأَمَّا مسأَلة الفقير الصَّابر ، والغنىّ الشاكر ، وترجيحُ أَحدهما ، فعند المحقِّقين أَن التفضيل لا يرجع إِلى ذات الفقْر والغِنَى ، وإِنما يرجع إِلى الأَعمال والأَحوال والحقائِق. فالمسْأَلة فاسدة فى نفسها ، وإِنَّ التفضيل عند الله بالتَّقوى وحقائِق الإِيمان ، لا بفقر ولا غِنى ، قال : {إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عَندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ} ولم يقل : أَفقركم أَو أَغناكم.\rثمّ اعلم أَنَّ الفَقْر والغِنَى ابتلاء لعبده كما قال تعالى : {فَأَمَّا الإِنسَانُ إِذَا مَا ابْتَلاَهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِ * وَأَمَّآ إِذَا مَا ابْتَلاَهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَهَانَنِ * كَلاَّ} أَى ليس كلّ من أَعطيتهُ ووسَّعت عليه فقد أَكرمته ، ,لا كلُّ من ضيَّقت عليه وقَتَرت عليه الرزق فقد أَهنته والإِكرام أَن يكرم العبد بطاعته ومحبَّته ومعرفته ، والإِهانة أَن يسلبه ذلك. ولا يقع التفاضل بالغنى والفقر بل بالتقوى. وقال بعضهم : هذه المسأَلة محال أَيضاً من وجه آخر ، وهو أَنَّ كًّلا من الغنىّ والفقير لا بدّ له من صبر وشكر ، فإِنَّ الإِيمان نصفان : نصفٌ صبر ، ونصفٌ شكر. بل قد يكون قسط الغنِىّ من الصَّبر أَوفى ، لأَنه يصبر عن قدرة ، فصبره أَتمّ من صبر من يصبر عن عجز ، ويكون شكر الفقير أَتمّ ، لأَن الشكر هو استفراغ الوسع فى طاعة الله ، والفقير أَعظم فراغا بالشكر من الغنِىّ. وكلاهما لا يقوم قائمة إِيمانه إِلا على ساق الصَّبر والشكر.\rنعم الَّذى رجع الناس إِليه فى المسأَلة أَنَّهم ذكروا نوعا من الشكر ، ونوعا من الصَّبر ، وأَخذوا فى التَّرجيح ، فجردوا غنيًّا مُنفقاً متصدِّقاً باذلا ماله فى وجوه القُرَب ، شاكرًا الله عليه ؛ وفقيرا متفرِّغاً لطاعة الله ولأوراد العبادات ، صابرًا على فقره ، هل هو أَكمل من ذلك الغنى أَم بالعكس. فالصَّواب فى مثل هذا أَنّ أَكملهما أَطوعهما ، فإِن","part":9,"page":239},{"id":3744,"text":"تساوت طاعتهما درجتهما والله أَعلم.\rوالعرب نقول : سَدً الله مَفاقِره ، أَى وجوه فقره. ويقال : افتقر فهو مفتقِر وفقير ، ولا يكاد يقال : فَقُر. وإِن كان القياس يقتضيه.\rوأَصل الفقير هو المكسور الفَقَار. عَمِل به الفاقرةَ أَى الدَّاهية الَّتى كسرت فَقَاره. وأَفقرك الصَّيدُ : أَمكنك عن فقاره. أَفْقَرته ناقتى : أَعرته فَقَارها للركوب ، وما أَحسن قول الزَّمخشرى :\r*أَلاَ أَفقر الله عبداً أَبَتْ * عليه الدّناءة أَن يُفْقِرَا*\r*ومن لا يُعبر قَرا مَرْكَبٍ * فقل كيف يَعقِره للقِرَى*\rوما أَحسن فِقَر كلامه ، أَى نُكته ، وهى فى الأَصل حُلِىّ تصاغ على شكل فِقَر الظهر. أ هـ {بصائر ذوى التمييز حـ 5 صـ 214 ـ 218}","part":9,"page":240},{"id":3745,"text":"قوله تعالى : {الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ سِرًّا وَعَلَانِيَةً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (274)}\rمناسبة الآية لما قبلها\rقال البقاعى :\rولما حض على النفقة فأكثر وضرب فيها الأمثال وأطنب في المقال ولم يعين لها وقتاً كان كأن سائلاً قال : في أي وقت تفعل ؟ فبين في آية جامعة لأصناف الأموال والأزمان والأحوال أنها حسنة في كل وقت وعلى كل حال فقال : {الذين ينفقون أموالهم} أي في الوجوه الصالحة التي تقدم التنبيه عليها وقدم من المتقابلين ما كان أقرب إلى الإخلاص اهتماماً به دلالة على فضله فقال : {بالليل} إن اقتضى ذلك الحال {والنهار} إن دعتهم إلى ذلك خطة رشد {سراً وعلانية} كذلك.\rولما كان الانتهاء عن المن والأذى في بعض الأحوال أشد ما يكون على النفس لما يرى من المنفق عليه من الغض ونحو ذلك فلا يكاد يسلم منه أحد.\rابتدأ الجزاء في آيته من غير ربط بالفاء إشارة إلى العفو عما يغلب النفس منه تنزيلاً له منزلة العدم ،\rوإيماء إلى تعظيمه بكونه ابتداء عطية من الملك ،\rترغيباً في الكف عنه ،\rلأنه منظور إليه في الجملة ،\rوربط الجزاء في هذه إعلاماً بأنه مسبب عن هذه الأحوال ،\rلأن الأفعال أيسر من التروك فحصوله متوقف على حصولها ،\rحثاً على الإتيان بها كلها للسهولة في ذلك ،\rلأن من سمح بالإنفاق لله سبحانه وتعالى استوت عنده فيه الأوقات فقال : {فلهم أجرهم} وسببيته كونه علامة لحصول الأجر ، لا أنه سبب حقيقي ، إنما السبب الحقيقي رحمة الله بالتوفيق للعمل والاعتداد به ،\rواعلم بأنه محفوظ مضاعف مربي لا يضيع أصلاً بقوله : {عند ربهم} أي فهو يربي نفقاتهم ويزكيها كما رباهم ،","part":9,"page":241},{"id":3746,"text":"ثم ختم آي النفقات بما بدأها به من الأمن والسرور فقال : {ولا خوف عليهم} كما فرحوا بها عن غيرهم {ولا هم يحزنون} لأنه لا ثواب أعظم من ذلك ، إذ لا عيشة لحزين ولا خائف ؛ ولشدة مشاق الإنفاق على الأنفس لا سيما في أول الإسلام لما كانوا فيه من الضيق أكد تعالى فيه هذا التأكيد بجملته وبينه هذا البيان الواضح حتى لم يبق فيه خفية وجه إلا أظهرها وحذر منها وقررها - أشار إلى ذلك الأستاذ أبو الحسن الحرالي فقال : فأفضلهم المنفق ليلاً سراً. وأنزلهم المنفق نهاراً علانية ؛ فهم بذلك أربعة أصناف - انتهى. أ هـ {نظم الدرر حـ 1 صـ 529 ـ 530}\rقال الفخر : \rفي كيفية النظم أقوال\rالأول : لما بيّن في هذه الآية المتقدمة أن أكمل من تصرف إليه النفقة من هو بيّن في هذه الآية أن أكمل وجوه الإنفاق كيف هو ، فقال : {الذين يُنفِقُونَ أموالهم باليل والنهار سِرّا وَعَلاَنِيَةً فَلَهُمْ}\rوالثاني : أنه تعالى ذكر هذه الآية لتأكيد ما تقدم من قوله {إِن تُبْدُواْ الصدقات فَنِعِمَّا هِىَ} [ البقرة : 271 ]\rوالثالث : أن هذه الآية آخر الآيات المذكورة في أحكام الإنفاق ، فلا جرم أرشد الخلق إلى أكمل وجوه الإنفاقات. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 7 صـ 73}\rفصل\rقال الفخر : \rفي سبب النزول وجوه\rالأول : لما نزل قوله تعالى : {لِلْفُقَرَاء الذين أُحصِرُواْ فِى سَبِيلِ الله} بعث عبد الرحمن بن عوف إلى أصحاب الصفة بدنانير ، وبعث علي رضي الله عنه بوسق من تمر ليلاً ، فكان أحب الصدقتين إلى الله تعالى صدقته ، فنزلت هذه الآية فصدقة الليل كانت أكمل\rوالثاني : قال ابن عباس : إن علياً عليه السلام ما كان يملك غير أربعة دراهم ، فتصدق بدرهم ليلاً ، وبدرهم نهاراً ، وبدرهم سراً ، وبدرهم علانية ، فقال صلى الله عليه وسلم : \" ما حملك على هذا ؟ فقال : أن استوجب ما وعدني ربي ، فقال : لك ذلك \" فأنزل الله تعالى هذه الآية","part":9,"page":242},{"id":3747,"text":"والثالث : قال صاحب \"الكشاف\" : نزلت في أبي بكر الصديق رضي الله عنه حين تصدق بأربعين ألف دينار : عشرة بالليل ، وعشرة بالنهار ، وعشرة في السر ، وعشرة في العلانية والرابع : نزلت في علف الخيل وارتباطها في سبيل الله ، فكان أبو هريرة إذا مرّ بفرس سمين قرأ هذه الآية الخامس : أن الآية عامة في الذين يعمون الأوقات والأحوال بالصدقة تحرضهم على الخير ، فكلما نزلت بهم حاجة محتاج عجلوا قضاءها ولم يؤخروها ولم يعلقوها بوقت ولا حال ، وهذا هو أحسن الوجوه ، لأن هذا آخر الآيات المذكورة في بيان حكم الإنفاقات فلا جرم ذكر فيها أكمل وجوه الإنفاقات ، والله أعلم. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 7 صـ 73 ـ 74}\rوقال القرطبى : \rرُوي عن ابن عباس وأبي ذَرّ وأبي أُمَامة وأبي الدرداء وعبد الله بن بشر الغافقيّ والأوزاعيّ أنها نزلت في علف الخيل المربوطة في سبيل الله.\rوذكر ابن سعد في الطبقات قال : أخبرت عن محمد بن شعيب بن شابور قال أنبأنا سعيد بن سِنان عن يزيد بن عبد الله بن عريب عن أبيه عن جدّه عَريب : \" أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سئل عن قوله تعالى : {الذين يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ بالليل والنهار سِرّاً وَعَلاَنِيَةً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ وَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ} قال : \"هم أصحاب الخيل\" \" وبهذا الإسناد قال قال رسول صلى الله عليه وسلم : \" المنفق على الخيل كباسط يده بالصدقة لا يقبضها وأبوالُها وأرواثُها ( عند الله ) يوم القيامة كَذَكِيّ المسك \" ورُوي عن ابن عباس أنه قال : نزلت في عليّ بن أبي طالب رضي الله عنه ، كانت معه أربعة دراهم فتصدّق بدرهم ليلاً وبدرهم نهاراً وبدرهم سرّاً وبدرهم جهراً ؛ ذكره عبد الرزاق قال : أخبرنا عبد الوهاب بن مجاهد عن أبيه عن ابن عباس.\rابُن جُريج : نزلت في رجل فعل ذلك ، ولم يُسَمّ عليّاً ولا غيرَه.\rقال قتادة.","part":9,"page":243},{"id":3748,"text":"هذه الآية نزلت في المنفقين من غير تبذير ولا تقتير. أ هـ {تفسير القرطبى حـ 3 صـ 347}\rقال ابن عطية : \rوالآية وإن كانت نزلت في علي رضي الله عنه ، فمعناها يتناول كل من فعل فعله وكل مشاء بصدقته في الظلم إلى مظنة ذي الحاجة وأما علف الخيل والنفقة عليها فإن ألفاظ الآية تتناولها تناولاً محكماً ، وكذلك المنفق في الجهاد المباشر له إنما يجيء إنفاقه على رتب الآية . وقال ابن عباس رضي الله عنه : كان المؤمنون يعملون بهذه الآية من قوله : {إن تبدوا الصدقات} [ البقرة : 271 ] إلى قوله : {ولا هم يحزنون} [ البقرة : 274 ] فلما نزلت براءة بتفصيل الزكاة قصروا عليها. أ هـ {المحرر الوجيز حـ 1 صـ 371}\rوقال الآلوسى : \r{الذين يُنفِقُونَ أموالهم بالليل} أي يعممون الأوقات والأحوال بالخير والصدقة ، فالمراد بالليل والنهار جميع الأوقات كما أن المراد بما بعده جميع الأحوال ، وقدم الليل على النهار والسر على العلانية للإيذان بمزية الإخفاء على الإظهار. أ هـ {روح المعانى حـ 3 صـ 47}\rوقال ابن كثير : \r} هذا مدح منه تعالى للمنفقين في سبيله ، وابتغاء مرضاته في جميع الأوقات من ليل أو نهار ، والأحوال من سر وجهار ، حتى إن النفقة على الأهل تدخل في ذلك أيضًا ، كما ثبت في الصحيحين أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لسعد بن أبي وقاص -حين عاده مريضًا عام الفتح ، وفي رواية عام حجة الوداع- : \"وإنك لن تنفق نفقة تبتغي بها وجه الله إلا ازددت بها درجة ورفعة ، حتى ما تجعل في في امرأتك\". {صحيح البخاري برقم (4409 ، 6373) وصحيح مسلم برقم (1628)}.","part":9,"page":244},{"id":3749,"text":"وقال الإمام أحمد : حدثنا محمد بن جعفر وبَهْز قالا حدثنا شعبة ، عن عدي بن ثابت قال : سمعت عبد الله بن يزيد الأنصاري ، يحدث عن أبي مسعود ، رضي الله عنه ، عن النبي صلى الله عليه وسلم ، أنه قال : \"إن المسلم إذا أنفق على أهله نفقة يحتسبها كانت له صدقة\" أخرجاه من حديث شعبة ، به. {المسند (4/122) وصحيح البخاري برقم (55) وصحيح مسلم برقم (1002)}. أ هـ {تفسير ابن كثير حـ 1 صـ 707}\rلطيفة\rقال الفخر : \rفي الآية إشارة إلى أن صدقة السر أفضل من صدقة العلانية ، وذلك لأنه قدم الليل على النهار ، والسر على العلانية في الذكر. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 7 صـ 74}\rقوله تعالى {فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبّهِمْ وَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ}\rقال الفخر : \rإنها تدل على أن أهل الثواب لا خوف عليهم يوم القيامة ، ويتأكد ذلك بقوله تعالى : {لاَ يَحْزُنُهُمُ الفزع الأكبر} [ الأنبياء : 103 ]. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 7 صـ 74}\rفائدة\rقال ابن عاشور : \rأَدخل الفاء في خبر الموصول للتنبيه على تسبّب استحقاق الأجر على الإنفاق لأنّ المبتدأ لما كان مشتملاً على صلة مقصود منها التعميم ، والتعليل ، والإيماء إلى علّة بناء الخبر على المبتدأ وهي ينفقون صَحّ إدخال الفاء في خبره كما تدخل في جواب الشرط ؛ لأنّ أصل الفاء الدلالة على التسبّب وما أدخلت في جواب الشرط إلاّ لذلك.\rوالسرّ : الخفاء.\rوالعلانية : الجهر والظهور.\rوذكر عند ربّهم لتعظيم شأن الأجر.\rوقوله : {ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون} مقابل قوله : {وما للظالمين من أنصار} [ البقرة : 270 ] إذ هو تهديد لمانعِي الصدقات بإسلام الناس إياهم عند حلول المصائب بهم ، وهذا بشارة للمنفقين بطيب العيش في الدنيا فلا يخافون اعتداء المعتدين لأنّ الله أكسبهم محبة الناس إياهم ، ولا تحلّ بهم المصائب المحزنة إلاّ ما لا يسلم منه أحد ممّا هو معتاد في إبانه.","part":9,"page":245},{"id":3750,"text":"أما انتفاء الخوف والحزن عنهم في الآخرة فقد علم من قوله : {فلهم أجرهم عند ربهم}.\rورُفع خوف في نفي الجنس إذ لا يتوهم نفي الفرد لأنّ الخوف من المعاني التي هي أجناس محضة لا أفراد لها كما تقدّم في قوله تعالى : {لا بيع فيه ولا خلة} [ البقرة : 254 ] ، ومنه ما في حديث أم زرع : \" لا حَرٌ ولا قرٌ ولا مَخَافَةٌ ولا سَآمَةٌ \". أ هـ {التحرير والتنوير حـ 3 صـ 77 ـ 78}\rلطيفة\rروى أن حسن ستة أشياء فى ستة\rالعلم والعدل والسخاوة والتوبة والصبر والحياء.\rالعلم فى العمل.\rوالعدل فى السلطان.\rوالسخاوة فى الأغنياء.\rوالتوبة فى الشباب.\rوالصبر فى الفقر.\rوالحياء فى النساء.\rالعلم بلا عمل كبيت بلا سقف والسلطان بلا عدل كبئر بلا ماء.\rوالغنى بلا سخاوة كسحاب بلا مطر.\rوالشباب بلا توبة كشجر بلا ثمر.\rوالفقر بلا صبر كقنديل بلا ضياء.\rوالنساء بلا حياء كطعام بلا ملح\rفعلى الغنى أن يمطر من سحاب غنى بركات الدين والدنيا ويتسبب لإحياء قلوب ماتت بالفقر والاحتياج فإن الله لا يضيع أجر المحسنين. أ هـ {روح البيان حـ 1 صـ 532}\rمن فوائد ابن عرفة فى الآية\rقوله تعالى : {الذين يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُم بالليل والنهار . . .}.\rقال ابن عطية : عن ابن عباس رضي الله عنهما نزلت في علي ابن أبي طالب كرم الله وجهه كانت له أربعة دراهم تصدق بدرهم ليلا وبدرهم نهارا وبدرهم سرا وبدرهم علانية.\rقيل لابن عرفة : التصدق بالليل والنهار لايخرج عن كونه سرا ( أو ) علانية ؟ \r( فقال : لا يصح الاعتراض على السبب وإنما النظر في ذلك عند تطبيق السبب على لفظ الآية ، ويفهم هذا بأنه قسمة رباعية فتصدق ( بدرهم ) بالليل سرا وبدرهم علانية وفي النهار بدرهم سرا وبدرهم علانية ).\rقال : هو في الآية عندي تفسير \" سرا \" راجع لليل ، \" وعلانية \" للنهار ، بدليل إتيان السرّ غير معطوف.\rقال : وعادتهم يقولون لأي شيء قدم السر على العلانية مع أنّ نفقة السرّ أفضل من نفقة العلانية.","part":9,"page":246},{"id":3751,"text":"فهلا بدأ بالعلانية ليكون العطف ترقيا لا تدليا لأن عطف الترقي فيه تأسيس وعطف التدلي فيه ضرب من التأكيد ؟ \rقال : فكانوا يجيبون بقاعدة استصحاب الحال ، وذلك لأن نفقة السر أفضل من نفقة العلانية لخلوص النية فيها فإذا أنفق أوّلا سرا بنية خالصة واستصحب تلك النية بعينها في نفقة الجهر ( فإنفاق ) الجهر بتلك النية الخالصة الغير المشوبة بشيء من الرياء كان في أعلى درجات الطاعة فروعي فيه هذا المعنى فكان ترقيا.\rقوله تعالى : {فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ . . .}.\rولم يقل : فلهم أجر ، لأن المراد أجرهم اللاّئق بهم ولو قيل : فلهم أجر لكان مفهومه أن من فعل دون ذلك لا أجر له مع أنه يؤجر.\rقال ابن عطية : ودخلت الفاء لأن الموصول وصل بالفعل ولم يدخل عليه يغير معناه.\rقال أبو حيان : وكذلك أيضا إذا كانت الصلة ظرفا أو مجرورا.\rوكذا ذكر ابن عصفور في المقرب وشرح الإيضاح.\rفإن قلت : إن الظرف المجرور محل والتعليل عند الأصوليين ( إنما يكون ) بالصفة لا بالمحل.\rفالجواب : إنّ المحل هنا ناب مناب متعلقة وهو كائن أو مستقر الذي هو صفة وتقوى هنا حتى صار كأنه هو ولذلك لا يجوز الجمع بينهما.\rقال أبو حيان : ومن شروط دخول الفاء أن يكون الخبر مستحقا بالصلة كهذه الآية.\rورده ابن عرفة : بأنه ما علم كونه سببا إلا بعد دخول الفاء لا قبلها فكونه مستحقا بالصلة فرع عن دخول الفاء فلا يصح أن يكون شرطا فيها وموجبا لها.\rوأجيب بأن هذا بالنسبة إلى السامع وكلامنا في دخول الفاء بالنسبة إلى قصد المتكلم ونيته.","part":9,"page":247},{"id":3752,"text":"وعادتهم يردّون على كلام أبي حيان بقوله {الذي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ} فإن نفس الخلق غير موجب للهداية وإلا لزم منه مذهب المعتزلة القائلين بمراعاة ( الأصلح ) ، وعادتهم يجيبون بأن المراد : الذي خلقني هذا الخلق الخاص على هذه الصّفة وهي النبوءة فهو يهدين ، وتقدم نظيره في قول الله تعالى {أولئك الذين اشتروا الضلالة بالهدى} وفي سورة قد أفلح {فَمَن ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ} قال ابن عرفة : فإن قلت : ما الحكمة في دخول الفاء مع أنه ( يجوز ) الَّذي يأتيني له درهم.\rوالمعنى فيه وغير ما فيه الفاء واحد ، وكذلك ( إن قلت ) النفقة هنا ( مستلزمة ) لثبوت الأجر لهم ( مع الفاء ومع عدمها ).\rقلت : وعادتهم يجيبون بأن الخبر إذا كان ثابتا وعطف عليه ما يتوهم نفيه وعدم ثبوته فلا بد من الفاء ولا شك أن حزنهم مما يتوهم نفيه فأتي بالفاء الدالة على كمال الارتباط وأنّ ذلك سبب في نفي الحزن والخوف عنهم.\rقال : ولفظ الرب هنا دال على أن هذا الثواب محض ، تفضّل من الله تعالى كما يقول أهل السّنة خلافا للمعتزلة.\rوعادتهم يوردون سؤالا وهو : لأى شيء نفى الحزن عنهم بالفعل والخوف بالاسم مع أن المناسب العكس لأن متعلق الحزن ماض والخوف مستقبل ؟ \rقال : وعادتهم يجيبون بأن النكرة في سياق النّفي تفيد العموم بإجماع ، والفعل في سياق النفي مختلف فيه ، هل يفيد العموم أم لا ؟ والماضي محصور لأنه مشاهد مرئي فمتعلقه غير متعدد ، والمستقبل متعلقاته متعددة لأنه غير محصور ، فالخوف منه يعظم لكثرة الخواطر التي تخطر ( ببال الإنسان ) ، ( فقد ) يخاف من كذا ويخاف من كذا ويخاف من شيء هو في نفس الأمر آمن فيه.\rفلذلك نفي الخوف بلفظ الاسم الدال على العموم بإجماع ونفي الحزن بالفعل المحتمل للعموم وعدمه.\rقلت : ورد هذا بمعنى الإجماع لأن النكرة عند النحويين لا تعمّ إلا اذا كانت مبنية مع ( لا ) مثل : لا رجل في الدار ، بالفتح بلا تنوين.\rويجاب بأنها أعمّ من الفعل بلا شك. أ هـ {تفسير ابن عرفة صـ 352 ـ 353}","part":9,"page":248},{"id":3753,"text":"لطيفة\rقال ابن القيم فى زاد المعاد\rفصل\rفي هديه صلى الله عليه وسلم في صدقة التطوع\rكان صلى الله عليه وسلم أعظم الناس صدقة بما ملكت يده وكان لا يستكثر شيئا أعطاه لله تعالى ولا يستقله وكان لا يسأله أحد شيئا عنده إلا أعطاه قليلا كان أو كثيرا وكان عطاؤه عطاء من لا يخاف الفقر وكان العطاء والصدقة أحب شيء إليه وكان سروره وفرحه بما يعطيه أعظم من سرور الآخذ بما يأخذه وكان أجود الناس بالخير يمينه كالريح المرسلة\rوكان إذا عرض له محتاج آثره على نفسه تارة بطعامه وتارة بلباسه وكان ينوع في أصناف عطائه وصدقته فتارة بالهبة وتارة بالصدقة وتارة بالهدية وتارة بشراء الشيء ثم يعطي البائع الثمن والسلعة جميعا كما فعل ببعير جابر وتارة كان يقترض الشيء فيرد أكثر منه وأفضل وأكبر ويشتري الشيء فيعطي أكثر من ثمنه ويقبل الهدية ويكافىء عليها بأكثر منها أو بأضعافها تلطفا وتنوعا في ضروب الصدقة والإحسان بكل ممكن وكانت صدقته وإحسانه بما يملكه وبحاله وبقوله فيخرح ما عنده ويأمر بالصدقة ويحض عليها ويدعو إليها بحاله وقوله فإذا رآه البخيل الشحيح دعاه حاله إلى البذل والعطاء وكان من خالطه وصحبه ورأى هديه لا يملك نفسه من السماحة والندى\rوكان هديه صلى الله عليه وسلم يدعو إلى الإحسان والصدقة والصروف ولذلك كان صلى الله عليه وسلم أشرح الخلق صدرا وأطيبهم نفسا وأنعمهم قلبا فإن للصدقة وفعل المعروف تأثيرا عجيبا في شرح الصدر وانضاف ذلك إلى ما خصه الله به من شرح صدره بالنبوة والرسالة وخصائصها وتوابعها وشرح صدره حسا وإخراج حظ الشيطان منه. أ هـ {زاد المعاد حـ 2 صـ 21}","part":9,"page":249},{"id":3754,"text":"قوله تعالى : {الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لَا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ وَمَنْ عَادَ فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (275)}\rمناسبة الآية لما قبلها\rقال البقاعى : \rولما كان سبحانه وتعالى قد ذكر النفقة مما أفاض عليهم من الرزق من أول السورة إلى هنا في غير آية ، \rورغب فيها بأنواع من الترغيب في فنون من الأساليب ، \rوكان الرزق يشمل الحلال والحرام ، \rوكان مما يسترزقون به قبل الإسلام الربا ، \rوهو أخذ مجاناً ، \rوهو في الصورة زيادة وفي الحقيقة نقص وعيب ، \rضد ما تقدم الحث عليه من الإعطاء مجاناً ، \rوهو في الظاهر نقص وفي الباطن زيادة وخير ؛ نهاهم عن تعاطيه ونفرهم منه ، \rوبين لهم حكمه وأنه خبيث لا يصلح لأكل ولا صدقة ، \rوجعل ذلك في أسلوب الجواب لمن قال هل يكون النفقة المحبوبة المحثوث عليها من كل مال ؟ فأجاب بقوله : - وقال الحرالي : ولما كان حال المنفق لا سيما المبتغي وجه الله سبحانه وتعالى أفضل الأحوال ، \rوهو الحال الذي دعوا إليه ؛ نظم به أدنى الأحوال ، \rوهو الذي يتوسل به إلى الأموال بالربا ، \rفأفضل الناس المنفق ، \rوشر الناس المربي ؛ فنظم به خطاب الربا فقال : - {الذين} ولما كان من الصحابة من أكل الربا عبر بالمضارع إشارة إلى أن هذا الجزاء يخص المصر فقال : {يأكلون الربا} وهو الزيادة من جنس المزيد عليه المحدود بوجه ما - انتهى.\rفجرى على عادة هذا الذكر الحكيم في ذكر أحد الضدين بعد الآخر ، ","part":9,"page":250},{"id":3755,"text":"وعبر بالأكل عن التناول ، لأنه أكبر المقاصد وأضرها ويجري من الإنسان مجرى الدم كالشيطان {لا يقومون} أي عند البعث يظهر ثقله في بطونهم فيمنعهم النشاط ويكون ذلك سيماهم يعرفون به بين أهل الموقف هتكاً لهم وفضيحة.\rوقال الحرالي : في إطلاقه إشعار بحالهم في الدنيا والبرزخ والآخرة ، \rففي إعلامه إيذان بأن آكله يسلب عقله ويكون بقاؤه في الدنيا بخرق لا بعقل ، يقبل في محل الإدبار ويدبر في محل الإقبال انتهى.\rوهو مؤيد بالمشاهدة فإنا لم نر ولم نسمع قط بآكل ربا ينطق بالحكمة ولا يشهر بفضيلة بل هم أدنى الناس وأدنسهم {إلا كما يقوم} المصروع {الذي يتخبطه} أي يتكلف خبطه ويكلفه إياه ويشق به عليه {الشيطان} ولما كان ذلك قد يظن أنه يخبط الفكر بالوسوسة مثلاً قال : {من} أي تخبطاً مبتدئاً من {المس} أي الجنون ، \rفأشار سبحانه وتعالى بذلك إلى المنع من أن تكون النفقة من حرام ولا سيما الربا ، \rوإلى أن الخبيث المنهي عن تيمم إنفاقه قسمان : حسي ومعنوي ، والنهي في المعنوي أشد. أ هـ {نظم الدرر حـ 1 صـ 530 ـ 531}\rقال الفخر : \rاعلم أن بين الربا وبين الصدقة مناسبة من جهة التضاد ، وذلك لأن الصدقة عبارة عن تنقيص المال بسبب أمر الله بذلك ، والربا عبارة عن طلب الزيادة على المال مع نهي الله عنه ، فكانا متضادين ، ولهذا قال الله تعالى : {يَمْحَقُ الله الربا وَيُرْبِى الصدقات} فلما حصل بين هذين الحكمين هذا النوع من المناسبة ، لا جرم ذكر عقيب حكم الصدقات حكم الربا. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 7 صـ 74 ـ 75}\rقال ابن عاشور : \rنَظَم القرآنُ أهمّ أصول حفظِ مال الأمَّة في سِلك هاته الآيات.","part":9,"page":251},{"id":3756,"text":"فبعد أن ابتدأ بأعظم تلك الأصول وهو تأسيس مال للأمة به قوام أمرها ، يؤخذ من أهل الأموال أخذا عدْلاً مما كان فضلاً عن الغنى فقرضه على الناس ، يؤخذ من أغنيائهم فيردّ على فقرائهم ، سواء في ذلك ما كان مفروضاً وهو الزكاة أو تطوّعاً وهو الصدقة ، فأطنب في الحثّ عليه ، والترغيب في ثوابه ، والتحذير من إمساكه ، ما كان فيه موعظة لمن اتّعظ ، عَطف الكلام إلى إبطال وسيلة كانت من أسباب ابتزاز الأغنياء أموال المحتاجين إليهم ، وهي المعاملة بالربا الذي لقّبه النبي صلى الله عليه وسلم ربَا الجاهليةِ ، وهو أن يعطي المدين مالاً لدائنه زائداً على قدر الدين لأجل الانتظار ، فإذا حلّ الأجل ولم يدفع زَاد في الدين ، يقولون : إمّا أن تَقْضيَ وإمّا أن تُربِي.\rوقد كان ذلك شائعاً في الجاهلية كذا قال الفقهاء.\rوالظاهر أنّهم كانوا يأخذون الربا على المدين من وقت إسلافه وكلّما طلبَ النظرة أعطى ربا آخر ، وربّما تسامح بعضهم في ذلك.\rوكان العباس بنُ عبد المطلب مشتهراً بالمراباة في الجاهلية ، وجاء في خطبة حجّة الوداع \" ألا وإنّ ربا الجاهلية موضوع وإنّ أول ربا أبْدَأ به ربا عمّي عباس بن عبد المطلب \".\rوجملة {الذين يأكلون الربوا} استئناف ، وجيء بالموصول للدلالة على علّة بناء الخبر وهو قوله : {لا يقومون} إلى آخره. أ هـ {التحرير والتنوير حـ 3 صـ 78 ـ 79}\rفصل\rقال القرطبى : \rالربا في اللغة الزيادة مطلقاً ؛ يقال : ربا الشيء يربو إذا زاد ، ومنه الحديث : \" فلا والله ما أخذنا من لقمة إلاّ رَبَا من تحتها \" يعني الطعام الذي دعا فيه النبيّ صلى الله عليه وسلم بالبركة ؛ خرّج الحديث مسلم رحمه الله.\rوقياس كتابته بالياء للكسرة في أوّله ، وقد كتبوه في القرآن بالواو.","part":9,"page":252},{"id":3757,"text":"ثم إن الشرع قد تصرّف في هذا الإطلاق فقصره على بعض موارده ؛ فمرّة أطلقه على كسب الحرام ؛ كما قال الله تعالى في اليهود : {وَأَخْذِهِمُ الربا وَقَدْ نُهُواْ عَنْهُ} [ النساء : 161 ].\rولم يرد به الرّبا الشرعيّ الذي حكم بتحريمه علينا وإنما أراد المال الحرام ؛ كما قال تعالى : {سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ أَكَّالُونَ لِلسُّحْتِ} [ المائدة : 42 ] يعني به المال الحرام من الرّشا ، وما استحلوه من أموال الأُمِّيِّين حيث قالوا : {لَيْسَ عَلَيْنَا فِي الأميين سَبِيلٌ} [ آل عمران : 75 ].\rوعلى هذا فيدخل فيه النهي عن كل مال حرام بأيّ وجه اكتُسب.\rوالربا الذي عليه عُرف الشرع شيئان : تحريم النَّسَاء ، والتفاضل في العقود وفي المطعومات على ما نبيّنه.\rوغالبه ما كانت العرب تفعله ، من قولها للغريم : أتقضي أُم تُرْبِي ؟ فكان الغريم يزيد في عدد المال ويصبر الطالب عليه.\rوهذا كله محرّم باتفاق الأُمة. أ هـ {تفسير القرطبى حـ 3 صـ 348}\rوقال ابن عاشور : \rالأكل في الحقيقة ابتلاعُ الطعام ، ثم أطلق على الانتفاع بالشيء وأخذه بحرص ، وأصله تمثيل ، ثم صار حقيقة عرفية فقالوا : أكل مال الناس {إن الذين يأكلون أموال اليتامى} [ النساء : 10 ] {ألا تأكلوا أموالكم} [ الصافات : 91 ، 92 ] ، ولا يختصّ بأخذ الباطل ففي القرآن {فإن طبْن لكم عن شيء منه نفساً فكلوه هنيئاً مريئاً} [ النساء : 4 ].\rوالربا : اسم على وزن فِعَل بكسر الفاء وفتح العين لعلّهم خفّفوه من الرباء بالمد فصيّروه اسم مصدر ، لفعل رَبَا الشيء يربو رَبْواً بسكون الباء على القياس كما في \"الصحاح\" وبضم الراء والباء كعُلُو وربّاء بكسر الراء وبالمد مثل الرِّماء إذا زاد قال تعالى : {فلا يربو عند الله} [ الروم : 39 ] ، وقال : {اهتَزّتْ ورَبَتْ} [ الحج : 5 ] ، ولكونه من ذوات الواو ثني على رِبَواننِ.","part":9,"page":253},{"id":3758,"text":"وكتب بالألف ، وكتبه بعض الكوفيين بالياء نظراً لجواز الإمالة فيه لمكان كسرة الراء ثم ثنّوه بالياء لأجل الكسرة أيضاً قال الزجاج : ما رأيت خطأ أشنع من هذا ، ألا يكفيَهم الخَطأ في الخطّ حتى أخطؤوا في التثنية كيف وهم يقرؤون {وما آتيتم من رِبا لتُربُوَ} [ الروم : 39 ] بفتحة على الواو {في أموال الناس} [ الروم : 39 ] يشير إلى قراءة عاصم والأعمش ، وهما كوفيان ، وبقراءتهما يقرأ أهل الكوفة.\rوكُتب الربا في المصحف حيثما وقع بواو بعدها ألف ، والشأن أن يكتب ألفاً ، فقال صاحب \"الكشاف\" : كتبت كذلك على لغة من يفخّم أي ينحو بالألف منحى الواو ، والتفخيم عكس الإمالة ، وهذا بعيد ؛ إذ ليس التفخيم لغة قريش حتى يكتب بها المصحف.\rوقال المبرّد : كتب كذلك للفرق بين الربا والزنا ، وهو أبعد لأنّ سياق الكلام لا يترك اشتبَاهاً بينهما من جهة المعنى إلاَّ في قوله تعالى : {ولا تقربوا الزنا} [ الإسراء : 32 ].\rوقال الفراء : إنّ العرب تعلّموا الخطّ من أهل الحيرة وهم نبط يقولون في الربا : رِبَوْ بواو ساكنة فكتبت كذلك ، وهذا أبعد من الجميع.\rوالذي عندي أنّ الصحابة كتبوه بالواو ليشيروا إلى أصله كما كتبوا الألفات المنقلبة عن الياء في أواسط الكلمات بياءات عليها ألفات ، وكأنَّهم أرادوا في ابتداء الأمر أن يجعلوا الرسم مشيراً إلى أصول الكلمات ثم استعجلوا فلم يطّرد في رسمهم ، ولذلك كتبوا الزكاة بالواو ، وكتبوا الصلاة بالواو تنبيهاً على أنّ أصلها هو الركوع من تحريك الصَّلْوَيْن لا من الاصطلاء.\rوقال صاحب \"الكشاف\" : وكتبوا بعدها ألفاً تشبيهاً بواو الجمع.\rوعندي أنّ هذا لا معنى للتعليل به ، بل إنّما كتبوا الألف بعدها عوضاً عن أن يضعوا الألف فوق الواو ، كما وضعوا المنقلب عن ياء ألفاً فوق الياء لئلاّ يقرأها الناس الربُو.","part":9,"page":254},{"id":3759,"text":"وأريد بالذين يأكلون الربا هنا من كان على دين الجاهلية ؛ لأن هذا الوعيد والتشنيع لا يناسب إلاّ التوجّه إليهم لأنّ ذلك من جملة أحوال كفرهم وهم لا يرعوون عنها ما داموا على كفرهم.\rأما المسلمون فسبق لهم تشريع بتحريم الربا بقوله تعالى : {يأيها الذين آمنوا لا تأكلوا الربا أضعافا مضاعفة} في سورة آل عمران ( 130 ) ، وهم لا يقولون إنّما البيع مثل الربا ، فجعل الله هذا الوعيد من جملة أصناف العذاب خاصاً للكافرين لأجل ما تفرّع عن كفرهم من وضع الربا.\rوتقدم ذلك كلّه إنكارُ القرآن على أهل الجاهلية إعطاءهم الربا ، وهو من أول ما نعاه القرآن عليهم في مكة ، فقد جاء في سورة الروم ( 39 ) : وما آتيتم من ربا لتُربوا في أموال الناس فلا يَربو عند الله وما آتيتم من زكاة تريدون وجه الله فأولئك هم المُضعفون وهو خطاب للمشركين لأنّ السورة مكية ولأنّ بعد الآية قوْلُه : الله خلقكم ثم رزقكم ثم يميتكم ثم يحييكم هل من شركائكم من يفعل من ذلكم من شيء}.\rومن عادات القرآن أن يذكر أحوال الكفّار إغلاظاً عليهم ، وتعريضاً بتخويف المسلمين ، ليكرّه إياهم لأحوال أهل الكفر.\rوقد قال ابن عباس : كلّ ما جاء في القرآن من ذمّ أحوال الكفار فمراد منه أيضاً تحذير المسلمين من مثله في الإسلام ، ولذلك قال الله تعالى : {ومن عاد فأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون} [ البقرة : 275 ] وقال تعالى : {والله لا يحب كلّ كفّار أثيم} [ البقرة : 276 ].\rثم عطف إلى خطاب المسلمين فقال : {يأيها الذين آمنوا اتقوا الله} [ البقرة : 278 ] الآيات ، ولعلّ بعض المسلمين لم ينكفّ عن تعاطي الربا أو لعلّ بعضهم فتن بقول الكفار : إنّما البيع مثل الربا.\rفكانت آية سورة آل عمران مبدأ التحريم ، وكانت هذه الآية إغلاق باب المعذرة في أكل الربا وبياناً لكيفية تدارك ما سلف منه. أ هـ {التحرير والتنوير حـ 3 صـ 79 ـ 81}\rوقال القرطبى : ","part":9,"page":255},{"id":3760,"text":"اختلف النّحاة في لفظ \"الرِّبا\" فقال البصريون : هو من ذوات الواو ؛ لأنك تقول في تثنيته : رِبَوان ؛ قاله سيبويه.\rوقال الكوفيون : يكتب بالياء ، وتثنيته بالياء ؛ لأجل الكسرة التي في أوّله.\rقال الزجاج : ما رأيت خطأ أقبح من هذا ولا أشنع! لا يكفيهم الخطأ في الخط حتى يُخطئوا في التثنية وهم يقرءون {وَمَآ آتَيْتُمْ مِّن رِّباً لِّيَرْبُوَ فِي أَمْوَالِ الناس} [ الروم : 39 ] قال محمد بن يزيد : كُتب \"الربا\" في المصحف بالواو فرقاً بينه وبين الزنا ، وكان الربا أولى منه بالواو ؛ لأنه من ربا يربو. أ هـ {تفسير القرطبى حـ 3 صـ 353}\rفصل فى المراد من أكل الربا\rقال الفخر : \rأما قوله {الذين يَأْكُلُونَ الربا} فالمراد الذين يعاملون به ، وخص الأكل لأنه معظم الأمر ، كما قال : {الذين يَأْكُلُونَ أموال اليتامى ظُلْماً} [ النساء : 10 ] وكما لا يجوز أكل مال اليتيم لا يجوز إتلافه ، ولكنه نبّه بالأكل على ما سواه وكذلك قوله {وَلاَ تَأْكُلُواْ أموالكم بَيْنَكُم بالباطل} [ البقرة : 188 ] وأيضاً فلأن نفس الربا الذي هو الزيادة في المال على ما كانوا يفعلون في الجاهلية لا يؤكل ، إنما يصرف في المأكول فيؤكل ، والمراد التصرف فيه ، فمنع الله من التصرف في الربا بما ذكرنا من الوعيد ، وأيضاً فقد ثبت أنه صلى الله عليه وسلم : \" لعن آكل الربا وموكله وشاهده وكاتبه والمحلل له \" فعلمنا أن الحرمة غير مختصة بالآكل ، وأيضاً فقد ثبت بشهادة الطرد والعكس ، أن ما يحرم لا يوقف تحريمه على الأكل دون غيره من التصرفات فثبت بهذه الوجوه الأربعة أن المراد من أكل الربا في هذه الآية التصرف في الربا. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 7 صـ 75}\rفصل\rقال الفخر : \rاعلم أن الربا قسمان : ربا النسيئة ، وربا الفضل.","part":9,"page":256},{"id":3761,"text":"أما ربا النسيئة فهو الأمر الذي كان مشهوراً متعارفاً في الجاهلية ، وذلك أنهم كانوا يدفعون المال على أن يأخذوا كل شهر قدراً معيناً ، ويكون رأس المال باقياً ، ثم إذا حل الدين طالبوا المديون برأس المال ، فإن تعذر عليه الأداء زادوا في الحق والأجل ، فهذا هو الربا الذي كانوا في الجاهلية يتعاملون به.\rوأما ربا النقد فهو أن يباع من الحنطة بمنوين منها وما أشبه ذلك.\rإذا عرفت هذا فنقول : المروي عن ابن عباس أنه كان لا يحرم إلا القسم الأول فكان يقول : لا ربا إلا في النسيئة ، وكان يجوز بالنقد ، فقال له أبو سعيد الخدري : شهدت ما لم تشهد ، أو سمعت من رسول الله صلى الله عليه وسلم ما لم تسمع ثم روي أنه رجع عنه قال محمد بن سيرين : كنا في بيت ومعنا عكرمة ، فقال رجل : يا عكرمة ما تذكر ونحن في بيت فلان ومعنا ابن عباس ، فقال : إنما كنت استحللت التصرف برأيي ، ثم بلغني أنه صلى الله عليه وسلم حرمه ، فاشهدوا أني حرمته وبرئت منه إلى الله ، وحجة ابن عباس أن قوله {وَأَحَلَّ الله البيع} يتناول بيع الدرهم بالدرهمين نقداً ، وقوله {وَحَرَّمَ الربا} لا يتناوله لأن الربا عبارة عن الزيادة ، وليست كل زيادة محرمة ، بل قوله {وَحَرَّمَ الربا} إنما يتناول العقد المخصوص الذي كان مسمى فيما بينهم بأنه ربا.\rوذلك هو ربا النسيئة ، فكان قوله {وَحَرَّمَ الربا} مخصوصاً بالنسيئة ، فثبت أن قوله {وَأَحَلَّ الله البيع} يتناول ربا النقد ، وقوله {وَحَرَّمَ الربا} لا يتناوله ، فوجب أن يبقى على الحل ، ولا يمكن أن يقال : إنما يحرمه بالحديث ، لأنه يقتضي تخصيص ظاهر القرآن بخبر الواحد وأنه غير جائز ، وهذا هو عرف ابن عباس وحقيقته راجعة إلى أن تخصيص القرآن بخبر الواحد هل يجوز أم لا ؟ ","part":9,"page":257},{"id":3762,"text":"وأما جمهور المجتهدين فقد اتفقوا على تحريم الربا في القسمين ، أما القسم الأول فبالقرآن ، وأما ربا النقد فبالخبر ، ثم إن الخبر دل على حرمة ربا النقد في الأشياء الستة ، ثم اختلفوا فقال عامة الفقهاء : حرمة التفاضل غير مقصورة على هذه الستة ، بل ثابتة في غيرها ، وقال نفاة القياس : بل الحرمة مقصورة عليها وحجة هؤلاء من وجوه : \rالحجة الأولى : أن الشارع خص من المكيلات والمطعومات والأقوات أشياء أربعة ، فلو كان الحكم ثابتاً في كل المكيلات أو في كل المطعومات لقال : لا تبيعوا المكيل بالمكيل متفاضلاً ، أو قال : لا تبيعوا المطعوم بالمطعوم متفاضلاً ، فإن هذا الكلام يكون أشد اختصاراً ، وأكثرر فائدة ، فلما لم يقل ذلك بل عد الأربعة ، علمنا أن حكم الحرمة مقصور عليها فقط.\rالحجة الثانية : أنا بينا في قوله تعالى : {وَأَحَلَّ الله البيع} يقتضي حل ربا النقد فأنتم أخرجتم ربا النقد من تحت هذا العموم بخبر الواحد في الأشياء الستة ، ثم أثبتم الحرمة في غيرها بالقياس عليها ، فكان هذا تخصيصاً لعموم نص القرآن في الأشياء الستة بخبر الواحد ، وفي غيرها بالقياس على الأشياء الستة ، ثبت الحكم فيها بخبر الواحد ، ومثل هذا القياس يكون أضعف بكثير من خبر الواحد ، وخبر الواحد أضعف من ظاهر القرآن ، فكان هذا ترجيحاً للأضعف على الأقوى ، وأنه غير جائز.","part":9,"page":258},{"id":3763,"text":"الحجة الثالثة : أن التعدية من محل النص إلى غير محل النص ، لا تمكن إلا بواسطة تعليل الحكم في مورد النص ، وذلك غير جائز ، أما أولاً : فلأنه يقتضي تعليل حكم الله ، وذلك محال على ما ثبت في الأصول ، وأما ثانياً : فلأن الحكم في مورد النص معلوم ، واللغة مظنونة وربط المعلوم بالمظنون غير جائز ، وأما جمهور الفقهاء فقد اتفقوا على أن حرمة ربا النقد غير مقصورة على هذه الأشياء الستة ، بل هي ثابتة في غيرها ، ثم من المعلوم أنه لا يمكن تعدية الحكم عن محل النص إلى غير محل النص إلا بتعليل الحكم الثابت في محل النص بعلة حاصلة في غير محل النص فلهذا المعنى اختلفوا في العلة على مذاهب.\rفالقول الأول : وهو مذهب الشافعي رضي الله عنه : أن العلة في حرمة الربا الطعم في الأشياء الأربعة واشتراط اتحاد الجنس ، وفي الذهب والفضة النقدية.\rوالقول الثاني : قول أبي حنيفة رضي الله عنه : أن كل ما كان مقدراً ففيه الربا ، والعلة في الدراهم والدنانير الوزن ، وفي الأشياء الأربعة الكيل واتحاد الجنس.\rوالقول الثالث : قول مالك رضي الله عنه أن العلة هو القوت أو ما يصلح به القوت ، وهو الملح.\rوالقول الرابع : وهو قول عبد الملك بن الماجشون : أن كل ما ينتفع به ففيه الربا ، فهذا ضبط مذاهب الناس في حكم الربا ، والكلام في تفاريع هذه المسائل لا يليق بالتفسير. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 7 صـ 75 ـ 76}\rفائدة\rقال القرطبى : \rأكثر البيوع الممنوعة إنما تجد منعها لمعنى زيادةٍ إمّا في عين مال ، وإمّا في منفعة لأحدهما من تأخير ونحوه.\rومن البيوع ما ليس فيه معنى الزيادة ؛ كبيع الثمرة قبل بُدُوّ صلاحها ، وكالبيع ساعة النداء يوم الجمعة ؛ فإن قيل لفاعلها ؛ آكل الربا فتجوُّز وتشبيه. أ هـ {تفسير القرطبى حـ 3 صـ 348}\rفصل في سبب تحريم الربا\rقال الفخر : \rذكروا في سبب تحريم الربا وجوهاً","part":9,"page":259},{"id":3764,"text":"أحدها : الربا يقتضي أخذ مال الإنسان من غير عوض ، لأن من يبيع الدرهم بالدرهمين نقداً أو نسيئة فيحصل له زيادة درهم من غير عوض ، ومال الإنسان متعلق حاجته وله حرمة عظيمة ، قال صلى الله عليه وسلم : \" حرمة مال الإنسان كحرمة دمه \" فوجب أن يكون أخذ ماله من غير عوض محرماً.\rفإن قيل : لم لا يجوز أن يكون لبقاء رأس المال في يده مدة مديدة عوضاً عن الدرهم الزائد ، وذلك لأن رأس المال لو بقي في يده هذه المدة لكان يمكن المالك أن يتجر فيه ويستفيد بسبب تلك التجارة ربحاً فلما تركه في يد المديون وانتفع به المديون لم يبعد أن يدفع إلى رب المال ذلك الدرهم الزائد عوضاً عن انتفاعه بماله.\r","part":9,"page":260},{"id":3765,"text":"قلنا : إن هذا الانتفاع الذي ذكرتم أمر موهوم قد يحصل وقد لا يحصل ، وأخذ الدرهم الزائد أمر متيقن ، فتفويت المتيقن لأجل الأمر الموهوم لا ينفك عن نوع ضرر وثانيها : قال بعضهم : الله تعالى إنما حرم الربا من حيث إنه يمنع الناس عن الاشتغال بالمكاسب ، وذلك لأن صاحب الدرهم إذا تمكن بواسطة عقد الربا من تحصيل الدرهم الزائد نقداً كان أو نسيئة خف عليه اكتساب وجه المعيشة ، فلا يكاد يتحمل مشقة الكسب والتجارة والصناعات الشاقة ، وذلك يفضي إلى انقطاع منافع الخلق ، ومن المعلوم أن مصالح العالم لا تنتظم إلا بالتجارات والحرف والصناعات والعمارات وثالثها : قيل : السبب في تحريم عقد الربا ، أنه يفضي إلى انقطاع المعروف بين الناس من القرض ، لأن الربا إذا طابت النفوس بقرض الدرهم واسترجاع مثله ، ولو حل الربا لكانت حاجة المحتاج تحمله على أخذ الدرهم بدرهمين ، فيفضي ذلك إلى انقطاع المواساة والمعروف والإحسان ورابعها : هو أن الغالب أن المقرض يكون غنياً ، والمستقرض يكون فقيراً ، فالقول بتجويز عقد الربا تمكين للغنى من أن يأخذ من الفقير الضعيف مالاً زائداً ، وذلك غير جائز برحمة الرحيم وخامسها : أن حرمة الربا قد ثبتت بالنص ، ولا يجب أن يكون حكم جميع التكاليف معلومة للخلق ، فوجب القطع بحرمة عقد الربا ، وإن كنا لا نعلم الوجه فيه. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 7 صـ 76 ـ 77}\rفصل فى مسائل مهمة\rقال القرطبى : ","part":9,"page":261},{"id":3766,"text":"روى الأئمة واللفظ لمُسْلم عن أبي سعيد الخُدْريّ قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : \" الذهب بالذهب والفضة بالفضة والبُرّ بالبُرّ والشعير بالشعير والتمر بالتمر والملح بالملح مِثْلا بمثل يداً بيد فمن زاد أو استزاد فقد أربَى الآخذ والمعطي فيه سواء \" وفي حديث عُبادة بن الصّامت \" فإذا اختلفت هذه الأصناف فبِيعُوا كيف شئتم إذا كان يدا بيد \" وروى أبو داود عن عُبادة بن الصامت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : \" الذهب بالذهب تِبْرُها وعَيْنها والفضة بالفضة تبرها وعينها والبُرُّ بالبرّ مُدْيٌ بمُدْيٍ والشعير بالشعير مدْي بمُدْي والتمر بالتمر مُدْيٌ بمُدْيٍ والملحُ بالملح مُدْيٌ بمُدْيٍ فمن زاد أو ازداد فقد أرْبَى ولا بأس يبيع الذهب بالفضة والفضةُ أكثرهما يداً بيد وأما نَسِيئة فلا ولا بأس ببيع البرِّ بالشعير والشعيرُ أكثرهما يداً بيد وأما نسِيئة فلا \"\rوأجمع العلماء على القول بمقتضى هذه السُّنّة وعليها جماعة فقهاء المسلمين إلا في البُرّ والشعير فإن مالكاً جعلهما صنفاً واحداً ، فلا يجوز منهما اثنان بواحد ، وهو قول الليث والأُوزاعيّ ومعظم علماء المدينة والشام ، وأضاف مالك إليهما السُّلْت.\rوقال الليث : السلت والدُّخن والذرة صنف واحد ؛ وقاله ابن وهب.\rقلت : وإذا ثبتت السُّنّة فلا قول معها.\rوقال عليه السلام : \" \"فإذا اختلفت هذه الأصناف فبيعوا كيف شئتم إذا كان يداً بيد\".\rوقوله : \"البُرُّ بالبُرِّ والشعير بالشعير\" \" دليل على أنهما نوعان مختلفان كمخالفة البُرّ للتمر ؛ ولأن صفاتهما مختلفة وأسماؤهما مختلفة ، ولا اعتبار بالمنبِت والمحصد إذا لم يعتبره الشرع ، بل فصل وبيّن ؛ وهذا مذهب الشافعيّ وأبي حنيفة والثّوريّ وأصحاب الحديث. أ هـ\rوقال القرطبى أيضا : ","part":9,"page":262},{"id":3767,"text":"كان معاوية بن أبي سفيان يذهب إلى أن النهي والتحريم إنما ورد من النبيّ صلى الله عليه وسلم في الدِّينار المضروب والدرهم المضروب لا في التِّبر من الذهب والفضة بالمضروب ، ولا في المَصُوغ بالمضروب.\rوقد قيل إن ذلك إنما كان منه في المصوغ خاصة ، حتى وقع له مع عُبَادة ما خرّجه مسلم وغيره ، قال : غَزَوْنا وعلى الناس معاويةُ فغِنمنا غنائمَ كثيرةً ، فكان مما غنمنا آنية من فضة فأمر معاوية رجلاً ببيعها في أَعْطِيّات الناس فتنازع الناس في ذلك فبلغ عبادةَ بن الصامت ذلك فقام فقال : إني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يَنْهَى عن بيع الذهب بالذهب والفضة بالفضة والبُرّ بالبُرّ والشعير بالشعير والتمر بالتمر والملح بالملح إلا سواءً بسواء عَيْناً بعَيْن من زاد أو ازداد فقد أرْبَى ؛ فردّ الناس ما أخذوا ، فبلغ ذلك معاويةَ فقام خطيباً فقال : ألاَ ما بالُ رجالٍ يتحدّثون عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أحاديثَ قد كنا نشهده ونصحبه فلم نسمعها منه! فقام عُبَادة بن الصامت فأعاد القصة ثم قال : لنحدّثنّ بما سمعنا من رسول الله صلى الله عليه وسلم وإن كره معاويةُ أو قال وإن رَغِم ما أُبالي ألاّ أصحبَه في جُنْدِه في ليلةٍ سَوْداء.\rقال حمّادٌ هذا أو نحوَه.\rقال ابن عبد البرّ : وقد رُوي أن هذه القِصة إنما كانت لأبي الدّرداء مع معاوية.\rويحتمل أن يكون وقع ذلك لهما معه ، ولكن الحديث في العُرْف محفوظ لعُبَادة ، وهو الأصل الذي عوّل عليه العلماء في باب \"الربا\".\rولم يختلفوا أنّ فعل معاوية في ذلك غير جائز ، وغير نَكِير أن يكون معاوية خفي عليه ما قد علمه أبو الدرداء وعُبادة فإنهما جليلان من فقهاء الصحابة وكبارهم ، وقد خفِي على أبي بكر وعمر ما وُجد عند غيرهم ممن هو دونهم ، فمعاويةُ أحرى.\rويحتمل أن يكون مذهبه كمذهب ابن عباس ، فقد كان وهو بحرٌ في العلم لا يرى الدرهم بالدرهمين بأساً حتى صرفه عن ذلك أبو سعيد.\r","part":9,"page":263},{"id":3768,"text":"وقصة معاوية هذه مع عبادة كانت في ولاية عمر.\rقال قَبيصة بن ذُؤيب : إن عُبادة أنكر شيئاً على معاوية فقال : لا أُساكنك بأرض أنت بها ودخل المدينة.\rفقال له عمر : ما أقدمك ؟ فأخبره.\rفقال : ارجع إلى مكانك ، فقبّح الله أرضاً لست فيها ولا أمثالك! وكتب إلى معاوية \"لا إمارة لك عليه\". أ هـ\rوقال رحمه الله : \rروى الأئمة واللفظ للدّارَقُطْنِيّ عن عليّ رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : \" الدينار بالدينار والدرهم بالدرهم لا فَضْلَ بينهما من كانت له حاجة بورقِ فلْيَصرِفْها بذهب وإن كانت له حاجةٌ بذهب فليصرفها بوَرِق هَاءَ وهَاء \" قال العلماء فقوله عليه السلام : \" الدينار بالدينار والدرهم بالدرهم لا فضل بينهما \" إشارةٌ إلى جنس الأصل المضروب ؛ بدليل قوله : \" الفضة بالفضة والذهب بالذهب \" الحديث.\rوالفضة البيضاء والسوداء والذهب الأحمر والأصفر كل ذلك لا يجوز بيع بعضه ببعض إلا مِثْلا بِمثل سواء بسواء على كل حال ؛ على هذا جماعة أهل العلم على ما بيّنا.\rواختلفت الرواية عن مالك في الفلوس فألحقها بالدراهم من حيث كانت ثمناً للأشياء ، ومنع من إلحاقها مرّة من حيث إنها ليست ثمناً في كل بلد وإنما يختص بها بلد دون بلد.\rالسادسة لا اعتبار بما قد رُوي عن كثير من أصحاب مالك وبعضهم يرويه عن مالك في التاجر يحفِزه الخروج وبه حاجة إلى دراهمَ مضروبةٍ أو دنانيرَ مضروبةٍ ، فيأتي دار الضرب بفضته أو ذهبه فيقول للضرّاب ؛ خذ فضّتي هذه أو ذهبي وخذ قدر عمل يدك وادفع إليّ دنانير مضروبةً في ذهبي أو دراهمَ مضروبةً في فضّتِي هذه لأني محفوز للخروج وأخاف أن يفوتني من أخرج معه ، أن ذلك جائز للضرورة ، وأنه قد عمل به بعض الناس.\rوحكاه ابن العربيّ في قبسه عن مالك في غير التاجر ، وأن مالكاً خفّف في ذلك ؛ فيكون في الصورة قد باع فضته التي زنتها مائة وخمسة دراهم أجره بمائة وهذا محض الربا.\r","part":9,"page":264},{"id":3769,"text":"والذي أوجب جواز ذلك أنه لو قال له : اضرب لي هذه وقاطعه على ذلك بأُجرة ، فلما ضربها قبضها منه وأعطاه أُجرتها ؛ فالذي فعل مالك أوّلاً هو الذي يكون آخراً ، ومالك إنما نظر إلى المال فركّب عليه حكم الحال ، وأباه سائر الفقهاء.\rقال ابن العربيّ : والحجة فيه لمالك بيِّنة.\rقال أبو عمر رحمه الله : وهذا هو عين الرِّبا الذي حرّمه رسول الله صلى الله عليه وسلم بقوله : \" من زاد أو ازداد فقد أرْبَى \" وقد ردّ ابن وهب هذه المسألة على مالك وأنكرها.\rوزعم الأَبْهَرِيّ أن ذلك من باب الرفق لطلب التجارة ولئلا يفوت السوق ، وليس الربا إلا على من أراد أن يُرْبِي ممن يقصد إلى ذلك ويبتغيه.\rونسي الأبهرِيّ أصله في قطع الذرائع ، وقوله فيمن باع ثوباً بنسِيئة وهو لا نيّة له في شرائه ثم يجده في السوق يباع : إنه لا يجوز له ابتياعه منه بدون ما باعه به وإن لم يقصد إلى ذلك ولم يبتغه ؛ ومثله كثير ، ولو لم يكن الربا إلا على مَن قصده ما حُرّم إلا على الفقهاء.\rوقد قال عمر : لا يتّجر في سوقنا إلا من فَقُه وإلاّ أكل الربا.\rوهذا بيّن لمن رُزق الإنصاف وألْهِم رشده.\rقلت : وقد بالغ مالك رحمه الله في منع الزيادة حتى جعل المتوهَّم كالمتحقق ، فمنع ديناراً ودرهماً بدينار ودرهم سَدّاً للذَّريعة وحَسْماً للتَوهُّمات ؛ إذ لولا توهَّم الزيادة لما تبادلا.\rوقد عُلّل منع ذلك بتعذر المماثلة عند التوزيع ؛ فإنه يلزم منه ذهب وفضة بذهب.\rوأوضح من هذا منعه التفاضل المعنويّ ، وذلك أنه منع ديناراً من الذهب العالي وديناراً من الذهب الدّون في مقابلة العالي وألغى الدون ، وهذا من دقيق نظره رحمه الله ؛ فدل أن تلك الرواية عنه مُنْكَرة ولا تصح.\rوالله أعلم. أ هـ {تفسير القرطبى حـ 3 صـ 348 ـ 351}\rفصل نفيس\rقال القرطبى : ","part":9,"page":265},{"id":3770,"text":"اعلم ـ رحمك الله ـ أن مسائل هذا الباب كثيرة وفروعه منتشرة ، والذي يربط لك ذلك أن تنظر إلى ما اعتبره كل واحد من العلماء في عِلّة الربا ؛ فقال أبو حنيفة : علة ذلك كونه مكيلاً أو موزوناً جنساً ، فكل ما يدخله الكيل أو الوزن عنده من جنس واحد ، فإن بيع بعضه ببعض متفاضلاً أو نَسِيئاً لا يجوز ؛ فمنع بَيْع التراب بعضه ببعض متفاضلاً ؛ لأنه يدخله الكيل ، وأجاز الخبزَ قُرْصاً بقرصين ؛ لأنه لم يدخل عنده في الكيل الذي هو أصله ، فخرج من الجنس الذي يدخله الربا إلى ما عداه.\rوقال الشافعيّ : العِلّة كونه مطعوماً جنْساً.\rهذا قوله في الجديد ؛ فلا يجوز عنده بيع الدقيق بالخبز ولا بيع الخبز بالخبز متفاضلاً ولا نسيئا ، وسواء أكان الخبز خميراً أو فَطيراً.\rولا يجوز عنده بيضة ببيضتين ، ولا رُمّانة برمانتين ، ولا بطيخة ببطيختين لا يداً بِيَد ولا نسيئة ؛ لأن ذلك كله طعام مأكول.\rوقال في القديم : كونه مكيلاً أو موزوناً.\rواختلفت عبارات أصحابنا المالكية في ذلك ؛ وأحسن ما في ذلك كونه مقتاتاً مدّخراً للعيش غالباً جنساً ؛ كالحنطة والشعير والتّمْر والملح المنصوص عليها ، وما في معناها كالأرز والذرة والدّخْن والسِّمْسِم ، والقَطَانِيّ كالفول والعَدَس واللُّوبْياء والحِمّص ، وكذلك اللحوم والألبان والخلول والزيوت ، والثمار كالعنب والزبيب والزيتون ، واختُلف في التين ، ويلحق بها العسل والسكر.\rفهذا كله يدخله الربا من جهة النَّسَاء.\rوجائز فيه التفاضل لقوله عليه السلام : \" إذا اختلفت هذه الأصناف فبيعوا كيف شئتم إذا كان يداً بيد \" ولا ربا في رطب الفواكه التي لا تبقى كالتفّاح والبطّيخ والرُّمان والكُمِّثْرى والقِثّاء والخيار والباذَنْجان وغير ذلك من الخضروات.\rقال مالك : لا يجوز بيع البيض بالبيض متفاضلاً ؛ لأنه مما يدّخر ، ويجوز عنده مِثْلاً بمثْل.\r","part":9,"page":266},{"id":3771,"text":"وقال محمد بن عبد الله بن عبد الحكم : جائزٌ بيضة ببيضتين وأكثر ؛ لأنه مما لا يدّخر ، وهو قول الأُوزاعيّ. أ هـ {تفسير القرطبى حـ 3 صـ 352 ـ 353}\rقوله تعالى : {لا يقومون إِلاَّ كَمَا يَقُومُ الذى يَتَخَبَّطُهُ الشيطان مِنَ المس}\rقال ابن عاشور : \rقوله : {لا يقومون} حقيقة القيام النهوض والاستقلال ، ويطلق مجازاً على تحسّن الحال ، وعلى القوة ، من ذلك قامت السوق ، وقامت الحرب.\rفإن كان القيام المنفي هنا القيام الحقيقي فالمعنى : لا يقومون يوم يقوم الناس لرب العالمين إلاّ كما يقوم الذي يتخبّطه الشيطان ، أي إلاّ قياماً كقيام الذي يتخبّطه الشيطان ، وإن كان القيامَ المجازي فالمعنى إما على أنّ حرصهم ونشاطهم في معاملات الربا كقيام المجنون تشنيعاً لجشعهم ، قاله ابن عطية ، ويجوز على هذا أن يكون المعنى تشبيه ما يعجب الناس من استقامة حالهم ، ووفرة مالهم ، وقوة تجارتهم ، بما يظهر من حال الذي يتخبّطه الشيطان حتى تخاله قوياً سريع الحركة ، مع أنّه لا يملك لنفسه شيئاً.\rفالآية على المعنى الحقيقي وعيد لهم بابتداء تعذيبهم من وقت القيام للحساب إلى أن يدخلوا النار ، وهذا هو الظاهر وهو المناسب لقوله : {ذلك بأنهم قالوا إنما البيع مثل الربوا} ، وهي على المعنى المجازي تشنيع ، أو توعّد بسوء الحال في الدنيا ولُقِّيَ المتَاعب ومرارة الحياة تحت صورة يخالها الرائي مستقيمة. أ هـ {التحرير والتنوير حـ 3 صـ 81 ـ 82}\rفصل\rقال الفخر : ","part":9,"page":267},{"id":3772,"text":"التخبط معناه الضرب على غير استواء ، ويقال للرجل الذي يتصرف في أمر ولا يهتدي فيه : إنه يخبط خبط عشواء ، وخبط البعير للأرض بأخفافه ، وتخبطه الشيطان إذا مسّه بخبل أو جنون لأنه كالضرب على غير الاستواء في الإدهاش ، وتسمى إصابة الشيطان بالجنون والخبل خبطة ، ويقال : به خبطة من جنون ، والمس الجنون ، يقال : مس الرجل فهو ممسوس وبه مس ، وأصله من المس باليد ، كأن الشيطان يمس الإنسان فيجنه ، ثم سمي الجنون مساً ، كما أن الشيطان يتخبطه ويطؤه برجله فيخبله ، فسمي الجنون خبطة ، فالتخبط بالرجل والمس باليد. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 7 صـ 77}\rوقال ابن عاشور : \rالتخبّط مطاوع خَبَطه إذا ضربه ضرباً شديداً فاضطرب له ، أي تحرّك تحرّكاً شديداً ، ولما كان من لازم هذا التحرّك عدم الاتّساق ، أطلق التخبّط على اضطراب الإنسان من غير اتّساق.\rثم إنّهم يعمدون إلى فعل المطاوعة فيجعلونه متعدّياً إلى مفعول إذا أرادوا الاختصار ، فعِوضاً عن أنّ يقولوا خبطه فتخبّط يقولون تخبّطه كما قالوا : اضطَرّه إلى كذا.\rفتخبُّط الشيطان المرءَ جَعْله إياه متخبّطاً ، أي متحرّكاً على غير اتّساق.\rوالذي يتخبّطه الشيطان هو المجنون الذيب أصابه الصرع.\rفيضطرب به اضطرابات ، ويسقط على الأرض إذا أراد القيام ، فلما شبهت الهيأة بالهيأة جيء في لفظ الهيأة المشبه بها بالألفاظ الموضوعة للدلالة عليها في كلامهم وإلاّ لَما فهمت الهيأة المشبّه بها ، وقد عُرِف ذلك عندهم.\rقال الأعشى يصف ناقته بالنشاط وسرعة السير ، بعد أن سارت ليلاً كاملاً : \rوتُصبح عن غِب السري وكأنّها\rألمّ بها من طائف الجنِّ أوْلَقُ...\rأ هـ {التحرير والتنوير حـ 3 صـ 82}\rسؤالان\rالسؤال الأول : التخبط تفعل ، فكيف يكون متعدياً ؟ .\rالجواب : تفعل بمعنى فعل كثير ، نحو تقسمه بمعنى قسمه ، وتقطعه بمعنى قطعه.\rالسؤال الثاني : بم تعلق قوله {مِنَ المس}.\rقلنا : فيه وجهان","part":9,"page":268},{"id":3773,"text":"أحدهما : بقوله {لاَ يَقُومُونَ} والتقدير : لا يقومون من المس الذي لهم إلا كما يقوم الذي يتخبطه الشيطان والثاني : أنه متعلق بقوله {يقوم} والتقدير لا يقومون إلا كما يقوم المتخبط بسبب المس. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 7 صـ 77 ـ 78}\rفصل\rقال الفخر : \rقال الجبائي : الناس يقولون المصروع إنما حدثت به تلك الحالة لأن الشيطان يمسه ويصرعه وهذا باطل ، لأن الشيطان ضعيف لا يقدر على صرع الناس وقتلهم ويدل عليه وجوه : \rأحدها : قوله تعالى حكاية عن الشيطان {وَمَا كَانَ لِىَ عَلَيْكُمْ مّن سلطان إِلاَّ أَن دَعَوْتُكُمْ فاستجبتم لِى} [ إبراهيم : 22 ] وهذا صريح في أنه ليس للشيطان قدرة على الصرع والقتل والإيذاء والثاني : الشيطان إما أن يقال : إنه كثيف الجسم ، أو يقال : إنه من الأجسام اللطيفة ، فإن كان الأول وجب أن يرى ويشاهد ، إذ لو جاز فيه أن يكون كثيفاً ويحضر ثم لا يرى لجاز أن يكون بحضرتنا شموس ورعود وبروق وجبال ونحن لا نراها ، وذلك جهالة عظيمة ، ولأنه لو كان جسماً كثيفاً فكيف يمكنه أن يدخل في باطن بدن الإنسان ، وأما إن كان جسماً لطيفاً كالهواء ، فمثل هذا يمتنع أن يكون فيه صلابة وقوة ، فيمتنع أن يكون قادراً على أن يصرع الإنسان ويقتله الثالث : لو كان الشيطان يقدر على أن يصرع ويقتل لصح أن يفعل مثل معجزات الأنبياء عليهم الصلاة والسلام وذلك يجر إلى الطعن في النبوّة الرابع : أن الشيطان لو قدر على ذلك فلم لا يصرع جميع المؤمنين ولم لا يخبطهم مع شدة عداوته لأهل الإيمان ، ولم لا يغصب أموالهم ، ويفسد أحوالهم ، ويفشي أسرارهم ، ويزيل عقولهم ؟ وكل ذلك ظاهر الفساد ، واحتج القائلون بأن الشيطان يقدر على هذه الأشياء بوجهين الأول : ما روي أن الشياطين في زمان سليمان بن داود عليهما السلام كانوا يعملون الأعمال الشاقة على ما حكى الله عنهم أنهم كانوا يعملون له ما يشاء من محاريب وتماثيل وجفان كالجوابي وقدور راسيات.","part":9,"page":269},{"id":3774,"text":"والجواب عنه : أنه تعالى كلفهم في زمن سليمان فعند ذلك قدروا على هذه الأفعال وكان ذلك من المعجزات لسليمان عليه السلام والثاني : أن هذه الآية وهي قوله {يَتَخَبَّطُهُ الشيطان} صريح في أن يتخبطه الشيطان بسبب مسّه.\rوالجواب عنه : أن الشيطان يمسّه بوسوسته المؤذية التي يحدث عندها الصرع ، وهو كقول أيوب عليه السلام {أَنّى مَسَّنِىَ الشيطان بِنُصْبٍ وَعَذَابٍ} [ ص : 41 ] وإنما يحدث الصرع عند تلك الوسوسة لأن الله تعالى خلقه من ضعف الطباع ، وغلبة السوداء عليه بحيث يخاف عند الوسوسة فلا يجترىء فيصرع عند تلك الوسوسة ، كما يصرع الجبان من الموضع الخالي ، ولهذا المعنى لا يوجد هذا الخبط في الفضلاء الكاملين ، وأهل الحزم والعقل وإنما يوجد فيمن به نقص في المزاج وخلل في الدماغ فهذا جملة كلام الجبائي في هذا الباب ، وذكر القفال فيه وجه آخر ، وهو أن الناس يضيفون الصرع إلى الشيطان وإلى الجن ، فخوطبوا على ما تعارفوه من هذا ، وأيضاً من عادة الناس أنهم إذا أرادوا تقبيح شيء أن يضيفوه إلى الشيطان ، كما في قوله تعالى : {طَلْعُهَا كَأَنَّهُ رُؤوسُ الشياطين} [ الصافات : 65 ]. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 7 صـ 78}\rبحث نفيس للبقاعى\rقال عليه الرحمة : \rقال البيضاوي تبعاً للزمخشري : التخبط والمس وارد على ما يزعمون أي العرب أن الشيطان يخبط الإنسان فيصرع وأن الجني يمسه فيختلط عقله - انتهى.\rوظاهره إنكار ذلك وليس بمنكر بل هو الحق الذي لا مرية فيه ، قال المهدوي في تفسيره : وهذا دليل على من أنكر أن الصرع من جهة الجن وزعم أنه فعل الطبائع.\rوقال الشيخ سعد الدين التفتازاني في شرح المقاصد : وبالجملة فالقول بوجود الملائكة والجن والشياطين مما انعقد عليه إجماع الآراء ونطق به كلام الله سبحانه وتعالى وكلام الأنبياء عليهم الصلاة والسلام ، \rوحكي مشاهدة الجن عن كثير من العقلاء وأرباب المكاشفات من الأولياء ، ","part":9,"page":270},{"id":3775,"text":"فلا وجه لنفيها ؛ وقال : الجن أجسام لطيفة هوائية تتشكل بأشكال مختلفة ويظهر منها أحوال عجيبة ، \rوالشياطين أجسام نارية شأنها إلقاء الناس في الفساد والغواية ؛ ولكون الهواء والنار في غاية اللطافة والتشفيف كانت الملائكة والجن والشياطين يدخلون المنافذ الضيقة حتى أجواف الناس ولا يرون بحس البصر إلا إذا اكتسبوا من الممتزجات - انتهى.\rوقد ورد في كثير من الأحاديث عن النبي صلى الله عليه وسلم أن \" الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم \" وورد \" أنه صلى الله عليه وسلم أخرج الصارع من الجن من جوف المصروع في صورة كلب \" ونحو ذلك ؛ وفي كتب الله سبحانه وتعالى المتقدمة ما لا يحصى من مثل ذلك ، \rفأما مشاهدة المصروع يخبر بالمغيبات وهو مصروع غائب الحس ، وربما كان يلقى في النار وهو لا يحترق ، \rوربما ارتفع في الهواء من غير رافع ، \rفكثير جداً لا يحصى مشاهدوه - إلى غير ذلك من الأمور الموجبة للقطع أن ذلك من الجن أو الشياطين ؛ وها أنا أذكر لك من أحاديث النبي صلى الله عليه وسلم ثم من كتب الله القديمة ما فيه مقنع لمن تدبره - والله سبحانه وتعالى الموفق : روى الدارمي في أوائل مسنده بسند حسن عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما : \" أن امرأة جاءت بابن لها إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقالت : يا رسول الله! إن ابني به جنون وإنه يأخذه عند أغدائنا وعشائنا فيخبث علينا ، \rفمسح رسول الله صلى الله عليه وسلم صدره ودعا فثعّ ثعة وخرج من صدره مثل الجرو الأسود \" فثعّ ثعة بمثلثة ومهملة أي قاء وللدارمي أيضاً وعبد بن حميد بسند صحيح حسن أيضاً عن جابر رضي الله تعالى عنه قال : \" خرجت مع النبي صلى الله عليه وسلم في سفر فركبنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ، \rورسول الله صلى الله عليه وسلم بيننا كأنما على رؤوسنا الطير تظلنا ، \rفعرضت له امرأة معها صبي لها فقالت : يا رسول الله! إن ابني هذا يأخذه الشيطان كل يوم ثلاث مرار ، ","part":9,"page":271},{"id":3776,"text":"فتناول الصبي فجعله بينه وبين مقدم الرحل ثم قال : اخسأ عدو الله أنا رسول الله ثلاثاً! ثم دفعه إليها \" وأخرجه الطبراني من وجه آخر وبين أن السفر غزوة ذات الرقاع وأن ذلك في حرة واقم ، \rقال جابر : \" فلما قضينا سفرنا مررنا بذلك المكان فعرضت لنا المرأة ومعها صبيها ومعها كبشان تسوقهما فقالت : يا رسول الله! اقبل مني هديتي ، \rفوالذي بعثك بالحق ما عاد إليه بعد ذلك! فقال : خذوا منها واحداً وردوا عليها الآخر \"\rوروى البغوي في شرح السنة عن يعلى بن مرة رضي الله تعالى عنه.\rوفي الإنجيل من ذلك كثير جداً ، \rقال في إنجيل متى ولوقا ومُرقُس يزيد أحدهم على الآخر وقد جمعت بين ألفاظهم : وجاء يعني عيسى عليه الصلاة والسلام إلى عبر البحر إلى كورة الجرجسيين ، \rوقال في إنجيل لوقا : التي هي مقابل عبر الجليل ، \rفلما خرج من السفينة استقبله مجنون ، \rقال لوقا : من المدينة معه شياطين ، \rوقال متى مجنونان جائيان من المقابر رديئان جداً حتى أنه لم يقدر أحد أن يجتاز من تلك الطريق فصاحا قائلين : ما لنا ولك يا يسوع! جئت لتعذبنا قبل الزمان ؛ قال لوقا : وكان يربط بالسلاسل والقيود ويحبس ، \rوكان يقطع الرباط ويقوده الشيطان إلى البراري ، \rفسأله يسوع : ما اسمك ؟ فقال : لاجاون ، \rلأنه دخل فيه شياطين كثيرة ؛ وقال مرقس : فقال له : اخرج أيها الروح النجس! اخرج من الإنسان ، \rثم قال له : ما اسمك ؟ فقال : لاجاون اسمي لأنا كثير ، \rوطلب إليه أن يرسلهم خارجاً من الكورة ؛ وكان هناك نحو الجبل قطيع خنازير كثيرة يرعى بعيداً منهم ، \rفطلب إليه الشياطين قائلين : إن كنت تخرجنا فأرسلنا إلى قطيع الخنازير فقال لهم : اذهبوا ، \rوقال مرقس : فأذن لهم يسوع ، \rفللوقت خرجت الأرواح النجسة ودخلت في الخنازير وقال : متى : فلما خرجوا ومضوا في الخنازير وإذا بقطيع خنازير قد وثب على جرف وتواقع في البحر ومات جميعه في المياه ، \r","part":9,"page":272},{"id":3777,"text":"وأن الرعاة هربوا ومضوا إلى المدينة وأخبروهم بكل شيء وبالمجنونين ، \rفخرج كل من في المدينة للقاء يسوع ؛ قال مرقس : وأبصروا ذلك المجنون جالساً لابساً عفيفاً فخافوا ، \rفلما أبصروه - يعني عيسى عليه الصلاة والسلام - طلبوا إليه أن يتحول عن تخومهم ؛ قال لوقا : لأنهم خافوا عظيماً ، \rوقال مرقس : فلما صعد السفينة طلب إليه المجنون أن يكون معه فلم يدعه يسوع لكن قال له امض إلى بيتك وعرفهم صنع الرب بك ورحمته إياك ، \rفذهب وكرز في العشرة مدن ، \rوقال كل ما صنع به يسوع فتعجب جميعهم ؛ وفي إنجيل لوقا معناه ، \rوفي آخره : فذهب وكان ينادي في المدينة كلها بكل ما صنعه معه يسوع ؛ وفي إنجيل متى : فلما خرج يسوع من هناك قدموا إليه أخرس به شيطان ، \rفلما خرج الشيطان تكلم الأخرس ، \rفتعجب الجميع قائلين : لم يظهر قط هكذا في بني إسرائيل ، \rفقال الفريسيون : إنه باركون الشياطين يخرج الشياطين.\rثم قال : حينئذ أتى إليه بأعمى به شيطان أخرس ، \rفأبرأه حتى أن الأخرس تكلم وأبصر ، \rفبهت الجمع كلهم وقالوا : لعل هذا هو ابن داود ، \rفتسمع الفريسيون فقالوا : هذا لا يخرج الشياطين إلا بباعل زبول رئيس الشياطين.\rوفيه بعد ذلك : فلما جاء إلى الجمع جاء إليه إنسان ساجداً له قائلاً : يا رب! وفي إنجيل لوقا : يا معلم! ارحم ابني ، \rفإنه يعذب في رؤوس الأهلة ، \rومراراً كثيرة يريد أن ينطلق في النار ، \rومراراً كثيرة في الماء ؛ وفي إنجيل مرقس : قد أتيتك يا بني! وبه روح نجس وحيث ما أدركه صرعه وأزبده وضرر أسنانه فتركه يابساً ، \rوفي إنجيل لوقا : أضرع إليك أن تنظر إلى ابني ، \rلأنه وحيدي ، \rوروح يأخذه فيصرخ بغتة ويلبطه بجهل ، \rويزيد عند انفصاله عنه ويرضضه ، \rوضرعت لتلاميذك أن يخرجوه فلم يقدروا ؛ وفي إنجيل متى : وقدمته إلى تلاميذك فلم يقدروا أن يبرئوه ، \r","part":9,"page":273},{"id":3778,"text":"أجاب يسوع : أيها الجيل الأعوج الغير مؤمن! إلى متى أكون معكم! وحتى متى أحتملكم! قدمه إلى هنا ؛ وفي إنجيل لوقا : وفيما هو جاء به طرحه الشيطان ولبطه ؛ وفي إنجيل مرقس : فلما رأته الروح النجسة من ساعته صرعته وسقط على الأرض مضطرباً مزبداً ؛ ثم قال لأبيه : من كم أصابه هذا ؟ فقال : منذ صباه ، \rثم قال ما معناه : افعل معه ما استطعت وتحنن علينا ، \rفقال له يسوع : كل شيء مستطاع للمؤمن ، \rفصاح أبو الصبي وقال : أنا أومن فأعن ضعف إيماني ، \rفلما رأى يسوع تكاثر الجمع انتهر الروح النجس وقال : يا أيها الروح الأصم الغير ناطق! أنا آمرك أن تخرج منه ولا تدخل فيه ، \rفصرخ ولبطه كثيراً وخرج منه وصار كالميت ، \rوقال كثير : إنه مات ، \rفأمسك يسوع بيده وأقامه فوقف ؛ وفي إنجيل متى : فانتهره يسوع فخرج منه الشيطان وبرىء الفتى في تلك الساعة ، \rحينئذ أتى التلامذة إلى يسوع منفردين وقالوا له : لماذا لم نقدر نحن نخرجه ؟ فقال لهم يسوع : من أجل قلة إيمانكم ، \rالحق أقول لكم أن لو كان لكم إيمان مثل حبة خردل لقلتم لهذا الجبل : انتقل من هاهنا إلى هناك ، \rفينتقل ولا يعسر عليكم شيء ، \rوهذا الجنس لا يخرج إلا بالصوم والصلاة ؛ وقال مرقس : لا يستطاع أن يخرج بشيء إلا بصلاة وصوم ؛ وقال في إنجيل مرقس : إنه كان يعلم في كفرناحوم مدينة في الجليل ، \rقال : وكان في مجمعهم رجل فيه روح شيطان نجس فصاح بصوت عظيم قائلاً : ما لنا ولك يا يسوع الناصري! أتيت لتهلكنا! قد عرفنا من أنت يا قدوس الله! فنهره يسوع قائلاً : اسدد فاك واخرج منه! فأقلقته الروح النجسة وصاح بصوت عظيم وخرج منه ؛ وفي إنجيل لوقا : فطرحه الشيطان في وسطهم وخرج منه ولم يؤلمه وخاف الجمع مخاطبين بعضهم بعضاً قائلين : ما هو هذا العلم الجديد الذي سلطانه يأمر الأرواح النجسة فتطيعه! وخرج خبره في كل كورة الجليل ؛ وفيه : ثم قام من هناك وذهب إلى تخوم صور وصَيْدا ودخل إلى بيت فأراد أن لا يعلم أحد به ، \r","part":9,"page":274},{"id":3779,"text":"فلم يقدر أن يختفي ، \rفلما سمعت امرأة كانت بابنة لها روح نجس جاءت إليه وسجدت قدام قدميه ، \rوكانت يونانية صورية ، \rوسألته أن يخرج الشيطان من ابنتها ، \rفقال لها : دعي البنين حتى يشبعوا أولاً ، \rلا تحسبنّ أن يؤخذ خبز البنين يدفع للكلاب ، \rوأجابت بنعم يا رب! والكلاب أيضاً تأخذ مما يسقط من المائدة من فتات الأطفال ، \rفقال لها من أجل هذه الكلمة : اذهبي قد خرج الشيطان من ابنتك ، \rفذهبت إلى بنتها فوجدت الصبية على السرير والشيطان قد خرج منها ؛ وفي آخر إنجيل مرقس : إنه أخرج من مريم المجدلانية سبعة شياطين ؛ وفي إنجيل لوقا : وكان بعد ذلك يسير إلى كل مدينة وقرية ويكرز ويكبر بملكوت الله ومعه الاثنا عشر ونسوة كن أبرأهن من الأمراض والأرواح الخبيثة : مريم التي تدعى المجدلانية التي أخرج منها سبعة شياطين ومرثا امراة خوزي خازن هين ودس وسوسنة وأخوات كثيرات ؛ وفي إنجيل لوقا : وفيما هو يعلم في أحد المجامع في السبت فإذا امرأة معها روح مزمن منذ ثمان عشرة سنة وكانت منحنية لا تقدر أن تستوي ألبتة ، \rفنظر إليها يسوع وقال : يا امرأة! أنت محلولة من مرضك ووضع يده عليها ، \rفاستقامت للوقت ومجدت الله ، \rفأجاب رئيس الجماعة وهو مغضب وقال للجميع : لكم ستة أيام ينبغي العمل فيها وفيها تأتون وتستشفعون إلا في السبت! فقال : يا مراؤون! واحد منكم يحل ثوره أو حماره من المدود في السبت ويذهب فيسقيه وهذه ابنة إبراهيم كان الشيطان قد ربطها منذ ثمان عشرة سنة! أما كان يحل أن تطلق من هذا الرباط في يوم السبت ؟ فلما قال هذا الكلام أخزى كل من كان يقاومه.\rوكل الشعب كانوا يفرحون بالأعمال الحسنة التي كانت منه - انتهى.\rوإنما كتبت هذا مع كون ما نقل عن نبينا صلى الله عليه وسلم كافياً لأنه لا يدفع أن يكون فيه إيناس له ومصادقة تزيد في الإيمان مع أن فيه دلائل رادة على النصارى في ادعائهم التثليث والاتحاد وأحسن ما ردّ على الإنسان من كلامه وبما يعتقده ، \r","part":9,"page":275},{"id":3780,"text":"وسيأتي إن شاء الله سبحانه وتعالى في المائدة عند قوله سبحانه وتعالى : {وما من إله إلا الله} ما يلتفت إلى بعض هذا ويشرحه شرحاً جيداً نافعاً وكذا في جميع ما أنقله من الإنجيل كما ستراه إن شاء الله تعالى في مواضعه ، \rوكل ما فيه من متشابه لم تألفه مما يوهم اتحاداً أو تثليثاً فلا تزدد نفرتك منه وراجع ما سيقرر في آل عمران وغيرها يرجع معك إلى المحكم رجوعاً جلياً ، \rعلى أن أكثره إذا تؤملت أطرافه وجدته لا شبهة فيه أصلاً ، وإن لم تكن أهلاً للجري في مضمار ما ينسب إلى أمير المؤمنين علي رضي الله تعالى عنه : كن ممن يعرف الرجال بالحق ولا تكن ممن يعرف الحق بالرجال ، \rفانظر كتاب الرد الجميل لإلهية عيسى بصريح الإنجيل لحجة الإسلام أبي حامد الغزالي رحمه الله تعالى تجده أوّل كثيراً مما ذكرته بمثل تأويلي أو قريب منه ، \rولم أر كتابه إلا بعد كتابتي لذلك - والله سبحانه وتعالى الموفق. أ هـ {نظم الدرر حـ 1 صـ 531 ـ 535}\rوقال القرطبى : \rفي هذه الآية دليل على فساد إنكار من أنكر الصَّرْع من جهة الجِنّ ، وزعم أنه من فِعل الطبائع ، وأن الشيطان لا يسلك في الإنسان ولا يكون منه مَسٌّ ، وقد مضى الردّ عليهم فيما تقدّم من هذا الكتاب.\rوقد روى النسائيّ عن أبي اليَسَر قال : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يدعو فيقول : \" اللّهم إني أعوذ بك من التّرَدِّي والهدم والغرق والحريق وأعوذ بك أن يتخَبّطني الشيطان عند الموت وأعوذ بك أن أموت في سبيلك مُدْبِراً وأعوذ بك أن أموت لَدِيغا \" ورُوي من حديث محمد بن المُثَنَّى حدّثنا أبو داود حدّثنا همّام عن قَتادة عن أنس عن النبيّ صلى الله عليه وسلم أنه كان يقول : \" اللَّهم إني أعوذ بك من الجنون والجُذام والبَرَص وسَيِّء الأسقام \" والمس : الجنون ؛ يقال : مُسَّ الرّجلُ وأَلِسَ ؛ فهو ممسوس ومألُوس إذا كان مجنوناً ؛ وذلك علامة الربا في الآخرة.","part":9,"page":276},{"id":3781,"text":"\" وروي في حديث الإسراء : \"فانطلق بي جبريل فمررت برجال كثير كل رجل منهم بطنه مثل البيت الضَّخْم متصدين على سابلة آلِ فرعون وَآلُ فرعون يُعرضون على النار بُكْرَةً وَعَشِيّاً فيُقْبِلون مثل الإبل المَهْيُومة يتخبّطون الحجارة والشجر لا يسمعون ولا يعقلون فإذا أحسّ بهم أصحاب تلك البطون قاموا فتميل بهم بطونهم فيصرعون ثم يقوم أحدهم فيميل به بطنه فيصرع فلا يستطيعون بَرَاحاً حتى يغشاهم آل فرعون فيطئونهم مقبلين ومدبرين فذلك عذابهم في البَرْزَخ بين الدنيا والآخرة وآل فرعون يقولون اللهم لا تُقِمِ الساعة أبداً ؛ فإن الله تعالى يقول : {وَيَوْمَ تَقُومُ الساعة أدخلوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ العذاب} [ غافر : 46 ] قلت يا جبريل من هؤلاء ؟ قال : \"هؤلاء الذين يأكلون الربا لا يقومون إلا كما يقوم الذي يتخبّطه الشيطان من المسّ\" \" والمسّ الجنون وكذلك الأَوْلَق والأُلْس والرّود. أ هـ {تفسير القرطبى حـ 3 صـ 355}\rفصل\rقال الفخر : \rللمفسرين في الآية أقوال\rالأول : أن آكل الربا يبعث يوم القيامة مجنوناً وذلك كالعلامة المخصوصة بآكل الربا ، فعرفه أهل الموقف لتلك العلامة أنه آكل الربا في الدنيا ، فعلى هذا معنى الآية : أنهم يقومون مجانين ، كمن أصابه الشيطان بجنون.","part":9,"page":277},{"id":3782,"text":"والقول الثاني : قال ابن منبه : يريد إذا بعث الناس من قبورهم خرجوا مسرعين لقوله {يَخْرُجُونَ مِنَ الأجداث سِرَاعاً} [ المعارج : 43 ] إلا آكلة الربا فإنهم يقومون ويسقطون ، كما يقوم الذي يتخبطه الشيطان من المس وذلك لأنهم أكلوا الربا في الدنيا ، فأرباه الله في بطونهم يوم القيامة حتى أثقلهم فهم ينهضون ، ويسقطون ، ويريدون الإسراع ، ولا يقدرون ، وهذا القول غير الأول لأنه يريد أن آكلة الربا لا يمكنهم الإسراع في المشي بسبب ثقل البطن ، وهذا ليس من الجنون في شيء ، ويتأكد هذا القول بما روي في قصة الإسراء أن النبي صلى الله عليه وسلم انطلق به جبريل إلى رجال كل واحد منهم كالبيت الضخم ، يقوم أحدهم فتميل به بطنه فيصرع ، فقلت : يا جبريل من هؤلاء ؟ قال : {الذين يَأْكُلُونَ الربا لاَ يَقُومُونَ إِلاَّ كَمَا يَقُومُ الذى يَتَخَبَّطُهُ الشيطان مِنَ المس}.\rوالقول الثالث : أنه مأخوذ من قوله تعالى : {إِنَّ الذين اتقوا إِذَا مَسَّهُمْ طَئِفٌ مّنَ الشيطان تَذَكَّرُواْ فَإِذَا هُم مُّبْصِرُونَ} [ الأعراف : 201 ] وذلك لأن الشيطان يدعو إلى طلب اللذات والشهوات والاشتغال بغير الله ، فهذا هو المراد من مس الشيطان ، ومن كان كذلك كان في أمر الدنيا متخبطاً ، فتارة الشيطان يجره إلى النفس والهوى ، وتارة الملك يجره إلى الدين والتقوى ، فحدثت هناك حركات مضطربة ، وأفعال مختلفة ، فهذا هو الخبط الحاصل بفعل الشيطان وآكل الربا لا شك أنه يكون مفرطاً في حب الدنيا متهالكاً فيها ، فإذا مات على ذلك الحب صار ذلك الحب حجاباً بينه وبين الله تعالى ، فالخبط الذي كان حاصلاً في الدنيا بسبب حب المال أورثه الخبط في الآخرة ، وأوقعه في ذل الحجاب ، وهذا التأويل أقرب عندي من الوجهين اللذين نقلناهما عمن نقلنا. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 7 صـ 78 ـ 79}\rوقال القرطبى : ","part":9,"page":278},{"id":3783,"text":"قوله تعالى : {لاَ يَقُومُونَ إِلاَّ كَمَا يَقُومُ الذي يَتَخَبَّطُهُ الشيطان مِنَ المس} الجملة خبر الابتداء وهو \"الَّذِينَ\".\rوالمعنى من قبورهم ؛ قاله ابن عباس ومجاهد وابن جُبير وقَتادة والربيع والضّحاك والسُّدِّي وابن زيد.\rوقال بعضهم : يجعل معه شيطان يخنقه.\rوقالوا كلهم : يُبعث كالمجنون عقوبةً له وتمقِيتاً عند جميع أهل المَحْشَر.\rويُقوِّي هذا التأويل المُجْمَع عليه أن في قراءة ابن مسعود \"لا يقومون يوم القيامة إلا كما يقوم\".\rقال ابن عطية : وأما ألفاظ الآية فكانت تحتمل تشبيه حال القائم بِحرْص وجَشَع إلى تجارة الدنيا بقيام المجنون ، لأن الطمع والرغبة تستفِزّه حتى تضطرب أعضاؤه ؛ وهذا كما تقول لمسرع في مشيه يخلط في هيئة حركاته إما مِن فزع أو غيره : قد جُنّ هذا! وقد شبّه الأَعْشَى ناقته في نشاطها بالجنون في قوله : \rوتُصبِح عن غِبّ السُّرَى وكأنّما . . .\rأَلَمَّ بها من طائِف الجِنّ أوْلَقُ\rوقال آخر : \rلَعَمْرُك بي من حُبِّ أسماءَ أَوْلَقُ . . .\rلكن ما جاءت به قراءة ابن مسعود وتظاهرت به أقوال المفسرين يضعّف هذا التأويل.\rو \"يَتَخَبَّطُهُ\" يتفعّله من خَبَط يخبِط ؛ كما تقول : تملّكه وتعبّده.\rفجعل الله هذه العلامة لأكَلَة الربا ؛ وذلك أنه أرباه في بطونهم فأثقلهم ، فهم إذا خرجوا من قبورهم يقومون ويسقطون.\rويقال : إنهم يبعثون يوم القيامة قد انتفخت بطونهم كالحُبَالَى ، وكلما قاموا سقطوا والناس يمشون عليهم.\rوقال بعض العلماء : إنما ذلك شِعارٌ لهم يُعرفون به يوم القيامة ثم العذاب من وراء ذلك ؛ كما أن الغَالَّ يجيء بما غَلَّ يوم القيامة بشهرة يشهّر بها ثم العذاب من وراء ذلك.\rوقال تعالى : \"يَأْكُلُونَ\" والمراد يكسبون الربا ويفعلونه.\rوإنما خَصّ الأكل بالذِّكر لأنه أقوى مقاصد الإنسان في المال ؛ ولأنه دالّ عى الجشع وهو أشدّ الحرص ؛ يقال : رجل جَشِع بيّن الجَشَع وقوم جَشِعون ؛ قاله في المُجْمَل.\rفأُقيم هذا البعض من توابع الكسب مقام الكسب كلّه ؛ فاللباس والسكنى والادّخار والإنفاق على العيال داخل في قوله : {الذين يَأْكُلُونَ}. أ هـ {تفسير القرطبى حـ 3 صـ 354 ـ}","part":9,"page":279},{"id":3784,"text":"فائدة\rقال العلامة ابن القيم رحمه الله\rفصل\rفي هديه صلى الله عليه وسلم في علاج الصرع\rأخرجا في الصحيحين من حديث عطاء بن أبي رباح قال : قال ابن عباس : ألا أريك امرأة من أهل الجنة ؟ قلت : بلى قال : هذه المرأة السوداء أتت النبي صلى الله عليه وسلم فقالت : إني أصرع وإني أتكشف فادع الله لي فقال : [ إن شئت صبرت ولك الجنة وإن شئت دعوت الله لك أن يعافيك فقالت : أصبر قالت : فإني أتكشف فادع الله أن لا أتكشف فدعا لها ]\rقلت : الصرع صرعان : صرع من الأرواح الخبيثة الأرضية وصرع من الأخلاط الرديئة والثاني : هو الذي يتكلم فيه الأطباء في سببه وعلاجه\rوأما صرع الأرواح فأئمتهم وعقلاؤهم يعترفون به ولا يدفعونه ويعترفون بأن علاجه بمقابلة الأرواح الشريفة الخيرة العلوية لتلك الأرواح الشريرة الخبيثة فتدافع آثارها وتعارض أفعالها وتبطلها وقد نص على ذلك بقراط في بعض كتبه فذكر بعض علاج الصرع وقال : هذا إنما ينفع من الصرع الذي سببه الأخلاط والمادة وأما الصرع الذي يكون من الأرواح فلا ينفع فيه هذا العلاج\rوأما جهلة الأطباء وسقطهم وسفلتهم ومن يعتقد بالزندقة فضيلة فأولئك ينكرون صرع الأرواح ولا يقرون بأنها تؤثر في بدن المصروع وليس معهم إلا الجهل وإلا فليس في الصناعة الطبية ما يدفع ذلك والحس والوجود شاهد به وإحالتهم ذلك على غلبة بعض الأخلاط هو صادق في بعض أقسامه لا في كلها\rوقدماء الأطباء كانوا يسمون هذا الصرع : المرض الإلهي وقالوا : إنه من الأرواح وأما جالينوس وغيره فتأولوا عليهم هذه التسمية وقالوا : إنما سموه بالمرض الإلهي لكون هذه العلة تحدث في الرأس فنضر بالجزء الإلهي الطاهر الذي مسكنه الدماغ\rوهذا التأويل نشأ لهم من جهلهم بهذه الأرواح وأحكامها وتأثيراتها وجاءت زنادقة الأطباء فلم يثبتوا إلا صرع الأخلاط وحده\rومن له عقل ومعرفة بهذه الأرواح وتأثيراتها يضحك من جهل هؤلاء وضعف عقولهم","part":9,"page":280},{"id":3785,"text":"وعلاج هذا النوع يكون بأمرين : أمر من جهة المصروع وأمر من جهة المعالج فالذي من جهة المصروع يكون بقوة نفسه وصدق توجهه إلى فاطر هذه الأرواح وبارئها والتعوذ الصحيح الذي قد تواطأ عليه القلب واللسان فإن هذا نوع محاربة والمحارب لا يتم له الإنتصاف من عدوه بالسلاح إلا بأمرين : أن يكون السلاح صحيحا في نفسه جيدا وأن يكون الساعد قويا فمتى تخلف أحدهما لم يغن السلاح كثير طائل فكيف إذا عدم الأمران جميعا : يكون القلب خرابا من التوحيد والتوكل والتقوى والتوجه ولا سلاح له\rوالثاني : من جهة المعالج بأن يكون فيه هذان الأمران أيضا حتى إن من المعالجين من يكتفي بقوله : اخرج منه أو بقول : بسم الله أو بقول لا حول ولا قوة إلا بالله والنبى صلى الله عليه وسلم كان يقول : [ اخرج عدو الله أنا رسول الله ]\rوشاهدت شيخنا يرسل إلى المصروع من يخاطب الروح التي فيه ويقول : قال لك الشيخ : اخرجي فإن هذا لا يحل لك فيفيق المصروع وربما خاطبها بنفسه وربما كانت الروح ماردة فيخرجها بالضرب فيفيق المصروع ولا يحس بألم وقد شاهدنا نحن وغيرنا منه ذلك مرارا\rوكان كثيرا ما يقرأ في أذن المصروع : {أفحسبتم أنما خلقناكم عبثا وأنكم إلينا لا ترجعون} [ المؤمنون : 115 ]\rوحدثني أنه قرأها مرة في أذن المصروع فقالت الروح : نعم ومد بها صوته قال : فأخذت له عصا وضربته بها في عروق عنقه حتى كلت يداي من الضرب ولم يشك الحاضرون أنه يموت لذلك الضرب ففي أثناء الضرب قالت : أنا أحبه فقلت لها : هو لا يحبك قالت : أنا أريد أن أحج به فقلت لها : هو لا يريد أن يحج معك فقالت : أنا أدعه كرامة لك قال : قلت : لا ولكن طاعة لله ولرسوله قالت : فأنا أخرج منه قال : فقعد المصروع يلتفت يمينا وشمالا وقال : ما جاء بي إلى حضرة الشيخ قالوا له : وهذا الضرب كله ؟ فقال : وعلى أي شئ يضربني الشيخ ولم أذنب ولم يشعر بأنه وقع به ضرب البتة","part":9,"page":281},{"id":3786,"text":"وكان يعالج بآية الكرسي وكان يأمر بكثرة قراءتها المصروع ومن يعالجه بها وبقراءة المعوذتين\rوبالجملة فهذا النوع من الصرع وعلاجه لا ينكره إلا قليل الحظ من العلم والعقل والمعرفة وأكثر تسلط الأرواح الخبيثة على أهله تكون من جهة قلة دينهم وخراب قلوبهم وألسنتهم من حقائق الذكر والتعاويذ والتحصنات النبوية والايمانية فتلقى الروح الخبيثة الرجل أعزل لا سلاح معه وربما كان عريانا فيؤثر فيه هذا\rولو كشف الغطاء لرأيت أكثر النفوس البشرية صرعى هذه الأرواح الخبيثة وهي في أسرها وقبضتها تسوقها حيث شاءت ولا يمكنها الإمتناع عنها ولا مخالفتها وبها الصرع الأعظم الذي لا يفيق صاحبه إلا عند المفارقة والمعاينة فهناك يتحقق أنه كان هو المصروع حقيقة وبالله المستعان\rوعلاج هذا الصرع باقتران العقل الصحيح إلى الإيمان بما جاءت به الرسل وأن تكون الجنة والنار نصب عينيه وقبلة قلبه ويستحضر أهل الدنيا وحلول المثلات والآفات بهم ووقوعها خلال ديارهم كمواقع القطر وهم صرعى لا يفيقون وما أشد داء هذا الصرع ولكن لما عمت البلية به بحيث لا يرى إلا مصروعا لم يصر مستغربا ولا مستنكرا بل صار لكثرة المصروعين عين المستنكر المستغرب خلافه\rفإذا أراد الله بعبد خيرا أفاق من هذه الصرعة ونظر إلى أبناء الدنيا مصروعين حوله يمينا وشمالا على اختلاف طبقاتهم فمنهم من أطبق به الجنون ومنهم من يفيق أحيانا قليلة ويعود إلى جنونه ومنهم من يفيق مرة ويجن أخرى فإذا أفاق عمل عمل أهل الإفاقة والعقل ثم يعاوده الصرع فيقع في التخبط\rفصل","part":9,"page":282},{"id":3787,"text":"وأما صرع الأخلاط فهو علة تمنع الأعضاء النفسية من الأفعال والحركة والإنتصاب منعا غير تام وسببه خلط غليظ لزج يسد منافذ بطون الدماغ سدة غير تامة فيمتنع نفوذ الحس والحركة فيه وفي الأعضاء نفوذا تاما من غير انقطاع بالكلية وقد تكون لأسباب أخر كريح غليظ يحتبس في منافذ الروح أو بخار رديء يرتفع إليه من بعض الأعضاء أو كيفية لاذعة فينقبض الدماغ لدفع المؤذي فيتبعه تشنج في جميع الأعضاء ولا يمكن أن يبقى الإنسان معه منتصبا بل يسقط ويظهر في فيه الزبد غالبا\rوهذه العلة تعد من جملة الأمراض الحادة باعتبار وقت وجوده المؤلم خاصة وقد تعد من جملة الأمراض المزمنة باعتبار طول مكثها وعسر برئها لا سيما إن تجاوز في السن خمسا وعشرين سنة وهذه العلة في دماغه وخاصة في جوهره فإن صرع هؤلاء يكون لازما قال أبقراط : إن الصرع يبقى في هؤلاء حتى يموتوا\rإذا عرف هذا فهذه المرأة التي جاء الحديث أنها كانت تصرع وتتكشف يجوز أن يكون صرعها من هذا النوع فوعدها النبى صلى الله عليه وسلم الجنة بصبرها على هذا المرض ودعا لها أن لا تتكشف وخيرها بين الصبر والجنة وبين الدعاء لها\rبالشفاء من غير ضمان فاختارت الصبر والجنة\rوفي ذلك دليل على جواز ترك المعالجة والتداوي وأن علاج الأرواح بالدعوات والتوجه إلى الله يفعل ما لا يناله علاج الأطباء وأن تأثيره وفعله وثأثر الطبيعة عنه وانفعالها أعظم من تأثير الأدوية البدنية وانفعال الطبيعة عنها وقد جربنا هذا مرارا نحن وغيرنا وعقلاء الأطباء معترفون بأن لفعل القوى النفسية وانفعالاتها في شفاء الأمراض عجائب وما على الصناعة الطبية أضر من زنادقة القوم وسفلتهم وجهالهم والظاهر : أن صرع هذه المرأة كان من هذا النوع ويجوز أن يكون من جهة الأرواح ويكون رسول الله صلى الله عليه وسلم قد خيرها بين الصبر على ذلك مع الجنة وبين الدعاء لها بالشفاء فاختارت الصبر والستر والله أعلم. أ هـ {زاد المعاد حـ 4 صـ 60 ـ 64}","part":9,"page":283},{"id":3788,"text":"بحث نفيس\rقال صاحب الميزان : \rالإنسان الممسوس وهو الذي اختلت قوته المميزة فهو لا يفرق بين الحسن والقبيح والنافع والضار والخير والشر ، فيجري حكم كل مورد فيما يقابله من الموارد ، لكن لا لأنه ناس لمعنى الحسن والقبح وغيرهما فإنه بالآخرة إنسان ذو إرادة ، ومن المحال أن يصدر عن الإنسان غير الأفعال الإنسانية بل لأنه يرى القبيح حسنا والحسن قبيحا والخير والنافع شرا وضارا وبالعكس فهو خابط في تطبيق الأحكام وتعيين الموارد.\rوهو مع ذلك لا يجعل الفعل غير العادي عاديا دون العكس فإن لازم ذلك أن يكون عنده آراء وأفكار منتظمة ربما طبقها على غير موردها من غير عكس ، بل قد اختل عنده حكم العادة وغيره وصار ما يتخيله ويريده هو المتبع عنده ، فالعادي وغير العادي عنده على حد سواء كالناقة تخبط وتضرب على غير استواء ، فهو في خلاف العادة لا يرى العادة إلا مثل خلاف العادة من غير مزية لها عليه ، فلا ينجذب من خلاف العادة إلى العادة فافهم ذلك.\rوهذا حال المرابي في أخذه الربا (إعطاء الشئ وأخذ ما يماثله وزيادة بالأجل) فإن الذي تدعو إليه الفطرة ويقوم عليه أساس حياة الإنسان الاجتماعية أن يعامل بمعاوضة ما عنده من المال الذي يستغنى عنه مما عند غيره من المال الذي يحتاج إليه ، وأما إعطاء المال وأخذ ما يماثله بعينه مع زيادة فهذا شئ ينهدم به قضاء الفطرة وأساس المعيشة ، فإن ذلك ينجر من جانب المرابي إلى اختلاس المال من يد المدين وتجمعه وتراكمه عند المرابي ، فإن هذا المال لا يزال ينمو ويزيد ، ولا ينمو إلا من مال الغير ، فهو بالانتقاص والانفصال من جانب ، والزيادة والانضمام إلى جانب آخر.\rوينجر من جانب المدين المؤدي للربا إلى تزايد المصرف بمرور الزمان تزايدا لا يتداركه شئ مع تزايد الحاجة وكلما زاد المصرف أي نمى الربا بالتصاعد زادت الحاجة من غير أمر يجبر النقص ويتداركه ، وفي ذلك انهدام حياة المدين.","part":9,"page":284},{"id":3789,"text":"فالربا يضاد التوازن والتعادل الاجتماعي ويفسد الانتظام الحاكم على هذا الصراط المستقيم الإنساني الذي هدته إليه الفطرة الإلهية.\rوهذا هو الخبط الذي يبتلي به المرابي كخبط الممسوس ، فإن المراباة تضطره أن يختل عنده أصل المعاملة والمعاوضة فلا يفرق بين البيع والربا ، فإذا دعي إلى أن يترك الربا ويأخذ بالبيع أجاب أن البيع مثل الربا لا يزيد على الربا بمزية ، فلا موجب لترك الربا وأخذ البيع ، ولذلك استدل تعالى على خبط المرابين بما حكاه من قولهم : {إنما البيع مثل الربا}.\rومن هذا البيان يظهر : أولا : أن المراد بالقيام في قوله تعالى : {لا يقومون إلا كما يقوم} ، هو الاستواء على الحياة والقيام بأمر المعيشة فإنه معنى من معاني القيام يعرفه أهل اللسان في استعمالاتهم ، قال تعالى : \" ليقوم الناس بالقسط \" الحديد - 25 ، وقال تعالى : \" أن تقوم السماء والأرض بأمره \" الروم - 25 ، وقال تعالى : \" وأن تقوموا لليتامى بالقسط \" النساء - 127 ، وأما كون المراد به المعنى المقابل للقعود فمما لا يناسب المورد ، ولا يستقيم عليه معنى الآية.\rوثانيا : أن المراد بخبط الممسوس في قيامه ليس هو الحركات التي تظهر من الممسوس حال الصرع أو عقيب هذا الحال على ما يظهر من كلام المفسرين ، فإن ذلك لا يلائم الغرض المسوق لبيانه الكلام ، وهو ما يعتقده المرابي من عدم الفرق بين البيع والربا ، وبناء عمله عليه ، ومحصله أفعال اختيارية صادرة عن اعتقاد خابط ، وكم من فرق بينهما وبين الحركات الصادرة عن المصروع حال الصرع ، فالمصير إلى ما ذكرناه من كون المراد قيام الربوي في حياته بأمر المعاش كقيام الممسوس الخابط في أمر الحياة.\rوثالثا : النكتة في قياس البيع بالربا دون العكس في قوله تعالى : {ذلك بأنهم قالوا إنما البيع مثل الربا} ، ولم يقل : إنما الربا مثل البيع كما هو السابق إلى الذهن وسيجئ توضيحه.","part":9,"page":285},{"id":3790,"text":"ورابعا : أن التشبيه أعني قوله : {الذي يتخبطه الشيطان من المس} لا يخلو عن إشعار بجواز تحقق ذلك في مورد الجنون في الجملة ، فإن الآية وإن لم تدل على أن كل جنون هو من مس الشيطان لكنها لا تخلو عن إشعار بأن من الجنون ما هو بمس الشيطان ، وكذلك الآية وإن لم تدل على أن هذا المس من فعل إبليس نفسه فإن الشيطان بمعنى الشرير ، يطلق على إبليس وعلى شرار الجن وشرار الإنس ، وإبليس من الجن ، فالمتيقن من إشعار الآية أن للجن شأنا في بعض الممسوسين إن لم يكن في كلهم.\rوما ذكره بعض المفسرين أن هذا التشبيه من قبيل المجاراة مع عامة الناس في بعض اعتقاداتهم الفاسدة حيث كان اعتقادهم بتصرف الجن في المجانين ، ولا ضير في ذلك لأنه مجرد تشبيه خال عن الحكم حتى يكون خطأ غير مطابق للواقع ، فحقيقة معنى الآية ، أن هؤلاء الآكلين للربا حالهم حال المجنون الذي يتخبطه الشيطان من المس ، وأما كون الجنون مستندا إلى مس الشيطان فأمر غير ممكن لأن الله سبحانه أعدل من أن يسلط الشيطان على عقل عبده أو على عبده المؤمن.\rففيه : أنه تعالى أجل من أن يستند في كلامه إلى الباطل ولغو القول بأي نحو كان من الاستناد إلا مع بيان بطلانه ورده على قائله ، وقد قال تعالى : في وصف كلامه {كتاب عزيز لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه} فصلت - 42 ، وقال تعالى : \" إنه لقول فصل وما هو بالهزل \" الطارق - 14.\rوأما أن استناد الجنون إلى تصرف الشيطان بإذهاب العقل ينافي عدله تعالى ، ففيه أن الإشكال بعينه مقلوب عليهم في إسنادهم ذهاب العقل إلى الأسباب الطبيعية ، فإنها أيضا مستنده بالآخرة إلى الله تعالى مع إذهابها العقل.\rعلى أنه في الحقيقة ليس في ذهاب العقل بإذهاب الله إياه إشكال.\rلأن التكليف يرتفع حينئذ بارتفاع الموضوع ، وإنما الإشكال في أن ينحرف الإدراك العقلي عن مجرى الحق وسنن الاستقامة مع بقاء موضوع العقل على حاله ، كان يشاهد الإنسان العاقل","part":9,"page":286},{"id":3791,"text":"الحسن قبيحا وبالعكس ، أو يرى الحق باطلا وبالعكس جزافا بتصرف من الشيطان ، فهذا هو الذي لا يجوز نسبته إليه تعالى ، وأما ذهاب القوة المميزة وفساد حكمها تبعا لذهاب نفسها فلا محذور فيه سواء أسند إلى الطبيعة أو إلى الشيطان.\rعلى أن استناد الجنون إلى الشيطان ليس على نحو الاستقامة ومن غير واسطة بل الأسباب الطبيعية كاختلال الأعصاب والآفة الدماغية أسباب قريبة ورائها الشيطان ، كما أن أنواع الكرامات تستند إلى الملك مع تخلل الأسباب الطبيعية في البين ، وقد ورد نظير ذلك فيما حكاه الله عن أيوب (عليه السلام) إذ قال : \" أني مسني الشيطان بنصب وعذاب \" ص - 41 ، وإذ قال : \" أني مسني الضر وأنت أرحم الراحمين \" الأنبياء - 83 ، والضر هو المرض وله أسباب طبيعية ظاهرة في البدن ، فنسب ما به من المرض المستند إلى أسبابه الطبيعية إلى الشيطان.\rوهذا وما يشبهه ، من الآراء المادية التي دبت في أذهان عدة من أهل البحث من حيث لم يشعروا بها حيث إن أصحاب المادة لما سمعوا الإلهيين يسندون الحوادث إلى الله سبحانه ، أو يسندون بعضها إلى الروح أو الملك أو الشيطان اشتبه عليهم الأمر فحسبوا أن ذلك إبطال للعلل الطبيعية وإقامة لما وراء الطبيعة مقامها ، ولم يفقهوا أن المراد به تعليل في طول تعليل لا في عرض تعليل ، وقد مرت الإشارة إلى ذلك في المباحث السابقة مرارا.\rوخامسا : فساد ما ذكره بعض آخر من المفسرين : أن المراد بالتشبيه بيان حال آكلي الربا يوم القيامة وأنهم سيقومون عن قبورهم يوم القيامة كالصريع الذي يتخبطه الجنون.\rووجه الفساد أن ظاهر الآية على ما بينا لا يساعد هذا المعنى ، والرواية لا تجعل للآية ظهورا فيما ليست بظاهرة فيه ، وإنما تبين حال آكل الربا يوم القيامة.","part":9,"page":287},{"id":3792,"text":"قال في تفسير المنار : وأما قيام آكل الربا كما يقوم الذي يتخبطه الشيطان من المس فقد قال ابن عطية في تفسيره : المراد تشبيه المرابي في الدنيا بالمتخبط المصروع كما يقال لمن يصرع بحركات مختلفة : قد جن.\rأقول : وهذا هو المتبادر ولكن ذهب الجمهور إلى خلافه وقالوا : إن المراد بالقيام القيام من القبر عند البعث ، وأن الله تعالى جعل من علامة المرابين يوم القيامة أنهم يبعثون كالمصروعين ، ورووا ذلك عن ابن عباس وابن مسعود بل روى الطبراني\rمن حديث عوف بن مالك مرفوعا \" إياك والذنوب التي لا تغفر : الغلول فمن غل شيئا أتي به يوم القيامة ، والربا فمن أكل الربا بعث يوم القيامة مجنونا يتخبط.\rثم قال : والمتبادر إلى جميع الأفهام ما قاله ابن عطية لأنه إذا ذكر القيام انصرف إلى النهوض المعهود في الأعمال ، ولا قرينة تدل على أن المراد به البعث ، وهذه الروايات لا يسلم منها شئ من قول في سنده ، وهي لم تنزل مع القرآن ، ولا جاء المرفوع منها مفسرا للآية ، ولولاها لما قال أحد بغير المتبادر الذي قال به ابن عطية إلا من لم يظهر له صحته في الواقع.\rثم قال : وكان الوضاعون الذين يختلقون الروايات يتحرون في بعضها ما أشكل عليهم ظاهره من القرآن فيضعون لهم رواية يفسرونه بها ، وقلما يصح في التفسير شئ ، انتهى ما ذكره.\rولقد أصاب فيما ذكره من خطئهم لكنه أخطأ في تقرير معنى التشبيه الواقع في الآية حيث قال : أما ما قاله ابن عطية فهو ظاهر في نفسه فإن أولئك الذين فتنهم المال واستعبدهم حتى ضربت نفوسهم بجمعه ، وجعلوه مقصودا لذاته ، وتركوا لأجل الكسب به جميع موارد الكسب الطبيعي تخرج نفوسهم عن الاعتدال الذي عليه أكثر الناس ، ويظهر ذلك في حركاتهم وتقلبهم في أعمالهم كما تراه في حركات المولعين بأعمال البورصة والمغرمين بالقمار ، يزيد فيهم النشاط والانهماك في أعمالهم ، حتى يكون خفة تعقبها حركات غير منتظمة.","part":9,"page":288},{"id":3793,"text":"وهذا هو وجه الشبه بين حركاتهم وبين تخبط الممسوس فإن التخبط من الخبط وهو ضرب غير منتظم وكخبط العشواء ، انتهى.\rفإن ما ذكره من خروج حركاتهم عن الاعتدال والانتظام وإن كان في نفسه صحيحا لكن لا هو معلول أكل الربا محضا ، ولا هو المقصود من التشبيه الواقع في الآية : أما الأول فإنما ذلك لانقطاعهم عن معنى العبودية وإخلادهم إلى لذائذ المادة ، ذلك مبلغهم من العلم ، فسلبوا بذلك العفة الدينية والوقار النفساني ، وتأثرت نفوسهم عن كل لذة يسيرة مترائية من المادة ، وتعقب ذلك اضطراب حركاتهم ، وهذا مشاهد محسوس من كل من حاله الحال الذي ذكرنا وإن لم يمس الربا طول حياته.\rوأما الثاني فلأن الاحتجاج الواقع في الآية على كونهم خابطين لا يلائم ما ذكره من وجه الشبه ، فإن الله سبحانه يحتج على كونهم خابطين في قيامهم بقوله : {ذلك بأنهم قالوا إنما البيع مثل الربا} ، ولو كان كما يقول كان الأنسب الاحتجاج على ذلك بما ذكره من اختلال حركاتهم وفساد النظم في أعمالهم.\rفالمصير إلى ما قدمناه. أ هـ {الميزان حـ 2 صـ 411 ـ 415}","part":9,"page":289},{"id":3794,"text":"قوله تعالى : {ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُواْ إِنَّمَا البيع مِثْلُ الربا}\rفصل\rقال الفخر : \rالقوم كانوا في تحليل الربا على هذه الشبهة ، وهي أن من اشترى ثوباً بعشرة ثم باعه بأحد عشر فهذا حلال ، فكذا إذا باع العشرة بأحد عشرة يجب أن يكون حلال ، لأنه لا فرق في العقل بين الأمرين ، فهذا في ربا النقد ، وأما في ربا النسيئة فكذلك أيضاً ، لأنه لو باع الثوب الذي يساوي عشرة في الحال بأحد عشر إلى شهر جاز فكذا إذا أعطى العشرة بأحد عشر إلى شهر ، وجب أن يجوز لأنه لا فرق في العقل بين الصورتين ، وذلك لأنه إنما جاز هناك ، لأنه حصل التراضي من الجانبين ، فكذا ههنا لما حصل التراضي من الجانبين وجب أن يجوز أيضاً ، فالبياعات إنما شرعت لدفع الحاجات ، ولعلل الإنسان أن يكون صفر اليد في الحال شديد الحاجة ، ويكون له في المستقبل من الزمان أموال كثيرة ، فإذا لم يجز الربا لم يعطه رب المال شيئاً فيبقى الإنسان في الشدة والحاجة ، إما بتقدير جواز الربا فيعطيه رب المال طمعاً في الزيادة ، والمديون يرده عند وجدان المال ، وإعطاء تلك الزيادة عند وجدان المال أسهل عليه من البقاء في الحاجة قبل وجدان المال ، فهذا يقتضي حل الربا كما حكمنا بحل سائر البياعات لأجل دفع الحاجة ، فهذا هو شبهة القوم ، والله تعالى أجاب عنه بحرف واحد ، وهو قوله {وَأَحَلَّ الله البيع وَحَرَّمَ الربا} ووجه الجواب أن ما ذكرتم معارضة للنص بالقياس ، وهو من عمل إبليس ، فإنه تعالى لما أمره بالسجود لآدم صلى الله عليه وسلم عارض النص بالقياس ، فقال : \r{أَنَاْ خَيْرٌ مّنْهُ خَلَقْتَنِي مِن نَّارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ} [ الأعراف : 12 ] [ ص : 76 ]","part":9,"page":290},{"id":3795,"text":"واعلم أن نفاة القياس يتمسكون بهذا الحرف ، فقالوا : لو كان الدين بالقياس لكانت هذه الشبهة لازمة ، فلما كانت مدفوعة علمنا أن الدين بالنص لا بالقياس ، وذكر القفال رحمة الله عليه الفرق بين البابين ، فقال : من باع ثوباً يساوي عشرة بعشرين فقد جعل ذات الثوب مقابلاً بالعشرين ، فلما حصل التراضي على هذا التقابل صار كل واحد منهما مقابلاً للآخر في المالية عندهما ، فلم يكن أخذ من صاحبه شيئاً بغير عوض ، أما إذا باع العشرة بالعشرة فقد أخذ العشرة الزائدة من غير عوض ، ولا يمكن أن يقال : إن غرضه هو الامهال في مدة الأجل ، لأن الامهال ليس مالاً أو شيئاً يشار إليه حتى يجعله عوضاً عن العشرة الزائدة ، فظهر الفرق بين الصورتين. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 7 صـ 79 ـ 80}\rقال القرطبى : \rقوله تعالى : {ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قالوا إِنَّمَا البيع مِثْلُ الربا} معناه عند جميع المتأوّلين في الكفار ، ولهم قيل : \"فَلَهُ مَا سَلَفَ\" ولا يقال ذلك لمؤمن عاص بل ينقض بيعه ويرد فعله وإن كان جاهلاً ؛ فلذلك قال صلى الله عليه وسلم : \" مَن عمل عَملاً ليس عليه أمرُنا فهو رَدٌّ \" لكن قد يأخذ العصاة في الربا بطرف من وعيد هذه الآية. أ هـ {تفسير القرطبى حـ 3 صـ 355 ـ 356}\rفائدة\rقال الفخر : \rظاهر قوله تعالى : {ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُواْ إِنَّمَا البيع مِثْلُ الربا} يدل على أن الوعيد إنما يحصل باستحلالهم الربا دون الإقدام عليه ، وأكله مع التحريم ، وعلى هذا التقدير لا يثبت بهذه الآية كون الربا من الكبائر.\rفإن قيل : مقدمة الآية تدل على أن قيامهم يوم القيامة متخبطين كان بسبب أنهم أكلوا الربا.","part":9,"page":291},{"id":3796,"text":"قلنا : إن قوله {ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُواْ إِنَّمَا البيع مِثْلُ الربا} صريح في أن العلة لذلك التخبط هو هذا القول والاعتقاد فقط ، وعند هذا يجب تأويل مقدمة الآية ، وقد بينا أنه ليس المراد من الأكل نفس الأكل ، وذكرنا عليه وجوهاً من الدلائل ، فأنتم حملتموه على التصرف في الربا ، ونحن نحمله على استحلال الربا واستطابته ، وذلك لأن الأكل قد يعبر به عن الاستحلال ، يقال : فلان يأكل مال الله قضماً خصماً ، أي يستحل التصرف فيه ، وإذا حملنا الأكل على الاستحلال ، صارت مقدمة الآية مطابقة لمؤخرتها ، فهذا ما يدل عليه لفظ الآية ، إلا أن جمهور المفسرين حملوا الآية على وعيد من يتصرف في مال الربا ، لا على وعيد من يستحل هذا العقد. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 7 صـ 80}\rفائدة\rقال ابن عاشور : \rوقولهم : {إنما البيع مثل الربا} قصر إضافي للردّ على من زعم تخالف حكمهما فحرم الربا وأحل البيع ، ولمّا صُرح فيه بلفظ مِثل ساغ أن يقال البيع مثل الربا كما يسوغ أن يقال الربا مثل البيع ، ولا يقال : إنّ الظاهر أن يقولوا إنّما الربا مثل البيع لأنّه هو الذي قصد إلحاقه به ، كما في سؤال الكشاف وبنى عليه جعل الكلام من قبيل المبالغة ؛ لأنّا نقول : ليسوا هم بصدد إلحاق الفروع بالأصول على طريقة القياس بل هم كانوا يتعاطون الربا والبيع ، فهما في الخطور بأذهانهم سواء ، غير أنّهم لما سمعوا بتحريم الربا وبقاء البيع على الإباحة سبق البيعُ حينئذ إلى أذهانهم فأحضروه ليثبتوا به إباحة الربا ، أو أنّهم جعلوا البيع هو الأصل تعريضاً بالإسلام في تحريمه الربا على الطريقة المسمّاة في الأصول بقياس العكس ؛ لأنّ قياس العكس إنّما يُلتجأ إليه عند كفاح المناظرة ؛ لا في وقت استنباط المجتهد في خاصّة نفسه.\rوأرادوا بالبيع هنا بيع التجارة لا بيع المحتاج سلعته برأس ماله. أ هـ {التحرير والتنوير حـ 3 صـ 83 ـ 84}\rوقال ابن كثير : ","part":9,"page":292},{"id":3797,"text":"وقوله : {ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا} أي : إنما جُوزُوا بذلك لاعتراضهم على أحكام الله في شرعه ، وليس هذا قياسًا منهم للربا على البيع ؛ لأن المشركين لا يعترفون بمشروعية أصل البيع الذي شرعه الله في القرآن ، ولو كان هذا من باب القياس لقالوا : إنما الربا مثل البيع ، وإنما قالوا : {إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا} أي : هو نظيره ، فلم حرم هذا وأبيح هذا ؟ وهذا اعتراض منهم على الشرع ، أي : هذا مثل هذا ، وقد أحل هذا وحرم هذا !. أ هـ {تفسير ابن كثير حـ 1 صـ 709}\rسؤال : لم لم يقل : إنما الربا مثل البيع ، وذلك\rلأن حل البيع متفق عليه ، فهم أرادوا أن يقيسوا عليه الربا ، ومن حق القياس أن يشبه محل الخلاف بمحل الوفاق ، فكان نظم الآية أن يقال : إنما الربا مثل البيع ، فما الحكمة في أن قلب هذه القضية ، فقال : {إِنَّمَا البيع مِثْلُ الربا}.\rوالجواب : أنه لم يكن مقصود القوم أن يتمسكوا بنظم القياس ، بل كان غرضهم أن الربا والبيع متماثلان من جميع الوجوه المطلوبة فكيف يجوز تخصيص أحد المثلين بالحل والثاني بالحرمة وعلى هذا التقدير فأيهما قدم أو أخر جاز. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 7 صـ 80}\rقوله تعالى : {وَأَحَلَّ الله البيع وَحَرَّمَ الربا}\rفصل\rقال الفخر : ","part":9,"page":293},{"id":3798,"text":"يحتمل أن يكون هذا الكلام من تمام كلام الكفار ، والمعنى أنهم قالوا : البيع مثل الربا ، ثم إنكم تقولون {وَأَحَلَّ الله البيع وَحَرَّمَ الربا} فكيف يعقل هذا ؟ يعني أنهما لما كانا متماثلين فلو حل أحدهما وحرم الآخر لكان ذلك إيقاعاً للتفرقة بين المثلين ، وذلك غير لائق بحكمة الحكيم فقوله {أَحَلَّ الله البيع وَحَرَّمَ الربا} ذكره الكفار على سبيل الاستبعاد ، وأما أكثر المفسرين فقد اتفقوا على أن كلام الكفار انقطع عند قوله {إِنَّمَا البيع مِثْلُ الربا} وأما قوله {أَحَلَّ الله البيع وَحَرَّمَ الربا} فهو كلام الله تعالى ونصه على هذا الفرق ذكره إبطالاً لقول الكفار إنما البيع مثل الربا ، والحجة على صحة هذا القول وجوه : \rالحجة الأولى : أن قول من قال : هذا كلام الكفار لا يتم إلا بإضمار زيادات بأن يحمل ذلك على الاستفهام على سبيل الإنكار ، أو يحمل ذلك على الرواية من قول المسلمين ، ومعلوم أن الإضمار خلاف الأصل ، وأما إذا جعلناه كلام الله ابتداء لم يحتج فيه إلى هذا الإضمار ، فكان ذلك أولى.\rالحجة الثانية : أن المسلمين أبداً كانوا متمسكين في جميع مسائل البيع بهذه الآية ولولا أنهم علموا أن ذلك كلام الله لا كلام الكفار ، وإلا لما جاز لهم أن يستدلوا به ، وفي هذه الحجة كلام سيأتي في المسألة الثانية.","part":9,"page":294},{"id":3799,"text":"الحجة الثالثة : أنه تعالى ذكر عقيب هذه الكلمة قوله {فَمَن جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مّنْ رَّبّهِ فانتهى فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى الله وَمَنْ عَادَ فأولئك أصحاب النار هُمْ فِيهَا} فظاهر هذا الكلام يقتضي أنهم لما تمسكوا بتلك الشبهة وهي قوله {إِنَّمَا البيع مِثْلُ الربا} فالله تعالى قد كشف عن فساد تلك الشبهة وعن ضعفها ، ولو لم يكن قوله {وَأَحَلَّ الله البيع وَحَرَّمَ الربا} كلام الله لم يكن جواب تلك الشبهة مذكوراً فلم يكن قوله {فَمَن جَاءهُ مَوْعِظَةٌ مّنْ رَّبّهِ} لائقاً بهذا الموضع. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 7 صـ 80 ـ 81}\rقال القرطبى : \rقوله تعالى : {إِنَّمَا البيع مِثْلُ الربا} أي إنما الزيادة عند حلول الأجل آخراً كمثل أصل الثمن في أوّل العقد ، وذلك أن العرب كانت لا تعرف ربا إلا ذلك ؛ فكانت إذا حلّ ديْنها قالت للغريم : إما أن تَقْضِي وإما أن تُرْبِي ، أي تزيد في الدَّين.\rفحرم الله سبحانه ذلك وردّ عليهم قولهم بقوله الحق : {وَأَحَلَّ الله البيع وَحَرَّمَ الربا} وأوضح أن الأجل إذا حلّ ولم يكن عنده ما يؤدّي أُنْظِر إلى المَيْسرة.\rوهذا الربا هو الذي نسخه النبيّ صلى الله عليه وسلم بقوله يوم عرفة لمّا قال : \" ألا إن كل رباً موضوع وإن أوّل رِبا أضعه رِبانا رِبَا عباس بن عبد المطلب فإنه موضوع كله \" فبدأ صلى الله عليه وسلم بعمِّه وأخص الناس به.\rوهذا من سنن العدل للإمام أن يُفيض العدل على نفسه وخاصته فيستفيض حينئذ في الناس. أ هـ {تفسير القرطبى حـ 3 صـ 356}\rفائدة\rقال البقاعى : \rوفي الآية إشارة إلى أنه سبحانه وتعالى قضى بنزع نور العقل من المربي ودل على ذلك بقوله : {ذلك} أي الأمر البعيد من الصواب {بأنهم} أي المربون {قالوا} جدالاً لأهل الله {إنما البيع} أي الذي تحصرون الحل فيه يا أهل الإسلام {مثل الربا} في أن كلاًّ منهما معاوضة ، \rفنحن نتعاطى الربا كما تتعاطون أنتم البيع ، ","part":9,"page":295},{"id":3800,"text":"فما لكم تنكرونه علينا ؟ فَجعْلهُم الربا أصلاً انسلاخ مما أودعه الله في نور العقل وحكم الشرع وسلامة الطبع من الحكمة ؛ والبيع كما عرفه الفقهاء نقل ملك بثمن.\rوقال الحرالي : هو رغبة المالك عما في يده إلى ما في يد غيره ، \rوالشراء رغبة المستملك فيما في يد غيره بمعاوضة بما في يده مما رغب عنه ، \rفلذلك كل شار بائع {وأحل} أي والحال أنه أحل {الله} الذي له تمام العظمة المقتضية للعدل {البيع} أي لما فيه من عدل الانتفاع ، \rلأنه معاوضة على سبيل النصفة للتراضي من الجانبين ، \rلأن الغبن فيه غير محقق على واحد منهما ، \rلأن من اشترى ما يساوي درهماً بدرهمين يمكن أن يبيعه بعد ذلك لرواجه أو وجود راغب فيه لأمر دعاه إليه بثلاثة {وحرم الربا} لما فيه من اختصاص أحد المتعاملين بالضرر والغبن والآخر بالاستئثار على وجه التحقيق ، \rفإن من أخذ درهماً بدرهمين لا يرجى خير ما فاته من ذلك الوجه أصلاً ، \rوكذلك ربا المضاعفة وهو ما إذا طلب دينه فكان الغريم معسراً فألزمه بالدفع أو الزيادة في الدين فإنه ليس في مقابلة هذا الزائد شيء ينتفع به المدين.\rقال الحرالي : فيقع الإيثار قهراً وذلك الجور الذي يقابله العدل الذي غايته الفضل ، فأجور الجور في الأموال الربا ، \rوأجور الجور في الربا الربا كالذي يقتل بقتيل قتيلين ، \rوكل من طفف في ميزان فتطفيفه ربا بوجه ما ؛ ولذلك تعددت أبواب الربا وتكثرت ؛ قال قال صلى الله عليه وسلم : \" الربا بضع وسبعون باباً ، \rوالشرك مثل ذلك وهذا رأسه \" وهو ما كانت تتعامل به أهل الجاهلية ، \rمن قولهم : إما أن تربي وإما أن تقضي ، \rثم لحق به سائر أبوابه ، \rفهو انتفاع للمربي وتضرر للذي يعطي الربا ، ","part":9,"page":296},{"id":3801,"text":"وهذا أشد الجور بين العبيد الذين حظهم التساوي في أمر بلغة الدنيا ؛ فكما أعلمهم سبحانه وتعالى أثر حكمة الخير في الإنفاق أعلمهم أثر حكمة الشر في الربا في دار الآخرة وفي غيب أمر الدنيا وكما أنه يعجل للمنفق خلفاً في الدنيا كذلك يعجل للمربي محقاً في الدنيا حسب ما صرح به الخطاب بعد هذا الإشعار - انتهى.\rومادة بيع بجميع تقاليبها التسعة يائية وواوية مهموزة وغير مهموزة : بيع وعيب وعبي وبوع وبعو ووبع ووعب وعبو وعبا - تدور على الاتساع ، \rفالبيع يدور على التصرف التام بالقوة تارة وبالفعل أخرى ، والذي بالفعل يكون بالملك تارة وبغيره أخرى ، \rوالذي بالملك يكون بالتحصيل تارة وبالإزالة أخرى ، \rولا يخفى أن كل ذلك من الاتساع فمن الذي بالقوة : باعه من السلطان سعى به إليه ، \rوامرأة بائع إذا كانت نافقة لجمالها ، \rوالبياعة السلعة ، \rوالبيّع كسيد : المساوم ، \rوأبعته بمعنى عرضته للبيع ؛ ومن الذي بالفعل من غير ملك : باع على بيعه أي قام مقامه في المنزلة والرفعة وظفر به ، \rوكذا أبعت الرجل فرساً أي أعرته إياه ليغزو عليه ؛ ومن الذي بالملك إزالة : بعته وأبعته أي أزلت ملكي عنه بثمن ، \rواستباعه سأله أن يبيعه منه ، \rوانباع نفق ، \rوانباع لي في سلعته سامح في بيعها وامتد إلى الإجابة إليه ؛ ومن الذي بالملك تحصيلاً : باع الشيء بمعنى اشتراه.\rقال الفارابي في ديوان الأدب : قال أبو ثروان : بع لي تمراً بدرهم - يريد اشتر ، \rوهذا الحرف من الأضداد ، \rوابتاعه : اشتراه.\rوالعيب بمعنى الوصمة توسع الكلام في العرض وسببه توسع الإنسان في قول أو فعل على غير منهاج العقل ، \rوالعيبة وعاء من أدم يوضع فيه المتاع وهي أيضاً الصدر والقلب وموضع السر ، \rوالعائب من اللبن الخادر أي الآخذ طعم حموضة إما من العيب وإما لأنه انتشر عن طعمه الأول ؛ والعباية ضرب من الأكسية لاتساعه عن الأزر ونحوها طولاً وعرضاً والرجل الجافي الثقيل تشبيهاً بها في الخشونة والثقالة ، ","part":9,"page":297},{"id":3802,"text":"وتعبئة الجيش تهيئته من موضعه كأن مراكزه عياب له وضعت كل فرقة منه في عيبتها ، \rوعيبك من الجزور نصيبك ، \rوالتعابي أن يميل رجل مع قوم وآخر مع آخرين لأن ذلك اتساع بالفريقين وانتشار من الرجلين ؛ ومن المهموز العبء - بالكسر وهو الحمل الثقيل من أي شيء كان لأنه بقدر وسع الحامل أو فوق وسعه وهو أوسع مما دونه من الأحمال ، وهو أيضاً العدل لأنه يسع ما يوضع فيه والمثل ، \rويفتح لأن الاثنين أوسع من الواحد ، \rوالعبء بالفتح ضياء الشمس وهو واضح في السعة ، \rوعبأ المتاع والأمر كمنع هيأ كعبأه تعبئة لأنه أعطاه ما يسعه ووضعه في مواضع تسعه ، \rوالطيب صنعه وخلطه فاتسع بالخلط وانتشرت رائحته بالصنعة ؛ والعباء كساء معروف وهو يسع ما يلف به كالعباية ، \rوالأحمق الثقيل الوخم وتقدم تخريجه ويمكن جعله من العبء بمعنى الحمل وبمعنى الثقيل والمعبأة كمكنسة خرقة الحائض لأنها بقدر ما يسعه الفرج ، \rوالمعبأ كمقعد المذهب لاتساعه للذاهب فيه ، \rوما أعبأ به ما أصنع ، \rوبفلان : ما أبالي أي ما أوسع الفكر فيه - انتهى المهموز ؛ والباع قدر مد اليدين والشرف والكرم ، \rوالبوع أبعاد خطو الفرس في جريه ، \rوبسط اليد بالمال ، \rوالمكان المنهضم أي المطمئن في لصب الجبل - واللصب بالكسر الشعب الصغير من الجبل أضيق من اللهب وأوسع من الشقب ، \rواللهب مهواة ما بين كل جبلين أو الصدع في الجبل أو الشعب الصغير ، \rوالشعب بالعين الطريق في الجبل ومسيل الماء في بطن أرض أو ما انفرج بين الجبلين ، \rوالشقب بالقاف صدع يكون في لهوب الجبال ولصوب الأودية دون الكهف توكر فيه الطير - وباعة الدار ساحتها ، والبائع ولد الظبي إذا باع في مشيه ، \rوانباع العرق سال ، \rوالحية بسطت نفسها بعد تحوّيها لتساور ؛ والوبّاعة الاست لاتساعها بخروج الخارج منها ، \rوكذبت وبّاعته أي حبق يعني ضرط ، \rوالوباعة من الصبي ما يتحرك من يافوخه لامتداده إلى الحركة ، \rووعبه كوعده أخذه أجمع ، \rكأوعبه واستوعبه ، \rوأوعب جمع ، ","part":9,"page":298},{"id":3803,"text":"والشيء في الشيء أدخله كله أي وسعه حتى دخل فيه ، \rوالوعب من الطرق : الواسعة ، \rوبيت وعيب واسع ؛ والبعو الجناية والجرم لأن ذلك يوسع الكلام في العرض ، وهو أيضاً العارية ، وبعاه قمره وأصاب منه ، وبعاه بالعين أصابه بها كأنه وسع لعينه فيه حظاً. أ هـ {نظم الدرر حـ 1 صـ 535 ـ 538}\rفصل\rقال الفخر : \rمذهب الشافعي رضي الله عنه أن قوله {وَأَحَلَّ الله البيع وَحَرَّمَ الربا} من المجملات التي لا يجوز التمسك بها ، وهذا هو المختار عندي ، ويدل عليه وجوه : \rالأول : أنا بينا في أصول الفقه أن الاسم المفرد المحلي بلام التعريف لا يفيد العموم ألبتة ، بل ليس فيه إلا تعريف الماهية ، ومتى كان كذلك كفى العمل به في ثبوت حكمه في صورة واحدة.\rوالوجه الثاني : وهو أنا إذا سلمنا أنه يفيد العموم ، ولكنا لا نشك أن إفادته العموم أضعف من إفادة ألفاظ الجمع للعموم ، مثلاً قوله {وَأَحَلَّ الله البيع} وإن أفاد الاستغراق إلا أن قوله وأحل الله البيعات أقوى في إفادة الاستغراق ، فثبت أن قوله {وَأَحَلَّ الله البيع} لا يفيد الاستغراق إلا إفادة ضعيفة ، ثم تقدير العموم لا بد وأن يطرق إليها تخصيصات كثيرة خارجة عن الحصر والضبط ، ومثل هذا العموم لا يليق بكلام الله تعالى وكلام رسوله صلى الله عليه وسلم ، لأنه كذب والكذب على الله تعالى محال ، فأما العام الذي يكون موضع التخصيص منه قليلاً جداً فذلك جائز لأن إطلاق لفظ الاستغراق على الأغلب عرف مشهور في كلام العرب ، فثبت أن حمل هذا على العموم غير جائز.\rالوجه الثالث : ما روي عن عمر رضي الله عنه قال : خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم من الدنيا وما سألناه عن الربا ، ولو كان هذا اللفظ مفيداً للعموم لما قال ذلك فعلمنا أن هذه الآية من المجملات.","part":9,"page":299},{"id":3804,"text":"الوجه الرابع : أن قوله {وَأَحَلَّ الله البيع} يقتضي أن يكون كل بيع حلالاً ، وقوله {وَحَرَّمَ الربا} يقتضي أن يكون كل ربا حراماً ، لأن الربا هو الزيادة ولا بيع إلا ويقصد به الزيادة ، فأول الآية أباح جميع البيوع ، وآخرها حرم الجميع ، فلا يعرف الحلال من الحرام بهذه الآية ، فكانت مجملة ، فوجب الرجوع في الحلال والحرام إلى بيان الرسول صلى الله عليه وسلم. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 7 صـ 81}\rوقال الماوردى : \rوللشافعي في قوله : {وَأَحَلَّ اللهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا} ثلاثة أقاويل : \rأحدها : أنها من العامِّ الذي يجري على عمومه في إباحة كل بيع وتحريم كل ربا إلا ما خصهما دليل من تحريم بعض البيع وإحلال بعض الربا ، فعلى هذا اختلف في قوله ، هل هو من العموم الذي أريد به العموم ، أو من العموم الذي أريد به الخصوص على قولين : \rأحدهما : أنه عموم أريد به العموم وإن دخله دليل التخصيص.\rوالثاني : أنه عموم أريد به الخصوص.\rوفي الفرق بينهما وجهان : أحدهما : أن العموم الذي أريد به العموم : أن يكون الباقي من العموم من بعد التخصيص أكثر من المخصوص ، والعموم الذي أريد به الخصوص أن يكون الباقي منه بعد التخصيص أقل من المخصوص.\rوالفرق الثاني : أن البيان فيما أريد به الخصوص متقدِّم على اللفظ ، وأن ما أريد به العموم متأخِر عن اللفظ ومقترن به ، [ هذا ] أحد أقاويله : \rوالقول الثاني : أنه المجمل الذي لا يمكن [ أن ] يستعمل في إحلال بيع أو تحريمه إلا أن يقترن به بيان من سنّة الرسول ، وإن دل على إباحة البيوع في الجملة دون التفصيل.\rوهذا فرق ما بين العموم والمجمل ، أن العموم يدل على إباحة البيوع في الجملة ولا يدل على إباحتها في التفصيل حتى يقترن به بيان.\rفعلى هذا القول أنها مجملة اختلف في إجمالها ، هل هو لتعارض فيها أو لمعارضة غيرها لها على وجهين : ","part":9,"page":300},{"id":3805,"text":"أحدهما : أنه لمَّا تعارض ما في الآية من إحلال البيع وتحريم الربا وهو بيع صارت بهذا التعارض مجملة وكان إجمالها منها.\rوالثاني : أن إجمالها بغيرها لأن السنّة منعت من بيوع وأجازت بيوعاً فصارت بالسنة مجملة.\rوإذا صح إجمالها فقد اختلف فيه : \rهل هو إجمال في المعنى دون اللفظ ، لأن لفظ البيع معلوم في اللغة وإنما الشرع أجمل المعنى والحكم حين أحل بيعاً وحرّم بيعاً.\rوالوجه الثاني : أن الإجمال في لفظها ومعناها ، لأنه لما عدل بالبيع عن إطلاقه على ما استقر عليه في الشرع فاللفظ والمعنى محتملان معاً ، فهذا شرح القول الثاني.\rوالقول الثالث : أنها داخلة في العموم والمجمل ، فيكون عموماً دخله التخصيص ، ومجملاً لحقه التفسير ، لاحتمال عمومها في اللفظ وإجمالها في المعنى ، فيكون اللفظ عموماً دخله التخصيص ، والمعنى مجملاً لحقه التفسير.\rوالوجه الثاني : أن عمومها في أول الآية من قوله : {وَأَحَلَّ اللهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا} ، وإجمالها في آخرها من قوله : {وَحَرَّمَ الرِّبَا} ، فيكون أولها عاماً دخله التخصيص ، وآخرها مجملاً لحقه التفسير.\rوالوجه الثالث : أن اللفظ كان مجملاً ، فلما بَيَّنَهُ الرسول صار عاماً ، فيكون داخلاً في المجمل قبل البيان ، في العموم بعد البيان. أ هـ {النكت والعيون حـ 1 صـ 348 ـ 350}\rوقال القرطبى : \rقوله تعالى : {وَأَحَلَّ الله البيع وَحَرَّمَ الربا} هذا من عموم القرآن ، والألف واللام للجنس لا للعهد إذ لم يتقدّم بيع مذكور يُرجع إليه ؛ كما قال تعالى : {والعصر إِنَّ الإنسان لَفِى خُسْرٍ} ثم استثنى {إِلاَّ الذين آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصالحات} [ العصر : 2 ].\rوإذا ثبت أن البيع عام فهو مخصّص بما ذكرناه من الربا وغير ذلك مما نُهي عنه ومنع العقد عليه ؛ كالخمر والميتة وحبلَ الحَبَلة وغير ذلك مما هو ثابت في السُّنُّة وإجماع الأُمة النَّهيُ عنه.","part":9,"page":301},{"id":3806,"text":"ونظيره \"اقتلوا الْمُشْرِكِينَ\" وسائر الظواهر التي تقتضي العمومات ويدخلها التخصيص ، وهذا مذهب أكثر الفقهاء.\rوقال بعضهم : هو من مجمل القرآن الذي فسّر بالمحلّل من البيع وبالمحرّم فلا يمكن أن يُستعمَل في إحلال البيع وتحريمه إلا أن يقترن به بيانٌ من سُنَّة الرسول صلى الله عليه وسلم ، وإن دلّ على إباحة البيوع في الجملة دون التفصيل.\rهذا فرق ما بين العموم والمُجْمَل.\rفالعموم يدل على إباحة البيوع في الجملة والتفصيل ما لم يخصّ بدليل.\rوالمجمل لا يدل على إباحتها في التفصيل حتى يقترن به بيان.\rوالأوّل أصح. والله أعلم. أ هـ {تفسير القرطبى حـ 3 صـ 356 ـ 357}\rفائدة\rقال القرطبى : \rقوله تعالى : {وَحَرَّمَ الربا} الألف واللام هنا للعهد ، وهو ما كانت العرب تفعله كما بيّناه ، ثم تتناول ما حرمه رسول الله صلى الله عليه وسلم ونهى عنه من البيع الذي يدخله الربا وما في معناه من البيوع المنهيّ عنها. أ هـ {تفسير القرطبى حـ 3 صـ 358}\rفائدة\rقال ابن عاشور : \rالظاهر أنّ الآية لم يُقصد منها إلاّ ربا الجاهلية ، وأنّ ما عداه من المعاملات الباطلة التي فيها أكل مال بالباطل مُندرجة في أدلة أخرى. أ هـ {التحرير والتنوير حـ 3 صـ 90}\rفصل في القرض\rقال الخازن : \rمن أقرض شيئاً وشرط أن يرد عليه أفضل منه فهو قرض جر منفعة وكل قرض جر منفعة فهو ربا يدل عليه ما روي عن مالك قال : بلغني أن رجلاً أتى ابن عمر فقال إني أسلفت رجلاً سلفاً واشترطت عليه أفضل مما أسلفته ، فقال عبدالله بن عمر : فذلك الربا أخرجه مالك في الموطأ.\rقال فإن لم يشترط فضلاً في وقت القرض فرد المستقرض أفضل مما أخذ جاز.\rويدل على ذلك ما روي عن مجاهد أن ابن عمر استلف دراهم فقضى صاحبها خيراً منها فأبى أن يأخذها وقال هذه خير من دراهمي.\rفقال ابن عمر : قد علمت ولكن نفسي بذلك طيبة أخرجه مالك في الموطأ. أ هـ {تفسير الخازن حـ 1 صـ 198}\rفائدة\rقال القرطبى : ","part":9,"page":302},{"id":3807,"text":"عقد الربا مفسوخ لا يجوز بحال ؛ لما رواه الأئمة واللفظ لمسلم عن أبي سعيد الخُدْرِيّ قال : \" جاء بلال بتمر بَرْنِيّ فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم : \"من أين هذا\" ؟ فقال بلال : من تمرٍ كان عندنا رديء ، فبعت منه صاعين بصاع لمَطْعَم النبيّ صلى الله عليه وسلم ؛ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم عند ذلك : \"أَوْهِ عَيْنُ الرِّبَا لا تفعل ولكن إذا أردت أن تشتريَ التمر فبعه ببيع آخر ثم اشتر به\" \" وفي رواية \" هذا الرِّبا فردّوه ثم بيعوا تمرنا واشتروا لنا من هذا \" قال علماؤنا : فقوله ؛ \"أوهِ عين الربا\" أي هو الربا المحرّم نفسه لا ما يشبهه.\rوقوله : \"فردّوه\" يدل على وجوب فسخ صفقة الربا وأنها لا تصح بوجه ؛ وهو قول الجمهور ؛ خلافاً لأبي حنيفة حيث يقول : إنّ بيع الربا جائز بأصله من حيث هو بيع ، ممنوع بوصفه من حيث هو رِباً ، فيسقط الربا ويصح البيع.\rولو كان على ما ذُكر لما فسخ النبيّ صلى الله عليه وسلم هذه الصفقة ، ولأمره بردّ الزيادة على الصاع ولصحّح الصفقة في مقابلة الصاع. أ هـ {تفسير القرطبى حـ 3 صـ 358}\rفائدة ثانية\rقال القرطبى : \rكل ما كان من حرام بيّن ففُسخ فعلى المبتاع ردّ السلعة بعينها.\rفإن تلفت بيده ردّ القيمة فيما له القيمة ، وذلك كالعقار والعُروض والحيوان ، والمِثْل فيما له مِثل من موزون أو مكيل من طعام أو عَرَض.\rقال مالك : يُردّ الحرام البيّن فات أو لم يفت ، وما كان مما كره الناس رُدّ إلاّ أن يفوت فيترك. أ هـ {تفسير القرطبى حـ 3 صـ 359}\rلطيفة\rقال القاسمى ما نصه : \rقال القاشانى عليه الرحمة : \rآكل الربا أسوأ حالاً من جميع مرتكبي الكبائر, فإنّ كل مكتسب له توكل ما في كسبه قليلاً كان أو كثيراً, كالتاجر والزارع والمحترف, إذ لم يعينوا أرزاقهم بعقولهم ولم تتعين لهم قبل الاكتساب فهم على غير معلوم في الحقيقة, كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : \" أبى الله أن يرزق المؤمن إلا من حيث لا يعلم \".{أخرجه القضاعى فى \"مسند الشهاب\" (584) ، وأبو نعيم فى \"دلائل النبوة\" (62) من حديث جابر.\rوفيه أحمد بن طاهر السمرقندى ، قيل : إنه أكذب البرية.\rوأخرجه القضاعى (585) عن جعفر بن محمد عن أبيه ، عن جده. وفى \"كشف الخفاء\" رقم (58)\rقال فى \"التمييز\" تبعا للأصل : أخرجه الديلمى من حديث أبى هريرة ، من رواية عمر بن راشد وهو ضعيف جدا}.\rوأما آكل الربا فقد عين على آخذه مكسبه ورزقه سواء ربح الآخذ أو خسر, فهو محجوب عن ربه بنفسه وعن رزقه بتعيينه, لا توكل له أصلاً, فوكلّه الله تعالى إلى نفسه وعقله, وأخرجه من حفظه وكلاءته, فاختطفه الجنّ وخبلته, فيقوم يوم القيامة ولا رابطة بينه وبين الله كسائر الناس المرتبطين به بالتوكل, فيكون كالمصروع الذي مسّه الشيطان فتخبطه لا يهتدي إلى مقصد {ذلك بأنَهُم قالوا} أي : ذلك بسبب احتجابهم بقياسهم وأول من قاس إبليس فيكونون من أصحابه مطرودين مثله. أ هـ {محاسن التأويل حـ 1 صـ 272}\rقوله تعالى : {فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ وَمَنْ عَادَ فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ}\rالمناسبة\rقال البقاعى : \rولما كان الوعظ كما قال الحرالي دعوة الأشياء بما فيها من العبرة للانقياد للإله الحق بما يخوفها ويقبضها في مقابلة التذكير بما يرجيها ويبسطها ، ","part":9,"page":303},{"id":3808,"text":"وكان فيما أخبر به سبحانه وتعالى عن حال المربي أتم زاجر لأن أجلّ ما للإنسان بعد روحه عقله سبب عن ذلك قوله : {فمن جاءه} قال الحرالي : أطلق الكلمة من علامة التأنيث النازل الرتبة ترفيعاً لقدر هذه الموعظة الخفية المدرك العظيمة الموقع {موعظة} بناء مبالغة وإعلاء لما أشعرت المفعلة الزائدة الحروف على أصل لفظ الوعظ بما يشعر به الميم من التمام والهاء من الانتهاء ، \rفوضع الأحكام حكمة ، \rوالإعلام بثمراتها في الآخرة موعظة تشوق النفس إلى رغبتها ورهبتها - انتهى.\rولما كان التخويف من المحسن أردع لأن النفس منه أقبل قال : {من ربه} أي المربي له المحسن إليه بكل ما هو فيه من الخير.\rقال الحرالي : في إشعاره أن من أصل التربية الحمية من هذا الربا - انتهى.\r{فانتهى} أي عما كان سبباً للوعظ.\rقال الحرالي : أتى بالفاء المعقبة فلم يجعل فيه فسحة ولا قراراً عليه لما فيه من خبل العقل الذي هو أصل مزية الإنسانية وإن لم يشعر به حكماء الدنيا ولا أطباؤها - انتهى.\rولما كان السياق بما أرشد إليه التعليل بقوله : {ذلك بأنهم قالوا} دالاً على أن الآية في الكفرة وأن المراد بالأكل الاستحلال أكد ذلك بقوله : {فله ما سلف} أي من قبيح ما ارتكبه بعد أن كان عليه ولا يتبعه شيء من جريرته لأن الإسلام يجب ما قبله وتوبة المؤمن لا تجب المظالم.\rقال الحرالي : والسلف هو الأمر الماضي بكليته الباقي بخلفه ، وقال : في إعلامه إيذان بتحليل ما استقر في أيديهم من ربا الجاهلية ببركة توبتهم من استئناف العمل به في الإسلام لما كان الإسلام يجب ما قبله ، \rوفي طيّ إشعاره تعريض برده لمن يأخذ لنفسه بالأفضل ويقوي إشعاره قوله {وأمره إلى الله} انتهى ، \rأي فهو يعامله بما له من الجلال والإكرام بما يعلمه من نيته من خلوص وغيره.","part":9,"page":304},{"id":3809,"text":"ولما كان المربون بعد هذه الزواجر بعيدين من رحمة الله عبر عنهم سبحانه وتعالى بأداة البعد في قوله : {ومن عاد} أي إلى تحليل الربا بعد انتهائه عنه نكوباً عن حكمة ربه {فأولئك} أي البعداء من الله {أصحاب النار} ولما كانت نتيجة الصحبة الملازمة قال : {هم فيها خالدون}. أ هـ {نظم الدرر حـ 1 صـ 538}\rلطيفة\rقال أبو حيان : \rوفي ذكر الرب تأنيس لقبول الموعظة.\rإذ الرب فيه إشعار بإصلاح عبده ، فانتهى تبع النهي ، ورجع عن المعاملة بالربا ، أو عن كل محرم من الاكتساب. أ هـ {البحر المحيط حـ 2 صـ 349}\rفصل\rقال الفخر : \rفي التأويل وجهان\rالأول : قال الزجاج : أي صفح له عما مضى من ذنبه من قبل نزول هذه الآية ، وهو كقوله {قُل لِلَّذِينَ كَفَرُواْ إِن يَنتَهُواْ يُغْفَرْ لَهُمْ مَّا قَدْ سَلَفَ} [ الأنفال : 38 ] وهذا التأويل ضعيف لأنه قبل نزول الآية في التحريم لم يكن ذلك حراماً ولا ذنباً ، فكيف يقال المراد من الآية الصفح عن ذلك الذنب مع أنه ما كان هناك ذنب ، والنهي المتأخر لا يؤثر في الفعل المتقدم ولأنه تعالى أضاف ذلك إليه بلام التمليك ، وهو قوله {فَلَهُ مَا سَلَفَ} فكيف يكون ذلك ذنباً الثاني : قال السدي : له ما سلف أي له ما أكل من الربا ، وليس عليه رد ما سلف ، فأما من لم يقض بعد فلا يجوز له أخذه ، وإنما له رأس ماله فقط كما بينه بعد ذلك بقوله {وإِن تبتم فلكم رؤوؤس أموالكم} [ البقرة : 279 ]. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 7 صـ 82}\rقال ابن عاشور \"\rومعنى \"فله ما سلف\" ، أي ما سلف قبْضُه من مال الربا لا ما سلف عقده ولم يُقبض ، بقرينة قوله الآتي {وإن تبتم فلكم رؤوس أموالكم} [ البقرة : 279 ].","part":9,"page":305},{"id":3810,"text":"وقوله : {وأمره إلى الله} فرَضَوا فيه احتمالات يرجع بعضها إلى رجوع الضمير إلى \"من جاءه\" وبعضها إلى رجوعه إلى ما سلف ، والأظهر أنّه راجع إلى من جاءه لأنّه المقصود ، وأنّ معنى {وأمره إلى الله} أنّ أمر جزائه على الانتهاء موكول إلى الله تعالى ، وهذا من الإيهام المقصود منه التفخيم. أ هـ {التحرير والتنوير حـ 3 صـ 90}\rفائدة\rقال القرطبى : \rقوله تعالى : {وَأَمْرُهُ إِلَى الله} فيه أربع تأويلات : أحدها أن الضمير عائد إلى الربا ، بمعنى وأمر الربا إلى الله في إمرار تحريمه أو غير ذلك.\rوالآخر أن يكون الضمير عائداً على \"ما سلف\" أي أمره إلى الله تعالى في العفو عنه وإسقاط التَّبِعة فيه.\rوالثالث أن يكون الضمير عائداً على ذي الربا ، بمعنى أمره إلى الله في أن يثبته على الانتهاء أو يعيده إلى المعصية في الربا.\rواختار هذا القول النحاس ، قال : وهذا قول حسن بيِّن ، أي وأمرُه إلى الله في المستقبل إن شاء ثبّته على التحريم وإن شاء أباحه.\rوالرابع أن يعود الضمير على المنتهى ؛ ولكن بمعنى التأنيس له وبسط أمله في الخير ؛ كما تقول : وأمره إلى طاعة وخير ، وكما تقول : وأمره في نموّ وإقبال إلى الله تعالى وإلى طاعته. أ هـ {تفسير القرطبى حـ 3 صـ 361}\rوقال الفخر : \rأما قوله تعالى : {وَأَمْرُهُ إِلَى الله} ففيه وجوه للمفسرين ، إلا أن الذي أقوله : إن هذه الآية مختصة بمن ترك استحلال الربا من غير بيان أنه ترك أكل الربا ، أو لم يترك ، والدليل عليه مقدمة الآية ومؤخرتها.\rأما مقدمة الآية فلأن قوله {فَمَن جَاءهُ مَوْعِظَةٌ مّنْ رَّبّهِ فانتهى} ليسس فيه بيان أنه انتهى عماذا فلا بد وأن يصرف ذلك المذكور إلى السابق ، وأقرب المذكورات في هذه الكلمة ما حكى الله أنهم قالوا : إنما البيع مثل الربا ، فكان قوله {فانتهى} عائداً إليه ، فكان المعنى : فانتهى عن هذا القول.","part":9,"page":306},{"id":3811,"text":"وأما مؤخرة الآية فقوله {وَمَنْ عَادَ فأولئك أصحاب النار هُمْ فِيهَا خالدون} ومعناه : عاد إلى الكلام المتقدم ، وهو استحلال الربا {فأمره إِلَى الله} ثم هذا الإنسان إما أن يقال : إنه كما انتهى عن استحلال الربا انتهى أيضاً عن أكل الربا ، أو ليس كذلك ، فإن كان الأول كان هذا الشخص مقراً بدين الله عالماً بتكليف الله ، فحينئذ يستحق المدح والتعظيم والإكرام ، لكن قوله {فأمره إِلَى الله} ليس كذلك لأنه يفيد أنه تعالى إن شاء عذبه وإن شاء غفر له ، فثبت أن هذه الآية لا تليق بالكافر ولا بالمؤمن المطيع ، فلم يبق إلا أن يكون مختصاً بمن أقر بحرمة الربا ثم أكل الربا فههنا أمره لله إن شاء عذبه وإن شاء غفر له وهو كقوله {إِنَّ الله لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاء} فيكون ذلك دليلاً ظاهراً على صحة قولنا أن العفو من الله مرجو. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 7 صـ 82}\rفائدة\rقال الشيخ الشنقيطى : \rقوله تعالى : {فَمَن جَآءَهُ مَوْعِظَةٌ مِّنْ رَّبِّهِ فانتهى فَلَهُ مَا سَلَفَ} الآية.\rمعنى هذه الآية الكريمة أن من جاءه موعظة من ربه يزجره بها عن أكل الربا فانتهى أي : ترك المعاملة بالربا. خوفاً من الله تعالى وامتثالاً لأمره {فَلَهُ مَا سَلَفَ} [ البقرة : 275 ] أي : ما مضى قبل نزول التحريم من أموال الربا ويؤخذ من هذه الآية الكريمة أن الله لا يؤاخذ الإنسان بفعل أمر إلا بعد أن يحرمه عليه ، وقد أوضح هذا المعنى في آيات كثيرة فقد قال في الذين كانوا يشربون الخمر ، ويأكلون مال الميسر قبل نزول التحريم : {لَيْسَ عَلَى الذين آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصالحات جُنَاحٌ فِيمَا طعموا} [ المائدة : 93 ] الآية.","part":9,"page":307},{"id":3812,"text":"وقال في الذين كانوا يتزوجون أزواج آبائهم قبل التحريم : {وَلاَ تَنكِحُواْ مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِّنَ النسآء إِلاَّ مَا قَدْ سَلَفَ} [ النساء : 22 ] أي : لكن ما سلف قبل التحريم فلا جناح عليكم فيه ونظيره قوله تعالى : {وَأَن تَجْمَعُواْ بَيْنَ الاختين إَلاَّ مَا قَدْ سَلَفَ} [ النساء : 23 ].\rوقال في الصيد قبل التحريم : {عَفَا الله عَمَّا سَلَف} [ المائدة : 95 ] الآية\rوقال في الصلاة إلى بيت المقدس قبل نسخ استقباله : {وَمَا كَانَ الله لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ} [ البقرة : 143 ] أي : صلاتكم إلى بيت المقدس قبل النسخ.\rومن أصرح الأدلة في هذا المعنى أن النَّبي صلى الله عليه وسلم والمسلمين لما استغفروا لقربائهم الموتى من المشركين وأنزل الله تعالى : {مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ والذين آمنوا أَن يَسْتَغْفِرُواْ لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كانوا أُوْلِي قربى مِن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الجحيم} [ التوبة : 113 ] وندموا على استغفارهم للمشركين أنزل الله في ذلك : {وَمَا كَانَ الله لِيُضِلَّ قَوْماً بَعْدَ إِذْ هَدَاهُمْ حتى يُبَيِّنَ لَهُم مَّا يَتَّقُونَ} [ التوبة : 115 ] فصرح بأنه لا يضلهم بفعل أمر إلا بعد بيان اتقائه. أ هـ {أضواء البيان حـ 1 صـ 188}\rقوله تعالى {وَمَنْ عَادَ فأولئك أصحاب النار هُمْ فِيهَا خالدون}\rقال القرطبى : \rقوله تعالى : {وَمَنْ عَادَ} يعني إلى فعل الربا حتى يموت ؛ قاله سفيان.\rوقال غيره : مَنْ عاد فقال إنما البيع مثل الربا فقد كفر.\rقال ابن عطية : إن قدّرنا الآية في كافر فالخلود خلود تأبيد حقيقي ، وإن لحظناها في مسلم عاص فهذا خلود مستعار على معنى المبالغة ، كما تقول العرب : مُلْكٌ خالد ، عبارةً عن دوام ما لا يبقى على التأبيد الحقيقي. أ هـ {تفسير القرطبى حـ 3 صـ 362}\rوقال الفخر : ","part":9,"page":308},{"id":3813,"text":"أما قوله {وَمَنْ عَادَ فأولئك أصحاب النار هُمْ فِيهَا خالدون} فالمعنى : ومن عاد إلى استحلال الربا حتى يصير كافراً.\rواعلم أن قوله {فأولئك أصحاب النار هُمْ فِيهَا خالدون} دليل قاطع في أن الخلود لا يكون إلا للكافر لأن قوله {أُوْلَئِكَ أصحاب النار} يفيد الحصر فيمن عاد إلى قول الكافر وكذلك قوله {هُمْ فِيهَا خالدون} يفيد الحصر ، وهذا يدل على أن كونه صاحب النار ، وكونه خالداً في النار لا يحصل إلا في الكفار أقصى ما في الباب أنا خالفنا هذا الظاهر وأدخلنا سائر الكفار فيه ، لكنه يبقى على ظاهره في صاحب الكبيرة فتأمل في هذه المواضع ، وذلك أن مذهبنا أن صاحب الكبيرة إذا كان مؤمناً بالله ورسوله يجوز في حقه أن يعفو الله عنه ، ويجوز أن يعاقبه الله وأمره في البابين موكل إلى الله ، ثم بتقدير أن يعاقبه الله فإنه لا يخلد في النار بل يخرجه منها ، والله تعالى بيّن صحة هذا المذهب في هذه الآيات بقوله {فأمره إِلَى الله} على جواز العفو في حق صاحب الكبيرة على ما بيناه.\rثم قوله {فأولئك أصحاب النار هُمْ فِيهَا خالدون} يدل على أن بتقدير أن يدخله الله النار لكنه لا يخلده فيها لأن الخلود مختص بالكفار لا بأهل الإيمان ، وهذا بيان شريف وتفسير حسن. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 7 صـ 82 ـ 83}\rفائدة\rقال ابن عاشور : \rوجُعل العائد خالداً في النار إما لأنّ المراد العود إلى قوله : {إنما البيع مثل الربوا} ، أي عاد إلى استحلال الربا وذلك نِفاق ؛ فإنّ كثيراً منهم قد شقّ عليهم ترك التعامل بالربا ، فعلم الله منهم ذلك وجعَل عدم إقلاعهم عنه أمارة على كذب إيمانهم ، فالخلود على حقيقته.\rوإما لأنّ المراد العود إلى المعاملة بالربا ، وهو الظاهر من مقابلته بقوله : {فمن جاءه موعظة من ربه فانتهى} والخلود طول المكث كقول لبيد : \rفوقفْتُ أسألُها وكيفَ سؤالُنا\rصُمّاً خَوَالِدَ ما يَبِين كلامُها...\rومنه : خلَّد الله مُلك فلان.","part":9,"page":309},{"id":3814,"text":"وتمسك بظاهر هاته الآية ونحوها الخوارج القائلون بتكفير مرتكب الكبيرة كما تمسكوا بنظائرها.\rوغفلوا عن تغليظ وعيد الله تعالى في وقت نزول القرآن ؛ إذ الناس يومئذ قريبٌ عهدهم بكفر.\rولا بد من الجمع بين أدلّة الكتاب والسنة. أ هـ {التحرير والتنوير حـ 3 صـ 90 ـ 91}\rوقال أبو حيان : \r{فأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون} تقدّم تفسير هذه الجملة الواقعة خبراً : لمن ، وحمل فيها على المعنى بعد الحمل على اللفظ ، فإن كانت في الكفار فالخلود خلود تأبيد ، أو في مسلم عاص فخلوده دوام مكثه لا التأييد.\rوقال الزمخشري : وهذا دليل بيِّن على تخليد الفساق. انتهى.\rوهو جارٍ على مذهبه الإعتزالي في : أن الفاسق يخلد في النار أبداً ولا يخرج منها ، وورد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وصح أن أكل الربا من السبع الموبقات ، وروي عن عون بن أبي جحيفة ، عن أبيه : أن رسول الله لعن آكل الربا ومؤكله ، وسأل مالكاً رحمه الله رجلٌ رأى سكران يتقافز ، يريد أن يأخذ القمر ، فقال : امرأته طالق إن كان يدخل جوف ابن آدم شر من الخمر ، أتطلق امرأته ؟ فقال له مالك ، بعد أن ردّه مرتين : امرأتك طالق ، تصفحت كتاب الله وسنة نبيه فلم أر شيئاً أشر من الربا ، لأن الله تعالى قد آذن فيه بالحرب. أ هـ {البحر المحيط حـ 2 صـ 349}\rفائدة\rقال السعدى : \rاختلف العلماء رحمهم الله في نصوص الوعيد التي ظاهرها تخليد أهل الكبائر من الذنوب التي دون الشرك بالله ، والأحسن فيها أن يقال هذه الأمور التي رتب الله عليها الخلود في النار موجبات ومقتضيات لذلك ، ولكن الموجب إن لم يوجد ما يمنعه ترتب عليه مقتضاه ، وقد علم بالكتاب والسنة وإجماع سلف الأمة أن التوحيد والإيمان مانع من الخلود في النار ، فلولا ما مع الإنسان من التوحيد لصار عمله صالحا للخلود فيها بقطع النظر عن كفره. أ هـ {تفسير السعدى صـ 116}\rكلام نفيس للعلامة ابن كثير : \rقال رحمه الله : ","part":9,"page":310},{"id":3815,"text":"وإنما حرمت المخابرة وهي : المزارعة ببعض ما يخرج من الأرض ، والمزابنة وهي : اشتراء الرطب في رؤوس النخل بالتمر على وجه الأرض ، والمحاقلة وهي : اشتراء الحب في سنبله في الحقل بالحب على وجه الأرض -إنما حرمت هذه الأشياء وما شاكلها ، حسمًا لمادة الربا ؛ لأنه لا يعلم التساوي بين الشيئين قبل الجفاف. ولهذا قال الفقهاء : الجهل بالمماثلة كحقيقة المفاضلة. ومن هذا حرموا أشياء بما فهموا من تضييق المسالك المفضية إلى الربا ، والوسائل الموصلة إليه ، وتفاوت نظرهم بحسب ما وهب الله لكل منهم من العلم ، وقد قال تعالى : {وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ} [يوسف : 76].\rوباب الربا من أشكل الأبواب على كثير من أهل العلم ، وقد قال أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ، رضي الله عنه : ثلاث وددت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم عهد إلينا فيهن عهدًا ننتهي إليه : الجد ، والكلالة ، وأبواب من أبواب الربا. {رواه البخاري في صحيحه برقم (5588) ومسلم في صحيحه برقم (3032)} ، يعني بذلك بعض المسائل التي فيها شائبة الربا والشريعة شاهدة بأن كل حرام فالوسيلة إليه مثله ؛ لأن ما أفضى إلى الحرام حرام ، كما أن ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب. وقد ثبت في الصحيحين ، عن النعمان بن بشير ، قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : \r\"إن الحلال بين وإن الحرام بين ، وبين ذلك أمور مشتبهات ، فمن اتقى الشبهات استبرأ لدينه وعرضه ، ومن وقع في الشبهات وقع في الحرام ، كالراعي يرعى حول الحمى يوشك أن يرتع فيه \". {صحيح البخاري برقم (52) وصحيح مسلم برقم (1599)}.\rوفي السنن عن الحسن بن علي ، رضي الله عنهما ، قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : \"دع ما يريبك إلى ما لا يريبك\". {سنن الترمذي برقم (2518) وسنن النسائي (8/327) وقد أطنب في الكلام عليه الحافظ ابن رجب في جامع العلوم والحكم (1/278) ط. الرسالة}.","part":9,"page":311},{"id":3816,"text":"وفي الحديث الآخر : \"الإثم ما حاك في القلب وترددت فيه النفس ، وكرهت أن يطلع عليه الناس\". وفي رواية : \"استفت قلبك ، وإن أفتاك الناس وأفتوك\". {رواه أحمد في المسند (4/228) من طريق الزبير بن عبد السلام ، عن أيوب ، عن وابصة ، رضي الله عنه}.\rوقال الثوري : عن عاصم ، عن الشعبي ، عن ابن عباس قال : آخر ما نزل على رسول الله صلى الله عليه وسلم آية الربا. رواه [البخاري] عن قبيصة ، عنه. {صحيح البخاري برقم (4544)}.\rوقال أحمد ، عن يحيى ، عن سعيد بن أبي عَرُوبة ، عن قتادة ، عن سعيد بن المسيب أن عمر قال : من آخر ما نزل آية الربا وإن رسول الله صلى الله عليه وسلم قبض قبل أن يفسرها لنا ، فدعوا الربا والريبة.\rرواه ابن ماجه وابن مردويه. {المسند (1/36) وسنن ابن ماجة برقم (2276) وقال البوصيري في الزوائد (2/198) : \"هذا إسناد صحيح ورجاله ثقات\"}.\rوروى ابن مَرْدويه من طريق هياج بن بسطام ، عن داود بن أبي هند ، عن أبي نضرة عن أبي سعيد الخدري قال : خطبنا عمر بن الخطاب ، رضي الله عنه ، فقال : إني لعلي أنهاكم عن أشياء تصلح لكم وآمركم بأشياء لا تصلح لكم ، وإن من آخر القرآن نزولا آية الربا ، وإنه قد مات رسولُ الله صلى الله عليه وسلم ولم يبينه لنا ، فدعوا ما يريبكم إلى ما لا يريبكم.\rوقد قال ابن ماجة : حدثنا عمرو بن علي الصيرفي ، حدثنا ابن أبي عدي ، عن شعبة ، عن زبيد ، عن إبراهيم ، عن مسروق ، عن عبد الله -هو ابن مسعود -عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : \"الربا ثلاثة وسبعون بابا\". {سنن ابن ماجة برقم (2275) وقال البوصيري في الزوائد (2/198) : \"هذا إسناد صحيح\"}.\rورواه الحاكم في مستدركه ، من حديث عمرو بن علي الفلاس ، بإسناد مثله ، وزاد : \"أيسرها أن ينكح الرجل أمه ، وإن أربى الربا عرض الرجل المسلم\". وقال : صحيح على شرط الشيخين ، ولم يخرجاه. {المستدرك (2/37).}.","part":9,"page":312},{"id":3817,"text":"وقال ابن ماجة : حدثنا عبد الله بن سعيد ، حدثنا عبد الله بن إدريس ، عن أبي معشر ، عن سعيد المقبري ، عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : \"الربا سبعون حوبا ، أيسرها أن ينكح الرجل أمه\". {سنن ابن ماجة برقم (2274) وقال البوصيري في الزوائد (2/197) : \"هذا إسناد ضعيف\"}.\rوقال الإمام أحمد : حدثنا هُشَيْم ، عن عباد بن راشد ، عن سعيد بن أبي خَيرة حدثنا الحسن -منذ نحو من أربعين أو خمسين سنة -عن أبي هريرة ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : \"يأتي على الناس زمان يأكلون فيه الربا\" قال : قيل له : الناس كلهم ؟ قال : \"من لم يأكله منهم ناله من غباره\" وكذا رواه أبو داود ، والنسائي ، وابن ماجة من غير وجه ، عن سعيد بن أبي خيرة عن الحسن ، به. {المسند (2/494) وسنن أبي داود برقم (1331) وسنن النسائي (7/243) وسنن ابن ماجة برقم (2278)}.\rومن هذا القبيل ، وهو تحريم الوسائل المفضية إلى المحرمات الحديث الذي رواه الإمام أحمد : حدثنا أبو معاوية ، حدثنا الأعمش ، عن مسلم بن صبيح ، عن مسروق ، عن عائشة قالت : لما نزلت الآيات من آخر البقرة في الربا خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المسجد ، فقرأهُن ، فحرم التجارة في الخمر.\rوقد أخرجه الجماعة سوى الترمذي ، من طرق ، عن الأعمش به. {المسند (6/46) وصحيح البخاري برقم (4540 ، 4541) وصحيح مسلم برقم (1580) وسنن أبي داود برقم (3490) وسنن النسائي الكبرى برقم (11055) وسنن ابن ماجة برقم (3382)}.","part":9,"page":313},{"id":3818,"text":"وهكذا لفظ رواية البخاري ، عند تفسير الآية : فحرم التجارة ، وفي لفظ له ، عن عائشة قالت : لما نزلت الآيات من آخر سورة البقرة في الربا قرأها رسول الله صلى الله عليه وسلم على الناس ، ثم حرم التجارة في الخمر. قال بعض من تكلم على هذا الحديث من الأئمة : لما حرم الربا ووسائله حرم الخمر وما يفضي إليه من تجارة ونحو ذلك ، كما قال ، عليه السلام في الحديث المتفق عليه : \"لعن الله اليهود ، حرمت عليهم الشحوم فجملوها فباعوها وأكلوا أثمانها\". {رواه البخاري في صحيحه برقم (2223) ومسلم في صحيحه برقم (1582) من حديث عمر بن الخطاب ، رضي الله عنه.} أ هـ {تفسير ابن كثير حـ 1 صـ 710 ـ 712}\rمن فوائد ابن عرفة فى الآية\rقوله تعالى : {الذين يَأْكُلُونَ الربا لاَ يَقُومُونَ إِلاَّ كَمَا يَقُومُ الذي يَتَخَبَّطُهُ الشيطان مِنَ المس . . .}.\rقال ابن عرفة : يحتمل أن يكون التشبيه بمن يتخبطه \" الشيطان من المس ( حال ) تخبطه.\rويحتمل أن يكون التّشبيه بالمتخبط إثر تخبطه ) ) والظاهر العموم ، لأن الآكلين من الربا متفاوتون في الأكل ، فالمكثر منهم شبيه به حال التخبط والمقلل شبيه به أثر التخبط.\rقال ابن عرفة : وجه مناسبتها لما قبلها أنها تقدمها إنفاق الصدقة ، والصدقة ( من ) غير عوض ( والرّبا في ظاهر الأمر زيادة من غير عوض ) لأنه يدفع قليلا في كثير.\rوقدّر الفخر المناسبة بأن الصدقة ( نقص من المال ) والرّبا زيادة فيه ، فالنفوس تحبه وتكره الصدقة فجاءت الآية ردّا عليهم وإشعارا بأن ذلك النقص زيادة وتلك الزيادة نقص.\rقال الزمخشري : \" مِنَ المَسّ \" متعلّق بـ \" يقومون \" ( أو يقوم ، فرد عليه أبو حيان تعلقه بـ \" يقومون \" ) لأن قيامهم في الآخرة وليس فيه جنون ولا مس.\rقال ابن عرفة : وفيه عندي نظر من وجه آخر وهو ( أنّك تقول ) : \rما أكل زيد إلا كالشيطان يأكل بشماله.\rأو تقول : ما أكل زيد بشماله إلاّ كالشيطان ( يأكل بشماله ).","part":9,"page":314},{"id":3819,"text":"فهذه الحالة أخف لأنه في الأولى ذمّ لآكله مطلقا ، وفي الثانية ذم له إذا اتّصف بالأكل بالشّمال وقد لا يتصف به ، وكذلك هذا يلزم أن يكون التشبيه خاصا بقيامهم من المس فيقال : لعل لهم ( حالة ) أخرى يقومون ( بها ) من المس.\rقال ابن عرفة : اعلم أن القدماء من المعتزلة ينكرون الجنّ بالأصالة ، وهو كفر لا شك فيه فإنه تكذيب للقرآن والحديث ، والمتأخرون منهم يثبتونهم وينكرون الصرع.\rقوله تعالى : {ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قالوا إِنَّمَا البيع مِثْلُ الربا . . .}.\rقال الزمخشري : الإشارة للعقاب.\rقال ابن عرفة : أو لأكلهم الربا لأنه سبب في عقوبتهم وسبب السبب مسبب ، وهذا قياس تمثيلي ذكروا منه قياس ( الشبه ) والتسوية وهو قياس أخروي بمعنى أن الحكم في المقيس عليه ثابت في الفرع المقيس من باب أحرى فينعكس فيه التشبيه.\rومثله ابن مالك في المصباح بهذه الآية وبقول الشاعر : \rكأن انتظار البدر من تحت غيمه . . .\rنجاة من البأساء بعد الوقوع\rوبقول الآخر : \rوكأن النجوم بين الدّجى . . .\rسنن لاح بينهن ابتداع\rفجعل أهل السنة بين المبتدعة بمنزلة النجوم في الظلام.\rوقال غيره : الاهتداء بالنجوم يحتاج فيه إلى معرفة استدلال واتباع أهل السنة لا يحتاج فيه إلى تكليف دليل فكان أحرى.\rقوله تعالى : {وَأَحَلَّ الله البيع وَحَرَّمَ الربا . . .}.\rقال الزمخشري : هذا رد على قياسهم.\rقال ابن عرفة : بل هو عندي تجهيل لهم ، ويكون النّص متقدما فهو قياس في معرض النّص فهو فاسد الوضع وعلى ما قال الزمخشري يكون النص غير متقدم. أ هـ {تفسير ابن عرفة صـ 354}","part":9,"page":315},{"id":3820,"text":"قوله تعالى : {يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ (276)}\rمناسبة الآية لما قبلها\rقال البقاعى : \rولما كان المرغب في الربا ما فيه من الربح الناجز المشاهد ، \rوالمفتر عن الصدقة كونها نقصاً محققاً بالحس بيّن أن الربا وإن كان بصورة الزيادة فهو نقص وأن الصدقة وإن كانت بصورة النقص فهي زيادة لأن ذلك إنما هو بيده سبحانه وتعالى فما شاء محقه وإن كان كثيراً أو ما أراد نماه وإن كان يسيراً فقال كالتعليل للأمر بالصدقة والنهي عن الربا ولكون فاعله من أهل النار : {يمحق الله} أي بما له من الجلال والقدرة {الربا} بما يفتح له من أبواب المصارف.\rقال الحرالي : والمحق الإذهاب بالكلية بقوة وسطوة {ويربي الصدقات} أي يزيد الصدقات بما يسد عنها مثل ذلك ويربح في تقلباتها ؛ ويجوز كونه استئنافاً وذلك أنه لما تقرر أن فاعليه من أصحاب النار ساقه مساق الجواب لمن كأنه قال : وإن تصدقوا من أموال الربا وأنفقوا في سبيل الخير! إعلاماً بأن الربا مناف للخير فهو مما يكون هباء منثوراً.\rولما آذن جعلهم من أصحاب النار أن من لم ينته عن الربا أصلاً أو انتهى وعاد إلى فعله مرتبك في شرك الشرك قاطع نحوه عقبات : ثنتان منها في انتهاك حرمة الله : ستر آياته في عدم الانتهاء ، \rوالاستهانة بها في العود إليه ، \rالثالثة انتهاك حرمة عباد الله فكان إثمه متكرراً مبالغاً فيه لا يقع إلا كذلك عبر سبحانه وتعالى بصيغة المبالغة في قوله عطفاً على ما تقديره تعليلاً لما قبله : فالمتصدق مؤمن كريم والمربي كفار أثيم : {والله} المتصف بجميع صفات الكمال {لا يحب كل كفار} أي في واجب الحق بجحد ما شرع من آياته وسترها والاستهانة بها ، \rأو كفار لنعمته سبحانه وتعالى بالاستطالة بما أعطاه على سلب ما أعطى عباده {أثيم} في واجب الخلق ، \rأي منهمك في تعاطي ما حرم من اختصاصاتهم بالربا وغيره ، ","part":9,"page":316},{"id":3821,"text":"فلذا لا يفعل معهم سبحانه وتعالى فعل المحب لا بالبركة في أموالهم ولا باليمن في أحوالهم ، \rوهذا النفي من عموم السلب ، \rوطريقه أنك تعتبر النفي أولاً ثم تنسبه إلى الكل ، \rفيكون المعنى : انتفى عن كل كفار أثيم حبه ، \rوكذا كل ما ورد عليك من أشباهه إن اعتبرت النسبة إلى الكل أولاً ثم نفيت فهو لسلب العموم ، \rوإن اعتبرت النفي أولاً ثم نسبته إلى الكل فلعموم السلب ، \rوكذلك جميع القيود ؛ فالكلام المشتمل على نفي وقيد قد يكون لنفي التقييد وقد يكون لتقييد النفي ، \rفمثل : ما ضربته تأديباً ، \rأي بل إهانة ، \rسلب للتعليل والعمل للفعل ، \rوما ضربته إكراماً له ، \rأي تركت ضربه للإكرام ، \rتعليل للسلب والعمل للنفي ، \rوما جاءني راكباً ، \rأي بل ماشياً ، \rنفي للكيفية ، \rوما حج مستطيعاً ، \rأي ترك الحج مع الاستطاعة ، \rتكييف للنفي ؛ وقد أشبع الشيخ سعد الدين التفتازاني رحمه الله تعالى الكلام في ذلك في شرحه للمقاصد في بحث الرؤية عند استدلال المعتزلة بقوله تعالى : {لا تدركه الأبصار} [ الأنعام : 104 ]. أ هـ {نظم الدرر حـ 1 صـ 539}\rقال الفخر : \rاعلم أنه تعالى لما بالغ في الزجر عن الربا ، وكان قد بالغ في الآيات المتقدمة في الأمر بالصدقات ، ذكر هاهنا ما يجري مجرى الدعاء إلى ترك الصدقات وفعل الربا ، وكشف عن فساده ، وذلك لأن الداعي إلى فعل الربا تحصيل المزيد في الخيرات ، والصارف عن الصدقات الاحتراز عن نقصان الخير فبين تعالى أن الربا وإن كان زيادة في الحال ، إلا أنه نقصان في الحقيقة ، وأن الصدقة وإن كانت نقصاناً في الصورة ، إلا أنها زيادة في المعنى ، ولما كان الأمر كذلك كان اللائق بالعاقل أن لا يلتفت إلى ما يقضي به الطبع والحس من الدواعي والصوارف ، بل يعول على ما ندبه الشرع إليه من الدواعي والصوارف فهذا وجه النظم. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 7 صـ 83}\rفصل\rقال الفخر : ","part":9,"page":317},{"id":3822,"text":"المحق نقصان الشيء حالا بعد حال ، ومنه المحاق في الهلال يقال : محقه الله فانمحق وامتحق ، ويقال : هجير ماحق إذا نقص في كل شيء بحرارته. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 7 صـ 83}\rفصل\rقال الفخر : \rاعلم أن محق الربا وإرباء الصدقات يحتمل أن يكون في الدنيا ، وأن يكون في الآخرة ، أما في الدنيا فنقول : محق الربا في الدنيا من وجوه\rأحدها : أن الغالب في المرابي وإن كثر ماله أنه تؤول عاقبته إلى الفقر ، وتزول البركة عن ماله ، قال صلى الله عليه وسلم : \" الربا وإن كثر فإلى قُلّ \"\rوثانيها : إن لم ينقص ماله فإن عاقبته الذم ، والنقص ، وسقوط العدالة ، وزوال الأمانة ، وحصول اسم الفسق والقسوة والغلظة\rوثالثها : أن الفقراء الذين يشاهدون أنه أخذ أموالهم بسبب الربا يلعنونه ويبغضونه ويدعون عليه ، وذلك يكون سبباً لزوال الخير والبركة عنه في نفسه وماله\rورابعها : أنه متى اشتهر بين الخلق أنه إنما جمع ماله من الربا توجهت إليه الأطماع ، وقصده كل ظالم ومارق وطماع ، ويقولون : إن ذلك المال ليس له في الحقيقة فلا يترك في يده ، وأما إن الربا سبب للمحق في الآخرة فلوجوه\rالأول : قال ابن عباس رضي الله عنهما : معنى هذا المحق أن الله تعالى لا يقبل منه صدقة ولا جهاداً ، ولا حجاً ، ولا صلة رحم\rوثانيها : إن مال الدنيا لا يبقى عند الموت ، ويبقى التبعة والعقوبة ، وذلك هو الخسار الأكبر\rوثالثها : أنه ثبت في الحديث أن الأغنياء يدخلون الجنة بعد الفقراء بخمسمائة عام ، فإذا كان الغني من الوجه الحلال كذلك ، فما ظنك بالغني من الوجه الحرام المقطوع بحرمته كيف يكون ، فذلك هو المحق والنقصان.\rوأما إرباء الصدقات فيحتمل أن يكون المراد في الدنيا ، وأن يكون المراد في الآخرة.\rأما في الدنيا فمن وجوه","part":9,"page":318},{"id":3823,"text":"أحدها : أن من كان لله كان الله له ، فإذا كان الإنسان مع فقره وحاجته يحسن إلى عبيد الله ، فالله تعالى لا يتركه ضائعاً في الدنيا ، وفي الحديث الذي رويناه فيما تقدم أن الملك ينادي كل يوم \" اللّهم يسر لكل منفق خلفاً ولممسك تلفاً \"\rوثانيها : أنه يزداد كل يوم في جاهه وذكره الجميل ، وميل القلوب إليه وسكون الناس إليه وذلك أفضل من المال مع أضداد هذه الأحوال\rوثالثها : أن الفقراء يعينونه بالدعوات الصالحة\rورابعها : الأطماع تنقطع عنه فإنه متى اشتهر أنه متشمر لإصلاح مهمات الفقراء والضعفاء ، فكل أحد يحترز عن منازعته ، وكل ظالم ، وكل طماع لا يجوز أخذ شيء من ماله ، اللّهم إلا نادراً ، فهذا هو المراد بإرباء الصدقات في الدنيا.\rوأما إرباؤها في الآخرة فقد روى أبو هريرة أنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : \" إن الله تعالى يقبل الصدقات ولا يقبل منها إلا الطيب ، ويأخذها بيمينه فيربيها كما يربي أحدكم مهره أو فلوه حتى أن اللقمة تصير مثل أحد \" وتصديق ذلك بين في كتاب الله {أَلَمْ يَعْلَمُواْ أَنَّ الله هُوَ يَقْبَلُ التوبة عَنْ عِبَادِهِ وَيَأْخُذُ الصدقات} [ التوبة : 104 ] {يَمْحَقُ الله الربا وَيُرْبِى الصدقات} [ البقرة : 276 ]\rقال القفال رحمه الله تعالى : ونظير قوله {يَمْحَقُ الله الربا} المثل الذي ضربه فيما تقدم بصفوان عليه تراب فأصابه وابل فتركه صلداً ، ونظير قوله {وَيُرْبِى الصدقات} المثل الذي ضربه الله بحبة أنبتت سبع سنابل في كل سنبلة مائة حبة. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 7 صـ 83 ـ 84}\rوقال القرطبى : \r{وَيُرْبِي الصدقات} أي يُنَمِّيها في الدنيا بالبركة ويُكثر ثوابَها بالتضعيف في الآخرة.\rوفي صحيح مسلم : \" إن صدقة أحدِكم لتقع في يد الله فَيَربِّيها له كما يُرَبِّي أحدُكم فَلُوَّه أو فصيلَه حتى يجيء يوم القيامة وإن اللّقمة لعلى قدر أحُد \". أ هـ {تفسير القرطبى حـ 3 صـ 362}\rفائدة","part":9,"page":319},{"id":3824,"text":"قال ابن عطية :\rوقد جعل الله هذين الفعلين بعكس ما يظنه الحريص الجشع من بني آدم ، يظن الربا يغنيه وهو في الحقيقة ممحق ، ويظن الصدقة تفقره وهي نماء في الدنيا والآخرة.\rأ هـ {المحرر الوجيز حـ 1 صـ 373}\rوقال ابن عاشور :\rولما جعل المحق بالربا وجُعل الإرباء بالصدقات كانت المقابلة مؤذنة بحذف مقابلين آخرين ، والمعنى : يمحق الله الربا ويعاقب عليه ، ويربي الصدقات ويبارك لصاحبها ، على طريقة الاحتباك. أ هـ {التحرير والتنوير حـ 3 صـ 91}\rفائدة\rبلاغية\rقال أبو حيان :\rفي ذكر المحق والإرباء بديع الطباق ، وفي ذكر الربا ويربى بديع التجنيس المغاير. أ هـ {البحر المحيط حـ 2 صـ 350}\rفائدة\rقال القاسمى ما نصه :\rقال القاشانى عليه الرحمة :\r{يمْحَق الله الربا} وإن كان زيادة في الظاهر {ويربي الصدقات} وإن كان نقصاناً في الشاهد, لأنّ الزيادة والنقصان إنما يكونان باعتبار العاقبة والنفع في الدارين. والمال الحاصل من الربا لا بركة له, لأنه حصل من مخالفة الحق فتكون عاقبته وخيمة وصاحبه يرتكب سائر المعاصي إذ كلّ طعام يولد في أكله دواعي وأفعالاً من جنسه, فإن كان حراماً يدعوه إلى أفعال محرمة, وإن كان مكروهاً فإلى أفعال مكروهة, وإن كان مباحاً فإلى مباحة, وإن كان من طعام الفضل فإلى مندوبات, وكان في أفعاله متبرّعاً متفضلاً, وإن كان بقدر الواجب من الحقوق فأفعاله تكون واجبة ضرورية, وإن كان من الفضول والحظوظ فأفعاله تكون كذلك, فعليه إثم الربا وآثار أفعاله المحرّمة المتولدة من أكله على ما ورد في الحديث : \" الذنب بعد الذنب عقوبة للذنب الأول \" , فتزداد عقوباته وآثامه أبداً, ويتلف الله ماله في الدنيا فلا ينتفع به أعقابه وأولاده فيكون ممن خسر الدنيا والآخرة, وذلك هو المحق الكليّ. وأما المتصدّق, فلكون ماله مزكّى, يبارك الله في تثميره مع حفظ الأصل وآكله لا يكون إلا مطيعاً في أفعاله, ويبقى ماله في أعقابه وأولاده منتفعاً به وذلك هو الزيادة في الحقيقة, ولو لم تكن زيادته إلا ما صرف في طاعة الله لكفى به زيادة, وأيّ زيادة أفضل مما تبقّى عند الله, ولو لم يكن نقصان الربا إلا حصوله من مخالفة الله وارتكاب نهيه لكفى به نقصاً, وأيّ نقصان أفحش مما يكون سبب حجاب صاحبه وعذابه ونقصان حظه عند الله. أ هـ {محاسن التأويل حـ 1 صـ 271 ـ 272}\rقوله تعالى {والله لاَ يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ}\rقال الفخر :\rأما قوله {والله لاَ يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ} فاعلم أن الكفار فعال من الكفر ، ومعناه من كان ذلك منه عادة ، والعرب تسمي المقيم على الشيء بهذا ، فتقول : فلان فعال للخير أمار به ، والأثيم فعيل بمعنى فاعل ، وهو الآثم ، وهو أيضاً مبالغة في الاستمرار على اكتساب الآثام والتمادي فيه ، وذلك لا يليق إلا بمن ينكر تحريم الربا فيكون جاحداً ، وفيه وجه آخر وهو أن يكون الكفار راجعاً إلى المستحيل ، والأثيم يكون راجعاً إلى من يفعله مع اعتقاد التحريم ، فتكون الآية جامعة للفريقين. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 7 صـ 84}\rوقال ابن عطية :\rوقوله تعالى : {والله لا يحب كل كفار أثيم} يقتضي أن الزجر في هذه الآيات للكفار المستحلين للربا القائلين على جهة التكذيب للشرع {إنما البيع مثل الربا} ووصف الكفار بـ {أثيم} ، إما مبالغة من حيث اختلف اللفظان ، وإما ليذهب الاشتراك الذي في كفار ، إذ قد يقع على الزارع الذي يستر الحب في الأرض ، قاله ابن فورك قال ومعنى قوله : {والله لا يحب} أي لا يحب الكفار الأثيم .","part":9,"page":320},{"id":3825,"text":"قال القاضي أبو محمد : محسناً صالحاً بل يريده مسيئاً فاجراً ، ويحتمل أن يريد والله لا يحب توفيق الكفار الأثيم .\rوهذه تأويلات مستكرهة ، أما الأول فأفرط في تعدية الفعل وحمله من المعنى ما لا يحتمله لفظه ، وأما الثاني فغير صحيح المعنى ، بل الله تعالى يحب التوفيق على العموم ويحببه ، والمحب في الشاهد يكون منه ميل إلى المحبوب ولطف به ، وحرص على حفظه ، وتظهر دلائل ذلك ، والله تعالى يريد وجود الكافر على ما هو عليه ، وليس له عنده مزية الحب بأفعال تظهر عليه نحو ما ذكرناه في الشاهد ، وتلك المزية موجودة للمؤمن. أ هـ {المحرر الوجيز حـ 1 صـ 373}\rوقال أبو حيان : \rوقال ابن فورك : ذكر الأثيم ليزول الاشتراك الذي في : كفار ، إذ يقع على الزارع الذي يستر الأرض. انتهى.\rوهذا فيه بعد ، إذ إطلاق القرآن : الكافر ، والكافرون ، والكفار ، إنما هو على من كفر بالله ، وأما إطلاقه على الزارع فبقرينة لفظية ، كقوله : {كمثل غيث أعجب الكفار نباته}. أ هـ {البحر المحيط حـ 2 صـ 350}\rوقال الآلوسى : ","part":9,"page":321},{"id":3826,"text":"{والله لاَ يُحِبُّ} لا يرتضي {كُلَّ كَفَّارٍ} متمسك بالكفر مقيم عليه معتاد له {أَثِيمٍ} منهمك في ارتكابه والآية لعموم السلب لا لسلب العموم إذ لا فرق بين واحد وواحد ، واختيار صيغة المبالغة للتنبيه على فظاعة آكل الربا ومستحله ، وقد ورد في شأن الربا وحده ما ورد فكيف حاله مع الاستحلال ؟! أعاذنا الله تعالى من ذلك. فقد أخرج الطبراني والبيهقي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : \" درهم ربا أشد على الله تعالى من ست وثلاثين زنية \" وقال : \" من نبت لحمه من سحت فالنار أولى به \" وأخرج ابن ماجه وغيره عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : \" إن الربا سبعون باباً أدناها مثل أن يقع الرجل على أمه وإن أربى الربا استطالة المرء في عرض أخيه \" وأخرج جميل بن دراج عن الإمامية عن أبي عبد الله الحسين رضي الله تعالى عنه قال : \"درهم ربا أعظم عند الله تعالى من سبعين زنية كلها بذات محرم في بيت الله الحرام\". وأخرج عبد الرزاق وغيره عن علي كرم الله تعالى وجهه أنه قال : \"لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم في الربا خمسة آكله وموكله وشاهديه وكاتبه\". أ هـ {روح المعانى حـ 3 صـ 52}\rوقال ابن كثير : \rوقوله : {وَاللَّهُ لا يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ} أي : لا يحب كفور القلب أثيم القول والفعل ، ولا بد من مناسبة في ختم هذه الآية بهذه الصفة ، وهي أن المرابي لا يرضى بما قسم الله له من الحلال ، ولا يكتفي بما شرع له من التكسب المباح ، فهو يسعى في أكل أموال الناس بالباطل ، بأنواع المكاسب الخبيثة ، فهو جحود لما عليه من النعمة ، ظلوم آثم بأكل أموال الناس بالباطل. أ هـ {تفسير ابن كثير حـ 1 صـ 715 ـ 716}\rوقال ابن عاشور : \rوجملة : {والله لا يحب كل كفار أثيم} معترضة بين أحكام الربا.","part":9,"page":322},{"id":3827,"text":"ولما كان شأن الاعتراض ألاّ يخلو من مناسبة بينه وبين سياق الكلام ، كان الإخبار بأنّ الله لا يحبّ جميع الكافرين مؤذناً بأنّ الربا من شعار أهل الكفر ، وأنّهم الذين استباحوه فقالوا إنّما البيع مثل الربا ، فكان هذا تعريضاً بأنّ المرابي متَّسم بخلال أهل الشرك.\rومفاد التركيب أنّ الله لا يحبّ أحداً من الكافرين الآثمين لأنّ ( كل ) من صيغ العموم ، فهي موضوعة لاستغراق أفراد ما تضاف إليه وليست موضوعة للدلالة على صُبرة مجموعة ، ولذلك يقولون هي موضوعة للكل الجميعي ، وأما الكل المَجموعي فلا تستعمل فيه كل إلاّ مجازاً.\rفإذا أضيفت ( كل ) إلى اسم استغرقتْ جميع أفراده ، سواء ذلك في الإثبات وفي النفي ، فإذا دخل النفي على ( كل ) كان المعنى عموم النفي لسائر الأفراد ؛ لأنّ النفي كيفية تعرض للجملة فالأصل فيه أن يبْقَى مدلول الجملة كما هو ، إلاّ أنه يتكيّف بالسلْب عوضاً عن تكيّفه بالإيجاب ، فإذا قلت كلُّ الديار مَا دخلتُه ، أو لم أدخل كلّ دار ، أو كلّ دار لم أدخل ، أفاد ذلك نفي دخولك أيةَ دار من الديار ، كما أنّ مفاده في حالة الإثبات ثبوت دخولك كلّ دار ، ولذلك كان الرفع والنصب للفظ كل سواء في المعنى في قول أبي النَّجم : \rقد أصبحت أمّ الخيار تدّعي\rعَلَيّ ذنباً كُلُّه لم أصنع...\rكما قال سيبويه : إنّه لو نصب لكان أولى ؛ لأنّ النصب لا يفسد معنى ولا يخلّ بميزان.\rولا تخرج ( كل ) عن إفادة العموم إلاّ إذا استعملها المتكلم في خبر يريد به إبطال خبر وقعت فيه ( كل ) صريحاً أو تقديراً ، كأنْ يقول أحد : كل الفقهاء يحرّم أكل لحوم السباع ، فتقول له : ما كل العلماء يحرّم لحوم السباع ، فأنت تريد إبطال الكلية فيبقى البعض ، وكذلك في ردّ الاعتقادات المخطئة كقول المثَل : \"ما كل بيضاء شَحْمة\" ، فإنّه لردّ اعتقاد ذلك كما قال زفر بن الحارث الكلابي : \rوكُنَّا حَسِبْنا كُلّ بَيْضَاء شحمةً\r","part":9,"page":323},{"id":3828,"text":"وقد نَظر الشيخ عبد القادر الجرجاني إلى هذا الاستعمال الأخير فطرده في استعمال ( كل ) إذا وقعت في حَيّز النفي بعد أداة النفي وأطال في بيان ذلك في كتابه دلائل الإعجاز ، وزعم أنّ رجز أبي النجم يتغيّر معناه باختلاف رفع ( كل ) ونصبه في قوله \"كلّه لم أصنع\".\rوقد تعقّبه العلامة التفتازاني تعقّباً مجملاً بأنّ ما قاله أغلبي ، وأنّه قد تخلّف في مواضع.\rوقفّيت أنا على أثر التفتازاني فبيّنت في تعليقي \"الإيجاز على دلائل الإعجاز\" أنّ الغالب هو العكس وحاصله ما ذكرت هنا. أ هـ {التحرير والتنوير حـ 3 صـ 91 ـ 92\rفائدة\rقال السمرقندى : \rيقال : إن مال آكل الربا لا يخلو من أحد أوجه ثلاثة ، إما أن يذهب عنه أو عن ولده ، أو ينفقه فيما لا يصلح. أ هـ {بحر العلوم حـ 1 صـ 207}\rفائدة\rقال ابن كثير فى معنى الآية : \rيخبر الله تعالى أنه يمحق الربا ، أي : يذهبه ، إما بأن يذهبه بالكلية من يد صاحبه ، أو يَحْرمَه بركة ماله فلا ينتفع به ، بل يعذبه به في الدنيا ويعاقبه عليه يوم القيامة. كما قال تعالى : {قُلْ لا يَسْتَوِي الْخَبِيثُ وَالطَّيِّبُ وَلَوْ أَعْجَبَكَ كَثْرَةُ الْخَبِيثِ} [المائدة : 100] ، وقال تعالى : {وَيَجْعَلَ الْخَبِيثَ بَعْضَهُ عَلَى بَعْضٍ فَيَرْكُمَهُ جَمِيعًا فَيَجْعَلَهُ فِي جَهَنَّم} [الأنفال : 37] ، وقال : {وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ رِبًا لِيَرْبُوَ فِي أَمْوَالِ النَّاسِ فَلا يَرْبُو عِنْدَ اللَّه} [الآية] [الروم : 39].\rوقال ابن جرير : في قوله : {يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا} وهذا نظير الخبر الذي روي عن عبد الله بن مسعود ، عن النبي صلى الله عليه وسلم ، أنه قال : \"الربا وإن كثر فإلى قُلّ\".","part":9,"page":324},{"id":3829,"text":"وهذا الحديث قد رواه الإمام أحمد في مسنده ، فقال : حدثنا حجاج [قال] حدثنا شريك عن الركين بن الربيع [بن عميلة الفزاري] عن أبيه ، عن ابن مسعود ، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : \"إن الربا وإن كثر فإن عاقبته تصير إلى قل\" {المسند (1/395)}.\rوقد رواه ابن ماجة ، عن العباس بن جعفر ، عن عمرو بن عون ، عن يحيى بن أبي زائدة ، عن إسرائيل ، عن الركين بن الربيع بن عميلة الفزاري ، عن أبيه ، عن ابن مسعود ، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال : \"ما أحد أكثر من الربا إلا كان عاقبة أمره إلى قلة\". {سنن ابن ماجة برقم (2289) وقال البوصيري في الزوائد (2/199) : \"هذا إسناد صحيح رجاله ثقات\"}.\rوهذا من باب المعاملة بنقيض المقصود ، كما قال الإمام أحمد : حدثنا أبو سعيد مولى بني هاشم ، حدثنا الهيثم بن رافع الطاطري ، حدثني أبو يحيى -رجل من أهل مكة -عن فروخ مولى عثمان : أن عمر -وهو يومئذ أمير المؤمنين -خرج إلى المسجد ، فرأى طعاما منثورًا. فقال : ما هذا الطعام ؟ فقالوا : طعام جلب إلينا. قال : بارك الله فيه وفيمن جلبه. قيل : يا أمير المؤمنين ، إنه قد احتكر. قال : ومن احتكره ؟ قالوا : فروخ مولى عثمان ، وفلان مولى عمر. فأرسل إليهما فدعاهما فقال : ما حملكما على احتكار طعام المسلمين ؟ قالا يا أمير المؤمنين ، نشتري بأموالنا ونبيع!! فقال عمر : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : \"من احتكر على المسلمين طعامهم ضربه الله بالإفلاس أو بجذام \".\rفقال فروخ عند ذلك : أعاهد الله وأعاهدك ألا أعود في طعام أبدًا. وأما مولى عمر فقال : إنما نشتري بأموالنا ونبيع. قال أبو يحيى : فلقد رأيت مولى عمر مجذومًا.\rورواه ابن ماجة من حديث الهيثم بن رافع ، به. ولفظه : \"من احتكر على المسلمين طعامهم ضربه الله بالجذام والإفلاس\". {المسند (1/21) وسنن ابن ماجة برقم (2155)}. أ هـ {تفسير ابن كثير حـ 1 صـ 713}\rلطيفة\rقال القشيرى : ","part":9,"page":325},{"id":3830,"text":"ما كان بإذن منه - سبحانه - من التصرُّفات فمقرون بالخيرات ، ومصحوب بالبركات. وما كان بمتابعة الهوى يُسَلِّط عليه المَحْقَ ، وكانت عاقبة أمره الخسران. أ هـ {لطائف الإشارات حـ 1 صـ 211}\rمن فوائد ابن عرفة فى الآية\rقوله تعالى : {يَمْحَقُ الله الربا . . .}.\rقال ابن عرفة : الأحكام الشرعية منطوية بمصالح الدنيا والآخرة ، فلمّا تضمن الكلام السّابق حصول المصلحة الأخروية بالصدقة لقول الله تعالى {فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ وَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ} والعقوبة في الآخرة لفاعل الرّبا تضمّن هذا أنّه محصل للمصلحة الدنيوية ، والربا متضمن للمسفدة الدنيوية لأنّ الربا ( ممحقة ) للمال والصدقة زيادة فيه.\rوحمله ابن عطية على أنه في الدار الآخرة.\rوالظاهر الأول.\rوبدأ هنا بالرّبا ، وفيما تقدم بالصدقة وطريق المقابلة واللّف والنشر العكس.\rلكن الجواب لما كان ذكر الصدقة قد يطول الكلام فيه قدّم الكلام ( على ) الربا ثم عاد إلى الصدقة.\rفإن قلت : هلا قيل يمحق الله المال الذي فيه الرّبا فهو أبلغ في التخويف لأن محق المال الذي فيه الرّبا أشد لاستلزامه محق الربا وزيادة ؟ \rفالجواب : أن هذا ( أجلى ) من محق الربا والمخاطبون عوام.\rقوله تعالى : {والله لاَ يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ}.\rقال ابن عطية : يحتمل أن يريد : والله لا يحب توفيق الكفّار الأثيم. قاله ابن فورك.\rابن عطية : وهذا غير صحيح لأن الله تعالى يحب التوفيق على العموم ( ويحببه ).\rقلت : وسمعت القاضي أبا العباس بن حيدرة والمفتي أبا القاسم الغبريني يقولان : هذه نَزْغَةٌ اعتزالية غفل فيها واعتزل من حيث لا يشعر ، بل الله يحب الخير والشر تعالى أن يكون في ملكه ما لا يريد والرجل سني لا شك في فضله ودينه.","part":9,"page":326},{"id":3831,"text":"قال ابن عرفة : إن قلنا : إن نقيض المستحب مكروه فالمعنى ظاهر وإن قلنا : إن نقيضه غير مكروه فهلا قيل : والله يكره كل كفار أثيم ، لأن نفي المحبة أعم من الكراهة وعدمها.\rقال : وعادتهم يجيبون بقول العرب في المدح ( التام ) حبذا زيد.\r( وفي الذم التام لا حبذا زيد ) فنفي المحبة عندهم يستلزم الكراهة.\rفإن قلت : هلا قيل : والله لا يحب كل ( كافر ) أثيم فهو أبلغ ؟ \rقلت : إنه لما كان النفي أخص كان ( المنفي ) أعم. أ هـ {تفسير ابن عرفة صـ 355}","part":9,"page":327},{"id":3832,"text":"أسئلة وأجوبة\rقوله تعالى : \"يمحق الله الربا ويربى الصدقات والله لا يحب كل كفار أثيم\" ، وفى سورة النساء : \"إن الله لا يحب من كان مختالا فخورا الذين يبخلون ويأمرون الناس بالبخل\" ، وفى موضع ثان بعد : \"إن الله لا يحب من كان خوانا أثيما\" وفى سورة الحديد : \"والله لا يحب كل محتال فخور الذين يبخلون\".\rللسائل أن يسأل فى هذه الآى عن شيئين أحدهما : ما وجه اختصاص كل آية من هذه الأربع بالوصف المذكور فيها الموجب لكونه تعالى لا يحب المتصف به ؟\rالثانى : أن تلك الأوصاف إذا كانت موجبة لما حكم به تعالى عليهم من أنه لا يحبهم وقد استوت فى إيجاب هذا الحكم فما وجه اختصاص آيتى النساء منها بتأكيد ذلك الحكم بأن ورود آية البقرة وآية الحديد معطوف فيهما ما ورد فى آيتى النساء مؤكدا بـ\"إن\" وهل ذلك لموجب يقتضيه ؟ .\rوالجواب عن الأول : أن وجه اختصاص كل آية منها بما ورد فيها من الوصف الموجب لكونه تعالى لا يحب المتصف به مناسبة كل آية منها لما تقدمها.\rأما آية البقرة فإن قبلها قوله تعالى : \"الذين يأكلون الربا لا يقومون إلا كما يقوم الذى يتخبطه الشيطان من المس ذلك بأنهم قالوا إنما البيع مثل الربا\"\rفوصفهم بأكل الربا حتى أعقبهم ذلك تخبطهم فى قيامهم كفعل المجانين وأنهم سووا بين البيع المشروع والربا الممنوع وذلك كفر وتكذيب فوصفوا بما يقتضى المبالغة فى مرتكبهم من منع حب الله تعالى إياهم فقال تعالى : \"والله لا يحب كل كفار أثيم\" ، وفعال وفعيل أبنية للمبالغة وهو وصف مناسب لحالهم.\rوورد قبل آية النساء قوله تعالى : \"واعبدوا الله ولا تشركوا به شيئا وبالوالدين إحسانا وبذى القربى واليتامى والمساكين والجار ذى القربى والجار الجنب والصاحب بالجنب وابن السبيل وما ملكت أيمانكم\"","part":9,"page":328},{"id":3833,"text":"فأمرهم سبحانه بعبادته وتوحيده وبالإحسان إلى المذكورين فى الآية ومن الإحسان إليهم خفض الجناح ولين المقال والإنصاف بما وصف الله به من يحبهم فى قوله : \"أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين\" ، والاختلال والفخر مضاده لهذه الأوصاف الحميده مانعة منها ولا يمكن معها الإحسان المطلوب فى الآية فلهذا أعقبت بقوله تعالى : \"إن الله لا يحب من كان مختالا فخورا\"\rفان المنصف بهذا متصف بنقيض الإحسان فمناسبة هذا بينة.\rوأما الآية الثانية من سورة النساء فقد تقدمها قوله تعالى : \"إنا أنزلنا إليك الكتاب بالحق لتحكم بين الناس بما أراك الله ولا تكن للخائنين خصيما\" ، ثم قال : \"ولا تجادل عن الذين يختانون أنفسهم\" ، قدم الخائنين وحذر نبيه صلى الله عليه وسلم من معاونتهم والجدال عنهم وأعقب بأنه لا يحب من اتصف بصفاتهم فقال تعالى : \"إن الله لا يحب من كان خوانا أثيما\" ، وتناسب هذا أوضح شئ.\rوأما آية الحديد فإن قبلها قوله تعالى : \"اعلموا أنما الحياة الدنيا لعب ولهو وزينة وتفاخر بينكم...الآية \" فناسب هذا قوله تعالى : \"والله لا يحب كل مختال فخور\"\rفقد وضحت مناسبة كل آية من هذه لما اتصلت به وإن كان كل آية من هذه المعقبات لا يلائمها غير ما اتصلت به والله أعلم.\rوقد وضع فى هذا الجواب جواب السؤال الثانى وهو أن آية البقرة إنما ترتبت على آكلى الربا والمسوين بينه وبين البيع المشروع وهؤلاء صنف واحد ومرتكبهم واحد وأن آية الحديد ترتبت على حكم الخيلاء والفخر وذلك إذا تحقق أيضا راجع إلى الكبر فالمادة واحدة.","part":9,"page":329},{"id":3834,"text":"أما آية النساء فإن الأولى منها تقتضى بحسب من ذكر فيها واختلاف أحوالهم تفصيل المرتكب وتعداد المطلوب فيها وقد اشتملت على أمر ونهى فناسب اتباع المطلب تأكيد الخبر المترتب عليه من الجزاء فأكد بأن المقتضية تأكيد الخبر وكذلك الآية الثانية لأن خيانة النفس تنتشر مواقعها فتارك الطاعة قد خان نفسه وفاعل المعصية كذلك وأفعال الطاعة كثيرة لا تنحصر وكذلك المخالفات فناسب الكثرة التأكيد وهذا كله بخلاف آية البقرة وآية الحديد فى المرتكب فيهما كما تقدم فجاء كل على ما يناسب والله أعلم. أ هـ {ملاك التأويل صـ 96 ـ 98}","part":9,"page":330},{"id":3835,"text":"بحث نفيس فى الآية الكريمة للشيخ الشنقيطى\rذكرته مع طوله لكثرة الحاجة إليه ولما تضمنه من فرائد ونفائس\rقال عليه الرحمة : \rقوله تعالى : {يَمْحَقُ الله الربا}.\rصرح في هذه الآية الكريمة بأنه يمحق الربا أي : يذهبه بالكلية من يد صاحبه أو يحرمه بركة ماله فلا ينتفع به كما قاله ابن كثير وغيره ، وما ذكر هنا من محق الربا أشار إليه في مواضع أخر كقوله : {وَمَآ آتَيْتُمْ مِّن رِّباً لِّيَرْبُوَ فِي أَمْوَالِ الناس فَلاَ يَرْبُو عِندَ الله} [ الروم : 39 ] وقوله : {قُل لاَّ يَسْتَوِي الخبيث والطيب وَلَوْ أَعْجَبَكَ كَثْرَةُ الخبيث} [ المائدة : 100 ] الآية. وقوله : {وَيَجْعَلَ الخبيث بَعْضَهُ على بَعْضٍ فَيَرْكُمَهُ جَمِيعاً فَيَجْعَلَهُ فِي جَهَنَّمَ} [ الأنفال : 37 ] كما أشار إلى ذلك ابن كثير في تفسير هذه الآية.\rواعلم أن الله صرح بتحريم الربا بقوله : {وَحَرَّمَ الربا} [ البقرة : 275 ] وصرح بأن المتعامل بالربا محارب الله بقوله : {ياأيها الذين آمَنُواْ اتقوا الله وَذَرُواْ مَا بَقِيَ مِنَ الربا إِن كُنْتُمْ مُّؤْمِنِينَ فَإِن لَّمْ تَفْعَلُواْ فَأْذَنُواْ بِحَرْبٍ مِّنَ الله وَرَسُولِهِ وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُؤُوسُ أَمْوَالِكُمْ لاَ تَظْلِمُونَ وَلاَ تُظْلَمُونَ} [ البقرة : 278-279 ].\rوصرح بأن آكل الربا لا يقوم أي : من قبره يوم القيامة إلا كما يقوم الذي يتخبطه الشيطان من المس بقوله : {الذين يَأْكُلُونَ الربا لاَ يَقُومُونَ إِلاَّ كَمَا يَقُومُ الذي يَتَخَبَّطُهُ الشيطان مِنَ المس ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قالوا إِنَّمَا البيع مِثْلُ الربا} [ البقرة : 275 ] والأحاديث في ذلك كثيرة جداً.","part":9,"page":331},{"id":3836,"text":"واعلم أن الربا منه ما أجمع المسلمون على منعه ولم يخالف فيه أحد وذلك كربا الجاهلية ، وهو أن يزيده في الأجل على أن يزيده الآخر في قدر الدين وربا النساء بين الذهب والذهب ، والفضة والفضة ، وبين الذهب والفضة ، وبين البر والبر ، وبين الشعير والشعير ، وبين التمر والتمر ، وبين الملح والملح وكذلك بين هذه الأربعة بعضها مع بعض.\rوكذلك حكى غير واحد الإجماع على تحريم ربا الفضل ، بين كل واحد من الستة المذكورة فلا يجوز الفضل بين الذهب والذهب ، ولا بين الفضة والفضة ، ولا بين البر والبر ، ولا بين الشعير والشعير ، ولا بين التمر والتمرن ولا بين الملح والملح ، ولو يداً بيد.\rوالحق - الذي لا شك فيه - منع ربا الفضل في النوع الواحد من الأصناف الستة المذكورة ، فإن قيل : ثبت في الصحيح عن ابن عباس ، عن أسامة بن زيد ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : \" لا ربا إلا في النسيئة \" وثبت في الصحيح عن أبي المنهال أنه قال : سألت البراء بن عازب ، وزيد بن أرقم عن الصَّرف فقالا : كنا تاجرين على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم بجواز الفضل ومنع النسيئة فيما رواه عنه أسامة ، والبراء ، وزيد ، إنما هو في جنسين مختلفين ، بدليل الروايات الصحيحة المصرحة بأن ذلك هو محل جواز التفاضل ، وأنه في الجنس الواحد ممنوع.\r","part":9,"page":332},{"id":3837,"text":"واختار هذا الوجه البيهقي في السنن الكبرى ، فإنه قال بعد أن ساق الحديث الذي ذكرنا ىنفاً عن البراء بن عازب ، وزيد بن أرقم ، ما نصه : رواه البخاري في الصحيح عن أبي عاصم ، دون ذكر عامر بن مصعب ، وأخرجه من حديث حجاج بن محمد ، عن ابن جريج ، مع ذكر عامر بن مصعب ، وأخرجه مسلم بن الحجاج ، عن محمد بن حاتم بن ميمون عن سفيان بن عيينة ، عن عمرو بن دينار ، عن أبي المنهال ، قال : باع شريك لى ورقاً بنسيئة إلى الموسم أو إلى الحج ، فذكره وبمعناه رواه البخاري عن علي بن المديني عن سفيان ، وكذلك رواه أحمد بن روح ، عن سفيان وروى عن الحميدي عن سفيان عن عمرو بن دينار ، عن أبي المنهال ، قال : باع شريك لي بالكوفة دراهم بدراهم بينهما فضل.\rعندي أن هذا خطأ ، والصحيح ما رواه علي بن المديني ، ومحمد بن حاتم ، وهو المراد بما أطلق في رواية ابن جريج ، فيكون الخبر وارداً في بيع الجنسين ، أحدهما بالآخر ، فقال : ما كان منه يداً بيد فلا بأس ، وما كان منه نسيئة فلا ، وهو المراد بحديث أسامة والله أعلم.\r","part":9,"page":333},{"id":3838,"text":"والذي يدل على ذلك أيضاً ما أخبرنا أبو الحسين بن الفضل القطان ببغداد : أنا أبو سهل بن زياد القطان ، حدثنا أحمد بن محمد بن عيسى البرتي ، حدثنا أبو عمر ، حدثنا شعبة ، أخبرني حبيب هو ابن أبي ثابت ، قال سمعت أبا المنهال قال : سألت البراء وزيد بن أرقم عن الصرف فكلاهما يقول : نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن بيع الورق بالذهب ديناً ، رواه البخاري في الصحيح عن أبي عمر حفص بن عمر وأخرجه مسلم من وجه آخر عن شعبة اه من البيهقي بلفظه ، وهو واضح جداً فيما ذكرنا. من أن المراد بجواز الفضل المذكور كونه في جنسين لا جنس واحد ، وفي تكملة المجموع بعد أن ساق الكلام الذي ذكرنا عن البيهقي ما نصه : ولا حجة لمتعلق فيهما. لأنه يمكن حمل ذلك على أحد أمرين ، إما أن يكون المراد بيع دراهم بشيء ليس ربوياً ، ويكون الفساد لأجل التأجيل بالموسم أو الحج ، فإنه غير محرر ولا سيما على ما كانت العرب تفعل.\rوالثاني : أن يحمل ذلك على اختلاف الجنس ويدل له رواية أخرى عن أبي المنهال. قال : سألت البراء بن عازب وزيد بن أرقم عن الصرف فكلاهما يقول : نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن بيع الذهب بالورق ديناً ، رواه البخاري ومسلم ، وهذا لفظ البخاري ومسلم بمعناه. وفي لفظ مسلم عن بيع الورق بالذهب ديناً ، فهو يبين أن المراد صرف الجنس بجنس آخر.\rوهذه الرواية ثابتة من حديث شعبة عن حبيب بن أبي ثابت عن أبي المنهال ، والروايات الثلاث الأول رواية الحميدي ، واللتان في الصحيح وكلها أسانيدها في غاية الجودة.\r","part":9,"page":334},{"id":3839,"text":"ولكن حصل الاختلاف في سفيان فخالف الحميدي علي بن المديني ، ومحمد بن حاتم ، ومحمد بن منصور ، وكل من الحميدي وعلي بن المديني في غاية الثبت. ويترجح ابن المديني هنا بمتابعة محمد بن حاتم ، ومحمد بن منصور له ، وشهادة ابن جريج لروايته ، وشهادة رواية حبيب بن أبي ثابت لرواية شيخه ، ولأجل ذلك قال البيهقي رحمه الله : إن رواية من قال إنه باع دراهم بدراهم خطأ عنده اه منه بلفظه.\rوقال ابن حجر في فتح الباري ما نصه : وقال الطبري معنى حديث أسامة \" لا ربا إلا في النسيئة \" إذا اختلفت أنواع البيع اه محل الغرض منه بلفظه ، وهو موافق لما ذكر. وقال في فتح الباري أيضاً ما نصه.\rتنبيه : وقع في نسخة الصغاني هنا قال أبو عبد الله : يعني البخاري ، سمعت سليمان بن حرب يقول : لا ربا إلا في النسيئة ، هذا عندنا في الذهب بالورق ، والحنطة بالشعير ، متفاضلاً ولا بأس به يداً بيد ، ولا خير فيه نسيئة. قلت : وهذا موافق اه منه بلفظه.\rوعلى هامش النسخة أن بعد قوله وهذا موافق بياضاً بالأصل ، وبهذا الجواب الذي ذكرنا تعلم : أن حديث البراء وزيد لا يحتاج بعد هذا الجواب إلى شيء. لأنه قد ثبت في الصحيح عنهما تصريحهما باختلاف الجنس فارتفع الإشكال ، والروايات يفسر بعضها بعضاً ، فإن قيل : هذا لا يكفي في الحكم على الرواية الثابتة في الصحيح بجواز التفاضل بين الدراهم والدراهم أنها خطأ. إذ لقائل أن يقول لا منافاة بين الروايات المذكورة ، فإن منها ما أطلق فيه الصلاف ومنها ما بين أنها دراهم بدراهم ، فيحمل المطلق على المقيد ، جميعاً بين الروايتين. فإن إحداهما بينت ما أبهمته الأخرى ، ويكون حديث حبيب بن أبي ثابت حديثاً آخر وارداً في الجنسين ، وتحريم النساء فيهما ، ولا تنافي في ذلك ولا تعارض.\r","part":9,"page":335},{"id":3840,"text":"فالجواب على تسليم هذا بأمرين : أحدهما أن إباحة ربا الفضل منسوخة. والثاني : أن أحاديث تحريم ربا الفضل أرجح وأولى بالاعتبار على تقدير عدم النسخ من أحاديث إباحته. ومما يدل على النسخ ما ثبت في الصحيح عن أبي المنهال قال : باع شريك لي ورقاً بنسيئة إلى الموسم أو إلى الحج ، فجاء إليَّ فأَخبرني فقلت هذا أَمر لا يصح ، قال قد بعته في السوق فلم ينكر ذلك عليَّ أحد ، فأتيت الراء بن عازب فسألته فقال قدم النَّبي صلى الله عليه وسلم المدينة ونحن نبيع هذا البيع ، فقال \" ما كان يداً بيدٍ فلا بأس به ، وما كان نسيئة فهو رباً \" ، وأتيت زيد بن أرقم فإنه أعظم تجارة مني ، فأتيته فسألته فقال مثل ذلك. هذا لفظ مسلم في صحيحه. وفيه التصريح بأن إباحة ربا الفضل المذكورة في حديث البراء بن عازب وزيد بن أرقم كانت مقارنة لقدومه صلى الله عليه وسلم المدينة مهاجراً.\r","part":9,"page":336},{"id":3841,"text":"وفي بعض الروايات الصحيحة في تحريم ربا الفضل أنه صلى الله عليه وسلم صرح بتحريمه في يوم خيبر ، وفي بعض الروايات الصحيحة تحريم ربا الفضل بعد فتح خيبر أيضاً ، فقد ثبت في الصحيح من حديث فضالة بن عبيد الأنصاري رضي الله عنه قال : أُتي رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو بخيبر بقلادة فيها خرز وذهب ، وهي من المغانم تباع ، فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بالذَّهب الذي في القلادة فنزع وحده ، ثم قال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم : \" الذهب بالذهب وزناً بوزن \" هذا لفظ مسلم في صحيحه ، وفي لفظ له في صحيحه أيضاً عن فضالة بن عبيد قال : اشتريت يوم خيبر قلادة باثني عشر ديناراً فيها ذهب وخرز ففصلتها فوجدت فيها أكثر من اثني عشر ديناراً ، فذكرت ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم فقال : \" لا تباع حتى تفصل \" وفي لفظ له في صحيحه أيضاً عن فضالة رضي الله عنه قال : \" كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم خيبر نبايع اليهود الوقية الذهب بالدينارين والثلاثة ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : \" لا تبيعوا الذهب بالذهب ، إلا وزناً بوزن \" وقد ثبت في الصحيحين من حديث أبي هريرة وأبي سعيد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث أخا بني عدي الأنصاري فاستعمله على خيبر ، فقدم بتمر جنيب ، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم : \" لا تفعلوا ، ولكن مثلاً بمثل ، أو بيعوا هذا واشتروا بثمنه من هذا ، وكذلك الميزان \" هذا لفظ مسلم في صحيحه. وفي لفظ لهما عن أبي هريرة وأبي سعيد أيضاً أن رسول الله صلى الله عليه وسلم استعمل رجلاً على خيبر فجاء بتمر جنيب فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم : \" أكل تمر خيبر هكذا \" ؟ قال : لا والله يا رسول الله. إنا لنأخذ الصاع من هذا بالصاعين ، والصاعين بالثلاثة ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : \" فلا تفعل بع الجمع بالدراهم ثم ابتع بالدراهم جنيباً \" والأحاديث بمثله كثيرة ، وهي نص صريح في تصريحه","part":9,"page":337},{"id":3842,"text":"صلى الله عليه وسلم بتحريم ربا الفضل بعد فتح خير. فقد اتضح لك من هذه الروايات الثابتة في الصحيح : أن إباحة ربا الفضل كانت زمن قدومه صلى الله عليه وسلم المدينة مهاجراً ، وأن الروايات المصرحة بالمنع صرحت به في يوم خيبر وبعده ، فتصريح النَّبي صلى الله عليه وسلم بتحريم ربا الفضل بعد قدومه المدينة بنحو ست سنين وأكثر منها ، يدل دلالة لا لبس فيها على النسخ ، وعلى كل حال فالعبرة بالمتأخر ، وقد كانوا يأخذون بالأحدث فالأحدث ، وأيضاً فالبراء وزيد رضي الله عنهما كانا غير بالغين في وقت تحملهما الحديث المذكور عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، بخلاف الجماعة من الصحابة الذين رووا عنه تحريم ربا الفضل ، فإنهم بالغون وقت التحمل.\r","part":9,"page":338},{"id":3843,"text":"ورواية البالغ وقت التحمل أرجح من رواية من تحمل وهو صبي : للخلاف فيها دون رواية المتحمل بالغاً وسن البراء وزيد وقت قدومه صلى الله عليه وسلم المدينة ، نحو عشر سنينز لما ذكره ابن عبد البر عن منصور بن سلمة الخزاعي : أنه روى بغسناده إلى زيد بن جارية أن رسول الله صلى الله عليه وسلم استصغره يوم أحد ، والبراء بن عازب ، وزيد بن أرقم ، وأبا سعيد الخدري ، وسعد بن حبته ، وعبد الله بن عمر. وعن الواقدي أو أول غزوة شهداها الخندق ، وممن قال : بأن حديث البراء وزيد منسوخ ، راويه الحميدي. وناهيك به علماً واطلاعاً. وقول راوي الحديث : إنه منسوخ ، في كونه يكفي في النسخ. خلاف معروف عند أهل الأصول ، وأكثر المالكية والشافعية لا يكفي عندهم. فإن قيل : ما قدمتم من كون تحريم ربا الفضل واقعاً بعد إباحته ، يدل على النسخ في حديث البراء وزيد ، لعلم التاريخ فيهما ، وأن حديث التحريم هو المتأخر ، ولكن أين لكم معرفة ذلك في حديث أسامة ؟ ومولد أسامة مقارب لمولد البراء وزيد. لأن سن أسامة وقت وفاته صلى الله عليه وسلم عشرون سنة ، وقيل : ثمان عشرة ، وسن البراء وزيد وقت وفاته صلى الله عليه وسلم نحو العشرين ، كما قدمنا ما يدل عليه.\rفالجواب : أنه يكفي في النسخ معرفة أن إباحة ربا الفضل وقعت قبل تحريمه ، والمتأخر يقضي على المتقدم.\r","part":9,"page":339},{"id":3844,"text":"الجواب الثاني : عن حديث أسامة أنه رواية صحابي واحد ، وروايات منع ربا الفضل عن جماعة من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ، رووها صريحة عنه صلى الله عليه وسلم ، ناطقة بمنع ربا الفضل منهم أبو سعيد ، وأبو بكر ، وعمر ، وعثمان ، وأبو هريرة وهشام بن عامر ، وفضالة بن عبيد ، وأبو بكرة ، وابن عمر ، وأبو الدرداء ، وبلال ، وعبادة بن الصامت ، ومعمر بن عبد الله وغيرهم وروايات جل من ذكرنا ثابتة في الصحيح ، كرواية أبي هريرة ، وأبي سعيد ، وفضالة بن عبيد ، وعمر بن الخطاب ، وأبي بكرة ، وعبادة بن الصامت ، ومعمر بن عبد الله ، وغيرهم. وإذا عرفت ذلك فرواية الجماعة من العدول أقوى وأثبت وأبعد من الخطأ ، من رواية الواحد.\rوقد تقرر في الأصول أن كثرة الرواة من المرجحات ، وكذلك كثرة الأدلة كما عقده في مراقي السعود ، في مبحث الترجيح ، باعتبار حال المروي بقوله : \rوكثرة الدليل والرواية... مرجح لدى ذوي الدرايه\rوالقول بعدم الترجيح بالكثرة ضعيف ، وقد ذكر سليم الداري أن : الشافعي أومأ إليه ، وقد ذهب إليه بعض الشافعية والحنفية.\rالجواب الثالث : عن حديث أسامة أنه دل على إباحة ربا الفضل ، وأحاديث الجماعة المذكورة دلت على منعه في الجنس الواحد من المذكورات ، وقد تقرر في الأصول أن النص الدال على المنع مقدم على الدال على الإباحة.\rلأن ترك مباح أهون من ارتكاب حرام ، وقد قدمناه عن صاحب المراقي ، وهو الحق خلافاً للغزالي ، وعيسى بن ابان وأبي هاشم وجماعة من المتكلمين حيث قالوا : هما سواء.\r","part":9,"page":340},{"id":3845,"text":"الجواب الرابع : عن حديث أسامة أنه عام بظاهره في الجنس والجنسين ، وأحاديث الجماعة أخص منه. لأنها مصرحة بالمنع مع اتحاد الجنس ، وبالجواز مع اختلاف الجنس ، والأخص مقدم على الأعم. لأنه بيان له ولا يتعارض عام وخاص ، كما تقرر في الأصول. ومن مرجحات أحاديث منع ربا الفضل على حديث أسامة الحفظ. فإن في رواته أبا هريرة ، وأبا سعيد ، وغيرهما ، ممن هو مشهور بالحفظ. ومنها غير ذلك. وقال ابن حجر في فتح الباري ما نصه : واتفق العلماء على صحة حديث أسامة ، واختلفوا في الجمع بينه وبين حديث أبي سعيد ، فقيل : منسوخ لكن النسخ لا يثبت بالاحتمال ، وقيل : المعنى في قوله لا ربا الربا الأغلظ الشديد التحريم ، المتوعد عليه بالعقاب الشديد ، كما تقول العرب : لا عالم في البلد إلا زيد ، مع أن فيها علماء غيره وإنما القصد نفي الأكمل لا نفي الأصل ، وأيضاً فنفي تحريم ربا الفضل من حديث أسامة إنما هو بالمفهوم. فيقدم عليه حديث أبي سعيد. لأن دلالته بالمنطوق. ويحمل حديث اسامة على الربا الأكبر كما تقدم ، والله أعلم اه منه.\r","part":9,"page":341},{"id":3846,"text":"وقوله النسخ لا يثبت بالاحتمال مردود بما قدمنا من الروايات المصرحة بأن التحريم بعد الإباحة ومعرفة المتأخر كافية في الدلالة على النسخ ، وقد روى عن ابن عباس وابن عمر أنهما رجعا عن القول بإباحة ربا الفضل ، قال البيهقي في السنن الكبرى ما نصه : \" باب ما يستدل به على رجوع من قال من الصدر الأول لا ربا إلا في النسيئة عن قوله ونزوعه عنه \" أخبرنا ابو عبد الله الحافظ : أنا أبو الفضل بن إبراهيم حدثنا أحمد بن سلمة حدثنا إسحاق بن إبراهيم أنا عبد الأعلى حدثنا داود بن أبي هند عن أبي نضرة قال : سالت ابن عمر وابن عباس عن الصرف فلم يريا به باساً ، وإني لقاعد عند أبي سعيد الخدري فسألته عن الصرف ، فقال ما زاد فهو رباً ، فأنكرت ذلك لقولهما ، فقال : لا احدثكم إلا ما سمعت من رسول الله صلى الله عليه وسلم : جاءه صاحب نخلة بصاع من تمر طيب ، وكان تمر النَّبي صلى الله عليه وسلم هو الدون ، فقال له النَّبي صلى الله عليه وسلم \" إنى لك هذا \" قال انطلقت بصاعين واشتريت به هذا الصاع. فإن سعر هذا بالسوق كذا ، وسعر هذا بالسوق كذا.\rفقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم \" أربيت ؟ إذا أردت ذلك فبع تمرك بسلعة ، ثم اشتر بسلعتك أي تمر شئت \" فقال أبو سعيد ، فالتمر بالتمر أحق أن يكون ربا ، أم الفضة بالفضة ؟ قال فأتيت ابن عمر بعد فنهاني ، ولم آت ابن عباس قال : فحدثني أبو الصهباء أنه سأل ابن عباس فكرهه ، رواه مسلم في الصحيح عن إسحاق بن إبراهيم. وقال : وكان تمر النَّبي صلى الله عليه وسلم هذا اللون.\r","part":9,"page":342},{"id":3847,"text":"أخبرنا محمد بن عبد الله الحافظ ، حدثنا الحسين بن محمد بن أحمد بن محمد بن الحسين أبو علي الماسرجسي ، حدثنا جدي أبو العباس أحمد بن محمد ، وهو ابن بنت الحسن بن عيسى ، حدثنا جدي الحسن بن عيسى ، أنا ابن المبارك ، أنا يعقوب بن أبي القعقاع ، عن معروف بن سعد ، أنه سمع أبا الجوزاء يقول : كنت أخدم ابن عباس تسع سنين إذ جاء رجل فسأله عن درهم بدرهمين ، فصاح ابن عباس وقال : إن هذا يأمرني أن أطعمه الربا ، فقال ناس حوله إن كنا لنعمل هذا بفتياك ، فقال ابن عباس قد كنت أفتي بذلك حتى حدثني أبو سعيد وابن عمر أن النَّبي صلى الله عليه وسلم نهى عنه فأنا أنهاكم عنه. وفي نسختنا من سنن البيهقي في هذا الإسناد ابن المبارك ، والظاهر : أن الأصل أبو المبارك كما يأتي. أخبرنا أبو الحسين ابن الفضل القطان ببغداد أنا عبد الله بن جعفر بن درستويه ، حدثنا يعقوب بن سفيان ، حدثنا عبيد الله بن موسى عن إسرائيل عن أبي إسحاق ، عن سعد بن إياس ، عن عبد الله بن مسعود ، أن رجلاً من بني شمخ بن فزارة ، سأله عن رجل تزوج امرأة فرأى أمها فأعجبته ، فطلق امرأته. ليتزوج أمها ، قال لا باس فتزوجها الرجل وكان عبد الله على بيت المال ، وكان يبيع نفاية بيت المال يعطي الكثير ، ويأخذ القليل ، حتى قم المدينة. فسأل أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم فقالوا : لا يحل لهذا الرجل هذه المرأة ، ولا تصح الفضة إلا وزناً بوزن. فلما قدم عبد الله انطلق إلى الرجل فلم يجده ، ووجد قومه فقال إن الذي أفتيت به صاحبكم لا يحل فقالوا : إنها قد نثرت له بطنها ، قال وإن كان. وأتى الصيارفة فقال يا معشر الصيارفة : إن الذي كنت أبايعكم ، لا يحل ، لا تحل الفضة بالفضة ، إلا وزناً بوزن اه من البيهقي بلفظه ، وفيه التصريح برجوع ابن عمر وابن عباس وابن مسعود عن القول بإباحة ربا الفضل ، وقال ابن حجر في الكلام على حديث أسامة المذكور ما نصه ، وخالف فيه. يعني : منع ربا الفضل ابن","part":9,"page":343},{"id":3848,"text":"عمر ثم رجع ، وابن عباس ، واختلف في رجوعه ، وقد روى الحاكم من طريق حيان العدوي وهو بالمهملة والتحتانية ، سألت أبا مجلز عن الصرف فقال : كان ابن عباس لا يرى به بأساً زماناً من عمره ، ما كان منه عيناً بعين ، يداً بيد ، وكان يقول : إنما الربا في النسيئة ، فلقيه أبو سعيد فذكر القصة والحديث ، وفيه التمر بالتمر ، والحنطة بالحنطة ، والشعير بالشعير ، والذهب بالذهب ، والفضة بالفضة ، يداً بيد ، مثلاً بمثل ، فما زاد فهو ربا ، فقال ابن عباس.\rأستغفر الله وأتوب إليه ، فكان ينهى عنه أشد النهي. اه من فتح الباري بلفظه. وفي تملة المجموع لتقي الدين السبكي بعد أن ساق حديث حيان هذا ما نصه : رواه الحاكم في المستدرك ، وقال هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه بهذه السياقة ، وفي حكمه عليه بالصحة نظر. فإن حيان بن عبيد الله المذكور ، قال ابن عدي : عامة ما يرويه إفرادات يتفرد بها ، وذكر ابن عدي في ترجمته حديثه في الصرف هذا بسياقه ، ثم قال وهذا الحديث من حديث أبي مجلز عن ابن عباس ، تفرد به حيان. قال البيهقي وحيان : تكلموا فيه. واعلم : أن هذا الحديث ينبغي الاعتناء بأمره ، وتبيين صحته من سقمه. لأمر غير ما نحن فيه : وهو قوله : وكذلك ما يكال ويوزن ، وقد تكلم فيه بنوعين من الكلام أحدهما تضعيف الحديث جملة ، وإليه أشار البيهقي ، وممن ذهب غلى ذلك ابن حزم ، أعله بشيء أنبه عليه ، لئلا يغتر به : وهو أنه أعله بثلاثة أشياء : \rأحدها : أنه منقطع. لأن ابا مجلز لم يسمع من أبي سعيد ، ولا من ابن عباس.\rوالثاني : لذكره أن ابن عباس رجع ، واعتقاد ابن حزم : أن ذلك باطل. لمخالفة سعيد بن جبير.\r","part":9,"page":344},{"id":3849,"text":"والثالث : أن حيان بن عبيد الله مجهول ، فأما قوله : إنه منقطع فغير مقبول. لأن أبا مجلز أدرك ابن عباس وسمع منه ، وأدرك أبا سعيد. ومتى ثبت ذلك لا تسمع دعوى عدم السماع إلا بثبت ، وأما مخلفة سعيد بن جبير فسنتكلم عليها في هذا الفصل إن شاء الله تعالى ، وأما قوله إن حيان بن عبيد الله مجهول ، فإن أراد مجهول العين فليس بصحيح بل هو رجل مشهور ، روى عنه حديث الصرف هذا محمد بن عبادة ، ومن جهته أخرجه الحاكم ، وذكره ابن حزم ، وإبراهيم بن الحجاج الشامي ، ومن جهته رواه ابن عدي ، ويونس بن محمد ، ومن جهته رواه البيهقي ، وهو حيان بن عبيد الله بن حيان بن بشر بن عدي ، بصري سمع أبا مجلز لاحق بن حميدو ، والضحاك وعن أبيه ، وروى عن عطاء ، وابن بريدة ، روى عنه موسى بن إسماعيل ، ومسلم بن إبراهيم ، وأبو داود ، وعبيد الله بن موسى ، عقد له البخاري وابن أبي حاتم ترجمة ، فذكر كل منهما بعض ما ذكرته ، وله ترجمة في كتاب ابن عدي أيضاً. كما أشرت إليه. فزال عنه جهالة العين ، وإن أراد جهالة الحال فهو قد رواه من طريق إسحاق بن راهويه ، فقال في إسناده : أخبرنا روح ، قال حدثنا حيان بن عبيد الله ، وكان رجل صدق فإن كانت هذه الشهادة له بالصدق من روح بن عبادة ، فروح محدث ، نشأ ف يالحديث عارف به ، مصنف متفق على الاحتجاج به ، بصري بلدي المشهود له فتقبل شهادته له ، وإن كان هذا القول من إسحاق بن راهويه فناهيك به ، ومن يثني عليه إسحاق.\r","part":9,"page":345},{"id":3850,"text":"وقد ذكر ابن أبي حاتم حيان بن عبيد الله هذا. وذكر جماعة من المشاهير ممن رووا عنه وممن روى عنهم ، وقال : إنه سأل أباه عنه فقال صدوق ، ثم قال وعن سليمان بن علي الربعي ، عن أبي الجوزاء أوس بن عبد الله الربعي ، قال سمعته بأمر بالصرف يعني ابن عباس ، وتحدث ذلك عنه ، ثم بلغني أنه رجع عن ذلك فلقيته بمكة ، فقلت إنه بلغني أنك رجعت قال : نعم ، إنما كان ذلك رأياً مني ، وهذا أبو سعيد حدث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه نهى عن الصرف ، رويناه في سنن ابن ماجه ، ومسند الإمام أحمد ، بإسناد رجاله على شرط الصحيحين ، إلى سليمان بن علي ، وسليمان بن علي روى له مسلم. وقال ابن حزم : إنه مجهول لا يدري من هو ؟ وهو غير مقبول منه. لما تبين. ثم قال : وعن أبي الجوزاء قال : كنت أخدم ابن عباس رضي الله عنهما تسع سنين ثم ساق حديث أبي الجوزاء عن ابن عباس ، الذي قدمنا عن البيهقي ، ثم قال رواه البيهقي في السنن الكبرى بإسناد فيه أبو المبارك ، وهو مجهول. ثم قال : وروينا عن عبد الرحمن بن أبي نعم بضم النون وإسكان العين ، أن أبا سعيد الخدري لقي ابن عباس فشهد على رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال : \" الذهب بالذهب ، والفضة بالفضة ، مثلاً بمثل. فمن زاد فقد أربى \" فقال ابن عباس : أتوب إلى الله مما كنت أفتي به ، ثم رجع. رواه الطبراني بإسناد صحيح ، وعبد الرحمن بن أبي نعم تابعي ، ثقة متفق عليه ، معروف بالرواية عن أبي سعيد ، وابن عمر ، وغيرهما من الصحابة ، وعن أبي الجوزاء قال : سألت ابن عباس عن الصرف عن الدرهم بالدرهمين ، يداً بيد ، فقال لا أرى فيما كان يداً بيد بأساً ، ثم قدمت مكة من العام المقبل وقد نهى عنه ، رواه الطبراني بإسناد حسن. وعن أبي الشعثاء قال : سمعت ابن عباس يقول : اللهم إني أتوب إليك من الصرف. إنما هذا من رأيي ، وهذا أبو سعيد الخدري يرويه عن النَّبي صلى الله عليه وسلم رواه الطبراني ورجاله ثقاة ، مشهورون","part":9,"page":346},{"id":3851,"text":"مصرحون بالتحديث فيه من أولهم إلى آخرهم. وعن عطية العوفي بإسكان الواو وبالفاء قال : قال أبو سعيد لابن عباس تب إلى الله تعالى ، فقال : أستغفر الله وأتوب إليه ، قال : ألم تعلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن الذهب بالذهب ، والفضة بالفضة ، وقال\r","part":9,"page":347},{"id":3852,"text":"\" إني أخاف عليكم الربا \" ، قال فضيل بن مرزوق : قلت لعطية ما الربا ؟ قال الزيادة والفضل بينهما ، رواه الطبراني بسند صحيح ، إلى عطية. وعطية من رجال السنن. قال يحيى بن معين صالح وضعفه غيره ، فالإسناد بسببه ليس بالقوي ، وعن بكر بن عبد الله المزني أن ابن عباس جاء من المدينة إلى مكة وجئت معه ، فحمد الله تعالى وأثنى عليه ، ثم قال : أيها الناس إنه لا بأس بالصرف ، ما كان منه يداً بيد إنما الربا في النسيئة ، فطارت كلمته في أهل المشرق والمغرب حتى إذا انقضى الموسم دخل عليه أبو سعيد الخدري وقال له : يا ابن عباس أكلت الربا وأطعمته ؟ قال أو فعلت ؟ قال : نعم. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم \" الذهب بالذهب ، وزناً بوزن ، مثلاً بمثل : تبره وعينه. فمن زاد أو استزاد فقد أربى ، والشعير بالشعير ، والتمر بالتمر ، والملح بالملح ، مثلاً بمثل ، فمن زاد أو استزاد فقد أربى \" حتى إذا كان العام المقبل جاء ابن عباس وجئت معه ، فحمد الله وأثنى عليه ثم قال : أيها الناس إني تكلمت عام أول بكلمة من رأيي ، وإني أستغفر الله تعالى منه ، وأتوب إليه ، إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال \" الذهب بالذهب ، وزناً بوزن ، مثلاً بمثل ، تبره وعينه ، فمن زاد واستزاد فقد أربى \" وأعاد عليهم هذه الأنواع الستة رواه الطبراني بسند فيه مجهول ، وإنما ذكرناه متابعة لما تقدم. وهكذا وقع في روايتنا. فمن زاد واستزاد بالواو لا بأو والله أعلم. وروى أبو جابر أحمد بن محمد بن سلامة الطحاوي في كتاب معاني الآثار بإسناد حسن إلى أبي سعيد قال : قلت لابن عبّاس أرأيت الذي يقول الدينار بالدينار ؟ وذكر الحديث ثم قال : قال أبو سعيد ونزع عنها ابن عباس وروى الطحاوي أيضاً عن نصر بن مرزوق بإسناد لا بأس به عن أبي الصهباء أن ابن عباس. نزل عن الصرف وهذا أصرح من رواية مسلم ، وروى الطحاوي عن أبي أمية بإسناد حسن إلى عبد الله بن حسين أن رجلاً من أهل العراق قال","part":9,"page":348},{"id":3853,"text":"لعبد الله بن عمر : إن ابن عباس قال وهو علينا أمير : من أعطى بالدرهم مائة درهم فليأخذها وذكر حديثاً إلى أن قال فقيل لابن عباس ما قال ابن عمر قال فاستغفر ربه وقال إنما هو رأي مني وعن أبي هاشم الواسطي وسمه يحيى بن دينار عن زياد قال : كنت مع ابن عباس بالطائف فرجع عن الصرف قبل أن يموت بسبعين يوماً ذكره ابن عبد البر في الاستذكار وذكر أيضاً عن أبي حرة قال : سال رجل ابن سيرين عن شيء فقال : لا علم لي به.\rفقال الرجل : أن يكون فيه برأيك. فقال : إني أكره أن أقول فيه برأيي ثم يبدو لي غيره فأطلبك فلا أجدك إن ابن عباس قد رأى في الصرف رأياً ثم رجع ، وذكر أيضاً عن ابن سيرين عن الهذيل بالذال المعجمة ابن أخت محمد بن سيرين قال : سألت ابن عباس عن الصرف فرجع عنه فقلت : إن الناس يقولون. فقال : الناس يقولون ما شاءوا اه من تكملة المجموع ، ثم قال : بعد هذا فهذه عدة روايات صحيحة وحسنة من جهة خلق من أصحاب ابن عباس تدل على رجوعه ، وقد روي في رجوعه أيضاً غير ذلك ، وفيما ذكرته غنية إن شاء الله تعالى ، وفي تكملة المجموع أيضاً قبل هذا ما نصه وروى عن أبي الزبير المكي وسمه محمد بن تدرس بفتح التاء ودال ساكنة وراء مضمومة وسين مهملة. قال : سمعت أبا أسيد الساعدي وابن عباس يفتي الدينار بالدينارين فقال له أبو أسيد الساعدي وأغلظ له قال فقال ابن عباس ما كنت أظن أن أحداً يعرف قرابتي من رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول مثل هذا يا ابا أسيد فقال أبو أسيد أشهد لسمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : \" الدينار بالدينار ، وصاع حنطة بصاع حنطة ، وصاع شعير بصاع شعير ، وصاع ملح بصاع ملح لا فضل بينهما في شيء من ذلك \".\r","part":9,"page":349},{"id":3854,"text":"فقال ابن عباس إنما هذا شيء كنت أقوله برأيي ولم اسمع فيه بشيء رواه الحاكم في المستدرك ، وقال إنه صحيح على شرط مسلم رحمه الله وفي سنده عتيق بن يعقوب الزبيري قال الحاكم : إنه شيخ قرشي من أهل المدينة وأبو أسيد بضم الهمزة.\r","part":9,"page":350},{"id":3855,"text":"وروينا في معجم الطبراني من حديث أبي صالح ذكوان أنه سأل ابن عباس عن بيع الذهب والفضة فقال : هو حلال بزيادة أو نقصان إذا كان يداً بيد قال ابو صالح فسألت أبا سعيد بما قال ابن عباس وأخبرت ابن عباس بما قال ابو سعيد والتقيا وأنا معهما فابتدأه أبو سعيد الخدري فقال : يا ابن عباس ما هذه الفتيا التي تفتي بها الناس في بيع الذهب والفضة تأمرهم أن يشتروه بنقصان أو بزيادة يداً بيد ؟ فقال ابن عباس رضي الله عنهما ما أنا بأقدمكم صحبة لرسول الله صلى الله عليه وسلم ، وهذا زيد بن أرقم والبراء بن عازب يقولان : سمعنا النَّبي صلى الله عليه وسلم رواه الطبراني بإسناد حسن وقد قدمنا رجوع ابن عمر وابن مسعود عن ذلك وقد قدمنا الجواب عما روي عن البراء بن عازب وزيد بن أرقم وأسامة بن زيد رضي الله عنهم وثبت عن سعيد بن جبير أن ابن عباس لم يرجع وهي شهادة على نفي مطلق ، والمثبت مقدم على النافي : لأنه اطلع على ما لم يطلع عليه النافي ، وقال ابن عبد البر : رجع ابن عباس أو لم يرجع ، في السنة كفاية عن قول كل واحد ، ومن خالفها رد إليها ، قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه ردوا الجهالات إلى السنة اه وقال العلامة الشوكاني رحمه الله في نيل الأوطار ، ما نصه وأما ما أخرجه مسلم عن ابن عباس أنه لا ربا فيما كان يداً بيد كما تقدم ، فليس ذلك مروياً عن رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى تكون دلالته على نفي ربا الفضل منطوقة ، ولو كان مرفوعاً ، لما رجع ابن عباس واستغفر ، لما حدثه أبو سعيد بذلك كما تقدم ، وقد روى الحازمي رجوع ابن عباس واستغفاره عند أن سمع عمر بن الخطاب وابنه عبد الله يحدثان عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بما يدل على تحريم ربا الفضل ، وقال حفظتما من رسول الله صلى الله عليه وسلم ما لم أحفظ ، وروى عنه الحازمي أيضاً أنه قال كان ذلك برأيي.\r","part":9,"page":351},{"id":3856,"text":"وهذا أبو سعيد الخدري يحدثني عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فتركت رأيي إلى حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وعلى تسليم أن ذلك الذي قاله ابن عباس مرفوع فهو عام مخصص بأحاديث الباب. لأنها أخص منه مطلقاً اه منه بلفظه ، وقد ذكر غير واحد أن الإجماع انقعد بعد هذا الخلاف على منع ربا الفضل.\rقال : في تكملة المجموع ما نصه : الفصل الثالث في بيان انقراض الخلاف في ذلك ودعوى الإجماع فيه ، قال ابن المنذر : أجمع علماء الأمصار مالك بن أنس ومن تبعه من أهل المدينة ، وسفيان الثوري ومن وافقه من أهل العراق ، والأوزاعي ومن قال بقوله من أهل الشام ، والليث بن سعد ومن وافقه من أهل مصر : والشافعي وأصحابه ، وأحمد وإسحاق وأبو ثور والنعمان ويعقوب ومحمد بن علي ، أنه لا يجوز بيع ذهب بذهب ، ولا فضة بفضة ، ولا بر ببر ، ولا شعير بشعير ، ولا تمر بتمر ، ولا ملح بملح ، متفاضلاً يداً بيد ، ولا نسيئة ، وأن من فعل ذلك فقد أربى والبيع مفسوخ اه محل الغرض منه بلفظه.\rونقل النووي في شرح مسلم إجماع المسلمين على ترك العمل بظاهر حديث أسامة قال : وهذا يدل على نسخه ، وقد استدل ابن عبد البر على صحة تأويله لحديث أسامة بإجماع الناس ، ما عدا ابن عباس عليه اه ، وعلى فرض أن ابن عباس لم يرجع عن ذلك ، فهل ينعقد الإجماع مع مخالفته ؟ فيه خلاف معروف في الأصول ، هل يلغى الواحد والاثنان أو لا بد من اتفاق كل وهو المشهور ، وهل إذا مات وهو مخالف ثم انعقد الإجماع بعده يكون إجماعاً وهو الظاهر ، أو لا يكون إجماعاً. لأن المخالف الميت لا يسقط قوله بموته ، خلاف معروف في الأصول أيضاً.\r","part":9,"page":352},{"id":3857,"text":"وإذا عرفت أن من قال بإباحة ربا الفضل رجع عنها ، وعلمت أن الأحاديث الصحيحة ، المتفق عليها مصرحة بكثرة بمنعه ، علمت أن الحق الذي لا شك فيه تحريم ربا الفضل ، بين كل جنس واحد من الستة مع نفسه ، وجواز الفضل بين الجنسين المختلفين يداً بيد ، ومنع النساء بين الذهب والفضة مطلقاً ، وبين التمر والبر ، والشعير والملح مطلقاً ، ولا يمنع طعام بنقد نسيئة كالعكس ، وحكى بعض العلماء على ذلك الإجماع ، ويبقى غير هذه الأصناف الستة المنصوص عليها في الحديث. فجماهير العلماء على أن الربا لا يختص بالستة المذكورة.\rوالتحقيق أن علة الربا في النقدين كونهما جوهرين نفيسين. هما ثمن الأشياء غالباً في جميع أقطار الدنيا ، وهو قول مالك والشافعي ، والعلة فيهما قاصرة عليهما عندهما ، وأشهر الروايات عن أحمد أن العلة فيهما كون كل منهما موزون جنس ، وهو مذهب أبي حنيفة ، وأما البر والشعير والتمر والملح فعلة الربا فيها عند مالك الاقتيات والادخار ، وقيل وغلبة العيش فلا يمنع ربا الفضل عند مالك وعامة أصحابه إلا في الذهب بالذهب والفضة بالفضة والطعام المقتات المدخر بالطعام المقتات المدخر ، وقيل يشترط مع الاقتيات والادخار غلبة العيش ، وإنما جعل مالك العلة ما ذكر. لأنه أخص أوصاف الأربعة المذكورة ونظم بعض المالكية ما فيه ربا النساء وربا الفضل عند مالك في بيتين وهما : \rرباء نسا في النقد حرم ومثله... جعام ، وإن جنساهما قد تعددا\rوخص ربا فضل بنقد ومثله... طعام الربا ، إن جنس كل توحدا\rوقد كنت حررت على مذهب مالك في ذلك في الكلام على الربا في الأطعمة في نظم لي طويل في فروع مالك بقولي : \rوكل ما يذاق من طعام... ربا النسا فيه من الحرام\rمقتاتاً أو مدخراً أو لا اختلف... ذاك الطعام جنسه أو ائتلف\rوإن يكن يطعم للدواء... مجرداً فامنع ذو انتفاء\rولربا الفضل شروط يحرم... بها ، وبانعدامها ينعدم\rهي اتحاد الجنس فيما ذكرا... مع اقتياته وأن يدخرا\r","part":9,"page":353},{"id":3858,"text":"وما لحد الادخار مده... والتادلى بستة قد حده\rوالخلف في اشتراط كونه اتخذ... للعيش عرفاً ، وبالإسقاط اخذ\rتظهر فائدته في أربع... غلبة العيش بها لم تقع\rوالأربع التي حوى ذا البيت... بيض وتين وجراد زيت\rفي البيض والزيت والربا قد انحظر... رعياً لكون شرطها لم يعتبر\rوقد رعى اشتراطها في المختصر... في التين وحده ففيه ما حظر\rورعى خلف في الجراد باد... لذكره الخلاف في الجراد\rوحبة بحبتين تحرم... إذا الربا قليله محرم\rثم ذكرت بعد ذلك الخلاف في ربوية البيض بقولي :\rوقول إن البيض ما فيه الربا... إلى ابن شعبان الإمام نسبا\rوأصح الروايات عن الشافعي أن علة الربا في الأربعة الطعم فكل مطعوم يحرم فيه عنده الربا كالأقوات ، والإدام ، والحلاوات ، والفواكه والدوية. واستدل على أن العلة الطعم بما رواه مسلم من حديث معمر بن عبد الله رضي الله عنه أن النَّبي صلى الله عليه وسلم قال : \" الطعام بالطعام مثلاً بمثل \" الحديث. والطعام اسم لكل ما يؤكل قال تعالى : {كُلُّ الطعام كَانَ حِلاًّ لبني إِسْرَائِيلَ} [ آل عمران : 93 ] الآية وقال تعالى : {فَلْيَنظُرِ الإنسان إلى طَعَامِهِ أَنَّا صَبَبْنَا المآء صَبّاً ثُمَّ شَقَقْنَا الأرض شَقّاً فَأَنبَتْنَا فِيهَا حَبّاً وَعِنَباً} [ عبس : 24-28 ] الآية وقال تعالى : {وَطَعَامُ الذين أُوتُواْ الكتاب حِلٌّ لَّكُمْ} [ المائدة : 5 ] والمراد ذبائحهم.\rوقالت عائشة رضي الله عنها مكثنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم سنة ما لنا طعام إلا الأسودان التمر والماء. وعن أبي ذر رضي الله عنه في حديثه الطويل ، في قصة إسلامه ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : \" فمن كان يطعمك ؟ \" قلت : ما كان لي طعام إلا ماء زمزم فسمنت حتى كسرت عكن بطني ، قال : \" إنها مباركة إنها طعام طعم \" رواه مسلم وقال لبيد :\rلمعفر قهد تنازع شلوه... غبس كواسب ما يمن طعامها","part":9,"page":354},{"id":3859,"text":"يعني بطعامها الفريسة ، قالوا : والنَّبي صلى الله عليه وسلم علق في هذا الحديث الربا على اسم الطعام ، والحكم إذا علق على اسم مشتق دل على أنه علته ، كالقطع في السرقة في قوله : {والسارق والسارقة} [ المائدة : 38 ] الآية قالوا : ولأن الحب ما دام مطعوماً يحرم فيه الربا. فإذا زرع وخرج عن أن يكون مطعوماً لم يحرم فيه الربا ، فإذا انعقد الحب وصار مطعوماً حرم فيه الربا ، فدل على أن العلة فيه كونه مطعوماً ، ولذا كان الماء يحرم فيه الربا على أحد الوجهين عند الشافعية. لأن الله تعالى قال : {إِنَّ الله مُبْتَلِيكُمْ بِنَهَرٍ فَمَن شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي وَمَن لَّمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مني} [ البقرة : 249 ] ولقول عائشة المتقدم ما لنا طعام إلا الأسودان الماء والتمر ، ولقول الشاعر : \rفإن شئت حرمت النساء سواكم... وإن شئت لم أطعم نقاخاً ولا بردا\rوالنقاخ الماء البارد ، هذا هو حجة الشافعية في أن علة الربا في الأربعة الطعم فألحقوا بها كل مطعوم للعلة الجامعة بينهما.\rقال : مقيده - عفا الله عنه - الاستدلال بحديث معمر المذكور على أن علة الربا الطعم لا يخلو عندي من نظر ، والله تعالى أعلم. لأن معمراً المذكور لما قال : قد كنت أسمع النَّبي صلى الله عليه وسلم يقول : \" الطعام بالطعام مثلاً بمثل \" قال عقبة : وكان طعامنا يومئذ الشعير كما رواه عنه أحمد ومسلم ، وهذا صريح في أن الطعام في عرفهم يومئذ الشعير ، وقد تقرر في الأصول أن العرف المقارن للخطاب من مخصصات النص العام ، وعقده في مراقي السعود بقوله : في مبحث المخصص المنفصل عاطفاً على ما يخصص العموم : \rوالعرف حيث قارن الخطابا... ودع ضمير البعض والأسبابا","part":9,"page":355},{"id":3860,"text":"وأشهر الروايات عن أحمد أن علة الربا في الأربعة كونها مكيلة جنس ، وهو مذهب أبي حنيفة ، وعليه يحرم الربا في كل مكيل ، ولو غير طعام كالجص والنورة والأشنان. واستدلوا بما رواه الدارقطني عن عبادة وأنس بن مالك أن النَّبي صلى الله عليه وسلم قال : \" ما وزن مثل بمثل إذا كان نوعاً واحداً وما كيل فمثل ذلك ، فإذا اختلف النوعان فلا بأس به \" قال العلامة الشوكاني : في نيل الأوطار حديث أنس وعبادة أشار إليه في التلخيص ولم يتكلم عليه ، وفي إسناده الربيع بن صبيح وثقة أبو زرعة وغيره ، وضعفه جماعة ، وقد أخرج هذا الحديث البزار أيضاً ، ويشهد لصحته حديث عبادة المذكور أولاً وغيره من الأحاديث اه منه بلفظه.","part":9,"page":356},{"id":3861,"text":"واستدلوا أيضاً بما رواه البخاري ومسلم عن أبي سعيد وأبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم استعمل رجلاً على خيبر ، فجاءهم بتمر جنيب ، فقال : \" أكل تمر خيبر هكذا \" قال : إنا لنأخذ الصّاع من هذا بالصاعين ، والصاعين بالثلاثة ، فقال لا تفعل ، بع الجمع بالدراهم ثم ابتع بالدراهم جنيباً ، وقال : في الميزان مثل ذلك ، ووجه الدلالة منه ، أن قوله في الميزان ، يعني في الموزون. لأن نفس الميزان ليست من أموال الربا ، واستدلوا أيضاً بحديث أبي سعيد المتقدم الذي أخرجه الحاكم من طريق حيان بن عبيد الله ، فإن فيه أن النَّبي صلى الله عليه وسلم قال : \" التمر بالتمر ، والحنطة بالحنطة ، والشعير بالشعير ، والذهب بالذهب ، والفضة بالفضة ، يداً بيد ، عيناً بعين ، مثلاً بمثل ، فمن زاد فهو رباً \" ثم قال : \" وكذلك ما يكال أو يوزن أيضاً \" وأجيب من جهة المانعين ، بأن حديث الدارقطني لم يثبت ، وكذلك حديث الحاكم ، وقد بينا سابقاً ما يدل على ثبوت حديث حيان المذكور ، وقد ذكرنا آنفاً كلام الشوكاني في أن حديث الدارقطني أخرجه البزار أيضاً وأنه يشهد لصحته حديث عبادة بن الصامت وغيره من الأحاديث ، وأن الربيع بن صبيح وثقه أبو زرعة وغيره ، وضعفه جماعة ، وقال : فيه ابن حجر في التقريب صدوق سيء الحفظ ، وكان عابداً مجاهداً ، ومراد الشوكاني بحديث عبادة المذكور ، هو ما أخرجه عنه مسلم والإمام أحمد والنسائي وابن ماجه وأبو داود. أن النَّبي صلى الله عليه وسلم قال : \" الذهب بالذهب ، والفضة بالفضة ، والبر بالبر ، والشعير بالشعير ، والملح بالملح ، مثلاً بمثل ، سواء بسواء ، يداً بيد. فإذا اختلفت هذه الأصناف فبيعوا كيف شئتم \" اه فإن قوله صلى الله عليه وسلم : \" سواء بسواء ، مثلاً بمثل \" يدل على الضبط بالكيل والوزن ، وهذا القول أظهرها دليلاً.","part":9,"page":357},{"id":3862,"text":"وأجابوا عن حديث أبي سعيد المتفق عليه بثلاثة أجوبة الأول : جواب البيهقي قال : وقد قيل : إن قوله وكذلك الميزان من كلام أبي سعيد الخدري موقوف عليه.\rالثاني : جواب القاضي أبي الطيب وآخرين ، أن ظاهر الحديث غير مراد : لأن الميزان نفسه لا ربا فيه وأضمرتم فيه الموزون ، ودعوى العموم في المضمرات لا تصح ، الثالث : حمل الموزون على الذهب والفضة جمعاً بين الأدلة والظاهر أن هذه الإجابات لا تنهض. لأن وقفه على أبي سعيد خلاف الظاهر ، وقصد ما يوزن بقوله وكذلك الميزان لا لبس فيه ، وحمل الموزون على الذهب والفضة فقط خلاف الظاهر والله تعالى أعلم.","part":9,"page":358},{"id":3863,"text":"وفي علة الربا في الأربعة مذاهب أخر غير ما ذكرنا عن الأئمة الأربعة ومن وافقهم الأول : مذهب أهل الظاهر ومن وافقهم أنه لا ربا أصلاً في غير الستة ، ويروى هذا القول عن طاوس ومسروق والشعبي وقتادة وعثمان البني. الثاني : مذهب أبي بكر عبد الرحمن بن كيسان الأصم أن العلة فيها كونها منتفعاً بها ، حكاه عنه القاضي حسين. الثالث : مذهب ابن سيرين. وأبي بكر الآودني من الشافعية أن العلة الجنسية. فيحرم الربا في كل شيء بيع بجنسه كالتراب متفاضلاً والثوب بالثوبين والشاة بالشاتين. الرابع : مذهب الحسن البصري أن العلة المنفعة في الجنس ، فيجوز عنده بيع ثوب قيمته دينار بثوبين قيمتهما دينار ، ويحرم بيع ثوب قيمته دينار بثوب قيمته ديناران. الخامس : مذهب سعيد بن جبير أن العلة تقارب المنفعة في الجنس فحرم التفاضل في الحنطة بالشعير والباقلي بالحمص ، والدخن بالذرة مثلاً. السادس : مذهب ربيعة بن أبي عبد الرحمن أن العلة كونه جنساً تجب فيه الزكاة. فحرم الربا في كل جنس تجب فيه الزكاة كالمواشي ، والزرع وغيرها. السابع : مذهب سعيد بن المسيب وقول الشافعي في القديم : إن العلة كونه مطعوماً يكال أو يوزن ونفاه عما سواه ، وهو كل ما لا يؤكل ولا يشرب ، أو يؤكل ولا يكال ولا يوزن ، كالسفرجل والبطيخ وقد تركنا الاستدلال لهذه المذاهب والمناقشة فيها خوف الإطالة المملة.\rفروع\rالفرع الأول : الشك في المماثلة كتحقق المفاضلة ، فهو حرام في كل ما يحرم فيه ربا الفضل. ودليل ذلك : ما أخرجه مسلم والنسائي عن جابر قال : نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن بيع الصبرة من التمر - لا يعلم كيلها - بالكيل المسمى من التمر.","part":9,"page":359},{"id":3864,"text":"الفرع الثاني : لا يجوز التراخي في قبض ما يحرم فيه ربا النساء ، ودليل ذلك : ما أخرجه البخاري ومسلم من حديث مالك بن أوس رضي الله عنه. قال : أقبلت أقول من يصطرف الدراهم ، فقال طلحة : أرنا الذهب حتى يأتي الخازن ثم تعال فخذ ورقك ، فقال عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - كلا والذي نفسي بيده لتردن إليه ذهبه ، أو لتنقدنه ورقه ، فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : \" الذهب بالورق رباً إلا ها وها ، والبر بالبر رباً إلا ها وها ، والشعير بالشعير رباً إلا ها وها ، والتمر بالتمر رباً إلا ها وها \".\rالفرع الثالث : لا يجوز أن يباع ربوي بربوي كذهب بذهب ، ومع أحدهما شيء آخر. ودليل ذلك : ما رواه مسلم في صحيحه عن أبي الطاهر عن ابن وهب من حديث فضالة بن عبيد الأنصاري قال : أتي رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو بخيبر بقلادة فيها خرز وذهب ، وهي من المغانم تباع فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بالذهب الذي في القلادة فنزع ثم قال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم \" الذهب بالذهب وزناً بوزن \".\rوروى مسلم نحوه أيضاً عن أبي بكر بن شيبة وقتيبة بن سعيد من حديث فضالة بن عبيد - رضي الله عنه - ونحوه. أخرجه النسائي ، وأبو داود والترمذي وصححه.\rوقال العلامة الشوكاني رحمه الله تعالى في نيل الأوطار عند ذكر صاحب المنتقى لحديث فضالة بن عبيد المذكور ما نصه الحديث.\rقال في التلخيص : له عند الطبراني في الكبير طرق كثيرة جداً في بعضها قلادة فيها خرز وذهب ، وفي بعضها ذهب وجوهر ، وفي بعضها خرز معلقة بذهب ، وفي بعضها باثني عشر ديناراً ، وفي بعضها بتسعة دنانير ، وفي أخرى بسبعة دنانير. وأجاب البيهقي عن هذا الاختلاف بأنها كانت بيوعاً شهدها فضالة.","part":9,"page":360},{"id":3865,"text":"قال الحافظ : والجواب المسدد عندي أن هذا الاختلاف لا يوجب ضعفاً بل المقصود من الاستدلال محفوظ لا اختلاف فيه وهو النهي عن بيع ما لم يفصل ، وأما جنسها وقدر ثمنها فلا يتعلق به في هذه الحال ما يوجب الحكم بالاضطراب.\rوحينئذ ينبغي الترجيح بين رواتها وإن كان الجميع ثقاة فيحكم بصحة رواية أحفظهم وأضبطهم فتكون رواية الباقين بالنسبة إليه شاذة ، وبعض هذه الروايات التي ذكرها الطبراني في صحيح مسلم وسنن أبي داود اه منه بلفظه. وقد قدمنا بعض روايات مسلم.\rالفرع الرابع : لا يجوز بيع المصوغ من الذهب أو الفضة بجنسه بأكثر من وزنه ، ودليل ذلك : ما صح عن جماعة من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه صلى الله عليه وسلم صرح بتحريم بيع الفضة بالفضة والذهب بالذهب إلا مثلاً بمثل ، وأن من زاد أو استزاد فقد أربى.\rوقد أخرج البيهقي في السنن الكبرى عن مجاهد أنه قال : كنت أطوف مع عبد الله بن عمر فجاءه صائغ فقال : يا أبا عبد الرحمن ، إني أصوغ الذهب ثم أبيع الشيء من ذلك بأكثر من وزنه ، فأستفضل في ذلك قدر عمل يدي فيه ، فنهاه عبد الله بن عمر عن ذلك ، فجعل الصائغ يردد عليه المسألة وعبد الله بن عمر ينهاه حتى انتهى إلى باب المسجد أو إلى دابته يريد أن يركبها.\rثم قال عبد الله بن عمر : الدينار بالدينار والدرهم بالدرهم لا فضل بينهما هذا عهد نبينا صلى الله عليه وسلم إلينا وعهدنا إليكم.\rثم قال البيهقي : وقد مضى حديث معاوية حيث باع سقاية ذهب أو ورق بأكثر من وزنها ، فنهاه أبو الدرداء وما روى عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه في النهي عن ذلك.\rروى البيهقي أيضاً عن أبي رافع أنه قال : قلت لعمر بن الخطاب إني أصوغ الذهب فأبيعه بوزنه وآخذ لعمالة يدي أجراً قال : لا تبع الذهب بالذهب إلا وزناً بوزن ولا الفضة بالفضة إلا وزناً بوزن ولا تأخذ فضلاً اه منه.","part":9,"page":361},{"id":3866,"text":"وما ذكره البيهقي - رحمه الله - أنه ما قدمه من نهي أبي الدرداء وعمر لمعاوية هو قوله أخبرنا أبو زكريا بن أبي إسحاق وأبو بكر بن الحسن وغيرهما قالوا حدثنا أبو العباس الأصم أنا الربيع ، أنبأنا الشافعي أنا مالك. وأخبرنا علي بن أحمد بن عبدان ، أنا أحمد بن عبيد الصفار حدثنا إسماعيل بن إسحاق حدثنا عبد الله يعني القعني عن مالك عن زيد بن أسلم عن عطاء بن يسار أن معاوية بن أبي سفيان باع سقاية من ذهب أو ورق بأكثر من وزنها ، فقال له أبو الدرداء سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم ينهى عن مثل هذا إلا مثلاً بمثل. فقال معاوية ما أرى بهذا بأساً. فقال له أبو الدرداء من يعذرني من معاوية أخبره عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ويخبرني عن رأيه لا أساكنك بأرض أنت بها ، ثم قدم أبو الدرداء على عمر بن الخطاب رضي الله عنه فذكر له ذلك. فكتب عمر إلى معاوية أن لا يبيع ذلك إلا مثلاً بمثل ووزناً بوزن ، ولم يذكر الربيع عن الشافعي في هذا قدوم أبي الدرداء على عمر وقد ذكره الشافعي في رواية المزني اه منه بلفظه.","part":9,"page":362},{"id":3867,"text":"ونحو هذا أخرجه مسلم في الصحيح من حديث عبادة بن الصامت رضي الله عنه من رواية أبي الأشعث قال : غزونا غزاة وعلى الناس معاوية فغنمنا غنائم كثيرة فكان فيما غنمنا آنية من فضة فأمر معاوية رجلاً أن يبيعها في أعطيات الناس فتسارع الناس في ذلك فبلغ عبادة بن الصامت فقام فقال إني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم ينهى عن بيع الذهب بالذهب ، والفضة بالفضة والبر بالبر والشعير بالشعير والتمر بالتمر والملح بالملح إلا سواء بسواء عيناً بعين ، فمن زاد أو استزاد فقد أربى. فرد الناس ما أخذوا ، فبلغ ذلك معاوية فقام خطيباً فقال : ألا ما بال رجال يتحدثون عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أحاديث قد كنا نشهده ونصحبه فلم نسمعها منه ، فقام عبادة بن الصامت فأعاد القصة ثم قال لنحدثن بما سمعنا من رسول الله صلى الله عليه وسلم وإن كره معاوية ، أو قال وإن رغم ما أبالي ألا أصحبه في جنده ليلة سوداء.\rقال حماد هذا أو نحوه اه.\rهذا لفظ مسلم في صحيحه وهذه النصوص الصحيحة تدل على أن الصناعة الواقعة في الذهب أو الفضة لا أثر لها ، ولا تبيح المفاضلة بقدر قيمة الصناعة كما ذكرنا. وهذا هو مذهب الحق الذي لا شك فيه. وأجاز مالك بن أنس رحمه الله تعالى للمسافر أن يعطي دار الضرب نقداً وأجرة صياغته ويأخذ عنهما حلياً قدر وزن النقد بدون الأجرة. لضرورة السفر كما أشار إليه خليل بن غسحاق في مختصره بقوله : بخلاف تبر يعطيه المسافر وأجرته دار الضرب ليأخذ زنته.\rقال مقيده - عفا الله عنه - الظاهر من نصوص السنة الصحيحة أن هذا لا يجوز. لضرورة السفر كما استظهر عدم جوازه ابن رشد ، وإليه الإشارة بقول صاحب المختصر : والأظهر خلافه يعني : ولو اشتدت الحاجة إليه إلا لضرر يبيح الميتة ، كما قرره شراح المختصر.","part":9,"page":363},{"id":3868,"text":"الفرع الخامس : اختلف الناس في الأوراق المتعامل بها هل يمنع الربا بينها وبين النقدين نظراً إلى أنها سند ، وأن المبيع الفضة التي هي سند بها فيمنع بيعها بالفضة ولو يداً بيد مثلاً بمثل ، ويمنع بيعها بالذهب أيضاً المناجزة. بسبب عدم حضور أحد النقدين أو لا يمنع فيها شيء من ذلك. نظراً إلى أنها بمثابة عروض التجارة فذهب كثير من المتاخرين إلى أنها كعروض التجارة ، فيجوز الفضل والنساء بينها وبين الفضة والذهب وممن أفتى بأنها كعروض التجارة العالم المشهور عليش المصري صاحب النوازل ، وشرح مختصر خليل ، وتبعه في فتواه بذلك كثير من متأخري علماء المالكية.\rقال مقيده - عفا الله عنه - الذي يظهر لي - والله تعالى أعلم - أنها ليست كعروض التجارة ، وأنها سند بفضة وأن المبيع الفضة التي هي سند بها. ومن قرأ المكتوب عليها فهم صحة ذلك ، وعليه فلا يجوز بيعها بذهب ولا فضة ولو يداً بيد. لعدم المناجزة بسبب غيبة الفضة المدفوع سندها. لأنها ليست متمولة ولا منفعة في ذاتها أصلاً. فإن قيل لا فرق بين الأوراق وبين فلوس الحديد. لأن كلاًّ منهما ليس متمولاً في ذاته مع أنه رائج بحسب ما جعله له السلطان من المعاملة فالجواب من ثلاثة أوجه : \rالأول : أنا إذا حققنا أن الفلوس الحديدية الحالية لا منفعة فيها أصلاً ، وأن حقيقتها سند بفضة ، فما المانع من أن نمنع فيها الربا مع النقد ، والنصوص صريحة في منعه بين النقدين ، وليس هناك إجماع يمنع إجراء النصوص على ظواهرها بل مذهب مالك أن فلوس الحديد لا تجوز بأحد النقدين نسيئة فسلم الدراهم في الفلوس كالعكس ممنوع عندهم.\rوما ورد عن بعض العلماء مما يدل على أنه لا ربا بين النقدين وبين فلوس الحديد ، فإنه محمول على أن ذلك الحديد الذي منه تلك الفلوس فيه منافع الحديد المعروفة المشار إليها بقوله تعالى : ","part":9,"page":364},{"id":3869,"text":"{وَأَنزْلْنَا الحديد فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ} [ الحديد : 25 ] فلو جمعت تلك الفلوس وجعلت في النار لعمل منها ما يعمل من الحديد من الأشياء المنتفع بها ، ولو كانت كفلوسنا الحالية على تسليم أنها لا منفعة فيها أصلاً ، لما قالوا بالجواز : لأن ما هو سند لا شك أن المبيع فيه ما هو سند به لا نفس السند. ولذا لم يختلف الصدر الأول في أن المبيع في بيع الصكاك الذي ذكره مسلم في الصحيح وغيره أنه الرزق المكتوب فيها لا نفس الصكاك التي هي الأوراق التي هي سند بالأرزاق.\rالثاني : أن هناك فرقاً بينهما في الجملة وهو أن الفلوس الحديدية لا يتعامل بها بالعرف الجاري قديماً وحديثاً إلا في المحقرات فلا يشترى بها شيء له بال بخلاف الأوراق ، فدل على أنها أقرب للفضة من الفلوس.\rالثالث : أنا لو فرضنا أن كلاً من الأمرين محتمل فالنَّبي يقول : \" دع ما يريبك إلى ما لا يريبك \" ويقول : \" فمن ترك الشبهات فقد استبرأ لدينه وعرضه \" ويقول : \" والإثم ما حاك في النفس \" الحديث وقال الناظم : \rوذو احتياط في أمور الدين... من فرض شك إلى يقين","part":9,"page":365},{"id":3870,"text":"وقد قدمنا مراراً أن ما دل على التحريم مقدم على ما دل على الإباحة. لأن ترك مباح أهون من ارتكاب حرام ، ولا سيما تحريم الربا الذي صرح الله تعالى بأن مرتكبه محارب الله. وثبت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم لعنه. ومن أنواع الربا ما اختلف العلماء في منعه كما إذا كان البيع ظاهره الحلية ، ولكنه يمكن أن يكون مقصوداً به التوصل إلى الربا الحرام ، عن طريق الصورة المباحة في الظاهر كما لو باع سلعة بثمن إلى أجل ثم اشترى تلك السلعة بعينها بثمن أقل من الأول نقداً ، أو لأقرب من الأجل الأول ، أو بأكثر لأبعد فظاهر العقدين الإباحة. لأنه بيع سلعة بدراهم إلى أجل في كل منهما وهذا لا مانع منه ، ولكنه يجوز أن يكون مقصود المتعاقدين دفع دراهم وأخذ دراهم أكثر منها لأجل أن السلعة الخارجة من اليد العاشدة إليها ملغاة فيؤول الأمر إلى أنه دفع دراهم وأخذ أكثر منها لأجل ، وهو عين الربا الحرام ومثل هذا ممنوع عند مالك ، وأحمد ، والثوري ، والأوزاعي ، وأبي حنيفة والحسن بن صالح ، وروي عن الشعبي والحكم وحماد كما في الاستذكار وأجازه الشافعي.\rواستدل المانعون بما رواه البيهقي والدارقطني عن عائشة أنها أنكرت ذلك على زيد بن أرقم ، وقالت : أبلغي زيداً أنه أبطل جهاده مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إن لم يتب.\rوقال الشافعي : إن زيد بن أرقم مخالف لعائشة ، وإذا اختلف صحابيان في شيء رجحنا منهما من يوافقه القياس والقياس هنا موافق لزيد. لأنهما عقدان كل منهما صحيح في نفسه.","part":9,"page":366},{"id":3871,"text":"وقال الشافعي أيضاً : لو كان هذا ثابتاً عن عائشة فإنها إنما عابت التأجيل بالعطاء. لأنه أجل غير معلوم والبيع إليه لا يجوز. واعترضه بعض العلماء بأن الحديث ثابت عن عائشة ، وبأن ابن أبي شيبة ذكر في مصنفه أن أمهات المؤمنين كن يشترين إلى العطاء والله تعالى أعلم. وبأن عائشة لا تدعي بطلان الجهاد بمخالفة رأيها ، وإنما تدعيه بأمر علمته من رسول الله صلى الله عليه وسلم وهذا البيع الذي ذكرنا تحريمه هو المراد عند العلماء ببيع العينة ويسميه المالكية بيوع الآجال ، وقد نظمت ضابطه في نظمي الطويل في فروع مالك بقولي : \rبيوع الآجال إذا كان الأجل... أو ثمن كأخويهما تحل\rوإن يك الثمن غير الأول... وخالف الأجل وقت الأجل\rفانظر إلى السابق بالإعطاء هل... عاد له أكثر أو عاد أقل\rفإن يكن أكثر مما دفعه... فإن ذاك سلف بمنفعة\rوإن يكن كشيئه أو قلا... عن شيئه المدفوع قبل حلا\rقوله تعالى : {وَيُرْبِي الصدقات} الآية.\rذكر في هذه الآية الكريمة أنه تعالى يربي الصدقات وبين في موضع آخر أن هذا الإرباء مضاعفة الأجر ، وأنه يشترط في ذلك إخلاص النية لوجه الله تعالى وهو قوله تعالى : {وَمَآ آتَيْتُمْ مِّن رِّباً لِّيَرْبُوَ فِي أَمْوَالِ الناس فَلاَ يَرْبُو عِندَ الله وَمَآ آتَيْتُمْ مِّن زَكَاةٍ تُرِيدُونَ وَجْهَ الله فأولئك هُمُ المضعفون} [ الروم : 39 ]. أ هـ {أضواء البيان حـ 1 صـ 189 ـ 209}","part":9,"page":367},{"id":3872,"text":"بحث نفيس للشهيد سيد قطب فى الآية الكريمة\rقال رحمه الله : \rالوجه الآخر المقابل للصدقة التي عرض دستورها في الدرس الماضي . . الوجه الكالح الطالح هو الربا!\rالصدقة عطاء وسماحة ، وطهارة وزكاة ، وتعاون وتكافل . . والربا شح ، وقذارة ودنس ، وأثرة وفردية . .\rوالصدقة نزول عن المال بلا عوض ولا رد . والربا استرداد للدين ومعه زيادة حرام مقتطعة من جهد المدين أو من لحمه . من جهده إن كان قد عمل بالمال الذي استدانه فربح نتيجة لعمله هو وكده . ومن لحمه إن كان لم يربح أو خسر ، أو كان قد أخذ المال للنفقة منه على نفسه وأهله ولم يستربحه شيئاً . .\rومن ثم فهو - الربا - الوجه الآخر المقابل للصدقة . . الوجه الكالح الطالح!\rلهذا عرضه السياق مباشرة بعد عرض الوجه الطيب السمح الطاهر الجميل الودود! عرضه عرضاً منفراً ، يكشف عما في عملية الربا من قبح وشناعة . ومن جفاف في القلب وشر في المجتمع ، وفساد في الأرض وهلاك للعباد .","part":9,"page":368},{"id":3873,"text":"ولم يبلغ من تفظيع أمر أراد الإسلام إبطاله من أمور الجاهلية ما بلغ من تفظيع الربا . ولا بلغ من التهديد في اللفظ والمعنى ما بلغ التهديد في أمر الربا - في هذه الآيات وفي غيرها في مواضع أخرى - ولله الحكمة البالغة . فلقد كانت للربا في الجاهلية مفاسده وشروره . ولكن الجوانب الشائهة القبيحة من وجهه الكالح ما كانت كلها بادية في مجتمع الجاهلية كما بدت اليوم وتكشفت في عالمنا الحاضر ، ولا كانت البثور والدمامل في ذلك الوجه الدميم مكشوفة كلها كما كشفت اليوم في مجتمعنا الحديث . فهذه الحملة المفزعة البادية في هذه الآيات على ذلك النظام المقيت ، تتكشف اليوم حكمتها على ضوء الواقع الفاجع في حياة البشرية ، أشد مما كانت متكشفة في الجاهلية الأولى . ويدرك - من يريد أن يتدبر حكمة الله وعظمة هذا الدين وكمال هذا المنهج ودقة هذا النظام - يدرك اليوم من هذا كله ما لم يكن يدركه الذين واجهوا هذه النصوص أول مرة . وأمامه اليوم من واقع العالم ما يصدّق كل كلمة تصديقاً حياً مباشراً واقعاً . والبشرية الضالة التي تأكل الربا وتوكله تنصب عليها البلايا الماحقة الساحقة من جراء هذا النظام الربوي . في أخلاقها ودينها وصحتها واقتصادها . وتتلقى - حقاً - حرباً من الله تصب عليها النقمة والعذاب . . أفراداً وجماعات ، وأمماً وشعوباً ، وهي لا تعتبر ولا تفيق!\rوحينما كان السياق يعرض في الدرس السابق دستور الصدقة كان يعرض قاعدة من قواعد النظام الاجتماعي والاقتصادي الذي يريد الله للمجتمع المسلم أن يقوم عليه ، ويحب للبشرية أن تستمتع بما فيه من رحمة . . في مقابل ذلك النظام الآخر الذي يقوم على الأساس الربوي الشرير القاسي اللئيم .\rأنهما نظامان متقابلان : النظام الإسلامي .\r","part":9,"page":369},{"id":3874,"text":"والنظام الربوي! وهما لا يلتقيان في تصور ، ولا يتفقان في أساس ؛ ولا يتوافقان في نتيجة . . إن كلاً منهما يقوم على تصور للحياة والأهداف والغايات يناقض الآخر تمام المناقضة . وينتهي إلى ثمرة في حياة الناس تختلف عن الأخرى كل الاختلاف . . ومن ثم كانت هذه الحملة المفزعة ، وكان هذا التهديد الرعيب!\rإن الإسلام يقيم نظامه الاقتصادي - ونظام الحياة كلها - على تصور معين يمثل الحق الواقع في هذا الوجود . يقيمه على أساس أن الله - سبحانه - هو خالق هذا الكون . فهو خالق هذه الأرض ، وهو خالق هذا الإنسان . . هو الذي وهب كل موجود وجوده . .\rوإن الله - سبحانه - وهو مالك كل موجود بما أنه هو موجده قد استخلف الجنس الإنساني في هذه الأرض ؛ ومكنه مما ادخر له فيها من أرزاق وأقوات ومن قوى وطاقات ، على عهد منه وشرط . ولم يترك له هذا الملك العريض فوضى ، يصنع فيه ما يشاء كيف شاء . وإنما استخلفه فيه في إطار من الحدود الواضحة . استخلفه فيه على شرط أن يقوم في الخلافة وفق منهج الله ، وحسب شريعته . فما وقع منه من عقود وأعمال ومعاملات وأخلاق وعبادات وفق التعاقد فهو صحيح نافذ . وما وقع منه مخالفاً لشروط التعاقد فهو باطل موقوف . فإذا انفذه قوة وقسراً فهو إذن ظلم واعتداء لا يقره الله ولا يقره المؤمنون بالله . فالحاكمية في الأرض - كما هي في الكون كله - لله وحده . والناس - حاكمهم ومحكومهم - إنما يستمدون سلطاتهم من تنفيذهم لشريعة الله ومنهجه ، وليس لهم - في جملتهم - أن يخرجوا عنها ، لأنهم إنما هم وكلاء مستخلفون في الأرض بشرط وعهد وليسوا ملاكاً خالقين لما في أيديهم من أرزاق .\r","part":9,"page":370},{"id":3875,"text":"من بين بنود هذا العهد أن يقوم التكافل بين المؤمنين بالله ، فيكون بعضهم أولياء بعض ، وأن ينتفعوا برزق الله الذي أعطاهم على أساس هذا التكافل - لا على قاعدة الشيوع المطلق كما تقول الماركسية . ولكن على أساس الملكية الفردية المقيدة - فمن وهبه الله منهم سعة أفاض من سعته على من قدر عليه رزقه . مع تكليف الجميع بالعمل كل حسب طاقته واستعداده وفيما يسره الله له - فلا يكون أحدهم كلاًّ على أخيه أو على الجماعة وهو قادر كما بينا ذلك من قبل . وجعل الزكاة فريضة في المال محددة . والصدقة تطوعاً غير محدد .\rوقد شرط عليهم كذلك أن يلتزموا جانب القصد والاعتدال ، ويتجنبوا السرف والشطط فيما ينفقون من رزق الله الذي أعطاهم ؛ وفيما يستمتعون به من الطيبات التي أحلها لهم . ومن ثم تظل حاجتهم الاستهلاكية للمال والطيبات محدودة بحدود الاعتدال . وتظل فضلة من الرزق معرضة لفريضة الزكاة وتطوع الصدقة . وبخاصة أن المؤمن مطالب بتثمير ماله وتكثيره .\rوشرط عليهم أن يلتزموا في تنمية أموالهم وسائل لا ينشأ عنها الأذى للآخرين ، ولا يكون من جرائها تعويق أو تعطيل لجريان الأرزاق بين العباد ، ودوران المال في الأيدي على أوسع نطاق : \r{كي لا يكون دولة بين الأغنياء منكم} وكتب عليهم الطهارة في النية والعمل ، والنظافة في الوسيلة والغاية ، وفرض عليهم قيوداً في تنمية المال لا تجعلهم يسلكون إليها سبلاً تؤذي ضمير الفرد وخلقه ، أو تؤذي حياة الجماعة وكيانها .\rوأقام هذا كله على أساس التصور الممثل لحقيقة الواقع في هذا الوجود ؛ وعلى أساس عهد الاستخلاف الذي يحكم كل تصرفات الإنسان المستخلف في هذا الملك العريض . .\rومن ثم فالربا عملية تصطدم ابتداء مع قواعد التصور الإيماني إطلاقا ؛ ونظام يقوم على تصور آخر . تصور لا نظر فيه لله سبحانه وتعالى . ومن ثم لا رعاية فيه للمباديء والغايات والأخلاق التي يريد الله للبشر أن تقوم حياتهم عليها .\r","part":9,"page":371},{"id":3876,"text":"إنه يقوم ابتداء على أساس أن لا علاقة بين إرادة الله وحياة البشر . فالإنسان هو سيد هذه الأرض ابتداء ؛ وهو غير مقيد بعهد من الله ؛ وغير ملزم باتباع أوامر الله!\rثم إن الفرد حر في وسائل حصوله على المال ، وفي طرق تنميته ، كما هو حر في التمتع به . غير ملتزم في شيء من هذا بعهد من الله أو شرط ؛ وغير مقيد كذلك بمصلحة الآخرين . ومن ثم فلا اعتبار لأن يتأذى الملايين إذا هو أضاف إلى خزانته ورصيده ما يستطيع إضافته . وقد تتدخل القوانين الوضعية أحياناً في الحد من حريته هذه - جزئياً - في تحديد سعر الفائدة مثلاً ؛ وفي منع أنواع من الاحتيال والنصب والغصب والنهب ، والغش والضرر . ولكن هذا التدخل يعود إلى ما يتواضع عليه الناس أنفسهم ، وما تقودهم إليه أهواؤهم ؛ لا إلى مبدأ ثابت مفروض من سلطة إلهية!\rكذلك يقوم على أساس تصور خاطىء فاسد . هو أن غاية الغايات للوجود الإنساني هي تحصيله للمال - بأية وسيلة - واستمتاعه به على النحو الذي يهوى! ومن ثم يتكالب على جمع المال وعلى المتاع به ؛ ويدوس في الطريق كل مبدأ وكل صالح للآخرين!\rثم ينشىء في النهاية نظاماً يسحق البشرية سحقاً ، ويشقيها في حياتها أفراداً وجماعات ودولاً وشعوباً ، لمصلحة حفنة من المرابين ؛ ويحطها أخلاقيا ونفسياً وعصبياً ؛ ويحدث الخلل في دورة المال ونمو الاقتصاد البشري نمواً سوياً وينتهي - كما انتهى في العصر الحديث - إلى تركيز السلطة الحقيقية والنفوذ العملي على البشرية كلها في أيدي زمرة من أحط خلق الله وأشدهم شراً ؛ وشرذمة ممن لا يرعون في البشرية إلاًّ ولا ذمة ، ولا يراقبون فيها عهداً ولا حرمة . . وهؤلاء هم الذين يداينون الناس أفراداً ، كما يداينون الحكومات والشعوب - في داخل بلادهم وفي خارجها - وترجع إليهم الحصيلة الحقيقية لجهد البشرية كلها ، وكد الآدميين وعرقهم ودمائهم ، في صورة فوائد ربوية لم يبذلوا هم فيها جهداً!\rوهم لا يملكون المال وحده .\r","part":9,"page":372},{"id":3877,"text":". إنما يملكون النفوذ . . ولما لم تكن لهم مبادىء ولا أخلاق ولا تصور ديني أو أخلاقي على الإطلاق ؛ بل لما كانوا يسخرون من حكاية الأديان والأخلاق والمثل والمبادئ ؛ فإنهم بطبيعة الحال يستخدمون هذا النفوذ الهائل الذي يملكونه في إنشاء الأوضاع والأفكار والمشروعات التي تمكنهم من زيادة الاستغلال ، ولا تقف في طريق جشعهم وخسة أهدافهم . . وأقرب الوسائل هي تحطيم أخلاق البشرية وإسقاطها في مستنقع آسن من اللذائذ والشهوات ، التي يدفع فيها الكثيرون آخر فلس يملكونه ، حيث تسقط الفلوس في المصائد والشباك المنصوبة! وذلك مع التحكم في جريان الاقتصاد العالمي وفق مصالحهم المحدودة ، مهما أدى هذا إلى الأزمات الدورية المعروفة في عالم الاقتصاد ؛ وإلى انحراف الإنتاج الصناعي والاقتصادي كله عما فيه مصلحة المجموعة البشرية إلى مصلحة الممولين المرابين ، الذين تتجمع في أيديهم خيوط الثروة العالمية!\r","part":9,"page":373},{"id":3878,"text":"والكارثة التي تمت في العصر الحديث - ولم تكن بهذه الصورة البشعة في الجاهلية - هي أن هؤلاء المرابين - الذين كانوا يتمثلون في الزمن الماضي في صورة أفراد أو بيوت مالية كما يتمثلون الآن في صورة مؤسسي المصارف العصرية - قد استطاعوا بما لديهم من سلطة هائلة مخيفة داخل أجهزة الحكم العالمية وخارجها ، وبما يملكون من وسائل التوجيه والإعلام في الأرض كلها . . سواء في ذلك الصحف والكتب والجامعات والأساتذة ومحطات الإرسال ودور السينما وغيرها . . أن ينشئوا عقلية عامة بين جماهير البشر المساكين الذين يأكل أولئك المرابون عظامهم ولحومهم ، ويشربون عرقهم ودماءهم في ظل النظام الربوي . . هذه العقلية العامة خاضعة للإيحاء الخبيث المسموم بأن الربا هو النظام الطبيعي المعقول ، والأساس الصحيح الذي لا أساس غيره للنمو الاقتصادي ؛ وأنه من بركات هذا النظام وحسناته كان هذا التقدم الحضاري في الغرب . وأن الذين يريدون إبطاله جماعة من الخياليين - غير العمليين - وأنهم إنما يعتمدون في نظرتهم هذه على مجرد نظريات أخلاقية ومثل خيالية لا رصيد لها من الواقع ؛ وهي كفيلة بإفساد النظام الاقتصادي كله لو سمح لها أن تتدخل فيه! حتى ليتعرض الذين ينتقدون النظام الربوي من هذا الجانب للسخرية من البشر الذين هم في حقيقة الأمر ضحايا بائسة لهذا النظام ذاته! ضحايا شأنهم شأن الاقتصاد العالمي نفسه . الذي تضطره عصابات المرابين العالمية لأن يجري جرياناً غير طبيعي ولا سوي . ويتعرض للهزات الدورية المنظمة! وينحرف عن أن يكون نافعاً للبشرية كلها ، إلى أن يكون وقفاً على حفنة من الذئاب قليلة!\rإن النظام الربوي نظام معيب من الوجهة الاقتصادية البحتة - وقد بلغ من سوئه أن تنبه لعيوبه بعض أساتذة الاقتصاد الغربيين أنفسهم ؛ وهم قد نشأوا في ظله ، وأشربت عقولهم وثقافتهم تلك السموم التي تبثها عصابات المال في كل فروع الثقافة والتصور والأخلاق .\r","part":9,"page":374},{"id":3879,"text":"وفي مقدمة هؤلاء الأساتذة الذين يعيبون هذا النظام من الناحية الاقتصادية البحتة \" دكتور شاخت \" الألماني ومدير بنك الرايخ الألماني سابقاً . وقد كان مما قاله في محاضرة له بدمشق عام 1953 أنه بعملية رياضية ( غير متناهية ) يتضح أن جميع المال في الأرض صائر إلى عدد قليل جدا من المرابين . ذلك أن الدائن المرابي يربح دائما في كل عملية ؛ بينما المدين معرض للربح والخسارة . ومن ثم فإن المال كله في النهاية لا بد - بالحساب الرياضي - أن يصير إلى الذي يربح دائماً! وأن هذه النظرية في طريقها للتحقق الكامل . فإن معظم مال الأرض الآن يملكه - ملكاً حقيقياً - بضعة ألوف! أما جميع الملاك وأصحاب المصانع الذين يستدينون من البنوك ، والعمال ، وغيرهم ، فهم ليسوا سوى أجراء يعملون لحساب أصحاب المال ، ويجني ثمرة كدهم أولئك الألوف! .\rوليس هذا وحده هو كل ما للربا من جريرة . فإن قيام النظام الاقتصادي على الأساس الربوي يجعل العلاقة بين أصحاب الأموال وبين العاملين في التجارة والصناعة علاقة مقامرة ومشاكسة مستمرة . فإن المرابي يجتهد في الحصول على أكبر فائدة . ومن ثم يمسك المال حتى يزيد اضطرار التجارة والصناعة إليه فيرتفع سعر الفائدة ؛ ويظل يرفع السعر حتى يجد العاملون في التجارة والصناعة أنه لا فائدة لهم من استخدام هذا المال ، لأنه لا يدر عليهم ما يوفون به الفائدة ويفضل لهم منه شيء . . عندئذ ينكمش حجم المال المستخدم في هذه المجالات التي تشتغل فيها الملايين ؛ وتضيق المصانع دائرة انتاجها ، ويتعطل العمال ، فتقل القدرة على الشراء . وعندما يصل الأمر إلى هذا الحد ، ويجد المرابون أن الطلب على المال قد نقص أو توقف ، يعودون إلى خفض سعر الفائدة اضطراراً . فيقبل عليه العاملون في الصناعة والتجارة من جديد ، وتعود دورة الحياة إلى الرخاء . . وهكذا دواليك تقع الأزمات الاقتصادية الدورية العالمية . ويظل البشر هكذا يدورون فيها كالسائمة!","part":9,"page":375},{"id":3880,"text":"ثم إن جميع المستهلكين يؤدون ضريبة غير مباشرة للمرابين . فإن أصحاب الصناعات والتجار لا يدفعون فائدة الأموال التي يقترضونها بالربا إلا من جيوب المستهلكين ، فهم يزيدونها في أثمان السلع الاستهلاكية فيتوزع عبؤها على أهل الأرض لتدخل في جيوب المرابين في النهاية . أما الديون التي تقترضها الحكومات من بيوت المال لتقوم بالإصلاحات والمشروعات العمرانية فإن رعاياها هم الذين يؤدون فائدتها للبيوت الربوية كذلك . إذ أن هذه الحكومات تضطر إلى زيادة الضرائب المختلفة لتسدد منها هذه الديون وفوائدها . وبذلك يشترك كل فرد في دفع هذه الجزية للمرابين في نهاية المطاف . . وقلما ينتهي الأمر عند هذا الحد ، ولا يكون الاستعمار هو نهاية الديون . . ثم تكون الحروب بسبب الاستعمار!\rونحن هنا - في ظلال القرآن - لا نستقصي كل عيوب النظام الربوي فهذا مجاله بحث مستقل - فنكتفي بهذا القدر لنخلص منه إلى تنبيه من يريدون أن يكونوا مسلمين إلى جملة حقائق أساسية بصدد كراهية الإسلام للنظام الربوي المقيت : \rالحقيقة الأولى : - التي يجب أن تكون مستيقنة في نفوسهم - أنه لا إسلام مع قيام نظام ربوي في مكان .\rوكل ما يمكن أن يقوله أصحاب الفتاوى من رجال الدين أو غيرهم سوى هذا دجل وخداع . فأساس التصور الإسلامي - كما بينا - يصطدم اصطداماً مباشراً بالنظام الربوي ، ونتائجه العملية في حياة الناس وتصوراتهم وأخلاقهم .\rوالحقيقة الثانية : أن النظام الربوي بلاء على الإنسانية - لا في إيمانها وأخلاقها وتصورها للحياة فحسب - بل كذلك في صميم حياتها الاقتصادية والعملية ، وأنه أبشع نظام يمحق سعادة البشرية محقاً ، ويعطل نموها الإنساني المتوازن ، على الرغم من الطلاء الظاهري الخدّاع ، الذي يبدو كأنه مساعدة من هذا النظام للنمو الاقتصادي العام!","part":9,"page":376},{"id":3881,"text":"والحقيقة الثالثة : أن النظام الأخلاقي والنظام العملي في الإسلام مترابطان تماماً ، وأن الإنسان في كل تصرفاته مرتبط بعهد الاستخلاف وشرطه ، وأنه مختبر ومبتلى وممتحن في كل نشاط يقوم به في حياته ، ومحاسب عليه في آخرته . فليس هناك نظام أخلاقي وحده ، ونظام عملي وحده ، وإنما هما معا يؤلفان نشاط الإنسان ، وكلاهما عبادة يؤجر عليها إن أحسن ، وإثم يؤاخذ عليه إن أساء . وأن الاقتصاد الإسلامي الناجح لا يقوم بغير أخلاق ، وأن الأخلاق ليست نافلة يمكن الاستغناء عنها ثم تنجح حياة الناس العملية .\rوالحقيقة الرابعة : أن التعامل الربوي لا يمكن إلا أن يفسد ضمير الفرد وخلقه ، وشعوره تجاه أخيه في الجماعة ؛ وإلا أن يفسد حياة الجماعة البشرية وتضامنها بما يبثه من روح الشره والطمع والأثرة والمخاتلة والمقامرة بصفة عامة . أما في العصر الحديث فإنه يعد الدافع الأول لتوجيه رأس المال إلى أحط وجوه الاستثمار . كي يستطيع رأس المال المستدان بالربا أن يربح ربحاً مضموناً ، فيؤدي الفائدة الربوية ويفضل منه شيء للمستدين . ومن ثم فهو الدافع المباشر لاستثمار المال في الأفلام القذرة والصحافة القذرة والمراقص والملاهي والرقيق الأبيض وسائر الحرف والاتجاهات التي تحطم أخلاق البشرية تحطيماً . . والمال المستدان بالربا ليس همه أن ينشىء أنفع المشروعات للبشرية ؛ بل همه أن ينشىء أكثرها ربحاً . ولو كان الربح إتما يجيء من استثارة أحط الغرائز وأقذر الميول . . وهذا هو المشاهد اليوم في أنحاء الأرض . وسببه الأول هو التعامل الربوي!\rوالحقيقة الخامسة : أن الإسلام نظام متكامل . فهو حين يحرم التعامل الربوي يقيم نظمه كلها على أساس الاستغناء عن الحاجة إليه ؛ وينظم جوانب الحياة الاجتماعية بحيث تنتفي منها الحاجة إلى هذا النوع من التعامل ، بدون مساس بالنمو الاقتصادي والاجتماعي والإنساني المطرد .\r","part":9,"page":377},{"id":3882,"text":"والحقيقة السادسة : أن الإسلام - حين يتاح له أن ينظم الحياة وفق تصوره ومنهجه الخاص - لن يحتاج عند إلغاء التعامل الربوي ، إلى إلغاء المؤسسات والأجهزة اللازمة لنمو الحياة الاقتصادية العصرية نموها الطبيعي السليم .\rولكنه فقط سيطهرها من لوثة الربا ودنسه . ثم يتركها تعمل وفق قواعد أخرى سليمة . وفي أول هذه المؤسسات والأجهزة : المصارف والشركات وما إليها من مؤسسات الاقتصاد الحديث .\rوالحقيقة السابعة : - وهي الأهم - ضرورة اعتقاد من يريد أن يكون مسلماً ، بأن هناك استحالة اعتقادية في أن يحرم الله أمراً لا تقوم الحياة البشرية ولا تتقدم بدونه! كما أن هناك استحالة اعتقادية كذلك في أن يكون هناك أمر خبيث ويكون في الوقت ذاته حتميا لقيام الحياة وتقدمها . . فالله سبحانه هو خالق هذه الحياة ، وهو مستخلف الإنسان فيها ؛ وهو الآمر بتنميتها وترقيتها ؛ وهو المريد لهذا كله الموفق إليه . فهناك استحالة إذن في تصور المسلم أن يكون فيما حرمه الله شيء لا تقوم الحياة البشرية ولا تتقدم بدونه . وأن يكون هناك شيء خبيث هو حتمي لقيام الحياة ورقيها . وإنما هو سوء التصور . وسوء الفهم والدعاية المسمومة الخبيثة الطاغية التي دأبت أجيالاً على بث فكرة : أن الربا ضرورة للنمو الاقتصادي والعمراني ، وأن النظام الربوي هو النظام الطبيعي . وبث هذا التصور الخادع في مناهل الثقافة العامة ، ومنابع المعرفة الإنسانية في مشارق الأرض ومغاربها . ثم قيام الحياة الحديثة على هذا الأساس فعلاً بسعي بيوت المال والمرابين . وصعوبة تصور قيامها على أساس آخر . وهي صعوبة تنشأ أولاً من عدم الإيمان . كما تنشأ ثانياً من ضعف التفكير وعجزه عن التحرر من ذلك الوهم الذي اجتهد المرابون في بثه وتمكينه لما لهم من قدرة على التوجيه . وملكية للنفوذ داخل الحكومات العالمية ، وملكية لأدوات الإعلام العامة والخاصة .\r","part":9,"page":378},{"id":3883,"text":"والحقيقة الثامنة : أن استحالة قيام الاقتصاد العالمي اليوم وغداً على أساس غير الأساس الربوي . . ليست سوى خرافة . أو هي أكذوبة ضخمة تعيش لأن الأجهزة التي يستخدمها أصحاب المصلحة في بقائها أجهزة ضخمة فعلاً! وأنه حين تصح النية ، وتعزم البشرية - أو تعزم الأمة المسلمة - أن تسترد حريتها من قبضة العصابات الربوية العالمية ، وتريد لنفسها الخير والسعادة والبركة مع نظافة الخلق وطهارة المجتمع ، فإن المجال مفتوح لإقامة النظام الآخر الرشيد ، الذي أراده الله للبشرية ، والذي طبق فعلاً ، ونمت الحياة في ظله فعلاً ؛ وما تزال قابلة للنمو تحت إشرافه وفي ظلاله ، لو عقل الناس ورشدوا!\rوليس هناك مجال تفصيل القول في كيفيات التطبيق ووسائله . . فحسبنا هذه الإشارات المجملة . وقد تبين أن شناعة العملية الربوية ليست ضرورة من ضرورات الحياة الاقتصادية ؛ وأن الإنسانية التي انحرفت عن النهج قديماً حتى ردها الإسلام إليه ؛ هي الإنسانية التي تنحرف اليوم الانحراف ذاته ، ولا تفيء إلى النهج القويم الرحيم السليم .\rفلننظر كيف كانت ثورة الإسلام على تلك الشناعة التي ذاقت منها البشرية ما لم تذق قط من بلاء : \r{الذين يأكلون الربا لا يقومون إلا كما يقوم الذي يتخبطه الشيطان من المس .\rذلك بأنهم قالوا : إنما البيع مثل الربا . وأحل الله البيع وحرم الربا . فمن جاءه موعظة من ربه فانتهى فله ما سلف وأمره إلى الله . ومن عاد فأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون . يمحق الله الربا ويربي الصدقات . والله لا يحب كل كفار أثيم} . .\rإنها الحملة المفزعة ، والتصوير المرعب : \r{لا يقومون إلا كما يقوم الذي يتخبطه الشيطان من المس} . .\r","part":9,"page":379},{"id":3884,"text":"وما كان أي تهديد معنوي ليبلغ إلى الحس ما تبلغه هذه الصورة المجسمة الحية المتحركة . . صورة الممسوس المصروع . . وهي صورة معروفة معهودة للناس . فالنص يستحضرها لتؤدي دورها الإيحائي في إفزاع الحس ، لاستجاشة مشاعر المرابين ، وهزها هزة عنيفة تخرجهم من مألوف عادتهم في نظامهم الاقتصادي ؛ ومن حرصهم على ما يحققه لهم من الفائدة . . وهي وسيلة في التأثير التربوي ناجعة في مواضعها . بينما هي في الوقت ذاته تعبر عن حقيقة واقعة . . ولقد مضت معظم التفاسير على أن المقصود بالقيام في هذه الصورة المفزعة ، هو القيام يوم البعث . ولكن هذه الصورة - فيما نرى - واقعة بذاتها في حياة البشرية في هذه الأرض أيضاً . ثم إنها تتفق مع ما سيأتي بعدها من الإنذار بحرب من الله ورسوله . ونحن نرى أن هذه الحرب واقعة وقائمة الآن ومسلطة على البشرية الضالة التي تتخبط كالممسوس في عقابيل النظام الربوي. أ هـ {فى ظلال القرآن حـ 1 صـ 199 ـ 205}","part":9,"page":380},{"id":3885,"text":"قوله تعالى : {إِنَّ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآَتَوُا الزَّكَاةَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (277)}\rمناسبة الآية لما قبلها\rقال البقاعى : \rولما بين تعالى ما سلبه عن الكافرين من محبته أتبعه ما أثبته للمؤمنين المصدقين من رحمة الملوح إليهم فيما قبل بالعطف على غير معطوف عليه ظاهر كما تقدم آنفاً على وجه لم يخله من ذكر النفقة فقال تعالى مشيراً إلى قسيم {ومن عاد} {إن الذين آمنوا} أي صدقوا بجميع ما أتتهم به الرسل صلوات الله وسلامه عليهم عن الله سبحانه وتعالى {وعملوا} تصديقاً لإيمانهم {الصالحات} ائتماراً وانتهاء لا سيما ترك الربا.\rولما كانت الصلاة زبدة الدين فيما بين الحق والخلق خصها بالذكر فقال : {وأقاموا الصلاة} بجميع حدودها {إن الصلاة تنهى عن الفحشآء والمنكر} [ العنكبوت : 45 ].\rولما كان الإيثار أجل ما بين الحق والخلق وزبدته إخراج الواجب من المال عن طيب نفس قال : {وآتوا الزكاة} فضلاً عن أن يبخلوا فضلاً عن أن يربوا ودل على أن جزاءهم بحسب النيات لثباتهم في فتنة الردة بقوله : {لهم أجرهم} وأعلم بحفظه وتنميمته بقوله : {عند ربهم} وآذن بتمام الانتفاع بقوله : {ولا خوف عليهم} أي من طارق يطرقهم بغير ما يلائمهم لأنهم في كنف العزيز العليم {ولا هم يحزنون} على شيء فاتهم فهم في غاية الرضى بما هم فيه ، ولعظيم الجدوى في ذلك كرره في هذه الآيات غير مرة ونوه به كرة في أثر كرة. أ هـ {نظم الدرر حـ 1 صـ 540 ـ 541}\rفصل\rقال الفخر : ","part":9,"page":381},{"id":3886,"text":"احتج من قال بأن العمل الصالح خارج عن مسمى الإيمان بهذه الآية فإنه قال : {إِنَّ الذين ءامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصالحات} فعطف عمل الصالحات على الإيمان والمعطوف مغاير للمعطوف عليه ومن الناس من أجاب عنه أليس أنه قال في هذه الآية {وَعَمِلُواْ الصالحات وَأَقَامُواْ الصلاة وَآتَوُاْ الزكواة} مع أنه لا نزاع في أن إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة داخلان تحت {وَعَمِلُواْ الصالحات} فكذا فيما ذكرتم ، وأيضاً قال تعالى : {الذين كَفَرُواْ وَصَدُّواْ عَن سَبِيلِ الله} [ محمد : 34 ] وقال : {الذين كَفَرُواْ وَكَذَّبُواْ بئاياتنا} [ البقرة : 239 ].\rوللمستدل الأول أن يجيب عنه بأن الأصل حمل كل لفظة على فائدة جديدة ترك العمل به عند التعذر ، فيبقى في غير موضع التعذر على الأصل. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 7 صـ 84 ـ 85}\rفائدة\rقال الفخر : \r{لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبّهِمْ} أقوى من قوله : على ربهم أجرهم لأن الأول يجري مجرى ما إذا باع بالنقد ، فذاك النقد هناك حاضر ، متى شاء البائع أخذه ، وقوله : أجرهم على ربهم.\rيجري مجرى ما إذا باع بالنسيئة في الذمة ، ولا شك أن الأول أفضل. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 7 صـ 85}\rفصل\rقال الفخر : ","part":9,"page":382},{"id":3887,"text":"اختلفوا في قوله {وَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ} فقال ابن عباس : لا خوف عليهم فيما يستقبلهم من أحوال القيامة ، ولا هم يحزنون بسبب ما تركوه في الدنيا ، فإن المنتقل من حالة إلى حالة أخرى فوقها ربما يحزن على بعض ما فاته من الأحوال السالفة ، وإن كان مغتبطاً بالثانية لأجل إلفه وعادته ، فبيّن تعالى أن هذا القدر من الغصة لا يلحق أهل الثواب والكرامة ، وقال الأصم : لا خوف عليهم من عذاب يومئذ ، ولا هم يحزنون بسبب أنه فاتهم النعيم الزائد الذي قد حصل لغيرهم من السعداء ، لأنه لا منافسة في الآخرة ، ولا هم يحزنون أيضاً بسبب أنه لم يصدر منا في الدنيا طاعة أزيد مما صدر حتى صرنا مستحقين لثواب أزيد مما وجدناه وذلك لأن هذه الخواطر لا توجد في الآخرة. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 7 صـ 85}\rفصل\rقال الفخر : \rفي قوله تعالى : {إِنَّ الذين ءامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصالحات وَأَقَامُواْ الصلاة وَءَاتَوُاْ الزكواة لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبّهِمْ} إشكال هو أن المرأة إذا بلغت عارفة بالله وكما بلغت حاضت ، ثم عند انقطاع حيضها ماتت ، أو الرجل بلغ عارفاً بالله ، وقبل أن تجب عليه الصلاة والزكاة مات ، فهما بالاتفاق من أهل الثواب ، فدل ذلك على أن استحقاق الأجر والثواب لا يتوقف على حصول الأعمال ، وأيضاً من مذهبنا أن الله تعالى قد يثيب المؤمن الفاسق الخالي عن جميع الأعمال ، وإذا كان كذلك ، فكيف وقف الله هاهنا حصول الأجر على حصول الأعمال ؟ .","part":9,"page":383},{"id":3888,"text":"الجواب : أنه تعالى إنما ذكر هذه الخصال لا لأجل أن استحقاق الثواب مشروط بهذا ، بل لأجل أن لكل واحد منهما أثراً في جلب الثواب ، كما قال في ضد هذا {والذين لاَ يَدْعُونَ مَعَ الله إلها ءَاخَرَ} [ الفرقان : 68 ] ثم قال : {وَمَن يَفْعَلْ ذلك يَلْقَ أَثَاماً} [ الفرقان : 68 ] ومعلوم أن من ادعى مع الله إلها آخر لا يحتاج في استحقاقه العذاب إلى عمل آخر ، ولكن الله جمع الزنا وقتل النفس على سبيل الاستحلال مع دعاء غير الله إلها لبيان أن كل واحد من هذه الخصال يوجب العقوبة. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 7 صـ 85}\rفائدة\rقال الآلوسى فى معنى الآية : \r{إِنَّ الذين ءامَنُواْ} بما وجب الإيمان به {وَعَمِلُواْ} الأعمال {الصالحات} على الوجه الذي أمروا به {وَأَقَامُواْ الصلاة وَءاتَوُاْ الزكواة} تخصيصهما بالذكر مع اندراجهما في الأعمال للتنبيه على عظم فضلهما ، فإن الأولى : أعظم الأعمال البدنية والثانية : أفضل الأعمال المالية {لَهُمْ أَجْرُهُمْ} الموعود لهم حال كونه {عِندَ رَبّهِمْ} وفي التعبير بذلك مزيد لطف وتشريف {وَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ} لوفور حظهم. أ هـ {روح المعانى حـ 3 صـ 52}\rموعظة\rقال فى روح البيان : \rاعلم إن آكل الربا لحرصه على الدنيا مثله كمثل من به جوع الكلب فيأكل ولا يشبع حتى ينتفخ بطنه ويثقل عليه فكلما يقوم يصرعه ثقل بطنه فكذا حال أهل الربا يوم القيامة\rفالعاقل لا يأكل ما لا يتحمله فى الدنيا والآخرة فطوبى لمن يقتصد فى أخذ الدنيا ولا يحمله الحرص على أخذها بغير حقها فهو ينجو من وبالها وهو مثل التاجر الذى يكسب المال بطريق البيع والشراء ويؤدى حقه وإن كان له حرص فى الطلب والجمع ولكن لما كان بأمر الشرع وطريق الحل ولا يمنع ذا الحق حقه ما أضر به كما اضرّ بآكل الربا روى أن النبى صلى الله عليه وسلم قال : ","part":9,"page":384},{"id":3889,"text":"\" الربا بضع وسبعون بابا أدناها كأتيان الرجل أمه \" يعنى كالزنى بأمه والعياذ بالله فمن سمع هذا القول العظيم فليبادر بالتوبة إلى باب المولى الكريم ذلك لمن كان له قلب أو القى السمع وهو شهيد.\rومن أقرض شيئا بشرط أن يرد عليه أفضل فهو قرض جر منفعة وكل قرض جر منفعة فهو ربا وكان لأبى حنيفة رحمه الله على رجل ألف درهم سود فرد عليه ألف درهم بيض فقال أبو حنيفة لا أريد هذا الأبيض بدل دراهمى فأخاف أن يكون هذا البياض ربا فرده وأخذ مثل دراهمه\rقال أبو بكر لقيت أبا حنيفة على باب رجل وكان يقرع الباب ثم يتنحى ويقوم فى الشمس فسألته عنه فقال إن لى على صاحبه دينا وقد نهى عن قرض جر منفعة فلا انتفع بظل حائطه. أ هـ {روح البيان حـ 1 صـ 534}. بتصرف يسير.\rمن فوائد ابن عرفة فى الآية\rقوله تعالى : {إِنَّ الذين آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصالحات وَأَقَامُواْ الصلاة وَآتَوُاْ الزكواة لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ . . .}.\rقال هنا : \" لهُمْ أجْرُهُمْ \" وقال فيما سبق : {فَلَهُمْ أجْرُهُمْ} لوجهين : \rالأول : أن السّابق ( أكمل ) وأبلغ لقوله : {الذين يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُم بالليل والنهار سِرّاً وَعَلاَنِيَةً} ، فأكّده بالسرّ والعلانية وهنا لم يؤكده كذلك.\rقيل لابن عرفة : الأعمال الصالحة تشتمل على النفقة وغيرها ؟ \rفقال : تستلزم مطلق النفقة وتلك نفقة خاصة.\rالثاني : إن هذا مؤكد \" بإن \" فأغنى عن تأكيده بالفاء ؟ \rقلت : لأن الأول موصول مضمن معنى الشّرط فصحّ دخول الفاء في خبره وأن لا تدخل على الشّرط الصريح ، فلا يدخل على ما هو مضمّن معناه فدخولها يمنع من تضمين الموصول معناه ، وإذا لم يضمن معنى الشّرط فلا يدخل الفاء في خبره. أ هـ {تفسير ابن عرفة صـ 356}.\rتم الجزء التاسع من كتاب {جامع لطائف التفسير} ولله الحمد والمنة\rويليه إن شاء الله تعالى الجزء العاشر وأوله قوله تعالى : \r{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (278)}.","part":9,"page":385},{"id":3890,"text":"بسم الله الرحمن الرحيم\rاسم الكتاب / جامع لطائف التفسير\rالعاجز الفقير\rعبد الرحمن بن محمد القماش\rإمام وخطيب بدولة الإمارات العربية\rعفا الله عنه وغفر له\rالجزء العاشر\rحقوق النسخ والطبع والنشر مسموح بها لكل مسلم\r{ يا قوم لا أسألكم عليه أجرا }","part":10,"page":3},{"id":3891,"text":"الجزء العاشر\rمن الآية {278} من سورة البقرة\rوحتى الآية {286} آخر سورة البقرة","part":10,"page":4},{"id":3892,"text":"قوله تعالى : {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (278)}\rمناسبة الآية لما قبلها\rقال البقاعى : \rولما كانت نتيجة الآية الماضية في الاعتماد على ما عند الله سبحانه وتعالى من الأجر وعدم الحزن على ما فات من ربا وغيره والخوف من شيء آت من فقر أو غيره ترك كل شيء ينسب إلى الربا وكان بين أهل الإسلام وأهل الجاهلية وبين بعضهم وبعض معاملات في الجاهلية ربوية لم تتم بعد بين أمرها نفياً لما قد يتوهم من قوله سابقاً {فله ما سلف} من تحليل بقايا الربا وأن النهي خاص بما تجدد منه فقال مخاطباً لأقرب من ذكره ممن تلبس بالإيمان ولم يلتفت إلى غيرهم تشريفاً لهم : {يا أيها الذين آمنوا} أي أقروا بالتصديق بألسنتهم.\rولما كان الربا قد يكون مؤجلاً فيكون صاحبه قد مضت عليه مدد وهو موطن نفسه على أخذه فيصير الكف عنه يعدل الموت عنده أبلغ سبحانه وتعالى في التشديد في هذه المواعظ فقال : {اتقوا الله} أي الذي له جميع العظمة تصديقا لإقراركم {وذروا} أي اتركوا أي ترك كان {ما بقي من الربا} أي الذي كنتم تتعاملون به فلا تستحلوه ولا تأكلوه.\rولما لوح في أول الآية إلى أن من أصر فهو غير صادق في دعوى الإيمان صرح بذلك في آخرها فقال : {إن كنتم مؤمنين} أي متصفين بما ذكرتموه بألسنتكم.\rقال الحرالي : فبين أن الربا والإيمان لا يجتمعان وأكثر بلايا هذه الأمة حتى أصابها ما أصاب بني إسرائيل من البأس الشنيع والانتقام بالسنين إنما هو من عمل من عمل بالربا ، \rوهذه الآية أصل عظيم في أحكام الكفار إذا أسلموا فما مضى منها لم ينقص وما لم يمض لم يفعل - نبه عليه الأصبهاني. أ هـ {نظم الدرر حـ 1 صـ 541}\rقال الفخر : ","part":10,"page":5},{"id":3893,"text":"اعلم أنه تعالى لما بين في الآية المتقدمة أن من انتهى عن الربا فله ما سلف فقد كان يجوز أن يظن أنه لا فرق بين المقبوض منه وبين الباقي في ذمة القوم ، فقال تعالى في هذه الآية {وَذَرُواْ مَا بَقِىَ مِنَ الربا} وبين به أن ذلك إذا كان عليهم ولم يقبض ، فالزيادة تحرم ، وليس لهم أن يأخذوا إلا رؤوس أموالهم ، وإنما شدد تعالى في ذلك ، لأن من انتظر مدة طويلة في حلول الأجل ، ثم حضر الوقت وظن نفسه على أن تلك الزيادة قد حصلت له ، فيحتاج في منعه عنه إلى تشديد عظيم ، فقال : {اتقوا الله} واتقاؤه ما نهى عنه {وَذَرُواْ مَا بَقِىَ مِنَ الربا} يعني إن كنتم قد قبضتم شيئاً فيعفو عنه ، وإن لم تقبضوه ، أو لم تقبضوا بعضه ، فذلك الذي لم تقبضوه كلا كان ، أو بعضاً ، فإنه محرم قبضه. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 7 صـ 86}\rوقال ابن عاشور : \rقوله : {يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وذروا ما بقي من الربوا} إفضاء إلى التشريع بعد أن قُدم أمامَه من الموعظة ما هيّأ النفوس إليه.\rفإن كان قوله : {وأحل الله البيع وحرم الربا} [ البقرة : 275 ] من كلام الذين قالوا : {إنما البيع مثل الربا} [ البقرة : 275 ] فظاهر ، وإن كان من كلام الله تعالى فهو تشريع وقع في سياق الرد ، فلم يكتف بتشريع غير مقصود ولذا احتيج إلى هذا التشريع الصريح المقصود ، وما تقدم كلّه وصف لحال أهل الجاهلية وما بقي منه في صدر الإسلام قبل التحريم.\rوأمروا بتقوى الله قبل الأمر بترك الربا لأنّ تقْوَى الله هي أصل الامتثال والاجتناب ؛ ولأن ترك الربا من جملتها.\rفهو كالأمرِ بطريق برهاني.\rومعنى {وذروا ما بقي من الربوا} الآية اتركوا ما بقي في ذمم الذين عاملتموهم بالربا ، فهذا مقابل قوله : \"فله ما سلف\" ، فكان الذي سلفَ قبضُه قبل نزول الآية معفوا عنه وما لم يقبض مأموراً بتركه. أ هـ {التحرير والتنوير حـ 3 صـ 93}\rفائدة\rقال الفخر : ","part":10,"page":6},{"id":3894,"text":"واعلم أن هذه الآية أصل كبير في أحكام الكفار إذا أسلموا ، وذلك لأن ما مضى في وقت الكفر فإنه يبقى ولا ينقص ، ولا يفسخ ، وما لا يوجد منه شيء في حال الكفر فحكمه محمول على الإسلام ، فإذا تناكحوا على ما يجوز عندهم ولا يجوز في الإسلام فهو عفو لا يتعقب ، وإن كان النكاح وقع على محرم فقبضته المرأة فقد مضى ، وإن كانت لم تقبضه فلها مهر مثلها دون المهر المسمى ، هذا مذهب الشافعي رضي الله عنه. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 7 صـ 86}\rفائدة\rقال الماوردى : \rقوله عز وجل : {يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ اتَّقُواْ اللهَ} يحتمل وجهين : \rأحدهما : يأ أيها الذين أمنوا بألسنتهم اتقوا الله بقلوبكم.\rوالثاني : يأيها الذين أمنوا بقلوبهم اتقوا الله في أفعالكم. أ هـ {النكت والعيون حـ 1 صـ 351}\rسؤال : فإن قيل : كيف قال : {ياأيها الذين ءَامَنُواْ اتقوا} ثم قال في آخره {إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ} ؟ \rالجواب : من وجوه الأول : أن هذا مثل ما يقال : إن كنت أخاً فأكرمني ، معناه : إن من كان أخا أكرم أخاه والثاني : قيل : معناه إن كنتم مؤمنين قبله\rالثالث : إن كنتم تريدون استدامة الحكم لكم بالإيمان الرابع : يا أيها الذين آمنوا بلسانهم ذروا ما بقي من الربا إن كنتم مؤمنين بقلوبكم. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 7 صـ 86}\rوقال أبو حيان : \r{إن كنتم مؤمنين} تقدّم أنهم مؤمنون بخطاب الله تعالى لهم : {يا أيها الذين آمنوا} وجمع بينهما بأنه شرط مجازي على جهة المبالغة ، كما تقول لمن تريد إقامة نفسه : إن كنت رجلاً فافعل كذا قاله ابن عطية ، أو بأن المعنى : \rإن صح إيمانكم ، يعني أن دليل صحة الإيمان وثباثه امتثال ما أمرتم به من ذلك ، قاله الزمخشري ، وفيه دسيسه اعتزال ، لأنه إذا توقفت صحة الإيمان على ترك هذه المعصية فلا يجامعها الصحة مع فعلها ، وإذا لم يصح إيمانه لم يكن مؤمناً ، مدعى المعتزلة.","part":10,"page":7},{"id":3895,"text":"وقيل : إن بمعنى إذ أي إذ كنتم مؤمنين قاله مقاتل بن سليمان ، وهو قول لبعض النحويين ، أن : إن ، تكون بمعنى : إذ ، وهو ضعيف مردود ولا يثبت في اللغة ، وقيل : هو شرط يراد به الاستدامة ، وقيل : يراد به الكمال ، وكأن الإيمان لا يتكامل إذا أصرّ الإنسان على كبيرة ، وإنما يصير مؤمناً بالإطلاق إذا اجتنب الكبائر ، هذا وإن كانت الدلائل قد قامت على أن حقيقة الإيمان لا يدخل العمل في مسماها ، وقيل : الإيمان متغاير بحسب متعلقه ، فمعنى الأول : {يا أيها الذين آمنوا} بألسنتهم.\rومعنى الثاني : {إن كنتم مؤمنين} بقلوبكم.\rوقيل : يحتمل أن يريد : يا أيها الذي آمنوا بمن قبل محمد صلى الله عليه وسلم من الأنبياء ، ذروا ما بقي من الربا إن كنتم مؤمنين بمحمد ، إذ لا ينفع الأول إلاَّ بهذا ، قاله ابن فورك.\rقال ابن عطية : وهو مردود بما روي في سبب الآية. انتهى.\rيعني أنها نزلت في عباس ، وعثمان ، أو في عباس ، وخالد ، أو فيمن أسلم من ثقيف ولم يكونوا هؤلاء قبل الإيمان آمنوا بأنبياء ، وقيل : هو شرط محض في ثقيف على بابه ، لأنه كان في أول دخولهم في الإسلام. انتهى.\rوعلى هذا ليس بشرط صحيح إلاَّ على تأويل استدامة الإيمان. أ هـ {البحر المحيط حـ 2 صـ 351}\rفصل في سبب نزول الآية\rقال الفخر : \rفي سبب نزول الآية روايات : \rالرواية الأولى : أنها خطاب لأهل مكة كانوا يرابون فلما أسلموا عند فتح مكة أمرهم الله تعالى أن يأخذوا رؤوس أموالهم دون الزيادة.\rوالرواية الثانية : قال مقاتل : إن الآية نزلت في أربعة إخوة من ثقيف : مسعود ، وعبد يا ليل ، وحبيب ، وربيعة ، بنو عمرو بن عمير الثقفي كانوا يداينون بني المغيرة ، فلما ظهر النبي صلى الله عليه وسلم على الطائف أسلم الإخوة ، ثم طالبوا برباهم بني المغيرة ، فأنزل الله تعالى هذه الآية.","part":10,"page":8},{"id":3896,"text":"والرواية الثالثة : نزلت في العباس ، وعثمان بن عفان رضي الله عنهما وكانا أسلفا في التمر ، فلما حضر الجداد قبضا بعضاً ، وزاد في الباقي فنزلت الآية ، وهذا قول عطاء وعكرمة.\rالرواية الرابعة : نزلت في العباس وخالد بن الوليد ، وكانا يسلفان في الربا ، وهو قول السدي. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 7 صـ 86 ـ 87}\rوقال القرطبى : \rقوله تعالى : {ياأيها الذين آمَنُواْ اتقوا الله وَذَرُواْ مَا بَقِيَ مِنَ الربا إِن كُنْتُمْ مُّؤْمِنِينَ} ظاهره أنه أبطل من الربا ما لم يكن مقبوضاً وإن كان معقوداً قبل نزول آية التحريم ، ولا يتعقب بالفسخ ما كان مقبوضاً.\rوقد قيل : إن الآية نزلت بسبب ثقِيف ، وكانوا عاهدوا النبيّ صلى الله عليه وسلم على أن مالهم من الربا على الناس فهو لهم ، وما للناس عليهم فهو موضوع عنهم ، فلما أن جاءت آجال رباهم بعثوا إلى مكة للاقتضاء ، وكانت الديون لبني عبدة وهم بنو عمرو بن عمير من ثقيف ، وكانت على بني المغيرة المخزوميّين.\rفقال بنو المغيرة : لا نعطي شيئاً فإن الربا قد رُفِع.\rورفعوا أمرهم إلى عَتَّاب بن أَسِيد ، فكتب به إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ونزلت الآية فكتب بها رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى عتَّاب ؛ فعلمت بها ثقيف فكفَّتْ.\rهذا سبب الآية على اختصار مجموع ما رَوى ابن إسحاق وابن جريج والسُّدِّي وغيرهم.\rوالمعنى اجعلوا بينكم وبين عذاب الله وقايةً بترككم ما بقي لكم من الربا وصفحكم عنه. أ هـ {تفسير القرطبى حـ 3 صـ 363}\rقوله تعالى : {وَذَرُواْ مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا}\rقال الماوردى : ","part":10,"page":9},{"id":3897,"text":"قوله عز وجل : {وَذَرُواْ مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا} محمول على أن مَنْ أربى قبل إسلامه ، وقبض بعضه في كُفْرِه وأسلم وقد بقي بعضه ، فما قبضه قبل إسلامه معفو عنه لا يجب عليه رد ، وما بقي منه بعد إسلامه ، حرام عليه لا يجوز له أخذه ، فأما المراباة بعد الإسلام فيجب رَدُّه فيما قبض وبقي ، فيرد ما قبض ويسقط ما بقي ، بخلاف المقبوض في الكفر ، لأن الإسلام يجبُّ ما قبله. أ هـ {النكت والعيون حـ 1 صـ 352}\rفصل\rقال الفخر : \rقال القاضي : قوله {إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ} كالدلالة على أن الإيمان لا يتكامل إذا أصر الإنسان على كبيرة وإنما يصير مؤمناً بالإطلاق إذا اجتنب كل الكبائر.\rوالجواب : لما دلّت الدلائل الكثيرة المذكورة في تفسير قوله {الذين يُؤْمِنُونَ بالغيب} [ البقرة : 3 ] على أن العمل خارج عن مسمى الإيمان كانت هذه الآية محمولة على كمال الإيمان وشرائعه ، فكان التقدير : إن كنتم عاملين بمقتضى شرائع الإيمان ، وهذا وإن كان تركاً للظاهر لكنا ذهبنا إليه لتلك الدلائل. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 7 صـ 87}","part":10,"page":10},{"id":3898,"text":"قوله تعالى : {فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ (279)}\rمناسبة الآية لما قبلها\rقال البقاعى : \rولما كان من حق من عاند السيد الأخذ سبب عن ذلك قوله : {فإن لم تفعلوا} أي ترك الربا.\rقال الحرالي : في إشعاره أن طائقة منهم لا يذرونه بعد تحريمه بما أنهم ليسوا من الذين كانوا مؤمنين - انتهى.\r{فأذنوا بحرب} أي عظيمة.\rقال الحرالي : والحرب مدافعة بشدة عن اتساع ، \rالمدافع بما يطلب منه الخروج عنه فلا يسمح به ويدافع عنه بأشد مستطاع ؛ ثم عظم أمرها بإيراد الاسم الأعظم فقال : {من الله} العظيم الجليل {ورسوله} صلى الله عليه وسلم الذي هو أعظم الخلائق بتشريفه بالإضافة إليه.\rوقال الحرالي : الذي هيأه للرحمة ، \rفكان نبي الرحمة محارباً له ، \rفانقطعت وصلته من الرحيم والشفيع - انتهى.\r{وإن تبتم} أي فعلتم بعد الإذن بالقتال أو قبله ما أمركم الله به من ترك ما بقي منه {فلكم رؤوس أموالكم} أي كما هو حال البيع.\rولما كان ذلك هو العدل لأنه الحق قال : {لا تظلمون} أي بأخذ شيء مما بقي من الربا {ولا تظلمون} بنقص من رأس المال أو دفع بمطال لأنه الحق. أ هـ {نظم الدرر حـ 1 صـ 541 ـ 542}\rفصل\rقال الفخر : ","part":10,"page":11},{"id":3899,"text":"قرأ عاصم وحمزة {فَآذَنُواْ} مفتوحة الألف ممدودة مكسورة الذال على مثال {فَآمِنُواْ} والباقون {فأذَنُواْ} بسكون الهمزة مفتوحة الذال مقصورة ، وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم ، وعن علي رضي الله عنه أنهما قرآ كذلك {فَآذَنُواْ} ممدودة ، أي فاعلموا من قوله تعالى : {فَقُلْ ءَاذَنتُكُمْ على سَوَاء} [ الأنبياء : 109 ] ومفعول الإيذان محذوف في هذه الآية ، والتقدير : فاعلموا من لم ينته عن الربا بحرب من الله ورسوله ، وإذا أمروا بإعلام غيرهم فهم أيضاً قد علموا ذلك لكن ليس في علمهم دلالة على إعلام غيرهم ، فهذه القراءة في البلاغة آكد ، وقال أحمد بن يحيى : قراءة العامة من الإذن ، أي كونوا على علم وإذن ، وقرأ الحسن {فأيقنوا} وهو دليل لقراءة العامة. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 7 صـ 87}\rفصل\rقال الفخر :\rاختلفوا في أن الخطاب بقوله {فَإِن لَّمْ تَفْعَلُواْ فَأْذَنُواْ بِحَرْبٍ مّنَ الله} خطاب مع المؤمنين المصرين على معاملة الربا ، أو هو خطاب مع الكفار المستحلين للربا ، الذين قالوا إنما البيع مثل الربا ، قال القاضي : والاحتمال الأول أولى ، لأن قوله {فَأْذَنُواْ} خطاب مع قوم تقدم ذكرهم ، وهم المخاطبون بقوله {ياأيها الذين ءَامَنُواْ اتقوا الله وَذَرُواْ مَا بَقِىَ مِنَ الربا} وذلك يدل على أن الخطاب مع المؤمنين. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 7 صـ 87}\rسؤال : فإن قلت : هلا قيل بحرب الله ورسوله ؟\rقلت : كان هذا أبلغ لأن المعنى : فأذنوا بنوع من الحرب عظيم من عند الله ورسوله. أ هـ {الكشاف حـ 1 صـ 349}\rقال أبو حيان :\rوإنما كان أبلغ لأن فيها نصاً بأن الحرب من الله لهم ، فالله تعالى هو الذي يحاربهم ، ولو قيل : بحرب الله ، لاحتمل أن تكون الحرب مضافة للفاعل ، فيكون الله هو المحارب لهم ، وأن تكون مضافة للمفعول ، فيكونوا هم المحاربين الله.","part":10,"page":12},{"id":3900,"text":"فكون الله محاربهم أبلغ وأزجر في الموعظة من كونهم محاربين الله. أ هـ {البحر المحيط حـ 2 صـ 353}\rفائدة\rقال أبو حيان : \r{فإن لم تفعلوا فأذنوا بحرب من الله ورسوله} ظاهره : فإن لم تتركوا ما بقي من الربا ، وسمي الترك فعلاً ، وإذا أمروا بترك ما بقي من الربا من ذلك الأمر بترك إنشاء الربا على طريق الأولى والأحرى. أ هـ {البحر المحيط حـ 2 صـ 352}\rفائدة\rقال ابن عاشور : \rوتَنكير حرب لقصد تعظيم أمرها ؛ ولأجل هذا المقصد عدل عن إضافة الحرب إلى الله وجيء عوضاً عنها بمن ونسبت إلى الله ؛ لأنّها بإذنه على سبيل مجاز الإسناد ، وإلى رسوله لأنّه المبلغ والمباشر ، وهذا هو الظاهر. أ هـ {التحرير والتنوير حـ 3 صـ 94}\rسؤال : فإن قيل : كيف أمر بالمحاربة مع المسلمين ؟ \rقلنا : هذه اللفظة قد تطلق على من عصى الله غير مستحل ، كما جاء في الخبر \" من أهان لي ولياً فقد بارزني بالمحاربة \" وعن جابر عن النبي صلى الله عليه وسلم : \" من لم يدع المخابرة فليأذن بحرب من الله ورسوله \" وقد جعل كثير من المفسرين والفقهاء قوله تعالى : {إِنَّمَا جَزَاءُ الذين يُحَارِبُونَ الله وَرَسُولَهُ} [ المائدة : 33 ] أصلاً في قطع الطريق من المسلمين ، فثبت أن ذكر هذا النوع من التهديد مع المسلمين وارد في كتاب الله وفي سنّة رسوله.","part":10,"page":13},{"id":3901,"text":"إذا عرفت هذا فنقول : في الجواب عن السؤال المذكور وجهان الأول : المراد المبالغة في التهديد دون نفس الحرب والثاني : المراد نفس الحرب وفيه تفصيل ، فنقول : الإصرار على عمل الربا إن كان من شخص وقدر الإمام عليه قبض عليه وأجرى فيه حكم الله من التعزير والحبس إلى أن تظهر منه التوبة ، وإن وقع ممن يكون له عسكر وشوكة ، حاربه الإمام كما يحارب الفئة الباغية وكما حارب أبو بكر رضي الله عنه ما نعي الزكاة ، وكذا القوم لو اجتمعوا على ترك الأذان ، وترك دفن الموتى ، فإنه يفعل بهم ما ذكرناه ، وقال ابن عباس رضي الله عنهما : من عامل بالربا يستتاب فإن تاب وإلا ضُرِبت عنقه.\rوالقول الثاني : في هذه الآية أن قوله {فَإِن لَّمْ تَفْعَلُواْ فَأْذَنُواْ} [ البقرة : 279 ] خطاب للكفار ، وأن معنى الآية {وَذَرُواْ مَا بَقِىَ مِنَ الربا إِن كُنتُمْ مُّؤْمِنِينَ} [ البقرة : 278 ] معترفين بتحريم الربا {فَإِن لَّمْ تَفْعَلُواْ} أي فإن لم تكونوا معترفين بتحريمه {فَأْذَنُواْ بِحَرْبٍ مّنَ الله وَرَسُولِهِ} ومن ذهب إلى هذا القول قال : إن فيه دليلاً على أن من كفر بشريعة واحدة من شرائع الإسلام كان كافراً ، كما لو كفر بجميع شرائعه.\rثم قال تعالى : {وَإِن تُبتُمْ} والمعنى على القول الأول تبتم من معاملة الربا ، وعلى القول الثاني من استحلال الربا {فَلَكُمْ رُءُوسُ أموالكم لاَ تَظْلِمُونَ وَلاَ تُظْلَمُونَ} أي لا تظلمون الغريم بطلب الزيادة على رأس المال ، ولا تظلمون أي بنقصان رأس المال. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 7 صـ 87 ـ 88}\rفائدة\rقال أبو حيان : \r{وإن تبتم فلكم رؤوس أموالكم} أي : إن تبتم من الربا ورؤوس الأموال : أصولها ، وأما الأرباح فزوائد وطوارئ عليها.","part":10,"page":14},{"id":3902,"text":"قال بعضهم : إن لم يتوبوا كفروا برد حكم الله واستحلال ما حرم الله ، فيصير مالهم فيأ للمسلمين ، وفي الاقتصار على رؤوس الأموال مع ما قبله دليل واضح على أنه ليس لهم إلاَّ ذلك ، ومفهوم الشرط أنه : إن لم يتوبوا فليس لهم رؤوس أموالهم ، وتسمية أصل المال رأساً مجاز.\r{لا تظلمون ولا تظلمون} قرأ الجمهر الأول مبنياً للفاعل ، والثاني مبنياً للمفعول ، أي : لا تظلمون الغريم بطلب زيادة على رأس المال ، ولا تظلمون أنتم بنقصان رأس المال ، وقيل : بالمطل.\rوقرأ أبان ، والمفضل ، عن عاصم الأول مبنياً للمفعول ، والثاني مبيناً للفاعل ورجح أبو علي قراءة الجماعة بأنها تناسب قوله : وإن تبتم ، في إسناد الفعلين إلى الفاعل ، فتظلمون بفتح التاء أشكل بما قبله.\rوالجملة يظهر أنها مستأنفة وإخبار منه تعالى أنهم إذا اقتصروا على رؤوس الأموال كان ذلك نصفة ، وقيل : الجملة حال من المجرور في : لكم ، والعامل في الحال ما في حرف الجر من شوب الفعل ، قاله الأخفش. أ هـ {البحر المحيط حـ 2 صـ 353}\rمن فوائد ابن عرفة فى الآية\rقوله تعالى : {فَإِن لَّمْ تَفْعَلُواْ . . .}.\rقال ابن عرفة : عادتهم يقولون : فيها حجة لمن يقول : إن الترك فعل لأن قبلها {وَذَرُواْ مَا بَقِيَ مِنَ الربا} ثُمّ قال : {فَإِن لَّمْ تَفْعَلُواْ فَأْذَنُواْ بِحَرْبٍ مِّنَ الله وَرَسُولِهِ}.\rقال : وعادتهم يجيبون بأنّ هذا كف لا ترك ، ونظيره : إذا كان طيب طعام بين يدي رجلين : أحدهما جائع والآخر شابع ولم يأكلا منه منه شيئا.\rيقال في الجائع : إنه كف ( عن الأكل ) وفي الشبعان : إنه ترك الأكل.\rقيل لابن عرفة : أو يجاب بأن قبلها اتّق الله وهو فعل ؟ \rفقال : الأمر بالتقوى ليس هو لذاته والآية إنّما سبقت لتحريم الرّبا بدليل استدلالهم بها في كتاب بيوع الآجال في ربا الجاهلية.\rقوله تعالى : {فَأْذَنُواْ بِحَرْبٍ مِّنَ الله وَرَسُولِهِ . . .}.","part":10,"page":15},{"id":3903,"text":"قال الزمخشري : في التنكير للتعظيم.\rوتقدم استشكاله بأنّ التنكير إنما هو للتقليل والشيوع في آحاد ذلك الشيء.\rوتقدم الجواب : بأن التعظيم الصفة والكيفية لا في الكمية والقدر وانظر سورة الفجر.\rقوله تعالى : {فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لاَ تَظْلِمُونَ وَلاَ تُظْلَمُونَ}.\rقال ابن عرفة : مذهبنا أنه يجب ردّ الرّبا وهو الزيادة.\rقيل لابن عرفة : فكيف يتم مفهوم الآية على مذهبنا فإنّ مفهومها إن لم تتوبوا فليس ( لكم رؤوس أموالكم ) مع أن مذهبنا بطلان الربا وللمعطي رأس ماله ؟ \rفقال : الجواب إن لم يتوبوا سقط الخطاب لأنه لا يخاطب إلا المؤمن برد الرّبا وأما الكافر فلا ( يخاطب برده ) حيث كان. أ هـ {تفسير ابن عرفة صـ 358}","part":10,"page":16},{"id":3904,"text":"سؤال عن فوائد البنوك\rيقول السائل : \rكنت موظفًا أتقاضى راتبًا متوسطًا ، وكنت أوفر منه مبلغًا أودعه البنك وأتقاضى عليه فائدة ، فهل يصح لي ذلك أم لا ، علمًا بأن المرحوم الشيخ شلتوت أفتى بجواز هذه الفوائد وسألت بعض العلماء ، فمنهم من أجازها ومنهم من منعها . ومما أذكره أني كنت أدفع زكاة مالي ، ولكن فائدة البنك كانت تزيد علن المبلغ الذي أخرجه .\rوإن كانت الفائدة غير جائزة فماذا أفعل بها ؟ \rالجواب : أن الفوائد التي يأخذها المودع من البنك ، هي ربا محرم ، فالربا : هي كل زيادة مشروطة على رأس المال . أي ما أخذ بغير تجارة ولا تعب ، زيادة على رأس المال فهو ربا . ولهذا يقول الله تعالى : (يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وذروا ما بقي من الربا إن كنتم مؤمنين . فإن لم تفعلوا فأذنوا بحرب من الله ورسوله ، وإن تبتم فلكم رؤوس أموالكم ، لا تظلمون ولا تظلمون ) البقرة : 279\rفالتوبة معناها هنا أن يبقى للإنسان رأس ماله ، وما زاد على ذلك فهو ربا . والفوائد الزائدة على رأس المال ، جاءت بغير مشاركة ولا مخاطرة ولا مضاربة ولا شئ من المتاجرة .. فهذا هو الربا المحرم. وشيخنا الشيخ شلتوت لم يبح الفوائد الربوية فيما أعلم ، وإنما قال : إذا وجدت ضرورة - سواء كانت ضرورة فردية أم ضرورة اجتماعية - يمكن عندها أن تباح الفوائد ، وتوسع في معنى الضرورة أكثر مما ينبغي. وهذا التوسع لا نوافقه عليه رحمه الله .\rوإنما الذي أفتى به الشيخ شلتوت هو صندوق التوفير ، وهو شيء آخر غير فوائد البنوك . وهذا أيضًا لم نوافقه عليه .\rفالإسلام ، لا يبيح للإنسان أن يضع رأس ماله ويأخذ ربحًا محددًا عليه ، فإنه إن كان شريكًا حقًا ، فيجب أن ينال نصيبه في الربح وفي الخسارة معًا ، أيًا كان الربح ، وأيًا كانت الخسارة .","part":10,"page":17},{"id":3905,"text":"فإذا كان الربح قليلاً شارك في القليل ، وإذا كان كثيرًا شارك في الكثير ، وإذا لم يكن ربح حرم منه ، وإذا كانت خسارة تحمل نصيبه منها ، وهذا معنى المشاركة في تحمل المسئولية .\rأما ضمان الربح المحدد ، سواء كان هناك ربح أو لم يكن ، بل قد يكون الربح أحيانًا مبالغ طائلة تصل إلى 80% أو 90% وهو لا ينال إلا نسبة مئوية بسيطة لا تتجاوز 5% أو 6% أو قد تكون هناك خسارة فادحة ، وهو لا يشارك في تلك الخسارة … وهذا غير طريق الإسلام … وإن أفتى بذلك الشيخ شلتوت رحمه الله وغفر له .\rفالأخ الذي يسأل عن فوائد البنوك : هل يأخذها أم لا ؟ أجيبه : بأن فوائد البنوك لا تحل له ، ولا يجوز أخذها . ولا يجزيه أن يزكي عن ماله الذي وضعه في البنك ، فإن هذه الفائدة حرام ، وليست ملكًا له ، ولا للبنك نفسه ، في هذه الحالة … ماذا يصنع بها ؟ \rأقول : إن الحرام لا يملك ، ولهذا يجب التصدق به ، كما قال المحققون من العلماء ، بعض الورعين قالوا بعدم جواز أخذه ولو للتصدق .. عليه أن يتركه أو يرميه في البحر ، ولا يجوز أن يتصدق بخبيث.\rولكن هذا يخالف القواعدة الشرعية في النهي عن إضاعة المال وعدم انتفاع أحد به . لابد أن ينتفع به أحد .. إذن ما دام هو ليس ملكًا له ، جاز له أخذه والتصدق به على الفقراء والمساكين ، أو يتبرع به لمشروع خيري ، أو غير ذلك مما يرى المودع أنه في صالح الإسلام والمسلمين .. ذلك أن المال الحرام كما قدمت ليس ملكًا لأحد ، فالفائدة ليست ملكًا للبنك ولا للمودع ، وإنما تكون ملكًا للمصلحة العامة ، وهذا هو الشأن في كل مال حرام ، لا ينفعه أن تزكى عنه ، فإن الزكاة لا تطهر المال الحرام ، وإنما الذي يطهره هو الخروج منه ، ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم : (إن الله لا يقبل صدقة من غلول )(رواه مسلم) . والغلول هو المال الذي يغله الإنسان ويخونه من المال العام. لا يقبل الله الصدقة من هذا المال لأنه ليس ملكًا لمن هو في يده .","part":10,"page":18},{"id":3906,"text":"وهل يترك تلك الفوائد للبنك ، لأنها محرمة عليه ؟ \rلا يتركها ، لأن هذا يقوي البنك الذي يتعامل بالربا ، ولا يأخذها لنفسه ، وإنما يأخذها ويتصدق بها في أي سبيل من سبل الخير .\rقد يقول البعض : إن المودع معرض للخسارة إذا خسر البنك وأعلن إفلاسه مثلا ، لظرف من الظروف ، أو لسبب من الأسباب .\rوأقول لمثل هذا بأن تلك الخسارة أو ذلك الإفلاس لا يبطل القاعدة ، ولو خسر المودع نتيجة ذلك الإفلاس ، لأن هذا بمثابة الشذوذ الذي يثبت القاعدة ، لأن لكل قاعدة شواذ ، والحكم في الشرائع الإلهية - والقوانين الوضعية أيضًا - لا يعتمد على الأمور الشاذة والنادرة .. فإن الجميع متفق على أن النادر لا حكم له ، وللأكثر حكم الكل . فواقعة معينة لا ينبغي أن تبطل القواعد الكلية .\rالقاعدة الكلية هي أن الذي يدفع ماله بالربا يستفيد ولا يخسر ، فإذا خسر مرة من المرات فهذا شذوذ ، والشذوذ لا يقام على أساسه حكم.\rوقد يعترض سائل فيقول : ولكن البنك يتاجر بتلك الأموال المودعة فيه ، فلماذا لا آخذ من أرباحه ؟ وأقول : نعم إن البنك يتاجر بتلك الأموال المودعة فيه . ولكن هل دخل المودع معه في عملية تجارية ؟ طبعًا لا .\rلو دخل معه شريكًا من أول الأمر ، وكان العقد بينهما على هذا الأساس ، وخسر البنك فتحمل المودع معه الخسارة ، عندئذ يكون الاعتراض في محله ، ولكن الواقع أنه حينما أفلس البنك وخسر ، أصبح المودعون يطالبون بأموالهم ، والبنك لا ينكر عليهم ذلك ، بل قد يدفع لهم أموالهم على أقساط إن كانت كثيرة ، أو دفعة واحدة إن كانت قليلة .. على أي حال ، فإن المودعين لا يعتبرون أنفسهم مسئولين ولا مشاركين في خسارة البنك ، بل يطالبون بأموالهم كاملة غير منقوصة. أ هـ {فتاوى معاصرة / للدكتور يوسف القرضاوى حـ 2 صـ 412 ـ 413}","part":10,"page":19},{"id":3907,"text":"بحوث مهمة عن فوائد البنوك\rفوائد البنوك.. سجالات التحريم والإباحة\rفتوى إباحة فوائد المصارف من د. طنطاوي إلى مجمع البحوث\rأ. محمد البنا - أ. وسام فؤاد\r20/12/2002\rفي شهر أكتوبر من العام 2002 تجددت قضية الحكم الشرعي الخاص بفوائد المصارف ، بعد أن كانت قد خمدت نارها إثر تتالي ردود العلماء الشرعيين وعلماء الاقتصاد الإسلامي على الأستاذ الدكتور محمد سيد طنطاوي ، ترده إلى الحكم الشرعي في هذه القضية. وقد بدا آنذاك ، ومع تتالي ردود العلماء على أطروحة أ.د. محمد سيد طنطاوي ، ومع تزايد كثافة وثقل وحدة هذه الردود -أن الدكتور محمد سيد طنطاوي قد تراجع عن هذه الفتوى ، بعد أن كان قد أصدر كتابًا يحوي نظرة أكثر عمقًا في تناوله لها ، وهو الكتاب الشهير : \"معاملات البنوك وأحكامها الشرعية\" ، وكانت مظنة رجوعه عن رأيه في تصريحه : من اجتهد فأصاب فله أجران ، ومن اجتهد فأخطأ فله أجر.\rلكن تجددت القضية في إطار ظرفي مختلف ، حيث أرسل الأستاذ الدكتور حسن عباس زكي عضو مجمع البحوث الإسلامية وزير الاقتصاد الأسبق رئيس مجلس إدارة بنك الشركة المصرفية العربية الدولية كتابا بتاريخ 22/10/2002 إلى فضيلة الإمام الأكبر الدكتور محمد سيد طنطاوي شيخ الأزهر ، يعيد فيه السؤال عن حكم استثمار الأموال في المصارف التي تقوم على تحديد الربح مقدمًا.","part":10,"page":20},{"id":3908,"text":"وقد أحال فضيلة الإمام الأكبر الكتاب ومرفقه للعرض على مجلس مجمع البحوث الإسلامية. وقد انعقدت جلسة مجلس المجمع في يوم الخميس 25 من شعبان سنة 1423هـ الموافق 31 من أكتوبر سنة 2002م ، وعرض عليه الموضوع المذكور. وبعد مناقشات الأعضاء ودراستهم قرر مجلس المجمع في جلسة الخميس 23 من رمضان 1423هـ الموافق 28 من نوفمبر 2002م : الموافقة على أن استثمار الأموال في البنوك التي تحدد الربح مقدما حلال شرعا ولا بأس به. وقد صدرت الفتوى ممهورة بتوقيع الأستاذ الدكتور محمد سيد طنطاوي\rمن فتوى مجمع البحوث إلى تأصيل شيخ الأزهر\rبالرغم من أن الفتوى محل التناول هي الفتوى التي أصدرتها الجلسة المذكورة لمجمع البحوث الإسلامية ، وبالرغم من أن الدكتور محمد سيد طنطاوي أحد أعضاء هذا المجمع ، فإن الفتوى لم تكن من الاتساع والتفصيل بحيث أحاطت بكل الأدلة الأساسية التي توفرت لدى المنافحين عن حكم إباحة فوائد المصارف.\rومن هنا كان الكتاب الذي أصدره أ.د. محمد سيد طنطاوي يمثل مرجعية للفتوى محل التناول ، بما يمثله من تناول أعمق ، وجمع أكثر شمولاً للأدلة التي تناصر هذا الرأي. ولهذا رأينا أنه من الأفضل الاستناد لتحليل الأدلة التي أوردها أ.د. محمد سيد طنطاوي في كتابه الشهير : معاملات البنوك وأحكامها الشرعية ، في إطار مناقشة هذه الرؤية ، وعرض استجابات العلماء لها.","part":10,"page":21},{"id":3909,"text":"ويرى الشيخ محمد سيد طنطاوي أنه لا مانع من التعامل مع البنوك أو المصارف التي تحدد الربح مقدماً فيقول : \"إننا لا نرى نصا شرعيا ولا قياساً نطمئن إليه يمنع من تحديد الربح مقدماً ، ما دام هذا التحديد قد تم باختيار الطرفين ورضاهما المشروع ، ومع هذا من أراد أن يتعامل مع البنوك التي تحدد الأرباح مقدماً فله ذلك ، ولا حرج عليه شرعا ، إذ المقياس في الحرمة والحل ليس التحديد أو عدم التحديد للربح ، وإنما المقياس هو خلو المعاملات من الغش والخداع والربا والظلم والاستغلال وما يشبه ذلك من الرذائل التي حرمتها شريعة الإسلام\".(1)\rأدلته على ما ذهب إليه :\rواستدل على ما ذهب إليه بعدد من الأدلة ، نجملها فيما يأتي :\r1- إن مسألة التحديد للربح مقدماً أو عدم التحديد ليست من العقائد ، أو العبادات التي لا يجوز التغيير أو التبديل فيها ، وإنما هي من المعاملات الاقتصادية التي تتوقف على تراضي الطرفين.\r2- إن الشريعة الإسلامية تقوم على رعاية مصالح الناس في كل زمان ومكان ، وقد تبدو هذه الرعاية في ظاهرها مخالفة لبعض النصوص عن النبي -صلى الله عليه وسلم- واستشهد في ذلك بحديث التسعير الذي رواه أنس عن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال : \"قال الناس يا رسول الله غلا السعر فسعّر لنا فقال -صلى الله عليه وسلم- : إن الله هو المسعر القابض الباسط الرازق ، وإني لأرجو أن ألقى الله وليس أحد منكم يطالبني بمظلمة في دم أو مال\".(2)\rثم قال بعد الحديث : فبالرغم من أن الرسول -صلى الله عليه وسلم- لم يجبهم إلى ما طلبوه منه من تسعير السلع -إذ الأصل عدم التسعير- نجد كثيراً من الفقهاء أجازوا لولي الأمر تسعير السلع إذا غالى التجار في الأسعار ، أو احتكروا ما لا غنى للناس عنه.\r________________\r(1) معاملات البنوك وأحكامها الشرعية تأليف الدكتور محمد سيد طنطاوي ـ مفتي جمهورية مصر العربية سابقا ، ص142 ، 143 مطبعة السعادة ، ط الثامنة سنة 1411هـ/1991م ، وتولى الأستاذ الدكتور نصر فريد واصل منصب الإفتاء بتاريخ 29جمادى الآخرة سنة 1417هـ/11نوفمبر سنة 1996م.\r(2) رواه أبو داود كتاب البيوع باب في التسعير جـ3 ، ص270 برقم 3451 ، وانظر : فقه السنة للشيخ سيد سابق جـ3 ، ص160.","part":10,"page":22},{"id":3910,"text":"وخرج فضيلته بقياس غريب على ما تقدم فقال : وقياساً على ما تقدم فإن لولي الأمر إذا رأى -بعد استشارة أهل العلم والخبرة- أن مصلحة الناس تقتضي أن تحدد البنوك الأرباح مقدمًا لمن يتعاملون معها ، فله أن يكلفها بذلك ؛ رعاية لمصالح الناس ، وحفظًا لأموالهم وحقوقهم من الضياع ، ومنعًا للنزاع والخصام بين البنوك والمتعاملين معها ، وهي مقاصد شرعية معتبرة.\r3- لا مانع في الشرع من أن يقوم البنك المستثمِر للمال بتحديد ربح معين مقدما في عقد المضاربة الذي يكون بينه وبين صاحب المال الذي يضعه في البنك بنيةٍ ويقصد الاستثمار.\r4- إن البنك لم يحدد الربح مقدما إلا بعد دراسة مستفيضة ودقيقة لأحوال السوق العالمية وبتعليمات وتوجيهات من البنك المركزي ، الذي يعد بمنزلة الحَكَم بين البنوك والمتعاملين معها.\r5- تحديد الربح مقدما فيه منفعة لصاحب المال ، ولصاحب العمل : لصاحب المال ؛ لأنه يعرفه حقه معرفة خالية من الجهالة.. ولصاحب العمل ؛ لأنه يحمله على أن يجدّ ويجتهد في عمله.\r6- إن هذا التحديد للربح مقدما لا يتعارض مع احتمال الخسارة من جانب المستثمر ، وهو البنك أو غيره ، لأنه من المعروف أن الأعمال التجارية المتنوعة إن خسر صاحبها في جانب ربح من جوانب أخرى.\r7- خراب الذمم مما يجعل صاحب المال تحت رحمة صاحب العمل المستثمر للمال ، وهو البنك أو غيره ، والذي قد يكون غير أمين فيقول مثلا : ما ربحت شيئا ، وقد ربح الكثير ؛ مما يوقع في الظلم الذي نهت عنه الشريعة.","part":10,"page":23},{"id":3911,"text":"8- كما تدخل الحكام والفقهاء في تضمين الصناع لِما يهلك تحت أيديهم بسبب إهمالهم ، فلولي الأمر أن يتدخل في عقود المضاربة بتحديد نسبة الربح مقدما وأن يكون رأس المال مضمونا ، وهذا اللون يندرج تحت باب المصالح المرسلة.\r9- لم يقل أحد من الأئمة : إن تحديد الربح مقدما في عقود المضاربة يجعله معاملة ربوية يحرم فيها الربح الناشئ عن العمل في المال المستثمر.(3)\rهذه هي الأدلة التي استند فضيلة الدكتور طنطاوي إليها في فتواه بإباحة فوائد البنوك والتي أسماها \"أرباحا\".\rمناقشة أدلة الشيخ الدكتور محمد سيد طنطاوي\rمحمد البنا\r20/12/2002\rسبق أن ذكرنا الظروف التي دعتنا إلى الوقوف على ورقة شيخ الأزهر الدكتور محمد سيد طنطاوي.. حيث إنها وفرت الأساس الذي استندت إليه جلسة المجمع في الخروج بفتواها المنصوص عليها سالفًا.\rولما كانت معالجة الدكتور محمد سيد طنطاوي أشمل وأوفر دليلاً ، كان من الأفضل التعاطي معها هي ؛ إذ في تناولها تناول لفتوى الجلسة المذكورة لمجمع البحوث الإسلامية. ولنبدأ بفحص الأدلة التي وفرها الدكتور محمد سيد طنطاوي.\rالدليل الأول : \rالمقولة الأولى لفضيلة الدكتور محمد سيد طنطاوي هي : إن مسألة تحديد الربح مقدمًا أو عدم التحديد ليست من العقائد أو العبادات التي لا يجوز التغيير أو التبديل فيها ، وإنما هي من المعاملات الاقتصادية التي تتوقف على تراضي الطرفين.\rإذا كانت مسألة تحديد الربح مقدمًا من المعاملات التي يجوز فيها التغيير والتبديل ؛ فلا بد من تحديد بعض النقاط أولا من خلال هذا الدليل : \r* المقصود بتحديد الربح مقدمًا.\r* المعاملات التي يجوز فيها التغيير والتبديل.\r* تراضي الطرفين.\r(أ) المقصود بتحديد الربح مقدمًا : \r_____________________\r(3) انظر : معاملات البنوك وأحكامها الشرعية د. محمد سيد طنطاوي ص136 : 143 ـ مطبعة السعادة ط الثامنة سنة 1411هـ/1991م.","part":10,"page":24},{"id":3912,"text":"إذا كان فضيلته يقصد به التحديد الذي يتم في عقد المضاربة أو القراض ؛ بمعنى أن يحدد له من الربح مثلا النصف أو الثلث أو على ما يتراضون به فنعم.\rوإن كان يقصد به تحديد نسبة قدرها مثلا (10%) أو (15%) أو أكثر أو أقل ، يأخذها من إنسان أو مصرف أو دولة أو أي أحد مع ضمان رأس المال ، فهذه الزيادة على رأس المال جاءت دون مقابل ودون ضمان.(1) فهذا المبلغ قرض جر نفعا بشرط مسبق ، فهو ربا ، ويؤكد هذا أن المقرض لا يعنيه فيم يستثمر المصرف ماله ؟ ولكن الذي يعنيه أنه سيأخذ في السنة ، أو في مدة معينة زيادة قدرها كذا ، خسر ماله أم ربح ، وتحديد الربح بهذه الكيفية ربا.\rوهذه الزيادة -الناتجة عن تحديد الربح مقدمًا- شرط بين المقرض والمستقرض ، وهو ربا ، والأدلة على ذلك كثيرة ؛ فالله تعالى يقول في كتابه : {فإن لم تفعلوا فأذنوا بحرب من الله ورسوله وإن تبتم فلكم رءوس أموالكم لا تظلمون ولا تظلمون}.(2) أي لكم رءوس أموالكم دون زيادة مشروطة أو غير مشروطة.\rوهذا ما قاله الجصاص في أحكام القرآن : \"معلوم أن ربا الجاهلية إنما كان قرضا مؤجلا بزيادة مشروطة ؛ فكانت الزيادة بدلا من الأجل ، فأبطله الله تعالى\".(3) وقال أيضًا : \"ربا الجاهلية هو القرض المشروط فيه الأجل وزيادة المال على المستقرض\".(4)\r_________________\r(1) يقول الأستاذ سعيد حوى : \"إن رأس المال ليس من حقه الربح لأنه رأس مال مجرد ، بل للآخرين فيه حق لمجرد أنه رأس مال ، ولا يستحق رأس المال الربح بعد هذا في مقابل استعداده لتحمل الخسارة ، فرأس المال المجرد يستحق النقصان بالزكاة ، ولا يستحق الربح بدون مقابل ، انظر : الإسلام أ/ سعيد حوى جـ1 ، ص96 ـ مكتبة وهبة ط شوال سنة 1407هـ/يونيه سنة 1987م ، وانظر : حقائق وشبهات حول ودائع البنوك وشهادات الاستثمار وصناديق التوفير بقلم الشيخ محمد عبد الله الخطيب وآخرين ، ص53.\r(2) سورة البقرة : آية 279.\r(3) أحكام القرآن تأليف الإمام أبى بكر أحمد الرازي الجصاص ت سنة 370هـ ، جـ1 ، ص637 ، 638 ـ دار الفكر سنة 1414هـ/1993م.\r(4) السابق نفسه : ص641.","part":10,"page":25},{"id":3913,"text":"وحكى ابن قدامة في \"المغني\" الإجماع على تحريم الزيادة المشروطة ، فقال : \"وكل قرض شرط فيه أن يزيده فهو حرام بغير خلاف\".\rوقال ابن المنذر : \"أجمعوا على أن المسلف إذا شرط على المستسلف زيادة أو هدية فأسلف على ذلك ، إن أخذ الزيادة على ذلك ربا\".(5)\rوهذا يدل على أن تحديد الربح مقدمًا يعني اشتراط المسلف \"المقرض\" على المستسلف \"المقترض\" زيادة على رأس المال في مدة معينة قدرها كذا من الأيام أو السنوات بنسبة كذا ، وهذا هو عين الربا المحرم شرعا.\r(ب) المعاملات التي يجوز فيها التغيير والتبديل : \rوهي كل معاملة لم يرد فيها نص شرعي بإلغائها أو تحريمها ، ونحن مع فضيلة الدكتور طنطاوي تماما في هذا طالما أنها لم تخرج عن روح الشريعة ؛ بمعنى ألا يشوبها غش ولا ظلم ولا سرقة ولا ربا ، ولا غير ذلك مما حرمه الله تعالى.\r(ج) تراضي الطرفين : \rوهو القيد الذي وضعه فضيلته لكي تصح المعاملات الاقتصادية بين الناس ، ولنا أن نتساءل : هل كل معاملة يتراضى بها الطرفان يبيحها الشرع ؟ هل كل عقد من العقود يرضى به الطرفان يعتبر جائزا ، طالما أن الأمر ليس عقيدة أو عبادة ؟ الإجابة بالطبع لا.\r________________________\r(5) المغنى والشرح الكبير متن المقنع في فقه الإمام أحمد بن حنبل للإمامين موفق الدين وشمس الدين ابني قدامة جـ4 ، ص390 ـ درا الفكر العربي بيروت سنة 1414هـ/1994م.","part":10,"page":26},{"id":3914,"text":"إن الشريعة تهتم بالصيغة أو الصورة التي يتم بها العقد وتحكم عليه ، وللدكتور يوسف القرضاوي مثل يوضح ذلك جيدا ، وهو : أن صورة الاتفاق مهمة جدا في حكم الشرع فيقول : \"لو قال رجل لآخر أمام ملأ من الناس : خذ هذا المبلغ ، واسمح لي أن آخذ ابنتك لأزني بها -والعياذ بالله- فقبل ، وقبلت البنت لكان كل منهما مرتكبا منكرا من أشنع المنكرات ، ولو قال له : زوجنيها وخذ هذا المبلغ مهرا فقبل ، وقبلت البنت لكان كل من الثلاثة محسنا\".(6)\rوالذي يتدبر تعريفات الفقهاء والعلماء للربا يوقن أن التراضي بالزيادة على رأس المال لا يغير في حقيقة أنه ربا ، فيقول الجصاص : \"والربا الذي كانت العرب تعرفه وتفعله إنما كان قرض الدراهم والدنانير إلى أجل بزيادة على مقدار ما استقرض على ما يتراضون به\".(7) فهل التراضي مع مصرف من البنوك بوضع مبلغ معين لديه مقابل فائدة أو عائد معين في الشهر أو العام زيادة على رأس المال يخرج عن هذا ؟ \rوإذا كان فضيلته يخصص هذا التراضي \"بحدود شريعة الله تعالى التي شرعها سبحانه لرعاية مصالح الناس\"(8) فهل الشريعة تبيح هذا النوع من التعامل حتى مع التراضي ؟ ويجدر بنا أن نذكر هنا أن فضيلته ذكر نص الإمام الجصاص في كتابه معاملات البنوك.(9) كنص من النصوص التي نقلها من كتاب \"الربا والمعاملات في الإسلام\" للشيخ محمد رشيد رضا كدليل على أن هذا هو ربا الجاهلية.\rأليس معنى هذا النص هو القرض أو الاقتراض إلى أجل معين بزيادة معينة على رأس المال المقترض بتراضي الطرفين ؟ وهذا هو ما تفعله البنوك الربوية.\rالدليل الثاني : \rقياسه بجواز تحديد الربح مقدمًا بأمر من ولي الأمر على ما قاله الفقهاء في التسعير ، وذلك إذا اقتضت مصلحة الناس هذا ؛ وذلك رعاية لمصالح الناس ، وحفظا لأموالهم وحقوقهم ، ومنعا للنزاع والخصام بين البنوك والمتعاملين معها.(10)\r__________________\r(6) بيع المرابحة للآمر بالشراء كما تجريه المصارف الإسلامية في ضوء النصوص والقواعد الشرعية د. يوسف القرضاوي ص29 ، 111 ـ مكتبة وهبة ط الثانية سنة 1407هـ/1987م.\r(7) أحكام القرآن للجصاص جـ1 ، ص635 ـ ط دار الفكر سنة 1414هـ /1993م.\r(8) معاملات البنوك وأحكامها الشرعية ص126.\r(9) السابق نفسه : ص98.\r(10) انظر : معاملات البنوك وأحكامها الشرعية ص137 ، 138.","part":10,"page":27},{"id":3915,"text":"لقد بدأ فضيلته هذا الدليل بمقولة لا يجادل فيها أحد ، وهي أن الشريعة الإسلامية تقوم على رعاية مصالح الناس في كل زمان ومكان.(11) وقد تبدو هذه الرعاية في ظاهرها مخالفة لبعض النصوص الواردة عن النبي -صلى الله عليه وسلم- ، واستشهد في ذلك بحديث التسعير ، حيث لم يسعر الرسول -صلى الله عليه وسلم- ولكن بعض الفقهاء رعاية لمصالح الناس ودرءًا لمفسدة (جشع) التجار أباحوا التسعير ، وهذا كلام جيد ، ولكن أن يصل إلى فرض نسبة معينة من الربح كعائد على الأموال عن طريق الحاكم قياسا على كلام الفقهاء هذا درءا للظلم والمفسدة ، فالقياس هذا لا ينقاس ، لأن المقيس عليه ليس نصا من القرآن والسنة ، فالقياس الذي يتوسعون فيه أحيانا مقيد بأن يكون المقيس عليه نصا من الشارع ، أي من الوحي كتابا أو سنة ، أما أن يقاس على مقيس ؛ يعني أن تأتي على أمر أجزناه قياسا على شبيهه بجامع العلة بينهما ، فتأتي على أمر آخر لا يجتمع مع الأصل المقيس عليه في علته.(12) ولكن له شبه من بعض الوجوه بالمقيس فنجعل هذا المقيس أصلا ، ونقيس عليه مقيسًا آخر لوجه شبه بينهما ، ولا يكفي ولا يرقى إلى مستوى العلة الجامعة بين المقيس الثاني وبين المقيس عليه الأول.(13)\rولو أجرينا أركان القياس على موضوعنا لوجدنا أن الأصل الذي اعتمد عليه فضيلته هو كلام كثير من الفقهاء في إباحة تحديد السعر رفعا للظلم ، والفرع هو إباحة أن يحدد الحاكم أرباح البنوك ، والعلة -كما يقول- هي رفع الظلم ، والحكم هو الإباحة.\r____________\r(11) انظر : أعلام الموقعين لابن القيم جـ1 ، ص14.\r(12) العلة في التسعير الظلم والاستغلال وفي الربا مطلق الزيادة ولكن ربما كان الظلم والاستغلال من الحكم التي حرم من أجلها.\r(13) المجموع شرح المهذب للشيرازي تكملة الشيخ محمد نجيب المطيعي جـ13 ، ص359 ، ـ مكتبة الإرشاد جدة ـ السعودية بدون تاريخ.","part":10,"page":28},{"id":3916,"text":"وإذا نظرنا إلى الركن الثالث ، وهو العلة ، لوجدناها مختلفة ، يقول أستاذنا الدكتور/ محمد بلتاجي حسن : \"إننا مهما تأملنا آيات القرآن الكريم الواردة في الربا ، وما يتصل بها من أحاديث السنة ، وأسباب النزول ؛ فلن نجد فيها ما يشير من قرب أو بعد إلى ما قام في أذهانهم من أن الله حرم ربا الجاهلية لمحض ما كان يتضمنه من استغلال الفقير وظلمه. وقد يرى العقل البشري أن هذا كان من جملة الحكم التي روعيت في التحريم ، ولكن لا يستطيع أحد الجزم بأن مناط علة التحريم في منع استغلال حاجة الفقير وظلمه. ومن يراجع كتب التفسير سيجد أن الظلم الوارد في الآيات إنما هو مطلق الزيادة على الحق بصرف النظر عن حال الدائن والمدين ، ورغبة كل منهما ومصلحته في الصفقة الربوية ، (ويحدد ما سبق مؤكدا) أن الظلم يكمن في مطلق الزيادة على الحق مقابل تأجيل الزمن.(14)\rويقول الدكتور فتحي لاشين (المستشار بمحاكم مصر سابقا) : \"إذن فعلة الربا أنه زيادة متولدة من دين ، ويتميز الدين أنه ثابت في الذمة مضمون الرد بمثله\".(15)\r_______________________\r(14) عقود التأمين أ.د. محمد بلتاجي حسن ص36.\r(15) حقائق وشبهات حول ودائع البنوك ، الشيخ الخطيب وآخرين ص52 ـ دار المنار ط الثانية سنة 1410هـ/1990م ، وانظر : كذلك مجلة الاقتصاد الإسلامي العدد (101) ص63 ، ربيع الثاني سنة 1410هـ/نوفمبر سنة 1989م.","part":10,"page":29},{"id":3917,"text":"يثبت بهذا اختلاف العلة التي قاس عليها الدكتور طنطاوي تحديد الفوائد بفعل ولي الأمر ، بإجازة التسعير بفعل الفقهاء ، وذلك بعلة الاستغلال والظلم ، وإذا ثبت أنه لا بد من اتحاد العلة في الأصل والفرع حتى يصح القياس وإلا فلا -وهذا ثابت- ، فمن شروط العلة المقبولة : \"ألا تكون علة الحكم في الأصل المقيس عليه غير العلة التي علق عليها الحكم في الفرع ؛ فلا بد من أن تكون العلة في الأصل الذي ثبت حكمه بنص أو إجماع هي العلة التي علق عليها الحكم في الفرع حتى يتحقق الوصف الجامع بين الأصل والفرع ، فإذا كانت علة حكم الفرع لم يعلل بها الحكم في الأصل ، ولم يتعلق بها فلا يجوز القياس ، وهذا هو رأي الجمهور ، وحتى أصحاب الرأي يشترطون تحقق المماثلة في العلة(16).\rوإذا ثبت هذا -وهو ثابت- استطعنا أن نحكم أن قياس الدكتور طنطاوي هنا لا يجوز ، أو كما يقول الأصوليون قياس لا ينقاس.\rولأن الضرورة في مسألة التسعير تبدو واضحة وملحة ؛ حيث إن الاحتكار وغلاء السلع أمر يتعلق بأقوات الناس ومعاشهم ، أباح الفقهاء التسعير رفعا للضرر الذي يقع على الناس ، ولكن أين الضرورة في أن يضع الإنسان ماله في مصرف من البنوك ليزداد دون تعرضه لضمان النقصان أو لمخاطر الخسارة ؟ \rرعاية مصالح الناس : \r___________________\r(16) انظر : الأنوار الساطعة في طرق إثبات العلة الجامعة تأليف أ.د. رمضان عبد الودود عبد التواب مبروك الأستاذ المساعد بقسم أصول الفقه كلية الشريعة والقانون ـ جامعة الأزهر ص51 ـ دار الهدى سنة 1406هـ/1986م.","part":10,"page":30},{"id":3918,"text":"في قوله : \"فإن لولي الأمر إذا رأى -بعد استشارة أهل الخبرة- أن مصلحة الناس تقتضي أن تحدد البنوك الأرباح مقدمًا لمن يتعاملون معها ، فله أن يكلفها بذلك رعاية لمصالح الناس... \".(17)\rفنرى هنا نظرة تتجه نحو المعتزلة وفكرها الذي يقدم العقل على الشرع ، فلا يصح مطلقا أن تحكم خبرات الناس والعلماء في الشريعة أو الأحكام ، بل هي التي تتحكم فيما يصلون إليه ، وتحكم بصحته وفساده \"فلا يجوز الاعتماد على ما قد يراه علماء الاقتصاد وخبراء التجارة من أن الربا لا بد منه لتنشيط الحركة التجارية والنهوض بها ، إذ لو صح ذلك لكانت الشريعة محكومة بخبرات الناس وأفكارهم وتجاربهم الشخصية ، ولما صح أن المصلحة فرع عن الدين فهي محكومة به ضبطا بل متوقفة عليه وجودا\".(18)\rفمهما ظن إنسان أن مصلحته في أمر من الأمور ، فلا بد أن يقيس هذا الأمر على نصوص الشريعة ومقاصدها ، فإن وافقها فيقدم وإلا فلا.\rوليس معنى هذا أن الشريعة تقف حائلا دون خبرات الناس وتجاربهم فيما يظنون فيه مصلحة البشرية ، بل كثير من نصوص الشريعة تدعو الناس للعلم والتفكر ، ولكن الشارع سبحانه يعلم ما لا نعلم ؛ فقد يظن العلماء أن مصلحة الناس سوف تتحقق في أمر من الأمور ، يختلفون في إثباته ويتفقون ، ويعلم الله تعالى غير ذلك فجعل -سبحانه- من قواعد الشريعة ما ينهى عنه رعاية للمصالح وإصلاحا للنفوس ، فنحن لا نتهم نصوص الشريعة بل نتهم إفهام الناس التي كثيرا ما تتعرض للهوى أو النظرات الجانبية ، وليست الكلية.\rالدليل الثالث : \r___________\r(17) معاملات البنوك د. طنطاوي ص137.\r(18) ضوابط المصلحة في الشريعة الإسلامية د. محمد سعيد رمضان البوطي ص62 ، 63 مؤسسة الرسالة ط السادسة سنة 1412هـ/1992م.","part":10,"page":31},{"id":3919,"text":"يقول الدكتور طنطاوي لا يوجد نص شرعي يمنع من أن يقوم أحد المتعاقدين في المضاربة بتحديد ربح مقدمًا ، وبناء على ذلك لا مانع من أن يقوم المصرف المستثمر للمال بتحديد ربح معين في عقد المضاربة ، الذي يكون بينه وبين صاحب المال الذي يضعه في المصرف بنية وبقصد الاستثمار فيما أحله الله تعالى.(19)\rنوضح أولا أن ما يحدث بين المصرف وصاحب المال ليس عقد مضاربة ؛ لأن حقيقة المضاربة تختلف عن القرض الذي يحدث بين المصرف كجهة وغيره من جهة أخرى ؛ فالمصرف يتعامل بالربا على القرض الذي يأخذه أو يمنحه ، والمضاربة تختلف عن ذلك ، ولكي تتضح المسألة جيدا ينبغي أن أوضح طبيعة الفرق بين القرض والمضاربة.\rفمن حيث الطبيعة : \rنجد أن القرض يُحدد له فائدة ربوية تبعا للمبلغ المقترض والزمن الذي يستغرق القرض ، كأن يكون (10%) أو أكثر أو أقل من رأس المال سنويا ، بغض النظر عما ينتج عن هذا القرض من كسب كثير أو قليل أو خسارة ، وهو ما يفعله المصرف.\rأما في المضاربة ، فالربح الفعلي يقسم بين صاحب رأس المال والمضارِب بنسبة متفق عليها ، والخسارة من رأس المال وحده ، ولا يأخذ العامل شيئا في حالة الخسارة ولا في حالة عدم وجود ربح ، هذا من ناحية طبيعة العقد.\rومن حيث العلاقة بين طرفي العملية الاقتصادية : \rفي القرض نجد العلاقة بين صاحب القرض وآخذه ليست من باب الشركة ؛ فصاحب القرض له مبلغ معين محدد ، ولا شأن له بعمل من أخذ القرض ، ومن أخذ القرض يستثمره لنفسه فقط ؛ حيث يملك المال ، ويضمن رد مثله مع الزيادة الربوية ، فإن كسب كثيرا فلنفسه ، وإن خسر فيتحمل وحده الخسارة.\r_________________________\r(19) معاملات البنوك د. طنطاوي ص138.","part":10,"page":32},{"id":3920,"text":"أما المضاربة فهي شركة فيها الغُنْم والغرم للاثنين معا ؛ فالمضارب لا يملك المال الذي بيده ، وإنما يتصرف فيه كوكيل عن صاحب رأس المال والكسب مهما قل أو كثُر ، يقسم بينهما بالنسبة المتفق عليها ، وعند الخسارة يتحمل صاحب المال الخسارة المالية ، ويتحمل العامل ضياع جهده وعمله ، ولا ضمان على المضارب(20) إلا إذا ثبت إهماله وتسببه في هلاك ما بيده.\rويمكن مناقشة هذا الدليل من خلال نقطتين : \rالأولى : أن الشرع لا يمنع من تحديد الربح مقدمًا في عقد المضاربة.\rالثانية : أن يضع الإنسان ماله في المصرف ، ويقصد بذلك الاستثمار.\rمناقشة النقطة الأولى : \rالشرع لا يمنع من تحديد الربح مقدمًا في عقد المضاربة : نص كثير من الفقهاء على عدم جواز المضاربة إذا تم تحديد أو اشتراط جزء معين من الربح ، بل وحكى ابن المنذر الإجماع على بطلان المضاربة إذا اشترط كل واحد منهما لنفسه أو أحدهما شيئا دون الآخر ، فقال : \"أجمع كل من نحفظ عنه على إبطال القراض إذا جعل أحدهما أو كلاهما لنفسه دراهم معلومة\".(21) وهذا الإجماع نجده في كلام الفقهاء كما يقول الإمامان مالك(22) والشافعي(23).\rالنقطة الثانية : \rأن يضع الإنسان ماله ويقصد الاستثمار : إن ما يحدث بين المصرف وصاحب المال تحت أي مسمى طالما أنه بفائدة محددة سلفا مقابل أجل محدد فهو ربا ؛ وذلك لأن : \"علة التحريم منصبة على كونها زيادة محددة سلفا مقابل أجل محدد سواء كان أصل المعاملة قرضا أو دينا أو بيعا ؛ فمتى وجدت الزيادة المحددة مقابل الأجل المحدد ، فذلك هو الربا بصرف النظر عن أصل هذه المعاملة ولا تأثير لأمرين : \r___________\r(20) انظر : حقائق وشبهات حول ودائع البنوك وشهادات الاستثمار وصناديق التوفير بقلم الشيخ محمد عبد الله الخطيب وآخرين ص84 ، وانظر : في مجلة الاقتصاد الإسلامي مقال للشيخ محمد مصطفى شلبي عضو مجمع البحوث الإسلامية وأستاذ الشريعة المتفرغ بجامعة القاهرة العدد (101) ص38 ـ ربيع ثاني سنة 1410هـ/نوفمبر سنة 1989م.\r(21) فقه السنة للشيخ سيد سابق جـ3 ، ص213.\r(22) المدونة الكبرى للإمام مالك جـ12 ، ص86 ط البابي الحلبي قديمة بدون تاريخ براوية الإمام سحنون بن سعيد التنوخي عن الإمام عبد الرحمن بن القاسم عن الإمام مالك بن أنس رضى الله عنهم جميعا.\r(23) المجموع شرح المهذب للشيرازي الإمام تقي الدين على بن عبد الكافي السبكي تكملة الشيخ محمد نجيب المطيعي جـ5 ، ص160 ، 161 مكتبة الإرشاد بجدة ، وانظر : كذلك فتح القدير جـ7 ، ص417 ففيه أن عقد المضاربة يفسد باشتراط دراهم مسماة لأحد المتعاقدين.","part":10,"page":33},{"id":3921,"text":"الأول : كون أصل هذه المعاملة قرضا أو دينا أو استثمارا.\rالثاني : كون الزيادة مقابل الأجل شيئا متفقا عليه من أول المعاملة ، أو هو شيء يستحدث بين الطرفين عند عدم الدفع حين يأتي أجله.(24)\rفلا ينفع هنا تغير النية طالما أن العلة وهي الزيادة مقابل الأجل موجودة.\rالدليل الرابع : \rيرى الدكتور محمد سيد طنطاوي ضمن أدلته أن المصرف -وهو الطرف الذي يدفع الفائدة ، ويقع عبئها على عاتقه- لم يحدد الربح مقدمًا إلا بعد دراسة مستفيضة ودقيقة لأحوال الأسواق العالمية والمحلية وللأوضاع الاقتصادية في المجتمع ، ولظروف كل معاملة ولنوعها ولمتوسط أرباحها... إلخ.\rوهذا التحديد فضلا عن كل ذلك ، يتم بتعليمات وتوجيهات من المصرف المركزي الذي يعد بمنزلة الحكم بين البنوك وبين المتعاملين معها.(25)\r_______________________\r(24) انظر : عقود التأمين من وجهة الفقه الإسلامي أ.د. محمد بلتاجي ص38 ، 39 ، 40.\r(25) معاملات البنوك وأحكامها الشرعية د. طنطاوي ص138.","part":10,"page":34},{"id":3922,"text":"إن هذه الدراسة المستفيضة التي تحدد الربح مقدمًا ، حيث يأخذ صاحب المال المكسب ولا يخسر شيئا قول لا تسنده الحقائق ؛ فالبنوك المركزية نفسها ، وهي التي تعطي تعليمات وتوجيهات بنسبة الفائدة لا تستطيع دفع ودائع مصرف بأكمله إذا ما تعرض للإفلاس. فمعلوم أن قوانين البنوك المركزية تمنعها من الاستثمار المباشر إلا بنسب ضئيلة جدًّا في بعض البلدان. وهي تأخذ من البنوك الأخرى نسبة احتياطي للودائع لا تزيد في غالب الأحوال عن (25%). فمن أين تدفع البنوك المركزية ودائع مصرف بأكمله إذا ما تعرض للإفلاس ، وإن الواقع يؤكد ذلك حتى في أمريكا ذاتها معقل النظام الرأسمالي القائم على الربا. فالمصرف المركزي يضع الخطط ويحدد الفوائد ، ولا يستطيع جبر خسارة مصرف واحد من البنوك الأخرى ؛ لأنه -قانونًا- ممنوع من الاستثمار المباشر ، كما أنه يعتمد على الوساطة المالية وعلى نسبة (25%) من احتياطي الودائع في البنوك الأخرى ، فإن كان لا يستطيع جبر خسارة مصرف واحد فكيف نثق في قدراته وتعليماته ؟ \rثم هل هذه التعليمات والتوجيهات والدراسات الدقيقة ، التي تتعهد بوجود الربح لا الخسارة.. هل هذه التعليمات وهذا الربح يغير من حقيقة المعاملة وحقيقتها في كونها من الربا ؟ \rثم إن هذه الدراسة المستفيضة الدقيقة التي يتحدد في إطارها الربح ليست دائمًا دقيقة ؛ فكثير من البنوك الربوية لم تستطع ضمان الودائع مع أرباحها ، ونضرب مثلا على عدد من البنوك الربوية التي أغلقت وأشهرت إفلاسها في أمريكا وحدها.\rعدد البنوك التي أغلقت وأشهرت إفلاسها\rالعام\rأربعة آلاف مصرف\rسبعة وسبعون مصرفا\rتسعة عشر مصرفا\rمائة وعشرون مصرفا\rمائة وواحد وثلاثون مصرفا\rمائة وواحد وأربعون مصرفا\r1933م\r1983م\r1984م\r1985م\r1986م\r1987م","part":10,"page":35},{"id":3923,"text":"وعن الخسائر في بعض البنوك الأمريكية وحدها في 1987م وحده ما يلي : \rاسم المصرف أو المؤسسة\rاحتياطي الديون المعدومة\rستيركوربوريشن\rمصرف أمريكا\rتشيس مانهاتن\rمانوفكتشرهانوفر\rستيكورب (أكبر مؤسسة مصرفية أمريكية)\r3 مليارات دولار\r1.1 مليار دولار\r1.6 مليار دولار\r1.7 مليارات دولار\r3 مليارات دولار ، 3 مليارات دولار ، وذلك في النصف الأول من عام 1987.(26)\rوفي مصر الكثير والكثير من الخسائر المصرفية ، وأشهرها ما حدث في مصرف التنمية والتجارة عام 1995م ، ومن هنا يتبين أن هذا الدليل الذي أقام عليه فضيلته وجهة نظره من ناحية أن البنوك أرباحها مضمونة ، وأنها لا تفلس لأنها تقوم على دراسات مستفيضة ، دعوى يسقطها الواقع بل ويثبت نقيضها.\rهذا من ناحية ومن ناحية أخرى فإننا نرى في أدلة الدكتور طنطاوي ما يثير العجب ؛ إذ يبدو التناقض واضحا بين هذا الدليل والدليل السادس ؛ فهنا يقول : إن الدراسات المستفيضة والدقيقة تحقق الربح الأكبر ؛ حيث تنتفي الخسارة ، وهذا ما يفهم من كلامه ، وفي الدليل السادس يقول : إن هذا التحديد للربح لا يتعارض مع احتمال الخسارة.\rالدليل الخامس : \rيرى الدكتور محمد سيد طنطاوي أن تحديد الربح مقدمًا في زمننا هذا فيه منفعة لصاحب المال ، وفيه منفعة -أيضًا- لصاحب العمل المستثمر لهذا المال.\rففيه منفعة لصاحب المال ؛ لأنه يعرفه حقه معرفة خالية من الجهالة ، وبمقتضى هذه المعرفة ينظم أمور حياته.\rوفيه منفعة لصاحب العمل ؛ لأنه يحمله على أن يجد ويجتهد في عمله وفي نشاطه حتى يحقق ما يزيد على الربح الذي قرره لصاحب المال ، وحتى يكون الفائض على نصيب صاحب المال حقا خالصا لصاحب العمل في مقابل جده ونشاطه واجتهاده مهما بلغ هذا الفائض.(27)\r_________________________\r(26) انظر : مجلة الاقتصاد الإسلامي مقال / سعيد بن أحمد آل لوتاه رئيس مجلس إدارة بنك دبي الإسلامي العدد (97) ص15 عدد ذو الحجة سنة 1409هـ/يوليو سنة 1989م.\r(27) معاملات البنوك وأحكامها الشرعية د. طنطاوي ص138 ، 139.","part":10,"page":36},{"id":3924,"text":"فإذا كان فضيلة د. طنطاوي يقصد بالتحديد ما هو وارد في عقد المضاربة من تحديد نسبة الربح من صافي الربح فنعم ، ولكن الواضح أن فضيلته يقصد به ما يحدث بين البنوك والأفراد من تحديد نسبة معينة يأخذها صاحب المال بعد مدة معينة زيادة على رأس ماله ، وهذا هو عين الربا.\rثم يقول هذا التحديد فيه منفعة لصاحب المال ولصاحب العمل ؛ فهل كل مصلحة يرى فيها الناس منفعة لهم يبيحها الشرع ؟ \rالواقع أن هناك كثيرا من الأشياء التي نص الشارع على أن فيها منافع للناس ، ومع ذلك نص على تحريمها مثل الخمر والميسر ، قال تعالى : \"يسألونك عن الخمر والميسر قل فيهما إثم كبير ومنافع للناس وإثمهما أكبر من نفعهما\" (البقرة : 219). فقوله تعالى : \"ومنافع للناس\" يدل على تحقق المنفعة لهم ، ومع هذا لا يستطيع أحد أن يقول : إنها حلال.\rثم يقول : هذا التحديد يعرف صاحب المال حقه ؛ فهل يصير الربا حقًا يبني عليه الإنسان حياته ويرتب عليه معايشه ؟ فما إن يأخذ المال يجعل نصب عينه الدين الذي عليه ، بالإضافة للزيادة التي اشترطت عليه ؛ فهي كلها من الدين ، وعليه سدادها في مدة معينة ، ثم يجتهد ويعمل مرة أخرى في المال ليحقق مكسبًا له أيضًا ، وهو وحده يضمن المال إن خسر ؛ لأنه لا شأن لصاحب المال به ؛ لأنه يأخذ الربح ولا يتحمل الخسارة ، وذلك هو الربا.\rالدليل السادس : \rيرى الدكتور محمد سيد طنطاوي أن هذا التحديد للربح مقدمًا ، لا يتعارض مع احتمال الخسارة من جانب المستثمر وهو المصرف أو غيره ؛ لأنه من المعروف أن الأعمال التجارية المتنوعة إن خسر صاحبها في جانبٍ رَبِح في جوانب أخرى ، وبذلك تغطي الأرباح الخسائر. واستشهد بقول ابن قدامة في المغني : إن العامل في المضاربة إذا اشترى سلعتين فربح في أحدهما وخسر في الأخرى ، ","part":10,"page":37},{"id":3925,"text":"جُبرت الوضيعة (أي الخسارة) من الربح.(28)\rهذا الدليل -كما وضحنا- يتناقض مع الدليل الرابع ، ونحن الآن بصدد مناقشته في قوله : إن خسر صاحبها في جانب ربح في جوانب أخرى ، وبذلك تغطي الأرباح الخسائر. فمعنى هذا أن النقود في المصرف مختلطة ؛ فمن دفع كثيرًا يتساوى مع من دفع قليلاً في مقدار النسبة على رأس المال ؛ فما ذنب من ربحت أمواله حتى يؤخذ من ربحه لتغطية خسارة غيره ؟ \rثم إن المقطوع به في الدراسات الاقتصادية : \"أنه لا صلة بين سعر الفائدة وربح المدين أو خسارته ، ولا بين سعر الفائدة والتضخم ، بل إن الفائدة من أهم عوامل التضخم\".(29) وهذه الفائدة لا تتحدد بنسبة الربح والخسارة بل يتأثر تحديدها بعدة عوامل ، منها : \"القوانين التي تضعها الدولة ، والمصالح الشخصية لأصحاب المصارف ، والمؤسسات المالية ، والمضاربون في سوق الأوراق المالية الذين يخلقون تغييرات مفتعلة في السوق ، وحالات الرواج والكساد ، وكمية العرض والطلب\".(30)\rفالفائدة التي تُحدد لا شأن للمقرض خسر ماله أم ربح فيها ، إذن هي لا تخضع لمعيار الربح والخسارة ، وإنما تخضع للقوانين والمصالح الشخصية وغيرها ، فربما تكون نسبة شخص مرتفعة ونسبة الآخر منخفضة ، وهذا تحدده العوامل السابقة.\rوإذا قلنا : إن الأموال كلها تصب في مصرف واحد مثلا ، يضع فلان مبلغا يختلف عن مبلغ الآخر ؛ فهل يميز المصرف مبلغ كل منهما أم أنه لا شأن له بهذا التمييز ؟ الحقيقة أن المصرف توضع لديه المبالغ فيخلطها في مشروع أو في إقراض آخر دون تمييز.\r________________________\r(28) انظر : معاملات البنوك وأحكامها الشرعية د. طنطاوي ص139.\r(29) حقائق وشبهات للشيخ الخطيب وآخرين ص56 ، وانظر : مجلة الاقتصاد الإسلامي عدد (101) ص66 ـ ربيع الثاني سنة 1410هـ/نوفمبر سنة 1980م.\r(30) حقائق وشبهات للشيخ الخطيب وآخرين ص56 ، وانظر : مجلة الاقتصاد الإسلامي عدد (101) ص66 ـ ربيع الثاني سنة 1410هـ/نوفمبر سنة 1980م.","part":10,"page":38},{"id":3926,"text":"وهنا يأتي السؤال : هل يجوز عدم التمييز في المال الذي يقارض فيه اثنان واحدًا بنسبة من الربح متفاوتة ؟ يرى الفقهاء أن هذه المعاملة غير جائزة إلا بتعيين الأموال المحددة لأشخاص محددين وبتعيين ومعلومية النشاط الذي اشتغلت به الأموال(31).\rفقوله \"وإن عينا\" : يعني أن يعلم أن هذا المال الذي تاجر به في كذا هو مال فلان ، وأن ربحه كذا وله فيه ما يتفقان عليه ، وأن المال الآخر الذي تاجر به في كذا هو مال فلان ، وله من ربحه ما يتفقان عليه.\rوينبغي التميز في الشركتين ، كما أنه إن خلط مال المضاربة بماله فإن فعل ولم يتميز ضمنه لأنه أمانة.(32)\rواستشهاد د. طنطاوي بابن قدامة الواضح أنه في حالة المضاربة من فرد واحد إلى العامل ، أما في حالتنا هذه فيقول \"ابن قدامة\" تحت عنوان \"والوضيعة على قدر المال\" : \"يعني الخسران على كل واحد منهما بقدر ماله ، فإن كان مالهما متساويا في القدر ، فالخسران بينهما نصفين ، وإن كان أثلاثا فالوضيعة أثلاث لا نعلم في هذا خلافا بين أهل العلم\".(33) وهذا النص أولى بالصواب في حالة البنوك ؛ فإذا ما ثبت أن المال فيها مبهم فهي تجمع الأموال كلها ، ولا ندري في أي تجارة أو استثمار.(34) وضع مال هذا أو ذاك ؛ لأنها لا تقسم الربح بين الأفراد بل تحدد نسبا معينة لهم يأخذونها في حال الربح أو الخسارة ، فإذا ما ثبت هذا ثبت فساد هذا النوع من المضاربة ؛ لعدم تعيين مال كل واحد من المضاربين.\rالدليل السابع : \rيقول الدكتور محمد سيد طنطاوي : خراب الذمم مما يجعل صاحب المال تحت رحمة صاحب العمل المستثمر للمال ، وهو المصرف أو غيره ، والذي قد يكون غير أمين ، فيقول مثلا : \"ما ربحت شيئا\" ، وقد ربح الكثير مما يوقع في الظلم الذي تنهي عنه الشريعة.(35) ولدينا هنا تعليقان : \rوتقرر القواعد الفقهية أن الأصل براءة الذمة.(36) فلماذا نفترض عدم الأصل ؟ \r__________________\r(31) المجموع شرح المهذب للشيرازي جـ15 ، ص156 تكملة الشيخ المطيعي.\r(32) انظر : المغنى والشرح الكبير لابن قدامة جـ5 ، ص162 ، 163.\r(33) السابق : جـ5 ، ص147.\r(34) إن كانت تستخدمه في هذا دون الإقراض بربا.\r(35) انظر : معاملات البنوك وأحكامها الشرعية ص139 ، 140.\r(36) انظر : شرح القواعد الفقهية تأليف الشيخ أحمد بن الشيخ محمد الزرقا ص105 ـ دار القلم ط الثانية سنة 1409هـ/1989م.","part":10,"page":39},{"id":3927,"text":"وإذا افترضنا جدلا أن المصرف غير أمين ، فأيهما أولى الامتناع عن الذهاب إليه والمخاطرة بالمال أم الذهاب إليه ؟\rالدليل الثامن :\rيقول الدكتور محمد سيد طنطاوي : كما تدخل الحكام والفقهاء في تضمين الصناع لما يهلك تحت أيديهم بسبب إهمالهم ؛ فلولي الأمر أن يتدخل في عقود المضاربة بتحديد نسبة الربح مقدمًا ، وأن يكون رأس المال مضمونًا ، وهذا اللون يندرج تحت باب المصالح المرسلة.(37)\rنقول : لقد تدخل الفقهاء فعلاً في تضمين الصناع لما تحت أيديهم ، وجعلوا علة ذلك الإهمال ، فأوجبوا عليه بسبب إهماله ضمان المال. وهذا ضمان لصاحب المال من عبث العابثين من ناحية ، ومن ناحية أخرى يجعل الصانع يعمل بجد ، ويحافظ على ما في يده دون ظلم. فإن كان الهلاك بسبب خارج عن إرادته دون إهمال منه فلا شيء عليه.(38)\rومسألة وضع المال في المصرف وغيره بعيدا عن هذا الوضع ؛ فهو يحدد الربح مقدمًا ، ويضمن رأس ماله كاملاً ، لا يعرضه للهلاك ؛ فهو يضعه في مصرف ، ويعلم علم اليقين أنه سوف يأخذ أصل ماله مع زيادة متفق عليه.\r________________________\r(37) انظر : معاملات البنوك وأحكامها الشرعية د. طنطاوي ص140 ، 141.\r(38) انظر : ضمان العدوان في الفقه الإسلامي د. محمد أحمد سراج ص319 ـ دار الثقافة ط الأولى سنة 1409هـ/1989م.","part":10,"page":40},{"id":3928,"text":"فهذا الكلام وإن ظن أن فيه مصلحة لبعض الناس إلا أنه يتعارض بنص قطعي الثبوت والدلالة من كتاب الله تعالى وهو قوله تعالى : \"وإن تبتم فلكم رءوس أموالكم لا تَظلمون ولا تُظلمون\".(39) فالله سبحانه وتعالى يقول : \"فلكم رءوس أموالكم لا تَظلمون\" أي بأخذ الزيادة ، \"ولا تُظلمون\" أي بوضع رءوس الأموال أيضًا ، بل لكم ما بذلتم من غير زيادة عليه ولا نقص منه.(40) د. طنطاوي يقول بتحديد نسبة من الربح مقدمًا تكون زيادة على رأس المال مع ضمان رأس المال ؛ فبأي القولين نأخذ ؟ بأمر الله وكلامه أم بأمر الدكتور محمد سيد طنطاوي ؟ \rوالأصل الذي قيست عليه هو تضمين الصناع لما يهلك تحت أيديهم بسبب الإهمال ، ثم يقيس \"خراب الذمم\" في هذا الزمان على الإهمال ؛ فهل هذه العلة (خراب الذمم) تتفق مع علة الإهمال من كل الوجوه ؟ بالطبع لا. ونضيف إلى ذلك أن الأصل في الذمة البراءة لا غيرها.\rوإذا جئنا لشروط العلة نجد أنها تختلف هنا عما أورده العلماء من شروط للعلة الصحيحة ؛ فمثلا من الشروط : سلامة العلة عن الرد والمعارض الراجح \"والذي يبطل الوصف الذي هو علة ويرده هو النص أو الإجماع\".(42) وليس هناك نص أوضح مما ذكرناه من كتاب ربنا ، حيث يقول : \"وإن تبتم فلكم رءوس أموالكم لا تَظلمون ولا تُظلمون\" (43) ، بالإضافة إلى إجماع من المجامع والبحوث الفقهية.\r___________________\r(39) سورة البقرة : آية 279.\r(40) انظر : تفسير ابن كثير جـ1 ، ص355.\rثم يقول هذا من باب المصلحة المرسلة ، ومعلوم أنه \"إذا اتضحت قطعية دلالة النص من كتاب أو سنة ؛ اتضح سقوط احتمال المصلحة المظنونة في مقابله ، حتى ولو كان لها شاهد من أصل تقاس عليه\".(41) فهذه المصلحة مصطدمة بنص قطعي الثبوت والدلالة فاحتمالها أصلاً غير قائم.\r(41) ضوابط المصلحة في الشريعة الإسلامية للبوطي ص120 ، الرسالة ط6 سنة 1412هـ/1992م.\r(42) انظر : الأنوار الساطعة في طرق إثبات العلة الجامعة د. رمضان عبد الودود عبد التواب ص43 ، 66 ط دار الهدى سنة 1406هـ/1986م.\r(43) سورة البقرة : آية 279.","part":10,"page":41},{"id":3929,"text":"ومن شروط العلة أيضًا التي ينتفي معها هذا القياس ألا تكون علة الحكم في الأصل المقيس عليه غير العلة التي علق عليها الحكم في الفرع.(44)\rوكذلك من الشروط التي ينتفي معها القياس هنا \"ألا توجب العلة في الفرع حكمًا آخر غير حكم الأصل\".(45) فخراب ذمة المصرف يوجب الابتعاد عنه والانتظار حتى تبرأ ذمته وينصلح حاله بما يوافق الشرع ، أما تضمين الصناع بسبب الإهمال لا يوجب الابتعاد عنهم بل القرب منهم لأخذ الضمان على الأقل بوجه حسن ، أما في المصرف فأخذ المال بدون وجه حق بل وزيادة عليه.\rوكذلك لا بد من وضوح العلة ، وهو ما يتنافى هنا ؛ لأن خراب الذمم شيء عام ليس محددا ولا معينا ، والأصل في العلة أن يكون الوصف المعلل به معينا (46).\rالدليل التاسع : \rقال الشيخ محمد سيد طنطاوي : لم يقل أحد من الأئمة : إن تحديد الربح مقدمًا في عقد المضاربة يجعله معاملة ربوية يحرم فيها الربح الناشئ عن العمل في المال المستثمر ؛ فالفقهاء أجمعوا على فساد عقد المضاربة بسبب تحديد الربح.(47)\rونقول : إذا كان الفقهاء قد أجمعوا على فساد عقد المضاربة.. فهل المقصود أن يستمر ذلك العقد مع فساده ؟ ففساد العقد دليل على انتهائه ، ومن ثم لا يكون هناك ربا أو غيره ؛ لأن العقد قد انتهى ، ولذلك حكموا بفساد كل عقد للمضاربة اشترط فيه أحد المتعاقدين زيادة معينة.\rولم يتعرض أحد من الفقهاء -فيما نعلم- لاستمرار العقد على هذا النحو ؛ لأنه من المعروف أن آراءهم أحكام يعمل بها ، فليس من المعقول أن يخالفها أحد ؛ لأنها مستمدة من الشريعة.\rفإذا كان العقد فاسدًا فهل نبيحه ، ثم نجعل منه أصلا نقيس عليه فرعا -وهو أرباح البنوك مع ضمان سلامة رأس المال- ونحكم بصحته أيضًا ؟! كان من الأولى على أقل تقدير أن نحكم بفساده وإلغائه وتحريمه بدلاً من الحكم باستمراره والقياس عليه.\r______________\r(44) الأنوار الساطعة ص51.\r(45) السابق : ص52.\r(46) السابق : ص55.\r(47) انظر : معاملات البنوك ص142.","part":10,"page":42},{"id":3930,"text":"بحث آخر\rإباحة الربا.. السؤال الملغوم والفتوى المغلوطة\rد. حسين حامد\r25/12/2002\rفي الثاني والعشرين من شهر أكتوبر من عام 2002 أرسل الأستاذ الدكتور حسن عباس زكي عضو مجمع البحوث الإسلامية ، وزير الاقتصاد الأسبق ، رئيس مجلس إدارة بنك الشركة المصرفية العربية الدولية كتابًا إلى فضيلة الإمام الأكبر الدكتور محمد سيد طنطاوي شيخ الأزهر ، يعيد فيه السؤال عن حكم استثمار الأموال في المصارف التي تقوم على تحديد الربح مقدمًا. وقد أحال فضيلة الإمام الأكبر الكتاب للعرض على مجلس مجمع البحوث الإسلامية. وانعقدت جلسة مجلس المجمع في يوم الخميس 25 من شعبان سنة 1423 هـ الموافق 31 من أكتوبر سنة 2002م ، وعرض عليه الموضوع المذكور. وبعد مناقشات الأعضاء ودراستهم قرر مجلس المجمع في جلسة الخميس 23 من رمضان 1423هـ الموافق 28 من نوفمبر 2002م.. الموافقة على أن استثمار الأموال في البنوك التي تحدد الربح مقدمًا حلال شرعًا ولا بأس به. وقد صدرت الفتوى ممهورة بتوقيع.\rفضيلة الأستاذ الدكتور محمد سيد طنطاوي\rغير أن هناك عدة محاذير تطال كلا من السؤال والفتوى الرادَّة عليه ؛ بحيث يمكن القول بوجود تجاوز في السؤال ، جعله يخالف حقيقة الوضع ؛ مما هيأ الفرصة لحدوث لبس أو سوء فهم حيال السؤال المقدم.. وبالتالي في الفتوى المجيبة على هذا الاستفتاء. وهذا ما جعل هذه الورقة تتطلع لفحص كل من السؤال والإجابة.","part":10,"page":43},{"id":3931,"text":"سؤال مخالف للإطار القانوني للمعاملات المصرفية\rحين بدأنا بمطالعة السؤال محل التناول ، وهو طلب الفتيا المقدم من الأستاذ الدكتور حسن عباس زكي ، وهو عضو مجمع البحوث الإسلامية قبل أن يكون مقدم الاستفتاء محل التناول ، وجدنا أن هذا السؤال لا ينطبق على ما يجري عليه العمل في البنوك التجارية والبنوك المتخصصة. ولنلق نظرة على ما يدعونا للتنادي للنظر إلى السؤال قبل الفتوى. والاعتبارات التي لدينا يمكن تناولها وفق الطرح التالي : \r1- هذه المعاملة بهذه الصورة لا يجري عليها العمل في البنوك التجارية ولا المتخصصة ، لا في مصر ، ولا في البلاد العربية ، بل تناقض ما نصت عليه القوانين المدنية وقوانين التجارة وقوانين الجهاز المصرفي في هذه البلاد. فإن هذه الفتوى لا تطبق على ودائع البنوك.\r2- قد يكون البنك مقدم السؤال يطبق هذه الصيغة ، ويتلقى الودائع بصفته وكيلاً عن المودعين في استثمار هذه الودائع في معاملاته المشروعة ، وهذه مسألة ادعاء على واقع ، وتحتاج إلى إثبات. ومع ذلك فإن هذه الوكالة باطلة بالإجماع ؛ لأن جميع عوائد وأرباح المال المستثمر بعقد الوكالة تكون للموكل ؛ لأنه المالك للمال المستثمر ، كما أنه يتحمل جميع خسائره التي تحدث بسبب لا يد للوكيل فيه ولا قدرة له على دفعه ولا تلافي آثاره ، وللوكيل أجر معلوم يجب النص عليه في عقد الوكالة ، وهو يحدد بمبلغ مقطوع أو نسبة من المال المستثمر ، وهو ما لم يتحقق في الصورة المسئول عنها ، بل إن الوكيل هو الذي يستحق أرباح استثمار الوديعة ، ويتحمل خسائرها ، ويحدد للموكل مالك الوديعة قدرًا أو نسبة من رأس المال ، ويسميها ربحًا.","part":10,"page":44},{"id":3932,"text":"والبنوك الإسلامية تمارس هذه الصورة بمقتضى قوانين ونظم إنشائها ؛ فهي تتلقى الودائع وتستثمرها لحساب أصحابها وعلى مسئوليتهم ؛ فلهم أرباح ويتحملون خسائرها التي تحدث بسبب لا يد للبنك فيه ، وهو ما يسمى في القانون بالقوة القاهرة والسبب الأجنبي. ويستحق البنك أجرًا محددًا في عقد الوكالة في الاستثمار ، بمبلغ مقطوع أو نسبة من الوديعة المستثمرة. وبالقطع فإن هذه الودائع مملوكة لأصحابها وليست قرضًا للبنك ولا دينًا في ذمته.\r3- والدليل على أن المعاملة موضوع السؤال والفتوى لا يجري عليها العمل ، ولا تسمح بها القوانين المطبقة في البنوك ، وأن المطبق إنما معاملة أخرى مختلفة عنها جملة وتفصيلا ، يأتي وفق عدة اعتبارات ، هي : \rالاعتبار الأول : الفتوى تفترض وجود بنك يتلقى الودائع والمدخرات من المتعاملين معه ؛ \"ليكون وكيلاً عنهم في استثمارها ؛ وهو ما يعني وجود عقد وكالة مستوفٍ لشروطه ، وتترتب عليه أحكام الشريعة ، ينظم العلاقة بين البنك والمودع. وهذا القول مناقض لحكم القوانين المطبقة ، ولا وجود له في واقع البنوك.\rإن الذي ينظم علاقة البنك بمودعيه هو عقد وديعة النقود ، أو الوديعة الناقصة بلغة القانون. وحكم هذا العقد أنه ينقل ملكية الوديعة إلى البنك ، ويخوله استخدامها لحسابه وعلى مسئوليته ؛ فله وحده ربحها وعليه خسارتها ، وهو يدفع للمودع فائدة وهي نسبة من رأس المال مرتبطة بالمدة ويسميها \"ربحًا\". والبنك يلتزم برد الوديعة ؛ لأنه مدين بها ، وهذه المعاملة قرض بالقطع ، وفقًا لنصوص القانون وحكم الشريعة ؛ وهو ما يجعل الزيادة المشروطة عليها ربا بالإجماع ؛ لقوله عليه الصلاة والسلام : \"كل قرض جر نفعًا فهو ربا\" ، وكان الواجب أن تصدر الفتوى على المعاملة حسبما يقررها القانون ويجري عليها العمل دون افتراض صورة خيالية غير واقعة ، حتى لا يقع اللبس لدى العامة بأن حكم هذه الصورة المتخيلة ينطبق على ما يجري عليه العمل في البنوك.","part":10,"page":45},{"id":3933,"text":"فالمادة رقم 726 من القانون المدني الجديد تنص على أنه \"إذا كانت الوديعة مبلغًا من النقود ، أو أي شيء آخر مما يهلك بالاستعمال ، وكان المودع عنده مأذونًا له في استعماله ؛ اعتبر العقد قرضًا\". وهذا هو الحكم في بقية القوانين العربية[1].\rويقول الدكتور السنهوري : \"وأكثر ما ترد الوديعة الناقصة على ودائع النقود في المصارف ؛ حيث تنتقل ملكية النقود إلى المصرف ، ويرد مثلها بعد الطلب أو بعد أجل ، بل ويدفع المصرف في بعض الأحيان فائدة عنها ؛ فيكون العقد في هذه الحالة قرضًا ، وقد أحسن المشرع المصري في اعتبار الوديعة الناقصة قرضًا\"[2] ، ثم يقول : \"لا محل للتمييز بين الوديعة الناقصة (وديعة النقود) والقرض ؛ حيث إن المودع في الوديعة الناقصة ينقل ملكية الشيء المودع إلى المودع عنده ، ويصبح هذا مدينًا برد مثله\"[3].\rوتنص المادة 301 من القانون رقم 17 لسنة 1999 بإصدار قانون التجارة المصري على أن \"وديعة النقود عقد يخول البنك ملكية النقود المودعة ، والتصرف فيها بما يتفق ونشاطه ، مع التزام برد مثلها للمودع ، طبقًا لشروط العقد\".\rوتنص المادة 300 من نفس القانون على أن أحكام الباب الثالث منه ، الخاص بعمليات البنوك ، ومنه المادة 301 \"تسري على العمليات التي تعقدها البنوك مع عملائها ، تجارًا كانوا أم غير تجار ، وأيًا كانت طبيعة هذه العمليات\".\rفهذه النصوص القانونية تقطع بأن وديعة النقود في البنوك قرض. وقد أكد فقهاء القانون هذا بما لا يدع مجالاً للشك. وحيث إن هناك إجماعًا على أن \"كل قرض جر نفعًا فهو ربا\" كما جاء في الحديث الشريف ، فإن ما يصرف للمودع يعد ربا وإن سُميَ ربحًا أو عائدًا.\rيقول ابن قدامة المقدسي[4] : \"وكل قرض شُرط فيه أن يزيد فهو حرام بغير خلاف ، قال ابن المنذر : أجمعوا على أن المسلف إذا شرط على المستسلف زيادة ، أو هدية فأسلف على ذلك ؛ فإن أخذ الزيادة على ذلك فهو ربا\".\r______________\r[1] راجع المادة : 692 من القانون المدني السوري ، والمادة : 726 من القانون المدني الليبي ، والمادة : 971 من القانون المدني العراقي ، والمادة : 691 من قانون الموجبات والعقود اللبناني ، والمادة : 889 من القانون المدني الأردني. وهذا ما استقرت عليه القوانين والأعراف المصرفية في العالم.\r[2] عبد الرزاق السنهوري ، الوسيط ، المجلد : 7 ، ص : 754.\r[3] المرجع السابق ، ص : 757.\r[4] ابن قدامة ، المغني مع الشرح الكبير ، مج : 4 ، ص : 36.","part":10,"page":46},{"id":3934,"text":"وقد روى البخاري في صحيحه عن أبي بردة بن أبي موسى ، قال : \"قدمت المدينة ، فلقيت عبد الله بن سلام ، فقال لي : إنك بأرض فيها الربا فاشٍ ، فإذا كان لك على رجل حق فأهدى إليك حمل تبن أو حمل شعير أو حمل قت فلا تأخذه فإنه ربا\". وروى البخاري في تاريخه عن أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : \"إذا أقرض فلا يأخذ هدية\".\rوإني لأعجب كيف غاب عن العلماء الأفاضل أعضاء المجمع هذه الحقائق مع سعة علمهم وغزارة اطلاعهم ؟ غير أن عذرهم هو أنهم يجيبون على سؤال يعرض صورة محددة ، هي \"تلقي البنك للودائع لاستثمارها بطريق الوكالة في صيغ استثمار مشروعة\" ، وكان الجواب على قدر السؤال وإن بصورة افتراضية غير متحققة في الواقع.\rوإن كنا سنرى أن تحديد مبلغ مقدمًا للمودع بصفته موكلاً لا يجوز شرعًا ، ولو سمي ربحًا ؛ لأنه يناقض أحكام الوكالة في الاستثمار التي أجمع عليها الفقهاء ، وهي : أن ربح الوديعة المستثمرة كله للمودع ، وأن خسارتها التي لا يد للوكيل فيها عليه. وأن أجر الوكيل يجب تحديده عند توقيع عقد الوكالة بمبلغ مقطوع أو نسبة من الوديعة المستثمرة. وهذا كله يقتضي أن يمسك الوكيل (البنك) حسابًا مستقلاً للوديعة أو مجموع الودائع ، يقيد فيه الإيرادات والمصروفات حتى يتحدد الربح الذي يستحقه المودع أو مجموعة المودعين ، وذلك على النحو الذي تمارسه البنوك الإسلامية في عمليات الاستثمار بطريق الوكالة.","part":10,"page":47},{"id":3935,"text":"الاعتبار الثاني : أنه على فرض أن العقد الذي ينظم علاقة البنك والمودعين فيه هو عقد وكالة في الاستثمار ، وهو فرض يناقض حكم القوانين وينافي الواقع العملي ؛ فإن البنوك التجارية والمتخصصة لا تملك استثمار الودائع بنفسها استثمارًا مباشرًا ؛ بمعنى الاتجار فيه ، بل تملك إقراضه للغير بفائدة. فالقانون المصري رقم 163 لسنة 1957 والقوانين المعدلة له تنص على ما يأتي : \rالمادة رقم 26 مكررًا[5] تنص على أنه \"تخضع جميع البنوك التي تمارس عملياتها داخل جمهورية مصر العربية لأحكام هذا القانون\".\rوالمادة رقم 38 من نفس القانون تنص على أنه \"يُعتبر بنكًا تجاريًا كل منشأة تقوم بصفة معتادة بقبول ودائع تدفع عند الطلب أو بعد أجل لا يجاوز سنة\" (عدلت مدة الوديعة بالزيادة).\rوالمادة رقم 39 من نفس القانون تنص على أنه \"يحظر على البنك التجاري أن يباشر العمليات الآتية : \r( أ) التعامل في المنقول أو العقار بالشراء أو البيع أو المقايضة فيما عدا : \r1- العقار المخصص لإدارة أعمال البنك أو للترقية عن موظفيه.\r2- المنقول أو العقار الذي تئول ملكيته إلى البنك وفاء لدين له قبل الغير قبل أن يقوم البنك بتصفيته خلال سنة من تاريخ أيلولة الملكية بالنسبة للمنقول وحتى سنوات بالنسبة للعقار ، ويجوز لمجلس إدارة البنك المركزي مد هذه المدة عند الاقتضاء.\r(ب) امتلاك أسهم الشركات المساهمة ، ويشترط \"ألا تجاوز القيمة الاسمية للأسهم التي يملكها البنك في الشركة مقدار رأسماله المصدر واحتياطياته\".\rوالمادة رقم 45[6] تنص على أنه \"يحظر على البنوك العقارية والبنوك الصناعية وبنوك الاستثمار نفس الأعمال المحظورة على البنوك التجارية\".\r____________________\r[5] هي مادة مضافة بالقانون رقم : 50 لسنة 1984.\r[6] وهي مادة مستبدلة بالقانون رقم : 97 لسنة 1996.","part":10,"page":48},{"id":3936,"text":"فهذه النصوص تقطع بأنه يحظر على البنوك التجارية وغير التجارية العاملة في مصر الاستثمار عن طريق الاتجار بالشراء والبيع بصفة مطلقة ، إلا إذا كان التملك وفاء لدين ، وبشرط التصرف في العقار أو المنقول خلال مدة محددة ، أو كان العقار مستخدمًا لإدارة البنك أو لأماكن ترقية موظفيه. وحتى في حالة المشاركة في تأسيس الشركات وشراء أسهم ، يحظر على البنك أن يمس الودائع مطلقًا ، بل إن له أن يتصرف في حدود حقوق المساهمين.\rفافتراض الفتوى محل النظر أن البنوك تقوم باستثمار الودائع بالاتجار فيها بالبيع والشراء بصفة مباشرة ، أو حتى شراء أسهم الشركات افتراض غير صحيح ، وبناء الفتوى عليه باطل. وإذا كنا نتكلم عن أمر واقع.. فأين هو ؟ وأي بنك يقوم باستثمار الودائع بنفسه استثمارًا مباشرًا ؟ وأين يعمل ؟ أيعمل في مصر أم في الخارج ؟؟ \rولا أدري كيف غاب عن أعضاء المجمع -مع سعة علمهم ، وكثرة اطلاعهم ، ومعرفتهم بواقع الجهاز المصرفي المصري والعربي والعالمي وطريقة عمله ، وفقًا للقوانين المنظمة له- أن البنوك في مصر ليست حرة في القيام باستثمار الودائع بنفسها استثمارًا مباشرًا في الاتجار بالبيع والشراء للعقارات والمنقولات ، أو المساهمة في الشركات ، وإنما الأصل أنها تُقرض الودائع بسعر فائدة أعلى من سعر الفائدة الذي تدفعه على الودائع ، ويكون الفرق بين الفوائد الدائنة والمدينة هو ربح المساهمين ، بعد خصم المصروفات العمومية والإدارية ، وذلك بالإضافة إلى مقابل الخدمات المصرفية.","part":10,"page":49},{"id":3937,"text":"وعلى كل حال فإن الفتوى لا يتحقق مناط تطبيقها في البنوك التجارية أو المتخصصة ؛ لأن الفتوى تفترض قيام البنوك التي تتلقى الودائع بصفتها وكيل استثمار ، باستثمار هذه الودائع بنفسها استثمارًا مباشرًا بالاتجار فيها بالبيع والشراء وغيرهما ، وهذا محظور على هذه البنوك.\rوالذي يقوم باستثمار الودائع بصيغ وعقود استثمار شرعية ، وبطريقة مباشرة على أساس عقد الوكالة أو المضاربة أو المشاركة ، أو المرابحة أو السلم أو الاستصناع.. هي البنوك الإسلامية. فإذا استثمرت بطريق الوكالة فإن الربح كله لمالك الوديعة والخسارة التي لا يد للبنك فيها عليه ؛ لأنه المالك للوديعة ، ويستحق البنك أجرًا محددًا بمبلغ مقطوع أو نسبة من الوديعة المستثمرة.\rوإذا كان الاستثمار بطريق المضاربة ؛ فإن البنك يستحق النسبة المتفق عليها من ربح استثمار الودائع ، والباقي يوزع على أصحاب الودائع ؛ وذلك وفق نسبة ودائعهم ومدد استثمار هذه الودائع ، وذلك بحكم أن المودعين يملكون هذه الودائع ، ولا يقرضونها للبنك.\rوإذا كان البنك يستثمر الودائع بطريق المشاركة ؛ فإن البنك يستحق حصة في الربح بنسبة مشاركته ، والباقي للمودعين مقابل استثمار ودائعهم. والشريك المودع يملك حصة في المشاركة وهي الوديعة.\rالاعتبار الثالث : وعلى فرض أن البنوك تتلقى الودائع بصفتها وكيل استثمار ، وعلى فرض أنها تملك استثمار الودائع بنفسها استثمارًا مباشرًا بالاتجار فيها بالبيع والشراء وشراء الأسهم ، وهو فرض غير جائز قانونًا وغير واقع عملاً وممارسة ، على فرض ذلك كله.. فإن الفتوى تنص على أن استثمار الودائع يكون في \"عمليات البنوك المشروعة\". وهذا الفرض غير واقع ؛ ذلك أن البنوك تملك استخدام الودائع في عمليات الإقراض بفائدة ، وهي ربا محرم باتفاق. والفتوى نفسها لم تتعرض لحكم استخدام البنك لودائعه في إقراضها بفائدة برغم كونه ربا محرَّما باتفاق.","part":10,"page":50},{"id":3938,"text":"وتنص المادة الرابعة من القانون رقم 37 لسنة 1992 على أن تُستبدَل بكلمة \"الفائدة\" أينما وردت في القانون رقم 163 لسنة 1957 أو القانون رقم 120 لسنة 1975 كلمة \"العائد\" ، وهو لا يغير من الحكم الشرعي ، وهو حرمة كل زيادة عن مبلغ القرض ؛ ذلك أن الحكم الشرعي مرتبط بكلمة \"النفع\" بكل صوره وجميع أشكاله ، بصرف النظر عن التسمية التي تُطلق عليه ، ربحًا كانت أو عائدًا أو هدية أو منحة أو مكافأة أو جائزة ؛ فالرسول عليه الصلاة والسلام يقول : \"كل قرض جر نفعًا فهو ربا\". فالعبرة هنا بكون المدفوع نفعًا ، بصرف النظر عن تسميته.\rوإذا ثبت أن الودائع تستخدم بطريق الإقراض بفائدة أو عائد -كما يسميه القانون- ، كان افتراض الفتوى أن البنك \"يستثمر الودائع في معاملاته المشروعة\" افتراضا غير واقع وغير صحيح ، وبناء الفتوى عليه باطل ، ولو فرض أن هناك بنكًا يتلقى الودائع بصفته وكيل استثمار ، ويستثمرها في معاملاته المشروعة استثمارًا مباشرًا بصيغ وعقود استثمار مشروعة ولا يقرضها للغير بفائدة ؛ لكانت الفتوى منطبقة على هذا البنك (أي يتحقق فيه مناط الفتوى).\rفالفتوى التي بين أيدينا أُنيطت وارتبطت وتعلقت ببنك يتلقى الودائع وفق عقد وكالة في الاستثمار ، وليس وفق عقد وديعة تأخذ حكم القرض ، ويقوم باستثمار هذه الودائع ، والاتجار فيها بنفسه (وهذا محظور على البنوك القائمة) ، ويتم التعامل فيها بصيغ وعقود استثمار شرعية ، وليس بإقراضها بفائدة كما هو الوضع في البنوك العادية. فإذا ما اختل أو انعدم أحد هذه العناصر التي تشكل مناط الفتوى فإن الفتوى لا تطبق.","part":10,"page":51},{"id":3939,"text":"ولقد ذكرنا أن الفتوى تنطبق على البنوك الإسلامية ، مع ملاحظة أن البنوك الإسلامية تلتزم بشروط وأحكام الوكالة الشرعية ، وأهمها حرمة اشتراط ربح محدد للمودع بصفته موكلاً ؛ لأن هذا باطل بالإجماع ، وصرف الربح كله للمودع بعد خصم أجرة البنك المحددة في عقد الوكالة ، وتحميل المودع بصفته موكلاً جميع مخاطر استثمار الوديعة ، وخسائرها التي لا يد للبنك فيها ، ولا قدرة له على توقعها أو تلافي آثارها (أي : إذا كانت بسبب قوة قاهرة ، أو بسبب أجنبي بلغة القانون).\rولو وُجد بنك يتلقى الودائع بعقد وكالة مستوفية لشروطها ، وتترتب عليها أحكامها الشرعية ؛ لكانت معاملاته صحيحة. ولكن الوكالة المذكورة في الفتوى ، على الرغم من أنها مجرد اختراع وخيال يناقض أحكام القوانين وواقع العمل ؛ فإنها وكالة باطلة بالإجماع ؛ لأن الوكيل (البنك) يأخذ أرباح الوديعة ، وليس أجرًا محددًا في عقد الوكالة ، ويتحمل خسائرها ، ويشترط للمودع (الموكل) مبلغًا محددًا مقدمًا أسماه ربحًا ، وهذه وكالة باطلة بإجماع الفقهاء طوال 14 قرنًا من الزمان ، ولا أظن أن هذا يغيب عن علم أصحاب الفضيلة أعضاء المجمع ، وهم من المشهود لهم بالعلم والفضل والورع.\rوخلاصة الرد على هذا الجزء من الفتوى أنها فتوى في معاملة افتراضية ؛ حيث هذه المعاملة المستفتى فيها غير جائزة قانونًا ، وغير واقعة عملاً ، بالنسبة للبنوك العاملة في مصر ، بل وفي غيرها من البلاد العربية وغيرها. وهي صورة بنك يتلقى الودائع بصفة وكيل استثمار ، ويستثمر هذه الودائع بنفسه في معاملات وبصيغ وعقود استثمار مباشرة ، وهذه المعاملات وتلك الصيغ تتفق مع أحكام الشريعة الإسلامية.","part":10,"page":52},{"id":3940,"text":"وإذا فرضنا جدلاً أن البنوك تقبل الودائع بصفتها وكيلاً عن المودعين لاستثمارها بنفسها والاتجار فيها استثمارًا مباشرًا ؛ فإن هذا الاستثمار يجب أن يكون بصيغ استثمار شرعية كالبيع والشراء والاستصناع والمرابحة والسلم والمشاركة وغيرها من الصيغ والعقود الشرعية ، وليس بصيغة الإقراض بفائدة ، كما أنه يجب أن تكون الوكالة في الاستثمار مستوفية لشروطها الشرعية ، وتترتب عليها الأحكام والآثار التي ترتبها الشريعة الإسلامية ؛ من كون الربح كله للمودعين ، وللبنك الأجر المحدد المتفق عليه في عقد الوكالة ، على أن تكون خسارة الودائع التي لا يد للبنك فيها على أصحابها ؛ لأنهم المالكون لها.\rوهذا يقتضي أن يُفِرد البنك للودائع التي يستثمرها بطريق الوكالة حسابًا مستقلاً منتظمًا مُدقَّقًا ، تقيد فيه إيرادات ومصروفات جميع المعاملات الشرعية التي يقوم بها البنك ، حتى يتحدد الربح المستحق للمودعين ، بعد أن يخصم البنك الأجرة المتفق عليها عند الإيداع.\rوالبنوك الإسلامية تقوم بهذا العمل على الوجه السابق ، وذلك بجانب قيامها باستثمار الودائع بصيغة المضاربة التي يستحق فيها البنك نسبة محددة من الربح بدلاً من الأجرة المحددة بمبلغ مقطوع أو نسبة من الودائع المستثمرة ، وقد تستثمر البنوك الإسلامية الودائع بصيغة المشاركة ؛ فيستحق البنك حصة من الربح تناسب مساهمته في المشاركة ، ويأخذ المودعون نسبة من الربح تناسب مساهماتهم.","part":10,"page":53},{"id":3941,"text":"وأما استخدام الودائع فالبنوك الإسلامية تستثمرها استثمارًا مباشرًا بعقود وصيغ شرعية كالمرابحة والبيع المؤجل وبيع السلم والاستصناع والمشاركات ، ولا تدفع البنوك الإسلامية هذه الودائع بصيغة القرض لمن يقوم باستثمارها ؛ فالبنوك الإسلامية لا تقوم بالإقراض والتمويل النقدي ومنح التسهيلات الائتمانية ، بل إنها بنوك استثمار منتج للسلع والخدمات ، وبنوك تنمية حقيقية ، وتلك رسالتها ، حسب قواعد الشريعة ، وقوانين ونظم إنشائها ، والتراخيص التي منحتها الدول التي توجد فيها هذه البنوك لها ؛ فإن قصرت أو أخطأت كانت مسئولة أمام الله ، ثم الدولة التي منحتها هذه التراخيص ، والمجتمع الذي منحها ثقته.\rوقد يحدث هذا التقصير بسبب عدم كفاية العناصر المؤهلة ، أو عدم العناية بتدريبها ، ولكنها في جميع الأحوال يجب أن تجمع المدخرات ، وتوجهها للاستثمار المنتج بصيغ شرعية مساهمة في خطط التنمية. ويجب على الدولة والمجتمع أن يعيناها على ذلك ، ويحكما الرقابة عليها ؛ إذ إن الذين يتعاملون مع هذه البنوك يعتمدون على أنها تلتزم بأحكام الشريعة في ترك الربا الذي يؤذن بحرب الله ورسوله ويمحق البركة في المجتمع ، وأن هذه البنوك تسهم في نفس الوقت في تمويل خطط التنمية. ذلك أن البنك الإسلامي لا يتقاضى فائدة على قرض ؛ لأنه لا يُقرض الودائع ، وإنما يستحق حصة من ربح العملية أو المشروع ، ولا يتحقق الربح إلا إذا كان ثمة مشروع منتج ومحقق للربح وفق دراسة الجدوى ، وبذلك يواكب كل تمويل لعملية إنتاج ينتج عنها ربح ، وهذا يساعد على تخفيف حدة التضخم ، ويوجه استخدامات الموارد في المجتمع توجيهًا صحيحًا.","part":10,"page":54},{"id":3942,"text":"إن دعم ومساندة البنوك الإسلامية تلبي أشواق ورغبات شريحة كبيرة من المجتمع التي آمنت بحرمة الربا ، وبكونه يمحق البركة من الرزق ، ويعرض المرابي لحرب من الله ورسوله لا قبل له بها ، ولهم حق ممارسة أحكام دينهم ، ويفيد الجهاز المصرفي من ودائع يمتنع أصحابها عن إيداعها في البنوك الربوية ، بدلاً من أن تتسرب هذه الودائع ، ويُحرم منها المجتمع.\rولا يضير البنوك التقليدية وجود بنوك إسلامية ؛ لأن الملتزمين بأحكام دينهم إذا لم توجد بنوك إسلامية لا يودعون في البنوك التقليدية. لذا فإن إثارة هذا الموضوع لا يفيد المجتمع بحال.\rإشكاليات تتعلق بفتوى مجمع البحوث الإسلامية\rإن كان التناول النقدي السابق يتعلق بالإشكال الذي انطوى عليه السؤال من توصيف غير حقيقي لطبيعة النشاط الاقتصادي الذي تمارسه المصارف ، ومن ثم سوء الفهم المترتب على هذا التوصيف الخاطئ ؛ فإن الجزء الذي بين أيدينا يتناول تجاوزات في فتوى مجمع البحوث نفسها\rلقد ذكرت الفتوى بعض الأدلة على ما توصلت إليه من حكم بأن تحديد الأرباح مقدمًا لأصحاب الودائع في البنوك حلال لا شبهة فيه. واستكمالاً للبحث فإني أذكر هذه الأدلة ، أو بالأحرى التعليلات والمناسبات التي ذكرت لتأكيد هذه الفتوى : \rأولاً : جاء في الفتوى أنه \"من المعروف أن البنوك عندما تحدد للمتعاملين معها هذه الأرباح أو العوائد مقدمًا ، إنما تحددها بعد دراسة دقيقة للأسواق المالية أو المحلية وللأوضاع الاقتصادية في المجتمع ، ولظروف كل معاملة أو نوعها ومتوسط أرباحها\".","part":10,"page":55},{"id":3943,"text":"وهذا التعليل أو التدليل ليس في محل النزاع ؛ لأن الخلاف ليس في طريقة تحديد ما يُعطى للمودع ، بل في الحكم الشرعي لما يُعطى ، بصرف النظر عن مقداره وطريقة تحديده. وقد تقدم أن الوديعة تُعد قرضًا بنص القوانين وبإجماع الفقهاء ، و\"كل قرض جر نفعًا فهو ربا\" بنص الحديث الشريف ؛ ذلك أن واقع البنوك أنها تتلقى الودائع وتملكها ، وتستقل باستخدامها في إقراض الغير بفائدة ، مع التزامها بردها مع الفائدة ، وهذا هو حكم القرض بنص القانون ، ولا دخل بعد ذلك في كيفية أو طريقة تحديد هذا النفع أو مقداره أو مسماه ؛ فقد تُسمى هذه النتيجة نفعًا أو ربحًا أو عائدًا أو فائدة أو مكافأة أو هدية ؛ لأن العبرة بما يرتبه العقد من آثار بين عاقديه. والأحكام تُبنى على الواقع لا على الخيال. ودعوى أن البنك وكيل استثمار ، وأنه يستثمر الودائع بنفسه في معاملات مشروعة ، تقدم تفنيده وإبطاله ، وتوضيح مخالفته للقانون والشرع والواقع.\rثانيًا : جاء في الفتوى أنه \"من المعروف أن هذا التحديد (للربح الذي يعطى للمودع) قابل للزيادة أو النقص ؛ بدليل أن شهادات الاستثمار بدأت بتحديد العائد ، ثم ارتفع إلى أكثر من 15% ، ثم انخفض الآن إلى ما يقارب 10%.\rوهذا التعليل أو التعديل في غير الموضوع الذي نتحدث عنه ؛ إذ الحديث عن الصفة الشرعية لما يعطيه البنك للمودِع ؛ وقد تقدم أنه ربا ؛ لأنه منفعة يمنحها المقترض للمقرِض (زيادة عن الدين ؛ لأنها نسبة من رأس المال مقابل الأجل). ولا يجادل أحد في أن هذا هو حقيقة الربا ؛ لقوله عليه الصلاة والسلام : \"كل قرض جر نفعًا فهو ربا\" ، ولإجماع الأمة على أن الزيادة على الدين في مقابل الأجل هي الربا ، سواء تحددت وشُرطت مقدمًا كما جاء في السؤال والفتوى ، أو كانت العادة جارية في البنوك بذلك.","part":10,"page":56},{"id":3944,"text":"وإذا ثبت أن الوديعة النقدية قرض يفيد ملك البنك للوديعة ، وحقه في استخدامها مع رد مثلها ، وأن ذلك قرض بحكم القانون والشرع ؛ فإن كل زيادة على القرض تُعطى للمودع تكون ربا مهما كان قدرها ، أو طريقة تحديدها ، أو التسمية التي تُطلق عليها ، أو تغييرها بالزيادة والنقصان. ودعوى أن البنك يتلقى الودائع بصفته وكيل استثمار ، وأنه يستثمرها بنفسه في معاملاته المشروعة بالاتجار والبيع والشراء وغير ذلك من عقود وصيغ الاستثمار الشرعية ، دعوى يكذبها الواقع ، ويحظرها القانون ، كما سبق شرحه وإثباته..\rثالثًا : جاء في الفتوى أن \"الخلاصة أن تحديد الربح مقدمًا للذين يستثمرون أموالهم عن طريق الوكالة الاستثمارية في البنوك أو غيرها حلال ، ولا شبهة في هذه المعاملة ؛ فهي من قبيل المصالح المرسلة ، وليست من العقائد أو العبادات التي لا يجوز فيها التغيير أو التبديل\".\rوالرد على ذلك يكون بتناول عدة جزئيات على النحو التالي : \rأولاً : الحكم الشرعي إذا ثبت بالدليل ، وعُرف مناطه ؛ فلا يجوز تغييره ولا تبديله بحال ، يستوي في ذلك العقائد والعبادات وغيرها من المعاملات. غير أن تفسير النصوص الشرعية ، وتحديد مجال إعمالها ، يُرجع فيه إلى المصلحة التي شُرع الحكم لتحقيقها ، وذلك في المعاملات بخلاف العبادات التي يقف فيها المجتهد عند النص ولا يتوسع في تفسيره. وهذا أصل أكده الإمام الشاطبي وغيره ، غير أنه في جميع الحالات إذا توصل المجتهد بهذا المنهج إلى حكم شرعي فإنه لا يحل تغييره أو تبديله.","part":10,"page":57},{"id":3945,"text":"وثمة فرق بين العبارتين ؛ إذ إن عبارة التغيير والتبديل لأحكام الشريعة تُوهم أنها غير ملزمة للمكلف ، وهذا رأي نسب إلى الطوفي الحنبلي ، وهو منه بريء (راجع نظرية المصلحة في الفقه الإسلامي - ص : 533 ، وما بعدها لكاتب التعليق) ، إذ لم يقل بذلك أحد في تاريخ الاجتهاد الإسلامي. فقد نسب بعض المحدثين إلى الطوفي أنه يقدم المصلحة على النص والإجماع في المعاملات ، ورموه بأنه أول من فتح باب الشر ، وأن ما قاله \"باطل\" صادر عن \"مضل\" \"فاجر\" \"ساقط\" ، ولا يقول بقوله إلا من هو \"أسقط منه\" ، وأن رأيه في المصلحة \"إلحاد مكشوف\" ، من أعار له سمعًا لم يكن له نصيب من العلم ولا من الدين ، وأن مذهبه ليس غلطًا فقط من عالم حسن النية يحتمل التأويل ، بل فتنة فتح بابها قاصد شر ومثير فتن. ويقول الغمام أبو زهرة عن الطوفي : \"إن مهاجمته للنصوص وفكرة نسخها بالمصالح أسلوب شيعي\"[7] ، ويدافع الدكتور مصطفى زيد عن العلامة الطوفي ، ويقول : \"إن خطأه في الاجتهاد لا يعني أنه كان متلاعبًا بالمذاهب والعقائد\"[8].\rثانيًا : هذه المعاملة ليست من باب المصالح المرسلة ؛ لأنها وكالة في الاستثمار كما جاء في الفتوى. وقد بينت الشريعة الإسلامية شروط الوكالة وأحكامها. فليست مما سكتت عنه النصوص الشرعية ، وهذه الأحكام باتفاق الفقهاء ، هي : \r1- وجوب النص على أجر الوكيل في عقد الوكالة ، سواء كان مبلغًا مقطوعًا أو نسبة من المال المستثمر.\r2- أن أرباح المال المستثمر كلها للموكل ، وخسارته عليه بحكم أنه المالك للمال.\r3- وجوب إمساك الوكيل حسابًا مستقلاً عن عمليات الوكالة تقيد فيه إيرادات العمليات ومصروفاتها ؛ حتى تتحدد الأرباح التي يستحقها الموكل بعد خصم أجرة الوكيل.\r_____________________\r[7] محمد أبو زهرة ، ابن حنبل ، ص : 311- 312.\r[8] الدكتور مصطفى زيد ، المصلحة في التشريع الإسلامي ، ص : 172.","part":10,"page":58},{"id":3946,"text":"والوكالة المُدَّعاة في الفتوى ، رغم أنها مجرد خيال غير واقع ، فهي وكالة باطلة ؛ لأنها لم تستوفِ شروطها الشرعية ، ولم يترتب عليها الأحكام التي رتبها الشارع عليها.\rوخلاصة ردنا على الفتوى أنها لا تطبق على البنوك التي تعمل في مصر ، ولا في غيرها من البلاد العربية ؛ لأن مناط الفتوى غير متحقق في هذه البنوك ؛ فهي ليست وكيلة في الاستثمار ، ولا تملك الاستثمار والاتجار في الودائع بطريقة مباشرة بحكم القوانين المنشئة لها ، كما أن توظيفها للمال غير مشروع ؛ لأنها تقرضها بفائدة محرمة.\rوإذا فُرض وجود نظام مصرفي يقوم على أساس الوكالة في الاستثمار ؛ فإن هذه الوكالة يجب أن تتوافر شروطها الشرعية ، وأن تترتب عليها أحكامها التي لا تُنافي مقتضاها.\rإن البنوك الإسلامية تقوم بتلقي الودائع ، واستثمارها بطريق مباشر ، وبصيغ وعقود شرعية في عقد الوكالة في الاستثمار بجانب صيغ أخرى. أ هـ","part":10,"page":59},{"id":3947,"text":"كلام نفيس للعلامة الجصاص فى الآيتين الكريمتين\rقال عليه الرحمة والرضوان من الملك الرحيم الرحمن : \rقَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ : {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنْ الرِّبَا إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنْ اللَّهِ وَرَسُولِهِ} قَالَ أَبُو بَكْرٍ : يَحْتَمِلُ ذَلِكَ مَعْنَيَيْنِ ، أَحَدَهُمَا : إنْ لَمْ تَقْبَلُوا أَمْرَ اللَّهِ تَعَالَى وَلَمْ تَنْقَادُوا لَهُ ، وَالثَّانِيَ : إنْ لَمْ تَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنْ الرِّبَا بَعْدَ نُزُولِ الْأَمْرِ بِتَرْكِهِ فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنْ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِنْ اعْتَقِدُوا تَحْرِيمَهُ.\rوَقَدْ رُوِيَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ وَقَتَادَةَ وَالرَّبِيعِ بْنِ أَنَسٍ فِيمَنْ أَرْبَى ( أَنَّ الْإِمَامَ يَسْتَتِيبُهُ ، فَإِنْ تَابَ وَإِلَّا قَتَلَهُ ) وَهَذَا مَحْمُولٌ عَلَى أَنْ يَفْعَلَهُ مُسْتَحِلًّا لَهُ ؛ لِأَنَّهُ لَا خِلَافَ بَيْنَ أَهْلِ الْعِلْمِ أَنَّهُ لَيْسَ بِكَافِرٍ إذَا اعْتَقَدَ تَحْرِيمَهُ.\rوقَوْله تَعَالَى : {فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنْ اللَّهِ وَرَسُولِهِ} لَا يُوجِبُ إكْفَارَهُمْ لِأَنَّ ذَلِكَ قَدْ يُطْلَقُ عَلَى مَا دُونَ الْكُفْرِ مِنْ الْمَعَاصِي ؛ قَالَ زَيْدُ بْنُ أَسْلَمَ عَنْ أَبِيهِ : {إنَّ عُمَرَ رَأَى مُعَاذًا يَبْكِي ، فَقَالَ : مَا يُبْكِيَك ؟ فَقَالَ : سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ : الْيَسِيرُ مِنْ الرِّيَاءِ شِرْكٌ وَمَنْ عَادَى أَوْلِيَاءَ اللَّهِ فَقَدْ بَارَزَ اللَّهَ بِالْمُحَارَبَةِ}.\rفَأَطْلَقَ اسْمَ الْمُحَارَبَةِ عَلَيْهِ وَإِنْ لَمْ يَكْفُرْ.","part":10,"page":60},{"id":3948,"text":"وَرَوَى أَسْبَاطٌ عَنْ السُّدِّيِّ عَنْ صُبَيْحٍ مَوْلَى أُمِّ سَلَمَةَ عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ ، أَنَّ {النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لِعَلِيٍّ وَفَاطِمَةَ وَالْحَسَنِ وَالْحُسَيْنِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ : أَنَا حَرْبٌ لِمَنْ حَارَبْتُمْ سِلْمٌ لِمَنْ سَالَمْتُمْ}.\rوَقَالَ تَعَالَى : {إنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا} وَالْفُقَهَاءُ مُتَّفِقُونَ عَلَى أَنَّ ذَلِكَ حُكْمٌ جَارٍ فِي أَهْلِ الْمِلَّةِ وَأَنَّ هَذِهِ السِّمَةَ تَلْحَقُهُمْ بِإِظْهَارِهِمْ قَطْعَ الطَّرِيقِ.\rوَقَدْ دَلَّ عَلَى أَنَّهُ جَائِزٌ إطْلَاقُ اسْمِ الْمُحَارَبَةِ لِلَّهِ\rوَرَسُولِهِ عَلَى مَنْ عَظُمَتْ مَعْصِيَتُهُ وَفَعَلَهَا مُجَاهِرًا بِهَا وَإِنْ كَانَتْ دُونَ الْكُفْرِ.\rوقَوْله تَعَالَى : {فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنْ اللَّهِ وَرَسُولِهِ} إخْبَارٌ مِنْهُ بِعِظَمِ مَعْصِيَتِهِ وَأَنَّهُ يَسْتَحِقُّ بِهَا الْمُحَارَبَةَ عَلَيْهَا وَإِنْ لَمْ يَكُنْ كَافِرًا وَكَانَ مُمْتَنِعًا عَلَى الْإِمَامِ ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ مُمْتَنِعًا عَاقَبَهُ الْإِمَامُ بِمِقْدَارِ مَا يَسْتَحِقُّهُ مِنْ التَّعْزِيرِ وَالرَّدْعِ ، وَكَذَلِكَ يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ حُكْمُ سَائِرِ الْمَعَاصِي الَّتِي أَوْعَدَ اللَّهُ عَلَيْهَا الْعِقَابَ إذَا أَصَرَّ الْإِنْسَانُ عَلَيْهَا وَجَاهَرَ بِهَا ، وَإِنْ كَانَ مُمْتَنِعًا حُورِبَ عَلَيْهَا هُوَ وَمُتَّبِعُوهُ وَقُوتِلُوا حَتَّى يَنْتَهُوا ، وَإِنْ كَانُوا غَيْرَ مُمْتَنِعِينَ عَاقَبَهُمْ الْإِمَامُ بِمِقْدَارِ مَا يَرَى مِنْ الْعُقُوبَةِ.","part":10,"page":61},{"id":3949,"text":"وَكَذَلِكَ حُكْمُ مَنْ يَأْخُذُ أَمْوَالَ النَّاسِ مِنْ الْمُتَسَلِّطِينَ الظَّلَمَةِ وَآخِذِي الضَّرَائِبِ وَاجِبٌ عَلَى كُلِّ الْمُسْلِمِينَ قِتَالُهُمْ وَقَتْلُهُمْ إذَا كَانُوا مُمْتَنِعِينَ ، وَهَؤُلَاءِ أَعْظَمُ جُرْمًا مِنْ آكِلِي الرِّبَا لِانْتِهَاكِهِمْ حُرْمَةَ النَّهْيِ وَحُرْمَةَ الْمُسْلِمِينَ جَمِيعًا.\rوَآكِلُ الرِّبَا إنَّمَا انْتَهَكَ حُرْمَةَ اللَّهِ تَعَالَى فِي أَخْذِ الرِّبَا وَلَمْ يَنْتَهِكْ لِمَنْ يُعْطِيهِ ذَلِكَ حُرْمَةً ؛ لِأَنَّهُ أَعْطَاهُ بِطِيبَةِ نَفْسِهِ.\rوَآخِذُو الضَّرَائِبِ فِي مَعْنَى قُطَّاعِ الطَّرِيقِ الْمُنْتَهِكِينَ لِحُرْمَةِ نَهْيِ اللَّهِ تَعَالَى وَحُرْمَةِ الْمُسْلِمِينَ ؛ إذْ كَانُوا يَأْخُذُونَهُ جَبْرًا وَقَهْرًا لَا عَلَى تَأْوِيلٍ وَلَا شُبْهَةٍ ، فَجَائِزٌ لِمَنْ عَلِمَ مِنْ الْمُسْلِمِينَ إصْرَارَ هَؤُلَاءِ عَلَى مَا هُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَخْذِ أَمْوَالِ النَّاسِ عَلَى وَجْهِ الضَّرِيبَةِ أَنْ يَقْتُلَهُمْ كَيْفَ أَمْكَنَهُ قَتْلُهُمْ ، وَكَذَلِكَ أَتْبَاعُهُمْ وَأَعْوَانُهُمْ الَّذِينَ بِهِمْ يَقُومُونَ عَلَى أَخْذِ الْأَمْوَالِ.\rوَقَدْ كَانَ أَبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَاتَلَ مَانِعِي الزَّكَاةِ لِمُوَافَقَةٍ مِنْ الصَّحَابَةِ إيَّاهُ عَلَى شَيْئَيْنِ : أَحَدُهُمَا : الْكُفْرُ ، وَالْآخَرُ : مَنْعُ الزَّكَاةِ","part":10,"page":62},{"id":3950,"text":"وَذَلِكَ لِأَنَّهُمْ امْتَنَعُوا مِنْ قَبُولِ فَرْضِ الزَّكَاةِ وَمِنْ أَدَائِهَا ، فَانْتَظَمُوا بِهِ مَعْنَيَيْنِ : أَحَدُهُمَا : الِامْتِنَاعُ مِنْ قَبُولِ أَمْرِ اللَّهِ تَعَالَى وَذَلِكَ كُفْرٌ ، وَالْآخَرُ : الِامْتِنَاعُ مِنْ أَدَاءِ الصَّدَقَاتِ الْمَفْرُوضَةِ فِي أَمْوَالِهِمْ إلَى الْإِمَامِ فَكَانَ قِتَالُهُ إيَّاهُمْ لِلْأَمْرَيْنِ جَمِيعًا ، وَلِذَلِكَ قَالَ : ( لَوْ مَنَعُونِي عِقَالًا ) وَفِي بَعْضِ الْأَخْبَارِ : ( عِنَاقًا مِمَّا كَانُوا يُؤَدُّونَهُ إلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَقَاتَلَتْهُمْ عَلَيْهِ ).\rفَإِنَّمَا قُلْنَا إنَّهُمْ كَانُوا كُفَّارًا مُمْتَنِعِينَ مِنْ قَبُولِ فَرْضِ الزَّكَاةِ ، لِأَنَّ الصَّحَابَةَ سَمَّوْهُمْ أَهْلَ الرِّدَّةِ ، وَهَذِهِ السِّمَةُ لَازِمَةٌ لَهُمْ إلَى يَوْمِنَا هَذَا ، وَكَانُوا سَبَوْا نِسَاءَهُمْ وَذَرَارِيِّهِمْ ، وَلَوْ لَمْ يَكُونُوا مُرْتَدِّينَ لَمَا سَارَ فِيهِمْ هَذِهِ السِّيرَةَ وَذَلِكَ شَيْءٌ لَمْ يَخْتَلِفْ فِيهِ.\rالصَّدْرُ الْأَوَّلُ وَلَا مَنْ بَعْدَهُمْ مِنْ الْمُسْلِمِينَ ، أَعْنِي فِي أَنَّ الْقَوْمَ الَّذِينَ قَاتَلَهُمْ أَبُو بَكْرٍ كَانُوا أَهْلَ رِدَّةٍ.\rفَالْمُقِيمُ عَلَى أَكْلِ الرِّبَا إنْ كَانَ مُسْتَحِلًّا لَهُ فَهُوَ كَافِرٌ ، وَإِنْ كَانَ مُمْتَنِعًا بِجَمَاعَةٍ تُعَضِّدُهُ سَارَ فِيهِمْ الْإِمَامُ بِسِيرَتِهِ فِي أَهْلِ الرِّدَّةِ إنْ كَانُوا قَبْلَ ذَلِكَ مِنْ جُمْلَةِ أَهْلِ الْمِلَّةِ ، وَإِنْ اعْتَرَفُوا بِتَحْرِيمِهِ وَفَعَلُوهُ غَيْرَ مُسْتَحِلِّينَ لَهُ قَاتَلَهُمْ الْإِمَامُ إنْ كَانُوا مُمْتَنِعِينَ حَتَّى يَتُوبُوا ، وَإِنْ لَمْ يَكُونُوا مُمْتَنِعِينَ رَدَعَهُمْ عَنْ ذَلِكَ بِالضَّرْبِ وَالْحَبْسِ حَتَّى يَنْتَهُوا.","part":10,"page":63},{"id":3951,"text":"وَقَدْ رُوِيَ {أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَتَبَ إلَى أَهْلِ نَجْرَانَ وَكَانُوا ذِمَّةً نَصَارَى : إمَّا أَنْ تَذَرُوا الرِّبَا وَإِمَّا أَنْ تَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنْ اللَّهِ وَرَسُولِهِ} ، وَرَوَى أَبُو عُبَيْدٍ الْقَاسِمُ بْنُ سَلَامٍ قَالَ : حَدَّثَنِي أَيُّوبُ الدِّمَشْقِيُّ قَالَ : حَدَّثَنِي سَعْدَانُ بْنُ يَحْيَى ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي حُمَيْدٍ ، عَنْ أَبِي مَلِيحٍ الْهُذَلِيِّ : {أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَالَحَ أَهْلَ نَجْرَانَ ، فَكَتَبَ إلَيْهِمْ كِتَابًا فِي آخِرِهِ : عَلَى أَنْ لَا تَأْكُلُوا الرِّبَا ، فَمَنْ أَكَلَ الرِّبَا فَذِمَّتِي مِنْهُ بَرِيئَةٌ}.\rفَقَوْلُهُ تَعَالَى : {فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنْ اللَّهِ وَرَسُولِهِ} عَقِيبَ قَوْلِهِ : {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنْ الرِّبَا} هُوَ عَائِدٌ عَلَيْهِمَا جَمِيعًا ، مِنْ رَدِّ الْأَمْرِ عَلَى حَالِهِ وَمِنْ الْإِقَامَةِ عَلَى أَكْلِ الرِّبَا مَعَ قَبُولِ الْأَمْرِ.\rفَمَنْ رَدَّ الْأَمْرَ قُوتِلَ عَلَى الرِّدَّةِ ، وَمَنْ قَبِلَ الْأَمْرَ وَفَعَلَهُ مُحَرِّمًا لَهُ قُوتِلَ عَلَى تَرْكِهِ إنْ كَانَ مُمْتَنِعًا وَلَا يَكُونُ مُرْتَدًّا ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مُمْتَنِعًا عُزِّرَ بِالْحَبْسِ وَالضَّرْبِ عَلَى مَا يَرَى الْإِمَامُ.","part":10,"page":64},{"id":3952,"text":"وقَوْله تَعَالَى : {فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنْ اللَّهِ وَرَسُولِهِ} إعْلَامٌ بِأَنَّهُمْ إنْ لَمْ يَفْعَلُوا مَا أُمِرُوا بِهِ فِي هَذِهِ الْآيَةِ فَهُمْ مُحَارِبُونَ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ ، وَفِي ذَلِكَ إخْبَارٌ مِنْهُ بِمِقْدَارِ عِظَمِ الْجُرْمِ وَأَنَّهُمْ يَسْتَحِقُّونَ بِهِ هَذِهِ السِّمَةَ ، وَهِيَ أَنْ يُسَمُّوا مُحَارِبِينَ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ ؛ وَهَذِهِ السِّمَةُ يَعْتَوِرُهَا مَعْنَيَانِ : أَحَدُهُمَا : الْكُفْرُ إذَا كَانَ مُسْتَحِلًّا ، وَالْآخَرُ : الْإِقَامَةُ عَلَى أَكْلِ الرِّبَا مَعَ اعْتِقَادِ التَّحْرِيمِ عَلَى مَا بَيَّنَّاهُ.\rوَمِنْ النَّاسِ مَنْ يَحْمِلُهُ عَلَى أَنَّهُ إعْلَامٌ مِنْهُ بِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَأْمُرُ رَسُولَهُ وَالْمُؤْمِنِينَ بِمُحَارَبَتِهِمْ ، وَيَكُونُ إيذَانًا لَهُمْ بِالْحَرْبِ حَتَّى لَا يُؤْتُوا عَلَى غِرَّةٍ قَبْلَ الْعِلْمِ بِهَا ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى : {وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِنْ قَوْمٍ خِيَانَةً فَانْبِذْ إلَيْهِمْ عَلَى سَوَاءٍ إنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْخَائِنِينَ} فَإِذَا حُمِلَ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ كَانَ الْخِطَابُ بِذَلِكَ مُتَوَجِّهًا إلَيْهِمْ إذَا كَانُوا ذَوِي مَنْعَةٍ ، وَإِذَا حَمَلْنَاهُ عَلَى الْوَجْهِ الْأَوَّلِ دَخَلَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْ فَاعِلِي ذَلِكَ فِي الْخِطَابِ وَتَنَاوَلَهُ الْحُكْمُ الْمَذْكُورُ فِيهِ ، فَهُوَ أَوْلَى. أ هـ {أحكام القرآن للجصاص حـ 2 صـ 192 ـ 194}","part":10,"page":65},{"id":3953,"text":"فائدة\rقال السهيلى : \rوقد قدمنا في حديث بنيان الكعبة من قولهم لا تنفقوا فيها ربا ولا مهر بغي وأن في ذلك دليلا على قدم تحريمه عليهم في شرح إبراهيم عليه السلام أو في غيره من الأنبياء صلوات الله عليهم أجمعين وذلك أنه من أقبح الأعمال لما فيه من هدم جانب المروءة وإيثار الحرص مع بعد الأمل ونسيان بغتة الأجل وترك التوسعة وحسن المعاملة ومن تأمل أبواب الربا لاح له شر التحريم من جهة الجشع المانع من حسن المعاشرة والذريعة إلى ترك القرض وما فيه وفي التوسعة من مكارم الأخلاق ولذلك قال سبحانه فإن لم تفعلوا فأذنوا بحرب من الله ورسوله [البقرة 279] غضبا منه على أهله ولهذه النكتة قالت عائشة لأم محبة مولاة زيد بن أرقم أبلغي زيدا تعني زيد بن أرقم أن قد أبطل جهاده مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حين ذكرت لها عنه مسألة من البيوع تشبه الربا ، فقالت أبطل جهاده ولم تقل صلاته ولا صيامه لأن السيئات لا تحبط الحسنات ولكن خصت الجهاد بالإبطال لأنه حرب لأعداء الله وآكل الربا قد أذن بحرب من الله فهو ضده ولا يجتمع الضدان وهذا معنى ذكره أبو الحسن بن بطال في شرح الجامع وتلك المسألة مذكورة في المدونة لكن إسنادها إلى عائشة ضعيف. أ هـ {الروض الأنف حـ 4 صـ 13}","part":10,"page":66},{"id":3955,"text":"كلام نفيس لحجة الإسلام\rقال رحمه الله : \rمن نعم الله تعالى خلق الدراهم والدنانير وبهما قوام الدنيا وهما حجران لا منفعة فى أعيانهما ولكن يضطر الخلق إليهما من حيث إن كل إنسان محتاج إلى أعيان كثيرة فى مطعمه وملبسه وسائر حاجاته وقد يعجز عما يحتاج إليه ويملك ما يستغنى عنه كمن يملك الزعفران مثلا وهو محتاج إلى جمل يركبه ومن يملك الجمل ربما يستغنى عنه ويحتاج إلى الزعفران فلا بد بينهما من معاوضة ولا بد فى مقدار العوض من تقدير إذ لا يبذل صاحب الجمل جمله بكل مقدار من الزعفران ولا مناسبة بين الزعفران والجمل حتى يقال يعطى منه مثله فى الوزن أو الصورة وكذا من يشترى دارا ثياب أو عبدا بخف أو دقيقا بحمار فهذه الأشياء لا تتناسب فيها فلا يدرى أن الجمل كم يسوى بالزعفران فتتعذر المعاملات جدا فافتقرت هذه الأعيان المتنافرة المتباعدة إلى متوسط بينها يحكم بينهما بحكم عدل فيعرف من كل واحد رتبته ومنزلته حتى إذا تقررت المنازل وترتبت الرتب علم بعد ذلك المساوى من غير المساوى فخلق الله تعالى الدنانير والدراهم حاكمين ومتوسطين بين سائر الأموال حتى تقدر الأموال بهما فيقال هذا الجمل يسوى مائة دينار وهذا القدر من الزعفران يسوى مائة فهما من حيث إنهما مساويان بشىء واحد إذن متساويان وإنما أمكن التعديل بالنقدين إذ لا غرض فى أعيانهما ولو كان فى أعيانهما غرض ربما اقتضى خصوص ذلك الغرض فى حق صاحب الغرض ترجيحا ولم يقتض ذلك فى حق من لا غرض له فلا ينتظم الأمر فإذن خلقهما الله تعالى لتتداولهما الأيدى ويكونا حاكمين بين الأموال بالعدل ولحكمة أخرى وهى التوسل بهما إلى سائر الأشياء لأنهما عزيزان فى أنفسهما ولا غرض فى أعيانهما ونسبتهما إلى سائر الأحوال نسبة واحدة فمن ملكهما فكأنه ملك كل شىء لا كمن ملك ثوبا فإنه لم يملك إلا الثوب فلو احتاج إلى طعام ربما لم يرغب صاحب الطعام فى الثوب لأن غرضه فى دابة مثلا فاحتيج إلى شىء وهو فى صورته كأنه ليس بشىء وهو فى معناه كأنه كل","part":10,"page":67},{"id":3956,"text":"الأشياء والشىء إنما تستوى نسبته إلى المختلفات إذا لم تكن له صورة خاصة يفيدها بخصوصها كالمرآة لا لون لها وتحكى كل لون فكذلك النقد لا غرض فيه وهو وسيلة إلى كل غرض وكالحرف لا معنى له نفسه وتظهر به المعانى فى غيره فهذه هى الحكمة الثانية وفيهما أيضا حكم يطول ذكرها فكل من عمل فيهما عملا لا يليق بالحكم بل يخالف الغرض المقصود بالحكم فقد كفر نعمة الله تعالى فيهما فإذن من كنزهما فقد ظلمهما وأبطل الحكمة فيهما وكان كمن حبس حاكم المسلمين فى سجن يمتنع عليه الحكم بسببه لأنه إذا كنز فقد ضيع الحكم ولا يحصل الغرض المقصود به وما خلقت الدراهم والدنانير لزيد خاصة ولا لعمرو خاصة إذ لا غرض للآحاد فى أعيانهما فإنهما حجران وإنما خلقا لتتداولها الأيدى فيكونا حاكمين بين الناس وعلامة معرفة المقادير مقومة للراتب فأخبر الله تعالى الذين يعجزون عن قراءة الأسطر الإلهية المكتوبة فى صفحات الموجودات بخط إلهى لا حرف فيه ولا صوت الذى لا يدرك بعين البصر بل بعين البصيرة أخبر هؤلاء العاجزين بكلام سمعوه من رسوله صلى الله عليه وسلم حتى وصل إليهم بواسطة الحرف والصوت المعنى الذى عجزوا عن إدراكه فقال تعالى {والذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها فى سبيل الله فبشرهم بعذاب أليم} وكل من اتخذ من الدراهم والدنانير آنية من ذهب أو فضة فقد كفر النعمة وكان أسوأ حالا ممن كنز لأن مثال هذا مثال من استسخر حاكم البلد فى الحياكة والمكس والأعمال التى يقوم بها أخساء الناس والحبس أهوك منه وذلك أن الخزف والحديد والرصاص والنحاس تنوب مناب الذهب والفضة فى حفظ المائعات عن أن تتبدد وإنما الأوانى لحفظ المائعات ولا يكفى الخزف والحديد فى المقصود الذى أريد به النقود فمن لم ينكشف له هذا انكشف له بالترجمة الإلهية وقيل له من شرب فى آنية من ذهب أو فضة فكأنما يجرجر فى بطنه نار جهنم وكل من عامل معاملة الربا على الدراهم والدنانير فقد كفر النعمة وظلم","part":10,"page":68},{"id":3957,"text":"لأنهما خلقا لغيرهما لا لنفسهما إذ لا غرض فى عينهما فإذا اتجر فى عينهما فقد اتخذهما مقصودا على خلاف وضع الحكمة إذ طلب النقد لغير ما وضع له ظلم ومن معه ثوب ولا نقد معه فقد لا يقدر على أن يشترى به طعاما ودابة إذ ربما لا يباع الطعام والدابة بالثوب فهو معذور فى بيعه بنقد آخر ليحصل النقد فيتوصل به إلى مقصوده فانهما وسيلتان إلى الغير لا غرض فى أعيانهما وموقهما فى الأموال كموقع الحرف من الكلام كما قال النحويون إن الحرف هو الذى جاء لمعنى فى غيره وكموقع المرآة من الألوان فأما من معه نقد فلو جاز له أن يبيعه بالنقد فيتخذ التعامل على النقد غاية عمله فيبقى النقد مقيدا عنده وينزل منزلا المكنوز وتقييد الحاكم والبريد الموصل إلى الغير ظلم كما أن حبسه ظلم فلا معنى لبيع النقد بالنقد إلا اتخاذ النقد مقصودا للادخار وهو ظلم","part":10,"page":69},{"id":3958,"text":"فإن قلت فلم جاز بيع أحد النقدين بالآخر ولما جاز بيع الدرهم بمثله فاعلم أن أحد النقدين يخالف الآخر فى مقصود التوصل إذ قد يتيسر التوصل بأحدهما من حيث كثرته كالدراهم تتفرق فى الحاجات قليلا قليلا ففى المنع منه ما يشوش المقصود الخاص به وهو تيسر التوصل به إلى غيره وأما بيع الدرهم بدرهم يماثله فجائز من حيث إن ذلك لا يرغب فيه عاقل مهما تساويا ولا يشتغل به تاجر فإنه عبث يجرى مجرى وضع الدرهم على الأرض وأخذه بعينه ونحن لا نخاف على العقلاء أن يصرفوا أوقاتهم إلى وضع الدرهم على الأرض وأخذه بعينه فلا نمنع مما لا تتشوق النفوس إليه إلا أن يكون أحدهما أجود من الآخر وذلك أيضا لا يتصور جريانه إذ صاحب الجيد لا يرضى بمثله من الردىء فلا ينتظم العقد وإن طلب زيادة فى الردىء فذلك مما قد يقصده فلا جرم نمنعه منه ونحكم بأن جيدها ورديئها سواء لأن الجودة والرداءة ينبغى أن ينظر إليهما فيما يقصد فى عينه وما لا غرض فى عينه فلا ينبغى أن ينظر إلا مضافات دقيقة فى صفاته وإنما الذى ظلم هو الذى ضرب النقود مختلفة فى الجودة والرداءة حتى صارت مقصودة فى أعيانها وحقها أن لا تقصد وأما إذا باع درهما بدرهم مثله نسيئة فإنما لم يجز ذلك لأنه لا يقدم على هذا إلا مسامح قاصد الإحسان فى القرض وهو مكرمة مندوحة عنه لتبقى صورة المسامحة فيكون له حمد وأجر والمعاوضة لا حمد فيها ولا أجر فهو أيضا ظلم لأنه إضاعة خصوص المسامحة وإخراجها فى معرض المعارضة وكذلك الأطعمة خلقت ليتغذى بها أو يتداوى بها فلا ينبغى أن تصرف على جهتها فإن فتح باب المعاملة فيها يوجب تقييدها فى الأيدى ويؤخر عنها الأكل الذى أريدت له فما خلق الله الطعام إلا ليؤكل والحاجة إلى الأطعمة شديدة فينبغى أن تخرج عن يد المستغنى عنها إلى المحتاج ولا يعامل على الأطعمة إلا مستغن عنها إذ من معه طعام فلم","part":10,"page":70},{"id":3959,"text":"لا يأكله إن كان محتاجا ولم يجعله بضاعة تجارة وإن جعله بضاعة تجارة فليبعه ممن يطلبه بعوض غير الطعام يكون محتاجا إليه فأما من يطلبه بعين ذلك الطعام فهو أيضا مستغن عنه ولهذا ورد فى الشرع لعن المحتكر وورد فيه من التشديدات ما ذكرناه فى كتاب آداب الكسب نعم بائع البر بالتمر معذور إذ أحدهما لا يسد مسد الآخر فى الغرض وبائع صاع من البر بصاع منه غير معذور ولكنه عابث فلا يحتاج إلى منع لأن النفوس لا تسمح به إلا عند التفاوت فى الجودة ومقابلة الجيد بمثله من الردىء لا يرضى بها صاحب الجيد وأما جيد برديئين فقد يقصد ولكن لما كانت الأطعمة من الضروريات والجيد يساوى الردىء فى أصل الفائدة ويخالفه فى وجوه التنعم أسقط الشرع غرض التنعم فيما هو القوام فهذه حكمه الشرع فى تحريم الربا وقد انكشف لنا هذا بعد الإعراض عن فن الفقه فلنلحق هذا بفن الفقهيات فإنه أقوى من جميع ما أوردناه فى الخلافيات وبهذا يتضح رجحان مذهب الشافعى رحمه الله فى التخصص بالأطعمة دون المكيلات إذ لو دخل الجص فيه لكانت الثياب والدواب أولى بالدخول ولولا الملح لكان مذهب مالك رحمه الله أقوم المذاهب فيه إذ خصصه بالأوقات ولكن كل معنى يرعاه الشرع فلا بد أن يضبط بحد وتحديد هذا كان ممكنا بالقوت وكان ممكنا بالمطعوم فرأى الشرع التحديد بجنس المطعوم أخرى لكل ما هو ضرورة البقاء وتحديدات الشرع قد تحيط بأطراف لا يقوى فيها أصل المعنى الباعث على الحكم ولكن التحديد يقع كذلك بالضرورة ولو لم يحد لتحير الخلق فى أتباع جوهر المعنى مع اختلافه بالأحوال والأشخاص فعين المعنى بكمال قوته يختلف باختلاف الأحوال والأشخاص فيكون الحد ضروريا فلذلك قال الله تعالى {ومن يتعد حدود الله فقد ظلم نفسه} ولأن أصول هذه المعانى لا تختلف فيها الشرائع وإنما تختلف فى وجوه التحديد كما يحد شرع عيسى ابن مريم عليه السلام تحريم الخمر بالسكر وقد حده شرعنا بكونه من جنس المسكر لأن قليله يدعو","part":10,"page":71},{"id":3960,"text":"إلى كثير والداخل فى الحدود داخل فى التحريم بحكم الجنس كما دخل أصل المعنى بالجملة الأصلية فهذا مثال واحد لحكمه خفية من حكم النقدين فينبغى أن يعتبر شكر النعمة وكفرانها بهذا المثال فكل ما خلق لحكمة فينبغى أن يصرف عنها ولا يعرف هذا إلا من قد عرف الحكمة {ومن يؤت الحكمة فقد أوتى خيرا كثيرا} ولكن لا تصادف جواهر الحكم فى قلوب هى مزابل الشهوات وملاعب الشياطين بل لا يتذكر إلا أولوا الألباب ولذلك قال صلى الله عليه وسلم {لولا أن الشياطين يحومون على قلوب بنى آدم لنظروا إلى ملكوت السماء}\rوإذ عرفت هذا المثال فقس عليه حركتك وسكونك ونطقك وسكوتك وكل فعل صادر منك فإنه إما شكر وإما كفر إذ لا يتصور أن ينفك عنهما وبعض ذلك نصفه فى لسان الفقه الذى تناطق به عوام الناس بالكراهة وبعضه بالخطر وكل ذلك عند أرباب القلوب موصوف بالخطر. أ هـ {الإحياء حـ 4 صـ 91 ـ 93}","part":10,"page":72},{"id":3961,"text":"قوله تعالى {وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ وَأَنْ تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (280)}\rمناسبة الآية لما قبلها\rقال البقاعى : \rولما كان الناس منقسمين إلى موسر ومعسر أي غني وفقير كان كأنه قيل : هذا حكم الموسر {وإن كان} أي وجد من المدينين {ذو عسرة} لا يقدر على الأداء في هذا الوقت {فنظرة} أي فعليكم نظرة له.\rقال الحرالي : وهو التأخير المرتقب نجازه {إلى ميسرة} إن لم ترضوا إلا بأخذ أموالكم ؛ وقرأ نافع وحمزة بضم السين ؛ قال الحرالي : إنباء عن استيلاء اليسر وهي أوسع النظرتين ، \rوالباقون بالفتح إنباء عن توسطها ليكون اليسر في مرتبتين ، \rفمن انتظر إلى أوسع اليسرين كان أفضل توبة - انتهى.\r{وأن تصدقوا} أي وصدقتكم على المعسر بتركه له ، \rذلكم {خير} في الدنيا بما يبارك الله سبحانه وتعالى {لكم} ويعوضكم وفي الآخرة بما يجزل لكم من الأجر.\rولما كان كل أحد يدعي العلم ويأنف أشد أنفة من النسبة إلى الجهل قال : {إن كنتم تعلمون} أي إن كنتم من ذوي العلم فأنتم تعرفون صحة ما دعوتكم إليه مما يقتضي الإدبار عنه أو الإقبال عليه ، \rفإذا تحققتم ذلك فامتثلوه فإنه يقبح على العلم بقبح الشيء الإصرار عليه وإلا فبينوا أنه ليس بخير وإلا فأنتم من أهل الاعوجاج بالجهل تقومون بالحرب والضرب والطعن كالسباع الضارية والذئاب العاوية.\rوقال الحرالي : فأعلم سبحانه وتعالى أن من وضع كيانه للعلم فكان ممن يدوم علمه ؟ تنبه لأن خير الترك خير من خير الأخذ فأحسن بترك جميعه - انتهى. أ هـ {نظم الدرر حـ 1 صـ 542}\rفائدة\rقال القرطبى : \rقوله تعالى : {وَإِن كَانَ ذُو عُسْرَةٍ} مع قوله : {وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُؤُوسُ أَمْوَالِكُمْ} يدل على ثبوت المطالبة لصاحب الديْن على المدين وجواز أخذ ماله بغير رضاه.","part":10,"page":73},{"id":3962,"text":"ويدل على أن الغريم متى امتنع من أداء الديْن مع الإمكان كان ظالماً ؛ فإن الله تعالى يقول : {فَلَكُمْ رُؤُوسُ أَمْوَالِكُمْ} [ البقرة : 279 ] فجعل له المطالبة برأس ماله.\rفإذا كان له حق المطالبة فعلى من عليه الدين لا محالة وجوب قضائه. أ هـ {تفسير القرطبى حـ 3 صـ 371}\rفصل\rقال الفخر : \rقال النحويون {كَانَ} كلمة تستعمل على وجوه أحدها : أن تكون بمنزلة حدث ووقع ، وذلك في قوله : قد كان الأمر ، أي وجد ، وحينئذ لا يحتاج إلى خبر والثاني : أن يخلع منه معنى الحدث ، فتبقى الكلمة مجردة للزمان ، وحينئذ يحتاج إلى الخبر ، وذلك كقوله : كان زيد ذاهباً.","part":10,"page":74},{"id":3963,"text":"واعلم أني حين كنت مقيماً بخوارزم ، وكان هناك جمع من أكابر الأدباء ، أوردت عليهم إشكالاً في هذا الباب فقلت : إنكم تقولون إن {كَانَ} إذا كانت ناقصة إنها تكون فعلاً وهذا محال ، لأن الفعل ما دلّ على اقتران حدث بزمان ، فقولك {كَانَ} يدل على حصول معنى الكون في الزمان الماضي ، وإذا أفاد هذا المعنى كانت تامة لا ناقصة ، فهذا الدليل يقتضي أنها إن كانت فعلاً كانت تامة لا ناقصة ، وإن لم تكن تامة لم تكن فعلاً ألبتة بل كانت حرفاً ، وأنتم تنكرون ذلك ، فبقوا في هذا الإشكال زماناً طويلاً ، وصنفوا في الجواب عنه كتباً ، وما أفلحوا فيه ثم انكشف لي فيه سر أذكره هاهنا وهو أن كان لا معنى له إلا حدث ووقع ووجد ، إلا أن قولك وجد وحدث على قسمين أحدها : أن يكون المعنى : وجد وحدث الشيء كقولك : وجد الجوهر وحدث العرض والثاني : أن يكون المعنى : وجد وحدث موصوفية الشيء بالشيء ، فإذا قلت : كان زيد عالماً فمعناه حدث في الزمان الماضي موصوفية زيد بالعلم ، والقسم الأول هو المسمى بكان التامة والقسم الثاني هو المسمى بالناقصة ، وفي الحقيقة فالمفهوم من {كَانَ} في الموضعين هو الحدوث والوقوع ، إلا أن في القسم الأول المراد حدوث الشيء في نفسه ، فلا جرم كان الاسم الواحد كافياً ، والمراد في القسم الثاني حدوث موصوفية أحد الأمرين بالآخر ، فلا جرم لم يكن الاسم الواحد كافياً ، بل لا بد فيه من ذكر الاسمين حتى يمكنه أن يشير إلى موصوفية أحدهما بالآخر ، وهذا من لطائف الأبحاث ، فأما إن قلنا إنه فعل كان دالاً على وقوع المصدر في الزمان الماضي ، فحينئذ تكون تامة لا ناقصة ، وإن قلنا : إنه ليس بفعل بل حرف فكيف يدخل فيه الماضي والمستقبل والأمر ، وجميع خواص الأفعال ، وإذا حمل الأمر على ما قلناه تبين أنه فعل وزال الإشكال بالكلية.\rالمفهوم الثالث : لكان يكون بمعنى صار ، وأنشدوا : \rبتيهاء قفر والمطي كأنها.. قطا الحزن قد كانت فراخا بيوضها","part":10,"page":75},{"id":3964,"text":"وعندي أن هذا اللفظ هاهنا محمول على ما ذكرناه ، فإن معنى صار أنه حدث موصوفية الذات بهذه الصفة بعد أنها ما كانت موصوفة بذلك ، فيكون هنا بمعنى حدث ووقع ، إلا أنه حدوث مخصوص ، وهو أنه حدث موصوفية الذات بهذه الصفة بعد أن كان الحاصل موصوفية الذات بصفة أخرى.\rالمفهوم الرابع : أن تكون زائدة وأنشدوا : \rسراة بني أبي بكر تسامى.. على كان المسومة الجياد\rإذا عرفت هذه القاعدة فلنرجع إلى التفسير فنقول : في {كَانَ} في هذه الآية وجهان الأول : أنها بمعنى وقع وحدث ، والمعنى : وإن وجد ذو عسرة ، ونظيره قوله {إِلا أَن تَكُونَ تجارة حَاضِرَةً} بالرفع على معنى : وإن وقعت تجارة حاضرة ، ومقصود الآية إنما يصح على هذا اللفظ وذلك لأنه لو قيل : وإن كان ذا عسرة لكان المعنى : وإن كان المشتري ذا عسرة فنظرة ، فتكون النظرة مقصورة عليه ، وليس الأمر كذلك ، لأن المشتري وغيره إذا كان ذا عسرة فله النظرة إلى الميسرة الثاني : أنها ناقصة على حذف الخبر ، تقديره وإن كان ذو عسرة غريماً لكم ، وقرأ عثمان {ذَا عُسْرَةٍ} والتقدير : إن كان الغريم ذا عسرة ، وقريء ( وَمَن كَانَ ذَا عُسْرَةٍ ). أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 7 صـ 88 ـ 89}\rقوله تعالى : {فَنَظِرَةٌ إلى مَيْسَرَةٍ}\rقال الفخر : \rفي الآية حذف ، والتقدير : فالحكم أو فالأمر نظرة ، أو فالذي تعاملونه نظرة. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 7 صـ 89}\rفصل\rقال الفخر : \rنظرة أي تأخير ، والنظرة الاسم من الإنظار ، وهو الإمهال ، تقول : بعته الشيء بنظرة وبإنظار ، قال تعالى : {قَالَ رَبّ أَنظِرْنِى إلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ * قَالَ فَإِنَّكَ مِنَ المنظرين * إلى يَوْمِ الوقت المعلوم} [ الحجر : 36 ، 37 ، 38 ].","part":10,"page":76},{"id":3965,"text":"وقرىء {فَنَظِرَةٌ} بسكون الظاء ، وقرأ عطاء ( فناظره ) أي فصاحب الحق أي منتظره ، أو صاحب نظرته ، على طريق النسب ، كقولهم : مكان عاشب وباقل ، أي ذو عشب وذو بقل ، وعنه فناظره على الأمر أي فسامحه بالنظرة إلى الميسرة. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 7 صـ 89}\rفصل\rقال الفخر : \rاختلفوا في أن حكم الإنظار مختص بالربا أو عام في الكل ، فقال ابن عباس وشريح والضحاك والسدي وإبراهيم : الآية في الربا ، وذكر عن شريح أنه أمر بحبس أحد الخصمين فقيل : إنه معسر ، فقال شريح : إنما ذلك في الربا ، والله تعالى قال في كتابه {إِنَّ الله يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤدُّواْ الأمانات إِلَى أَهْلِهَا} [ النساء : 58 ]. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 7 صـ 90}\rوقال القرطبى : \rقال المهدوِيّ وقال بعض العلماء : هذه الآية ناسخةٌ لما كان في الجاهلية من بيع مَنْ أعْسَر.\rوحكى مكيّ أن النبيّ صلى الله عليه وسلم أمر به في صدر الإسلام.\rقال ابن عطية : فإن ثبت فعل النبي صلى الله عليه وسلم فهو نَسْخٌ وإلاَّ فليس بنسخ.\rقال الطحاويّ : كان الحر يُباع في الديْن أوّل الإسلام إذا لم يكن له مال يقضيه عن نفسه حتى نسخ الله ذلك فقال جلّ وعزّ : {وَإِن كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إلى مَيْسَرَةٍ}.\rواحتجوا بحديث رواه الدّارقطنيّ من حديث مسلم بن خالد الزنجيّ أخبرنا زيد بن أسلم عن ابن البَيْلَمَانِيّ عن سُرَّق قال : كان لرجل عليّ مالٌ أو قال ديْنٌ فذهب بي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فلم يِصب لي مالاً فباعني منه ، أو باعني له.\rأخرجه البَزّار بهذا الإسناد أطول منه.\rومسلم بن خالد الزنجي وعبد الرحمن بن البيلماني لا يحتج بهما.\rوقال جماعة من أهل العلم : قوله تعالى : {فَنَظِرَةٌ إلى مَيْسَرَةٍ} عامّةٌ في جميع الناس ، فكل من أعسر أنْظِر ؛ وهذا قول أبي هريرة والحسن وعامة الفقهاء.\rقال النحاس : وأحسن ما قيل في هذه الآية قول عطاء والضحاك والربيع بن خيثم.","part":10,"page":77},{"id":3966,"text":"قال : هي لِكل مُعْسِرٍ يُنْظَر في الرّبا والديْن كله.\rفهذا قول يجمع الأقوال ؛ لأنه يجوز أن تكون ناسخة عامة نزلت في الربا ثم صار حكم غيره كحكمه ، ولأنّ القراءة بالرفع بمعنًى وإن وقع ذو عسرة من الناس أجمعين.\rولو كان في الربا خاصة لكان النصب الوجه ، بمعنى وإن كان الذي عليه الربا ذا عسرة.\rوقال ابن عباس وشريح : ذلك في الربا خاصةً ؛ فأما الديون وسائر المعاملات فليس فيها نَظِرَةٌ بل يؤدي إلى أهلها أو يحبس فيه حتى يُوفِّيَه ؛ وهو قول إبراهيم.\rواحتجوا بقول الله تعالى : {إِنَّ الله يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤدُّواْ الأمانات إلى أَهْلِهَا} [ النساء : 58 ] الآية.\rقال ابن عطية : فكان هذا القول يترتب إذا لم يكن فقرٌ مُدْقِع ، وأما مع العُدْم والفقر الصرِيح فالحكم هو النظِرة ضرورة. أ هـ {تفسير القرطبى حـ 3 صـ 371 ـ 342}\rفصل في سبب نزول الآية\rقال الفخر : \rذكر المفسرون في سبب نزول هذه الآية أنه لما نزل قوله تعالى : {فَأْذَنُواْ بِحَرْبٍ مّنَ الله وَرَسُولِهِ} قالت الإخوة الأربعة الذين كانوا يعاملون بالربا : بل نتوب إلى الله فإنه لا طاقة لنا بحرب الله ورسوله ، فرضوا برأس المال وطلبوا بني المغيرة بذلك ، فشكا بنو المغيرة العسرة ، وقالوا : أخرونا إلى أن تدرك الغلات ، فأبوا أن يؤخروهم ، فأنزل الله تعالى : {وَإِن كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إلى مَيْسَرَةٍ}.","part":10,"page":78},{"id":3967,"text":"القول الثاني : وهو قول مجاهد وجماعة من المفسرين : إنها عامة في كل دين ، واحتجوا بما ذكرنا من أنه تعالى قال : {وَإِن كَانَ ذُو عُسْرَةٍ} ولم يقل : وإن كان ذا عسرة ، ليكون الحكم عاماً في كل المفسرين ، قال القاضي : والقول الأول أرجح ، لأنه تعالى قال في الآية المتقدمة {وإن تبتم فلكم رؤوس أموالكم} من غير بخس ولا نقص ، ثم قال في هذه الآية : وإن كان من عليه المال معسراً وجب إنظاره إلى وقت القدرة ، لأن النظرة يراد بها التأخر ، فلا بد من حق تقدم ذكره حتى يلزم التأخر ، بل لما ثبت وجوب الإنظار في هذه بحكم النص ، ثبت وجوبه في سائر الصور ضرورة الاشتراك في المعنى ، وهو أن العاجز عن أداء المال لا يجوز تكليفه به ، وهذا قول أكثر الفقهاء كأبي حنيفة ومالك والشافعي رضي الله عنهم. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 7 صـ 90}\rفصل\rقال الفخر : \rإذا علم الإنسان أن غريمه معسر حرم عليه حبسه ، وأن يطالبه بما له عليه ، فوجب الإنظار إلى وقت اليسار ، فأما إن كانت له ريبة في إعساره فيجوز له أن يحبسه إلى وقت ظهور الإعسار ، واعلم أنه إذا ادعى الإعسار وكذبه الغريم ، فهذا الدين الذي لزمه إما أن يكون عن عوض حصل له كالبيع والقرض ، أو لا يكون كذلك ، وفي القسم الأول لا بد من إقامة شاهدين عدلين على أن ذلك العوض قد هلك ، وفي القسم الثاني وهو أن يثبت الدين عليه لا بعوض ، مثل إتلاف أو صداق أو ضمان ، كان القول قوله وعلى الغرماء البينة لأن الأصل هو الفقر. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 7 صـ 90}\rقوله تعالى : {وَأَن تَصَدَّقُواْ خَيْرٌ لَّكُمْ}\rفصل\rقال الفخر : \rفي التصدق قولان الأول : معناه : وأن تصدقوا على المعسر بما عليه من الدين إذ لا يصح التصدق به على غيره ، وإنما جاز هذا الحذف للعلم به ، لأنه قد جرى ذكر المعسر وذكر رأس المال فعلم أن التصدق راجع إليهما ، وهو كقوله {وَأَن تَعْفُواْ أَقْرَبُ للتقوى} [ البقرة : 237 ]","part":10,"page":79},{"id":3968,"text":"والثاني : أن المراد بالتصدق الإنظار لقوله عليه السلام \" لا يحل دين رجل مسلم فيؤخره إلا كان له بكل يوم صدقة \" وهذا القول ضعيف ، لأن الإنظار ثبت وجوبه بالآية الأولى ، فلا بد من حمل هذه الآية على فائدة جديدة ، ولأن قوله {خَيْرٌ لَّكُمْ} لا يليق بالواجب بل بالمندوب. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 7 صـ 91}\rقال القرطبى : \rندب الله تعالى بهذه الألفاظ إلى الصدقة على المعُسِر وجعل ذلك خيراً من إنْظاره ؛ قاله السدي وابن زيد والضحاك.\rوقال الطبريّ : وقال آخرون : معنى الآية وأن تصدّقوا على الغنِيّ والفقير خير لكم.\rوالصحيح الأوّل ، وليس في الآية مَدْخل للغنِيّ. أ هـ {تفسير القرطبى حـ 3 صـ 374}\rسؤال : ما المراد بالخير فى الآية ؟ \rالجواب : المراد بالخير حصول الثناء الجميل في الدنيا والثواب الجزيل في الآخرة. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 7 صـ 91}\rسؤال : فإن قيل : إنظار المعسر فرض بالنص والتصدق عليه تطوع ، فكيف قال : {وأن تصدقوا خير لكم} ؟ \rقلنا : كل تطوع كان محصلا للمقصود من الفرض بوصف الزيادة كان أفضل من الفرض ؛ كما أن الزهد فى الحرام فرض وفى الحلال تطوع ، والزهد فى الحلال أفضل لما بينا كذلك هنا. أ هـ {تفسير الرازى لمحمد بن أبى بكر الرازى صـ 48 ـ 49}\rقوله تعالى : {إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ}\rقال الفخر : \rفيه وجوه الأول : معناه إن كنتم تعلمون أن هذا التصدق خير لكم إن عملتموه ، فجعل العمل من لوازم العلم ، وفيه تهديد شديد على العصاة\rوالثاني : إن كنتم تعلمون فضل التصدق على الإنظار والقبض\rوالثالث : إن كنتم تعلمون أن ما يأمركم به ربكم أصلح لكم. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 7 صـ 91}\rفصل\rقال القرطبى : ","part":10,"page":80},{"id":3969,"text":"روى أبو جعفر الطحاوي عن بُريْدة بن الحُصَيْب قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : \" \"من أنظر معسراً كان له بكل يوم صدقة\" ثم قلت : بكل يوم مثله صدقة ؛ قال فقال \"بكل يوم صدقة مالم يحِل الدّيْن فإذا أنْظَره بعد الحِل فله بكل يوم مثله صدقة\" \" وروى مسلم عن أبي مسعود قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : \" حوسِب رجل ممن كان قبلكم فلم يوجد له من الخير شيء إلاَّ أنه كان يخالط الناس وكان موسِراً فكان يأمر غلمانه أن يتجاوزوا عن المعسِر قال قال الله عزّ وجلّ نحن أحق بذلك منه تجاوزوا عنه \" وروي عن أبي قتادة أنه طلب غِريماً له فتوارى عنه ثم وجده فقال : إني معسِر.\rفقال : آلله ؟ قال : أللَّهِ.\rقال : فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : \" من سره أن ينجِيه الله من كرب يوم القيامة فلينفس عن معسِرٍ أو يضع عنه \" ، وفي حديث أبي اليَسَر الطويلِ واسمه كعب بن عمرو أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : \" من أنظر معسِراً أو وضع عنه أظلَّه الله في ظِلِّه \" ففي هذه الأحاديث من الترغيب ما هو منصوص فيها.\rوحديث أبي قتادة يدل على أن رب الدين إذا علِم عسرة ( غريمه ) أو ظنها حرمتّ عليه مطالبتُه ، وإن لم تثبت عُسْرته عند الحاكم.\rوإنْظار المعسِر تأخيره إلى أن يُوسِر.\rوالوضع عند إسقاط الدين عن ذمته.\rوقد جمع المعنيين أبو اليسر لغريمه حيث محا عنه الصحيفة وقال له : إن وجدت قضاء فاقضِ وإلاَّ فأنت في حِل. أ هـ {تفسير القرطبى حـ 3 صـ 374 ـ 375}\rمن لطائف الإمام القشيرى فى الآية\rإذا تقرر عند القاضي إفلاس المحبوس فلا تحل له استدامة حَبْسه ، وإن ظهرت لذي الحق حجة المفلس فذلك مرتهن بحق خصمه ، ولكنه في إمهال وإنظار. والرب لا يحكم بهذا علينا ؛ فمع علمه بإعسارنا وعجزنا ، وصدق افتقارنا إليه وانقطاعنا له - يرحمنا.","part":10,"page":81},{"id":3970,"text":"قوله : {إِلَى مَيْسَرَةٍ}. ليس للفقير المفلس وجه يحصل له منه شيء إلا من حيث ما جعل الله سبحانه من سهم الغارمين ، فأمَّا من جهة الغلات فالغلة تدخل من رقاب الأموال والعقد.. وأنَّى للمفلس به ؟!\rوأمَّا الربح في التجارة من تقليب رأس المال والتصرُّف فيه.. فأنَّى للمفلس به ؟!\rأما المفلس عن قوته - كما هو مفلس عن ماله - ما بقي له وجه إلا ما يسبب له مولاه. أ هـ {لطائف الإشارات حـ 1 صـ 212}. بتصرف يسير.\rمن فوائد ابن عرفة فى الآية\rقوله تعالى : {وَإِن كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إلى مَيْسَرَةٍ . . .}.\rقال ابن عرفة : تقرر من كلام الإمام عياض في كتاب الوصايا من الإكمال في حديث سعد بن أبي وقاص أن قولك : زيد ذو مال أبلغ من قولك : زيد له مال ، ونحوه للزمخشري في أول سورة آل عمران في قوله : {والله عَزِيزٌ ذُو انتقام} وفي سورة غافر : {إِنَّ الله لَذُو فَضْلٍ عَلَى الناس} ونحوه لابن الخطيب في سورة الروم في قوله {فَآتِ ذَا القربى حَقَّهُ} وخالفهم الشيخ ( ابن عطية ) فقال في سورة الرعد في قوله {وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِّلنَّاسِ على ظُلْمِهِمْ} ( إنها ) دالة على تغليب جانب الخوف على جانب الرجاء لأن قولك ذو مغفرة مقتض لتقليل المغفرة.","part":10,"page":82},{"id":3971,"text":"قال ابن عرفة : وقال بعضهم قولك : زيد صاحب مال ، أبلغ من : ذو مال ، لأن ذو مال إنما يقتضي مطلق النسبة سواء اتّصف به أم لا ، بخلاف قولك : صاحب ، فإذا بنينا على كلام الجماعة الصحيح فإنما قال \" ذُو عُسْرَة \" ولم يقل : وإن كان معسرا ، إشارة لما ( تقرر ) في الفقه من أنّ من له دار وخادم وفرس لا فضل في ثمنهن على ما سواهن يجوز له أخذ الزكاة ويسمى فقيرا ، مع أنه إذا كان عليه دين يباع عليه داره وخادمه في دينه فليس مجرد الإعسار موجبا لإنظاره ( بالدين ، فإنّ ) الموجب لذلك الإعسار ( البين الكثير ) فناسب إدخال ( ذو ).\rقال ابن عطية : و( كان ) هنا عند سيبويه تامة بمعنى وجد وحدث.\rومن هنا يظهر أنّ الأصل الغنى لأن إدخال \" إن \" يدل على أنّ الإعسار لم يكن موجودا.\rورده ابن عرفة بأن ذلك ( في ) الدّين الذي كان ( عن ) عوض يقول فيه : الأصل المَلاَء ، واستصحاب الحال ببقاء ذلك العوض وذهابه على خلاف الأصل ، وأما الدين الذي لا عن عوض كنفقة الزوجات والبنين والأبوين فليس الأصل فيه المَلاَءُ.\rابن عطية : حكى المهدوي عن بعضهم أن الآية ناسخة لما كان في الجاهلية من بيع من أعسر بدين.\rوحكى مكي : أنّ النّبي صلى الله عليه وسلم أمر به في صدر الإسلام.\rابن عطية : فإن ( قلنا ) : فعل النبي صلى الله عليه وسلم فهو نسخ وإلاّ فليس نسخا.\rقال ابن عرفة : يريد أنه على الأول يكون نسخا لغويا وعلى الثاني يكون نسخا في اصطلاح الأصوليين.\rقال : وهنا أورد القرافي ( في قواعده ) سؤالا قال : ثواب الواجب أعظم من ثواب المندوب مع أن تأخير الغريم بالدّين واجب والتصدق عليه مندوب والآية نص في أنّ التصدق عليه أفضل ، ثم أجاب التصدق به يستلزم التأخير وزيادة. أ هـ {تفسير ابن عرفة صـ 359}.","part":10,"page":83},{"id":3972,"text":"فصل\rقال ابن كثير : \rقوله : { وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ وَأَنْ تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ } : يأمر تعالى بالصبر على المعسر الذي لا يجد وفاء ، فقال : { وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَة } [أي] : لا كما كان أهل الجاهلية يقول أحدهم لمدينه إذا حل عليه الدين : إما أن تقضي وإما أن تربي.\rثم يندب إلى الوضع عنه ، ويعد على ذلك الخير والثواب الجزيل ، فقال : { وَأَنْ تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ } أي : وأن تتركوا رأس المال بالكلية وتضعوه عن المدين. وقد وردت الأحاديث من طرق متعددة عن النبي صلى الله عليه وسلم ، بذلك : \rفالحديث الأول : عن أبي أمامة أسعد بن زرارة [النقيب] ، قال الطبراني : حدثنا عبد الله بن محمد بن شعيب الرجاني حدثنا يحيى بن حكيم المقوم ، حدثنا محمد بن بكر البرساني ، حدثنا عبد الله بن أبي زياد ، حدثني عاصم بن عبيد الله ، عن أبي أمامة أسعد بن زرارة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : \"من سره أن يظله الله يوم لا ظل إلا ظله ، فَلْيُيَسِّر على معسر أو ليضع عنه\". { المعجم الكبير (1/304) وقال الهيثمي في المجمع (4/134) : \"عاصم ضعيف ولم يدرك أسعد بن زرارة\"}.\rحديث آخر : عن بريدة ، قال الإمام أحمد : حدثنا عفان ، حدثنا عبد الوارث ، حدثنا محمد بن جحادة ، عن سليمان بن بريدة ، عن أبيه قال : سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول : \"من أنظر معسرًا فله بكل يوم مثله صدقة \". قال : ثم سمعته يقول : \"من أنظر معسرًا فله بكل يوم مثلاه صدقة\". قلت : سمعتك -يا رسول الله -تقول : \"من أنظر معسرًا فله بكل يوم مثله صدقة\". ثم سمعتك تقول : \"من أنظر معسرا فله بكل يوم مثلاه صدقة\" ؟! قال : \"له بكل يوم مثله صدقة قبل أن يحل الدين ، فإذا حل الدين فأنظره ، فله بكل يوم مثلاه صدقة\". { المسند (5/360)}.","part":10,"page":84},{"id":3973,"text":"حديث آخر : عن أبي قتادة الحارث بن ربعي الأنصاري ، قال [الإمام] أحمد : حدثنا عفان حدثنا حماد بن سلمة ، أخبرنا أبو جعفر الخطمي ، عن محمد بن كعب القرظي : أن أبا قتادة كان له دين على رجل ، وكان يأتيه يتقاضاه ، فيختبئ منه ، فجاء ذات يوم فخرج صبي فسأله عنه ، فقال : نعم ، هو في البيت يأكل خزيرة فناداه : يا فلان ، اخرج ، فقد أخبرت أنك هاهنا فخرج إليه ، فقال : ما يغيبك عني ؟ فقال : إني معسر ، وليس عندي. قال : آلله إنك معسر ؟ قال : نعم. فبكى أبو قتادة ، ثم قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : \"من نفس عن غريمه -أو محا عنه -كان في ظل العرش يوم القيامة\". ورواه مسلم في صحيحه. { (5) المسند (5/308) ولم أقع عليه في صحيح مسلم من حديث أبي قتادة ، والله أعلم}.\rحديث آخر : عن حذيفة بن اليمان ، قال الحافظ أبو يعلى الموصلي : حدثنا الأخنس أحمد بن عمران حدثنا محمد بن فضيل ، حدثنا أبو مالك الأشجعي ، عن رِبْعي بن حراش ، عن حذيفة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : \"أتى الله بعبد من عبيده يوم القيامة ، قال : ماذا عملت لي في الدنيا ؟ فقال : ما عملت لك يا رب مثقال ذرة في الدنيا أرجوك بها ، قالها ثلاث مرات ، قال العبد عند آخرها : يا رب ، إنك أعطيتني فضل مال ، وكنت رجلا أبايع الناس وكان من خلقي الجواز ، فكنت أيسر على الموسر ، وأنظر المعسر. قال : فيقول الله ، عز وجل : أنا أحق من ييسر ، ادخل الجنة\".\rوقد أخرجه البخاري ، ومسلم ، وابن ماجه -من طرق -عن ربعي بن حراش ، عن حذيفة. زاد مسلم : وعقبة بن عامر وأبي مسعود البدري عن النبي صلى الله عليه وسلم. { (8) صحيح البخاري برقم (2391 ، 2707 ، 3451) وصحيح مسلم برقم (1560)}.\rبنحوه. ولفظ البخاري.","part":10,"page":85},{"id":3974,"text":"حدثنا هشام بن عمار ، حدثنا يحيى بن حمزة ، حدثنا الزهري ، عن عبد الله بن عبد الله أنه سمع أبا هريرة رضي الله عنه ، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : \"كان تاجر يداين الناس ، فإذا رأى معسرا قال لفتيانه : تجاوزوا عنه ، لعل الله يتجاوز عنا ، فتجاوز الله عنه\".\rحديث آخر : عن سهل بن حنيف ، قال الحاكم في مستدركه : حدثنا أبو عبد الله محمد بن يعقوب ، حدثنا يحيى بن محمد بن يحيى ، حدثنا أبو الوليد هشام بن عبد الملك ، حدثنا عمرو بن ثابت ، حدثنا عبد الله بن محمد بن عقيل ، عن عبد الله بن سهل بن حنيف ، أن سهلا حدثه ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : \"من أعان مجاهدًا في سبيل الله أو غازيا ، أو غارما في عسرته ، أو مكاتبًا في رقبته ، أظله الله يوم لا ظل إلا ظله\" ثم قال : صحيح الإسناد ، ولم يخرجاه. { المستدرك (2/217) ، وتعقبه الذهبي في التلخيص. قلت : \"بل فيه عمرو بن ثابت وهو رافضي متروك\"}.\rحديث آخر : عن عبد الله بن عمر ، قال الإمام أحمد : حدثنا محمد بن عبيد ، عن يوسف بن صهيب ، عن زيد العمي ، عن ابن عمر قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : \"من أراد أن تستجاب دعوته ، وأن تكشف كربته ، فليفرج عن معسر\" ، انفرد به أحمد. { المسند (2/23)}.\rحديث آخر : عن أبي مسعود عقبة بن عمرو ، قال الإمام أحمد : حدثنا يزيد بن هارون ، أخبرنا أبو مالك ، عن ربعي بن حراش ، عن حذيفة ، أن رجلا أتى به الله عز وجل ، فقال : ماذا عملت في الدنيا ؟ فقال له الرجل : ما عملت مثقال ذرة من خير أرجوك بها ، فقالها له ثلاثا ، وقال في الثالثة : أي رب كنت أعطيتني فضلا من المال في الدنيا ، فكنت أبايع الناس ، فكنت أتيسر على الموسر ، وأنظر المعسر. فقال تبارك وتعالى نحن أولى بذلك منك ، تجاوزوا عن عبدي. فغفر له. قال أبو مسعود : هكذا سمعت من النبي صلى الله عليه وسلم ، وهكذا رواه مسلم من حديث أبي مالك سعد بن طارق به. { المسند (4/118) وصحيح مسلم برقم (1560)}.","part":10,"page":86},{"id":3975,"text":"حديث آخر : عن عمران بن حصين ، قال الإمام أحمد : حدثنا أسود بن عامر ، أخبرنا أبو بكر ، عن الأعمش ، عن أبي داود ، عن عمران بن حصين قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : \"من كان له على رجل حق فأخره كان له بكل يوم صدقة\". { المسند (4/442)}.\rغريب من هذا الوجه وقد تقدم عن بريدة نحوه.\rحديث آخر : عن أبي اليسر كعب بن عمرو ، قال الإمام أحمد : حدثنا معاوية بن عمرو ، حدثنا زائدة ، عن عبد الملك بن عمير ، عن ربعي ، قال : حدثني أبو اليسر ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : \"من أنظر معسرًا أو وضع عنه أظله الله ، عز وجل ، في ظله يوم لا ظل إلا ظله\". { المسند (3/427)}.","part":10,"page":87},{"id":3976,"text":"وقد أخرجه مسلم في صحيحه من وجه آخر ، من حديث عبادة بن الوليد بن عبادة بن الصامت ، قال : خرجت أنا وأبي نطلب العلم في هذا الحي من الأنصار قبل أن يهلكوا ، فكان أول من لقينا أبا اليسر صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ومعه غلام له معه ضمامة من صحف ، وعلى أبي اليسر بردة ومعافري ، وعلى غلامه بردة ومعافري فقال له أبي : يا عم ، إني أرى في وجهك سفعة من غضب ؟ قال أجل ، كان لي على فلان بن فلان الحرامي مال ، فأتيت أهله فسلمت ، فقلت : أثم هو ؟ قالوا : لا فخرج علي ابن له جفر فقلت : أين أبوك ؟ فقال : سمع صوتك فدخل أريكة أمي. فقلت : اخرج إلي فقد علمت أين أنت ؟ فخرج ، فقلت : ما حملك على أن اختبأت مني ؟ قال : أنا والله أحدثك ثم لا أكذبك ؛ خشيت - والله - أن أحدثك فأكذبك ، وأن أعدك فأخلفك ، وكنت صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وكنت -الله -معسرًا قال : قلت : آلله ؟ قال : قلتُ : آلله ، قال : اللهِ. قلتُ : آلله ؟ قال : الله. قال : فأتى بصحيفته فمحاها بيده ، ثم قال : فإن وجدت قضاء فاقضني ، وإلا فأنت في حل ، فأشهد بصر عيني -ووضع أصبعيه على عينيه -وسمع أذني هاتين ، ووعاه قلبي -وأشار إلى مناط قلبه -رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يقول : \"من أنظر معسرًا ، أو وضع عنه أظله الله في ظله\". وذكر تمام الحديث.{ صحيح مسلم برقم (306)}.\rحديث آخر : عن أمير المؤمنين عثمان بن عفان ، قال عبد الله بن الإمام أحمد [في مسند أبيه] حدثني أبو يحيى البزاز محمد بن عبد الرحيم ، حدثنا الحسن بن بشر بن سلم الكوفي ، حدثنا العباس بن الفضل الأنصاري ، عن هشام بن زياد القرشي ، عن أبيه ، عن محجن مولى عثمان ، عن عثمان ، قال : سمعت رسول الله ، صلى الله عليه وسلم ، يقول : \"أظل الله عينا في ظله ، يوم لا ظل إلا ظله من أنظر معسرًا ، أو ترك لغارم\". { زوائد المسند (1/73)}.","part":10,"page":88},{"id":3977,"text":"حديث آخر : عن ابن عباس ، قال الإمام أحمد : حدثنا عبد الله بن يزيد ، حدثنا نوح بن جعونة السلمي الخراساني ، عن مقاتل بن حيان ، عن عطاء ، عن ابن عباس ، قال : خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المسجد ، وهو يقول بيده هكذا - وأومأ عبد الرحمن بيده إلى الأرض - : \"من أنظر معسرًا أو وضع له ، وقاه الله من فيح جهنم ، ألا إن عمل الجنة حزن بربوة -ثلاثًا -ألا إن عمل النار سهل بسهوة ، والسعيد من وقي الفتن ، وما من جرعة أحب إلى الله من جرعة غيظ يكظمها عبد ، ما كظمها عبد لله إلا ملأ الله جوفه إيمانًا\" تفرد به أحمد. { المسند (1/327)}.\rطريق أخرى : قال الطبراني : حدثنا أحمد بن محمد البُورَاني قاضي الحَدِيَثة من ديار ربيعة ، حدثنا الحُسَين بن علي الصُّدَائي ، حدثنا الحكم بن الجارود ، حدثنا ابن أبي المتئد - خال ابن عيينة -عن أبيه ، عن عطاء ، عن ابن عباس ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : \"من أنظر معسرًا إلى ميسرته أنظره الله بذنبه إلى توبته\". { المعجم الكبير (11/151) ، وقال الهيثمي في المجمع (4/135) : \"وفيه الحكم بن جارود ضعفه الأزدي ، وشيخ الحكم وشيخ شيخه لم أعرفهما\"}. أ هـ {تفسير ابن كثير حـ 1 صـ 717 ـ 720}","part":10,"page":89},{"id":3978,"text":"بحث نفيس فى مراحل تحريم الربا\rلقد تناول القرآن الحديث عن الربا في أربعة مواضع وكان أول موضع منها وحيَاً مكياً والثلاثة الباقية مدنياً وها هي حسب ترتيب النزول : \rالأول : بقول الله تعالى في سورة الروم المكية : ((وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ رِباً لِيَرْبُوَا فِي أَمْوَالِ النَّاسِ فَلا يَرْبُوا عِنْدَ اللَّهِ وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ زَكَاةٍ تُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ فَأُوْلَئِكَ هُمْ الْمُضْعِفُونَ (39))) سورة الروم.\rوفيها مقارنة بين الربا والزكاة وإيماء إلى أن الربا غير مقبول عند الله.\rالثاني : في سورة النساء المدنية : ((فَبِظُلْمٍ مِنْ الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ وَبِصَدِّهِمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ كَثِيراً (160) وَأَخْذِهِمْ الرِّبَا وَقَدْ نُهُوا عَنْهُ وَأَكْلِهِمْ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ مِنْهُمْ عَذَاباً أَلِيماً (161))) سورة النساء وفي هذه الآية بيان تحريم الربا عند اليهود وهذا من شأنه أن يجعل المسلمين في موقف ترقْبٍ وانتظارٍ لنهيٍ يوجه إليهم قصداً في هذا الشأن.\rالثالث : في سورة آل عمران المدنية : ((يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافاً مُضَاعَفَةً وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (130) وَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ (131))). وهنا جاء النهي صريحاً بعد التمهيدين في الموضوعين السابقين ، ولكنه لم يكن إلا نهياً جزئياً عن الربا المتفشي بين الناس ، وبهذا النهي عن الربا الفظيع تهيئت النفوس وأصبحت مستعدة لتقبل النهي العام الشامل لكل ربا قلّ أو كثر ، وهذا ما ورد في الآيات التي ختم بها التشريع بالربا وهو الموضوع الرابع.","part":10,"page":90},{"id":3979,"text":"الرابع : في سورة البقرة المدنية وهي قوله تعالى في الآيات 275-281 (الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لا يَقُومُونَ إِلاَّ كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنْ الْمَسِّ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ وَمَنْ عَادَ فَأُوْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (275) يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ (276) إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوْا الزَّكَاةَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ (277) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنْ الرِّبَا إِنْ كُنتُمْ مُؤْمِنِينَ (278) فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنْ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لا تَظْلِمُونَ وَلا تُظْلَمُونَ (279) وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ وَأَنْ تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ (280) وَاتَّقُوا يَوْماً تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ (281))) سورة البقرة.\rوقد ثبت أن هذه الآية ((يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنْ الرِّبَا إِنْ كُنتُمْ مُؤْمِنِينَ)) آخر ما نزل من القرآن كما في صحيح البخاري عن ابن عباس ، وكما روى ابن جرير وغيره عن سيدنا عمر وسيأتي نصه.","part":10,"page":91},{"id":3980,"text":"وقد مال الدكتور محمد بن محمد أبو شهبة إلى أن الآيات السابقة في النساء وآل عمران يحتمل نزولها مع هذه الآيات في البقرة لأنها نفّرت من الربا وصورت المرابين بأبشع صورة وأبطلت شبهاتهم التي كانوا يتعلقون بها وبذلك لم يبق لهم معذرة يتعللون بها ولا شبهة يتمسكون بها .\rوأيّاً كان من احتمال نزول الآيات مقترنات أو سابقات ولاحقات فإن تحريم الربا لم يكن دفعة واحدة ، وأن الآية في تحريم الربا أضعافاً مضاعفة كانت نازلة في سياق تحريم الربا بالتدريج وللصورة الشائعة منها لا للصورة الوحيدة المتعامل بها ، وتأكيداً لذلك فإن المفسرين أشاروا إلى أن غالب ما كان يُتعامل به من الربا أن الرجل في الجاهلية كان إذا داين إنساناً وحلّ أجل دينه قال له إما أن تقضي وإما أن تزيدني في المال وأزيدك في الأجل ، يقول الشوكاني في تفسيره عند قوله تعالى : ((يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنْ الرِّبَا إِنْ كُنتُمْ مُؤْمِنِينَ)) سورة البقرة 275.\r\"وغالب ما كانت تفعله الجاهلية أنه إذا حلّ أجل الدين قال من هو له لمن هو عليه أتقضي أو تربي ؟ فإذا لم يقض زاد مقداراً في المال الذي عليه فأخّر له الأجل إلى حين وهذا حرام بالاتفاق\" .","part":10,"page":92},{"id":3981,"text":"فلاحظ قوله (وغالب ما كان تفعله الجاهلية) يدل على وجود صور أخرى للربا ولكن لم تكن شائعة ، إذن فالقول بأن العرب قبل الإسلام لم يكونوا يعرفون إلا الربا الفاحش الذي يساوي رأس المال أو يزيد عليه لا يصح إلا إذا أغضضنا نظرنا عما لا يُحصى من الشواهد التي نقلها أقدم المفسرين وأجدرهم بالثقة وقد كان الشعب العبراني الذي يعيش مع الشعب العربي في صلة دائمة منذ القدم يفهم من كلمة الربا كل زيادة على رأس المال قلّت أو كثرت وهذا هو المعنى الحقيقي والاشتقاقي للكلمة ، أما تخصيصها بالربا الفاحش هو اصطلاح حادث يعرف ذلك كل مطلع على تاريخ التشريع. {انظر حلول لمشاكل الربا صـ 31} أ هـ {وذروا ما بقى من الربا / لـ مرهف عبد الجبار سقا}","part":10,"page":93},{"id":3982,"text":"تعليق\rتأمل المنهج التربوى للقرآن فى قضية الربا التى عاش عليها العرب أزمنة عديدة كيف عالجها القرآن واستخدم مراحل متعددة لتحريمها ؟؟!!!\rوفى هذا حكمة بالغة بل عين الحكمة ، فكثير من الأمراض تحتاج فى علاجها إلى عنصر الزمن وبعض الأدوية لو تعاطها المريض دفعة واحدة ربما أودت بحياته وهكذا يعلمنا القرآن الكريم الطريق الأقوم لعلاج الأمراض التى تفشت فى المجتمع وتأصلت فيه كيف نتعالجها\rفالقرآن يقول {لا تأكلوا الربا أضعافا مضاعفة}وفيه توطئة لتحريم الربا بكل صوره لتتأهب النفوس المؤمنة لتركه بالكلية فينزل بعد ذلك {اتقوا الله وذروا ما بقى من الربا}\rمع التحريض بقوله تعالى {إن كنتم مؤمنين}\rثم بعد ذلك ينقلنا القرآن من الطمع والجشع وأكل أموال الناس بالباطل وإرهاق الضعفاء منهم بديون الربا إلى أمر جليل لم تعهده البشرية إلا فى الإسلام فينزل بعد ذلك قوله تعالى {وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ وَأَنْ تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ (280)} أمر يفرض إنظار المعسر وعدم تحميله ما لا يطيق ثم يرتقى القرآن بالنفس البشرية التى تعودت الأخذ دون العطاء يسمو بها القرآن لتعطى وتتصدق وتتنازل عن حقها فيقول تعالى {وَأَنْ تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ}\rانظر وتأمل كيف انتقل القرآن بالنفس البشرية ـ الشحيحة ـ من أخذ الربا أضعافا مضاعفة إلى ترك الكثير المرهق منه للفقراء وضعاف الناس ثم ينتقل بها مرة أخرى إلى ترك جميع الربا ما قل منه أو كثر ثم يعلو بها إلى أسمى معانى الإنسانية والنبل فينقلها من أخذ إلى عطاء ومن طمع إلى قناعة ومن ظلم وجور إلى عدل وفضل ومن قسوة إلى رحمة ومن موت إلى حياة ومن الملك إلى الملكوت\rوفى هذا درس بل دروس وعبر لتعليم الأمة خصوصا ـ أهل العلم والدعاة إلى الله تعالى ـ أهمية استخدام التدرج فى العوة إلى الله فهذا ما صنعه القرآن فى علاجه للأمراض المستعصية والمزمنة كالربا والخمر\rوالتأمل فى القرآن يجد أنه نزل منجما ـ مفرقا ـ فى ثلاثة وعشرين عاما ليربى أمة تقود العالم إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها بخلافالأمم السابقة كاليهود والنصارى فقد نزلت التوراة وكذلك الإنجيل جملة واحدة فما استطاع اليهود ولا النصارى العمل بما فى كتابهم فعمدوا إلى الكتم تارة وإلى التحريف فى المبانى والمعانى تارة أخرى\rفالحمد لله على نعمة الإسلام وكفى بها نعمة\r{إن فى ذلك لآية فهل من مدكر}والله أعلم.","part":10,"page":94},{"id":3983,"text":"فوائد لغوية\rقال ابن عادل :\rقوله تعالى : { وَإِن كَانَ ذُو عُسْرَةٍ } : في \" كان \" هذه وجهان :\rأحدهما : - وهو الأظهر - أنها تامةٌ بمعنى حدث ، ووجد ، أي : وإن حدث ذو عسرةٍ ، فتكتفي بفاعلها كسائر الأفعال ، قيل : وأكثر ما تكون كذلك إذا كان مرفوعها نكرةٌ ، نحو : \" قد كان مِنْ مَطَرٍ \".\rوالثاني : أنها الناقصة والخبر محذوفٌ. قال أبو البقاء : \" تقديره : وإن كان ذو عسرة لكم عليه حقٌّ ، أو نحو ذلك \" وهذا مذهب بعض الكوفيين في الآية ، وقدَّر الخبر : وإن كان من غرمائكم ذو عسرةٍ. وقدَّره بعضهم : وإن كان ذو عسرةٍ غريماً.\rقال أبو حيَّان : \" وَحَذْفُ خبرِ كَانَ لا يجيزه أصحابنا؛ لا اختصاراً؛ ولا اقتصاراً ، لعلَّةٍ ذكروها في كتبهم. وهي أنَّ الخبر تأكّد طلبه من وجهين :\rأحدهما : كونه خبراً عن مخبر عنه.\rوالثاني : كونه معمولاً للفعل قبله ، فلما تأكدت مطلوبيته ، امتنع حذفه.\rفإن قيل : أليس أن البصريين لمَّا استدلَّ عليهم الكوفيون في أنَّ \" ليس \" تكون عاطفةً بقوله : [ الرمل ]\r.......................... إِنَّمَا يَجْزِي الفَتَى لَيْسَ الجَمَلْ\rتأوَّلُوهَا على حَذْفِ الخَبَرِ؛ وأَنْشدوا شَاهِداً على حَذْفِ الخبرِ قولَه : [ الكامل ]\r........................... يَبْغِي جِوَارَكِ حِينَ لَيْسَ مُجِيرُ\rوإذا ثبت هذا ، ثبت في سائر الباب.\rفالجواب أن هذا مختصٌّ بليس؛ لأنها تشبه لا النافية ، و\" لا \" يجوز حذف خبرها ، فكذا ما أشبهها \".\rوتقوَّى الكوفيُّون بقراءة عبد الله ، وأُبيّ؛ وعثمان : \" وَإِنْ كَانَ ذَا عُسْرَةٍ \" أي : وإن كان الغريم ذا عُسْرَةٍ. قال أبو عليّ : في \" كان \" اسمها ضميراً تقديره : هو ، أي : الغريم ، يدلُّ على إضماره ما تقدَّم من الكلام؛ لأنَّ المرابي لا بدَّ له ممَّن يرابيه.\r","part":10,"page":95},{"id":3984,"text":"وقرأ الأعمش : \" وإِنْ كان مُعْسِراً \" قال الدَّاني ، عن أحمد بن موسى : \" إنها في مُصْحَفِ عبد الله كذلك \".\rولكنَّ الجمهور على ترجيح قراءة العامة وتخريجهم القراءة المشهورة. قال مكي : وَإِنْ وقع ذُو عُسْرَةٍ ، وهو سائغٌ في كلِّ الناس ، ولو نصبت \" ذا \" على خبر \" كان \" ، لصار مخصوصاً في ناس بأعيانهم؛ فلهذه العلة أجمع القرَّاء المشهورون على رفع \" ذو \".\rوقد أوضح الواحديُّ هذا ، فقال : \" أي : وإنْ وقع ذو عسرةٍ ، والمعنى على هذا يصحُّ ، وذلك أنه لو نصب ، فقيل : وإن كان ذا عسرة ، لكان المعنى : وإن كان المشتري ذا عُسْرةٍ ، فنظرةٌ؛ فتكون النظرة مقصورةً عليه ، وليس الأمر كذلك؛ لأن المشتري ، وغيره إذا كان ذا عسرةٍ ، فله النظرة إلى الميسرة \".\rوقال أبو حيَّان : مَنْ نصب \" ذَا عُسْرَةٍ \" ، أو قرأ \" مُعْسِراً \" فقيل : يختصُّ بأهل الرِّبا ، ومن رفع ، فهو عامٌّ في جميع من عليه دينٌ ، قال : \" وليس بلازمٍ ، لأنَّ الآية إنما سِيقَتْ في أهل الربا ، وفيهم نزلت \" قال شهاب الدين : وهذا الجواب لا يجدي؛ لأنه وإن كان السياق كذا ، فالحكم ليس خاصاً بهم.\rوقرئ \" وَمَنْ كَانَ ذَا عُسْرَةٍ \" ، وقرأ أبو جعفرٍ \" عُسْرَةٍ \" بضم السين.\r","part":10,"page":96},{"id":3985,"text":"قوله : { وَأَن تَصَدَّقُواْ } مبتدأ وخبره \" خير \" وقرأ عاصم : بتخفيف الصاد ، والباقون : بتثقيلها. وأصل القراءتين واحدٌ؛ إذ الأصل : تتصدَّقوا ، فحذف عاصمٌ إحدى التاءين : إمَّا الأولى ، وإمَّا الثانية ، وتقدَّم تحقيق الخلاف فيه ، وغيره أدغم التاء في الصاد ، وبهذا الأصل قرأ عبد الله : \" تَتَصَدَّقوا \". وحذف مفعول التصدُّق للعلم به ، أي : بالإنظار؛ لقوله - صلى الله عليه وسلم - : \" لاَ يَحِلُّ دَيْنُ رَجلٍ مُسْلم ، فيؤخره؛ إلاَّ كان له بِكُلِّ يَوْمٍ صدقةٌ \" وهذا ضعيفٌ؛ لأن الإنظار ثبت وجوبه بالآية ، فلا بد من حمل هذه الآية على فائدةٍ جديدةٍ ، ولأن قوله \" خَيْرٌ لكُمْ \" إنما يليق بالمندوب ، لا بالواجب. وقيل : برأس المال على الغريم ، إذ لا يصحُّ التصدق به على غيره؛ كقوله تعالى : { وَأَن تعفوا أَقْرَبُ للتقوى } [ البقرة : 237 ].\rقوله : { إِن كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ } جوابه محذوفٌ ، و\" اَنْ تَصَدَّقُوا \" بتأويل مصدرٍ مبتدأ ، و\" خيرٌ لكم \" خبره.\rفصل في تقدير مفعول \" تعلمون \" ونصب \" يوماً \"\rوتقدير مفعول \" تَعْلَمُونَ \" فيه وجوه :\rأحدها : إن كنتم تعلمون أنَّ هذا التصدُّق خير لكم إن عملتموه.\rالثاني : إن كنتم تعلمون فضل التصدُّق على الإنظار والقبض.\rالثالث : إن كنتم تعلمون أنَّ ما يأمركم به ربُّكم أصلح لكم. أ هـ {تفسير ابن عادل حـ 4 صـ 465 ـ 472}. بتصرف.","part":10,"page":97},{"id":3986,"text":"بحث نفيس يقتضيه المقام لحجة الإسلام الغزالى\rفى بيان دقائق الآداب الباطنة في الزكاة\rقال عليه الرحمة :\rاعلم أن على مريد طريق الآخرة بزكاته وظائف\rالوظيفة الأولى فهم وجوب الزكاة ومعناها ووجه الامتحان فيها وأنها لم جعلت من مباني الإسلام مع أنها تصرف مالي وليست من عبادة الأبدان وفيه ثلاث معان\rالأول أن التلفظ بكلمتي الشهادة التزام للتوحيد وشهادة بإفراد المعبود وشرط تمام الوفاء به أن لا يبقى للموحد محبوب سوى الواحد الفرد فإن المحبة لا تقبل الشركة والتوحيد باللسان قليل الجدوى وإنما يمتحن به درجة المحب بمفارقة المحبوب والأموال محبوبة عند الخلائق لأنها آلة تمتعهم بالدنيا وبسببها يأنسون بهذا العالم وينفرون عن الموت مع أن فيه لقاء المحبوب فامتحنوا بتصديق دعواهم في المحبوب واستنزلوا عن المال الذي هو مرموقهم ومعشوقهم ولذلك قال الله تعالى {إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة} وذلك بالجهاد وهو مسامحة بالمهجة شوقا إلى لقاء الله عز وجل والمسامحة بالمال أهون\rولما فهم هذا المعنى في بذل الأموال انقسم الناس إلى ثلاثة أقسام\rقسم صدقوا التوحيد ووفوا بعهدهم ونزلوا عن جميع أموالهم فلم يدخروا دينارا ولا درهما فأبوا أن يتعرضوا لوجوب الزكاة عليهم حتى قيل لبعضهم كم يجب من الزكاة في مائتي درهم فقال أما على العوام بحكم الشرع فخمسة دراهم وأما نحن فيجب علينا بذل الجميع ولهذا تصدق أبو بكر رضي الله عنه بجميع ماله وعمر رضي الله عنه بشطر ماله فقال صلى الله عليه وسلم ما أبقيت لأهلك فقال مثله وقال لأبي بكر رضي الله عنه ما أبقيت لأهلك قال الله ورسوله فقال صلى الله عليه وسلم بينكما ما بين كلمتيكما // حديث جاء أبو بكر بجميع ماله وعمر بشطر ماله الحديث أخرجه أبو داود والترمذي والحاكم وصححه من حديث ابن عمر وليس فيه قوله بينكما ما بين كلمتيكما // فالصديق وفى بتمام الصدق فلم يمسك سوى المحبوب عنده وهو الله ورسوله","part":10,"page":98},{"id":3987,"text":"القسم الثاني درجتهم دون درجة هذا وهم الممسكون أموالهم المراقبون لمواقيت الحاجات ومواسم الخيرات فيكون قصدهم في الادخار الإنفاق على قدر الحاجة دون التنعم وصرف الفاضل عن الحاجة إلى وجوه البر مهما ظهر وجوهها وهؤلاء لا يقتصرون على مقدار الزكاة\rوقد ذهب جماعة من التابعين إلى أن في المال حقوقا سوى الزكاة كالنخعي والشعبي وعطاء ومجاهد قال الشعبي بعد أن قيل له هل في المال حق سوى الزكاة قال نعم أما سمعت قوله عز وجل {وآتى المال على حبه ذوي القربى} الآية\rواستدلوا بقوله عز وجل {ومما رزقناهم ينفقون} وبقوله تعالى {وأنفقوا مما رزقناكم}وزعموا أن ذلك غير منسوخ بآية الزكاة بل هو داخل في حق المسلم على المسلم ومعناه أنه يجب على الموسر مهما وجد محتاجا أن يزيل حاجته فضلا عن مال الزكاة والذي يصح في الفقه من هذا الباب أنه مهما أرهقته حاجته كانت إزالتها فرض كفاية إذ لا يجوز تضييع مسلم ولكن يحتمل أن يقال ليس على الموسر إلا تسليم ما يزيل الحاجة فرضا ولا يلزمه بذله بعد أن أسقط الزكاة عن نفسه ويحتمل أن يقال يلزمه بذله في الحال ولا يجوز له الاقتراض أي لا يجوز له تكليف الفقير قبول القرض وهذا مختلف فيه والاقتراض نزول إلى الدرجة الأخيرة من درجات العوام وهي درجة القسم الثالث الذين يقتصرون على أداء الواجب فلا يزيدون عليه ولا ينقصون عنه وهي أقل الرتب وقد اقتصر جميع العوام عليه لبخلهم بالمال وميلهم إليه وضعف حبهم للآخرة قال الله تعالى {إن يسألكموها فيحفكم تبخلوا} يحفكم أي يستقص عليكم فكم بين عبد اشترى منه ماله ونفسه بأن له الجنة وبين عبد لا يستقصى عليه لبخله فهذا أحد معاني أمر الله سبحانه عبادة ببذل الأموال\rالمعنى الثاني التطهير من صفة البخل فإنه من المهلكات قال صلى الله عليه وسلم ثلاث مهلكات شح مطاع وهوى متبع وإعجاب المرء بنفسه // حديث ثلاث مهلكات الحديث تقدم //","part":10,"page":99},{"id":3988,"text":"وقال تعالى {ومن يوق شح نفسه فأولئك هم المفلحون} وسيأتي في ربع المهلكات وجه كونه مهلكا وكيفية التقصي منه وإنما تزول صفة البخل بأن تتعود بذل المال فحب الشيء لا ينقطع إلا بقهر النفس على مفارقته حتى يصير ذلك اعتيادا فالزكاة بهذا المعنى طهرة أي تطهر صاحبها عن خبث البخل المهلك وإنما طهارته بقدر بذله وبقدر فرحه بإخراجه واستبشاره بصرفه إلى الله تعالى\rالمعنى الثالث شكر النعمة فإن لله عز وجل على عبده نعمة في نفسه وفي ماله فالعبادات البدنية شكر لنعمة البدن والمالية شكر لنعمة المال وما أخس من ينظر إلى الفقير وقد ضيق عليه الرزق وأحوج إليه ثم لا تسمح نفسه بأن يؤدي شكر الله تعالى على إغنائه عن السؤال وإحواج غيره إليه بربع العشر أو العشر من ماله. أ هـ {الإحياء حـ 1 صـ 213 ـ 214}","part":10,"page":100},{"id":3991,"text":"قوله تعالى {وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ (281)}\rمناسبة الآية لما قبلها\rقال البقاعى :\rولما كان من المعلوم أنه لا يدفعه حجة كان التقدير : فامتثلوا ما أمرتم به واجتنبوا ما نهيتم عنه ،\rفعطف عليه تخويفاً من يوم العرض عليه والمجازاة بين يديه فقال - وقال الحرالي : لما أنهي الخطاب بأمر الدين وعلنه وأمر الآخرة على وجوهها وإظهار حكمتها المرتبطة بأمر الدنيا وبين أمر الإنفاق والربا الذي هو غاية أمر الدين والدنيا في صلاحهما وأنهى ذلك إلى الموعظة بموعود جزائه في الدنيا والآخرة أجمل الموعظة بتقوى يوم الرجعة إلى إحاطة أمره ليقع الختم بأجمل موعظة وأشملها ليكون انتهاء الخطاب على ترهيب الأنفس لتجتمع عزائمها على ما هو ملاك أمرها من قبول صلاح دينها ودنياها ومعادها من خطاب الله سبحانه وتعالى لها فختم ذلك بكمال معناه بهذه الآية كما أنها هي الآية التي ختم بها التنزيل أنزلت على النبي صلى الله عليه وسلم هو في الشكاية وهي آخر آية أنزلت على النبي صلى الله عليه وسلم في مقابلة {اقرأ باسم ربك} [ العلق : 1 ] الذي هو أول منزل النبوة و{يا أيها المدثر} [ المدثر : 1 ] الذي هو أول منزل الرسالة فكان أول الأمر نذارة وآخره موعظة تبعث النفس على الخوف وتبعث القلب على الشوق من معنى ما انختم به أمر خطاب الله سبحانه وتعالى في آية {مالك يوم الدين} [ الفاتحة : 4 ] انتهى - فقال تعالى : {واتقوا يوماً} أي في غاية العظم {ترجعون فيه} حساً بذواتكم كما أنتم في الدنيا ومعنى بجميع أموركم رجوعاً ظاهراً لا يحجبه شيء من الأسباب ولا يحول دونه عارض ارتياب {إلى الله} الذي لا يحصر عظمته وصف ولا يحيط بها حد ،\rفيكون حالكم بعد النقلة من الدنيا كحالكم قبل البروز إليها من البطن لا تصرف لكم أصلاً ولا متصرف فيكم إلا الله ويكون حالكم في ذلك اليوم الإعسار ،","part":10,"page":101},{"id":3992,"text":"لأنه لا يمكن أحد أن يكافىء ما لله سبحانه وتعالى عليه من نعمه ، فمن نوقش الحساب عذب ؛ فإن كنتم تحبون المجاوزة عنكم هنالك فتجاوزوا أنتم عن إخوانكم اليوم ، \rوتصدقوا ما دمتم قادرين على الصدقة ، \rواتقوا النار في ذلك اليوم ولو بشق تمرة ؛ وأشار سبحانه وتعالى إلى طول وقوفهم ذلك الموقف في مقام الهيبة وتمادي حبسهم في مشهد الجلال والعظمة بأداة التراخي في قوله {ثم} قال الحرالي وقيل : \" يا رسول الله! أين يكون الناس {يوم تبدل الأرض غير الأرض والسماوات} [ إبراهيم : 48 ] ؟ قال : في الظلمة دون الجسر \" وقال صلى الله عليه وسلم : \" يقيمون في الظلمة ألف سنة \" وورد عن علي رضي الله تعالى عنه في تفصيل مواقف يوم الجزاء أن الخلق يوقفون على قبورهم ألف سنة ويساقون إلى المحشر ألف سنة ، \rويوقفون في الظلمة ألف سنة ؛ ثم يكون انشقاق السماوات السبع وتبديل الأرض وما شاء الله سبحانه وتعالى من أمره انتظاراً لمجيئه ؛ ففي عبرة مقاله والله سبحانه وتعالى أعلم أن ذلك يكون ستة آلاف سنة وأنها كما بنيت في ستة أيام تهدم في ستة أيام {كما بدأنا أول خلق نعيده} [ الأنبياء : 104 ] ، \rفيكون ذلك تسعة أيام ؛ ويكون مجيئه في اليوم العاشر الذي هو يوم عاشوراء ذلك اليوم الذي تكرر مجيء أمره فيه في يوم الدنيا - ثم وصف صلى الله عليه وسلم المواقف إلى منتهاها - انتهى.\rولما كان إيقاف الإنسان على كل ما عمل من سر وعلن في غاية الكراهة إليه فضلاً عن جزائه على كل شيء منه لا بالنسبة إلى موقف معين بني للمفعول قوله : {توفى} أي تعطى على سبيل الوفاء {كل نفس ما كسبت} من خير وشر.\rقال الحرالي : جاء بصيغة فعل المشعر بجري العمل على غير تكلف وتحمل ، ","part":10,"page":102},{"id":3993,"text":"ففي إشعاره أنها توفى ما كسبت من الخير وما كونت له من الشر وأن ما تكلفته من الشر وفي دخلتها كراهية ربما غفر لها حيث لم تكن توفى ما كسبت وما اكتسبت كما قال في الآية التي بعدها {لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت} [ البقرة : 286 ] فكان مكتسبها عليها وربما غفر لها فإنها وفيت ما كسبته من الشر واشتمل عليه ظاهرها وباطنها حتى يسرت له - انتهى.\rولما كانت عادة الناس أنه إذا بقي شيء يسير وقع في محل المسامحة وكان اليسير يختلف باختلاف الأصل فالألف مثلاً يتسامح فيه بمائة مثلاً بيّن أن الأمر عنده على غير ذلك فقال : {وهم لا يظلمون} شيئاً من الأشياء ولو قلّ ، \rوهذا إشارة إلى العدل بين عباده قال الحرالي : وهذه الآية ختم للتنزيل وختم لتمام المعنى في هذه السورة التي هي سنام القرآن وفسطاطه وختم لكل موعظة وكل ختم ، \rفهو من خواص المحمدية الجامعة المفصلة من سورة الحمد المشيرة إلى تفاصيل عظيم أمر الله في حقه وفي خلقه وفيما بينه وبين خلقه - انتهى. أ هـ {نظم الدرر حـ 1 صـ 543 ـ 545}\rقال الفخر : \rاعلم أن هذه الآية في العظماء الذين كانوا يعاملون بالربا وكانوا أصحاب ثروة وجلال وأنصار وأعوان وكان قد يجري منهم التغلب على الناس بسبب ثروتهم ، فاحتاجوا إلى مزيد زجر ووعيد وتهديد ، حتى يمتنعوا عن الرباا ، وعن أخذ أموال الناس بالباطل ، فلا جرم توعدهم الله بهذه الآية ، وخوفهم على أعظم الوجوه. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 7 صـ 91}\rفصل في آخر ما نزل على رسول الله صلى الله عليه وسلم من القرآن\rقال الفخر : ","part":10,"page":103},{"id":3994,"text":"قال ابن عباس : هذه الآية آخر أية نزلت على الرسول عليه الصلاة والسلام ، وذلك لأنه عليه السلام لما حج نزلت {يَسْتَفْتُونَكَ} [ النساء : 127 ] وهي آية الكلالة ، ثم نزل وهو واقف بعرفة {اليوم أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِى} [ المائدة : 3 ] ثم نزل {واتقوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى الله} [ البقرة : 281 ] فقال جبريل عليه السلام : يا محمد ضعها على رأس ثمانين آية ومائتي آية من البقرة ، وعاش رسول الله صلى الله عليه وسلم بعدها أحدا وثمانين يوماً ، وقيل : أحداً وعشرين وقيل : سبعة أيام ، وقيل : ثلاث ساعات. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 7 صـ 91}\rوقال القرطبى : \rقيل : إن هذه الآية نزلت قبل موت النبيّ صلى الله عليه وسلم بتسع ليال ثم لم ينزل بعدها شيء ؛ قاله ابن جُريج.\rوقال ابن جبير ومقاتل : بسبع ليال.\rوروي بثلاث ليال.\rوروي أنها نزلت قبل موته بثلاث ساعات ، وأنه عليه السَّلام قال : \" اجعلوها بين آية الربا وآية الديْن \" وحكى مكّي أن النبيّ صلى الله عليه وسلم قال : \" جاءني جبريل فقال اجعلها على رأس مائتين وثمانين آية \".\rقلت : وحكي عن أبي بن كعب وابن عباس وقتادة أن آخر ما نزل : \"لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ\" إلى آخر الآية.\rوالقول الأوّل أعرف وأكثر وأصح وأشهر.\rورواه أبو صالح عن ابن عباس قال : آخر ما نزل من القرآن { واتقوا يَوْماً تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى الله ثُمَّ توفى كُلُّ نَفْسٍ مَّا كَسَبَتْ وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ } فقال جبريل للنبيّ صلى الله عليه وسلم : \"يا محمد ضعها على رأس ثمانين ومائتين من البقرة\".\r","part":10,"page":104},{"id":3995,"text":"ذكره أبو بكر الأنباريّ في \"كتاب الردّ\" له ؛ وهو قول ابن عمر رضي الله عنه أنها آخر ما نزل ، وأنه عليه السَّلام عاش بعدها أحداً وعشرين يوماً ، على ما يأتي بيانه في آخر سورة { إِذَا جَآءَ نَصْرُ الله والفتح } [ النصر : 1 ] إن شاء الله تعالى. أ هـ {تفسير القرطبى حـ 3 صـ 375}\rفائدة\rقال الفخر : \rانتصب {يَوْماً} على المفعول به ، لا على الظرف ، لأنه ليس المعنى : واتقوا في هذا اليوم ، لكن المعنى تأهبوا للقائه بما تقدمون من العمل الصالح ، ومثله قوله {فَكَيْفَ تَتَّقُونَ إِن كَفَرْتُمْ يَوْماً يَجْعَلُ الولدان شِيباً} [ المزمل : 17 ] أي كيف تتقون هذا اليوم الذي هذا وصفه مع الكفر بالله. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 7 صـ 91}\rقال القرطبى : \rالآية وعظ لجميع الناس وأمر يخص كل إنسان.\rو \"يَوْماً\" منصوب على المفعول لا على الظرف.\r\"تُرْجَعُونَ فِيهِ إلَى اللَّهِ\" من نعته.\rوقرأ أبو عمرو بفتح التاء وكسر الجيم ؛ مثل { إِنَّ إِلَيْنَآ إِيَابَهُمْ } [ الغاشية : 26 ] واعتباراً بقراءة أبيّ \"يوماً تصِيرون فيه إلى الله\".\rوالباقون بضم التاء وفتح الجيم ؛ مثل { ثُمَّ ردوا إلى الله } [ الأنعام : 28 ].\r{ وَلَئِن رُّدِدتُّ إلى رَبِّي } [ الكهف : 36 ] واعتباراً بقراءة عبد الله \"يوماً تردون فِيهِ إلى اللَّهِ\" وقرأ الحسن \"يرجعون\" بالياء ، على معنى يرجع جميع الناس.\rقال ابن جِني : كأنّ الله تعالى رفق بالمؤمنين على أن يواجههم بذكر الرجعة ، إذ هي مما ينفطر لها القلوب فقال لهم : \"وَاتَّقُوا يَوْماً\" ثم رجع في ذكر الرجعة إلى الغيبة رِفْقاً بهم.\rوجمهور العلماء على أن هذا اليوم المحذّر منه هو يوم القيامة والحساب والتوفية.\rوقال قوم : هو يوم الموت.\rقال ابن عطية : والأوّل أصح بحكم الألفاظ في الآية.\rوفي قوله \"إلَى اللَّهِ\" مضاف محذوف ، تقديره إلى حكم الله وفصل قضائه. أ هـ {تفسير القرطبى حـ 3 صـ 375}\rوقال أبو حيان : ","part":10,"page":105},{"id":3996,"text":"قال الجمهور والمراد بهذا اليوم يوم القيامة ، وقال قوم : هو يوم الموت ، والأول أظهر لقوله : { ثم توفى كل نفس ما كسبت } والمعنى إلى حكم الله وفصل قضائه. أ هـ {البحر المحيط حـ 2 صـ 356}\rفصل في المراد باليوم\rقال الفخر : \rقال القاضي : اليوم عبارة عن زمان مخصوص ، وذلك لا يتقي ، وإنما يتقي ما يحدث فيه من الشدة والأهوال واتقاء تلك الأهوال لا يمكن إلا في دار الدنيا بمجانبة المعاصي وفعل الواجبات ، فصار قوله {واتقوا يَوْمًا} يتضمن الأمر بجميع أقسام التكاليف. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 7 صـ 91}\rفصل\rقال الفخر : \rالرجوع إلى الله تعالى ليس ، المراد منه ما يتعلق بالمكان والجهة فإن ذلك محال على الله تعالى ، وليس المراد منه الرجوع إلى علمه وحفظه ، فإنه معهم أينما كانوا لكن كل ما في القرآن من قوله {تُرْجَعُونَ إِلَى الله} له معنيان الأول : أن الإنسان له أحوال ثلاثة على الترتيب.\rفالحالة الأولى : كونهم في بطون أمهاتهم ، ثم لا يملكون نفعهم ولا ضرهم ، بل المتصرف فيهم ليس إلا الله سبحانه وتعالى.\rوالحالة الثانية : كونهم بعد البروز عن بطون أمهاتهم ، وهناك يكون المتكفل بإصلاح أحوالهم في أول الأمر الأبوين ، ثم بعد ذلك يتصرف بعضهم في البعض في حكم الظاهر.\rوالحالة الثالثة : بعد الموت وهناك لا يكون المتصرف فيهم ظاهراً في الحقيقة إلا الله سبحانه ، فكأنه بعد الخروج عن الدنيا عاد إلى الحالة التي كان عليها قبل الدخول في الدنيا ، فهذا هو معنى الرجوع إلى الله والثاني : أن يكون المراد يرجعون إلى ما أعد الله لهم من ثواب أو عقاب ، وكلا التأويلين حسن مطابق للفظ. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 7 صـ 92}\rلطيفة\rقال ابن عاشور : ","part":10,"page":106},{"id":3997,"text":"جيء بقوله : { واتقوا يوماً } تذييلاً لهاته الأحكام لأنّه صالح للترهيب من ارتكاب ما نهي عنه والترغيب في فعل ما أمر به أو ندب إليه ، لأن في ترك المنهيات سلامة من آثامها ، وفي فعل المطلوبات استكثاراً من ثوابها ، والكل يرجع إلى اتّقاء ذلك اليوم الذي تُطلب فيه السلامة وكثرة أسباب النجاح. أ هـ {التحرير والتنوير حـ 3 صـ 97}\rقوله تعالى : {ثُمَّ توفى كُلُّ نَفْسٍ مَّا كَسَبَتْ}\rفصل\rقال الفخر : \rالمراد أن كل مكلف فهو عند الرجوع إلى الله لا بد وأن يصل إليه جزاء عمله بالتمام ، كما قال : {فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ * وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرّاً يَرَهُ} [ الزلزلة : 7 ، 8 ] وقال : {إِنَّهَا إِن تَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مّنْ خَرْدَلٍ فَتَكُنْ فِى صَخْرَةٍ أَوْ فِى السموات أَوْ فِى الأرض يَأْتِ بِهَا الله} [ لقمان : 16 ] وقال : {وَنَضَعُ الموازين القسط لِيَوْمِ القيامة فَلاَ تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئاً وَإِن كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مّنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وكفى بِنَا حاسبين} [ الأنبياء : 47 ] وفي تأويل قوله {مَّا كَسَبَتْ} وجهان الأول : أن فيه حذفاً والتقدير جزاء ما كسبت والثاني : أن المكتسب هو ذلك الجزاء ، لأن ما يحصله الرجل بتجارته من المال فإنه يوصف في اللغة بأنه مكتسبه ، فقوله {توفى كُلُّ نَفْسٍ مَّا كَسَبَتْ} أي توفى كل نفس مكتسبها ، وهذا التأويل أولى ، لأنه مهما أمكن تفسير الكلام بحيث لا يحتاج فيه إلى الإضمار كان أولى. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 7 صـ 92}\rفصل\rقال الفخر : \rالوعيدية يتمسكون بهذه الآية على القطع بوعيد الفساق ، وأصحابنا يتمسكون بها في القطع بعدم الخلود ، لأنه لما آمن فلا بد وأن يصل ثواب الإيمان إليه ، ولا يمكن ذلك إلا بأن يخرج من النار ويدخل الجنة. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 7 صـ 92}\rقوله تعالى : {وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ}\rقال الفخر : ","part":10,"page":107},{"id":3998,"text":"{وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ} وفيه سؤال وهو أن قوله {توفى كُلُّ نَفْسٍ مَّا كَسَبَتْ} لا معنى له إلا أنهم لا يظلمون ، فكان ذلك تكريراً.\rوجوابه : أنه تعالى لما قال : {توفى كُلُّ نَفْسٍ مَّا كَسَبَتْ} كان ذلك دليلاً على إيصال العذاب إلى الفساق والكفار ، فكان لقائل أن يقول : كيف يليق بكرم أكرم الأكرمين أن يعذب عبيده فأجاب عنه بقوله {وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ} والمعنى أن العبد هو الذي أوقع نفسه في تلك الورطة لأن الله تعالى مكنه وأزاح عذره ، وسهل عليه طريق الاستدلال ، وأمهله فمن قصر فهو الذي أساء إلى نفسه ، وهذا الجواب إنما يستقيم على أصول المعتزلة ، وأما على أصول أصحابنا فهو أنه سبحانه مالك الخلق ، والمالك إذا تصرف في ملكه كيف شاء وأراد لم يكن ظلماً ، فكان قوله {وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ} بعد ذكر الوعيد إشارة إلى ما ذكرناه. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 7 صـ 92}\rفائدة\rقال ابن عرفة : \rقوله تعالى : { ثُمَّ توفى كُلُّ نَفْسٍ مَّا كَسَبَتْ . . . }.\rقال ابن عرفة : عام مخصوص لأن المجانين والأطفال لا يدخلون فيها.\rفإن قلت : لا كسب لهم ؟ قلنا : تقرر مذهبنا أن الطفل الصغير إذا استهلك شيئا فإنه يغرم مثله أو قيمته من ماله ، ( فنرى ) كسبه معتبرا في الدنيا وهو في الآخرة معفو عنه.\rقوله تعالى : { وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ }. أ هـ {تفسير ابن عرفة صـ 360}\rفائدة لغوية\rقال أبو حيان : \rأعاد الضمير أولاً في : كسبت ، على لفظ : النفس ، وفي قوله : وهم لا يظلمون ، على المعنى لأجل فاصلة الآي ، إذ لو أتى وهي لا تظلم لم تكن فاصلة. أ هـ {البحر المحيط حـ 2 صـ 356}","part":10,"page":108},{"id":3999,"text":"من فوائد الآلوسى فى الآية\r{ واتقوا يَوْمًا } وهو يوم القيامة أو يوم الموت وتنكيره للتفخيم كما أن تعليق الاتقاء به للمبالغة في التحذير عما فيه من الشدائد التي تجعل الولدان شيباً { تُرْجَعُونَ فِيهِ } على البناء للمفعول من الرجع ، وقرىء على البناء للفاعل من الرجوع والأول أدخل كما قيل : في التهويل ، وقرىء يرجعون على طريق الالتفات ، وقرأ أبيّ تصيرون وعبد الله تردون { إِلَى الله } أي حكمه وفصله { ثُمَّ توفى } أي تعطى كملاً { كُلُّ نَفْسٍ } كسبت خيراً أو شراً { مَّا كَسَبَتْ } أي جزاء ذلك إن خيراً فخير وإن شراً فشر ، والكسب العمل كيف كان كما نطقت به اللغة ودلت عليه الآثار ، وكسب الأشعري لا يشعر به سوى الأشاعرة { وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ } جملة حالية من كل نفس وجمع باعتبار المعنى ، وأعاد الضمير أولاً مفرداً اعتباراً باللفظ ، وقدم اعتبار اللفظ لأنه الأصل ولأن اعتبار المعنى وقع رأس فاصلة فكان تأخيره أحسن ، ولك أن تقول : إن الجمع أنسب بما يكون في يومه كما أن الإفراد أولى فيما إذا كان قبله. أخرج غير واحد من غير طريق عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أن آية { واتقوا يَوْمًا } الخ آخر ما نزل من القرآن ، واختلف في مدة بقائه بعدها عليه الصلاة والسلام فقيل : تسع ليال ، وقيل : سبعة أيام ، وقيل : ثلاث ساعات ، وقيل : أحداً وعشرين يوماً ، وقيل : أحداً وثمانين يوماً ثم مات بنفسي هو حياً وميتاً صلى الله عليه وسلم. روي أنه قال : اجعلوها بين آية الربا وآية الدين ، وفي رواية أخرى أنه صلى الله عليه وسلم قال : \" جاءني جبرائيل فقال : اجعلوها على رأس مائتين وثمانين آية من البقرة \" ولا يعارض الرواية عن ابن عباس رضي الله تعالى عنه في أن هذه آخر آية نزلت ما أخرجه البخاري ، وأبو عبيد ، وابن جرير ، والبيهقي من طريق الشعبي عنه رضي الله تعالى عنه أنه قال : آخر آية أنزلها الله تعالى على رسوله صلى الله عليه وسلم آية الربا ، ومثله ما أخرجه","part":10,"page":109},{"id":4000,"text":"البيهقي من طريق ابن المسيب عن عمر بن الخطاب كما قاله محمد بن سلمة فيما نقله عنه علي بن أحمد الكرباسي أن المراد من هذا أن آخر ما نزل من الآيات في البيوع آية الربا ، أو أن المراد إن ذلك من آخر ما نزل كما يصرح به ما أخرجه الإمام أحمد. أ هـ {روح المعانى حـ 3 صـ 54 ـ 55}\rفصل\rقال العلامة الطبرى فى معنى الآية : \rيعني بذلك جل ثناؤه : واحذروا أيها الناس يوما ترجعون فيه إلى الله\" فتلقونه فيه ، أن تردوا عليه بسيئات تهلككم ، أو بمخزيات تخزيكم ، أو بفاضحات تفضحكم ، فتهتك أستاركم ، أو بموبقات توبقكم ، فتوجب لكم من عقاب الله ما لا قبل لكم به ، وإنه يوم مجازاة بالأعمال ، لا يوم استعتاب ، ولا يوم استقالة وتوبة وإنابة ، ولكنه يوم جزاء وثواب ومحاسبة ، توفى فيه كل نفس أجرها على ما قدمت واكتسبت من سيئ وصالح ، لا تغادر فيه صغيرة ولا كبيرة من خير وشر إلا أحضرت ، فوفيت جزاءها بالعدل من ربها ، وهم لا يظلمون.\rوكيف يظلم من جوزي بالإساءة مثلها ، وبالحسنة عشر أمثالها ؟!\rكلا بل عدل عليك أيها المسيء ، وتكرم عليك فأفضل وأسبغ أيها المحسن ، فاتقى امرؤ ربه ، وأخذ منه حذره ، وراقبه أن يهجم عليه يومه ، وهو من الأوزار ظهره ثقيل ، ومن صالحات الأعمال خفيف ، فإنه عز وجل حذر فأعذر ، ووعظ فأبلغ. أ هـ {تفسير الطبرى حـ 6 صـ 41 ـ 42}\rلطيفة\rقال فى روح البيان : \rاعلم أن الله تعالى جمع فى هذه الآية خلاصة ما أنزله فى القرآن وجعلها خاتم الوحى والإنزال كما أنه جمع خلاصة ما أنزل من الكتب على الأنبياء فى القرآن وجعله خاتم الكتب كما أن النبى ـ عليه السلام ـ خاتم الأنبياء عليهم السلام وقد جمع فيه أخلاق الأنبياء\rفاعلم أن خلاصة جميع الكتب المنزلة وفائدتها بالنسبة إلى الإنسان عائدة إلى معنيين.\rأحدهما نجاته من الدركات السفلى.","part":10,"page":110},{"id":4001,"text":"وثانيهما فوزه بالدرجات العليا فنجاته فى خروجه عن الدركات السفلى وهى سبعة الكفر والشرك والجهل والمعاصى والأخلاق المذمومة وحجب الأوصاف وحجاب النفس وفوزه فى ترقيه على الدرجات العليا وهى ثمانية المعرفة لله والتوحيد لله والعلم والطاعات والأخلاق الحميدة وجذبات الحق والفناء عن أنانيته والبقاء بهويته فهذه الآية تشير إلى مجموعها إجمالا قوله تعالى { واتقوا } هى لفظة شاملة لما يتعلق بالسعى الإنسانى من هذه المعانى لأن حقيقة التقوى مجانبة ما يبعدك عن الله ومباشرة ما يقربك إليه دليله قول النبى عليه السلام\r\"جماع التقوى قول الله تعالى {إن الله يأمر بالعدل والإحسان} الآية\" .\rفيندرج تحت التقوى على هذا المعنى الخروج عن الدركات السفلى والترقى على الدرجات العليا. أ هـ {روح البيان حـ 1 صـ 537}\rمن لطائف الإمام القشيرى فى الآية\rالرجوع على ضربين : بالأبشار والنفوس غداً عند التوفي ، وبالأسرار والقلوب في كل نَفَسٍ محاسبة ؛ نقدٌ ووعد ، فنَقْدُ مطالبته أحقُّ مما سيكون في القيامة من وعده.\rوقال للعوام : { وَاتَّقُوا يَوْمًا } وقال للخواص : { وَإِيَّاىَ فَاتَّقُونِ }. أ هـ {لطائف الإشارات حـ 1 صـ 213}","part":10,"page":111},{"id":4003,"text":"فصل فى معرفة آخر ما نزل\rقال الإمام السيوطى رحمه الله : \rفيه اختلاف ، فروى الشيخان عن البراء بن عازب قال : آخر آية نزلت (يستفتونك قل الله يفتيكم في الكلاة) وآخر سورة نزلت براءة. وأخرج البخاري عن ابن عباس قال : آخر آية نزلت آية الربا. وروى البيهقي عن عمر مثله ، والمراد بها قوله تعالى (يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وذروا ما بقي من الربا) وعند أحمد وابن ماجة عن عمر : من آخر ما نزل آية الربا. وعند ابن مردويه عن ابن سعيد الخدري قال : خطبنا عمر فقال : إن من آخر القرآن نزولاً آية الربا. وأخرج النسائي من طريق عكرمة عن ابن عباس قال : آخر شيء نزل من القرآن (واتقوا يوماً ترجعون فيه) الآية. وأخرج ابن مردويه نحوه من طريق سعيد ابن جبير عن ابن عباس بلفظ : آخر آية نزلت. وأخرجه ابن جرير من طريق العوفي والضحاك عن ابن عباس. وقال : الفرياني في تفسيره : حدثنا سفيان عن الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس قال : آخر آية نزلت (واتقوا يوماً ترجعون فيه إلى الله) الآية ، وكان بين نزولها وبين موت النبي صلى الله عليه وسلم أحد وثمانون يوماً. وأخرج ابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير قال : آخر ما نزل من القرآن كله (واتقوا يوماً ترجعون فيه إلى الله) الآية ، وعاش النبي صلى الله عليه وسلم بعد نزول هذه الآية تسع ليالي ثم مات ليلة الاثنين لليلتين خلتا من ربيع الأول. وأخرج ابن جرير مثله عن ابن جريج. وأخرج من طريق عطية عن أبي سعيد قال : آخر آية نزلت (واتقوا يوماً ترجعون) الآية. وأخرج أبو عبيد في الفضائل عن ابن شهاب قال : آخر القرآن عهداً بالعرش آية الربا وآية الدين. وأخرج ابن جرير من طريق ابن شهاب عن سعيد بن المسيب أنه بلغه أن أحدث القرآن عهداً بالعرش آية الدين. مرسل صحيح الإسناد. قلت : ولا منافاة عندي بين هذه الروايات في آية الربا (واتقوا يوماً) وآية الدين ، لأن الظاهر أنها نزلت دفعة واحدة كترتيبها في المصحف ولأنها في قصة واحدة ، فأخبر كل عن بعض ما نزل بأنه آخر ذلك وذلك صحيح. وقول البراء : آخر ما","part":10,"page":112},{"id":4004,"text":"نزل (يستفتونك) أي في شأن الفرائض. وقال ابن حجر في شرح البخاري ؛ طريق لا جمع بين القولين في آية الربا (واتقوا يوماً) أن هذه الآية هي ختام الآيات المنزلة في الربا إذ هي معطوفة عليهن ، ويجمع بين ذلك وبين قول البراء بأن الآيتين نزلتا جميعاً فيصدق أن كلاً منهما آخر بالنسبة لما عداهما ، ويحتمل أن تكون الآخرية في آية النساء مقيدة بما يتعلق بالمواريث بخلاف آية البقرة ، ويحتمل عكسه. الأول أرجح لما في آية البقرة من الإشارة إلى معنى الوفاة المستلزمة لخاتمة النزول. وفي المستدرك عن أبيّ بن كعب قال : آخر آية نزلت (لقد جاءكم رسول من أنفسكم) إلى آخر السورة. وروى عبد الله بن أحمد في زوائد المسند وابن مردويه عن أبيّ أنهم جمعوا القرآن في خلافة أبي بكر وكان رجال يكتبون ، فلما انتهوا إلى هذه الآية من سورة براءة (ثم انصرفوا صرف الله قلوبهم بأنهم قوم لا يفقهون) ظنوا أن هذا آخر ما نزل من القرآن ، فقال لهم أبيّ بن كعب : إن رسول الله صلى الله عليه وسلم أقرأني بعدها آيتين (لقد جاءكم رسول من أنفسكم) إلى قوله (وهو رب العرش العظيم) وقال : هذا آخر ما نزل من القرآن قال : فختم بما فتح به بالله الذي لا إله إلا هو ، وهو قوله (وما أرسلنا من قبلك من رسول إلا نوحي إليه أنه لا إله إلا أنا فاعبدون) وأخرج ابن مردويه عن أبيّ أيضاً قال : آخر القرآن عهداً بالله هاتان الآيتان (لقد جاءكم رسول من أنفسكم) وأخرجه ابن الأنباري بلفظ : أقرب القرآن بالسماء عهداً. وأخرج أبو الشيخ في تفسيره من طريق عليّ بن زيد عن يوسف المكي عن ابن عباس قال : آخر آية نزلت ( لقد جاءكم رسول من أنفسكم). وأخرج مسلم عن ابن عباس قال : آخر سورة نزلت إذا جاء نصر الله والفتح. وأخرج الترمذي والحاكم عن عائشة قالت : آخر سورة نزلت بالمائدة فما وجدتم فيها من حلال فاستحلوه الحديث.\r","part":10,"page":113},{"id":4005,"text":"وأخرجا أيضاً عن عبد الله بن عمروقال : آخر سورة نزلت سورة المائدة والفتح. قلت : يعني إذا جاء نصر الله. وفي حديث عثمان المشهور : براءة من آخر القرآن نزولاً. قال البيهقي : يجمع بين هذه الاختلافات إن صحت بأن كل واحد أجاب بما عنده. وقال القاضي أبو بكر في الانتصار : هذه الأقوال ليس فيها شيء مرفوع إلى النبي صلى الله عليه وسلم ، وكل قاله بضرب من الاجتهاد وغلبة الظن. ويحتمل أن كلاً منهم أخبر عن آخر ما سمعه من النبي صلى الله عليه وسلم في اليوم الذي مات فيه أوقبل مرضه بقليل ، وغيره سمع منه بعد ذلك وإن لم يسمعه هو ، ويحتمل أيضاً أن تنزل هذه الآية التي هي آخر آية تلاها الرسول صلى الله عليه وسلم مع آيات نزلت معها فيؤمر برسم ما نزل معها بعد رسم فيظن أنه آخر ما نزل في الترتيب اه.\r","part":10,"page":114},{"id":4006,"text":"ومن غريب ما ورد في ذلك : ما أخرجه ابن جرير عن معاوية بن أبي سفيان أنه تلا هذا الآية ( فمن كان يرجو لقاء ربه) الآية وقال : إنها آخر آية نزلت من القرآن. قال ابن كثير : هذا أثر مشكل ، ولعله أراد أنه لم ينزل بعدها آية تنسخها ولا تغير حكمها ، بل هي مثبتة محكمة. قلت : ومثله ما أخرجه البخاري وغيره عن ابن عباس قال : نزلت هذا الآية ( ومن يقتل مؤمناً متعمداً فجزاؤه جهنم ) هي آخر ما ا نزل وما نسخها شيء. وعند أحمد والنسائي عنه : لقد نزلت في آخر ما نزل ما نسخها شيء. وأخرج ابن مردويه من طريق مجاهد عن أم سلمة قالت : آخر آية نزلت هذه الآية ( فاستجاب لهم ربهم إني لا أضيع عمل عامل ) إلى آخرها. قلت : وذلك أنها قالت : يا رسول الله أرى الله يذكر الرجال ولا يذكر النساء ، فنزلت ( ولا تتمنوا ما فضل الله به بعضكم على بعض ) ونزلت ( إن المسلمين والمسلمات ) ونزلت هذه الآية ، فهي آخر الثلاثة نزولاً أوآخر ما نزل بعد ما كان ينزل في الرجال خاصة. وأخرج ابن جرير عن أنس قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم من فارق الدنيا على الإخلاص لله وحده وعبادته لا شريك له وأقام الصلاة وآتى الزكاة فارقها والله عنه راض قال أنس : وتصديق ذلك في كتاب الله في آخر ما نزل ( فإن تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة) الآية. قلت : يعني في آخر سورة نزلت. وفي البرهان لإمام الحرمين : إن قوله تعالى ( قل لا أجد فيما أوحى إلي محرماً) الآية من آخر ما نزل ، وتعقبه ابن الحصار بأن السورة مكية باتفاق ، ولم يرد بتأخير هذه الآية عن نزول السورة بل هي في محاجة المشركين ومخاصمتهم وهم بمكة اه.","part":10,"page":115},{"id":4007,"text":"تنبيه من المشكل على ما تقدم قوله تعالى ( اليوم أكملت لكم دينكم ) فإنها نزلت بعرفة عام حجة الوداع ، وظاهرها إكمال الفرائض والأحكام قبلها ، وقد صرح بذلك جماعة منهم السدى فقال : لم ينزل بعدها حلال ولا حرام ، مع أنه ورد في آية الربا والدين والكلالة أنها نزلت بعد ذلك. وقد استشكل ذلك ابن جرير وقال : الأولى أن يتأول على أنه أكمل لهم دينهم بإقرارهم بالبلد الحرام وإجلاء المشركين عنه حتى حجة المسلمون لا يخالطهم المشركون ، ثم أيده بما أخرجه من طريق ابن أبي طلحة عن ابن عباس قال : كان المشركون والمسلمون يحجون جميعاً ، فلما نزلت براءة لفى المشركون عن البيت وحج المسلمون لا يشاركهم في البيت الحرام أحد من المشركين ، فكان ذلك من تمام النعمة وأتممت عليكم نعمتي. أ هـ {الإتقان فى علوم القرآن حـ 1 صـ 82 ـ 87}","part":10,"page":116},{"id":4008,"text":"قوله تعالى { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ وَلْيَكْتُبْ بَيْنَكُمْ كَاتِبٌ بِالْعَدْلِ وَلَا يَأْبَ كَاتِبٌ أَنْ يَكْتُبَ كَمَا عَلَّمَهُ اللَّهُ فَلْيَكْتُبْ وَلْيُمْلِلِ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ وَلَا يَبْخَسْ مِنْهُ شَيْئًا فَإِنْ كَانَ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ سَفِيهًا أَوْ ضَعِيفًا أَوْ لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يُمِلَّ هُوَ فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ بِالْعَدْلِ وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَى وَلَا يَأْبَ الشُّهَدَاءُ إِذَا مَا دُعُوا وَلَا تَسْأَمُوا أَنْ تَكْتُبُوهُ صَغِيرًا أَوْ كَبِيرًا إِلَى أَجَلِهِ ذَلِكُمْ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ وَأَقْوَمُ لِلشَّهَادَةِ وَأَدْنَى أَلَّا تَرْتَابُوا إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً حَاضِرَةً تُدِيرُونَهَا بَيْنَكُمْ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَلَّا تَكْتُبُوهَا وَأَشْهِدُوا إِذَا تَبَايَعْتُمْ وَلَا يُضَارَّ كَاتِبٌ وَلَا شَهِيدٌ وَإِنْ تَفْعَلُوا فَإِنَّهُ فُسُوقٌ بِكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (282)}\rمناسبة الآية لما قبلها\rقال البقاعى : \rولما نهى سبحانه وتعالى عن الربا وكان أحد مدايناتهم وكان غيره من الدين مأذوناً فيه وهو من أنواع الإنفاق مع دخوله في المطالبة برؤوس الأموال عقب ذلك بآية الدين.","part":10,"page":117},{"id":4009,"text":"وأيضاً فإنه سبحانه وتعالى لما ذكر في المال أمرين ينقصانه ظاهراً ويزكيانه باطناً : الصدقة وترك الربا ، وأذن في رؤوس الأموال وأمر بالإنظار في الإعسار وختم بالتهديد فكان ذلك ربما أطمع المدين في شيء من الدين ولو بدعوى الإعسار اقتضى حال الإنسان لما له من النقصان الإرشاد إلى حفظ المال الحلال وصونه عن الفساد والتنبيه على كيفية التوثق فقال : {يا أيها الذين آمنوا} كالذي تقدمه {إذا تداينتم} من التداين تفاعل بين اثنين من الدين ، \rوالدين في الأمر الظاهر معاملة على تأخير كما أن الدين بالكسر فيما بين العبد وبين الله سبحانه وتعالى معاملة على تأخير - قاله الحرالي.\rأي أوقعتم بينكم ذلك.\rوالدين مال مرسل في الذمة سواء كان مؤجلاً أو لا ، \rوهو خلاف الحاضر والعين ، \rوقال : {بدين} مع دلالة الفعل عليه ليخرج بيع الدين بالدين ، \rلأنه مداينة بدينين.\rقال الحرالي : فكان في إعلامه أي بالإتيان بصيغة إذا أنهم لا بد أن يتداينوا لأنها حين منتظر في أغلب معناها - انتهى.\rوأرشد إلى ضبطه بالوقت إشارة إلى أنه يجوز كونه حالاً وإلى أن الأجل وهو الوقت المحدود وأصله التأخير إن كان مجهولاً كان باطلاً بقوله : {إلى أجل مسمى} قال الحرالي : من التسمية وهي إبداء الشيء باسمه للسمع في معنى المصور - وهو إبداء الشيء بصورته في العين.\r","part":10,"page":118},{"id":4010,"text":"ولما كان الله سبحانه وتعالى وهو العليم الخبير قد أجرى سنته في دينه بالكتابة فأمر ملائكته وهم الأمناء العدول بإثبات أعمال الخلق لحكم ومصالح لا تخفى وأنزل كتابه الشريف شهادة لهم وعليهم بما يوفونه في يوم الدين من ثواب وعقاب قطعاً لحججهم أمرهم أن يكون عملهم في الدين كما كان فعله في الدين فأرشدهم إلى إثبات ما يكون دينهم من المعاملات لئلا يجر ذلك إلى المخاصمات فقال سبحانه وتعالى أمراً للإرشاد لا للإيجاب {فاكتبوه} وفي ذكر الأجل إشارة إلى البعث الذي وقع الوعد بالوفاء فيه {أفحسبتم إنما خلقناكم عبثاً وإنكم إلينا لا ترجعون} [ المؤمنون : 115 ] {ثم قضى أجلاً وأجل مسمى عنده} [ الأنعام : 2 ] ولما أمر بالكتابة وكان المراد تحصيلها في الجملة لا من أحد بعينه لأن أغلب الناس لا يحسنها أتبعها الإرشاد إلى تخير الكاتب بقوله : {وليكتب بينكم} أي الدين المذكور {كاتب} وإن كان صبياً أو عبداً كتابة مصحوبة {بالعدل} استناناً به سبحانه وتعالى في ملائكته {وإن عليكم لحافظين كراماً كاتبين} [ الانفطار : 10 ] {بأيدي سفرة كرام بررة} [ عبس : 15 ]. أ هـ {نظم الدرر حـ 1 صـ 545 ـ 546}\rفصل\rقال الفخر : \rفي كيفية النظم وجهان","part":10,"page":119},{"id":4011,"text":"الأول : أن الله سبحانه لما ذكر قبل هذا الحكم نوعين من الحكم أحدهما : الإنفاق في سبيل الله وهو يوجب تنقيص المال والثاني : ترك الربا ، وهو أيضاً سبب لتنقيص المال ، ثم إنه تعالى ختم ذينك الحكمين بالتهديد العظيم ، فقال : {واتقوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى الله} والتقوى تسد على الإنسان أكثر أبواب المكاسب والمنافع أتبع ذلك بأن ندبه إلى كيفية حفظ المال الحلال وصونه عن الفساد والبوار فإن القدرة على الإنفاق في سبيل الله ، وعلى ترك الربا ، وعلى ملازمة التقوى لا يتم ولا يكمل إلا عند حصول المال ، ثم إنه تعال لأجل هذه الدقيقة بالغ في الوصية بحفظ المال الحلال عن وجوه التوي والتلف ، وقد ورد نظيره في سورة النساء {وَلاَ تُؤْتُواْ السفهاء أموالكم التى جَعَلَ الله لَكُمْ قياما} [ النساء : 5 ] فحث على الاحتياط في أمر الأموال لكونها سبباً لمصالح المعاش والمعاد ، قال القفال رحمه الله تعالى : والذي يدل على ذلك أن ألفاظ القرآن جارية في الأكثر على الاختصار ، وفي هذه الآية بسط شديد ، ألا ترى أنه قال : {إِذَا تَدَايَنتُم بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُّسَمًّى فاكتبوه} ثم قال ثانياً : {وَلْيَكْتُب بَّيْنَكُم كَاتِبٌ بالعدل} ثم قال ثالثاً : {وَلاَ يَأْبَ كَاتِبٌ أَن يَكْتُبَ كَمَا عَلَّمَهُ الله} فكان هذا كالتكرار لقوله {وَلْيَكْتُب بَّيْنَكُم كَاتِبٌ بالعدل} لأن العدل هو ما علمه الله ، ثم قال رابعاً : {فَلْيَكْتُبْ} وهذا إعادة الأمر الأول ، ثم قال خامساً : {وَلْيُمْلِلِ الذى عَلَيْهِ الحق} وفي قوله {وَلْيَكْتُب بَّيْنَكُم كَاتِبٌ بالعدل} كفاية عن قوله {وَلْيُمْلِلْ الذى عَلَيْهِ الحق} لأن الكاتب بالعدل إنما يكتب ما يملى عليه ، ثم قال سادساً : {وَلْيَتَّقِ الله رَبَّهُ} وهذا تأكيد ، ثم قال سابعاً : {وَلاَ يَبْخَسْ مِنْهُ شَيْئاً} فهذا كالمستفاد من قوله {وَلْيَتَّقِ الله رَبَّهُ} ثم قال ثامناً : {ولا","part":10,"page":120},{"id":4012,"text":"تسأموا أن تكتبوه صغيراً أو كبيراً إلى أجله} وهو أيضاً تأكيد لما مضى ، ثم قال تاسعاً : {ذلكم أَقْسَطُ عِندَ الله وَأَقْوَمُ للشهادة وَأَدْنَى أَلاّ تَرْتَابُواْ} فذكر هذه الفوائد الثلاثة لتلك التأكيدات السالفة ، وكل ذلك يدل على أنه لما حث على ما يجري مجرى سبب تنقيص المال في الحكمين الأولين بالغ في هذا الحكم في الوصية بحفظ المال الحلال ، وصونه عن الهلاك والبوار ليتمكن الإنسان بواسطته من الإنفاق في سبيل الله ، والإعراض عن مساخط الله من الربا وغيره ، والمواظبة على تقوى الله فهذا هو الوجه الأول من وجوه النظم ، وهو حسن لطيف.\rوالوجه الثاني : أن قوماً من المفسرين قالوا : المراد بالمداينة السلم ، فالله سبحانه وتعالى لما منع الربا في الآية المتقدمة أذن في السلم في جميع هذه الآية مع أن جميع المنافع المطلوبة من الربا حاصلة في السلم ، ولهذا قال بعض العلماء : لا لذة ولا منفعة يوصل إليها بالطريق الحرام إلا وضعه الله سبحانه وتعالى لتحصيل مثل ذلك اللذة طريقاً حلالاً وسبيلاً مشروعاً فهذا ما يتعلق بوجه النظم. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 7 صـ 93 ـ 94}\rوقال ابن عاشور : \rلما اهتم القرآن بنظام أحوال المسلمين في أموالهم فابتدأ بما به قوام عامّتهم من مواساة الفقير وإغاثة الملهوف ، ووضّح ذلك بما فيه عبرة للمعتبر ، ثم عطف عليه التحذير من مضايقة المحتاجين إلى المواساة مضايقة الربا مع ما في تلك المعاملات من المفاسد ، ثلّث ببيان التوثّقات المالية من الإشهاد ، وما يقوم مقامه وهو الرهن والائتمان.\rوإنّ تحديد التوثّق في المعاملات من أعظم وسائل بثّ الثقة بين المتعاملين ، وذلك من شأنه تكثير عقود المعاملات ودوران دولاب التموّل.\rوالجملة استئناف ابتدائي ، والمناسبة في الانتقال ظاهرة عقب الكلام على غرمَاء أهل الربا.\r","part":10,"page":121},{"id":4013,"text":"والتداين من أعظم أسباب رواج المعاملات لأنّ المقتدر على تنمية المال قد يعوزه المال فيضطرّ إلى التداين ليظهر مواهبه في التجارة أو الصناعة أو الزراعة ، ولأنّ المترفّه قد ينضب المال من بين يديه وله قِبل به بعد حين ، فإذا لم يتداين اختلّ نظام ماله ، فشرّع الله تعالى للناس بَقاء التداين المتعارف بينهم كيلا يظنّوا أنّ تحريم الربا والرجوع بالمتعاملين إلى رؤوس أموالهم إبطال للتداين كلّه.\rوأفاد ذلك التشريعَ بوضعه في تشريع آخر مكمّل له وهو التوثّق له بالكتابة والإشهاد.\rوالخطاب موجّه للمؤمنين أي لمجموعهم ، والمقصود منه خصوص المتداينين ، والأخصّ بالخطاب هو المدين لأنّ من حق عليه أن يجعل دائنه مطمئن البال على ماله.\rفعلى المستقرِض أن يطلب الكتابة وإن لم يسألها الدائن ، ويؤخذ هذا مما حكاه الله في سورة القَصص عن موسى وشعيب ، إذ استأجرَ شعيبٌ موسى.\rفلما تراوضا على الإجارة وتعيين أجلها قال موسى : \"واللَّهُ على ما نَقول وكيل\" ، فذلك إشهاد على نفسه لمؤاجره دون أن يسألَه شعيب ذلك. أ هـ {التحرير والتنوير حـ 3 صـ 97 ـ 98}\rفائدة\rقال القرطبى : \rقوله تعالى : { يا أيها الذين آمنوا إِذَا تَدَايَنتُم بِدَيْنٍ } الآية.\rقال سعيد بن المسيّب : بلغني أن أحدث القرآن بالعرش آية الدَّيْن.\rوقال ابن عباس : هذه الآية نزلت في السّلَم خاصة.\rمعناه أن سَلَم أهل المدينة كان سبب الآية ، ثم هي تتناول جميع المداينات إجماعاً.\rوقال ابن خويزِمنداد : إنها تضمنت ثلاثين حكما.\rوقد استدل بها بعض علمائنا على جواز التأجيل في القروض ؛ على ما قال مالك ؛ إذْ لم يفصل بين القرض وسائر العقود في المداينات.\rوخالف في ذلك الشافعية وقالوا : الآية ليس فيها جواز التأجيل في سائر الديون ، وإنما فيها الأمر بالإشهاد إذا كان دَيْناً مؤجَّلاً ؛ ثم يعلم بدلالة أُخرى جواز التأجيل في الدين وامتناعه. أ هـ {تفسير القرطبى حـ 3 صـ 377}\rفصل\rقال الفخر : ","part":10,"page":122},{"id":4014,"text":"التداين تفاعل من الدين ، ومعناه داين بعضكم بعضاً ، وتداينتم تبايعتم بدين ، \rقال أهل اللغة : القرض غير الدين ، لأن القرض أن يقرض الإنسان دراهم ، أو دنانير ، أو حباً ، أو تمراً ، أو ما أشبه ذلك ، ولا يجوز فيه الأجل والدين يجوز فيه الأجل ، ويقال من الدين أدان إذا باع سلعته بثمن إلى أجل ، ودان يدين إذا أقرض ، ودان إذا استقرض وأنشد الأحمر : \rندين ويقضي الله عنا وقد نرى.. مصارع قوم لا يدينون ضيقا\rإذا عرفت هذا فنقول : في المراد بهذه المداينة أقوال : قال ابن عباس : أنها نزلت في السلف لأن النبي صلى الله عليه وسلم قدم المدينة وهم يسلفون في التمر السنتين والثلاث ، فقال صلى الله عليه وسلم : \" من أسلف فليسلف في كيل معلوم ووزن معلوم إلى أجل معلوم \" ثم أن الله تعالى عرف المكلفين وجه الاحتياط في الكيل والوزن والأجل ، فقال : {إِذَا تَدَايَنتُم بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُّسَمًّى فاكتبوه }.\rوالقول الثاني : أنه القرض وهو ضعيف لما بينا أن القرض لا يمكن أن يشترط فيه الأجل والدين المذكور في الآية قد اشترط فيه الأجل.\rوالقول الثالث : وهو قول أكثر المفسرين : أن البياعات على أربعة أوجه\rأحدها : بيع العين بالعين ، وذلك ليس بمداينة ألبتة\rوالثاني : بيع الدين بالدين وهو باطل ، فلا يكون داخلاً تحت هذه الآية ، بقي هنا قسمان : بيع العين بالدين ، وهو ما إذا باع شيئاً بثمن مؤجل وبيع الدين بالعين وهو المسمى بالسلم ، وكلاهما داخلان تحت هذه الآية. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 7 صـ 94 ـ 95}\rفائدة لغوية\rقال ابن عاشور : \rالتداين تفاعل ، وأطلق هنا مع أنّ الفعل صادر من جهة واحدة وهي جهة المُسَلِّف لأنّك تقول ادّان منه فَدانَه ، فالمفاعلة منظور فيها إلى المخاطبين هم مجموع الأمة ؛ لأنّ في المجموع دائناً ومديناً ، فصار المجموع مشتملاً على جانبين.","part":10,"page":123},{"id":4015,"text":"ولك أن تجعل المفاعلة على غير بابها كما تقول تَداينت من زيد. أ هـ {التحرير والتنوير حـ 3 صـ 98}\rأسئلة وأجوبة للإمام فخر الدين الرزى\rالسؤال الأول : المداينة مفاعلة ، وحقيقتها أن يحصل من كل واحد منهما دين ، وذلك هو بيع الدين بالدين وهو باطل بالاتفاق.\rوالجواب : أن المراد من تداينتم تعاملتم ، والتقدير : إذا تعاملتم بما فيه دين.\rالسؤال الثاني : قوله {تَدَايَنتُم} يدل على الدين فما الفائدة بقوله {بِدَيْنٍ }.\rالجواب من وجوه\rالأول : قال ابن الأنباري : التداين يكون لمعنيين\rأحدهما : التداين بالمال ، والآخر التداين بمعنى المجازاة ، من قولهم : كما تدين تدان ، والدين الجزاء ، فذكر الله تعالى الدين لتخصيص أحد المعنيين\rالثاني : قال صاحب \"الكشاف\" : إنما ذكر الدين ليرجع الضمير إليه في قوله {فاكتبوه} إذ لو لم يذكر ذلك لوجب أن يقال : فاكتبوا الدين ، فلم يكن النظم بذلك الحسن\rالثالث : أنه تعالى ذكره للتأكيد ، كقوله تعالى : {فَسَجَدَ الملائكة كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ} [ الحجر : 30 ] [ ص : 73 ] {وَلاَ طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ } [ الأنعام : 38 ]\rالرابع : فإذا تداينتم أي دين كان صغيراً أو كبيراً ، على أي وجه كان ، من قرض أو سلم أو بيع عين إلى أجل الخامس : ما خطر ببالي أنا ذكرنا أن المداينة مفاعلة ، وذلك إنما يتناول بيع الدين بالدين وهو باطل ، فلو قال : إذا تداينتم لبقي النص مقصوراً على بيع الدين بالدين وهو باطل ، أما لما قال : {إِذَا تَدَايَنتُم بِدَيْنٍ} كان المعنى : إذا تداينتم تداينا يحصل فيه دين واحد ، وحينئذ يخرج عن النص بيع الدين بالدين ، ويبقى بيع العين بالدين ، أو بيع الدين بالعين فإن الحاصل في كل واحد منهما دين واحد لا غير.\rالسؤال الثالث : المراد من الآية : كلما تداينتم بدين فاكتبوه ، وكلمة {إِذَا} لا تفيد العموم فلم قال : {تَدَايَنتُم} ولم يقل كلما تداينتم.","part":10,"page":124},{"id":4016,"text":"الجواب : أن كلمة {إِذَا} وإن كانت لا تقتضي العموم ، إلا أنها لا تمنع من العموم وهاهنا قام الدليل على أن المراد هو العموم ، لأنه تعالى بيّن العلة في الأمر بالكتبة في آخر الآية ، وهو قوله {ذلكم أَقْسَطُ عِندَ الله وَأَقْوَمُ للشهادة وَأَدْنَى ألاّ تَرْتَابُواْ} والمعنى إذا وقعت المعاملة بالدين ولم يكتب ، فالظاهر أنه تنسى الكيفية ، فربما توهم الزيادة ، فطلب الزيادة وهو ظلم ، وربما توهم النقصان فترك حقه من غير حمد ولا أجر ، فأما إذا كتب كيفية الواقعة أمن من هذه المحذورات فلما دلّ النص على أن هذا هو العلة ، ثم إن هذه العلة قائمة في الكل ، كان الحكم أيضاً حاصلاً في الكل. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 7 صـ 95}\rقوله تعالى : {إلى أَجَلٍ مُّسَمًّى}\rقال القرطبى : \rقوله تعالى : { إلى أَجَلٍ مُّسَمًّى } قال ابن المنذر : دل قول الله \"إلَى أَجَلٍ مُسَمًّى\" على أن السَّلَم إلى الأجل المجهول غير جائز ، ودَلَّت سنة رسول الله على مثل معنى كتاب الله تعالى.\rثبت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قدِم المدينة وهم يستلِفون في الثمار السنتين والثلاث ؛ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : \" من أسلف في تمرٍ فليسلِف في كيلِ معلوم ووزنٍ معلوم إلى أجلٍ معلوم \" رواه ابن عباس.\rأخرجه البخاريّ ومسلم وغيرهما.\rوقال ابن عمر : كان أهل الجاهلية يتبايعون لَحم الجَزُور إلى حَبَل الحَبَلَة.\rوحبل الحبلة : أن تنتج الناقة ثم تحمل التي نُتِجت.\rفنهاهم رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ذلك.\rوأجمع كل من يحفظ عنه من أهل العلم على أن السّلَم الجائز أن يُسلِم الرجل إلى صاحبه في طعام معلوم موصوف ، من طعام أرض عامّة لا يخطىء مثلها ، بكيل معلوم ، إلى أجلٍ معلوم بدنانير أو دراهم معلومةٍ ، يدفع عن ما أسْلَم فيه قبل أن يفترقا من مقامهما الذي تبايعا فيه ، وسَميَّا المكان الذي يُقْبَض فيه الطعام.","part":10,"page":125},{"id":4017,"text":"فإذا فعلا ذلك وكان جائز الأمر سَلَما صحيحاً لا أعلم أحداً من أهل العلم يبطله.\rقلت : وقال علماؤنا : إن السَّلَم إلى الحَصاد والجَذَاذ والنَّيْروز والمِهْرَجَان جائز ؛ إذْ ذاك يختص بوقت وزمن معلوم. أ هـ {تفسير القرطبى حـ 3 صـ 378}\rسؤالان\rالسؤال الأول : ما الأجل ؟ .\rالجواب : الأجل في اللغة هو الوقت المضروب لانقضاء الأمد ، وأجل الإنسان هو الوقت لانقضاء عمره ، وأجل الدين لوقت معين في المستقبل ، وأصله من التأخير ، يقال : أجل الشيء يأجل أجولا إذا تأخر ، والآجل نقيض العاجل.\rالسؤال الثاني : المداينة لا تكون إلا مؤجلة فما الفائدة في ذكر الأجل بعد ذكر المداينة ؟ .\rالجواب : إنما ذكر الأجل ليمكنه أن يصفه بقوله {مُّسَمًّى} والفائدة في قوله {مُّسَمًّى} ليعلم أن من حق الأجل أن يكون معلوماً ، كالتوقيت بالسنة والشهر والأيام ، ولو قال : إلى الحصاد ، أو إلى الدِّياس ، أو إلى قدوم الحاج ، لم يجز لعدم التسمية. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 7 صـ 95 ـ 96}\rقوله تعالى : {فاكتبوه}\rفائدة\rقال الفخر : \rاعلم أنه تعالى أمر في المداينة بأمرين\rأحدهما : الكتبة وهي قوله هاهنا {فاكتبوه}\rالثاني : الإشهاد وهو قوله {فاستشهدوا شَهِيدَيْنِ مّن رّجَالِكُمْ}. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 7 صـ 96}\rفائدة\rقال القرطبى : \rوفي قوله { فاكتبوه } إشارة ظاهرة إلى أنه يكتبه بجميع صفته المبيِّنة له المُعْرِبة عنه ؛ للاختلاف المتوهَّم بين المتعاملين ، المعرِّفةِ للحاكم ما يحكم به عند ارتفاعهما إليه.\rوالله أعلم. أ هـ {تفسير القرطبى حـ 3 صـ 382 ـ 383}\rوقال السمرقندى : \r{ فاكتبوه } يعني الدين والأجل.\rويقال : أمر بالكتابة ، ولكن المراد به الكتابة والإشهاد ، لأن الكتابة بغير شهود لا تكون حجة.\rويقال : أمر بالكتابة لكي لا ينسى.","part":10,"page":126},{"id":4018,"text":"ويقال : من أدان ديناً ، ولم يكتب ، فإذا نسي ودعى الله تعالى بأن يظهره يقول الله تعالى : أمرتك بالكتابة فعصيت أمري ، وإذا دعى بالنجاة من الزوجة يقول الله تعالى جعلت الطلاق بيدك إن شئت طلقها ، وإن شئت فأمسكها. أ هـ {بحر العلوم حـ 1 صـ 210}\rفصل\rقال الفخر : \rفائدة الكتبة والإشهاد أن ما يدخل فيه الأجل ، تتأخر فيه المطالبة ويتخلله النسيان ، ويدخل فيه الجحد ، فصارت الكتابة كالسبب لحفظ المال من الجانبين لأن صاحب الدين إذا علم أن حقه قد قيد بالكتابة والإشهاد يحذر من طلب الزيادة ، ومن تقديم المطالبة قبل حلول الأجل ، ومن عليه الدين إذا عرف ذلك يحذر عن الجحود ، ويأخذ قبل حلول الأجل في تحصيل المال ، ليتمكن من أدائه وقت حلول الدين ، فلما حصل في الكتابة والإشهاد هذه الفوائد لا جرم أمر الله به ، والله أعلم. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 7 صـ 96}\rفصل\rقال الفخر : ","part":10,"page":127},{"id":4019,"text":"القائلون بأن ظاهر الأمر للندب لا إشكال عليهم في هذه ، وأما القائلون بأن ظاهره للوجوب فقد اختلفوا فيه ، فقال قوم بالوجوب وهو مذهب عطاء ، وابن جريج والنخعي واختيار محمد بن جرير الطبري ، وقال النخعي يشهد ولو على دستجة بقل ، وقال آخرون : هذا الأمر محمول على الندب ، وعلى هذا جمهور الفقهاء المجتهدين ، والدليل عليه أنا نرى جمهور المسلمين في جميع ديار الإسلام يبيعون بالأثمان المؤجلة من غير كتابة ولا إشهاد ، وذلك إجماع على عدم وجوبهما ، ولأن في إيجابهما أعظم التشديد على المسلمين ، والنبي صلى الله عليه وسلم يقول : \" بعثت بالحنيفية السهلة السمحة \" وقال قوم : بل كانت واجبة ، إلا أن ذلك صار منسوخاً بقوله {فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُم بَعْضًا فَلْيُؤَدِّ الذى اؤتمن أمانته} [ البقرة : 283 ] وهذا مذهب الحسن والشعبي والحكم وابن عيينة ، وقال التيمي : سألت الحسن عنها فقال : إن شاء أشهد وإن شاء لم يشهد ، ألا تسمع قوله تعالى : {فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُم بَعْضًا} واعلم أنه تعالى لما أمر بكتب هذه المداينة اعتبر في تلك الكتبة شرطين : \rالشرط الأول : أن يكون الكاتب عدلاً وهو قوله {وَلْيَكْتُب بَّيْنَكُم كَاتِبٌ بالعدل} واعلم أن قوله تعالى : {فاكتبوه} ظاهره يقتضي أنه يجب على كل أحد أن يكتب ، لكن ذلك غير ممكن ، فقد لا يكون ذلك الإنسان كاتباً ، فصار معنى قوله {فاكتبوه} أي لا بد من حصول هذه الكتبة ، وهو كقوله تعالى : {والسارق والسارقة فاقطعوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاء} [ المائدة : 38 ] فإن ظاهره وإن كان يقتضي خطاب الكل بهذا الفعل ، إلا أنا علمنا أن المقصود منه أنه لا بد من حصول قطع اليد من إنسان واحد ، إما الإمام أو نائبه أو المولى ، فكذا هاهنا ثم تأكد هذا الذي قلناه بقوله تعالى : {وَلْيَكْتُب بَّيْنَكُم كَاتِبٌ بالعدل} فإن هذا يدل على أن المقصود حصول هذه الكتبة من أي شخص كان. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 7 صـ 96}","part":10,"page":128},{"id":4020,"text":"قوله تعالى {بالعدل}\rقال الفخر : \rأما قوله {بالعدل} ففيه وجوه\rالأول : أن يكتب بحيث لا يزيد في الدين ولا ينقص منه ، ويكتبه بحيث يصلح أن يكون حجة له عند الحاجة إليه\rالثاني : إذا كان فقيهاً وجب أن يكتب بحيث لا يخص أحدهما بالاحتياط دون الآخر ، بل لا بد وأن يكتبه بحيث يكون كل واحد من الخصمين آمنا من تمكن الآخر من إبطال حقه\rالثالث : قال بعض الفقهاء : العدل أن يكون ما يكتبه متفقاً عليه بين أهل العلم ولا يكون بحيث يجد قاض من قضاة المسلمين سبيلاً إلى إبطاله على مذهب بعض المجتهدين\rالرابع : أن يحترز عن الألفاظ المجملة التي يقع النزاع في المراد بها ، وهذه الأمور التي ذكرناها لا يمكن رعايتها إلا إذا كان الكاتب فقيهاً عارفاً بمذاهب المجتهدين ، وأن يكون أديباً مميزاً بين الألفاظ المتشابهة. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 7 صـ 96 ـ 97}\rوقال القرطبى : \rقوله تعالى : { بالعدل } أي بالحق والمعدلة ، أي لا يُكتب لصاحب الحق أكثر مما قاله ولا أقلّ.\rوإنما قال \"بَيْنَكُمْ\" ولم يقل أحدكم ؛ لأنه لما كان الذي له الديْن يَتَّهِم في الكتابة الذي عليه الديْن وكذلك بالعكس شرع الله سبحانه كاتباً غيرهما يكتب بالعدل لا يكون في قلبه ولا قلمهُ موَادَّةٌ لأحدهما على الآخر.\rوقيل : إن الناس لما كانوا يتعاملون حتى لا يشذّ أحدهم عن المعاملة ، وكان منهم من يكتب ومن لا يكتب ، أمر الله سبحانه أن يكتب بينهم كاتبٌ بالعدل. أ هـ {تفسير القرطبى حـ 3 صـ 383 ـ 384}\rوقال ابن عاشور : \rوقوله : { بالعدل } أي بالحق ، وليس العدل هنا بمعنى العدالة التي يوصف بها الشاهد فيقال رجل عدل لأنّ وجود الباء يصرف عن ذلك ، ونظيره قوله الآتي : { فليملل وليه بالعدل }.","part":10,"page":129},{"id":4021,"text":"ولذلك قصر المفسرون قوله : { فاكتبوه } على أن يكتبه كاتب غير المتداينين لأنّه الغالب ، ولتعقيبه بقوله : وليكتب بينكم كاتب بالعدل ، فإنّه كالبيان لكيفية فاكتبوه ، على أنّ كتابة المتعاقدين إن كانا يحسنانها تؤخذ بلحن الخطاب أو فحواه.\rولذلك كانت الآية حجة عند جمهور العلماء لصحة الاحتجاج بالخط ، فإنّ استكتاب الكاتب إنّما ينفع بقراءة خطه. أ هـ {التحرير والتنوير حـ 3 صـ 101}\rفائدة لغوية\rقال القرطبى :\rالباء في قوله تعالى { بالعدل } متعلقة بقوله : \"وَلْيَكْتُبْ\" وليست متعلقة بـ \"كَاتِبٌ\" لأنه كان يلزم ألا يكتب وثيقة إلا العدل في نفسه ، وقد يكتبها الصبيّ والعبد والمتحوط إذا أقاموا فقهها.\rأما المنتصبون لكتْبها فلا يجوز للولاة أن يتركوهم إلا عدولا مرضيين.\rقال مالك رحمه الله تعالى : لا يكتب الوثائق بين الناس إلا عارفٌ بها عدل في نفسه مأمون ؛ لقوله تعالى : { وَلْيَكْتُب بَّيْنَكُمْ كَاتِبٌ بالعدل }.\rقلت : فالباء على هذا متعلقة بـ \"كاتب\" أي ليكتب بينكم كاتب عدل ؛ ف \"بالعدل\" في موضع الصفة. أ هـ {تفسير القرطبى حـ 3 صـ 384}\rوقال الثعلبى :\r{وَلْيَكْتُب بَّيْنَكُمْ كَاتِبُ بِالْعَدْلِ} وقرأ الحسن وليكتب بكسر اللام ،\rوهذه اللام ،\rلام الأمر ولا يؤمر بها غير الغائب ،\rوهي إذا كانت مفردة فليس فيها إلاّ الحركة ،\rفإذا كانت قبلها واو أو فاء أو ثم ،\rفأكثر العرب على تسكينها طلباً للخفّة ومنهم مَنْ يكسرها على الأصل. أ هـ {الكشف والبيان حـ 2 صـ 291}\rقوله تعالى : { وَلَا يَأْبَ كَاتِبٌ أَنْ يَكْتُبَ كَمَا عَلَّمَهُ اللَّهُ فَلْيَكْتُبْ وَلْيُمْلِلِ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ وَلَا يَبْخَسْ مِنْهُ شَيْئًا فَإِنْ كَانَ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ سَفِيهًا أَوْ ضَعِيفًا أَوْ لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يُمِلَّ هُوَ فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ بِالْعَدْلِ}\rالمناسبة\rقال البقاعى :","part":10,"page":130},{"id":4022,"text":"ولما أرشد إلى تخير الكاتب تقدم إليه بالنهي تقديماً لدرء المفاسد ثم الأمر فقال : {ولا يأب كاتب أن يكتب} أي ما ندب إليه من ذلك {كما علمه الله} أي لأجل الذي هو غني عنه وعن غيره من خلقه شكراً له على تلك النعمة وكتابة مثل الكتابة التي علمها الله سبحانه وتعالى لا ينقص عنها شيئاً {فليكتب} وفي ذلك تنبيه على ما في بذل الجهد في النصيحة من المشقة.\rولما كان ذلك وكان لا بد فيه من ممل بين من يصح إملاؤه للمكتوب فقال : {وليملل} من الإملال وهو إلقاء ما تشتمل عليه الضمائر على اللسان قولاً وعلى الكتاب رسماً - قاله الحرالي {الذي عليه الحق} ليشهد عليه المستملي ومن يحضره.\rولما كانت الأنفس مجبولة على محبة الاستئثار على الغير حذرها مما لا يحل من ذلك فقال : {وليتق الله} فعبر بالاسم الأعظم ليكون أزجر للمأمور ثم قال : {ربه} تذكيراً بأنه لإحسانه لا يأمر إلا بخير ، \rوترجية للعوض في ذلك إذا أدى فيه الأمانة في الكم والكيف من الأجل وغيره ؛ وأكد ذلك بقوله : {ولا يبخس} من البخس وهو أسوأ النقص الذي لا تسمح به الأنفس لبعده عن محل السماح إلى وقوعه في حد الضيم {منه شيئاً }.\rولما كان هذا المملي قد يكون لاغي العبارة وكان الإملاء لا يقدر عليه كل أحد قال سبحانه وتعالى : {فإن كان الذي عليه الحق سفيهاً} فلا يعتبر إقراره لضعف رأيه ونظره ونقص حظه من حكمة الدنيا {أو ضعيفاً} عن الإملاء في ذلك الوقت لمرض أو غيره من صبا أو جنون أو هرم من الضعف وهو وهن القوى حساً أو معنى {أو لا يستطيع أن يمل هو} كعيّ أو حياء أو عجمة ونحوه {فليملل وليه} القائم لمصالحه من أب أو وصي أو حاكم أو ترجمان أو وكيل {بالعدل} فلا يحيف عليه ولا على ذي الحق.\rقال الحرالي : فجعل لسان الولي لسان المولى عليه ، \r","part":10,"page":131},{"id":4023,"text":"فكان فيه مثل لما نزل به الكتاب من إجراء كلام الله سبحانه وتعالى على ألسنة خلقه في نحو ما تقدم من قوله : {إياك نعبد وإياك نستعين} [ الفاتحة : 5 ] وما تفصل منها {الله ولي الذين آمنوا} [ البقرة : 257 ] أمل ما عليهم من الحقوق له فجعل كلاماً من كلامه يتلونه ، فكان الإملال منه لهم لتقاصرهم عن واجب حقه تقاصر السفيه ومن معه عن إملال وليه عنه لرشده وقوته وتمكن استطاعته - انتهى. أ هـ {نظم الدرر حـ 1 صـ 546}\rفصل\rقال الفخر : \rظاهر هذا الكلام نهى لكل من كان كاتباً عن الامتناع عن الكتبة ، وإيجاب الكتبة على كل من كان كاتباً ، وفيه وجوه\rالأول : أن هذا على سبيل الإرشاد إلى الأولى لا على سبيل الإيجاب ، والمعنى أن الله تعالى لما علمه الكتبة ، وشرّفه بمعرفة الأحكام الشرعية ، فالأولى أن يكتب تحصيلاً لمهم أخيه المسلم شكراً لتلك النعمة ، وهو كقوله تعالى : {وَأَحْسِن كَمَا أَحْسَنَ الله إِلَيْكَ} [ القصص : 77 ] فإنه ينتفع الناس بكتابته كما نفعه الله بتعليمها.\rوالقول الثاني : وهو قول الشعبي : أنه فرض كفاية ، فإن لم يجد أحداً يكتب إلا ذلك الواحد وجب الكتبة عليه ، فإن وجد أقواماً كان الواجب على واحد منهم أن يكتب.\rوالقول الثالث : أن هذا كان واجباً على الكاتب ، ثم نسخ بقوله تعالى : {وَلاَ يُضَارَّ كَاتِبٌ وَلاَ شَهِيدٌ }.\rوالقول الرابع : أن متعلق الإيجاب هو أن يكتب كما علمه الله ، يعني أن بتقدير أن يكتب فالواجب أن يكتب على ما علمه الله ، وأن لا يخل بشرط من الشرائط ، ولا يدرج فيه قيداً يخل بمقصود الإنسان ، وذلك لأنه لو كتبه من غير مراعاة هذه الشروط اختل مقصود الإنسان ، وضاع ماله ، فكأنه قيل له : إن كنت تكتب فاكتبه عن العدل ، واعتبار كل الشرائط التي اعتبرها الله تعالى. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 7 صـ 97}\rقوله تعالى {كَمَا عَلَّمَهُ الله}\rقال الفخر\rقوله {كَمَا عَلَّمَهُ الله} فيه احتمالان","part":10,"page":132},{"id":4024,"text":"الأول : أن يكون متعلقاً بما قبله ، ولا يأب كاتب عن الكتابة التي علمه الله إياها ، ولا ينبغي أن يكتب غير الكتابة التي علمه الله إياها ثم قال بعد ذلك : فليكتب تلك الكتابة التي علمه الله إياها.\rوالاحتمال الثاني : أن يكون متعلقاً بما بعده ، والتقدير : ولا يأب كاتب أن يكتب ، وهاهنا تم الكلام ، ثم قال بعده {كَمَا عَلَّمَهُ الله فَلْيَكْتُبْ} فيكون الأول أمراً بالكتابة مطلقاً ثم أردفه بالأمر بالكتابة التي علمه الله إياها ، والوجهان ذكرهما الزجاج. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 7 صـ 97}\rوقال ابن عاشور : \rوقوله : { كما علمه الله } أي كتابة تشابه الذي علّمه الله أن يكتبها ، والمراد بالمشابهة المطابقة لا المقاربة ، فهي مثل قوله : { فإن آمنوا بمثل ما آمنتم به } [ البقرة : 137 ] ، فالكاف في موضع المفعول المطلق لأنّها صفة لمصدر محذوف.\rو ( ما ) موصولة.\rومعنى ما علّمه الله أنّه يكتب ما يعتقده ولا يجحف أو يوارب ، لأنّ الله ما علم إلاّ الحق وهو المستقرّ في فطرة الإنسان ، وإنّما ينصرف الناس عنه بالهوى فيبدّلون ويغيّرون وليس ذلك التبديل بالذي علّمهم الله تعالى ، وهذا يشير إليه قوله النبي صلى الله عليه وسلم \" واستفتتِ نفسَك وإن أفْتَاكَ الناس \".\rويجوز أن تكون الكاف لمقابلة الشيء بمكافئه والعوضِ بمعوضه ، أي أن يكتب كتابة تكافىء تعليم الله إياه الكتابة ، بأن ينفع الناس بها شكراً على تيسير الله له أسباب علمها ، وإنّما يحصل هذا الشكر بأن يكتب ما فيه حفظ الحق ولا يقصر ولا يدلّس ، وينشأ عن هذا المعنى من التشبيه معنى التعليل كما في قوله تعالى : { وأحسن كما أحسن الله إليك } [ القصص : 77 ] وقوله : { واذكروه كما هداكم } [ البقرة : 198 ].","part":10,"page":133},{"id":4025,"text":"والكاف على هذا إما نائبة عن المفعول المطلق أو صفة لمفعول به محذوف على تأويل مصدر فِعل أنْ يَكْتُب بالمكتوب ، و( ما ) على هذا الوجه مصدرية ، وعلى كلا الوجهين فهو متعلق بقوله : { أن يكتب } ، وجوّز صاحب \"الكشاف\" تعليقه بقوله فليكتب فهو وجه في تفسير الآية. أ هـ {التحرير والتنوير حـ 3 صـ 102 ـ 103}\rقوله تعالى : {وَلْيُمْلِلِ الذى عَلَيْهِ الحق}\rفوائد لغوية\rقال ابن عاشور : \rوقوله : { وليُملل الذي عليه الحق } أمَلّ وأمْلَى لغتان : فالأولى لغة أهل الحجاز وبني أسد ، والثانية لغة تميم ، وقد جاء القرآن بهما قال تعالى : { وليملل الذي عليه الحق } وقال : { فهي تملي عليه بكرة وأصيلا } [ الفرقان : 5 ] ، قالوا والأصل هو أمللّ ثم أبدلت اللاّم ياء لأنّها أخف ؛ أي عكسَ ما فعلوا في قولهم تقضّي البازي إذْ أصله تَقَضض.\rومعنى اللفظين أن يلقي كلاماً على سامعه ليكتبه عنه ، هكذا فسره في \"اللِّسَان\" و\"القاموس\".\rوهو مقصور في التفسير أحسب أنّه نشأ عن حصر نظرهم في هذه الآية الواردة في غرض الكتابة ، وإلاّ فإن قوله تعالى في سورة الفرقان ( 5 ) : { فهي تملى عليه بكرة وأصيلا } تشهد بأنّ الإملاء والإملال يكونان لغرض الكتابة ولغرض الرواية والنقل كما في آية الفرقان ، ولغرض الحفظ كما يقال مَلّ المؤدب على الصبي للحفظ ، وهي طريقة تحفيظ العميان.\rفتحرير العبارة أن يفسر هذان اللفظان بإلقاء كلامٍ ليُكتب عنه أو ليُروى أو ليُحفظ ، والحق هنا ما حقَّ أي ثبت للدائن.\rوفي هذا الأمر عبرة للشهود فإنّ منهم من يكتبون في شروط الحُبُس ونحوه ما لم يملله عليهم المشهود عليه إلاّ إذا كان قد فوّض إلى الشاهد الإحاطة بما فيه توثقه لحقّه أو أوقفه عليه قبل عقده على السدارة.","part":10,"page":134},{"id":4026,"text":"والضميران في قوله : وليتق } ، وقوله : { ولا يبخس منه } يحتمل أن يعودا إلى الذي عليه الحق لأنّه أقرب مذكور من الضميرين ، أي لا يُنقصْ ربّ الدين شيئاً حينَ الإملاء ، قاله سعيد بن جبير ، وهو على هذا أمر للمدين بأن يقرّ بجميع الدين ولا يغبن الدائن.\rوعندي أنّ هذا بعيد إذ لا فائدة بهذه الوصاية ؛ فلو أخفى المدين شيئاً أو غبن لأنكر عليه ربُّ الديْن لأنّ الكتابة يحضرها كلاهما لقوله تعالى : { وليكتب بينكم }.\rويحتمل أن يعود الضميران إلى { كاتب } بقرينة أنّ هذا النهي أشدّ تعلّقاً بالكاتب ؛ فإنّه الذي قد يغفل عن بعض ما وقع إملاؤه عليه.\rوالضمير في قوله : { منه } عائد إلى الحق وهو حق لكِلاَ المتداينين ، فإذا بخس منه شيئاً أضرّ بأحدهما لا محالة ، وهذا إيجاز بديع.\rوالبخْس فسره أهل اللغة بالنقص ويظهر أنّه أخصّ من النقص ، فهو نقص بإخفاء.\rوأقربُ الألفاظ إلى معناه الغبن ، قال ابن العربي في الأحكام في سورة الأعراف : \"البخس في لسان العرب هو النقص بالتعْييب والتزهِيدِ ، أو المخادعة عن القيمة ، أو الاحتيال في التزيّد في الكيل أو النقصان منه\" أي عن غفلة من صاحب الحق ، وهذا هو المناسب في معنى الآية لأنّ المراد النهي عن النقص من الحق عن غفلة من صاحبه ، ولذلك نُهي الشاهد أو المدين أو الدائن ، وسيجيء في سورة الأعراف عند قوله تعالى : { ولا تبخسوا الناس أشياءهم } [ الأعراف : 85 ].\rوقوله : { فإن كان عليه الحق سفيهاً أو ضعيفاً } السفيه هو مختلّ العقل ، وتقدم بيانه عند قوله تعالى : { سيقول السفهاء من الناس } [ البقرة : 142 ].\rوالضعيف الصغير ، وقد تقدم عند قوله تعالى : { وله ذرية ضعفاء } [ البقرة : 266 ].\rوالذي لا يستطيع أن يملّ هو العاجز كمن به بَكَم وعمًى وصمَمٌ جميعاً.","part":10,"page":135},{"id":4027,"text":"ووجه تأكيد الضمير المسْتتر في فعل يُملّ بالضمير البارز هو التمهيد لقوله : { فليملل } لئلا يتوهّم الناس أنّ عجزه يسقط عنه واجب الإشهاد عليه بما يستدينه ، وكان الأولياء قبل الإسلام وفي صدره كبراء القرابة.\rوالولي من له ولاية على السفيه والضعيف ومن لا يستطيع أن يملّ كالأب والوصيّ وعرفاء القبيلة ، وفي حديث وفد هوازن : قال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم \" لِيَرْفَعْ إلَيّ عُرفَاؤُكم أمْرُكم \" وكان ذلك في صدر الإسلام وفي الحقوق القَبَلِيَّةِ. أ هـ {التحرير والتنوير حـ 3 صـ 103 ـ 105}\rلطيفة\rقال فى روح البيان : \r{وليتق الله ربه} جمع بين الاسم الجليل والنعت الجميل للمبالغة فى التحذير أى وليتق المملى دون الكاتب كما قيل لقوله تعالى { ولا يبخس منه } أى من الحق الذى يمليه على الكاتب. أ هـ {روح البيان حـ 1 صـ 539}\rفائدة\rقال الفخر : \rالكتابة وإن وجب أن يُختارَ لها العالمُ بكيفية كَتْب الشروط والسجلات لكن ذلك لا يتم إلا بإملاء من عليه الحق فليدخل في جملة إملائه اعترافه بما عليه من الحق في قدره وجنسه وصفته وأجله إلى غير ذلك ، فلأجل ذلك قال تعالى : {وَلْيُمْلِلِ الذى عَلَيْهِ الحق }. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 7 صـ 97}\rقوله تعالى : {فإِن كَانَ الذى عَلَيْهِ الحق سَفِيهًا أَوْ ضَعِيفًا أَوْ لاَ يَسْتَطِيعُ أَن يُمِلَّ هُوَ فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ بالعدل}\rفصل\rقال الفخر : ","part":10,"page":136},{"id":4028,"text":"إدخال حرف {أَوْ} بين هذه الألفاظ الثلاثة ، أعني السفيه ، والضعيف ، ومن لا يستطيع أن يمل يقتضي كونها أموراً متغايرة ، لأن معناه أن الذي عليه الحق إذا كان موصوفاً بإحدى هذه الصفات الثلاث فليملل وليه بالعدل ، فيجب في الثلاثة أن تكون متغايرة ، وإذا ثبت هذا وجب حمل السفيه على الضعيف الرأي ناقص العقل من البالغين ، والضعيف على الصغير والمجنون والشيخ الخرف ، وهم الذين فقدوا العقل بالكلية ، والذي لا يستطيع لأن يمل من يضعف لسانه عن الإملاء لخرس ، أو جهله بماله وما عليه ، فكل هؤلاء لا يصح منهم الإملاء والإقرار ، فلا بد من أن يقوم غيرهم مقامهم ، فقال تعالى : {فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ بالعدل} والمراد ولي كل واحد من هؤلاء الثلاثة ، لأن ولي المحجور السفيه ، وولي الصبي : هو الذي يقر عليه بالدين ، كما يقرب بسائر أموره ، وهذا هو القول الصحيح ، وقال ابن عباس ومقاتل والربيع : المراد بوليه ولي الدين يعني أن الذي له الدين يملي وهذا بعيد ، لأنه كيف يقبل قول المدعي ، وإن كان قوله معتبراً ، فأي حاجة بنا إلى الكتابة والإشهاد. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 7 صـ 98}\rوقال القرطبى : \rقوله تعالى : { فَإن كَانَ الذي عَلَيْهِ الحق سَفِيهاً أَوْ ضَعِيفاً } قال بعض الناس : أي صغيراً.\rوهو خطأ فإنّ السفيه قد يكون كبيراً على ما يأتي بيانه.\r{ أَوْ ضَعِيفاً } أي كبيراً لا عقل له.\r{ أَوْ لاَ يَسْتَطِيعُ أَن يُمِلَّ } جعل الله الذي عليه الحق أربعة أصناف : مستقل بنفسه يُمِلّ ، وثلاثة أصناف لا يُمِلُّون وتقع نوازلهم في كل زَمَن ، وكون الحقّ يترتب لهم في جهات سوى المعاملات كالمواريث إذا قُسِمَت وغير ذلك ، وهم السَّفِيهُ والضّعيفُ والذي لا يستطيع أن يُمِلّ.\rفالسفيه المُهَلْهَلُ الرأي في المال الذي لا يُحسن الأخذَ لنفسه ولا الإعطاء منها ، مشَبّه بالثوب السفيه وهو الخفيف النسج.","part":10,"page":137},{"id":4029,"text":"والبَذِيء اللسانِ يسمّى سفيهاً ؛ لأنه لا تكاد تتفق البذاءة إلاّ في جهال الناس وأصحاب العقول الخفيفة.\rوالعرب تطلق السفه على ضعف العقل تارة وعلى ضعف البدن أُخرى ؛ قال الشاعر :\rنَخافُ أن تَسْفَهَ أحلامُنا . . .\rويجهل الدهرُ مع الحالِم\rوقال ذو الرُّمّة :\rمَشَيْنَ كما اهتزَّتْ رِماحٌ تَسَفَّهَتْ . . .\rأعالِيهَا مَرُّ الرياحِ النّواسِمِ\rأي استضعفها واستلانها فحرّكها.\rوقد قالوا : الضُّعف بضم الضاد في البدن وبفتحها في الرأي ، وقيل : هما لغتان.\rوالأوّل أصح ، لما روى أبو داود عن أنس بن مالك \" أنّ رجلاً على عهد النبيّ صلى الله عليه وسلم كان يبتاع وفي عقله ضَعْفٌ فأتى أهله نبيّ الله صلى الله عليه وسلم فقالوا : يا نبيّ الله ، أُحْجُرْ على فلان فإنه يبتاع وفي عقله ضعف.\rفدعاه النبيّ صلى الله عليه وسلم فنهاه عن البيع ؛ فقال : يا رسول الله ، إني لا أصبر عن البيع ساعة.\rفقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : \"إن كنت غير تاركٍ البيع فقل هَاوهَا ولا خِلاَبَة\" \" (1) . أ هـ {تفسير القرطبى حـ 3 صـ 385 ـ 386}\rفصل\rقال القرطبى :\rقوله تعالى : { فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ بالعدل } ذهب الطبري إلى أن الضمير في { وَلِيُّهُ } عائد على \"الْحَقُّ\" وأسند في ذلك عن الربيع ، وعن ابن عباس.\rوقيل : هو عائد على { الذي عَلَيْهِ الحق سَفِيهاً } وهو الصحيح.\rوما روي عن ابن عباس لا يصح.\rوكيف تشهد البيِّنة على شيء وتُدخل مالا في ذمّة السفيه بإملاء الذي له الدَّيْن! هذا شيء ليس في الشريعة.\rإلا أن يريد قائله : إن الذي لا يستطيع أن يُمِلّ لمرض أو كبر سنّ لثقل لسانه عن الإملاء أو لخرس ، وإذا كان كذلك فليس على المريض ومن ثقل لسانه عن الإملاء لخرَس ولىّ عند أحد العلماء ، مثل ما ثبت على الصبيّ والسفيه عند من يحجر عليه.\rفإذا كان كذلك فليُمِلّ صاحب الحق بالعدل ويُسمع الذي عجز ، فإذا كمل الإمْلاءُ أقرّبه.\rوهذا معنىّ لم تَعْن الآَية إليه : ولا يصح هذا إلا فيمن لا يستطيع أن يُمِلّ لمرض ومن ذكر معه. أ هـ {تفسير القرطبى حـ 3 صـ 388}\r_____________\r(1) الخِلابة : الخديعة ؛ ومنه قولهم : \"إذا لم تَغلِبْ فاخْلُبْ\".","part":10,"page":138},{"id":4030,"text":"فائدة\rقال الجصاص : \rبَابُ الْحَجْرِ عَلَى السَّفِيهِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : { فَإِنْ كَانَ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ سَفِيهًا أَوْ ضَعِيفًا أَوْ لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يُمِلَّ هُوَ فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ بِالْعَدْلِ } قَدْ احْتَجَّ كُلُّ فَرِيقٍ مِنْ مُوجِبِي الْحَجْرِ عَلَى السَّفِيهِ وَمِنْ مُبْطِلِيهِ بِهَذِهِ الْآيَةِ ، فَاحْتَجَّ مُثْبِتُو الْحَجْرِ لِلسَّفِيهِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى : { فَإِنْ كَانَ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ سَفِيهًا أَوْ ضَعِيفًا أَوْ لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يُمِلَّ هُوَ فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ بِالْعَدْلِ } فَأَجَازَ لِوَلِيِّ السَّفِيهِ الْإِمْلَاءَ عَنْهُ.\rوَاحْتَجَّ مُبْطِلُو الْحَجْرِ بِمَا فِي مَضْمُونِ الْآيَةِ مِنْ جَوَازِ مُدَايَنَةِ السَّفِيهِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى : { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ } إلَى قَوْله تَعَالَى : { فَإِنْ كَانَ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ سَفِيهًا أَوْ ضَعِيفًا } فَأَجَازَ مُدَايَنَةَ السَّفِيهِ وَحَكَمَ بِصِحَّةِ إقْرَارِهِ فِي مُدَايَنَتِهِ ؛ وَإِنَّمَا خَالَفَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ غَيْرِهِ فِي إمْلَاءِ الْكِتَابِ لِقُصُورِ فَهْمِهِ عَنْ اسْتِيفَاءِ مَا لَهُ وَعَلَيْهِ مِمَّا يَقْتَضِيهِ شَرْطُ الْوَثِيقَةِ.","part":10,"page":139},{"id":4031,"text":"وَقَالُوا : إنَّ قَوْله تَعَالَى : { فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ بِالْعَدْلِ } إنَّمَا الْمُرَادُ بِهِ وَلِيُّ الدَّيْنِ ؛ وَقَدْ رُوِيَ ذَلِكَ عَنْ جَمَاعَةٍ مِنْ السَّلَفِ ، قَالُوا : وَغَيْرُ جَائِزٍ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ وَلِيَّ السَّفِيهِ عَلَى مَعْنَى الْحَجْرِ عَلَيْهِ وَإِقْرَارِهِ بِالدَّيْنِ عَلَيْهِ لِأَنَّ إقْرَارَ وَلِيِّ الْمَحْجُورِ عَلَيْهِ غَيْرُ جَائِزٍ عَلَيْهِ عِنْدَ أَحَدٍ ، فَعَلِمْنَا أَنَّ الْمُرَادَ وَلِيُّ الدَّيْنِ ، فَأَمَرَ بِإِمْلَاءِ الْكِتَابِ حَتَّى يُقِرَّ بِهِ الْمَطْلُوبُ الَّذِي عَلَيْهِ الدَّيْنُ.\rقَالَ أَبُو بَكْرٍ اخْتَلَفَ السَّلَفُ فِي السَّفِيهِ الْمُرَادِ بِالْآيَةِ ، فَقَالَ قَائِلُونَ مِنْهُمْ : ( هُوَ الصَّبِيُّ ) رُوِيَ ذَلِكَ عَنْ الْحَسَنِ فِي قَوْله تَعَالَى : { وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمْ } قَالَ : ( الصَّبِيُّ وَالْمَرْأَةُ ) وَقَالَ مُجَاهِدٌ : ( النِّسَاءُ ).\rوَقَالَ الشَّعْبِيُّ : ( لَا تُعْطَى الْجَارِيَةُ مَالَهَا وَإِنْ قَرَأَتْ الْقُرْآنَ وَالتَّوْرَاةَ ).\rوَهَذَا مَحْمُولٌ عَلَى الَّتِي لَا تَقُومُ بِحِفْظِ الْمَالِ ؛ لِأَنَّهُ لَا خِلَافَ أَنَّهَا إذَا كَانَتْ ضَابِطَةً لَأَمْرِهَا حَافِظَةً لِمَالِهَا دُفِعَ إلَيْهَا إذَا كَانَتْ بَالِغًا قَدْ دَخَلَ بِهَا زَوْجُهَا.\rوَقَدْ رُوِيَ عَنْ عُمَرَ أَنَّهُ قَالَ : ( لَا تَجُوزُ لِامْرَأَةِ مُمَلَّكَةٍ عَطِيَّةٌ حَتَّى تَحْبَلَ فِي بَيْتِ زَوْجِهَا حَوْلًا أَوْ تَلِدَ بَطْنًا ) وَرُوِيَ عَنْ الْحَسَنِ مِثْلُهُ.\rوَقَالَ أَبُو الشَّعْثَاءِ : ( لَا تَجُوزُ لِامْرَأَةٍ عَطِيَّةٌ حَتَّى تَلِدَ أَوْ يُؤْنَسَ رُشْدُهَا ) وَعَنْ إبْرَاهِيمَ مِثْلُهُ.","part":10,"page":140},{"id":4032,"text":"وَهَذَا كُلُّهُ مَحْمُولٌ عَلَى أَنَّهُ لَمْ يُؤْنَسْ رُشْدُهَا ، لِأَنَّهُ لَا خِلَافَ أَنَّ هَذَا لَيْسَ بِحَدٍّ فِي اسْتِحْقَاقِ دَفْعِ الْمَالِ إلَيْهَا لِأَنَّهَا لَوْ أَحَالَتْ حَوْلًا فِي بَيْتِ زَوْجِهَا وَوَلَدَتْ بُطُونًا وَهِيَ غَيْرُ مُؤْنِسَةٍ لِلرُّشْدِ وَلَا ضَابِطَةٍ لِأَمْرِهَا لَمْ يُدْفَعْ إلَيْهَا مَالُهَا ، فَعَلِمْنَا أَنَّهُمْ إنَّمَا أَرَادُوا ذَلِكَ فِيمَنْ لَمْ يُؤْنَسْ رُشْدُهَا.\rوَقَدْ ذَكَرَ اللَّهُ تَعَالَى السَّفَهَ فِي مَوَاضِعَ : مِنْهَا مَا أَرَادَ بِهِ السَّفَهَ فِي الدِّينِ ، وَهُوَ الْجَهْلُ بِهِ ، فِي قَوْله تَعَالَى : { أَلَا إنَّهُمْ هُمْ السُّفَهَاءُ } وقَوْله تَعَالَى : { سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ مِنْ النَّاسِ } فَهَذَا هُوَ السَّفَهُ فِي الدِّينِ ، وَهُوَ الْجَهْلُ وَالْخِفَّةُ ، وَقَالَ تَعَالَى : { وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمْ } فَمِنْ النَّاسِ مَنْ تَأَوَّلَهُ عَلَى أَمْوَالِهِمْ كَمَا قَالَ تَعَالَى : { وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ } يَعْنِي : لَا يَقْتُل بَعْضُكُمْ بَعْضًا.\rوَقَالَ تَعَالَى : { فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ } وَالْمَعْنَى : لِيَقْتُلْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا.\rوَهَذَا الَّذِي ذَكَرَهُ هَذَا الْقَائِلُ عُدُولٌ عَنْ حَقِيقَةِ اللَّفْظِ وَظَاهِرِهِ بِغَيْرِ دَلَالَةٍ لِأَنَّ قَوْله تَعَالَى : { وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمْ } يَشْتَمِلُ عَلَى فَرِيقَيْنِ مِنْ النَّاسِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مُمَيَّزٌ فِي اللَّفْظِ مِنْ الْآخَرِ ، وَأَحَدُ الْفَرِيقَيْنِ هُمْ الْمُخَاطَبُونَ بِقَوْلِهِ","part":10,"page":141},{"id":4033,"text":"تَعَالَى : { وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمْ } وَالْفَرِيقُ الْآخَرُ السُّفَهَاءُ الْمَذْكُورُونَ مَعَهُمْ ، فَلَمَّا قَالَ تَعَالَى : { أَمْوَالَكُمْ } وَجَبَ أَنْ يَنْصَرِفَ ذَلِكَ إلَى أَمْوَالِ الْمُخَاطَبِينَ دُونَ السُّفَهَاءِ ، وَغَيْرُ جَائِزٍ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ السُّفَهَاءَ لِأَنَّ السُّفَهَاءَ لَمْ يَتَوَجَّهْ الْخِطَابُ إلَيْهِمْ بِشَيْءٍ وَإِنَّمَا تَوَجَّهَ إلَى الْعُقَلَاءِ الْمُخَاطَبِينَ ، وَلَيْسَ ذَلِكَ كَقَوْلِهِ تَعَالَى : { فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ } وقَوْله تَعَالَى : { وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ } لِأَنَّ الْقَاتِلِينَ وَالْمَقْتُولِينَ قَدْ انْتَظَمَهُمْ خِطَابٌ وَاحِدٌ لَمْ يَتَمَيَّزْ أَحَدُ الْفَرِيقَيْنِ مِنْ الْآخَرِ فِي حُكْمِ الْمُخَاطَبَةِ ، فَلِذَلِكَ جَازَ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ : فَلْيَقْتُلْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا.\rوَقَدْ قِيلَ أَنَّ أَصْلَ السَّفَهِ الْخِفَّةُ ، وَمِنْ ذَلِكَ قَوْلُ الشَّاعِرِ : مَشَيْنَ كَمَا اهْتَزَّتْ رِمَاحٌ تَسَفَّهَتْ أَعَالِيهَا مَرُّ الرِّيَاحِ النَّوَاسِمِ يَعْنِي : اسْتَخَفَّتْهَا الرِّيَاحُ.\rوَقَالَ آخَرُ : نَخَافُ أَنْ تَسْفَهَ أَحْلَامَنَا فَنَحْمِلَ الدَّهْرَ مَعَ الْحَامِلِ أَيْ : تُخَفَّ أَحْلَامُنَا.\rوَيُسَمَّى الْجَاهِلُ سَفِيهًا لِأَنَّهُ خَفِيفُ الْعَقْلِ نَاقِصُهُ ؛ فَمَعْنَى الْجَهْلِ شَامِلٌ لِجَمِيعِ مَنْ أُطْلِقَ عَلَيْهِ اسْمُ السَّفِيهِ.","part":10,"page":142},{"id":4034,"text":"وَالسَّفِيهُ فِي أَمْرِ الدِّينِ هُوَ الْجَاهِلُ فِيهِ ، وَالسَّفِيهُ فِي الْمَالِ هُوَ الْجَاهِلُ لَحِفْظِهِ وَتَدْبِيرِهِ ، وَالنِّسَاءُ وَالصِّبْيَانُ أُطْلِقَ عَلَيْهِمْ اسْمُ السُّفَهَاءِ لِجَهْلِهِمْ وَنُقْصَانِ تَمْيِيزِهِمْ ، وَالسَّفِيهُ فِي رَأْيِهِ الْجَاهِلُ فِيهِ وَالْبَذِيُّ اللِّسَانِ يُسَمَّى سَفِيهًا لِأَنَّهُ لَا يَكَادُ يُنْفِقُ إلَّا فِي جُهَّالِ النَّاسِ وَمَنْ كَانَ خَفِيفَ الْعَقْلِ مِنْهُمْ.\rوَإِذَا كَانَ اسْمُ السَّفِيهِ يَنْتَظِمُ هَذِهِ الْوُجُوهَ رَجَعْنَا إلَى مُقْتَضَى لَفْظِ الْآيَةِ فِي قَوْله تَعَالَى : { فَإِنْ كَانَ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ سَفِيهًا } فَاحْتَمَلَ أَنْ يُرِيدَ بِهِ الْجَهْلَ بِإِمْلَاءِ الشَّرْطِ وَإِنْ كَانَ عَاقِلًا مُمَيِّزًا غَيْرَ مُبَذِّرٍ وَلَا مُفْسِدٍ ، وَأَجَازَ\rلِوَلِيِّ الْحَقِّ أَنْ يُمْلِيَهُ حَتَّى يُقِرَّ بِهِ السَّفِيهُ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ ، وَيَكُونُ ذَلِكَ أَوْلَى بِمَعْنَى الْآيَةِ ؛ لِأَنَّ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ هُوَ الْمَذْكُورُ فِي أَوَّلِ الْآيَةِ بِالْمُدَايَنَةِ ، وَلَوْ كَانَ مَحْجُورًا عَلَيْهِ لَمَا جَازَتْ مُدَايَنَتُهُ.\rوَمِنْ جِهَةٍ أُخْرَى أَنَّ وَلِيَّ الْمَحْجُورِ عَلَيْهِ لَا يَجُوزُ إقْرَارُهُ عَلَيْهِ بِالدَّيْنِ ، وَإِنَّمَا يَجُوزُ عَلَى قَوْلِ مَنْ يَرَى الْحَجْرَ أَنْ يَتَصَرَّفَ عَلَيْهِ الْقَاضِي بِبَيْعٍ أَوْ شِرًى ، فَأَمَّا وَلِيُّهُ فَلَا نَعْلَمُ أَحَدًا يُجِيزُ تَصَرُّفَ أَوْلِيَائِهِ عَلَيْهِ وَلَا إقْرَارَهُمْ ، وَفِي ذَلِكَ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ لَمْ يُرِدْ وَلِيَّ السَّفِيهِ وَإِنَّمَا أَرَادَ وَلِيَّ الدَّيْنِ.\rوَقَدْ رُوِيَ ذَلِكَ عَنْ الرَّبِيعِ بْنِ أَنَسٍ وَقَالَهُ الْفَرَّاءُ أَيْضًا.","part":10,"page":143},{"id":4035,"text":"وَأَمَّا قَوْلُهُ : { أَوْ ضَعِيفًا } فَقَدْ قِيلَ فِيهِ الضَّعِيفُ فِي عَقْلِهِ أَوْ الصَّبِيُّ الْمَأْذُونُ لَهُ ؛ لِأَنَّ ابْتِدَاءَ الْآيَةِ قَدْ اقْتَضَى أَنْ يَكُونَ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ جَائِزَ الْمُدَايَنَةِ وَالتَّصَرُّفِ فَأَجَازَ تَصَرُّفَ هَؤُلَاءِ كُلِّهِمْ ، فَلَمَّا بَلَغَ إلَى حَالِ إمْلَاءِ الْكِتَابِ وَالْإِشْهَادِ ذَكَرَ مَنْ لَا يَكْمُلْ لِذَلِكَ إمَّا لِجَهْلٍ بِالشُّرُوطِ أَوْ لِضَعْفِ عَقْلٍ لَا يُحْسِنُ مَعَهُ الْإِمْلَاءَ وَإِنْ لَمْ يُوجِبْ نُقْصَانُ عَقْلِهِ حَجْرًا عَلَيْهِ ، وَإِمَّا لِصِغَرٍ أَوْ لِحَرْفٍ وَكِبَرِ سِنٍّ ؛ لِأَنَّ قَوْله تَعَالَى : { أَوْ ضَعِيفًا } مُحْتَمِلٌ لِلْأَمْرَيْنِ وَيَنْتَظِمُهُمَا.\rوَذَكَرَ مَعَهُمَا مَنْ لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يُمِلَّ هُوَ إمَّا لِمَرَضٍ أَوْ كِبَرِ سِنٍّ انْفَلَتَ لِسَانُهُ عَنْ الْإِمْلَاءِ أَوْ لِخَرَسٍ ؛ ذَلِكَ كُلُّهُ مُحْتَمَلٌ.\rوَجَائِزٌ أَنْ تَكُونَ هَذِهِ الْوُجُوهُ مُرَادَةً لِلَّهِ تَعَالَى لِاحْتِمَالِ اللَّفْظِ لَهَا ، وَلَيْسَ فِي شَيْءٍ مِنْهَا دَلَالَةٌ عَلَى أَنَّ السَّفِيهَ يَسْتَحِقُّ الْحَجْرَ.\rوَأَيْضًا فَلَوْ كَانَ بَعْضُ مَنْ يَلْحَقُهُ اسْمُ السَّفِيهِ يَسْتَحِقُّ الْحَجْرَ لَمْ يَصِحَّ الِاسْتِدْلَال بِهَذِهِ الْآيَةِ فِي إثْبَاتِ الْحَجْرِ وَذَلِكَ لِأَنَّهُ قَدْ ثَبَتَ\rأَنَّ السَّفَهَ لَفْظٌ مُشْتَرَكٌ يَنْطَوِي تَحْتَهُ مَعَانٍ مُخْتَلِفَةٌ ، مِنْهَا : مَا ذَكَرْنَا مِنْ السَّفَهِ فِي الدِّينِ ، وَذَلِكَ لَا يَسْتَحِقُّ بِهِ الْحَجْرَ لِأَنَّ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ سُفَهَاءُ وَهُمْ غَيْرُ مُسْتَحِقِّينَ لِلْحَجْرِ فِي أَمْوَالِهِمْ.","part":10,"page":144},{"id":4036,"text":"وَمِنْهَا : السَّفَهُ الَّذِي هُوَ الْبِذَاءُ وَالتَّسَرُّعُ إلَى سُوءِ اللَّفْظِ ، وَقَدْ يَكُونُ السَّفِيهُ بِهَذَا الضَّرْبِ مِنْ السَّفَهِ مُصْلِحًا لِمَالِهِ غَيْرَ مُفْسِدِهِ وَلَا مُبَذِّرِهِ ؛ وَقَالَ تَعَالَى : { إلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ } قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ : يُرِيدُ أَهْلَكَهَا وَأَوْبَقَهَا.\rوَرُوِيَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ حِينَ قَالَ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { إنِّي أُحِبُّ أَنْ يَكُونَ رَأْسِي دَهِينًا وَقَمِيصِي غَسِيلًا وَشِرَاكُ نَعْلِي جَدِيدًا ، أَفَمِنْ الْكِبْرِ هُوَ يَا رَسُولَ اللَّهِ ؟ قَالَ : لَا إنَّمَا الْكِبْرُ مَنْ سَفِهَ الْحَقَّ وَغَمَطَ النَّاسَ } وَهَذَا يُشْبِهُ أَنْ يُرِيدَ : مَنْ جَهِلَ الْحَقَّ لِأَنَّ الْجَهْلَ يُسَمَّى سَفَهًا وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ. أ هـ {أحكام القرآن للجصاص حـ 2 صـ 212 ـ 215}","part":10,"page":145},{"id":4037,"text":"قوله تعالى : { وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَى وَلَا يَأْبَ الشُّهَدَاءُ إِذَا مَا دُعُوا}\rالمناسبة\rقال البقاعى : \rولما لم يكن بين الكتابة والشهادة ملازمة نص عليها وبين أهلها فقال : {واستشهدوا} أي اطلبوا الشهادة وأوجدوها مع الكتابة ودونها {شهيدين} قال الحرالي فجعل شهادة الدين باثنين كما جعل الشاهد في الدين اثنين : شاهد التفكر في الآيات المرئية وشاهد التدبر للآيات المسموعة ، \rوفي صيغة فعيل مبالغة في المعنى في تحقق الوصف بالاستبصار والخبرة - انتهى.\rولما بيّن عدد الشاهد بيّن نوعه فقال : {من رجالكم} وأعلم بالإضافة اشتراط كونه مسلماً وإطلاق هذا الذي ينصرف إلى الكامل مع ما يؤيده في الآية يفهم الحريّة كقوله {ولا يأب الشهداء} والإتيان بصيغة المبالغة في الشاهد وتقييده مع ذلك بالرضى وتعريف الشهداء ونحوه.\rقال الحرالي : ولكثرة المداينة وعمومها وسع فيها الشهادة فقال : {فإن لم يكونا} أي الشاهدان {رجلين} أي على صفة الرجولية كلاهما {فرجل وامرأتان} وفي عموم معنى الكون إشعار بتطرق شهادة المرأتين مع إمكان طلب الرجل بوجه ما من حيث لم يكن ، \rفإن لم تجدوا ففيه تهدف للخلاف بوجه ما من حيث إن شمول الكتاب توسعة في العلم سواء كان على تساو أو على ترتب ؛ ولما كنّ ناقصات عقل ودين جعل ثنتان منهن مكان رجل - انتهى.\rولما بيّن العدد بيّن الوصف فقال : {ممن ترضون} أي في العدالة {من الشهداء} هذا في الديون ونحوها.","part":10,"page":146},{"id":4038,"text":"قال الحرالي : وفي مفهوم الشهادة استبصار نظر الشاهد لما في الشهود من إدراك معنى خفي في صورة ظاهر يهدي إليها النظر النافذ - انتهى.\rولما شرط في القيام مقام الواحد من الرجال العدد من النساء علله بما يشير إلى نقص الضبط فيهن فقال : {أن تضل إحداهما} أي تغيب عنها الشهادة فتنساها أو شيئاً منها {فتذكر إحداهما الأخرى} فتهتدي إلى ما ضلت عنه بواسطة الذاكرة.\rقال الحرالي : بما هي أعرف بمداخل الضلال عليها ، \rلأن المتقاربين أقرب في التعاون ، \rوفي قراءتي التخفيف والتثقيل إشعار بتصنيف النساء صنفين في رتبة هذه الشهادة من يلحقها الضلال عن بعض ما شهدت فيه حتى تذكر بالتخفيف ولا يتكرر عليها ذلك ومن شأنها أن يتكرر عليها ذلك ، \rوفي إبهامه بلفظ إحدى أي من غير اقتصار على الضمير الذي يعين ما يرجع إليه إشعار أن ذلك يقع بينهما متناوباً حتى ربما ضلت هذه عن وجه وضلت تلك عن وجه آخر فأذكرت كل واحدة منهما صاحبتها فلذلك يقوم بهما معاً شاهد واحد حافظ - انتهى.\rوفي ذكر الإذكار منع من الشهادة بدون الذكر ، \rوالآية من الاحتباك.\rولما أفهم ذلك الحث على الشهادة صرح به في قوله : {ولا يأب الشهداء} أي تحمل الشهادة وأدائها بعد التحمل {إذا ما دعوا} دعاء جازماً بما أفهمته زيادة ما. أ هـ {نظم الدرر حـ 1 صـ 547}\rفائدة\rقال الفخر : \rاعلم أن المقصود من الكتابة هو الاستشهاد لكي يتمكن بالشهود عند الجحود من التوصل إلى تحصيل الحق. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 7 صـ 98}\rفائدة\rقال القرطبى : \rقوله تعالى : { شَهِيدَيْنِ } رتّب الله سبحانه الشهادة بحكمته في الحقوق المالية والبدنية والحدود وجعل في كل فَنٍّ شهيدين إلا في الزِّنَا ، على ما يأتي بيانه في سورة \"النساء\".\rوشهيدٌ بناءُ مبالغة ؛ وفي ذلك دلالةٌ على من شهد وتكرر ذلك منه ، فكأنه إشارة إلى العدالة.\rوالله أعلم. أ هـ {تفسير القرطبى حـ 3 صـ 389}\rوقال ابن العربى : \rجَعَلَهَا فِي كُلِّ فَنٍّ شَهِيدَيْنِ ، إلَّا فِي الزِّنَا فَإِنَّهُ قَرَنَ ثُبُوتَهَا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ ، تَأْكِيدًا فِي السَّتْرِ. أ هـ {أحكام القرآن لابن العربى حـ 1 صـ 332}\rلطيفة\rقال ابن عاشور : ","part":10,"page":147},{"id":4039,"text":"إنّما جعَل القرآن كاتباً وشاهدين لندرة الجمع بين معرفة الكتابة وأهلية الشهادة. أ هـ {التحرير والتنوير حـ 3 صـ 105}\rفائدة\rقال الفخر : \rالإضافة في قوله {مّن رّجَالِكُمْ} فيه وجوه\rالأول : يعني من أهل ملتكم وهم المسلمون\rوالثاني : قال بعضهم : يعني الأحرار\rوالثالث : {مّن رّجَالِكُمْ} الذين تعتدونهم للشهادة بسبب العدالة. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 7 صـ 98}\rقال القرطبى : \rقوله تعالى : { مِّن رِّجَالِكُمْ } نَصُّ في رَفضْ الكفار والصبيان والنساء ، وأما العبيد فاللفظ يتناولهم.\rوقال مجاهد : المراد الأحرار ، واختاره القاضي أبو إسحاق وأطْنَب فيه.\rوقد اختلف العلماء في شهادة العبيد ، فقال شُريح وعثمان البَتِّى وأحمد وإسحاق وأبو ثور : شهادة العبد جائزة إذا كان عدلاً ؛ وغلَّبوا لفظ الآَية.\rوقال مالك وأبو حنيفة والشافعي وجمهور العلماء : لا تجوز شهادة العبد ؛ وغلَّبوا نقص الرق ، وأجازها الشعبي والنخعي في الشيء اليسير. أ هـ {تفسير القرطبى حـ 3 صـ 389 ـ 390}\rكلام نفيس لابن عاشور فى هذا الموضع\rقال عليه الرحمة : \rوقوله : { من رجالكم } أي من رجال المسلمين ، فحصل به شرطان : أنّهم رجال ، وأنّهم ممّن يشملهم الضمير.\rوضمير جماعة المخاطبين مراد به المسلمون لقوله في طالعة هذه الأحكام يأيها الذين آمنوا.\rوأما الصبيّ فلم يعتبره الشرع لضعف عقله عن الإحاطة بمواقع الإشهاد ومداخل التهم.\rوالرجل في أصل اللغة يفيد وصف الذكورة فخرجت الإناث ، ويفيد البلوغ فخرج الصبيان ، والضمير المضاف إليه أفاد وصف الإسلام.","part":10,"page":148},{"id":4040,"text":"فأما الأنثى فيذكر حكمها بعد هذا ، وأما الكافر فلأنّ اختلاف الدِّين يوجب التباعد في الأحوال والمعاشرات والآداب فلا تمكن الإحاطة بأحوال العدول والمرتابين من الفريقين ، كيف وقد اشترط في تزكية المسلمين شدة المخالطة ، ولأنّه قد عرف من غالب أهل الملل استخفاف المخالف في الدين بحقوق مخالفه ، وذلك من تخليط الحقوق والجهل بواجبات الدين الإسلامي.\rفإنّ الأديان السالفة لم تتعرّض لاحترام حقوق المخالفين ، فتوَهَم أَتْباعهم دحضها.\rوقد حكى الله عنهم أنّهم قالوا : \"ليس علينا في الأمّيين سبيل\".\rوهذه نصوص التوراة في مواضع كثيرة تنهى عن أشياء أو تأمر بأشياء وتخصّها ببني إسرائيل ، وتسوغ مخالفة ذلك مع الغريب ، ولم نر في دين من الأديان التصريحَ بالتسوية في الحقوق سوى دين الإسلام ، فكيف نعتدّ بشهادة هؤلاء الذين يرون المسلمين مارقين عن دين الحق مناوئين لهم ، ويرمون بذلك نبيئهم فمن دونه ، فماذا يرجَى من هؤلاء أن يقولوا الحق لهم أو عليهم والنصْرانية تابعة لأحكام التوراة.\rعلى أنّ تجافي أهل الأديان أمر كان كالجبليّ فهذا الإسلام مع أمره المسلمين بالعدل مع أهل الذمة لا نرى منهم امتثالاً فيما يأمرهم به في شأنهم.\rوفي القرآن إيماء إلى هذه العلة \"ذلك بأنّهم قالوا ليس علينا في الأمّيين سبيل\".\rوفي \"البخاري\" ، في حديث أبي قلابة في مجلس عمر بن عبد العزيز.\rوما روي عن سهل بن أبي حَثْمة الأنصاري : أنّ نفراً من قومه ذهبوا إلى خيبر فتفرّقوا بها ، فوجدوا أحدهم قتيلاً ، فقالوا للذين وجد فيهم القتيل أنتم قتلتم صاحبنا ، قالوا ما قتلنا ، فانطلقوا إلى النبي صلى الله عليه وسلم فشكَوْا إليه ، فقال لهم : \" تأتون بالبيّنة على من قتله \" قالوا : \"ما لنا بيّنة\" ، قال : \" فتحلف لكم يهودُ خمسين يميناً \" قالوا : \"ما يُبالُون أن يقتلونا أجمعين ثم يحلفون\" ، فكرِه رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يُبطل دمَه ووَدَاه من مال الصدقة.","part":10,"page":149},{"id":4041,"text":"فقد أقر النبي صلى الله عليه وسلم قولَ الأنصار في اليهود : إنّهم ما يبالون أن يقتلوا كل القوم ثم يحلفون.\rفإن قلت : كيف اعتدتّ الشريعة بيمين المدّعى عليه من الكفار ، قلت : اعتدّت بها لأنّها أقصى ما يمكن في دفع الدعوى ، فرأتْها الشريعة خيراً من إهمال الدعوى من أصلها. أ هـ {التحرير والتنوير حـ 3 صـ 106 ـ 107}\rفائدة\rقال القرطبى : \rقوله { مِّن رِّجَالِكُمْ } دليل على أن الأعمى من أهل الشهادة ، لكن إذا علم يقيناً ؛ مثل ما روي عن ابن عباس قال : \" سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الشهادة فقال : \"ترى هذه الشمس فاشهد على مِثلها أو دع\" \"\rوهذا يدل على اشتراط معاينة الشاهد لما يشهد به ، لا من يشهد بالاستدلال الذي يجوز أن يخطىء.\rنعم يجوز له وَطْءُ امرأته إذا عرف صوتها ؛ لأن الإقدام على الوطءِ جائز بغلبة الظن ؛ فلو زُفّت إليه امرأة وقيل : هذه امرأتك وهو لا يعرفها جاز له وطؤها ، ويحل له قبول هدية جاءته بقول الرسول.\rولو أخبره مخبر عن زيد بإقرار أو بيع أو قذْف أو غصب لما جاز له إقامة الشهادة على المخْبَر عنه ؛ لأن سبيل الشهادة اليقين ، وفي غيرها يجوز استعمال غالب الظن ؛ ولذلك قال الشافعي وابن أبي ليلى وأبو يوسف : إذا علمه قبل العمى جازت الشهادة بعد العمى ؛ ويكون العمى الحائل بينه وبين المشهود عليه كالغيبة والموت في المشهود عليه.\rفهذا مذهب هؤلاء.\rوالذي يمنع أداء الأعمى فيما تحمّل بصيراً لا وجه له ، وتصح شهادته بالنسب الذي يثبت بالخبر المستفيض ، كما يخبر عما تواتر حكمه من الرسول صلى الله عليه وسلم.\rومن العلماء من قبِل شهادة الأعمى فيما طريقه الصوت ؛ لأنه رأى الاستدلال بذلك يترقى إلى حدّ اليقين ، ورأى أن اشتباه الأصوات كاشتباه الصّوَر والألوان.\rوهذا ضعيف يلزم منه جواز الاعتماد على الصوت للبصير.\rقلت : مذهب مالك في شهادة الأعمى على الصوت جائزة في الطلاق وغيره إذا عرف الصوت.\rقال ابن قاسم : قلت لمالك : فالرجل يسمع جاره من وراء الحائط ولا يراه ، يسمعه يطلق امرأته فيشهد عليه وقد عرف الصوت ؟ قال قال مالك : شهادته جائزة.\rوقال ذلك علي بن أبي طالب والقاسم بن محمد وشُرَيح الكندي والشَّعْبي وعطاء بن أبي رَبَاح ويحي بن سعيد وربيعة وإبراهيم النخعي ومالك والليث. أ هـ {تفسير القرطبى حـ 3 صـ 390 ـ 391}\rمن فوائد العلامة السبكى : \rقَالَ الشَّيْخُ الإِمَامُ رَحِمَهُ اللَّهُ : (مَسْأَلَةٌ) جَرَى الْبَحْثُ فِي الْغَزَالِيَّةِ فِي أَوَاخِرِ رَبِيعٍ الآخَرَ سَنَةَ خَمْسٍ وَأَرْبَعِينَ وَسَبْعِمِائَةٍ فِي قَوْله تَعَالَى {وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ} فَقُلْتُ قَوْلُهُ \" مِنْ \" إشَارَةٌ إلَى الْمُسْلِمِينَ الأَحْرَارِ ، لأَنَّهُمْ الَّذِينَ يَتَدَايَنُونَ غَالِبًا وَالرَّقِيقُ لا يَتَدَايَنُ غَالِبًا. فَقَالَ بَعْضُ الْحَاضِرِينَ وَهُوَ الْوَلَدُ عَبْدُ الْوَهَّابِ هَذَا يَثْبُتُ عَلَى أَنَّ الإِمَامَ يَخُصُّ بِالْعَادَةِ وَالصَّحِيحُ خِلافُهُ فَلا يَلْزَمُ مِنْ كَوْنِ الْمُدَايِنَةِ بَيْنَ الأَحْرَارِ فِي الْغَالِبِ أَنْ يَخْتَصَّ الْخِطَابُ بِهِمْ لأَنَّهُ عَامٌ. قُلْت لا نُسَلِّمُ وَطَالَتْ هَذِهِ الْمُمَانَعَةُ وَلَمْ يَتَبَيَّنْ لِلْجَمَاعَةِ سَنَدُ الْمَنْعِ فَبَيَّنْته لَهُمْ وَهُوَ أَنَّ الْمُخَاطَبَ أَيْ وَهُوَ اسْمٌ مُبْهَمٌ لا عُمُومَ لَهُ لَكِنَّهُ نَعْتٌ بِاَلَّذِينَ آمَنُوا وَلا يَلْزَمُ مِنْ نَعْتِهِ بِالْعَامِ أَنْ يَكُونَ عَامًّا بَلْ هُوَ بَاقٍ عَلَى إطْلاقِهِ فَتَكُونُ جُمْلَةُ \" عَلَى الأَحْرَارِ \" تَقْيِيدًا لا تَخْصِيصًا بَلْ أَقُولُ إنَّهُ لَيْسَ تَقْيِيدًا أَيْضًا بَلْ لِبَيَانِ الْمُخَاطَبِ مَنْ هُوَ وَكَذَلِكَ يُصْرَفُ بِأَيِّ قَرِينَةٍ اتَّفَقَ وَلا يُسَمَّى تَخْصِيصًا كَمَا تَقُولُ \" هَذَا \" مُشِيرًا إلَى شَخْصٍ فَيُعْرَفُ بِالإِشَارَةِ أَنَّهُ الْمُرَادُ بِقَوْلِك \" هَذَا \" وَلا يُسَمَّى تَخْصِيصًا وَلا تَقْيِيدًا. وَلَيْسَ هَذَا مِنْ بَابِ مَا يُنْظَرُ فِيهِ إلَى بَابِ مَدْلُولِ اللَّفْظِ حَتَّى يُدْعَى تَعْمِيمُ النَّكِرَةِ بِعُمُومِ صِفَتِهَا ؛ كَمَا يَقُولُهُ الْحَنَفِيَّةُ ، لأَنَّ ذَلِكَ فِيمَا يَكُونُ الْحُكْمُ فِيهِ شَرْطًا بِمُقْتَضَاهُ ، وَهَذَا الْحُكْمُ مَنُوطٌ بِالْمَقْصُودِ بِالنِّدَاءِ وَهُوَ أَمْرٌ لا دَلالَةَ لِلَّفْظِ عَلَيْهِ بَلْ لِمَا تَدُلُّ الْقَرَائِنُ عَلَيْهِ ، فَلا جَرَمَ امْتَنَعَ دَعْوَى الْعُمُومِ فِيهِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ انْتَهَى. أ هـ {فتاوى السبكى حـ 1 صـ 36 ـ 37}","part":10,"page":150},{"id":4042,"text":"فائدة\rقال الجصاص : \rقَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ : { وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ } قَالَ أَبُو بَكْرٍ : لَمَّا كَانَ ابْتِدَاءُ الْخِطَابِ لِلْمُؤْمِنِينَ فِي قَوْلِهِ : { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إلَى أَجَلٍ } ثُمَّ عَطَفَ عَلَيْهِ قَوْله تَعَالَى : { وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ } دَلَّ ذَلِكَ عَلَى مَعْنَيَيْنِ : أَحَدِهِمَا أَنْ يَكُونَ مِنْ صِفَةِ الشُّهُودِ ؛ لِأَنَّ الْخِطَابَ تَوَجَّهَ إلَيْهِمْ بِصِفَةِ الْإِيمَانِ ؛ وَلَمَّا قَالَ فِي نَسَقِ الْخِطَابِ : { مِنْ رِجَالِكُمْ } كَانَ كَقَوْلِهِ مِنْ رِجَالِ الْمُؤْمِنِينَ ، فَاقْتَضَى ذَلِكَ كَوْنَ الْإِيمَانِ شَرْطًا فِي الشَّهَادَةِ عَلَى الْمُسْلِمِينَ.\rوَالْمَعْنَى الْآخَرِ : الْحُرِّيَّةِ وَذَلِكَ لِمَا فِي فَحْوَى الْخِطَابِ مِنْ الدَّلَالَةِ مِنْ وَجْهَيْنِ : أَحَدِهِمَا قَوْله تَعَالَى : { إذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ } إلَى قَوْله تَعَالَى : { وَلْيُمْلِلْ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ } وَذَلِكَ فِي الْأَحْرَارِ دُونَ الْعَبِيدِ ؛ وَالدَّلِيلُ عَلَيْهِ أَنَّ الْعَبْدَ لَا يَمْلِكُ عُقُودَ الْمُدَايَنَاتِ وَإِذَا أَقَرَّ بِشَيْءٍ لَمْ يَجُزْ إقْرَارُهُ إلَّا بِإِذْنِ مَوْلَاهُ ، وَالْخِطَابُ إنَّمَا تَوَجَّهَ إلَى مَنْ يَمْلِكُ ذَلِكَ عَلَى الْإِطْلَاقِ مِنْ غَيْرِ إذْنِ الْغَيْرِ ، فَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّ مِنْ شَرْطِ هَذِهِ الشَّهَادَةِ الْحُرِّيَّةَ.","part":10,"page":151},{"id":4043,"text":"وَالْمَعْنَى الْآخَرِ مِنْ دَلَالَةِ الْخِطَابِ : قَوْله تَعَالَى : { مِنْ رِجَالِكُمْ } فَظَاهِرُ هَذَا اللَّفْظِ يَقْتَضِي الْإِحْرَازَ ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى : { وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ } يَعْنِي الْأَحْرَارَ ، أَلَا تَرَى أَنَّهُ عَطَفَ عَلَيْهِ قَوْله تَعَالَى : { وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ } فَلَمْ يَدْخُلْ الْعَبِيدُ فِي قَوْله تَعَالَى مِنْكُمْ ؟ وَفِي ذَلِكَ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ مِنْ شَرْطِ هَذِهِ الشَّهَادَةِ الْإِسْلَامَ وَالْحُرِّيَّةَ جَمِيعًا ، وَأَنَّ شَهَادَةَ الْعَبْدِ غَيْرُ جَائِزَةٍ ؛ لِأَنَّ أَوَامِرَ اللَّهِ تَعَالَى عَلَى الْوُجُوبِ وَقَدْ أَمَرَ بِاسْتِشْهَادِ الْأَحْرَارِ فَلَا يَجُوزُ غَيْرُهُمْ.\rوَقَدْ رُوِيَ عَنْ مُجَاهِدٍ فِي قَوْله تَعَالَى : { وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ } قَالَ : ( الْأَحْرَارُ ).\rفَإِنْ قِيلَ : إنَّ مَا ذَكَرْت إنَّمَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْعَبْدَ غَيْرُ دَاخِلٍ فِي الْآيَةِ وَلَا دَلَالَةَ فِيهَا عَلَى بُطْلَانِ شَهَادَتِهِ.\rقِيلَ لَهُ : لَمَّا ثَبَتَ بِفَحْوَى خِطَابِ الْآيَةِ أَنَّ الْمُرَادَ بِهَا الْأَحْرَارُ.\rوَكَانَ قَوْله تَعَالَى : { وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ } أَمْرًا مُقْتَضِيًا لِلْإِيجَابِ ، وَكَانَ بِمَنْزِلَةِ قَوْله تَعَالَى ( وَاسْتَشْهِدُوا رَجُلَيْنِ مِنْ الْأَحْرَارِ ) فَغَيْرُ جَائِزٍ لِأَحَدٍ إسْقَاطُ شَرْطِ الْحُرِّيَّةِ ؛ لِأَنَّهُ لَوْ جَازَ ذَلِكَ لَجَازَ إسْقَاطُ الْعَدَدِ ؛ وَفِي ذَلِكَ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْآيَةَ قَدْ تَضَمَّنَتْ بُطْلَانَ شَهَادَةِ الْعَبِيدِ. أ هـ {أحكام القرآن للجصاص حـ 2 صـ 221 ـ 222}","part":10,"page":152},{"id":4044,"text":"فصل\rقال القرطبى : \rقوله تعالى : { فَإِن لَّمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وامرأتان } المعنى إن لم يأت الطالب برجلين فليأت برجل وامرأتين ؛ هذا قول الجمهور.\r\"فَرَجُلٌ\" رفع بالابتداء ، { وامرأتان } عطف عليه والخبر محذوف.\rأي فرجل وامرأتان يقومان مقامهما.\rويجوز النصب في غير القرآن ، أي فاستشهدوا رجلاً وامرأتين.\rوحكى سيبويه : إنْ خنجراً فخنجراً.\rوقال قوم : بل المعنى فإن لم يكن رجلان ، أي لم يوجدا فلا يجوز استشهاد المرأتين إلا مع عدم الرجال.\rقال ابن عطية : وهذا ضعيف ، فلفظ الآية لا يعطيه ، بل الظاهر منه قول الجمهور ، أي إن لم يكن المستشهد رجلين ، أي إن أغفل ذلك صاحب الحق أو قصده لعذرٍ مّا فليستشهد رجلاً وامرأتين.\rفجعل تعالى شهادة المرأتين مع الرجل جائزة مع وجود الرجلين في هذه الآية ، ولم يذكرها في غيرها ، فأجيزت في الأموال خاصة في قول الجمهور ، بشرط أن يكون معهما رجل.\rوإنما كان ذلك في الأموال دون غيرها ؛ لأن الأموال كثر الله أسباب تَوْثيقها لكثرة جهات تحصيلها وعموم البلْوَى بها وتكررها ؛ فجعل فيها التَوثُّق تارة بالكتْبَة وتارة بالإشهاد وتارة بالرهن وتارة بالضمان ، وأدخل في جميع ذلك شهادة النساء مع الرجال.\rولا يتوهّم عاقل أن قوله تعالى { إِذَا تَدَايَنتُم بِدَيْنٍ } يشتمل على دَيْن المهر مع البُضْع ، وعلى الصلح على دم العمد ، فإن تلك الشهادة ليست شهادة على الدَّيْن ، بل هي شهادة على النكاح.\rوأجاز العلماء شهادتهنّ منفردات فيما لا يطّلع عليه غيرهنّ للضرورة.\rوعلى مثل ذلك أُجيزت شهادة الصبيان في الجراح فيما بينهم للضرورة.\rوقد اختلف العلماء في شهادة الصبيان في الجراح. أ هـ {تفسير القرطبى حـ 3 صـ 391}\rلطيفة\rقال ابن عاشور : \rوجيء في الآية بكان الناقصة مع التمكّن من أن يقال فإن لم يكنْ رجلان لئلاّ يتوهم منه أنّ شهادة المرأتين لا تقبل إلاّ عند تعذّر الرجلين كما توهّمه قوم ، وهو خلاف قول الجمهور لأنّ مقصود الشارع التوسعة على المتعاملين.\rوفيه مرمى آخر وهو تعويدهم بإدخال المرأة في شؤون الحياة إذ كانت في الجاهلية لا تشترك في هذه الشؤون ، فجعل الله المرأتين مقام الرجل الواحد وعلّل ذلك بقوله : { أن تضل إحداهما فتذكر إحداهما الأخرى } ، وهذه حيطة أخرى من تحريف الشهادة وهي خشية الاشتباه والنسيانِ لأنّ المرأة أضعف من الرجل بأصل الجبلّة بحسب الغالب ، والضلال هنا بمعنى النسيان. أ هـ {التحرير والتنوير حـ 3 صـ 109}","part":10,"page":153},{"id":4045,"text":"فائدة\rقال ابن العربى : \rقَوْله تَعَالَى : { أَنْ تَضِلَّ إحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إحْدَاهُمَا الْأُخْرَى } فَكَرَّرَ قَوْلَهُ : \" إحْدَاهُمَا \" وَكَانَتْ الْحِكْمَةُ فِيهِ أَنَّهُ لَوْ قَالَ : أَنْ تَضِلَّ إحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ الْأُخْرَى ، لَكَانَتْ شَهَادَةً وَاحِدَةً ، وَكَذَلِكَ لَوْ قَالَ : فَتُذَكِّرَهَا الْأُخْرَى لَكَانَ الْبَيَانُ مِنْ جِهَةٍ وَاحِدَةٍ لِتَذْكِرَةِ الذَّاكِرَةِ النَّاسِيَةِ ، فَلَمَّا كَرَّرَ إحْدَاهُمَا أَفَادَ تَذْكِرَةَ الذَّاكِرَةِ لِلْغَافِلَةِ وَتَذْكِرَةَ الْغَافِلَةِ لِلذَّاكِرَةِ أَيْضًا لَوْ انْقَلَبَتْ الْحَالُ فِيهِمَا بِأَنْ تَذْكُرَ الْغَافِلَةُ وَتَغْفُلَ الذَّاكِرَةُ ؛ وَذَلِكَ غَايَةٌ فِي الْبَيَانِ. أ هـ {أحكام القرآن لابن العربى حـ 1 صـ 338}","part":10,"page":154},{"id":4046,"text":"فائدة\rقال الجصاص : \rقَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ : { فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ } قَالَ أَبُو بَكْرٍ : أَوْجَبَ بَدِيًّا اسْتِشْهَادَ شَهِيدَيْنِ ، وَهُمَا الشَّاهِدَانِ ؛ لِأَنَّ الشَّهِيدَ وَالشَّاهِدَ وَاحِدٌ كَمَا أَنَّ عَلِيمًا وَعَالِمًا وَاحِدٌ وَقَادِرًا وَقَدِيرًا وَاحِدٌ ، ثُمَّ عَطَفَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ : { فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ } يَعْنِي إنْ لَمْ يَكُنْ الشَّهِيدَانِ رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ فَلَا يَخْلُو قَوْلُهُ : { فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ } مِنْ أَنْ يُرِيدَ بِهِ ( فَإِنْ لَمْ يُوجَدْ رَجُلَانِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ ) كَقَوْلِهِ : { فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا } وَكَقَوْلِهِ : { فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا } ثُمَّ قَالَ : { فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ } إلَى قَوْلِهِ : { فَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا } وَمَا جَرَى مَجْرَى ذَلِكَ فِي الْأَبْدَالِ الَّتِي أُقِيمَتْ مَقَامَ أَصْلِ الْفَرْضِ عِنْدَ عَدَمِهِ.","part":10,"page":155},{"id":4047,"text":"أَوْ أَنْ يَكُونَ مُرَادُهُ : ( فَإِنْ لَمْ يَكُنْ الشَّهِيدَانِ رَجُلَيْنِ فَالشَّهِيدَانِ رَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ ) فَأَفَادَنَا إثْبَاتَ هَذَا الِاسْمِ لِلرَّجُلِ وَالْمَرْأَتَيْنِ حَتَّى يُعْتَبَرَ عُمُومُهُ فِي جَوَازِ شَهَادَتِهِمَا مَعَ الرَّجُلِ فِي سَائِرِ الْحُقُوقِ ، إلَّا مَا قَامَ دَلِيلُهُ ؛ فَلَمَّا اتَّفَقَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى جَوَازِ شَهَادَةِ رَجُلٍ وَامْرَأَتَيْنِ مَقَامَ رَجُلٍ عِنْدَ عَدَمِ الرَّجُلَيْنِ فَثَبَتَ الْوَجْهُ الثَّانِي ، وَهُوَ أَنَّهُ أَرَادَ تَسْمِيَةَ الرَّجُلِ وَالْمَرْأَتَيْنِ شَهِيدَيْنِ ، فَيَكُونُ ذَلِكَ اسْمًا شَرْعِيًّا يَجِبُ اعْتِبَارُهُ فِيمَا أُمِرْنَا فِيهِ بِاسْتِشْهَادِ شَهِيدَيْنِ ، إلَّا مَوْضِعًا قَامَ الدَّلِيلُ عَلَيْهِ فَيَصِحُّ الِاسْتِدْلَال بِعُمُومِهِ فِي قَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { لَا نِكَاحَ إلَّا بِوَلِيٍّ وَشَاهِدَيْنِ } وَإِثْبَاتُ النِّكَاحِ وَالْحُكْمُ بِشَهَادَةِ رَجُلٍ وَامْرَأَتَيْنِ ؛ إذْ قَدْ لَحِقَ اسْمُ شَهِيدَيْنِ ، وَقَدْ أَجَازَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ النِّكَاحَ بِشَهَادَةِ شَاهِدَيْنِ. أ هـ {أحكام القرآن للجصاص حـ 2 صـ 230 ـ 231}","part":10,"page":156},{"id":4048,"text":"لطيفة\rقال ابن العربى : \rفَضَّلَ اللَّهُ تَعَالَى الذَّكَرَ عَلَى الْأُنْثَى مِنْ سِتَّةِ أَوْجُهٍ : الْأَوَّلُ : أَنَّهُ جُعِلَ أَصْلَهَا وَجُعِلَتْ فَرْعَهُ ؛ لِأَنَّهَا خُلِقَتْ مِنْهُ ، كَمَا ذَكَرَ اللَّهُ تَعَالَى فِي كِتَابِهِ.\rالثَّانِي : أَنَّهَا خُلِقَتْ مِنْ ضِلْعِهِ الْعَوْجَاءِ ، قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { إنَّ الْمَرْأَةَ خُلِقَتْ مِنْ ضِلْعٍ أَعْوَجَ ، فَإِنْ ذَهَبْت تُقِيمُهَا كَسَرْتهَا ، وَإِنْ اسْتَمْتَعْت بِهَا اسْتَمْتَعْت بِهَا عَلَى عِوَجٍ ، وَقَالَ : وَكَسْرُهَا طَلَاقُهَا }.\rالثَّالِثُ : أَنَّهُ نَقْصُ دِينِهَا.\rالرَّابِعُ : أَنَّهُ نَقْصُ عَقْلِهَا ، وَفِي الْحَدِيثِ : { مَا رَأَيْت مِنْ نَاقِصَاتِ عَقْلٍ وَدِينٍ أَذْهَبَ لِلُبِّ الرَّجُلِ الْحَازِمِ مِنْكُنَّ.\rقُلْنَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ؛ وَمَا نُقْصَانُ دِينِنَا وَعَقْلِنَا ؟ قَالَ : أَلَيْسَ تَمْكُثُ إحْدَاكُنَّ اللَّيَالِيَ لَا تَصُومُ وَلَا تُصَلِّي ، وَشَهَادَةُ إحْدَاكُنَّ عَلَى نِصْفِ شَهَادَةِ الرَّجُلِ ؟ }.\rالْخَامِسُ : أَنَّهُ نَقْصُ حَظِّهَا فِي الْمِيرَاثِ.\rقَالَ اللَّهُ تَعَالَى : { لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ } السَّادِسُ : أَنَّهَا نَقَصَتْ قُوَّتُهَا ؛ فَلَا تُقَاتِلُ وَلَا يُسْهَمُ لَهَا ، وَهَذِهِ كُلُّهَا مَعَانٍ حُكْمِيَّةٌ.","part":10,"page":157},{"id":4049,"text":"فَإِنْ قِيلَ : كَيْفَ نُسِبَ النَّقْصُ إلَيْهِنَّ وَلَيْسَ مِنْ فِعْلِهِنَّ ؟ قُلْنَا : هَذَا مِنْ عَدْلِ اللَّهِ يَحُطُّ مَا شَاءَ وَيَرْفَعُ مَا شَاءَ ، وَيَقْضِي مَا أَرَادَ ، وَيَمْدَحُ وَيَلُومُ وَلَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ ؛ وَهَذَا لِأَنَّهُ خَلَقَ الْمَخْلُوقَاتِ مَنَازِلَ ، وَرَتَّبَهَا مَرَاتِبَ ؛ فَبَيَّنَ ذَلِكَ لَنَا فَعَلِمْنَا وَآمَنَّا بِهِ وَسَلَّمْنَاهُ. أ هـ {أحكام القرآن لابن العربى حـ 1 صـ 335 ـ 336}\rفائدة\rقال ابن العربى : \rقَوْله تَعَالَى : { فَتُذَكِّرَ إحْدَاهُمَا الْأُخْرَى } فِيهِ تَأْوِيلَانِ وَقِرَاءَتَانِ : إحْدَاهُمَا : أَنْ تَجْعَلَهَا ذِكْرًا ، وَهَذِهِ قِرَاءَةُ التَّخْفِيفِ.\rالثَّانِي : أَنْ تُنَبِّهَهَا إذَا غَفَلَتْ وَهِيَ قِرَاءَةُ التَّثْقِيلِ ؛ وَهُوَ التَّأْوِيلُ الصَّحِيحُ ، لِأَنَّهُ يَعْضُدُهُ قَوْله تَعَالَى : { أَنْ تَضِلَّ إحْدَاهُمَا } وَاَلَّذِي يَصِحُّ أَنْ يَعْقُبَ الضَّلَالَ وَالْغَفْلَةَ الذِّكْرُ ، وَيَدْخُلُ التَّأْوِيلُ الثَّانِي فِي مَعْنَاهُ.\rفَإِنْ قِيلَ : فَهَلَّا كَانَتْ امْرَأَةً وَاحِدَةً مَعَ رَجُلٍ فَيُذَكِّرَهَا الرَّجُلُ الَّذِي مَعَهَا إذَا نَسِيَتْ ؛ فَمَا الْحِكْمَةُ فِيهِ ؟ فَالْجَوَابُ فِيهِ أَنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ شَرَعَ مَا أَرَادَ ، وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْحِكْمَةِ وَأَوْفَى بِالْمَصْلَحَةِ ، وَلَيْسَ يَلْزَمُ أَنْ يَعْلَمَ الْخَلْقُ وُجُوهَ الْحِكْمَةِ وَأَنْوَاعَ الْمَصَالِحِ فِي الْأَحْكَامِ ، وَقَدْ أَشَارَ عُلَمَاؤُنَا أَنَّهُ لَوْ ذَكَّرَهَا إذَا نَسِيَتْ لَكَانَتْ شَهَادَةً وَاحِدَةً ، فَإِذَا كَانَتْ امْرَأَتَيْنِ وَذَكَّرَتْ إحْدَاهُمَا الْأُخْرَى كَانَتْ شَهَادَتُهُمَا شَهَادَةَ رَجُلٍ وَاحِدٍ ، كَالرَّجُلِ يَسْتَذْكِرُ فِي نَفْسِهِ فَيَتَذَكَّرُ. أ هـ {أحكام القرآن لابن العربى حـ 1 صـ 337}","part":10,"page":158},{"id":4050,"text":"قوله تعالى {مِمَّن تَرْضَوْنَ مِنَ الشهداء}\rقال القرطبى : \rلما قال الله تعالى : { مِمَّن تَرْضَوْنَ مِنَ الشهدآء } دل على أن في الشهود من لا يُرْضى ، فيجيء من ذلك أن الناس ليسوا محمولين على العدالة حتى تثبت لهم ، وذلك معنىً زائدٌ على الإسلام ؛ وهذا قول الجمهور.\rوقال أبو حنيفة : كل مسلم ظاهر الإسلام مع السلامة من فِسْق ظاهر فهو عَدْلٌ وإن كان مجهول الحال.\rوقال شُرَيح وعثمان الَبتِّى وأبو ثور : هم عدول المسلمين وإن كانوا عبيداً.\rقلت : فعمَّمُوا الحكم ؛ ويلزم منه قبول شهادة البَدَوي على الَقَروي إذا كان عدلاً مرضياً وبه قال الشافعي ومن وافقه ، وهو من رجالنا وأهل ديننا.\rوكونهُ بدَوِياً ككونه من بلد آخر والعمومات في القرآن الدالة على قبول شهادة العدول تسوِّي بين الَبَدوِي والقَرَوِي ؛ قال الله تعالى : { مِمَّن تَرْضَوْنَ مِنَ الشهدآء } وقال تعالى : { وَأَشْهِدُواْ ذَوَي عَدْلٍ مِّنكُمْ } [ الطلاق : 2 ] ف \"منكم \" خطاب للمسلمين.","part":10,"page":159},{"id":4051,"text":"وهذا يقتضي قطعاً أن يكون معنى العدالة زائداً على الإسلام ضرورةً ؛ لأن الصفة زائدة على الموصوف ، وكذلك { مِمَّن تَرْضَوْنَ } مثلهُ ، خلاف ما قال أبو حنيفة ، ثم لا يعلم كونه مرضياً حتى يُخْتَبر حاله ، فيلزمه ألا يكتفى بظاهر الإسلام. أ هـ {تفسير القرطبى حـ 3 صـ 395 ـ 396}\rفصل\rقال الفخر : \rاعلم أن هذه الآية تدل على أنه ليس كل أحد صالحاً للشهادة والفقهاء قالوا : شرائط قبول الشهادة عشرة أن يكون حراً بالغاً مسلماً عدلاً عالماً بما شهد به ولم يجر بتلك الشهادة منفعة إلى نفسه ولا يدفع بها مضرة عن نفسه ، ولا يكون معروفاً بكثرة الغلط ، ولا بترك المروأة ، ولا يكون بينه وبين من يشهد عليه عداوة. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 7 صـ 99}\rقال القرطبى : \rقوله تعالى : { مِمَّن تَرْضَوْنَ مِنَ الشهدآء } في موضع رفع على الصفة لرجل وامرأتين.\rقال ابن بُكيَر وغيره : هذه مخاطبة للحكّام.\rابن عطية : وهذا غير نبيل ، وإنما الخطاب لجميع الناس ، لكن المُتَلَبِّسِ بهذه القضية إنما هم الحكام ، وهذا كثير في كتاب الله يعمّ الخطاب فيما يتلبس به البعض. أ هـ {تفسير القرطبى حـ 3 صـ 395}","part":10,"page":160},{"id":4052,"text":"فائدة\rقال الجصاص : \rقَوْله تَعَالَى : { مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنْ الشُّهَدَاءِ } قَالَ أَبُو بَكْرٍ : لَمَّا كَانَتْ مَعْرِفَةُ دِيَانَاتِ النَّاسِ وَأَمَانَاتِهِمْ وَعَدَالَتِهِمْ إنَّمَا هِيَ مِنْ طَرِيقِ الظَّاهِرِ دُونَ الْحَقِيقَةِ ؛ إذْ لَا يَعْلَمُ ضَمَائِرَهُمْ وَلَا خَبَايَا أُمُورِهِمْ غَيْرُ اللَّهِ تَعَالَى ، ثُمَّ قَالَ تَعَالَى فِيمَا أَمَرَنَا بِاعْتِبَارِهِ مِنْ أَمْرِ الشُّهُودِ : { مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنْ الشُّهَدَاءِ } دَلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّ أَمْرَ تَعْدِيلِ الشُّهُودِ مَوْكُولٌ إلَى اجْتِهَادِ رَأْيِنَا وَمَا يَغْلِبُ فِي ظُنُونِنَا مِنْ عَدَالَتِهِمْ وَصَلَاحِ طَرَائِقِهِمْ.\rوَجَائِزٌ أَنْ يَغْلِبَ فِي ظَنِّ بَعْضِ النَّاسِ عَدَالَةُ شَاهِدٍ وَأَمَانَتُهُ فَيَكُونُ عِنْدَهُ رِضًى ، وَيَغْلِبُ فِي ظَنِّ غَيْرِهِ أَنَّهُ لَيْسَ بِرِضًى ؛ فَقَوْلُهُ : { مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنْ الشُّهَدَاءِ } مَبْنِيٌّ عَلَى غَالِبِ الظَّنِّ وَأَكْثَرِ الرَّأْيِ.\rوَاَلَّذِي بُنِيَ عَلَيْهِ أَمْرُ الشَّهَادَةِ أَشْيَاءُ ثَلَاثَةٌ : أَحَدُهَا الْعَدَالَةُ ، وَالْآخَرُ نَفْيُ التُّهْمَةِ وَإِنْ كَانَ عَدْلًا ، وَالثَّالِثُ : التَّيَقُّظُ وَالْحِفْظُ وَقِلَّةُ الْغَفْلَةِ.\rأَمَّا الْعَدَالَةُ فَأَصْلُهَا الْإِيمَانُ وَاجْتِنَابُ الْكَبَائِرِ وَمُرَاعَاةُ حُقُوقِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ فِي الْوَاجِبَاتِ وَالْمَسْنُونَاتِ وَصِدْقِ اللَّهْجَةِ وَالْأَمَانَةِ ، وَأَنْ لَا يَكُونَ مَحْدُودًا فِي قَذْفٍ.\rوَأَمَّا نَفْيُ التُّهْمَةِ فَأَنْ لَا يَكُونَ الْمَشْهُودُ لَهُ وَالِدًا وَلَا وَلَدًا أَوْ زَوْجًا وَزَوْجَةً ، وَأَنْ لَا يَكُونَ قَدْ شَهِدَ بِهَذِهِ الشَّهَادَةِ فَرُدَّتْ لِتُهْمَةٍ.\rفَشَهَادَةُ هَؤُلَاءِ غَيْرُ مَقْبُولَةٍ لِمَنْ ذَكَرْنَا وَإِنْ كَانُوا عُدُولًا مَرَضِيَّيْنِ.","part":10,"page":161},{"id":4053,"text":"وَأَمَّا التَّيَقُّظُ وَالْحِفْظُ وَقِلَّةُ الْغَفْلَةِ فَأَنْ لَا يَكُونَ غُفُولًا غَيْرَ مُجَرِّبٍ لِلْأُمُورِ ، فَإِنَّ مِثْلَهُ رُبَّمَا لُقِّنَ الشَّيْءَ فَتَلَقَّنَهُ ، وَرُبَّمَا جُوِّزَ عَلَيْهِ التَّزْوِيرُ فَشَهِدَ بِهِ.\rقَالَ ابْنُ رُسْتُمَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ فِي رَجُلٍ أَعْجَمِيٍّ صَوَّامٍ قَوَّامٍ مُغَفَّلٍ يُخْشَى عَلَيْهِ أَنْ يُلَقَّنَ فَيَأْخُذَ بِهِ ، قَالَ : هَذَا شَرٌّ مِنْ الْفَاسِقِ فِي شَهَادَتِهِ.\rوَحَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ سِيمَا الْمُحَبِّرُ قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ قَالَ : حَدَّثَنِي أَبِي قَالَ : حَدَّثَنَا أَسْوَدُ بْنُ عَامِرٍ قَالَ : حَدَّثَنَا ابْنُ هِلَالٍ عَنْ أَشْعَثَ الْحُدَّانِيِّ قَالَ : { قَالَ رَجُلٌ لِلْحَسَنِ : يَا أَبَا سَعِيدٍ إنَّ إيَاسًا رَدَّ شَهَادَتِي فَقَامَ مَعَهُ إلَيْهِ فَقَالَ : يَا مَلْكَعَانُ لِمَ رَدَدْت شَهَادَتَهُ ؟ أَوَ مَا بَلَغَك عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ : مَنْ اسْتَقْبَلَ قِبْلَتَنَا وَأَكَلَ مِنْ ذَبِيحَتِنَا فَذَلِكَ الْمُسْلِمُ الَّذِي لَهُ ذِمَّةُ اللَّهِ وَذِمَّةُ رَسُولِهِ } ؟ فَقَالَ : أَيُّهَا الشَّيْخُ أَمَا سَمِعْت اللَّهَ يَقُولُ : { مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنْ الشُّهَدَاءِ } ؟ وَإِنَّ صَاحِبَك هَذَا لَيْسَ نَرْضَاهُ.","part":10,"page":162},{"id":4054,"text":"وَحَدَّثَنَا عَبْدُ الْبَاقِي بْنُ قَانِعٍ قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْوَهَّابِ قَالَ : حَدَّثَنَا السِّرِّيُّ بْنُ عَاصِمٍ بِإِسْنَادٍ ذَكَرَهُ : أَنَّهُ شَهِدَ عِنْدَ إيَاسِ بْنِ مُعَاوِيَةَ رَجُلٌ مِنْ أَصْحَابِ الْحَسَنِ ، فَرَدَّ شَهَادَتَهُ ، فَبَلَغَ الْحَسَنُ وَقَالَ : قُومُوا بِنَا إلَيْهِ قَالَ : فَجَاءَ إلَى إيَاسٍ فَقَالَ : يَا لُكَعُ تَرُدُّ شَهَادَةَ رَجُلٍ مُسْلِمٍ ؟ فَقَالَ : نَعَمْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : { مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنْ الشُّهَدَاءِ } وَلَيْسَ هُوَ مِمَّنْ أَرْضَى.\rقَالَ : فَسَكَتَ الْحَسَنُ ، فَقَالَ خَصْمُ الشَّيْخِ : فَمِنْ شَرْطِ الرِّضَا لِلشَّهَادَةِ أَنْ يَكُونَ الشَّاهِدُ مُتَيَقِّظًا حَافِظًا لِمَا يَسْمَعُهُ مُتْقِنًا لِمَا يُؤَدِّيهِ.\rوَقَدْ ذَكَرَ بِشْرُ بْنُ الْوَلِيدِ عَنْ أَبِي يُوسُفَ فِي صِفَةِ الْعَدْلِ أَشْيَاءَ ، مِنْهَا أَنَّهُ قَالَ : ( مَنْ سَلِمَ مِنْ الْفَوَاحِشِ الَّتِي تَجِبُ فِيهَا الْحُدُودُ وَمَا يُشْبِهُ مَا تَجِبُ فِيهِ مِنْ الْعَظَائِمِ وَكَانَ يُؤَدِّي الْفَرَائِضَ وَأَخْلَاقُ الْبِرِّ فِيهِ أَكْثَرُ مِنْ الْمَعَاصِي الصِّغَارِ ، قَبِلْنَا شَهَادَتَهُ ؛ لِأَنَّهُ لَا يَسْلَمُ عَبْدٌ مِنْ ذَنْبٍ.\rوَإِنْ كَانَتْ ذُنُوبُهُ أَكْثَرَ مِنْ أَخْلَاقِ الْبِرِّ رَدَدْنَا شَهَادَتَهُ.","part":10,"page":163},{"id":4055,"text":"وَلَا تُقْبَلُ شَهَادَةُ مَنْ يَلْعَبُ بِالشِّطْرَنْجِ يُقَامِرُ عَلَيْهَا وَلَا مَنْ يَلْعَبُ بِالْحَمَامِ وَيُطَيِّرُهَا ، وَكَذَلِكَ مَنْ يُكْثِرُ الْحَلِفَ بِالْكَذِبِ لَا تَجُوزُ شَهَادَتُهُ ) قَالَ : ( وَإِذَا تَرَكَ الرَّجُلُ الصَّلَوَاتِ الْخَمْسَ فِي الْجَمَاعَةِ اسْتِخْفَافًا بِذَلِكَ أَوْ مَجَانَةً أَوْ فِسْقًا فَلَا تَجُوزُ شَهَادَتُهُ ، وَإِنَّ تَرَكَهَا عَلَى تَأْوِيلٍ وَكَانَ عَدْلًا فِيمَا سِوَى ذَلِكَ قُبِلَتْ شَهَادَتُهُ ) قَالَ : ( وَإِنْ دَاوَمَ عَلَى تَرْكِ رَكْعَتَيْ الْفَجْرِ لَمْ تُقْبَلْ شَهَادَتُهُ ، وَإِنْ كَانَ مَعْرُوفًا بِالْكَذِبِ الْفَاحِشِ لَمْ أَقْبَلُ شَهَادَتَهُ ، وَإِنْ كَانَ لَا يُعْرَفُ بِذَلِكَ وَرُبَّمَا اُبْتُلِيَ بِشَيْءٍ مِنْهُ وَالْخَيْرُ فِيهِ أَكْثَرُ مِنْ الشَّرِّ قُبِلَتْ شَهَادَتُهُ ، لَيْسَ يَسْلَمُ أَحَدٌ مِنْ الذُّنُوبِ ). أ هـ\rثم قال رحمه الله : \rوَهَذَا أَصْلٌ كَبِيرٌ فِي الدَّلَالَةِ عَلَى صِحَّةِ الْقَوْلِ بِاجْتِهَادِ الرَّأْيِ فِي أَحْكَامِ الْحَوَادِثِ ؛ إذْ كَانَتْ الشَّهَادَاتُ مِنْ مَعَالِمِ أُمُورِ الدِّينِ وَالدُّنْيَا ، وَقَدْ عُقِدَ بِهَا مَصَالِحُ الْخَلْقِ فِي وَثَائِقِهِمْ وَإِثْبَاتِ حُقُوقِهِمْ وَأَمْلَاكِهِمْ وَإِثْبَاتِ الْأَنْسَابِ وَالدِّمَاءِ وَالْفُرُوجِ ، وَهِيَ مَبْنِيَّةٌ عَلَى غَالِبِ الظَّنِّ وَأَكْثَرِ الرَّأْيِ ؛ إذْ لَا يُمْكِنُ أَحَدًا مِنْ النَّاسِ إمْضَاءُ حُكْمٍ بِشَهَادَةِ شُهُودٍ مِنْ طَرِيقِ حَقِيقَةِ الْعِلْمِ بِصِحَّةِ الْمَشْهُودِ بِهِ","part":10,"page":164},{"id":4056,"text":"وَهُوَ يَدُلُّ عَلَى بُطْلَانِ الْقَوْلِ بِإِمَامٍ مَعْصُومٍ فِي كُلِّ زَمَانٍ ؛ وَاحْتِجَاجُ مَنْ يَحْتَجُّ فِيهِ بِأَنَّ أُمُورَ الدِّينِ كُلَّهَا يَنْبَغِي أَنْ تَكُونَ مَبْنِيَّةً عَلَى مَا يُوجِبُ الْعِلْمَ الْحَقِيقِيَّ دُونَ غَالِبِ الظَّنِّ وَأَكْثَرِ الرَّأْيِ ، وَأَنَّهُ مَتَى لَمْ يَكُنْ إمَامٌ بِهَذِهِ الصِّفَةِ لَمْ يُؤْمَنْ الْخَطَأُ فِيهَا لِأَنَّ الرَّأْيَ يُخْطِئُ وَيُصِيبُ ؛ لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ كَمَا زَعَمُوا لَوَجَبَ أَنْ لَا تُقْبَلَ شَهَادَةُ الشُّهُودِ إلَّا أَنْ يَكُونُوا مَعْصُومِينَ مَأْمُونًا عَلَيْهِمْ الْخَطَأُ وَالزَّلَلُ ، فَلَمَّا أَمَرَ اللَّهُ تَعَالَى بِقَبُولِ شَهَادَةِ الشُّهُودِ إذَا كَانُوا مَرْضِيِّينَ فِي ظَاهِرِ أَحْوَالِهِمْ دُونَ الْعِلْمِ بِحَقِيقَةِ مُغَيَّبِ أُمُورِهِمْ مَعَ جَوَازِ الْكَذِبِ وَالْغَلَطِ عَلَيْهِمْ ، ثَبَتَ بُطْلَانُ الْأَصْلِ الَّذِي بَنَوْا عَلَيْهِ أَمْرَ النَّصِّ.\rفَإِنْ قَالُوا : الْإِمَامُ يَعْلَمُ صِدْقَ الشُّهُودِ مِنْ كَذِبِهِمْ.\rقِيلَ لَهُمْ : فَوَاجِبٌ أَنْ لَا يَسْمَعَ شَهَادَةَ الشُّهُودِ غَيْرُ الْإِمَامِ ، وَأَنْ لَا يَكُونَ لِلْإِمَامِ قَاضٍ وَلَا أَمِينٌ إلَّا أَنْ يَكُونَ بِمَنْزِلَتِهِ فِي الْعِصْمَةِ وَفِي الْعِلْمِ بِمُغَيَّبِ أَمْرِ الشُّهُودِ ، وَيَجِبُ أَنْ لَا يَكُونَ أَحَدٌ مِنْ أَعْوَانِ الْإِمَامِ إلَّا مَعْصُومًا مَأْمُونَ الزَّلَلِ وَالْخَطَإِ لِمَا يَتَعَلَّقُ بِهِ مِنْ أَحْكَامِ الدِّينِ ؛ فَلَمَّا جَازَ أَنْ يَكُونَ لِلْإِمَامِ حُكَّامٌ وَشُهُودٌ وَأَعْوَانٌ بِغَيْرِ هَذِهِ الصِّفَةِ ثَبَتَ بِذَلِكَ جَوَازُ كَثِيرٍ مِنْ أُمُورِ الدِّينِ مَبْنِيًّا عَلَى اجْتِهَادِ الرَّأْيِ وَغَالِبِ الظَّنِّ.","part":10,"page":165},{"id":4057,"text":"وَفِيمَا ذَكَرْنَاهُ مِمَّا تَعَبَّدَنَا اللَّهُ بِهِ فِي هَذِهِ الْآيَةِ مِنْ اعْتِبَارِ أَحْوَالٍ الشُّهُودِ بِمَا يَغْلِبُ فِي الظَّنِّ مِنْ عَدَالَتِهِمْ وَصَلَاحِهِمْ ، دَلَالَةٌ عَلَى بُطْلَانِ قَوْلِ نُفَاةِ الْقِيَاسِ وَالِاجْتِهَادِ فِي الْأَحْكَامِ الَّتِي لَا نُصُوصَ فِيهَا وَلَا إجْمَاعَ ؛ لِأَنَّ الدِّمَاءَ وَالْفُرُوجَ وَالْأَمْوَالَ وَالْأَنْسَابَ مِنْ الْأُمُورِ الَّتِي قَدْ عُقِدَ بِهَا مَصَالِحُ الدِّينِ وَالدُّنْيَا ، وَقَدْ أَمَرَ اللَّهُ فِيهَا بِقَبُولِ شَهَادَةِ الشُّهُودِ الَّذِينَ لَا نَعْلَمُ مُغَيَّبَ أُمُورِهِمْ وَإِنَّمَا نَحْكُمُ بِشَهَادَاتِهِمْ بِغَالِبِ الظَّنِّ وَظَاهِرِ أَحْوَالِهِمْ مَعَ تَجْوِيزِ الْكَذِبِ وَالْخَطَإِ وَالزَّلَلِ وَالسَّهْوِ عَلَيْهِمْ ؛ فَثَبَتَ بِذَلِكَ تَجْوِيزُ الِاجْتِهَادِ وَاسْتِعْمَالُ غَلَبَةِ الرَّأْيِ فِيمَا لَا نَصَّ فِيهِ مِنْ أَحْكَامِ الْحَوَادِثِ وَلَا اتِّفَاقَ.\rوَفِيهِ الدَّلَالَةُ عَلَى جَوَازِ قَبُولِ الْأَخْبَارِ الْمُقَصِّرَةِ عَنْ إيجَابِ الْعِلْمِ بِمُخْبِرَاتِهَا مِنْ أُمُورِ الدِّيَانَاتِ عَنْ الرَّسُولِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ؛ لِأَنَّ شَهَادَةَ الشُّهُودِ غَيْرُ مُوجِبَةٍ لِلْعِلْمِ بِصِحَّةِ الْمَشْهُودِ بِهِ ، وَقَدْ أُمِرْنَا بِالْحُكْمِ بِهَا مَعَ تَجْوِيزِ أَنْ يَكُونَ الْأَمْرُ فِي الْمُغَيَّبِ بِخِلَافِهِ ، فَبَطَلَ بِذَلِكَ قَوْلُ مَنْ قَالَ إنَّهُ غَيْرُ جَائِزٍ قَبُولُ خَبَرِ مَنْ لَا يُوجِبُ الْعِلْمَ بِخَبَرِهِ فِي أُمُورِ الدِّينِ.","part":10,"page":166},{"id":4058,"text":"وَقَدْ دَلَّ أَيْضًا عَلَى بُطْلَانِ قَوْلِ مَنْ يَسْتَدِلُّ عَلَى رَدِّ أَخْبَارِ الْآحَادِ بِأَنَّا لَوْ قَبِلْنَاهَا لَكِنَّا قَدْ جَعَلْنَا مَنْزِلَةَ الْمُخْبِرِ أَعْلَى مِنْ مَنْزِلَةِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ؛ إذْ لَمْ يَجِبْ فِي الْأَصْلِ قَبُولُ خَبَرِ النَّبِيِّ إلَّا بَعْدَ ظُهُورِ الْمُعْجِزَاتِ الدَّالَّةِ عَلَى صِدْقِهِ ؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَدْ أَمَرَنَا بِقَبُولِ شَهَادَةِ الشُّهُودِ الَّذِينَ ظَاهِرُهُمْ الْعَدَالَةُ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهَا عِلْمُ مُعْجِزَةٍ يَدُلُّ عَلَى صِدْقِهِمْ. أ هـ\rثم ختم كلامه رحمه الله بقوله : \rهَذِهِ الْأُمُورُ الثَّلَاثَةُ الَّتِي ذَكَرْنَاهَا : مِنْ الْعَدَالَةِ ، وَنَفْيِ التُّهْمَةِ ، وَقِلَّةِ الْغَفْلَةِ ؛ هِيَ مِنْ شَرَائِطِ الشَّهَادَاتِ ، وَقَدْ انْتَظَمَهَا قَوْله تَعَالَى : { مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنْ الشُّهَدَاءِ } فَانْظُرْ إلَى كَثْرَةِ هَذِهِ الْمَعَانِي وَالْفَوَائِدِ وَالدَّلَالَاتِ عَلَى الْأَحْكَامِ الَّتِي فِي ضِمْنِ قَوْله تَعَالَى : { مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنْ الشُّهَدَاءِ } مَعَ قِلَّةِ حُرُوفِهِ وَبَلَاغَةِ لَفْظِهِ وَوَجَازَتِهِ وَاخْتِصَارِهِ وَظُهُورِ فَوَائِدِهِ وَجَمِيعُ مَا ذَكَرْنَا عِنْدَ ذِكْرِنَا لِمَعْنَى هَذَا اللَّفْظِ مِنْ أَقَاوِيلِ السَّلَفِ وَالْخَلَفِ وَاسْتِنْبَاطِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ مَا فِي مَضْمُونِهِ وَتَحَرِّيهِمْ مُوَافَقَتَهُ مَعَ احْتِمَالِهِ لِجَمِيعِ ذَلِكَ ، يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ كَلَامُ اللَّهِ وَمِنْ عِنْدِهِ تَعَالَى وَتَقَدَّسَ ؛ إذْ لَيْسَ فِي وُسْعِ الْمَخْلُوقِينَ إيرَادُ لَفْظٍ يَتَضَمَّنُ مِنْ الْمَعَانِي وَالدَّلَالَاتِ وَالْفَوَائِدِ وَالْأَحْكَامِ مَا تَضَمَّنَهُ هَذَا الْقَوْلُ مَعَ اخْتِصَارِهِ وَقِلَّةِ عَدَدِ حُرُوفِهِ.\rوَعَسَى أَنْ يَكُونَ مَا لَمْ يُحِطْ بِهِ عِلْمُنَا مِنْ مَعَانِيهِ مِمَّا لَوْ كُتِبَ لَطَالَ وَكَثُرَ ، وَاَللَّهَ نَسْأَلُ التَّوْفِيقَ لِنَعْلَمَ أَحْكَامَهُ وَدَلَائِلَ كِتَابِهِ ، وَأَنْ يَجْعَلَ ذَلِكَ خَالِصًا لِوَجْهِهِ. أ هـ {أحكام القرآن للجصاص حـ 2 صـ 233 ـ 244} بتصرف يسير.","part":10,"page":167},{"id":4060,"text":"قوله تعالى {أَن تَضِلَّ إْحْدَاهُمَا فَتُذَكّرَ إِحْدَاهُمَا الأخرى}\rقال الفخر : \rالمعنى أن النسيان غالب طباع النساء لكثرة البرد والرطوبة في أمزجتهن واجتماع المرأتين على النسيان أبعد في العقل من صدور النسيان على المرأة الواحدة فأقيمت المرأتان مقام الرجل الواحد حتى أن إحداهما لو نسيت ذكرتها الأخرى فهذا هو المقصود من الآية. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 7 صـ 99}\rسؤال : فإن قيل : كيف يصح هذا الكلام والإشهاد للإذكار لا الإضلال ؟ \rقلنا : هاهنا غرضان\rأحدهما : حصول الإشهاد ، وذلك لا يأتي إلا بتذكير إحدى المرأتين الثانية\rوالثاني : بيان تفضيل الرجل على المرأة حتى يبين أن إقامة المرأتين مقام الرجل الواحد هو العدل في القضية ، وذلك لا يأتي إلا في ضلال إحدى المرأتين ، فإذا كان كل واحد من هذين الأمرين أعني الإشهاد ، وبيان فضل الرجل على المرأة مقصوداً ، ولا سبيل إلى ذلك إلا بضلال إحداهما وتذكر الأخرى ، لا جرم صار هذان الأمران مطلوبين ، هذا ما خطر ببالي من الجواب عن هذا السؤال وقت كتبه هذا الموضع وللنحويين أجوبة أخرى ما استحسنتها والكتب مشتملة عليها ، والله أعلم. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 7 صـ 99}\rفصل\rقال الفخر : \rالضلال في قوله {أَن تَضِلَّ إْحْدَاهُمَا} فيه وجهان\rأحدهما : أنه بمعنى النسيان ، قال تعالى : {وَضَلَّ عَنْهُمْ مَّا كَانُواْ يَفْتَرُونَ} أي ذهب عنهم\rالثاني : أن يكون ذلك من ضل في الطريق إذا لم يهتد له ، والوجهان متقاربان ، وقال أبو عمرو : أصل الضلال في اللغة الغيبوبة. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 7 صـ 100}\rفصل\rقال الفخر : ","part":10,"page":168},{"id":4061,"text":"قرأ نافع وابن عامر وعاصم والكسائي {فَتُذَكّرَ} بالتشديد والنصب ، وقرأ حمزة بالتشديد والرفع ، وقرأ ابن كثير وأبو عمرو بالتخفيف والنصب ، وهما لغتان ذكر وأذكر نحو نزل وأنزل ، والتشديد أكثر استعمالاً ، قال تعالى : {فَذَكّرْ إِنَّمَا أَنتَ مُذَكّرٌ} [ الغاشية : 21 ] ومن قرأ بالتخفيف فقد جعل الفعل متعدياً بهمزة الأفعال ، وعامة المفسرين على أن هذا التذكير والإذكار من النسيان إلا ما يروى عن سفيان بن عيينة أنه قال في قوله {فَتُذَكّرَ إِحْدَاهُمَا الأخرى} أن تجعلها ذكراً يعني أن مجموع شهادة المرأتين مثل شهادة الرجل الواحد ، وهذا الوجه منقول عن أبي عمرو بن العلاء ، قال : إذا شهدت المرأة ثم جاءت الأخرى فشهدت معها أذكرتها ، لأنهما يقومان مقام رجل واحد وهذا الوجه باطل باتفاق عامة المفسرين ، ويدل على ضعفه وجهان الأول : أن النساء لو بلغن ما بلغن ، ولم يكن معهن رجل لم تجز شهادتهن ، فإذا كان كذلك فالمرأة الثانية ما ذكرت الأولى.\rالوجه الثاني : أن قوله {فَتُذَكّرَ} مقابل لما قبله من قوله {أَن تَضِلَّ إْحْدَاهُمَا} فلما كان الضلال مفسر بالنسيان كان الإذكار مفسراً بما يقابل النسيان. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 7 صـ 100}\rلطيفة\rقال ابن عاشور : \rوقوله : { أن تضل } قرأه الجمهور بفتح همزة أنْ على أنّه محذوف منه لام التعليل كما هو الغالب في الكلام العربي مع أنْ ، والتعليل في هذا الكلام ينصرف إلى ما يحتاج فيه إلى أن يُعلّل لقصد إقناع المكلّفين ، إذ لا نجد في هذه الجملة حكماً قد لا تطمئنّ إليه النفوس إلاّ جعْلَ عوضضِ الرجل الواحد بامرأتين اثنتين فصُرح بتعليله.","part":10,"page":169},{"id":4062,"text":"واللام المقدرة قبل أنْ متعلقة بالخبر المحذوف في جملة جواب الشرط إذ التقدير فرجل وامرأتان يشهدان أو فليشهد رجل وامرأتان ، وقرأوه بنصب { فتذكّر } عطفاً على { أن تضلّ } ، وقرأه حمزة بكسر الهمزة على اعتبار إنْ شرطية وتضلّ فعل الشرط ، وبرفع تذكرُ على أنّه خبر مبتدأ محذوف بعد الفاء لأنّ الفاء تؤذن بأنّ ما بعدها غير مجزوم والتقدير فهي تذكّرها الأخرى على نحو قوله تعالى : { ومن عاد فينتقم الله منه } [ المائدة : 95 ].\rولما كان \"أن تضلّ\" في معنى لضلال إحداهما صارت العلّة في الظاهر هي الضلال ، وليس كذلك بل العلّة هي ما يترتّب على الضلال من إضاعة المشهود به ، فتفرّع عليه قوله : { فتذكر إحداهما الأخرى } لأنّ فتذكّر معطوف على تضلّ بفاء التعقيب فهو من تكملته ، والعبرة بآخر الكلام كما قدمناه في قوله تعالى : { أيودّ أحدكم أن تكون له جنة من نخيل وأعناب } [ البقرة : 266 ] ، ونظيره كما في \"الكشاف\" أن تقول : أعددت الخشبة أن يميل الحائط فأدعِّمَه ، وأعددت السلاح أن يجيءَ عدوّ فأدْفَعَه.\rوفي هذا الاستعمال عدول عن الظاهر وهو أن يقال : أن تذكر إحداهما الأخرى عند نسيانها.\rووجَّهه صاحب \"الكشاف\" بأنّ فيه دلالة على الاهتمام بشأن التذكير حتى صار المتكلم يعلّل بأسبابه المفضية إليه لأجل تحصيله.\rوادّعى ابن الحاجب في أماليه على هذه الآية بالقاهرة سنة ست عشرة وستمائة : أنّ من شأن لغة العرب إذا ذكروا علة وكان للعلة علة قَدّموا ذكر علة العلة وجعلوا العلة معطوفة عليها بالفاء لتحصل الدلالتان معاً بعبارة واحدة.\rومثَّله بالمثال الذي مثَّل به \"الكشاف\" ، وظاهر كلامه أنّ ذلك مُلتزم ولم أره لِغيره.\rوالذي أراه أنّ سبب العدول في مثله أنّ العلة تارة تكون بسيطة كقولك : فعلت كذا إكراماً لك ، وتارة تكون مركّبة من دفع ضُر وجلب نَفْع بدفعِه.","part":10,"page":170},{"id":4063,"text":"فهنالك يأتي المتكلم في تعليله بما يدل على الأمرين في صورة علة واحدة إيجازاً في الكلام كما في الآية والمثالين.\rلأنّ المقصود من التعدد خشية حصول النسيان للمرأة المنفردة ، فلذا أخِذ بقولها حَقُّ المشهود عليه وقُصد تذكير المرأة الثانية إياها ، وهذا أحسن مما ذكره صاحب \"الكشاف\".\rوفي قوله : { فتذكر إحداهما الأخرى } إظهار في مقام الإضمار لأنّ مقتضى الظاهر أن يقول فتذكّرها الأخرى ، وذلك أن الإحدى والأخرى وصفان مبهمان لا يتعيّن شخص المقصود بهما ، فكيفما وضعتَهما في موضعي الفاعل والمفعول كان المعنى واحداً ، فلو أضمر للإحدى ضمير المفعول لكان المعاد واضحاً سواء كان قوله إحداهما المظهر فاعلاً أو مفعولاً به ، فلا يظنّ أن كَون لفظ إحداهما المظهر في الآية فاعلاً ينافي كونه إظهاراً في مقام الإضمار لأنّه لو أضمر لكان الضمير مفعولاً ، والمفعول غير الفاعل كما قد ظنّه التفتازاني لأنّ المنظور إليه في اعتبار الإظهار في مقام الإضمار هو تأتي الإضمار مع اتّحاد المعنى.\rوهو موجود في الآية كما لا يخفى.\rثم نكتة الإظهار هنا قد تحيّرت فيها أفكار المفسرين ولم يتعرّض لها المتقدمون ، قال التفتازاني في \"شرح الكشاف\" : \"ومما ينبغي أن يتعرض له وجه تكرير لفظ إحداهما ، ولا خفاء في أنّه ليس من وضع المظهر موضع المضمر إذ ليست المذكِّرة هي الناسية إلاّ أن يجعل إحداهما الثانية في موقع المفعول ، ولا يجوز ذلك لتقديم المفعول في موضع الإلباس ، ويصح أن يقال : فتذكرها الأخرى ، فلا بد للعدول من نكتة\".","part":10,"page":171},{"id":4064,"text":"وقال العصام في \"حاشية البيضاوي\" \"نكتة التكرير أنّه كان فصل التركيب أن تذكّر إحداهما الأخرى إن ضلّت ، فلما قدّم إن ضلّت وأبرز في معرض العلّة لم يصح الإضمار ( أي لعدم تقدم إمعاد ) ولم يصح أن تضلّ الأخرى لأنّه لا يحسن قبل ذكر إحداهما ( أي لأنّ الأخرى لا يكون وصفاً إلاّ في مقابلة وصف مقابل مذكور ) فأبدل بإحداهما ( أي أبدل موقع لفظ لأخرى بلفظ إحداهما ) ولم يغيّر ما هو أصل العلّة عن هيأته لأنّه كأن لم يقدم عليه ، { أن تضلّ إحداهما } يعني فهذا وجه الإظهار.\rوقال الخفاجي في \"حاشية التفسير\" \"قالوا : إنّ النكتة الإبهام لأنّ كل واحدة من المرأتين يجوز عليها ما يجوز على صاحبتها من الضلال والتذكير ، فدخل الكلام في معنى العموم\" يعني أنّه أظهر لئلاّ يتوهم أنّ إحدى المرأتين لا تكون إلاّ مذكِّرة الأخرى ، فلا تكون شاهدة بالأصالة.\rوأصل هذا الجواب لشهاب الدين الغزنوي عصري الخفاجي عن سؤال وجّهه إليه الخفاجي ، وهذا السؤال : \rيا رأس أهل العلوم السادةِ البرره...\rومَن نداه على كل الورى نَشَره\rما سِرُّ تَكْرَار إحدَى دون تُذْكِرُها...\rفي آية لذوي الأشهاد في البقره\rوظاهر الحال إيجاز الضمير على...\rتكرار إحداهما لو أنّه ذكره\rوحَمل الإحدى على نفس الشهادة في...\rأولاهما ليس مرضياً لدى المهره\rفغُص بفكرك لاستخراج جوهره...\rمن بحر علمك ثم ابعث لنا درره\rفأجاب الغزنوي : \rيا من فوائده بالعلم منتشره...\rومَن فضائله في الكون مشتهره\rتَضلَّ إحداهما فالقولُ محتمل...\rكِلَيهما فهي للإظهار مفتقره\rولو أتى بضمير كان مقتضيا...\rتعيين واحدة للحكم معتبره\rومن رَدَدْتُم عليه الحَلّ فهو كما...\rأشرتُم ليس مرضيا لمن سبَره\rهذا الذي سمح الذهن الكليل به...\rواللَّهُ أعلم في الفحوى بما ذكره","part":10,"page":172},{"id":4065,"text":"وقد أشار السؤال والجواب إلى ردّ على جواب لأبي القاسم المغربي في تفسيره ؛ إذ جعل إحداهما الأولَ مراداً به إحدى الشهادتين ، وجعل تضلّ بمعنى تتلف بالنسيان ، وجعل إحداهما الثاني مراداً به إحدى المرأتين.\rولما اختلف المدلول لم يبق إظهار في مقام الإضمار ، وهو تكلّف وتشتيت للضمائر لا دليل عليه ، فينزّه تخريج كلام الله عليه ، وهو الذي عناه الغزنوي بقوله : \"ومن رَدَدْتُم عليه الحَلّ إلخ\".\rوالذي أراه أنّ هذا الإظهار في مقام الإضمار لنكتة هي قصد استقلال الجملة بمدلولها كيلا تحتاج إلى كلام آخر فيه مَعاد الضمير لَو أضمر ، وذلك يرشّح الجملة لأن تَجري مَجرى المثل.\rوكأنّ المراد هنا الإيماء إلى أنّ كلتا الجملتين علّة لمشروعية تعدّد المرأة في الشهادة ، فالمرأة معرضة لتطرق النسيان إليها وقلة ضبط ما يهم ضبطه ، والتعدد مظنّة لاختلاف مواد النقص والخلل ، فعسى ألا تنسى إحداهما ما نسيته الأخرى.\rفقوله أن تضلّ تعليل لعدم الاكتفاء بالواحدة ، وقوله : { فتذكر إحداهما الأخرى } تعليل لإشهاد امرأة ثانية حتى لا تبطل شهادة الأولى من أصلها. أ هـ {التحرير والتنوير حـ 3 صـ 109 ـ 112}\rقوله تعالى : {وَلاَ يَأْبَ الشهداء إِذَا مَا دُعُواْ}\rقال القرطبى : \rقوله تعالى : { وَلاَ يَأْبَ الشهدآء إِذَا مَا دُعُواْ } قال الحسن : جمعت هذه الآية أمرين ، وهما ألاّ تأبَى إذا دُعِيتَ إلى تحصيل الشهادة ، ولا إذا دُعِيت إلى أدائها ؛ وقاله ابن عباس.\rوقال قتادة والربيع وابن عباس : أي لِتَحَمُّلها وإثباتها في الكتاب.\rوقال مجاهد : معنى الآية إذا دعيت إلى أداء شهادة وقد حصلت عندك.\rوأسند النقاش إلى النبي النبيّ صلى الله عليه وسلم أنه فسّر الآية بهذا ؛ قال مجاهد : فأما إذا دُعِيت لتشهد أوّلاً فإن شئت فاذهب وإن شئت فلا ؛ وقاله أبو مجلز وعطاء وإبراهيم وابن جبير والسدي وابن زيد وغيرهم.","part":10,"page":173},{"id":4066,"text":"وعليه فلا يجب على الشهود الحضور عند المتعاقدين ، وإنما على المتداينين أن يحضرا عند الشهود ؛ فإذا حضراهم وسألاهم إثبات شهادتهم في الكتاب فهذه الحالة التي يجوز أن تُراد بقوله تعالى : { وَلاَ يَأْبَ الشهدآء إِذَا مَا دُعُواْ } لإثبات الشهادة فإذا ثبتت شهادتهم ثم دعوا لإقامتها عند الحاكم فهذا الدعاء هو بحضروهما عند الحاكم ، على ما يأتي.\rوقال ابن عطية : والآية كما قال الحسن جمعت أمرين على جهة الندب ؛ فالمسلمون مندوبون إلى معونة إخوانهم ، فإذا كانت الفسحة لكثرة الشهود والأمن من تعطيل الحق فالمدعوّ مَنْدُوب ، وله أن يتَخَلَّف لأدنى عُذْر ، وإن تخلق لغير عذر فلا إثم عليه ولا ثواب له.\rوإذا كانت الضرورة وخِيفَ تعطل الحق أدنى خوف قوِي النَّدب وقرب من الوجوب ، وإذا علم أن الحق يذهب ويتلف بتأخر الشاهد عن الشهادة فواجب عليه القيام بها ، لا سيّما إن كانت مُحَصَّلة وكان الدعاء إلى أدائها ، فإن هذا الظرف آكد ؛ لأنها قِلادة في العُنق وأمانة تقتضي الأداء.\rقلت : وقد يستلوح من هذه الآية دليلٌ على أن جائزاً للإمام أن يُقيم للناس شهوداً ويجعل لهم من بيت المال كفايتهم ، فلا يكون لهم شغل إلاَّ تحمل حقوق الناس حفظاً لها ، وإن لم يكن ذلك ضاعت الحقوق وبَطَلت.\rفيكون المعنى ولا يأب الشهداء إذا أخذوا حقوقهم أن يجيبوا. والله أعلم.\rفإن قيل : هذه شهادة بالأُجرة ؛ قلنا : إنما هي شهادة خالصة من قوم استوفوا حقوقهم من بيت المال ، وذلك كأرزاق القضاة والوُلاة وجميع المصالح التي تَعِنَّ للمسلمين وهذا من جملتها. والله أعلم.\rوقد قال تعالى : { والعاملين عَلَيْهَا } [ التوبة : 60 ] ففرض لهم. أ هـ {تفسير القرطبى حـ 3 صـ 398 ـ 399}\rوقال السمرقندى : \rإباء الشهادة على ثلاثة أوجه : \rأحدهما : أن يمتنع عن أدائه.\rوالثاني : أن يشهد ويقصر في أدائه ، لكيلا تقبل شهادته.\r","part":10,"page":174},{"id":4067,"text":"والثالث : بأن لا يصون نفسه عن المعاصي ، فيصير منهما لا تقبل شهادته ، فكأنه وهو الذي أبطل حق المدعي ، وخانه حيث عصى الله تعالى حتى ردت شهادته بمعصيته. أ هـ {بحر العلوم حـ 1 صـ 211}\rفصل\rقال الفخر : \rفي هذه الآية وجوه\rالأول : وهو الأصح : أنه نهى الشاهد عن الامتناع عن أداء الشهادة عند احتياج صاحب الحق إليها\rوالثاني : أن المراد تحمل الشهادة على الإطلاق ، وهو قول قتادة واختيار القفال ، قال : كما أمر الكاتب أن لا يأبى الكتابة ، كذلك أمر الشاهد أن لا يأبى عن تحمل الشهادة ، لأن كل واحد منهما يتعلق بالآخر ، وفي عدمهما ضياع الحقوق\rالثالث : أن المراد تحمل الشهادة إذا لم يوجد غيره\rالرابع : وهو قول الزجاج : أن المراد بمجموع الأمرين التحمل أولاً ، والأداء ثانياً ، \rواحتج القائلون بالقول الأول من وجوه\rالأول : أن قوله {وَلاَ يَأْبَ الشهداء إِذَا مَا دُعُواْ} يقتضي تقديم كونهم شهداء ، وذلك لا يصح إلا عند أداء الشهادة ، فأما وقت التحمل فإنه لم يتقدم ذلك الوقت كونهم شهداء.\rفإن قيل : يشكل هذا بقوله {واستشهدوا شَهِيدَيْنِ مّن رّجَالِكُمْ} وكذلك سماه كاتباً قبل أن يكتب.\rقلنا : الدليل الذي ذكرناه صار متروكاً بالضرورة في هذه الآية فلا يجوز أن نتركه لعلة ضرورة في تلك الآية\rوالثاني : أن ظاهر قوله {وَلاَ يَأْبَ الشهداء إِذَا مَا دُعُواْ} النهي عن الامتناع ، والأمر بالفعل ، وذلك للوجوب في حق الكل ، ومعلوم أن التحمل غير واجب على الكل ، فلم يجز حمله عليه ، وأما الأداء بعد التحمل فإنه واجب على الكل ، ومتأكد بقوله تعالى : {وَلاَ تَكْتُمُواْ الشهادة} فكان هذا أولى","part":10,"page":175},{"id":4068,"text":"الثالث : أن الأمر بالإشهاد يفيد أمر الشاهد بالتحمل من بعض الوجوه ، فصار الأمر بتحمل الشهادة داخلاً في قوله {واستشهدوا شَهِيدَيْنِ مّن رّجَالِكُمْ} فكان صرف قوله {وَلاَ يَأْبَ الشهداء إِذَا مَا دُعُواْ} إلى الأمر بالأداء حملاً له على فائدة جديدة ، فكان ذلك أولى ، فقد ظهر بما ذكرنا دلالة الآية على أنه يجب على الشاهد أن لا يمتنع من إقامة الشهادة إذا دعي إليها.\rواعلم أن الشاهد إما أن يكون متعيناً ، وإما أن يكون فيهم كثرة ، فإن كان متعيناً وجب عليه أداء الشهادة ، وإن كان فيهم كثرة صار ذلك فرضاً على الكفاية. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 7 صـ 101}\rوقال القرطبى : \rقال علماؤنا : هذا في حال الدعاء إلى الشهادة.\rفأمّا من كانت عنده شهادة لرجل لم يعلمها مستحقُّها الذي ينتفع بها ، فقال قوم : أداؤها ندب لقوله تعالى : { وَلاَ يَأْبَ الشهدآء إِذَا مَا دُعُواْ } ففرض الله الأداء عند الدعاء ؛ فإذا لم يُدْع كان ندباً ؛ لقوله عليه السَّلام : \" خير الشهداءِ الذي يأتي بشهادته قبل أن يسألها \" رواه الأئمة.\rوالصحيح أن أداءها فرض وإن لم يُسْألها إذا خاف على الحق ضياعه أو فوته ، أو بطلاق أو عتق على من أقام على تصرفه على الاستمتاع بالزوجة واستخدام العبد إلى غير ذلك ؛ فيجب على من تحمل شيئاً من ذلك أداءُ تلك الشهادة ، ولا يَقِف أداؤها على أن تسأل منه فيضيع الحق ؛ وقد قال تعالى : { وَأَقِيمُواْ الشهادة لِلَّهِ } [ الطلاق : 2 ] وقال : { إِلاَّ مَن شَهِدَ بالحق وَهُمْ يَعْلَمُونَ } [ الزخرف : 86 ].\rوفي الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم : \" انصر أخاك ظالماً أو مظلوماً \" فقد تعيّن عليه نصره بأداء الشهادة التي له عنده إحياءً لحقه الذي أماته الإنكار. أ هـ {تفسير القرطبى حـ 3 صـ 399}\rلطيفة\rقال ابن عاشور : \r{ وَلاَ يَأْبَ الشهدآء إِذَا مَا دُعُواْ }.","part":10,"page":176},{"id":4069,"text":"عُطف { ولا يأب } على { واستشهدوا شهيدين } لأنّه لما أمر المتعاقدين باستشهاد شاهدين نَهى من يُطلب إشهاده عن أن يأبَى ، ليتم المطلوب وهو الإشهاد.\rوإنما جيء في خطاب المتعاقدين بصيغة الأمر وجيء في خطاب الشهداء بصيغة النهي اهتماماً بما فيه التفريط.\rفإنّ المتعَاقدين يظنّ بهما إهمال الإشهاد فأمرا به ، والشهود يظنّ بهم الامتناع فنهوا عنه ، وكل يستلزم ضدّه.\rوتسمية المدعوِّينَ شهداء باعتبار الأوّل القريبِ ، وهو المشارفة ، وكأنَّ في ذلك نكتة عظيمة : وهي الإيماء إلى أنّهم بمجرّد دعوتهم إلى الإشهاد ، قد تعيّنت عليهم الإجابة ، فصاروا شهداء.\rوحذف معمول دُعوا إمّا لظهوره من قوله قبله { واستشهدوا شهيدين } أي إذا ما دعوا إلى الشهادة أي التحمّل ، وهذا قول قتادة ، والربيع بن سليمان ، ونقل عن ابن عباس ، فالنهي عن الإباية عند الدعاء إلى الشهادة حاصل بالأوْلى ، ويجوز أن يكون حذف المعمول لقصد العموم ، أي إذا ما دعوا للتحمّل والأداء معاً ؛ قاله الحسن ، وابن عباس ، وقال مجاهد : إذا ما دعوا إلى الأداء خاصة ، ولعلّ الذي حمله على ذلك هو قوله : { الشهداء } لأنّهم لا يكونون شهداء حقيقة إلاّ بعد التحمّل ، ويبعده أنّ الله تعالى قال بعد هذا { ولا تكتموا الشهادة } [ البقرة : 283 ] وذلك نهي عن الإباية عند الدعوة للأداء.\rوالذي يظهر أنّ حذف المتعلِّق بفعل { دعوا } لإفادة شمول ما يُدعَون لأجله في التعاقد : من تحمّل ، عند قصد الإشهاد ، ومن أداء ، عند الاحتياج إلى البيّنة. أ هـ {التحرير والتنوير حـ 3 صـ 112 ـ 113}","part":10,"page":177},{"id":4070,"text":"فائدة\rقال الخازن : \rاتفقوا على أن شهادة النساء غير جائزة ولا مقبولة في العقوبات والحدود ، وقوله تعالى : { ممن ترضون من الشهداء } يعني من كان مرضياً عندكم في دينه وأمانته والشرائط المعتبرة في العدالة.\rوقبول الشهادة عشرة وهي : الإسلام والحرية والعقل والبلوغ والعدالة والمروءة ، وأن لا يجر بتلك الشهادة منفعة إلى نفسه ولا يدفع عنه بها مضرة ، ولا يكون معروفاً بكثرة الغلظ والسهو ، وأن لا يكون بينه وبين من شهد من عليه عداوة فشهادة الكافر مردودة لأن الكذاب لا تقبل شهادته.\rفالذي يكذب على الله أولى بأن ترد شهادته وجوز بعض أهل الرأي شهادة أهل الذمة بعضهم على بعض ولا تقبل شهادة العبيد وأجازها ابن شريح وابن سيرين وهو قول أنس ولا قول للمجنون معتبر على تصح شهادته.\rولا تجوز شهادة الصبيان وسئل ابن عباس عن ذلك فقال : لا يجوز لأن الله تعالى قال : { ممن ترضون من الشهداء } والعدالة شرط وهو أن لا يكون الشاهد مقيماً على الكبائر مصراً على الصغائر والمروءة شرط وهي ما تتصل بآداب النفس مما يعلم أن تاركه قليل الحياء وهي حسن الهباة والسيرة والعشرة والصناعة ، فإن كان الرجل يظهر في نفسه شيئاً مما يستحي أمثاله من إظهاره في الأغلب علم بذلك قلة مروءته وترد شهادته وانتفاء التهمة شرط فلا تقبل شهادة العدو على عدوه وإن كان مقبول الشهادة على غيره ، لأنه متهم في حق عدوه لا في حق غيره ولا تقبل شهادة الرجل لولده ووالده وتقبل شهادته عليهما ولا تقبل شهادة من يجر بشهادته إلى نفسه نفعاً عن عائشة قالت قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : \" لا تجوز شهادة خائن ولا خائنة ولا مجلود حداً ولا ذي غمر على أخيه ولا مجرب شهادة ولا القانع أهل البيت لهم ولا ظنين في ولاء ولا قرابة \" قال الفزاري : القانع التابع ، أخرجه الترمذي.\rقوله : لا تجوز شهادة خائن أراد بالخيانة الخيانة في الدين والمال والأمانة فإن من ضيع شيئاً من أوامر الله أو ارتكب شيئاً مما نهى الله عنه لا يكون عدلاً.\rوالغمر بكسر الغين الحقد والقانع هو السائل المستطعم وقيل : المنقطع إلى قوم يخدمهم فترد شهادته للتهمة في جر النفع إلى نفسه لأن التابع لأهل البيت ينتفع بما يصير إليهم والظنين بكسر الظاء المتهم. أ هـ {تفسير الخازن حـ 1 صـ 202 ـ 203}","part":10,"page":178},{"id":4072,"text":"فائدة\rقال القرطبى : \rلا تَعارُض بين قوله عليه السَّلام : \" خير الشهداء الذي يأتي بشهادته قبل أن يُسألها \" وبين قوله عليه السَّلام في حديث عِمران بن حصين : \" إنّ خيركم قرنِي ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم ثم قال عمران : فلا أدري أقال رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد قرنه مرتين أو ثلاثاً ثم يكون بعدهم قوم يَشَهدون ولا يُستشْهَدون ويخونون ولا يُؤتَمنون ويَنْذرون ولا يُوفون ويظهر فيهم السَّمَن \" أخرجهما الصحيحان.\rوهذا الحديث محمول على ثلاثة أوجه : \rأحدها أن يُراد به شاهد الزور ، فإنه يشهد بما لم يستشهد ، أي بما لم يَتحمَّله ولا حُمِّلَهُ.\rوذكر أبو بكر بن أبي شيبة أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه خطب بباب الجابية فقال : إنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قام فينا كمقامي فيكم ثم قال : \" يا أيها الناس اتقوا الله في أصحابي ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم ثم يفشو الكذب وشهادة الزور \"\rالوجه الثاني أن يُراد به الذي يحمله الشّرَه على تنفيذ ما يشهد به ، فيبادر بالشهادة قبل أن يُسألها ؛ فهذه شهادة مردودةٌ ؛ فإن ذلك يدل على هَوًى غالب على الشاهد.\rالثالث ما قاله إبراهيم النخعِي راوى طرق بعض هذا الحديث : كَانوا يَنْهَوْنَنا ونحن غلمان عن العهد والشهادات. أ هـ {تفسير القرطبى حـ 3 صـ 400}\rسؤال : لم سماهم شهداء ؟ \rالجواب : سماهم شهداء لأنهم يكونون شهداء. أ هـ {تفسير الخازن حـ 1 صـ 203}\rوقال البيضاوى : \rسموا شهداء قبل التحمل تنزيلاً لما يشارف منزلة الواقع. أ هـ {تفسير البيضاوى حـ 1 صـ 580}\rقوله تعالى : { وَلَا تَسْأَمُوا أَنْ تَكْتُبُوهُ صَغِيرًا أَوْ كَبِيرًا إِلَى أَجَلِهِ}\rالمناسبة\rقال البقاعى : \rولما تمّ ذلك وكان صغير الحق وكبيره ربما تُركت تهاوناً بالصغير ومللاً للكبير حذر من ذلك ولم يجعله في صلب الأمر قبل الإشهاد بل أفرده بالذكر تعظيماً لشأنه فقال : {ولا تسئموا} من السآمة.","part":10,"page":179},{"id":4073,"text":"قال الحرالي : بناء مبالغة وهو أشد الملالة {أن تكتبوه} أي لا تفعلوا فعل السئيم فتتركوا كتابته {صغيراً} كان الدين {أو كبيراً} طالت الكتابة أو قصرت.\rقال الحرالي : ولم يكن قليلاً أو كثيراً ، \rلأن الكثرة والقلة واقعة بالنسبة إلى الشيء المعدود في ذاته ، والصغير والكبير يقع بالنسبة إلى المداين ، \rفربما كان الكثير في العدد صغير القدر عند الرجل الجليل المقدار ، وربما كان القليل العدد كثيراً بالنسبة إلى الرجل المشاحح فيه ، فكان الصغر والكبر أشمل وأرجع إلى حال المداين الذي هو المخاطب بأن يكتب انتهى.\r{إلى أجله} أي الذي توافقتم وتواثقتم عليه. أ هـ {نظم الدرر حـ 1 صـ 547 ـ 548}\rقال ابن عاشور : \r{ وَلاَ تسأموا أَن تَكْتُبُوهُ صَغِيرًا أَوْ كَبِيرًا إلى أَجَلِهِ }.\rتعميم في أكوان أو أحوال الديون المأمور بكتابتها ، فالصغير والكبير هنا مَجازان في الحقير والجليل.\rوالمعاملات الصغيرة أكثر من الكبيرة ، فلذلك نُهوا عن السآمة هنا.\rوالسآمة : الملل من تكرير فعللٍ مَّا.\rوالخطاب للمتداينين أصالة ، ويستتبع ذلك خطاب الكاتب : لأنّ المتداينين إذا دعواه للكتابة وجب عليه أن يكتب.\rوالنهي عنها نهي عن أثرها ، وهو ترك الكتابة ، لأنّ السآمة تحصل للنفس من غير اختيار ، فلا ينهى عنها في ذاتها ، وقيل السآمة هنا كناية عن الكسل والتهاون.\rوانتصب صغيراً أو كبيراً على الحال من الضمير المنصوب بتكتبوه ، أو على حذف كانَ مع اسمها.\rوتقديم الصغير على الكبير هنا ، مع أنّ مقتضى الظاهر العكس ، كتقديم السِنة على النوم في قوله تعالى : { لا تأخذه سنة ولا نوم } [ البقرة : 255 ] لأنّه قصد هنا إلى التنصيص على العموم لدفع ما يطرأ من التوهّمات في قلة الاعتناء بالصغير ، وهو أكثر ، أو اعتقاد عدم وجوب كتابة الكبير ، لو اقتصر في اللفظ على الصغير.","part":10,"page":180},{"id":4074,"text":"وجملة { إلى أجله } حال من الضمير المنصوب بتكتبوه ، أي مُغيَّى الدّينُ إلى أجله الذي تعاقدا عليه ، والمراد التغيية في الكتابة. أ هـ {التحرير والتنوير حـ 3 صـ 114}\rقوله تعالى : {ذَلِكُمْ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ وَأَقْوَمُ لِلشَّهَادَةِ وَأَدْنَى أَلَّا تَرْتَابُوا إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً حَاضِرَةً تُدِيرُونَهَا بَيْنَكُمْ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَلَّا تَكْتُبُوهَا}\rالمناسبة\rقال البقاعى : \rولما كان كأنه قيل : ما فائدة ذلك ؟ فقيل : {ذلكم} إشارة بأداة البعد وميم الجمع إلى عظم جدواه.\rقال الحرالي : ولبيانه ووضوحه عندهم لم يكن إقبالاً على النبي صلى الله عليه وسلم الذي يقبل عليه في الأمور الخفية - انتهى.\r{أقسط} أي أعدل فقد نقل عن ابن السيد أنه قال في كتابه الاقتضاب : إن قسط بمعنى جار وبمعنى عدل.\rوقال الحرالي : {أقسط} من الإقساط وهو وضع القسط وهو حفظ الموازنة حتى لا تخرج إلى تطفيف.\rثم زاد تعظيمه بقوله : {عند الله} أي الذي هو محيط بصفات الكمال بالنسبة إلى كل صفة من صفاته ، \rلأنه يحمل على العدل بمنع المغالطة والتلون في شيء من أحوال ذلك الدين {وأقوم للشهادة} أي وأعدل في قيام الشهادة إذا طلب من الشاهد أن يقيمها بما هو مضبوط له وعليه {وأدنى} أي أقرب في {ألاّ ترتابوا} أي تشكوا في شيء من الأمر الذي وقع.\rقال الحرالي : ففي إشعاره أنه ربما داخل الرجل والرجلين نحو ما داخل المرأتين فيكون الكتاب مقيماً لشهادتهما ، \rفنفى عن الرجال الريبة بالكتاب كما نفى عن النساء الضلال بالذكر - انتهى.","part":10,"page":181},{"id":4075,"text":"ولما كان الدين المؤجل أعم من أن يكون قرضاً أو تجارة ينمي بها المال المأمور بالإنفاق منه في وجوه الخير النافعة يوم الدين وكان قد أكد في أمر الكتابة تأكيداً ربما ظن معه الحث عليها ولو لم يكن أجل نبه على أن العلة فيها الأجل الذي هو مظنة النسيان المستولي على الإنسان بقوله : {إلا أن تكون} أي المداينة {تجارة حاضرة} هذا على قراءة عاصم ، وكان في قراءة غيره تامة {تديرونها بينكم} أي يداً بيد ، من الإدارة.\rقال الحرالي : من أصل الدور وهو رجوع الشيء عوداً على بدئه {فليس عليكم} حينئذ {جناح} أي اعتراض في {ألاّ تكتبوها} أي لأنها مناجزة وهي عرض زائل لا يكاد يستقر في يد أحد لأن القصد به المتجر لا الاستبقاء فبعد ما يخشى من التجاحد. أ هـ {نظم الدرر حـ 1 صـ 548 }\rفصل\rقال الفخر : \rاعلم أن الله تعالى بيّن أن الكتابة مشتملة على هذه الفوائد الثلاث : \rالفائدة الأولى : قوله {ذلكم أَقْسَطُ عِندَ الله} وفي قوله {ذلكم} وجهان الأول : أنه إشارة إلى قوله {أَن تَكْتُبُوهُ} لأنه في معنى المصدر ، أي ذلك الكتب أقسط والثاني : قال القفال رحمه الله : ذلاكم الذي أمرتكم به من الكتب والإشهاد لأهل الرضا ومعنى {أَقْسَطُ عِندَ الله} أعدل عند الله ، والقسط اسم ، والإقساط مصدر ، يقال : أقسط فلان في الحكم يقسط إقساطاً إذا عدل فهو مقسط ، قال تعالى : {إِنَّ الله يُحِبُّ المقسطين} [ الممتحنة : 8 ] [ الحجرات : 9 ] ويقال : هو قاسط إذا جار ، قال تعالى : {وَأَمَّا القاسطون فَكَانُواْ لِجَهَنَّمَ حَطَباً} [ الجن : 15 ] وإنما كان هذا أعدل عند الله ، لأنه إذا كان مكتوباً كان إلى اليقين والصدق أقرب ، وعن الجهل والكذب أبعد ، فكان أعدل عند الله وهو كقوله تعالى : {ادعوهم لآبَائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِندَ الله} [ الأحزاب : 5 ] أي أعدل عند الله ، وأقرب إلى الحقيقة من أن تنسبوهم إلى غير آبائهم.","part":10,"page":182},{"id":4076,"text":"والفائدة الثانية : قوله {أَقْوَمُ للشهادة} معنى {أَقْوَمُ} أبلغ في الاستقامة ، التي هي ضد الاعوجاج ، وذلك لأن المنتصب القائم ، ضد المنحني المعوج.\rفإن قيل : مم بنى أفعل التفضيل ؟ أعني : أقسط وأقوم.\rقلنا : يجوز على مذهب سيبويه أن يكونا مبنيين من أقسط وأقام ، ويجوز أن يكون أقسط من قاسط ، وأقوم من قويم.\rواعلم أن الكتابة إنما كانت أقوم للشهادة ، لأنها سبب للحفظ والذكر ، فكانت أقرب إلى الاستقامة ، والفرق بين الفائدة الأولى والثانية أن الأولى : تتعلق بتحصيل مرضاة الله تعالى ، والثانية : بتحصيل مصلحة الدنيا ، وإنما قدمت الأولى على الثانية إشعاراً بأن الدين يجب تقديمه على الدنيا.\rوالفائدة الثالثة : هي قوله {وَأَدْنَى أَن لا تَرْتَابُواْ} يعني أقرب إلى زوال الشك والارتياب عن قلوب المتداينين ، والفرق بين الوجهين الأولين ، وهذا الثالث الوجهين الأولين يشيران إلى تحصيل المصلحة ، فالأول : إشارة إلى تحصيل مصلحة الدين ، والثاني : إشارة إلى تحصيل مصلحة الدنيا وهذا الثالث : إشارة إلى دفع الضرر عن النفس وعن الغير ، أما عن النفس فإنه لا يبقى في الفكر أن هذا الأمر كيف كان ، وهذا الذي قلت هل كان صدقاً أو كذباً ، وأما دفع الضرر عن الغير فلأن ذلك الغير ربما نسبه إلى الكذب والتقصير فيقع في عقاب الغيبة والبهتان ، فما أحسن هذه الفوائد وما أدخلها في القسط ، وما أحسن ما فيها من الترتيب. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 7 صـ 101 ـ 102}\rفائدة\rقال القرطبى : \rقوله تعالى : { وَأَقْومُ لِلشَّهَادَةِ } دليل على أن الشاهد إذا رأى الكتاب ولم يذكر الشهادة لا يؤدّيها لما دخل عليه من الريبة فيها ، ولا يؤدّي إلاَّ ما يعلم ، لكنه يقول : هذا خطِّي ولا أذكر الآن ما كتبتُ فيه.\rقال ابن المنذر : أكثر مَن يُحْفَظ عنه من أهل العلم يمنع أن يشهد الشاهد على خطه إذا لم يذكر الشهادة.","part":10,"page":183},{"id":4077,"text":"واحتجّ مالك على جواز ذلك بقوله تعالى : { وَمَا شَهِدْنَآ إِلاَّ بِمَا عَلِمْنَا } [ يوسف : 81 ].\rوقال بعض العلماء : لمّا نسب الله تعالى الكتابة إلى العدالة وَسِعه أن يشهد على خطه وإن لم يتذكّر.\rذكر ابن المبارك عن مَعْمَر عن ابن طاوُس عن أبيه في الرجل يشهد على شهادةٍ فينساها قال : لا بأس أن يشهد إن وجد علامتَه في الصَّكّ أو خطّ يده.\rقال ابن المبارك : استحسنتُ هذا جدّاً.\rوفيما جاءت به الأخبار عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه حكم في أشياء غير واحدة بالدلائل والشواهد ، وعن الرسل من قبله ما يدلّ على صحة هذا المذهب. والله أعلم. أ هـ {تفسير القرطبى حـ 3 صـ 401}\rقوله تعالى : {إِلا أَن تَكُونَ تجارة حَاضِرَةً تُدِيرُونَهَا بَيْنَكُمْ}\rفصل\rقال الفخر : \r{إِلا} فيه وجهان أحدهما : أنه استثناء متصل\rوالثاني : أنه منقطع ، \rأما الأول ففيه وجهان الأول : أنه راجع إلى قوله تعالى : {إِذَا تَدَايَنتُم بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُّسَمًّى فاكتبوه} وذلك لأن البيع بالدين قد يكون إلى أجل قريب ، وقد يكون إلى أجل بعيد ، فلما أمر بالكتبة عند المداينة ، استثنى عنها ما إذا كان الأجل قريباً ، والتقدير : إذا تداينتم بدين إلى أجل مسمى فاكتبوه إلا أن يكون الأجل قريباً ، وهو المراد من التجارة الحاضرة\rوالثاني : أن هذا استثناء من قوله {ولا تسأموا أن تكتبوه صغيراً أو كبيراً}","part":10,"page":184},{"id":4078,"text":"وأما الاحتمال الثاني ، وهو أن يكون هذا استثناءً منقطعاً فالتقدير : لكنه إذا كانت التجارة حاضرة تديرونها بينكم فليس عليكم جناح أن لا تكتبوها ، فهذا يكون كلاماً مستأنفاً ، وإنما رخص تعالى في ترك الكتبة والإشهاد في هذا النوع من التجارة ، لكثرة ما يجري بين الناس ، فلو تكلف فيها الكتبة والإشهاد لشق الأمر على الخلق ، ولأنه إذا أخذ كل واحد من المتعاملين حقه من صاحبه في ذلك المجلس ، لم يكن هناك خوف التجاحد ، فلم يكن هناك حاجة إلى الكتبة والإشهاد. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 7 صـ 102}\rفائدة\rقال الفخر : \rالتجارة عبارة عن التصرف في المال سواء كان حاضراً أو في الذمة لطلب الربح ، يقال : تجر الرجل يتجر تجارة فهو تاجر ، واعلم أنه سواء كانت المبايعة بدين أو بعين ، فالتجارة تجارة حاضرة ، فقوله {إِلا أَن تَكُونَ تجارة حَاضِرَةً} لا يمكن حمله على ظاهره ، بل المراد من التجارة ما يتجر فيه من الإبدال ، ومعنى إدارتها بينهم معاملتهم فيها يداً بيد ، ثم قال : {فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن لا تَكْتُبُوهَا} [ البقرة : 282 ] معناه : لا مضرة عليكم في ترك الكتابة ، ولم يرد الإثم عليكم لأنه لو أراد الإثم لكانت الكتابة المذكورة واجبة عليهم ، ويأثم صاحب الحق بتركها ، وقد ثبت خلاف ذلك وبيان أنه لا مضرة عليهم في تركها ما قدمناه. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 7 صـ 103}\rفصل\rقال القرطبى : \rقوله تعالى : { تُدِيرُونَهَا بَيْنَكُمْ } يقتضي التقابض والبينونة بالمقبوض.\rولمّا كانت الرِّباع والأرض وكثير من الحيوان لا يقبل البينونة ولا يغاب عليه ، حَسُن الكَتْبُ فيها ولحقت في ذلك مبايعة الدَّين ؛ فكان الكتاب توثُّقاً لِما عسى أن يطرأ من اختلاف الأحوال وتغيُّر القلوب.\rفأما إذا تفاصلا في المعاملة وتقابضا وبان كل واحد منهما بما ابتاع من صاحبه ، فيقلّ في العادة خوف التنازع إلاَّ بأسباب غامضة.","part":10,"page":185},{"id":4079,"text":"ونبّه الشرع على هذ المصالح في حالتي النسيئة والنقد وما يغاب عليه وما لا يغاب ، بالكتاب والشهادة والرهن.\rقال الشافعي : البيوع ثلاثة : بيع بكتاب وشهود ، وبيع برِهان ، وبيع بأمانة ؛ وقرأ هذه الآية.\rوكان ابن عمر إذا باع بنقد أشهد ، وإذا باع بنسيئة كتب. أ هـ {تفسير القرطبى حـ 3 صـ 402}\rقوله تعالى : {وَأَشْهِدُوا إِذَا تَبَايَعْتُمْ وَلَا يُضَارَّ كَاتِبٌ وَلَا شَهِيدٌ وَإِنْ تَفْعَلُوا فَإِنَّهُ فُسُوقٌ بِكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ}\rالمناسبة\rقال البقاعى : \rولما كان البيع أعم من أن يقصد به المتجر أو غير ذلك من وجوه الانتفاع قال : {وأشهدوا} سواء كانت كتابة أو لا {إذا تبايعتم} أي على وجه المتجر عاجلاً أو آجلاً أو لا للمتجر ، لأن الإشهاد أبعد من الخلاف وأقرب إلى التصادق بما فيه من الإنصاف ، والأمر للإرشاد فلا يجب.\rولما ألزم في صدر الخطاب الكاتب أن يكتب والشهيد أن يجيب ولا يأبى وأكد ذلك بصيغة تشمل المستكتب والمستشهد فقال ناهياً : {ولا يضار} يصح أن يكون للفاعل والمفعول وهو صحيح المعنى على كل منهما {كاتب ولا شهيد} أي لا يحصل ضرر منهم ولا عليهم.\rقال الحرالي : ففي إلاحته تعريض بالإحسان منه للشهيد والكاتب ليجيبه لمراده ويعينه على الائتمار لأمر ربه بما يدفع عنه من ضرر عطلته واستعماله في أمر من أمور دنياه ، ففي تعريضه إجازة لما يأخذه الكاتب ومن يدعي لإقامة معونة في نحوه ممن يعرض له فيما يضره التخلي عنه - انتهى.\r{وإن تفعلوا} أي ما نهيتم عنه من الضرار وغيره {فإنه فسوق} أي خروج {بكم} عن الشرع الذي نهجه الله لكم.\rقال الحرالي : وفي صيغة فعول تأكيد فيه وتشديد في النذارة - انتهى.","part":10,"page":186},{"id":4080,"text":"وختم آيات هذه المعاملات بصفة العلم بعد الأمر بالتقوى في غاية المناسبة لما يفعله المتعاملون من الحيل التي يجتلب كل منهم بها الحظ لنفسه ، والترغيب في امتثال ما أمرهم به في هذه الجمل بأنه من علمه وتعليمه فقال تعالى - عاطفاً على ما تقدم من أمر ونهي ، أو على ما تقديره : فافعلوا ما أمرتم به وانتهوا عما نهيتم عنه- : {واتقوا الله} أي خافوا الذي له العظمة كلها فيما أمركم به ونهاكم من هذا وغيره.\rولما كان التقدير استئنافاً لبيان فخامة هذه التنبيهات يرشدكم الله إلى مثل هذه المراشد لإصلاح ذات بينكم ، \rعطف عليه قوله : {ويعلمكم الله} أي يدريكم الذي له الكمال كله بذلك على العلم.\rوقال الحرالي : وفي قوله : {يعلم} بصيغة الدوام إيذان بما يستمر به التعليم من دون هذا المنال انتهى.\rوأظهر الاسم الشريف هنا وفي الذي بعده تعظيماً للمقام وتعميماً للتعليم فقال : {والله} أي الذي له الإحاطة الكاملة {بكل شيء عليم} وهذا الختم جامع لبشرى التعليم ونذارة التهديد. أ هـ {نظم الدرر حـ 1 صـ 549 }\rقال الفخر : \r{وَأَشْهِدُواْ إِذَا تَبَايَعْتُمْ} وأكثر المفسرين قالوا : المراد أن الكتابة وإن رفعت عنهم في التجارة إلا أن الإشهاد ما رفع عنهم ، لأن الإشهاد بلا كتابة أخف مؤنة ، ولأن الحاجة إذا وقعت إليها لا يخاف فيها النسيان.\rواعلم أنه لا شك أن المقصود من هذا الأمر الإرشاد إلى طريق الاحتياط. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 7 صـ 103}\rوقال القرطبى : \rقوله تعالى : { وأشهدوا } قال الطبريّ : معناه وأشهدوا على صغير ذلك وكبيره.","part":10,"page":187},{"id":4081,"text":"واختلف الناس هل ذلك على الوجوب أو الندب ؛ فقال أبو موسى الأشعري وابن عمر والضحّاك وسعيد بن المسيِّب وجابر ابن زيد ومجاهد وداود بن عليّ وابنه أبو بكر : هو على الوجوب ؛ ومِن أشدِّهم في ذلك عطاء قال : أشْهد إذا بعت وإذا اشتريت بدرهم أو نصف درهم أو ثلث درهم أو أقلّ من ذلك ؛ فإن الله عزّ وجلّ يقول : { وأشهدوا إِذَا تَبَايَعْتُمْ }.\rوعن إبراهيم قال : أشْهدْ إذا بعتَ وإذا اشتريت ولو دَسْتَجَة بَقَلْ.\rوممن كان يذهب إلى هذا ويرجّحه الطبريّ ، وقال : لا يحلّ لمسلم إذا باع وإذا اشترى إلاَّ أن يُشْهد ، وإلاَّ كان مخالفاً كتاب الله عزّ وجلّ ، وكذا إن كان إلى أجل فعليه أن يكتُب ويُشْهد إن وجد كاتباً.\rوذهب الشّعبي والحسن إلى أن ذلك على النّدْب والإرشاد لا على الحَتْم.\rويُحكى أن هذا قول مالك والشافعيّ وأصحاب الرأي.\rوزعم ابن العربيّ أن هذا قول الكافّة ، قال : وهو الصحيح.\rولم يحك عن أحد ممن قال بالوجوب إلاَّ الضحاك.\rقال وقد باع النبيّ صلى الله عليه وسلم وكتَب.\rقال : ونسخة كتابه : \"بسم الله الرحمن الرّحيم.\rهذا ما اشترى العدّاء بن خالد بن هوذة من محمد صلى الله عليه وسلم ، اشترى منه عبداً أو أمة لا داءَ ولا غائِلَةَ ولا خِبّثَة بيعَ المسلم المسلم\".\rوقد باع ولم يُشهد ، واشترى ورَهَن دِرعَه عند يهوديّ ولم يُشهد.\rولو كان الإشهاد أمراً واجباً لوجب مع الرهن لخوف المنازعة.\rقلت : قد ذكرنا الوجوب عن غير الضحاك.\rوحديث العدّاء هذا أخرجه الدّارقطنيّ وأبو داود.\rوكان إسلامه بعد الفتح وحُنَين ، وهو القائل : قاتلنا رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم حُنَيْن فلم يُظهِرنا الله ولم ينصرنا ، ثم أسلم فحسن إسلامه.\rذكره أبو عمر ، وذكر حديثه هذا ، وقال في آخره : \"قال الأصمعيّ : سألت سعيد بن أبي عروبة عن الغائلة فقال : الإباق والسرقة والزنا ، وسألته عن الْخَبثة فقال : بيع أهل عهد المسلمين\".","part":10,"page":188},{"id":4082,"text":"وقال الإمام أبو محمد بن عطية : والوجوب في ذلك قَلِقٌ ، أمّا في الدّقَائِق فصعب شاقّ ، وأما ما كثُر فربما يقصد التاجر الاستئلاف بترك الإشهاد ، وقد يكون عادة في بعض البلاد ، وقد يَسْتَحْي من العالم والرجل الكبير الموقّر فلا يُشهد عليه ؛ فيدخل ذلك كله في الائتمان ويبقى الأمر بالإشهاد ندباً ؛ لما فيه من المصلحة في الأغلب ما لم يقع عذر يمنع منه كما ذكرنا.\rوحكي المهدوِيّ والنحاس ومكي عن قوم أنهم قالوا : { وأشهدوا إِذَا تَبَايَعْتُمْ } [ البقرة : 282 ] منسوخ بقوله : { فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُم بَعْضاً } [ البقرة : 283 ].\rوأسنده النحاس عن أبي سعيد الخدرِيّ ، وأنه تلا { ياأيها الذين آمنوا إِذَا تَدَايَنتُم بِدَيْنٍ إلى أَجَلٍ مُّسَمًّى فاكتبوه } إلى قوله { فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُم بَعْضاً فَلْيُؤَدِّ الذي اؤتمن أَمَانَتَهُ } [ البقرة : 283 ] ، قال : نسخت هذه الآية ما قبلها.\rقال النحاس : وهذا قول الحسن والحكَم وعبد الرحمن بن زيد.\rقال الطبريّ : وهذا لا معنى له ؛ لأن هذا حكم غير الأوّل ، وإنما هذا حُكْم من لم يجد كاتباً قال الله عزّ وجلّ : { وَإِن كُنتُمْ على سَفَرٍ وَلَمْ تَجِدُواْ كَاتِباً فَرِهَانٌ مَّقْبُوضَةٌ فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُم بَعْضاً أي فلم يطالبه برهن فَلْيُؤَدِّ الذي اؤتمن أَمَانَتَهُ }.","part":10,"page":189},{"id":4083,"text":"قال : ولو جاز أن يكون هذا ناسخاً للأوّل لجاز أن يكون قوله عزّ وجلّ : { وَإِنْ كُنْتُمْ مرضى أَوْ على سَفَرٍ أَوْ جَآءَ أَحَدٌ مِّنْكُمْ مِّن الغآئط } [ النساء : 43 والمائدة : 6 ] الآية ناسخاً لقوله عزّ وجلّ : { يَا أَيُّهَا الذين آمَنُواْ إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصلاة } [ المائدة : 6 ] الآية ولجاز أن يكون قوله عزّ وجلّ : { فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ } [ النساء : 92 ، والمجادلة : 4 ] ناسخاً لقوله عزّ وجلّ : { فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةٍ } [ النساء : 92 ] وقال بعض العلماء : إن قوله تعالى : { فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُم بَعْضاً } لم يتبيّن تأخّر نزوله عن صدر الآية المشتملة على الأمر بالإشهاد ، بل وردا معاً.\rولا يجوز أن يُرد الناسخ والمنسوخ معاً جميعاً في حالة واحدة.\rقال : وقد روي عن ابن عباس أنه قال لما قيل له : إن آية الديّن منسوخة قال : لا والله إن آية الديْن محكمة ليس فيها نسخ قال : الإشهاد إنما جعل للطمأنينة ، وذلك أن الله تعالى جعل لتوثيق الديْن طُرقاً ، منها الكتاب ، ومنها الرهن ، ومنها الإشهاد.\rولا خلاف بين علماء الأمصار أن الرهن مشروع بطريق الندب لا بطريق الوجوب.\rفيعلم من ذلك مثله في الإشهاد.\rوما زال الناس يتبايعون حضراً وسفراً وبراً وبحراً وسهلاً وجبلاً من غير إشهاد مع علم الناس بذلك من غير نكير ؛ ولو وجب الإشهاد ما تركوا النكير على تاركه.\rقلت : هذا كله استدلال حسن ؛ وأحسن منه ما جاء من صريح السنة في ترك الإشهاد ، وهو ما خرّجه الدارقطنيّ عن طارق بن عبد الله المحاربيّ قال : \"أقبلنا في ركب من الرَّبَذَةِ وجنوب الربَذة حتى نزلنا قريباً من المدينة ومعنا ظعينة لنا.\rفبينا نحن قعود إذ أتانا رجل عليه ثوبان أبيضان فسَلّم فرددنا عليه ، فقال : مِن أيْن ( أقبل ) القوم ؟ فقلنا : من الربذة وجنوب الربذة.","part":10,"page":190},{"id":4084,"text":"قال : ومعنا جمل أحمر ؛ فقال : تبيعوني جملكم هذا ؟ فقلنا نعم.\rقال بكم ؟ قلنا : بكذا وكذا صاعاً من تَمْر.\rقال : فما استوضَعَنا شيئاً وقال : قد أخذته ، ثم أخذ برأس الجمل حتى دخل المدينة فتوارى عنا ، فتلاومنا بيننا وقلنا : أعطيتم جملكم من لا تعرفونه! فقالت الظعِينة : لا تَلاوَموا رأيتُ وجه رجل ما كان لِيخْفِركم ، ما رأيت وجه رجل أشبهَ بالقمر ليلة البدر من وجهه.\rفلما كان العشاء أتانا رجل فقال : السَّلام عليكم ، أنا رسول رسولِ الله صلى الله عليه وسلم إليكم ، وإنه أمركم أن تأكلوا من هذا حتى تشبعوا ، وتكتالوا حتى تستوفوا.\rقال : فأكلنا حتى شبِعنا ، واكتلنا حتى استوفينا\".\rوذكر الحديث الزهِريّ \" عن عمارة بن خُزَيْمة أنّ عمّه حدّثه وهو من أصحاب النبيّ صلى الله عليه وسلم أنّ النبيّ صلى الله عليه وسلم ابتاع فرساً من أعرابي ؛ الحديث.\rوفيه : فطَفِقَ الأعرابيّ يقول : هَلُمَّ شاهداً يشهد أني بعتُك قال خُزَيْمَةُ بن ثابت : أنا أشهد أنك قد بِعته.\rفأقبل النبيّ صلى الله عليه وسلم على خُزَيْمَةَ فقال : \"بم تشهد\" ؟ فقال : بتصديقك يا رسول الله.\rقال : فجعل رسول لله صلى الله عليه وسلم شهادة خزيمة بشهادة رجلين \" أخرجه النسائي وغيره. أ هـ {تفسير القرطبى حـ 3 صـ 402 ـ 405}\rقوله تعالى : {وَلاَ يُضَارَّ كَاتِبٌ وَلاَ شَهِيدٌ}\rقال الفخر : \rقوله تعالى : {وَلاَ يُضَارَّ كَاتِبٌ وَلاَ شَهِيدٌ}\rاعلم أنه يحتمل أن يكون هذا نهياً للكاتب والشهيد عن إضرار من له الحق ، أما الكاتب فبأن يزيد أو ينقص أو يترك الاحتياط ، وأما الشهيد فبأن لا يشهد أو يشهد بحيث لا يحصل معه نفع ، ويحتمل أن يكون نهياً لصاحب الحق عن إضرار الكاتب والشهيد ، بأن يضرهما أو يمنعهما عن مهماتهما والأول : قول أكثر المفسرين والحسن وطاوس وقتادة ، والثاني : قول ابن مسعود وعطاء ومجاهد.","part":10,"page":191},{"id":4085,"text":"واعلم أن كلا الوجهين جائز في اللغة ، وإنما احتمل الوجهين بسبب الإدغام الواقع في {لا يُضَارَّ} أحدهما : أن يكون أصله لا يضارر ، بكسر الراء الأولى ، فيكون الكاتب والشهيد هما الفاعلان للضرار\rوالثاني : أن يكون أصله لا يضارر بفتح الراء الأولى ، فيكون هما المفعول بهما الضرار ونظير هذه الآية التي تقدمت في هذه السورة ، وهو قوله {لاَ تُضَارَّ والدة بِوَلَدِهَا} وقد أحكمنا بيان هذا اللفظ هناك ، والدليل على ما ذكرنا من احتمال الوجهين قراءة عمر رضي الله عنه {وَلاَ يضارر} بالإظهار والكسر ، وقراءة ابن عباس {وَلاَ يضارر} بالإظهار والفتح ، واختار الزجاج القول الأول ، واحتج عليه بقوله تعالى بعد ذلك {وَإِن تَفْعَلُواْ فَإِنَّهُ فُسُوقٌ بِكُمْ} قال : وذلك لأن اسم الفسق بمن يحرف الكتابة ، وبمن يمتنع عن الشهادة حتى يبطل الحق بالكلية أولى منه بمن أضر الكاتب والشهيد ، ولأنه تعالى قال فيمن يمتنع عن أداء الشهادة {وَمَن يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ ءَاثِمٌ قَلْبُهُ} [ البقرة : 283 ] والإثم والفاسق متقاربان ، واحتج من نصر القول الثاني بأن هذا لو كان خطاباً للكاتب والشهيد لقيل : وإن تفعلا فإنه فسوق بكم ، وإذا كان هذا خطاباً للذين يقدمون على المداينة فالمنهيون عن الضرار هم والله أعلم. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 7 صـ 103 ـ 104}\rوقال القرطبى : \rقوله تعالى : { وَلاَ يُضَآرَّ كَاتِبٌ وَلاَ شَهِيدٌ } فيه ثلاثة أقوال : \rالأوّل لا يكتب الكاتب ما لم يُمْلَ عليه ، ولا يزيد الشاهد في شهادته ولا ينقص منها.\rقاله الحسن وقتادة وطاوس وابن زيد وغيرهم.\rوروي عن ابن عباس ومجاهد وعطاء أنّ المعنى لا يمتنع الكاتب أن يكتب ولا الشاهد أن يشهد.\r\"وَلاَ يُضَارَّ\" على هذين القولين أصله يُضَارِرَ بكسر الراء ، ثم وقع الإدْغام ، وفتحت الراء في الجزم لخفّة الفتحة.","part":10,"page":192},{"id":4086,"text":"قال النحاس : ورأيت أبا إسحاق يميل إلى هذا القول ، قال : لأن بعده \"وَإِنْ تَفْعَلُوا فَإنَّهُ فُيسُوقٌ بِكُمْ\" فالأولى أن تكون ، من شهد بغير الحق أو حرف في الكتابة أن يُقال له : فاسق ، فهو أولى بهذا ممن سأل شاهداً أن يشهد وهو مشغول.\rوقرأ عمر بن الخطاب وابن عباس وابن أبي إسحاق يُضارِرَ بكسر الراء والأولى.\rوقال مجاهد والضّحاك وطاوس والسدّيّ وروي عن ابن عباس : معنى الآية { وَلاَ يُضَآرَّ كَاتِبٌ وَلاَ شَهِيدٌ } بأن يُدعَى الشاهدُ إلى الشهادة والكاتبُ إلى الكتْب وهما مشغولان ، فإذا اعتذرا بعذرهما أخرجهما وآذاهما ، وقال : خالفتما أمر الله ، ونحو هذا من القول فيضرّ بهما.\rوأصل \"يُضارّ\" على هذا يضاررَ بفتح الراء ، وكذا قرأ ابن مسعود \"يضارَر\" بفتح الراء الأولى ؛ فنهى الله سبحانه عن هذا ؛ لأنه لو أطلقه لكان فيه شغل لهما عن أمر دينهما ومعاشهما.\rولفظ المضارة ؛ إذْ هو من اثنين ، يقتضي هذه المعاني.\rوالكاتب والشهيد على القولين الأوّلين رفع بفعلهما ، وعلى القول الثالث رفع على المفعول الذي لم يسم فاعله. أ هـ {تفسير القرطبى حـ 3 صـ 405 ـ 406}\rقوله تعالى : {وَإِن تَفْعَلُواْ فَإِنَّهُ فُسُوقٌ بِكُمْ}\rقال الفخر : \rفيه وجهان أحدهما : يحتمل أنه يحمل على هذا الموضع خاصة والمعنى : فإن تفعلوا ما نهيتكم عنه من الضرار\rوالثاني : أنه عام في جميع التكليف ، والمعنى : وإن تفعلوا شيئاً مما نهيتكم عنه أو تتركوا شيئاً مما أمرتكم به فإنه فسوق بكم ، أي خروج عن أمر الله تعالى وطاعته. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 7 صـ 104}\rوقال القرطبى : \rقوله تعالى : { وَإِن تَفْعَلُواْ } يعني المضارّة ، { فَإِنَّهُ فُسُوقٌ بِكُمْ } أي معصية ؛ عن سفيان الثوريّ.\rفالكاتب والشاهد يعصيان بالزيادة أو النقصان ، وذلك من الكذب المؤْذِي في الأموال والأبدان ، وفيه إبطال الحق.","part":10,"page":193},{"id":4087,"text":"وكذلك إذايتهما إذا كانا مشغولين معصية وخروج عن الصواب من حيث المخالفة لأمر الله.\rوقوله { بِكُمْ } تقديره فسوقٌ حالٌّ بكم. أ هـ {تفسير القرطبى حـ 3 صـ 406}\rقوله تعالى : {واتقوا الله وَيُعَلّمُكُمُ الله والله بِكُلّ شَيْء عَلِيمٌ}\rقال الفخر : \rقوله تعالى : {واتقوا الله} يعني فيما حذر منه هاهنا ، وهو المضارة ، أو يكون عاماً ، والمعنى اتقوا الله في جميع أوامره ونواهيه.\rثم قال : {وَيُعَلّمُكُمُ الله} والمعنى : أنه يعلمكم ما يكون إرشاداً واحتياطاً في أمر الدنيا ، كما يعلمكم ما يكون إرشاداً في أمر الدين {والله بِكُلّ شَيْء عَلِيمٌ} إشارة إلى كونه سبحانه وتعالى عالماً بجميع مصالح الدنيا والآخرة. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 7 صـ 104}\rوقال القرطبى : \rقوله تعالى : { واتقوا الله وَيُعَلِّمُكُمُ الله والله بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ } وعدٌ من الله تعالى بأن من اتقاه علّمه ، أي يجعل في قلبه نوراً يفهم به ما يلقى إليه ؛ وقد يجعل الله في قلبه ابتداء فرقاناً ، أي فيْصَلا يفصل به بين الحق والباطل ؛ ومنه قوله تعالى : { يِا أَيُّهَا الذين آمنوا إَن تَتَّقُواْ الله يَجْعَل لَّكُمْ فُرْقَاناً } [ الأنفال : 29 ]. والله أعلم. أ هـ {تفسير القرطبى حـ 3 صـ 406}\rوقال العلامة ابن عاشور : \r{ واتقوا الله وَيُعَلِّمُكُمُ الله والله بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ }.\rأمر بالتّقوى لأنّها مِلاك الخير ، وبها يكون ترك الفسوق.\rوقوله : { ويعلمكم الله } تذكير بنعمة الإسلام ، الذي أخرجهم من الجهالة إلى العلم بالشريعة ، ونظام العالم ، وهو أكبر العلوم وأنفعها ، ووعدٌ بدوام ذلك لأنّه جيء فيه بالمضارع ، وفي عطفه على الأمر بالتقوى إيماء إلى أنّ التقوى سبب إفاضة العلوم ، حتى قيل : إنّ الواو فيه للتعليل أي ليعلّمكم.\rوجعله بعضهم من معاني الواو ، وليس بصحيح.","part":10,"page":194},{"id":4088,"text":"وإظهار اسم الجلالة في الجمل الثلاث : لقصد التنويه بكلّ جملة منها حتى تكون مستقلّة الدلالةِ ، غيرَ محتاجة إلى غيرها المشتمل على معادِ ضميرها ، حتى إذا سمع السامع كلّ واحدة منها حصل له علم مستقلّ ، وقد لا يسمع إحداها فلا يضرّه ذلك في فهم أخراها ، ونظير هذا الإظهار قول الحماسي : \rاللُّؤْمُ أكْرَمُ من وَبْرٍ ووالدِهِ...\rواللؤمُ أكرَمُ من وَبْرٍ ومَا وَلَدا\rواللؤم داءٌ لوَبْرٍ يُقْتَلُونَ به...\rلا يُقْتَلُونَ بدَاءٍ غيرِه أبدا\rفإنّه لما قصد التشنيع بالقبيلة ومَنْ وَلَدَها ، ومَا ولدته ، أظهر اللّؤم في الجمل الثلاث ولما كانت الجملة الرابعة كالتأكيد للثالثة لم يظهر اسم اللؤم بها.\rهذا ، ولإظهار اسم الجلالة نكتة أخرى وهي التهويل.\rوللتكرير مواقع يحسن فيها ، ومواقع لا يحسن فيها ، قال الشيخ في \"دلائل الإعجاز\" ، في الخاتمة التي ذكر فيها أنّ الذوق قد يدرك أشياء لا يُهتدى لأسبابها ، وأنّ ببعض الأئمة قد يعرض له الخطأ في التأويل : \"ومن ذلك ما حكي عن الصاحب أنّه قال : كان الأستاذ ابن العميد يختار من شعر ابن الرومي وينقط على ما يختاره ، قال الصاحب فدفع إليّ القصيدة التي أولها : \rأتَحْتَ ضلوعي جمرةٌ تتوقّد...\rعلى ما مضى أم حسْرة تتجدّد\rوقال لي : تأمّلها ، فتأمَّلتها فوجدته قد ترك خير بيت فيها لم ينقِّط عليه وهو قوله : \rبجَهْلٍ كجهل السيففِ والسيفُ منتضًى...\rوحِلْمٍ كحلم السيف والسيفُ مُغْمَدُ\r","part":10,"page":195},{"id":4089,"text":"فقلت : لِمَ تركَ الأستاذُ هذا البيت ؟ فقال : لعلّ القلم تجاوزه ، ثم رآني من بعد فاعتذر بعذر كان شرّاً من تركه ؛ فقال : إنّما تركته لأنّه أعادَ السيف أربع مرات ، قال الصاحب : لو لم يعده لفسد البيت ، قال الشيخ عبد القاهر : والأمر كما قال الصاحب ثم قال قاله أبو يعقوب : إنّ الكناية والتعريض لا يعملان في العقول عمل الإفصاح والتكشيف لأجل ذلك كان لإعادة اللفظ في قوله تعالى : { وبالحق أنزلته وبالحق نزل } [ الإسراء : 105 ] وقوله : { قل هو الله أحد ، الله الصمد } [ الصمد : 1 ، 2 ] عَمَل لولاه لم يكن.\rوقال الراغب : قد استكرهوا التكرير في قوله : \rفما للنَّوى جُذّ النَّوى قُطِع النَّوَى\rحتى قيل : لو سلّط بعير على هذا البيت لرَعى ما فيه من النَّوى ، ثم قال : إنّ التكرير المستحسن هو تكرير يقع على طريق التعظيم ، أو التحقير ، في جمل متواليات كلّ جملة منها مستقلة بنفسها ، والمستقبح هو أن يكون التكرير في جملة واحدة أو في جمل في معنى ، ولم يكن فيه معنى التعظيم والتحقير ، فالراغب موافق للأستاذ ابن العميد ، وعبدُ القاهر موافقٌ للصاحب بن عباد ، قال المرزوقي في شرح الحماسة عند قول يحيى بن زياد : \rلَمَّا رَأيتُ الشيبَ لاح بياضُه\rبمَفرِقِ رأسي قُلتُ للشيب مرحبا...\r\"كان الواجب أن يقول : قلت له مرحباً ، لكنّهم يكرّرون الأعلام وأسماءَ الأجناس كثيراً والقصد بالتكرير التفخيم\".\rواعلم أنّه ليس التكرير بمقصور على التعظيم بل مقامه كلّ مقام يراد منه تسجيل انتساب الفعل إلى صاحب الاسم المكرّر ، كما تقدّم في بيتي الحماسة : \"اللؤم أكرم من وبر\" إلخ.\rوقد وقع التكرير متعاقباً في قوله تعالى في سورة آل عمران ( 78 ) : { وإن منهم لفريقاً يلون ألسنتهم بالكتاب لتحسبوه من الكتاب وما هو من الكتاب ويقولون هو من عند الله وما هو من عند الله ويقولون على الله الكذب وهم يعلمون}. أ هـ {التحرير والتنوير حـ 3 صـ 118 ـ 120}\rفائدة","part":10,"page":196},{"id":4090,"text":"قال الخطيب الشربينى رحمه الله : \rكرّر لفظ الله في الجمل الثلاث لاستقلالها ، فإنّ الأولى حث على التقوى ، والثانية وعد بإنعامه ، والثالثة تعظيم الله لشأنه عز وجل ، ولأنه أدخل في التعظيم من الضمير. أ هـ {السراج المنير حـ 1 صـ 297 ـ 298}\rفائدة\rقال أبو حيان : \rكثيراً ما يتمثل بهذه بعض المتطوعة من الصوفية الذين يتجافون عن الاشتغال بعلوم الشريعة ، من الفقه وغيره ، إذا ذكر له العلم ، والاشتغال به ، قالوا : قال الله : واتقوا الله ويعلمكم الله ، ومن أين تعرف التقوى ؟ وهل تعرف إلاَّ بالعلم ؟ . أ هـ {البحر المحيط حـ 2 صـ 371}\rلطيفة\rقال فى البحر المديد : \rأدخل الواو في جوابه الأمر ليقتضي أن تعليمه سبحانه لأهل التقوى ليس هو مسبباً عن التقوى ، بل هو بمحض الفضل والكرم ، والتقوى إنما هي طريق موصل لذلك الكرم ، لا سبب فيه \" جَلَّ حُكْمُ الأزل أن يُضَافَ إلى العلل \". والله تعالى أعلم. أ هـ {البحر المديد حـ 1 صـ 240}\rفائدة\rقال فى روح البيان : \rهذه الآية أطول آية فى القرآن وأبسطها شرحا وأبينها وأبلغها وجوها يعلم بذلك أن مراعاة حقوق الخلق واجبة والاحتياط على الأموال التى بها أمور الدين والدنيا لازم فمن سعى بالحق فقد نجا ولا فقد غوى\rوالله تعالى من كمال رحمته على عباده علمهم كيفية معاملاتهم فيما بينهم لئلا يجرى من بعضهم على بعض حيف ولئلا يتخاصموا ويتنازعوا فيحقد بعضهم على بعض فأمر بتحصين الحقوق بالكتابة والإشهاد وأمر الشهود بالتحمل ثم بالإقامة وأمر الكاتب أن يكتب كما علمه الله بالعدل وراعى فى ذلك دقائق كثيرة كما ذكرها\rفيشير بهذه المعانى إلى ثلاثة أحوال.","part":10,"page":197},{"id":4091,"text":"أولها حال الله تعالى مع عباده فيظهر من آثار ألطافه معهم أنه تعالى كيف يرفق بهم ويعلمهم كيفية معاملاتهم الدنيوية حتى لا يكونوا فى خسران من أمر دنياهم ولا يكون فيما بينهم عداوة وخصومة تؤدى إلى تنغيص عيشهم فى الدنيا وعقوبة فى الآخرة فيستدلوا بها على أن تكاليف الشرع التى أمروا بها أيضا من كمال مرحمته استعملهم بها ليفيض بها عليهم سجال نعمه كقوله تعالى { ما يريد الله ليجعل عليكم من حرج ولكن يريد ليطهركم وليتم نعمته عليكم } الآية.\rوثانيها حال العباد مع الله ليعلموا برعاية هذه الدقائق للأمور الدنيوية الفانية أن للأمور الأخروية الباقية فيما بينهم وبين الله أيضا دقائق كثيرة والعباد بها محاسبون وعلى مثقال ذرة من خيرها مثابون وعلى مثقال ذرة من شرها معاقبون وأنها بالرعاية أولى وأحرى من أمور الدنيا وأن الله تعالى كما أمر العباد أن يكتبوا كتاب المبايعة فيما بينهم ويستهشدوا عليهم العدول وقد كتب كتاب مبايعة جرت بينه وبين عبادة فى الميثاق فإن الله تعالى اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة وعلى هذا عاهدهم وأشهد الملائكة الكرام عليه ثم رقم فى الكتاب أن ياقوتة من الجنة وديعة وهى الحجر الأسود.","part":10,"page":198},{"id":4092,"text":"وثالثها حال العباد فيما بينهم فليعتبر كل واحد منهم من ملاطفات الحق معهم وليتخلق بأخلاق الحق فى مخالفتهم وليتوسل إلى الله بحسن مرافقتهم وليحفظ حدود الله فى مخالفتهم وموافقتهم وليتمسك بعروة محبتهم فى الله وجذبتهم لله ونصحهم بالله ليحرز فى رفقتهم صراطا مستقيما ويفوز من زمرتهم فوزا عظيما ففى جميع الأحوال كونوا مع الله كما قال { واتقوا الله ويعلمكم الله } أى اتقوا فى الاحوال الثلاثة كما يعلمكم الله بالعبارات والإشارات { والله بكل شىء } تعملونه فى جميع الأحوال من الأقوال والأفعال { عليم } يعلم مضمون ضمائركم ومكنون سرائركم فيجازيكم على حسن معاملتكم بقدر خلوصكم وصفاء نياتكم وصدق طوياتكم فطوبى لمن صفى قلبه عن سفاسف الأخلاق وعزم إلى عالم السر والإطلاق وأحسن المعاملة مع الله فى جميع الحالات ووصل إلى الدرجات العاليات. أ هـ {روح البيان حـ 1 صـ 540 ـ 541}\rمن لطائف الإمام القشيرى فى الآية\rأمَرَ الله سبحانه الخلْقَ بالقيام بالصدق ، وعلَّمَهم كيفية معاملاتهم فيما بينهم ، والأخذ بالاحتياط والاستشهاد لئلا يُجْرِيَ - بعضُهم على بعض - حيفاً ، وذلك من مقتضى رحمته سبحانه عليهم ، وموجب رِفقِه بهم كيلا يتخاصموا. فأمر بتحصين الحقوق بالكتابة والإشهاد ، وأمر الشهود بالتحمل ثم بالإقامة.\rومن شرع اليومَ ما يقطع الخصومة بينهم فبالحري أن يجري ما يرفع في الآخرة آثار الخصومة بينهم ، وفي الخبر المنقول : \" تواهبوا فيما بينكم فقد وهبت منكم مالي عليكم ، فإن الكريم إذا قدر غفر \".\rوفيما شرع من الدَيْن رِفْق بأرباب الحاجات ، لأن الحاجة تمس فيحمله الحال على الاحتيال ، ويضيق به الصدر عن الاحتمال ، ويمنعه حفظ التجمل عن الكدية والسؤال ، فأذِنَ له في الاستدانة ليَجْبُرَ أمرهَ في الحال ، وينتظرَ فضل الله في المآل ، وقد وعد على الإدانة الثوابَ الكثير ، وذلك من لطفه تعالى. أ هـ {لطائف الإشارات حـ 1 صـ 214}\rلطيفة","part":10,"page":199},{"id":4093,"text":"قال الخطيب الشربينى رحمه الله : \rقد حث سبحانه وتعالى فيها على الاحتياط في أمر الأموال لكونها سبباً لمصالح المعاش والمعاد قال تعالى : {ولا تؤتوا السفهاء أموالكم} (النساء ، ) الآية.\rقال القفال رحمه الله تعالى : ويدلّ على ذلك أنّ ألفاظ القرآن جارية في الأكثر على الاختصار.\rوفي هذه الآية بسط شديد ألا ترى أنه قال : {إذا تداينتم بدين إلى أجل مسمى فاكتبوه} ثم قال ثانياً : {وليكتب بينكم كاتب بالعدل} ، ثم قال ثالثا : {ولا يأب كاتب أن يكتب كما علمه الله} فكان هذا كالتكرار لقوله : {وليكتب بينكم كاتب بالعدل} لأنّ العدل هو ما علمه الله ، ثم قال رابعاً : {فليكتب} وهذا إعادة للأمر الأوّل ثم قال خامساً : {وليملل الذي عليه الحق} وفي قوله تعالى : {وليكتب بينكم كاتب بالعدل} كناية عن قوله : {وليملل الذي عليه الحق} لأنّ الكاتب بالعدل إنما يكتب ما يملى عليه ، ثم قال سادساً : {وليتق الله ربه} وهذا تأكيد ثم قال سابعاً : {ولا يبخس منه شيئاً} وهذا كالمستفاد من قوله : {وليتق الله ربه} ثم قال ثامناً : {ولا تسأموا أن تكتبوه صغيراً أو كبيراً إلى أجله} وهو أيضاً تأكيد لما مضى ثم قال تاسعاً : {ذلكم أقسط عند الله وأقوم للشهادة وأدنى ألا ترتابوا} فذكر هذه الفوائد التالية لتلك التأكيدات السالفة وكل ذلك يدل على المبالغة ، في التوصية بحفظ المال الحلال وصونه عن الهلاك ليتمكن الإنسان بواسطته من الإنفاق في سبيل الله والإعراض عن مساخط الله تعالى من الربا وغيره والمواظبة على تقوى الله. أ هـ {السراج المنير حـ 1 صـ 298}\rمن فوائد ابن عرفة فى الآية\rقوله تعالى : { ياأيها الذين آمنوا إِذَا تَدَايَنتُم بِدَيْنٍ . . . }.\rقال الفخر : تداين مفاعلة فلا ( تكون ) إلا من الجانبين ، فلا يتناول إلا الدّين بالدّين.\rأو ( فسخ ) الدّين ( بالدّين ) فلا يصح حلمه على ظاهره بل المراد به إذا تعاملتم.","part":10,"page":200},{"id":4094,"text":"وأجاب ابن عرفة : بأنّه يتناول الدّين ( بالدّين ) عن معاوضة فإن من اشترى سلعة بنقد أو نسيئة فإذا دفع الثّمن حصل له في ذمّة المشتري فله عليه الرجوع بعهدة العيب أو الاستحقاق.\rقال الزّمخشري : وإنما قال بـ {دين} ليعيد عليه الضمير.\rقال ابن عطية : ليرفع الوهم ، إن المراد بـ {تداينتم} جزاء بعضكم بعضا.\rقال ابن عرفة : بلى أتى به ليكون نكرة في سياق الشرط فيفيد العموم.\rقوله تعالى : { فاكتبوه وَلْيَكْتُب بَّيْنَكُمْ كَاتِبٌ بالعدل وَلاَ يَأْبَ كَاتِبٌ أَن يَكْتُبَ كَمَا عَلَّمَهُ الله . . . }.\rالأمر بالكتب مصلحة دنيوية وهي حفظ المال ، ومصلحة دينية وهي السلامة من الخصومة بين المتعاملين.\rقيل لابن عرفة : يخرج ( الدين ) الذي على الحلول ؟ \rفقال : لا يحتاج إلى كتب وثيقة غالبا فإن له طلبه في الحال.\rابن عطية : قوله \" بالعدل \" متعلق بقوله تعالى \" وَلْيَكْتُب \" لا بـ \" كاتب \" لئلا يلزم عليه ألاّ يكتب الوثيقة إلاّ العدل في نفسه وقد يكتبها الصبّي والعبد والمسخوط إذا ( أقاموا فقها ) إلاّ أنّ المنتصبين لكتبها لا يجوز للولاة أن ( يولّوهم ) إلا عدولا مرضيين.\rقال ابن عرفة : هذا تخليط لأن الأمر بالكتب ابتداء إنّما هو للعدل في نفسه وإمضاء كتب الصبّي والعبد والمسخوط إنّما هو بعد الوقوع ، والآية إنّما جاءت فيمن يؤمر بكتبها وفرّق بين الأمر في كتبها عند العدل في نفسه وبين إمضائها إذا كتبها غير العدل.\rقوله تعالى : { فَإن كَانَ الذي عَلَيْهِ الحق سَفِيهاً أَوْ ضَعِيفاً . . . }.\rقال ابن عطية : السّفيه الذي لا يحسن الأخذ لنفسه ولا الإعطاء ( منها ).\rابن عرفة : هذا هو السفيه عند الفقهاء.\rقال : ومن كان بهذه الصّفة لا يخلو من حجر أب أو وصي أو قاض.\rقوله تعالى : { فَلْيُمْلِلْ . . . }.\rقوله تعالى : { بالعدل . . . }.","part":10,"page":201},{"id":4095,"text":"كان بعضهم يقول : الذي يظهر أن يكون بالعدل متعلقا بوليه ( لا بـ يملل ) لأن إملاء الوصي إذا كان بغير العدل فالمشهور ( يجرحونه ) ولا يشهدون له فينبغي أن الوصي إذا أتى ليرهن على المحجور ويعمر ذمته ألاّ يشهدوا له إلا إذا تبين لهم في ذلك وجه المصلحة ، وأما تعلقه بدين ( وكان ) أكثر الأوصياء لا يعدلون فلا يقبل إلا إملاء الوصي الدين ولذلك كان ابن الغماز يقول : جميع من رأيت من الأوصياء يتصرفون بغير الصواب إلا فلانا ( أو فلانا ) ويعيُّنهما.\rقوله تعالى : { واستشهدوا شَهِيدَيْنِ مِن رِّجَالِكُمْ . . . }.\rقال ابن عرفة : مذهبنا أن العبد لايستشهد ( ابتداء ) فإن شهد قبلت شهادته.\rوالآية دالة على أنّه لا يشهد الرّجل والمرأة إلاّ عند عدم الرّجلين مع أنه إذا تعارضت بينتان إحداهما رجل وامرأتان والأخرى رجلان فإنّهما متكافئتان لكن هنا شيء وهو أنّ الأصوليين ذكروا الخلاف فيما إذا تعارض أمران في صورة أو تساويا فيها وثبت لأحدهما الرّجحان على الآخر في غيرها من الصور فهل يرجح الأرجح أم لا ؟ فقولان فإن قلنا بالتّساوي فلا سؤال ، وإن قلنا بتقديم الأرجح فيرد السؤال ، لم جعلهما مالك متكافِئَتين ولم يقدم الأرجح\rقال ابن العربي : واحتجّ بهذا أبو حنيفة على أنّه لا يقضي بالشاهد واليمين.\rورده ابن عرفة بوجهين : \rالأول : أن الآية سيقت لبيان ما يستقل به الحكم في الشهادة لا لبيان كل ما يوجب الحكم.\rالثاني : أن هذه حالة التحمل وهو في حالة مأمور بأن يشهد رجلين أو رجلاً وامرأتين وإنما اليمين حالة الأداء والحكم بالحق.\rقوله تعالى : { مِمَّن تَرْضَوْنَ مِنَ الشهدآء . . . }.\rمتعلق بـ \" اسْتَشْهِدُوا \".\rوأبطل أبو حيان تعلقه بـ \" امرأتين \" أو بـ \" رجلين \" لئلا يلزم عليه المفهوم وهو إطلاق الحكم في الفريق الآخر وهما الرّجلان مرضيان كانا أو غير ( مرضيين ).","part":10,"page":202},{"id":4096,"text":"( وأجاب ابن عرفة : بأن قوله : \" مِن رِّجَالِكُمْ \" \" وشَهِيدَينِ \" بالإضافة ، والمبالغة تفيد كونهما مرضيين ).\rقوله تعالى : { أَن تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الأخرى . . . }.\rقال ابن عرفة : كان بعضهم يقول : إنه تعليل للمجموع ( وإرادة ) أن تذكر إحداهما الآخرى إذا ضلت.\rقال ابن عطية : قال بعض المكيين \" فَرَجُلٌ وامْرَأَتَانِ \" بهمز الألف ساكنة.\rقال ابن جني : لا نظير لتسكين الهمزة المتحركة وإنّما خففوا الهمزة فقرب من الساكن ثم بالغوا في التخفيف فصارت الهمزة ألفا ساكنة ثم أدخلوا ( الهمزة على الألف ) ساكنة ( ومنه ) قراءة ابن كثير \" وكشفت عن سَأْقَيْهَا \".\rقال ابن عرفة : وقع تسكين ( الهمزة ) المتحركة ( في القرآن ) في ثلاثة مواضع : أحدها \" وَجِئْتُكَ مِن سَبَأَ بِنَبَإٍ يَقِينٍ \".\rقرأها أبو عمرو والبزي بفتح الهمزة.\rوروي عن قنبل إسكان الهمزة إجراء للوصل مجرى الوقف ، قوله تعالى : \" مَا دَلَّهُمْ عَلَى مَوْتِهِ إِلاّ دابَةُ الأَرْضِ تَأْكُلُ مِنسَأَتَهُ \".\rوقرأها نافع وأبو عمروا بالألف من غير همزة وابن ذكوان بهمزة ساكنة والباقون بهمزة مفتوحة.\rوالثالث قوله عز وجلّ في سورة فاطر : \" وَمَكْر السَّيّءِ \" قرأ حمزة بسكون الهمزة إجراء للوصل مجرى الوقف والباقون بتحريكها.\rقلت : وموضع رابع وهو \" فَتُوبُوا إِلَى بَارِئِكُمْ \".\rروى فيه عن أبي عمرو الاختلاس وروي عنه الإسكان.\rقال ابن عطية : وقرأ حمزة \" إِن تَضِلّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرُ \" جعل ( إن ) شرطا والشرط وجوابه رفع لأنه صفة للمرأتين ، وارتفع \" تذكرُ \" كما ارتفع قوله تعالى \" وَمَنْ عَادَ فَيَنتَقِمُ اللّهُ مِنْهُ \".\rهذا قول سيبويه وفي هذا نظر.\rقوله تعالى : { وَلاَ يَأْبَ الشهدآء إِذَا مَا دُعُواْ . . . }.","part":10,"page":203},{"id":4097,"text":"قال ابن عرفة : قالوا : إن النهي تارة يكون للحاضر ، وتارة يكون للغائب ، فأمّا بالنسبة إلى القديم فلا فرق بينهما ، وأما في المحدثات فقد يكون النهي في الغيبة أقوى وأشد منه في الحضرة ، لأنك قد تنهي الشخص الحاضر عن فعل شيء بين يديك وتكون بحيث لو سمعت عنه أنه يفعله في غيبتك لا تزجره ولا تنهاه.\rفهذا الأمر فيه أخف من شيء تزجره على فعله في الغيبة والحضرة فإن النهي في هذا أشد.\rولا يؤخذ من الآية أنّ الأمر بالشيء ليس هو نهيا عن ضده لأن \" اسْتَشْهِدُوا \" أمرٌ للمتعاقدين \" وَلاَ يَأْبَ \" نهي للشاهدين.\rقوله تعالى : { وَلاَ تسئموا أَن تَكْتُبُوهُ صَغِيراً أَو كَبِيراً إلى أَجَلِهِ . . . }.\rالسآمة ( بمعنى ) الكسل ، وقدم الصغير خشية التهاون به والتفريط فيه كقول الزّمخشري في { لاَ يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلاَ كَبِيرَةً إِلاَّ أَحْصَاهَا } وقوله { مِن بَعْدِ وَصِيَّةٍ يوصى بِهَآ أَوْ دَيْنٍ } وقوله { فَإِن كَانَ مِن قَوْمٍ عَدُوٍّ لَّكُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةٍ وَإِن كَانَ مِن قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُم مِّيثَاقٌ فَدِيَةٌ مُّسَلَّمَةٌ إلى أَهْلِهِ وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةٍ } مع أن العداوة تنفي أخذ الدية ويوجب ( التعارف ) بها فلذلك قدمت الدّية.\rوالضمير في قوله \" تَكْتُبُوهُ \" ( إما عائد على الحق أو على الدّين ، أو على الكتب.\r( قال بعضهم : وإن عاد الضمير على الكتاب ف \" أَوْ \" للتخيير ، وإن عاد على الحق أو الدين ف \" أَوْ \" ( للتفصيل ).\rقوله تعالى : { ذَلِكُمْ أَقْسَطُ عِندَ الله وَأَقْوَمُ لِلشَّهَادَةِ . . . }.\rابن عرفة : هذا دليل على أنّ الأمر المقدم للندب لا للوجوب.\rوالصواب أنّ المراد الإشهاد أقسط عند الله ( والكتاب ) أقوم للشهادة فيكون لفّا ونشرا ، أي أعدل وأقرب لقيام الشهادة.\rو \" أَقْسَطُ \" قيل من الرباعي وهو شذوذ.","part":10,"page":204},{"id":4098,"text":"قال الزمخشري : من قاسط على النسب أي ذو قسط ، أو جار مذهب سيبويه في بنائها من أفعل.\rورده أبو حيان : بأن سيبويه لم ينص بناء أفعل التفضيل من أفعل بل قال : فعل التعجب ينبني من فعل وأفعل.\rقالوا : وأفعل التفضيل ينبني مما بني به فعل التعجب.\rقال ابن عرفة : فظاهره أنه لم يحك بناء وهي من أفعل.\rوقال ابن خروف : رأيت في النسخ المشرقية أنّه يبنى من فَعَلَ وفَعُلَ وأفْعَلَ زاد في النسخ الرياحية إلا أنّ بناءه من أفعل قليل.\rوقد نص على صحة بناء التعجب من أفعل مبني منهما.\rوقول ابن عطية : انظر هل يكون من قَسُط بالضم غير صحيح لأنه لم يحك فيه ( أحد ) قسُط.\rوقول الزمخشري : إنه يجوز على مذهب سيبويه صحيح على ما قاله ابن خروف ، ولا يحتاج إلى جعله على طريق النّسب إلاّ لو لم يثبت فيه الرّباعي.\rقوله تعالى : { وأدنى أَلاَّ ترتابوا . . . }.\rابن عرفة : إن أريد بالرّيبة مطلق الاحتمال فيكون فيه منح الشّهادة بالمفهوم لأنه ظنّي فلا ( ينتفي ) فيه الاحتمال.\rوقد قدمنا فيه ثلاثة أقوال : \rأحدها : أنه يشهد بها على القطع.\rالثاني : أنّه لا يشهد.\rالثالث : أنّه يشهد بها بالفهم على نحو ما تحملها.\rقال ابن عرفة : وإن أريد بالريبة الشك فلا يكون فيه دليل على ما قلنا.\rقوله تعالى : { إِلاَّ أَن تَكُونَ تِجَارَةً . . . }.\rقال ابن عرفة : إن أراد بالأول الدّين وبهذا الحاضر فيكون حينئذ استثناء منقطعا وإن ( أراد ) بالأول مطلق المعاملة فهو متصل.\rفإن قلت : هل في الآية دليل لمن يقول : : إنّ الاستثناء من الإثبات ليس بنفي كالاستدلال بقول الله تعالى { فَسَجَدُواْ إِلاَّ إِبْلِيسَ أبى } لقول الله تعالى { فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ } وإلا لما كان له فائدة.\r( فالجواب ) أنّ الأول تناول الكتب والإشهاد ، فلو لم تذكر هذه الزيادة لأدّى إلى إهمال الإشهاد والكتب.","part":10,"page":205},{"id":4099,"text":"فأفادت هذه الزيادة رفع الجناح عن الكتب في الحاضر وبقاء الأمر في الإشهاد فيها من غير كتب.\rأبو حيان : وقيل الاستثناء متصل راجع ( لقوله ) \" وَلا تَسْئَمُوا \".\rوقَدّر أبو البقاء معنى الاتصال في الاستثناء لأنه أمر بالاستشهاد في كل معاملة ، واستثنى منه التجارة الحاضرة.\rوالتقدير : إلاّ في حال الحضور للتجارة.\rقال الصفاقسي : وفي هذا التقدير نظر. انتهى.\rقوله تعالى : { وأشهدوا إِذَا تَبَايَعْتُمْ . . . }.\rهذه تضمنت الإشهاد من غير كتب فلا تناقض ( ( في قوله : { فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَلاَّ تَكْتُبُوهَا } لأن تلك إنّما اقتضت رفع الجناح عن عدم الكتب و( بقي ) الإشهاد مطلوبا ).\rقوله تعالى : { وَلاَ يُضَآرَّ كَاتِبٌ وَلاَ شَهِيدٌ . . . }.\rيحتمل أن يكون أصله يضارِرُ مبينا للفاعل أو يضارَرُ مبينا للمفعول.\rقال ابن عرفة : ويصح حمله على الأمرين معا على القول بجواز تعميم اللفظ المشترك في مفهوميه معا ، كما قالوا في الجور والقرء ونحوه.\rقيل لابن عرفة : هذان لفظان وذلك إنما هو ( في ) اللّفظ الواحد كذا قال الفخر ؟ \rفقال ابن عرفة : قد قال سيبويه في المشترك إنهما لفظان دالاّن على معنيين.\rذكره في باب المستقيم والإحالة في ( وجدت ).\rوقال ابن التلمساني في شرح المعالم الفقهية في المسألة الخامسة من الباب الثالث في قوله { وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شَاهِدِينَ } إنّه يحتمل أن يكون مضافا للفاعل والمفعول معا ، ثم رده بأنه إذا ( عمّمنا ) في الأمرين يلزم أن يكون مرفوعا ومنصوبا في حالة واحدة وذلك جمع بين النقيضين.\rفإن قلت : لم عبر في \" شهيد \" بلفظ المبالغة دون \" كاتب \".\rقلت : إنّ ذلك فيمن برّز وبلغ إلى درجة العدالة.\rواختلف ( الناس ) في جواز أخذ الأجرة على الشهادة والمعروف المنع.\rوبعضهم أجازها إذا كان منقطعا عن أسبابه إليها.","part":10,"page":206},{"id":4100,"text":"وقيل : إن كان له من المعرفة ( ما ) يفتقر بها إليه في النظر في الوثيقة ليصححها فقها وكتابة باعتبار سلامتها من اللّحن المخل فيجوز له أخذ الأجرة وإلاّ فلا.\rوقال الحافظ أبو عمرو عثمان بن الصلاح في علوم الحديث ما نصه : من أخذ على التحديث أجرا فقال ( إسحاق ) بن ابراهيم وأحمد ابن حنبل وأبو حاتم الرازي في ذلك مانع من قبول روايته فلا يؤخذ منه.\rوترخص أبو نعيم الفضل بن ( دكين ) وعلي بن عبدالعزيز ( المكي ) وآخرون فأجازوا أخذ العوض عن التحديث وشبهوها بأخذ الأجرة على إقرائهم القرآن على أنّ في هذا من حيث العرف خرما للمروءة والظّن ( السّوء ) بفاعله إلاّ أنْ يقترن ذلك بما ينفيه كما كان أبو الحسن السّعودي ( وأفتى به ) الشيخ أبو إسحاق الشيرازي أنّ أصحاب الحديث كانوا يمنعونه عن الكسب لعياله.\rانتهى.\rذكره في النوع الثالث والعشرين ( في إكمال عياض في كتاب الطب في أحاديث الرقى.\rأجاز الإمام مالك وأحمد بن حنبل والشافعي وأبو ثور وأبو إسحاق أخذ الأجرة على الرّقية والطب وعلى تعليم القرآن.\rومنع الإمام أبو حنيفة وأصحابه الأجرة على تعليم القرآن وأجازوا الأجرة على الرقية ).\rقال ابن عرفة : ( فحاصله ) أنه إن كان انقطاعه لذلك يشغله عن معاشه وكان فقيرا محتاجا لما يتعيش به ولم يكن عنده من المال ما يستغني به عن طلب المعاش فيجوز له أخذ الأجرة وإلاّ فلا.\rوحكى أبو العباس أحمد بن حلولو عن والده أنّ القاضي أبا محمد عبد الله اللّخمي بعث له صهره سيدى أَبَو علي بن قداح بزير لبن فشربه ثم سمع أنه من عند شاهد يأخّذ الأجرة على الشهادة ، فتقيأه ، ثم لما صار هو شاهدا كان يأخذ في الشهادة قدر الدينار كل يوم ، وما ذلك إلا لأنّه كان يأخذ ذلك من وجهه ، والشاهد الأول لم يكن يأخذ ذلك من وجهه.\rقوله تعالى : { وَإِن تَفْعَلُواْ فَإِنَّهُ فُسُوقٌ بِكُمْ . . . }.\rالفسق في اللّغة مطلق الخروج عن الحدّ وفي الشّرع هو تعدّي الحدود الشرعية.","part":10,"page":207},{"id":4101,"text":"قوله تعالى : { واتقوا الله وَيُعَلِّمُكُمُ الله . . . }.\rقال ابن عرفة : هذا دليل على ثبوت اشتراط العلم في الكاتب والشاهد.\rقوله تعالى : { والله بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ }.\rاختلفوا في لفظ ( شيء ) هل يصدق على المعدوم أو لا ؟ \rوقال الشيخ القرافي في تأليفه على الأربعين لابن الخطيب : إن ذلك الخلاف إنما هو في كونه محكوما به لا في كونه متعلق الحكم كقولك : المعدوم شيء.\rوأما مثل { والله بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ } فهو متعلق الحكم.\rقال ابن عرفة : إنما الخلاف مطلقا ، وما ذكروا هذا إلا في اسم الفاعل المشتق وأما في هذا فقد ذكره الآمدي في أبكار الأفكار مطلقا.\rابن عرفة : والآية حجة بأنّ المعدوم ليس بشيء وهو مذهب أهل السنة. أ هـ {تفسير ابن عرفة صـ 361 ـ 365}","part":10,"page":208},{"id":4102,"text":"فائدة\rقال الجصاص : \rوَآيَةُ الدَّيْنِ بِمَا فِيهَا مِنْ ذِكْرِ الِاحْتِيَاطِ بِالْكِتَابِ وَالشُّهُودِ الْمَرْضِيِّينَ وَالرَّهْنُ تَنْبِيهٌ عَلَى مَوْضِعِ صَلَاحِ الدِّينِ وَالدُّنْيَا مَعَهُ ، فَأَمَّا فِي الدُّنْيَا فَصَلَاحُ ذَاتِ الْبَيْنِ وَنَفْيُ التَّنَازُعِ وَالِاخْتِلَافِ ، وَفِي التَّنَازُعِ وَالِاخْتِلَافِ فَسَادُ ذَاتِ الْبَيْنِ وَذَهَابُ الدِّينِ وَالدُّنْيَا ؛ قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ : { وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ } وَذَلِكَ أَنَّ الْمَطْلُوبَ إذَا عَلِمَ أَنَّ عَلَيْهِ دَيْنًا وَشُهُودًا أَوْ كِتَابًا أَوْ رَهْنًا بِمَا عَلَيْهِ وَثِيقَةٌ فِي يَدِ الطَّالِبِ ، قَلَّ الْخِلَافُ ، عِلْمًا مِنْهُ أَنَّ خِلَافَهُ وَبَخْسَهُ لِحَقِّ الْمَطْلُوبِ لَا يَنْفَعُهُ بَلْ يَظْهَرُ كَذِبُهُ بِشَهَادَةِ الشُّهُودِ عَلَيْهِ وَفِيهِ وَثِيقَةٌ وَاحْتِيَاطٌ لِلطَّالِبِ ، وَفِي ذَلِكَ صَلَاحٌ لَهُمَا جَمِيعًا فِي دِينِهِمَا وَدُنْيَاهُمَا لِأَنَّ فِي تَرْكِهِ بَخْسَ حَقِّ الطَّالِبِ صَلَاحَ دِينِهِ وَفِي جُحُودِهِ وَبَخْسِهِ ذَهَابَ دِينِهِ إذَا عَلِمَ وُجُوبَهُ ؛ وَكَذَلِكَ الطَّالِبُ إذَا كَانَتْ لَهُ بَيِّنَةٌ وَشُهُودٌ أَثْبَتُوا مَا لَهُ ، وَإِذَا لَمْ تَكُنْ لَهُ بَيِّنَةٌ وَجَحَدَ الطَّالِبُ حَمَلَهُ ذَلِكَ عَلَى مُقَابَلَتِهِ بِمِثْلِهِ وَالْمُبَالَغَةِ فِي كَيْدِهِ حَتَّى رُبَّمَا لَمْ يَرْضَ بِمِقْدَارِ حَقِّهِ دُونَ الْإِضْرَارِ بِهِ فِي أَضْعَافِهِ مَتَى أَمْكَنَهُ وَذَلِكَ مُتَعَالَمٌ مِنْ أَحْوَالِ عَامَّةِ النَّاسِ.","part":10,"page":209},{"id":4103,"text":"وَهَذَا نَظِيرُ مَا حَرَّمَهُ اللَّهُ تَعَالَى عَلَى لِسَانِ نَبِيِّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ الْبِيَاعَاتِ الْمَجْهُولَةِ الْقَدْرِ وَالْآجَالِ الْمَجْهُولَةِ وَالْأُمُورِ الَّتِي كَانَ عَلَيْهَا النَّاسُ قَبْلَ مَبْعَثِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِمَّا كَانَ يُؤَدِّي إلَى اخْتِلَافِ وَفَسَادِ ذَاتِ الْبَيْنِ وَإِيقَاعِ الْعَدَاوَةِ وَالْبَغْضَاءِ ، وَنَحْوِهِ مِمَّا حَرَّمَ اللَّهُ تَعَالَى مِنْ الْمَيْسِرِ وَالْقِمَارِ وَشُرْبِ الْخَمْرِ وَمَا يُسْكِرُ فَيُؤَدِّي إلَى الْعَدَاوَةِ وَالْبَغْضَاءِ وَالِاخْتِلَافِ وَالشَّحْنَاءِ ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : { إنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمْ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنْ الصَّلَاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ } فَأَخْبَرَ اللَّهُ تَعَالَى أَنَّهُ إنَّمَا نَهَى عَنْ هَذِهِ الْأُمُورِ لِنَفْيِ الِاخْتِلَافِ وَالْعَدَاوَةِ وَلِمَا فِي ارْتِكَابِهَا مِنْ الصَّدِّ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنْ الصَّلَاةِ ، فَمَنْ تَأَدَّبَ بِأَدَبِ اللَّهِ وَانْتَهَى إلَى أَوَامِرِهِ وَانْزَجَرَ بِزَوَاجِرِهِ حَازَ صَلَاحَ الدِّينِ وَالدُّنْيَا ؛ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : { وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا مَا يُوعَظُونَ بِهِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتًا وَإِذًا لَآتَيْنَاهُمْ مِنْ لَدُنَّا أَجْرًا عَظِيمًا وَلَهَدَيْنَاهُمْ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا }.","part":10,"page":210},{"id":4104,"text":"وَفِي هَذِهِ الْآيَاتِ الَّتِي أَمَرَ اللَّهُ فِيهَا بِالْكِتَابِ وَالْإِشْهَادِ عَلَى الدَّيْنِ وَالْعُقُودِ وَالِاحْتِيَاطُ فِيهَا تَارَةً بِالشَّهَادَةِ وَتَارَةً بِالرَّهْنِ ، دَلَالَةٌ عَلَى وُجُوبِ حِفْظِ الْمَالِ وَالنَّهْيِ عَنْ تَضْيِيعِهِ ، وَهُوَ نَظِيرُ قَوْله تَعَالَى : { وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمْ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَامًا } وَقَوْلِهِ : { وَاَلَّذِينَ إذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا } وَقَوْلِهِ : { وَلَا تُبَذِّرْ تَبْذِيرًا } الْآيَةَ.\rفَهَذِهِ الْآيُ دَلَالَةٌ عَلَى وُجُوبِ حِفْظِ الْمَالِ وَالنَّهْيِ عَنْ تَبْذِيرِهِ وَتَضْيِيعِهِ.\rوَقَدْ رُوِيَ نَحْوُ ذَلِكَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ؛ حَدَّثَنَا بَعْضُ مَنْ لَا أَتَّهِمُ فِي الرِّوَايَةِ قَالَ : أَخْبَرَنَا مُعَاذُ بْنُ الْمُثَنَّى قَالَ : حَدَّثَنَا مُسَدِّدٌ قَالَ : حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ الْفَضْلِ قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ إِسْحَاقَ عَنْ سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيُّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { لَا يُحِبُّ اللَّهُ إضَاعَةَ الْمَالِ وَلَا قِيلَ وَلَا قَالَ }.","part":10,"page":211},{"id":4105,"text":"وَحَدَّثَنَا مَنْ لَا أَتَّهِمُ قَالَ : أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ قَالَ : حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْمَسْرُوقِيُّ قَالَ : حَدَّثَنَا حَسَنٌ الْجُعْفِيُّ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سُوقَةَ عَنْ وَرَادٍّ قَالَ : كَتَبَ مُعَاوِيَةُ إلَى الْمُغِيرَةَ بْنِ شُعْبَةَ : اُكْتُبْ إلَيَّ بِشَيْءٍ سَمِعْته مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَيْسَ بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ أَحَدٌ قَالَ : فَأَمْلَى عَلَيَّ وَكَتَبْت : إنِّي سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ : { إنَّ اللَّهَ حَرَّمَ ثَلَاثًا وَنَهَى عَنْ ثَلَاثٍ.\rفَأَمَّا الثَّلَاثُ الَّتِي حَرَّمَ فَعُقُوقُ الْأُمَّهَاتِ وَوَأْدُ الْبَنَاتِ وَلَا وَهَاتِ ، وَالثَّلَاثُ الَّتِي نَهَى عَنْهُنَّ فَقِيلَ وَقَالَ وَإِلْحَافُ السُّؤَالِ وَإِضَاعَةُ الْمَالِ }. أ هـ {أحكام القرآن للجصاص حـ 2 صـ 274 ـ 275}","part":10,"page":212},{"id":4106,"text":"فوائد لغوية\rقال ابن عادل :\rقوله تعالى : { إلى أَجَلٍ } : متعلِّق بتداينتم ، ويجوز أن يتعلَّق بمحذوفٍ على أنه صفة لدين ، و{ مُّسَمًّى } صفة لدين ، فيكون قد قدَّم الصفة المؤولة على الصَّريحة ، وهو ضعيفٌ ، فكان الوجه الأول أوجه.\rقوله : { بالعدل } فيه أوجهٌ :\rأحدها : أن يكون الجارُّ متعلّقاً بالفعل قبله. قال أبو البقاء : \" بالعَدْلِ متعلِّق بقوله : فليكتب ، أي : ليكتب بالحقِّ ، فيجوز أن يكون حالاً ، أي : ليكتب عادلاً ، ويجوز أن يكون مفعولاً به أي : بسبب العدل \".\rقوله أولاً : \" بالعدلِ مُتَعَلِّقٌ بقوله فَلْيَكْتُب \" يريد التعلق المعنوي؛ لأنَّه قد جوَّز فيه بعد ذلك أن يكون حالاً ، وإذا كان حالاً تعلَّق بمحذوف لا بنفس الفعل.\rوقوله : \" ويجوزُ أن يكون مفعولاً \" يعني فتتعلق الباء حينئذٍ بنفس الفعل.\rوالثاني : أن يتعلَّق بـ \" كَاتِب \". قال الزَّمخشريُّ : \" مُتَعَلِّقٌ بكاتب صفةً له ، أي : كاتبٌ مأمونٌ على ما يَكْتُب \" ، وهو كما تقدَّم في تأويل قول أبي البقاء. وقال ابن عطيَّة : \" والبَاءُ متعلِّقةٌ بقوله : \" ولْيَكْتُبْ \" ، وليست متعلِّقة بقوله \" كَاتِبٌ \" ؛ لأنه كان يلزم ألاَّ يكتب وثيقةً إلا العدل في نفسه ، وقد يكتبها الصّبيُّ والعبد \".\rالثالث : أن تكون الباء زائدةٌ ، تقديره : فليكتب بينكم كاتب بالعدل.\rقوله : { أَنْ يَكْتُبَ } مفعولٌ به ، أي : لا يأب الكتابة.\rقوله : { كَمَا عَلَّمَهُ الله } يجوز أن يتعلَّق بقوله : { أَنْ يَكْتُبَ } على أنه نعتٌ لمصدر محذوف ، أو حالٌ من ضمير المصدر على رأي سيبويه ، والتقدير : أن يكتب كتابةً مثل ما علَّمه الله ، أو أن يكتبه أي : الكتب مثل ما علَّمه الله.\rويجوز أن يتعلَّق بقوله : \" فَلْيَكْتُبْ \".\r","part":10,"page":213},{"id":4107,"text":"قال أبو حيَّان : \" والظّاهر تعلُّق الكاف بقوله : فَلْيَكْتُبْ \" قال شهاب الدين رحمه الله تعالى : وهو قلق لأجل الفاء ، ولأجل أنه لو كان متعلِّقاً بقوله : \" فَلْيَكْتُبْ \" ، لكان النَّظم : فليكتب كما علمه الله ، ولا يحتاج إلى تقديم ما هو متأخرٌ في المعنى.\rوقال الزَّمخشريُّ - بعد أن ذكر تعلُّقه بأن يكتب ، وب \" فَلْيَكْتُبْ \" - \" فإِنْ قلت : أيُّ فرقٍ بين الوجهين؟ قلت : إن علَّقته بأن يكتب فقد نهى عن الامتناع من الكتابة المقيَّدة ، ثم قيل [ له ] : فليكتب تلك الكتابة لا يعدل عنها ، وإن علَّقته بقوله : \" فَلْيَكْتُبْ \" فقد نهى عن الامتناع من الكتابة على سبيل الإطلاق ، ثم أمر بها مقيّدةً \". فيكون التقدير : فلا يأب كاتبٌ أن يكتب ، وها هنا تمَّ الكلام ، ثم قال بعده : { كَمَا عَلَّمَهُ الله فَلْيَكْتُبْ } ، فيكون الأول أمراً بالكتابة مطلقاً ، ثم أردفه بالأمر بالكتابة التي علمه الله إيَّاها.\rويجوز أن تكون متعلقةً بقوله : لا يأب ، وتكون الكاف حينئذٍ للتعليل. قال ابن عطيّة - رحمه الله - : \" ويحتمل أن يكون \" كما \" متعلّقاً بما في قوله \" ولا يأْبَ \" من المعنى ، أي : كما أنعم الله عليه بعلم الكتابة ، فلا يأب هو ، وليفضل كما أفضل عليه \". قال أبو حيَّان : \" وهو خلاف الظاهر ، وتكون الكاف في هذا القول للتعليل \" قال شهاب الدين رحمه الله : وعلى القول بكونها متعلقةً بقوله : \" فليكتب \" يجوز أن تكون للتعليل أيضاً ، أي : فلأجل ما علَّمه الله فليكتب.\rو \" الحَقُّ \" يجوز أن يكون مبتدأٌ ، و\" عَلَيْهِ \" خبر مقدمٌ ، ويجوز أن يكون فاعلاً بالجارِّ قبله لاعتماده على الموصول ، والموصول هو فاعل \" يُمْلِل \" ومفعوله محذوف ، أي : وليملل الديَّان الكاتب ما عليه من الحقِّ ، فحذف المفعولين للعلم بهما.\r","part":10,"page":214},{"id":4108,"text":"ويتعدَّى بـ \" عَلَى \" إلى أحدهما فيقال : أمللت عليه كذا ، ومنه الآية الكريمة.\rقوله : { وَلاَ يَبْخَسْ مِنْهُ شَيْئاً } يجوز في \" منه \" وجهان :\rأحدهما : أن يكون متعلقاً بيبخس ، و\" مِنْ \" لابتداء الغاية ، والضمير في \" منه \" للحقِّ.\rوالثاني : أنَّها متعلقة بمحذوف؛ لأنها في الأصل صفةٌ للنكرة ، فلمَّا قُدِّمت على النكرة نصبت حالاً.\rو \" شَيئاً \" : إمَّا مفعول به ، وإمَّا مصدرٌ.\rقوله : { فَإِن لَّمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ } ، جوَّزوا في \" كَانَ \" هذه أَنْ تكون النَّاقصة ، وأَنْ تكون التامة ، وبالإِعرابين يختلفُ المعنى : فإنْ كانت ناقصةً فالألفُ اسمها ، وهي عائدةٌ على الشَّهيدين أي : فإن لم يكنِ الشّاهدان رجُلَين ، والمعنى على هذا : إن أغفَل ذلك صاحبُ الحقّ ، أو قصد أَنْ لا يُشهد رجلين لغرض له ، وإن كانت تامّةً فيكون \" رجلين \" نصباً على الحالِ المؤكِّدة كقوله : { فَإِن كَانَتَا اثنتين } [ النساء : 176 ] ، ويكون المعنى على هذا أنه لا يعدل إلى ما ذكر إلا عند عدمِ الرِّجال. والألفُ في \" يَكُونَا \" عائدةٌ على \" شَهِيدَيْنِ \" ، تفيدُ الرجولية.\rقوله : { فَرَجُلٌ وامرأتان } يجوزُ أن يرتفع ما بعد الفاءِ على الابتداءِ ، والخبرُ محذوفٌ تقديره : فرجلٌ ، وامرأتان ، يكفُون في الشَّهادة ، أو مُجزِئون ، ونحوه. وقيل : هو خبرٌ والمبتدأُ محذوفٌ تقديره : فالشَّاهدُ رجلٌ ، وامرأتان وقيل : مرفوعٌ بفعلٍ مقدَّرٍ تقديره : فيكفي رجُلٌ ، أي : شهادةُ رجلٍ ، فحُذِف المضافُ للعلم به ، وأُقيم المضافُ إليه مقامه. وقيل : تقدير الفعلِ فَلْيَشْهَدْ رجلٌ ، وهو أحسنُ ، إذ لا يُحوج إلى حذفِ مُضافٍ ، وهو تقديرُ الزَّمخشريُّ.\r","part":10,"page":215},{"id":4109,"text":"وقيل : هو مرفوعٌ بكان النَّاقصة ، والتَّقدير : فليكن مِمَّن يشهدون رجلٌ وامرأتان ، وقيل : بل بالتَّامَّةِ وهو أَولى؛ لأنَّ فيه حذف فعلٍ فقط بقي فاعلُهُ ، وفي تقدير النَّاقصة حذفُها مع خبرها ، وقد عُرِفَ ما فيه ، وقيل : هو مرفوعٌ على ما لم يسمَّ فاعلُهُ ، تقديرُهُ : فليُسْتَشْهَد رجلٌ. قال أبو البقاء : \" وَلَوْ كَانَ قَدْ قُرئ بالنَّصب لكان التَّقديرُ : فَاسْتَشْهِدُوا \" وهو كلامٌ حسنٌ.\rقوله : { مِمَّن تَرْضَوْنَ مِنَ الشهدآء } فيه أوجهٌ :\rأحدها : أنه في محلِّ رفعٍ نعتاً لرجُلٍ وامرأتين.\rوالثاني : أنه في محلِّ نصب؛ لأنه نعتٌ لشهيدين. واستضعف أبو حيّان هذين الوجهين قال : \" لأنَّ الوصفَ يُشْعِر اختصاصَه بالموصوفِ ، فيكون قد انتفى هذا الوصفُ عن شَهِيدَيْنِ \" ، واستضعفَ الثَّاني أبو البقاء رحمه الله تعالى قال : للوصف الواقعِ بينهما.\rالوجه الثالث : أنه بدلٌ من قوله : { مِّن رِّجَالِكُمْ } بتكريرِ العاملِ ، والتقدير : \" وَاستَشْهِدوا شَهِيدَيْن مِمَّن تَرْضَوْن \" ، ولم يذكر أبو البقاء تضعيفه. وكان ينبغي أن يُضعِّفَه بما ضَعَّف وجهَ الصّفة ، وهو للفصلِ بينهما ، وضعَّفه أبو حيّان بأنَّ البدلَ يُؤْذِنُ أيضاً بالاختصاص بالشَّهيدين الرَّجلين فَيَعْرَى عنه رجلٌ وامرأتان قال شهاب الدين : وفيه نظرٌ؛ لأنَّ هذا من بَدَلِ البَعْض إن أخذنا \" رِجَالكُمْ \" على العموم ، أو الكلِّ من الكلِّ إن أخذناهم على الخصوصِ ، وعلى كلا التّقديرين ، فلا ينفي ذلك عمَّا عداه ، وأمّا في الوصف فمسلَّمٌ؛ لأنَّ مفهوماً على المختارِ.\rالرابع : أن يتعلَّقَ باستشهِدوا ، أي : استشهدوا مِمَّنْ ترضَوْن. قال أبو حيان : \" ويكون قيداً في الجميعِ ، ولذلك جاء مُتَأخّراً بعد الجميعِ \".\r","part":10,"page":216},{"id":4110,"text":"قوله : { مِنَ الشهدآء } يجوزُ أن يتعلَّقَ بمحذوفٍ على أَنَّهُ حالٌ من العائدِ المحذوفِ ، والتَّقديرُ : مِمَّن تَرْضَونَه حال كونه بعض الشُّهداءِ.\rويجوزُ أن يكونَ بدلاً مِنْ \" مِنْ \" بإعادةِ العامل ، كما تقدَّم في نفسِ { مِمَّن تَرْضَوْنَ } ، فيكونُ هذا بدلاً مِنْ بدلٍ على أحدِ القَوْلينِ في كلِّ منهما.\rوقوله : إحداهما \" فاعل ، \" والأخرى \" مفعولٌ ، وهذا مِمَّا يجبُ تقديمُ الفاعلِ فيه لخفاءِ الإِعراب ، والمعنى نحو : ضَرَب مُوسَى عِيسَى.\rقال أبو البقاء : ف \" إحداهما \" فاعلٌ ، و\" الأخرى \" مفعول ، ويصحُّ العكسُ ، إلا أنه يمتنع على ظاهرِ قول النَّحويّين في الإِعراب ، لأَنَّهُ إذا لم يظهر الإعرابُ في الفاعلِ والمفعولِ ، وجَبَ تقديمُ الفاعل فيما يُخاف فيه اللَّبسُ ، فعلى هذا إذا أُمِنَ اللَّبْسُ جاز تقديم المفعولِ كقولك : \" كَسَرَ العَصَا مُوسَى \" ، وهذه الآيةُ من هذا القبيلِ ، لأنَّ النِّسيان ، والإِذكارَ لا يتعيَّنُ في واحدةٍ منهما ، بل ذلك على الإِبهامِ ، وقد عُلِم بقوله : \" فَتُذَكِّرَ \" أنَّ الَّتي تُذَكِّر هي الذَّاكرةُ ، والتي تُذَكَّر هي النَّاسية ، كما علم من لفظ \" كَسَر \" مَنْ يصحُّ منه الكَسْرُ ، فعلى هذا يجوز أن يُجْعل \" إِحْدَاهُما \" فاعلاً ، و\" الأُخْرَى \" مفعولاً وبالعكس انتهى.\rولمَّا أبهم الفاعل في قوله : \" أَنْ تَضِلَّ إحداهما \" أَبْهَمَ أيضاً في قوله : \" فَتُذَكِّرَ إحداهما \" ؛ لأنَّ كلاًّ من المَرْأَتين يجوزُ [ عليها ما يجوزُ ] على صاحبتها من الإِضلالِ ، والإِذكارِ ، والمعنى : إن ضلَّت هذه أَذْكَرَتْها هذه ، فَدَخَلَ الكلامَ معنى العموم.\r","part":10,"page":217},{"id":4111,"text":"قوله : { وَلاَ يَأْبَ الشهدآء } مفعوله محذوفٌ لفهم المعنى ، أي : لا يأبون إقامة الشهادة ، وقيل : المحذوف مجرور لأن \" أبى \" بمعنى امتنع ، فيتعدَّى تعديته أي من إقامة الشهادة.\rقوله : { إِذَا مَا دُعُواْ } ظرفٌ لـ \" يَأْبَ \" أي : لا يمتنعون في وقت [ دَعْوَتهم ] لأدائها ، أو لإقامتها ، ويجوز أن تكون [ متمحضةً للظرف ، ويجوز أن تكون ] شرطيةً والجواب محذوفٌ أي : إذا دُعُوا فلا يأبوا.\rقوله : { أَن تَكْتُبُوهُ } مفعولٌ به إن شئت جعلته مع الفعل مصدراً تقديره : \" ولا تَسْأَمُوا كِتَابَتَه \" ، وإن شئت بنزع الخافض والنَّاصب له \" تَسْأَموا \" ؛ لأنه يتعدَّى بنفسه قال : [ الطويل ]\rسَئِمْتُ تَكَالِيف الحَيَاةِ ومَنْ يَعِشْ... ثَمَانِينَ حَوْلاً لاَ أَبَا لَكَ يَسْأَمِ\rوقيل : بل يتعدَّى بحرف الجرّ ، والأصل : من أن تكتبوه ، فحذف حرف الجرِّ للعلم به ، فيجري الخلاف المشهور في \" أَنْ \" بعد حذفه ، ويدلُّ على تعدِّيه بـ \" مِنْ \" قوله : [ الكامل ]\rوَلَقَدْ سَئِمْتُ مِنَ الحَيَاةِ وَطُولِهَا... وَسُؤَالِ هَذَا النَّاسِ كَيْفَ لَبِيدُ\rوالهاء : في \" تَكْتبوه \" يجوز أن تكون للدَّين في أوَّل الآية ، وأن تكون للحقّ في قوله : { فَإن كَانَ الذي عَلَيْهِ الحق } ، وهو أقرب مذكورٍ ، والمراد به \" الدَّيْن \" وقيل : يعود على الكتاب المفهوم من \" تَكْتبوه \" قاله الزَّمخشريُّ.\rو { صَغِيراً أَو كَبِيرا } حالٌ ، أي : على أيّ حالٍ كان الدَّين قليلاً أو كثيراً ، وعلى أيِّ حالٍ كان الكتاب مختصراً ، أو مشبعاً ، وجوَّز السَّجاونديُّ انتصابه على خبر \" كان \" مضمرةٌ ، وهذا لا حاجة تدعو إليه ، وليس من مواضع إضمارها.\rقوله : { إلى أَجَلِهِ } فيه ثلاثة أوجهٍ :","part":10,"page":218},{"id":4112,"text":"أظهرها : أنه متعلِّقٌ بمحذوفٍ ، أي : أن تكتبوه مستقرّاً في الذّمَّة إلى أجل حلوله.\rوالثاني : أنه متعلِّقٌ بتكتبوه ، قاله أبو البقاء. وردَّه أبو حيان فقال : \" متعلقٌ بمحذوفٍ لا بـ \" تَكْتُبُوهُ \" لعدم استمرار الكتابة إلى أجل الدَّين ، إذ ينقضي في زمن يسير ، فليس نظير : سِرْتُ إلى الكُوفَةِ \".\rوالثالث : أن يتعلَّق بمحذوفٍ على أنه حالٌ من الهاء ، قاله أبو البقاء.\rقوله : \" ذَلِكم \" مشارٌ به لأقرب مذكورٍ وهو الكتب.\rوقال القفَّال : إليه وإلى الإشهاد.\rقوله : { عِندَ الله } ظرفٌ منصوبٌ بـ \" أَقْسَط \" ، أي في حكمه. وقوله : \" وَأَقْوَمُ \" إنَّما صحَّت الواو فيه؛ لأنه أفعل تفضيل ، وأفعل التَّفضيل يصحُّ حملاً على فعل التَّعجُّب ، وصحَّ فعل التَّعجُّب لجريانه مجرى الأسماء لجموده وعدم تصرُّفه.\rو { وَأَقْومُ } يجوز أن يكون من \" أَقَامَ \" الرُّباعي المتعدِّي؛ لكنَّه حذف الهمزة الزَّائدة ، ثمَّ أتى بهمزة [ أفعل ] كقوله تعالى : { أَيُّ الحِزْبَيْنِ أحصى } [ الكهف : 12 ] فيكون المعنى : أثبت لإقامتكم الشهادة ، ويجوز أن يكون من \" قام \" اللازم ويكون المعنى : ذلك أثبت لقيام الشَّهادة ، وقامت الشهادة : ثبتت ، قاله أبو البقاء.\rقوله : { لِلشَّهَادَةِ } متعلِّقٌ بـ \" أَقْوَم \" ، وهو مفعولٌ في المعنى ، واللاَّم زائدةٌ ولا يجوز حذفها ونصب مجرورها بعد أفعل التَّفضيل إلاَّ لضرورة\rقوله : { إِلاَّ أَن تَكُونَ تِجَارَةً } في هذا الاستثناء قولان :\rأحدهما : أنه متَّصل قال أبو البقاء : \" والجُمْلَةُ المستثناة في موضع نصبٍ؛ لأنَّه استثناءٌ [ من الجنس ] لأنه أمرٌ بالاستشهاد في كلِّ معاملةٍ ، فالمستثنى منها التجارة الحاضرة ، والتَّقدير : إلاَّ في حال حضور التِّجارة \".\r","part":10,"page":219},{"id":4113,"text":"والثاني : أنَّه منقطع ، قال مكي بن أبي طالبٍ : و\" أَنْ \" في موضع نصبٍ على الاستثناء المنقطع \" وهذا هو الظَّاهر ، كأنه قيل : لكنّ التّجارة الحاضرة ، فإنَّه يجوز عدم الاستشهاد والكتب فيها.\rقوله : { وَيُعَلِّمُكُمُ الله } يجوز في هذه الجملة الاستئناف - وهو الظَّاهر - ويجوز أن تكون حالاً من الفاعل في \" اتَّقوا \" قال أبو البقاء : \" تقديره : واتقوا الله مضموناً لكم التَّعليم ، أو الهداية ، ويجوز أن تكون حالاً مقدَّرة \". قال شهاب الدين : وفي هذين الوجهين نظرٌ ، لأنَّ المضارع المثبت لا تباشره واو الحال ، فإن ورد ما ظاهره ذلك يؤوَّل ، لكن لا ضرورة تدعو إليه ههنا. أ هـ {تفسير ابن عادل حـ 4 صـ 479 ـ 506}. بتصرف.","part":10,"page":220},{"id":4114,"text":"قوله تعالى { وَإِنْ كُنْتُمْ عَلَى سَفَرٍ وَلَمْ تَجِدُوا كَاتِبًا فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ وَلَا تَكْتُمُوا الشَّهَادَةَ وَمَنْ يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آَثِمٌ قَلْبُهُ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ (283)}\rمناسبة الآية لما قبلها\rقال البقاعى :\rولما كان التقدير : هذا إذا كنتم حضوراً يسهل عليكم إحضار الكاتب والشاهد ، عطف عليه قوله : {وإن كنتم} ولما كان الإنسان في السفر يكون مستجمع القوى كامل الآلات تام الأهبة عبر بأداة الاستعلاء فقال : {على سفر} يعوز مثله إحضار كاتب {ولم تجدوا كاتباً فرهان} أي فيغنيكم عن الكتب رهن يكون بدلاً عنه ، وقرىء : فرهان ، وكلاهما جمع رهن - بالفتح والإسكان ،\rوهو التوثقة بالشيء مما يعادله بوجه ما.\rوأشار بأن بدليتها لا تفيد إلا بما وصفها من قوله : {مقبوضة} أي بيد رب الدين وثيقة لدينه.\rولما كان التقدير : هذا إن تخوفتم من المداين ،\rعطف عليه قوله : {فإن أمن} ولما كان الائتمان تارة يكون من الدائن وتارة يكون من الراهن قال : {بعضكم بعضاً} أي فلم تفعلوا شيئاً من ذلك {فليؤد} أي يعط ،\rمن الأداء وهو الإتيان بالشيء لميقاته.\rولما كان المراد التذكير بالإحسان بالائتمان ليشكر ولم يتعلق غرض بكونه من محسن معين بني للمفعول قوله : {الذي اؤتمن} من الائتمان وهو طلب الأمانة وهو إيداع الشيء لحفيظته حتى يعاد إلى المؤتمن - قاله الحرالي : {أمانته} وهو الدين الذي ترك المؤتمن التوثق به من المدين إحساناً إليه وحسن ظن به ،\rوكذا إن كان الائتمان من جهة الراهن {وليتق الله} المستجمع لصفات العظمة {ربه} أي الذي رباه في نعمه وصانه من بأسه ونقمه وعطّف عليه قلب من أعطاه وائتمنه ليؤدي الحق على الصفة التي أخذه بها فلا يخن في شيء مما اؤتمن عليه.","part":10,"page":221},{"id":4115,"text":"ولما كانت الكتابة لأجل إقامة الشهادة وكانت الأنفس مجبولة على الشح مؤسسة على حب الاستئثار فيحصل بسبب ذلك مخاصمات ويشتد عنها المشاحنات وربما كان بعض المخاصمين ممن يخشى أمره ويرجى بره فيحمل ذلك الشهود على السكوت قال سبحانه وتعالى : {ولا تكتموا الشهادة} أي سواء كان صاحب الحق يعلمها أو لا.\rولما نهى أتبع النهي التهديد فقال : {ومن يكتمها فإنه آثم} ولما كان محلها القلب الذي هو عمدة البدن قال : {قلبه} ومن أثم قلبه فسد ،\rومن فسد قلبه فسد كله ،\rلأن القلب قوام البدن ،\rإذا فسد فسد سائر الجسد.\rولما كان التقدير : فإن الله سبحانه وتعالى عالم بأنه كتم وكان للشهداء جهات تنصرف بها الشهادة عن وجه الإقامة عطف عليه قوله - ليشمل التهديد تلك الأعمال بإحاطة العلم : {والله} أي المحيط بجميع صفات الكمال.\rولما كان الإنسان هو المقصود الأعظم من سائر الأكوان فكانت أحواله مضبوطة بأنواع من الضبط كأن العلم البليغ مقصور عليه فلذلك قدم قوله : {بما تعملون} أي كله وإن دق سواء كان فعل القلب وحده أو لا {عليم} قال الحرالي : فأنهى أمر ما بين الحق والخلق ممثولاً وأمر ما بين الخلق والخلق مثلاً - انتهى. أ هـ {نظم الدرر حـ 1 صـ 550 ـ 551}\rقال الفخر :\rاعلم أنه تعالى جعل البياعات في هذه الآية على ثلاثة أقسام : بيع بكتاب وشهود ، وبيع برهان مقبوضة ، وبيع الأمانة ، ولما أمر في آخر الآية المتقدمة بالكتبة والإشهاد ، وأعلم أنه ربما تعذر ذلك في السفر إما بأن لا يوجد الكاتب ، أو إن وجد لكنه لا توجد آلات الكتابة ذكر نوعاً آخر من الاستيثاق وهو أخذ الرهن فهذا وجه النظم وهذا أبلغ في الاحتياط من الكتبة والإشهاد. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 7 صـ 104}\rوقال ابن عاشور :\rقوله تعالى { وَإِنْ كُنْتُمْ عَلَى سَفَرٍ وَلَمْ تَجِدُوا كَاتِبًا فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ}","part":10,"page":222},{"id":4116,"text":"هذا معطوف على قوله : { إذا تداينتم بدَين وَإِن كُنتُمْ على سَفَرٍ وَلَمْ تَجِدُواْ كَاتِبًا فرهان مَّقْبُوضَةٌ } [ البقرة : 282 ] الآية ، فجميع ما تقدّم حكم في الحضر والمُكنة ، فإن كانوا على سفر ولم يتمكّنوا من الكتابة لعدم وجود من يكتب ويشهد فقد شُرع لهم حكم آخر وهو الرهن ، وهذا آخر الأقسام المتوقّعة في صور المعاملة ، وهي حالة السفر غالباً ، ويلحق بها ما يماثل السفر في هاته الحالة. أ هـ {التحرير والتنوير حـ 3 صـ 120}\rوقال القرطبى :\rلمّا ذكر الله تعالى النَّدْب إلى الإشهاد والكتْب لمصلحة حفظ الأموال والأدّيَان ، عقّب ذلك بذكر حال الأعذار المانعة من الكتْب ، وجعل لها الرهن ، ونص من أحوال العذر على السفر الذي هو غالب الأعذار ، لا سيما في ذلك الوقت لكثرة الغزو ، ويدخل في ذلك بالمعنى كلُّ عذر.\rفرُبّ وقت يتعذّر فيه الكاتب في الحضر كأوقات أشغال الناس وبالليل ، وأيضاً فالخوف على خراب ذمّة الغريم عذرٌ يوجب طلب الرهن.\rوقد \" رهن النبيّ صلى الله عليه وسلم دِرْعَه عند يهودي طلب منه سلَف الشعير فقال : إنما يريد محمد أن يذهب بمالي.\rفقال النبيّ صلى الله عليه وسلم : \"كذب إنِّي لأمينٌ في الأرض أمينٌ في السماء ولو ائتمنني لأدّيت اذهبوا إليه بدرعي\" فمات ودِرعه مرهونة صلى الله عليه وسلم ، \" على ما يأتي بيانه آنِفاً. أ هـ {تفسير القرطبى حـ 3 صـ 407}\rفائدة\rقال ابن الجوزى :\rإنما خص السفر ، لأن الأغلب عدم الكاتب ، والشاهد فيه\rومقصود الكلام : إذا عدمتم التوثق بالكتاب ، والإشهاد ، فخذوا الرهن. أ هـ {زاد المسير حـ 1 صـ 341}\rفائدة بلاغية\rقال الآلوسى :\r{ وَإِن كُنتُمْ على سَفَرٍ } أي مسافرين ففيه استعارة تبعية حيث شبه تمكنهم في السفر بتمكن الراكب من مركوبه. أ هـ {روح المعانى حـ 3 صـ 62}\rفصل\rقال الفخر :\rأصل الرهن من الدوام ، يقال : رهن الشيء إذا دام وثبت ، ونعمة راهنة أي دائمة ثابتة.","part":10,"page":223},{"id":4117,"text":"إذا عرفت أصل المعنى فنقول : أصل الرهن مصدر.\rيقال : رهنت عند الرجل أرهنه رهناً إذا وضعت عنده ، قال الشاعر :\rيراهنني فيرهنني بنيه.. وأرهنه بني بما أقول\rإذا عرفت هذا فنقول : إن المصادر قد تنقل فتجعل أسماء ويزول عنها عمل الفعل ، فإذا قال : رهنت عند زيد رهناً لم يكن انتصابه انتصاب المصدر ، لكن انتصاب المفعول به كما تقول : رهنت عند زيد ثوباً ، ولما جعل اسماً بهذا الطريق جمع كما تجعل الأسماء وله جمعان : رهن ورهان ، ومما جاء على رهن قول الأعشى :\rآليت لا أعطيه من أبنائنا.. رهناً فيفسدهم كمن قد أفسدا\rوقال بعيث :\rبانت سعاد وأمسى دونها عدن.. وغلقت عندها من قبلك الرهن\rونظيره قولنا : رهن ورهن ، سقف وسقف ، ونشر ونشر ، وخلق وخلق ، قال الزجاج : فعل وفعلى قليل ، وزعم الفرّاء أن الرهن جمعه رهان ، ثم الرهان جمعه رهن فيكون رهن جمع الجمع وهو كقولهم ثمار وثمر ، ومن الناس من عكس هذا فقال : الرهن جمعه رهن ، والرهن جمعه رهان ، واعلم أنهما لما تعارضا تساقطا لا سيما وسيبويه لا يرى جمع الجمع مطرداً ، فوجب أن لا يقال به إلا عند الاتفاق ، وأما أن الرهان جمع رهن فهو قياس ظاهر ، مثل نعل ونعال ، وكبش وكباش وكعب وكعاب ، وكلب وكلاب. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 7 صـ 105}\rوقال ابن عاشور :\rالرهان جمع رهن ويجمع أيضاً على رُهُن بضم الراء وضم الهاء وقد قرأه جمهور العشرة : بكسر الراء وفتح الهاء ، وقرأه ابن كثير ، وأبو عَمْرو : بضم الراء وضم الهاء ، وجمْعُه باعتبار تعدّد المخاطبين بهذا الحكم.\rوالرهن هنا اسم للشيء المرهون تسميةً للمفعول بالمصدر كالخلْق.\rومعنى الرهن أن يجعل شيء من متاع المدين بيد الدائن توثقة له في دينه.\rوأصل الرهن في كلام العرب يدل على الحَبس قال تعالى : { كل نفس ما كسبت رهينة } [ المدثر : 38 ] فالمرهون محبوس بيد الدائن إلى أن يستوفي دينه قال زهير :\rوفارقْتَك برهن لا فَكَاكَ لَه","part":10,"page":224},{"id":4118,"text":"يومَ الوَدَاعِ فأمسَى الرهن قد غَلِقَا...\rوالرهن شائع عند العرب : فقد كانوا يرهنون في الحمالات والدَيات إلى أن يقع دفعها ، فربّما رهنوا أبناءهم ، وربّما رهنوا واحداً من صناديدهم ، قال الأعشى يَذْكر أنّ كِسْرى رام أخذ رهائن من أبنائهم :\rآلَيْتُ لا أُعْطِيه من أبنائنا\rرُهُنا فنفسدَهم كمَن قد أفْسَدا...\rوقال عبد الله بن هَمَّام السلولي :\rفلمّا خَشِيتُ أظَافِيرَهم\rنَجَوْت وأرْهَنْتُهُم مَالِكَا...\rومن حديث كعب بن الأشْرَفِ أنّه قال لعبد الرحمن بن عَوْف : ارْهَنُوني أبْنَاءَكم.\rومعنى فرِهانٌ : أي فرهان تعَوّض بها الكتابة.\rووصفُها بمقبوضة إمّا لمجرّد الكشف ، لأنّ الرهان لا تكون إلاّ مقبوضة ، وإمّا للاحتراز عن الرهن للتوثقة في الديون في الحضر فيؤخَذ مِن الإذن في الرهن أنّه مباح فلذلك إذا سأله ربّ الدين أجيبَ إليه فدلّت الآية على أنّ الرهن توثقة في الدين. أ هـ {التحرير والتنوير حـ 3 صـ 120 ـ 121}\rفائدة\rقال الفخر :\rفي الآية حذف فإن شئنا جعلناه مبتدأ وأضمرنا الخبر ، والتقدير : فرهن مقبوضة بدل من الشاهدين ، أو ما يقوم مقامهما ، أو فعليه رهن مقبوضة ، وإن شئنا جعلناه خبراً وأضمرنا المبتدأ ، والتقدير : فالوثيقة رهن مقبوضة. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 7 صـ 105}\rسؤال : فإن قلت : لم شرط الارتهان في السفر مع عدم الكاتب ولا يختص به سفر دون حضر وقد صح أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رهن درعه عند أبي الشحم اليهودي على طعام أخذه إلى أجل ، ولم يكن ذلك في سفر ولا عند عدم كاتب.\rقلت ليس الغرض تجويز الارتهان في السفر خاصة دون الحضر ، ولكن لما كان السفر مظنة لإعواز الكاتب.\rوالإشهاد أمر الله تعالى به على سبيل الإرشاد إلى حفظ الأموال لمن كان على سفر بأن يقيم التوثيق بالارتهان مقام الكتابة والإشهاد. أ هـ {تفسير الخازن حـ 1 صـ 204}\rفصل\rقال الفخر :","part":10,"page":225},{"id":4119,"text":"اتفقت الفقهاء اليوم على أن الرهن في السفر والحضر سواء في حال وجود الكاتب وعدمه ، وكان مجاهد يذهب إلى أن الرهن لا يجوز إلا في السفر أخذاً بظاهر الآية ، ولا يعمل بقوله اليوم وإنما تقيدت الآية بذكر السفر على سبيل الغالب ، كقوله {فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَقْصُرُواْ مِنَ الصلاة إِنْ خِفْتُمْ} [ النساء : 101 ] وليس الخوف من شرط جواز القصر. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 7 صـ 105 ـ 106}\rوقال القرطبى :\rقال جمهور من العلماء : الرّهْنُ في السفر بنص التنزيل ، وفي الحضر ثابت بسنة الرسول صلى الله عليه وسلم ، وهذا صحيح.\rوقد بيّنا جوازه في الحضر من الآية بالمعنى ، إذْ قد تترتّب الأعذار في الحضر ، ولم يُروَ عن أحدٍ منعُه في الحضر سوى مجاهد والضحاك وداود ، متمسِّكين بالآية.\rولا حجة فيها ؛ لأن هذا الكلام وإن كان خرج مخرج الشرط فالمراد به غالب الأحوال.\rوليس كون الرهن في الآية في السفر مما يحظر في غيره.\rوفي الصحيحين وغيرهما عن عائشة أنّ النبيّ صلى الله عليه وسلم اشترى من يهودي طعاماً إلى أجلٍ ورهنه دِرعاً له من حديد.\rوأخرجه النسائي من حديث ابن عباس قال : توفى رسول الله صلى الله عليه وسلم ودِرْعُه مرهونةٌ عند يهوديّ بِثلاثين صاعاً من شعير لأهله. أ هـ {تفسير القرطبى حـ 3 صـ 407}\rفصل\rقال القرطبى :\rقوله تعالى : { وَلَمْ تَجِدُواْ كَاتِباً } قرأ الجمهور \"كاتباً\" بمعنى رجل يكتب.\rوقرأ ابن عباس وأُبيّ ومجاهد والضحاك وعِكرِمة وأبو العالية \"ولم تَجِدوا كتاباً\".\rقال أبو بكر الأنباري : فسّره مجاهد فقال : معناه فإن لم تجدوا مِداداً يعني في الأسفار.\rوروي عن ابن عباس \"كُتَّاباً\".\rقال النحاس : هذه القراءة شاذّة والعامّة على خلافها ، وقلّما يخرج شيء عن قراءة العامة إلا وفيه مَطْعَن ؛ ونسَق الكلام على كاتب ؛ قال الله عز وجل قبل هذا : { وَلْيَكْتُب بَّيْنَكُمْ كَاتِبٌ بالعدل } وكُتَّابٌ يقتضي جماعةً.","part":10,"page":226},{"id":4120,"text":"قال ابن عطية : كُتَّاباً يحسُن من حيث لكل نازلة كاتب ، فقيل للجماعة : ولم تجدوا كتاباً.\rوحكى المهدوِيّ عن أبي العالية أنه قرأ \"كُتُباً\" وهذا جمع كِتاب من حيث النوازل مختلفة.\rوأمّا قراءة أُبيّ وابنِ عباس \"كُتَّاباً\" فقال النحاس ومكيّ : هو جمع كاتب كقائم وقِيام.\rمكي : المعنى وإن عدِمتِ الدواة والقلم والصحيفة.\rونفْيُ وجود الكاتب يكون بعدم أي آلة اتفق ، ونَفْي الكاتب أيضاً يقتضي نفي الكتاب ؛ فالقراءتان حسنتان إلا من جهة خط المصحف. أ هـ {تفسير القرطبى حـ 3 صـ 407 ـ 408}\rفائدة\rقال القرطبى :\rلو وُضع الرهنُ على يديّ عَدْل فضاع لم يضمن المرتهن ولا الموضوع على يده ؛ لأن المرتهن لم يكن في يده شيء يضمنه.\rوالموضوع على يده أمينٌ والأمين غير ضامن. أ هـ {تفسير القرطبى حـ 3 صـ 410}\rفصل\rقال القرطبى :\rروى البخاريّ عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : \" الظَّهْرُ يُركب بنفقته إذا كان مرهوناً ولبن الدرّ يشرب بنفقته إذا كان مرهوناً وعلى الذي يركب ويشرب النفقة \" وأخرجه أبو داود وقال بدل \"يشرب\" في الموضعين : \"يحلب\".\rقال الخطّابيّ : هذا كلام مُبْهم ليس في نفس اللفظ بيانُ مَن يركب ويحلب ، هل الراهن أو المرتهِن أو العدل الموضوع على يده الرهن ؟ .\rقلت : قد جاء ذلك مبيَّنا مفسَّراً في حديثين ، وبسببهما اختلف العلماء في ذلك ؛ فروى الدارقطنيّ من حديث أبي هريرة ذكر النبي صلى الله عليه وسلم قال : \" إذا كانت الدابة مرهونة فعلى المرتهن علفها ولبن الدَّرّ يشرب وعلى الذي يشرب نفقته \" أخرجه عن أحمد بن عليّ بن العلاء حدّثنا زياد بن أيوب حدّثنا هشيم حدّثنا زكريا عن الشعبي عن أبي هريرة.\rوهو قول أحمد وإسحاق : أن المرتهن ينتفع من الرهن بالحلب والركوب بقدر النفقة.\rوقال أبو ثور : إذا كان الرّاهِن ينفق عليه لم ينتفع به المرتَهِن.","part":10,"page":227},{"id":4121,"text":"وإن كان الراهن لا ينفق عليه وتركه في يد المرتهن فأنفق عليه فله ركوبه واستخدامُ العبد.\rوقاله الأوزاعيّ والليث.\rالحديث الثاني خرّجه الدارقطنيّ أيضاً ، وفي إسناده مقال ويأتي بيانه من حديث إسماعيل بن عياش عن ابن أبي ذِئب عن الزهريّ عن المَقْبُريّ عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : \" لا يَغْلَق الرهنُ ولصاحبه غُنْمه وعليه غُرْمه \" وهو قول الشافعي والشعبيّ وابن سِيرين ، وهو قول مالك وأصحابه.\rقال الشافعي : منفعة الرهن للراهن ، ونفقته عليه ، والمرتهن لا ينتفع بشيء من الرهن خَلاَ الإحفاظ للوثيقة.\rقال الخطابي : وهو أولى الأقوال وأصحها ، بدليل قوله عليه السلام : \" لا يغلق الرهن مِن صاحبه الذي رهنه له غنمه وعليه غرمه \" ( قال الخطابي : وقوله : \"من صاحبه أي لصاحبه\" ).\rوالعرب تضع \"مِن\" موضع اللاّم ؛ كقولهم :\rأمِنْ أُمِّ أَوْفَى دِمْنَةٌ لمْ تُكَلَّمِ . . .\rقلت : قد جاء صريحاً \"لصاحبه\" فلا حاجة للتأويل.\rوقال الطحاوي : كان ذلك وقتَ كون الرِّبا مباحاً ، ولم يُنْه عن قرض جَرَّ منفعة ، ولا عن أخذ الشيء بالشيء وإن كانا غير متساويين ، ثم حرّم الربا بعد ذلك.\rوقد أجمعت الأُمَّة على أن الأمَة المرهونة لا يجوز للراهن أن يطأها ؛ فكذلك لا يجوز له خدمتها.\rوقد قال الشعبيّ : لا ينتفع من الرهن بشيء.\rفهذا الشعبي روى الحديث وأفتى بخلافه ، ولا يجوز عنده ذلك إلا وهو مَنْسُوخ.\rوقال ابن عبد البر وقد أجمعوا أن لبن الرهن وظهره للراهن.\rولا يخلو من أن يكون احتلابُ المرتَهِن له بإذن الراهن أو بغير إذنه ؛ فإن كان بغير إذنه ففي حديث ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم : \" لا يحتلبنّ أحد ماشية أحد إلا بإذنه \" ما يردّه ويقضي بنسخه.\rوإن كان بإذنه ففي الأُصول المجتمع عليها في تحريم المجهول والغَرَر وبيع ما ليس عندك وبيع ما لم يُخْلق ، ما يردّه أيضاً ؛ فإنّ ذلك كان قبل نزول تحريم الرِّبا.\rوالله أعلم.","part":10,"page":228},{"id":4122,"text":"وقال ابن خويز منداد : ولو شرط المرتهن الانتفاع بالرهن فلذلك حالتان : إن كان من قرض لم يجز ، وإن كان من بيع أو إجَارَة جاز ؛ لأنه يصير بائعاً للسلعة بالثمن المذكور ومنافع الرهن مدّة معلومة فكأنه بيع وإجارة ، وأما في القرض فلأنه يصير قرضاً جرّ منفعةً ؛ ولأن موضوع القرض أن يكون قُرْبَةً ، فإذا دخله نفع صار زيادة في الجنس وذلك رِبا. أ هـ {تفسير القرطبى حـ 3 صـ 411 ـ 413}\rفائدة\rقال الطبرى فى معنى الآية :\rوإن كنتم ، أيها المتداينون ، في سفر بحيث لا تجدون كاتبًا يكتب لكم ، ولم يكن لكم إلى اكتتاب كتاب الدين الذي تداينتموه إلى أجل مسمى بينكم الذي أمرتكم باكتتابه والإشهاد عليه سبيلٌ ، فارتهنوا بديونكم التي تداينتموها إلى الأجل المسمى رهونًا تقبضونها ممن تداينونه كذلك ، ليكون ثقةً لكم بأموالكم. أ هـ {تفسير الطبرى حـ 6 صـ 94}\rفصل\rقال القرطبى :\rنَماء الرهن داخل معه إن كان لا يتميز كالسِّمَن ، أو كان نَسْلاً كالولادة والنتاج ؛ وفي معناه فَسِيل النخل ، وما عدا ذلك من غلّة وثمرة ولبن وصوف فلا يدخل فيه إلا أن يشترطه.\rوالفرق بينهما أن الأولاد تبع في الزكاة للأُمهات ، وليس كذلك الأصواف والألبان وثمر الأشجار ؛ لأنها ليست تبعاً للأُمهات في الزكاة ولا هي في صُوَرها ولا في معناها ولا تقوم معها ، فلها حكم نفسها لا حكم الأصل خلاف الولد والنتاج. والله أعلم بصواب ذلك. أ هـ {تفسير القرطبى حـ 3 صـ 414}\rفائدة\rقال الآلوسى :\rوفي التعبير بمقبوضة دون تقبضونها إيماءاً إلى الاكتفاء بقبض الوكيل ولا يتوقف على قبض المرتهن نفسه. أ هـ {روح المعانى حـ 3 صـ 62}\rقوله تعالى : {فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُم بَعْضًا فَلْيُؤَدّ الذى اؤتمن أمانته}\rقال الفخر :\rاعلم أن هذا هو القسم الثالث من البياعات المذكورة في الآية ، وهو بيع الأمانة ، أعني ما لا يكون فيه كتابة ولا شهود ولا يكون فيه رهن. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 7 صـ 106}\rفصل","part":10,"page":229},{"id":4123,"text":"قال الفخر :\rأمن فلان غيره إذا لم يكن خائفاً منه ، قال تعالى : {هَلْ آمَنُكُمْ عَلَيْهِ إِلاَّ كَمَا أَمِنتُكُمْ على أَخِيهِ} [ يوسف : 64 ] فقوله {فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُم بَعْضًا} أي لم يخف خيانته وجحوده {فَلْيُؤَدّ الذى اؤتمن أمانته} أي فليؤد المديون الذي كان أميناً ومؤتمناً في ظن الدائن ، فلا يخلف ظنه في أداء أمانته وحقه إليه ، يقال : أمنته وائتمنته فهو مأمون ومؤتمن.\rثم قال : {وَلْيَتَّقِ الله رَبَّهُ} أي هذا المديون يجب أن يتقي الله ولا يجحد ، لأن الدائن لما عامله المعاملة الحسنة حيث عول على أمانته ولم يطالبه بالوثائق من الكتابة والإشهاد والرهن فينبغي لهذا المديون أن يتقي الله ويعامله بالمعاملة الحسنة في أن لا ينكر ذلك الحق ، وفي أن يؤديه إليه عند حلول الأجل ، وفي الآية قول آخر ، وهو أنه خطاب للمرتهن بأن يؤدي الرهن عند استيفاء المال فإنه أمانة في يده ، والوجه هو الأول. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 7 صـ 106}\rفائدة\rقال ابن عاشور :\rوقد أطلق هنا اسم الأمانة على الدَّين في الذمّة وعلى الرهن لتعظيم ذلك الحق لأنّ اسم الأمانات له مهابَة في النفوس ، فذلك تحذير من عدم الوفاء به ؛ لأنّه لما سمّي أمانة فعدم أدائه ينعكس خِيانة ؛ لأنّها ضدّها ، وفي الحديث : أدِّ الأمَانَة إلى من ائتَمنك ولا تَخن من خانك. أ هـ {التحرير والتنوير حـ 3 صـ 122}\rوقال القرطبى :\rقوله تعالى : { أَمَانَتَهُ } الأمانة مصدر سمى به الشيء الَّذي في الذمة ، وأضافها إلى الذي عليه الدين من حيث لها إليه نسبة ؛ كما قال تعالى : { وَلاَ تُؤْتُواْ السفهآء أَمْوَالَكُمُ } [ النساء : 5 ]. أ هـ {تفسير القرطبى حـ 3 صـ 415}\rفصل\rقال الفخر :","part":10,"page":230},{"id":4124,"text":"من الناس من قال : هذه الآية ناسخة للآيات المتقدمة الدالة على وجوب الكتابة والإشهاد وأخذ الرهن ، واعلم أن التزام وقوع النسخ من غير دليل يلجىء إليه خطأ ، بل تلك الأوامر محمولة على الإرشاد ورعاية الاحتياط ، وهذه الآية محمولة على الرخصة ، وعن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال : ليس في آية المداينة نسخ ، ثم قال : {وَلاَ تَكْتُمُواْ الشهادة} وفي التأويل وجوه :\rالوجه الأول : قال القفال رحمه الله : إنه تعالى لما أباح ترك الكتابة والإشهاد والرهن عند اعتقاد كون المديون أميناً ، ثم كان من الجائز في هذا المديون أن يخلف هذا الظن ، وأن يخرج خائناً جاحداً للحق ، إلا أنه من الجائز أن يكون بعض الناس مطلعاً على أحوالهم ، فههنا ندب الله تعالى ذلك الإنسان إلى أن يسعى في إحياء ذلك الحق ، وأن يشهد لصاحب الحق بحقه ، ومنعه من كتمان تلك الشهادة سواء عرف صاحب الحق تلك الشهادة ، أو لم يعرف وشدد فيه بأن جعله آثم القلب لو تركها ، وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم خبر يدل على صحة هذا التأويل ، وهو قوله \" خير الشهود من شهد قبل أن يستشهد \".\rالوجه الثاني : في تأويل أن يكون المراد من كتمان الشهادة أن ينكر العلم بتلك الواقعة ، ونظيره قوله تعالى : {أَمْ تَقُولُونَ إِنَّ إبراهيم وإسماعيل وإسحاق وَيَعْقُوبَ وَالأَسْبَاطَ كَانُواْ هُودًا أَوْ نصارى قُلْ ءأَنتُمْ أَعْلَمُ أَمِ الله وَمَنْ أَظْلَمُ ممنْ كتمَ شِهَادةً عندَه من الله} [ البقرة : 140 ] والمراد الجحود وإنكار العلم.\rالوجه الثالث : في كتمان الشهادة والامتناع من أدائها عند الحاجة إلى إقامتها ، وقد تقدم ذلك في قوله {وَلاَ يَأْبَ الشهداء إِذَا مَا دُعُواْ} [ البقرة : 282 ] وذلك لأنه متى امتنع عن إقامة الشهادة فقد بطل حقه ، وكان هو بالامتناع من الشهادة كالمبطل لحقه ، وحرمة مال المسلم كحرمة دمه ، فهذا بالغ في الوعيد. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 7 صـ ـ 106 ـ 107}","part":10,"page":231},{"id":4125,"text":"وقال ابن عاشور :\rوقد علمتَ ممّا تقدم عند قوله تعالى : { فاكتبوه } أنّ آية { فإن أمن بعضكم بعضاً فليود الذي أؤتمن أمانته } تعتبر تكميلاً لطلب الكتابة والإشهادِ طلَبَ ندب واستحباب عند الذين حملوا الأمر في قوله تعالى : { فاكتبوه } على معنى الندب والاستحباب ، وهم الجمهور.\rومعنى كونها تكميلاً لذلك الطلب أنّها بيّنت أنّ الكتابة والإشهاد بين المتداينين ، مقصود بهما حسن التعامل بينهما ، فإن بدَا لهما أن يأخذا بهما فنعمَّا ، وإن اكتفيا بما يعلمانه من أمانٍ بينهما فلهما تركهما.\rوأتبع هذا البيان بوصاية كلا المتعاملين بأن يؤدّيا الأمانة ويتّقيا الله.\rوتقدم أيضاً أنّ الذين قالوا بأنّ الكتابة والإشهاد على الديون كان واجباً ثم نسخ وجوبه ، ادّعوا أنّ ناسخه هو قوله تعالى : { فإن أمن بعضكم بعضاً } الآية ، وهو قول الشعبي ، وابن جريج ، وجابر بن زيد ، والربيع بن سليمان ، ونسب إلى أبي سعيد الخدري.\rومحمل قولهم وقولِ أبي سعيد إن صحّ ذلك عنه أنّهم عنّوا بالنسخ تخصيص عموم الأحوال والأزمنة.\rوتسميةُ مثل ذلك نسخاً تسمية قديمة.\rأمّا الذين يرون وجوب الكتابة والإشهاد بالديون حكمَا مُحْكَما ، ومنهم الطبري ، فقصروا آية { فإن أمن بعضكم بعضاً } الآية على كونها تكملةً لصورة الرهن في السفر خاصة ، كما صرّح به الطبري ولم يأت بكلام واضح في ذلك ولكنّه جمجم الكلام وطَوَاه.\rولَوْ أنّهم قالوا : إنّ هذه الآية تعني حالةَ تعذّر وجود الرهن في حالة السفر ، أي فلم يبق إلاّ أن يأمن بعضكم فالتقدير : فإن لم تجدوا رهناً وأمن بعضكم بعضاً إلى آخره لكان له وجه ، ويُفهم منه أنّه إن لم يأمنه لا يداينه ، ولكن طُوى هذا ترغيباً للناس في المواساة والاتِّسام بالأمانة.\rوهؤلاء الفرق الثلاثة كلّهم يجعلون هذه الآية مقصورة على بيان حالة ترك التوثّق في الديون.","part":10,"page":232},{"id":4126,"text":"وأظهر ممّا قالوه عندي : أنّ هذه الآية تشريع مستقلّ يعم جميع الأحوال المتعلّقة بالديون : من إشهاد ، ورهنٍ ، ووفاءٍ بالدّين ، والمتعلّقةِ بالتبايع ، ولهذه النكتة أبهم المؤتمنون بكلمة { بعض } ليشمَل الائتمان من كلا الجانبين : الذي من قبل ربّ الدين ، والذي من قبل المدين.\rفربّ الدين يأتمن المدين إذا لم ير حاجة إلى الإشهاد عليه ، ولم يطالبه بإعطاء الرهن في السفر ولا في الحضر.\rوالمدين يأتمن الدائنَ إذا سَلَّم له رهناً أغلى ثمناً بكثير من قيمة الدين المرتهَن فيه ، والغالب أنّ الرهان تكون أوْفَرَ قيمة من الديون التي أرهنت لأجلها ، فأمر كلّ جانب مؤتمننٍ أن يؤدّي أمانته ، فأداءُ المدين أمانته بدفع الدين ، دون مطل ، ولا جحود ، وأداء الدائن أمانته إذا أعطي رهناً متجاوزَ القيمةِ على الدّين أن يردّ الرهن ولا يجحده غير مكترث بالدّين ؛ لأنّ الرهن أوفر منه ، ولا ينقص شيئاً من الرهن.\rولفظ الأمانة مستعمل في معنيين : معنى الصفة التي يتَّصف بها الأمين ، ومعنى الشيء المؤمَّن.\rفيؤخذ من هذا التفسير إبطال غلَق الرهن : وهو أن يصير الشيء المرهون ملكاً لربّ الدّين ، إذا لم يدفع الدينَ عند الأجل ، قال النبي صلى الله عليه وسلم \" لا يَغْلق الرهنُ \" وقد كان غَلق الرهن من أعمال أهل الجاهلية ، قال زهير :\rوفارقَتْكَ برَهْنٍ لا فَكَاكَ له\rعند الوَداع فأمسى الرهن قد غَلِقا...\rومعنى { أمن بعضكم بعضاً } أن يقول كلا المتعاملين للآخر : لا حاجة لنا بالإشهاد ونحن يأمن بعضنا بعضاً ، وذلك كي لا ينتقض المقصد الذي أشرنا إليه فيما مضى من دفع مظنّة اتّهام أحد المتداينين الآخر.\rوزيد في التحذير بقوله : { وليتق الله ربه } ، وذِكر اسم الجلالة فيه مع إمكان الاستغناء بقوله : \"وليتّق ربّه\" لإدخال الرّوع في ضمير السامع وتربية المهابة. أ هـ {التحرير والتنوير حـ 3 صـ 123 ـ 125}\rفائدة\rقال الآلوسى :","part":10,"page":233},{"id":4127,"text":"{ وَلْيَتَّقِ الله رَبَّهُ } في الخيانة وإنكار الحق ، وفي الجمع بين عنوان الألوهية وصفة الربوبية من التأكيد والتحذير ما لا يخفى ، وقد أمر سبحانه بالتقوى عند الوفاء حسبما أمر بها عند الإقرار تعظيماً لحقوق العباد وتحذيراً عما يوجب وقوع الفساد. أ هـ {روح المعانى حـ 3 صـ 62}\rفصل\rقال القرطبى :\rوقوله : { وَلاَ تَكْتُمُواْ الشهادة } تفسير لقوله : \"وَلاَ يُضَارر\" بكسر العين.\rنهى الشاهد عن أن يضر بكتمان الشهادة ، وهو نهي على الوجوب بعدة قرائن منها الوعيد.\rوموضع النهي هو حيث يخاف الشاهد ضياع حق.\rوقال ابن عباس : على الشاهد أن يشهد حيثما استشهد ، ويخبر حيثما استخبر ، قال : ولا تقل أخبر بها عند الأمير بل أخبر بها لعله يرجع ويرعَوِي.\rوقرأ أبو عبد الرحمن \"ولا يكتموا\" بالياء ، جعله نهياً للغائب. أ هـ {تفسير القرطبى حـ 3 صـ 415}\rوقال ابن عاشور :\rاعلم أنّ قوله تعالى : { ولا تكتموا الشهادة } نهي ، وأنّ مقتضى النهي إفادة التكرار عند جمهور علماء الأصول : أي تكرارِ الانكفاف عن فعل المنهيّ في أوقات عُروضِ فعله ، ولولا إفادته التكرار لَما تحقّقت معصية ، وأنّ التكرار الذي يقتضيه النهي تكرار يستغرق الأزمنة التي يعرض فيها داعٍ لِفعل المنهيّ عنه ، فلذلك كان حقّاً على من تحمّل شهادة بحقّ ألاّ يكتمه عند عروض إعلانه : بأن يبلغه إلى من ينتفع به ، أو يقضِي به ، كلّما ظهر الداعي إلى الاستظهار به ، أو قبلَ ذلك إذا خشي الشاهد تلاشي ما في علمه : بغيبة أو طُرُوِّ نسيان ، أو عروض موت ، بحسب ما يتوقّع الشاهد أنّه حافظٌ للحقّ الذي في علمه ، على مقدار طاقته واجتهاده.","part":10,"page":234},{"id":4128,"text":"وإذ قد علمتَ آنفاً أنّ الله أنبأنا بأنّ مراده إقامة الشهادة على وجهها بقوله : { وأقوم للشهادة } [ البقرة : 282 ] ، وأنّه حرّض الشاهد على الحضور للإشهاد إذا طُلب بقوله : { ولا يأب الشهداء إذا ما دعوا } [ البقرة : 282 ] فعُلم من ذلك كلّه الاهتمام بإظهار الشهادة إظهاراً للحق.\rويؤيّد هذا المعنى ويزيده بياناً : قول النبي صلى الله عليه وسلم \" ألاَ أخْبِرُكُم بخَيْر الشهداءِ الذي يأتي بشهادته قبل أن يُسألَها \" رواه مالك في \"الموطّأ\" ، ورواه عنه مسلم والأربعة.\rفهذا وجه تفسير الآية تظاهرَ فيه الأثر والنظرُ.\rولكن روى في \"الصحيح\" عن أبي هريرة : أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : \" خيرُ أمَّتِي القرنُ الذي بُعِثْتُ فيهم ثم الذين يلونهم قالها ثانية وشكّ أبو هريرة في الثالثة ثم يخلف قوم يشهدون قبل أن يستشهدوا \" الحديثَ.\rوهو مسوق مساق ذَمِّ مَن وصفهم بأنّهم يشهدون قبل أن يُستشهدوا ، وأنّ ذمّهم من أجل تلك الصفة.\rوقد اختلف العلماء في محمله ؛ قال عياض : حمله قوم على ظاهره من ذمّ من يَشهد قبل أن تطلب منه الشهادة ، والجمهور على خلافه وأنّ ذلك غير قادح ، وحملوا ما في الحديث على ما إذا شهِد كاذباً ، وإلاّ فقد جاء في \"الصحيح\" : \" خير الشهود الذي يأتي بشهادته قبل أن يُسْألَها \".\rوأقول : روى مسلم عن عِمران بن حُصَين : أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : \" إنّ خيركم قرني ثم الذين يلونهم قالها مرتين أو ثلاثاً ثم يكون بعدهم قوم يشهدون ولا يستشهدون \" الحديث.","part":10,"page":235},{"id":4129,"text":"والظاهرّ أنّ ما رواه أبو هريرة وما رواه عِمران بن حصين حديث واحد ، سمعه كِلاَهما ، واختلفت عبارتهما في حكايته فيكون لفظ عمران بن حصين مبيّناً لفظ أبي هريرة أنّ معنى قوله : قبل أن يستشهدوا دُونَ أن يستشهدوا ، أي دون أن يستشهدهم مُشهد ، أي أن يحمِلوا شهادة أي يشهدون بما لا يعلمون ، وهو الذي عناه المازري بقوله : وحملوا ما في الحديث أي حديث أبي هريرة على ما إذا شهد كاذباً.\rفهذا طريق للجمع بين الروايتين ، وهي ترجع إلى حمل المجمل على المبيّن.\rوقال النووي : تأوّلَه بعض العلماء بأنّ ذم الشهادة قبل أن يُسألها الشاهد هو في الشهادة بحقوق الناس بخلاف ما فيه حق اللَّه قال النووي : \"وهذا الجمع هو مذهب أصحابنا\" وهذه طريقة ترجع إلى إعمال كل من الحديثين في باب ، بتأويل كلّ من الحديثين على غير ظاهره ؛ لئلا يلغَى أحدهما.\rقلت : وبنى عليه الشافعية فرعا بردّ الشهادة التي يؤدّيها الشاهد قبل أن يُسألها ، ذكره الغزالي في \"الوجيز\" ، والذي نقل ابن مرزوق في \"شرح مُختصر خليل عن الوجيز\" \"الحرص على الشهادة بالمبادرة قبلَ الدعوى لا تقبل ، وبعد الدعوى وقبل الاستشهاد وجهان فإن لم تقبل فهل يصير مجروحاً وجهان\".\rفأما المالكية فقد اختلفَ كلامهم.","part":10,"page":236},{"id":4130,"text":"فالذي ذهب إليه عياض وابن مرزوق أنّ أداء الشاهد شهادته قبل أن يسألها مقبول لحديث \"الموطأ\" \"خَيْر الشهداء الذي يأتي بشهادته قبل أن يُسألها\" ونقل الباجي عن مالك : \"أنّ معنى الحديث أن يكون عند الشاهد شهادة لرجل لا يعلم بها ، فيخبره بها ، ويؤدّيها له عند الحاكم\" فإنّ مالكاً ذكره في \"الموطأ\" ولم يذيّله بما يقتضي أنّه لا عمل عليه وتبعَ الباجي ابنُ مرزوق في \"شرحه لمختصر خليل\" ، وادّعى أنَّه لا يعرف في المذهب ما يخالفه والذي ذهب إليه ابن الحاجب ، وخليلٌ ، وشارحو مختصرَيْهما : أنّ أداء الشهادة قبل أن يطلب من الشاهد أداؤُها مانع من قبولها : قال ابن الحاجب \"وفي الأداء يُبدأ به دونَ طلب فيما تمحّض من حق الآدمي قادِحة\" وقال خليل عاطفاً على موانع قبول الشهادة : \"أوْ رَفَع قبل الطلب في مَحْض حقّ الآدمي\".\rوكذلك ابن راشد القفصي في كتابه \"الفائِق في الأحكام والوثائق\" ونسبه النووي في \"شرحه على صحيح مسلم لمالك\" ، وحمله على أنّ المستند متّحد وهو إعمال حديث أبي هريرة ولعلّه أخذ نسْبة ذلك لمالك من كلام ابن الحاجب المتقدّم.\rوادّعى ابن مرزوق أنّ ابن الحاجب تبع ابن شاس إذ قال : \"فإن بادر بها من غير طلب لم يقبل\" وأنّ ابن شاس أخذه من كلام الغزالي قال : \"والذي تقتضيه نصوص المذهب أنّه إنْ رفعها قبل الطلب لم يقدح ذلك فيها بل إن لم يكن فعله مندوباً فلا أقلّ من أن لا تُردّ\" واعتضد بكلام الباجي في شرح حديث : خير الشهداء الذي يأتي بشهادته قبل أن يُسألها.\rوقد سلكوا في تعليل المسألة مسلكين : مسلك يرجع إلى الجمع بين الحديثين ، وهو مسلك الشافعية ، ومسلك إعمال قاعدة رَدّ الشهادةِ بتهمة الحرص على العمل بشهادته وأنّه ريبة. أ هـ {التحرير والتنوير حـ 3 صـ 126 ـ 128}\rفائدة\rقال القرطبى :","part":10,"page":237},{"id":4131,"text":"إذا كان على الحق شهود تعيّن عليهم أداؤها على الكفاية ، فإن أدّاها اثنان واجتزأ الحاكم بهما سقط الفرض عن الباقين ، وإن لم يجتزأ بها تعيّن المشي إليه حتى يقع الإثبات.\rوهذا يعلم بدعاء صاحبها ، فإذا قال له : أحيي حقي بأداء ما عندك لي من الشهادة تعين ذلك عليه. أ هـ {تفسير القرطبى حـ 3 صـ 415}\rقوله تعالى : {وَمَن يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ ءاثِمٌ قَلْبُهُ}\rقال الفخر :\rالآثم الفاجر ، روي أن عمر كان يعلم أعرابياً {إِنَّ شَجَرَةَ الزقوم طَعَامُ الأثيم} [ الدخان : 43 ، 44 ] فكان يقول : طعام اليتيم ، فقال له عمر : طعام الفاجر.\rفهذا يدل على أن الآثم بمعنى الفجور. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 7 صـ 107}\rقال ابن عاشور :\rوأسند الإثم إلى القلب وإنّما الآثم الكاتم لأنّ القلب أي حركات العقل يسبّب ارتكاب الإثم : فإنّ كتمان الشهادة إصْرار قلبي على معصية ، ومثله قوله تعالى : { [ الأعراف : 116 ] وإنّما سحَروا الناس بواسطة مرئيات وتخيّلات وقول الأعشى :\rكذلكَ فافعل ما حييتَ إذا شَتَوْا\rوأقْدِمْ إذَا ما أعْيُنُ الناسِ تَفْرق...\rلأنْ الفرَق ينشأ عن رؤية الأهوال. أ هـ {التحرير والتنوير حـ 3 صـ 128}\rوقال الخازن :\rإنما أضيف الإثم إلى القلب لأن الأفعال من الدواعي والصوارف إنما تحدث في القلب فلما كان الأمر كذلك أضيف الإثم إلى القلب قيل : ما أوعد الله على شيء كإيعاده عن كتمان الشهادة فإنه تعالى قال { فإنه آثم قلبه } وأراد به مسخ القلب نعوذ بالله من ذلك. أ هـ {تفسير الخازن حـ 1 صـ 204}\rوقال البيضاوى :\rوإسناد الإِثم إلى القلب لأن الكتمان مقترفه ونظيره : العين زانية والأذن زانية. أو للمبالغة فإنه رئيس الأعضاء وأفعاله أعظم الأفعال ، وكأنه قيل : تمكن الإِثم في نفسه وأخذ أشرف أجزائه ، وفاق سائر ذنوبه. أ هـ {تفسير البيضاوى حـ 1 صـ 583}\rوقال ابن الجوزى :","part":10,"page":238},{"id":4132,"text":"قال القاضي أبو يعلى : إنما أضاف الإثم إلى القلب ، لأن المآثم تتعلق بعقد القلب ، وكتمان الشهادة إنما هو عقد النية لترك أَدائِها. أ هـ {زاد المسير حـ 1 صـ 342}\rوقال الآلوسى :\rوأضاف الآثم إلى القلب مع أنه لو قيل : ( فإنه آثم ) لتم المعنى مع الاختصار ، لأن الآثم بالكتمان وهو مما يقع بالقلب وإسناد الفعل بالجارحة التي يعمل بها أبلغ ، ألا تراك تقول إذا أردت التوكيد هذا مما أبصرته عيني ومما سمعته أذني ومما عرفه قلبي ؟ ولأن الإثم وإن كان منسوباً إلى جملة الشخص لكنه اعتبر الإسناد إلى هذا الجزء المخصوص متجوزاً به عن الكل لأنه أشرف الأجزاء ورئيسها ، وفعله أعظم من أفعال سائر الجوارح ، فيكون في الكلام تنبيه على أن الكتمان من أعظم الذنوب ، وقيل : أسند الإثم إلى القلب لئلا يظن أن كتمان الشهادة من الآثام المتعلقة باللسان فقط وليعلم أن القلب أصل متعلقه ومعدن اقترافه ، وقيل : للإشارة إلى أن أثر الكتمان يظهر في قلبه كما جاء في الخبر \"إذا أذنب العبد يحدث في قلبه نكتة سوداء وكلما أذنب زاد ذلك حتى يسود ذلك بتمامه\" ، أو للإشارة إلى أنه يفسد قلبه فيفسد بدنه كله ، فقد ورد \"إن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله وإذا فسدت فسد الجسد كله ألا وهي القلب\" والكل ليس بشيء كما لا يخفى. أ هـ {روح المعانى حـ 3 صـ 63}\rفصل\rقال الفخر :\rاعلم أن كثيراً من المتكلمين قالوا.\rإن الفاعل والعارف والمأمور والمنهي هو القلب ، وقد استقصينا هذه المسألة في سورة الشعراء في تفسير قوله تعالى : {نَزَلَ بِهِ الروح الأمين على قَلْبِكَ} [ الشعراء : 193 ، 194 ] وذكرنا طرفاً منه في تفسير قوله\r{قُلْ مَن كَانَ عَدُوّاً لِّجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ على قَلْبِكَ} [ البقرة : 97 ] وهؤلاء يتمسكون بهذه الآية ويقولون : إنه تعالى أضاف الآثم إلى القلب فلولا أن القلب هو الفاعل وإلا لما كان آثماً.","part":10,"page":239},{"id":4133,"text":"وأجاب من خالف في هذا القول بأن إضافة الفعل إلى جزء من أجزاء البدن إنما يكون لأجل أن أعظم أسباب الإعانة على ذلك الفعل إنما يحصل من ذلك العضو ، فيقال : هذا مما أبصرته عيني وسمعته أذني وعرفه قلبي ، ويقال : فلان خبيث الفرج ومن المعلوم أن أفعال الجوارح تابعة لأفعال القلوب ومتولدة مما يحدث في القلوب من الدواعي والصوارف ، فلما كان الأمر كذلك فلهذا السبب أضيف الآثم ههنا إلى القلب. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 7 صـ 107}\rفصل\rقال القرطبى :\rوتعرّضت هنا ثلاث مسائل تَتِمّة أربع وعشرين.\rالأُولى اعلم أن الذي أمر الله تعالى به من الشهادة والكتابة لمراعاة صلاح ذات البَيْن ونفى التنازع المؤدّي إلى فساد ذات البَيْن ؛ لئلا يسوّل له الشيطان جحود الحق وتجاوز ما حدّ له الشرع ، أو ترك الاقتصار على المقدار المستحق ؛ ولأجله حرّم الشرع البياعات المجهولة التي اعتيادها يؤدّي إلى الاختلاف وفساد ذات البين وإيقاع التضاغُن والتباين.\rفمن ذلك ما حرمه الله من الميْسِر والقِمار وشرب الخمر بقوله تعالى : { إِنَّمَا يُرِيدُ الشيطان أَن يُوقِعَ بَيْنَكُمُ العداوة والبغضآء فِي الخمر والميسر } الآية.\rفمن تأدّب بأدب الله في أوامره وزواجره حاز صلاح الدنيا والدِّين ؛ قال الله تعالى : { وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُواْ مَا يُوعَظُونَ بِهِ لَكَانَ خَيْراً لَّهُمْ } [ النساء : 66 ] الآية.","part":10,"page":240},{"id":4134,"text":"الثانية : روى البخاريّ عن أبي هريرة عن النبيّ صلى الله عليه وسلم قال : \" من أخذ أموال الناس يريد أداءها أدَّى الله عنه ومن أخذها يريد إتلافها أتلفه الله \" وروى النسائيّ : عن ميمونة زوج النبيّ صلى الله عليه وسلم أنها استدانت ، فقيل : يا أُم المؤمنين ، تستدينين وليس عندك وفاء ؟ قالت : إني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : \" من أخذ دينا وهو يريد أن يؤدّيه أعانه الله عليه \" وروى الطحاويّ وأبو جعفر الطبريّ والحارث بن أبي أُسامة في مسنده عن عقبة بن عامر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : \" \"لا تُخيفوا الأنفس بعد أَمْنِها\" قالوا : يا رسول الله ، وما ذاك ؟ قال : \"الدّينْ\" \" وروى البخاريّ عن أنس عن النبيّ صلى الله عليه وسلم في دعاء ذكره : \" اللهم أني أعوذ بك من الهَمّ والحَزَن والعَجْز والكَسَل والجُبْن والبُخْل وضَلَع الدَّيْن وغَلَبة الرّجال \" قال العلماء : ضَلَع الدّيْن هو الذي لا يجد دائنه من حيث يؤدّيه.\rوهو مأخوذ من قول العرب : حِمْل مُضْلِع أي ثقيل ، ودابة مُضْلِع لا تقوى على الحَمْل ؛ قاله صاحب العَيْن.\rوقال صلى الله عليه وسلم : \" الدَّيْن شيْن الدِّين \" وروي عنه أنه قال : \" الديْن هَمٌّ بالليل ومَذَلَّةً بالنهار \" قال علماؤنا : وإنما كان شَيْنا ومذَلّة لما فيه من شغل القلب والبال والهَمِّ اللازم في قضائه ، والتذلّل للغريم عند لقائه ، وتحمّل مِنَّته بالتأخير إلى حين أوانه.\rوربّما يَعد من نفسه القضاء فيُخلف ، أو يحدِّث الغريم بسببه فيكذب ، أو يحلف له فيحنث ؛ إلى غير ذلك.\rولهذا كان عليه السَّلام يتعوّذ من المأثم والمَغْرَم ، وهو الديْن.\rفقيل له : يا رسول الله ، ما أكثر ما تتعوّذ من المغرم ؟ فقال : \" إن الرجل إذا غَرِم حدّث فكذِب ووعد فأخلف \" وأيضاً فربما قد مات ولم يقضِ الدين فيرتهن به ؛ كما قال عليه السَّلام : \" نَسْمَة المؤمن مرتهنة في قبره بدَيْنه حتى يُقضى عنه \"","part":10,"page":241},{"id":4135,"text":"وكل هذه الأسباب مَشائن في الدِّين تذهب جماله وتنقص كماله. والله أعلم.\rالثالثة : لما أمر الله تعالى بالكتْب والإشهاد وأخذ الرّهان كان ذلك نَصّاً قاطعاً على مراعاة حفظ الأموال وتنميتها ، ورداً على الجَهَلة المتصوّفة ورِعَاعها الذين لا يرون ذلك ، فيخرجون عن جميع أموالهم ولا يتركون كفاية لأنفسهم وعيالهم ؛ ثم إذا احتاج وافتقر عياله فهو إما أن يتعرّض لِمَنن الإخوان أو لصدقاتهم ، أو أن يأخذ من أرباب الدنيا وظلَمَتهم ، وهذا الفعل مذموم مَنْهِي عنه.\rقال أبو الفرج الجَوْزِيّ : ولست أعجب من المتزهِّدين الذين فعلوا هذا مع قِلَّة علمهم ، إنما أتعجّب من أقوام لهم عِلم وعقل كيف حَثّوا على هذا ، وأمروا به مع مضادته للشرع والعقل.\rفذكر المُحَاسِبيّ في هذا كلاماً كثيراً ، وشيّده أبو حامد الطُّوسِيّ ونصره.\rوالحارث عندي أعذر من أبي حامد ؛ لأن أبا حامد كان أفقه ، غير أن دخوله في التصوّف أوجب عليه نصرة ما دخل فيه.\rقال المحاسِبي في كلام طويل له : ولقد بلغني أنه : لما توفي عبد الرحمن بن عَوْف قال ناسٌ من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم : إنما نخاف على عبد الرحمن فيما ترك.\rفقال كَعْب : سبحان الله! وما تخافون على عبد الرحمن ؟ كَسَب طَيِّباً وأنفق طيباً وترك طيباً.\rفبلغ ذلك أبا ذَرٍّ فخرج مُغضَباً يريد كعباً ، فمرّ بلَحْي بعير فأخذه بيده ، ثم انطلق يطلب كعباً ؛ فقيل لكعب : إن أبا ذَرٍّ يطلبك.\rفخرج هارباً حتى دخل على عثمان يستغيث به وأخبره الخبر.","part":10,"page":242},{"id":4136,"text":"فأقْبَلَ أبو ذرّ يقصّ الأثر في طلب كَعْب حتى انتهى إلى دار عثمان ، فلما دخل قام كعب فجلس خلف عثمان هارباً من أبي ذرّ ، فقال له أبو ذرّ : يابن اليهودية ، تزعم ألاّ بأس بما تركه عبد الرّحمن! لقد خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم يوماً فقال : \" الأكثرون هم الأقلون يوم القيامة إلاَّ من قال هكذا وهكذا \" قال المحاسبي : فهذا عبد الرّحمن مع فضله يوقف في عَرْصَة ( يوم ) القيامة بسبب ما كسبه من حلال ؛ للتّعفف وصنائع المعروف فيمنع السعي إلى الجنة مع الفقراء وصار يَحبُو في آثارهم حَبْواً ، إلى غير ذلك من كلامه.\rذكره أبو حامد وشيّده وقوّاه : بحديث ثعلبة ، وأنه أعطِي المال فمنع الزكاة.\rقال أبو حامد : فمن راقب أحوال الأنبياء والأولياء وأقوالهم لم يشك في أن فقد المال أفضل من وجوده ، وإن صرف إلى الخيرات ؛ إذْ أقل ما فيه اشتغال الهِمّة بإصلاحه عن ذكر الله.\rفينبغي للمريد أن يخرج عن ماله حتى لا يبقى له إلاَّ قدر ضرورته ، فما بقي له درهمٌ يلتفت إليه قلبه فهو محجوب عن الله تعالى.\rقال ابن الجوزِيّ : وهذا كله خلاف الشرع والعقل ، وسوءُ فهم المراد بالمال ، وقد شرفه الله وعظّم قدره وأمر بحفظه ، إذّ جعله قُواماً للآدميّ وما جعل قِوَاماً للآدميّ الشريف فهو شريف ؛ فقال تعالى : { وَلاَ تُؤْتُواْ السفهآء أَمْوَالَكُمُ التي جَعَلَ الله لَكُمْ قِيَاماً } [ النساء : 5 ].\rونهى جلّ وعزّ أن يسلم المال إلى غير رشيد فقال : { فَإِنْ آنَسْتُمْ مِّنْهُمْ رُشْداً فادفعوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ } [ النساء : 6 ].\r\" ونهى النبيّ صلى الله عليه وسلم عن إضاعة المال ، قال لسعد : \"إنك أن تذر ورثتك أغنياء خير من أن تذرهم عالة يتكفّفون الناس\" \" وقال : \" ما نفعني مال كمال أبي بكر \" وقال لعمرو بن العاص : \" نِعم المال الصالح للرجل الصالح \" ودعا لأنس ، وكان في آخر دعائه : \" اللَّهُمَّ أكثر ماله وولده وبارك له فيه \".","part":10,"page":243},{"id":4137,"text":"\" وقال كعب : يا رسول الله ، إن من توبتي أن أنخلع من مالي صدقةً إلى الله وإلى رسوله.\rفقال : \"أمسِك عليك بعض مالك فهو خير لك\" \" قال الجوزِيّ : هذه الأحاديث مُخرّجة في الصحاح ، وهي على خلاف ما تعتقده المتصوّفة من أن إكثار المال حجاب وعقوبة ، وأن حبسه ينافي التوَكّل ، ولا ينكر أنه يخاف من فتنته ، وأن خلقاً كثيراً اجتنبوه لخوف ذلك ، وأن جمعه من وجهه ليعزّ ، وأن سلامة القلب من الإفتتان به تَقل ، واشتغال القلب مع وجوده بذكر الآخرة يندر ؛ فلهذا خيف فتنته.\rفأما كسب المال فإن من اقتصر على كسب البُلْغَة من حلها فذلك أمر لا بدّ منه ، وأما من قصد جمعه والاستكثار منه من الحلال نُظِر في مقصوده ؛ فإن قصد نفس المفاخرة والمباهاة فبئس المقصود ، وإن قصد إعفاف نفسه وعائلته ، وادّخر لحوادث زمانه وزمانهم ، وقصد التوسعة على الإخوان وإغناء الفقراء وفعل المصالح أُثِيب على قصده ، وكان جمعه بهذه النية أفضل من كثير من الطاعات.\rوقد كانت نيات خلق كثير من الصحابة في جمع المال سليمةً لحسن مقاصدهم بجمعه ؛ فحرصوا عليه وسألوا زيادته.\r\" ولما أقطع النبيّ صلى الله عليه وسلم الزّبِير حُضْر فرسه أجرى الفرس حتى قام ثم رمي سوطه ، فقال : \"أعطوه حيث بلغ سوطه\" \" وكان سعد بن عبادة يقول في دعائه : اللَّهُمَّ وسع عليّ.\rوقال إخوة يوسف : { وَنَزْدَادُ كَيْلَ بَعِيرٍ } [ يوسف : 65 ].\rوقال شعيب لموسى : { فَإِنْ أَتْمَمْتَ عَشْراً فَمِنْ عِندِكَ } [ القصص : 27 ].\rوإن أيّوبَ لما عوفِي نُثِرَ عليه رِجْلٌ من جَراد مِن ذهب ؛ فأخذ يَحْثِي في ثوبه ويستكثر منه ، فقيل له : أما شَبِعْتَ ؟ فقال : يا رب فقير يشبع من فضلك ؟ وهذا أمر مَرْكُوز في الطباع.\rوأما كلام المحاسبي فخطأ يدل على الجهل بالعلم (1) ، وما ذكره من حديث كَعْب وأبي ذَرّ فمحال ، من وضع الجهّال وخفيت عدم صحته عنه للُحُوقه بالقوم.\r_______________\r(1) هذا الكلام يبدو فيه التحامل جليا والاتهمام بالجهل لرجل كالمحاسبى ـ عليه رحمة الله ـ محل نظر\rوكان الأولى والأوفق بالقرطبى عليه رحمة الله أن يقول فى مثل هذا الموضع : اجتهد فأخطأ ، والله تعالى أثاب المجتهد فى كلا الحالين فإن أصاب فله أجران وإن أخطأ فله أجر. والله أعلم.","part":10,"page":244},{"id":4138,"text":"وقد روى بعض هذا وإن كان طريقه لا يثبت ؛ لأنّ في سنده ابن لَهِيعَة وهو مطعون فيه.\rقال يحيى : لا يحتج بحديثه.\rوالصحيح في التاريخ أن أبا ذرّ توفي سنة خمس وعشرين ، وعبد الرحمن بن عوف توفي سنة اثنتين وثلاثين ، فقد عاش بعد أبي ذرّ سبعَ سنين.\rثم لفظ ما ذكروه من حديثهم يدل على أن حديثهم موضوع ، ثم كيف تقول الصحابة : إنا نخاف على عبد الرحمن! أو ليس الإجماع منعقداً على إباحة ( جمع ) المال من حِلِّه ، فما وجه الخوف مع الإباحة ؟ أوَ يأذن الشرع في شيء ثم يعاقب عليه ؟ هذا قلة فهم وفقه.\rثم أينكر أبو ذرّ على عبد الرحمن ، وعبد الرحمن خير من أبي ذرّ بما لا يتقارب ؟ ثم تعلقه بعبد الرحمن وحده دليل على أنه لم ( يَسْبرُ ) سيرَ الصحابة ؛ فإنه قد خلّف طلحة ثلاثمائة بُهار في كل بُهار ثلاثة قناطير.\rوالبُهار الحِمل.\rوكان مال الزبير خمسين ألفاً ومائتي ألف.\rوخلف ابن مسعود تسعين ألفاً.\rوأكثر الصحابة كسبوا الأموال وخلّفوها ولم ينكر أحد منهم على أحد.\rوأما قوله : \"إن عبد الرحمن يَحْبُوا حَبْواً يوم القيامة\" فهذا دليل على أنه ما عرف الحديث ، وأعوذ بالله أن يحبو عبد الرحمن في القيامة ؛ أفترى من سبَق وهو أحد العشرة المشهود لهم بالجنة ومن أهل بَدْر والشُّورَى يحبو ؟ ثم الحديث يرويه عُمارة بن زَاذَان ؛ وقال البخاريّ : ربما اضطرب حديثه.\rوقال أحمد : يروى عن أنس أحاديث مناكير ، وقال أبو حاتم الرازي : لا يحتج به ، وقال الدارقطني : ضعيف.\rوقوله : \"تركُ المال الحلال أفضلُ من جمعه\" ليس كذلك ، ومتى صَحّ القصد فجمعه أفضل بلا خلاف عند العلماء.","part":10,"page":245},{"id":4139,"text":"وكان سعيد بن المسيب يقول : لا خير فيمن لا يطلب المال ؛ يقضي به دَيْنَه ويصون به عِرضه ؛ فإن مات تركه ميراثاً لمن بعده.\rوخلف ابن المسيب أربعمائة دينار ، وخلف سفيان الثوري مائتين ، وكان يقول المال في هذا الزمان سلاح.\rوما زال السلف يمدحون المال ويجمعونه للنوائب وإعانة الفقراء ؛ وإنما تحاماه قوم منهم إيثاراً للتشاغل بالعبادات ، وجمع الهمّ فقنعوا باليسير.\rفلو قال هذا القائل : إن التقليل منه أولى قرب الأمر ولكنه زاحم به مرتبة الإثم.\rقلت : ومما يدل على حفظ الأموال ومراعاتها إباحة القتال دونها وعليها ؛ قال صلى الله عليه وسلم : \" من قتل دون ماله فهو شهيد \" وسيأتي بيانه في \"المائدة\" إن شاء الله تعالى. أ هـ {تفسير القرطبى حـ 3 صـ 416 ـ 420}\rقوله تعالى : {والله بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ}\rقال الطبرى :\rوأما قوله : \"والله بما تعملون عليمٌ\" ، فإنه يعني : \"بما تعملون\" في شهادتكم من إقامتها والقيام بها ، أو كتمانكم إياها عند حاجة من استشهدكم إليها ، وبغير ذلك من سرائر أعمالكم وعلانيتها \"عليمٌ\" ، يحصيه عليكم ، ليجزيكم بذلك كله جزاءكم ، إما خيرًا وإما شرًّا على قدر استحقاقكم. أ هـ {تفسير الطبرى حـ 6 صـ 100}\rوقال الفخر :\rتحذير من الإقدام على هذا الكتمان ، لأن المكلف إذا علم أنه لا يعزب عن علم الله ضمير قلبه كان خائفاً حذراً من مخالفة أمر الله تعالى ، فإنه يعلم أنه تعالى يحاسبه على كل تلك الأفعال ، ويجازيه عليها إن خيراً فخيراً ، وإن شراً فشراً. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 7 صـ 107}\rوقال ابن عاشور :\rوقوله : {والله بما تعملون عليم } تهديد ، كناية عن المجازاة بمثل الصنيع ؛ لأنّ القادر لا يحُول بينه وبين المؤاخذة إلاّ الجهل فإذا كان عليماً أقام قسطاس الجزاء. أ هـ {التحرير والتنوير حـ 3 صـ 128}\rلطيفة\rقال السعدى :\rوقد اشتملت هذه الأحكام الحسنة التي أرشد الله عباده إليها على حكم عظيمة ومصالح عميمة دلت على أن الخلق لو اهتدوا بإرشاد الله لصلحت دنياهم مع صلاح دينهم ، لاشتمالها على العدل والمصلحة ، وحفظ الحقوق وقطع المشاجرات والمنازعات ، وانتظام أمر المعاش ، فلله الحمد كما ينبغي لجلال وجهه وعظيم سلطانه لا نحصي ثناء عليه. أ هـ {تفسير السعدى صـ 119}","part":10,"page":246},{"id":4140,"text":"فوائد لغوية\rقال ابن عادل :\rقوله : { وَلَمْ تَجِدُواْ كَاتِباً } في هذه الجملة ثلاثة أوجهٍ :\rأحدها : أنَّها عطفٌ على فعل الشَّرط ، أي : \" وَإِنْ كُنْتُم \" ، { وَلَمْ تَجِدُواْ } فتكون في محلِّ جزمٍ لعطفها على المجزوم تقديراً.\rوالثاني : أن تكون معطوفةً على خبر \" كان \" ، أي : وإن كنتم لم تجدوا كاتباً.\rوالثالث : أن تكون الواو للحال ، والجملة بعدها نصب على الحال ، فهي على هذين الوجهين الأخيرين في محلّ نصبٍ.\rوالعامة على \" كاتباً \" اسم فاعل. وقرأ أُبي ومجاهدٌ ، وأبو العالية : \" كِتاباً \" ، وفيه وجهان :\rأحدهما : أنَّه مصدرٌ أي ذا كتابة.\rوالثاني : أنه جمع كاتبٍ ، كصاحبٍ وصحاب. ونقل الزمخشريُّ هذه القراءة عن أُبيّ وابن عبَّاسٍ فقط.\rقوله : { فَرِهَانٌ } فيه ثلاثة أوجه :\rأحدها : أنه مرفوعٌ بفعلٍ محذوفٍ ، أي : فيكفي عن ذلك رهنٌ مقبوضةٌ.\rالثاني : أنه مبتدأ والخبر محذوفٌ ، أي : فرهن مقبوضة تكفي.\rالثالث : أنَّه خبر مبتدأ محذوف تقديره : فالوثيقة ، أو فالقائم مقام ذلك رهن مقبوضةٌ.\rقوله : { فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ } في هذا الضمير وجهان :\rأحدهما : أنه ضميرُ الشأنِ ، والجملةُ بعدَه مفسِّرٌ له.\rوالثاني : أنه ضميرُ \" مَنْ \" في قوله : \" ومَنْ يَكْتُمْهَا \" وهذا هو الظاهرُ.\rوأمَّا \" آثِمٌ قَلْبُهُ \" ففيه أوجهٌ :\rأظهرها : أنَّ الضميرَ في \" إِنَّهُ \" ضميرُ \" مَنْ \" و\" آثِمٌ \" خبرُ \" إِنَّ \" ، و\" قَلْبُهُ \" فاعلٌ بـ \" آثِمٌ \" ، نحو قولك : \" زَيْدٌ إِنَّهُ قَائِمٌ أَبُوهُ \" ، وعَمَلُ اسم الفاعل هنا واضحٌ؛ لوجودِ شروطِ الإِعمال ، ولا يجيءُ هذا الوجهُ على القولِ بأنَّ الضميرَ ضميرُ الشأنِ؛ لأنَّ ضميرَ الشأن لا يُفَسَّر إلا بجملةٍ ، واسمُ الفاعلِ مع فاعله عند البصريِّين مفردٌ ، والكوفيُّون يُجيزون ذلك.","part":10,"page":247},{"id":4141,"text":"الثاني : أن يكون \" آثِمٌ \" خبراً مقدَّماً ، و\" قَلْبُهُ \" مبتدأٌ مؤخراً ، والجملةُ خبرَ \" إِنَّ \" ، ذكره الزمخشريُّ وأبو البقاء وغيرهما وهذا لا يجوزُ على أصول الكوفيِّين؛ لأنه لا يعودُ عندهم الضَّميرُ المرفوعُ على متأخِّرٍ لفظاً ، و\" آثِمٌ \" قد تحمَّل ضميراً ، لأنه وقع خبراً؛ وعلى هذا الوجه : فيجوزُ أن تكونَ الهاءَ ضميرَ الشأ ، وأَنْ تكونَ ضميرَ \" مَنْ \".\rوالثالث : أن يكونَ \" آثِمٌ \" خبرَ \" إِنَّ \" ، وفيه ضميرٌ يعودُ على ما تعودُ عليه الهاء في \" إِنَّهُ \" ، و\" قَلْبُهُ \" بدلٌ من ذلك الضمير المستترِ بدلُ بعضٍ من كُلٍّ.\rالرابع : [ أن يكونَ ] \" آثمٌ \" مبتدأً ، و\" قَلْبُهُ \" فاعلٌ سدَّ مسدَّ الخبر ، والجملةُ خبرُ \" إِنَّ \" ، قاله ابن عطية ، وهو لا يجوزُ عند البصريِّين؛ لأنَّه لا يعملُ عندهم اسمُ الفاعل ، إلا إذا اعتمد على نفي ، أو استفهام؛ نحو : ما قائِمٌ أَبَوَاكَ ، وهَلْ قائِمٌ أَخَوَاكَ؟ وَمَا قَائِمٌ قَوْمُكَ ، وَهَلْ ضَارِبٌ إِخْوَتُكَ؟ وإنما يجوزُ هذا عند الفراءِ من الكوفيين ، والأخفشِ من البصريِّين؛ إذ يجيزانِ : قائمٌ الزَّيدانِ ، وقائِمٌ الزَّيدُونَ ، فكذلك في الآية الكريمة.\rوقرأ ابن عبلة : \" قَلْبَهُ \" بالنصب ، نسبها إليه ابن عطيَّة.\rوفي نصبه ثلاثةُ أوجه :\rأحدها : أنه بدلٌ من اسم \" إِنَّ \" بدلُ بعض من كلٍّ ، ولا محذورَ في الفصلِ [ بالخبر - وهو آثِمٌ - بين البدلِ والمبدلِ منه ، كما لا محذورَ في الفصل ] به بين النعتِ والمنعوتِ ، نحو : زَيْدٌ مُنْطَلِقٌ العَاقِلُ مع أنَّ العاملَ في النعت والمنعوت واحدٌ؛ بخلافِ البدلِ والمبدلِ منه؛ فإنَّ الصحيحَ أنَّ العاملَ في البدلِ غيرُ العاملِ في المُبدلِ منه.","part":10,"page":248},{"id":4142,"text":"الثاني : أنه منصوبٌ على التشبيه بالمفعولِ به؛ كقولك : \" مَرَرْتُ بِرَجُلٍ حَسَنٍ وَجْهَهُ \" ، وفي هذا الوجه خلافٌ مشهورٌ :\rفمذهب الكوفيين : الجواز مُطْلَقاً ، أعني نظماً ونَثْراً. ومذهبُ المبرد المنع مطلقاً ، ومذهب سيبويه : منع في النثر ، وجوازه في الشعرِ ، وأنشد الكسائي على ذلك : [ الرجز ]\rأَنْعَتُهَا إِنِّيَ مِنْ نُعَّاتِهَا... مُدَارَةَ الأَخْفَافِ مُجْمَرَّاتِهَا\rغُلْبَ الرِّقَابِ وَعَفْرْنِيَّاتِهَا... كُومَ الذُّرَى وَادِقَةَ سُرَّاتِهَا\rووجه ضعفه عند سيبويه في النثر تكرار الضمير.\rالثالث : أنه منصوبٌ على التمييز حكاه مكيٌّ وغيره؛ وضعَّفوه بأنَّ التمييز لا يكونُ إلا نكرةً ، وهذا عند البصريِّين ، وأمَّا الكوفيون فلا يَشْتَرطون تنكيرَه ، ومنه عندهم : { إِلاَّ مَن سَفِهَ نَفْسَهُ } [ البقرة : 130 ] و{ بَطِرَتْ مَعِيشَتَهَا } [ القصص : 58 ] ؛ وأنشدوا قوله : [ الوافر ]\rإِلَى رُدُحٍ مِنَ الشِّيزَى مِلاَءٍ... لُبَابَ البُرِّ يُلْبَكُ بِالشِّهَادِ\rوقرأ ابن أبي عبلة - فيما نقل عنه الزمخشريُّ - \" أَثَّمَ قَلْبَهُ \" جعل \" أَثَمَّ \" فعلاً ماضياً مشدَّد العين ، وفاعله مستترٌ فيه ، و\" قَلْبَهُ \" مفعول به ، أي : جعل قلبه آثِماً ، أي : أَثِمَ هو؛ لأنه عَبَّر بالقلبِ عن ذاتِه كلِّها؛ لأنه أشرفُ عضوٍ فيها. وهو ، وإِنْ كان بلفظِ الإِفراد ، فالمرادُ به الجمعُ ، ولذلك اعتبر معناه في قراءة أبي عبد الرحمن ، فجمع في قوله : \" وَلاَ يَكْتُمُوا \". أ هـ {تفسير ابن عادل حـ 4 صـ 506 ـ 514}. بتصرف.","part":10,"page":249},{"id":4143,"text":"لطيفة\rقال أبو حيان :\rوقد تضمنت هذه الآية من ضروب الفصاحة.\rالتجنيس المغاير في قوله : إذا تداينتم بدين ، وفي قوله : وليكتب بينكم كاتب.\rوفي قوله : ولا يأب كاتب أن يكتب.\rوفي قوله : ويعلمكم الله والله بكل شيء عليم.\rوفي قوله واستشهدوا شهيدين من رجالكم.\rوفي قوله : أؤتمن أمانته.\rوالتجنيس المماثل في قوله : ولا تكتموا الشهادة ومن يكتمها.\rوالتأكيد في قوله : تداينتم بدين ، وفي قوله : وليكتب بينكم كاتب ، إذ يفهم من قوله : تداينتم ، قوله : بدين ، ومن قوله : فليكتب ، قوله : كاتب.\rوالطباق في قوله : أن تضل إحداهما فتذكر ، لأن الضلال هنا بمعنى النسيان.\rوفي قوله : صغيراً أو كبيراً.\rوالتشبيه في قوله : أن يكتب كما علمه الله.\rوالاختصاص في قوله : كاتب بالعدل.\rوفي قوله : فليملل وليه بالعدل ، وفي قوله : أقسط عند الله وأقوم للشهادة.\rوفي قوله : تجارة حاضرة تديرونها بينكم.\rوالتكرار في قوله : فاكتبوه وليكتب ، وأن يكتب كما علمه الله ، فليكتب ، ولا يأب كاتب ، وفي قوله : فليملل الذي عليه الحق ، فإن كان الذي عليه الحق.\rكرر الحق للدّعاء إلى اتباعه ، وأتى بلفظة على للإعلام أن لصاحب الحق مقالاً واستعلاء ، وفي قوله : أن تضل إحداهما فتذكر إحداهما الأخرى.\rوفي قوله : واتقوا الله ، ويعلمكم الله ، والله.\rوالحذف في قوله : يا أيها الذين آمنوا ، حذف متعلق الإيمان.","part":10,"page":250},{"id":4144,"text":"وفي قوله : مسمى ، أي بينكم فليكتب الكاتب ، أن يكتب الكتاب كما علمه الله الكتابة والخط ، فليكتب كتاب الذي عليه الحق ما عليه من الدين ، وليتق الله ربه في إملائه سفيهاً في الرأي أو ضعيفاً في البينة ، أو لا يستطيع أن يمل هو لخرس أو بكم فليملل الدين وليه على الكاتب ، واستشهدوا إذا تعاملتم من رجالكم المعينين للشهادة المرضيين ، فرجل مرضي وامرأتان مرضيتان من الشهداء المرضيين فتذكر إحداهما الأخرى الشهادة ، ولا يأب الشهداء من تحمل الشهادة أو من أدائها عند الحاكم إذا ما دعوا أي دعائهم صاحب الحق للتحمل ، أو للأداء إلى أجله المضروب بينكم ، ذلكم الكتاب أقسط وأقوم للشهادة المرضية أن لا ترتابوا في الشهادة تديرونها بينكم ، ولا تحتاجون إلى الكتب والإشهاد فيها ، وأشهدوا إذا تبايعتم شاهدين ، أو رجلاً وامرأتين ، ولا يضارّ كاتب ولا شهيد أي صاحب الحق ، أو : لا يضار صاحب الحق كاتباً ولا شهيداً ، ثم حذف وبنى للمفعول ، وأن تفعلوا الضرر ، واتقوا عذاب الله ، ويعلمكم الله الصواب ، وإن كنتم على سبيل سفر ولم تجدوا كاتباً يتوثق بكتابته ، فالوثيقة رهن أمن بعضكم بعضاً ، فأعطاه مالاً بلا إشهاد ولا رهن أمانته من غير حيف ولا مطل ، وليتق عذاب الله ، ولا تكتموا الشهادة عن طالبها.\rوتلوين الخطاب ، وهو الانتقال من الحضور إلى الغيبة ، في قوله : فاكتبوه ، وليكتب ، ومن الغيبة إلى الحضور في قوله : ولا يأب كاتب ، وأشهدوا.\rثم انتقل إلى الغيبة بقوله : ولا يضار ، ثم إلى الحضور بقوله : ولا تكمتوا الشهادة ، ثم إلى الغيبة بقوله : ومن يكتمها ، ثم إلى الحضور بقوله : بما تعملون.\rوالعدول من فاعل إلى فعيل ، في قوله : شهيدين ، ولا يضار كاتب ولا شهيد.","part":10,"page":251},{"id":4145,"text":"والتقديم والتأخير في قوله : فليكتب ، وليملل ، أو الإملال ، بتقديم الكتابة قبل ، ومن ذلك : ممن ترضون من الشهداء ، التقدير واستشهدوا ممن ترضون ، ومنه وأشهدوا إذا تبايعتم. انتهى ما لخصناه مما ذكر في هذه الآية من أنواع الفصاحة.\rوفيها من التأكيد في حفظ الأموال في المعاملات ما لا يخفي : من الأمر بالكتابة للمتداينين ، ومن الأمر للكاتب بالكتابة بالعدل ، ومن النهي عن الامتناع من الكتابة ، ومن أمره ثانياً بالكتابة ، ومن الأمر لمن عليه الحق بالإملال إن أمكن ، أو لوليه إن لم يمكنه ، ومن الأمر بالاستشهاد ، ومن الاحتياط في من يشهد وفي وصفه ، ومن النهي للشهود عن الامتناع من الشهادة إذا ما دعوا إليها ، ومن النهي عن الملل في كتابة الدين وإن كان حقيراً ، ومن الثناء على الضبط بالكتابة ، ومن الأمر بالإشهاد عند التبايع ، ومن النهي للكاتب والشاهد عن ضرار من يشهد له ويكتب ، ومن التنبيه على أن الضرار في مثل هذا هو فسوق ، ومن الأمر بالتقوى ، ومن الإذكار بنعمة التعلم ، ومن التهديد بعد ذلك ، ومن الاستيثاق في السفر وعدم الكاتب بالرهن المقبوض ، ومن الأمر بأداء أمانة من لم يستوثق بكاتب وشاهد ورهن ، ومن الأمر لمن استوثق بتقوى الله المانعة من الإخلال بالأمانة ، ومن النهي عن كتم الشهادة ، ومن التنبيه على أن كاتمها مرتكب الإثم ، ومن التهديد آخرها بقوله : { والله بما تعملون عليم } فانظر إلى هذه المبالغة والتأكيد في حفظ الأموال وصيانتها عن الضياع ، وقد قرنها رسول الله صلى الله عليه وسلم بالنفوس والدماء ، فقال : \" من قتل دون ماله فهو شهيد \" وقال : \" إن دماءكم وأموالكم وأعراضكم حرام عليكم \" ولصيانتها والمنع من إضاعتها ، ومن التبذير فيها كان حجر الإفلاس ، وحجر الجنون ، وحجر الصغر ، وحجر الرق ، وحجر المرض ، وحجر الارتداد. أ هـ {البحر المحيط حـ 2 صـ 374 ـ 375}","part":10,"page":252},{"id":4146,"text":"من فوائد ابن عرفة فى الآية\rقوله تعالى : { وَإِن كُنتُمْ على سَفَرٍ وَلَمْ تَجِدُواْ كَاتِباً فَرِهَانٌ . . . }.\rابن عرفة : مفهوم الآية ملغى بنصّ السّنة لأن النبي صلى الله عليه وسلم رهن درعه في الحضر.\rوأيضا فهو مفهوم خرج مخرج الغالب لأن السفر مظنة لعدم وجدان الكاتب أو هو شيء من الأدلة غالبا بخلاف الحضر.\rقال ابن عطية : أجمع الناس على صحة قبض المرتهن وعلى قبض وكيله.\rواختلفوا في قبض عدل فجعله الإمام مالك قبضا.\rقال ابن عرفة : إذا لم يكن من جهة الراهن.\rوقال الحكم بن عيينة وقتادة : ليس بقبض.\rقال ابن عرفة : إذا قبض المرتهن الرهن ولم يزل حائزا له كان أحق به لا خلاف.\rوإن كان قبضه بالشهادة ثم أذن المرتهن للراهن في التصرف فيه فتصرف فيه الراهن بطل الحوز بلا خلاف ، وإن أذن المرتهن للراهن في التصرف فيه فلم يتصرف فيه ولم يزل بيد المرتهن فظاهر كتاب الرهن في المدونة أنه مبطل للحوز.\rوظاهر كتاب حريم البير منها أنه غير مبطل ( بناء ) على أن الحوز شرط في لزوم الرهن أو في استحقاق الرهن.\rقوله تعالى : { فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُم بَعْضاً فَلْيُؤَدِّ الذي اؤتمن أَمَانَتَهُ . . . }.\rظاهره جواز إعطاء الدين وجواز أخذه من غير رهن فتكون ناسخة لما قبلها لأن عمومها يقتضي اشتراط أخذ الرهن فيه.\rقوله تعالى : { وَلاَ تَكْتُمُواْ الشهادة . . . }.\rراجع لحالة ( الأداء ).\rقوله تعالى : { وَمَن يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ . . . }.","part":10,"page":253},{"id":4147,"text":"قال الزمخشري : لم قال { آثِمٌ قَلْبُهُ } فخصص الإثم بالقلب وهلا علقه بجميع الجسد ؟ وأجاب بأربعة أوجه :\rالأول : أنه تحقيق لوقوع الإثم ثم لأن كتمان الشهادة من فعل القلب وإثمها مقترن بالقلب فلذلك أسند إليه.\rللثاني : أنّ القلب الأصلُ لحديث \" إن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله وإذا فسدت فسد الجسد كله ألا وهي القلب \".\rالثالث : أنّ القلب أصل واللّسان ترجمان له.\rالرابع : أن أفعال القلب أعظم من أفعال الجوارح وإثمه أعظم من إثمها.\rقال ابن عرفة : ومنهم من كان يجيب بأن القلب يستوي فيه الفعل والترك وليس بينهما تفاوت إذ لا أثر ( للترك ) فيه بالنّسبة إلى الفعل بخلاف الجوارح فإنّ الفعل يمتاز عن التّرك ( بالبديهة ) وكتمان الشهادة ترك فلو أسند للجوارح لما حسن ( ترتب ) الإثم عليه فلذلك أسند للقلب الذي هما فيه مستويان. أ هـ {تفسير ابن عرفة صـ 366}","part":10,"page":254},{"id":4148,"text":"قوله تعالى { لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ فَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (284)}\rمناسبة الآية لما قبلها\rقال البقاعى :\rولما أخبر عن سعة علمه دل عليه بسعة ملكه المستلزم لسعة قدرته ليدل ذلك على جميع الكمال لأنه قد ثبت كما قال الأصبهاني إن الصفات التي هي كمالات حقيقة ليست إلا القدرة والعلم المحيط فقال واعداً للمطيع متوعداً للعاصي مصرحاً بأن أفعال العباد وغيرها مخلوق له : - وقال الحرالي : ولما كان أول السورة إظهار كتاب التقدير في الذكر الأول كان ختمها إبداء أثر ذلك الكتاب الأول في الأعمال والجزاء التي هي الغاية في ابتداء أمر التقدير فوقع الختم بأنه سلب الخلق ما في أيديهم مما أبدوه وما أخفوه من أهل السماوات والأرض ؛ انتهى - فقال : {لله} أي الملك الأعظم.\rولما كانت ما ترد لمن يغفل وكان أغلب الموجودات والجمادات عبر بها فقال : {ما في السماوات} أي كله على علوها واتساعها من ملك وغيره {وما في الأرض} مما تنفقونه وغيره من عاقل وغيره ،\rيأمر فيهما ومنهما بما يشاء وينهى عما يشاء ويعطي من يشاء ويمنع من يشاء ويضاعف لمن يشاء.\rولما كان التقدير : فهو يعلم جميع ما فيهما من كتمانكم وغيره ويتصرف فيه بما يريد ،\rعطف عليه محذراً من يكتم الشهادة أو يضمر سوءاً غيرها أو يظهره قوله تعالى : {وإن تبدوا} أي تظهروا {ما في أنفسكم} من شهادة أو غيرها {أو تخفوه} مما وطنتموه في النفس وعزمتم عليه وليس هو من الخواطر التي كرهتموها ولم تعزموا عليها.","part":10,"page":255},{"id":4149,"text":"قال الحرالي : من الإخفاء وهو تغييب الشيء وأن لا يجعل عليه علم يهتدي إليه من جهته {يحاسبكم} من المحاسبة مفاعلة من الحساب والحسب ، وهو استيفاء الأعداد فيما للمرء وعليه من الأعمال الظاهرة والباطنة يعني ليجازي بها {به الله} أي بذكره لكم وأنتم تعلمون ما له من صفات الكمال.\rقال الحرالي : وفي ضمن هذا الخطاب لأولي الفهم إنباء بأن الله سبحانه وتعالى إذا عاجل العبد بالحساب بحكم ما يفهمه ترتيب الحساب على وقوع العمل حيث لم يكن فيحاسبكم مثلاً فقد أعظم اللطف به ،\rلأن من حوسب بعمله عاجلاً في الدنيا خف جزاؤه عليه حيث يكفر عنه بالشوكة يشاكها حتى بالقلم يسقط من يد الكاتب ،\rفيكفر عن المؤمن بكل ما يلحقه في دنياه حتى يموت على طهارة من ذنوبه وفراغ من حسابه كالذي يتعاهد بدنه وثوبه بالتنظيف فلا يتسخ ولا يدرن ولا يزال نظيفاً - انتهى وفيه تصرف.\rولما كان حقيقة المحاسبة ذكر الشيء والجزاء عليه وكان المراد بها هنا العرض وهو الذكر فقط بدلالة التضمن دل عليه بقوله مقدماً الترجئة معادلة لما أفهمه صدر الآية من التخويف : {فيغفر لمن يشاء} أي فلا يجازيه على ذلك كبيرة كان أو لا {ويعذب من يشاء} بتكفير أو جزاء.\rولما أخبر سبحانه وتعالى بهذا أنه مطلق التصرف ختم الكلام دلالة على ذلك بقوله مصرحاً بما لزم تمام علمه من كمال قدرته : {والله} أي الذي لا أمر لأحد معه {على كل شيء قدير} أي ليس هو كملوك الدنيا يحال بينهم وبين بعض ما يريدون بالشفاعة وغيرها.\rقال الحرالي : فسلب بهذه الآية القدرة عن جميع الخلق - انتهى. أ هـ {نظم الدرر حـ 1 صـ 551 ـ 552}\rوقال أبو حيان :","part":10,"page":256},{"id":4150,"text":"ومناسبتها ظاهرة ، لأنه لما ذكر أن من كتم الشهادة فإن قلبه آثم ، ذكر ما انطوى عليه الضمير ، فكتمه أو أبداه ، فإن الله يحاسبه به ، ففيه وعيد وتهديد لمن كتم الشهادة ، ولما علق الإثم بالقلب ذكر هنا الأنفس ، فقال : { وأن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه } وناسب ذكر هذه الآية خاتمة لهذه السورة لأنه تعالى ضمنها أكثر علم الأصول والفروع من : دلائل التوحيد ، والنبوّة ، والمعاد ، والصلاة ، والزكاة ، والقصاص ، والصوم ، والحج ، والجهاد ، والحيض ، والطلاق ، والعدّة ، والخلع ، والإيلاء ، والرضاعة ، والربا ، والبيع ، وكيفية المداينة.\rفناسب تكليفه إيانا بهذه الشرائع أن يذكر أنه تعالى مالك لما في السموات وما في الأرض ، فهو يلزم من شاء من مملوكاته بما شاء من تعبداته وتكليفاته.\rولما كانت هذه التكاليف محل اعتقادها إنما هو الأنفس ، وما تنطوي عليه من النيات ، وثواب ملتزمها وعقاب تاركها إنما يظهر في الدار الآخرة ، نبه على صفة العلم التي بها تقع المحاسبة في الدار الآخرة بقوله : { وإن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به الله } فصفة الملك تدل على القدرة الباهرة ، وذكر المحاسبة يدل على العلم المحيط بالجليل والحقير ، فحصل بذكر هذين الوصفين غاية الوعد للمطيعين ، وغاية الوعيد للعاصين. أ هـ {البحر المحيط حـ 2 صـ 375}\rوقال ابن عاشور : \rقوله تعالى { لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ}","part":10,"page":257},{"id":4151,"text":"تعليل واستدلال على مضمون جملة والله بما تعملون عليم لِّلَّهِ } وعلى ما تقدم آنفاً من نحو : { الله بكل شيء عليم } [ آل عمران : 176 ] { واللَّه بما تعملون عليم} {واللَّه بما تعملون بصير } [ الممتحنة : 30 ] { واللَّه بما تعملون خبير } [ البقرة : 234 ] فإذا كان ذلك تعريضاً بالوعد والوعيد ، فقد جاء هذا الكلام تصريحاً واستدلالاً عليه ، فجملة { وإن تبدوا ما في أنفسكم } إلى آخرها هي محطُّ التصريح ، وهي المقصود بالكلام ، وهي معطوفة على جملة { ولا تكتموا الشهادة إلى والله بما تعملون عليم } [ البقرة : 283 ] وجملةُ { لله ما في السموات وما في الأرض } هي موقع الاستدلال ، وهي اعتراض بين الجملتين المتعاطفتين ، أو علة لجملة { والله بما تعملون عليم } باعتبار إرادة الوعيد والوعد ، فالمعنى : إنّكم عبيده فلا يفوته عملَكُم والجزاء عليه.\rوعلى هذا الوجه تكون جملة \"وإن تبدوا ما في أنفسكم\" معطوفة على جملة { لله ما في السموات وما في الأرض } عطف جملة على جملة ، والمعنى : إنكم عبيدُه ، وهو محاسبكم ، ونظيرُها في المعنى قوله تعالى : { وأسِرُّوا قولكم أو اجهروا به إنه عليم بذات الصدور ألا يعلم من خلق } [ الملك : 13 ، 14 ] ولا يخالف بينهما إلاّ أسلوب نظم الكلام.\rومعنى الاستدلال هنا : أنّ الناس قد علموا أنّ الله ربّ السموات والأرض ، وخالق الخلق ، فإذا كان في السموات والأرض لِلَّه ، مخلوقاً له ، لزم أن يكون جميع ذلك معلوماً له لأنَّه مكوِّن ضمائرِهم وخواطرهم ، وعموم علمه تعالى بأحوال مخلوقاته من تمام معنى الخالقية والربوبية ؛ لأنّه لو خفي عليه شيء لكان العبد في حالة اختفاء حاله عن علم الله مستقلاً عن خالقه.\rومالكيةُ الله تعالى أتَمّ أنواع الملك على الحَقيقة كسائر الصفات الثابتة لله تعالى ، فهي الصفات على الحقيقة من الوجود الواجب إلى ما اقتضاه وجوبُ الوجود من صفات الكمال.","part":10,"page":258},{"id":4152,"text":"فقوله : { لله ما في السموات وما في الأرض } تمهيد لقوله : { وإن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه } الآية.\rوعُطف قوله : { وإن تبدوا ما في أنفسكم } بالواو دون الفاء للدلالة على أنّ الحكم الذي تضمَّنه مقصود بالذات ، وأنّ ما قبله كالتمهيد له.\rويجوز أن يكون قوله : { وإن تبدوا } عطفاً على قوله : { والله بما تعملون عليم } [ البقرة : 283 ] ويكون قوله : { لله ما في السموات وما في الأرض } اعتراضاً بينهما. أ هـ {التحرير والتنوير حـ 3 صـ 129}\rفصل\rقال الفخر : \rفي كيفية النظم وجوه الأول : قال الأصم : إنه تعالى لما جمع في هذه السورة أشياء كثيرة من علم الأصول ، وهو دليل التوحيد والنبوّة ، وأشياء كثيرة من علم الأصول ببيان الشرائع والتكاليف ، وهي في الصلاة ، والزكاة ، والقصاص ، والصوم ، والحج ، والجهاد ، والحيض ، والطلاق ، والعدة ، والصداق ، والخلع ، والإيلاء ، والرضاع ، والبيع ، والربا ، وكيفية المداينة ختم الله تعالى هذه السورة بهذه الآية على سبيل التهديد.\rوأقول إنه قد ثبت أن الصفات التي هي كمالات حقيقية ليست إلا القدرة والعلم ، فعبّر سبحانه عن كمال القدرة بقوله {للَّهِ مَا فِى السموات وَمَا فِي الأرض} ملكا وملكاً ، وعبر عن كمال العلم المحيط بالكليات والجزئيات بقوله {وَإِن تُبْدُواْ مَا فِي أَنفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُم بِهِ الله} وإذا حصل كمال القدرة والعلم ، فكان كل من في السموات والأرض عبيداً مربوبين وجدوا بتخليقه وتكوينه كان ذلك غاية الوعد للمطيعين ، ونهاية الوعيد للمذنبين ، فلهذا السبب ختم الله هذه السورة بهذه الآية.","part":10,"page":259},{"id":4153,"text":"والوجه الثاني : في كيفية النظم ، قال أبو مسلم : إنه تعالى لما قال في آخر الآية المتقدمة {والله بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ} [ البقرة : 283 ] ذكر عقيبه ما يجري مجرى الدليل العقلي فقال : {للَّهِ مَا فِى السموات وَمَا فِي الأرض} ومعنى هذا الملك أن هذه الأشياء لما كانت محدثة فقد وجدت بتخليقه وتكوينه وإبداعه ومن كان فاعلاً لهذه الأفعال المحكمة المتقنة العجيبة الغريبة المشتملة على الحكم المتكاثرة والمنافع العظيمة لا بد وأن يكون عالماً بها إذ من المحال صدور الفعل المحكم المتقن عن الجاهل به ، فكان الله تعالى احتج بخلقه السموات والأرض مع ما فيهما من وجوه الإحكام والإتقان على كونه تعالى عالماً بها محيطاً بأجزائها وجزئياتها.\rالوجه الثالث : في كيفية النظم ، قال القاضي : إنه تعالى لما أمر بهذه الوثائق أعني الكتبة والإشهاد والرهن ، فكان المقصود من الأمر بها صيانة الأموال ، والاحتياط في حفظها بيّن الله تعالى أنه إنما المقصود لمنفعة ترجع إلى الخلق لا لمنفعة تعود إليه سبحانه منها فإنه له ملك السموات والأرض.\rالوجه الرابع : قال الشعبي وعكرمة ومجاهد : إنه تعالى لما نهى عن كتمان الشهادة وأوعد عليه بيّن أنه له ملك السموات والأرض فيجازي على الكتمان والإظهار. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 7 صـ 108}\rقال السمرقندى : \r{ للَّهِ مَا فِى السموات وَمَا فِي الارض } من الخلق كلهم عبيده وإماؤه ، وهو خالقهم ورازقهم ، وحكمه نافذ فيهم ، معناه لا تعبدوا أحداً سواه ، لأنه هو الذي خلق المسيح والملائكة والأصنام ، ويقال : لله ما في السموات وما في الأرض ، يعني في كل شيء دلالة ربوبيته ووحدانيته. أ هـ {بحر العلوم حـ 1 صـ 212}\rفائدة\rقال الماوردى : \rقوله عز وجل : { للهِ مَا فِي السَّمَواتِ وما في الأرض } في إضافة ذلك إلى الله تعالى قولان : \rأحدهما : أنه إضافة تمليك تقديره : الله يملك ما في السماوات وما في الأرض.","part":10,"page":260},{"id":4154,"text":"والثاني : معناه تدبير ما في السماوات وما في الأرض. أ هـ {النكت والعيون حـ 1 صـ 360}\rفائدة ثالثة\rقال أبو حيان : \rالظاهر في : اللام ، أنها للملك ، وكان ملكاً له لأنه تعالى هو المنشىء له ، الخالق.\rوقيل : المعنى لله تدبير ما في السموات وما في الأرض ، وخص السموات والأرض لأنها أعظم ما يرى من المخلوقات ، وقدم السموات لعظمها ، وجاء بلفظ : ما ، تغليباً لما لا يعقل على من يعقل ، لأن الغالب فيما حوته إنما هو جماد وحيوان ، لا يعقل ، وأجناس ذلك كثيرة.\rوأما العاقل فأجناسه قليلة إذ هي ثلاثة : إنس وجنّ وملائكة. أ هـ {البحر المحيط حـ 2 صـ 375}\rفصل\rقال الفخر : \rاحتج الأصحاب بقوله {للَّهِ مَا فِى السموات وَمَا فِي الأرض} على أن فعل العبد خلق الله تعالى ، لأنه من جملة ما في السموات والأرض بدليل صحة الاستثناء ، واللام في قوله {لِلَّهِ} ليس لام الغرض ، فإنه ليس غرض الفاسق من فسقه طاعة الله ، فلا بد وأن يكون المراد منه لام الملك والتخليق. أ هـ\rوقال أيضا رحمه الله : \rاحتج الأصحاب بهذه الآية على أن المعدوم ليس بشيء لأن من جملة ما في السموات والأرض حقائق الأشياء وماهياتها فهي لا بد وأن تكون تحت قدرة الله سبحانه وتعالى وإنما تكون الحقائق والماهيات تحت قدرته لو كان قادراً على تحقيق تلك الحقائق ، وتكوين تلك الماهيات ، فإذا كان كذلك كانت قدرة الله تعالى مكونة للذوات ، ومحققة للحقاق ، فكان القول بأن المعدوم شيءً باطلاً. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 7 صـ 108}\rقوله تعالى : {وَإِن تُبْدُواْ مَا فِي أَنفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُم بِهِ الله}\rقال ابن عاشور : ","part":10,"page":261},{"id":4155,"text":"وإبداء ما في النفس : إظهاره ، وهو إعلانه بالقول ، فيما سبيله القول ، وبالعمل فيما يترتّب عليه عمل ؛ وإخفاؤه بخلاف ذلك ، وعطف { أو تخفوه } للترقّي في الحساب عليه ، فقد جاء على مقتضى الظاهر في عطف الأقوى على الأضعف ، وفي الغرض المسوق له الكلام في سياق الإثبات.\rوما في النفي يعمّ الخير والشر.\rوالمحاسبة مشتقّة من الحُسبان وهو العدّ ، فمعنى يحاسبكم في أصل اللغة : يعُدُّه عليكم ، إلاّ أنّه شاع إطلاقه على لازم المعنى وهو المؤاخذة والمجازاة كما حكى الله تعالى : { [ الشعراء \"إِنْ حِسَابُهُمْ إِلَّا عَلَى رَبِّي لَوْ تَشْعُرُونَ\" : 113 ] وشاع هذا في اصطلاح الشرع ، ويوضّحه هنا قوله : { فيغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء }.\rوقد أجمل الله تعالى هنا الأحوال المغفورة وغير المغفورة : ليكون المؤمنون بين الخوف والرجاء ، فلا يقصّروا في اتّباع الخيرات النفيسة والعملية ، إلاّ أنّه أثبت غفراناً وتعذيباً بوجه الإجمال على كلَ ممَّا نُبديه وما نخفيه. أ هـ {التحرير والتنوير حـ 3 صـ 129 ـ 130}\rوقال أبو حيان : \r{ وإن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به الله } ظاهر : ما ، العموم ، والمعنى : أن الحالتين من الإخفاء والإبداء بالنسبة إليه تعالى سواء ، وإنما يتصف بكونه إبداء وإخفاء بالنسبة إلى المخلوقين لا إليه تعالى ، لأن علمه ليس ناشئاً عن وجود الأشياء ، بل هو سابق بعلم الأشياء قبل الإيجاد ، وبعد الإيجاد ، وبعد الإعدام.\rبخلاف علم المخلوق ، فإنه لا يعلم الشيء إلاَّ بعد إيجاده ، فعلمه محدث. أ هـ {البحر المحيط حـ 2 صـ 375}\rفصل\rقال الفخر : ","part":10,"page":262},{"id":4156,"text":"يروى عن ابن عباس أنه قال : لما نزلت هذه الآية جاء أبو بكر وعمر وعبد الرحمن بن عوف ومعاذ وناس إلى النبي صلى الله عليه وسلم ، فقالوا : يا رسول الله كلفنا من العمل ما لا نطيق إن أحدنا ليحدث نفسه بما لا يحب أن يثبت في قلبه ، وإن له الدنيا ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : \" فلعلّكم تقولون كما قال بنو إسرائيل سمعنا وعصينا قولوا : سمعنا وأطعنا \" ، فقالوا سمعنا وأطعنا ، واشتد ذلك عليهم فمكثوا في ذلك حولاً فأنزل الله تعالى : {لاَ يُكَلّفُ الله نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا} [ البقرة : 286 ] فنسخت هذه الآية ، فقال صلى الله عليه وسلم : \" إن الله تجاوز عن أمتي ما حدثوا به أنفسهم مالم يعملوا أو يتكلموا به \".\rواعلم أن محل البحث في هذه الآية أن قوله {وَإِن تُبْدُواْ مَا فِي أَنفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُم بِهِ الله} يتناول حديث النفس ، والخواطر الفاسدة التي ترد على القلب ، ولا يتمكن من دفعها ، فالمؤاخذة بها تجري مجرى تكليف ما لا يطاق ، والعلماء أجابوا عنه من وجوه :\rالوجه الأول : أن الخواطر الحاصلة في القلب على قسمين ، فمنها ما يوطن الإنسان نفسه عليه ويعزم على إدخاله في الوجود ، ومنها ما لا يكون كذلك بل تكون أموراً خاطرة بالبال مع أن الإنسان يكرهها ولكنه لا يمكنه دفعها عن النفس ، فالقسم الأول : يكون مؤاخذاً به ، والثاني : لا يكون مؤاخذاً به ، ألا ترى إلى قوله تعالى : {لاَّ يُؤَاخِذُكُمُ الله باللغو فِى أيمانكم ولكن يُؤَاخِذُكُم بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ} [ البقرة : 225 ] وقال في آخر هذه السورة {لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكتسبت} [ البقرة : 286 ] وقال : {إِنَّ الذين يُحِبُّونَ أَن تَشِيعَ الفاحشة فِى الذين ءَامَنُواْ} [ النور : 19 ] هذا هو الجواب المعتمد.","part":10,"page":263},{"id":4157,"text":"والوجه الثاني : أن كل ما كان في القلب مما لا يدخل في العمل ، فهو في محل العفو وقوله {وَإِن تُبْدُواْ مَا فِي أَنفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُم بِهِ الله} فالمراد منه أنه يدخل ذلك العمل في الوجود إما ظاهراً وإما على سبيل الخفية وأما ما وجد في القلب من العزائم والإرادات ولم يتصل بالعمل فكل ذلك في محل العفو وهذا الجواب ضعيف ، لأن أكثر المؤاخذات إنما تكون بأفعال القلوب ألا ترى أن اعتقاد الكفر والبدع ليس إلا من أعمال القلوب : وأعظم أنواع العقاب مرتب عليه ، وأيضاً فأفعال الجوارح إذا خلت عن أفعال القلوب لا يترتب عليها عقاب كأفعال النائم والساهي فثبت ضعف هذا الجواب.\rوالوجه الثالث في الجواب : أن الله تعالى يؤاخذه بها لكن مؤاخذتها هي الغموم والهموم في الدنيا ، روى الضحاك عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت : ما حدث العبد به نفسه من شر كانت محاسبة الله عليه بغم يبتليه به في الدنيا أو حزن أو أذى ، فإذا جاءت الآخرة لم يسأل عنه ولم يعاقب عليه ، وروت أنها سألت النبي صلى الله عليه وسلم عن هذه الآية فأجابها بما هذا معناه.\rفإن قيل : المؤاخذة كيف تحصل في الدنيا مع قوله تعالى : {اليوم تجزى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ} [ غافر : 17 ].\rقلنا : هذا خاص فيكون مقدماً على ذلك العام.\rالوجه الرابع في الجواب : أنه تعالى قال : {يُحَاسِبْكُم بِهِ الله} ولم يقل : يؤاخذكم به الله وقد ذكرنا في معنى كونه حسيباً ومحاسباً وجوهاً كثيرة ، وذكرنا أن من جملة تفاسيره كونه تعالى عالماً بها ، فرجع معنى هذه الآية إلى كونه تعالى عالماً بكل ما في الضمائر والسرائر ، روي عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال : إن الله تعالى إذا جمع الخلائق يخبرهم بما كان في نفوسهم ، فالمؤمن يخبره ثم يعفو عنه ، وأهل الذنوب يخبرهم بما أخفوا من التكذيب والذنب.","part":10,"page":264},{"id":4158,"text":"الوجه الخامس في الجواب : أنه تعالى ذكر بعد هذه الآية قوله {فَيَغْفِرُ لِمَن يَشَاء وَيُعَذّبُ مَن يَشَاء} فيكون الغفران نصيباً لمن كان كارهاً لورود تلك الخواطر ، والعذاب يكون نصيباً لمن يكون مصراً على تلك الخواطر مستحسناً لها.\rالوجه السادس : قال بعضهم : المراد بهذه الآية كتمان الشهادة ، وهو ضعيف ، لأن اللفظ عام ، وإن كان واراه عقيب تلك القضية لا يلزم قصره عليه.\rالوجه السابع في الجواب : ما روينا عن بعض المفسرين أن هذه الآية منسوخة بقوله {لا يُكَلّفُ الله نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا} [ البقرة : 286 ] وهذا أيضاً ضعيف لوجوه\rأحدها : أن هذا النسخ إنما يصح لو قلنا : أنهم كانوا قبل هذا النسخ مأمورين بالاحتراز عن تلك الخواطر التي كانوا عاجزين عن دفعها ، وذلك باطل ، لأن التكليف قط ما ورد إلا بما في القدرة ، ولذلك قال عليه السلام : \" بعثت بالحنيفية السهلة السمحة \" والثاني : أن النسخ إنما يحتاج إليه لو دلت الآية على حصول العقاب على تلك الخواطر ، وقد بينا أن الآية لا تدل على ذلك والثالث : أن نسخ الخبر لا يجوز إنما الجائز هو نسخ الأوامر والنواهي.\rواعلم أن للناس اختلافاً في أن الخبر هل ينسخ أم لا ؟ وقد ذكرناه في أصول الفقه ، والله أعلم. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 7 صـ 108 ـ 110}\rوقال القرطبى :\rاختلف الناس في معنى قوله تعالى : { وَإِن تُبْدُواْ مَا في أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ الله } على أقوال خمسة :\rالأوّل أنها منسوخةٌ ؛ قاله ابن عباس وابن مسعود وعائشة وأبو هريرة والشعبي وعطاء ومحمد بن سِيرين ومحمد بن كعب وموسى بن عُبَيْدَة وجماعة من الصحابة والتابعين ، وأنه بقي هذا التكليف حَوْلاً حتى أنزل الله الفرج بقوله : { لاَ يُكَلِّفُ الله نَفْساً إِلاَّ وُسْعَهَا }.","part":10,"page":265},{"id":4159,"text":"( وهو قول ابن مسعود وعائشة وعطاء ومحمد بن سيرين ومحمد بن كعب وغيرهم ) وفي صحيح مسلم \" عن ابن عباس قال : لما نزلت { وَإِن تُبْدُواْ مَا في أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ الله } قال : دخل قلوبَهم منها شيءٌ لم يدخل قلوبَهم مِن شيء ؛ فقال النبيّ صلى الله عليه وسلم : \"قولوا سمعنا وأطعنا وسلّمنا\" \" قال : فألقى الله الإيمان في قلوبهم فأنزل الله تعالى : \"لاَ يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إلاَّ وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكتسبت رَبّنَا لاَ تُؤَاخِذْنَا إنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا\" [ قال : \"قد فعلت\" ] رَبَّنَا وَلاَ تَحْمِلْ عَلَيْنَا إصْراً كَمَا حَمَلْتَهُ على الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا [ قال : قد فعلت\" ] رَبَّنَا وَلاَ تُحَمِّلْنَا مَا لاَطَاقَةَ لَنَا بِهِ واعْفُ عَنَّا واغفر لَنَا وارحمنا أَنْتَ مَوْلاَنَا ( فَانْصُرْنَا على الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ ) [ قال : \"قد فعلت\" ] : في رواية فلما فعلوا ذلك نسخها الله ثم أنزل تعالى : { لاَ يُكَلِّفُ الله نَفْساً إِلاَّ وُسْعَهَا } وسيأتي.\rالثاني قال ابن عباس وعِكرمة والشعبي ومجاهد : إنها مُحكْمَةٌ مخصوصة ، وهي في معنى الشهادة التي نهى عن كَتْمها ، ثم أعلم في هذه الآية أن الكاتم لها المخفي ما في نفسه محاسب.\rالثالث أن الآية فيما يطرأ على النفوس من الشك واليقين ؛ وقاله مجاهد أيضاً.\rالرابع أنها محكمة عامّة غير منسوخة ، والله مُحاسِب خلقه على ما عملوا من عمل وعلى ما لم يعملوه مما ثبت في نفوسهم وأضمروه ونووه وأرادوه ؛ فيغفر للمؤمنين ويأخذ به أهل الكفر والنفاق ؛ ذكره الطبريّ عن قوم ، وأدخل عن ابن عباس ما يشبه هذا.","part":10,"page":266},{"id":4160,"text":"روي عن عليّ بن أبي طلحة عن ابن عباس أنه قال : لم تنسخ ، ولكن إذا جمع الله الخلائق يقول : \"إني أخبركم بما أكننتم في أنفسكم\" فأما المؤمنون فيخبرهم ثم يغفر لهم ، وأما أهل الشك والريب فيخبرهم بما أخفوه من التكذيب ؛ فذلك قوله : { يُحَاسِبْكُمْ بِهِ الله فَيَغْفِرُ لِمَن يَشَآءُ وَيُعَذِّبُ مَن يَشَآءُ } وهو قوله عزّ وجلّ : { ولكن يُؤَاخِذُكُم بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ } [ البقرة : 225 ] من الشك والنفاق.\rوقال الضّحاك : يعلمه الله يوم القيامة بما كان يسره ليعلم أنه لم يخف عليه.\rوفي الخبر : \"إن الله تعالى يقول يوم القيامة هذا يومٌ تبلى فيه السرائر وتخرج الضمائر وأن كُتَّابي لم يكتبوا إلاَّ ما ظهر من أعمالكم وأنا المطّلع على ما لم يطلعوا عليه ولم يُخْبُروه ولا كتبوه فأنا أخبركم بذلك وأُحاسبكم عليه فأغفر لمن أشاء وأعذب من أشاء\" فيغفر للمؤمنين ويعذب الكافرين ، وهذا أصح ما في الباب ، يدل عليه حديث النجوى على ما يأتي بيانه ، ( لا يُقال ) : فقد ثبت عن النبيّ صلى الله عليه وسلم : \" إن الله تجاوز لأمّتِي عما حدّثت به أنفسها ما لم يتكلموا أو يعملوا به \" فإنا نقول : ذلك محمول على أحكام الدنيا ؛ مثل الطلاق والعتاق والبيع التي لا يلزمه حكمها ما لم يتكلم به ، والذي ذكر في الآية فيما يؤاخذ العبد به بينه وبين الله تعالى في الآخرة.\rوقال الحسن : الآية محكمة ليست بمنسوخة.\rقال الطبريّ : وقال آخرون نحو هذا المعنى الذي ذكر عن ابن عباس ؛ إلاَّ أنهم قالوا : إن العذاب الذي يكون جزاء لما خَطَر في النفوس وصحِبه الفكر إنما هو بمصائب الدنيا وآلامها وسائر مكارهها.\r","part":10,"page":267},{"id":4161,"text":"ثم أسند عن عائشة نحو هذا المعنى ؛ وهو ( القول الخامس ) : ورجح الطبريّ أن الآية محكمة غير منسوخة : قال ابن عطية : وهذا هو الصواب ، وذلك أن قوله تعالى : { وَإِن تُبْدُواْ مَا في أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ } معناه مما هو في وُسعكم وتحت كسبكم ، وذلك استصحاب المعتقَد والفكر ؛ فلما كان اللفظ مما يمكن أن تدخل فيه الخواطر أشْفَق الصحابة والنبيّ صلى الله عليه وسلم ، فبيّن الله لهم ما أراد بالآية الأخرى ، وخصصها ونص على حكمه أنه لا يكلّف نفساً إلاَّ وسعها ، والخواطر ليست هي ولا دفعها في الوسع ، بل هي أمر غالب وليست مما يكتسب ؛ فكان في هذا البيان فرَجُهم وكشف كُرَبهم ، وباقي الآية محكمة لا نسخ فيها : ومما يدفع أمر النسخ أن الآية خبر والأخبار لا يدخلها النسخ ؛ فإن ذهب ذاهب إلى تقدير النسخ فإنما يترتب له في الحكم الذي لحق الصحابة حين فزعوا من الآية ، وذلك أن قول النبيّ صلى الله عليه وسلم لهم : \"قولوا سمعنا وأطعنا\" يجيء منه الأمر بأن يثبتوا على هذا ويلتزموه وينتظروا لطف الله في الغفران.\rفإذا قُرّر هذا الحكم فصحيح وقوع النسخ فيه ، وتشبه الآية حينئذ قوله تعالى : { إِن يَكُن مِّنكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُواْ مِئَتَيْنِ } [ الأنفال : 65 ] فهذا لفظه الخبر ولكن معناه التَزِموا هذا واثْبتُوا عليه واصْبِروا بحَسَبِه ، ثم نسخ بعد ذلك.\rوأجمع الناس فيما علمت على أن هذه الآية في الجهاد منسوخة بصبر المائة للمائتين.\rقال ابن عطية : وهذه الآية في\"البقرة\" أشبه شيء بها.\rوقيل : في الكلام إضمار وتقييد ، تقديره يحاسبكم به الله إن شاء ؛ وعلى هذا فلا نسخ.","part":10,"page":268},{"id":4162,"text":"وقال النحاس : ومن أحسن ما قيل في الآية وأشبه بالظاهر قول ابن عباس : إنها عامّة ، ثم أدخل حديث ابن عمر في النّجْوى ، أخرجه البخاريّ ومسلم وغيرهما ، واللفظ لمسلم قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : \" يُدْنَى المؤمن ( يوم القيامة ) من ربِّه جلّ وعزّ حتى يضع عليه كنَفَه فيُقَرِّرُه بذنوبه فيقول هل تعرف فيقول ( أيّ ) ربِّ أعرف قال فإني قد سترتها عليك في الدنيا وإني أغفرها لك اليوم فيُعْطى صحيفة حسناته وأما الكفار والمنافقون فينادى بهم على رؤوس الخلائق هؤلاء الذين كذبوا على الله \" وقد قيل : إنها نزلت في الذين يتوَلّون الكافرين من المؤمنين ، أي وإن تعلنوا ما في أنفسكم أيها المؤمنون من ولاية الكفار أو تسروها يحاسبكم به الله ؛ قاله الواقديّ ومقاتل.\rواستدلوا بقوله تعالى في ( آل عمران ) { قُلْ إِن تُخْفُواْ مَا فِي صُدُورِكُمْ أَوْ تُبْدُوهُ } من ولاية الكفار { يَعْلَمْهُ الله } [ آل عمران : 29 ] يدلّ عليه ما قبله من قوله : { لاَّ يَتَّخِذِ المؤمنون الكافرين أَوْلِيَآءَ مِن دُونِ المؤمنين } [ آل عمران : 28].\rقلت : وهذا فيه بعدٌ ؛ لأن سياق الآية لا يقتضيه ، وإنما ذلك بيّن في \"آل عمران\" والله أعلم.\rوقد قال سفيان بن عيينة : بلغني أن الأنبياء عليهم السَّلام كانوا يأتون قومهم بهذه الآية { للَّهِ ما فِي السماوات وَمَا فِي الأرض وَإِن تُبْدُواْ مَا في أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ الله }. أ هـ {تفسير القرطبى حـ 3 صـ 421 ـ 423}\rوقال الثعالبى : \rورجَّح الطبريُّ أنَّ الآية محكَمَةٌ غير منْسُوخة.\r","part":10,"page":269},{"id":4163,"text":"وهذا هو الصوابُ ، وإِنَّما هي مخصَّصة ، وذلك أنَّ قوله تعالى : { وَإِن تُبْدُواْ مَا فِي أَنفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ } : معناه : بما هو في وُسْعكم ، وتحْتَ كَسْبِكُم ، وذلك استصحابُ المعتقد ، والفِكْر فيه ، فلما كان اللفظ ممَّا يمكنُ أنْ تدخل فيه الخواطرُ ، أشفَقَ الصحابةُ ، والنبيُّ صلى الله عليه وسلم فبيَّن اللَّه تعالى لهم ما أراد بالآيةِ الأولى ، وخصَّصَها ، ونصَّ على حُكْمِهِ ؛ أنه لا يكلِّف نفْساً إِلا وسْعَهَا ، والخواطرُ ليْسَتْ هي ، ولا دفعُهَا في الوُسْع ، بل هي أمر غالبٌ ، وليست مما يُكْسَبُ ، ولا يُكْتَسَبُ ، وكان في هذا البيان فَرَحُهُمْ ، وكَشْفُ كربهم ، وتأتي الآية محكمةً لا نَسْخَ فيها ، وممَّا يدفع أمر النَّسْخ ؛ أن الآية خَبَرٌ ، والأخبار يدخُلُها النَّسْخُ ، فإن ذهب ذاهبٌ إِلى تقرير النَّسْخِ ، فإِنما يترتَّب له في الحُكْم الذي لَحِقَ الصحابة ، حِينَ فزعوا من الآية ، وذلك أن قول النبيِّ صلى الله عليه وسلم لهم : \"قولُوا سَمِعْنَا وأطعنا\" ، يجيء منْه : الأمر بأن يبنُوا على هذا ، ويلتزموه ، وينتظروا لُطْفَ اللَّه في الغُفْران ، فإِذا قرّر هذا الحكم ، فصحيحٌ وقوعُ النَّسْخ فيه ، وتشبه الآية حينئذٍ قوله تعالَى : { إِن يَكُن مِّنكُمْ عِشْرُونَ صابرون يَغْلِبُواْ مِاْئَتَيْنِ } [ الأنفال : 65 ] ، فهذا لفظه الخَبَرُ ، ولكنَّ معناه : التزموا هذا ، وابنوا عليه ، واصبروا بحَسَبِهِ ، ثم نسخ ذلك بَعْد ذلك ، فهذه الآية في البقرة أشبهُ شَيْء بها. أ هـ {الجواهر الحسان حـ 1 صـ 235 ـ 236}\rوقال ابن عاشور :\rوللعلماء في معنى هذه الآية ، والجمع بينها وبين قوله صلى الله عليه وسلم \" مَنْ هَمّ بسيئة فلم يعملها كتُبت له حسنة \".\rوقوله : {إن الله تجاوز لأمَّتِي عمّا حدثتْها به أنفُسها} \"أقوال\" (1)\r______________\r(1) ما بين القوسين زيادة يقتضيها السياق وهى غير موجودة فى الأصل. والله أعلم.","part":10,"page":270},{"id":4164,"text":"وأحسن كلام فيه ما يأتلف من كلامي المازري وعياض ، في شرحيهما \"لصحيح مسلم\" : وهو مع زيادة بيان أنّ ما يخطر في النفس إن كان مجرّد خاطرِ وتردّد من غير عزم فلا خلاف في عدم المؤاخذة به ، إذ لا طاقة للمكلّف بصرفه عنه ، وهو مورد حديث التجاوز للأمة عمّا حدّثت به أنفسها ، وإن كان قد جاش في النفس عَزم ، فإما أن يكون من الخواطر التي تترتّب عليها أفعال بدنية أوْ لا ، فإن كان من الخواطر التي لا تترتَّب عليها أفعال : مثل الإيمان ، والكفر ، والحسد ، فلا خلاف في المؤاخذة به ؛ لأنَّ مما يدخل في طوق المكلّف أن يصرفه عن نفسه ، وإن كان من الخواطر التي تترتّب عليها آثار في الخارج ، فإن حصلت الآثار فقد خرج من أحوال الخواطر إلى الأفعال كمن يعزم على السرقة فيسرق ، وإن عزم عليه ورجع عن فعله اختياراً لغير مانع منعه ، فلا خلاف في عدم المؤاخذة به وهو مورد حديث \" من همّ بسيئة فلم يعملها كتبت له حسنةً \" وإن رجع لمانعٍ قهره على الرجوع ففي المؤاخذة به قولان.\rأي إنّ قوله تعالى : { يحاسبكم به الله } محمول على معنى يجازيكم وأنّه مُجمل تُبَيّنه موارد الثواب والعقاب في أدلة شرعية كثيرة ، وإنّ من سمَّى ذلك نسخاً من السلف فإنّما جرى على تسميةٍ سبقتْ ضَبطَ المصطلحات الأصولية فأطلق النّسخ على معنى البيان وذلك كثير في عبارات المتقدّمين وهذه الأحاديث ، وما دلّت عليه دلائل قواعد الشريعة ، هي البيان لمن يشاء في قوله تعالى : { فيغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء }.\rوفي \"صحيح البخاري\" عن ابن عباس \"أنّ هذه الآية نُسِخت بالتي بعدها\" أي بقوله : { لا يكلف الله نفساً إلا وسعها } [ البقرة : 286 ] كما سيأتي هنالك.\rوقد تبيّن بهذا أنّ المشيئة هنا مترتّبة على أحوال المُبْدَى والمُحْفَى ، كما هو بيّن. أ هـ {التحرير والتنوير حـ 3 صـ 130 ـ 131}","part":10,"page":271},{"id":4165,"text":"وقال محمد بن أبى بكر الرازى\rإنه تعالى أخبر عن المحاسبة لا عن المعاقبة ، فهو يوم القيامة يخبر العباد بما أبدوا وأخفوا ليعلموا إحاطة علمه بجميع ذلك ، ثم يغفر لمن يشاء فضلا ويعذب من يشاء عدلا كما أخبر فى الآية. أ هـ {تفسير الرازى لمحمد بن أبى بكر الرازى صـ 50}\rوقال الآلوسى : \r{ يُحَاسِبْكُم بِهِ الله } أي يجازيكم به يوم القيامة ، وأما تصور المعاصي والأخلاق الذميمة فهو لعدم إيجابه اتصاف النفس به لا يعاقب عليه ما لم يوجد في الأعيان ، وإلى هذا الإشارة بقوله صلى الله عليه وسلم : \" إن الله تجاوز عن أمتي ما حدثت به أنفسها ما لم تعمل أو تتكلم \" أي إن الله تعالى لا يعاقب أمتي على تصور المعصية وإنما يعاقب على عملها ، فلا منافاة بين الحديث والآية خلافاً لمن توهم ذلك ووقع في حيص بيص لدفعه. ولا يشكل على هذا أنهم قالوا : إذا وصل التصور إلى حد التصميم والعزم يؤاخذ به لقوله تعالى : { ولكن يُؤَاخِذُكُم بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ } [ البقرة : 225 ] لأنا نقول : المؤاخذة بالحقيقة على تصميم العزم على إيقاع المعصية في الأعيان وهو أيضاً من الكيفيات النفسانية التي تلحق بالملكات ولا كذلك سائر ما يحدث في النفس ونظمه بعضهم بقوله : \rمراتب القصد خمس هاجس ذكروا... فخاطر فحديث النفس فاستمعا\rيليه هم فعزم كلها رفعت... سوى الأخير ففيه الأخذ قد وقعا","part":10,"page":272},{"id":4166,"text":"فالآية على ما قررنا محكمة ، وادعى بعضهم أنها منسوخة محتجاً بما أخرجه أحمد ومسلم عن أبي هريرة قال : \"لما نزلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم { وَإِن تُبْدُواْ مَا فِي أَنفُسِكُمْ } الآية اشتد ذلك على أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فأتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم جثوا على الركب فقالوا : يا رسول الله كلفنا من الأعمال ما نطيق الصلاة والصوم والجهاد والصدقة وقد أنزل الله تعالى عليك هذه الآية ولا نطيقها فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم أتريدون أن تقولوا كما قال أهل الكتابين من قلبكم : سمعنا وعصينا ؟ بل قولوا سمعنا وأطعنا غفرانك ربنا وإليك المصير\" فلما اقترأها القوم وزلت بها ألسنتهم أنزل الله تعالى في إثرها { آمنالرسول } [ البقرة : 285 ] الآية فلما فعلوا ذلك نسخها الله تعالى فأنزل سبحانه { لاَ يُكَلّفُ الله نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا } [ البقرة : 286 ] الخ ، وصح مثل ذلك عن علي كرم الله تعالى وجهه وابن عباس وابن مسعود وعائشة رضي الله تعالى عنهم ، وأخرج البخاري عن مروان الأصغر عن رجل من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أحسبه ابن عمر { إِن تُبْدُواْ مَا فِي أَنفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ } قال : نسختها الآية التي بعدها ، وعلى هذا لا يحتاج إلى التوفيق بين الآية وذلك الحديث الصحيح بوجه ، ويكون الحديث إخباراً عما كان بعد النسخ ، واستشكل ذلك بأن النسخ مختص بالإنشاء ولا يجري في الخبر والآية الكريمة من القسم الثاني.","part":10,"page":273},{"id":4167,"text":"ومن هنا قال الطبرسي : وأخطأ أن الروايات في النسخ كلها ضعيفة ، وأجيب بأن النسخ لم يتوجه إلى مدلول الخبر نفسه سواء قلنا إنه مما يتغير كإيمان زيد وكفر عمرو أم لا كوجود الصانع وحدوث العالم بل إن النهي المفهوم منه كما يدل عليه قول الصحابة لرسول الله صلى الله عليه وسلم : \"كلفنا من الأعمال ما نطيق وقد أنزل الله تعالى عليك هذه الآية ولا نطيقها\" فإن ذلك صريح في أنهم فهموا من الآية تكليفاً ، والحكم الشرعي المفهوم من الخبر يجوز نسخه بالاتفاق كما يدل عليه كلام العضد وغيره ؛ وبعض من ادعى أن الآية محكمة وتوقف في قبول هذا الجواب ذهب إلى أن المراد من النسخ البيان وإيضاح المراد مجازاً كما مرت الإشارة إليه عند قوله تعالى : { فاعفوا واصفحوا } [ البقرة : 109 ] كأنه قيل : كيف يحمل { مَا فِي أَنفُسِكُمْ } على ما يعم الوساوس الضرورية وهو يستلزم التكليف بما ليس في الوسع والله لا يكلف نفساً إلا وسعها ، واعترض هذا بأنه على بعده يستلزم أنه صلى الله عليه وسلم أقر الصحابة على ما فهموه وهو بمعزل عن مراد الله تعالى ولم يبينه لهم مع ما هم فيه من الاضطراب والوجل الذي جثوا بسببه على الركب حتى نزلت الآية الأخرى ، ويمكن أن يجاب على بعد بأنه لا محذور في هذا اللازم ويلتزم بأنه من قبيل إقراره صلى الله عليه وسلم أبا بكر الصديق رضي الله تعالى عنه حين فسر الرؤيا بين يديه عليه الصلاة والسلام وقال : \"أخطأت أم أصبت يا رسول الله ؟ فقال له صلى الله عليه وسلم : أصبت بعضها وأخطأت بعضها\" ولم يبين له فيما أصاب وفيما أخطأ لأمر ما ، ولعله هنا ابتلاؤهم وأن يمحص ما في صدورهم وهذا على العلات أولى من حمل النسخ على التخصيص لاستلزامه مع ما فيه وقوع التكليف بما لا يطاق كما لا يخفى ، وقيل : معنى الآية إن تعلنوا ما في أنفسكم من السوء ، أو لم تعلنوه بأن تأتوا به خفية يعاقبكم الله تعالى عليه ، ويؤول إلى قولنا أن تدخلوا الأعمال السيئة في","part":10,"page":274},{"id":4168,"text":"الوجود ظاهراً أو خفية يحاسبكم بها الله تعالى أو إن تظهروا ما في أنفسكم من كتمان الشهادة بأن تقولوا لرب الشهادة عندنا شهادة ولكن نكتمها ولا نؤديها لك عند الحكام ، أو تخفوه بأن تقولوا له ليس في علمنا خبر ما تريد أن نشهد به وأنتم كاذبون في ذلك يحاسبكم به الله وأيد هذا بما أخرجه سعيد بن منصور ، وابن جرير ، وابن أبي حاتم من طريق مجاهد عن ابن عباس رضي الله تعالى عنه في الآية الكريمة قال : نزلت في الشهادة ، وقيل : الآية على ظاهرها ، و{ مَا فِي أَنفُسِكُمْ } على عمومه الشامل لجميع الخواطر إلا أن معنى { يُحَاسِبْكُم } يخبركم به الله تعالى يوم القيامة ، وقد عدوا من جملة معنى الحسيب العليم ، وجميع هذه الأقوال لا تخلوا عن نظر فتدبر.\rوارجع إلى ذهنك فلا إخالك تجد فوق ما ذكرناه أو مثله في كتاب. أ هـ {روح المعانى حـ 3 صـ 64 ـ 65}\rفائدة\rقال البيضاوى : \r{ يُحَاسِبْكُم بِهِ الله } يوم القيامة. وهو حجة على من أنكر الحساب كالمعتزلة والروافض. أ هـ {تفسير البيضاوى حـ 1 صـ 583}\rفائدة أخرى\rقال أبو السعود : \rوتقديمُ الجارِّ والمجرور على الفاعل للاعتناء به ، وأما تقديمُ الإبداء على الإخفاء على عكس ما في قوله عز وجل : { قُلْ إِن تُخْفُواْ مَا فِى صُدُورِكُمْ أَوْ تُبْدُوهُ يَعْلَمْهُ الله } فلِما أن المعلَّق بما في أنفسهم هاهنا هو المحاسبة ، والأصلُ فيها الأعمالُ البادية ، وأما العلمُ فتعلُّقه بها كتعلقه بالأعمال الخافية ، كيف لا وعلمُه سبحانه بمعلوماته متعالٍ عن أن يكون بطريق حصول الصور ، بل وجودُ كل شيءٍ في نفسه في أيّ طور كان علمٌ بالنسبة إليه تعالى وفي هذا لا يختلف الحالُ بين الأشياء البارزةِ والكامنة خلا أن مرتبة الإخفاءِ متقدمةٌ على مرتبة الإبداء إذ ما من شيء يبدى إلا وهو أو مباديه قبل ذلك مضمَرٌ في النفس فتعلقُ علمِه تعالى بحالته الأولى متقدمٌ على تعلّقه بحالته الثانية. أ هـ {تفسير أبى السعود حـ 1 صـ 273}","part":10,"page":275},{"id":4169,"text":"قوله تعالى : {فَيَغْفِرُ لِمَن يَشَاء وَيُعَذّبُ مَن يَشَاء}\rفصل\rقال الفخر :\rالأصحاب قد احتجوا بهذه الآية على جواز غفران ذنوب أصحاب الكبائر وذلك لأن المؤمن المطيع مقطوع بأنه يثاب ولا يعاقب ، والكافر مقطوع بأنه يعاقب ولا يثاب ، وقوله {فَيَغْفِرُ لِمَن يَشَاء وَيُعَذّبُ مَن يَشَاء} رفع للقطع واحد من الأمرين ، فلم يبق إلا أن يكون ذلك نصيباً للمؤمن يرثه المذنب بأعماله. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 7 صـ 110}\rفصل\rقال الفخر :\rقرأ عاصم وابن عامر {فَيَغْفِرُ ، يُعَذّبُ} برفع الراء والباء ، وأما الباقون فبالجزم أما الرفع فعلى الاستئناف ، والتقدير : فهو يغفر ، وأما الجزم فبالعطف على يحاسبكم ونقل عن أبي عمرو أنه أدغم الراء في اللام في قوله {يَغْفِرُ لِمَن يَشَاء} قال صاحب \"الكشاف\" : إنه لحن ونسبته إلى أبي عمرو كذب ، وكيف يليق مثل هذا اللحن بأعلم الناس بالعربية.(1) أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 7 صـ 110}\rوقال القرطبى :\rقرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو وحمزة والكسائي \"فَيَغْفِرْ وَيُعَذِّبْ\" بالجزم عطف على الجواب.\rوقرأ ابن عامر وعاصم بالرفع فيهما على القطع ، أي فهو يغفُر ويعذبُ.\rوروي عن ابن عباس والأعرج وأبي العالية وعاصم الجحدرِيّ بالنصب فيهما على إضمار \"أن\".\rوحقيقته أنه عطف على المعنى ؛ كما في قوله تعالى : { فَيُضَاعِفَهُ لَهُ } وقد تقدم.\rوالعطف على اللفظ أجود للمشاكلة ؛ كما قال الشاعر :\rومتى مايَعِ منك كلاماً . . .\rيَتَكَلّم فيُجِبْك بعقْلِ\r___________\r(1) مثل هذه الطعن كما تقدم غير مرة لا وزن له ولا قيمة لأن رواية أبى عمرو متواترة ولا يجوز الطعن فى رواية ثابتة عن رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ وقد اتبع الزمخشرى فى هذا الطعن بعض المفسرين كالبيضاوى والنسفى وأبو السعود\rوسيأتى الرد عليه مفصلا من خلال كلام ابن عادل وابن عرفة والآلوسى رحمهم الله. والله أعلم.","part":10,"page":276},{"id":4170,"text":"قال النحاس : وروي عن طلحة بن مُصَرِّف \"يحاسبكم به الله يغفر\" بغير فاء على البدل.\rابن عطية : وبها قرأ الجُعْفِيّ وخلاّد.\rورُوي أنها كذلك في مصحف ابن مسعود.\rقال ابن جنِّي : هي على البدل من \"يحاسبكم\" وهي تفسير المحاسبة ؛ وهذا كقول الشاعر :\rرُوَيْداً بَنِي شَيْبَانَ بَعْضَ وعِيدِكم . . .\rتُلاقُوا غَداً خِيلي على سَفَوانِ\rتُلاقُوا جياداً لا تَحِيد عن الوغى . . .\rإذا ما غَدَتْ فِي المأزَق المْتَدَاني\rفهذا على البدل.\rوكرر الشاعر الفعل ؛ لأن الفائدة فيما يليه من القول.\rقال النحاس : وأجود من الجزم لو كان بلا فاءٍ الرفعُ ، يكون في موضع الحال ؛ كما قال الشاعر :\rمَتَى تَأْتِهِ تَعْشُوا إلى ضَوْء نارِهِ . . .\rتَجِدْ خَيْرَ نَارٍ عِندَهَا خَيْرُ مُوقِدِ.\rأ هـ {تفسير القرطبى حـ 3 صـ 423 ـ 424}\rوقال الآلوسى :\rوقد يجاب بأن القراآت السبع متواترة والنقل بالمتواتر إثبات علمي ، وقول النحاة نفي ظني ولو سلم عدم التواتر فأقل الأمر أن تثبت لغة بنقل العدول وترجح بكونه إثباتاً ، ونقل إدغام الراء في اللام عن أبي عمرو من الشهرة والوضوح بحيث لا مدفع له وممن روى ذلك عنه أبو محمد اليزيدي وهو إمام في النحو إمام في القراآت إمام في اللغات ، ووجهه من حيث التعليل ما بينهما من شدة التقارب حتى كأنهما مثلان بدليل لزوم إدغام اللام في الراء في اللغة الفصيحة إلا أنه لمح تكرار الراء فلم يجعل إدغامه في اللام لازماً على أن منع إدغام الراء في اللام مذهب البصريين ، وقد أجازه الكوفيون وحكوه سماعاً ، منهم الكسائي ، والفراء ، وأبو جعفر الرواسي ، ولسان العرب ليس محصوراً فيما نقله البصريون فقط ، والقراء من الكوفيين ليسوا بمنحطين عن قراء البصرة وقد أجازوه عن العرب فوجب قبوله والرجوع فيه إلى علمهم ونقلهم إذ من علم حجة على من لم يعلم. أ هـ {روح المعانى حـ 3 صـ 66}","part":10,"page":277},{"id":4171,"text":"وقال ابن عادل :\rقوله تعالى : { فَيَغْفِرُ } : قرأ ابن عامر وعاصمٌ برفع \" يَغْفِرُ \" و\" يُعَذِّبُ \" ، والباقون من السبعةِ بالجزم ، وقرأ ابن عباس والأعرجُ وأبو حيوة : \" فَيَغْفِرَ \" بالنصب.\rفأمَّا الرفعُ : فيجوزُ أَنْ يكونَ رفعُه على الاستئنافِ ، وفيه احتمالان :\rأحدهما : أن يكونَ خبر مبتدأ محذوفٍ ، أي : فهو يَغْفِرُ.\rوالثاني : أنَّ هذه جملةٌ فعليةٌ من فعلٍ وفاعلٍ ، عُطِفت على ما قبلها.\rوأمَّا الجزمُ فللعطفِ على الجزاءِ المجزوم.\rوأمَّا النصبُ : فبإضمار \" أَنْ \" ، وتكونُ هي وما في حَيِّزها بتأويلِ مصدرٍ معطوف على المصدر المتوهِّم من الفعلِ قبل ذلك ، تقديره : تكنْ محاسبةُ ، فغفرانٌ ، وعذابٌ. وقد رُوي قولُ النابغة بالأوجه الثلاثة ، وهو : [ الوافر ]\rفَإِنْ يَهْلِكْ أَبُو قَابُوسَ يَهْلِكْ... رَبيعُ النَّاسِ وَالبَلَدُ الحَرَامُ\rونَأْخُذْ بَعْدَهُ بِذِنَابِ عَيْشٍ... أَجَبَّ الظَّهْر لَيْسَ لَهُ سَنَامُ\rبجزم : \" نَأْخُذْ \" عطفاً على \" يَهْلِكْ رَبِيعُ \" ونصبه ورفعِه ، على ما ذُكِرَ في \" فَيَغْفِرْ \" وهذه [ قاعدة مطَّرِدة ، وهي أنه إذا وقع بعد جزاء الشرط فعلٌ بعد فاءٍ أو واوٍ جاز فيه هذه ] الأوجُهُ الثلاثةُ ، وإن توسَّطَ بين الشرطِ والجزاءِ ، جاز جزمه ونصبه وامتنع رفعه ، نحو : إِنْ تَأْتِنِي فَتَزُرْنِي أَوُ فَتَزُورَنِي ، أَوْ وَتَزُرْني أَوْ تَزُورَنِي.","part":10,"page":278},{"id":4172,"text":"وقرأ الجعفي وطلحة بن مصرِّف وخلاَّد : \" يَغْفِرْ \" بإسقاط الفاء ، وهي كذلك في مصحف عبد الله ، وهي بدلٌ من الجواب ؛ كقوله تعالى : { وَمَن يَفْعَلْ ذلك يَلْقَ أَثَاماً يُضَاعَفْ لَهُ العذاب } [ الفرقان : 68-69 ]. وقال أبو الفتح : \" وهي على البدلِ من \" يُحاسِبْكُمْ \" ، فهي تفسيرٌ للمحَاسَبَة \" قال أبو حيان : \" وليس بتفسيرٍ ، بل هما مترتِّبان على المُحَاسَبَةِ \". وقال الزمخشريُّ : \" ومعنى هذا البدلِ التفصيلُ لجملة ، الحساب ؛ لأنَّ التفصيلَ أوضحُ من المفصَّل ، فهو جارٍ مجرى بدل البعض من الكلِّ أو بدل الاشتمال ؛ كقولك : \" ضَرَبْتُ زَيْداً رَأْسَهُ \" و\" أَحْيَيْتُ زَيْداً عَقْلَهُ \" ، وهذا البدلُ واقعٌ في الأفعالِ وقوعَه في الأسماءِ ؛ لحاجةِ القبلتينِ إلى البيان \".\rقال أبو حيان : وفيه بعضُ مناقشةٍ : أمَّا الأولُ ؛ فقوله : \" معنَى هذا البدلِ التفصيلُ لجملةِ الحسابِ \" ، وليس العذابُ والغفرانُ تفصيلاً لجملةِ الحسابِ ؛ لأنَّ الحِسَابَ إنما هو تعدادُ حسناتِه وسيئاتِه وحصرُها ، بحيث لا يَشُذُّ شيءٌ منها ، والغفرانُ والعذابُ مترتِّبان على المُحاسَبَة ، فليست المحاسبةُ مفصَّلةٌ بالغفرانِ والعذابِ.\rوأمَّا ثانياً ؛ فلقوله بعد أَنْ ذكر بدل البعض من الكل وبدل الاشتمال : \" وهذا البدلُ واقعٌ في الأفعالِ وقوعَه في الأسماءِ لحاجةِ القبيلَين إلى البيان \" ، أمَّا بدلُ الاشتمال ، فهو يمكن ، وقد جاءَ ؛ لأنَّ الفعلَ يدُلُّ على الجنسِ ، وتحته أنواعٌ يشتملُ عليها ، ولذلك إذا وقع عليه النفيُ ، انتفَتْ جميعُ أنواعه ، وأمَّا بدلُ البعضِ من الكلِّ ، فلا يمكنُ في الفعل إذ الفعلُ لا يقبلُ التجزُّؤَ ؛ فلا يقال في الفعلِ له كلٌّ وبعضٌ ، إلا بمجازٍ بعيدٍ ، فليس كالاسم في ذلك ، ولذلك يستحِيلُ وجودُ [ بدل ] البعضِ من الكلِّ في حق الله تعالى ؛ إذ الباري لا يتقسَّم ولا يتبعَّض.","part":10,"page":279},{"id":4173,"text":"قال شهاب الدين : ولا أدري ما المانعُ من كونِ المغفرة والعذابِ تفسيراً ، أو تفصيلاً للحساب ، والحسابُ نتيجتُه ذلك ، وعبارةُ الزمخشريِّ هي بمعنى عبارة ابن جنِّي ، وأمَّا قوله : \" إِنَّ بدلَ البعضِ من الكلِّ في الفعْلِ متعذِّرٌ ، إذ لا يتحقَّق فيه تجزُّؤٌ \" ، فليس بظاهرٍ ؛ لأنََّ الكليةَ والبعضيةَ صادقتان على الجنس ونوعه ، فإنَّ الجنسَ كلٌّ ، والنوعَ بعضٌ ، وأمَّا قياسُه على الباري تعالى ، فلا أدري ما الجامع بينهما ؟ وكان في كلام الزمخشريُّ ما هو أولى بالاعتراض عليه. فإنه قال : وقرأ الأعمش : \" يَغْفِر \" بغير فاءٍ مجزوماً على البدلِ من \" يُحَاسِبْكُمْ \" ؛ كقوله : [ الطويل ]\r1303- مَتَى تَأْتِنَا تُلْمِمْ بِنَا فِي دِيَارِنَا... تَجِدْ حَطَباً جَزْلاً وَنَاراً تَأَجَّجَا\rوهذا فيه نظرٌ ؛ لأنه لا يطابق ما ذكره بعد ذلك ؛ كما تقدَّم حكايتُه عنه ؛ لأن البيت قد أُبدِلَ فيه من فعلِ الشرط ، لا من جوابِه ، والآية الكريمة قد أُبْدِلَ فيها من نفسِ الجواب ، ولكنَّ الجامعَ بينهما كونُ الثاني بدلاً مِمَّا قبلَه وبياناً له.\rوقرأ أبو عمرو بإدغام الراء في اللام ، والباقون بإظهارها ، وأظهر الباء قبل الميم هنا ابن كثير بخلافٍ [ عنه ] ، وورشٌ عن نافع ، والباقون بالإِدغام ، وقد طَعَن قومٌ على قراءةِ أبي عمرٍو ؛ لأنَّ إدغام الراءِ في اللام عندهم ضعيفٌ.","part":10,"page":280},{"id":4174,"text":"قال الزمخشريُّ : \" فإن قلت : \" كيف يَقْرأ الجَازِمُ \" ؟ قلت : يُظْهِر الراءَ ، ويُدْغِم الباء ، ومُدْغِمُ الراءِ في اللام لاحِنٌ مخطىءٌ خطأً فاحِشاً ، وراويه عن أبي عمرٍو مخطىءٌ مرتين ؛ لأنه يَلْحَنُ وينسُبُ إلى أعلمِ الناس بالعربية ما يُؤذِنُ بجهلٍ عظيم ، والسببُ في هذه الروايات قِلَّةُ ضبطِ الرواة ، وسبب قلةِ الضبطِ قلةُ الدراية ، ولا يَضْبطُ نحو هذا إلا أهلُ النَّحو \" قال شهاب الدين. وهذا من أبي القاسم غيرُ مرضيٍّ ؛ إذ القُرَّاء معتنُونَ بهذا الشأن ؛ لأنهم تَلقَّوا عن شيوخهم الحرفَ [ بعد الحَرْفِ ] ، فكيف يقلُّ ضبطُهُم ؟ وهو أمرٌ يُدْرَكُ بالحسِّ السمعيِّ ، والمانعُ من إدغام الراءِ في اللام والنونِ هو تكريرُ الراءِ وقوتُها ، والأقوى لا يدغم في الأضعَف ، وهذا مَذهبُ البصريِّين : الخليل وسيبويه ومَنْ تبعهما ، وأجاز ذلك الفراءُ والكسائيُّ والرُّؤاسيُّ ويعقوبُ الحضرميُّ ورأسُ البصريِّين أبو عمرو ، وليس قوله : \" إن هذه الرواية غلطٌ علَيْه \" بمُسَلَّم ، ثم ذكر أبو حيان نقولاً عن القراء كثيرةٌ ، وهي منصوصة في كتبهم ، فلم أرَ لذكرها هنا فائدةً ؛ فإنَّ مجموعها مُلَخَّصٌ فيما ذكرته ، [ وكيف ] يقال : إنَّ الراوي ذلك عن أبي عمرو مخطىءٌ مرتين ، ومن جملة رُواتِهِ اليزيديُّ إمامُ النَّحو واللغةِ ، وكان يُنازعُ الكسائيُّ رئاسته ، ومحلُّهُ مشهُور بين أهلِ هذا الشَّأْن. أ هـ {تفسير ابن عادل حـ 4 صـ 519 ـ 521}\rفائدة أخرى\rقال أبو السعود :\rوتقديمُ المغفرةِ على التعذيب لتقدّم رحمته على غضبه. أ هـ {تفسير أبى السعود حـ 1 صـ 273}\rلطيفة\rقال الثعالبى :\rقال الشيخ الوليُّ العارفُ باللَّه ابن أبي جَمْرَةَ : والخواطرُ عندهم ستَّةٌ يعني عند العلماءِ العارفينَ باللَّه : أولُها الهَمَّة ، ثم اللَّمَّة ، ثم الخَطْرة ؛ وهذه الثلاثُ عندهم غَيرْ مُؤاخذٍ بها ، ثم نِيَّة ، ثمَّ إرادَةٌ ، ثم عَزِيمَةٌ ، وهذه الثلاثُ مؤَاخذ بها. أ هـ {الجواهر الحسان حـ 1 صـ 236}\rفائدة\rقال ابن جزى :\rفإن قيل : إن الآية خبر والأخبار لا يدخلها النسخ فالجواب أن النسخ إنما وقع في المؤاخذة والمحاسبة وذلك حكم يصح دخول النسخ فيه فلفظ الآية خبر ومعناها حكم. أ هـ {التسهيل حـ 1 صـ 98}","part":10,"page":281},{"id":4175,"text":"لطيفة\rقوله تعالى : \"فيغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء\" وفى سورة آل عمران : \"ولله ما فى السماوات وما فى الأرض يغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء\" وفى المائدة قوله تعالى : \"وقالت اليهود والنصارى نحن أبناء الله وأحباؤه قل فلم يعذبكم بذنوبكم بل أنتم بشر ممن خلق يغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء\" وفى سورة الفتح : \"ولله ملك السماوات والأرض يغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء\" فورد فى هذه الآى الأربع تقديم الغفران وتأخير التعذيب وورد فى سورة المائدة : \"ألم تعلم أن الله له ملك السماوات والأرض يعذب من يشاء ويغفر لمن يشاء\" بتقديم التعذيب وتأخير المغفرة على خلاف ما ورد فى الآى الأربع المذكورة.\rفللسائل أنه يسأل عن ذلك.\rوالجواب عنه والله أعلم أن هذه الآية لما تقدمها قوله تعالى : \"إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله ويسعون فى الأرض فسادا أن يقتلوا أو يصلبوا أو تقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف أو ينفوا من الأرض ذلك لهم خزى فى الحياة الدنيا ولهم فى الآخرة عذاب عظيم إلا الذين تابوا من قبل أن تقدروا عليهم فاعلموا أن الله غفور رحيم\" ثم بعد ذلك قوله تعالى : \"والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما جزاء بما كسبا نكالا من الله والله عزيز حكيم فمن تاب من بعد ظلمه وأصلح فإن الله يتوب عليه إن الله غفور رحيم\" ، فقدم فى هاتين القصتين من خبر المحاربين والسارقين أمر تعذيبهم جزاء على فعلهم ثم ذكر المغفرة لهم إن تابوا وأتبع ذلك بقوله تعالى : \"ألم تعلم أن الله له ملك السماوات والأرض...الآية\" وبناؤها على ما تقدمها قبلها ويليها كما تبن فقدم ذكر العذاب على المغفرة لمناسبته لما اتصلت به وبقيت عليه.","part":10,"page":282},{"id":4176,"text":"وأما الآى الأربع فلم يقع قبل شئ منها ذكر الواقع فى سورة المائدة وإنما تقدمها ما يفهم قوة الرجاء لمن أحسن وأناب كقوله تعالى فى آية البقرة : \"وإن تبدوا ما فى أنفسكم أو تخفوه\" والخطاب للمؤمنين وورد قبل الآية الثانية من الأربع قوله تعالى : \"ليس لك من الأمر شئ\" ، وقبل الثالثة : \"وقالت اليهود والنصارى نحن أبناء الله وأحباؤه\"الى قوله تعالى : \"بل أنتم بشر ممن خلق\" ، وفى هذا وإن كان خطابا لأهل الكتابين تنبيه لهم وأنهم إن أسلموا وأنابوا لربهم رجوا عفوه ومغفرته وقبل الآية قوله تعالى : \"إن الذين يبايعونك إنما يبايعون الله\" ، ولم يخرج الكلام إلى غير هذا من تعريف نبيه صلى الله عليه وسلم بعلي حاله وما منحه والإعلام بحال المخلفين من الأعراب وما جرى فى ظنهم وكل ذلك تثبيت للمؤمنين ومنبئ بما تعقبهم الاستجابة لله ولرسوله ثم أتبع ذلك بالإعلام بأنه سبحانه المالك للكل والمتصرف فيهم بما يشاء فقال تعالى : \"ولله ملك السماوات والأرض\" وأفهم ذلك أن فعل المخلفين من الأعراب غير خارج عما أراده وقدره وأن مخالفتهم لا تضره تعالى وأنها صادرة عن قضائه فناسب هذه الأربع بجملتها تقديم ذكر المغفرة وجاء كل على ما يناسب والله أعلم. أ هـ {ملاك التأويل صـ 101 ـ 102}","part":10,"page":283},{"id":4177,"text":"قوله تعالى : {والله على كُلّ شَيْء قَدِيرٌ}\rقال الفخر : \rوقد بيّن بقوله {للَّهِ مَا فِى السموات وَمَا فِي الأرض} أنه كامل الملك والملكوت ، وبين بقوله {وَإِن تُبْدُواْ مَا فِي أَنفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُم بِهِ الله} أنه كامل العلم والإحاطة ، ثم بيّن بقوله {والله على كُلّ شَيْء قَدِيرٌ} أنه كامل القدرة مستولي على كل الممكنات بالقهر والقدرة والتكوين والإعدام ولا كمال أعلى وأعظم من حصول الكمال في هذه الصفات والموصوف بهذه الكمالات يجب على كل عاقل أن يكون عبداً منقاداً له ، خاضعاً لأوامره ونواهيه محترزاً عن سخطه ونواهيه ، وبالله التوفيق. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 7 صـ 110}\rوقال الخازن : \r{ والله على كل شيء قدير } يعني أنه تعالى قادر على كل شيء كامل القدرة فيغفر للمؤمنين فضلاً ويعذب الكافرين عدلاً. أ هـ {تفسير الخازن حـ 1 صـ 206}\rوقال الآلوسى : \r{ والله على كُلّ شَيْء قَدِيرٌ } تذييل مقرر لمضمون ما قبله فإن كمال قدرته تعالى على جميع الأشياء موجب لقدرته على ما ذكر من المحاسبة وما فرع عليه من المغفرة والتعذيب ، وفي الآية دليل لأهل السنة في نفي وجوب التعذيب حيث علق بالمشيئة واحتمال أن تلك المشيئة واجبة كمن يشاء صلاة الفرض فإنه لا يقتضي عدم الوجوب خلاف الظاهر. أ هـ {روح المعانى حـ 3 صـ 66}\rلطيفة\rقال ابن عجيبة رحمه الله : ","part":10,"page":284},{"id":4178,"text":"اعلم أن الخواطر أربعة : ملكي ورباني ونفساني وشيطاني ، فالملكي والرباني لا يأمران إلا بالخير ، والنفساني والشيطاني لا يأمران إلا بالشر ، وقد يأمران بالخير إذا كان فيه دسيسة إلى الشر ، والفرق بين النفساني والشيطاني : أن الخاطر النفساني ثابت لا يزول بتعوذ ولا غيره ، إلا بسابق العناية ، بخلاف الشيطاني : فإنه يزول بذكر الله ، ويرجع مع الغفلة عن الله. والله تعالى أعلم. أ هـ {البحر المديد حـ 1 صـ 242}\rمن فوائد ابن عرفة فى الآية\rقوله تعالى : { لِّلَّهِ ما فِي السماوات وَمَا فِي الأرض . . . }.\rاحتجوا بها على أنّ أعمال العباد مخلوقة لله لأنّها ( مما ) في السماوات وما في الأرض.\rواحتجّوا بها على أن السّماء بسيطة إذ لو كانت كروية لكانت الأرض ( مما ) فيها ولم يكن لقوله : { وَمَا فِي الأرض } فَائِدَة ؟ \rوأجيب : بأن ذكرها بالمطابقة أولى من ذكرها بالتضمّن والالتزام ، لأنها مشاهدة مرئية ، ومذهب ( المتقدمين أنها بسيطة ومذهب ) المتأخرين أنها كروية.\rقال الغزالي في النّهاية ولا ينبني على ذلك كفر ولا إيمان.\rقوله تعالى : { وَإِن تُبْدُواْ مَا في أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ الله . . . }.\rمن إقامة المسبب مقام سببه لأن المحاسبة ( عليه ) متسبّبة عن العلم به أي يعلمه الله فيحاسبكم عليه ، وما في النّفس إن كان وسوسة وترددا من غير جزم فلا خلاف في عدم المؤاخذة به ( وإن كان على سبيل الجزم والمواطأة عليه فإما أن يكون له أثر في الخارج أو لا.","part":10,"page":285},{"id":4179,"text":"فإن كان قاصرا على نفس الإنسان ولا أثر له في الخارج كالإيمان والكفر خلاف في المؤاخذة ، وإن كان له أثر في الخارج فإن تمّ بإثره فلا خلاف في المؤاخذة ) ، كمن يعزم على السرقة ويسرق أو على القتل ويقتل ، وإن عزم عليه في نفسه ورجع عن فعله في الخارج فإن كان اختيارا لغير مانع فلا خلاف في عدم المؤاخذة به ، بل ذكروا أنه يؤجر على ذلك كما في بعض طرق الحديث ( إن ) تركها ( مأجور ) ، وإن رجع عنه لمانع منه ففي المؤاخذة به قولان.\rهذا محصول ما ذكره القاضي أبو الفضل عياض في الإكمال : \" إذا هم العبد بسيئة فلم يعملها \" الحديث ذكره مسلم في كتاب الإيمان.\rقال ابن عرفة : والكفر خارج من هذا لقول الله تعالى : { إِنَّ الله لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذلك لِمَن يَشَآءُ } وحكى ابن عطية عن ابن عباس رضي الله عنهما وجماعة أنها لما نزلت قال الصحابة : \" هلكنا إن حوسبنا بخواطرنا \".\rفأنزل الله { لاَ يُكَلِّفُ الله نَفْساً إِلاَّ وُسْعَهَا } فمنهم من جعلها ناسخة.\rوضعفه ابن عطية لأنه خبر فلا ينسخ.\rقال لكن ورد أنهم لما قالوا : هلكنا ، قال لهم النبي صلى الله عليه وسلم قولوا : \" سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا \" فقالُوا فنزلت { لاَ يُكَلِّفُ الله نَفْساً } فصح النسخ وتشبه الآية حيئنذ قول الله تعالى في الأنفال : { إِن يَكُن مِّنكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُواْ مِاْئَتَيْنِ } ثم نسخت بصبر المائة للمائتين.\rقال ابن عرفة : آية الأنفال ليس فيها إلا النسخ لأنّه رفع كلّ الحكم ( وآيَتُنَا ) هذه تحتمل النسخ والتخصيص كما قال بعضهم.","part":10,"page":286},{"id":4180,"text":"قال ابن عرفة : ونظير الآية ما خرج مسلم في كتاب الإيمان عن علقمة عن عبد الله قال : لما نزلت { الذين آمَنُواْ وَلَمْ يلبسوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أولئك لَهُمُ الأمن } شق ذلك على أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ( وقالوا أيّنا لم يظلم نفسه ) فقال لهم عليه الصلاة والسلام : \" ليس هو كما تظنون إنما هو كما قال لقمان لابنه : { يابني لاَ تُشْرِكْ بالله إِنَّ الشرك لَظُلْمٌ عَظِيمٌ } \".\rقال ابن عرفة : وذكر الفقهاء الخلاف إذا شهد شاهدان لرجل بشيء مظروف في شيء وماتا أو غابا هل يكون له الظرف ( أم لا ) ؟ قالوا : إن كان الظرف من ضرورياته لا يمكن أن يجعل إلا فيه كالزيت والخل فهو له بما / فيه باتفاق.\rوإن لم يكن من ضرورياته كجبّة في صندوق أو في ( صرّ ) ففي كون الظرف له خلاف.\rوذكره ابن الحاجب في كتاب الإقرار قال فيه ما نصه : وثوب في صندوق أو منديل ففي لزوم ظرفه قولان بخلاف زيت في جرة ، وجبة وبطانتها ، وخاتم وفصه ، أي يقبل قوله.\rقال ابن عرفة : والآية حجة لمن يقول شهادتهما بالمظروف يستلزم الظرف لأن كون { لِّلَّهِ ما فِي السماوات وَمَا فِي الأرض } يستلزم أن السماوات نفسها له.\rقَال ابن عرفة : الآية حجة أيضا لمن يقول : إن الطلاق بالنية ( لا ) يلزم عندنا وفيه خلاف والمشهور أنه غير لازم.\rقوله تعالى : { فَيَغْفِرُ لِمَن يَشَآءُ وَيُعَذِّبُ مَن يَشَآءُ . . . }.\rقال الزمخشري : وقرىء فَيَغْفِرْ ( بالجزم ) في جواب الشرط.\rورده أبو حيان بأن النحويين نصّوا على أن الفاء إنما تنصب في الأجوبة الثمانية ولم يعدوا منها الشرطية.\rفجعله معطوفا على مصدر مقدر فيكون من عطف الفعل على الاسم الملفوظ به.\rونص الشلوبين على أنّ قول ( النحويين ) الأجوبة الثمانية ليس على ظاهره بل مرادهم كل ما ليس واجبا أعني ما ليس بخبر فيدخل فيه الشرط.","part":10,"page":287},{"id":4181,"text":"وتحامل الزمخشري هنا ( وأساء الأدب ) على السوسى من طريق أبي عمرو وخّطأه كما خطّأ ( الصيمري ) في تبصرته ( والزّجاج ) وكذا خطأ ابن عامر في قراءته { وكذلك زَيَّنَ لِكَثِيرٍ مِّنَ المشركين قَتْلَ أَوْلاَدِهِمْ شُرَكَآؤُهُمْ } ولكن تخطئته هنا لأبي عمرو من طريق السوسي أشنع.\rقال ابن عطية : هنا عن النقاش : فيغفر لمن يشاء ( أي ) لمن ( ينزع ) عنه ، ويعذب من يشاء أي من أقام عليه.\rقال ابن عرفة : وهذا نحو ما قال الزمخشري ، وفيه إيهام الاعتزال.\rقلت : لأنه يوهم أنّ المعاصي لا تغفر إلا بالتوبة ومذهب أهل السنّة أنه يجوز أن يغفر له وإن لم يتب ( منها ) إلاّ الكفر.\rقوله تعالى : { والله على كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ }.\rقال ابن عرفة : لفظ ( شيء ) يطلق على المعدوم والموجود فأفاد أنّه على كل شيء مما في السموات والأرض ومما هو خارج ( عنهما ) قدير.\rقال ( والفضاء الذي بين السماء والأرض تقول إنّه عامر وإنه خارج عنها وهي مسألة الخَلاء والملاء ) ونقول : تناولت الآية الأمر الحالي والماضي ونفي المستقبل غير داخل فيها فلذلك قال : { والله على كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ } ليدخل المستقبل. أ هـ {تفسير ابن عرفة صـ 367 ـ 368}","part":10,"page":288},{"id":4182,"text":"قوله تعالى {آَمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آَمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ (285)}\rمناسبة الآية لما قبلها\rقال البقاعى : \rوأما مناسبتها لأول السورة رداً للمقطع على المطلع فهو أنه لما ابتدأ السورة بوصف المؤمنين بالكتاب الذي لا ريب فيه على الوجه الذي تقدم ختمها بذلك بعد تفصيل الإنفاق الذي وصفهم به أولها على وجه يتصل بما قبله من الأوامر والنواهي والاتصاف بأوصاف الكمال أشد اتصال ، \rوجعل رأسهم الرسول عليه أفضل الصلاة وأزكى السلام تعظيماً للمدح وترغيباً في ذلك الوصف فأخبر بإيمانهم بما أنزل إليه بخصوصه وبجميع الكتب وجميع الرسل وبقولهم الدال على كمال الرغبة وغاية الضراعة والخضوع فقال استئنافاً لجواب من كأنه قال : ما فعل من أنزلت عليه هذه الأوامر والنواهي وغيرها ؟ {آمن الرسول} أي بما ظهر له من المعجزة القائمة على أن الآتي إليه بهذا الوحي ملك من عند الله سبحانه وتعالى كما آمن الملك به بما ظهر له من المعجزة الدالة على أن الذي أتى به كلام الله أمره الله سبحانه وتعالى بإنزاله فعرفه إشارة إلى أنه أكمل الرسل في هذا الوصف باعتبار إرساله إلى جميع الخلائق الذين هم لله سبحانه وتعالى ، \rوأنه الجامع لما تفرق فيهم من الكمال ، \rوأنه المخصوص بما لم يعطه أحد منهم من المزايا والأفضال {بما أنزل إليه} أي من أن الله سبحانه وتعالى يحاسب بما ذكر وغير ذلك مما أمر بتبليغه ومما اختص هو به ورغب في الإيمان بما آمن به بقوله : {من ربه} أي المحسن إليه بجليل التربية المزكي له بجميل التزكية فهو لا ينزل إليه إلا ما هو غاية في الخير ومنه ما حصل له في دنياه من المشقة.","part":10,"page":289},{"id":4183,"text":"قال الحرالي : فقبل الرسول هذا الحساب الأول العاجل الميسر ليستوفي أمره منه وحظه في دنياه ، \rقال صلى الله عليه وسلم لما قالت له فاطمة رضي الله تعالى عنها عند موته : واكرباه! : \" لا كرب على أبيك بعد اليوم \" وقال صلى الله عليه وسلم فيما رواه أبو نعيم في الحلية عن أنس رضي الله تعالى عنه \" ما أوذي أحد في الله ما أوذيت \" فنال حظه من حكمة ربه في دنياه حتى كان يوعك كما يوعك عشرة رجال ، \rوما شبع من خبز بر ثلاثاً تباعاً عاجلاً حتى لقي الله ؛ وكذلك المؤمن لا راحة له دون لقاء ربه ولا سجن عليه بعد خروجه من دنياه ، \r\" الحمى حظ كل مؤمن من النار \" انتهى.\rولما أخبر عن الرأس أخبر عمن يليه فقال : {والمؤمنون} معبراً بالوصف الدال على الرسوخ أي آمنوا بما ظهر لهم من المعجزة التي أثبتت أنه كلام الله سبحانه وتعالى بما دلت على أن الآتي به رسول الله صلى الله عليه وسلم.\rولما أجمل فصل فقال مبتدئاً : {كل} أي منهم.\rقال الحرالي : فجمعهم في كلية كأن قلوبهم قلب واحد لم يختلفوا ، \rلأن القبول واحد والرد يقع مختلفاً - انتهى.\rثم أخبر عن ذلك المبتدأ بقوله : {آمن بالله} أي لما يستحقه من ذلك لذاته لما له من الإحاطة بالكمال {وملائكته} الذين منهم النازلون بالكتب ، \rلأن الإيمان بالمنزل يستلزم ذلك {وكتبه} أي كلها {ورسله} كلهم ، \rمن البشر كانوا أو من الملائكة ، \rفإن فيما أنزل إليه صلى الله عليه وسلم الإخبار بذلك.\rقال الحرالي : انقياداً لامتثال من البشر.\rولما كان في الناس من يؤمن ببعض الأنبياء ويكفر ببعض قال مؤكداً لما أفهمته صيغة الجمع المضاف من الاستغراق أي قالوا : {لا نفرق} كما فعل أهل الكتاب وعبر بما يشمل الاثنين فما فوقهما فقال : {بين أحد} أي واحد وغيره {من رسله} أي لا نجعل أحداً منهم على صفة الفرقة البليغة من صاحبه في ذلك بل نؤمن بكل واحد منهم ، ","part":10,"page":290},{"id":4184,"text":"والذي دل على تقدير \" قالوا \" دون غيره أنه لما أكمل قولهم في القوة النظرية الكفيلة باعتقاد المبدأ أتبعه قولهم في القوة العملية الكائنة في الوسط عطفاً عليها : {وقالوا سمعنا} أي بآذان عقولنا كل ما يمكن أن يسمع عنك وعلمناه وأذعنا له {وأطعنا} أي لكل ما فيه من أمرك.\rقال الحرالي : فشاركوا أهل الكتاب في طليعة الإباء وخالفوهم في معاجلة التوبة والإقرار بالسمع والطاعة فكان لهؤلاء ما للتائب وعلى أولئك ما على المصر - انتهى.\rولما كان الإنسان محل الزلل والنقصان أشاروا إلى ذلك تواضعاً منهم كما هو الأولى بهم لمقام الألوهية فقالوا مع طاعتهم معترفين بالمعاد : {غفرانك} أي اغفر لنا أو نسألك غفرانك الذي يليق إضافته إليك لما له من الكمال والشرف والجلال ما قصرنا فيه ولا تؤاخذنا به فإنك إن فعلت ذلك هلكنا ، والحاصل أنهم طلبوا أن يعاملهم بما هو أهله لا بما هم أهله فجرى بما جراهم عليه في قوله : {فيغفر لمن يشاء }.\rقال الحرالي : فهذا القول من الرسول صلى الله عليه وسلم كشف عيان ، ومن المؤمنين نشء إيمان ، \rومن القائلين للسمع والطاعة قول إذعان ، \rفهو شامل للجميع كل على رتبته - انتهى.\rوزادوا تملقاً بقولهم : {ربنا} ذاكرين وصف الإحسان في مقام طلب الغفران.\rقال الحرالي : وهو خطاب قرب من حيث لم يظهر فيه أداة نداء ، ولم يجر الله سبحانه وتعالى على ألسنة المؤمنين في كتابه العزيز نداء بُعد قط ؛ والغفران فعلان صيغة مبالغة تعطي الملء ليكون غفراً للظاهر والباطن وهو مصدر محيط المعنى نازل منزلة الاستغفار الجامع لما أحاط به الظاهر والباطن مما أودعته الأنفس التي هي مظهر حكمة الله سبحانه وتعالى التي وقع فيها مجموع الغفران والعذاب {فيغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء} ففي ضمنه بشرى بتعيين القائلين المذعنين ومن تبعهم بالقول لحال المغفرة ، \rلأن هذه الخواتيم مقبولة من العبد بمنزلة الفاتحة لاجتماعهما في كونهما من الكنز الذي تحت العرش ، ","part":10,"page":291},{"id":4185,"text":"وعلى ما ورد من قوله : \" حمدني عبدي - إلى أن قال : ولعبدي ما سأل \" وعلى ما ورد في دعاء هذا الختم في قوله : \" قد فعلت قد فعلت \" وبما ابتدأ تعالى به آية هذا الحساب وختمها به من سلب الأمر أولاً وسلب القدرة عما سواه آخراً ، وكان في الابتداء والختم إقامة عذر القائلين ،\rفوجب لهم تحقق الغفران كما كان لأبيهم آدم حيث تلقى الكلمات من ربه - انتهى.\rولما كان التقدير بما أرشد إليه {ربنا} : فإنه منك مبدأنا ،\rعطف عليه قوله حثاً على الاجتهاد في كل ما أمر به ونهى عنه على وجه الإخلاص : {وإليك} أي لا إلى غيرك {المصير} أي مطلقاً لنا ولغيرنا.\rوقال ابن الزبير : ولما بين سبحانه وتعالى أن الكتاب هو الصراط المستقيم ذكر افتراق الأمم كما يشاء وأحوال الزائغين والمتنكبين تحذيراً من حالهم ونهياً عن مرتكبهم وحصل قبيل النزول بجملته وانحصار التاركين وأعقب بذكر ملتزمات المتقين وما ينبغي لهم امتثاله والأخذ به من الأوامر والأحكام والحدود وأعقب ذلك بأن المرء يجب أن ينطوي على ذلك ويسلم الأمر لمالكه فقال سبحانه وتعالى : {آمن الرسول بما أنزل} فأعلم أن هذا إيمان الرسول ومن كان معه على إيمانه وأنهم قالوا : {سمعنا وأطعنا} لا كقول بني إسرائيل.\r{سمعنا وعصينا} [ البقرة : 93 ] وأنه أثابهم على إيمانهم رفع الإصر والمشقة والمؤاخذة بالخطأ والنسيان فقال : {لا يكلف الله نفساً إلا وسعها} ،\rفحصل من هذه السورة بأسرها بيان الصراط المستقيم على الاستيفاء والكمال أخذاً وتركاً وبيان شرف من أخذ به وسوء حال من تنكب عنه.\rوكان العباد لما علموا {اهدنا الصراط المستقيم} [ الفاتحة : 6 ] - إلى آخر السورة قيل لهم : عليكم بالكتاب - إجابة لسؤالهم ؛ ثم بين لهم حال من سلك ما طلبوا فكان قيل لهم : أهل الصراط المستقيم وسالكوه هم الذين بيّن شأنهم وأمرهم ،\rوالمغضوب عليهم من المتنكبين هم اليهود الذين بين أمرهم وشأنهم ،","part":10,"page":292},{"id":4186,"text":"والضالون هم النصارى الذين بيّن أمرهم وشأنهم ؛ فيجب على من رغب في سلوك الصراط المستقيم أن يحذر ما أصاب هؤلاء مما نبه عليه وأن يأخذ نفسه بكذا وكذا وأن ينسحب إيمانه على كل ذلك ، \rوأن يسلم الأمر لله الذي تطلب منه الهداية ، \rويتضرع إليه بأن لا يؤاخذه بما يثمره الخطأ والنسيان ، \rوأن لا يحمله ما ليس في وسعه ، وأن يعفو عنه - إلى آخر السورة ؛ انتهى. أ هـ {نظم الدرر حـ 1 صـ 553 ـ 556}\rوقال ابن عاشور : \rقال الزجاج : \"لما ذكر الله في هذه السورة أحكاماً كثيرةً ، وقصصاً ، ختمها بقوله : { آمن الرسول بما أنزل إليه من ربه } تعظيماً لنبيّه صلى الله عليه وسلم وأتباعه ، وتأكيداً وفذلكة لجميع ذلك المذكور من قبل\".\rيعني : أنّ هذا انتقال من المواعظ ، والإرشاد ، والتشريع ، وما تخلّل ذلك : ممّا هو عون على تلك المقاصد ، إلى الثناء على رسوله والمؤمنين في إيمانهم بجميع ذلك إيماناً خالصاً يتفرّع عليه العمل ؛ لأنّ الإيمان بالرسول والكتاب ، يقتضي الامتثالَ لما جاء به من عمل.\rفالجملة استئناف ابتدائي وضعت في هذا الموقع لمناسبة ما تقدم ، وهو انتقال مؤذن بانتهاء السورة لأنّه لما انتقل من أغراض متناسبة إلى غرض آخر : هو كالحاصل والفذلكة ، فقد أشعر بأنّه استوفى تلك الأغراض. أ هـ {التحرير والتنوير حـ 3 صـ 131 ـ 132}\rفصل\rقال الفخر : \rفي كيفية النظم وجوه الأول : وهو أنه تعالى لما بيّن في الآية المتقدمة كمال الملك ، وكمال العلم ، وكمال القدرة لله تعالى ، وذلك يوجب كمال صفات الربوبية أتبع ذلك بأن بين كون المؤمنين في نهاية الانقياد والطاعة والخضوع لله تعالى ، وذلك هو كمال العبودية وإذا ظهر لنا كمال الربوبية ، وقد ظهر منا كمال العبودية ، فالمرجو من عميم فضله وإحسانه أن يظهر يوم القيامة في حقنا كمال العناية والرحمة والإحسان اللّهم حقق هذا الأمل.","part":10,"page":293},{"id":4187,"text":"الوجه الثاني في النظم : أنه تعالى لما قال : {وَإِن تُبْدُواْ مَا فِي أَنفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُم بِهِ الله} [ البقرة : 284 ] بين أنه لا يخفى عليه من سرنا وجهرنا وباطننا وظاهرنا شيء ألبتة ، ثم إنه تعالى ذكر عقيب ذلك ما يجري مجرى المدح لنا والثناء علينا ، فقال : {آمن الرسول بِمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مِن رَّبّهِ والمؤمنون} كأنه بفضله يقول عبدي أنا وإن كنت أعلم جميع أحوالك ، فلا أظهر من أحوالك ، ولا أذكر منها إلا ما يكون مدحاً لك وثناء عليك ، حتى تعلم أني كما أنا الكامل في الملك والعلم والقدرة ، فأنا الكامل في الجود والرحمة ، وفي إظهار الحسنات ، وفي الستر على السيئات.\rالوجه الثالث : أنه بدأ في السورة بمدح المتقين الذين يؤمنون بالغيب ، ويقيمون الصلاة ومما رزقناهم ينفقون ، وبيّن في آخر السورة أن الذين مدحهم في أول السورة هم أمة محمد صلى الله عليه وسلم ، فقال : {والمؤمنون كُلٌّ ءَامَنَ بالله وَمَلَئِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لاَ نُفَرّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مّن رُّسُلِهِ} وهذا هو المراد بقوله في أول السورة {الذين يُؤْمِنُونَ بالغيب} [ البقرة : 3 ].\rثم قال ههنا {وَقَالُواْ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا} وهو المراد بقوله في أول السورة {وَيُقِيمُونَ الصلاة وَمِمَّا رزقناهم يُنفِقُونَ }.\rثم قال ههنا {غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ المصير} وهو المراد بقوله في أول السورة {وبالأخرة هُمْ يُوقِنُونَ} [ البقرة : 4 ] ثم حكى عنهم ههنا كيفية تضرعهم إلى ربهم في قولهم {رَبَّنَا لاَ تُؤَاخِذْنَا إِن نَّسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا} [ البقرة : 286 ] إلى آخر السورة وهو المراد بقوله في أول السورة {أولئك على هُدًى مّن رَّبّهِمْ وأولئك هُمُ المفلحون} [ البقرة : 5 ] فانظر كيف حصلت الموافقة بين أول السورة وآخرها.","part":10,"page":294},{"id":4188,"text":"والوجه الرابع : وهو أن الرسول إذا جاءه الملك من عند الله ، وقال له : إن الله بعثك رسولاً إلى الخلق ، فههنا الرسول لا يمكنه أن يعرف صدق ذلك الملك إلا بمعجزة يظهرها الله تعالى على صدق ذلك الملك في دعواه ولولا ذلك المعجز لجوز الرسول أن يكون ذلك المخبر شيطاناً ضالاً مضلاً ، وذلك الملك أيضاً إذا سمع كلام الله تعالى افتقر إلى معجز يدل على أن المسموع هو كلام الله تعالى لا غير ، وهذه المراتب معتبرة أولها : قيام المعجز على أن المسموع كلام الله لا غيره ، فيعرف الملك بواسطة ذلك المعجز أنه سمع كلام الله تعالى وثانيها : قيام المعجزة عند النبي صلى الله عليه وسلم على أن ذلك الملك صادق في دعواه ، وأنه ملك بعثه الله تعالى وليس بشيطان وثالثها : أن تقوم المعجزة على يد الرسول عند الأمة حتى تستدل الأمة بها على أن الرسول صادق في دعواه فإذن لما لم يعرف الرسول كونه رسولاً من عند الله لا تتمكن الأمة من أن يعرفوا ذلك ، فلما ذكر الله تعالى في هذه السورة أنواع الشرائع وأقسام الأحكام ، قال : {آمن الرسول} فبيّن أن الرسول عرف أن ذلك وحي من الله تعالى وصف إليه ، وأن الذي أخبره بذلك ملك مبعوث من قبل الله تعالى معصوم من التحريف ، وليس بشيطان مضل ، ثم ذكر إيمان الرسول صلى الله عليه وسلم بذلك ، وهو المرتبة المتقدمة ، وذكر عقيبه إيمان المؤمنين بذلك وهو المرتبة المتأخرة ، فقال : {والمؤمنون كُلٌّ ءامَنَ بالله} ومن تأمل في لطائف نظم هذه السورة وفي بدائع ترتيبها علم أن القرآن كما أنه معجز بحسب فصاحة ألفاظه وشرف معانيه ، فهو أيضاً معجز بحسب ترتيبه ونظم آياته ولعلّ الذين قالوا : إنه معجز بحسب أسلوبه أرادوا ذلك إلا أني رأيت جمهور المفسرين معرضين عن هذه اللطائف غير متنبهين لهذه الأمور ، وليس الأمر في هذا الباب كما قيل : \rوالنجم تستصغر الأبصار رؤيته.. والذنب للطرف لا للنجم في الصغر","part":10,"page":295},{"id":4189,"text":"ونسأل الله تعالى أن ينفعنا بما علمنا ، ويعلمنا ما ينفعنا به بفضله ورحمته. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 7 صـ 111 ـ 112}\rفصل\rقال القرطبى : \rقوله تعالى : { آمَنَ الرسول بِمَآ أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِن رَّبِّهِ }.\r( روي عن الحسن ومجاهد والضحاك : أن هذه الآية كانت في قصة المعراج ، وهكذا روي في بعض الروايات عن ابن عباس ، وقال بعضهم : جميع القرآن نزل به جبريل عليه السلام على محمد صلى الله عليه وسلم إلا هذه الآية فإن النبيّ صلى الله عليه وسلم : هو الذي سمع ليلة المعراج ، وقال بعضهم : لم يكن ذلك في قصة المعراج ؛ لأن ليلة المعراج كانت بمكة وهذه السورة كلها مدنية ، فأما من قال : إنها كانت ليلة المعراج قال : لما صعد النبيّ صلى الله عليه وسلم وبلغ في السموات في مكان مرتفع ومعه جبريل حتى جاوز سدرة المنتهى فقال له جبريل : إني لم أجاوز هذا الموضع ولم يؤمر بالمجاوزة أحد هذا الموضع غيرك فجاوز النبيّ صلى الله عليه وسلم حتى بلغ الموضع الذي شاء الله ، فأشار إليه جبريل بأن سلم على ربك ، فقال النبيّ صلى الله عليه وسلم : التّحيّاتُ لله والصلواتُ والطيِّبات.\rقال الله تعالى : السلام عليك أيها النبيّ ورحمة الله وبركاته ، فأراد النبيّ صلى الله عليه وسلم أن يكون لأُمته حَظٌّ في السلام فقال : السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين ، فقال جبريل وأهل السموات كلهم : أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.","part":10,"page":296},{"id":4190,"text":"قال الله تعالى : { آمَنَ الرسول } على معنى الشكر أي صدق الرسول { بِمَآ أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِن رَّبِّهِ } فأراد النبيّ صلى الله عليه وسلم أن يشارك أُمته في الكرامة والفضيلة فقال : { والمؤمنون كُلٌّ آمَنَ بالله وملائكته وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لاَ نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّن رُّسُلِهِ } يعني يقولون آمنا بجميع الرسل ولا نكفر بأحد منهم ولا نفرّق بينهم كما فرّقت اليهود والنصارى ، فقال له ربه كيف قبولهم بآي الذي أنزلتها ؟ وهو قوله : { وَإِن تُبْدُواْ مَا في أَنْفُسِكُمْ } فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم { قَالُواْ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ المصير } يعني المرجع.\rفقال الله تعالى عند ذلك { لاَ يُكَلِّفُ الله نَفْساً إِلاَّ وُسْعَهَا } يعني طاقتها ويقال : إلاَّ دُون طاقتها.\r{ لَهَا مَا كَسَبَتْ } من الخير { وَعَلَيْهَا مَا اكتسبت } من الشر ، فقال جبريل عند ذلك : سل تُعْطَه ، فقال النبيّ صلى الله عليه وسلم : { رَبَّنَا لاَ تُؤَاخِذْنَا إِن نَّسِينَآ } يعني إن جهلنا { أَوْ أَخْطَأْنَا } يعني إن تعمدنا ، ويقال : إن عملنا بالنسيان والخَطَأ.\rفقال له جبريل : قد أعطيت ذلك قد رفع عن أُمتك الخطأ والنسيان.\rفسل شيئاً آخر فقال : { رَبَّنَا وَلاَ تَحْمِلْ عَلَيْنَآ إِصْراً } يعني ثقلاً { كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الذين مِن قَبْلِنَا } وهو أنه حرّم عليهم الطيِّبات بظلمهم ، وكانوا إذا أذنبوا بالليل وجدوا ذلك مكتوباً على بابهم ، وكانت الصلوات عليهم خمسين ، فخفّف الله عن هذه الأُمة وحَطّ عنهم بعد ما فرض خمسين صلاة.","part":10,"page":297},{"id":4191,"text":"ثم قال : { رَبَّنَا وَلاَ تُحَمِّلْنَا مَا لاَ طَاقَةَ لَنَا بِهِ } يقول : لا تثقلنا من العمل ما لا نطيق فتعذبنا ، ويقال : ما تشق علينا ؛ لأنهم لو أمروا بخمسين صلاة لكانوا يطيقون ذلك ولكنه يشق عليهم ولا يطيقون الإدامة عليه { واعف عَنَّا } من ذلك كله { واغفر لَنَا } وتجاوز عنا ، ويقال : { واعف عَنَّا } من المسخ { واغفر لَنَا } من الخسف { وارحمنآ } من القذف ؛ لأن الأُمم الماضية بعضهم أصابهم المسخ وبعضهم أصابهم الخسف وبعضهم القذف ثم قال : { أَنتَ مَوْلاَنَا } يعني ولينا وحافظنا { فانصرنا عَلَى القوم الكافرين } فاستجيبت دعوته.\rوروي عن النبيّ صلى الله عليه وسلم أنه قال : \" نصرت بالرعب مسيرة شهر \" ويقال إن الغُزَاة : إذا خرجوا من ديارهم بالنية الخالصة وضربوا بالطبل وقع الرعب والهيبة في قلوب الكفار مسيرة شهر في شهر ، علموا بخروجهم أو لم يعلموا ، ثم إن النبيّ صلى الله عليه وسلم لما رجع أوحى الله هذه الآيات ؛ ليعلم أُمّته بذلك.\rولهذه الآية تفسير آخر ؛ قال الزجاج : لما ذكر الله تعالى في هذه السورة فرض الصلاة والزكاة وبيّن أحكام الحج وحكم الحيض والطلاق والإيلاء وأقاصيص الأنبياء وبين حكم الربا ، ذكر تعظيمه سبحانه بقوله سبحانه وتعالى : { للَّهِ ما فِي السماوات وَمَا فِي الأرض } ثم ذكر تصديق نبيه صلى الله عليه وسلم ثم ذكر تصديق المؤمنين بجميع ذلك فقال : { آمَنَ الرسول بِمَآ أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِن رَّبِّهِ } أي صدّق الرسول بجميع هذه الأشياء التي جرى ذكرها وكذلك المؤمنون كلهم صدّقوا بالله وملائكته وكتبه ورسله.","part":10,"page":298},{"id":4192,"text":"\" وقيل سبب نزولها الآية التي قبلها وهي { للَّهِ ما فِي السماوات وَمَا فِي الأرض وَإِن تُبْدُواْ مَا في أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ الله فَيَغْفِرُ لِمَن يَشَآءُ وَيُعَذِّبُ مَن يَشَآءُ والله على كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ } فإنه لما أنزل هذا على النبيّ صلى الله عليه وسلم اشتدّ ذلك على أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فأتَوْا رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم بَرَكُوا على الرُّكَب فقالوا : أي رسول الله ، كُلِّفنا من الأعمال ما نُطيق : الصلاة والصيام والجهاد ( والصدقة ) ، وقد أنزل الله عليك هذه الآية ولا نُطيقها.\rقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : \"أتريدون أن تقولوا كما قال أهل الكتابين من قبلكم سمعنا وعصينا بل قولوا سمعنا وأطعنا غفرانك ربنا وإليك المصير\" فقالوا : سمعنا وأطعنا غفرانك ربنا وإليك المصير.\rفلما اقترأها القوم ذَلّت بها ألسنتُهم فأنزل الله في إثرها : { آمَنَ الرسول بِمَآ أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِن رَّبِّهِ والمؤمنون كُلٌّ آمَنَ بالله وملائكته وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لاَ نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّن رُّسُلِهِ وَقَالُواْ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ المصير }.\rفلما فعلوا ذلك نسخها الله ، فأنزل الله عز وجل : { لاَ يُكَلِّفُ الله نَفْساً إِلاَّ وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكتسبت } { رَبَّنَا لاَ تُؤَاخِذْنَا إِن نَّسِينَآ أَوْ أَخْطَأْنَا } قال : \"نعم\" { رَبَّنَا وَلاَ تَحْمِلْ عَلَيْنَآ إِصْراً كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الذين مِن قَبْلِنَا } قال : \"نعم\" { رَبَّنَا وَلاَ تُحَمِّلْنَا مَا لاَ طَاقَةَ لَنَا بِهِ } قال : \"نعم\" { واعف عَنَّا واغفر لَنَا وارحمنآ أَنتَ مَوْلاَنَا فانصرنا عَلَى القوم الكافرين } قال : \"نعم\" \" أخرجه مسلم عن أبي هريرة.","part":10,"page":299},{"id":4193,"text":"قال علماؤنا : قوله في الرواية الأُولى \"قد فعلت\" وهنا قال : \"نعم\" دليل على نقل الحديث بالمعنى ، وقد تقدّم.\rولما تقرّر الأمر على أن قالوا : سمعنا وأطعنا ، مدحهم الله وأثنى عليهم في هذه الآية ، ورفع المشقَّةَ في أمر الخواطر عنهم ؛ وهذه ثمرة الطاعة والانقطاع إلى الله تعالى ؛ كما جرى لبني إسرائيل ضدُّ ذلك من ذمّهم وتحميلهم المشقّات من الذّلّة والمسكنة والانْجِلاء إذ قالوا : سمعنا وعصينا ؛ وهذه ثمرة العصيان والتمرّد على الله تعالى ، أعاذنا الله من نِقَمِه بمنّه وكرمه.\rوفي الحديث \" أن النبيّ صلى الله عليه وسلم قيل له : إن بيت ثابت بن قيس بن شماس يزهَر كل ليلة بمصابيح.\rقال : \"فلعله يقرأ سورة البقرة\" فسُئِل ثابت قال : قرأت من سورة البقرة { آمَنَ الرسول } نزلت حين شقّ على أصحاب النبيّ صلى الله عليه وسلم ما توعدهم الله تعالى به من محاسبتهم على ما أخفته نفوسهم ، فشكوا ذلك إلى النبيّ صلى الله عليه وسلم فقال : \"فلعلكم تقولون سمعنا وعصينا كما قالت بنو إسرائيل\" قالوا : بل سمعنا وأطعنا ؛ فأنزل الله تعالى ثناء عليهم { آمَنَ الرسول بِمَآ أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِن رَّبِّهِ } فقال صلى الله عليه وسلم : \"وحق لهم أن يؤمنوا\" \". أ هـ {تفسير القرطبى حـ 3 صـ 425 ـ 428}\rفصل\rقال الفخر : \rقوله تعالى : {آمن الرسول بِمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مِن رَّبّهِ} فالمعنى أنه عرف بالدلائل القاهرة والمعجزات الباهرة أن هذا القرآن وجملة ما فيه من الشرائع والأحكام نزل من عند الله تعالى ، وليس ذلك من باب إلقاء الشياطين ، ولا من نوع السحر والكهانة والشعبذة ، وإنما عرف الرسول لأنه صلى الله عليه وسلم ذلك بما ظهر من المعجزات القاهرة على يد جبريل عليه السلام.","part":10,"page":300},{"id":4194,"text":"فأما قوله {والمؤمنون} ففيه احتمالان أحدهما : أن يتم الكلام عند قوله {والمؤمنون} فيكون المعنى : آمن الرسول والمؤمنون بما أنزل إليه من ربه ، ثم ابتدأ بعد ذلك بقوله {كُلٌّ ءامَنَ بالله} والمعنى : كل واحد من المذكورين فيما تقدم ، وهم الرسول والمؤمنون آمن بالله.\rالاحتمال الثاني : أن يتم الكلام عند قوله {بِمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مِن رَّبّهِ} ثم يبتدىء من قوله {والمؤمنون كُلٌّ ءامَنَ بالله} ويكون المعنى أن الرسول آمن بكل ما أنزل إليه من ربه ، وأما المؤمنون فإنهم آمنوا بالله وملائكته وكتبه ورسله ، فالوجه الأول يشعر بأنه عليه الصلاة والسلام ما كان مؤمناً بربه ، ثم صار مؤمناً به ، ويحتمل عدم الإيمان على وقت الاستدلال ، وعلى الوجه الثاني يشعر اللفظ بأن الذي حدث هو إيمانه بالشرائع التي أنزلت عليه ، كما قال : \r{مَا كُنتَ تَدْرِى مَا الكتاب وَلاَ الإيمان} [ الشورى : 52 ] وأما الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله على الإجمال ، فقد كان حاصلاً منذ خلقه الله من أول الأمر ، وكيف يستبعد ذلك مع أن عيسى عليه السلام حين انفصل عن أمه قال : إني عبد الله آتاني الكتاب ، فإذا لم يبعد أن عيسى عليه السلام رسولاً من عند الله حين كان طفلاً ، فكيف يستبعد أن يقال : إن محمداً صلى الله عليه وسلم كان عارفاً بربه من أول ما خلق كامل العقل. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 7 صـ 112 }\rلطيفة\rقال الآلوسى : \rوذكره صلى الله عليه وسلم بطريق الغيبة مع ذكره هناك بطريق الخطاب لما أن حق الشهادة الباقية على مر الدهور أن لا يخاطب بها المشهود له ولم يتعرض سبحانه ههنا لبيان فوزهم بمطالبهم التي من جملتها ما حكى عنهم من الدعوات الآتية إيذاناً بأنه أمر محقق غني عن التصريح لا سيما بعد ما نص عليه فيما سلف وإيراده صلى الله عليه وسلم بعنوان الرسالة دون تعرض لاسمه الشريف تعظيم له وتمهيد لما يذكر بعده.","part":10,"page":301},{"id":4195,"text":"أخرج الحاكم والبيهقي عن أنس قال : \"لما نزلت هذه الآية على رسول الله صلى الله عليه وسلم { الرسول بِمَا } قال عليه الصلاة والسلام : \"وحق له أن يؤمن\" وفي رواية عبد بن حميد عن قتادة وهي شاهد لحديث أنس \"فينجبر انقطاعه ويحق له أن يؤمن\r{ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مِن رَّبّهِ } من الأحكام المذكورة في هذه السورة وغيرها والمراد إيمانه بذلك إيماناً تفصيلياً ، وأجمله إجلالاً لمحله صلى الله عليه وسلم وإشعاراً بأن تعلق إيمانه عليه الصلاة والسلام بتفاصيل ما أنزل إليه وإحاطته بجميع ما انطوى عليه مما لا يكتنه كنهه ولا تصل الأفكار وإن حلقت إليه قد بلغ من الظهور إلى حيث استغنى عن ذكره واكتفى عن بيانه ، وفي تقديم الانتهاء على الإبتداء مع التعرض لعنوان الربوبية والإضافة إلى ضميره صلى الله عليه وسلم ما لا يخفى من التعظيم لقدره الشريف والتنويه برفعة محله المنيف. أ هـ {روح المعانى حـ 3 صـ 66 ـ 67}\rفائدة\rقال الفخر : \rدلّت الآية على أن الرسول آمن بما أنزل إليه من ربه والمؤمنون آمنوا بالله وملائكته وكتبه ورسله ، وإنما خص الرسول بذلك ، لأن الذي أنزل إليه من ربه قد يكون كلاماً متلواً يسمه الغير ويعرفه ويمكنه أن يؤمن به ، وقد يكون وحياً لا يعلمه سواه ، فيكون هو صلى الله عليه وسلم مختصاً بالإيمان به ، ولا يتمكن غيره من الإيمان به ، فلهذا السبب كان الرسول مختصاً في باب الإيمان بما لا يمكن حصوله في غيره. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 7 صـ 113}\rقوله تعالى : {والمؤمنون كُلٌّ ءامَنَ بالله وَمَلَئِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ}\rقال العلامة الآلوسى : ","part":10,"page":302},{"id":4196,"text":"{ والمؤمنون } يجوز أن يكون معطوفاً على الرسول مرفوعاً بالفاعلية فيوقف عليه ، ويدل عليه ما أخرجه أبو داود في \"المصاحف\" عن علي كرم الله تعالى وجهه أنه قرأ وآمن المؤمنون وعليه يكون قوله تعالى : { كُلٌّ ءامَنَ } جملة مستأنفة من مبتدأ وخبر ؛ وسوغ الابتداء بالنكرة كونها في تقدير الإضافة ويجوز أن يكون مبتدأ ، و{ كُلٌّ } مبتدأ ثان ، و{ مِن } خبره ، والجملة خبر الأول والرابط مقدر ولا يجوز كون { كُلٌّ } تأكيداً لأنهم صرحوا بأنه لا يكون تأكيداً للمعرفة إلا إذا أضيف لفظاً إلى ضميرها ورجح الوجه الأول بأنه أقضى لحق البلاغة وأولى في التلقي بالقبول لأن الرسول صلى الله عليه وسلم حينئذ يكون أصلاً في حكم الإيمان بما أنزل الله والمؤمنون تابعون له ويا فخرهم بذلك ، ويلزم على الوجه في الثاني أن حكم المؤمنين أقوى من حكم الرسول صلى الله عليه وسلم لكون جملتهم إسمية ومؤكدة ، وعورض بأن في الثاني إيذاناً بتعظيم الرسول صلى الله عليه وسلم وتأكيداً للإشعار بما بين إيمانه صلى الله عليه وسلم المبني على المشاهدة والعيان وبين إيمان سائر المؤمنين الناشيء عن الحجة والبرهان من التفاوت البين والفرق الواضح كأنهما مختلفان من كل وجه حتى في هيئة التركيب ؛ ويلزم على الأول : أنه إن حمل كل من الإيمانين على ما يليق بشأنه صلى الله عليه وسلم من حيث الذات ومن حيث التعلق استحال إسنادهما إلى غيره عليه الصلاة والسلام وضاع التكرير ، وإن حمل على ما يليق بشأن آحاد الأمة كان ذلك حطاً لرتبته العلية وإذا حملا على ما يليق بكل واحد مما نسبا إليه ذاتاً وتعلقاً بأن يحملا بالنسبة إليه صلى الله عليه وسلم على الإيمان العياني المتعلق بجميع التفاصيل وبالنسبة إلى آحاد الأمة على الإيمان المكتسب من مشكاته صلى الله عليه وسلم واللائق بحالهم من الإجمال والتفصيل كان اعتسافاً بيناً ينزه عنه التنزيل والشبهة التي ظنت معارضة مدفوعة بأن الإتيان بالجملة","part":10,"page":303},{"id":4197,"text":"الاسمية مع تكرار الإسناد المقوي للحكم لما في الحكم بإيمان كل واحد منهم على الوجه الآتي من نوع خفاء محوج لذلك ، وتوحيد الضمير في { مِن } مع رجوعه إلى كل المؤمنين لما أن المراد بيان إيمان كل فرد فرد منهم من غير اعتبار الاجتماع كما اعتبر في قوله تعالى : { وَكُلٌّ أَتَوْهُ داخرين } [ النمل : 87 ] وهو أبعد عن التقليد الذي هو إن لم يجرح خدش أي كل واحد منهم على حياله آمن { بالله } أي صدق به وبصفاته ونفى التشبيه عنه وتنزيهه عما لا يليق بكبريائه من نحو الشريك في الألوهية والربوبية وغير ذلك { وَمَلَئِكَتُهُ } من حيث إنهم معصومون مطهرون لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون من شأنهم التوسط بينه تعالى وبين الرسل بإنزال الكتب وإلقاء الوحي ولهذا ذكروا في النظم قبل قوله تعالى : { وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ } أي من حيث مجيئهما منه تعالى على وجه يليق بشأن كل منهما ويلزم الإيمان التفصيلي فيما علم تفصيلاً من كل من ذلك والإجمالي فيما علم إجمالاً وإنما لم يذكر ههنا الإيمان باليوم الآخر كما ذكر في قوله تعالى : { ولكن البر مَنْ ءامَنَ } [ البقرة : 771 ] الخ لاندراجه في الإيمان بكتبه والثواني كثيراً ما يختصر فيها. أ هـ {روح المعانى حـ 3 صـ 67 ـ 68}\rفصل\rقال الفخر : \rاعلم أن هذه الآية دلّت على أن معرفة هذه المراتب الأربعة من ضرورات الإيمان.\rفالمرتبة الأولى : هي الإيمان بالله سبحانه وتعالى ، وذلك لأنه ما لم يثبت أن للعالم صانعاً قادراً على جميع المقدورات ، عالماً بجميع المعلومات ، غنياً عن كل الحاجات ، لا يمكن معرفة صدق الأنبياء عليهم الصلاة والسلام ، فكانت معرفة الله تعالى هي الأصل ، فلذلك قدم الله تعالى هذه المرتبة في الذكر.","part":10,"page":304},{"id":4198,"text":"والمرتبة الثانية : أنه سبحانه وتعالى إنما يوحي إلى الأنبياء عليهم الصلاة والسلام بواسطة الملائكة ، فقال : {يُنَزّلُ الملائكة بالروح مِنْ أَمْرِهِ على مَن يَشَآءُ مِنْ عِبَادِهِ} [ النحل : 2 ] وقال : {وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَن يُكَلّمَهُ الله إِلاَّ وَحْياً أَوْ مِن وَرَاء حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولاً فَيُوحِىَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَاءُ} [ الشورى : 51 ] وقال : {فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ على قَلْبِكَ} [ البقرة : 97 ] وقال : {نَزَلَ بِهِ الروح الأمين على قَلْبِكَ} [ الشعراء : 193 ، 194 ] وقال : {عَلَّمَهُ شَدِيدُ القوى} [ النجم : 5 ] فإذا ثبت أن وحي الله تعالى إنما يصل إلى البشر بواسطة الملائكة فالملائكة يكونون كالواسطة بين الله تعالى وبين البشر ، فلهذا السبب جعل ذكر الملائكة في المرتبة الثانية ، ولهذا السر قال أيضاً : {شَهِدَ الله أَنَّهُ لا إله إِلاَّ هُوَ والملائكة وَأُوْلُواْ العلم قَائِمَاً بالقسط} [ آل عمران : 18 ].\rوالمرتبة الثالثة : الكتب ، وهو الوحي الذي يتلقفه الملك من الله تعالى ويوصله إلى البشر وذلك في ضرب المثال يجري مجرى استنارة سطح القمر من نور الشمس فذات الملك كالقمر وذات الوحي كاستنارة القمر فكما أن ذات القمر مقدمة في الرتبة على استنارته فكذلك ذات الملك متقدم على حصول ذلك الوحي المعبر عنه بهذه الكتب ، فلهذا السبب كانت الكتب متأخرة في الرتبة عن الملائكة ، فلا جرم أخر الله تعالى ذكر الكتب عن ذكر الملائكة.\rوالمرتبة الرابعة : الرسل ، وهم الذين يقتبسون أنوار الوحي من الملائكة ، فيكونون متأخرين في الدرجة عن الكتب فلهذا السبب جعل الله تعالى ذكر الرسل في المرتبة الرابعة ، واعلم أن ترتيب هذه المراتب الأربعة على هذا الوجه أسرار غامضة ، وحكماً عظيمة لا يحسن إيداعها في الكتب والقدر الذي ذكرناه كاف في التشريف. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 7 صـ 113}\rفائدة\rقال ابن عاشور : ","part":10,"page":305},{"id":4199,"text":"والمؤمنون هنا لَقَب للذين استجابوا لرسول الله صلى الله عليه وسلم فلذلك كان في جعله فاعلاً لقوله : { آمن } فائدةٌ ، مع أنّه لا فائدةَ في قولك : قامَ القائمون. أ هـ {التحرير والتنوير حـ 3 صـ 132}\rفصل نفيس\rقال الفخر : \rالمراد بالإيمان بالله عبارة عن الإيمان بوجوده ، وبصفاته ، وبأفعاله ، وبأحكامه ، وبأسمائه.\rأما الإيمان بوجوده ، فهو أن يعلم أن وراء المتحيزات موجوداً خالقاً لها ، وعلى هذا التقدير فالمجسم لا يكون مقراً بوجود الإله تعالى لأنه لا يثبت ما وراء المتحيزات شيئاً آخر فيكون اختلافه معنا في إثبات ذات الله تعالى أما الفلاسفة والمعتزلة فإنهم مقرون بإثبات موجود سوى المتحيزات موجد لها ، فيكون الخلاف معهم لا في الذات بل في الصفات.\rوأما الإيمان بصفاته ، فالصفات إما سلبية ، وإما ثبوتية.\rفأما السلبية : فهي أن يعلم أنه فرد منزّه عن جميع جهات التركيب ، فإن كل مركب مفتقر إلى كل واحد من أجزائه ، وكل واحد من أجزائه غيره ، فهو مركب ، فهو مفتقر إلى غيره ممكن لذاته ، فإذن كل مركب فهو ممكن لذاته ، وكل ما ليس ممكناً لذاته ، بل كان واجباً لذاته امتنع أن يكون مركباً بوجه من الوجوه ، بل كان فرداً مطلقاً ، وإذا كان فرداً في ذاته لزم أن لا يكون متحيزاً ، ولا جسماً ، ولا جوهراً ، ولا في مكان ، ولا حالاً ، ولا في محل ، ولا متغيراً ، ولا محتاجاً بوجه من الوجوه ألبتة.","part":10,"page":306},{"id":4200,"text":"وأما الصفات الثبوتية : فبأن يعلم أن الموجب لذاته نسبته إلى بعض الممكنات كنسبته إلى البواقي ، فلما رأينا أن هذه المخلوقات وقعت على وجه يمكن وقوعها على خلاف تلك الأحوال ، علمنا أن المؤثر فيها قادر مختار لا موجب بالذات ، ثم يستدل بما في أفعاله من الإحكام والإتقان على كمال علمه ، فحينئذ يعرفه قادراً عالماً حياً سميعاً بصيراً موصوفاً منعوتاً بالجلال وصفات الكمال ، وقد استقصينا ذلك في تفسير قوله {الله لاَ إله إِلاَّ هُوَ الحى القيوم} [ البقرة : 255 ].\rوأما الإيمان بأفعاله ، فبأن تعلم أن كل ما سواه فهو ممكن محدث ، وتعلم ببديهة عقلك أن الممكن المحدث لا يوجد بذاته ، بل لا بد له من موجد يوجده وهو القديم ، وهذا الدليل يحملك على أن تجزم بأن كل ما سواه فإنما حصل بتخليقه وإيجاده وتكوينه إلا أنه وقع في البين عقدة وهي الحوادث التي هي الأفعال الاختيارية للحيوانات ، فالحكم الأول وهو أنها ممكنة محدثة فلا بد من إسنادها إلى واجب الوجود مطرد فيها.\rفإن قلت : إني أجد من نفسي أني إن شئت أن أتحرك تحركت ، وإن شئت أن لا أتحرك لم أتحرك فكانت حركاتي وسكناتي بي لا بغيري.\rفنقول : قد علقت حركتك بمشيئتك لحركتك ، وسكونك بمشيئتك لسكونك ، فقبل حصول مشيئة الحركة لا تتحرك وقبل حصول مشيئة السكون لا تسكن ، وعند حصول مشيئة الحركة لا بد وأن تتحرك.\rإذا ثبت هذا فنقول : هذه المشيئة كيف حدثت فإن حدوثها إما أن يكون لا بمحدث أصلاً أو يكون بمحدث ، ثم ذلك المحدث إما أن يكون هو العبد أو الله تعالى ، فإن حدثت لا بمحدث فقد لزم نفي الصانع ، وإن كان محدثها هو العبد افتقر في إحداثها إلى مشيئة أخرى ولزم التسلسل ، فثبت أن محدثها هو الله سبحانه وتعالى.","part":10,"page":307},{"id":4201,"text":"إذا ثبت هذا فنقول : لا اختيار للإنسان في حدوث تلك المشيئة ، وبعد حدوثها فلا اختيار له في ترتب الفعل عليها إلا بالمشيئة به ، ولا حصول الفعل بعد المشيئة ، فالإنسان مضطر في صورة مختار ، فهذا كلام قاهر قوي ، وفي معارضته إشكالان أحدهما : كيف يليق بكمال حكمة الله تعالى إيجاد هذه القبائح والفواحش من الكفر والفسق والثاني : أنه لو كان الكل بتخليقه فكيف توجه الأمر والنهي ، والمدح والذم ، والثواب والعقاب على العبد ، فهذا هو الحرف المعول عليه من جانب الخصم ، إلا أنه وارد عليه أيضاً في العلم على ما قررناه في مواضع عدة.\rوأما المرتبة الرابعة في الإيمان بالله : فهي معرفة أحكامه ، ويجب أن يعلم في أحكامه أموراً أربعة أحدها : أنها غير معللة بعلة أصلاً ، لأن كل ما كان معللاً بعلة كان صاحبه ناقصاً بذاته ، كاملاً بغيره ، وذلك على الحق سبحانه محال وثانيها : أن يعلم أن المقصود من شرعها منفعة عائدة إلى العبد لا إلى الحق ، فإنه منزّه عن جلب المنافع ، ودفع المضار وثالثها : أن يعلم أن له الإلزام والحكم في الدنيا كيف شاء وأراد ورابعها : أنه يعلم أنه لا يجب لأحد على الحق بسبب أعماله وأفعاله شيء ، وأنه سبحانه في الآخرة يغفر لمن يشاء بفضله ويعذب من يشاء بعدله ، وأنه لا يقبح منه شيء ، ولا يجب عليه شيء ، لأن الكل ملكه وملكه ، والمملوك المجازى لا حق له على المالك المجازي ، فكيف المملوك الحقيقي مع المالك الحقيقي.","part":10,"page":308},{"id":4202,"text":"وأما الرتبة الخامسة في الإيمان بالله : فمعرفة أسمائه قال في الأعراف {وَللَّهِ الأسماء الحسنى} [ الأعراف : 180 ] وقال في بني إسرائيل {أَيّا مَّا تَدْعُواْ فَلَهُ الأسماء الحسنى} [ الإسراء : 110 ] وقال في طه {الله لا إله إِلاَّ هُوَ لَهُ الأسماء الحسنى} [ طه : 8 ] وقال في آخر الحشر {لَهُ الاسماء الحسنى يُسَبّحُ لَهُ مَا فِى السموات والأرض} [ الحشر : 24 ] والأسماء الحسنى هي الأسماء الواردة في كتب الله المنزّلة على ألسنة أنبيائه المعصومين ، وهذه الإشارة إلى معاقد الإيمان بالله.\rوأما الإيمان بالملائكة ، فهو من أربعة أوجه أولها : الإيمان بوجودها ، والبحث عن أنها روحانية محضة ، أو جسمانية ، أو مركبة من القسمين ، وبتقدير كونها جسمانية فهي أجسام لطيفة أو كثيفة ، فإن كانت لطيفة فهي أجسام نورانية ، أو هوائية ، وإن كانت كذلك فكيف يمكن أن تكون مع لطافة أجسامها بالغة في القوة إلى الغاية القصوى ، فذاك مقام العلماء الراسخين في علوم الحكمة القرآنية والبرهانية.\rوالمرتبة الثانية في الإيمان بالملائكة : العلم بأنهم معصومون مطهرون {يخافون رَبَّهُمْ مّن فَوْقِهِمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ} [ النحل : 50 ] {لاَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَلاَ يَسْتَحْسِرُونَ} [ الأنبياء : 19 ] فإن لذتهم بذكر الله ، وأنسهم بعبادة الله ، وكما أن حياة كل واحد منا بنفسه الذي هو عبارة عن استنشاق الهواء ، فكذلك حياتهم بذكر الله تعالى ومعرفته وطاعته.","part":10,"page":309},{"id":4203,"text":"والمرتبة الثالثة : أنهم وسائط بين الله وبين البشر ، فكل قسم منهم متوكل على قسم من أقسام هذا العالم ، كما قال سبحانه : {والصافات صَفَّا فالزجرات زَجْراً} [ الصافات : 1 ، 2 ] وقال : {والذاريات ذَرْواً فالحاملات وِقْراً} [ الذاريات : 1 ، 2 ] وقال : {والمرسلات عُرْفاً * فالعاصفات عَصْفاً} [ المرسلات : 1 ، 2 ] وقال : {والنازعات غَرْقاً * والناشطات نَشْطاً} [ النازعات : 1 ، 2 ] ولقد ذكرنا في تفسير هذه الآيات أسراراً مخفية ، إذا طالعها الراسخون في العلم وقفوا عليها.\rوالمرتبة الرابعة : أن كتب الله المنزلة إنما وصلت إلى الأنبياء بواسطة الملائكة ، قال الله تعالى : {إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ ذِى قُوَّةٍ عِندَ ذِى العرش مَكِينٍ مطاع ثَمَّ أَمِينٍ} [ التكوير : 19 ، 20 ، 21 ] فهذه المراتب لا بد منها في حصول الإيمان بالملائكة ، فكلما كان غوص العقل في هذه المراتب أشد كان إيمانه بالملائكة أتم.\rوأما الإيمان بالكتب : فلا بد فيه من أمور أربعة أولها : أن يعلم أن هذه الكتب وحي من الله تعالى إلى رسوله ، وأنها ليست من باب الكهانة ، ولا من باب السحر ، ولا من باب إلقاء الشياطين والأرواح الخبيثة وثانيها : أن يعلم أن الوحي بهذه الكتب وإن كان من قبل الملائكة المطهرين ، فالله تعالى لم يمكن أحداً من الشياطين من إلقاء شيء من ضلالاتهم في أثناء هذا الوحي الطاهر ، وعند هذا يعلم أن من قال : إن الشيطان ألقى قوله : تلك الغرانيق العلا في أثناء الوحي ، فقد قال قولاً عظيماً ، وطرق الطعن والتهمة إلى القرآن.\rوالمرتبة الثالثة : أن هذا القرآن لم يغير ولم يحرف ، ودخل فيه فساد قول من قال : إن ترتيب القرآن على هذا الوجه شيء فعله عثمان رضي الله عنه ، فإن من قال ذلك أخرج القرآن عن كونه حجة.\rوالمرتبة الرابعة : أن يعلم أن القرآن مشتمل على المحكم والمتشابه ، وأن محكمه يكشف عن متشابهه.","part":10,"page":310},{"id":4204,"text":"وأما الإيمان بالرسل : فلا بد فيه من أمور أربعة : \rالمرتبة الأولى : أن يعلم كونهم معصومين من الذنوب ، وقد أحكمنا هذه المسألة في تفسير قوله {فَأَزَلَّهُمَا الشيطان عَنْهَا فَأَخْرَجَهُمَا مِمَّا كَانَا فِيهِ} [ البقرة : 36 ] وجميع الآيات التي يتمسك بها المخالفون قد ذكرنا وجه تأويلاتها في هذا التفسير بعون الله سبحانه وتعالى.\rوالمرتبة الثانية : من مراتب الإيمان بهم : أن يعلم أن النبي أفضل ممن ليس بنبي ، ومن الصوفية من ينازع في هذا الباب.\rالمرتبة الثالثة : قال بعضهم : أنهم أفضل من الملائكة ، وقال كثير من العلماء : إن الملائكة السماوية أفضل منهم ، وهم أفضل من الملائكة الأرضية ، وقد ذكرنا هذه المسألة في تفسير قوله {وَإِذْ قُلْنَا للملائكة اسجدوا لأَدَمَ} [ البقرة : 34 ] ولأرباب المكاشفات في هذه المسألة مباحثات غامضة.\rالمرتبة الرابعة : أن يعلم أن بعضهم أفضل من البعض ، وقد بينا ذلك في تفسير قوله تعالى : {تِلْكَ الرسل فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ على بَعْضٍ} [ البقرة : 253 ] ومنهم من أنكر ذلك وتمسك بقوله تعالى له في هذه الآية {لاَ نُفَرّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مّن رُّسُلِهِ} [ البقرة : 285 ].","part":10,"page":311},{"id":4205,"text":"وأجاب العلماء عنه بأن المقصود من هذا الكلام شيء آخر ، وهو أن الطريق إلى إثبات نبوّة الأنبياء عليهم الصلاة والسلام إذا كانوا حاضرين هو ظهور المعجزة على وفق دعاويهم ، فإذا كان هذا هو الطريق ، وجب في حق كل من ظهرت المعجزة على وفق دعواه أن يكون صادقاً ، وإن لم يصح هذا الطريق وجب أن لا يدل في حق أحد منهم على صحة رسالته ، فأما أن يدل على رسالة البعض دون البعض فقول فاسد متناقض ، والغرض منه تزييف طريقة اليهود والنصارى الذين يقرون بنبوّة موسى وعيسى ، ويكذبون بنبوّة محمد صلى الله عليه وسلم ، فهذا هو المقصود من قوله تعالى : {لاَ نُفَرّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مّن رُّسُلِهِ} لا ما ذكرتم من أنه لا يجوز أن يكون بعضهم أفضل من البعض فهذا هو الإشارة إلى أصول الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 7 صـ 113 ـ 116}\rفصل\rقال الفخر : \rقرأ حمزة {وكتابه} على الواحد ، والباقون {كتبه} على الجمع ، أما الأول ففيه وجهان\rأحدهما : أن المراد هو القرآن ثم الإيمان به ويتضمن الإيمان بجميع الكتب والرسل والثاني : على معنى الجنس فيوافق معنى الجمع ، ونظيره قوله تعالى : {فَبَعَثَ الله النبيين مُبَشّرِينَ وَمُنذِرِينَ وَأَنزَلَ مَعَهُمُ الكتاب بالحق} [ البقرة : 213 ].\rفإن قيل : اسم الجنس إنما يفيد العموم إذا كان مقروناً بالألف واللام ، وهذه مضافة.","part":10,"page":312},{"id":4206,"text":"قلنا : قد جاء المضاف من الأسماء ونعني به الكثرة ، قال الله تعالى : {وَإِن تَعُدُّواْ نِعْمَةَ الله لاَ تُحْصُوهَا} [ إبراهيم : 34 ] وقال الله تعالى : {أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصيام الرفث إلى نِسَائِكُمْ} [ البقرة : 187 ] وهذا الإحلال شائع في جميع الصيام قال العلماء : والقراءة بالجمع أفضل لمشاكلة ما قبله وما بعده من لفظ الجمع ولأن أكثر القراءة عليه ، واعلم أن القراء أجمعوا في قوله {وَرُسُلِهِ} على ضم السين ، وعن أبي عمرو سكونها ، وعن نافع {وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ} مخففين ، وحجة الجمهور أن أصل الكلمة على فعل بضم العين ، وحجة أبي عمرو هي أن لا تتوالى أربع متحركات ، لأنهم كرهوا ذلك ، ولهذا لم تتوال هذه الحركات في شعر إلا أن يكون مزاحفاً ، وأجاب الأولون أن ذلك مكروه في الكلمة الواحدة أما في الكلمتين فلا بدليل أن الإدغام غير لازم في وجعل ذلك مع أنه قد توالى فيه خمس متحركات ، والكلمة إذا اتصل بها ضمير فهي كلمتان لا كلمة واحدة. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 7 صـ 116 ـ 117}\rوقال ابن عاشور : \rوقرأ الجمهور { وكتبه } بصيغة جمع كتاب ، وقرأه حمزة ، والكسائي : وكِتَابِه ، بصيغة المفرد على أنّ المراد القرآن أو جنس الكتاب.","part":10,"page":313},{"id":4207,"text":"فيكون مساوياً لقوله : { وكتبه } ، إذ المراد الجنس ، والحقُّ أنّ المفرد والجمع سواء في إرادة الجنس ، ألا تراهم يقولون : إنّ الجمع في مدخول أل الجنسية صوري ، ولذلك يقال : إذا دَخلت ألْ الجنسية على جمع أبطلت منه معنى الجمعية ، فكذلك كل ما أريد به الجنس كالمضاف في هاتين القراءتين ، والإضافة تأتي لما تأتي له اللام ، وعن ابن عباس أنّه قال ، لما سئل عن هذه القراءة : \"كتابِه أكثر من كُتبِه أو الكتاب أكثر من الكتب\" فقيل أراد أنّ تناول المفرد المراد به الجنس أكثر من تناول الجمع حين يراد به الجنس ، لاحتمال إرادة جنس الجموع ، فلا يسري الحكم لما دون عدد الجمع من أفراد الجنس ، ولهذا قال صاحب \"المفتاح\" \"استغراق المفرد أشمل من استغراق الجمع\".\rوالحقُّ أنّ هذا لا يقصده العرب في نفي الجنس ولا في استغراقه في الإثبات.\rوأنّ كلام ابن عباس إن صح نقله عنه فتأويله أنّه أكْثَر لمساواته له معنى ، مع كونه أخصر لفظاً ، فلعلّه أراد بالأكثر معنى الأرجح والأقوى. أ هـ {التحرير والتنوير حـ 3 صـ 132 ـ 133}\rقوله تعالى {لاَ نُفَرّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مّن رُّسُلِهِ}\rقال الفخر : \rقوله {لاَ نُفَرّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مّن رُّسُلِهِ} فيه محذوف ، والتقدير : يقولون لا نفرق بين أحد من رسله كقوله {والملائكة بَاسِطُواْ أَيْدِيهِمْ أَخْرِجُواْ} [ الأنعام : 93 ] معناه يقولون : أخرجوا وقال : {والذين اتخذوا مِن دُونِهِ أَوْلِيَاء مَا نَعْبُدُهُمْ إِلاَّ لِيُقَرّبُونَا إِلَى الله} [ الزمر : 3 ] أي قالوا هذا. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 7 صـ 117}\rفائدة\rقال ابن عاشور : \rوقوله : { لا نفرق بين أحد من رسله } قرأه الجمهور بنون المتكلم المشارَك ، وهو يحتمل الالتفات : بأن يكون من مقول قول محذوفٍ دل عليه السياق وعطف { وقالوا } عليه.\rأو النون فيه للجلالة أي آمَنُوا في حَال أنّنا أمرناهم بذلك ، لأنّنا لا نفرّق فالجملة معترضة.","part":10,"page":314},{"id":4208,"text":"وقيل : هو مقول لقول محذوف دل عليه آمَن ؛ لأنّ الإيمان اعتقاد وقول.\rوقرأه يعقوب بالياء : على أنّ الضمير عائد على { كلُّ آمن بالله }.\rوالتفريق هنا أريد به التفريق في الإيمان به والتصديق : بأن يؤمن ببعض ويكفر ببعض. أ هـ {التحرير والتنوير حـ 3 صـ 133}\rفائدة\rقال الفخر : \rأحد في معنى الجمع ، كقوله {فَمَا مِنكُم مّنْ أَحَدٍ عَنْهُ حاجزين} [ الحاقة : 47 ] والتقدير : لا نفرق بين جميع رسله ، هذا هو الذي قالوه ، وعندي أنه لا يجوز أن يكون أحد ههنا في معنى الجمع ، لأنه يصير التقدير : لا نفرق بين جميع رسله ، وهذا لا ينافي كونهم مفرقين بين بعض الرسل والمقصود بالنفي هو هذا ، لأن اليهود والنصارى ما كانوا يفرقون بين كل الرسل ، بل بين البعض وهو محمد صلى الله عليه وسلم ، فثبت أن التأويل الذي ذكروه باطل ، بل معنى الآية : لا نفرق بين أحد من الرسل ، وبين غيره في النبوّة ، فإذا فسرنا بهذا حصل المقصود من الكلام ، والله أعلم. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 7 صـ 117}\rقوله تعالى : {وَقَالُواْ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ المصير }\rفصل\rقال الفخر : \rالكلام في نظم هذه الآية من وجوه الأول : وهو أن كمال الإنسان في أن يعرف الحق لذاته ، والخير لأجل العمل به ، واستكمال القوة النظرية بالعلم ، واستكمال القوة العملية بفعل الخيرات ، والقوة النظرية أشرف من القوة العملية ، والقرآن مملوء من ذكرهما بشرط أن تكون القوة النظرية مقدمة على العملية قال عن إبراهيم {رَبّ هَبْ لِى حُكْماً وَأَلْحِقْنِى بالصالحين} [ الشعراء : 83 ] فالحكم كمال القوة النظرية {وَأَلْحِقْنِى بالصالحين} كمال القوة العملية ، وقد أطنبنا في شواهد هذا المعنى من القرآن فيما تقدم من هذا الكتاب.","part":10,"page":315},{"id":4209,"text":"إذا عرفت هذا فنقول : الأمر في هذه الآية أيضاً كذلك ، فقوله {كُلٌّ ءامَنَ بالله وَمَلَئِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لاَ نُفَرّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مّن رُّسُلِهِ} إشارة إلى استكمال القوة النظرية بهذه المعارف الشريفة وقوله {وَقَالُواْ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا} إشارة إلى استكمال القوة العملية الإنسانية بهذه الأعمال الفاضلة الكاملة ، ومن وقف على هذه النكتة علم اشتمال القرآن على أسرار عجيبة غفل عنها الأكثرون.","part":10,"page":316},{"id":4210,"text":"والوجه الثاني : من النظم في هذه الآية أن للإنسان أياماً ثلاثة : الأمس والبحث عنه يسمى بمعرفة المبدأ واليوم الحاضر ، والبحث عنه يسمى بعلم الوسط ، والغد والبحث عنه يسمى بعلم المعاد والقرآن مشتمل على رعاية هذه المراتب الثلاثة قال في آخر سورة هود {وَللَّهِ غَيْبُ السموات والأرض وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الأمر كُلُّهُ } [ هود : 123 ] وذلك إشارة إلى معرفة المبدأ ولما كانت الكمالات الحقيقية ليست إلا العلم والقدرة ، لا جرم ذكرها في هذه الآية ، وقوله {وَللَّهِ غَيْبُ السموات والأرض} إشارة إلى كمال العلم ، وقوله {وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الأمر كُلُّهُ} إشارة إلى كمال القدرة ، فهذا هو الإشارة إلى علم المبدأ ، وأما علم الوسط وهو علم ما يجب اليوم أن يشتغل به ، فله أيضاً مرتبتان : البداية والنهاية أما البداية فالاشتغال بالعبودية ، وأما النهاية فقطع النظر عن الأسباب ، وتفويض الأمور كلها إلى مسبب الأسباب ، وذلك هو المسمى بالتوكل ، فذكر هذين المقامين ، فقال : {فاعبده وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ} [ هود : 123 ] وأما علم المعاد فهو قوله {وَمَا رَبُّكَ بغافل عَمَّا يَعْمَلُونَ} [ الأنعام : 132 ] أي فيومك غداً سيصل فيه نتائج أعمالك إليك ، فقد اشتملت هذه الآية على كمال ما يبحث عنه في هذه المراتب الثلاثة ، ونظيرها أيضاً قوله سبحانه وتعالى : {سبحان رَبّكَ رَبّ العزة عَمَّا يَصِفُونَ} [ الصافات : 180 ] وهو إشارة إلى علم المبدأ ، ثم قال : {وسلام على المرسلين} [ الصافات : 181 ] وهو إشارة إلى علم الوسط ، ثم قال : {والحمد للَّهِ رَبّ العالمين} [ الصافات : 182 ] وهو إشارة إلى علم المعاد على ما قال في صفة أهل الجنة {وآخر دعواهم أن الحمدلله رب العالمين} [ يونس : 100 ].","part":10,"page":317},{"id":4211,"text":"إذا عرفت هذا فنقول : تعريف هذه المراتب الثلاثة مذكور في آخر سورة البقرة ، فقوله {آمنَ الرسول} إلى قوله {لاَ نُفَرّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مّن رُّسُلِهِ} إشارة إلى معرفة المبدأ ، وقوله {وَقَالُواْ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا} إشارة إلى علم الوسط ، وهو معرفة الأحوال التي يجب أن يكون الإنسان عالماً مشتغلاً بها ، ما دام يكون في هذه الحياة الدنيا ، وقوله {غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ المصير} إشارة إلى علم المعاد ، والوقوف على هذه الأسرار ينور القلب ويجذبه من ضيق عالم الأجسام إلى فسحة عالم الأفلاك ، وأنوار بهجة السموات.\rالوجه الثالث في النظم : أن المطالب قسمان أحدهما : البحث عن حقائق الموجودات والثاني : البحث عن أحكام الأفعال في الوجوب والجواز والحظر ، أما القسم الأول فمستفاد من العقل والثاني مستفاد من السمع والقسم الأول هو المراد بقوله {والمؤمنون كُلٌّ ءَامَنَ بالله} والقسم الثاني هو المراد بقوله {وَقَالُواْ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا }. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 7 صـ 117 ـ 118}\rفائدة\rقال ابن عاشور : \rوإنّما جيء بلفظ الماضي ، دون المضارع ، ليدلوا على رسوخ ذلك ؛ لأنّهم أرادوا إنشاء القبول والرضا ، وصيغ العقود ونحوها تقع بلفظ الماضي نحو بعْت. أ هـ {التحرير والتنوير حـ 3 صـ 134}\rفصل\rقال الفخر : \rقال الواحدي رحمه الله قوله {سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا} أي سمعنا قوله وأطعنا أمره ، إلا أنه حذف المفعول ، لأن في الكلام دليلاً عليه من حيث مدحوا به.","part":10,"page":318},{"id":4212,"text":"وأقول : هذا من الباب الذي ذكره عبد القاهر النحوي رحمه الله أن حذف المفعول فيه ظاهراً وتقديراً أولى لأنك إذا جعلت التقدير : سمعنا قوله ، وأطعنا أمره ، فإذن ههنا قول آخر غير قوله ، وأمر آخر يطاع سوى أمره ، فإذا لم يقدر فيه ذلك المفعول أفاد أنه ليس في الوجود قول يجب سمعه إلا قوله وليس في الوجود أمر يقال في مقابلته : أطعنا إلا أمره فكان حذف المفعول صورة ومعنى في هذا الموضع أولى. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 7 صـ 118 ـ 119}\rفصل\rقال الفخر : \rاعلم أنه تعالى لما وصف إيمان هؤلاء المؤمنين وصفهم بعد ذلك بأنهم يقولون : سمعنا وأطعنا ، فقوله {سَمِعْنَا} ليس المراد منه السماع الظاهر ، لأن ذلك لا يفيد المدح ، بل المراد أنا سمعناه بآذان عقولنا ، أي عقلناه وعلمنا صحته ، وتيقنا أن كل تكليف ورد على لسان الملائكة والأنبياء عليهم الصلاة والسلام إلينا فهو حق صحيح واجب القبول والسمع بمعنى القبول والفهم وارد في القرآن ، قال الله تعالى : {إِنَّ فِى ذلك لذكرى لِمَن كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السمع وَهُوَ شَهِيدٌ} [ ق : 37 ] والمعنى : لمن سمع الذكرى بفهم حاضر ، وعكسه قوله تعالى : {كَأَن لَّمْ يَسْمَعْهَا كَأَنَّ فِى أُذُنَيْهِ وَقْراً} [ لقمان : 7 ] ثم قال بعد ذلك {وَأَطَعْنَا} فدل هذا على أنه كما صح اعتقادهم في هذه التكاليف فهم ما أخلوا بشيء منها فجمع الله تعالى بهذين اللفظين كل ما يتعلق بأبواب التكليف علماً وعملاً. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 7 صـ 119}\rفائدة\rقال أبو السعود : \rوتقديمُ ذكرِ السمعِ والطاعةِ على طلب الغفران لما أن تقديمَ الوسيلةِ على المسؤول أدعى إلى الإجابة والقبول ، والتعرضُ لعنوان الربوبية مع الإضافة إليهم للمبالغة في التضرُّع والجُؤار. أ هـ {تفسير أبى السعود حـ 1 صـ 276}\rقوله تعالى {غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ المصير}\rفصل\rقال الفخر : ","part":10,"page":319},{"id":4213,"text":"في هذه الآية سؤال ، وهو أن القوم لما قبلوا التكاليف وعملوا بها ، فأي حاجة بهم إلى طلبهم المغفرة.\rوالجواب من وجوه الأول : أنهم وإن بذلوا مجهودهم في أداء هذه التكاليف إلا أنهم كانوا خائفين من تقصير يصدر عنهم ، فلما جوزوا ذلك قالوا {غُفْرَانَكَ رَبَّنَا} ومعناه أنهم يلتمسون من قبله الغفران فيما يخافون من تقصيرهم فيما يأتون ويذرون والثاني : روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : \" إنه ليغان على قلبي وإني لأستغفر الله في اليوم والليلة سبعين مرة \" فذكروا لهذا الحديث تأويلات من جملتها أنه عليه الصلاة والسلام كان في الترقي في درجات العبودية فكان كلما ترقى من مقام إلى مقام أعلى من الأول رأى الأول حقيراً ، فكان يستغفر الله منه ، فحمل طلب الغفران في القرآن في هذه الآية على هذا الوجه أيضاً غير مستبعد والثالث : أن جميع الطاعات في مقابلة حقوق إلهيته جنايات ، وكل أنواع المعارف الحاصلة عند الخلق في مقابلة أنوار كبريائه تقصير وقصور وجهل ، ولذلك قال : {وَمَا قَدَرُواْ الله حَقَّ قَدْرِهِ} [ الأنعام : 91 ] وإذا كان كذلك فالعبد في أي مقام كان من مقام العبودية ، وإن كان عالماً جداً إذا قوبل ذلك بجلال كبرياء الله تعالى صار عين التقصير الذي يجب الاستغفار منه ، وهذا هو السر في قوله تعالى لمحمد صلى الله عليه وسلم : {فاعلم أَنَّهُ لاَ إله إِلا الله واستغفر لِذَنبِكَ} [ محمد : 19 ] فإن مقامات عبوديته وإن كانت عالية إلا أنه كان ينكشف له في درجات مكاشفاته أنها بالنسبة إلى ما يليق بالحضرة الصمدية عن التقصير ، فكان يستغفر منها ، وكذلك حكي عن أهل الجنة كلامهم فقال {وآخر دعواهم أن الحمدلله رب العالمين } [ يونس : 10 ] فسبحانك اللّهم إشارة إلى التنزيه.","part":10,"page":320},{"id":4214,"text":"ثم إنه قال : {دعواهم فِيهَا سبحانك اللهم وَتَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلاَمٌ} [ يونس : 10 ] يعني أن كل الحمد لله وإن كنا لا نقدر على فهم ذلك الحمد بعقولنا ولا على ذكره بألسنتنا. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 7 صـ 119}\rفصل\rقال الفخر : \rقوله {غُفْرَانَكَ} تقديره : اغفر غفرانك ، ويستغني بالمصدر عن الفعل في الدعاء نحو سقياً ورعياً ، قال الفرّاء : هو مصدر وقع موقع الأمر فنصب ، ومثله الصلاة الصلاة ، والأسد الأسد ، وهذا أولى من قول من قال : نسألك غفرانك لأن هذه الصيغة لما كانت موضوعة لهذا المعنى ابتداء كانت أدل عليه ، ونظيره قولك : حمداً حمداً ، وشكراً شكراً ، أي أحمد حمداً ، وأشكر شكراً. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 7 صـ 119 ـ 120}\rفصل\rقال الفخر : \rإن طلب هذا الغفران مقرون بأمرين","part":10,"page":321},{"id":4215,"text":"أحدهما : بالإضافة إليه ، وهو قوله {غُفْرَانَكَ} والثاني : أردفه بقوله {رَبَّنَا} وهذان القيدان يتضمنان فوائد إحداها : أنت الكامل في هذه الصفة ، فأنت غافر الذنب ، وأنت غفور {وَرَبُّكَ الغفور} [ الكهف : 58 ] {وَهُوَ الغفور الودود} [ البروج : 14 ] وأنت الغفار {استغفروا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّاراً} [ نوح : 10 ] يعني أنه ليست غفاريته من هذا الوقت ، بل كانت قبل هذا الوقت غفار الذنوب ، فهذه الغفارية كالحرفة له ، فقوله ههنا {غُفْرَانَكَ} يعني أطلب الغفران منك وأنت الكامل في هذه الصفة ، والمطموع من الكامل في صفة أن يعطي عطية كاملة ، فقوله {غُفْرَانَكَ} طلب لغفران كامل ، وما ذاك إلا بأن يغفر جميع الذنوب بفضله ورحمته ، ويبدلها بالحسنات ، كما قال : {فأولئك يُبَدّلُ الله سَيّئَاتِهِمْ حسنات} [ الفرقان : 70 ] وثانيها : روي في الحديث الصحيح \" إن لله مائة جزء من الرحمة قسم جزءاً واحداً منها على الملائكة والجن والإنس وجميع الحيوانات ، فيها يتراحمون ، وادخر تسعة وتسعين جزءاً ليوم القيامة \" فأظن أن المراد من قوله {غُفْرَانَكَ} هو ذلك الغفران الكبير ، كان العبد يقول : هب أن جرمي كبير لكن غفرانك أعظم من جرمي وثالثها : كأن العبد يقول : كل صفة من صفات جلالك وإلهيتك ، فإنما يظهر أثرها في محل معين ، فلولا الوجود بعد العدم لما ظهرت آثار قدرتك ، ولولا الترتيب العجيب والتأليف الأنيق لما ظهرت آثار علمك ، فكذا لولا جرم العبد وجنايته ، وعجزه وحاجته ، لما ظهرت آثار غفرانك ، فقوله {غُفْرَانَكَ} معناه طلب الغفران الذي لا يمكن ظهور أثره إلا في حقي ، وفي حق أمثالي من المجرمين.","part":10,"page":322},{"id":4216,"text":"وأما القيد الثاني : وهو قوله {رَبَّنَا} ففيه فوائد أولها : ربيتني حين ما لم أذكرك بالتوحيد ، فكيف يليق بكرمك أن لا تريني عندما أفنيت عمري في توحيدك وثانيها : ربيتني حين كنت معدوماً ، ولو لم تربني في ذلك الوقت لما تضررت به ، لأني كنت أبقى حينئذ في العدم ، وأما الآن فلو لم تربني وقعت في الضرر الشديد ، فأسألك أن لا تهملي وثالثها : ربيتني في الماضي فاجعل لي في الماضي شفيعي إليك في أن تربيني في المستقبل ورابعها : ربيتني في الماضي فإتمام المعروف خير من ابتدائه ، فتمم هذه التربية بفضلك ورحمتك. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 7 صـ 120}\rقوله الله تعالى : {وَإِلَيْكَ المصير}\rقال الفخر : \rوفيه فائدتان\rإحداهما : بيان أنهم كما أقروا بالمبدأ فكذلك أقروا بالمعاد ، لأن الإيمان بالمبدأ أصل الإيمان بالمعاد ، فإن من أقر أن الله عالم بالجزئيات ، وقادر على كل الممكنات ، لا بد وأن يقر بالمعاد والثانية : بيان أن العبد متى علم أنه لا بد من المصير إليه ، والذهاب إلى حيث لا حكم إلا حكم الله ، ولا يستطيع أحد أن يشفع إلا بإذن الله ، كان إخلاصه في الطاعات أتم ، واحترازه عن السيئات أكمل ، وهاهنا آخر ما شرح الله تعالى من إيمان المؤمنين. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 7 صـ 120}\rوقال ابن عاشور : \rوالمصير يحتمل أن يكون حقيقة فيكون اعترافاً بالبعث ، وجعل منتهياً إلى الله لأنّه منتهٍ إلى يوم ، أو عالَم ، تظهر فيه قدرة الله بالضرورة.\rويحتمل أنّه مجاز عن تمام الامتثال والإيمان.\rكأنّهم كانوا قبل الإسلام آبقين ، ثم صاروا إلى الله ، وهذا كقوله تعالى : { ففروا إلى اللَّه } [ الذاريات : 50 ].","part":10,"page":323},{"id":4217,"text":"وجعل المصير إلى الله تمثيلاً للمصير إلى أمره ونهيه : كقوله : { ووجد اللَّه عنده فوفاه حسابه } [ النور : 39 ] وتقديم المجرور لإفادة الحصر : أي المصير إليك لا إلى غيرك ، وهو قصر حقيقي قصدوا به لازم فائدته ، وهو أنّهم عالِمون بأنّهم صائرون إليه ، ولا يصيرون إلى غيره ممّن يعبدهم أهل الضّلال. أ هـ {التحرير والتنوير حـ 3 صـ 134}\rفائدة\rقال القرطبى : \rروي أن النبيّ صلى الله عليه وسلم لما نزلت عليه هذه الآية قال له جبريل : \"إن الله قد أحل الثناء عليك وعلى أُمتك فسل تُعْطَه\" فسأل إلى آخر السورة. أ هـ {تفسير القرطبى حـ 3 صـ 429}\rفصل فى ذكر الأحاديث الواردة في فضل هاتين الآيتين الكريمتين نفعنا الله بهما.\rقال ابن كثير\rالحديث الأول : قال البخاري : حدثنا محمد بن كثير ، أخبرنا شعبة ، عن سليمان ، عن إبراهيم ، عن عبد الرحمن ، عن أبي مسعود ، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : \"من قرأ بالآيتين\" ، وحدثنا أبو نعيم ، حدثنا سفيان ، عن منصور ، عن إبراهيم ، عن عبد الرحمن بن يزيد ، عن أبي مسعود ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : \"من قرأ بالآيتين من آخر سورة البقرة في ليلة كَفَتَاه\". {صحيح البخاري برقم (5008)}.\rوقد أخرجه بقية الجماعة من طريق سليمان بن مِهْران الأعمش ، بإسناده ، مثله. { صحيح مسلم برقم (808) وسنن أبي داود برقم (1397) وسنن الترمذي برقم (2881) وسنن النسائي الكبرى برقم (8019) وسنن ابن ماجة برقم (1368).}.\rوهو في الصحيحين من طريق الثوري ، عن منصور ، عن إبراهيم ، عن عبد الرحمن ، عنه ، به. { صحيح البخاري برقم (5009) وصحيح مسلم برقم (807) ؛ ولكنه فيه عن زهير ، عن منصور به.}.\rوهو في الصحيحين أيضا عن عبد الرحمن ، عن علقمة عن أبي مسعود -قال عبد الرحمن : ثم لقيت أبا مسعود ، فحدثني به. { صحيح البخاري برقم (4008) وصحيح مسلم برقم (808)}.","part":10,"page":324},{"id":4218,"text":"وهكذا رواه أحمد بن حنبل : حدثنا يحيى بن آدم ، حدثنا شريك ، عن عاصم ، عن المسيب بن رافع ، عن علقمة ، عن أبي مسعود ، عن النبي صلى الله عليه وسلم ، قال : \"من قرأ الآيتين من آخر سورة البقرة في ليلته كفتاه\".{ المسند (4/118)}.\rالحديث الثاني : قال الإمام أحمد : حدثنا حسين ، حدثنا شيبان ، عن منصور ، عن رِبعي ، عن خَرشة بن الحُر ، عن المعرور بن سويد ، عن أبي ذر ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : \"أعطيت خواتيم سورة البقرة من كنز تحت العرش ، لم يعطهن نبي قبلي\". { المسند (5/151)}.\rوقد رواه ابن مردويه ، من حديث الأشجعي ، عن الثوري ، عن منصور ، عن رِبْعِي ، عن زيد بن ظِبْيان ، عن أبي ذر قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : \"أعطيت خواتيم سورة البقرة من كنز تحت العرش\". { ورواه البيهقي في شعب الإيمان برقم (2404) من طريق الأشجعي به}.\rالحديث الثالث : قال مسلم : حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة ، حدثنا أبو أسامة ، حدثنا مالك بن مغْول(ح) وحدثنا ابن نُمَير ، وزهير بن حرب جميعًا ، عن عبد الله بن نُمير -وألفاظهم متقاربة -قال ابن نمير : حدثنا أبي ، حدثنا مالك بن مِغْوَل ، عن الزبير بن عدي عن طلحة ، عن مُرَة ، عن عبد الله ، قال : لما أسْريَ برسول الله صلى الله عليه وسلم انْتُهِيَ به إلى سدرة المنتهى ، وهي في السماء السادسة إليها ينتهي ما يُعْرَج به من الأرض فَيُقْبَض منها ، وإليها ينتهي ما يُهْبَطُ به من فوقها فيُقْبَض منها ، قال : { إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ مَا يَغْشَى } [النجم : 16] ، قال : فرَاش من ذهب. قال : وأعطي رسول الله صلى الله عليه وسلم ثلاثًا : أعْطِيَ الصلوات الخمس ، وأعْطِي خواتيم سورة البقرة ، وغفر لمن لم يشرك بالله من أمته شيئًا المُقْحَماتُ. { صحيح مسلم برقم (173)}.","part":10,"page":325},{"id":4219,"text":"الحديث الرابع : قال أحمد : حدثنا إسحاق بن إبراهيم الرازي ، حدثنا سلمة بن الفضل ، حدثني محمد بن إسحاق ، عن يزيد بن أبي حبيب ، عن مَرْثَد بن عبد الله اليزني ، عن عقبة بن عامر الجهني قال : قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم : \"اقرأ الآيتين من آخر سورة البقرة فإني أعطيتهما من تحت العرش\". هذا إسناد حسن ، ولم يخرجوه في كتبهم. { المسند (4/147)}.\rالحديث الخامس : قال ابن مَرْدُويه : حدثنا أحمد بن كامل ، حدثنا إبراهيم بن إسحاق الحربي ، أخبرنا مُسَدَّد أخبرنا أبو عوانة ، عن أبي مالك ، عن ربْعِي ، عن حذيفة ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : \"فضلنا على الناس بثلاث ، أوتيت هؤلاء الآيات من آخر سورة البقرة من بيت كنز تحت العرش ، لم يعطها أحد قبلي ، ولا يعطاها أحد بعدي\". { ورواه النسائي في السنن الكبرى برقم (8022) من طريق آدم بن أبي إياس ، عن أبي عوانة به}.\rثم رواه من حديث نُعَيم بن أبي هندي ، عن ربعي ، عن حذيفة ، بنحوه.\rالحديث السادس : قال ابن مردويه : حدثنا عبد الباقي بن نافع ، أنبأنا إسماعيل بن الفضل ، أخبرنا محمد بن حاتم بن بزَيع ، أخبرنا جعفر بن عون ، عن مالك بن مِغْول ، عن أبي إسحاق ، عن الحارث ، عن علي قال : لا أرى أحدًا عَقِل الإسلام ينام حتى يقرأ خواتيم سورة البقرة ، فإنها كنز أعطيه نبيكم صلى الله عليه وسلم من تحت العرش.\rورواه وَكِيع عن إسرائيل ، عن أبي إسحاق ، عن عمير بن عمرو الخارفي ، عن علي قال : ما أرى أحدًا يعقل ، بلغه الإسلام ، ينام حتى يقرأ آية الكرسي وخواتيم سورة البقرة ، فإنها من كنز تحت العرش. { ورواه ابن الضريس في فضائل القرآن برقم (169) من طريق أبي إسحاق ، عن عمير بن سعيد به ، قال النووي : \"صحيح على شرط البخاري ومسلم\"}.","part":10,"page":326},{"id":4220,"text":"الحديث السابع : قال أبو عيسى الترمذي : حدثنا بُنْدَار ، حدثنا عبد الرحمن بن مهدي ، حدثنا حماد بن سلمة ، عن أشعث بن عبد الرحمن الجَرْمي عن أبي قِلابَة ، عن أبي الأشعث الصنعاني ، عن النعمان بن بشير ، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : \"إن الله كتب كتابًا قبل أن يخلق السموات والأرض بألفي عام ، أنزل منه آيتين ختم بهما سورة البقرة ، ولا يقرأن في دار ثلاث ليال فيقربها شيطان\". ثم قال : هذا حديث غريب. وهكذا رواه الحاكم في مستدركه من حديث حماد بن سلمة به ، وقال : صحيح على شرط مسلم ، ولم يخرجاه. { سنن الترمذي برقم (2882) والمستدرك (1/562)}.\rالحديث الثامن : قال ابن مردويه : حدثنا عبد الرحمن بن محمد بن مدين ، أخبرنا الحسن بن الجهم ، أخبرنا إسماعيل بن عمرو ، أخبرنا ابن أبي مريم ، حدثني يوسف بن أبي الحجاج ، عن سعيد ، عن ابن عباس قال : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا قرأ آخر سورة البقرة وآية الكرسي ضحك ، وقال : \"إنهما من كنز الرحمن تحت العرش\". وإذا قرأ : { مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِه } [النساء : 123] ، { وَأَنْ لَيْسَ لِلإنْسَانِ إِلا مَا سَعَى * وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرَى * ثُمَّ يُجْزَاهُ الْجَزَاءَ الأوْفَى } [النجم : 39-41] ، استرجع واستكان. { ذكره السيوطي في الدر المنثور (2/7) وعزاه لابن مردويه ، وفي إسناده مجاهيل}.\rالحديث التاسع : قال ابن مردويه : حدثنا عبد الله بن محمد بن كوفي ، حدثنا أحمد بن يحيى بن حمزة ، حدثنا محمد بن بكر حدثنا مكي بن إبراهيم ، حدثنا عبد الله بن أبي حميد ، عن أبي مَلِيح ، عن معقل بن يسار ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : \"أعطيت فاتحة الكتاب ، وخواتيم سورة البقرة من تحت العرش ، والمُفَصل نافلة\". { ورواه الحاكم في المستدرك وصححه (1/559) من طريق عبيد الله بن أبي حميد به نحوه ، وتعقبه الذهبي بقوله : \"فيه عبيد الله بن أبي حميد تركوه\"}.","part":10,"page":327},{"id":4221,"text":"الحديث العاشر : قد تقدم في فضائل الفاتحة ، من رواية عبد الله بن عيسى بن عبد الرحمن بن أبي ليلى ، عن سعيد بن جُبير ، عن ابن عباس قال : بينا رسول الله صلى الله عليه وسلم وعنده جبريل ؛ إذ سمع نقيضا فوقه ، فرفع جبريل بصره إلى السماء ، فقال : هذا باب قد فتح من السماء ما فُتِح قَط. قال : فنزل منه مَلَك ، فأتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال : أبشر بنورين قد أوتيتهما ، لم يؤتهما نبي قبلك : فاتحة الكتاب ، وخواتيم سورة البقرة ، لن تقرأ حرفا منهما إلا أوتيته ، رواه مسلم والنسائي ، وهذا لفظه. { صحيح مسلم برقم (806) وسنن النسائي (2/138)}.\r[الحديث الحادي عشر : قال أبو محمد عبد الله بن عبد الرحمن الدارمي في مسنده : حدثنا أبو المغيرة ، حدثنا صفوان ، حدثنا أيفع بن عبد الله الكلاعي قال : قال رجل : يا رسول الله ، أي آية في كتاب الله أعظم ؟ قال : \"آية الكرسي : { اللَّهُ لا إِلَهَ إِلا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ } قال : فأي آية في كتاب الله تحب أن تصيبك وأمتك ؟ قال : \"آخر سورة البقرة ، ولم يترك خيرًا في الدنيا والآخرة إلا اشتملت عليه\" ]. { سنن الدارمي برقم (3380) وقال الحافظ ابن حجر في الإصابة (1/139) : \"هو مرسل أو معضل\"}. أ هـ {تفسير ابن كثير حـ 1 صـ 733 ـ 736}\rمن لطائف الإمام القشيرى فى الآية\rهذه شهادة الحق - سبحانه - لنبيِّه - صلى الله عليه وسلم وعلى آله - بالإيمان ، وذلك أتمُّ له من إخباره عن نفسه بشهادته.\rويقال آمن الخَلْق كلُّهم من حيث البرهان وآمن الرسول - عليه السلام - من حيث العيان.\rويقال آمن الخَلْق بالوسائط وآمن محمد - صلى الله عليه وسلم - بغير واسطة.\rويقال هذا خطاب الحق معه ليلة المعراج على جهة تعظيم القَدْر فقال : { آمَنَ الرَّسُولُ } ، ولم يقل آمَنتَ ، كما تقول لعظيم الشأن من الناس : قال الشيخ ، وأنت تريد قلتَ.\rويقال : { آمَنَ الرَّسُولً كُلٌّ آمَنَ بِاللهِ وَمَلاَئِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ } ، ولكن شتان بين إيمان وإيمان ، الكلُّ آمنوا استدلالاً ، وأنت يا محمد آمنتَ وصالاً. أ هـ {لطائف الإشارات حـ 1 صـ 215 ـ 216}","part":10,"page":328},{"id":4222,"text":"فوائد لغوية\rقال ابن عادل :\rقوله تعالى : { والمؤمنون } : يجوزُ فيه وجهان :\rأحدهما : أنه مرفوعٌ بالفاعلية عطفاً على \" الرَّسُول \" - عليه الصَّلاة والسَّلام - فيكونُ الوقفُ هنا ، ويدُلُّ على صحَّةِ هذه قراءةُ عليّ بن أبي طالب - كرم الله وجهه - : \" وَآمَنَ المُؤْمِنُونَ \" ، فأَظْهَرَ الفعلَ ، ويكون قوله : \" كُلٌّ آمَنَ \" جملةً من مبتدأ وخبر يدُلُّ على أنَّ جميع مَنْ تقدَّم ذكره آمَنَ بما ذكر.\rوالثاني : أن يكون \" المُؤْمِنُونَ \" مبتدأٌ ، و\" كلٌّ \" مبتدأ ثانٍ ، و\" آمَنَ \" خبرٌ عن \" كُلّ \" وهذا المبتدأ وخبرُه خبرُ الأوَّل؛ وعلى هذا فلا بُدَّ من رابطٍ بين هذه الجملةِ وبين ما أخبر بها عنه ، وهو محذوفٌ ، تقديرُه : \" كُلٌّ مِنْهُمْ \" وهو كقولهم : \" السَّمْنُ مَنَوَانِ بِدِرْهَم \" ، تقديرُه : مَنَوَانِ مِنْهُ ، قال الزمخشريُّ : \" والمؤمنُونَ إن عُطِفَ على الرسول ، كان الضّميرُ الذي التنوينُ نائبٌ عنه في \" كُلّ \" راجعاً إلى \" الرَّسُول \" - صلى الله عليه وسلم - و\" المُؤْمِنُونَ \" أي : كلُّهم آمَنَ بالله ومَلاَئِكَتِهِ وكُتُبِهِ ورُسُلِهِ من المذكورين. ووُقِفَ عليه ، وإن كان مبتدأً كان الضميرُ للمؤمنين \".\rقوله : { لاَ نُفَرِّقُ } هذه الجملة منصوبةٌ بقولٍ محذوف ، تقديره : \" يقولون : لا نُفَرِّقُ \" ، ويجوز أن يكون التقدير : \" يَقُولُ \" يعني يجوز أن يراعى لفظ \" كُلّ \" تارةً ، ومعناها أخرى في ذلك القول المقدَّر ، فمن قدَّر \" يَقُولُونَ \" ، راعى معناها ومن قدَّر \" يَقُولُ \" ، راعى لفظها ، وهذا القول المضمر في محلِّ نصبٍ على الحال ، ويجوز أن يكون في محلِّ رفعٍ؛ لأنه خبر بعد خبر ، قاله الحوفيُّ.\rوالعامَّة على \" لاَ نُفَرِّقُ \" بنون الجمع.\rو \" مِنْ رُسُلِهِ \" في محلِّ جرٍّ؛ لأنه صفةٌ لـ \" أَحَد \" ، و\" قَالُوا \" عطفٌ على \" آمَنَ \" ، وقد تقدَّم أنه حمل على معنى \" كُلّ \". أ هـ {تفسير ابن عادل حـ 4 صـ 524 ـ 528}. بتصرف.","part":10,"page":329},{"id":4224,"text":"من فوائد ابن عرفة فى الآية\rقوله تعالى : { آمَنَ الرسول بِمَآ أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِن رَّبِّهِ والمؤمنون كُلٌّ آمَنَ . . . }.\rذكر ابن عطية سبب نزول الآية أنها لما نزلت { وَإِن تُبْدُواْ مَا في أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ }.\r.\rالآية شق ذلك على المؤمنين ثم قالوا { سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا }.\rفَمَدحهم الله وأثنى عليهم ورفع عنهم المشقة بقوله تعالى : { لاَ يُكَلِّفُ الله نَفْساً إِلاَّ وُسْعَهَا } قال ابن عرفة : وضم الإخبار عنهم بالإيمان في هذه الآية إلى هذا السبب يقتضي استلزام الإيمان للعمل الصالح ، قال : وفيها سؤال وهو أن الفاعل مخبر عنه بفعله وتقرر أنه لا يجوز ( قام ) القائم ، ولا ضرب الضارب ، إذ لا فائدة فيه ، فلو قيل : \" آمن الرسول والصحابة لأفاد ، فكيف قال ( آمَنَ ) المؤمنون ؟\rوالجواب : أنّه يفيد إذا ( قيد بشيء ) كقولك قام : في الدّار القائم ، وهنا أفاد تقيده وهو قوله { بِمَآ أُنزِلَ إِلَيْهِ مِن رَّبِّهِ }.\rانتهى.\rفإن قلت : لم ذكر الرسول ومعلوم أنه آمن ؟\rقلت : إنه ذكر مع المؤمنين تشريفا لهم وتعظيما إذ لا ينظم الجوهر النفيس إلا ( مع ) نفيس مثله.\rقال ابن عرفة : قال ابن عطية : و\" كل \" لفظة تصلح للاحاطة والقرينة تبين ذلك.\rانتهى.\rقال ابن عرفة : وظاهر أنّها ليست نصّا في العموم خلافا للأصوليين فإنهم ذكروها في ألفاظ العموم وتقدم للنحويين التفريق بين رفعها ونصبها في قوله :\rقد أصبحت أم الخيار تدعي . . .\rعليّ ذنبا كله لم أصنع\rفقالوا : رفعها أعم.\rقلت : إنما أراد ابن عطية قولهم : كل الصيد في جوف الفراء.\rورأيت رجلا كل ( الرجل ) وقولهم : أكلت شاة كل شاة.\rقوله تعالى : { وملائكته . . . }.","part":10,"page":330},{"id":4225,"text":"قال ابن عرفة : لا بد في الإيمان بالملائكة من استحضار أنّهم أجسام متحيزة ( منتقلة ) كبني آدم.\rولذلك قال أبو عمران الفارسي في المسألة المنقولة عنه في الكفار : إنّهم ما عرفوا ( الله ) قط ولا آمنوا به خلافا للغزالي من أهل السنة ( فإنه ) قال في الملائكة إنهم أجسام لطيفة لا متحيزة ولا قائمة بالمتحيز ونحا في هذا منحى الفلاسفة.\rقيل لابن عرفة : إنّ ( المقترح ) توقف فيهم ؟\rفقال : إنما توقف في إثبات الجوهر ( الفرد ) وهو شيء لا متحيز ولا قائم بالمتحيز ولم يتوقف في الملائكة.\rقوله تعالى : { وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ . . . }.\rقال الزمخشري : قرأ ابن عباس : \" وَكِتَابِهِ \" يريد القرآن وعنه الكتاب أكثر من الكتب.\rفإن قلت : كيف يكون الكتاب أكثر من الكتب ؟\rقلت : لأنه إذا أريد بالواحد الجنس والجنسية قائمة في وحدان ( الجنس ) كلها لم يخرج منها شيء ، وأما الجمع فلا يدخل تحته ( الاّ ما فيه الجنسية من المجموع.\rوقدره الطيبي بأن المفرد إذا أريد به الجنس يدخل تحته ) المجموع والأشخاص بخلاف الجمع فإنه لا يتناول إلا المفردات فقط.\rقيل لابن عرفة : قد اختلفوا في المفرد المحلى بالألف واللاّم ( هل يفيد العموم ، واتفقوا على أنّ الجمع يفيد العموم لا سيما المحلى بالألف واللاّم ) ؟\rفقال : ( ما كلامنا ) إلا فيما ثبت فيه العموم من مفرد أو جمع ، فالمفرد الذي يثبت فيه العموم ( أعم من الجمع الذي يثبت فيه العموم ).\rوكلام أبي حيان في هذا الموضع غير صحيح وكذلك كلام الطيبي.\rقال : وقد ذكر القرافي في الخلاف في دَلاَلة العام على أفراده هل هي تضمن أو التزام ونص على أن المفرد الذي أريد به العموم دال على أفراده ومسمياته وذلك كان أعم من الجمع.\rقيل لابن عرفة : لعل دلالته على العموم بقرينة حالية ؟\rفقال : إذا تعارض صرف الدلالة للفظ أو لقرينة فصرفها للفظ أولى. انتهى.","part":10,"page":331},{"id":4226,"text":"قلت : لأن دلالة الجمع على أفراده من باب دلالة اللفظ على جزء مسماه ودلالة المفرد من باب دلالة اللفظ على تمام مسماه لأنه يدل على هذا المسمى وحده وعلى هذا بدلا عنه.\rقال ابن عرفة : ودلالة المطابقة حقيقة ودلالة التضمن والالتزام مجاز.\rفإن قلت : ليس الكتب في الآية معرفا بالألف واللاّم ( بل مضافا ) ؟\rقلت : الإضافة عاقبة الألف واللاّم.\rولذلك قال ابن التلمساني شارح المعالم في المسألة الثانية من الباب الثالث : إن من ألفاظ العموم صيغ الجموع المعرفة بلام الجنس أو بالإضافة.\rابن عرفة : وفائدة هذا الترتيب في الآية ما يقولونه : وهو التركيب والتحليل لأنّك إن بدأت من أول قلت : الله الأول ، والملائكة يتلقون الوحي منه ، والوحي في ثالث رتبة ، لأنّه ملقى ومتلقى كقولك : أعطيت زيدا درهما ، فالدرهم معطى ومأخوذ ، فهو مفعول بكل اعتبار ، وزيد فاعل ومفعول فالرسل في الرتبة الرابعة.\rوإن بدأت من أسفل قلت : الرسل المباشرون لنا والقرآن هو الذي يقع به المباشرة وهو منزل عليهم ثم من أنزله من عنده.\rقوله تعالى : { لاَ نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّن رُّسُلِهِ . . . }.\rفإن قلت : كيف هذا مع قوله { تِلْكَ الرسل فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ على بَعْضٍ } قلت : إذا أسند الحكم إلى الشيء فإنما يسند إليه باعتبار ( وصفه ) المناسب له وقد قال : \" من رسله \" فما التفريق بينهم إلا في وصف الرسالة أي لا نؤمن ببعضهم ونترك بعضهم بل نؤمن بالجميع.\rقال الله تعالى { إِنَّ الذين يَكْفُرُونَ بالله وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أَن يُفَرِّقُواْ بَيْنَ الله وَرُسُلِهِ وَيقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ}. أ هـ {تفسير ابن عرفة صـ 369 ـ 370}","part":10,"page":332},{"id":4227,"text":"قوله تعالى { لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا أَنْتَ مَوْلَانَا فَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ (286)}\rمناسبة الآية لما قبلها\rقال البقاعى :\rولما مُنّوا بالإيمان في سؤال الغفران عللوا السؤال بقولهم : {لا يكلف الله} أي الملك الأعظم الرحيم الأكرم الذي له جميع صفات الكمال {نفساً إلا وسعها} أي ما تسعه وتطيقه ولا تعجز عنه ،\rوذلك هو الممكن لذاته الذي يتعلق اختيار العبد بفعله ،\rولم يخبر الله تعالى بأنه لا يقع لا المحال لذاته ولا الممكن لذاته سواء كان مما لا مدخل للإنسان في اختياره كالنوم أو كان له مدخل فيه وقد تعلق العلم الأزلي بعدم وقوعه وأخبر سبحانه وتعالى بعدم وقوعه معيناً لصاحبه ،\rفهذا لا يقع التكليف به ويجوز التكليف به ؛ وهذا الكلام من جملة دعائهم على وجه الثناء طلباً للوفاء بما أخبرهم به الرسول صلى الله عليه وسلم عنه سبحانه وتعالى خوفاً من أن يكلفوا بما لله سبحانه وتعالى كما دلت عليه الآية وقول المؤمنين عند نزولها وجواب النبي صلى الله عليه وسلم لهم أن يكلف به من المؤاخذة بالوساوس التي لا يقع العزم عليها لأنه مما تخفيه النفوس ولا طاقة على دفعه فهو من باب :\rإذا أثنى عليك المرء يوماً . . .\rكفاه من تعرضه الثناء\rولعل العدول عن الخطاب إلى الغيبة بذكر الاسم الأعظم من باب التملق بأن له من صفات العظمة ما يقتضي العفو عن ضعفهم ومن صفات الحلم والرحمة والرأفة ما يرفه عنهم ويحتمل أن يكون ذلك من قول الله سبحانه وتعالى جزاء لهم على قولهم {سمعنا وأطعنا} - الآية ،","part":10,"page":333},{"id":4228,"text":"فأفادهم بذلك أنه لا يحاسبهم بحديث النفس الذي لا عزم فيه ؛ فانتفى ما شق عليهم من قوله {وإن تبدوا ما في أنفسكم} - الآية ،\rبخلاف ما أفاد بني إسرائيل قولهم {سمعنا وعصينا} [ البقرة : 93 ] من الآصار في الدنيا والآخرة ،\rفيكون حينئذ استئنافاً جواباً لمن كأنه قال : هل أجاب دعاءهم ؟ ويكون شرح قوله أول السورة : {أولئك على هدى من ربهم} [ البقرة : 5 ] ويؤيد هذا الاحتمال اتباعه لحكم ما في الوسع على طريق الاستئناف أو الاستفتاح بقوله : {لها} أي خاصاً بها {ما كسبت} وذكر الفعل مجرداً في الخير إيماء إلى أنه يكفي في الاعتداد به مجرد وقوعه ولو مع الكسل بل ومجرد نيته.\rقال الحرالي : وصيغة فعل مجردة تعرب عن أدنى الكسب فلذلك من همّ بحسنة فلم يعملها كتبت له حسنة - انتهى.\r{وعليها} أي بخصوصها {ما اكتسبت} فشرط في الشر صيغة الافتعال الدالة على الاعتمال إشارة إلى أن من طبع النفس الميل إلى الهوى بكليتها وإلى أن الإثم لا يكتب إلاّ مع التصميم والعزم القوي الذي إن كان عنه عمل ظاهر كان بجد ونشاط ورغبة وانبساط ،\rفلذلك من همّ بسيئة فلم يعملها لم تكتب عليه ،\rوربما جاءت العبارة بخلاف ذلك لمعنى في ذلك السياق اقتضاه المقام. أ هـ {نظم الدرر حـ 1 صـ 556 ـ 557}\rفصل\rقال الفخر :","part":10,"page":334},{"id":4229,"text":"في كيفية النظم : إن قلنا إن هذا من كلام المؤمنين فوجه النظم أنهم لما قالوا {سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا} فكأنهم قالوا : كيف لا نسمع ولا نطيع ، وأنه تعالى لا يكلفنا إلا ما في وسعنا وطاقتنا ، فإذا كان هو تعالى بحكم الرحمة الإلهية لا يطالبنا إلا بالشيء السهل الهين ، فكذلك نحن بحكم العبودية وجب أن نكون سامعين مطيعين ، وإن قلنا : إن هذا من كلام الله تعالى فوجه النظم أنهم لما قالوا {سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا} ثم قالوا بعده {غُفْرَانَكَ رَبَّنَا} دل ذلك على أن قولهم {غُفْرَانَكَ} طلباً للمغفرة فيما يصدر عنهم من وجوه التقصير منهم على سبيل العمد فلما كان قولهم : {غُفْرَانَكَ} طلباً للمغفرة في ذلك التقصير ، لا جرم خفف الله تعالى عنهم ذلك وقال : {لاَ يُكَلّفُ الله نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا} والمعنى أنكم إذا سمعتم وأطعتم ، وما تعمدتم التقصير ، فعند ذلك لو وقع منكم نوع تقصير على سبيل السهو والغفلة فلا تكونوا خائفين منه فإن الله تعالى لا يكلف نفساً إلا وسعها ، وبالجملة فهذا إجابة لهم في دعائهم في قولهم {غُفْرَانَكَ رَبَّنَا }. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 7 صـ 121}\rقال القرطبى :\rنصّ الله تعالى على أنه لا يكلف العباد من وقت نزول الآية عبادة من أعمال القلب أو الجوارح إلا وهي في وُسع المكلَّف وفي مقتضى إدراكه وبِنْيَته ؛ وبهذا انكشفت الكُرْبَةَ عن المسلمين في تأوّلهم أمر الخواطر.\rوفي معنى هذه الآية ما حكاه أبو هريرة رضي الله عنه قال : ما ودِدت أن أحداً ولدتني أُمّه إلا جعفر بن أبي طالب ، فإني تبعته يوماً وأنا جائع فلما بلغ منزله لم يجد فيه سوى نِحْى سَمْن قد بقي فيه أَثَارة فشقّه بين أيدينا ، فجعلنا نلعق ما فيه من السمن والرُّبِّ وهو يقول :\rما كلّف اللَّه نفساً فَوْقَ طاقتها . . .\rولا تَجُود يَدٌ إلاّ بما تَجِدُ. أ هـ {تفسير القرطبى حـ 3 صـ 430}\rفائدة\rقال الفخر :","part":10,"page":335},{"id":4230,"text":"قوله {لاَ يُكَلّفُ الله نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا} يحتمل أن يكون ابتداء خبر من الله ويحتمل أن يكون حكاية عن الرسول والمؤمنين على نسق الكلام في قوله {وَقَالُواْ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ المصير} [ البقرة : 285 ] وقالوا {لاَ يُكَلّفُ الله نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا} ويؤيد ذلك ما أردفه من قوله {رَبَّنَا لاَ تُؤَاخِذْنَا} فكأنه تعالى حكى عنهم طريقتهم في التمسك بالإيمان والعمل الصالح وحكى عنهم في جملة ذلك أنهم وصفوا ربهم بأنه لا يكلف نفساً إلا وسعها. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 7 صـ 121}","part":10,"page":336},{"id":4231,"text":"فائدة\rقال الجصاص :\rقَوْله تَعَالَى : { لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إلَّا وُسْعَهَا } فِيهِ نَصٌّ عَلَى أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَا يُكَلِّفُ أَحَدًا مَا لَا يَقْدِرُ عَلَيْهِ وَلَا يُطِيقُهُ ، وَلَوْ كَلَّفَ أَحَدًا مَا لَا يَقْدِرُ عَلَيْهِ وَلَا يَسْتَطِيعُهُ لَكَانَ مُكَلِّفًا لَهُ مَا لَيْسَ فِي وُسْعِهِ ، أَلَا تَرَى قَوْلَ الْقَائِلِ ( لَيْسَ فِي وُسْعِي كَيْتُ وَكَيْتُ ) بِمَنْزِلَةِ قَوْلِهِ ( لَا أَقْدِرُ عَلَيْهِ وَلَا أُطِيقُهُ ) ؟ بَلْ الْوُسْعُ دُونَ الطَّاقَةِ.\rوَلَمْ تَخْتَلِفْ الْأُمَّةُ فِي أَنَّ اللَّهَ لَا يَجُوزُ أَنْ يُكَلِّفَ الزَّمِنَ الْمَشْيَ وَالْأَعْمَى الْبَصَرَ وَالْأَقْطَعَ الْيَدَيْنِ الْبَطْشَ لِأَنَّهُ لَا يَقْدِرُ عَلَيْهِ وَلَا يَسْتَطِيعُ فِعْلَهُ ؛ وَلَا خِلَافَ فِي ذَلِكَ بَيْنَ الْأُمَّةِ.\rوَقَدْ وَرَدَتْ السُّنَّةُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّ مَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ الصَّلَاةَ قَائِمًا فَغَيْرُ مُكَلَّفٍ لِلْقِيَامِ فِيهَا ، وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْهَا قَاعِدًا فَغَيْرُ مُكَلَّفٍ لِلْقُعُودِ بَلْ يُصَلِّيهَا عَلَى جَنْبٍ يُومِئُ إيمَاءً لِأَنَّهُ غَيْرُ قَادِرٍ عَلَيْهَا إلَّا عَلَى هَذَا الْوَجْهِ ؛ وَنَصُّ التَّنْزِيلِ قَدْ أَسْقَطَ التَّكْلِيفَ عَمَّنْ لَا يَقْدِرُ عَلَى الْفِعْلِ وَلَا يُطِيقُهُ.\rوَزَعَمَ قَوْمٌ جُهَّالٌ نَسَبْت إلَى اللَّهِ فِعْلَ السَّفَهِ وَالْعَبَثِ ، فَزَعَمُوا أَنَّ كُلَّ مَا أُمِرَ بِهِ أَحَدٌ مِنْ أَهْلِ التَّكْلِيفِ أَوْ نُهِيَ عَنْهُ ، فَالْمَأْمُورُ بِهِ مِنْهُ غَيْرُ مَقْدُورٍ عَلَى فِعْلِهِ وَالْمَنْهِيُّ عَنْهُ غَيْرُ مَقْدُورٍ عَلَى تَرْكِهِ.أ هـ {أحكام القرآن للجصاص حـ 2 صـ 277}","part":10,"page":337},{"id":4232,"text":"وَقَدْ أَكْذَبَ اللَّهُ قِيلَهُمْ بِمَا نَصَّ عَلَيْهِ مِنْ أَنَّهُ لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إلَّا وُسْعَهَا ، مَعَ مَا قَدْ دَلَّتْ عَلَيْهِ الْعُقُولُ مِنْ قُبْحِ تَكْلِيفِ مَا لَا يُطَاقُ وَأَنَّ الْعَالِمَ بِالْقَبِيحِ الْمُسْتَغْنِي عَنْ فِعْلِهِ لَا يَقَعُ مِنْهُ فِعْلُ الْقَبِيحِ.\rوَمِمَّا يَتَعَلَّقُ بِذَلِكَ مِنْ الْأَحْكَامِ سُقُوطُ الْفَرْضِ عَنْ الْمُكَلَّفِينَ فِيمَا لَا تَتَّسِعُ لَهُ قُوَاهُمْ لِأَنَّ الْوُسْعَ هُوَ دُونَ الطَّاقَةِ ، وَأَنَّهُ لَيْسَ عَلَيْهِمْ اسْتِفْرَاغُ الْمَجْهُودِ فِي أَدَاءِ الْفَرْضِ نَحْوَ الشَّيْخِ الْكَبِيرِ الَّذِي يَشُقُّ عَلَيْهِ الصَّوْمُ وَيُؤَدِّيهِ إلَى ضَرَرٍ يَلْحَقُهُ فِي جِسْمِهِ ؛ وَإِنْ لَمْ يَخْشَ الْمَوْتَ بِفِعْلِهِ فَلَيْسَ عَلَيْهِ صَوْمُهُ لِأَنَّ اللَّهَ لَمْ يُكَلِّفْهُ إلَّا مَا يَتَّسِعُ لِفِعْلِهِ وَلَا يَبْلُغُ بِهِ حَالَ الْمَوْتِ.\rوَكَذَلِكَ الْمَرِيضُ الَّذِي يَخْشَى ضَرَرَ الصَّوْمِ وَضَرَرَ اسْتِعْمَالِ الْمَاءِ ؛ لِأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَخْبَرَ أَنَّهُ لَا يُكَلِّفُ أَحَدًا إلَّا مَا اتَّسَعَتْ لَهُ قُدْرَتُهُ وَإِمْكَانُهُ دُونَ مَا يُضَيِّقُ عَلَيْهِ وَيُعَنِّتُهُ ؛ وَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى : { وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَأَعْنَتَكُمْ } وَقَالَ فِي صِفَةِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { : عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ } فَهَذَا حُكْمٌ مُسْتَمِرٌّ فِي سَائِرِ أَوَامِرِ اللَّهِ وَزَوَاجِرِهِ وَلُزُومُ التَّكْلِيفِ فِيهَا عَلَى مَا يَتَّسِعُ لَهُ وَيَقْدِرُ عَلَيْهِ. أ هـ {أحكام القرآن للجصاص حـ 2 صـ 277}\rفائدة أخرى\rقال ابن العربى :\rقَوْله تَعَالَى : { لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إلَّا وُسْعَهَا } هَذَا أَصْلٌ عَظِيمٌ فِي الدِّينِ ، وَرُكْنٌ مِنْ أَرْكَانِ شَرِيعَةِ الْمُسْلِمِينَ شَرَّفَنَا اللَّهُ سُبْحَانَهُ عَلَى الْأُمَمِ بِهَا ، فَلَمْ يُحَمِّلْنَا إصْرًا وَلَا كَلَّفَنَا فِي مَشَقَّةٍ أَمْرًا ، وَقَدْ كَانَ مَنْ سَلَفَ مِنْ بَنِي إسْرَائِيلَ إذَا أَصَابَ الْبَوْلُ ثَوْبَ أَحَدِهِمْ قَرَضَهُ بِالْمِقْرَاضِ ، فَخَفَّفَ اللَّهُ تَعَالَى ذَلِكَ إلَى وَظَائِفِ عَلَى الْأُمَمِ حَمَلُوهَا ، وَرَفَعَهَا اللَّهُ تَعَالَى عَنْ هَذِهِ الْأُمَّةِ ، وَقَدْ قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { إذَا أَمَرْتُكُمْ بِأَمْرٍ فَأْتُوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُمْ وَإِذَا نَهَيْتُكُمْ عَنْ شَيْءٍ فَاجْتَنِبُوهُ }. أ هـ {أحكام القرآن لابن العربى حـ 1 صـ 347}","part":10,"page":338},{"id":4233,"text":"فصل\rقال الفخر :\rالمعتزلة عولوا على هذه الآية في أنه تعالى لا يكلف العبد ما لا يطيقه ولا يقدر عليه ، ونظيره قوله تعالى : {وَمَا جَعَلَ عَلَيْكمْ فِى الدين مِنْ حَرَجٍ} [ الحج : 78 ] وقوله {يُرِيدُ الله أَن يُخَفّفَ عَنْكُمْ} [ النساء : 28 ] وقوله {يُرِيدُ الله بِكُمُ اليسر} [ البقرة : 185 ] وقالوا : هذه الآية صريحة في نفي تكليف ما لا يطاق ، قالوا : وإذا ثبت هذا فههنا أصلان الأول : أن العبد موجد لأفعال نفسه ، فإنه لو كان موجدها هو الله تعالى ، لكان تكليف العبد بالفعل تكليفاً بما لا يطاق ، فإن الله تعالى إذا خلق الفعل وقع لا محالة ولا قدرة ألبتة للعبد على ذلك الفعل ولا على تركه ، أما إنه لا قدرة له على الفعل فلأن ذلك الفعل وجد بقدرة الله تعالى ، والموجود لا يوجد ثانياً ، وأما إنه لا قدر له على الدفع فلأن قدرته أضعف من قدرة الله تعالى ، فكيف تقوى قدرته على دفع قدرة الله تعالى وإذا لم يخلق الله الفعل استحال أن يكون للعبد قدرة على التحصيل ، فثبت أنه لو كان الموجد لفعل العبد هو الله تعالى لكان تكليف العبد بالفعل تكليفاً بما لا يطاق والثاني : أن الاستطاعة قبل الفعل وإلا لكان الكافر المأمور بالإيمان لم يكن قادراً على الإيمان ، فكان ذلك التكليف بما لا يطاق هذا تمام استدلال المعتزلة في هذا الموضع.\rأما الأصحاب فقالوا : دلّت الدلائل العقلية على وقوع التكليف على هذا الوجه ، فوجب المصير إلى تأويل هذه الآية.\rالحجة الأولى : أن من مات على الكفر ينبىء موته على الكفر أن الله تعالى كان عالماً في الأزل بأنه يموت على الكفر ولا يؤمن قط ، فكان العلم بعدم الإيمان موجوداً ، والعلم بعدم الإيمان ينافي وجود الإيمان على ما قررناه في مواضع ، وهو أيضاً مقدم بينة بنفسها ، فكان تكليفه بالإيمان مع حصول العلم بعدم الإيمان تكليفاً بالجمع بين النقيضين ، وهذه الحجة كما أنها جارية في العلم ، فهي أيضاً جارية في الجبر.","part":10,"page":339},{"id":4234,"text":"الحجة الثانية : أن صدور الفعل عن العبد يتوقف على الداعي ، وتلك الداعية مخلوقة لله تعالى ومتى كان الأمر كذلك كان تكليف ما لا يطاق لازماً ، إنما قلنا : إن صدور الفعل عن العبد يتوقف على الداعي ، لأن قدرة العبد لما كانت صالحة للفعل والترك ، فلو ترجح أحد الجانبين على الآخر من غير مرجح لزم وقوع الممكن من غير مرجح وهو نفي الصانع ، وإنما قلنا : إن تلك الداعية من الله تعالى لأنها لو كانت من العبد لافتقر إيجادها إلى داعية أخرى ولزم التسلسل ، وإنما قلنا : إنه متى كان الأمر كذلك لزم الجبر ، لأن عند حصول الداعية المرجحة لأحد الطرفين صار الطرف الآخر مرجوحاً ، والمرجوح ممتنع الوقوع ، وإذا كان المرجوح ممتنعاً كان الراجح واجباً ضرورة أنه لا خروج عن النقيضين ، فإذن صدور الإيمان من الكافر يكون ممتنعاً وهو مكلف به ، فكان التكليف تكليف ما لا يطاق.\rالحجة الثالثة : أن التكليف إما أن يتوجه على العبد حال استواء الداعيين ، أو حال رجحان أحدهما ، فإن كان الأول فهو تكليف ما لا يطاق ، لأن الاستواء يناقض الرجحان ، فإذا كلف حال حصول الاستواء بالرجحان ، فقد كلف بالجمع بين النقيضين ، وإن كان الثاني فالراجح واجب ، والمرجوح ممتنع ، وإن وقع التكليف بالراجح فقد وقع بالواجب ، وإن وقع بالمرجوح فقد وقع بالممتنع.\rالحجة الرابعة : أنه تعالى كلف أبا لهب الإيمان ، والإيمان تصديق الله في كل ما أخبر عنه ، وهو مما أخبر أنه لا يؤمن ، فقد صار أبو لهب مكلفاً بأن يؤمن بأنه لا يؤمن ، وذلك تكليف ما لا يطاق.","part":10,"page":340},{"id":4235,"text":"الحجة الخامسة : العبد غير عالم بتفاصيل فعله ، لأن من حرك أصبعه لم يعرف عدد الأحيان التي حرك أصبعه فيها ، لأن الحركة البطيئة عبارة عند المتكلمين عن حركات مختلطة بسكنات ، والعبد لم يخطر بباله أنه يتحرك في بعض الأحيان ، ويسكن في بعضها ، وأنه أين تحرك وأين سكن ، وإذا لم يكن عالماً بتفاصيل فعله لم يكن موجداً لها ، لأنه لم يقصد إيجاد ذلك العدد المخصوص من الأفعال ، فلو فعل ذلك العدد دون الأزيد ودون الأنقص فقد ترجح الممكن لا لمرجح وهو محال ، فثبت أن العبد غير موجد ، فإذا لم يكن موجداً كان تكليف ما لا يطاق لازماً على ما ذكرتم ، فهذه وجوه عقلية قطعية يقينية في هذا الباب ، فعلمنا أنه لا بد للآية من التأويل وفيه وجوه\rالأول : وهو الأصوب : أنه قد ثبت أنه متى وقع التعارض من القاطع العقلي ، والظاهر السمعي ، فإما أن يصدقهما وهو محال ، لأنه جمع بين النقيضين ، وإما أن يكذبهما وهو محال ، لأنه إبطال النقيضين ، وإما أن يكذب القاطع العقلي ، ويرجح الظاهر السمعي ، وذلك يوجب تطرق الطعن في الدلائل العقلية ، ومتى كان كذلك بطل التوحيد والنبوّة والقرآن ، وترجيح الدليل السمعي يوجب القدح في الدليل العقلي والدليل السمعي معاً ، فلم يبق إلا أن يقطع بصحة الدلائل العقلية ، ويحمل الظاهر السمعي على التأويل ، وهذا الكلام هو الذي تعول المعتزلة عليه أبداً في دفع الظواهر التي تمسك بها أهل التشبيه ، فبهذا الطريق علمنا أن لهذه الآية تأويلاً في الجملة ، سواء عرفناه أو لم نعرفه ، وحينئذ لا يحتاج إلى الخوض فيه على سبيل التفصيل.","part":10,"page":341},{"id":4236,"text":"الوجه الثاني في الجواب : هو أنه لا معنى للتكليف في الأمر والنهي إلا الإعلام بأنه متى فعل كذا فإنه يثاب ، ومتى لم يفعل فإنه يعاقب ، فإذا وجد ظاهر الأمر فإن كان المأمور به ممكناً كان ذلك أمراً وتكليفاً في الحقيقة ، وإلا لم يكن في الحقيقة تكليفاً ، بل كان إعلاماً بنزول العقاب به في الدار الآخرة ، وإشعاراً بأنه إنما خلق للنار.\rوالجواب\rالثالث : وهو أن الإنسان ما دام لم يمت ، وأنا لا ندري أن الله تعالى علم منه أنه يموت على الكفر أو ليس كذلك ، فنحن شاكون في قيام المانع ، فلا جرم نأمره بالإيمان ونحثه عليه ، فإذا مات على الكفر علمنا بعد موته أن المانع كان قائماً في حقه.\rفتبين أن شرط التكليف كان زائلاً عنه حال حياته ، وهذا قول طائفة من قدماء أهل الجبر.\rالجواب\rالرابع : أنا بينا أن قوله {لاَ يُكَلّفُ الله نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا} ليس قول الله تعالى ، بل هو قول المؤمنين ، فلا يكون حجة ، إلا أن هذا ضعيف ، وذلك لأن الله تعالى لما حكاه عنهم في معرض المدح لهم والثناء عليهم ، فبسبب هذا الكلام وجب أن يكونوا صادقين في هذا الكلام ، إذ لو كانوا كاذبين فيه لما جاز تعظيمهم بسببه ، فهذا أقصى ما يمكن أن يقال في هذا الموضع ونسأل الله العظيم أن يرحم عجزنا وقصور فهمنا ، وأن يعفو عن خطايانا ، فإنا لا نطلب إلا الحق ، ولا نروم إلا الصدق. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 7 صـ 121 ـ 123}\rوقال ابن عاشور :\rالوسع في القراءة بضم الواو ، في كلام العرب مثلّث الواو وهو الطاقة والاستطاعة ، والمراد به هنا ما يطاق ويستطاع ، فهو من إطلاق المصدر وإرادة المفعول.\rوالمستطاع هو ما اعتادَ الناسُ قدرتَهم على أن يفعلوه إن توجّهت إرادتهم لفعله مع السلامة وانتفاء الموانع.","part":10,"page":342},{"id":4237,"text":"وهذا دليل على عدم وقوع التكليف بما فوق الطاقة في أديان الله تعالى لعموم ( نفساً ) في سياق النفي ، لأنّ الله تعالى ما شرع التكليف إلاّ للعمل واستقامة أحوال الخلق ، فلا يكلّفهم ما لا يطيقون فعله ، وما ورد من ذلك فهو في سياق العقوبات ، هذا حكم عام في الشرائع كلّها.\rوامتازت شريعة الإسلام باليسر والرفق ، بشهادة قوله تعالى : { وما جعل عليكم في الدين من حرج } [ الحج : 78 ] وقوله : { يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر } ، ولذلك كان من قواعد الفقه العامة \"المشقّةُ تجلب التيسير\".\rوكانت المشقة مظنّة الرخصة ، وضبط المشاقّ المسقطة للعبادة مذكور في الأصول ، وقد أشبعت القول فيه في كتابي المسمّى \"مقاصد الشريعة\" وما ورد من التكاليف الشاقّة فأمر نادر ، في أوقات الضرورة ، كتكليف الواحد من المسلمين بالثباتِ للعشرة من المشركين ، في أول الإسلام ، وقلّة المسلمين.\rوهذه المسألة هي المعنونة في كتب الأصوليين بمسألة التكليف بالمحَال ، والتكليف بما لا يطاق ، وهي مسألة أرنَّت بها كتب الأشاعرة والمعتزلة ، واختلفوا فيها اختلافاً شهيراً ، دعا إليه التزام الفريقين للوازم أصولهم وقواعدهم فقالت الأشاعرة : يجوز على الله تكليف ما لا يطاق بناء على قاعدتهم في نفي وجوب الصلاح على الله ، وأنّ ما يصدر منه تعالى كلّه عدل لأنّه مالك العباد ، وقاعدتهم في أنّه تعالى يخلق ما يشاء ، وعلى قاعدتهم في أنّ ثمرة التكليف لا تختص بقصد الامتثال بل قد تكون لقصد التعجيز والابتلاء وجعل الامتثال علامة على السعادة ، وانتفائه علامة على الشقاوة ، وترتّب الإثم لأنّ لله تعالى إثابَة العاصي ، وتعذيبَ المطيع ، فبالأوْلى تعذيب من يأمره بفعل مستحيل ، أو متعذّر ، واستدلّوا على ذلك بحديث تكليف المصوّر بنفخ الروحِ في الصورة وما هو بنافخ ، وتكليف الكاذب في الرؤيا بالعقد بين شعيرتين وما هو بفاعل.","part":10,"page":343},{"id":4238,"text":"ولا دليل فيه لأنّ هذا في أمور الآخرة ، ولأنّهما خبرَا آحاد لا تثبت بمثلها أصول الدين.\rوقالت المعتزلة : يمتنع التكليف بما لا يطاق بناء على قاعدتهم في أنّه يجب الله فعل الصلاح ونفي الظلم عنه ، وقاعدتهم في أنّه تعالى لا يخلق المنكرات من الأفعال ، وقاعدتهم في أنّ ثمرة التكليف هو الامتثال وإلاّ لصار عبثاً وهو مستحيل على الله ، وأنّ الله يستحيل عليه تعذيب المطيع وإثابة العاصي.\rواستدلّوا بهذه الآية ، وبالآيات الدالة على أصولِها : مثل { ولا يظلم ربك أحداً } [ الكهف : 49 ] { وما كنا معذبين حتى نبعث رسولاً } [ الإسراء : 15 ] { قل إنّ الله لا يأمر بالفحشاء } [ الأعراف : 28 ] إلخ.\rوالتحقيق أنّ الذي جرّ إلى الخوض في المسألة هو المناظرة في خلق أفعال العباد ، ؛ فإنّ الأشعري لما نفى قدرة العبد ، وقال بالكسب ، وفسّره بمقارنة قدرة العبد لحصول المقدورِ دون أن تكون قدرته مؤثرّة فيه ، ألزمهم المعتزلة القول بأنّ الله كلّف العباد بما ليس في مقدورهم ، وذلك تكليف بما لا يطاق ، فالتزم الأشعري ذلك ، وخالف إمام الحرمين والغزالي الأشعريّ في جواز تكليف ما لا يطاق والآية لا تنهض حجة على كلا الفريقين في حكم إمكان ذلك.","part":10,"page":344},{"id":4239,"text":"ثم اختلف المجوّزون : هل هو واقع ، وقد حكى القرطبي الإجماع على عدم الوقوع وهو الصواب في الحكاية ، وقال إمام الحرمين في \"البرهان\" : \"والتكاليف كلّها عند الأشعري من التكليف بما لا يطاق ، لأنّ المأمورات كلّها متعلّقة بأفعال هي عند الأشعري غير مقدورة للمكلّف ، فهو مأمور بالصلاة وهو لا يقدر عليها ، وإنّما يُقْدِره الله تعالى عند إرادة الفعل مع سلامة الأسباب والآلات\" وما ألزمُه إمام الحرمين الأشعريّ إلزام باطل ؛ لأنّ المراد بما لا يطاق ما لا تتعلّق به قدرة العبد الظاهرة ، المعبّر عنها بالكسب ، للفرق البيِّن بين الأحوال الظاهرة ، وبين الحقائق المستورة في نفس الأمر ، وكذلك لا معنى لإدخال ما عَلِمَ الله عدمَ وقوعه ، كأمر أبي جهل بالإيمان مع عِلم الله بأنّه لا يؤمن ، في مسألة التكليف بما لا يطاق ، أو بالمحال ؛ لأنّ علم الله ذلك لم يطّلع عليه أحد.\rوأورد عليه أنّ النبي صلى الله عليه وسلم دعا أبا لهب إلى الإسلام وقد علم الله أنّه لا يسلم لقوله تعالى : { تبت يدا أبي لهب وتب إلى قوله سيصلى ناراً ذات لهب } [ المسد : 1 ، 3 ] فقد يقال : إنّه بعد نزول هذه الآية لم يخاطَب بطلب الإيمان وإنّما خوطب قبل ذلك ، وبذلك نسلم من أن نقول : إنّه خارج عن الدعوة ، ومن أن نقول : إنّه مخاطب بعد نزول الآية.\rوهذه الآية تقتضي عدم وقوع التكليف بما لا يطاق في الشريعة ، بحسب المتعارف في إرادة البشر وقُدَرِهم ، دون ما هو بحسب سرّ القَدَر ، والبحث عن حقيقة القدرة الحادثة ، نعم يؤخذ منها الرد على الجبرية. أ هـ {التحرير والتنوير حـ 3 صـ 135 ـ 137}\rقوله تعالى : {لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكتسبت}\rفصل\rقال الفخر :\rاختلفوا في أنه هل في اللغة فرق بين الكسب والاكتساب ، قال الواحدي رحمه الله : الصحيح عند أهل اللغة أن الكسب والاكتساب واحد لا فرق بينهما ، قال ذو الرمة :","part":10,"page":345},{"id":4240,"text":"ألفى أباه بذاك الكسب يكتسب.. والقرآن أيضاً ناطق بذلك ، قال الله تعالى : {كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ} [ المدثر : 38 ] وقال : {وَلاَ تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلاَّ عَلَيْهَا} [ الأنعام : 164 ] وقال : {بلى مَن كَسَبَ سَيّئَةً وأحاطت بِهِ خطيئته} [ البقرة : 81 ] وقال : {والذين يُؤْذُونَ المؤمنين والمؤمنات بِغَيْرِ مَا اكتسبوا} [ الأحزاب : 58 ] فدل هذا على إقامة كل واحد من هذين اللفظين مقام الآخر ، ومن الناس من سلم الفرق ، ثم فيه قولان\rأحدهما : أن الاكتساب أخص من الكسب ، لأن الكسب ينقسم إلى كسبه لنفسه ولغيره ، والاكتساب لا يكون إلا ما يكتسب الإنسان لنفسه خاصة يقال فلان كاسب لأهله ، ولا يقال مكتسب لأهله والثاني : قال صاحب \"الكشاف\" : إنما خص الخير بالكسب ، والشر بالاكتساب ، لأن الاكتساب اعتمال ، فلما كان الشر مما تشتهيه النفس ، وهي منجذبة إليه ، وأمارة به كانت في تحصيله أعمل وأجد ، فجعلت لهذا المعنى مكتسبة فيه ولما لم يكن كذلك في باب الخير وصفت بما لا دلالة فيه على الاعتمال والله أعلم. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 7 صـ 123 ـ 124}\rوقال أبو حيان :\r{ لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت }.\rأي : ما كسبت من الحسنات واكتسبت من السيئات ، قاله السدي ، وجماعة المفسرين ، لا خلاف في ذلك.\rوالخواطر ليست من كسب الإنسان ، والصحيح عند أهل اللغة أن الكسب والاكتساب واحد ، والقرآن ناطق بذلك.\rقال الله تعالى { كل نفس بما كسبت رهينة } وقال : { ولا تكسب كل نفس إلا عليها } وقال : { بلى من كسب سيئة وأحاطت به خطيئة } وقال : { بغير ما اكتسبوا }\rومنهم من فرق فقال : الاكتساب أخص من الكسب ، لأن الكسب ينقسم إلى كسب لنفسه ولغيره ، والاكتساب لا يكون إلاَّ لنفسه.\rيقال : كاسب أهله ، ولا يقال : مكتسب أهله قال الشاعر :\rألقيت كاسبهم في قعر مظلمة . . .","part":10,"page":346},{"id":4241,"text":"وقال الزمخشري : ينفعها ما كسبت من خير ، ويضرها ما اكتسبت من شر ، لا يؤاخذ غيرها بذنبها ولا يثاب غيرها بطاعتها.\rفإن قلت : لم خص الخير بالكسب والشر بالاكتساب.\rقلت : في الاكتساب اعتمال ، فاما كان الشر مما تشتهيه النفس ، وهي منجذبة إليه ، وأمّارة به ، كانت في تحصيله أعمل وأجدّ ، فجعلت لذلك مكتسبة فيه.\rولما لم تكن كذلك في باب الخير وصفت بما لا دلالة فيه على الاعتمال. انتهى كلامه.\rوقال ابن عطية : وكرر فعل الكسب ، فخالف بين التصريف حسناً لنمط الكلام ، كما قال : { فمهل الكافرين أمهلهم رويداً } هذا وجه ، والذي يظهر لي في هذا أن الحسنات هي مما تكتسب دون تكلف ، إذ كاسبها على جادة أمر الله ورسم شرعه ، والسيئات تكتسب ببناء المبالغة إذ كاسبها يتكلف في أمرها خرق حجاب نهى الله تعالى ، ويتخطاه إليها ، فيحسن في الآية مجيء التصريفين احترازاً لهذا المعنى. انتهى كلامه.\rوحصل من كلام الزمخشري ، وابن عطية : أن الشر والسيئات فيها اعتمال ، لكن الزمخشري قال : إن سبب الاعتمال هو اشتهاء النفس وانجذابها إلى ما تريده ، وابن عطية قال : إن سبب ذلك هو أنه متكلف ، خرق حجاب نهي الله تعالى ، فهو لا يأتي المعصية إلاَّ بتكلف ، ونحا السجاوندي قريباً من منحى ابن عطية ، وقال : الافتعال الالتزام ، وشره يلزمه ، والخير يشرك فيه غيره بالهداية والشفاعة.\rوالافتعال. الإنكماش ، والنفس تنكمش في الشر انتهى.\rوجاء : في الخير ، باللام لأنه مما يفرح به ويسرّ ، فأضيف إلى ملكه.\rوجاء : في الشر ، بعلى من حيث هو أوزار وأثقال ، فجعلت قد علته وصار تحتها ، يحملها.\rوهذا كما تقول : لي مال وعلى دين. أ هـ {البحر المحيط حـ 2 صـ 381 ـ 382}\rوقال ابن عاشور :\rوقوله : { لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت } حال من \"نَفَسا\" لبيان كيفية الوسع الذي كلفت به النفس : وهو أنّه إن جاءت بخير كان نفعه لها وإن جاءت بشرّ كان ضُرّه عليها.","part":10,"page":347},{"id":4242,"text":"وهذا التقسيم حاصل من التعليق بواسطة \"اللاّم\" مرة وبواسطة ( علَى ) أخرى.\rوأما كسبت واكتسبت فبمعنى واحد في كلام العرب ؛ لأنّ المطاوعة في اكتسب ليست على بابها ، وإنّما عبّر هنا مرة بكَسَبت وأخرى باكتسبت تفنّناً وكراهيةَ إعادة الكلمة بعينها ، كما فعل ذو الرمة في قوله :\rومُطعَممِ الصيد هَبَّال لبُغيته\rألفَى أباه بذاك الكَسْب مُكتسِبا...\rوقول النابغة :\rفحملت بَرّةَ واحتَمَلْتَ فجارِ\rوابتدُىء أولاً بالمشهور الكثير ، ثم أعيد بمطاوعه ، وقد تَكون ، في اختيار الفعل الذي أصله دَالٌ على المطاوعة ، إشارةٌ إلى أنّ الشرور يأمر بها الشيطان ، فتأتمر النفس وتطاوعه وذلك تبْغيض من الله للناس في الذنوب.\rواختير الفعل الدال على اختيار النفس للحسنات ، إشارة إلى أنّ الله يسوق إليها الناس بالفطرة ، ووقع في \"الكشاف\" أنْ فعل المطاوعة لدلالته على الاعتمال ، وكان الشرّ مشتهًى للنفس ، فهي تَجِدُّ تحصيله ، فعبّر عن فعلها ذلك بالاكتساب.\rوالمراد بما اكتسبت الشرور ، فمن أجل ذلك ظنّ بعض المفسرين أنّ الكسب هو اجتناء الخير ، والاكتساب هو اجتناء الشر ، وهو خلاف التحقيق ؛ ففي القرآن { ولا تكسب كلّ نفس إلاّ عليها } [ الأنعام : 164 ] ثم قيل للذين ظلموا { ذوقوا عذاب الخلد هل تجزون إلاّ بما كنتم تكسبون } [ يونس : 52 ] وقد قيل : إنّ اكتسب إذا اجتمع مع كسب خُصّ بالعمل الذي فيه تكلّف.\rلكن لم يرد التعبير باكتسبت في جانب فعل الخير.\rوفي هذه الآية مأخذ حسن لأبي الحسن الأشعري في تسميته استطاعة العبد كسبا واكتساباً ؛ فإنّ الله وصف نفسه بالقدرة.","part":10,"page":348},{"id":4243,"text":"ولم يصف العباد بالقدرة ، ولا أسند إليهم فعل قَدَر وَإنّما أسند إليهم الكسب ، وهو قول يجمع بين المتعارضات ويفي بتحقيق إضافة الأفعال إلى العباد ، مع الأدب في عدم إثبات صفة القدرة للعباد ، وقد قيل : إنّ أول من استعمل كلمة الكسب هو الحسين بن محمد النجار ، رأس الفرقة النجارية من الجبرية ، كان معاصِراً للنظام في القرن الثالث ، ولكن اشتهر بها أبو الحسن الأشعري حتى قال الطلبة في وصف الأمر الخفي : \"أدقُّ مِن كَسْب الأشعريّ\".\rوتعريف الكسب ، عند الأشعري : هو حالة للعبد يقارنها خَلْقُ الله فعلاً متعلَّقاً بها.\rوعرّفه الإمام الرازي بأنّه صفة تَحصلُ بقدرة العبد لفعله الحاصل بقدرة الله.\rوللكسب تعاريف أخر.\rوحاصل معنى الكسب ، وما دعا إلى إثباته : هو أنّه لما تقرر أنّ الله قادر على جميع الكائنات الخارجة عن اختيار العبد ، وجب أن يقرّر عموم قدرته على كلّ شيء لئلاّ تكون قدرة الله غير متسلّطة على بعض الكائنات ، إعمالاً للأدلة الدالة على أنّ الله على كلّ شيء قدير ، وأنّه خالق كلّ شيء ، وليس لعموم هذه الأدلة دليل يخصّصه ، فوجب إعمال هذا العموم.\rثم إنّه لما لم يجز أن يُدّعى كون العبد مجبوراً على أفعاله ، للفرق الضروري بين الأفعال الاضطرارية ، كحركة المرتعش ، والأفعالِ الاختيارية ، كحركة الماشي والقاتِل ، ورعيا لحقيّة التكاليف الشرعية للعباد لئلاّ يكون التكليف عبثاً ، ولحقيّة الوعد والوعيد لئلاّ يكون باطلاً ، تعيّن أن تكون للعبد حالة تمكِّنه من فعل ما يريد فعله ، وترككِ ما يريد تركه ، وهي ميله إلى الفعل أو الترك ، فهذه الحالة سمّاها الأشعري الاستطاعة ، وسمّاها كسباً.\rوقال : إنّها تتعلّق بالفعل فإذا تعلّقت به خلق الله الفعل الذي مال إليه على الصورة التي استحضرها ومال إليها.","part":10,"page":349},{"id":4244,"text":"وتقديم المجروريْن في الآية : لقصد الاختصاص ، أي لا يلحق غيرها شيء ولا يلحقها شيء من فعل غيرها ، وكأنّ هذا إبطال لما كانوا عليه في الجاهلية : من اعتقاد شفاعة الآلهة لهم عند الله.\rوتمسّك بهذه الآية من رأى أنّ الأعمال لا تقبل النيابة في الثواب والعقاب ، إلاّ إذا كان للفاعل أثر في عمل غيره ؛ ففي الحديث : \" إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلاّ من ثلاث : صدقة جارية وعلم بثّه في صدور الرجال ، وولد صالح يدعو له \" وفي الحديث : \" ما من نفس تُقتل ظلماً إلاّ كان على ابن آدم الأول كِفل من دمها ذلك لأنّه أول من سنّ القتل \" وفي الحديث : \" من سنّ سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة ومن سنّ سنة سيِّئَة فعليه وزرها ووزر من عمل بها إلى يوم القيامة \". أ هـ {التحرير والتنوير حـ 3 صـ 137 ـ 139}\rفائدة\rقال القرطبى :\rفي هذه الآية دليل على صِحّة إطلاق أئمتنا على أفعال العباد كَسْباً وَاكْتِساباً ؛ ولذلك لم يطلقوا على ذلك لا خَلَق ولا خَالِق ؛ خلافاً لمن أطلق ذلك من مُجْترِئَة المبتدعة.\rومن أطلق من أئمتنا ذلك على العبد ، وأنه فاعل فبالمجاز المحْضِ.\rوقال المَهْدَوِيّ وغيره : وقيل معنى الآية لا يؤاخذ أحد بذنب أحد.\rقال ابن عطية : وهذا صحيح في نفسه ولكن من غير هذه الآية. أ هـ {تفسير القرطبى حـ 3 صـ 431}\rفائدة\rقال ابن جزى :\rجاءت العبارة بلها في الحسنات لأنها مما ينتفع العبد به وجاءت بعليها في السيئات لأنها مما يضر بالعبد وإنما قال في الحسنات كسبت وفي الشر اكتسبت لأن في الاكتساب ضرب من الاعتمال والمعالجة حسبما تقتضيه صيغة افتعل فالسيئات فاعلها يتكلف مخالفة أمر الله ويتعداه بخلاف الحسنات فإنه فيها على الجادة من غير تكلف أو لأن السيئات يجد في فعلها لميل النفس إليها فجعلت لذلك مكتسبة ولما لم يكن الإنسان في الحسنات كذلك وصفت بما لا دلالة فيه على الاعتمال. أ هـ {التسهيل حـ 1 صـ 99}","part":10,"page":350},{"id":4245,"text":"فصل فى مسائل مهمة للعلامة الفخر\rقال رحمه الله ما نصه :\rالمسألة الثانية : المعتزلة احتجوا بهذه الآية على أن فعل العبد بإيجاده وتكوينه ، قالوا لأن الآية صريحة في إضافة خيره وشره إليه ولو كان ذلك بتخليق الله تعالى لبطلت هذه الإضافة ويجري صدور أفعاله منه مجرى لونه وطوله وشكله وسائر الأمور التي لا قدرة له عليها ألبتة والكلام فيه معلوم وبالله التوفيق ، قال القاضي : لو كان خالقاً أفعالهم فما الفائدة في التكليف ، وأما الوجه في أن يسألوه أن لا يثقل عليهم والثقيل على قولهم كالخفيف في أنه تعالى يخلقه فيهم وليس يلحقهم به نصب ولا لغوب.\rالمسألة الثالثة : احتج أصحابنا بهذه الآية على فساد القول بالمحابطة قالوا : لأنه تعالى أثبت كلا الأمرين على سبيل الجمع ، فبيّن أن لها ثواب ما كسبت وعليها عقاب ما اكتسبت ، وهذا صريح في أن هذين الاستحقاقين يجتمعان ، وأنه لا يلزم من طريان أحدهما زوال الآخر ، قال الجبائي : ظاهر الآية وإن دل على الإطلاق إلا أنه مشروط والتقدير : لها ما كسبت من ثواب العمل الصالح إذا لم تبطله ، وعليها ما اكتسبت من العقاب إذا لم تكفره بالتوبة ، وإنما صرنا إلى إضمار هذا الشرط لما بينا أن الثواب يجب أن يكون منفعة خالصة دائمة وأن العقاب يجب أن يكون مضرة خالصة دائمة ، والجمع بينهما محال في العقول ، فكان الجمع بين استحقاقيهما أيضاً محالاً.\rواعلم أن الكلام على هذه المسألة مرّ على الاستقصاء في تفسير قوله تعالى : {لاَ تُبْطِلُواْ صدقاتكم بالمن والأذى} [ البقرة : 264 ] فلا نعيده.\rالمسألة الرابعة : احتج كثير من المتكلمين بهذه الآية على أن الله تعالى لا يعذب الأطفال بذنوب آبائهم ، ووجه الاستدلال ظاهر فيه ، ونظيره قوله تعالى : {وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أخرى} [ الأنعام : 164 ].","part":10,"page":351},{"id":4246,"text":"المسألة الخامسة : الفقهاء تمسكوا بهذه الآية في إثبات أن الأصل في الإمساك البقاء والاستمرار ، لأن اللام في قوله {لَهَا مَا كَسَبَتْ} يدل على ثبوت هذا الاختصاص ، وتأكد ذلك بقوله صلى الله عليه وسلم : \" كل امرىء أحق بكسبه من والده وولده وسائر الناس أجمعين \" وإذا تمهد هذا الأصل خرج عليه شيء كثير من مسائل الفقه.\rمنها أن المضمونات لا تملك بأداء الضمان ، لأن المقتضي لبقاء الملك قائم ، وهو قوله : {لَهَا مَا كَسَبَتْ} والعارض الموجود ، إما الغضب ، وإما الضمان ، وهما لا يوجبان زوال الملك بدليل أم الولد والمدبرة.\rومنها أنه إذا غصب ساحة وأدرجها في بنائه ، أو غصب حنطة فطحنها لا يزول الملك لقوله {لَهَا مَا كَسَبَتْ }.\rومنها أنه لا شفعة للجار ، لأن المقتضي لبقاء الملك قائم ، وهو قوله {لَهَا مَا كَسَبَتْ} والفرق بين الشريك والجار ظاهر بدليل أن الجار لا يقدم على الشريك ، وذلك يمنع من حصول الاستواء ولأن التضرر بمخالطة الجار أقل ولأن في الشركة يحتاج إلى تحمل مؤنة القسمة وهذا المعنى مفقود في الجار.\rومنها أن القطع لا يمنع وجوب الضمان ، لأن المقتضي لبقاء الملك قائم ، وهو قوله {لَهَا مَا كَسَبَتْ} والقطع لا يوجب زوال الملك بدليل أن المسروق متى كان باقياً قائماً ، فإنه يجب رده على المالك ، ولا يكون القطع مقتضياً زوال ملكه عنه.\rومنها أن منكري وجوب الزكاة احتجوا به ، وجوابه أن الدلائل الموجبة للزكاة أخص ، والخاص مقدم على العام ، وبالجملة فهذه الآية أصل كبير في فروع الفقه والله أعلم.","part":10,"page":352},{"id":4247,"text":"ثم اعلم أنه تعالى حكى عن المؤمنين دعاءهم ، وذلك لأنه صلى الله عليه وسلم قال : \" الدعاء مخ العبادة \" لأن الداعي يشاهد نفسه في مقام الفقر والحاجة والذلة والمسكنة ويشاهد جلال الله تعالى وكرمه وعزته وعظمته بنعت الاستغناء والتعالي ، وهو المقصود من جميع العبادات والطاعات فلهذا السبب ختم هذه السورة الشريفة المشتملة على هذه العلوم العظيمة بالدعاء والتضرع إلى الله. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 7 صـ 124 ـ 125}\rقوله تعالى : { رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا}\rالمناسبة\rقال البقاعى :\rولما بشرهم بذلك عرفهم مواقع نعمه في دعاء رتبه على الأخف فالأخف على سبيل التعلي إعلاماً بأنه لم يؤاخذهم بما اجترحوه نسياناً ولا بما قارفوه خطأ ولا حمل عليهم ثقلاً بل جعل شريعتهم حنيفية سمحاً ولا حملهم فوق طاقتهم مع أن له جميع ذلك ،\rوأنه عفا عن عقابهم ثم سترهم فلم يخجلهم بذكر سيئاتهم ،\rثم رحمهم بأن أحلهم محل القرب فجعلهم أهلاً للخلافة ؛ فلاح بذلك أنه يعلي أمرهم على كل أمر ويظهر دينهم على كل دين ، إذ كان سبحانه وتعالى هو الداعي عنهم ،\rوليكون الدعاء كله محمولاً على الإصابة ومشمولاً بالإجابة فقال سبحانه وتعالى : {ربنا لا تؤاخذنا} أي لا تفعل معنا فعل من يناظر خصماً فهو يناقشه على كل صغير وكبير {إن نسينآ} أي ففعلنا ما نهيتنا عنه {أو أخطأنا} أي فعلناه ذاكرين له لكنا لم نتعمد سوءاً.\rقال الحرالي : والخطأ هو الزلل عن الحد عن غير تعمد بل مع عزم الإصابة أو ودّ أن لا يخطىء ،\rوفي إجرائه من كلام الله سبحانه وتعالى على لسان عباده قبوله - انتهى.\rوإعادة ربنا في صدر كل جملة من هذا الطراز كما تقدمت الإشارة إليه في التذكير بعظم المقام في حسن التربية ولطف الإحسان والرأفة.","part":10,"page":353},{"id":4248,"text":"ولما كان ذلك قد يكون فإن له أن يكلف بما يشاء مع تحميل ما تعظم مشقته من التكاليف فإنه لا يسأل عما يفعل قال : {ربنا ولا تحمل علينا إصراً} أي ثقلاً.\rقال الحرالي : هو العهد الثقيل أي الذي في تحمله أشد المشقة - انتهى.\rثم عظم المنة بقوله : {كما حملته على الذين من قبلنا} إشارة إلى أنه كان حمل على من سبق من الأحكام ما يهدّ الأركان تأكيداً لما يحمل على الشكر على تخفيف ذلك عنا ،\rوأصل الإصر العاطف ،\rأصره الشيء يأصره : عطفه ،\rويلزمه الثقل لأن الغصن إذا ثقل مال وانعطف وهو المقصود هنا ؛ وتلك الآصار المشار إليها كثيرة جداً ،\rمنها ما في السفر الثاني من التوراة في القربان أنه ينضح من دك الذبيحة على زوايا المذبح ،\rثم قال : ومن تقرب بذبح ثور أو غيره في مكان غير باب قبة الزمان بيت الرب يعاقب ذلك الرجل عقوبة من قتل قتيلاً لأنه سفك دماً ويهلك ذلك الرجل من شعبه ،\rومن أكل دماً نزل به الغضب وهلك لأن أنفس البهائم هي الدم ، وإنما أمروا أن يقربوه على المذبح لغفران خطاياهم وتطهير أنفسهم لأنه إنما يغفر للنفس بالدم ،\rومن قرب قرباناً أكل منه يوم ذبحه وثانيه ،\rوما بقي في الثالث أحرق بالنار ،\rومن أكل منه هلك من شعبه ؛ ومن ذلك في ذوي العاهات أن من برص من الآدميين يجلس وحده ولا يختلط مع الناس ويكون سكنه خارجاً من محلة بني إسرائيل - حتى ذكر البرص في الثياب والبيوت وغيرها ،\rفما برص من الجلود والثياب يقطع موضع البرص منه ،\rفإن ظهر فيه بعد القطع أحرق كله بالنار ،\rوإن ظهر في بيت برص يهدم وتجمع حجارته وخشبه وترابه خارجاً من القرية ويحرق بالنار ؛ وكذا مرض السلس فيه تشديدات كثيرة ،","part":10,"page":354},{"id":4249,"text":"منها أن من جلس على ثوب عليه مسلوس يغسل ثيابه ويستحم بالماء ويكون نجساً إلى الليل - ونحو هذا ؛ ثم قال : وكلم الرب موسى وقال له : هذه سنة الأبرص الذي يتطهر : يقدم إلى الكاهن ويخرجه خارجاً من العسكر وينظر الحبر إن كانت ضربة البرص قد برأت وتطهر منها يأمر الحبر فيقدم ، ويؤتى بعصفورين حيين زكيين ،\rوعود من خشب الأرز ، وعهنة حمراء - وعد أشياء أخرى ؛ وقرباناً على كيفية مخصوصة صعبة على عين ماء ،\rويغسل ثيابه وبدنه ، ويحلق شعر رأسه ولحيته وحاجبيه وكل شعر جسده ، وأنه يمكث خارجاً من بيته سبعة أيام ،\rوفي اليوم الثامن يأتي بقربان آخر فيقرب على كيفية مخصوصة ، وينضح الكاهن من دمه على ثياب وبدن هذا الذي تطهر من البرص ، وكذا من زيت قربانه ، ويصب بقيته على رأسه.\rوكذا في مرض السلس إذا برأ المسلوس يمكث سبعة أيام ،\rثم يتطهر ويغسل ثيابه ،\rويقرب قرباناً في باب قبة الزمان.\rوقال : وأي رجل أمذى أو خرج منه منيه يغسل جسده كله بالماء ، ويكون نجساً إلى الليل ؛ ومن دنا من الحائض يكون نجساً إلى الليل وأي ثوب أو فراش وقعت عليه جنابة يغسل بالماء ويكون نجساً إلى الليل وأي ثوب رقدت عليه وهي حائض كان نجساً ،\rومن دنا من فراشها يغسل ثيابه ويستحم بالماء ويكون نجساً إلى الليل ، وكذا المستحاضة.\rوفيه أيضاً : وكلم الرب موسى وقال له : كلم بني إسرائيل وقل لهم : المرأة إذا حبلت وولدت ذكراً تكون نجسة سبعة أيام كما تكون في أيام حيضها ،\rوفي اليوم الثامن يختن الصبي ،\rوتكون نجسة وتجلس مكانها ثلاثة وثلاثين يوماً ،\rلا تدنو من شيء مقدس ،\rولا تدخل بيت الله سبحانه وتعالى لأن الصلاة محرمة عليها حتى تتم أيام تطهيرها ؛ فإن ولدت جارية تكون مثل نجاستها في أيام حيضها أربعة عشر يوماً وتجلس مكانها على الدم الزكي ستة وستين يوماً ،","part":10,"page":355},{"id":4250,"text":"فإذا كملت أيام تطهيرها ابناً ولدت أو بنتاً تجيء بحمل حول - فذكر قرباناً في قبة الزمان على يد الكاهن لتطهر مما كان يجري منها من الدم.\rومن الآصار ما في السفر الثاني أيضاً من أنهم إذا حصدوا أرضاً أو قطفوا كرماً حرم عليهم الاستقصاء وأمروا أن يتركوا للمساكين ،\rثم قال : ولا تلتقطوا ما ينتثر من زيتونكم بل دعوه للمساكين والذين يقبلون إليّ لأني أنا الله ربكم ،\rثم قال : فإذا دخلتم الأرض وغرستم فيها كل شجر يثمر ثماراً تؤكل فدعوها ثلاث سنين ولا تأكلوا من ثمارها ،\rفإذا كان في السنة الرابعة صيروا جميع ثمار شجركم حرمة للرب ومجداً لإكرامه ،\rوفي السنة الخامسة كلوا ثمارها فإنها تنمو وتزداد لكم غلاتها ، أنا الله ربكم! وقال في أواخر السفر الخامس وهو آخر أسفارها : لا تحيفوا على المسكين واليتيم والساكن بينكم في القضاء ، ولا تأخذوا ثوب الأرملة رهناً ،\rواذكروا أنكم كنتم عبيداً بأرض مصر وأنقذكم الرب من هناك ،\rلذلك آمركم وأقول لكم إنه واجب عليكم أن تفعلوا مثل هذا الفعل ، وإذا حصدتم حقل أرضكم ونسيتم حزمة لا ترجعوا في طلب أخذها بل تكون للساكن ولليتيم والأرملة ،\rليبارك الله ربكم في جميع أعمال أيديكم ؛ وإذا نثرتم زيتونكم فلا تطلبوا ما نسيتم في حقلكم بل يكون لليتيم والساكن والأرملة ؛ وإذا قطعتم كرومكم لا تستقصوا ما فيها بل دعوها ما يعيش به الساكن واليتيم والأرملة ؛ واذكروا أنكم كنتم عبيداً بأرض مصر ،\rلذلك آمركم أن تفعلوا هذا الفعل - وأما ما على النصارى من ذلك فسيأتي كثير منه إن شاء الله تعالى في المائدة عند قوله تعالى {وليحكم أهل الإنجيل بما أنزل الله فيه} [ المائدة : 47 ]. أ هـ {نظم الدرر حـ 1 صـ 557 ـ 559}\rفصل\rقال الفخر :","part":10,"page":356},{"id":4251,"text":"اعلم أنه تعالى حكى عن المؤمنين أربعة أنواع من الدعاء ، وذكر في مطلع كل واحد منها قوله {رَبَّنَا} إلا في النوع الرابع من الدعاء فإنه حذف هذه الكلمة عنها وهو قوله {واعف عَنَّا واغفر لَنَا }.\rأما النوع الأول فهو قوله {رَبَّنَا لاَ تُؤَاخِذْنَا إِن نَّسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا} ، وفيه مسائل :\rالمسألة الأولى : لا تؤاخذنا أي لا تعاقبنا ، وإنما جاء بلفظ المفاعلة وهو فعل واحد ، لأن الناسي قد أمكن من نفسه ، وطرق السبيل إليها بفعله ، فصار من يعاقبه بذنبه كالمعين لنفسه في إيذاء نفسه ، وعندي فيه وجه آخر ، وهو أن الله يأخذ المذنب بالعقوبة ، فالمذنب كأنه يأخذ ربه بالمطالبة بالعفو والكرم ، فإنه لا يجد من يخلصه من عذابه إلا هو ، فلهذا يتمسك العبد عند الخوف منه به ، فلما كان كل واحد منهما يأخذ الآخر عبر عنه بلفظ المؤاخذة. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 7 صـ 125}\rقال القرطبى :\rقوله تعالى : { رَبَّنَا لاَ تُؤَاخِذْنَا إِن نَّسِينَآ أَوْ أَخْطَأْنَا } المعنى : أعف عن إثْم ما يقع منا على هذين الوجهين أو أحدهما ؛ كقوله عليه السلام : \" رفع عن أُمتى الخطأ والنسيان وما استكرِهوا عليه \" أي إثم ذلك.\rوهذا لم يختلف فيه أن الإثم مرفوع ، وإنما اختلف فيما يتعلق على ذلك من الأحكام ، هل ذلك مرفوع لا يلزم منه شيء أو يلزم أحكام ذلك كله ؟ اختلف فيه.\rوالصحيح أن ذلك يختلف بحسب الوقائع ، فقسم لا يسقط باتفاق كالغرامات والديات والصلوات المفروضات.\rوقسم يسقط باتفاق كالقصاص والنّطق بكلمة الكفر.\rوقسم ثالث يختلف فيه كمن أكل ناسياً في رمضان أو حنِث ساهياً ، وما كان مثله مما يقع خطأ ونسياناً ؛ ويعرف ذلك في الفروع. أ هـ {تفسير القرطبى حـ 3 صـ 431 ـ 432}","part":10,"page":357},{"id":4252,"text":"وقال أبو حيان :\r{ ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا } هذا على إضمار القول ، أي : قولوا في دعائكم : ربنا لا تؤاخذنا ، والدعاء مخّ العبادة ، إذ الداعي يشاهد نفسه في مقام الحاجة والذلة والافتقار ، ويشاهد ربه بعين الاستغناء والإفضال ، فلذلك ختمت هذه الصورة بالدعاء والتضرع ، وافتتحت كل جملة منها بقولهم : ربنا ، إيذاناً منهم بأنهم يرغبون من ربهم الذي هو مربيهم ، ومصلح أحوالهم ، ولأنهم مقرون بأنهم مربوبون داخلون تحت رق العبودية والافتقار. أ هـ {البحر المحيط حـ 2 صـ 382}\rوقال ابن عاشور :\rوالمراد من الدعاء به طلب الدوام على ذلك لئلا يُنسخ ذلك من جراء غضب الله كما غضب على الذين قال فيهم : { فبظلم من الذين هادوا حرمنا عليهم طيبات أحلت لهم } [ النساء : 160 ].\rوالمؤاخذة مشتقّة من الأخذ بمعنى العقوبة ، كقوله : { وكذلك أخذ ربك إذا أخذ القرى وهي ظالمة } [ هود : 102 ] والمفاعلة فيه للمبالغة أي لا تأخذنا بالنسيان والخطأ.\rوالمراد ما يترتّب على النسيان والخطأ من فِعل أو ترك لا يرضيان الله تعالى.\rفهذه دعوة من المؤمنين دعوها قبل أن يعلموا أنّ الله رفع عنهم ذلك بقوله : { لا يكلف الله نفساً إلا وسعها } وقول رسول الله صلى الله عليه وسلم \" رُفع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه \" وفي رواية : \" وضع \" رواه ابن ماجه وتكلم العلماء في صحته ، وقد حسّنه النووي ، وأنكره أحمد ، ومعناه صحيح في غير ما يرجع إلى الخطاب الوضع.\rفالمعنى رفع الله عنهم المؤاخذة فبقيت المؤاخذة بالإتلاف والغرامات ولذلك جاء في هذه الدعوة \"لا تؤاخذنا\" أي لا تؤاخذنا بالعقاب على فعلٍ : نسيانٍ أو خطأ ، فلا يرد إشكال الدعاء بما عُلم حصوله ، حتى نحتاج إلى تأويل الآية بأنّ المراد بالنسيان والخطأ سببهما وهو التفريط والإغفال كما في \"الكشاف\". أ هـ {التحرير والتنوير حـ 3 صـ 140}\rفصل\rقال الفخر :\rفي النسيان وجهان","part":10,"page":358},{"id":4253,"text":"الأول : أن المراد منه هو النسيان نفسه الذي هو ضد الذكر.\rفإن قيل : أليس أن فعل الناسي في محل العفو بحكم دليل العقل حيث لا يجوز تكليف ما لا يطاق وبدليل السمع وهو قوله صلى الله عليه وسلم : \" رفع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه فإذا كان النسيان في محل العفو قطعاً فما معنى طلب العفو عنه في الدعاء \".\rوالجواب : عنه من وجوه\rالأول : أن النسيان منه ما يعذر فيه صاحبه ، ومنه ما لا يعذر ألا ترى أن من رأى في ثوبه دماً فأخر إزالته إلى أن نسي فصلّى وهو على ثوبه عد مقصراً ، إذ كان يلزمه المبادر إلى إزالته وأما إذا لم يره في ثوبه فإنه يعذر فيه ، ومن رمى صيداً في موضع فأصاب إنساناً فقد يكون بحيث لا يعلم الرامي أنه يصيب ذلك الصيد أو غيره فإذا رمى ولم يتحرز كان ملوماً أما إذا لم تكن أمارات الغلط ظاهرة ثم رمى وأصاب إنساناً كان ههنا معذوراً ، وكذلك الإنسان إذا تغافل عن الدرس والتكرار حتى نسي القرآن يكون ملوماً ، وأما إذا واظب على القراءة ، لكنه بعد ذلك نسي فههنا يكون معذوراً ، فثبت أن النسيان على قسمين ، منه ما يكون معذوراً ، ومنه ما لا يكون معذوراً ، وروي أنه صلى الله عليه وسلم كان إذا أراد أن يذكر حاجته شد خيطاً في أصبعه فثبت بما ذكرنا أن الناسي قد لا يكون معذوراً ، وذلك ما إذا ترك التحفظ وأعرض عن أسباب التذكر ، وإذا كان كذلك صح طلب غفرانه بالدعاء.\rالوجه الثاني في الجواب : أن يكون هذا دعاء على سبيل التقدير وذلك لأن هؤلاء المؤمنين الذين ذكروا هذا الدعاء كانوا متقين لله حق تقاته ، فما كان يصدر عنهم ما لا ينبغي إلا على وجه النسيان والخطأ ، فكان وصفهم بالدعاء بذلك إشعاراً ببراءة ساحتهم عما يؤاخذون به كأن قيل : إن كان النسيان مما تجوز المؤاخذة به فلا تؤاخذنا به.","part":10,"page":359},{"id":4254,"text":"الوجه الثالث في الجواب : أن المقصود من الدعاء إظهار التضرع إلى الله تعالى ، لا طلب الفعل ، ولذلك فإن الداعي كثيراً ما يدعو بما يقطع بأن الله تعالى يفعله سواء دعا أو لم يدع ، قال الله تعالى : {قَالَ رَبّ احكم بالحق} [ الأنبياء : 112 ] وقال : {رَبَّنَا وَءاتِنَا مَا وَعَدتَّنَا على رُسُلِكَ وَلاَ تُخْزِنَا يَوْمَ القيامة} [ آل عمران : 194 ] وقالت الملائكة في دعائهم {فاغفر لِلَّذِينَ تَابُواْ واتبعوا سَبِيلَكَ} [ غافر : 7 ] فكذا في هذه الآية العلم بأن النسيان مغفور لا يمنع من حسن طلبه في الدعاء.\rالوجه الرابع في الجواب : أن مؤاخذة الناسي غير ممتنعة عقلاً ، وذلك لأن الإنسان إذا علم أنه بعد النسيان يكون مؤاخذاً فإنه بخوف المؤاخذة يستديم الذكر ، فحينئذ لا يصدر عنه إلا أن استدامة ذلك التذكر فعل شاق على النفس ، فلما كان ذلك جائزاً في العقول ، لا جرم حسن طلب المغفرة منه بالدعاء.\rالوجه الخامس : أن أصحابنا الذين يجوزون تكليف ما لا يطاق يتمسكون بهذه الآية فقالوا الناسي غير قادر على الاحتراز عن الفعل ، فلولا أنه جائز عقلاً من الله تعالى أن يعاقب عليه لما طلب بالدعاء ترك المؤاخذة عليه.\rوالقول الثاني : في تفسير النسيان ، أن يحمل على الترك ، قال الله تعالى : {فَنَسِىَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْماً} [ طه : 115 ] وقال تعالى : {نَسُواْ الله فَنَسِيَهُمْ} [ التوبة : 67 ] أي تركوا العمل لله فتركهم ، ويقول الرجل لصاحبه : لا تنسني من عطيتك ، أي لا تتركني ، فالمراد بهذا النسيان أن يترك الفعل لتأويل فاسد ، والمراد بالخطأ ، أن يفعل الفعل لتأويل فاسد. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 7 صـ 125 ـ 126}\rقال القاسمى :\rوقد ولع كثير من المفسرين ههنا بالبحث فى أن النسيان والخطأ معفو عنهما ، فما فائدة طلب العفو عنهما ؟\rوأجابوا عن ذلك بوجوه.\rوأرق جواب رأيته قول العلامة بير محمد فى المدحة الكبرى : لما كان طالب العفو الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ والأنصار والمهاجرون ومن كان على شاكلتهم فكأنهم يعدون النسيان من العصيان والخطأ من الخطيئة.\rكقوله تعالى {والذين يؤتون ما ءاتوا وقلوبهم وجلة أنهم إلى ربهم راجعون}.(المؤمنون : 60). أ هـ {محاسن التأويل حـ 1 صـ 289}","part":10,"page":360},{"id":4255,"text":"فائدة\rقال الجصاص :\rقَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ : { رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا } قَالَ أَبُو بَكْرٍ : النِّسْيَانُ عَلَى وَجْهَيْنِ : أَحَدِهِمَا : أَنَّهُ قَدْ يَتَعَرَّضُ الْإِنْسَانُ لِلْفِعْلِ الَّذِي يَقَعُ مَعَهُ النِّسْيَانُ فَيُحْسِنُ الِاعْتِذَارَ بِهِ إذَا وَقَعَتْ مِنْهُ جِنَايَةٌ عَلَى وَجْهِ السَّهْوِ.\rوَالثَّانِي : أَنْ يَكُونَ النِّسْيَانُ بِمَعْنَى تَرْكِ الْمَأْمُورِ بِهِ لِشُبْهَةٍ تَدْخُلُ عَلَيْهِ أَوْ سُوءِ تَأْوِيلٍ ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ الْفِعْلُ نَفْسُهُ وَاقِعًا عَلَى وَجْهِ السَّهْوِ فَيَحْسُنُ أَنْ يَسْأَلَ اللَّهَ مَغْفِرَةَ الْأَفْعَالِ الْوَاقِعَةِ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ.\rوَالنِّسْيَانُ بِمَعْنَى التَّرْكِ مَشْهُورٌ فِي اللُّغَةِ ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : { نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ } يَعْنِي تَرَكُوا أَمْرَ اللَّهِ تَعَالَى فَلَمْ يَسْتَحِقُّوا ثَوَابَهُ ، فَأَطْلَقَ اسْمَ النِّسْيَانِ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى عَلَى وَجْهِ مُقَابَلَةِ الِاسْمِ كَقَوْلِهِ : { وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا } وَقَوْلِهِ : { فَمَنْ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ }.","part":10,"page":361},{"id":4256,"text":"قَالَ أَبُو بَكْرٍ : النِّسْيَانُ الَّذِي هُوَ ضِدُّ الذِّكْرِ فَإِنَّ حُكْمَهُ مَرْفُوعٌ فِيمَا بَيْنَ الْعَبْدِ وَبَيْنَ اللَّهِ تَعَالَى فِي اسْتِحْقَاقِ الْعِقَابِ ، وَالتَّكْلِيفُ فِي مِثْلِهِ سَاقِطٌ عَنْهُ وَالْمُؤَاخَذَةُ بِهِ فِي الْآخِرَةِ غَيْرُ جَائِزَةٍ ، لِأَنَّهُ لَا حُكْمَ لَهُ فِيمَا يُكَلِّفُهُ مِنْ الْعِبَادَاتِ ، فَإِنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدْ نَصَّ عَلَى لُزُومِ حُكْمِ كَثِيرٍ مِنْهَا مَعَ النِّسْيَانِ ، وَاتَّفَقَتْ الْأُمَّةُ أَيْضًا عَلَى حُكْمِهَا ؛ مِنْ ذَلِكَ قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { مَنْ نَامَ عَنْ صَلَاةٍ أَوْ نَسِيَهَا فَلْيُصَلِّهَا إذَا ذَكَرَهَا وَتَلَا عِنْدَ ذَلِكَ : { وَأَقِمْ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي } } فَدَلَّ عَلَى أَنَّ مُرَادَ اللَّهِ تَعَالَى بِقَوْلِهِ : { وَأَقِمْ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي } فَعَلَ الْمَنْسِيَّةَ مِنْهَا عِنْدَ الذِّكْرِ.\rوَقَالَ تَعَالَى : { وَاذْكُرْ رَبَّكَ إذَا نَسِيتَ } وَذَلِكَ عُمُومٌ فِي لُزُومِهِ قَضَاءُ كُلِّ مَنْسِيٍّ عِنْدَ ذِكْرِهِ.\rوَلَا خِلَافَ بَيْنَ الْفُقَهَاءِ فِي أَنَّ نَاسِيَ الصَّوْمِ وَالزَّكَاةِ وَسَائِرِ الْفُرُوضِ بِمَنْزِلَةِ نَاسِي الصَّلَاةِ فِي لُزُومِ قَضَائِهَا عِنْدَ ذِكْرِهَا ؛ وَكَذَلِكَ قَالَ أَصْحَابُنَا فِي الْمُتَكَلِّمِ فِي الصَّلَاةِ نَاسِيًا : إنَّهُ بِمَنْزِلَةِ الْعَامِدِ ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ أَنَّ الْعَامِدَ وَالنَّاسِيَ فِي حُكْمِ الْفُرُوضِ سَوَاءٌ ، وَأَنَّهُ لَا تَأْثِيرَ لِلنِّسْيَانِ فِي إسْقَاطِ شَيْءٍ مِنْهَا إلَّا مَا وَرَدَ بِهِ التَّوْقِيفُ ؛ وَلَا خِلَافَ أَنَّ تَارِكَ الطَّهَارَةِ نَاسِيًا كَتَارِكِهَا عَامِدًا فِي بُطْلَانِ حُكْمِ صَلَاتِهِ.","part":10,"page":362},{"id":4257,"text":"وَكَذَلِكَ قَالُوا فِي الْأَكْلِ فِي نَهَارِ شَهْرِ رَمَضَانَ نَاسِيًا : إنَّ الْقِيَاسَ فِيهِ إيجَابُ الْقَضَاءِ ؛ وَإِنَّهُمْ إنَّمَا تَرَكُوا الْقِيَاسَ فِيهِ لِلْأَثَرِ.\rوَمَعَ مَا ذَكَرْنَا فَإِنَّ النَّاسِيَ مُؤَدٍّ لِفَرْضِهِ عَلَى أَيِّ وَجْهٍ فَعَلَهُ ؛ إذْ لَمْ يُكَلِّفْهُ اللَّهُ فِي تِلْكَ الْحَالِ غَيْرَهُ ، وَإِنَّمَا الْقَضَاءُ فَرْضٌ آخَرُ أَلْزَمَهُ اللَّهُ تَعَالَى بِالدَّلَائِلِ الَّتِي ذَكَرْنَا ، فَكَانَ تَأْثِيرُ النِّسْيَانِ فِي سُقُوطِ الْمَأْثَمِ فَحَسْبُ ، فَأَمَّا فِي لُزُومِ فَرْضٍ فَلَا.\rوَقَوْلُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { رُفِعَ عَنْ أُمَّتِي الْخَطَأُ وَالنِّسْيَانُ } مَقْصُورٌ عَلَى الْمَأْثَمِ أَيْضًا دُونَ رَفْعِ الْحُكْمِ ، أَلَا تَرَى أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَدْ نَصَّ عَلَى لُزُومِ حُكْمِ قَتْلِ الْخَطَإِ فِي إيجَابِ الدِّيَةِ وَالْكَفَّارَةِ ؟ فَلِذَلِكَ ذَكَرَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ النِّسْيَانَ مَعَ الْخَطَإِ ، وَهُوَ عَلَى هَذَا الْمَعْنَى. أ هـ {أحكام القرآن للجصاص حـ 2 صـ 278}","part":10,"page":363},{"id":4258,"text":"فائدة\rقال الماوردى :\r{ أَوْ أَخْطَأْنَا } فيه تأويلان :\rأحدهما : ما تأولوه من المعاصي بالشبهات.\rوالثاني : ما عمدوه من المعاصي التي هي خطأ تخالف الصواب.\rوقد فَرَّقَ أهل اللسان بين \" أخطأ \" وخطيء ، فقالوا : \" أخطأ \" يكون على جهة الإِثم وغير الإِثم ، وخطىء : لا يكون إلا على جهة الإِثم ، ومنه قول الشاعر :\rوالناس يَلْحُون الأَميرَ إذا هُمُ... خطئوا الصوابَ ولا يُلام المرْشدُ. أ هـ {النكت والعيون حـ 1 صـ 364}\rفصل\rقال الفخر :\rاعلم أن النسيان والخطأ المذكورين في هذه الآية إما أن يكونا مفسرين بتفسير ينبغي فيه القصد إلى فعل ما لا ينبغي ، أو يكون أحدهما كذلك دون الآخر ، فأما الاحتمال الأول فإنه يدل على حصول العفو لأصحاب الكبائر ، لأن العمد إلى المعصية لما كان حاصلاً في النسيان وفي الخطأ ثم إنه تعالى أمر المسلمين أن يدعوه بقولهم {لاَ تُؤَاخِذْنَا إِن نَّسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا} فكان ذلك أمراً من الله تعالى لهم بأن يطلبوا من الله أن لا يعذبهم على المعاصي ، ولما أمرهم بطلب ذلك ، دلّ على أنه يعطيهم هذا المطلوب ، وذلك يدل على حصول العفو لأصحاب الكبائر ، وأما القسم الثاني والثالث فباطلان لأن المؤاخذة على ذلك قبيحة عند الخصم ، وما يقبح فعله من الله يمتنع أن يطلب بالدعاء.\rفإن قيل : الناسي قد يؤاخذ في ترك التحفظ قصداً وعمداً على ما قررتم في المسألة المتقدمة.\rقلنا : فهو في الحقيقة مؤاخذ بترك التحفظ قصداً وعمداً ، فالمؤاخذة إنما حصلت على ما تركه عمداً ، وظاهر ما ذكرنا دلالة هذه الآية على رجاء العفو لأهل الكبائر. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 7 صـ 126 ـ 127}","part":10,"page":364},{"id":4259,"text":"فوائد لغوية\rقال ابن عادل :\rقوله تعالى : { لاَ يُكَلِّفُ الله نَفْساً إِلاَّ وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكتسبت } : \" وُسْعَهَا \" مفعولٌ ثانٍ ، وقال ابن عطية : \" يُكَلِّفُ يتعدَّى إلى مفعولين ، أحدهما محذوفٌ ، تقديره : عبادةً أو شيئاً \". قال أبو حيان : \" إن غَنَى أنَّ أصله كذا ، فهو صحيحٌ؛ لأنَّ قوله : \" إِلاَّ وُسْعَهَا \" استثناءٌ مفرَّغٌ من المفعول الثاني ، وإن عَنَى أنَّ أصله كذا ، فهو صحيحٌ؛ لأنَّ قوله : \" إِلاَّ وُسْعَهَا \" استثناءٌ مفرَّغٌ من المفعول الثاني ، وإن عَنَى أنَّه محذوفٌ في الصنعة ، فليس كذلك ، بل الثاني هو \" وُسْعَهَا \" ؛ نحو : \" مَا أَعْطَيْتُ زَيْداً إِلاَّ دِرْهَماً \" ، و\" مَا ضَرَبْتُ إِلاَّ زَيْداً \" هذا في الصناعة هو المفعول ، وإن كان أصله : ما أعْطَيْتُ زَيْداً شَيْئاً إِلاَّ دِرْهَماً \"\rقوله : { لاَ تُؤَاخِذْنَا } يقرأ بالهمزة ، وهو من الأخذ بالذَّنب ، ويقرأ بالواو ، ويحتمل وجهين :\rأحدهما : أن يكون من الأخذ أيضاً ، وإنما أُبدلت الهمزة واواً؛ لفتحها وانضمام ما قبلها ، وهو تخفيفٌ قياسيٌّ ، ويحتمل أن يكون من : واخذه بالواو ، قاله أبو البقاء. وجاء هنا بلفظ المفاعلة ، وهو فعل واحدٍ؛ لأنَّ المسيء قد أمكن من نفسه ، وطرق السبيل إليها بفعله؛ فكأنه أعان من يعاقبه بذنبه ، ويأخذ به على نفسه. أ هـ {تفسير ابن عادل حـ 4 صـ 530 ـ 536}. بتصرف.","part":10,"page":365},{"id":4260,"text":"قوله تعالى : { رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا أَنْتَ مَوْلَانَا فَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ}\rالمناسبة\rقال البقاعى :\rولما دعوا بما تضمن الإيمان بما نزل إليهم مما حمل من كان قبلهم من الثقل أتبعوه ما يدل على اعتقادهم أن ذلك عدل منه في القضاء ، وأنه له أن يفعل فوق ذلك فيكلف بما ليس في الوسع ، لأنه المالك التام المِلك والمَلِك المنفرد بالمُلك ،\rوسألوا التخفيف برفع ذلك فقالوا : {ربنا ولا} وعبر بالتفعيل لما فيه بما يفهم من العلاج من مناسبة التكليف بما لا يطاق فقال : {تحملنا ما لا طاقة} أي قدرة {لنا به }.\rولما كان الإنسان قد يتعمد الذنب لشهوة تدعوه إليه وغرض يحمله عليه أتبعوا ذلك دعاء عاماً فقالوا : {واعف عنا} أي ارفع عنا عقاب الذنوب كلها {واغفر لنا} أي ولا تذكرها لنا أصلاً ،\rفالأول العفو عن عقاب الجسم ،\rوالثاني العفو عن عذاب الروح.\rوقال الحرالي : ولما كان قد يلحق من يعفى عنه ويغفر له قصور في الرتبة عن منال الحظ من الرحمة ألحق تعالى المعفو عنه المغفور له بالمرحوم ابتداء بقوله : {وارحمنا} أي حتى يستوي المذنب التائب والذي لم يذنب قط في منال الرحمة.\rولما ضاعف لهم تعالى عفوه ومغفرته ورحمته أنهاهم بذلك إلى محل الخلافة العاصمة {لا عاصم اليوم من أمر الله إلاّ من رحم} [ هود : 43 ] فلما صاروا خلفاء تحقق منهم الجهاد لأعداء الله والقيام بأمر الله ومنابذة من تولى غير الله ، فتحقق أنه لا بد أن يشاققهم أعداء وينابذوهم ،\rفعلمهم الذي رحمهم سبحانه إسناد أمرهم بالولاية إليه قائلاً عنهم : {أنت مولانا} والمولى هو الولي اللازم الولاية القائم بها الدائم عليها لمن تولاه بإسناد أمره إليه فيما ليس هو بمستطيع لها - انتهى بالمعنى.\rوكان حقيقته الفاعل لثمرة الولاية وهي القرب والإقبال ،\rوذلك أنهم لما سألوا العفو عن عذاب الجسم والروح سألوا ثوابهما ،\rفثواب الجسم الجنة وثواب الروح لذة الشهود وذلك ثمرة الولاية وهي الإقبال على الولي بالكلية ،","part":10,"page":366},{"id":4261,"text":"ثم جعل ختام توجه المؤمنين إلى ربهم الدعاء بثمرة الولاية فقال : {فانصرنا} باللسان والسنان ، \rوأشار إلى قوة المخالفين حثاً على تصحيح الالتجاء والصدق في الرغبة بقوله : {على القوم} وأشار إلى أن الأدلة عليه سبحانه في غاية الظهور لكل عاقل بقوله : {الكافرين} أي الساترين للأدلة الدالة لهم على ربهم المذكورين أول السورة ، \rفتضمن ذلك وجوب قتالهم وأنهم أعدى الأعداء ، \rوأن قوله تعالى {لا إكراه في الدّين} [ البقرة : 256 ] ليس ناهياً عن ذلك وإنما هو إشارة إلى أن الدّين صار في الوضوح إلى حد لا يتصور فيه إكراه بل ينبغي لكل عاقل أن يدخل فيه بغاية الرغبة فضلاً عن الإحواج إلى إرهاب ، \rفمن نصح نفسه دخل فيه بما دله عليه عقله ، \rومن أبى أدخل فيه قهراً بنصيحة الله التي هي الضرب بالحسام ونافذ السهام.\rولما كان الختم بذلك مشيراً إلى أنه تعالى لما ضاعف لهم عفوه عن الذنب فلا يعاقب عليه ومغفرته له بحيث يجعله كأن لم يكن فلا يذكره أصلاً ولا يعاقب عليه ورحمته في إيصال المذنب المعفو عنه المغفور له إلى المنازل العالية أنهاهم إلى رتبة الخلافة في القيام بأمره والجهاد لأعدائه وإن جل أمرهم وأعنى حصرهم كان منبهاً على أن بداية هذه الصورة هداية وخاتمتها خلافة ، \rفاستوفت تبيين أمر النبوة إلى حد ظهور الخلافة فكانت سناماً للقرآن ، وكان جماع ما في القرآن منضماً إلى معانيها إما لما صرحت به أو لما ألاحته وأفهمه إفصاح من إفصاحها كما تنضم هي مع سائر القرآن إلى سورة الفاتحة فتكون أماً للجميع - أفاد ذلك الأستاذ أبو الحسن الحرالي.\rوقد بان بذكر المنزل والإيمان به والنصرة على الكفار بعد تفصيل أمر النفقة والمال الذي ينفق منه رد مقطعها على مطلعها وآخرها على أولها ، ","part":10,"page":367},{"id":4262,"text":"ومن الجوامع العظيمة في أمرها وشمول معناها المبين لعلو قدرها ما قال الحرالي إنه لما كان منزل هذا القرآن المختص بخاتم النبيين صلوات الله وسلامه عليه وعليهم أجمعين منزلاً حروفاً محيطة المعاني مخاطباً بها النبي والأئمة وتفصيل آيات مخاطباً به عامة الأمة انتظمت هذه السورة صنفي الخطابين فافتتحت بالم حروفاً منبئة عن إحاطة بما تضمنته معانيها من إحاطة القائم من معنى الألف وإحاطة المقام من معنى الميم وإحاطة الوصلة من معنى اللام ؛ ولما كانت الإحاطة في ثلاث رتب إحاطة إلهية قيومية وإحاطة كتابية وإحاطة تفصيلية كانت الإحاطة الخاصة بهذه الأحرف التي افتتحت بها هذه السورة إحاطة كتابية متوسطة ، \rفوقع الافتتاح فيما وقع عليه أمر القرآن في تلاوته في الأرض بالرتبة المتوسطة من حيث هي أقرب للطرفين وأيسر للاطلاع على الأعلى والقيام بالأدنى ، \rفكان ما كان في القرآن من {الم تلك آيات الكتاب الحكيم} [ لقمان : 26 ] ونحوه تفصيل إحاطة من إحاطة الكتاب التي أنزلت فيها سورة البقرة ، \rفكانت مشتملة على إحاطات الكتب الأربعة : كتاب التقدير الذي كتبه الله سبحانه وتعالى قبل أن يخلق الخلائق بما شاء الله من أمد وعدد ، \rورد \" أن الله كتب الكتاب وقضى القضية وعرشه على الماء \" ، و\" أن الله سبحانه وتعالى قدر مقادير الخلائق قبل أن يخلقهم بخمسين ألف عام \" وأنه قدر الأرزاق قبل أن يخلق الصور بألفي عام - وكثير من ذلك مما ورد في الأخبار ؛ وفي مقابلة هذا الكتاب السابق بالتقدير الكتاب اللاحق بالجزاء الذي كتبه الله سبحانه وتعالى ويكتبه أثر تمام الإبداء باستبقاء الأعمال البادية على أيدي الخلق الذين ينالهم النعيم والجحيم والأمن والروع والكشف والحجاب ؛ وهذا الكتاب الآخر مطابق للكيان الأول ، ويبين بتطرقهما كتاب الأحكام المتضمن لأمر الدين والدعوة الذي وقعت فيه الهداية والفتنة ، ","part":10,"page":368},{"id":4263,"text":"ثم كتاب الأعمال الذي كتبه الله سبحانه وتعالى في ذوات المكلفين من أفعالهم وأحوال أنفسهم وما كتب في قلوبهم من إيمان أو طبع علهيا أو ختم عليها بفجور أو طغيان ؛ فتطابقت الأوائل والأواخر واختلف كتاب الأحكام وكتاب الأعمال بما أبداه الله سبحانه وتعالى من وراء حجاب من معنى الهدى والفتنة والإقدام والإحجام ، \rفتضمنت سورة البقرة إحاطات جميع هذه الكتب واستوفت كتاب الأقدار بما في صدرها من تبيين أمر المؤمنين والكافرين والمنافقين ، وكتاب الأفعال كما ذكر سبحانه وتعالى أمر الختم على الكافرين والمرض في قلوب المنافقين ، \rوما يفصل في جميع السورة من أحكام الدين وما يذكر معها مما يناسبها من الجزاء من ابتداء الإيمان إلى غاية الإيقان الذي انتهى إليه معنى السورة فيما بين الحق والخلق من أمر الدين ، وفيما بين الخلق والخلق من المعاملات والمقاومات ، \rوفيما بين المرء ونفسه من الأيمان والعهود ، \rإلى حد ختمها بما يكون من الحق للخلق في استخلاف الخلفاء الذين ختم بذكرهم هذه السورة الذين قالوا : {غفرانك ربنا} إلى انتهائها ؛ ولما كان مقصود هذه السورة الإحاطة الكتابية كان ذلك إفصاحها ومعظم آياتها وكانت الإحاطة الإلهية القيومية إلاحتها ونور آياتها ، \rفكان ذلك في آية الكرسي تصريحاً وفي سائر آيها الإحة بحسب قرب الإحاطة الكتابية من الإحاطة الإلهية ، \rوفي بدء سابق أو ختم لاحق أو حكمة جامعة ، \rفلذلك انتظم بالسورة التي ذكرت فيها البقرة السورة التي يذكر فيها آل عمران ، \rلما نزل في سورة آل عمران من الإحاطة الإلهية حتى كان في مفتتحها اسم الله الأعظم ، \rفكان ما في البقرة إفصاحاً في سورة آل عمران إلاحة ، \rوكان ما في البقرة إلاحة في سورة آل عمران إفصاحاً ، \rإلا ما اطلع في كل واحدة منهما من تصريح الأخرى ؛ فلذلك هما سورتان مرتبطتان وغيايتان وغمامتان تظلان صاحبهما يوم القيامة ، ","part":10,"page":369},{"id":4264,"text":"وبما هما من الذكر الأول وبينهما من ظاهر التفاوت ما بين الإحاطة الكتابية وبين الإحاطة الإلهية فلذلك كانت سورة البقرة سناماً له والسنام أعلى ما في الحيوان المنكب وأجمله جملة وهو البعير ، \rوكانت سورة آل عمران تاج القرآن والتاج هو أعلى ما في المخلوقات من الخلق القائم المستخلف في الأرض ظاهره وفي جميع المكون إحاطته ؛ فوقع انتظام هاتين السورتين على نحو من انتظام الآي يتصل الإفصاح في الآية بإلاحة سابقتها كما تقدم التنبيه عليه في مواضع - انتهى.\rوسر ترتيب سورة السنام على هذا النظام أنه لما افتتحها سبحانه وتعالى بتصنيف الناس الذين هم للدين كالقوائم الحاملة لذي السنام فاستوى وقام ابتداء المقصود بذكر أقرب السنام إلى أفهام أهل القيام فقال مخاطباً لجميع الأصناف التي قدمها {يا أيها الناس اعبدوا ربكم} [ البقرة : 21 ] واستمر إلى أن بان الأمر غاية البيان فأخذ يذكر مننه سبحانه على الناس المأمورين بالعبادة بما أنعم عليهم من خلق جميع ما في الوجود لهم بما أكرم به أباهم آدم عليه الصلاة والسلام ، \rثم خص العرب ومن تبعهم ببيان المنة عليهم في مجادلة بني إسرائيل وتبكيتهم ، \rوهو سبحانه وتعالى يؤكد كل قليل أمر الربوبية والتوحيد بالعبادة من غير ذكر شيء من الأحكام إلا ما انسلخ منه بنو إسرائيل ، \rفذكره على وجه الامتنان به على العرب وتبكيت بني إسرائيل بتركه لا على أنه مقصود بالذات ، ","part":10,"page":370},{"id":4265,"text":"فلما تزكوا فترقوا فتأهلوا لأنواع المعارف قال معلياً لهم من مصاعد الربوبية إلى معارج الإلهية {وإلهكم إله واحد لا إله إلا هو} [ البقرة : 163 ] فلما تسنموا هذا الشرف لقنهم العبادات المزكية ونقاهم أرواحها المصفية فذكر أمهات الأعمال أصولاً وفروعاً الدعائم الخمس والحظيرة وما تبع ذلك من الحدود في المآكل والمشارب والمناكح وغير ذلك من المصالح فتهيؤوا بها وأنها المواردات الغر من ذي الجلال فقال مرقياً لهم إلى غيب حضرته الشماء ذاكراً مسمى جميع الأسماء {الله لا إله إلا هو الحي القيوم} [ البقرة : 255 ] ولما كان الواصل إلى أعلى مقام الحرية لا بد عند القوم من رجوعه إلى ربقة العبودية ذكر لهم بعض الأعمال اللائقة بهم ، فحث على أشياء أكثرها من وادي الإحسان الذي هو مقام أولي العرفان ، فذكر مثل النفقة التي هي أحد مباني السورة عقب ما ذكر مقام الطمأنينة إيذاناً بأن ذلك شأن المطمئن ، \rورغب فيها إشارة إلى أنه لا مطمع في الوصول إلا بالانسلاخ من الدنيا كلها ، وأكثر من الحث على طيب المطعم الذي لا بقاء بحال من الأحوال بدونه ، \rونهى عن الربا أشد نهي إشارة إلى التقنع بأقل الكفاف ونهياً عن مطلق الزيادة للخواص وعن كل حرام للعوام ، \rوأرشد إلى آداب الدين الموجب للثقة بما عند الله المقتضي بصدق التوكل المثمر للعون من الله سبحانه وتعالى والإرشاد إلى ذلك ، \rتوفي النبي صلى الله عليه وسلم وهو متلبس به ؛ وبنى سبحانه وتعالى كل ثلث من هذه الأثلاث على مقدمة في تثبيت أمره وتوجه بخاتمة في التحذير من التهاون به ، \rوزاد الثالث لكونه الختام وبه بركة التمام أن أكد عليهم بعد خاتمته في الإيمان بجميع ما في السورة ، \rوختم بالإشارة إلى أن عمدة ذلك الجهاد الذي لذوي الغي والعناد ، والاعتماد فيه على مالك الملك وملك العباد ، \rوذلك هو طريق أهل الرشاد ، والهداية والسداد والله سبحانه وتعالى هو الموفق للصواب. أ هـ {نظم الدرر حـ 1 صـ 560 ـ 564}","part":10,"page":371},{"id":4266,"text":"قال ابن عاشور :\rوقوله : { ربنا ولا تحمل علينا إصراً } إلخ فصلّ بين الجملتين المتعاطفتين ، بإعادة النداء ، مع أنّه مستغنى عنه : لأنّ مخاطبة المنادى مغنِيَة عن إعادَة النداء لكن قصد من إعادته إظهار التذلّل.\rوالحمل مجاز في التكليف بأمر شديد يثقل على النفس ، وهو مناسب لاستعارة الإصر.\rوأصل معنى الإصر ما يُؤصَر به أي يُربط ، وتعقد به الأشياء ، ويقال له : الإصار بكسر الهمزة ثم استعمل مجازاً في العهد والميثاق المؤكّد فيما يصعب الوفاء به ، ومنه قوله في آل عمران ( 81 ) : { قال أأقررتم وأخذتم على ذلكم إصري } وأطلق أيضاً على ما يثقل عمله ، والامتثالُ فيه ، وبذلك فسّره الزجاج والزمخشري هنا وفي قوله ، في سورة الأعراف ( 157 ) : { ويضع عنهم إصرهم } وهو المقصود هنا ، ومن ثم حسنت استعارة الحَمْل للتكليف ، لأنّ الحمل يناسب الثِقَل فيكون قوله : ولا تحمِلْ } ترشيحاً مستعاراً لملائم المشبّه به وعن ابن عباس : { ولا تحمل علينا إصراً } عهداً لا نفي به ، ونعذّب بتركه ونقضه\".\rوقوله : { كما حملته على الذين من قبلنا } صفة لـ { إصراً } أي عهداً من الدين ، كالعهد الذي كلّف به من قبلنا في المشقة ، مثل ما كلّف به بعض الأمم الماضية من الأحكام الشاقّة مثل أمر بني إسرائيل بتيه أربعين سنة ، وبصفات في البقرة التي أمروا بذبحها نادرة ونحو ذلك ، وكل ذلك تأديب لهم على مخالفات ، وعلى قلة اهتبال بأوامر الله ورسوله إليهم ، قال تعالى في صفة محمد صلى الله عليه وسلم \" ويضع عنهم إصرهم \". أ هـ {التحرير والتنوير حـ 3 صـ 140 ـ 141}\rوقال الماوردى :\r{ رَبَّنَا وَلاَ تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْراً } فيه أربعة تأويلات :\rأحدها : إصراً أي عهداً نعجز عن القيام به ، قاله ابن عباس ، ومجاهد ، وقتادة.\rالثاني : أي لا تمسخنا قردة وخنازير ، وهذا قول عطاء.\rالثالث : أنه الذنب الذي ليس فيه توبة ولا كفارة ، قاله ابن زيد.","part":10,"page":372},{"id":4267,"text":"الرابع : الإِصر : الثقل العظيم ، قاله مالك ، والربيع ، قال النابغة : \rيا مانع الضيم أن يغشى سراتهم... والحامل الإِصر عنهم بعدما عرضوا. أ هـ {النكت والعيون حـ 1 صـ 364}\rفصل\rقال الفخر : \rذكر أهل التفسير فيه وجهين","part":10,"page":373},{"id":4268,"text":"الأول : لا تشدد علينا في التكاليف كما شددت على من قبلنا من اليهود ، قال المفسرون : إن الله تعالى فرض عليهم خمسين صلاة ، وأمرهم بأداء ربع أموالهم في الزكاة ، ومن أصاب ثوبه نجاسة أمر بقطعها ، وكانوا إذا نسوا شيئاً عجلت لهم العقوبة في الدنيا ، وكانوا إذا أتوا بخطيئة حرم عليهم من الطعام بعض ما كان حلالاً لهم ، قال الله تعالى : {فَبِظُلْمٍ مّنَ الذين هَادُواْ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ} [ النساء : 160 ] وقال تعالى : {وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنَا عَلَيْهِمْ أَنِ اقتلوا أَنفُسَكُمْ أَوِ اخرجوا مِن دياركم مَّا فَعَلُوهُ إِلاَّ قَلِيلٌ مّنْهُمْ} [ النساء : 66 ] وقد حرم على المسافرين من قوم طالوت الشرب من النهر ، وكان عذابهم معجلاً في الدنيا ، كما قال : {مّن قَبْلِ أَن نَّطْمِسَ وُجُوهاً} [ النساء : 47 ] وكانوا يمسخون قرد وخنازير ، قال القفال : ومن نظر في السفر الخامس من التوراة التي تدعيها هؤلاء اليهود وقف على ما أخذ عليهم من غلظ العهود والمواثيق ، ورأى الأعاجيب الكثيرة ، فالمؤمنون سألوا ربهم أن يصونهم عن أمثال هذه التغليظات ، وهو بفضله ورحمته قد أزال ذلك عنهم ، قال الله تعالى في صفة هذه الأمة {وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ والأغلال التى كَانَتْ عَلَيْهِمْ} [ الأعراف : 157 ] وقال عليه السلام : \" رفع عن أمتي المسخ والخسف والغرق \" وقال الله تعالى : {وَمَا كَانَ الله لِيُعَذّبَهُمْ وَأَنتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ الله مُعَذّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ} [ الأنفال : 33 ] وقال عليه الصلاة والسلام : \" بعثت بالحنيفية السهلة السمحة \" والمؤمنون إنما طلبوا هذا التخفيف لأن التشديد مظنة التقصير ، والتقصير موجب للعقوبة ، ولا طاقة لهم بعذاب الله تعالى ، فلا جرم طلبوا السهولة في التكاليف.","part":10,"page":374},{"id":4269,"text":"والقول الثاني : لا تحمل علينا عهداً وميثاقاً يشبه ميثاق من قبلنا في الغلظ والشدة ، وهذا القول يرجع إلى الأول في الحقيقة لكن بإضمار شيء زائد على الملفوظ ، فيكون القول الأول أولى. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 7 صـ 127}\rفصل\rقال الفخر : \rلقائل أن يقول : دلّت الدلائل العقلية والسمعية على أنه أكرم الأكرمين وأرحم الراحمين ، فما السبب في أن شدد التكليف على اليهود حتى أدى ذلك إلى وقوعهم في المخالفات والتمرد ، قالت المعتزلة : من الجائز أن يكون الشيء مصلحة في حق إنسان ، مفسدة في حق غيره ، فاليهود كانت الفظاظة والغلظة غالبة على طباعهم ، فما كانوا ينصلحون إلا بالتكاليف الشاقة والشدة ، وهذه الأمة كانت الرقة وكرم الخلق غالباً على طباعهم ، فكانت مصلحتهم في التخفيف وترك التغليظ.\rأجاب الأصحاب بأن السؤال الذي ذكرناه في المقام الأول ننقله إلى المقام الثاني فنقول : ولماذا خص اليهود بغلظة الطبع ، وقسوة القلب ودناءة الهمة ، حتى احتاجوا إلى التشديدات العظيمة في التكاليف ولماذا خص هذه الأمة بلطافة الطبع وكرم الخلق وعلو الهمة حتى صار يكفيهم التكاليف السهلة في حصول مصالحهم.\rومن تأمل وأنصف علم أن هذه التعليلات عليلة فجل جناب الجلال عن أن يوزن بميزان الاعتزال ، وهو سبحانه وتعالى يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد {لاَ يُسْئَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْئَلُونَ} [ الأنبياء : 23 ]. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 7 صـ 127 ـ 128}\rقوله تعالى : {رَبَّنَا وَلاَ تُحَمّلْنَا مَا لاَ طَاقَةَ لَنَا بِهِ }\rفصل\rقال الفخر : \rمن الأصحاب من تمسك به في أن تكليف ما لا يطاق جائز إذ لو لم يكن جائزاً لما حسن طلبه بالدعاء من الله تعالى.\rأجاب المعتزلة عنه من وجوه\rالأول : أن قوله {مَا لاَ طَاقَةَ لَنَا بِهِ} أي يشق فعله مشقة عظيمة وهو كما يقول الرجل : لا أستطيع أن أنظر إلى فلان إذا كان مستثقلاً له.\rقال الشاعر : ","part":10,"page":375},{"id":4270,"text":"إنك إن كلفتني ما لم أطق.. ساءك ما سرك مني من خلق\rوفي الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم قال في المملوك : \" له طعامه وكسوته ولا يكلف من العمل ما لا يطيق \" أي ما يشق عليه ، وروى عمران بن الحصين أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : \" المريض يصلي جالساً ، فإن لم يستطع فعلى جنب \" فقوله : فإن لم يستطع ليس معناه عدم القوة على الجلوس ، بل كل الفقهاء يقولون : المراد منه إذا كان يلحقه في الجلوس مشقة عظيمة شديدة ، وقال الله تعالى في وصف الكفار {مَا كَانُواْ يَسْتَطِيعُونَ السمع} [ هود : 20 ] أي كان يشق عليهم.\rالوجه الثاني : أنه تعالى لم يقل : لا تكلفنا ما لا طاقة لنا به ، بل قال : {لا تُحَمّلْنَا مَا لاَ طَاقَةَ لَنَا بِهِ} والتحميل هو أن يضع عليه ما لا طاقة له بتحمله فيكون المراد منه العذاب والمعنى لا تحملنا عذابك الذي لا نطيق احتماله فلو حملنا الآية على ذلك كان قوله {لا تُحَمّلْنَا} حقيقة فيه ولو حملناه على التكليف كان قوله {لا تُحَمّلْنَا} مجازاً فيه ، فكان الأول أولى.\rالوجه الثالث : هب أنهم سألوا الله تعالى أن لا يكلفهم بما لا قدرة لهم عليه لكن ذلك لا يدل على جواز أن يفعل خلافه ، لأنه لو دل على ذلك لدل قوله {رَبّ احكم بالحق} [ الأنبياء : 112 ] على جواز أن يحكم بباطل ، وكذلك يدل قول إبراهيم عليه السلام {وَلاَ تُخْزِنِى يَوْمَ يُبْعَثُونَ} [ الشعراء : 87 ] على جواز أن يخزي الأنبياء ، وقال الله تعالى لرسوله صلى الله عليه وسلم {وَلاَ تُطِعِ الكافرين والمنافقين} [ الأحزاب : 48 ] ولا يدل هذا على جواز أن يطيع الرسول الكافرين والمنافقين وكذا الكلام في قوله {لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ} [ الزمر : 65 ] هذا جملة أجوبة المعتزلة.\rأجاب الأصحاب فقالوا : \rأما الوجه الأول : فمدفوع من وجهين","part":10,"page":376},{"id":4271,"text":"الأول : أنه لو كان قوله {وَلاَ تُحَمّلْنَا مَا لاَ طَاقَةَ لَنَا بِهِ} محمولاً على أن لا يشدد عليهم في التكليف لكان معناه ومعنى الآية المتقدمة عليه وهو قوله {وَلاَ تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الذين مِن قَبْلِنَا} واحداً فتكون هذه الآية تكراراً محضاً وذلك غير جائز الثاني : أنا بينا أن الطاقة هي الإطاقة والقدرة ، فقوله {لا تُحَمّلْنَا مَا لاَ طَاقَةَ لَنَا بِهِ} ظاهره لا تحملنا ما لا قدرة لنا عليه أقصى ما في الباب أنه جاء هذا اللفظ بمعنى الاستقبال في بعض وجوه الاستعمال على سبيل المجاز إلا أن الأصل حمل اللفظ على الحقيقة.\rوأما الوجه الثاني : فجوابه أن التحمل مخصوص في عرف القرآن بالتكليف ، قال الله تعالى : {إِنَّا عَرَضْنَا الأمانة عَلَى السموات} [ الأحزاب : 72 ] إلى قوله {وَحَمَلَهَا الإنسان} [ الأحزاب : 72 ] ثم هب أنه لم يوجد هذا العرف إلا أن قوله {لا تُحَمّلْنَا مَا لاَ طَاقَةَ لَنَا بِهِ} عام في العذاب وفي التكليف فوجب إجراؤه على ظاهره أما التخصيص بغير حجة فإنه لا يجوز.\rوأما الوجه الثالث : فجوابه أن فعل الشيء إذا كان ممتنعاً لم يجز طلب الامتناع منه على سبيل الدعاء والتضرع ويصير ذلك جارياً مجرى من يقول في دعائه وتضرعه : ربنا لا تجمع بين الضدين ولا تقلب القديم محدثاً ، كما أن ذلك غير جائز ، فكذا ما ذكرتم.\rإذا ثبت هذا فنقول : هذا هو الأصل فإذا صار ذلك متروكاً في بعض الصور لدليل مفصل لم يجب تركه في سائر الصور بغير دليل وبالله التوفيق. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 7 صـ 128 ـ 129}\rفائدة\rقال ابن جزى : \rهذا الدعاء دليل على جواز تكليف ما لا يطاق لأنه لا يدعى برفع ما لا يجوز أن يقع ثم إن الشرع دفع وقوعه وتحقيق ذلك أن ما لا يطاق أربعة أنواع الأول عقلي محض كتكليف الإيمان لمن علم الله أنه لا يؤمن فهذا جائز وواقع بالاتفاق والثاني عادي كالطيران في الهواء والثاني عقلي وعادي كالجمع بين الضدين فهذان وقع الخلاف في جواز التكليف بهما والاتفاق على عدم وقوعه والرابع تكليف ما يشق ويصعب فهذا جائز اتفاقا فقد كلفه الله من تقدر من الأمم ورفعه عن هذه الأمة. أ هـ {التسهيل حـ 1 صـ 99}","part":10,"page":377},{"id":4272,"text":"أسئلة وأجوبة للإمام الفخر : \rالسؤال الأول : لم قال في الآية الأولى {لاَّ تَحْمِلُ عَلَيْنَا إِصْرًا} وقال في هذه الآية {لا تُحَمّلْنَا} خص ذلك بالحمل وهذا بالتحميل.\rالجواب : أن الشاق يمكن حمله أما ما لا يكون مقدوراً لا يمكن حمله ، فالحاصل فيما لا يطاق هو التحميل فقط أما الحمل فغير ممكن وأما الشاق فالحمل والتحميل يمكنان فيه ، فلهذا السبب خص الآية الأخيرة بالتحميل.\rالسؤال الثاني : أنه لما طلب أن لا يكلفه بالفعل الشاق قوله {لاَّ تَحْمِلُ عَلَيْنَا إِصْرًا} كان من لوازمه أن لا يكلفه ما لا يطاق ، وعلى هذا التقدير كان عكس هذا الترتيب أولى.\rوالجواب : الذي أتخيله فيه والعلم عند الله تعالى أن للعبد مقامين\rأحدهما : قيامه بظاهر الشريعة والثاني : شروعه في بدء المكاشفات ، وذلك هو أن يشتغل بمعرفة الله وخدمته وطاعته وشكر نعمته ففي المقام الأول طلب ترك التشديد ، وفي المقام الثاني قال : لا تطلب مني حمداً يليق بجلالك ، ولا شكراً يليق بآلائك ونعمائك ، ولا معرفة تليق بقدس عظمتك ، فإن ذلك لا يليق بذكري وشكري وفكري ولا طاقة لي بذلك ، ولما كانت الشريعة متقدمة على الحقيقة لا جرم كان قوله {وَلاَ تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا} مقدماً في الذكر على قوله {لا تُحَمّلْنَا مَا لاَ طَاقَةَ لَنَا بِهِ }.\rالسؤال الثالث : أنه تعالى حكى عن المؤمنين هذه الأدعية بصيغة الجمع بأنهم قالوا {لاَ تُؤَاخِذْنَا إِن نَّسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا * وَلاَ تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الذين مِن قَبْلِنَا * وَلاَ تُحَمّلْنَا مَا لاَ طَاقَةَ لَنَا بِهِ} فما الفائدة في هذه الجمعية وقت الدعاء ؟ \rوالجواب : المقصود منه ببيان أن قبول الدعاء عند الاجتماع أكمل وذلك لأن للهمم تأثيرات فإذا اجتمعت الأرواح والدواعي على شيء واحد كان حصوله أكمل. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 7 صـ 129 ـ 130}\rقوله تعالى : {واعف عَنَّا واغفر لَنَا وارحمنا أَنتَ مولانا فانصرنا عَلَى القوم الكافرين }\rقال ابن عاشور : ","part":10,"page":378},{"id":4273,"text":"وقوله : { واعف عنا واغفر لنا } لم يؤت مع هذه الدعوات بقوله ربّنا ، إمّا لأنّه تكرّر ثلاث مرات ، والعرب تكره تكرير اللفظ أكثر من ثلاث مرات إلاّ في مقام التهويل ، وإمّا لأنّ تلك الدعوات المقترنة بقوله : { ربنا } فروع لهذه الدعوات الثلاث ، فإذا استجيب تلك حصلت إجابة هذه بالأوْلى ؛ فإنّ العفو أصل لعدم المؤاخذة ، والمغفرةَ أصل لرفع المشقة والرحمة أصل لعدم العقوبة الدنيوية والأخروية ، فلمّا كان تعميماً بعد تخصيص ، كان كأنّه دعاء واحد. أ هـ {التحرير والتنوير حـ 3 صـ 141}\rقال الفخر : \rاعلم أن تلك الأنواع الثلاثة من الأدعية كان المطلوب فيها الترك وكانت مقرونة بلفظ {رَبَّنَا} وأما هذا الدعاء الرابع ، فقد حذف منه لفظ {رَبَّنَا} وظاهره يدل على طلب الفعل ففيه سؤالان : \rالسؤال الأول : لم لم يذكر ههنا لفظ ربنا ؟ .\rالجواب : النداء إنما يحتاج إليه عند البعد ، أما عند القرب فلا وإنما حذف النداء إشعاراً بأن العبد إذا واظب على التضرع نال القرب من الله تعالى وهذا سر عظيم يطلع منه على أسرار أُخر.\rالسؤال الثاني : ما الفرق بين العفو والمغفرة والرحمة ؟ .","part":10,"page":379},{"id":4274,"text":"الجواب : أن العفو أن يسقط عنه العقاب ، والمغفرة أن يستر عليه جرمه صوناً له من عذاب التخجيل والفضيحة ، كأن العبد يقول : أطلب منك العفو وإذا عفوت عني فاستره علي فإن الخلاص من عذاب القبر إنما يطيب إذا حصل عقيبه الخلاص من عذاب الفضيحة ، والأول : هو العذاب الجسماني ، والثاني : هو العذاب الروحاني ، فلما تخلص منهما أقبل على طلب الثواب ، وهو أيضاً قسمان : ثواب جسماني وهو نعيم الجنة ولذاتها وطيباتها ، وثواب روحاني وغايته أن يتجلى له نور جلال الله تعالى ، وينكشف له بقدر الطاقة علو كبرياء الله وذلك بأن يصير غائباً عن كل ما سوى الله تعالى ، مستغرقاً بالكلية في نور حضور جلال الله تعالى ، فقوله {وارحمنا} طلب للثواب الجسماني وقوله بعد ذلك {أَنتَ مولانا} طلب للثواب الروحاني ، ولأن يصير العبد مقبلا بكليته على الله تعالى لأن قوله {أَنتَ مولانا} خطاب الحاضرين ، ولعلّ كثيراً من المتكلمين يستبعدون هذه الكلمات ، ويقولون : إنها من باب الطاعات ، ولقد صدقوا فيما يقولون ، فذلك مبلغهم من العلم {إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَن سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اهتدى} [ النجم : 30 ].\r","part":10,"page":380},{"id":4275,"text":"وفي قوله {أَنتَ مولانا} فائدة أخرى ، وذلك أن هذه الكلمة تدل على نهاية الخضوع والتذلل والاعتراف بأنه سبحانه هو المتولي لكل نعمة يصلون إليها ، وهو المعطي لكل مكرمة يفوزون بها فلا جرم أظهروا عند الدعاء أنهم في كونهم متكلمين على فضله وإحسانه بمنزلة الطفل الذي لا تتم مصلحته إلا بتدبير قيمه ، والعبد الذي لا ينتظم شمل مهماته إلا بإصلاح مولاه ، فهو سبحانه قيوم السموات والأرض ، والقائم بإصلاح مهمات الكل ، وهو المتولي في الحقيقة للكل ، على ما قال : {نِعْمَ المولى وَنِعْمَ النصير} [ الأنفال : 40 ] ونظير هذه الآية {الله وَلِيُّ الذين ءَامَنُواْ} [ البقرة : 257 ] أي ناصرهم ، وقوله {فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ مولاه} [ التحريم : 4 ] أي ناصره ، وقوله {ذَلِكَ بِأَنَّ الله مَوْلَى الذين ءَامَنُواْ وَأَنَّ الكافرين لاَ مولى لَهُم} [ محمد : 11 ].\rثم قال : {فانصرنا عَلَى القوم الكافرين} أي انصرنا عليهم في محاربتنا معهم ، وفي مناظرتنا بالحجة معهم ، وفي إعلاء دولة الإسلام على دولتهم على ما قال : {لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدين كُلّهِ} [ التوبة : 33 ] ومن المحققين من قال : {فانصرنا عَلَى القوم الكافرين} المراد منه إعانة الله بالقوة الروحانية الملكية على قهر القوى الجسمانية الداعية إلى ما سوى الله ، وهذا آخر السورة.","part":10,"page":381},{"id":4276,"text":"وروى الواحدي رحمه الله عن مقاتل بن سليمان أنه لما أسري بالنبي صلى الله عليه وسلم إلى السماء أعطى خواتيم سورة البقرة ، فقالت الملائكة : إن الله عزّ وجلّ قد أكرمك بحسن الثناء عليك بقوله {آمن الرسول} فسله وارغب إليه ، فعلمه جبريل عليهما الصلاة والسلام كيف يدعو ، فقال محمد صلى الله عليه وسلم : {غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ المصير} فقال الله تعالى : \"قد غفرت لكم\" فقال : {لاَ تُؤَاخِذْنَا} فقال الله : ( لا أؤاخذكم ) فقال : {رَبَّنَا وَلاَ تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا} فقال : \"لا أشدد عليكم\" فقال محمد {لا تُحَمّلْنَا مَا لاَ طَاقَةَ لَنَا بِهِ} فقال : \"لا أحملكم ذلك\" فقال محمد {واعف عَنَّا واغفر لَنَا وارحمنا} فقال الله تعالى : \"قد عفوت عنكم وغفرت لكم ورحمتكم وأنصركم على القوم الكافرين\" وفي بعض الروايات أن محمداً صلى الله عليه وسلم كان يذكر هذه الدعوات ، والملائكة كانوا يقولون آمين. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 7 صـ 130 ـ 131}\rوقال القرطبى : \rقوله تعالى : { واعف عَنَّا } أي عن ذنوبنا.\rعفوت عن ذنبه إذا تركته ولم تعاقبه.\r{ واغفر لَنَا } أي استر على ذنوبنا.\rوالغفر : الستر.\r{ وارحمنآ } أي تفضل برحمة مبتدئاً منك علينا.\r{ أَنتَ مَوْلاَنَا } أي ولِينا وناصرنا.\rوخرج هذا مخرج التعليم للخلق كيف يدعون.\rروي عن معاذ بن جبل أنه كان إذا فرغ من قراءة هذه السورة قال : آمين.\rقال ابن عطية : هذا يُظَنّ به أنه رواه عن النبي صلى الله عليه وسلم ، فإن كان ذلك فكمال ، وإن كان بقياس على سورة الحمد من حيث هنالك دعاء وهنا دعاء فحسن.\rوقال علي بن أبي طالب : ما أظن أحداً عقل وأدرك الإسلام ينام حتى يقرأهما. أ هـ {تفسير القرطبى حـ 3 صـ 433}\rوقال أبو حيان : \r","part":10,"page":382},{"id":4277,"text":"طلبوا العفو وهو الصفح عن الذنب : وإسقاط العقاب ، ثم ستره عليهم صوناً لهم من عذاب التخجيل ، لأن العفو عن الشيء لا يقتضي ستره فيقال : عفا عنه إذا وقفه على الذنب ثم أسقط عنه عقوبة ذلك الذنب ، فسألوا الإسقاط للعقوبة أولاً لأنه الأهم ، إذ فيه التعذيب الجسماني والنعيم الروحاني بتجلي البارىء تعالى لهم وقال الراغب : العفو إزالة الذنب بترك عقوبته ، والغفران ستر الذنب وإظهار الإحسان بدله ، فكأنه جمع بين تغطية ذنبه ، وكشف الإحسان الذي غطى به.\rوالرحمة إفاضة الإحسان إليه ، فالثاني أبلغ من الأول ، والثالث أبلغ من الثاني. انتهى.\rوقيل : واعف عنا من المسخ ، واغفر لنا عن الخسف من القذف ، وقيل : اعف عنا من الأفعال ، واغفر لنا من الأقوال ، وارحمنا بثقل الميزان.\rوقيل : واعف عنا في سكرات الموت ، واغفر لنا في ظلمة القبر ، وارحمنا في أهوال يوم القيامة.\rوكل هذه الأقوال تخصيصات لا دليل عليها. أ هـ {البحر المحيط حـ 2 صـ 385}\rوقال الآلوسى : ","part":10,"page":383},{"id":4278,"text":"{ واعف عَنَّا } أي امح آثار ذنوبنا بترك العقوبة. { واغفر لَنَا } بستر القبيح وإظهار الجميل { وارحمنا } وتعطف علينا بما يوجب المزيد ، وقيل : { أَذْهَبَ عَنَّا } من الأفعال { واغفر لَنَا } من الأقوال { وارحمنا } بثقل الميزان ، وقيل : { واعف عَنَّا } في سكرات الموت { واغفر لَنَا } في ظلمة القبور { وارحمنا } في أهوال يوم النشور ، قال أبو حيان : ولم يأت في هذه الجمل الثلاث بلفظ ربنا لأنها نتائج ما تقدم من الجمل التي افتتحت بذلك فجاء فاعف عنا مقابلاً لقوله تعالى : { لاَ تُؤَاخِذْنَا } { واغفر لَنَا } لقوله سبحانه : { وَلاَ تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا } { وارحمنا } لقوله عز شأنه : { وَلاَ تُحَمّلْنَا مَا لاَ طَاقَةَ لَنَا بِهِ } لأن من آثار عدم المؤاخذة بالنسيان والخطأ العفو ، ومن آثار عدم حمل الإصر عليهم المغفرة ، ومن آثار عدم تحميل ما لا يطاق الرحمة ولا يخفى حسن الترتيب { أَنتَ مولانا } أي مالكنا وسيدنا ، وجوز أن يكون بمعنى متولي الأمر وأصله مصدر أريد به الفاعل وإذا ذكر المولى والسيد وجب في الاستعمال تقديم المولى فيقال : مولانا وسيدنا كما في قول الخنساء : \rوإن صخراً لمولانا وسيدنا... وإن صخراً إذا اشتوا لمنحار\rوخطئوا من قال : سيدنا ومولانا بتقديم السيد على المولى كما قاله ابن أيبك ولي فيه تردد قيل : والجملة على معنى القول أي قولوا أنت مولانا { فانصرنا عَلَى القوم الكافرين } أي الأعداء في الدين المحاربين لنا أو مطلق الكفرة وأتى بالفاء إيذاناً بالسببية لأن الله تعالى لما كان مولاهم ومالكهم ومدبر أمورهم تسبب عنه أن دعوه بأن ينصرهم على أعدائهم فهو كقولك أنت الجواد فتكرم عليّ وأنت البطل فاحْمِ الجار. أ هـ {روح المعانى حـ 3 صـ 71}\rوقال ابن كثير : ","part":10,"page":384},{"id":4279,"text":"وقوله : { وَاعْفُ عَنَّا } أي : فيما بيننا وبينك مما تعلمه من تقصيرنا وزللنا ، { وَاغْفِرْ لَنَا } أي : فيما بيننا وبين عبادك ، فلا تظهرهم على مساوينا وأعمالنا القبيحة ، { وَارْحَمْنَا } أي : فيما يُسْتَقبل ، فلا توقعنا بتوفيقك في ذنب آخر ، ولهذا قالوا : إن المذنب محتاج إلى ثلاثة أشياء : أن يعفو الله عنه فيما بينه وبينه ، وأن يستره عن عباده فلا يفضحه به بينهم ، وأن يعصمه فلا يوقعه في نظيره. أ هـ {تفسير ابن كثير حـ 1 صـ 738}\rوقال ابن عاشور : \rوقوله : { أنت مولانا } فصله لأنّه كالعلّة للدعوات الماضية : أي دعوناك ورجونا منك ذلك لأنّك مولانا ، ومن شأن المولى الرفقُ بالمملوك ، وليكون هذا أيضاً كالمقدمة للدعوة الآتية.\rوقوله : { فانصرنا على القوم الكافرين } جيء فيه بالفاء للتفريع عن كونه مولى ، لأنّ شأن المولى أن ينصر مولاه ، ومن هنا يظهر موقع التعجيب والتحسير في قول مرة بن عداء الفقعسي : \rرأيتُ مَوَالِيّ الألَى يخذلونني\rعلى حدثَانِ الدّهْرِ إذْ يَتَقلّب...\rوفي التفريع بالفاء إيذان بتأكيد طلب إجابة الدعاء بالنصر ، لأنّهم جعلوه مرتّباً على وصف محقّق ، وهو ولاية الله تعالى المؤمنين ، قال تعالى : { اللَّه ولي الذين آمنوا } [ البقرة : 257 ] وفي حديث يوم أحد لَمَّا قال أبو سفيان : \"لَنا العُزّى ولا عُزَّى لكم\" قال النبي صلى الله عليه وسلم أجيبوه \" الله مولانا ولا مولَى لكم \".\rووجه الاهتمام بهذه الدعوة أنّها جامعة لخيري الدنيا والآخرة ؛ لأنّهم إذا نصروا على العدوّ ، فقد طاب عيشهم وظهر دينهم ، وسلموا من الفتنة ، ودخل الناس فيه أفواجاً. أ هـ {التحرير والتنوير حـ 3 صـ 141 ـ 142}.\rفائدة\rقال الشيخ المراغى رحمه الله : \rوما علمنا الله هذا الدعاء لتلوكه ألستنا وتتحرك بها شفاهنا فقط ، بل لندعوه مخلصين له لاجئين إليه بعد استعمال ما يصل إليه كسبنا من الأسباب والوسائل التى هى طريق الاستجابة ، فمن فعل ذلك فإن الله يستجيب دعاءه ، ومن لم يعرف من الدعاء إلا حركة اللسان ، مع مخالفة أحكام الشريعة ، وتجافى السنن التى سنها الله ، فهو بدعائه كالساخر من ربه ، فهو لا يستحق منه إلا المقت والخذلان.\rونحن الآن قد أعرضنا عن هدايته ، وتنكبنا سنته فى خليقته ، ثم طلبنا منه النصر بألسنتنا دون قلوبنا ، فلم يستجب لنا دعاء ، وكنا نحن الجانين على أنفسنا ، المستحقين لهذا الخذلان.أ هـ {تفسير المراغى حـ 3 صـ 84 ـ 85}.","part":10,"page":385},{"id":4280,"text":"فصل\rقال ابن الجوزى فى معنى الآية : \rقوله تعالى : { لا يكلف الله نفساً إلا وسعها } الوسع : الطاقة.\rقاله ابن عباس ، وقتادة.\rومعناه : لا يكلفها ما لا قدرة لها عليه لاستحالته ، كتكليف الزمن السعي ، والأعمى النظر.\rفأما تكليف ما يستحيل من المكلف ، لا لفقد الآلات ، فيجوز كتكليف الكافر الذي سبق في العلم القديم أنه لا يؤمن الإيمان ، فالآية محمولة على القول الأول.\rومن الدليل على ما قلناه قوله تعالى في سياق الآية { ربنا لا تحملنا مالا طاقة لنا به } فلو كان تكليف ما لا يطاق ممتنعاً ، كان السؤال عبثاً ، وقد أمر الله تعالى نبيه بدعاء قوم قال فيهم : { وإن تدعهم إلى الهدى فلن يهتدوا إذاً أبداً } [ الكهف : 57 ] وقال ابن الأنباري : المعنى : لا تحملنا ما يثقل علينا أداؤه ، وإن كنا مطيقين له على تجشم ، وتحمل مكروه ، فخاطب العرب على حسب ما تعقل ، فإن الرجل منهم يقول للرجل يبغضه : ما أطيق النظر إليك ، وهو مطيق لذلك ، لكنه يثقل عليه ، ومثله قوله تعالى : { ما كانوا يستطيعون السمع }.\rقوله تعالى : { لها ما كسبت } قال ابن عباس : لها ما كسبت من طاعة { وعليها ما اكتسبت } من معصية.\rقال أبو بكر النقاش : فقوله : \"لها\" دليل على الخير ، و\"عليها\" دليل على الشر.","part":10,"page":386},{"id":4281,"text":"وقد ذهب قوم إلى أن \"كسبت\" لمرة ومرات ، و\"اكتسبت\" لا يكون إلا لشيء بعد شيء ، وهما عند آخرين لغتان بمعنى واحد ، كقوله عز وجل : { فمهل الكافرين أمهلهم رويدا } [ الطارق : 17 ].\rقوله تعالى : { ربنا لا تؤاخذنا } هذا تعليم من الله للخلق أن يقولوا ذلك ، قال ابن الأنباري : والمراد بالنسيان هاهنا : الترك مع العمد ، لأن النسيان الذي هو بمعنى الغفلة قد أمنت الآثام من جهته.\rوالخطأ أيضاً هاهنا من جهة العمد ، لا من جهة السهو ، يقال : أخطأ الرجل : إذا تعمد ، كما يقال : أخطأ إذا غفل.\rوفي \"الإصر\" قولان.\rأحدهما : أنه العهد ، قاله ابن عباس ، ومجاهد ، والضحاك ، والسدي.\rوالثاني : الثقل أي : لا تثقل علينا من الفروض ما ثقلته على بني اسرائيل ، قاله ابن قتيبة.\rقوله تعالى : { ولا تحملنا ما لا طاقة لنا به } فيه خمسة أقوال.\rأحدهما : أنه ما يصعُب ويشق من الأعمال ، قاله الضحاك ، والسدي ، وابن زيد ، والجمهور.\rوالثاني : أنه المحبة ، رواه الثوري عن منصور عن إبراهيم.\rوالثالث : الغلمة قاله مكحول.\rوالرابع : حديث النفس ووساوسها.\rوالخامس : عذاب النار.\rقوله تعالى : { أنت مولانا } أي : أنت ولينا { فانصرنا } أي : أعنا.\rوكان معاذ إذا فرغ من هذه السورة قال : آمين. أ هـ {زاد المسير حـ 1 صـ 347 ـ 348}\rوقال السعدى : ","part":10,"page":387},{"id":4282,"text":"لما نزل قوله تعالى { وإن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به الله } شق ذلك على المسلمين لما توهموا أن ما يقع في القلب من الأمور اللازمة والعارضة المستقرة وغيرها مؤاخذون به ، فأخبرهم بهذه الآية أنه لا يكلف نفسا إلا وسعها أي : أمرا تسعه طاقتها ، ولا يكلفها ويشق عليها ، كما قال تعالى { ما جعل عليكم في الدين من حرج } فأصل الأوامر والنواهي ليست من الأمور التي تشق على النفوس ، بل هي غذاء للأرواح ودواء للأبدان ، وحمية عن الضرر ، فالله تعالى أمر العباد بما أمرهم به رحمة وإحسانا ، ومع هذا إذا حصل بعض الأعذار التي هي مظنة المشقة حصل التخفيف والتسهيل ، إما بإسقاطه عن المكلف ، أو إسقاط بعضه كما في التخفيف عن المريض والمسافر وغيرهم ، ثم أخبر تعالى أن لكل نفس ما كسبت من الخير ، وعليها ما اكتسبت من الشر ، فلا تزر وازرة وزر أخرى ولا تذهب حسنات العبد لغيره ، وفي الإتيان بـ \"كسب \"في الخير الدال على أن عمل الخير يحصل للإنسان بأدنى سعي منه بل بمجرد نية القلب وأتى بـ \"اكتسب \"في عمل الشر للدلالة على أن عمل الشر لا يكتب على الإنسان حتى يعمله ويحصل سعيه ، ولما أخبر تعالى عن إيمان الرسول والمؤمنين معه وأن كل عامل سيجازى بعمله ، وكان الإنسان عرضة للتقصير والخطأ والنسيان ، وأخبر أنه لا يكلفنا إلا ما نطيق وتسعه قوتنا ، أخبر عن دعاء المؤمنين بذلك ، وقد أخبر النبي صلى الله عليه وسلم [ ص 121 ] أن الله قال : قد فعلت. إجابة لهذا الدعاء ، فقال { ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا } والفرق بينهما : أن النسيان : ذهول القلب عن ما أمر به فيتركه نسيانا ، والخطأ : أن يقصد شيئا يجوز له قصده ثم يقع فعله على ما لا يجوز له فعله : فهذان قد عفا الله عن هذه الأمة ما يقع بهما رحمة بهم وإحسانا ، فعلى هذا من صلى في ثوب مغصوب ، أو نجس ، أو قد نسي نجاسة على بدنه ، أو تكلم في الصلاة ناسيا ، أو فعل مفطرا ناسيا ، أو فعل محظورا من محظورات الإحرام التي ليس","part":10,"page":388},{"id":4283,"text":"فيها إتلاف ناسيا ، فإنه معفو عنه ، وكذلك لا يحنث من فعل المحلوف عليه ناسيا ، وكذلك لو أخطأ فأتلف نفسا أو مالا فليس عليه إثم ، وإنما الضمان مرتب على مجرد الإتلاف ، وكذلك المواضع التي تجب فيها التسمية إذا تركها الإنسان ناسيا لم يضر. { ربنا ولا تحمل علينا إصرا } أي : تكاليف مشقة { كما حملته على الذين من قبلنا } وقد فعل تعالى فإن الله خفف عن هذه الأمة في الأوامر من الطهارات وأحوال العبادات ما لم يخففه على غيرها { ربنا ولا تحملنا ما لا طاقة لنا به } وقد فعل وله الحمد { واعف عنا واغفر لنا وارحمنا } فالعفو والمغفرة يحصل بهما دفع المكاره والشرور ، والرحمة يحصل بها صلاح الأمور { أنت مولانا } أي : ربنا ومليكنا وإلهنا الذي لم تزل ولايتك إيانا منذ أوجدتنا وأنشأتنا فنعمك دارة علينا متصلة عدد الأوقات ، ثم أنعمت علينا بالنعمة العظيمة والمنحة الجسيمة ، وهي نعمة الإسلام التي جميع النعم تبع لها ، فنسألك يا ربنا ومولانا تمام نعمتك بأن تنصرنا على القوم الكافرين ، الذين كفروا بك وبرسلك ، وقاوموا أهل دينك ونبذوا أمرك ، فانصرنا عليهم بالحجة والبيان والسيف والسنان ، بأن تمكن لنا في الأرض وتخذلهم وترزقنا الإيمان والأعمال التي يحصل بها النصر ، والحمد لله رب العالمين. أ هـ {تفسير السعدى صـ 130}\rفائدة بلاغية\rقال أبو حيان : \rتضمنت هذه الآية من أنواع الفصاحة وضروب البلاغة أشياء ، منها : الطباق في { وإن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه } والطباق المعنوي في : { لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت } لأن : لها ، إشارة إلى ما يحصل به نفع ، و: عليها ، إشارة إلى ما يحصل به ضرر.\rوالتكرار في قوله : { وما في الأرض } كرر : ما ، تنبيهاً وتوكيداً.\rوفي قوله : { بين أحد من رسله } وفي قوله : ما كسبت وما اكتسبت.\rإذا قلنا إنهما بمعنى واحد ، إذ كان يعني : لها ما كسبت.\rوالتجنيس المغاير في : { آمن والمؤمنون }.\rوالحذف في عدّة مواضع. والله أعلم. أ هـ {البحر المحيط حـ 2 صـ 385}.\rمن لطائف الإمام القشيرى فى الآية\rقوله جلّ ذكره : { لاَ يُكَلِّفُ اللهُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا }.\rلكمال رحمته بهم وقفهم على حد وسعهم ودون ذلك بكثير ، كل ذلك رِفق منه وفضل. { لَهَا مَا كَسَبَتْ }.\rمن الخيرات.\r{ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ }.\rما تكسبه من التوبة التي تُنَجِّي من كسب.\rقوله جلّ ذكره : { رَبَّنَا وَلاَ تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِنَا رَبَّنَا وَلاَ تُحَمِّلْنَا مَا لاَ طَاقَةَ لَنَا بِهِ }.","part":10,"page":389},{"id":4284,"text":"كان إذا وقعت حاجة كلَّموه بلسان الواسطة. قالوا : { يَا مُوسَى ادْعُ لَنَا رَبَّكَ } [ الأعراف : 134 ] وهذه الأمة قال لهم : { وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِى أَسْتَجِبْ لَكُمْ } [ غافر : 60 ].\rوكانت الأمم ( السالفة ) إذا أذنبوا احتاجوا إلى مضي مدة لقبول التوبة ، وفي هذه الأمة قال صلى الله عليه وسلم : \" الندم توبة \".\rوكانت الأمم السالفة منهم من قال اجعل لنا إلهاً كما لهم آلهة ، وهذه الأمة اختصت بإشراق أنوار توحيدهم ، وخصائصُهم أكثر من أن يأتي عليه الشرح.\rقوله جلّ ذكره : { وَاعْفُ عَنَّا }. في الحال.\r{ وَاغْفِرْ لَنَا }. في المآل.\r{ وَارْحَمْنَا أَنتَ مَوْلاَنَا فَانْصُرْنَا عَلَى القَوْمِ الكَافِرِينَ }.\rفي جميع الأحوال إذ ليس لنا أحد سواك ، فأنت مولانا فاجعل النصرة لنا على ما يشغلنا عنك.\rولمَّا قالوا : { وَلاَ تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِنَا } خَسَفَ الله ذنوبهم بدل خسف المتقدمين ، فأبدل ذنوبهم حسنات بدل مسخهم ، وأمطر عليهم الرحمة بدل ما أمطر على المتقدمين من الحجارة. والحمد لله رب العالمين. أ هـ {لطائف الإشارات حـ 1 صـ 216 ـ 217}\rمن فوائد ابن عرفة فى الآية\rقوله تعالى : { لاَ يُكَلِّفُ الله نَفْساً إِلاَّ وُسْعَهَا . . . }.\rابن عرفة : تقدم في الآية السابقة أنّها ( إما ) منسوخة او مخصوصة بهذا أو مبيّنة بهذا.\rزاد ابن الخطيب أنها من كلام الناس.\rورده ابن عرفة : بأنّ هذا خبر فلا يصح أن يكون من كلام الناس إذ لا طريق لهم إلى معرفته إلا أن يكون أنزل قبله ما هو في معناه.\rقال ابن عرفة : وتكليف ما لا يطاق فيه ثلاث أقوال : \rمذهب أهل السنة جوازه ، ومذهب المعتزلة منعه ، والثالث الوقف.\rوإذا قلنا بالجواز فهل هو واقع أم لا ؟ فيه خلاف.","part":10,"page":390},{"id":4285,"text":"وتردد الأشعري في وقوعه ، وقسمه ابن التلمساني على خمسة أقسام والخلاف إنما هو في قسمين وهما المستحيل عقلا والمستحيل عادة ، وما عداهما فلا خلاف فيه إذ ليس من تكليف ما لايطاق.\rقال في ( شرح ) المحصول : وفائدة التّكليف بالمستحيل عقلا أو عادة أن يكون علامة على ( شقاوة ) المكلف بذلك لأنه لا يتوصل إلى امتثاله والآية حجة لمن يجيز التكليف ( بما ) لا يطاق ويبقى وقوعه إذ لا ( ينفى إلا ) ما هو ممكن الوقوع و( من ) قال بوقوع تكليف ما لا يطاق واحتج بقضية أبي لهب فإنه مكلف بأن لا يؤمن لقوله تعالى : { سيصلى نَاراً ذَاتَ لَهَبٍ } وهو مكلف بأن يؤمن بالنّبي صلّى الله عليه وسلّم وبجميع ما جاء به ومن جملته هذا.\rوأجاب تاج الدين الأرموي في شرح الحاصل بأنه مكلف بأن يؤمن بالنبي صلى الله عليه وسلم وبما جاء به إيمانا جمليا لا تفصيليا.\rقال الفخر وابن التلمساني : من تكليف ما لا يطاق التكليف بما علم عدم وقوعه.\rفقال ابن عرفة : هذا وهم وليس ذلك من تكليف ما لا يطاق بوجه لأنه ممكن في نفس الأمر فهو ( مطيق ) فعله كتكليف العصاة بالصلاة في الوقت فيفعلونها بعد الوقت قضاء.\rقيل لابن عرفة : ما فائدة الخلاف ( بتكليف ) ما لا يطاق بالنسبة إلى النائم ؟ \rفقال : قد ذكروا في النائم أنّه إذا ضرب ( برجله ) إناء فكسره فإنه يضمنه.\rوكذلك إذا ضرب أحدا فقتله فهل تضمينه ذلك من تكليف ما لا يطاق أم لا ؟ \rوالظاهر أنه من خطاب الوضع والإجبار.\rقوله تعالى : { لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكتسبت . . . }.\rذكر ( الزمخشري ) وابن عطية وجه المغايرة بين الفعلين وهما متقاربان.\rفتقرير ما قال ابن عطية ( والزّمخشري ) أنّ المكلّف بفعل الطاعة مستحضر للثواب عليها فيسهل عليه أمرها من غير تكليف طبيعي ولا وازع له عن فعلها ، وفاعل المعصية يستحضر العقوبة عليها في الدّار الآخرة فشهوته تحمله عليها وتكلفه على فعلها وتوجب معاندته للوازع الديني.","part":10,"page":391},{"id":4286,"text":"وتقرير كلام الزمخشري كأنه على عكس هذا لكنه في الحقيقة راجع إلى هذا وهو أنّ الشّر مما تشتهيه النفوس وتأمر به فهي في تحصيله أعمل وأقوى اجتهادا ( فجعلت ) له مكتسبة ولما لم تكن كذلك في الخير وصفت بما لا دلالة فيه على الفعل والتكليف.\rوقال ابن الصائغ في باب ما جاء من المعدول على فعال : لما كان الإنسان يثاب على قليل الخير وكثيره استعمل فيه اللّفظ العام للقليل والكثير وهو \" كسب \" ، ولما كانت الصغائر معفوا عنها بفضل الله عز وجل جاء بلفظ الكثير إشعارا بأنها ليس عليها إلا ما فوق الصغائر قال هذا بعد أن ذكر أن : كَسَبَ واكْتَسَبَ إن اجتمعتا في كلام واحد كانت \" كَسَبَ \" عامة ( في الأمرين ) و\" اكْتَسَبَ \" خاصة بالكثير وإن انفردت إحداهما عمت في الأمرين.\rوقال القرافي في قواعده : إنها تدل على أن المصائب لا يثاب عليها لأنها ليس للمكلف فيها اعتماد.\rقلت : وفي شرح أبيات الجمل لابن هشام / النحوي حكى ابن جني عن الزجاج أنه يقال : جزيته في الخير وجازيته في الشر فيستعمل فعل الزيادة في الشر وفعل النقص في الخير ومنه { لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكتسبت }.\rوقول الشاعر أيضا : \rإنا اقتسمنا خطيئتنا بيننا . . .\rفحملت بِرّهُ واحتملت فجار\rقوله تعالى : { رَبَّنَا لاَ تُؤَاخِذْنَآ إِن نَّسِينَآ أَوْ أَخْطَأْنَا . . . }.\rقال الزمخشري : فإن قلت : النسيان والخطأ متجاوز عنهما فما معنى الدعاء بترك المؤاخذة فيهما ؟ \rوأجاب بأن الدعاء راجع لسببهما وهو التفريط والغفلة.\rقال ابن عرفة : هذا على مذهبه في منع تكليف ما لا يطاق لأنه دعاء بتحصيل الحاصل ونحن نقول : يجوز الدعاء بتحصيله لأنه ممكن باعتبار الأصالة.\rفإن قلت : الأصل تقديم الشّرط نحو أن يقال : إن نسينا أو أخطأنا فلا تؤاخذنا ؟ \rقلت : قدم المدعو به للاهتمام به.\rقال ابن عرفة : فالنسيان والخطأ مرفوع عن ابن آدم فيما بينه وبين الله تعالى.","part":10,"page":392},{"id":4287,"text":"قيل له : قد قال الإمام مالك رضي الله عنه في العتبية فيمن حلف بالطلاق : ليصومن يوم كذا فأفطر ناسيا : إنّه لا شيء عليه ؟ \rفقال : قال ابن رشد وابن دحون : أي لا حنث له.\rوقال السيُورِي : واختاره اللخمي أي لا فضل عليه ، واحتج بحديث : \" حمل ( عن ) أمتي أخطاؤها ونسيانها.\rوأجاب الآخرون : بأن الذي حمل إنما هو إثم الخطإ والنيسان لا نفس الخطإ.\rوذكرها ابن الحاجب في كتاب الأيمان والنذور ، قال : وفيها ما نصه : \" والنسيان في المطلق كالعمد على المعروف ، وخرج الفرق من قوله : من حلف بالطلاق لأصومن كذا فأفطر ناسيا فلا شيء عليه \".\rقلت : ووقعت هذه المسألة في رسم سلف سمع من سماع عيسى من كتاب الأيمان والنذور بالطلاق.\r( وقال ابن رشد : أي لا حنث عليه إذا كان ناسيا بخلاف ما لو أصبح مفطرا ) ناسيا ليمينه ، مراعاة للخلاف في وجوب القضاء على من أفطر في التطوع متعمّدا وفي رمضان ناسيا لما جاء في ذلك.\rقيل لابن عرفة : قد قالوا : إذا قتل رجل خطأ : إنّ على قاتله صوم شهرين ؟ \rفقال : النسيان إنما هو في رفع الإثم وليس سببا في صومه والقتل سبب في الصوم والشرع رتب عل ذلك القتل صوما فيجب عليه امتثاله ( لا لأنه ) كفارة بل الإثم ساقط عنه.\rانتهى.\rقوله تعالى : { رَبَّنَا وَلاَ تَحْمِلْ عَلَيْنَآ إِصْراً كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الذين مِن قَبْلِنَا . . . }.\rقال أبو حيان : قرىء بالتشديد والتّخفيف.\rقال : في التشديد إما للتعدية أو للمبالغة.\rقال ابن عرفة : فظاهره أنه لهما على ( البديلة ) ومنهم من قال : يصح كونه لهما على المعية وقال بعضهم : أما المبالغة هنا مع التشديد فظاهرة ، وأما مع التخفيف ( فمستفادة ) من لفظ \" على \" لاقتضائها الاستعلاء والاستيلاء.\rفإن قلت : ما الفائدة في قوله : { كَمَا حَمَلْتَهُ } ولو أسقط \" كما \" ( احتمل ) المعنى ، وإسقاطه كان يكون أتمّ وأبلغ لأن نفي \" إِصْرا \" مطلق أبلغ منه مقيدا ؟ ","part":10,"page":393},{"id":4288,"text":"( قال ) ابن عرفة : وعادتهم ( يجيبون ) بأن الدعاء حالة الخوف مظنة الإجابة فهو فيه أقوى ( منها ) حالة عدم الخوف لأن الخوف أقرب لمقام التضرع والالتجاء.\rفذكر عقوبة من مضى في هذا مما يزيد في الخوف ويقوي فيه العبودية والتضرع والالتجاء.\rقال ابن عطية : ولا خلاف أن المراد بـ { الَّذِينَ مِن قَبْلِنَا } اليهود.\rابن عرفة : لأن ( تكاليفهم ) والتشديد الواقع في شريعتهم أكثر من النصارى وغيرهم ، قال الضحاك : اليهود والنصارى.\rقوله تعالى : { رَبَّنَا وَلاَ تُحَمِّلْنَا مَا لاَ طَاقَةَ لَنَا بِهِ . . . }.\rتقدم إما أنه راجع لأمور الآخرة أو للتكاليف الدنيوية فإن كان للآخرة فهو تأسيس وإن كان للدنيا فهو تأكيد ، إن أريد بما لاَ طاقة لنا به الحقيقة وهو ما ليس في قدرة البشر لأن الدعاء لنفي ( الإصر ) يستلزم الدعاء بنفي ما فوقه ، وإن أريد به المجاز كما أشار إليه ابن عطية في أحد التفاسير من أنّه الأمر المستصعب وإن ( كانت ) تطيقه فيكون تأسيسا.\rقوله تعالى : { واعف عَنَّا . . . }. الآية.\rقال ابن عرفة : وجه الترتيب هذا أن العفو عبارة عن عدم المؤاخذة بالذّنب ، وما يلزم من الدعاء برفع ( الأمر ) الذي في قدرة البشر بمشقة أو الخارجة عن قدرة ( البشر ) ، عدم المؤاخذة بالذنب.\rثم عقبه بالمغفرة لأنه لا يلزم من عدم المؤاخذة ستر ولأنه قد لا يؤاخذه به ويظهره عليه ، ثم عقبه بالرّحمة لأنّ العفو والمغفرة من باب دفع المؤلم والرحمة من باب جلب الملائم ، فدفع المؤلم آكد وأولى من جلب الملائم ونحوه لابن الخطيب.\rقال ابن عطية : وقال سلام بن سابور الذي لا طاقة لنا به الغُلْمةُ.\rوروي أَن أبا الدرداء كان يقول في دعائه : وأعوذ بك من غلمة ليس لها عدة.\rابن عرفة : الغلمة ( هي ) قوله : أنت مولانا فانصرنا.\rالزمخشري : أي سيدنا وناصرنا ومتولي أمرنا ومالكنا.","part":10,"page":394},{"id":4289,"text":"ابن عرفة : السيد والناصر إطلاقه عليهما من قبيل المشترك والمتولي والمالك ينبغي أن يحمل على أن المراد الأخص منهما ليدخل تحت الأعم من باب أحرى.\rقال الزمخشري : وعنه عليه الصلاة والسلام : \" من قرأ الآيتين من سورة البقرة في كل ليلة كفتاه \".\rقال ابن عرفة : أولهما \" آمَنَ الرّسُول \" ومعنى كفتاه أي يرفعان قارئهما عن رتبة من حرم قيام الليّل.\rقلت : وفي إكمال القاضي عياض أي في كتاب الطب : أي كفتاه كل هامة وشيطان فلا يضره ( وفي سلاح المؤمن معنى كفتاه أجزأتاه عن قيام الليّل.\rوقيل : كفتاه من كل شيطان لم يضر به ليلته \" وقيل : كفتاه مما يكون من تلك اللّيلة من الآفات وقيل : حسبه بهما فضلا وأجرا. ويحتمل الجميع والله سبحانه وتعالى أعلم ). أ هـ {تفسير ابن عرفة صـ 371 ـ 374}.","part":10,"page":395},{"id":4290,"text":"فائدة\rقال ابن القيم : \rتأمل خطاب القرآن تجد ملكا له الملك كله وله الحمد كله أزمة الأمور كلها بيده ومصدرها منه ومرادها إليه مستويا على سرير ملكه لا تخفى عليه خافية في أقطار مملكته عالما بما في نفوس عبيده مطلعا علي أسرارهم وعلانيتهم منفردا بتدبير المملكة يسمع ويرى ويعطي ويمنع ويثيب ويعاقب ويكرم ويهين ويخلق ويرزق ويميت ويحيي ويقدر ويقضي ويدبر الأمور نازلة من عنده دقيقها وجليلها وصاعدة إليه لا تتحرك في ذرة إلا بإذنه ولا تسقط ورقة إلا بعلمه فتأمل كيف تجده يثني على نفسه ويمجد نفسه ويحمد نفسه وينصح عباده ويدلهم على ما فيه سعادتهم وفلاحهم ويرغبهم فيه ويحذرهم مما فيه هلاكهم ويتعرف إليهم بأسمائه وصفاته ويتححب إليهم بنعمه وآلائه فيذكرهم بنعمه عليهم ويأمرهم بما يستوجبون به تمامها ويحذرهم من نقمه ويذكرهم بما أعد لهم من الكرامة إن اطاعوه وما أعد لهم ما العقوبة إن عصوه ويخبرهم بصنعه في أوليائه وأعدائه وكيف كانت عاقبة هؤلاء وهؤلاء ويثني على أوليائه بصالح أعمالهم وأحسن أوصافهم ويذم أعداءه بسىء أعمالهم وقبيح صفاتهم ويضرب الأمثال وينوع الأدلة والبراهين ويجيب عن شبه أعدائه أحسن الأجوبة ويصدق الصادق ويكذب الكاذب ويقول الحق ويهدي السبيل ويدعو إلى دار السلام ويذكر أوصافها وحسنها ونعيمها ويحذر من دار البوار ويذكر عذابها وقبحها وآلامها ويذكر عباده فقرهم إليه وشدة حاجتهم إليه من كل وجه وأنهم لا غنى لهم عنه طرفة عين ويذكر غناه عنهم وعن جميع الموجودات وأنه الغنى بنفسه عن كل ما سواه وكل ما سواه فقير إليه بنفسه وأنه لا ينال أحد ذرة من الخبر فما فوقها إلا بفضله ورحمته ولا ذرة من الشر فما فوقها إلا بعدله وحكمته ويشهد من خطابه عتابه لأحبابه ألطف عتاب وأنه مع ذلك مقيل عثراتهم وغافر زلاتهم ومقيم أعذارهم ومصلح فسادهم والدافع","part":10,"page":396},{"id":4291,"text":"عنهم والمحامي عنهم والناصر لهم والكفيل بمصالحهم والمنجي لهم من كل كرب والموفي لهم بوعده وأنه وليهم الذي لا ولى لهم سواه فهو مولاهم الحق ونصيرهم علي عدوهم فنعم المولى ونعم النصير فإذا شهدت القلوب من القرآن ملكا عظيما رحيما جوادا جميلا هذا شانه فكيف لا تحبه وتنافس في القرب منه وتنفق أنفاسها في التودد إليه ويكون أحب إليها من كل ما سواه ورضاه آثر عندها من رضا كل ما سواه وكيف لا تلهج بذكره ويصير حبه والشوق إليه والأنس به هو غذائها وقوتها ودواؤها بحيث إن فقدت ذلك فسدت وهلكت ولم تنفع بحياتها. أ هـ {الفوائد صـ 28 ـ 29}.\rتم الجزء العاشر من كتاب {جامع لطائف التفسير} ولله الحمد والمنة\rويليه إن شاء الله تعالى الجزء الحادى عشر وأوله فاتحة سورة آل عمران من قوله تعالى :\r{بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ}\r{الم (1) اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ (2)}","part":10,"page":397},{"id":4292,"text":"بسم الله الرحمن الرحيم\rاسم الكتاب / جامع لطائف التفسير\rالعاجز الفقير\rعبد الرحمن بن محمد القماش\rإمام وخطيب بدولة الإمارات العربية\rعفا الله عنه وغفر له\rالجزء الحادى عشر\rحقوق النسخ والطبع والنشر مسموح بها لكل مسلم\r{يا قوم لا أسألكم عليه أجرا}","part":11,"page":3},{"id":4293,"text":"الجزء الحادى عشر\rمن الآية {1} من سورة آل عمران\rوحتى الآية {17} من نفس السورة\rتنبيه : تم الاعتماد من أول هذا الجزء فى توثيق تفسير التحرير والتنوير للشيخ محمد الطاهر بن عاشور ـ رحمه الله ـ على طبعة : مؤسسة التاريخ العربي ، بيروت - لبنان\rالطبعة : الأولى ، 1420هـ/2000م\rوكان الاعتماد فى الأجزاء السابقة على طبعة : الدار التونسية 1984\rوالله ولى التوفيق","part":11,"page":4},{"id":4294,"text":"فصل\rقال ابن عاشور :\rسميت هذه السورة ، في كلام النبي صلى الله عليه وسلم وكلام الصحابة : سورة آل عمران ، ففي \"صحيح مسلم\" ، عن أبي أمامة : قال سمعت رسول الله يقول \"إقرأوا الزهراوين : البقرة وآل عمران\" وفيه عن النواس بن سمعان : قال سمعت النبي يقول يؤتى بالقرآن يوم القيامة تقدمه سورة البقرة وآل عمران\" وروى الدارمي في \"مسنده\" : أن عثمان بن عفان قال : \"من قرأ سورة آل عمران في ليلة كتب له قيام ليلة\" وسماها ابن عباس ، في حديثه في \"الصحيح\" ، قال : \"بت في بيت رسول الله فنام رسول الله حتى إذا كان نصف الليل أو قبله بقليل أو بعده بقليل استيقظ رسول الله فقرأ الآيات من آخر سورة آل عمران\" . ووجه تسميتها بسورة آل عمران أنها ذكرت فيها فضائل آل عمران وهو عمران بن ماتان أبو مريم وآله هم زوجه حنة وأختها زوجة زكريا النبي ، وزكريا كافل مريم إذ كان أبوها عمران توفي وتركها حملا فكفلها زوج خالتها.\rووصفها رسول الله صلى الله عليه وسلم بالزهراء في حديث أبي أمامة المتقدم.\rوذكر الآلوسي أنها تسمى : الأمان ، والكنز ، والمجادلة ، وسورة الاستغفار. ولم أره لغيره ، ولعله اقتبس ذلك من أوصاف وصفت بها هذه السورة مما ساقه القرطبي ، في المسألة الثالثة والرابعة ، من تفسير أول السورة.","part":11,"page":5},{"id":4295,"text":"وهذه السورة نزلت بالمدينة بالاتفاق ، بعد سورة البقرة ، فقيل ، أنها ثانية لسورة البقرة على أن البقرة أول سورة نزلت بالمدينة ، وقيل : نزلت بالمدينة سورة المطففين أولا ، ثم البقرة ، ثم نزلت سورة آل عمران ، ثم نزلت الأنفال في وقعة بدر ، وهذا يقتضي : أن سورة آل عمران نزلت قبل وقعة بدر ، للاتفاق على أن الأنفال نزلت في وقعة بدر ، ويبعد ذلك أن سورة آل عمران اشتملت على التذكير بنصر المسلمين يوم بدر ، وأن فيها ذكر يوم أحد ، ويجوز أن يكون بعضها نزل متأخرا. وذكر الواحدي في أسباب النزول ، عن المفسرين : أن أول هذه السورة إلى قوله {وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ} [آل عمران : 84] نزل بسبب وفد نجران ، وهو وفد السيد والعاقب ، أي سنة اثنين من الهجرة ، ومن العلماء من قالوا : نزلت سورة آل عمران بعد سورة الأنفال ، وكان نزولها في وقعة أحد ، أي شوال سنة ثلاث ، وهذا أقرب ، فقد أتفق المفسرون على أن قوله تعالى {وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ تُبَوِّئُ الْمُؤْمِنِينَ مَقَاعِدَ لِلْقِتَالِ} [آل عمران : 121] أنه قتال يوم أحد. وكذلك قوله {وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ} [آل عمران : 144] فإنه مشير إلى الإرجاف يوم أحد بقتل النبي صلى الله عليه وسلم.","part":11,"page":6},{"id":4296,"text":"ويجوز أن يكون أولها نزل بعد البقرة إلى نهاية ما يشير إلى حديث وفد نجران ، وذلك مقدار ثمانين آية من أولها إلى قوله {وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ} [آل عمران : 121] قاله القرطبي في أول السورة ، وفي تفسير قوله {مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الْكِتَابَ} [آل عمران : 79] الآية. وقد تقدم القول في صدر سورة الفاتحة : إننا بينا إمكان تقارن نزول السور عدة في مدة واحدة ، فليس معنى قولهم : نزلت سورة كذا بعد سورة كذا ، مرادا منه أن المعدودة نازلة بعد أخرى أنها ابتدئ نزولها بعد نزول الأخرى ، بل المراد أنها ابتدئ نزولها بعد ابتداء نزول التي سبقتها.\rوقد عدت هذه السورة الثامنة والأربعين في عداد سور القرآن.\rوعدد آيها مائتان في عد الجمهور وعددها عند أهل العدد بالشام مائة وتسع وتسعون.","part":11,"page":7},{"id":4297,"text":"واشتملت هذه السورة ، من الأغراض : على الابتداء بالتنويه بالقرآن ، ومحمد صلى الله عليه وسلم ، وتقسيم آيات القرآن ، ومراتب الأفهام في تلقيها ، والتنويه بفضيلة الإسلام وأنه لا يعدله دين ، وأنه لا يقبل دين عند الله ، بعد ظهور الإسلام ، غير الإسلام ، والتنويه بالتوراة والإنجيل ، والإيماء إلى أنهما أنزلا قبل القرآن ، تمهيدا لهذا الدين فلا يحق للناس أن يكفروا به ، وعلى التعريف بدلائل إلهية الله تعالى ، وانفراده ، وإبطال ضلالة الذين اتخذوا آلهة من دون الله : من جعلوا له شركاء ، أو اتخذوا له أبناء ، وتهديد المشركين بأن أمرهم إلى زوال ، وألا يغرهم ما هم فيه من البذخ ، وأن ما أعد للمؤمنين خير من ذلك ، وتهديدهم بزوال سلطانهم ، ثم الثناء على عيسى عليه السلام وآل بيته ، وذكر معجزة ظهوره ، وأنه مخلوق لله ، وذكر الذين آمنوا به حقا ، وإبطال إلهية عيسى ، ومن ثم أفضى إلى قضية وفد نجران ولجاجتهم ، ثم محاجة أهل الكتابين في حقيقة الحنفية وأنهم بعداء عنها ، وما أخذ الله من العهد على الرسل كلهم : أن يؤمنوا بالرسول الخاتم ، وأن الله جعل الكعبة أول بيت وضع للناس ، وقد أعاد إليه الدين الحنيف كما ابتدأه فيه ، وأوجب حجه على المؤمنين ، وأظهر ضلالات اليهود ، وسوء مقالتهم ، وافترائهم في دينهم وكتمانهم ما أنزل إليهم. وذكر المسلمين بنعمته عليهم بدين الإسلام ، وأمرهم بالاتحاد والوفاق ، وذكرهم بسابق سوء حالهم في الجاهلية ، وهون عليهم تظاهر معانديهم من أهل الكتاب والمشركين ، وذكرهم بالحذر من كيدهم وكيد الذين أظهروا الإسلام ثم عادوا إلى الكفر فكانوا مثلا لتمييز الخبيث من الطيب ، وأمرهم بالاعتزاز بأنفسهم ، والصبر على تلقي الشدائد ، والبلاء ، وأذى العدو ، ووعدهم على ذلك بالنصر والتأييد وإلقاء الرعب منهم في نفوس عدوهم ، ثم ذكرهم بيوم أحد ، ويوم بدر ، وضرب لهم الأمثال بما حصل فيهما ، ونوه ، بشأن الشهداء من المسلمين ، وأمر المسلمين بفضائل الأعمال : من بذل المال في","part":11,"page":8},{"id":4298,"text":"مواساة الأمة ، والإحسان ، وفضائل الأعمال ، وترك البخل ، ومذمة الربا وختمت السورة بآيات التفكير في ملكوت الله.\rوقد علمت أن سبب نزول هذه السورة قضية وفد نجران من بلاد اليمن. ووفد نجران هم قوم من نجران بلغهم مبعث النبي صلى الله عليه وسلم ، وكان أهل نجران متدينين بالنصرانية ، وهم من أصدق العرب تمسكا بدين المسيح ، وفيهم رهبان مشاهير ، وقد أقاموا للمسيحية كعبة ببلادهم هي التي أشار إليها الأعشى حين مدحهم بقوله :\rفكعبة نجران حتم عليك ... حتى تناخي بأبوابها\rفاجتمع وفد منهم يرأسه العاقب فيه ستون رجلا وأسمه عبد المسيح ، وهو أمير الوفد ، ومعه السيد واسمه الأيهم ، وهو ثمال القوم وولي تدبير الوفد ، ومشيره وذو الرأي فيه ، وفيهم أبو حارثة بن علقمة البكري وهو أسقفهم وصاحب مدارسهم وولي دينهم ، وفيهم أخو أبي حارثة ، ولم يكن من أهل نجران ، ولكنه كان ذا رتبة : شرفه ملوك الروم ومولوه. فلقوا النبي صلى الله عليه وسلم ، وجادلهم في دينهم ، وفي شأن إلوهية المسيح ، فلما قامت الحجة عليهم أصروا على كفرهم وكابروا ، فدعاهم النبي صلى الله عليه وسلم إلى المباهلة ، فأجابوا ثم استعظموا ذلك ، وتخلصوا منه ، ورجعوا إلى أوطانهم ، ونزلت بضع وثمانون آية من أول هذه السورة في شأنهم كما في سيرة ابن هشام عن ابن إسحاق. وذكر ذلك الواحدي والفخر ، فمن ظن من أهل السير أن وفد نجران وفدوا في سنة تسع فقد وهم وهما انجر إليه من اشتهار سنة تسع بأنها سنة الوفود. والإجماع على أن سورة آل عمران من أوائل المدنيات ، وترجيح أنها نزلت في وفد نجران يعينان أن وفد نجران كان قبل سنة الوفود.","part":11,"page":9},{"id":4299,"text":"لما كان أول أغراض هذه السورة ، الذي نزلت فيه ، هو قضية مجادلة نصارى نجران حين وفدوا إلى المدينة ، وبيان فضل الإسلام على النصرانية ، لا جرم افتتحت بحروف التهجي ، المرموز لها إلى تحدي المكذبين بهذا الكتاب ، وكان الحظ الأوفر من التكذيب بالقرآن للمشركين منهم ، ثم للنصارى من العرب ؛ لأن اليهود الذين سكنوا بلاد العرب فتكلموا بلسانهم لم يكونوا معدودين من أهل اللسان ، ويندر فيهم البلغاء بالعربية مثل السموأل ، وهذا وما بعده إلى قوله {إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحاً} [آل عمران : 33] تمهيد لما نزلت السورة بسببه وبراعة استهلال لذلك. أ هـ {التحرير والتنوير حـ 3 صـ 5 ـ 8}","part":11,"page":10},{"id":4300,"text":"بحث نفيس للشهيد سيد قطب فى التعريف بسورة آل عمران\rقال رحمه الله :\rبسم الله الرحمن الرحيم\rهذا القرآن هو كتاب هذه الدعوة . هو روحها وباعثها . وهو قوامها وكيانها . وهو حارسها وراعيها . وهو بيانها وترجمانها . وهو دستورها ومنهجها . وهو في النهاية المرجع الذي تستمد منه الدعوة - كما يستمد منه الدعاة - وسائل العمل , ومناهج الحركة , وزاد الطريق . .\rولكن ستظل هنالك فجوة عميقة بيننا وبين القرآن ما لم نتمثل في حسنا , ونستحضر في تصورنا أن هذا القرآن خوطبت به أمة حية , ذات وجود حقيقي ; ووجهت به أحداث واقعية في حياة هذه الأمة ; ووجهت به حياة إنسانية حقيقية في هذه الأرض ; وأديرت به معركة ضخمة في داخل النفس البشرية وفي رقعة من الأرض كذلك . معركة تموج بالتطورات والانفعالات والاستجابات .\rوسيظل هنالك حاجز سميك بين قلوبنا وبين القرآن , طالما نحن نتلوه أو نسمعه كأنه مجرد تراتيل تعبدية مهومة , لا علاقة لها بواقعيات الحياة البشرية اليومية التي تواجه هذا الخلق المسمى بالإنسان , والتي تواجه هذه الأمة المسماة بالمسلمين ! بينما هذه الآيات نزلت لتواجه نفوسا ووقائع وأحداثا حية , ذات كينونة واقعية حية ; ووجهت بالفعل تلك النفوس والوقائع والأحداث توجيها واقعيا حيا , نشأ عنه وجود , ذو خصائص في حياة \"الإنسان\" بصفة عامة , وفي حياة الأمة المسلمة بوجه خاص .\rومعجزة القرآن البارزة تكمن في أنه نزل لمواجهة واقع معين في حياة أمة معينة , في فترة من فترات التاريخ محددة , وخاض بهذه الأمة معركة كبرى حولت تاريخها وتاريخ البشرية كله معها , ولكنه - مع هذا - يعايش ويواجه ويملك أن يوجه الحياة الحاضرة , وكأنما هو يتنزل اللحظة لمواجهة الجماعة المسلمة في شؤونها الجارية , وفي صراعها الراهن مع الجاهلية من حولها , وفي معركتها كذلك في داخل النفس , وفي عالم الضمير , بنفس الحيوية , ونفس الواقعية التي كانت له هناك يومذاك .","part":11,"page":11},{"id":4301,"text":"ولكي نحصل نحن من القرآن على قوته الفاعلة , وندرك حقيقة ما فيه من الحيوية الكامنة , ونتلقى منه التوجيه المدخر للجماعة المسلمة في كل جيل . . ينبغي أن نستحضر في تصورنا كينونة الجماعة المسلمة الأولى التي خوطبت بهذا القرآن أول مرة . . كينونتها وهي تتحرك في واقع الحياة , وتواجه الأحداث في المدينة وفي الجزيرة العربية كلها ; وتتعامل مع أعدائها وأصدقائها ; وتتصارع مع شهواتها وأهوائها ; ويتنزل القرآن حينئذ ليواجه هذا كله , ويوجه خطاها في أرض المعركة الكبيرة : مع نفسها التي بين جنبيها , ومع أعدائها المتربصين بها في المدينة وفي مكة وفيما حولهما . . وفيما وراءهما كذلك . .\rأجل . . يجب أن نعيش مع تلك الجماعة الأولى ; ونتمثلها في بشريتها الحقيقية , وفي حياتها الواقعية , وفي مشكلاتها الإنسانية ; ونتأمل قيادة القرآن لها قيادة مباشرة في شؤونها اليومية وفي أهدافها الكلية على السواء ; ونرى كيف يأخذ القرآن بيدها خطوة خطوة . وهي تعثر وتنهض . وتحيد وتستقيم . وتضعف وتقاوم . وتتألم وتحتمل . وترقى الدرج الصاعد في بطء ومشقة , وفي صبر ومجاهدة , تتجلى فيها كل خصائص الإنسان , وكل ضعف الإنسان , وكل طاقات الإنسان .\rومن ثم نشعر أننا نحن أيضا مخاطبون بالقرآن في مثل ما خوطبت به الجماعة الأولى . وأن بشريتنا التي نراها ونعرفها ونحسها بكل خصائصها , تملك الاستجابة للقرآن , والانتفاع بقيادته في ذات الطريق .\rإننا بهذه النظرة سنرى القرآن حيا يعمل في حياة الجماعة المسلمة الأولى ; ويملك أن يعمل في حياتنا نحن أيضا . وسنحس أنه معنا اليوم وغدا . وأنه ليس مجرد تراتيل تعبدية مهومة بعيدة عن واقعنا المحدد , كما أنه ليس تاريخا مضى وانقضى وبطلت فاعليته وتفاعله مع الحياة البشرية .","part":11,"page":12},{"id":4302,"text":"إن القرآن حقيقة ذات كينونة مستمرة كهذا الكون ذاته . الكون كتاب الله المنظور . والقرآن كتاب الله المقروء . وكلاهما شهادة ودليل على صاحبه المبدع ; كما أن كليهما كائن ليعمل . . والكون بنواميسه ما زال يتحرك ويؤدي دوره الذي قدره له بارئه . الشمس ما زالت تجري في فلكها وتؤدي دورها , والقمر والأرض , وسائر النجوم والكواكب لا يمنعها تطاول الزمان من أداء دورها , وجدة هذا الدور في المحيط الكوني . . والقرآن كذلك أدى دوره للبشرية , وما يزال هو هو . فالإنسان ما يزال هوهو كذلك . ما يزال هو هو في حقيقته وفي أصل فطرته . وهذا القرآن هو خطاب الله لهذا الإنسان - فيمن خاطبهم الله به . خطاب لا يتغير , لأن الإنسان ذاته لم يتبدل خلقا آخر , مهما تكن الظروف والملابسات قد تبدلت من حوله , ومهما يكن هو قد تأثر وأثر في هذه الظروف والملابسات . . والقرآن يخاطبه في أصل فطرته وفي أصل حقيقته التي لا تبديل فيها ولا تغيير ; ويملك أن يوجه حياته اليوم وغدا لأنه معد لهذا , بما أنه خطاب الله الأخير ; وبما أن طبيعته كطبيعة هذا الكون ثابتة متحركة بدون تبديل .\rوإذا كان من المضحك أن يقول قائل عن الشمس مثلا : هذا نجم قديم \"رجعي ? \" يحسن أن يستبدل به نجم جديد \"تقدمي ! \" أو أن هذا \"الإنسان\" مخلوق قديم \"رجعي\" يحسن أن يستبدل به كائن آخر \"تقدمي\" لعمارة هذه الأرض !!!\rإذا كان من المضحك أن يقال هذا أو ذاك , فأولى أن يكون هذا هو الشأن في القرآن . خطاب الله الأخير للإنسان .\rوهذه السورة تمثل قطاعا حيا من حياة الجماعة المسلمة في المدينة من بعد \"غزوة بدر\" - في السنة الثانيةمن الهجرة - إلى ما بعد \"غزوة أحد\" في السنة الثالثة . وما أحاط بهذه الحياة من ملابسات شتى في خلال هذه الفترة الزمنية . وفعل القرآن - إلى جانب الأحداث - في هذه الحياة , وتفاعله معها في شتى الجوانب .","part":11,"page":13},{"id":4303,"text":"والنصوص من القوة والحيوية بحيث تستحضر صورة هذه الفترة ; وصورة الحياة التي عاشتها الجماعة المسلمة ; وصورة الاشتباكات والملابسات التي أحاطت بهذه الحياة . مع استبطان السرائر والضمائر , وما يدب فيها من الخواطر , وما يشتجر فيها من المشاعر , حتي لكأن قارئها يعيش هذه الأحداث , ويعايش الأمة التي كانت تخوضها وتتفاعل وإياها . ولو أغمض الإنسان عينيه فلربما تراءت له - كما تراءت لي - شخوص الجماعة المسلمة رائحة غادية , بسماتها الظاهرة على الوجوه , ومشاعرها المستكنة في الضمائر . ومن حولها أعداؤها يتربصون بها , ويبيتون لها , ويلقون بينها بالفرية والشبهة , ويتحاقدون عليها , ويجمعون لها , ويلقونها في الميدان , وينهزمون أمامها - في أحد - ثم يكرون عليها فيوقعون بها . . وكل ما يجري في المعركة من حركة وكل ما يصاحب حركاتها من انفعال باطن وسمة ظاهرة . . والقرآن يتنزل ليواجه الكيد والدس , ويبطل الفرية والشبهة , ويثبت القلوب والأقدام , ويوجه الأرواح والأفكار , ويعقب على الحادث ويبرز منه العبرة , ويبني التصور ويزيل عنه الغبش , ويحذر الجماعة المسلمة من العدو الغادر والكيد الماكر , ويقود خطاها بين الأشواك والمصايد والأحابيل , قيادة الخبير بالفطرة العليم بما تكن الصدور . .\rومن وراء هذا كله تبقى التوجيهات والتلقينات التي احتوتها السورة خالصة طليقة من قيد الزمان والمكان , وقيد الظروف والملابسات , تواجه النفس البشرية , وتواجه الجماعة المسلمة - اليوم وغدا - وتواجه الإنسانية كلها , وكأنها تتنزل اللحظة لها , وتخاطبها في شأنها الحاضر , وتواجهها في واقعها الراهن . ذلك أنها تتناول أمورا وأحداثا ومشاعر وجدانية وحالات نفسية كأنما كانت ملحوظة في سياق السورة . . بل هي ملحوظة قطعا في تقدير العليم الخبير بالنفوس والأشياء والأمور .","part":11,"page":14},{"id":4304,"text":"ومن ثم يتجلى أن هذا القرآن هو قرآن هذه الدعوة في أي مكان وفي أي زمان . وهو دستور هذه الأمة في أي جيل ومن أي قبيل . وهو حادي الطريق وهادي السبيل على توالي القرون . . ذلك أنه خطاب الله الأخير لهذا الإنسان في جميع العصور . .\rفي هذه الفترة كانت الجماعة المسلمة في المدينة قد استقرت بعض الاستقرار في موطنها الجديد في مدينة الرسول {صلى الله عليه وسلم} ومضت خطوة وراء الموقف الذي صورناه من قبل في هذه الظلال في مطلع استعراض \"سورة البقرة \" .\rكانت غزوة بدر الكبرى قد وقعت ; وكتب الله فيها النصر للمسلمين على قريش . وكان هذا النصر بظروفه التي تم فيها والملابسات التي أحاطت به تبدو فيه رائحة المعجزة الخارقة . . ومن ثم اضطر رجل كعبد الله بن أبي بن سلول من عظماء الخزرج أن ينزل عن كبريائه وكراهته لهذا الدين ونبيه {صلى الله عليه وسلم} وأن يكبت حقده وحسده للرسول الكريم ; وأن ينضم - منافقا - للجماعة المسلمة , وهو يقول : \"هذا أمر قد توجه\" . . أي ظهرت له وجهة هو ماض فيها لا يرده عنها راد !\rبذلك وجدت بذرة النفاق في المدينة - أو تمت وأفرخت , فقد كان هناك قبل بدر من اضطروا لمنافقة أهلهم الذين دخلوا في الإسلام - وأصبحت مجموعة من الرجال , ومن ذوي المكانة فيهم , مضطرة إلى التظاهر بالإسلام , والانضمام إلى المجتمع المسلم , بينما هي تضمر في أنفسها الحقد والعداء للإسلام والمسلمين ; وتتربص بهم الدوائر ; وتتلمس الثغرات في الصف ; وتترقب الأحداث التي تضعضع قوى المسلمين أو تزعزع الصف المسلم , ليظهروا كوامن صدورهم , أو ليضربوا ضربة الإجهاز إذا كان ذلك في مكنتهم !","part":11,"page":15},{"id":4305,"text":"وقد وجد هؤلاء المنافقون حلفاء طبيعيين لهم في اليهود , الذين كانوا يجدون في أنفسهم من الحقد على الإسلام والمسلمين , وعلى نبي الإسلام عليه الصلاة والسلام مثل ما يجد المنافقون بل أشد . وقد هددهم الإسلام تهديدا قويا في مكانتهم بين \"الأميين\" من العرب في المدينة ; وسد عليهم الثغرة التي كانوا ينفذون منها للعب بين الأوس والخزرج , بعدما أصبحوا بنعمة الله إخوانا , وفي ظل الإسلام صفا واحدا مرصوصا .\rوقد غص اليهود وشرقوا بانتصار المسلمين في بدر , وارتفع غليان حقدهم على الجماعة المسلمة , وانطلقوا بكل ما يمكلون من دس وكيد وتآمر يحاولون تفتيت الصف الإسلامي , وإلقاء الحيرة في قلوب المسلمين , ونشر الشبهات والشكوك , في عقيدتهم وفي أنفسهم على السواء !\rوفي هذه الفترة وقع حادث بني قينقاع فوضح العداء وسفر . . على الرغم مما كان بين اليهود والنبي {صلى الله عليه وسلم} من مواثيق أبرمها معهم عقب مقدمه إلى المدينة .\rكذلك كان المشركون موتورين من هزيمتهم في بدر , يحسبون ألف حساب لانتصار محمد {صلى الله عليه وسلم} ومعسكر المدينة , وللخطر الذي يتمثل إذن على تجارتهم وعلى مكانتهم وعلى وجودهم كذلك ! ومن ثم يتهيأون لدفع هذا الخطر الماحق قبل أن يصبح القضاء عليه مستحيلا .\rوبينما كان أعداء المعسكر الإسلامي في عنفوان قوتهم وفي عنفوان حقدهم كذلك ! كان الصف المسلم ما يزال في أوائل نشأته بالمدينة . غير متناسق تماما . فيه الصفوة المختارة من السابقين من المهاجرين والأنصار ; ولكن فيه كذلك نفوس وشخصيات لم تنضج بعد . والجماعة كلها على العموم لم تنل من التجارب الواقعية ما يسوي النتوءات , ويوضح حقيقة الدعوة وحقيقة الظروف الملابسة لها , وحقيقة منهجها العملي وتكاليفه .","part":11,"page":16},{"id":4306,"text":"كان للمنافقين - وعلى رأسهم عبد الله بن أبي - مكانتهم في المجتمع , وروابطهم العائلية والقبلية لم تنفصم بعد ; ولم ينضج في نفوس المسلمين الشعور بأن عقيدتهم وحدها هي أسرتهم وهي قبيلتهم وهي وشيجتهم التي لا وشيجة معها . ومن ثم كانت هناك خلخلة في الصف الإسلامي بسبب وجود مثل هذه العناصر مندمجة في الصف , مؤثرة في مقاديره . [ كما يتجلى ذلك في أحداث غزوة أحد عند استعراض النصوص الخاصة بها في السورة ] .\rوكان لليهود مكانتهم كذلك في المدينة , وارتباطاتهم الاقتصادية والتعهدية مع أهلها . ولم يتبين عداؤهم سافرا . ولم ينضج في نفوس المسلمين كذلك الشعور بأن عقيدتهم وحدها هي العهد وهي الوطن وهي أصل التعامل والتعاقد , وأنه لا بقاء لصلة ولا وشيجة إذا هي تعارضت مع العقيدة ! ومن ثم كانت لليهود فرصة للتوجيه والتشكيك والبلبلة . وكان هناك من يسمع لقولهم في الجماعة المسلمة ويتأثر به . وكان هناك من يدفع عنهم ما يريد النبي {صلى الله عليه وسلم} أن ينزل بهم من إجراءات لدفع كيدهم عن الصف المسلم [ كما حدث في شفاعة عبد الله بن أبي في بني قينقاع , وإغلاظه في هذا للرسول {صلى الله عليه وسلم} ] .\rومن ناحية أخرى كان المسلمون قد انتصروا في بدر ذلك النصر الكامل الباهر بأيسر الجهد والبذل . فقدخرج ذلك العدد القليل من المسلمين , غير مزودين بعدة ولا عتاد - إلا اليسير - فلاقوا ذلك الجحفل الضخم من قريش في عدتهم وعتادهم . ثم لم تلبث المعركة أن انجلت عن ذلك النصر المؤزر الباهر .\rوكان هذا النصر في الوقعة الأولى التي يلتقي فيها جند الله بجند الشرك قدرا من قدر الله . ندرك اليوم طرفا من حكمته . ولعله كان لتثبيت الدعوة الناشئة وتمكينها . بل لإثبات وجودها الفعلي على محك المعركة , لتأخذ بعد ذلك طريقها .","part":11,"page":17},{"id":4307,"text":"فأما المسلمون فلعلهم قد وقع في نفوسهم - من هذا النصر - أنه الشأن الطبيعي الذي لا شأن غيره . وأنه لا بد ملازمهم على أي حال في كل مراحل الطريق ! أليسوا بالمسلمين ? أليس أعداؤهم بالكافرين ? وإذن فهو النصر لا محالة حيثما التقى المسلمون بالكافرين !\rغير أن سنة الله في النصر والهزيمة ليست بهذه الدرجة من البساطة والسذاجة , فلهذه السنة مقتضياتها في تكوين النفوس , وتكوين الصفوف , وإعداد العدة , واتباع المنهج , والتزام الطاعة والنظام , واليقظة لخوالج النفس ولحركات الميدان . . وهذا ما أراد الله أن يعلمهم إياه بالهزيمة في \"غزوة أحد\" على النحو الذي تعرضه السورة عرضا حيا مؤثرا عميقا , وتعرض أسبابه من تصرفات بعض المسلمين ; وتوجه في ظله العظات البناءة للنفس وللصف على السواء .\rوحين نراجع غزوة أحد نجد أن تعليم المسلمين هذا الدرس قد كلفهم أهوالا وجراحات وشهداء من أعز الشهداء - على رأسهم حمزة رضي الله عنه وأرضاه - وكلفهم ما هو أشق من ذلك كله على نفوسهم . . كلفهم أن يروا رسولهم الحبيب تشج جبهته وتكسر سنة , ويسقط في الحفرة , ويغوص حلق المغفر في وجنته {صلى الله عليه وسلم} الأمر الذي لا يقوم بوزنه شيء في نفوس المسلمين !\rويسبق استعراض \"غزوة أحد\" وأحداثها في السورة قطاع كبير تستغرقه كله توجيهات متشعبة لتصفية التصور الإسلامي من كل شائبة ; ولتقرير حقيقة التوحيد جلية ناصعة , والرد على الشبهات التي يلقيها أهل الكتاب , سواء منها ما هو ناشىء من انحرافاتهم هم في معتقداتهم , وما يتعمدون إلقاءه في الصف المسلم من شبهات ماكرة لخلخلة العقيدة وخلخلة الصف من وراء خلخلة العقيدة .","part":11,"page":18},{"id":4308,"text":"وتذكر عدة روايات أن الآيات من 1 - 83 نزلت في الحوار مع وفد نصارى نجران اليمن الذي قدم المدينة في السنة التاسعة للهجرة . ونحن نستبعد أن تكون السنة التاسعة هي زمن نزول هذه الآيات . فواضح من طبيعتها وجوها أنها نزلت في الفترة الأولى من الهجرة , حيث كانت الجماعة المسلمة بعد ناشئة . وكان لدسائس اليهود وغيرهم أثر شديد في كيانها وفي سلوكها .\rوسواء صحت رواية أن الآيات نزلت في وفد نجران أم لم تصح ; فإنه واضح من الموضوع الذي تعالجه أنها تواجه شبهات النصارى وبخاصة ما يتعلق منها بعيسى عليه السلام , وتدور حول عقيدة التوحيد الخالص كما جاء به الإسلام . وتصحح لهم ما أصاب عقائدهم من انحراف وخلط وتشويه . وتدعوهم إلى الحق الواحد الذي تضمنته كتبهم الصحيحة التي جاء القرآن بصدقها .\rولكن هذا الفصل يتضمن كذلك إشارات وتقريعات لليهود وتحذيرات للمسلمين من دسائس أهل الكتاب . وما كان يجاورهم في المدينة من أهل الكتاب ممن يمثل مثل هذا الخطر إلا اليهود .\rوعلى أية حال فإن هذا الفصل الذي يستغرق حوالي نصف السورة يصور جانبا من جوانب الصراع بينالعقيدة الإسلامية والعقائد المنحرفة في الجزيرة كلها . . وهو ليس صراعا نظريا إنما هو الجانب النظري من المعركة الكبيرة الشاملة بين الجماعة المسلمة الناشئة وكل أعدائها الذين كانوا يتربصون بها , ويتحفزون من حولها , ويستخدمون في حربها كل الأسلحة وكل الوسائل . وفي أولها زعزعة العقيدة ! وهي في صميمها المعركة التي ما تزال ناشبة إلى هذه اللحظة بين الأمة المسلمة وأعدائها . . إنهم هم هم : الملحدون المنكرون , والصهيونية العالمية , والصليبية العالمية !!!","part":11,"page":19},{"id":4309,"text":"ومن مراجعة نصوص السورة يتبين أن الوسائل هي الوسائل كذلك ; والأهداف هي الأهداف . ويتجلى أن هذا القرآن هو قرآن هذه الدعوة , ومرجع هذه الأمة - اليوم وغدا - كما كان قرآنها ومرجعها بالأمس في نشأتها الأولى . وأنه لا يعرض عن استنصاح هذا الناصح واستشارة هذا المرجع في المعركة الناشبة اليوم إلا مدخول يعرض عن سلاح النصر في المعركة ; ويخدع نفسه أو يخدع الأمة , لخدمة أعدائها القدامى المحدثين في غفلة بلهاء أو في خبث لئيم !\rومن خلال المناقشات والجدل والاستعراض والتوجيه في هذا المقطع الأول يتبين موقف أهل الكتاب المنحرفين عن كتابهم , من الجماعة المسلمة والعقيدة الجديدة , ممثلا في أمثال هذه النصوص :\r(هو الذي أنزل عليك الكتاب منه آيات محكمات هن أم الكتاب وأخر متشابهات . فأما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه , ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله . . .). .\r(ألم تر إلى الذين أوتوا نصيبا من الكتاب يدعون إلى كتاب الله ليحكم بينهم , ثم يتولى فريق منهم وهم معرضون ?). .\r(يا أهل الكتاب لم تحاجون في إبراهيم وما أنزلت التوراة والإنجيل إلا من بعده . . . ?). .\r(ودت طائفة من أهل الكتاب لو يضلونكم . .). .\r(يا أهل الكتاب لم تكفرون بآيات الله وأنتم تشهدون ?). .\r(يا أهل الكتاب لم تلبسون الحق بالباطل وتكتمون الحق وأنتم تعلمون ?). .\r(وقالت طائفة من أهل الكتاب : آمنوا بالذي أنزل على الذين آمنوا وجه النهار واكفروا آخره لعلهم يرجعون) , (ولا تؤمنوا إلا لمن تبع دينكم ! . .). .\r(ومنهم من إن تأمنه بدينار لا يؤده إليك إلا ما دمت عليه قائما . ذلك بأنهم قالوا : ليس علينا في الأميين سبيل ! ويقولون على الله الكذب وهم يعلمون). .\r(وإن منهم لفريقا يلوون ألسنتهم بالكتاب لتحسبوه من الكتاب - وما هو من الكتاب - ويقولون : هو من عند الله وما هو من عند الله . ويقولون على الله الكذب وهم يعلمون). .","part":11,"page":20},{"id":4310,"text":"(قل يا أهل الكتاب لم تكفرون بآيات الله والله شهيد على ما تعملون). .\r(قل يا أهل الكتاب لم تصدون عن سبيل الله من آمن تبغونها عوجا وأنتم شهداء ?).\r(ها أنتم أولاء تحبونهم ولا يحبونكم وتؤمنون بالكتاب كله . وإذا لقوكم قالوا : آمنا . وإذا خلوا عضوا عليكم الأنامل من الغيظ). .\r(إن تمسسكم حسنة تسؤهم , وإن تصبكم سيئة يفرحوا بها). .\rوهكذا نرى أن أعداء الجماعة المسلمة لم يكونوا يحاربونها في الميدان بالسيف والرمح فحسب ; ولم يكونوا يؤلبون عليها الأعداء ليحاربوها بالسيف والرمح فحسب . . إنما كانوا يحاربونها أولا في عقيدتها . كانوا يحاربونها بالدس والتشكيك , ونثر الشبهات وتدبير المناورات ! كانوا يعمدون أولا إلى عقيدتها الإيمانية التي منها انبثق كيانها , ومنها قام وجودها , فيعملون فيها معاول الهدم والتوهين . ذلك أنهم كانوا يدركون كما يدركون اليوم تماما - أن هذه الأمة لا تؤتى إلا من هذا المدخل ; ولا تهن إلا إذا وهنت عقيدتها ; ولا تهزم إلا إذا هزمت روحها ; ولا يبلغ أعداؤها منها شيئا وهي ممسكة بعروة الإيمان , مرتكنة إلى ركنه , سائرة على نهجه , حاملة لرايته , ممثلة لحزبه , منتسبة إليه , معتزة بهذا النسب وحده .\rومن هنا يبدو أن أعدى أعداء هذه الأمة هو الذي يلهيها عن عقيدتها الإيمانية , ويحيد بها عن منهج الله وطريقه , ويخدعها عن حقيقة أعدائها وحقيقة أهدافهم البعيدة .","part":11,"page":21},{"id":4311,"text":"إن المعركة بين الأمة المسلمة وبين أعدائها هي قبل كل شيء معركة هذه العقيدة . وحتى حين يريد أعداؤها أن يغلبوها على الأرض والمحصولات والاقتصاد والخامات , فإنهم يحاولون أولا أن يغلبوها على العقيدة , لأنهم يعلمون بالتجارب الطويلة أنهم لا يبلغون مما يريدون شيئا والأمة المسلمة مستمسكة بعقيدتها , ملتزمة بمنهجها , مدركة لكيد أعدائها . . ومن ثم يبذل هؤلاء الأعداء وعملاؤهم جهد الجبارين في خداع هذه الأمة عن حقيقة المعركة , ليفوزوا منها بعد ذلك بكل ما يريدون من استعمار واستغلال , وهم آمنون من عزمة العقيدة في الصدور !\rوكلما ارتقت وسائل الكيد لهذه العقيدة , والتشكيك فيها , والتوهين من عراها , استخدم أعداؤها هذه الوسائل المترقية الجديدة . ولكن لنفس الغاية القديمة : (ودت طائفة من أهل الكتاب لو يضلونكم !!!). . فهذه هي الغاية الثابتة الدفينة !\rلهذا كان القرآن يدفع هذا السلاح المسموم أولا . . كان يأخذ الجماعة المسلمة بالتثبيت على الحق الذي هي عليه ; وينفي الشبهات والشكوك التي يلقيها أهل الكتاب ; ويجلو الحقيقة الكبيرة التي يتضمنها هذا الدين ; ويقنع الجماعة المسلمة بحقيقتها وقيمتها في هذه الأرض , ودورها ودور العقيدة التي تحملها في تاريخ البشرية .\rوكان يأخذها بالتحذير من كيد الكائدين , ويكشف لها نواياهم المستترة ووسائلهم القذرة , وأهدافهم الخطرة , وأحقادهم على الإسلام والمسلمين , لاختصاصهم بهذا الفضل العظيم . .\rوكان يأخذها بتقرير حقيقة القوى وموازينها في هذا الوجود . فيبين لها هزال أعدائها , وهوانهم على الله , وضلالهم وكفرهم بما أنزل الله إليهم من قبل وقتلهم الأنبياء . كما يبين لها أن الله معها , وهو مالك الملك المعز المذل وحده بلا شريك . وأنه سيأخذ الكفار [ وهو تعبير هنا عن اليهود ] بالعذاب والنكال ; كما أخذ المشركين في بدر منذ عهد قريب .\rوكانت هذه التوجيهات تتمثل في أمثال هذه النصوص :","part":11,"page":22},{"id":4312,"text":"(الله لا إله إلا هو الحي القيوم . نزل عليك الكتاب بالحق مصدقا لما بين يديه , وأنزل التوراة والإنجيل من قبل هدى للناس , وأنزل الفرقان . إن الذين كفروا بآيات الله لهم عذاب شديد , والله عزيز ذو انتقام . إن الله لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء). .\r(إن الذين كفروا لن تغني عنهم أموالهم ولا أولادهم من الله شيئا وأولئك هم وقود النار . كدأب آل فرعون والذين من قبلهم كذبوا بآياتنا فأخذهم الله بذنوبهم والله شديد العقاب . قل للذين كفروا : ستغلبون وتحشرون إلى جهنم وبئس المهاد . قد كان لكم آية في فئتين التقتا : فئة تقاتل في سبيل الله وأخرى كافرة يرونهم مثليهم رأي العين . والله يؤيد بنصره من يشاء . إن في ذلك لعبرة لأولي الأبصار). .\r(إن الدين عند الله الإسلام , وما اختلف الذين أوتوا الكتاب إلا من بعد ما جاءهم العلم بغيا بينهم , ومن يكفر بآيات الله فإن الله سريع الحساب). .\r(ومن يبتغ غير الإسلام دينا فلن يقبل منه وهو في الآخرة من الخاسرين). .\r(قل اللهم مالك الملك , تؤتي الملك من تشاء وتنزع الملك ممن تشاء , وتعز من تشاء وتذل من تشاء , بيدك الخير , إنك على كل شيء قدير). .\r(لا يتخذ المؤمنون الكافرين أولياء من دون المؤمنين . ومن يفعل ذلك فليس من الله في شيء إلا أن تتقوا منهم تقاة ويحذركم الله نفسه , وإلى الله المصير). .\r(إن أولى الناس بإبراهيم للذين اتبعوه وهذا النبي والذين آمنوا والله ولي المؤمنين). .\r(أفغير دين الله يبغون وله أسلم من في السموات والأرض طوعا وكرها وإليه يرجعون ?). .\r(يا أيها الذين آمنوا إن تطيعوا فريقا من الذين أوتوا الكتاب يردوكم بعد إيمانكم كافرين . وكيف تكفرون وأنتم تتلى عليكم آيات الله وفيكم رسوله ? ومن يعتصم بالله فقد هدي إلى صراط مستقيم). .","part":11,"page":23},{"id":4313,"text":"(يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون . واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا . واذكروا نعمة الله عليكم إذ كنتم أعداء فألف بين قلوبكم , فأصبحتم بنعمته إخوانا . وكنتم على شفا حفرة من النار فأنقذكم منها , كذلك يبين الله لكم آياته لعلكم تهتدون . . .). .\r(كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله . ولو آمن أهل الكتاب لكان خيرا لهم , منهم المؤمنون وأكثرهم الفاسقون . لن يضروكم إلا أذى , وإن يقاتلوكم يولوكم الأدبار ثم لا ينصرون . ضربت عليهم الذلة أين ما ثقفوا - إلا بحبل من الله وحبل من الناس - وباؤوا بغضب من الله وضربت عليهم المسكنة . ذلك بأنهم كانوا يكفرون بآيات الله ويقتلون الأنبياء بغير حق , ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون). .\r(يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا بطانة من دونكم لا يألونكم خبالا . ودوا ما عنتم . قد بدت البغضاء من أفواههم وما تخفي صدورهم أكبر . قد بينا لكم الآيات إن كنتم تعقلون . ها أنتم أولاء تحبونهم ولا يحبونكم , وتؤمنون بالكتاب كله . وإذا لقوكم قالوا : آمنا , وإذا خلوا عضوا عليكم الأنامل من الغيظ . قل موتوا بغيظكم إن الله عليم بذات الصدور . إن تمسسكم حسنة تسؤهم , وإن تصبكم سيئة يفرحوا بها . وإن تصبروا وتتقوا لا يضركم كيدهم شيئا . إن الله بما يعملون محيط).\rومن هذه الحملة الطويلة التي اقتطفنا منها هذه الآيات , وتنوع توجيهاتها وتلقيناتها تتبين عدة أمور :\rأولها : ضخامة الجهد الذي كان يبذله أهل الكتاب في المدينة وغيرها , وعمق الكيد وتنوع أساليبه , واستخدام جميع الوسائل لزعزعة العقيدة وخلخلة الصف المسلم من ورائها .\rوثانيها : ضخامة الآثار التي كان هذا الجهد يتركها في النفوس وفي حياة الجماعة المسلمة , مما اقتضى هذا البيان الطويل المفصل المنوع المقاطع والأساليب .","part":11,"page":24},{"id":4314,"text":"وثالثها : هو ما نلمحه اليوم من وراء القرون الطويلة . من أن هؤلاء الأعداء هم الذين يلاحقون هذه الدعوة وأصحابها في الأرض كلها ; وهم الذين تواجههم هذه العقيدة وأهلها . ومن ثم اقتضت إرادة الحكيم الخبير أن يقيم هذا المشعل الهادي الضخم البعيد المطارح لتراه الأجيال المسلمة قويا واضحا عميق التركيز على كشف الأعداء التقليديين لهذه الأمة ولهذا الدين !\rأما القطاع الثاني في السورة فهو خاص بغزوة أحد . وهو يشتمل كذلك على تقريرات في حقائق التصور الإسلامي والعقيدة الإيمانية . وعلى توجيهات في بناء الجماعة المسلمة على أساس تلك الحقائق . إلى جانب استعراض الأحداث والوقائع , والخواطر والمشاعر , استعراضا يتبين منه بجلاء حالة الجماعة المسلمة يومها وقطاعاتها المختلفة التي أشرنا إليها في أول هذا التمهيد .\rوعلاقة هذا المقطع بالمقطع الأول في السورة ظاهرة . فهو يتولى عملية بناء التصور الإسلامي وتجليته - في مجال المعركة والحديد ساخن ! - كما يتولى عملية تثبيت هذه الجماعة على التكاليف المفروضة على أصحاب دعوة الحق في الأرض . مع تعليمهم سنة الله في النصر والهزيمة . ويربيهم بالتوجيهات القرآنية كما يربيهم بالأحداث الواقعية .\rوإنه ليصعب استيفاء الحديث هنا عن طبيعة هذا المقطع ومحتوياته وقيمته في بناء العقيدة وبناء الجماعة . . ولما كان هذا المقطع يقع بجملته في الجزء الرابع [ من الظلال ] فلنرجىء الحديث عنه إلى هذا الجزء [ إن شاء الله ] . .","part":11,"page":25},{"id":4315,"text":"ونمضي إلى ختام السورة - بعد فصل غزوة أحد - فإذا هو تلخيص لموضوعاتها الأساسية , يبدأ بإشارة موحية إلى دلالة هذا الكون [ كتاب الله المنظور ] وإيحاءاته للقلوب المؤمنة . . ويأخذ في دعاء رخي ندي من هذه القلوب , على مشهد الآيات في كتاب الكون المفتوح : (إن في خلق السماوات والأرض واختلاف الليل والنهار لآيات لأولي الألباب . الذين يذكرون الله قياما وقعودا وعلى جنوبهم , ويتفكرون في خلق السماوات والأرض . ربنا ما خلقت هذا باطلا , سبحانك ! فقنا عذاب النار . ربنا إنك من تدخل النار فقد أخزيته . وما للظالمين من أنصار . ربنا إننا سمعنا مناديا ينادي للإيمان أن آمنوا بربكم فآمنا . ربنا فاغفر لنا ذنوبنا وكفر عنا سيئاتنا وتوفنا مع الأبرار . ربنا وآتنا ما وعدتنا على رسلك ولا تخزنا يوم القيامة . إنك لا تخلف الميعاد . . .). . وهو يمثل نصاعة التصور ووضوحه . وخشوع القلب وتقواه .\rثم تجيء الاستجابة من الله - سبحانه - فيذكر فيها الهجرة والجهاد والإيذاء في سبيل الله :\r(فاستجاب لهم ربهم أني لا أضيع عمل عامل منكم من ذكر أو أنثى بعضكم من بعض . فالذين هاجروا وأخرجوا من ديارهم , وأوذوا في سبيلي , وقاتلوا وقتلوا , لأكفرن عنهم سيئاتهم ولأدخلنهم جنات تجري من تحتها الأنهار ثوابا من عند الله . والله عنده حسن الثواب . . .). . وفيه إشارة وعلاقة بغزوة أحد وأحداثها وآثارها .\rثم يذكر أهل الكتاب - الذين استغرق الحديث عنهم مقطع السورة الأول - ليقول للمسلمين إن الحق الذي بأيديهم لا يجحده أهل الكتاب كلهم . فإن منهم من يؤمن به ويشهد بأحقيته : (وإن من أهل الكتاب لمن يؤمن بالله وما أنزل إليكم , وما أنزل إليهم , خاشعين لله , لا يشترون بآيات الله ثمنا قليلا . . .).","part":11,"page":26},{"id":4316,"text":"وتختم السورة بدعوة المسلمين - بإيمانهم - إلى الصبر والمصابرة والمرابطة والتقوى : (يا أيها الذين آمنوا اصبروا وصابروا ورابطوا واتقوا الله لعلكم تفلحون). . وهو ختام يناسب جو السورة وموضوعاتها جميعا . .\rولا يتم التعريف المجمل بهذه السورة حتى نلم بثلاثة خطوط عريضة فيها , تتناثر نقطها في السورة كلها , وتتجمع وتتركز في مجموعها , حتى ترسم هذه الخطوط العريضة بوضوح وتوكيد . .\rأول هذه الخطوط بيان معنى \"الدين\" ومعنى \"الإسلام\" . . فليس الدين - كما يحدده الله - سبحانه - ويريده ويرضاه - هو كل اعتقاد في الله . . إنما هي صورة واحدة من صور الاعتقاد فيه - سبحانه - صورة التوحيد المطلق الناصع القاطع : توحيد الألوهية التي يتوجه إليها البشر كما تتوجه إليها سائر الخلائق في الكون بالعبودية . وتوحيد القوامة على البشر وعلى الكون كله . فلا يقوم شيء إلا بالله تعالى , ولا يقوم على الخلائق إلا الله تعالى . ومن ثم يكون الدين الذي يقبله الله من عباده هو \"الإسلام\" وهو في هذه الحالة : الاستسلام المطلق للقوامة الإلهية , والتلقي من هذا المصدر وحده في كل شأن من شؤون الحياة , والتحاكم إلى كتاب الله المنزل من هذا المصدر , واتباع الرسل الذين نزل عليهم الكتاب . وهو في صميمه كتاب واحد , وهو في صميمه دين واحد . . الإسلام . . بهذا المعنى الواقعي في ضمائر الناس وواقعهم العملي على السواء . والذي يلتقي عليه كل المؤمنين أتباع الرسل . . كل في زمانه . . متى كان معنى إسلامه هو الاعتقاد بوحدة الألوهية والقوامة ; والطاعة والاتباع في منهج الحياة كله بلا استثناء .\rويتكىء سياق السورة على هذا الخط ويوضحه في أكثر من ثلاثين موضعا من السورة بشكل ظاهر ملحوظ . . نضرب له بعض الأمثلة في هذا التعريف المجمل :","part":11,"page":27},{"id":4317,"text":"(الله لا إله إلا هو الحي القيوم). . (شهد الله أنه لا إله إلا هو والملائكة وأولو العلم قائما بالقسط لا إله إلا هو العزيز الحكيم). . (إن الدين عند الله الإسلام). . (فإن حاجوك فقل أسلمت وجهي لله ومن اتبعن . وقل للذين أوتوا الكتاب والأميين : أأسلمتم ? فإن أسلموا فقد اهتدوا . .). .(ألم تر إلى الذين أوتوا نصيبا من الكتاب يدعون إلى كتاب الله ليحكم بينهم , ثم يتولى فريق منهم وهم معرضون). . (قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله . . .). .(قل أطيعوا الله والرسول فإن تولوا فإن الله لا يحب الكافرين). . (قال الحواريون : نحن أنصار الله , آمنا بالله واشهد بأنا مسلمون . ربنا آمنا بما أنزلت واتبعنا الرسول فاكتبنا مع الشاهدين). .(قل يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم ألا نعبد إلا الله ولا نشرك به شيئا ولا يتخذ بعضنا بعضا أربابا من دون الله . فإن تولوا فقولوا : اشهدوا بأنا مسلمون). .(ما كان إبراهيم يهوديا ولا نصرانيا ولكن كان حنيفا مسلما وما كان من المشركين). . (أفغير دين الله يبغون وله أسلم من في السموات والأرض طوعا وكرها وإليه يرجعون ?). . (ومن يبتغ غير الإسلام دينا فلن يقبل منه). . وغيرها كثير . .\rفأما الخط الثاني الذي يركز عليه سياق السورة فهو تصوير حال المسلمين مع ربهم واستسلامهم له , وتلقيهم لكل ما يأتيهم منه بالقبول والطاعة والاتباع الدقيق . . ونضرب له كذلك بعض الأمثلة في هذا التعريف بالسورة حتى نواجهه مفصلا عند استعراض النصوص بالتفصيل :","part":11,"page":28},{"id":4318,"text":"(والراسخون في العلم يقولون آمنا به كل من عند ربنا - وما يذكر إلا أولوا الألباب - ) (ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا وهب لنا من لدنك رحمة إنك أنت الوهاب . ربنا إنك جامع الناس ليوم لا ريب فيه إن الله لا يخلف الميعاد). .(الذين يقولون : ربنا إننا آمنا فاغفر لنا ذنوبنا وقنا عذاب النار . الصابرين والصادقين والقانتين والمنفقين والمستغفرين بالأسحار). . (قال الحواريون : نحن أنصار الله آمنا بالله واشهد بأنا مسلمون . ربناآمنا بما أنزلت واتبعنا الرسول فاكتبنا مع الشاهدين). . (كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله). . (من أهل الكتاب أمة قائمة يتلون آيات الله آناء الليل وهم يسجدون , يؤمنون بالله واليوم الآخر ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ويسارعون في الخيرات وأولئك من الصالحين). (وكأي من نبي قاتل معه ربيون كثير , فما وهنوا لما أصابهم في سبيل الله وما ضعفوا وما استكانوا والله يحب الصابرين , وما كان قولهم إلا أن قالوا : ربنا اغفر لنا ذنوبنا وإسرافنا في أمرنا وثبت أقدامنا وانصرنا على القوم الكافرين). .(الذين استجابوا لله والرسول من بعد ما أصابهم القرح . للذين أحسنوا منهم واتقوا أجر عظيم . الذين قال لهم الناس : إن الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم , فزادهم إيمانا , وقالوا : حسبنا الله ونعم الوكيل). .(الذين يذكرون الله قياما وقعودا وعلى جنوبهم , ويتفكرون في خلق السماوات والأرض . ربنا ما خلقت هذا باطلا سبحانك ! فقنا عذاب النار . ربنا إنك من تدخل النار فقد أخزيته , وما للظالمين من أنصار . ربنا إننا سمعنا مناديا ينادي للإيمان أن آمنوا بربكم فآمنا . ربنا فاغفر لنا ذنوبنا وكفر عنا سيئاتنا وتوفنا مع الأبرار . ربنا وآتنا ما وعدتنا على رسلك , ولا تخزنا يوم القيامة . إنك لا تخلف الميعاد). . (وإن من أهل الكتاب لمن يؤمن بالله وما أنزل إليكم , وما أنزل إليهم خاشعين لله , لا يشترون","part":11,"page":29},{"id":4319,"text":"بآيات الله ثمنا قليلا). . وغيرها كثير . .\rوالخط الثالث العريض في سياق السورة هو التحذير من ولاية غير المؤمنين , والتهوين من شأن الكافرين مع هذا التحذير , وتقرير أنه لا إيمان ولا صلة بالله مع تولي الكفار الذين لا يحتكمون لكتاب الله , ولا يتبعون منهجه في الحياة . . وقد أشرنا إلى هذا الخط من قبل ولكنه يحتاج إلى إبراز هنا بقدر ما هو بارز وأساسي في سياق السورة , وهذه نماذج من هذا الخط العريض :\r(لا يتخذ المؤمنون الكافرين أولياء من دون المؤمنين . ومن يفعل ذلك فليس من الله في شيء - إلا أن تتقوا منهم تقاة - ويحذركم الله نفسه وإلى الله المصير . قل . إن تخفوا ما في صدوركم أو تبدوه يعلمه الله ويعلم ما في السماوات وما في الأرض . والله على كل شيء قدير). .(ودت طائفة من أهل الكتاب لو يضلونكم وما يضلون إلا أنفسهم وما يشعرون). .\r(يا أيها الذين آمنوا إن تطيعوا فريقا من الذين أوتوا الكتاب يردوكم بعد إيمانكم كافرين . وكيف تكفرون وأنتم تتلى عليكم آيات الله وفيكم رسوله . ومن يعتصم بالله فقد هدي إلى صراط مستقيم . يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا . . .)إلخ . . (لن يضروكم إلا أذى وإن يقاتلوكم يولوكم الأدبار ثم لا ينصرون . ضربت عليهم الذلة أينما ثقفوا . . .)إلخ . . (يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا بطانة من دونكم لا يألونكم خبالا . ودوا ما عنتم , قد بدت البغضاء من أفواههم وما تخفي صدورهم أكبر . . .)إلخ . .(يا أيها الذين آمنوا إن تطيعوا الذين كفروا يردوكم على أعقابكم فتنقلبوا خاسرين . بل الله مولاكم وهو خير الناصرين . سنلقي في قلوب الذين كفروا الرعب بما أشركوا بالله ما لم ينزل به سلطانا , ومأواهم النار وبئس مثوى الظالمين). .(لا يغرنك تقلب الذين كفروا في البلاد , متاع قليل ثم مأواهم جهنم وبئس المهاد). . وغيرها كثير . .","part":11,"page":30},{"id":4320,"text":"وهذه الخطوط الثلاثة العريضة متناسقة فيما بينها متكاملة , في تقرير التصور الإسلامي , وتوضيح حقيقة التوحيد ومقتضاه في حياة البشر وفي شعورهم بالله , وأثر ذلك في موقفهم من أعداء الله الذي لا موقف لهم سواه .\rوالنصوص في مواضعها من السياق أكثر حيوية وأعمق إيحاء . . لقد نزلت في معمعان المعركة . معركة العقيدة , ومعركة الميدان . المعركة في داخل النفوس , والمعركة في واقع الحياة . . ومن ثم تضمنت ذلك الرصيد الحي العجيب , من الحركة والتأثير والإيحاء . .أ هـ {الظلال حـ 1 صـ 348 ـ 359}","part":11,"page":31},{"id":4325,"text":"قوله تعالى {الم (1) اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ (2)}\rمناسبة الآية لما قبلها\rقال البقاعى :\r{بسم الله} الواحد المتفرد بالإحاطة بالكمال {الرحمن} الذي وسعت رحمة ايجاد كل مخلوق وأوضح للمكلفين طريق النجاة {الرحيم} الذي اختار أهل التوحيد لمحل أنسه وموطن جمعه وقدسه {الم} المقاصد التي سيقت لها هذه السورة إثبات الوحدانية لله سبحانه وتعالى ، والإخبار بأن رئاسة الدنيا بالأموال والأولاد وغيرهما مما آثره الكفار على الإسلام غير مغنية عنهم شيئاً في الدنيا ولا في الآخرة ، وأن ما أعد للمتقين من الجنة والرضوان هو الذي ينبغي الأقبال عليه والمسارعة اليه وفي وصف المتقين بالإيمان والدعاء والصبر والصدق والقنوت والإنفاق والاستغفار ما يتعطف عليه كثير من أفانين أساليب هذه السورة هذا ما كان ظهر لي أولاً ، وأحسن منه أن نخص القصد الأول وهو التوحيد بالقصد فيها فإن الأمرين الآخرين يرجعان إليه ، وذلك لأن الوصف بالقيومية يقتضي القيام بالاستقامة ،\rفالقيام يكون على كل نفس ، والاستقامه العدل كما قال : {قائماً بالقسط} [ آل عمران : 18 ] أي بعقاب العاصي وثواب الطائع بما يقتضي للموفق ترك العصيان ولزوم الطاعة ؛ وهذا الوجه أوفق للترتيب ، لأن الفاتحة لما كانت جامعة للدين إجمالاً جاء به التفصيل محاذياً لذلك ، فابتدىء بسورة الكتاب المحيط بأمر الدين ، ثم بسورة التوحيد الذي هو سر حرف الحمد وأول حروف الفاتحة ، لأن التوحيد هو الأمر الذي لا يقوم بناء إلا عليه ،","part":11,"page":32},{"id":4326,"text":"ولما صح الطريق وثبت الأساس جاءت التي بعدها داعية إلى الاجتماع على ذلك ؛ وأيضاً فلما ثبت بالبقرة أمر الكتاب في أنه هدى وقامت به دعائم الإسلام الخمس جاءت هذه لإثبات الدعوة الجامعة في قوله سبحانه وتعالى : {يا أيها الناس اعبدوا ربكم} [ البقرة : 21 ] فأثبت الوحدانيه له بإبطال إلهيه غيره بإثبات أن عيسى عليه الصلاة والسلام الذي كان يحيي الموتى عبده فغيره بطريق الأولى ، فلما ثبت أن الكل عبيده دعت سورة النساء إلى إقبالهم إليه واجتماعهم عليه ؛ ومما يدل على أن القصد بها هو التوحيد تسميتها بآل عمران ، فإن لم يعرب عنه في هذه السورة ما أعرب عنه ما ساقه سبحانه وتعالى فيها من أخبارهم بما فيها من الأدلة على القدرة التامة الموجبة للتوحيد الذي ليس في درج الإيمان أعلى منه ، فهو التاج الذي هو خاصة الملك المحسوسة ، \rكما أن التوحيد خاصته المعقولة ، \rوالتوحيد موجب لزهرة المتحلي به فلذلك سميت الزهراء.\rالقصد الأول التوحيد\rومناسبه هذا الأول بالابتدائية لآخر ما قبلها أنه لما كان آخر البقرة في الحقيقة آية الكرسي وما بعدها إنما هو بيان ، ","part":11,"page":33},{"id":4327,"text":"لأنها أوضحت أمر الدين بحيث لم يبقى وراءها مرمى لمتنعت ، أو تعجب من حال من جادل في الإلهية أو استبعد شيئاً من القدرة ولم ينظر فيما تضمنته هذه الآية من الأدله مع وضوحه ، أو إشارة إلى الاستدلال على البعث بأمر السنابل في قالب الإرشاد إلى ما ينفع في اليوم الذي نفى فيه نفع البيع والخلة والشفاعة من النفقات ، وبيان بعض ما يتعلق بذلك ، وتقرير أمر ملكه لما منه الإنفاق من السماوات والأرض ، والإخبار بإيمان الرسول وأتباعه بذلك ، وبأنهم لا يفرقون بين أحد من الرسل المشار إليهم في السورة ، وبصدقهم في التضرع برفع الأثقال التي كانت على من قبلهم من بني إسرائيل وغيرهم ، وبالنصرة على عامة الكافرين ؛ لما كان ذلك على هذا الوجه ناسب هذا الاختتام غايه المناسبة ابتداء هذه السورة بالذي وقع الإيمان به سبحانه وتعالى ووجهت الرغبات آخر تلك إليه ؛ وأحسن منه أنه لما نزل إلينا كتابه فجمع مقاصده في الفاتحه على وجه أرشد فيه إلى سؤال الهداية ثم شرع في تفصيل ما جمعه في الفاتحة ، فأرشد في أول البقرة إلى أن الهدايه في هذا الكتاب ، \rوبيّن ذلك بحقية المعنى والنظم كما تقدم إلى أن ختم البقرة بالإخبار عن خلص عباده بالإيمان بالمنزل بالسمع والطاعة ، \rوأفهم ذلك مع التوجه بالدعاء إلى المنزل له أن له سبحانه وتعالى كل شيء وبيده النصر ، علم أنه واحد لا شريك له حي لا يموت قيوم لا يغفل وأن ما أنزل هو الحق ، فصرح أول هذه بما أفهمه آخر تلك ، كما يصرح بالنتيجة بعد المقدمات المنتجة لها فقال : {الله} أي الذي لا يذل من والاه ولا يعز من عاداه لأن له الإحاطة بجميع أوصاف الكمال والنزاهة الكاملة من كل شائبة نقص.","part":11,"page":34},{"id":4328,"text":"وقال الحرالي مشيراً إلى القول الصحيح في ترتيب السور من أنه باجتهاد الصحابة رضوان الله تعالى عليهم إقراراً لله سبحانه وتعالى لهذا الانتظام والترتيب السوري في مقرر هذا الكتاب : هو ما رضيه الله سبحانه وتعالى فأقره ؛ فلما كانت سورة الفاتحة جامعة لكلية أمر الله سبحانه وتعالى فيما يرجع إليه ، وفيما يرجع إلى عبده ، وفيما بينه وبين عبده ، فكانت أم القرآن وأم الكتاب ؛ جعل مثنى تفصيل ما يرجع منها إلى الكتاب المنبأ عن موقعه في الفاتحة مضمناً سورة البقرة إلى ما أعلن به ، لألأ نور آية الكرسي فيها ، وكان منزل هذه السورة من مثنى تفصيل ما يرجع إلى خاص علن الله سبحانه وتعالى في الفاتحة ، فكان منزلة سورة آل عمران منزله تاج الراكب وكان منزله سورة البقرة منزلة سنام المطية ؛ قال صلى الله عليه وسلم : \" لكل شيء سنام وسنام القرآن سورة البقرة ،\rلكل شيء تاج وتاج القرآن سورة آل عمران \" وإنما بدىء هذا الترتيب لسورة الكتاب لأن علم الكتاب أقرب إلى المخاطبين من تلقي علن أمر الله ، فكان في تعلم سورة البقرة والعمل بها تهيؤ لتلقي ما تضمنته سورة آل عمران ليقع التدرج والتدرب بتلقي الكتاب حفظاً وبتلقيه على اللقن منزل الكتاب بما أبداه علنه في هذه السورة ؛ وبذلك يتضح أن إحاطة {الم} المنزلة في أول سورة البقرة إحاطة كتابية بما هو قيامه وتمامه ،\rووصلة ما بين قيامه وتمامه ، وأن إحاطة {الم} المنزلة في أو هذه السورة إحاطة إلهية حيايية قومية مما بين غيبة عظمة اسمه {الله} إلى تمام قيوميته البادية في تبارك ما أنبأ عنه اسمه {الحي القيوم} وما أوصله لطفه من مضمون توحيده المنبىء عنه كلمه الإخلاص في قوله : {لا إله إلا هو} فلذلك كان هذا المجموع في منزله قرآناً حرفياً وقرآناً كلمياً اسمياً وقرآناً كلامياً تفصيليا مما هو اسمه الأعظم كما تقدم من قوله صلى الله عليه وسلم :","part":11,"page":35},{"id":4329,"text":"\" اسم الله الأعظم في هاتين الآيتين : {وإلهكم أله واحد لا إله إلا هو الرحمن الرحيم} [ البقرة : 163 ] ، \r{الم الله لا إله إلا هو الحي القيوم} \" وكما وقعت إلاحة في سورة البقرة لما وقع بها الإفصاح في سورة آل عمران كذلك وقع في آل عمران من نحو ما وقع تفصيله في سورة البقرة ليصير منزلاً واحداً بما أفصح مضمون كل سورة بالإحة الأخرى ، فلذلك هما غمامتان وغيايتان على قارئهما يوم القيامة كما تقدم لا تفترقان ، فأعظم {الم} هو مضمون {الم} الذي افتتحت به هذه السورة ويليه في الرتبة ما افتتحت به سورة البقرة ، \rويليه في الرتبة ما افتتحت به سور الآيات نحو قوله سبحانه وتعالى {الم تلك آيات الكتاب الحكيم} [ لقمان : 2 ] فللكتاب الحكيم إحاطة قواماً وتماماً ووصلة ، ولمطلق الكتاب إحاطة كذلك ، وإحاطه الإحاطات وأعظم العظمة إحاطة افتتاح هذه السورة ؛ وكذلك أيضاً اللواميم محيطة بإحاطة الطواسيم لما تتخصص به معاني حروفها من دون إحاطات حروف اللواميم ، \rوإحاطة الحواميم من دون إحاطة الطواسيم لما تتخصص به معاني حروفها من دون إحاطات حروف الطواسيم على ما يتضح تراتبه وعلمه لمن آتاه الله فهماً بمنزله قرآن الحروف المخصوص بإنزاله هذه الأمة دون سائر الأمم ، \rالذي هو من العلم الأزلي العلوي ؛ ثم قال : ولما كانت أعظم الإحاطات إحاطة عظمة اسمه \" الله \" الذي هو مسمى التسعة والتسعين أسماء التي أولها {إله} كان ما أفهمه أول الفهم هنا اسم ألف بناء في معنى إحاطات الحروف على نحو إحاطة اسمه \" الله \" في الأسماء ، \rفكانت هذه الألف مسمى كل ألف كما كان اسمه {الله} سبحانه وتعالى مسمى كل اسم سواه حتى أنه مسمى سائر الأسماء الأعجمية التي هي أسماؤه سبحانه وتعالى في جميع الألسن كلها مع أسماء العربية أسماء لمسمى هو هذا الاسم العظيم الذي هو {الله} الأحد الذي لم يتطرق إليه شرك ، ","part":11,"page":36},{"id":4330,"text":"كما تطرق إلى أسمائه من اسمه {إله} إلى غايه اسمه \" الصبور \" وكما كان إحاطة هذا الألف أعظم إحاطة حرفية وسائر الألفات أسماء لعظيم إحاطتة ؛ وكذلك هذه الميم أعظم إحاطة ميم تفصلت فيه وكانت له أسماء بمنزلة ما هي سائر الألفات أسماء لمسمى هذا الألف كذلك سائر الميمات اسم لمسمى هذا الميم ، \rكما أن اسمه {الحي القيوم} أعظم تمام كل عظيم من أسماء عظمته ؛ وكذلك هذه اللام بمنزلة ألفه وميمه ، \rوهي لام الإلهية الذي أسراره لطيف التنزل إلى تمام ميم قيوميته ؛ فمن لم ينته إلى فهم معاني الحروف في هذه الفاتحة نزل له الخطاب إلى ما هو إفصاح إحاطتها في الكلم والكلام المنتظم في قوله : {الله لا إله إلا هو الحي القيوم} ، \rفهو قرآن حرفي يفصله قرآن كلمي يفصله قرآن كلامي انتهى.\rفقوله : {الله} أي الذي آمن به الرسول وأتباعه بما له من الإحاطة بصفات الكمال {لا إله إلا هو} أي متوحد لا كفوء له فقد فاز قصدكم إليه بالرغبة وتعويلكم عليه في المسألة.\rقال الحرالي : فما أعلن به هذا الاسم العظيم أي الله في هذه الفاتحة هو ما استعلن به في قوله تعالى : {قل هو الله أحد} [ الإخلاص : 1 ] ، \rولما كان إحاطة العظمة أمراً خاصاً لأن العظمة إزاء الله الذي لا يطلع عليه إلا صاحب سر كان البادي لمن دون أهل الفهم من رتبة أهل العلم اسمه \" الله الصمد \" الذي يعنى اليه بالحاجات والرغبات المختص بالفوقية والعلو الذي يقال للمؤمن عنه : أين الله ؟ فيقول : في السماء ، \rإلى حد علو أن يقول : فوق العرش ، \rفذلك الصمد الذي أنبأ عنه اسمه {إله} الذي أنزل فيه إلزام الإخلاص والتوحيد منذ عبدت في الأرض الأصنام ، \rفلذلك نضم توحيد اسمه الإله بأحدية مسمى هو من اسمه العظيم \" الله \" ، ورجع عليه باسم المضمر الذي هو في جبلات الأنفس وغرائز القلوب الذي تجده غيباً في بواطنها فتقول فيه : هو ، ","part":11,"page":37},{"id":4331,"text":"فكان هذا الخطاب مبدوءاً بالاسم العظيم المظهر منتهياً إلى الاسم المضمر ، كما كان خطاب {قل هو الله أحد} [ الإخلاص : 1 ] مبدوءاً بالاسم المضمر منتهياً إلى الاسم العظيم المظهر ، وكذلك أيضاً اسم الله الأعظم في سورة {قل هو الله أحد} [ الإخلاص : 1 ] كما هو في هذه الفاتحة.\rولما كان لبادي الخلق افتقار إلى قوام لا يثبت طرفة عين دون قوامه كان القوام البادي آيته هي الحياة فما حيي ثبت وما مات فني وهلك ؛ انتهى ولما كان المتفرد بالملك من أهل الدنيا يموت قال : {الحي} أي الحياة الحقيقية التي لا موت معها.\rولما كان الحي قد يحتاج في التدبير إلى وزير لعجزه عن الكفاية بنفسه في جميع الأعمال قال : {القيوم} إعلاماً بأن به قيام كل شيء وهو قائم على كل شيء.\rقال الحرالي : فكما أن الحياة بنفخة من روح أمره فكل متماسك على صورته حي بقيوميته انتهى.\rوفي وصفه بذلك إعلام بأنه قادر على نصر جنده وإعزاز دينه وعون وليه ، وحث على مراقبته بجهاد أعدائه ودوام الخضوع لديه والضراعة اليه. أ هـ {نظم الدرر حـ 2 صـ 3 ـ 7}\rفصل\rقال الفخر : \rقرأ أبو بكر عن عاصم {الم ، الله} بسكون الميم ، ونصب همزة : الله ، والباقون موصولاً بفتح الميم ، أما قراءة عاصم فلها وجهان الأول : نية الوقف ثم إظهار الهمزة لأجل الابتداء والثاني : أن يكون ذلك على لغة من يقطع ألف الوصل ، فمن فصل وأظهر الهمزة فللتفخيم والتعظيم ، وأما من نصب الميم ففيه قولان : \rالقول الأول : وهو قول الفراء واختيار كثير من البصريين أن أسماء الحروف موقوفة الأواخر ، يقول : ألف ، لام ، ميم ، كما تقول : واحد ، إثنان ، ثلاثة ، وعلى هذا التقدير وجب الابتداء بقوله : الله ، فإذا ابتدأنا به نثبت الهمزة متحركة ، إلا أنهم أسقطوا الهمزة للتخفيف ، ثم ألقيت حركتها على الميم لتدل حركتها على أنها في حكم المبقاة بسبب كون هذه اللفظة مبتدأ بها.","part":11,"page":38},{"id":4332,"text":"فإن قيل : إن كان التقدير فصل إحدى الكلمتين عن الأخرى امتنع إسقاط الهمزة ، وإن كان التقدير هو الوصل امتنع بقاء الهمزة مع حركتها ، وإذا امتنع بقاؤها امتنعت حركتها ، وامتنع إلقاء حركتها على الميم.\rقلنا : لم لا يجوز أن يكون ساقطاً بصورته باقياً بمعناه فأبقيت حركتها لتدل على بقائها في المعنى هذا تمام تقرير قول الفرّاء.\rوالقول الثاني : قول سيبويه ، وهو أن السبب في حركة الميم التقاء الساكنين ، وهذا القول رده كثير من الناس ، وفيه دقة ولطف ، والكلام في تلخيصه طويل.\rوأقول : فيه بحثان أحدهما : سبب أصل الحركة ، والثاني : كون تلك الحركة فتحةً.\rأما البحث الأول : فهو بناء على مقدمات : \rالمقدمة الأولى : أن الساكنين إذا اجتمعا فإن كان السابق منهما حرفاً من حروف المد واللين لم يجب التحريك ، لأنه يسهل النطق بمثل هذين الساكنين ، كقولك : هذا إبراهيم وإسحاق ويعقوب موقوفة الأواخر ، أما إذا لم يكن كذلك وجب التحريك لأنه لا يسهل النطق بمثل هذين ، لأنه لا يمكن النطق إلا بالحركة.","part":11,"page":39},{"id":4333,"text":"المقدمة الثانية : مذهب سيبويه أن حرف التعريف هي اللام ، وهي ساكنة ، والساكن لا يمكن الابتداء به فقدموا عليها همزة الوصل وحركوها ليتوصلوا بها إلى النطق باللام ، فعلى هذا إن وجدوا قبل لام التعريف حرفاً آخر فإن كان متحركاً توصلوا به إلى النطق بهذه اللام الساكنة وإن كان ساكناً حركوه وتوصلوا به إلى النطق بهذه اللام ، وعلى هذا التقدير يحصل الاستغناء عن همزة الوصل لأن الحاجة إليها أن يتوصل بحركتها إلى النطق باللام ، فإذا حصل حرف آخر توصلوا بحركته إلى النطق بهذه اللام ، فتحذف هذه الهمزة صورة ومعنى ، حقيقة وحكماً ، وإذا كان كذلك امتنع أن يقال : ألقيت حركتها على الميم لتدل تلك الحركة على كونها باقية حكماً ، لأن هذا إنما يصار إليه حيث يتعلق بوجوده حكم من الأحكام ، أو أثر من الآثار ، لكنا بينا أنه ليس الأمر كذلك فعلمنا أن تلك الهمزة سقطت بذاتها وبآثارها سقوطاً كلياً ، وبهذا يبطل قول الفرّاء.\rالمقدمة الثالثة : أسماء هذه الحروف موقوفة الأواخر ، وذلك متفق عليه.\rإذا عرفت هذه المقدمات فنقول : الميم من قولنا {الم} ساكن ولام التعريف من قولنا {الله} ساكن ، وقد اجتمعا فوجب تحريك الميم ، ولزم سقوط الهمزة بالكلية صورة ومعنى ، وصح بهذا البيان قول سيبويه ، وبطل قول الفرّاء.","part":11,"page":40},{"id":4334,"text":"أما البحث الثاني : فلقائل أن يقول : الساكن إذا حرك حرك إلى الكسر ، فلم اختير الفتح ههنا ، قال الزجاج في الجواب عنه : الكسر ههنا لا يليق ، لأن الميم من قولنا {الم} مسبوقة بالياء فلو جعلت الميم مكسورة لاجتمعت الكسرة مع الياء وذلك ثقيل ، فتركت الكسرة واختيرت الفتحة ، وطعن أبو علي الفارسي في كلام الزجاج ، وقال : ينتقض قوله بقولنا : جير ، فإن الراء مكسورة مع أنها مسبوقة بالياء ، وهذا الطعن عندي ضعيف ، لأن الكسرة حركة فيها بعض الثقل والياء أختها ، فإذا اجتمعا عظم الثقل ، ثم يحصل الانتقال منه إلى النطق بالألف في قولك {الله} وهو في غاية الخفة ، فيصير اللسان منتقلاً من أثقل الحركات إلى أخف الحركات ، والانتقال من الضد إلى الضد دفعة واحدة صعب على اللسان ، أما إذا جعلنا الميم مفتوحة ، انتقل اللسان من فتحة الميم إلى الألف في قولنا {الله} فكان النطق به سهلاً ، فهذا وجه تقرير قول سيبويه ، والله أعلم. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 7 صـ 132 ـ 134}","part":11,"page":41},{"id":4340,"text":"فصل\rقال الفخر : \rفي سبب نزول أول هذه السورة قولان : \rالقول الأول : وهو قولُ مقاتل بن سليمان : إن بعض أول هذه السورة في اليهود ، وقد ذكرناه في تفسير {الم ، ذلك الكتاب} [ البقرة : 1 2 ].","part":11,"page":42},{"id":4341,"text":"والقول الثاني : من ابتداء السورة إلى آية المُباهلة في النَّصارى ، وهو قول محمد بن إسحاق قال : قدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم وفد نجران ستون راكباً فيهم أربعة عشر رجلاً من أشرافهم ، وثلاثة منهم كانوا أكابر القوم ، أحدهم : أميرهم ، واسمه عبد المسيح ، والثاني : مشيرهم وذو رأيهم ، وكانوا يقولون له : السيد ، واسمه الأيهم ، والثالث : حبرهم وأسقفهم وصاحب مدراسهم ، يقال له أبو حارثة بن علقمة أحد بني بكر بن وائل ، وملوك الروم كانوا شرفوه ومولوه وأكرموه لما بلغهم عنه من علمه واجتهاده في دينهم ، فلما قدموا من بحران ركب أبو حارثة بغلته ، وكان إلى جنبه أخوه كرز بن علقمة ، فبينا بغلة أبي حارثة تسير إذ عثرت ، فقال كرز أخوه : تعس الأبعد يريد رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقال أبو حارثة : بل تعست أمك ، فقال : ولم يا أخي ؟ فقال : إنه والله النبي الذي كنا ننتظره ، فقال له أخوه كرز : فما يمنعك منه وأنت تعلم هذا ، قال : لأن هؤلاء الملوك أعطونا أموالاً كثيرة وأكرمونا ، فلو آمنا بمحمد صلى الله عليه وسلم لأخذوا منا كل هذه الأشياء ، فوقع ذلك في قلب أخيه كرز ، وكان يضمره إلى أن أسلم فكان يحدث بذلك ، ثم تكلم أولئك الثلاثة : الأمير ، والسيد والحبر ، مع رسول الله صلى الله عليه وسلم على اختلاف من أديانهم ، فتارة يقولون عيسى هو الله ، وتارة يقولون : هو ابن الله ، وتارة يقولون : ثالث ثلاثة ، ويحتجون لقولهم : هو الله ، بأنه كان يحيي الموتى ، ويبرىء الأكمه والأبرص ، ويبرىء الأسقام ، ويخبر بالغيوب ، ويخلق من الطين كهيئة الطير فينفخ فيه فيطير ، ويحتجون في قولهم : إنه ولد الله بأنه لم يكن له أب يعلم ، ويحتجون على ثالث ثلاثة بقول الله تعالى : فعلنا وجعلنا ، ولو كان واحداً لقال فعلت فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم : أسلموا ، فقالوا : قد أسلمنا ، فقال صلى الله عليه وسلم كذبتم كيف يصح إسلامكم وأنتم","part":11,"page":43},{"id":4342,"text":"تثبتون لله ولداً ، وتعبدون الصليب ، وتأكلون الخنزير ، قالوا : فمن أبوه ؟ فسكت رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فأنزل الله تعالى في ذلك أول سورة آل عمران إلى بضع وثمانين آية منها.\rثم أخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم يناظر معهم ، فقال : ألستم تعلمون أن الله حي لا يموت ، وأن عيسى يأتي عليه الفناء ؟ قالوا : بلى ، قال ألستم تعلمون أنه لا يكون ولد إلا ويشبه أباه ؟ قالوا بلى ، قال : ألستم تعلمون أن ربنا قيم على كل شيء يكلؤه ويحفظه ويرزقه ، فهل يملك عيسى شيئاً من ذلك ؟ قالوا : لا ، قال ألستم تعلمون أن الله لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء ، فهل يعلم عيسى شيئاً من ذلك إلا ما علم ؟ قالوا : لا ، قال فإن ربنا صور عيسى في الرحم كيف شاء ، فهل تعلمون أن ربنا لا يأكل الطعام ولا يشرب الشراب ولا يحدث الحدث وتعلمون أن عيسى حملته امرأة كحمل المرأة ووضعته كما تضع المرأة ، ثم كان يطعم الطعام ويشرب الشراب ، ويحدث الحدث قالوا : بلى فقال صلى الله عليه وسلم : \" فكيف يكون كما زعمتم ؟ فعرفوا ثم أبوا إلا جحوداً ، ثم قالوا : يا محمد ألست تزعم أنه كلمة الله وروح منه ؟ قال : بلى \" ، قالوا : فحسبنا فأنزل الله تعالى : {فَأَمَّا الَّذِينَ فى قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تشابه} [ آل عمران : 7 ] الآية.","part":11,"page":44},{"id":4343,"text":"ثم إن الله تعالى أمر محمداً صلى الله عليه وسلم بملاعنتهم إذ ردوا عليه ذلك ، فدعاهم رسول الله إلى الملاعنة ، فقالوا : يا أبا القاسم دعنا ننظر في أمرنا ، ثم نأتيك بما تريد أن نفعل ، فانصرفوا ثم قال بعض أولئك الثلاثة لبعض : ما ترى ؟ فقال : والله يا معشر النصارى لقد عرفتم أن محمداً نبي مرسل ، ولقد جاءكم بالفصل من خبر صاحبكم ، ولقد علمتم ما لاعن قوم نبياً قط إلا وفى كبيرهم وصغيرهم ، وأنه الاستئصال منكم إن فعلتم ، وأنتم قد أبيتم إلا دينكم والإقامة على ما أنتم عليه ، فوادعوا الرجل وانصرفوا إلى بلادكم فأتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا : يا أبا القاسم قد رأينا أن لا نلاعنك وأن نتركك على دينك ، ونرجع نحن على ديننا ، فابعث رجلاً من أصحابك معنا يحكم بيننا في أشياء قد اختلفنا فيها من أموالنا ، فإنكم عندنا رضا ، فقال عليه السلام : آتوني العشية أبعث معكم الحكم القوي الأمين وكان عمر يقول : ما أحببت الإمارة قط إلا يومئذ رجاء أن أكون صاحبها ، فلما صلينا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم الظهر سلم ثم نظر عن يمينه وعن يساره ، وجعلت أتطاول له ليراني ، فلم يزل يردد بصره حتى رأى أبا عبيدة بن الجراح ، فدعاه فقال : اخرج معهم واقض بينهم بالحق فيما اختلفوا فيه ، قال عمر : فذهب بها أبو عبيدة.\rواعلم أن هذه الرواية دالة على أن المناظرة في تقرير الدين وإزالة الشبهات حرفة الأنبياء عليهم الصلاة والسلام ، وأن مذهب الحشوية في إنكار البحث والنظر باطل قطعاً ، والله أعلم. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 7 صـ 134 ـ 135}\rفصل\rقال القرطبى : \rللعلماء في تسمية \"البقرة وآل عمران\" بالَّزهرَاوَيْن ثلاثة أقوال : \rالأول : أنهما النّيِّرتان ، مأخوذ من الزّهْر والزُّهْرَةِ ؛ فإمّا لهدايتهما قارئهما بما يزهر له من أنوارهما ، أي من معانيهما.\rوإما لِما يترتب على قراءتهما من النور التامّ يوم القيامة ، وهو القول الثاني.","part":11,"page":45},{"id":4344,"text":"الثالث : سُمّيتا بذلك لأنهما اشتركتا فيما تضمنه اسم الله الأعظم ، كما ذكره أبو داود وغيره عن أسماء بنت يزيد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : \" إن اسِمَ الله الأعظم في هاتين الآيتين {وإلهكم إله وَاحِدٌ لاَّ إله إِلاَّ هُوَ الرحمن الرحيم} والتي في آل عمران {الله لا إله إِلاَّ هُوَ الحي القيوم} \" أخرجه ابن ماجه أيضاً.\rوالغمام : السحاب الملْتَفّ ، وهو الغَيَايَة إذا كانت قريباً من الرأس ، وهي الظّلة أيضاً.\rوالمعنى : أن قارئهما في ظِلّ ثوابهما ؛ كما جاء \"الرجل في ظِلّ صدقته\" وقوله \"تُحاجّان\" أي يخلق الله من يجادل عنه بثوابهما ، ملائكة كما جاء في بعض الحديث : \" إن من قرأ {شَهِدَ الله أَنَّهُ لاَ إله إِلاَّ هُوَ} الآية - خلق الله سبعين ملكاً يستغفرون له إلى يوم القيامة \" وقوله : \"بينهما شَرقٌ\" قُيِّد بسكون الراء وفتحها ، وهو تنبيه على الضياء ؛ لأنه لما قال : \"سَوْداوان\" قد يُتَوَهّم أنهما مُظْلمتان ، فنفى ذلك بقوله \"بينهما شَرْق\".\rويعني بكونهما سوداوان أي من كثافتهما التي بسببها حالتا بين مَنْ تحتهما وبين حرارة الشمس وشدّة اللّهَب. والله أعلم. أ هـ {تفسير القرطبى حـ 4 صـ 3 ـ 4}","part":11,"page":46},{"id":4345,"text":"من لطائف العلامة الفيروزابادى فى سورة آل عمران\rقال رحمه الله :\rمن أَسمائها سورة آل عمران ، والسُّورة التى يذكر فيها آل عمران ، والزَّهراء.\rوعمران المذكور هو عمران والد موسى هارون عليهما السّلام وهو ابن يصهر بن فاهث بن لاوى بن يعقوب. وأَما عمران والد مريم فهو ابن ماتان بن أَسعراد بن أَبى ثور.\rوهذه السّورة مَدَنية باتِّفاق جميع المفسرين. وكذلك كلُّ سورة تشتمل على ذكر أَهل الكتاب. وعدد آياتها مئتان بإِجماع القُرَّاء.\rوكلماتها ثلاثة آلاف وأَربعمائة وثمانون. وحروفها أَربعة عشر أَلفاً وخمسمائة وخمسة وعشرون حرفاً.\rوالآيات المختلف فيها سبع : الم ، {الإِنْجِيل} الثانى ، {أَنْزَلَ الْفُرْقَانَ} {وَرَسُولاً إِلَى بَنِى إِسْرَاءِيل} ، {مِمَّا تُحِبُّونَ} ، {مَقَامَ إِبْرَاهِيم} ، والإِنجيل الأَول فى قوله بعضهم.\rمجموع فواصل آياتها (ل ق د ا ط ن بـ م ر) يجمعها قولى : (لقد أَطنب مُرّ) والقاف آخر آية واحدة {ذُوقُواْ عَذَابَ لْحَرِيقِ}والهمز آخر ثلاث آيات {لاَ يَخْفَى عَلَيْهِ شَيْءٌ فِي الأَرْضِ وَلاَ فِي السَّمَآءِ} {إِنَّكَ سَمِيْعُ الدُّعَاءِ} {كَذَلِكَ اللهُ يَفْعَلُ مَا يَشَآءُ}.","part":11,"page":47},{"id":4346,"text":"ومضمون السّورة مناظرة وَفْد نجران ، إِلى نحو ثمانين آية من أَوّلها ، وبيان المحكَم ، والمتشابِه ، وذمٌّ الكفَّار ، وَمَذَمَّة الدنيا ، وشَرَفُ العُقْبى ، ومدح الصَّحابة ، وشهادة التَّوحيد ، والرَّد على أَهل الكتاب ، وحديث ولادة مَرْيم ، وحديث كَفَالة زكريا ، ودعائه ، وذكر ولادة عيسى ، ومعجزاته ، وقصى الحَوَاريّين ، وخبر المباهلة ، والاحتجاج على النَّصارى ، ثمّ أَربعون آية فى ذكر المرتدِّين ، ثم ذكر خيانة علماء يهودَ ، وذكر الكعبة ، ووجوب الحج ، واختيار هذه الأُمّة الفُضْلى ، والنَّهى عن موالاة الكفار ، وأَهل الكتاب ، ومخالفى المِلَّةِ الإِسلامية. ثم خمس وخمسون آية فى قصّة حَرْب أُحُدٍ ، وفى التخصيص ، والشكوى من أَهل المركز ، وعذر المنهزِمين ، ومنع الخَوض فى باطل المنافقين ، (وتقرير قصّة الشهداء ، وتفصيل غَزْوَة بدر الصغرى ، ثم رجع إِلى ذكر المنافقين) فى خمس وعشرين آية ، والطَّعن على علماء اليهود ، والشكوى منهم فى نقض العهد ، وترك بيانهم نعتَ رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم المذكور فى التَّوراة ، ثم دعواتِ الصحابة ، وجدهم فى حضور الغزوات ، واعتنامهم درجة الشهادة. وختم السورة بآيات الصبر والمصابرة والرِّباط.\rوأَمَّا الناسخ والمنسوخ فى هذه السورة فخمس آيات : {وَّإِن تَوَلَّوْاْ فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلاَغُ}. بآية السّيف\r{كَيْفَ يَهْدِي للَّهُ قَوْماً كَفَرُواْ بَعْدَ إِيمَانِهِمْ} إِلى تمام ثلاث آيات {إِلاَّ الَّذِينَ تَابُوْا} نزلت فى الستة الذين ارتدوا ثم تابوا وأَسلموا {اتَّقُواْ للَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ} {وَجَاهِدُوْا فِي اللهِ حَقَّ جِهَادِهِ} {فاَتَّقُواْ للَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ}. أ هـ {بصائر ذوى التمييز حـ 1 صـ 158 ـ 160}","part":11,"page":48},{"id":4347,"text":"فصل\rقال القرطبى : \rهذه السورة ورد في فضلها آثار وأخبار ، فمن ذلك ما جاء أنها أمَانٌ من الحيات ، وكنْزٌ للصُّعْلوك ، وأنها تُحَاجّ عن قارئها في الآخرة ، ويُكْتَب لمن قرأ آخرها في ليلةٍ كقيام ليلة ، إلى غير ذلك.\rذكر الدارمي أبو محمد في مسنده حدّثنا أبو عُبَيْد القاسم بن سلاَم قال : حدثني عُبَيْد الله الأشجَعي قال : حدثني مِسْعَر قال : حدثني جابر ، قبل أن يقع فيما وقع فيه ، عن الشَّعْبيّ قال : قال عبد الله : نعِم كنْزُ الصُّعْلوك سورةُ \"آل عمران\" يقوم بها في آخر الليل.\rحدّثنا محمد بن سعيد حدّثنا عبد السلام عن الجُرَيْرِيّ عن أبي السَّلِيل قال : أصاب رجل دماً قال : فأوى إلى وادي مَجَنّة : وادٍ لا يمشي فيه أحد إلا أصابته جنّة ، وعلى شَفير الوادي راهبان ، فلمّا أمسى قال أحدهما لصاحبه : هلك والله الرجل! قال : فافتتح سورةَ \"آل عمران\" قالا : فقرأ سورة طَيْبة لعله سينجو.\rقال : فأصبح سليماً.\rوأسند عن مَكْحُول قال : من قرأ سورة \"آل عمران\" يوم الجمعة صلت عليه الملائكة إلى الليل.\rوأسند عن عثمان ابن عفان قال : من قرأ آخر سورة \"آل عمران\" في ليلة كتب له قيام ليلة.\rفي طريقه ابن لَهِيَعة.","part":11,"page":49},{"id":4348,"text":"وخرّج مسلم عن النوّاس بنِ سَمْعَان الكِلاَبيّ قال : سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول : \" يُؤتَى بالقرآن يوم القيامة وأهلهِ الذين كانوا يعملون به تَقْدُمه سورة البقرة وآل عمران وضرب لهما رسول الله صلى الله عليه وسلم ثلاثة أمْثَالٍ ما نسيتُهُنَّ بعدُ ، قال : كأنهما غمامتان أو ظُلّتان سَوْداوان بينهما شَرْقٌ أو كأنَّهما حِزْقانِ من طير صَوَافَّ تُحَاجّان عن صاحبهما \" وخرّج أيضاً عن أبي أُمَامَة الباهليّ قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : \" اقرءوا القرآن فإنه يأتي يوم القيامة شفيعاً لأصحابه اقرءوا الّزهْرَاوَين البقرة وسورة آل عمران فإنهما يأتيان يوم القيامة كأنهما غمامتان أو كأنهما غَيَايتَان أو كأنهما فِرْقَانِ من طير صَوَافّ تُحاجَّان عن أصحابهما اقرءوا سورة البقرة فإنّ أخْذها بركةٌ وتركها حسْرةٌ ولا يستطيعها البَطَلة \" قال معاوية : وبلغني أن البطلة السَحَرَة. أ هـ {تفسير القرطبى حـ 4 صـ 2 ـ 3}","part":11,"page":50},{"id":4349,"text":"فصل\rقال الفخر : \rاعلم أن مطلع هذه السورة له نظم لطيف عجيب ، وذلك لأن أولئك النصارى الذين نازعوا رسول الله صلى الله عليه وسلم كأنه قيل لهم : إما أن تنازعوه في معرفة الإله ، أو في النبوّة ، فإن كان النزاع في معرفة الإله وهو أنكم تثبتون له ولداً وأن محمداً لا يثبت له ولداً فالحق معه بالدلائل العقلية القطعية ، فإنه قد ثبت بالبرهان أنه حي قيوم ، والحي القيوم يستحيل عقلاً أن يكون له ولد وإن كان النزاع في النبوّة ، فهذا أيضاً باطل ، لأن بالطريق الذي عرفتم أن الله تعالى أنزل التوراة والإنجيل على موسى وعيسى فهو بعينه قائم في محمد صلى الله عليه وسلم ، وما ذاك إلا بالمعجزة وهو حاصل ههنا ، فكيف يمكن منازعته في صحة النبوّة ، فهذا هو وجه النظم وهو مضبوط حسن جداً فلننظر ههنا إلى بحثين.\rالبحث الأول : ما يتعلق بالإلهيات فنقول : إنه تعالى حي قيوم ، وكل من كان حياً قيوماً يمتنع أن يكون له ولد ، وإنما قلنا : إنه حي قيوم ، لأنه واجب الوجود لذاته ، وكل ما سواه فإنه ممكن لذاته محدث حصل تكوينه وتخليقه وإيجاده على ما بينا كل ذلك في تفسير قوله تعالى : {الله لاَ إله إِلاَّ هُوَ الحى القيوم} وإذا كان الكل محدثاً مخلوقاً امتنع كون شيء منها ولداً له وإلها ، كما قال : {إِن كُلُّ مَن فِى السموات والأرض إِلاَّ ءَاتِى الرحمن عَبْداً} [ مريم : 93 ] وأيضاً لما ثبت أن الإله يجب أن يكون حياً قيوماً ، وثبت أن عيسى ما كان حياً قيوماً لأنه ولد ، وكان يأكل ويشرب ويحدث ، والنصارى زعموا أنه قتل وما قدر على دفع القتل عن نفسه ، فثبت أنه ما كان حياً قيوماً ، وذلك يقتضي القطع والجزم بأنه ما كان إلها ، فهذه الكلمة وهي قوله {الحى القيوم} جامعة لجميع وجوه الدلائل على بطلان قول النصارى في التثليث.","part":11,"page":51},{"id":4350,"text":"وأما البحث الثاني : وهو ما يتعلق بالنبوّة ، فقد ذكره الله تعالى ههنا في غاية الحسن ونهاية الجودة ، وذلك لأنه قال : {نَزَّلَ عَلَيْكَ الكتاب بالحق} [ آل عمران : 3 ] وهذا يجري مجرى الدعوى ، ثم إنه تعالى أقام الدلالة على صحة هذه الدعوى ، فقال : وافقتمونا أيها اليهود والنصارى على أنه تعالى أنزل التوراة والإنجيل من قبل هدىً للناس ، فإنما عرفتم أن التوراة والإنجيل كتابان إلهيان ، لأنه تعالى قرن بإنزالهما المعجزة الدالة على الفرق بين قول المحق وقول المبطل والمعجز لما حصل به الفرق بين الدعوى الصادقة والدعوى الكاذبة كان فرقاً لا محالة ، ثم أن الفرقان الذي هو المعجز كما حصل في كون التوراة والإنجيل نازلين من عند الله ، فكذلك حصل في كون القرآن نازلاً من عند الله وإذا كان الطريق مشتركاً ، فإما أن يكون الواجب تكذيب الكل على ما هو قول البراهمة ، أو تصديق الكل على ما هو قول المسلمين ، وأما قبول البعض ورد البعض فذلك جهل وتقليد ، ثم إنه تعالى لما ذكر ما هو العمدة في معرفة الإله على ما جاء به محمد عليه الصلاة والسلام ، وما هو العمدة في إثبات نبوّة محمد صلى الله عليه وسلم لم يبق بعد ذلك عذر لمن ينازعه في دينه فلا جرم أردفه بالتهديد والوعيد فقال : {إِنَّ الذين كَفَرُواْ بأيات الله لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ والله عَزِيزٌ ذُو انتقام} [ آل عمران : 4 ] فقد ظهر أنه لا يمكن أن يكون كلام أقرب إلى الضبط ، وإلى حسن الترتيب وجودة التأليف من هذا الكلام ، والحمد لله على ما هدى هذا المسكين إليه ، وله الشكر على نعمه التي لا حد لها ولا حصر. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 7 صـ 135 ـ 136}\rفائدة\rقال القرطبى : \rروى الكِسائيّ أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه صلّى العشاء فاستفتح \"آل عمران\" فقرأ الم.\rالله لا إله إلا هو الحيُّ القَيَّامُ\" فقرأ في الركعة الأولى بمائة آية ، وفي الثانية بالمائة الباقية.","part":11,"page":52},{"id":4351,"text":"قال علماؤنا : ولا يقرأ سورة في ركعتين ، فإن فعل أجزأه.\rوقال مالك في المجموعة : لا بأس به ، وما هو بالشأن.\rقلت : الصحيح جواز ذلك.\rوقد قرأ النبيّ صلى الله عليه وسلم \"بالأعراف\" في المغرب فرّقها في ركعتين.\rخرّجه النسائي أيضاً ، وصحّحه أبو محمد عبد الحق. أ هـ {تفسير القرطبى حـ 4 صـ 2}\rفائدة\rقال الماوردى : \rفإن قيل : {الم} اسم من أسماء الله تعالى كان قوله : {اللهَ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ} نعتاً للمسمى به ، وتفسيره أن {الم} هو الله لا إله إلا هو.\rوإن قيل : إنه قسم كان واقعاً على أنه سبحانه لا إله إلا هو الحي القيوم ، إثباتاً لكونه إلهاً ونفياً أن يكون غيره إلهاً.\rوإن قيل بما سواهما من التأويلات كان ما بعده مبتدأ موصوفاً ، وأن الله هو الذي لا إله إلا هو الحي القيوم. أ هـ {النكت والعيون حـ 1 صـ 367}\rقوله تعالى {الله لاَ إله إِلاَّ هُوَ}\rقال الفخر : \rأما قوله {الله لاَ إله إِلاَّ هُوَ} فهو رد على النصارى لأنهم كانوا يقولون بعبادة عيسى عليه السلام فبيّن الله تعالى أن أحداً لا يستحق العبادة سواه.","part":11,"page":53},{"id":4352,"text":"ثم أتبع ذلك بما يجري مجرى الدلالة عليه فقال : {الحى القيوم} فأما الحي فهو الفعال الدراك وأما القيوم فهو القائم بذاته ، والقائم بتدبير الخلق والمصالح لما يحتاجون إليه في معاشهم ، من الليل والنهار ، والحر والبرد ، والرياح والأمطار ، والنعم التي لا يقدر عليها سواه ، ولا يحصيها غيره ، كما قال تعالى : {وَإِن تَعُدُّواْ نِعْمَةَ الله لاَ تُحْصُوهَا} [ إبراهيم : 34 ] وقرأ عمر رضي الله عنه {الحى القيوم} قال قتادة ، الحي الذي لا يموت ، والقيوم القائم على خلقه بأعمالهم ، وآجالهم ، وأرزاقهم ، وعن سعيد بن جبير : الحي قبل كل حي ، والقيوم الذي لا ند له ، وقد ذكرنا في سورة البقرة أن قولنا : الحي القيوم محيط بجميع الصفات المعتبرة في الإلهية ، ولما ثبت أن المعبود يجب أن يكون حياً قيوماً ودلّت البديهة والحسن على أن عيسى عليه السلام ما كان حياً قيوماً ، وكيف وهم يقولون بأنه قتل وأظهر الجزع من الموت.\rعلمنا قطعاً أن عيسى ما كان إلها ، ولا ولداً للإله تعالى وتقدس عما يقول الظالمون علواً كبيراً. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 7 صـ 136}\rقال الطبرى : \rوأولى التأويلين بالصواب ما قاله مجاهد والربيع ، وأنّ ذلك وصفٌ من الله تعالى ذكره نفسه بأنه القائم بأمر كل شيء ، في رزقه والدفع عنه ، وكلاءَته وتدبيره وصرفه في قدرته من قول العرب : \"فلان قائم بأمر هذه البلدة\" ، يعنى بذلك : المتولي تدبيرَ أمرها.\rفـ\"القيوم\" إذ كان ذلك معناه \"الفيعول\" من قول القائل : \"الله يقوم بأمر خلقه\". وأصله\"القيووم\" ، غير أن\"الواو\" الأولى من\"القيووم\" لما سبقتها\"ياء\" ساكنة وهي متحركة ، قلبت\"ياء\" ، فجعلت هي و\"الياء\" التي قبلها\"ياء\" مشدّدة. لأن العرب كذلك تفعل بـ\"الواو\" المتحركة إذا تقدمتها\"ياء\" ساكنة.\rوأما\"القيَّام\" ، فإن أصله\"القيوام\" ، وهو\"الفيعال\" من\"قام يقوم\" ، سبقت\"الواو\" المتحركة من\"قيوام\"\"ياء\" ساكنة ، فجعلتا جميعًا\"ياء\" مشدّدة.","part":11,"page":54},{"id":4353,"text":"ولو أن\"القيوم\"\"فَعُّول\" ، كان\"القوُّوم\" ، ولكنه\"الفيعول\". وكذلك\"القيّام\" ، لو كان\"الفعَّال\" ، لكان\"القوَّام\" ، كما قيل : \"الصوّام والقوّام\" ، وكما قال جل ثناؤه : ( كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ ) [سورة المائدة : 8] ، ولكنه\"الفيعال\" ، فقيل : \"القيام\". وأما\"القيِّم\" ، فهو\"الفيعل\" من\"قام يقوم\" ، سبقت\"الواو\" المتحركة\"ياء\" ساكنة ، فجعلتا\"ياء\" مشددة ، كما قيل : \"فلان سيدُ قومه\" من\"ساد يسود\" ، و\"هذا طعام جيد\" من\"جاد يجود\" ، وما أشبه ذلك.\rوإنما جاء ذلك بهذه الألفاظ ، لأنه قصد به قصدَ المبالغة في المدح ، فكان\"القيوم\" و\"القيّام\" و\"القيم\" أبلغ في المدح من\"القائم\" ، وإنما كان عمر رضي الله عنه يختار قراءته ، إن شاء الله ، \"القيام\" ، لأنّ ذلك الغالب على منطق أهل الحجاز في ذوات الثلاثة من\"الياء\"\"الواو\" ، فيقولون للرجل الصوّاغ : \r\"الصيّاغ\" ، ويقولون للرجل الكثير الدّوران : \"الدَّيار\". وقد قيل إن قول الله جل ثناؤه : ( لا تَذَرْ عَلَى الأرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا ) [سورة نوح : 26] إنما هو\"دوّار\" ، \"فعَّالا\" من\"دار يَدُور\" ، ولكنها نزلت بلغة أهل الحجاز ، وأقِرّت كذلك في المصحف. أ هـ {تفسير الطبرى حـ 6 صـ 158 ـ 160}\rفائدة\rقال عاشور : \rابتدئ الكلام بمسند إليه خبره فعلي : لإفادة تقوية الخبر اهتماما به.\rوجيء بالاسم العلم : لتربية المهابة عند سماعه ، ثم أردف بجملة {لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ} ، جملة معترضة أو حالية ، ردا على المشركين ، وعلى النصارى خاصة. وأتبع بالوصفين {الْحَيُّ الْقَيُّومُ} لنفي اللبس عن مسمى هذا الاسم ، والإيماء إلى وجه انفراده بالإلهية ، وأن غيره لا يستأهلها ؛ لأنه غير حي أو غير قيوم ، فالأصنام لا حياة لها ، وعيسى في اعتقاد النصارى قد أميت ، فما هو الآن بقيوم ، ولا هو في حال حياته بقيوم على تدبير العالم ، وكيف وقد أوذي في الله ، وكذب ، واختفى من أعدائه. أ هـ {التحرير والتنوير حـ 3 صـ 8}\rلطيفة\rقال القشيرى : \rهو الذي لا يلهو فيشتغل عنك ، ولا يسهو فتبقى عنه ، فهو على عموم أحوالك رقيبُ سِرِّك ؛ إنْ خلوتَ فهو رقيبك ، وإن توسطت الخَلْقَ فهو رقيبك ، وفي الجملة - كيفما دارت بك الأحوال - فهو حبيبك. أ هـ {لطائف الإشارات حـ 1 صـ 218}","part":11,"page":55},{"id":4355,"text":"قوله تعالى {نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَأَنْزَلَ التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ (3)}\rمناسبة الآية لما قبلها\rقال البقاعى : \rولما كان من معنى القيوم أنه المدبر للمصالح اتصل به الإعلام بتنزيل ما يتضمن ذلك ، وهو الكتاب المذكور في قوله : {بما أنزل إليه من ربه} [ البقرة : 285 ] والكتب المذكورة في أول البقرة في قوله : {بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك} [ البقرة : 4 ] وفي آخرها بقوله {وكتبه ورسله} [ البقرة : 285 ] التي من جملتها التوراة والإنجيل اللذان فيهما الآصار المرفوعة عنا ، ثم شرح بعده أمر التصوير في الأحشاء ، وذلك لأن المصالح قسمان : روحانية وجسمانية ، وأشرف المصالح الروحانية العلم الذي هو الروح كالروح للبدن فإنها تصير به مرآة مجلوة ينجلي فيها صور الحقائق ، وأشرف المصالح الجسمانية تعديل المزاج وتسوية البنية في أحسن هيئة ، وقدم الروحانية المتكفل بها الكتاب لأنها أشرف.\rولما كانت مادة \" كتب \" دائرة على معنى الجمع عبر بالتنزيل الذي معناه التفريق لتشمل هذه الجملة على وجازتها من أمره على إجمال وتفصيل فقال : وقال الحرالي : ولما كانت إحاطة الكتاب أي في البقرة ابتداء وأعقبها أي في أول هذه السورة إحاطة الإلهية جاء هذا الخطاب رداً عليه ، فتنزل من الإحاطة الإلهية إلى الأحاطة الكتابية بالتنزيل الذي هو تدرج من رتبة إلى رتبة دونها ؛ انتهى فقال : {نزّل} أي شيئاً فشيئاً في هذا العصر {عليك} أي خاصة بما اقتضاه تقديم الجار من الحصر ، وكأن موجب ذلك ادعاء بعضهم أنه يوحي إليه وأنه يقدر على الإتيان بمثل هذا الوحي {الكتاب} أي القرآن الجامع للهدى منجماً بحسب الوقائع ، لم يغفل عن واحدة منها ولا قدم جوابها ولا أخره عن محل الحاجة ، لأنه قيوم لا يشغله شأن عن شأن.","part":11,"page":56},{"id":4356,"text":"قال الحرالي : وهذا الكتاب هو الكتاب المحيط الجامع الأول الذي لا ينزل إلا على الخاتم الآخر المعقب لما أقام به حكمته من أن صور الأواخر مقامة بحقائق الأوائل ، فأول الأنوار الذي هو نور محمد صلى الله عليه وسلم هو قثم خاتم الصور التي هي صورة محمد انتهى.\rتنزيلاً ملتبساً {بالحق} أي الأمر الثابت ، فهو ثابت في نفسه ، وكل ما ينشأ عنه من قول وفعل كذلك.\rقال الحرالي : وكما أن هذا الكتاب هو الكتاب الجامع الأول المحيط بكل كتاب كذلك هو الحق المنزل به هذا الكتاب هو الحق الجامع المحيط الذي كل حق منه ، وهو الحق الذي أقام به حكمته فيما رفع ووضع انتهى.\rحال كونه {مصدقاً} ولما كان العامل مرفوعاً لأنه أمر فاعل قواه في اللام فقال : {لما بين يديه} أي من الكتب السماوية التي أتت بها الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم عن الحضرة الإلهية.\rقال الحرالي : لما كان هذا الكتاب أولاً وجامعاً ومحيطاً كان كل كتاب بين يديه ولم يكن من ورائه كتاب انتهى.\rولما كان نزاع وفد ونجران في الإله أو النبي أو فيهما كان هذا الكلام كفيلاً على وجازتة بالرد عليهم في ذلك ببيان الحق في الإله بالقيومية ، وفي المعنى بالكتاب المعجز ، ولما كانوا مقرين بالكتب القديمة أشار إلى أن ليس لهم إنكار هذا الكتاب وهو أعلى منها في كل أمر أوجب تصديقها وإلى أن من أنكره بعد ذلك كان من الأمر الظاهر أنه معاند لا شك في عناده فقال : {وأنزل التوراة} وهو \" فوعلة \" لو صرفت من الورى وهو قدح النار من الزند ، استثقل اجتماع الواوين فقلب أولهما تاء كما في اتحاد واتّلاج واتّزار واتّزان ونحوه قال الحرالي : فهي توراة بما هي نور أعقبت ظلام ما وردت عليه من كفر دعي إليها من الفراعنة ، فكان فيها هدى ونور {والإنجيل} من النجل ، \rوضع على زيادة \" إفعيل \" لمزيد معنى ما وضعت له هذة الصيغة ، وزيادتاها مبالغه في المعنى ، ","part":11,"page":57},{"id":4357,"text":"وأصل النجل استخراج خلاصه الشيء ، ومنه يقال للولد : نجل أبيه.\rكان الإنجيل استخلص خلاصه نور التوراة فأظهر باطن ما شرع في التوراة ظاهرة ، فإن التوراة كتاب إحاطة لأمر الظاهر الذي يحيط بالأعمال وإصلاح أمر الدنيا وحصول الفوز من عاقبة يوم الأخرى فهو جامع إحاطة الظواهر ، \rوكل آية ظاهرة فمن كتاب التوراة والإنجيل كتاب إحاطة لأمر البواطن يحيط بالأمور النفسانية التي بها يقع لمح موجود الآخرة مع الإعراض عن إصلاح الدنيا بل مع هدمها ، فكان الإنجيل مقيماً لأمر الآخرة هادماً لأمر الدنيا مع حصوله أدنى بلغة ، وكانت التوراة مقيمة لإصلاح الدنيا مع تحصيل الفوز في الآخرة ، فجمع هذان الكتابان إحاطتي الظاهر والباطن ، فكان منزل التوراة من مقتضى اسمه الظاهر ، وكان منزل الإنجيل من مقتضى اسمه الباطن ، \rكما كان منزل الكتاب الجامع من مقتضى ما في أول هذه السورة من أسمائه العظيمة مع لحظ التوحيد ليعتبر الكتاب والسورة بما نبه بتنزيله من اسمه الله وسائر أسمائه على وجوه إحاطاتها انتهى وفيه تصرف ؛ فأحاط هذا الكتاب إحاطة ظاهرة بأمري الظاهر والباطن بما أذن منه تصديقه للكتابين ، وخصهما سبحانه وتعالى بالتنويه بذكرهما إعلاماً بعلي قدرهما. أ هـ {نظم الدرر حـ 2 صـ 7 ـ 9}\rفصل\rقال الفخر : \rاعلم أن الكتاب ههنا هو القرآن ، وقد ذكرنا في أول سورة البقرة اشتقاقه ، وإنما خص القرآن بالتنزيل ، والتوراة والإنجيل بالإنزال ، لأن التنزيل للتكثير ، والله تعالى نزل القرآن نجما نجما ، فكان معنى التكثير حاصلاً فيه ، وأما التوراة والإنجيل فإنه تعالى أنزلهما دفعة واحدة ، فلهذا خصهما بالإنزال ، ولقائل أن يقول : هذا يشكل بقوله تعالى : {الحمد لِلَّهِ الذى أَنْزَلَ على عَبْدِهِ الكتاب} [ الكهف : 1 ] وبقوله {وبالحق أَنْزَلْنَاهُ وبالحق نَزَلَ} [ الإسراء : 105 ].\rواعلم أنه تعالى وصف القرآن المنزّل بوصفين : ","part":11,"page":58},{"id":4358,"text":"الوصف الأول : قوله {بالحق} قال أبو مسلم : إنه يحتمل وجوهاً أحدها : أنه صدق فيما تضمنه من الأخبار عن الأمم السالفة وثانيها : أن ما فيه من الوعد والوعيد يحمل المكلف على ملازمة الطريق الحق في العقائد والأعمال ، ويمنعه عن سلوك الطريق الباطل وثالثها : أنه حق بمعنى أنه قول فصل ، وليس بالهزل ورابعها : قال الأصم : المعنى أنه تعالى أنزله بالحق الذي يجب له على خلقه من العبودية ، وشكر النعمة ، وإظهار الخضوع ، وما يجب لبعضهم على بعض من العدل والإنصاف في المعاملات وخامسها : أنزله بالحق لا بالمعاني الفاسدة المتناقضة ، كما قال : {أَنْزَلَ على عَبْدِهِ الكتاب وَلَمْ يَجْعَل لَّهُ عِوَجَا} وقال : {وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ الله لَوَجَدُواْ فِيهِ اختلافا كَثِيراً} [ النساء : 82 ].\rوالوصف الثاني : لهذا الكتاب قوله {مُصَدّقاً لّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ} والمعنى أنه مصدق لكتب الأنبياء عليهم الصلاة والسلام ، ولما أخبروا به عن الله عزّ وجلّ ، ثم في الآية وجهان الأول : أنه تعالى دلّ بذلك على صحة القرآن ، لأنه لو كان من عند غير الله لم يكن موافقاً لسائر الكتب ، لأنه كان أُمياً لم يختلط بأحد من العلماء ، ولا تتلمذ لأحد ، ولا قرأ على أحد شيئاً ، والمفتري إذا كان هكذا امتنع أن يسلم عن الكذب والتحريف ، فلما لم يكن كذلك ثبت أنه إنما عرف هذه القصص بوحي الله تعالى الثاني : قال أبو مسلم : المراد منه أنه تعالى لم يبعث نبياً قط إلا بالدعاء إلى توحيده ، والإيمان به ، وتنزيهه عما لا يليق به ، والأمر بالعدل والإحسان ، وبالشرائع التي هي صلاح كل زمان ، فالقرآن مصدق لتلك الكتب في كل ذلك ، بقي في الآية سؤالان : \rالسؤال الأول : كيف سمي ما مضى بأنه بين يديه.\rوالجواب : أن تلك الأخبار لغاية ظهورها سماها بهذا الاسم.\rالسؤال الثاني : كيف يكون مصدقاً لما تقدمه من الكتب ، مع أن القرآن ناسخ لأكثر تلك الأحكام ؟ .","part":11,"page":59},{"id":4359,"text":"والجواب : إذا كانت الكتب مبشرة بالقرآن وبالرسول ، ودالة على أن أحكامها تثبت إلى حين بعثه ، وأنها تصير منسوخة عند نزول القرآن ، كانت موافقة للقرآن ، فكان القرآن مصدقاً لها ، وأما فيما عدا الأحكام فلا شبهة في أن القرآن مصدق لها ، لأن دلائل المباحث الإلهية لا تختلف في ذلك ، فهو مصدق لها في الأخبار الواردة في التوراة والإنجيل. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 7 صـ 36 ـ 37}\rقال ابن عاشور : \rوقوله {نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ} خبر عن اسم الجلالة. والخبر هنا مستعمل في الامتنان ، أو هو تعريض ونكاية بأهل الكتاب : الذين أنكروا ذلك. وجيء بالمسند فعلا لإفادة تقوية الخبر ، أو للدلالة مع ذلك على الاختصاص : أي الله لا غيره نزل عليك الكتاب إبطالا لقول المشركين : إن القرآن من كلام الشيطان ، أو من طرائق الكهانة ، أو يعلمه بشر.","part":11,"page":60},{"id":4360,"text":"والتضعيف في {نَزَّلَ} للتعدية فهو يساوي الهمز في أنزل ، وإنما التضعيف يؤذن بقوة الفعل في كيفيته أو كميته ، في الفعل المتعدي بغير التضعيف ، من أجل أنهم قد أتوا ببعض الأفعال المتعدية ، للدلالة على ذلك ، كقولهم : فسر وفسر ، وفرق وفرق ، وكسر وكسر ، كما أتوا بأفعال قاصرة بصيغة المضاعفة ، دون تعدية للدلالة على قوة الفعل ، كما قالوا : مات وموت وصاح وصيح. فإما إذا صار التضعيف للتعدية فلا أوقن بأنه يدل على تقوية الفعل ، إلا أن يقال : إن العدول عن التعدية بالهمز ، إلى التعدية بالتضعيف ، بقصد ما عهد في التضعيف من تقوية معنى الفعل ، فيكون قوله {نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ} أهم من قوله {وَأَنْزَلَ التَّوْرَاةَ} على عظم شأن نزول القرآن ، وقد بينت ذلك مستوفى في المقدمة الأولى من هذا التفسير ، ووقع في \"الكشاف\" ، هنا وفي مواضع متعددة ، أن قال : إن نزل يد على التنجيم وإن أنزل يدل على أن الكتابين أنزلا جملة واحدة وهذا لا علاقة له بمعنى التقوية المدعى للفعل المضاعف ، إلا أن يعني أن نزل مستعمل في لازم التكثير ، وهو التوزيع ورده أبو حيان بقول تعالى {وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً} [الفرقان : 32] نزل عليك القرءان جملة واحدة فجمع بين التضعيف وقوله {جُمْلَةً وَاحِدَةً} . وأزيد أن التوراة والإنجيل نزلا مفرقين كشأن كل ما ينزل على الرسل في مدة الرسالة ، وهو الحق ؛ إذ لا يعرف أن كتابا نزل على رسوله دفعة واحدة. والكتاب : القرآن. والباء في قوله {بِالْحَقِّ} للملابسة ، ومعنى ملابسته للحق اشتماله عليه في جميع ما يشتمل عليه من المعاني قال تعالى {وَبِالْحَقِّ أَنْزَلْنَاهُ وَبِالْحَقِّ نَزَلَ} [الإسراء : 105].\rومعنى {مُصَدِّقاً لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ} أنه مصدق للكتب السابقة له ، وجعل السابق بين يديه : لأنه يجيء قبله. فكأنه يمشي أمامه. أ هـ {التحرير والتنوير حـ 3 صـ 9}\rوقال أبو حيان : ","part":11,"page":61},{"id":4361,"text":"{نزل عليك الكتاب بالحق} الكتاب هنا : القرآن ، باتفاق المفسرين ، وتكرر كثيراً ، والمراد القرآن ، فصار علماً. بالغلبة.\rوقرأ الجمهور : نزّل ، مشدداً و: الكتاب ، بالنصب ، وقرأ النخعي ، والأعمش ، وابن أبي عبلة : نزل ، مخففاً ، و: الكتابُ ، بالرفع ، وفي هذه القراءة تحتمل الآية وجهين : أحدهما : أن تكون منقطعة.\rوالثاني : أن تكون متصلة بما قبلها ، أي : نزل الكتاب عليك من عنده ، وأتى هنا بذكر المنزل عليه ، وهو قوله : عليك ، ولم يأت بذكر المنزل عليه التوراة ، ولا المنزل عليه الإنجيل ، تخصيصاً له وتشريفاً بالذكر ، وجاء بذكر الخطاب لما في الخطاب من المؤانسة ، وأتى بلفظة : على ، لما فيها من الاستعلاء.\rكأن الكتاب تجلله وتغشاه ، صلى الله عليه وسلم.\rومعنى : بالحق : بالعدل ، قاله ابن عباس ، وفيه وجهان : أحدهما : العدل فيما استحقه عليك من حمل أثقال النبوة.\rالثاني : بالعدل فيما اختصك به من شرف النبوة.\rوقيل : بالصدق فيما اختلف فيه ، قاله محمد بن جرير.\rوقيل : بالصدق فيما تضمنه من الأخبار عن القرون الخالية.\rوقيل : بالصدق فيما تضمنه من الوعد بالثواب على الطاعة ، ومن الوعيد بالعقاب على المعصية.\rوقيل : معنى بالحق : بالحجج والبراهين القاطعة.\rوالباء : تحتمل السببية أي : بسبب إثبات الحق ، وتحتمل الحال ، أي : محقاً نحو : خرج زيد بسلاحه ، أي متسلحاً.\r{مصدقا لما بين يديه} أي : من كتب الأنبياء ، وتصديقه إياها أنها أخبرت بمجيئه ، ووقوع المخبر به يجعل المخبر صادقاً ، وهو يدل على صحة القرآن ، لأنه لو كان من عند غير الله لم يوافقها ، قاله أبو مسلم وقيل : المراد منه أنه لم يبعث نبياً قط ، إلاَّ بالدعاء إلى توحيده ، والإيمان ، وتنزيهه عما لا يليق به ، والأمر بالعدل والإحسان ، والشرائع التي هي صلاح أهل كل زمان.","part":11,"page":62},{"id":4362,"text":"فالقرآن مصدق لتلك الكتب في كل ذلك ، والقرآن ، وإن كان ناسخاً لشرائع أكثر الكتب ، فهي مبشرة بالقرآن وبالرسول ، ودالة على أن أحكامها تثبت إلى حين بعثة الله تعالى رسوله صلى الله عليه وسلم ، وأنها تصير منسوخة عند نزول القرآن.\rفقد وافقت القرآن ، وكان مصدقاً لها ، لأن الدلائل الدالة على ثبوت الإلهية لا تختلف.\rوانتصاب : مصدقاً ، على الحال من الكتاب ، وهي حال مؤكدة ، وهي لازمة ، لأنه لا يمكن أن يكون غير مصدق لما بين يديه ، فهو كما قال : \rأنا ابن دارة معروفاً به نسبي . . .\rوهل بدارة يا للناس من عار ؟ \rوقيل : انتصاب : مصدقاً ، على أنه بدل من موضع : بالحق ، وقيل : حال من الضمير المجرور.\rو : لما ، متعلق بمصدقاً ، واللام لتقوية التعدية ، إذ : مصدقاً ، يتعدى بنفسه ، لأن فعله يتعدى بنفسه.\rوالمعنى هنا بقوله {لما بين يديه} المتقدم في الزمان.\rوأصل هذا أن يقال : لما يتمكن الإنسان من التصرف فيه.\rكالشيء الذي يحتوي عليه ، ويقال : هو بين يديه إذا كان قدامه غير بعيد. أ هـ {البحر المحيط حـ 2 صـ 392 ـ 393}\rقوله تعالى : {وَأَنزَلَ التوراة والإنجيل}\rقال الفخر : \rقال صاحب \"الكشاف\" : التوراة والإنجيل اسمان أعجميان ، والاشتغال باشتقاقهما غير مفيد ، وقرأ الحسن {والإنجيل} بفتح الهمزة ، وهو دليل على العجمية ، لأن أفعيل بفتح الهمزة معدوم في أوزان العرب ، واعلم أن هذا القول هو الحق الذي لا محيد عنه ، ومع ذلك فننقل كلام الأدباء فيه.\rأما لفظ {التوراة} ففيه أبحاث ثلاثة : ","part":11,"page":63},{"id":4363,"text":"البحث الأول : في اشتقاقه ، قال الفرّاء التوراةَ معناها الضياء والنور ، من قول العرب ورى الزند يرى إذا قدح وظهرت النار ، قال الله تعالى : {فالموريات قَدْحاً} [ العاديات : 2 ] ويقولون : وريت بك زنادي ، ومعناه : ظهر بك الخير لي ، فالتوراة سميت بهذا الاسم لظهور الحق بها ، ويدل على هذا المعنى قوله تعالى : {وَلَقَدْ ءَاتَيْنَا موسى وهارون الفرقان وَضِيَاء} [ الأنبياء : 48 ].\rالبحث الثاني : لهم في وزنه ثلاثة أقوال : \rالقول الأول : قال الفرّاء : أصل التوراة تورية تفعلة بفتح التاء ، وسكون الواو ، وفتح الراء والياء ، إلا أنه صارت الياء ألفاً لتحركها وانفتاح ما قبلها.\rالقول الثاني : قال الفرّاء : ويجوز أن تكون تفعلة على وزن توفية وتوصية ، فيكون أصلها تورية ، إلا أن الراء نقلت من الكسر إلى الفتح على لغة طيىء ، فإنهم يقولون في جارية : جاراة ، وفي ناصية : ناصاة ، قال الشاعر : \rفما الدنيا بباقاة لحي.. وما حي على الدنيا بباق\rوالقول الثالث : وهو قول الخليل والبصريين : إن أصلها : وورية ، فوعلة ، ثم قلبت الواو الأولى تاء ، وهذا القلب كثير في كلامهم ، نحو : تجاه ، وتراث ، وتخمة ، وتكلان ، ثم قلبت الياء ألفاً لتحركها وانفتاح ما قبلها ، فصارت توراة وكتبت بالياء على أصل الكلمة ، ثم طعنوا في قول الفرّاء ، أما الأول : فقالوا : هذا البناء نادر ، وأما فوعلة فكثير ، نحو : صومعة ، وحوصلة ، ودوسرة والحمل على الأكثر أولى ، وأما الثاني : فلأنه لا يتم إلا بحمل اللفظ على لغة طيىء ، والقرآن ما نزل بها ألبتة.\rالبحث الثالث : في التوراة قراءتان : الإمالة والتفخيم ، فمن فخم فلأن الراء حرف يمنع الإمالة لما فيه من التكرير ، والله أعلم.","part":11,"page":64},{"id":4364,"text":"وأما الإنجيل ففيه أقوال الأول : قال الزجاج : إنه افعيل من النجل ، وهو الأصل ، يقال : لعن الله ناجليه ، أي والديه ، فسمي ذلك الكتاب بهذا الاسم ، لأن الأصل المرجوع إليه في ذلك الدين والثاني : قال قوم : الإنجيل مأخوذ من قول العرب : نجلت الشيء إذا استخرجته وأظهرته ويقال للماء الذي يخرج من البئر : نجل ، ويقال : قد استنجل الوادي ، إذا خرج الماء من النز فسمي الإنجيل إنجيلاً لأنه تعالى أظهر الحق بواسطته والثالث : قال أبو عمرو الشيباني : التناجل التنازع ، فسمي ذلك الكتاب بالإنجيل لأن القوم تنازعوا فيه والرابع : أنه من النجل الذي هو سعة العين ، ومنه طعنة نجلاء ، سمي بذلك لأنه سعة ونور وضياء أخرجه لهم.","part":11,"page":65},{"id":4365,"text":"وأقول : أمر هؤلاء الأدباء عجيب كأنهم أوجبوا في كل لفظ أن يكون مأخوذاً من شيء آخر ، ولو كان كذلك لزم إما التسلسل وإما الدور ، ولما كانا باطلين وجب الاعتراف بأنه لا بد من ألفاظ موضوعة وضعاً أولا : حتى يجعل سائر الألفاظ مشتقة منها ، وإذا كان الأمر كذلك فلم لا يجوز في هذا اللفظ الذي جعلوه مشتقاً من ذلك الآخر أن يكون الأصل هو هذا ، والفرع هو ذاك الآخر ومن الذي أخبرهم بأن هذا فرع وذاك أصل ، وربما كان هذا الذي يجعلونه فرعاً ومشتقاً في غاية الشهرة ، وذاك الذي يجعلونه أصلاً في غاية الخفاء ، وأيضاً فلو كانت التوراة إنما سميت توراة لظهورها ، والإنجيل إنما سمي إنجيلاً لكونه أصلاً وجب في كل ما ظهر أن يسمى بالتوراة فوجب تسمية كل الحوادث بالتوراة ، ووجب في كل ما كان أصلاً لشيء آخر أن يسمى بالإنجيل ، والطين أصل الكوز ، فوجب أن يكون الطين إنجيلاً والذهب أصل الخاتم والغزل أصل الثوب فوجب تسمية هذه الأشياء بالإنجيل ، ومعلوم أنه ليس كذلك ، ثم أنهم عند إيراد هذه الإلزامات عليهم لا بدّ وأن يتمسكوا بالوضع ، ويقولوا : العرب خصصوا هذين اللفظين بهذين الشيئين على سبيل الوضع ، وإذا كان لا يتم المقصود في آخر الأمر إلا بالرجوع إلى وضع اللغة ، فلم لا نتمسك به في أول الأمر ونريح أنفسنا من الخوض في هذه الكلمات ، وأيضاً فالتوراة والإنجيل اسمان أعجميان أحدهما بالعبرية والآخر بالسُّريانية ، فكيف يليق بالعاقل أن يشتغل بتطبيقها على أوزان لغة العرب ، فظهر أن الأولى بالعاقل أن لا يلتفت إلى هذه المباحث ، والله أعلم. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 7 صـ 38 ـ 39}\rوقال ابن عاشور : ","part":11,"page":66},{"id":4366,"text":"والتوراة اسم للكتاب المنزل على موسى عليه السلام. وهو اسم عبراني أصلة طورا بمعنى الهدي ، والظاهر أنه اسم للألواح التي فيها الكلمات العشر التي نزلت على موسى عليه السلام في جبل الطور ؛ لأنها أصل الشريعة التي جاءت في كتب موسى ، فأطلق ذلك الاسم على جميع كتب موسى ، واليهود يقولون \"سفر طورا\" فلما دخل هذا الاسم إلى العربية أدخلوا عليه لام التعريف التي تدخل على الأوصاف والنكرات لتصير أعلاما بالغلبة : مثل العقبة ، ومن أهل اللغة والتفسير من حاولوا توجيها لاشتقاقه اشتقاقا عربيا ، فقالوا : إنه مشتق من الوري وهو الوقد ، بوزن تفعلة أو فوعلة ، وربما أقدمهم على ذلك أمران : أحدهما دخول حرف التعريف عليه ، وهو لا يدخل على الأسماء العجمية ، وأجيب بأن لا مانع من دخولها على المعرب كما قالوا : الإسكندرية ، وهذا جواب غير صحيح ؛ لأن الإسكندرية وزن عربي ؛ إذ هو نسب إلى إسكندر ، فالوجه في الجواب أنه إنما ألزم التعريف لأنه معرب عن اسم بمعنى الوصف اسم علم فلما عربوه ألزموه اللام لذلك.\rالثاني أنها كتبت في المصحف بالياء ، وهذا لم يذكروه في توجيه كونه عربيا ، وسبب كتابته كذلك الإشارة إلى لغة إمالته.\rوأما الإنجيل فاسم للوحي الذي أوحي به إلى عيسى عليه السلام فجمعه أصحابه.","part":11,"page":67},{"id":4367,"text":"وهو اسم معرب قيل من الرومية وأصله \"إثانجيليوم\" أي الخبر الطيب ، فمدلوله مدلول اسم الجنس ، ولذلك أدخلوا عليه كلمة التعريف في اللغة الرومية ، فلما عربه العرب أدخلوا عليه حرف التعريف ، وذكر القرطبي عن الثعلبي أن الإنجيل في السريانية وهي الآرامية أنكليون ولعل الثعلبي اشتبه عليه الرومية بالسريانية ، لأن هذه الكلمة ليست سريانية وإنما لما نطق بها نصارى العراق وظنها سريانية ، أو لعل في العبارة تحريفا وصوابها اليونانية وهو في اليونانية \"أووانيليون\" أي اللفظ الفصيح. وقد حاول بعض أهل اللغة والتفسير جعله مشتقا من النجل وهو الماء الذي يخرج من الأرض ، وذلك تعسف أيضا. وهمزة الإنجيل مكسورة في الأشهر ليجري على وزن الأسماء العربية ؛ لأن إفعيلا موجود بقلة مثل إبزيم. وربما نطق به يفتح الهمزة ، وذلك لا نظير له في العربية. أ هـ {التحرير والتنوير حـ 3 صـ 9 ـ 10}\rمن فوائد الآلوسى فى الآية\rقال رحمه الله : ","part":11,"page":68},{"id":4368,"text":"{نَزَّلَ عَلَيْكَ الكتاب} أي القرآن الجامع للأصول والفروع ولما كان وما يكون إلى يوم القيامة ، وفي التعبير عنه باسم الجنس إيذان بتفوقه على بقية الأفراد في الانطواء على كمالات الجنس كأنه هو الحقيق بأن يطلق عليه اسم الكتاب دون ما عداه كما يلوح إليه التصريح باسم \"التوراة\" و\"الإنجيل\" ، وفي الإتيان بالظرف وتقديمه على المفعول الصريح واختيار ضمير الخطاب ، وإيثار على على إلى ما لا يخفى من تعظيمه صلى الله عليه وسلم والتنويه برفعة شأنه عليه الصلاة والسلام ؛ والجملة إما مستأنفة أو خبر آخر للاسم الجليل أو هي الخبر ، وما قبل كله اعتراض أو حال ، و{الحى القيوم} [ آل عمران : 2 ] صفة أو بدل ، وقرأ الأعمش {نَزَّلَ} بالتخفيف ، ورفع الكتاب والجملة حينئذٍ منقطعة عما قبلها ، وقيل : متعلقة به بتقدير من عنده {بالحق} أي بالصدق في أخباره أو بالعدل كما نص عليه الراغب أو بما يحقق أنه من عند الله تعالى من الحجج القطعية وهو في موضع الحال أي متلبساً بالحق أو محقاً ، وفي \"البحر\" يحتمل أن يكون الباء للسببية أي بسبب إثبات الحق {مُصَدّقاً} حال من الكتاب إثر حال أو بدل من موضع الحال الأول أو حال من الضمير في المجرور وعلى كل حال فهي حال مؤكدة {لّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ} أي الكتب السالفة والظرف مفعول ( مصدقاً ) واللام لتقوية العمل وكيفية تصديقه لما تقدم تقدمت {وَأَنزَلَ} ذكرهما تعييناً ( لما بين يديه ) وتبييناً لرفعة محله بذلك تأكيد لما قبل وتمهيد لما بعد ولم يذكر المنزل عليه فيهما لأن الكلام في الكتابين لا فيمن نزلا عليه والتعبير بأنزل فيهما للإشارة إلى أنه لم يكن لهما إلا نزول واحد وهذا بخلاف القرآن فإن له نزولين ، نزول من اللوح المحفوظ إلى بيت العزة من سماء الدنيا جملة واحدة ، ونزول من ذلك إليه صلى الله عليه وسلم منجماً في ثلاث وعشرين سنة على المشهور ، ولهذا يقال فيه : نزل وأنزل وهذا أولى مما قيل","part":11,"page":69},{"id":4369,"text":" : إن نزل يقتضي التدريج وأنزل يقتضي الإنزال الدفعي إذ يشكل عليه {لَوْلاَ نُزّلَ عَلَيْهِ القرءان جُمْلَةً واحدة} [ الفرقان : 32 ] حيث قرن نزل بكونه جملة ، وقوله تعالى : {وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِى الكتاب} [ النساء : 140 ] وذكر بعض المحققين لهذا المقام أن التدريج ليس هو التكثير بل الفعل شيئاً فشيئاً كما في تسلسل ، والألفاظ لا بد فيها من ذلك فصيغة نزل تدل عليه ، والإنزال مطلق لكنه إذا قامت القرينة يراد بالتدريج التنجيم ، وبالإنزال الذي قد قوبل به خلافه ، أو المطلق بحسب ما يقتضيه المقام. أ هـ {روح المعانى حـ 3 صـ 75 ـ 76}","part":11,"page":70},{"id":4370,"text":"قوله تعالى {مِنْ قَبْلُ هُدًى لِلنَّاسِ وَأَنْزَلَ الْفُرْقَانَ إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآَيَاتِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَاللَّهُ عَزِيزٌ ذُو انْتِقَامٍ (4)}\rمناسبة الآية لما قبلها\rقال البقاعى : \rولما لم يكن إنزالهما مستغرقاً للماضي لأنه لم يكن في أول الزمان أدخل الجار معرياً من التقيد بمن نزلا عليه لشهرته وعدم النزاع بخلاف القرآن {من قبل} أي من قبل هذا الوقت إنزالاً انقضى أمره ومضى زمانه حال كون الكل {هدى} أي بياناً ، ولذا عم فقال : {للناس} وأما في أول البقرة فبمعنى خلق الهداية في القلب ، فلذا خص المتقين ؛ والحاصل أن هذه الآية كالتعليل لآخر البقرة فكأنه قيل : كل آمن بالله لأنه متفرد بالألوهية ، لأنه متفرد بالحياة ، لأنه متفرد بالقيومية ؛ وآمن برسله الذين جاؤوا بكتبه المنزلة بالحق من عنده بواسطة ملائكته.\rولما كانت مادة \" فرق \" للفصل عبر بالإنزال الذي لا يدل على التدريج لما تقدم من إرادة الترجمة بالإجمال والتفصيل على غاية الإيجاز لاقتضاء الإعجاز ، \rوجمع الكتابين في إنزال واحد واستجد لكتابنا إنزالاً تنبيهاً على علو رتبته عنهما بمقدار علو رتبه المتقين الذين هو هدى لهم ، وبتقواهم يكون لهم فرقان على رتبة الناس الذين هما هدى لهم فقال تعالى : {وأنزل الفرقان} أي الكتاب المصاحب للعز الذي يكسب صاحبه قوة التصرف فيما يريد من الفصل والوصل الذي هو وظيفه السادة المرجوع إليهم عند الملمات ، المقترن بالمعجزات الفارقة بين الحق والباطل ، وسترى هذا المعنى إن شاء الله سبحانه وتعالى في سورة الأنفال بأوضح من هذا ؛ فعل ذلك لينفذ قائله أمر الكتاب المقرر فيه الشرع الحق المباين لجميع الملل الباطلة والأهواء المضلة والنحل الفاسدة ، وذلك هو روح النصر على أعداء الله المرشد إلى الدعاء به ختام البقرة.","part":11,"page":71},{"id":4371,"text":"قال الحرالي : فكان الفرقان جامعاً لمنزل ظاهر التوراة ومنزل باطن الإنجيل جمعاً يبدي ما وراء منزلهما بحكم استناده للتقوى التي هي تهيؤ لتنزل الكتاب {إن تتقوا الله يجعل لكم فرقانا} [ الانفال : 29 ] فكان الفرقان أقرب الكتب للكتاب الجامع ، فصار التنزيل في ثلاث رتب : رتبة الكتاب المنزل بالحق الجامع ، ثم رتبة الفرقان المظهر لمحل الجمع بين الظاهر والباطن ، ثم منزل التوراة والإنجيل المختفي فيه موضع ظاهر التوراة بباطن الإنجيل انتهى.\rومناسبة ابتدائها بالتوحيد لما في أثنائها أنه لما خلق عيسى عليه الصلاة والسلام من أنثى فقط وهي أدنى أسباب النماء كان وجوده إشارة إلى أن الزيادة قد انتهت ، وأن الخلق أخذ في النقصان ، وهذا العالم أشرف على الزوال ، \rفلم يأت بعده من قومه نبي بل كان خاتم أنبياء بني إسرائيل ، وكان هذا النبي الذي أتى بعده من غير قومه خاتم الأنبياء مطلقاً ، وكان مبعوثاً مع نفس الساعة ، \rوكان نزوله هو آخر الزمان علماً على الساعة ، \rوصدرت هذه السورة التي نزل كثير منها بسببه بالوحدانية إشارة إلى أن الوارث قد دنا زمان إرثه ، وأن يكون ولا شيء معه كما كان ، وأن الحين الذي يتمحض فيه تفرد الواحد قد حان ، والآن الذي يقول فيه سبحانه له الملك اليوم قد آن ؛ ويوضح ذلك أنه لما كان آدم عليه الصلاه والسلام مخلوقاً من التراب الذي هو أمتن أسباب النماء ، \rوهو غالب على كل ما جاوره ، وكانت الأنثى مخلوقة من آدم الذي هو الذكر وهو أقوى سببي التناسل كان ذلك إشارة إلى كثرة الخلائق ونمائهم وازديادهم ، ","part":11,"page":72},{"id":4372,"text":"فصدر أول سورة ذكر فيها خلقه وابتداء أمره بالكتاب إشارة إلى أن ما يشير إليه ذكره من تكثر الخلائق وانتشار الأمم والطوائف داع إلى إنزال الشرائع وإرسال الرسل بالأحكام والدلائل ، فالمعنى أن آدم عليه الصلاة والسلام لما كان منه الابتداء وعيسى عليه الصلاة والسلام لما كان دليلاً على الانتهاء اقتضت الحكمة أن يكون كل منهما مما كان منه ، وأن تصدر سورة كل بما صدرت به والله سبحانه وتعالى الموفق.\rوقال ابن الزبير ما حاصله : إن اتصالها بسورة البقرة والله سبحانه وتعالى أعلم من جهات : إحداها ما تبين في صدر السورة مما هو إحالة على ما ضمن في سورة البقرة بأسرها ، ثانيها الإشارة في صدر السورة أيضاً إلى أن الصراط المستقيم قد تبين شأنه لمن تقدم في كتبهم ، فإن هذا الكتاب جاء مصدقاً لما نزل نزل عليك الكتاب بالحق مصدقاً لما بين يديه ، فهو بيان لحال الكتاب الذي هو هدى للمتقين ، ولما بين افتراق الأمم بحسب السابقة إلى أصناف ثلاثة ، وذكر من تعنت بني إسرائيل وتوقفهم ما تقدم أخبر سبحانه وتعالى هنا أنه أنزل عليهم التوراة ، وأنزل بعدها الإنجيل ، وأن كل ذلك هدى لمن وفق ، إعلاماً منه سبحانه وتعالى لأمة محمد صلى الله عليه وسلم أن من تقدمهم قد بين لهم {وما كنا معذبين حتى نبعث رسولاً} [ الإسراء : 15 ] ؛ والثالثة قصة عيسى عليه الصلاة والسلام وابتداء أمره من غير أب والاعتبار به نظير الاعتبار بآدم عليه الصلاة والسلام ولهذا أشار قوله سبحانه وتعالى {إن مثل عيسى عند الله كمثل آدم} [ آل عمران : 59 ] انتهى.","part":11,"page":73},{"id":4373,"text":"ولما علم بذلك أمر القيوم سبحانه وتعالى بالحق وهو الإيمان علم أن لمخالفي أمره من أضداد المؤمنين الموصوفين وهم الكفرة المدعو بخذلانهم المنزل الفرقان لمحو أديانهم الويل والثبور ، فاتصل بذلك بقوله : {إن الذين كفروا} أي غطوا ما دلتهم عليه الفطرة الأولى التي فطرهم الله سبحانه وتعالى عليها ، ثم ما بينت لهم الرسل عليهم الصلاة والسلام عنه سبحانه وتعالى من البيان الذي لا لبس معه {بآيات الله} المستجمع لصفات الكمال إقبالاً منهم على ما ليس له أصلاً صفة كمال ، وهذا الكفر كما قال الحرالي دون الكفر بأسماء الله الذي هو دون الكفر بالله ، قال : فكما بدأ خطاب التنزيل من أعلاه نظم به ابتداء الكفر من أدناه انتهى.\r{لهم عذاب شديد} كما تقتضيه صفتا العزة والنقمة ، وفي وصفه بالشدة إيذان بأن من كفر دون هذا الكفر كان له مطلق عذاب.\rقال الحرالي : ففي إشعاره أن لمن داخله كفر ما حط بحسب خفاء ذلك الكفر ، فأفصح الخطاب بالأشد وألاح بالأضعف انتهى.\rوالآية على تقدير سؤال ممن كأنه قال : ماذا يفعل بمن أعرض عن الكتب الموصوفة ؟ أو يقال : إنه لما قال : {وأنزل الفرقان} [ آل عمران : 4 ] أي الفارق بين الحق والباطل من الآيات والأحكام عليك وعلى غيرك من الأنبياء لم يبق لأحد شبهة فقال : وأحسن من ذلك كله أنه سبحانه وتعالى ولما أنزل سورة البقرة على طولها في بيان أن الكتاب هدى للمتقين ، وبين أن أول هذه وحدانيته وحياته وقيوميته الدالة على تمام العلم وشمول القدرة ، فأنتج ذلك صدق ما أخبر به سبحانه وتعالى ، أيد ذلك بالإعلام بأن ذلك الكتاب مع أنه هاد اليه حق ، ودل على ذلك لمصادقته لما قبله من الكتب. أ هـ {نظم الدرر حـ 2 صـ 9 ـ 11}\rفصل\rقال الفخر : \rأما قوله تعالى : {مِن قَبْلُ هُدًى لّلنَّاسِ}.","part":11,"page":74},{"id":4374,"text":"فاعلم أنه تعالى بيّن أنه أنزل التوراة والإنجيل قبل أن أنزل القرآن ، ثم بيّن أنه إنما أنزلهما هدى للناس ، قال الكعبي : هذه الآية دالة على بطلان قول من يزعم أن القرآن عمى على الكافرين وليس بهدى لهم ، ويدل على معنى قوله {وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى} [ فصلت : 44 ] أن عند نزوله اختاروا العمى على وجه المجاز ، كقول نوح عليه السلام {فَلَمْ يَزِدْهُمْ دُعَائِى إِلاَّ فِرَاراً} [ نوح : 6 ] لما فروا عنده.\rواعلم أن قوله {هُدًى لّلنَّاسِ} فيه احتمالان الأول : أن يكون ذلك عائداً إلى التوراة والإنجيل فقط ، وعلى هذا التقدير يكون قد وصف القرآن بأنه حق ، ووصف التوراة والإنجيل بأنهما هدى والوصفان متقاربان.\rفإن قيل : إنه وصف القرآن في أول سورة البقرة بأنه هدىً للمتقين ، فلم لم يصفه ههنا به ؟ .\rقلنا : فيه لطيفة ، وذلك لأنا ذكرنا في سورة البقرة أنه إنما قال : {هُدًى لّلْمُتَّقِينَ} [ البقرة : 2 ] لأنهم هم المنتفعون به ، فصار من الوجه هدىً لهم لا لغيرهم ، أما ههنا فالمناظرة كانت مع النصارى ، وهم لا يهتدون بالقرآن فلا جرم لم يقل ههنا في القرآن إنه هدىً بل قال : إنه حق في نفسه سواء قبلوه أو لم يقبلوه ، وأما التوراة والإنجيل فهم يعتقدون في صحتهما ويدعون بأنا إنما نتقول في ديننا عليهما فلا جرم وصفهما الله تعالى لأجل هذا التأويل بأنهما هدىً ، فهذا ما خطر بالبال والله أعلم.\rالقول الثاني : وهو قول الأكثرين : أنه تعالى وصف الكتب الثلاثة بأنها هدى ، فهذا الوصف عائد إلى كل ما تقدم وغير مخصوص بالتوراة والإنجيل ، والله أعلم بمراده. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 7 صـ 139 ـ 140}\rوقال الآلوسى : ","part":11,"page":75},{"id":4375,"text":"{مِن قَبْلُ} متعلق بأنزل أي أنزلهما من قبل تنزيل الكتاب ، وقيل : من قبلك والتصريح به مع ظهور الأمر للمبالغة في البيان كذا قالوا برمتهم ، وأنا أقول التصريح به للرمز إلى أن إنزالهما متضمن للإرهاص لبعثته صلى الله عليه وسلم حيث قيد الإنزال المقيد بمن قبل بقوله سبحانه : {هُدًى لّلنَّاسِ} أي أنزلهما كذلك لأجل هداية الناس الذين أنزلا عليهم إلى الحق الذي من جملته الإيمان به صلى الله عليه وسلم واتباعه حيث يبعث لما اشتملتا عليه من البشارة به والحث على طاعته عليه الصلاة والسلام والهداية بهما بعد نسخ أحكامهما بالقرآن إنما هي من هذا الوجه لا غير ، والقول بأنه يهتدى بهما أيضاً فيما عدا الشرائع المنسوخة من الأمور التي يصدقها القرآن ليس بشيء لأن الهداية إذ ذاك بالقرآن المصدق لا بهما كما لا يخفى على المنصف ، ويجوز أن ينتصب ( هدى ) على أنه حال منهما والإفراد لما أنه مصدر جعلا نفس الهدى مبالغة أو حذف منه المضاف أي ذوي هدى ، وجعله حالاً من {الكتاب} [ آل عمران : 3 ] مما لا ينبغي أن يرتكب معه. أ هـ {روح المعانى حـ 3 صـ 77}\rفائدة\rقال ابن عاشور : \rوتقديم {مِنْ قَبْلُ} على {هُدىً لِلنَّاسِ} للاهتمام به. وأما ذكر هذا القيد فلكي لا يتوهم أن هدى التوراة والإنجيل مستمر بعد نزول القرآن. وفيه إشارة إلى أنها كالمقدمات لنزول القرآن ، الذي هو تمام مراد الله من البشر {إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإسْلامُ} [آل عمران : 19] فالهدى الذي سبقه غير تام.","part":11,"page":76},{"id":4376,"text":"و {لِلنَّاسِ} تعريفه إما للعهد : وهم الناس الذين خوطبوا بالكتابين ، وإما للاستغراق العرفي : فإنهما وإن خوطب بهما ناس معروفون ، فإن ما اشتملا عليه يهتدي به كل من أراد أن يهتدي ، وقد تهود وتنصر كثير ممن لم تشملهم دعوة موسى عليه وعيسى عليهما السلام ، ولا يدخل في العموم الناس الذين دعاهم محمد صلى الله عليه وسلم : لأن القرآن أبطل أحكام الكتابين ، وأما كون شرع من قبلنا شرعا لنا عند معظم أهل الأصول ، فذلك فيما حكاه عنهم القرآن لا ما يوجد في الكتابين ، فلا يستقيم اعتبار الاستغراق بهذا الاعتبار بل بما ذكرناه. أ هـ {التحرير والتنوير حـ 3 صـ 10 ـ 11}\rقوله تعالى : {وَأَنزَلَ الفرقان}\rقال ابن عاشور : \rوالفرقان في الأصل مصدر فرق كالشكران والكفران والبهتان ، ثم أطلق عليه ما يفرق به بين الحق والباطل قال تعالى {وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَى عَبْدِنَا يَوْمَ الْفُرْقَانِ} [الفرقان : 41] وهو يوم بدر. وسمي به القرآن قال تعالى {تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ} [الفرقان : 1] والمراد بالفرقان هنا القرآن ؛ لأنه يفرق بين الحق والباطل ، وفي وصفه بذلك تفضيل لهديه على هدي التوراة والإنجيل ، لأن التفرقة بين الحق والباطل أعظم أحوال الهدي ، لما فيها من البرهان ، وإزالة الشبهة. وإعادة قوله {وَأَنْزَلَ الْفُرْقَانَ} بعد قوله {نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ} للاهتمام ، وليوصل الكلام به في قوله : {إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بآيَاتِ اللَّهِ} [آل عمران : 4] الآية أي بآياته في القرآن. أ هـ {التحرير والتنوير حـ 3 صـ 11}\rوقال الفخر : \rولجمهور المفسرين فيه أقوال","part":11,"page":77},{"id":4377,"text":"الأول : أن المراد هو الزبور ، كما قال : {وَءَاتَيْنَا دَاوُودُ زَبُوراً} [ النساء : 163 ] والثاني : أن المراد هو القرآن ، وإنما أعاده تعظيماً لشأنه ومدحاً بكونه فارقاً بين الحق والباطل أو يقال : إنه تعالى أعاد ذكره ليبين أنه أنزله بعد التوراة والإنجيل ليجعله فرقاً بين ما اختلف فيه اليهود والنصارى من الحق والباطل ، وعلى هذا التقدير فلا تكرار.","part":11,"page":78},{"id":4378,"text":"والقول الثالث : وهو قول الأكثرين : أن المراد أنه تعالى كما جعل الكتب الثلاثة هدى ودلالة ، فقد جعلها فارقة بين الحلال والحرام وسائر الشرائع ، فصار هذا الكلام دالاً على أن الله تعالى بيّن بهذه الكتب ما يلزم عقلاً وسمعاً ، هذا جملة ما قاله أهل التفسير في هذه الآية وهي عندي مشكلة أما حمله على الزبور فهو بعيد ، لأن الزبور ليس فيه شيء من الشرائع والأحكام ، بل ليس فيه إلا المواعظ ، ووصف التوراة والإنجيل مع اشتمالهما على الدلائل ، وبيان الأحكام بالفرقان أولى من وصف الزبور بذلك ، وأما القول الثاني : وهو حمله على القرآن فبعيد من حيث إن قوله {وَأَنزَلَ الفرقان} عطف على ما قبله ، والمعطوف مغاير للمعطوف عليه والقرآن مذكور قبل هذا فهذا يقتضي أن يكون هذا الفرقان مغايراً للقرآن ، وبهذا الوجه يظهر ضعف القول الثالث ، لأن كون هذه الكتب فارقة بين الحق والباطل صفة لهذه الكتب وعطف الصفة على الموصوف وإن كان قد ورد في بعض الأشعار النادرة إلا أنه ضعيف بعيد عن وجه الفصاحة اللائقة بكلام الله تعالى ، والمختار عندي في تفسير هذه الآية وجه رابع ، وهو أن المراد من هذا الفرقان المعجزات التي قرنها الله تعالى بإنزال هذه الكتب ، وذلك لأنهم لما أتوا بهذه الكتب وادعوا أنها كتب نازلة عليهم من عند الله تعالى افتقروا في إثبات هذه الدعوى إلى دليل حتى يحصل الفرق بين دعواهم وبين دعوى الكذابين ، فلما أظهر الله تعالى على وفق دعواهم تلك المعجزات حصلت المفارقة بين دعوى الصادق وبين دعوى الكاذب ، فالمعجزة هي الفرقان ، فلما ذكر الله تعالى أنه أنزل الكتاب بالحق ، وأنه أنزل التوراة والإنجيل من قبل ذلك ، بين أنه تعالى أنزل معها ما هو الفرقان الحق ، وهو المعجز القاهر الذي يدل على صحتها ، ويفيد الفرق بينها وبين سائر الكتب المختلفة ، فهذا هو ما عندي في تفسير هذه الآية ، وهب أن أحداً من المفسرين ما ذكره إلا أن حمل كلام الله تعالى","part":11,"page":79},{"id":4379,"text":"عليه يفيد قوة المعنى ، وجزالة اللفظ ، واستقامة الترتيب والنظم ، والوجوه التي ذكروها تنافي كل ذلك ، فكان ما ذكرناه أولى والله أعلم بمراده. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 7 صـ 140}\rوقال الطبرى : \rوالتأويل الذي ذكرناه عن محمد بن جعفر بن الزبير في ذلك ، أولى بالصحة من التأويل الذي ذكرناه عن قتادة والربيع وأن يكون معنى\"الفرقان\" في هذا الموضع : فصل الله بين نبيه محمد صلى الله عليه وسلم والذين حاجُّوه في أمر عيسى ، وفي غير ذلك من أموره ، بالحجة البالغة القاطعة عذرَهم وعذرَ نُظرائهم من أهل الكفر بالله.\rوإنما قلنا هذا القول أولى بالصواب ، لأن إخبارَ الله عن تنزيله القرآنَ - قبل إخباره عن تنزيله التوراة والإنجيل في هذه الآية - قد مضى بقوله : \"نزل عليك الكتاب بالحقّ مصدّقًا لما بين يديه\". ولا شك أن ذلك\"الكتاب\" ، هو القرآن لا غيره ، فلا وجه لتكريره مرة أخرى ، إذ لا فائدة في تكريره ، ليست في ذكره إياه وخبره عنه ابتداءً. أ هـ {تفسير الطبرى حـ 6 صـ 164}\rوقال أبو السعود : ","part":11,"page":80},{"id":4380,"text":"{وَأَنزَلَ الفرقان} الفرقانُ في الأصل مصدرٌ كالغفران أُطلق على الفاعل مبالغة والمرادُ به هاهنا إما جنسُ الكتبِ الإلهية عُبِّر عنها بوصف شامل لما ذُكر منها وما لم يُذكر على طريق التتميم بالتعميم إثرَ تخصيصِ بعضِ مشاهيرها بالذكر كما في قوله عز وجل : {فَأَنبَتْنَا فِيهَا حَبّاً وَعِنَباً} إلى قوله تعالى : {وفاكهة} وإما نفسُ الكتبِ المذكورة أعيد ذكرها بوصف خاص لم يُذكر فما سبق ، على طريقة العطفِ بتكرير لفظِ الإنزال تنزيلاً للتغايُر الوصفي منزلةَ التغايُر الذاتي كما في قوله سبحانه : {وَلَمَّا جَاء أَمْرُنَا نَجَّيْنَا هُودًا والذين ءامَنُواْ مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مّنَّا وَنَجَّيْنَاهُمْ مّنْ عَذَابٍ غَلِيظٍ} وأما الزبورُ فإنه مشتمِلٌ على المواعظ الفارقة بين الحقِّ والباطِلِ الداعية إلى الخير والرشاد الزاجرةِ عن الشر والفساد ، وتقديمُ الإنجيل عليه مع تأخره عنه نزولاً لقوة مناسبته للتوراة في الاشتمال على الأحكام والشرائع وشيوعِ اقرانِهما في الذكر وأما القُرآنُ نفسُه فذُكر بنعت مادحٍ له بعد ما ذكر باسم الجنس تعظيماً لشأنه ورفعاً لمكانه وقد بُين أولاً تنزيلُه التدريجيُّ إلى الأرض وثانياً إنزالُه الدفعيّ إلى السماء الدنيا أو أريد بالإنزال القدْرُ المشترك العاري عن قيد التدريج وعدمِه ، وإما المعجزاتُ المقرونةُ بإنزال الكتبِ المذكورة الفارقة بين المُحقِّ والمُبْطل. أ هـ {تفسير أبى السعود حـ 2 صـ 5}\rوقال الآلوسى : ","part":11,"page":81},{"id":4381,"text":"{وَأَنزَلَ الفرقان} أخرج عبد بن حميد عن قتادة أنه القرآن فرق به بين الحق والباطل فأحل فيه حلاله وحرم حرامه وشرع شرائعه وحد حدوده وفرائضه وبين بيانه وأمر بطاعته ونهى عن معصيته ، وذكر بهذا العنوان بعد ذكره باسم الجنس تعظيماً لشأنه ورفعاً لمكانه ، وأخرج ابن جرير عن محمد بن جعفر بن الزبير أنه الفاصل بين الحق والباطل فيما اختلف فيه الأحزاب من أمر عيسى عليه السلام وغيره ، وأيد هذا بأن صدر السورة كما قدمنا نزلت في محاجة النصارى للنبي صلى الله عليه وسلم في أمر أخيه عيسى عليه السلام وعليه يكون المراد بالفرقان بعض القرآن ولم يكتف باندراجه في ضمن الكل اعتناءاً به ، ومثل هذا القول ما روي عن أبي عبد الله رضي الله تعالى عنه أن المراد به كل آية محكمة ، وقيل : المراد به جنس الكتب الإلهية عبر عنها بوصف شامل لما ذكر منها وما لم يذكر على طريق التتميم بالتعميم إثر تخصيص بعض مشاهيرها بالذكر ، وقيل : نفس الكتب المذكورة أعيد ذكرها بوصف خاص لم يذكر فيما سبق على طريق العطف بتكرير لفظ الإنزال تنزيلاً للتغاير الوصفي منزلة التغاير الذاتي ، وقيل : المراد به الزبور وتقديم الإنجيل عليه مع تأخره عنه نزولاً لقوة مناسبته للتوراة في الاشتمال على الأحكام وشيوع اقترانهما في الذكر ، واعترض بأن الزبور مواعظ فليس فيه ما يفرق بين الحق والباطل من الأحكام ، وأجيب بأن المواعظ لما فيها من الزجر والترغيب فارقة أيضاً ولخفاء الفرق فيها خصت بالتوصيف به ، وأورد عليه بأن ذكر الوصف دون الموصوف يقتضي شهرته به حتى يغني عن ذكر موصوفه والخفاء إنما يقتضي إثبات الوصف دون التعبير به ، وقيل : المراد به المعجزات المقرونة بإنزال الكتب المذكورة الفارقة بين المحق والمبطل ، وعلى أي تقدير كان فهو مصدر في الأصل كالغفران أطلق على الفاعل مبالغة. أ هـ {روح المعانى حـ 3 صـ 77}","part":11,"page":82},{"id":4382,"text":"وقال ابن عطية : \rوقال بعض المفسرين ، {الفرقان} هنا كل أمر فرق بين الحق والباطل ، فيما قدم وحدث ، فيدخل في هذا التأويل طوفان نوح ، وفرق البحر لغرق فرعون ، ويوم بدر ، وسائر أفعال الله تعالى المفرقة بين الحق والباطل ، فكأنه تعالى ذكر الكتاب العزيز ، ثم التوراة والإنجيل ، ثم كل أفعاله ومخلوقاته التي فرقت بين الحق والباطل ، كما فعلت هذه الكتب. أ هـ {المحرر الوجيز حـ 1 صـ 399}\rلطيفة\rقال القشيرى : \r{وَأَنْزَلَ التَّوْرَاةَ وَالإِنجِيلَ مِن قَبْلُ هُدًى للنَّاسِ وَأَنزَلَ الفُرْقَانَ}.\rأي إنا أنزلنا قبلك كُتُبَنَا على المرسلين فما أخْلَيْنَا كتابًا من ذِكْرِكْ ، قال قائلهم : \rوعندي لأحبابنا الغائبين... صحائفُ ذِكرُك عنوانُها\rوكما أتممنا بك أنوار الأنبياء زيَّنا بذكرك جميع ما أنزلنا من الأذكار. أ هـ {لطائف الإشارات حـ 1 صـ 219}","part":11,"page":83},{"id":4383,"text":"قوله تعالى {إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآَيَاتِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَاللَّهُ عَزِيزٌ ذُو انْتِقَامٍ (4)}\rمناسبة الآية لما قبلها\rقال البقاعى : \rولما ختم أوصافه بأنه فرقان لا يدع لبساً ولا شبهة أنتج ذلك قطعاً أن الذين قدم أول تلك أنهم أصروا على الكفر به خاسرون ، فأخبر سبحانه وتعالى بما أعد لهم من العذاب فقال : {إن الذين} مؤكداً مظهراً لما كان من حقه الإضمار ، لولا إرادة تعليق الحكم بالوصف وهو الكفر أي الستر لما تفضل عليهم به من الآيات ؛ ثم قرر قدرته على ما هدد به وعبر به فقال : عاطفاً على ما أرشد السياق مع العطف على غير مذكور إلى أنه : فالله سبحانه وتعالى عالم بما له من القيومية بجميع أحوالهم : {والله} أي الملك العظيم مع كونه رقيباً {عزيز} لا يغلبه شيء وهو يغلب كل شيء {ذو انتقام} أي تسلط وبطش شديد بسطوة.\rقال الحرالي : فأظهر وصف العزة موصولاً بما أدام من انتقامه بما يعرب عنه كلمة ذو المفصحة بمعنى صحبة ودوام ، فكأن في إشعاره دواماً لهذا الانتقام بدوام أمر الكتاب الجامع المقابل علوه لدنو هذا الكفر ، وكان في طي إشعار الانتقام أحد قسمي إقامة اليومية في طرفي النقمة والرحمة ، فتقابل هذان الخطابان إفصاحاً وإفهاماً من حيث ذكر تفصيل الكتب إفصاحاً فافهم متنزل الفتنة في الابتداء إلاحة ، فإنه كما أنزل الكتب هدى أنزل متشابهها فتنة ، فتعادل الإفصاحان والإلاحتان ، وتم بذلك أمر الدين في هذه السورة انتهى.\rوما أحسن إطلاق العذاب بعد ذكر الفرقان ليشمل الكون في الدنيا نصرة للمؤمنين استجابة لدعائهم ، وفي الآخرة تصديقاً لقولهم وزيادة في سرورهم ونعيمهم ، وتهديداً لمن تُرك كثير من هذه السورة بسببهم وهم وفد نصارى نجران.","part":11,"page":84},{"id":4384,"text":"يجادلون النبي في أمر عيسى عليه الصلاة والسلام ، فتارة يقولون : هو الله ، وتارة يقولون : هو ابن الله ، وتارة يقولون ، هو ثالث ثلاثة ، وكان بعضهم عالماً بالحق في أمر عيسى عليه الصلاة والسلام وبأن أحمد الذي بشر به هو هذا النبي العربي فقال له بعض أقاربه : فلم لا تتبعه وأنت تعلم أن عيسى أمر باتباعه ؟ فقال له : لو اتبهناه لسلبنا ملك الروم جميع ما ترى من النعمة ، وكان ملوك الروم قد أحبوهم لاجتهادهم في دينهم وعظموهم وسودوهم وخولوهم في النعم حتى عظمت رئاستهم وكثرت أموالهم على ما بين في السيرة الهشامية وغيرها ، واستمر سبحانه وتعالى يؤكد استجابته لدعاء أوليائه بالنصرة آخر البقرة في نحو قوله : \r{إن الذين كفروا لن تغني عنهم أموالهم} [ آل عمران : 10 ] {قل للذين كفروا ستغلبون} [ آل عمران : 12 ] إلى أن ختم السورة بشرط الاستجابة فقال : {اصبروا وصابروا} [ آل عمران : 200 ] ، ثم قال توضيحاً لما قدم في آية الكرسي من إثبات العلم ، واستدلالاً على وصفه سبحانه وتعالى بالقيومية التي فارق بها كل من يدعي فيه الإلهية مشيراً بذلك إلى الرد على من جادل في عيسى عليه الصلاة والسلام فأطراه بدعواه أنه إله ، وموضحاً لأن كتبه هدى وأنه عالم بالمطيع والعاصي بما تقدم أنه أرشد العطف في {والله عزيز} لى تقديره ، ومعللاً لوصفه بالعزة والقدرة لما يأتي في سورة طه من أن تمام العلم يستلزم شمول القدرة. أ هـ {نظم الدرر حـ 2 صـ 11 ـ 12}\rوقال أبو حيان : \rلما قرر تعالى أمر الإلهية ، وأمر النبوّة بذكر الكتب المنزلة ، توعد من كفر بآيات الله من كتبه المنزلة ، وغيرها ، بالعذاب الشديد من عذاب الدنيا ، كالقتل ، والأسر ، والغلبة ، وعذاب الآخرة : كالنار. أ هـ {البحر المحيط حـ 2 صـ 394}\rقال الفخر : ","part":11,"page":85},{"id":4385,"text":"اعلم أنه سبحانه وتعالى لما قرر في هذه الألفاظ القليلة جميع ما يتعلق بمعرفة الإله ، وجميع ما يتعلق بتقرير النبوّة أتبع ذلك بالوعيد زجراً للمعرضين عن هذه الدلائل الباهرة فقال : \r{إِنَّ الذين كَفَرُواْ بأيات الله لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ والله عَزِيزٌ ذُو انتقام}.\rواعلم أن بعض المفسرين خصص ذلك بالنصارى ، فقصر اللفظ العام على سبب نزوله ، والمحققون من المفسرين قالوا : خصوص السبب لا يمنع عموم اللفظ ، فهو يتناول كل من أعرض عن دلائل الله تعالى. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 7 صـ 140 ـ 141}\rوقال ابن عاشور : \rقوله تعالى {إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بآيَاتِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ}\rاستئناف بياني ممهد إليه بقوله {نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ} لأن نفس السامع تتطلع إلى معرفة عاقبة الذين أنكروا هذا التنزيل.\rوشمل قوله {الَّذِينَ كَفَرُوا بآيَاتِ اللَّهِ} المشركين واليهود والنصارى في مرتبة واحدة ، لأن جميعهم اشتركوا في الكفر بالقرآن ، وهو المراد بآيات الله هنا لأنه الكتاب الوحيد الذي يصح أن يوصف بأنه آية من آيات الله ؛ لأنه معجزة. وعبر عنهم بالوصول إيجازا ؛ لأن الصلة تجمعهم ، والإيماء إلى وجه بناء الخبر وهو قوله {لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ}. أ هـ {التحرير والتنوير حـ 3 صـ 11}\rوقال الآلوسى : ","part":11,"page":86},{"id":4386,"text":"{إِنَّ الذين كَفَرُواْ بأيات الله} يحتمل أن تكون الإضافة للعهد إشارة إلى ما تقدم من آيات الكتب المنزلة ، ويحتمل أن تكون للجنس فتصدق الآيات على ما يتحقق في ضمن ما تقدم وعلى غيره كالمعجزات وأضافها إلى الاسم الجليل تعييناً لحيثية كفرهم وتهويلاً لأمرهم وتأكيداً لاستحقاقهم العذاب ، والمراد بالموصول إما من تقدم في سبب النزول أو أهل الكتابين أو جنس الكفرة وعلى التقديرين يدخل أولئك فيه دخولاً أولياً {لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ} ابتداء وخبر في موضع خبر إن ويجوز أن يرتفع العذاب بالظرف والتنكير للتفخيم ففيه إشارة إلى أنه لا يقدر قدره وهو مناط الحصر المستفاد من تقديم الظرف والتعليق بالموصول الذي هو في حكم المشتق يشعر بالعلية وهو معنى تضمنه الشرط وترك فيه الفاء لظهوره فهو أبلغ إذا اقتضاه المقام. أ هـ {روح المعانى حـ 3 صـ 78}\rقوله تعالى : {والله عَزِيزٌ ذُو انتقام}\rقال الفخر : \rالعزيز الغالب الذي لا يغلب والانتقام العقوبة ، يقال انتقم منه انتقاماً أي عاقبه ، وقال الليث يقال : لم أرض عنه حتى نقمت منه وانتقمت إذا كافأه عقوب بما صنع ، والعزيز إشار إلى القدرة التامة على العقاب ، وذو الانتقام إشارة إلى كونه فاعلاً للعقاب ، فالأول : صفة الذات ، والثاني : صفة الفعل ، والله أعلم. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 7 صـ 141}\rوقال البيضاوى : \r{والله عَزِيزٌ} غالب لا يمنع من التعذيب. {ذُو انتقام} لا يقدر على مثله منتقم ، والنقمة عقوبة المجرم والفعل منه نقم بالفتح والكسر ، وهو وعيد جيء به بعد تقرير التوحيد والإِشارة إلى ما هو العمدة في إثبات النبوة تعظيماً للأمر ، وزجراً عن الإِعراض عنه. أ هـ {تفسير البيضاوى حـ 2 صـ 5}\rوقال الآلوسى : ","part":11,"page":87},{"id":4387,"text":"{والله عَزِيزٌ} أي غالب على أمره يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد {ذُو انتقام} افتعال من النقمة وهي السطوة والتسلط يقال : انتقم منه إذا عاقبه بجنايته ، ومجرده نقم بالفتح والكسر وجعله بعضهم بمعنى كره لا غير والتنوين للتفخيم ، واختار هذا التركيب على منتقم مع اختصاره لأنه أبلغ منه إذ لا يقال صاحب سيف إلا لمن يكثر القتل لا لمن معه السيف مطلقاً ، والجملة اعتراض تذييلي مقرر للوعيد مؤكد له. أ هـ {روح المعانى حـ 3 صـ 78}\rوقال أبو حيان : \r{والله عزيز ذو انتقام} أي : ممتنع أو غالب لا يغلب ، أو منتصر ذو عقوبة ، وقد تقدّم أن الوصف : بذو ، أبلغ من الوصف بصاحب ، ولذلك لم يجيء في صفات الله صاحب ، وأشار بالعزة إلى القدرة التامة التي هي من صفات الذات ، وأشار بذي انتقام ، إلى كونه فاعلاً للعقاب ، وهي من صفات الفعل.\rقال الزمخشري : {ذو انتقام} له انتقام شديد لا يقدر على مثله منتقم. انتهى.\rولا يدل على هذا الوصف لفظ : ذو انتقام ، إنما يدل على ذلك من خارج اللفظ. أ هـ {البحر المحيط حـ 2 صـ 394 ـ 395}","part":11,"page":88},{"id":4388,"text":"قوله تعالى {إِنَّ اللَّهَ لَا يَخْفَى عَلَيْهِ شَيْءٌ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ (5) هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكُمْ فِي الْأَرْحَامِ كَيْفَ يَشَاءُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (6)}\rقال البقاعى : \r{إن الله} بما له من صفات الكمال التي منها القيومية {لا يخفى عليه شيء} وإن دق ، ولما كان تقريب المعلومات بالمحسوسات أقيد في التعليم والبعد عن الخفاء قال وإن كان علمه سبحانه وتعالى لا يتقيد بشيء : {في الأرض ولا في السماء} أي ولا هم يقدرون على أن يدعوا في عيسى عليه الصلاة والسلام مثل هذا العلم ، بل في إنجيلهم الذي بين أظهرهم الآن في حدود السبعين والثمانمائة التصريح بأنه يخفى عليه بعض الأمور ، قال في ترجمة إنجيل مرقس في قصة التي كانت بها نزف الدم : إنها أتت من ورائه فأمسكت ثوبه فبرأت فعلم القوة التي خرجت منه ، فالتفت إلى الجمع وقال : من مس ثوبي ؟ فقال له تلاميذه : ما ندري ، الجمع يزحمك ، ويقول : من اقترب ؟ فجاءت وقالت له الحق ، فقال : يا ابنة! إيمانك خلصك ؛ وهو في إنجيل لوقا بمعناه ولفظه : فجاءت من ورائه وأمسكت طرف ثوبه ، فوقف جري دمها الذي كان يسيل منها ، فقال يسوع من لمسني ؟ فأنكر جميعهم ، فقال بطرس والذي معه : يا معلم الخير! الجميع يزحمك ويضيق عليك ويقول : من الذي لمسني من قرب مني ؟ قد علمت أن قوة خرجت مني إلى آخره.\rوقال ابن زبير : ثم أشار قوله تعالى : {إن الله لا يخفى عليه شيء} إلى ما تقدم أي في البقرة من تفصيل أخبارهم.\rفكان الكلام في قوة أن لو قيل : أيخفي عليه مرتكبات العباد! وهو مصورهم في الأرحام والمطلع عليهم حيث لا يطلع عليهم غيره انتهى. أ هـ {نظم الدرر حـ 2 صـ 12 ـ 13}\rقال القرطبى : \rهذا خبر عن علمه تعالى بالأشياء على التفصيل ؛ ومثله في القرآن كثير.","part":11,"page":89},{"id":4389,"text":"فهو العالم بما كان وما يكون وما لا يكون ؛ فكيف يكون عيسى إلهاً أو ابن إله وهو تَخْفى عليه الأشياء!. أ هـ {تفسير القرطبى حـ 4 صـ 7}\rوقال الآلوسى : \rقوله تعالى {إِنَّ اللَّهَ لَا يَخْفَى عَلَيْهِ شَيْءٌ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ}\rاستئناف لبيان سعة علمه سبحانه وإحاطته بجميع ما في العالم الذي من جملته إيمان من آمن وكفر من كفر إثر بيان كمال قدرته وعظيم عزته وفي بيان ذلك تربية للوعيد وإشارة إلى دليل كونه حياً وتنبيه على أن الوقوف على بعض المغيبات كما وقع لعيسى عليه السلام بمعزل من بلوغ رتبة الصفات الإلهية ، والمراد من الأرض والسماء العالم بأسره ، وجعله الكثير مجازاً من إطلاق الجزء وإرادة الكل ، ومن قال : إنه لا يصح في ( كل ) كل وجزء بناءاً على اشتراط التركيب الحقيقي وزوال ذلك الكل بزوال ذلك الجزء جعل المذكور كناية لا مجازاً ، وتقديم الأرض على السماء إظهاراً للاعتناء بشأن أحوال أهلها واهتماماً بما يشير إلى وعيد ذوي الضلالة منهم وليكون ذكر السماء بعد من باب العروج قيل : ولذا وسط حرف النفي بينهما ، والجملة المنفية خبر لأن ، وتكرير الإسناد لتقوية الحكم وكلمة في متعلقة بمحذوف وقع صفة لشيء مؤكدة لعمومه المستفاد من وقوعه في سياق النفي أي لا يخفى عليه شيء مّا كائن في العالم بأسره كيفما كانت الظرفية ، والتعبير بعدم الخفاء أبلغ من التعبير بالعلم. أ هـ {روح المعانى حـ 3 صـ 78}\rفصل\rقال الفخر : \rاعلم أن هذا الكلام يحتمل وجهين : ","part":11,"page":90},{"id":4390,"text":"الاحتمال الأول : أنه تعالى لما ذكر أنه قيوم ، والقيوم هو القائم بإصلاح مصالح الخلق ومهماتهم ، وكونه كذلك لا يتم إلا بمجموع أمرين أحدهما : أن يكون عالماً بحاجاتهم على جميع وجوه الكمية والكيفية والثاني : أن يكون بحيث متى علم جهات حاجاتهم قدر على دفعها ، والأول : لا يتم إلا إذا كان عالماً بجميع المعلومات ، والثاني : لا يتم إلا إذا كان قادراً على جميع الممكنات ، فقوله {إِنَّ الله لاَ يخفى عَلَيْهِ شَىْء فِي الأرض وَلاَ فِى السماء} إشارة إلى كمال علمه المتعلق بجميع المعلومات ، فحينئذ يكون عالماً لا محالة مقادير الحاجات ومراتب الضرورات ، لا يشغله سؤال عن سؤال ، ولا يشتبه الأمر عليه بسبب كثرة أسئلة السائلين ثم قوله {هُوَ الذي يُصَوّرُكُمْ فِي الأرحام كَيْفَ يَشَاء} إشارة إلى كونه تعالى قادراً على جميع الممكنات ، وحينئذ يكون قادراً على تحصيل مصالح جميع الخلق ومنافعهم ، وعند حصول هذين الأمرين يظهر كونه قائماً بالقسط قيوماً بجميع الممكنات والكائنات ، ثم فيه لطيفة أخرى ، وهي أن قوله {إِنَّ الله لاَ يخفى عَلَيْهِ شَىْء فِي الأرض وَلاَ فِى السماء} كما ذكرناه إشارة إلى كمال علمه سبحانه ، والطريق إلى إثبات كونه تعالى عالماً لا يجوز أن يكون هو السمع ، لأن معرفة صحة السمع موقوفة على العلم بكونه تعالى عالماً بجميع المعلومات ، بل الطريق إليه ليس إلا الدليل العقلي ، وذلك هو أن نقول : إن أفعال الله تعالى محكمة متقنة ، والفعل المحكم المتقن يدل على كون فاعله عالماً ، فلما كان دليل كونه تعالى عالماً هو ما ذكرنا ، فحين ادعى كونه عالماً بكل المعلومات بقوله {إِنَّ الله لاَ يخفى عَلَيْهِ شَىْء فِي الأرض وَلاَ فِى السماء} أتبعه بالدليل العقلي الدال على ذلك ، وهو أنه هو الذي صور في ظلمات الأرحام هذه البنية العجيبة ، والتركيب الغريب ، وركبه من أعضاء مختلفة في الشكل والطبع والصفة ، فبعضها عظام ، وبعضها","part":11,"page":91},{"id":4391,"text":"غضاريف ، وبعضها شرايين ، وبعضها أوردة ، وبعضها عضلات ، ثم إنه ضم بعضها إلى بعض على التركيب الأحسن ، والتأليف الأكمل ، وذلك يدل على كمال قدرته حيث قدر أن يخلق من قطرة من النطفة هذه الأعضاء المختلفة في الطبائع والشكل واللون ، ويدل على كونه عالماً من حيث إن الفعل المحكم لا يصدر إلا عن العالم ، فكان قوله {هُوَ الذي يُصَوّرُكُمْ فِي الأرحام كَيْفَ يَشَاء} دالاً على كونه قادراً على كل الممكنات ، ودالاً على صحة ما تقدم من قوله {إِنَّ الله لاَ يخفى عَلَيْهِ شَىْء فِي الأرض وَلاَ فِى السماء} وإذا ثبت أنه تعالى عالم بجميع المعلومات ، وقادر على كل الممكنات ، ثبت أنه قيوم المحدثات والممكنات ، فظهر أن هذا كالتقرير لما ذكره تعالى أولاً من أنه هو الحي القيوم ، ومن تأمل في هذه اللطائف علم أنه لا يعقل كلام أكثر فائدة ، ولا أحسن ترتيباً ، ولا أكثر تأثيراً في القلوب من هذه الكلمات.\rوالاحتمال الثاني : أن تنزل هذه الآيات على سبب نزولها ، وذلك لأن النصارى ادعوا إلهية عيسى عليه السلام ، وعولوا في ذلك على نوعين من الشبه ، أحد النوعين شبه مستخرجة من مقدمات مشاهدة ، والنوع الثاني : شبه مستخرجة من مقدمات إلزامية.\rأما النوع الأول من الشبه : فاعتمادهم في ذلك على أمرين أحدهما : يتعلق بالعلم والثاني : يتعلق بالقدرة.\rأما ما يتعلق بالعلم فهو أن عيسى عليه السلام كان يخبر عن الغيوب ، وكان يقول لهذا : أنت أكلت في دارك كذا ، ويقول لذاك : إنك صنعت في دارك كذا ، فهذا النوع من شبه النصارى يتعلق بالعلم.","part":11,"page":92},{"id":4392,"text":"وأما الأمر الثاني من شبههم ، فهو متعلق بالقدرة ، وهو أن عيسى عليه السلام كان يحيي الموتى ، ويبرىء الأكمه والأبرص ، ويخلق من الطين كهيئة الطير فينفخ فيه فيكون طيراً بإذن الله ، وهذا النوع من شبه النصارى يتعلق بالقدرة ، وليس للنصارى شبه في المسألة سوى هذين النوعين ، ثم إنه تعالى لما استدل على بطلان قولهم في إلهية عيسى وفي التثليث بقوله {الحى القيوم} [ آل عمران : 2 ] يعني الإله يجب أن يكون حياً قيوماً ، وعيسى ما كان حياً قيوماً ، لزم القطع إنه ما كان إلها ، فأتبعه بهذه الآية ليقرر فيها ما يكون جواباً عن هاتين الشبهتين : ","part":11,"page":93},{"id":4393,"text":"أما الشبهة الأولى : وهي المتعلقة بالعلم ، وهي قولهم : إنه أخبر عن الغيوب فوجب أن يكون إلها ، فأجاب الله تعالى عنه بقوله {إِنَّ الله لاَ يخفى عَلَيْهِ شَىْء فِي الأرض وَلاَ فِى السماء} وتقرير الجواب أنه لا يلزم من كونه عالماً ببعض المغيبات أن يكون إلها لاحتمال أنه إنما علم ذلك بوحي من الله إليه ، وتعليم الله تعالى له ذلك ، لكن عدم إحاطته ببعض المغيبات يدل دلالة قاطعة على أنه ليس بإله لأن الإله هو الذي لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء فإن الإله هو الذي يكون خالقاً ، والخالق لا بد وأن يكون عالماً بمخلوقه ، ومن المعلوم بالضرورة أن عيسى عليه السلام ما كان عالماً بجميع المعلومات والمغيبات ، فكيف والنصارى يقولون : إنه أظهر الجزع من الموت فلو كان عالماً بالغيب كله ، لعلم أن القوم يريدون أخذه وقتله ، وأنه يتأذى بذلك ويتألم ، فكان يفر منهم قبل وصولهم إليه ، فلما لم يعلم هذا الغيب ظهر أنه ما كان عالماً بجميع المعلومات والمغيبات والإله هو الذي لا يخفى عليه شيء من المعلومات ، فوجب القطع بأن عيسى عليه السلام ما كان إلها فثبت أن الاستدلال بمعرفة بعض الغيب لا يدل على حصول الإلهية ، وأما الجهل ببعض الغيب يدل قطعاً على عدم الإلهية ، فهذا هو الجواب عن النوع الأول من الشبه المتعلقة بالعلم.\rأما النوع الثاني : من الشبه ، وهو الشبهة المتعلقة بالقدرة فأجاب الله تعالى عنها بقوله {هُوَ الذي يُصَوّرُكُمْ فِي الأرحام كَيْفَ يَشَاء} والمعنى أن حصول الإحياء والإماتة على وفق قوله في بعض الصور لا يدل على كونه إلها ، لاحتمال أن الله تعالى أكرمه بذلك الإحياء إظهاراً لمعجزته وإكراماً له.","part":11,"page":94},{"id":4394,"text":"أما العجز عن الإحياء والإماتة في بعض الصور يدل على عدم الإلهية ، وذلك لأن الإله هو الذي يكون قادراً على أن يصور في الأرحام من قطرة صغيرة من النطفة هذا التركيب العجيب ، والتأليف الغريب ومعلوم أن عيسى عليه السلام ما كان قادراً على الإحياء والإماتة على هذا الوجه وكيف ، ولو قدر على ذلك لأمات أولئك الذين أخذوه على زعم النصارى وقتلوه ، فثبت أن حصول الإحياء والإماتة على وفق قوله في بعض الصور لا يدل على كونه إلها ، أما عدم حصولهما على وفق مراده في سائر الصور يدل على أنه ما كان إلها ، فظهر بما ذكر أن هذه الشبهة الثانية أيضاً ساقطة.\rوأما النوع الثاني من الشبه : فهي الشبه المبنية على مقدمات إلزامية ، وحاصلها يرجع إلى نوعين.\rالنوع الأول : أن النصارى يقولون : أيها المسلمون أنتم توافقوننا على أنه ما كان له أب من البشر ، فوجب أن يكون ابناً له فأجاب الله تعالى عنه أيضاً بقوله {هُوَ الذي يُصَوّرُكُمْ فِي الأرحام كَيْفَ يَشَاء} لأن هذا التصوير لما كان منه فإن شاء صوره من نطفة الأب وإن شاء صوره ابتداء من غير الأب.","part":11,"page":95},{"id":4395,"text":"والنوع الثاني : أن النصارى قالوا للرسول صلى الله عليه وسلم ألست تقول : إن عيسى روح الله وكلمته ، فهذا يدل على أنه ابن الله ، فأجاب الله تعالى عنه بأن هذا إلزام لفظي ، واللفظ محتمل للحقيقة والمجاز ، فإذا ورد اللفظ بحيث يكون ظاهره مخالفاً للدليل العقلي كان من باب المتشابهات ، فوجب رده إلى التأويل ، وذلك هو المراد بقوله {هُوَ الذى أَنزَلَ عَلَيْكَ الكتاب مِنْهُ ءايات محكمات هُنَّ أُمُّ الكتاب وَأُخَرُ متشابهات} [ آل عمران : 7 ] فظهر بما ذكرنا أن قوله {الحى القيوم} إشارة إلى ما يدل على أن المسيح ليس بإله ولا ابن له ، وأما قوله {إِنَّ الله لاَ يخفى عَلَيْهِ شَىْء فِي الأرض وَلاَ فِى السماء} فهو جواب عن الشبهة المتعلقة بالعلم ، وقوله {هُوَ الذي يُصَوّرُكُمْ فِي الأرحام كَيْفَ يَشَاء} جواب عن تمسكهم بقدرته على الإحياء والإماتة ، وعن تمسكهم بأنه ما كان له أب من البشر ، فوجب أن يكون ابناً لله ، وأما قوله {هُوَ الذى أَنزَلَ عَلَيْكَ الكتاب} [ آل عمران : 7 ] فهو جواب عن تمسكهم بما ورد في القرآن أن عيسى روح الله وكلمته ، ومن أحاط علماً بما ذكرناه ولخصناه علم أن هذا الكلام على اختصاره أكثر تحصيلاً من كل ما ذكره المتكلمون في هذا الباب ، وأنه ليس في المسألة حجة ولا شبهة ولا سؤال ولا جواب إلا وقد اشتملت هذه الآية عليه ، فالحمد لله الذي هدانا لهذا وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله ، وأما كلام من قبلنا من المفسرين في تفسير هذه الآيات فلم نذكره لأنه لا حاجة إليه فمن أراد ذلك طالع الكتب ، ثم أنه تعالى لما أجاب عن شبههم أعاد كلمة التوحيد زجراً للنصارى عن قولهم بالتثليث ، فقال : {لا إله إِلاَّ هُوَ العزيز الحكيم} فالعزيز إشارة إلى كمال القدرة والحكيم إشارة إلى كمال العلم ، وهو تقرير لما تقدم من أن علم المسيح ببعض الغيوب ، وقدرته على الإحياء والإماتة في بعض الصور لا يكفي في كونه إلها فإن الإله","part":11,"page":96},{"id":4396,"text":"لا بد وأن يكون كامل القدرة وهو العزيز ، وكامل العلم وهو الحكيم ، وبقي في الآية أبحاث لطيفة ، أما قوله {لاَ يخفى عَلَيْهِ شَىْء فِي الأرض وَلاَ فِى السماء} فالمراد أنه لا يخفى عليه شيء. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 7 صـ 141 ـ 144}\rقال الطبرى : \rيعني بذلك جل ثناؤه : إن الله لا يخفى عليه شيء هو في الأرض ولا شيء هو في السماء. يقول : فيكف يخفى علىّ يا محمدُ - وأنا علامُ جميع الأشياء - ما يُضَاهى به هؤلاء الذين يجادلونك في آيات الله من نصارى نجران في عيسى ابن مريم ، في مقالتهم التي يقولونها فيه ؟ . أ هـ {تفسير الطبرى حـ 6 صـ 166}\rسؤال : فإن قيل : ما الفائدة في قوله {فِي الأرض وَلاَ فِى السماء} مع أنه لو أطلق كان أبلغ ؟ .\rقلنا : الغرض بذلك إفهام العباد كمال علمه ، وفهمهم هذا المعنى عند ذكر السموات والأرض أقوى ، وذلك لأن الحس يرى عظمة السموات والأرض ، فيعين العقل على معرفة عظمة علم الله عزّ وجلّ والحس متى أعان العقل على المطلوب كان الفهم أتم والإدراك أكمل ، ولذلك فإن المعاني الدقيقة إذا أُريد إيضاحها ذكر لها مثال ، فإن المثال يعين على الفهم. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 7 صـ 144}\rفائدة\rقال أبو حيان : \r{إن الله لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء هو الذي يصوّركم في الأرحام كيف يشاء} شيء نكرة في سياق النفي ، فتعم ، وهي دالة على كمال العلم بالكليات والجزئيات ، وعبر عن جميع العالم بالأرض والسماء ، إذ هما أعظم ما نشاهده ، والتصوير على ما شاء من الهيئات دال على كمال القدرة ، وبالعلم والقدرة يتم معنى القيومية ، إذ هو القائم بمصالح الخلق ومهماتهم ، وفي ذلك ردّ على النصارى ، إذ شبهتهم في إدعاء إلهية عيسى كونه : يخبر بالغيوب ، وهذا راجع إلى العلم ، وكونه : يحيي الموتى ، وهو راجع إلى القدرة.","part":11,"page":97},{"id":4397,"text":"فنبهت الآية على أن الإله هو العالم بجميع الأشياء ، فلا يخفي عليه شيء ، ولا يلزم من كون عيسى عالماً ببعض المغيبات أن يكون إلها ، ومن المعلوم بالضرورة أن عيسى لم يكن عالماً بجميع المعلومات ، ونبهت على أن الإله هو ذو القدرة التامة ، فلا يمتنع عليه شيء ، ولا يلزم من كون عيسى قادراً على الإحياء في بعض الصور أن يكون إلهاً ، ومن المعلوم بالضرورة أن عيسى لم يكن قادراً على تركيب الصور وإحيائها ، بل إنباؤه ببعض المغيبات ، وخلقه وأحياؤه بعض الصور ، إنما كان ذلك بإنباء الله له على سبيل الوحي ، وإقداره تعالى له على ذلك ، وكلها على سبيل المعجزة التي أجراها ، وأمثالها ، على أيدي رسله.\rوفي ذكر التصوير في الرحم ردّ على من زعم أن عيسى إله ، إذ من المعلوم بالضرورة أنه صور في الرحم.\rوقيل : في قوله {لا يخفى عليه شيء} تحذير من مخالفته سراً وجهراً ، ووعيد بالمجازاة وقيل : المعنى شيء مما يقولونه في أمر عيسى عليه السلام.\rوقال الزمخشري : مطلع على كفر من كفر ، وإيمان من آمن ، وهو مجازيهم عليه.\rوقال الماتريدي : لا يخفى عليه شيء من الأمور الخفية عن الخلق ، فكيف تخفى عليه أعمالكم التي هي ظاهرة عندكم ؟ وكل هذه تخصيصات.\rواللفظ عام ، فيندرج فيه هذا كله.\rوقال الراغب : لا يخفى عليه شيء ، أبلغ من : يعلم في الأصل ، وإن كان استعمال اللفظين فيه يفيدان معنى واحداً.\rوقال محمد بن جعفر بن الزبير ، والربيع ، في قوله : {هو الذي يصوركم} ردّ على أهل الطبيعة ، إذ يجعلونها فاعلة مستبدة كيف تشاء.\rقال الماتريدي : فيه إبطال قول من يجعل قول القائف حجة في دعوى النسب ، لأنه جعل علم التصوير في الأرحام لنفسه ، فكيف يعرف القائف أنه صوره من مائه عند قيام التشابه في الصور ؟ انتهى.\rوالأحسن أن تكون هذه الجمل مستقلة ، فتكون الأولى : إخباراً عنه تعالى بالعلم التام ، والثانية : إخباراً بالقدرة التامة وبالإرادة.","part":11,"page":98},{"id":4398,"text":"والثالثة : بالإنفراد بالإلهية ، ويحتمل أن يكون خبراً عن : أن.\rوقال الراغب ، هنا : يصوركم ، بلفظ الحال ، وفي موضع آخر : فصوركم ، لأنه لا اعتبار بالأزمنة في أفعاله ، وإنما استعملت الألفاظ فيه للدلالة على الأزمنة بحسب اللغات ، وأيضاً : فصوركم ، إنما هو على نسبة التقدير ، وإن فعله تعالى في حكم ما قد فرع منه.\rويصوركم على حسب ما يظهر لنا حالاً فحالاً. انتهى.\rوقرأ طاووس : تصوركم ، أي صوركم لنفسه ولتعبده.\rكقولك : أثلت مالاً ، أي : جعلته أثلة.\rأي : أصلاً.\rوتأثلته إذا أثلته لنفسك.\rوتأتي : تفعَّل ، بمعنى : فعل ، نحو : تولى ، بمعنى : ولي.\rومعنى {كيف يشاء} أي : من الطول والقصر ، واللون ، والذكورة والأنوثة ، وغير ذلك من الاختلافات.\rوفي قوله : {كيف يشاء} إشارة إلى أن ذلك يكون بسبب وبغير سبب ، لأن ذلك متعلق بمشيئته فقط.\rو : كيف ، هنا للجزاء ، لكنها لا تجزم.\rومفعول : يشاء ، محذوف لفهم المعنى ، التقدير : كيف يشاء أن يصوركم.\rكقوله {ينفق كيف يشاء} أي : كيف يشاء أن ينفق ، و: كيف ، منصوب : بيشاء ، والمعنى : على أي حال شاء أن يصوركم صوركم ، ونصبه على الحال ، وحذف فعل الجزاء لدلالة ما قبله عليه ، نحو قولهم : أنت ظالم إن فعلت ، التقدير : أنت ظالم إن فعلت فأنت ظالم ، ولا موضع لهذه الجملة من الإعراب ، وإن كانت متعلقة بما قبلها في المعنى ، فتعلقها كتعلق إن فعلت ، كقوله : أنت ظالم.\rوتفكيك هذا الكلام وإعرابه على ما ذكرناه ، لا يهتدى له إلاَّ بعد تمرّن في الإعراب ، واستحضار للطائف النحو.\rوقال بعضهم {كيف يشاء} في موضع الحال ، معمول : يصوركم ؛ ومعنى الحال أي : يصوركم في الأرحام قادراً على تصوريكم مالكاً ذلك.\rوقيل : التقدير في هذه الحال : يصوركم على مشيئته ، أي مريداً ، فيكون حالاً من ضمير اسم الله ، ذكره أبو البقاء ، وجوّز أن يكون حالاً من المفعول ، أي : يصوركم منقلبين على مشيئته.","part":11,"page":99},{"id":4399,"text":"وقال الحوفي : يجوز أن تكون الجملة في موضع المصدر ، المعنى : يصوركم في الأرحام تصوير المشيئة ، وكما يشاء. أ هـ {البحر المحيط حـ 2 صـ 395 ـ 396}\rفائدة\rقال البيضاوى : \r{إِنَّ الله لاَ يخفى عَلَيْهِ شَيْء فِي الأرض وَلاَ فِي السماء} أي شيء كائن في العالم كلياً كان أو جزئياً ، إيماناً أو كفراً. فعبَّر عنه بالسماء والأرض إِذ الحس لا يتجاوزهما ، وإنما قدم الأرض ترقياً من الأدنى إلى الأعلى ، ولأن المقصود بالذكر ما اقترف فيها. وهو كالدليل على كونه حياً. أ هـ {تفسير البيضاوى حـ 2 صـ 6}\rمن لطائف الإمام القشيرى فى الآية\rلا يتنفس عبدٌ نَفَساً إلا والله سبحانه وتعالى مُحْصِيه ، ولا تحصل في السماء والأرض ذرة لا وهو سبحانه مُحْدِثهُ ومُبْدِيه ، ولا يكون أحد بوصف ولا نعت إلا هو متوليه.\rهذا على العموم ، فأمَّا على الخصوص : فلا رَفَعَ أحدٌ إليه حاجةً إلا وهو قاضيها ، ولا رجع أحدٌ إليه في نازلة إلا وهو كافيها. أ هـ {لطائف الإشارات حـ 1 صـ 219}\rقوله تعالى {هُوَ الذي يُصَوّرُكُمْ}\rمناسبة الآية لما قبلها\rقال البقاعى : ","part":11,"page":100},{"id":4400,"text":"ولما قرر سبحانه وتعالى شمول علمه أتبعه دليله من تمام قدرته فقال : وقال الحرالي : ولما كان كل تفصيل يتقدمه بالرتبة مجمل جامع ، وكانت تراجم السورة موضع الإجمال ليكون تفصيلها موضع التفاصيل ، وكان من المذكور في سورة الكتاب ما وقع من اللبس كذلك كان في هذه السورة التي ترجمها جوامع إلهية ما وقع من اللبس في أمر الإلهية في أمر عيسى عليه الصلاة والسلام ، فكان في هذه الآيه الجامعة توطئة لبيان الأمر في شأنه عليه السلام من حيث إنه مما صور في الرحم وحملته الأنثى ووضعته ، وأن جميع ما حوته السماء والأرض لا ينبغي أن يقع فيه لبس في أمر الإلهية ؛ انتهى فقال مبيناً أمر قدرته بما لا يقدر عليه عيسى عليه الصلاة والسلام ولا غيره : {هو} أي وحده {الذي} وقرعهم بصرف القول من الغيبه إلى الخطاب ليعظم تنبههم على ما هم فيه من قهر المصور لهم على ما أوجدهم عليه مما يشتهونه ولا يفقهونه فقال : {يصوركم} أي أن كنتم نطفاً من التصوير وهو إقامه الصورة.\rوهي تمام البادي التي يقع عليها حس الناظر لظهورها ، فصورة كل شيء تمام بدوه قال الحرالي : {في الأرحام} أي التي لا اطلاع لكم عليها بوجه ، ولما كان التصوير في نفسه أمراً معجباً وشيناً للعقل إذا تأمله وإن كان قد هان لكثرة الإلف باهراً فكيف بأحواله المتباينه وأشكاله المتخالفة المتباينة أشار إلى التعجب من أمره وجليل سره بآلة الاستفهام وإن قالوا : إنها في هذا الوطن شرط ، فقال : {كيف} أي كما {يشاء} أي على أي حالة أراد ، سواء عنده كونكم من نطفتي ذكر وأنثى أو نطفة أنثى وحدها دليلاً على كمال العلم والقيومية ، وإيماء إلى أن من صور في الأرحام كغيره من العبيد لا يكون إلا عبداً ، إذ الإله متعال عن ذلك لما فيه من أنواع الاحتياج والنقص.","part":11,"page":101},{"id":4401,"text":"وقال الحرالي : فكان في إلاحة هذه الآية توزيع أمر الإظهار على ثلاثة وجوه تناظر وجوه التقدير الثلاثة التي في فاتحة سورة البقرة ، فينتج هدى وإضلالاً وإلباساً أكمل الله به وحيه ، كما أقام بتقدير الإيمان والكفر والنفاق خلقه فطابق الأمر الخلق فأقام الله سبحانه وتعالى بذلك قائم خلقه وأمره ، فكان في انتظام هذه الإفهامات أن بادي الأحوال الظاهرة عند انتهاء الخلق إنما ظهرت لأنها مودعة في أصل التصوير فصورة نورانية يهتدي بها وصورة ظلمانية يكفر لأجلها ، وصورة ملتبسة عيشية علمية يفتتن ويقع الإلباس والالتباس من جهتها ، مما لا يفي ببيانها إلا الفرقان المنزل على هذه الأمه ، ولا تتم إحاطة جميعها إلا في القرآن المخصوصة به أئمة هذه الأمه انتهى.","part":11,"page":102},{"id":4402,"text":"فقد علم أن التصوير في الرحم أدق شيء علماً وقدرة ، فعلم فاعله بغيره والقدرة عليه من باب الأولى فثبت أنه لا كفوء له ؛ فلذلك وصل به كلمه الإخلاص وقال الحرالي : ولما تضمنت إلاحة هذه الآية ما تضمنته من الإلباس والتكفير أظهر سبحانه وتعالى كلمه الإخلاص ليظهر نورها أرجاس تلك الإلباسات وتلك التكفيرات فقال : {لا إله إلا هو} إيذاناً بما هي له الإلباس والتكفير من وقوع الإشراك بالإلهية والكفر فيها والتلبس والإلتباس في أمرها ؛ فكان في طي هذا التهليل بشرى بنصرة أهل الفرقان وأهل القرآن على أهل الالتباس والكفران وخصوصاً على أهل الإنجيل الذين ذكرت كتبهم صريحاً في هذا التنزيل بل يؤيد إلاحته في التهليل إظهار الختم في هذه الآية بصفتي العزة المقتضية للانتقام من أهل عداوته والحكمة المقتضية لإكرام أهل ولايته ؛ انتهى فقال : {العزيز} أي الغالب غلبة لا يجد معها المغلوب وجه مدافعة ولا انفلات ، ولا معجز له في إنفاذ شيء من أحكامه {الحكيم} أي الحاكم بالحكمة ، فالحكم المنع عما يترامى إليه المحكوم عليه وحمله على ما يمتنع منه من جميع أنواع الصبر ظاهراً بالسياسة العالية نظراً له ، والحكمة العلم بالأمر الذي لأجله وجب الحكم من قوام أمر العاجله وحسن العقبى في الآجلة ؛ ففي ظاهر ذلك الجهد ، وفي باطنه الرفق ، وفي عاجله الكره ، وفي آجله الرضى والروح ؛ ولايتم الحكم وتستوي الحكمة إلا بحسب سعة العلم ، فبذلك يكون تنزيل أمر العزة على وزن الحكمة قاله الحرالي بالمعنى. أ هـ {نظم الدرر حـ 2 صـ 13 ـ 14}\rوقال ابن عاشور : \r{هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكُمْ فِي الأَرْحَامِ كَيْفَ يَشَاء}","part":11,"page":103},{"id":4403,"text":"استئناف ثان يبين شيئا من معنى القيومية ، فهو كبدل البعض من الكل ، وخص من بين شؤون القيومية تصوير البشر لأنه من أعجب مظاهر القدرة ؛ ولأن فيه تعريضا بالرد على النصارى في اعتقادهم إلهية عيسى من أجل أن الله صوره بكيفية غير معتادة فبين لهم أن الكيفيات العارضة للموجودات كلها من صنع الله وتصويره : سواء المعتاد ، وغير المعتاد.\rو {كَيْفَ} هنا ليس فيها معنى الاستفهام ، بل هي دالة على مجرد معنى الكيفية ؛ أي الحالة ، فهي هنا مستعملة في أصلها الموضوعة له في اللغة ؛ إذ لا ريب في أن كيف مشتملة على حروف مادة الكيفية ، والتكيف ، وهو الحالة والهيئة ، وإن كان الأكثر في الاستعمال أن تكون اسم استفهام ، وليست كيف فعلا ؛ لأنها لا دلالة فيها على الزمان ، ولا حرفا لاشتمالها على مادة اشتقاق. وقد تجيء كيف اسم شرط إذا اتصلت بها ما الزائدة وفي كل ذلك لا تفارقها الدلالة على الحالة ، ولا يفارقها إيلاء الجملة الفعلية إياها إلا ما شذ من قولهم : كيف أنت. فإذا كانت استفهاما فالجملة بعدها هي المستفهم عنه فتكون معمولة للفعل الذي بعدها ، ملتزما تقديمها عليه ؛ لأن للاستفهام الصدارة ، وإذا جردت عن الاستفهام كان موقعها من الإعراب على حسب ما يطلبه الكلام الواقعة هي فيه من العوامل كسائر الأسماء.\rوأما الجملة التي بعدها حينئذ فالأظهر أن تعتبر مضافا إليها اسم كيف ويعتبر كيف من الأسماء الملازمة للإضافة. وجرى في كلام بعض أهل العربية أن فتحة كيف فتحة بناء.\rوالأظهر عندي أن فتحة كيف فتحة نصب لزمتها لأنها دائما متصلة بالفعل فهي معمولة له على الحالية أو نحوها ، فلملازمة ذلك الفتح إياها أشبهت فتحة البناء.\rفكيف في قوله هنا {كَيْفَ يَشَاءُ} يعرب مفعولا مطلقا \"ليصوركم\" ، إذ التقدير : حال تصوير يشاؤها كما قاله ابن هشام في قوله تعالى {كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ} [الفجر : 6].","part":11,"page":104},{"id":4404,"text":"وجوز صاحب \"المغني\" أن تكون شرطية ، والجواب محذوف لدلالة قوله {يُصَوِّرُكُمْ} عليه وهو بعيد ؛ لأنها لا تأتي في الشرط إلا مقترنة بما. وأما قول الناس كيف شاء فعل فلحن. وكذلك جزم الفعل بعدها قد عد لحنا عند جمهور أئمة العربية.\rودل تعريف الجزأين على قصر صفة التصوير عليه تعالى وهو قصر حقيقي لأنه كذلك في الواقع ؛ إذ هو مكون أسباب ذلك التصوير وهذا إيماء إلى كشف شبهة النصارى إذ توهموا أن تخلق عيسى بدون ماء أب دليل على أنه غير بشر وأنه إله وجهلوا أن التصوير في الأرحام وإن اختلفت كيفياته لا يخرج عن كونه خلقا لما كان معدوما فكيف يكون ذلك المخلوق المصور في الرحم إلها. أ هـ {التحرير والتنوير حـ 3 صـ 12 ـ 13}\rقال الفخر : \rقال الواحدي : التصوير جعل الشيء على صورة ، والصورة هيئة حاصلة للشيء عند إيقاع التأليف بين أجزائه وأصله من صاره يصوره إذا أماله ، فهي صورة لأنها مائلة إلى شكل أبويه وتمام الكلام فيه ذكرناه في قوله تعالى : {فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ} [ البقرة : 260 ] وأما الأرحام فهي جمع رحم وأصلها من الرحمة ، وذلك لأن الاشتراك في الرحم يوجب الرحمة والعطف ، فلهذا سمي ذلك العضو رحماً ، والله أعلم. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 7 صـ 144}\rوقال القرطبى : \rقوله تعالى : {هُوَ الذي يُصَوِّرُكُمْ} أخبر تعالى : عن تصويره للبشر في أرحام الأُمهات.\rوأصل الرحِم من الرّحْمة ، لأنها مما يُتَراحَم به.\rواشتقاق الصُّورَة من صاره إلى كذا إذا أماله ؛ فالصورة مائلة إلى شَبَهٍ وهَيْئة.\rوهذه الآية تعظيم لله تعالى ، وفي ضمنها الرد على نصارى نَجْران ، وأنّ عيسى من المَصوَّرين ، وذلك مما لا ينكره عاقل.\rوأشار تعالى إلى شرح التّصْوير في سورة \"الحج\" و\"المؤمنون\".\rوكذا شرحه النبيّ صلى الله عليه وسلم في حديث ابن مسعود ، على ما يأتي هناك بيانه إن شاء الله تعالى.\rوفيها الردّ على الطبائعيين أيضاً إذْ يجعلونها فاعلةً مستبِدّة.","part":11,"page":105},{"id":4405,"text":"وقد مضى الردّ عليهم في آية التوحيد وفي مسند ابن سنجر واسمه محمد بن سنْجر حديث : \" إن الله تعالى يخلق عِظام الجنين وغَضارِيفه من مَنِى الرجل وشحمه ولحمه من مَنِى المرأة \" وفي هذا أدَلُّ دليل على أن الولد يكون من ماء الرجل والمرأة ، وهو صريح في قوله تعالى : {ياأيها الناس إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وأنثى} [ الحجرات : 13 ] وفي صحيح مسلم من حديث ثوبان وفيه : أنّ اليهودي قال للنبي صلى الله عليه وسلم : وجئت أسألك عن شيء لا يعلمه أحد من أهل الأرض إلا نبي أو رجل أو رجلان.\rقال : \"ينفعك إن حدّثتك\" ؟ .\rقال : أسمعُ بأُذُنيّ ، قال : جئتك أسألك عن الولد.\rفقال النبي صلى الله عليه وسلم : \" ماء الرجل أبيضُ وماء المرأة أصفر فإذا اجتمعا فَعَلا مَنىُّ الرجل مَنيَّ المرأة أذكَرا بإذْن الله تعالى وإذا عَلاَ مَنىُّ المرأة مَنىَّ الرجلِ آنَثَا بإذن الله \" الحديث. أ هـ {تفسير القرطبى حـ 4 صـ 7 ـ 8}\rوقال الطبرى : \rيعني بذلك جل ثناؤه : الله الذي يصوّركم فيجعلكم صورًا أشباحًا في أرحام أمهاتكم كيف شاء وأحب ، فيجعل هذا ذكرًا وهذا أنثى ، وهذا أسود وهذا أحمر. يُعرّف عباده بذلك أنّ جميع من اشتملت عليه أرحامُ النساء ، ممنّ صوره وخلقه كيف شاء وأنّ عيسى ابن مريم ممن صوّره في رحم أمه وخلقه فيها كيف شاء وأحبّ ، وأنه لو كان إلهًا لم يكن ممن اشتملت عليه رحم أمه ، لأن خلاق ما في الأرحام لا تكون الأرحامُ عليه مشتملة ، وإنما تشتمل على المخلوقين. أ هـ {تفسير الطبرى حـ 6 صـ 166 ـ 167}","part":11,"page":106},{"id":4406,"text":"وقال الشوكانى : \r{هُوَ الذي يُصَوّرُكُمْ فِي الأرحام كَيْفَ يَشَاء} قد كان عيسى ممن صوّر في الأرحام لا يدفعون ذلك ، ولا ينكرونه ، كما صوّر غيره من بني آدم ، فكيف يكون إلهاً ، وقد كان بذلك المنزل ؟! وأخرج ابن المنذر ، عن ابن مسعود في قوله : {يُصَوّرُكُمْ فِي الأرحام كَيْفَ يَشَاء} قال : ذكوراً ، وإناثاً . وأخرج ابن جرير ، عن ابن عباس ، وابن مسعود ، وناس من الصحابة في قوله : {يُصَوّرُكُمْ فِي الأرحام كَيْفَ يَشَاء} قال : إذا وقعت النطفة في الأرحام طارت في الجسد أربعين يوماً ، ثم تكون علقة أربعين يوماً ، ثم تكون مضغة أربعين يوماً ، فإذا بلغ أن يخلق بعث الله ملكاً يصوّرها ، فيأتي الملك بتراب بين أصبعيه ، فيخلط منه المضغة ، ثم يعجنه بها ، ثم يصوّر ، كما يؤمر فيقول : أذكر أم أنثى ، أشقيّ أم سعيد ، وما رزقه ، وما عمره ؟ وما أثره ، وما مصائبه ؟ فيقول الله ، ويكتب الملك ، فإذا مات ذلك الجسد دفن حيث أخذ ذلك التراب.\rوأخرج عبد بن حميد ، وابن جرير ، عن قتادة في قوله : {يُصَوّرُكُمْ فِي الأرحام كَيْفَ يَشَاء} قال : من ذكر ، وأنثى ، وأحمر ، وأسود ، وتامّ الخلق ، وغير تام الخلق. أ هـ {فتح القدير حـ 1 صـ 313}\rفائدة\rقال فى الميزان : \rوالتعميم بعد التخصيص في الخطاب أعنى قوله : يصوركم بعد قوله نزل عليك للدلالة على أن إيمان المؤمنين أيضا ككفر الكافرين غير خارج عن حكم القدر فتطيب نفوسهم بالرحمة والموهبة الإلهية في حق أنفسهم ويتسلوا بما سمعوه من أمر القدر ومن أمر الانتقام فيما يعظم عليهم من كفر الكافرين. أ هـ {الميزان حـ 3 صـ 14}\rقوله تعالى : {كَيْفَ يَشَآءُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ}\rقال القرطبى : \rقوله تعالى : {كَيْفَ يَشَآءُ} يعني من حُسْن وقُبْح وسواد وبَيَاض وطُول وقِصَر وسَلامة وعاهة ، إلى غير ذلك من الشقاء والسعادة.\rوذُكر عن إبراهيم بن أدْهم أنّ القرّاء اجتمعوا إليه ليسمعوا ما عنده من الأحاديث ، فقال لهم : إني مشغول عنكم بأربعة أشياء ، فلا أتفرّغ لرواية الحديث.\rفقيل له : وما ذاك الشغل ؟ قال : أحدها أنِّي أتفكر في يوم المِيثاق حيث قال : \"هؤلاء في الجنة ولا أُبَالي وهؤلاء في النار ولا أُبَالي\" فلا أدري من أي الفريقين كنتُ في ذلك الوقت.","part":11,"page":107},{"id":4407,"text":"والثاني حيث صُوِّرتُ في الرَّحِم فقال الملك الذي هو موكلّ على الأرحام : \"يا ربِّ شَقِيُّ هو أم سعيد\" فلا أدري كيف كان الجواب في ذلك الوقت.\rوالثالث حين يقبِضُ ملكُ الموت روحي فيقول : \"ياربِّ مع الكفر أم مع الإيمان \" فلا أدري كيف يخرج الجواب.\rوالرابع حيث يقول : {وامتازوا اليوم أَيُّهَا المجرمون} [ يس : 59 ] فلا أدري في أيِّ الفريقين أكونُ.\rثم قال تعالى : {لاَ إله إِلاَّ هُوَ} أي لا خالق ولا مصوّر سواه ؛ وذلك دليل على وحدانيته ، فكيف يكون عيسى إلهاً مُصوِّراً وهو مُصوَّرٌ.\r{العزيز} الذي لا يغالب.\r{الحكيم} ذو الحكمة أو المُحْكِم ، وهذا أخص بما ذكر من التصوير. أ هـ {تفسير القرطبى حـ 4 صـ 8}\rوقال الطبرى : \rوهذا القول تنزيه من الله تعالى ذكره نفسَه أن يكون له في ربوبيته ندّ أو مِثل ، أو أن تَجوز الألوهة لغيره وتكذيبٌ منه للذين قالوا في عيسى ما قالوا ، من وفد نجران الذين قدموا على رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وسائر من كان على مثل الذي كانوا عليه من قولهم في عيسى ، ولجميع من ادّعى مع الله معبودًا ، أو أقرّ بربوبية غيره.\rثم أخبر جل ثناؤه خلقه بصفته ، وعيدًا منه لمن عبد غيره ، أو أشرك في عبادته أحدًا سواه ، فقال : \"هو العزيز\" الذي لا ينصر من أرادَ الانتقام منه أحدٌ ، ولا ينجيه منه وَأْلٌ ولا لَجَأٌ ، وذلك لعزته التي يذلُّ لها كل مخلوق ، ويخضع لها كل موجود.\rثم أعلمهم أنه\"الحكيم\"\rفي تدبيره وإعذاره إلى خلقه ، ومتابعة حججه عليهم ، ليهلك من هلك منهم عن بيّنة ، ويحيا من حيَّ عن بينة. أ هـ {تفسير الطبرى حـ 6 صـ 168 ـ 169}","part":11,"page":108},{"id":4408,"text":"وقال البيضاوى : \r{هُوَ الذي يُصَوّرُكُمْ فِي الأرحام كَيْفَ يَشَاء} أي من الصور المختلفة ، كالدليل على القيومية ، والاستدلال على أنه عالم بإتقان فعله في خلق الجنين وتصويره. وقرىء \"تصوركم\" أي صوركم لنفسه وعبادته. {لاَ إله إِلاَّ هُوَ} إذ لا يعلم غيره جملة ما يعلمه ولا يقدر على مثل ما يفعله. {العزيز الحكيم} إشارة إلى كمال قدرته وتناهي حكمته. أ هـ {تفسير البيضاوى حـ 2 صـ 6 ـ 7}\rفائدة\rقال الآلوسى : \r{لا إله إِلاَّ هُوَ العزيز الحكيم} كرر الجملة الدالة على نفي الإلهية عن غيره تعالى وانحصارها فيه توكيداً لما قبلها ومبالغة في الرد على من ادعى إلهية عيسى عليه السلام وناسب مجيئها بعد الوصفين السابقين من العلم والقدرة إذ من هذان الوصفان له هو المتصف بالألوهية لا غيره ثم أتى بوصف العزة الدالة على عدم النظير أو التناهي في القدرة والحكمة لأن خلقهم على ما ذكر من النمط البديع أثر من آثار ذلك. أ هـ {روح المعانى حـ 3 صـ 78}\rمن لطائف الإمام القشيرى فى الآية\rقوله جلّ ذكره : {هُوَ الَّذِى يُصَوِّرُكُمْ فِى الأَرْحَامِ كَيْفَ يَشَاءُ}.\rهذا فيما لا يزال من حيث الخلقة ، وهو الذي قدَّر أحوالكم في الأزل كيف شاء ، وهذا فيما لم يزل من حيث القضاء والقسمة.\r{لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ العَزِيزُ الحَكِيمُ}.\rفلا يُعَقِّبُ حكمهُ بالنقض ، أو يُعَارَضُ تقديره بالإهمال والرفض. أ هـ {لطائف الإشارات حـ 1 صـ 220}\rلطيفة\rقال ابن عجيبة : ","part":11,"page":109},{"id":4409,"text":"مَنْ تحقق أن الله واحدٌ في ملكه ، لا شريك له في ذاته ولا في صفاته ولا في أفعاله ، وأنه أحاط به علماً وسمعاً وبصراً ، وأن أمره بين الكاف والنون ، {إِذَآ أَرَادَ شَيْئاً أَن يَقُولَ لَهُ كُن فَيَكُونُ} [ يس : 82 ] - كيف يشكو ما نزل به منه إلى أحد سواه ؟ أم كيف يرفع حوائجه إلى غير مولاه ؟ أم كيف يعول هما ، وسيدُه من خيره لا ينساه ؟ من دبرك في ظلمة الأحشاء ، وصوَّرك في الأرحام كيف يشاء ، وآتاك كل ما تسأل وتشاء ، كيف يَنْساكَ من بره وإحسانه ؟ أم كيف يخرجك عن دائرة لطفه وامتنانه ؟ وفي ذلك يقول لسان الحقيقة : \rتَذَكَّر جَمِيلِي فِيكَ إِذْ كُنْتَ نُطْفَةً... وَلا تَنْسَ تَصْوِيرِي لشَخْصِكَ في الْحَشا\rوَكُنْ وَاثِقاً بِي في أُمُورِكَ كُلِّها... سأَكْفِيكَ مِنْهَا ما يُخافُ ويُخْتَشَى\rوَسَلِّمْ ليّ الأمْرَ واعْلَمْ بأنني... أُصَرِّفُ أحْكَامِي وأَفْعَلُ مَا أشا. أ هـ {البحر المديد حـ 1 صـ 248}","part":11,"page":110},{"id":4410,"text":"بحث فى مراحل تطوّر الجنين من روائع الخلق\rقال صاحب الأمثل : \rإنّ عظمة مفهوم هذه الآية تجلّت اليوم أكثر من ذي قبل نتيجة للتقدّم الكبير في علم الأجنّة. فهذا الجنين يبدأ بخلية ، لا شكل لها ولا هيكل ولا أعضاء ولا أجهزة. ولكنّها تتّخذ أشكالاً مختلفة كلّ يوم وهي في الرحم ، وكأنَّ هناك فريقاً من الرسّامين المهرة يحيطون بها ويشتغلون عليها ـ ليلَ نهار وبسرعة عجيبة ـ ليصنعوا من هذه الذرّة الصغيرة وفي وقت قصير إنساناً سويّاً في الظاهر ، وفي جوفه أجهزة دقيقة رقيقة متعقّدة ومحيّرة. لو أنّ فيلماً صوّر مراحل تطوّر الجنين ـ وقد صوّر فعلاً ـ وشاهده الإنسان يمرّ من أمام عينيه لأدرك بأجلى صورة عظمة الخلق وقدرة الخالق.\rوالعجيب في الأمر أنّ كلّ هذا الرسم يتمّ على الماء الذي يضرب به المثل في عدم احتفاظه بما يرسم عليه.\rمن الجدير بالذكر أنّه عندما يتمّ اللقاح ويُخلق الجنين للمرّة الأُولى يسرع بالانقسام التصاعدي على هيئة ثمرة التوت التي تكون حبّاتها متلاصقة ، ويطلق عليه اسم \"مرولا\". وفي غضون هذا التقدّم تُخلق \"المشيمة\" وتتكامل ، وتتّصل من جهة قلب الأُم بوساطة شريانين ووريد واحد ، ومن الجهة الأُخرى تتّصل بسرّة الجنين الذي يتغذّى على الدم القادم إلى المشيمة.\rوبالتدريج وعلى أثر التغذية والتطور واتجاه الخلايا نحو الخارج يتجوّف باطن \"المرولا\" ، وعندئذ يطلق عليه اسم \"البلاستولا\" ، ولا تلبث هذه حتى يتكاثر عدد خلاياها ، مؤلّفة كيساً ذا جدارين ، ثمّ يحدث فيه انخفاض يقسم الجنين إلى قسمي الصدر والبطن.\rإلى هنا تكون جميع الخلايا متشابهة ولا اختلاف بينها في الظاهر.\rولكن بعد هذه المرحلة يبدأ الجنين بالتصوّر ، وتتشكّل أجزاؤه بأشكال مختلفة بحسب وظيفتها المستقبلية ، وتتكون الأنسجة والأجهزة ، وتقوم كلّ مجموعة من الخلايا ببناء أحد أجهزة الجسم وصياغته ، كالجهاز العصبي وجهاز الدورة الدموية ، وجهاز الهضم ، وغيرها من الأجهزة ، حتّى يصبح الجنين بعد هذه المراحل من التطوّر في مخبئه الخفي في رحم أُمّه إنساناً كامل الصورة. وسوف ندرج ـ بمشيئة الله ـ شرحاً كاملاً لتطوّر الجنين ومراحل تكامله في تفسير الآية 12 من سورة \"المؤمنون\".أ هـ {الأمثل حـ 3 صـ 392 ـ 393}","part":11,"page":111},{"id":4412,"text":"بحث نفيس\rحديث القرآن والسنة عن الحامض النووى فى الأمشاج\rشكل توضيحي لجزيء (DNA)\rبقلم الدكتور محمود عبد الله إبراهيم نجا\rمدرس مساعد بقسم الفارماكولوجيا الاكلينيكيه- كلية طب- جامعة المنصورة - مصر\rإن الحمد لله تعالى نحمده سبحانه ونستعينه ونستهديه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا. من يهده الله فهو المهتدى ومن يضلل فلن تجد له وليا مرشدا. وأشهد أن لا اله ألا الله وحده لا شريك له واشهد أن محمدا عبده ورسوله. وبعد....","part":11,"page":112},{"id":4413,"text":"يتناول هذا البحث قضية الجينات التي تمثل الجزء الأساسي من خلق وتصوير ذرية آدم في الأصلاب وفي الأرحام. ومع أن كل الكائنات الحية مختلفة في الأشكال والصفات إلا أنها بالإجماع تعتمد على وجود الحامض النووي في كل خلاياها مما يدفعنا إلى الاستنتاج بأن من أوجد هذه الكائنات لابد وأن يكون واحداً. ومع ذلك فقد خرج علينا من زعم بأن الحياة نشأت صدفة, وحتى الآن لم يستطع هؤلاء الْمُضِلِّينَ أن يقدموا دليلا واحدا على أباطيلهم. فالخلق والتصوير من الأمور الغيبية التي لا يعلمها إلا الله {مَا أَشْهَدتُّهُمْ خَلْقَ السَّمَاوَاتِ والأرض وَلا خَلْقَ أَنفُسِهِمْ وَمَا كُنتُ مُتَّخِذَ الْمُضِلِّينَ عَضُداً}الكهف51. والله قد شهد لنفسه بالوحدانية وبأنه خلق كل ما في الكون {قُلِ اللّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ}الرعد16, ولا يدعى الخلق إلا من علم سر المخلوقات {إِنَّ اللّهَ لاَ يَخْفَىَ عَلَيْهِ شَيْءٌ فِي الأَرْضِ وَلاَ فِي السَّمَاء. هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكُمْ فِي الأَرْحَامِ كَيْفَ يَشَاءُ}آل عمران6,5. وحين ينسب الله التصوير في الأرحام لنفسه فإنه بذلك يقدم دليلا عمليا على أنه يعلم سر المخلوقات بما في ذلك الحامض النووي الذي ينقل الصفات الوراثية من الآباء إلى الأبناء عبر النطفة التي منها يتم تصوير وخلق الذرية في الأرحام. فالله قد أخبرنا أنه بدأ خلق الإنسان بخلق آدم من الطين {وَبَدَأَ خَلْقَ الإنسان مِن طِينٍ}السجدة7, وخلق حواء من آدم {خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاء}النساء1, فكأن الإنسان كله قد خلقه الله من الطين باعتبار مادة الأصل {وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإنسان مِن سُلالَةٍ مِّن طِينٍ}المؤمنون12, ثم جعل الله نسل آدم من الماء المهين {وَبَدَأَ خَلْقَ الإنسان مِن طِينٍ. ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِن","part":11,"page":113},{"id":4414,"text":"سُلالَةٍ مِّن مَّاء مَّهِينٍ}السجدة 7, 8 , أي من الأمشاج الذكرية والأنثوية التي تخلق وتصور في الأصلاب ثم تجتمع لتعطى ألنطفه (زيجوت = Zygot) فى الرحم {وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإنسان مِن سُلالَةٍ مِّن طِينٍ. ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَّكِينٍ}المؤمنون 13,12, ونلاحظ أن الهاء في (جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً) عائده على الإنسان بكل صفاته. وفي هذا الأخبار الرباني عن جعل الإنسان نطفه إعجاز علمي غاية في الدقة, إذ كيف تتساوى النطفة التي تمثل خليه واحده لا ترى بالعين المجردة مع الإنسان الذي يتركب من بلايين الخلايا. وهذا الإعجاز لم يعرفه العلم إلا منذ فتره بسيطة عندما فحص النطفة ليكتشف وجود إنسان كامل يعرف باسم الحامض النووي (دنا (DNA = لا يكاد يذكر في الحجم ولكنه يحمل شفره وراثية كاملة للإنسان ويمكن أن نسميه بالإنسان الجيني أو النطفة الأمشاج {هلْ أَتَى عَلَى الإنسان حِينٌ مِّنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُن شَيْئاً مَّذْكُوراً. إِنَّا خَلَقْنَا الإنسان مِن نُّطْفَةٍ أَمْشَاجٍ}الإنسان 1 , 2. والنطفة هي المسؤله عن نقل البرنامج الوراثي (Genetic programming) من الآباء إلى الأبناء {مِن نُّطْفَةٍ خَلَقَهُ فَقَدَّرَهُ}عبس19.","part":11,"page":114},{"id":4415,"text":"و السؤال الآن, هل اكتفى الله بذكر المكان الذي تتكون فيه الأمشاج وهو الأصلاب كما في قوله تعالى (فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسَانُ مِمَّ خُلِقَ. خُلِقَ مِنْ مَاءٍ دَافِقٍ. يَخْرُجُ مِنْ بَيْنِ الصُّلْبِ وَالتَّرَائِبِ) الطارق 6,5, 7 , أم أن الله قد بين لنا في قرآنه وعلى لسان نبيه كيفية خلق الأمشاج في الأصلاب على وجه التفصيل كما هو معلوم الآن في العلوم الحديثة. والحقيقة أن المتدبر لآيات الله التي تتكلم عن الخلق والتصوير سوف يكتشف أن الله بهاتين الكلمتين قد وصف كيفية خلق الأمشاج في الأصلاب بدقة شديدة تفوق قدرة العلوم الحديثة, ولما لا والله يقول عن نفسه (الر كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آَيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ) 1 هود.\rتركيب الحامض النووي وكيفية التقدير الوراثي\rDNA structure and Genetic Programming","part":11,"page":115},{"id":4416,"text":"وحدة بناء الإنسان هي الخلية التي تحوى صوره للإنسان تعرف باسم الحامض النووي (دنا = DNA) الذي يحمل الشفرة الوراثية لكل صفات الإنسان المرئية وغير المرئية (كاللون والطول والعقل), وكأني بالله قد جعل للإنسان تمثالا (صورة) متناهي في الصغر يتكدس داخل نواة الخلية في حيز لا يزيد عن واحد على المليون من المليمتر المكعب ولكنه إذا فُرِدَ يزيد طوله على المترين. وفي بعض مراحل الخلية نجد الحامض النووي مقسم إلى ستة وأربعين جسيم صبغي تعرف بالكروموسومات التي يشبه كل منها حرف اكس (X) وهى مرتبه في أزواج عددها ثلاثة وعشرين زوجا متماثل في الشكل ومختلف في التركيب الجيني. والحامض النووي يتكون من حلزونيين ملتفين حول بعضهما وهو بدوره يحمل الجينات المسؤولة عن الصفات الوراثية الخاصة بكل إنسان. وكل جين يتركب من تتابع معين من القواعد الأمينية (Nucleotides) والتي تنحصر في أربعة أنواع وهى(ايه= A) و(جى= G) و(تى= T) و(سى= C) بحيث أن القواعد الموجودة على أحد الحلزونين تكون مكمله للقواعد الموجودة على الحلزون الأخر كما لو كان أحد الحلزونين يمثل صورة الحلزون الأخر في المرآة بحيث تكون القاعدة(ايه) مكمله للقاعدة (تى) والقاعدة (جى) مكمله للقاعدة (سى) (صوره 1).\r(صوره 1 : تركيب الحامض النووى)","part":11,"page":116},{"id":4417,"text":"ومن آيات الله أن كافة خلايا الجسد تحوى 46 كروموسوم فردى إلا خلايا الأمشاج فإنها تحوى نصف هذا العدد أي 23 كروموسوم فردى. وبعد التلقيح بين الذكر والأنثى تلتقي الأمشاج في الرحم لتتكون النطفة التي تحمل الشفرة الوراثية للذرية مع العلم بأن نصف الصفة الوراثية يأتي من الذكر والنصف الأخر يأتي من الأنثى. والشفرة الوراثية في النطفة هي المسؤله عن تكوين الذرية في الأرحام وذلك من خلال تصوير كل جين في الشفرة الوراثية لخلق البروتين المماثل لذلك الجين. وكأن تمثال الشفرة الوراثية الموجود في النطفة يعمل كقالب لصب الذرية عليه في الأرحام.\rالتقدير الوراثي في القرآن والسنة\rلاحظنا مدى دقة كلمة التصوير في وصف انتقال الصفات الوراثية من الخلايا الجسدية إلى الأمشاج ومن النطفة إلى الجنين في الرحم. وعليه فان الآيات والأحاديث التي تتناول التقدير الوراثي لابد وأنها تتحدث عن التصوير مقرونا بالخلق أو منفصلا عنه.\rأولا : آيات التصوير بترتيب المصحف : \r1. (هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكُمْ فِي الأرحام كَيْفَ يَشَاءُ) 6 آل عمران.\r2. (وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ ثُمَّ قُلْنَا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لآدَمَ)11 الأعراف.\r3. (اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأرض قَرَارًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ) 64 غافر.\r4. (هُوَ اللَّهُ الْخَالِقُ الْبَارِئُ الْمُصَوِّرُ لَهُ الأسماء الْحُسْنَى)24 الحشر.\r5. (هُوَبَصِيرٌ.خَلَقَكُمْ فَمِنْكُمْ كَافِرٌ وَمِنْكُمْ مُؤْمِنٌ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ .خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالارْضَ بِالْحَقِّ وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ) 2, 3 التغابن.\r6. (يَا أَيُّهَا الإنسان مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ.الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ .فِي أَيِّ صُورَةٍ مَا شَاءَ رَكَّبَكَ) 6, 7, 8 الانفطار.","part":11,"page":117},{"id":4418,"text":"ثانيا : أحاديث التصوير : \r1. (خلق الله آدم على صورته) أحمد والبخاري ومسلم.\r2. (إذا مر بالنطفة اثنتان وأربعين ليله بعث الله إليها ملكا فصورها وخلق سمعها وبصرها وجلدها ولحمها وعظامها ثم قال يا رب اذكر أم أنثى فيقضى ربك ما يشاء ويكتب الملك ) مسلم.\r3. (اللهم لك سجدت وبك آمنت ولك أسلمت سجد وجهي للذي خلقه وصوره وشق سمعه وبصره تبارك الله أحسن الخالقين) مسلم والنسائي والدراقطنى والبيهقى. وفي رواية أخرى جاء الحديث بزيادة فأحسن صورته موافقة لما في القرآن (سجد وجهي للذي خلقه وصوره فأحسن صورته ) مسلم وسنن أبى داود والنسائي. وفي رواية أخرى جاء الحديث بزيادة فأحسن صوره (سجد وجهي للذي خلقه وصوره فأحسن صوره ) مسلم وأحمد وابن حبان والدار قطني وأبو داود.\rالهدف من البحث\r1. إثبات إعجاز القرآن والسنة في وصف الحامض النووي والتقدير الوراثي بكلمتين هما الخلق والتصوير.\r2. شرح دورة الخلية (cell cycle) وما يحدث فيها من انقسام منصف (ميوزى) أو تضاعفي (ميتوزى).\r3. شرح كيفية تحسين النسل في أثناء تكوين الأمشاج وفي أثناء التقدير الوراثي للنطفة.\r4. شرح العلاقة بين الخلق والتصوير في الأصلاب وفي الأرحام.\rالعلاقة بين الخلق والتصوير","part":11,"page":118},{"id":4419,"text":"إذا أخذنا بترتيب سور المصحف نجد أن أول مره يجتمع فيها الخلق مع التصوير في آية واحده هي (وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ ثُمَّ قُلْنَا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لآدَمَ) 11 الأعراف. وبالرجوع إلى كتب المفسرين نجد أنهم قد اختلفوا في تأويل هذه الآية, واختلاف العلماء في تفسير هذه الآية يرجع إلى اختلافهم في فهم الجمع في (خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ) هل هو لتعظيم آدم أم أنه جمع حقيقي يشمل آدم وحواء والذرية. أيضا اختلفوا حول زمان خلق وتصوير الذرية هل هو قبل السجود لآدم أم بعد السجود. كما اختلفوا أيضا حول مكان خلق وتصوير الذرية, هل هو في الأصلاب أم في الأرحام أم في الاثنين معا.\rفذهب بعض العلماء كالطبري وابن كثير إلى أن المقصود في هذه الآية هو آدم وأن التصوير حدث بعد الخلق لإيجاد الشكل الخارجي لآدم وقبل سجود الملائكة, فقال الطبري وابن كثير نقلا عن الزجاج وابن قتيبة (خَلَقْنَاكُمْ) أي خلقنا آدم و(صَوَّرْنَاكُمْ) بتصويرنا آدم وإنما قيل ذلك بالجمع لأنه أبو البشر, فالعرب قد تخطاب الرجل بالأفعال تضيفها إليه والمراد في ذلك سلفه كما قال الله لليهود على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم (وإذ أخذنا ميثاقكم ورفعنا فوقكم الطور خذوا ما آتيناكم بقوة) فالخطاب موجه إلى الأحياء من اليهود والمراد به سلفهم المعدوم, فكذلك (وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ) أى خلقنا أباكم آدم ثم صورناه.","part":11,"page":119},{"id":4420,"text":"و حيث أن أصحاب هذا القول لم يعرفوا ما وصل إليه العلم الحديث من أن التصوير الوراثي للأبناء يمر بثلاثة مراحل, الأولى في الأصلاب أثناء تكوين الأمشاج, والثانية عند اجتماع الأمشاج لتكوين النطفة, أما الثالثة فهي تصوير الجنين من النطفة في الأرحام. ولما اقتصر علم أصحاب هذا القول على معرفة تصوير الأرحام {هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكُمْ فِي الأَرْحَامِ}آل عمران6, قالوا باستحالة أن يكون هناك تصوير للذرية قبل السجود لآدم وفات عليهم أن الإنسان قبل أن يخلق في الأرحام يخلق في الأصلاب ({فَلْيَنظُرِ الإنسان مِمَّ خُلِقَ. خُلِقَ مِن مَّاء دَافِقٍ. يَخْرُجُ مِن بَيْنِ الصُّلْبِ وَالتَّرَائِبِ}الطارق7,6,5. والأمشاج خلقت في صلب آدم وحواء من قبل السجود لآدم ومنها أخذ الله الذرية حين الميثاق {وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِي آدَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُواْ بَلَى}الأعراف172, وفي الحديث (أخذ الله تبارك وتعالى الميثاق من ظهر آدم بنعمان يعني عرفة فأخرج من صلبه كل ذرية ذرأها فنثرهم بين يديه كالذر ثم كلمهم قبلا قال : ألست بربكم قالوا : بلى شهدنا) رواه أحمد والنسائي وصححه الألباني.\rو اذا كان الإنسان على ضعف قدراته إذا أراد أن يبنى بيتا واجتمعت لديه مقدرات البناء تكلم عن البيت قبل اكتمال البناء كأنه موجود, فيقول مثلا أنا ذاهب إلى البيت على اعتبار ما سوف يكون. فكيف بالله القادر لا يتكلم عن الذرية قبل السجود لآدم وهو قد خلق الأمشاج (أصل الذرية) في صلب آدم قبل السجود, ولا يعقل أن آدم كان بدون خصية وأمشاج قبل السجود وآدم قد خلق كاملا قبل السجود كما نص على ذلك حديث النبي صلى الله عليه وسلم (خلق الله آدم على صورته) وقول الله تعالى (فإذا سويته ونفخت فيه من روحي فقعوا له ساجدين).","part":11,"page":120},{"id":4421,"text":"و قد كنت أظن أنني أول من ذهب إلى أن الجمع في (خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ) قد يمتد ليدل على الجنس البشرى آدم وحواء والذرية, وأن التصوير قد يمتد أيضا ليشمل تصوير الذرية من آدم. إلا أنني وبفضل الله قد وجدت أن هذا الرأي قد سبقني إليه بعض كبار المفسرين كالقرطبي والشوكانى وأبو جعفر النحاس نقلا عن أقوال العديد من السلف الصالح : \r1. عن ابن عباس {خَلَقْنَاكُمْ} آدم و{صَوَّرْنَاكُمْ} فذريته خلقوا في أصلاب الرجال وصوروا في الأرحام.\r2. عن قتادة والسدي والضحاك قال : {َقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ} أي خلقنا آدم ثم صورنا الذرية في الأرحام\r3. عن عكرمة والأعمش {خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ} خلقناكم في أصلاب الرجال وصورناكم في الأرحام.\r4. عن مجاهد {خَلَقْنَاكُمْ} قال : آدم و{صَوَّرْنَاكُمْ} قال : خلقناكم في ظهر آدم ثم صورناكم حين الميثاق\r5. عن الحسن {خَلَقْنَاكُمْ} يريد آدم وحواء فآدم من التراب وحواء من ضلع من أضلاعه {ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ} ثم وقع التصوير بعد فالمعنى : ولقد خلقنا أبويكم ثم صورناهما.","part":11,"page":121},{"id":4422,"text":"فأقوال أصحاب هذا القول تدل على أن التصوير في {خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ} يمتد ليشمل الذرية. والاختلاف بينهم على مكان تصوير الذرية فمنهم من قال خلقوا وصوروا في الأصلاب ومنهم من قال في الأرحام ومنهم من قال خلقوا في الأصلاب وصوروا في الأرحام. قال القرطبي كل هذه الأقوال محتمل وأصحها ما يعضده التنزيل قال تعالى {وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإنسان مِن سُلالَةٍ مِّن طِينٍ} يعني آدم و{َخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا} حواء {ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَّكِينٍ} أي جعلنا ذريته نطفا خلقوا في أصلاب الآباء وصوروا في الأرحام. فيكون معنى الآية, بدأ الله خلقكم أيها الناس بآدم وحواء وخلقكم منهما بخلق الأمشاج التي تحمل التقدير (البرنامج الوراثي) لخلقكم وتصويركم في الأرحام ثم قلنا للملائكة اسجدوا لآدم.\rعلاقة التصوير في القرآن والسنة بالحامض النووي\rلكل كائن حي كالإنسان صورة مميزة عن باقي الكائنات ركبها الله وفق مشيئته (في أي صورة ما شاء ركبك). والعلم الحديث يقول بأن الصورة الشكلية للكائن لن تتركب إلا في وجود الحامض النووي (دنا) الذي يمثل الصورة الجينية (الشفرة الوراثية) للصورة الشكلية للكائن. وبإذن الله سوف نثبت في هذا البحث أن التصوير المذكور في القرآن والسنة يحمل في طياته إلى جانب الكلام عن الشكل الخارجي الكلام عن الحامض النووي ودوره في انتقال الصفات الوراثية من الآباء إلى الأبناء وذلك بالأدلة الآتية : \r1. الخالق اسم عام والمصور اسم خاص","part":11,"page":122},{"id":4423,"text":"ذكر الله التصوير في الكلام عن الإنسان في ستة آيات فقط في مقابل العدد الكبير من الآيات التي تتحدث عن خلق الإنسان وغيره من المخلوقات. وكل المخلوقات الغير الحية كالسماوات والأرض والجبال والشمس والقمر والنجوم لها صورتها الشكلية الخاصة بها, ولو كانت تأخذ صورتها باسم المصور لاقترن فعل التصوير بفعل الخلق في ايجادها كما حدث مع الإنسان. ومثال ذلك : \rأ - حواء {خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا}النساء1\rب - الأنعام {وَالأَنْعَامَ خَلَقَهَا لَكُمْ}النحل5\rت - النبات {سُبْحَانَ الَّذِي خَلَقَ الازْوَاجَ كُلَّهَا مِمَّا تُنبِتُ الأرض} يس36\rث - إبليس {َ أَنَاْ خَيْرٌ مِّنْهُ خَلَقْتَنِي مِن نَّارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ}الأعراف12\rج - الجان {وَالْجَآنَّ خَلَقْنَاهُ مِن قَبْلُ مِن نَّارِ السَّمُومِ}الحجر27\rح - السماء والأرض (لخلق السماوات والأرض أكبر من خلق الناس) 57 غافر\rخ - الطرائق {وَلَقَدْ خَلَقْنَا فَوْقَكُمْ سَبْعَ طَرَائِقَ وَمَا كُنَّا عَنِ الْخَلْقِ غَافِلِينَ}المؤمنون17","part":11,"page":123},{"id":4424,"text":"و هذا يوضح لنا أن كل مصور مخلوق وليس كل مخلوق بمصور, قال تعالى {قُلِ اللّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ}الرعد16. ومن المعلوم أن المخلوقات تنقسم إلى صنفين أحدهما له ذريه والآخر ليس له ذريه. وكل ذريه هي صوره من أبائها ولا يحدث ذلك إلا عن طريق الجينات والقواعد الوراثية المعلومة. وعليه فعدم ذكر التصوير مع الجمادات لأنها لا تتكاثر بينما ذكر التصوير مع الإنسان لأنه يتكاثر وله ذريه على صوره أبيها آدم في كل التركيبات إلا أنها تختلف عنه في الشكل. ولما كانت القوانين التي تحكم تكاثر الكائنات الحية الأخرى مشابهة لقوانين تكاثر الإنسان فلم يذكر الله التصوير مع هذه الكائنات لأنه معلوم بالاستنباط من سنة النبي صلى الله عليه وسلم كما في البخاري (أتى رجلا إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال يا رسول الله ولد لي غلام أسود فقال النبي هل لك من ابل, قال نعم, قال ما ألوانها, قال حمر, قال هل فيها أورق, قال نعم, قال فأنى ذلك, قال لعل نزعه عرق, قال لعل ابنك هذا نزعه عرق).\r2. تحدى الله الناس بإيجاد الذباب بالخلق وليس بالتصوير\r{إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ لَن يَخْلُقُوا ذُبَاباً وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ}الحج73, ولو كان التحدي بالتصوير لفعلها الإنسان بالاستنساخ بأن يأتي بخليه من الذبابة بما تحتويه من كروموسومات تحمل صوره وراثية مطابقة للذبابة الأم وباستثارة هذه الخلية بطريقه معينه فنحصل على ذبابه طبق الأصل من الذبابة الأم وهذا ما قد حدث بالفعل مع النعجة دولي. ومع أن الاستنساخ ليس بمعجزه لأن الإنسان يستخدم فيه الحامض النووي المصنوع من قبل الله إلا أن الله لم يتحدى البشر بالتصوير ولو تحداهم بالتصوير لأعجزهم لأنهم لن يستطيعوا صنع الحامض النووي. ولأن الله لا يريد الجدل بل يريد التعجيز فقد تحداهم بالخلق وليس التصوير كما تحدى النمرود بأن يأتي بالشمس من المغرب ولم يجادله في إحياء الموتى.","part":11,"page":124},{"id":4425,"text":"3. معنى التصوير\rقال القرطبي والشوكانى أصل اشتقاق الصورة من صاره إلى كذا إذا أماله, فالصورة مائلة إلى شبه وهيئة (أ.ه). وهذا التعريف يعطينا فكره عن لوازم التصوير وهي مصور وآلة تصوير والشئ المراد أخذ صوره له ومادة يتم التصوير عليها (الفيلم). وقد قال تعالى عن نفسه أنه المصور وآلة التصوير عنده كن فيكون. فما هو هذا الشيء المراد أخذ صوره له وما هي المادة التي يتم التصوير عليها (الفيلم) ؟ \rبعد أن خلق الله آدم خلقا كاملا بصورته كما في الحديث المتفق عليه (خلق الله آدم على صورته) صار آدم هو الشيء الذي يتم أخذ صوره له وهذه الصورة قد أخذت على مادة يتم التصوير عليها. أقول وبالله التوفيق بأن هذه المادة التي تحمل صوره طبق الأصل من آدم هي الحامض النووي الموجود بداخل خلايا جسم آدم. ومن المعلوم أن الحامض النووي هو صوره طبق الأصل من صاحبه وقد استخدمت هذه الحقيقة في عملية استنساخ الكائنات الحية من الخلايا الخاصة بها ومثال ذلك النعجة دوللي. ويدل على صحة هذا الفهم قول الله {هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكُمْ فِي الأَرْحَامِ}آل عمران 6 , فالله هو المصور وآلة التصوير كن والصورة هي الذرية, والشيء الذي تم تصوير الذرية منه في الأرحام هو الحامض النووي في النطفة {وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإنسان مِن سُلالَةٍ مِّن طِينٍ. ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَّكِينٍ}المؤمنون 13,12. فالحامض النووي يمثل الوسيط في نقل الصفات الوراثية من الآباء إلى الأبناء بحيث يكون الآباء هم الأصل والذرية لهم صوره, قال تعالى واصفا الذرية بكلمة صوره {فِي أَيِّ صُورَةٍ مَّا شَاء رَكَّبَكَ}الانفطار8. والتصوير بهذه الكيفية يعطى الكمال لاسم الله المصور لأنه بذلك أوجد التقدير الوراثي لخلق الذرية من النطفة في الأرحام.\r4. دقة كلمة التصوير في وصف انتقال الصفات الوراثية عبر الحامض النووي","part":11,"page":125},{"id":4426,"text":"لا يستطيع أي عالم من علماء الوراثة أن ينكر أن الحامض النووي في الخلية البشرية هو صورة (تمثال) الجسم البشرى وأن الجنين في الرحم هو صورة (تمثال) الحامض النووي في النطفة. ولذا سمى الله الجنين في الرحم صورة (هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكُمْ فِي الأَرْحَامِ) (فِي أَيِّ صُورَةٍ مَّا شَاء رَكَّبَكَ). وكلمة التصوير المستخدمة في القرآن والسنة أدق من كلمة النسخ (Copy = Transcript) المستخدمة في اللغة الانجليزية لوصف انتقال الصفات الوراثية من الآباء إلى الأبناء عبر الأمشاج, فالنسخ يقتضي النقل الحرفي بدون تغيير أي المساواة أو التكرار. والتكرار قد يحدث في التكاثر اللاجنسى في الكائنات الحية من أجل تضاعف عدد الخلايا ولكنه لا يحدث في أثناء انتقال الصفات الوراثية من الآباء إلى الأبناء عبر الأمشاج وإلا لما كان هناك تحسين في النسل ولكان الأبناء مثل الآباء في الشكل والتركيب الوراثي. أما كلمة التصوير (التمثيل) لغة العرب فتدل على احتمالية حدوث تغير في الصورة عن الأصل حتى ولو كان التغيير في الاتجاه فقط كما يحدث لصورة الإنسان في المرآة أو في الصور الفوتوغرافية. كما أن التصوير قد يكون مطابق للأصل فيكون بمعنى النسخ. إذا فالتصوير قد يراد به التساوي أو الاختلاف.\rو هذا الفارق الكبير بين النسخ والتصوير (التمثيل) ليس ابتداعا منى ولكنه معروف ومستخدم في لغة العرب ونجده كالأتى : \r معنى النسخ في لغة العرب : \rفي لسان العرب : يُراد به النقل ، ومنه نسخ الكتاب : أي نقل صورته إلى كتاب آخر {إِنَّا كُنَّا نَسْتَنسِخُ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ}الجاثية29 ، أي ننسخ ما تكتبه الحفظة ، فيثبت عند الله سبحانه.\r معنى التصوير والصورة في لغة العرب.","part":11,"page":126},{"id":4427,"text":"1. لسان العرب : المُصَوِّرْ هو الذي صَوَّر جميع الموجودات ورتبها فأَعطى كل شيء منها صورة خاصة يتميز بها على كثرتها. وقد صَوَّرَهُ صُورةً حَسَنَةً فتَصَوَّر (تشكل). والتَّصاوِيرُ : التَّماثيلُ.\r2. مختار الصحاح : التِّمْثَالُ هو الصورة المصورة.\r3. تاج العروس : الصُّورَةُ بالضَّمّ : الشَّكْلُ والهَيْئةُ والحقيقةُ والصِّفة. وقال المصنّف في البصائر : الصُّورَةُ ما ينتقش به الإنسان ويتميَّزُ بها عن غيره وذلك ضَرْبانِ : ضَرْبٌ محسوس يُدْركُها الإنسانُ وكثيرٌ من الحيوانات كصُورَةِ الإنْسَان والفَرَسِ والحِمارِ . والثاني : معقُولٌ يُدْرِكه الخاصَّةُ دونَ العَامَّة كالصُّورَةِ التي اخْتُصّ الإنْسَانُ بها من العَقْلِ والرَّويّضةِ والمَعَاني التي مُيِّزَ بها وإلى الصُّورتَيْن أشارَ تعالى (وَصَوَّرَكُمْ فأحْسَنَ صُوَرَكُمْ). وقد صَوَّرَهُ صُورةً حَسَنَةً فتَصَوَّر (تشكل).\r معنى التماثلُ في لغة العرب وعلاقة ذلك بالتصوير.\r1. في لسان العرب وتاج العروس : مِثل كلمةُ تَسْوِيَةٍ والفرقُ بين المُماثَلةِ والمُساواةِ أنّ التساويَ هو التكافُؤُ في المِقدارِ لا يزيدُ ولا يَنْقُصُ وأمّا المُماثَلةُ فقد تكون على الإطلاق فمعناه أنّه يَسُدُّ مَسَدَّه وإذا قيل : هو مثلُه في كذا فهو مُساوٍ له في جِهةٍ دونَ جِهةٍ. وماثَلَ الشيءَ شابهه والتِّمْثالُ الصُّورةُ والجمع التَّماثيل ومَثَّل له الشيءَ صوَّره حتى كأَنه ينظر إِليه. والتِّمْثال اسم للشيء المصنوع مشبَّهاً بخلق من خلق الله وجمعه التَّماثيل وأَصله من مَثَّلْت الشيء بالشيء إِذا قدَّرته على قدره.\r2. مختار الصحاح : مِثْلٌ كلمة تسوية والمَثَلُ ما يضرب به من الأَمْثَالِ ومَثَّلَ له كذا تمثِيلاً إذا صور له مثاله بالكتابة أو غيرها والتِمْثَالُ الصورة والجمع التَمَاثِيلُ\r علاقة التصوير والتمثيل بالحامض النووى والكروموسومات","part":11,"page":127},{"id":4428,"text":"1. العلاقة بين الكائن الحي والحامض النووي علاقة مماثله (تصوير) وليست مساواة (نسخ) وذلك لاختلاف الحجم فهما غير متكافئين في المقدار اذ أن الحامض النووي في حجم الذر بالنسبة للكائن الحي. إلا أن الحامض النووي يحمل صوره للكائن تمثل الشَّكْلُ والهَيْئةُ والحقيقةُ والصِّفة بمعنى أنه يحمل الصفات المرئية وغير المرئية للكائن. فالحامض النووي يشبه الإنسان في جهة دون جهة.\r2. الحامض النووي عبارة عن شفره وراثية مشابهه للكائن. وعليه فالحامض النووي هو اسم لشيء مصنوع مشبَّهاً بخلق من خلق الله وأَصله من مَثَّلْت الشيء بالشيء إِذا قدَّرته على قدره ويكون تَمْثيل الشيء بالشيء تشبيهاً به واسم ذلك الممثَّل تِمْثال.\r3. الحامض النووي يسد مسد الكائن الحي فهو مِثلُه على الإطلاق في الصفات وبالحامض النووي يستدل على الكائن الخاص بذلك الحامض النووي اذ أن لكل كائن الحامض النووي الخاص به.\rتعريف اسم الله المصور : \rهو قدرة الله على أن يجعل لكل كائن من الكائنات الحية صورة مميزة له عن الكائنات الأخرى مع أخذ صوره طبق الأصل من الصفات الشكلية للكائن على الحامض النووي بحيث يكون لكل صفه شكليه ((phenotype صفه جينية(Genotype) مقابله لها بكيفية لا يعلمها إلا الله, وبحيث يكون لكل كائن حي صورة وراثية خاصة به.\rشرح آيات وأحاديث الخلق والتصوير(التقدير) الوراثي للإنسان\rيدور الكلام في هذا الباب على أربعة مراحل اساسيه : \r1. خلق وتصوير آدم وحواء والخلايا الجنسية المكونة لأمشاج الذرية\r2. خلق وتصوير الأمشاج في الأصلاب\r3. التلقيح والتقدير الوراثي في النطفة\r4. خلق وتصوير الذرية في الأرحام\rولكبر حجم الموضوع فسوف اكتفى في هذا البحث بشرح المرحلتين الأولى والثانية مع ربطهما بالرابعة لتتم الفائدة, على أن يكون شرح المرحلتين الثالثة والرابعة في بحث لاحق بإذن الله.","part":11,"page":128},{"id":4429,"text":"1- خلق وتصوير آدم وحواء والخلايا الجنسية المكونة لأمشاج الذرية\rقال تعالى عن الخلق الأول (وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ ثُمَّ قُلْنَا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لآدَمَ) 11 الأعراف\rمعنى خلقناكم في الآية : (صوره 2)\rخلق الجنس البشرى بالكامل ابتداء من خلق آدم بكل صفاته الشكلية المرئية وغير المرئية بما فيها الخلية الجنسية المكونة للمشيج الذكرى (Spermatogonium) في الخصية ثم خلق حواء من آدم (و خلق منها زوجها) بكل صفاتها الشكلية المرئية وغير المرئية بما فيها الخلية الجنسية المكونة للمشيج الأنثوي (Oogonium) في المبيض. والخلايا الجنسية هي بداية خلق أمشاج الذرية في الأصلاب كما سنرى ذلك في المرحلة الثانية من مراحل التقدير الوراثي للإنسان. (صوره 2. معنى خلقناكم)\r معنى صورناكم في الآية : صورة 3\rهذه الكلمة تدل على ثلاثة أنواع من التصوير الوراثي : \r1. تصوير آدم : هو تصوير الصفات الشكلية المرئية وغير المرئية (phenotype)لجسد آدم على الحامض النووي في الخلية الجسدية والجنسية بحيث لا توجد صغيره أو كبيره من صفات آدم الجسدية إلا ولها صوره طبق الأصل ممثله بعدد معين من الجينات (Genotyping).\r2. تصوير حواء : وقد تم والله أعلم كتصوير آدم.\r3. تصوير الذرية : بما أن كلمة صورناكم تتضمن تصوير الخلايا الجنسية لآدم وحواء والتي تمثل الأصل في تصوير أمشاج الذرية في الأصلاب, إذاّ فكلمة صورناكم تشمل تصوير الذرية في الأصلاب كما سنرى ذلك في المرحلة الثانية من مراحل التقدير الوراثي للإنسان.\r(صوره 3. معنى صورناكم)\r2- خلق وتصوير الأمشاج في الأصلاب (gametogenesis)\r(صوره 4. شكل الكروموسوم)","part":11,"page":129},{"id":4430,"text":" بدأ الله خلق الذرية في الأصلاب بخلق الخلايا الجنسية (Germinal cells) المكونة للحيوانات المنوية في آدم (Spermatogonium) والمكونة للبويضات في حواء (Oogonium). والخلايا الجنسية في الخصية والمبيض تحتوى على 46 كروموسوم فردى (23 زوج) مثل الخلايا الجسدية, وكل كروموسوم يتكون من خيطين متصلين بنقطه مركزيه(centromere) على شكل حرف اكس (صوره 4), وهذه الكروموسومات تظهر في الخلية في فترات انقسامها.\rيتم خلق الأمشاج من الخلايا الجنسية كالآتي : \rأولا : الانقسام التضاعفي = الميتوزى(Mitosis) .\rالهدف منه زيادة عدد الخلايا الجنسية وتكوين مخزون للمستقبل. في هذا الانقسام يحدث انشطار لكل كروموسوم في الخلية الجنسية إلى نصفين بحيث تتحول ال 46 كروموسوم كامل في الخلية الجنسية إلى 92 نصف كروموسوم. يتبع ذلك انقسام الخلية الجنسية إلى خليتين متماثلتين تحتوى كل منهما على 46 نصف كروموسوم. بعد الانقسام إلى خليتين يتم تصوير (نسخ) كل نصف كروموسوم في كل خليه ليعطى النصف المكمل له بحيث تتحول أنصاف الكروموسومات إلى كروموسومات كاملة (صوره 5).\r(صوره 5 . الانقسام التضاعفي = الميتوزى)\rثانيا : الانقسام الاختزالي = الميوزى (Meiosis).\rالهدف منه تحويل الخلية الجنسية في الأصلاب إلى الأمشاج وذلك على مرحلتين : \r1. الانقسام الاختزالي الأول = التنصيفى (الميوزى الأول) : (صورة 6)","part":11,"page":130},{"id":4431,"text":"يهدف إلى اختزال عدد 46 كروموسوم فردى كامل (23 زوج) في الخلية الجنسية إلى نصف العدد في الأمشاج أى 23 كروموسوم فردى كامل. وفيه تنقسم الخلية الجنسية إلى خليتين كل منهما تحتوى على 23 كروموسوم فردى كامل وتسمى الخلية المشيجيه الأولية. مع العلم بأنه أثناء الانقسام التنصيفى الأول يحدث تبادل لبعض الجينات بين كل كروموسومين من الكروموسومات الزوجية المتماثلة في الشكل وهذا ما يعرف في الوراثة باسم التصالب (كيازما) أو العبور (CHISMATA = Cross over). ويعد التصالب المسؤول الرئيسي عن تحسين النسل حيث ينشأ عنه اختلاف في صفات الأمشاج الجينية عن بعضها البعض وعن الأصل بحيث أن الأبناء لا تشابه الآباء وبحيث يختلف البشر عن بعضهم البعض. وعملية التصالب لكي تحدث تمر بالخطوات الآتية (صورة 7) : \rأ - في كل زوج من الكروموسومات الزوجية المتماثلة يحدث ميل لأحدهما على الأخر\rب - التعانق بين كل كروموسومين من الكروموسومات الزوجية المتماثلة في الشكل\rت - تكثف بعض من أجزاء الكروموسومات المتعانقه ليتكون عليها عقد (loop = Knob) قريبة الشبه من شلة الخيط (Slooped skeins) المتصله بخيط رفيع أو رأس الإنسان على عنقه.\rث - تثاقل العقد على أطراف الكروموسومات المتعانقة (أو تثاقل الرأس على العنق إذا مالت جانبا)\rج - هذا التثاقل عند أطراف الكروموسومات المتعانقة يؤدى إلى حدوث توتر عند العنق لا يزول إلا بحدوث تشققات عند العنق (Craks) ينشأ عنها تقطع أطراف الكروموسومات المتعانقة إلى قطع صغيره مع تبادل القطع بين الكروموسومات المتعانقة لكي ينشأ تغيير في صفات الأمشاج الجينية عن بعضها البعض وعن الأصل.\r(صوره 7. خطوات التصالب)\r(صورة 6. الانقسام الميوزى الأول)\r2. الانقسام الاختزالي الثاني = المتساوي (الميوزى الثاني) : (صورة 8)","part":11,"page":131},{"id":4432,"text":"يهدف إلى تضاعف الخليتين المشيجييتين الأوليتين الناتجتين من الانقسام الميوزى الأول إلى أربع خلايا مشيجيه ثانوية لها نفس التركيب الجينى للخليه المشيجيه الأولية, أي انقسام بدون تحسين وراثي. وحاصل الميوزى الثاني في الذكر هو أربع حيوانات منوية كل منها يحتوى على 23 كر وموسوم فردى كامل, أما في الأنثى فبويضة واحدة وثلاثة أجسام قطبيه كل منها يحتوى على 23 كروموسوم فردى كامل. وخطوات هذا الانقسام هي نفس خطوات الانقسام التضاعفي (الميتوزى) السابق شرحه (صوره 5).\r(صورة 8. الانقسام الميوزى الثاني)\rوصف خلق وتصوير الأمشاج في القرآن والسنة\r1. وصف الانقسام التضاعفي = الميتوزى (Mitosis) الذي يؤدى إلى زيادة عدد الخلايا الجنسية\rلوصف هذا الانقسام نحتاج إلى الكلمات الآتية :\rأ - الخلق لوصف الإيجاد والزيادة في عدد الخلايا (خليه تتحول إلى خليتين)\rب - التصوير لوصف تحول أنصاف الكروموسومات إلى كروموسومات كاملة كالموجوده في الخلية الأم, أي أنه تصوير بدون تحسين.\rت - وصف العلاقة بين الخلق والتصوير بأنهما منفصلين, فنربط بينهما بـ (ثم).\rهذه المواصفات تجتمع في (وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ ثُمَّ قُلْنَا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لآدَمَ) 11 الأعراف.\rوهذا النوع من التصوير حدث في أصلاب آدم وحواء والذرية.\r2. وصف الانقسام الاختزالي الأول = التنصيفى (الميوزى الأول) الذي ينصف الخلية الجنسية\rلوصف هذا الانقسام نحتاج إلى الكلمات الآتية :\rأ - الخلق لوصف الإيجاد والزيادة في عدد الخلايا (خليه واحده تتحول إلى خليتين)\rب - التصوير لوصف حدوث التصالب بين الكروموسومات وتبادل الجينات (وصف دقيق)\rت - ناتج عملية التصالب وهو حدوث تحسين في صور الأبناء عن الآباء\rث - وصف العلاقة بين الخلق والتصوير بالمصاحبه فنربط بينهما بـ (الواو)","part":11,"page":132},{"id":4433,"text":" هذه المواصفات تجتمع في آية {هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ فَمِنكُمْ كَافِرٌ وَمِنكُم مُّؤْمِنٌ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ. خَلَقَ السَّمَاوَاتِ والأرض بِالْحَقِّ وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ}التغابن2, 3. وفي الحديث الصحيح الموافق للآية (سجد وجهي للذي خلقه وصوره فأحسن صورته) وفي رواية أخرى (سجد وجهي للذي خلقه وصوره فأحسن صوره).\r وهذا النوع من التصوير حدث في أصلاب آدم وحواء والذرية.\r قال المفسرون (فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ) أي الصورة الشكلية الحسنه. وإذا كان هذا هو المعنى فماذا نقول في القبيح والأحدب والذي ينقصه عضو أو يزيد عليه عضو أو تأتى أعضائه في غير مكانها الأصلي كأن يأتي القلب في اليسار مثلا وهذه الاختلافات الشكلية ليست بقليلة, فاللون الأسود تمثله أمة الزنوج وقصر القامة صفة الأسيويين. والله يركب الإنسان في أي صوره شاء حسن أو قبيح {فِي أَيِّ صُورَةٍ مَّا شَاء رَكَّبَكَ}الانفطار8. والأصل أن الله أحسن كل شيء خلقه وخلق الإنسان في أحسن تقويم بالنسبة لسائر الأجناس, وما كان لنا أن ندرك عظمة الله في فعله إلا بوجود القبيح.\r اتفقنا على أن التصوير لا يخص الشكل الخارجي وإنما يخص الحامض النووي والتقدير الوراثي, وعليه (فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ) ليس حسن الشكل. وبالرجوع إلى لسان العرب وجدت أن معنى (أَحْسَنَ) بتسكين الحاء وفتح السين والنون هو(حَسَّن) بتشديد السين بمعنى التحسين, وعليه فان الآية جاءت لتصف التصوير الوراثي المسؤول عن تحسين صور الذرية بحيث لا تشابه الآباء والذي يحدث في الانقسام المنصف (الميوزى) الأول المشتمل على التصالب ، وهذا القول تشهد له الأدلة الآتية : ","part":11,"page":133},{"id":4434,"text":"1. الآية تخاطب الذرية ولا تخاطب آدم وحواء, وهذا ما لا يمكن أن يحدث في هذه الآية لأن آدم وحواء هما أصل الذرية وليسا بصورتين يدخل عليهما التحسين, ولذا فان الخطاب في الآية صريح في كونه موجه للذرية فقط (خَلَقَكُمْ فَمِنكُمْ كَافِرٌ وَمِنكُم مُّؤْمِنٌ).\r2. جاء الكلام عن التصوير في هذه الآية في سياق الكلام عن الخلق, فلابد أن الآية تتكلم عن التصوير أثناء عملية خلق ذرية آدم.\r3. الفعل (صُوَرَكُم) على صيغة الماضي فلابد أن هذا الفعل حدث قبل الفعل (يُصَوِّرُكُمْ) المذكور في آية آل عمران (هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكُمْ فِي الأَرْحَامِ), ولو قال قائل بأن صيغة الماضي هذه أيضا قد تصف الجنين بعد إتمام تصويره في الرحم فنرد بأن التصوير هنا يتكلم عن التقدير الوراثي وليس عن وصف الصورة الشكلية. وطالما أن الفعل (صُوَرَكُم) سابق في الزمن للفعل(يُصَوِّرُكُمْ) فلابد أن الكلام في (صوركم) عن خلق الأمشاج في الأصلاب لأنها المرحلة السابقة للنطفة التي تتكون في الرحم.\r4. كلمة (صُوَرَكُم) يلزمها وجود مصور وهو الله, وشيء يتم إعطاءه الصورة, وشيء يتم أخذ صوره منه, والخطاب للذرية ب(صُوَرَكُم) يدل على أن الصورة سوف تعطى للذرية وبالتالي فان الصورة سوف تأخذ من الآباء. وانتقال الصورة من الآباء إلى الأبناء لا يكون إلا في أثناء خلق الأمشاج.\r5. اقترن الخلق بالتصوير في الآيتين بحرف العطف الواو الذي يدل على المصاحبة وتبعهما وصف النتيجة الفورية للتصوير بقوله (فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ) لتدل على التحسين الوراثي الناتج عن التصالب وكأن الآية تكون هكذا (هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ ------------ وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ) 3,2 التغابن.","part":11,"page":134},{"id":4435,"text":"6. لا توجد كلمه على وجه الأرض لوصف أحداث عملية التصالب ككلمة (صُوَرَكُم) التي تأحذ عدة معانى يكمل بعضها بعضا من أجل وصف التصالب وصفا دقيقا لا يقدر عليه البشر. فالصورة مشتقه من الصَّوَرُ وهو الميل وذلك ما نجده في معاجم اللغة العربية كلسان العرب وتاج العروس : \rأ - الصَّوَرُ بالتحريك : المَيَل وصارَ الشيءَ صَوْراً : أَماله فمال وخص بعضهم به إِمالة العنق والرجلُ يَصُور عُنُقَهُ إِلى الشيء إِذا مال نحوه بعنقه وصارَ وجَهَهُ يَصُورُ : أَقْبَل به .\rب - ُوفي حديث عكرمة : حَمَلَة العَرْشِ كلُّهم صُورٌ هو جمع أَصْوَر وهو المائل العنق لثقل حِمْلِهِ .\rت - وصارَ الشَّيْءَ يَصُورُه صَوْراً : قَطَعَه وفَصَّلَه صُورَةً صُورَةً\rث - وفي التنزيل (فَصُرْهُنَّ إلَيْك)َ قال بعضُهم : صُرْهُنّ : وَجِّهْههُنّ وصِرْهُنّ : قَطِّعْهُنّ وشَقِّقْهُنّ.\rومجموع هذه المعاني السابقة هو ملخص التصالب الذي يحدث فيه ميل وتعانق للكروموسومات مع تشقق وتقطع لبعض أجزاءها لثقل الحمل على بعض أجزائها, ثم التحسين بتبادل الأجزاء المتقطعة بين الكروموسومات المتعانقة (صوره 5)","part":11,"page":135},{"id":4436,"text":"7. تخيل لو أن الله قال (وَصَوَّرَكُمْ) فقط ولم يقل (فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ) لكان المفروض وراثيا أن تكون الأبناء صوره طبق الأصل من الآباء. ولكن لما ذكر الله (فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ) دل هذا على حدوث تغيير معين في الصفة الجينية للأمشاج عن الصفة الجينية للآباء عن طريق التصالب. هذا التغيير في الصفة الجينية هو الذي يؤدى إلى الاختلاف العظيم الذي نراه في الصفات الشكلية للبشر كلهم. وهذا ما سجله العلم الحديث ليثبت عظمة القرآن وأنه ليس من كلام البشر فيقول العلم بأنه إذا فرضنا أن الخلية الجنسية تحوى زوج واحد من الكروموسومات فعند حدوث التصالب بينهما نحصل على نوعين مختلفين من الأمشاج, وإذا كانت الخلية الجسدية تحتوى على زوجين من الكروموسومات فان ناتج التصالب بينها هو أربع أنواع من الأمشاج المختلفة, وفي حالة وجود ثلاثة أزواج يكون الناتج ثمانية أنواع من الأمشاج المختلفة وهكذا نسير حتى نصل إلى العدد ثلاثة وعشرين زوج من الكروموسومات وبعد حدوث التصالب بينها تكون الاختلافات بين الأمشاج الناتجة هو (232 ) وهذا العدد يقترب من ثمانية ملايين من الاختلافات بين الأمشاج ولذا فإننا ندرك عظمة قول الله (وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ) فالاختلافات بين البشر بالملايين فهي لا تقتصر على الناس في زماننا ولكنها موجودة منذ أن خلق الله آدم ومستمرة إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها ولذا نجد الخطاب في الآية (وَصَوَّرَكُمْ) موجه إلى كل ذرية آدم إلى قيام الساعة.\r3. الانقسام الاختزالي الثاني = المتساوي (الميوزى الثاني) الذي يهدف إلى تضاعف الخلايا المشيجيه","part":11,"page":136},{"id":4437,"text":"وصف هذا الانقسام هو نفس وصف الانقسام التضاعفي = الميتوزى (Mitosis) الذي يؤدى إلى زيادة عدد الخلايا الجنسية حيث أن الميتوزى والميوزى الثاني يحدثان بنفس الكيفية. فتنقسم الخلية المشيجيه الأولية التي تحوى 23 كؤوموسوم كامل إلى خليتين مشيجيتين ثانويتين بكل منهما 23 نصف كروموسوم, ثم بعد الانقسام يحدث تصوير لأنصاف الكروموسومات لتكوين كروموسومات كاملة. ولذا فإنه يوصف بقول الله (وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ ثُمَّ قُلْنَا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لآدَمَ) 11 الأعراف.\rهذا النوع من التصوير يحدث في أصلاب آدم وحواء والذرية.\rخلاصة الكلام عن الخلق والتصوير في الأصلاب\rتتكون الأمشاج في الأصلاب من الخلايا الجنسية بثلاثة أنواع من الانقسامات لكل خليه (صورة 9) :\rالانقسام الأول : هدفه تضاعف عدد الخلايا الجنسية ويحدث بالانقسام التضاعفي (الميتوزى) وهو الخلق الذي يتبعه التصوير (خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ).\rالانقسام الثاني : هدفه تحويل الخلية الجنسية إلى خليه مشيحيه أوليه مع تحسين الصفات الوراثية في الأبناء عن الآباء ويحدث بالانقسام الميوزى الأول وهو الخلق مصحوب بالتصوير (هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ فَمِنكُمْ كَافِرٌ وَمِنكُم مُّؤْمِنٌ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ. خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالارْضَ بِالْحَقِّ وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ) وحديث (خلقه وصوره فأحسن صورته).\rالانقسام الثالث : وهدفه تضاعف كل خليه مشيحيه أوليه إلى مشيجين وبدون تحسين ويحدث بالانقسام الميوزى الثاني في الخلايا المشيجيه وهو الخلق ثم التصوير (خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ).","part":11,"page":137},{"id":4438,"text":"و أمام هذا الإبداع الذي لا نظير له لا أملك إلا أن أدع التعليق على هذا الإعجاز لله القائل عن نفسه {نَحْنُ خَلَقْنَاكُمْ فَلَوْلَا تُصَدِّقُونَ. أَفَرَأَيْتُم مَّا تُمْنُونَ. أَأَنتُمْ تَخْلُقُونَهُ أَمْ نَحْنُ الْخَالِقُونَ}الواقعة59,58,57, ولذا فإنه تحدى كل من دونه قائلا (هَذَا خَلْقُ اللَّهِ فَأَرُونِي مَاذَا خَلَقَ الَّذِينَ مِن دُونِهِ بَلِ الظَّالِمُونَ فِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ) لقمان11.\rأخطاء العلم الحديث في وصف خلق وتصوير الأمشاج في الأًصلاب\rاستخدم العلم الحديث بعض المسميات التي لا تدل على مسماها بالقدر الكافي لوصف أحداث خلق وتصوير الأمشاج في الأًصلاب بما يدل على أنهم لا يملكون العلم المطلق بينما استطاع المولى تبارك وتعالى بعلمه المطلق من أن يصف أحداث خلق وتصوير الأمشاج في الأًصلاب وصفا دقيقا من خلال استخدام المسميات التي تدل على مسماها بالقدر الكافي ومن أمثلة ذلك :\r1- تكوين الأمشاج عند العلم الحديث (spermatogenesis & oogenesis) بدل خلق الأمشاج\rلفظة التكوين لا تدل على الخالق وكأن الأمشاج فاعله بإرادتها. كما أن هذه اللفظة لا تدل على وجود تقدير جيني وتصوير وراثي وهو الحدث الخفي الذي يتم في أثناء تكوين الأمشاج.\rأما لفظة خلق المنى فتدل على الخالق وتعنى في لغة العرب الإيجاد والتكوين كما أنها تعنى التقدير قال تعالى (أَفَرَأَيْتُمْ مَا تُمْنُونَ أَأَنْتُمْ تَخْلُقُونَهُ أَمْ نَحْنُ الْخَالِقُونَ).\r2- الانقسام الخلوي عند العلم الحديث (Cell division) بدل التخليق في القرآن (Creation)\rالانقسام كلمه تدل على التنصيف بحيث أن جمع النصفين الناتجين يعطى الأصل وذلك يستحيل الحدوث عند الكلام عن الأمشاج لسببين الأول هو حدوث التصالب الذي يغير تركيب الكروموسومات الجيني في الأمشاج عن الأصل والثاني هو زيادة عدد الكروموسومات من 46 في الأصل إلى 92 في الأمشاج المتكونة.","part":11,"page":138},{"id":4439,"text":" أما التخليق فهو تحويل مادة معلومة ذات صوره معلومة إلى مادة أخرى مغايرة للمادة الأولى في الشكل والتركيب بحيث يستحيل استرجاع المادة الأولى من المادة المخلوقة . وعليه فان جمع النصفين لا يعطى الأصل لحدوث تغيير في الكروموسومات تركيبا وعددا وذلك متفق مع تعريف الخلق.\r3- التصالب أو العبور Chiasma = Cross over بدل التصويري التحسيني\r التصالب لا يعنى إلا التعامد ولا يمكن أن يصف شكل حرف اكس (X) أما العبور فقد يصف التعامد وقد يصف شكل حرف اكس (X). وبما أن أطراف الكروموسومات المتماثلة تميل على بعضها وتتعانق في شكل حرف اكس فان كلا اللفظين غير دقيق لوصف شكل التلاقي بين الكروموسومات المتماثلة. كما أن كلا اللفظين لا ينص على كيفية حدوث التحسين الوراثي من خلال تبادل الجينات.\r أما التصوير التحسيني (وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ) فيصف عملية التلاقي بين الكروموسومات المتماثلة في الانقسام الميوزى الأول والذي يحدث فيه ميل وتعانق وفو لا يكون إلا على شكل حرف اكس (X) ثم تشقق وتقطع لبعض أجزاء الكروموسومات لثقل حمل الرأس على العنق يترتب على ذلك التحسين بتبادل الأجزاء المتقطعة بين الكروموسومات المتعانقة. (صورة 10)\r.\r(صورة 10. الفرق بين التصالب والتعانق)\r4. الانقسام التضاعفي والاختزالي الثاني بدل (خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ)\rأطلق العلم الحديث مسميان مختلفين وهما الانقسام التضاعفي والانقسام الاختزالي الثاني لوصف حدث واحد تتضاعف فيه أي خليه إلى خليتين بدون تحسين وراثي. بينما أطلق الله عليهما القرآن مسمى واحد وهو (خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ) لكونهما نوع واحد.\r3- خلق وتصوير الذرية من النطفة في الأرحام\rتتميز هذه المرحلة بحدثين مهمين : \rالحدث الأول : تضاعف عدد خلايا النطفة وتطورها خلقا من بعد خلق","part":11,"page":139},{"id":4440,"text":"تنقسم النطفة ذات ال 46 كروموسوم في الأرحام بهدف تضاعف عدد خلاياها من واحده إلى اثنتين فأربع فثمانيه ويستمر التضاعف طوال الحمل حتى تتكون بلايين الخلايا(صوره 11). ومع كل انقسام تتحول النطفة إلى خلق جديد يختلف عما قبله وعما بعده أى أنها تتغير خلقا من بعد خلق (صوره 12) مع العلم بأن التركيب الوراثي للخلايا الناتجة من الانقسام المستمر في النطفة ثابت لا يتغير (أى بدون تحسين). ويحدث هذا التضاعف في النطفة بنفس الكيفية التي تتضاعف بها الخلايا الجنسية في الأصلاب أى بالانقسام التضاعفي أو الميتوزى (Mitosis), ومع كل انقسام ينشطر كل كروموسوم إلى نصفين ثم تنقسم الخلية إلى خليتين كل منهما تحتوى على ستة وأربعين نصف كروموسوم ثم يحدث تصوير لأنصاف الكروموسومات لتكوين كروموسومات كاملة (صوره 13).\r(صوره 12. تطور النطفة خلقا من بعد خلق)\r(صوره 11. تطور النطفة بالتضاعف)\rالحدث الثاني : مرحلة التخليق في الرحم\rو ذلك من خلال تمايز خلايا النطفة إلى أعضاء مع تصنيع البروتين الازم لتصنيع تلك الأعضاء ثم تركيبها في أماكنها الخاصة بها. ولأن الكلام عن هذه المرحلة يطول فسوف أؤجله للبحث القادم بإذن الله.\rوصف القرآن لخلق وتصوير الذرية في الأرحام (تطور النطفة)\r لكي نصف مرحلة تضاعف عدد خلايا النطفة نحتاج الكلمات الآتية : \rأ - الخلق ثم التصوير لوصف انقسام خلايا النطفة وتضاعفها\rب - عدم ذكر لفظة التحسين مع التصوير لأن التركيب الوراثي للخلايا الناتجة من الانقسام المستمر في النطفة ثابت لا يتغير\rت - كل انقسام في النطفة ينقلها إلى خلقه جديدة مختلفة عن الخلقة السابقة في التركيب\rث - الخلق في الفعل المضارع المستمر لأنه ممتد طوال فترة الحمل\r هذه الكلمات نجدها في آيتين من كتاب الله\rالأولى : (خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ) الأعراف 11.\rلوصف تضاعف النطفة بالانقسام الميتوزى وبدون تحسين وراثى (صوره 13).","part":11,"page":140},{"id":4441,"text":"الثانية : {يَخْلُقُكُمْ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ خَلْقاً مِن بَعْدِ خَلْقٍ فِي ظُلُمَاتٍ ثَلاثٍ}الزمر6.\rيخلقكم بالمضارع المستمر لتصف الزيادة المستمرة في النطفة وتغيرها خلقا من بعد خلق (صوره 11 , 12). وأثناء تطور النطفة خلقا من بعد خلق تتميز عند مراحل معينه لتعطى الأطوار {ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَاماً فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْماً ثُمَّ أَنشَأْنَاهُ خَلْقاً آخَرَ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ}المؤمنون14, فالأطوار ما هي إلا مراحل معينه في (خَلْقاً مِن بَعْدِ خَلْقٍ).\rالعلاقة بين الخلق والتصوير في الأصلاب وفي الأرحام\rمما سبق يتضح لنا أن آية (وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ ثُمَّ قُلْنَا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لآدَمَ) 11 الأعراف, تصف الانقسام التضاعفي للخلايا الجنسية في الأصلاب كما تصف الانقسام التضاعفي لخلايا النطفة في الأرحام. أى أنها تصف خلق الذرية في الأصلاب وفي الأرحام كما وصفت أيضا خلق وتصوير آدم وحواء. وعليه فكما قلت من قبل فان أصح الأقوال في تفسير هذه الآية هو ما ذهب إليه القرطبي من الجمع بين أقوال السلف الصالح للوصول إلى حل لغز هذه الآية مع التذكير بأن الله يحكى لنا في هذه الآية أنه أتم خلق وتصوير آدم وحواء وأمشاج الذرية في الأصلاب وأنه أنه وضع في الأمشاج التقدير الوراثي لخلق وتصوير الذرية في الأرحام ثم قال للملائكة اسجدوا لآدم فسجدوا.\rو بهذا التفسير يتبين لنا أن الله هو صاحب العلم المطلق والأقدر على وصف خلق وتصوير الإنسان من العلم الحديث, ويتأكد لنا الإعجاز اللغوي والبياني للقرآن والسنة من خلال وصف الحامض النووي والتقدير الوراثي بكلمتين معجزتين هما الخلق والتصوير.\rالمقترحات المبنية على البحث","part":11,"page":141},{"id":4442,"text":"1. إعادة تسمية الدورة الخلوية من القرآن والسنة\rإن أبرز ما يميز الدورة الخلوية هو حدوث انقسام للخلايا مع نسخ للحامض النووي. وقد عبر القرآن عن كلمة الانقسام بكلمة الخلق وعن كلمة النسخ بكلمة التصوير. وقد رأينا كيف أن كلمتى الخلق والتصوير أدق من كلمتى الانقسام والنسخ ولذا فاننى أقترح إعادة تسمية الدورة الخلوية بالمصطلحات الإسلامية الدقسقة فتسمى بدورة الخلق والتصوير. كما أقترح استبدال مسمى الانقسام الميتوزى بمصطلح (الخلق ثم التصوير) واستبدال الانقسام الميوزى بمصطلح (الخلق والتصوير التحسيني). وأرجو أن يتم تعديل هذه المصطلحات في كتب الهندسة الوراثية التي تدرس للمسلمين مع السعي في محاولة إقناع العالم الغربي بصحة المصطلحات الإسلامية عن مصطلحاتهم الوضعية.\r2. وضع ترجمة صحيحة لكلمة التصوير في التراجم الأجنبية للقرآن الكريم\rالكلمة المستخدمة في اللغة الانجليزية كترجمة للتصوير هي (enshape) وهذه الكلمة تعنى التشكيل والشكل الخارجي ولا يمكن أن تدل على تصوير شيء من شيء (بمعنى وجود أصل وصورة) ولذا فاننى أقترح تعميم استخدام كلمة (Image) والتي تعنى تصوير شيء من شيء كما تشير إلى ذلك قواميس اللغة الانجليزية.","part":11,"page":142},{"id":4443,"text":"الخاتمة\rلا يسعني في نهاية هذا البحث إلا أن أرجو الله العلى القدير أن يجعل هذا البحث سببا في هداية الكثير من القلوب التي تاهت عن معرفة ربها فصارت تعبد آلهة من دونه لا يخلقون شيئا وهم يخلقون وتركوا عبادة الله الواحد الأحد الفرد الصمد الذي لا شريك له ولا ولد الذي خلقهم ورزقهم ودبر كل أمرهم وصدق الله إذ يقول (واتخذوا من دونه آلهة لا يخلقون شيئا وهم يخلقون ولا يملكون لأنفسهم ضرا ولا نفعا ولا يملكون موتا ولا حياة ولا نشورا) 3 الفرقان. ولكن الإنسان كثيرا ما ينسى الخالق ويدين بالفضل لسواه (خلق الإنسان من نطفة فإذا هو خصيم مبين)4 النحل. ولأن القرآن نزل لهداية الناس كافه فقد خاطب العقول بأساليب شتى تتلاءم مع الكم العلمي لكل شخص فتارة تكون بسيطة لكي يفهمها العامة من الناس بعلمهم البسيط وتارة تكون ذات أساليب علميه معجزه تحتاج إلى البحث العلمي لمعرفة أسرارها. وحيث أن الكثير من أهل هذا الزمان صاروا لا يؤمنون إلا بالمادة فقد خاطب القرآن عقولهم بأسرار من العلوم الحديثة التي أثبتوها بعد جهد مضني ليفاجئوا بأن القرآن قد سبقهم بعدة قرون من الزمان إلى ذكر هذه الأسرار العلمية في وقت كان يستحيل فيه اكتشاف هذه الأسرار بعقول البشر ليثبت لهم أن هذه الآيات الجلية لا يمكن أن تكون بأي حال من الأحوال من كلام البشر وصدق الله إذ يقول (سنريهم آياتنا في الأفاق وفي أنفسهم حتى يتبين لهم أنه الحق)53 فصلت. فآيات الله كثيرة وما يعقلها إلا العالمون (ويرى الذين أوتوا العلم الذي أنزل إليك من ربك هو الحق ويهدى إلى صراط العزيز الحميد)6 سبأ.","part":11,"page":143},{"id":4444,"text":"ربنا تقبل منا إنك أنت السميع العليم وتب علينا إنك أنت التواب الرحيم. هذا وما كان من توفيق فمن الله وحده وما كان من خطأ أو نسيان فمنى ومن الشيطان والله ورسوله منه براء وأرجو الله العظيم أن يتقبل منى هذا العمل القليل وأن يجعله في ميزان حسناتي يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتي الله بقلب سليم . وإذا صح فهمي في هذا البحث فيمكن بعد ذلك مناقشة الأبحاث الآتية والتي تعتمد كلها على أن الخلق غير التصوير وعلى أن المقصود بالتصوير هو التصوير الوراثي وليس الشكل الخارجي :\r1. كيفية التقدير الوراثي في النطفة\r2. كيفية خلق وتصوير الذرية في الأرحام\r3. كيفية خلق عيسى في مريم ونفى إلوهية المسيح باتفاق القرآن والإنجيل.\r4. إثبات النشأة والاختلاف مع بيان بطلان نظرية التطور عند كل من دارون وشاهين\r5. هل كان آدم طوله ستون ذراعا في السماء وما هي الطفرة الجينية التي أدت إلى نقصان\rالطول في الجنس البشرى ؟\r6. إثبات البنوة باستخدام الحامض النووي في القرآن والسنة\r7. متى يعد الإجهاض قتلا للنفس وما هي أنسب وسيله لمنع الحمل ؟\r8. تحدى الله لعلماء الهندسة الوراثية في باب الخلق وباب الخلد\r9. كيف يتعرف الجسم على شقيه الأيمن والأيسر ؟ بحيث لا تتبدل الأعضاء اليمنى مع الأعضاء اليسرى إلا في حالات نادرة جدا كأن يذهب القلب إلى اليمين أو الكبد إلى اليسار. أ هـ {حديث القرآن والسنة عن الحامض النووى فى الأمشاج\rشكل توضيحي لجزيء (DNA)\rبقلم الدكتور محمود عبد الله إبراهيم نجا\rمدرس مساعد بقسم الفارماكولوجيا الاكلينيكيه- كلية طب- جامعة المنصورة - مصر}","part":11,"page":144},{"id":4445,"text":"بحث ثالث\rاستنساخ الإنسان والحيوان ضجة مفتعلة وأكذوبة كبيرة وإفساد عظيم\rبقلم : عبدالرحمن بن عبدالخالق\rضجة مفتعلة : \rالضجة الكبرى التي تعم العالم وتقول إن بعض علماء الأحياء قد استطاعوا أن يخلقوا (يستنسخوا) شاة من شاة أخرى ، وأن الطريق قد أصبح مهيئاً لاستنساخ الحيوان بعضه من بعض دون الحاجة إلى اجتماع الذكر والأنثى ، وأن الطريق قد أصبح مهيأ لاستنساخ البشر حسب الطلب ، دونما حاجة إلى ماء الرجل وبويضة المرأة ، ضجة كبيرة تقوم على أكذوبة كبرى ، وتغرير ظاهر.\rحقيقة الأمر : \rفحقيقة الأمر هو أن علماء الأحياء هؤلاء عبثوا ببويضة ملقحة وانتزعوا منها (النواة) وحقنوها بخلية حية من شاة أخرى ، أن الذي حدث بعد ذلك في ظن فاعليه هو انقسام هذه الخلية الحية ، ونشأة الجنين منها ، وتخلق الشاة من هذه الخلية ، وقد كانت التجربة بتفصيل أكثر كما يلي : \r1) تم الحصول على بويضة من الشاة واستخرجت منها النواة.\r2) تم الحصول على خلية عادية من شاة أخرى ، واستخرجت منا النواة.\r3) تم وضع نواة الخلية العادية في البويضة.\r4) وضعت البويضة في رحم الأم فتم تكاثرها إلى أن أنجبت الأم شاة.\rوهذه العملية قد تمت بعد إجراء نحواً من ثلاثمائة عملية دمج للحمض النووي المأخوذ من خلايا ضرع مع بويضات نعاج مخصبة ، وكلها قد فشلت وربما انتجت (مسوخاً) لم يعلن عنها.\rيقول د. عبدالخالق محمد : \"إن استنساخ خلايا آدمية بالغة باستخدام التقنية الآنف ذكرها ، لا يزال مستحيلاً حتى الآن ، والمحاولات المتكررة والصعبة لاستنساخ خلايا ثديية بالغة باءت جميعها بالفشل ، وهي في مهدها ، وفي الحالات القليلة الناجحة ، كانت النتيجة مخلوقات مشوهة تشوهاً بالغاً ، وغير مقبول إلى أن ظهر الدكتور ويلموت وزملاؤه علينا بمقالهم الشهير في مجلة Nature يعلنون فيه نجاح محاولتهم مع الخلايا الحيوانية البالغة وعنوان نجاحهم النعجة دوللي.","part":11,"page":145},{"id":4446,"text":"إلا أن أحدا لا يعرف بعد ، ما إذا كان النجاح في دوللي مجرد نتيجة لحدوث عطل جنيني مؤقت في الخلايا البالغة التي أجريت عليها التجربة ، وفي لحظة التجربة ولأنه لم يسبق لأحد أن استطاع استئناس الحمض الجزئي في خلايا البويضة ، بمعنى أن الحمض الجزئي ، وكما يعتقد عدد من العلماء لا بد له حتى يتفاعل في خلايا البويضة من أن يشعر أنه في بيته ، وكيف يتم ذلك ؟ لا أحد يعرف بعد\".\rالطريق الثاني للإستنساخ : \rوأما الطريق الثاني الذي اتبعه هؤلاء العلماء في الاستنساخ هو طريق التوائم ، وذلك أن الإنسان في البداية خلية واحدة تنقسم بعد ذلك إلى خليتيين ثم إلى أربع خلايا وهكذا.\rثم يكون مضغة (كتلة جنينية بمقدار ما يمضغة الإنسان) ثم تحول هذه الكتلة في عمل تخصصي لكل منها فخلايا تذهب تكون اللحم ، وأخرى إلى الجلد ، وأخرى إلى العظام... الخ\rوقد تمكن العلماء من فصل الخلية التي نتجت عن انقسام الخلية الأم إلى اثنتين وعزلهما وذلك المحيط بالخليتين المنقسمتين وعزل كل خلية منقسمة عن الأخرى وإعادة إغلاق الفتح الذي تم بغشاء صناعي مكون من مادة هلامية لتكون لكل خلية غشاء كامل يحيط بها يمكنها بعد ذلك من الانقسام هي الأخرى بطريقة طبيعية لخليتين جديدتين ويمكن أيضاً عمل فتح بهما وعزلهما عن بعضهما وإعادة إغلاق هذا الغشاء الذي عمل فيه الفتح بنفس المادة الهلامية ، وهي نفس طريقة تكوين التوائم في بداية الحل حيث تنقسم الخلية المخصبة (البويضة المتحدة مع الحيوان المنوي) لتعطي طفلين.\rوإذا تم حفظ هذه النسخ (التوائم) مجمدة ، ولم يسمح لها بالتكاثر لفترة من الزمن ثم غرست في الأرحام ، وتخلقت فإنه يمكن الحصول على نسخ متعددة بمواصفات الخلية الأولى..","part":11,"page":146},{"id":4447,"text":"وكالعادة في كل كشف أو إعلان عن شيء جديد يتسابق الذين يسارعون في الكفر في التأييد والتشجيع ، ونسج الأحلام. فما كان يعلن هذا الأمر إلا وانبرى من تضيق صدورهم بحقيقة أن الله (خالق كل شيء) من الانتفاش والظن أن الإنسان سينزع من الله صفة الخلق ، وأن البشر سيخلقون غداً بمواصفات حسب الطلب ، والأنعام سيكون حسب القياس الهندسي!! ومنهم من سارع إلى وجوب استنساخ الفراعنة وملكات الجمال... الخ.\rوهذه الضجة تشبه ما قام من ضجة بعد إعلان داروين عن نظريته في الخلق ، وزعم أن التطور كان من الخلية الأولى إلى الإنسان... ثم عاش البشر في هذا الوهم سنين طوالاً ، وكفروا بالخالق ثم اكتشفوا أن زعم داروين باطل ومثله اكتشاف انفجار سديمي في الكون وبعده جاء الزعم أننا اكتشفنا بداية الخلق ، وأن هذا يفسر نشأة الكون... الخ\rاستنساخ الحيوان مستحيل : \rاستنساخ الحيوان من جزء منه غير البويضة الملقحة أمر مستحيل : وهذا العبث في الأجنة بشقيه الآنفين ليس خلقاً ولا استحداثاً للإنسان أو الحيوان ، ولن يكون شأن الإنسان والحيوان شأن النبات يتكاثر بجزء من أغصانه أو نسيجه أو براعمه لأن شأن الحيوان آخر.\rوعندما يشاء الله خلق إنسان أو حيوان فإن البويضة الملقحة وحدها هي التي تنقسم فيها الخلايا إلى مجموعات عاملة وكل مجموعة تعرف طريقها ومكانها فالخلايا التي تكون المخ والأعصاب تأخذ طريقها والخلايا التي تكون العظام كذلك والخلايا التي تكون الشعر كذلك... ولا يعرف البشر إلى يومنا هذا ولن يعرفوا قط لماذا تتصرف الخلايا هكذا ؟! ولماذا لا تذهب الخلايا التي تكون العين ليكون موقعها عند الأقدام مثلاً والخلايا التي تكوِّن الكبد ليكون موقعها في الدماغ ، والخلايا التي تكوِّن مخ الإنسان ليكون موقعها عند مقعدته ، وليس في تجويف رأسه!!","part":11,"page":147},{"id":4448,"text":"وهذا الإنقسام والتحول من حال إلى حال في المخلوق إنما هو من صنع الله وحده {هو الذي يصوركم في الأرحام كيف يشاء} وهو الذي ينتقل بهذا الخلق من طور إلى طور قال تعالى : {ولقد خلقنا الإنسان من سلالة من طين ثم جعلناه نطفة في قرار مكين ثم خلقنا النطفة علقة ، فخلقنا العلقة مضغة فخلقنا المضغة عظاماً فكسونا العظام لحماً ثم أنشأناه خلقاً آخر فتبارك الله أحسن الخالقين}\rوقد امتن الله علينا بهذا الخلق في آيات كثيرة وبين أن هذا من دلائل قدرته وحده سبحانه وتعالى ، وأن الذي خلق الإنسان على هذا النحو قادر على إعادته قال جل وعلا : {يا أيا الناس إن كنتم في ريب من البعث فإنا خلقناكم من تراب ثم من نطفة ثم من علقة ثم من مضغة مخلقة وغير مخلقة لنبين لكم ونقر في الأرحام ما نشاء إلى أجل مسمى ثم نخرجكم طفلاً ثم لتبلغوا أشدكم ومنكم من يتوفى ومنكم من يرد إلى أرذل العمر لكيلا يعلم من بعد علم شيئاً وترى الأرض هامدة فإذا أنزلنا عليها الماء اهتزت وربت وأنبتت من كل زوج بهيج ذلك بأن الله هو الحق وأنه يحيي الموتى وأنه على كل شيء قدير وأن الساعة آتية لا ريب فيها وأن الله يبعث من في القبور}\rلا قياس بين الإنسان والنبات : ","part":11,"page":148},{"id":4449,"text":"والذي جعل كثيراً من الناس يقع في هذا الوهم وهو إمكانية استنساخ الإنسان والحيوان من عضو من أعضائه هو قياسه على النبات فإن الضجة التي قامت حول استنبات النخيل من النسيج الداخلي للنخلة هو الذي أوهم الناس في هذا الوهم وهو ظنهم أن حال الإنسان والحيوان كحال النبات ، وهذا قياس مع الفارق ، فإن النبات يتكاثر منذ بدء الخلق بطرق شتى بالبذرة والبراعم ، والعقلة ، وكنا أطفالاً نأخذ جزءاً من الأغصان البالغة لأشجار الورد والعنب ، والتوت ، والصفصاف ، فينبت منها أشجارها ، ونأخذ البراعم فنركبها على فصائلها ، ويتكون لدينا في الشجرة الواحدة مجموعة من الأشجار كل غصن يثمر نوعاً مختلفاً ولوناً مختلفاً ، وأما الحيوان فلن يستنبت بجزء منه ، ولن يخلق بغير الطريق الذي رسمه الله.\rالعلم والجنوح : \rوهذا السعي الحثيث لخلق إنسان وحيوان من غير الطريق الذي وضعه الله سعى قديم عبثي إفسادي وهو نتاج للمعتقد المدون في التوراة القديمة ، والمأخوذ عن كفار الرومان الأقدمين وهذا المعتقد يقول بأن صراعاً بين الإنسان والإله قائم منذ القدم وأن الإله لأنه حاز العلم فإنه قهر به هذا الإنسان ، وأن الإنسان استطاع أن يسرق شعلة المعرفة من الإله ، وبذلك أصبح كالله عارفاً الخير والشر ، ولو أنه استطاع أن يأكل من شجرة الحياة لعاش خالداً كما هو شأن الآلهة ، ومن أجل ذلك حرس الإله شجرة الحياة حتى لا يصل الإنسان إليها فيكون شأنه كشأن الآلهة ، ولقد أخذ اليهود هذه القصة الخرافية ، وأسقطوها على النصوص الدينية عندهم فادعوا أن الشجرة التي أكل آدم منها هي شجرة المعرفة ، وأن الله عندما اكتشف (هكذا) أن الإنسان أكل من هذه الشجرة وأصبح مثل الله يعلم الخير والشر طرده من الجنة حتى لا يتوصل كذلك إلى الأكل من شجرة الحياة فيخلد كخلود الله!!\rتقول التوراة المكذوبة مصورة هذه القصة : ","part":11,"page":149},{"id":4450,"text":"(وأنبت الرب الإله من الأرض كل شجرة بهية للنظر وجيدة للأكل ، وشجرة الحياة في وسط الجنة ، وشجرة معرفة الخير والشر.. وأوصى الرب الإله آدم قائلاً : من جميع شجر الجنة تأكل أكلاً وأما شجرة معرفة الخير والشر فلا تأكل منها لأنك يوم تأكل منها موتاً تموت)\rثم تزعم التوراة أن الحية جاءت إلى حواء وأغوتها بالأكل من الشجرة ، وأخبرتها أن الله لم يذكر لهما الحقيقة عندما حذرهما من هذه الشجرة قائلة : ( بل الله عالم أنه يوم تأكلان منها تنفتح أعينكما وتكونان كالله عارفين الخير والشر)\rوتقول التوراة أنه لما أكلت حواء وآدم من الشجرة (انفتحت أعينهما وعلما أنهما عريانان) وأن الله لما علم بذلك قال (هو ذا الإنسان قد صار كواحد منا عارفاً الخير والشر ، والآن يمد يده ويأخذ من شجرة الحياة ويأكل ويحيا إلى الأبد. فطرد الإنسان وأقام شرقي عدن الكروبيم ولهيب سيف متقلب لحراسة طرائق شجرة الحياة. (الإصحاح الثاني والثالث والرابع - سفر التكوين)\rوما الشعلة الأولمبية إلا رمز لسرقة الإنسان لقبس المعرفة من الآلهة!!\rفسعى الشعوب الرومانية بعقليتها القديمة والتي جسدتها التوراة وجعلتها عقيدة لليهود ثم للنصارى كذلك إلى إحلال أنفسهم مكان الرب وسعيهم المتواصل للإستغناء عنه ، بل ومغالبته ، سعي قديم ، وما محاولة إيجاد حيوان أو إنسان بغير طريق الخلق الإلهي إلا ثمرة من ثمار هذا السعي.\rلماذا السعي فيما كفانا الله مئونته وجعله شأناً من شأنه ؟ ","part":11,"page":150},{"id":4451,"text":"وإلا فلماذا السعي فيما كفانا الله مئونته ، وتكفل هو سبحانه وتعالى بفعله ، بل لماذا السعي في التدخل في شئونه ، ومحاولة إزاحة يده ، وإبطال فعله والتطاول عليه : {هو الذي يصوركم في الأرحام كيف يشاء}.. {أنزل لكم من الأنعام ثمانية أزواج}.. {يخلقكم في بطون أمهاتكم خلقاً من بعد خلق في ظلمات ثلاث}.. {وما تحمل من أنثى ولا تضع إلا بعلمه}.. {يا أيها الناس ضرب مثل فاستمعوا له إن الذين تدعون من دون الله لن يخلقوا ذباباً ولو اجتمعوا له وإن يسلبهم الذباب شيئاً لا يستنقذوه منه ضعف الطالب والمطلوب} فالخلق من شأن الله سبحانه وتعالى ولن يتنازل عنه لغيره لا لملك مقرب ولا لنبي مرسل ، ولا كذلك لكافر معاند...\rوقد تحدى الله البشر جميعاً بأحقر المخلوقات عندهم وهو الذباب ، وأخبر سبحانه وتعالى إخباراً في موقع التحدي أن البشر لن يخلقوا هذا الشيء الحقير عندهم ، بل لن يستطيعوا أن يقضوا عليه لو شاءوا... وأنه سيظل يأخذ منهم ويسلبهم أرواحهم ، وكثيراً من أموالهم إلى أن تقوم الساعة ، فكم من البشر يموت كل عام بفعل الذباب ، وكم من طعام يجد طريقه إلى القمامة لأن الذباب وقع عليه ، وكل هذا سلب للبشر ، ولن يستطيع البشر بكل آلاتهم أن يقضوا على هذه الحشرة وما دونها ، وهذه الصراصير التي تحارب بكل أنواع المبيدات يعترف الخبراء بها أن الصرصور الأمريكي (الصغير) والأمريكي بالذات يستحيل القضاء عليه ولو بالقنبلة الذرية!! وهذه أجيال الجراثيم الجديدة ، والفيروسات الجديدة الوافدة من الغرب المتقدم أصبحت أشد استعصاءاً على الأدوية والمضادات الحيوية من فيروسات العالم المتأخر الفقير التي هي أقل حنكة وخبرة من فيروسات العالم المتحضر التي استطاعت أن تهزم مستحضراتهم المتقدمة... ولن يكون في الأرض والسماء إلا ما يشاء الله!!\rلماذا لا يكتفي البشر بما خلق الله سبحانه وتعالى في أرضه من أنواع البشر ، والحيوان والنبات.","part":11,"page":151},{"id":4452,"text":"فمن البشر خلق الله سبحانه وتعالى جميع الألوان المناسبة التي هي في تمام الخلق ، وجميع الأشكال المناسبة التي هي في تمام الخلق ، وجعل هذا الاختلاف دليل على عظمته وقدرته وإحسانه للخلق فهو الخالق الباري المصور {الذي أحسن كل شيء خلقه}\rفالبشر ألوانهم الأسود والأبيض وما بينها من درجات هذا اللون مع الإشراب بالحمرة ، والآن أرأيت لو أن إنسان لونه في خضرة النبات أو في زرقة السماء أيكون جميلاً ؟!\rبل انظر إلى ما دون ذلك من الخلق : ألوان الشعر في الإنسان أترى أنه يمكن أن يضيف البشر لوناً جديداً ، يكون جميلاً ؟! هل هذه الشعور الخضراء والزرقاء التي يلون بها الشباب الذي يسمونهم (بالبانكس) هل هي ألوان جميلة ؟! يستطيع الإنسان أن يفسد الخلق ، ولن يزايد المخلوق على الخالق ، ولا تبديل لخلق الله.\rومحاولة تغيير خلق الله حتى لو كان في الصورة الظاهرية موجب للعن الله وسخطه كما قال صلى الله عليه وسلم : [لعن الله الواشمات والمستوشمات ، والنامصات والمتنمصات ، والمتفلجات للحسن المغيرات خلق الله] وهذا في تغيير الصورة الظاهرية.\rوالله سبحانه وتعالى خلق الإنسان في كمال الخلق {لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم} وكل محاولة لتبديل هذا الخلق ستدمر الإنسان نفسه ، وتوجد مسخاً.\rالحيوان : لن يخلقوا نوعاً جديداً : \rوقد خلق الله سبحانه وتعالى لنا أربعة أنواع من الأنعام كل نوع من ذكر وأنثى وهي الإبل ، والبقر ، والغنم ، والماعز.","part":11,"page":152},{"id":4453,"text":"ومحاولة خلق نوع خامس مستحيل ولن يكون!! بل ومحاولة الاستغناء بالذكر عن الأنثى أو بالأنثى عن الذكر لن يكون أيضاً لأنه سبحانه وتعالى يقول في معرض امتنانه على خلقه : {ومن الأنعام حمولة وفرشاً ، كلوا مما رزقكم الله ولا تتبعوا خطوات الشيطان إنه لكم عدو مبين ثمانية أزواج من الضأن اثنين ومن المعز اثنين قل آالذكرين حرم أم الأنثيين أما اشتملت عليه أرحام الأنثيين نبؤني بعلم إن كنتم صادقين ومن الإبل اثنين ومن البقر اثنين قل آالذكرين حرم أم الأنثيين أما اشتملت عليه أرحام الأنثيين أم كنتم شهداء إذ وصاكم الله بهذا فمن أظلم ممن افترى على الله كذباً ليضل الناس بغير علم إن الله لا يهدي القوم الظالمين} ..\rوهذه الآيات مشعرة أنه لن يكون خلق نوع جديد من أنواع الأنعام ، ولن يكون استغناء عن الذكور أو الأناثي.\rوإذا كان الله قد كفى الإنسان مؤونة الخلق فلماذا يجهد الإنسان نفسه في خلق أنواع جديدة.\rالنبات : لن يخلقوا نوعاً جديداً : \rحاول بعض الباحثين في علم النبات الخلط بين جينات البطاطس والطماطم فأخرجوا ثمرة سامة!! إنه العبث والإفساد.","part":11,"page":153},{"id":4454,"text":"المجال الذي كلف الله به الإنسان في الزراعة مجال كبير مناسب لطاقة الإنسان وعلمه : الغرس ، والزرع ، والتسميد ، والري ، والرعاية ، ومقاومة الحشرات والآفات والتعرف على خصائص النبات وفوائده واستخداماته ، والتعرف على طريقة الانتفاع به كل ذلك مما يسره الله للإنسان ، وأما الاعتداء على فعل الرب فلا. قال تعالى : {أفرأيتم ما تحرثون أأنتم تزرعونه أم نحن الزارعون} فتفجير قلب النواة وتنشيط خلاياها ، والإيحاء لها بأن يكون منها خلايا تصنع الجذور وتتجه إلى أسفل ، وخلايا تصنع الساق والأوراق وتتجه إلى أعلى لتشق التربة ، وخلايا في كل ورقة لتحويل الضوء إلى غذاء ، والغذاء إلى أوراق وثمار ، وتفاعل الماء والأملاح والضوء والهواء لخلق هذا الكائن الحي من النبات الذي يرهف حسه فيحس بالأصوات ، ويعرف الليل فينام فيه ، ويخرج ثاني أكسيد الكربون ، ويعرف النهار فيستيقظ فيه ، ويخرج الأوكسجين ، كل هذا من فعل الرب الإله الخالق جل وعلا وليس من فعل الإنسان {وهو الذي مد الأرض وجعل فيها رواسي وأنهاراً ومن كل الثمرات جعل فيها زوجين اثنين يغشي الليل النهار إن في ذلك لآيت لقوم يتفكرون وفي الأرض قطع متجاورات وجنات من أعناب وزرع ونخيل صنوان وغير صنوان يسقى بماء واحد ونفضل بعضها على بعض في الأكل إن في ذلك لآيات لقوم يعقلون}\rوكل محاولة لتبديل خلق الله في النبات ستبوء بالفشل ، وتنقلب على الإنسان سماً زعافاً.\rالعبث بخلق الإنسان أكبر جريمة : ","part":11,"page":154},{"id":4455,"text":"وإذا كانت محاولة الإنسان في خلق مزيد من النباتات قد باءت بالفشل ولن تكون ، وكذلك إذا كانت محاولة خلق أحياء أخرى من الحيوانات أو الزواحف لن يكون تكاثر إلا باجتماع الذكر والأنثى... ولا شك أن محاولة الجمع بين خلايا نوع من الحيوان ونوع آخر لاستحداث نوع جديد هو من العبث والإفساد وإمكانية هذا إنما هو في الجمع من الفصائل الواحدة كإنزاء الحمير على الخيل ، والعكس ، وقد نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن إنزاء الحمير على الخيل ، وإنزاء الذئاب على الكلاب والعكس ، وأما الجمع بين البقر والغنم ، وبين الإبل والخيل فمستحيل... وإذا كان هذا في النبات والحيوان مستحيلاً وهو داخل في باب الإفساد ، والعبث ، ومحاولة مغالبة الرب جل وعلا ، وتبديل مخلوقاته ، ونسبة شيء من الخلق للإنسان..\rأقول إذا كان هذا في النبات والحيوان عدواناً وعبثاً فإنه في الإنسان أشد إجراماً وإتلافاً..\rفمحاولات خلق إنسان يكون نسيجه وخلقه مزيجاً من خلايا الإنسان والقرد ليكون في حجم الغوريلا ، وقوة احتمالها ، وفي عقل الإنسان ، واستقامة قوامه..\rنقول إن هذا مع استحالته إلا أن السعي الحثيث في إيجاده وصرف مليارات الدولارات لإيجاده لا يدخل إلا في باب العبث والفساد ، والعدوان على خلق الله سبحانه وتعالى ومحاولة تبديله ، ولنا أن نتصور مقدار الفساد لو كان هذا في مكنة الإنسان أن يوجد إنساناً له جسم القرد وعقل الإنسان ، أو عقل الإنسان وجسم القرد ، كيف يمكن التعامل مع بشر هذه صفاتهم ، ولو أن البشر استطاعوا أن يوجدوا إنساناً بعقل الخروف وصوفه ، أو في جسم الثور أو عقله ، أو في خفة الطير وعقل الغراب!!\rالحمد لله الذي لم يجعل مصائر الخلق في أيدي هؤلاء العابثين المعتدين على سلطان الرب..\rالتشويهات والنتائج الفظيعة لهذا العبث لا يعلن عنها : ","part":11,"page":155},{"id":4456,"text":"وللأسف أن المسوخ والتشويهات ، والنتائج الفظيعة لهذا العبث لا يعلن عنها وهي تأخذ طريقها إلى الاتلاف وصناديق القمامة!! والقوم ما زالوا يعبثون وينفقون مليارات الدولارات في مصادمة نواميس الله في الخلق.\rوالمخاطر التي تنتظرها من هذا العبث كثيرة جداً : \rوأما المخاطر التي ينتظرها العالم الإسلامي من هذا العبث فكثيرة جداً منها : \r1) جعل العالم الإسلامي الفقير حقلاً لهذه التجارب الإجرامية ، وخاصة بعد أن تبين للغرب خطورة هذه التجارب ، ونتائجها المدمرة ، ولكن الشركات التي تتنافس في إيجاد أي جديد تكسب من ورائه ، سينقلون هذا العالم الإسلامي ودوله الفقيرة وسيكون نساؤه ورجاله ميداناً لذلك (استئجار الأرحام ، العبث بالأجنة ، انتزاع الشيفرة الوراثية من البويضة الملقحة ، وزرع شيفرة أخرى ، قتل الأجنة ، إنتاج مواليد بلا هوية من أجل أن يكونوا قطعاً للغيار ، إنتاج مواليد بلا هوية من أجل الاستمتاع والشذوذ... الخ)\rومن سيوقف هذا العبث الإجرامي ؟!!\rما أشبه الليلة بالبارحة : \rعندما تم قبل سنوات اخصاب بويضة امرأة بحيوان منوي خارج الرحم ، ثم أعيد زراعة البويضة بعد تلقيحها إلى رحم امرأة ، ثم عاشت هذه البويضة وغرست في الرحم وكان منها إنسان قامت قيامة البشر وسموا هذا الفعل (طفل الأنبوب) وظن كثير من الجهال أن هؤلاء العابثين قد خلقوا إنساناً في أنبوبة الاختبار!!","part":11,"page":156},{"id":4457,"text":"وقلنا يومها إن الأمر ليس بجديد وهؤلاء العلماء لم يخلقوا شيئاً ، وأن تلقيح البويضة التي خلقها الله خارج الرحم من حيوان منوي خلقه الله ، ثم زرعها من جديد في الرحم الذي خلقه الله ، ثم تولى الله سبحانه وتعالى رعاية هذا الجنين نطفة فعلقة فمضغة مخلقة وغير مخلقة إلى أن ولد إنساناً ، كل هذا من خلق الله وإنما الذي صنعه الإنسان هو الجمع بين الحيوانات المنوية ، والبويضة في حقل تزواجهما خارج الرحم ، وأمام عين الطبيب ، وعلماً أن الحيوان المنوي الذي يتفضل ويسبق غيره من ملايين الملايين من أمثاله للفوز بالدخول إلى البويضة لا يتلقى أوامره من الطبيب!!\rوإنما يتلقى الأمر من الله!! والطبيب القابع خلف المجهر يراقب العملية إنما هو متفرج فقط ولا يستطيع أيضاً أن يشجع حيواناً منوياً بعينه ليقتحم العقبة وينفذ إلى داخل البويضة!!\rوقلنا يومذاك وما زلنا نقول إن هذا عبث لا فائدة منه ، والأضرار الناجمة عنه أكبر بكثير من المنافع المحتملة والمتحصلة... فإن هذا لا يفيد إلا امرأة واحدة من كل مليون امرأة يكون مبيضها قادراً على إنتاج بويضة كاملة سليمة ، ولكن قناة المبيض ضيقة لا تسمح بمرور البويضة فانتزاع البويضة منها ، وتلقيحها خارج الرحم بحيوان منوي لزوجها ثم إعادة غرسها في الرحم مرة أخرى قد يؤدي إلى أن تنجب ولداً منها ومن زوجها.\rوهذه واحدة من ملايين ، ولكن هذا العمل الشيطاني سيؤدي وقد أدى إلى أضرار كثيرة جداً فإن البشر لما تعلموا أنه يمكن تلقيح البويضة خارج الرحم ، ويمكن حفظ هذه اللقيحة في درجات حرارة منخفضة ثم إعادة غرسها في الرحم مرة أخرى تفتقت العقليات الإجرامية والكسبية المادية عن طرق كثيرة للعبث والإجرام والكسب المادي من وراء ذلك ؟ ومن ذلك : \r1) استئجار امرأة لتحمل نيابة عن امرأة أخرى ، فيلقى في رحمها بويضة ملقحة من المرأة الأخرى. ثم لمن يكون الطفل بعد ذلك لصاحبة البويضة ؟ أو الأم المستأجرة ؟ ","part":11,"page":157},{"id":4458,"text":"2) شراء لقائح جاهزة وزرعها في أرحام من لا يخافون الله!!\r3) شراء النطف حسب المواصفات المطلوبة للمصارعين والملاكمين والبارعين في طب أو هندسة أو سياسة (وهذا نكاح استبضاع جديد للجاهلية الجديدة شبيهاً بما كان في الجاهلية الأولى).\r4) شراء البويضات حسب الطلب ، ومن أجل ذلك نشأت بنوك النطف أو بنوك المنى.\r5) استئجار أرحام النساء الفقيرات لإنتاج أطفال لاستخدامهم في قطع الغيار فقط : أخذ عيونهم ، وغددهم ، وكلاهم ، وأكبادهم ، وقلوبهم من أجل الأغنياء!!\r6) إنتاج أطفال بلا هوية لاستخدامهم في الاستمتاع الحيواني في الشذوذ والزنا!!\rوهذه المصانع البشرية تقوم اليوم في بلدان كثيرة على قدم وساق... مكاسبها المادية أعظم من مكاسب الحشيش والأفيون والهيروين ، ولكنها تجارة إجرامية ، بل أعظم إجراماً من التجارة في هذه المواد المدمرة.\rالقوانين لن تقف أمام هذا العبث : \rوالخلاصة : نعتقد أن محاولة استنساخ الحيوان والإنسان بالطرق الآنفة هو عبث لا خير من ورائه البتة ، ونعلم أن سن القوانين لن يوقفه لأن الكسب المادي من ورائه كبير جداً ، وكم سنت من القوانين لتحريم الخمر ومنعها ليس في العالم الإسلامي فقط بل في أمريكا ، وكذلك تحريم المخدرات ، والتدخين ، وقد بين العلماء والحكماء مخاطر الزنا ، وأخطار الشذوذ الجنسي ، وآثاره المدمرة ، وأقلها الإيدز ، وأخطار السحاق ، ولكن التجارة في كل هذه القبائح والسموم كانت وما زالت رائجة ، والمتاجرون بهذه الفواحش والمنكرات والشذوذ كانوا أكبر من القانون والأعراف والأخلاق لأنهم كما قال سبحانه وتعالى {إن يدعون من دونه إلا إناثاً وإن يدعون إلا شيطاناً مريداً لعنه الله وقال لاتخذن من عبادك نصيباً مفروضاً ولأضلنهم ولأمنينهم ولأمرنهم فيبتكن أذان الأنعام ولأمرنهم فليغيرن خلق الله ومن يتخذ الشيطان ولياً من دون الله فقد خسر خسراناً مبيناً يعدهم ويمنيهم وما يعدهم الشيطان إلا غروراً}","part":11,"page":158},{"id":4459,"text":"ومع كل هذا فعلينا أن نحمي العباد والبلاد من هذا العبث الشيطاني.\rوبعد فهذه بعض المخاطر المتوقعة من عمليات الاستنساخ الحيواني والبشري حسب الصور الممكنة الآن : \rأما في حال الإنسان : \rفإن الإنسان المصنع أو المخلوق بطريقة استئجار الأرحام سيكون ملكاً للجهة التي قامت بتصنيعه شركة كانت أو غنياً ، وسيصبح هذا الإنسان سلعة يستعمل في قطع الغيار أو مكان الحيوان ، أو في الشذوذ الجنسي ، وستقل تكلفة تصنيع هذا الإنسان مع الوقت ويكون في مككنة الأفراد.\rوأما في الحيوان : \rفإن إدخال المورثات البشرية في عناصر تركيب الحيوان سيكون أمراً خطيراً فهو أولاً تدخل في عمل الخالق ، ثم ربما كان مدمراً للحيوان نفسه ، ثم للإنسان إذا أكل لحمه أو شرب لبنه.\rوإفساد الإنسان بالأطعمة لا يكون لبدنه فقط بل ربما كان لروحه أيضاً. أ هـ {استنساخ الإنسان والحيوان ضجة مفتعلة وأكذوبة كبيرة وإفساد عظيم\rبقلم : عبدالرحمن بن عبدالخالق}","part":11,"page":159},{"id":4460,"text":"قوله تعالى {هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آَيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آَمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ (7)}\rقال البقاعى : \rولما ختم سبحانه وتعالى بوصف العزة الدالة على الغلبة الدالة على كمال القدرة والحكمة المقتضي لوضع كل شيء في أحسن محاله وأكملها المستلزم لكمال العلم ، تقديراً لما مر من التصوير وغيره ، وكان هذا الكتاب أكمل مسموعات العباد لنزوله على وجه هو أعلى الوجوه ، ونظمه على أسلوب أعجز الفصحاء وأبكم البلغاء إلى غير ذلك من الأمور الباهرة والأسرار الظاهرة ، وعلى عبد هو أكمل الخلق ؛ أعقب الوصفين بقوله بياناً لتمام علمه وشمول قدرته : {هو} أي وحده {الذي} ولما فصل أمر المنزل إلى المحكم والتشابه نظر إليه جملة كما اقتضاه التعبير بالكتاب فعبر بالإنزال دون التنزيل فقال : {أنزل عليك} أي خاصة {الكتاب} أي القرآن ، وقصر الخطاب على النبي صلى الله عليه وسلم لأن هذا موضع الراسخين وهو رأسهم دلالة على أنه لا يفهم هذا حق فهمه من الخلق غيره.","part":11,"page":160},{"id":4461,"text":"قال الحرالي : ولما كانت هذه السورة فيما اختصت به من علن أمر الله سبحانه وتعالى مناظرة بسورة البقرة فيما أنزلت من إظهار كتاب الله سبحانه وتعالى كان المنتظم بمنزل فاتحتها ما يناظر المنتظم بفاتحة سورة البقرة ، فلما كانت سورة البقرة منزل كتاب هو الوحي انتظم بترجمتها الإعلام بأمر كتاب الخلق الذي هو القدر ، فكما بين في أول سورة البقرة كتاب تقدير الذي قدره وكتبه في ذوات من مؤمن وكافر ومردد بينهما هو المنافق فتنزلت سورة كتاب للوحي إلى بيان قدر الكتاب الخلقي لذلك كان متنزل هذا الافتتاح الإلهي إلى أصل منزل الكتاب الوحي ؛ ولما بين أمر الخلق أن منهم من فطره على الإيمان ومنهم من جبله على الكفر ومنهم من أناسه بين الخلقين ، بين في الكتاب أن منه ما أنزله على الإحكام ومنه ما أنزله على الاشتباه ؛ وفي إفهامه ما أنزله على الافتنان والإضلال بمنزله ختم الكفار ؛ انتهى فقال : {منه آيات محكمات} أي لا خفاء بها.\rقال الحرالي : وهي التي أبرم حكمها فلم ينبتر كما يبرم الحبل الذي يتخذ حكمة أي زماماً يزم به الشيء الذي يخاف خروجه على الانضباط ، كأن الآيه المحكمة تحكم النفس عن جولانها وتمنعها من جماحها وتضبطها إلى محال مصالحها ، ثم قال : فهي آي التعبد من الخلق للخلق اللائي لم يتغير حكمهن في كتاب من هذه الكتب الثلاث المذكورة ، فهن لذلك أم انتهى.\r","part":11,"page":161},{"id":4462,"text":"ولما كان الإحكام في غاية البيان فكان في تكامله ورد بعض معانيه إلى بعض كالشيء الواحد ، وكان رد المتشابه إليه في غايه السهولة لمن رسخ إيمانه وصح قصده واتسع علمه ليصير الكل شيئاً واحداً أخبر عن الجمع بالمفرد فقال : {هن أم الكتاب} والأم الأمر الجامع الذي يؤم أي يقصد ، وقال الحرالي : هي الأصل المقتبس منه الشيء في الروحانيات والنابت منه أو فيه في الجسمانيات {وأخر} أي منه {متشابهات} قال الحرالي : والتشابه تراد التشبه في ظاهر أمرين لشبه كل واحد منهما بالآخر بحيث يخفى خصوص كل واحد منهما ؛ ثم قال : وهن الآي التي أخبر الحق سبحانه وتعالى فيهن عن نفسه وتنزلات تجلياته ووجوه إعانته لخلقه وتوفيقه وإجرائه ما أجرى من اقتداره وقدرته في بادئ ما أجراه عليهم ، فهن لذلك متشبهات من حيث إن نبأ الحق عن نفسه لا تناله عقول الخلق ، ولا تدركه أبصارهم ، وتعرف لهم فيما تعرف بمثل أنفسهم ، فكأن المحكم للعمل والمتشابه لظهور العجز ، فكان لذلك حرف المحكم أثبت الحروف عملاً ، وحرف المتشابه أثبت الحروف إيماناً ، واجتمعت على إقامته الكتب الثلاث ، واختلفت في الأربع اختلافاً كثيراً فاختلف حلالها وحرامها وأمرها ونهيها ، واتفق على محكمها ومتشابهها انتهى.\r","part":11,"page":162},{"id":4463,"text":"فبين سبحانه وتعالى بهذا أنه كما يفعل الأفعال المتشابهه مثل تصوير عيسى عليه الصلاة والسلام من غير نطفة ذكر ، مع إظهار الخوارق على يديه لتبين الراسخ في الدين من غيره كذلك يقول الأقوال المتشابهه ، وأنه فعل في هذا الكتاب ما فعل في غيره من كتبه من تقسيم آياته إلى محكم ومتشابه ابتلاء لعباده ليبين فضل العلماء الراسخين الموقنين بأنه من عنده ، وأن كل ما كان من عند الله سبحانه وتعالى فلا اختلاف فيه في نفس الأمر ، لأن سبب الاختلاف الجهل أو العجز ، وهو سبحانه وتعالى متعال جده منزه قدره عن شيء من ذلك ، فبين فضلهم بأنهم يؤمنون به ، ولا يزالون يستنصرون منه سبحانه وتعالى فتح المنغلق وبيان المشكل حتى يفتحه عليهم بما يرده إلى المحكم ، وهذا على وجه يشير إلى المهمة الذي تاه فيه النصارى ، والتيه الذي ضلوا فيه عن المنهج ، واللج الذي أغرق جماعاتهم ، وهو المتشابه الذي منه أنهم زعموا أن عيسى عليه الصلاة والسلام كان يقول له القائل : يا رب! افعل لي كذا ويسجد له ، فيقره على ذلك ويجيب سؤاله ، فدل ذلك على أنه إله ، ومنه إطلاقه على الله سبحانه وتعالى أباً وعلى نفسه أنه ابنه ، فابتغوا الفتنه فيه واعتقدوا الأبوة والنبوة على حقيقتهما ولم يردوا ذلك إلى المحكم الذي قاله لهم فأكثر منه ، كما أخبر عنه أصدق القائلين سبحانه وتعالى في الكتاب المتواتر الذي حفظه من التحريف والتبديل : \r","part":11,"page":163},{"id":4464,"text":"{لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه} [ فصلت : 42 ] ، وهو {إني عبد الله آتاني الكتاب وجعلني نبياً وجعلني مباركاً أين ما كنت وأوصاني بالصلاة والزكاة ما دمت حياً} [ مريم : 30 ، 31 ] {ما قلت لهم إلا ما أمرتني به أن اعبدوا الله ربي وربكم} [ المائدة : 117 ] {إن الله ربي وربكم فاعبدوه هذا صراط مستقيم} [ مريم : 51 ] ، هذا مما ورد في كتابنا الذي لم يغيروا ما عندهم فإن كانوا قد بدلوه فقد ولله الحمد منه في الأناجيل الأربعة التي بين أظهرهم الآن في أواخر هذا القرن التاسع من المحكم ما يكفي في رد المتشابه إليه ، ففي إنجيل لوقا أن جبريل عليه الصلاة والسلام ملاك الرب لما تبدى لمريم مبشراً بالمسيح عليه السلام وخافت منه قال لها : لا تخافي يا مريم ظفرت بنعمة من عند الله سبحانه وتعالى ، وأنت تقبلين حبلاً وتلدين ابناً يدعى يسوع ، يكون عظيماً ، وابن العذراء يدعى ؛ ويعطيه الرب الإله كرسي داود أبيه ؛ وفي إنجيله أيضاً وإنجيل متى أن عيسى عليه الصلاة والسلام قال وقد أمره إبليس أن يجرب قدره عند الله بأن يطرح نفسه من شاهق : مكتوب : لا تجرب الرب إلهك ، وقال وقد أمره أن يسجد له : مكتوب : للرب إلهك اسجد ، وإياه وحده اعبد ، وصرح أن الله سبحانه وتعالى واحد في غير موضع ؛ وفي إنجيل لوقا أنه دفع إلى المسيح سفر أشعيا النبي فلما فتحه وجد الموضع الذي فيه مكتوب : روح الرب عليّ ، من أجل هذا مسحني وأرسلني لأبشر المساكين وأبشر بالسنة المقبولة للرب ، والأيام التي أعطانا إلهنا ، ثم طوى السفر ودفعه إلى الخادم ؛ وفيه وفي غيره من أناجيلهم : من قبل هذا فقد قبلني ، ومن قبلني فقد قبل الذي أرسلني ، ومن سمع منكم فقد سمع مني ، ومن جحدكم فقد جحدني ، ومن جحدني فقد شتم الذي أرسلني ومن أنكرني قدام الناس أنكرته قدام الناس ، أنكرته قدام ملائكة الله ، وفي إنجيل يوحنا أنه قال عن نفسه عليه الصلاة والسلام : الذي أرسله الله إنما ينطق","part":11,"page":164},{"id":4465,"text":"بكلام الله لأنه ليس بالكيس ، أعطاه الله الروح ، وقال : قد سأله تلاميذه أن بأكل فقال لهم : طعامي أن أعمل مسرة من أرسلني وأتم عمله ؛ وفيه في موضع آخر : الحق الحق أقول لكم! أن من يسمع كلامي وآمن بمن أرسلني وجبت له الحياة المؤبده ، لست أقدر أعمل شيئاً من ذات نفسي ، وإنما أحكم بما أسمع ، وديني عدل لأني لست أطلب مسرتي بل مسرة من أرسلني ؛ وفي إنجيل مرقس أنه قال لناس : تعلمتم وصايا الناس وتركتم وصايا الله ، وزجر بعض من اتبعه فقال : اذهب يا شيطان! فإنك لم تفكر في ذات الله ، وتفكر في ذات الناس ؛ فقد جعل الله إلهه وربه ومعبوده ، واعترف له بالوحدانيه وجعل ذاته مبايناً لذات الناس الذي هو منهم ؛ وفي جميع أناجيلهم نحو هذا ، وأنه كان يصوم ويصلي لله ويأمر تلاميذه بذلك ، ففي إنجيل لوقا أنهم قالوا له : يا رب! علمنا نصلي كما علم يوحنا تلاميذه ، فقال لهم : إذا صليتم فقولوا : أبانا الذي في السماوات يتقدس اسمك! كفافنا أعطنا في كل يوم ، واغفر لنا خطايانا لأنا نغفر لمن لنا عليه ، ولا تدخلنا في التجارب ، لكن نجنا من الشرير ؛ ولما دخل الهيكل بدأ يخرج الذين يبيعون ويشترون فيه ، فقال لهم : مكتوب أن بيتي هو بيت الصلاة وأنتم جعلتموه مفازة اللصوص! فعلم من هذا كله أن إطلاق اسم الرب عليه لأن الله سبحانه وتعالى أذن له أن يفعل بعض أفعاله التي ليست في قدرة البشر ، والرب يطلق على السيد أيضاً ، كما قال يوسف عليه الصلاة والسلام : \r{اذكرني عند ربك} [ يوسف : 42 ].\r","part":11,"page":165},{"id":4466,"text":"ثم وجدت في أوائل إنجيل يوحنا أن الرب تأويله العلم ، ولو ردوا أيضاً الأب والابن إلى هذا المحكم وأمثاله وهي كثيرة في جميع أناجيلهم لعلموا بلا شبهة أن معناه أن الله سبحانه وتعالى يفعل معه ما يفعل الوالد مع ولده من الترية والحياطة والنصرة والتعظيم والإجلال ، كما لزمهم حتماً أن يأولوا قوله فيما قدمته : أبانا الذي في السماوات ، وقوله في إنجيل متى لتلاميذه : هكذا فليضىء نوركم قدام الناس ليروا أعمالكم الحسنة ويمجدوا أباكم الذي في السماوات ، وقال : وأحسنوا إلى من أبغضكم ، وصلوا على من يطردكم ويخزيكم لكيما تكونوا بني أبيكم الذي في السماوات ، لأنه المشرق شمسه على الأخيار والأشرار ، والممطر على الصديقين والظالمين ، انظروا! لا تصنعوا أمراً حكم قدام الناس لكي يروكم ، فليس لكم أجر عند أبيكم الذي في السماوات ، وإذا صنعت رحمة فلا تضرب قدامك بالبوق ، ولا تصنع كما يصنع المراؤون في المجامع وفي الأسواق لكي يمجدوا من الناس ، الحق أقول لكم! لقد أخذوا أجرهم ؛ وأنت إذا صنعت رحمة لا تعلم شمالك ما صنعته يمينك ، لتكون صدقة في خفية ، وأبوك الذي يرى الخفية يعطيك على نية ؛ وقل في الفصل العاشر منه : وصل لأبيك سراً ، وأبوك يرى السر فيعطيك علانية.\rوهكذا في جميع آيات الأحكام من الإنجيل كرر لهم هذه اللفظة تكريراً كثيراً ، فكما تأول لها النصارى بأن المراد منها تعظيمهم له أشد من تعظيمهم لآبائهم ليعتني بهم أكثر من اعتناء الوالد بالولد فكذلك يأولون ما في إنجيل لوقا وغيره أن أم عيسى وإخواته أتوا اليه فلم يقدروا لكثره الجمع على الوصول إليه فقالوا له أملك وإخواتك خارجاً يريدون أن ينظروا إليك ، فأجاب : أمي وأخوتي الذين يسمعون كلمة الله ويعملون بها ؛ فكذلك يلزمهم تأويلها في حق عيسى عليه الصلاة والسلام لذلك ليرد المتشابه إلى المحكم.\r","part":11,"page":166},{"id":4467,"text":"وإن لم يأولوا ذلك في حق أنفسهم وحملوه على الظاهر كما هو ظاهر قوله سبحانه وتعالى : {وقالت اليهود والنصارى نحن أبناء الله وأحباؤه} [ المائدة : 18 ] كانوا مكابرين في المحسوس بلا شبهة ، فإن كل أحد منهم مساو لجميع الناس وللبهائم في أن له أبوين ، وكانت دعواهم هذة ساقطة لا يردها عليهم إلا من تبرع بإلزامهم بمحسوس آخر هم به يعترفون ، وقد أقام هو نفسه عليه الصلاة والسلام أدلة على صرفها عن ظاهرها ، منها غير ما تقدم أنه كثيراً ما كان يخبر عن نفسه فيقول : ابن الإنسان يفعل كذا ، ابن البشر قال كذا يعني نفسه الكريمة ، فحيث نسب نفسه إلى البشر كان مريداً للحقيقة ، لأنه ابن امرأة منهم ، وهو مثلهم في الجسد ، والمعاني حيث نسبها إلى الله سبحانه وتعالى كان على المجاز كما تقدم.\r","part":11,"page":167},{"id":4468,"text":"وأما السجود فقد ورد في التوراة كثيراً لأحاد الناس من غير نكير ، فكأنه كان جائزاً في شرائعهم فعله لغير الله سبحانه وتعالى على وجه التعظيم والله سبحانه وتعالى أعلم ، وأما نحن فلا يجوز فعله لغير الله ، ولا يجوز في شريعتنا أصلاً إطلاق الأب ولا الابن بالنسبة إليه سبحانه وتعالى ، وكذا كل لفظ أوهم نقصاً سواء صح أن ذلك كان جائزاً في شرعهم أم لا ، وإذا راجعت تفسير البيضاوي لقوله سبحانه وتعالى في البقرة {إذا قضى أمراً فإنما يقول له كن فيكون} [ البقرة : 117 ] زادك بصيرة فيما هنا ؛ والحاصل أنهم لم يصرفوا ذلك في حق عيسى عليه الصلاة والسلام عن ظاهره وحقيقته وتحكموا بأن المراد منه المجاز وهو هنا إطلاق اسم الملزوم على اللازم ، وكذا غيره من متشابه الإنجيل ، كما فعلنا نحن بمعونة الله سبحانه وتعالى في وصف الله سبحانه وتعالى بالرضى والغضب والرحمة والضحك وغير ذلك مما يستلزم حمله على الظاهر وصفات المحدثين ، وكذا ذكر اليد والكف والعين ونحو ذلك فحملنا ذلك كله على أن المراد منه لوازمه وغاياته مما يليق بجلاله سبحانه وتعالى مع تنزيهنا له سبحانه وتعالى عن كل نقص وإثباتنا له كل كمال ، فإن الله سبحانه وتعالى عزه وجده وجل قدره ومجده أنزل حرف المتشابه ابتلاء لعباده لتبين الثابت من الطائش والموقن من الشاك.","part":11,"page":168},{"id":4469,"text":"قال الحرالي في كتابه عروة المفتاح : وجه إنزال هذا الحرف تعرف الحق للخلق بمعتبر ما خلقهم عليه ليلفتوا عنه وليفهموا خطابه ، وليتضح لهم نزول رتبهم عن علو ما تعرف به لهم ، وليختم بعجزهم عن إدراك هذا الحرف علمهم بالأربعة يعني الأمر والنهي والحلال والحرام ، وحبسهم بالخامس وتوقفهم عنه والاكتفاء بالإيمان منه ما تقدم من عملهم بالأربعة ، واتصافهم بالخامس ليتم لهم العبادة بالوجهين من العمل والوقوف والإدراك والعجز {فارجع البصر هل ترى من فطور} [ الملك : 3 ] علماً وحساً {ثم ارجع البصر كرتين ينقلب إليك البصر خاسئاً وهو حسير} [ الملك : 4 ] عجزاً ، أعلمهم بحظ من علم أنفسهم وغيرهم بعد أن أخرجهم من بطون أمهاتهم لا يعلمون شيئاً ثم أعجزهم عن علم أمره وأيامه الماضية والآتية وغائب الحاضرة ليسلموا له اختيار فيرزقهم اليقين بأمره وغائب أيامه ، كما أسلموا له في الصغر اضطراراً ، فرزقهم حظاً من علم خلقه ، فمن لم يوقفه في حد الإيمان اشتباه خطابه سبحانه وتعالى عن نفسه وما بينه وبين خلقه وحاول تدركه بدليل أو فكر أو تأويل حرم اليقين بعلي الأمر والتحقيق في علم الخلق ، وأوخذ بما أضاع من محكم ذلك المتشابه حين اشتغل لما يعنيه من حال نفسه بما لا يعنيه من أمر ربه ، فكان كالمتشاغل بالنظر في ذي الملك ، وتنظره يرمي نفسه عن مراقبة ما يلزمه من تفهم حدوده وتذلله لحرمته ؛ وجوامع منزل هذا الحرف في رتبتين : مبهمة ومفصلة ، أما انبهامه فلوقوف العلم به على تعريف الله سبحانه وتعالى من غير واسطة من وسائط النفس من فكر ولا استدلال ، وليتدرب المخاطب بتوقفه على المبهم على توقفه عن مفصله ومبهمه ، وهو جامع الحروف المنزلة في أوائل السور التسع والعشرين من سوره وبه افتتح الترتيب في القرآن ، ليتلقى الخلق بادي أمر الله بالعجز والوقوف والاستسلام إلى أن يمن الله سبحانه وتعالى بعلمه بفتح من لدنه ، ولذلك لم يكن في تنزيله في هذه الرتبة ريب","part":11,"page":169},{"id":4470,"text":"لمن علمه الله سبحانه وتعالى كنهه من حيث لم يكن للنفس مدخل في علمه ، وذلك قوله سبحانه وتعالى : {آلم ذلك الكتاب لا ريب فيه} [ البقرة : 1 ، 2 ] لمن علمه الله إياه {هدى للمتقين الذين يؤمنون بالغيب} [ البقرة : 2 ، 3 ] وقوفاً عن محاولة علم ما ليس في وسع الخلق علمه ، حتى تلحقه العنايه من ربه فعلمه ما لم يكن في علمه ؛ وأما الرتبة الثانية فمتشابه الخطاب المفصل المشتمل على إخبار الله عن نفسه وتنزيلات أمره ، ورتب إقامات خلقه بإبداع كلمته وتصيير حكمته وباطن ملكوته وعزيز جبروته وأحوال أيامه ؛ وأول ذلك في ترتيب القرآن إخباره عن استوائه في قوله : \r","part":11,"page":170},{"id":4471,"text":"{ثم استوى إلى السماء} [ البقرة : 29 ] إلى قوله سبحانه وتعالى {فأينما تولوا فثم وجه الله} [ لبقرة : 115 ] إلى سائر ما أخبر عنه من عظم شأنه في جملة آيات متعددات لقوله سبحانه وتعالى {إلا لنعلم من يتبع الرسول} [ البقرة : 143 ] ، {فإني قريب} [ البقرة : 186 ] {هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله في ظل من الغمام والملائكة} [ البقرة : 210 ] ، {الله لا إله إلا هو الحي القيوم} [ البقرة : 255 ] {فأذنوا بحرب من الله ورسوله} [ البقرة : 279 ] ، {هو الذي يصوركم في الأرحام} [ آل عمران : 6 ] ، {ويحذركم الله نفسه} [ آل عمران : 128 ] ، {ولله ملك السماوات والأرض} [ آل عمران : 189 ] ، {والله على كل شيء قدير} [ البقرة : 284 ] ، {وكان الله سميعاً بصيراً} [ النساء : 85 ] ، {بل يداه مبسوطتان ينفق كيف يشاء} [ المائده : 64 ] ، {وهو الله في السماوات وفي الأرض يعلم سركم وجهركم} [ الأنعام : 3 ] ، {خلق السماوات والأرض} [ الأعراف : 54 ] ، {ثم استوى على العرش} [ الأعراف : 54 ] ، {ولتصنع على عيني} [ طه : 39 ] ، {قل من بيده ملكوت كل شيء} [ المؤمنون : 88 ] ، {فلما أتاها نودي من شاطئ الواد الأيمن في البقعة المباركة من الشجرة أن يا موسى إني أنا الله} [ القصص : 30 ] ، {كل شيء هالك إلا وجهه} [ القصص : 88 ] ، {هو الذي يصلي عليكم وملائكته} [ الأحزاب : 43 ] ، {إن الله وملائكته يصلون علىلنبي} [ الأحزاب : 56 ] ، {ما منعك أن تسجد لما خلقت بيدي} [ الأعراف : 12 ] ، {وهو الذي في السماء إله وفي الأرض إله} [ الزخرف : 84 ] ، {وسخر لكم ما في السماوات وما في الأرض جميعاً منه} [ الجاثيه : 13 ] ، {وله الكبرياء في السماوات والأرض} [ الجاثيه : 37 ] ، {كل من عليها فان ويبقى وجه ربك} [ الرحمن : 26 ، 27 ] ، {هو الأول والآخر والظاهر والباطن} [ الحديد : 3 ] ، {وهو معكم أين ما كنتم} [ الحديد : 4 ] ، {ما يكون من نجوى ثلاثه إلا هو رابعهم ولا","part":11,"page":171},{"id":4472,"text":"خمسة إلا هو سادسهم ولا أدنى من ذلك ولا أكثر إلا هو معهم أين ما كانوا} [ المجادلة : 7 ] ، {فأتاهم الله من حيث لم يحتسبوا} [ الحشر : 2 ] ، {تبارك الذي بيده الملك} [ الملك : 1 ] ، {تعرج الملائكة والروح اليه} [ المعارج : 4 ] ، {وجوه يومئذ ناضرة إلى ربها ناظرة} [ القيامة : 22 ، 23 ] ، {وما تشاؤون إلا أن يشاء الله} [ الإنسان : 30 ] ، {وجاء ربك والملك صفاً صفاً} [ الفجر : 22 ] إلى سائر ما أخبر فيه عن تنزلات أمره وتسوية خلقه وما أخبرعنه حبيبه صلى الله عليه وسلم من محفوظ الأحاديث التي عرف بها أمته ما يحملهم في عبادتهم على الانكماش والجد والخشية والوجل والإشفاق وسائر الأحوال المشار إليها في حرف المحكم من نحو حديث النزول والقدمين والصورة والضحك والكف والأنامل ، وحديث عناية لزوم التقرب بالنوافل وغير ذلك من الأحاديث التي ورد بعضها في الصحيحين ، واعتنى بجمعها الحافظ المتقن أبو الحسن الدارقطني رحمه الله تعالى ، ودوَّن بعض المتكلمين جملة منها لقصد التأويل ، وشدد النكير في ذلك أئمة المحدثين ، يؤثر عن الإمام أحمد بن حنبل رضي الله تعالى عنه ورحمة أنه قال : آيات الصفات وأحاديث الصفات صناديق مقفلة مفاتيحها بيد الله سبحانه وتعالى ، تأويلها تلاوتها ، ولذلك أئمة الفقهاء وفتياهم لعامة المؤمنين والذي اجتمعت عليه الصحابة رضوان الله تعالى عليهم ولقنته العرب كلها أن ورود ذلك عن الله ومن رسوله ومن الأئمة إنما هو لمقصد الإفهام ، لا لمقصد الإعلام ، فلذلك لم يستشكل الصحابة رضوان الله تعالى عليهم شيئاً قط ، بل كلما كان وارده عليهم أكثر كانوا به أفرح ، وللخطاب به أفهم ، حتى قال بعضهم لما ذكر النبي صلى الله عليه وسلم : \r","part":11,"page":172},{"id":4473,"text":"\" إن الله تعالى يضحك من عبده : لا نعدم الخير من رب يضحك \" وهم وسائر العلماء بعدهم صنفان : إما متوقف عنه في حد الإيمان ، قانع بما أفاد من الإفهام ، وإما مفتوح عليه بما هو في صفاء الإيقان ، وذلك أن الله سبحانه وتعالى تعرف لعباده في الأفعال والآثار في الآفاق وفي أنفسهم تعليماً ، وتعرف للخاصة منهم بالأوصاف العليا والأسماء الحسنى مما يمكنهم اعتباره تعجيزاً ، فجاوزوا حدود التعلم بالإعلام إلى عجز الإدراك فعرفوا أن لا معرفة لهم ، وذلك هو حد العرفان وإحكام قراءة هذا الحرف المتشابه في منزل القرآن ، وتحققوا أن {ليس كمثله شيء} [ الشورى : 11 ] و{لم يكن له كفواً أحد} [ الإخلاص : 4 ] فتهدفوا بذلك لما يفتحه الله على من يحبه من صفاء الإيقان ، والله يحب المحسنين.\rثم قال فيما به تحصل قراءة هذا الحرف : اعلم أن تحقيق الإسلام بقراءة حرف المحكم لا يتم إلا بكمال الإيمان بقراءة حرف المتشابه تماماً لأن حرف المحكم حال يتحقق للعبد.\r","part":11,"page":173},{"id":4474,"text":"ولما كان حرف المتشابه إخباراً عن نفسه سبحانه وتعالى بما يتعرف به لخلقه من أسماء وأوصاف كانت قراءته بتحقق العبد أن تلك الأسماء والأوصاف ليست مما تدركه حواس الخلق ولا ما تناله عقولهم ، وإن أجرى على تلك الاسماء والأوصاف على الخلق فيوجه ، لا يلحق أسماء الحق ولا أوصافه منها تشبيه في وهم ولا تمثيل في عقل {ليس كمثله شيء وهو السميع البصير} [ الشورى : 11 ] ، {ولم يكن له كفواً أحد} [ الإخلاص : 4 ] ، فلاذي يصح به قراءة هذا الحرف أما من جهة القلب فالمعرفة بأن جميع أسماء الحق وأوصافه تعجز عن معرفتها إدراكات الخلق وتقف عن تأويلها إجلالاً وإعظاماً معلوماتُهم ، وأن حسبها معرفتها بأنها لا تعرفها ، وأما من جهة حال النفس والاستكانة لما يوجبه تعرف الحق بتلك الأسماء والأوصاف من التحقق بما يقابلها والبراءة من الاتصاف بها لأن ما صلح للسيد حرم على العبد لتحقق فقر الخلق من تسمي الحق بالغنى ، ولا يتسمى بالغنى فيقدح في هداه ، فيهلك باسمه ودعواه ، ولتحقق ذلهم من تسميته تعالى بالعزة وعجزهم عن تسميته بالقدرة ، واستحقاق تخليهم من جميع ما تعرف به من أوصاف الملك والسلطان والغضب والرضى والوعد والوعيد والترغيب والترهيب إلى سائر ما تسمى به في جميع تصرفاته مما ذكر في المتشابه من الآي ، وأشير إليه من الأحاديث ، وما عليه اشتملت \" واردات الأخبار \" في جميع الصحف والكتب ، ومرائي الصالحين ومواقف المحدثين ومواجد المروّعين ؛ وأما من جهة العمل فحفظ اللسان عن إطلاق ألفاظ التمثيل والتشبيه تحقيقاً لما في مضمون قوله سبحانه وتعالى\r{ولم يكن له كفواً أحد} [ الإخلاص : 4 ] لأن مقتضاها الرد على المشبه من هذه الأمة ، وليس لعمل الجوارح في هذا الحرف مظهر سوى ما ذكر من لفظ اللسان ، فقراءته كالتوطئة لتخليص العبادة بالقلب في قراءة مفرد حرف الأمثال ؛ والله العلي الكبير انتهى. أ هـ {نظم الدرر حـ 2 صـ 14 ـ 22}\rقال الفخر : \r","part":11,"page":174},{"id":4475,"text":"قد ذكرنا في اتصال قوله {إِنَّ الله لاَ يخفى عَلَيْهِ شَىْء فِي الأرض وَلاَ فِى السماء} بما قبله احتمالين أحدهما : أن ذلك كالتقرير لكونه قيوماً والثاني : أن ذلك الجواب عن شبه النصارى ، فأما على الاحتمال الأول فنقول : إنه تعالى أراد أن يبين أنه قيوم وقائم بمصالح الخلق ومصالح الخلق قسمان : جسمانية وروحانية ، أما الجسمانية فأشرفها تعديل البنية ، وتسوية المزاج على أحسن الصور وأكمل الأشكال ، وهو المراد بقوله {هُوَ الذي يُصَوّرُكُمْ فِي الأرحام} [ آل عمران : 6 ] وأما الروحانية فأشرفها العلم الذي تصير الروح معه كالمرآة المجلوة التي تجلت صور جميع الموجودات فيها وهو المراد بقوله {هُوَ الذى أَنزَلَ عَلَيْكَ الكتاب} وأما على الاحتمال الثاني فقد ذكرنا أن من جملة شبه النصارى تمسكهم بما جاء في القرآن من قوله تعالى في صفة عيسى عليه السلام : إنه روح الله وكلمته ، فبيّن الله تعالى بهذه الآية أن القرآن مشتمل على محكم وعلى متشابه ، والتمسك بالمتشابهات غير جائز فهذا ما يتعلق بكيفية النظم ، هو في غاية الحسن والاستقامة. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 7 صـ 144 ـ 145}\rوقال الآلوسى : ","part":11,"page":175},{"id":4476,"text":"قوله تعالى {هُوَ الذى أَنزَلَ عَلَيْكَ الكتاب} استئناف لإبطال شبه الوفد وإخوانهم الناشئة عما نطق به القرآن في نعت المسيح عليه السلام إثر بيان اختصاص الربوبية ومناطها به سبحانه. قيل : إن الوفد قالوا لرسول الله صلى الله عليه وسلم : ألست تزعم أن عيسى كلمة الله تعالى وروح منه ؟ قال : بلى قالوا : فحسبنا ذلك فنفى سبحانه عليهم زيفهم وفتنتهم وبين أن الكتاب مؤسس على أصول رصينة وفروع مبنية عليها ناطقة بالحق قاضية ببطلان ما هم عليه كذا قيل ومنه يعلم وجه مناسبة الآية لما قبلها ، واعترض بأن هذا الأثر لم يوجد له أثر في الصحاح ولا سند يعول عليه في غيرها ، وقصارى ما وجد عن الربيع أن المراد بالموصول الآتي الوفد ، وفيه أن الأثر بعينه أخرجه في \"الدر المنثور\" عن أبي حاتم وابن جرير عن الربيع ، وعن بعضهم أن الآية نزلت في اليهود ، وذلك حين مر أبو ياسر بن أخطب في رجال من يهود برسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يتلو فاتحة سورة البقرة ( 1 ، 2 ) {الم ذلك الكتاب} فأتى أخاه حي بن أخطب في رجال من يهود فقال : أتعلمون والله لقد سمعت محمداً يتلو فيما أنزل عليه {الم ذلك الكتاب} فقال : أنت سمعته ؟ قال : نعم فمشى حي في أولئك النفر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : ألم يذكر أنك تتلو فيما أنزل عليك {الم ذلك الكتاب} ؟ فقال : بلى فقال : لقد بعث الله تعالى قبلك أنبياء ما نعلمه بين لنبي منهم ما مدة ملكه وما أجل أمته غيرك. الألف واحدة واللام ثلاثون والميم أربعون فهذه إحدى وسبعون سنة هل مع هذا غيره ؟ قال : نعم {المص} [ الأعراف : 1 ] قال : هذه أثقل وأطول الألف واحدة واللام ثلاثون والميم أربعون والصاد تسعون فهذه مائة وإحدى وستون سنة هل مع هذا غيره ؟ قال : نعم {الر} [ يونس : 1 ] قال : هذه أثقل وأطول هل مع هذا غيره ؟ قال : بلى {المر} [ الرعد : 1 ] قال : هذه أثقل وأطول ثم قال : لقد لبس علينا أمرك حتى ما","part":11,"page":176},{"id":4477,"text":"ندري أقليلاً أعطيت أم كثيراً ثم قال : قوموا ثم قال أبو ياسر لأخيه ومن معه : وما يدريكم لعله لقد جمع هذا كله لمحمد ؟ فقالوا : لقد تشابه علينا أمره\". وقد أخرج ذلك البخاري في \"التاريخ\" وابن جرير وغيرهما عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما إلا أن فيه فيزعمون أن هذه الآيات نزلت فيهم وهو مؤذن بعدم الجزم بذلك ومع هذا يبعده ما تقدم من رواية \"إن الله تعالى أنزل في شأن أولئك الوفد من مصدر آل عمران إلى بضع وثمانين آية\" وعلى تقدير الإغماض عن هذا يحتمل أن يكون وجه اتصال الآية بما قبلها أن في المتشابه خفاءاً كما أن تصوير ما في الأرحام كذلك أو أن في هذه تصوير الروح بالعلم وتكميله به وفيما قبلها تصوير الجسد وتسويته فلما أن في كل منهما تصويراً وتكميلاً في الجملة ناسب ذكره معه ولما أن بين التصوير الحقيقي الجسماني والذي ليس هو كذلك من الروحاني من التفاوت والتباين ترك العطف. أ هـ {روح المعانى حـ 3 صـ 79}\rفصل\rقال القرطبى : \rخرّج مسلم عن عائشة رضي الله عنها قالت : تلا رسول الله صلى الله عليه وسلم {هُوَ الذي أَنزَلَ عَلَيْكَ الكتاب مِنْهُ آيَاتٌ مُّحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الكتاب وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابتغاء الفتنة وابتغاء تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ الله والراسخون فِي العلم يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِّنْ عِندِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلاَّ أُوْلُواْ الألباب} قالت : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : \r\" إذا رأيتم الذين يتّبعون ما تشابه منه فأولئك الذين سماهم الله فاحذروهم \" وعن أبي غالب قال : كنت أمشي مع أبي أُمَامة وهو على حمارٍ له ، حتى إذا انتهى إلى دَرَج مسجد دمشق فإذا رؤوس منصوبة ؛ فقال : ما هذه الرُّؤوس ؟ قيل : هذه رؤوس خوارج يجاء بهم من العراق.","part":11,"page":177},{"id":4478,"text":"فقال أبو أُمامة : كِلابُ النار كِلابُ النار كلابُ النار شرُّ قتلى تحت ظل السماء ، طوبى لمن قتلهم وقتلوه يقولها ثلاثاً ثم بكى.\rفقلت : ما يبكيك يا أبا أُمَامة ؟ قال : رحمةً لهم ، إنهم كانوا من أهل الإسلام فخرجوا منه ؛ ثم قرأ {هُوَ الذي أَنزَلَ عَلَيْكَ الكتاب مِنْهُ آيَاتٌ مُّحْكَمَاتٌ} إلى آخر الآيات.\rثم قرأ {وَلاَ تَكُونُواْ كالذين تَفَرَّقُواْ واختلفوا مِن بَعْدِ مَا جَآءَهُمُ البينات} [ آل عمران : 105 ].\rفقلت : يا أبا أُمَامة ، هُمْ هؤلاء ؟ قال نعم.\rقلتُ : أشيء تقوله برأيك أم شيء سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ فقال : إني إذَّاً لَجَريءٌ إني إذا لجريء بل سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم غير مرة ولا مرتين ولا ثلاث ولا أربع ولا خمسٍ ولا ست ولا سبع ، ووضع أصبعيْه في أُذُنَيْه ، قال : وإلاّ فصُمَّتا قالها ثلاثاً ثم قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : \" تفرقت بنو إسرائيل على إحدى وسبعين فرقةً واحدةٌ في الجنة وسائرهم في النار ولتَزيدنّ عليهم هذه الأمة واحدة واحدةٌ في الجنة وسائرُهم في النار \". أ هـ {تفسير القرطبى حـ 4 صـ 9}\rلطيفة\rقال ابن عاشور : \rومن بدائع البلاغة أن ذكر في القصر فعل أنزل ، الذي هو مختص بالله تعالى ولو بدون صيغة القصر ، إذ الإنزال يرادف الوحي ولا يكون إلا من الله بخلاف ما لو قال هو الذي آتاك الكتاب. أ هـ {التحرير والتنوير حـ 3 صـ 14}\rفصل\rقال الفخر : \rاعلم أن القرآن دل على أنه بكليته محكم ، ودل على أنه بكليته متشابه ، ودل على أن بعضه محكم ، وبعضه متشابه.","part":11,"page":178},{"id":4479,"text":"أما ما دل على أنه بكليته محكم ، فهو قوله {الر تِلْكَ ءايات الكتاب الحكيم} [ يونس : 1 ] {الر كِتَابٌ أُحْكِمَتْ ءاياته} [ هود : 1 ] فذكر في هاتين الآيتين أن جميعه محكم ، والمراد من المحكم بهذا المعنى كونه كلاماً حقاً فصيح الألفاظ صحيح المعاني وكل قول وكلام يوجد كان القرآن أفضل منه في فصاحة اللفظ وقوة المعنى ولا يتمكن أحد من إتيان كلام يساوي القرآن في هذين الوصفين ، والعرب تقول في البناء الوثيق والعقد الوثيق الذي لا يمكن حله : محكم ، فهذا معنى وصف جميعه بأنه محكم.\rوأما ما دل على أنه بكليته متشابه ، فهو قوله تعالى : {كتابا متشابها مَّثَانِيَ} [ الزمر : 23 ] والمعنى أنه يشبه بعضه بعضاً في الحسن ويصدق بعضه بعضاً ، وإليه الإشارة بقوله تعالى : {وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ الله لَوَجَدُواْ فِيهِ اختلافا كَثِيراً} [ النساء : 82 ] أي لكان بعضه وارداً على نقيض الآخر ، ولتفاوت نسق الكلام في الفصاحة والركاكة.\rوأما ما دل على أن بعضه محكم وبعضه متشابه ، فهو هذه الآية التي نحن في تفسيرها ، ولا بد لنا من تفسير المحكم والمتشابه بحسب أصل اللغة ، ثم من تفسيرهما في عرف الشريعة : أما المحكم فالعرب تقول : حاكمت وحكمت وأحكمت بمعنى رددت ، ومنعت ، والحاكم يمنع الظالم عن الظلم وحكمة اللجام التي هي تمنع الفرس عن الاضطراب ، وفي حديث النخعي : احكم اليتيم كما تحكم ولدك أي امنعه عن الفساد ، وقال جرير : أحكموا سفهاءكم ، أي امنعوهم ، وبناء محكم أي وثيق يمنع من تعرض له ، وسميت الحكمة حكمة لأنها تمنع عما لا ينبغي ، وأما المتشابه فهو أن يكون أحد الشيئين مشابهاً للآخر بحيث يعجز الذهن عن التمييز ، قال الله تعالى : \r","part":11,"page":179},{"id":4480,"text":"{إِنَّ البقر تشابه عَلَيْنَا} [ البقرة : 70 ] وقال في وصف ثمار الجنة {وَأُتُواْ بِهِ متشابها} [ البقرة : 25 ] أي متفق المنظر مختلف الطعوم ، وقال الله تعالى : {تشابهت قُلُوبُهُمْ} [ البقرة : 118 ] ومنه يقال : اشتبه علي الأمران إذا لم يفرق بينهما ، ويقال لأصحاب المخاريق : أصحاب الشبه ، وقال عليه السلام : \" الحلال بيّن والحرام بيّن وبينهما أمور متشابهات \" وفي رواية أخرى مشتبهات.\rثم لما كان من شأن المتشابهين عجز الإنسان عن التمييز بينهما سمي كل ما لا يهتدي الإنسان إليه بالمتشابه ، إطلاقاً لاسم السبب على المسبب ، ونظيره المشكل سمي بذلك ، لأنه أشكل ، أي دخل في شكل غيره فأشبهه وشابهه ، ثم يقال لكل ما غمض وإن لم يكن غموضه من هذه الجهة مشكل ، ويحتمل أن يقال : إنه الذي لا يعرف أن الحق ثبوته أو عدمه ، وكان الحكم بثبوته مساوياً للحكم بعدمه في العقل والذهن ، ومشابهاً له ، وغير متميز أحدهما عن الآخر بمزيد رجحان ، فلا جرم سمي غير المعلوم بأنه متشابه ، فهذا تحقيق القول في المحكم والمتشابه بحسب أصل اللغة ، فنقول : \rالناس قد أكثروا من الوجوه في تفسير المحكم والمتشابه ، ونحن نذكر الوجه الملخص الذي عليه أكثر المحققين ، ثم نذكر عقيبه أقوال الناس فيه فنقول : \r","part":11,"page":180},{"id":4481,"text":"اللفظ الذي جعل موضوعاً لمعنى ، فإما أن يكون محتملاً لغير ذلك المعنى ، وإما أن لا يكون فإذا كان اللفظ موضوعاً لمعنى ولا يكون محتملاً لغيره فهذا هو النص ، وأما إن كان محتملاً لغيره فلا يخلو إما أن يكون احتماله لأحدهما راجحاً على الآخر ، وإما أن لا يكون كذلك بل يكون احتماله لهما على السواء ، فإن كان احتماله لأحدهما راجحاً على الآخر سمي ذلك اللفظ بالنسبة إلى الراجح ظاهراً ، وبالنسبة إلى المرجوح مؤولاً ، وأما إن كان احتماله لهما على السوية كان اللفظ بالنسبة إليهما معاً مشتركاً ، وبالنسبة إلى كل واحد منهما على التعيين مجملاً ، فقد خرج من التقسيم الذي ذكرناه أن اللفظ إما أن يكون نصاً ، أو ظاهراً ، أو مؤولاً ، أو مشتركاً ، أو مجملاً ، أما النص والظاهر فيشتركان في حصول الترجيح ، إلا أن النص راجح مانع من الغير ، والظاهر راجح غير مانع من الغير ، فهذا القدر المشترك هو المسمى بالمحكم.\rوأما المجمل والمؤول فهما مشتركان في أن دلالة اللفظ عليه غير راجحة ، وإن لم يكن راجحاً لكنه غير مرجوح ، والمؤول مع أنه غير راجح فهو مرجوح لا بحسب الدليل المنفرد ، فهذا القدر المشترك هو المسمى بالمتشابه ، لأن عدم الفهم حاصل في القسمين جميعاً وقد بينا أن ذلك يسمى متشابهاً إما لأن الذي لا يعلم يكون النفي فيه مشابهاً للإثبات في الذهن ، وإما لأجل أن الذي يحصل فيه التشابه يصير غير معلوم ، فأطلق لفظ المتشابه على ما لا يعلم إطلاقاً لاسم السبب على المسبب ، فهذا هو الكلام المحصل في المحكم والمتشابه ، ثم اعلم أن اللفظ إذا كان بالنسبة إلى المفهومين على السوية ، فههنا يتوقف الذهن ، مثل : القرء ، بالنسبة إلى الحيض والطهر ، إنما المشكل بأن يكون اللفظ بأصل وضعه راجحاً في أحد المعنيين ، ومرجوحاً في الآخر ، ثم كان الراجح باطلاً ، والمرجوح حقاً ، ومثاله من القرآن قوله تعالى : \r","part":11,"page":181},{"id":4482,"text":"{وَإِذَا أَرَدْنَا أَن نُّهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُواْ فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا القول} [ الإسراء : 16 ] فظاهر هذا الكلام أنهم يؤمرون بأن يفسقوا ، ومحكمه قوله تعالى : {إِنَّ الله لاَ يَأْمُرُ بالفحشاء} [ الأعراف : 28 ] رداً على الكفار فيما حكى عنهم {وَإِذَا فَعَلُواْ فاحشة قَالُواْ وَجَدْنَا عَلَيْهَا ءَابَاءنَا والله أَمَرَنَا بِهَا} [ الأعراف : 28 ] وكذلك قوله تعالى : {نَسُواْ الله فَنَسِيَهُمْ} [ التوبة : 67 ] وظاهر النسيان ما يكون ضداً للعلم ، ومرجوحه الترك والآية المحكمة فيه قوله تعالى : {وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيّاً} [ مريم : 64 ] وقوله تعالى : {لاَ يَضِلُّ رَبّى وَلاَ يَنسَى} [ طه : 52 ].\rواعلم أن هذا موضع عظيم فنقول : إن كل واحد من أصحاب المذاهب يدعي أن الآيات الموافقة لمذهبه محكمة ، وأن الآيات الموافقة لقول خصمه متشابهة ، فالمعتزلي يقول قوله {فَمَن شَاء فَلْيُؤْمِن وَمَن شَاء فَلْيَكْفُرْ} [ الكهف : 29 ] محكم ، وقوله {وَمَا تَشَاءونَ إِلاَّ أَن يَشَاء الله رَبُّ العالمين} [ التكوير : 29 ] متشابه والسني يقلب الأمر في ذلك فلا بد ههنا من قانون يرجع إليه في هذا الباب فنقول : اللفظ إذا كان محتملاً لمعنيين وكان بالنسبة إلى أحدهما راجحاً ، وبالنسبة إلى الآخر مرجوحاً ، فإن حملناه على الراجح ولم نحمله على المرجوح ، فهذا هو المحكم وأما إن حملناه على المرجوح ولم نحمله على الراجح ، فهذا هو المتشابه فنقول : صرف اللفظ عن الراجح إلى المرجوح لا بد فيه من دليل منفصل ، وذلك الدليل المنفصل إما أن يكون لفظياً وإما أن يكون عقلياً.\r","part":11,"page":182},{"id":4483,"text":"أما القسم الأول : فنقول : هذا إنما يتم إذا حصل بين ذينك الدليلين اللفظيين تعارض وإذا وقع التعارض بينهما فليس ترك ظاهر أحدهما رعاية لظاهر الآخر أولى من العكس ، اللّهم إلا أن يقال : إن أحدهما قاطع في دلالته والآخر غير قاطع فحينئذ يحصل الرجحان ، أو يقال : كل واحد منهما وإن كان راجحاً إلا أن أحدهما يكون أرجح ، وحينئذ يحصل الرجحان إلا أنا نقول : \rأما الأول فباطل ، لأن الدلائل اللفظية لا تكون قاطعة ألبتة ، لأن كل دليل لفظي فإنه موقوف على نقل اللغات ، ونقل وجوه النحو والتصريف ، وموقوف على عدم الاشتراك وعدم المجاز ، وعدم التخصيص ، وعدم الإضمار ، وعدم المعارض النقلي والعقلي ، وكان ذلك مظنون ، والموقوف على المظنون أولى أن يكون مظنوناً ، فثبت أن شيئاً من الدلائل اللفظية لا يكون قاطعاً.\r","part":11,"page":183},{"id":4484,"text":"وأما الثاني وهو أن يقال : أحد الدليلين أقوى من الدليل الثاني وإن كان أصل الاحتمال قائماً فيهما معاً ، فهذا صحيح ، ولكن على هذا التقدير يصير صرف الدليل اللفظي عن ظاهره إلى المعنى المرجوح ظنياً ، ومثل هذا لا يجوز التعويل عليه في المسائل الأصولية ، بل يجوز التعويل عليه في المسائل الفقهيه فثبت بما ذكرناه أن صرف اللفظ عن معناه الراجح إلى معناه المرجوح في المسائل القطعية لا يجوز إلا عند قيام الدليل القطعي العقلي على أن ما أشعر به ظاهر اللفظ محال ، وقد علمنا في الجملة أن استعمال اللفظ في معناه المرجوح جائز عند تعذر حمله على ظاهره ، فعنذ هذا يتعين التأويل ، فظهر أنه لا سبيل إلى صرف اللفظ عن معناه الراجح إلى معناه المرجوح إلا بواسطة إقامة الدلالة العقلية القاطعة على أن معناه الراجح محال عقلاً ثم إذا أقامت هذه الدلالة وعرف المكلف أنه ليس مراد الله تعالى من هذا اللفظ ما أشعر به ظاهره ، فعند هذا لا يحتاج إلى أن يعرف أن ذلك المرجوح الذي هو المراد ماذا لأن السبيل إلى ذلك إنما يكون بترجيح مجاز على مجاز وترجيح تأويل على تأويل ، وذلك الترجيح لا يمكن إلا بالدلائل اللفظية والدلائل اللفظية على ما بينا ظنية لا سيما الدلائل المستعملة في ترجيح مرجوح على مرجوح آخر يكون في غاية الضعف ، وكل هذا لا يفيد إلا الظن الضعيف والتعويل على مثل هذه الدلائل في المسائل القطعية محال فلهذا التحقيق المتين مذهباً أن بعد إقامة الدلائل القطعية على أن حمل اللفظ على الظاهر محال لا يجوز الخوض في تعيين التأويل ، فهذا منتهى ما حصلناه في هذا الباب ، والله ولي الهداية والرشاد. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 7 صـ 145 ـ 147}\rقال الماوردى : \r{مِنْهُ آيَاتٌ مُّحْكَمَاتُ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ} اختلف المفسرون في تأويله على سبعة أقاويل : \rأحدها : أن المحكم الناسخ ، والمتشابه المنسوخ ، قاله ابن عباس ، وابن مسعود.","part":11,"page":184},{"id":4485,"text":"والثاني : أن المحكم ما أحكم الله بيان حلاله وحرامه فلم تشتبه معانيه ، قاله مجاهد.\rوالثالث : أن المحكم ما لم يحتمل من التأويل إلا وجهاً واحداً ، والمتشابه ما احتمل أوجهاً ، قاله الشافعي ومحمد بن جعفر بن الزبير.\rوالرابع : أن المحكم الذي لم تتكرر ألفاظه ، والمتشابه الذي تكررت ألفاظه ، قاله ابن زيد.\rوالخامس : أن المحكم الفرائض والوعد والوعيد ، والمتشابه القصص والأمثال.\rوالسادس : أن المحكم ما عرف العلماء تأويله وفهموا معناه وتفسيره ، والمتشابه ما لم يكن إلى علمه سبيل مما استأثر الله بعلمه ، كقيام الساعة ، وطلوع الشمس من مغربها ، وخروج عيسى ونحوه ، وهذا قول جابر بن عبد الله.\rوالسابع : أن المحكم ما قام بنفسه ولم يحتج إلى استدلال.\rويحتمل ثامناً : أن المحكم ما كانت معاني أحكامه معقولة ، والمتشابه ما كانت معاني أحكامه غير معقولة ، كأعداد الصلوات ، واختصاص الصيام بشهر رمضان دون شعبان.\rوإنما جعله محكماً ومتشابهاً استدعاء للنظر من غير اتكال على الخبر ، وقد روى معاذ بن جبل عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : \" القرآن على ثلاثة أجزاء : حلال فاتبعه ، وحرام فاجتنبه ، ومتشابه يشكل عليك فَكِلْه إلى عالمه. أ هـ {النكت والعيون حـ 1 صـ 369 ـ 370}\rوقال الطبرى : \rوأما\"المحكمات\" ، فإنهن اللواتي قد أحكمن بالبيان والتفصيل ، وأثبتت حججهن وأدلتهن على ما جُعلن أدلة عليه من حلال وحرام ، ووعد ووعيد ، وثواب وعقاب ، وأمر وزجر ، وخبر ومثل ، وعظة وعِبر ، وما أشبه ذلك.\rثم وصف جل ثناؤه : هؤلاء\"الآيات المحكمات\" ، بأنهن : \"هُنّ أمّ الكتاب\". يعني بذلك : أنهن أصل الكتاب الذي فيه عماد الدين والفرائض والحدود ، وسائر ما بالخلق إليه الحاجة من أمر دينهم ، وما كلفوا من الفرائض في عاجلهم وآجلهم.","part":11,"page":185},{"id":4486,"text":"وإنما سماهن\"أمّ الكتاب\" ، لأنهن معظم الكتاب ، وموضع مَفزَع أهله عند الحاجة إليه ، وكذلك تفعل العرب ، تسمي الجامعَ معظم الشيء\"أمًّا\" له. فتسمى راية القوم التي تجمعهم في العساكر : \"أمّهم\" ، والمدبر معظم أمر القرية والبلدة : \"أمها\".\rوقد بينا ذلك فيما مضى بما أغنى عن إعادته.\rووحَّد\"أمّ الكتاب\" ، ولم يجمع فيقول : هن أمَّهات الكتاب ، وقد قال : \"هُنّ\" لأنه أراد جميع الآيات المحكمات\"أم الكتاب\" ، لا أن كل آية منهن\"أم الكتاب\". ولو كان معنى ذلك أن كل آية منهن\"أم الكتاب\" ، لكان لا شك قد قيل : \"هن أمهات الكتاب\". ونظير قول الله عز وجل : \"هن أمّ الكتاب\" على التأويل الذي قلنا في توحيد\"الأم\" وهي خبر لـ\"هُنّ\" ، قوله تعالى ذكره : ( وَجَعَلْنَا ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ آيَةً ) [سورة المؤمنون : 50] ولم يقل : آيتين ، لأن معناه : وجعلنا جميعهما آية. إذ كان المعنى واحدًا فيما جُعلا فيه للخلق عبرة. ولو كان مرادًا الخبرُ عن كل واحد منهما على انفراده ، بأنه جعل للخلق عبرة ، لقيل : وجعلنا ابن مريم وأمه آيتين ، لأنه قد كان في كل واحد منهما لهم عبرة. وذلك أن مريم ولدت من غير رجل ، ونطق ابنها فتكلم في المهد صبيًّا ، فكان في كل واحد منهما للناس آية.\rوقد قال بعض نحويي البصرة : إنما قيل : \"هن أم الكتاب\" ، ولم يَقل : \"هن أمهات الكتاب\" على وجه الحكاية ، كما يقول الرجل : \"ما لي أنصار\" ، فتقول : \"أنا أنصارك\" أو : \"ما لي نظير\" ، فتقول : \"نحن نظيرك\".\rقال : وهو شبيهُ : \"دَعنى من تَمرْتَان\" ، وأنشد لرجل من فقعس : \rتَعَرَّضَتْ لِي بِمَكَانِ حَلِّ... تَعرُّض المُهْرَةِ فِي الطِّوَلِّ تَعَرُّضًا لَمْ تَألُ عَنْ قَتْلا لِي\rحاكيهنّ ، بما حكى عن قول غيره وألفاظه التي نطق بهن وأن معلومًا أن الله جل ثناؤه لم يحك عن أحد قوله : \"أمّ الكتاب\" ، فيجوز أن يقال : أخرج ذلك مُخرَج الحكاية عمن قال ذلك كذلك.\rأ هـ {تفسير الطبرى حـ 6 صـ 170 ـ 172}\rوقال ابن الجوزى : \rوفي المتشابه سبعة أقوال.\r","part":11,"page":186},{"id":4487,"text":"أحدها : أنه المنسوخ ، قاله ابن مسعود ، وابن عباس ، وقتادة ، والسدي في آخرين.\rوالثاني : أنه ما لم يكن للعلماء إلى معرفته سبيل ، كقيام الساعة ، روي عن جابر بن عبد الله.\rوالثالث : أنه الحروف المقطعة كقوله : \"ألم\" ونحو ذلك ، قاله ابن عباس.\rوالرابع : أنه ما اشتبهت معانيه ، قاله مجاهد.\rوالخامس : أنه ما تكررت ألفاظه ، قاله ابن زيد.\rوالسادس : أنه ما احتمل من التأويل وجوهاً.\rوقال ابن الأنباري : المحكم ما لا يحتمل التأويلات ، ولا يخفى على مميّز ، والمتشابه : الذي تعتوره تأويلات.\rوالسابع : أنه القصص ، والأمثال ، ذكره القاضي أبو يعلى. أ هـ {زاد المسير حـ 1 صـ 351}\rوقال ابن كثير : \rوأحسن ما قيل فيه الذي قدمناه ، وهو الذي نص عليه محمد بن إسحاق بن يسار ، رحمه الله ، حيث قال : {مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ} فيهن حجة الرب ، وعصمة العباد ، ودفع الخصوم والباطل ، ليس لهن تصريف ولا تحريف عما وضعن عليه.\rقال : والمتشابهات في الصدق ، لهن تصريف وتحريف وتأويل ، ابتلى الله فيهن العباد ، كما ابتلاهم في الحلال والحرام ألا يصرفن إلى الباطل ، ولا يحرّفن عن الحق.","part":11,"page":187},{"id":4488,"text":"ولهذا قال تعالى : {فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ} أي : ضلال وخروج عن الحق إلى الباطل {فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ} أي : إنما يأخذون منه بالمتشابه الذي يمكنهم أن يحرّفوه إلى مقاصدهم الفاسدة ، وينزلوه عليها ، لاحتمال لفظه لما يصرفونه فأما المحكم فلا نصيب لهم فيه ؛ لأنه دامغ لهم وحجة عليهم ، ولهذا قال : {ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ} أي : الإضلال لأتباعهم ، إيهامًا لهم أنهم يحتجون على بدعتهم بالقرآن ، وهذا حجة عليهم لا لهم ، كما لو احتج النصارى بأن القرآن قد نطق بأن عيسى هو روح الله وكلمته ألقاها إلى مريم ، وتركوا الاحتجاج بقوله [تعالى] {إِنْ هُوَ إِلا عَبْدٌ أَنْعَمْنَا عَلَيْهِ} [الزخرف : 59] وبقوله : {إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ} [ آل عمران : 59 ] وغير ذلك من الآيات المحكمة المصرحة بأنه خلق من مخلوقات الله ، وعبد ، ورسول من رسل الله. أ هـ {تفسير ابن كثير حـ 2 صـ 7 ـ 8}\rوقال القرطبى : \rاختلف العلماء في المحكمات والمتشابهات على أقوال عديدة ، فقال جابر بن عبد الله ، وهو مقتضى قول الشعبي وسفيان الثوري وغيرهما : المحكمات من آي القرآن ما عرِف تأويله وفهم معناه وتفسيره.\rوالمتشابه ما لم يكن لأحد إلى علمه سبيل مما استأثر الله تعالى بعلمه دون خلقه.\rقال بعضهم : وذلك مِثل وقت قيام الساعة ، وخروج يأجوج ومأجوج والدجال وعيسى ، ونحو الحروف المقطعة في أوائل السور.\rقلت : هذا أحسن ما قيل في المتشابه.\rوقد قدّمنا في أوائل سورة البقرة عن الربيع بن خيثم أنّ الله تعالى أنزل القرآن فاستأثر منه بعلم ما شاء ؛ الحديث.\rوقال أبو عثمان ؛ المحكم فاتحة الكتاب التي لا تجزىء الصلاة إلا بها.\rوقال محمد بن الفضل : سورة الإخلاص ، لأنه ليس فيها إلا التوحيد فقط.\r","part":11,"page":188},{"id":4489,"text":"وقد قيل : القرأن كله محكم : لقوله تعالى : {كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ} [ هود : 1 ] وقيل : كله متشابه ؛ لقوله : {كِتَاباً مُّتَشَابِهاً} [ الزمر : 23 ].\rقلت : وليس هذا من معنى الآية في شيء ؛ فإن قوله تعالى {كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ} [ هود : 1 ] أي في النظم والرصْف وأنه حق من عند الله.\rومعنى \"كتاباً مُتَشَابِهاً\" ، أي يشبه بعضه بعضا ويصدق بعضه بعضا.\rوليس المراد بقوله \"آيَاتٌ مُحُكَمَاتٌ\" \"وأُخَرُ مُتَشَابِهاتٌ\" هذا المعنى ؛ وإنما المتشابه في هذه الآية من باب الاحتمال والاشتباه ، من قوله {إِنَّ البقر تَشَابَهَ عَلَيْنَا} [ البقرة : 70 ] أي التبس علينا ، أي يحتمل أنواعاً كثيرة من البقر.\rوالمراد بالمحكم ما في مقابلة هذا ، وهو ما لا التباس فيه ولا يحتمل إلا وجها واحداً.\rوقيل : إن المتشابه ما يحتمل وجوها ، ثم إذا رُدَّتْ الوجوه إلى وجه واحد وأبطِل الباقي صار المتشابه محكماً.\rفالمحكم أبداً أصل تردّ إليه الفروع ، والمتشابه هو الفرع.\rوقال ابن عباس : المحكمات هو قوله في سورة الأنعام {قُلْ تَعَالَوْاْ أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ} [ الأنعام : 151 ] إلى ثلاث آيات ، وقوله في بني إسرائيل {وقضى رَبُّكَ أَلاَّ تعبدوا إِلاَّ إِيَّاهُ وبالوالدين إِحْسَاناً} [ الإسراء : 23 ] قال ابن عطية : وهذا عندي مثال أعطاه في المحكمات.\rوقال ابن عباس أيضاً ؛ المحكمات ناسخه وحرامه وفرائضه وما يؤمن به ويعمل به ، والمتشابهات المنسوخات ومقدّمه ومؤخّره وأمثالُه وأقسامه وما يؤمن به ولا يعمل به ، وقال ابن مسعود وغيره : المحكمات الناسخات ، والمتشابهات المنسوخات ، وقاله قتادة والربيع والضحاك.\rوقال محمد بن جعفر بن الزبير : المحكمات هي التي فيها حجة الرب وعصمة العباد ودفع الخُصُوم والباطل ، ليس لها تصريف ولا تحريف عما وضعن عليه.","part":11,"page":189},{"id":4490,"text":"والمتشابهات لهنّ تصريف وتحريف وتأويل ، ابتلى الله فيهنّ العباد ؛ وقاله مجاهد وابن إسحاق.\rقال ابن عطية : وهذا أحسن الأقوال في هذه الآية.\rقال النحاس : أحسن ما قيل في المحكمات ، والمتشابهات أنّ المحكمات ما كان قائماً بنفسه لا يحتاج أن يرجع فيه إلى غيره ؛ نحو {وَلَمْ يَكُنْ لَّهُ كُفُواً أَحَدٌ} [ الإخلاص : 4 ] {وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِّمَن تَابَ} [ طه : 82 ] والمتشابهات نحو {إِنَّ الله يَغْفِرُ الذنوب جَمِيعاً} [ الزمر : 53 ] يرجع فيه إلى قوله جل وعلا : {وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِّمَن تَابَ} [ طه : 82 ] وإلى قوله عز وجل ؛ {إِنَّ الله لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ} [ النساء : 48 ].\rقلت : ما قاله النحاس يبين ما اختاره ابن عطية ، وهو الجاري على وَضْع اللسان ؛ وذلك أن المحْكَم آسم مفعول من أحْكِم ، والإحكام الإتْقان ؛ ولا شك في أن ما كان واضح المعنى لا إشكال فيه ولا تردد ، إنما يكون كذلك لوضوح مفردات كلماته وإتقان تركيبها ؛ ومتى اختل أحد الأمرين جاء التشابه والإشكال. والله أعلم.\rوقال ابن خويزِمَنْدَاد : للمتشابه وجوهٌ ، والذي يتعلق به الحكم ما اختلف فيه العلماء أيّ الآيتين نسخت الأُخرى ؛ كقول عليّ وابن عباس في الحامل المتوفى عنها زوجها تعتدّ أقْصَى الأجلين.\rفكان عمر وزيد بن ثابت وابن مسعود وغيرهم يقولون وضع الحمل ، ويقولون : سورة النساء القصرى نسختْ أربعة أشهر وعَشْراً.\rوكان عليّ وابن عباس يقولان لم تنسخ.\rوكاختلافهم في الوصية للوارث هل نُسخت أم لم تُنْسَخ.\rوكتعارض الآيتين أيهما أولى أن تقدّم إذا لم يعرف النسخ ولم توجد شرائطه ؛ كقوله تعالى : {وَأُحِلَّ لَكُمْ مَّا وَرَاءَ ذَلِكُمْ} [ النساء : 24 ] يقتضي الجمع بين الأقارب من مِلك اليمين ، وقوله تعالى : {وَأَن تَجْمَعُواْ بَيْنَ الأختين إَلاَّ مَا قَدْ سَلَفَ} [ النساء : 23 ] يمنع ذلك.\r","part":11,"page":190},{"id":4491,"text":"ومنه أيضاً تعارض الأخبار عن النبيّ صلى الله عليه وسلم وتعارض الأقْيسَة ، فذلك المتشابه.\rوليس من المتشابه أن تقرأ الآية بقراءتين ويكون الاسم محتملاً أو مجملاً يحتاج إلى تفسير ؛ لأن الواجب منه قدر ما يتناوله الاسم أو جميعه.\rوالقراءتان كالآيتين يجب العمل بموجبهما جميعاً ؛ كما قرىء : {وامسحوا بِرُؤُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ} [ المائدة : 6 ] بالفتح والكسر ، على ما يأتي بيانه \"في المائدة\" إن شاء الله تعالى. أ هـ {تفسير القرطبى حـ 4 صـ 9 ـ 12}\rفصل\rقال الفخر : \rفي حكاية أقوال الناس في المحكم والمتشابه فالأول : ما نقل عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال : المحكمات هي الثلاث آيات التي في سورة الأنعام {قُلْ تَعَالَوْاْ} [ الأنعام : 151 ] إلى آخر الآيات الثلاث ، والمتشابهات هي التي تشابهت على اليهود ، وهي أسماء حروف الهجاء المذكور في أوائل السور ، وذلك أنهم أولوها على حساب الجمل فطلبوا أن يستخرجوا منها مدة بقاء هذه الأمة فاختلط الأمر عليهم واشتبه ، وأقول : التكاليف الواردة من الله تعالى تنقسم إلى قسمين منها ما لا يجوز أن يتغير بشرع وشرع ، وذلك كالأمر بطاعة الله تعالى ، والاحتراز عن الظلم والكذب والجهل وقتل النفس بغير حق ، ومنها ما يختلف بشرع وشرع كأعداد الصلوات ومقادير الزكوات وشرائط البيع والنكاح وغير ذلك ، فالقسم الأول هو المسمى بالمحكم عند ابن عباس ، لأن الآيات الثلاث في سورة الأنعام مشتملة على هذا القسم.\rوأما المتشابه فهو الذي سميناه بالمجمل ، وهو ما يكون دلالة اللفظ بالنسبة إليه وإلى غيره على السوية ، فإن دلالة هذه الألفاظ على جميع الوجوه التي تفسر هذه الألفاظ بها على السوية لا بدليل منفصل على ما لخصناه في أول سورة البقرة.\rالقول الثاني : وهو أيضاً مروي عن ابن عباس رضي الله عنهما أن المحكم هو الناسخ ، والمتشابه هو المنسوخ.","part":11,"page":191},{"id":4492,"text":"والقول الثالث : قال الأصم : المحكم هو الذي يكون دليله واضحاً لائحاً ، مثل ما أخبر الله تعالى به من إنشاء الخلق في قوله تعالى : {ثُمَّ خَلَقْنَا النطفة عَلَقَةً} [ المؤمنون : 14 ] وقوله {وَجَعَلْنَا مِنَ الماء كُلَّ شَىْء حَىّ} [ الأنبياء : 30 ] وقوله {وَأَنزَلَ مِنَ السماء مَاء فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثمرات رِزْقاً لَّكُمْ} [ البقرة : 22 ] والمتشابه ما يحتاج في معرفته إلى التدبر والتأمل نحو الحكم بأنه تعالى يبعثهم بعد أن صاروا تراباً ولو تأملوا لصار المتشابه عندهم محكماً لأن من قدر على الإنشاء أو لا قدر على الإعادة ثانياً.\rواعلم أن كلام الأصم غير ملخص ، فإنه إن عنى بقوله : المحكم ما يكون دلائله واضحة أن المحكم هو الذي يكون دلالة لفظه على معناه متعينة راجحة ، والمتشابه ما لا يكون كذلك ، وهو إما المجمل المتساوي ، أو المؤول المرجوح ، فهذا هو الذي ذكرناه أولاً ، وإن عنى به أن المحكم هو الذي يعرف صحة معناه من غير دليل ، فيصير المحكم على قوله ما يعلم صحته بضرورة العقل ، والمتشابه ما يعلم صحته بدليل العقل ، وعلى هذا يصير جملة القرآن متشابهاً ، لأن قوله {فَخَلَقْنَا النطفة عَلَقَةً} أمر يحتاج في معرفة صحته إلى الدلائل العقلية ، وإن أهل الطبيعة يقولون : السبب في ذلك الطبائع والفصول ، أو تأثيرات الكواكب ، وتركيبات العناصر وامتزاجاتها ، فكما أن إثبات الحشر والنشر مفتقر إلى الدليل ، فكذلك إسناد هذه الحوادث إلى الله تعالى مفتقر إلى الدليل ، ولعلّ الأصم يقول : هذه الأشياء وإن كانت كلها مفتقرة إلى الدليل ، إلا أنها تنقسم إلى ما يكون الدليل فيه ظاهراً بحيث تكون مقدماته قليلة مرتبة مبينة يؤمن الغلط معها إلا نادراً ، ومنها ما يكون الدليل فيه خفياً كثير المقدمات غير مرتبة فالقسم الأول : هو المحكم والثاني : هو المتشابه.\r","part":11,"page":192},{"id":4493,"text":"القول الرابع : أن كل ما أمكن تحصيل العلم به سواء كان ذلك بدليل جلي ، أو بدليل خفي ، فذاك هو المحكم ، وكل ما لا سبيل إلى معرفته فذاك هو المتشابه ، وذلك كالعلم بوقت قيام الساعة ، والعلم بمقادير الثواب والعقاب في حق المكلفين ، ونظيره قوله تعالى : {يَسْئَلُونَكَ عَنِ الساعة أَيَّانَ مرساها} [ الأعراف : 187 ] [ النازعات : 42 ]. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 7 صـ 147 ـ 148}","part":11,"page":193},{"id":4494,"text":"فوائد لغوية\rقال الآلوسى : \rوقوله سبحانه : {مِنْهُ آيات} الظرف فيه خبر مقدم ، وآيات مبتدأ مؤخر أو بالعكس ، ورجح الأوّل : بأنه الأوفق بقواعد الصناعة ، والثاني : بأنه أدخل في جزالة المعنى إذ المقصود الأصلي انقسام الكتاب إلى القسمين المعهودين لا كونهما من الكتاب ، والجملة إما مستأنفة أو في حيزالنصب على الحالية من الكتاب أي هو الذي أنزل عليك الكتاب كائناً على هذه الحالة أي منقسماً إلى محكم وغيره أو الظرف وحده حال و( آيات ) مرتفع به على الفاعلية {محكمات} صفة آيات أي واضحة المعنى ظاهرة الدلالة محكمة العبارة محفوظة من الاحتمال والاشتباه {هُنَّ أُمُّ الكتاب} أي أصله والعمدة فيه يرد إليها غيرها والعرب تسمي كل جامع يكون مرجعاً أماً والجملة إما صفة لما قبلها أو مستأنفة وإنما أفرد الأم مع أن الآيات متعددة لما أن المراد بيان أصلية كل واحدة منها أو بيان أن الكل بمنزلة آية واحدة {وَأَخَّرَ} نعت لمحذوف معطوف على ( آيات ) أي وآيات أخر وهي كما قال الرضيّ : جمع أخرى التي هي مؤنث آخر ومعناه في الأصل أشد تأخراً فمعنى جاءني زيد ، ورجل آخر جاءني زيد ، ورجل أشد تأخراً منه في معنى من المعاني ، ثم نقل إلى معنى غيره فمعنى رجل آخر رجل غير زيد ولا يستعمل إلا فيما هو من جنس المذكور أولا فلا يقال : جاءني زيد وحمار آخر ولا امرأة أخرى ، ولما خرج عن معنى التفضيل استعمل من دون لوازم أفعل التفضيل أعني من والإضافة واللام وطوبق بالمجرد عن اللام والإضافة ما هو له نحو رجلان آخران ورجال آخرون وامرأة أخرى وامرأتان أخريان ونسوة أخر ، وذهب أكثر النحويين إلى أنه غير منصرف لأنه وصف معدول عن الآخر قالوا : لأن الأصل في أفعل التفضيل أن لا يجمع إلا مقروناً بالألف واللام كالكبر والصغر فعدل عن أصله وأعطى من الجمعية مجرداً ما لا يعطي غيره إلا مقروناً ، وقيل : الدليل على عدل ( أخر ) أنه لو كان مع من المقدرة كما في الله أكبر للزم أن يقال بنسوة","part":11,"page":194},{"id":4495,"text":"آخر على وزن أفعل لأن أفعل التفضيل ما دام بمن ظاهرة أو مقدرة لا يجوز مطابقته لمن هو له بل يجب إفراده ، ولا يجوز أن يكون بتقدير الإضافة لأن المضاف إليه لا يحذف إلا مع بناء المضاف ، أو مع ساد مسد المضاف إليه ، أو مع دلالة ما أضيف إليه تابع المضاف أخذاً من استقراء كلامهم فلم يبق إلا أن يكون أصله اللام ، واعترض عليه أبو علي بأنه لو كان كذلك وجب أن يكون معرفة كسحر.\rوأجيب بأنه لا يلزم في المعدول عن شيء أن يكون بمعناه من كل وجه وإنما يلزم أن يكون قد أخرج عما يستحقه وما هو القياس فيه إلى صيغة أخرى ، نعم قد تقصد إرادة تعريفه بعد النقل إما بألف ولام يضمن معناها فيبنى ، أو إما بعلمية كما في سحر فيمنع من الصرف ، ولما لم يقصد في ( أخر ) إرادة الألف واللام أعرب ، ولا يصح إرادة العلمية لأنها تضاد الوصفية المقصودة منه. وقال ابن جني : إنه معدول عن آخر من ، وزعم ابن مالك أنه التحقيق وظاهر كلام أبي حيان اختياره واستدلوا عليه بما لا يخلو عن نظر.","part":11,"page":195},{"id":4496,"text":"ووصف آخر بقوله سبحانه : {متشابهات} وهي في الحقيقة صفة لمحذوف أي محتملات لمعان متشابهات لا يمتاز بعضها عن بعض في استحقاق الإرادة ولا يتضح الأمر إلا بالنظر الدقيق ، وعدم الاتضاح قد يكون للاشتراك أو للإجمال ، أو لأن ظاهره التشبيه فالمتشابه في الحقيقة وصف لتلك المعاني وصف به الآيات على طريقة وصف الدال بما هو وصف للمدلول فسقط ما قيل : إن واحد متشابهات متشابهة ، وواحد ( أخر ) أخرى ، والواحد هنا لا يصح أن يوصف بهذا الواحد فلا يقال : أخرى متشابهة إلا أن يكون بعض الواحدة يشبه بعضاً وليس المعنى على ذلك وإنما المعنى أن كل آية تشبه آية أخرى فكيف صح وصف الجمع بهذا الجمع ولم يصح وصف مفرده بمفرده ؟ ا ولا حاجة إلى ما تكلف في الجواب عنه بأنه ليس من شرط صحة وصف المثنى والمجموع صحة بسط مفردات الأوصاف على أفراد الموصوفات كما أنه لا يلزم من الإسناد إليهما صحة إسناده إلى كل واحد كما في {فَوَجَدَ فِيهَا رَجُلَيْنِ يَقْتَتِلاَنِ} [ القصص : 15 ] إذ الرجل لا يقتتل ، وقيل : إنه لما كان من شأن الأمور المتشابهة أن يعجز العقل عن التمييز بها سمي كل ما لا يهتدي العقل إليه متشابهاً وإن لم يكن ذلك بسبب التشابه كما أن المشكل في الأصل ما دخل في أشكاله وأمثاله ولم يعلم بعينه ثم أطلق على كل غامض وإن لم يكن غموضه من تلك الجهة وعليه يكون المتشابه مجازاً أو كناية عما لا يتضح معناه مثلاً فيكون السؤال مغالطة غير واردة رأساً وهذا الذي ذكره في تفسير المحكم والمتشابه هو مذهب كثير من الناس وعليه الشافعية.","part":11,"page":196},{"id":4497,"text":"وتقسيم الكتاب إليهما من تقسيم الكل إلى أجزائه بناءاً على أن المراد من الكتاب ما بين الدفتين ولامه لتعريف العهد ، وحينئذ إما أن يراد بالكتاب الثاني المضاف إليه أم الأول الواقع مقسماً كما يشعر به حديث إعادة الشيء معرفة ويكون وضع المظهر موضع المضمر اعتناءاً بشأن المظهر وتفخيماً له والإضافة على معنى في كما في واحد العشرة فلا يلزم كون الشيء أصلاً لنفسه لأن المعنى على أن الآيات المحكمات التي هي جزء مما بين الدفتين أصل فيما بين الدفتين يرجع إليه المتشابه منه ، واعتبار ظرفية الكل للجزء يدفع توهم لزوم ظرفية الشيء لنفسه وهذا أولى من القول بتقدير مضاف بين المتضايفين بأن يقال التقدير أم بعض الكتاب فإنه وإن بقي فيه الكتاب على حاله إلا أنه لا يخلو عن تكلف ، وإما أن يراد به الجنس فإنه كالقرآن يطلق على القدر المشترك بين المجموع وبين كل بعض منه له به نوع اختصاص كما بين في الأصول ، ويراد من هذا الجنس ما هو في ضمن الآيات المتشابهات فاللام حينئذ للجنس والإضافة على معنى اللام ولا يعارضه حديث الإعادة إذ هو أصل كثيراً ما يعدل عنه ولا يتوهم منه كون الشيء أماً لنفسه أصلاً ولا أن المقام مقام الإضمار ليحتاج إلى الجواب عن ذلك ، وبعض فضلاء العصر العاصرين حميا العلم من كرم أذهانهم الكريمة أحسن عصر جوز كون الإضافية لامية ، و( الكتاب ) المضاف إليه هو الكتاب الأول بعينه وليس في الكلام مضاف محذوف وما يلزم على ذلك من كون الشيء أماً لنفسه وأصلاً لها لا يضر لاختلاف الاعتبار فإن أمومته لغيره من المتشابه باعتبار رده إليه وإرجاعه له وأمومته لنفسه باعتبار عدم احتياجه لظهور معناه إلى شيء سوى نفسه ، ولا يخفى عليك أن الأم إن كانت في كلا الاعتبارين حقيقة لزم استعمال المشترك في معنييه وإن كانت في كليهما مجازاً لزم الجمع بين معنيين مجازيين ، وإن كانت حقيقة في الأصل باعتبار ما يرجع إليه غيره كما يفهم من بعض عباراتهم","part":11,"page":197},{"id":4498,"text":"مجازاً في الأصل بمعنى المستغني عن غيره لزم الجمع بين الحقيقة والمجاز ولا مخلص عن ذلك إلا بارتكاب عموم المجاز ، هذا وجوز أن يكون التقسيم إلى القسمين المحكم والمتشابه من تقسيم الكلى إلى جزئياته فأل في الكتاب للجنس أولاً وآخراً إلا أن المراد من الكتاب في الأول الماهية من حيث هي كما هو الأمر المعروف في مثل هذا التقسيم ، وفي الثاني الماهية باعتبار تحققها في ضمن بعض الأفراد وهو المتشابه ، ويجوز أن يراد من الثاني أيضاً مجموع ما بين الدفتين والكلام فيه حينئذ على نحو ما سبق ، قيل : وقصارى ما يلزم من هذا التقسيم بعد تحمل القول بأنه خلاف الظاهر صدق الكتاب على الأبعاض وهو مما لا يتحاشى منه بل هو غرض من فسر الكتاب بالقدر المشترك ، وأنت تعلم أن فيه غير ذلك إلا أنه يمكن دفعه بالعناية فتدبر. أ هـ {روح المعانى حـ 3 صـ 80 ـ 82}\rفائدة\rقال القرطبى : \rروى البخاريّ عن سعيد بن جبير قال : قال رجل لابن عباس : إني أجد في القرآن أشياءَ تختلفُ عليّ.\rقال : ما هو ؟ قال : {فَلاَ أَنسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلاَ يَتَسَآءَلُونَ} [ المؤمنون : 101 ] وقال : {وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ على بَعْضٍ يَتَسَآءَلُونَ} [ الصافات : 27 ] وقال : {وَلاَ يَكْتُمُونَ الله حَدِيثاً} [ النساء : 42 ] وقال : {والله رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ} [ الأنعام : 23 ] فقد كتموا في هذه الآية.\rوفي النازعات {أَمِ السمآء بَنَاهَا} {والأرض بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا} [ النازعات : 27 30 ] فذكر خلق السماء قبل خلق الأرض ، ثم قال {أَئِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بالذي خَلَقَ الأرض فِي يَوْمَيْنِ ثُمَّ استوى إِلَى السمآء وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلأَرْضِ ائتيا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً قَالَتَآ أَتَيْنَا طَآئِعِينَ} [ فصلت : 9 11 ] فذكر في هذا خلق الأرض قبل خلق السماء.\rوقال : {وَكَانَ الله غَفُوراً رَّحِيماً} [ الفتح : 14 ].","part":11,"page":198},{"id":4499,"text":"{وَكَانَ الله عَزِيزاً حَكِيماً} [ الفتح : 7 ].\r{وَكَانَ الله سَمِيعاً بَصِيراً} [ النساء : 134 ] فكأنه كان ثم مضى.\rفقال ابن عباس : \"فَلاَ أَنْسَابَ بَيْنَهُمْ\" في النفخة الأُولى ، ثم ينفخ في الصور فصعق من في السموات ومن في الأرض إلا من شاء الله ، فلا أنساب بينهم عند ذلك ولا يتساءلون ؛ ثم في النفخة الآخرة أقبل بعضهم على بعض يتساءلون.\rوأمّا قوله : {مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ} {وَلاَ يَكْتُمُونَ الله حَدِيثاً} فإن الله يغفر لأهل الإخلاص ذنوبهم ، وقال المشركون : تعالوا نقول : لم نكن مشركين ؛ فختم الله على أفواههم فتنطق جوارحهم بأعمالهم ؛ فعند ذلك عرف أن الله لا يكتم حديثاً ، وعنده يودّ الذين كفروا لو كانوا مسلمين.\rوخلق الله الأرض في يومين ، ثم استوى إلى السماء فسوّاهن سبع سماوات في يومين ، ثم دحا الأرض أي بسطها فأخرج منها الماء والمرعى ، وخلق فيها الجبال والأشجار والآكام وما بينها في يومين آخرين ؛ فذلك قوله : \r{والأرض بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا} [ النازعات : 30 ].\rفخلقت الأرض وما فيها في أربعة أيام ، وخلقت السماء في يومين.\rوقوله : {وَكَانَ الله غَفُوراً رَّحِيماً} يعني نفسه ذلك ، أي لم يزل ولا يزال كذلك ؛ فإن الله لم يرِد شيئاً إلا أصاب به الذي أراد.\rويحك! فلا يختلِف عليك القرآن ؛ فإن كلا من عند الله. أ هـ {تفسير القرطبى حـ 4 صـ 12 ـ 13}\rفصل نفيس\rقال الفخر : ","part":11,"page":199},{"id":4500,"text":"اعلم أن من الملحدة من طعن في القرآن لأجل اشتماله على المتشابهات ، وقال : إنكم تقولون إن تكاليف الخلق مرتبطة بهذا القرآن إلى قيام الساعة ، ثم إنا نراه بحيث يتمسك به كل صاحب مذهب على مذهبه ، فالجبري يتمسك بآيات الجبر ، كقوله تعالى : {وَجَعَلْنَا على قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَن يَفْقَهُوهُ وَفِى ءَاذَانِهِمْ وَقْراً} [ الأنعام : 25 ] والقدري يقول : بل هذا مذهب الكفار ، بدليل أنه تعالى حكى ذلك عن الكفار في معرض الذم لهم في قوله {وَقَالُواْ قُلُوبُنَا فِى أَكِنَّةٍ مِمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ وَفِى ءاذانِنَا وَقْرٌ} [ فصلت : 5 ] وفي موضع آخر {وَقَالُواْ قُلُوبُنَا غُلْفٌ} [ البقرة : 88 ] وأيضاً مثبت الرؤية يتمسك بقوله {وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاضِرَةٌ إلى رَبّهَا نَاظِرَةٌ} [ القيامة : 22 ، 23 ] والنافي يتمسك بقوله {لاَ تُدْرِكُهُ الأبصار} [ الأنعام : 103 ] ومثبت الجهة يتمسك بقوله {يخافون رَبَّهُمْ مّن فَوْقِهِمْ} [ النحل : 50 ] وبقوله {الرحمن عَلَى العرش استوى} [ طه : 5 ] والنافي يتمسك بقوله {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَىْء} [ الشورى : 11 ] ثم إن كل واحد يسمي الآيات الموافقة لمذهبه : محكمة ، والآيات المخالفة لمذهبه : متشابهة وربما آل الأمر في ترجيح بعضها على بعض إلى ترجيحات خفية ، ووجوه ضعيفة ، فكيف يليق بالحكيم أن يجعل الكتاب الذي هو المرجوع إليه في كل الدين إلى قيام الساعة هكذا ، أليس أنه لو جعله ظاهراً جلياً نقياً عن هذه المتشابهات كان أقرب إلى حصول الغرض.\rواعلم أن العلماء ذكروا في فوائد المتشابهات وجوهاً : \rالوجه الأول : أنه متى كانت المتشابهات موجودة ، كان الوصول إلى الحق أصعب وأشق وزيادة المشقة توجب مزيد الثواب ، قال الله تعالى : {أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُواْ الجنة وَلَمَّا يَعْلَمِ الله الذين جاهدوا مِنكُمْ وَيَعْلَمَ الصابرين} [ آل عمران : 142 ].\r","part":11,"page":200},{"id":4501,"text":"الوجه الثاني : لو كان القرآن محكماً بالكلية لما كان مطابقاً إلا لمذهب واحد ، وكان تصريحه مبطلاً لكل ما سوى ذلك المذهب ، وذلك مما ينفر أرباب المذاهب عن قبوله وعن النظر فيه ، فالانتفاع به إنما حصل لما كان مشتملاً على المحكم وعلى المتشابه ، فحينئذ يطمع صاحب كل مذهب أن يجد فيه ما يقوي مذهبه ، ويؤثر مقالته ، فحينئذ ينظر فيه جميع أرباب المذاهب ، ويجتهد في التأمل فيه كل صاحب مذهب ، فإذا بالغوا في ذلك صارت المحكمات مفسرة للمتشابهات ، فبهذا الطريق يتخلص المبطل عن باطله ويصل إلى الحق.\rالوجه الثالث : أن القرآن إذا كان مشتملاً على المحكم والمتشابه افتقر الناظر فيه إلى الاستعانة بدليل العقل ، وحينئذ يتخلص عن ظلمة التقليد ، ويصل إلى ضياء الاستدلال والبينة ، أما لو كان كله محكماً لم يفتقر إلى التمسك بالدلائل العقلية فحينئذ كان يبقى في الجهل والتقليد.\rالوجه الرابع : لما كان القرآن مشتملاً على المحكم والمتشابه ، افتقروا إلى تعلم طرق التأويلات وترجيح بعضها على بعض ، وافتقر تعلم ذلك إلى تحصيل علوم كثيرة من علم اللغة والنحو وعلم أصول الفقه ، ولو لم يكن الأمر كذلك ما كان يحتاج الإنسان إلى تحصيل هذه العلوم الكثيرة ، فكان إيراد هذه المتشابهات لأجل هذه الفوائد الكثيرة.\r","part":11,"page":201},{"id":4502,"text":"الوجه الخامس : وهو السبب الأقوى في هذا الباب أن القرآن كتاب مشتمل على دعوة الخواص والعوام بالكلية ، وطبائع العوام تنبو في أكثر الأمر عن إدراك الحقائق ، فمن سمع من العوام في أول الأمر إثبات موجود ليس بجسم ولا بمتحيز ولا مشار إليه ، ظن أن هذا عدم ونفي فوقع في التعطيل ، فكان الأصلح أن يخاطبوا بألفاظ دالة على بعض ما يناسب ما يتوهمونه ويتخيلونه ، ويكون ذلك مخلوطاً بما يدل على الحق الصريح ، فالقسم الأول وهو الذي يخاطبون به في أول الأمر يكون من باب المتشابهات ، والقسم الثاني وهو الذي يكشف لهم في آخر الأمر هو المحكمات ، فهذا ما حضرنا في هذا الباب والله أعلم بمراده. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 7 صـ 148 ـ 149}\rوقال ابن الجوزى : \rفإن قيل : فما فائدة إنزال المتشابه ، والمراد بالقرآن البيان والهدى ؟ فعنه أربعة أجوبة.\rأحدها : أنه لما كان كلام العرب على ضربين.\rأحدهما : الموجز الذي لا يخفى على سامعه ، ولا يحتمل غير ظاهره.\rوالثاني : المجاز ، والكنايات ، والإشارات ، والتلويحات ، وهذا الضرب الثاني هو المستحلى عند العرب ، والبديع في كلامهم ، أنزل الله تعالى القرآن على هذين الضربين ، ليتحقق عجزهم عن الإتيان بمثله ، فكأنه قال : عارضوه بأي الضربين شئتم ، ولو نزل كله محكماً واضحاً ، لقالوا : هلا نزل بالضرب المستحسن عندنا.\rومتى وقع في الكلام إشارة أو كناية ، أو تعريض أو تشبيه ، كان أفصح وأغرب.\rقال امرؤ القيس : \rوما ذرفت عيناك إلا لنضر بي . . .\rبسهميك في أعشار قلب مقتَّل\rفجعل النظر بمنزلة السهم على جهة التشبيه ، فحلا هذا عند كل سامع ومنشد ، وزاد في بلاغته.\rوقال امرؤ القيس أيضاً : \rرمتني بسهم أصاب الفؤاد غداة الرحيل فلم أننصر . . .\rوقال أيضاً : \rفقلت له لما تمطى بصُلبه . . .\rوأردف أعجازاً وناء بكلكل\rفجعل لليل صلباً وصدراً على جهة التشبيه ، فحسن بذلك شعره.\rوقال غيره : ","part":11,"page":202},{"id":4503,"text":"من كميت أجادها طابخاها لم تمت كل موتها في القدور . . .\rأراد بالطابخين : الليل والنهار على جهة التشبيه.\rوقال آخر : \rتبكي هاشماً في كل فجر . . .\rكما تبكي على الفنن الحمام\rوقال آخر : \rعجبت لها أنى يكون غناؤها . . .\rفصيحاً ولم تفتح بمنطقها فما\rفجعل لها غناء وفماً على جهة الاستعارة.\rوالجواب الثاني : أن الله تعالى أنزله مختبراً به عباده ، ليقف المؤمن عنده ، ويرده إلى عالمه ، فيعظم بذلك ثوابه ، ويرتاب به المنافق ، فيداخله الزيغ ، فيستحق بذلك العقوبة ، كما ابتلاهم بنهر طالوت.\rوالثالث : أن الله تعالى أراد أن يشغل أهل العلم بردّهم المتشابه إلى المحكم ، فيطول بذلك فكرهم ، ويتصل بالبحث عنه اهتمامهم ، فيثابون على تعبهم ، كما يثابون على سائر عباداتهم ، ولو جعل القرآن كله محكماً لاستوى فيه العالم والجاهل ، ولم يفضل العالم على غيره ، ولماتت الخواطر ، وإنما تقع الفكرة والحيلة مع الحاجة إلى الفهم.\rوقد قال الحكماء : عيب الغنى : أنه يورث البلادة ، وفضل الفقر : أنه يبعث على الحيلة ، لأنه إذا احتاج احتال.\rوالرابع : أن أهل كل صناعة يجعلون في علومهم معاني غامضة ، ومسائل دقيقة ليحرجوا بها من يعلَّمون ، ويمرّنوهم على انتزاع الجواب ، لأنهم إذا قدروا على الغامض ، كانوا على الواضح أقدر ، فلما كان ذلك حسناً عند العلماء ، جاز أن يكون ما أنزل الله تعالى من المتشابه على هذا النحو ، وهذه الأجوبة معنى ما ذكره ابن قتيبة ، وابن الأنباري. أ هـ {زاد المسير حـ 1 صـ 353}\rقوله تعالى {هُنَّ أُمُّ الكتاب}\rقال الفخر : \rفيه سؤالان : \rالسؤال الأول : ما معنى كون المحكم أماً للمتشابه ؟ .","part":11,"page":203},{"id":4504,"text":"الجواب : الأم في حقيقة اللغة الأصل الذي منه يكون الشيء ، فلما كانت المحكمات مفهومة بذواتها ، والمتشابهات إنما تصير مفهومة بإعانة المحكمات ، لا جرم صارت المحكمات كالأم للمتشابهات وقيل : أن ما جرى في الإنجيل من ذكر الأب ، وهو أنه قال : إن الباري القديم المكون للأشياء الذي به قامت الخلائق وبه ثبتت إلى أن يبعثها ، فعبّر عن هذا المعنى بلفظ الأب من جهة أن الأب هو الذي حصل منه تكوين الإبن ، ثم وقع في الترجمة ما أوهم الأبوة الواقعة من جهة الولادة ، فكان قوله {مَا كَانَ للَّهِ أَن يَتَّخِذَ مِن وَلَدٍ} [ مريم : 35 ] محكماً لأن معناه متأكد بالدلائل العقلية القطعية ، وكان قوله : عيسى روح الله وكلمته من المتشابهات التي يجب ردها إلى ذلك المحكم.\rالسؤال الثاني : لم قال : {أُمُّ الكتاب} ولم يقل : أمهات الكتاب ؟ .\rالجواب : أن مجموع المحكمات في تقدير شيء واحد ، ومجموع المتشابهات في تقدير شيء آخر وأحدهما أم الآخر ، ونظيره قوله تعالى : {وَجَعَلْنَا ابن مَرْيَمَ وَأُمَّهُ ءَايَةً} [ المؤمنون : 50 ] ولم يقل آيتين ، وإنما قال ذلك على معنى أن مجموعهما آية واحدة ، فكذلك ههنا. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 7 صـ 150}\rقوله تعالى : {فَأَمَّا الَّذِينَ فى قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ}\rقال الفخر : \rاعلم أنه تعالى لما بيّن أن الكتاب ينقسم إلى قسمين منه محكم ومنه متشابه ، بيّن أن أهل الزيغ لا يتمسكون إلا بالمتشابه ، والزيغ الميل عن الحق ، يقال : زاغ زيغاً : أي مال ميلاً واختلفوا في هؤلاء الذين أُريدوا بقوله {فى قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ} فقال الربيع : هم وفد نجران لما حاجوا رسول الله صلى الله عليه وسلم في المسيح فقالوا : أليس هو كلمة الله وروح منه قال : بلى.\r","part":11,"page":204},{"id":4505,"text":"فقالوا : حسبنا. فأنزل الله هذه الآية ، ثم أنزل {إِنَّ مَثَلَ عيسى عِندَ الله كَمَثَلِ ءَادَمَ} [ آل عمران : 59 ] وقال الكلبي : هم اليهود طلبوا علم مدة بقاء هذه الأمة واستخراجه من الحروف المقطعة في أوائل السور وقال قتادة والزجاج : هم الكفار الذين ينكرون البعث ، لأنه قال في آخر الآية {وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ الله} وما ذاك إلا وقت القيامة لأنه تعالى أخفاه عن كل الخلق حتى عن الملائكة والأنبياء عليهم الصلاة والسلام.\r","part":11,"page":205},{"id":4506,"text":"وقال المحققون : إن هذا يعم جميع المبطلين ، وكل من احتج لباطله بالمتشابه ، لأن اللفظ عام ، وخصوص السبب لا يمنع عموم اللفظ ويدخل فيه كل ما فيه لبس واشتباه ومن جملته ما وعد الله به الرسول من النصرة وما أوعد الكفار من النقمة ويقولون {ائتنا بِعَذَابِ الله} [ العنكبوت : 29 ] {ومتى تَأْتِينَا الساعة} [ سبأ : 3 ] {لَّوْ مَا تَأْتِينَا بالملائكة} [ الحجر : 7 ] فموهوا الأمر على الضعفة ، ويدخل في هذا الباب استدلال المشبهة بقوله تعالى : {الرحمن عَلَى العرش استوى} [ طه : 5 ] فإنه لما ثبت بصريح العقل أن كل ما كان مختصاً بالحيز فإما أن يكون في الصغر كالجزء الذي لا يتجزأ وهو باطل بالاتفاق وإما أن يكون أكبر فيكون منقسماً مركباً وكل مركب فإنه ممكن ومحدث ، فبهذا الدليل الظاهر يمتنع أن يكون الإله في مكان ، فيكون قوله {الرحمن عَلَى العرش استوى} متشابهاً ، فمن تمسك به كان متمسكاً بالمتشابهات ومن جملة ذلك استدلال المعتزلة بالظواهر الدالة على تفويض الفعل بالكلية إلى العبد ، فإنه لما ثبت بالبرهان العقلي أن صدور الفعل يتوقف على حصول الداعي ، وثبت أن حصول ذلك الداعي من الله تعالى ، وثبت متى كان الأمر كذلك كان حصول الفعل عند تلك الداعية واجباً ، وعدمه عند عدم هذه الداعية واجباً ، فحينئذ يبطل ذلك التفويض ، وثبت أن الكل بقضاء الله تعالى وقدره ومشيئته ، فيصير استدلال المعتزلة بتلك الظواهر وإن كثرت استدلالاً بالمتشابهات ، فبيّن الله تعالى في كل هؤلاء الذين يعرضون عن الدلائل القاطعة ويقتصرون على الظواهر الموهمة أنهم يتمسكون بالمتشابهات لأجل أن في قلوبهم زيغاً عن الحق وطلباً لتقرير الباطل.\r","part":11,"page":206},{"id":4507,"text":"واعلم أنك لا ترى طائفة في الدنيا إلا وتسمي الآيات المطابقة لمذهبهم محكمة ، والآيات المطابقة لمذهب خصمهم متشابهة ثم هو الأمر في ذلك ألا ترى إلى الجبائي فإنه يقوله : المجبرة الذين يضيفون الظلم والكذب ، وتكليف ما لا يطاق إلى الله تعالى هم المتمسكون بالمتشابهات.\r","part":11,"page":207},{"id":4508,"text":"وقال أبو مسلم الأصفهاني : الزائغ الطالب للفتنة هو من يتعلق بآيات الضلال ، ولا يتأوله على المحكم الذي بيّنه الله تعالى بقوله {وَأَضَلَّهُمُ السامرى} [ طه : 85 ] {وَأَضَلَّ فِرْعَوْنُ قَوْمَهُ وَمَا هدى} [ طه : 79 ] {وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلاَّ الفاسقين} [ البقرة : 26 ] وفسروا أيضاً قوله {وَإِذَا أَرَدْنَا أَن نُّهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُواْ فِيهَا} [ الإسراء : 16 ] على أنه تعالى أهلكهم وأراد فسقهم ، وأن الله تعالى يطلب العلل على خلقه ليهلكهم مع أنه تعالى قال : {يُرِيدُ الله بِكُمُ اليسر وَلاَ يُرِيدُ بِكُمُ العسر} [ البقرة : 185 ] {وَيُرِيدُ الله لِيُبَيّنَ لَكُمْ وَيَهْدِيَكُمْ} [ النساء : 26 ] وتأولوا قوله تعالى : {زَيَّنَّا لَهُمْ أعمالهم فَهُمْ يَعْمَهُونَ} [ النمل : 4 ] على أنه تعالى زين لهم النعمة ونقضوا بذلك ما في القرآن كقوله تعالى : {إِنَّ اللَّهَ لاَ يُغَيّرُ مَا بِقَوْمٍ حتى يُغَيّرُواْ مَا بِأَنفُسِهِمْ} [ الرعد : 11 ] {وَمَا كُنَّا مُهْلِكِى القرى إِلاَّ وَأَهْلُهَا ظالمون} [ القصص : 59 ] وقال : {وَأَمَّا ثَمُودُ فهديناهم فاستحبوا العمى عَلَى الهدى} [ فصلت : 17 ] وقال : {فَمَنُ اهتدى فَإِنَّمَا يَهْتَدِى لِنَفْسِهِ} [ يونس : 108 ] وقال : {ولكن الله حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الإيمان وَزَيَّنَهُ فِى قُلُوبِكُمْ} [ الحجرات : 7 ] فكيف يزين النعمة ؟ فهذا ما قاله أبو مسلم ، وليت شعري لم حكم على الآيات الموافقة لمذهبه بأنها محكمات ، وعلى الآيات المخالفة لمذهبه بأنها متشابهات ؟ ولم أوجب في تلك الآيات المطابقة لمذهبه إجرائها على الظاهر ، وفي الآيات المخالفة لمذهبه صرفها عن الظاهر ؟ ومعلوم أن ذلك لا يتم إلا بالرجوع إلى الدلائل العقلية الباهرة ، فإذا دلّ على بطلان مذهب المعتزلة الأدلة العقلية ، فإن مذهبهم لا يتم إلا إذا قلنا بأنه صدر عن أحد الفعلين دون الثاني من","part":11,"page":208},{"id":4509,"text":"غير مرجح ، وذلك تصريح بنفي الصانع ، ولا يتم إلا إذا قلنا بأن صدور الفعل المحكم المتقن عن العبد لا يدل على علم فاعله به ، فحينئذ يكون قد تخصص ذلك العدد بالوقوع دون الأزيد والأنقص لا لمخصص ، وذلك نفي للصانع ، ولزم منه أيضاً أن لا يدل صدور الفعل المحكم على كون الفاعل عالماً وحينئذ ينسد باب الاستدلال بأحكام أفعال الله تعالى على كون فاعلها عالماً ، ولو أن أهل السموات والأرض اجتمعوا على هذه الدلائل لم يقدروا على دفعها ، فإذا لاحت هذه الدلائل العقلية الباهرة فكيف يجوز لعاقل أن يسمي الآيات الدالة على القضاء والقدر بالمتشابه ، فظهر بما ذكرناه أن القانون المستمر عند جمهور الناس أن كل آية توافق مذهبهم فهي المحكمة وكل آية تخالفهم فهي المتشابهة.\rوأما المحقق المنصف ، فإنه يحمل الأمر في الآيات على أقسام ثلاثة أحدها : ما يتأكد ظاهرها بالدلائل العقلية ، فذاك هو المحكم حقاً وثانيها : الذي قامت الدلائل القاطعة على امتناع ظواهرها ، فذاك هو الذي يحكم فيه بأن مراد الله تعالى غير ظاهره وثالثها : الذي لا يوجد مثل هذه الدلائل على طرفي ثبوته وانتفائه ، فيكون من حقه التوقف فيه ، ويكون ذلك متشابهاً بمعنى أن الأمر اشتبه فيه ، ولم يتميز أحد الجانبين عن الآخر ، إلا أن الظن الراجح حاصل في إجرائها على ظواهرها فهذا ما عندي في هذا الباب والله أعلم بمراده. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 7 صـ 150 ـ 152}\rقوله تعالى : {فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آَمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ}\rقال البقاعى : \r","part":11,"page":209},{"id":4510,"text":"وقد بين سبحانه وتعالى أنه لا يضل بحرف المتشابه إلا ذوو الطبع العوج الذين لم ترسخ أقدامهم في الدين ولا استنارت معارفهم في العلم فقال : {فأما الذين في قلوبهم زيغ} أي اعوجاج عدلوا به عن الحق.\r","part":11,"page":210},{"id":4511,"text":"وقال الحرالي : هو ميل المائل إلى ما يزين لنفسه الميل إليه ، والمراد هنا أشد الميل الذي هو ميل القلب عن جادة الاستواء وفي إشعاره ما يلحق بزيغ القلوب من سيىء الأحوال في الأنفس وزلل الأفعال في الأعمال ، فأنبأ تعالى عما هو الأشد وأبهم ما هو الأضعف : {فيتبعون} في إشعار هذه الصيغة بما تنبئ عنه من تكلف المتابعه بأن من وقع له الميل فلفته لم تلحقه مذمه هذا الخطاب ، فإذا وقع الزلل ولم يتتابع حتى يكون اتباعاً سلم من حد الفتنة بمعالجة التوبة {ما تشابه منه} فأبهمه إبهاماً يشعر بما جرت به الكليات فيما يقع نبأ عن الحق وعن الخلق من نحو أوصاف النفس كالتعليم والحكيم وسائر أزواج الأوصاف كالغضب والرضى بناء على الخلق في بادئ الصورة من نحو العين واليد والرجل والوجه وسائر بوادي الصورة ، كل ذلك مما أنه متشابهات أنزلها الله تعالى ليتعرف للخلق بما جبلهم عليه مما لو لم يتعرف لهم به لم يعرفوه ، ففقائدة إنزالها التعرف بما يقع به الامتحان بإحجام الفكر عنه والإقدام على التعبد له ، ففائدة إنزاله عملاً في المحكم وفائدة إنزاله فيه توقفاً عنه ليقع الابتلاء بالوجهين : عملاً بالمحكم ووقوفاً عن المتشابه ، قال عليه الصلاة والسلام : \" لا تتفكروا في الله \" وقال علي رضي الله عنه : من تفكر في ذات الله تزندق ووافق العلماء إنكار الخلق عن التصرف في تكييف شيء منه ، كما ذكر عن مالك رحمه الله تعالى في قوله : الكيف مجهول والسؤال عنه بدعة ، فالخوض في المتشابه بدعة ، والوقوف عنه سنة ؛ وأفهم عنه الإمام أحمد يعني فيما تقدم في آيات الصفات من أن تأويلها تلاوتها ، هذا هو حد الإيمان وموقفه ، وإليه أذعن الراسخون في العلم ، وهم الذين تحققوا في أعلام العلم ، ولم يصغوا إلى وهم التخييل والتمثل به في شيء مما أنبأ الله سبحانه وتعالى به نفسه ولا في شيء مما بينه وبين خلقه وكان في توقفهم عن الخوض في المتشابه تفرغهم للعمل في المحكم ، لأن","part":11,"page":211},{"id":4512,"text":"المحكم واضح وجداني ، متفقه عليه مدارك الفطن وإذعان الجبلات ومنزلات الكتب ، لم يقع فيه اختلاف بوجه حتى كان لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال ذرة من كبر ، للزوم الواجب من العمل بالمحكم في إذعان النفس ، فكما لا يصلح العراء عن الاتصاف بالمحكم لا يصلح الترامي إلى شيء من الخوض في المتشابه لأحد من أهل العلم والإيمان أهل الدرجات ، لأن الله سبحانه وتعالى جبل الخلق وفطرهم على إدراك حظ من أنفسهم من أحوالهم ، وأوقفهم عن إدراك ما هو راجع إليه ، فأمر الله وتجلياته لا تنال إلا بعنايه منه ، يزج العبد زجه يقطع به الحجب الظلمانية والنورانية التي فيها مواقف العلماء ؛ فليس في هذا الحرف المتشابه إلا أخذ لسانين : لسان وقفة عن حد الإيمان للراسخين في العلم المشتغلين بالاتصاف بالتذلل والتواضع والتقوى والبر الذي أمر صلى الله عليه وسلم أن يتبع فيه حتى ينتهي العبد إلى أن يحبه الله ، فيرفع عنه عجز الوقفه عن المتشابه ، وينقذه من حجاب النورانية ، فلا يشكل عليه دقيق ولا يعييه خفي بما أحبه الله ، وما بين ذلك من خوض دون إنقاذ هذه العناية فنقص عن حد رتبة الإيمان والرسوخ في العلم ، فكل خائض فيه ناقص من حيث يحب أن يزيد ، فهو إما عجز إيماني من حيث الفطر الخلقي ، وإما تحقق إيقاني توجبه العناية والمحبة انتهى.\rولما ذكر سبحانه وتعالى اتباعهم له ذكر علته فقال : {ابتغاء الفتنة} أي تمييل الناس عن عقائدهم بالشكوك {وابتغاء تأويله} أي ترجيعه إلى ما يشتهونه وتدعوا إليه نفوسهم المائلة وأهويتهم الباطلة بادعاء أنه مآله.\rقال الحرالي : والابتغاء افتعال : تكلف البغي ، وهو شدة الطلب ، وجعله تعالى ابتغاءين لاختلاف وجهيه ، فجعل الأول فتنة لتعلقه بالغير وجعل الثاني تأويلاً أي طلباً للمآل عنده ، لاقتصاره على نفسه ، فكان أهون الزيغين انتهى.\r","part":11,"page":212},{"id":4513,"text":"ولما بين زيغهم بين أن نسبة خوضهم فيما لا يمكنهم علمه فقال : {وما} أي والحال أنه ما {يعلم} في الحال وعلى القطع {تأويله} قال الحرالي : هو ما يؤول إليه أمر الشيء في مآله إلى معاده {إلا الله} أي المحيط قدرة وعلماً ، قال : ولكل باد من الخلق مآل كما أن الآخرة مآل الدنيا {يوم يأتي تأويله يقول الذين نسوه من قبل قد جاءت رسل ربنا بالحق} [ الأعراف : 53 ] لذلك كل يوم من أيام الآخرة مآل للذي قبله ، فيوم الخلود مآل يوم الجزاء ، ومآل الأبد مآل يوم الخلود ؛ وأبد الأبد مآل الأبد ، وكذلك كل الخلق له مآل من الأمر فأمر الله مآل خلقه وكذلك الأمر ، كل تنزيل أعلى منه مآل التنزيل الأدنى إلى كمال الأمر ، وكل أمر الله مآل من أسمائه وتجلياته ، وكل تجل أجلى مآل لما دونه من تجل أخفى ، قال عيه الصلاة والسلام : \r\" فيأتيهم ربهم في غير الصورة التي يعرفونها الحديث إلى قوله : أنت ربنا \" فكان تجليه الأظهر لهم مآل تجليه الأخفى عنهم ؛ فكان كل أقرب للخلق من غيب خلق وقائم أمر وعلى تجل إبلاغاً إلى ما وراءه فكان تأويله ، فلم تكن الإحاطة بالتأويل المحيط إلا لله سبحانه وتعالى.\rولما ذكر الزائغين ذكر الثابتين فقال : {والراسخون في العلم} قال الحرالي : وهم المتحققون في أعلام العلم من حيث إن الرسوخ النزول بالثقل في الشيء الرخو ليس الظهورعلى الشيء ، فلرسوخهم كانوا أهل إيمان ، ولو أنهم كانوا ظاهرين على العلم كانوا أهل إيقان ، لكنهم راسخون في العلم لم يظهروا بصفاء الإيقان على نور العلم ، فثبتهم الله سبحانه وتعالى عند حد التوقف فكانوا دائمين على الإيمان بقوله : {يقولون آمنا به} بصيغة الدوام انتهى أي هذا حالهم في رسوخهم.\rولما كان هذا قسيماً لقوله : {وأما الذين في قلوبهم زيغ} كان ذلك واضحاً في كونه ابتداء وأن الوقوف على ما قبله ، ولما كان هذا الضمير محتملاً للمحكم فقط قال : {كل} أي من المحكم والمتشابه.\r","part":11,"page":213},{"id":4514,"text":"قال الحرالي : وهذه الكلمة معرفة بتعريف الإحاطة التي أهل النحاة ذكرها في وجوه التعريف إلا من ألاح معناها منهم فلم يلقن ولم ينقل جماعتهم ذلك ؛ وهو من أكمل وجوه التعريف ، لأن حقيقة التعريف التعين بعيان أو عقل ، وهي إشارة إلى إحاطة ما أنزله على إبهامه ، فكان مرجع المتشابه والمحكم عندهم مرجعاً واحداً ، آمنوا بمحل اجتماعه الذي منه نشأ فرقانه ، لأن كل مفترق بالحقيقة إنما هو معروج من حد اجتماع ، فما رجع إليه الإيمان في قلولهم : آمنا به ، هو محل اجتماع المحكم والمتشابه في إحاطة الكتاب قبل تفصيله انتهى.\r{من عند ربنا} أي المحسن إلينا بكل اعتبار ، ولعله عبر بعند وهي بالأمر الظاهر بخلاف لدن إشارة إلى ظهور ذلك عند التأمل ، وعبروه عن الاشتباه.\rولما كان مع كل مشتبه أمر إذا دقق النظر فيه رجع إلى مثال حاضر للعقل إما محسوس وإما في حد ظهور المحسوس قال معمماً لمدح المتأملين على دقة الأمر وشدة عموضه بإدغام تاء التفعل مشيراً إلى أنهم تأهلوا بالرسوخ إلى الارتقاء عن رتبته ، ملوحاً إلى أنه لا فهم لغيرهم عاطفاً على ما تقديره : فذكرهم الله من معاني المتشابه ببركه إيمانهم وتسليمهم بما نصبه من الآيات في الآفاق وفي أنفسهم ما يمكن أن يكون إرادة منه سبحانه وتعالى وإن لم يكن على القطع بأنه إرادة : {وما يذكر} أي من الراسخين بما سمع من المتشابه ما في حسه وعقله من أمثال ذلك {إلا أولوا الألباب} قال الحرالي : الذين لهم لب العقل الذي للراسخين في العلم ظاهره ، فكان بين أهل الزيغ وأهل التذكر مقابلة بعيدة ، فمنهم متذكر ينتهي إلى إيقان ، وراسخ في العلم يقف عند حد إيمان ، ومتأول يركن إلى لبس بدعة ، وفاتن يتبع هوى ؛ فأنبأ جملة هذا البيان عن أحوال الخلق بالنظر إلى تلقي الكتاب كما أنبأ بيان سورة البقرة عن جهات تلقيهم للأحكام انتهى. أ هـ {نظم الدرر حـ 2 صـ 22 ـ 26}\rفصل\rقال الفخر : ","part":11,"page":214},{"id":4515,"text":"واعلم أنه تعالى لما بيّن أن الزائغين يتبعون المتشابه ، بيّن أن لهم فيه غرضين ، فالأول : هو قوله تعالى : {ابتغاء الفتنة} والثاني : هو قوله {وابتغاء تَأْوِيلِهِ}.\rفأما الأول : فاعلم أن الفتنة في اللغة الاستهتار بالشيء والغلو فيه ، يقال : فلان مفتون بطلب الدنيا ، أي قد غلا في طلبها وتجاوز القدر ، وذكر المفسرون في تفسير هذه الفتنة وجوهاً : أولها : قال الأصم : إنهم متى أوقعوا تلك المتشابهات في الدين ، صار بعضهم مخالفاً للبعض في الدين ، وذلك يفضي إلى التقاتل والهرج والمرج فذاك هو الفتنة وثانيها : أن التمسك بذلك المتشابه يقرر البدعة والباطل في قلبه فيصير مفتوناً بذلك الباطل عاكفاً عليه لا ينقلع عنه بحيلة ألبتة وثالثها : أن الفتنة في الدين هو الضلال عنه ومعلوم أنه لا فتنة ولا فساد أعظم من الفتنة في الدين والفساد فيه.\r","part":11,"page":215},{"id":4516,"text":"وأما الغرض الثاني لهم : وهو قوله تعالى : {وابتغاء تَأْوِيلِهِ} فاعلم أن التأويل هو التفسير وأصله في اللغة المرجع والمصير ، من قولك آل الأمر إلى كذا إذا صار إليه ، وأولته تأويلاً إذا صيرته إليه ، هذا معنى التأويل في اللغة ، ثم يسمى التفسير تأويلاً ، قال تعالى : {سَأُنَبّئُكَ بِتَأْوِيلِ مَا لَمْ تَسْتَطِع عَّلَيْهِ صَبْراً} [ الكهف : 78 ] وقال تعالى : {وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً} [ النساء : 59 ] وذلك أنه إخبار عما يرجع إليه اللفظ من المعنى ، واعلم أن المراد منه أنهم يطلبون التأويل الذي ليس في كتاب الله عليه دليل ولا بيان ، مثل طلبهم أن الساعة متى تقوم ؟ وأن مقادير الثواب والعقاب لكل مطيع وعاص كم تكون ؟ قال القاضي : هؤلاء الزائغون قد ابتغوا المتشابه من وجهين أحدهما : أن يحملوه على غير الحق : وهو المراد من قوله {ابتغاء الفتنة} والثاني : أن يحكموا بحكم في الموضع الذي لا دليل فيه ، وهو المراد من قوله {وابتغاء تَأْوِيلِهِ} ثم بيّن تعالى ما يكون زيادة في ذم طريقة هؤلاء الزائغين فقال : {وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ الله} واختلف الناس في هذا الموضع ، فمنهم من قال : تم الكلام ههنا ، ثم الواو في قوله {والراسخون فِي العلم} واو الابتداء ، وعلى هذا القول : لا يعلم المتشابه إلا الله ، وهذا قول ابن عباس وعائشة ومالك بن أنس والكسائي والفرّاء ، ومن المعتزلة قول أبي علي الجبائي وهو المختار عندنا.\rوالقول الثاني : أن الكلام إنما يتم عند قوله {والرسخون فِي العلم} وعلى هذا القول يكون العلم بالمتشابه حاصلاً عند الله تعالى وعند الراسخين في العلم وهذا القول أيضاً مروي عن ابن عباس ومجاهد والربيع بن أنس وأكثر المتكلمين والذي يدل على صحة القول الأول وجوه : \r","part":11,"page":216},{"id":4517,"text":"الحجة الأولى : أن اللفظ إذا كان له معنى راجح ، ثم دل دليل أقوى منه على أن ذلك الظاهر غير مراد ، علمنا أن مراد الله تعالى بعض مجازات تلك الحقيقة ، وفي المجازات كثرة ، وترجيح البعض على البعض لا يكون إلا بالترجيحات اللغوية ، والترجيحات اللغوية لا تفيد إلا الظن الضعيف ، فإذا كانت المسألة قطعية يقينية ، كان القول فيها بالدلائل الظنية الضعيفة غير جائز ، مثاله قال الله تعالى : \r{لا يُكَلّفُ الله نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا} [ البقرة : 286 ] ثم قال الدليل القاطع على أن مثل هذا التكليف قد وجد على ما بينا في البراهين الخمسة في تفسير هذه الآية فعلمنا أن مراد الله تعالى ليس ما يدل عليه ظاهر هذه الآية ، فلا بد من صرف اللفظ إلى بعض المجازات ، وفي المجازات كثرة وترجيح بعضها على بعض لا يكون إلا بالترجيحات اللغوية ، وأنها لا تفيد إلا الظن الضعيف ، وهذه المسألة ليست من المسائل الظنية ، فوجب أن يكون القول فيها بالدلائل الظنية باطلاً ، وأيضاً قال الله تعالى : {الرحمن عَلَى العرش استوى} [ طه : 5 ] دلّ الدليل على أنه يمتنع أن يكون الإله في المكان ، فعرفنا أنه ليس مراد الله تعالى من هذه الآية ما أشعر به ظاهرها ، إلا أن في مجازات هذه اللفظة كثرة فصرف اللفظ إلى البعض دون البعض لا يكون إلا بالترجيحات اللغوية الظنية ، والقول بالظن في ذات الله تعالى وصفاته غير جائز بإجماع المسلمين ، وهذه حجة قاطعة في المسألة والقلب الخالي عن التعصب يميل إليه ، والفطرة الأصلية تشهد بصحته ، وبالله التوفيق.\rالحجة الثانية : وهو أن ما قبل هذه الآية يدل على أن طلب تأويل المتشابه مذموم ، حيث قال : {فَأَمَّا الَّذِينَ فى قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تشابه مِنْهُ ابتغاء الفتنة وابتغاء تَأْوِيلِهِ} ولو كان طلب تأويل المتشابه جائزاً لما ذم الله تعالى ذلك.\r","part":11,"page":217},{"id":4518,"text":"فإن قيل : لم لا يجوز أن يكون المراد منه طلب وقت قيام الساعة ، كما في قوله {يَسْئَلُونَكَ عَنِ الساعة أَيَّانَ مرساها ، قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ رَبّي} [ الأعراف : 178 ] وأيضاً طلب مقادير الثواب والعقاب ، وطلب ظهور الفتح والنصرة كما قالوا {لَّوْ مَا تَأْتِينَا بالملائكة} [ الحجر : 7 ].\rقلنا : إنه تعالى لما قسم الكتاب إلى قسمين محكم ومتشابه ، ودلّ العقل على صحة هذه القسمة من حيث إن حمل اللفظ على معناه الراجح هو المحكم ، وحمله على معناه الذي ليس براجح هو المتشابه ، ثم أنه تعالى ذم طريقة من طلب تأويل المتشابه كان تخصيص ذلك ببعض المتشابهات دون البعض تركاً للظاهر ، وأنه لا يجوز.\rالحجة الثالثة : أن الله مدح الراسخين في العلم بأنهم يقولون آمنا به ، وقال في أول سورة البقرة {فَأَمَّا الذين ءَامَنُواْ فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الحق} فهؤلاء الراسخون لو كانوا عالمين بتأويل ذلك المتشابه على التفصيل لما كان لهم في الإيمان به مدح ، لأن كل من عرف شيئاً على سبيل التفصيل فإنه لا بد وأن يؤمن به ، إنما الراسخون في العلم هم الذين علموا بالدلائل القطعية أن الله تعالى عالم بالمعلومات التي لا نهاية لها ، وعلموا أن القرآن كلام الله تعالى ، وعلموا أنه لا يتكلم بالباطل والعبث ، فإذا سمعوا آية ودلّت الدلائل القطعية على أنه لا يجوز أن يكون ظاهرها مراد الله تعالى ، بل مراده منه غير ذلك الظاهر ، ثم فوضوا تعيين ذلك المراد إلى علمه ، وقطعوا بأن ذلك المعنى أي شيء كان فهو الحق والصواب ، فهؤلاء هم الراسخون في العلم بالله حيث لم يزعزعهم قطعهم بترك الظاهر ، ولا عدم علمهم بالمراد على التعيين عن الإيمان بالله والجزم بصحة القرآن.\r","part":11,"page":218},{"id":4519,"text":"الحجة الرابعة : لو كان قوله {والراسخون فِي العلم} معطوفاً على قوله {إِلاَّ الله} لصار قوله {يَقُولُونَ ءامَنَّا بِهِ} ابتداء ، وأنه بعيد عن ذوق الفصاحة ، بل كان الأولى أن يقال : وهم يقولون آمنا به ، أو يقال : ويقولون آمنا به.\rفإن قيل : في تصحيحه وجهان الأول : أن قوله {يَقُولُونَ} كلام مبتدأ ، والتقدير : هؤلاء العالمون بالتأويل يقولون آمنا به والثاني : أن يكون {يَقُولُونَ} حالا من الراسخين.\rقلنا : أما الأول فمدفوع ، لأن تفسير كلام الله تعالى بما لا يحتاج معه إلى الاضمار أولى من تفسيره بما يحتاج معه إلى الاضمار والثاني : أن ذا الحال هو الذي تقدم ذكره ، وههنا قد تقدم ذكر الله تعالى وذكر الراسخين في العلم فوجب أن يجعل قوله {يَقُولُونَ ءامَنَّا بِهِ} حالا من الراسخين لا من الله تعالى ، فيكون ذلك تركاً للظاهر ، فثبت أن ذلك المذهب لا يتم إلا بالعدول عن الظاهر ومذهبنا لا يحتاج إليه ، فكان هذا القول أولى.\rالحجة الخامسة : قوله تعالى : {كُلٌّ مّنْ عِندِ رَبّنَا} يعني أنهم آمنوا بما عرفوه على التفصيل ، وبما لم يعرفوا تفصيله وتأويله ، فلو كانوا عالمين بالتفصيل في الكل لم يبق لهذا الكلام فائدة.\rالحجة السادسة : نقل عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال : تفسير القرآن على أربعة أوجه : تفسير لا يسع أحداً جهله ، وتفسير تعرفه العرب بألسنتها ، وتفسير تعلمه العلماء ، وتفسير لا يعلمه إلا الله تعالى.\rوسئل مالك بن أنس رحمه الله عن الاستواء ، فقال : الاستواء معلوم ، والكيفية مجهولة ، والإيمان به واجب ، والسؤال عند بدعة ، وقد ذكرنا بعض هذه المسألة في أول سورة البقرة ، فإذا ضم ما ذكرناه ههنا إلى ما ذكرنا هناك تم الكلام في هذه المسألة ، وبالله التوفيق. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 7 صـ 152 ـ 154}\rوقال القرطبى : \rوالتأويل يكون بمعنى التفسير ، كقولك : تأويل هذه الكلمة على كذا.\rويكون بمعنى ما يؤول الأمر إليه.","part":11,"page":219},{"id":4520,"text":"واشتقاقه من آل الأمر إلى كذا يؤول إليه ، أي صار.\rوأوّلته تأويلاً أي صيرته.\rوقد حدّه بعض الفقهاء فقالوا : هو إبداء احتمال في اللفظ مقصود بدليل خارج عنه.\rفالتفسير بيان اللفظ ؛ كقوله {لاَ رَيْبَ فِيهِ} [ البقرة : 1 ] أي لا شك.\rوأصله من الفسر وهو البيان ؛ يقال : فسرت الشيء ( مخففاً ) أفْسِره ( بالكسر ) فَسْراً.\rوالتأويل بيان المعنى ؛ كقوله لا شك فيه عند المؤمنين.\rأو لأنه حق في نفسه فلا يقبل ذاته الشك وإنما الشك وصف الشاك.\rوكقول ابن عباس في الجد أبا ؛ لأنه تأوّل قول الله عز وجل : {يابني آدَمَ قَدْ أَنزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاساً يُوَارِي سَوْءَاتِكُمْ وَرِيشاً وَلِبَاسُ التقوى ذلك خَيْرٌ ذلك مِنْ آيَاتِ الله لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ} [ الأعراف : 26 ].\rوعامة أهل اللغة ينكرونه ويستبعدونه ؛ لأن العرب لا تضمر الفعل والمفعول معاً ، ولا تذكر حالاً إلا مع ظهور الفعل ؛ فإذا لم يظهر فعل فلا يكون حال ؛ ولو جاز ذلك لجاز أن يقال : عبد الله راكباً ، بمعنى أقبل عبد الله راكباً ؛ وإنما يجوز ذلك مع ذكر الفعل كقوله : عبد الله يتكلم يصلح بين الناس ؛ فكان يصلح حالاً له ؛ كقول الشاعر أنشدنيه أبو عمر قال أنشدنا أبو العباس ثعلب : \rأرسلتُ فيها قَطِماً لُكَالِكَا . . .\rيَقْصُر يَمْشِي ويطول بَارِكا\rأي يقصر ماشياً ؛ فكان قول عامة العلماء مع مساعدة مذاهب النحويين له أولى من قول مجاهد وحده ، وأيضاً فإنه لا يجوز أن ينفى الله سبحانه شيئاً عن الخلق ويثبته لنفسه ثم يكون له في ذلك شريك.\rألا ترى قوله عز وجل : {قُل لاَّ يَعْلَمُ مَن فِي السماوات والأرض الغيب إِلاَّ الله} [ النمل : 65 ] وقوله : {لاَ يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَآ إِلاَّ هُوَ} [ الأعراف : 187 ] وقوله : {كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلاَّ وَجْهَهُ} [ القصص : 88 ] ، فكان هذا كله مما استأثر الله سبحانه بعلمه لا يُشْرِكه فيه غيره.\r","part":11,"page":220},{"id":4521,"text":"وكذلك قوله تبارك وتعالى : {وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ الله}.\rولو كانت الواو في قوله : {والراسخون} للنسق لم يكن لقوله : {كُلٌّ مِّنْ عِندِ رَبِّنَا} فائدة. والله أعلم.\rقلت : ما حكاه الخطابيّ من أنه لم يقل بقول مجاهد غيره فقد روي عن ابن عباس أن الراسخين معطوف على اسم الله عز وجل ، وأنهم داخلون في علم المتشابه ، وأنهم مع علمهم به يقولون آمنا به ؛ وقاله الربيع ومحمد بن جعفر بن الزبير والقاسم بن محمد وغيرهم.\rو {يقولون} على هذا التأويل نصب على الحال من الراسخين ؛ كما قال : \rالريحُ تَبْكِي شَجْوَها . . .\rوالبرقُ يلْمَع في الغَمامَهْ\rوهذا البيت يحتمل المعنيين ؛ فيجوز أن يكون \"والبرق\" مبتدأ ، والخبر \"يلمع\" على التأويل الأوّل ، فيكون مقطوعاً مما قبله.\rويجوز أن يكون معطوفاً على الريح ، و\"يلمع\" في موضع الحال على التأويل الثاني أي لامِعاً.\rواحتج قائلو هذه المقالة أيضاً بأن الله سبحانه مدحهم بالرسوخ في العلم ؛ فكيف يمدحهم وهم جهّال! وقد قال ابن عباس : أنا ممن يعلم تأويله.\rوقرأ مجاهد هذه الآية وقال : أنا ممن يعلم تأويله ؛ حكاه عنه إمام الحرمين أبو المعالي.\rقلت : وقد ردّ بعض العلماء هذا القول إلى القول الأوّل فقال : وتقدير تمام الكلام {عِند اللَّهِ} أن معناه وما يعلم تأويلَه إلا الله يعني تأويلَ المتشابهات ، والراسخون في العلم يعلمون بعضه قائلين آمنّا به كلٌّ من عند ربنا بما نُصِب من الدلائل في المُحْكَم ومكّن من ردّه إليه.\rفإذا علموا تأويل بعضه ولم يعلموا البعض قالوا آمنا بالجميع كلٌّ من عند ربنا ، وما لم يحِط به علمنا من الخفايا مما في شرعه الصّالح فعلمه عند ربِّنا.\rفإن قال قائل : قد أشكل على الراسخين بعض تفسيره حتى قال ابن عباس : لا أدري ما الأوّاهُ ولا ما غِسْلِين ، قيل له : هذا لا يلزم ؛ لأن ابن عباس قد علم بعد ذلك ففسر ما وقف عليه.","part":11,"page":221},{"id":4522,"text":"وجوابٌ أقطع من هذا وهو أنه سبحانه لم يقل وكل راسخ فيجب هذا ، فإذا لم يعلمه أحد علمه الآخر.\rورجّح ابن فورك أنّ الراسخين يعلمون التأويل وأطنب في ذلك ؛ وفي قوله عليه السلام لابن عباس : \" اللَّهمّ فقهه في الدين وعلمه التأويل \" ما يبين لك ذلك ، أي علمه معاني كتابك.\rوالوقف على هذا يكون عند قوله {والرّاسِخُونَ في الْعِلْم}.\rقال شيخنا أبو العباس أحمد بن عمر : وهو الصحيح ؛ فإن تسميتهم راسخين يقتضي أنهم يعلمون أكثر من المُحْكَم الذي يستوي في علمه جميع من يفهم كلام العرب.\rوفي أيّ شيء هو رسوخهم إذا لم يعلموا إلا ما يعلم الجميع!.\rلكن المتشابه يتنوّع ، فمنه ما لا يعلم أَلبتّة كأمر الرُّوح والساعة مما استأثر الله بغيبه ، وهذا لا يتعاطى عِلمه أحد لا ابن عباس ولا غيره.\rفمن قال من العلماء الحُذَّاق بأن الراسخين لا يعلمون علم المتشابه فإنما أراد هذا النوع ، وأما ما يمكن حمله على وجوه في اللغة ومَنَاحٍ في كلام العرب فيُتأوّل ويُعلم تأويله المستقيم ، ويُزال ما فيه مما عسى أن يتعلق من تأويل غير مستقيم ؛ كقوله في عيسى : {وَرُوحٌ مِّنْهُ} [ النساء : 171 ] إلى غير ذلك.\rفلا يُسمّى أحدٌ راسخاً إلا بأن يعلم من هذا النوع كثيراً بحسب ما قُدّر له.\rوأمّا من يقول : إن المتشابه هو المنسوخ فيستقيم على قوله إدخالُ الراسخين في علم التأويل ؛ لكن تخصيصه المتشابهات بهذا النوع غير صحيح.\rوالرسوخ : الثبوت في الشيء ، وكل ثابت راسخ.\rوأصله في الأجرام أن يرسخ الجبل والشجر في الأرض ؛ قال الشاعر : \rلقد رَسَختْ في الصّدْر مِنِّي مودّةٌ . . .\rلِلَيْلَى أبَتْ آياتُها أنْ تَغَيَّرا\rورسَخ الإيمان في قلب فلان يَرْسَخ رسوخاً.\rوحكى بعضهم : رسخ الغَدِيرُ : نَضَب ماؤه ؛ حكاه ابن فارس فهو من الأضداد.\rورَسَخ ورَضَخ ورَصُن ورسَب كله ثبت فيه.\r","part":11,"page":222},{"id":4523,"text":"وسئل النبيّ صلى الله عليه وسلم عن الراسخين في العلم فقال : \" هو مَنْ بَرّتْ يمينُه وصدَق لسانُه واستقام قلبه \" فإن قيل : كيف كان في القرآن متشابه والله يقول : {وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذكر لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ} [ النحل : 44 ] فكيف لم يجعله كله واضحاً ؟ قيل له : الحكمة في ذلك والله أعلم أن يظهر فضل العلماء ، لأنه لو كان كله واضحاً لم يظهر فضلُ بعضهم على بعض.\rوهكذا يفعل من يصنِّف تصنيفاً يجعل بعضه واضحاً وبعضه مشكلاً ، ويترك للجُثْوَة موضعاً ؛ لأن ما هان وجودُه قلّ بهاؤه. والله أعلم. أ هـ {تفسير القرطبى حـ 4 صـ 16 ـ 19}\rفائدة\rقال القرطبى : \rهذه الآية تعمّ كل طائفة من كافر وزِنديق وجاهل وصاحب بِدعة ، وإن كانت الإشارة بها في ذلك الوقت إلى نصارى نجران.\rوقال قتادة في تفسير قوله تعالى : {فَأَمَّا الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ} : إن لم يكونوا الحرورية وأنواع الخوارج فلا أدري من هم.\rقلت : قد مرّ هذا التفسير عن أبي أمامة مرفوعاً ، وحسبك. أ هـ {تفسير القرطبى حـ 4 صـ 13}\rفصل\rقال القرطبى : \rقال شيخنا أبو العباس رحمة الله عليه : \rمتبِعو المتشابه لا يخلو أن يتبعوه ويجمعوه طلباً للتشكيك في القرآن وإضلالِ العوامّ ، كما فعلته الزنادقة والقرامِطة الطاعنون في القرآن ؛ أو طلباً لاعتقاد ظواهر المتشابه ، كما فعلته المجسِّمة الذِين جمعوا ما في الكتاب والسنة مما ظاهره الجِسمية حتى اعتقدوا أن البارىء تعالى جسم مجسم وصورة مصوّرة ذات وجه وعين ويد وجنب ورجل وأصبع ، تعالى الله عن ذلكا ؛ أو يتبعوه على جهة إبداء تأويلاتها وإيضاح معانيها ، أو كما فعل صبِيغ حين أكثر على عمر فيه السؤال.\rفهذه أربعة أقسام : \rالأوّل : لا شك في كفرهم ، وأن حكم الله فيهم القتل من غير استتابة.","part":11,"page":223},{"id":4524,"text":"الثاني : الصحيح القول بتكفيرهم ، إذ لا فرق بينهم وبين عباد الأصنام والصور ، ويستتابون فإن تابوا وإلا قتلوا كما يفعل بمن ارتد.\rالثالث : اختلفوا في جواز ذلك بناء على الخلاف في جواز تأويلها.\rوقد عرف أنّ مذهب السلف ترك التعرّض لتأويلها مع قطعهم باستحالة ظواهرها ، فيقولون أمِرّوها كما جاءت.\rوذهب بعضهم إلى إبداء تأويلاتها وحملِها على ما يصح حمله في اللسان عليها من غير قطع بتعيين مجمل منها.\rالرابع : الحكم فيه الأدب البليغ ، كما فعله عمر بصبيغ.\rوقال أبو بكر الأنباريّ : وقد كان الأئمة من السلف يعاقبون من يسأل عن تفسير الحروف المشكلات في القرآن ، لأن السائل إن كان يبغي بسؤاله تخليد البدعة وإثارة الفتنة فهو حقيق بالنكير وأعظم التعزير ، وإن لم يكن ذلك مقصده فقد استحق العتب بما اجترم من الذنب ، إذ أوجد للمنافقين الملحدين في ذلك الوقت سبيلاً إلى أن يقصدوا ضَعَفَة المسلمين بالتشكيك والتضليل في تحريف القرآن عن مناهج التنزيل وحقائق التأويل.\rفمن ذلك ما حدّثنا إسماعيل بن إسحاق القاضي أنبأنا سليمان بن حرب عن حماد بن زيد عن زيد بن حازم عن سليمان بن يسار أن صبِيغ بن عِسل قدِم المدينة فجعل يسأل عن متشابه القرآن وعن أشياء ؛ فبلغ ذلك عمر رضي الله عنه فبعث إليه عمر فأحضره وقد أعدّ له عراجين من عراجين النخل.\rفلما حضر قال له عمر : من أنت ؟ قال : أنا عبد الله صبِيغ.\rفقال عمر رضي الله عنه : وأنا عبد الله عمر ؛ ثم قام إليه فضرب رأسه بعرجون فشَجّه ، ثم تابع ضربه حتى سال دمه على وجهه ، فقال : حسبك يا أمير المؤمنين! فقد والله ذهب ما كنت أجدُ في رأسي.\rوقد اختلفت الروايات في أدبه ، وسيأتي ذكرها في \"الذاريات\".\rثم إن الله تعالى ألهمه التوبة وقذفها في قلبه فتاب وحسنت توبته.\rومعنى {ابتغاء الْفِتْنَةِ} طلب الشبهات واللبس على المؤمنين حتى يفسدوا ذات بينهم ، ويردّوا الناس إلى زيغِهم.\r","part":11,"page":224},{"id":4525,"text":"وقال أبو إسحاق الزجاج : معنى {ابتغاء تأويله} أنهم طلبوا تأويل بعثِهم وإحيائهم ، فأعلم الله جل وعز أن تأويل ذلك ووقته لا يعلمه إلا الله.\rقال : والدليل على ذلك قوله تعالى : {هَلْ يَنظُرُونَ إِلاَّ تَأْوِيلَهُ يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ} [ الأعراف : 53 ] أي يوم يرون ما يوعدون من البعث والنشور والعذاب {يَقُولُ الَّذينَ نَسُوهُ مِنْ قَبْلُ} أي تركوه {قَدْ جَآءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بالحق} [ الأعراف : 53 ] أي قد رأينا تأويل ما أنبأتنا به الرّسل.\rقال : فالوقف على قوله تعالى : {وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ الله} أي لا يعلم أحد متى البعث إلا الله. أ هـ {تفسير القرطبى حـ 4 صـ 13 ـ 15}\rفصل\rقال ابن عاشور : \r{فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ}\rتفصيل لإجمال اقتضاه الكلام السابق ؛ لأنه لما قسم الكتاب إلى محكم ومتشابه ، وكان ذلك التقسيم باعتبار دلالة الألفاظ على المعاني ، تشوقت النفس إلى معرفة تلقي الناس للمتشابه. أما المحكم فتلقي الناس له على طريقة واحدة ، فلا حاجة إلى تفصيل فيه ، واقتصر في التفصيل على ذكر قسم من أقسامه : وهو حال الذين في قلوبهم زيغ كيف تلقيهم للمتشابهات ؛ لأن بيان هذا هو الأهم في الغرض المسوق له الكلام ، وهو كشف شبهة الذين غرتهم المتشابهات ولم يهتدوا إلى حق تأويلها ، ويعرف حال قسيمهم وهم الذين لا زيغ في قلوبهم بطريق المقابلة ثم سيصرح بإجمال حال المهتدين في تلقي متشابهات القرآن.\rوالقلوب محال الإدراك ، وهي العقول ، وتقدم ذلك عند قوله تعالى {وَمَنْ يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ} [البقرة : 283] في سورة البقرة.\rوالزيغ : الميل والانحراف عن المقصود : {مَا زَاغَ الْبَصَرُ} [النجم : 17] ويقال : زاغت الشمس. فالزيغ أخص من الميل ؛ لأنه ميل عن الصواب والمقصود.","part":11,"page":225},{"id":4526,"text":"والاتباع هنا مجاز عن الملازمة والمعاودة ، أي يعكفون على الخوض في المتشابه ، يحصونه. شبهت تلك الملازمة بملازمة التابع متبوعه.\rوقد ذكر علة الاتباع ، وهو طلب الفتنة ، وطلب أن يؤولوه ، وليس طلب تأويله في ذاته بمذمة ، بدليل قوله {وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ} كما سنبينه وإنما محل الذم أنهم يطلبون تأويلا ليسوا أهلا له فيؤولونه بما يوافق أهواءهم. وهذا ديدن الملاحدة وأهل الأهواء : الذين يتعمدون حمل الناس على متابعتهم تكثيرا لسوادهم.\rولما وصف أصحاب هذا المقصد بالزيغ في قلوبهم ، علمنا أنه ذمهم بذلك لهذا المقصد ، ولاشك أن كل اشتغال بالمتشابه إذا كان مفضيا إلى هذا المقصد يناله شيء من هذا الذم. فالذين اتبعوا المتشابه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله المنافقون ، والزنادقة ، والمشركون مثال تأويل المشركين : قصة العاصي بن وائل من المشركين إذ جاءه خباب بن الأرت من المسلمين يتقاضاه أجرا ، فقال العاصي متهكما به وإني لمبعوث بعد الموت أي حسب اعتقادكم فسوف أقضيك إذا رجعت إلى مال وولد فالعاصي توهم ، أو أراد الإيهام ، أن البعث بعد الموت رجوع إلى الدنيا ، أو أراد أن يوهم دهماء المشركين ذلك ليكون أدعى إلى تكذيب الخبر بالبعث ، بمشاهدة عدم رجوع أحد من الأموات ، ولذلك كانوا يقولون {فَأْتُوا بِآبَائِنَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ} [الدخان : 36].\rومثال تأويل الزنادقة : ما حكاه محمد بن علي بن رازم الطائي الكوفي قال : كنت بمكة حين كان الجنابي زعيم القرامطة بمكة ، وهم يقتلون الحجاج ، ويقولون : أليس قال لكم محمد المكي \"ومن دخله كان آمنا فأي أمن هنا ؟ \" قال : فقلت له : هذا خرج في صورة الخبر ، والمراد به الأمر أي ومن دخله فأمنوه ، كقوله {وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ} [البقرة : 228].\r","part":11,"page":226},{"id":4527,"text":"والذين شابهوهم في ذلك كل قوم يجعلون البحث في المتشابه ديدنهم ، ويفضون بذلك إلى خلافات وتعصبات. وكل من يتأول المتشابه على هواه ، بغير دليل على تأويله مستند إلى دليل أو استعمال عربي.\rوقد فهم أن المراد : التأويل بحسب الهوى ، أو التأويل الملقي في الفتنة ، بقرينة قوله تعالى {وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ} الآية ، كما فهم من قوله {فَيَتَّبِعُونَ} أنهم يهتمون بذلك ، ويستهترون به ، وهذا ملاك التفرقة بين حال من يتبع المتشابه للإيقاع في الشك والإلحاد ، وبين حال من يفسر المتشابه ويؤوله إذا دعاه داع إلى ذلك ، وفي \"البخاري\" عن سعيد بن جبير أن رجلا قال لابن عباس \"إني أجد في القرآن أشياء تختلف علي\" قال : \"فلا أنساب بينهم يومئذ ولا يتساءلون\" قال : \"وأقبل بعضهم على بعض يتساءلون\" وقال : \"ولا يكتمون الله حديثا\" قال : \"قالوا والله ربنا ما كنا مشركين\". قال ابن عباس فلا أنساب بينهم في النفخة الأولى ثم في النفخة الثانية أقبل بعضهم على بعض يتساءلون. فأما قوله {وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ} [الأنعام : 23] فإن الله يغفر لأهل الإخلاص ذنوبهم فيقول المشركون : تعالوا نقل : ما كنا مشركين ، فيختم الله على أفواهم فتنطق جوارحهم بأعمالهم فعند ذلك لا يكتمون الله حديثا. وأخرج البخاري ، عن عائشة : قالت \"تلا رسول الله هذه الآية إلى قوله {أولو الألباب} قالت قال رسول الله : فإذا رأيتم الذين يتبعون ما تشابه منه فاولئك الذين سماهم الله فاحذروهم\" .","part":11,"page":227},{"id":4528,"text":"ويقصد من قوله تعالى {فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ} التعريض بنصارى نجران ؛ إذ ألزموا المسلمين بأن القرآن يشهد لكون الله ثالث ثلاثة بما يقع في القرآن من ضمير المتكلم ومعه غيره من نحو خلقنا وأمرنا وقضينا ، وزعموا أن ذلك الضمير له وعيسى ومريم ولاشك أن هذا إن صح عنهم هو تمويه ؛ إذ من المعروف أن في ذلك الضمير طريقتين مشهورتين إما إرادة التشريك أو إرادة التعظيم فما أرادوا من استدلالهم هذا إلا التمويه على عامة الناس. أ هـ {التحرير والتنوير حـ 3 صـ 21 ـ 23}\rقوله تعالى : {والراسخون فِي العلم يَقُولُونَ ءَامَنَّا بِهِ كُلٌّ مّنْ عِندِ رَبّنَا}\rقال الفخر : \rالرسوخ في اللغة الثبوت في الشيء.\rواعلم أن الراسخ في العلم هو الذي عرف ذات الله وصفاته بالدلائل اليقينية القطعية ، وعرف أن القرآن كلام الله تعالى بالدلائل اليقينية ، فإذا رأى شيئاً متشابهاً ، ودل القطعي على أن الظاهر ليس مراد الله تعالى ، علم حينئذ قطعاً أن مراد الله شيء آخر سوى ما دلّ عليه ظاهره ، وأن ذلك المراد حق ، ولا يصير كون ظاهره مردوداً شبهة في الطعن في صحة القرآن.\rثم حكي عنهم أيضاً أنهم يقولون {كُلٌّ مّنْ عِندِ رَبّنَا} والمعنى : أن كل واحد من المحكم والمتشابه من عند ربنا ، وفيه سؤالان : \rالسؤال الأول : لو قال : كل من ربنا كان صحيحاً ، فما الفائدة في لفظ {عِندَ} ؟ .\rالجواب ؛ الإيمان بالمتشابه يحتاج فيه إلى مزيد التأكيد ، فذكر كلمة {عِندَ} لمزيد التأكيد.\rالسؤال الثاني : لم جاز حذف المضاف إليه من {كُلٌّ} ؟ .\rالجواب : لأن دلالة المضاف عليه قوية ، فبعد الحذف الأمن من اللبس حاصل. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 7 صـ 154 ـ 155}\rفصل\rقال القرطبى : ","part":11,"page":228},{"id":4529,"text":"قوله تعالى : {وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ الله} يقال : إن جماعة من اليهود منهم حيي بن أخطب دخلوا على رسول الله صلى الله عليه وسلم وقالوا : بلغنا أنه نزل عليك {الم} ، فإن كنت صادقاً في مقالتك فإن ملك أُمّتك يكون إحدى وسبعين سنة ؛ لأن الألِف في حساب الجّمل واحد ، واللام ثلاثون ، والميم أربعون ، فنزل {وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ الله}.\rوالتأويل يكون بمعنى التفسير ، كقولك : تأويل هذه الكلمة على كذا.\rويكون بمعنى ما يؤول الأمر إليه.\rواشتقاقه من آل الأمر إلى كذا يؤول إليه ، أي صار.\rوأوّلته تأويلاً أي صيرته.\rوقد حدّه بعض الفقهاء فقالوا : هو إبداء احتمال في اللفظ مقصود بدليل خارج عنه.\rفالتفسير بيان اللفظ ؛ كقوله {لاَ رَيْبَ فِيهِ} [ البقرة : 1 ] أي لا شك.\rوأصله من الفسر وهو البيان ؛ يقال : فسرت الشيء ( مخففاً ) أفْسِره ( بالكسر ) فَسْراً.\rوالتأويل بيان المعنى ؛ كقوله لا شك فيه عند المؤمنين.\rأو لأنه حق في نفسه فلا يقبل ذاته الشك وإنما الشك وصف الشاك.\rوكقول ابن عباس في الجد أبا ؛ لأنه تأوّل قول الله عز وجل : {يابني آدَمَ قَدْ أَنزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاساً يُوَارِي سَوْءَاتِكُمْ وَرِيشاً وَلِبَاسُ التقوى ذلك خَيْرٌ ذلك مِنْ آيَاتِ الله لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ} [ الأعراف : 26 ]. أ هـ {تفسير القرطبى حـ 4 صـ 15 ـ 16}\rوقال ابن كثير : \r","part":11,"page":229},{"id":4530,"text":"ومن العلماء من فصل في هذا المقام ، فقال : التأويل يطلق ويراد به في القرآن معنيان ، أحدهما : التأويل بمعنى حقيقة الشيء ، وما يؤول أمره إليه ، ومنه قوله تعالى : {وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ وَخَرُّوا لَهُ سُجَّدًا وَقَالَ يَا أَبَتِ هَذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَايَ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَعَلَهَا رَبِّي حَقًّا} [ يوسف : 100] وقوله (9) {هَلْ يَنْظُرُونَ إِلا تَأْوِيلَهُ يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ} [ الأعراف : 53] أي : حقيقة ما أخبروا به من أمر المعاد ، فإن أريد بالتأويل هذا ، فالوقف على الجلالة ؛ لأن حقائق الأمور وكنهها لا يعلمه على الجلية إلا الله عز وجل ، ويكون قوله : {وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ} مبتدأ و{يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ} خبره. وأما إن أريد بالتأويل المعنى الآخر وهو التفسير والتعبير والبيان عن الشيء كقوله تعالى : {نَبِّئْنَا بِتَأْوِيلِهِ} [ يوسف : 36 ] أي : بتفسيره ، فإن أريد به هذا المعنى ، فالوقف على : {وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ} لأنهم يعلمون ويفهمون ما خوطبوا به بهذا الاعتبار ، وإن لم يحيطوا علمًا بحقائق الأشياء على كنه ما هي عليه ، وعلى هذا فيكون قوله : {يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ} حالا منهم ، وساغ هذا ، وهو أن يكون من المعطوف دون المعطوف عليه ، كقوله : {لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ} إلى قوله : {[وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ ] يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلإخْوَانِنَا [الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإيمَانِ]} الآية [ الحشر : 8-10 ] ، وكقوله تعالى : {وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا} [الفجر : 22 ] أي : وجاءت الملائكة صفوفًا صفوفًا.","part":11,"page":230},{"id":4531,"text":"وقوله إخبارًا عنهم أنهم {يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ} أي : بالمتشابه {كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا} أي : الجميع من المحكم والمتشابه حق وصدق ، وكل واحد منهما يصدق الآخر ويشهد له ؛ لأن الجميع من عند الله وليس شيء من عند الله بمختلف ولا متضاد لقوله : {أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافًا كَثِيرًا} [ النساء : 82 ] ولهذا قال تعالى : {وَمَا يَذَّكَّرُ إِلا أُولُو الألْبَابِ} أي : إنما يفهم ويعقل ويتدبر المعاني على وجهها أولو العقول السليمة والفهوم المستقيمة.\rوقد قال ابن أبي حاتم : حدثنا محمد بن عوف الحِمْصَيّ ، حدثنا نُعَيْم بن حماد ، حدثنا فياض الرَّقِّيّ ، حدّثنا عبد الله بن يزيد -وكان قد أدرك أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم : أنسًا ، وأبا أمامة ، وأبا الدرداء ، رضي الله عنهم ، قال : حدثنا أبو الدرداء ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سئل عن الراسخين في العلم ، فقال : \"من بَرَّت يمينه ، وصدق لسانه ، واستقام قلبه ، ومن أَعَفَّ بطنه وفرجه ، فذلك من الراسخين في العلم\". {تفسير ابن أبي حاتم (2/72) ورواه الطبري (6/207) والطبراني في الكبير كما في الدر (2/151) من طريق عبد الله بن يزيد به. قال الهيثمي في مجمع الزوائد (6/324) : \"عبد الله بن يزيد ضعيف\"}.\r","part":11,"page":231},{"id":4532,"text":"وقال الإمام أحمد : حدثنا عبد الرزاق ، حدثنا مَعْمَر ، عن الزهري ، عن عمر بن شعيب عن أبيه ، عن جده قال : سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم قومًا يتدارءون فقال : \"إنما هلك من كان قبلكم بهذا ، ضربوا كتاب الله بعضه ببعض ، وإنما أنزل كتاب الله ليصدق بعضه بعضًا ، فلا تكذبوا بعضه ببعض ، فما علمتم منه فقولوا ، وما جهلتم فَكِلُوهُ إلى عَالِمِه\". {المسند (2/185) ورواه ابن ماجة برقم (85) والبغوي في شرح السنة (1/260) من طريق عمرو بن شعيب به. وقال البوصيري في \"زوائد ابن ماجة\" (1/58) : \"إسناده صحيح ورجاله ثقات\"}. أ هـ {تفسير ابن كثير حـ 2 صـ 11 ـ 12}\rوقال ابن عاشور : \r{وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ}\rجملة حال أي وهم لا قبل لهم بتأويله ؛ إذ ليس تأويله لأمثالهم ، كما قيل في المثل \"ليس بعشك فادرجي\".\rومن هنا أمسك السلف عن تأويل المتشابهات ، غير الراجعة إلى التشريع ، فقال أبو بكر رضي الله عنه : أي أرض تقلني وأي سماء تظلني إن قلت في كتاب الله بما لا أعلم وجاء في زمن عمر رضي الله عنه رجل إلى المدينة من البصرة ، يقال له صبيغ بن شريك أو ابن عسل التميمي فجعل يسأل الناس عن متشابه القرآن ، وعن أشياء فأحضره عمر ، وضربه ضربا موجعا ، وكرر ذلك أياما ، فقال حسبك يا أمير المؤمنين فقد ذهب ما كنت أجد في رأسي ثم أرجعه إلى البصرة وكتب إلى أبي موسى الأشعري أن يمنع الناس من مخالطته. ومن السلف من تأول عند عروض الشبهة لبعض الناس ، كما فعل ابن عباس فيما ذكرناه آنفا.\r","part":11,"page":232},{"id":4533,"text":"قال ابن العربي في \"العواصم من القواصم\" - \"من الكائدين للإسلام الباطنية والظاهرية\" . قلت : أما الباطنية فقد جعلوا معظم القرآن متشابها ، وتأولوه بحسب أهوائهم ، وأما الظاهريون فقد أكثروا في متشابهه ، واعتقدوا سبب التشابه واقعا ، فالأولون دخلوا في قوله {وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ} ، والأخيرون خردوا من قوله {وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ} أو وما يعلم تأويله إلا الله ، فخالفوا الخلف والسلف. قال ابن العربي \"في العواصم\" وأصل الظاهريين الخوارج الذين قالوا : لا حكم إلا لله يعني أنهم اخذوا بظاهر قوله تعالى {إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ} ولم يتأولوه بما هو المراد من الحكم.\rوالمراد الراسخون في العلم : الذين تمكنوا في علم الكتاب ، ومعرفة محامله ، وقام عندهم من الأدلة ما أرشدهم إلى مراد الله تعالى ، بحيث لا تروج عليهم الشبه. والرسوخ في كلام العرب : الثبات والتمكن في المكان ، يقال : رسخت القدم ترسخ رسوخا إذا ثبتت عند المشي ولم تتزلزل ، واستعير الرسوخ لكمال العقل والعلم بحيث لا تضلله الشبه ، ولا تتطرقه الأخطاء غالبا ، وشاعت هذه الاستعارة حتى صارت كالحقيقة. فالراسخون في العلم : الثابتون فيه العارفون بدقائقه ، فهم يحسنون مواقع التأويل ، ويعلمونه.","part":11,"page":233},{"id":4534,"text":"ولذا فقوله {وَالرَّاسِخُونَ} معطوف على اسم الجلالة ، وفي هذا العطف تشريف عظيم : كقوله : {شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ} [آل عمران : 18] وإلى هذا التفسير مال ابن عباس ، ومجاهد ، والربيع بن سليمان ، والقاسم بن محمد ، والشافعية ، وابن فورك ، والشيخ أحمد القرطبي ، وابن عطية ، وعلى هذا فليس في القرآن آية استأثر الله بعلمها ، ويؤيد هذا أن الله أثبت للراسخين في العلم فضيلة ، ووصفهم بالرسوخ ، فآذن بأن لهم مزية في فهم المتشابه ؛ لأن المحكم يستوي في علمه جميع من يفهم الكلام ، ففي أي شيء رسوخهم. وحكى إمام الحرمين ، عن ابن عباس : أنه قال في هاته الآية \"أنا ممن يعلم تأويله\".\rوقيل : الوقف على قوله {إِلَّا اللَّهَ} وإن جملة {وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ} مستأنفة ، وهذا مروي عن جمهور السلف ، وهو قول ابن عمر ، وعائشة ، وابن مسعود ، وأبي ، ورواه أشهب عن مالك في جامع العتبية ، وقاله عروة بن الزبير ، والكسائي ، والأخفش والفراء ، والحنفية ، وإليه مال فخر الدين.\rويؤيد الأول وصفهم بالرسوخ في العلم ؛ فأنه دليل بين على أن الحكم الذي أثبت لهذا الفريق ، هو حكم من معنى العلم والفهم في المعضلات ، وهو تأويل المتشابه ، على أن أل العطف هو عطف المفردات دون عطف الجمل ، فيكون الراسخون معطوفا على اسم الجلالة فيدخلون في أنهم يعلمون تأويله.\r","part":11,"page":234},{"id":4535,"text":"ولو كان الراسخون مبتدأ وجملة يقولون آمنا به خبرا ، لكان حاصل هذا الخبر مما يستوي فيه سائر المسلمين الذين لا زيغ في قلوبهم ، فلا يكون لتخصيص الراسخين فائدة. قال ابن عطية تسميتهم راسخين تقتضي أنهم يعلمون أكثر من المحكم الذي يستوي في علمه الجميع وما الرسوخ إلا المعرفة بتصاريف الكلام بقريحة معدة وما ذكرناه وذكره ابن عطية لا يعدو إن يكون ترجيحا لأحد التفسيرين ، وليس إبطالا لمقابله إذ قد يوصف بالرسوخ من يفرق بين ما يستقيم تأويله ، وما لا مطمع في تأويله. أ هـ {التحرير والتنوير حـ 3 صـ 23 ـ 25}\rقوله تعالى {كل من عند ربنا}\rقال الآلوسى : \rوفي التعبير بالرب إشارة إلى سر إنزال المتشابه ، والحكمة فيه لما أنه متضمن معنى التربية والنظر في المصلحة والإيصال إلى معارج الكمال أولاً فأولاً ، وقد قالوا : إنما أنزل المتشابه لذلك ليظهر فضل العلماء ويزداد حرصهم على الاجتهاد في تدبره وتحصيل العلوم التي نيط بها استنباط ما أريد به من الأحكام الحقيقية فينالوا بذلك وبإتعاب القرائح واستخراج المقاصد الرائقة والمعاني اللائقة المدارج العالية ويعرجوا بالتوفيق بينه وبين المحكم إلى رفرف الإيقان وعرش الاطمئنان ويفوزوا بالمشاهد السامية وحينئذ ينكشف لهم الحجاب ويطيب لهم المقام في رياض الصواب ، وذلك من التربية والإرشاد أقصى غاية ونهاية في رعاية المصلحة ليس وراءها نهاية. أ هـ {روح المعانى حـ 3 صـ 83}\rقوله تعالى : {وَمَا يَذَّكَّرُ إِلاَّ أُوْلُواْ الألباب}\rقال الفخر : \r{وَمَا يَذَّكَّرُ إِلاَّ أُوْلُواْ الألباب}","part":11,"page":235},{"id":4536,"text":"هذا ثناء من الله تعالى على الذين قالوا آمنا به ، ومعناه : ما يتعظ بما في القرآن إلا ذوو العقول الكاملة ، فصار هذا اللفظ كالدلالة على أنهم يستعملون عقولهم في فهم القرآن ، فيعلمون الذي يطابق ظاهره دلائل العقول فيكون محكماً ، وأما الذي يخالف ظاهره دلائل العقول فيكون متشابهاً ، ثم يعلمون أن الكل كلام من لا يجوز في كلامه التناقض والباطل ، فيعلمون أن ذلك المتشابه لا بد وأن يكون له معنى صحيح عند الله تعالى ، وهذه الآية دالة على علو شأن المتكلمين الذين يبحثون عن الدلائل العقلية ، ويتوسلون بها إلى معرفة ذات الله تعالى وصفاته وأفعاله ، ولا يفسرون القرآن إلا بما يطابق دلائل العقول ، وتوافق اللغة والإعراب.\rواعلم أن الشيء كلما كان أشرف كان ضده أخس ، فكذلك مفسر القرآن متى كان موصوفاً بهذه الصفة كانت درجته هذه الدرجة العظمى التي عظم الله الثناء عليه ، ومتى تكلم في القرآن من غير أن يكون متبحراً في علم الأصول ، وفي علم اللغة والنحو كان في غاية البعد عن الله ، ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم : \" من فسر القرآن برأيه فليتبوأ مقعده من النار \". أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 7 صـ 155}\rكلام نفيس للعلامة الآلوسى\rقال رحمه الله : ","part":11,"page":236},{"id":4537,"text":"{وَمَا يَذَّكَّرُ إِلاَّ أُوْلُواْ الألباب} عطف على جملة {يَقُولُونَ} سيق من جهته تعالى مدحاً للراسخين بجودة الذهن وحسن النظر لما أنهم قد تجردت عقولهم عما يغشاها من الركون إلى الأهواء الزائغة المكدرة لها واستعدوا إلى الاهتداء إلى معالم الحق والعروج إلى معارج الصدق ، وللإشارة إلى ذلك وضع الظاهر موضع الضمير هذا على تقدير أن يكون الوقف على ( الراسخون ) وهو الذي ذهب إليه الشافعية. وسائر من فسر المتشابه بما لم يتضح معناه ، وأما على تقدير أن يكون الوقف على {إِلاَّ الله} وهو الذي ذهب إليه الحنفية القائلون بأن المتشابه ما استأثر الله تعالى بعلمه فالراسخون مبتدأ وجملة {يَقُولُونَ} خبر عنه ، ورجوح الأول بوجوه : أما أولاً : فلأنه لو أريد بيان حظ الراسخين مقابلاً لبيان حظ الزائغين لكان المناسب أن يقال وأما الراسخون فيقولون ، وأما ثانياً : فلأنه لا فائدة حينئذ في قيد الرسوخ بل هذا حكم العالمين كلهم ، وأما ثالثاً : فلأنه لا ينحصر حينئذ الكتاب في المحكم والمتشابه على ما هو مقتضى ظاهر العبارة حيث لم يقل ومنه متشابهات لأن ما لا يكون متضح المعنى ويهتدي العلماء ألى تأويله ورده إلى المحكم لا يكون محكماً ولا متشابهاً بالمعنى المذكور وهو كثير جداً وأما رابعاً : فلأن المحكم حينئذ لا يكون أمّ الكتاب بمعنى رجوع المتشابه إليه إذ لا رجوع إليه فيما استأثر الله تعالى بعلمه كعدد الزبانية مثلاً ، وأما خامساً : فلأنه قد ثبت في الصحيح أنه صلى الله عليه وسلم دعا لابن عباس فقال : \"اللهم فقهه في الدين وعلمه التأويل\" ولو كان التأويل مما لا يعلمه إلا الله تعالى لما كان للدعاء معنى ، وأما سادساً : فلأن ابن عباس رضي الله تعالى عنه كان يقول : أنا ممن يعلم تأويله ، وأما سابعاً : فلأنه سبحانه وتعالى مدح الراسخين بالتذكر في هذا المقام وهو يشعر بأن لهم الحظ الأوفر من معرفة ذلك ، وأما ثامناً : فلأنّه يبعد أن","part":11,"page":237},{"id":4538,"text":"يخاطب الله تعالى عباده بما لا سبيل لأحد من الخلق إلى معرفته ، والقول بأن أما للتفصيل فلا بد في مقابلة الحكم على الزائغين من حكم على الراسخين ليتحقق التفصيل.\r","part":11,"page":238},{"id":4539,"text":"غاية الأمر أنه حذفت أما والفاء ، وبأن الآية من قبيل الجمع والتقسيم والتفريق فالجمع في قوله سبحانه : {أَنزَلَ عَلَيْكَ الكتاب} والتقسيم في قوله تعالى : {مِنْهُ آيات محكمات هُنَّ أُمُّ الكتاب وَأُخَرُ متشابهات} والتفريق في قوله عز شأنه : {فَأَمَّا الَّذِينَ فى قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ} الخ فلا بد في مقابلة ذلك من حكم يتعلق بالمحكم وهو أن الراسخين يتبعونه ويرجعون المتشابه إليه على ما هو مضمون قوله سبحانه : {والرسخون فِي العلم} الخ مجاب عنه بأن كون أما للتفصيل أكثري لا كلي ولو سلم فليس ذكر المقابل في اللفظ بلازم. ثم لو سلم بأن الآية من قبيل الجمع والتقسيم والتفريق فذكر المقابل على سبيل الاستئناف أو الحال أعني : ( يقولون ) الخ كاف في ذلك ، ورجح الثاني بأنه مذهب الأكثرين من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم والتابعين وأتباعهم خصوصاً أهل السنة ، وهو أصح الروايات عن ابن عباس رضي الله تعالى عنه ، ولم يذهب إلى القول الأول إلا شرذمة قليلة بالنسبة إلى الأكثرين كما نص عليه ابن السمعاني وغيره ويد الله تعالى مع الجماعة ويدل على صحة مذهبهم أخبار كثيرة : الأول ما أخرجه عبد الرزاق في \"تفسيره\". والحاكم في \"مستدركه\" عن ابن عباس أنه كان يقرأ وما يعلم تأويله إلا الله ويقول الراسخون في العلم آمنا به فهذا يدل على أن الواو للاستئناف لأن هذه الرواية وإن لم تثبت بها القراءة فأقل درجاتها أن تكون خبراً بإسناد صحيح إلى ترجمان القرآن فيقدم كلامه على من دونه ، وحكى الفراء أن في قراءة أبيّ بن كعب أيضاً ويقول الراسخون في العلم. وأخرج ابن أبي داود في \"المصاحف\" من طريق الأعمش قال في قراءة ابن مسعود وإن تأويله إلا عند الله والراسخون في العلم يقولون آمنا به الثاني ما أخرج الطبراني في \"الكبير\" عن أبي مالك الأشعري أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : \" لا أخاف على أمتي إلا ثلاث خلال أن يكثر لهم المال","part":11,"page":239},{"id":4540,"text":"فيتحاسدوا فيقتتلوا وأن يفتح لهم الكتاب فيأخذه المؤمن يبتغي تأويله وما يبتغي تأويله إلا الله تعالى \" الحديث الثالث : ما أخرج ابن مردويه من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال : \" إن القرآن لم ينزل ليكذب بعضه بعضاً فما عرفتم منه فاعملوا به وما تشابه فآمنوا به \" الرابع : عن ابن مسعود عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : \" الكتاب الأول ينزل من باب واحد على حرف واحد ونزل القرآن في سبعة أبواب على سبعة : زاجر وآمر وحلال وحرام ومحكم ومتشابه وأمثال فأحلوا حلاله وحرموا حرامه وافعلوا ما أمرتم به وانتهوا عما نهيتم عنه واعتبروا بأمثاله واعلموا بمحكمه وآمنوا بمتشابهه وقولوا : آمنا به كل من عند ربنا \" وأخرج البيهقي في \"الشعب\" نحوه عن أبي هريرة ، الخامس : ما أخرجه ابن جرير عن ابن عباس مرفوعاً \" أنزل القرآن على أربعة أحرف حلال وحرام لا يعذر أحد بجهالته وتفسير تفسره العلماء ومتشابه لا يعلمه إلا الله تعالى ومن ادعى علمه سوى الله تعالى فهو كاذب \" إلى غير ذلك من الأخبار الدالة على أن المتشابه مما لا يعلم تأويله إلا الله تعالى ، وذهب بعض المحققين إلى أن كلا من الوقف والوصل جائز ولكل منهما وجه وجيه وبين ذلك الراغب بأن القرآن عند اعتبار بعضه ببعض ثلاث أضرب محكم على الإطلاق. ومتشابه على الإطلاق ومحكم من وجه متشابه من وجه ، فالمتشابه في الجملة ثلاثة أضرب. متشابه من جهة اللفظ فقط. ومن جهة المعنى. ومن جهتهما معاً ، فالأول : ضربان. أحدهما يرجع إلى الألفاظ المفردة أما من جهة الغرابة نحو الأب ويزفون ، أو الاشتراك كاليد والعين. وثانيهما يرجع إلى جملة الكلام المركب وذلك ثلاثة أضرب. ضرب لاختصار الكلام نحو {وَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تُقْسِطُواْ فِى اليتامى فانكحوا مَا طَابَ لَكُمْ} [ النساء : 3 ] وضرب لبسطه نحو {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَىْء} [ الشورى : 11 ] لأنه لو قيل : ليس مثله","part":11,"page":240},{"id":4541,"text":"شيء كان أظهر للسامع. وضرب لنظم الكلام نحو {أَنْزَلَ على عَبْدِهِ الكتاب وَلَمْ يَجْعَل لَّهُ عِوَجَا قَيِّماً} [ الكهف : 1 ، 2 ] إذ تقديره أنزل على عبده الكتاب قيماً ولم يجعل له عوجاً والمتشابه من جهة المعنى أوصاف الله تعالى وأوصاف يوم القيامة فإن تلك الصفات لا تتصور لنا إذ لا يحصل في نفوسنا صورة ما لم نحسه أو ليس من جنسه ، والمتشابه من جهتهما خمسة أضرب.\rالأول : من جهة الكمية كالعموم والخصوص نحو {فاقتلوا المشركين} [ التوبة : 5 ]. والثاني : من جهة الكيفية كالوجوب والندب في نحو {فانكحوا مَا طَابَ لَكُمْ مّنَ النساء} [ النساء : 3 ]. والثالث : من جهة الزمان كالناسخ والمنسوخ نحو {اتقوا الله حَقَّ تُقَاتِهِ} [ آل عمران : 102 ]. والرابع : من جهة المكان والأمور التي نزلت فيه الآية نحو {وَلَيْسَ البر بِأَن تَأْتُواْ البيوت مِن ظُهُورِهَا} [ البقرة : 189 ] و{إِنَّمَا النسىء زِيَادَةٌ فِى الكفر} [ التوبة : 37 ] فإن من لا يعرف عادتهم في الجاهلية يتعذر عليه تفسير هذه ، والخامس : من جهة الشروط التي يصح بها الفعل ويفسد كشرط الصلاة والنكاح ، ثم قال : وهذه الجملة إذا تصورت علم أن كل ما ذكره المفسرون في تفسير المتشابه لا يخرج عن هذه التقاسيم ؛ ثم جميع المتشابه على ثلاثة أضرب. ضرب لا سبيل للوقوف عليه كوقت الساعة وخروج الدابة وغير ذلك. وقسم للإنسان سبيل إلى معرفته كالألفاظ الغريبة والأحكام الغلقة. وضرب متردد بين الأمرين يختص بمعرفة بعض الراسخين في العلم ويخفى على من دونهم ، وهو المشار إليه بقوله صلى الله عليه وسلم لابن عباس رضي الله تعالى عنه : \"اللهم فقهه في الدين وعلمه التأويل2.\r","part":11,"page":241},{"id":4542,"text":"وإذا عرفت هذا ظهر لك جواز الأمرين الوقف على {إِلاَّ الله} والوقف على {الراسخون} وقال بعض أئمة التحقيق : الحق أنه إن أريد بالمتشابه ما لا سبيل إليه للمخلوق فالحق الوقف على {إِلاَّ الله} وإن أريد ما لا يتضح بحيث يتناول المجمل ونحوه فالحق العطف ، ويجوز الوقف أيضاً لأنه لا يعلم جميعه أو لا يعلمه بالكنه إلا الله تعالى ، وأما إذا فسر بما دل القاطع أي النص النقلي أو الدليل الجازم العقلي على أن ظاهره غير مراد ولم يقم دليل على ما هو المراد ففيه مذهبان. فمنهم من يجوز الخوض فيه وتأويله بما يرجع إلى الجادة في مثله فيجوز عنده الوقف وعدمه. ومنهم من يمنع الخوض فيه فيمتنع تأويله ويجب الوقف عنده ، والذاهبون إلى الوقف من السادة الحنفية أجابوا عما ذكره غيرهم في ترجيح ما ذهبوا إليه من الوجوه ، فعن الأول : بأنه أريد بيان حظ الراسخين مقابلاً لبيان حظ الزائغين إلا أنه لم يقل وأما الراسخون مبالغة في الاعتناء بشأن الراسخين حيث لم يسلك بهم سبيل المعادلة اللفظية لهؤلاء الزائغين وصينوا عن أن يذكروا معهم كما يذكر المتقابلان في الأغلب في مثل هذه المقامات وقريب من هذا قوله تعالى : {الله وَلِيُّ الذين ءامَنُواْ يُخْرِجُهُم مّنَ الظلمات إِلَى النور والذين كَفَرُواْ أَوْلِيَاؤُهُمُ الطاغوت} [ البقرة : 257 ] حيث لم يقل والطاغوت أولياء الذين كفروا ، ولا الذين آمنوا وليهم الله تعظيماً لشأنه تعالى ورعاية للاعتناء بشأن المؤمنين ، وعن الثاني : بأن فائدة قيد الرسوخ المبالغة في قصر علم تأويل المتشابه عليه تعالى لأنه إذا لم يعلموه هم كما يشعر به الحكم عليهم بأنهم يقولون آمنا به فغيرهم أولى بعدم العلم فلم يبق عالم به إلا الله تعالى.","part":11,"page":242},{"id":4543,"text":"وعن الثالث : بأنه يلتزم القول بعد الحصر ، وفي \"الإتقان\" أن بعضاً قال : إن الآية لا تدل على الحصر في الشيئين إذ ليس فيها شيء من طرقه ولولا ذلك لأشكل قوله تعالى : {لِتُبَيّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزّلَ إِلَيْهِمْ} [ النمل : 44 ] لأن المحكم لا تتوقف معرفته على البيان والمتشابه لا يرجى بيانه فما هذا الذي يبينه النبي صلى الله عليه وسلم ؟ وعن الرابع : بالتزام أن إضافة أم إلى ( الكتاب ) على معنى في ، والمحكم أم في ( الكتاب ) ولكن لا للمتشابه الذي استأثر الله تعالى بعلمه بل هو أم وأصل في فهم العبادات الشرعية كوجوب معرفته وتصديق رسله وامتثال أوامره واجتناب نواهيه ، وعلى تقدير القول بأن الإضافة لامية يلتزم الأمومة للكتاب باعتبار بعضه وهو الواسطة بين القسمين لأن متضح الدلالة كثيراً ما يرجع إليه في خفيها مما لم يصل إلى حد الاستئثار ، وعن الخامس : بأن التأويل الذي دعا به رسول الله صلى الله عليه وسلم لابن عباس لا يتعين حمله على تأويل ما اختص علمه به تعالى بل يجوز حمله على تفسير ما يخفى تفسيره من القسم المتردد بين الأمرين اللذين ذكرهما الراغب كما ذكره. وعن السادس : بأن الرواية عن ابن عباس أنه قال : \"أنا ممن يعلم تأويله\" معارضة بما هو أصح منها بدرجات فتسقط عن درجة الاعتبار ، وعلى تقدير تسليم اعتبارها يمكن أن يقال : مراده رضي الله تعالى عنه أنا ممن يعلم تأويله أي المتشابه في الجملة حسبما دعا لي به رسول الله صلى الله عليه وسلم وهذا وإن قيل : إنه متشابه لكنه في الحقيقة واسطة بين المحكم والمتشابه بالمعنى المراد ، وعن السابع : بأن مدح الراسخين بالتذكر ليس لأن لهم حظاً في معرفته بل لأنهم اتعظوا فخالفوا هواهم ووقفوا عند ما حدّ لهم مولاهم ولم يسلكوا مسلك الزائغين ولم يخوضوا مع الخائضين ويمكن على بعد أن يراد بالتذكر الانتفاع مجازاً أي إن الراسخين هم الذين ينتفعون به حيث يؤمنون به لخوص عقولهم عن غشاوة","part":11,"page":243},{"id":4544,"text":"الهوى كما أنهم آمنوا بالغيب وهذا بخلاف الزائغين حيث صار المتشابه ضرراً عليهم ووبالاً لهم إذ ضلوا فيه كثيراً وأضلوا عن سواء السبيل ، وقد قال سبحانه من قبل فيما ضربه من المثل : {يُضِلُّ بِهِ كَثِيرًا وَيَهْدِي بِهِ كَثِيرًا وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلاَّ الفاسقين} [ البقرة : 26 ] وعن الثامن : بأنه لا بعد في أن يخاطب الله تعالى عباده بما لا سبيل لأحد من الخلق إلى معرفته ويكون ذلك من باب الابتلاء كما ابتلى سبحانه عباده بتكاليف كثيرة وعبادات وفيرة لم يعرف أحد حقيقة السر فيها ، والسر في هذا الابتلاء قص جناح العقل وكسر سورة الفكر وإذهاب عجب طاوس النفس ليتوجه القلب بشراشره تجاه كعبة العبودية ويخضع تحت سرادقات الربوبية ويعترف بالقصور ويقر بالعجز عن الوصول إلى ما في هاتيك القصور وفي ذلك غاية التربية ونهاية المصلحة هذا إذا أريد بما لا سبيل لأحد من الخلق إلى معرفته ما لا سبيل لأحد منهم إلى معرفته من طريق الفكر ، وأما إذا أريد ما لا سبيل إلى معرفته مطلقاً سواء كانت على الإجمال أو التفصيل بالوحي أو بالإلهام لنبي أو لوليّ فوجود مثل هذا المخاطب به في القرآن في حيز المنع ، ولعل القائل بكون المتشابه مما استأثر الله تعالى بعلمه لا يمنع تعليمه للنبي صلى الله عليه وسلم بواسطة الوحي مثلا ولا إلقاءه في روع الوليّ الكامل مفصلاً لكن لا يصل إلى درجة الإحاطة كعلم الله تعالى وإن لم يكن مفصلاً فلا أقل من أن يكون مجملاً ومنع هذا وذاك مما لا يكاد يقول به من يعرف رتبة النبي صلى الله عليه وسلم ورتبة أولياء أمته الكاملين وإنما المنع من الإحاطة ومن معرفة على سبيل النظر والفكر وهو الطريق المعتاد والسبيل المسلوك في معرفته المشكلات واستحصال النظريات ولتبادر هذا المعنى من يعلم إذا أسند إلى الراسخين منع إسناده إليهم ومتى أريد منه العلم لا من طريق الفكر صح الإسناد وجاز العطف ولكن دون توهم هذه الإرادة من ظاهر الكلام","part":11,"page":244},{"id":4545,"text":"خرط القتاد ، فلهذا شاع القول بعدم العطف وكان القول به أسلم.\rويؤيد ما قلنا ما ذكره الإمام الشعراني قال : أخبرني شيخنا عليّ الخواص قدس سره إن الله تعالى أطلعه على معاني سورة الفاتحة فخرّج منها مائتي ألف علم وأربعين ألف علم وتسعمائة وتسعين علماً وكان يقول : لا يسمى عالماً أي عند أهل الله تعالى إلا من عرف كل لفظ جاءت به الشريعة ، وقال في \"الكشف\" في نحو {ق} {ص} {حم} {طس} : لعل إدراك ما تحته عند أهله كإدراكنا للأوليات ولا يستبعد ، ففيض الباري عم نواله غير محصور ؛ واستعداد الإنسان الكامل عن القبول غير محسور ، ومن لم يصدق إجمالاً بأن وراء مدركات الفكرة ومباديها طوراً أو أطواراً حظ العقل منها حظ الحس من المعقولات فهو غير متخلص عن مضيق التعطيل أو التشبيه وإن لم يتدارك حاله بقي بعد كشف الغظا في هذا التيه ، ولتتحقق من هذا أن المراتب مختلفة وأن الإحاطة على الحقائق الإلهية كما هي مستحيلة إلا للباري جل ذكره وأنه لا بد للعارف وإن وصل إلى أعلى المراتب أن يبقى له ما يجب الإيمان به غيباً وهو من المتشابه الذي يقول الراسخون فيه : {بِهِ كُلٌّ مّنْ عِندِ رَبّنَا وَمَا} فهذا ما يجب أن يعتقد كي لا يلحد.\r","part":11,"page":245},{"id":4546,"text":"ثم اعلم أن كثيراً من الناس جعل الصفات النقلية من الاستواء واليد والقدم والنزول إلى السماء الدنيا والضحك والتعجب وأمثالها من المتشابه ، ومذهب السلف والأشعري رحمه الله تعالى من أعيانهم كما أبانت عن حاله الإبانة أنها صفات ثابتة وراء العقل ما كلفنا إلا اعتقاد ثبوتها مع اعتقاد عدم التجسيم والتشبيه لئلا يضاد النقل العقل ، وذهب الخلف إلى تأويلها وتعيين مراد الله تعالى منها فيقولون : الاستواء مثلاً بمعنى الاستيلاء والغلبة ، وذلك أثر من آثار بعض الصفات الثمانية التي ليس لله تعالى عندهم وراءها صفة حتى ادعى السكوتي وليته سكت أن ما وراء ذلك ممتنع إذ لا يلزم من نفيه محال وكل ما لا يلزم من نفيه محال لا يكون واجباً ، والله تعالى لا يتصف إلا بواجب ، وذكر الشعراني في \"الدرر المنثورة\" أن مذهب السلف أسلم وأحكم إذ المؤل انتقل عن شرح الاستواء الجسماني على العرش المكاني بالتنزيه عنه إلى التشبيه السلطاني الحادث وهو الاستيلاء على المكان فهو انتقال عن التشبيه بمحدث مّا إلى التشبيه بمحدث آخر فما بلغ عقله في التنزيه مبلغ الشرع فيه في قوله تعالى : {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَىْء} [ الشورى : 11 ] ألا ترى أنه استشهد في التنزيه العقلي في الاستواء بقول شاعر : \rقد استوى بشر على العراق... من غير حرب ودم مهراق\r","part":11,"page":246},{"id":4547,"text":"وأين استواء بشر على العراق من استواء الرحمن على العرش ، ونهاية الأمر يحتاج إلى القول بأن المراد استيلاء يليق بشأن الرحمن جل شأنه فليقل من أول الأمر قبل تحمل مؤنة هذا التأويل استواء يليق بشأن من عز شأنه وتعالى عن إدراك العقول سلطانه ، وهذا أليق بالأدب وأوفق بكمال العبودية وعليه درج صدر الأمة وساداتها وإياها اختار أئمة الفقهاء وقاداتها وإليها دعا أئمة الحديث في القديم والحديث حتى قال محمد بن الحسن كما أخرجه عنه اللالكائي : اتفق الفقهاء كلهم من المشرق إلى المغرب على الإيمان بالصفات من غير تفسير ولا تشبيه ، وورد عن سليمان بن يسار أن رجلاً يقال له ضبيع قدم المدينة فجعل يسأل عن متشابه القرآن فأرسل إليه عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه وقد أعدّ له عراجين النخل فقال : من أنت ؟ فقال : أنا عبد الله ضبيع فأخذ عمر عرجوناً من تلك العراجين فضربه حتى أدمى رأسه وفي رواية فضربه بالجريد حتى ترك ظهره دبرة ثم تركه حتى برىء ثم عاد إليه ثم تركه حتى برىء فدعا به ليعود فقال : إن كنت تريد قتلتي فاقتلني قتلاً جميلاً فأذن له إلى أرضه وكتب إلى أبي موسى الأشعري أن لا يجالسه أحد من المسلمين.\r","part":11,"page":247},{"id":4548,"text":"لا يقال إن تركت أمثال هذه المتشابهات على ظواهرها دلت على التجسيم وإن لم ترد ظواهرها فقد أولت لأن التأويل على ما قالوا : إخراج الكلام عن ظاهره لأنا نقول : نختار الشق الثاني ولا نسلم أن التأويل إخراج الكلام عن ظاهره مطلقاً بل إخراجه إلى معنى معين معلوم كما يقال الاستواء مثلا بمعنى الاستيلاء على أن للتأويل معنيين مشهورين لا يصدق شيء منهما على نفي الظاهر من غير تعيين للمراد ، أحدهما : ترجمة الشيء وتفسيره الموضح له ، وثانيهما : بيان حقيقته وإبرازها إما بالعلم أو بالعقل فإن من قال : بعد التنزيه لا أدري من هذه المتشابهات سوى أن الله تعالى وصف بها نفسه وأراد منها معنى لائقاً بجلاله جل جلاله ، ولا أعرف ذلك المعنى لم يقل في حقه أنه ترجم وأوضح ولا بين الحقيقة وأبرز المراد حتى يقال إنه أول ، ومن أمعن النظر في مأخذ التأويل لم يشك في صحة ما قلنا ، نعم ذهبت شرذمة قليلة من السلف إلى إبقاء نحو المذكورات على ظواهرها إلا أنهم ينفون لوازمها المنقدحة للذهن الموجبة لنسبة النقص إليه عز شأنه ويقولون : إنما هي لوازم لا يصح انفكاكها عن ملزوماتها في صفاتنا الحادثة ، وأما في صفات من ليس كمثله شيء فليست بلوازم في الحقيقة ليكون القول بانفكاكها سفسطة وأين التراب من رب الأرباب وكأنهم إنما قالوا ذلك ظناً منهم أن قول الآخرين من السلف تأويل ، و( الراسخون في العلم ) لا يذهبون إليه أو أنهم وجدوا بعض الآثار يشعر بذلك مثل ما حكى مقاتل والكلبي عن ابن عباس في {استوى} [ طه : 5 ] أنه بمعنى استقر ، وما أخرجه أبو القاسم من طريق قرة بن خالد عن الحسن عن أمه عن أم سلمة في قوله تعالى : {الرحمن عَلَى العرش استوى} [ طه : 5 ] إنها قالت : الكيف غير معقول والاستواء غير مجهول والإقرار به من الإيمان والجحود به كفر.\r","part":11,"page":248},{"id":4549,"text":"وقريب من هذا القول ما يصرح به كلام كثير من ساداتنا الصوفية فإنهم قالوا : إن هذه المتشابهات تجرى على ظواهرها مع القول بالتنزيه الدال عليه قوله تعالى : {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَىْء} [ الشورى : 11 ] حيث إن وجود الحق تعالى شأنه لا تقيده الأكوان وإن تجلى فيما شاء منها إذ له كمال الإطلاق حتى عن قيد الإطلاق ، ولا يخفى أن إجراء المتشابهات على ظاهرها مع التنزيه اللائق بجلال ذاته سبحانه طور ما وراء طور العقل وبحر لا يسبح فيه إلا من فاز بقرب النوافل.\r","part":11,"page":249},{"id":4550,"text":"وذكر بعض أئمة التدقيق أن العقل سبيله في العلم بالصفات الثمانية المشهورة كعلمه بتلك الصفات التي يدعي الخلف رجوعها إليها إذا أحد النظر ، فقد قام البرهان وشاهد العيان على عدم المماثلة ذاتاً وصفات أيضاً لكن صفاته المتعالية وأسماؤه الحسنى قسمان ، قسم يناسب ما عندنا من الصفات نوع مناسبة وإن كانت بعيدة ، ولا يقال : فلا بد فيه في أفهامنا معاشر الناقصين من أن يسمى بتلك الأسماء المشتهرة عندنا فيسمى علماً مثلاً لا دواة ولا قلماً وقسم ليس كذلك وهو المشار إليه بقوله صلى الله عليه وسلم \" أو استأثرت به في علم الغيب عندك \" فقد يذكر له أسماء مشوقة لأن منه ما للإنسان الكامل منه نصيب بطريق التخلق والتحقق فيذكر تارة اليد والنزول والقدم ونحو ذلك من المخيلات مع العلم البرهاني والشهود الوجداني بتنزهه تعالى عن كل كمال يتصوره الإنسان ويحيط به فضلاً عن النقصان ، فيعلم أنه أشار إلى ذلك القسم الذي علم بالإجمال ويتوجه إذ ذاك بكليته شطر كعبة الجلال والجمال فيفاض عليه من ينبوع الكمال ما يستأنس عنده وينكشف له جلية الحال ، وإذ ليس له مناسبة بما عندنا لا توجد عبارة يترجم عنها إلا على سبيل الخيال ، وإليه الإشارة بقوله عليه الصلاة والسلام : \" من عرف الله تعالى كلّ لسانه \" وأخرى بين مقصد الكل ومن أحبه سبحانه ما يصان عن تهمة إدراك الأغيار من نحو تلك الفواتح ، ولعل إدراكها عند أهلها كإدراك الأوليات إلا أنه لا إحاطة بل لا بد من بقاء شيء كما أشير إليه ، وعلى هذا أيضاً الأليق أن يوقف لأنه شعار من لنا فيهم الأسوة الحسنة مع ظهور وجهه لكن لا تجعل الآية حجة على من تأول نحو {والأرض جَمِيعاً قَبْضَتُهُ يَوْمَ القيامة} [ الزمر : 67 ] مثلاً إذ لا يسلم أنه داخل في ذلك المتشابه والحمل على المجاز الشائع في كلام العرب والكناية البالغة في الشهرة مبلغ الحقيقة أظهر من الحمل على معنى مجهول ، نعم لو قيل : إن تصوير العظمة على هذا","part":11,"page":250},{"id":4551,"text":"الوجه دال على أن العقل غير مستقل بإدراكها وأنها أجل من أن تحيط بها العقول فالكنه من المتشابه الذي دلت الآية عليه ويجب الإيمان به كان حسناً ، وجمعاً بين ما عليه السلف ومشى عليه الخلف وهو الذي يجب أن يعتقد كيلاً يلزم ازدراء بأحد الفريقين كما فعل ابن القيم حتى قال : لام الأشعرية كنون اليهودية أعاذنا الله تعالى من ذلك ، وعلى هذا يجب أن يفسر المتشابه في الآية بما يعم القسمين ، والمحكم ( أم ) يرجع إليه في تمييز القسمين أحدهما : فرعه الإيماني. والثاني : فرع الإيقاني ، وابن دقيق العيد توسط في مسألة التأويل ، ويحتمل أنه لم يخرج ما قاله هذا المدقق أخيراً من المتشابه فقال : إذا كان التأويل قريباً من لسان العرب لم ينكر أو بعيداً توقفنا عنه وآمنا بمعناه على الوجه الذي أريد به مع التنزيه وما كان معناه من هذه الألفاظ ظاهراً معهوداً من تخاطب العرب قلنا به من غير توقف كما في قوله تعالى : {ياحسرتى على مَا فَرَّطَتُ فِى جَنبِ الله} [ الزمر : 56 ] فنحمله على حق الله تعالى وما يجب له فليفهم هذا المقام فكم زلت فيه أقوام بعد أقوام. أ هـ {روح المعانى حـ 3 صـ 83 ـ 89}\rمن فوائد الشيخ الشنقيطى فى الآية\rقال رحمه الله : \rقوله تعالى : {وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ الله}.","part":11,"page":251},{"id":4552,"text":"يحتمل أن المراد بالتأويل في هذه الآية الكريمة التفسير وإدراك المعنى ، ويحتمل أن المراد به حقيقة أمره التي يؤول إليها وقد قدمنا في مقدمة هذا الكتاب أن من أنواع البيان التي ذكرناها فيه أن كون أحد الاحتمالين هو الغالب في القرآن. يبين أن ذلك الاحتمال الغالب هو المراد. لأن الحمل على الأغلب أونلى من الحمل على غيره. وإذا عرفت ذلك فاعلم أن الغالب في القرآن إطلاق التأويل على حقيقة الأمر التي يؤول إليها كقوله : {هذا تَأْوِيلُ رُؤْيَايَ مِن قَبْلُ} [ يوسف : 100 ] وقوله : {هَلْ يَنظُرُونَ إِلاَّ تَأْوِيلَهُ يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ} [ الأعراف : 53 ] الآية. وقوله : {بَلْ كَذَّبُواْ بِمَا لَمْ يُحِيطُواْ بِعِلْمِهِ وَلَمَّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ} [ يونس : 39 ] وقوله : {ذلك خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً} [ النساء : 59 ] إلى غير ذلك من الآيات. قال ابن جرير الطبري : وأصل التأويل من آل الشيء إلى كذا إذا صار إليه ورجع يؤول أولا ، وأولته أنا صيرته إليه ، وقال : وقد أنشد بعض الرواية بيت الأعشى : \rعلى أنها كانت تأول حبها... تأول ربعي السقاب فأصحبا\rقال : ويعني بقوله : تأول حبها مصير حبها ، ومرجعه وإنما يريد بذلك أن حبها كان صغيراً في قلبه فآل من الصغر إلى العظم ، فلم يزل ينبت حتى أصحب فصار قديماً كالسقب الصغير الذي لم يزل يشب حتى أصحب ، فصار كبيراً مثل أمه. قال وقد ينشد هذا البيت : \rعلى أنها كانت توابع حبها... توالي ربعي السقاب فأصحبا اه\rوعليه فلا شاهد فيه ، والربعي السقب. الذي ولد في أول النتاج ومعنى أصحب انقاد لكل من يقوده ، ومنه قول امرئ القيس : \rولست بذي رثية إمر... إذا قيد مستكرهاً أصحبا\rوالرثية : وجع المفاصل. والإمر : بكسر الهمزة وتشديد الميم مفتوحة بعدها راء هو الذي يأتمر لكل احد. لضعفه وأنشد بيت الأعشى المذكور الأزهري وصاحب اللسان : \r","part":11,"page":252},{"id":4553,"text":"ولكنها كانت نوى أجنبية... توالى ربعي السقاب فأصحبا\rوأطالا في شرحه وعليه فلا شاهد فيه أيضاً.\rتنبيه : اعلم أن التأويل يطلق ثلاثة إطلاقات : \rالأول : هو ما ذكرنا من أنه الحقيقة التي يؤول إليها الأمر ، وهذا هو معناه في القرآن.\rالثاني : يراد به التفسير والبيان ، ومنه بهذا المعنى قوله صلى الله عليه وسلم في ابن عباس : \" اللهم فقهه في الدين ، وعلمه التأويل \" وقول ابن جرير وغيره من العلماء ، القول في تأويل قوله تعالى : كذا أي : تفسيره وبيانه. وقول عائشة الثابت في الصحيح : \" كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ، يكثر أن يقول في ركوعه وسجوده : \" سبحانك اللهم ربنا وبحمدك اللهم اغفر لي \" يتأول القرآن تعني يمتثله ويعمل به ، والله تعالى أعلم.\rالثالث : هو معناه المتعارف في اصطلاح الأصوليين ، وهو صرف اللفظ عن ظاهره المتبادر منه إلى محتمل مرجوح بدليل يدل على ذلك ، وحاصل تحرير مسالة التأويل عند أهل الأصول أنه لا يخلو من واحدة من ثلاث حالات بالتقسيم الصحيح : \rالأولى : أن يكون صرف اللفظ عن ظاهره بدليل صحيح في نفس الأمر يدل على ذلك ، وهذا هو التأويل المسمى عندهم بالتأويل الصحيح ، والتأويل القريب كقوله صلى الله عليه وسلم الثابت في الصحيح : \r\" الجار أحق بصَقَبِه \" فإن ظاهره المبادر منه ثبوت الشفعة للجار ، وحمل الجار في هذا الحديث على خصوص الشريك المقاسم حمل له على محتمل مرجوح ، إلا أنه دل عليه الحديث الصحيح المصرح بأنه إذا صرفت الطرق وضربت الحدود ، فلا شفعة.\r","part":11,"page":253},{"id":4554,"text":"الحالة الثانية : أن يكون صرف اللفظ عن ظاهره لأمر يظنه الصارف دليلاً وليس بدليل في نفس الأمر ، وهذا هو المسمى عندهم بالتأويل الفاسد ، والتأويل البعيد ، ومثل له الشافعية ، والمالكية ، والحنابلة بحمل الإمام أبي حنيفة - رحمه الله - المرأة في قوله صلى الله عليه وسلم : \" أيما امرأة نكحت بغير إذن وليها ، فنكاحها باطل ، باطل \" على المكاتبة ، والصغيرة ، وحمله أيضاً - رحمه الله - المسكين في قوله : {سِتِّينَ مِسْكِينًا} [ المجادلة : 4 ] على المد ، فأجاز إعطاء ستين مداً لمسكين واحد.\rالحالة الثالثة : أن يكون صرف اللفظ عن ظاهره لا لدليل أصلاً ، وهذا يسمى في اصطلاح الأصوليين لعباً ، كقول بعض الشيعة. {إِنَّ الله يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُواْ بَقَرَةً} [ البقرة : 67 ] يعني عائشة رضي الله عنها ، وأشار في مراقي السعود إلى حد التأويل ، وبيان الأقسام الثلاثة بقوله معرفاً للتاويل : \rحمل لظاهر على المرجوح... واقسمه للفاسد والصحيح\rصحيحه وهو القريب ما حمل... مع قوة الدليل عند المستدل\rوغيره الفاسد والبعيد... وما خلا فلعبا يفيد\rإلى أن قال : \rفجعل مسكين بمعنى المد... عليه لائح سمات البعد\rكحمل مرأة على الصغيره... وما ينافي الحرة الكبيره\rوحمل ما ورد في الصيام... على القضاء مع الالتزام\rأما التأويل في اصطلاح خليل بن إسحاق المالكي الخاص به في مختصره ، فهو عبارة عن اختلاف شروح المدونة في المراد عند مالك - رحمه الله - وأشار له في المراقي بقوله : \rوالخلف في فهم الكتاب صير... إياه تأويلا لدى المختصر\r","part":11,"page":254},{"id":4555,"text":"والكتاب في اصطلاح فقهاء المالكية المدونة قوله تعالى : {والراسخون فِي العلم يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ} [ آل عمران : 7 ] الآية. لا يخفى أن هذه الواو محتملة للاستئناف ، فيكون قوله : {والراسخون فِي العلم} مبتدأ ، وخبره يقولون ، وعليه فالمتشابه لا يعلم تأويله إلا الله وحده ، والوقف على هذا تام على لفظة الدلالة ومحتملة لأن تكون عاطفة ، فيكون قوله : {والراسخون} معطوفاً على لفظ الجلالة ، وعليه فالمتشابه يعلم تأويله الراسخون في العلم أيضاً ، وفي الآية إشارات تدل على أن الواو استئنافية لا عاطفة ، قال ابن قدامة : في روضة الناظر ما نصه : ولأن في الآية قرائن تدل على أن الله سبحانه ، متفرد بعلم المتشابه ، وأن الوقف الصحيح عند قوله تعالى : \r{وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ الله} [ آل عمران : 7 ] لفظاً ومعنى أما اللفظ فلأنه لو أراد عطف الراسخين لقال : ويقولون آمنا به بالواو أما المعنى فلأنه ذم مبتغى التأويل ، ولو كان ذلك للراسخين معلوماً لكان مبتغيه ممدوحاً لا مذموماً. ولأن قولهم آمنا به ، يدل على نوع تفويض وتسليم لشيء لم يقفوا على معناه سيما إذا تبعوه بقولهم : كل من عند ربنا ، فذكرهم ربهم ها هنا يعطي الثقة به والتسليم لأمره ، وأنه صدر من عنده ، كما جاء من عنده المحكم. ولأن لفظة أما لتفصيل الجمل فذكره لها في الذين في قلوبهم زيغ مع وصفه إياهم باتباع المتشابه وابتغاء تأويله يدل على قسم آخر يخالفهم في هذه الصفة ، وهم الراسخون. ولو كانوا يعلمون تأويله لم يخالفوا القسم الأول في ابتغاء التأويل وإذ قد ثبت أنه غير معلوم التأويل لأحد فلا يجوز حمله على غير ما ذكرناه اه من الروضة بلفظه.\r","part":11,"page":255},{"id":4556,"text":"ومما يؤيد أن الواو استئنافية لا عاطفة ، دلالة الاستقراء في القرآن أنه تعالى إذا نفى عن الخلق شيئاً وأثبته لنفسه ، أنه لا يكون له في ذلك الإثبات شريك كقوله : {قُل لاَّ يَعْلَمُ مَن فِي السماوات والأرض الغيب إِلاَّ الله} [ النمل : 65 ] وقوله : {لاَ يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَآ إِلاَّ هُوَ} [ الأعراف : 187 ]. وقوله : {كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلاَّ وَجْهَهُ} [ القصص : 88 ]. فالمطابق لذلك أن يكون قوله : {ومَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ اللهُ} [ آل عمران : 7 ] معناه : أنه لا يعلمه إلا هو وحده كما قاله الخطابي وقال : لو كانت الواو في قوله : {والراسخون} [ آل عمران : 7 ] للنسق لم يكن لقوله : {كُلٌّ مِّنْ عِنْدِ رَبِّنَا} [ آل عمران : 7 ] فائدة والقول بأن الوقف تام على قوله : {إِلاَّ اللهُ} وأن قوله : {والراسخون} ابتداء كلام هو قول جمهور العلماء للأدلة القرآنية التي ذكرنا.\rوممن قال بذلك عمر ، وابن عباس ، وعائشة ، وعروة بن الزبير ، وعمر بن عبد العزيز ، وابن مسعود ، وأبي بن كعب ، نقله عنهم القرطبي وغيره ونقله ابن جرير عن يونس عن أشهب عن مالك بن أنس وهو مذهب الكسائي والأخفش والفراء وأبي عبيد.\rوقال أبو نهيك الأسدي : غنكم تصلون هذه الآية وإنها مقطوعة وما انتهى علم الراسخين إلا إلى قولهم آمنا به كل من عند ربنا ، والقول بأن الواو عاطفة مروي أيضاً عن ابن عباس وبه قال مجاهد والربيع ومحمد بن جعفر بن الزبير والقاسم بن محمد وغيرهم. وممن انتصر لهذا القول وأطال فيه ابن فورك ونظير الآية في احتمال الاستئناف والعطف قول الشاعر : \rالريح تبكي شجوها... والبرق يلمع في الغمامة\rفيحتمل أن يكون البرق مبتدأ والخبر يلمع كالتأويل الأول ، فيكون مقطوعاً مما قبله ، ويحتمل أن يكون معطوفاً على الريح ، ويلمع في موضع الحال على التأويل الثاني أي : لامعاً.","part":11,"page":256},{"id":4557,"text":"واحتج القائلون بأن الواو عاطفة بأن الله سبحانه وتعالى مدحهم بالرسوخ في العلم فكيف يمدحهم بذلك وهم جهال.\rقال القرطبي : قال شيخنا أبو العباس أحمد بن عمرو : هذا القول هو الصحيح فإن تسميتهم راسخين يقتضي أنهم يعلمون أكثر من المحكم الذي يستوي في علمه جميع من يفهم كلام العرب ، وفي أي شيء هو رسوخهم إذا لم يعلموا إلا ما يعلم الجميع. انتهى منه بلفظه.\rقال مقيده - عفا الله عنه - يجاب عن كلام شيخ القرطبي المذكور بأن رسوخهم في العلم هو السبب الذي جعلهم ينتهون حيث انتهى علمهم ويقولون فيما لم يقفوا على علم حقيقته من كلام الله جل وعلا : {آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِّنْ عِندِ رَبِّنَا} [ آل عمران : 7 ] بخلاف غير الراسخين فإنهم يتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله وهذا ظاهر.\rوممن قال بأن الواو عاطفة الزمخشري في تفسيره الكشاف. والله تعالى أعلم ونسبة العلم إليه أسلم.\rوقال بعض العلماء : والتحقيق في هذا المقام أن الذين قالوا هي عاطفة ، جعلوا معنى التأويل التفسير وفهم المعنى كما قال النَّبي صلى الله عليه وسلم \" اللهم علمه التأويل \" أي : التفسير وفهم معاني القرآن ، والراسخون يفهمون ما خوطبوا به وإن لم يحيطوا علماً بحقائق الأشياء على كنه ما هي عليهز والذين قالوا هي استئنافية جعلوا معنى التأويل حقيقة ما يؤول إليه الأمر وذلك لا يعلمه إلا الله ، وهو تفصيل جيد ولكنه يشكل عليه أمران : الأول قول ابن عباس رضي الله عنهما : \" التفسير على أربعة أنحاء : تفسير : لا يعذر أحد في فهمه ، وتفسير تعرفه العرب من لغاتها ، وتفسير يعلمه العلماء ، وتفسير لا يعلمه إلا الله \". فهذا تصريح من ابن عباس أن هذا الذي لا يعلمه إلا الله بمعنى التفسير لا ما تؤول إليه حقيقة الأمر.\r","part":11,"page":257},{"id":4558,"text":"وقوله هذا ينافي التفصيل المذكور. الثاني : أن الحروف المقطعة في أوائل السور لا يعلم المراد بها إلا الله إذ لم يقم دليل على شيء معين أنه هو المراد بها من كتاب ولا سنة ولا إجماع ولا من لغة العرب. فالجزم بأن معناها كذا على التعيين تحكم بلا دليل.\rتنبيهان\rالأول : اعلم أنه على القول بأن الواو عاطفة فإن إعراب جملة يقولون مستشكل من ثلاث جهات : الأولى أنها حال من المعطوف وهو الراسخون ، دون المعطوف عليه وهو لفظ الجلالة. والمعروف إتيان الحال من المعطوف والمعطوف عليه معاً كقولك : جاء زيد وعمرو راكبين.\rوقوله تعالى : {وَسَخَّر لَكُمُ الشمس والقمر دَآئِبَينَ} [ إبراهيم : 33 ].\rوهذا الإشكال ساقط. لجواز إتيان الحال من المعطوف فقط دون المعطوف عليه ، ومن أمثلته في القرآن قوله تعالى : {وَجَآءَ رَبُّكَ والملك صَفّاً صَفّاً} [ الفجر : 22 ] فقوله صفاً حال من المعطوف وهو الملك ، دون المعطوف عليه وهو لفظة ربك.\rوقوله تعالى : {والذين جَآءُوا مِن بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغفر لَنَا} [ الحشر : 10 ] الآية. فجملة يقولون حال من واو الفاعل في قوله الذين جاءوا ، وهو معطوف على قوله : {لِلْفُقَرَآءِ الْمُهَاجِرِينَ} [ الحشر : 8 ] وقوله : {والذين تَبَوَّءُوا الدار والإيمان} [ الحشر : 9 ] فهو حال من المعطوف دون المعطوف عليه كما بينه ابن كثير وغيره.\r","part":11,"page":258},{"id":4559,"text":"الجهة الثانية : من جهات الإشكال المذكور هي ما ذكره القرطبي عن الخطابي قال عنه : واحتج له بعض أهل اللغة ، فقال معناه والراسخون في العلم يعلمونه قائلين : آمنا ، وزعم أن موضع يقولون نصب على الحال ، وعامة أهل اللغة ينكرونه ويستبعدونه. لأن العرب لا تضمر الفعل والمفعول معاً ولا تذكر حالاً إلا مع ظهور الفعل فإذا لم يظهر فعل فلا يكون حال. ولو جاز ذلك لجاز أن يقال عبد الله راكباً يعني : أقبل عبد الله راكباً ، وإنما يجوز ذلك مع ذكر الفعل كقوله عبد الله يتكلم يصلح بين الناس ، فكان يصلح حالاً له كقول الشاعر أنشدنيه أبو عمر قال : أنشدنا أبو العباس ثعلب : \rأرسلت فيها قطماً لكالكا... يقصر يمشي ويطول باركاً\rأي يقصر ماشياً ، وهذا الإشكال أيضاً ساقط. لأن الفعل العامل في الحال المذكورة غير مضمر. لأنه مذكور في قوله يعلم ولكن الحال من المعطوف دون المعطوف عليه ، كما بينه العلامة الشوكاني في تفسيره وهو واضح.\rالجهة الثالثة : من جهات الإشكال المذكورة هي : أن المعروف في اللغة العربية أن الحال قيد لعاملها ووصف لصاحبها ، فيشكل تقييد هذا العامل الذي هو يعلم بهذه الحال التي هي يقولون آمنا. إذ لا وجه لتقييد علم الراسخين بتأويله بقولهم آمنا به. لأن مفهومه أنهم في حال عدم قولهم آمنا به لا يعلمون تأويله وهو باطل ، وهذا الإشكال قوي وفيه الدلالة على منع الحالية في جملة يقولون على القول بالعطف.\r","part":11,"page":259},{"id":4560,"text":"التنبيه الثاني : إذا كانت جملة يقولون : لا يصح أن تكون حالاً لما ذكرنا فما وجه إعرابها على القول بأن الواو عاطفة ؟ الجواب والله تعالى أعلم أنها معطوفة بحرف محذوف والعطف بالحرف المحذوف ، أجازه ابن مالك وجماعة من علماء العربية. والتحقيق جوازه ، وأنه ليس مختصاً بضرورة الشعر كما زعمه بعض علماء العربية ، والدليل على جوازه وقوعه في القرآن ، وفي كلام العرب. فمن أمثلته في القرآن قوله تعالى : {وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاعِمَةٌ} [ الغاشية : 8 ] الآية. فإنه معطوف بلا شك على قوله تعالى : {وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خَاشِعَةٌ} [ الغاشية : 2 ] بالحرف المحذوف الذي هو الواو ويدل له إثبات الواو في نظيره في قوله تعالى في سورة القيامة : {وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاضِرَةٌ إلى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ بَاسِرَةٌ} [ القيامة : 22-24 ] الآية. وقوله تعالى في عبس : {وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُّسْفِرَةٌ ضَاحِكَةٌ مُّسْتَبْشِرَةٌ وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ عَلَيْهَا غَبَرَةٌ} [ عبس : 38-40 ] الآية.\rوجعل بعض العلماء منه قوله تعالى : {وَلاَ عَلَى الذين إِذَا مَآ أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ} [ التوبة : 92 ] الآية. قال يعني وقلت : بالعطف بواو محذوفة وهو أحد احتمالات ذكرها ابن هشام في المغني ، وجعل بعضهم منه\r{إِنَّ الدِّينَ عِندَ الله الإسلام} [ آل عمران : 19 ] على قراءة فتح همزة إن قال : هو معطوف بحرف محذوف على قوله : {شَهِدَ الله أَنَّهُ لاَ إله إِلاَّ هُوَ} [ آل عمران : 18 ] أي : وشهد أن الدين عند الله الإسلام وهو أحد احتمالات ذكرها صاحب المغني أيضاً ومنه حديث \" تصدق رجل من ديناره من درهمه من صاع بره من صاع تمره \" يعني ومن درهمه ومن صاع إلخ.\rحكاه الأشموني وغيره ، والحديث المذكور أخرجه مسلم والإمام أحمد وأصحاب السنن ومن شواهد حذف حرف العطف قول الشاعر : \r","part":11,"page":260},{"id":4561,"text":"كيف أصبحت كيف أمسيت... مما يغرس الود في فؤاد الكريم\rيعني وكيف أمسيت وقول الحطيئة : \rإن امرأ رهطه بالشام منزله... برمل يبرين جار شد ما اغتربا\rأي : ومنزله برمل يبرين. وقيل : الجملة الثانية صفة ثانية لا معطوفة وعليه فلا شاهد في البيت ، وممن أجاز العطف بالحرف المحذوف الفارسي وابن عصفور خلافاً لابن جني والسهيلي.\rولا شك أن في القرآن أشياء لا يعلمها إلا الله كحقيقة الروح. لأن الله تعالى يقول : {وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الروح قُلِ الروح مِنْ أَمْرِ رَبِّي} [ الإسراء : 85 ] الآية وكمفاتح الغيب التي نص على أنها لا يعلمها إلا هو بقوله : {وَعِندَهُ مَفَاتِحُ الغيب} [ الأنعام : 59 ] الآية.\rوقد ثبت عن النَّبي صلى الله عليه وسلم ، أنها الخمس المذكورة في قوله تعالى : {إِنَّ الله عِندَهُ عِلْمُ الساعة وَيُنَزِّلُ الغيث} [ لقمان : 34 ] الآية. وكالحروف المقطعة في أوائل السور وكنعيم الجنة لقوله تعالى : {فَلاَ تَعْلَمُ نَفْسٌ مَّآ أُخْفِيَ لَهُم مِّن قُرَّةِ أَعْيُنٍ} [ السجدة : 17 ] الآية. وفيه أشياء يعلمها الراسخون في العلم دون غيرهم كقوله تعالى : {فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ عَمَّا كَانُواْ يَعْمَلُونَ} [ الحجر : 92-93 ] وقوله : {فَلَنَسْأَلَنَّ الذين أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ وَلَنَسْأَلَنَّ المرسلين} [ الأعراف : 6 ] مع قوله : {فَيَوْمَئِذٍ لاَّ يُسْأَلُ عَن ذَنبِهِ إِنسٌ وَلاَ جَآنٌّ} [ الرحمن : 39 ] وقوله : {وَلاَ يُسْأَلُ عَن ذُنُوبِهِمُ المجرمون} [ القصص : 78 ] وكقوله : {وَرُوحٌ مِّنْهُ} [ النساء : 171 ] والرسوخ الثبوت. ومنه قول الشاعر : \rلقد رسخت في القلب مني مودة... لليلى أبت آياتها أن تغيرا. أ هـ {أضواء البيان حـ 1 صـ 214 ـ 220}\rفائدة\rقال السعدى فى معنى الآية : ","part":11,"page":261},{"id":4562,"text":"القرآن العظيم كله محكم كما قال تعالى {كتاب أحكمت آياته ثم فصلت من لدن حكيم خبير} فهو مشتمل على غاية الإتقان والإحكام والعدل والإحسان {ومن أحسن من الله حكما لقوم يوقنون} وكله متشابه في الحسن والبلاغة وتصديق بعضه لبعضه ومطابقته لفظا ومعنى ، وأما الإحكام والتشابه المذكور في هذه الآية فإن القرآن كما ذكره الله {منه آيات محكمات} أي : واضحات الدلالة ، ليس فيها شبهة ولا إشكال {هن أم الكتاب} أي : أصله الذي يرجع إليه كل متشابه ، وهي معظمه وأكثره ، {و} منه آيات {أخر متشابهات} أي : يلتبس معناها على كثير من الأذهان : لكون دلالتها مجملة ، أو يتبادر إلى بعض الأفهام غير المراد منها ، فالحاصل أن منها آيات بينة واضحة لكل أحد ، وهي الأكثر التي يرجع إليها ، ومنه آيات تشكل على بعض الناس ، فالواجب في هذا أن يرد المتشابه إلى المحكم والخفي إلى الجلي ، فبهذه الطريق يصدق بعضه بعضا ولا يحصل فيه مناقضة ولا معارضة ، ولكن الناس انقسموا إلى فرقتين {فأما الذين في قلوبهم زيغ} أي : ميل عن الاستقامة بأن فسدت مقاصدهم ، وصار قصدهم الغي والضلال وانحرفت قلوبهم عن طريق الهدى والرشاد {فيتبعون ما تشابه منه} أي : يتركون المحكم الواضح ويذهبون إلى المتشابه ، ويعكسون الأمر فيحملون المحكم على المتشابه {ابتغاء الفتنة} لمن يدعونهم لقولهم ، فإن المتشابه تحصل به الفتنة بسبب الاشتباه الواقع فيه ، وإلا فالمحكم الصريح ليس محلا للفتنة ، لوضوح الحق فيه لمن قصده اتباعه ، وقوله {وابتغاء تأويله وما يعلم تأويله إلا الله} للمفسرين في الوقوف على {الله} من قوله {وما يعلم تأويله إلا الله} قولان ، جمهورهم يقفون عندها ، وبعضهم يعطف عليها {والراسخون في العلم} وذلك كله محتمل ، فإن التأويل إن أريد به علم حقيقة الشيء وكنهه كان الصواب الوقوف على {إلا الله} لأن المتشابه الذي استأثر الله بعلم كنهه وحقيقته ، نحو حقائق صفات الله وكيفيتها ، وحقائق","part":11,"page":262},{"id":4563,"text":"أوصاف ما يكون في اليوم الآخر ونحو ذلك ، فهذه لا يعلمها إلا الله ، ولا يجوز التعرض للوقوف عليها ، لأنه تعرض لما لا يمكن معرفته ، كما سئل الإمام مالك رحمه الله عن قوله {الرحمن على العرش [استوى ]} فقال السائل : كيف استوى ؟ فقال مالك : الاستواء معلوم ، والكيف مجهول ، والإيمان به واجب ، والسؤال عنه بدعة ، فهكذا يقال في سائر الصفات لمن سأل عن كيفيتها أن يقال كما قال الإمام مالك ، تلك الصفة معلومة ، وكيفيتها مجهولة ، والإيمان بها واجب ، والسؤال عنها بدعة ، وقد أخبرنا الله بها ولم يخبرنا بكيفيتها ، فيجب علينا الوقوف على ما حد لنا ، فأهل الزيغ يتبعون هذه الأمور المشتبهات تعرضا لما لا يعني ، وتكلفا لما لا سبيل لهم إلى علمه ، لأنه لا يعلمها إلا الله ، وأما الراسخون في العلم فيؤمنون بها ويكلون المعنى إلى الله فيسلمون ويسلمون ، وإن أريد بالتأويل التفسير والكشف والإيضاح ، كان الصواب عطف {الراسخون} على {الله} فيكون الله قد أخبر أن تفسير المتشابه ورده إلى المحكم وإزالة ما فيه من الشبهة لا يعلمها إلا هو تعالى والراسخون في العلم يعلمون أيضا ، فيؤمنون بها ويردونها للمحكم ويقولون {كل} من المحكم والمتشابه {من عند ربنا} وما كان من عنده فليس فيه تعارض ولا تناقض بل هو متفق يصدق بعضه بعضا ويشهد بعضه لبعض وفيه تنبيه على الأصل الكبير ، وهو أنهم إذا علموا أن جميعه من عند الله ، وأشكل عليهم مجمل المتشابه ، علموا يقينا أنه مردود إلى المحكم ، وإن لم يفهموا وجه ذلك. ولما رغب تعالى في التسليم والإيمان بأحكامه وزجر عن اتباع المتشابه قال {وما يذكر} أي : يتعظ بمواعظ الله ويقبل نصحه وتعليمه إلا {أولوا الألباب} أي : أهل العقول الرزينة لب العالم وخلاصة بني آدم يصل التذكير إلى عقولهم ، فيتذكرون ما ينفعهم فيفعلونه ، وما يضرهم فيتركونه ، وأما من عداهم فهم القشور الذي لا حاصل له ولا نتيجة تحته ، لا ينفعهم الزجر والتذكير لخلوهم من","part":11,"page":263},{"id":4564,"text":"العقول النافعة. أ هـ {تفسير السعدى صـ 122}\rفصل\rقال ابن عاشور : \rوقد أشارت الآية : إلى أن آيات القرآن صنفان : محكمات وأضدادها ، التي سميت متشابهات ، ثم بين أن المحكمات هي أم الكتاب ، فعلمنا أن المتشابهات هي أضداد المحكمات ، ثم أعقب ذلك بقوله {فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ} [آل عمران : 7] أي تأويله الذي لا قبل لأمثالهم به فعلمنا أن المتشابهات هي التي لم يتضح المقصود من معانيها ، فعلمنا أن صفة المحكمات ، والمتشابهات ، راجعة إلى ألفاظ الآيات.\rووصف المحكمات بأنها أم الكتاب فاحتمل أن يكون المراد من الأم الأصل ، المرجع ، وهما متقاربان : أي هن أصل القرآن أو مرجعه ، وليس يناسب هذين المعنيين إلا دلالة القرآن ؛ إذ القرآن أنزل للإرشاد والهدي ، فالمحكمات هي أصول الاعتقاد والتشريع ، والآداب والمواعظ ، وكانت أصولا لذلك : باتضاح دلالتها ، بحيث تدل على معان لا تحتمل غيرها أو تحتمله احتمالا ضعيفا غير معتد به ، وذلك كقوله : {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ} [التورات : 11] {لا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ} [الأنبياء : 23] {يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ} [البقرة : 185] {وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الْفَسَادَ} [البقرة : 205] {وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى} [النازعات : 40-41]. وباتضاح معانيها بحيث تتناولها أفهام معظم المخاطبين بها وتتأهل لفهمها فهي أصل القرآن المرجوع إليه في حمل معاني غيرها عليها للبيان أو التفريع.","part":11,"page":264},{"id":4565,"text":"والمتشابهات مقابل المحكمات ، فهي التي دلت على معان تشابهت في أن يكون كل منها هو المراد. ومعنى تشابهها : أنها تشابهت في صحة القصد إليها ، أي لم يكن بعضها أرجح من بعض ، أو يكون معناها صادقا بصور كثيرة متناقضة أو غير مناسبة لأن تكون مرادا ، فلا يتبين الغرض منها ، فهذا وجه تفسير الآية فيما أرى.\rوقد اختلف علماء الإسلام في تعيين المقصود من المحكمات والمتشابهات على أقوال : مرجعها إلى تعيين مقدار الوضوح والخفاء. فعن ابن عباس : أن المحكم مالا تختلف فيه الشرائع كتوحيد الله تعالى ، وتحريم الفواحش ، وذلك ما تضمنته الآيات الثلاث من أواخر سورة الأنعام {قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ} [الأنعام : 151] والآيات من سورة الإسراء {وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ} [الإسراء : 23] ، وأن المتشابه المجملات التي لم تبين كحروف أوائل السور.\rوعن ابن مسعود ، وابن عباس أيضا : أن المحكم ما لم ينسخ والمتشابه المنسوخ وهذا بعيد عن أن يكون مرادا هنا لعدم مناسبته للوصفين ولا لبقية الآية.\rوعن الأصم : المحكم ما اتضح دليله ، والمتشابه ما يحتاج إلى التدبر ، وذلك كقوله تعالى : {وَالَّذِي نَزَّلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً بِقَدَرٍ فَأَنْشَرْنَا بِهِ بَلْدَةً مَيْتاً كَذَلِكَ تُخْرَجُونَ} [الزخرف : 11] فأولها محكم وآخرها متشابه.\rوللجمهور مذهبان : أولهما أن المحكم ما اتضحت دلالته ، والمتشابه ما استأثر الله بعلمه ، ونسب هذا القول لمالك ، في رواية أشهب ، من جامع العتبية ، ونسبه الخفاجي إلى الحنفيه وإليه مال الشاطبي في الموافقات.\r","part":11,"page":265},{"id":4566,"text":"وثانيهما أن المحكم الواضح الدلالة ، والمتشابه الخفيها ، وإليه مال الفخر : فالنص والظاهر هما المحكم ، لاتضاح دلالتهما ، وإن كان أحدهما أي الظاهر يتطرقه احتمال ضعيف ، والمجمل والمؤول هما المتشابه ، لاشتراكهما في خفاء الدلالة وإن كان أحدهما : أي المؤول دالا على معنى مرجوح ، يقابله معنى راجح ، والمجمل دالا على معنى مرجوح يقابله مرجوح آخر ، ونسبت هذه الطريقة إلى الشافعية.\rقال الشاطبي : فالتشابه : حقيقي ، وإضافي ، فالحقيقي : ما لا سبيل إلى فهم معناه ، وهو المراد من الآية ، والإضافي : ما اشتبه معناه ، لاحتياجه إلى مراعاة دليل آخر. فإذا تقصى المجتهد أدلة الشريعة وجد فيها ما يبين معناه ، والتشابه بالمعنى الحقيقي قليل جدا في الشريعة وبالمعنى الإضافي كثير.\rوقد دلت هذه الآية على أن من القرآن محكما ومتشابها ، ودلت آيات أخر على أن القرآن كله محكم ، قال تعالى {كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ} [هود : 1] وقال {تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْحَكِيمِ} [يونس : 1] والمراد أنه أحكم وأتقن في بلاغته ، كما دلت آيات على أن القرآن كله متشابه ، قال تعالى {اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَاباً مُتَشَابِهاً} [الزمر : 23] والمعنى أنه تشابه في الحسن والبلاغة والحقية ، وهو معنى ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا فلا تعارض بين هذه الآيات : لاختلاف المراد بالإحكام والتشابه في مواضعها ، بحسب ما تقتضيه المقامات.\r","part":11,"page":266},{"id":4567,"text":"وسبب وقوع المتشابهات في القرآن : هو كونه دعوة ، وموعظة ، وتعليما ، وتشريعا باقيا ، ومعجزة ، وخوطب به قوم لم يسبق لهم عهد بالتعليم والتشريع ، فجاء على أسلوب مناسب لجمع هذه الأمور ، بحسب حال المخاطبين الذين لم يعتادوا الأساليب التدريسية ، أو الأمالي العلمية ، وإنما كانت هجيراهم الخطابة والمقاولة ، فأسلوب المواعظ والدعوة قريب من أسلوب الخطابة ، وهو لذلك لا يأتي على أساليب الكتب المؤلفة للعلم ، أو القوانين الموضوعة للتشريع ، فأودعت العلوم المقصودة منه في تضاعيف الموعظة والدعوة ، وكذلك أودع فيه التشريع ، فلا تجد أحكام نوع من المعاملات ، كالبيع ، متصلا بعضها ببعض ، بل تلفيه موزعا على حسب ما اقتضته مقامات الموعظة والدعوة ، ليخف تلقيه على السامعين ، ويعتادوا علم ما لم يألفوه في أسلوب قد ألفوه فكانت متفرقة يضم بعضها إلى بعض بالتدبر. ثم إن إلقاء تلك الأحكام كان في زمن طويل ، يزيد على عشرين سنة ، ألقي إليهم فيها من الأحكام بمقدار ما دعت إليه حاجتهم ، وتحملته مقدرتهم ، على أن بعض تشريعه أصول لا تتغير ، وبعضه فروع تختلف باختلاف أحوالهم ، فلذلك تجد بعضها عاما ، أو مطلقا ، أو مجملا ، وبعضها خاصا ، أو مقيدا ، أو مبينا ، فإذا كان بعض المجتهدين يرى تخصيص عموم بعض عموماته بخصوص بعض الخصوصيات مثلا ، فلعل بعضا منهم لا يتمسك إلا بعمومه ، حينئذ ، كالذي يرى الخاص والوارد بعد العام ناسخا ، فيحتاج إلى تعيين التاريخ ، ثم إن العلوم التي تعرض لها القرآن هي من العلوم العليا : وهي علوم فيما بعد الطبيعة ، وعلوم مراتب النفوس ، وعلوم النظام العمراني ، والحكمة ، وعلوم الحقوق. وفي ضيق اللغة الموضوعة عن الإيفاء بغايات المرادات في هاته العلوم ، وقصور حالة استعداد أفهام عموم المخاطبين لها ، ما أوجب تشابها في مدلولات الآيات الدالة عليها. وإعجاز القرآن : منه إعجاز نظمي ومنه إعجاز علمي ، وهو فن جليل من الإعجاز بينته في المقدمة العاشرة من مقدمات هذا التفسير.","part":11,"page":267},{"id":4568,"text":"فلما تعرض القرآن إلى بعض دلائل الأكوان وخصائصها ، فيما تعرض إليه ، جاء به محكيا بعبارة تصلح لحكاية حالته على ما هو في نفس الأمر ، وربما إدراك كنه حالته في نفس الأمر مجهولا لأقوام ، فيعدون تلك الآي الدالة عليه من المتشابه فإذا جاء من بعدهم علموا أن ما عده الذين قبلهم متشابها ما هو إلا محكم.\rعلى أن من مقاصد القرآن أمرين آخرين : \rأحدهما كونه شريعة دائمة ، وذلك يقتضي فتح أبواب عباراته لمختلف استنباط المستنبطين ، حتى تؤخذ منه أحكام الأولين والآخرين ، وثانيهما تعويد حملة هذه الشريعة ، وعلماء هذه الأمة ، بالتنقيب ، والبحث ، واستخراج المقاصد من عويصات الأدلة ، حتى تكون طبقات علماء الأمة صالحة في كل زمان لفهم تشريع الشارع ومقصده من التشريع ، فيكونوا قادرين على استنباط الأحكام التشريعية ، ولو صيغ لهم التشريع في أسلوب سهل التناول لاعتادوا العكوف على ما بين أنظارهم في المطالعة الواحدة. من أجل هذا كانت صلوحية عباراته لاختلاف منازع المجتهدين ، قائمة مقام تلاحق المؤلفين في تدوين كتب العلوم ، تبعا لاختلاف مراتب العصور.\rفإذا علمت هذا علمت أصل السبب في وجود ما يسمى بالمتشابه في القرآن. وبقي أن نذكر لك مراتب التشابه وتفاوت أسبابها. وأنها فيما انتهى إليه استقراؤنا الآن عشر مراتب : \rأولاها : معان قصد إيداعها في القرآن ، وقصد إجمالها : إما لعدم قابلية البشر لفهمها ، ولو في الجملة ، إن قلنا بوجود المجمل ، الذي أستأثر الله بعلمه ، على ما سيأتي ، ونحن لا نختاره ، وإما لعدم قابليتهم لكنه فهمها ، فألقيت إليهم على وجه الجملة أو لعدم قابلية بعضهم في عصر ، أوجهة ، لفهمها بالكنه ومن هذا أحوال القيامة ، وبعض شؤون الربوبية كالإتيان في ظلل من الغمام ، والرؤية ، والكلام ، ونحو ذلك.\r","part":11,"page":268},{"id":4569,"text":"وثانيتها : معان قصد إشعار المسلمين بها ، وتعين إجمالها ، مع إمكان حملها على معان معلومة ، لكن بتأويلات : كحروف أوائل السور ، ونحو {الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى} [طه : 5] {ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ} [البقرة : 29]1.\rثالثتها : معان عالية ضاقت عن إيفاء كنهها اللغة الموضوعة لأقصى ما هو متعارف أهلها ، فعبر عن تلك المعاني بأقصى ما يقرب معانيها إلى الأفهام ، وهذا مثل أكثر صفات الله نحو الرحمان ، الرؤوف ، المتكبر ، نور السماوات والأرض.\rرابعتها : معان قصرت عنها الأفهام في بعض أحوال العصور ، وأودعت في القرآن ليكون وجودها معجزة قرآنية عند أهل العلم في عصور قد يضعف فيها إدراك الإعجاز النظمي ، نحو قوله {وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا} [يس : 38] {وَأَرْسَلْنَا الرِّيَاحَ لَوَاقِحَ} [الحجر : 22] {يُكَوِّرُ اللَّيْلَ عَلَى النَّهَارِ} [الزمر : 5] {وَتَرَى الْجِبَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ} [النمل : 88] {تَنْبُتُ بِالدُّهْنِ} [المؤمنون : 20] {زَيْتُونَةٍ لا شَرْقِيَّةٍ وَلا غَرْبِيَّةٍ} [النور : 35] {وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ} [هود : 7] {ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ} [فصلت : 11] وذكر سد يأجوج ومأجوج2.\rخامستها : مجازات وكنايات مستعملة في لغة العرب ، إلا أن ظاهرها أوهم معاني لا يليق الحمل عليها في جانب الله تعالى : لإشعارها بصفات تخالف كمال الإلهية ، وتوقف فريق في محملها تنزيها ، نحو {فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا} [الطور : 48] {وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ} [الذاريات : 47] {وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ} [الرحمن : 27]3.\r","part":11,"page":269},{"id":4570,"text":"وسادستها : ألفاظ من لغات العرب لم تعرف لدى الذين نزل القرآن بينهم : قريش والأنصار مثل {وَفَاكِهَةً وَأَبّاً} [عبس : 31] ومثل {أَوْ يَأْخُذَهُمْ عَلَى تَخَوُّفٍ} [النحل : 47]1 {إِنَّ إبراهيم لَأَوَّاهٌ حَلِيمٌ} [التوبة : 114] {وَلا طَعَامٌ إِلَّا مِنْ غِسْلِينٍ} [الحاقة : 36]2.\rسابعتها : مصطلحات شرعية لم يكن للعرب علم بخصوصها ، فما اشتهر منها بين المسلمين معناه ، صار حقيقة عرفية : كالتيمم ، والزكاة ، وما لم يشتهر بقي فيه إجمال : كالربا قال عمر نزلت آيات الربا في آخر ما أنزل فتوفي رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يبينها وقد تقدم في سورة البقرة.\rثامنتها : أساليب عربية خفيت على أقوام فظنوا الكلام بها متشابها ، وهذا مثل زيادة الكاف في قوله تعالى {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ} [الشورى : 11] ومثل المشاكلة في قوله {يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ} [النساء : 142] فيعلم أن إسناد خادع إلى ضمير الجلالة إسناد بمعنى مجازي اقتضته المشاكلة.\rوتاسعتها : آيات جاءت على عادات العرب ، ففهمها المخاطبون ، وجاء من بعدهم فلم يفهموها ، فظنوها من المتشابه ، مثل قوله {فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا} [البقرة : 158] ، في الموطإ قال ابن الزبير قلت لعائشة وكنت يومئذ حدثا لم أتفقه لأرى بأسا على أحد إلا يطوف بالصفا والمروة فقالت له : ليس كما قلت إنما كان الأنصار يهلون لمناة الطاغية الخ. ومنه {عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتَانُونَ أَنْفُسَكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ} [البقرة : 187] {لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا إِذَا مَا اتَّقَوْا وَآمَنُوا} [المائدة : 93] الآية فإن المراد فيما شربوا من الخمر قبل تحريمها.","part":11,"page":270},{"id":4571,"text":"عاشرتها : أفهام ضعيفة عدت كثيرا من المتشابه وما هو منه ، وذلك أفهام الباطنية ، وأفهام المشبه ، كقوله تعالى {يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ} [القلم : 42].\rوليس من المتشابه ما صرح فيه بأنا لا نصل إلى علمه كقوله {قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي} [الإسراء : 85] ولا ما صرح فيه بجهل وقته كقوله {لا تَأْتِيكُمْ إِلَّا بَغْتَةً} الأعراف : 187].\rوليس من المتشابه ما دل على معنى يعارض الحمل عليه دليل آخر ، منفصل عنه ؛ لأن ذلك يرجع إلى قاعدة الجمع بين الدليلين المتعارضين ، أو ترجيح أحدهما على الآخر ، مثل قوله تعالى خطابا لإبليس {وَاسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنْهُمْ بِصَوْتِكَ} [الإسراء : 64] الآية في سورة الإسراء مع ما في الآيات المقتضية {فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنْكُمْ وَلا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ} [الزمر : 7] {وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الْفَسَادَ} [البقرة : 205].\rوقد علمتم من هذا أن ملاك التشابه هو عدم التواطؤ بين المعاني واللغة : إما لضيقها عن المعاني ، وإما لضيق الأفهام عن استعمال اللغة في المعنى ، وإما لتناسي بعض اللغة ، فيتبين لك أن الإحكام والتشابه : صفتان للألفاظ ، باعتبار فهم المعاني.\rوإنما أخبر عن ضمير آيات محكمات ، وهو ضمير جمع ، باسم مفرد ليس دالا على أجزاء وهو {أَمْ} ، لأن المراد أن صنف الآيات المحكمات يتنزل من الكتاب منزلة أمه أي أصله ومرجعه الذي يرجع إليه في فهم الكتاب ومقاصده. والمعنى : هن كأم للكتاب. ويعلم منه أن كل آية من المحكمات أم للكتاب في ما تتضمنه من المعنى. وهذا كقول النابغة يذكر بني أسد : \rفهم درعي التي استلأمت فيها\rأي مجموعهم كالدرع لي ، ويعلم منه أنه كل أحد من بني أسد بمنزلة حلقة من حلق الدرع. ومن هذا المعنى قوله تعالى {وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَاماً} [الفرقان : 74]. أ هـ {التحرير والتنوير حـ 3 صـ 15 ـ 21}","part":11,"page":271},{"id":4572,"text":"فائدة\rقال الشوكانى : \rاعلم أن هذا الاضطراب الواقع في مقالات أهل العلم أعظم أسبابه اختلاف أقوالهم في تحقيق معنى المحكم ، والمتشابه ؛ وقد قدّمنا لك ما هو الصواب في تحقيقهما ، ونزيدك ها هنا إيضاحاً ، وبياناً ، فنقول : إن من جملة ما يصدق عليه تفسير المتشابه الذي قدّمناه فواتح السور ، فإنها غير متضحة المعنى ، ولا ظاهرة الدلالة ، لا بالنسبة إلى أنفسها ؛ لأنه لا يدري من يعلم بلغة العرب ، ويعرف عرف الشرع ما معنى الم ، المر ، حم ، طس ، طسم ونحوها ؛ لأنه لا يجد بيانها في شيء من كلام العرب ، ولا من كلام الشرع ، فهي غير متضحة المعنى ، لا باعتبارها نفسها ، ولا باعتبار أمر آخر يفسرها ، ويوضحها ، ومثل ذلك الألفاظ المنقولة عن لغة العجم ، والألفاظ الغريبة التي لا يوجد في لغة العرب ، ولا في عرف الشرع ما يوضحها ، وهكذا ما استأثر الله بعلمه كالروح ، وما في قوله : {إِنَّ الله عِندَهُ عِلْمُ الساعة} إلى الآخر الآية [ لقمان : 34 ] ، ونحو ذلك ، وهكذا ما كانت دلالته غير ظاهرة لا باعتبار نفسه ، ولا باعتبار غيره ، كورود الشيء محتملاً لأمرين احتمالاً لا يترجح أحدهما على الآخر باعتبار ذلك الشيء في نفسه ، وذلك كالألفاظ المشتركة مع عدم ورود ما يبين المراد من معنى ذلك المشترك من الأمور الخارجة ، وكذلك ورود دليلين متعارضين تعارضاً كلياً بحيث لا يمكن ترجيح أحدهما على الآخر ، لا باعتبار نفسه ، ولا باعتبار أمر آخر يرجحه.","part":11,"page":272},{"id":4573,"text":"وأما ما كان واضح المعنى باعتبار نفسه بأن يكون معروفاً في لغة العرب ، أو في عرف الشرع ، أو باعتبار غيره ، وذلك كالأمور المجملة التي ورد بيانها في موضع آخر من الكتاب العزيز ، أو في السنة المطهرة ، أو الأمور التي تعارضت دلالتها ، ثم ورد ما يبين راجحها من مرجوحها في موضع آخر من الكتاب ، أو السنة ، أو سائر المرجحات المعروفة عند أهل الأصول المقبولة عند أهل الإنصاف ، فلا شك ، ولا ريب أن هذه من المحكم لا من المتشابه ، ومن زعم أنها من المتشابه ، فقد اشتبه عليه الصواب ، فاشدد يديك على هذا فإنك تنجو به من مضايق ، ومزالق وقعت للناس في هذا المقام حتى صارت كل طائفة تسمى ما دل لما ذهب إليه محكماً ، وما دل على ما يذهب إليه من يخالفها متشابهاً : سيما أهل علم الكلام ، ومن أنكر هذا ، فعليه بمؤلفاتهم.\rواعلم أنه قد ورد في الكتاب العزيز ما يدل على أنه جميعه محكم ، ولكن لا بهذا المعنى الوارد في هذه الآية بل بمعنى آخر ، ومن ذلك قوله تعالى : {كِتَابٌ أُحْكِمَتْ ءاياته} [ هود : 1 ] وقوله : {تِلْكَ ءايات الكتاب الحكيم} [ يونس : 1 ] والمراد بالمحكم بهذا المعنى : أنه صحيح الألفاظ قويم المعاني فائق في البلاغة ، والفصاحة على كل كلام.\rوورد أيضاً ما يدل على أنه جميعه متشابه لكن لا بهذا المعنى الوارد في هذه الآية التي نحن بصدد تفسيرها بل بمعنى آخر ، ومنه قوله تعالى : {كتابا متشابها} [ الزمر : 23 ] والمراد بالمتشابه بهذا المعنى : أنه يشبه بعضه بعضاً في الصحة ، والفصاحة ، والحسن ، والبلاغة. أ هـ {فتح القدير حـ 1 صـ 317}","part":11,"page":273},{"id":4574,"text":"فائدة\rقال الكرمى : \rوجمهور أهل السنة منهم السلف وأهل الحديث على الإيمان بها وتفويض معناها المراد منها إلى الله تعالى ولا نفسرها مع تنزيهنا له عن حقيقتها\rقال وذهبت طائفة من أهل السنة إلى أنا نؤولها على ما يليق بجلاله تعالى وهذا مذهب الخلف\rقال وكان إمام الحرمين يذهب إليه ثم رجع عنه فقال في الرسالة النظامية الذي نرتضيه رأيا وندين الله تعالى به عقدا هو اتباع سلف الأمة فإنهم درجوا على ترك التعرض لمعانيها ودرك ما فيها وهم صفوة الإسلام وكانوا لا يألون جهدا في ضبط قواعد الملة والتواصي بحفظها وتعليم الناس ما يحتاجون إليه منها فلو كان تأويل هذه الظواهر سائغا لأوشك أن يكون اهتمامهم بها فوق اهتمامهم بفروع الشريعة فإذا انصرم عصرهم وعصر التابعين على الإضراب عن التأويل كان ذلك هو الوجه المتبع فحق على ذي الدين أن يعتقد تنزيه الباري عن صفات المحدثين ولا يخوض في تأويل المشكلات ويكل معناها إلى الرب\rوقال الإمام ابن الصلاح وعلى هذه الطريقة مضى صدر الأمة وساداتها وإياها اختار أئمة الفقهاء وقاداتها وإليها دعا أئمة الحديث وأعلامه ولا أحد من المتكلمين من أصحابنا يصدف عنها ويأباها انتهى\rقلت وهذا القول هو الحق وأسلم الطرق فإنك تجد كل فريق من المتأولين يخطئ الأخر ويرد كلامه ويقيم البرهان على صحة قوله ويعتقد أنه هو المصيب وأن غيره هو المخطئ ومن طالع كلام طوائف المتكلمين والمتصوفين علم ذلك علم اليقين ... الناس شتى وآراء مفرقة ... كل يرى الحق فيما قال واعتقدا قال أصحابنا أسلم الطرق التسليم فما سلم دين من لم يسلم لله ورسوله ويرد علم ما اشتبه إلى عالمه ومن أراد علم ما يمتنع علمه ولم يقنع بالتسليم فهمه حجبه مرامه عن خالص التوحيد وصافي المعرفة والإيمان والتعمق في الفكر ذريعة الخذلان وسلم الحرمان والإسراف في الجدال يوجب عداوة الرجال. أ هـ {أقاويل الثقات صـ 65 ـ 67}","part":11,"page":274},{"id":4575,"text":"فائدة جليلة\rقال ابن عاشور : \r{وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ} انبنى اختلاف بين علماء الأمة في تأويل ما كان متشابها : من آيات القرآن ، ومن صحاح الأخبار ، عن النبي صلى الله عليه وسلم.\rفكان رأي فريق منهم الإيمان بها ، على إبهامها وإجمالها ، وتفويض العلم بكنه المراد منها إلى الله تعالى ، وهذه طريقة سلف علمائنا ، قبل ظهور شكوك الملحدين أو المتعلمين ، وذلك في عصر الصحابة والتابعين وبعض عصر تابعيهم ، ويعبر عنها بطريقة السلف ، ويقولون : طريقة السلف أسلم ، أي أشد سلامة لهم من أن يتأولوا تأويلات لا يدرى مدى ما تفضي إليه من أمور لا تليق بجلال الله تعالى ولا تتسق مع ما شرعه للناس من الشرائع ، مع ما رأوا من اقتناع أهل عصرهم بطريقتهم ، وانصرافهم عن التعمق في طلب التأويل.\rوكان رأي جمهور من جاء بعد عصر السلف تأويلها بمعان من طرائق استعمال الكلام العربي البليغ من مجاز ، واستعارة ، وتمثيل ، مع وجود الداعي إلى التأويل ، وهو تعطش العلماء الذين اعتادوا التفكر والنظر وفهم الجمع بين أدلة القرآن والسنة ، ويعبر عن هذه الطريقة بطريقة الخلف ، ويقولون : طريقة الخلف أعلم ، أي أنسب بقواعد العلم وأقوى في تحصيل العلم لجدال الملحدين ، والمقنع لمن يتطلبون الحقائق من المتعلمين ، قد يصفونها بأنها أحكم أي أشد إحكاما ؛ لأنها تقنع أصحاب الأغراض كلهم. وقد وقع هذان الوصفان في كلام المفسرين وعلماء الأصول ، ولم اقف على تعيين أول من صدر\rعنه ، وقد تعرض الشيخ ابن تيمية في \"العقيدة الحموية\" إلى رد هذين الوصفين ولم ينسبهما إلى قائل. والموصوف بأسلم وبأعلم الطريقة لا أهلها ؛ فإن أهل الطريقتين من أئمة العلم ، وممن سلموا في دينهم من الفتن.","part":11,"page":275},{"id":4576,"text":"وليس في وصف هذه الطريقة ، بأنها أعلم أو أحكم ، غضاضة من الطريقة الأولى ؛ لأن العصور الذين درجوا على الطريقة الأولى ، فيهم من لا تخفى عليهم محاملها بسبب ذوقهم العربي ، وهديهم النبوي ، وفيهم من لا يعير البحث عنها جانبا من همته ، مثل سائر العامة. فلا جرم كان طي البحث عن تفصيلها أسلم للعموم ، وكان تفصيلها بعد ذلك أعلم لمن جاء بعدهم ، بحيث لو لم يؤولوها به لأوسعوا ، للمتطلعين إلى بيانها ، مجالا للشك أو الإلحاد. أو ضيق الصدر في الاعتقاد.\rواعلم أن التأويل منه ما هو واضح بين ، فصرف اللفظ المتشابه عن ظاهره إلى ذلك التأويل يعادل حمل اللفظ على أحد معنييه المشهورين لأجل كثرة استعمال اللفظ في المعنى غير الظاهر منه. فهذا القسم من التأويل حقيق بألا يسمى تأويلا ، وليس أحد محمليه بأقوى من الآخر إلا أن أحدهما أسبق في الوضع من الآخر ، والمحملان متساويان في الاستعمال وليس سبق إطلاق اللفظ على أحد المعنيين بمقتض ترجيح ذلك المعنى ، فكم من إطلاق مجازي للفظ هو أسبق إلى الإفهام من إطلاقه الحقيقي. وليس قولهم في علم الأصول بأن الحقيقة أرجح من المجاز بمقبول على عمومه.\rوتسمية هذا النوع بالمتشابه ليست مرادة في الآية. وعده من المتشابه جمود.\rومن التأويل ما ظاهر معنى اللفظ فيه أشهر من معنى تأويله ولكن القرائن أو الأدلة أوجبت صرف اللفظ عن ظاهر معناه فهذا حقيق بأن يعد من المتشابه.\rثم إن تأويل اللفظ في مثله يتيسر بمعنى مستقيم يغلب على الظن أنه المراد إذا جرى حمل اللفظ على ما هو من مستعملاته في الكلام البليغ مثل الأيدي والأعين في قوله : {بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ} [الذاريات : 47] وقوله : {فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا} [الطور : 48] فمن أخذوا من مثله أن لله أعينا لا يعرف كنهها ، أو له يدا ليست كأيدينا ، فقد زادوا في قوة الاشتباه.\r","part":11,"page":276},{"id":4577,"text":"ومنه ما يعبر تأويله احتمالا وتجويزا بأن يكون الصرف عن الظاهر متعينا وأما حمله على ما أولوه به فعلى وجه الاحتمال والمثال ، وهذا مثل قوله تعالى : {الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى} [طه : 5] وقوله : {هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ} [البقرة : 210] فمثل ذلك مقطوع بوجوب تأويله ولا يدعي أحد أن ما أوله به المراد منه ولكنه وجه تابع لإمكان التأويل ، وهذا النوع أشد مواقع التشابه والتأويل.\rوقد استبان لك من هذه التأويلات : أن نظم الآية جاء على أبلغ ما يعبر به في مقام يسع طائفتين من علماء الإسلام في مختلف العصور. أ هـ {التحرير والتنوير حـ 3 صـ 26 ـ 28}","part":11,"page":277},{"id":4578,"text":"فائدة\rقال شيخ الإسلام ابن تيمية : \rالْمُحْكَمُ فِي الْقُرْآنِ تَارَةً يُقَابَلُ بِالْمُتَشَابِهِ وَالْجَمِيعُ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ وَتَارَةً يُقَابَلُ بِمَا نَسَخَهُ اللَّهُ مِمَّا أَلْقَاهُ الشَّيْطَانُ. وَمِنْ النَّاسِ مَنْ يَجْعَلُهُ مُقَابِلًا لِمَا نَسَخَهُ اللَّهُ مُطْلَقًا حَتَّى يَقُولَ : هَذِهِ الْآيَةُ مُحْكَمَةٌ لَيْسَتْ مَنْسُوخَةً وَيَجْعَلُ الْمَنْسُوخَ لَيْسَ مُحْكَمًا وَإِنْ كَانَ اللَّهُ أَنْزَلَهُ أَوَّلًا اتِّبَاعًا لِظَاهِرِ قَوْلِهِ : {فَيَنْسَخُ اللَّهُ} {ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آيَاتِهِ}.","part":11,"page":278},{"id":4579,"text":"فَهَذِهِ ثَلَاثُ مَعَانٍ تُقَابِلُ الْمُحْكَمَ يَنْبَغِي التَّفَطُّنُ لَهَا. وَجِمَاعُ ذَلِكَ أَنَّ \" الْإِحْكَامَ \" تَارَةً يَكُونُ فِي التَّنْزِيلِ فَيَكُونُ فِي مُقَابَلَتِهِ مَا يُلْقِيهِ الشَّيْطَانُ فَالْمُحْكَمُ الْمُنَزَّلُ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ أَحْكَمَهُ اللَّهُ أَيْ فَصَلَهُ مِنْ الِاشْتِبَاهِ بِغَيْرِهِ وَفَصَلَ مِنْهُ مَا لَيْسَ مِنْهُ ؛ فَإِنَّ الْإِحْكَامَ هُوَ الْفَصْلُ وَالتَّمْيِيزُ وَالْفَرْقُ وَالتَّحْدِيدُ الَّذِي بِهِ يَتَحَقَّقُ الشَّيْءُ وَيَحْصُلُ إتْقَانُهُ ؛ وَلِهَذَا دَخَلَ فِيهِ مَعْنَى الْمَنْعِ كَمَا دَخَلَ فِي الْحَدِّ فَالْمَنْعُ جُزْءُ مَعْنَاهُ لَا جَمِيعُ مَعْنَاهُ. وَتَارَةً يَكُونُ \" الْإِحْكَامُ \" فِي إبْقَاءِ التَّنْزِيلِ عِنْدَ مَنْ قَابَلَهُ بِالنَّسْخِ الَّذِي هُوَ رَفْعُ مَا شُرِعَ وَهُوَ اصْطِلَاحِيٌّ أَوْ يُقَالُ - وَهُوَ أَشْبَهُ بِقَوْلِ السَّلَفِ - كَانُوا يُسَمُّونَ كُلَّ رَفْعٍ نَسْخًا سَوَاءٌ كَانَ رَفْعَ حُكْمٍ أَوْ رَفْعَ دَلَالَةٍ ظَاهِرَةٍ. وَإِلْقَاءُ الشَّيْطَانِ فِي أُمْنِيَّتِهِ قَدْ يَكُونُ فِي نَفْسِ لَفْظِ الْمُبَلِّغِ وَقَدْ يَكُونُ فِي سَمْعِ الْمُبَلِّغِ وَقَدْ يَكُونُ فِي فَهْمِهِ كَمَا قَالَ : {أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا} الْآيَةَ. وَمَعْلُومٌ أَنَّ مَنْ سَمِعَ النَّصَّ الَّذِي قَدْ رُفِعَ حُكْمُهُ أَوْ دَلَالَةً لَهُ فَإِنَّهُ يُلْقِي الشَّيْطَانُ فِي تِلْكَ التِّلَاوَةِ اتِّبَاعَ ذَلِكَ الْمَنْسُوخِ فَيُحْكِمُ اللَّهُ آيَاتِهِ بِالنَّاسِخِ الَّذِي بِهِ يَحْصُلُ رَفْعُ الْحُكْمِ وَبَيَانُ الْمُرَادِ. وَعَلَى هَذَا التَّقْدِيرِ فَيَصِحُّ أَنْ يُقَالَ : الْمُتَشَابِهُ الْمَنْسُوخُ بِهَذَا الِاعْتِبَارِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. وَتَارَةً يَكُونُ \" الْإِحْكَامُ \" فِي","part":11,"page":279},{"id":4580,"text":"التَّأْوِيلِ وَالْمَعْنَى وَهُوَ تَمْيِيزُ الْحَقِيقَةِ الْمَقْصُودَةِ مِنْ غَيْرِهَا حَتَّى لَا تَشْتَبِهَ بِغَيْرِهَا. وَفِي مُقَابَلَةِ الْمُحْكَمَاتِ الْآيَاتُ الْمُتَشَابِهَاتُ الَّتِي تُشْبِهُ هَذَا وَتُشْبِهُ هَذَا فَتَكُونُ مُحْتَمِلَةً لِلْمَعْنَيَيْنِ. قَالَ أَحْمَد بْنُ حَنْبَلٍ \" الْمُحْكَمُ \" الَّذِي لَيْسَ فِيهِ اخْتِلَافٌ وَالْمُتَشَابِهُ الَّذِي يَكُونُ فِي مَوْضِعِ كَذَا وَفِي مَوْضِعِ كَذَا. وَلَمْ يَقُلْ فِي الْمُتَشَابِهِ لَا يَعْلَمُ تَفْسِيرُهُ وَمَعْنَاهُ إلَّا اللَّهُ وَإِنَّمَا قَالَ : {وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إلَّا اللَّهُ} وَهَذَا هُوَ فَصْلُ الْخِطَابِ بَيْنَ الْمُتَنَازِعِينَ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ فَإِنَّ اللَّهَ أَخْبَرَ أَنَّهُ لَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إلَّا هُوَ. وَالْوَقْفُ هُنَا عَلَى مَا دَلَّ عَلَيْهِ أَدِلَّةٌ كَثِيرَةٌ وَعَلَيْهِ أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَجُمْهُورُ التَّابِعِينَ وَجَمَاهِيرُ الْأُمَّةِ. وَلَكِنْ لَمْ يَنْفِ عِلْمَهُمْ بِمَعْنَاهُ وَتَفْسِيرِهِ بَلْ قَالَ : {كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ} وَهَذَا يَعُمُّ الْآيَاتِ الْمُحْكَمَاتِ وَالْآيَاتِ الْمُتَشَابِهَاتِ وَمَا لَا يُعْقَلُ لَهُ مَعْنًى لَا يُتَدَبَّرُ : وَقَالَ : {أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ} وَلَمْ يَسْتَثْنِ شَيْئًا مِنْهُ نَهَى عَنْ تَدَبُّرِهِ. وَاَللَّهُ وَرَسُولُهُ إنَّمَا ذَمَّ مَنْ اتَّبَعَ الْمُتَشَابِهَ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ فَأَمَّا مَنْ تَدَبَّرَ الْمُحْكَمَ وَالْمُتَشَابِهَ كَمَا أَمَرَهُ اللَّهُ وَطَلَبَ فَهْمَهُ وَمَعْرِفَةَ مَعْنَاهُ فَلَمْ يَذُمَّهُ اللَّهُ بَلْ أَمَرَ بِذَلِكَ وَمَدَحَ عَلَيْهِ. يُبَيِّنُ ذَلِكَ أَنَّ التَّأْوِيلَ قَدْ","part":11,"page":280},{"id":4581,"text":"رَوَى أَنَّ مِنْ الْيَهُودِ الَّذِينَ كَانُوا بِالْمَدِينَةِ عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كحيي بْنِ أَخْطَبَ وَغَيْرِهِ مَنْ طَلَبَ مِنْ حُرُوفِ الْهِجَاءِ الَّتِي فِي أَوَائِلِ السُّوَرِ تَأْوِيلَ بَقَاءِ هَذِهِ الْأُمَّةِ كَمَا سَلَكَ ذَلِكَ طَائِفَةٌ مِنْ الْمُتَأَخِّرِينَ مُوَافَقَةً لِلصَّابِئَةِ الْمُنَجِّمِينَ وَزَعَمُوا أَنَّهُ سِتُّمِائَةٍ وَثَلَاثَةٌ وَتِسْعُونَ عَامًا لِأَنَّ ذَلِكَ هُوَ عَدَدُ مَا لِلْحُرُوفِ فِي حِسَابِ الْجُمَّلِ بَعْدَ إسْقَاطِ الْمُكَرَّرِ وَهَذَا مِنْ نَوْعِ تَأْوِيلِ الْحَوَادِثِ الَّتِي أَخْبَرَ بِهَا الْقُرْآنُ فِي الْيَوْمِ الْآخِرِ. وَرُوِيَ أَنَّ مِنْ النَّصَارَى الَّذِينَ وَفَدُوا عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي وَفْدِ نَجْرَانَ مَنْ تَأَوَّلَ ( إنَّا و( نَحْنُ عَلَى أَنَّ الْآلِهَةَ ثَلَاثَةٌ لِأَنَّ هَذَا ضَمِيرُ جَمْعٍ. وَهَذَا تَأْوِيلٌ فِي الْإِيمَانِ بِاَللَّهِ فَأُولَئِكَ تَأَوَّلُوا فِي الْيَوْمِ الْآخِرِ وَهَؤُلَاءِ تَأَوَّلُوا فِي اللَّهِ. وَمَعْلُومٌ أَنَّ : ( إنَّا و( نَحْنُ مِنْ الْمُتَشَابِهِ فَإِنَّهُ يُرَادُ بِهَا الْوَاحِدُ الَّذِي مَعَهُ غَيْرُهُ مِنْ جِنْسِهِ وَيُرَادُ بِهَا الْوَاحِدُ الَّذِي مَعَهُ أَعْوَانُهُ وَإِنْ لَمْ يَكُونُوا مِنْ جِنْسِهِ وَيُرَادُ بِهَا الْوَاحِدُ الْمُعَظِّمُ نَفْسَهُ الَّذِي يَقُومُ مَقَامَ مَنْ مَعَهُ غَيْرُهُ لِتَنَوُّعِ أَسْمَائِهِ الَّتِي كُلُّ اسْمٍ مِنْهَا يَقُومُ مَقَامَ مُسَمًّى فَصَارَ هَذَا مُتَشَابِهًا لِأَنَّ اللَّفْظَ وَاحِدٌ وَالْمَعْنَى مُتَنَوِّعٌ. و\" الْأَسْمَاءُ الْمُشْتَرِكَةُ فِي اللَّفْظِ \" هِيَ مِنْ الْمُتَشَابِهِ وَبَعْضُ \" الْمُتَوَاطِئَةِ \" أَيْضًا مِنْ الْمُتَشَابِهِ وَيُسَمِّيهَا أَهْلُ التَّفْسِيرِ \"","part":11,"page":281},{"id":4582,"text":"الْوُجُوهُ وَالنَّظَائِرُ \" وَصَنَّفُوا \" كُتُبَ الْوُجُوهِ وَالنَّظَائِرِ \" فَالْوُجُوهُ فِي الْأَسْمَاءِ الْمُشْتَرَكَةِ وَالنَّظَائِرِ فِي الْأَسْمَاءِ الْمُتَوَاطِئَةِ. وَقَدْ ظَنَّ بَعْضُ أَصْحَابِنَا الْمُصَنِّفِينَ فِي ذَلِكَ أَنَّ الْوُجُوهَ وَالنَّظَائِرَ جَمِيعًا فِي الْأَسْمَاءِ الْمُشْتَرَكَةِ فَهِيَ نَظَائِرُ بِاعْتِبَارِ اللَّفْظِ وَوُجُوهٌ بِاعْتِبَارِ الْمَعْنَى وَلَيْسَ الْأَمْرُ عَلَى مَا قَالَهُ بَلْ كَلَامُهُمْ صَرِيحٌ فِيمَا قُلْنَاهُ لِمَنْ تَأَمَّلَهُ. وَاَلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ يَدَعُونَ الْمُحْكَمَ الَّذِي لَا اشْتِبَاهَ فِيهِ مِثْلَ {وَإِلَهُكُمْ إلَهٌ وَاحِدٌ} {إنَّنِي أَنَا اللَّهُ لَا إلَهَ إلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي} {مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إلَهٍ} {وَلَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ} {لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ} {وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ} وَيَتَّبِعُونَ الْمُتَشَابِهَ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ لِيَفْتِنُوا بِهِ النَّاسَ إذَا وَضَعُوهُ عَلَى غَيْرِ مَوَاضِعِهِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَهُوَ الْحَقِيقَةُ الَّتِي أَخْبَرَ عَنْهَا. وَذَلِكَ أَنَّ \" الْكَلَامَ نَوْعَانِ \" : إنْشَاءٌ فِيهِ الْأَمْرُ وَإِخْبَارٌ فَتَأْوِيلُ الْأَمْرِ هُوَ نَفْسُ الْفِعْلِ الْمَأْمُورِ بِهِ كَمَا قَالَ مَنْ قَالَ مِنْ السَّلَفِ إنَّ السُّنَّةَ هِيَ تَأْوِيلُ الْأَمْرِ. {قَالَتْ عَائِشَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ فِي رُكُوعِهِ وَسُجُودِهِ سُبْحَانَك اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِك اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي يَتَأَوَّلُ الْقُرْآنَ} تَعْنِي قَوْلَهُ : {فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إنَّهُ كَانَ تَوَّابًا}. وَأَمَّا","part":11,"page":282},{"id":4583,"text":"الْإِخْبَارُ فَتَأْوِيلُهُ عَيْنُ الْأَمْرِ الْمُخْبَرِ بِهِ إذَا وَقَعَ لَيْسَ تَأْوِيلُهُ فَهْمَ مَعْنَاهُ.\r","part":11,"page":283},{"id":4584,"text":"وَقَدْ جَاءَ اسْمُ \" التَّأْوِيلِ \" فِي الْقُرْآنِ فِي غَيْرِ مَوْضِعٍ وَهَذَا مَعْنَاهُ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : {وَلَقَدْ جِئْنَاهُمْ بِكِتَابٍ فَصَّلْنَاهُ عَلَى عِلْمٍ هُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ} {هَلْ يَنْظُرُونَ إلَّا تَأْوِيلَهُ يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ يَقُولُ الَّذِينَ نَسُوهُ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَاءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ} فَقَدْ أَخْبَرَ أَنَّهُ فَصَّلَ الْكِتَابَ وَتَفْصِيلُهُ بَيَانُهُ وَتَمْيِيزُهُ بِحَيْثُ لَا يَشْتَبِهُ ثُمَّ قَالَ : {هَلْ يَنْظُرُونَ} أَيْ يَنْتَظِرُونَ {إلَّا تَأْوِيلَهُ يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ} إلَى آخِرِ الْآيَةِ. وَإِنَّمَا ذَلِكَ مَجِيءُ مَا أَخْبَرَ الْقُرْآنُ بِوُقُوعِهِ مِنْ الْقِيَامَةِ وَأَشْرَاطِهَا : كَالدَّابَّةِ وَيَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ وَطُلُوعِ الشَّمْسِ مِنْ مَغْرِبِهَا وَمَجِيءِ رَبِّك وَالْمَلَكِ صَفًّا صَفًّا وَمَا فِي الْآخِرَةِ مِنْ الصُّحُفِ وَالْمَوَازِينِ وَالْجَنَّةِ وَالنَّارِ وَأَنْوَاعِ النَّعِيمِ وَالْعَذَابِ وَغَيْرِ ذَلِكَ فَحِينَئِذٍ يَقُولُونَ : {قَدْ جَاءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ فَهَلْ لَنَا مِنْ شُفَعَاءَ فَيَشْفَعُوا لَنَا أَوْ نُرَدُّ فَنَعْمَلَ غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ} وَهَذَا الْقَدْرُ الَّذِي أَخْبَرَ بِهِ الْقُرْآنُ مِنْ هَذِهِ الْأُمُورِ لَا يُعْلَمُ وَقْتَهُ وَقَدْرَهُ وَصِفَتَهُ إلَّا اللَّهُ ؛ فَإِنَّ اللَّهَ يَقُولُ : {فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ} وَيَقُولُ : {أَعْدَدْت لِعِبَادِي الصَّالِحِينَ مَا لَا عَيْنٌ رَأَتْ وَلَا أُذُنٌ سَمِعَتْ وَلَا خَطَرَ عَلَى قَلْبِ بَشَرٍ} وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : لَيْسَ فِي الدُّنْيَا مِمَّا فِي الْجَنَّةِ إلَّا الْأَسْمَاءُ ؛ فَإِنَّ اللَّهَ قَدْ أَخْبَرَ أَنَّ فِي الْجَنَّةِ","part":11,"page":284},{"id":4585,"text":"خَمْرًا وَلَبَنًا وَمَاءً وَحَرِيرًا وَذَهَبًا وَفِضَّةً وَغَيْرَ ذَلِكَ وَنَحْنُ نَعْلَمُ قَطْعًا أَنَّ تِلْكَ الْحَقِيقَةَ لَيْسَتْ مُمَاثِلَةً لِهَذِهِ بَلْ بَيْنَهُمَا تَبَايُنٌ عَظِيمٌ مَعَ التَّشَابُهِ كَمَا فِي قَوْلِهِ : {وَأُتُوا بِهِ مُتَشَابِهًا} عَلَى أَحَدِ الْقَوْلَيْنِ أَنَّهُ يُشْبِهُ مَا فِي الدُّنْيَا وَلَيْسَ مِثْلَهُ فَأَشْبَهَ اسْمُ تِلْكَ الْحَقَائِقِ أَسْمَاءَ هَذِهِ الْحَقَائِقِ كَمَا أَشْبَهَتْ الْحَقَائِقُ الْحَقَائِقَ مِنْ بَعْضِ الْوُجُوهِ. فَنَحْنُ نَعْلَمُهَا إذَا خُوطِبْنَا بِتِلْكَ الْأَسْمَاءِ مِنْ جِهَةِ الْقَدْرِ الْمُشْتَرَكِ بَيْنَهُمَا وَلَكِنْ لِتِلْكَ الْحَقَائِقِ خَاصِّيَّةٌ لَا نُدْرِكُهَا فِي الدُّنْيَا وَلَا سَبِيلَ إلَى إدْرَاكِنَا لَهَا لِعَدَمِ إدْرَاكِ عَيْنِهَا أَوْ نَظِيرِهَا مِنْ كُلِّ وَجْهٍ. وَتِلْكَ الْحَقَائِقُ عَلَى مَا هِيَ عَلَيْهِ هِيَ تَأْوِيلُ مَا أَخْبَرَ اللَّهُ بِهِ. وَهَذَا فِيهِ رَدٌّ عَلَى الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ مِنْ الْمُتَفَلْسِفَةِ وَغَيْرِهِمْ فَإِنَّهُمْ يُنْكِرُونَ أَنْ يَكُونَ فِي الْجَنَّةِ أَكْلٌ وَشُرْبٌ وَلِبَاسٌ وَنِكَاحٌ وَيَمْنَعُونَ وُجُودَ مَا أَخْبَرَ بِهِ الْقُرْآنُ. وَمَنْ دَخَلَ فِي الْإِسْلَامِ وَنَافَقَ الْمُؤْمِنِينَ تَأَوَّلَ ذَلِكَ عَلَى أَنَّ هَذِهِ أَمْثَالٌ مَضْرُوبَةٌ لِتَفْهِيمِ النَّعِيمِ الرُّوحَانِيِّ إنْ كَانَ مِنْ الْمُتَفَلْسِفَةِ الصَّابِئَةِ الْمُنْكِرَةِ لِحَشْرِ الْأَجْسَادِ. وَإِنْ كَانَ مِنْ مُنَافِقَةِ الْمِلَّتَيْنِ الْمُقِرِّينَ بِحَشْرِ الْأَجْسَادِ تَأَوَّلَ ذَلِكَ عَلَى تَفْهِيمِ النَّعِيمِ الَّذِي فِي الْجَنَّةِ مِنْ الرُّوحَانِيِّ وَالسَّمَاعِ الطَّيِّبِ وَالرَّوَائِحِ الْعَطِرَةِ. فَكُلُّ ضَالٍّ يُحَرِّفُ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ إلَى","part":11,"page":285},{"id":4586,"text":"مَا اعْتَقَدَ ثُبُوتَهُ. وَكَانَ فِي هَذَا أَيْضًا مُتَّبِعًا لِلْمُتَشَابِهِ إذْ الْأَسْمَاءُ تُشْبِهُ الْأَسْمَاءَ وَالْمُسَمَّيَاتُ تُشْبِهُ الْمُسَمَّيَاتِ وَلَكِنْ تُخَالِفُهَا أَكْثَرَ مِمَّا تُشَابِهُهَا. فَهَؤُلَاءِ يَتَّبِعُونَ هَذَا الْمُتَشَابِهَ {ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ} بِمَا يُورِدُونَهُ مِنْ الشُّبُهَاتِ عَلَى امْتِنَاعِ أَنْ تَكُونَ فِي الْجَنَّةِ هَذِهِ الْحَقَائِقُ {وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ} لِيَرُدُّوهُ إلَى الْمَعْهُودِ الَّذِي يَعْلَمُونَهُ فِي الدُّنْيَا. قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : {وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إلَّا اللَّهُ} فَإِنَّ تِلْكَ الْحَقَائِقَ قَالَ اللَّهُ فِيهَا : {فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ} لَا مَلَكٌ مُقَرَّبٌ وَلَا نَبِيٌّ مُرْسَلٌ. وَقَوْلُهُ : {وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ} إمَّا أَنْ يَكُونَ الضَّمِيرُ عَائِدًا عَلَى الْكِتَابِ أَوْ عَلَى الْمُتَشَابِهِ ؛ فَإِنْ كَانَ عَائِدًا عَلَى الْكِتَابِ كَقَوْلِهِ ( مِنْهُ و( مِنْهُ {فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ} فَهَذَا يَصِحُّ ؛ فَإِنَّ جَمِيعَ آيَاتِ الْكِتَابِ الْمُحْكَمَةِ وَالْمُتَشَابِهَةِ الَّتِي فِيهَا إخْبَارٌ عَنْ الْغَيْبِ الَّذِي أُمِرْنَا أَنْ نُؤْمِنَ بِهِ لَا يَعْلَمُ حَقِيقَةَ ذَلِكَ الْغَيْبِ وَمَتَى يَقَعُ إلَّا اللَّهُ. وَقَدْ يُسْتَدَلُّ لِهَذَا أَنَّ اللَّهَ جَعَلَ التَّأْوِيلَ لِلْكِتَابِ كُلِّهِ مَعَ إخْبَارِهِ أَنَّهُ مُفَصَّلٌ بِقَوْلِهِ {وَلَقَدْ جِئْنَاهُمْ بِكِتَابٍ فَصَّلْنَاهُ عَلَى عِلْمٍ هُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ} {هَلْ يَنْظُرُونَ إلَّا تَأْوِيلَهُ يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ} فَجَعَلَ التَّأْوِيلَ الْجَائِي لِلْكِتَابِ الْمُفَصَّلِ. وَقَدْ","part":11,"page":286},{"id":4587,"text":"بَيَّنَّا أَنَّ ذَلِكَ التَّأْوِيلَ لَا يَعْلَمُهُ وَقْتًا وَقَدْرًا وَنَوْعًا وَحَقِيقَةً إلَّا اللَّهُ وَإِنَّمَا نَعْلَمُ نَحْنُ بَعْضَ صِفَاتِهِ بِمَبْلَغِ عِلْمِنَا لِعَدَمِ نَظِيرِهِ عِنْدَنَا وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ : {بَلْ كَذَّبُوا بِمَا لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ وَلَمَّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ} وَإِذَا كَانَ التَّأْوِيلُ لِلْكِتَابِ كُلِّهِ وَالْمُرَادُ بِهِ ذَلِكَ ارْتَفَعَتْ الشُّبْهَةُ وَصَارَ هَذَا بِمَنْزِلَةِ قَوْلِهِ : {يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا قُلْ إنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي لَا يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَا إلَّا هُوَ ثَقُلَتْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ} إلَى قَوْلِهِ : {إنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ اللَّهِ} وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ : {يَسْأَلُكَ النَّاسُ عَنِ السَّاعَةِ قُلْ إنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ اللَّهِ وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ السَّاعَةَ تَكُونُ قَرِيبًا} فَأَخْبَرَ أَنَّهُ لَيْسَ عِلْمُهَا إلَّا عِنْدَ اللَّهِ وَإِنَّمَا هُوَ عِلْمُ وَقْتِهَا الْمُعَيَّنِ وَحَقِيقَتِهَا وَإِلَّا فَنَحْنُ قَدْ عَلِمْنَا مِنْ صِفَاتِهَا مَا أَخْبَرَنَا بِهِ. فَعِلْمُ تَأْوِيلِهِ كَعِلْمِ السَّاعَةِ وَالسَّاعَةُ مِنْ تَأْوِيلِهِ وَهَذَا وَاضِحٌ بَيِّنٌ. وَلَا يُنَافِي كَوْنَ عِلْمِ السَّاعَةِ عِنْدَ اللَّهِ أَنْ نَعْلَمَ مِنْ صِفَاتِهَا وَأَحْوَالِهَا مَا عَلِمْنَاهُ وَأَنْ نُفَسِّرَ النُّصُوصَ الْمُبَيِّنَةَ لِأَحْوَالِهَا فَهَذَا هَذَا. وَإِنْ كَانَ الضَّمِيرُ عَائِدًا إلَى مَا تَشَابَهَ كَمَا يَقُولُهُ كَثِيرٌ مِنْ النَّاسِ فَلِأَنَّ الْمُخْبَرَ بِهِ مِنْ الْوَعْدِ وَالْوَعِيدِ مُتَشَابِهٌ بِخِلَافِ الْأَمْرِ وَالنَّهْيِ وَلِهَذَا فِي الْآثَارِ : \" الْعَمَلُ بِمُحْكَمِهِ وَالْإِيمَانُ بِمُتَشَابِهِهِ \" لِأَنَّ الْمَقْصُودَ فِي الْخَبَرِ","part":11,"page":287},{"id":4588,"text":"الْإِيمَانُ وَذَلِكَ لِأَنَّ الْمُخْبَرَ بِهِ مِنْ الْوَعْدِ وَالْوَعِيدِ فِيهِ مِنْ التَّشَابُهِ مَا ذَكَرْنَاهُ بِخِلَافِ الْأَمْرِ وَالنَّهْيِ ؛ وَلِهَذَا قَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ : \" الْمُتَشَابِهُ \" الْأَمْثَالُ وَالْوَعْدُ وَالْوَعِيدُ و\" الْمُحْكَمُ \" الْأَمْرُ وَالنَّهْيُ فَإِنَّهُ مُتَمَيِّزٌ غَيْرُ مُشْتَبِهٍ بِغَيْرِهِ فَإِنَّهُ أُمُورٌ نَفْعَلُهَا قَدْ عَلِمْنَاهَا بِالْوُقُوعِ وَأُمُورٌ نَتْرُكُهَا لَا بُدَّ أَنْ نَتَصَوَّرَهَا.\r","part":11,"page":288},{"id":4589,"text":"وَمِمَّا جَاءَ مِنْ لَفْظِ \" التَّأْوِيلِ \" فِي الْقُرْآنِ قَوْله تَعَالَى {بَلْ كَذَّبُوا بِمَا لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ وَلَمَّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ} وَالْكِنَايَةُ عَائِدَةٌ عَلَى الْقُرْآنِ أَوْ عَلَى مَا لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ وَهُوَ يَعُودُ إلَى الْقُرْآنِ. قَالَ تَعَالَى : {وَمَا كَانَ هَذَا الْقُرْآنُ أَنْ يُفْتَرَى مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ الْكِتَابِ لَا رَيْبَ فِيهِ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ} {أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِثْلِهِ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ} {بَلْ كَذَّبُوا بِمَا لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ وَلَمَّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الظَّالِمِينَ} {وَمِنْهُمْ مَنْ يُؤْمِنُ بِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ لَا يُؤْمِنُ بِهِ وَرَبُّكَ أَعْلَمُ بِالْمُفْسِدِينَ}. فَأَخْبَرَ سُبْحَانَهُ أَنَّ هَذَا الْقُرْآنَ مَا كَانَ لِيُفْتَرَى مِنْ دُونِ اللَّهِ وَهَذِهِ الصِّيغَةُ تَدُلُّ عَلَى امْتِنَاعِ الْمَنْفِيِّ كَقَوْلِهِ : {وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ} وَقَوْلِهِ : {وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ} لِأَنَّ الْخَلْقَ عَاجِزُونَ عَنْ الْإِتْيَانِ بِمِثْلِهِ كَمَا تَحَدَّاهُمْ وَطَالَبَهُمْ لَمَّا قَالَ : {أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِثْلِهِ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ} فَهَذَا تَعْجِيزٌ لِجَمِيعِ الْمَخْلُوقِينَ. قَالَ تَعَالَى : {وَلَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ} أَيْ مُصَدِّقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ {وَتَفْصِيلَ الْكِتَابِ} أَيْ مُفَصِّلَ","part":11,"page":289},{"id":4590,"text":"الْكِتَابِ فَأَخْبَرَ أَنَّهُ مُصَدِّقُ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَمُفَصَّلُ الْكِتَابِ وَالْكِتَابُ اسْمُ جِنْسٍ وَتَحَدَّى الْقَائِلِينَ : افْتَرَاهُ وَدَلَّ عَلَى أَنَّهُمْ هُمْ الْمُفْتَرُونَ قَالَ : {بَلْ كَذَّبُوا بِمَا لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ وَلَمَّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ} أَيْ كَذَّبُوا بِالْقُرْآنِ الَّذِي لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ وَلَمَّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ. فَفَرَّقَ بَيْنَ الْإِحَاطَةِ بِعِلْمِهِ وَبَيْنَ إتْيَانِ تَأْوِيلِهِ. فَتَبَيَّنَ أَنَّهُ يُمْكِنُ أَنْ يُحِيطَ أَهْلُ الْعِلْمِ وَالْإِيمَانِ بِعِلْمِهِ وَلَمَّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ وَأَنَّ الْإِحَاطَةَ بِعِلْمِ الْقُرْآنِ لَيْسَتْ إتْيَانَ تَأْوِيلِهِ فَإِنَّ الْإِحَاطَةَ بِعِلْمِهِ مَعْرِفَةُ مَعَانِي الْكَلَامِ عَلَى التَّمَامِ وَإِتْيَانُ التَّأْوِيلِ نَفْسُ وُقُوعِ الْمُخْبَرِ بِهِ وَفَرَّقَ بَيْنَ مَعْرِفَةِ الْخَبَرِ وَبَيْنَ الْمُخْبَرِ بِهِ فَمَعْرِفَةُ الْخَبَرِ هِيَ مَعْرِفَةُ تَفْسِيرِ الْقُرْآنِ وَمَعْرِفَةُ الْمُخْبَرِ بِهِ هِيَ مَعْرِفَةُ تَأْوِيلِهِ. و\" نُكْتَةُ ذَلِكَ \" أَنَّ الْخَبَرَ لِمَعْنَاهُ صُورَةٌ عِلْمِيَّةٌ وُجُودُهَا فِي نَفْسِ الْعَالِمِ كَذِهْنِ الْإِنْسَانِ مَثَلًا وَلِذَلِكَ الْمَعْنَى حَقِيقَةٌ ثَابِتَةٌ فِي الْخَارِجِ عَنْ الْعِلْمِ وَاللَّفْظُ إنَّمَا يَدُلُّ ابْتِدَاءً عَلَى الْمَعْنَى الذِّهْنِيِّ ثُمَّ تَتَوَسَّطُ ذَلِكَ أَوْ تَدُلُّ عَلَى الْحَقِيقَةِ الْخَارِجَةِ فَالتَّأْوِيلُ هُوَ الْحَقِيقَةُ الْخَارِجَةُ وَأَمَّا مَعْرِفَةُ تَفْسِيرِهِ وَمَعْنَاهُ فَهُوَ مَعْرِفَةُ الصُّورَةِ الْعِلْمِيَّةِ. وَهَذَا هُوَ الَّذِي بَيَّنَّاهُ فِيمَا تَقَدَّمَ أَنَّ اللَّهَ إنَّمَا أَنْزَلَ الْقُرْآنَ لِيُعْلَمَ وَيُفْهَمَ وَيُفْقَهَ وَيُتَدَبَّرَ وَيُتَفَكَّرَ فِيهِ","part":11,"page":290},{"id":4591,"text":"مُحْكَمِهِ وَمُتَشَابِهِهِ وَإِنْ لَمْ يُعْلَمْ تَأْوِيلُهُ. وَيَبِينُ ذَلِكَ أَنَّ اللَّهَ يَقُولُ عَنْ الْكُفَّارِ : {وَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ جَعَلْنَا بَيْنَكَ وَبَيْنَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ حِجَابًا مَسْتُورًا} {وَجَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آذَانِهِمْ وَقْرًا وَإِذَا ذَكَرْتَ رَبَّكَ فِي الْقُرْآنِ وَحْدَهُ وَلَّوْا عَلَى أَدْبَارِهِمْ نُفُورًا} فَقَدْ أَخْبَرَ - ذَمًّا لِلْمُشْرِكِينَ - أَنَّهُ إذَا قُرِئَ عَلَيْهِمْ الْقُرْآنُ حُجِبَ بَيْنَ أَبْصَارِهِمْ وَبَيْنَ الرَّسُولِ بِحِجَابِ مَسْتُورٍ وَجَعَلَ عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آذَانِهِمْ وَقْرًا. فَلَوْ كَانَ أَهْلُ الْعِلْمِ وَالْإِيمَانِ عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةٌ أَنْ يَفْقَهُوا بَعْضَهُ لَشَارَكُوهُمْ فِي ذَلِكَ. وَقَوْلُهُ : {أَنْ يَفْقَهُوهُ} يَعُودُ إلَى الْقُرْآنِ كُلِّهِ. فَعَلِمَ أَنَّ اللَّهَ يُحِبُّ أَنْ يُفْقَهَ ؛ وَلِهَذَا قَالَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ : مَا أَنْزَلَ اللَّهُ آيَةً إلَّا وَهُوَ يُحِبُّ أَنْ يُعْلَمَ فِي مَاذَا أُنْزِلَتْ وَمَاذَا عَنَى بِهَا وَمَا اسْتَثْنَى مِنْ ذَلِكَ لَا مُتَشَابِهًا وَلَا غَيْرَهُ. وَقَالَ مُجَاهِدٌ : عَرَضْت الْمُصْحَفَ عَلَى ابْنِ عَبَّاسٍ مِنْ أَوَّلِهِ إلَى آخِرِهِ مَرَّاتٍ أَقِفُ عِنْدَ كُلِّ آيَةٍ وَأَسْأَلُهُ عَنْهَا. فَهَذَا ابْنُ عَبَّاسٍ حَبْرُ الْأُمَّةِ وَهُوَ أَحَدُ مَنْ كَانَ يَقُولُ : لَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إلَّا اللَّهُ يُجِيبُ مُجَاهِدًا عَنْ كُلِّ آيَةٍ فِي الْقُرْآنِ. وَهَذَا هُوَ الَّذِي حَمَلَ مُجَاهِدًا وَمَنْ وَافَقَهُ كَابْنِ قُتَيْبَةَ عَلَى أَنْ جَعَلُوا الْوَقْفَ عِنْدَ قَوْلِهِ {وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ} فَجَعَلُوا الرَّاسِخِينَ يَعْلَمُونَ","part":11,"page":291},{"id":4592,"text":"التَّأْوِيلَ لِأَنَّ مُجَاهِدًا تَعَلَّمَ مِنْ ابْنِ عَبَّاسٍ تَفْسِيرَ الْقُرْآنِ كُلِّهِ وَبَيَانَ مَعَانِيهِ فَظَنَّ أَنَّ هَذَا هُوَ التَّأْوِيلُ الْمَنْفِيُّ عَنْ غَيْرِ اللَّهِ. وَأَصْلُ ذَلِكَ أَنَّ لَفْظَ \" التَّأْوِيلِ \" فِيهِ اشْتِرَاكٌ بَيْنَ مَا عَنَاهُ اللَّهُ فِي الْقُرْآنِ وَبَيْنَ مَا كَانَ يُطْلِقُهُ طَوَائِفُ مِنْ السَّلَفِ وَبَيْنَ اصْطِلَاحِ طَوَائِفَ مِنْ الْمُتَأَخِّرِينَ فَبِسَبَبِ الِاشْتِرَاكِ فِي لَفْظِ التَّأْوِيلِ اعْتَقَدَ كُلُّ مَنْ فَهِمَ مِنْهُ مَعْنًى بِلُغَتِهِ أَنَّ ذَلِكَ هُوَ الْمَذْكُورُ فِي الْقُرْآنِ. وَمُجَاهِدٌ إمَامُ التَّفْسِيرِ. قَالَ الثَّوْرِيُّ : إذَا جَاءَك التَّفْسِيرُ عَنْ مُجَاهِدٍ فَحَسْبُك بِهِ. وَأَمَّا التَّأْوِيلُ فَشَأْنٌ آخَرُ. وَيُبَيِّنُ ذَلِكَ أَنَّ الصَّحَابَةَ وَالتَّابِعِينَ لَمْ يَمْتَنِعْ أَحَدٌ مِنْهُمْ عَنْ تَفْسِيرِ آيَةٍ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ وَلَا قَالَ هَذِهِ مِنْ الْمُتَشَابِهِ الَّذِي لَا يُعْلَمُ مَعْنَاهُ وَلَا قَالَ قَطُّ أَحَدٌ مِنْ سَلَفِ الْأُمَّةِ وَلَا مِنْ الْأَئِمَّةِ الْمَتْبُوعِينَ : إنَّ فِي الْقُرْآنِ آيَاتٍ لَا يَعْلَمُ مَعْنَاهَا وَلَا يَفْهَمُهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلَا أَهْلُ الْعِلْمِ وَالْإِيمَانِ جَمِيعُهُمْ وَإِنَّمَا قَدْ يَنْفُونَ عِلْمَ بَعْضِ ذَلِكَ عَنْ بَعْضِ النَّاسِ وَهَذَا لَا رَيْبَ فِيهِ. وَإِنَّمَا وَضَعَ هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ الْمُتَأَخِّرُونَ مِنْ الطَّوَائِفِ بِسَبَبِ الْكَلَامِ فِي آيَاتِ الصِّفَاتِ وَآيَاتِ الْقَدَرِ وَغَيْرِ ذَلِكَ. فَلَقَّبُوهَا : \" هَلْ يَجُوزُ أَنْ يَشْتَمِلَ الْقُرْآنُ عَلَى مَا لَا يُعْلَمُ مَعْنَاهُ \". وَمَا \" تَعَبَّدْنَا بِتِلَاوَةِ حُرُوفِهِ بِلَا فَهْمٍ \" فَجَوَّزَ ذَلِكَ طَوَائِفُ مُتَمَسِّكِينَ","part":11,"page":292},{"id":4593,"text":"بِظَاهِرِ مِنْ هَذِهِ الْآيَةِ وَبِأَنَّ اللَّهَ يَمْتَحِنُ عِبَادَهُ بِمَا شَاءَ وَمَنَعَهَا طَوَائِفُ لِيَتَوَصَّلُوا بِذَلِكَ إلَى تَأْوِيلَاتِهِمْ الْفَاسِدَةِ الَّتِي هِيَ تَحْرِيفُ الْكَلِمِ عَنْ مَوَاضِعِهِ. وَالْغَالِبُ عَلَى كِلَا الطَّائِفَتَيْنِ الْخَطَأُ أُولَئِكَ يُقَصِّرُونَ فِي فَهْمِ الْقُرْآنِ بِمَنْزِلَةِ مَنْ قِيلَ فِيهِ : {وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لَا يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إلَّا أَمَانِيَّ} وَهَؤُلَاءِ مُعْتَدُونَ بِمَنْزِلَةِ الَّذِينَ يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ.\r","part":11,"page":293},{"id":4594,"text":"وَمِنْ الْمُتَأَخِّرِينَ مَنْ وَضَعَ الْمَسْأَلَةَ بِلَقَبِ شَنِيعٍ فَقَالَ : \" لَا يَجُوزُ أَنْ يَتَكَلَّمَ اللَّهُ بِكَلَامِ وَلَا يَعْنِيَ بِهِ شَيْئًا خِلَافًا لِلْحَشْوِيَّةِ \". وَهَذَا لَمْ يَقُلْهُ مُسْلِمٌ إنَّ اللَّهَ يَتَكَلَّمُ بِمَا لَا مَعْنَى لَهُ. وَإِنَّمَا النِّزَاعُ هَلْ يَتَكَلَّمُ بِمَا لَا يُفْهَمُ مَعْنَاهُ ؟ وَبَيْنَ نَفْيِ الْمَعْنَى عِنْدَ الْمُتَكَلِّمِ وَنَفْيِ الْفَهْمِ عِنْدَ الْمُخَاطَبِ بَوْنٌ عَظِيمٌ. ثُمَّ احْتَجَّ بِمَا لَا يَجْرِي عَلَى أَصْلِهِ فَقَالَ : هَذَا عَبَثٌ وَالْعَبَثُ عَلَى اللَّهِ مُحَالٌ. وَعِنْدَهُ أَنَّ اللَّهَ لَا يَقْبُحُ مِنْهُ شَيْءٌ أَصْلًا بَلْ يَجُوزُ أَنْ يَفْعَلَ كُلَّ شَيْءٍ وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَقُولَ : الْعَبَثُ صِفَةُ نَقْصٍ فَهُوَ مُنْتَفٍ عَنْهُ ؛ لِأَنَّ النِّزَاعَ فِي الْحُرُوفِ وَهِيَ عِنْدَهُ مَخْلُوقَةٌ مِنْ جُمْلَةِ الْأَفْعَالِ وَيَجُوزُ أَنْ يَشْتَمِلَ الْفِعْلُ عِنْدَهُ عَلَى كُلِّ صِفَةٍ فَلَا نَقْلٌ صَحِيحٌ وَلَا عَقْلٌ صَرِيحٌ. وَمَثَارُ الْفِتْنَةِ بَيْنَ الطَّائِفَتَيْنِ وَمَحَارُ عُقُولِهِمْ : أَنَّ مُدَّعِي التَّأْوِيلِ أَخْطَئُوا فِي زَعْمِهِمْ أَنَّ الْعُلَمَاءَ يَعْلَمُونَ التَّأْوِيلَ وَفِي دَعْوَاهُمْ أَنَّ التَّأْوِيلَ هُوَ تَأْوِيلُهُمْ الَّذِي هُوَ تَحْرِيفُ الْكَلِمِ عَنْ مَوَاضِعِهِ ؛ فَإِنَّ الْأَوَّلِينَ لِعِلْمِهِمْ\r","part":11,"page":294},{"id":4595,"text":"بِالْقُرْآنِ وَالسُّنَنِ وَصِحَّةِ عُقُولِهِمْ وَعِلْمِهِمْ بِكَلَامِ السَّلَفِ وَكَلَامِ الْعَرَبِ عَلِمُوا يَقِينًا أَنَّ التَّأْوِيلَ الَّذِي يَدَّعِيهِ هَؤُلَاءِ لَيْسَ هُوَ مَعْنَى الْقُرْآنِ ؛ فَإِنَّهُمْ حَرَّفُوا الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ وَصَارُوا مَرَاتِبَ مَا بَيْنَ قَرَامِطَةٍ وَبَاطِنِيَّةٍ يَتَأَوَّلُونَ الْأَخْبَارَ وَالْأَوَامِرَ وَمَا بَيْنَ صَابِئَةٍ فَلَاسِفَةٍ يَتَأَوَّلُونَ عَامَّةَ الْأَخْبَارِ عَنْ اللَّهِ وَعَنْ الْيَوْمِ الْآخِرِ حَتَّى عَنْ أَكْثَرِ أَحْوَالِ الْأَنْبِيَاءِ وَمَا بَيْنَ جهمية وَمُعْتَزِلَةٍ يَتَأَوَّلُونَ بَعْضَ مَا جَاءَ فِي الْيَوْمِ الْآخِرِ وَفِي آيَاتِ الْقَدَرِ وَيَتَأَوَّلُونَ آيَاتِ الصِّفَاتِ وَقَدْ وَافَقَهُمْ بَعْضُ مُتَأَخِّرِي الْأَشْعَرِيَّةِ عَلَى مَا جَاءَ فِي بَعْضِ الصِّفَاتِ وَبَعْضُهُمْ فِي بَعْضِ مَا جَاءَ فِي الْيَوْمِ الْآخِرِ وَآخَرُونَ مِنْ أَصْنَافِ الْأُمَّةِ وَإِنْ كَانَ تَغْلِبُ عَلَيْهِمْ السُّنَّةُ فَقَدْ يَتَأَوَّلُونَ أَيْضًا مَوَاضِعَ يَكُونُ تَأْوِيلُهُمْ مِنْ تَحْرِيفِ الْكَلِمِ عَنْ مَوَاضِعِهِ. وَاَلَّذِينَ ادَّعَوْا الْعِلْمَ بِالتَّأْوِيلِ مِثْلُ طَائِفَةٍ مِنْ السَّلَفِ وَأَهْلِ السُّنَّةِ وَأَكْثَرِ أَهْلِ الْكَلَامِ وَالْبِدَعِ رَأَوْا أَيْضًا أَنَّ النُّصُوصَ دَلَّتْ عَلَى مَعْرِفَةِ مَعَانِي الْقُرْآنِ وَرَأَوْا عَجْزًا وَعَيْبًا وَقَبِيحًا أَنْ يُخَاطِبَ اللَّهُ عِبَادَهُ بِكَلَامِ يَقْرَءُونَهُ وَيَتْلُونَهُ وَهُمْ لَا يَفْهَمُونَهُ وَهُمْ مُصِيبُونَ فِيمَا اسْتَدَلُّوا بِهِ مِنْ سَمْعٍ وَعَقْلٍ ؛ لَكِنْ أَخْطَئُوا فِي مَعْنَى التَّأْوِيلِ الَّذِي نَفَاهُ اللَّهُ وَفِي التَّأْوِيلِ الَّذِي أَثْبَتُوهُ وَتَسَلَّقَ بِذَلِكَ مُبْتَدِعَتُهُمْ إلَى تَحْرِيفِ الْكَلِمِ عَنْ مَوَاضِعِهِ","part":11,"page":295},{"id":4596,"text":"وَصَارَ الْأَوَّلُونَ أَقْرَبَ إلَى السُّكُوتِ وَالسَّلَامَةِ بِنَوْعِ مِنْ الْجَهْلِ وَصَارَ الْآخَرُونَ أَكْثَرَ كَلَامًا وَجِدَالًا وَلَكِنْ بِفِرْيَةِ عَلَى اللَّهِ وَقَوْلٍ عَلَيْهِ مَا لَا يَعْلَمُونَهُ وَإِلْحَادٍ فِي أَسْمَائِهِ وَآيَاتِهِ. فَهَذَا هَذَا. وَمَنْشَأُ الشُّبْهَةِ الِاشْتِرَاكُ فِي لَفْظِ التَّأْوِيلِ. فَإِنَّ \" التَّأْوِيلَ \" فِي عُرْفِ الْمُتَأَخِّرِينَ مِنْ الْمُتَفَقِّهَةِ وَالْمُتَكَلِّمَةِ وَالْمُحَدِّثَةِ وَالْمُتَصَوِّفَةِ وَنَحْوِهِمْ هُوَ صَرْفُ اللَّفْظِ عَنْ الْمَعْنَى الرَّاجِحِ إلَى الْمَعْنَى الْمَرْجُوحِ لِدَلِيلِ يَقْتَرِنُ بِهِ وَهَذَا هُوَ التَّأْوِيلُ الَّذِي يَتَكَلَّمُونَ عَلَيْهِ فِي أُصُولِ الْفِقْهِ وَمَسَائِلِ الْخِلَافِ. فَإِذَا قَالَ أَحَدُهُمْ : هَذَا الْحَدِيثُ أَوْ هَذَا النَّصُّ مُؤَوَّلٌ أَوْ هُوَ مَحْمُولٌ عَلَى كَذَا قَالَ الْآخَرُ : هَذَا نَوْعُ تَأْوِيلٍ وَالتَّأْوِيلُ يَحْتَاجُ إلَى دَلِيلٍ. وَالْمُتَأَوِّلُ عَلَيْهِ وَظِيفَتَانِ : بَيَانُ احْتِمَالِ اللَّفْظِ لِلْمَعْنَى الَّذِي ادَّعَاهُ وَبَيَانُ الدَّلِيلِ الْمُوجِبِ لِلصَّرْفِ إلَيْهِ عَنْ الْمَعْنَى الظَّاهِرِ وَهَذَا هُوَ التَّأْوِيلُ الَّذِي يَتَنَازَعُونَ فِيهِ فِي مَسَائِلِ الصِّفَاتِ إذَا صَنَّفَ بَعْضُهُمْ فِي إبْطَالِ التَّأْوِيلِ أَوْ ذَمِّ التَّأْوِيلِ أَوْ قَالَ بَعْضُهُمْ آيَاتُ الصِّفَاتِ لَا تُؤَوَّلُ وَقَالَ الْآخَرُ : بَلْ يَجِبُ تَأْوِيلُهَا وَقَالَ الثَّالِثُ : بَلْ التَّأْوِيلُ جَائِزٌ يُفْعَلُ عِنْدَ الْمَصْلَحَةِ وَيُتْرَكُ عِنْدَ الْمَصْلَحَةِ أَوْ يَصْلُحُ لِلْعُلَمَاءِ دُونَ غَيْرِهِمْ إلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنْ الْمَقَالَاتِ وَالتَّنَازُعِ. وَأَمَّا \" التَّأْوِيلُ \" فِي لَفْظِ السَّلَفِ فَلَهُ مَعْنَيَانِ : \" أَحَدُهُمَا \" تَفْسِيرُ","part":11,"page":296},{"id":4597,"text":"الْكَلَامِ وَبَيَانُ مَعْنَاهُ سَوَاءٌ وَافَقَ ظَاهِرَهُ أَوْ خَالَفَهُ فَيَكُونُ التَّأْوِيلُ وَالتَّفْسِيرُ عِنْدَ هَؤُلَاءِ مُتَقَارِبًا أَوْ مُتَرَادِفًا\r","part":11,"page":297},{"id":4598,"text":"وَهَذَا - وَاَللَّهُ أَعْلَمُ - هُوَ الَّذِي عَنَاهُ مُجَاهِدٌ أَنَّ الْعُلَمَاءَ يَعْلَمُونَ تَأْوِيلَهُ وَمُحَمَّدُ بْنُ جَرِيرٍ الطبري يَقُولُ فِي تَفْسِيرِهِ : الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ كَذَا وَكَذَا وَاخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي هَذِهِ الْآيَةِ وَنَحْوِ ذَلِكَ وَمُرَادُهُ التَّفْسِيرُ. و\" الْمَعْنَى الثَّانِي \" فِي لَفْظِ السَّلَفِ - وَهُوَ الثَّالِثُ مِنْ مُسَمَّى التَّأْوِيلِ مُطْلَقًا - : هُوَ نَفْسُ الْمُرَادِ بِالْكَلَامِ فَإِنَّ الْكَلَامَ إنْ كَانَ طَلَبًا كَانَ تَأْوِيلُهُ نَفْسَ الْفِعْلِ الْمَطْلُوبِ وَإِنْ كَانَ خَبَرًا كَانَ تَأْوِيلُهُ نَفْسَ الشَّيْءِ الْمُخْبَرِ بِهِ. وَبَيْنَ هَذَا الْمَعْنَى وَاَلَّذِي قَبْلَهُ بَوْنٌ ؛ فَإِنَّ الَّذِي قَبْلَهُ يَكُونُ التَّأْوِيلُ فِيهِ مِنْ بَابِ الْعِلْمِ وَالْكَلَامِ كَالتَّفْسِيرِ وَالشَّرْحِ وَالْإِيضَاحِ وَيَكُونُ وُجُودُ التَّأْوِيلِ فِي الْقَلْبِ وَاللِّسَانِ لَهُ الْوُجُودُ الذِّهْنِيُّ وَاللَّفْظِيُّ وَالرَّسْمِيُّ. وَأَمَّا هَذَا فَالتَّأْوِيلُ فِيهِ نَفْسُ الْأُمُورِ الْمَوْجُودَةِ فِي الْخَارِجِ سَوَاءٌ كَانَتْ مَاضِيَةً أَوْ مُسْتَقْبَلَةً. فَإِذَا قِيلَ : طَلَعَتْ الشَّمْسُ فَتَأْوِيلُ هَذَا نَفْسُ طُلُوعِهَا. وَيَكُونُ \" التَّأْوِيلُ \" مِنْ بَابِ الْوُجُودِ الْعَيْنِيِّ الْخَارِجِيِّ فَتَأْوِيلُ الْكَلَامِ هُوَ الْحَقَائِقُ الثَّابِتَةُ فِي الْخَارِجِ بِمَا هِيَ عَلَيْهِ مِنْ صِفَاتِهَا وَشُؤُونِهَا وَأَحْوَالِهَا وَتِلْكَ الْحَقَائِقُ لَا تُعْرَفُ عَلَى مَا هِيَ عَلَيْهِ بِمُجَرَّدِ الْكَلَامِ وَالْإِخْبَارِ إلَّا أَنْ يَكُونَ الْمُسْتَمِعُ قَدْ تَصَوَّرَهَا أَوْ تَصَوَّرَ نَظِيرَهَا بِغَيْرِ كَلَامٍ وَإِخْبَارٍ ؛ لَكِنْ يَعْرِفُ مِنْ صِفَاتِهَا وَأَحْوَالِهَا قَدْرَ مَا أَفْهَمَهُ","part":11,"page":298},{"id":4599,"text":"الْمُخَاطِبُ : إمَّا بِضَرْبِ\r","part":11,"page":299},{"id":4600,"text":"الْمَثَلِ وَإِمَّا بِالتَّقْرِيبِ وَإِمَّا بِالْقَدْرِ الْمُشْتَرَكِ بَيْنَهَا وَبَيْنَ غَيْرِهَا وَإِمَّا بِغَيْرِ ذَلِكَ. وَهَذَا الْوَضْعُ وَالْعُرْفُ الثَّالِثُ هُوَ لُغَةُ الْقُرْآنِ الَّتِي نَزَلَ بِهَا. وَقَدْ قَدَّمْنَا التَّبْيِينَ فِي ذَلِكَ. وَمِنْ ذَلِكَ قَوْلُ يَعْقُوبَ عَلَيْهِ السَّلَامُ لِيُوسُفَ : {وَكَذَلِكَ يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ وَيُعَلِّمُكَ مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ وَيُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ} وَقَوْلُهُ : {وَدَخَلَ مَعَهُ السِّجْنَ فَتَيَانِ قَالَ أَحَدُهُمَا إنِّي أَرَانِي أَعْصِرُ خَمْرًا وَقَالَ الْآخَرُ إنِّي أَرَانِي أَحْمِلُ فَوْقَ رَأْسِي خُبْزًا تَأْكُلُ الطَّيْرُ مِنْهُ نَبِّئْنَا بِتَأْوِيلِهِ إنَّا نَرَاكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ} {قَالَ لَا يَأْتِيكُمَا طَعَامٌ تُرْزَقَانِهِ إلَّا نَبَّأْتُكُمَا بِتَأْوِيلِهِ قَبْلَ أَنْ يَأْتِيَكُمَا} وَقَوْلُ الْمَلَأِ : {أَضْغَاثُ أَحْلَامٍ وَمَا نَحْنُ بِتَأْوِيلِ الْأَحْلَامِ بِعَالِمِينَ} {وَقَالَ الَّذِي نَجَا مِنْهُمَا وَادَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ أَنَا أُنَبِّئُكُمْ بِتَأْوِيلِهِ فَأَرْسِلُونِي} وَقَوْلُ يُوسُفَ لَمَّا دَخَلَ عَلَيْهِ أَهْلُهُ مِصْرَ {آوَى إلَيْهِ أَبَوَيْهِ وَقَالَ ادْخُلُوا مِصْرَ إنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ} {وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ وَخَرُّوا لَهُ سُجَّدًا وَقَالَ يَا أَبَتِ هَذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَايَ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَعَلَهَا رَبِّي حَقًّا}. فَتَأْوِيلُ الْأَحَادِيثِ الَّتِي هِيَ رُؤْيَا الْمَنَامِ هِيَ نَفْسُ مَدْلُولِهَا الَّتِي تُؤَوَّلُ إلَيْهِ كَمَا قَالَ يُوسُفُ : {هَذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَايَ مِنْ قَبْلُ} وَالْعَالِمُ بِتَأْوِيلِهَا : الَّذِي يُخْبِرُ بِهِ. كَمَا قَالَ يُوسُفُ : {لَا يَأْتِيكُمَا طَعَامٌ تُرْزَقَانِهِ} أَيْ فِي الْمَنَامِ {إلَّا","part":11,"page":300},{"id":4601,"text":"نَبَّأْتُكُمَا بِتَأْوِيلِهِ قَبْلَ أَنْ يَأْتِيَكُمَا} أَيْ قَبْلَ أَنْ يَأْتِيَكُمَا التَّأْوِيلُ.\r","part":11,"page":301},{"id":4602,"text":"وَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى : {فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا} قَالُوا : أَحْسَنُ عَاقِبَةً وَمَصِيرًا. فَالتَّأْوِيلُ هُنَا تَأْوِيلُ فِعْلِهِمْ الَّذِي هُوَ الرَّدُّ إلَى الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ. وَالتَّأْوِيلُ فِي سُورَةِ يُوسُفَ تَأْوِيلُ أَحَادِيثِ الرُّؤْيَا. وَالتَّأْوِيلُ فِي الْأَعْرَافِ وَيُونُسَ تَأْوِيلُ الْقُرْآنِ وَكَذَلِكَ فِي سُورَةِ آلِ عِمْرَانَ. وَقَالَ تَعَالَى فِي قِصَّةِ مُوسَى وَالْعَالِمِ : {قَالَ هَذَا فِرَاقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ سَأُنَبِّئُكَ بِتَأْوِيلِ مَا لَمْ تَسْتَطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا} إلَى قَوْلِهِ : {وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي ذَلِكَ تَأْوِيلُ مَا لَمْ تَسْطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا} فَالتَّأْوِيلُ هُنَا تَأْوِيلُ الْأَفْعَالِ الَّتِي فَعَلَهَا الْعَالِمُ مِنْ خَرْقِ السَّفِينَةِ بِغَيْرِ إذْنِ صَاحِبِهَا وَمِنْ قَتْلِ الْغُلَامِ وَمِنْ إقَامَةِ الْجِدَارِ فَهُوَ تَأْوِيلُ عَمَلٍ لَا تَأْوِيلُ قَوْلٍ. وَإِنَّمَا كَانَ كَذَلِكَ لِأَنَّ التَّأْوِيلَ مَصْدَرُ أَوَّلَهُ يُؤَوِّلُهُ تَأْوِيلًا مِثْلَ حَوَّلَ تَحْوِيلًا وَعَوَّلَ تَعْوِيلًا. وَأَوَّلَ يُؤَوِّلُ تُعَدِّيهِ آلَ يَئُولُ أَوْلًا مِثْلَ حَالَ يَحُولُ حَوْلًا. وَقَوْلُهُمْ : آلَ يَئُولُ أَيْ عَادَ إلَى كَذَا وَرَجَعَ إلَيْهِ وَمِنْهُ \" الْمَآلُ \" وَهُوَ مَا يَئُولُ إلَيْهِ الشَّيْءُ وَيُشَارِكُهُ فِي الِاشْتِقَاقِ الْأَكْبَرِ \" الْمَوْئِلُ \" فَإِنَّهُ مِنْ وَأَلَ وَهَذَا مِنْ أَوِلَ. وَالْمَوْئِلُ الْمَرْجِعُ قَالَ تَعَالَى : {لَنْ يَجِدُوا مِنْ دُونِهِ مَوْئِلًا}. وَمِمَّا يُوَافِقُهُ فِي اشْتِقَاقِهِ الْأَصْغَرِ \" الْآلُ \" فَإِنَّ آلَ الشَّخْصِ مَنْ","part":11,"page":302},{"id":4603,"text":"يَئُولُ إلَيْهِ ؛ وَلِهَذَا لَا يُسْتَعْمَلُ إلَّا فِي عَظِيمٍ بِحَيْثُ يَكُونُ الْمُضَافُ إلَيْهِ أَعْظَمَ مِنْ الْمُضَافِ يَصْلُحُ أَنْ يَئُولَ إلَيْهِ الْآلُ كَآلِ إبْرَاهِيمَ وَآلِ لُوطٍ وَآلِ فِرْعَوْنَ بِخِلَافِ الْأَهْلِ وَالْأَوَّلُ أَفْعَلُ لِأَنَّهُمْ قَالُوا فِي تَأْنِيثِهِ أُولَى كَمَا قَالُوا جُمَادَى الْأُولَى. وَفِي الْقَصَصِ : {لَهُ الْحَمْدُ فِي الْأُولَى وَالْآخِرَةِ}. وَمِنْ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ : فَوْعَلَ وَيَقُولُ : أولة. إلَّا أَنَّ هَذَا يَحْتَاجُ إلَى شَاهِدٍ مِنْ كَلَامِ الْعَرَبِ ؛ بَلْ عَدَمُ صَرْفِهِ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ أَفْعَل لَا فَوْعَلَ فَإِنَّ فَوْعَلَ مِثْلُ كوثر وَجَوْهَرٍ مَصْرُوفٌ ، سُمِّيَ الْمُتَقَدِّمُ أَوَّلَ - وَاَللَّهُ أَعْلَمُ - لِأَنَّ مَا بَعْدَهُ يَئُولُ إلَيْهِ وَيُبْنَى عَلَيْهِ فَهُوَ أُسٌّ لِمَا بَعْدَهُ وَقَاعِدَةٌ لَهُ. وَالصِّيغَةُ صِيغَةُ تَفْضِيلٍ لَا صِفَةٍ مِثْلُ أَكْبَرَ وَكُبْرَى وَأَصْغَرَ وَصُغْرَى لَا مِنْ بَابِ أَحْمَرَ وَحَمْرَاءَ ؛ وَلِهَذَا يَقُولُونَ : جِئْته مِنْ أَوَّلِ أَمْسِ وَقَالَ : {لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ} {وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ} {وَلَا تَكُونُوا أَوَّلَ كَافِرٍ بِهِ} فَإِذَا قِيلَ هَذَا أَوَّلُ هَؤُلَاءِ فَهُوَ الَّذِي فُضِّلَ عَلَيْهِمْ فِي الْأَوَّلِ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ يَرْجِعُ إلَى مَا قَبْلَهُ فَيَعْتَمِدُ عَلَيْهِ وَهَذَا السَّابِقُ كُلُّهُمْ يَئُولُ إلَيْهِ فَإِنَّ مَنْ تَقَدَّمَ فِي فِعْلٍ فَاسْتَنَّ بِهِ مَنْ بَعْدَهُ كَانَ السَّابِقَ الَّذِي يَئُولُ الْكُلُّ إلَيْهِ فَالْأَوَّلُ لَهُ وَصْفُ السُّؤْدُدِ وَالِاتِّبَاعِ. وَلَفْظُ \" الْأَوَّلِ \" مُشْعِرٌ بِالرُّجُوعِ وَالْعَوْدِ و\" الْأَوَّلُ \" مُشْعِرٌ بِالِابْتِدَاءِ وَالْمُبْتَدَأِ ؛ ","part":11,"page":303},{"id":4604,"text":"خِلَافَ الْعَائِدِ لِأَنَّهُ إنَّمَا كَانَ أَوَّلًا لِمَا بَعْدَهُ فَإِنَّهُ يُقَالُ : \r","part":11,"page":304},{"id":4605,"text":"أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ وأَوَّلُ يَوْمٍ فَمَا فِيهِ مِنْ مَعْنَى الرُّجُوعِ وَالْعَوْدِ هُوَ لِلْمُضَافِ إلَيْهِ لَا لِلْمُضَافِ. وَإِذَا قُلْنَا : آلُ فُلَانٍ فَالْعَوْدُ إلَى الْمُضَافِ ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ صِيغَةُ تَفْضِيلٍ فِي كَوْنِهِ مَآلًا وَمَرْجِعًا لِغَيْرِهِ لِأَنَّ كَوْنَهُ مُفَضَّلًا دَلَّ عَلَى أَنَّهُ مَآلٌ وَمَرْجِعٌ لَا آيِلٌ رَاجِعٌ ؛ إذْ لَا فَضْلَ فِي كَوْنِ الشَّيْءِ رَاجِعًا إلَى غَيْرِهِ آيِلًا إلَيْهِ وَإِنَّمَا الْفَضْلُ فِي كَوْنِهِ هُوَ الَّذِي يُرْجَعُ إلَيْهِ وَيُؤَالُ إلَيْهِ. فَلَمَّا كَانَتْ الصِّيغَةُ صِيغَةَ تَفْضِيلٍ أَشْعَرَتْ بِأَنَّهُ مُفَضَّلٌ فِي كَوْنِهِ مَآلًا وَمَرْجِعًا وَالتَّفْضِيلُ الْمُطْلَقُ فِي ذَلِكَ يَقْتَضِي أَنْ يَكُونَ هُوَ السَّابِقَ الْمُبْتَدِئَ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. فَتَأْوِيلُ الْكَلَامِ مَا أَوَّلَهُ إلَيْهِ الْمُتَكَلِّمُ أَوْ مَا يُؤَوَّلُ إلَيْهِ الْكَلَامُ أَوْ مَا تَأَوَّلَهُ الْمُتَكَلِّمُ ؛ فَإِنَّ التَّفْعِيلَ يَجْرِي عَلَى غَيْرِ فِعْلٍ كَقَوْلِ : {وَتَبَتَّلْ إلَيْهِ تَبْتِيلًا} فَيَجُوزُ أَنْ يُقَالَ تَأَوَّلَ الْكَلَامُ إلَى هَذَا الْمَعْنَى تَأْوِيلًا وَتَأَوَّلْت الْكَلَامَ تَأْوِيلًا وَأَوَّلْت الْكَلَامَ تَأْوِيلًا. وَالْمَصْدَرُ وَاقِعٌ مَوْقِعَ الصِّفَةِ إذْ قَدْ يَحْصُلُ الْمَصْدَرُ صِفَةً بِمَعْنَى الْفَاعِلِ كَعَدْلِ وَصَوْمٍ وَفِطْرٍ وَبِمَعْنَى الْمَفْعُولِ كَدِرْهَمِ ضَرْبِ الْأَمِيرِ وَهَذَا خَلْقُ اللَّهِ. فَالتَّأْوِيلُ : هُوَ مَا أُوِّلَ إلَيْهِ الْكَلَامُ أَوْ يُؤَوَّلُ إلَيْهِ أَوْ تَأَوَّلَ هُوَ إلَيْهِ. وَالْكَلَامُ إنَّمَا يَرْجِعُ وَيَعُودُ وَيَسْتَقِرُّ وَيَؤُولُ وَيُؤَوَّلُ إلَى حَقِيقَتِهِ الَّتِي هِيَ عَيْنُ الْمَقْصُودِ بِهِ كَمَا قَالَ بَعْضُ السَّلَفِ فِي قَوْلِهِ {لِكُلِّ","part":11,"page":305},{"id":4606,"text":"نَبَإٍ مُسْتَقَرٌّ} قَالَ حَقِيقَةٌ فَإِنَّهُ إنْ كَانَ خَبَرًا فَإِلَى الْحَقِيقَةِ الْمُخْبَرِ بِهَا يَئُولُ وَيَرْجِعُ وَإِلَّا لَمْ تَكُنْ لَهُ حَقِيقَةٌ وَلَا مَآلٌ وَلَا مَرْجِعٌ بَلْ كَانَ كَذِبًا وَإِنْ كَانَ طَلَبًا فَإِلَى الْحَقِيقَةِ الْمَطْلُوبَةِ يَئُولُ وَيَرْجِعُ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَقْصُودُهُ مَوْجُودًا وَلَا حَاصِلًا. وَمَتَى كَانَ الْخَبَرُ وَعْدًا أَوْ وَعِيدًا فَإِلَى الْحَقِيقَةِ الْمَطْلُوبَةِ الْمُنْتَظَرَةِ يَئُولُ كَمَا {رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ تَلَا هَذِهِ الْآيَةَ {قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِنْ فَوْقِكُمْ أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعًا} قَالَ إنَّهَا كَائِنَةٌ وَلَمْ يَأْتِ تَأْوِيلُهَا بَعْدُ} وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ : خَمْسٌ قَدْ مَضَيْنَ الْبَطْشَةُ وَاللِّزَامُ وَالدُّخَانُ وَالْقَمَرُ وَالرُّومُ.","part":11,"page":306},{"id":4608,"text":"فَصْلٌ\rوَأَمَّا إدْخَالُ أَسْمَاءِ اللَّهِ وَصِفَاتِهِ أَوْ بَعْضِ ذَلِكَ فِي الْمُتَشَابِهِ الَّذِي لَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إلَّا اللَّهُ. أَوْ اعْتِقَادُ أَنَّ ذَلِكَ هُوَ الْمُتَشَابِهُ الَّذِي اسْتَأْثَرَ اللَّهُ بِعِلْمِ تَأْوِيلِهِ كَمَا يَقُولُ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْ الْقَوْلَيْنِ طَوَائِفُ مِنْ أَصْحَابِنَا وَغَيْرِهِمْ. فَإِنَّهُمْ وَإِنْ أَصَابُوا فِي كَثِيرٍ مِمَّا يَقُولُونَهُ وَنَجَوْا مِنْ بِدَعٍ وَقَعَ فِيهَا غَيْرُهُمْ فَالْكَلَامُ عَلَى هَذَا مِنْ وَجْهَيْنِ : الْأَوَّلُ : مَنْ قَالَ : إنَّ هَذَا مِنْ الْمُتَشَابِهِ وَأَنَّهُ لَا يُفْهَمُ مَعْنَاهُ فَنَقُولُ أَمَّا الدَّلِيلُ عَلَى بُطْلَانِ ذَلِكَ فَإِنِّي مَا أَعْلَمُ عَنْ أَحَدٍ مِنْ سَلَفِ الْأُمَّةِ وَلَا مِنْ الْأَئِمَّةِ لَا أَحْمَد بْنِ حَنْبَلٍ وَلَا غَيْرِهِ أَنَّهُ جَعَلَ ذَلِكَ مِنْ الْمُتَشَابِهِ الدَّاخِلِ فِي هَذِهِ الْآيَةِ وَنَفَى أَنْ يَعْلَمَ أَحَدٌ مَعْنَاهُ. وَجَعَلُوا أَسْمَاءَ اللَّهِ وَصِفَاتِهِ بِمَنْزِلَةِ الْكَلَامِ الْأَعْجَمِيِّ الَّذِي لَا يُفْهَمُ وَلَا قَالُوا : إنَّ اللَّهَ يُنْزِلُ كَلَامًا لَا يَفْهَمُ أَحَدٌ مَعْنَاهُ وَإِنَّمَا قَالُوا كَلِمَاتٍ لَهَا مَعَانٍ صَحِيحَةٌ. قَالُوا فِي أَحَادِيثِ الصِّفَاتِ : تَمُرُّ كَمَا جَاءَتْ. وَنَهَوْا عَنْ تَأْوِيلَاتِ الْجَهْمِيَّة وَرَدُّوهَا وَأَبْطَلُوهَا الَّتِي مَضْمُونُهَا تَعْطِيلُ النُّصُوصِ عَمَّا دَلَّتْ عَلَيْهِ. وَنُصُوصُ أَحْمَد وَالْأَئِمَّةِ قَبْلَهُ بَيِّنَةٌ فِي أَنَّهُمْ كَانُوا يُبْطِلُونَ تَأْوِيلَاتِ الْجَهْمِيَّة وَيُقِرُّونَ النُّصُوصَ عَلَى مَا دَلَّتْ عَلَيْهِ مِنْ مَعْنَاهَا وَيَفْهَمُونَ مِنْهَا بَعْضَ مَا دَلَّتْ عَلَيْهِ كَمَا يَفْهَمُونَ ذَلِكَ فِي سَائِرِ نُصُوصِ الْوَعْدِ وَالْوَعِيدِ وَالْفَضَائِلِ وَغَيْرِ","part":11,"page":307},{"id":4609,"text":"ذَلِكَ. وَأَحْمَد قَدْ قَالَ فِي غَيْرِ أَحَادِيثِ الصِّفَاتِ : تَمُرُّ كَمَا جَاءَتْ وَفِي أَحَادِيثِ الْوَعِيدِ مِثْلَ قَوْلِهِ : {مَنْ غَشَّنَا فَلَيْسَ مِنَّا} وَأَحَادِيثِ الْفَضَائِلِ وَمَقْصُودُهُ بِذَلِكَ أَنَّ الْحَدِيثَ لَا يُحَرَّفُ كَلِمُهُ عَنْ مَوَاضِعِهِ كَمَا يَفْعَلُهُ مَنْ يُحَرِّفُهُ وَيُسَمَّى تَحْرِيفُهُ تَأْوِيلًا بِالْعُرْفِ الْمُتَأَخِّرِ. فَتَأْوِيلُ هَؤُلَاءِ الْمُتَأَخِّرِينَ عِنْدَ الْأَئِمَّةِ تَحْرِيفٌ بَاطِلٌ وَكَذَلِكَ نَصُّ أَحْمَد فِي كِتَابِ \" الرَّدِّ عَلَى الزَّنَادِقَةِ وَالْجَهْمِيَّة \" أَنَّهُمْ تَمَسَّكُوا بِمُتَشَابِهِ الْقُرْآنِ وَتَكَلَّمَ أَحْمَد عَلَى ذَلِكَ الْمُتَشَابِهِ وَبَيَّنَ مَعْنَاهُ وَتَفْسِيرَهُ بِمَا يُخَالِفُ تَأْوِيلَ الْجَهْمِيَّة وَجَرَى فِي ذَلِكَ عَلَى سُنَنِ الْأَئِمَّةِ قَبْلَهُ. فَهَذَا اتِّفَاقٌ مِنْ الْأَئِمَّةِ عَلَى أَنَّهُمْ يَعْلَمُونَ مَعْنَى هَذَا الْمُتَشَابِهِ وَأَنَّهُ لَا يُسْكَتُ عَنْ بَيَانِهِ وَتَفْسِيرِهِ بَلْ يُبَيَّنُ وَيُفَسَّرُ بِاتِّفَاقِ الْأَئِمَّةِ مِنْ غَيْرِ تَحْرِيفٍ لَهُ عَنْ مَوَاضِعِهِ أَوْ إلْحَادٍ فِي أَسْمَاءِ اللَّهِ وَآيَاتِهِ.","part":11,"page":308},{"id":4610,"text":"وَمِمَّا يُوَضِّحُ لَك مَا وَقَعَ هُنَا مِنْ الِاضْطِرَابِ أَنَّ أَهْلَ السُّنَّةِ مُتَّفِقُونَ عَلَى إبْطَالِ تَأْوِيلَاتِ الْجَهْمِيَّة وَنَحْوِهِمْ مِنْ الْمُنْحَرِفِينَ الْمُلْحِدِينَ. و\" التَّأْوِيلُ الْمَرْدُودُ \" هُوَ صَرْفُ الْكَلَامِ عَنْ ظَاهِرِهِ إلَى مَا يُخَالِفُ ظَاهِرَهُ. فَلَوْ قِيلَ إنَّ هَذَا هُوَ التَّأْوِيلُ الْمَذْكُورُ فِي الْآيَةِ وَأَنَّهُ لَا يَعْلَمُهُ إلَّا اللَّهُ لَكَانَ فِي هَذَا تَسْلِيمٌ للجهمية أَنَّ لِلْآيَةِ تَأْوِيلًا يُخَالِفُ دَلَالَتَهَا لَكِنَّ ذَلِكَ لَا يَعْلَمُهُ إلَّا اللَّهُ وَلَيْسَ هَذَا مَذْهَبَ السَّلَفِ وَالْأَئِمَّةِ وَإِنَّمَا مَذْهَبُهُمْ نَفْيُ هَذِهِ التَّأْوِيلَاتِ وَرَدُّهَا ؛ لَا التَّوَقُّفُ فِيهَا وَعِنْدَهُمْ قِرَاءَةُ الْآيَةِ وَالْحَدِيثِ تَفْسِيرُهَا وَتَمُرُّ كَمَا جَاءَتْ دَالَّةً عَلَى الْمَعَانِي لَا تُحَرَّفُ وَلَا يُلْحَدُ فِيهَا. وَالدَّلِيلُ عَلَى أَنَّ هَذَا لَيْسَ بِمُتَشَابِهِ لَا يُعْلَمُ مَعْنَاهُ أَنْ نَقُولَ : لَا رَيْبَ أَنَّ اللَّهَ سَمَّى نَفْسَهُ فِي الْقُرْآنِ بِأَسْمَاءِ مِثْلِ الرَّحْمَنِ وَالْوَدُودِ وَالْعَزِيزِ وَالْجَبَّارِ وَالْعَلِيمِ وَالْقَدِيرِ وَالرَّءُوفِ وَنَحْوِ ذَلِكَ وَوَصَفَ نَفْسَهُ بِصِفَاتِ مِثْلِ \" سُورَةِ الْإِخْلَاصِ \" و\" آيَةِ الْكُرْسِيِّ \" وَأَوَّلِ \" الْحَدِيدِ \" وَآخِرِ \" الْحَشْرِ \" وَقَوْلِهِ : {إنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ} و{عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} وَأَنَّهُ {يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ} و{الْمُقْسِطِينَ} و{الْمُحْسِنِينَ} وَأَنَّهُ يَرْضَى عَنْ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ {فَلَمَّا آسَفُونَا انْتَقَمْنَا مِنْهُمْ} {ذَلِكَ بِأَنَّهُمُ اتَّبَعُوا مَا أَسْخَطَ اللَّهَ} {وَلَكِنْ كَرِهَ اللَّهُ انْبِعَاثَهُمْ}","part":11,"page":309},{"id":4611,"text":"{الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى} {ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الْأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ} {وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاءِ إلَهٌ وَفِي الْأَرْضِ إلَهٌ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْعَلِيمُ} {إلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ} {إنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى}. {وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَفِي الْأَرْضِ} {مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ} {بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ}. {وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ}. {يُرِيدُونَ وَجْهَهُ} {وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي} - إلَى أَمْثَالِ ذَلِكَ. فَيُقَالُ لِمَنْ ادَّعَى فِي هَذَا أَنَّهُ مُتَشَابِهٌ لَا يُعْلَمُ مَعْنَاهُ : أَتَقُولُ هَذَا فِي جَمِيعِ مَا سَمَّى اللَّهُ وَوَصَفَ بِهِ نَفْسَهُ أَمْ فِي الْبَعْضِ ؟ فَإِنْ قُلْت : هَذَا فِي الْجَمِيعِ كَانَ هَذَا عِنَادًا ظَاهِرًا وَجَحْدًا لِمَا يُعْلَمُ بِالِاضْطِرَارِ مِنْ دِينِ الْإِسْلَامِ بَلْ كُفْرٌ صَرِيحٌ. فَإِنَّا نَفْهَمُ مِنْ قَوْلِهِ : {إنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ} مَعْنًى وَنَفْهَمُ مِنْ قَوْلِهِ : {إنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} مَعْنًى لَيْسَ هُوَ الْأَوَّلَ وَنَفْهَمُ مِنْ قَوْلِهِ : {وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ} مَعْنًى وَنَفْهَمُ مِنْ قَوْلِهِ : {إنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ ذُو انْتِقَامٍ} مَعْنًى. وَصِبْيَانُ الْمُسْلِمِينَ بَلْ وَكُلُّ عَاقِلٍ يَفْهَمُ هَذَا.أ هـ {مجموع الفتاوى حـ 13 صـ 273 ـ 297}","part":11,"page":310},{"id":4612,"text":"قوله تعالى {رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ (8)}\rمناسبة الآية لما قبلها\rقال البقاعى : \rولما علم بذلك أن الراسخين أيقنوا أنه من عند الله المستلزم لأنه لا عوج فيه أخبر أنهم أقبلوا على التضرع إليه في أن يثبتهم بعد هدايته ثم أن يرحمهم ببيان ما أشكل عليهم بقوله حاكياً عنهم وهو في الحقيقة تلقين منه لهم لطفاً بهم مقدماً ما ينبغي تقديمه من السؤال في تطهير القلب عما لا ينبغي على طلب تنويره بما ينبغي لأن إزالة المانع قبل إيجاد المقتضي عين الحكمة : {ربنا} أي المحسن إلينا {لا تزغ قلوبنا} أي عن الحق.\rولما كان صلاح القلب صلاح الجملة وفساده فسادها وكان ثبات الإنسان على سنن الاستقامة من غير عوج أصلاً مما لم يجر به سبحانه وتعالى عادته لغير المعصومين قال نازعاً الجار مسنداً الفعل غلى ضمير الجملة : {بعد إذ هديتنا} إليه.\rوقال الحرالي : ففي إلاحة معناه أن هذا الابتهال واقع من أولي الألباب ليترقوا من محلهم من التذكر إلى ما هو أعلى وأبطن انتهى.\rفلذلك قالوا : {وهب لنا من لدنك} أي أمرك الخاص بحضرتك القدسية ، الباطن عن غير خواصك {رحمة} أي فضلاً ومنحة منك ابتداء من غير سبب منا ، ونكرها تعظيماً بأن أيسر شيء منها يكفي الموهوب.\rولما لم يكن لغيره شيء أصلاً فكان كل عطاء من فضله قالوا وقال الحرالي : ولما كان الأمر اللدني ليس مما في فطر الخلق وجبلاتهم وإقامة حكمتهم ، وإنما هو موهبة من الله سبحانه وتعالى بحسب العناية ختم بقوله : {إنك أنت الوهاب} وهي صيغة مبالغة من الوهب والهبة ، وهي العطية سماحاً من غير قصد من الموهوب انتهى. أ هـ {نظم الدرر حـ 2 صـ 26}\rفصل\rقال الفخر : ","part":11,"page":311},{"id":4613,"text":"اعلم أنه تعالى كما حكى عن الراسخين أنهم يقولون آمنا به حكي عنهم أنهم يقولون {رَبَّنَا لاَ تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا} وحذف {يَقُولُونَ} لدلالة الأول عليه ، وكما في قوله {وَيَتَفَكَّرُونَ فِى خَلْقِ السموات والأرض رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذا باطلا} [ آل عمران : 191 ] وفي هذه الآية اختلف كلام أهل السنة وكلام المعتزلة.\rأما كلام أهل السنة فظاهر ، وذلك لأن القلب صالح لأن يميل إلى الإيمان ، وصالح لأن يميل إلى الكفر ، ويمتنع أن يميل إلى أحد الجانبين إلا عند حدوث داعية وإرادة يحدثها الله تعالى ، فإن كانت تلك الداعية داعية الكفر ، فهي الخذلان ، والإزاغة ، والصد ، والختم ، والطبع ، والرين ، والقسوة ، والوقر ، والكنان ، وغيرها من الألفاظ الواردة في القرآن ، وإن كانت تلك الداعية داعية الإيمان فهي : التوفيق ، والرشاد ، والهداية ، والتسديد ، والتثبيت ، والعصمة ، وغيرها من الألفاظ الواردة في القرآن ، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : \" قلب المؤمن بين أصبعين من أصابع الرحمن \" والمراد من هذين الأصبعين الداعيتان ، فكما أن الشيء الذي يكون بين أصبعي الإنسان يتقلب كما يقلبه الإنسان بواسطة ذينك الأصبعين ، فكذلك القلب لكونه بين الداعيتين يتقلب كما يقلبه الحق بواسطة تينك الداعيتين ، ومن أنصف ولم يتعسف ، وجرب نفسه وجد هذا المعنى كالشيء المحسوس ، ولو جوّز حدوث إحدى الداعيتين من غير محدث ومؤثر لزمه نفي الصانع وكان صلى الله عليه وسلم يقول : \" يا مقلب القلوب والأبصار ثبت قلبي على دينك \" ومعناه ما ذكرنا فلما آمن الراسخون في العلم بكل ما أنزل الله تعالى من المحكمات والمتشابهات تضرعوا إليه سبحانه وتعالى في أن لا يجعل قلوبهم مائلة إلى الباطل بعد أن جعلها مائلة إلى الحق ، فهذا كلام برهاني متأكد بتحقيق قرآني.","part":11,"page":312},{"id":4614,"text":"ومما يؤكد ما ذكرناه أن الله تعالى مدح هؤلاء المؤمنين بأنهم لا يتبعون المتشابهات ، بل يؤمنون بها على سبيل الإجمال ، وترك الخوض فيها فيبعد منهم في مثل هذا الوقت أن يتكلموا بالمتشابه فلا بد وأن يكونوا قد تكلموا بهذا الدعاء لاعتقادهم أن من المحكمات ، ثم إن الله تعالى حكى ذلك عنهم في معرض المدح لهم والثناء عليهم بسبب أنهم قالوا ذلك ، وهذا يدل على أن هذه الآية من أقوى المحكمات ، وهذا كلام متين.\rوأما المعتزلة فقد قالوا : لما دلّت الدلائل على أن الزيغ لا يجوز أن يكون بفعل الله تعالى ، وجب صرف هذه الآية إلى التأويل ، فأما دلائلهم فقد ذكرناها في تفسير قوله تعالى : {سَوَاء عَلَيْهِمْ ءَأَنذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنذِرْهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ} [ البقرة : 6 ].","part":11,"page":313},{"id":4615,"text":"ومما احتجوا به في هذا الموضع خاصة قوله تعالى : {فَلَمَّا زَاغُواْ أَزَاغَ الله قُلُوبَهُمْ} [ الصف : 5 ] وهو صريح في أن ابتداء الزيغ منهم ، وأما تأويلاتهم في هذه الآية فمن وجوه الأول : وهو الذي قاله الجبائي واختاره القاضي : أن المراد بقوله {لاَ تُزِغْ قُلُوبَنَا} يعني لا تمنعها الألطاف التي معها يستمر قلبهم على صفة الإيمان ، وذلك لأنه تعالى لما منعهم ألطافه عند استحقاقهم منع ذلك جاز أن يقال : أزاغهم ويدل على هذا قوله تعالى : {فَلَمَّا زَاغُواْ أَزَاغَ الله قُلُوبَهُمْ} [ الصف : 5 ] والثاني : قال الأصم : لا تبلنا ببلوى تزيغ عندها قلوبنا فهو كقوله {وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنَا عَلَيْهِمْ أَنِ اقتلوا أَنفُسَكُمْ أَوِ اخرجوا مِن دياركم مَّا فَعَلُوهُ إِلاَّ قَلِيلٌ مّنْهُمْ} [ النساء : 66 ] وقال : {لَّجَعَلْنَا لِمَن يَكْفُرُ بالرحمن لِبُيُوتِهِمْ سُقُفاً مّن فِضَّةٍ} [ الزخرف : 33 ] والمعنى لا تكلفنا من العبادات ما لا نأمن معه الزيغ ، وقد يقول القائل : لا تحملني على إيذائك أي لا تفعل ما أصير عنده مؤذياً لك الثالث : قال الكعبي {لاَ تُزِغْ قُلُوبَنَا} أي لا تسمنا باسم الزائغ ، كما يقال : فلان يكفر فلاناً إذا سماه كافراً ، والرابع : قال الجبائي : أي لا تزغ قلوبنا عن جنتك وثوابك بعد إذ هديتنا ؛ وهذا قريب من الوجه الأول إلا أن يحمل على شيء آخر ، وهو أنه تعالى إذا علم أنه مؤمن في الحال ، وعلم أنه لو بقي إلى السنة الثانية لكفر ، فقوله {لاَ تُزِغْ قُلُوبَنَا} محمول على أن يميته قبل أن يصير كافراً ، وذلك لأن إبقاءه حياً إلى السنة الثانية يجري مجرى ما إذا أزاغه عن طريق الجنة الخامس : قال الأصم {لاَ تُزِغْ قُلُوبَنَا} عن كمال العقل بالجنون بعد إذ هديتنا بنور العقل السادس : قال أبو مسلم : احرسنا من الشيطان ومن شرور أنفسنا حتى لا نزيغ ، فهذا جمل ما ذكروه في تأويل هذه الآية وهي بأسرها ضعيفة.","part":11,"page":314},{"id":4616,"text":"أما الأول : فلأن من مذهبم أن كل ما صحّ في قدرة الله تعالى أن يفعل في حقهم لطفاً وجب عليه ذلك وجوباً لو تركه لبطلت إلهيته ، ولصار جاهلاً ومحتاجاً والشيء الذي يكون كذلك فأي حاجة إلى الدعاء في طلبه بل هذا القول يستمر على قول بشر بن المعتمر وأصحابه الذين لا يوجبون على الله فعل جميع الألطاف.\rوأما الثاني : فضعيف ، لأن التشديد في التكليف إن علم الله تعالى له أثراً في حمل المكلف على القبيح قبح من الله تعالى ، وإن علم الله تعالى أنه لا أثر له ألبتة في حمل المكلف على فعل القبيح كان وجوده كعدمه فيما يرجع إلى كون العبد مطيعاً وعاصياً ، فلا فائدة في صرف الدعاء إليه.\rوأما الثالث : فهو أن التسمية بالزيغ والكفر دائر مع الكفر وجوداً وعدماً والكفر والزيغ باختيار العبد ، فلا فائدة في قوله لا تسمنا باسم الزيغ والكفر.\rوأما الرابع : فهو أنه لو كان علمه تعالى بأنه يكفر في السنة الثانية ، يوجب عليه أن يميته لكان علمه بأن لا يؤمن قط ويكفر طول عمره يوجب عليه لا يخلقه.\rوأما الخامس : وهو حمله على إبقاء العقل فضعيف ، لأن هذا متعلق بما قال قبل هذه الآية {فَأَمَّا الَّذِينَ فى قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ} [ آل عمران : 7 ].\rوأما السادس : وهو أن الحراسة من الشيطان ومن شرور النفس إن كان مقدوراً وجب فعله ، فلا فائدة في الدعاء وإن لم يكن مقدوراً تعذر فعله فلا فائدة في الدعاء ، فظهر بما ذكرنا سقوط هذه الوجوه ، وأن الحق ما ذهبنا إليه.\rفإن قيل : فعلى ذلك القول كيف الكلام في تفسير قوله تعالى : {فَلَمَّا زَاغُواْ أَزَاغَ الله قُلُوبَهُمْ} [ الصف : 5 ].\rقلنا : لا يبعد أن يقال إن الله تعالى يزيغهم ابتداء فعند ذلك يزيغون ، ثم يترتب على هذا الزيغ إزاغة أخرى سوى الأولى من الله تعالى وكل ذلك لا منافاة فيه.","part":11,"page":315},{"id":4617,"text":"أما قوله تعالى : {بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا} أي بعد أن جعلتنا مهتدين ، وهذا أيضاً صريح في أن حصول الهداية في القلب بتخليق الله تعالى. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 7 صـ 155 ـ 157}\rوقال القرطبى : \rقوله تعالى : {رَبَّنَا لاَ تُزِغْ قُلُوبَنَا} في الكلام حذف تقديره يقولون.\rوهذا حكاية عن الراسخين.\rويجوز أن يكون المعنى قل يا محمد ، ويقال : إزاغة القلب فسادٌ ومَيْل عن الدِّين ، أفكانوا يخافون وقد هُدُوا أن ينقلهم الله إلى الفساد ؟ فالجواب أن يكونوا سألوا إذ هداهم الله ألاّ يبتليهم بما يثقُل عليهم من الأعمال فَيَعْجِزوا عنه ؛ نحو {وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنَا عَلَيْهِمْ أَنِ اقتلوا أَنْفُسَكُمْ أَوِ اخرجوا مِن دِيَارِكُمْ} [ النساء : 66 ] قال ابن كيسان : سألوا ألا يَزِيغوا فيُزِيغ الله قلوبهم ؛ نحو {فَلَمَّا زاغوا أَزَاغَ الله قُلُوبَهُمْ} [ الصف : 5 ] أي ثبِّتنا على هدايتك إذ هديتنا وألا نَزيغ فنستحق أن تُزيغ قلوبنا.\rوقيل : هو منقطع مما قبلُ ؛ وذلك أنه تعالى لما ذكر أهل الزيغ عقب ذلك بأن علم عباده الدعاء إليه في ألا يكونوا من الطائفة الذميمة التي ذُكِرت وهي أهل الزّيْغ.\rوفي ( الموطأ ) عن أبي عبد الله الصنابِحِيّ أنه قال : قدِمتُ المدينة في خلافة أبي بكر الصديق فصليتُ وراءه المغرب ، فقرأ في الركعتين الأُوليين بأُمّ القرآن وسورة من قصار المُفَصَّل ، ثم قام في الثالثة ، فدنوت منه حتى إن ثيابي لتكاد تمس ثيابه ، فسمعته يقرأ بأُمّ القرآن وهذه الآية {رَبَّنَا لا تُزِغْ قُلُوبَنَا} الآية.\rقال العلماء : قراءته بهذه الآية ضرْبٌ من القُنوتْ والدعاء لما كان فيه من أمر أهل الردّة.\rوالقنوت جائز في المغرب عند جماعة من أهل العلم ، وفي كل صلاة أيضاً إذا دهِم المسلمين أمرٌ عظيم يُفزعهم ويخافون منه على أنفسهم.","part":11,"page":316},{"id":4618,"text":"وروى الترمِذِيّ من حديث \" شَهْر بن حَوْشَب قال قلت لأُمّ سَلَمة : يا أُمّ المؤمنين ، ما كان أكثَرُ دعاءِ رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا كان عندك ؟ قالت : كان أكثر دعائه \"يا مُقَلِّب القلوب ثَبِّتْ قلبي على دِينك\".\rفقلت : يا رسول الله ، ما أكثر دعاءَك يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك! قال : \"يا أُمّ سلمة إنه ليس آدمي إلا وقلبه بين أصبعين من أصابع الله فمن شاء أقام ومن شاء أزاغ\".\rفتلا معاذ {رَبَّنَا لاَ تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْد إذْ هَدَيْتَنَا} \" قال : حديث حسن.\rوهذه الآية حجة على المعتزلة في قولهم : إن الله لا يضِل العباد.\rولو لم تكن الإزاغة من قِبله لما جاز أن يُدْعَى في دفع ما لا يجوز عليه فعلُه.\rوقرأ أبو واقد الجرّاح \"لا تَزِغْ قُلُوبَنَا\" بإسناد الفعل إلى القلوب ، وهذه رغبة إلى الله تعالى.\rومعنى الآية على القراءتين ألا يكون منك خلق الزيغ فيها فتزيغ. أ هـ {تفسير القرطبى حـ 4 صـ 19 ـ 20}\rلطيفة\rقال الخازن : \rوإنما خص القلوب بالذكر لفائدة وهي أن الله تعالى جعل القلوب ، محلاً للخواطر والإرادات والنيات وهي مقدمات الأفعال ثم جعل سائر الجوارح تابعة للقلوب في الحركات والسكنات والله أعلم. أ هـ {تفسير الخازن حـ 1 صـ 213}","part":11,"page":317},{"id":4619,"text":"فائدة\rقال ابن عاشور : \rزيغ القلب يتسبب عن عوارض تعرض للعقل : من خلل في ذاته ، أو دواع من الخلطة أو الشهوة ، أو ضعف الإرادة ، تحول بالنفس عن الفضائل المتحلية بها إلى رذائل كانت تهجس بالنفس فتذودها النفس عنها بما استقر في النفس من تعاليم الخير المسماة بالهدى ، ولا يدري المؤمن ، ولا العاقل ، ولا الحكيم ، ولا المهذب : أية ساعة تحل فيها به أسباب الشقاء ، وكذلك لا يدري الشقي ، ولا المنهمك ، الأفن : أية ساعة تحف فيها به أسباب الإقلاع عما هو متلبس به من تغير خلق ، أو خلق ، أو تبدل خليط ، قال تعالى {وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ} [الأنعام : 110] ولذا كان دأب القرآن قرن الثناء بالتحذير ، والبشارة بالإنذار. أ هـ {التحرير والتنوير حـ 3 صـ 29}\rفائدة\rقال الآلوسى : \r\" أخرج الحكيم الترمذي من طريق عتبة بن عبد الله بن خالد بن معدان عن أبيه عن جده قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : \" إنما الإيمان بمنزلة القميص مرة تقمصه ومرة تنزعه \" والروايات بمعنى ذلك كثيرة وهي تدل على جواز عروض الكفر بعد الإيمان بطروّ الشك مثلاً والعياذ بالله تعالى ، وفي كلام الصحابة رضي الله تعالى عنهم أيضاً ما يدل على ذلك فقد أخرج ابن سعد عن أبي عطاف أن أبا هريرة كان يقول أي رب لا أزنين أي رب لا أسرقن أي رب لا أكفرن قيل له : أوَ تخاف ؟ قال : آمنت بمحرف القلوب ثلاثاً ، وأخرج الحكيم الترمذي عن أبي الدرداء قال : \"كان عبد الله بن رواحة إذا لقيني قال : اجلس يا عويمر فلنؤمن ساعة فنجلس فنذكر الله تعالى على ما يشاء ثم قال : يا عويمر هذه مجالس الإيمان إن مثل الإيمان ومثلك كمثل قميصك بينا أنا قد نزعته إذ لبسته وبينا أنت قد لبسته إذ نزعته يا عويمر للقلب أسرع تقلباً من القدر إذا استجمعت غلياناً\" ، وعن أبي أيوب الأنصاري \"ليأتين على الرجل أحايين وما في جلده موضع إبرة من النفاق وليأتين عليه أحايين وما في جلده موضع إبرة من إيمان.","part":11,"page":318},{"id":4620,"text":"وادعى بعضهم أن هذا بالنسبة إلى الإيمان الغير الكامل وما رجع من رجع إلا من الطريق ، وأما بعد حصول الإيمان الكامل والتصديق الجازم والعلم الثابت المطابق فلا يتصور رجعة وكفر أصلاً لئلا يلزم انقلاب العلم جهلاً وهو محال والتزم تأويل جميع ما يدل على ذلك ، ولا يخفى أن هذا القول مما يكاد يجر إلى الأمن من مكر الله تعالى والتزام تأويل النصوص لشبهة اختلجت في الصدر هي أوهن من بيت العنكبوت في التحقيق مما لا يقدم عليه من له أدنى مسكة كما لا يخفى فتدبر. أ هـ {روح المعانى حـ 3 صـ 90}\rقوله تعالى : {وَهَبْ لَنَا مِن لَّدُنكَ رَحْمَةً}\rقال الفخر : \rاعلم أن تطهير القلب عما لا ينبغي مقدم على تنويره مما ينبغي ، فهؤلاء المؤمنون سألوا ربهم أولاً أن لا يجعل قلوبهم مائلة إلى الباطل والعقائد الفاسدة ، ثم أنهم ابتغوا ذلك بأن طلبوا من ربهم أن ينور قلوبهم بأنوار المعرفة ، وجوارحهم وأعضائهم بزينة الطاعة ، وإنما قال : {رَحْمَةً} ليكون ذلك شاملاً لجميع أنواع الرحمة ، فأولها : أن يحصل في القلب نور الإيمان والتوحيد والمعرفة ، وثانيها : أن يحصل في الجوارح والأعضاء نور الطاعة والعبودية والخدمة ، وثالثها : أن يحصل في الدنيا سهولة أسباب المعيشة من الأمن والصحة والكفاية ورابعها : أن يحصل عند الموت سهولة سكرات الموت وخامسها : أن يحصل في القبر سهولة السؤال ، وسهولة ظلمة القبر.","part":11,"page":319},{"id":4621,"text":"وسادسها : أن يحصل في القيامة سهولة العقاب والخطاب وغفران السيئات وترجيح الحسنات فقوله {مِن لَّدُنكَ رَحْمَةً} يتناول جميع هذه الأقسام ، ولما ثبت بالبراهين الباهرة القاهرة أنه لا رحيم إلا هو ، ولا كريم إلا هو ، لا جرم أكد ذلك بقوله {مِن لَّدُنْكَ} تنبيهاً للعقل والقلب والروح على أن المقصود لا يحصل إلا منه سبحانه ، ولما كان هذا المطلوب في غاية العظمة بالنسبة إلى العبد لا جرم ذكرها على سبيل التنكير ، كأنه يقول : أطلب رحمة وأية رحمة ، أطلب رحمة من لدنك ، وتليق بك ، وذلك يوجب غاية العظمة. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 7 صـ 157 ـ 158}\rوقال ابن عاشور : \rوقوله {وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً} طلبوا أثر الدوام على الهدى وهو الرحمة ، في الدنيا والآخرة ، ومنع دواعي الزيغ والشر. وجعلت الرحمة من عند الله لأن تيسير أسبابها ، وتكوين مهيئاتها ، بتقدير الله ؛ إذ لو شاء الله لكان الإنسان معرضا لنزول المصائب والشرور في كل لمحة ؛ فإنه محفوف بموجودات كثيرة ، حية وغير حية ، هو تلقائها في غاية الضعف ، لولا لطف الله به إيقاظ عقله لاتقاء الحوادث ، وبإرشاده لاجتناب أفعال الشرور المهلكة ، وبإلهامه إلى ما فيه نفعه ، وبجعل تلك القوى الغالبة له قوى عمياء لا تهتدي سبيلا إلى قصده ، ولا تصادفه إلا على سبيل الندور ولهذا قال تعالى {اللَّهُ لَطِيفٌ بِعِبَادِهِ} [الشورى : 19] ومن أجلى مظاهر اللطف أحوال الاضطرار والالتجاء وقد كنت قلت كلمة اللطف عند الاضطرار. أ هـ {التحرير والتنوير حـ 3 صـ 30}\rفائدة\rقال الطبرى : ","part":11,"page":320},{"id":4622,"text":"وفي مدح الله جل ثناؤه هؤلاء القوم بما مدحهم به من رغبتهم إليه في أن لا يزيغ قلوبهم ، وأن يعطيهم رحمةً منه معونة لهم للثبات على ما هُم عليه من حسن البصيرة بالحق الذي هم عليه مقيمون ما أبان عن خطأ قول الجهَلة من القدَرية : أن إزاغة الله قلب من أزاغ قلبه من عباده عن طاعته وإمالته له عنها ، جَوْرٌ. لأن ذلك لو كان كما قالوا ، لكان الذين قالوا : \"ربنا لا تزغ قلوبنا بعدَ إذ هدَيتنا\" ، بالذم أولى منهم بالمدح. لأن القول لو كان كما قالوا ، لكان القوم إنما سألوا ربَّهم بمسألتهم إياه أن لا يزيغ قلوبهم أن لا يظلمهم ولا يجورَ عليهم. وذلك من السائل جهلٌ ، لأن الله جل ثناؤه لا يظلم عبادَه ولا يجور عليهم. وقد أعلم عبادَه ذلك ونَفاه عن نفسه بقوله : ( وَمَا رَبُّكَ بِظَلامٍ لِلْعَبِيدِ ) [سورة فصلت : 46]. ولا وجه لمسألته أن يكون بالصفة التي قد أخبرهم أنه بها. وفي فساد ما قالوا من ذلك ، الدليلُ الواضح على أن عدلا من الله عز وجل : إزاغةُ من أزاغَ قلبه من عباده عن طاعته ، فلذلك استحقّ المدحَ مَنْ رغب إليه في أن لا يزيغه ، لتوجيهه الرغبة إلى أهلها ، ووضعه مسألته موضعها ، مع تظاهر الأخبار عن رسول الله صلى الله عليه وسلم برغبته إلى ربه في ذلك ، مع محله منه وكرامته عليه. أ هـ {تفسير الطبرى حـ 6 صـ 212 ـ 213}\rوقال الآلوسى : \r{رَحْمَةً} مفعول لـ {هب} وتنوينه للتفخيم ، والمراد بالرحمة الإحسان والإنعام مطلقاً ، وقيل : الإنعام المخصوص وهو التوفيق للثبات على الحق ، وفي سؤال ذلك بلفظ الهبة إشارة إلى أن ذلك منه تعالى تفضل محض من غير شائبة وجوب عليه عز شأنه وتأخير المفعول الصريح للتشويق. أ هـ {روح المعانى حـ 3 صـ 90}\rوقال أبو حيان : ","part":11,"page":321},{"id":4623,"text":"{وهب لنا من لدنك رحمة} سألوا بلفظ الهبة المشعرة بالتفضل والإحسان إليهم من غير سبب ولا عمل ولا معاوضة ، لأن الهبة كذلك تكون ، وخصوها بأنها من عنده ، والرحمة إن كانت من صفات الذات فلا يمكن فيها الهبة ، بل يكون المعنى : نعيماً ، أو ثواباً صادراً عن الرحمة.\rولما كان المسؤول صادراً عن الرحمة ، صح أن يسألوا الرحمة إجراءً للسبب مجرى المسبب وقيل : معنى رحمة توفيقاً وسداداً وتثبيتاً لما نحن عليه من الإيمان والهدى. أ هـ {البحر المحيط حـ 2 صـ 403}\rقوله تعالى : {إِنَّكَ أَنتَ الوهاب}\rقال الفخر : \r{إِنَّكَ أَنتَ الوهاب} كأن العبد يقول : إلهي هذا الذي طلبته منك في هذا الدعاء عظيم بالنسبة إلي ، لكنه حقير بالنسبة إلى كمال كرمك ، وغاية جودك ورحمتك ، فأنت الوهاب الذي من هبتك حصلت حقائق الأشياء وذواتها وماهياتها ووجوداتها فكل ما سواك فمن جودك وإحسانك وكرمك ، يا دائم المعروف ، يا قديم الإحسان ، لا تخيب رجاء هذا المسكين ، ولا ترد دعاءه ، واجعله بفضلك أهلاً لرحمتك يا أرحم الراحمين وأكرم الأكرمين. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 7 صـ 158}\rوقال أبو السعود : \r{إِنَّكَ أَنتَ الوهاب} تعليل للسؤال أو لإعطاء المسؤولِ وأنت إما مبتدأٌ أو فصلٌ أو تأكيدٌ لاسم إنّ وإطلاقُ الوهاب ليتناول كلَّ موهوب ، وفيه دِلالة على أن الهدى والضلال من قِبله تعالى وأنه متفضّلٌ بما يُنعم به على عباده من غير أن يجب عليه شيء. أ هـ {تفسير أبى السعود حـ 2 صـ 9}\rوقال ابن عاشور : \rوالقصر في قوله {إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ} للمبالغة ، لأجل كمال الصفة فيه تعالى ؛ لأن هبات الناس بالنسبة لما أفاض الله من الخيرات شيء لا يعبأ به. وفي هذه الجملة تأكيد بأن ، وبالجملة الاسمية ، وبطريق القصر. أ هـ {التحرير والتنوير حـ 3 صـ 30}\rمن لطائف الإمام القشيرى فى الآية","part":11,"page":322},{"id":4624,"text":"ما ازدادوا قرباً إلا ازدادوا أدباً ، واللياذ إلى التباعد أقوى أسباب رعاية الأدب ويقال حين صدقوا في حسن الاستعانة أُمِدُّوا بأنوار الكفاية. أ هـ {لطائف الإشارات حـ 1 صـ 221}\rفائدة\rقال السعدى : \rوقد أثنى الله تعالى على الراسخين في العلم بسبع صفات هي عنوان سعادة العبد : \rإحداها : العلم الذي هو الطريق الموصل إلى الله ، المبين لأحكامه وشرائعه ، \rالثانية : الرسوخ في العلم وهذا قدر زائد على مجرد العلم ، فإن الراسخ في العلم يقتضي أن يكون عالما محققا ، وعارفا مدققا ، قد علمه الله ظاهر العلم وباطنه ، فرسخ قدمه في أسرار الشريعة علما وحالا وعملا\rالثالثة : أنه وصفهم بالإيمان بجميع كتابه ورد لمتشابهه إلى محكمه ، بقوله {يقولون آمنا به كل من عند ربنا}\rالرابعة : أنهم سألوا الله العفو والعافية مما ابتلي به الزائغون المنحرفون ، \rالخامسة : اعترافهم بمنة الله عليهم بالهداية وذلك قوله {ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا}\rالسادسة : أنهم مع هذا سألوه رحمته المتضمنة حصول كل خير واندفاع كل شر ، وتوسلوا إليه باسمه الوهاب ، \rالسابعة : أنه أخبر عن إيمانهم وإيقانهم بيوم القيامة وخوفهم منه ، وهذا هو الموجب للعمل الرادع عن الزلل. أ هـ {تفسير السعدى صـ 123}\rفائدة\rقال سهل : ليس للعبد حيلة سوى أن يواظب في جميع عمره على قول : \" رب سلم سلم ، الأمان الأمان ، الغوث الغوث \" .\rقال الله تعالى : {كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ} [ الأعراف : 29 ] يعني ينبغي للموحد أن يعلم يقيناً أنه ليس كل من أجل الحق أحبه ، لأن إبليس قابله بعلاء الحب فقال : {أَأَسْجُدُ لِمَنْ خَلَقْتَ طِيناً} [ الإسراء : 61 ] وأنت الله لا يجوز أن يعبد غيرك ، حتى لعنه . فليس كل من تقرب إليه قبله وليس كل من أطاعه قبل طاعته ، إنه بصير بما في الضمير ، فلا يأمن أحد أن يفعل به كما فعل بإبليس لعنه بأنوار عصمته ، وهو عنده في حقائق لعنته ، ستر عليه ما سبق منه إليه حتى عاقبه بإظهاره عليه ، فليس للعبد إلاَّ استدامة الغوث بين يديه.\rقال : وموضع الإيمان بالله تعالى القلب ، وموضع الإسلام الصدر ، وفيه تقع الزيادة والنقصان. أ هـ {تفسير التسترى صـ 67} بتصرف يسير.","part":11,"page":323},{"id":4625,"text":"قوله تعالى {رَبَّنَا إِنَّكَ جَامِعُ النَّاسِ لِيَوْمٍ لَا رَيْبَ فِيهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُخْلِفُ الْمِيعَادَ (9)}\rمناسبة الآية لما قبلها\rقال البقاعى : \rولما كان من المعلوم من أول ما فرغ السمع من الكتاب في الفاتحة وأول البقرة وأثنائها أن للناس يوماً يدانون فيه وصلوا بقولهم السابق قوله : {ربنا إنك جامع} قال الحرالي : من الجمع ، وهو ضم ما شأنه الافتراق والتنافر لطفاً أو قهراً انتهى.\r{الناس} أي كلهم {ليوم} أي يدانون فيه {لا ريب فيه} ثم عللوا نفي الريب بقولهم عادلين عن الخطاب آتين بالاسم الأعظم لأن المقام للجلال : {إن الله} أي المحيط بصفات الكمال {لا يخلف} ولما كان نفي الخلف في زمن الوعد ومكانه أبلغ من نفي خلافه نفسه عبر بالمفعال فقال : {الميعاد} وقال الحرالي : هو مفعال من الوعد ، وصيغ لمعنى تكرره ودوامه ، والوعد العهد في الخير انتهى.","part":11,"page":324},{"id":4626,"text":"وكل ذلك تنبيهاً على أنه يجب التثبت في فهم الكتاب والإحجام عن مشكله خوفاً من الفضيحة يوم الجمع يوم يساقون إليه ويقفون بين يديه ، فكأنه تعالى يقول للنصارى : هب أنه أشكل عليكم بعض أفعالي وأقوالي في الإنجيل فهلا فعلتم فعل الراسخين فنزهتموني عما لا يليق بجلالي من التناقض وغيره ، ووكلتم أمر ذلك إليّ ، وعولتم في فتح مغلقه عليّ خوفاً من يوم الدين ؟ قال ابن الزبير : ثم لما بلغ الكلام إلى هنا أي إلى آيه التصوير كان كأنه قد قيل : فكيف طرأ عليهم ما طرأ مع وجود الكتب ؟ أخبر تعالى بشأن الكتاب وأنه محكم ومتشابه ، وكذا عيره من الكتب والله سبحانه وتعالى أعلم ، فحال أهل التوفيق تحكيم المحكم ، وحال أهل الزيغ اتباع المتشابه والتعلق به ، وهذا بيان لقوله : {يضل به كثيراً ويهدي به كثيراً} [ البقرة : 26 ] وكل هذا بيان لكون الكتاب العزيز أعظم فرقان وأوضح بيان إذ قد أوضح أحوال المختلفين ومن أين أتى عليهم مع وجود الكتب ، وفي أثناء ذلك تنبيه العباد على عجزهم وعدم استبدادهم لئلا يغتر الغافل فيقول مع هذا البيان ووضوح الأمر : لا طريق إلى تنكب الصراط ، فنبهوا حين علموا الدعاء من قوله : {وإياك نستعين} [ الفاتحة : 4 ] ثم كرر تنبيههم لشدة الحاجة ليذكر هذا أبداً ، ففيه معظم البيان ، ومن اعتقاد الاستبداد ينشأ الشرك الأكبر إذ اعتقاد الاستبداد بالأفعال إخراج لنصف الموجودات عن يد بارئها {والله خلقكم وما تعملون} [ الصافات : 96 ] فمن التنبيه {إن الذين كفروا} [ البقرة : 6 ] ومنه : {يضل به كثيراً ويهدي به كثيراً} [ البقرة : 26 ] ومنه {آمن الرسول} [ البقرة : 285 ] إلى خاتمتها ، هذا من جلي التنبيه ومحكمه ، ومما يرجع إليه ويجوز معناه بعد اعتباره : {وإلهكم إله واحد} [ البقرة : 163 ] وقوله : {الله لا إله إلا هو الحي القيوم} [ البقرة : 255 ] ، فمن رأى الفعل أو بعضه لغيره تعالى حقيقة فقد قال بإلهية غيره ، ثم حذروا أشد","part":11,"page":325},{"id":4627,"text":"التحذير لما بين لهم فقال تعالى : {إن الذين كفروا بآيات الله لهم عذاب شديد} [ آل عمران : 4 ] ثم ارتبطت الآيات إلى آخرها انتهى. أ هـ {نظم الدرر حـ 2 صـ 26 ـ 27}\rقال الفخر : \rاعلم أن هذا الدعاء من بقية كلام الراسخين في العلم ، وذلك لأنهم لما طلبوا من الله تعالى أن يصونهم عن الزيغ ، وأن يخصهم بالهداية والرحمة ، فكأنهم قالوا : ليس الغرض من هذا السؤال ما يتعلق بمصالح الدنيا فإنها منقضية منقرضة ، وإنما الغرض الأعظم منه ما يتعلق بالآخرة فإنا نعلم أنك يا إلهنا جامع الناس للجزاء في يوم القيامة ، ونعلم أن وعدك لا يكون خلفاً وكلامك لا يكون كذباً ، فمن زاغ قلبه بقي هناك في العذاب أبد الآباد ، ومن أعطيته التوفيق والهداية والرحمة وجعلته من المؤمنين ، بقي هناك في السعادة والكرامة أبد الآباد ، فالغرض الأعظم من ذلك الدعاء ما يتعلق بالآخرة. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 7 صـ 158}\rفائدة\rقال الفخر : \rقوله {رَبَّنَا إِنَّكَ جَامِعُ الناس لِيَوْمٍ لاَّ رَيْبَ فِيهِ} تقديره : جامع الناس للجزاء في يوم لا ريب فيه ، فحذف لكون المراد ظاهراً. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 7 صـ 158}\rلطيفة\rقال ابن عاشور : \rقوله : {ربنا إنك جامع الناس ليوم لا ريب فيه} استحضروا عند طلب الرحمة أحْوجَ ما يكونون إليها ، وهو يومُ تكونُ الرحمة سبباً للفوز الأبدي ، فأعقبوا بذكر هذا اليوم دعاءَهم على سبيل الإيجاز ، كأنّهم قالوا : وهب لنا من لدنك رحمة ، وخاصّة يوم تجمّع الناس كقول إبراهيم : {ربنا اغفر لي ولوالديّ وللمؤمنين يوم يقوم الحساب} [ إبراهيم : 41 ] على ما في تذكّر يوم الجمع من المناسبة بعد ذكر أحوال الغواة والمهتدين ، والعلماءِ الراسخين.\rومعنى {لا ريب فيه} لا ريب فيه جديراً بالوقوع ، فالمراد نفي الريب في وقوعه.","part":11,"page":326},{"id":4628,"text":"ونفوه على طريقه نفي الجنس لعدم الاعتداد بارتياب المرتابين ، هذا إذا جعلتَ ( فيه ) خبراً ، ولك أن تجعله صفةً لريبَ وتجعلَ الخبر محذوفاً على طريقة لا النافية للجنس ، فيكون التقدير : عندنا ، أو لَنَا. أ هـ {التحرير والتنوير حـ 3 صـ 30}\rوقال الآلوسى : \r{رَبَّنَا إِنَّكَ جَامِعُ الناس} المكلفين وغيرهم {لِيَوْمِ} أي لحساب يوم ، أو لجزاء يوم فحذف المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه تهويلاً لما يقع فيه ، وقيل : اللام بمعنى إلى أي جامعهم في القبول إلى يوم {لاَ رَيْبَ فِيهِ} أي لا ينبغي أن يرتاب في وقوعه ووقوع ما فيه من الحشر والحساب والجزاء ، وقيل : الضمير المجرور للحكم أي لا ريب في هذا الحكم ، فالجملة على الأول صفة ليوم ، وعلى الثاني لتأكيد الحكم ومقصودهم من هذا كما قال غير واحد عرض كمال افتقارهم إلى الرحمة وأنها المقصد الأسني عندهم ، والتأكيد لإظهار ما هم عليه من كمال الطمأنينة وقوة اليقين بأحوال الآخرة لمزيد الرغبة في استنزال طائر الإجابة. أ هـ {روح المعانى حـ 3 صـ 91}\rوقال أبو حيان : \rومعنى : ليوم لا ريب فيه ، أي : لجزاء يوم ، ومعنى : لا ريب فيه ، لا شك في وجوده لصدق من أخبر به ، وإن كان يقع للمكذب به ريب فهو بحال ما لا ينبغي أن يرتاب فيه.\rوقيل : اللام ، بمعنى : في ، أي : في يوم ، ويكون المجموع لأجله لم يذكر ، وظاهر هذا الجمع أنه الحشر من القبور للمجازاة ، فهو اسم فاعل بمعنى الاستقبال ، ويدل على أنه مستقبل قراءة أبي حاتم : جامع الناس ، بالتنوين ، ونصب : الناس.","part":11,"page":327},{"id":4629,"text":"وقيل : معنى الجمع هنا أنه يجمعهم في القبور ، وكأن اللام تكون بمعنى إلى للغاية ، أي : جامعهم في القبور إلى يوم القيامة ، ويكون اسم الفاعل هنا لم يلحظ فيه الزمان ، إذ من الناس من مات ، ومنهم من لم يمت ، فنسب الجمع إلى الله من غير اعتبار الزمان ، والضمير في : فيه ، عائد على اليوم ، إذ الجملة صفة له ، ومن أعاده على الجمع المفهوم من جامع ، أو على الجزاء الدال عليه المعنى ، فقد أبعد. أ هـ {البحر المحيط حـ 2 صـ 404}\rفصل\rقال الفخر : \rقال الجبائى : إن كلام المؤمنين تم عند قوله {لِيَوْمٍ لاَّ رَيْبَ فِيهِ} فأما قوله {إِنَّ الله لاَ يُخْلِفُ الميعاد} فهو كلام الله عزّ وجلّ ، كأن القوم لما قالوا {إِنَّكَ جَامِعُ الناس لِيَوْمٍ لاَّ رَيْبَ فِيهِ} صدقهم الله تعالى في ذلك وأيد كلامهم بقوله {إِنَّ الله لاَ يُخْلِفُ الميعاد} كما قال حكاية عن المؤمنين في آخر هذه السورة {رَبَّنَا وَءاتِنَا مَا وَعَدتَّنَا على رُسُلِكَ وَلاَ تُخْزِنَا يَوْمَ القيامة إِنَّكَ لاَ تُخْلِفُ الميعاد} [ آل عمران : 194 ] ومن الناس من قال : لا يبعد ورود هذا على طريقة العدول في الكلام من الغيبة إلى الحضور ، ومثله في كتاب الله تعالى كثير ، قال تعالى : {حتى إِذَا كُنتُمْ فِى الفلك وَجَرَيْنَ بِهِم بِرِيحٍ طَيّبَةٍ} [ يونس : 22 ].\rفإن قيل : فلم قالوا في هذه الآية {إِنَّ الله لاَ يُخْلِفُ الميعاد} وقالوا في تلك الآية {إِنَّكَ لاَ تُخْلِفُ الميعاد}.","part":11,"page":328},{"id":4630,"text":"قلت : الفرق - والله أعلم - أن هذه الآية في مقام الهيبة ، يعني أن الإلهية تقتضي الحشر والنشر لينتصف المظلومين من الظالمين ، فكان ذكره باسمه الأعظم أولى في هذا المقام ، أما قوله في آخر السورة {إِنَّكَ لاَ تُخْلِفُ الميعاد} [ آل عمران : 194 ] فذاك المقام مقام طلب العبد من ربه أن ينعم عليه بفضله ، وأن يتجاوز عن سيئاته فلم يكن المقام مقام الهيبة ، فلا جرم قال : {إِنَّكَ لاَ تُخْلِفُ الميعاد}. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 7 صـ 158 ـ 159}\rفصل\rقال الفخر : \rاحتج الجبائي بهذه الآية على القطع بوعيد الفساق ، قال : وذلك لأن الوعيد داخل تحت لفظ الوعد ، بدليل قوله تعالى : {أَن قَدْ وَجَدْنَا مَا وَعَدَنَا رَبُّنَا حَقّا فَهَلْ وَجَدتُّم مَّا وَعَدَ رَبُّكُمْ حَقّا} [ الأعراف : 44 ] والوعد والموعد والميعاد واحد ، وقد أخبر في هذه الآية أنه لا يخلف الميعاد فكان هذا دليلاً على أنه لا يخلف في الوعيد.\rوالجواب : لا نسلم أنه تعالى يوعد الفساق مطلقاً ، بل ذلك الوعيد عندنا مشروط بشرط عدم العفو ، كما أنه بالاتفاق مشروط بشرط عدم التوبة ، فكما أنكم أثبتم ذلك الشرط بدليل منفصل ، فكذا نحن أثبتنا شرط عدم العفو بدليل منفصل ، سلمنا أنه يوعدهم ، ولكن لا نسلم أن الوعيد داخل تحت لفظ الوعد ، أما قوله تعالى : {فَهَلْ وَجَدتُّم مَّا وَعَدَ رَبُّكُمْ حَقّا}.","part":11,"page":329},{"id":4631,"text":"قلنا : لم لا يجوز أن يكون ذلك كما في قوله {فَبَشّرْهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٍ} [ آل عمران : 21 ] وقوله {ذُقْ إِنَّكَ أَنتَ العزيز الكريم} [ الدخان : 49 ] وأيضاً لم لا يجوز أن يكون المراد منه أنهم كانوا يتوقعون من أوثانهم أنها تشفع لهم عند الله ، فكان المراد من الوعد تلك المنافع ، وتمام الكلام في مسألة الوعيد قد مرّ في سورة البقرة في تفسير قوله تعالى : {بَل مَن كَسَبَ سَيّئَةً وأحاطت بِهِ خَطِيئَتُهُ فأولئك أصحاب النار هُمْ فِيهَا خالدون} [ البقرة : 81 ] وذكر الواحدي في البسيط طريقة أخرى ، فقال : لم لا يجوز أن يحمل هذا على ميعاد الأولياء ، دون وعيد الأعداء ، لأن خلف الوعيد كرم عند العرب ، قال : والدليل عليه أنهم يمدحون بذلك ، قال الشاعر : \rإذ وعد السراء أنجز وعده.. وإن أوعد الضراء فالعفو مانعه\rوروى المناظرة التي دارت بين أبي عمرو بن العلاء ، وبين عمرو بن عبيد ، قال أبو عمرو بن العلاء لعمرو بن عبيد : ما تقول في أصحاب الكبائر ؟ قال : أقول إن الله وعد وعداً ، وأوعد إيعاداً ، فهو منجز إيعاده ، كما هو منجز وعده ، فقال أبو عمرو بن العلاء : إنك رجل أعجم ، لا أقول أعجم اللسان ولكن أعجم القلب ، إن العرب تعد الرجوع عن الوعد لؤما وعن الإيعاد كرما وأنشد : \rوإني وإن أوعدته أو وعدته.. لمكذب إيعادي ومنجز موعدي\rواعلم أن المعتزلة حكوا أن أبا عمرو بن العلاء لما قال هذا الكلام قال له عمرو بن عبيد : يا أبا عمرو فهل يسمى الله مكذب نفسه ؟ فقال : لا ، فقال عمرو بن عبيد : فقد سقطت حجتك ، قالوا : فانقطع أبو عمرو بن العلاء.\r","part":11,"page":330},{"id":4632,"text":"وعندي أنه كان لأبي عمرو بن العلاء أن يجيب عن هذا السؤال فيقول : إنك قست الوعيد على الوعد وأنا إنما ذكرت هذا لبيان الفرق بين البابين ، وذلك لأن الوعد حق عليه والوعيد حق له ، ومن أسقط حق نفسه فقد أتى بالجود والكرم ، ومن أسقط حق غيره فذلك هو اللؤم ، فظهر الفرق بين الوعد والوعيد ، وبطل قياسك ، وإنما ذكرت هذا الشعر لإيضاح هذا الفرق ، فأما قولك : لو لم يفعل لصار كاذباً ومكذباً نفسه ، فجوابه : أن هذا إنما يلزم لو كان الوعيد ثابتاً جزماً من غير شرط ، وعندي جميع الوعيدات مشروطة بعدم العفو ، فلا يلزم من تركه دخول الكذب في كلام الله تعالى ، فهذا ما يتعلق بهذه الحكاية ، والله أعلم. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 7 صـ 159 ـ 160}\rقوله تعالى : {إِنَّ الله لاَ يُخْلِفُ الميعاد}\rقال السمرقندى : \r{إِنَّ الله لاَ يُخْلِفُ الميعاد}\rفي البعث ويقال معناه {إِنَّ الله لاَ يُخْلِفُ الميعاد} في إجابة الدعاء يعني يوم يجمع الناس في الآخرة. أ هـ {بحر العلوم حـ 1 صـ 220}\rوقال الآلوسى : ","part":11,"page":331},{"id":4633,"text":"{إِنَّ الله لاَ يُخْلِفُ الميعاد} تعليل لمضمون الجملة المؤكدة أو لانتفاء الريب ، وقيل : تأكيد بعد تأكيد للحكم السابق وإظهار الاسم الجليل مع الالتفات للإشارة إلى تعظيم الموعود والإجلال الناشيء من ذكر اليوم المهيب الهائل ، وللإشعار بعلة الحكم فإن الألوهية منافية للإخلاف ؛ وهذا بخلاف ما في آخرة السورة حيث أتى بلفظ الخطاب فيه لما أن مقامه مقام طلب الإنعام ، وقال الكرخي : الفرق بينهما أن ما هنا متصل بما قبله اتصالاً لفظياً فقط وما في الآخرة متصل اتصالاً معنوياً ولفظياً لتقدم لفظ الوعد ، وجوز أن تكون هذه الجملة من كلامه تعالى لتقرير قول الراسخين لا من كلام الراسخين فلا التفات حينئذ ، قال السفاقسي : وهو الظاهر و( الميعاد ) مصدر ميمي بمعنى الحدث لا بمعنى الزمان والمكان وهو اللائق بمفعولية يخلف وياؤه منقلبة عن واو لانكسار ما قبلها. أ هـ {روح المعانى حـ 3 صـ 91}\rمن لطائف الإمام القشيرى فى الآية\rاليوم جمع الأحباب على بساط الاقتراب ، وغداً جمع الكافة لمحل الثواب والعقاب ، اليوم جمع الأسرار لكشف الجلال والجمال ، وغداً جمع الأبشار لشهود الأحوال ، ومقاساة ما أخبر عنه من تلك الأحوال. أ هـ {لطائف الإشارات حـ 1 صـ 221 ـ 222}","part":11,"page":332},{"id":4634,"text":"قوله تعالى {إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوَالُهُمْ وَلَا أَوْلَادُهُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا وَأُولَئِكَ هُمْ وَقُودُ النَّارِ (10)}\rمناسبة الآية لما قبلها\rقال البقاعى : \rولما تحقق أن يوم الجمع كائن لا محالة تحقق أن من نتائجه تحقيقاً لعزته سبحانه وتعالى وانتقامه من الكفرة قوله تعالى : {إن الذين كفروا} أي الذين يظنون لسترهم ما دلت عليه مرأى عقولهم أنهم يمتنعون من أمر الله لأنهم يفعلون في عصيانه وعداوة أوليائه فعل من يريد المغالبه {لن تغني عنهم أموالهم} أي وإن كثرت ، وقدمها لأن بها قوام ما بعدها وتمام لذاته ، وأكد بإعادة النافي ليفيد النفي عن كل حالة وعن المجموع فيكون أصرح في المرام {ولا أولادهم} وإن جلت وعظمت {من الله} أي الملك الأعظم {شيئاً} أي من إغناء مبتدئاً من جهة الله ، وإذا كانت تلك الجهة عارية عما يغني كان كل ما يأتيهم من قبله سبحانه وتعالى من بأس واقعاً بهم لا مانع له ، فمهما أراد بهم كان من خذلان في الدنيا وبعث بعد الموت وحشر بعد البعث وعذاب في الآخرة ، فأولئك المعرضون منه لكل بلاء {وأولئك هم وقود النار} وفي ذلك أعظم تنبيه على أن الزائغين الذين خالفوا الراسخين فوقفت بهم نعمه المقتضيه لتصديقه عن تصديقه ليست مغنية عنهم تلك النعم شيئاً ، وأنهم مغلوبون لا محالة في الدنيا ومحشورون في الآخرة إلى جهنم.\rولما كانت هذه السورة سورة التوحيد كان الأليق بخطابها أن يكون الدعاء فيه إلى الزهد أتم من الدعاء في غيرها ، والإشارة فيه إلى ذلك أكثر من الإشارة في غيره ، فكانت هذه الآية قاطعة للقلوب النيرة بما أشارت إليه من فتنة الأموال والأولاد الموجبة للهلاك.","part":11,"page":333},{"id":4635,"text":"قال الحرالي : ولما كان من مضمون ترجمة سورة البقرة إطلاع النبي صلى الله عليه وسلم على سر التقدير الذي صرف عن الجواب فيه وإظهار سره موسى كليم الله وعيسى كلمة الله عليهما الصلاة والسلام كان مما أظهره الله سبحانه وتعالى لعامة أمة محمد صلى الله عليه وسلم إعلاء لها على كل أمة ، واختصاصاً لها بما علا اختصاص نبيها صلى الله عليه وسلم حتى قال قائلهم : أخبرهم أني بريء منهم وأنهم براء مني لقوم لم يظهروا على سر القدر ، وقال : والذي يحلف به عبد الله بن عمر : لو أن لأحدهم مثل أحد ذهباً فأنفقه ما قبل منه حتى يؤمن بالقدر ، فأفهم الله سبحانه وتعالى علماء هذه الأمة أن أعمالها لا تقبل إلا على معرفة سر التقدير لتكون قلوبها بريئة من أعمال ظواهرها ، كما قيل في أثارة من العلم : من لم يختم عمله بالعلم لم يعمل ، ومن لم يختم علمه بالجهل لم يعلم فختم العامل عمله بالعلم أن يعلم أنه لا عمل له ، وأن المجرى على يديه أمر مقدر قدره الله تعالى عليه وأقامه فيه لما خلقه له من حكمته من وصفه من خير أو شر ومن تمام كلمته في رحمته أو عقوبته ليظهر بذلك حكمة الحكيم ، ولا حجة للعبد على ربه ولا حجة للصنعة على صانعها ولله سبحانه وتعالى الحجة البالغة ؛ وكذلك العالم متى لم ينطو سره على أنه لا يعلم وإنما العلم عند الله سبحانه وتعالى لم يثبت له علم ، فذلك ختم العمل بالعمل وختم العلم بالجهل ، فكما أطلعه سبحانه وتعالى في فاتحة سورة البقرة على سر تقديره في خلقه أظهره في فاتحة سورة آل عمران على علن قيوميته الذي هو شاهده في وحي ربه ، كما هو بصير بسر القدر في تفرق أفعال خلقه ، فكان منزل سورة البقرة قوام الأفعال ومنزل سورة آل عمران قوام التنزيل والإنزال فكان علن القيومية قوام التنزيل للكتاب الجامع الأول ، والتنزيل قوام إنزال الكتب ، وإنزال الكتاب الجامع لتفسير الكتب قوام تفصيل الآيات المحكمات والمتشابهات ، والإحكام والتشابه إقامة","part":11,"page":334},{"id":4636,"text":"الهدى والفتنة ، والهدى والفتنة إقامة متصرف الحواس الظاهرة والباطنة ، والأحوال وما دونها من الأفعال على وجه جمع يكون قواماً لما تفصل من مجمله وتكثر من وحدته وتفرق من اجتماعه ، ولعلو مضمون هذه السورة لم يقع فيها توجه الخطاب بها لصنف الناس ، واختص خطابها بالذين آمنوا في علو من معاني الإيمان لما ذكر من شرف سن الإيمان على سن الناس في تنامي أسنان القلوب ، وكان خطاب سورة البقرة بمقتضى رتبة العقل الذي به يقع أول الإصغاء والاستماع ، كما ظهر في آيات الاعتبار فيها في قوله سبحانه وتعالى : {إن في خلق السماوات والأرض} [ البقرة : 164 ] إلى قوله : {لقوم يعقلون} [ البقرة : 164 ] فكان خطاب سورة آل عمران إقبالاً على أولي الألباب الذين لهم لب العقل ، بما ظهر في أولها وخاتمتها في قوله : {وما يذكر إلا أولوا الألباب} [ آل عمران : 7 ] وفي خاتمتها في آيات اعتبارها في قوله سبحانه وتعالى {إن في خلق السماوات والأرض واختلاف الليل والنهار لآيات لأولي الألباب} [ آل عمران : 190 ] فبالعقل يقع الاعتبار لمنزل الكتاب وباللب يكون التذكر ، إيلاء إلى الذي نزل الكتاب ، وبالجملة فمثاني هذه السورة من تفاصيل آياتها وجمل جوامعها مما هو أعلق بطيب الإيمان واعتبار اللب ، كما أن منزل سورة البقرة أعلق بما هو من أمر الأعمال وإقامة معالم الإسلام بما ظهر في هذه السورة من علن أمر الله ، وبما افتتحت به من اسم الله الأعظم الذي جميع الأسماء أسماء له لإحاطته واختصاصها بوجه ما ، فكان فيها علن التوحيد وكماله وقوام تنزيل الأمر وتطورالخلق في جميع متنزلها ومثانيها ، وظهر فيها تفصيل وجوه الحكم العلية التي تضمن جملة ذكرها الآية الجامعة في سورة البقرة في قوله سبحانه وتعالى {يؤتي الحكمة من يشاء} [ البقرة : 269 ] فكان من جملة بناء الحكمة ما هو السبب في ظهور الكفر من الذين كفروا بما غلب عليهم من الفتنة بأموالهم وأولادهم حتى ألهتهم عن ذكر","part":11,"page":335},{"id":4637,"text":"الله ، فانتهوا فيه إلى حد الكفر الذي نبه عليه {الذين آمنوا} في قوله سبحانه وتعالى {يا أيها الذين آمنوا لا تلهكم أموالكم ولا أولادكم عن ذكر الله} [ المنافقون : 9 ] انتهى. أ هـ {نظم الدرر حـ 2 صـ 28 ـ 29}\rفصل\rقال الفخر : \rفي قوله {إِنَّ الذين كَفَرُواْ لَن تُغْنِىَ عَنْهُمْ أموالهم وَلاَ أولادهم مّنَ الله شَيْئًا} قولان الأول : المراد بهم وفد نجران ، وذلك لأنا روينا في بعض قصتهم أن أبا حارثة بن علقمة قال لأخيه : إني لأعلم أنه رسول الله صلى الله عليه وسلم حقاً ولكنني إن أظهرت ذلك أخذ ملوك الروم مني ما أعطوني من المال والجاه ، فالله تعالى بيّن أن أموالهم وأولادهم لا تدفع عنهم عذاب الله في الدنيا والآخرة.\rوالقول الثاني : أن اللفظ عام ، وخصوص السبب لا يمنع عموم اللفظ. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 7 صـ 160}\rفصل\rقال الفخر : \rاعلم أن كمال العذاب هو أن يزول عنه كل ما كان منتفعاً به ، ثم يجتمع عليه جميع الأسباب المؤلمة.\rأما الأول : فهو المراد بقوله {لَن تُغْنِىَ عَنْهُمْ أموالهم وَلاَ أولادهم} وذلك لأن المرء عند الخطوب والنوائب في الدنيا يفزع إلى المال والولد ، فهما أقرب الأمور التي يفزع المرء إليها في دفع الخطوب فبيّن الله تعالى أن صفة ذلك اليوم مخالفة لصفة الدنيا لأن أقرب الطرق إلى دفع المضار إذا لم يتأت في ذلك اليوم ، فما عداه بالتعذر أولى ، ونظير هذه الآية قوله تعالى : {يَوْمَ لاَ يَنفَعُ مَالٌ وَلاَ بَنُونَ إِلاَّ مَنْ أَتَى الله بِقَلْبٍ سَلِيمٍ} [ الشعراء : 88 ، 89 ] وقوله {المال والبنون زِينَةُ الحياة الدنيا والباقيات الصالحات خَيْرٌ عِندَ رَبّكَ ثَوَابًا} [ الكهف : 46 ] وقوله {وَنَرِثُهُ مَا يَقُولُ وَيَأْتِينَا فَرْداً} [ مريم : 80 ] وقوله {وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فرادى كَمَا خلقناكم أَوَّلَ مَرَّةٍ وَتَرَكْتُمْ مَّا خولناكم وَرَاء ظُهُورِكُمْ} [ مريم : 80 ].","part":11,"page":336},{"id":4638,"text":"وأما القسم الثاني : من أسباب كمال العذاب ، فهو أن يجتمع عليه الأسباب المؤلمة ، وإليه الإشارة بقوله تعالى : {وأولئك هُمْ وَقُودُ النار} وهذا هو النهاية في شرح العذاب فإنه لا عذاب أزيد من أن تشتعل النار فيهم كاشتعالها في الحطب اليابس ، والوقود بفتح الواو الحطب الذي توقد به النار ، وبالضم هو مصدر وقدت النار وقوداً كقوله : وردت وروداً. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 7 صـ 160 ـ 161}\rوقال السمرقندى : \rإنما ذكر الأموال والأولاد ، لأن أكثر الناس يدخلون النار ، لأجل الأموال والأولاد ، فأخبر الله تعالى أنه لا ينفعهم في الآخرة ، لكيلا يفني الناس أعمارهم ، لأجل المال والولد ، وإنما ذكر الله تعالى الكفار ، لكي يعتبر بذلك المؤمنون. أ هـ {بحر العلوم حـ 1 صـ 221}\rفائدة\rقال الفخر : \rفي قوله {مِنَ الله} قولان أحدهما : التقدير : لن تغني عنهم أموالهم ولا أولادهم من عذاب الله فحذف المضاف لدلالة الكلام عليه والثاني : قال أبو عبيدة {مِنْ} بمعنى عند ، والمعنى لن تغني عند الله شيئاً. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 7 صـ 161}\rقوله تعالى {وَأُولَئِكَ هُمْ وَقُودُ النَّارِ}\rقال الآلوسى : \rوإيثار الجملة الإسمية للدلالة على تحقق الأمر وتقرره ، أو للإيذان بأن حقيقة حالهم ذلك وأنهم في حال كونهم في الدنيا وقود النار بأعيانهم ، وهي إما مستأنفة مقررة لعدم الإغناء أو معطوفة على الجملة الأولى الواقعة خبراً لأن ، و{هُمْ} يحتمل أن يكون مبتدأ ويحتمل أن يكون فصلاً. أ هـ {روح المعانى حـ 3 صـ 93}\rفائدة\rقال ابن عاشور فى معنى الآية : \rقوله تعالى {إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوَالُهُمْ وَلَا أَوْلَادُهُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا}\rاستئناف كلام ناشيء عن حكاية ما دعا به المؤمنون : من دوام الهداية ، وسؤال الرحمة ، وانتظار الفوز يوم القيامة ، بذكر حال الكافرين في ذلك اليوم ، على عادة القرآن في إرداف البشارة بالنذارة.","part":11,"page":337},{"id":4639,"text":"وتعقيب دعاء المؤمنين ، بذكر حال المشركين ، إيماء إلى أنّ دعوتهم استجيبت.\rوالمراد بالذين كفروا : المشركون ، وهذا وصف غالب عليهم في اصطلاح القرآن وقيل : الذين كفروا بنبوءة محمد صلى الله عليه وسلم أريد هنا قُريظة والنضير وأهلُ نجران ؛ ويُرجَّح هذا بأنّهم ذُكِّروا بحال فرعون دون حال عاد وثمود فإنّ اليهودوالنصارى أعلق بأخبار فرعون.\rكما أنّ العرب أعلق بأخبار عاد وثمود ، وأنّ الردّ على النصارى من أهمّ أغراض هذه السورة.\rويجوز أن يكون المراد جميع الكافرين : من المشركين ، وأهل الكتابَيْن ، ويكون التذكير بفرعون لأنّ وعيد اليهود في هذه الآية أهم.\rومعنى \"تُغني\" تُجزِي وتكفي وتدفع ، وهو فِعل قاصر يتعدّى إلى المفعول بعن نحو : \"ما أغني مَالِيَهْ\".\rولدلالة هذا الفعل على الإجزاء والدفع ، كان مؤذناً بأنّ هنالك شيئاً يدفع ضُرّه ، وتُكفى كلفتُه ، فلذلك قَد يذكرون مع هذا الفعل متعلِّقاً ثانياً ويُعَدُّونَ الفعل إليه بحرف ( مِن ) كما في هذه الآية.\rفتكون ( مِن ) للبدل والعوض على ما ذهب إليه في \"الكشاف\" ، وجعل ابن عطية ( من ) للابتداء.\rوقوله : {من الله} أي من أمر يضاف إلى الله ؛ لأنّ تعليق هذا الفعل ، تعليقاً ثانياً ، باسم ذات لايقصد منه إلاّ أخصّ حال اشتهرت به ، أو في الغرض المسوق له الكلام فيقدّر معنى اسم مضاف إلى اسم الجلالة.\rوالتقدير هنا من رحمة الله ، أو من طاعته ، إذا كانت ( مِنْ ) للبدل وكَذا قدّره في \"الكشاف\" ، ونظّره بقوله تعالى : {وإنّ الظنّ لا يغني من الحق شيئاً} [ النجم : 28 ].\rوعلى جعل ( من ) للابتداء كما قال ابن عطية تقدّر من غضب الله ، أو من عذابه ، أي غناء مبتدِئاً من ذلك : على حدّ قولهم : نَجَّاه من كذا أي فصله منه ، ولا يلزم أن تكون ( مِن ) مَعَ هذا الفعل ، إذا عدّي بعَن ، مماثلة لمِنْ الواقعة بعد هذا الفعل الذي يُعَدّ بعن ، لإمكان اختلاف معنى التعلّق باختلاف مساق الكلام.\r","part":11,"page":338},{"id":4640,"text":"والغالب أن يأتوا بعد فعل أغنى بلفظ ( شيء ) مع ذكر المتعلِّقين كما في الآية ، وبدون ذكر متعلِّقين ، كما في قول أبي سفيان ، يومَ أسْلَمَ : \"لقد علمتُ أنْ لَوْ كان معه إله غيرُه لقد أغنى عنّي شيئاً\".\rوانتصب قوله : {شيئاً} على النيابة عن المفعول المطلق أي شيئاً من الغَناء.\rوتنكيره للتحقير أي غناء ضعيفاً ، بله الغناء المهم ، ولا يجوز أن يكون مفعولاً به لعدم استقامة معنى الفعل في التعدي.\rوقد ظهر بهذا كيفية تصرفّ هذا الفعل التصرّفَ العجيب في كلامهم ، وانفتح لك ما انغلق من عبارة الكشّاف ، وما دونها ، في معنى هذا التركيب.\rوقد مرّ الكلام على وقوع لفظ شيء عند قوله : {ولنبلونَّكم بشيء من الخوف} [ البقرة : 155 ].\rوإنّما خصّ الأموال والأولاد من بين أعلاق الذين كفروا ؛ لأنّ الغناءَ يكون بالفداء بالمال ، كدفع الديات والغرامات ، ويكون بالنصر والقتال ، وأوْلى مَن يدافع عن الرجل ، من عشيرته ، أبناؤه ، وعن القبيلة أبناؤُها.\rقال قيس بن الخطيم : \rثَأرْتُ عَدِيَّا والخَطِيمَ ولَمْ أضعْ\rوَلاَيَة أشْيَاخخٍ جُعِلْتُ إزَاءَها...\rوالأموال المكاسب التي تقتات وتدخّرُ ويتعاوض بها ، وهي جمع مال ، وغلب اسم المال في كلام جلِّ العرب على الإبل قال زهير : \rصَحيحاتِ مالٍ طَالعات بمخرم\rوغلب في كلام أهل الزرع والحرث على الجنّات والحوائط وفي الحديث \" كان أبو طلحة أكثرَ أنصاري بالمدينة مالاً وكان أحَبُّ أمواله إليه بئر حاء \" ، ويطلق المال غالباً على الدراهم والدنانير كما في قول النبي صلى الله عليه وسلم للعباس \" أيْن المال الذي عند أم الفضل.\r\" والظاهر أنّ هذا وعيد بعذاب الدنيا ؛ لأنّه شُبِّه بأنّه {كدأب ءال فرعون} إلى قوله {فأخذهم الله بذنوبهم} وشأنُ المشبّه به أن يكون معلوماً ؛ ولأنّه عطف عليه عذاب الآخرة في قوله : {وأولئك هم وقود النار}.\r","part":11,"page":339},{"id":4641,"text":"وجيء بالإشارة في قوله : {وأولئك} لاستحضارهم كأنّهم بحيث يشار إليهم ، وللتنبيه على أنّهم أحرياء بما سيأتي من الخَبر وهو قوله : {هم وقود النار}.\rوعطفت هذه الجملة ، ولم تفصل ، لأنّ المراد من التي قبلهالا وعيد في الدنيا وهذه في وعيد الآخرة بقرينة قوله ، في الآية التي بعد هذه : {ستُغْلبون وتحشرون إلى جهنّم وبئس المهاد} [ آل عمران : 12 ].\rوالوَقود بفتح الواو ما يوقد به كالَضوء ، وقد تقدّم نظيره في قوله : {التي وقودها الناس والحجارة} في سورة البقرة. أ هـ {التحرير والتنوير حـ 3 صـ 31 ـ 33}\rلطيفة\rقال أبو حيان : \rأتى بلفظ : هم ، المشعرة بالاختصاص ، وجعلهم نفس الوقود مبالغة في الاحتراق ، كأن النار ليس لها ما يضرمها إلا هم. أ هـ {البحر المحيط حـ 2 صـ 405}\rفصل\rقال القرطبى : \rخرّج ابن المبارك من حديث العباس بن عبد المطلب قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : \" \"يظهر هذا الدين حتى يجاوز البحار وحتى تخاض البحار بالخيل في سبيل الله تبارك وتعالى ثم يأتي أقوام يقرءون القرآن فإذا قرءوه قالوا مَنْ أقْرَأُ منا ؟ من أعْلَمُ منا ؟ ثم التفت إلى أصحابه فقال : هل ترون في أُولئكم من خير\" ؟ قالوا لا.\rقال : \"أُولئك منكم وأُولئك من هذه الأُمّة وأُولئك هم وقود النار\" \". أ هـ {تفسير القرطبى حـ 4 صـ 22}","part":11,"page":340},{"id":4642,"text":"وقال ابن أبي حاتم : حدثنا أبي ، حدثنا ابن أبي مريم ، أخبرنا ابن لَهِيْعة ، أخبرني ابن الهاد ، عن هند بنت الحارث ، عن أم الفضل أم عبد الله بن عباس قالت : بينما نحن بمكة قام رسول الله صلى الله عليه وسلم من الليل ، فقال هل بلغت ، اللهم هل بلغت...\" ثلاثًا ، فقام عمر بن الخطاب فقال : نعم. ثم أصبح فقال النبي صلى الله عليه وسلم : \"ليظهرن الإسلام حتى يرد الكفر إلى مواطنه ، وَلَتَخُوضُنَّ البحار بالإسلام ، وليأتين على الناس زمان يتعلمون القرآن ويقرؤونه ، ثم يقولون : قد قرأنا وعلمنا ، فمن هذا الذي هو خير منا ، فهل في أولئك من خير ؟ \" قالوا : يا رسول الله ، فمن أولئك ؟ قال : \"أولئك منكم وأولئك هم وقود النار\". وكذا رأيته بهذا اللفظ. {تفسير ابن أبي حاتم (2/90) وفيه ابن لهيعة ، وقد توبع ، تابعه عبد العزيز بن أبي حازم عن يزيد بن الهاد به. أخرجه الطبراني في المعجم الكبير (12/250) قال الهيثمي في مجمع الزوائد : (1/186) \"رجاله ثقات ، إلا أن هند بنت الحارث الخثعمية التابعية لم أر من وثقها ولا من جرحها\".}. أ هـ {تفسير ابن كثير حـ 2 صـ 15 ـ 16}\rمن لطائف الإمام القشيرى فى الآية\rقوله تعالى {إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوَالُهُمْ وَلَا أَوْلَادُهُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا وَأُولَئِكَ هُمْ وَقُودُ النَّارِ}\rفلا فداء ينفعهم ، ولا غناء يدفعهم ، ولا مال يُقبَلُ منهم ، ولا حجاب يُرفَع عنهم ، ولا مقال يسمع فيهم ، بهم يُسَعَّرُ الجحيم ، ولهم الطرد الأليم ، والبعد الحميم. أ هـ {لطائف الإشارات حـ 1 صـ 222}\rلطيفة\rقال الشنقيطى : ","part":11,"page":341},{"id":4643,"text":"ذكر في هذه الآية الكريمة أن الكفار يوم القيامة لا تغني عنهم أموالهم ولا أولادهم شيئاً ، وذكر أنهم وقود النار أي : حطبها الذي تتقد فيه ، ولم يبين هنا هل نفيه لذلك تكذيب لدعواهم أن أموالهم وأولادهم تنفعهم ، وبين في مواضع أخر أنهم ادعوا ذلك ظناً منهم أنه ما أعطاهم الأموال والأولاد في الدنيا إلا لكرامتهم عليه واستحقاقهم لذلك ، وأن الآخرة كالدنيا يستحقون فيها ذلك أيضاً فكذبهم في آيات كثيرة فمن الآيات الدالة على أنهم ادعوا ذلك قوله تعالى : {وَقَالُواْ نَحْنُ أَكْثَرُ أَمْوَالاً وَأَوْلاَداً وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ} [ سبأ : 35 ] وقوله : {أَفَرَأَيْتَ الذي كَفَرَ بِآيَاتِنَا وَقَالَ لأُوتَيَنَّ مَالاً وَوَلَداً} [ مريم : 77 ] يعني في الآخرة كما أوتيته في الدنيا وقوله : {وَلَئِن رُّجِّعْتُ إلى ربي إِنَّ لِي عِندَهُ للحسنى} [ فصلت : 50 ] أي : بدليل ما أعطاني في الدنيا وقوله : {وَلَئِن رُّدِدتُّ إلى رَبِّي لأَجِدَنَّ خَيْراً مِّنْهَا مُنْقَلَباً} [ الكهف : 36 ] قياساً منه للآخرة على الدنيا ورد الله عليهم هذه الدعوى في آيات كثيرة كقوله هنا : {إِنَّ الذين كَفَرُواْ لَن تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوَالُهُمْ} الآية. وقوله : {أَيَحْسَبُونَ أَنَّمَا نُمِدُّهُمْ بِهِ مِن مَّالٍ وَبَنِينَ نُسَارِعُ لَهُمْ فِي الخيرات بَل لاَّ يَشْعُرُونَ} [ المؤمنون : 55-56 ] وقوله : {وَمَآ أَمْوَالُكُمْ وَلاَ أَوْلاَدُكُمْ بالتي تُقَرِّبُكُمْ عِندَنَا زلفى} [ سبأ 37 ] وقوله : {وَلاَ يَحْسَبَنَّ الذين كَفَرُواْ أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لأَنْفُسِهِمْ إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ ليزدادوا إِثْمَاً وَلَهْمُ عَذَابٌ مُّهِينٌ} [ آل عمران : 178 ] وقوله {سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِّنْ حَيْثُ لاَ يَعْلَمُونَ وَأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ} [ الأعراف : 182-183 ] إلى غير ذلك من الآيات.","part":11,"page":342},{"id":4644,"text":"وصرح في موضع آخر أن كونهم وقود النار المذكور هنا على سبيل الخلود وهو قوله : {إِنَّ الذين كَفَرُواْ لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوَالُهُمْ وَلاَ أَوْلاَدُهُمْ مِّنَ الله شَيْئاً وأولئك أَصْحَابُ النار هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ} [ آل عمران : 116 ]. أ هـ {أضواء البيان حـ 1 صـ 220}\rلطيفة\rقال فى ملاك التأويل :\rقوله تعالى : \"كدأب آل فرعون والذين من قبلهم كذبوا بآياتنا فأخذهم الله بذنوبهم والله شديد العقاب\" ، وفى سورة الأنفال : \"كفروا بآيات الله فأخذهم الله بذنوبهم إن الله قوى شديد العقاب\" ، وبعدها : \"كذبوا بآيات ربهم فأهلكناهم بذنوبهم وأغرقنا آل فرعون وكل كانوا ظالمين\".\rللسائل أن يسأل عن هذه الآى فى ستة مواضع : السؤال الأول : الإخبار عنهم فى آية آل عمران وفى ثانية الأنفال بقوله\"كذبوا\" وقال فى الأولى من الأنفال\"كفروا\".ما وجه ذلك ؟ والثانى : ما وجه اختلاف الإضافة فى كذبهم وتكذيبهم ؟ ففى آل عمران\"بآياتنا\" وفى الأولى من الأنفال\"بآيات الله\" وفى الثانية\"بآيات ربهم\" ، والثالث : قوله فى ثانية الأنفال\"فأهلكناهم بذنوبهم\" وفى الأخريين\"فأخذهم الله بذنوبهم\" ، والرابع : قوله فى سورة آل عمران\"والله شديد العقاب\" ، وفى الأولى من الأنفال\"إن الله قوى شديد العقاب\" ولم يرد فى الثانية هذا الوصف ، والخامس : تفصيل العقاب فى ثانية الأنفال ولم يرد فى الآخريين ذلك التفصيل ، والسادس : تعلق المجرور من قوله\"كدأب آل فرعون\" وليس هذا مما بنى عليه هذا الكتاب إلا أنه تتمة.","part":11,"page":343},{"id":4645,"text":"والجواب عن الأول : أن آية آل عمران لما تقدم قبلها ذكر تنزيل الكتب الثلاثة والإشارة إلى ما تضمنته من الهدى والفرقان وإنما أتى على من كفر بصده عنها وتكذيبه ناسب ذلك قوله تعالى : \"كذبوا بآياتنا\" ولما لم يقع فى سورة الأنفال من أولها إلى الآية الأولى من الآيتين ذكر شئ من الكتب المنزلة ولا ذكر إنزالها وإنما تضمنت حال المسلمين مع معاصريهم من كفار العرب ومعظم ذلك فى قتالهم وحربهم ناسب ذلك التعبير بالكفر فقال تعالى\"كفروا بآيات الله\" ثم لما تلتها الآية الأخرى من غير طول بينهما وقع التعبير فيها بالتكذيب فقال\"كذبوا بآيات ربهم\" وعدل عن لفظ كفروا لثقل التكرر مع القرب وليحصل وسمهم بالكفر والتكذيب.","part":11,"page":344},{"id":4646,"text":"والجواب عن السؤال الثانى : أن الآية الأولى من سورة الأنفال إنما جئ فيها بالاسم الظاهر فقيل\"كفروا بآيات الله\" ، لتقدم ذكر الملائكة فى قوله\"ولو ترى إذ يتوفى الذين كفروا الملائكة يضربون وجوههم وأدبارهم\" بنسبة الفعل للملائكة وتقدم أيضا\" وإذ زين لهم الشيطان أعمالهم\" ولم يتقدم فى آل عمران ذكر فعل لغير الله تعالى ولا نسبة شئ لسواه فجئ بآيات مضافة إلى ضميره تعالى فقال\"كذبوا بآياته\" على طريقة الالتفات وجاء فى الأنفال\"كذبوا بآيات الله\" بالإضافة إلى الاسم الظاهر ليعلم أن الأمر له عز وجل وأنه مريهم الآيات ولا فعل إلا له وأن الملائكة مسخرون بأمره وفعلهم من خلقه وتزيين الشيطان لهؤلاء الكفار إنما هو بقدر الله وسابق مشيئته وكل ذلك خلقه وملكه والآيات آياته وله المثل الأعلى وقيل فى الثانية\"بآيات ربهم\" ليجرى مع ما تقدمه متصلا به من قوله تعالى : \"ذلك بأن الله لم يكن مغيرا نعمة أنعمها على قوم\" فذكر ابتداءه بالنعم فناسبه ذكر ملكيته سبحانه لهم بقوله\"بآيات ربهم\" فهو المحسن والمالك ثم جرى القدر بما سبق لهم فإيراد قوله\"كذبوا بآيات ربهم\" مع ما تقدم أوقع فى نفوسهم وأشد فى تحسرهم وندامتهم إذا شاهدوا الأمر فعلموا أنه مالكهم وأنه ابتدأهم بالنعم فغيروا فحصل من ذلك أنهم قابلوا نعم ربهم بالكفر مع بيان الأمر ووضوحه ولو قيل : بآيات الله لما أحرز هذا المعنى المعرف بملكيته لهم والمشير لندامتهم وتحسرهم ولا خفاء بالفرق بين قول القائل لمن كفر بنعمة الله : إنما كفرت بنعمة مالك المحسن إليك ومبتديك بالنعم وبين أن لو قيل له : إنما كفرت بنعمة الله فتأمل ما بينهما ولهذا ابتدئ دعاء الخلق فى سورة البقرة إلى الإيمان بقوله : \"يا أيها الناس اعبدوا ربكم الذى خلقكم\" إلى آخر الآية.","part":11,"page":345},{"id":4647,"text":"والجواب عن السؤال الثالث : أنه قصد فى الآية الثانية من الأنفال تفصيل عقابهم بإغراق آل فرعون وأخذ من عداهم بغير ذلك وقال \"فأهلكناهم بذنوبهم\" ليخالف قوله تعالى فى الآية قبل : \"فأخذهم الله بذنوبهم\" لاسثقال لفظ التكرار فيما تقارب ولما قصد من التفصيل وقد ضم الفريقين من المهلكين بذنوبهم والمغرقين فى قوله : \"وكل كانوا ظالمين\".\rوعن الرابع أن قوله تعالى فى الآية الأولى من الأنفال : \"إن الله قوى شديد العقاب\" مقابل به قول الشيطان لمن قدم ذكره من الكفار : \"لا غالب لكم اليوم من الناس وإنى جار لكم\" فقوبل قوله المضمحل بإسناد القوة لله ـ عز وجل ـ كما قال تعالى : \"ولو يرى الذين ظلموا إذ يرون العذاب أن القوة لله جميعا..الآية\" ، ولما لم يرد فى سورة آل عمران مثل هذا وقع الاكتفاء بقوله\"والله شديد العقاب\" وزيد التأكيد فى أول الأنفال بـ\"إن\" وزيادة اسمه سبحانه القوى لما ذكرنا آنفا من رعى التقابل.\rوالجواب عن السؤال الخامس ما قيل فى الجواب عن السؤال الثالث من قصد التفصيل ثم إن الوجه فى تخصيص هذا الموضع بذلك أنه آخر موضع وقع التذكير فيه بعبادة آل فرعون فى تكذيبهم وأخذهم بكفرهم والترتيب الذى استقر عليه الكتاب العزيز متوقف على الآتى به صلى الله عليه وسلم وقد بينا ذلك فى غير هذا وأن من ظن أن الترتيب من قبل الصحابة فقد غفل وذهب عما بنى عليه من جليل الاعتبار وسنذكر ذلك فى سورة القمر إن شاء الله.\rوالجواب عن السؤال السادس : أن الكاف متعلقة بمحذوف هو الخبر للمبتدأ المقدر إذ التقدير دأبهم أو دأب هؤلاء أو هذا كدأب آل فرعون وما قدر الناس من التعلق بقوله : وأولئك وفود النار أو غير هذا من التقدير لا يرجح عند الاختبار ويضعف تقدير ذبلك فى ثانية الأنفال ويتكلف فى الأولى منها ولا يحسن معه المعنى ولا يفوز وفى استقلال الجملة من قوله\"كدأب آل فرعون\" وعدم التعلق الاعرابى بما قبله فى جملة أخرى جزالة النظم وقوة المعنى فتأمله.","part":11,"page":346},{"id":4648,"text":"والجواب عن السؤال السادس : أن الكاف متعلقة بمحذوف هو الخبر للمبتدأ المقدر إذ التقدير دأبهم أو دأب هؤلاء أو هذا كدأب آل فرعون وما قدر الناس من التعلق بقوله : وأولئك هم وقود النار أو غير هذا من التقدير لا يرجح عند الاختبار ويضعف تقدير ذلك فى ثانية الأنفال ويتكلف فى الأولى منها ولا يحسن معه المعنى ولا يفوز وفى استقلال الجملة من قوله \"كدأب آل فرعون\" وعدم التعلق الإعرابى بما قبله فى جملة أخرى جزالة النظم وقوة المعنى فتأمله. أ هـ {ملاك التأويل صـ 105 ـ 107}\rلطيفة\rقال ابن عجيبة :\rكل من جحد أهل الخصوصية ، وفاته حظه من مشاهدة عظمة الربوبية ، حتى حصل له الطرد والبعاد ، وفاته مرافقة أهل المحبة والوداد ، لن تغني عنه - بدلاً مما فاته - أموالُ ولا أولاد ، واتصلت به الأحزان والأنكاد ؛ كما قال الشاعر :\rمَنْ فَاتَه منكَ وصلٌ حَظُّه الندمُ... ومَنْ تَكُنْ هَمِّه تَسْمُو به الهممُ\rوقال آخر :\rمَنْ فاتَهُ طَلَبُ الوُصُولِ وَنَيْلُهُ... مِنْه ، فقُلْ : ما الذِي هُوَ يَطلُبُ!\rحَسْبُ المحِبِّ فناؤه عما سِوى... مَحْبوبِهِ إنْ حاضِرٌ وَمُغَيَّبُ\rوقال آخر :\rلكُلِّ شَيء إذا فارقْتَهُ عِوَضٌ... وَلَيْسَ لله إنْ فارقْتَ مِنْ عَوِضِ\rوفي الحكم : \" ماذا وَجَدَ مَنْ فقدك ؟ وما الذي فَقَدَ مَنْ وَجَدَك ؟ لقد خاب مَنْ رَضِي دونك بدلاً ، ولقد خسر من بغى عنك مُتحولاً \". فكل من وقف مع شيء من السِّوى ، وفاته التوجه إلى معرفة المولى ، فهو في نار القطيعة والهوى ، مع النفوس الفرعونية ، وأهل الهمم الدنية. نسأل الله تعالى العافية. أ هـ {البحر المديد حـ 1 صـ 252}","part":11,"page":347},{"id":4649,"text":"قوله تعالى {كَدَأْبِ آَلِ فِرْعَوْنَ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَذَّبُوا بِآَيَاتِنَا فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ وَاللَّهُ شَدِيدُ الْعِقَابِ (11)}\rمناسبة الآية لما قبلها\rقال البقاعى : \rولما كان السبب المقتضي لاستمرارالكفر من النصارى المجادلين في أمر عيسى عليه الصلاة والسلام الخوف ممن فوقهم من ملوك النصرانية نبههم سبحانه وتعالى على أول قصة أسلافهم من بني إسرائيل ، وما كانوا فيه من الذل مع آل فرعون ، وما كان فيه فرعون من العظمة التي تُقسر بها ملوك زمانهم ، ثم لما أراد الله سبحانه وتعالى قهر أسلافهم له لم تضرهم ذلتهم ولا قلتهم ، ولا نفعته عزته ولا كثرة آله ، فلذلك صرح بهم سبحانه وتعالى وطوى ذكر من قبلهم فقال : {كدأب} أي لم يغن عنهم ذلك شيئاً مثل عادة {آل فرعون} أي الذين اشتهر لديكم استكبارهم وعظمتهم وفخارهم ، قال الحرالي : الدأب العادة الدائمة التي تتأبد بالتزامها ، وآل الرجل من إذ أحصر تراءى فيهم فكأنه لم يغب ؛ وفرعون اسم ملك مصر في الكفر ، ومصر أرض جامعة كليتها وجملة ، إقليمها نازل منزلة الأرض كلها ، فلها إحاطة بوجه ما ، فلذلك أعظم شأنها في القرآن وشأن العالي فيها من الفراعنة ، وكان الرسول المبعوث إليه أول المؤمنين بما وراء أول الخلق من طليعة ظهور الحق لسماع كلامه بلا واسطة ملك ، فكان أول من طوى في رتبة بنوتة رتبة البنوة ذات الواسطة ، فلذلك بدىء به في هذا الخطاب لعلو رتبة بنوته بما هو كليم الله ومصطفاه على الناس ، ولحق به من تقدمهم بما وقعت في بنوته من واسطة زوج أو ملك ، وخص آله لأنه هو كان عارفاً بأمر الله سبحانه وتعالى فكان جاحداً لا مكذباً انتهى.","part":11,"page":348},{"id":4650,"text":"{والذين} ولما كان المكذبون إنما هم بعض المتقدمين أدخل الجار فقال : {من قبلهم} وقد نقلت إليكم أخبارهم وقوتهم واستظهارهم فكأنه قيل : ماذا كانت عادتهم ؟ فقيل : {كذبوا} ولما كان التكذيب موجباً للعقوبة كان مظهر العظمة به أليق ، فصرف القول إليه فقال : {بآياتنا} السورية والصورية مع ما لها من العظمة بما لها من إضافتها إلينا {فأخذهم} ولما أفحشوا في التكذيب عدل إلى أعظم من مظهر العظمة تهويلاً لأخذهم فقال : {الله} فاظهر الاسم الشريف تنبيهاً على باهر العظمة {بذنوبهم} أي من التكذيب وغيره.\rقال الحرالي : فيه إشعار بأن صريح المؤاخذة مناط بالذنوب ، وأن المؤاخذة الدنيوية لا تصل إلى حد الانتقام على التكذيب ، فكان ما ظهر من أمر الدنيا يقع عقاباً على ما ظهر من الأعمال ، وما بطن من أمر الآخرة يستوفي العقاب على ما أصرت عليه الضمائر من التكذيب ، ولذلك يكون عقاب الدنيا طهرة للمؤمن لصفاء باطنه من التكذيب ، ويكون واقع يوم الدنيا كفاف ما جرى على ظاهره من المخالفة فكأن الذنب من المؤمن يقع في دنياه خاصة ، والذنب من الكافر يقع في دنياه وأخراه من استغراقه لظاهره وباطنه ، وأظهر الاسم الشريف ولم يضمر للتنبيه على زيادة العظمة في عذابهم لمزيد اجترائهم فقال : {والله} أي الحال أن الملك الذي لا كفوء له في جبروته ولا شيء من نعوته {شديد العقاب} لا يعجزه شيء. أ هـ {نظم الدرر حـ 2 صـ 30}\rفصل\rقال الفخر : \rيقال : دأبت الشيء أدأب دأبا ودؤبا إذا أجهدت في الشيء وتعبت فيه ، قال الله تعالى : {سَبْعُ سِنِينَ دَأَبًا} [ يوسف : 47 ] أي بجد واجتهاد ودوام ، ويقال : سار فلان يوماً دائباً ، إذا أجهد في السير يومه كله ، هذا معناه في اللغة ، ثم صار الدأب عبارة عن الشأن والأمر والعادة ، يقال : هذا دأب فلان أي عادته ، وقال بعضهم : الدؤب والدأب الدوام.","part":11,"page":349},{"id":4651,"text":"إذا عرفت هذا فنقول : في كيفية التشبيه وجوه الأول : أن يفسر الدأب بالاجتهاد ، كما هو معناه في أصل اللغة ، وهذا قول الأصم والزجاج ، ووجه التشبيه أن دأب الكفار ، أي جدهم واجتهادهم في تكذيبهم بمحمد صلى الله عليه وسلم وكفرهم بدينه كدأب آل فرعون مع موسى عليه السلام ، ثم إنا أهلكنا أولئك بذنوبهم ، فكذا نهلك هؤلاء.\rالوجه الثاني : أن يفسر الدأب بالشأن والصنع ، وفيه وجوه الأول : {كَدَأْبِ ءالِ فِرْعَوْنَ} أي شأن هؤلاء وصنعهم في تكذيب محمد صلى الله عليه وسلم ، كشأن آل فرعون في التكذيب بموسى ، ولا فرق بين هذا الوجه وبين ما قبله إلا أنا حملنا اللفظ في الوجه الأول على الاجتهاد ، وفي هذا الوجه على الصنع والعادة والثاني : أن تقدير الآية : أن الذين كفروا لن تغني عنهم أموالهم ولا أولادهم من الله شيئاً ، ويجعلهم الله وقود النار كعادته وصنعه في آل فرعون ، فإنهم لما كذبوا رسولهم أخذهم بذنوبهم ، والمصدر تارة يضاف إلى الفاعل ، وتارة إلى المفعول ، والمراد ههنا ، كدأب الله في آل فرعون ، فإنهم لما كذبوا برسولهم أخذهم بذنوبهم ، ونظيره قوله تعالى : {يُحِبُّونَهُمْ كَحُبّ الله} [ البقرة : 165 ] أي كحبهم الله وقال : {سُنَّةَ مَن قَدْ أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِن رُّسُلِنَا} [ الإسراء : 77 ] والمعنى : سنتي فيمن أرسلنا قبلك والثالث : قال القفال رحمه الله : يحتمل أن تكون الآية جامعة للعادة المضافة إلى الله تعالى ، والعادة المضافة إلى الكفار ، كأنه قيل : إن عادة هؤلاء الكفار ومذهبهم في إيذاء محمد صلى الله عليه وسلم كعادة من قبلهم في إيذاء رسلهم ، وعادتنا أيضاً في إهلاك هؤلاء ، كعادتنا في إهلاك أولئك الكفار المتقدمين ، والمقصود على جميع التقديرات نصر النبي صلى الله عليه وسلم على إيذاء الكفرة وبشارته بأن الله سينتقم منهم.\r","part":11,"page":350},{"id":4652,"text":"الوجه الثالث : في تفسير الدأب والدؤب ، وهو اللبث والدوام وطول البقاء في الشيء ، وتقدير الآية ، وأولئك هم وقود النار كدأب آل فرعون ، أي دؤبهم في النار كدؤب آل فرعون.\rوالوجه الرابع : أن الدأب هو الاجتهاد ، كما ذكرناه ، ومن لوازم ذلك التعب والمشقة ليكون المعنى ومشقتهم وتعبهم من العذاب كمشقة آل فرعون بالعذاب وتعبهم به ، فإنه تعالى بيّن أن عذابهم حصل في غاية القرب ، وهو قوله تعالى : {أُغْرِقُواْ فَأُدْخِلُواْ نَاراً} [ نوح : 25 ] وفي غاية الشدة أيضاً وهو قوله {النار يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوّاً وَعَشِيّاً وَيَوْمَ تَقُومُ الساعة أَدْخِلُواْ ءالَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ العذاب} [ غافر : 46 ].\rالوجه الخامس : أن المشبه هو أن أموالهم وأولادهم لا تنفعهم في إزالة العذاب ، فكان التشبيه بآل فرعون حاصلاً في هذين الوجهين ، والمعنى : أنكم قد عرفتم ما حل بآل فرعون ومن قبلهم من المكذبين بالرسل من العذاب المعجل الذي عنده لم ينفعهم مال ولا ولد ، بل صاروا مضطرين إلى ما نزل بهم فكذلك حالكم أيها الكفار المكذبون بمحمد صلى الله عليه وسلم في أنه ينزل بكم مثل ما نزل بالقوم تقدم أو تأخر ولا تغني عنكم الأموال والأولاد.\rالوجه السادس : يحتمل أن يكون وجه التشبيه أنه كما نزل بمن تقدم العذاب المعجل بالاستئصال فكذلك ينزل بكم أيها الكفار بمحمد صلى الله عليه وسلم وذلك من القتل والسبي وسلب الأموال ويكون قوله تعالى : {قُلْ لّلَّذِينَ كَفَرُواْ سَتُغْلَبُونَ وَتُحْشَرُونَ إلى جَهَنَّمَ} [ آل عمران : 12 ] كالدلالة على ذلك فكأنه تعالى بيّن أنه كما نزل بالقوم العذاب المعجل ، ثم يصيرون إلى دوام العذاب ، فسينزل بمن كذب بمحمد صلى الله عليه وسلم أمران أحدهما : المحن المعجلة وهي القتل والسبي والإذلال ، ثم يكون بعده المصير إلى العذاب الأليم الدائم ، وهذان الوجهان الأخيران ذكرهما القاضي رحمه الله تعالى.\r","part":11,"page":351},{"id":4653,"text":"أما قوله تعالى : {والذين مِن قَبْلِهِمْ} فالمعنى : والذين من قبلهم من مكذبي الرسل ، وقوله {كَذَّبُواْ بئاياتنا} المراد بالآيات المعجزات ومتى كذبوا بها فقد كذبوا لا محالة بالأنبياء.\rثم قال : {فَأَخَذَهُمُ الله بِذُنُوبِهِمْ} وإنما استعمل فيه الأخذ لأن من ينزل به العقاب يصير كالمأخوذ المأسور الذي لا يقدر على التخلص.\rثم قال : {والله شَدِيدُ العقاب} وهو ظاهر. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 7 صـ 161 ـ 162}\rوقال القرطبى :\rاختلفوا في الكاف ؛ فقيل : هي في موضع رفع تقديره دَأْبُهم كدَأْب آل فرعون ، أي صنيع الكفّار معك كصنيع آل فرعون مع موسى.\rوزعم الفرّاء أن المعنى : كفرت العرب ككفر آل فرعون.\rقال النحاس : لا يجوز أن تكون الكاف متعلقة بكفروا ، لأن كفروا داخلة في الصِّلة.\rوقيل : هي متعلقة بـ {أَخَذَهُمُ الله} ، أي أخذ آل فرعون.\rوقيل : هي متعلقة بقوله {لَن تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوَالُهُمْ وَلاَ أَوْلاَدُهُم} أي لم تُغْنِ عنهم غَنَاء كما لم تُغن الأموال والأولاد عن آل فرعون.\rوهذا جواب لمن تخلّف عن الجهاد وقال : شغلتنا أموالنا وأهلونا.\rويصح أن يعمل فيه فعلٌ مقدّر من لفظ الوقود ، ويكون التشبيه في نفس الاحتراق.\rويؤيد هذا المعنى {وَحَاقَ بِآلِ فِرْعَوْنَ سواء العذاب} {النار يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوّاً وَعَشِيّاً وَيَوْمَ تَقُومُ الساعة أدخلوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ العذاب} [ غافر : 45 ، 46 ].\rوالقول الأوّل أرجح ، واختاره غير واحد من العلماء.\rقال ابن عرفة : {كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ} أي كعادة آل فرعون.\rيقول : اعتاد هؤلاء الكفرة الإلحاد والإعنات للنبيّ صلى الله عليه وسلم كما اعتاد آل فرعون من إعنات الأنبياء ؛ وقال معناه الأزهريّ.\rفأمّا قوله في سورة ( الأنفال ) {كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ} [ الأنفال : 52 ] فالمعنى جُوزِي هؤلاء بالقتل والأسر كما جُوزِي آل فرعون بالغرق والهلاك.","part":11,"page":352},{"id":4654,"text":"قوله تعالى : {بِآيَاتِنَا} يحتمل أن يريد الآيات المتلوّة ، ويحتمل أن يريد الآيات المنصوبة للدّلالة على الوحدانية.\r{فَأَخَذَهُمُ الله بِذُنُوبِهِمْ والله شَدِيدُ العقاب}. أ هـ {تفسير القرطبى حـ 4 صـ 23}\rوقال ابن عاشور : \rوقوله : {كدأب ءال فرعون} موقع كاف التشبيه موقع خبرٍ لمبتدأ محذوف يدل عليه المشبّه به ، والتقدير : دأبُهم في ذلك كدأب آل فرعون ، أي عادتهم وشأنهم كشأن آل فرعون.\rوالدأب : أصله الكَدْح في العمل وتكريره ، وكأنّ أصل فعله متعدَ ، ولذلك جاء مصدره على فَعْل ، ثم أطلق على العادة لأنّها تأتي من كثرة العمل ، فصار حقيقة شائعة قال النابغة : \rكدأبِك في قومٍ أرَاكَ اصطنعتَهُم\rأي عادتك ، ثم استعمل بمعنى الشَّأن كقول امرىء القيس : \rكدأبك من أم الحُويرث قبلَها\rوهو المراد هنا ، في قوله : {كدأب ءال فرعون} ، والمعنى : شأنهم في ذلك كشأن آل فرعون ؛ إذ ليس في ذلك عادة متكرّرة ، وقد ضرب الله لهم هذا المثل عبرة وموعظة ؛ لأنّهم إذا استقْرَوْا الأمم التي أصابها العذاب ، وجدوا جميعهم قد تماثلوا في الكفر : بالله ، وبرسله ، وبآياته ، وكفَى بهذا الاستقراء موعظة لأمثال مشركي العرب ، وقد تعيّن أن يكون المشبّه به هو وعيد الاستئصال والعذاب في الدنيا ؛ إذ الأصل أنّ حال المشبّه ، أظهر من حال المشبّه به عند السامع.\rوعليه فالأخذ في قوله : {فأخذهم الله بذنوبهم} هو أخذ الانتقام في الدنيا كقوله : {أخذناهم بغتة فإذا هم مُبلسون فقطع دابر القوم الذي ظلموا} [ الأنعام : 44 ، 45 ].\r","part":11,"page":353},{"id":4655,"text":"وأريد بآل فرعون فرعون وآلهُ ؛ لأنّ الآل يطلق على أشدّ الناس اختصاصاً بالمضاف إليه ، والاختصاص هنا اختصاص في المتابعةِ والتواطؤ على الكفر ، كقوله : {أدْخِلُوا ءال فرعون أشدّ العذاب} [ غافر : 46 ] فلذكر الآل هنا من الخصوصية ما ليس لذكر القوم ؛ إذ قوم الرجل قد يخالفون ، فلا يدل الحكم المتعلّق بهم على أنّه مساوٍ لهم في الحكم ، قال تعالى : {ألا بعداً لعاد قوم هود} [ هود : 60 ] في كثير من الآيات نظائرها ، وقال : {أن ائْتِ القومَ الظالمين قومَ فرعون} [ الشعراء : 10 ، 11 ].\rوقوله : \"كذبوا\" بيان لدأبهم ، استئناف بياني.\rوتخصيص آل فرعون بالذكر من بين بقية الأمم لأنّ هلكهم معلوم عند أهل الكتاب ، بخلاف هلك عاد وثمود فهو عند العرب أشهر ؛ ولأنّ تحدّي موسى إياهم كان بآيات عظيمة فما أغنتهم شيئاً تُجاه ضلالهم ؛ ولأنّهم كانوا أقرب الأمم عهداً بزمان النبي صلى الله عليه وسلم فهو كقول شعيب : {وما قوم لوط منكم ببعيد} [ هود : 89 ] وكقول الله تعالى للمشركين : {وإنّها لبسبيل مقيم} [ الحجر : 76 ] وقوله : {وإنّهما لبإمام مبين} [ الحجر : 79 ] وقوله : {وإنّكم لَتَمُرُّون عليهم مُصبحين وبالليلِ أفلا تعقلون} [ الصافات : 137 ، 138 ]. أ هـ {التحرير والتنوير حـ 3 صـ 33 ـ 34}\rفوائد لغوية\rقال ابن عادل :\rفي كاف \" كَدَأب \" وجهانِ :\rأحدهما : أنها في محل رَفْع ؛ خَبَراً لِمبتدأ مُضْمَر ، تقديره : دأبهم - في ذلك \" كَدَأبِ آلِ فِرعَوْن \" وبه بدأ الزمخشريُّ ، وابنُ عطية.\rالثاني : أنها في محل نَصْب ، وفي الناصب لها تسعةُ أقوالٍ :\rأحدها : أنها نَعْتٌ لمصدر محذوف ، والعامل فيه \" كَفَرُوا \" ، تقديره : إنَّ الذين كفروا كُفْراً كدأب آل فرعون ، أي : كعادتهم في الكفر ، وهو رأي الفرَّاءِ.\rوهذا القول مردود بأنه قد أخبر عن الموصول قبل تمام صلته ، فلزم الفصلُ بينَ أبْعَاضِ العلةِ بالأجنبيِّ ، وهو لا يجوز.","part":11,"page":354},{"id":4656,"text":"الثاني : أنه مصوب بـ \" كَفَرُوا \" لكن مقدر ؛ لدلالة هذا الملفوظ به عليه.\rالثالث : أن الناصبَ مقدَّر ، مدلول عليه بقوله : \" لَنْ تُغْنِيَ \" أي : بطل انتفاعهم بالأموالِ والأولادِ كعادة آل فرعونَ في ذلك. والمعنى : إنكم قد عرفتم ما حلَّ بآل فرعون ومَنْ قبلَهم من المكذبين بالرسل - من العذاب المعجل الذي عنده - لم ينفعهم مال ولا ولد.\rالرابع : أنه منصوب بلفظ \" وَقُودُ \" ، أي : تُوقَد النارُ بهم كما توقد بآل فرعون ، كما تقول : إنك لتظلم الناس كدأبِ أبيك ، تريد : كظلم أبيك ، قاله الزمخشريُّ ، وفيه نظر ؛ لأن الوقود - على القراءة المشهورة - الأظهر فيه أنه اسم لِما يوقد به ، وإذا كان اسماً فلا عَمَل له ، فإن قيل : إنه مصدر على قراءة الحَسن صَحَّ ، ويكون معنى الدأب : الدؤوب - وهو اللُّبْثُ والدوام ، وطول البقاء في الشيء - وتقدير الآية : \" وَأُولَئِكَ هُم وَقُودُ كَدَأْبِ آل فِرْعَونَ \".\r[ أي : دؤوبهم في النار كدأب آل فرعون ].\rالخامس : أنه منصوب بنفس \" لَنْ تُغْنِي \" أي : لن تغني عنهم مثل ما لم تُغنِ عن أولئك ، ذكره الزمخشري ، وضعَّفه أبو حيَّان بلزوم الفصل بين العامل ومعموله بالجملة - التي هي قوله : {وأولئك هُمْ وَقُودُ النار} قال : \" على أي التقديرين اللَّذَيْنِ قدرناهما فيهما من أن تكون معطوفة على خبر \" إنَّ \" أو على الجملة المؤكَّدة بـ \" إنَّ \" قال : فإن جعلتها اعتراضيةً - وهو بعيد - جازَ ما قال الزمخشريُّ \".\rالسادس : أن يكون العامل فيها فعلاً مقدَّراً ، مدلولاً عليه بلفظ \" الوَقُود \" ، تقديره : توقَد بهم كعادة آل فرعون ، ويكون التشبيه في نفس الاحتراق ، قاله ابنُ عطية.\rالسابع : أن العامل يُعَذَّبُونَ كعادةِ آل فرعونَ ، يدل عليه سياق الكلام.\r","part":11,"page":355},{"id":4657,"text":"الثامن : أنه منصوب {كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا} ، والضمير في \" كَذَّبُوا \" - على هذا - لكفار مكة وغيرهم من معاصِرِي رسولِ الله صلى الله عليه وسلم - أي : كذبوا تكذيباً كعادة آل فرعونَ في ذلك التكذيب.\rالتاسع : أن العامل فيه قوله : {فَأَخَذَهُمُ الله} ، أي : فأخذهم الله أخْذاً كأخذه آل فرعون ، والمصدر تارةً يضاف إلى الفاعل ، وتارةً إلى المفعول ، والمعنى : كَدَأبِ الله في آل فرعون ، ونظيره قوله تعالى : {يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ الله} [ البقرة : 165 ] أي : كَحُبِّهم لله ، وقال : {سُنَّةَ مَن قَدْ أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ} [ الإسراء : 77 ] والمعنى : سنتي فيمن أرسلنا قبلك ، وهذا مردود ؛ فإن ما بعد الفاء العاطفة لا يعمل فيما قبلها ، لا يجوز قمت زيداً فضربت وأما زيداً فاضرب ، فقد تقدم الكلام عليه في البقرة.\rوقد حكى بعضُ النحاةِ - عن الكوفيين - أنهم يجيزون تقديم المعمول على حرف العطف ، فعلى هذا يجوز هذا القول ، وفي كلام الزمخشريِّ سهو ؛ فإنه قال : ويجوز أن ينتصب محلُّ الكاف بـ \" لَنْ تُغْنِيَ \" أو بـ \" خَالِدُونَ \" ، [ أي : لم تُغنِ عنهم مثل ما لم تغن عن أولئك ، أو هم فيها خالدون كما يُخَلَّدُون ].\rوليس في لفظ الآية الكريمة {خَالِدُونَ} ، إنما نظم الآية {وأولئك هُمْ وَقُودُ النار} ، ويبعد أن يقال : أراد \" خَالِدُون \" مُقَدَّراً ، يدل عليه السياق ، اللهم إلا إن فسرنا الدأبَ باللُّبْث والدوام وطول البقاء.\r","part":11,"page":356},{"id":4658,"text":"وقال القفَّالُ : \" يحتمل أن تكون الآية جامعة للعادة المضافة إلى الله تعالى ، والعادة المضافة إلى الكفار ، كأنه قيل : إن عادة هؤلاء الكفار في إيذاء محمد صلى الله عليه وسلم كعادة من قبلهم في إيذاء رُسُلِهِم وعادتنا أيضاً في إهلاك الكفارِ ، كحعادتنا في إهلاك أولئك الكفار المتقدمين ، والمقصود - على جميع التقديراتِ - نصر النبي صلى الله عليه وسلم على إيذاء الكفار ، وبشارته بأن الله سينتقم منهم \".\rالدأب : العادة ، يقال : دأب ، يَدْأبُ ، اي : واظب ، ولازم ، ومنه {تَزْرَعُونَ سَبْعُ سِنِينَ دَأَباً} [ يوسف : 47 ] ، أي : مداومة.\rوقال امرؤ القيس : [ الطويل ]\r1347... - كَدَأبكَ مِنْ أمِّ الْحُوَيْرِثِ قَبْلَهَا\rوَجَارَتِهَا أمِّ الرَّبَابِ بِمَاسَلِ... وقال زُهير : [ الطويل ]\r1348 - لأرْتَحِلَنّ بِالْفَجْرِ ثُمَّ لأدْأبَنّْ... إلَى اللَّيْلِ إلاَّ أنْ يُعَرِّجَنِي طِفْلُ\rوقال الواحديُّ : \" الدأب : الاجتهاد والتعب ، يقال : صار فلان يومه كله يَدْأب فيه ، فهو دائب ، أي : اجتهد في سَيْرِه ، هذا أصله في اللغة ، ثم [ يصير ] الدأب عبارة عن الحال والشأن والأمر والعادة ؛ لاشتمال العمل والجهد على هذا كله \".\rوكذا قال الزمخشريُّ ، قال : \" مصدر دأب في العمل إذا كَدَح فيه ، فوُضِع مَوْضِعَ ما عليه الإنسان من شأنه وحاله \".\rويقال : دأَب ، ودأْب - بفتح الهمزة وسكونها - وهما لغتان في المصدر كالضأن والضأَن وكالمَعْز والمَعَز وقرأ حفص : {سَبْعُ سِنِينَ دَأَباً} بالفتح.\rقال الفرَّاء : \" والعرب تثقل ما كان ثانيه من حروف الحلق كالنَّعْل والنَّعَل ، والنَّهْر والنَّهَر ، والشَّأْم والشَّأَم.\rوأنشد : [ البسيط ]\r1349 - قَدْ سَارَ شَرْقِيُّهُمْ حَتَّى أتَوْا سَبَأ... وَانْسَاحَ غَرْبِيُّهُمْ حَتَّى هَوى الشَّأَمَا\r","part":11,"page":357},{"id":4659,"text":"{والذين مِن قَبْلِهِمْ} يجوز أن يَكُونَ مجروراً نسقاً على {آلِ فِرْعَوْنَ} ، وأن يكونَ مرفوعاً على الابتداء ، والخبر قوله - بعد ذلك - {كَذَّبُواْ بِآيَاتِ الله} ، وهذان الاحتمالان جائزان مطلقاً ، وخص أبو البقاء جواز الرفع بكون الكافِ في محل رفع ، فقال : \" فعلى هذا - أي : على كونها مرفوعة المحل ؛ خبراً لمبتدأ مضمر - يجوز في {والذين مِن قَبْلِهِمْ} مبتدأ ، و\" كَذَّبُوا \" خبره \".\rقوله : {كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا} قد تقدم أنه يجوز أن يكون خَبراً عن \" الَّذِينَ \" إن قيل : إنه مبتدأ ، فإن لم يكن مبتدأ فقد تقدم أيضاً أنه يكون تفسيراً للدأب ، كأنه قيل : ما فعلوا ، وما فعل بهم ؟ فقيل : كذبوا بآياتِنا ، فهو جوابُ سؤال مقدر ، وأن يكون حالاً ، وفي قوله : {بِآيَاتِنَا} التفات ؛ لأن قبله {مِّنَ الله} وهو اسم ظاهر.\rوالمراد بالآيات : المعجزات ، والباء في \" بِذُنُوبِهِمْ \" يَجوز أن تكون سببيةً ، أي : أخذهم بسبب ما اجترحوا ، وأن تكون للحالِ ، أي أخذهم متلبسين بالذنوب ، غير تائبين منها والذنب في الأصل - التِّلْو والتابع ، وسُمِّيَت الجريمةُ ذَنْباً ؛ لأنها يتلو ، أي : يتبع عقابُها فاعلمه والذَّنُوب : الدَّلْو ؛ لأنها تتلو الحبلَ في الجذبِ ، وأصل ذلك من ذَنَب الحيوان ؛ لأن يذنبه أي : يتلوه ، يقال : ذنبه يذنبه ذنباً ، أي : تبعه ، واستعمل في الأخذ ؛ لأن مَنْ بينَ يده العقاب كالمأخوذ المأسور الذي لا يَقْدر على التخلُّص. قوله {شَدِيدُ العقاب} كقوله : {سَرِيعُ الحساب} [ البقرة : 202 ] ، أي : شديدٌ عِقَابه وقد تقدم تحقيقه. أ هـ {تفسير ابن عادل حـ 5 صـ 51 ـ 54}\rفائدة\rقال الماوردى : \rوفيمن أشار إليهم أنهم كدأب آل فرعون قولان : ","part":11,"page":358},{"id":4660,"text":"أحدهما : أنهم مشركو قريش يوم بدر ، كانوا في انتقام الله منهم لرسله والمؤمنين ، كآل فرعون في انتقامه منهم لموسى وبني إسرائيل ، فيكون هذا على القول الأول تذكيراً للرسول والمؤمنين بنعمة سبقت ، لأن هذه الآية نزلت بعد بدر استدعاء لشكرهم عليها ، وعلى القول الثاني وعداً بنعمة مستقبلة لأنها نزلت قبل قتل يهود بني قينقاع ، فحقق وعده وجعله معجزاً لرسوله. أ هـ {النكت والعيون حـ 1 صـ 373}\rفائدة\rقال أبو السعود : \rوقوله تعالى : {كَذَّبُواْ بئاياتنا} بيانٌ وتفسير لدأبهم الذي فعلوا ، على طريق الاستئناف المبني على السؤال كأنه قيل : كيف كان دأبهم ؟ فقيل : كذبوا بآياتنا وقوله تعالى : {فَأَخَذَهُمُ الله} تفسيرٌ لدأبهم الذي فُعل بهم أي فأخذهم الله وعاقبهم ولم يجدوا من بأس الله تعالى محيصاً ، فدأبُ هؤلاء الكفرةِ أيضاً كدأبهم ، وقيل : كذبوا الخ حال من {فِرْعَوْنَ والذين مِن قَبْلِهِمْ كَذَّبُواْ} على إضمار قد أي دأبُ هؤلاء كدأب أولئك وقد كذبوا الخ ، وأما كونه خبراً عن الموصول كما قيل فمما يذهب برونق النظم الكريم ، والالتفاتُ إلى التكلم أولاً للجري على سنن الكبرياء ، وإلى الغَيبة ثانياً بإظهار الجلالة لتربية المهابةِ وإدخالِ الروعة.\r{بِذُنُوبِهِمْ} إن أريد بها تكذيبُهم بالآيات فالباء للسببية جيء بها تأكيداً لما تفيده الفاء من سببية ما قبلها لما بعدها وإن أريد بها سائرُ ذنوبهم فالباء للملابسة جيء بها للدلالة على أن لهم ذنوباً أخرى أي فأخذهم ملتبسين بذنوبهم غيرَ تائبين عنها كما في قوله تعالى : {وَتَزْهَقَ أَنفُسُهُمْ وَهُمْ كافرون} والذنب في الأصل التِلْوُ والتابع ، وسُمّيت الجريمةُ ذنباً لأنها تتلو أي يتبعُ عقابُها فاعلَها {والله شَدِيدُ العقاب} تذييلٌ مقرِّر لمضمون ما قبله من الأخذ وتكملةٌ له. أ هـ {تفسير أبى السعود حـ 2 صـ 11}\rوقال ابن كثير : ","part":11,"page":359},{"id":4661,"text":"{وَاللَّهُ شَدِيدُ الْعِقَابِ} أي : شديد الأخذ أليم العذاب ، لا يمتنع منه أحد ، ولا يفوته شيء بل هو الفعال لما يريد ، الذي قد غلب كل شيء وذل له كل شيء ، لا إله غيره ولا رب سواه. أ هـ {تفسير ابن كثير حـ 2 صـ 16}\rفائدة\rقال الشيخ الشنقيطى : \rقوله تعالى : {كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ والذين مِن قَبْلِهِمْ كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا فَأَخَذَهُمُ الله بِذُنُوبِهِمْ}.\rلم يبين هنا من هؤلاء الذين من قبلهم وما ذنوبهم التي أخذهم الله بها.\rوبين في مواضع أخر أن منهم قوم نوح وقوم هود وقوم صالح وقوم لوط وقوم شعيب وأن ذنوبهم التي أخذهم بها هي الكفر بالله وتكذيب الرسل وغير ذلك من المعاصي ، كعقر ثمود للناقة وكلواط قوم لوط ، وكتطفيف قوم شعيب للمكيال والميزان ، وغير ذلك كما جاء مفصلاً في آيات كثيرة كقوله في نوح وقومه : {فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلاَّ خَمْسِينَ عَاماً فَأَخَذَهُمُ الطوفان وَهُمْ ظَالِمُونَ} [ العنكبوت : 14 ] ونحوها من الآيات وكقوله في قوم هود : {إِذْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الريح العقيم} [ الذاريات : 41 ] الآية ونحوها من الآيات وكقوله في قوم صالح : {وَأَخَذَ الذين ظَلَمُواْ الصيحة} [ هود : 67 ] الآية ونحوها من الآيات وكقوله في قوم لوط : {فَجَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا} [ الحجر : 74 ] الآية ونحوها من الآيات وكقوله في قوم شعيب : {فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَهُمْ عَذَابُ يَوْمِ الظلة إِنَّهُ كَانَ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ} [ الشعراء : 189 ] ونحوها من الآيات. أ هـ {أضواء البيان حـ 1 صـ 221}\rمن لطائف الإمام القشيرى فى الآية\rأصرُّوا في العتوِّ على سَنَنهم ، وأدَمْنَا لهم في الانتقام سَنَنَا ، فلا عن الإصرار أقلعوا ، ولا في المَبَارِّ طَمعوا ، ولعمري إنهم هم الذين نَدِموا وتحسَّرُوا على ما قدَّموا - ولكن حينما وجدوا البابَ مسدوداً ، والندمَ عليهم مردوداً. أ هـ {لطائف الإشارات حـ 1 صـ 222}","part":11,"page":360},{"id":4662,"text":"قوله تعالى {قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا سَتُغْلَبُونَ وَتُحْشَرُونَ إِلَى جَهَنَّمَ وَبِئْسَ الْمِهَادُ (12)}\rمناسبة الآية لما قبلها\rقال البقاعى : \rولما تم ذلك على هذه الوجوه الظاهره التي أوجبت اليقين لكل منصف بأنهم مغلوبون وصل بها أمره صلى الله عليه وسلم وهو الحبيب العزيز بأن يصرح لهم بمضمون ذلك فقال : {قل للذين كفروا} أي من أهل زمانك جرياً على منهاج أولئك الذين أخذناهم {ستغلبون} كما غلبوا وإن كنتم ملأ الأرض لأنكم إنما تغالبون خالقكم وهو الغالب لكل شيء : \" وليُغلَبنّ مُغالبُ الغَلاّب \" واللام على قراءة الجمهور بالخطاب معدية ، وعلى قراءة الغيب معللة ، أي قل لأجلهم ، أو هي بمعنى عن ، أي قل عنهم ، وقد أفهم الإخبار بمجرد الغلبة دون ذكر العذاب كما كان يذكر في تهديد من قبلهم أن أخذهم بيد المغالبة والمدافعة والنصرة تشريفاً لنبيهم صلى الله عليه وسلم لأنه عرض عليه عذابهم فأبى إلا المدافعة على سنة المصابرة ، فكان أول ذلك غلبته صلى الله عليه وسلم على مكة المشرفة ، وكان فتحها فتحاً لجميع الأرض لأنها أم القرى نبه على ذلك الحرالي.\r{وتحشرون} أي تجمعون بعد موتكم أحياء كما كنتم قبل الموت {إلى جهنم} قال الحرالي : وهي من الجهامة ، وهي كراهه المنظر انتهى ؛ فتكون مهادكم ، لا مهاد لكم غيرها {وبئس} أي والحال أنها بئس {المهاد}. أ هـ {نظم الدرر حـ 2 صـ 31}\rوقال ابن عاشور : \rقوله تعالى {قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا سَتُغْلَبُونَ وَتُحْشَرُونَ إِلَى جَهَنَّمَ}\rاستئناف ابتدائي ، للانتقال من النذارة إلى التهديد ، ومن ضرب المثل لهم بأحوال سلفهم في الكفر ، إلى ضرب المثل لهم بسابق أحوالهم المؤذنة بأن أمرهم صائر إلى زوال ، وأن أمر الإسلام ستندك له صم الجبال. وجيء في هذا التهديد بأطنب عبارة وأبلغها ؛ لأن المقام مقام إطناب لمزيد الموعظة ، والتذكير بوصف يوم كان عليهم ، يعلمونه. أ هـ {التحرير والتنوير حـ 3 صـ 34}\rفصل","part":11,"page":361},{"id":4663,"text":"قال الفخر : \rقرأ حمزة والكسائي {سَيُغْلَََبُونَ وَيُحْشَرون} بالياء فيهما ، والباقون بالتاء المنقطة من فوق فيهما ، فمن قرأ بالياء المنقطة من تحت ، فالمعنى : بلغهم أنهم سيغلبون ، ويدل على صحة الياء قوله تعالى : {قُل لّلَّذِينَ ءَامَنُواْ يَغْفِرُواْ لِلَّذِينَ لاَ يَرْجُونَ أَيَّامَ الله} [ الجاثية : 14 ] و{قُلْ لّلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّواْ} [ النور : 30 ] ولم يقل غضوا ، ومن قرأ بالتاء فللمخاطبة ، ويدل على حسن التاء قوله {وَإِذْ أَخَذَ الله ميثاق النبيين لَمَا ءاتَيْتُكُم مّن كتاب} [ آل عمران : 81 ] والفرق بين القراءتين من حيث المعنى أن القراءة بالتاء أمر بأن يخبرهم بما سيجري عليهم من الغلبة والحشر إلى جهنم ، والقراءة بالياء أمر بأن يحكي لهم والله أعلم. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 7 صـ 162 ـ 163}\rوقال ابن عادل : \rقرأ الأخوان : \" سَيُغلبُونَ \" و\" يُحْشَرُونَ \" - بالغيبة - والباقون بالخطاب ، وهما واضحان كقولك : قل لزيد : قم ؛ على الحكاية ، وقل لزيد : يقوم وقد تقدم نحو من هذا في قوله : {لاَ تَعْبُدُونَ إِلاَّ الله} [ البقرة : 83 ].\rوقال أبو حيّان : - في قراءة الغيبة- : \" الظاهر أنَّ الضميرَ للذين كفروا ، وتكون الجملة - إذ ذاك ليست محكية بـ \" قل \" بل محكية بقول آخَرَ ، التقدير : قل لهم قولي : سيغلبون وإخباري أنهم سيقع عليهم الغَلَبةُ ، كما قال : \" قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إن يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سلف \" فبالتاء أخبرهم بمعنى ما أخبر به من أنهم سيُغْلَبون ، وبالياء أخبرهم باللفظ الذي أخبر به أنهم سيُغْلَبُون \".\rوهذا الذي قاله سبقه إليه الزمخشريُّ ، فأخذه منه ، ولكن عبارة الزمخشريِّ أوضحُ ، قال رحمه الله : فإن قلت : أيُّ فَرْقٍ بين القراءتين - من حيث المعنى ؟ \r","part":11,"page":362},{"id":4664,"text":"قلت معنى القراءة بالتاء - أي من فوق - الأمر بأن يخبرهم بما سيجري عليهم من الغلبة والحَشْر إلى جهنَّمَ ، فهو إخبار بمعنى : ستُغْلَبُون وتُحْشَرون ، فهو كائن من نفس المتوعَّد به ، وهو الذي يدل عليه اللفظ ومعنى القراءة بالياء الأمر بأن يحكي لهم ما أخْبِرَ به من وعيدهم بلفظه ، كأنه قال : أدِّ إليهم هذا القول الذي هو قولي لك : \" سيُغْلَبون ويُحْشَرون \".\rوجوَّز الفرَّاءُ وثعلبُ أن يكون الضمير في \" سَيُغْلَبُونَ وَيُحْشَرُونَ \" لكفار قريش ، ويُرَاد بالذين كفروا اليهود ، والمعنى : قل لليهود : ستُغْلَبُ قريش. وهذا إنما يتجه على قراءة الغيبة فقط.\rقال مَكيٌّ : \" ويقوِّي القراءة بالياء - أي من تحت - إجماعهم على الياء في قوله : {قُل لِلَّذِينَ كفروا إِن يَنتَهُواْ يُغَفَرْ لَهُمْ مَّا قَدْ سَلَفَ} [ الأنفال : 38 ] ، والتاء يعني من فوق أحَبُّ إليَّ ، لإجماع الحَرَميَّينِ وعاصم وغيرهم على ذلك \".\rقال شهابُ الدينِ : ومِثْل إجماعهم على قوله : {قُل لِلَّذِينَ كفروا إِن يَنتَهُواْ} [ الأنفال : 38 ] إجماعُهم على قوله {قُلْ لِّلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّواْ} [ النور : 30 ] ، وقوله : {قُل لِّلَّذِينَ آمَنُواْ يَغْفِرُواْ لِلَّذِينَ لاَ يَرْجُونَ} [ الجاثية : 14 ] ، وقال الفرّاء : \" مَن قرأ بالتاءِ جعل اليهود والمشركين داخِلينَ في الخطاب ، ثم يجوز - في هذا المعنى - التاء والياء ، كما تقول في الكلام : قل لعبد الله : إنه قائم ، وإنك قائم \".\rوفي حرف عبد الله : {قُل لِلَّذِينَ كفروا إِن يَنتَهُواْ يُغَفَرْ لَهُمْ مَّا قَدْ سَلَفَ} ، ومَن قرأ بالياء فإنه ذهب إلى مخاطبة اليهود ، وأنَّ الغَلَبَةَ تقع على المشركين ، كأنه قيل : قل يا محمد لليهود سيُغْلَب المشركون ، ويُحْشَرُونَ ، فليس يجوز في هذا المعنى إلاَّ الياءُ لأن المشركين غيب. أ هـ {تفسير ابن عادل حـ 5 صـ 55 ـ 56}\rقال الآلوسى : \r","part":11,"page":363},{"id":4665,"text":"وقد صدق الله تعالى وعده رسوله صلى الله عليه وسلم فقتل كما قيل من بني قريظة في يوم واحد ستمائة جمعهم في سوق بني قينقاع وأمر السياف بضرب أعناقهم وأمر بحفر حفيرة ورميهم فيها وأجلى بني النضير وفتح خيبر وضرب الجزية عليهم وهذا من أوضح شواهد النبوة. أ هـ {روح المعانى حـ 3 صـ 95}\rفصل\rقال الفخر : \rذكروا في سبب نزول هذه الآية وجوهاً\rالأول : لما غزا رسول الله صلى الله عليه وسلم قريشاً يوم بدر وقدم المدينة ، جمع يهود في سوق بني قينقاع ، وقال : يا معشر اليهود أسلموا قبل أن يصيبكم مثل ما أصاب قريشاً ، فقالوا : يا محمد لا تغرنك نفسك أن قتلت نفراً من قريش لا يعرفون القتال ، لو قاتلتنا لعرفت ، فأنزل الله تعالى هذه الآية.\rالرواية الثانية : أن يهود أهل المدينة لما شاهدوا وقعة أهل بدر ، قالوا : والله هو النبي الأمي الذي بشرنا به موسى في التوراة ، ونعته وأنه لا ترد له راية ، ثم قال بعضهم لبعض : لا تعجلوا فلما كان يوم أُحد ونكب أصحابه قالوا : ليس هذا هو ذاك ، وغلب الشقاء عليهم فلم يسلموا ، فأنزل الله تعالى هذه الآية.\rوالرواية الثالثة : أن هذه الآية واردة في جمع من الكفار بأعيانهم علم الله تعالى أنهم يموتون على كفرهم ، وليس في الآية ما يدل على أنهم من هم. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 7 صـ 163}\rقال أبو حيان : \rوالظاهر أن : الذين كفروا ، يعم الفريقين المشركين واليهود ، وكل قد غلب بالسيف ، والجزية ، والذلة ، وظهور الدلائل والحجج ، وإلى معناها الغاية ، وإن جهنم منتهى حشرهم ، وأبعد من ذهب إلى أن : إلى ، في معنى : في ، فيكون المعنى : إنهم يجمعون في جهنم وبئس المهاد ، يحتمل أن يكون من جملة المقول ، ويحتمل أن يكون استئناف كلام منه تعالى ، قاله الراغب. أ هـ {البحر المحيط حـ 2 صـ 410}\rفائدة\rقال الماوردى : \rوفي الغلبة هنا قولان : \rأحدهما : بالقهر والاستيلاء ، إن قيل إنها خاصة.","part":11,"page":364},{"id":4666,"text":"والثاني : بظهور الحجة ، إن قيل إنها عامة. أ هـ {النكت والعيون حـ 1 صـ 373 ـ 374}\rفصل في تكليف ما لا يطاق\rقال الفخر : \rاحتج من قال بتكليف ما لا يطاق بهذه الآية ، فقال : إن الله تعالى أخبر عن تلك الفرقة من الكفار أنهم يحشرون إلى جهنم ، فلو آمنوا وأطاعوا لانقلب هذا الخبر كذباً وذلك محال ، ومستلزم المحال محال ، فكان الإيمان والطاعة محالاً منهم ، وقد أمروا به ، فقد أمروا بالمحال وبما لا يطاق ، وتمام تقريره قد تقدم في تفسير قوله تعالى : {سَوَاء عَلَيْهِمْ ءأَنذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنذِرْهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ} [ البقرة : 6 ]. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 7 صـ 163}\rفائدة\rقال الفخر : \rقوله {سَتُغْلَبُونَ} إخبار عن أمر يحصل في المستقبل ، وقد وقع مخبره على موافقته ، فكان هذا إخباراً عن الغيب وهو معجز ، ونظيره قوله تعالى : {غُلِبَتِ الروم فِى أَدْنَى الأرض وَهُم مّن بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ} الروم : 2 ، 3 ) الآية ، ونظيره في حق عيسى عليه السلام {وَأُنَبّئُكُم بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِى بُيُوتِكُمْ} [ آل عمران : 49 ]. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 7 صـ 163}\rفائدة\rقال الفخر : \rدلّت الآية على حصول البعث في القيامة ، وحصول الحشر والنشر ، وأن مرد الكافرين إلى النار.\rثم قال : {وَبِئْسَ المهاد} وذلك لأنه تعالى لما ذكر حشرهم إلى جهنم وصفه فقال : {بِئْسَ المهاد} والمهاد : الموضع الذي يتمهد فيه وينام عليه كالفراش ، قال الله تعالى : {والأرض فرشناها فَنِعْمَ الماهدون} [ الذاريات : 48 ] فلما ذكر الله تعالى مصير الكافرين إلى جهنم أخبر عنها بالشر لأن بئس مأخوذ من البأساء هو الشر والشدة ، قال الله تعالى : {وَأَخَذْنَا الذين ظَلَمُواْ بِعَذَابٍ بَئِيسٍ} [ الأعراف : 165 ] أي شديد وجهنم معروفة أعاذنا الله منها بفضله. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 7 صـ 163}\rوقال القرطبى : ","part":11,"page":365},{"id":4667,"text":"{وَبِئْسَ المهاد} يعني جهنم ؛ هذا ظاهر الآية.\rوقال مجاهد : المعنى بئس ما مهدوا لأنفسهم ، فكأنّ المعنى : بئس فعلهم الذي أدّاهم إلى جهنم. أ هـ {تفسير القرطبى حـ 4 صـ 24}\rوقال ابن عادل : \rقوله : {بِئْسَ المهاد} المخصوص بالذم محذوفٌ ، أي بئس المهاد جهنمُ ، والحذف للمخصوص يدل على صحة مذهب سيبويه من أنه مبتدأ.\rوالجملة قبله خبره ، ولو كان - كما قال غيره - مبتدأ محذوف الخبر ، أو بالعكس ، لما حذف ثانياً ؛ للإجحاف بحذف سائر الجملة.\rو \" بئس \" مأخوذ من البأساء ، وهو الشر والشدة ، قال تعالى : {بِعَذَابٍ بَئِيسٍ} [ الأعراف : 165 ] أي : شديد. أ هـ {تفسير ابن عادل حـ 5 صـ 57}\rوقال الآلوسى : \r{وَبِئْسَ المهاد} إما من تمام ما يقال لهم أو استئناف لتهويل جهنم وتفظيع حال أهلها ، ومهاد كفراش لفظاً ومعنى ، والمخصوص بالذم مقدر وهو جهنم ، أو ما مهدوه لأنفسهم.\rمن لطائف الإمام القشيرى فى الآية\rأخبرهم أنهم يفوتهم حديث الحق في الآجل ، ولا تكون لهم لذةُ عيشٍ في العاجل ، والذي يلقونه في الآخرة من شدة العقوبة بالحُرْقة فوق ما يصيبهم في الدنيا من الغيبة عن الله والفرقة ، ولكن سَقِمتْ البصائر فلم يحسوا بأليم العقاب. أ هـ {لطائف الإشارات حـ 1 صـ 222}","part":11,"page":366},{"id":4668,"text":"قوله تعالى {قَدْ كَانَ لَكُمْ آَيَةٌ فِي فِئَتَيْنِ الْتَقَتَا فِئَةٌ تُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَأُخْرَى كَافِرَةٌ يَرَوْنَهُمْ مِثْلَيْهِمْ رَأْيَ الْعَيْنِ وَاللَّهُ يُؤَيِّدُ بِنَصْرِهِ مَنْ يَشَاءُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِأُولِي الْأَبْصَارِ (13)}\rمناسبة الآية لما قبلها\rقال البقاعى : \rولما كان الكفرة من أهل الكتاب وغيرهم من العرب بمعرض أن يقولوا حين قيل لهم ذلك : كيف نغلب وما هم فينا إلا كالشعرة البيضاء في جلد الثور الأسود ؟ قيل لهم : إن كانت قصة آل فرعون لم تنفعكم لجهل أو طول عهد فإنه {قد كان لكم آية} أي عظيمة بدلالة تذكير كان {في فئتين} تثنية فئة للطائفة التي يفيء إليها أي يرجع من يستعظم شيئاً ، استناداً إليها حماية بها لقوتها ومنعتها {التقتا} أي في بدر {فئة} أي منهما مؤمنة ، لما يرشد إليه قوله : {تقاتل في سبيل الله} أي الملك الأعلى لتكون كلمة الله هي العليا ، ومن كان كذلك لم يكن قطعاً إلا مؤمناً {وأخرى} أي منهما {كافرة} أي تقاتل في سبيل الشيطان ، فالآية كما ترى من وادي الاحتباك ، وهو أن يؤتى بكلامين يحذف من كل منهما شيء إيجازاً ، يدل ما ذكر من كل على ما حذف من الآخر ، وبعبارة أخرى : هو أن يحذف من كل جملة شيء إيجازاً ويذكر في الجملة الأخرى ما يدل عليه.","part":11,"page":367},{"id":4669,"text":"ولما نبه سبحانه وتعالى على الاعتبار بذكر الآية نبه على موضعها بقوله : {يرونهم} وضمن يرى البصيرية القاصرة على مفعول واحد فعل الظن ، وانتزع منه حالاً ودل عليها بنصب مفعول ثان فصار التقدير : ظانيهم {مثليهم} فعلى قراءة نافع بالتاء الفوقانية يكون المعنى : ترون أيها المخاطبون الكفار المقاتلين للمؤمنين ، وعلى قراءة غيره بالغيب المعنى ، يرى المسلمون الكفار مثلي المسلمين {رأي العين} أي بالحزر والتخمين ، لا بحقيقة العدد ، هذا أقل ما يجوزونه فيهم ، وقد كانوا ثلاثة أمثالهم ومع ذلك فجزاهم الله على مصادمتهم ونصرهم عليهم ، أو يرى الكفار المسلمين مثلي الكفار مع كونهم على الثلث من عدتهم ، كما هو المشهور في الآثار تأييداً من الله سبحانه وتعالى لأوليائه ليرعب الأعداء فينهزموا ، أو يرى الكفار المسلمين ضعفي عدد المسلمين قال الحرالي : لتقع الإراءة على صدقهم في موجود الإسلام الظاهر والإيمان الباطن ، فكان كل واحد منهم بما هو مسلم ذاتاً ، وبما هو مؤمن ذاتاً ، فالمؤمن المسلم ضعفان أبداً {فإن يكن منكم مائة صابرة يغلبوا مائتين وإن يكن منكم ألف يغلبوا ألفين} [ الأنفال : 66 ] وذلك بما أن الكافر ظاهر لا باطن له فكان ذات عين ، لا ذات قلب له ، فكان المؤمن ضعفه ، فوقعت الإراءة للفئة المؤمنة على ما هي عليه شهادة من الله سبحانه وتعالى بثبات إسلامهم وإيمانهم ، وكان ذلك أدنى الإراءة لمزيد موجود الفئة المقاتلة في سبيل الله بمقدار الضعف الذي هو أقل الزيادة الصحيحة ، وأما بالحقيقة فإن التام الدين بما هو مسلم مؤمن صاحب يقين إنما هو بالحقيقة عشر تام نظير موجود الوجود الكامل ، فهو عشر ذوات بما هو صاحب يقين ودين {إن يكن منكم عشرون صابرون يغلبوا مائتين} [ الأنفال : 65 ] انتهى.\r","part":11,"page":368},{"id":4670,"text":"وهذا التقليل والتكثير واقع بحسب أول القتال وآخره ، وقبل اللقاء وبعده ، لما أراد الله سبحانه وتعالى من الحكم كما في آية الأنفال ، والمعنى : إنا فاعلون بكم أيها الكفارعلى أيديهم ما فعلناه بأولئك ، وقد كانوا قائلين أعظم من مقالاتكم ، فلم تغن عنهم كثرتهم شيئاً ، ولا شدة شكيمتهم ونخوتهم فإن الله سبحانه وتعالى ولي المؤمنين لطيبهم {قل لا يستوي الخبيث والطيب ولو أعجبك كثرة الخبيث} [ المائدة : 100 ].\rولما كان التقدير : فنصر الله سبحانه وتعالى الفئة القليلة ، عطف عليه قوله : {والله} أي الذي له الأمر كله {يؤيد} والأيد تضعيف القوة الباطنة {بنصره} قال الحرالي : والنصر لا يكون إلا لمحق ، وإنما يكون لغير المحق الظفر والانتقام انتهى.\r{من يشاء} أي فلا عجب فيه في التحقيق ، فلذلك اتصل به قوله : {إن في ذلك} أي الأمر الباهر ، وفي أداة البعد كما قال الحرالي إشارة بعد إلى محل علو الآية {لعبرة} قال : هي المجاوزة من عدوة دنيا إلى عدوة قصوى ، ومن علم أدنى إلى علم أعلى ، ففي لفظها بشرى بما ينالون من ورائها مما هو أعظم منها إلى غاية العبرة العظمى من الغلبة الخاتمة التي عندها تضع الحرب أوزارها حيث يكون من أهل الكمال بعدد أهل بدر ثلاثمائة ثلاثة عشر ، فهو غاية العبرة لمن له بصر نافذ ونظر جامع بين البداية والخاتمة {كما بدأنا أول خلق نعيده} [ الأنبياء : 104 ] - انتهى.\r{لأولي الأبصار} أي يصيرون بها من حال إلى أشرف منها في قدرة الله وعظمته وفعله بالاختيار.\r","part":11,"page":369},{"id":4671,"text":"قال الحرالي : أول موقع العين على الصورة نظر ، ومعرفة خبرتها الحسية بصر ، ونفوذه إلى حقيقتها رؤية ، فالبصر متوسط بين النظر والرؤية كما قال سبحانه وتعالى : {وتراهم ينظرون إليك وهم لا يبصرون} [ الأعراف : 198 ] فالعبرة هي المرتبة الأولى لأولي الأبصار الذين يبصرون الأواخر بالأوائل ، فأعظم غلبة بطشه في الابتداء غلبة بدر ، وأعظمها في الانتهاء الغلبة الخاتمة التي لا حرب وراءها ، التي تكون بالشام في آخر الزمان - انتهى. أ هـ {نظم الدرر حـ 2 صـ 31 ـ 33}\rوقال الآلوسى : \r{قَدْ كَانَ لَكُمْ} من تتمة القول المأمور به جيء به لتقرير مضمون ما قبله وتحقيقه والخطاب لليهود أيضاً واختاره شيخ الإسلام وذهب إليه البلخي أي قد كان لكم أيها اليهود المغترون بعددهم وعددهم {ءايَةً} أي علامة عظيمة دالة على صدق ما أقول لكم أنكم ستغلبون {فِي فِئَتَيْنِ} أي فرقتين أو جماعتين من الناس كانت المغلوبة منهما مدلة بكثرتها معجبة بعزتها فأصابها ما أصابها {التقتا} يوم بدر {فِئَةٌ تقاتل فِى سَبِيلِ الله} فهي في أعلى درجات الإيمان ولم يقل مؤمنة مدحاً لهم بما يليق بالمقام ورمزاً إلى الاعتداد بقتالهم. أ هـ {روح المعانى حـ 3 صـ 95}\rفائدة\rقال الفخر : \rلم يقل : قد كانت لكم آية ، بل قال : {قَدْ كَانَ لَكُمْ ءايَةٌ} وفيه وجهان : \rالأول : أنه محمول على المعنى ، والمراد : قد كان لكم إتيان هذا آية.\rوالثاني : قال الفرّاء : إنما ذكر للفصل الواقع بينهما ، وهو قوله {لَكُمْ}. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 7 صـ 164}\rقال ابن عادل : \r\" قَدْ كَانَ \" جواب قسم محذوفٍ ، و\" آيَةٌ \" اسم \" كان \" ولم يُؤنث الفعلُ ؛ لأن تأنيث الآية مجازيٌّ ، ولأنها بمعنى الدليل والبرهان.\rوقال بعضهم : محمول على المعنى ، والمعنى : قد كان لكم بيانُ هَذه الآيةِ.\rوفي خبر \" كان \" وَجهَانِ : \rأحدهما : أنه \" لَكُم \" و\" فِي فِئَتَيْنِ \" في محل رفع نَعْتاً لِ \" آيَةٌ \".","part":11,"page":370},{"id":4672,"text":"والثاني : أنه \" فِي فِئَتَيْنِ \" وفي \" لَكُمْ \" وجهانِ : \rأحدهما : أنه متعلق بمحذوف على أنه حال من \" آية \" ؛ لأنه - في الأصل - صفة لآية ، فلمَّا تقدَّم نُصِبَ حَالاً.\rالثاني : أنه متعلق بـ \" كان \" ذكره أبو البقاء ، وهذا عند مَنْ يَرَى أنها تعمل في الظرف وحرف الجر ولكن في جَعْل \" فِي فِئَتَيْنِ \" الخَبَرَ إشْكالٌ ، وهو أن حكم اسم \" كان \" حكم المبتدأ ، فلا يجوز ، أن يكونَا اسماً لها إلا ما جاز الابتداء به ، وهنا لو جعلت \" آية \" مبتدأ ، وما بعدها خبراً لم يجز ؛ إذْ لا مُسَوِّغَ لربتداء بهذه النكرة ، بخلاف ما إذا جَعَلْتَ \" لَكُم \" الخبرَ ، فإنَّه جائز لوجود المسوِّغ ، وهو تقدُّمُ الخبرِ حرفَ جَرٍّ. أ هـ {تفسير ابن عادل حـ 5 صـ 57} باختصار يسير.\rقال القرطبى : \rلا خلاف أن الإشارة بهاتين الفئتين هي إلى يوم بَدْر.\rواختلف من المخاطب بها ؛ فقيل : يحتمل أن يخاطب بها المؤمنون ، ويحتمل أن يخاطب بها جميع الكفار ، ويحتمل أن يخاطب بها يهود المدينة ؛ وبكل احتمال منها قد قال قوم.\rوفائدة الخطاب للمؤمنين تثبيت النفوس وتشجيعها حتى يقدِموا على مثليْهم وأمثالهم كما قد وقع. أ هـ {تفسير القرطبى حـ 4 صـ 25}\rفصل\rقال الفخر : ","part":11,"page":371},{"id":4673,"text":"وجه النظم أنا ذكرنا أن الآية المتقدمة ، وهي قوله تعالى : {سَتُغْلَبُونَ وَتُحْشَرُونَ} نزلت في اليهود ، وأن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما دعاهم إلى الإسلام أظهروا التمرد وقالوا ألسنا أمثال قريش في الضعف وقلة المعرفة بالقتال بل معنا من الشوكة والمعرفة بالقتال ما يغلب كل من ينازعنا فالله تعالى قال لهم إنكم وإن كنتم أقوياء وأرباب العدة والعدة فإنكم ستغلبون ثم ذكر الله تعالى ما يجري الدلالة على صحة ذلك الحكم ، فقال : {قَدْ كَانَ لَكُمْ ءايَةٌ فِي فِئَتَيْنِ التقتا فِئَةٌ} يعني واقعة بدر كانت كالدلالة على ذلك لأن الكثرة والعدة كانت من جانب الكفار والقلة وعدم السلاح من جانب المسلمين ثم إن الله تعالى قهر الكفار وجعل المسلمين مظفرين منصورين وذلك يدل على أن تلك الغلبة كانت بتأييد الله ونصره ، ومن كان كذلك فإنه يكون غالباً لجميع الخصوم ، سواء كانوا أقوياء أو لم يكونوا كذلك فهذا ما يجري مجرى الدلالة على أنه عليه السلام يهزم هؤلاء اليهود ويقهرهم وإن كانوا أرباب السلاح والقوة ، فصارت هذه الآية كالدلالة على صحة قوله {قُلْ لّلَّذِينَ كَفَرُواْ سَتُغْلَبُونَ} الآية ، فهذا هو الكلام في وجه النظم. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 7 صـ 164}\rفصل\rقال الفخر : \r{الفئة} الجماعة ، وأجمع المفسرون على أن المراد بالفئتين : رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه يوم بدر ومشركوا مكة روي أن المشركين يوم بدر كانوا تسعمائة وخمسين رجلاً ، وفيهم أبو سفيان وأبو جهل ، وقادوا مائة فرس ، وكانت معهم من الإبل سبعمائة بعير ، وأهل الخيل كلهم كانوا دارعين وهم مائة نفر ، وكان في الرجال دروع سوى ذلك ، وكان المسلمون ثلثمائة وثلاثة عشر رجلاً بين كل أربعة منهم بعير ، ومعهم من الدروع ستة ، ومن الخيل فرسان ، ولا شك أن في غلبة المسلمين للكفار على هذه الصفة آية بينة ومعجزة قاهرة.","part":11,"page":372},{"id":4674,"text":"واعلم أن العلماء ذكروا في تفسير كون تلك الواقعة آية بينة وجوهاً الأول : أن المسلمين كان قد اجتمع فيهم من أسباب الضعف عن المقاومة أمور ، منها : قل العدد ، ومنها : أنهم خرجوا غير قاصدين للحرب فلم يتأهبوا ، ومنها قلة السلاح والفرس ، ومنها أن ذلك ابتداء غارة في الحرب لأنها أول غزوات رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وكان قد حصل للمشركين أضداد هذه المعاني منها : كثرة العدد ، ومنها أنهم خرجوا متأهبين للحرب ، ومنها كثرة سلاحهم وخيلهم ، ومنها أن أولئك الأقوام كانوا ممارسين للمحاربة ، والمقاتلة في الأزمنة الماضية ، وإذا كان كذلك فلم تجر العادة أن مثل هؤلاء العدد في القلة والضعف وعدم السلاح وقلة المعرفة بأمر المحاربة يغلبون مثل ذلك الجمع الكثير مع كثرة سلاحهم وتأهبهم للمحاربة ، ولما كان ذلك خارجاً عن العادة كان معجزاً.\rوالوجه الثاني : في كون هذه الواقعة آية أنه عليه الصلاة والسلام كان قد أخبر قومه بأن الله ينصره على قريش بقوله {وَإِذْ يَعِدُكُمُ الله إِحْدَى الطائفتين أَنَّهَا لَكُمْ} [ الأنفال : 7 ] يعني جمع قريش أو عير أبي سفيان ، وكان قد أخبر قبل الحرب بأن هذا مصرع فلان ، وهذا مصرع فلان ، فلما وجد مخبر خبره في المستقبل على وفق خبره كان ذلك إخباراً عن الغيب ، فكان معجزاً.\rوالوجه الثالث : في بيان كون هذه الواقعة آية ما ذكره تعالى بعد هذه الآية ، وهو قوله تعالى : {يَرَوْنَهُمْ مّثْلَيْهِمْ رَأْىَ العين} والأصح في تفسير هذه الآية أن الرائين هم المشركون والمرئيين هم المؤمنون ، والمعنى أن المشركين كانوا يرون المؤمنون مثلي عدد المشركين قريباً من ألفين ، أو مثلي عدد المسلمين وهو ستمائة ، وذلك معجز.\rفإن قيل : تجويز رؤية ما ليس بموجود يفضي إلى السفسطة.\r","part":11,"page":373},{"id":4675,"text":"قلنا : نحمل الرؤية على الظن والحسبان ، وذلك لأن من اشتد خوفه قد يظن في الجمع القليل أنهم في غاية الكثرة ، وإما أن نقول إن الله تعالى أنزل الملائكة حتى صار عسكر المسلمين كثيرين والجواب الأول أقرب ، لأن الكلام مقتصر على الفئتين ولم يدخل فيهما قصة الملائكة. والوجه الرابع : في بيان كون هذه القصة آية ، قال الحسن : إن الله تعالى أمد رسوله صلى الله عليه وسلم في تلك الغزوة بخمسة آلاف من الملائكة لأنه قال : {فاستجاب لَكُمْ أنّى مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ} [ الأنفال : 9 ] وقال : {بَلَى إِن تَصْبِرُواْ وَتَتَّقُواْ وَيَأْتُوكُمْ مّن فَوْرِهِمْ هذا يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ بِخَمْسَةِ ءالافٍ مّنَ الملائكة} [ آل عمران : 125 ] والألف مع الأربعة آلاف : خمسة آلاف من الملائكة وكان سيماهم هو أنه كان على أذناب خيولهم ونواصيها صوف أبيض ، وهو المراد بقوله {والله يُؤَيّدُ بِنَصْرِهِ مَن يَشَاء} والله أعلم. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 7 صـ 164 ـ 165}\rقوله تعالى : {فِئَةٌ تقاتل فِى سَبِيلِ الله وأخرى كَافِرَةٌ}\rقال الفخر : \rالمراد بالفئة التي تقاتل في سبيل الله هم المسلمون ، لأنهم قاتلوا لنصرة دين الله.\rوقوله {وأخرى كَافِرَةٌ} المراد بها كفار قريش. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 7 صـ 165}\rفائدة\rقال فى الميزان : \rقوله تعالى {فئة تقاتل في سبيل الله وأخرى كافرة} لم يقل وأخرى في سبيل\rالشيطان أو في سبيل الطاغوت ونحو ذلك لأن الكلام غير مسوق للمقايسة بين السبيلين بل لبيان أن لا غنى من الله تعالى وأن الغلبة له فالمقابلة بالحقيقة بين الإيمان بالله والجهاد في سبيله وبين الكفر به تعالى. أ هـ {الميزان حـ 3 صـ 94}\rقوله تعالى : {يَرَوْنَهُمْ مّثْلَيْهِمْ رَأْىَ العين}\rقال الفخر : ","part":11,"page":374},{"id":4676,"text":"قرأ نافع وأبان عن عاصم {تَرَوْنَهُمْ} بالتاء المنقطة من فوق ، والباقون بالياء فمن قرأ بالتاء فلأن ما قبله خطاب لليهود ، والمعنى ترون أيها اليهود المسلمين مثل ما كانوا ، أو مثلي الفئة الكافرة ، أو تكون الآية خطاباً مع مشركي قريش والمعنى : ترون يا مشركي قريش المسلمون مثلي فئتكم الكافرة ، ومن قرأ بالياء فللمغالبة التي جاءت بعد الخطاب ، وهو قوله {فِئَةٌ تقاتل فِى سَبِيلِ الله وأخرى كَافِرَةٌ يَرَوْنَهُمْ مّثْلَيْهِمْ} فقوله {يَرَوْنَهُمْ} يعود إلى الإخبار عن إحدى الفئتين. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 7 صـ 166}\rفصل\rقال الفخر : \rاعلم أنه قد تقدم في هذه الآية ذكر الفئة الكافرة وذكر الفئة المسلمة فقوله {يرونهم مثليهم} يحتمل أن يكون الراؤن هم الفئة الكافرة ، والمرئيون هم الفئة المسلمة ، ويحتمل أن يكون بالعكس من ذلك فهذان احتمالان ، وأيضاً فقوله {مّثْلَيْهِمْ} يحتمل أن يكون المراد مثلي الرائين وأن يكون المراد مثلي المرئين فإذن هذه الآية تحتمل وجوهاً أربعة الأول : أن يكون المراد أن الفئة الكافرة رأت المسلمين مثلي عدد المشركين قريباً من ألفين.\rوالاحتمال الثاني : أن الفئة الكافرة رأت المسلمين مثلي عدد المسلمين ستمائة ونيفاً وعشرين ، والحكمة في ذلك أنه تعالى كثر المسلمين في أعين المشركين مع قلتهم ليهابوهم فيحترزوا عن قتالهم.\rفإن قيل : هذا متناقض لقوله تعالى في سورة الأنفال {وَيُقَلّلُكُمْ فِى أَعْيُنِهِمْ} [ الأنفال : 44 ].\rفالجواب : أنه كان التقليل والتكثير في حالين مختلفين ، فقللوا أولاً في أعينهم حتى اجترؤا عليهم ، فلما تلاقوا كثرهم الله في أعينهم حتى صاروا معلوبين ، ثم إن تقليلهم في أول الأمر ، وتكثيرهم في آخر الأمر ، أبلغ في القدرة وإظهار الآية.","part":11,"page":375},{"id":4677,"text":"والاحتمال الثالث : أن الرائين هم المسلمون ، والمرئيين هم المشركون ، فالمسلمون رأوا المشركين مثلى المسلمين ستمائة وأزيد ، والسبب فيه أن الله تعالى أمر المسلم الواحد بمقاومة الكافرين قال الله تعالى : {إِن يَكُن مّنكُمْ مّاْئَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُواْ مِاْئَتَيْنِ} [ الأنفال : 66 ].\rفإن قيل : كيف يرونهم مثليهم رأي العين ، وكانوا ثلاثة أمثالهم ؟ .\rالجواب : أن الله تعالى إنما أظهر للمسلمين من عدد المشركين القدر الذي علم المسلمون أنهم يغلبونهم ، وذلك لأنه تعالى قال : {إِن يَكُن مّنكُمْ مّاْئَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُواْ مِاْئَتَيْنِ} فأظهر ذلك العدد من المشركين للمؤمنين تقوية لقلوبهم ، وإزالة للخوف عن صدورهم.\rوالاحتمال الرابع : أن الرائين هم المسلمون ، وأنهم رأوا المشركين على الضعف من عدد المشركين فهذا قول لا يمكن أن يقول به أحد ، لأن هذا يوجب نصرة المشركين بإيقاع الخوف في قلوب المؤمنين ، والآية تنافي ذلك ، وفي الآية احتمال خامس ، وهو أنا أول الآية قد بينا أن الخطاب مع اليهود ، فيكون المراد ترون أيها اليهود المشركين مثلي المؤمنين في القوة والشوكة.\rفإن قيل : كيف رأوهم مثليهم فقد كانوا ثلاثة أمثالهم فقد سبق الجواب عنه.\rبقي من مباحث هذا الموضع أمران : \r","part":11,"page":376},{"id":4678,"text":"البحث الأول : أن الاحتمال الأول والثاني يقتضي أن المعدوم صار مرئياً ، والاحتمال الثالث يقتضي أن ما وجد وحضر لم يصر مرئياً أما الأول : فهو محال عقلاً ، لأن المعدوم لا يرى ، فلا جرم وجب حمل الرؤية على الظن القوي ، وأما الثاني : فهو جائز عند أصحابنا ، لأن عندنا مع حصول الشرائط وصحة الحاسد يكون الإدراك جائزاً لا واجباً ، وكان ذلك الزمان زمان ظهور المعجزات وخوارق العادات ، فلم يبعد أن يقال : إنه حصل ذلك المعجز ، وأما المعتزلة فعندهم الإدراك واجب الحصول عند اجتماع الشرائط وسلامة الحاسد ، فلهذا المعنى اعتذر القاضي عن هذا الموضع من وجوه أحدها : أن عند الاشتغال بالمحاربة والمقاتلة قد لا يتفرغ الإنسان لأن يدير حدقته حول العسكر وينظر إليهم على سبيل التأمل التام ، فلا جرم يرى البعض دون البعض وثانيها : لعلّه يحدث عند المحاربة من الغبار ما يصير مانعاً عن إدراك البعض وثالثها : يجوز أن يقال : إنه تعالى خلق في الهواء ما صار مانعاً عن إدراك ثلث العسكر ، وكل ذلك محتمل.\r","part":11,"page":377},{"id":4679,"text":"البحث الثاني : اللفظ وإن احتمل أن يكون الراؤن هم المشركون ، وأن يكون هم المسلمون فأي الاحتمالين أظهر فقيل : إن كون المشرك رائياً أولى ، ويدل عليه وجوه الأول : أن تعلق الفعل بالفاعل أشد من تعلقه بالمفعول ، فجعل أقرب المذكورين السابقين فاعلاً ، وأبعدهما مفعولاً أولى من العكس ، وأقرب المذكورين هو قوله {وأخرى كَافِرَةٌ} والثاني : أن مقدمة الآية وهو قوله {قَدْ كَانَ لَكُمْ ءايَةٌ} خطاب مع الكفار فقراءة نافع بالتاء يكون خطاباً مع أولئك الكفار والمعنى ترون يا مشركي قريش المسلمين مثليهم ، فهذه القراءة لا تساعد إلا على كون الرائي مشركاً الثالث : أن الله تعالى جعل هذه الحالة آية الكفار ، حيث قال : {قَدْ كَانَ لَكُمْ ءايَةٌ فِي فِئَتَيْنِ التقتا} فوجب أن تكون هذه الحالة مما يشاهدها الكافر حتى تكون حجة عليه ، أما لو كانت هذه الحالة حاصلة للمؤمن لم يصح جعلها حجة الكافر والله أعلم.\rواحتج من قال : الراؤن هم المسلمون ، وذلك لأن الرائين لو كانوا هم المشركين لزم رؤية ما ليس بموجود وهو محال ، ولو كان الراؤن هم المؤمنون لزم أن لا يرى ما هو موجود وهذا ليس بمحال ، وكان ذلك أولى والله أعلم. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 7 صـ 166 ـ 167}\rوقال القرطبى : \rقرأ نافع \"تَرَوْنَهُم\" بالتاء والباقون بالياء.\r{مِّثْلَيْهِمْ} نصب على الحال من الهاء والميم في \"ترونهم\".\rوالجمهور من الناس على أن الفاعل بترون هم المؤمنون ، والضمير المتصل هو للكفار.\rوأنكر أبو عمرو أن يقرأ \"ترونهم\" بالتاء ؛ قال : ولو كان كذلك لكان مِثليكم.\rقال النحاس : وذا لا يلزم ، ولكن يجوز أن يكون مِثلى أصحابكم.\rقال مكيّ : \"تَرَوْنَهُم\" بالتاء جرى على الخطاب في {لَكُم} فيحسن أن يكون الخطاب للمسلمين ، والهاء والميم للمشركين.\r","part":11,"page":378},{"id":4680,"text":"وقد كان يلزم من قرأ بالتاء أن يقرأ مثليكم بالكاف ، وذلك لا يجوز لمخالفة الخط ؛ ولكن جرى الكلام على الخروج من الخطاب إلى الغيبة ؛ كقوله تعالى : {حتى إِذَا كُنتُمْ فِي الفلك وَجَرَيْنَ بِهِم} [ يونس : 22 ] ، وقوله تعالى : {وَمَآ آتَيْتُمْ مِّن زَكَاةٍ} [ الروم : 39 ] فخاطب ثم قال : {فأولئك هُمُ المضعفون} [ الروم : 39 ] فرجع إلى الغيبة.\rفالهاء والميم في {مِثْلَيْهِم} يحتمل أن يكون للمشركين ، أي ترون أيها المسلمون المشركين مثليْ ما هم عليه من العدد ؛ وهو بعيد في المعنى ؛ لأن الله تعالى لم يُكْثر المشركين في أعين المسلمين بل أعلمنا أنه قلَّلَهم في أعين المؤمنين ، فيكون المعنى ترون أيها المؤمنون المشركين مِثليْكم في العدد وقد كانوا ثلاثة أمثالهم ، فقلَّلَ الله المشركين في أعين المسلمين فأراهم إياهم مِثَليْ عِدّتهم لتقوى أنفُسهم ويقع التجاسُر ، وقد كانوا أُعلِموا أنّ المائة منهم تغلب المائتين من الكفار ، وقلّل المسلمين في أعين المشركين ليجْتَرئوا عليهم فينْفُذ حكم الله فيهم.\rويحتمل أن يكون الضمير في {مِثليْهِم} للمسلمين ، أي ترون أيها المسلمون المسلمين مِثليْ ما أنتم عليه من العدد ، أي ترون أنفسكم مثليْ عددكم ؛ فعل الله ذلك بهم لتقوى أنفسهم على لقاء المشركين.\rوالتأويل الأوّل أولى ؛ يدل عليه قوله تعالى : {إِذْ يُرِيكَهُمُ الله فِي مَنَامِكَ قَلِيلاً} [ الأنفال : 43 ] وقوله : {وَإِذْ يُرِيكُمُوهُمْ إِذِ التقيتم في أَعْيُنِكُمْ قَلِيلاً} [ الأنفال : 44 ].\rوروى عن ابن مسعود أنه قال : قلت لرجل إلى جنبي : أتراهم سبعين ؟ قال : أظنهم مائة.\rفلما أخذنا الأسارى أخبرونا أنهم كانوا ألفاً.\rوحكى الطبريّ عن قوم أنهم قالوا : بل كثر الله عدد المؤمنين في عيون الكافرين حتى كانوا عندهم ضِعفيْهم.\rوضعَّف الطبري هذا القول.\rقال ابن عطية : وكذلك هو مردود من جهات.\r","part":11,"page":379},{"id":4681,"text":"بل قلّل الله المشركين في أعين المؤمنين كما تقدّم.\rوعلى هذا التأويل كان يكون \"ترون\" للكافرين ، أي ترون أيها الكافرون المؤمنين مثليهم ، ويحتمل مثليكم ، على ما تقدّم.\rوزعم الفرّاء أنّ المعنى تروْنَهم مثلَيْهم ثلاثةَ أمثالهم.\rوهو بعيدٌ غير معروف في اللغة.\rوقال الزجاج : وهذا باب الغلط ، فيه غلط في جميع المقاييس ؛ لأنا إنما نعقل مثل الشيء مساوياً له ، ونعقِل مثليْه ما يساويه مرتين.\rقال ابن كَيْسان : وقد بين الفرّاء قوله بأن قال : كما تقول وعندك عبدٌ : أحتاج إلى مثله ، فأنت محتاج إليه وإلى مثله.\rوتقول : أحتاج إلى مثليه ، فأنت محتاج إلى ثلاثة.\rوالمعنى على خلاف ما قال ، واللغةُ.\rوالذي أوقع الفرّاء في هذا أن المشركين كانوا ثلاثة أمثال المؤمنين يوم بدر ؛ فتوهّم أنه لا يجوز أن يكونوا يرونهم إلا على عِدّتهم ، وهذا بعيد وليس المعنى عليه.\rوإنما أراهم الله على غير عِدّتهم لجهتين : إحداهما أنه رأى الصلاح في ذلك ؛ لأن المؤمنين تقوى قلوبهم بذلك.\rوالأخرى أنه آية للنبيّ صلى الله عليه وسلم.\rوسيأتي ذكر وقعة بدر إن شاء الله تعالى.\rوأمّا قراءة الياء فقال ابن كيسان : الهاء والميم في {يرونهم} عائدة على {وَأُخْرَى كَافِرَةٌ} والهاء والميم في {مثليْهم} عائدة على {فِئَةٌ تُقَاتِلُ في سَبِيلِ اللَّهِ} وهذا من الإضمار الذي يدل عليه سياق الكلام ، وهو قوله : {يُؤَيِّدُ بِنَصْرِهِ مَن يَشَآءُ}.\rفدل ذلك على أن الكافرين كانوا مِثْلَي المسلمين في رأي العين وثلاثة أمثالهم في العدد.\rقال : والرؤية هنا لليهود.\rوقال مكيّ : الرؤية للفئة المقاتلة في سبيل الله ، والمرئية الفئة الكافرة ؛ أي ترى الفئةُ المقاتلة في سبيل الله الفئةَ الكافرة مثْلَي الفئة المؤمنة ، وقد كانت الفئة الكافرة ثلاثة أمثال المؤمنة فقلّلهم الله فى أعينهم على ما تقدّم.\rوالخطاب في {لكم} لليهود.\r","part":11,"page":380},{"id":4682,"text":"وقرأ ابن عباس وطلحة \"تُرَوْنَهم\" بِضم التاء ، والسلميّ بالتاء مضمومة على ما لم يسم فاعله.أ هـ {تفسير القرطبى حـ 4 صـ 26 ـ 27}\rوقال ابن الجوزى :\rفإن قيل : كيف يقال : إن المشركين استكثروا المسلمين ، وإن المسلمين استكثروا المشركين ، وقد بين قوله تعالى : {وإِذ يريكموهم إِذ التقيتم في أعينكم قليلاً ويقللكم في أعينهم} [ الأنفال : 44 ] أن الفئتين تساوتا في استقلال إحداهما للأخرى ؟ فالجواب : أنهم استكثروهم في حال ، واستقلوهم في حال ، فإن قلنا : إن الفئة الرائية المسلمون ، فإنهم رأوا عدد المشركين عند بداية القتال على ماهم عليه ، ثم قلل الله المشركين في أعينهم حتى اجترؤوا عليهم ، فنصرهم الله بذلك السبب.\rقال ابن مسعود : نظرنا إلى المشركين فرأيناهم يضعفون علينا ، ثم نظرنا إليهم ، فما رأيناهم يزيدون علينا رجلاً واحداً.\rوقال في رواية اخرى : لقد قللوا في أعيننا حتى قلت لرجل إلى جنبي : تراهم سبعين ؟ قال : أراهم مائة ، فأسرنا منهم رجلاً ، فقلت : كم كنتم ؟ قال : ألفاً.\rوإن قلنا : إن الفئة الرائية المشركون ، فإنهم استقلوا المسلمين في حال ، فاجترؤوا عليهم ، واستكثروهم في حال ، فكان ذلك سبب خذلانهم ، وقد نقل أن المشركين لما أسروا يومئذ ، قالوا للمسلمين : كم كنتم ؟ قالوا : كنا ثلاثمائة وثلاثة عشر.\rقالوا : ما كنا نراكم إلا تضعفون علينا. أ هـ {زاد المسير حـ 1 صـ 358}\rوقال فى روح البيان :\rقللهم أولا فى أعينهم حتى اجترأوا عليهم فلما لاقوهم كثروا فى أعينهم حتى غلبوا فكان التقليل والتكثير فى حالين مختلفين وتقليلهم تارة وتكثيرهم أخرى أبلغ فى القدرة وإظهار الآية. أ هـ {روح البيان حـ 2 صـ 12}\rوقال ابن كثير :","part":11,"page":381},{"id":4683,"text":"وقوله : {يَرَوْنَهُمْ مِثْلَيْهِمْ رَأْيَ الْعَيْنِ} قال بعض العلماء -فيما حكاه ابن جرير : يرى المشركون يوم بدر المسلمين مثليهم في العدد رأي أعينهم ، أي : جعل الله ذلك فيما رأوه سببًا لنصرة الإسلام عليهم. وهذا لا إشكال عليه إلا من جهة واحدة ، وهي أن المشركين بعثوا عمر بن سعد يومئذ قبل القتال يحزر لهم المسلمين ، فأخبرهم بأنهم ثلاثمائة ، يزيدون قليلا أو ينقصون قليلا. وهكذا كان الأمر ، كانوا ثلاثمائة وبضعة عشر رجلا ثم لما وقع القتال أمدّهم الله بألف من خواص الملائكة وساداتهم.\rوالقول الثاني : \" أن المعنى في قوله : {يَرَوْنَهُمْ مِثْلَيْهِمْ رَأْيَ الْعَيْنِ} أي : ترى الفئة المسلمة الفئة الكافرة مثليهم ، أي : ضعفيهم في العدد ، ومع هذا نصرهم الله عليهم. وهذا لا إشكال فيه على ما رواه العوفي ، عن ابن عباس أن المؤمنين كانوا يوم بدر ثلاثمائة وثلاثة عشر رجلا والمشركين كانوا ستمائة وستة وعشرين رجلا. وكأن هذا القول مأخوذ من ظاهر هذه الآية ، ولكنه خلاف المشهور عند أهل التواريخ والسير وأيام الناس ، وخلاف المعروف عند الجمهور من أن المشركين كانوا ما بين التسعمائة إلى الألف كما رواه محمد بن إسحاق ، عن يزيد بن رومان ، عن عروة بن الزبير ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما سأل ذلك العبد الأسود لبني الحجاج عن عدّة قريش ، فقال : كثير ، قال : \"كم ينحرون كل يوم ؟ \" قال : يومًا تسعًا ويومًا عشرًا ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : \"القوم ما بين التسعمائة إلى الألف\".\rوروى أبو إسحاق السَّبِيعي ، عن حارثة ، عن علي ، قال : كانوا ألفًا ، وكذا قال ابن مسعود. والمشهور أنهم كانوا ما بين التسعمائة إلى الألف ، وعلى كل تقدير فقد كانوا ثلاثة أمثال المسلمين ، وعلى هذا فيشكل هذا القول والله أعلم. لكن وجه ابن جرير هذا ، وجعله صحيحًا كما تقول : عندي ألف وأنا محتاج إلى مثليها ، وتكون محتاجًا إلى ثلاثة آلاف ، كذا قال. وعلى هذا فلا إشكال.\r","part":11,"page":382},{"id":4684,"text":"لكن بقي سؤال آخر وهو وارد على القولين ، وهو أن يقال : ما الجمع بين هذه الآية وبين قوله تعالى في قصة بدر : {وَإِذْ يُرِيكُمُوهُمْ إِذِ الْتَقَيْتُمْ فِي أَعْيُنِكُمْ قَلِيلا وَيُقَلِّلُكُمْ فِي أَعْيُنِهِمْ لِيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْرًا كَانَ مَفْعُولا} ؟ [ الأنفال : 44 ] والجواب : أن هذا كان في حال ، والآخر كان في حال أخرى ، كما قال السُّدِّي ، عن [مرة] الطيب عن ابن مسعود في قوله : {قَدْ كَانَ لَكُمْ آيَةٌ فِي فِئَتَيْنِ الْتَقَتَا [فِئَةٌ تُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَأُخْرَى كَافِرَةٌ يَرَوْنَهُمْ مِثْلَيْهِمْ رَأْيَ الْعَيْنِ ]} الآية ، قال : هذا يوم بدر. قال عبد الله بن مسعود : وقد نظرنا إلى المشركين فرأيناهم يُضْعَفون علينا ، ثم نظرنا إليهم فما رأيناهم يزيدون علينا رجلا واحدًا ، وذلك قوله تعالى : {وَإِذْ يُرِيكُمُوهُمْ إِذِ الْتَقَيْتُمْ فِي أَعْيُنِكُمْ قَلِيلا وَيُقَلِّلُكُمْ فِي أَعْيُنِهِمْ}.\rوقال أبو إسحاق ، عن أبي عبيدة ، عن عبد الله بن مسعود ، رضي الله عنه ، قال : لقد قللوا في أعيننا حتى قلت لرجل إلى جانبي تراهم سبعين ؟ قال : أراهم مائة. قال : فأسرنا رجلا منهم فقلنا : كم كنتم ؟ قال : ألفا. فعندما عاين كل الفريقين الآخر رأى المسلمون المشركين مثليهم ، أي : أكثر منهم بالضعف ، ليتوكلوا ويتوجهوا ويطلبوا الإعانة من ربهم ، عز وجل. ورأى المشركون المؤمنين كذلك ليحصل لهم الرعب والخوف والجزع والهلع ، ثم لما حصل التصاف والتقى الفريقان قلل الله هؤلاء في أعين هؤلاء ، وهؤلاء في أعين هؤلاء ، ليقدم كل منهما على الآخر.\r","part":11,"page":383},{"id":4685,"text":"{لِيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْرًا كَانَ مَفْعُولا} أي : ليفرّق بين الحق والباطل ، فيظهر كلمة الإيمان على الكفر ، ويعز المؤمنين ويذل الكافرين ، كما قال تعالى : {وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ} [ آل عمران : 123 ] وقال هاهنا : {وَاللَّهُ يُؤَيِّدُ بِنَصْرِهِ مَنْ يَشَاءُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لأولِي الأبْصَارِ} أي : إن في ذلك لمعتبرًا لمن له بصيرة وفهم يهتدي به إلى حكم الله وأفعاله ، وقدره الجاري بنصر عباده المؤمنين في هذه الحياة الدنيا ويوم يقوم الأشهاد. أ هـ {تفسير ابن كثير حـ 2 صـ 17 ـ 18}\rفائدة لغوية\rقال ابن عادل : \rفأما قراءة نافع ففيها ثمانية أوجهٍ : \rأحدها : أن الضميرَ في \" لَكُمْ \" والمرفوع في \" تَرَوْنَهُمْ \" للمؤمنين ، والضمير المنصوب في \" تَرَوْنَهُمْ \" والمجرور في \" مِثْلَيْهِمْ \" للكافرين ، والمعنى : قد كان لكم - أيها المؤمنون - آية في فئتين بأن رأيتم الكفارَ مثلي أنفسهم في العدد ، وهو أبلغ في القدرة ؛ حيث رأى المؤمنون الكافرين مثلي عَدَدِ الكافرين ، ومع ذلك انتصروا عليهم وغلبوهم ، وأوقعوا بهم الأفاعيلَ ، ونحوه قوله تعالى : {كَم مِّن فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةٍ كَثِيرَةً بِإِذْنِ الله} [ البقرة : 249 ].","part":11,"page":384},{"id":4686,"text":"واستبعد بعضهم هذا التأويلَ ؛ لقوله تعالى - في الأنفال [ الآية : 44 ] - : {وَإِذْ يُرِيكُمُوهُمْ إِذِ التقيتم في أَعْيُنِكُمْ قَلِيلاً} ، فالقصة واحدة ، وهناك تدل الآية على أن الله - تعالى - قلَّل المشركين في أعين المؤمنين ؛ لئلا يَجْبُنُوا عنهم ، وعلى هذا التأويل - المذكور ههنا - يكون قد كثرهم في أعينهم. ويمكن أن يجاب باختلاف الحالين ؛ وذلك أنه في وقتٍ أراهم [ إياهم ] مثلي عددهم ؛ ليمتحنهم ويبتليهم ، ثم قلَّلهم في أعينهم ؛ ليقدموا عليهم ، فالآيتان باعتبارين ، ومثله قوله تعالى : {فَيَوْمَئِذٍ لاَّ يُسْأَلُ عَن ذَنبِهِ إِنسٌ وَلاَ جَآنٌّ} [ الرحمن : 39 ] ، وقوله : {فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ} [ الحجر : 92 ] وقوله : {وَلاَ يَكْتُمُونَ الله حَدِيثاً} [ النساء : 42 ] مع قوله : {هذا يَوْمُ لاَ يَنطِقُونَ} [ المرسلات : 35 ].\rقال الفرّاء : المراد بالتقليل : التهوين ، كقولك - في الكلام - إني لأرى كثيركم قليلاً ، أي : قد هوّن عليّ ، [ لا أني أرى الثلاثة اثنين ].\r","part":11,"page":385},{"id":4687,"text":"الثاني : أن يكون الخطاب في \" تَرَوْنَهُم \" للمؤمنين - أيضاً - والضمير المنصوب في \" تَرَوْنَهُمْ \" للكافرين - أيضاً - والضمير المجرور في \" مِثْلَيْهِمْ \" للمؤمنين ، والمعنى : تَرَوْنَ أيُّها المؤمنون الكافرين مثلَي عدد أنفسكم ، وهذا تقليلٌ للكافرين عند المؤمنين في رأي العينِ ؛ وذلك أن الكفار كانوا ألفاً ونَيِّفاً ، والمسلمون على الثلث منهم ، فأراهم إياهم مِثْلَيْهم ، على ما قرر عليهم - في مقاومة الواحدِ للاثنين - في قوله تعالى : {فَإِن يَكُنْ مِّنكُمْ مائة صَابِرَةٌ يَغْلِبُواْ مِئَتَيْنِ} [ الأنفال : 66 ] بعدما كُلِّفوا أن يقاوم كلُّ واحد عشرة في قوله تعالى : {إِن يَكُن مِّنكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُواْ مِئَتَيْنِ وَإِن يَكُنْ مِّنكُمْ مائة يغلبوا أَلْفاً مِّنَ الذين كَفَرُواْ} [ الأنفال : 65 ].\rقال الزمخشريُّ - رحمه الله - \" وقراءة نافع لا تُساعِد عليه \" ، يعني على هذا التأويل المذكور ولم يُبين وجه عدم المساعدةِ ، ووجهه - والله أعلم - أنه كان ينبغي أن يكون التركيبُ : ترونهم مثليكم - بالخطاب في \" مِثْلَيهم \" لا بالغيبة.\rقال أبو عبدِ الله الفارسيّ - بعد الذي ذكره الزمخشريّ- : \" قلت : بل يُساعد عليه ، إن كان الخطاب في الآية للمسلمين ، وقد قيل ذلك \" اه ، فلم يأت أبو عبد الله بجواب ؛ إذ الإشكالُ باقٍ. وقد أجاب بعضهم عن ذلك بجوابين :\rأحدهما : أنه من باب الالتفاتِ من الخطاب إلى الغيبة ، وأنَّ حقَّ الكلام : مثلَيْكم - بالخطاب - إلا أنه التفت إلى الغيبة ، ونظَّره بقوله تعالى : {حتى إِذَا كُنتُمْ فِي الفلك وَجَرَيْنَ بِهِم} [ يونس : 22 ].\rوالثاني : أن الضمير في \" مِثْلَيْهِمْ \" وإن كان المراد به المؤمنين إلا أنه عاد على قوله : {فِئَةٌ تُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ الله} ، والفئة المقاتلة في سبيل الله عبارة عن المؤمنين المخاطبين.","part":11,"page":386},{"id":4688,"text":"والمعنى : تَرَوْنَ - أيها المؤمنون - الفئةَ الكافرةَ مثلي الفئة المقاتلة في سبيل الله ، [ فكأنه ] قيل : ترونهم - أيها المؤمنون - مثليكم ، وهو جواب حسن.\rفإن قيل : كيف يرونهم مثليهم رأيَ العينِ ، وقد كانوا ثلاثة أمثالكم ؟ \rفالجواب : أن الله - تعالى - إنما أظهر للمسلمين من عدد المشركين القدر الذي علم المسلمون أنهم يغلبونهم ؛ وذلك لأنه - تعالى - قال : {فَإِن يَكُنْ مِّنكُمْ مائة صَابِرَةٌ يَغْلِبُواْ مِئَتَيْنِ} فأظهر ذلك العدد [ من المشركين ] للمؤمنين ؛ تقوية لقلوبهم ، وإزالةٌ للخوف عن صدورهم.\rالثالث : أن يكون الخطاب في \" لَكُمْ \" وفي \" تَرَونَهُم \" للكفار وهم قريش ، والضمير المنصوب والمجرور للمؤمنين أي : قد كان لكم - أيها المشركون - آية ؛ حيث ترون المسلمين مثلي أنفسهم في العدد ، فيكون قد كثرهم في أعين الكفارِ ، ليجبنُوا عنهم ، فيعود السؤالُ المذكور بين هذه الآية ، وآية الأنفال ، وهي قوله تعالى : {وَيُقَلِّلُكُمْ في أَعْيُنِهِمْ} [ الأنفال : 44 ] ، فكيف يقال - هنا - إنه يكثرهم ؟ فيعود الجواب المتقدم باختلاف الحالتين ، وهو أنه قللهم أولاً ، ليجترئ عليهم الكفارُ ، فلما التقى الجمعان كثرهم في أعينهم ؛ ليحصل لهم الخَوَرُ والفَشَلُ.\rالرابع : كالثالث ، إلا أن الضمير في \" مثليهم \" يعود على المشركين ، فيعودُ ذلك السؤالُ ، وهو أنه كان ينبغي أن يقال : مثليكم ، ليطابق الكلام ، فيعود الجوابان.\r","part":11,"page":387},{"id":4689,"text":"وهما : إما الالتفات من الخطاب إلى الغيبة ، وإما عوده على الفئة الكافرة ؛ لأنها عبارة عن المشركين ، كما كان ذلك الضمير عبارة عن الفئة المقاتلة ، ويكون التقدير : ترون - أيها المشركون - المؤمنين مثلي فئتكم الكافرة. وعلى هذا فيكونون قد رَأوا المؤمنين مثلي أنفسِ المشركين - ألفين ونيفاً - وهذا مَدَدٌ من الله تعالى ، حيثُ أرى الكفارَ المؤمنين مثلي عدد المشركين ، حتى فشلوا ، وجبنوا ، فطمع المسلمون فيهم ، فانتصروا عليهم ، ويؤيده قوله تعالى : {والله يُؤَيِّدُ بِنَصْرِهِ مَن يَشَآءُ} [ آل عمران : 13 ] الإرادة - هنا - بمنزلة المدد بالملائكة في النصرة بكليهما ، ويعود السؤال ، وهو كيف كثرهم إلى هذه الغايةِ مع قوله - في الأنفال- : {وَيُقَلِّلُكُمْ في أَعْيُنِهِمْ} [ الأنفال : 44 ] ؟ ويعود الجواب.\rالخامس : أن الخطاب في \" لَكُم \" و\" تَرَوْنَهُمْ \" لليهود ، والضميران - المنصوب والمجرور - على هذا عائدان على المسلمين ، على معنى : ترونهم - لو رأيتموهم - مثليهم ، وفي هذا التقدير تكلُّف لا حاجة إليه.\r","part":11,"page":388},{"id":4690,"text":"وكأن هذا القائل اختار أن يكون الخطاب في الآية المتقدمة - وهي قوله : {إِنَّ الذين كَفَرُواْ} - {قَدْ كَانَ لَكُمْ آيَةٌ} - لليهود ، فجعله في \" تَرَوْنَهُم \" لهم - أيضاً - ولكن الخروج من خطاب اليهود إلى خطاب قوم آخرين أوْلَى من هذا التقدير المتكلف ؛ لأن اليهود لم يكونوا حاضري الوقعةِ ، حتى يُخَاطَبُوا برؤيتهم لهم كذلك ، ويجوز - على هذا القول - أن يكون الضمير - المنصوب والمجرور - عائدَيْن على الكفار ، أي : أنهم كُثِّرَ في أعينهم الكفارُ ، حتى صاروا مثلي عدد المؤمنين ، ومع ذلك غلبهم المؤمنون ، وانتصروا عليهم ، فهو أبلغ في القدرة. ويجوز أن يعود المنصوب على المسلمين ، والمجرور على المشركين ، أي : ترون - أيها اليهود المسلمين مثلي عدد المشركين ؛ مهابةً لهم ، وتهويلاً لأمر المؤمنين ، كما كان ذلك في حق المشركين - فيما تقدم من الأقوال- ، ويجوز أن يعود المنصوب على المشركين ، والمجرور على المسلمين ، والمعنى : ترون - أيها اليهود لو رأيتم - المشركين مثلي عدد المؤمنين وذلك أنتم قُلِّلوا في أعينهم ؛ ليَحْصُل لهم الفزَعُ والغَمُّ ؛ لأنه كان يغمهم قلةُ المؤمنين ، ويعجبهم كثرتهم ونصرتهم على المسلمين ، حَسَداً وبَغْياً.\rفهذه ثلاثة أوجهٍ مرتبة على الوجهِ الخامسِ ، فتصير ثمانية أوجهٍ في قراءة نافع. أما قراءة الباقين ففيها أوجه : \rأحدها : أنها كقراءة الخطاب ، فكل ما قيل في المراد به الخطابُ هناك قيل به هنا ، ولكنه جاء على باب الالتفاتِ من خطاب إلى غيبةٍ.\rالثاني : في أن الخطاب في \" لَكُمْ \" للمؤمنين ، والضمير المرفوع في \" يَرَوْنَهُم \" للكفار ، والمنصوب والمجرور للمسلمين ، والمعنى : يرى المشركون المؤمنين مثلي عدد المؤمنين - ستمائة ونيفاً وعشرين - أراهم الله - مع قتلهم - إياهم ضعفهم ؛ ليهابوهم ، ويجبنوا عنهم.\r","part":11,"page":389},{"id":4691,"text":"الثالث : أن الخطاب في \" لَكُم \" للمؤمنين - أيضاً - والضمير المرفوع في \" يَرَوْنَهُم \" للكفار ، والمنصوب للمسلمين ، والمجرور للمشركين ، أي : يرى المشركون [ المؤمنين ] مثلي عدد المشركين أراهم الله المؤمنين أضعافهم ؛ لما تقدم في الوجه قبله.\rالرابع : أن يعود الضميرُ المرفوعُ في \" يَرَوْنَهُم \" على الفئة الكافرةِ ؛ لأنها جمع في المعنى ، والضمير المنصوب والمجرور على ما تقدم من احتمال عودهما على الكافرين ، أو [ على ] المسلمين ، أو أحدهما لأحدهم.\rوالذي تقوى في هذه الآيةِ - من جميع الوجوه المتقدمةِ - من حيث المعنى أن يكون مدارُ الآيةِ على تقليل المسلمين ، وتكثير الكافرين ؛ لأن مقصود الآية ومساقها للدلالةِ على قدرةِ الله الباهرةِ ، وتأييده بالنصر لعباده المؤمنين مع قلة عددهم ، وخُذْلان الكافرين مع كَثْرةِ عددهم وتحزبهم لنعلم أن النصر كله من عند الله ، وليس سببه كثرتكم وقلةَ عدوِّكم ، بل سببه ما فعله الله تعالى من إلقاء الرعب في قلوب أعدائكم ، ويؤيده قوله بعد ذلك : {والله يُؤَيِّدُ بِنَصْرِهِ مَن يَشَآءُ} وقال في موضع آخر : {وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنكُمْ شَيْئاً} [ التوبة : 25 ].\rوقال أبو شامة - بَعْدَ ذِكر هذا المعنى وتقويته- : فالهاء في \" يَرَوْنَهُمْ \" للكفار ، سواء قُرِئ بالغيبة أم بالخطاب ، والهاء في \" مِثلَيْهم \" للمسلمين.\rفإن قلت : إن كان المراد هذا فهلاَّ قيل : يَرَونَهُمْ ثلاثةَ أمثالهم ، فكان أبلغ في الآية ، وهي نَصْر القليل على هذا الكثير ، والعدة كانت كذلك أو أكثر ؟ \r","part":11,"page":390},{"id":4692,"text":"قلت : أخبر عن الواقع ، وكان آية أخرى مضمومة إلى آيةِ البصر ، وهي تقليل الكفارِ في أعين المسلمين وقللوا إلى حد وعد المسلمون النصر عليهم فيه ، وهو أن الواحد من المسلمين يَغْلِب الاثنين ، فلم تكن حاجة إلى التقليل بأكثر من هذا ، وفيه فائدةُ وقوع ما ضَمِنَ لهم من النصر فيه انتهى.\rقال شهاب الدين : \" وإلى هذا المعنى ذهب الفراء ، أعني أنهم يرونهم ثلاثةَ أمثالهم فإنه قال : مثليهم : ثلاثة أمثالهم ، كقول القائل : عندي ألف وأنا محتاج إلى مثليها \".\rوغلطة أبو إسحاقَ - في هذا - وقال : مِثْل الشيء : ما ساواه ، ومثلاه [ ما ساواه ] مرتين.\rقال ابن كَيْسان : الذي أوقع الفراء في ذلك أن الكفار كانوا - يوم بدر - ثلاثة أمثالِ المؤمنين فتوهَّم أنه لا يجوز أن يروهم إلا على عدتهم ، والمعنى ليس عليه ، وإنما أراهم الله على غير عدتهم لجهتين :\rإحداهما : أنه رأى الصلاح في ذلك ؛ لأن المؤمنين تقوى قلوبُهم بذلك.\rوالأخرى : أنه آية للنبي صلى الله عليه وسلم.\rوالجملة - على قراءة نافع - يحتمل أن تكون مستأنفةً ، لا محل لها من الإعراب ، ويحتمل أن يكون لها محل ، وفيه - حينئذ - وجهانِ :\rأحدهما : النصب على الحال من الكاف في \" لَكُم \" أي : قد كان لكم حال كونكم ترونهم.\rوالثاني : الجر ؛ نعتاً لـ \" فِئَتَيْنِ \" ؛ لأن فيها ضميراً يرجع عليهما ، قاله أبو البقاء وأما على قراءة الغيبة فيحتمل الاستئناف ، ويحتمل الرفع ؛ صفة لإحدى الفئتين ، ويحتمل الجر ؛ صفة لـ \" فِئَتَيْنِ \" أيضاً ، على أن تكون الواو في \" يَرَوْنَهُمْ \" ترجع إلى اليهود ؛ لأن في الجملة ضميراً يعود على الفئتين. أ هـ {تفسير ابن عادل حـ 5 صـ 61 ـ 65}\rفائدة\rقال السمرقندى :\rفإن قيل : إن اليهود لم يكونوا حضوراً في ذلك الوقت ، فكيف يرون ذلك ؟","part":11,"page":391},{"id":4693,"text":"قيل له : إذا انتشر الخبر فهموا ، وعلموا ذلك صار كالمعاينة ، ولأن لهم جواسيس عند المسلمين يخبرون اليهود بذلك ، فصار كأن كلهم رأى ذلك ، ومن قرأ بالياء معناه أن المسلمين يرون الكفار مثليهم.\rويقال إن المشركين حين خرجوا من مكة ، كانوا ألفاً وثلاثمائة رجل ، فلما وجدوا العير سالمة رجع مع العير ثلاثمائة وخمسون ، وتخلف تسعمائة وخمسون للحرب ، وكان أبو سفيان بن حرب في تلك العير ، فرجع إلى مكة ، وحثّهم على المسير ، ولم يكن حاضراً وقت الحرب ، وإنما قال الكلبي في كتابه : نزلت في جمع أبي سفيان وأصحابه ، لأن أبا سفيان هو الذي حثهم على الخروج. أ هـ {بحر العلوم حـ 1 صـ 222 ـ 223}\rفائدة\rقال ابن عادل : \rقوله : {رَأْيَ العين} في انتصابه ثلاثة أوجهٍ ، تقدم منها اثنان النصب على المصدر التوكيدي ، أو النصب على المصدر التشبيهيّ.\rالثالث : أنه منصوب على ظرف المكانِ ، قال الواحديُّ : \".. كما تقول : ترونهم أمامكم ، ومثله هو مني مَزجَرَ الكلب ، وَمَناطَ [ الْعُنق ] ، وهذا إخراج للفظ عن موضوعه - مع عدم المساعد - معنًى أو صناعةً.\rو \" رأى \" مشترك بين \" رأى \" معنى أبصر ، ومصدره : الرَّأي ، والرؤية ، وبمعنى اعتقد وله الرأي وبمعنى الحلم ، وله الرؤيا كالدنيا ، فوقع الفرق بالمصدر ، فالرؤية للبصر خاصةً ، والرؤيا للحلم فقط ، والرأي مشترك بين البصرية والاعتقادية ، يقال : هذا رأي فلان ، أي : اعتقاده.\rقال : [ الطويل ]\r1357 - رَأى النَّاسَ - إلاَّ مَنْ رَأى مِثْلَ رَأيِهِ... خَوَارِدَ تَرَّاكِينَ قَصْدَ الْمَخَارِجِ. أ هـ {تفسير ابن عادل حـ 5 صـ 69}\rقوله تعالى : {والله يُؤَيّدُ بِنَصْرِهِ مَن يَشَاء}\rقال الفخر : ","part":11,"page":392},{"id":4694,"text":"نصر الله المسلمين على وجهين : نصر بالغلبة كنصر يوم بدر ، ونصر بالحجة ، فلهذا المعنى لو قدرنا أنه هزم قوم من المؤمنين لجاز أن يقال : هم المنصورون لأنهم هم المنصورون بالحجة ، وبالعاقبة الحميدة ، والمقصود من الآية أن النصر والظفر إنما يحصلان بتأييد الله ونصره ، لا بكثرة العدد والشوكة والسلاح. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 7 صـ 167}\rقوله تعالى : {إِنَّ فِى ذلك لَعِبْرَةً}\rقال الفخر : \rالعبرة الاعتبار وهي الآية التي يعبر بها من منزلة الجهل إلى العلم وأصله من العبور وهو النفوذ من أحد الجانبين إلى الآخر ، ومنه العبارة وهي كلام الذي يعبر بالمعنى إلى المخاطب ، وعبارة الرؤيا من ذلك ، لأنها تعبير لها ، وقوله {لأُوْلِى الأبصار} أي لأولي العقول ، كما يقال : لفلان بصر بهذا الأمر ، أي علم ومعرفة ، والله أعلم. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 7 صـ 167 ـ 168}\rقال الماوردى : \r{إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لأُولِي الأبْصَارِ} فيه وجهان : \rأحدهما : أن في نصرة الله لرسوله يوم بدر مع قلة أصحابه عبرة لذوي البصائر والعقول.\rوالثاني : أن فيما أبصره المشركون من كثرة المسلمين مع قلتهم عبرة لذوي الأعين والبصائر. أ هـ {النكت والعيون حـ 1 صـ 375}\rلطيفة\rقال فى روح البيان : \rعلى العاقل أن يعتبر بالآيات ولا يغتر بكثرة الأعداد من الأموال والأولاد وعدم اجتهاده لمعاده فإن الله يمتعه قليلا ثم يضطره إلى عذاب غليظ","part":11,"page":393},{"id":4695,"text":"واعلم أن المبتلى بالكفر مغلوب الحكم الأزلى بالشقاوة ثم مغلوب الهوى والنفس والشيطان ولذات الدنيا فغلبات الهوى والنفس ترد إلى أسفل سافلين الطبيعة فيعيش فيها ثم يموت على ما عاش فيه ويحشر على ما مات عليه فى قعر جهنم وبئس المهاد فإنه مهده فى معاشه والنار ناران نار الله ونار الجحيم فأما نار الله فهى نار حسرة القطيعة عن الله فيها يعذب قلوب المحجوبين عن الله كقوله تعالى {نار الله الموقدة التي تتطلع على الأفئدة} وأما نار الجحيم فهى نار الشهوات والمعاملات على الغفلات من المخالفات فهى تحرق قشور الجلود كما قال تعالى {كلما نضجت جلودهم بدلناهم جلودا غيرها ليذوقوا العذاب} ولا يتخلص من هذه النار إلا لب القلوب وأن عذاب حرقة الجلد بالنسبة إلى عذاب حرقة القلوب كنسيم الحياة وسموم الممات فلا بد من تزكية النفس فإنها سبب للخلاص من عذاب الفرقة قيل لبعضهم بم يتخلص العبد من نفسه قال بربه انتهى\rفإذا أراد الله أن ينصر عبده على ما طلب منه أمده بجنود الأنوار فكلما اعترته ظلمة قام لها نور فأذهبها وقطع عنه مواد الظلم والأغيار فلم يبق للهوى مجال ولا للشهوة والأخلاق الذميمة مقال ولا قال ، فالنور جند القلب كما إن الظلمة جند النفس والمراد بالنور حقائق ما يستفاد من معانى الأسماء والصفات وبالظلمة معانى ما يستفاد من الهوى والعوائد الردئية قال تعالى {إن الملوك إذا دخلوا قرية أفسدوها} أى غيروا حالها عما هى عليه وكذلك إذا وردت الواردات الربانية على القلوب الممتلئة أخرجت منها كل صفة ردئية وكستها كل خلق زكية فهذه الدولة إنما تنال بترك الدنيا والعقبى فكيف يمتلىء بالأنوار قلب من خالط الأغيار وأحب المال والأولاد ولم يخف من رب العباد. أ هـ {روح البيان حـ 1 صـ 12 ـ 13}\rفائدة\rقال الشيخ الشنقيطى : \rقوله تعالى : {قَدْ كَانَ لَكُمْ آيَةٌ فِي فِئَتَيْنِ التقتا} الآية.","part":11,"page":394},{"id":4696,"text":"ذكر في هذه الآية الكريمة أن وقعة بدر آية أي : علامة على صحة دين الإسلام إذ لو كان غير حق لما غلبت الفئة القليلة الضعيفة المتمسكة به الفئة الكثيرة القوية التي لم تتمسك به.\rوصرح في موضع آخر أن وقعة بدر بينة أي لا لبس في الحق معها وذلك في قوله : {لِّيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَن بَيِّنَةٍ ويحيى مَنْ حَيَّ عَن بَيِّنَةٍ} [ الأنفال : 42 ].\rوصرح أيضاً بأن وقعة بدر فرقان فارق بين الحق والباطل وهو قوله : {وَمَآ أَنزَلْنَا على عَبْدِنَا يَوْمَ الفرقان} [ الأنفال : 41 ] الآية. أ هـ {أضواء البيان حـ 1 صـ 222}\rفائدة\rقال الجصاص : \rوقَوْله تَعَالَى : {قَدْ كَانَ لَكُمْ آيَةٌ فِي فِئَتَيْنِ الْتَقَتَا فِئَةٌ تُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ} الْآيَةَ.\rرُوِيَ عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ وَالْحَسَنِ أَنَّ ذَلِكَ خِطَابٌ لِلْمُؤْمِنِينَ ، وَأَنَّ الْمُؤْمِنِينَ هِيَ الْفِئَةُ الرَّائِيَةُ لِلْمُشْرِكِينَ مِثْلَيْهِمْ رَأْيَ الْعَيْنِ ، فَرَأَوْهُمْ مِثْلَيْ عُدَّتِهِمْ ، وَقَدْ كَانُوا ثَلَاثَةً أَمْثَالَهُمْ ؛ لِأَنَّ الْمُشْرِكِينَ كَانُوا نَحْوَ أَلْفِ رَجُلٍ وَالْمُسْلِمُونَ ثَلَاثُمِائَةٍ وَبِضْعَةَ عَشَرَ ، فَقَلَّلَهُمْ اللَّهُ تَعَالَى فِي أَعْيُنِ الْمُسْلِمِينَ لِتَقْوِيَةِ قُلُوبِهِمْ.\rوَقَالَ آخَرُونَ : قَوْلُهُ : {قَدْ كَانَ لَكُمْ} آيَةٌ مُخَاطِبَةٌ لِلْكُفَّارِ الَّذِينَ ابْتَدَأَ بِذِكْرِهِمْ فِي قَوْلِهِ : {قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا سَتُغْلَبُونَ وَتُحْشَرُونَ إلَى جَهَنَّمَ} وَقَوْلُهُ : {قَدْ كَانَ لَكُمْ آيَةٌ} مَعْطُوفٌ عَلَيْهِ وَتَمَامٌ لَهُ ، وَالْمَعْنَى فِيهِ أَنَّ الْكَافِرِينَ رَأَوْا الْمُؤْمِنِينَ مِثْلَيْهِمْ ، وَأَرَاهُمْ اللَّهُ تَعَالَى كَذَلِكَ فِي رَأْيِ الْعَيْنِ لِيُجَنِّبَ قُلُوبَهُمْ وَيُرْهِبَهُمْ فَيَكُونُ أَقْوَى لِلْمُؤْمِنِينَ عَلَيْهِمْ ، وَذَلِكَ أَحَدُ أَبْوَابِ النَّصْرِ لِلْمُسْلِمِينَ وَالْخِذْلَانِ لِلْكَافِرِينَ.\rوَفِي هَذِهِ الْآيَةِ الدَّلَالَةُ مِنْ وَجْهَيْنِ عَلَى صِحَّةِ نُبُوَّةِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : أَحَدُهُمَا : غَلَبَةُ الْفِئَةِ الْقَلِيلَةِ الْعَدَدِ وَالْعُدَّةِ لِلْكَثِيرَةِ الْعَدَدِ وَالْعُدَّةِ ، وَذَلِكَ عَلَى خِلَافِ مَجْرَى الْعَادَةِ ؛ لِمَا أَمَدَّهُمْ اللَّهُ بِهِ مِنْ الْمَلَائِكَةِ.\rوَالثَّانِي : أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَدْ كَانَ وَعَدَهُمْ إحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ ، وَأَخْبَرَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْمُسْلِمِينَ قَبْلَ اللِّقَاءِ بِالظَّفَرِ وَالْغَلَبَةِ وَقَالَ : {هَذَا مَصْرَعُ فُلَانٍ وَهَذَا مَصْرَعُ فُلَانٍ} وَكَانَ كَمَا وَعَدَ اللَّهُ ، وَأَخْبَرَ بِهِ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. أ هـ {أحكام القرآن للجصاص حـ 2 صـ 286}\rمن لطائف الإمام القشيرى فى الآية\rإذا أراد اللهُ إمضاءَ أمرٍ قلَّل الكثير في أعين قوم ، وكثَّر القليل في أعين قوم ، وإذا لبَّس على بصيرة قوم لم ينفعهم نفاذ أبصارهم ، وإذا فتح أسرار آخرين فلا يضرهم انسداد بصائرهم. أ هـ {لطائف الإشارات حـ 1 صـ 223}","part":11,"page":395},{"id":4697,"text":"قوله تعالى {زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآَبِ (14)}\rمناسبة الآية لما قبلها\rقال البقاعى : \rولما علم بهذا أن الذي وقف بهم عن الإيمان من الأموال والأولاد وسائر المتاع إنما هو شهوات وعرض زائل ، لا يؤثره على اتباع ما شرعه الملك إلا من انسلخ من صفات البشر إلى طور البهائم التي لا تعرف إلا الشهوات ، وختم ذلك بذكر آية الفئتين كان كأنه قيل : الآية العلامة ، ومن شأنها الظهور ، فما حجبها عنهم ؟ فقيل : تزيين الشهوات لمن دنت همته.","part":11,"page":396},{"id":4698,"text":"وقال الحرالي : لما أظهر سبحانه وتعالى في هذه السورة ما أظهره بقاء لعلن قيوميته من تنزيل الكتاب الجامع الأول ، وإنزال الكتب الثلاثة : إنزال التوراة بما أنشاء عليه قومها من وضع رغبتهم ورهبتهم في أمر الدنيا ، فكان وعيدهم فيها ووعدهم على إقامة ما فيها إنما هو برغبة في الدنيا ورهبتها ، لأن كل أمة تدعى لنحو ما جبلت عليه من رغبة ورهبة ، فمن مجبول على رغبة ورهبة في أمر الدنيا ، ومن مجبول على ما هو من نحو ذلك في أمر الآخرة ومن مفطور على ما هو من غير ذلك من أمر الله ، فيرد خطاب كل أمة وينزل عليها كتابها من نحو ما جبلت عليه ، فكان كتاب التوراة كتاب رجاء ورغبة وخوف ورهبة في موجود الدنيا ، وكان كتاب الإنجيل كتاب دعوة إلى ملكوت الآخرة ، وكانا متقابلين ، بينهما ملابسة ، لم يفصل أمرهما فرقان واضح ، فكثر فيهما الاشتباه ، فأنزل الله تعالى الفرقان لرفع لبس ما فيهما فأبان فيه المحكم والمتشابه من منزل الوحي ، وكما أبان فيه فرقان الوحي أبان فيه أيضاً فرقان الخلق وما اشتبه من أمر الدنيا والآخرة ووام التبس على أهل الدنيا من أمر الخلق بلوائح آيات الحق عليهم ، فتبين في الفرقان محكم الوحي من متشابهه ، ومحكم الخلق من متشابهه وكان متشابه الخلق هو المزين من متاع الدنيا ، ومحكم الخلق هو المحقق من دوام خلق الآخرة ، فاطلع نجم هذه الآية لإنارة غلس ما بنى عليه أمر التوراة من إثبات أمر الدنيا لهم وعداً ووعيداً ، لتكون هذه الآية توطئة لتحقيق صرف النهي عن مد اليد والبصر إلى ما متع به أهلها ، فأنبأ تعالى أن متاع الدنيا أمر مزين ، لا حقيقة لزينته ولا حسن لما وراء زخرفه فقال : {زين للناس} فأبهم المزين لترجع إليه ألسنة التزيين مما كانت في رتبة علو أو دنو ، وفي إناطة التزيين بالناس دون الذين آمنوا ومن فوقهم إيضاح لنزول سنهم في أسنان القلوب وأنهم ملوك الدنيا وأتباعهم ورؤساء القبائل وأتباعهم الذين هم أهل الدنيا {حب","part":11,"page":397},{"id":4699,"text":"الشهوات} جمع شهوة ، وهي نزوع النفس إلى محسوس لا تتمالك عنه - انتهى.\rوفي هذا الكلام إعلام بأن الذي وقع عليه التزين الحب ، لا الشيء المحبوب ، فصار اللازم لأهل الدنيا إنما هو محبة الأمر الكلي من هذه المسميات وربما إذا تشخص في الجزئيات لم تكن تلك الجزئيات محبوبة لهم ، وفيه تحريك لهمم أهل الفرقان إلى العلو عن رتبة الناس الذين أكثرهم لا يعلمون ولا يشكرون ولا يعقلون ، ثم بين ذلك بما هو محط القصد كله ، وآخر العمل من حيث إن الأعلق بالنفس حب أنثاها التي هي منها {خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها} [ النساء : 1 ] فقال : {من النساء} أي المبتدئة منهن ، وأتبعه ما هو منه أيضاً وهو بينه وبين الأنثى فقال : {والبنين} قال الحرالي : وأخفى فتنة النساء بالرجال ستراً لهن ، كما أخفى أمر حواء في ذكر المعصية لآدم حيث قال : {وعصى آدم ربه} [ طه : 121 ] فأخفاهن لما في ستر الحرم من الكرم ، والله سبحانه وتعالى حي كريم - انتهى.\rثم أتبع ذلك ما يكمل به أمره فقال : {والقناطير} قال الحرالي : جمع قنطار ، يقال : هو مائة رطل ويقال : إن الرطل اثنتا عشرة أوقية ، والأوقية أربعون درهماً ، والدرهم خمسون حبة وخمساً من حب الشعير ، وأحقه أن يكون من شعير المدينة {المقنطرة} أي المضاعفة مرات - انتهى.","part":11,"page":398},{"id":4700,"text":"ثم بينها بقوله : {من الذهب والفضة} ثم أتبعها الزينة الظاهرة التي هي أكبر الأسباب في تحصيل الأموال فقال : {والخيل} قال الحرالي : اسم جمع لهذا الجنس المجبول على هذا الاختيال لما خلق له من الاعتزاز به وقوة المنة في الافتراس عليه الذي منه سمي واحدة فرساً {المسومة} أي المعلمة بأعلام هي سمتها وسيماها التي تشتهر بها جودتها ، من السومة - بضم السين ، وهي العلامة التي تجعل على الشاة لتعرف بها ، وأصل السوم بالفتح الإرسال للرعي مكتفي في المرسل بعلامات تعرف بها نسبتها لمن تتوفر الدواعي للحفيظة عليها من أجله من الواقع عليها من الخاص والعام ، فهي مسومة بسيمة تعرف بها جودتها ونسبتها {والأنعام} وهي جمع نعم ، وهي الماشية فيها إبل ، والإبل واحدها ، فإذا خلت منها الإبل لم يجر على الماشية اسم نعم - انتهى.\rوقال في القاموس : النعم - وقد تسكن عينه - الإبل والشياء جمع أنعام ، وجمع جمعه أناعيم.\rوقال القزاز في جامعه : النعم اسم يلزم الإبل خاصة ، وربما دخل في النعم سائر المال ، وجمع النعم أنعام ، وقد ذكر بعض اللغويين أن النعم في الإبل خاصة ، فإذا قلت : الأنعام - دخل فيها البقر والغنم ، قال : وإن أفردت الإبل والغنم لم يقل فيها نعم ولا أنعام.\rوقال قوم : النعم والأنعام بمعنى ، وقال في المجمل : والأنعام البهائم ، وقال الفارابي في ديوان الأدب : والنعم واحد الأنعام ، وأكثر ما يقع هذا الاسم على الإبل.\rولما ذكر هذه الأعيان التي زين حبها في نفسها أتبعها ما يطلب لأجل تحصيلها أو تنيتها وتكثيرها فقال : {والحرث}.\rولما فصلها وختمها بما هو مثل الدنيا في البداية والنهاية والإعادة أجمل الخبر عن ثمرتها وبيان حقيقتها فقال : {ذلك} أي ما ذكر من الشهوات المفسر بهذه الأعيان تأكيداً لتخسيسه البعيد من إخلاد ذوي الهمم إليه ليقطعهم عن الدار الباقية.\rوقال الحرالي : الإشارة إلى بعده عن حد التقريب إلى حضرة الجنة انتهى.","part":11,"page":399},{"id":4701,"text":"{متاع الحياة الدنيا} أي التي هي مع دناءتها إلى فناء.\rقال الحرالي : جعل سبحانه وتعالى ما أحاط به حس النظر العاجل من موجود العادل أدنى ، فافهم أن ما أنبأ به على سبيل السمع أعلى ، فجعل تعالى من أمر اشتباه كتاب الكون المرئي به وذكر المشهود أن عجل محسوس العين وحمل على تركه وقبض اليد بالورع والقلب بالحب عنه ، وأخر مشهود مسموع الأذن من الآخرة وأنبأ بالصدق عنه ونبه بالآيات عليه ليؤثر المؤمن مسمعه على منظره ، كما آثر الناس منظرهم على مسمعهم ، حرض لسان الشرع على ترك الدنيا والرغبة في الأخرى ، فأبت الأنفس وقبلت قلوب وهيم لسان الشعر في زينة الدنيا فقبلته الأنفس ولم تسلم القلوب منه إلا بالعصمة ، فلسان الحق يصرف إلى حق الآخرة ولسان الخلق يصرفه إلى زينة الدنيا ، فأنبا سبحانه وتعالى أن ما في الدنيا متاع ، والمتاع ما ليس له بقاء ، وهو في نفسه خسيس خساسة الجيفة انتهى.\rثم أتبع ذلك سبحانه وتعالى حالاً من فاعل معنى الإشارة لقال : {والله} الذي بيده كل شيء ، ويجوز أن يكون عطفاً على ما تقديره : وهو سوء المبدأ في هذا الذهاب إلى غاية الحياة ، والله {عنده حسن المآب} قال الحرالي : مفعل من الأوب وهو الرجوع إلى ما منه كان الذهاب انتهى.\rفأرشد هذا الخطاب اللطيف كل من ينصح نفسه إلى منافرة هذا العرض الخسيس بأنه إن حصل له يعرض عنه بأن يكون في يده ، لا في قلبه فلا يفرح به بحيث يشغله عن الخير ، بل يجعل عوناً على الطاعة وأنه إن منع منه لا يتأسف عليه لتحقق زواله ولرجاء الأول إلى ما عند خالقه الذي ترك ذلك لأجله. أ هـ {نظم الدرر حـ 2 صـ 33 ـ 36}\rوقال ابن عاشور : \r{زُيِّنَ}\r","part":11,"page":400},{"id":4702,"text":"استئناف نشأ عن قوله {لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوَالُهُمْ وَلا أَوْلادُهُمْ} [آل عمران : 10] إذ كانت إضافة أموال وأولاد إلى ضمير هم على أنها معلومة للمسلمين ، قصد منه عظة المسلمين ألا يغتروا أولادهم بحال الذين كفروا فتعجبهم زينة الدنيا ، وتلهيهم عن التهمم بها به الفوز في الآخرة ، فإن التحذير يستدعي التحذير من البدايات ، وقد صدر هذا الوعظ والتأديب ببيان مدخل هذه الحالة إلى النفوس ، حتى يكونوا على أشد الحذر منها ؛ لأن ما قرارته النفس ينساب إليها مع الأنفاس.\rوالتزيين تصيير الشيء زينا أي حسنا ، فهو تحسين الشيء المحتاج إلى التحسين ، وإزالة ما يعتريه من القبح أو التشويه ، ولذلك سمي الحلاق مزينا.\rوقال امرؤ القيس : \rالحرب أول ما تكون فتية ... تسعى بزينتها لكل جهول\rفالزينة هي ما في الشيء من المحاسن : التي ترغب الناظرين في اقتنائه ، قال تعالى {تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا}. وكلمة زين قليلة الدوران في كلام العرب مع حسنها وخفتها قال عمر بن أبي ربيعة : \rأزمعت خلتي مع الفجر بينا ... جلل الله ذلك الوجه زينا\rوفي حديث سنن أبي داود : أن أبا برزة الأسلمي دخل على عبيد الله بن زياد وقد أرسل إليه ليسأله عن حديث الحوض فلما دخل أبو برزة قال عبيد الله لجلسائه : إن محمديكم هذا الدحداح. قال أبو برزة : ما كنت أحسب أني أبقى في قوم يعيرونني بصحبة محمد. فقال عبيد الله إن صحبة محمد لك زين غير شين. أ هـ {التحرير والتنوير حـ 3 صـ 37}\rفصل\rقال الفخر : ","part":11,"page":401},{"id":4703,"text":"في كيفية النظم قولان الأول : ما يتعلق بالقصة فإنا روينا أن أبا حارثة بن علقمة النصراني اعترف لأخيه بأنه يعرف صدق محمد صلى الله عليه وسلم في قوله إلا أنه لا يقر بذلك خوفاً من أن يأخذ منه ملوك الروم المال والجاه ، وأيضاً روينا أنه عليه الصلاة والسلام لما دعا اليهود إلى الإسلام بعد غزوة بدر أظهروا من أنفسهم القوة والشدة والاستظهار بالمال والسلاح ، فبيّن الله تعالى في هذه الآية أن هذه الأشياء وغيرها من متاع الدنيا زائلة باطلة ، وأن الآخرة خير وأبقى.\rالقول الثاني : وهو على التأويل العام أنه تعالى لما قال في الآية المتقدمة {والله يُؤَيّدُ بِنَصْرِهِ مَن يَشَاء إِنَّ فِى ذلك لَعِبْرَةً لأُوْلِى الأبصار} ذكر بعد هذه الآية ما هو كالشرح والبيان لتلك العبرة وذلك هو أنه تعالى بيّن أنه زين للناس حب الشهوات الجسمانية ، واللذات الدنيوية ، ثم أنها فانية منقضية تذهب لذاتها ، وتبقى تبعاتها ، ثم إنه تعالى حث على الرغبة في الآخرة بقوله {قُلْ أَؤُنَبّئُكُمْ بِخَيْرٍ مّن ذلكم} [ آل عمران : 15 ] ثم بيّن طيبات الآخرة معدة لمن واظب على العبودية من الصابرين والصادقين إلى آخر الآية. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 7 صـ 168}\rفصل\rقال الفخر : \rاختلفوا في أن قوله {زُيّنَ لِلنَّاسِ} من الذي زين ذلك ؟ أما أصحابنا فقولهم فيه ظاهر ، وذلك لأن عندهم خالق جميع الأفعال هو الله تعالى وأيضاً قالوا : لو كان المزين الشيطان فمن الذي زين الكفر والبدعة للشيطان ، فإن كان ذلك شيطاناً آخر لزم التسلسل ، وإن وقع ذلك من نفس ذلك الشيطان في الإنسان فليكن كذلك الإنسان ، وإن كان من الله تعالى ، وهو الحق فليكن في حق الإنسان كذلك ، وفي القرآن إشارة إلى هذه النكتة في سورة القصص في قوله {رَبَّنَا هَؤُلاء الذين أَغْوَيْنَا أغويناهم كَمَا غَوَيْنَا} [ القصص : 63 ] يعني إن اعتقد أحد أنا أغويناهم فمن الذي أغوانا ، وهذا الكلام ظاهر جداً.","part":11,"page":402},{"id":4704,"text":"أما المعتزلة فالقاضي نقل عنهم ثلاثة أقوال : \rالقول الأول : حكي عن الحسن أنه قال : الشيطان زين لهم ، وكان يحلف على ذلك بالله ، واحتج القاضي لهم بوجوه أحدها : أنه تعالى أطلق حب الشهوات ، فيدخل فيه الشهوات المحرمة ومزين الشهوات المحرمة هو الشيطان وثانيها : أنه تعالى ذكر القناطير المقنطرة من الذهب والفضة وحب هذا المال الكثير إلى هذا الحد لا يليق إلا بمن جعل الدنيا قبلة طلبه ، ومنتهى مقصوده ، لأن أهل الآخرة يكتفون بالغلبة وثالثها : قوله تعالى : {ذلك متاع الحياة الدنيا} ولا شك أن الله تعالى ذكر ذلك في معرض الذم للدنيا والذم للشيء يمتنع أن يكون مزيناً له ورابعها : قوله بعد هذه الآية {قُلْ أَؤُنَبّئُكُمْ بِخَيْرٍ مّن ذلكم} [ آل عمران : 15 ] والمقصود من هذا الكلام صرف العبد عن الدنيا وتقبيحها في عينه ، وذلك لا يليق بمن يزين الدنيا في عينه.\r","part":11,"page":403},{"id":4705,"text":"والقول الثاني : قول قوم آخرين من المعتزلة وهو أن المزين لهذه الأشياء هو الله واحتجوا عليه بوجوه أحدها : أنه تعالى كما رغب في منافع الآخر فقد خلق ملاذ الدنيا وأباحها لعبيده ، وإباحتها للعبيد تزيين لها ، فإنه تعالى إذا خلق الشهوة والمشتهى ، وخلق للمشتهي علماً بما في تناول المشتهى من اللذة ، ثم أباح له ذلك التناول كان تعالى مزيناً لها وثانيها : أن الانتفاع بهذه المشتهيات وسائل إلى منافع الآخرة ، والله تعالى قد ندب إليها ، فكان مزيناً لها ، وإنما قلنا : إن الانتفاع بها وسائل إلى ثواب الآخرة لوجوه الأول : أن يتصدق بها والثاني : أن يتقوى بها على طاعة الله تعالى والثالث : أنه إذا انتفع بها وعلم أن تلك المنافع إنما تيسرت بتخليق الله تعالى وإعانته صار ذلك سبباً لاشتغال العبد بالشكر العظيم ، ولذلك كان الصاحب ابن عباد يقول : شرب الماء البارد في الصيف يستخرج الحمد من أقصى القلب وذكر شعراً هذا معناه والرابع : أن القادر على التمتع بهذه اللذات والطيبات إذا تركها واشتغل بالعبودية وتحمل ما فيها من المشقة كان أكثر ثواباً ، فثبت بهذه الوجوه أن الانتفاع بهذه الطيبات وسائل إلى ثواب الآخر والخامس : قوله تعالى : {هُوَ الذى خَلَقَ لَكُم مَّا فِى الأرض جَمِيعاً} [ البقرة : 29 ] وقال : {قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ الله التى أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ والطيبات مِنَ الرزق} [ الأعراف : 32 ] وقال : {إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الأرض زِينَةً لَّهَا} [ الكهف : 7 ] وقال : {خُذُواْ زِينَتَكُمْ عِندَ كُلّ مَسْجِدٍ} [ الأعراف : 31 ] وقال في سورة البقرة {وَأَنزَلَ مِنَ السماء مَاء فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثمرات رِزْقاً لَّكُمْ} [ البقرة : 22 ] وقال {كُلُواْ مِمَّا فِى الأرض حلالا طَيّباً} [ البقرة : 168 ] وكل ذلك يدل على أن التزيين من الله تعالى ، ومما يؤكد ذلك قراءة مجاهد {زُيّنَ لِلنَّاسِ} على تسمية الفاعل.\r","part":11,"page":404},{"id":4706,"text":"والقول الثالث : وهو اختيار أبي علي الجبائي والقاضي وهو التفصيل ، وذلك أن كل ما كان من هذا الباب واجباً أو مندوباً كان التزيين فيه من الله تعالى ، وكل ما كان حراماً كان التزيين فيه من الشيطان هذا ما ذكره القاضي ، وبقي قسم ثالث وهو المباح الذي لا يكون في فعله ولا في تركه ثواب ولا عقاب والقاضي ما ذكر هذا القسم ، وكان من حقه أن يذكره ويبيّن أن التزيين فيه من الله تعالى ، أو من الشيطان. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 7 صـ 168 ـ 169}\rوقال القرطبى : \rقوله تعالى : {زُيِّنَ لِلنَّاسِ} زين من التزيين.\rواختلف الناس مَن المزيِّن ؛ فقالت فرقةٌ : الله زيَّن ذلك ؛ وهو ظاهر قول عمر بن الخطاب رضي الله عنه ، ذكره البخاريّ.\rوفي التنزيل : {إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الأرض زِينَةً لَّهَا} [ الكهف : 7 ] ؛ ولما قال عمر : الآن يا ربِّ حين زيّنتها لنا! نزلت {قُلْ أَؤُنَبِّئُكُمْ بِخَيْرٍ مِّن ذلكم} [ آل عمران : 15 ] وقالت فرقة : المزيِّن هو الشيطان ؛ وهو ظاهر قول الحسن ، فإنه قال : مَنْ زيّنَها ؟ ما أحدٌ أشدّ لها ذَمّا من خالقها.\rفتزيين الله تعالى إنما هو بالإيجاد والتهيئة للانتفاع وإنشاء الجِبِلّة على الميل إلى هذه الأشياء.\rوتزيين الشيطان إنما هو بالوَسْوَسة والخديعة وتحسين أخْذِها من غير وجوهها.\rوالآية على كلا الوجهين ابتداء وعظ لجميع الناس ، وفي ضمن ذلك توبيخٌ لمعاصري محمد صلى الله عليه وسلم من اليهود وغيرهِم.\rوقرأ الجمهور \"زُيِّنَ\" على بناء الفعل للمفعول ، ورفع {حُبُّ}.\rوقرأ الضحاك ومجاهد \"زَيَّنَ\" على بناء الفعل للفاعل ، ونصب \"حُبَّ\". أ هـ {تفسير القرطبى حـ 4 صـ 28}\rقوله تعالى {حُبُّ الشهوات}\rقال القرطبى : \rحركت الهاء من {الشَّهَوَاتِ} فرقاً بين الاسم والنعت.\rوالشّهوات جمع شَهْوة وهي معروفة.\rورجل شهوان للشيء ، وشيء شهيّ : أي مُشْتَهًى.\rواتباع الشهوات مردٍ وطاعتها مهلكة.","part":11,"page":405},{"id":4707,"text":"وفي صحيح مسلم : \" حُفِّت الجنة بالمكاره وحُفّت النار بالشهوات \" رواه أنس عن النبيّ صلى الله عليه وسلم.\rوفائدة هذا التمثيل أن الجنة لا تنال إلا بقطع مفاوز المكاره وبالصبر عليها.\rوأن النار لا ينْجَى منها إلا بترك الشهوات وفِطام النفس عنها.\rوقد روى عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال : \" طريق الجنة حزْنٌ برَبْوة وطريق النار سهل بسَهْوَة \" ؛ وهو معنى قوله : \" حفت الجنة بالمكاره وحفت النار بالشهوات \" أي طريق الجنة صعبة المسلك فيه أعلى ما يكون من الرّوَابِي ، وطريق النار سهل لا غِلظ فيه ولا وعورة ، وهو معنى قوله \"سهل بسهوة\" وهو بالسين المهملة. أ هـ {تفسير القرطبى حـ 4 صـ 28}\rفصل\rقال الفخر :\rقوله {حُبُّ الشهوات} فيه أبحاث ثلاثة :\rالبحث الأول : أن الشهوات ههنا هي الأشياء المشتهيات سميت بذلك على الاستعارة للتعلق والاتصال ، كما يقال للمقدور قدرة ، وللمرجو رجاء وللمعلوم علم ، وهذه استعارة مشهورة في اللغة ، يقال : هذه شهوة فلان ، أي مشتهاه ، قال صاحب \"الكشاف\" : وفي تسميتها بهذا الاسم فائدتان : إحداهما : أنه جعل الأعيان التي ذكرها شهوات مبالغة في كونها مشتهاة محروصاً على الاستمتاع بها والثانية : أن الشهوة صفة مسترذلة عند الحكماء مذمومة من اتبعها شاهد على نفسه بالبهيمية ، فكان المقصود من ذكر هذا اللفظ التنفير عنها.\rالبحث الثاني : قال المتكلمون : دلّت هذه الآية على أن الحب غير الشهوة لأنه أضاف الحب إلى الشهوة والمضاف غير المضاف إليه ، والشهوة من فعل الله تعالى ، والمحبة من أفعال العباد وهي عبارة عن أن يجعل الإنسان كل غرضه وعيشه في طلب اللذات والطيبات.","part":11,"page":406},{"id":4708,"text":"البحث الثالث : قال الحكماء : الإنسان قد يحب شيئاً ولكنه يحب أن لا يحبه مثل المسلم فإنه قد يميل طبعه إلى بعض المحرمات لكنه يحب أن لا يحب ، وأما من أحب شيئاً وأحب أن يحبه فذاك هو كمال المحبة ، فإن كان ذلك في جانب الخير فهو كمال السعادة ، كما في قوله تعالى حكاية عن سليمان عليه السلام {إِنّى أَحْبَبْتُ حُبَّ الخير} [ ص : 32 ] ومعناه أحب الخير وأحب أن أكون محباً للخير ، وإن كان ذلك في جانب الشر ، فهو كما قال في هذه الآية فإن قوله {زُيّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشهوات} يدل على أمور ثلاثة مرتبة أولها : أنه يشتهي أنواع المشتهيات وثانيها : أنه يحب شهوته لها وثالثها : أنه يعتقد أن تلك المحبة حسنة وفضيلة ، ولما اجتمعت في هذه القضية الدرجات الثلاثة بلغت الغاية القصوى في الشدة والقوة ، ولا يكاد ينحل إلا بتوفيق عظيم من الله تعالى ، ثم إنه تعالى أضاف ذلك إلى الناس ، وهو لفظ عام دخله حرف التعريف فيفيد الاستغراق ، فظاهر اللفظ يقتضي أن هذا المعنى حاصل لجميع الناس ، والعقل أيضاً يدل عليه ، وهو أن كل ما كان لذيذاً ونافعاً فهو محبوب ومطلوب لذاته واللذيذ النافع قسمان : جسماني وروحاني ، والقسم الجسماني حاصل لكل أحد في أول الأمر ، وأما القسم الروحاني فلا يكون إلا في الإنسان الواحد على سبيل الندرة ، ثم ذلك الإنسان إنما يحصل له تلك اللذة الروحانية بعد استئناس النفس باللذات الجسمانية ، فيكون انجذاب النفس إلى اللذات الجسمانية كالملكة المستقرة المتأكدة ، وانجذابها إلى اللذات الروحانية كالحالة الطارئة التي تزول بأدنى سبب فلا جرم كان الغالب على الخلق إنما هو الميل الشديد إلى اللذات الجسمانية وأما الميل إلى طلب اللذات الروحانية فذاك لا يحصل إلا للشخص النادر ، ثم حصوله لذلك النادر لا يتفق إلا في أوقات نادرة ، فلهذا السبب عم الله هذا الحكم فقال : {زُيّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشهوات}. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 7 صـ 169","part":11,"page":407},{"id":4709,"text":"ـ 170}\rفائدة\rقال ابن عاشور : \rتعليق التزيين بالحب جرى على خلاف مقتضى الظاهر ؛ لأن المزين للناس هو الشهوات ، أي المشتهيات نفسها ، لا حبها ، فإذا زينت لهم أحبوها ؛ فإن الحب ينشأ عن الاستحسان ، وليس الحب بمزين ، وهذا إيجاز يغني عن أن يقال زينت للناس الشهوات فأحبوها ، وقد سكت المفسرون عن وجه نظم الكلام بهذا التعليق.\rوالوجه عندي إما أن يجعل {حُبُّ الشَّهَوَاتِ} مصدرا نائبا عن مفعول مطلق ، مبينا لنوع التزيين : أي زين لهم تزيين حب ، وهو أشد التزيين ، وجعل المفعول المطلق نائبا عن الفاعل ، وأصل الكلام : زين للناس الشهوات حبا ، فحول وأضيف إلى النائب عن الفاعل ، وجعل نائبا عن الفاعل ، كما جعل مفعولا في قوله تعالى {فَقَالَ إِنِّي أَحْبَبْتُ حُبَّ الخيْرِ عَنْ ذِكْرِ رَبِّي} [ص : 32]. وإما أن يجعل حب مصدرا بمعنى المفعول ، أي محبوب الشهوات أي الشهوات المحبوبة. وإما أن يجعل زين كناية مرادا به لازم التزيين وهو إقبال النفس على ما في المزين من المستحسنات مع ستر ما فيه من الأضرار ، فعبر عن ذلك بالتزيين ، أي تحسين ما ليس بخالص الحسن فإن مشتهيات الناس تشمل على أمور ملائمة مقبولة ، وقد تكون في كثير منها مضار ، أشهدها أنها تشغل عن كمالات كثيرة فلذلك كانت كالشيء المزين تغطي نقائصه بالمزينات ، وبذلك لم يبق في تعليق زين بحب إشكال.\rوحذف فاعل التزيين لخفائه عن إدراك عموم المخاطبين ، لأن ما يدل على الغرائز والسجايا ، لما جهل فاعله في متعارف العموم ، كان الشأن إسناد أفعاله للمجهول : كقولهم عني بكذا ، واضطر إلى كذا ، لا سيما إذا كان المراد الكناية عن لازم التزيين ، وهو الإغضاء عما في المزين من المساوي ؛ لأن الفاعل لم يبق مقصودا بحال ، والمزين في نفس الأمر هو إدراك الإنسان الذي أحب الشهوات ، وذلك أمر جبلي جعله الله في نظام الخلقة قال تعالى {وذللناها لهم فمنها ركوبهم ومنها يأكلون} [يس : 72].","part":11,"page":408},{"id":4710,"text":"ولما رجع التزيين إلى انفعال في الجبلة ، كان فاعله على الحقيقة هو خالق هذه الجبلات ، فالمزين هو الله بخلقه لا بدعوته ، وروي مثل هذا عن عمر بن الخطاب ، وإذا التفتنا إلى الأسباب القريبة المباشرة. كان المزين هو ميل النفس إلى المشتهى ، أو ترغيب الداعين إلى تناول الشهوات : من الخلان والقرناء ، وعن الحسن : المزين هو الشيطان ، وكأنه ذهب إلى أن التزيين بمعنى التسويل والترغيب بالوسوسة للشهوات الذميمة والفساد ، وقصره على هذا وهو بعيد لأن تزيين هذه الشهوات في ذاته قد يوافق وجه الإباحة والطاعة ، فليس يلازمها تسويل الشيطان إلا إذا جعلها وسائل للحرام ، وفي الحديث قالوا : يا رسول الله أيأتي أحدنا شهوته وله فيها أجر. فقال : أرأيتم لو وضعها في حرام أكان عليه وزر ، فكذلك إذا وضعها في الحلال كان له أجر وسياق الآية تفضيل معالي الأمور وصالح الأعمال على المشتهيات المخلوطة أنواعها بحلال منها وحرام ، والمعرضة للزوال ، فإن الكمال بتزكية النفس لتبلغ الدرجات القدسية ، وتناول النعيم الأبدي العظيم ، كما أشار إليه قوله {ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآبِ}. أ هـ {التحرير والتنوير حـ 3 صـ 38 ـ 39}\rقوله تعالى : {مِنَ النساء والبنين}\rقال القرطبى : \rقوله تعالى : {مِنَ النساء} بدأ بهِنّ لكثرة تشوّف النفوس إليهن ؛ لأنهنّ حبائل الشيطان وفتنة الرجال.\rقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : \" ما تركت بعدي فِتنةً أشدَّ على الرجال من النساء \" أخرجه البخاريّ ومسلم.\rففتنة النساء أشدّ من جميع الأشياء.\rويقال : في النساء فتنتان ، وفي الأولاد فتنة واحدة.\rفأمّا اللتان في النساء فإحداهما : أن تؤدِّي إلى قطع الرِحم ؛ لأن المرأة تأمر زوجها بقطعه عن الأُمَّهَات والأخوات.\rوالثانية : يُبْتلي بجمع المال من الحلال والحرام.\rوأمّا البنون فإن الفتنة فيهم واحدة ، وهو ما ابتلي بجمع المال لأجلهم.\r","part":11,"page":409},{"id":4711,"text":"وروى عبد الله بن مسعود قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : \" لا تُسْكِنوا نساءكم الغُرَفَ ولا تُعَلِّموهنّ الكِتاب \"\rحذرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ؛ لأن في إسكانهن الغرف تطلّعاً إلى الرجال ، وليس في ذلك تحْصِينٌ لهن ولا سِتْر ؛ لأنهن قد يُشْرفْن على الرجال فتحدُث الفتنة والبلاء ، ولأنهن قد خُلِقْن من الرجل ؛ فهِمّتها في الرجل والرجلُ خُلِق فيه الشهوة وجُعِلَتْ سَكَناً له ؛ فغير مأمونٍ كل واحد منهما على صاحبه.\rوفي تعلمهن الكتاب هذا المعنى من الفتنة وأشد.\rوفي كتاب ( الشِّهاب ) عن النبي صلى الله عليه وسلم : \" أعْرُوا النساء يَلْزَمْن الحِجَال \" فعلى الإنسان إذا لم يصبر في هذه الأزمان أن يبحث عن ذات الدِّين ليسلَم له الدِّين ؛ قال صلى الله عليه وسلم : \" عَلَيْكَ بذاتِ الدين تَرِبَتْ يداك \" أخرجه مسلم عن أبي هريرة.\rوفي سنن ابن ماجه عن عبد الله بن عمر قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : \" لا تَزَوَّجوا النساء لحسنِهن فعسى حسنُهن أن يُرْدِيهن ولا تزوجوهنّ لأموالهن فعسى أموالهن أن تُطْغِيهن ولكن تَزوجوهن على الدِّين ولأُمَةٌ سَوْداء خَرْمَاء ذات دِين أفضلُ \". أ هـ {تفسير القرطبى حـ 4 صـ 29}\rفصل\rقال الفخر : \rوأما قوله تعالى : {مِنَ النساء والبنين} ففيه بحثان : \rالبحث الأول : {مِنْ} في قوله {مِنَ النساء والبنين} كما في قوله {فاجتنبوا الرجس مِنَ الأوثان} [ الحج : 30 ] فكما أن المعنى فاجتنبوا الأوثان التي هي رجس فكذا أيضاً معنى هذه الآية : زين للناس حب النساء وكذا وكذا التي هي مشتهاة.","part":11,"page":410},{"id":4712,"text":"البحث الثاني : اعلم أنه تعالى عدد ههنا من المشتهيات أموراً سبعة أولها : النساء وإنما قدمهن على الكل لأن الالتذاذ بهن أكثر والاستئناس بهن أتم ولذلك قال تعالى : {خَلَقَ لَكُم مّنْ أَنفُسِكُمْ أزواجا لّتَسْكُنُواْ إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً} [ الروم : 21 ] ومما يؤكد ذلك أن العشق الشديد المفلق المهلك لا يتفق إلا في هذا النوع من الشهوة.\rالمرتبة الثانية : حب الولد : ولما كان حب الولد الذكر أكثر من حب الأنثى ، لا جرم خصه الله تعالى بالذكر ، ووجه التمتع بهم ظاهر من حيث السرور والتكثر بهم إلى غير ذلك.\rواعلم أن الله تعالى في إيجاد حب الزوجة والولد في قلب الإنسان حكمة بالغة ، فإنه لولا هذا الحب لما حصل التوالد والتناسل ولأدى ذلك إلى انقطاع النسل ، وهذه المحبة كأنها حالة غريزية ولذلك فإنها حاصلة لجميع الحيوانات ، والحكمة فيه ما ذكرنا من بقاء النسل. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 7 صـ 169 ـ 170}\r{القناطير المقنطرة مِنَ الذهب والفضة}\rقال القرطبى : \rقوله تعالى : {والقناطير} القناطير جمع قنطار ، كما قال تعالى : {وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَاراً} [ النساء : 20 ] وهو العُقْدَة الكبيرة من المال ، وقيل : هو اسم للمِعْيار الذي يُوزَن به ؛ كما هو الرطل والربع.\rويقال لِما بَلَغ ذلك الوزنَ : هذا قنطار ، أي يعدل القنطار.\rوالعرب تقول : قَنْطَر الرجلُ إذا بلغ ماله أن يوزن بالقنطار.\rوقال الزجاج : القِنطار مأخوذ من عقد الشيء وإحكامه ؛ تقول العرب : قنطرتَ الشيء إذا أحكمته ؛ ومنه سميت القنطرة لإحكامها.\rقال طرفة : \rكَقَنْطَرَةِ الرُّوميِّ أقسم ربُّها . . .\rلتُكْتَنَفَنْ حتّى تُشَادُ بقَرْمَدِ\rوالقنطرة المعقودة ؛ فكأنّ القنطار عَقْدُ مالٍ.\r","part":11,"page":411},{"id":4713,"text":"واختلف العلماء في تحرير حَدِّهِ كم هو على أقوال عديدة ؛ فروى أُبيّ بن كعب عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : \" القنطار ألف أُوقِيَّة ومائتا أوقِية \" ؛ وقال بذلك معاذ بن جبل وعبد الله بن عمر وأبو هريرة وجماعة من العلماء.\rقال ابن عطية : \"وهو أصح الأقوال ، لكن القنطار على هذا يختلف باختلاف البلاد في قدر الأوقية\".\rوقيل : اثنا عشر ألف أوقية ؛ أسنده البستِيّ في مسنده الصحيح عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : \" القنطار اثنا عشر ألف أوْقية الأوقية خير مما بين السماء والأرض \" وقال بهذا القول أبو هريرة أيضاً.\rوفي مسند أبي محمد الدارميّ عن أبي سعِيد الخدريّ قال : \"من قرأ في ليلة عشر آيات كُتِب من الذاكرين ، ومن قرأ بمائة آية كتب من القانتين ، ومن قرأ بخمسمائة آية إلى الألف أصبح وله قنطار من الأجر\" قيل : وما القنطار ؟ قال : \"ملء مَسْك ثَوْرٍ ذهباً\".\rموقوف ؛ وقال به أبو نَضْرَة العَبْديّ.\rوذكر ابن سِيدَه أنه هكذا بالسريانية.\rوقال النقاش عن ابن الكلبيّ أنه هكذا بلغة الروم.\rوقال ابن عباس والضحاك والحسن : ألف ومائتا مِثقالٍ من الفضة ؛ ورفعه الحسن.\rوعن ابن عباس : اثنا عشر ألف درهم من الفضة ، ومن الذهب ألف دينار دِية الرجل المسلم ؛ وروي عن الحسن والضحاك.\rوقال سعِيد بن المسَيِّب : ثمانون ألفاً.\rقتادة : مائة رطل من الذهب أو ثمانون ألف درهم من الفضة.\rوقال أبو حمزة الثُّمَاليّ : القنطار بإقرِيفية والأندلس ثمانية آلاف مثقال من ذهب أو فضة.\rالسديّ : أربعة آلاف مثقال.\rمجاهد : سبعون ألف مثقال ؛ وروي عن ابن عمر.\rوحكى مكيّ قولاً أن القنطار أربعون أوقية من ذهب أو فضة ؛ وقاله ابن سِيَدة في المحكم ، وقال : القنطار بلغة بَرْبَرْ ألف مثقال.\rوقال الربيع ابن أنس : القنطار المال الكثير بعضه على بعض ؛ وهذا هو المعروف عند العرب ، ومنه قوله : {وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَاراً} أي مالاً كثيراً.\r","part":11,"page":412},{"id":4714,"text":"ومنه الحديث : \"إنّ صفوان بن أُمية قَنْطَر في الجاهلية وقَنْطَر أبوه\" أي صار له قنطار من المال.\rوعن الحكم : القنطار هو ما بين السماء والأرض.\rواختلفوا في معنى \"المُقَنْطَرَةِ\" فقال الطبرِيّ وغيره : معناه المُضَعَّفَة ، وكأنّ القناطير ثلاثةٌ والمقنطرة تسعٌ.\rوروي عن الفرّاء أنه قال : القناطير جمع القنطار ، والمقنطرة جمع الجمع ، فيكون تسع قناطير.\rالسديّ : المقنطرة المضروبة حتى صارت دنانير أو دراهم.\rمكيّ : المقنطرة المُكَملة ؛ وحكاه الهروي ؛ كما يقال : بِدَرٌ مُبَدَّرَة ، وآلافٌ مؤَلّفة.\rوقال بعضهم.\rولهذا سمي البناء القنطرة لتكاثف البناء بعضه على بعض.\rابن كيسان والفرّاء : لا تكون المقنطرة أقل من تسع قناطير.\rوقيل : المقَنْطَرة إشارة إلى حضور المال وكونه عتيداً.\rوفي صحيح البستيِّ عن عبد الله بن عمر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال : \" من قام بعشر آيات لم يكتب من الغافلين ومن قام بمائة آية كتب من القانتين ومن قام بألف آية كتب من المقنطِرِين \". أ هـ {تفسير القرطبى حـ 4 صـ 30 ـ 31}\rوقال الفخر : \rفيه أبحاث : \r","part":11,"page":413},{"id":4715,"text":"البحث الأول : قال الزجاج : القنطار مأخوذ من عقد الشيء وإحكامه ، والقنطرة مأخوذة من ذلك لتوثقها بعقد الطاق ، فالقنطار مال كثير يتوثق الإنسان به في دفع أصناف النوائب ، وحكى أبو عبيد عن العرب أنهم يقولون : إنه وزن لا يحد ، واعلم أن هذا هو الصحيح ، ومن الناس من حاول تحديده ، وفيه روايات : فروى أبو هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : \" القنطار اثنا عشر ألف أوقية \" وروى أنس عنه أيضاً أن القنطار ألف دينار ، وروى أُبي بن كعب أنه عليه السلام قال : \" القنطار ألف ومائتا أوقية \" وقال ابن عباس : القنطار ألف دينار أو إثنا عشر ألف درهم ، وهو مقدار الدية ، وبه قال الحسن ، وقال الكلبي : القنطار بلسان الروم ملء مسك ثور من ذهب أو فضة ، وفيه أقوال سوى ما ذكرنا لكنا تركناها لأنها غير مقصودة بحجة ألبتة.\rالبحث الثاني : {المقنطرة} منفعلة من القنطار ، وهو للتأكيد ، كقولهم : ألف مؤلفة ، وبدرة مبدرة ، وإبل مؤبلة ، ودراهم مدرهمة ، وقال الكلبي : القناطير ثلاثة ، والمقنطرة المضاعفة ، فكان المجموع ستة.\rالبحث الثالث : الذهب والفضة إنما كانا محبوبين لأنهما جعلا ثمن جميع الأشياء ، فمالكهما كالمالك لجميع الأشياء ، وصفة المالكية هي القدرة ، والقدرة صفة كمال ، والكمال محبوب لذاته ، فلما كان الذهب والفضة أكمل الوسائل إلى تحصيل هذا الكمال الذي هو محبوب لذاته وما لا يوجد المحبوب إلا به فهو محبوب ، لا جرم كانا محبوبين. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 7 صـ 171}\rوقال القرطبى : \rقوله تعالى : {مِنَ الذهب والفضة} الذهب مؤنثة ؛ يقال : هي الذهب الحسنةُ ، جمعها ذهاب وذُهُوب.\rويجوز أن يكون جمع ذَهْبَة ، ويجمع على الأذْهَاب.\rوذهب فلان مذهباً حسناً.\rوالذهب : مكيالٌ لأهل اليمن.\rورجل ذَهِبٌ إذا رأى معدِن الذّهَبِ فدَهِش.\rوالفضّة معروفة ، وجمعها فِضَضٌ.\r","part":11,"page":414},{"id":4716,"text":"فالذهب مأخوذة من الذَّهَاب ، والفضة مأخوذة من انفض الشيء تفرّق ؛ ومنه فَضَضْتُ القوم فانفضوا ، أي فرّقتهم فتفرّقوا.\rوهذا الاشتقاق يُشعر بزوالهما وعدم ثُبوتهما كما هو مشاهد في الوجود.\rومن أحسن ما قيل في هذا المعنى قول بعضهم : \rالنّار آخرُ دِينارٍ نطقتَ به . . .\rوالهمُّ آخِرُ هذا الدِّرْهمِ الجاري\rوالمرءُ بينهما إن كان ذا وَرَعٍ . . .\rمُعذّبَ القلبِ بَيْن الهَمِّ والنار. أ هـ {تفسير القرطبى حـ 4 صـ 32}\rقوله تعالى {والخيل المسومة والأنعام والحرث}\rقال الفخر : \rقال الواحدي : الخيل جمع لا واحد له من لفظه ، كالقوم والنساء والرهط ، وسميت الأفراس خيلاً لخيلائها في مشيها ، وسميت حركة الإنسان على سبيل الجولان اختيالا ، وسمي الخيال خيالا ، والتخيل تخيلا ، لجولان هذه القوة في استحضار تلك الصورة ، والأخيل الشقراق ، لأنه يتخيل تارة أخضر ، وتارة أحمر ، واختلفوا في معنى {المسومة} على ثلاثة أقوال الأول : أنها الراعية ، يقال : أسمت الدابة وسومتها إذا أرسلتها في مروجها للرعي ، كما يقال : أقمت الشيء وقومته ، وأجدته وجودته ، وأنمته ونومته ، والمقصود أنها إذا رعت ازدادت حسناً ، ومنه قوله تعالى : {فِيهِ تُسِيمُونَ} [ النحل : 10 ].","part":11,"page":415},{"id":4717,"text":"والقول الثاني : المسومة المعلمة قال أبو مسلم الأصفهاني : وهو مأخوذ من السيما بالقصر والسيماء بالمد ، ومعناه واحد ، وهو الهيئة الحسنة ، قال الله تعالى : {سيماهم فِى وُجُوهِهِمْ مّنْ أَثَرِ السجود} [ الفتح : 29 ] ثم القائلون بهذا القول اختلفوا في تلك العلامة ، فقال أبو مسلم : المراد من هذه العلامات الأوضاح والغرر التي تكون في الخيل ، وهي أن تكون الأفراس غراً محجلة ، وقال الأصم : إنما هي البلق ، وقال قتادة : الشية ، وقال المؤرج : الكي ، وقول أبي مسلم أحسن لأن الإشارة في هذه الآية إلى شرائف الأموال ، وذلك هو أن يكون الفرس أغر محجلا ، وأما سائر الوجوه التي ذكروها فإنها لا تفيد شرفاً في الفرس.\rالقول الثالث : وهو قول مجاهد وعكرمة : أنها الخيل المطهمة الحسان ، قال القفال : المطهمة المرأة الجميلة.\rالمرتبة السادسة : {الأنعام} وهي جمع نعم ، وهي الإبل والبقر والغنم ، ولا يقال للجنس الواحد منها : نعم إلا للإبل خاصة فإنها غلبت عليها.\rالمرتبة السابعة : {الحرث} وقد ذكرنا اشتقاقه في قوله {وَيُهْلِكَ الحرث والنسل} [ البقرة : 205 ]. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 7 صـ 171 ـ 172}\rوقال القرطبى : \rقوله تعالى : {والخيل} الخيل مؤنثة.\rقال ابن كيسان : حُدِّثت عن أبي عبيدة أنه قال : واحد الخيل خائل ، مثل طائر وطير ، وضائن وضَيْن ؛ وسمِّي الفرس بذلك لأنه يختال في مشيه.\rوقال غيره : هو اسم جمع لا واحد له من لفظه ، واحده فرس ، كالقوم والرهْط والنساء والإبل ونحوها.\rوفي الخبر من حديث عليّ عن النبيّ صلى الله عليه وسلم : \" إن الله خلق الفرس من الريح ولذلك جعلها تطير بلا جناح \" وَهْبُ بن مُنَبِّه : خلقها من رِيح الجَنُوب.\rقال وهب : فليس تسبيحة ولا تكبيرة ولا تهليلة يكبرها صاحبها إلا وهو يسمعها فيجيبه بمثلها.\rوسيأتي لذكر الخَيْل ووصفها في سورة \"الأنفال\" ما فيه كفايةٌ إن شاء الله تعالى.","part":11,"page":416},{"id":4718,"text":"وفي الخبر : \"إن الله عرض على آدم جميع الدواب ، فقيل له : اختر منها واحداً فاختار الفرس ؛ فقيل له : اخترت عِزّك ؛ فصار اسمه الخير من هذا الوجه\".\rوسميّت خيلاً لأنها مَوْسُومَة بالعِزِّ فمن ركبه اعتز بِنحْلة الله له ويختال به على أعداء الله تعالى.\rوسمّي فرساً لأنه يفترس مسافات الجوّ افتراس الأسد وثبانا ، ويقطعها كالالتهام بيديه على شيء خبطاً وتناولاً ، وسمي عربياً لأنه جيء به من بعد آدم لإسماعيل جزاء عن رفع قواعد البيت ، وإسماعيل عربي ، فصار له نِحلة من الله تعالى فسمي عربياً.\rوفي الحديث عن النبيّ صلى الله عليه وسلم : \" لا يدخل الشيطان داراً فيها فرس عتِيق \" وإنما سمي عتيقاً لأنه قد تخلص من الهجانة.\rوقد قال صلى الله عليه وسلم : \" خير الخيلِ الأدهم الأقرح الأرثم ( ثم الأقرح المحجل ) طلق اليمين فإن لم يكن أدهم فكميت على هذه الشيةِ \" أخرجه الترمِذِيّ عن أبي قتادة.\rوفي مسند الدارميّ عنه \" أن رجلاً قال : يا رسول الله ، إني أُريد أن أشتري فرساً ( فأيها أشترِي ) ؟ قال : \"اشترِ أدهم أرثم محجلاً طلق اليمين أو من الكميت على هذه الشية تغنم وتسلم\" \" وروى النسائِي عن أنس قال : لم يكن أحب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد النساء من الخيل.\rوروى الأئمة عن أبي هريرة أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : \" الخيل ثلاثة لرجلٍ أجر ولرجلٍ سِتر ولرجل وِزر \" الحديث بطوله ، شهرته أغنت عن ذكره. أ هـ {تفسير القرطبى حـ 4 صـ 32 ـ 33}\rفائدة\rقال القرطبى : \rقوله تعالى : {والأنعام} قال ابن كيسان : إذا قلت نَعَمٌ لم تكن إلا للإبل ، فإذا قلت أنعامٌ وقعت للإبل وكل ما يرعى.\rقال الفرّاء : هو مُذَكَّر ولا يؤنّث ؛ يقولون : هذا نَعَمٌ واردٌ ، ويجمع أنعاماً.\rقال الهَروِيّ : والنَّعَم يذكّر ويؤنّث ، والأنعام المَواشي من الإبل والبقر والغنم ؛ وإذا قيل : النّعَم فهو الإبل خاصّة.\rوقال حسان : ","part":11,"page":417},{"id":4719,"text":"وكانت لا يزال بها أنِيس . . .\rخِلاَلَ مُروجِها نَعَمٌ وشَاءُ\rوفي سنن ابن ماجه عن عروة البارِقيّ يرفعه قال : \" الإبلُ عِزٌّ لأهلها والغنم بركةٌ والخيرُ معقودٌ في نواصي الخيل إلى يوم القيامة \" وفيه عن ابن عمر قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : \" الشاة من دوابّ الجنة \" وفيه عن أبي هريرة قال : أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم الأغنياء باتخاذ الغنم ، والفقراء باتخاذ الدَّجَاج.\rوقال : \" عند اتخاذ الأغنياءِ الدجاج يأذن الله تعالى بهلاك القرى \" وفيه عن أُمِّ هانِىء أنّ النبيّ صلى الله عليه وسلم قال لها : \" اتخذي غَنَماً فإنّ فيها بركة \" أخرجه عن أبي بكر بن أبي شَيْبة عن وكيع عن هِشام بن عُرْوة عن أبيه عن أُمّ هانِىء ، إسناد صحيح.\rوقال رحمه الله فى قى قوله تعالى : {والحرث}\rالحرث هنا اسم لكل ما يُحْرَث ، وهو مصدر سمِّي به ؛ تقول : حَرَث الرجل حَرْثاً إذا أثار الأرض لمعنى الفِلاَحَة ؛ فيقع اسم الحراثةَ على زرع الحبوب وعلى الجَنّات وعلى غير ذلك من نوع الفِلاحة.\rوفي الحديث : \" احرث لدنياك كأنك تعيش أبدا \" يقال حرثت واحترثت.\rوفي حديث عبد الله.\r\"احرثوا هذا القرآن\" أي فَتِّشُوه.\rقال ابن الأعرابيّ : الحرث التّفْتِيشُ ؛ وفي الحديث : \" أصدقُ الأسماء الحارِثُ \" لأن الحارث هو الكاسب ، وآحتراث المال كسبه ، والمِحْراث مُسْعر النار والحَرَاثُ مَجْرى الوَتَر في القوس ، والجمع أحْرِثه ، وأحرث الرجل ناقتَه أهْزَلها.\rوفي حديث معاوية : ما فعلتْ نَواضحُكم ؟ قالوا : حرَثْناها يومَ بَدْر.\rقال أبو عبيد : يعنون هزلناها ؛ يقال : حرثت الدابة وأحرثتها ، لغتان.\rوفي صحيح البخاريّ.","part":11,"page":418},{"id":4720,"text":"عن أبي أُمامة الباهِلِيّ قال وقد رأى سِكّة وشيئاً من آلة الحرث فقال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : \" لا يدخلُ هذا بيت قومٍ إلا دخله الذُّلّ \" قيل : إنّ الذلّ هنا ما يلزَم أهل الشغلَ بالحرث من حقوق الأرض التي يطالبهم بها الأئمة والسلاطين.\rوقال المهلب : معنى قوله في هذا الحديث والله أعلم الحَضّ على مَعالي الأحوال وطلب الرزق من أشرف الصناعات ؛ وذلك لِما خشِي النبيّ صلى الله عليه وسلم على أُمّته من الاشتغال بالحرث وتضييع ركوب الخيل والجهاد في سبيل الله ؛ لأنهم إن اشتغلوا بالحرث غلبتهم الأُمم الراكبة للخير المتعيشة من مكاسبها ؛ فحضهم على التعيُّش من الجهاد لا من الخلود إلى عمارة الأرض ولزوم المِهْنَة.\rألا ترى أنّ عمر قال : تمعْدَدوا واخشوشنوا واقطعوا الرّكُبَ وثِبوا على الخيل وَثْباً لا تغلبنّكم عليها رعاة الإبل.\rفأمرهم بملازمة الخيل ، ورياضة أبدانهم بالوثوب عليها.\rوفي الصحيحين عن أنس بن مالك قال : قال النبيّ صلى الله عليه وسلم : \" ما مِن مسلم غَرَسَ غَرْساً أو زَرَع زرعاً فيأكل منه طيرٌ أو إنسانٌ أو بهيمةٌ إلا كان له به صدقة \".\rقال العلماء : ذكر الله تعالى أربعة أصناف من المال ، كل نوع من المال يتموّل به صنف من الناس ؛ أمّا الذهب والفضة فيتموّل بها التجار ، وأمّا الخيل المسوّمة فيتموّل بها الملوك ، وأمّا الأنعام فيتموّل بها أهل البوادِي ، وأمّا الحرث فيتموّل بها أهل الرساتيق.\rفتكون فتنة كل صنف في النوع الذي يتموّل ، فأمّا النساء والبنون ففتنة للجميع. أ هـ {تفسير القرطبى حـ 4 صـ 34 ـ 36}\rفائدة\rقال الشنقيطى : \rقوله تعالى : {والخيل المسومة والأنعام والحرث}.\rلم يبين هنا كم يدخل تحت لفظ الأنعام من الأصناف.","part":11,"page":419},{"id":4721,"text":"ولكنه قد بين في مواضع أخر أنها ثمانية أصناف هي الجمل والناقة والثور والبقرة والكبش والنعجة والتيس والعنز كقوله تعالى : {وَمِنَ الأنعام حَمُولَةً وَفَرْشاً} [ الأنعام : 142 ] ثم بين الأنعام بقوله : {ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ مَّنَ الضأن اثنين} [ الأنعام : 143 ] يعني الكبش والنعجة {وَمِنَ الْمَعْزِ اثْنَيْنِ} [ الأنعام : 144 ] يعني : الثور والبقرة وهذه الثمانية هي المرادة بقوله : {وَأَنزَلَ لَكُمْ مِّنَ الأنعام ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ} [ الزمر : 6 ] وهي المشار إليها بقوله : {فَاطِرُ السماوات والأرض جَعَلَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجاً} [ الشورى : 11 ] الآية.\rتنبيه : ربما أطلقت العرب لفظ النعم على خصوص الإبل ، ومنه قوله صلى الله عليه وسلم : \" من حُمرِ النَّعَم \" يعني : الإبل وقول حسان رضي الله عنه : \rوكانت لا يزال بها أنيس... خلال مروجها نعم وشاء أي : إبل وشاء. أ هـ {أضواء البيان حـ 1 صـ 223}\rقوله تعالى {ذلك متاع الحياة الدنيا}\rقال القرطبى : \rقوله تعالى : {ذلك مَتَاعُ الحياة الدنيا} أي ما يُتَمتّع به فيها ثم يذهب ولا يبقى.\rوهذا منه تزهيد في الدنيا وترغيب في الآخرة.\rروى ابن ماجه وغيره عن عبد الله بن عمر أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : \" إنما الدنيا متاع وليس من متاع الدنيا شيء أفضل من المرأة الصالحة \" وفي الحديث : \" إزهد في الدنيا يحِبك الله \" أي في متاعها من الجاه والمال الزائد على الضروريّ.\rقال صلى الله عليه وسلم : \" ليس لابن آدم حق في سوى هذه الخصال بيتٌ يسكنه وثوبٌ يُوارِي عورتَه وجِلْف الخبز والماء \" أخرجه الترمذِي من حديث المقدام بن معد يكرب.\rوسئل سهل بن عبد الله : بِم يسهل على العبد ترك الدنيا وكل الشهوات ؟ قال : بتشاغله بما أُمِر به. أ هـ {تفسير القرطبى حـ 4 صـ 36 ـ 37}\rفائدة\rقال ابن عاشور : ","part":11,"page":420},{"id":4722,"text":"وأفرد كاف الخطاب لأن الخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم أو لغير معين ، على أن علامة المخاطب الواحد هي الغالب في الاقتران بأسماء الإشارة لإرادة البعد ، والبعد هنا بعد مجازي بمعنى الرفعة والنفاسة.\rوالمتاع مؤذن بالقلة وهو ما يستمتع به مدة. أ هـ {التحرير والتنوير حـ 3 صـ 41}\rفصل\rقال الفخر :\rقال القاضي : ومعلوم أن متاعها إنما خلق ليستمتع به فكيف يقال إنه لا يجوز إضافة التزيين إلى الله تعالى ، ثم قال للاستمتاع بمتاع الدنيا وجوه : منها أن ينفرد به من خصه الله تعالى بهذه النعم فيكون مذموماً ومنها أن يترك الانتفاع به مع الحاجة إليه فيكون أيضاً مذموماً ، ومنها أن ينتفع به في وجه مباح من غير أن يتوصل بذلك إلى مصالح الآخرة ، وذلك لا ممدوح ولا مذموم ، ومنها أن ينتفع به على وجه يتوصل به إلى مصالح الآخرة وذلك هو الممدوح.\rثم قال تعالى : {والله عِندَهُ حُسْنُ المأب} اعلم أن المآب في اللغة المرجع ، يقال : آب الرجل إياباً وأوبة وأبية ومآبا ، قال الله تعالى : {إِنَّ إِلَيْنَا إِيَابَهُمْ} والمقصود من هذا الكلام بيان أن من آتاه الله الدنيا كان الواجب عليه أن يصرفها إلى ما يكون فيه عمارة لمعاده ويتوصل بها إلى سعادة آخرته ، ثم لما كان الغرض الترغيب في المآب وصف المآب بالحسن.\rفإن قيل : المآب قسمان : الجنة وهي في غاية الحسن ، والنار وهي خالية عن الحسن ، فكيف وصف المآب المطلق بالحسن.\rقلنا : المآب المقصود بالذات هو الجنة ، فأما النار فهي المقصود بالغرض ، لأنه سبحانه خلق الخلق للرحمة لا للعذاب ، كما قال : سبقت رحمتي غضبي ، وهذا سر يطلع منه على أسرار غامضة. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 7 صـ 172}\rفائدة\rقال ابن كثير فى معنى الآية :","part":11,"page":421},{"id":4723,"text":"يخبر تعالى عما زُيِّن للناس في هذه الحياة الدنيا من أنواع الملاذ من النساء والبنين ، فبدأ بالنساء لأن الفتنة بهن أشد ، كما ثبت في الصحيح أنه ، عليه السلام ، قال مَا تَرَكْتُ بَعْدِي فِتْنَةً أَضَرُّ عَلَى الرِّجَالِ مِنَ النِّساء\". فأما إذا كان القصد بهن الإعفاف وكثرة الأولاد ، فهذا مطلوب مرغوب فيه مندوب إليه ، كما وردت الأحاديث بالترغيب في التزويج والاستكثار منه ، \"وإنَّ خَيْرَ هَذه الأمَّةِ كَانَ أكْثرهَا نسَاءً\". {رواه البخاري في صحيحه برقم (5069) موقوفا على ابن عباس}.\rوقوله ، عليه السلام الدُّنْيَا مَتَاع ، وخَيْرُ مَتَاعِهَا المرْأةُ الصَّالحةُ ، إنْ نَظَرَ إلَيْها سَرَّتْهُ ، وإنْ أَمَرَهَا أَطَاعَتْه ، وإنْ غَابَ عَنْها حَفِظْتُه في نَفْسهَا وَمَالِهِ\". {رواه مسلم في صحيحه برقم (1467) والنسائي في السنن (6/69) وابن ماجه في السنن برقم (1855) من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنه}.\rوقوله في الحديث الآخر : \"حُبِّبَ إلَيَّ النِّسَاءُ والطِّيبُ وجُعلَتْ قُرة عَيْني فِي الصَّلاةِ\". {رواه أحمد في المسند (3/128) والنسائي في السنن (7/61) من حديث أنس بن مالك رضي الله عنه}.\rوقالت عائشة ، رضي الله عنها : لم يكن شيء أحب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم من النساء إلا الخيل ، وفي رواية : من الخيل إلا النساء. {رواه النسائي في الكبرى (4404) من طريق سعيد عن قتادة عن أنس بن مالك ، به. وله شاهد من حديث معقل بن يسار ، رواه أحمد في مسنده (5/27)}.","part":11,"page":422},{"id":4724,"text":"وحب البنين تارة يكون للتفاخر والزينة فهو داخل في هذا ، وتارة يكون لتكثير النسل ، وتكثير أمة محمد صلى الله عليه وسلم ممن يعبد الله وحده لا شريك له ، فهذا محمود ممدوح ، كما ثبت في الحديث : \"تَزَوَّجُوا الوَدُودَ الوَلُودَ ، فَإنِّي مُكَاثِرٌ بِكُمُ الأمَمَ يَوْمَ القِيَامَةِ\". {رواه أبو داود في السنن برقم (2050) والنسائي في السنن (6/65) وابن حبان في صحيحه برقم (1229) \"موارد\" والحاكم في المستدرك (2/162) وصححه وأقره الذهبي من حديث معقل بن يسار.\rورواه أحمد في المسند (3/158) وابن حبان في صحيحه برقم (1228) والبيهقي في السنن الكبرى (7/81 ، 82) من حديث أنس بن مالك}.\rوحب المال -كذلك-تارة يكون للفخر والخيلاء والتكبر على الضعفاء ، والتجبر على الفقراء ، فهذا مذموم ، وتارة يكون للنفقة في القربات وصلة الأرحام والقرابات ووجوه البر والطاعات ، فهذا ممدوح محمود عليه شرعًا. أ هـ {تفسير ابن كثير حـ 2 صـ 19}\rوقال السعدى : ","part":11,"page":423},{"id":4725,"text":"يخبر تعالى أنه زين للناس حب الشهوات الدنيوية ، وخص هذه الأمور المذكورة لأنها أعظم شهوات الدنيا وغيرها تبع لها ، قال تعالى {إنا جعلنا ما على الأرض زينة لها} فلما زينت لهم هذه المذكورات بما فيها من الدواعي المثيرات ، تعلقت بها نفوسهم ومالت إليها قلوبهم ، وانقسموا بحسب الواقع إلى قسمين : قسم : جعلوها هي المقصود ، فصارت أفكارهم وخواطرهم وأعمالهم الظاهرة والباطنة لها ، فشغلتهم عما خلقوا لأجله ، وصحبوها صحبة البهائم السائمة ، يتمتعون بلذاتها ويتناولون شهواتها ، ولا يبالون على أي : وجه حصلوها ، ولا فيما أنفقوها وصرفوها ، فهؤلاء كانت زادا لهم إلى دار الشقاء والعناء والعذاب ، والقسم الثاني : عرفوا المقصود منها وأن الله جعلها ابتلاء وامتحانا لعباده ، ليعلم من يقدم طاعته ومرضاته على لذاته وشهواته ، فجعلوها وسيلة لهم وطريقا يتزودون منها لآخرتهم ويتمتعون بما يتمتعون به على وجه الاستعانة به على مرضاته ، قد صحبوها بأبدانهم وفارقوها بقلوبهم ، وعلموا أنها كما قال الله فيها {ذلك متاع الحياة الدنيا} فجعلوها معبرا إلى الدار الآخرة ومتجرا يرجون بها الفوائد الفاخرة ، فهؤلاء صارت لهم زادا إلى ربهم. وفي هذه الآية تسلية للفقراء الذين لا قدرة لهم على هذه الشهوات التي يقدر عليها الأغنياء ، وتحذير للمغترين بها وتزهيد لأهل العقول النيرة بها ، وتمام ذلك أن الله تعالى أخبر بعدها عن دار القرار ومصير المتقين الأبرار ، وأخبر أنها خير من ذلكم المذكور ، ألا وهي الجنات العاليات ذات المنازل الأنيقة والغرف العالية ، والأشجار المتنوعة المثمرة بأنواع الثمار ، والأنهار الجارية على حسب مرادهم والأزواج المطهرة من كل قذر ودنس وعيب ظاهر وباطن ، مع الخلود الدائم الذي به تمام النعيم ، مع الرضوان من الله الذي هو أكبر نعيم ، فقس هذه الدار الجليلة بتلك الدار الحقيرة ، ثم اختر لنفسك أحسنهما واعرض على قلبك المفاضلة بينهما. أ هـ {تفسير السعدى صـ 124}","part":11,"page":424},{"id":4726,"text":"فائدة\rقال الثعالبى : \rوقوله تعالى : {زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشهوات...} الآيةُ هذه الآيةُ ابتداءُ وعظٍ لجميع الناس ، وفي ضمن ذلك توبيخٌ ، والشهواتُ ذميمةٌ ، واتباعها مُرْدٍ ، وطاعتها مَهْلَكَةٌ ، وقد قال صلى الله عليه وسلم : \" حُفَّتِ النَّارُ بِالشَّهَوَاتِ ، وَحُفَّتِ الجَنَّةُ بِالمَكَارِهِ \" ، فَحَسْبُكَ أَنَّ النَّارَ حُفَّتْ بِهَا ، فمَنْ واقعها ، خلص إِلى النَّار ، قلْتُ : وقد جاءت إحاديثٌ كثيرةٌ في التزْهِيدِ في الدنيا ، ذكَرْنا من صحيحها وحَسَنِهَا في هذا المُخْتَصَرِ جملةً صالحةً لا توجد في غيره من التَّفَاسير ، فعلَيْكَ بتحصيله ، فتَطَّلعَ فيه على جواهرَ نفيسةٍ ، لا توجَدُ مجموعةً في غيره ؛ كما هي بحَمْدِ اللَّه حاصلةٌ فيه ، وكيف لا يكونُ هذا المختصر فائقاً في الحُسْن ، وأحاديثه بحَمْد اللَّه مختارةٌ ، أكثرها من أصولِ الإسلامِ الستَّةِ : البخاريِّ ، ومسلمٍ ، وأبي داود ، والتِّرمذيِّ ، والنَّسائِيِّ ، وابنِ مَاجَة ، فهذه أصول الإِسلام ، ثم مِنْ غيرها ؛ كصحيح ابن حِبَّانَ ، وصحيح الحاكمِ ، أعني : \"المُسْتَدْرَكَ عَلَى الصَّحِيحَيْنِ\" ، وأَبِي عَوَانَةَ ، وابْنِ خُزَيْمَةَ ، والدَّارِمِيِّ ، وَالمُوَطَّإِ ، وغيرِها من المسانيدِ المشهورةِ بيْن أئمَّة الحديثِ ؛ حَسْبما هو معلومٌ في علْمِ الحديث ، وقصْدِي من هذا نُصْحُ من اطلع على هذا الكتاب أنْ يعلم قَدْرَ ما أنعم اللَّه به علَيْه ، فإِن التحدُّث بالنعم شُكْر ، ولنرجَعْ إلى ما قصدناه من نَقْلِ الأحاديث : \rروى الترمذيُّ عن عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قَالَتْ : قَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم : \" إِنْ أَرَدتِّ اللُّحُوقَ بِي ، فَلْيَكْفِيكِ مِنَ الدُّنْيَا ، كَزَادِ الرَّاكِبَ ، وإِيَّاكِ وَمُجَالَسَةَ الأَغْنِيَاءِ ، وَلاَ تَسْتَخْلِفِي ثَوْباً حتى تَرْقَعِيهِ \" حديث غَرِيبٌ ، وقال النبيُّ صلى الله عليه وسلم : \" إِنَّ البَذَاذَةَ مِنَ الإِيمَانِ \" ، خرَّجه أبو داود وقد نقله البغويُّ في \"مصابيحه\". أ هـ {الجواهر الحسان حـ 1 صـ 248 ـ 249}","part":11,"page":425},{"id":4728,"text":"لطيفة\rقال ابن عجيبة : \rقال أبو هاشم الزاهد رضي الله عنه : وَسَمَ اللّهُ الدنيا بالوحشة ؛ ليكون أنس المريد بربه دونها ، وليقبل المطيعون بالإعراض عنها ، وأهلُ المعرفة بالله من الدنيا مستوحشون ، وإلا الله مشتاقون. ه.\rوقد تعوّذ النبيّ صلى الله عليه وسلم من شر فتنتها ، غناها وفقرها. وأكثرُ القرآن مشتملٌ على ذمها ، وتحذير الخلق منها ، بل ما من داع يدعو إلى الله تعالى إلا وقد حذر منها ، ورغَّب في الآخرة ، بل هو المقصود بالذات من بيان الشرائع ، وكيف لا - وهي عدوة الله ؛ لقطعها طريق الوصلة إليه ، ولذلك لم ينظر إليها منذ خلقها. وعدوة لأوليائه ؛ لأنها تزينت بزينتها حتى تجرعوا مرارة الصبر في مقاطعتها ، وعدوة لأعدائه ؛ لأنها استدرجتهم بمكرها ، واقتنصتهم بشبكتها ، فوثقوا بها ، فخذلتهم أحوج ما كانوا إليها ، كفانا الله شرّها بمنِّه وكرمه. أ هـ {البحر المديد حـ 1 صـ 255}\rمن فوائد العلامة ابن القيم فى الآية\rقال عليه الرحمة والرضوان : \rوأما آية آل عمران فإنها لما كانت في سياق الإخبار بما زين للناس من الشهوات التي آثروها على ما عند الله واستغنوا بها قدم ما تعلق الشهوة به أقوى والنفس إليه أشد سعرا وهو النساء التي فتنتهن أعظم فتن الدنيا وهي القيود التي حالت بين العباد وبين سيرهم إلى الله ثم ذكر البنين المتولدين منهم فالإنسان يشتهي المرأة للذة والولد وكلاهما مقصود له لذاته ثم ذكر شهوة الأموال لأنها تقصد لغيرها فشهوتها شهوة الوسائل وقدم أشرف أنواعها وهو الذهب ثم الفضة بعده ثم ذكر الشهوة المتعلقة بالحيوان الذي لا يعاشر عشرة النساء والأولاد فالشهوة المتعلقة به دون الشهوة المتعلقة بها وقدم أشرف هذا النوع وهو الخيل فإنها حصون القوم ومعاقلهم وعزهم وشرفهم فقدمها على الأنعام التي هي الإبل والبقر والغنم ثم ذكر الأنعام وقدمها على الحرث لأن الجمال بها والانتفاع أظهر وأكثر من الحرث كما في قوله تعالى : {وَلَكُمْ فِيهَا جَمَالٌ حِينَ تُرِيحُونَ وَحِينَ تَسْرَحُونَ} والانتفاع بها أكثر من الحرب فإنه ينتفع بها ركوبا وأكلا وشربا ولباسا وأمتعة وأسلحة ودواء وقنية إلى غير ذلك من وجوه الانتفاع وأيضا فصاحبها أعز من صاحب الحرث وأشرف وهذا هو الواقع فإن صاحب الحرث لا بد له من نوع مذلة ولهذا قال بعض السلف وقد رأى سكة ما دخل هذا دار قوم إلا دخلهم الذل فجعل الحرث في آخر المراتب وضعا له في موضعه. أ هـ {بدائع الفوائد حـ 1 صـ 84 ـ 85}","part":11,"page":426},{"id":4732,"text":"كلام نفيس يتعلق بالآية لحجة الإسلام الغزالى\rقال رحمه الله ما نصه :\rبيان حقيقة الدنيا في نفسها وأشغالها التي استغرقت همم الخلق حتى أنستهم أنفسهم وخالقهم ومصدرهم وموردهم\rاعلم أن الدنيا عبارة عن أعيان موجودة وللإنسان فيها حظ وله في إصلاحها شغل فهذه ثلاثة أمور قد يظن أن الدنيا عبارة عن آحادها وليس كذلك أما الأعيان الموجودة التي الدنيا عبارة عنها فهي الأرض وما عليها قال الله تعالى إنا جعلنا ما على الأرض زينة لها لنبلوهم أيهم أحسن عملا فالأرض فراش للآدميين ومهاد ومسكن ومستقر وما عليها لهم ملبس ومطعم ومشرب ومنكح\rويجمع ما على الأرض ثلاثة أقسام المعادن والنبات والحيوان\rأما النبات فيطلبه الآدمي للاقتيات والتداوي وأما المعادن فيطلبها للآلات والأواني كالنحاس والرصاص وللنقد كالذهب والفضة ولغير ذلك من المقاصد وأما الحيوان فينقسم إلى الإنسان والبهائم\rأما البهائم فيطلب منها لحومها للمآكل وظهورها للمركب والزينة\rوأما الإنسان فقد يطلب الآدمي أن يملك أبدان الناس ليستخدمهم ويستسخرهم كالغلمان أو ليتمتع بهم كالجواري والنسوان ويطلب قلوب الناس ليملكها بأن يغرس فيها التعظيم والإكرام وهو الذي يعبر عنه بالجاه إذ معنى الجاه ملك قلوب الآدميين فهذه هي الأعيان التي يعبر عنها بالدنيا وقد جمعها الله تعالى في قوله زين للناس حب الشهوات من النساء والبنين وهذا من الإنس والقناطير المقنطرة من الذهب والفضة وهذا من الجواهر والمعادن وفيه تنبيه على غيرها من اللآليء واليواقيت وغيرها والخيل المسومة والأنعام وهي البهائم والحيوانات والحرث وهو النبات والزرع","part":11,"page":427},{"id":4734,"text":"فهذه هي أعيان الدنيا إلا أن لها مع العبد علاقتين علاقة مع القلب وهو حبه لها وحظه منها وانصراف همه إليها حتى يصير قلبه كالعبد أو المحب المستهتر بالدنيا ويدخل في هذه العلاقة جميع صفات القلب المعلقة بالدنيا كالكبر والغل والحسد والرياء والسمعة وسوء الظن والمداهنة وحب الثناء وحب التكاثر والتفاخر وهذه هي الدنيا الباطنة وأما الظاهرة فهي الأعيان التي ذكرناها\rالعلاقة الثانية مع البدن وهو اشتغاله بإصلاح هذه الأعيان لتصلح لحظوظه وحظوظ غيره وهي جملة الصناعات والحرف التي الخلق مشغولون بها والخلق إنما نسوا أنفسهم ومآبهم ومنقلبهم بالدنيا لهاتين العلاقتين علاقة القلب بالحب وعلاقة البدن بالشغل ولو عرف نفسه وعرف ربه وعرف حكمة الدنيا وسرها علم أن هذه الأعيان التي سميناها دنيا لم تخلق إلا لعلف الدابة التي يسير بها إلى الله تعالى وأعني بالدابة البدن فإنه لا يبقى إلا بمطعم ومشرب وملبس ومسكن كما لا يبقى الجمل في طريق الحج إلا يعلف وماء وجلال ومثال العبد في الدنيا في نسيانه نفسه ومقصده مثال الحاج الذي يقف في منازل الطريق ولا يزال يعلف الناقة ويتعهدها وينظفها ويكسوها ألوان الثياب ويحمل إليها أنواع الحشيش ويبرد لها الماء بالثلج حتى تفوته القافلة وهو غافل عن الحج وعن مرور القافلة وعن بقائه في البادية فريسة للسباع هو وناقته والحاج البصير لا يهمه من أمر الجمل إلا القدر الذي يقوى به على المشي فيتعهده وقلبه إلى الكعبة والحج وإنما يلتفت إلى الناقة بقدر الضرورة فكذلك البصير في السفر إلى الآخرة لا يشغل بتعهد البدن إلا بالضرورة كما لا يدخل بيت الماء إلا لضرورة ولا فرق بين إدخال الطعام في البطن وبين إخراجه من البطن في أن كل واحد منهما ضرورة البدن ومن همته ما يدخل بطنه فقيمته ما يخرج منها وأكثر ما شغل عن الله تعالى هو البطن فإن القوت ضروري وأمر المسكن والملبس أهون ولو عرفوا سبب الحاجة إلى هذه الأمور واقتصروا عليه لم تستغرقهم أشغال الدنيا وإنما استغرقتهم لجهلهم بالدنيا وحكمتها وحظوظهم منها ولكنهم جهلوا وغفلوا وتتابعت أشغال الدنيا عليهم واتصل بعضها ببعض وتداعت إلى غير نهاية محدودة فتاهوا في كثرة الأشغال ونسوا مقاصدها","part":11,"page":428},{"id":4736,"text":"ونحن نذكر تفاصيل أشغال الدنيا وكيفية حدوث الحاجة إليها وكيفية غلط الناس في مقاصدها حتى تتضح لك أشغال الدنيا كيف صرفت الخلق عن الله تعالى وكيف أنستهم عاقبة أمورهم فنقول الأشغال الدنيوية هي الحرف والصناعات والأعمال التي ترى الخلق منكبين عليها وسبب كثرة الأشغال هو أن الإنسان مضطر إلى ثلاث القوت والمسكن والملبس فالقوت للغذاء والبقاء والملبس لدفع الحر والبرد والمسكن لدفع الحر والبرد ولدفع أسباب الهلاك عن الأهل والمال ولم يخلق الله القوت والمسكن والملبس مصلحا بحيث يستغني عن صنعة الإنسان فيه\rنعم خلق ذلك للبهائم فإن النبات يغذي الحيوان من غير طبخ والحر والبرد لا يؤثر في بدنه فيستغني عن البناء ويقنع بالصحراء ولباسها شعورها وجلودها فتستغني عن اللباس والإنسان ليس كذلك فحدثت الحاجة لذلك إلى خمس صناعات هي أصول الصناعات وأوائل الأشغال الدنيوية وهي الفلاحة والرعاية والاقتناص والحياكة والبناء أما البناء فللمسكن والحياكة وما يكتنفها من أمر الغزل والخياطة فللملبس والفلاحة للمطعم والرعاية للمواشي والخيل أيضا للمطعم والمركب والاقتناص نعني به تحصيل ما خلقه الله من صيد أو معدن أو حشيش أو حطب فالفلاح يحصل النباتات والراعي يحفظ الحيوانات ويستنتجها والمقتنص يحصل ما نبت ونتج بنفسه من غير صنع آدمي وكذلك يأخذ من معادن الأرض ما خلق فيها من غير صنعة آدمي ونعني بالاقتناص ذلك ويدخل تحته صناعات وأشغال عدة ثم هذه الصناعات تفتقر إلى أدوات وآلات كالحياكة والفلاحة والبناء والاقتناص والآلات إنما تؤخذ إما من النبات وهو الأخشاب أو من المعادن كالحديد والرصاص وغيرهما أو من جلود الحيوانات فحدثت الحاجة إلى ثلاث أنواع أخر من الصناعات النجارة والحدادة والخز وهؤلاء هم عمال الآلات ونعني بالنجارة كل عامل في الخشب كيفما كان وبالحداد كل عامل في الحديد وجواهر المعادن حتى النحاس والإبري وغيرهما وغرضنا ذكر الأجناس فأما آحاد الحرف فكثيرة وأما الخراز فنعني به كل عامل في جلود الحيوانات وأجزائها فهذه أمهات الصناعات ثم إن الإنسان خلق بحيث لا يعيش وحده بل يضطر إلى الاجتماع مع غيره من أبناء جنسه وذلك لسببين أحدهما حاجته إلى النسل لبقاء جنس الإنسان ولا يكون ذلك إلا باجتماع الذكر والأنثى وعشرتهما","part":11,"page":429},{"id":4737,"text":"والثاني : التعاون على تهيئة أسباب المطعم والملبس ولتربية الولد فإن الاجتماع يفضي إلى الولد لا محالة والواحد لا يشتغل بحفظ الولد وتهيئة أسباب القوت ثم ليس يكفيه الاجتماع مع الأهل والولد في المنزل بل لا يمكنه أن يعيش كذلك ما لم تجتمع طائفة كثيرة ليتكفل كل واحد بصناعة فإن الشخص الواحد كيف يتولى الفلاحة وحده وهو يحتاج إلى آلاتها وتحتاج الآلة إلى حداد ونجار ويحتاج الطعام إلى طحان وخباز وكذلك كيف ينفرد بتحصيل الملبس وهو يفتقر إلى حراسة القطن وآلات الحياكة والخياطة وآلات كثيرة فلذلك امتنع عيش الإنسان وحده وحدثت الحاجة إلى الاجتماع ثم لو اجتمعوا في صحراء مكشوفة لتأذوا بالحر والبرد والمطر واللصوص فافتقروا إلى أبنية محكمة ومنازل ينفرد كل أهل بيت به وبما معه من الآلات والأثاث والمنازل تدفع الحر والبرد والمطر وتدفع أذى الجيران من اللصوصية وغيرها لكن المنازل قد تقصدها جماعة من اللصوص خارج المنازل فافتقر أهل المنازل إلى التناصر والتعاون والتحصن بسور يحيط بجميع المنازل فحدثت البلاد لهذه الضرورة\rثم مهما اجتمع الناس في المنازل والبلاد وتعاملوا تولدت بينهم خصومات إذ تحدث رياسة وولاية للزوج على الزوجة وولاية للأبوين على الولد لأنه ضعيف يحتاج إلى قوام به ومهما حصلت الولاية على عاقل أفضى إلى الخصومة بخلاف الولاية على البهائم إذ ليس لها قوة المخاصمة وإن ظلمت\rفأما المرأة فتخاصم الزوج والولد يخاصم الأبوين هذا في المنزل","part":11,"page":430},{"id":4739,"text":"وأما أهل البلد أيضا فيتعاملون في الحاجات ويتنازعون فيها ولو تركوا كذلك لتقاتلوا وهلكوا وكذلك الرعاة وأرباب الفلاحة يتواردون على المراعي والأراضي والمياه وهي لا تفي بأغراضهم فيتنازعون لا محالة ثم قد يعجز بعضهم عن الفلاحة والصناعة بعمى أو مرض أو هرم وتعرض عوارض مختلفة ولو ترك ضائعا لهلك ولو وكل تفقده إلى الجميع لتخاذلوا ولو خص واحد من غير سبب يخصه لكان لا يذعن له فحدث بالضرورة من هذه العوارض الحاصلة بالاجتماع صناعات أخرى\rفمنها صناعة المساحة التي بها تعرف مقادير الأرض لتمكن القسمة بينهم العدل\rومنها صناعة الجندية لحراسة البلد بالسيف ودفع اللصوص عنهم\rومنها صناعة الحكم والتوصل لفصل الخصومة ومنها الحاجة إلى الفقه وهو معرفة القانون الذي ينبغي أن يضبط به الخلق ويلزموا الوقوف على حدوده حتى لا يكثر النزاع وهو معرفة حدود الله تعالى في المعاملات وشروطها\rفهذه أمور سياسية لا بد منها ولا يشتغل بها إلا مخصوصون بصفات مخصوصة من العلم والتمييز والهداية وإذا اشتغلوا بها لم يتفرغوا لصناعة أخرى ويحتاجون إلى المعاش ويحتاج أهل البلد إليهم إذ لو اشتغل أهل البلد بالحرب مع الأعداء مثلا تعطلت الصناعات ولو اشتغل أهل الحرب والسلاح بالصناعات لطلب القوت تعطلت البلاد عن الحراس واستضر الناس فمست الحاجة إلى أن يصرف إلى معايشهم وأرزاقهم الأموال الضائعة التي لا مالك لها إن كانت أو تصرف الغنائم إليهم إن كانت العداوة مع الكفار فإن كانوا أهل ديانة وورع قنعوا بالقليل من أموال المصالح وإن أرادوا التوسع فتمس الحاجة لا محالة إلى أن يمدهم أهل البلد بأموالهم ليمدوهم بالحراسة فتحدث الحاجة إلى الخراج ثم يتولد بسبب الحاجة إلى الخراج الحاجة لصناعات أخر إذ يحتاج إلى من يوظف الخراج بالعدل على الفلاحين وأرباب الأموال وهم العمال وإلى من يستوفي منهم بالرفق وهم الجباة والمتخرجون وإلى من يجمع عنده ليحفظه إلى وقت التفرقة وهم الخزان وإلى من يفرق عليهم بالعدل وهو الفارض للعساكر وهذه الأعمال لو تولاها عدد لا تجمعهم رابطة انخرم النظام فتحدث منه الحاجة إلى ملك يدبرهم وأمير مطاع يعين لكل عمل شخصا ويختار لكل واحد ما يليق به ويراعي النصفة في أخذ الخراج وإعطائه واستعمال الجند في الحرب وتوزيع أسلحتهم وتعين جهات الحرب ونصب الأمير والقائد على كل طائفة منهم إلى غير ذلك من صناعات الملك فيحدث من ذلك بعد الجند الذين هم أهل السلاح وبعد الملك الذي يراقبهم بالعين الكالئة ويدبرهم الحاجة إلى الكتاب والخزان والحساب والجباة والعمال\rثم هؤلاء أيضا يحتاجون إلى معيشة ولا يمكنهم الاشتغال بالحرف فتحدث الحاجة إلى مال الفرع مع مال الأصل وهو المسمى فرع الخراج وعند هذا يكون الناس في الصناعات ثلاث طوائف الفلاحون والرعاة والمحترفون\rوالثانية الجندية الحماة بالسيوف\rوالثالثة المترددون بين الطائفتين في الأخذ والعطاء وهم العمال والجباة وأمثالهم فانظر كيف ابتدأ الأمر من حاجة القوت والملبس والمسكن وإلى ماذا انتهى","part":11,"page":431},{"id":4741,"text":"وهكذا أمور الدنيا لا يفتح منها باب إلا وينفتح بسببه أبواب أخر وهكذا تتناهى إلى غير حد محصور كأنها هاوية لا نهاية لعمقها من وقع في مهواة منها سقط منها إلى أخرى وهكذا على التوالي فهذه هي الحرف والصناعات إلا أنها لا تتم إلا بالأموال والآلات والمال عبارة عن أعيان الأرض وما عليها مما ينتفع به وأعلاها الأغذية ثم الأمكنة التي يأوى الإنسان إليها وهي الدور ثم الأمكنة التي يسعى فيها للتعيش كالحوانيت والأسواق والمزارع ثم الكسوة ثم أثاث البيت وآلاته ثم آلات الآلات وقد يكون الآلات ما هو حيوان كالكلب آلة الصيد والبقر آلة الحراثة والفرس آلة الركوب في الحرب ثم يحدث من ذلك حاجة البيع فإن الفلاح ربما يسكن قرية ليس فيها آلة الفلاحة والحداد والنجار يسكنان قرية لا يمكن فيها الزراعة فبالضرورة يحتاج الفلاح إليهما ويحتاجان إلى الفلاح فيحتاج أحدهما أن يبذل ما عنده للآخر حتى يأخذ منه غرضه وذلك بطريق المعاوضة إلا أن النجار مثلا إذا طلب من الفلاح الغذاء بآلته ربما لا يحتاج الفلاح في ذلك الوقت إلى آلته فلا يبيعه والفلاح إذا طلب الآلة من النجار بالطعام ربما كان عنده طعام في ذلك الوقت فلا يحتاج إليه فتتعوق الأغراض فاضطروا إلى حانوت يجمع آلة كل صناعة ليترصد بها صاحبها أرباب الحاجات وإلى أبيات يجمع إليها ما يحمل الفلاحون فيشتريه منهم صاحب الأبيات ليترصد به أرباب الحاجات فظهرت لذلك الأسواق والمخازن فيحمل الفلاح الحبوب فإذا لم يصادف محتاجا باعها بثمن رخيص من الباعة فيخزنونها في انتظار أرباب الحاجات طمعا في الربح وكذلك في جميع الأمتعة والأموال ثم يحدث لا محالة بين البلاد والقرى تردد فيتردد الناس يشترون من القرى الأطعمة ومن البلاد الآلات وينقلون ذلك ويتعيشون به لتنتظم أمور الناس في البلاد بسببهم إذ كل بلد ربما لا توجد فيه كل آلة وكل قرية لا يوجد فيها كل طعام فالبعض يحتاج إلى البعض فيحوج إلى النقل فيحدث التجار","part":11,"page":432},{"id":4743,"text":"المتكفلون بالنقل وباعثهم عليه حرص جمع المال لا محالة فيتعبون طول الليل والنهار في الأسفار لغرض غيرهم ونصيبهم منها جمع المال الذي يأكله لا محالة غيرهم إما قاطع طريق وإما سلطان ظالم ولكن جعل الله تعالى في غفلتهم وجهلهم نظاما للبلاد ومصلحة للعباد بل جميع أمور الدنيا انتظمت بالغفلة وخسة الهمة\rولو عقل الناس وارتفعت هممهم لزهدوا في الدنيا ولو فعلوا ذلك لبطلت المعايش ولو بطلت لهلكوا ولهلك الزهاد أيضا ثم هذه الأموال التي تنقل لا يقدر الإنسان على حملها فتحتاج إلى دواب تحملها وصاحب المال قد لا تكون له دابة فتحدث معاملة بينه وبين مالك الدابة تسمى الإجارة ويصير الكراء نوعا من الاكتساب أيضا ثم يحدث بسبب البياعات الحاجة إلى النقدين فإن من يريد أن يشتري طعاما بثوب فمن أين يدري المقدار الذي يساويه من الطعام كم هو والمعاملة تجري في أجناس مختلفة كما يباع ثوب بطعام وحيوان بثوب وهذه أمور لا تتناسب فلا بد من حاكم عدل يتوسط بين المتبايعين يعدل أحدهما بالآخر فيطلب ذلك العدل من أعيان الأموال ثم يحتاج إلى مال يطول بقاؤه لأن الحاجة إليه تدوم\rوأبقى الأموال المعادن فاتخذت النقود من الذهب والفضة والنحاس ثم مست الحاجة إلى الضرب والنقش والتقدير فمست الحاجة إلى دار الضرب والصيارفة وهكذا تتداعى الأشغال والأعمال بعضها إلى بعض حتى انتهت إلى ما تراه فهذه أشغال الخلق وهي معاشهم وشي من هذه الحرف لا يمكن مباشرته إلا بنوع تعلم وتعب في الابتداء وفي الناس من يغفل عن ذلك في الصبا فلا يشتغل به أو يمنعه عنه مانع فيبقى عاجز عن الاكتساب لعجزه عن الحرف فيحتاج إلى أن يأكل مما يسعى فيه غيره فيحدث منه حرفتان خسيستان اللصوصية والكداية إذ يجمهما أنهما يأكلان من سعي غيرهما ثم الناس يحترزون من اللصوص والمكدين ويحفظون عنهم أموالهم فافتقروا إلى صرف عقولهم في استنباط الحيل والتدابير أما اللصوص فمنهم من يطلب أعوانا ويكون في يديه شوكة وقوة فيجتمعون ويتكاثرون ويقطعون الطريق كالأعراب والأكراد وأما الضعفاء منهم فيفزعون إلى الحيل إما بالنقب أو التسلق عند انتهاز فرصة الغفلة وإما بأن يكون طرارا أو سلالا إلى غير ذلك من أنواع التلصص الحادثة بحسب ما تنتجه الأفكار المصروفة إلى استنباطها وأما المكدي فإنه إذا طلب ما سعى فيه غيره وقيل له اتعب واعمل كما عمل غيرك فمالك والبطالة فلا يعطي شيئا فافتقروا إلى حيلة في استخراج الأموال وتمهيد العذر لأنفسهم في البطالة فاحتالوا للتعلل بالعجز إما بالحقيقة كجماعة يعمون أولادهم وأنفسهم بالحيلة ليعذروا بالعمى فيعطون وإما بالتعامي والتفالج والتجانن والتمارض وإظهار ذلك بأنواع من الحيل مع بيان أن تلك محنة أصابت من غير استحقاق ليكون ذلك سبب الرحمة وجماعة يلتمسون أقوالا وأفعالا يتعجب الناس منها حتى تنبسط قلوبهم عند مشاهدتها فيسخوا برفع اليد عن قليل من المال في حال التعجب ثم قد يندم بعد زوال التعجب ولا ينفع الندم وذلك قد يكون بالتمسخر والمحاكاة والشعبذة والأفعال المضحكة وقد يكون بالأشعار الغريبة والكلام المنثور المسجع مع حسن","part":11,"page":433},{"id":4744,"text":"الصوت والشعر الموزون أشد تأثيرا في النفس لا سيما إذا كان فيه تعصب يتعلق بالمذاهب كأشعار مناقب الصحابة وفضائل أهل البيت أو الذي يحرك داعية العشق من أهل المجانة كصنعة الطبالين في الأسواق وصنعة ما يشبه العوض وليس بعوض كبيع التعويذات والحشيش الذي يخيل بائعه أنها أدوية فيخدع بذلك الصبيان والجهال وكأصحاب القرعة والفأل من المنجمين ويدخل في هذا الجنس الوعاظ والمكدون على رءوس المنابر إذا لم يكن وراءهم طائل علمي وكان غرضهم استمالة قلوب العوام وأخذ أموالهم بأنواع الكدية وأنواعها تزيد على ألف نوع وألفين وكل ذلك استنبط بدقيق الفكرة لأجل المعيشة فهذه هي أشغال الخلق وأعمالهم التي أكبوا عليها وجرهم إلى ذلك كله الحاجة إلى القوت والكسوة ولكنهم نسوا في أثناء ذلك أنفسهم ومقصودهم ومنقلبهم ومآبهم فتاهوا وضلوا وسبق إلى عقولهم الضعيفة بعد أن كدرتها زحمة الاشتغالات بالدنيا خيالات فاسدة فانقسمت مذاهبهم واختلفت آراؤهم على عدة أوجه\rفطائفة غلبهم الجهل والغفلة فلم تنفتح أعينهم للنظر إلى عاقبة أمورهم فقالوا المقصود أن نعيش أياما في الدنيا فنجتهد حتى نكسب القوت ثم نأكل حتى نقوى على الكسب ثم نكسب حتى نأكل فيأكلون ليكسبوا ثم يكسبون ليأكلوا وهذا مذهب الفلاحين والمحترفين ومن ليس له تنعم في الدنيا ولا قدم في الدين فإنه يتعب نهارا ليأكل ليلا ويأكل ليلا ليتعب نهارا وذلك كسير السواني فهو سفر لا ينقطع إلا بالموت\rوطائفة أخرى زعموا أنهم تفطنوا الأمر وهو أنه ليس المقصود أن يشقى الإنسان بالعمل ولا يتنعم في الدنيا بل السعادة في أن يقضي وطره من شهوة الدنيا وهي شهوة البطن والفرج فهؤلاء نسوا أنفسهم وصرفوا هممهم إلى اتباع النسوان وجمع لذائذ الأطعمة يأكلون كما تأكل الأنعام ويظنون أنهم إذا نالوا ذلك فقد أدركوا غاية السعادة فشغلهم ذلك عن الله تعالى وعن اليوم الآخر","part":11,"page":434},{"id":4746,"text":"وطائفة ظنوا أن السعادة في كثرة المال والاستغناء بكثرة الكنوز فأسهروا ليلهم وأتعبوا نهارهم في الجمع فهم يتعبون في الأسفار طول الليل والنهار ويترددون في الأعمال الشاقة ويكتسبون ويجمعون ولا يأكلون إلا قدر الضرورة شحا وبخلا عليها أن تنقص وهذه لذتهم وفي ذلك دأبهم وحركتهم إلى أن يدركهم الموت فيبقى تحت الأرض أو يظفر به من يأكله في الشهوات واللذات فيكون للجامع تعبه ووباله وللآكل لذته ثم الذين يجمعون ينظرون إلى أمثال ذلك ولا يعتبرون وطائفة ظنوا أن السعادة في حسن الاسم وانطلاق الألسنة بالثناء والمدح بالتجمل والمروءة فهؤلاء يتعبون في كسب المعاش ويضيقون على أنفسهم في المطعم والمشرب ويصرفون جميع مالهم إلى الملابس الحسنة والدواب النفيسة ويزخرفون أبواب الدور وما يقع عليها أبصار الناس حتى يقال : إنه غني وإنه ذو ثروة ويظنون أن ذلك هو السعادة فهمتهم في نهارهم وليلهم في تعهد موقع نظر الناس\rوطائفة أخرى ظنوا أن السعادة في الجاه والكرامة بين الناس وانقياد الخلق بالتواضع والتوقير فصرفوا هممهم إلى استجرار الناس إلى الطاعة لطلب الولايات وتقلد الأعمال السلطانية لينفذ أمرهم بها على طائفة من الناس ويرون أنهم إذا اتسعت ولايتهم وانقادت لهم رعاياهم فقد سعدوا سعادة عظيمة وأن ذلك غاية المطلب وهذا أغلب الشهوات على قلوب الغافلين من الناس فهؤلاء شغلهم حب تواضع الناس لهم عن التواضع لله وعن عبادته وعن التفكر في آخرتهم ومعادهم ووراء هؤلاء طوائف يطول حصرها تزيد على نيف وسبعين فرقة كلهم قد ضلوا وأضلوا عن سواء السبيل وإنما جرهم إلى جميع ذلك حاجة المطعم والملبس والمسكن ونسوا ما تراد له هذه الأمور الثلاثة والقدر الذي يكفي منها وانجرت بهم أوائل أسبابها إلى أواخرها وتداعى بهم ذلك إلى مهاو لم يمكنهم الرقي منها فمن عرف وجه الحاجة إلى هذه الأسباب والأشغال وعرف غاية المقصود منها فلا يخوض في شغل وحرفة وعمل إلا وهو عالم بمقصوده وعالم بحظه ونصيبه منه وأن غاية مقصوده تعهد بدنه بالقوت والكسوة حتى لا يهلك وذلك إن سلك فيه سبيل التقليل اندفعت الأشغال عنه وفرغ القلب وغلب عليه ذكر الآخرة وانصرفت الهمة إلى الاستعداد له وإن تعدى به قدر الضرورة كثرت الأشغال وتداعى البعض إلى البعض وتسلسل إلى غير نهاية فتتشعب به الهموم ومن تشعبت به الهموم في أودية الدنيا فلا يبالي الله في أي واد أهلكه منها فهذا شأن المنهمكين في أشغال الدنيا وتنبه لذلك طائفة فأعرضوا عن الدنيا فحسدهم الشيطان ولم يتركهم وأضلهم في الإعراض أيضا حتى انقسموا إلى طوائف","part":11,"page":435},{"id":4748,"text":"فظنت طائفة أن الدنيا دار بلاء ومحنة والآخرة دار سعادة لكل من وصل إليها سواء تعبد في الدنيا أو لم يتعبد فرأوا أن الصواب في أن يقتلوا أنفسهم للخلاص من محنة الدنيا وإليه ذهب طوائف من العباد من أهل الهند فهم يتهجمون على النار ويقتلون أنفسهم بالإحراق ويظنون أن ذلك خلاص لهم من محن الدنيا وظنت طائفة أخرى أن القتل لا يخلص بل لا بد أولا من إماتة الصفات البشرية وقطعها عن النفس بالكلية وأن السعادة في قطع الشهوة والغضب ثم أقبلوا على المجاهدة وشددوا على أنفسهم حتى هلك بعضهم بشدة الرياضة وبعضهم فسد عقله وجن وبعضهم مرض وانسد عليه الطريق في العبادة وبعضهم عجز عن قمع الصفات بالكلية فظن أن ما كلفه الشرع محال وأن الشرع تلبيس لا أصل له فوقع في الإلحاد وظهر لبعضهم أن هذا التعب كله لله وأن الله تعالى مستغن عن عبادة العباد لا ينقصه عصيان عصيان عاص ولا تزيده عبادة متعبد فعادوا إلى الشهوات وسلكوا مسلك الإباحة وطووا بساط الشرع والأحكام وزعموا أن ذلك من صفاء توحيدهم حيث اعتقدوا أن الله مستغن عن عبادة العباد\rوظن طائفة أن المقصود من العبادات المجاهدة حتى يصل العبد بها إلى معرفة الله تعالى فإذا حصلت المعرفة فقد وصل وبعد الوصول يستغني عن الوسيلة والحيلة فتركوا السعي والعبادة وزعموا أنه ارتفع محلهم في معرفة الله سبحانه عن أن يمتهنوا بالتكاليف وإنما التكليف على عوام الخلق ووراء هذا مذاهب باطلة وضلالات هائلة يطول إحصاؤها إلى ما يبلغ نيفا وسبعين فرقة وإنما الناجي منها فرقة واحدة وهي السالكة ما كان عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه وهو أن لا يترك الدنيا بالكلية ولا يقمع الشهوات بالكلية أما الدنيا فيأخذ منها قدر الزاد وأما الشهوات فيقمع منها ما يخرج عن طاعة الشرع والعقل ولا يتبع كل شهوة ولا يترك كل شهوة بل يتبع العدل ولا يترك كل شيء من الدنيا ولا يطلب كل شيء من الدنيا بل يعلم مقصود كل ما خلق من الدنيا ويحفظه على حد مقصوده فيأخذ من القوت ما يقوي به البدن على العبادة ومن المسكن ما يحفظ عن اللصوص والحر والبرد ومن الكسوة كذلك حتى إذا فرغ القلب من شغل البدن أقبل على الله تعالى بكنه همته واشتغل بالذكر والفكر طول العمر وبقي ملازما لسياسة الشهوات ومراقبا لها حتى لا يجاوز حدود الورع والتقوى ولا يعلم تفصيل ذلك إلا بالاقتداء بالفرقة الناجية وهم الصحابة فإنه عليه السلام لما قال الناجي منها واحدة قالوا يا رسول الله ومن هم قال أهل السنة والجماعة فقيل ومن أهل السنة والجماعة قال ما أنا عليه وأصحابي // حديث افتراق الأمة وفيه الناجي منهم واحدة قالوا ومن هم قال أهل السنة والجماعة الحديث أخرجه الترمذي من حديث عبد الله بن عمرو وحسنه تفترق أمتي على ثلاث وسبعين ملة كلهم في النار إلا ملة واحدة فقالوا من هي يا رسول الله قال ما أنا عليه وأصحابي ولأبي داود من حديث معاوية وابن ماجه من حديث أنس وعوف بن مالك وهي الجماعة وأسانيدها جياد //\rوقد كانوا على النهج القصد وعلى السبيل الواضح الذي فصلناه من قبل فإنهم ما كانوا يأخذون الدنيا للدنيا بل للدين وما كانوا يترهبون ويهجرون الدنيا بالكلية وما كان لهم في الأمور تفريط ولا إفراط بل كان أمرهم بين ذلك قواما وذلك هو العدل والوسط بين الطرفين وهو أحب الأمور إلى الله تعالى. أ هـ {الإحياء حـ 3 صـ 224 ـ 230}","part":11,"page":436},{"id":4750,"text":"قوله تعالى {قُلْ أَؤُنَبِّئُكُمْ بِخَيْرٍ مِنْ ذَلِكُمْ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَأَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ (15)}\rمناسبة الآية لما قبلها\rقال البقاعى : \rولما ذكر سبحانه وتعالى ما أوجب الإعراض عن هذا العرض فكان السامع جديراً بأن يقول فعلاً أقبل ؟ أمر سبحانه وتعالى أقرب الخلق إليه وأعزهم لديه بجوابه لتكون البشارة داعية إلى حبه فقال : {قل} أي لمن فيه قابلية الإقبال إلينا ، ولما أجرى سبحانه وتعالى هذه البشارة على لسان نبيه صلى الله عليه وسلم لتقوم الحجة على العباد بحاله كما تقوم بمقاله من حيث إنه لا يدعو إلى شيء إلا كان أول فاعل له ، ولا ينهى عن شيء إلا كان أول تارك له ، لإيثاره الغائب المسموع من بناء الآخرة على العاجل المشهود من أثر الدنيا كما قال صلى الله عليه وسلم لعمر رضي الله تعالى عنه حين أشفق عليه من تأثير رمال السرير في جنبه فذكر ما فيه فارس والروم من النعيم : \" أو في شك أنت يا ابن الخطاب ؟ أما ترضى أن تكون لهم الدنيا ولنا الآخرة ؟ \" شوق إليها بالاستفهام في قوله : {أؤنبئكم بخير من ذلكم} أي الذي ذكر من الشهوات ، وعظمه بأداة البعد وميم الجمع لعظمته عندهم والزيادة في التعظيم ما يرشد إليه ، ثم استأنف بيان هذا الخير بقوله : {للذين اتقوا} أي اتصفوا بالتقوى فكان مما أثمر لهم اتصافهم بها أن أعرضوا عن هذه الشهوات من حيث إنها شهوات وجعلوها عبادات واقية لهم من عذاب ربهم ، فتلذذوا بالنساء لا لمجرد الشهوة بل لغض البصر من الجانبين وابتغاء ما كتب لهم من الولد إنفاذاً لمراد ربهم من تكثير خلائفهم في الأرض للإصلاح ، ولقوله صلى الله عليه وسلم : \" تناكحوا تناسلوا فإني مكاثر بكم الأمم يوم القيامة \" ونحو ذلك وفرحوا بالبنين لا لمجرد المكاثرة بل لتعليمهم العلم وحملهم على الذكر والجهاد والشكر وأنواع السعي في رضى السيد ، وحازوا النقدين لا للكنز ، بل للإنفاق في سبيل الخيرات ، وربطوا للجهاد ، لا للفخر والرئاسة على العباد بل لقمع أولياء الشيطان ورفع أولياء الرحمن المسلتزم لظهور الإيمان ، كما بين النبي صلى الله عليه وسلم متشابه اقتنائها فقال : \" وهي","part":11,"page":437},{"id":4751,"text":"لرجل أجر ولرجل ستر وعلى رجل وزر \" ثم عظم سبحانه وتعالى ما لهم بقوله مرغباً بلفت القول إلى وصف الإحسان المقتضي لتربية الصدقات وغيرها من الأعمال الصالحات : {عند ربهم} أي المحسن إليهم بلباس التقوى الموجب لإيثارهم الآخرة على الدنيا ، وقوله : {جنّات} مرفوع بالابتداء ، ويجوز أن يكون خبر مبتدأ محذوف إذا كان وللذين ، متعلقاً بخير ، ثم وصفها بقوله : {تجري من تحتها الأنهار} أي أن ماءها غير مجلوب ، بل كل مكان منها متهيىء لأن ينبع منه ماء يجري لتثبت بهجتها وتدوم زهرتها ونضرتها ، ثم أشار بقوله : {خالدين فيها} إلى أنها هي المشتملة على جميع الإحسان المغنية عن الحرث والأنعام ، وأن ذلك على وجه لا انقطاع له.\rقال الحرالي : وفي معنى لفظ الخلود إعلام بسكون الأنفس إليها لما فيها من موافقتها انتهى.\rولعله إنما خص من بين ما تقدم من الشهوات ذكر النسوان في قوله : {وأزواج} لأنها أعظم المشتهيات ، ولا يكمل التلذذ بها إلا بحصول جميع ما يتوقف ذلك عليه ، فصار ذكرهن على سبيل الامتنان من القادر كناية عن جميع ما تشتهي الأنفس وتلذ الأعين.\rولما كانت التقوى حاملة على تطهير الأنفس من أوضار الأدناس من الأوصاف السيئة وكان الوصف بالمفرد أدل على أنهن في أصل الطهارة كأنهن نفس واحدة قال عادلاً عما هو الأولى من الوصف بالجمع لجمع من يعقل : {مطهرة} لأنهن مقتبسات من أنفسهم {خلق لكم من أنفسكم أزواجاً} [ الروم : 31 ].\rولما ذكر حظ البدن قرر لذة هذا النعيم بما للروح ، وزاده من الأضعاف المضاعفة ما لا حد له بقوله : {ورضوان} قال الحرالي : بكسر الراء وضمها ، اسم مبالغة في معنى الرضى ، وهو على عبرة امتلاء بما تعرب عنه الألف والنون وتشعر ضمة رائه بظاهر إشباعه ، وكسرتها بباطن إحاطته - انتهى.","part":11,"page":438},{"id":4752,"text":"ولما جرى وعد الجنات على اسم الربوبية الناظر إلى الإحسان بالتربية فخم أمر هذا الجزاء وأعلاه على ذلك بنوطه بالاسم الأعظم فقال : {من الله} أي المحيط بصفات الكمال.\rولما كان شاملاً لجميعهم وكان ربما ظن أنهم فيه متساوون أشار إلى التفاوت بقوله مظهراً في موضع الإضمار إشارة إلى الإطلاق عن التقييد بحيثية ما : {والله} أي الذي له الحكمة البالغة {بصير بالعباد} أي بنياتهم ومقادير ما يستحقونه بها على حسب إخلاصها ، وبغير ذلك من أعمالهم وأقوالهم وسائر أحوالهم. أ هـ {نظم الدرر حـ 2 صـ 36 ـ 38}\rوقال ابن عاشور : \rقوله تعالى {قُلْ أَؤُنَبِّئُكُمْ بِخَيْرٍ مِنْ ذَلِكُمْ}\rاستئناف بياني ، فإنه نشأ عن قوله {زُيِّنَ لِلنَّاسِ} [آل عمران : 14] المقتضي أن الكلام مسوق مساق الغض من هذه الشهوات. وافتتح الاستئناف بكلمة {قُلْ} للاهتمام بالمقول ، والمخاطب بقل النبي صلى الله عليه وسلم. والاستفهام للعرض تشويقا من نفوس المخاطبين إلى تلقي ما سيقص عليهم كقوله تعالى {هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ} [الصف : 10] الآية. أ هـ {التحرير والتنوير حـ 3 صـ 41}\rفصل\rقال الفخر : \rذكروا في متعلق الاستفهام ثلاثة أوجه الأول : أن يكون المعنى : هل أؤنبئكم بخير من ذلكم ، ثم يبتدأ فيقال : للذين اتقوا عند ربهم كذا وكذا والثاني : هل أؤنبئكم بخير من ذلاكم للذين اتقوا ، ثم يبتدأ فيقال : عند ربهم جنّات تجري والثالث : هل أنبئكم بخير من ذلاكم للذين اتقوا عند ربهم ، ثم يبتدى فيقال : جنّات تجري. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 7 صـ 172 ـ 173}\rفصل\rقال الفخر : \rفي وجه النظم وجوه","part":11,"page":439},{"id":4753,"text":"الأول : أنه تعالى لما قال : {والله عِندَهُ حُسْنُ المأب} [ آل عمران : 14 ] بيّن في هذه الآية أن ذلك المآب ، كما أنه حسن في نفسه فهو أحسن وأفضل من هذه الدنيا ، فقال {قُلْ أَؤُنَبّئُكُمْ بِخَيْرٍ مّن ذلكم} الثاني : أنه تعالى لما عدد نعم الدنيا بين أن منافع الآخرة خير منها كما قال في آية أخرى {والأخرة خَيْرٌ وأبقى} [ الأعلى : 17 ] الثالث : كأنه تعالى نبّه على أن أمرك في الدنيا وإن كان حسناً منتظماً إلا أن أمرك في الآخرة خير وأفضل ، والمقصود منه أن يعلم العبد أنه كما أن الدنيا أطيب وأوسع وأفسح من بطن الأم ، فكذلك الآخرة أطيب وأوسع وأفسح من الدنيا. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 7 صـ 173}\rفصل\rقال ابن عادل : \rقرأ نافعُ وابنُ كثير وأبو عمرو بتحقيق الأولى ، وتسهيل الثانية ، والباقون بالتحقيق فيهما ، ومَد هاتَيْن الهمزَتَيْن - بلا خلاف - قالون عن نافع ، وأبو عمرو وهشام عن ابن عامر بخلاف عنهما والباقون بغير مدّ على أصولهم من تحقيق وتسهيل.\rوورش على أصله من نقل حركة الهمزة الأولى إلى لام \" قُلْ \".\rولا بد من ذكر اختلاف القراء في هذه اللفظة وشبهها ، وتحرير مذاهبهم ؛ فإنه موضع عسير الضبط ، فنقول : الوارد من ذلك في القرآن الكريم ثلاثة مواضع - أعني همزتين ، أولاهُمَا مفتوحةُ ، والثانية مضمومة - الأول : هذا الموضع.\rوالثاني : {أَأُنزِلَ عَلَيْهِ الذكر مِن بَيْنِنَا} [ ص : 8 ] ، والثالث : {أَأُلْقِيَ الذِّكْرُ عَلَيْهِ مِن بَيْنِنَا} [ القمر : 25 ] ، والقُرَّاء فيها على خمسِ مراتب : \rأحدها : مرتبة قالون ، وهي تسهيل الثانية بَيْنَ بَيْنَ ، وإدخال ألِفٍ بين الهمزتين - بلا خلاف - كذا رواه عن نافع.\rالثانية : مرتبة وَرْش وابن كثير ، وهي تسهيل الثانية - أيضاً - بين بين ، من غير إدخال ألِفٍ بين الهمزتين بخلاف كذا روى ورش عن نافع.","part":11,"page":440},{"id":4754,"text":"الثالثة : مرتبة الكوفيين وابنِ ذكوان عن ابن عامر ، وهي تحقيق الثانيةِ ، من غير إدخال ألف بلا خلاف- ، كذا روى ابن ذكوان عن ابن عامر.\rالرابعة : مرتبة هشام ، وهي أنه رُويَ عنه ثلاثةُ أوجه : \rالأول : التحقيق ، وعدم إدخال ألف بين الهمزتين في الثلاثِ مواضِعَ.\rالثاني : التحقيق ، وإدخال ألف بينهما في المواضع الثلاثة.\rالثالث : التفرقة بين السور ، فيُحقق ويُقْصِر في هذه السورة ، ويُسَهِّل ويمد في السورتين الأخْرَيَيْن.\rالخامسة : مرتبة أبي عمرو ، وهي تسهيل الثانية مع إدخال الألف وعدمه. وتسهيل هذه الأوجه تقدم في أول البقرة.\rونقل أبو البقاء أنه قُرِئَ : أَؤُنَبِّئكم - بواوٍ خالصةٍ بعد الهمزةِ ؛ لانضمامها - وليس ذلك بالوَجْه.\rوفي قوله : {أَؤُنَبِّئُكُم} التفاتٌ من الغيبة - في قوله : \" للنَّاسِ \" - إلى الخطاب ، تشريفاً لهم.\r\" بِخَيْرٍ \" متعلق بالفعل ، وهذا الفعل لَمَّا لم يضمن معنى \" أعلم \" تعدى لاثنين ، الأول تعدى إليه بنفسه ، وإلى الثاني بالحرف ، ولو ضُمِّنَ معناها لتعدَّى إلى ثلاثة.\rو \" مِنْ ذَلِكُمْ \" متعلق بـ \" خَيْر \" ؛ لأنه على بابه من كونه أفعل تفضيل ، والإشارة بـ \" ذَلِكُمْ \" إلى ما تقدم من ذكر الشهوات وتقدم تسويغ الإشارة بالمفرد إلى الجمع ، ولا يجوز أن تكون \" خير \" ليست للتفضيل ، ويكون المراد به خيراً من الخيور ، ويكون \" مِنْ \" صفة لقوله : \" خَيْرٍ \".\rقال أبو البقاء : \" من \" في موضع نَصْب بخير ، تقديره [ بما يفضل من ذلك ، ولا يجوز أن يكون صلة لخير ؛ لأن ذلك يوجب أن تكون الجنة وما فيها ] مما رغبوا فيه بعضاً لِمَا زهدوا فيه من الأموال ونحوها ، وتابَعَهُ في ذلك أبو حيان. أ هـ {تفسير ابن عادل حـ 5 صـ 81 ـ 83}\rفائدة\rقال الفخر : ","part":11,"page":441},{"id":4755,"text":"إنما قلنا : إن نعم الآخرة خير من نعم الدنيا ، لأن نعم الدنيا مشوبة بالمضرة ، ونعم الآخرة خالية عن شوب المضار بالكلية ، وأيضاً فنعم الدنيا منقطعة لا محالة ، ونعم الآخرة باقية لا محالة. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 7 صـ 173}\rلطيفة\rقال ابن الجوزى : \rروى عطاء بن السائب عن أبي بكر بن حفص قال : لما نزل قوله تعالى : {زين للناس حب الشهوات}.\rقال عمر : يارب الآن حين زينتها ؟! فنزلت : {قل أؤنبئكم بخير من ذلكم} ووجه الآية أنه خبَّر أن ما عنده خير مما في الدنيا ، وإن كان محبوباً ، ليتركوا ما يحبون لما يرجون. أ هـ {زاد المسير حـ 1 صـ 360}\rقوله تعالى : {لّلَّذِينَ اتقوا}\rقال الآلوسى : \rوقوله تعالى : {ذلكم لِلَّذِينَ اتقوا عِندَ رَبّهِمْ جنات} استئناف مبين لذلك الخير المبهم على أن {لِلَّذِينَ} خبر مقدم ، و{جنات} مبتدأ مؤخر ، و{عِندَ رَبّهِمْ} يحتمل وجهين كونه ظرفاً للاستقرار وكونه صفة للجنات في الأصل قدم فانتصب حالاً منها ، وفي ذكر ذلك إشارة إلى علو رتبة الجنات ورفعة شأنها ، وفي التعرض لعنوان الربوبية مع الإضافة إلى ضمير المتقين إيذان بمزيد اللطف بهم ، والمراد منهم المتبتلون إليه تعالى المعرضون عمن سواه كما ينبىء عن ذلك الأوصاف الآتية وتعليق حصول الجنات وما يأتي بعد بهذا العنوان للترغيب في تحصيله والثبات عليه. أ هـ {روح المعانى حـ 3 صـ 101}","part":11,"page":442},{"id":4756,"text":"وقال الفخر : \rأما قوله تعالى : {لّلَّذِينَ اتقوا} فقد بينا في تفسير قوله تعالى : {هُدًى لّلْمُتَّقِينَ} [ البقرة : 2 ] أن التقوى ما هي وبالجملة ، فإن الإنسان لا يكون متقياً إلا إذا كان آتياً بالواجبات ، متحرزاً عن المحظورات ، وقال بعض أصحابنا : التقوى عبارة عن اتقاء الشرك ، وذلك لأن التقوى صارت في عرف القرآن مختصة بالإيمان ، قال تعالى : {وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التقوى} [ الفتح : 26 ] وظاهر اللفظ أيضاً مطابق له ، لأن الاتقاء عن الشرك أعم من الاتقاء عن جميع المحظورات ، ومن الاتقاء عن بعض المحظورات ، لأن ماهية الاشتراك لا تدل على ماهية الامتياز ، فحقيقة التقوى وماهيتها حاصلة عند حصول الاتقاء عن الشرك ، وعرف القرآن مطابق لذلك ، فوجب حمله عليه فكان قوله {لّلَّذِينَ اتقوا} محمولاً على كل من اتقى الكفر بالله.\rأما قوله تعالى : {لِلَّذِينَ اتقوا عِندَ رَبّهِمْ} ففيه احتمالان الأول : أن يكون ذلك صفة للخير ، والتقدير : هل أنبئكم بخير من ذلاكم عند ربهم للذين اتقوا والثاني : أن يكون ذلك صفة للذين اتقوا والتقدير : للذين اتقوا عند ربهم خير من منافع الدنيا ويكون ذلك إشارة إلى أن هذا الثواب العظيم لا يحصل إلا لمن كان متقياً عند الله تعالى ، فيخرج عنه المنافق ، ويدخل فيه من كان مؤمناً في علم الله.\rوأما قوله {جنات} فالتقدير : هو جنّات ، وقرأ بعضهم {جنات} بالجر على البدل من خير ، واعلم أن قوله {جنات تَجْرِى مِن تَحْتِهَا الأنهار} وصف لطيب الجنّة ودخل تحته جميع النعم الموجودة فيها من المطعم والمشرب والملبس والمفرش والمنظر ، وبالجملة فالجنة مشتملة على جميع المطالب ، كما قال تعالى : {فِيهَا مَا تَشْتَهِيهِ الأنفس وَتَلَذُّ الأعين} [ الزخرف : 71 ].\rثم قال : {خالدين فِيهَا} والمراد كون تلك النعم دائمة.","part":11,"page":443},{"id":4757,"text":"ثم قال : {وأزواج مُّطَهَّرَةٌ ورضوان مّنَ الله} وقد ذكرنا لطائفها عند قوله تعالى في سورة البقرة : {وَلَهُمْ فِيهَا أزواج مُّطَهَّرَةٌ} [ البقرة : 25 ] وتحقيق القول فيه أن النعمة وإن عظمت فلن تتكامل إلا بالأزواج اللواتي لا يحصل الأنس إلا بهن ، ثم وصف الأزواج بصفة واحدة جامعة لكل مطلوب ، فقال {مُّطَهَّرَةٍ} ويدخل في ذلك : الطهارة من الحيض والنفاس وسائر الأحوال التي تظهر عن النساء في الدنيا مما ينفر عنه الطبع ، ويدخل فيه كونهن مطهرات من الأخلاق الذميمة ومن القبح وتشويه الخلقة ، ويدخل فيه كونهن مطهرات من سوء العشرة. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 7 صـ 173 ـ 174}\rفائدة\rقال السمرقندى : \r{وأزواج مُّطَهَّرَةٌ} معناه في الخَلْق والخُلُق ، فأما الخَلْقُ فإنهن لا يَحضنَ ولا يتمخَّطْن ، ولا يأتين الخلاء ، وأما الخُلُق ، فإنهن لا يَغِرْن ولا يحسدن ، ولا ينظرن إلى غير أزواجهن. أ هـ {بحر العلوم حـ 1 صـ 224 ـ 225}\rقوله تعالى : {ورضوان مّنَ الله}\rقال ابن عادل : \rقوله : \" وَرِضْوَان \" فيه لغتان : \rضم الراء ، وهي لغة تميم وقيس ، وبها قرأ عاصم في جميع القرآن إلا في الثانية من سورة المائدة وهي {مَنِ اتبع رِضْوَانَه} [ المائدة : 16 ] ، فبعضهم نقل عنه الجَزْم بكسرها ، وبعضهم نقل عنه الخلافَ فيها خاصة.\rوالكسر ، وهو لغة الحجاز ، وبها قرأ الباقون - وهل هما بمعنى واحد ، أو بَينهما فرقٌ ؟ \rقولان : \rأحدهما : أنهما مصدران بمعنى واحد - كالعُدْوان.\rقال الفرّاء : \" رَضِيتُ رِضاً ، ورِضْوَاناً ورُضْواناً ، ومثل الرِّضْوَان - بالكسر - الحِرْمان ، وبالضم الطُّغْيَان ، والرُّجحان ، والكُفْران ، والشُّكْران \".\rالثاني : أن المكسور اسم ، ومنه رِضوان : خازن الجنة صلّى الله على نبينا وعلى أنبيائه وملائكته.\rوالمضموم هو المصدر ، و\" مِنَ اللهِ \" صفة لِ \" رِضْوَان \". أ هـ {تفسير ابن عادل حـ 5 صـ 86}\rفصل\rقال الفخر : ","part":11,"page":444},{"id":4758,"text":"قال المتكلمون : الثواب له ركنان أحدهما : المنفعة ، وهي التي ذكرناها ، والثاني : التعظيم ، وهو المراد بالرضوان ، وذلك لأن معرفة أهل الجنة مع هذا النعيم المقيم بأنه تعالى راض عنهم ، حامد لهم ، مثن عليهم ، أزيد في إيجاب السرور من تلك المنافع ، وأما الحكماء فإنهم قالوا : الجنّات بما فيها إشارة إلى الجنة الجسمانية ، والرضوان فهو إشارة إلى الجنة الروحانية وأعلى المقامات إنما هو الجنة الروحانية ، وهو عبارة عن تجلي نور جلال الله تعالى في روح العبد واستغراق العبد في معرفته ، ثم يصير في أول هذه المقامات راضياً عن الله تعالى ، وفي آخرها مرضياً عند الله تعالى ، والله الإشارة بقوله {رَاضِيَةً مَّرْضِيَّةً} [ الفجر : 28 ] ونظير هذه الآية قوله تعالى : {وَعَدَ الله المؤمنين والمؤمنات جنات تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأنهار خالدين فِيهَا ومساكن طَيّبَةً فِى جَنَّاتِ عَدْنٍ ورضوان مّنَ الله أكْبَرُ ذلك هُوَ الفوز العظيم} [ التوبة : 72 ]. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 7 صـ 174}\rوقال أبو حيان : \r{ورضوان من الله} بدأ أولاً بذكر المقر ، وهو الجنات التي قال فيها {وفيها ما تشتهيه الأنفس وتلذ الأعين} \" فيها ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر \" ثم انتقل من ذكرها إلى ذكر ما يحصل به الأنس التامّ من الأزواج المطهرة ، ثم انتقل من ذلك إلى ما هو أعظم الأشياء وهو رضا الله عنهم ، فحصل بمجموع ذلك اللذة الجسمانية والفرح الروحاني ، حيث علم برضا الله عنه ، كما جاء في الحديث أنه تعالى : \" يسأل أهل الجنة هل رضيتم ؟ فيقولون : ما لنا لا نرضى يا رب وقد أعطيتنا ما لم تعط أحداً من خلقك ؟ فيقول : ألا أعطيكم أفضل من ذلك ؟ فيقولون : يا رب وأي شيء أفضل من ذلك ؟ قال : أحل عليكم رضواني فلا أسخط عليكم أبدا \"","part":11,"page":445},{"id":4759,"text":"ففي هذه الآية الانتقال من عال إلى أعلى منه ، ولذلك جاء في سورة براءة ، قد ذكر تعالى الجنات والمساكن الطيبة فقال : {ورضوان من الله أكبر} يعنى أكبر مما ذكر من ذكر من الجنات والمساكن.\rوقال الماتريدي : أهل الجنة مطهرون لأن العيوب في الأشياء علم الفناء ، وهم خلقوا للبقاء ، وخص النساء بالطهر لما فيهنّ في الدنيا من فضل المعايب والأذى. أ هـ {البحر المحيط حـ 2 صـ 417}\rوقال ابن عاشور : \rوجنات مبتدأ محذوف الخبر : أي لهم ، أو خبرا لمبتدأ محذوف. وقد ألغي ما يقابل شهوات الدنيا في ذكر نعيم الآخرة ؛ لأن لذة البنين ولذة المال هنالك مفقودة ، للاستغناء عنها ، وكذلك لذة الخيل والأنعام ؛ إذ لا دواب في الجنة ، فبقي ما يقابل النساء والحرث ، وهو الجنات والأزواج ، لأن بهما تمام النعيم والتأنس ، وزيد عليهما رضوان الله الذي حرمه من جعل حظه لذات الدنيا وأعرض عن الآخرة. ومعنى المطهرة المنزهة مما يعتري نساء البشر مما تشمئز منه النفوس ، فالطهارة هنا حسية ومعنوية.\rوعطف {وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ} على ما أعد للذين اتقوا عند الله : لأن رضوانه أعظم من ذلك النعيم المادي ؛ لأن رضوان الله تقريب روحاني قال تعالى {وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ} [التوبة : 72].\rوقرأ الجمهور : {رِضْوَانٌ} بكسر الراء وقرأه أبو بكر عن عاصم : بضم الراء وهما لغتان.\rوأظهر اسم الجلالة في قوله {وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ} ، دون أن يقول ورضوان منه أي من ربهم : لما في اسم الجلالة من الإيماء إلى عظمة ذلك الرضوان. أ هـ {التحرير والتنوير حـ 3 صـ 42}\r{والله بَصِيرٌ بالعباد}\rقال الفخر : \r{والله بَصِيرٌ بالعباد} أي عالم بمصالحهم ، فيجب أن يرضوا لأنفسهم ما اختاره لهم من نعيم الآخرة ، وأن يزهدوا فيما زهدهم فيه من أمور الدنيا. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 7 صـ 174}\rوقال الآلوسى : ","part":11,"page":446},{"id":4760,"text":"{والله بَصِيرٌ بالعباد} أي خبير بهم وبأحوالهم وأفعالهم فيثيب المحسن فضلاً ويعاقب المسىء عدلاً ، أو خبير بأحوال الذين اتقوا فلذلك أعدّ لهم ما أعدّ ، فالعباد على الأول : عام ؛ وعلى الثاني : خاص ، وقد بدأ سبحانه في هذه الآية أولاً بذكر الْمَقَرّ وهو الجنات ، ثم ثَنى بذكر ما يحصل به الأنس التام وهو الأزواج المطهرة ، ثم ثلث بذكر ما هو الإكسير الأعظم والروح لفؤاد الواله المغرم وهو رضا الله عز وجل. وفي الحديث : أنه سبحانه \" يسأل أهل الجنة هل رضيتم ؟ فيقولون ما لنا لا نرضى يا رب وقد أعطيتنا ما لم تعط أحداً من خلقك فيقول جل شأنه ألا أعطيكم أفضل من ذلك ؟ فيقولون يا رب وأي شيء أفضل من ذلك قال : أحل عليكم رضواني فلا أسخط عليكم أبداً \". أ هـ {روح المعانى حـ 3 صـ 101}\rوقال ابن عاشور : \rوجملة {والله بصير بالعباد} اعتراض لبيان الوعد أي أنه عليم بالذين اتقوا ومراتب تقواهم ، فهو يجازيهم ، ولتضمن بصير معنى عليم عدي بالباء. وإظهار اسم الجلالة في قوله {والله بصير بالعباد} لقصد استقلال الجملة لتكون كالمثل. أ هـ {التحرير والتنوير حـ 3 صـ 42}\rفائدة\rقال ابن عطية فى معنى الآية : ","part":11,"page":447},{"id":4761,"text":"في هذه الآية تسلية عن الدنيا وتقوية لنفوس تاركيها ، وذكر تعالى حال الدنيا وكيف استقر تزيين شهواتها ، ثم جاء الإنباء بخير من ذلك ، هازاً للنفوس وجامعاً لها لتسمع هذا النبأ المستغرب النافع لمن عقل ، وأنبىء : معناه أخبر ، وذهبت فرقة من الناس إلى أن الكلام الذي أمر النبي صلى عليه السلام بقوله تم في قوله تعالى : {عند ربهم} و{جنات} على هذا مرتفع بالابتداء المضمر تقديره : ذلك جنات ، وذهب آخرون إلى أن الكلام تم في قوله : {من ذلكم} وأن قوله {للذين} خبر متقدم ، و{جنات} رفع بالابتداء ، وعلى التأويل الأول يجوز في {جنات} الخفض بدلاً من خير ، ولا يجوز ذلك على التأويل الثاني ، والتأويلان محتملان ، وقوله {من تحتها} يعني من تحت أشجارها وعلوها من الغرف ونحوها و{خالدين} نصب على الحال ، وقوله : {وأزواج} عطف على الجنات وهو جمع زوج وهي امرأة الإنسان ، وقد يقال زوجة ، ولم يأت في القرآن ، و{مطهرة} ، معناه من المعهود في الدنيا من الأقذار والريب وكل ما يصم في الخلق والخلق ، ويحتمل أن يكون الأزواج الأنواع والأشباه ، والرضوان ، مصدر من الرضى وفي الحديث عن النبي عليه السلام : أن أهل الجنة إذا استقروا فيها وحصل لكل واحد منهم ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر قال الله لهم : أتريدون أن أعطيكم ما هو أفضل من هذا ؟ قالوا يا ربنا وأي شيء أفضل من هذا ؟ فيقول الله تعالى : \" أحل عليكم رضواني فلا أسخط عليكم أبداً \" ، هذا سياق الحديث ، وقد يجيء مختلف الألفاظ والمعنى قريب بعضه من بعض ، وفي قوله تعالى : {والله بصير بالعباد} وعد ووعيد. أ هـ {المحرر الوجيز حـ 1 صـ 411}","part":11,"page":448},{"id":4762,"text":"وقال البيضاوى : \r{قُلْ أَؤُنَبّئُكُمْ بِخَيْرٍ مّن ذلكم} يريد به تقرير أن ثواب الله تعالى خير من مستلذات الدنيا. {لِلَّذِينَ اتقوا عِندَ رَبّهِمْ جنات تَجْرِى مِن تَحْتِهَا الأنهار خالدين فِيهَا} استئناف لبيان ما هو خير ، ويجوز أن يتعلق اللام بخير ويرتفع جنات على ما هو جنات ، ويؤيده قراءة من جرها بدلاً من {خَيْرٌ}. {وأزواج مُّطَهَّرَةٌ} مما يستقذر من النساء. {ورضوان مّنَ الله} قرأ عاصم في رواية أبي بكر في جميع القرآن بضم الراء ما خلا الحرف الثاني في المائدة وهو قوله تعالى : {رِضْوَانَهُ سُبُلَ السلام} بكسر الراء وهما لغتان. {والله بَصِيرٌ بالعباد} أي بأعمالهم فيثيب المحسن ويعاقب المسيء ، أو بأحوال الذين اتقوا فلذلك أعد لهم جنات ، وقد نبه بهذه الآية على نعمه فأدناها متاع الحياة الدنيا وأعلاها رضوان الله تعالى لقوله تعالى : {ورضوان مّنَ الله أَكْبَرُ} وأوسطها الجنة ونعيمها. أ هـ {تفسير البيضاوى حـ 2 صـ 15}\rمن لطائف الإمام القشيرى فى الآية\rبيَّن فضيلة أهل التقوى على أرباب الدنيا ، فقال : هؤلاء لهم متابعة المنى وموافقة الهوى وأولئك لهم الدرجات العُلى ، والله بصير بالعباد ؛ أنزل كل قوم مَنْزِلَه ، وأوصله إلى ما لَهُ أَهَّله. أ هـ {لطائف الإشارات حـ 1 صـ 224}","part":11,"page":449},{"id":4764,"text":"لطائف وفوائد ومواعظ\rقال ابن رجب الحنبلى : \rذكر وصف الجنة وقوله صلى الله عليه وسلم لأبي هريرة حين سأله عن بناء الجنة فقال : لبنة من ذهب ولبنة من فضة وملاطها المسك الأذفر وحصباؤها اللؤلؤ والياقوت وتربتها الزعفران ] وقد روي هذا عن النبي صلى الله عليه وسلم من حديث ابن عمر مرفوعا أخرجه الطبراني فهذه أربعة أشياء : \rأحدها : بناء الجنة : ويحتمل أن المراد بنيان قصورها ودورها ويحتمل أن يراد بناء حائطها وسورها المحيط بها وهو أشبه وقد روي من وجه آخر [ عن أبي هريرة مرفوعا وموقوفا وهو أشبه : حائط الجنة لبنة من فضة ولبنة من ذهب ودرجها الياقوت واللؤلؤ قال : وكنا نتحدث : أن رضراض أنهارها اللؤلؤ وترابها الزعفران ] وفي مسند البزار [ عن أبي سعيد مرفوعا : خلق الله الجنة لبنة من فضة ولبنة من ذهب وملاطها المسك فقال لها : تكلمي فقالت قد أفلح المؤمنون فقالت الملائكة : طوبى لك منزل الملوك ] ومما يبين أن المراد ببناء الجنة في هذه الأحاديث بناء سورها المحيط بها ما في الصحيحين [ عن أبي موسى عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : جنتان من ذهب وآنيتهما وما فيهما وجنتان من فضة وآنيتهما وما فيهما ] و[ قد روي عن أبي موسى مرفوعا : جنتان من ذهب للمقربين وجنتان من فضة لأصحاب اليمين ] وفي الصحيح أيضا عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : [ إنها جنان كثيرة ] وقد روي : [ أن بناء بعضها من در وياقوت ] خرج ابن لأبي الدنيا [ من حديث أنس مرفوعا : خلق الله جنة عدن بيده لبنة بيضاء ولبنة من ياقوتة حمراء ولبنة من زبرجد خضراء ملاطها المسك وحصباؤها اللؤلؤ وحشيشها الزعفران ثم قال لها : انطقي قالت : قد أفلح المؤمنون قال وعزتي لا يجاورني فيك بخيل ] وروى عطية [ عن أبي سعيد قال : إن الله خلق جنة عدن من ياقوتة حمراء ثم قال لها : تزيني فتزينت ثم قال لها : تكلمي فقالت : طوبى لمن رضيت عنه ثم أطبقها وعلقها بالعرش فهي تفتح في كل سحر فذلك برد السحر ] وعن ابن عباس قال : كان عرش الله على الماء ثم اتخذ دونها أخرى وطبقهما بلؤلؤة واحدة لا تعلم الخلائق ما فيهما وهما اللتان لا تعلم نفس ما أخفي لهم من قرة أعين جزاء بما كانوا يعملون وذكر صفوان بن عمرو عن بعض مشايخه قال : الجنة مائة درجة أولها : درجة فضة أرضها فضة","part":11,"page":450},{"id":4765,"text":"ومساكنها فضة وترابها المسك والثانية : ذهب وأرضها ذهب وآنيتها ذهب وترابها المسك والثالثة : لؤلؤ وأرضها لؤلؤ وآنيتها لؤلؤ وترابها المسك وسبع وتسعون بعد ذلك ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر ثم تلا {فلا تعلم نفس ما أخفي لهم من قرة أعين جزاء بما كانوا يعملون} وفي صحيح مسلم [ عن المغيرة بن شعبة يرفعه : سأل موسى ربه قال : يا رب ما أدنى أهل الجنة منزلة ؟ قال : هو رجل يجيء بعدما أدخل أهل الجنة الجنة فيقال له : ادخل الجنة فيقول : يا رب كيف وقد أخذ الناس منازلهم وأخذوا أخذاتهم ؟ فيقال له : أترضى أن يكون لك مثل ملك من ملوك الدنيا ؟ فيقول رضيت يا رب فيقول لك ذلك ومثله ومثله ومثله فقال في الخامسة : رضيت يا رب فيقال : هذا لك وعشرة أمثاله ولك ما اشتهت نفسك ولذت عينك فيقول : رضيت يا رب قال : فأعلاهم منزلة قال : أولئك الذين أردت غرست كرامتهم بيدي وختمت عليها فلم تر عين ولم تسمع أذن ولم يخطر على قلب بشر قال : ومصداقه في كتاب الله : {فلا تعلم نفس ما أخفي لهم من قرة أعين} ]\rالثاني : ملاط الجنة : وأنه المسك الأذفر وقد تقدم مثل ذلك في غير حديث والملاط : هو الطين ويقال : الطين الذي يبنى منه البنيان والأذفر الخالص ففي الصحيحين [ عن أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : دخلت الجنة فإذا فيها جنابذ اللؤلؤ وإذا ترابها المسك ] والجنابذ : مثل القباب وقد قيل : إنه أراد بترابها ما خالطه الماء وهو طينها كما في صحيح البخاري [ عن أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال في الكوثر : طينه المسك الأذفر ] وقد قيل في تأويل قوله تعالى : {ختامه مسك} : إن المراد بالختام : ما يبقى في سفل الشراب من التفل وهذا يدل على أن أنهارها تجري على المسك ولذلك يرسب منه في الإناء في آخر الشراب كما يرسب الطين في آنية الماء في الدنيا","part":11,"page":451},{"id":4766,"text":"الثالث : حصباء الجنة : وأنه اللؤلؤ والياقوت والحصباء : الحصي الصغار وهو الرضراض وفي المسند [ عن أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم في ذكر الكوثر : أن رضراضه اللؤلؤ ] وفي رواية : [ حصباؤه اللؤلؤ ] وفي الترمذي [ من حديث ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم : أن مجراه على الدر والياقوت ] وفي الطبراني [ من حديث عبد الله بن عمرو عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : حاله المسك الأبيض ورضراضه الجوهر وحصباؤه اللؤلؤ ] وفي المسند [ من حديث ابن مسعود عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : حاله المسك ورضراضه التوم ] والتوم : الجوهر والحال : الطين قال أبو العالية : قرأت في بعض الكتب : يا معشر الربانيين من أمة محمد انتدبوا لدار أرضها زبرجد أخضر تجري عليها أنهار الجنة فيها الدر واللؤلؤ والياقوت وسورها زبرجد أخضر متدليا عليها أشجار الجنة بثمارها","part":11,"page":452},{"id":4767,"text":"الرابع : تراب الجنة : وأنه الزعفران وقد سبق في رواية أخرى : [ الزعفران والورس ] وقد قيل : إن المراد بالتراب ههنا : تربة الأرض التي لا ماء عليها فأما ما كان عليه ماء فإنه مسك كما سبق وسبق أيضا في بعض الروايات حشيشها الزعفران وهو نبات أرضها وترابها فأما حديث ترابها المسك : فقد قيل : إنه محمول على تراب يخالطه الماء كما تقدم وقيل : إن المراد : أن ريح ترابها ريح مسك ولونه لون الزعفران ويشهد لهذا حديث الكوثر : [ إن حاله المسك الأبيض ] فريحه ريح المسك ولونه مشرق لا يشبه لون مسك الدنيا بل هو أبيض وقد يكون منه أبيض ومنه أصفر والله أعلم وفي صحيح مسلم [ من حديث أبي سعيد : أن النبي صلى الله عليه وسلم سأل ابن الصياد عن تربة الجنة : فقال : درمكة بيضاء مسك خالص فصدقه النبي صلى الله عليه وسلم ] ورواية : أن ابن صياد سأل النبي صلى الله عليه وسلم وصدقه وفي المسند والترمذي [ عن البراء بن عازب أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : تربة الجنة درمكة ثم سأل اليهود ؟ فقالوا : خبزة فقال : الخبز من الدرمك ] والتي تجتمع به هذه الأحاديث كلها أن تربة الجنة في لونها بيضاء ومنها ما يشبه لون الزعفران في بهجته وإشراقه وريحها ريح المسك الأذفر الخالص وطعمها طعم الخبز الحواري الخالص وقد يختص هذا بالأبيض منها فقد اجتمعت لها الفضائل كلها لا حرمنا الله ذلك برحمته وكرمه","part":11,"page":453},{"id":4768,"text":"وقوله صلى الله عليه وسلم : [ من يدخلها ينعم لا يبأس ويخلد لا يموت لا تبلى ثيابهم ولا يفنى شبابهم ] إشارة إلى بقاء الجنة وبقاء جميع ما فيها من النعيم وإن صفات أهلها الكاملة من الشباب لا تتغير أبدا وملابسهم التي عليهم من الثياب لا تبلى أبدا وقد دل القرآن على مثل هذا في مواضع كثيرة كقوله : {وجنات لهم فيها نعيم مقيم} وقوله تعالى : {أكلها دائم وظلها} وقوله تعالى : {خالدين فيها أبدا} في مواضع كثيرة وفي صحيح مسلم [ عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : من يدخل الجنة ينعم لا يبأس لا تبلى ثيابه ولا يفنى شبابه ] وفيه أيضا عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : [ إذا دخل أهل الجنة الجنة نادى مناد أن لكم أن تنعموا ولا تبأسوا أبدا وأن لكم أن تصحوا وتسقموا أبدا وأن لكم أن تشبوا ولا تهرموا أبدا ونودوا أن تلكم الجنة التي أورثتموها بما كنتم تعملون ] وفي رواية لغيره زيادة : [ وأن تحيوا فلا تموتوا أبدا ] وفي الترمذي مرفوعا : [ أهل الجنة جرد مرد كحل لا يفنى شبابهم ولا تبلى ثيابهم ] و[ عن أبي سعيد مرفوعا : يدخل أهل الجنة أبناء ثلاثين لا يزيدون عليها أبدا ] ومن حديث علي مرفوعا : [ إن في الجنة مجتمعا للحور العين يرفعن بأصوات لم يسمع الخلائق مثلها يقلن : نحن الخالدات فلا نبيد ونحن الناعمات فلا نبأس ونحن الراضيات فلا نسخط طوبى لمن كان لنا وكنا له ] وخرج الطبراني من حديث ابن عمر مرفوعا : [ إن مما يتغنين به الحور العين : نحن الخالدات فلا نمتنه نحن الآمنات فلا نخفنه نحن المقيمات فلا نظعنه ] ومن حديث أم سلمة مرفوعا : [ أن نساء أهل الجنة يقلن : نحن الخالدات فلا نموت ونحن الناعمات فلا نبأس أبدا ونحن المقيمات فلا نظعن أبدا ونحن الراضيات فلا نسخط أبدا طوبى لمن كنا له وكان لنا ] وفيما ذكره صلى الله عليه وسلم في صفة من يدخل الجنة تعريض بذم الدنيا الفانية","part":11,"page":454},{"id":4769,"text":"فإنه من يدخلها وإن نعم فيها فإنه يبأس ومن أقام فيها فإنه يموت ولا يخلد ويفنى شبابهم وتبلى ثيابهم وتبلى أجسامهم وفي القرآن نظير هذا وهذا التعريض بذم الدنيا وفنائها مع مدح الآخرة وذكر كمالها وبقائها كما قال تعالى : {زين للناس حب الشهوات من النساء والبنين والقناطير المقنطرة من الذهب والفضة والخيل المسومة والأنعام والحرث ذلك متاع الحياة الدنيا والله عنده حسن المآب * قل أؤنبئكم بخير من ذلكم للذين اتقوا عند ربهم جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها وأزواج مطهرة ورضوان من الله والله بصير بالعباد} وقال الله تعالى : {إنما مثل الحياة الدنيا كماء أنزلناه من السماء فاختلط به نبات الأرض مما يأكل الناس والأنعام حتى إذا أخذت الأرض زخرفها} الآية ثم قال : {والله يدعو إلى دار السلام ويهدي من يشاء إلى صراط مستقيم * للذين أحسنوا الحسنى وزيادة ولا يرهق وجوههم قتر ولا ذلة أولئك أصحاب الجنة هم فيها خالدون} وقال الله تعالى : {وما هذه الحياة الدنيا إلا لهو ولعب وإن الدار الآخرة} الآية وقال الله تعالى : {واضرب لهم مثل الحياة الدنيا كماء أنزلناه من السماء فاختلط به نبات الأرض فأصبح هشيما تذروه الرياح وكان الله على كل شيء مقتدرا * المال والبنون زينة الحياة الدنيا والباقيات الصالحات خير عند ربك ثوابا وخير أملا} وقال الله تعالى : {اعلموا أنما الحياة الدنيا لعب ولهو وزينة وتفاخر بينكم وتكاثر في الأموال والأولاد كمثل غيث أعجب الكفار نباته} إلى قوله : {سابقوا إلى مغفرة من ربكم وجنة عرضها كعرض السماء والأرض أعدت للذين آمنوا بالله ورسله} وقال الله تعالى : {بل تؤثرون الحياة الدنيا * والآخرة خير وأبقى} وقال الله تعالى : {أرضيتم بالحياة الدنيا من الآخرة فما متاع الحياة الدنيا في الآخرة إلا قليل} وقال الله تعالى عن مؤمن آل فرعون أنه قال","part":11,"page":455},{"id":4770,"text":"لقومه : {يا قوم إنما هذه الحياة الدنيا متاع وإن الآخرة هي دار القرار} والمتاع : هو ما يتمتع به صاحبه برهة ثم ينقطع ويفنى فما عيبت الدنيا بأكثر من ذكر فنائها وتقلب أحوالها وهو أدل دليل على انقضائها وزوالها فتتبدل صحتها بالسقم ووجودها بالعدم وشبيبتها بالهرم ونعيمها بالبؤس وحياتها بالموت فتفارق الأجسام النفوس وعمارتها بالخراب واجتماعها بفرقة الأحباب وكل ما فوق التراب تراب قال بعض السلف في يوم عيد وقد نظر إلى كثرة الناس وزينة لباسهم : هل ترون إلا خرقا تبلى أو لحما يأكله الدود غدا كان الإمام أحمد رضي الله عنه يقول : يا دار تخربين ويموت سكانك وفي الحديث : [ عجبا لمن رأى الدنيا وسرعة تقلبها بأهلها كيف يطمئن إليها ]\rقال الحسن : إن الموت قد فضح الدنيا فلم يدع لذي لب بها فرحا\rوقال مطرف : إن هذا الموت قد أفسد على أهل النعيم نعيمهم فالتمسوا نعيما لا موت فيه وقال يونس بن عبيد : ما ترك ذكر الموت لنا قرة عين في أهل ولا مال\rوقال يزيد الهاشمي : أمن أهل الجنة الموت فطاب لهم العيش وأمنوا الاسقام فهنيئا لهم في جوار الله طول المقام عيوب الدنيا بادية وهي تغيرها ومواعظها منادية لكن حبها يعمي ويصم فلا يسمع محبها نداءها ولا يرى كشفها للغير وإيذاءها\r( قد نادت الدنيا على نفسها ... لو كان في العالم من يسمع )\r( كم واثق بالعمر أفنيته ... وجامع بددت ما يجمع )\rكم قد تبدل نعيمها بالضر والبؤس كم أصبح من هو واثق بملكها وأمسى وهو منها قنوط بؤوس\rقالت بعض بنات ملوك العرب الذين نكبوا : أصبحنا وما في الأرض أحد إلا وهو يحسدنا ويخشانا وأمسينا وما في العرب أحد إلا وهو يرحمنا\rدخلت أم جعفر بن يحيى البرمكي على قوم في عيد أضحى تطلب جلد كبش تلبسه وقالت : هجم علي مثل هذا العيد وعلى رأسي أربعمائة وصيفة قائمة وأنا أزعم أن ابني جعفرا عاق لي","part":11,"page":456},{"id":4771,"text":"كانت أخت أحمد بن طولون صاحب مصر كثيرة السرف في إنفاق المال حتى أنها زوجت بعض لعبها فأنفقت على وليمة عرسها مائة ألف دينار فما مضى إلا قليل حتى رؤيت في سوق من أسواق بغداد وهي تسأل الناس\rاجتاز بعض الصالحين بدار فيها فرح وقائلة تقول في غنائها : \r( ألا يا دار لا يدخلك حزن ... ولا يزري بصاحبك الزمان )\rثم اجتاز بها عن قريب وإذا الباب مسود وفي الدار بكاء وصراخ فسأل عنهم ؟ فقيل : مات رب الدار فطرق الباب وقال : سمعت من هذه الدار قائلة تقول : كذا وكذا فبكت امرأة وقالت : يا عبد الله إن الله يغير ولا يتغير والموت غاية كل مخلوق فانصرف من عندهم باكيا\rبعث أبو بكر الصديق رضي الله عنه في خلافته وفدا إلى اليمن فاجتازوا في طريقهم بماء من مياه العرب عنده قصور مشيدة وهناك مواش عظيمة ورقيق كثير ورأى نسوة كثيرة مجتمعات في عرس لهن وجارية بيدها دف تقول : \r( معاشر الحساد موتوا كمدا ... كذا نكون ما بقينا أبدا )\rفنزلوا بقربهم فأكرمهم سيد الماء واعتذر إليهم باشتغاله بالعرس فدعوا له وارتحلوا ثم إن بعض أولئك الوفد أرسلهم معاوية إلى اليمن فمروا بالقرب من ذلك الماء فعدلوا إليه لينزلوا فيه فإذا القصور المشيدة قد خربت كلها وليس هناك ماء ولا أنيس ولم يبق من تلك الآثار إلا تل خراب فذهبوا إليه فإذا عجوز عمياء تأوي إلى نقب في ذلك التل فسألوها عن أهل ذلك الماء فقالت : هلكوا كلهم فسألوها عن ذلك العرس المتقدم فقالت : كانت العروس أختي وأنا كنت صاحبة الدف فطلبوا أن يحملوها معهم فأبت وقالت : عزيز علي أن أفارق هذه العظام البالية حتى أصير إلى ما صارت إليه فبينما هي تحدثهم إذ مالت فنزعت نزعا يسيرا ثم ماتت فدفنوها وانطلقوا","part":11,"page":457},{"id":4772,"text":"حمل إلى سليمان بن عبد الملك في خلافته من خراسان ستة أحمال مسك إلى الشام فأدخلت على ابنه أيوب وهو ولي عهده فدخل عليه الرسول بها في داره فدخل إلى دار بيضاء وفيها غلمان عليهم ثياب بياض وحليتهم فضة ثم دخل إلى دار صفراء فيها غلمان عليهم ثياب صفر وحليتهم الذهب ثم دخل إلى دار خضراء فيها غلمان عليهم ثياب خضر وحليتهم الزمرد ثم دخل على أيوب وهو وجاريته على سرير فلم يعرف أحدهما من الآخر لقرب شبههما فوضع المسك بين يديه فانتهبه كله الغلمان ثم خرج الرسول فغاب بضعة عشر يوما ثم رجع فمر بدار أيوب وهي بلاقع فسأل عنهم ؟ فقيل له : أصابهم الطاعون فماتوا\rكان يزيد بن عبد الملك ـ وهو الذي انتهت إليه الخلافة بعد عمر بن عبد العزيز ـ له جارية تسمى حبابة وكان شديد الشغف بها ولم يقدر على تحصيلها إلا بعد جهد شديد فلما وصلت إليه خلى بها يوما في بستان وقد طار عقله فرحا بها فبينما هو يلاعبها ويضاحكها إذ رماها بحبة رمان أو حبة عنب وهي تضحك فدخلت في فيها فشرقت بها فماتت فما سمحت نفسه بدفنها حتى أراحت فعوتب على ذلك فدفنها ويقال : إنه نبشها بعد دفنها ويروى : إنه دخل بعد موتها إلى خزائنها ومقاصيرها ومعها جارية لها فتمثلت الجارية ببيت : \r( كفى حزنا بالواله الصب أن يرى ... منازل من يهوى معطلة قفرا )\rفصاح وخر مغشيا عليه فلم يفق إلى أن مضى هوي من الليل ثم أفاق فبكى بقية ليلته ومن الغد فدخلوا عليه فوجدوه ميتا\rقال بعض السلف : ما من حبرة إلا يتبعها عبرة * وما كان ضحك في الدنيا إلا كان بعده بكاء * من عرف الدنيا حق معرفتها حقرها وأبغضها كما قيل : \r( أما لو بيعت الدنيا بفلس ... أنفت لعاقل أن يشتريها )","part":11,"page":458},{"id":4773,"text":"ومن عرف الآخرة وعظمتها ورغب فيها عباد الله هلموا إلى دار لا يموت سكانها ولا يخرب بنيانها ولايهرم شبابها ولا يتغير حسنها وإحسانها هواؤها النسيم وماؤها التسنيم يتقلب أهلها في رحمة أرحم الراحمين ويتمتعون بالنظر إلى وجهه كل حين : {دعواهم فيها سبحانك اللهم وتحيتهم فيها سلام وآخر دعواهم أن الحمد لله رب العالمين}\rقال عون بن عبد الله بن عتبة : بنى ملك ممن كان قبلنا مدينة فتنوق في بنائها ثم صنع طعاما ودعا الناس إليه وأقعد على أبوابها ناسا يسألون كل من خرج هل رأيتم عيبا ؟ فيقولون لا حتى جاء في آخر الناس قوم عليهم أكسية فسألوهم : هل رأيتم عيبا ؟ فقالوا : عيبين فأدخلوهم على الملك فقال : هل رأيتم عيبا ؟ فقالوا عيبين قال : وما هما ؟ قالوا : تخرب ويموت صاحبها قال : فتعلمون دار لا تخرب ولا يموت صاحبها ؟ قالوا نعم فدعوه فاستجاب لهم وانخلع من ملكه وتعبد معهم فحدث عون بهذا الحديث عمر بن عبد العزيز فوقع منه موقعا حتى هم أن يخلع نفسه من الملك فأتاه ابن عمه مسلمة فقال : اتق الله يا أمير المؤمنين في أمة محمد فوالله لئن فعلت ليقتتلن بأسيافهم قال : ويحك يا مسلمة حملت ما لا أطيق وجعل يرددها ومسلمة يناشده حتى سكن. أ هـ لطائف المعارف صـ 27 ـ 34}","part":11,"page":459},{"id":4774,"text":"قوله تعالى {الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا إِنَّنَا آَمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ (16)}\rمناسبة الآية لما قبلها\rقال البقاعى : \rولما أخبر سبحانه وتعالى بأنه بصير بمن يستحق ما أعد من الفوز أتبعه ما استحقوا ذلك به من الأوصاف تفضلاً منه عليهم بها وبإيجاب ذلك على نفسه حثاً لهم على التخلق بتلك الأوصاف فقال : - وقال الحرالي : لما وصف تعالى قلوبهم بالتقوى وبرأهم من الاستغناء بشيء من دونه وصف أدبهم في المقال فقال ؛ انتهى - {الذين يقولون ربنا} أي يا من ربانا بإحسانه وعاد علينا بفضله ، وأسقط أداة النداء إشعاراً بما لهم من القرب لأنهم في حضرة المراقبة ؛ ولما كانت أحوالهم في تقصيرها عن أن يقدر الله حق قدره كأنها أحوال من لم يؤمن اقتضى المقام التأكيد فقالوا : {إننا} فأثبتوا النون إبلاغاً فيه {آمنا} أي بما دعوتنا إليه ، وأظهروا هذا المعنى بقولهم : {فاغفر لنا ذنوبنا} أي فإننا عاجزون عن دفعها ورفع الهمم عن مواقعتها وإن اجتهدنا لما جبلنا عليه من الضعف والنقص ، تنبيهاً منه تعالىعلى أن مثل ذلك لا يقدح في التقوى إذا هدم بالتوبة لأنه ما أصر من استغفر ، والتوبة تجب ما قبلها.\rقال الحرالي : وبين المغفرة على مجرد الإيمان إشارة إلى أنه لا تغيرها الأفعال ، من ترتب إيمانه على تقوى غفرت ذنوبه ، فكانت مغفرة الذنوب لأهل هذا الأدب في مقابلة الذين آخذهم الله بذنوبهم من الذين كذبوا ، ففي شمول ذكر الذنوب في الصنفين إعلام بإجراء قدر الذنوب على الجميع ، فما كان منها مع التكذيب أخذ به ، وما كان منها مع التقوى والإيمان غفر له - انتهى.\rولما رتب سبحانه وتعالى الغفران على التقوى ابتداء رتب عليها الوقاية انتهاء فقال : {وقنا عذاب النار} أي الذي استحققناه بسوء أعمالنا. أ هـ {نظم الدرر حـ 2 صـ 38 ـ 39}\rفائدة\rلغوية\rقال ابن عادل : ","part":11,"page":460},{"id":4775,"text":"قوله تعالى : {الذين يَقُولُونَ} يحتمل أن يكون محلُّه الرفعَ ، والنصبَ ، والجرَّ ، فالرفع من وجهينِ : \rأحدهما : أنه مبتدأ محذوف الخبر ، تقديره : الذين يقولون كذا مستجاب لهم ، أو لهم ذلك الجزاء المذكور.\rالثاني : أنه خبر مبتدأ محذوف ، كأنه قيل : مَنْ هُمْ هؤلاء المتقون ؟ فقيل : الذين يقولون كيت ، وكيت.\rوالنصب من وجه واحدٍ ، وهو النصب بإضمار أعني ، أو أمدح ، وهو نظير الرفع على خبر ابتداء مضمر ، ويُسَمَّيَان : الرفع على القطع ، والنصب على القطع.\rوالجر من وجهين : \rأحدهما : النعت.\rوالثاني : البدل ، ثم لك - في جعله نَعْتاً أو بَدَلاً - وجهان : \rأحدهما : جعله نعتاً لِلَّذِينَ اتَّقَوا ، أو بدلاً منه.\rوالثاني : جعله نعتاً للعباد ، أو بدلاً منهم.\rواستضعف ابو البقاء جعله نعتاً للعباد ، قال : [ ويضعف أن يكون صفةً للعباد ] ؛ لأن فيه تخصيصاً لعلم اللهِ ، وهو جائز - على ضعفه - ويكون الوجه فيه إعلامهم بأنه عالم بمقدار مشقتهم في العبادة ، فهو يُجازيهم عليها ، كما قال : {والله أَعْلَمُ بِإِيمَانِكُم} [ النساء : 25 ].\rوالجملة من قوله : {والله بَصِيرٌ} يجوز أن تكون معترضة ، لا محل لها ، إذا جعلتَ \" الَّذِينَ يَقُولُونَ \" تابعاً لِ \" الَّذِينَ اتَّقَوا \" - نعتاً أو بدلاً- ، وإن جعلته مرفوعاً ، أو منصوباً فلا. أ هـ {تفسير ابن عادل حـ 5 صـ 87}\rوقال البيضاوى : \r{الذين يَقُولُونَ رَبَّنَا إِنَّنَا ءَامَنَّا فاغفر لَنَا ذُنُوبَنَا وَقِنَا عَذَابَ النار} صفة للمتقين ، أو للعباد ، أو مدح منصوب أو مرفوع. وفي ترتيب السؤال على مجرد الإِيمان دليل على أنه كاف في استحقاق المغفرة أو الاستعداد لها. أ هـ {تفسير البيضاوى حـ 2 صـ 16}\rفصل\rقال الفخر : ","part":11,"page":461},{"id":4776,"text":"اعلم أنه تعالى حكى عنهم أنهم قالوا {رَبَّنَا إِنَّنَا ءامَنَّا} ثم إنهم قالوا بعد ذلك {فاغفر لَنَا ذُنُوبَنَا} وذلك يدل على أنهم توسلوا بمجرد الإيمان إلى طلب المغفرة والله تعالى حكى ذلك عنهم في معرض المدح لهم ، والثناء عليهم ، فدل هذا على أن العبد بمجرد الإيمان يستوجب الرحمة والمغفرة من الله تعالى ، فإن قالوا : الإيمان عبارة عن جميع الطاعات أبطلنا ذلك عليهم بالدلائل المذكورة في تفسير قوله {الذين يُؤْمِنُونَ بالغيب} وأيضاً فمن أطاع الله تعالى في جميع الأمور ، وتاب عن جميع الذنوب ، كان إدخاله النار قبيحاً من الله عندهم ، والقبيح هو الذي يلزم من فعله ، إما الجهل ، وإما الحاجة فهما محالان ، ومستلزم المحال محال ، فإدخال الله تعالى إياهم النار محال ، وما كان محال الوقوع عقلاً كان الدعاء والتضرع في أن لا يفعله الله عبثاً وقبيحاً ، ونظير هذه الآية قوله تعالى في آخر هذه السورة {رَّبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِياً يُنَادِى للإيمان أَنْ ءامِنُواْ بِرَبّكُمْ فَئَامَنَّا رَبَّنَا فاغفر لَنَا ذُنُوبَنَا وَكَفّرْ عَنَّا سيئاتنا وَتَوَفَّنَا مَع الأبرار} [ آل عمران : 193 ].\rفإن قيل : أليس أنه تعالى اعتبر جملة الطاعات في حصول المغفرة حيث اتبع هذه الآية بقوله {الصابرين والصادقين} [ آل عمران : 17 ].\rقلنا : تأويل هذه الآية ما ذكرناه ، وذلك لأنه تعالى جعل مجرّد الإيمان وسيلة إلى طلب المغفرة ، ثم ذكر بعدها صفات المطيعين وهي كونهم صابرين صادقين ، ولو كانت هذه الصفات شرائط لحصول هذه المغفرة لكان ذكرها قبل طلب المغفرة أولى ، فلما رتب طلب المغفرة على مجرد الإيمان ، ثم ذكر بعد ذلك هذه الصفات ، علمنا أن هذه الصفات غير معتبرة في حصول أصل المغفرة ، وإنما هي معتبرة في حصول كمال الدرجات. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 7 صـ 174 ـ 175}\rوقال ابن عاشور : ","part":11,"page":462},{"id":4777,"text":"وقوله : {الذين يقولون} عطف بيان {للذين اتقوا} وصفهم بالتقوى وبالتوجّه إلى الله تعالى بطلب المغفرة.\rومعنى القول هنا الكلامُ المطابق للواقع في الخبرِ ، والجاري على فرط الرغبة في الدعاء ، في قولهم : {فاغفر لنا ذنوبنا} إلخ ، وإنّما يجري كذلك إذا سعى الداعي في وسائل الإجابة وترقّبها بأسبابها التي ترشد إليها التقوى ، فلا يُجازَى هذا الجزاءَ من قال ذلك بفمه ولم يعمل لهُ. أ هـ {التحرير والتنوير حـ 3 صـ 42}\rفائدة\rقال الطبرى : \rومعنى قوله : \"الذين يقولون ربنا إننا آمنا فاغفر لنا ذنوبنا\" : الذين يقولون : إننا صدّقنا بك وبنبيك وما جاء به من عندك \"فاغفر لنا ذنوبنا\" ، يقول : فاستر علينا ذنوبنا ، بعفوك عنها ، وتركك عقوبتنا عليها \"وقنا عذاب النار\" ، ادفع عنا عذابك إيانا بالنار أن تعذبنا بها. وإنما معنى ذلك : لا تعذبنا يا ربنا بالنار.\rوإنما خصّوا المسألةَ بأن يقيهم عذاب النار ، لأن من زُحزح يومئذ عن النار فقد فاز بالنجاة من عذاب الله وحسن مآبه.\rوأصل قوله : \"قنا\" من قول القائل : \"وقى الله فلانًا كذا\" ، يراد : دفع عنه ، \"فهو يقيه\". فإذا سأل بذلك سائلٌ قال : \"قِنِى كذا\". أ هـ {تفسير الطبرى حـ 6 صـ 263 ـ 264}","part":11,"page":463},{"id":4779,"text":"قوله تعالى {الصَّابِرِينَ وَالصَّادِقِينَ وَالْقَانِتِينَ وَالْمُنْفِقِينَ وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالْأَسْحَارِ (17)}\rمناسبة الآية لما قبلها\rقال البقاعى :\rقال الحرالي : ولما وصف تقوى قلوبهم باطناً وأدب مقالهم ظاهراً وصف لهم أحوال أنفسهم ليتطابق ظاهر أمرهم بمتوسطه وباطنه فقال : {الصابرين} فوصفهم بالصبر إشعاراً بما ينالهم من سجن الدنيا وشدائدها ، والصبر أمدح أوصاف النفس ، به تنحبس عن هواها وعما زين من الشهوات المذكورة بما تحقق من الإيمان بالغيب الموجب لترك الدنيا للآخرة فصبروا عن الشهوات ؛ أما النساء فبالاقتصار على ما ملكوه وأما البنون فبمراعاة أن ما تقدم خير مما تأخر ، قال صلى الله عليه وسلم - يعني فيما رواه ابن ماجه عن أبي هريرة رضي الله عنه \" لسقط أقدمه بين يدي أحب إليَّ من فارس أخلفه خلفي \" (1)\rوأما الذهب والفضة فبالنظر إليها أصناماً يضر موجودها ، وبالحري أن ينال منها السلامة بنفقة لا يكاد يصل إنفاقها إلى أن يكون كفارة كسبها وجمعها ، فكان الصبر عنها أهون من التخلص منها ؛ وأما الخيل فلما يصحبها من التعزز الممد لخيلاء النفس الذي هو أشد ما على النفس أن تخرج عن زهوها وخيلائها إلى احتمال الضيم والسكون بحب الذل ، يقال : إنه آخر ما يخرج من رؤوس الصديقين حب الرئاسة ؛ وأما الأنعام فبالاقتصار منها على قدر الكفاف ، لأن كل مستزيد تمولاً من الدنيا زائداً على كفاف منه من مسكن أو ملبس أو مركب أو مال فهو محجر على من سواه من عباد الله ذلك الفضل الذي هم أحق به منه ، قال صلى الله عليه وسلم : \" لنا غنم مائة لا نريد أن تزيد \" الحديث {وإن من شيء إلا عندنا خزائنة وما ننزله إلا بقدر معلوم} [ الحجر : 21 ] ؛ وأما الحرث فبالاقتصار منه على قدر الكفاية لما يكون راتباً للإلزام ومرصداً للنوائب ومخرجاً للبذر ، فإن أعطاه الله فضلاً أخرجه بوجه من وجوه الإخراج ولو بالبيع ، ولا يمسكه متمولاً لقلبه إلى غيره من الأعيان فيكون محتكراً ، قال عليه الصلاة والسلام كما أخرجه أحمد وأبو يعلى عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما \" من احتكر أربعين يوماً فقد برىء من الله وبرىء الله منه \"\r_________________\r(1) {منكر أخرجه ابن ماجة 1607 وابن عدى فى الكامل 7 / 261 كلاهما من حديث أبى هريرة\rقال البوصيرى فى الزوائد : قال المزى فى التهذيب والأطراف : يزيد لم يدرك أبا هريرة ، ويزيد بن عبد الملك ، وإن وثقه ابن سعد فقد ضعفه أحمد وابن معين وخلف. أ هـ\rوأعله ابن عدى بيزيد بن عبد الملك ، وأسند تضعيفه عن ابن معين والبخارى ، وقال أحمد : عنده مناكير}","part":11,"page":464},{"id":4780,"text":"فبذلك يتحقق الصبر بحبس النفس عما زين للناس من التمولات من الدنيا الزائدة على الكفاف التي هي حظ من لا خلاق له في الآخرة ، ولذلك يحق أن تكون هذه الكلمات معربة بالنصب مدحاً ، لأن الصفات المتبعة للمدح حليتها النصب في لسان العرب ، وإنما يتبع في الإعراب ما كان لرفع لبس أو تخصيص - انتهى.\rولما كان سن التقوى فوق سن الإيمان عطف أمداحهم كلها بالواو إيذاناً بكمالهم في كل وصف منها وتمكنهم فيءه بخلاف ما في آية براءة على ما سيأتي إن شاء الله تعالى فقال : {والصادقين} قال الحرالي : في عطف الصفات ما يؤذن بكمال الوصف لأن العرب تعطفها إذا كملت وتتبع بعضها بعضاً إذا تركبت والتأمت ، يعني مثل : الرمان حلو حامض - إذا كان غير صادق الحلاوة ولا الحموضة ، ففي العطف إشعار بكمال صبرهم عن العاجلة على ما عينه حكم النظم ، في الآية السابقة ، ومن شأن الصابر عن الدنيا الصدق ، لأن أكثر المداهنة والمراءاة إنما ألجأ إليها التسبب إلى كسب الدنيا ، فإذا رغب عنها لم يحمله على ترك الصدق حامل قيتحقق به فيصدق في جميع أموره والصدق مطابقة أقواله وأفعاله لباطن حاله في نفسه وعرفان قلبه - انتهى {والقانتين} أي المخلصين لله في جميع أمورهم الدائمين عليه.\rولما ذكر سبحانه وتعالى العمل الحامل عليه خوف الحق ورجاؤه أتبعه ما الحامل عليه ذلك مع الشفقة على الخلق ، لأن من أكرم المنتمي إليك فقد بالغ في إكرامك فقال : {والمنفقين} أي ما رزقهم الله سبحانه وتعالى في كل ما يرضيه ، فإنه لا قوام لشيء من الطاعات إلا بالنفقة.\rقال الحرالي : فيه إشعار بأن من صبر نوّل ، ومن صدق أعلى ، ومن قنت جل وعظم قدره ، فنوله الله ما يكون له منفقاً ، والمنفق أعلى حالاً من المزكي ، لأن المزكي يخرج ما وجب عليه فرضاً ، والمنفق يجود بما في يده فضلاً - انتهى.","part":11,"page":465},{"id":4781,"text":"ولما ذكر هذه الأعمال الزاكية الجامعة العالية أتبعها الإشارة إلى أن الاعتراف بالعجز عن الوفاء بالواجب هو العمدة في الخلاص : {والمستغفرين} أي من نقائصهم مع هذه الأفعال والأحوال التي هي نهاية ما يصل إليه الخلق من الكمال {بالأسحار} التي هي أشق الأوقات استيقاظاً عليهم ، وأحبها راحة لديهم ، وأولاها بصفات القلوب ، وأقربها إلى الإجابة المعبر عنها في الأحاديث بالنزول كما يأتي بيانه في آية التهجد في سورة الإسراء.\rقال الحرالي : وهو جمع سحر ، وأصل معناه التعلل عن الشيء بما يقاربه ويدانيه ويكون منه بوجه ما ، فالوقت من الليل الذي يتعلل فيه بدنو الصباح هو السحر ، ومنه السحور ، تعلل عن الغداء ؛ ثم قال : وفي إفهامه تهجدهم في الليل كما قال سبحانه وتعالى : {كانوا قليلاً من الّيل ما يهجعون وبالأسحار هم يستغفرون} [ الذاريات : 17 ، 18 ] فهم يستغفرون من حسناتهم كما يستغفر أهل السيئات من سيئاتهم تبرؤاً من دعوى الأفعال ورؤية الأعمال التئاماً بصدق قولهم في الابتداء : {ربنا إننا آمنا} وكمال الإيمان بالقدر خيره وشره ، فباجتماع هذه الأوصاف السبعة من التقوى والإيمان والصبر والصدق والقنوت والإنفاق والاستغفار كانت الآخرة خيراً لهم من الدنيا وما فيها ، وقد بان بهذا محكم آيات الخلق من متشابهها بعد الإعلام بمحكم آيات الأمر ومتشابهها ، فتم بذلك منزل الفرقان في آيات الوحي المسموع والكون المشهود - انتهى.","part":11,"page":466},{"id":4782,"text":"ولعله سبحانه وتعالى أشار بهذه الصفات الخمس المتعاطفة إلى دعائم الإسلام الخمس ، فأشار بالصبر إلى الإيمان ، وبالصدق إلى الزكاة المصدقة لدعواه ، وبالقنوت الذي مدار مادته على الإخلاص إلى الصلاة التي هي محل المراقبة ، وبالإنفاق إلى الحج الذي أعظم مقوماته المال ، وبالاستغفار إلى الصيام الذي مبناه التخلي من أحوال البشر والتحلي بحلية الملك لا سيما في القيام ولا سيما في السحر ؛ وسر ترتيبها أنه لما ذكر ما بين العبد والخالق في التوحيد الذي هو العدول أتبعه ما بينه وبين الخلائق في الإحسان ، ولما ذكر عبادة القلب والمال ذكر عبادة البدن الدالة على الإخلاص في الإيمان ، ولما ذكر عبادة البدن مجرداً بعد عبادة المال مجرداً ذكر عبادة ظاهرة مركبة منهما ، شعارها تعرية الظاهر ، ثم أتبعه عبادة بدنية خفية ، عمادها تعرية الباطن ، فختم بمثل ما بدأ به ، وهو ما لا يطلع عليه حق الاطلاع إلا الله سبحانه وتعالى. أ هـ {نظم الدرر حـ 2 صـ 39 ـ 41}\rوقال أبو حيان : \rلما ذكر الإيمان بالقول ، أخبر بالوصف الدّال على حبس النفس على ما هو شاق عليها من التكاليف ، فصبروا على أداء الطاعة ، وعن اجتناب المحارم ، ثم بالوصف الدال على مطابقة الاعتقاد في القلب للفظ الناطق به اللسان ، فهم صادقون فيما أخبروا به من قولهم : {ربنا إننا آمنا} وفي جميع ما يخبرون. أ هـ {البحر المحيط حـ 2 صـ 418}\rفصل\rقال الفخر : \rاعلم أنه تعالى ذكر ههنا صفات خمسة : ","part":11,"page":467},{"id":4783,"text":"الصفة الأولى : كونهم صابرين ، والمراد كونهم صابرين في أداء الواجبات والمندوبات ، وفي ترك المحظورات وكونهم صابرين في كل ما ينزل بهم من المحن والشدائد ، وذلك بأن لا يجزعوا بل يكونوا راضين في قلوبهم عن الله تعالى ، كما قال : {الذين إِذَا أصابتهم مُّصِيبَةٌ قَالُواْ إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ راجعون} [ البقرة : 156 ] قال سفيان بن عيينة في قوله {وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُواْ} [ السجدة : 24 ] إن هذه الآية تدل على أنهم إنما استحقوا تلك الدرجات العالية من الله تعالى بسبب الصبر ، ويروى أنه وقف رجل على الشبلي ، فقال : أي صبر أشد على الصابرين ؟ فقال الصبر في الله تعالى ، فقال لا ، فقال : الصبر لله تعالى فقال لا فقال : الصبر مع الله تعالى ، قال : لا.\rقال : فإيش ؟ قال : الصبر عن الله تعالى ، فصرخ الشبلي صرخة كادت روحه تتلف.\rوقد كثر مدح الله تعالى للصابرين ، فقال : {والصابرين فِى البأساء والضراء وَحِينَ البأس} [ البقرة : 177 ].\rالصفة الثانية : كونهم صادقين ، اعلم أن لفظ الصدق قد يجري على القول والفعل والنيّة ، فالصدق في القول مشهور ، وهو مجانبة الكذب والصدق في الفعل الإتيان به وترك الانصراف عنه قبل تمامه ، يقال : صدق فلان في القتال وصدق في الحملة ، ويقال في ضده : كذب في القتال ، وكذب في الحملة ، والصدق في النيّة إمضاء العزم والإقامة عليه حتى يبلغ الفعل.\rالصفة الثالثة : كونهم قانتين ، وقد فسرناه في قوله تعالى : {وَقُومُواْ لِلَّهِ قانتين} [ البقرة : 238 ] وبالجملة فهو عبارة عن الدوام على العبادة والمواظبة عليها.\rالصفة الرابعة : كونهم منفقين ويدخل فيه إنفاق المرء على نفسه وأهله وأقاربه وصلة رحمه وفي الزكاة والجهاد وسائر وجوه البر.","part":11,"page":468},{"id":4784,"text":"الصفة الخامسة : كونهم مستغفرين بالأسحار ، والسحر الوقت الذي قبل طلوع الفجر ، وتسحر إذا أكل في ذلك الوقت ، واعلم أن المراد منه من يصلي بالليل ثم يتبعه بالاستغفار والدعاء لأن الإنسان لا يشتغل بالدعاء والاستغفار إلا أن يكون قد صلّى قبل ذلك فقوله {والمستغفرين بالأسحار} يدل على أنهم كانوا قد صلوا بالليل واعلم أن الاستغفار بالسحر له مزيد أثر في قوة الإيمان وفي كمال العبودية من وجوه الأول : أن في وقت السحر يطلع نور الصبح بعد أن كانت الظلمة شاملة للكل ، وبسبب طلوع نور الصبح كأن الأموات يصيرون أحياء ، فهناك وقت الجود العام والفيض التام ، فلا يبعد أن يكون عند طلوع صبح العالم الكبير يطلع صبح العالم الصغير ، وهو ظهور نور جلال الله تعالى في القلب والثاني : أن وقت السحر أطيب أوقات النوم ، فإذا أعرض العبد عن تلك اللذة ، وأقبل على العبودية ، كانت الطاعة أكمل والثالث : نقل عن ابن عباس {والمستغفرين بالأسحار} يريد المصلين صلاة الصبح. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 7 صـ 175 ـ 176}\rفصل\rقال القرطبى : \rواختلف في معنى قوله تعالى : {والمستغفرين بالأسحار} فقال أنس بن مالك : هم السائلون المغفرة.\rقتادة : المصَلّون.\rقلت : ولا تناقض ، فإنهم يصلون ويستغفرون.\rوخص السّحَر بالذكر لأنه مظانّ القبول ووقت إجابة الدعاء.\rقال رسول الله صلى الله عليه وسلم في تفسير قوله تعالى مخبراً عن يعقوب عليه السلام لبنيه : {سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ ربي} [ يوسف : 98 ] : \"إنه أخّر ذلك إلى السحر\" خرّجه الترمذيّ وسيأتي.\rوسأل النبيّ صلى الله عليه وسلم جبريل \"أيّ الليل أسمع\" ؟ فقال : \"لا أدري غير أنّ العرش يهتزّ عند السحر\".\rيقال سحر وسحر ، بفتح الحاء وسكونها ، وقال الزجاج : السحر من حين يدبر الليل إلى أن يطلع الفجر الثاني ، وقال ابن زيد : السحر هو سدس الليل الآخر.","part":11,"page":469},{"id":4785,"text":"قلت : أصح من هذا ما روى الأئمة عن أبي هريرة عن النبيّ صلى الله عليه وسلم قال : \" ينزِل الله عز وجل إلى سماء الدنيا كل ليلة حين يمضي ثلث الليل الأوّل فيقول أنا المِلك أنا المِلك من ذا الذي يدعوني فأستجيب له من ذا الذي يسألني فأعطيه من ذا الذي يستغفرني فأغفِر له فلا يزال كذلك حتى يطلع الفجر \" في رواية \" حتى ينفجر الصبح \" لفظ مسلم.\rوقد اختلف في تأويله ؛ وأُولى ما قيل فيه ما جاء في كتاب النَّسائيّ مفسَّراً عن أبي هريرة وأبي سعيد رضي الله عنهما قالا قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : \" إنّ الله عز وجل يمهِل حتى يمضي شطرُ الليل الأوّل ثم يأمر منادياً فيقول هل من داعٍ يُستجاب له هل من مستغفِر يغفر له هل من سائل يُعطى \" صححه أبو محمد عبد الحق ، وهو يرفع الإشكال ويوضح كل احتمال ، وأنّ الأوّل من باب حذف المضاف ، أي ينزل ملَكُ ربنا فيقول.\rوقد روي \"يُنزَل\" بضم الياء ، وهو يبيّن ما ذكرنا ، وبالله توفيقنا.\rوقد أتينا على ذكره في \"الكتاب الأسنى في شرح أسماء الله الحسنى وصفاته العلى\".\rمسألة : الاستغفار مندوبٌ إليه ، وقد أثنى الله تعالى على المستغفرين في هذه الآية وغيرها فقال : {وبالأسحار هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ} [ الذاريات : 18 ].\rوقال أنس بن مالك : أُمِرنا أن نستغفر بالسحر سبعين استغفارة.\rوقال سفيان الثورِيّ : بلغني أنه إذا كان أوّل الليل نادى منادٍ لِيقِم القانتون فيقومون كذلك يُصلّون إلى السحر ، فإذا كان عند السحر نادى مناد : أين المستغفرون فيستغفر أُولئك ، ويقوم آخرون فيصلون فيلحقون بهم.\rفإذا طلع الفجر نادى منادٍ : ألا ليقم الغافلون فيقومون من فرِشهم كالموتى نُشِروا من قبورهم.","part":11,"page":470},{"id":4786,"text":"وروى عن أنس سمعت النبيّ صلى الله عليه وسلم يقول : \" إن الله يقول إني لأهمّ بعذاب أهل الأرض فإذا نظرت إلى عُمّار بيوتي وإلى المتحابّين فيّ وإلى المتهجدين والمستغفرين بالأسحار صرفت عنهم العذاب بهم \" قال مكحول : إذا كان في أُمّة خمسة عشر رجلاً يستغفرون الله كل يوم خمساً وعشرين مرة لم يؤاخذ الله تلك الأُمة بعذاب العامّة.\rذكره أبو نعيم في كتاب الحِلية له.\rوقال نافع : كان ابن عمر يحيي الليل ثم يقول : يا نافع أسحرنا ؟ فأقول لا.\rفيعاود الصلاة ثم يسأل ، فإذا قلت نعم قعد يستغفر.\rوروى إبراهيم بن حاطِب عن أبيه قال : سمعت رجلاً في السحر في ناحية المسجد يقول : يا ربّ ، أمرتني فأطعتك ، وهذا سحرٌ فاغفر لي.\rفنظرت فإذا ( هو ) ابن مسعود.\rقلت : فهذا كله يدل على أنه استغفار باللسان مع حضور القلب ، لا ما قال ابن زيد أن المراد بالمستغفرين الذين يصلون صلاة الصبح في جماعة. والله أعلم.\rوقال لقمان لابنه : \"يا بنيّ لا يكنِ الدِّيك أكيسَ منك ، ينادِي بالأسحار وأنت نائم\".\rوالمختار من لفظ الاستغفار ما رواه البخاري عن شدّاد بن أوس ، وليس له في الجامع غيره ، عن النبيّ صلى الله عليه وسلم قال : \"سيد الاستغفار أن تقول اللهم أنت ربّي لا إله إلا أنت خلقتني وأنا عبدك وأنا على عهدك ووعدِك ما استطعت أعوذ بك من شر ما صنعتُ أَبُوء لك بنعمتك عليّ وأبوء بذنبي فاغفر لي فإنه لا يغفر الذنوب إلا أنت قال ومَنْ قالها من النهار مُوقِناً بها فمات من يومه قبل أن يمسِي فهو من أهل الجنة ومن قالها من الليل وهو مُوقن بها فمات من ليلة قبل أن يصبح فهو من أهل الجنة\".","part":11,"page":471},{"id":4787,"text":"وروى أبو محمد عبد الغنيّ بن سعيد من حديث ابن لَهِيعَةَ عن أبي صخر عن أبي معاوية عن سعيد بن جُبَيْر عن أبي الصَّهْباء البكريّ عن عليّ بن أبي طالب رضي الله عنه أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم أخذ بيد عليّ بن أبي طالب رضي الله عنه ثم قال : \" ألا أُعَلِّمك كلماتٍ تقولهنّ لو كانت ذنوبك كَمَدبِّ النمل أو كَمَدبّ الذّرّ لغفرها الله لك على أنه مغفور لك : اللهم لا إله إلا أنت سبحانك عملتُ سوءاً وظلمتُ نفسي فاغفر لي فإنه لا يغفر الذنوب إلا أنت \". أ هـ {تفسير القرطبى حـ 4 صـ 38 ـ 40}\rقال الطبرى : \rوأولى هذه الأقوال بتأويل قوله : \"والمستغفرين بالأسحار\" ، قول من قال : هم السائلون ربهم أن يستر عليهم فضيحتهم بها.\r\"بالأسحار\" وهى جمع\"سَحَر\".\rوأظهر معاني ذلك أن تكون مسألتهم إياه بالدعاء. وقد يحتمل أن يكون معناه : تعرّضهم لمغفرته بالعمل والصلاة ، غيرَ أنّ أظهر معانيه ما ذكرنا من الدعاء. أ هـ {تفسير الطبرى حـ 6 صـ 267}\rفائدة\rقال الفخر : \rقوله {والصابرين والصادقين} أكمل من قوله : الذين يصبرون ويصدقون ، لأن قوله {الصابرين} يدل على أن هذا المعنى عادتهم وخلقهم ، وأنهم لا ينفكون عنها. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 7 صـ 176}\rفائدة\rقال أبو حيان : \rقال المفسرون في الصابرين : صبروا عن المعاصي.\rوقيل : عن المصائب.\rوقيل : ثبتوا على العهد الأول.\rوقيل : هم الصائمون.\rوقالوا في الصادقين : في الأقوال.\rوقيل : في القول والفعل والنية.\rوقيل : في السر والعلانية.\rوقالوا في القانتين : الحافظين للغيب.\rوقال الزجاج : القائمين على العبادة.\rوقيل : القائمين بالحق.\rوقيل : الداعين المتضرعين.\rوقيل : الخاشعين.\rوقيل : المصلين.\rوقالوا في المنفقين : المخرجين المال على وجه مشروع.\rوقيل : في الجهاد.\rوقيل : في جميع أنواع البر.\rوقال ابن قتيبة : في الصدقات.","part":11,"page":472},{"id":4788,"text":"وقالوا في المستغفرين : السائلين المغفرة ، قاله ابن عباس وقال ابن مسعود وابن عمر ، وأنس ، وقتادة السائلين المغفرة وقت فراغ البال وخفة الأشغال ، وقال قتادة أيضاً : المصلين بالأسحار.\rوقال زيد بن أسلم : المصلين الصبح في جماعة.\rوهذا الذي فسروه كله متقارب. أ هـ {البحر المحيط حـ 2 صـ 418 ـ 419}\rفصل\rقال الفخر : \rاعلم أن لله تعالى على عباده أنواعاً من التكليف ، والصابر هو من يصبر على أداء جميع أنواعها ، ثم إن العبد قد يلتزم من عند نفسه أنواعاً أُخر من الطاعات ، وإما بسبب الشروع فيه ، وكمال هذه المرتبة أنه إذا التزم طاعة أن يصدق نفسه في التزامه ، وذلك بأن يأتي بذلك للملتزم من غير خلل ألبتة ، ولما كانت هذه المرتبة متأخرة عن الأولى ، لا جرم ذكر سبحانه الصابرين أولاً ثم قال : {الصادقين} ثانياً ، ثم إنه تعالى ندب إلى المواظبة على هذين النوعين من الطاعة ، فقال : {والقانتين} فهذه الألفاظ الثلاثة للترغيب في المواظبة على جميع أنواع الطاعات ، ثم بعد ذلك ذكر الطاعات المعينة ، وكان أعظم الطاعات قدراً أمران أحدهما : الخدمة بالمال ، وإليه الإشارة بقوله عليه السلام : \" والشفقة على خلق الله \" فذكر هنا بقوله {والمنافقين} والثانية : الخدمة بالنفس وإليه الإشارة بقوله \" التعظيم لأمر الله \" فذكره هنا بقوله {والمستغفرين بالأسحار}.\rفإن قيل : فلم قدم ههنا ذكر المنفقين على ذكر المستغفرين ، وأخر في قوله \" التعظيم لأمر الله والشفقة على خلق الله \"\rقلنا : لأن هذه الآية في شرح عروج العبد من الأدنى إلى الأشرف ، فلا جرم وقع الختم بذكر المستغفرين بالأسحار ، وقوله \" التعظيم لأمر الله \" في شرح نزول العبد من الأشرف إلى الأدنى ، فلا جرم كان الترتيب بالعكس. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 7 صـ 176 ـ 177}\rفائدة\rقال الفخر : ","part":11,"page":473},{"id":4789,"text":"هذه الخمسة إشارة إلى تعديد الصفات لموصوف واحد ، فكان الواجب حذف واو العطف عنها كما في قوله {هُوَ الله الخالق البارىء المصور} [ الحشر : 24 ] إلا أنه ذكر ههنا واو العطف وأظن - والعلم عند الله - أن كل من كان معه واحدة من هذه الخصال دخل تحت المدح العظيم واستوجب هذا الثواب الجزيل ، والله أعلم. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 7 صـ 177}\rلطيفة\rقال البيضاوى : \r{الصابرين والصادقين والقانتين والمنفقين والمستغفرين بالأسحار} حصر لمقامات السالك على أحسن ترتيب ، فإن معاملته مع الله تعالى إما توسل وإما طلب ، والتوسل إما بالنفس وهو منعها عن الرذائل وحبسها على الفضائل والصبر يشملهما ، وإما بالبدن ، وهو إما قولي وهو الصدق وإما فعلي وهو القنوت الذي هو ملازمة الطاعة ، وإما بالمال وهو الإِنفاق في سبل الخير ، وإما الطلب فبالاستغفار لأن المغفرة أعظم المطالب بل الجامع لها وتوسيط الواو بينهما للدلالة على استقلال كل واحد منها وكمالهم فيها أو لتغاير الموصوفين بها ، وتخصيص الأسحار لأن الدعاء فيها أقرب إلى الإِجابة ، لأن العبادة حينئذ أشق والنفس أصفى والروع أجمع للمجتهدين. قيل إنهم كانوا يصلون إلى السحر ثم يستغفرون ويدعون. أ هـ {تفسير البيضاوى حـ 2 صـ 16}","part":11,"page":474},{"id":4790,"text":"وقال ابن عاشور : \rوقوله {الصَّابِرِينَ وَالصَّادِقِينَ} الآية صفات للذين اتقوا ، أو صفات للذين يقولون ، والظاهر الأول. وذكر هنا أصول فضائل صفات المتدينين : وهي الصبر الذي هو ملاك فعل الطاعات وترك المعاصي. والصدق الذي هو ملاك الاستقامة وبث الثقة بين أفراد الأمة. والقنوت ، وهو ملازمة العبادات في أوقاتها وإتقانها وهو عبادة نفسية جسدية. والإنفاق وهو أصل إقامة أود الأمة بكفاية حاج المحتاجين ، وهو قربة مالية والمال شقيق النفس. وزاد الاستغفار بالأسحار وهو الدعاء والصلاة المشتملة عليه في أواخر الليل ، والسحر سدس الليل الأخير ؛ لأن العبادة فيد أشد إخلاصا ، لما في ذلك الوقت من هدوء النفوس ، ولدلالته على اهتمام صاحبه بأمر آخرته ، فاختار له هؤلاء الصادقون آخر الليل لأنه وقت صفاء السرائر ، والتجرد عن الشواغل.","part":11,"page":475},{"id":4791,"text":"وعطف الصفات في قوله : {الصَّابِرِينَ} ، وما بعده : سواء كان قوله {الصَّابِرِينَ} صفة ثانية ، بعد قوله {الَّذِينَ يَقُولُونَ} ، أم كان ابتداء الصفات بعد البيان طريقة ثانية من طريقتي تعداد الصفات في الذكر في كلامهم ، فيكون ، بالعطف وبدونه ، مثل تعدد الأخبار والأحوال ؛ إذ ليست حروف العطف بمقصورة على تشريك الذوات. وفي الكشاف ؛ أن في عطف الصفات نكتة زائدة على ذكرها بدون العطف وهي الإشارة إلى كمال الموصوف في كل صفة منها ، وأحال تفصيله على ما تقدم له في قوله تعالى {وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ} [البقرة : 4] مع أنه لم يبين هنالك شيئا من هذا ، وسكت الكاتبون عن بيان ذلك هنا وهناك ، وكلامه يقتضي أن الأصل عنده في تعدد الصفات والأخبار ترك العطف فلذلك يكون عطفها مؤذنا بمعنى خصوصي ، يقصده البليغ ، ولعل وجهه أن شأن حرف العطف أن يستغنى به عن تكرير العامل فيناسب المعمولات ، وليس كذلك الصفات ، فإذا عطفت فقد نزلت كل صفة منزلة ذات مستقلة ، وما ذلك إلا لقوة الموصوف في تلك الصفة ، حتى كأن الواحد صار عددا ، كقولهم واحد كألف ، ولا أحسب لهذا الكلام تسليما. وقد تقدم عطف الصفات عند قوله تعالى {وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ} في سورة البقرة. أ هـ {التحرير والتنوير حـ 3 صـ 43}","part":11,"page":476},{"id":4792,"text":"فصل\rقال ابن القيم : \rومن أركان المحاسبة : ما ذكره صاحب المنازل فقال : \r\"الثالث أن تعرف أن كل طاعة رضيتها منك فهي عليك وكل معصية عيرت بها أخاك فهي إليك\".\rرضاء العبد بطاعته دليل على حسن ظنه بنفسه وجهله بحقوق العبودية وعدم عمله بما يستحقه الرب جل جلاله ويليق أن يعامل به.\rوحاصل ذلك : أن جهله بنفسه وصفاتها وآفاتها وعيوب عمله وجهله بربه وحقوقه وما ينبغي أن يعامل به يتولد منهما رضاه بطاعته وإحسان ظنه بها ويتولد من ذلك : من العجب والكبر والآفات ما هو أكبر من الكبائر الظاهرة من الزنا وشرب الخمر والفرار من الزحف ونحوها.\rفالرضا بالطاعة من رعونات النفس وحماقتها.\rوأرباب العزائم والبصائر أشد ما يكونون استغفارا عقيب الطاعات لشهودهم تقصيرهم فيها وترك القيام لله بها كما يليق بجلاله وكبريائه وأنه لولا الأمر لما أقدم أحدهم على مثل هذه العبودية ولا رضيها لسيده.\rوقد أمر الله تعالى وفده وحجاج بيته بأن يستغفروه عقيب إفاضتهم من عرفات وهو أجل المواقف وأفضلها فقال {فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ وَاذْكُرُوهُ كَمَا هَدَاكُمْ وَإِنْ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الضَّالِّينَ ، ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ} وقال تعالى {وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالأَسْحَارِ}","part":11,"page":477},{"id":4793,"text":"قال الحسن : \"مدوا الصلاة إلى السحر ثم جلسوا يستغفرون الله عز وجل\" وفي الصحيح \"أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا سلم من الصلاة استغفر ثلاثا ثم قال : اللهم أنت السلام ومنك السلام تباركت يا ذا الجلال والإكرام\" وأمره الله تعالى بالإستغفار بعد أداء الرسالة والقيام بما عليه من أعبائها وقضاء فرض الحج واقتراب أجله فقال في آخر سورة أنزلت عليه {إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ ، وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجاً ، فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّاباً}.\rومن ههنا فهم عمر وابن عباس رضي الله عنهم أن هذا أجل رسول الله صلى الله عليه وسلم أعلمه به فأمره أن يستغفره عقيب أداء ما كان عليه فكأنه إعلام بأنك قد أديت ما عليك ولم يبق عليك شيء فاجعل خاتمته الإستغفار كما كان خاتمة الصلاة والحج وقيام الليل وخاتمة الوضوء أيضا أن يقول بعد فراغه \"سبحانك اللهم وبحمدك أشهد أن لا إله إلا أنت أستغفرك وأتوب إليك اللهم اجعلني من التوابين واجعلني من المتطهرين\".\rفهذا شأن من عرف ما ينبغي لله ويليق بجلاله من حقوق العبودية وشرائطها لا جهل أصحاب الدعاوى وشطحاتهم.\rوقال بعض العارفين : متى رضيت نفسك وعملك لله فاعلم أنه غير راض به ومن عرف أن نفسه مأوى كل عيب وشر وعمله عرضة لكل آفة ونقص كيف يرضى لله نفسه وعمله ؟ .\rولله در الشيخ أبي مدين حيث يقول : \"من تحقق بالعبودية نظر أفعاله بعين الرياء وأحواله بعين الدعوى وأقواله بعين الإفتراء وكلما عظم المطلوب في قلبك صغرت نفسك عندك وتضاءلت القيمة التي تبذلها في تحصيله وكلما شهدت حقيقة الربوبية وحقيقة العبودية وعرفت الله وعرفت النفس وتبين لك أن ما معك من البضاعة لا يصلح للملك الحق ولاو جئت بعمل الثقلين خشيت عاقبته وإنما يقبله بكرمه وجوده وتفضله ويثيبك عليه أيضا بكرمه وجوده وتفضله\". أ هـ {مدارج السالكين حـ 1 صـ 175 ـ 176}","part":11,"page":478},{"id":4794,"text":"لطائف ومواعظ\rقال حجة الإسلام رحمه الله :\rقال قتادة رحمه الله :\rالقرآن يدلكم عن دائكم ودوائكم\rأما داؤكم فالذنوب ، وأما دواؤكم فالاستغفار وقال علي كرم الله وجهه :\rالعجب ممن يهلك ومعه النجاة قيل : وما هي ؟ قال الاستغفار وكان يقول : ما ألهم الله سبحانه عبدا الاستغفار وهو يريد أن يعذبه\rوقال الفضيل قول العبد أستغفر الله تفسيرها أقلني\rوقال بعض العلماء : العبد بين ذنب ونعمة لا يصلحهما إلا الحمد والاستغفار\rوقال الربيع بن خيثم رحمه الله :\rلا يقولن أحدكم أستغفر الله وأتوب إليه فيكون ذنبا وكذبا إن لم يفعل ولكن ليقل اللهم اغفر لي وتب علي (1)\rقال الفضيل رحمه الله الاستغفار بلا إقلاع توبة الكذابين\rوقالت رابعة العدوية رحمها الله :\rاستغفارنا يحتاج إلى استغفار كثير\rقال بعض الحكماء من قدم الاستغفار على الندم كان مستهزئا بالله عز وجل وهو لا يعلم\rوسمع أعرابي وهو متعلق بأستار الكعبة يقول : اللهم إن استغفاري مع إصراري للؤم وإن تركي استغفارك مع علمي بسعة عفوك لعجز فكم تتحبب إلي بالنعم مع غناك عني وكم أتبغض إليك بالمعاصي مع فقري إليك يا من إذا وعد وفى وإذا أوعد عفا أدخل عظيم جرمي في عظيم عفوك يا أرحم الراحمين\rوقال أبو عبد الله الوراق لو كان عليك مثل عدد القطر وزبد البحر ذنوبا لمحيت عنك إذا دعوت ربك بهذا الدعاء مخلصا إن شاء الله تعالى\rاللهم إني أستغفرك من كل ذنب تبت إليك منه ثم عدت فيه وأستغفرك من كل ما وعدتك به من نفسي ولم أوف لك به وأستغفرك من كل عمل أردت به وجهك فخالطه غيرك وأستغفرك من كل نعمة أنعمت بها علي فاستعنت بها على معصيتك وأستغفرك يا عالم الغيب والشهادة من كل ذنب أتيته في ضياء النهار وسواد الليل في ملأ أو خلاء وسر وعلانية يا حليم. أ هـ {الإحياء حـ 1 صـ 313}\r_______________\r(1) هذا الكلام فيه نظر. فقد ثبت مثله عن رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ ومن ذلك ما جاء فى صحيح مسلم\rحدثني محمد بن المثنى حدثني عبد الأعلى حدثنا داود عن عامر عن مسروق عن عائشة قالت\r: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يكثر من قول سبحان الله وبحمده أستغفر الله وأتوب إليه\rقالت فقلت يا رسول الله أراك تكثر من قول سبحان الله وبحمده أستغفر الله وأتوب إليه ؟ فقال خبرني ربي أني سأرى علامة في أمتي فإذا رأيتها أكثرت من قول سبحان الله وبحمده أستغفر الله وأتوب إليه فقد رأيتها إذا جاء نصر الله والفتح فتح مكة ورأيت الناس يدخلون في دين الله أفواجا فسبح بحمد ربك واستغفره إنه كان توابا.\rوعند أبى داود\r3265 - حدثنا محمد بن عبد العزيز بن أبي رزمة أخبرني زيد بن حباب أخبرني محمد بن هلال حدثني أبي أنه سمع أبا هريرة يقول\r: كانت يمين رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا حلف يقول \" لا وأستغفر الله \" .\rوعند أحمد\r22461 - حدثنا عبد الله حدثني أبي ثنا أبو إسحاق الطالقاني ثنا عبد الله بن المبارك عن الأوزاعي حدثني أبو عمار حدثني أبو أسماء الرحبي حدثني ثوبان قال : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أراد أن ينصرف من صلاته قال أستغفر الله ثلاثا ثم يقول اللهم أنت السلام ومنك السلام تباركت ذا الجلال والإكرام. والله أعلم.","part":11,"page":479},{"id":4795,"text":"من لطائف الإمام القشيرى فى الآية\rالصبرُ حبسُ النَّفْس ، وذلك على ثلاث مراتب : \rصبر على ما أُمرَ به العبد ، وصبر عما نُهي عنه وصبر هو الوقوف تحت جريان حكمه على ما يريد ؛ إمَّا في فوات محبوبك أو هجومَ ما لا تستطيعه.\rفإذا ترقيتَ عن هذه الصفة - بألا تصيبك مشقةٌ أو تنال راحةً - فذلك رضاً لا صبر ويقال الصابرين على أمر الله ، والصادقين ، فيما عاهدوا الله.\rو {القَانِتِينَ} ، بنفوسهم بالاستقامة في محبة الله.\rو {المُسْتَغْفِرِينَ} عن جميع ما فعلوه لرؤية تقصيرهم في الله.\rويقال : {الصّابِرِينَ} بقلوبهم و{وَالصَّادِقِينَ} بأرواحهم و{وَالقَانِتِينَ} بنفوسهم ، و{المُسْتَغْفِرِينَ} بألسنتهم.\rويقال \" الصابرين \" على صدق القصود \" الصادقين \" في العهود \" القانتين \" بحفظ الحدود و\" المستغفرين \" عن أعمالهم وأحوالهم عند استيلاء سلطان التوحيد.\rويقال \" الصابرين \" الذين صبروا على الطلب ولم يتعللوا بالهرب ولم يحتشموا من التعب ، وهجروا كل راحة وطلب. وصبروا على البلوى ، ورفضوا الشكوى ، حتى وصلوا إلى المولى ، ولم يقطعهم شيء من الدنيا والعقبى.\rو \" الصادقين \" الذين صدقوا في الطلب فقصدوا ، ثم صدقوا حتى وردوا ، ثم صدقوا حتى شهدوا ، ثم صدقوا حتى وجدوا ، ثم صدقوا حتى فقدوا.. فترتيبهم قصود ثم ورود ثم شهود ثم وجود ثم خمود.\rو \" القانتين \" الذين لازموا الباب ، وداوموا على تجرّع الاكتئاب ، وتركوا المحاب ، ورفضوا الأصحاب إلى أن تحققوا بالاقتراب.\rو {وَالمُنفِقِينَ} الذين جادوا بنفوسهم من حيث الأعمال ، ( ثم جادوا بميسورهم من الأموال ) ، ثم جادوا بقلوبهم بصدق الأحوال ، ثم جادوا بترك كل حظٍ لهم في العاجل والآجل ، استهلاكاً عند القرب والوصال بما لقوا من الاصطلام والاستئصال.\rو {وَالمُسْتَغْفِرِينَ} عن جميع ذلك إذا رجعوا إلى الصحو عند الأسحار يعني ظهور الإسفار ، وهو فجر القلوب لا فجر يظهر في الأقطار. أ هـ {لطائف الإشارات حـ 1 صـ 224 ـ 225}.\rتم الجزء الحادى عشر من كتاب {جامع لطائف التفسير} ولله الحمد والمنة\rويليه إن شاء الله تعالى الجزء الثانى عشر وأوله قوله تعالى : \r{شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (18)}","part":11,"page":480},{"id":4796,"text":"بسم الله الرحمن الرحيم\rاسم الكتاب / جامع لطائف التفسير\rالعاجز الفقير\rعبد الرحمن بن محمد القماش\rإمام وخطيب بدولة الإمارات العربية\rعفا الله عنه وغفر له\rالجزء الثانى عشر\rحقوق النسخ والطبع والنشر مسموح بها لكل مسلم\r{يا قوم لا أسألكم عليه أجرا}","part":12,"page":3},{"id":4797,"text":"الجزء الثانى عشر\rمن الآية {18} من سورة آل عمران\rوحتى الآية {34} من نفس السورة","part":12,"page":4},{"id":4798,"text":"قوله تعالى {شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (18)}\rمناسبة الآية لما قبلها\rقال البقاعى :\rولما أخبر سبحانه وتعالى بوحدانيته في أول السورة واستدل عليها وأخبر عما أعد للكافرين واستدل عليه بما دل على الوحدانية وختم بالإخبار بما أعد للمتقين مما جر إلى ذكره تعالى بما يقتضي الوحدانية أيضاً من الأوصاف المبنية على الإيمان أنتج ذلك ثبوتها ثبوتاً لا مرية فيه ، فكرر تعالى هذه النتيجة على وجه أضخم من الماضي كما اقتضته الأدلة فقال - وقال الحرالي : لما أنهى تعالى الفرقان نهايته ببيان المحكمين والمتشابهين في الوحي والكون انتظمت هذه الشهادة التي هي أعظم شهادة في كتاب الله بآية القيومية التي هي أعظم آية الوجود لينتظم آية الشهود بآية الوجود ، انتهى.\rفقال سبحانه وتعالى : {شهد الله} أي الملك الأعظم الذي لا كفوء له {أنه} قال الحرالي : فأعاد بالإضمار ليكون الشاهد والمشهود له {لا إله إلا هو} فأعاد بالهوية لمعنى الوحدانية في الشهادة ولم يقل : إلا الله ، لما يشعر به تكرار الاسم في محل الإضمار من التنزل العلي - انتهى.","part":12,"page":5},{"id":4799,"text":"والمعنى أنه سبحانه وتعالى فعل فعل الشاهد في إخباره عما يعلم حقيقته بلفظ الشهادة جرياً على عادة الكبراء إذا رأوا تقاعس أتباعهم عما يأمرون به من المهمات في تعاغطيهم له بأنفسهم تنبيهاً على أن الخطب قد فدح والأمر قد تفاقم ، فيتساقط حينئذ إليه الأتباع ولو أن فيه الهلاك تساقط الذباب في أحلى الشراب ، وإلى ذلك ينظر قول وفد ثقيف : ما لمحمد يأمرنا بأن نشهد له بالرسالة ولا يشهد هو لنفسه! فكان صلى الله عليه وسلم بعد لا يخطب خطبة إلا شهد لنفسه الشريفة صلى الله عليه وسلم الشهادة لله فيها بالرسالة ، فكأنه قيل : إن ربكم الذي أسبغ عليكم نعمه ظاهرة وباطنة قد نصب لكم الأدلة بخلق ما خلق على تفرده بحيث انتفى كل ريب فكان ذلك أعظم شهادة منه سبحانه لنفسه ، وإليه أومأ من قال : \rولله في كل تحريكة . . .\rوتسكينة أبداً شاهد\rوفي كل شيء له آية . . .\rتدل على أنه واحد\rثم شهد بذلك لنفسه بكلامه جمعاً بين آيتي السمع والبصر فلم يبق لكم عذراً.\rقال الحرالي : وهذه الشهادة التي هي من الله لله هي الشهادة التي إليها قصد القاصدون وسلك السالكون وإليه انتهت الإشارة ، وعندها وقفت العبارة ، وهي أنهى المقامات وأعظم الشهادات ، فمن شهد بها فقد شهد شهادة ليس وراءها مرمى ، ومن شهد بما دونها كانت شهادته مشهوداً عليها لا شهادة ، يؤثر أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يزل يوم الجمعة وهو قائم بعرفة منذ كان وقت العصر إلى أن غربت الشمس في حجته التي كمل بها الدين وتمت بها النعمة يقول هذه الآية لا يزيد عليها ، فأي عبد شهد لله بهذه الشهادة التي هي شهادة الله لله سبحانه وتعالى بالوحدانية فقد كملت شهادته ، وأتم الله سبحانه وتعالى النعمة عليه ، وهي سر كل شهادة من دونها ، وهي آية علن التوحيد الذي هو منتهى المقامات وغاية الدرجات في الوصول إلى محل الشهود الذي منه النفوذ إلى الموجود بمقتضى الأعظمية التي في الآية الفاتحة - انتهى.\r","part":12,"page":6},{"id":4800,"text":"ولما أخبر سبحانه وتعالى عن نفسه المقدسة أخبر عمن يعتد به من خلقه فقال مقدماً لأن المقام للعلم لمن هم أعلم به سبحانه وتعالى ممن أطلعهم من الملك والملكوت على ما لم يطلع عليه الإنسان ولا شاغل لهم من شهوة ولا حظ ولا فتور : {والملائكة} أي العباد المقربون المصفون من أدناس البشر ، الذين لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون.\rولما خص أهل السماوات عم فقال : {وأولوا العلم} وهم الذين عرفوه بالأدلة القاطعة ففعلوا ما فعل العظيم من الشهادات ليكون ذلك أدعى لغيرهم إليه وأحث عليه ، ولما كانت الشهادة قد تكون على غير وجه العدل نفى ذلك بقوله : {قائماً} وأفرد ليفهم أنه حال كل من المذكورين لا المجموع بقيد الجمع ، ويجوز - وهو الأقرب - أن يكون حالاً من الاسم الشريف إشارة إلى أنه ما وحد الله سبحانه وتعالى حق توحيده غيره ، لأنه لا يحيط به أحد علماً.\rوقال الحرالي : أفرد القيام فاندرج من ذكر من الملائكة وأولي العلم في هذا القيام إفهاماً ، كما اندرجوا في الشهادة إفصاحاً ، فكان في إشعاره أن الملائكة وأولي العلم لا يقاد منهم فيما يجريه الله سبحانه وتعالى على أيديهم ، لأن أمرهم قائم بالقسط من الله ، يذكر أن عظيم عاد لما كشف له عن الملائكة في يوم النقمة قال لهود عليه الصلاة والسلام : يا هود! ما هذا الذي أراهم في السحاب كأنهم البخاتي ؟ فقال : ملائكة ربي ، فقال له : أرأيت إن آمنت بالهك أيقيدني منهم بمن قتلوا من قومي ؟ قال : ويحك! وهل رأيت ملكاً يقيد من جنده - انتهى.\r","part":12,"page":7},{"id":4801,"text":"{بالقسط} أي العدل السواء الذي لا حيف فيه أصلاً بوجه من الوجوه ، وقد ثبت بهذه الشهادة على هذا الوجه أن التوحيد في نفس الأمر على ما وقعت به الشهادة ، ويجوز أن يراد مع ذلك أن قيامه بالعدل فعله في خلقه فإنه عدل وإن كان من بعضهم إلى بعض ظلماً ، فإنه تصرف منه سبحانه في ملكه الذي لا شائبة لأحد فيه ، فهو إذا نسب إليه كان عدلاً ، لأنه فعله بالحكمة ، وإذا نسب إلى الظالم كان ظلماً ، لأنه فعله لحظه لا للحكمة فلذلك قال على طريق الاستنتاج والتعليل للقيام بالقسط والتلقين للعباد لأن يقولوها بعد ثبوتها بما تقدم وأن يكرروها دائماً أبداً : {لا إله إلا هو} وقال الحرالي : كرر هذا التهليل لأنه في مرتبة القسط الفعلي ، لأن التهليل الأول في مرتبة الشهادة العلمية فاستوفى التهليلان جميع البادي علماً وفعلاً - انتهى.\rوأتبعه سبحانه وتعالى بقوله : {العزيز الحكيم} دليلاً على قسطه ، لأنه لا يصح أبداً لذي العزة الكاملة والحكمة الشاملة أن يتصرف بجور ، وعلى وحدانيته ، لأنه لا يصح التفرد بدون الوصفين وليسا على الإطلاق لأحد غيره أصلاً ، ولما كانت الآيات كلها في الإيقاع بالكافرين قدم الوصف الملائم لذلك.\rقال الحرالي : وقسط الله هو إخفاء عدله في دار الدنيا من حيث إنه خفض ورفع ، يعادل خفضه رفعه ورفعه خفضه ، فيؤول إلى عدل ، ويراه بذلك في حال تفاوته كل ذي لب بما أنه عزيز يظهر عزته فيما يرفع ، حكيم يخفي معنى حكمه فيما يخفض ، فكل ما هو باد من الخلق جود فهو من الله سبحانه وتعالى قسط ، طيته عدل ، سره سواء ، فيظهر عزته فيما حكم انتقاماً وحكمته في الموازنة بين الأعمال والجزاء عدلاً - انتهى. أ هـ {نظم الدرر حـ 2 صـ 41 ـ 44}\rوقال ابن عاشور : \rقوله تعالى {شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِماً بِالْقِسْطِ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ}","part":12,"page":8},{"id":4802,"text":"استئناف وتمهيد لقوله {إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْأِسْلامُ} ذلك أن أساس الإسلام هو توحيد الله. وإعلان هذا التوحيد ، وتخليصه من شوائب الإشراك ، وفيه تعريض بالمشركين وبالنصارى واليهود ، وإن تفاوتوا في مراتب الإشراك ، وفيه ضرب من رد العجز على الصدر : لأنه يؤكد ما افتتحت به السورة من قوله {اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ} {نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ} [آل عمران : 2-3]. أ هـ {التحرير والتنوير حـ 3 صـ 43 ـ 44}\rفصل\rقال أبو حيان : \rقال الزمخشري : شبهت دلالته على وحدانيته بأفعاله الخاصة التي لا يقدر عليها غيره ، وبما أوحى من آياته الناطقة بالتوحيد كسورة الإخلاص ، وآية الكرسي وغيرهما.\rبشهادة الشاهد في البيان والكشف ، وكذلك إقرار الملائكة وأولي العلم بذلك ، واحتجاجهم عليه. انتهى.\rوهو حسن.\rوقال المروزي : ذكر شهادته سبحانه على سبيل التعظيم لشهادة من ذكر بعده ، كقوله : { قل الأنفال لله والرسول } انتهى.\rومشاركة الملائكة وأولي العلم لله تعالى في الشهادة من حيث عطفا عليه لصحة نسبة الإعلام ، أو صحة نسبة الإظهار والبيان ، وإن اختلفت كيفية الإظهار والبيان من حيث أن إظهاره تعالى بخلق الدلائل ، وإظهار الملائكة بتقريرها للرسل ، والرسل لأولي العلم.\rوقال الواحدي : شهادة الله بيانه وإظهاره ، والشاهد هو العالم الذي بيّن ما علمه ، والله تعالى بيّن دلالات التوحيد بجميع ما خلق ، وشهادة الملائكة بمعنى الإقرار كقوله : { قالوا شهدنا على أنفسنا } أي : أقررنا.\rفنسق شهادة الملائكة على شهادة الله ، وإن اختلفت معنىً ، لتماثلهما لفظاً.\rكقوله : { إن الله وملائكته يصلون على النبي } لأنها من الله الرحمة ، ومن الملائكة الاستغفار والدعاء وشهادة أولي العلم ويحتمل الإقرار ويحتمل التبيين ، لأنهم أقرّوا وبينوا. انتهى.","part":12,"page":9},{"id":4803,"text":"وقال المؤرج : شهد الله ، بمعنى : قال الله ، بلغة قيس بن غيلان. أ هـ {البحر المحيط حـ 2 صـ 419}\rوقال ابن عاشور : \rالشهادة حقيقتها خبر يصدق به خبر مخبر وقد يكذب به خبر آخر كما تقدم عند قوله تعالى {وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ} في سورة البقرة[282]. وإذ قد كان شأنه أن يكون للتصديق والتكذيب في الحقوق ، كان مظنة اهتمام المخبر به والتثبت فيه ، فلذلك أطلق مجازا على الخبر الذي لا ينبغي أن يشك فيه قال تعالى {وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ} [المنافقون : 1] وذلك على سبيل المجاز المرسل بعلاقة التلازم ، فشهادة الله تحقيقه وحدانيته بالدلائل التي نصبها على ذلك ، وشهادة الملائكة تحقيقهم ذلك فيما بينهم ، وتبليغ بعضهم ذلك إلى الرسل ، وشهادة أولي العلم تحقيقهم ذلك بالحجج والأدلة.\rفإطلاق الشهادة على هذه الأخبار مجاز بعلاقة اللزوم ، أو تشبيه الإخبار بالإخبار أو المخبر بالمخبر ، ولك أن تجعل شهد بمعنى بين وأقام الأدلة ، شبه إقامة الأدلة على وحدانيته : من إيجاد المخلوقات ونصب الأدلة العقيلة ، بشهادة الشاهد بتصديق الدعوى في البيان والكشف على طريق الاستعارة التبعية ، وبين ذلك الملائكة بما نزلوا به من الوحي على الرسل ، وما نطقوا به من محامد ، وبين ذلك أولو العلم بما أقاموا من الحجج على الملاحدة ، ولك أن تجعل شهادة الله بمعنى الدلالة ونصب الأدلة ، وشهادة الملائكة وأولي العلم بمعنى آخر وهو الإقرار أو بمعنيين : إقرار الملائكة ، واحتجاج أولي العلم ، ثم تبنيه على استعمال شهد في معان مجازية ، مثل : {إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ} ، أو على استعمال شهد في مجاز أعم ، وهو الإظهار ، حتى يكون نصب الأدلة والإقرار والاحتجاج من أفراد ذلك العام ، بناء على عموم المجاز. أ هـ {التحرير والتنوير حـ 3 صـ 44}\rفصل\rقال الفخر : ","part":12,"page":10},{"id":4804,"text":"اعلم أن كل ما يتوقف العلم بنبوّة محمد صلى الله عليه وسلم على العلم به ، فإنه لا يمكن إثباته بالدلائل السمعية أما ما يكون كذلك فإنه يجوز إثباته بالدلائل السمعية ، وفي حق الملائكة ، وفي حق أولي العلم ، لكن العلم بصحة نبوّة محمد صلى الله عليه وسلم لا يتوقف على العلم بكون الله تعالى واحداً فلا جرم يجوز إثبات كون الله تعالى واحداً بمجرد الدلائل السمعية القرآنية.\rإذا عرفت هذا فنقول : ذكروا في قوله {شَهِدَ الله أَنَّهُ لا إله إِلاَّ هُوَ والملائكة وَأُوْلُواْ العلم} قولين : أحدهما : أن الشهادة من الله تعالى ، ومن الملائكة ، ومن أولي العلم بمعنى واحد الثاني : أنه ليس كذلك ، أما القول الأول فيمكن تقريره من وجهين : \rالوجه الأول : أن تجعل الشهادة عبارة عن الإخبار المقرون بالعلم ، فهذا المعنى مفهوم واحد وهو حاصل في حق الله تعالى ، وفي حق الملائكة ، وفي حق أولي العلم ، أما من الله تعالى فقد أخبر في القرآن عن كونه واحداً لا إله معه ، وقد بينا أن التمسك بالدلالة السمعية في هذه المسألة جائز ، وأما من الملائكة وأولي العلم فكلهم أخبروا أيضاً أن الله تعالى واحد لا شريك له ، فثبت على هذا التقرير أن المفهوم من الشهادة معنى واحد في حق الله ، وفي حق الملائكة ، وفي حق أولي العلم.\r","part":12,"page":11},{"id":4805,"text":"الوجه الثاني : أن نجعل الشهادة عبارة عن الإظهار والبيان ، ثم نقول : إنه تعالى أظهر ذلك وبينه بأن خلق ما يدل على ذلك ، أما الملائكة وأولوا العلم فقد أظهروا ذلك ، وبيّنوه بتقرير الدلائل والبراهين ، أما الملائكة فقد بيّنوا ذلك للرسل عليهم الصلاة والسلام ، والرسل للعلماء ، والعلماء لعامة الخلق ، فالتفاوت إنما وقع في الشيء الذي به حصل الإظهار والبيان ، فالمفهوم الإظهار والبيان فهو مفهوم واحد في حق الله سبحانه وتعالى ، وفي حق أولي العلم ، فظهر أن المفهوم من الشهادة واحد على هذين الوجهين ، والمقصود من ذلك كأنه يقول للرسول صلى الله عليه وسلم : إن وحدانية الله تعالى أمر قد ثبت بشهادة الله تعالى ، وشهادة جميع المعتبرين من خلقه ، ومثل هذا الدين المتين والمنهج القويم ، لا يضعف بخلاف بعض الجهال من النصارى وعبدة الأوثان ، فاثبت أنت وقومك يا محمد على ذلك فإنه هو الإسلام والدين عند الله هو الإسلام.\rالقول الثاني : قول من يقول : شهادة الله تعالى على توحيده ، عبارة عن أنه خلق الدلائل الدالة على توحيده ، وشهادة الملائكة وأولي العلم عبارة عن إقرارهم بذلك ، ولما كان كل واحد من هذين الأمرين يسمى شهادة ، لم يبعد أن يجمع بين الكل في اللفظ ، ونظيره قوله تعالى : {إِنَّ الله وملائكته يُصَلُّونَ عَلَى النبى ياأيها الذين ءَامَنُواْ صَلُّواْ عَلَيْهِ وَسَلّمُواْ تَسْلِيماً} [ الأحزاب : 56 ] ومعلوم أن الصلاة من الله غير الصلاة من الملائكة ، ومن الملائكة غير الصلاة من الناس ، مع أنه قد جمعهم في اللفظ. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 7 صـ 177 ـ 178}\rوقال ابن القيم : \rوقد فسرت شهادة أولي العلم بالإقرار وفسرت بالتبيين والإظهار\rوالصحيح أنها تتضمن الأمرين فشهادتهم إقرار وإظهار وإعلام وهم شهداء الله على الناس يوم القيامة قال الله تعالى {وكذلك جعلناكم أمة وسطا لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيدا}\rوقال تعالى {هو سماكم المسلمين من قبل وفي هذا ليكون الرسول شهيدا عليكم وتكونوا شهداء على الناس}\rفأخبر أنه جعلهم عدولا خيارا ونوه بذكرهم قبل أن يوجدهم لما سبق في علمه من اتخاذه لهم شهداء يشهدون على الأمم يوم القيامة فمن لم يقم بهذه الشهادة علما وعملا ومعرفة وإقرارا ودعوة وتعليما وإرشادا فليس من شهداء الله والله المستعان. أ هـ {مدارج السالكين حـ 3 صـ 473 ـ 474}\rفصل\rقال القرطبى : \rقال سعيد بن جبير : كان حول الكعبة ثلاثمائة وستون صنماً ، فلما نزلت هذه الآية خَرَرْنَ سُجّداً.","part":12,"page":12},{"id":4806,"text":"وقال الكلبيّ : \" لما ظهر رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمدينة قدم عليه حِبران من أحبار أهل الشام ؛ فلما أبصرا المدينة قال أحدهما لصاحبه : ما أشبه هذه المدينة بصفة مدينة النبيّ الذي يخرج في آخر الزمان!.\rفلما دخلا على النبيّ صلى الله عليه وسلم عرفاه بالصفة والنعت ، فقالا له : أنت محمد ؟ قال \"نعم\".\rقالا : وأنت أحمد ؟ قال : \"نعم\".\rقالا : نسألك عن شهادة ، فإن أنت أخبرتنا بها آمنّا بك وصدّقناك.\rفقال لهما رسول الله صلى الله عليه وسلم : \"سَلاَني\".\rفقالا : أخبرنا عن أعظم شهادة في كتاب الله.\rفأنزل الله تعالى على نبيه صلى الله عليه وسلم { شَهِدَ الله أَنَّهُ لاَ إله إِلاَّ هُوَ والملائكة وَأُوْلُواْ العلم قَآئِمَاً بالقسط } فأسلم الرجلان وصدّقا برسول الله صلى الله عليه وسلم \" وقد قيل : إن المراد بأُولي العلم الأنبياء عليهم السلام.\rوقال ابن كيسان : المهاجرون والأنصار.\rمقاتِل : مؤمِنوا أهل الكتاب.\rالسدي والكلبيّ : المؤمنون كلهم ؛ وهو الأظهر لأنه عام. أ هـ {تفسير القرطبى حـ 4 صـ 41}\rسؤال : فإن قيل : المدعي للوحدانية هو الله ، فكيف يكون المدعي شاهداً ؟ .\rالجواب : من وجوه الأول : وهو أن الشاهد الحقيقي ليس إلا الله ، وذلك لأنه تعالى هو الذي خلق الأشياء وجعلها دلائل على توحيده ، ولولا تلك الدلائل لما صحت الشهادة ، ثم بعد ذلك نصب تلك الدلائل هو الذي وفق العلماء لمعرفة تلك الدلائل ، ولولا تلك الدلائل التي نصبها الله تعالى وهدى إليها لعجزوا عن التوصل بها إلى معرفة التوحيد ، وإذا كان الأمر كذلك كان الشاهد على الوحدانية ليس إلا الله وحده ، ولهذا قال : {قُلْ أَىُّ شَىْء أَكْبَرُ شهادة قُلِ الله} [ الأنعام : 19 ].","part":12,"page":13},{"id":4807,"text":"الوجه الثاني : في الجواب أنه هو الموجود أزلاً وأبداً ، وكل ما سواه فقد كان في الأزل عدماً صرفاً ، ونفياً محضاً ، والعدم يشبه الغائب ، والموجود يشبه الحاضر ، فكل ما سواه فقد كان غائباً ، وبشهادة الحق صار شاهداً ، فكان الحق شاهداً عل الكل ، فلهذا قال : {شَهِدَ الله أَنَّهُ لاَ إله إِلاَّ هُوَ }.\rالوجه الثالث : أن هذا وإن كان في صورة الشهادة ، إلا أنه في معنى الإقرار ، لأنه لما أخبر أنه لا إله سواه ، كان الكل عبيداً له ، والمولى الكريم لا يليق به أن لا يخل بمصالح العبيد ، فكان هذا الكلام جارياً مجرى الإقرار بأنه يجب وجوب الكريم عليه أن يصلح جهات جميع الخلق.\rالوجه الرابع : في الجواب قرأ ابن عباس {شَهِدَ الله أَنَّهُ لا إله إِلاَّ هُوَ} بكسر {إِنَّهُ} ثم قرأ {إِنَّ الدّينَ عِندَ الله الإسلام} [ آل عمران : 19 ] بفتح {أن} فعلى هذا يكون المعنى : شهد الله أن الدين عند الله الإسلام ويكون قوله {أَنَّهُ لا إله إِلاَّ هُوَ} اعتراضاً في الكلام ، واعلم أن الجواب لا يعتمد عليه ، لأن هذه القراءة غير مقبولة عند العلماء ، وبتقدير {أن} تكون مقبولة لكن القراءة الأولى متفق عليها ، فالإشكال الوارد عليها لا يندفع بسبب القراءة الأخرى. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 7 صـ 178}\rفائدة\rقال أبو حيان : \rقدم الملائكة على أولي العلم من البشر لأنهم الملأ الأعلى ، وعلمهم كله ضروري ، بخلاف البشر ، فإن علمهم ضروري واكتسابي. أ هـ {البحر المحيط حـ 2 صـ 420}\rفائدة\rقال الفخر : \rالمراد من {أُوْلِى العلم} في هذه الآية الذين عرفوا وحدانيته بالدلائل القاطعة لأن الشهادة إنما تكون مقبولة ، إذا كان الإخبار مقروناً بالعلم ، ولذلك قال صلى الله عليه وسلم : \" إذا علمت مثل الشمس فاشهد \" وهذا يدل على أن هذه الدرجة العالية والمرتبة الشريفة ليست إلا لعلماء الأصول. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 7 صـ 179}","part":12,"page":14},{"id":4808,"text":"فائدة\rقال ابن القيم : \rشهد الله لنفسه بهذا التوحيد وشهد له به ملائكته وأنبياؤه ورسله قال {شهد الله أنه لا إله إلا هو والملائكة وأولوا العلم قائما بالقسط لا إله إلا هو العزيز الحكيم إن الدين عند الله الإسلام}\rفتضمنت هذه الآية الكريمة إثبات حقيقة التوحيد والرد على جميع هذه الطوائف والشهادة يبطلان أقوالهم ومذاهبهم وهذا إنما يتبين بعد فهم الآية ببيان ما تضمنته من المعارف الإلهية والحقائق الإيمانية\rفتضمنت هذه الآية أجل شهادة وأعظمها وأعدلها وأصدقها من أجل شاهد بأجل مشهود به وعبارات السلف في شهد تدور على الحكم والقضاء والإعلام والبيان والإخبار قال مجاهد حكم وقضى وقال الزجاج بين وقالت طائفة أعلم وأخبر وهذه الأقوال كلها حق لا تنافي بينها فإن الشهادة تتضمن كلام الشاهد وخبره وقوله وتتضمن إعلامه وإخباره وبيانه فلها أربع مراتب فأول مراتبها علم ومعرفة واعتقاد لصحة المشهود به وثبوته وثانيها تكلمه بذلك ونطقه به وإن لم يعلم به غيره بل يتكلم به مع نفسه ويذكرها وينطق بها أو يكتبها وثالثها أن يعلم غيره بما شهد به ويخبره به ويبينه له ورابعها أن يلزمه بمضمونها ويأمره به\rفشهادة الله سبحانه لنفسه بالوحدانية والقيام بالقسط تضمنت هذه المراتب الأربعة علم الله سبحانه بذلك وتكلمه به وإعلامه وإخباره لخلقه به وأمرهم وإلزامهم به\rأما مرتبة العلم فإن الشهادة بالحق تتضمنها ضرورة وإلا كان الشاهد شاهدا بما لا علم له به قال الله تعالى إلا من شهد بالحق وهم يعلمون وقال النبي على مثلها فاشهد وأشار إلى الشمس","part":12,"page":15},{"id":4809,"text":"وأما مرتبة التكلم والخبر فمن تكلم بشيء وأخبر به فقد شهد به وإن لم يتلفظ بالشهادة قال تعالى قل هلم شهداءكم الذين يشهدون أن الله حرم هذا فإن شهدوا فلا تشهد معهم وقال تعالى وجعلوا الملائكة الذين هم عباد الرحمن إناثا أشهدوا خلقهم سنكتب شهادتهم ويسألون فجعل ذلك منهم شهادة وإن لم يتلفظوا بلفظ الشهادة ولم يؤدوها عند غيرهم قال النبي عدلت شهادة الزور الإشراك بالله وشهادة الزور هي قول الزور كما قال تعالى {واجتنبوا قول الزور حنفاء لله غير مشركين به} وعند نزول هذه الآية قال رسول الله عدلت شهادة الزور الإشراك بالله فسمى قول الزور شهادة وسمى الله تعالى إقرار العبد على نفسه شهادة قال تعالى {يا أيها الذين آمنوا كونوا قوامين بالقسط شهداء لله ولو على أنفسكم} فشهادة المرء على نفسه هي إقراره على نفسه وفي الحديث الصحيح في قصة ماعز الأسلمي فلما شهد على نفسه أربع مرات رجمه رسول الله وقال تعالى {قالوا شهدنا على أنفسنا وغرتهم الحياة الدنيا وشهدوا على أنفسهم أنهم كانوا كافرين}\rوهذا وأضعافه يدل على أن الشاهد عند الحاكم وغيره لا يشترط في قبول شهادته أن يتلفظ بلفظ الشهادة كما هو مذهب مالك وأهل المدينة وظاهر كلام أحمد ولا يعرف عن أحد من الصحابة والتابعين اشتراط ذلك وقد قال ابن عباس شهد عندي رجال مرضيون وأرضاهم عندي عمر أن رسول الله نهى عن الصلاة بعد الصبح حتى تطلع الشمس وبعد العصر حتى تغرب الشمس ومعلوم أنهم لم يتلفظوا بلفظ الشهادة والعشرة الذين شهد لهم رسول الله بالجنة لم يتلفظ في شهادته لهم بلفظ الشهادة بل قال أبو بكر في الجنة وعمر في الجنة وعثمان في الجنة وعلي في الجنة الحديث","part":12,"page":16},{"id":4810,"text":"وأجمع المسلمون على أن الكافر إذا قال : لا إله إلا الله محمد رسول الله فقد دخل في الإسلام وشهد شهادة الحق ولم يتوقف إسلامه على لفظ الشهادة وأنه قد دخل في قوله حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وفي لفظ آخر حتى يقولوا لا إله إلا الله فدل على أن مجرد قولهم لا إله إلا الله شهادة منهم وهذا أكثر من أن تذكر شواهده من الكتاب والسنة فليس مع من اشترط لفظ الشهادة دليل يعتمد عليه والله أعلم. أ هـ {مدارج السالكين حـ 3 صـ 450 ـ 452}\rسؤال : فإن قيل فلم لم يذكر الله سبحانه شهادة رسله مع الملائكة فيقول شهد الله أنه لا إله إلا هو والملائكة والرسل وهم أعظم شهادة من أولي العلم ؟ \rقيل في ذلك عدة فوائد\rإحداها أن أولي العلم أعم من الرسل والأنبياء فيدخلون هم وأتباعهم\rوثانيها أن في ذكر أولي العلم في هذه الشهادة وتعليقها بهم ما يدل على أنها من موجبات العلم ومقتضايته وأن من كان من أولي العلم فإنه يشهد بهذه الشهادة كما يقال إذا طلع الهلال واتضح فإن كل من كان من أهل النظر يراه وإذا فاحت رائحة ظاهرة فكل من كان من أهل الشم يشم هذه الرائحة قال تعالى وبرزت الجحيم لمن يرى أي كل من له رؤية يراها حينئذ عيانا ففي هذا بيان أن من لم يشهد له الله سبحانه بهذه الشهادة فهو من أعظم الجهال وإن علم من أمور الدنيا مالم يعلمه غيره فهو من أولي الجهل لا من أولي العلم وقد بينا أنه لم يقم بهذه الشهادة ويؤديها على وجهها إلا أتباع الرسل أهل الإثبات فهم أولو العلم وسائر من عداهم أولو الجهل وإن وسعوا القول وأكثروا الجدال. أ هـ {مدارج السالكين حـ 3 صـ 472 ـ 473}","part":12,"page":17},{"id":4811,"text":"فصل\rقال القرطبى : \rفي هذه الآَية دليل على فضل العلم وشرف العلماء وفضلهم ؛ فإنه لو كان أحدٌ أشرفَ من العلماء لقرنهم الله باسمه واسم ملائكته كما قرن اسم العلماء.\rوقال في شرف العلم لنبيه صلى الله عليه وسلم { وَقُل رَّبِّ زِدْنِى عِلْماً } [ طه : 114 ] فلو كان شيء أشرف من العلم لأمر الله تعالى نبيه صلى الله عليه وسلم أن يسأله المزيد منه كما أمر يستزيده من العلم.\rوقال صلى الله عليه وسلم.\r\" إنّ العلماء ورثة الأنبياء \" وقال : \" العلماء أُمَنَاء الله على خلقه \" وهذا شرف للعلماء عظيم ، ومحلُّ لهم في الدّين خطير.\rوخرّج أبو محمد عبد الغني الحافظ من حديث برَكَة بن نَشِيط وهو عَنْكَل بن حكارك وتفسيره بركة بن نشيط وكان حافظا ، حدثنا عمر ابن المؤمل حدثنا محمد بن أبي الخصيب حدّثنا محمد بن إسحاق حدّثنا شريك عن أبي إسحاق عن البراء قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : \" العلماء ورثة الأَنبياء يحبهم أهل السماء ويستغفر لهم الحيتان في البحر إذا ماتوا إلى يوم القيامة \" وفي هذا الباب ( حديث ) عن أبي الدرداء خرّجه أبو داود. أ هـ {تفسير القرطبى حـ 4 صـ 41}\rفوائد لغوية\rقال ابن عادل : \rالعامة على \" شَهِدَ \" فعلاً ماضياً ، مبنيًّا للفاعل ، ولفظ الجلالة رَفْع به.\rوقرأ أبو الشعثاء : \" شُهِدَ \" مبنيًّا للمفعول ، ولفظ الجلالة قائِم مقام الفاعل ، وعلى هذه القراءة يكون \" أنَّهُ لاَ إلَهَ إلاَّ هُوَ \" في محل رفع ؛ بدلاً من اسم \" اللهُ \" - بدل اشتمال ، تقديره : شُهِدَ وحدانيةُ الله - تعالى - وألوهيتهُ.","part":12,"page":18},{"id":4812,"text":"ولما كان المعنى على هذه القراءة كذلك أشكل عطف الملائكة ، وأولي العلم على لفظ الجلالة ، فخُرِّج ذلك على عدم العطف ، بل إما على الابتداء ، والخبر محذوف ؛ لدلالة الكلام عليه ، تقديره : والملائكة ، وأولو العلم يشهدون بذلك ، يدل عليه قوله تعالى : { شَهِدَ الله } ، وإما على الفاعلية بإضمار محذوف ، تقديره : وشَهِدَ الملائكةُ ، وأولو العلم بذلك ، وهو قريب من قوله تعالى : { يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بالغدو والآصال } [ النور : 36 ] ، في قراءة مَنْ بناه للمفعول.\rوقوله : [ الطويل ]\r1367 - لِيُبْكَ يَزِيدُ ضَارعٌ لِخُصُومَةٍ... وَمُخْتَبِطٌ مِمَّا تُطِيحُ الطَّوَائِحُ\rوقرأ أبو المهلَّب : \" شُهَدَاءَ اللهِ \" جمعاً على فُعَلاَء - كظُرفاءَ - منصوباً ، ورُوِيَ عنه وعن أبي نُهَيْك كذلك إلا أنه مرفوع ، وفي كلتا القراءتين مضاف للفظ الجلالة ، فأما النصب فعلى الحال ، وصاحبها هو الضمير المستتر في \" الْمُسْتَغْفِرِينَ \".\rقال ابنُ جني ، وتبعه الزمخشريُّ ، وأبو البقاء : وأما الرفع فعلى إضمار مبتدأ ، أي : هم شهداءُ الله.\rوشهداء : يُحْتَمل أن يكون جمع شاهد - كشاعر وشُعَراء - وأن يكون جمع شهيد كظريف وظُرفاء. وقرأ أبو المهلب - أيضاً - : \" شُهُداً الله \" - بضم الشين والهاء والتنوين ونصب لفظ الجلالة وهو منصوب على الحال ؛ جمع شهيد - كنذير ونُذُر - واسم \" الله \" منصوب على التعظيم أي يشهدون الله ، أي : وحدانيته.\rوروى النقاش أنه قرأ كذلك ، إلاّ أنه قال : برَفْع الدال ونصبها ، والإضافة للَفْظ الجلالة ، فالرفع والنصب على ما تقدم في \" شُهَدَاءَ \" ، وأما الإضافة ، فيحتمل أن تكون محضة ، بمعنى أنك عرفتهم إضافتهم إليه من غير تعرض لحدوث فعل ، كقولك : عباد الله ، وأن يكون من نصب كالقراءة قبلها فتكون غير محضة.","part":12,"page":19},{"id":4813,"text":"ونقل الزمخشريُّ أنه قُرِئ \" شُهَدَاء لله \" جمعاً على فُعَلاَء ، وزيادة لام جر داخلة على اسم الله ، وفي الهمزة النصب والرفع ، وخرجهما على ما تقدم من الحال والخبر ، وعلى هذه القراءات كلها ففي رفع \" الْمَلاَئِكَةِ \" وما بعدها ثلاثة أوجه : \rأحدها : الابتداء ، والخبر محذوف.\rوالثاني : أنه فاعل بفعل مقدر.\rالثالث : - ذكره الزمخشريُّ - وهو النسق على الضمير المستكن في \" شَهِدَ اللهُ \" ، قال : \" وجاز ذلك لوقوع الفاصلِ بينهما \".\rقوله : \" أنَّهُ \" العامة على فَتح الهمزة ، وإنما فُتِحَت ؛ لأنها على حذف حرف الجر ، أي : شهد الله بأنه لا إله إلا هو ، فلما حذف الحرف جاز أن يكون محلها نصباً ، وأن يكون محلها جَرًّا.\rوقرأ ابن عباس \" إنَّهُ \" - بكسر الهمزة - وفيها تخريجان : \rأحدهما : إجراء \" شَهِدَ \" مُجْرَى القولن لأنه بمعناه ، وكذا وقع في التفسير : شهد الله اي : قال الله ، ويؤيدَه ما نقله المؤرِّجُ من أن \" شَهِد \" بمعنى \" قال \" لغة قيس بن عيلان.\rالثاني : أنها جملة اعتراض - بين العامل - وهو شَهِد - وبين معموله - وهو قوله : إنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللهِ الإسْلاَمُ \" ، وجاز ذلك لِما في هذه الجملةِ من التأكيد ، وتقوية المعنى وهذا إنما يتجه على قراءة فتح \" أنَّ \" من \" أنَّ الدِّينَ \" ، وأما على قراءة الكسر فلا يجوز ، فتعيَّنَ الوجهُ الأول.\rوالضمير في \" أنَّهُ \" يحتمل العود على الباري ؛ لتقدم ذكره ، ويحتمل أن يكون ضميرَ الأمر ، ويؤيِّدُ ذلك قراءةُ عبد الله : { شَهِدَ الله أَنَّهُ لاَ إله إِلاَّ هُوَ } ف \" أنْ \" مخفَّفة في هذه القراءة ، والمخففة لا تعمل إلا في ضمير الشأن - ويُحْذَف حينئذ - ولا تعمل في غيره إلا ضرورة [ وأدغم أبو عمرو بخلاف عنه واو هُوَ في واو النسق بعدها ، وقد تقدم تحقيق هذه المسألة عند قوله : \" هُوَ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَه \" ]. أ هـ {تفسير ابن عادل حـ 5 صـ 91 ـ 93}","part":12,"page":20},{"id":4815,"text":"فصل نفيس للعلامة ابن القيم\rقال رحمه الله : \rاستشهد سبحانه بأولى العلم على أجل مشهود عليه وهو توحيده فقال {شهد الله أنه لا إله إلا هو والملائكة وأولو العلم قائما بالقسط}\rوهذا يدل على فضل العلم وأهله من وجوه\rأحدها استشهادهم دون غيرهم من البشر\rوالثاني اقتران شهادتهم بشهادته\rوالثالث اقترانها بشهادة ملائكته\rوالرابع أن في ضمن هذا تزكيتهم وتعديلهم فإن الله لا يستشهد من خلقه إلا العدول ومنه الأثر المعروف عن النبي صلى الله عليه وسلم يحمل هذا العلم من كل خلف عدوله ينفون عنه تحريف الغالين وانتحال المبطلين وتأويل الجاهلين وقال محمد بن أحمد بن يعقوب بن شيبة رأيت رجلا قدم رجلا إلى إسماعيل بن إسحاق القاضي فادعى عليه دعوى فسأل المدعى عليه فأنكر فقال للمدعى ألك بينة قال نعم فلان وفلان قال أما فلان فمن شهودي وأما فلان فليس من شهودي قال فيعرفه القاضي قال نعم قال بماذا قال أعرفه بكتب الحديث قال فكيف تعرفه في كتبه الحديث قال ما علمت إلا خيرا قال فإن النبي صلى الله عليه وسلم قال يحمل هذا العلم من كل خلف عدوله فمن عدله رسول الله صلى الله عليه وسلم أولى ممن عدلته أنت فقال قم فهاته فقد قبلت شهادته وسيأتي إن شاء الله الكلام على هذا الحديث في موضعه\rالخامس أنه وصفهم بكونهم أولى العلم وهذا يدل على اختصاصهم به وانهم اهله واصحابه ليس بمستعار لهم السادس أنه سبحانه استشهد بنفسه وهو أجل شاهد ثم بخيار خلقه وهم ملائكته والعلماء من عباده ويكفيهم بهذا فضلا وشرفا\rالسابع أنه استشهد بهم على أجل مشهود به وأعظمه وأكبره وهو شهادة أن لا إله إلا الله والعظيم القدر إنما يستشهد على الأمر العظيم أكابر الخلق وساداتهم\rالثامن أنه سبحانه جعل شهادتهم حجة على المنكرين فهم بمنزلة آدلته وآياته وبراهنيه الدالة على توحيده","part":12,"page":21},{"id":4816,"text":"التاسع أنه سبحانه أفرد الفعل المتضمن لهذه الشهادة لصادرة منه ومن ملائكته ومنهم ولم يعطف شهادتهم بفعل آخر غير شهادته وهذا يدل على شدة ارتباط شهادتهم بشهادته\rفكأنه سبحانه شهد لنفسه بالتوحيد على ألسنتهم وأنطقهم بهذه الشهادة فكان هو الشاهد بها لنفسه إقامة وإنطاقا وتعليما وهم الشاهدون بها له إقرارا واعترافا وتصديقا وإيمانا\rالعاشر أنه سبحانه جعلهم مؤدين لحقه عند عباده بهذه الشهادة فإذا أدوها فقد أدوا الحق المشهود به فثبت الحق المشهود به فوجب على الخلق الإقرار به وكان ذلك غاية سعادتهم في معاشهم ومعادهم وكل من ناله الهدى بشهادتهم وأقر بهذا الحق بسبب شهادتهم فلهم من الأجر مثل أجره وهذا فضل عظيم لا يدرى قدره إلا الله وكذلك كل من شهد بها عن شهادتهم فلهم من الأجر مثل أجره أيضا فهذه عشرة أوجه في هذه الاية\rالحادي عشر في تفضيل العلم وأهله أنه سبحانه نفي التسوية بين أهله وبين غيرهم كما نفى التسوية بين أصحاب الجنة وأصحاب النار فقال تعالى {قل هل يستوى الذين يعلمون والذين لا يعلمون} كما قال تعالى {لا يستوى أصحاب النار وأصحاب الجنة} وهذا يدل على غاية فضلهم وشرفهم الوجه\rالثاني عشر أنه سبحانه جعل أهل الجهل بمنزلة العميان الذين لا يبصرون فقال {أفمن يعلم إنما أنزل إليك من ربك الحق كمن هو أعمى} فما ثم إلا عالم أو أعمى وقد وصف سبحانه أهل الجهل بأنهم صم بكم عمي في غير موضع من كتابه\rالوجه الثالث عشر أنه سبحانه أخبر عن أولى العلم بأنهم يرون أن ما أنزل إليه من ربه حقا وجعل هذا ثناء عليهم واستشهادا بهم فقال تعالى {ويرى الذين أوتو العلم الذي أنزل إليك من ربك هو الحق}\rالوجه الرابع عشر أنه سبحانه أمر بسؤالهم والرجوع إلى أقوالهم وجعل ذلك كالشهادة منهم فقال {وما أرسلنا قبلك إلا رجالا نوحي إليهم فاسئلوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون}\rوأهل الذكر هم أهل العلم بما أنزل على الأنبياء","part":12,"page":22},{"id":4817,"text":"الوجه الخامس عشر أنه سبحانه شهد لأهل العلم شهادة في ضمنها الاستشهاد بهم على صحة ما أنزل الله على رسوله فقال تعالى {أفغير الله أبتغى حكما وهو الذي أنزل إليكم الكتاب مفصلا والذين آتيناهم الكتاب يعلمون أنه منزل من ربك بالحق فلا تكونن من الممترين}\rالوجه السادس عشر أنه سبحانه سلى نبيه بإيمان أهل العلم به وأمره أن لا يعبأ بالجاهلين شيئا فقال تعالى {وقرآنا فرقناه لتقرأه على الناس على مكث ونزلناه تنزيلا قل آمنوا به أو لا تؤمنوا إن الذين أوتوا العلم من قبله إذا يتلى عليهم يخرون للأذقان سجدا ويقولون سبحان ربنا إن كان وعد ربنا لمفعولا}\rوهذا شرف عظيم لأهل العلم وتحته أن أهله العالمون قد عرفوه وآمنوا به وصدقوا فسواء آمن به غيرهم أو لا\rالوجه السابع عشر أنه سبحانه مدح أهل العلم وأثنى عليهم وشرفهم بأن جعل كتابه آيات بينات في صدورهم وهذه خاصة ومنقبة لهم دون غيرهم فقال تعالى {وكذلك أنزلنا إليك الكتاب فالذين آتيناهم الكتاب يؤمنون به ومن هؤلاء من يؤمن به وما يجحد بآياتنا إلا الكافرون وما كنت تتلو من قبله من كتاب ولا تخطه بيمينك إذا لارتاب المبطلون بل هو آيات بينات في صدور الذين أوتوا العلم وما يجحد بآياتنا إلا الظالمون} وسواء كان المعنى أن القرآن مستقر في صدور الذين أوتوا العلم ثابت فيها محفوظ وهو في نفسه آيات بينات فيكون أخبر عنه بخبرين\rأحدهما أنه آيات بينات\rالثاني أنه محفوظ مستقر ثابت في صدور الذين أوتوا العلم أو كان المعنى أنه آيات بينات في صدورهم أي كونه آيات بينات معلوم لهم ثابت في صدورهم والقولان متلازمان ليسا بمختلفين وعلى التقديرين فهو مدح لهم وثناء عليهم في ضمنه الاستشهاد بهم فتأمله\rالوجه الثامن عشر أنه سبحانه أمر نبيه أن يسأله مزيد العلم فقال تعالى {فتعالى الله الملك الحق ولا تعجل بالقرآن من قبل أن يقضى إليك وحيه وقل رب زدني علما}","part":12,"page":23},{"id":4818,"text":"وكفى بهذا شرفا للعلم أن أمر نبيه أن يسأله المزيد منه الوجه التاسع عشر أنه سبحانه أخبر عن رفعة درجات أهل العلم والإيمان خاصة فقال تعالى {يا أيها الذين آمنوا إذا قيل لكم تفسحوا في المجالس فافسحوا يفسح الله لكم وإذا قيل انشزوا فانشزوا يرفع الله الذين آمنوا منكم والذين أوتوا العلم درجات والله بماتعملون خبير} وقد أخبر سبحانه في كتابه برفع الدرجات في أربعة مواضع\rأحدها هذا\rوالثاني قوله {إنما المؤمنون الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم واذا تليت عليهم آياته زادتهم إيمانا وعلى ربهم يتوكلون الذين يقيمون الصلاة ومما رزقناهم ينفقون أؤلئك هم المؤمنون حقا لهم درجات عند ربهم ومغفرة ورزق كريم}\rوالثالث قوله تعالى {ومن يأته مؤمنا قد عمل الصالحات فأؤلئك لهم الدرجات العلى}\rوالرابع قوله تعالى {وفضل الله المجاهدين على القاعدين أجرا عظيما درجات منه ومغفرة ورحمة}\rفهذه أربعة مواضع في ثلاثة منها الرفعة بالدرجات لأهل الإيمان الذي هو العلم النافع والعمل الصالح والرابع الرفعة بالجهاد فعادت رفعة الدرجات كلها إلى العلم والجهاد اللذين بهما قوام الدين\rالوجه العشرون أنه سبحانه استشهد بأهل العلم والإيمان يوم القيامة على بطلان قول الكفار فقال تعالى {ويوم تقوم الساعة يقسم المجرمون ما لبثوا غير ساعة كذلك كانوا يؤفكون وقال الذين أوتوا العلم والإيمان لقد لبثتم في كتاب الله إلى يوم البعث فهذا يوم البعث ولكنكم كنتم لا تعلمون}\rالوجه الحادي والعشرون أنه سبحانه أخبر أنهم أهل خشيته بل خصهم من بين الناس بذلك فقال تعالى {إنما يخشى الله من عباده العلماء إن الله عزيز غفور} وهذا حصر لخشيته في أولى العلم وقال تعالى {جزاؤهم عند ربهم جنات عدن تجرى من تحتها الأنهار خالدين فيها أبدا رضى الله عنهم ورضوا عنه ذلك لمن خشى ربه}","part":12,"page":24},{"id":4819,"text":"وقد أخبر أن أهل خشيته هم العلماء فدل على أن هذا الجزاء المذكور للعلماء بمجموع النصين وقال ابن مسعود رضى الله عنه كفى بخشية الله علما وكفى بالاغترار بالله جهلا الوجه\rالثاني والعشرون أنه سبحانه أخبر عن أمثاله التي يضربها لعباده يدلهم على صحة ما أخبر به أن أهل العلم هم المنتفعون بها المختصون بعلمها فقال تعالى {وتلك الأمثال نضربها للناس وما يعقلها إلا العالمون}\rوفي القرآن بضعة وأربعون مثلا وكان بعض السلف إذا مر بمثل لا يفهمه يبكي ويقول لست من العالمين\rالوجه الثالث والعشرون أنه سبحانه ذكر مناظرة إبراهيم لأبيه وقومه وغلبته لهم بالحجة وأخبر عن تفضيله بذلك ورفعه درجته بعلم الحجة فقال تعالى عقيب مناظرته لأبيه وقومه في سورة الأنعام {وتلك حجتنا آتيناها إبراهيم على قومه نرفع درجات من نشاء إن ربك حكيم عليم}\rقال زيد بن أسلم رضى الله عنه نرفع درجات من نشاء بعلم الحجة\rالوجه الرابع والعشرون أنه سبحانه أخبر أنه خلق الخلق ووضع بيته الحرام والشهر\rالحرام والهدى والقلائد ليعلم عباده أنه بكل شيء عليم وعلى كل شيء قدير فقال تعالى {الله الذي خلق سبع سموات ومن الأرض مثلهن يتنزل الأمر بينهن لتعلموا أن الله على كل شيء قدير وأن الله قد أحاط بكل شيء علما} فدل على أن علم العباد بربهم وصفاته وعبادته وحده هو الغاية المطلوبة من الخلق والأمر\rالوجه الخامس والعشرون أن الله سبحانه أمر أهل العلم بالفرح بما آتاهم وأخبر أنه خير مما يجمع الناس فقال تعالى {قل بفضل الله وبرحمته فبذلك فليفرحوا هو خير مما يجمعون}\rوفسر فضل الله بالإيمان ورحمته بالقرآن والإيمان والقرآن هما العلم النافع والعمل الصالح والهدى ودين الحق وهما أفضل علم وأفضل عمل\rالوجه السادس والعشرون أنه سبحانه شهد لمن آتاه العلم بانه قد آتاه خيرا كثيرا فقال تعالى {يؤتى الحكمة من يشاء ومن يؤت الحكمة فقد أوتى خيرا كثيرا}","part":12,"page":25},{"id":4820,"text":"قال ابن قتيبة والجمهور الحكمة إصابة الحق والعمل به وهي العلم النافع والعمل الصالح\rالوجه السابع والعشرون أنه سبحانه عدد نعمه وفضله على رسوله وجعل من أجلها أن آتاه الكتاب والحكمة وعلمه ما لم يكن يعلم فقال تعالى {وأنزل الله عليك الكتاب والحكمة وعلمك ما لم تكن تعلم وكان فضل الله عليك عظيما} الوجه الثامن والعشرون أنه سبحانه ذكر عباده المؤمنين بهذه النعمة وأمرهم بشكرها وأن يذكروه على إسدائها إليهم فقال تعالى {كما أرسلنا فيكم رسولا منكم يتلو عليكم آياتنا ويزكيكم ويعلمكم الكتاب والحكمة ويعلمكم ما لم تكونوا تعلمون فاذكروني أذكركم واشكروا لي ولا تكفرون}\rالوجه التاسع والعشرون أنه سبحانه لما أخبر ملائكته بأنه يريد أن يجعل في الأرض خليفة قالوا له {أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك قال إني أعلم مالا تعلمون وعلم آدم الاسماء كلها ثم عرضهم على الملائكة فقال أنبئوني بأسماء هؤلاء إن كنتم صادقين قالوا سبحانك لاعلم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم} إلى آخر قصة آدم وأمر الملائكة بالسجود لآدم فأبى ابليس فلعنه وأخرجه من السماء وبيان فضل العلم من هذه القصة من وجوه\rأحدها أنه سبحانه رد على الملائكة لما سألوه كيف يجعل في الأرض من هم أطوع له منه فقال {إني أعلم ما لا تعلمون} فأجاب سؤالهم بأنه يعلم من بواطن الأمور وحقائقها ما لا يعلمونه وهو العليم الحكيم فظهر من هذا الخليفة من خيار خلقه ورسله وأنبيائه وصالحي عباده والشهداء والصديقين والعلماء وطبقات أهل العلم والإيمان من هو خير من الملائكة وظهر من إبليس من هو شر العالمين فأخرج سبحانه هذا وهذا والملائكة لم يكن لها علم لا بهذا ولا بهذا ولا بما في خلق آدم وإسكانه الأرض من الحكم الباهرة","part":12,"page":26},{"id":4821,"text":"الثاني أنه سبحانه لما أراد إظهار تفضيل آدم وتمييزه وفضله ميزه عليهم بالعلم فعلمه الأسماء كلها ثم عرضهم على الملائكة فقال أنبئوني بأسماء هؤلاء إن\rكنتم صادقين جاء في التفسير إنهم قالوا لن يخلق ربنا خلقا هو أكرم عليه منا فظنوا أنهم خير وأفضل من الخليفة الذي يجعله الله في الأرض فلما امتحنهم بعلم ما علمه لهذا الخليفة أقروا بالعجز وجهل ما لم يعلموه فقالوا {سبحانك لاعلم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم} فحينئذ أظهر لهم فضل آدم بما خصه به من العلم فقال يا آدم أنبئهم بأسمائهم فلما أنبأهم بأسمائهم أقروا له بالفضل\rالثالث أنه سبحانه لما أن عرفهم فضل آدم بالعلم وعجزهم عن معرفة ما علمه قال لهم {ألم أقل لكم إني أعلم غيب السموات والأرض وأعلم ما تبدون وما كنتم تكتمون} فعرفهم سبحانه نفسه بالعلم وأنه أحاط علما بظاهرهم وباطنهم وبغيب السموات والأرض فتعرف إليهم بصفة العلم وعرفهم فضل نبيه وكليمه بالعلم وعجزهم عما آتاه آدم من العلم وكفى بهذا شرفا للعلم\rالرابع أنه سبحانه جعل في آدم\rمن صفات الكمال ما كان به أفضل من غيره من المخلوقات وأراد سبحانه أن يظهر لملائكته فضله وشرفه فأظهر لهم أحسن ما فيه وهو علمه فدل على أن العلم أشرف ما في الإنسان وأن فضله وشرفه إنما هو بالعلم ونظير هذا ما فعله بنبيه يوسف عليه السلام لما أراد إظهار فضله وشرفه على أهل زمانه كلهم أظهر للملك وأهل مصر من علمه بتأويل رؤياه ما عجز عنه علماء التعبير فحينئذ قدمه ومكنه وسلم إليه خزائن الأرض وكان قبل ذلك قد حبسه على ما رآه من حسن وجهه وجمال صورته ولما ظهر له حسن صورة علمه وجمال معرفته أطلقه من الحبس ومكنه في الأرض فدل على أن صورة العلم عند بني آدم أبهى وأحسن من الصورة الحسية ولو كانت أجمل صورة وهذا وجه مستقل في تفضيل العلم مضاف إلى ما تقدم فتم به ثلاثون وجها","part":12,"page":27},{"id":4822,"text":"الوجه الحادي والثلاثون أنه سبحانه ذم أهل الجهل في مواضع كثيرة من كتابه فقال تعالى {ولكن أكثرهم يجهلون} وقال {ولكن أكثرهم لا يعلمون} وقال تعالى {أم تحسب أن أكثرهم يسمعون أو يعقلون إن هم إلا كالأنعام بل هم أضل سبيلا} فلم يقتصر سبحانه على تشبيه الجهال بالأنعام حتى جعلهم أضل سبيلا منهم وقال {إن شر الدواب عند الله الصم البكم الذين لا يعقلون} أخبر أن الجهال شر الدواب عنده على اختلاف أصنافها من الحمير والسباع والكلاب والحشرات وسائر الدواب فالجهال شر منهم وليس علي دين الرسل أضر من الجهال بل أعداؤهم على الحقيقة وقال تعالى لنبيه وقد أعاذه {فلا تكونن من الجاهلين} وقال كليمه موسى عليه الصلاة والسلام {أعوذ بالله أن أكون من الجاهلين} وقال لأول رسله نوح عليه السلام {إني أعظك أن تكون من الجاهلين} فهذه حال الجاهلين عنده والأول حال أهل العلم عنده وأخبر سبحانه عن عقوبته لأعدائه أنه منعهم علم كتابه ومعرفته وفقهه فقال تعالى {وإذا قرأت القرآن جعلنا بينك وبين الذين لا يؤمنون بالآخرة حجابا مستورا وجعلنا على قلوبهم أكنة أن يفقهوه وفي آذانهم وقرا} وأمر نبيه بالإعراض عنهم\rفقال {وأعرض عن الجاهلين} وأثنى على عباده بالإعراض عنهم ومتاركتهم كما في قوله {وإذا سمعوا اللغو أعرضوا عنه وقالوا لنا أعمالنا ولكم أعمالكم سلام عليكم لا نبتغي الجاهلين} وقال تعالى {وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاما} وكل هذا يدل على قبح الجهل عنده وبغضه للجهل وأهله وهو كذلك عند الناس فإن كل أحد يتبرأ منه وإن كان فيه","part":12,"page":28},{"id":4823,"text":"الوجه الثاني والثلاثون أن العلم حياة ونور والجهل موت وظلمة والشر كله سببه عدم الحياة والنور والخير كله سببه النور والحياة فإن النور يكشف عن حقائق الأشياء ويبين مراتبها والحياة هي المصححة لصفات الكمال الموجبة لتسديد الأقوال والأعمال فكلما تصرف من الحياة فهو خير كله كالحياء الذي سببه كمال حياة القلب وتصوره حقيقة القبح ونفرته منه وضده الوقاحة\rوالفحش وسببه موت القلب وعدم نفرته من القبيح وكالحياء الذي هو المطر الذي به حياة كل شيء قال تعالى {أو من كان ميتا فاحييناه وجعلنا له نورا يمشى به في الناس كمن مثله في الظلمات ليس بخارج منها} كان ميتا بالجهل قلبه فأحياه بالعلم وجعل له من الإيمان نورا يمشى به في الناس وقال تعالى {يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وآمنوا برسوله يؤتكم كفلين من رحمته ويجعل لكم نورا تمشون به ويغفر لكم والله غفور رحيم لئلا يعلم أهل الكتاب أن لا يقدرون على شيء من فضل الله وأن الفضل بيد الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم} وقال تعالى {الله ولي الذين آمنوا يخرجهم من الظلمات إلى النور والذين كفروا أولياؤهم الطاغوت يخرجونهم من النور إلى الظلمات أؤلئك أصحاب النار هم فيها خالدون} وقال تعالى {وكذلك أوحينا إليك روحا من أمرنا ما كنت تدري ما الكتاب ولا الإيمان ولكن جعلناه نورا نهدي به من نشاء من عبادنا وإنك لتهدي إلى صراط مستقيم} فأخبر أنه روح تحصل به الحياة ونور يحصل به الإضاءة والإشراق فجمع بين الأصلين الحياة والنور وقال تعالى {قد جاءكم من الله نور وكتاب مبين يهدي به الله من اتبع رضوانه سبل السلام ويخرجهم من الظلمات إلى النور بإذنه ويهديهم إلى صراط مستقيم} وقال تعالى {فآمنوا بالله ورسوله والنور الذي أنزلنا والله بما تعملون خبير} وقال تعالى {يا أيها الناس قد جاءكم برهان من ربكم وأنزلنا إليكم نورا مبينا}","part":12,"page":29},{"id":4824,"text":"وقال تعالى {قد أنزل الله إليكم ذكرا رسولا يتلو عليكم آيات الله مبينات ليخرج الذين آمنوا وعملوا الصالحات من الظلمات إلى النور} وقال تعالى {الله نور السموات والأرض مثل نوره كمشكاة فيها مصباح المصباح في زجاجة الزجاجة كأنها كوكب درى يوقد من شجرة مباركة زيتونة لا شرقية ولا غربية يكاد زيتها يضيء ولو لم تمسسه نار نور على نور يهدي الله لنوره من يشاء ويضرب الله الأمثال للناس والله بكل شيء عليم} فضرب سبحانه مثلا لنوره الذي قذفه في\rقلب المؤمن كما قال أبي بن كعب رضى الله عنه مثل نوره في قلب عبده المؤمن وهو نور القرآن والإيمان الذي أعطاه إياه كما قال في آخر الآية {نور على نور} يعنى نور الإيمان على نور القرآن كما قال بعض السلف يكاد المؤمن ينطق بالحكمة وإن لم يسمع فيها بالأثر فإذا سمع فيها بالأثر كان نورا على نور وقد جمع الله سبحانه بين ذكر هذين النورين وهما الكتاب والإيمان في غير موضع من كتابه كقوله {ما كنت تدرى ما الكتاب ولا الإيمان ولكن جعلناه نورا نهدي به من نشاء من عبادنا} وقوله تعالى {قل بفضل الله وبرحمته فبذلك فليفرحوا هو خير مما يجمعون} ففضل الله الإيمان ورحمته القرآن وقوله تعالى {أو من كان ميتا فأحييناه وجعلنا له نورا يمشى به في الناس كمن مثله في الظلمات ليس بخارج منها} وقد تقدمت هذه الآيات وقال في آية النور {نور على نور}","part":12,"page":30},{"id":4825,"text":"وهو نور الإيمان على نور القرآن وفي حديث النواس بن سمعان رضى الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أن الله ضرب مثلا صراطا مستقيما وعلى كتفي الصراط داران لهما أبواب مفتحة على الأبواب ستور وداع يدعو على الصراط وداع يدعو فوقه {والله يدعو إلى دار السلام ويهدي من يشاء إلى صراط مستقيم} والأبواب التي على كتفي الصراط حدود الله فلا يقع أحد في حدود الله حتى يكشف الستر والذي يدعو من فوقه واعظ ربه رواه الترمذي وهذا لفظه والإمام أحمد ولفظه والداعي على رأس الصراط كتاب الله والداعي فوق الصراط واعظ الله في قلب كل مؤمن فذكر الأصلين وهما داعي القرآن وداعي الإيمان وقال حذيفة حدثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن الأمانة نزلت في جذر قلوب الرجال ثم نزل القرآن فعلموا من الإيمان ثم علموا من القرآن وفي الصحيحين من حديث أبي موسى الأشعري رضى الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم مثل المؤمن الذي يقرأ القرآن كمثل الأترجة طعمها طيب وريحها طيب ومثل المؤمن الذي لا يقرأ القرآن كمثل التمرة طعمها طيب ولا ريح لها ومثل المنافق الذي يقرأ القرآن كالريحانة ريحها طيب وطعمها مر ومثل المنافق الذي لا يقرأ القرآن كمثل الحنظلة طعمها مر ولا ريح لها. فجعل الناس أربعة اقسام أهل الايمان والقرآن وهم خيار الناس\rالثاني أهل الايمان الذين لا يقرءون القرآن وهم دونهم فهؤلاء هم السعداء والأشقياء قسمان\rأحدهما من أوتى قرآنا بلا إيمان فهو منافق والثاني من لا أوتى قرآنا ولا إيمانا والمقصود أن القرآن والإيمان هما نور يجعله الله في قلب من يشاء من عباده وأنهما أصل كل خير في الدنيا والآخرة وعلمهما أجل العلوم وأفضلها بل لا علم في الحقيقة ينفع صاحبه إلا علمهما {والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم}","part":12,"page":31},{"id":4826,"text":"الوجه الثالث والثلاثون أن الله سبحانه جعل صيد الكلب الجاهل ميتة يحرم أكلها وأباح صيد الكلب المعلم وهذا أيضا من شرف العلم أنه لا يباح إلا صيد الكلب العالم\rوأما الكلب الجاهل فلا يحل أكل صيده فدل على شرف العلم وفضله قال الله تعالى {يسألونك ماذا أحل لهم قل أحل لكم الطيبات وما علمتم من الجوارح مكلبين تعلمونهن مما علمكم الله فكلوا مما أمسكن عليكم واذكروا اسم الله عليه واتقوا الله إن الله سريع الحساب}\rولولا مزية العلم والتعليم وشرفهما كان صيد الكلب المعلم والجاهل سواء\rالوجه الرابع والثلاثون أن الله سبحانه أخبرنا عن صفيه وكليمه الذي كتب له التوارة بيده وكلمه منه إليه أنه رحل إلى رجل عالم يتعلم منه ويزداد علما إلى علمه فقال {وإذ قال موسى لفتاه لا أبرح حتى أبلغ مجمع البحرين أو أمضى حقبا} حرصا منه على لقاء هذا العالم وعلى التعلم منه فلما لقيه سلك معه مسلك المتعلم مع معلمه وقال له {هل أتبعك على أن تعلمن مما علمت رشدا} فبدأه بعد السلام بالاستئذان على متابعته وأنه لا يتبعه إلا بإذنه وقال على أن تعلمن مما علمت رشدا فلم يجيء ممتحنا ولا معلما وإنما جاء متعلما مستزيدا علما إلى علمه وكفى بهذا فضلا وشرفا للعلم فإن نبي الله وكليمه سافر ورحل حتى لقى النصب من سفره في تعلم ثلاث مسائل من رجل عالم ولما سمع به لم يقر له قرار حتى لقيه وطلب منه متابعته وتعليمه وفي قصتهما عبر وآيات وحكم ليس هذا موضع ذكرها\rالوجه الخامس والثلاثون قوله تعالى {وما كان المؤمنون لينفروا كافة فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة ليتفقهوا في الدين ولينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم لعلهم يحذرون} ندب تعالى المؤمنين إلى التفقه في الدين وهو تعلمه وإنذار قومهم إذا رجعوا إليهم وهو التعليم. أ هـ {مفتاح دار السعادة حـ 1 صـ 48 ـ 56}","part":12,"page":32},{"id":4827,"text":"قوله تعالى : {قَائِمَاً بالقسط}\rقال الفخر : \r{قَائِمَاً بالقسط} منتصب ، وفيه وجوه : \rالوجه الأول : نصب على الحال ، ثم فيه وجوه\rأحدها : التقدير : شهد الله قائماً بالقسط\rوثانيها : يجوز أن يكون حالا من هو تقديره : لا إله إلا هو قائماً بالقسط ، ويسمى هذا حالاً مؤكدة كقولك : أتانا عبد الله شجاعاً ، وكقولك : لا رجل إلا عبد الله شجاعاً.\rالوجه الثاني : أن يكون صفة المنفي ، كأنه قيل : لا إله قائماً بالقسط إلا هو ، وهذا غير بعيد لأنهم يفصلون بين الصفة والموصوف.\rوالوجه الثالث : أن يكون نصباً على المدح.\rفإن قيل : أليس من حق المدح أن يكون معرفة ، كقولك ، الحمد لله الحميد.\rقلنا : وقد جاء نكرة أيضاً ، وأنشد سيبويه : \rويأوي إلى نسوة عطل.. وشعثاً مراضع مثل السعالي. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 7 صـ 179}\rفائدة\rقال الفخر : \rقوله {قَائِمَاً بالقسط} فيه وجهان الأول : أنه حال من المؤمنين والتقدير : وأولوا العلم حال كون كل واحد منهم قائماً بالقسط في أداء هذه الشهادة\rوالثاني : وهو قول جمهور المفسرين أنه حال من {شَهِدَ الله }. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 7 صـ 179}\rوقال الآلوسى : \rوفي انتصاب { قَائِمَاً } وجوه : \rالأول : أن يكون حالاً لازمة من فاعل { شَهِدَ } ويجوز إفراد المعطوف عليه بالحال دون المعطوف إذا قامت قرينة تعينه معنوية أو لفظية ، ومنه { وَوَهَبْنَا لَهُ إسحاق وَيَعْقُوبَ نَافِلَةً } [ الأنبياء : 72 ] وأخرت الحال عن المعطوفين للدلالة على علو مرتبتهما وقرب منزلتهما ، والمسارعة إلى إقامة شهود التوحيد اعتناءاً بشأنه ولعله السر في تقديمه على المعطوفين مع الإيذان بأصالته تعالى في الشهادة به ، \rوالثاني : أن يكون منصوباً على المدح وهو وإن كان معروفاً في المعرفة لكنه ثابت في غيرها أيضاً ، ","part":12,"page":33},{"id":4828,"text":"والثالث : أن يكون وصفاً لاسم لا المبني ، واستبعد بأنهم إنما يتسعون بالفصل بين الموصوف والصفة بفاصل ليس أجنبياً من كل وجه ، والمعطوف على فاعل { شَهِدَ } أجنبي مما هو في صلة أن لفظاً ومعنى ، وبأنه متلبس بالحال فينبغي على هذا أن يرفع حملاً على محل اسم لا رفعاً للالتباس.\rوالرابع : أن يكون مفعول العلم أي : أولوا المعرفة قائماً بالقسط ولا يخفى بعده ، \rالخامس : ولعله الأوجه أن يكون حالاً من الضمير والعامل فيها معنى الجملة أي تفرد أو أحقه لأنها حال مؤكدة ولا يضر تخلل المعطوفين هنا بخلافه في الصفة لأن الحال المؤكدة في هذا القسم جارية مجرى جملة مفسرة نوع تفسير فناسب أن يقدم المعطوفان لأن المشهود به واحد فهو نوع من تأكيده تمم بالحال المفسرة وعلى تقدير الحالية من الفاعل والمفعولية للعلم لا يندرج في المشهود به وعلى تقدير النصب على المدح يحتمل الاندراج وعدمه ، وعلى التقديرين الأخيرين يندرج لا محالة. أ هـ {روح المعانى حـ 3 صـ 105 ـ 106}","part":12,"page":34},{"id":4829,"text":"فصل\rقال ابن القيم : \rوقوله تعالى {قائما بالقسط}\rالقسط هو العدل فشهد الله سبحانه أنه\rقائم بالعدل في توحيده وبالوحدانية في عدله والتوحيد والعدل هما جماع صفات الكمال فإن التوحيد يتضمن تفرده سبحانه بالكمال والجلال والمجد والتعظيم الذي لا ينبغي لأحد سواه والعدل يتضمن وقوع أفعاله كلها على السداد والصواب وموافقة الحكمة\rفهذا توحيد الرسل وعدلهم إثبات الصفات والأمر بعبادة الله وحده لا شريك له وإثبات القدر والحكم والغايات المطلوبة المحمودة بفعله وأمره لا توحيد الجهمية والمعتزلة والقدرية الذي هو إنكار الصفات وحقائق الأسماء الحسنى وعدلهم الذي هو التكذيب بالقدر أو نفي الحكم والغايات والعواقب الحميدة التي يفعل الله لأجلها ويأمر وقيامه سبحانه بالقسط في شهادته يتضمن أمورا\rأحدها أنه قائم بالقسط في هذه الشهادة التي هي أعدل شهادة على الإطلاق وإنكارها وجحودها أعظم الظلم على الإطلاق فلا أعدل من التوحيد ولا أظلم من الشرك فهو سبحانه قائم بالعدل في هذه الشهادة قولا وفعلا حيث شهد بها وأخبر وأعلم عباده وبين لهم تحقيقها وصحتها وألزمهم بمقتضاها وحكم به وجعل الثواب والعقاب عليها وجعل الأمر والنهي من حقوقها وواجباتها فالدين كله من حقوقها والثواب كله عليها والعقاب كله على تركها","part":12,"page":35},{"id":4830,"text":"وهذا هو العدل الذي قام به الرب تعالى في هذه الشهادة فأوامره كلها تكميل لها وأمر بأداء حقوقها ونواهيه كلها صيانة لها عما يهضمها ويضادها وثوابه كله عليها وعقابه كله على تركها وترك حقوقها وخلقه السموات والأرض وما بينهما كان بها ولأجلها وهي الحق الذي خلقت به وضدها هو الباطل والعبث الذي نزه نفسه عنه وأخبر أنه لم يخلق به السموات والأرض قال تعالى ردا على المشركين المنكرين لهذه الشهادة {وما خلقنا السماء والأرض وما بينهما باطلا ذلك ظن الذين كفروا فويل للذين كفروا من النار} وقال تعالى {حم تنزيل الكتاب من الله العزيز الحكيم ما خلقنا السموات والأرض وما بينهما إلا بالحق وأجل مسمى والذين كفروا عما أنذروا معرضون} وقال {وهو الذي جعل الشمس ضياء والقمر نورا وقدره منازل لتعلموا عدد السنين والحساب ما خلق الله ذلك إلا بالحق} وقال {أو لم يتفكروا في أنفسهم ما خلق الله السموات والأرض وما بينهما إلا بالحق وأجل مسمى وإن كثيرا من الناس بلقاء ربهم لكافرون}\rوقال {وما خلقنا السموات والأرض وما بينهما لاعبين ماخلقناهما إلا بالحق}\rوهذا كثير في القرآن والحق الذي خلقت به السموات والأرض ولأجله هو التوحيد وحقوقه من الأمر والنهي والثواب والعقاب فالشرع والقدر والخلق والأمر والثواب والعقاب قائم بالعدل والتوحيد صادر عنهما وهذا هو الصراط المستقيم الذي عليه الرب سبحانه وتعالى قال تعالى حكاية عن نبيه هود {إني توكلت على الله ربي وربكم ما من دابة إلا هو آخذ بناصيتها إن ربي على صراط مستقيم} فهو سبحانه على صراط مستقيم في قوله وفعله فهو يقول الحق ويفعل العدل وتمت كلمة ربك صدقا وعدلا لا مبدل\rلكلماته وهو السميع العليم والله يقول الحق وهو يهدي السبيل","part":12,"page":36},{"id":4831,"text":"فالصراط المستقيم الذي عليه ربنا تبارك وتعالى هو مقتضى التوحيد والعدل قال تعالى {وضرب الله مثلا رجلين أحدهما أبكم لا يقدر على شيء وهو كل على مولاه أينما يوجهه لا يأت بخير هل يستوي هو ومن يأمر بالعدل وهو على صراط مستقيم}\rفهذا مثل ضربه الله لنفسه وللصنم فهو سبحانه الذي يأمر بالعدل وهو على صراط مستقيم والصنم مثل العبد الذي هو كل على مولاه أينما يوجهه لا يأت بخير\rوالمقصود أن قوله تعالى {قائما بالقسط} هو كقوله {إن ربي على صراط مستقيم}\rوقوله {قائما بالقسط} نصب على الحال وفيه وجهان أحدهما أنه حال من الفاعل في شهد الله والعامل فيها الفعل والمعنى على هذا شهد الله حال قيامه بالقسط أنه لا إله إلا هو","part":12,"page":37},{"id":4832,"text":"والثاني أنه حال من قوله هو والعامل فيها معنى النفي أي لا إله إلا هو حال كونه قائمة بالقسط وبين التقديرين فرق ظاهر فإن التقدير الأول يتضمن أن المعنى شهد الله متكلما بالعدل مخبرا به آمرا به فاعلا له مجازيا به أنه لا إله إلا هو فإن العدل يكون في القول والفعل والمقسط هو العادل في قوله وفعله فشهد الله قائما بالعدل قولا وفعلا أنه لا إله إلا هو وفي ذلك تحقيق لكون هذه الشهادة شهادة عدل وقسط وهي أعدل شهادة كما أن المشهود به أعدل شيء وأصحه وأحقه وذكر ابن السائب وغيره في سبب نزول الآية ما يشهد بذلك وهو أن حبرين من أحبار الشأم قدما على النبي فلما أبصرا المدينة قال أحدهما لصاحبه ما أشبه هذه المدينة بمدينة النبي الذي يخرج في آخر الزمان فلما دخلا على النبي قالا له أنت محمد قال نعم وأحمد قال نعم قالا نسألك عن شهادة فإن أخبرتنا بها آمنا بك قال سلاني قالا أخبرنا عن أعظم شهادة في كتاب الله فنزلت شهد الله أنه لا إله إلا هو الآية وإذا كان القيام بالقسط يكون في القول والفعل كان المعنى أنه كان سبحانه يشهد وهو قائم بالعدل عالم به لا بالظلم فإن هذه الشهادة تضمنت قولا وعملا فإنها تضمنت أنه هو الذي يستحق العبادة وحده دون غيره وأن الذين عبدوه وحده هم المفلحون السعداء وأن الذين أشركوا به غيره هم الضالون الأشقياء فإذا شهد قائما بالعدل المتضمن جزاء المخلصين بالجنة وجزاء المشركين بالنار كان هذا من تمام موجب الشهادة وتحقيقها وكان قوله قائما بالقسط تنبيها على جزاء الشاهد بها والجاحد لها والله أعلم.\rفصل وأما التقدير الثاني وهو أن يكون قوله قائما حالا مما بعد إلا\rفالمعنى أنه لا إله إلا هو قائما بالعدل فهو وحده المستحق الإلهية مع كونه قائما بالقسط قال شيخنا وهذا التقدير أرجح فإنه يتضمن أن الملائكة وأولي العلم يشهدون له بأنه لا إله إلا هو وأنه قائم بالقسط","part":12,"page":38},{"id":4833,"text":"قلت مراده أنه إذا كان قوله قائما بالقسط حالا من المشهود به فهو كالصفة له فإن الحال صفة في المعنى لصاحبها فإذا وقعت الشهادة على ذي الحال وصاحبها كان كلاهما مشهودا به فيكون الملائكة وأولوا العلم قد شهدوا بأنه قائم بالقسط كما شهدوا بأنه لا إله إلا هو والتقدير الأول لا يتضمن ذلك فإنه إذا كان التقدير شهد الله قائما بالقسط أنه لا إله إلا هو والملائكة وأولو العلم يشهدون أنه لا إله إلا هو كان القيام بالقسط حالا من اسم الله وحده\rوأيضا فكونه قائما بالقسط فيما شهد به أبلغ من كونه حالا من مجرد الشهادة\rفإن قيل فإذا كان حالا من هو فهلا اقترن به ولم فصل بين صاحب الحال وبينها بالمعطوف فجاء متوسطا بين صاحب الحال وبينها\rقلت فائدته ظاهرة فإنه لو قال شهد الله أنه لا إله إلا هو قائما بالقسط والملائكة وأولو العلم لأوهم عطف الملائكة وأولي العلم على الضمير في قوله قائما بالقسط ولا يحسن العطف لأجل الفصل وليس المعنى على ذلك قطعا وإنما المعنى على خلافه وهو أن قيامه بالقسط مختص به كما أنه مختص بالإلهية فهو وحده الإله المعبود المستحق العبادة وهو وحده المجازي المثيب المعاقب بالعدل\rقوله لا إله إلا هو ذكر محمد بن جعفر أنه قال الأولى وصف وتوحيد والثانية رسم وتعليم أي قولوا لا إله إلا هو ومعنى هذا أن الأولى تضمنت أن الله سبحانه شهد بها وأخبر بها والتالي للقرآن إنما يخبر عن شهادته هو وليس في ذلك شهادة من التالي نفسه فأعاد سبحانه ذكرها مجردة ليقولها التالي فيكون شاهدا هو أيضا","part":12,"page":39},{"id":4834,"text":"وأيضا فالأولى خبر عن الشهادة بالتوحيد والثانية خبر عن نفس التوحيد وختم بقوله العزيز الحكيم فتضمنت الآية توحيده وعدله وعزته وحكمته فالتوحيد يتضمن ثبوت صفات كماله ونعوت جلاله وعدم المماثل له فيها وعبادته وحده لا شريك له والعدل يتضمن وضعه الأشياء موضعها وتنزيلها منازلها وأنه لم يخص شيئا منها إلا بمخصص اقتضى ذلك وأنه لا يعاقب من لا يستحق العقوبة ولا يمنع من يستحق العطاء وإن كان هو الذي جعله مستحقا والعزة تتضمن كمال قدرته وقوته وقهره والحكمة تتضمن كمال علمه وخبرته وأنه أمر ونهى وخلق وقدر لما له في ذلك من الحكم والغايات الحميدة التي يستحق عليها كمال الحمد\rفاسمه العزيز يتضمن الملك واسمه الحكيم يتضمن الحمد وأول الآية يتضمن التوحيد وذلك حقيقة لا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير وذلك أفضل ما قاله رسول الله والنبيون من قبله والحكيم الذي إذا أمر بأمر كان حسنا في نفسه وإذا نهى عن شيء كان قبيحا في نفسه وإذا أخبر بخبر كان صدقا وإذا فعل فعلا كان صوابا وإذا أراد شيئا كان أولى بالإرادة من غيره وهذا الوصف على الكمال لا يكون إلا لله وحده\rفتضمنت هذه الآية وهذه الشهادة الدلالة على وحدانيته المنافية للشرك وعدله المنافي للظلم وعزته المنافية للعجز وحكمته المنافية للجهل والعيب ففيها الشهادة له بالتوحيد والعدل والقدرة والعلم والحكمة ولهذا كانت أعظم شهادة. أ هـ {مدارج السالكين حـ 3 صـ 455 ـ 460}","part":12,"page":40},{"id":4835,"text":"فصل\rقال الفخر : \rمعنى كونه {قَائِمَاً بالقسط} قائماً بالعدل ، كما يقال : فلان قائم بالتدبير ، أي يجريه على الاستقامة.\rواعلم أن هذا العدل منه ما هو متصل بباب الدنيا ، ومنه ما هو متصل بباب الدين ، أما المتصل بالدين ، فانظر أولاً في كيفية خلقة أعضاء الإنسان ، حتى تعرف عدل الله تعالى فيها ، ثم انظر إلى اختلاف أحوال الخلق في الحسن والقبح ، والغنى والفقر والصحة والسقم ، وطول العمر وقصره واللذة والآلام واقطع بأن كل ذلك عدل من الله وحكمة وصواب ثم انظر في كيفية خلقة العناصر وأجرام الأفلاك ، وتقدير كل واحد منها بقدر معين وخاصية معينة ، واقطع بأن كل ذلك حكمة وصواب ، أما ما يتصل بأمر الدين ، فانظر إلى اختلاف الخلق في العلم والجهل ، والفطانة والبلادة والهداية والغواية ، واقطع بأن كل ذلك عدل وقسط ، ولقد خاض صاحب \"الكشاف\" ههنا في التعصب للاعتزال وزعم أن الآية دالة على أن الإسلام هو العدل والتوحيد ، وكان ذلك المسكين بعيداً عن معرفة هذه الأشياء إلا أنه فضولي كثير الخوض فيما لا يعرف ، وزعم أن الآية دلّت على أن من أجاز الرؤية ، أو ذهب إلى الجبر لم يكن على دين الله الذي هو الإسلام ، والعجب أن أكابر المعتزلة وعظماءهم أفنوا أعمارهم في طلب الدليل على أنه لو كان مرئياً لكان جسماً ، وما وجدوا فيه سوى الرجوع إلى الشاهد من غير جامع عقلي قاطع ، فهذا المسكين الذي ما شم رائحة العلم من أين وجد ذلك ، وأما حديث الجبر فالخوض فيه من ذلك المسكين خوض فيما لا يعنيه ، لأنه لما اعترف بأن الله تعالى عالم بجميع الجزئيات ، واعترف بأن العبد لا يمكنه أن يقلب علم الله جهلاً ، فقد اعترف بهذا الجبر ، فمن أين هو والخوض في أمثال هذه المباحث. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 7 صـ 179 ـ 180}\rوقال النيسابورى فى غرائب القرآن : ","part":12,"page":41},{"id":4836,"text":"إن الإنسان بل كل ما سوى الله تعالى لم يخلق مستعداً لإدراك تفاصيل كلمات الله . فالخوض في ذلك خوض فيما لا يعنيه بل لا يسعه ولا ينفعه إلا العلم الإجمالي بأنه تعالى واحد في ملكه ، وملكه لا منازع له فيه ولا مضاد ولا مانع لقضائه ولا راد ، وأن الكل بقضائه وقدره ، وفي كل واحد من مصنوعاته ولكل شيء من أفعاله حكم ومصالح لا يحيط بذلك علماً إلا موجده وخالقه يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد . هذا هو الدين القويم والاعتقاد المستقيم ، والعدول عنه مراء ، والجدال فيه هراء . فمن نسبه إلى الجور في فعل من الأفعال فهو الجائر لا على غيره بل على نفسه إذ لا يعترف بجهله وقصوره ، ولكن ينسب ذلك إلى علام الخفيات والمطلع على الكليات والجزئيات من أزل الآزال إلى أبد الآباد . ومن زعم أن شيئاً من الأشياء خيراً أو شراً في اعتقاده حسناً أو قبيحاً بحسب نظره خارج عن مشيئته وإرادته فقد كذب ابن أخت خالته ، لأنه يدعي التوحيد ثم يثبت قادراً آخر أو خالقاً غير الله تعالى ، ولا خالق إلا هو. أ هـ {غرائب القرآن حـ 2 صـ 226}\rفصل\rقال القرطبى : \rروى غالب القطان قال : أتيت الكوفة في تجارة فنزلت قريباً من الأعمش فكنت أختلف إليه.\rفلما كان ليلة أردت أن أنحدر إلى البصرة قام فتهجد من الليل فقرأ بهذه الآَية { شَهِدَ الله أَنَّهُ لاَ إله إِلاَّ هُوَ والملائكة وَأُوْلُواْ العلم قَآئِمَاً بالقسط لاَ إله إِلاَّ هُوَ العزيز الحكيم إِنَّ الدِّينَ عِندَ الله الإسلام } ، قال الأعمش : وأنا أشهد بما شهِد الله به ، وأستودع الله هذه الشهادة ، وهي لى ( عند الله ) وديعة ، وأن الدين عند الله الإسلام قالها مرارا فغدوت إليه وودّعته ثم قلت : إني سمعتك تقرأ هذه الآية فما بلغك فيها ؟ أنا عندك منذ سنة لم تحدثني به.\rقال : والله لا حدثتك به سنة.\rقال : فأقمت وكتبت على بابه ذلك اليوم ، فلما مضت السنة قلت : يا أبا محمد قد مضت السنة.\rقال : حدّثني أبو وائل.","part":12,"page":42},{"id":4837,"text":"عن عبد الله بن مسعود قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : \"يُجَاء بصاحبها يوم القيامة فيقول الله تعالى عبدي عهِد إلي وأنا أحَقّ من وَفي أدخِلوا عبدي الجنة\".\rقال أبو الفرج الجوزي : غالب القطّان هو غالب بن خُطّاف القطّان ، يروي عن الأعمش حديث \"شهد الله\" وهو حديث مُعْضَل.\rقال ابن عدىَّ الضعف على حديثه بيِّن.\rوقال أحمد بن حنبل : غالب بن خُطّاف القَطّان ثِقةٌ ثقة.\rوقال ابن معين : ثِقة.\rوقال أبو حاتم : صدوق صالح.\rقلت : يكفيك من عدالته وثقته أن خرّج له البخاري ومسلم في كتابيهما ، وحسبك ، وروي من حديث أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : \" منْ قرأ { شَهِد اللَّهُ أَنَّهُ لاَ إلَهَ إِلاّ هُوَ والْمَلاَئِكَةُ وأُولُوا الْعِلْمِ قَائِماً بِالقِسطِ لاَ إلَهَ إِلا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ } عند منامه خلق الله له سبعين ألف ملك يستغفرون له إلى يوم القيامة \" ويقال من أقرّ بهذه الشهادة عن عقْد من قلبه فقد قام بالعدل.\rوروى عن سعيد بن جبير أنه قال : كان حول الكعبة ثلاثمائة وستون صنماً لكل حَيِّ من أحْيَاء العرب صنمٌ أو صنمان.\rفلما نزلت هذه الآَية أصبحت الأصنام قد خرت ساجدة لله. أ هـ {تفسير القرطبى حـ 4 صـ 41 ـ 42}\rقوله تعالى : {لاَ إله إِلاَّ هُوَ}\rفائدة\rقال الفخر : \rوالفائدة في إعادته وجوه\rالأول : أن تقدير الآية : شهد الله أنه لا إله إلا هو ، وإذا شهد بذلك فقد صح أنه لا إله إلا هو ، ونظيره قول من يقول : الدليل دلّ على وحدانية الله تعالى ، ومتى كان كذلك صح القول بوحدانية الله تعالى\rالثاني : أنه تعالى لما أخبر أن الله شهد أنه لا إله إلا هو وشهدت الملائكة وأولوا العلم بذلك صار التقدير ، كأنه قال : يا أمة محمد فقولوا أنتم على وفق شهادة الله وشهادة الملائكة وأولي العلم لا إله إِلا هو فكان الغرض من الإعادة الأمر بذكر هذه الكلمة على وفق تلك الشهادات","part":12,"page":43},{"id":4838,"text":"الثالث : فائدة هذا التكرير الإعلام بأن المسلم يجب أن يكون أبداً في تكرير هذه الكلمة فإن أشرف كلمة يذكرها الإنسان هي هذه الكلمة ، فإذا كان في أكثر الأوقات مشتغلاً بذكرها وبتكريرها كان مشتغلاً بأعظم أنواع العبادات ، فكان الغرض من التكرير في هذه الآية حث العباد على تكريرها\rالرابع : ذكر قوله {لاَ إله إِلاَّ هُوَ} أولاً : ليعلم أنه لا تحق العبادة إلا لله تعالى ، وذكرها ثانيا : ليعلم أنه القائم بالقسط لا يجور ولا يظلم. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 7 صـ 180}\rوقال القرطبى : \r{ لاَ إله إِلاَّ هُوَ العزيز الحكيم } كرّر لأن الأولى حَلّتْ محلّ الدعوى ، والشهادة الثانية حلّت محل الحكُم.\rوقال جعفر الصادق : الأولى وصفٌ وتوحيدٌ ، والثانية رَسْمٌ وتعليمٌ ؛ يعني قولوا لا إله إلا الله العزيز الحكيم. أ هـ {تفسير القرطبى حـ 4 صـ 43}\rوقال أبو حيان : \r{ لا إله إلا هو العزيز الحكيم } كرر التهليل توكيداً وقيل : الأول شهادة الله ، والثاني شهادة الملائكة وأولي العلم ، وهذا بعيد جدّاً لأنه يؤدّي إلى قطع الملائكة عن العطف على الله تعالى ، وعلى إضمار فعل رافع ، أو على جعلهم مبتدأ ، وعلى الفصل بين ما يتعلق بهم وبين التهليل بأجنبي ، وهو قوله : { قائماً بالقسط }.\rوقيل : الأول جار مجرى الشهادة ، والثاني جار مجرى الحكم وقيل : هذا الكلام ينطوي على مقدّمتين ، وهذا هو نتيجتهما ، فكأنه قال : شهد الله والملائكة وأولو العلم وما شهدوا به حق فلا إله إلا هو حق ، فحذف إحدى المقدّمتين للدّلالة عليها ، وهذا التقدير كله لا يساعد عليه اللفظ.","part":12,"page":44},{"id":4839,"text":"وقال الراغب : إنما كرر { لا إله إلا هو } لأن صفات التنزيه أشرف من صفات التمجيد لأن أكثرها مشارك في ألفاظها العبيد ، فيصح وصفهم بها ، وكذلك وردت ألفاظ التنزيه في حقه أكثر ، وأبلغ ما وصف به من التنزيه : لا إله إلا الله ، فتكريره هنا لأمرين : أحدهما : لكون الثاني قطعاً للحكم ، كقولك : أشهد أن زيداً خارج ، وهو خارج.\rوالثاني : لئلا يسبق بذكر العزيز الحكيم إلى قلب السامع تشبيه ، إذ قد يوصف بهما المخلوق انتهى. أ هـ {البحر المحيط حـ 2 صـ 423 ـ 424}\rوقال ابن عادل : \rقال الزمخشريُّ : \" فإن قلت : لِمَ كرَّر قولَه : { لاَ إله إِلاَّ هُوَ } ؟ قلت : ذكره - أولاً - للدلالة على اختصاصه بالوحدانية ، وأنه لا إله إلا تلك الذات المتميزة ، ثم ذكره - ثانياً - بعدما قَرَن بإثبات الوحدانية إثبات العدل ؛ للدلالة على اختصاصه بالأمرين ، كأنه قال : لا إله إلا هذا الموصوف بالصفتين ، ولذلك قرن به قوله تعالى : { العزيز الحكيم } ؛ لتضمنها معنى الوحدانيةِ والعدلِ \".\rوقال بعضهم : ليس بتكرير ؛ لأن الأول شهادة الله - تعالى - وحده. والثاني : شهادة الملائكة وأولي العلم ، وهذا عند من يرفع \" الْمَلاَئِكَةُ \" بفعل آخر مضمر - كما ذكرنا - من أنه لا يرى إعمال المشترك ، وأن الشهادتين متغايرتان ، وهو مذهب مرجوح.\rوقال الراغبُ : \" إنما كرَّر { لاَ إله إِلاَّ هُوَ } ؛ لأن صفات التنزيه أشرف من صفات التمجيد ؛ لأن أكثرها مشارك - في ألفاظها - العبيد ، فيصح وصفُهم بها ، ولذلك وردت ألفاظ في حقه أكثر وأبلغ \". أ هـ {تفسير ابن عادل حـ 5 صـ 100}\rقوله تعالى {العزيز الحكيم}\rفصل\rقال الفخر : ","part":12,"page":45},{"id":4840,"text":"أما قوله {العزيز الحكيم} فالعزيز إشارة إلى كمال القدرة ، والحكيم إشارة إلى كمال العلم ، وهما الصفتان اللتان يمتنع حصول الإلهية إلا معهما لأن كونه قائماً بالقسط لا يتم إلا إذا كان عالماً بمقادير الحاجات ، وكان قادراً على تحصيل المهمات ، وقدم العزيز على الحكيم في الذكر ، لأن العلم بكونه تعالى قادراً متقدم على العلم بكونه عالماً في طريق المعرفة الإستدلالية ، فلما كان مقدماً في المعرفة الإستدلالية ، وكان هذا الخطاب مع المستدلين ، لا جرم قدم تعالى ذكر العزيز على الحكيم. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 7 صـ 180}\rقال البيضاوى : \rقدم العزيز لتقديم العلم بقدرته على العلم بحكمته ، ورفعهما على البدل من الضمير أو الصفة لفاعل شهد. أ هـ {تفسير البيضاوى حـ 2 صـ 18}\rفصل\rقال ابن كثير فى معنى الآية وفضلها : \rشهد تعالى -وكفى به شهيدا ، وهو أصدق الشاهدين وأعدلهم ، وأصدق القائلين-{ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلا هُوَ } أي : المتفَرد بالإلهية لجميع الخلائق ، وأن الجميع عبيده وخلقه ، والفقراء إليه ، وهو الغني عما سواه كما قال تعالى : { لَكِنِ اللَّهُ يَشْهَدُ بِمَا أَنزلَ إِلَيْكَ أَنزلَهُ بِعِلْمِهِ وَالْمَلائِكَةُ يَشْهَدُونَ وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا } الآية [ النساء : 166 ].\rثم قرن شهادة ملائكته وأولي العلم بشهادته فقال : { شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلا هُوَ وَالْمَلائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ } وهذه خصوصية عظيمة للعلماء في هذا المقام.\r{ قَائِمًا بِالْقِسْطِ } منصوب على الحال ، وهو في جميع الأحوال كذلك.\r{ لا إِلَهَ إِلا هُوَ } تأكيد لما سبق { الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ } العزيز : الذي لا يرام جنابه عظمةً وكبرياء ، الحكيم في أقواله وأفعاله وشرعه وقدره.","part":12,"page":46},{"id":4841,"text":"وقال الإمام أحمد : حدثنا يزيد بن عبد ربه ، حدثنا بَقِيَّة بن الوليد ، حدثني جبير بن عَمْرو القرشي ، حدثنا أبو سَعِيد الأنصاري ، عن أبي يحيى مولى آل الزبير بن العوام ، عن الزبير بن العوام ، قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو بعرفةَ يقرأ هذه الآية : { شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلا هُوَ وَالْمَلائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ لا إِلَهَ إِلا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ } \"وأَنَا عَلَى ذلِكَ مِنَ الشَّاهِدِينَ يا رَبِّ\". { المسند (1/166) وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (6/325) : \"في إسناده مجاهيل\"}.\rوقد رواه ابن أبي حاتم من وجه آخر ، فقال : حدثنا علي بن حسين ، حدثنا محمد بن المتوكل العسقلاني ، حدثنا عُمَر بن حفص بن ثابت أبو سعيد الأنصاري ، حدثنا عبد الملك بن يحيى بن عباد بن عبد الله بن الزبير ، عن أبيه ، عن جده ، عن الزبير قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم حين قرأ هذه الآية : { شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلا هُوَ وَالْمَلائِكَةُ } قال : \"وأَنَا أشْهَدُ أيْ رَبِّ\". { تفسير ابن أبي حاتم (2/146) وفي إسناده مجاهيل\"}. أ هـ {تفسير ابن كثير حـ 2 صـ 24}","part":12,"page":47},{"id":4842,"text":"من فوائد العلامة أبى السعود فى الآية\rقال رحمه الله : \r{ شَهِدَ الله أَنَّهُ } بفتح الهمزة أي بأنه أو على أنه { لاَ إله إِلاَّ هُوَ } أي بيّنَ وحدانيتَه بنصب الدلائل التكوينية في الآفاق والأنفس وإنزالِ الآيات التشريعية الناطقة بذلك. عبر عنه بالشهادة على طريقة الاستعارة إيذاناً بقوته في إثبات المطلوبِ وإشعاراً بإنكار المنكر ، وقرىء إنه بكسر الهمزة إما بإجراء. { شَهِدَ } مُجرى قال ، وإما بجعل الجملة اعتراضاً وإيقاعِ الفعل على قوله تعالى : { إِنَّ الدّينَ } الخ على قراءة أن بفتح الهمزة كما سيأتي وقرىء شهداءٌ لله بالنصب على أنه حال من المذكورين أو على المدح وبالرفع على أنه خبر مبتدإٍ محذوف ومآله الرفع على المدح أي هم شهداء لله وهو إما جمع شهيد كظرفاء في جمع ظريف أو جمع شاهد كشعراء في جمع شاعر.","part":12,"page":48},{"id":4843,"text":"{ والملئكة } عطف على الاسم الجليل بحمل الشهادة على معنىً مجازيّ شامل للإقرار والإيمان بطريق عموم المجاز أي أقروا بذلك { وَأُوْلُو العلم } أي آمنوا به واحتجوا عليه بما ذكر من الأدلة التكوينية والتشريعية ، قيل : المرادُ بهم الأنبياء عليهم الصلاة والسلام وقيل : المهاجرون والأنصار وقيل : علماء مؤمني أهلِ الكتاب كعبد اللَّه بن سلام وأضرابِه وقيل : جميعُ علماء المؤمنين الذين عرفوا وحدانيته تعالى بالدلائل القاطعة ، وارتفاعُهما على القراءتين الأخيرتين قيل : بالعطف على الضمير في شهداء لوقوع الفصل بينهما وأنت خبير بأن ذلك على قراءة النصبِ على الحالية يؤدي إلى تقييد حالِ المذكورين بشهادة الملائكة وأولي العلم ، وليس فيه كثيرُ فائدةٍ فالوجه حينئذٍ كونُ ارتفاعِهما بالابتداء والخبرُ محذوفٌ لدلالة الكلام عليه أي والملائكة وأولو العلم شهداء ولك أن تحمل القراءتين على المدح نصباً ورفعاً فحينئذ يحسُن العطفُ على المستتر على كل حال وقوله تعالى : { قَائِمَاً بالقسط } أي مقيماً للعدل في جميع أمورِه بيان لكماله تعالى في أفعاله إثرَ بيانِ كماله في ذاته وانتصابُه على الحالية من { الله } كما في قوله تعالى : { وَهُوَ الحق مُصَدّقًا } وإنما جاز إفرادُه مع عدم جواز جاء زيد وعمرو راكباً لعدم اللَّبس كقوله تعالى : { وَوَهَبْنَا لَهُ إسحاق وَيَعْقُوبَ نَافِلَةً } ولعل تأخيرَه عن المعطوفين للدَلالة على علو رتبتهما وقُرب منزلتهما والمسارعةِ إلى إقامة شهودِ التوحيد اعتناءً بشأنه ورفعاً لمحله ، والسرُّ في تقديمه على المعطوفين مع ما فيه من الإيذان بأصالته تعالى في الشهادة به كما مر في قوله تعالى : { الرسول بِمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مِن رَّبّهِ والمؤمنون } أو مِنْ { هُوَ } وهو الأوجه ، والعامل فيها معنى الجملة أي تفرّد ، أو أُحِقّه لأنها حال مؤكدة أو على المدح وقبل على أنه صفة للمنفي أي لا إله قائماً الخ والفصل","part":12,"page":49},{"id":4844,"text":"بينهما من قبيل توسعاتهم وهو مندرج في المشهود به إذا جعل صفة أو حالاً من الضمير أو نصباً على المدح منه وقرىء القائمُ بالقسط على البدلية من { هُوَ } فيلزم الفصلُ بينهما كما في الصفة أو على أنه خبر لمبتدإ محذوف وقرىء قيّماً بالقسط.\r{ لا إله إِلاَّ هُوَ } تكريرٌ للتأكيد ومزيدِ الاعتناء بمعرفة أدلةِ التوحيد والحُكم به بعد إقامة الحجةِ وليجرِيَ عليه قوله تعالى : { العزيز الحكيم } فيُعلمَ أنه المنعوتُ بهما ، ووجهُ الترتيب إذن تقدمُ العلمِ بقدرته على العلم بحكمته تعالى ورفعُهما على البدلية من الضمير أو الوصفية لفاعل شهد ، أو الخبرية لمبتدأ مُضمَر. أ هـ {تفسير أبى السعود حـ 2 صـ 16 ـ 17}\rوقال ابن عجيبة : \rيقول الحقّ جلّ جلاله : { شهد الله أنه لا إله إلا هو } أي : بيَّن وحدانيتَه بنصب الدلالئل الدالة عليها وإنزال الآيات الناطقة بها ، أو بتدبيره العجيب وصنعته المتقنة وأموره المحكمة ، وفي ذلك يقول القائل : \rيَا عَجَباً كيف يُعْصَى الإلهُ... أم كيف يَجْحَدُه الجاحدُ ؟!\rوللهِ في كل تحريكةٍ... وتسكينةٍ أبداً شاهدُ\rوفي كُلِّ شَيءٍ له آيةٌ... تَدُلُّ على أنَّه واحِدُ\rوقيل لبعض العرب : ما الدليل على أن للعالم صانعاً ؟ فقال : البعرة تدل على البعير ، وآثار القدم تدل على المسير ، فهيكل علوي بهذه اللطافة ، ومركز سفلي بهذه الكثافة ، أمَا يدلان على الصانع الخبير ؟!\r{ و} شهدت { الملائكة } أيضاً بالإقرار بالوحدانية والإخبار بها ، { وأولوا العلم } وهم : الأنبياء والعلماء بالله ، بالإيمان بها والاحتجاج عليها ، شبه ذلك في البيان والكشف بشهادة الشاهد. وفيه دليل شرف أهل العلم وفضلهم ، حيث قرن شهادتهم بشهادته ؛ لأن العلم صفة الله العليا ونعمته العظمى ، والعلماء أعلام الإسلام ، والسابقون إلى دار السلام ، وسُرج الأمكنة وحجج الأزمنة.","part":12,"page":50},{"id":4845,"text":"وعن جابر قال : قال النبيّ صلى الله عليه وسلم : \" سَاعَةٌ مِنْ عَالمِ يتَّكِئ على فِرَاشِهِ ، ينظُرُ في علمهِ ، خَيرٌ مِنْ عِبَادَة العَابِد سَبعينَ عاماً \" وعن معاذ قالَ : قال النبيّ صلى الله عليه وسلم : \" تعلموا العلم فإن تعلمه لله خشيةٌ ، ومدارستَه تسبيحٌ ، والبحث فيه جهادٌ ، وتعليمه مَنْ لا يعلمه صدقةٌ ، وتذكُّره في أهله قُرْبَة \" ثم قال في آخر الحديث في فضل أهل العلم : \" وتَرْغَبُ الملائكة في خُلتِهم ، وبأجنحتها تمسحُهم ، وفي صلاتها تستغفر لهم ، وكلُّ رطب ويابس يستغفر لهم. حتى حيتان البحر وهوامه ، وسباع الأرضين وأنعامها ، والسماء ونجومها ، ألا وإن العلم حياةُ القلوب من العمى ، ونورُ الأبصار من الظلم ، وقوة الأبدان من الضعف ، يبلغ بالعبد منزل الأحرار ومجالسة الملوك ، والفكر فيه يُعْدل بالصيام ، ومدارسته بالقيام ، وبه يُعرف الحلال والحرام ، وبه تُوصلَ الأرحام ، العلم إمام والعمل تابعه ، يُلْهَمُه بالسعداء ، ويُحْرَمه الأشقياء \". أ هـ {البحر المديد حـ 1 صـ 258}\rوقال السعدى : ","part":12,"page":51},{"id":4846,"text":"هذا تقرير من الله تعالى للتوحيد بأعظم الطرق الموجبة له ، وهي شهادته تعالى وشهادة خواص الخلق وهم الملائكة وأهل العلم ، أما شهادته تعالى فيما أقامه من الحجج والبراهين القاطعة على توحيده ، وأنه لا إله إلا هو ، فنوع الأدلة في الآفاق والأنفس على هذا الأصل العظيم ، ولو لم يكن في ذلك إلا أنه ما قام أحد بتوحيده إلا ونصره على المشرك الجاحد المنكر للتوحيد ، وكذلك إنعامه العظيم الذي ما بالعباد من نعمة إلا منه ، ولا يدفع النقم إلا هو ، والخلق كلهم عاجزون عن المنافع والمضار لأنفسهم ولغيرهم ، ففي هذا برهان قاطع على وجوب التوحيد وبطلان الشرك ، وأما شهادة الملائكة بذلك فنستفيدها بإخبار الله لنا بذلك وإخبار رسله ، وأما شهادة أهل العلم فلأنهم هم [ ص 125 ] المرجع في جميع الأمور الدينية خصوصا في أعظم الأمور وأجلها وأشرفها وهو التوحيد ، فكلهم من أولهم إلى آخرهم قد اتفقوا على ذلك ودعوا إليه وبينوا للناس الطرق الموصلة إليه ، فوجب على الخلق التزام هذا الأمر المشهود عليه والعمل به ، وفي هذا دليل على أن أشرف الأمور علم التوحيد لأن الله شهد به بنفسه وأشهد عليه خواص خلقه ، والشهادة لا تكون إلا عن علم ويقين ، بمنزلة المشاهدة للبصر ، ففيه دليل على أن من لم يصل في علم التوحيد إلى هذه الحالة فليس من أولي العلم. وفي هذه الآية دليل على شرف العلم من وجوه كثيرة ، منها : أن الله خصهم بالشهادة على أعظم مشهود عليه دون الناس ، ومنها : أن الله قرن شهادتهم بشهادته وشهادة ملائكته ، وكفى بذلك فضلا ومنها : أنه جعلهم أولي العلم ، فأضافهم إلى العلم ، إذ هم القائمون به المتصفون بصفته ، ومنها : أنه تعالى جعلهم شهداء وحجة على الناس ، وألزم الناس العمل بالأمر المشهود به ، فيكونون هم السبب في ذلك ، فيكون كل من عمل بذلك نالهم من أجره ، وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء ، ومنها : أن إشهاده تعالى أهل العلم يتضمن ذلك تزكيتهم وتعديلهم وأنهم أمناء على ما استرعاهم","part":12,"page":52},{"id":4847,"text":"عليه ، ولما قرر توحيده قرر عدله ، فقال : { قائمًا بالقسط } أي : لم يزل متصفا بالقسط في أفعاله وتدبيره بين عباده ، فهو على صراط مستقيم في ما أمر به ونهى عنه ، وفيما خلقه وقدره ، ثم أعاد تقرير توحيده فقال { لا إله إلا هو العزيز الحكيم } واعلم أن هذا الأصل الذي هو توحيد الله وإفراده بالعبودية قد دلت عليه الأدلة النقلية والأدلة العقلية ، حتى صار لذوي البصائر أجلى من الشمس ، فأما الأدلة النقلية فكل ما في كتاب الله وسنة رسوله ، من الأمر به وتقريره ، ومحبة أهله وبغض من لم يقم به وعقوباتهم ، وذم الشرك وأهله ، فهو من الأدلة النقلية على ذلك ، حتى كاد القرآن أن يكون كله أدلة عليه ، وأما الأدلة العقلية التي تدرك بمجرد فكر العقل وتصوره للأمور فقد أرشد القرآن إليها ونبه على كثير منها ، فمن أعظمها : الاعتراف بربوبية الله ، فإن من عرف أنه هو الخالق الرازق المدبر لجميع الأمور أنتج له ذلك أنه هو المعبود الذي لا تنبغي العبادة إلا له ، ولما كان هذا من أوضح الأشياء وأعظمها أكثر الله تعالى من الاستدلال به في كتابه. ومن الأدلة العقلية على أن الله هو الذي يؤله دون غيره انفراده بالنعم ودفع النقم ، فإن من عرف أن النعم الظاهرة والباطنة القليلة والكثيرة كلها من الله ، وأنه ما من نقمة ولا شدة ولا كربة إلا وهو الذي ينفرد بدفعها وإن أحدا من الخلق لا يملك لنفسه - فضلا عن غيره- جلب نعمة ولا دفع نقمة ، تيقن أن عبودية ما سوى الله من أبطل الباطل وأن العبودية لا تنبغي إلا لمن انفرد بجلب المصالح ودفع المضار ، فلهذا أكثر الله في كتابه من التنبيه على هذا الدليل جدا ، ومن الأدلة العقلية أيضا على ذلك : ما أخبر به تعالى عن المعبودات التي عبدت من دونه ، بأنها لا تملك نفعا ولا ضرا ، ولا تنصر غيرها ولا تنصر نفسها ، وسلبها الأسماع والأبصار ، وأنها على فرض سماعها لا تغني شيئا ، وغير ذلك من الصفات الدالة على نقصها غاية النقص ، وما أخبر به عن نفسه","part":12,"page":53},{"id":4848,"text":"العظيمة من الصفات الجليلة والأفعال الجميلة ، والقدرة والقهر ، وغير ذلك من الصفات التي تعرف بالأدلة السمعية والعقلية ، فمن عرف ذلك حق المعرفة عرف أن العبادة لا تليق ولا تحسن إلا بالرب العظيم الذي له الكمال كله ، والمجد كله ، والحمد كله ، والقدرة كلها ، والكبرياء كلها ، لا بالمخلوقات المدبرات الناقصات الصم البكم الذين لا يعقلون ، ومن الأدلة العقلية على ذلك ما شاهده العباد بأبصارهم من قديم الزمان وحديثه ، من الإكرام لأهل التوحيد ، والإهانة والعقوبة لأهل الشرك ، وما ذاك إلا لأن التوحيد جعله الله موصلا إلى كل خير دافعا لكل شر ديني ودنيوي ، وجعل الشرك به والكفر سببا للعقوبات الدينية والدنيوية ، ولهذا إذا ذكر تعالى قصص الرسل مع أمم المطيعين والعاصين ، وأخبر عن عقوبات العاصين ونجاة الرسل ومن تبعهم ، قال عقب كل قصة : { إن في ذلك لآية } أي : لعبرة يعتبر بها المعتبرون فيعلمون أن توحيده هو الموجب للنجاة ، وتركه هو الموجب للهلاك ، فهذه من الأدلة الكبار العقلية النقلية الدالة على هذا الأصل العظيم ، وقد أكثر الله منها في كتابه وصرفها ونوعها ليحيى من حي عن بينة ، ويهلك من هلك عن بينة فله الحمد والشكر والثناء. أ هـ {تفسير السعدى صـ 124}\rمن لطائف الإمام القشيرى فى الآية\rقوله جلّ ذكره : { شَهِدَ اللهَ أَنَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ }.","part":12,"page":54},{"id":4849,"text":"أي عَلِمَ اللهُ وأخبر اللهُ وحَكَمَ اللهُ بأنه لا إله إلا هو ، فهو شهادة الحق للحق بأنه الحق ، وأوَّلُ مَنْ شهد بأنه اللهُ - اللهُ ، فشهد في آزاله بقوله وكلامه وخطابه الأزلي ، وأخبر عن وجوده الأحدي ، وكونه الصمدي ، وعونه القيومي ، وذاته الديمومي ، وجلاله السرمدي ، وجماله الأبدي. فقال : { شَهِدَ اللهُ } ثم في آباده ، \" شهد الله \" أي بيَّنَ اللهُ بما نَصَبَ من البراهين ، وأثبت من دلائل اليقين ، وأوضح من الآيات ، وأبدى من البينات. فكلُّ جزءٍ من جميع ما خلق وفطر ، ومن كتم العدم أظهر ، وعلى ما شاء من الصفة الذاتية حصل ، من أعيان مستقلة ، وآثار في ( ثاني ) وجودها مضمحلة ، وذوات للملاقاة قابلة ، وصفات في المَحَالِّ متعاقبة - فهو لوجوده مُفْصِح ، ولربوبيته موضَّح ، وعلى قِدَمِه شاهد ، وللعقول مُخْبِر بأنه واحد ، عزيز ماجد ، شهد سبحانه بجلال قَدْره ، وكمال عزه ، حين لا جحد ولا جهود ولا عرفان لمخلوق ولا عقل ، ولا وفاق ، ولا كفر ، ولا حدثان ، ولا غير ، ولا إلحاد ، ولا شِرْك ، ولا فهم ولا فكر ، ولا سماء ولا فضاء ، ولا ظلام ولا ضياء ، ولا وصول للمزدوجات ، ولا فضول باختلاف الآفات.\rقوله جلّ ذكره : { وَالمَلاَئِكَةِ }.\rلم يؤيِّد شهادته بوحدانيته بشهادة الملائكة بل أسعدهم وأيَّدُهم ، حين وفَّقَهم بشهادة وسدَّدهم ، وإلى معرفة وحدانيته أرشدهم.\rقوله جلّ ذكره : { وَأُولُوا العِلْمِ }.\rوهم أولياء بني آدم إذ علموا قدرته ، وعرفوا نعت عزته فأكرمهم حيث قرن شهادته بشهادتهم ، فشهدوا عن شهود وتعيين ، لا عن ظن وتخمين ، إن لم يدركوه - اليوم - ضرورة وحِسَّاً ، لم يعتقدوه ظنّاً وحَدْساً ؛ تعرَّف إليهم فعرفوه ، وأشهدهم فلذلك شهدوا ، ولو لم يقُلْ لهم إنه مَنْ هو لَمَا عرفوا مَنْ هو.\rولكنَّ العلماء يشهدون بصحو عقولهم ، والمُوَحِّدُون يشهدون بعد خمودهم ؛ فهم كما قيل : ","part":12,"page":55},{"id":4850,"text":"مُسْتَهْلَكُون بقهر الحق قد هَمَدُوا... واستُنْطِقُوا بعد افتنائهمُ بتوحيد\rفالمُجْرِي عليهم ما يبدو منهم - سواهم ، والقائمُ عنهم بما هم عليه وبه - غيرُهم ، ولقد كانوا لكنهم بانوا ، قال قائلهم : \rكتابي إليكم بعد موتي بليلة... ولم أدرِ أنِّي بعد موتي أكتب\rوأولو العلم علىمراتب : فَمِنْ عالِم نَعْتُه وفاق ورهبانية ، ومن عالم وصفه فناء وربانية ، وعالم يعرف أحكام حلاله وحرامه ، وعالم يعلم أخباره وسننه وآثاره ، وعالم يعلم كتابه ويعرف تفسيره وتأويله ، ومحكمه وتنزيله ، وعالم يعلم صفاته ونعوته ويستقوي حججه وتوحيده بحديث يخرجه (.... ) ، وعالم لاطفه حتى أحضره ثم كاشفه فقهره ، فالاسم باقٍ ، والعين محو ، والحكم طارق والعبد محق ، قال قائلهم : \rبنو حق غدوا بالحق صِرفاً... فنعت الخلْق فيهمو مستورُ\rوليست الإشارة من هذا إلا إلى فنائهم عن إحساسهم ، وعند عِلْمِهم بأنفسهم ، فأما أعمالهم أعيانهم فمخلوقة ، وما يفهم بذواتهم من أحوالهم فمسبوقة ، وذات الحق لا توصف بقبول حدثان ، وصفات ذاته لا تقبل اتصالاً بالغير ولا انفصالاً عن الذات ، تقدَّس الحق عن كل ضدِّ وندِّ ، ووصل وفصل ، وجمع وفرق ، وعين وخلق ، وملك وفلك ، ورسم وأثر ، وعبد وبشر ، وشمس وقمر ، وشخص وغَبَر. أ هـ {لطائف الإشارات حـ 1 صـ 226 ـ 227}","part":12,"page":56},{"id":4851,"text":"قوله تعالى {إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ وَمَنْ يَكْفُرْ بِآَيَاتِ اللَّهِ فَإِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ (19)}\rمناسبة الآية لما قبلها\rقال البقاعى : \rولما كان ذلك علم أنه يجب أن تخضع له الرقاب ويخلص له التوحيد جميع الألباب وذلك هو الإسلام فقال معللاً للشهادة منهم بالعدل - وقراءة الكسائي بالفتح أظهر في التعليل : {إن الدين} وأصله الجزاء ، أطلق هنا على الشريعة لأنها مسببة {عند الله} أي الملك الذي له الأمر كله {الإسلام} فاللام للعهد في هذه الشهادة فإنها أس لكل طاعة ، فلأجل أن الدين عنده هذا شهدوا له هذه الشهادة المقتضية لنهاية الإذعان.\rولما كان ذلك مصرحاً بأنه لا دين عنده غيره كان كأن قائلاً قال : فكان يجب أن يعلم بذلك الأنيباء الماضون والأمم السالفون ليلزموه ويلزموه أتباعهم! فقيل : قد فعل ذلك ، فقيل : فما لهم لم يلزموه ؟ فقيل : قد لزموه مدة مديدة {وما} ويجوز وهو أحسن أن يكون التقدير : بين الله سبحانه وتعالى بشهادته ما يرضيه بآياته المرئية ثم أوضحة غاية الإيضاح بآياته المسموعة بكتبه وما {اختلف الذين أوتوا الكتاب} هذا الاختلاف الذي ترونه {إلا من بعد ما جاءهم العلم} بذلك كله ، وما كان اختلافهم لجهلهم بذلك بل {بغياً} واقعاً {بينهم} لا بينهم وبين غيرهم ، بل من بعضهم على بعض للحسد والتنافس في الدنيا لشبه أبدوها ودعاو ادعوها ، طال بينهم فيها النزاع وعظم الدفاع ، والله سبحانه وتعالى عالم بكشفها ، قادر على صرفها.\rقال الحرالي : والبغي السعي بالقول والفعل في إزالة نعم أنعم الله تعالى بها على خلق بما اشتملت عليه ضمائر الباغي من الحسد له - انتهى.","part":12,"page":57},{"id":4852,"text":"ولما كان التقدير : فمن استمر على الإيمان فإن الله عظيم الثواب ، عطف عليه قوله : {ومن يكفر} أي يستمر على كفره ولم يقل حلماً منه : ومن كفر {بآيات الله} أي المرئيات والمسموعات الدالة على إحاطته بالكمال وقوفاً مع تلك الشبه وعمى عن الدليل فالله مهلكه عاجلاً {فإن الله} أي المحيط بكل شيء قدرة وعلماً ولا كفوء له {سريع} قال الحرالي : من السرعة وهي وحاء النجاز فيما شأنه الإبطاء - انتهى.\rويحتمل أن يكون كنى بالسرعة عن القرب فالمعنى : قريب {الحساب} أي عن قريب يجازيهم على كفرهم في هذه الحياة الدنيا بأيدي بعضهم وبأيدي المؤمنين ، ثم ينقلون إلى حسابه سبحانه وتعالى في الدار الآخرة المقتضي لعذاب الكفرة ، ويحتمل أن تكون السرعة على بابها ، والمراد أنه لا يتهيأ في حسابه ما يتهيأ في حساب غيره من المغالطة المقتضية للنجاة أو المطاولة في مدة الحساب المقتضية لتأخر الجزاء في مدة المراوغة والله تعالى أعلم.\rومن الكفر بالآيات الكفر بعيسى عليه الصلاة والسلام حين انتحلوا فيه الإلهية.\rقال الحرالي : كان آية من الله سبحانه وتعالى للهداية ، فوقع عندهم بحال من كفروا به ، فكان سبب كفرهم ما كان مستحقاً أن يكون سبب هداية المهتدي ، وكان ذلك فيه لمحل اشتباهه لأنه اشتبه عليهم خلقه بما ظهر على يديه من آيات الله سبحانه وتعالى ، وفي التعريض به إلاحة لما يقع لهذه الأمة في نحوه ممن هو مقام الهداية فوقع في طائفة موقع آية كفروا بها. أ هـ {نظم الدرر حـ 2 صـ 44 ـ 45}","part":12,"page":58},{"id":4853,"text":"وقال الآلوسى : \r{ إِنَّ الدّينَ عِندَ الله الإسلام } جملة مبتدأة وقعت تأكيداً للأولى ، وتعريف الجزئين للحصر أي لا دين مرضي عند الله تعالى سوى الإسلام وهو على ما أخرج ابن جرير عن قتادة \"شهادة أن لا إله إلا الله تعالى والإقرار بما جاء من عند الله تعالى وهو دين الله تعالى الذي شرع لنفسه وبعث به رسله ودل عليه أولياؤه لا يقبل غيره ولا يجزى إلا به\". وروى علي بن إبراهيم عن أمير المؤمنين كرم الله تعالى وجهه أنه قال في خطبة له لأنسبن الإسلام نسبة لم ينسبها أحد قبلي ، الإسلام هو التسليم ، والتسليم هو اليقين ، واليقين هو التصديق ، والتصديق هو الإقرار ، والإقرار هو الأداء ، والأداء هو العمل ثم قال : إن المؤمن أخذ دينه عن ربه ولم يأخذه عن رأيه إن المؤمن من يعرف إيمانه في عمله وإن الكافر يعرف كفره بإنكاره أيها الناس دينكم دينكم فإن السيئة فيه خير من الحسنة في غيره إن السيئة فيه تغفر وإن الحسنة في غيره لا تقبل. أ هـ {روح المعانى حـ 3 صـ 106}\rوقال ابن عاشور : \r{إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْأِسْلامُ}.\rقرأ جمهور القراء {إِنَّ الدِّينَ} بكسر همزة إن فهو استئناف ابتدائي لبيان فضيلة هذا الدين بأجمع عبارة وأوجزها.","part":12,"page":59},{"id":4854,"text":"وهذا شروع في أول غرض أنزلت فيه هذه السورة : غرض محاجة نصارى نجران ، فهذا الاستئناف من مناسبات افتتاح السورة بذكر تنزيل القرآن والتوراة والإنجيل ، ثم بتخصيص القرآن بالذكر وتفضيله بأن هديه يفوق هدي ما قبله من الكتب ، إذ هو الفرقان ، فإن ذلك أس الدين القويم ، ولما كان الكلام المتقدم مشتملا على تعريض باليهود والنصارى الذي كذبوا بالقرآن ، وإبطال لقول وفد نجران لما طلب منهم الرسول صلى الله عليه وسلم الإسلام \"أسلمنا قبلك\" فقال لهم كذبتم روى الواحدي ، ومحمد بن إسحاق : أن وفد نجران لما دخلوا المسجد النبوي تكلم السيد والعاقب فقال لهما رسول الله أسلما قالا : \"قد أسلمنا قبلك\" قال : \"كذبتما ، يمنعكما من الإسلام دعاؤكما لله ولدا ، وعبادتكما الصليب\" ، ناسب أن ينوه بعد ذلك بالإسلام الذي جاء به القرآن ، ولذلك عطف على هذه الجملة قوله {وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ} .\rواعلم أن جمل الكلام البليغ لا يخلو انتظامها عن المناسبة ، وإن كان بعضها استئنافا ، وإنما لا تطلب المناسبة في المحادثات والاقتضابات. أ هـ {التحرير والتنوير حـ 3 صـ 45 ـ 46}\rفصل\rقال الفخر : \rفي كيفية النظم من قرأ {أَنَّ الدّينَ} بفتح {أن} كان التقدير : شهد الله لأجل أنه لا إله إلا هو أن الدين عند الله الإسلام ، فإن الإسلام إذا كان هو الدين المشتمل على التوحيد ، والله تعالى شهد بهذه الوحدانية كان اللازم من ذلك أن يكون الدين عند الله الإسلام ، ومن قرأ {إِنَّ الدّينَ} بكسر الهمزة ، فوجه الاتصال هو أنه تعالى بيّن أن التوحيد أمر شهد الله بصحته ، وشهد به الملائكة وأولوا العلم ، ومتى كان الأمر كذلك لزم أن يقال {إِنَّ الدّينَ عِندَ الله الإسلام }. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 7 صـ 181}\rفصل\rقال القرطبى : ","part":12,"page":60},{"id":4855,"text":"قوله تعالى : { إِنَّ الدِّينَ عِندَ الله الإسلام } الدَّين في هذه الآية الطاعة والمِلّة ، والإسلام بمعنى الإيمان والطاعات ؛ قاله أبو العالية ، وعليه جمهور المتكلمين.\rوالأصل في مسمى الإيمان والإسلام التَّغَايُر ؛ لحديث جبريل.\rوقد يكون بمعنى المَرادَفَة.\rفيسمى كل واحد منهما باسم الآخر ؛ كما \" في حديث وفد عبد القيس وأنه أمرهم بالإيمان ( بالله ) وحده قال : \"هل تدرون ما الإيمان\" قالوا : الله ورسوله أعلم.\rقال ؛ \"شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة وصوم رمضان وأن تؤدوا خمساً من المغنم\" \" الحديث.\rوكذلك قوله صلى الله عليه وسلم : \" الإيمان بضع وسبعون بابا فأدناها إماطة الأذى وأرفعها قول لا إله إلا الله \" أخرجه الترمذي.\rوزاد مسلم \" والحياء شعبة من الإيمان \" ويكون أيضاً بمعنى التداخل ، وهو أن يطلق أحدهما ويراد به مسماه في الأصل ومسمى الآخر ، كما في هذه الآية إذ قد دخل فيها التصديق والأعمال ؛ ومنه قوله عليه السلام : \" الإيمان معرفة بالقلب وقول باللسان وعمل بالأركان \" أخرجه ابن ماجه ، وقد تقدّم.\rوالحقيقة هو الأوّل وضعا وشرعا ، وما عداه من باب التوسع. والله أعلم. أ هـ {تفسير القرطبى حـ 4 صـ 43 ـ 44}\rفائدة\rقال الماوردى : \rقوله عز وجل : { إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللَّهِ الإِسْلاَمُ } فيه وجهان : \rأحدهما : أن المتدين عند الله بالإِسلام من سلم من النواهي.\rوالثاني : أن الدين هنا الطاعة ، فصار كأنه قال : إن الطاعة لله هي الإِسلام.\rوفي أصل الإسلام قولان : \rأحدهما : أن أصله مأخوذ من السلام وهو السلامة ، لأنه يعود إلى السلامة.\rوالثاني : أن أصله التسليم لأمر الله في العمل بطاعته. أ هـ {النكت والعيون حـ 1 صـ 379 ـ 380}\rفصل\rقال الفخر : ","part":12,"page":61},{"id":4856,"text":"اتفق القرّاء على كسر {أن} إلا الكسائي فإنه فتح {أن} وقراءة الجمهور ظاهرة ، لأن الكلام الذي قبله قد تم ، وأما قراءة الكسائي فالنحويون ذكروا فيه ثلاثة أوجه : الأول : أن التقدير : شهد الله أنه لا إله إلا هو أن الدين عند الله الإسلام وذلك لأن كونه تعالى واحداً موجب أن يكون الدين الحق هو الإسلام لأن دين الإسلام هو المشتمل على هذه الوحدانية\rوالثاني : أن التقدير : شهد الله أنه لا إله إلا هو ، وأن الدين عند الله الإسلام الثالث : وهو قول البصريين أن يجعل الثاني بدلاً من الأول ، ثم إن قلنا بأن دين الإسلام مشتمل على التوحيد نفسه كان هذا من باب قولك : ضربت زيداً نفسه ، وإن قلنا : دين الإسلام مشتمل على التوحيد كان هذا من باب بدل الاشتمال ، كقولك : ضربت زيداً رأسه.\rفإن قيل : فعلى هذا الوجه وجب أن لا يحسب إعادة اسم الله تعالى كما يقال : ضربت زيداً رأس زيد.\rقلنا : قد يظهرون الاسم في موضع الكناية ، قال الشاعر : \rلا أرى الموت يسبق الموت شي.. وأمثاله كثيرة. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 7 صـ 180 ـ 181}\rوقال ابن عادل : \rقرأ الكسائي بفتح الهمزة ، والباقون بكسرها ، فأما قراءة الجماعةِ فعلى الاستئناف ، وهي مؤكِّدة للجملة الأولى.\rقال الزمخشريُّ : \" فإن قلتَ : ما فائدة هذا التوكيد ؟ قلت : فائدته أن قوله : { لاَ إله إِلاَّ هُوَ } توحيد ، وقوله : \" قائِماً بِالقِسْط \" تعديلٌ ، فإذا أردفه بقوله : { إِنَّ الدِّينَ عِندَ الله الإسلام } فقد آذَن أن الإسلام هو العدل والتوحيد ، وهو الدين عند الله ، وما عداه فليس في شيء من الدين عنده \".\rوأما قراءة الكسائي ففيها أوجه : \rأحدها : أنها بدل من { أَنَّهُ لاَ إله إِلاَّ هُوَ } - على قراءة الجمهورِ - في أن { لاَ إله إِلاَّ هُوَ } فيها وجهان : \rأحدهما : أنه من بدل الشيء من الشيء ، وذلك أن الدين - الذي هو الإسلام - يتضمن العدلَ ، والتوحيد ، وهو هو في المعنى.","part":12,"page":62},{"id":4857,"text":"والثاني : أنه بدل اشتمال ؛ لأن الإسلام يشتمل على التوحيدِ والعدلِ.\rوالثاني من الأوْجُهِ السابقةِ : أن يكون \" إنَّ الدِّينَ \" بدلاً من قوله \" بِالْقِسْطِ \" ثم لك اعتباران : \rأحدهما : أن تجعله بدلاً من لفظه ، فيكون محل \" إنَّ الدِّينَ \" الجر.\rوالثاني : أن تجعلَه بدلاً من موضعه ، فيكون محلها نصباً ، وهذا - الثاني - لا حاجة إليه - وإن كان أبو البقاء ذَكَرَه.\rوإنما صحَّ البدلُ في المعنى ؛ لأن الدين - الذي هو الإسلامُ - قِسْط وعَدْل ، فيكون - أيضاً - من بدل الشيء من الشيء - وهما لعينٍ واحدة-.\rويجوز أن يكون بدل اشتمال ؛ لأن الدين مشتمل على القسط - وهو العدل - وهذه التخاريج لأبي علي الفارسي ، وتبعه الزمخشريُّ في بعضها.\rقال أبو حيّان : \" وهو _ أبو علي - معتزليّ ، فلذلك يشتمل كلامُه على لفظ المعتزلة من التوحيد والعدل ، وعلى البدل من أنه خرجه هو وغيره ، وليس بجيد ؛ لأنه يؤدي إلى تركيب بعيد أن يأتي في كلام العرب وهو : عَرَفَ زَيْدٌ أنَّهُ لاَ شُجَاعَ إلاَّ هُوَ وَبَنُو تَمِيمٍ وَبَنُ دَارِمٍ مُلاَقِياً لِلْحُرُوبِ ، لاَ شُجَاعَ إلاَّ هُوَ الْبَطَلُ الْحَامِي ، إنَّ الخصلةَ الحميدةَ هي البسالةُ ، وتقريب هذا المثال : ضرب زيدٌ عائشة ، والعُمرانِ حَنِقاً أختك ، فحَنقاً ، حال من \" زيد \" و\" أختك \" بدل من \" عائشة \" ففصل بين البدل والمبدل منه بالعطف - وهذا لا يجوز - والحال لغير المبدل منه - وهو لا يجوز - ؛ لأنه فصل بأجنبي بين البدل والمبدل منه \".","part":12,"page":63},{"id":4858,"text":"قوله عرف زيد هو نظير \" شَهِدَ اللهُ \" ، وقوله : أنه لا شجاع إلا هو نظير { أَنَّهُ لاَ إله إِلاَّ هُوَ } وقوله : وبنو دارم نظير قوله : \" وَالْمَلاَئِكَةُ \" وقوله : ملاقياً للحروب نظير قوله : \" قَائِماً بِالْقِسْطِ \" وقوله : لا شجاع إلا هو نظير قوله : { لاَ إله إِلاَّ هُوَ } فجاء به مكرَّراً - كما في الآية - وقوله : البطل الحامي نظير قوله \" الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ \" وقوله : إن الخصلةَ الحميدةَ هي البسالةُ نظير قوله : { إِنَّ الدِّينَ عِندَ الله الإسلام }.\rقال شهابُ الدين : \" ولا يظهر لي منعُ ذلك ولا عدمُ صحةِ تركيبهِ ، حتى يقول : ليس بجيِّد ، وبعيد أن يأتي عن العرب مثلُه ، وما ادَّعاه بقوله - في المثال الثاني- : إن فيه الفصل بأجنبيٍّ فيه نظر ؛ إذْ هذه الجمل صارت كلُّها كالجملةِ الواحدةِ ؛ لما اشتملت عليه من تقويةِ كلمات بعضها ببعض ، وأبو علي وأبو القاسم وغيرُهما لم يكونوا في محل مَنْ يَجْهَل صحةَ تركيبِ بعضِ الكلام وفساده \".\rثم قال أبو حيّان : \" قال الزمخشريُّ : وقُرِئَتَا مفتوحتَيْن على أن الثاني بدل من الأول ، كأنه قيل : شهد الله أن الدين عند الله الإسلام ، والمبدَل هو المبدَل منه في المعنى ، فكان بياناً صريحاً ؛ لأن دينَ الإسلام هو التوحيد والعدل \" فقال : فَهَذَا نَقْل كَلاَمِ أبي عَلِيٍّ دُونَ استيفاس.\rالثالث - من الأوجه : أن يكون \" إنَّ الدِّينَ \" معطوفاً على { أَنَّهُ لاَ إله إِلاَّ هُوَ } حذف منه حرف العطف ، قاله ابن جرير ، وضعفه ابن عطية ، ولم يُبَيِّن وَجْهَ ضَعْفه.\r","part":12,"page":64},{"id":4859,"text":"قال أبو حيان : \" ووجه ضَعْفِه أنه متنافر التركيب مع إضمار حرف العطف ، فيفصل بين المتعاطفَين المرفوعين بالمنصوب المفعول ، وبين المتعاطفين المنصوبين بالمرفوع المشارك الفاعل في الفاعلية وبجملتي الاعتراض ، وصار في التركيب دون مراعاة الفصل ، نحو أكل زيدٌ خُبْزاً ، وعَمْرو سَمَكاً ، يعني فصلت بين زيد وعمرو بـ \" خبزاً وسمكاً \".\rالرابع : أن يكون معمولاً لقوله : { شَهِدَ الله } ، أي : شهد الله بأن الدين ، فلما حذف حرف الجر جاز أن يحكم على موضعه بالنصب ، أو الجر.\rفإن قلت : إنما يتجه هذا التخريجُ على قراءة ابن عباس ، وهي كسر \" أنّ \" الأولى ، وتكون الجملة - حينئذ - اعتراضاً بين طشَهِدَ \" وبين معموله كما تقدم ، وأما على قراءة فتح \" أن \" الأولى - وهي قراءة العامة - فلا يتجه ما ذكرتَ من التخريج ؛ لأن الأولى معمولة له ، استغنى بها.\rفالجوابُ : أن ذلك مُتَّجِهٌ - أيضاً - مع فتح الأولى ، وهو أن يُجْعَل الأولى على حذف لام العلة تقديره : شهد الله أن الدين عند الله الإسلام ؛ لأنه لا إله إلا هو ، وهذا التخريج ذكره الواحديُّ ، وقال : \" هذا معنى قول الفراء حيث يقول - في الاحتجاج للكسائي- : إن شئت جعلت \" أنه \" على الشرط ، وجعلنا الشهادة واقعة على قوله : { إِنَّ الدِّينَ عِندَ الله الإسلام } ، ويكون \" إنَّ \" الأولى يصلح فيها الخفض ، كثولك : شهد الله لوحدانية أن الدين عند الله الإسلام \".\rوهو كلام مُشْكِلٌ في نفسه ، ومعنى قوله على الشرط ، أي : العلة ، سمَّى العلةَ شرطاً ؛ لأن المشروطَ متوقفٌ عليه كتوقف المعلول على علتع ، فهو علة ، إلا أنه خلاف اصطلاح النحويين.\rثم اعترض الواحدي على هذا التخريج بأنه لو كان كذلك لم يَحْسُن إعادة اسم \" الله \" ، ولكان التركيب : إن الدين عنده الإسلام ؛ لأن الاسم قد سَبَق ، فالوجه الكناية.\rثم أجاب بأن العربَ رُبَّما أعادت الاسم موضعَ الكناية ، وأنشد : [ الخفيف ]\r","part":12,"page":65},{"id":4860,"text":"1372- لاَ أرَى الْمَوْتَ يَسْبِقُ الْمَوْتَ شَيءٌ... نَغَّصَ الْمَوْتُ ذَا الْغِنَى وَالفقِيرَا\rيعني أنه من باب إيقاع الظاهر موقع المضمر ، ويزيده - هنا - حُسْناً أنه في موضع تعظيم وتفخيم.\rالخامس : أن تكون على حذف حرف الجر معمولة للفظ \" الْحَكِيم \" ، كأنه قيل : الحكيم بأن ، أي : الحاكم بأن ف \" حَكِيم \" مثال مبالغة ، مُحَوَّل من فاعل ، فهو كالعليم والخبير والبصير ، أي : المبالغ في هذه الأوصاف ، وإنما عَدَل عن لفظ \" حاكم \" إلى \" حكيم \" - مع زيادة المبالغة- ؛ لموافقة \" الْعَزِيز \" ، ومعنى المبالغة : تكرار حكمهِ - بالنسبة إلى الشرائع - أن الدينَ عند الله الإسلام ؛ إذْ حَكَم في كلّ شريعة بذلك ، قاله أبو حيّان ، ثم قال : فإن قلتَ : لم حَمَلْتَ \" الْحَكِيم \" على أنه مُحوَّل من \" فاعل \" إلى فعيل ؛ للمبالغة ، وهَلاَّ جعلته \" فَعِيلا \" ، بمعنى \" مُفْعِل \" فيكون معناه \" الْمُحكِم \" كما قالوا في \" أليم \" : إنه بمعنى \" مُؤْلِم \" وفي \" سميع \" من قول الشاعر : [ الوافر ]\r1373- أمِنْ رَيْحَانَة الدَّاعي السَّمِيع...............................\rأي : المُسْمِع ؟ \r","part":12,"page":66},{"id":4861,"text":"فالجوابُ : أنا لا نسلم أن \" فَعِيلا \" يأتي بمعنى \" مفعل \" ، وقد يؤول \" أليم \" و\" سميع \" على غير \" مفعل \" ، ولئن سلمنا ذلك ، فهو من الندور والشذوذ ، بحيث لا يَنْقاس ، [ وأما ] \" فعيل \" محوَّل من \" فاعل \" ؛ للمبالغة فهو منقاس ؛ كثير جداً ، خارج عن الحصر ، كعليم ، وسميع ، وقدير ، وخبير ، وحفيظ إلى ألفاظ لا تُحْصَى كَثْرَةً ، وأيضاً فإن العربيَّ الْقُحَّ ، الباقي على سجيته لم يفهم من \" حكيم \" إلا أنه محوَّل من \" فاعل \" ؛ للمبالغة ، ألا ترى أنه لما سمع قارئاً يقرأ { والسارق والسارقة فاقطعوا أَيْدِيَهُمَا جَزَآءً بِمَا كَسَبَا نَكَالاً مِّنَ الله } [ المائدة : 38 ] والله غفور رحيم أنكر أن تكون فاصلة هذا التركيب السابق { والله غَفُورٌ رَّحِيمٌ } ، فقيل له : التلاوة : { والله عَزِيزٌ حَكِيمٌ } ، فقال : هكذا يكون ، عَزَّ فَحَكَم فقط ، ففَهِم من \" حكيم \" أنه محوَّل - للمبالغة - من \" حاكم \" ، وفَهْم هذا العربيِّ حُجَّةٌ قاطعةٌ بما قلناه ، وهذا تخريج سَهْل ، سائغ جداً ، يزيل تلك التكلفات والتركيبات التي يُنزّه كتابُ الله عنها ، وأما على قراءة ابن عباس فكذلك نقول ، ولا نجعل { إِنَّ الدِّينَ } معمولاً لِ \" شَهِدَ \" - كما فهموا - وأن { أَنَّهُ لاَ إله إِلاَّ هُوَ } اعتراض - يعني بين الحال وصاحبها ، وبين معموله - بل نقول : معمول \" شَهِدَ \" هو \" إنَّهُ \" - بالكسر - على تخريج من خرج أن \" شَهِدَ \" - لما كان بمعنى القول - كسر ما بعده ؛ إجراءً له مُجْرَى القول.\r","part":12,"page":67},{"id":4862,"text":"أو نقول : إنه معموله ، وعلقت ، ولم تدخل اللام في الخبر ؛ لأنه منفي ، بخلاف ما لو كان مثبتاً فإنك تقول : شهدت إنَّ زيداً لَمُنْطَلِقٌ ، فتعلق بـ \" إنَّ \" مع وجود اللام ؛ لأنه لو لم تكن اللام لفتحت \" إنَّ \" ، فقلت : شهدت أنَّ زَيْداً منطلقٌ ، فمن قرأ بفتح \" أنَّه \" ، فإنه لم يَنْو التعليقَ ، ومن كسر فإنه نوى التعليق ، ولم تدخل اللام في الخبر ؛ لأنه منفي كما ذكرنا.\rقال شهاب الدينِ : وكان الشيخ - لما ذكر الفصل والاعتراض بين كلمات هذه الآية - قال ما نصه : \" وأما قراءة ابن عباس فتخرج على أن { إِنَّ الدِّينَ عِندَ الله الإسلام } هو معمول \" شَهِدَ \" ويكون في الكلام اعتراضان : \rأحدهما : بين المعطوف عليه والمعطوف وهو { لاَ إله إِلاَّ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ } وإذا أعربنا { الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ } خبرَ مبتدأ محذوفٍ كان ذلك ثلاثة اعتراضات ، انظر هذه التوجيهات البعيدة ، التي لا يقدر أحد على أن يأتي لها بنظيرٍ من كلام العربِ ، وإنما حمل على ذلك العُجْمَةُ ، وعدمُ الإمعان في تراكيب كلام العربِ ، وحِفْظِ أشعارِها \".\rقال شهاب الدينِ : \" ونسبة كلامِ أعلام الأئمة إلى العجمة ، وعدم معرفتهم بكلام العرب ، وحملهم كلام الله على ما لا يجوز ، وأن هذا - الذي ذكره - هو تخريج سهل واضح ، غير مقبول ولا مُسَلَّم ، بل المتبادر إلى الذهن ما نقله الناسُ ، وتلك الاعتراضات بين أثناء تلك الآيةِ الكريمةِ موجودٌ نظيرُها في كلامِ العربِ ، وكيف يجهل الفارسي والزمخشريُّ والفراءُ وأضرابهم ذلك ؟ وكيف يَتَبَجَّجُ باطِّلاعه على ما لم يَطلع عليه مثلُ هؤلاء ؟ وكيف يظن بالزمخشري أنه لا يعرفُ مواقعَ النظم ، وهو المسلَّم له في علم المعاني والبيان والبديع ، ولا يَشُك أحد أنه لا بد لمن يتعرض إلى علم التفسير أن يعرفَ جملةً صالحةً من هذه العلوم \".\rقوله : { عِنْدَ الله } ظرف ، العامل فيه لفظ \" الدِّين \" ؛ ملا تضمنه من معنى الفعل.\r","part":12,"page":68},{"id":4863,"text":"قال أبو البقاء : \" ولا يكون حالاً ؛ لأن \" إنَّ \" لا تعمل في الحال \".\rقال شهاب الدين : قد جوز في \" ليت \" وفي \" كأن \" أن تعمل في الحال \".\rقالوا : لما تضمنته هذه الأحرف من معنى التمني والتشبيه ، ف \" إن \" للتأكيد ، فلْتَعْمَل في الحال - أيضاً - فليست تتباعد عن \" الهاء \" التي للتنبيه.\rقيل : هي أولى منها ، وذلك أنها عاملة ، و\" هاء \" ليست بعاملة ، فهي أقرب لشبه الفعل من هاء. أ هـ {تفسير ابن عادل حـ 5 صـ 101 ـ 105}\rقال ابن كثير : \rقوله : { إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الإسْلامُ } إخبار من الله تعالى بأنه لا دين عنده يقبله من أحد سوى الإسلام ، وهو اتباع الرسل فيما بعثهم الله به في كل حين ، حتى ختموا بمحمد صلى الله عليه وسلم ، الذي سد جميع الطرق إليه إلا من جهة محمد صلى الله عليه وسلم ، فمن لقي الله بعد بعثته محمدًا صلى الله عليه وسلم بدِين على غير شريعته ، فليس بمتقبل. كما قال تعالى : { وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الإسْلامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ [وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ]} [آل عمران : 85 ] وقال في هذه الآية مخبرًا بانحصار الدين المتقبل عنده في الإسلام : { إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الإسْلامُ }\rوذكر ابن جرير أن ابن عباس قرأ : { شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلا هُوَ وَالْمَلائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ لا إِلَهَ إِلا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ. إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الإسْلامُ } بكسر إنه وفتح { إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الإسْلامُ } أي : شهد هو وملائكته وأولو العلم من البشر بأن الدين عند الله الإسلام. والجمهور قرأوها بالكسر على الخبر ، وكلا المعنيين صحيح. ولكن هذا على قول الجمهور أظهر والله أعلم. أ هـ {تفسير ابن كثير حـ 2 صـ 25}\rفصل\rقال الفخر : ","part":12,"page":69},{"id":4864,"text":"أصل الدين في اللغة الجزاء ، ثم الطاعة تسمى ديناً لأنها سبب الجزاء ، وأما الإسلام ففي معناه في أصل اللغة أوجه الأول : أنه عبارة عن الدخول في الإسلام أي في الانقياد والمتابعة ، قال تعالى : {وَلاَ تَقُولُواْ لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السلام} [ النساء : 94 ] أي لمن صار منقاداً لكم ومتابعاً لكم والثاني : من أسلم أي دخل في السلم ، كقولهم : أسنى وأقحط وأصل السلم السلامة الثالث : قال ابن الأنباري : المسلم معناه المخلص لله عبادته من قولهم : سلم الشيء لفلان ، أي خلص له فالإسلام معناه إخلاص الدين والعقيدة لله تعالى ، هذا ما يتعلق بتفسير لفظ الإسلام في أصل اللغة ، أما في عرف الشرع فالإسلام هو الإيمان ، والدليل عليه وجهان الأول : هذه الآية فإن قوله {إِنَّ الدّينَ عِندَ الله الإسلام} يقتضي أن يكون الدين المقبول عند الله ليس إلا الإسلام ، فلو كان الإيمان غير الإسلام وجب أن لا يكون الإيمان ديناً مقبولاً عند الله ، ولا شك في أنه باطل الثاني : قوله تعالى : {وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإسلام دِينًا فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ} [ آل عمران : 85 ] فلو كان الإيمان غير الإسلام لوجب أن لا يكون الإيمان ديناً مقبولاً عند الله تعالى.\rفإن قيل : قوله تعالى : {قَالَتِ الأعراب ءَامَنَّا قُل لَّمْ تُؤْمِنُواْ ولكن قُولُواْ أَسْلَمْنَا} [ الحجرات : 14 ] هذا صريح في أن الإسلام مغاير للإيمان.","part":12,"page":70},{"id":4865,"text":"قلنا : الإسلام عبارة عن الانقياد في أصل اللغة على ما بينا ، والمنافقون انقادوا في الظاهر من خوف السيف ، فلا جرم كان الإسلام حاصلاً في حكم الظاهر ، والإيمان كان أيضاً حاصلاً في حكم الظاهر ، لأنه تعالى قال : {وَلاَ تَنْكِحُواْ المشركات حتى يُؤْمِنَّ} [ البقرة : 221 ] والإيمان الذي يمكن إدارة الحكم عليه هو الإقرار الظاهر ، فعلى هذا الإسلام والإيمان تارة يعتبران في الظاهر ، وتارة في الحقيقة ، والمنافق حصل له الإسلام الظاهر ، ولم يحصل له الإسلام الباطن ، لأن باطنه غير منقاد لدين الله ، فكان تقدير الآية : لم تسلموا في القلب والباطن ، ولكن قولوا : أسلمنا في الظاهر ، والله أعلم. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 7 صـ 181}\rوقال ابن عاشور : \rوالدين : حقيقته في الأصل الجزاء ، ثم صار حقيقة عرفية يطلق على : مجموع عقائد وأعمال يلقنها رسول من عند الله ويعد العاملين بها بالنعيم والمعرضين عنها بالعقاب. ثم أطلق على ما يشبه ذلك مما يضعه بعض زعماء الناس من تلقاء عقله فتلتزمه طائفة من الناس. وسمي الدين دينا لأنه يترقب منه متبعه الجزاء عاجلا أو آجلا ، فما من أهل دين إلا وهم يترقبون جزاء من رب ذلك الدين ، فالمشركون يطمعون في إعانة الآلهة ووساطتهم ورضاههم عنهم ، ويقولون : هؤلاء شفعاؤنا عند الله ، وقال أبو سفيان يوم أحد : أعل هبل. وقال يوم فتح مكة لما قال له العباس : أما آن لك أن تشهد أن لا إله إلا الله : لقد علمت أن لو كان معه إله غيره لقد أغنى عني شيئا. وأهل الأديان الإلهية يترقبون الجزاء الأوفى في الدنيا والآخرة ، فأول دين إلهي كان حقا وبه كان اهتداء الإنسان ، ثم طرأت الأديان المكذوبة ، وتشبهت بالأديان الصحيحة ، قال الله تعالى تعليما لرسوله {لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ} [الكافرون : 6] وقال {مَا كَانَ لِيَأْخُذَ أَخَاهُ فِي دِينِ الْمَلِكِ} [يوسف : 76].\r","part":12,"page":71},{"id":4866,"text":"وقد عرف العلماء الدين الصحيح بأنه وضع إلهي سائق لذوي العقول باختيارهم المحمود إلى الخير باطنا وظاهرا.\rوالإسلام علم بالغلبة على مجموع الدين الذي جاء به محمد صلى الله عليه وسلم ، كما أطلق على ذلك الإيمان أيضا ، ولذلك لقب أتباع هذا الدين بالمسلمين وبالمؤمنين ، وهو الإطلاق المراد به هنا ، وهو تسمية بمصدر أسلم إذا أذعن ولم يعاند إذعانان عن اعتراف بحق لا عن عجز ، وهذا اللقب أولى بالإطلاق على هذا الدين من لقب الإيمان ؛ لأن الإسلام هو المظهر البين لمتابعة الرسول فيما جاء به من الحق ، واطراح كل حائل يحول دون ذلك ، بخلاف الإيمان فإنه اعتقاد قلبي ، ولذلك قال الله تعالى {هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ} [الحج : 78] وقال {فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ لِلَّهِ وَمَنِ اتَّبَعَنِ} [آل عمران : 20] ولأن الإسلام لا يكون إلا عن اعتقاد لأن الفعل أثر الإدراك ، بخلاف العكس فقد يكون الاعتقاد مع المكابرة.\rوربما أطلق الإسلام على خصوص الأعمال ؛ والإيمان على الاعتقاد ، وهو إطلاق مناسب لحالتي التفكيك بين الأمرين في الواقع ، كما في قوله تعالى ، خطابا لقوم أسلموا مترددين {قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْأِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ} [الحجرات : 14] ، أو التفكيك في تصوير الماهية عند التعليم لحقائق المعاني الشرعية أو اللغوية كما وقع في حديث جبريل : من ذكر معنى الإيمان ، والإسلام ، والإحسان.\rوالتعريف في الدين تعريف الجنس ، إذ لا يستقيم معنى العهد الخارجي هنا وتعريف الإسلام تعريف العلم بالغلبة : لأن الإسلام صار علما بالغلبة على الدين المحمدي.\rفقوله : {إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْأِسْلامُ} صيغة حصر ، وهي تقتضي في اللسان حصر المسند إليه ، وهو الدين ، في المسند ، وهو الإسلام ، على قاعدة الحصر بتعريف جزئي الجملة ، أي لا دين إلا الإسلام ، وقد أكد هذا الانحصار بحرف التوكيد.","part":12,"page":72},{"id":4867,"text":"وقوله : {عِنْدَ اللَّهِ الْإسْلامُ} وصف للدين ، والعندية عندية الاعتبار والاعتناء وليست عندية علم : فأفاد ، أن الدين الصحيح هو الإسلام ، فيكون قصرا للمسند إليه باعتبار قيد فيه ، لا في جميع اعتباراته : نظير قول الخنساء : \rإذا قبح البكاء على قتيل ... رأيت بكاءك الحسن الجميلا\rفحصرت الحسن في بكائه قاعدة أن المقصور هو الحسن لأنه هو المعرف باللام ، وهذا الحصر باعتبار التقييد بوقت قبح البكاء على القتلى وهو قصر حسن بكائها على ذلك الوقت ، ليكون لبكائها على صخر مزية زائدة على بكاء القتلى المتعارف وإن أبى اعتبار القصر في البيت أصلا صاحب المطول.\rوإذ قد جاءت أديان صحيحة أمر الله بها فالحصر مؤول : إما باعتبار أن الدين الصحيح عند الله ، حين الإخبار ، وهو الإسلام ، لأن الخبر ينظر إلى وقت الإخبار ؛ إذ الأخبار كلها حقائق في الحال ، ولا شك أن وقت الإخبار ليس فيه دين صحيح غير الإسلام ؛ إذ قد عرض لبقية الأديان الإلهية ، من خلط الفاسد بالصحيح ، ما اختل لأجله مجموع الدين ، وإما باعتبار الكمال عند الله فيكون القصر باعتبار سائر الأزمان والعصور ؛ إذ لا أكمل من هذا الدين ، وما تقدمه من الأديان لم يكن بالغا غاية المراد من البشر في صلاح شؤونهم ، وهذا المعنى أولى محملي الآية ، لأن مفاده أعم ، وتعبيره عن حاصل صفة دين الإسلام تجاه بقية الأديان الإلهية أتم.","part":12,"page":73},{"id":4868,"text":"ذلك أن مراد الله تعالى من توجيه الشرائع وإرسال الرسل ، ليس مجرد قرع الأسماع بعبارات التشريع أو التذوق لدقائق تراكيبه ، بل مراد الله تعالى مما شرع للناس هو عملهم بتعاليم رسله وكتبه ، ولما كان المراد من ذلك هو العمل ، فجعل الله الشرائع مناسبة لقابيليات المخاطبين بها ، وجارية على قدر قبول عقولهم ومقدرتهم ، ليتمكنوا من العمل بها بدوام وانتظام ، فلذلك كان المقصود من التدين أن يكون ذلك التعليم الديني دأبا وعادة لمنتحليه ، وحيث النفوس لا تستطيع الانصياع إلى ما لا يتفق مع مدركاتها ، لا جرم تعين مراعاة حال المخاطبين في سائر الأديان ، ليمكن للأمم العمل بتعاليم شرائعها بانتظام ومواظبة.\rوقد كانت أحوال الجماعات البشرية ، في أول عهود الحضارة ، حالات عكوف على عوائد وتقاليد بسيطة ، ائتلفت رويدا على حسب دواعي الحاجات ، وما تلك الدواعي ، التي تسببت في ائتلاف تلك العوائد ، إلا دواع غير منتشرة ؛ لأنها تنحصر فيما يعود على الفرد بحفظ حياته ، ودفع الآلام عنه ، ثم بحفظ حياة من يرى له مزيد اتصال به ، وتحسين حاله ، فبذلك ائتلف نظام الفرد ، ثم نظام العائلة ، ثم نظام العشيرة ، وهاته النظم المتقابسة هي نظم متساوية الأشكال ؛ إذ كلها لا يعدو حفظ الحياة ، بالغذاء والدفاع عن النفس ، ودفع الآلام بالكساء والمسكن والزواج ، والانتصار للعائلة وللقبيلة ؛ لأن بها الاعتزاز ، ثم ما نشأ عن ذلك من تعاون الآحاد على ذلك ، بإعداد المعدات : وهو التعاوض والتعامل ، فلم تكن فكرة الناس تعدو هذه الحالة ، وبذلك لم يكن لأحد الجماعات شعور بما يجري لدى جماعة أخرى ، فضلا عن التفكير في اقتباس إحداهما مما يجري لدى غيرها ، وتلك حالة قناعة العيش ، وقصور الهمة وانعدام الدواعي فإذا حصلت الأسباب الآنفة عد الناس أنفسهم في منتهى السعادة.","part":12,"page":74},{"id":4869,"text":"وكان التباعد بين الجماعات في المواطن مع مشقة التواصل ، وما يعرض في ذلك من الأخطار والمتاعب ، حائلا عن أن يصادفهم ما يوجب اقتباس الأمم بعضها عن بعض وشعور بعضها بأخلاق بعض ، فصار الصارف عن التعاون في الحضارة الفكرية مجموع حائلين : عدم الداعي ، وانسداد وسائل الصدفة ، اللهم إلا ما يعرض من وفادة وافد ، أو اختلاط في نجعة أو موسم ، على أن ذلك إن حصل فسرعان ما يطرأ عليه النسيان ، فيصبح في خبر كان.\rفكيف يرجى من أقوام ، هذه حالهم ، أن يدعوهم الداعي إلى صلاح في أوسع من دوائر مدركاتهم ، ومتقارب تصور عقولهم ، أليسوا إذا جاءهم مصلح كذلك لبسوا له جلد النمر ، فأحسن من سوء الطاعة حرق الجمر ، لذلك لم تتعلق حكمة الله تعالى ، في قديم العصور ، بتشريع شريعة جامعة صالحة لجميع البشر ، بل كانت الشرائع تأتي إلى أقوام معينين ؛ وفي حديث مسلم ، في صفة عرض الأمم للحساب أن رسول الله قال : \"فيجيء النبي ومعه الرهط ، والنبي ومعه الرجل والرجلان ، والنبي وليس معه أحد\" وفي رواية البخاري \"فجعل النبي والنبيان يمرون معهم الرهط\" الحديث. وبقي الحق في خلال ذلك مشاعا بين الأمم ، ففي كل أمة تجد سدادا وأفنا ، وبعض الحق لم يزل مخبوءا لم يسفر عنه البيان.\rثم أخذ البشر يتعارفون بسبب الفتوح والهجرة ، وتقاتلت الأمم المتقاربة المنازل ، فحصل للأمم حظ من الحضارة ، وتقاربت العوائد ، وتوسعت معلوماتهم ، وحضارتهم ، فكانت من الشرائع الإلهية : شريعة إبراهيم عليه السلام ، ومن غيرها شريعة حمورابي في العراق ، وشريعة البراهمة ، وشريعة المصريين ، التي ذكرها الله تعالى في قوله {مَا كَانَ لِيَأْخُذَ أَخَاهُ فِي دِينِ الْمَلِكِ} [يوسف : 76].\rثم أعقبتها شريعة إلهية كبرى وهي شريعة موسى عليه السلام التي اختلط أهلها بأمم كثيرة في مسيرهم في التيه وما بعده ، وجاورتها أو أعقبتها شرائع مثل شريعة زرادشت في الفرس ، وشريعة كنفشيوس في الصين ، وشريعة سولون في اليونان.","part":12,"page":75},{"id":4870,"text":"وفي هذه العصور كلها لم تكن إحدى الشرائع عامة الدعوة ، وهذه أكبر الشرائع وهي الموسوية لم تدع غير بني إسرائيل ولم تدع الأمم الأخرى التي مرت عليها ، وامتزجت بها ، وصاهرتها ، وكذلك جاءت المسيحية مقصورة على دعوة بني إسرائيل حتى دعا الناس إليها القديس بولس بعد المسيح بنحو ثلاثين سنة.\rإلى أن كان في القرن الرابع بعد المسيح حصول تقابس وتمازج بين أصناف البشر في الأخلاق والعائد ، بسببين : اضطراري ، واختياري. أما الاضطراري فذلك أنه قد ترامت الأمم بعضها على بعض ، واتجه أهل الشرق إلى الغرب ، وأهل الغرب إلى الشرق ، بالفتوح العظيمة الواقعة بين الفرس والروم ، وهما يومئذ قطبا العالم ، بما يتبع كل واحدة من أمم تنتمي إلى سلطانها ، فكانت الحرب سجالا بين الفريقين ، وتوالت أزمانا طويلة.\rوأما الاختياري فهو ما أبقاه ذلك التمازج من مشاهدة أخلاق وعوائد ، حسنت في أعين رائيها ، فاقتبسوها ، وأشياء قبحت في أعينهم ، فحذروها ، وفي كلتا الحالتين نشأت يقظة جديدة ، وتأسست مدنيات متفننة ، وتهيأت الأفكار إلى قبول التغييرات القوية ، فتهيأت جميع الأمم إلى قبول التعاليم الغريبة عن عوائدها وأحوالها ، وتساوت الأمم وتقاربت في هذا المقدار ، وإن تفاوتت في الحضارة والعلوم تفاوتا ربما كان منه ما زاد بعضها تهيئوا لقبول التعاليم الصحيحة ، وقهقر بعضا عن ذلك بما داخلها من الإعجاب بمبلغ علمها ، أو العكوف والإلف على حضارتها.\rفبلغ الأجل المراد والمعين لمجيء الشريعة الحق الخاتمة العامة.","part":12,"page":76},{"id":4871,"text":"فأظهر الله دين الإسلام في وقت مناسب لظهوره ، واختار أن يكون ظهوره بين ظهراني أمة لم تسبق لها سابقة سلطان ، ولا كانت ذات سيادة يومئذ على شيء من جهات الأرض ، ولكنها أمة سلمها الله من معظم رعونات الجماعات البشرية ، لتكون أقرب إلى قبول الحق ، وأظهر هذا الدين بواسطة رجل منها ، لم يكن من أهل العلم ، ولا من أهل الدولة ، ولا من ذرية ملوك ، ولا اكتسب خبرة سابقة بهجرة أو مخالطة ، ليكون ظهور هذا الحق الصريح ، والعلم الصحيح ، من مثله آية على أن ذلك وحي من الله نفح به عباده.\rثم جعل أسس هذا الدين متباعدة عن ذميم العوائد في الأمم ، حتى الأمة التي ظهر بينها ، وموافقة للحق ولو كان قد سبق إليه أعداؤها ، وكانت أصوله مبنية على الفطرة بمعنى ألا تكون ناظرة إلا إلى ما فيه الصلاح في حكم العقل السليم ، غير مأسور للعوائد ولا للمذاهب ، قال تعالى {فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ} [الروم : 30] قال الشيخ أبو علي ابن سينا : \"الفطرة أن يتوهم الإنسان نفسه حصل في الدنيا دفعه وهو عاقل ، لم يسمع رأيا ، ولم يعتقد مذهبا ، ولم يعاشر أمة ، لكنه شاهد المحسوسات ، ثم يعرض على ذهنه الأشياء شيئا فشيئا فإن أمكنه الشك في شيء فالفطرة لا تشهد به ، وإن لم يمكنه الشك فيه فالفطرة توجبه ، وليس كل ما توجبه الفطرة بصادق ، بل الصادق منه ما تشهد به فطرة القوة التي تسمى عقلا ، قبل أن يعترضه الوهم\".\rويدخل في الفطرة الآداب العتيقة التي اصطلح عليها كافة عقلاء البشر ، وارتاضت نفوسهم بها ، إذا كانت تفيدهم كمالا ، ولا تفضي إلى فساد ، وذلك أصول قواعد حفظ النسب والعرض خاص. فبهذا الأصل : أصل الفطرة كان الإسلام دينا صالحا لجميع الأمم في جميع الأعصر.\rثم ظهر هذا الأصل في تسعة مظاهر خادمة له ومهيئة جميع الناس لقبوله.","part":12,"page":77},{"id":4872,"text":"المظهر الأول : إصلاح العقيدة بحمل الذهن على اعتقاد لا يشوبه تردد ولا تمويه ولا أوهام ولا خرافات ، ثم بكون عقيدته مبنية على الخضوع لواحد عظيم ، وعلى الاعتراف باتصاف هذا الواحد بصفات الكمال التامة التي تجعل الخضوع إليه اختيارا ، ثم لتصير تلك الكمالات مطمح أنظار المعتقد في التخلق بها ثم بحمل جميع الناس على تطهير عقائدهم حتى يتحد مبدأ التخلق فيهم {قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئاً وَلا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضاً أَرْبَاباً مِنْ دُونِ اللَّهِ} [آل عمران : 64].\rوكان إصلاح الاعتقاد أهم ما ابتدأ به الإسلام ، وأكثر ما تعرض له ؛ وذلك لأن إصلاح الفكرة هو مبدأ كل إصلاح ؛ ولأنه لا يرجى صلاح لقوم تلطخت عقولهم بالعقائد الضالة ، وخسئت نفوسهم بآثار تلك العقائد المثيرة ، خوفا من لا شيء ، وطمعا في غير شيء. وإذا صلح الاعتقاد أمكن صلاح الباقي ؛ لأن المرء إنسان بروحه لا بجسمه.\rثم نشأ عن هذا الاعتقاد الإسلامي : عزة النفس ، وأصالة الرأي ، وحرية العقل ، ومساواة الناس فيما عدا الفضائل.\rوقد أكثر الإسلام شرح العقائد إكثارا لا يشبهه فيد دين آخر ، بل إنك تنظر إلى كثير من الأديان الصحيحة ، فلا ترى فيها من شرح صفات الخالق إلا قليلا.\rالمظهر الثاني : جمعه بين إصلاح النفوس ، بالتزكية ، وبين إصلاح نظام الحياة ، بالتشريع ، في حين كان معظم الأديان لا يتطرق إلى نظام الحياة بشيء ، وبعضها وإن تطرق إليه إلا أنه لم يوفه حقه ، بل كان معظم اهتمامها منصرفا إلى المواعظ والعبادات ، وقد قرن القرآن المصلحتين في غير ما آية قال تعالى {مَنْ عَمِلَ صَالِحاً مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} [النحل : 97].","part":12,"page":78},{"id":4873,"text":"والمظهر الثالث : اختصاصه بإقامة الحجة ، ومجادلة المخاطبين بصنوف المجادلات ، وتعليل أحكامه ، بالترغيب وبالترهيب ، وذلك رعي لمراتب نفوس المخاطبين ، فمنهم العالم الحكيم الذي لا يقتنع إلا بالحجة والدليل ، ومنهم المكابر الذي لا يرعوي إلا بالجدل والخطابة ، ومنهم المترهب الذي اعتاد الرغبة فيما عند الله ، ومنهم المكابر المعاند ، الذي لا يقلعه عن شغبه إلا القوارع والزواجر.\rالمظهر الرابع : أنه جاء بعموم الدعوة لسائر البشر ، وهذا شيء لم يسبق في دين قبله قط ، وقي القرآن {قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعاً} [الأعراف : 158] وفي الحديث الصحيح : \"أعطيت خمسا لم يعطهن أحد قبلي فذكر وكان الرسول يبعث إلى قومه خاصة وبعثت إلى الناس عامة\" وقد ذكر الله تعالى الرسل كلهم فذكر أنه أرسلهم إلى أقوامهم.\rوالاختلاف في كون نوح رسولا إلى جميع أهل الأرض ، إنما هو مبني : على أنه بعد الطوفان انحصر أهل الأرض في أتباع نوح ، عند القائلين بعموم الطوفان سائر الأرض ، ألا ترى قوله تعالى {وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحاً إِلَى قَوْمِهِ} [الأعراف : 59] وأياما كان احتمال كون سكان الأرض في عصر نوح هم من ضمهم وطن نوح ؛ فإن عموم دعوته حاصل غير مقصود.\rالمظهر الرابع : الدوام ولم يدع رسول من الرسل أن شريعته دائمة ، بل ما من رسول ، ولا كتاب ، إلا تجد فيه بشارة برسول يأتي من بعده.\rالمظهر الخامس : الإقلال من التفريع في الأحكام بل تأتي بأصولها ويترك التفريع لاستنباط المجتهدين وقد بين ذلك أبو إسحاق الشاطبي في تفسير قوله تعالى {مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ} [الأنعام : 38] لتكون الأحكام صالحة لكل زمان.","part":12,"page":79},{"id":4874,"text":"المظهر السادس : أن المقصود من وصايا الأديان إمكان العمل بها ، وفي أصول الأخلاق أن التربية الصحيحة هي التي تأتي إلى النفوس بالحيلولة بينها خواطر الشرور ؛ لأن الشرور ، إذا تسربت إلى النفوس ، تعذر أو عسر اقتلاعها منها ، وكانت الشرائع تحمل الناس على متابعة وصاياها بالمباشرة ، فجاء الإسلام يحمل الناس على الخير بطريقتين : طريقة مباشرة ، وطريقة سد الذرائع الموصلة إلى الفساد ، وغالب أحكام الإسلام من هذا القبيل وأحسبها أنها من جملة ما أريد بالمشتبهات في حديث إن الحلال بين وإن الحرام بين وبينهما أمور مشتبهات لا يعلمهن كثير من الناس\".\rالمظهر السابع : الرأفه بالناس حتى في حملهم على مصالحهم بالاقتصار في التشريع على موع المصلحة ، مع تطلب إبراز ذلك التشريع في صورة لينة ، وفي القرآن {يُُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ} [البقرة : 185] وفي الحديث الصحيح : \"بعثت بالحنفية السمحة ولن يشاد هذا الدين أحدا إلا غلبه\" وكانت الشرائع السابقة تحمل على المتابعة بالشدة ، فلذلك لم تكن صالحة للبقاء ؛ لأنها روعي فيها حال قساوة أمم في عصور خاصة ، ولم تكن بالتي يناسبها ما قدر مصير البشر إليه من رقة الطباع وارتقاء الأفهام.\rالمظهر الثامن : امتزاج الشريعة بالسلطان في الإسلام ، وذلك من خصائصه ؛ إذ لا معنى للتشريع إلا تأسيس قانون للأمة ، وما قيمة قانون لا تحميه القوة والحكومة. وبامتزاج الحكومة مع الشريعة أمكن تعميم الشريعة ، واتحاد الأمة في العمل والنظام.\rالمظهر التاسع : صراحة أصول الدين ، بحيث يتكرر في القرآن ما تستقرى منه قواطع الشريعة ، حتى تكون الشريعة معصومة من التأويلات الباطلة ، والتحريفات التي طرأت على أهل الكتب السابقة. أ هـ {التحرير والتنوير حـ 3 صـ 46 ـ 53}\rقوله تعالى : {وَمَا اختلف الذين أُوتُواْ الكتاب إِلاَّ مِن بَعْدِ مَا جَاءهُمُ العلم بَغْيًا بَيْنَهُمْ}\rقال القرطبى : ","part":12,"page":80},{"id":4875,"text":"قوله تعالى : { وَمَا اختلف الذين أُوتُواْ الكتاب } الآية.\rأخبر تعالى عن اختلاف أهل الكتاب أنه كان على علمٍ منهم بالحقائق ، وأنه كان بغيا وطلبا للدنيا.\rقاله ابن عمر وغيره.\rوفي الكلام تقديم وتأخير ، والمعنى : وما اختلف الذين أوتوا الكتاب بغيا بينهم إلا من بعد ما جاءهم العلم ، قاله الأخفش.\rقال محمد ابن جعفر بن الزبير : المراد بهذه الآية النصارى ، وهو توبيخ لنصارى نَجْرَانَ.\rوقال الربيع بن أنس : المراد بها اليهود.\rولفظ الذين أوتوا الكتاب يعمّ اليهود والنصارى ؛ أي \"وما اختلف الذين أوتوا الكتاب\" يعني في نبوَّة محمد صلى الله عليه وسلم \"إلاّ مِنْ بَعْد مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ\" يعني بيان صفته ونبوَّته في كتبهم.\rوقيل : أي وما اختلف الذين أوتوا الإنجيل في أمر عيسى وفرّقوا فيه القول إلا من بعد ما جاءهم العلم بأن الله إله واحد ، وأن عيسى عبد الله ورسوله. أ هـ {تفسير القرطبى حـ 4 صـ 44}\rقال الماوردى : \rوفيما اختلفوا فيه ثلاثة أقاويل : \rأحدها : في أديانهم بعد العلم بصحتها.\rوالثاني : في عيسى وما قالوه فيه من غلو وإسراف.\rوالثالث : في دين الإِسلام. أ هـ {النكت والعيون حـ 1 صـ 380}\rفصل\rقال الفخر : \rالغرض من الآية بيان أن الله تعالى أوضح الدلائل ، وأزال الشبهات والقوم ما كفروا إلا لأجل التقصير ، فقوله {وَمَا اختلف الذين أُوتُواْ الكتاب} فيه وجوه : ","part":12,"page":81},{"id":4876,"text":"الأول : المراد بهم اليهود ، واختلافهم أن موسى عليه السلام لما قربت وفاته سلم التوراة إلى سبعين حبراً ، وجعلهم أمناء عليها واستخلف يوشع ، فلما مضى قرن بعد قرن اختلف أبناء السبعين من بعد ما جاءهم العلم في التوراة بغياً بينهم ، وتحاسدوا في طلب الدنيا والثاني : المراد النصارى واختلافهم في أمر عيسى عليه السلام بعد ما جاءهم العلم بأنه عبد الله ورسوله والثالث : المراد اليهود والنصارى واختلافهم هو أنه قالت اليهود عزير ابن الله ، وقالت النصارى المسيح ابن الله وأنكروا نبوّة محمد صلى الله عليه وسلم ، وقالوا : نحن أحق بالنبوّة من قريش ، لأنهم أميون ونحن أهل الكتاب. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 7 صـ 182}\rوقال السمرقندى : \r{ وَمَا اختلف الذين أُوتُواْ الكتاب } في هذا الدين { إِلاَّ مِن بَعْدِ مَا جَاءهُمُ العلم بَغْيًا بَيْنَهُمْ } يعني بيان أمر محمد صلى الله عليه وسلم ، وهم اليهود والنصارى ، فلما بعث الله تعالى محمداً ، كفروا حسداً منهم ، هكذا قال مقاتل.\rويقال : إنهم كانوا مسلمين ، وكانا يسمّون بذلك ، وكان عيسى عليه السلام سمى أصحابه مسلمين ، فحسدتهم اليهود لمشاركتهم في الاسم فغيَّروا ذلك الاسم ، وسُمُّوا يهوداً ، وأما النصارى فغيرهم عن ذلك الاسم بولس ، وسماهم نصارى ، فذلك قوله : { وَمَا اختلف الذين أُوتُواْ الكتاب إِلاَّ مِن بَعْدِ مَا جَاءهُمُ العلم بَغْيًا بَيْنَهُمْ } يعني غَيّروا الاسم حسداً منهم. أ هـ {بحر العلوم حـ 1 صـ 226}\rقال الفخر : \rقوله {إِلاَّ مِن بَعْدِ مَا جَاءهُمُ العلم} المراد منه إلا من بعد ما جاءتهم الدلائل التي لو نظروا فيها لحصل لهم العلم ، لأنا لو حملناه على العلم لصاروا معاندين والعناد على الجمع العظيم لا يصح ، وهذه الآية وردت في كل أهل الكتاب وهم جمع عظيم. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 7 صـ 182}\rفصل\rقال الفخر : ","part":12,"page":82},{"id":4877,"text":"في انتصاب قوله {بَغِيّاً} وجهان الأول : قول الأخفش إنه انتصب على أنه مفعول له أي للبغي كقولك : جئتك طلب الخير ومنع الشر والثاني : قول الزجاج إنه انتصب على المصدر من طريق المعنى ، فإن قوله {وَمَا اختلف الذين أُوتُواْ الكتاب} قائم مقام قوله : وما بغى الذين أوتوا الكتاب فجعل {بَغِيّاً} مصدراً ، والفرق بين المفعول له وبين المصدر أن المفعول له غرض للفعل ، وأما المصدر فهو المفعول المطلق الذي أحدثه الفاعل. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 7 صـ 182}\rفائدة\rقال الفخر : \rقال الأخفش قوله {بَغْياً بَيْنَهُمْ} من صلة قوله {اختلف} والمعنى : وما اختلفوا بغياً بينهم إلا من بعد ما جاءهم العلم بغياً بينهم ، وقال غيره : المعنى وما اختلفوا إلا من بعد ما جاءهم العلم إلا للبغي بينهم ، فيكون هذا إخباراً عن أنهم إنما اختلفوا للبغي ، وقال القفال : وهذا أجود من الأول ، لأن الأول : يوهم أنهم اختلفوا بسبب ما جاءهم من العلم ، والثاني : يفيد أنهم إنما اختلفوا لأجل الحسد والبغي. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 7 صـ 182}\rقال البيضاوى : \r{ بَغْياً بَيْنَهُمْ } حسداً بينهم وطلباً للرئاسة ، لا لشبهة وخفاء في الأمر. أ هـ {تفسير البيضاوى حـ 2 صـ 19}","part":12,"page":83},{"id":4878,"text":"وقال الآلوسى : \r{ وَمَا اختلف الذين أُوتُواْ الكتاب } قيل : المراد بهم اليهود واختلفوا فيما عهد إليهم موسى عليه الصلاة والسلام ، أخرج ابن جرير عن الربيع قال : \"إن موسى عليه الصلاة والسلام لما حضره الموت دعا سبعين حبراً من أحبار بني إسرائيل فاستودعهم التوراة وجعلهم أمناء عليها واستخلف يوشع بن نون فلما مضى القرن الأول والثاني والثالث وقعت الفرقة بينهم وهم الذين أوتوا العلم من أبناء السبعين حتى أهراقوا بينهم الدماء ووقع الشر طلباً لسلطان الدنيا وملكها وخزائنها وزخرفها فسلط الله تعالى عليهم جبابرتهم\" ، وقيل : النصارى واختلفوا في التوحيد ، وقيل : المراد بالموصول اليهود والنصارى ، وبالكتاب الجنس واختلفوا في التوحيد ، وقيل : في نبوته صلى الله عليه وسلم ، وقيل : في الإيمان بالأنبياء ، والظاهر أن المراد من الموصول ما يعم الفريقين ، والذي اختلفوا فيه الإسلام كما يشعر به السياق والتعبير عنهم بهذا العنوان زيادة تقبيح لهم فإن الاختلاف بعد إتيان الكتاب أقبح.","part":12,"page":84},{"id":4879,"text":"وقوله تعالى : { إِلاَّ مِن بَعْدِ مَا جَاءهُمُ العلم } زيادة أخرى فإن الاختلاف بعد مجيء العلم أزيد في القباحة والاستثناء مفرغ من أعم الأحوال أو أعم الأوقات ، والمراد من مجيء العلم التمكن منه لسطوع براهينه ، أو المراد منه حصول العلم بحقيقة الأمر لهم بالفعل ولم يقل علموا مع أنه أخصر إشارة إلى أنه علم بسبب الوحي ، وقوله سبحانه : { بَغْياً بَيْنَهُمْ } زيادة تشنيع ، والاسم المنصوب مفعول له لما دل عليه { مَا } و{ إِلا } من ثبوت الاختلاف بعد مجيء العلم كما تقول ما ضربت إلا ابني تأديباً ، فلا دلالة للكلام على حصر الباعث ، وادعاه بعضهم أي إن الباعث لهم على الاختلاف هو البغي والحسد لا الشبهة وخفاء الأمر ، ولعل انفهام ذلك من المقام أو من الكلام بناءاً على جواز تعدد الاستثناء المفرغ أي ما اختلفوا في وقت لغرض إلا بعد العلم لغرض البغي كما تقول : ما ضرب إلا زيد عمراً أي ما ضرب أحداً إلا زيد عمراً. أ هـ {روح المعانى حـ 3 صـ 107}\rوقال ابن عاشور : \r{وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْياً بَيْنَهُمْ وَمَنْ يَكْفُرْ بِآيَاتِ اللَّهِ فَإِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ}\rعطف {وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ} على قوله {إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْأِسْلامُ} للإخبار عن حال أهل الكتاب من سوء تلقيهم لدين الإسلام ، ومن سوء فهمهم في دينهم.\rوجيء في هذا الإخبار بطريقة مؤذنة بورود سؤال ؛ إذ قد جيء بصيغة الحصر : لبيان سبب اختلافهم ، وكأن اختلافهم أمر معلوم للسامع. وهذا أسلوب عجيب في الإخبار عن حالهم إخبارا يتضمن بيان سببه ، وإبطال ما يتراءى من الأسباب غير ذلك ، مع إظهار المقابلة بين حال الدين الذي هم عليه يومئذ من الاختلاف ، وبين سلامة الإسلام من ذلك.","part":12,"page":85},{"id":4880,"text":"وذلك أن قوله {إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْأِسْلامُ} قد آذن بأن غيره من الأديان لم يبلغ مرتبة الكمال والصلاحية للعموم ، والدوام ، قبل التغيير ، بله ما طرأ عليها من التغيير ، وسوء التأويل ، إلى يوم مجيء الإسلام ، ليعلم السامعون أن ما عليه أهل الكتاب لم يصل إلى أكمل مراد الله من الخلق على أنه وقع فيه التغيير والاختلاف ، وأن سبب ذلك الاختلاف هو البغي بعدما جاءهم العلم ، مع التنبيه على أن سبب بطلان ما هم عليه يومئذ هو اختلافهم وتغييرهم ، ومن جملة ما بدلوه الآيات الدالة على بعثة محمد صلى الله عليه وسلم. وفيه تنبيه على أن الإسلام بعيد عن مثل ما وقعوا فيه من التحريف ، كما تقدم في المظهر التاسع ، ومن ثم ذم علماؤنا التأويلات البعيدة ، والتي لم يدع إليها داع صريح.\rوقد جاءت الآية على نظم عجيب يشتمل على معان : منها التحذير من الاختلاف في الدين ، أي في أصوله ، ووجوب تطلب المعاني التي لا تناقض مقصد الدين ، عبرة بما طرأ على أهل الكتاب من الاختلاف.\rومنها للتنبيه على أن اختلاف أهل الكتاب حصل مع قيام أسباب العلم بالحق ، فهو تعريض بأنهم أساءوا فهم الدين.\rومنها الإشارة إلى أن الاختلاف الحاصل في أهل الكتاب نوعان : أحدهما اختلاف كل أمة مع الأخرى في صحة دينها كما قال تعالى : {وَقَالَتِ الْيَهُودُ لَيْسَتِ النَّصَارَى عَلَى شَيْءٍ وَقَالَتِ النَّصَارَى لَيْسَتِ الْيَهُودُ عَلَى شَيْءٍ وَهُمْ يَتْلُونَ الْكِتَابَ} [البقرة : 113] ، وثانيهما اختلاف كل أمة منهما فيما بينها وافتراقها فرقا متباينة المنازع. كما جاء في الحديث اختلفت اليهود على اثنتين وسبعين فرقة يحذر المسلمين مما صنعوا.\rومنها أن اختلافهم ناشئ عن بغي بعضهم على بعض.","part":12,"page":86},{"id":4881,"text":"ومنها أنهم أجمعوا على مخالفة الإسلام والإعراض عنه بغيا منهم وحسدا ، مع ظهور أحقيته عند علمائهم وأحبارهم كما قال تعالى {الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ وَإِنَّ فَرِيقاً مِنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ ، الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ} [ البقرة : 146-147] وقال تعالى {وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّاراً حَسَداً مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ} [البقرة : 109] أي أعرضوا عن الإسلام ، وصمموا على البقاء على دينهم ، وودوا لو يردونكم إلى الشرك أو إلى متابعة دينهم ، حسدا على ما جاءكم من الهدى بعد أن تبين لهم أنه الحق.\rولأجل أن يسمح نظم الآية بهذه المعاني ، حذف متعلق الاختلاف في قوله {وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ} ليشمل كل اختلاف منهم : من مخالفة بعضهم بعضا في الدين الواحد ، ومخالفة أهل كل دين لأهل الدين الآخر ، ومخالفة جميعهم للمسلمين في صحة الدين.\rوحذف متعلق العلم في قوله {مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ} لذلك.\rوجعل بغيا عقب قوله من بعد ما جاءهم العلم ليتنازعه كل من فعل اختلف ومن لفظ العلم.\rوأخر بينهم عن جميع ما يصلح للتعليق به : ليتنازعه كل من فعل اختلف وفعل جاءهم ولفظ العلم ولفظ بغيا.\rوبذلك تعلم أن معنى هذه الآية أوسع معاني من معاني قوله تعالى {وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلَّا الَّذِينَ أُوتُوهُ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ بَغْياً بَيْنَهُمْ} في سورة البقرة[213] وقوله {وَمَا تَفَرَّقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَةُ} في سورة البينة [4] كما ذكرناه في ذينك الموضعين لاختلاف المقامين.","part":12,"page":87},{"id":4882,"text":"فاختلاف الذين أوتوا الكتاب يشمل اختلافهم فيما بينهم : أي اختلاف أهل كل ملة في أمور دينهم ، وهذا هو الذي تشعر بها صيغة اختلف كاختلاف اليهود بعد موسى غير مرة ، واختلافهم بعد سليمان إلى مملكتين : مملكة إسرائيل ، ومملكة يهوذا ، وكيف صار لكل مملكة من المملكتين تدين يخالف تدين الأخرى ، وكذلك اختلاف النصارى في شأن المسيح ، وفي رسوم الدين ، ويكون قوله بينهم حالا لبغيا : أي بغيا متفشيا بينهم ، بأن بغى كل فريق على الآخر.\rويشمل أيضا الاختلاف بينهم في أمر الإسلام ؛ إذ قال قائل منهم : هو حق ، وقال فريق : هو مرسل إلى الأميين ، وكفر فريق ، ونافق فريق. وهذا الوجه أوفى مناسبة بقوله تعالى {إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْأِسْلامُ} ، ويكون قوله {بَيْنَهُمْ} على هذا وصفا لبغيا : أي بغيا واقعا بينهم.\rومجيء العلم هو الوحي الذي جاءت به رسلهم وأنبياؤهم ؛ لأن كلمة جاء مؤذنة بعلم متلقى من الله تعالى ، يعني أن العلم الذي جاءهم كان من شأنه أن يصدهم عن الاختلاف في المراد ، إلا أنهم أساءوا فكانوا على خلاف مراد الله من إرسال الهدى.\rوانتصب {بَغْياً} على أنه مفعول لأجله ، وعامل المفعول لأجله : هو الفعل الذي تفرغ للعمل فيما بعد حرف الاستثناء فالاستثناء كان من أزمان وعلل محذوفة والتقدير : ما اختفلوا إلا في زمن بعدما جاءهم العلم وما كان إلا بغيا بينهم. ولك أن تجعل بغيا منصوبا على الحال من الذين أوتوا الكتاب ، وهو إن كان العامل فيه فعلا منفيا في اللفظ إلا إن الاستثناء المفرغ جعله في قوة المثبت ، فجاء الحال منه عقب ذلك ، أي حال كون المختلفين باغين ، فالمصدر مؤول بالمشتق. ويجوز أن تجعله مفعولا لأجله من اختلف باعتبار كونه صار مثبتا كما قررنا.","part":12,"page":88},{"id":4883,"text":"وقد لمحت الآية إلى أن هذا الاختلاف والبغي كفر ؛ لأنه أفضي بهم إلى نقض قواعد أديانهم ، وإلى نكران دين الإسلام ، ولذلك ذيله بقوله : {وَمَنْ يَكْفُرْ بِآيَاتِ اللَّهِ}. أ هـ {التحرير والتنوير حـ 3 صـ 53 ـ 56}\rقوله تعالى : {وَمَن يَكْفُرْ بآيات الله فَإِنَّ الله سَرِيعُ الحساب}\rقال الفخر : \rهذا تهديد ، وفيه وجهان : \rالأول : المعنى فإنه سيصير إلى الله تعالى سريعاً فيحاسبه أي يجزيه على كفره\rوالثاني : أن الله تعالى سيعلمه بأعماله ومعاصيه وأنواع كفره بإحصاء سريع مع كثرة الأعمال. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 7 صـ 182}\rوقال السمرقندى : \rوقوله : { سَرِيعُ الحساب } يعني سريع المجازاة ويقال سريع التعريف للعامل عمله ، لأنه عالم بجميع ما عملوا ، لا يحتاج إلى إثبات شيء ، وتذكر شيء.\rويقال : إذا حاسب ، فحسابه سريع يحاسب جميع الخلق في وقت واحد ، كل واحد منهم يظن أنه يحاسبه خاصة. أ هـ {بحر العلوم حـ 1 صـ 226}\rوقال الآلوسى : \r{ وَمَن يَكْفُرْ بآيات الله } قيل : المراد بها حججه ، وقيل : التوراة ، وقيل : هي والإنجيل ، وقيل : القرآن ، وقيل : آياته الناطقة بأن الدين عند الله الإسلام ، والظاهر العموم أي أية آية كانت ، والمراد بمن أيضاً أعم من المختلفين المذكورين وغيرهم ولك أن تخصه بهم { فَإِنَّ الله سَرِيعُ الحساب } قائم مقام جواب الشرط علة له أي ومن يكفر يعاقبه الله تعالى ويجازه عن قريب فإنه سريع الحساب أي يأتي حسابه عن قريب أو يتم ذلك بسرعة ، وقيل : إن سرعة الحساب تقتضي إحاطة العلم والقدرة فتفيد الجملة الوعيد ، وباعتباره ينتظم الشرط والجزاء من غير حاجة إلى تقدير ، ولعله أولى وأدق نظراً. وفي إظهار الاسم الجليل تربية للمهابة وإدخال الروعة ، وفي ترتيب العقاب على مطلق الكفر إثر بيان حال أولئك المذكورين إيذان بشدّة عقابهم. أ هـ {روح المعانى حـ 3 صـ 107}\rفائدة\rقال ابن عاشور : ","part":12,"page":89},{"id":4884,"text":"وفي ذكر هذه الأحوال الذميمة من أحوال أهل الكتاب تحذير للمسلمين أن يقعوا في مثل ما وقع فيه أولئك ، والمسلمون وإن اختلفوا في أشياء كثيرة لم يكن اختلافهم إلا اختلافا علميا فرعيا ، ولم يختلفوا اختلافا ينقض أصول دينهم بل غاية الكل الوصول إلى الحق من الدين ، وخدمة مقاصد الشريعة. فبنوا إسرائيل عبدوا العجل والرسول بين ظهرانيهم ، وعبدوا آلهة الأمم غير مرة ، والنصارى عبدوا مريم والمسيح ، ونقضوا أصول التوحيد ، وادعوا حلول الخالق في المخلوق. فأما المسلمون لما قال أحد أهل التصوف منهم كلاما يوهم الحلول حكم علماؤهم بقتله. أ هـ {التحرير والتنوير حـ 3 صـ 56}\rمن لطائف الإمام القشيرى فى الآية\rقوله جلّ ذكره : { إنَّ الدّينَ عِندَ اللهِ الإِسْلاَمُ }.\rالدِّينُ الذي يرتضيه ، والذي حكم لصاحبه بأنه يجازيه ويعليه ، وبالفضل يُلَقِّيه - هو الإِسلام.\rوالإسلام هو الإخلاص والاستسلام ، وما سواه فمردود ، وطريق النجاة على صاحبه مسدود.\rقوله جلّ ذكره : { وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتَابَ إِلاَّ مِن بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ العِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ وَمَن يَكْفُرْ بِآيَاتِ اللهِ فَإِنَّ اللهَ سَرِيعُ الحِسَابِ }.\rجاءهم العلم الذي عليهم حجة ، لا المعرفة التي لها بيان ومحجة ، فأصروا على الجحود ، لأنهم حُجِبُوا عن محل الشهود. أ هـ {لطائف الإشارات حـ 1 صـ 228}","part":12,"page":90},{"id":4885,"text":"قوله تعالى { فَإِنْ حَاجُّوكَ فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ لِلَّهِ وَمَنِ اتَّبَعَنِ وَقُلْ لِلَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَالْأُمِّيِّينَ أَأَسْلَمْتُمْ فَإِنْ أَسْلَمُوا فَقَدِ اهْتَدَوْا وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ (20)}\rمناسبة الآية لما قبلها\rقال البقاعى : \rولما تم ذلك كان كأنه قيل : قد جئناك بالأمر الواضح الذي لا يشكون فيه {فإن حاجّوك} بعده في شيء مما تضمنه وهدى إليه ودل صريحاً أو تلويحاً عليه فاعلم أن جدالهم عن عناد مع العلم بحقيقة الحال {فقل} أي فأعرض عنهم إلى أن آمرك بالقتال ، لأن من الواجبات - كما تقرر في آداب البحث - الإعراض عمن كابر في المحسوس ، وقل أنت عملاً بالآية السالفة : {أسلمت وجهي} أي أخلصت قصدي وتوجهي ، وانقدت غاية الانقياد {لله} الملك الأعظم الذي له الأمر كله ، فلا كفوء له.\rقال الحرالي : ولما أدرج تعالى شهادة الملائكة وأولي العلم في شهادته لقن نبيه صلى الله عليه وسلم أن يدرج من اتبعه في إسلامه وجهه لله ليكون إسلامهم بإسلام نبيهم صلى الله عليه وسلم لا بإسلام أنفسهم ، لتلحق التابعة من الأمة بالأئمة ، وذلك حال الفرقة الناجية مؤثرة الفرق الاثنين والسبعين التي قال النبي صلى الله عليه وسلم \" وما أنا عليه \" فيما أوتي من اليقين \" وأصحابي \" فيما أوتوه من الانقياد وبراءتهم من الرجوع إلى أنفسهم في أمر ، كما كانوا يقولون عند كل ناشئة علم أو أمر : الله ورسوله أعلم ، فمن دخل برأيه في أمر نقص حظه من الاتباع بحسب استبداده - انتهى.\rفقال تعالى عاطفاً على الضمير المرفوع المتصل لأجل الفعل : {ومن} أي وأسلم من {اتبعن} وجوههم له سبحانه وتعالى.","part":12,"page":91},{"id":4886,"text":"ولما كان المكمل لنفسه يجب عليه السعي في إكمال غيره أعلمه بذلك في قوله : {وقل} تهديداً وتعجيزاً وتبكيتاً وتقريعاً {للذين أوتوا الكتاب} أي عامة من هؤلاء النصارى الذين يجادلونك ومن اليهود أيضاً {والأمّيّن} الذين لا كتاب لهم ، مشيراً بالاستفهام إلى عنادهم منكراً عليهم موبخاً لهم : {ءأسلمتم فإن أسلموا} عند ذلك {فقد اهتدوا} فنفعوا أنفسهم في الدنيا والآخرة ، وفي صيغة \" افتعلوا \" ما يليح إلى أن الأنفس مائلة إلى الضلال زائغة عن طريق الكمال {وإن تولوا} أي عن الإسلام فهم معاندون فلا يهمنك أمرهم {فإنما عليك البلاغ} أي وعليهم وبال توليهم ، وفي بنية التفعل ما يومىء إلى أن طرق الهدى بعد البيان آخذ محاسنها بمجامع القلوب ، وأن الصادف عنها بعد ذلك قاهر لظاهر عقله وقويم فطرته الأولى برجاسة نفسه واعوجاج طبعه.\rولما كان التقدير : فالله يوفق لقبول البلاغ عنك من علم فيه الخير ، وينكب عنه من علم فيه الشر ، عطف عليه قوله : {والله} أي المحيط بكل شيء قدرة وعلماً {بصير بالعباد} أي فهو يوفق من خلقه للخير منهم ويخذل غيره.\rلا يقدر على فعل ذلك غيره ، ولا يقدر أحد غيره أن يفعل غير ذلك. أ هـ {نظم الدرر حـ 2 صـ 46 ـ 47}\rفصل\rقال الفخر : \rاعلم أنه تعالى لما ذكر من قبل أن أهل الكتاب اختلفوا من بعد ما جاءهم العلم ، وأنهم أصروا على الكفر مع ذلك بيّن الله تعالى للرسول صلى الله عليه وسلم ما يقوله في محاجتهم ، فقال : {فَإنْ حَاجُّوكَ فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِىَ للَّهِ وَمَنِ اتبعن} وفي كيفية إيراد هذا الكلام طريقان : ","part":12,"page":92},{"id":4887,"text":"الطريق الأول : أن هذا إعراض عن المحاجة ، وذلك لأنه صلى الله عليه وسلم كان قد أظهر لهم الحجة على صدقه قبل نزول هذه الآية مراراً وأطواراً ، فإن هذه السورة مدنيّة ، وكان قد أظهر لهم المعجزات بالقرآن ، ودعاء الشجرة وكلام الذئب وغيرها ، وأيضاً قد ذكر قبل هذه الآية آيات دالة على صحة دينه ، فأولها : أنه تعالى ذكر الحجة بقوله {الحى القيوم} على فساد قول النصارى في إلهية عيسى عليه السلام وبقوله {نَزَّلَ عَلَيْكَ الكتاب بالحق} [ آل عمران : 3 ] على صحة النبوّة ، وذكر شبه القوم ، وأجاب عنها بأسرها على ما قررناه فيما تقدم ، ثم ذكر لهم معجزة أخرى ، وهي المعجزات التي شاهدوها يوم بدر على ما بيناه في تفسير قوله تعالى : {قَدْ كَانَ لَكُمْ ءايَةٌ فِي فِئَتَيْنِ التقتا} [ آل عمران : 13 ] ثم بيّن صحة القول بالتوحيد ، ونفى الضد والند والصاحبة والولد بقوله {شَهِدَ الله أَنَّهُ لا إله إِلاَّ هُوَ} [ آل عمران : 18 ] ثم بيّن تعالى أن ذهاب هؤلاء اليهود والنصارى عن الحق ، واختلافهم في الدين ، إنما كان لأجل البغي والحسد ، وذلك ما يحملهم على الانقياد للحق والتأمل في الدلائل لو كانوا مخلصين ، فظهر أنه لم يبق من أسباب إقامة الحجة على فرق الكفار شيء إلا وقد حصل ، فبعد هذا قال : {فَإنْ حَاجُّوكَ فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِىَ للَّهِ وَمَنِ اتبعن} يعني إنا بالغنا في تقرير الدلائل ، وإيضاح البينات ، فإن تركتم الأنف والحسد ، وتمسكتم بها كنتم أنتم المهتدين ، وإن أعرضتم فإن الله تعالى من وراء مجازاتكم ، وهذا التأويل طريق معتاد في الكلام ، فإن المحق إذا ابتلى بالمبطل اللجوج ، وأورد عليه الحجة حالاً بعد حال ، فقد يقول في آخر الأمر : أما أنا ومن اتبعني فمنقادون للحق ، مستسلمون له ، مقبلون على عبودية الله تعالى ، فإن وافقتم واتبعتم الحق الذي أنا عليه بعد هذه الدلائل التي ذكرتها فقد اهتديتم ، وإن أعرضتم فإن الله بالمرصاد","part":12,"page":93},{"id":4888,"text":" ، فهذا الطريق قد يذكره المحتج المحق مع المبطل المصر في آخر كلامه.\rالطريق الثاني : وهو أن نقول : إن قوله {أَسْلَمْتُ وَجْهِىَ للَّهِ} محاجة ، وإظهار للدليل ، وبيانه من وجوه : \rالوجه الأول : أن القوم كانوا مقرين بوجود الصانع ، وكونه مستحقاً للعبادة ، فكأنه عليه الصلاة والسلام قال للقوم : هذا متفق عليه بين الكل فأنا مستمسك بهذا القدر المتفق عليه وداع للخلق إليه ، وإنما الخلاف في أمور وراء ذلك وأنتم المدعون فعليكم الاثبات ، فإن اليهود يدعون التشبيه والجسمية ، والنصارى يدعون إلهية عيسى ، والمشركين يدعون وجوب عبادة الأوثان فهؤلاء هم المدعون لهذه الأشياء فعليهم إثباتها ، وأما أنا فلا أدعي إلا وجوب طااعة الله تعالى وعبوديته ، وهذا القدر متفق عليه ، ونظيره هذه الآية قوله تعالى : {قل يا أهل الكتاب تَعَالَوْاْ إلى كَلِمَةٍ سَوَاء بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلاَّ نَعْبُدَ إِلاَّ الله وَلاَ نُشْرِكَ بِهِ شَيْئاً} [ آل عمران : 64 ].","part":12,"page":94},{"id":4889,"text":"والوجه الثاني : في كيفية الاستدلال ما ذكره أبو مسلم الأصفهاني ، وهو أن اليهود والنصارى وعبدة الأوثان كانوا مقرين بتعظيم إبراهيم صلوات الله وسلامه عليه ، والإقرار بأنه كان محقاً في قوله صادقاً في دينه ، إلا في زيادات من الشرائع والأحكام ، فأمر الله تعالى محمداً صلى الله عليه وسلم بأن يتبع ملته فقال : {ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتبع مِلَّةَ إبراهيم حَنِيفًا} [ النحل : 123 ] ثم إنه تعالى أمر محمداً صلى الله عليه وسلم في هذا الموضع أن يقول كقول إبراهيم صلى الله عليه وسلم حيث قال : {إِنّى وَجَّهْتُ وَجْهِىَ لِلَّذِى فَطَرَ السموات والأرض} [ الأنعام : 79 ] فقول محمد صلى الله عليه وسلم : {أَسْلَمْتُ وَجْهِىَ} كقول إبراهيم عليه السلام {وَجَّهْتُ وَجْهِىَ} أي اعترضت عن كل معبود سوى الله تعالى ، وقصدته بالعبادة وأخلصت له ، فتقدير الآية كأنه تعالى قال : فإن نازعوك يا محمد في هذه التفاصيل فقل : أنا مستمسك بطريقة إبراهيم ، وأنتم معترفون بأن طريقته حقة ، بعيدة عن كل شبهة وتهمة ، فكان هذا من باب التمسك بالإلزامات ، وداخلاً تحت قوله {وجادلهم بالتى هِىَ أَحْسَنُ} [ النحل : 125 ].\rوالوجه الثالث : في كيفية الاستدلال ما خطر ببالي عند كتابة هذا الموضع ، وهو أنه ادعى قبل هذه الآية أن الدين عند الله الإسلام لا غير ، ثم قال : {فَإنْ حَاجُّوكَ} يعني فإن نازعوك في قولك {إِنَّ الدّينَ عِندَ الله الإسلام} [ آل عمران : 19 ] فقل : الدليل عليه أني أسلمت وجهي لله ، وذلك لأن المقصود من الدين إنما هو الوفاء بلوازم الربوبية ، فإذا أسلمت وجهي لله فلا أعبد غيره ولا أتوقع الخير إلا منه ولا أخاف إلا من قهره وسطوته ، ولا أشرك به غيره ، كان هذا هو تمام الوفاء بلوازم الربوبية والعبودية ، فصح أن الدين الكامل هو الإسلام ، وهذا الوجه يناسب الآية.\r","part":12,"page":95},{"id":4890,"text":"الوجه الرابع : في كيفية الاستدلال ، ما خطر ببالي أن هذه الآية مناسبة لقوله تعالى حكاية عن إبراهيم عليه السلام {لِمَ تَعْبُدُ مَا لاَ يَسْمَعُ وَلاَ يَبْصِرُ وَلاَ يُغْنِى عَنكَ شَيْئاً} [ مريم : 42 ] يعني لا تجوز العبادة إلا لمن يكون نافعاً ضاراً ، ويكون أمري في يديه ، وحكمي في قبضة قدرته ، فإن كان كل واحد يعلم أن عيسى ما كان قادراً على هذه الأشياء امتنع في العقل أن أسلم له ، وأن انقاد له ، وإنما أسلم وجهي للذي منه الخير ، والشر ، والنفع ، والضر ، والتدبير ، والتقدير. الوجه الخامس : يحتمل أيضاً أن يكون هذا الكلام إشارة إلى طريقة إبراهيم عليه الصلاة والسلام في قوله {إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبّ العالمين} [ البقرة : 131 ] وهذا مروي عن ابن عباس. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 7 صـ 183 ـ 184}\rقال الآلوسى : \rولعل القول بالإعراض أولى لما فيه من الإشارة إلى سوء حالهم وحط مقدارهم. أ هـ {روح المعانى حـ 3 صـ 108}\rقوله تعالى {أَسْلَمْتُ وَجْهِىَ للَّهِ}\rقال الفخر : \rأما قوله {أَسْلَمْتُ وَجْهِىَ للَّهِ} ففيه وجوه\rالأول : قال الفرّاء أسلمت وجهي لله ، أي أخلصت عملي لله يقال أسلمت الشيء لفلان أي أخلصته له ، ولم يشاركه غيره قال : ويعني بالوجه ههنا العمل كقوله {يُرِيدُونَ وَجْهَهُ} [ الكهف : 28 ] أي عبادته ، ويقال : هذا وجه الأمر أي خالص الأمر وإذا قصد الرجل غيره لحاجة يقول : وجهت وجهي إليك ، ويقال للمنهمك في الشيء الذي لا يرجع عنه : مرّ على وجهه\rالثاني : أسلمت وجهي لله أي أسلمت وجه عملي لله ، والمعنى أن كل ما يصدر مني من الأعمال فالوجه في الإتيان بها هو عبودية الله تعالى والانقياد لإلهيته وحكمه\rالثالث : أسلمت وجهي لله أي أسلمت نفسي لله وليس في العبادة مقام أعلى من إسلام النفس لله فيصير كأنه موقوف على عبادته ، عادل عن كل ما سواه. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 7 صـ 184}","part":12,"page":96},{"id":4891,"text":"وقال السمرقندى : \r{ فَإنْ حَاجُّوكَ } أي خاصموك وجادلوك في الدين { فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِىَ للَّهِ } أي أخلصت ديني لله.\rوقال الزجاج : إن الله تعالى أمر نبيه أن يحتج على أهل الكتاب والمشركين ، بأنه اتبع أمر الله الذي هم أجمعون مقرون.\rأنه خالقهم ورازقهم ، فأراهم الآيات والدلالات بأنه رسوله. أ هـ {بحر العلوم حـ 1 صـ 227}\rوقال البغوى : \rقوله تعالى : { فَإِنْ حَاجُّوكَ } أي خاصموك يا محمد في الدين ، وذلك أن اليهود والنصارى قالوا لسنا على ما سميتنا به يا محمد إنما اليهودية والنصرانية نسب ، والدين هو الإسلام ونحن عليه فقال الله تعالى { فَقُلْ أَسْلَمْت وَجْهِيَ لِلَّهِ } أي انقدت لله وحده بقلبي ولساني وجميع جوارحي ، وإنما خص الوجه لأنه أكرم الجوارح من الإنسان وفيه بهاؤه ، فإذا خضع وجهه للشيء خضع له جميع جوارحه ، وقال الفراء : معناه أخلصت عملي لله. أ هـ {تفسيرالبغوى حـ 1 صـ 20}\rوقال أبو السعود : \rوإنما عبر عنها بالوجه لأنه أشرفُ الأعضاء الظاهرة ومظهرُ القُوى والمشاعر ومجمعُ معظم ما تقع به العبادةُ من السجودِ والقراءة وبه يحصل التوجُّه إلى كل شيء. أ هـ {تفسير أبى السعود حـ 2 صـ 18}\rفائدة\rقال الماوردى : \rفإن قيل : في أمره تعالى عند حِجَاجِهمْ بأن يقول : { أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ لِلَّهِ } عدول عن جوابهم وتسليم لحِجَاجِهم ، فعنه جوابان : \rأحدهما : ليس يقتضي أمره بهذا القول النهي عن جوابهم والتسليم بحِجَاجِهم ، وإنما أمره أن يخبرهم بما يقتضيه معتقده ، ثم هو في الجواب لهم والاحْتِجَاج على ما يقتضيه السؤال.\rوالثاني : أنهم ما حاجُّوه طلباً للحق فيلزمه جوابهم ، وإنما حاجُّوه إظهاراً للعناد ، فجاز له الإِعراض عنهم بما أمره أن يقول لهم. أ هـ {النكت والعيون حـ 1 صـ 381}","part":12,"page":97},{"id":4892,"text":"وقال الآلوسى : \r{ فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجهيَ للَّه } أي أخلصت وخضعت بقلبي وقالبي لله لا أشرك به غيره ، وفيه إشارة إلى أن الجدال معهم ليس في موقعه لأنه إنما يكون في أمر خفي والذي جادلوا به أمر مكشوف ، وحكم حاله معروف وهو الدين القويم فلا تكون المحاجة والمجادلة إلا مكابرة ، وحينئذ يكون هذا القول إعراضاً عن مجادلتهم ، وقيل : إنه محاجة وبيانه أن القوم كانوا مقرين بوجود الصانع وكونه مستحقاً للعبادة فكأنه قال : هذا القول متفق عليه بين الكل فأنا مستمسك بهذا القدر المتفق عليه ، وداعي الخلق إليه ، وإنما الخلاف في أمور وراء ذلك فاليهود يدعون التشبيه والجسمية ، والنصارى يدعون إلهية عيسى عليه السلام والمشركون يدعون وجوب عبادة الأوثان فهؤلاء هم المدعون فعليهم الإثبات. أ هـ {روح المعانى حـ 3 صـ 108}\rقوله تعالى {وَمَنِ اتبعن}\rفصل\rفَتَحَ الياءَ من \" وَجْهِيَ \" - هنا وفي الأنعام - نافع وابن عامر وجعفر وحفص وسكنها الباقون.\rقوله : { وَمَنِ اتَّبَعَنِ } في محل \" مَنْ \" وجوه : \rأحدها : الرفع ؛ عطفاً على التاء في \" أسْلَمْتُ \" ، وجاز ذلك ؛ لوجود الفصل بالمفعول ؛ قاله الزمخشريُّ وابن عطية.\rقال أبو حيان : \" ولا يمكن حمله على ظاهره ؛ لأنه إذا عطف الضمير في نحو : \" أكلت رغيفاً وزيدٌ \" لزم من ذلك أن يكونا شريكين في أكل الرغيف ، وهنا لا يسوغ ذلك ؛ لأن المعنى ليس على أنهم أسلموا هم. وهو صلى الله عليه وسلم أسلم وجهه ، بل المعنى على أنه صلى الله عليه وسلم أسلم وجهه لله ، وأنهم أسلموا وجوههم لله ؛ [ فالذي يقوى في الإعراب أنه معطوف على ضمير محذوف منه المفعول ، لا مشارك في مفعول \" أسْلَمْتُ \" والتقدير : ومن اتبعني وجهه ، أو أنه مبتدأ محذوف الخبر ؛ لدلالة المعنى عليه ، والتقدير : ومن اتبعني كذلك ، أي : أسلموا وجوههم لله ] ، كما تقول : قضى زيد نحبه وعمرو ، أي : عمرو كذلك ، أي : قضى نحبه \".","part":12,"page":98},{"id":4893,"text":"قال شهابُ الدينِ : \" إنما صحت المشاركة في نحو : أكلتُ رغيفاً وزيدٌ ؛ لإمكان ذلك ، وأما في الآية الكريمة فلا يُتَوَهَّمُ فيه المشاركة \".\rالثاني : أنه مرفوع بالابتداء ، والخبر محذوف - كما تقدم.\rالثالث : أنه منصوب على المعية ، والواو بمعنى \" مع \" أي : أسلمت وجهي لله مع من اتبعني ؛ قاله الزمخشريُّ.\rوقال أبو حيّان : \" ومن الجهة التي امتنع عطف \" مَنْ \" على الضمير - إذا حُمِلَ الكلام على ظاهره دون تأويل - يمتنع كون \" مَنْ \" منصوباً على أنه مفعول معه ؛ لأنك إذا قلتَ : أكلتُ رغيفاً وعمرو أي مع عمرو - دل ذلك على أنه مشارك لك في أكل الرغيف ، وقد أجاز الزمخشريُّ هذا الوجهَ ، - وهو لا يجوز - لما ذكرنا - على كل حال ؛ لأنه لا يجوز حذف المفعول مع كون الواوِ واوَ \" مع \" ألبتة \".\rقال شهابُ الدينِ : \" فهم المعنى ، وعدم الإلباس يسَوِّغ ما ذكره الزمخشريُّ ، وأي مانع من أن المعنى : فقل : أسلمت وجهي لله مصاحباً لمن أسلم وَجْهَهُ لله أيضاً ، وهذا معنى صحيح مع القول بالمعية \".\rالرابع : أن محل \" مَنْ \" الخفض ، نسقاً على اسم \" الله \" ، وهذا الإعراب - وإن كان ظاهره مُشْكِلاً - قد يؤول على معنى : جعلت مقصدي لله بالإيمان به والطاعة له ، ولمن اتبعني بالحفظ له.\rوقد أثبت الياءَ في \" مَنِ اتَّبَعَنِي \" نافع ، وحذفها أبو عمرو وخلاد - وقفاً - والباقون حذفُوهَا فيهما ؛ موافقةً للرسم ، وحسن ذلك أيضاً كونها فاصلةً ورأس آية ، نحو { أَكْرَمَنِ } [ الفجر : 15 ] و{ أَهَانَنِ } [ الفجر : 16 ] وعليه قول الأعشى : [ المتقارب ]\rوَهَلْ يَمْنَعَنِّي أرْتيادِي الْبِلاَ... دَ مِنْ حَذَر الْمَوْتِ أنْ يَأتِيَنْ\rوقول الأعشى - أيضاً - : [ المتقارب ]\rوَمَنْ شَانِىءٍ كَاسِفٍ بَالُهُ... إذا مَا انْتَسَبْتُ لَهْ أنْكَرَنْ\r","part":12,"page":99},{"id":4894,"text":"قال بعضهم : حذف هذه الياء مع نون الوقاية - خاصّة - فإن لم تكن نونٌ فالكثير إثباتُها. أ هـ {تفسير ابن عادل حـ 5 صـ 110 ـ 111}\rفائدة\rقال ابن الجوزى : \rقوله تعالى : { ومن اتبعن } أثبت الياء في الوصل دون الوقف أهل المدينة والبصرة ، وابن شنبوذ عن قنبل ، ووقف ابن شنبوذ ويعقوب بياء.\rقال الزجاج : والأحب إِلىَّ اتباع المصحف.\rوما حذف من الياءات في مثل قوله تعالى : { ومن اتبعن } و{ لئن أخرتن } و{ ربي أكرمن } و{ ربي أهانن }.\rفهو على ضربين.\rأحدهما : ما كان مع النون ، فإن كان رأس آية ، فأهل اللغة يجيزون حذف الياء ، ويسمون أواخر الآي الفواصل ، كما أجازوا ذلك في الشعر.\rقال الأعشى : \rومن شانىءٍ كاسف باله . . .\rإذا ما انتسبت له أنكرن\rوهل يمنعني ارتيادي البلا . . .\rد من حذر الموت أن يأتين\rفأما إذا لم يكن آخر آية أو قافية ، فالأكثر إثبات الياء ، وحذفها جيد أيضاً ، خاصة مع النونات ، لأن أصل \"اتبعني\" \"اتبعي\" ولكن \"النون\" زيدت لتسلم فتحة العين ، فالكسرة مع النون تنوب عن الياء ، فأما إذا لم تكن النون ، نحو غلامي وصاحبي ، فالأجود إثباتها ، وحذفها عند عدم النون جائز على قلته ، تقول : هذا غلام ، قد جاء غلاميَ ، وغلاميْ بفتح الياء وإسكانها ، فجاز الحذف ، لأن الكسرة تدل عليها. أ هـ {زاد المسير حـ 1 صـ 363 ـ 364}\rسؤال : فإن قيل : لم قال أسلمت ومن اتبعن ، ولم يقل : أسلمت أنا ومن اتبعن ؟ .\rقلنا : إن الكلام طال بقوله {وَجْهِىَ للَّهِ} فصار عوضاً من تأكيد الضمير المتصل ، ولو قيل أسلمت وزيد لم يحسن حتى يقال : أسلمت أنا وزيد ولو قال أسلمت اليوم بانشراح صدر ، ومن جاء معي جاز وحسن. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 7 صـ 185}","part":12,"page":100},{"id":4895,"text":"فصل\rقال الطبرى : \rيعني بذلك جل ثناؤه : فإن حاجَّك : يا محمد ، النفرُ من نصارى أهل نجران في أمر عيسى صلوات الله عليه ، فخاصموك فيه بالباطل ، فقل : انقدت لله وحده بلساني وقلبي وجميع جوارحي. وإنما خَصّ جل ذكره بأمره بأن يقول : \"أسلمت وجهي لله\" ، لأن الوجه أكرمُ جوارح ابن آدم عليه ، وفيه بهاؤه وتعظيمه ، فإذا خضع وجهه لشيء ، فقد خضع له الذي هو دونه في الكرامة عليه من جوارح بدنه. أ هـ {تفسير الطبرى حـ 6 صـ 280}\rوقال القرطبى : \rقوله تعالى : { فَإنْ حَآجُّوكَ فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ للَّهِ وَمَنِ اتبعن } أي جادلوك بالأقاويل المزوّرة والمغالطات ، فأسْنِدْ أمرك إلى ما كُلِّفت من الإيمان والتبليغ وعلى الله نصرك.\rوقوله \"وَجْهي\" بمعنى ذاتْي ؛ ومنه الحديث \" سجد وجهي للذي خلقه وصوّره \" وقيل : الوجه هنا بمعنى القصد ؛ كما تقول : خرج فلان في وجه كذا.\rوقد تقدّم هذا المعنى في البقرة مستوفى ؛ والأوّل أولى.\rوعبر بالوجه عن سائر الذات إذ هو أشرف أعضاء الشخص وأجمعها للحواس.\rوقال : \rأسلمتُ وجْهي لمن أسلمتْ . . .\rله المُزْنُ تحمل عَذْباً زُلاَلاَ\rوقد قال حذاق المتكلمين في قوله تعالى : { ويبقى وَجْهُ رَبِّكَ } [ الرحمن : 27 ] إنها عبارة عن الذات ، وقيل : العمل الذي يقصد به وجهه.\rوقوله : { ومَنِ اتبعن } \"مَن\" في محل رفع عطفا على التاء في قوله \"أَسْلَمْتُ\" أي ومِن اتبعن أسلم أيضا ، وجاز العطف على الضمير المرفوع من غير تأكيد للفصل بينهما.\rوأثبت نافع وأبو عمرو ويعقوب ياء \"اتبعن\" على الأصل ، وحذف الآخرون اتباعا للمصحف إذ وقعت فيه بغير ياء.\rوقال الشاعر : \rليس تُخفى يَسارتي قدَر يوم . . .\rولقد تُخْف شيمتي إعساري. أ هـ {تفسير القرطبى حـ 4 صـ 45}\rقوله تعالى : {وَقُلْ لّلَّذِينَ أُوتُواْ الكتاب والاميين أأَسْلَمْتُمْ}\rقال الفخر : ","part":12,"page":101},{"id":4896,"text":"هذه الآية متناولة لجميع المخالفين لدين محمد صلى الله عليه وسلم ، وذلك لأن منهم من كان من أهل الكتاب ، سواء كان محقاً في تلك الدعوى كاليهود والنصارى ، أو كان كاذباً فيه كالمجوس ، ومنهم من لم يكن من أهل الكتاب وهم عبدة الأوثان. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 7 صـ 185 }\rوقال الطبرى : \rيعني بذلك جل ثناؤه : \"وقل\" ، يا محمد ، للذين أوتوا الكتاب\" من اليهود والنصارى \"والأميين\" الذين لا كتاب لهم من مشركي العرب \"أأسلمتم\" ، يقول : قل لهم : هل أفردتم التوحيد وأخلصتم العبادة والألوهة لرب العالمين ، دون سائر الأنداد والأشراك التي تشركونها معه في عبادتكم إياهم وإقراركم بربوبيتهم ، وأنتم تعلمون أنه لا ربّ غيره ولا إله سواه \"فإن أسلموا\" ، يقول : فإن انقادوا لإفراد الوحدانية لله وإخلاص العبادة والألوهة له \"فقد اهتدوا\" ، يعني : فقد أصابوا سبيل الحق ، وسلكوا مَحَجَّة الرشد. أ هـ {تفسير الطبرى حـ 6 صـ 281}\rفائدة\rقال الفخر : \rإنما وصف مشركي العرب بأنهم أميون لوجهين\rالأول : أنهم لما لم يدعوا الكتاب الإلهي وصفوا بأنهم أُميون تشبيهاً بمن لا يقرأ ولا يكتب\rوالثاني : أن يكون المراد أنهم ليسوا من أهل القراءة والكتابة فهذه كانت صفة عامتهم وإن كان فيهم من يكتب فنادر من بينهم والله أعلم. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 7 صـ 185 }\rفائدة\rقال الفخر : \rدلّت هذه الآية على أن المراد بقوله {فَإن حاجوك} عام في كل الكفار ، لأنه دخل كل من يدعي الكتاب تحت قوله {الذين أُوتُواْ الكتاب} ودخل من لا كتاب له تحت قوله {الأميين }. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 7 صـ 185 }\rقوله تعالى {أأَسْلَمْتُمْ}\rقال الطبرى : \rفإن قال قائل : وكيف قيل : \"فإن أسلموا فقد اهتدوا\" عقيب الاستفهام ؟ وهل يجوز على هذا في الكلام أن يقال لرجل : \"هل تقوم ؟ فإن تقم أكرمك\" ؟ ","part":12,"page":102},{"id":4897,"text":"قيل : ذلك جائز ، إذا كان الكلام مرادًا به الأمر ، وإن خرج مخرج الاستفهام ، كما قال جل ثناؤه : ( وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ ) [سورة المائدة : 91] ، يعني : انتهوا ، وكما قال جل ثناؤه مخبرًا عن الحواريين أنهم قالوا لعيسى : ( يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أَنْ يُنَزِّلَ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِنَ السَّمَاءِ ) [سورة المائدة : 112] ، وإنما هو مسألة ، كما يقول الرجل : \"هل أنت كافٌّ عنا\" ؟ بمعنى : اكفف عنا ، وكما يقول الرجل للرجل : \"أينَ ، أين\" ؟ بمعنى : أقم فلا تبرح ، ولذلك جُوزي في الاستفهام كما جوزي في الأمر في قراءة عبد الله : ( هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ آمِنُوا ) [سورة الصف : 10 ، 11] ، ففسرها بالأمر ، وهي في قراءتنا على الخبر. فالمجازاة في قراءتنا على قوله : \"هل أدلكم\" ، وفي قراءة عبد الله على قوله : \"آمنوا\" ، على الأمر ، لأنه هو التفسير. أ هـ {تفسير الطبرى حـ 6 صـ 281 ـ 282}\rوقال الفخر : \rقوله تعالى {أأَسْلَمْتُمْ}\rاستفهام في معرض التقرير ، والمقصود منه الأمر قال النحويون : إنما جاء بالأمر في صورة الاستفهام ، لأنه بمنزلته في طلب الفعل والاستدعاء إليه إلا أن في التعبير عن معنى الأمر بلفظ الاستفهام فائدة زائدة ، وهي التعبير بكون المخاطب معانداً بعيداً عن الإنصاف ، لأن المنصف إذا ظهرت له الحجة لم يتوقف بل في الحال يقبل ونظيره قولك لمن لخصت له المسألة في غاية التلخيص والكشف والبيان ؛ هل فهمتها ؟ فإن فيه الإشارة إلى كون المخاطب بليداً قليل الفهم ، وقال الله تعالى في آية الخمر {فَهَلْ أَنْتُمْ مُّنتَهُونَ} [ المائدة : 91 ] وفيه إشارة إلى التقاعد عن الانتهاء والحرص الشديد على تعاطي المنهي عنه. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 7 صـ 185 }. بتصرف يسير.","part":12,"page":103},{"id":4898,"text":"وقال القرطبى : \r\"أَأَسْلَمْتُمْ\" استفهام معناه التقرير وفي ضمنه الأمر ، أي أسلموا ؛ كذا قال الطبري وغيره.\rوقال الزجاج : \"أَأَسلمتم\" تهديد.\rوهذا حسن ، لأن المعنى أَأَسلمتم أم لا. أ هـ {تفسير القرطبى حـ 4 صـ 45}\rوقال البغوى : \r{ أَأَسْلَمْتُمْ } لفظه استفهام ومعناه أمر ، أي أسلموا كما قال \" فهل أنتم منتهون \"( 91 -المائدة ) أي انتهوا ، { فَإِنْ أَسْلَمُوا فَقَدِ اهْتَدَوْا } فقرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم هذه الآية فقال أهل الكتاب : أسلمنا ، فقال لليهود : أتشهدون أن عيسى كلمة الله وعبده ورسوله قالوا : معاذ الله ، وقال النصارى : أتشهدون أن عيسى عبد الله ورسوله ؟ قالوا : معاذ الله أن يكون عيسى عبدا فقال الله عز وجل { وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلاغُ } أي تبليغ الرسالة وليس عليك الهداية. أ هـ {تفسيرالبغوى حـ 1 صـ 20}\rقوله تعالى : {فَإِنْ أَسْلَمُواْ فَقَدِ اهتدوا}\rقال أبو السعود : \r{ فَإِنْ أَسْلَمُواْ } أي كما أسلمتم وإنما لم يصرّح به كما في قوله تعالى : { فَإِنْ ءامَنُواْ بِمِثْلِ مَا ءامَنتُمْ بِهِ } حسماً لباب إطلاق اسم الإسلام على شيء آخر بالكلية. أ هـ {تفسير أبى السعود حـ 2 صـ 19}\rوقال ابن عاشور : \rوالاستفهام مستعمل في الاستبطاء والتحضيض كما في قوله تعالى {فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ} . وجيء بصيغة الماضي في قوله {أَأَسْلَمْتُمْ} دون أن يقول أتسلمون على خلاف مقتضى الظاهر ، للتنبيه على أنه يرجو تحقق إسلامهم ، حتى يكون كالحاصل في الماضي. أ هـ {التحرير والتنوير حـ 3 صـ 58 ـ 59}\rوقال الفخر : \rثم قال الله تعالى : {فَإِنْ أَسْلَمُواْ فَقَدِ اهتدوا} وذلك لأن هذا الإسلام تمسك بما هدي إليه ، والمتمسك بهداية الله تعالى يكون مهتدياً ، ويحتمل أن يريد : فقد اهتدوا للفوز والنجاة في الآخرة إن ثبتوا عليه\rثم قال : {وَإِن تَوَلَّوْاْ} عن الإسلام واتباع محمد صلى الله عليه وسلم : \r{فَإِنَّمَا عَلَيْكَ البلاغ} والغرض منه تسلية الرسول صلى الله عليه وسلم وتعريفه أن الذي عليه ليس إلا إبلاغ الأدلة وإظهار الحجة فإذا بلغ ما جاء به فقد أدى ما عليه ، وليس عليه قبولهم ثم قال : {والله بَصِيرٌ بالعباد} وذلك يفيد الوعد والوعيد ، وهو ظاهر. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 7 صـ 185 }\rفائدة\rقال القرطبى : ","part":12,"page":104},{"id":4899,"text":"وجاءت العبارة في قوله \"فَقَدِ اهتدوا\" بالماضي مبالغة في الإخبار بوقوع الهدى لهم وتحصيله.\rو \"البلاغ\" مصدر بلغ بتخفيف عين الفعل ، أي إنما عليك أن تُبلغَّ.\rوقيل : إنه مما نسخ بالجهاد.\rوقال ابن عطية : وهذا يحتاج إلى معرفة تاريخ نزولها ؛ وأمّا على ظاهر نزول هذه الآيات في وَفْد نجران فإنما المعنى فإنما عليك أن تبلغ ما أُنزِل إليك بما فيه من قتال وغيره. أ هـ {تفسير القرطبى حـ 4 صـ 45 ـ 46}\rوقال السمرقندى : \r{ والله بَصِيرٌ بالعباد } يعني بأعمالهم ، ومعناه ليس عليك من عملهم شيء وإنما عليك التبليغ ، وقد فَعلتَ ما أمرتَ به. أ هـ {بحر العلوم حـ 1 صـ 227}\rوقال الطبرى : \rقوله تعالى : { وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلاغُ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ}\rيعني جل ثناؤه بقوله : \"وإن تولوا\" ، وإن أدبروا مُعرضين عما تدعوهم إليه من الإسلام وإخلاص التوحيد لله رب العالمين ، فإنما أنت رسولٌ مبلِّغ ، وليس عليك غير إبلاغ الرسالة إلى من أرسلتك إليه من خلقي ، وأداء ما كلَّفتك من طاعتي \"والله بصيرٌ بالعباد\" ، يعني بذلك : والله ذو علم بمن يقبل من عباده ما أرسلتك به إليه فيطيعك بالإسلام ، وبمن يتولَّى منهم عنه معرضًا فيردّ عليك ما أرسلتك به إليه ، فيعصيك بإبائه الإسلامَ. أ هـ {تفسير الطبرى حـ 6 صـ 283}","part":12,"page":105},{"id":4900,"text":"فائدة\rقال صاحب الميزان : \rوفي قوله تعالى {وإن تولوا فإنما عليك البلاغ والله بصير بالعباد} دلالة أولا على النهي عن المراء والإلحاح في المحاجة فإن المحاجة مع من ينكر الضروري لا تكون إلا مرائا ولجاجا في البحث\rوثانيا على أن الحكم في حق الناس والأمر مطلقا إلى الله سبحانه وليس للنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) إلا أنه رسول مبلغ لا حاكم مسيطر كما قال تعالى {ليس لك من الأمر شئ} : آل عمران - 128\rوقال تعالى {لست عليهم بمسيطر} : الغاشية - 23\rوثالثا على تهديد أهل الكتاب والمشركين فإن ختم الكلام بقوله {والله بصير بالعباد} بعد قوله {فإنما عليك البلاغ} لا يخلو من ذلك ويدل على ذلك ما وقع من التهديد في نظير الآية وهو قوله تعالى {قولوا آمنا بالله} إلى أن قال {ونحن له مسلمون فإن آمنوا بمثل ما آمنتم به فقد اهتدوا وإن تولوا فإنما هم في شقاق فسيكفيكهم الله وهو السميع العليم} : البقرة - 137\rتذكر الآية أن أهل الكتاب إن تولوا عن الإسلام فهم مصرون على الخلاف ثم يهددهم بما يسلي به النبي ويطيب نفسه فالآية أعني قوله {وإن تولوا فإنما عليك البلاغ} كناية عن الأمر بتخلية ما بينهم وبين ربهم وإرجاع أمرهم إليه وهو بصير بعباده يحكم فيهم بما تقتضيه حالهم ويسأله لسان استعدادهم.\rومن هنا يظهر أن ما ذكره بعض المفسرين أن في الآية دليلا على حرية الاعتقاد في أمر الدين وأن لا إكراه فيه ليس بوجيه فإن الآية كما عرفت مسوقه لغير ذلك.\rوفي قوله بصير بالعباد حيث أخذ عنوان العبودية ولم يقل بصير بهم أو بصير بالناس ونحو ذلك إشعار بأن حكمه نافذ فيهم ماض عليهم فإنهم عباده ومربوبون له أسلموا أو تولوا. أ هـ {الميزان حـ 3 صـ 122 ـ 123}","part":12,"page":106},{"id":4901,"text":"فصل\rقال ابن كثير : \rوهذه الآية وأمثالها من أصرح الدلالات على عموم بعثته ، صَلوات الله وسلامه عليه ، إلى جميع الخلق ، كما هو معلوم من دينه ضرورة ، وكما دل عليه الكتاب والسنة في غير ما آية وحديث ، فمن ذلك قوله تعالى : { قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا } [ الأعراف : 158 ] وقال تعالى : { تَبَارَكَ الَّذِي نزلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا } [ الفرقان : 1] وفي الصحيحين وغيرهما ، مما ثبت تواتره بالوقائع المتعددة ، أنه بعث كتبه صلى الله عليه وسلم يدعو إلى الله ملوك الآفاق ، وطوائف بني آدم من عربهم وعجمهم ، كتابِيِّهم وأمِّيِّهم ، امتثالا لأمر الله له بذلك. وقد روى عبد الرزاق ، عن مَعْمَر ، عن هَمَّام ، عن أبي هريرة ، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : \"والَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ ، لا يَسْمَعُ بِي أحَدٌ مِنْ هَذِهِ الأمَّةِ يَهُوديّ وَلا نَصْرَانِي ، ومَاتَ وَلمَ يُؤْمِنْ بِالَّذِي أرْسلتُ بِهِ ، إلا كان مِنْ أَهْلِ النَّارِ\" رواه مسلم. {صحيح مسلم برقم (153)}.\rوقال صلى الله عليه وسلم : \"بُعِثْتُ إلَى الأحْمَرِ والأسْودِ\"","part":12,"page":107},{"id":4902,"text":"وقال : \"كَانَ النَّبيُّ يُبْعَثُ إلَى قَوْمِه خَاصَّةً وَبُعِثْتُ إلَى النَّاسِ عَامَّةً\". وقال الإمام أحمد : حدثنا مُؤَمِّل ، حدثنا حَمَّاد ، حدثنا ثابت عن أنس ، رضي الله عنه : أن غلاما يهوديا كان يَضع للنبي صلى الله عليه وسلم وَضُوءه ويناوله نعليه ، فمرض ، فأتاه النبي صلى الله عليه وسلم فدخل عليه وأبوه قاعد عند رأسه فقال له النبي صلى الله عليه وسلم : \"يا فُلانُ ، قُلْ : لا إله إلا الله\" فَنَظَرَ إلَى أبيه ، فَسَكَتَ أبوه ، فأعَادَ عَلَيْهِ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم ، فَنَظَرَ إلَى أَبيهِ ، فَقَالَ أبُوهُ : أطِعْ أبا الْقَاسِم ، فَقَالَ الْغُلامُ : أشْهَدُ أن لا إلَهَ إلا الله وأَنَّكَ رَسُولُ اللهِ ، فَخَرَجَ النَّبَيُّ صلى الله عليه وسلم وَهُوَ يَقُولُ : \"الْحَمْدُ للهِ الَّذِي أخْرَجَهُ بِي مِنِ النَّارِ\" أخرجه البخاري في الصحيح. { المسند (3/175) والبخاري برقم (1356)}. إلى غير ذلك من الآيات والأحاديث. أ هـ {تفسير ابن كثير حـ 2 صـ 26 ـ 27}\rلطيفة\rقال ابن عجيبة : \rلا يليق بالفقير ، إذا توجه إليه الإنكار أو المجادلة والاستظهار ، إلا السكوت والإقرار ، والاستسلام بكليته لأحكام الواحد القهار ، إذ لا يرى فاعلاً إلا الله ، فلا يركن إلى شيء سواه. وفي الحكم : \" إنما أجرَى الأذى عليهم لئلا تكون ساكناً إليهم ، أراد أن يزعجك عن كل شيء ، حتى لا تكون ساكناً إلى شيء \". وقال بعض العارفين : لا تشتغل قط بمن يؤذيك ، واشتغل بالله يرده عنك ، وقد غلط في هذا خلق كثير ، اشتغلوا بمن يؤذيهم ، فطال عليهم الأذى مع الإثم ، ولو أنهم رجعوا إلى مولاهم لكفاهم أمرهم. ه. بالمعنى. وبهذا يأمر الشيخ أتباعه ، فإن انقادوا لأحكام الحق ، فقد اهتدوا إلى طريق الوصول ، وإن تولوا فإنما عليك البلاغ ، والهداية بيد السميع البصير. أ هـ {البحر المديد حـ 1 صـ 261}","part":12,"page":108},{"id":4903,"text":"فصل نفيس\rقال العلامة ابن عاشور : \rاعلم أن قوله {أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ لِلَّهِ} كلمة جامعة لمعاني كنه الإسلام وأصوله ألقيت إلى الناس ليتدبروا مطاويها فيهتدي الضالون ، ويزداد المسلمون يقينا بدينهم ؛ إذ قد علمنا أن مجيء قوله {أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ لِلَّهِ} عقب قوله {إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْأِسْلامُ} وقوله {فَإِنْ حَاجُّوكَ} وتعقيبه بقوله {أَأَسْلَمْتُمْ} أن المقصود منه بيان جامع معاني الإسلام حتى تسهل المجادلة ، وتختصر المقاولة ، ويسهل عرض المتشككين أنفسهم على هذه الحقيقة ، ليعلموا ما هم عليه من الديانة. بينت هذه الكلمة أن هذا الدين يترجم عن حقيقة اسمه ؛ فإن اسمه الإسلام ، وهو مفيد معنى معروفا في لغتهم يرجع إلى الإلقاء والتسليم ، وقد حذف مفعوله ونزل الفعل منزلة اللازم فعلم أن المفعول حذف لدلالة معنى الفاعل عليه ، فكأنه يقول : أسلمتني أي أسلمت نفسي ، فبين هنا هذا المفعول المحذوف من اسم الإسلام لئلا يقع فيه التباس أو تأويل لما لا يطابق المراد ، فعبر عنه بقوله وجهي أي نفسي : لظهور ألا يحسن محمل الوجه هنا على الجزء المعروف من الجسد ، ولا يفيد حمله عليه ما هو المقصود ، بل المعنى البين هو أن يراد بالوجه كامل الذات ، كقوله تعالى {كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ} [القصص : 88].\rوإسلام النفس لله معناه إسلامها لأجله وصيرورتها ملكا له ، بحيث يكون جميع أعمال النفس في مرضاة الله ، وتحت هذا معان جمة هي جماع الإسلام : نحصرها في عشرة : \rالمعنى الأول : تمام العبودية لله تعالى ، وذلك بألا يعبد غير الله ، وهذا إبطال للشرك لأن المشرك بالله غير الله لم يسلم نفسه بل أسلم بعضها.\rالمعنى الثاني : إخلاص العمل لله تعالى فلا يلحظ في عمله غير الله تعالى ، فلا يرائي ولا يصانع فيما لا يرضي الله ولا يقدم مرضاة غير الله تعالى على مرضاة الله.","part":12,"page":109},{"id":4904,"text":"الثالث : إخلاص القول لله تعالى فلا يقول مالا يرضى به الله ، ولا يصدر عنه قول إلا فيما أذن الله فيه أن يقال ، وفي هذا المعنى تجيء الصراحة ، والأمر بالمعروف ، والنهي عن المنكر ، على حسب المقدرة والعلم ، والتصدي للحجة لتأييد مراد الله تعالى ، وهي صفة امتاز بها الإسلام ، ويندفع بهذا المعنى النفاق ، والملق ، قال تعالى في ذكر رسوله : \r{وَمَا أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ} [يس : 86].\rالرابع : أن يكون ساعيا لتعرف مراد الله تعالى من الناس ، ليجري أعماله على وفقه ، وذلك بالإصغاء إلى دعوة الرسل المخبرين بأنهم مرسلون من الله ، وتلقيها بالتأمل في وجود صدقها ، والتمييز بينها وبين الدعاوى الباطلة ، بدون تحفز للتكذيب ، ولا مكابرة في تلقي الدعوة ، ولا إعراض عنها بداعي الهوى وهو الإفحام ، بحيث يكون علمه بمراد الله من الخلق هو ضالته المنشودة.\rالخامس : امتثال ما أمر الله به ، واجتناب ما نهى عنه ، على لسان الرسل الصادقين ، والمحافظة على اتباع ذلك بدون تغيير ولا تحريف ، وأن يذود عنه من يريد تغييره.\rالسادس : ألا يجعل لنفسه حكما مع الله فيما حكم به ، فلا يتصدى للتحكم في قبول بعض ما أمر الله به ونبذ البعض. كما حكي الله تعالى {وَإِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ مُعْرِضُونَ وَإِنْ يَكُنْ لَهُمُ الْحَقُّ يَأْتُوا إِلَيْهِ مُذْعِنِينَ} [النور : 48-49] وقد وصف الله المسلمين بقوله {وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الخيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ} [الأحزاب : 36] ، فقد أعرض الكفار عن الإيمان بالبعث ؛ لأنهم لم يشاهدوا ميتا بعث.","part":12,"page":110},{"id":4905,"text":"السابع : أن يكون متطلبا لمراد الله مما أشكل عليه فيه ، واحتاج إلى جريه فيه على مراد الله : يتطلبه من إلحاقه بنظائره التامة التنظير بما علم أنه مراد الله ، كما قال الله تعالى {وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ} [النساء : 83] ولهذا أدخل علماء الإسلام حكم التفقه في الدين والاجتهاد ، تحت التقوى المأمور بها في قوله تعالى {فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ} [التغابن : 16].\rالثامن : الإعراض عن الهوى المذموم في الدين ، وعن القول فيه بغير سلطان {وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدىً مِنَ اللَّهِ} [القصص : 50].\rالتاسع : أن تكون معاملة أفراد الأمة بعضها بعضا ، وجماعاتها ، ومعاملتها الأمم كذلك ، جارية على مراد الله تعالى من تلك المعاملات.\rالعاشر : التصديق بما غيب عنا ، مما أنبأنا الله به : من صفاته ، ومن القضاء والقدر : وأن الله هو المتصرف المطلق. أ هـ {التحرير والتنوير حـ 3 صـ 59 ـ 61}\rوقال ابن عاشور فى قوله تعالى : {وَقُلْ لِلَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَالْأُمِّيِّينَ أَأَسْلَمْتُمْ} ما نصه : \rوقوله {وَقُلْ لِلَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَالْأُمِّيِّينَ أَأَسْلَمْتُمْ} إبطال لكونهم حاصلين على هذا المعنى ، فأما المشركون فبعدهم عنه أشد البعد ظاهر ، وأما النصارى فقد ألهوا عيسى ، وجعلوا مريم صاحبة لله تعالى فهذا أصل لبطلان أن يكونوا أسلموا وجوههم لله ؛ لأنهم عبدوا مع الله غيره ، وصانعوا الأمم الحاكمة والملوك ، فأسسوا الدين على حسب ما يلذ لهم ويكسبهم الحظوة عندهم.\rوأما اليهود فإنهم وإن لم يشركوا بالله قد نقضوا أصول التقوى ، فسفهوا الأنبياء وقتلوا بعضهم ، واستهزءوا بدعوة الخير إلى الله ، وغيروا الأحكام اتباعا للهوى ، وكذبوا الرسل ، وقتلوا الأحبار ، فأنى يكون هؤلاء قد أسلموا لله ، وأكبر مبطل لذلك هو تكذيبهم محمدا صلى الله عليه وسلم دون النظر في دلائل صدقه.","part":12,"page":111},{"id":4906,"text":"ثم إن قوله {فَإِنْ أَسْلَمُوا فَقَدِ اهْتَدَوْا} معناه : فإن التزموا النزول إلى التحقق بمعنى أسلمت وجهي لله فقد اهتدوا ، ولم يبق إلا أن يتبعوك لتلقي ما تبلغهم عن الله ؛ لأن ذلك أول معاني إسلام الوجه لله ، وإن تولوا وأعرضوا عن قولك لهم : أأسلمتم فليس عليك من إعراضهم تبعة ، فإنما عليك البلاغ. أ هـ {التحرير والتنوير حـ 3 صـ 60 ـ 61}","part":12,"page":112},{"id":4907,"text":"فائدة\rقال السعدى فى معنى الآية :\rأمر تعالى رسوله صلى الله عليه وسلم عند محاجة النصارى وغيرهم ممن يفضل غير دين الإسلام\rعليه أن يقول لهم : قد { أسلمت وجهي لله ومن اتبعن } أي : أنا ومن اتبعني قد أقررنا وشهدنا وأسلمنا وجوهنا لربنا ، وتركنا ما سوى دين الإسلام ، وجزمنا ببطلانه ، ففي هذا تأييس لمن طمع فيكم ، وتجديد لدينكم عند ورود الشبهات ، وحجة على من اشتبه عليه الأمر ، لأنه قد تقدم أن الله استشهد على توحيده بأهل العلم من عباده ليكونوا حجة على غيرهم ، وسيد أهل العلم وأفضلهم وأعلمهم هو نبينا محمد صلى الله عليه وسلم ، ثم من بعده أتباعه على اختلاف مراتبهم وتفاوت درجاتهم ، فلهم من العلم الصحيح والعقل الرجيح ما ليس لأحد من الخلق ما يساويهم أو يقاربهم ، فإذا ثبت وتقرر توحيد الله ودينه بأدلته الظاهرة ، وقام به أكمل الخلق وأعلمهم ، حصل بذلك اليقين وانتفى كل شك وريب وقادح ، وعرف أن ما سواه من الأديان باطلة ، فلهذا قال { وقل للذين أوتوا الكتاب } من النصارى واليهود { والأميين } مشركي العرب وغيرهم { أأسلمتم فإن أسلموا } أي : بمثل ما أمنتم به { فقد اهتدوا } كما اهتديتم وصاروا إخوانكم ، لهم ما لكم ، وعليهم ما عليكم { وإن تولوا } عن الإسلام ورضوا بالأديان التي تخالفه { فإنما عليك البلاغ } فقد وجب أجرك على ربك ، وقامت عليهم الحجة ، ولم يبق بعد هذا إلا مجازاتهم بالعقاب على جرمهم ، فلهذا قال { والله بصير بالعباد }. أ هـ {تفسير السعدى صـ 124}\rوقال الشهيد سيد قطب رحمه الله :\rإنه لا سبيل إلى مزيد من الإيضاح بعد ما تقدم . فإما اعتراف بوحدة الألوهية والقوامة ، وإذن فلا بد من الإسلام والاتباع . وإما مماحكة ومداورة . وإذن فلا توحيد ولا إسلام .\rومن ثم يلقن الله - تعالى - رسوله - صلى الله عليه وسلم - كلمة واحدة تبين عقيدته كما تبين منهج حياته :","part":12,"page":113},{"id":4908,"text":"{ فإن حاجوك } - أي في التوحيد وفي الدين - { فقل : أسلمت وجهي لله } أنا { ومن اتبعن } . . والتعبير بالاتباع ذو مغزى هنا . فليس هو مجرد التصديق . إنما هو الاتباع . كما أن التعبير بالإسلام الوجه ذو مغزى كذلك . فليس هو مجرد النطق باللسان أو الاعتقاد بالجنان . إنما هو كذلك الاستسلام . استسلام الطاعة والاتباع . . وإسلام الوجه كناية عن هذا الاستسلام . والوجه أعلى وأكرم ما في الإنسان . فهي صورة الانقياد الطائع الخاضع المتبع المستجيب .\rهذا اعتقاد محمد - صلى الله عليه وسلم - ومنهج حياته . والمسلمون متبعوه ومقلدوه في اعتقاده ومنهج حياته . . فليسأل إذن أهل الكتاب والأميين سؤال التبين والتمييز ووضع الشارة المميزة للمعسكرين على وضوح لا اختلاط فيه ولا اشتباه :\r{ وقل للذين أوتوا الكتاب والأميين : أأسلمتم ؟ } . .\rفهم سواء . هؤلاء وهؤلاء . المشركون وأهل الكتاب هم مدعوون إلى الإسلام بمعناه الذي شرحناه . مدعوون للإقرار بتوحيد ذات الله ، ووحدة الألوهية ووحدة القوامة . مدعوون بعد هذا الإقرار إلى الخضوع لمقتضاه . وهو تحكيم كتاب الله ونهجه في الحياة .\r{ فإن أسلموا فقد اهتدوا } . .\rفالهدى يتمثل في صورة واحدة . هي صورة الإسلام بحقيقته تلك وطبيعته . وليس هنالك صورة أخرى ، ولا تصور آخر ، ولا وضع آخر ، ولا منهج آخر يتمثل فيه الاهتداء . . إنما هو الضلال والجاهلية والحيرة والزيغ والالتواء . . أ هـ { الظلال حـ 1 صـ 380 ـ 381}\rمن لطائف الإمام القشيرى فى الآية\rطالِعْهُم بعين التصريف كيلا يفترق بك الحال في شهود اختلافهم وتباين أطوارهم ؛ فإنَّ مَنْ طالَعَ الكائناتِ بعين القدرة علم أن المُثْبِتَ للكلِّ - على ما اختص به كل واحد من الكل - واحدٌ.\rفادْعُهم جهراً بجهر ، واشهد تصريفنا إياهم سِرَّاً بسر ، واشغل لسانك بنصحهم ، وفرِّغ قلبك عن حديثهم ، وأفرد سِرَّك عن شهودهم ، فليس الذي كلفناك من أمورهم إلا البلاغ ، والمُجرِي للأمور والمبدي - نحن. أ هـ {لطائف الإشارات حـ 1 صـ 228}","part":12,"page":114},{"id":4909,"text":"قوله تعالى { إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِآَيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَيَقْتُلُونَ الَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِالْقِسْطِ مِنَ النَّاسِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ (21)}\rمناسبة الآية لما قبلها\rقال البقاعى : \rولما أشرك اليهود في هذا الخطاب وأفهم شرط التولي بأداة الشك وقوعه ، فتشوفت النفس إلى معرفة جزائهم أشار إليه واصفاً لهم ببعض ما اشتد فحشه من أفعالهم فقال : قوله تعالى { إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِآَيَاتِ اللَّهِ}\rوقال الحرالي : ولما كانت هذه السورة منزلة لتبيين ما اشتبه على أهل الإنجيل جرى ذكر أهل التوراة فيها مجملاً بجوامع من ذكرهم ، لأن تفاصيل أمرهم قد استقرأته سورة البقرة ، فكان أمر أهل التوراة في سورة البقرة بياناً وأهل الإنجيل إجمالاً ، وكان أمر أهل الإنجيل في سورة آل عمران بياناً وذكر أهل التوراة إجمالاً ، لما كان لبس أهل التوراة في الكتاب فوقع تفصيل ذكرهم في سورة {الم ذلك الكتاب} [ البقرة : 1 ، 2 ] ، ولما كان اشتباه أمر أهل الإنجيل في شأن الإلهية كان بيان ما تشابه عليهم في سورة {الم الله لا إله إلا هو الحي القيوم} [ آل عمران : 1 ، 2 ] فجاء هذا الذكر لأهل التوراة معادلة بينهم وبين أهل الإنجيل بما كفروا بالآيات من المعنى الذي اشتركوا فيه في أمر الإلهية في عزير واختصوا بقتل الأنبياء وقتل أهل الخير الآمرين بالقسط ؛ انتهى.\rفقال تعالى : {إن الذين يكفرون} وهم الذين خذلهم الله {بآيات الله} في إبراز الاسم الأعظم إشارة إلى عظيم كفرهم بكونه مما أضيف إليه سبحانه وتعالى.","part":12,"page":115},{"id":4910,"text":"قال الحرالي : وفي ذكره بصيغة الدوام ما يقع منهم من الكفر بآيات الله في ختم اليوم المحمدي مع الدجال فإنهم أتباعه {ويقتلون النبيين} في إشعاره ما تمادوا عليه من البغي على الأنيباء حتى كان لهم مدخل في شهادة النبي صلى الله عليه وسلم التي رزقه الله فيما كان يدعو به حيث كان يقول صلى الله عليه وسلم : \" اللهم ارزقني شهادة في يسر منك وعافية \".\rولما كان قتلهم إياهم بدون شبهة أصلاً بل لمحض والكفر والعناد ، لأن الأنبياء مبرؤون من أن يكون لأحد قبلهم حق دنيوي أو أخروي قال : {بغير حق} أي لا صغير ولا كبير في نفس الأمر ولا في اعتقادهم ، فهو أبلغ مما في البقرة على عادة أفعال الحكماء في الابتداء بالأخف فالأخف.\rولما خص ذكر أكمل الخلق عبر بما يعم أتباعهم فقال معيداً للفعل زيادة في لومهم وتقريعهم : {ويقتلون الذين يأمرون بالقسط} أي العدل ، ولما كان ذلك شاملاً لمن لا قدرة لهم على قتله من الملائكة قال : {من الناس} أي كلهم ، سواء كانوا أنبياء أو لا ، ويجوز أن يكون المراد بهذا القيد زيادة توبيخهم بأنهم يقتلون جنسهم الذي من حقهم أن يألفوه ويسعوا في بقائه ، وهذا تحقيق لأن قتلهم لمجرد العدوان قال الحرالي : فيه إعلام بتمادي تسلطهم على أهل الخير من الملوك والرؤساء ، فكان في طيه إلاحة لما استعملوا فيه من علم التطبب ومخالطتهم رؤساء الناس بالطب الذي توسل كثير منهم إلى قتلهم به عمداً وخطأ ، ليجري ذلك على أيديهم خفية في هذه الأمة نظير ما جرى على أيدي أسلافهم في قتل الأنبياء جهرة - انتهى.\rويجوز أن يكون الخبر عنهم محذوفاً والتقدير : أنهم مطبوع على قلوبهم ، أو : لا يؤمنون ، أو : لا يزالون يجادلونك وينازعونك ويبغون لك الغوائل {فبشرهم بعذاب أليم} أي اجعل إخبارهم بأنه لهم موضع البشارة ، فهو من وادي : تحيتهم بينهم ضرب وجيع. أ هـ {نظم الدرر حـ 2 صـ 47 ـ 48}\rوقال ابن عاشور : \r","part":12,"page":116},{"id":4911,"text":"{إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ حَقٍّ}.\rاستئناف لبيان بعض أحوال اليهود ، المنافية إسلام الوجه لله ، فالمراد بأصحاب هذه الصلات خصوص اليهود ، وهم قد عرفوا بمضمون هذه الصلات في مواضع كثيرة من القرآن. والمناسبة : جريان الجدال مع النصارى وأن جعلوا جميعا في قرن قوله : {وَقُلْ لِلَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَالْأُمِّيِّينَ أَأَسْلَمْتُمْ} [آل عمران : 20].\rوجيء في هاته الصلات بالأفعال المضارعة لتدل على استحضار الحالة الفظيعة ، وليس المراد إفادة التجدد ؛ لأن ذلك وإن تأتى في قوله {يَكْفُرُونَ} لا يتأتى في قوله {وَيَقْتُلُونَ} لأنهم قتلوا الأنبياء والذين يأمرون بالقسط في زمن مضى. والمراد من أصحاب هذه الصلات يهود العصر النبوي : لأنهم الذين توعدهم بعذاب أليم ، وإنما حمل هؤلاء تبعة أسلافهم لأنهم معتقدون سداد ما فعله أسلافهم ، الذين قتلوا زكريا لأنه حاول تخليص ابنه يحيى من القتل ، وقتلوا يحيى لإيمانه بعيسى ، وقتلوا النبي إرمياء بمصر ، وقتلوا حزقيال النبي لأجل توبيخه لهم على سوء أفعالهم ، وزعموا أنهم قتلوا عيسى عليه السلام ، فهو معدود عليهم بإقرارهم وإن كانوا كاذبين فيه ، وقتل منشا ابن حزقيال ، ملك إسرائيل ، النبي أشعياء : نشره بالمنشار لأنه نهاه عن المنكر ، بمرأى ومسمع من بني إسرائيل ، ولم يحموه ، فكان هذا القتل معدودا عليهم ، وكم قتلوا ممن يأمرون بالقسط ، وكل تلك الجرائم معدودة عليهم ؛ لأنهم رضوا بها ، وألحوا في وقوعها. أ هـ {التحرير والتنوير حـ 3 صـ 61 ـ 62}\rفصل\rقال الفخر : \rاعلم أنه تعالى لما ذكر من قبل حال من يعرض ويتولى بقوله {وإن تُوَلُّواْ فَإِنَّمَا عَلَيْكَ البلاغ} أردفه بصفة هذا المتولي فذكر ثلاثة أنواع من الصفات : \rالصفة الأولى : قوله {إِنَّ الذين يَكْفُرُونَ بآيات الله }.","part":12,"page":117},{"id":4912,"text":"فإن قيل : ظاهر الآية يقتضي كونهم كافرين بجميع آيات الله واليهود والنصارى ما كانوا كذلك لأنهم كانوا مقرين بالصانع وعلمه وقدرته والمعاد.\rقلنا : الجواب من وجهين الأول : أن نصرف آيات الله إلى المعهود السابق وهو القرآن ، ومحمد صلى الله عليه وسلم الثاني : أن نحمله على العموم ، ونقول إن من كذب بنبوّة محمد صلى الله عليه وسلم يلزمه أن يكذب بجميع آيات الله تعالى لأن من تناقض لا يكون مؤمناً بشيء من الآيات إذ لو كان مؤمناً بشيء منها لآمن بالجميع. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 7 صـ 186}\rفائدة\rقال ابن عطية : \rقال محمد بن جعفر بن الزبير وغيره : إن هذه الآية في اليهود والنصارى. أ هـ\rثم قال رحمه الله : \rوتعم كل من كان بهذه لحال ، والآية توبيخ للمعاصرين لرسول الله صلى الله عليه وسلم بمساوىء أسلافهم وببقائهم أنفسهم على فعل ما أمكنهم من تلك المساوىء لأنهم كانوا حرصى على قتل محمد عليه السلام. أ هـ {المحرر الوجيز حـ 1 صـ 414 ـ 415}. بتصرف يسير.\rقوله تعالى : {وَيَقْتُلُونَ النبيين بِغَيْرِ حَقّ}\rفصل\rقال القرطبى : \rقال أبو العباس المبرد : كان ناس من بني إسرائيل جاءهم النبيون يدعونهم إلى الله عز وجل فقتلوهم ، فقام أناس من بعدهم من المؤمنين فأمروهم بالإسلام فقتلوهم ؛ ففيهم نزلت هذه الآية.\rوكذلك قال معقل بن أبي مسكين : كانت الأنبياء صلوات الله عليهم تجيء إلى بني إسرائيل بغير كتاب فيقتلونهم ، فيقوم قوم ممن اتبعهم فيأمرون بالقِسط ، أي بالعدل ، فيُقتَلون.","part":12,"page":118},{"id":4913,"text":"وقد روي عن ابن مسعود قال : قال النبي صلى الله عليه وسلم : \" بئس القوم قوم يقتلون الذين يأمرون بالقِسط من الناس ، بئس القوم قوم لا يأمرون بالمعروف ولا ينهون عن المنكر ، بئس القوم قوم يمشي المؤمن بينهم بالتّقِيّة \" وروى أبو عبيدة بن الجرّاح أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : \" قتلت بنو إسرائيل ثلاثة وأربعين نبياً من أوّل النهار في ساعةٍ واحدة فقام مائة رجل واثنا عشر رجلاً من عُبّاد بني إسرائيل فأمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر فقتلوا جميعاً في آخر النهار من ذلك اليوم وهم الذين ذكرهم الله في هذه الآية \" ذكره المهدوي وغيره.\rوروى شعبة عن أبي إسحاق عن أبي عبيدة عن عبد الله قال : كانت بنو إسرائيل تقتل في اليوم سبعين نبياً ثم تقوم سُوقُ بَقْلِهم من آخر النهار. أ هـ {تفسير القرطبى حـ 4 صـ 46}\rوقال الفخر : \rروي عن أبي عبيدة بن الجراح أنه قال : قلت يا رسول الله أي الناس أشد عذاباً يوم القيامة ؟ قال : \" رجل قتل نبياً أو رجلاً أمر بالمعروف ونهى عن المنكر ، وقرأ هذه الآية ثم قال : يا أبا عبيدة قتلت بنو إسرائيل ثلاثة وأربعين نبيّاً من أول النهار في ساعة واحدة ، فقام مائة رجل واثنا عشر رجلاً من عباد بني إسرائيل ، فأمروا من قتلهم بالمعروف ونهوهم عن المنكر فقتلوا جميعاً من آخر النهار في ذلك اليوم فهم الذين ذكرهم الله تعالى ، وأيضاً القوم قتلوا يحيى بن زكريا ، وزعموا أنهم قتلوا عيسى بن مريم فعلى قولهم ثبت أنهم كانوا يقتلون الأنبياء.\r\" وفي الآية سؤالات : \rالسؤال الأول : إذا كان قوله {إِنَّ الذين يَكْفُرُونَ بآيات الله} في حكم المستقبل ، لأنه وعيد لمن كان في زمن الرسول عليه الصلاة والسلام ولم يقع منهم قتل الأنبياء ولا القائمين بالقسط فكيف يصح ذلك ؟ .\rوالجواب من وجهين\r","part":12,"page":119},{"id":4914,"text":"الأول : أن هذه الطريقة لما كانت طريقة أسلافهم صحت هذه الإضافة إليهم ، إذ كانوا مصوبين وبطريقتهم راضين ، فإن صنع الأب قد يضاف إلى الابن إذا كان راضياً به وجارياً على طريقته\rالثاني : إن القوم كانوا يريدون قتل رسول الله صلى الله عليه وسلم وقتل والمؤمنين إلا أنه تعالى عصمه منهم ، فلما كانوا في غاية الرغبة في ذلك صح إطلاق هذا الاسم عليهم على سبيل المجاز ، كما يقال : النار محرقة ، والسم قاتل ، أي ذلك من شأنهما إذا وجد القابل ، فكذا ههنا لا يصح أن يكون إلا كذلك.\rالسؤال الثاني : ما الفائدة في قوله {وَيَقْتُلُونَ النبيين بِغَيْرِ حَقّ} وقتل الأنبياء لا يكون إلا كذلك.\rوالجواب : ذكرنا وجوه ذلك في سورة البقرة ، والمراد منه شرح عظم ذنبهم ، وأيضاً يجوز أن يكون المراد أنهم قصدوا بطريقة الظلم في قتلهم طريقة العدل.\rالسؤال الثالث : قوله {وَيَقْتُلُونَ النبيين} ظاهره مشعر بأنهم قتلوا الكل ، ومعلوم أنهم ما قتلوا الكل ولا الأكثر ولا النصف.\rوالجواب : الألف واللام محمولان على المعهود لا على الاستغراق. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 7 صـ 186 ـ 187}\rفائدة\rقال ابن عادل : \rقوله : { وَيَقْتُلُونَ النبيين بِغَيْرِ حَقٍّ } قرأ الحسن هذه والتي بعدها بالتشديد ومعناه : التكثير ، وجاء - هنا - { بِغَيْرِ حَقٍّ } منكَّراً ، وفي البقرة [ بِغَيْرِ الحَقِّ } معرَّفاً قيل : لأن الجملة - هنا - أخرجت مخرَجَ الشرط - وهو عام لا يتخصَّص - فلذلك ناسبَ أن تذكر في سياق النفي ؛ لتعمَّ.\rوأما في البقرة فجاءت الآية في ناسٍ معهودين ، مختصين بأعيانهم ، وكان الحق الذي يُقْتَل به الإنسان معروفاً عندهم ، فلم يقصد هذا العموم الذي هنان فجِيء في كل مكان بما يناسبه. أ هـ {تفسير ابن عادل حـ 5 صـ 113}\rفائدة\rقال ابن عاشور : ","part":12,"page":120},{"id":4915,"text":"وقوله {بِغَيْرِ حَقٍّ} ظرف مستقر في موضع الحال المؤكدة لمضمون جملة {يَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ} إذ لا يكون قتل النبيين إلا بغير حق ، وليس له مفهوم لظهور عدم إرادة التقييد والاحتراز ؛ فإنه لا يقتل نبي بحق ، فذكر القيد في مثله لا إشكال عليه ، وإنما يجيء الإشكال في القيد الواقع في حيز النفي ، إذا لم يكن المقصود تسلط النفي عليه مثل قوله تعالى {لا يَسْأَلونَ النَّاسَ إِلْحَافاً} [البقرة : 273] وقوله {وَلا تَكُونُوا أَوَّلَ كَافِرٍ بِهِ وَلا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَناً قَلِيلاً} وقد تقدم في سورة البقرة[41].\rوالمقصود من هذه الحال زيادة تشويه فعلهم. أ هـ {التحرير والتنوير حـ 3 صـ 62}\rقوله تعالى {وَيَقْتُلُونَ الذين يَأْمُرُونَ بالقسط مِنَ الناس}\rقال الآلوسى : \r{ وَيَقْتُلُونَ الذين يَأْمُرُونَ بالقسط مِنَ الناس } أي بالعدل ، ولعل تكرير الفعل للإشعار بما بين القتلين من التفاوت أو باختلافهما في الوقت. أ هـ {روح المعانى حـ 3 صـ 109}\rفائدة\rقال ابن عادل : \rقوله : { وَيَقْتُلُونَ الذين } قرأ حمزة \" وَيُقَاتِلُونَ \" - من المقاتلة - والباقون \" وَيَقْتُلُونَ \" - كالأول.\rفأما قراءةُ حمزةَ فإنه غاير فيها بين الفعلين ، وهي موافقة لقراءة عبد الله \" وَقَاتَلُوا \" - من المقاتلة - إلا أنه أتى بصيغة الماضي ، وحمزة يحتمل أن يكون المضارع - في قراءته - لحكاية الحال ، ومعناه : المُضِيّ.\rوأما الباقون فقيل - في قراءتهم- : إنما كرر الفعل ؛ لاختلاف متعلَّقه ، أو كُرِّرَ ؛ تأكيداً ، وقيل : المراد بأحد القتلَيْن إزهاق الروح ، وبالآخر الإهانة ، وإماتة الذكر ، فلذلك ذكر كل واحد على حدته ، ولولا ذلك لكان التركيبُ : ويقتلون النَّبِيِّينَ والذين يأمرون ، وبهذا التركيب قرأ أبَيّ.\rقوله : { مِنَ النَّاسِ } إما بيان ، وإما للتبعيض ، وكلاهما معلوم أنهم من الناس ، فهو جَارٍ مَجْرَى التأكيد. أ هـ {تفسير ابن عادل حـ 5 صـ 114 ـ 115}","part":12,"page":121},{"id":4916,"text":"فائدة\rقال الفخر :\rقال الحسن : هذه الآية تدل على أن القائم بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر عند الخوف ، تلي منزلته في العظم منزلة الأنبياء ، وروي أن رجلاً قام إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : أي الجهاد أفضل ؟ فقال عليه الصلاة والسلام : \" أفضل الجهاد كلمة حق عند سلطان جائر \". أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 7 صـ 187}\rقوله تعالى {فَبَشّرْهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٍ}\rقال الفخر :\rهذا محمول على الاستعارة ، وهو أن إنذار هؤلاء بالعذاب قائم مقام بشرى المحسنين بالنعيم ، والكلام في حقيقة البشارة تقدم في قوله تعالى : {وَبَشّرِ الذين ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصالحات} [ البقرة : 25 ]. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 7 صـ 187}\rوقال الماوردى :\r{ فَبَشِّرْهُم } أي فأخبرهم ، والأغلب في البشارة إطلاقها على الإِخبار بالخير ، وقد تستعمل في الإِخبار بالشّر كما استعملت في هذا الموضع وفي تسميتها بذلك وجهان :\rأحدهما : لأنها تغير بَشْرَةَ الوجه بالسرور في الخير ، وبالغم في الشر.\rوالثاني : لأنها خبر يستقبل به البشرة. أ هـ {النكت والعيون حـ 1 صـ 382}\rوقال ابن عاشور :\rواستعمل بشرهم في معنى أنذرهم تهكما.\rوحقيقة التبشير : الإخبار بما يظهر سرور المخبر بفتح الباء وهو هنا مستعمل في ضد حقيقته ، إذ أريد به الإخبار بحصول العذاب ، وهو موجب لحزن المخبرين ، فهذا الاستعمال في الضد معدود عند علماء البيان من الاستعارة ، ويسمونها تهكمية لأن تشبيه الضد بضده لا يروج في عقل أحد إلا على معنى التهكم ، أو التمليح ، كما أطلق عمرو ابن كلثوم. اسم الأضياف على الأعداء ، وأطلق القرى على قتل الأعداء ، في قوله :\rنزلتم منزل الأضياف منا ... فعجلنا القرى أن تشتمونا\rقريناكم فعجلنا قراكم ... قبيل الصبح مرداة طحونا\rقال السكاكي : وذلك بواسطة انتزاع شبه التضاد وإلحافه بشبه التناسب. أ هـ {التحرير والتنوير حـ 3 صـ 62 ـ 63}","part":12,"page":122},{"id":4917,"text":"سؤال : فإن قلت : لم دخلت الفاء في خبر إن ؟\rقلت : لتضمن اسمها معنى الجزاء ، كأنه قيل : الذين يكفرون فبشرهم بمعنى من يكفر فبشرهم ، و\"إنّ\" لا تغير معنى الابتداء فكأنّ دخولها كلا دخول ، ولو كان مكانها \"ليت\" أو \"لعل\" لامتنع إدخال الفاء لتغير معنى الابتداء. أ هـ {الكشاف حـ 1 صـ 376}\rوقال البيضاوى :\rوقد منع سيبويه إدخال الفاء في خبر إن كليت ولعل ولذلك قيل : الخبر { أُولَئِكَ الذين حَبِطَتْ أعمالهم فِي الدنيا والآخرة } كقولك زيد فافهم رجل صالح ، والفرق أنه لا يغير معنى الابتداء بخلافهما. أ هـ {تفسير البيضاوى حـ 2 صـ 20}\rفصل\rقال ابن كثير فى معنى الآية :\rهذا ذم من الله تعالى لأهل الكتاب فيما ارتكبوه من المآثم والمحارم في تكذيبهم بآيات الله قديما وحديثا ، التي بلغتهم إياها الرسل ، استكبارًا عليهم وعنادًا لهم ، وتعاظما على الحق واستنكافا عن اتباعه ، ومع هذا قتلوا من قتلوا من النبيين حين بلغوهم عن الله شرعه ، بغير سبب ولا جريمة منهم إليهم ، إلا لكونهم دعوهم إلى الحقّ { وَيَقْتُلُونَ الَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِالْقِسْطِ مِنَ النَّاسِ } وهذا هو غاية الكبر ، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم : \"الْكِبْرُ بَطَرُ الحَقِّ وَغَمْط النَّاسِ\". أ هـ {تفسير ابن كثير حـ 2 صـ 27}\rمن فوائد العلامة القرطبى فى الآية\rقال عليه الرحمة :\rدلت هذه الآية على أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر كان واجباً في الأمم المتقدّمة ، وهو فائدة الرسالة وخلافة النبوة.","part":12,"page":123},{"id":4918,"text":"قال الحسن قال النبي صلى الله عليه وسلم : \" من أمر بالمعروف أو نهى عن المنكر فهو خليفة الله في أرضه وخليفة رسوله وخليفة كتابه \" وعن درّة بنت أبي لهبٍ قالت : \" جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم وهو على المنبر فقال : مَن خيرُ الناس يا رسول الله ؟ قال : \"آمرهم بالمعروف وأنهاهم عن المنكر وأتقاهم لله وأوصلهم لرحمه\" \" وفي التنزيل : { المنافقون والمنافقات بَعْضُهُمْ مِّن بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بالمنكر وَيَنْهَوْنَ عَنِ المعروف } [ التوبة : 67 ] ثم قال : { والمؤمنون والمؤمنات بَعْضُهُمْ أَوْلِيَآءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بالمعروف وَيَنْهَوْنَ عَنِ المنكر } [ التوبة : 71 ] فجعل تعالى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فرقا بين المؤمنين والمنافقين ؛ فدل على أن أخص أوصاف المؤمن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، ورأسها الدعاء إلى الإسلام والقتال عليه.\rثم إن الأمر بالمعروف لا يليق بكل أحد ، وإنما يقوم به السلطان إذْ كانت إقامة الحدود إليه ، والتعْزيز إلى رأيه ، والحبس والإطلاق له ، والنفي والتغريب ؛ فينصب في كل بلدة رجلا صالحا قويا عالما أمينا ويأمره بذلك ، ويمضي الحدود على وجهها من غير زيادة.\rقال الله تعالى : { الذين إِنْ مَّكَّنَّاهُمْ فِي الأرض أَقَامُواْ الصلاة وَآتَوُاْ الزكاة وَأَمَرُواْ بالمعروف وَنَهَوْاْ عَنِ المنكر } [ الحج : 41 ]. أ هـ\rفصل آخر\rوليس من شرط الناهي أن يكون عدلا عند أهل السنة ، خلافا للمبتدعة حيث تقول : لا يغيره إلا عَدْل.\rوهذا ساقط ؛ فإن العدالة محصورة في القليل من الخلق ، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر عام في جميع الناس.","part":12,"page":124},{"id":4919,"text":"فإن تشبثوا بقوله تعالى : { أَتَأْمُرُونَ الناس بالبر وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ } [ البقرة : 44 ] وقوله : { كَبُرَ مَقْتاً عِندَ الله أَن تَقُولُواْ مَا لاَ تَفْعَلُونَ } [ الصف : 3 ] ونحوه ، قيل لهم : إنما وقع الذمّ ها هنا على ارتكاب ما نهي عنه لا على نهيه عن المنكر.\rولا شك في أن النهي عنه ممن يأتيه أقبح ممن لا يأتيه ، ولذلك يدور في جهنم كما يدور الحمار بالرَّحى ، كما بيناه في البقرة عند قوله تعالى { أَتَأْمُرُونَ الناس بالبر } [ البقرة : 44 ]. أ هـ\rفصل ثالث\rأجمع المسلمون فيما ذكر ابن عبد البر أَنّ المنكر واجب تغييره على كل من قدر عليه ، وأنه إذا لم يلحقه بتغييره إلا اللوم الذي لا يتعدى إلى الأذى فإن ذلك لا يجب أن يمنعه من تغييره ؛ فإن لم يقدر فبلسانه ، فإن لم يقدر فبقلبه ليس عليه أكثر من ذلك.\rوإذا أنكر بقلبه فقد أدّى ما عليه إذا لم يستطع سوى ذلك.\rقال : والأحاديث عن النبي صلى الله عليه وسلم في تأكيد الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر كثيرة جدا ولكنها مقيدة بالاستطاعة.\rقال الحسن : إنما يُكلَّمُ مؤمن يُرجى أو جاهل يُعلَّم ؛ فأما من وضع سيفه أو سوطه فقال : اتقنى آتقِنى فما لك وله.\rوقال ابن مسعود : بحسب المرء إذا رأى منكراً لا يستطيع تغييره أن يعلم الله من قلبه أنه له كاره.\rوروى ابن لَهِيعَة عن الأعرج عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : \" \"لا يحل لمؤمن أن يُذِلّ نفسه\".\rقالوا : يا رسول الله وما إذلاله نفسه ؟ قال : \"يتعرّض من البلاء لِما لا يقوم له\" \".\rقلت : وخرّجه ابن ماجه عن علي بن زيد بن جدعان عن الحسن بن جندب عن حذيفة عن النبي صلى الله عليه وسلم ، وكلاهما قد تُكُلِّمَ فيه.","part":12,"page":125},{"id":4920,"text":"وروي عن بعض الصحابة أنه قال : \" إن الرجل إذا رأى منكراً لا يستطيع النكير عليه فليقل ثلاث مرات \"اللهم إنّ هذا منكر\" فإذا قال ذلك فقد فعل ما عليه \" ، وزعم ابن العربي أن من رجا زواله وخاف على نفسه من تغييره الضربَ أو القتل جاز له عند أكثر العلماء الاقتحامُ عند هذا الغرر ، وإن لم يرجُ زواله فأي فائدة عنده.\rقال : والذي عندي أن النية إذا خلصت فليقتحم كيف ما كان ولا يبالي\rقلت : هذا خلاف ما ذكره أبو عمر من الإجماع.\rوهذه الآية تدل على جواز الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر مع خوف القتل.\rوقال تعالى : { وَأْمُرْ بالمعروف وانه عَنِ المنكر واصبر على مَآ أَصَابَكَ } [ لقمان : 17 ].\rوهذا إشارة إلى الإذاية. أ هـ\rروى الأئمة عن أبي سعيد الخدري قال ؛ سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : \" من رأى منكم منكرا فليغيره بيده فإن لم يستطع فبلسانه فإن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان \" قال العلماء : الأمر بالمعروف باليد على الأمراء ، وباللسان على العلماء ، وبالقلب على الضعفاء ، يعني عوامّ الناس.\rفالمنكر إذا أمكنت إزالته باللسان للناهي فليفعله ، وإن لم يمكنه إلا بالعقوبة أو بالقتل فليفعل ، فإن زال بدون القتل لم يجز القتل ؛ وهذا تُلُقي من قول الله تعالى : { فَقَاتِلُواْ التي تَبْغِي حتى تفياء إلى أَمْرِ الله } [ الحجرات : 9 ].\rوعليه بنى العلماء أنه إذا دفع الصائل على النفس أو على المال عن نفسه أو عن ماله أو نفسِ غيره فله ذلك ولا شيء عليه.\rولو رأى زيد عمرًا وقد قصد مال بكر فيجب عليه أن يدفعه عنه إذا لم يكن صاحب المال قادرا عليه ولا راضيا به ؛ حتى لقد قال العلماء : لو فرضنا ( قودا ).","part":12,"page":126},{"id":4921,"text":"وقيل : كل بلدة يكون فيها أربعة فأهلها معصومون من البلاء : إمامٌ عادلٌ لا يظلِم ، وعالِم على سبيل الهُدى ، ومشايخ يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ويُحرّضون على طلب العلم والقرآن ، ونساؤهم مستورات لا يتبرّجن تبرّج الجاهلية الأولى. أ هـ\rروى أنس بن مالك قال \" قيل : يا رسول الله ، متى نترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ؟ قال : \"إذا ظهر فيكم ما ظهر في الأُمم قبلكم\".\rقلنا : يا رسول الله ، وما ظهر في الأُمم قبلنا ؟ \rقال : \"الملك في صِغاركم والفاحشة في كِباركم والعلم في رُذَالتكم\" \" قال زيد : تفسير معنى قول النبي صلى الله عليه وسلم \"والعلم في رذالتكم\" إذا كان العلم في الفساق. خرّجه ابن ماجه.\rوسيأتي لهذا الباب مزيد بيان في \"المائدة\" وغيرها إن شاء الله تعالى. أ هـ {تفسير القرطبى حـ 4 صـ 47 ـ 49}. بتصرف يسير.\rمن لطائف الإمام القشيرى فى الآية\rإن الذين ربطناهم بالخذلان ووسمناهم بوصف الحرمان - أخْبِرْهم بأن إعراضنا عنهم مؤبد ، وأن حكمنا سبق بنقلهم عن دار الجنان إلى دار الهوان ، من الخذلان والحرمان إلى العقوبة والنيران. أ هـ {لطائف الإشارات حـ 1 صـ 229}\rلطيفة بلاغية\rقال أبو حيان : \rقيل وجمعت هذه الآيات ضروباً من الفصاحة والبلاغة.\rأحدهما : التقديم والتأخير في : { إن الدين عند الله الإسلام } قال ابن عباس التقدير : شهد الله أن الدين عند الله الاسلام ، أنه لا إله إلا هو ، ولذلك قرأ إنه ، بالكسر : وأن الدين ، بالفتح.\rوأطلق اسم السبب على المسبب في قوله { من بعد ما جاءهم العلم } عبر بالعلم عن التوراة والإنجيل أو النبي صلى الله عليه وسلم ، على الخلاف الذي سبق.\rوإسناد الفعل إلى غير فاعله في : { حبطت أعمالهم } وأصحاب النار.\rوالإيماء في قوله : { بغياً بينهم } فيه إيماء إلى أن النفي دائر شائع فيهم ، وكل فرقة منهم تجاذب طرفاً منه.\rوالتعبير ببعض عن كل في : { أسلمت وجهي }.","part":12,"page":127},{"id":4922,"text":"والاستفهام الذي يراد به التقرير أو التوبيخ والتقريع في قوله { أأسلمتم }.\rوالطباق المقدر في قوله : { فإن أسلموا فقد اهتدوا وإن تولوا فإنما عليك البلاغ } ووجهه : أن الإسلام الانقياد إلى الإسلام ، والإقبال عليه ، والتولي ضد الإقبال.\rوالتقدير : وإن تولوا فقد ضلوا ، والضلالة ضد الهداية.\rوالحشو الحسن في قوله { بغير حق } فإنه لم يقتل قط نبي بحق ، وإنما أتى بهذه الحشوة ليتأكد قبح قتل الأنبياء ، ويعظم أمره في قلب العازم عليه.\rوالتكرار في { ويقتلون الذين } تأكيداً لقبح ذلك الفعل.\rوالزيادة في { فبشرهم } زاد الفاء إيذاناً بأن الموصول ضمن معنى الشرط. أ هـ {البحر المحيط حـ 2 صـ 431 ـ 432}","part":12,"page":128},{"id":4923,"text":"من فوائد العلامة الجصاص فى الآية\rقال رحمه الله : \rوَفِي هَذِهِ الْآيَةِ جَوَازُ إنْكَارِ الْمُنْكَرِ مَعَ خَوْفِ الْقَتْلِ ، وَأَنَّهُ مَنْزِلَةٌ شَرِيفَةٌ يَسْتَحِقُّ بِهَا الثَّوَابَ الْجَزِيلَ ؛ لِأَنَّ اللَّهَ مَدَحَ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ قُتِلُوا حِينَ أَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنْ الْمُنْكَرِ.\rوَرَوَى أَبُو سَعِيد الْخُدْرِيُّ وَغَيْرُهُ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ : { أَفْضَلُ الْجِهَادِ كَلِمَةُ حَقٍّ عِنْدَ سُلْطَانٍ جَائِرٍ وَفِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ : يُقْتَلُ عَلَيْهِ }.\rوَرَوَى أَبُو حَنِيفَةَ عَنْ عِكْرِمَةَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ : { أَفْضَلُ الشُّهَدَاءِ حَمْزَةُ بْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ وَرَجُلٌ تَكَلَّمَ بِكَلِمَةِ حَقٍّ عِنْدَ سُلْطَانٍ جَائِرٍ فَقُتِلَ }.\rقَالَ عَمْرُو بْنُ عُبَيْدٍ : لَا نَعْلَمُ عَمَلًا مِنْ أَعْمَالِ الْبِرِّ أَفْضَلَ مِنْ الْقِيَامِ بِالْقِسْطِ يُقْتَلُ عَلَيْهِ.\rوَإِنَّمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : { فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ } وَإِنْ كَانَ الْإِخْبَارُ عَنْ أَسْلَافِهِمْ ، مِنْ قِبَلِ أَنَّ الْمُخَاطَبِينَ مِنْ الْكُفَّارِ كَانُوا رَاضِينَ بِأَفْعَالِهِمْ ، فَأُجْمِلُوا مَعَهُمْ فِي الْإِخْبَارِ بِالْوَعِيدِ لَهُمْ.","part":12,"page":129},{"id":4924,"text":"وَهَذَا كَقَوْلِهِ تَعَالَى : { قُلْ فَلِمَ تَقْتُلُونَ أَنْبِيَاءَ اللَّهِ مِنْ قَبْلُ } وقَوْله تَعَالَى : { الَّذِينَ قَالُوا إنَّ اللَّهَ عَهِدَ إلَيْنَا أَنْ لَا نُؤْمِنَ لِرَسُولٍ حَتَّى يَأْتِيَنَا بِقُرْبَانٍ تَأْكُلُهُ النَّارُ قُلْ قَدْ جَاءَكُمْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِي بِالْبَيِّنَاتِ وَبِاَلَّذِي قُلْتُمْ فَلِمَ قَتَلْتُمُوهُمْ إنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ } فَنَسَبَ الْقَتْلَ إلَى الْمُخَاطَبِينَ ؛ لِأَنَّهُمْ رَضَوْا بِأَفْعَالِ أَسْلَافِهِمْ وَتَوَلَّوْهُمْ عَلَيْهَا ، فَكَانُوا مُشَارِكِينَ لَهُمْ فِي اسْتِحْقَاقِ الْعَذَابِ كَمَا شَارَكُوهُمْ فِي الرِّضَا بِقَتْلِ الْأَنْبِيَاءِ عَلَيْهِمْ السَّلَامُ. أ هـ {أحكام القرآن للجصاص حـ 2 صـ 286 ـ 287}\rوقال ابن العربى : \rقَالَ بَعْضُ عُلَمَائِنَا : هَذِهِ الْآيَةُ دَلِيلٌ عَلَى الْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيِ عَنْ الْمُنْكَرِ ، وَإِنْ أَدَّى إلَى قَتْلِ الْآمِرِ بِهِ.\rوَقَدْ بَيَّنَّا فِي كِتَابِ \" الْمُشْكِلَيْنِ \" الْأَمْرُ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيُ عَنْ الْمُنْكَرِ وَآيَاتُهُ وَأَخْبَارُهُ وَشُرُوطُهُ وَفَائِدَتِهِ.\rوَسَنُشِيرُ إلَى بَعْضِهِ هَاهُنَا فَنَقُولُ : الْمُسْلِمُ الْبَالِغُ الْقَادِرُ يَلْزَمُهُ تَغْيِيرُ الْمُنْكَرِ ؛ وَالْآيَاتُ فِي ذَلِكَ كَثِيرَةٌ ، وَالْأَخْبَارُ مُتَظَاهِرَةٌ ، وَهِيَ فَائِدَةُ الرِّسَالَةِ وَخِلَافَةِ النُّبُوَّةِ ، وَهِيَ وِلَايَةُ الْإِلَهِيَّةِ لِمَنْ اجْتَمَعَتْ فِيهِ الشُّرُوطُ الْمُتَقَدِّمَةُ.\rوَلَيْسَ مِنْ شَرْطِهِ أَنْ يَكُونَ عَدْلًا عِنْدَ أَهْلِ السُّنَّةِ.\rوَقَالَتْ الْمُبْتَدِعَةُ : لَا يُغَيِّرُ الْمُنْكَرَ إلَّا عَدْلٌ ، وَهَذَا سَاقِطٌ ؛ فَإِنَّ الْعَدَالَةَ مَحْصُورَةٌ فِي قَلِيلٍ مِنْ الْخَلْقِ ، وَالنَّهْيُ عَنْ الْمُنْكَرِ عَامٌّ فِي جَمِيعِ النَّاسِ.","part":12,"page":130},{"id":4925,"text":"فَإِنْ اسْتَدَلُّوا بِقَوْلِهِ تَعَالَى : { أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ } وقَوْله تَعَالَى { كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ } وَنَحْوِهِ.\rقُلْنَا : إنَّمَا وَقَعَ الذَّمُّ هَاهُنَا عَلَى ارْتِكَابِ مَا نُهِيَ عَنْهُ ، لَا عَنْ نَهْيِهِ عَنْ الْمُنْكَرِ وَكَذَلِكَ مَا رُوِيَ فِي الْحَدِيثِ مِنْ { أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَأَى قَوْمًا تُقْرَضُ شِفَاهُهُمْ بِمَقَارِيضَ مِنْ نَارٍ ، فَقِيلَ لَهُ : هُمْ الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنْ الْمُنْكَرِ وَيَأْتُونَهُ ، إنَّمَا عُوقِبُوا عَلَى إتْيَانِهِمْ }.\rوَلَا شَكَّ فِي أَنَّ النَّهْيَ عَنْهُ مِمَّنْ يَأْتِيه أَقْبَحُ مِمَّنْ لَا يَأْتِيه عِنْدَ فَاعِلِهِ فَيَبْعُدُ قَبُولُهُ مِنْهُ.\rوَأَمَّا الْقُدْرَةُ فَهِيَ أَصْلٌ ، وَتَكُونُ مِنْهُ فِي النَّفْسِ وَتَكُونُ فِي الْبَدَنِ إنْ احْتَاجَ إلَى النَّهْيِ عَنْهُ بِيَدِهِ ، فَإِنْ خَافَ عَلَى نَفْسِهِ مِنْ تَغْيِيرِهِ الضَّرْبَ أَوْ الْقَتْلَ ، فَإِنْ رَجَا زَوَالَهُ جَازَ عِنْدَ أَكْثَرِ الْعُلَمَاءِ الِاقْتِحَامُ عِنْدَ هَذَا الْغَرَرِ ، وَإِنْ لَمْ يَرْجُ زَوَالَهُ فَأَيُّ فَائِدَةٍ فِيهِ ؟ وَاَلَّذِي عِنْدَهُ : أَنَّ النِّيَّةَ إذَا خَلَصَتْ فَلْيَقْتَحِمْ كَيْفَمَا كَانَ وَلَا يُبَالِي.\rفَإِنْ قِيلَ : هَذَا إلْقَاءٌ بِيَدِهِ إلَى التَّهْلُكَةِ.\rقُلْنَا : قَدْ بَيَّنَّا مَعْنَى الْآيَةِ فِي مَوْضِعِهَا ، وَتَمَامُهَا فِي شَرْحِ الْمُشْكِلَيْنِ ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.\rفَإِنْ قِيلَ : فَهَلْ يَسْتَوِي فِي ذَلِكَ الْمُنْكَرُ الَّذِي يَتَعَلَّقُ بِهِ حَقُّ اللَّه تَعَالَى مَعَ الَّذِي يَتَعَلَّقُ بِهِ حَقُّ الْآدَمِيِّ ؟ قُلْنَا : لَمْ نَرَ لِعُلَمَائِنَا فِي ذَلِكَ نَصًّا.\rوَعِنْدِي أَنَّ تَخْلِيصَ الْآدَمِيِّ أَوْجَبُ مِنْ تَخْلِيصِ حَقِّ اللَّهِ تَعَالَى ؛ وَذَلِكَ مُمَهَّدٌ فِي مَوْضِعِهِ. أ هـ {أحكام القرآن لابن العربى حـ 1 صـ 349 ـ 350}","part":12,"page":131},{"id":4926,"text":"قوله تعالى { أُولَئِكَ الَّذِينَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآَخِرَةِ وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ (22)}\rمناسبة الآية لما قبلها\rقال البقاعى : \rولما كان الحال ربما اقتضى أن يقال من بعض أهل الضلال : إن لهؤلاء أعمالاً حساناً واجتهادات في الطاعة عظيمة ، بيّن تعالى أن تلك الأفعال مجرد صور لا معاني لها لتضييع القواعد ، كما أنهم هم أيضاً ذوات بغير قلوب ، لتقع المناسبة بين الأعمال والعاملين فقال : {أولئك} أي البعداء البغضاء {الذين حبطت} أي فسدت فسقطت ، وأشار بتأنيث الفعل إلى ضعفها من أصلها {أعمالهم} أي كلها الدنياوية والدينية ، وأنبأ تعالى بقوله : {في الدنيا} كما قال الحرالي - أنهم يتعقبون أعمال خيرهم ببغي يمحوها فلا يطمعون بجزائها في عاجل ولا آجل ، وبذلك تمادى عليهم الذل وقل منهم المهتدي - انتهى {والآخرة} فلا يقيم لهم الله في يوم الدين وزناً ، وأسقط ذكر الحياة إشارة إلى أنه لا حياة لهم في واحدة من الدارين.\rولما كان التقدير : فلا ينتصرون بأنفسهم أصلاً ، فإنهم لا يدبرون تدبيراً إلا كان فيه تدميرهم ، عطف عليه قوله : {وما لهم من ناصرين} قال الحرالي : فيه إعلام بوقوع الغلبة عليهم غلبة لا نصرة لهم فيها في يوم النصر الموعود في سورة الروم التي هي تفصيل من معنى هذه السورة في قوله تعالى : {ويومئذ يفرح المؤمنون بنصر الله ينصر من يشاء} [ الروم : 4 ، 5 ] فهم غير داخلين فيمن ينصر بما قد ورد أنهم \" يقتلون في آخر الزمان حتى يقول الحجر : يا مسلم! خلفي يهودي فاقتله ، حتى لا يبقى منهم إلا من يستره شجر الفرقد \" كما قال صلى الله عليه وسلم : \" إنه من شجرهم \" وفي إفهامه أن طائفة من أهل الإنجيل يقومون بحقه ، فيكونون ممن تشملهم نصرة الله سبحانه وتعالى مع المسلمين ، فتنتسق الملة واحدة مما يقع من الاجتماع حين تضع الحرب أوزارها - انتهى. أ هـ {نظم الدرر حـ 2 صـ 48 ـ 49}\rفصل\rقال الفخر : ","part":12,"page":132},{"id":4927,"text":"اعلم أنه تعالى بيّن بهذا أن محاسن أعمال الكفار محبطة في الدنيا والآخرة ، أما الدنيا فإبدال المدح بالذم والثناء باللعن ، ويدخل فيه ما ينزل بهم من القتل والسبي ، وأخذ الأموال منهم غنيمة والاسترقاق لهم إلى غير ذلك من الذل الظاهر فيهم ، وأما حبوطها في الآخرة فبإزالة الثواب إلى العقاب.\rالنوع الثالث من وعيدهم : قوله تعالى : {وَمَا لَهُم مّن ناصرين }.\rاعلم أنه تعالى بيّن بالنوع الأول من الوعيد اجتماع أسباب الآلام والمكروهات في حقهم وبيّن بالنوع الثاني زوال أسباب المنافع عنهم بالكلية وبيّن بهذا الوجه الثالث لزوم ذلك في حقهم على وجه لا يكون لهم ناصر ولا دافع والله أعلم. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 7 صـ 187}\rوقال الطبرى فى معنى الآية : \rوأما قوله : \"أولئك الذين حبطت أعمالهم في الدنيا والآخرة\" ، فإنه يعني بقوله : \"أولئك\" ، الذين يكفرون بآيات الله. ومعنى ذلك : أنّ الذين ذكرناهم ، هم \"الذين حبطت أعمالهم\" ، يعني : بطلت أعمالهم \"في الدنيا والآخرة\". فأما في الدنيا ، فلم ينالوا بها محمدةً ولا ثناء من الناس ، لأنهم كانوا على ضلال وباطل ، ولم يرفع الله لهم بها ذكرًا ، بل لعنهم وهتك أستارهم ، وأبدى ما كانوا يخفون من قبائح أعمالهم على ألسن أنبيائه ورسله في كتبه التي أنزلها عليهم ، فأبقى لهم ما بقيت الدنيا مذمَّةً ، فذلك حبوطها في الدنيا. وأما في الآخرة ، فإنه أعدّ لهم فيها من العقاب ما وصف في كتابه ، وأعلم عباده أن أعمالهم تصير بُورًا لا ثوابَ لها ، لأنها كانت كفرًا بالله ، فجزاءُ أهلها الخلودُ في الجحيم.\rوأما قوله : \"وما لهم من ناصرين\" ، فإنه يعني : وما لهؤلاء القوم من ناصر ينصرهم من الله ، إذا هو انتقم منهم بما سلف من إجرامهم واجترائهم عليه ، فيستنقذُهم منه. أ هـ {تفسير الطبرى حـ 6 صـ 287}\rمن فوائد ابن عاشور فى الآية\rقال رحمه الله : ","part":12,"page":133},{"id":4928,"text":"وجيء باسم الإشارة في قوله : { أولئك الذين حبطت أعمالهم } لأنّهم تميّزوا بهذه الأفعال التي دلت عليها صِلاتُ الموصول أكملَ تمييز ، وللتنبيه على أنّهم أحِقَّاءِ بما سيخبر به عنهم بعدَ اسم الإشارة.\rواسم الإشارة مبتدأ ، وخبره { الذين حَبِطتْ أعمالهم } ، وقيل هو خبر ( إنّ ) وجملة { فبشرهم بعذاب أليم } وهو الجاري على مذهب سيبويه لأنّه يمنع دخول الفاء في الخبر مطلقاً.\rوحَبَط الأعمالِ إزالةِ آثارها النافعة من ثوابٍ ونعيم في الآخرة ، وحياةٍ طيّبة في الدنيا ، وإطلاق الحَبَط على ذلك تمثيل بحال الإبل التي يصيبها الحَبَط وهو انتفاخ في بطونها من كثرة الأكل ، يكون سبب موتها ، في حين أكلت ما أكلت للالتذاذ به.\rوتقدم عند قوله تعالى : { ومن يرتدد منكم عن دينه فيَمُت وهو كافر فأولئك حبطت أعمالهم في الدنيا والآخرة } في سورة البقرة ( 217.\r( والمعنى هنا أنّ اليهود لما كانوا متديّنين يَرجون من أعمالهم الصالحة النفعَ بها في الآخرة بالنجَاة من العقاب ، والنفع في الدنيا بآثار رضا الله على عباده الصالحين ، فلمّا كفروا بآيات الله ، وجحدوا نبوءة محمد ، وصوّبوا الذين قَتَلوا الأنبياء والذين يأمرون بالقسط ، فقد ارتدُّوا عن دينهم فاستحقّوا العذاب الأليم ، ولذلك ابتُدىء به بقوله : فبشرهم بعذاب أليم }.\rفلا جرم تَحْبَطُ أعمالهم فلا ينتفعون بثوابها في الآخرة ، ولا بآثارها الطيّبة في الدنيا ، ومعنى { وما لهم من ناصرين } ما لهم من ينقذهم من العذاب الذي أنذروا به.\rوجيء بمن الدالة على تنصيص العموم لئلاّ يترك لهم مدخل إلى التأويل. أ هـ {التحرير والتنوير حـ 3 صـ 63 ـ 64}\rوقال أبو حيان : ","part":12,"page":134},{"id":4929,"text":"{ وما لهم من ناصرين } مجيء الجمع هنا أحسن من مجيء الإفراد ، لأنه رأس آية ، ولأنه بإزاء من للمؤمنين من الشفعاء الذين هم الملائكة والأنبياء وصالحو المؤمنين ، أي : ليس لهم كأمثال هؤلاء ، والمعنى : بانتفاء الناصرين انتفاء ما يترتب على النصر من المنافع والفوائد ، وإذا انتفت من جمع فانتفاؤها من واحد أَولى ، وإذا كان جمع لا ينصر فأحرى أن لا ينصر واحد ، ولما تقدم ذكر معصيتهم بثلاثة أوصاف ناسب أن يكون جزاؤهم بثلاثة ، ليقابل كل وصف بمناسبه ، ولما كان الكفر بآيات الله أعظم ، كان التبشير بالعذاب الأليم أعظم ، وقابل قتل الأنبياء بحبوط العمل في الدنيا والأخرة ، ففي الدنيا بالقتل والسبي وأخذ المال والاسترقاق ، وفي الآخرة بالعقاب الدائم ، وقابل قتل الآمرين بالقسط ، بانتفاء الناصرين عنهم إذا حل بهم العذاب ، كما لم يكن للآمرين بالقسط من ينصرهم حين حل بهم قتل المعتدين ، كذلك المعتدون لا ناصر لهم إذا حل بهم العذاب.\rوفي قوله : أولئك ، إشارة إلى من تقدم موصوفاً بتلك الأوصاف الذميمة ، وأخبر عنه : بالذين ، إذ هو أبلغ من الخبر بالفعل ، ولأن فيه نوع انحصار ، ولأن جعل الفعل صلة يدل على كونها معلومة للسامع ، معهودة عنده ، فإذا أخبرت بالموصول عن اسم استفاد المخاطب أن ذلك الفعل المعهود المعلوم عنده المعهود هو منسوب للمخبر عنه بالموصول ، بخلاف الإخبار بالفعل ، فإنك تخبر المخاطب بصدوده عن من أخبرت به عنه ، ولا يكون ذلك الفعل معلوماً عنده ، فإن كان معلوماً عنده جعلته صلة ، وأخبرت بالموصول عن الاسم. أ هـ {البحر المحيط حـ 2 صـ 431}\rمن لطائف الإمام القشيرى فى الآية\rأولئك الذين ليس لهم - اليومَ - توفيق بأعمالهم ، ولا غداً تحقيق لآمالهم ، وما ذلك إلا لأنهم فقدوا في الدارين نصرتنا ، ولم يشهدوا عِزَّنا وقدرتنا. أ هـ {لطائف الإشارات حـ 1 صـ 229}","part":12,"page":135},{"id":4930,"text":"قوله تعالى { أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ يُدْعَوْنَ إِلَى كِتَابِ اللَّهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِنْهُمْ وَهُمْ مُعْرِضُونَ (23)}\rمناسبة الآية لما قبلها\rقال البقاعى : \rولما كان من المعلوم أن ثبات الأعمال وزكاءها إنما هو باتباع أمر الله سبحانه وتعالى وأمر رسوله صلى الله عليه وسلم وأمر الذين ورثوا العلم عنه دل على ما أخبر به من الحبوط وعدم النصر بما يشاهد من أحوالهم في منابذة الدين فقال : {ألم تر} وكان الموضع لأن يقال : إليهم ، ولكنه قال : {إلى الذين أوتوا نصيباً من الكتاب} ليدل على أن ضلالهم على علم ، وأن الذي أوتوه منه قراءتهم له بألسنتهم وادعاء الإيمان به.\rوقال الحرالي : كتابهم الخاص بهم نصيب من الكتاب الجامع ، وما أخذوا من كتابهم نصيب من اختصاصه ، فإنهم لو استوفوا حظهم منه لما عدلوا في الحكم عنه ولرضوا به ، وكان في هذا التعجيب أن يكون غيرهم يرضى بحكم كتابهم ثم لا يرضون هم به - انتهى.\r{يدعون إلى كتاب الله} أظهر الاسم الشريف ولم يقل : إلى كتابهم ، احترازاً عما غيروا وبدلوا ولأنهم إنما دعوا إلى كتاب الله الذي أنزل على موسى عليه الصلاة والسلام ، لا إلى ما عساه أن يكون بأيديهم مما غيروا - نبه عليه الحرالي.\rوفيه أيضاً إشارة إلى عظيم اجترائهم بتوليهم عمن له الإحاطة الكاملة {ليحكم بينهم} قال الحرالي : في إشعاره أن طائفة منهم على حق منه ، أي وهم المذعنون لذلك الحكم الذي دعي إليه - انتهى.","part":12,"page":136},{"id":4931,"text":"ولما كان اتباعه واجباً واضحاً نفعه لمن جرد نفسه عن الهوى عبر عن مخالفته بأداة البعد فقال : {ثم} وقال الحرالي : في إمهاله ما يدل على تلددهم وتبلدهم في ذلك بما يوقعه الله من المقت والتحير على من دعي إلى حق فأباه ، وفي صيغة يتفعل في قوله : {يتولى} ما يناسب معنى ذلك في تكلف التولي على انجذاب من بواطنهم لما عرفوه وكتموه ، وصرح قوله : {فريق منهم} بما أفهمه ما تقدم من قوله : {ليحكم بينهم} فأفهم أن طائفة منهم ثابتون قائلون لحكم كتاب الله تعالى ، وأنبأ قوله المشير إلى كثرة أفراد هذا الفريق {وهم معرضون} بما سلبوه من ذلك التردد والتكلف ، فصار وصفاً لهم بعد أن كان تعملاً ، ما أنكر منكر حقاً وهو يعلمه إلا سلبه الله تعالى علمه حتى يصير إنكاره له بصورة وبوصف من لم يكن قط علمه - انتهى.\rوفي هذا تحذير لهذه الأمة من الوقوع في مثل ذلك ولو بأن يدعى أحدهم من حسن إلى أحسن منه - نبه عليه الحرالي وقال : إذ ليس المقصود حكاية ما مضى فقط ولا ما هو كائن فحسب ، بل خطاب القرآن قائم دائم ماض كلية خطابه في غابر اليوم المحمدي مع من يناسب أحوال من تقدم منهم ، وفي حق المرء مع نفسه في أوقات مختلفة - انتهى. أ هـ {نظم الدرر حـ 2 صـ 49 ـ 52}\rوقال الفخر : \rاعلم أنه تعالى لما نبّه على عناد القوم بقوله {فَإنْ حَاجُّوكَ فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِىَ للَّهِ} [ آل عمران : 20 ] بيّن في هذه الآية غاية عنادهم ، وهو أنهم يدعون إلى الكتاب الذي يزعمون أنهم يؤمنون به ، وهو التوراة ثم إنهم يتمردون ، ويتولون ، وذلك يدل على غاية عنادهم. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 7 صـ 188}\rفائدة\rقال ابن عاشور : ","part":12,"page":137},{"id":4932,"text":"والرؤية بصرية بدليل تعديتها بحرف إلى : الذي يتعدى به فعل النظر ، وجوز صاحب الكشاف في قوله تعالى : {أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيباً مِنَ الْكِتَابِ يَشْتَرُونَ الضَّلالَةَ} في سورة النساء [44] : أن تكون الرؤية قلبية ، وتكون إلى داخلة على المفعول الأول لتأكيد اتصال العلم بالمعلوم وانتهائه المجازي إليه ، فتكون مثل قوله : {أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إبراهيم} [البقرة : 258]. أ هـ {التحرير والتنوير حـ 3 صـ 64}\rفائدة\rقال الفخر : \rظاهر قوله {أَلَمْ تَرَ إِلَى الذين أُوتُواْ نَصِيبًا مّنَ الكتاب} يتناول كلهم ، ولا شك أن هذا مذكور في معرض الذم ، إلا أنه قد دلّ دليل آخر ، على أنه ليس كل أهل الكتاب كذلك لأنه تعالى يقول {مّنْ أَهْلِ الكتاب أُمَّةٌ قَائِمَةٌ يَتْلُونَ ءايات الله ءَانَاء الليل وَهُمْ يَسْجُدُونَ} [ آل عمران : 113 ]. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 7 صـ 188}\rقوله تعالى : {أوتوا نصيباً من الكتاب}\rقال الفخر : \rالمراد به غير القرآن لأنه أضاف الكتاب إلى الكفار ، وهم اليهود والنصارى ، وإذا كان كذلك وجب حمله على الكتاب الذي كانوا مقرين بأنه حق ، ومن عند الله. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 7 صـ 188}\rفصل في سبب النزول\rقال الفخر : \rذكروا في سبب النزول وجوهاً","part":12,"page":138},{"id":4933,"text":"أحدها : روي عن ابن عباس أن رجلاً وامرأة من اليهود زنيا ، وكانا ذوي شرف ، وكان في كتابهم الرجم ، فكرهوا رجمهما لشرفهما ، فرجعوا في أمرهما إلى النبي صلى الله عليه وسلم ، رجاء أن يكون عنده رخصة في ترك الرجم فحكم الرسول صلى الله عليه وسلم بالرجم فأنكروا ذلك فقال عليه الصلاة والسلام : \" بيني وبينكم التوراة فإن فيها الرجم فمن أعلمكم ؟ \" قالوا : عبد الله بن صوريا الفدكي فأتوا به وأحضروا التوراة ، فلما أتى على آية الرجم وضع يده عليها ، فقال ابن سلام : قد جاوز موضعها يا رسول الله فرفع كفه عنها فوجدوا آية الرجم ، فأمر النبي صلى الله عليه وسلم بهما فرجما ، فغضبت اليهود لعنهم الله لذلك غضباً شديداً ، فأنزل الله تعالى هذه الآية.\rوالرواية الثانية : أنه صلى الله عليه وسلم دخل مدرسة اليهود ، وكان فيها جماعة منهم فدعاهم إلى الإسلام فقالوا : على أي دين أنت ؟ فقال : على ملة إبراهيم ، فقالوا : إن إبراهيم كان يهودياً فقال صلى الله عليه وسلم : \" هلموا إلى التوراة ، \" فأبوا ذلك فأنزل الله تعالى هذه الآية.\rوالرواية الثالثة : أن علامات بعثة محمد صلى الله عليه وسلم مذكورة في التوراة ، والدلائل الدالة على صحة نبوّته موجودة فيها ، فدعاهم النبي صلى الله عليه وسلم إلى التوراة ، وإلى تلك الآيات الدالة على نبوّته فأبوا ، فأنزل الله تعالى هذه الآية ، والمعنى أنهم إذا أبوا أن يجيبوا إلى التحاكم إلى كتابهم ، فلا تعجب من مخالفتهم كتابك فلذلك قال الله تعالى : {قل فأتوا بالتوراة فاتلوها إن كنتم صادقين} [ آل عمران : 93 ] وهذه الآية على هذه الرواية دلّت على أنه وجد في التوراة دلائل صحة نبوّته ، إذ لو علموا أنه ليس في التوراة ما يدل على صحة نبوّته لسارعوا إلى بيان ما فيها ولكنهم أسروا ذلك.\r","part":12,"page":139},{"id":4934,"text":"والرواية الرابعة : أن هذا الحكم عام في اليهود والنصارى ، وذلك لأن دلائل نبوّة محمد صلى الله عليه وسلم كانت موجودة في التوراة والإنجيل ، وكانوا يدعون إلى حكم التوراة والإنجيل وكانوا يأبون. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 7 صـ 188 ـ 189}\rوقال السمرقندى : \rقال مقاتل : نزلت في كعب بن الأشرف ، وجماعة منهم حين قالوا ؛ نحن أَهْدَى سبيلاً ، وما بعث الله رسولاً بعد موسى عليه السلام فقال لهم النبي صلى الله عليه وسلم : \" أَنْتُمْ تَعْلَمُونَ أَنَّ الَّذِي أَقْولُ لَكُمْ حَقٌّ فأَخْرِجُوا التَّورَاةَ \" ، فأَبَوا.\rفأنزل الله تعالى هذه الآية { أَلَمْ تَرَ إِلَى الذين أُوتُواْ نَصِيبًا مّنَ الكتاب }. أ هـ {بحر العلوم حـ 1 صـ 228}\rوقال ابن الجوزى : \rإن النبي صلى الله عليه وسلم دعا اليهود إلى الإسلام ، فقال : نعمان بن أبي أوفى : هلم نحاكمك إلى الأحبار.\rفقال : بل إلى كتاب الله ، فقال : بل إلى الأحبار ، فنزلت هذه الآية ، قاله السدي. أ هـ {زاد المسير حـ 1 صـ 366 ـ 367}\rقال الطبرى : \rولا دلالة في الآية على أيّ ذلك كان من أيٍّ ، فيجوز أن يقال : هو هذا دون هذا. ولا حاجة بنا إلى معرفة ذلك ، لأن المعنى الذي دُعوا إلى حكمه ، هو مما كان فرضًا عليهم الإجابة إليه في دينهم ، فامتنعوا منه ، فأخبر الله جل ثناؤه عنهم بردّتهم ، وتكذيبهم بما في كتابهم ، وجحودهم ما قد أخذ عليهم عهودَهم ومواثيقهم بإقامته والعمل به. فلن يعدُوا أن يكونوا في تكذيبهم محمدًا وما جاء به من الحق ، مثلهم في تكذيبهم موسى وما جاء به وهم يتولونه ويقرّون به. أ هـ {تفسير الطبرى حـ 6 صـ 291}\rقوله تعالى {نَصِيباً مّنَ الكتاب}\rقال الفخر : \rالمراد منه نصيباً من علم الكتاب ، لأنا لو أجريناه على ظاهره فهم أنهم قد أوتوا كل الكتاب والمراد بذلك العلماء منهم وهم الذين يدعون إلى الكتاب ، لأن من لا علم له بذلك لا يدعي إليه. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 7 صـ 189}","part":12,"page":140},{"id":4935,"text":"فائدة\rقال ابن عطية : \rوخص الله تعالى بالتولي فريقاً دون الكل لأن منهم من لم يتول كابن سلام وغيره. أ هـ {المحرر الوجيز حـ 1 صـ 416}\rقوله تعالى : {يُدْعَوْنَ إلى كتاب الله}\rقال الفخر : \rأما قوله تعالى : {يُدْعَوْنَ إلى كتاب الله} ففيه قولان : \rالقول الأول : وهو قول ابن عباس رضي الله عنهما والحسن أنه القرآن.\rفإن قيل : كيف دعوا إلى حكم كتاب لا يؤمنون به ؟ .\rقلنا : إنهم إنما دعوا إليه بعد قيام الحجج الدالة على أنه كتاب من عند الله.\rوالقول الثاني : وهو قول أكثر المفسرين : إنه التوراة واحتج القائلون به بوجوه\rالأول : أن الروايات المذكورة في سبب النزول دالة على أن القوم كانوا يدعون إلى التوراة فكانوا يأبون\rوالثاني : أنه تعالى عجب رسوله صلى الله عليه وسلم من تمردهم وإعراضهم ، والتعجب إنما يحصل إذا تمردوا عن حكم الكتاب الذي يعتقدون في صحته ، ويقرون بحقيته\rالثالث : أن هذا هو المناسب لما قبل الآية ، وذلك لأنه تعالى لما بيّن أنه ليس عليه إلا البلاغ ، وصبره على ما قالوه في تكذيبه مع ظهور الحجة بيّن أنهم إنما استعملوا طريق المكابرة في نفس كتابهم الذي أقروا بصحته فستروا ما فيه من الدلائل الدالة على نبوّة محمد صلى الله عليه وسلم فهذا يدل على أنهم في غاية التعصب والبعد عن قبول الحق. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 7 صـ 189}\rوقال ابن عطية : \r{ الكتاب } في قوله : { إلى كتاب الله } هو التوراة ، وقال قتادة وابن جريج : { الكتاب } في قوله { إلى كتاب الله } هو القرآن ، كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يدعوهم إليه فكانوا يعرضون ، ورجح الطبري القول الأول ، وقال مكي : الكتاب الأول اللوح المحفوظ والثاني التوراة. أ هـ {المحرر الوجيز حـ 1 صـ 416}","part":12,"page":141},{"id":4936,"text":"وقال ابن عاشور : \rو {كِتَابِ اللَّهِ} : القرآن كما في قوله {نَبَذَ فَرِيقٌ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ كِتَابَ اللَّهِ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ} [البقرة : 101] فهو غير الكتاب المراد في قوله {مِنَ الْكِتَابِ} كما ينبئ به تغيير الأسلوب. والمعنى : يدعون إلى اتباع القرآن والنظر في معانيه ليحكم بينهم فيأبون. ويجوز أن يكون كتاب الله عين المراد من الكتاب ، وإنما غير اللفظ تفننا وتنويها بالمدعو إليه ، أي يدعون إلى كتابهم ليتأملوا منه ، فيعلموا تبشيره برسول يأتي من بعد ، وتلميحه إلى صفاته. أ هـ {التحرير والتنوير حـ 3 صـ 65}\rورجح الطبرى بأن المراد من الكتاب التوراة وقال : \rوإنما قلنا إن ذلك\"الكتاب\" هو التوراة ، لأنهم كانوا بالقرآن مكذبين ، وبالتوراة بزعمهم مصدّقين ، فكانت الحجة عليهم بتكذيبهم بما هم به في زعمهم مقرُّون ، أبلغَ ، وللعذر أقطعَ. أ هـ {تفسير الطبرى حـ 6 صـ 292}\rقوله تعالى {لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ}\rقال الفخر : \rالمعنى : ليحكم الكتاب بينهم ، وإضافة الحكم إلى الكتاب مجاز مشهور ، وقرىء {لِيَحْكُمَ} على البناء للمفعول ، \rقال صاحب \"الكشاف\" : وقوله {لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ} يقتضي أن يكون الاختلاف واقعاً فيما بينهم ، لا فيما بينهم وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ثم بيّن الله أنهم عند الدعاء يتولى فريق منهم وهم الرؤساء الذين يزعمون أنهم هم العلماء. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 7 صـ 189}\rقوله تعالى {وَهُم مُّعْرِضُونَ}\rقال الفخر : \rفيه وجهان : \rالأول : المتولون هم الرؤساء والعلماء والمعرضون الباقون منهم ، كأنه قيل : ثم يتولى العلماء والأتباع معرضون عن القبول من النبي صلى الله عليه وسلم لأجل تولي علمائهم.","part":12,"page":142},{"id":4937,"text":"والثاني : أن المتولي والمعرض هو ذلك الفريق ، والمعنى أنه متولي عن استماع الحجة في ذلك المقام ومعرض عن استماع سائر الحجج في سائر المسائل والمطالب ، كأنه قيل : لا تظن أنه تولى عن هذه المسألة بل هو معرض عن الكل. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 7 صـ 189}\rوقال الآلوسى : \r{ ثُمَّ يَتَوَلَّى فَريقٌ مِّنْهُمْ } عطف على ( يدعون ) ، و{ ثم } للتراخي الرتبي ، وفيه استبعاد توليهم بعد علمهم بوجوب الرجوع إليه ، و{ منهم } صفة لفريق ، ولعل المراد بهذا الفريق أكثرهم علماً ليعلم تولي سائرهم من باب الأولى قيل : وهذا سبب العدول عن -ثم يتولون- وقيل : الذين لم يسلموا ، ووجه العدول عليه ظاهر فتدبر.\r{ وَهُمْ مُّعْرضُونَ } جوز أن يكون صفة معطوفة على الصفة قبلها فالواو للعطف ، وأن تكون في محل نصب على الحال من الضمير المستكن في { منهم } أو من { فريق } لتخصيصه بالصفة فالواو حينئذ للحال وهي إما مؤكدة لأن التولي والإعراض بمعنى ، وإما مبينة لاختلاف متعلقيهما بناءاً على ما قبل : إن التولي عن الداعي والإعراض عن المدعو إليه أو التولي بالبدن والإعراض بالقلب ، أو الأول كان من العلماء. والثاني من أتباعهم ، وجوز أن لا يكون لها محل من الإعراب بأن تكون تذييلاً أو معترضة ، والمراد وهم قوم ديدنهم الإعراض ، وبعضهم فسر الجملة بهذا مع اعتبار الحالية ولعله رأى أنه لا يمنع عنها. أ هـ {روح المعانى حـ 3 صـ 111}\rسؤال : فإن قيل : التولِّي عن الشيء هو الإعراض عنه ، \rقيل : معناه يتولَّى عن الداعي ويعرض عما دُعِيَ إليه. أ هـ {النكت والعيون حـ 1 صـ 383}\rوقال ابن الجوزى : \rفإن قيل : التولي هو الإعراض ، فما فائدة تكريره ؟ \rفالجواب من أربعة أوجه.\rأحدها : التأكيد.\rوالثاني : أن يكون المعنى : يتولون عن الداعي ، ويعرضون عما دعا إليه.\rوالثالث : يتولون بأبدانهم ، ويعرضون عن الحق بقلوبهم.","part":12,"page":143},{"id":4938,"text":"والرابع : أن يكون الذين تولوا علماءهم ، والذين أعرضوا أتباعهم ، قاله ابن الأنباري. أ هـ {زاد المسير حـ 1 صـ 367}\rفصل\rقال القرطبى : \rفي هذه الآية دليل على وجوب ارتفاع المدعو إلى الحاكم لأنه دعي إلى كتاب الله ؛ فإن لم يفعل كان مخالفا يتعين عليه الزجر بالأدب على قدر المخالِف والمخالَف.\rوهذا الحكم جار عندنا بالأندلس وبلاد المغرب وليس بالديار المصرية.\rوهذا الحكم الذي ذكرناه مبيِّن في التنزيل في سورة \"النور\" في قوله تعالى { وَإِذَا دعوا إِلَى الله وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ إِذَا فَرِيقٌ مِّنْهُمْ مُّعْرِضُونَ } إلى قوله { بَلْ أولئك هُمُ الظالمون } [ النور : 48 ، 49 ، 50 ] وأسند الزهرّي عن الحسن أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : \" من دعاه خصمه إلى حاكم من حكام المسلمين فلم يجب فهو ظالم ولا حق له \" قال ابن العربي : وهذا حديث باطل.\rأمّا قوله \"فهو ظالم\" فكلام صحيح.\rوأمّا قوله \"فلا حق له\" فلا يصح ، ويحتمل أن يريد أنه على غير الحق.\rقال ابن خُوَيْزِ مَندَاد المالكي : واجب على كل من دُعي إلى مجلس الحاكم أن يجيب ما لم يُعلم أنّ الحاكم فاسق ، أو يُعلم عداؤه من المدعي والمدعى عليه. أ هـ {تفسير القرطبى حـ 4 صـ 50}\rفصل\rقال القرطبى : \rفي هذه الآية دليل على أن شرائع من قبلنا شريعة لنا إلا ما علِمنا نسخه ، وأنه يجب علينا الحكم بشرائع الأنبياء قبلنا ، على ما يأتي بيانه.\rوإنما لا نقرأ التوراة ولا نعمل بما فيها لأن من هي في يده غير أمين عليها وقد غيرها وبدّلها ، ولو علمنا أن شيئاً منها لم يتغير ولم يتبدل جاز لنا قراءته.\rونحو ذلك روي عن عمر حيث قال لكعب : إن كنت تعلم أنها التوراة التي أنزلها الله على موسى بن عمران فاقرأها.\rوكان عليه السلام عالما بما لم يغيِّر منها فلذلك دعاهم إليها وإلى الحكم بها.\rوسيأتي بيان هذا في \"المائدة\" والأخبار الواردة في ذلك إن شاء الله تعالى.\rوقد قيل : إن هذه الآية نزلت في ذلك. والله أعلم. أ هـ {تفسير القرطبى حـ 4 صـ 50 ـ 51}. بصرف يسير.","part":12,"page":144},{"id":4940,"text":"من فوائد العلامة أبى السعود فى الآية : \r{ أَلَمْ تَرَ } تعجيبٌ لرسول الله صلى الله عليه وسلم أو لكل من يتأتى منه الرؤيةُ من حال أهل الكتاب وسوءِ صنيعِهم ، وتقرير لما سبق من أن اختلافهم في الإسلام إنما كان بعد ما جاءهم العلم بحقّيته أي ألم تنظرُ { إِلَى الذين أُوتُواْ نَصِيبًا مّنَ الكتاب } أي التوراةِ على أن اللامَ للعَهدْ وحملُه على جنس الكتبِ الإلهية تطويلٌ للمسافة إذ تمامُ التقريب حينئذ بكون التوراة من جملتها لأن مدار التشنيع والتعجيب إنما هو إعراضُهم عن المحاكمة إلى ما دُعوا إليه وهم لم يُدْعَوا إلا إلى التوراة ، والمرادُ بما أوتوه منها ما بُيِّن لهم فيها من العلوم والأحكام التي من جملتها ما علِموه من نعوت النبي صلى الله عليه وسلم وحقّية الإسلام ، والتعبيرُ عنه بالنصيب للإشعار بكمال اختصاصِه بهم وكونِه حقاً من حقوقهم التي يجبُ مراعاتُها والعملُ بموجبها وما فيه من التنكير للتفخيم ، وحملُه على التحقير لا يساعده مقامُ المبالغة في تقبيح حالِهم { يُدْعَوْنَ إلى كتاب الله } الذي أوتوا نصيباً منه وهو التوراة ، والإظهارُ في مقام الإضمار لإيجاب الإجابة ، وإضافتُه إلى الاسم الجليلِ لتشريفه وتأكيدِ وجوب المراجعةِ إليه ، والجملةُ استئنافٌ مبيِّنٌ لمحل التعجيب مبنيّ على سؤال نشأ من صدر الكلام كأنه قيل : ماذا يصنعون حتى ينظُرَ إليهم ؟ فقيل : يُدعون إلى كتاب الله تعالى ، وقيل : حال من الموصول { لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ } وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم دخل مِدراسَهم فدعاهم إلى الإيمان فقال له نعيمُ بن عمرو ، والحارث بن زيد : على أيّ دين أنت ؟ قال عليه الصلاة والسلام : \" على ملة إبراهيم \" قالا : إن إبراهيمَ كان يهودياً فقال صلى الله عليه وسلم لهما : \" إن بيننا وبينكم التوراةَ فهلُمّوا إليها \" فأبيا. وقيل : نزلت في الرجم وقد اختلفوا فيه وقيل : { كتاب الله } القرآنُ فإنهم قد علموا أنه كتابُ الله ولم يشكوا فيه ، وقرىء ليُحكَم","part":12,"page":145},{"id":4941,"text":"على بناء المجهول فيكون الاختلافُ بينهم بأن أسلم بعضُهم كعبد اللَّه بن سلام وأضرابه وعاداهم الآخرون { ثُمَّ يتولى فَرِيقٌ مّنْهُمْ } استبعاد لتولّيهم بعد علمِهم بوجوب الرجوع إليه { وَهُم مُّعْرِضُونَ } إما حال من { فَرِيقٌ } لتخصصه بالصفة أي يتولون من المجلس وهم معرضون بقلوبهم ، أو اعتراضٌ أي وهم قوم ديدنُهم الإعراضُ عن الحق والإصرارُ على الباطل. أ هـ {تفسير أبى السعود حـ 2 صـ 20}\rفائدة\rقال السعدى فى معنى الآية : \rيخبر تعالى عن حال أهل الكتاب الذين أنعم الله عليهم بكتابه ، فكان يجب أن يكونوا أقوم الناس به وأسرعهم انقيادا لأحكامه ، فأخبر الله عنهم أنهم إذا دعوا إلى حكم الكتاب تولى فريق منهم وهم يعرضون ، تولوا بأبدانهم ، وأعرضوا بقلوبهم ، وهذا غاية الذم ، وفي ضمنها التحذير لنا أن نفعل كفعلهم ، فيصيبنا من الذم والعقاب ما أصابهم ، بل الواجب على كل أحد إذا دعي إلى كتاب الله أن يسمع ويطيع وينقاد ، كما قال تعالى { إنما كان قول المؤمنين إذا دعوا إلى الله ورسوله ليحكم بينهم أن يقولوا سمعنا وأطعنا }. أ هـ {تفسير السعدى صـ 126}\rمن فوائد العلامة الجصاص فى الآية : \rقال رحمه الله : \rقَوْله تَعَالَى : { أَلَمْ تَرَ إلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنْ الْكِتَابِ يُدْعَوْنَ إلَى كِتَابِ اللَّهِ } الْآيَةَ.","part":12,"page":146},{"id":4942,"text":"رُوِيَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ أَرَادَ الْيَهُودَ حِينَ دُعُوا إلَى التَّوْرَاةِ وَهِيَ كِتَابُ اللَّهِ وَسَائِرِ الْكُتُبِ الَّتِي فِيهَا الْبِشَارَةُ بِالنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَدَعَاهُمْ إلَى الْمُوَافَقَةِ عَلَى مَا فِي هَذِهِ الْكُتُبِ مِنْ صِحَّةِ نُبُوَّتِهِ كَمَا قَالَ تَعَالَى فِي آيَةٍ أُخْرَى : { قُلْ فَأْتُوا بِالتَّوْرَاةِ فَاتْلُوهَا إنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ } فَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ عَنْ ذَلِكَ لِعِلْمِهِمْ بِمَا فِيهِ مِنْ ذِكْرِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَصِحَّةِ نُبُوَّتِهِ.\rوَلَوْلَا أَنَّهُمْ عَلِمُوا ذَلِكَ لَمَا أَعْرَضُوا عِنْدَ الدُّعَاءِ إلَى مَا فِي كُتُبِهِمْ ، وَفَرِيقٌ مِنْهُمْ آمَنُوا \" وَصَدَّقُوا لِعِلْمِهِمْ بِصِحَّةِ نُبُوَّتِهِ وَلِمَا عَرَفُوهُ مِنْ التَّوْرَاةِ وَكُتُبِ اللَّهِ مِنْ نَعْتِهِ وَصِفَتِهِ.\rوَفِي هَذِهِ الْآيَةِ دَلَالَةٌ عَلَى صِحَّةِ نُبُوَّةِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ؛ لِأَنَّهُمْ لَوْلَا أَنَّهُمْ كَانُوا عَالِمِينَ بِمَا ادَّعَاهُ مِمَّا فِي كُتُبِهِمْ مِنْ نَعْتِهِ وَصِفَتِهِ وَصِحَّةِ نُبُوَّتِهِ لَمَا أَعْرَضُوا عَنْ ذَلِكَ بَلْ كَانُوا يُسَارِعُونَ إلَى الْمُوَافَقَةِ عَلَى مَا فِي كُتُبِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنُوا بُطْلَانَ دَعْوَاهُ ، فَلَمَّا أَعْرَضُوا ، وَلَمْ يُجِيبُوا إلَى مَا دَعَاهُمْ إلَيْهِ دَلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّهُمْ كَانُوا عَالِمِينَ بِمَا فِي كُتُبِهِمْ مِنْ ذَلِكَ.","part":12,"page":147},{"id":4943,"text":"وَهُوَ نَظِيرُ مَا تَحَدَّى اللَّهُ تَعَالَى بِهِ الْعَرَبَ مِنْ الْإِتْيَانِ بِمِثْلِ سُورَةٍ مِنْ الْقُرْآنِ فَأَعْرَضُوا عَنْ ذَلِكَ وَعَدَلُوا إلَى الْقِتَالِ وَالْمُحَارَبَةِ ، لِعِلْمِهِمْ بِالْعَجْزِ عَنْ الْإِتْيَانِ بِمِثْلِهَا ؛ وَكَمَا دَعَاهُمْ إلَى الْمُبَاهَلَةِ فِي قَوْله تَعَالَى : { فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ } إلَى قَوْله تَعَالَى : { ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَةَ اللَّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ } وَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { لَوْ حَضَرُوا وَبَاهَلُوا لَأَضْرَمَ اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِمْ الْوَادِيَ نَارًا ، وَلَمْ يَرْجِعُوا إلَى أَهْلٍ ، وَلَا وَلَدٍ }.\rوَهَذِهِ الْأُمُورُ كُلُّهَا مِنْ دَلَائِلِ النُّبُوَّةِ وَصِحَّةِ الرِّسَالَةِ.\rوَرُوِيَ عَنْ الْحَسَنِ وَقَتَادَةَ أَنَّمَا أَرَادَ بِقَوْلِهِ تَعَالَى : { يُدْعَوْنَ إلَى كِتَابِ اللَّهِ } إلَى الْقُرْآنِ ؛ لِأَنَّ مَا فِيهِ يُوَافِقُ مَا فِي التَّوْرَاةِ فِي أُصُولِ الدِّينِ وَالشَّرْعِ وَالصِّفَاتِ الَّتِي قَدْ تَقَدَّمَتْ بِهَا الْبِشَارَةُ فِي الْكُتُبِ الْمُتَقَدِّمَةِ.","part":12,"page":148},{"id":4944,"text":"وَالدُّعَاءُ إلَى كِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى فِي هَذِهِ الْآيَةِ يَحْتَمِلُ مَعَانِيَ : جَائِزٌ أَنْ يَكُونَ نُبُوَّةُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى مَا بَيَّنَّا ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ أَمَرَ إبْرَاهِيمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ وَأَنَّ دِينَهُ الْإِسْلَامُ ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُرِيدَ بِهِ بَعْضَ أَحْكَامِ الشَّرْعِ مِنْ حَدٍّ أَوْ غَيْرِهِ ، كَمَا رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { أَنَّهُ ذَهَبَ إلَى بَعْضِ مَدَارِسِهِمْ ، فَسَأَلَهُمْ عَنْ حَدِّ الزَّانِي ، فَذَكَرُوا الْجَلْدَ وَالتَّحْمِيمَ وَكَتَمُوا الرَّجْمَ ، حَتَّى وَقَّفَهُمْ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى آيَةِ الرَّجْمِ بِحَضْرَةِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلَامٍ } وَإِذَا كَانَتْ هَذِهِ الْوُجُوهُ مُحْتَمَلَةً لَمْ يَمْتَنِعْ أَنْ يَكُونَ الدُّعَاءُ قَدْ وَقَعَ إلَى جَمِيعِ ذَلِكَ ؛ وَفِيهِ الدَّلَالَةُ عَلَى أَنَّ مَنْ دَعَا خَصْمَهُ إلَى الْحُكْمِ لَزِمَتْهُ إجَابَتُهُ ؛ لِأَنَّهُ دَعَاهُ إلَى كِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى وَنَظِيرُهُ أَيْضًا قَوْله تَعَالَى : { إذَا دُعُوا إلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ إذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ مُعْرِضُونَ }. أ هـ {أحكام القرآن للجصاص حـ 2 صـ 287 ـ 288}\rمن لطائف الإمام القشيرى فى الآية\rامتحناك بدعوة من سبق علمنا بأنهم لا يستجيبون ، فاصبر على ما أُمِرْتَ فيهم ، واعلم سوء أحوالهم ، فإنهم أهل التولِّي عن الإجابة ، لأنهم فقدوا منا حسن التجلي بسابق الإرادة. أ هـ {لطائف الإشارات حـ 1 صـ 229}","part":12,"page":149},{"id":4945,"text":"قوله تعالى { ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ وَغَرَّهُمْ فِي دِينِهِمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ (24)}\rمناسبة الآية لما قبلها\rقال البقاعى : \rثم علل اجتراءهم على الله تعالى فقال : {ذلك} أي الإعراض البعيد عن أفعال أهل الكرم المبعد من الله {بأنهم قالوا} كذباً على الله - كما تقدم بيانه في سورة البقرة {لن تمسنا النار إلا أياماً} ولما كان المقام هنا لتناهي اجترائهم على العظائم لاستهانتهم بالعذاب لاستقصارهم لمدته والتصريح بقتل الآمرين بالقسط عامة وبحبوط الأعمال ، وكان جمع القلة قد يستعار للكثرة أكدت إرادتهم حقيقة القلة بجمع آخر للقلة ، فقيل على ما هو الأولى من وصف جمع القلة لما لا يعقل بجمع جبراً له : {معدودات} وتطاول الزمان وهم على هذا الباطل حتى آنسوا به واطمأنوا إليه لأنه ما كذب أحد بحق إلا عوقب بتصديقه بباطل ، وما ترك قوم سنة إلا أحيوا بدعة ، على أن كذبهم أيضاً جرهم إلى الاستهانة بعذاب الله الذي لا يستهان بشيء منه ولو قل.\rولما نسبوا ذلك إلى الكتاب فجعلوه ديناً قال : {وغرَّهم} قال الحرالي : من الغرور وهو إخفاء الخدعة في صورة النصيحة - انتهى {في دينهم ما كانوا} أي بما هيؤوا له وجبلوا عليه {يفترون} أي يتعمدون كذبة ، قال الحرالي : فتقابل التعجيبات في ردهم حق الله سبحانه وتعالى وسكونهم إلى باطلهم - انتهى. أ هـ {نظم الدرر حـ 2 صـ 50}\rوقال الفخر : ","part":12,"page":150},{"id":4946,"text":"وجه النظم أنه تعالى لما قال في الآية الأولى {ثُمَّ يتولى فَرِيقٌ مّنْهُمْ وَهُم مُّعْرِضُونَ} قال في هذه الآية : ذلك التولي والإعراض إنما حصل بسبب أنهم قالوا : لن تمسنا النار إلا أياماً معدودات ، قال الجبائي : وفيها دلالة على بطلان قول من يقول : إن أهل النار يخرجون من النار ، قال : لأنه لو صحّ ذلك في هذه الأمة لصح في سائر الأمم ، ولو ثبت ذلك في سائر الأمم لما كان المخبر بذلك كاذباً ، ولما استحق الذم ، فلما ذكر الله تعالى ذلك في معرض الذم علمنا أن القول بخروج أهل النار قول باطل.\rوأقول : كان من حقه أن لا يذكر مثل هذا الكلام ، وذلك لأن مذهبه أن العفو حسن جائز من الله تعالى ، وإذا كان كذلك لم يلزم من حصول العفو في هذه الأمة حصوله في سائر الأمم.\rسلمنا أنه يلزم ذلك ، لكن لم قلتم : إن القوم إنما استحقوا الذم على مجرد الإخبار بأن الفاسق يخرج من النار بل ههنا وجوه أُخر\rالأول : لعلمهم استوجبوا الذم على أنهم قطعوا بأن مدة عذاب الفاسق قصيرة قليلة ، فإنه روي أنهم كانوا يقولون : مدة عذابنا سبعة أيام ، ومنهم من قال : بل أربعون ليلة على قدر مدة عبادة العجل\rوالثاني : أنهم كانوا يتساهلون في أصول الدين ويقولون بتقدير وقوع الخطأ منا فإن عذابنا قليل وهذا خطأ ، لأن عندنا المخطىء في التوحيد والنبوّة والمعاد عذابه دائم ، لأنه كافر ، والكافر عذابه دائم\rوالثالث : أنهم لما قالوا {لَن تَمَسَّنَا النار إِلا أَيَّامًا معدودات} فقد استحقروا تكذيب محمد صلى الله عليه وسلم واعتقدوا أنه لا تأثير له في تغليظ العقاب فكان ذلك تصريحاً بتكذيب محمد صلى الله عليه وسلم وذلك كفر والكافر المصر على كفره لا شك أن عذابه مخلد ، وإذا كان الأمر على ما ذكرناه ثبت أن احتجاج الجبائي بهذه الآية ضعيف وتمام الكلام على سبيل الاستقصاء مذكور في سورة البقرة. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 7 صـ 190}\rفوائد لغوية\rقال ابن عادل : ","part":12,"page":151},{"id":4947,"text":"قوله : \" ذَلِكَ \" فيها وجهان : \rأصحهما : أنها مبتدأ ، والجار بعده خبره ، أي : ذلك التوَلِّي بسبب هذه الأقوال الباطلةِ ، التي لا حقيقةَ لها.\rوالثاني : أن \" ذَلِكَ \" خبرُ مبتدأ محذوفٍ ، أى : الأمر ذلك ، وهو قول الزَّجَّاج وعلى هذا قوله : \" بأنَّهُمْ \" متعلق بذلك المقدَّر - وهو الأمر ونحوه -.\rوقال أبو البقاء : فعلى هذا يكون قوله \" بأنَّهُمْ \" في موضع نَصْب على الحال بما في \" ذَا \" من معنى الإشارة ، أي : ذلك الأمر مستحقاً بقولهم ، ثم قال : \" وهذا ضعيفٌ \".\rقلت : بل لا يجوز ألبتة.\rوجاء - هنا - \" مَعْدُودَاتٍ \" ، بصيغة الجمع - وفي البقرة \" مَعْدُودَةً \" ، تفنُّناً في البلاغة ، وذلك أن جمع التكسير - غير العاقل - يجوز أن يعامَل معاملةَ الواحدةِ المؤنثة تارةً ، ومعاملةَ جمع الإناث أخْرَى ، فيقال : هذه جبال راسيةٌ - وإن شئت : راسياتٌ- ، وجمال ماشية ، وإن شئت : ماشيات.\rوخص الجمع بهذا الموضع ؛ لأنه مكان تشنيع عليهم بما فعلوا وقالوا : فأتى بلفظ الجمع مبالغةٌ في زجرهم ، وزجر من يعمل بعملهم. أ هـ {تفسير ابن عادل حـ 5 صـ 118 ـ 119}\rقوله تعالى : {وَغَرَّهُمْ فِى دِينِهِم مَّا كَانُواْ يَفْتَرُونَ}\rقال ابن عادل : \rقوله : { وَغَرَّهُمْ فِى دِينِهِمْ } الغُرور : الخِدَاع ، يقال منه : غَرًَّهُ ، يَغُرُّهُ ، غُرُوراً ، فهو غَارٌّ ، ومغرور.\rوالغَرُور : - بالفتح - مثال مبالغة كالضَّرُوب.\rوالغِرُّ : الصغير ، والغِرِّيرَة : الصغيرة ؛ لأنهما يُخ\rعان ، والغِرَّة : مأخوذة من هذا ، قال : أخذه على غِرَّة ، أي : تغفُّل وخداعِ ، والغُرَّة : بياض في الوجه ، يقال منه : وَجْهٌ أغَرُّ ، ورجل أغَرّ وامرأة غَرَّاء.\rوالجمع القياسي : غُرٌّ ، وغير القياسي غُرَّانُ.\rقال : [ الطويل ]\r1377- ثِيَابُ بَنِي عَوْفٍ طَهَارَى نَقِيَّةٌ... وَأوْجُهُهُمْ عِنْدَ الْمَشَاهِدِ غُرَّانُ","part":12,"page":152},{"id":4948,"text":"والغرة من كل شيء أنفسه ، وفي الحديث : \" وَجَعَلَ فِي الْجَنِينِ غُرَّةً ، عَبْداً أوُ أمَةً \".\rقيل : الغُرًَّة : الخِيار ، وقال أبو عمرو بن العلاء - في تفسير هذا الحديث - إنه لا يكون إلا الأبيض من الرقيق ، كأنه أخَذَه من الغُرَّة ، وهو البياض في الوَجْه.\rقوله : { مَّا كَانُواْ يَفْتَرُونَ } \" ما \" يجوز أن تكون مصدريةً ، أو بمعنى \" الذي \" ، والعائد محذوف أي : الذي كانوا يفترونه.\rقيل هو قولهم : { نَحْنُ أَبْنَاءُ الله وَأَحِبَّاؤُهُ } [ المائدة : 18 ].\rوقيل : هو قولهم : نحن على الحق وأنت على الباطل. أ هـ {تفسير ابن عادل حـ 5 صـ 120}\rقال الفخر : \rاعلم أنهم اختلفوا في المراد بقوله {مَّا كَانُواْ يَفْتَرُونَ} فقيل : هو قولهم {نَحْنُ أَبْنَاءُ الله وَأَحِبَّاؤُهُ} [ المائدة : 18 ] وقيل : هو قولهم {لَن تَمَسَّنَا النار إِلا أَيَّامًا معدودات} وقيل : غرهم قولهم : نحن على الحق وأنت على الباطل. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 7 صـ 190}\rفائدة\rقال الطبرى فى معنى الآية : \rيعني جل ثناؤه بقوله : \"بأنهم قالوا\" ، بأنّ هؤلاء الذين دعوا إلى كتاب الله ليحكم بينهم بالحق فيما نازعوا رسول الله صلى الله عليه وسلم ، إنما أبوا الإجابة إلى حكم التوراة وما فيها من الحق : من أجل قولهم : \"لن تمسنا النارُ إلا أيامًا معدودات\" وهي أربعون يومًا ، وهن الأيام التي عبدوا فيها العجل ثم يخرجنا منها ربنا ، اغترارًا منهم \"بما كانوا يفترون\" ، يعني : بما كانوا يختلقون من الأكاذيب والأباطيل ، في ادعائهم أنهم أبناء الله وأحِبّاؤه ، وأن الله قد وعد أباهم يعقوبَ أن لا يُدْخل أحَدًا من ولده النار إلا تَحِلَّةَ القسم.\rفأكذبهم الله على ذلك كله من أقوالهم ، وأخبر نبيه محمدًا صلى الله عليه وسلم أنهم هم أهل النار هم فيها خالدون ، دون المؤمنين بالله ورُسله وما جاءوا به من عنده. أ هـ {تفسير الطبرى حـ 6 صـ 292}","part":12,"page":153},{"id":4949,"text":"سؤالان\rالأول : أيمكن للإنسان أن يختلق كذباً أو إفتراءاً وينسبه إلى الله ، ثمّ يتأثّر به هو ويعتوره الغرور إلى تلك الدرجة التي أشار إليها القرآن في الآيات السابقة بالنسبة لليهود ؟ \rليس من العسير الردّ على هذا السؤال ، وذلك لأنّ قضية خداع النفس من القضايا التي يعترف بها علم النفس المعاصر. إنّ العقل الإنساني يسعى أحياناً إلى استغفال الضمير بأن يغيّر وجه الحقيقة في عين ضميره. كثيراً ما نشاهد أُناساً ملوّثين بالذنوب الكبيرة ، كالقتل والسرقة وأمثالها ، على الرغم من إدراكهم تماماً قبح تلك الأعمال يسعون لإظهار ضحاياهم بأنّهم كانوا يستحقّون ما أصابهم لكي يسبغوا هدوءاً كاذباً على ضمائرهم ، وكثيراً ما نرى المدمنين على المخدّرات يبرّرون فعالهم بأنّهم يستهدفون الفرار من مصائب الدنيا ومشاكلها.\rثمّ إنّ هذه الأكاذيب والإفتراءات عن تفوّقهم العنصري التي حاكتها الأجيال\rالسابقة من أهل الكتاب وصلت بالتدريج إلى الأجيال التالية التي لم تكن تعرف الكثير عن هذا الموضوع ـ ولم تعن بالبحث عن الحقيقة ـ بصورة عقائد مسلّم بها.\rالسؤال الثانى : يمكن أن يقال إنّ الاعتقاد \"بالعذاب لأيام معدودات\" منتشر بيننا نحن المسلمين أيضاً ، لأنّنا نعتقد أنّ المسلمين لا يخلّدون في العذاب الإلهي ، إذ أنّ إيمانهم سوف ينجيهم أخيراً من العذاب.\rولكن ينبغي التوكيد هنا أنّنا لا يمكن أن نعتقد بأنّ المسلم المذنب والملوّث بأنواع الآثام يعذّب بضعة أيّام فقط ، بل أنّنا نعتقد أنّ عذاب هؤلاء يطول لسنوات وسنوات لا يعرف مداها إلاَّ الله ، إلاَّ أنّ عذابهم لا يكون أبدياً خالداً. وإذا وجد حقّاً بين المسلمين من يحسبون أنّهم بالاحتماء بالإسلام والإيمان والنبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)\rيجوز لهم أن يرتكبوا ما يشاؤون من الذنوب ، ثمّ لا يصيبهم من العقاب سوى بضعة أيّام من العذاب ، فإنّهم على خطأ كبير ويجهلون تعاليم الإسلام وروح تشريعاته.","part":12,"page":154},{"id":4950,"text":"ثمّ إنّنا لا نعترف بأيّ امتياز خاصّ للمسلمين ، بل نعتقد أنّ كلّ أُمّة اتّبعت نبيّها في زمانها ثمّ أذنبت مشمولة بهذا القانون أيضاً ، بغضّ النظر عن عنصرها. أمّا اليهود فيخصّون أنفسهم بهذا الامتياز دون غيرهم بزعم تفوّقهم العنصري. وقد ردّ عليهم القرآن زعمهم الكاذب هذا في الآية 18 من سورة المائدة : (بل أنتم بشرممّن خلق). أ هـ {الأمثل حـ 2 صـ 443 ـ 444}. بتصرف يسير.","part":12,"page":155},{"id":4951,"text":"من فوائد العلامة الآلوسى فى الآية\rقال رحمه الله : \r{ ذلك } أي المذكور من التولي والإعراض وهو مبتدأ خبره قوله تعالى : { بِأَنَّهُمْ قَالُواْ لَن تَمَسَّنَا النار إِلا أَيَّامًا معدودات } أي حاصل لهم بسبب هذا القول الذي رسخ اعتقادهم له وهونوا به الخطوب ولم يبالوا معه بارتكاب المعاصي والذنوب ، والمراد بالأيام المعدودات أيام عبادتهم العجل ، وجاء هنا { معدودات } بصيغة الجمع دون ما في البقرة ( 80 ) فإنه { مَّعْدُودَةً } بصيغة المفرد تفنناً في التعبير ، وذلك لأن جمع التكسير لغير العاقل يجوز أن يعامل معاملة الواحدة المؤنثة تارة ومعاملة جمع الإناث أخرى فيقال : هذه جبال راسية ، وإن شئت قلت راسيات ، وجمال ماشية وإن شئت ماشيات ، وخص الجمع هنا لما فيه من الدلالة على القلة كموصوفه وذلك أليق بمقام التعجيب والتشنيع { وَغَرَّهُمْ فِى دِينِهِم } أي أطمعهم في غير مطمع وخدعهم { مَّا كَانُواْ يَفْتَرُونَ } أي افتراؤهم وكذبهم أو الذي كانوا يفترونه من قولهم : { لَن تَمَسَّنَا النار } الخ قاله مجاهد أو من قولهم : { نَحْنُ أَبْنَاء الله وَأَحِبَّاؤُهُ } [ المائدة : 18 ] قاله قتادة أو مما يشمل ذلك ونحوه من قولهم : \"إن آباءنا الأنبياء يشفعون لنا وإن الله تعالى وعد يعقوب أن لا يعذب أبناءه إلا تحلة القسم\" والظرف متعلق بما عنده أو بيفترون واعترضه الخطيب بأن ما بعد الموصول لا يعمل فيما قبله ؛ وأجيب بالتوسع. أ هـ {روح المعانى حـ 3 صـ 111}","part":12,"page":156},{"id":4952,"text":"وقال ابن عاشور : \rوقوله {ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ} الإشارة إلى توليهم وإعراضهم ، والباء للسببية : أي إنهم فعلوا ما فعلوا بسبب زعمهم أنهم في أمان من العذاب إلا أياما قليلة ، فانعدم اكتراثهم باتباع الحق ؛ لأن اعتقادهم النجاة من عذاب الله على كل حال جرأهم على ارتكاب مثل هذا الإعراض. وهذا الاعتقاد مع بطلانه مؤذن أيضا بسفالة همتهم الدينية ، فكانوا لا ينافسون في تزكية الأنفس. وعبر عن الاعتقاد بالقول دلالة على أن هذا الاعتقاد لا دليل عليه وأنه مفترى مدلس ، وهذه العقيدة عقيدة اليهود ، كما تقدم في البقرة.\rوقوله {وَغَرَّهُمْ فِي دِينِهِمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ} أي ما تقولوه على الدين وأدخلوه فيه ، فلذلك أتي بفي الدالة على الظرفية المجازية ، ومن جملة ما كانوا يفترونه قولهم {لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّاماً مَعْدُودَةً} [البقرة : 80] ، وكانوا أيضا يزعمون أن الله وعد يعقوب ألا يعذب أبناءه.\rوقد أخبر الله تعالى عن مفاسد هذا الغرور والافتراء بإيقاعها في الضلال الدائم ، لأن المخالفة إذا لم تكن عن غرور فالإقلاع عنها مرجو ، أما المغرور فلا يترقب منه إقلاع. وقد ابتلى المسلمون بغرور كثير في تفاريع دينهم وافتراءات من الموضوعات عادت على مقاصد الدين وقواعد الشريعة بالإبطال ، وتفصيل ذلك في غير هذا المجال. أهـ {التحرير والتنوير حـ 3 صـ 66}\rمن لطائف الإمام القشيرى فى الآية\rقوله جلّ ذكره : { ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لَن تَمَسَّنَا النَّارُ إلاَّ أيَّامًا مَّعْدُودَاتٍ وَغَرَّهُمْ فِى دِينِهِم مَّا كَانُوا يَفْتَرُونَ }.\rعاقبناهم في الدنيا بالاستدراج حتى حكموا لأنفسهم بالنجاة وتخفيف العقاب ، وسوف يعلمون تضاعف البلاء عليهم ، ويحسبون أنهم على شيء ألا أنهم هم الكاذبون. أ هـ {لطائف الإشارات حـ 1 صـ 229}","part":12,"page":157},{"id":4953,"text":"قوله تعالى { فَكَيْفَ إِذَا جَمَعْنَاهُمْ لِيَوْمٍ لَا رَيْبَ فِيهِ وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ (25)}\rمناسبة الآية لما قبلها\rقال البقاعى : \rولما تسبب عن اجترائهم بالكذب على الله أن يسأل عن حالهم معه قال صارفاً القول إلى مظهر العظمة المقتضي للمجازاة والمناقشة : {فكيف} أي يكون حالهم {إذا جمعناهم} أي وقد رفعنا حجاب العظمة وشهرنا سيف العزة والسطوة.\rولما كان المقصود بالجمع الجزاء قال : {ليوم} ووصفُه بقوله : {لا ريب فيه} مشعر- كما قال الحرالي - بأنهم ليسوا على طمأنينة في باطلهم بمنزلة الذي لم يكن له أصل كتاب ، فهم في ريبهم يترددون إلى أن يأتي ذلك اليوم.\rولما كان الجزاء أمراً متحققاً لا بد منه أشار إليه بصيغة الماضي في قوله : {ووفيت} والبناء للمفعول للإفهام بسهولة ذلك عليه وإن كان يفوت الحصر وتأنيث الفعل للإشارة إلى دناءة النفوس وضعفها وقوله : {كل نفس} قال الحرالي : الفصل الموقع للجزاء مخصوص بوجود النفس التي دأبها أن تنفس فتريد وتختار وتحب وتكره ، فهي التي توفي ، فمن سلب الاختيار والإرادة والكراهة بتحقق الإسلام الذي تقدم ارتفع عنه التوفية ، إذ لا وجود نفس له بما أسلم وجهه لله ، فلذلك اختص وعيد القرآن كله بالنفس في نفاستها بإرادتها وما تنشأ لها عليه من أحوالها وأفعالها ودعواها في ملكها ومُلكها ، فمتى نفست فتملكت ملكاً أو تشرفت مُلكاً خرجت عن إسلامها حتى ينالها سلب القهر منه وإلزام الذل عنه ، وبلمح من هذا المعنى اتصلت الآية التي بعدها بختم هذه الآية وناظرت رأس آية ذكر الإسلام ، فإنما هو مسلم لله وذو نفس متملك على الله حتى يسلبه الله في العقبى أو يذله في الدنيا ، فشمل هذا الوفاء لكل نفس أهل الكتاب وغيرهم ، وعم الوفاء لكل من يعمه الجمع ، كذلك خطاب القرآن يبدأ بخصوص فيختم بعموم ، ويبدأ بعموم فيثنيه تفصيل - انتهى.","part":12,"page":158},{"id":4954,"text":"ولما كان هذا الجزاء شاملاً للخير والشر قال : {ما} أي جزاء ما {كسبت} فأتى به مخففاً ليشمل المباشرة بكسب أو اكتساب ، وأنث الفعل مع جواز التذكير مراعاة للفظ كل إشارة إلى الإحاطة بالأفعال ولو كانت في غاية الحقارة ، وراعى معنى \" كل \" للوفاء بالمعنى مع موافقة الفواصل {وهم لا يظلمون} أي لا يقع عليهم ظلم بزيادة ولا نقص ، ولا يتوقعونه. أ هـ {نظم الدرر حـ 2 صـ 50 ـ 51}\rقال الفخر : \rأما قوله تعالى : {فَكَيْفَ إِذَا جمعناهم لِيَوْمٍ لا رَيْبَ فِيهِ}\rفالمعنى أنه تعالى لما حكى عنهم اغترارهم بما هم عليه من الجهل بيّن أنه سيجيء يوم يزول فيه ذلك الجهل ، ويكشف فيه ذلك الغرور فقال {فَكَيْفَ إِذَا جمعناهم لِيَوْمٍ لاَّ رَيْبَ فِيهِ} وفي الكلام حذف ، والتقدير : فكيف صورتهم وحالهم ويحذف الحال كثيراً مع كيف لدلالته عليها تقول : كنت أكرمه وهو لم يزرني ، فكيف لو زارني أي كيف حاله إذا زارني ، واعلم أن هذا الحذف يوجب مزيد البلاغة لما فيه من تحريك النفس على استحضار كل نوع من أنواع الكرامة في قول القائل : لو زارني وكل نوع من أنواع العذاب في هذه الآية.\rأما قوله تعالى : {إِذَا جمعناهم لِيَوْمٍ} ولم يقل في يوم ، لأن المراد : لجزاء يوم أو لحساب يوم فحذف المضاف ودلّت اللام عليه ، قال الفرّاء : اللام لفعل مضمر إذا قلت : جمعوا ليوم الخميس ، كان المعنى جمعوا لفعل يوجد في يوم الخميس وإذا قلت : جمعوا في يوم الخميس لم تضمر فعلاً وأيضاً فمن المعلوم أن ذلك اليوم لا فائدة فيه إلا المجازاة وإظهار الفرق بين المثاب والمعاقب ، وقوله {لاَ رَيْبَ فِيهِ} أي لا شك فيه.\rثم قال : {وَوُفّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَّا كَسَبَتْ} فإن حملت ما كسبت على عمل العبد جعل في الكلام حذف ، والتقدير : ووفيت كل نفس جزاء ما كسبت من ثواب أو عقاب ، وإن حملت ما كسبت على الثواب والعقاب استغنيت عن هذا الإضمار.","part":12,"page":159},{"id":4955,"text":"ثم قال : {وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ} فلا ينقص من ثواب الطاعات ، ولا يزاد على عقاب السيئات.\rواعلم أن قوله {وَوُفّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَّا كَسَبَتْ} يستدل به القائلون بالوعيد ، ويستدل به أصحابنا القائلون بأن صاحب الكبيرة من أهل الصلاة لا يخلد في النار ، أما الأولون قالوا : لأن صاحب الكبيرة لا شك أنه مستحق العقاب بتلك الكبيرة ، والآية دلّت على أن كل نفس توفى عملها وما كسبت ، وذلك يقتضي وصول العقاب إلى صاحب الكبيرة.\rوجوابنا : أن هذا من العمومات ، وقد تكلمنا في تمسك المعتزلة بالعمومات.\rوأما أصحابنا فإنهم يقولون : إن المؤمن استحق ثواب الإيمان فلا بد وأن يوفي عليه ذلك الثواب لقوله {وَوُفّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَّا كَسَبَتْ} فإما أن يثاب في الجنة ثم ينقل إلى دار العقاب وذلك باطل بالإجماع ، وإما أن يقال : يعاقب بالنار ثم ينقل إلى دار الثواب أبداً مخلداً وهو المطلوب.\rفإن قيل : لم لا يجوز أن يقال : إن ثواب إيمانهم يحبط بعقاب معصيتهم ؟ .\rقلنا : هذا باطل لأنا بينا أن القول بالمحابطة محال في سورة البقرة ، وأيضاً فإنا نعلم بالضرورة أن ثواب توحيد سبعين سنة أزيد من عقاب شرب جرعة من الخمر ، والمنازع فيه مكابر ، فبتقدير القول بصحة المحابطة يمتنع سقوط كل ثواب الإيمان بعقاب شرب جرعة من الخمر ، وكان يحيى بن معاذ رحمة الله عليه يقول : ثواب إيمان لحظة ، يسقط كفر سبعين سنة ، فثواب إيمان سبعين سنة كيف يعقل أن يحبط بعقاب ذنب لحظة ، ولا شك أنه كلام ظاهر. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 7 صـ 190}\rوقال القرطبى : \rخطاب للنبيّ صلى الله عليه وسلم وأُمّتِه على جهة التوقيف والتعجُّب ، أي فكيف يكون حالهم أو كيف يصنعون إذا حشروا يوم القيامة واضمحلت عنهم تلك الزخارف التي ادعوها في الدنيا ، وجوزوا بما اكتسبوه من كفرهم واجترائهم وقبيح أعمالهم.\rواللام في قوله \"ليوم\" بمعنى \"في\" ؛ قاله الكسائي.\rوقال البصريون : المعنى لحساب يوم.\r","part":12,"page":160},{"id":4956,"text":"الطبريّ : لما يحدث في يوم. أ هـ {تفسير القرطبى حـ 4 صـ 51}\rوقال ابن عاشور : \rوقوله : { فكيف إذا جمعناهم ليوم لا ريب فيه } تفريع عن قوله : { وغرهم في دينهم } أي إذا كان ذلك غروراً فكيف حالهم أو جزاؤهم إذا جمعناهم ووفيناهم جزاءهم والاستفهام هنا مستعمل في التعجيب والتفظيع مجازاً.\r\"وكيف\" هنا خبر لمحذوف دل على نوعه السياق ، و{ إذا } ظرف منتصب بالذي عمِلَ في مظروفه : وهو ما في كيف من معنى الاستفهام التفظيعي كقولك : كيف أنت إذا لقيت العدوّ ، وسيجيء زيادة بيان لمثل هذا التركيب عند قوله تعالى : { فكيف إذا جئنا من كل أمة بشهيد } في سورة [ النساء : 41 ]. أ هـ {التحرير والتنوير حـ 3 صـ 66}\rوقال الطبرى : \rيعني بقوله جل ثناؤه : \"فكيف إذا جمعناهم\" ، فأيُّ حال يكون حالُ هؤلاء القوم الذين قالوا هذا القول ، وفعلوا ما فعلوا من إعراضهم عن كتاب الله ، واغترارهم بربهم ، وافترائهم الكذب ؟ وذلك من الله عز وجل وعيدٌ لهم شديد ، وتهديدٌ غليظٌ.\rوإنما يعني بقوله : \"فكيف إذا جمعناهم\" الآية : فما أعظم ما يلقوْن من عقوبة الله وتنكيله بهم ، إذا جمعهم ليوم يُوفَّى كلّ عامل جزاءَ عمله على قدر استحقاقه ، غير مظلوم فيه ، لأنه لا يعاقب فيه إلا على ما اجترم ، ولا يؤاخذُ إلا بما عمل ، يُجزَي المحسنُ بإحسانه ، والمسيء بإساءته ، لا يخاف أحدٌ من خلقه منه يومئذ ظلمًا ولا هضمًا.\rفإن قال قائل : وكيف قيل : \"فكيف إذا جمعناهم ليوم لا ريب فيه\" ، ولم يقل : في يوم لا رَيب فيه ؟ ","part":12,"page":161},{"id":4957,"text":"قيل : لمخالفة معنى\"اللام\" في هذا الموضع معنى \"في\". وذلك أنه لو كان مكان\"اللام\"\"في\" ، لكان معنى الكلام : فكيف إذا جمعناهم في يوم القيامة ، ماذا يكون لهم من العذاب والعقاب ؟ وليس ذلك المعنى في دخول\"اللام\" ، ولكن معناه مع\"اللام\" : فكيف إذا جمعناهم لما يحدُث في يوم لا ريب فيه ، ولما يكون في ذلك اليوم من فَصْل الله القضاءَ بين خلقه ، ماذا لهم حينئذ من العقاب وأليم العذاب ؟ فمع\"اللام\" في\"ليوم لا ريب فيه\" نيَّة فِعْل ، وخبرٌ مطلوب قد ترك ذكره ، أجزأت دلالةُ دخول\"اللام\" في\"اليوم\" عليه ، منه ، وليس ذلك مع\"في\" ، فلذلك اختيرت\"اللام\" فأدخلت في\"اليوم\" ، دون\"في\".\rوأما تأويل قوله : \"لا ريب فيه\" ، فإنه : لا شك في مجيئه. وقد دللنا على أنه كذلك بالأدلة الكافية ، مع ذكر من قال ذلك في تأويله فيما مضى ، بما أغنى عن إعادته.\rوعنى بقوله : \"ووُفِّيت\" ، ووَفَّى الله \"كلُّ نفس ما كسبت\" ، يعني : ما عملت من خير وشر \"وهم لا يظلمون\" ، يعني أنه لا يبخس المحسن جزاءَ إحسانه ، ولا يعاقب مسيئًا بغير جرمه. أ هـ {تفسير الطبرى حـ 6 صـ 294 ـ 295}","part":12,"page":162},{"id":4958,"text":"وقال الآلوسى : \r{ فَكَيْفَ } استعظام وتهويل وهدم لما استندوا إليه ، وكلمة الاستفهام في موضع نصب على الحال والعامل فيه محذوف أي كيف تكون حالهم أو كيف يصنعون أو كيف يكونون ، وجوز أن تكون خبراً لمبتدأ محذوف أي كيف حالهم ، وقولهم تعالى : { إِذَا جمعناهم } ظرف محض من غير تضمين شرط والعامل فيه العامل في ( كيف ) إن قدر أنها منصوبة بفعل مقدر ، وإن قلنا : إنها خبر لمبتدأ مضمر كان العامل في ( إذا ) ذلك المقدر أي كيف حالهم في وقت جمعهم { لِيَوْمِ } أي في يوم أو لجزاء يوم. { لاَ رَيْبَ فِيهِ } أي في وقوعه ووقوع ما فيه ، روي أنه أول راية ترفع لأهل الموقف من رايات الكفار راية اليهود فيفضحهم الله تعالى على رءوس الأشهاد ثم يأمر بهم إلى النار { وَوُفّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَّا كَسَبَتْ } أي ما عملت من خير أو شر ، والمراد جزاء ذلك إلا أنه أقيم المكسوب مقام جزائه إيذاناً بكمال الاتصال والتلازم بينهما حتى كأنهما شيء واحد { وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ } شيئاً فلا ينقصون من ثوابهم ولا يزادون في عذابهم بل يعطي كل منهم مقدار ما كسبه ، والضمير راجع إلى كل إنسان المشعر به كل نفس ، وكل يجوز مراعاة معناه فيجمع ضميره ووجه التذكير ظاهر. أ هـ {روح المعانى حـ 3 صـ 111 ـ 112}\rوقال ابن عطية : \rقال تعالى خطاباً لمحمد وأمته على جهة التوقيف والتعجيب فكيف حال هؤلاء المغترين بالأباطيل إذا حشروا يوما القيامة واضمحلت تلك الزخارف التي ادعوها في الدنيا وجوزوا بما اكتسبوه من كفرهم وأعمالهم القبيحة ؟ قال النقاش : واليوم الوقت ، وكذلك قوله : { في ستة أيام } [ الأعراف : 54 ] [ السجدة : 4 ] إنما هي عبارة عن أوقات فإنها الأيام والليالي والصحيح في يوم القيامة أنه يوم لأن قبله ليلة وفيه شمس ، واللام في قوله تعالى : { ليوم } طالبة لمحذوف ، قال الطبري تقديره لما يحدث في يوم . أ هـ {المحرر الوجيز حـ 1 صـ 416}","part":12,"page":163},{"id":4959,"text":"وقال العلامة أبو حيان : \r{ فكيف إذا جمعناهم ليوم لا ريب فيه } هذا تعجيب من حالهم ، واستعظام لعظم مقالتهم حين اختلفت مطامعهم ، وظهر كذب دعواهم ، إذ صاروا إلى عذاب ما لهم حيلة في دفعه ، كما قال تعالى : { تلك أمانيهم } هذا الكلام يقال عند التعظيم لحال الشيء ، فكيف إذا توفتهم الملائكة ؟ وقال الشاعر : \rفكيف بنفس ، كلما قلت : أشرفت . . .\rعلى البرء من دهماء ، هيض اندمالها\rوقال : \rفكيف ؟ وكلٌّ ليس يعدو حمامه . . .\rوما لامرىء عما قضى الله مرحلُ\rوانتصاب : فكيف ، قيل على الحال ، والتقدير : كيف يصنعون ؟ وقدره الحوفي : كيف يكون حالهم ؟ فإن أراد كان التامة كانت في موضع نصب على الحال ، وإن كانت الناقصة كانت في موضع نصب على خبر كان ، والأجود أن تكون في موضع رفع خبر لمبتدأ محذوف يدل عليه المعنى : التقدير : كيف حالهم ؟ والعامل في : إذا ، ذلك الفعل الذي قدره ، والعامل في : كيف ، إذا كانت خبراً عن المبتدأ إن قلنا إن انتصابها انتصاب الظروف ، وإن قلنا إنها اسم غير ظرف ، فيكون العامل في : إذا ، المبتدأ الذي قدرناه ، أي : فكيف حالهم في ذلك الوقت ؟ وهذا الاستفهام لا يحتاج إلى جواب ، وكذا أكثر استفهامات القرآن ، لأنها من عالم الشهادة ، وإنما استفهامه تعالى تقريع.\rواللام ، تتعلق : بجمعناهم ، والمعنى : لقضاء يوم وجزائه كقوله : \r{ إنك جامع الناس ليوم } قال النقاش : اليوم ، هنا الوقت ، وكذلك : { أياماً معدودات } و{ في يومين } و{ في أربعة أيام } إنما هي عبارة عن أوقات ، فإنما الأيام والليالي عندنا في الدنيا.\rوقال ابن عطية : الصحيح في يوم القيامة أنه يوم ، لأنه قبله ليلة وفيه شمس.\rومعنى : { لا ريب فيه } أي في نفس الأمر ، أو عند المؤمن ، أو عند المخبر عنه ، أو حين يجمعهم فيه ، أو معناه : الأمر خمسة أقوال. أ هـ {البحر المحيط حـ 2 صـ 435}","part":12,"page":164},{"id":4960,"text":"فائدة\rقال البيضاوى : \r{ وَوُفّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَّا كَسَبَتْ } جزاء ما كسبت. وفيه دليل على أن العبادة لا تحبط وأن المؤمن لا يخلد في النار ، لأن توفية إيمانه وعمله لا تكون في النار ولا قبل دخولها ، فإذن هي بعد الخلاص منها. أ هـ {تفسير البيضاوى حـ 2 صـ 22}\rمن لطائف الإمام القشيرى فى الآية\rهذه كلمة تعجب لما أخبر به عن تعظيم الأمر ، وتفخيم الشأن عند بهتة عقولهم ودهشة أسرارهم ، وانقطاع دواعيهم ، وانخلاع قلوبهم من مكامنها ، وتراقيها إلى تراقيهم ، ثم ما يلقونه من الحساب والعتاب ، والعذاب والعقاب ، وعدم الإكرام والإيجاب ، وما في هذا الباب.\rوقيامةُ الكفار يومَ الحشر ، وقيامة الأحباب في الوقت ، ولِشَرْحِ هذا تفسير طويل. أ هـ {لطائف الإشارات حـ 1 صـ 230}\rموعظة\rقال فى روح البيان : \rالواجب على من كان مؤمنا وليس من أهل البدع إن يحمد الله على ما هداه وجعله مسلما من الأمة الشريفة.\rولذا قيل من علامات سوء العاقبة أن لا يشكر العبد على ما هدى به من الإيمان والتوحيد.\rوأهل الغرور فى الدنيا مخدوع بهم فى الآخرة فليس لهم عناية رحمانية وإنما يقبل رجاء العبد إذا قارنه العمل والكاملون بعد أن بالغوا فى تزكية النفس ما زالوا يخافون من سوء العاقبة ويرجون رحمة الله فكيف بنا ونحن متورطون فى آبار الأوزار لا توبة لنا ولا استغفار غير العناد والإصرار\rقال الإمام الهمام محمد الغزالى رحمه الله فى منهاج العابدين مقدمات التوبة ثلاث.\rأحدها ذكر غاية قبح الذنوب.\rوالثانية ذكر غاية عقوبة الله تعالى وأليم سخطه وغضبه الذى لا طاقة لك به.\rوالثالثة ذكر ضعفك وقلة حيلتك فإن من لا يحتمل حر الشمس ولطمة شرطى وقرص نملة كيف يحتمل حر نار جهنم وضرب مقامع الزبانية ولسع حيات كأعناق البخت وعقارب كالبغال خلقت من النار فى دار الغضب والبوار نعوذ بالله نم سخطه وعذابه. أ هـ {روح البيان حـ 2 صـ 22 ـ 23}","part":12,"page":165},{"id":4961,"text":"قوله تعالى { قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (26)}\rمناسبة الآية لما قبلها\rقال البقاعى : \rولما أخبر تعالى أن الكفار سيغلبون وأنه ليس لهم من ناصرين كان حالهم مقتضياً لأن يقولوا : كيف ونحن أكثر من الحصى وأشد شكائم من ليوث الشرى ، فكيف نغلب ؟ أم كيف لا ينصر بعضنا بعضاً وفينا الملوك والأمراء والأكابر والرؤساء ومناوونا القليل الضعفاء ، أهل الأرض الغبراء ، وأولو البأساء والضراء ، فقال تعالى لينتبه الراقدون من فرش الغفلات المتقلبون في فلوات البلادات من تلهيهم بما رأوا وسمعوا من نزع الملك من أقوى الناس وإعطائه لأضعفهم فيعلموا أن الذي من شأنه أن يفعل ذلك مع بعض أعدائه جدير بأن يفعل أضعافه لأوليائه : {قل اللهم} قال الحرالي : ولما كان هذا الأمر نبوة ثم خلافة ثم ملكاً فانتظم بما تقدم من أول السورة أمر النبوة في التنزيل والإنزال ، وأمر الخلافة في ذكر الراسخين في العلم الذين يقولون : \r{ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا} [ آل عمران : 8 ] ، وكانت من هجيري أبي بكر رضي الله تعالى عنه ، يقنت بها في وتر صلاة النهار في آخر ركعة من المغرب - انتظم برؤوس تلك المعاني ذكر الملك الذي آتى الله هذه الأمة ، وخص به من لاق به الملك ، كما خص بالخلافة من صلحت له الخلافة ، كما تعين للنبوة الخاتمة من لا يحملها سواه - انتهى ؛ فقال : {قل} أي يا محمد أو يا من آمن بنا مخاطباً لإلهك مسمعاً لهم ومعرضاً عنهم ومنبهاً لهم من سكرات غفلاتهم في إقبالهم على ملوك لا شيء في أيديهم ، وإعراضهم عن هذا الملك الأعظم الذي بيده كل شيء.","part":12,"page":166},{"id":4962,"text":"قال الحرالي : لعلو منزل هذه السورة كثر الإقبال فيها بالخطاب على النبي صلى الله عليه وسلم وجعل القائل لما كانت المجاورة معه ، لأن منزل القرآن ما كان منه لإصلاح ما بين الخلق وربهم يجيء الخطاب فيه من الله سبحانه وتعالى إليهم مواجهة حتى ينتهي إلى الإعراض عند إباء من يأبى منهم ، وما كان لإصلاح ما بين الأمة ونبيها يجري الله الخطاب فيه على لسانه من حيث توجههم بالمجاورة إليه ، فإذا قالوا قولاً يقصدونه به قال الله عز وجل : قل لهم ، ولكون القرآن متلواً ثبتت فيه كلمة قل - انتهى.\r{اللهم مالك الملك} أي لا يملك شيئاً منه غيرك.","part":12,"page":167},{"id":4963,"text":"قال الحرالي : فأقنعه صلى الله عليه وسلم ملك ربه ، فمن كان منه ومن آله وخلفائه وصحابته يكون من إسلامه وجهه لربه إسلام الملك كله الذي منه شرف الدنيا لله ، فلذلك لم يكن صلى الله عليه وسلم يتظاهر بالملك ولا يأخذه مآخذه ، لأنه كان نبياً عبداً ، لا نبياً ملكاً ، فأسلم الملك لله ، كذلك خلفاؤه أسلموا الملك لله فلبسوا الخلقان والمرقعات واقتصروا على شظف العيش ، ولانوا في الحق ، وحملوا جفاء الغريب ، واتبعوا اثره في العبودية ، فأسلموا الملك لله سبحانه وتعالى ، ولم ينازعوه شيئاً منه ، حمل عمر رضي الله تعالى عنه قربة على ظهره في زمن خلافته حتى سكبها في دار امرآة من الأنصار في أقصى المدينة ، فلما جاء الله بزمن الملك واستوفيت أيام الخلافة عقب وفاء زمان النبوة أظهر الله سبحانه وتعالى الملك في أمة محمد صلى الله عليه وسلم ، وكما خصص بالنبوة والإمامة بيت محمد وآل محمد صلى الله عليه وسلم وخصص بالخلافة فقراء المهاجرين خصص بالملك الطلقاء الذين كانوا عتقاء الله ورسوله ، لينال كل من رحمة الله وفضله ، التي ولى جميعها نبيه صلى الله عليه وسلم كلَّ طائفة على قدر قربهم منه ، حتى اختص بالتقدم قريشاً ما كانت ، ثم العرب ما كانت إلى ما صار له الأمر بعد الملك من سلطنة وتجبر إلى ما يصير إليه من دجل كل ذلك مخول لمن يخوله بحسب القرب والبعد منه {تؤتي الملك من تشآء} في الإيتاء إشعار بأنه تنوبل من الله من غير قوة وغلبة ولا مطاولة فيه وفي التعبير بمن العامة للعقلاء إشعار بمنال الملك من لم يكن من أهله وأخص الناس بالبعد منه العرب ، ففيه إشعار بأن الله ينول ملك فارس والروم العرب كما وقع منه ما وقع ، وينتهي منه ما بقي إلى من نال الملك بسببها وعن الاستناد إليها من سائر الأمم الذين دخلوا في هذه الأمة من قبائل الأعاجم وصنوف أهل الأقطار حتى ينتهي الأمر إلى أن يسلب الله الملك جميع أهل الأرض ، فيعيده إلى إمام العرب الخاتم","part":12,"page":168},{"id":4964,"text":"للهداية من ذريته ختمه صلى الله عليه وسلم للنبوة من ذرية آدم ، ويؤتيهم من المكنة ، كما قال صلى الله عليه وسلم : \" لو شاء أحدهم أن يسير من المشرق إلى المغرب في خطوة لفعل \" ومع ذلك فليسوا من الدنيا وليست الدنيا منهم ، فيؤتيهم الله ملكاً من ملكه - ظاهر هداية من هداه ، شأفة عن سره الذي يستعلن به في خاتمة يوم الدنيا ليتصل بظهوره ملك يوم الدين ، والملك التلبس بشرف الدنيا والاستئثار بخيرها ؛ قال أبو بكر لعمر رضي الله تعالى عنهما في وصيته : إذا جنيت فلتهجر يدك فاك حتى يشبع من جنيت له ، فإن نازعتك نفسك في مشاركتهم فشاركهم غير مستأثر عليهم ، وإياك والذخيرة! فإن الذخيرة تهلك دين الإمام وتسفك دمه ، فالملك التباس بشرف الدنيا واستئثار بخيرها واتخاذ ذخيرة منها.\rلما أرادوا أن يغيروا على عمر رضي الله تعالى عنه زيه عند إقباله على بيت المقدس نبذ زيهم وقال : إنا قوم أعزنا الله بالإسلام! فلن نلتمس العزة بغيره.","part":12,"page":169},{"id":4965,"text":"فمن التمس الشرف بجاه الدنيا فهو ملك بقدر ما يلتمس من شرفها قل ذلك الحظ أو جل ، وهو به من أتباع ملوك الدنيا ، وكذلك من التمس الاستئثار بخيرها واتخذ الذخيرة منها ، كل ينال من الملك ويكون من شيعة الملوك بحسب ما ينال ويحب من ذلك حتى ينتهي إلى حشره مع الصنف الذي يميل إليه ، فمن تذلل وتقلل وتوكل بعث مع الأنبياء والمرسلين والخلفاء ، كما أن من تشرف بالدنيا واستأثر وادخر منها حشر مع الملوك والسلاطين ؛ جلس عمر رضي الله تعالى عنه يوماً وسلمان وكعب وجماعة رضي الله تعالى عنهم فقال : أخبروني أخليفة أنا أم ملك ؟ فقال له سلمان رضي الله عنه : يا أمير المؤمنين! إن جبيت درهماً من هذا المال فوضعته في غيره حقه فأنت ملك ، وإن لم تضعه إلا في حقه فأنت خليفة ، فقال كعب : رحم الله تعالى! ما ظننت أن أحداً يعرف الفرق بين الخليفة والملك غيري ، فالتزام مرارة العدل وإيثار الغير خلافة وتشيع في سبيلها ، ومنال حلاوة الاستئثار بالعاجلة شرفها ومالها ملك وتحيز لتباعه - انتهى.\rوفي تقديم الإيتاء على النزع إشارة إلى أن الداعي ينبغي أن يبدأ بالترغيب {وتنزع} قال الحرالي : من النزع ، وهو الأخذ بشدة وبطش - انتهى.","part":12,"page":170},{"id":4966,"text":"{الملك ممن تشآء} وفيه إشارة إلى إن الدعاء باللين إن لم يجدِ ثني بالترهيب ، وعلى هذا المنوال أبرز قوله : {وتعز من تشآء} أي إعزازه {وتذل من تشآء} أي إذلاله ، وهو كما قال : \" إن رحمتي سبقت غضبي \" قال الحرالي : وفي كلمة النزع بما ينبىء عنه من البطش والقوة ما يناسب معنى الإيتاء ، فهو إيتاء للعرب ونزع من العجم ، كما ورد أن كسرى رأى في منامه أنه يقال له : سلم ما بيدك لصاحب الهراوة ، فنزع مُلكَ المولك من الأكاسرة والقياصرة وخوّله قريشاً ومن قام بأمرها وانتحل الملك باسمها من صنوف الأمم غرباً وشرقاً وجنوباً وشمالاً ، إلى ما يتم به الأمر في الختم ، والعز - والله سبحانه وتعالى أعلم - عزة الله سبحانه وتعالى : {ولله العزة ولرسوله وللمؤمنين} [ المنافقون : 8 ] ليكون في الخطاب إنباء بشرى لهم أنه أتاهم من العز بالدين ما هو خير من الشرف بملك الدنيا {من كان يريد العزة فللّه العزة جميعاً} [ فاطر : 10 ] فالملوك وإن تشرفوا بملك الدنيا فليس لهم من عزة الدين شيء ، أعزهم الله سبحانه وتعالى بالدين ، تخدمهم الأحرار وتتوطد لهم الأمصار ، لا يجدون وحشة ، ولا يحصرون في محل ، ولا تسقط لهم حرمة حيث ما حلوا وحيث ما كانوا استتروا أو اشتهروا ، والمتلبسون بالملك لا يخدمهم إلا من استرقوه قهراً ، يملكون تصنع الخلق ولا يملكون محاب قلوبهم ، محصورون في أقطار ممالكهم ، لا يخرجون عنها ولا ينتقلون منها حتى يمنعهم من كمال الدين ، فلا ينصرفون في الأرض ولا يضربون فيها ، حتى يمتنع ملوك من الحج مخافة نيل الذل في غير موطن الملك ، والله عز وجل يقول : \" إن عبداً أصححت له جسمه ، وأوسعت عليه في رزقه ، يقيم خمسة أعوام لا يفد على المحروم \" فالملوك مملوكون بما ملكوا ، وأعزاء الله ممكنون فيما إليه وجهوا ، لا يصدهم عن تكملة أمر الدين وإصلاح أمر الآخرة صادّ ، ولا يردهم عنه راد لخروجهم من سجن الملك إلى سعة العز بعزة الله سبحان وتعالى","part":12,"page":171},{"id":4967,"text":" ، فقارض الله أهل بيت نبيه صلى الله عليه وسلم ورضي عنهم ، ولم يرضه للملك بعز الإمامة ورفعة الولاية والاستيلاء على محاب القلوب فاسترعاهم الله قلوب العالمين بما استرعى الملوك بعض حواس المستخدمين والمستتبعين ، والذل مقابل ذلك العزة ، فإذا كان ذلك العز عزاً دينياً ربانياً عوضاً عن سلب الملك كان هذا الذل - والله تعالى أعلم - ذل أهل الدنيا في دنياهم الذي ألزمهم سبحانه وتعالى إياه بما أذلتهم أنفسهم ، فاستعملتهم في شواتها وأذلهم أتباعهم فتوسلوا بهم إلى قضاء أغراضهم في أهوائهم ، ويستذلهم من يظلمونه بما ينتصفون منهم ، وينالهم من ذل تضييع الدين ، ويبدو على وجوههم من ظلمة الظلم ما يشهد ذلهم فيه أبصار العارفين - انتهى.\rولعل نصارى نجران أشد قصداً بهذا الخطاب ، فإنهم خافوا أن ينزع منه ملوك الروم ما خولوهم فيه من الدنيا إن أخبروا بما يعلمون من أمر هذا النبي الأمي صلى الله عليه وسلم.\rولما تقرر أنه مالك لما تقدم أنتج أن له التصرف المطلق فعبر عنه بقوله : {بيدك} أي وحدك {الخير} ولم يذكر الشر تعليماً لعباده الأدب في خطابه ، وترغيباً لهم في الإقبال عليه والإعراض عما سواه ، لأن العادة جارية بأن الناس أسرع شيء إلى معطي النوال وباذل الأموال ، وتنبيهاً على أن الشر أهل للإعراض عن كل شيء من أمره حتى عن مجرد ذكره وإخطاره بالبال ، مع أن الاقتصار على الخير يملك الخير كله مستلزم لمثل ذلك في الشر ، لأنهما ضدان ، كل منهما مساوٍ لنقيض الآخر ، فإثبات أحدهما نفي للآخر ونفيه إثبات للآخر ، فلا يعطى الخير إلا وقد نفي الشر ، ولا ينزع الخير إلا وقد وضع الشر - والله سبحانه وتعالى أعلم.\rولما أفهم أن الشر بيده كما أعلم أن الخير بيده وخاص به قرر ذلك على وجه أعم بقوله معللاً : {إنك على كل شيء قدير }. أ هـ {نظم الدرر حـ 2 صـ 51 ـ 55}\rوقال الفخر : ","part":12,"page":172},{"id":4968,"text":"اعلم أنه تعالى لما ذكر دلائل التوحيد والنبوّة ، وصحة دين الإسلام ، ثم قال لرسوله {فَإنْ حَاجُّوكَ فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِىَ للَّهِ وَمَنِ اتبعن} [ آل عمران : 20 ] ثم ذكر من صفات المخالفين كفرهم بالله ، وقتلهم الأنبياء والصالحين بغير حق ، وذكر شدة عنادهم وتمردهم في قوله {أَلَمْ تَرَ إِلَى الذين أُوتُواْ نَصِيبًا مّنَ الكتاب} [ آل عمران : 23 ] ثم ذكر شدة غرورهم بقوله {لَن تَمَسَّنَا النار إِلا أَيَّامًا معدودات} [ آل عمران : 24 ] ثم ذكر وعيدهم بقوله {فَكَيْفَ إِذَا جمعناهم لِيَوْمٍ لاَّ رَيْبَ فِيهِ} [ آل عمران : 25 ] أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بدعاء وتمجيد يدل على مباينة طريقه وطريق أتباعه ، لطريقة هؤلاء الكافرين المعاندين المعرضين ، فقال معلماً نبيّه كيف يمجّد ويعظم ويدعو ويطلب {قُلِ اللهم مالك الملك}. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 8 صـ 3}\rوقال ابن عاشور : \r{قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ}\rاستئناف ابتدائي المقصود منه التعريض بأهل الكتاب بأن أعراضهم إنما هو حسد على زوال النبوة منهم ، وانقراض الملك منهم ، بتهديدهم وبإقامة الحجة عليهم في أنه لا عجب أنت تنتقل النبوة من بني إسرائيل إلى العرب ، مع الإيماء إلى أن الشريعة الإسلامية شريعة مقارنة للسلطان والملك. أ هـ {التحرير والتنوير حـ 3 صـ 67}\rوقال الآلوسى : \r{ قُلِ اللهم مالك الملك } تأكيد لما تشعر به الآية السابقة من مزيد عظمته تعالى وعظيم قدرته ؛ وفيه أيضاً إفحام لمن كذب النبي صلى الله عليه وسلم ورد عليه لاسيما المنافقين الذين هم أسوأ حالاً من اليهود والنصارى ، وبشارة له صلى الله عليه وسلم بالغلبة الحسية على من خالفه كغلبته بالحجة على من جادله ، وبهذا تنتظم هذه الآية الكريمة بما قبلها. أ هـ {روح المعانى حـ 3 صـ 112}\rفصل\rقال الفخر : ","part":12,"page":173},{"id":4969,"text":"اختلف النحويون في قوله {اللهم} فقال الخليل وسيبويه {اللهم} معناه : يا الله ، والميم المشددة عوض من يا ، وقال الفرّاء : كان أصلها ، يا الله أم بخير : فلما كثر في الكلام حذفوا حرف النداء ، وحذفوا الهمزة من : أم ، فصار {اللهم} ونظيره قول العرب : هلم ، والأصل : هل ، فضم : أم إليها ، حجة الأولين على فساد قول الفرّاء وجوه\rالأول : لو كان الأمر على ما قاله الفراء لما صحّ أن يقال : اللّهم افعل كذا إلا بحرف العطف ، لأن التقدير : يا الله أمنا واغفر لنا ، ولم نجد أحداً يذكر هذا الحرف العاطف\rوالثاني : وهو حجة الزجاج أنه لو كان الأمر كما قال ، لجاز أن يتكلم به على أصله ، فيقال ( الله أم ) كما يقال ( ويلم ) ثم يتكلم به على الأصل فيقال ( وَيْلٌ أُمُّهُ )\rالثالث : لو كان الأمر على ما قاله الفراء لكان حرف النداء محذوفاً ، فكان يجوز أن يقال : يا اللّهم ، فلما لم يكن هذا جائزاً علمنا فساد قول الفراء بل نقول : كان يجب أن يكون حرف النداء لازماً ، كما يقال : يا الله اغفر لي ، \rوأجاب الفراء عن هذه الوجوه ، فقال : أما الأول فضعيف ، لأن قوله ( يا الله أم ) معناه : يا الله اقصد ، فلو قال : واغفر لكان المعطوف مغايراً للمعطوف عليه فحينئذ يصير السؤال سؤالين أحدهما : قوله {أمنا}\rوالثاني : قوله {واغفر لَنَا} [ البقرة : 286 ] أما إذا حذفنا العطف صار قوله : اغفر لنا تفسيراً لقوله : أمنا.\rفكان المطلوب في الحالين شيئاً واحداً فكان ذلك آكد ، ونظائره كثيرة في القرآن ، \rوأما الثاني فضعيف أيضاً ، لأن أصله عندنا أن يقال : يا الله أمنا.","part":12,"page":174},{"id":4970,"text":"ومن الذي ينكر جواز التكلم بذلك ، وأيضاً فلأن كثيراً من الألفاظ لا يجوز فيها إقامة الفرع مقام الأصل ، ألا ترى أن مذهب الخليل وسيبويه أن قوله : ما أكرمه ، معناه أي شيء أكرمه ثم إنه قط لا يستعمل هذا الكلام الذي زعموا أنه الأصل في معرض التعجب فكذا ههنا ، وأما الثالث : فمن الذي سلم لكم أنه لا يجوز أن يقالّ : يا اللّهم وأنشد الفرّاء : \rوأما عليك أن تقولي كلما.. سبحت أو صليت يا اللّهما\rوقول البصريين : إن هذا الشعر غير معروف ، فحاصله تكذيب النقل ، ولو فتحنا هذا الباب لم يبق شيء من اللغة والنحو سليماً عن الطعن ، وأما قوله : كان يلزم أن يكون ذكر حرف النداء لازماً فجوابه أنه قد يحذف حرف النداء كقوله {يُوسُفُ أَيُّهَا الصديق أَفْتِنَا} [ يوسف : 46 ] فلا يبعد أن يختص هذا الاسم بإلزام هذا الحذف ، ثم احتج الفراء على فساد قول البصريين من وجوه\rالأول : أنا لو جعلنا الميم قائماً مقام حرف النداء لكنا قد أخرنا النداء عن ذكر المنادى ، وهذا غير جائز ألبتة ، فإنه لا يقال ألبتة ( الله يا ) وعلى قولكم يكون الأمر كذلك\rالثاني : لو كان هذا الحرف قائماً مقام النداء لجاز مثله في سائر الأسماء ، حتى يقال : زيدم وبكرم ، كما يجوز أن يقال : يا زيد ويا بكر\rوالثالث : لو كان الميم بدلاً عن حرف النداء لما اجتمعا ، لكنهما اجتمعا في الشعر الذي رويناه\rالرابع : لم نجد العرب يزيدون هذه المييم في الأسماء التامة لإفادة معنى بعض الحروف المباينة للكلمة الداخلة عليها ، فكان المصير إليه في هذه اللفظة الواحدة حكماً على خلاف الاستقراء العام في اللغة وأنه غير جائز ، فهذا جملة الكلام في هذا الموضع. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 8 صـ 3 ـ 4}\rوقال ابن عادل : \rقوله : \" اللَّهُمَّ \" اختلف البصريون والكوفيون في هذه اللفظةِ.","part":12,"page":175},{"id":4971,"text":"قال البصريون : الأصل : يا الله ، فحُذِفَ حَرْفُ النداءِ ، وعُوِّضَ عنه هذه الميمُ المشددة ، وهذا خاصٌّ بهذا الاسم الشريف ، فلا يجوز تعويضُ الميم من حرف النداء في غيره ، واستدلوا على أنها عِوَضٌ من \" يا \" بأنهم لم يجمعوا بينهما إلا في ضرورة الشعر ، كقوله : [ الرجز ]\rوَمَا عَلَيْكِ أنْ تَقُولِي كُلَّمَا... سَبَّحْتِ أوْ هَلَّلْتِ يَا اللَّهُمَّ مَا\rأُرْدُدْ عَلَيْنَا شَيْخَنَا مُسَلَّمَا... فَإنَّنَا مِنْ خَيْرِهِ لَنْ نُعْدَمَا\rوقَوْلِ الآخر : [ الرجز ]\rإنِّي إذَا مَا حَدَث ألَمَّا... أقُولُ : يَا اللَّهُمَّ ، يَا اللَّهُمَّا\rوقال الكوفيون : الميم المشددة بَقِيَّةُ فِعْل محذوفٍ ، تقديره : أمَّنَا بخير ، أي : اقْصِدنا به ، من قولك : أمَمْتُ زيداً ، أي : قصدته ، ومنه : { ولاا آمِّينَ البيت الحرام } [ المائدة : 2 ] أي : قاصديه ، وعلى هذا فالجمع بين \" يا \" والميم ليس بضرورةٍ عندهم ، وليست عوضاً منها.\rوقد رَدَّ عليهمُ البصريون هذا بأنه قد سُمِعَ : اللهمَّ أمَّنا بخير ، وقال تعالى : { اللهم إِن كَانَ هذا هُوَ الحق مِنْ عِندِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً } [ الأنفالِ : 32 ] فقد صرَّح بالمدعُوِّ به ، فلو كانت الميمُ بقيةَ \" أمَّنَا \" لفسد المعنى ، فبان بُطْلانهُ.\rوهذا من الأسماء التي لزمت النداءَ ، فلا يجوز أن يقع في غيره ، وقد وقع في ضرورة الشعر كونه فاعلاً ، أنشد الفرّاء : [ مخلّع البسيط ]\rكَحَلْقَةٍ مِنْ أبِي دِثَارٍ... يَسْمضعُهَا اللَّهُمَ الْكُبَارُ\rاستعمله - هاهنا - فاعلاً بقوله : يسمعها.\rولا يجوز تخفيفُ الميم ، وجوَّزه الفراء ، وأنشد البيت : بتخفيف الميم ؛ إذ لا يمكن استقامةُ الوزن إلا بذلك.\rقال بعضهم : هذا خطأ فاحشٌ ، وذلك لأن الميم بقية \" أمَّنَا \" - على رأي الفراء - فكيف يجوزه الفراء ؟ وأجاب عن البيت بأن الرواية ليست كذلك ، بل الرواية : [ مخلّع البسيط ]","part":12,"page":176},{"id":4972,"text":"..................................... يَسْمَعُهَا لاَهُهُ الْكُبَارُ\rقال شهابُ الدينِ : \" وهذا لا يعارِض الرواية الأخرى ؛ فإنه كما صحّت هذه صحت تلك \".\rورد الزّجّاج مذهب الفراء بأنه لو كان الأصل : يا الله آمَّنا للفْظِ به مُنَبِّهاً على الأصل ، كما قالوا - في وَيلمِّهِ - : وَيْلٌ لأمِّهِ.\rوردوا مذهب الفراءِ - أيضاً - بأنه يلزم منه جواز أن تقول : يا اللهم ، ولما لم يَجُزْ ذلك علمنا فساد قولِ الفراءِ ، بل نقول : كان يجب أن يكون حرف النداء لازماً ، كما يقال : يا الله اغفر لي ، وأجاب الفراء عن قول الزَّجَّاجِ بأن أصله - عندنا - أن يقال : يا الله أمَّنا - ومن يُنْكِر جوازَ التكلم بذلك- ؟ وأيضاً فلأن كثيراً من الألفاظ لا يجوز فيها إقامةُ الفرع مُقامَ الأصل ، ألا ترى أنَّ مذهب الخليل وسيبويه أن \" ما أكرمه \" معناه : شيء أكرمه ، ثم إنه - قط - لا يُسْتَعْمَل هذا الكلام - الذي زعموا أنه هو الأصل - في معرض التعجُّب ، فكذا هنا.\rوأجاب عن الرد الثاني بقوله : مَن الذي يُسَلِّم لكم أنه لا يجوز أن يقال : يا اللهمَّ ، وأنشد قول الراجز المتقدم يا اللّهمّ ، وقول البصريين : هذا الشعر غير معروف ، فحاصله تكذيب النقل ، ولو فتحنا هذا البابَ لم يَبْقَ من اللغة والنحو شيءٌ سَلِيماً من الطعن.\rوقولهم : كان يلزم ذكر حرف النداء ، فقد يُحْذَف حرف النداءِ ، كقوله : { يُوسُفُ أَيُّهَا الصديق } [ يوسف : 46 ] فلا يبعد أن يُخَصَّ هذا الاسم بالتزام الحذف.\rواحتج الفراء على فساد قول البصريين بوجوه : \rأحدها : أنا لو جعلنا الميم قائماً مقام حرف النداء ، لكنا قد أجزنا تأخير حرف النداء عن ذكر المنادى فيقال : الله يا ، وهذا لا يجوز ألبتة.\rثانيها : لو كان هذا الحرف قائماً مقام النداء لجاز مثلُه في سائر الأسماءِ ، فيقال : زيدُمَّ ، وبكرُمَّ كما يجوز يا زيد ، يا بَكر.","part":12,"page":177},{"id":4973,"text":"ثالثها : لو كانت الميم بدلاً عن حرف النداء لما اجتمعا ، لكنهما اجتمعا في الشعر الذي رويناه.\rومن أحكام هذه اللفظة أنها كثر دورها ، حتى حذفت منها الألف واللام - في قولهم : لا هُمَّ - أي : اللهم.\rقال الشاعرُ : [ الراجز ]\rلاهُمَّ إنَّ عَامِرَ بْنَ جَهْمِ... أحْرَمَ حَجًّا فِي ثِيَابٍ دُسْمِ\rوقال آخرُ : [ الرجز ]\rلاهُمَّ إنَّ جُرْهُماً عِبَادُكَا... النَّاسُ طُرْقٌ وَهُمْ بِلادُكَا. أ هـ {تفسير ابن عادل حـ 5 صـ 122 ـ 124}\rفصل\rقال الفخر : \r{مالك الملك} في نصبه وجهان\rالأول : وهو قول سيبويه أنه منصوب على النداء ، وكذلك قوله {قُلِ اللهم فَاطِرَ السموات والأرض} [ الزمر : 46 ] ولا يجوز أن يكون نعتاً لقوله {اللهم} لأن قولنا {اللهم} مجموع الاسم والحرف ، وهذا المجموع لا يمكن وصفه\rوالثاني : وهو قول المبرد والزجاج أن {مالك} وصف للمنادى المفرد ، لأن هذا الاسم ومعه الميم بمنزلته ومعه ( يا ) ولا يمتنع الصفة مع الميم ، كما لا يمتنع مع الياء. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 8 صـ 4}\rوقال ابن عادل : \rقوله : { مَالِكَ الملك } فيه أوجه : \rأحدها : أنه بدل من \" اللَّهُمَّ \".\rالثاني : أنه عطف بيان.\rالثالث : أنه منادًى ثانٍ ، حُذِف منه حرف النداء ، أي : يا مالكَ الملك ، وهذا هو البدل في الحقيقة ؛ إذ البدل على نية تكرار العامل ؛ إلا أن الفرق أن هذا ليس بتابعٍ.\rالرابع : أنه نعت لـ \" اللَّهُمَّ \" على الموضع ، فلذلك نُصِبَ ، وهذا ليس مذهبَ سيبويه ؛ لأنه لا يُجيز نعتَ هذه اللفظة ؛ لوجود الميم في آخرها ؛ لأنها أخرجتها عن نظائِرها من الأسماء ، وأجاز المبرّدُ ذلك ، واختارَه الزّجّاج ، قالا : لأن الميم بدل من \" يا \" والمنادى مع \" يا \" لا يمتنع وصفه ، فكذا مع ما هو عوضٌ منها ، وأيضاً فإن الاسمَ لم يتغير عن حكمه ؛ ألا ترى إلى بقائه مبنيًّا على الضم كما كان مبنيًّا مع \" يا \".","part":12,"page":178},{"id":4974,"text":"وانتصر الفارسيّ لسيبويه ، بأنه ليس في الأسماء الموصوفة شيء على حد \" اللَّهُمَّ \" ، فإذا خالف ما عليه الأسماء الموصوفة ، ودخل في حيِّز ما لا يوصَف من الأصوات ، وجب أن لا يُوصف. والأسماء المناداة ، المفردة ، المعرفة ، القياس أن لا تُوصَف - كما ذهب إليه بعضُ الناسِ ؛ لأنها واقعة موقع ما لا يوصف وكما أنه لما وقع موقع ما لا ذهب إليه بعضُ الناسِ ؛ لأنها واقعة موضع ما لا يوصف وكما أنه لما موقع ما لا يعرب لم يعرب ، كذلك لما وقع موقع ما لا يوصف لم يوصف ، فأما قوله : [ الرجز ]\rيا حَكَمث الْوَارِثُ عَنْ عَبْدِ الْمَلِكْ... [ وقوله ] : [ الرجز ]\rيَا حَكَمُ بْنِ الْمُنْذِرِ بْنِ الْجَارُودْ... سُرَادِقُ الْمَجْدِ عَلَيْكَ مَمْدُودْ\rوقوله : [ الوافر ]\rفَمَا كَعْبُ بْنُ مَامَةَ وَابْنُ سُعْدَى... بِأجْوَدَ مِنْكَ يَا عُمَرَ الجَوادَا\rفإن الأول على أنت.\rوالثاني على نداء ثانٍ\rوالثالث : على إضمار أعني.\rفلما كان هذا الاسم الأصل فيه أن لا يوصَف ؛ لما ذكرنا ، كان \" اللهم \" أولى أن لا يوصَف ، لأنه قبل ضَمِّ الميم إليه واقعٌ موقع ما لا يوصف ، فلما ضُمَّت إليه الميم صِيغ معها صياغةً مخصوصةً فصال حكمه حكم الأصواب ، وحكم الأصوات أن لا توصف نحو غاقٍ ، وهذا - مع ما ضُمَّ إليه من الميم - بمنزلة صوت مضمومٍ إلى صوتٍ نحو حَيَّهَلْ ، فحقه أن لا يوصَف ، كما لا يوصَف حيَّهَلْ.\rقال شهابُ الدينِ : \" هذا ما انتصر به أبو علي لسيبويه ، وإن كان لا ينتهض مانعاً \". أ هـ {تفسير ابن عادل حـ 5 صـ 124 ـ 126}\rفصل فى سبب نزول الآية\rقال الآلوسى : ","part":12,"page":179},{"id":4975,"text":"روى الواحدي عن ابن عباس وأنس بن مالك أنه لما افتتح رسول الله صلى الله عليه وسلم مكة وعد أمته ملك فارس والروم قالت المنافقون واليهود : هيهات هيهات من أين لمحمد ملك فارس والروم هم أعز وأمنع من ذلك ألم يكف محمداً مكة والمدينة حتى يطمع في ملك فارس والروم ؟ فأنزل الله تعالى هذه الآية. وروى أبو الحسن الثعالبي عن كثير بن عبد الله بن عمرو بن عوف قال : حدثني أبي عن أبيه قال : خط رسول الله صلى الله عليه وسلم الخندق عام الأحزاب ثم قطع لكل عشرة أربعين ذراعاً قال عمرو بن عوف : كنت أنا وسلمان الفارسي وحذيفة والنعمان بن مقرن المزني ، وستة من الأنصار في أربعين ذراعاً فحفرنا فأخرج الله تعالى من بطن الخندق صخرة مدورة كسرت حديدنا وشقت علينا فقلنا : يا سلمان إرق إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وأخبره خبر هذه الصخرة فإما أن نعدل عنها أو يأمرنا فيها بأمره فإنا لا نحب أن نجاوز خطه قال : فرقى سلمان إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو ضارب عليه قبة تركية فقال : يا رسول الله خرجت صخرة بيضاء مدورة من بطن الخندق وكسرت حديدنا وشقت علينا حتى يحتك فيها قليل ولا كثير فمرنا فيها بأمر فإنا لا نحب أن نجاوز خطك فهبط رسول الله صلى الله عليه وسلم مع سلمان الخندق والتسعة على شفير الخندق فأخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم المعول من سلمان فضربها ضربة صدعها وبرق منها برق أضاء ما بين لابتيها حتى لكأن مصباحاً في جوف بيت مظلم وكبر رسول الله صلى الله عليه وسلم تكبير فتح فكبر المسلمون ثم ضربها صلى الله عليه وسلم الثانية فبرق منها برق أضاء ما بين لابتيها حتى لكأن مصباحاً في جوف بيت مظلم وكبر صلى الله عليه وسلم تكبير فتح وكبر المسلمون ثم ضربها عليه الصلاة والسلام الثالثة فكسرها وبرق منها برق كذلك فكبر صلى الله عليه وسلم تكبير فتح وكبر المسلمون وأخذ بيد سلمان ورقي فقال : سلمان بأبي أنت وأمي يا رسول الله لقد رأيت شيئاً ما","part":12,"page":180},{"id":4976,"text":"رأيت مثله قط فالتفت رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى القوم فقال : رأيتم ما يقول سلمان ؟ قالوا نعم يا رسول الله قال : ضربت ضربتي الأولى فبرق لي الذي رأيتم أضاءت لي منها قصور الحيرة ومدائن كسرى كأنها أنياب الكلاب فأخبرني جبريل أن أمتي ظاهرة عليها ثم ضربت الثانية فبرق لي الذي رأيتم أضاءت لي منها القصور الحمر من أرض الروح كأنها أنياب الكلاب وأخبرني جبريل أن أمتي ظاهرة عليها ثم ضربت ضربتي الثالثة فبرق لي الذي رأيتم أضاءت لي منها قصور صنعاء كأنها أنياب الكلام وأخبرني جبريل أن أمتي ظاهرة عليها فأبشروا فاستبشر المسلمون وقالوا : الحمد لله موعد صدق وعدنا النصر بعد الحفر فقال المنافقون : ألا تعجبون ويعدكم الباطل ويخبركم أنه يبصر من يثرب قصور الحيرة ومدائن كسرى وأنها تفتح لكم وأنتم إنما تحفرون الخندق من الفرق لا تستطيعون أن تبرزوا للقتال فأنزل الله تعالى القرآن : { وَإِذْ يَقُولُ المنافقون والذين فِى قُلُوبِهِم مَّرَضٌ مَّا وَعَدَنَا الله وَرَسُولُهُ إِلاَّ غُرُوراً } [ الأحزاب : 12 ] وأنزل هذه الآية { قُلِ اللهم }. أ هـ {روح المعانى حـ 3 صـ 113}","part":12,"page":181},{"id":4977,"text":"وقال الفخر : \rروي أن النبي صلى الله عليه وسلم حين افتتح مكة وعد أمته ملك فارس والروم ، فقال المنافقون واليهود : هيهات هيهات من أين لمحمد ملك فارس والروم ، وهم أعز وأمنع من ذلك ، وروي أنه عليه الصلاة والسلام لما خط الخندق عام الأحزاب ، وقطع لكل عشرة أربعين ذراعاً ، وأخذوا يحفرون خرج من بطن الخندق صخرة كالتل العظيم لم تعمل فيها المعاول ، فوجهوا سلمان إلى النبي صلى الله عليه وسلم فخبره ، فأخذ المعول من سلمان فلما ضربها ضرب صدعها وبرق منها برق أضاء ما بين لابتيها كأنه مصباح في جوف ليل مظلم ، فكبّر وكبر المسلمون ، وقال عليه الصلاة والسلام : \" أضاءت لي منها قصور الحيرة كأنها أنياب الكلاب \" ثم ضرب الثانية ، فقال : \" أضاءت لي منها القصور الحمر من أرض الروم \"\rثم ضرب الثالثة فقال : \" أضاءت لي منها قصور صنعاء وأخبرني جبريل عليه السلام أن أمتي ظاهرة على كلها فأبشروا \" فقال المنافقون : ألا تعجبون من نبيّكم يعدكم الباطل ويخبركم أنه يبصر من يثرب قصور الحيرة ومداين كسرى ، وأنها تفتح لكم وأنتم تحفرون الخندق من الخوف لا تستطيعون أن تخرجوا فنزلت هذه الآية والله أعلم ، وقال الحسن إن الله تعالى أمر نبيّه أن يسأله أن يعطيه ملك فارس والروم ويرد ذل العرب عليهما ، وأمره بذلك دليل على أنه يستجيب له هذا الدعاء ، وهكذا منازل الأنبياء عليهم الصلاة والسلام إذا أمروا بدعاء استجيب دعاءهم. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 8 صـ 4 ـ 5}\rوقال السمرقندى : \r{ قُلِ اللهم مالك الملك } قال ابن عباس في رواية أبي صالح : نزلت في شأن المنافقين ، وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما فتح مكة قال عبد الله بن أبي رأس المنافقين : إن محمداً يتمنى أن ينال ملك فارس والروم وأنَّى له ذلك ؟ فنزلت هذه الآية.","part":12,"page":182},{"id":4978,"text":"وقال بعضهم سأل النبي صلى الله عليه وسلم ربه ، أن يجعل له ملك فارس والروم في أمته ، فعلمه الله بأن يدعو بهذا الدعاء ، وهو قول مقاتل وقال بعضهم : إن النبي صلى الله عليه وسلم لما أمر بحفر الخندق ، فظهر في الخندق صخرة عجزوا عن حفرها ، فأخذ النبي صلى الله عليه وسلم المعول ، وضرب ضربة ، فظهر من تلك الصخرة نور فقال له سلمان : رأيت شيئاً عجيباً.\rفقال له النبي : \" هَلْ رَأَيْتَ ذلك \" ؟ قال : نعم.\rفقال : رأيت في ذلك النور قصور أهل الشام ، ثم ضرب ضربة أخرى ، فظهر أيضاً كذلك.\rفقال : رأيت قصور أهل فارس.\rفقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : \" سَيَظْهَرُ لأُمَّتِي مُلْكُ الشَّامِ ، وَمُلْكُ فَارِسَ \" فقال المنافقون : إن محمداً لا يأمن على نفسه ، واضطر إلى حفر الخندق ، فكيف يتمنى ملك الشام وفارس ، فنزلت هذه الآية.\rوقال بعضهم إن مشركي مكة قالوا : إن فارس والروم يبيتان في الحرير والديباج ، فلو كان هو نبياً ، كيف ينام على الحصير ؟ فنزلت هذه الآية. أ هـ {بحر العلوم حـ 1 صـ 229}\rفصل\rقال الفخر : \r{الملك} هو القدرة ، والمالك هو القادر ، فقوله {مالك الملك} معناه القادر على القدرة ، والمعنى إن قدرة الخلق على كل ما يقدرون عليه ليست إلا بإقدار الله تعالى فهو الذي يقدر كل قادر على مقدوره ، ويملك كل مالك مملوكه ، قال صاحب \"الكشاف\" {مالك الملك} أي يملك جنس الملك فيتصرف فيه تصرف الملاك فيما يملكون ، واعلم أنه تعالى لما بيّن كونه {مالك الملك} على الإطلاق ، فصل بعد ذلك وذكر أنواعاً خمسة : ","part":12,"page":183},{"id":4979,"text":"النوع الأول : قوله تعالى : {تُؤْتِى الملك مَن تَشَاءُ وَتَنزِعُ الملك مِمَّن تَشَاءُ} وذكروا فيه وجوهاً الأول : المراد منه : ملك النبوّة والرسالة ، كما قال تعالى : {فَقَدْ ءَاتَيْنَا ءَالَ إبراهيم الكتاب والحكمة وءاتيناهم مُّلْكاً عَظِيماً} [ النساء : 54 ] والنبوّة أعظم مراتب الملك لأن العلماء لهم أمر عظيم على بواطن الخلق والجبابرة لهم أمر على ظواهر الخلق والأنبياء أمرهم نافذ في البواطن والظواهر ، فأما على البواطن فلأنه يجب على كل أحد أن يقبل دينهم وشريعتهم ، وأن يعتقد أنه هو الحق ، وأما على الظواهر فلأنهم لو تمردوا واستكبروا لاستوجبوا القتل ، ومما يؤكد هذا التأويل أن بعضهم كان يستبعد أن يجعل الله تعالى بشراً رسولاً فحكى الله عنهم قولهم {أَبَعَثَ الله بَشَرًا رَّسُولاً} [ الإسراء : 94 ] وقال الله تعالى : {وَلَوْ جعلناه مَلَكاً لجعلناه رَجُلاً} [ الأنعام : 9 ] وقوم آخرون جوزوا من الله تعالى أن يرسل رسولاً من البشر ، إلا أنهم كانوا يقولون : إن محمداً فقير يتيم ، فكيف يليق به هذا المنصب العظيم على ما حكى الله عنهم أنهم قالوا {لَوْلاَ نُزّلَ هذا القرءان على رَجُلٍ مّنَ القريتين عَظِيمٍ} [ الزخرف : 31 ] وأما اليهود فكانوا يقولون النبوّة كانت في آبائنا وأسلافنا ، وأما قريش فهم ما كانوا أهل النبوّة والكتاب فكيف يليق النبوّة بمحمد صلى الله عليه وسلم ؟ وأما المنافقون فكانوا يحسدونه على النبوّة ، على ما حكى الله ذلك عنهم في قوله {أم يحْسُدونَ الناس على مَا ءاتاهم الله مِن فَضْلِهِ} [ النساء : 37 ].","part":12,"page":184},{"id":4980,"text":"وأيضاً فقد ذكرنا في تفسير قوله تعالى : {قُلْ لّلَّذِينَ كَفَرُواْ سَتُغْلَبُونَ وَتُحْشَرُونَ إلى جَهَنَّمَ وَبِئْسَ المهاد} [ آل عمران : 12 ] أن اليهود تكبروا على النبي صلى الله عليه وسلم بكثرة عددهم وسلاحهم وشدتهم ، ثم إنه تعالى رد على جميع هؤلاء الطوائف بأن بيّن أنه سبحانه هو مالك الملك فيؤتي ملكه من يشاء ، فقال {تُؤْتِى الملك مَن تَشَاءُ وَتَنزِعُ الملك مِمَّن تَشَاءُ }.\rفإن قيل : فإذا حملتم قوله {تُؤْتِى الملك مَن تَشَاءُ} على إيتاء ملك النبوّة ، وجب أن تحملوا قوله {وَتَنزِعُ الملك مِمَّن تَشَاءُ} على أنه قد يعزل عن النبوّة من جعله نبياً ، ومعلوم أن ذلك لا يجوز.\rقلنا : الجواب من وجهين\rالأول : أن الله تعالى إذا جعل النبوّة في نسل رجل ، فإذا أخرجها الله من نسله ، وشرَّف بها إنساناً آخر من غير ذلك النسل ، صح أن يقال إنه تعالى نزعها منهم ، واليهود كانوا معتقدين أن النبوّة لا بد وأن تكون في بني إسرائيل ، فلما شرف الله تعالى محمداً صلى الله عليه وسلم بها ، صح أن يقال : إنه ينزع ملك النبوّة من بني إسرائيل إلى العرب.\rوالجواب الثاني : أن يكون المراد من قوله {وَتَنزِعُ الملك مِمَّن تَشَاءُ} أي تحرمهم ولا تعطيهم هذا الملك لا على معنى أنه يسلبه ذلك بعد أن أعطاه ، ونظيره قوله تعالى : {الله وَلِيُّ الذين ءَامَنُواْ يُخْرِجُهُم مّنَ الظلمات إِلَى النور} [ البقرة : 257 ] مع أن هذا الكلام يتناول من لم يكن في ظلمة الكفر قط ، وقال الله تعالى مخبراً عن الكفار أنهم قالوا للأنبياء عليهم الصلاة والسلام {أَوْ لَتَعُودُنَّ فِى مِلَّتِنَا} [ الأعراف : 88 ] وأولئك الأنبياء قالوا {وَمَا يَكُونُ لَنَا أَن نَّعُودَ فِيهَا إِلا أَن يَشَاءَ الله} [ الأعراف : 89 ] مع أنهم ما كانوا فيها قط ، فهذا جملة الكلام في تقرير قول من فسّر قوله تعالى : {تُؤْتِى الملك مَن تَشَاءُ} بملك النبوة.","part":12,"page":185},{"id":4981,"text":"القول الثاني : أن يكون المراد من الملك ، ما يسمى ملكاً في العرف ، وهو عبارة عن مجموع أشياء أحدها : تكثير المال والجاه ، أما تكثير المال فيدخل فيه ملك الصامت والناطق والدور والضياع ، والحرث ، والنسل ، وأما تكثير الجاه فهو أن يكون مهيباً عند الناس ، مقبول القول ، مطاعاً في الخلق والثاني : أن يكون بحيث يجب على غيره أن يكون في طاعته ، وتحت أمره ونهيه\rوالثالث : أن يكون بحيث لو نازعه في ملكه أحد ، قدر على قهر ذلك المنازع ، وعلى غلبته ، ومعلوم أن كل ذلك لا يحصل إلا من الله تعالى ، أما تكثير المال فقد نرى جمعاً في غاية الكياسة لا يحصل لهم مع الكد الشديد ، والعناء العظيم قليل من المال ، ونرى الأبله الغافل قد يحصل له من الأموال ما لا يعلم كميته ، وأما الجاه فالأمر أظهر ، فإنا رأينا كثيراً من الملوك بذلوا الأموال العظيمة لأجل الجاه ، وكانوا كل يوم أكثر حقارة ومهانة في أعين الرعية ، وقد يكون على العكس من ذلك وهو أن يكون الإنسان معظماً في العقائد مهيباً في القلوب ، ينقاد له الصغير والكبير ، ويتواضع له القاصي والداني ، \rوأما القسم الثاني وهو كونه واجب الطاعة ، فمعلوم أن هذا تشريف يشرف الله تعالى به بعض عباده ، وأما القسم الثالث ، وهو حصول النصرة والظفر فمعلوم أن ذلك مما لا يحصل إلا من الله تعالى ، فكم شاهدنا من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة بإذن الله ، وعند هذا يظهر بالبرهان العقلي صحة ما ذكره الله تعالى من قوله {تُؤْتِى الملك مَن تَشَاءُ }. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 8 صـ 5 ـ 6}","part":12,"page":186},{"id":4982,"text":"وقال الآلوسى : \rوأل في الملك للجنس أو الاستغراق ، و( الملك ) بالضم على ما ذكره بعض أئمة التحقيق نسبة بين من قام به ومن تعلق ، وإن شئت قلت : صفة قائمة بذاته متعلقة بالغير تعلق التصرف التام المقتضي استغناء المتصرف وافتقار المتصرف فيه ولهذا لم يصح على الإطلاق إلا لله تعالى جده وهو أخص من الملك بالكسر لأنه تعلق باستيلاء مع ضبط وتمكن من التصرف في الموضوع اللغوي وبزيادة كونه حقاً في الشرع من غير نظر إلى استغناء وافتقار فمالك الملك هو الملك الحقيقي المتصرف بما شاء كيف شاء إيجاداً وإعداماً إحياءاً وإماتة وتعذيباً وإثابة من غير مشارك ولا ممانع ، ولهذا لا يقال : ملك الملك إلا على ضرب من التجوز ، وحمل ( الملك ) على هذا المعنى أوفق بمقام المدح. أ هـ {روح المعانى حـ 3 صـ 113}\rوقال القرطبى : \rو { الملك } هنا النبوّة ؛ عن مجاهد.\rوقيل ، الغلَبة.\rوقيل : المال والعبيد.\rالزجاج : المعنى مالك العباد وما ملكوا.\rوقيل : المعنى مالك الدنيا والآخرة.\rومعنى { تُؤْتِي الملك } أي الإيمان والإسلام.\r{ مَن تَشَآءُ } أي من تشاء أن تؤتيه إياه ، وكذلك ما بعده ، ولا بدّ فيه من تقدير الحذف ، أي وتنزع الملك ممن تشاء أن تنزعه منه ، ثم حذف هذا ، وأنشد سيبويه : \rألا هل لهذا الدّهر من مُتَعَلّل . . .\rعلى الناس مهما شاء بالناسِ يَفْعَلِ\rقال الزجاج : مهما شاء أن يفعل بالناس يفعل. أ هـ {تفسير القرطبى حـ 4 صـ 55}\rوقال أبو حيان : \r{ تؤتي الملك من تشاء وتنزع الملك ممن تشاء } الظاهر أن الملك هو السلطان والغلبة ، كما أن ظاهر الملك الأوّل كذلك ، فيكون الأوّل عاماً ، وهذان خاصين.\rوالمعنى : إنك تعطي من شئت قسماً من الملك ، وتنزع ممن شئت قسماً من الملك وقد فسر الملك هنا بالنبوّة أيضاً ، ولا يتأتى هذا التفسير في : تنزع الملك ، لأن الله لم يؤت النبوّة لأحد ثم نزعها منه إلاَّ أن يكون تنزع مجازاً بمعنى : تمنع النبوّة ممن تشاء ، فيمكن.","part":12,"page":187},{"id":4983,"text":"وقال أبو بكر الوراق : هو ملك النفس ومنعها من اتباع الهوى.\rوقيل : العافية ، وقيل : القناعة.\rوقيل : الغلبة بالدين والطاعة.\rوقيل : قيام الليل.\rوقال الشبلي : هو الاستغناء بالمكون عن الكونين.\rوقال عبد العزيز بن يحيى : هو قهر إبليس كما كان يفرّ من ظل عمر ، وعكسه من كان يجري الشيطان منه مجرى الدم.\rوقيل : ملك المعرفة بلا علة ، كما أتى سحرة فرعون ، ونزع من بلعام.\rوقال أبو عثمان : هو توفيق الإيمان.\rوإذا حملناه على الأظهر : وهو السلطنة والغلبة ، وكون المؤتَى هو الآمر المتبع ، فالذي آتاه الملك هو محمد صلى الله عليه وسلم وأمته ، والمنزوع منهم فارس والروم.\rوقيل : المنزوع منه أبو جهل وصناديد قريش.\rوقيل : العرب وخلفاء الإسلام وملوكه ، والمنزوع فارس والروم.\rوقال السدي : الأنبياء أمر الناس بطاعتهم ، والمنزوع منه الجبارون أمر الناس بخلافهم.\rوقيل : آدم وولده ، والمنزوع منه إبليس وجنوده.\rوقيل : داود عليه السلام ، والمنزوع منه طالوت.\rوقيل : صخر ، والمنزوع منه سليمان أيام محنته.\rوقيل : المعنى تؤتي الملك في الجنة من تشاء وتنزع الملك من ملوك الدنيا في الآخرة ممن تشاء.\rوقيل : الملك العزلة والانقطاع ، وسموه الملك المجهول.\rوهذه أقوال مضطربة ، وتخصيصات ليس في الكلام ما يدل عليها ، والأولى أن يحمل على جهة التمثيل لا الحصر في المراد.\r{ وتعز من تشاء وتذل من تشاء } قيل : محمد صلى الله عليه وسلم وأصحابه ، حين دخلوا مكة في اثني عشر ألفاً ظاهرين عليها ، وأذل أبا جهل وصناديد قريش حتى حزت رؤوسهم وألقوا في القليب.\rوقيل : بالتوفيق والعرفان ، وتذل بالخذلان.\rوقال عطاء : المهاجرين والأنصار وتذل فارس والروم.\rوقيل : بالطاعة وتذل بالمعصية.\rوقيل : بالظفر والغنيمة وتذل بالقتل والجزية.\rوقيل : بالإخلاص وتذل بالرياء.\rوقيل بالغنى وتذل بالفقر.\rوقيل : بالجنة والرؤية وتذل بالحجاب والنار ، قاله الحسن بن الفضل.","part":12,"page":188},{"id":4984,"text":"وقيل : بقهر النفس وتذل باتباع الخزي ، قاله الوراق.\rوقيل : بقهر الشيطان وتذل بقهر الشيطان اياه ، قاله الكتاني.\rوقيل : بالقناعة والرضا وتذل بالحرص والطمع.\rوينبغي حمل هذه الأقاويل على التمثيل لأنه لا مخصص في الآية ، بل الذي يقع به العز والذل مسكوت عنه. أ هـ {البحر المحيط حـ 2 صـ 437}\rفائدة لغوية\rقال ابن عادل : \rقوله : تُؤتِي \" هذه الجملة ، وما عُطِفَ عليها يجوز أن تكون مستأنفةً ، مبينة لقوله : { مَالِكَ الملك } ويجوز أن تكون حالاً من المنادى.\rوفي انتصاب الحال من المنادى خلاف ، الصحيح جوازه ؛ لأنه مفعول به ، والحال - كما يكون لبيان هيئة الفاعل - يكون لبيان هيئةِ المفعول ، ولذلك أعرَبَ الْحُذَّاقُ قولَ النابغة : [ البسيط ]\rيَا دَار مَيَّة بِالْعَلْيَاءِ فَالسَّنَدِ... أقْوَتْ وَطَالَ عَلَيْهَا سَالِفُ الأبدِ\r\" بالعلياء \" حالاً من \" دار مية \" ، وكذلك \" أقوت \".\rوالثالث من وجوه \" تُؤتِي \" : أن تكون خبرَ مُبتدأ مضمر ، أي : أنت تؤتي ، لتكون الجملة اسمية وحينئذ يجوز أن تكون مستأنفةً ، وأن تكون حالية. أ هـ {تفسير ابن عادل حـ 5 صـ 126}\rفصل\rقال الفخر : ","part":12,"page":189},{"id":4985,"text":"واعلم أن للمعتزلة ههنا بحثا قال الكعبي قوله {تُؤْتِى الملك مَن تَشَاءُ وَتَنزِعُ الملك مِمَّن تَشَاءُ} ليس على سبيل المختارية ، ولكن بالاستحقاق فيؤتيه من يقوم به ، ولا ينزعه إلا ممن فسق عن أمر ربه ويدل عليه قوله {لاَ يَنَالُ عَهْدِي الظالمين} [ البقرة : 124 ] وقال في حق العبد الصالح {إِنَّ الله اصطفاه عَلَيْكُمْ وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي العلم والجسم} [ البقرة : 247 ] فجعله سبباً للملك ، وقال الجبائي : هذا الحكم مختص بملوك العدل ، فأما ملوك الظلم فلا يجوز أن يكون ملكهم بإيتاء الله ، وكيف يصح أن يكون ذلك بإيتاء الله ، وقد ألزمهم أن لا يتملكوه ، ومنعهم من ذلك فصح بما ذكرنا أن الملوك العادلين هم المختصون بأن الله تعالى آتاهم ذلك الملك ، فأما الظالمون فلا ، قالوا : ونظير هذا ما قلناه في الرزق أنه لا يدخل تحته الحرام الذي زجره الله عن الانتفاع به ، وأمره بأن يرده على مالكه فكذا ههنا ، قالوا : وأما النزع فبخلاف ذلك لأنه كما ينزع الملك من الملوك العادلين لمصلحة تقتضي ذلك فقد ينزع الملك عن الملوك الظالمين ونزع الملك يكون بوجوه : منها بالموت ، وإزالة العقل ، وإزالة القوى ، والقدر والحواس ، ومنها بورود الهلاك والتلف عن الأموال ، ومنها أن يأمر الله تعالى المحق بأن يسلب الملك الذي في يد المتغلب المبطل ويؤتيه القوة والنصرة ، فإذا حاربه المحق وقهره وسلب ملكه جاز أن يضاف هذا السلب والنزع إليه تعالى ، لأنه وقع عن أمره ، وعلى هذا الوجه نزع الله تعالى ملك فارس على يد الرسول ، هذا جملة كلام المعتزلة في هذا الباب.","part":12,"page":190},{"id":4986,"text":"واعلم أن هذا الموضع مقام بحث مهم وذلك لأن حصول الملك للظالم ، إما أن يقال : إنه وقع لا عن فاعل وإنما حصل بفعل ذلك المتغلب ، أو إنما حصل بالأسباب الرباانية ، والأول : نفي للصانع والثاني : باطل لأن كل أحد يريد تحصيل الملك والدولة لنفسه ، ولا يتيسر له ألبتة فلم يبق إلا أن يقال بأن ملك الظالمين إنما حصل بإيتاء الله تعالى ، وهذا الكلام ظاهر ومما يؤكد ذلك أن الرجل قد يكون بحيث تهابه النفوس ، وتميل إليه القلوب ، ويكون النصر قريناً له والظفر جليساً معه فأينما توجه حصل مقصوده ، وقد يكون على الضد من ذلك ، ومن تأمل في كيفية أحوال الملوك اضطر إلى العلم بأن ذلك ليس إلا بتقدير الله تعالى ، ولذلك قال حكيم الشعراء : \rلو كان بالحيل الغنى لوجدتني.. بأجل أسباب السماء تعلقي\rلكن من رزق الحجا حرم الغنى.. ضدان مفترقان أي تفرق\rومن الدليل على القضاء وكونه.. بؤس اللبيب وطيب عيش الأحمق\rوالقول الثاني : أن قوله {تُؤْتِى الملك مَن تَشَاء} محمول على جميع أنواع الملك فيدخل فيه ملك النبوّة ، وملك العلم ، وملك العقل ، والصحة والأخلاق الحسنة ، وملك النفاذ والقدرة وملك المحبة ، وملك الأموال ، وذلك لأن اللفظ عام فالتخصيص من غير دليل لا يجوز. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 8 صـ 6 ـ 7}\rفصل\rقال الفخر : ","part":12,"page":191},{"id":4987,"text":"وأما قوله تعالى : {وَتُعِزُّ مَن تَشَاء وَتُذِلُّ مَن تَشَاء} فاعلم أن العزة قد تكون في الدين ، وقد تكون في الدنيا ، أما في الدين فأشرف أنواع العزة الإيمان قال الله تعالى : {وَلِلَّهِ العزة وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ} [ المنافقون : 8 ] إذا ثبت هذا فنقول : لما كان أعز الأشياء الموجبة للعزة هو الإيمان ، وأذل الأشياء الموجبة للمذلة هو الكفر ، فلو كان حصول الإيمان والكفر بمجرد مشيئة العبد ، لكان إعزاز العبد نفسه بالإيمان وإذلاله نفسه بالكفر أعظم من إعزاز الله عبده بكل ما أعزه به ، ومن إذلال الله عبده بكل ما أذله به ولو كان الأمر كذلك لكان حظ العبد من هذا الوصف أتم وأكمل من حظ الله تعالى منه ، ومعلوم أن ذلك باطل قطعاً ، فعلمنا أن الإعزاز بالإيمان والحق ليس إلا من الله ، والإذلال بالكفر والباطل ليس إلا من الله ، وهذا وجه قوي في المسألة ، قال القاضي : الإعزاز المضاف إليه تعالى قد يكون في الدين ، وقد يكون في الدنيا أما الذي في الدين فهو أن الثواب لا بد وأن يكون مشتملاً على التعظيم والمدح والكرامة في الدنيا والآخرة ، وأيضاً فإنه تعالى يمدهم بمزيد الألطاف ويعليهم على الأعداء بحسب المصلحة ، وأما ما يتعلق بالدنيا فبإعطاء الأموال الكثيرة من الناطق والصامت وتكثير الحرث وتكثير النتاج في الدواب ، وإلقاء الهيبة في قلوب الخلق.\rواعلم أن كلامنا يأبى ذلك لأن كل ما يفعله الله تعالى من التعظيم في باب الثواب فهو حق واجب على الله تعالى ولو لم يفعله لانعزل عن الإلهية ولخرج عن كونه إلها للخلق فهو تعالى بإعطاء هذه التعظيمات يحفظ إلهية نفسه عن الزوال فأما العبد ، فلما خص نفسه بالإيمان الذي يوجب هذه التعظيمات فهو الذي أعز نفسه فكان إعزازه لنفسه أعظم من إعزاز الله تعالى إياه ، فعلمنا أن هذا الكلام المذكور لازم على القوم.","part":12,"page":192},{"id":4988,"text":"أما قوله {وَتُذِلُّ مَن تَشَاء} فقال الجبائي في \"تفسيره\" : إنه تعالى إنما يذل أعداءه في الدنيا والآخرة ولا يذل أحداً من أوليائه وإن أفقرهم وأمرضهم وأحوجهم إلى غيرهم ، لأنه تعالى إنما يفعل هذه الأشياء ليعزهم في الآخرة ، إما بالثواب ، وإما بالعوض فصار ذلك كالفصد والحجامة فإنهما وإن كانا يؤلمان في الحال إلا أنهما لما كانا يستعقبان نفعاً عظيماً لا جرم لا يقال فيهما : إنهما تعذيب ، قال وإذا وصف الفقر بأنه ذل فعلى وجه المجاز كما سمى الله تعالى لين المؤمنين ذلا بقوله {أَذِلَّةٍ عَلَى المؤمنين} [ المائدة : 54 ].\rإذا عرفت هذا فنقول : إذلال الله تعالى عبده المبطل إنما يكون بوجوه منها بالذم واللعن ومنها بأن يخذلهم بالحجة والنصرة ، ومنها بأن يجعلهم خولاً لأهل دينه ، ويجعل مالهم غنيمة لهم ومنها بالعقوبة لهم في الآخرة هذا جملة كلام المعتزلة ، ومذهبنا أنه تعالى يعز البعض بالإيمان والمعرفة ، ويذل البعض بالكفر والضلالة ، وأعظم أنواع الإعزاز والإذلال هو هذا والذي يدل عليه وجوه\rالأول : وهو أن عز الإسلام وذل الكفر لا بد فيه من فاعل وذلك الفاعل إما أن يكون هو العبد أو الله تعالى والأول باطل ، لأن أحداً لا يختار الكفر لنفسه ، بل إنما يريد الإيمان والمعرفة والهداية فلما أراد العبد الإيمان ولم يحصل له بل حصل له الجهل ، علمنا أن حصوله من الله تعالى لا من العبد\rالثاني : وهو أن الجهل الذي يحصل للعبد إما أن يكون بواسطة شبهة وإما أن يقال : يفعله العبد ابتداء ، والأول باطل إذ لو كان كل جهل إنما يحصل بجهل آخر يسبقه ويتقدمه لزم التسلسل وهو محال ، فبقي أن يقال : تلك الجهات تنتهي إلى جهل يفعله العبد ابتداء من غير سبق موجب ألبتة لكنا نجد من أنفسنا أن العاقل لا يرضى لنفسه أن يصير على الجهل ابتداء من غير موجب فعلمنا أن ذلك بإذلال الله عبده وبخذلانه إياه\rالثالث : ما بينا أن الفعل لا بد فيه من الداعي والمرجح ، وذلك المرجح يكون من الله تعالى فإن كان في طرف الخير كان إعزازاً ، وإن كان في طرف الجهل والشر والضلالة كان إذلالاً ، فثبت أن المعز والمذل هو الله تعالى. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 8 صـ 7 ـ 8}","part":12,"page":193},{"id":4989,"text":"فائدة\rقال الجصاص : \rقَوْله تَعَالَى : { قُلْ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ } قِيلَ فِي قَوْله تَعَالَى : { مَالِكَ الْمُلْكِ } إنَّهُ صِفَةٌ لَا يَسْتَحِقُّهَا إلَّا اللَّهُ تَعَالَى مِنْ أَنَّهُ مَالِكُ كُلِّ مُلْكٍ ، وَقِيلَ مَالِكُ أَمْرِ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ ، وَقِيلَ مَالِكُ الْعِبَادِ وَمَا مَلَكُوا ، وَقَالَ مُجَاهِدٌ أَرَادَ بِالْمُلْكِ هَهُنَا النُّبُوَّةَ.\rوَقَوْلُهُ : { تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ } يَحْتَمِلُ وَجْهَيْنِ : أَحَدُهُمَا : مُلْكُ الْأَمْوَالِ وَالْعَبِيدِ ، وَذَلِكَ مِمَّا يَجُوزُ أَنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ تَعَالَى لِلْمُسْلِمِ وَالْكَافِرِ.\rوَالْآخَرُ أَمْرُ التَّدْبِيرِ وَسِيَاسَةُ الْأُمَّةِ ، فَهَذَا مَخْصُوصٌ بِهِ الْمُسْلِمُ الْعَدْلُ دُونَ الْكَافِرِ وَدُونَ الْفَاسِقِ ، وَسِيَاسَةُ الْأُمَّةِ وَتَدْبِيرُهَا مُتَعَلِّقَةٌ بِأَوَامِرِ اللَّهِ تَعَالَى وَنَوَاهِيهِ ، وَذَلِكَ لَا يُؤْتَمَنُ الْكَافِرُ عَلَيْهِ ، وَلَا الْفَاسِقُ ، وَلَا يَجُوزُ أَنْ تُجْعَلَ إلَى مَنْ هَذِهِ صِفَتُهُ سِيَاسَةُ الْمُؤْمِنِينَ ؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى : { لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ }.\rفَإِنْ قِيلَ : قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : { أَلَمْ تَرَ إلَى الَّذِي حَاجَّ إبْرَاهِيمَ فِي رَبِّهِ أَنْ آتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ } فَأَخْبَرَ أَنَّهُ آتَى الْكَافِرَ الْمُلْكَ.\rقِيلَ لَهُ : يَحْتَمِلُ أَنْ يُرِيدَ بِهِ الْمَالَ إنْ كَانَ الْمُرَادُ إيتَاءَ الْكَافِرِ الْمُلْكَ ، وَقَدْ قِيلَ : إنَّهُ أَرَادَ بِهِ : آتَى إبْرَاهِيمَ الْمُلْكَ ، يَعْنِي النُّبُوَّةَ وَجَوَازَ الْأَمْرِ وَالنَّهْيِ فِي طَرِيقِ الْحِكْمَةِ. أ هـ {أحكام القرآن للجصاص حـ 2 صـ 288}","part":12,"page":194},{"id":4990,"text":"قوله تعالى : {بِيَدِكَ الخير }\rقال الفخر : \rأما قوله تعالى : {بِيَدِكَ الخير }.\rفاعلم أن المراد من اليد هو القدرة ، والمعنى بقدرتك الخير والألف واللام في الخير يوجبان العموم ، فالمعنى بقدرتك تحصل كل البركات والخيرات ، وأيضاً فقوله {بِيَدِكَ الخير} يفيد الحصر كأنه قال بيدك الخير لا بيد غيرك ، كما أن قوله تعالى : {لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِىَ دِينِ} [ الكافرين : 6 ] أي لكم دينكم أي لا لغيركم وذلك الحصر ينافي حصول الخير بيد غيره ، فثبت دلالة هذه الآية من هذين الوجهين على أن جميع الخيرات منه ، وبتكوينه وتخليقه وإيجاده وإبداعه ، إذا عرفت هذا فنقول : أفضل الخيرات هو الإيمان بالله تعالى ومعرفته ، فوجب أن يكون الخير من تخليق الله تعالى لا من تخليق العبد ، وهذا استدلال ظاهر ومن الأصحاب من زاد في هذا التقدير فقال : كل فاعلين فعل أحدهما أشرف وأفضل من فعل الآخر كان ذلك الفاعل أشرف وأكمل من الآخر ، ولا شك أن الإيمان أفضل من الخير ، ومن كل ما سوى الإيمان فلو كان الإيمان بخلق العبد لا بخلق الله لوجب كون العبد زائداً في الخيرية على الله تعالى ، وفي الفضيلة والكمال ، وذلك كفر قبيح فدلت هذه الآية من هذين الوجهين على أن الإيمان بخلق الله تعالى.\rفإن قيل : فهذه الآية حجة عليكم من وجه آخر لأنه تعالى لما قال : {بِيَدِكَ الخير} كان معناه أنه ليس بيدك إلا الخير ، وهذا يقتضي أن لا يكون الكفر والمعصية واقعين بتخليق الله.","part":12,"page":195},{"id":4991,"text":"والجواب : أن قوله {بِيَدِكَ الخير} يفيد أن بيده الخير لا بيد غيره ، وهذا ينافي أن يكون بيد غيره ولكن لا ينافي أن يكون بيده الخير وبيده ما سوى الخير إلا أنه خص الخير بالذكر لأنه الأمر المنتفع به فوقع التنصيص عليه لهذا المعنى قال القاضي : كل خير حصل من جهة العباد فلولا أنه تعالى أقدرهم عليه وهداهم إليه لما تمكنوا منه ، فلهذا السبب كان مضافاً إلى الله تعالى إلا أن هذا ضعيف لأن على هذا التقدير يصير بعض الخير مضافاً إلى الله تعالى ، ويصير أشرف الخيرات مضافاً إلى العبد ، وذلك على خلاف هذا النص. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 8 صـ 8 ـ 9}\rوقال القرطبى : \r{ بِيَدِكَ الخير } أي بيدك الخير والشر فحذف ؛ كما قال : { سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الحر } [ النحل : 81 ].\rوقيل : خص الخير لأنه موضع دعاء ورغبة في فضله.\rقال النقاش : بيدك الخير ، أي النصر والغنيمة.\rوقال أهْل الإشارات.\rكان أبو جهل يملك المال الكثير ، ووقع في الرس يوم بدر ، والفقراء صُهَيْب وبِلال وخَبّاب لم يكن لهم مال ، وكان ملكهم الإيمان { قُلِ اللَّهُمّ مَالِكَ المُلْكِ تُؤتِي المُلْكَ مَنْ تَشَاءُ } تقيم الرسولَ يتيمَ أبي طالب على رأس الرسِّ حتى ينادِي أبدانا قد انقلبت إلى القلِيب : يا عُتْبَة ، يا شَيْبَة تعِز من تشاء وتُذِلّ من تشاء.\rأي صُهَيْب ، أي بِلال ، لا تعتقدوا أنا منعناكم من الدنيا ببغضكم.\rبيدك الخير ما مَنْعُكم مِن عَجْز. أ هـ {تفسير القرطبى حـ 4 صـ 55 ـ 56}\rفائدة\rقال ابن القيم\rوأخطأ من قال المعنى بيدك الخير والشر لثلاثة أوجه : \rأحدها أنه ليس في اللفظ ما يدل على إرادة هذا المحذوف بل ترك ذكره قصدا أو بيانا أنه ليس بمراد ، \rالثاني أن الذي بيد الله تعالى نوعان فضل وعدل كما في الحديث الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم : \"يمين الله ملأى لا يغيضها نفقة سحاء الليل والنهار أرأيتم ما أنفق منذ خلق الخلق فإنه لم يغض ما في يمينه وبيده الأخرى القسط يخفض ويرفع\" فالفضل لإحدى اليدين والعدل للأخرى وكلاهما خير لا شر فيه بوجه ، \rالثالث أن قول النبي صلى الله عليه وسلم لبيك وسعديك والخير في يديك والشر ليس إليك كالتفسير للآية ففرق بين الخير والشر وجعل أحدهما في يدي الرب سبحانه وقطع إضافة الآخر إليه مع إثبات عموم خلقه لكل شيء.أ هـ {شفاء العليل صـ 271}\rوقال الماوردى : \rوإنما خَصَّ الخير بالذكر وإن كان قادراً على الخير والشر ، لأنه المرغوب في فعله. أ هـ {النكت والعيون حـ 1 صـ 384}\rوقال البيضاوى : \rذكر الخير وحده لأنه المقضي بالذات ، والشر مقضي بالعرض ، إذ لا يوجد شر جزئي ما لم يتضمن خيرًا كلياً ، أو لمراعاة الأدب في الخطاب ، أو لأن الكلام وقع فيه. أ هـ {تفسير البيضاوى حـ 2 صـ 24}\rوقال أبو حيان : \rقال الزمخشري.","part":12,"page":196},{"id":4992,"text":"فإن قلت : كيف قال { بيدك الخير } فذكر الخير دون الشر ؟ \rقلت لأن الكلام إنما وقع في الخير الذي يسوقه إلى المؤمنين ، وهو الذي أنكرته الكفرة ، فقال : { بيدك الخير } تؤتيه أولياءك على رغم أعدائك ، ولأن كل أفعال الله من نافع وضار صادر عن الحكمة والمصلحة فهو خير كله.\rانتهى كلامه ، وهو يدافع آخرهُ أولَه ، لأنه ذكر في السؤال ؛ لم اقتصر على ذكر الخير دون الشر ؟ \rوأجاب بالجواب الأول ، وذلك يدل على أن بيده تعالى الخير والشر ، وإنما كان اقتصاره على الخير لأن الكلام إنما وقع فيما يسوقه تعالى من الخير للمؤمنين ، فناسب الاقتصار على ذكر الخير فقط.\rوأجاب بالجواب الثاني : وذلك يدل على أنه تعالى جميع أفعاله خير ليس فيها شر ، وهذا الجواب يناقض الأول.\rوقال ابن عطية : خص الخير بالذكر ، وهو تعالى بيده كل شيء ، إذ الآية في معنى دعاء ورغبة ، فكان المعنى : { بيدك الخير } فأجزل حظي منه.\rوقال الراغب : لما كانت في الحمد والشكر لا للحكم ، ذكر الخير إذ هو المشكور عليه. أ هـ {البحر المحيط حـ 2 صـ 138}","part":12,"page":197},{"id":4993,"text":"فائدة\rقال فى الميزان : \rهناك خير وشر تكوينيان كالملك والعزة ونزع الملك والذلة\rوالخير التكويني أمر وجودي من إيتاء الله تعالى والشر التكويني إنما هو عدم إيتاء الخير ولا ضير في انتسابه إلى الله سبحانه فإنه هو المالك للخير لا يملكه غيره فإذا أعطى غيره شيئا من الخير فله الأمر وله الحمد وإن لم يعط أو منع فلا حق لغيره عليه حتى يلزمه عليه فيكون امتناعه من الإعطاء ظلما على أن إعطائه ومنعه كليهما مقارنان للمصالح العامة الدخيلة في صلاح النظام الدائر بين أجزاء العالم.\rوهناك خير وشر تشريعيان وهما أقسام الطاعات والمعاصي وهما الأفعال الصادرة عن الإنسان من حيث انتسابها إلى اختياره ولا تستند من هذه الجهة إلى غير الإنسان قطعا وهذه النسبة هي الملاك لحسنها وقبحها ولولا فرض اختيار في صدورها لم تتصف بحسن ولا قبح وهي من هذه الجهة لا تنتسب إليه تعالى إلا من حيث توفيقه تعالى وعدم توفيقه لمصالح تقتضي ذلك.\rفقد تبين أن الخير كله بيد الله وبذلك ينتظم أمر العالم في اشتماله على كل وجدان وحرمان وخير وشر. أ هـ {الميزان حـ 3 صـ 134 ـ 135}","part":12,"page":198},{"id":4994,"text":"وقال الآلوسى : \r{ بِيَدِكَ الخير } جملة مستأنفة ، وأجراها بعضهم على طرز ما قبلها ، وتعريف الخير للتعميم وتقديم الخبر للتخصيص أي : بيدك التي لا يكتنه كنهما ، وبقدرتك التي لا يقدر قدرها الخير كله تتصرف به أنت وحدك حسب مشيئتك لا يتصرف به أحد غيرك ولا يملكه أحد سواك ، وإنما خص الخير بالذكر تعليماً لمراعاة الأدب وإلا فذكر الإعزاز والإذلال يدل على أن الخير والشر كلاهما بيده سبحانه ، وكذا قوله تعالى المسوق لتعليل ما سبق وتحقيقه { إِنَّكَ على كُلّ شَىْء قَدِيرٌ } فلا يبعد أن تكون الآية من باب الاكتفاء ، وقيل : إنما اقتصر عليه لما أن سبب نزول الآية ما آتى الله تعالى نبيه صلى الله عليه وسلم من البشارة بالفتوح وترادف الخيرات ، وقيل : لما أن الأشياء باعتبار الشر وعدمه تنقسم إلى خمسة أقسام.\rالأول : ما لا شر فيه أصلاً.\rوالثاني : ما يغلب خيره على شره.\rوالثالث : ما يكون شراً محضاً.\rوالرابع : ما يكون شره غالباً على خيره.\rوالخامس : ما يتساوى الخير والشر فيه ، والموجود من هذه الأقسام في العالم القسم الأول والثاني والشر الذي فيه غير مقصود بالذات بل إنما قضاه الله تعالى لحكمة بالغة وهو وسيلة إلى خير أعظم وأعم نفعاً ؛ والشر اليسير متى كان وسيلة إلى الخير الكثير كان ارتكابه مصلحة تقتضيها الحكمة ولا يأباها الكرم المطلق ، ألا ترى أن الفصد والحجامة وشرب الدواء الكريه وقطع السلعة ونحوها من الأمور المؤلمة لكونه وسيلة إلى حصول الصحة بحسن ارتكابه في مقتضى الحكمة ويعد خيراً لا شراً وصحة لا مرضاً وكل قضاء الله تعالى بما نراه شراً من هذا القبيل ، ولهذا ورد في الحديث \" لا تتهم الله تعالى على نفسك \" وورد \" لا تكرهوا الفتن فإن فيها حصاد المنافقين \" وجاء \" لو لم تذنبوا لخفت عليكم ما هو أكبر من ذلك العجب العجب \" ومن هنا قيل : يا من إفساده صلاح فما قدر من المفاسد لتضمنه المصالح العظيمة اغتفر ذلك القدر اليسير في جنبها لكونه","part":12,"page":199},{"id":4995,"text":"وسيلة إليها وما أدى إلى الخير فهو خير فكل شر قدره الله تعالى لكونه لم يقصد بالذات لأن أحكام القضاء والقدر كما قالوا : جارية على سنن ما اتفقت عليه الشرائع كلها من النظر إلى جلب المصالح وذبّ المفاسد بل بالعرض لما يستلزمه من الخير الأعظم والنفع الأتم يصدق عليه بهذا الاعتبار أنه خير فدخل في قوله سبحانه : { بِيَدِكَ الخير } فلذا اقتصر على الخير على وجه أنه شامل لما قصد أصلاً ولما وقع استلزاماً ، وهذا من باب ليس في الإمكان أبدع مما كان وقد درج حكماء الإسلام عليه ولا يعبأ بمن وجه سهام الطعن إليه ، وفي \"شرح الهياكل\" أن الشر مقضي بالعرض وصادر بالتبع لما أن بعض ما يتضمن الخيرات الكثيرة قد يستلزم الشر القليل فكان ترك الخيرات الكثيرة لأجل ذلك الشر القليل شراً كثيراً فصدر عنك ذلك الخير فلزمه حصول ذلك الشر وهو من حيث صدوره عنك خير إذ عدم صدوره شر لتضمنه فوات ذلك الخير فأنت المنزه عن الفحشاء مع أنه لا يجري في ملكك إلا ما تشاء وليس هذا من القول بوجوب الأصلح ، ولا ينافيه { لاَّ يُسْئَلُ عَمَّا يَفْعَلُ } [ الأنبياء : 23 ] إذ لا يفعل ما يسئل عنه كرماً وحكمة وجوداً ومنة \"لو اطلعتم على الغيب لاخترتم الواقع. أ هـ {روح المعانى حـ 3 صـ 115}\rقوله تعالى {إِنَّكَ على كُلّ شَىْء قَدِيرٌ}\rقال الفخر : \rأما قوله {إِنَّكَ على كُلّ شَىْء قَدِيرٌ} فهذا كالتأكيد لما تقدم من كونه مالكاً لإيتاء الملك ونزعه والإعزاز والإذلال. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 8 صـ 9}\rفائدة\rقال ابن كثير فى معنى الآية : \rيقول تعالى : { قُلْ } يا محمد ، معظما لربك ومتوكلا عليه ، وشاكرًا له ومفوضًا إليه : { اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ } أي : لك الملك كله { تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنزعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ } أي : أنت المعطي ، وأنت المانع ، وأنت الذي ما شئت كان وما لم تشأ لم يكن.","part":12,"page":200},{"id":4996,"text":"وفي هذه الآية تنبيه وإرشاد إلى شكر نعمة الله تعالى على رسوله صلى الله عليه وسلم وهذه الأمة ؛ لأن الله حول النبوة من بني إسرائيل إلى النبي العربي القرشي المكي الأمي خاتم الأنبياء على الإطلاق ، ورسول الله إلى جميع الثقلين الإنس والجن ، الذي جمع الله فيه محاسن من كان قبله ، وخصه بخصائص لم يُعْطهَا نبيًا من الأنبياء ولا رسولا من الرسل ، في العلم بالله وشريعته وإطلاعه على الغيوب الماضية والآتية ، وكشفه عن حقائق الآخرة ونشر أمته في الآفاق ، في مشارق الأرض ومغاربها ، وإظهار دينه وشرعه على سائر الأديان ، والشرائع ، فصلوات الله وسلامه عليه دائما إلى يوم الدين ، ما تعاقب الليل والنهار. ولهذا قال تعالى : { قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ[ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنزعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ]} أي : أنت المتصرف في خلقك ، الفعال لما تريد ، كما رد تبارك وتعالى على من يتحكم عليه في أمره ، حيث قال : { وَقَالُوا لَوْلا نزلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ } [ الزخرف : 31 ].","part":12,"page":201},{"id":4997,"text":"قال الله تعالى ردًا عليهم : { أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ [نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ ]} الآية[ الزخرف : 32 ] أي : نحن نتصرف في خلقنا كما نريد ، بلا ممانع ولا مدافع ، ولنا الحكمة والحجة في ذلك ، وهكذا نعطي النبوة لمن نريد ، كما قال تعالى : { اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ } [ الأنعام : 124 ] وقال تعالى : { انْظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ [ وَلَلآخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجَاتٍ وَأَكْبَرُ تَفْضِيلا]} [ الإسراء : 21 ] وقد روى الحافظ ابن عساكر في ترجمة \"إسحاق بن أحمد\" من تاريخه عن المأمون الخليفة : أنه رأى في قَصْرٍ ببلاد الروم مكتوبا بالحميرية ، فعرب له ، فإذا هو : باسم الله ما اختلف الليل والنهار ، ولا دارت نجوم السماء في الفلك إلا بنقل النعيم عن مَلِك قد زال سلطانه إلى ملك. ومُلْكُ ذي العرش دائم أبدًا ليس بِفَانٍ ولا بمشترك. { تاريخ دمشق لابن عساكر (2/706 المخطوط) ومختصر تاريخ دمشق لابن منظور (4/264)}. أ هـ {تفسير ابن كثير حـ 2 صـ 29}\rوقال السعدى : ","part":12,"page":202},{"id":4998,"text":"يقول الله لنبيه صلى الله عليه وسلم { قل اللهم مالك الملك } أي : أنت الملك المالك لجميع الممالك ، فصفة الملك المطلق لك ، والمملكة كلها علويها وسفليها لك والتصريف والتدبير كله لك ، ثم فصل بعض التصاريف التي انفرد الباري تعالى بها ، فقال : { تؤتي الملك من تشاء وتنزع الملك ممن تشاء } وفيه الإشارة إلى أن الله تعالى سينزع الملك من الأكاسرة والقياصرة ومن تبعهم ويؤتيه أمة محمد ، وقد فعل ولله الحمد ، فحصول الملك ونزعه تبع لمشيئة الله تعالى ، ولا ينافي ذلك ما أجرى الله به سنته من الأسباب الكونية والدينية التي هي سبب بقاء الملك وحصوله وسبب زواله ، فإنها كلها بمشيئة الله لا يوجد سبب يستقل بشيء ، بل الأسباب كلها تابعة للقضاء والقدر ، ومن الأسباب التي جعلها الله سببا لحصول الملك الإيمان والعمل الصالح ، التي منها اجتماع المسلمين واتفاقهم ، وإعدادهم الآلات التي يقدروا عليها والصبر وعدم التنازع ، قال الله تعالى : { وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض كما استخلف الذين من قبلهم } الآية فأخبر أن الإيمان والعمل الصالح سبب للاستخلاف المذكور ، وقال تعالى : { هو الذي أيدك بنصره وبالمؤمنين وألف بين قلوبهم } الآية وقال تعالى : { يا أيها الذين آمنوا إذا لقيتم فئة فاثبتوا واذكروا الله كثيرا لعلكم تفلحون وأطيعوا الله ورسوله ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم واصبروا إن الله مع الصابرين } فأخبر أن ائتلاف قلوب المؤمنين وثباتهم وعدم تنازعهم سبب للنصر على الأعداء ، وأنت إذا استقرأت الدول الإسلامية وجدت السبب الأعظم في زوال ملكها ترك الدين والتفرق الذي أطمع فيهم الأعداء وجعل بأسهم بينهم ، ثم قال تعالى : { وتعز من تشاء } بطاعتك { وتذل من تشاء } بمعصيتك { إنك على كل شيء قدير } لا يمتنع عليك أمر من الأمور بل الأشياء كلها طوع مشيئتك وقدرتك. أ هـ {تفسير السعدى صـ 127}","part":12,"page":203},{"id":4999,"text":"وقال الشهيد سيد قطب فى الآية ما نصه :\rنداء خاشع . . في تركيبه اللفظي إيقاع الدعاء . وفي ظلاله المعنوية روح الابتهال . وفي التفاتاته إلى كتاب الكون المفتوح استجاشة للمشاعر في رفق وإيناس . وفي جمعه بين تدبير الله وتصريفه لأمور الناس ولأمور الكون إشارة إلى الحقيقة الكبيرة : حقيقة الألوهية الواحدة القوامة على الكون والناس ؛ وحقيقة أن شأن الإنسان ليس إلا طرفاً من شأن الكون الكبير الذي يصرفه الله ؛ وأن الدينونة لله وحده هي شأن الكون كله كما هي شأن الناس ؛ وأن الانحراف عن هذه القاعدة شذوذ وسفه وانحراف!\r{ قل : اللهم مالك الملك . تؤتي الملك من تشاء وتنزع الملك ممن تشاء . وتعز من تشاء وتذل من تشاء } . .\rإنها الحقيقة الناشئة من حقيقة الألوهية الواحدة . . إله واحد فهو المالك الواحد . . هو { مالك الملك } بلا شريك . . ثم هو من جانبه يملك من يشاء ما يشاء من ملكه.\rيملكه إياه تمليك العارية يستردها صاحبها ممن يشاء عندما يشاء . فليس لأحد ملكية أصيلة يتصرف فيها على هواه . إنما هي ملكية معارة له خاضعة لشروط المملك الأصلي وتعليماته ؛ فإذا تصرف المستعير فيها تصرفاً مخالفاً لشرط المالك وقع هذا التصرف باطلاً . وتحتم على المؤمنين رده في الدنيا . أما في الآخرة فهو محاسب على باطله ومخالفته لشرط المملك صاحب الملك الأصيل . .\rوكذلك هو يعز من يشاء ويذل من يشاء بلا معقب على حكمه ، وبلا مجير عليه ، وبلا راد لقضائه ، فهو صاحب الأمر كله بما أنه - سبحانه - هو الله . . وما يجوز أن يتولى هذا الاختصاص أحد من دون الله .\rوفي قوامة الله هذه الخير كل الخير . فهو يتولاها سبحانه بالقسط والعدل . يؤتي الملك من يشاء وينزع الملك ممن يشاء بالقسط والعدل . ويعز من يشاء ويذل من يشاء بالقسط والعدل . فهو الخير الحقيقي في جميع الحالات ؛ وهي المشيئة المطلقة والقدرة المطلقة على تحقيق هذا الخير في كل حال : { بيدك الخير } . . { إنك على كل شيء قدير }. أ هـ {الظلال حـ 1 صـ 384}","part":12,"page":204},{"id":5000,"text":"لطيفة\rقال ابن عجيبة : \rمن ملك نفسه وهواه فقد ملكه الله ملك الدارين ، ومن ملكته نفسه وهواه فقد أذلّه الله في الدراين ومن ملك نفسه لله فقد مكنه الله من التصرف في الكون بأسره ، وكان حرّاً حقيقة ، وفي ذلك يقول الشاعر : \rدَعَوْنِي لمُلْكِهم ، فلمَّا أجبتُهم... قالُوا : دَعَوْنَاك للمُلْك لا للمِلْكِ\rومن أذلَّ نفسه لله فقد أعزّه الله ، قال الشاعر : \rتَذَلَّلّ لِمَنْ تَهوَى لِتَكْسِبَ عِزَّةً... فَكَمْ عزَّةٍ قَدْ نَالَهَا المَرْء بالذُّلِّ\rإذَا كانَ مَنْ تَهْوى عَزِيزاً وَلَم تَكُنْ... ذَلِيلاً لَهُ ، فَاقْرِ السَّلامَ عَلَى الْوصْلِ\rقال ابن المبارك : ( قلت لسفيان الثوري : من الناس ؟ قال : الفقهاء ، قلت : فمن الملوك ؟ قال : الزهاد قلت : فمن الأشراف ؟ قال : الأتقياء ، قلت : فمن الغوغاء ؟ قال : الذين يكتبون الحديث ليستأكلوا به أموال الناس ، قلت : أخبرني ما السفلة ؟ قال : الظلمة ).\rوقال الشبلي : ( المُلك هو الاستغناء بالمكون عن الكونين ). وقال الوراق : ( تُعز من تشاء بقهر النفس ومخالفة الهوى ، وتذل من تشاء باتباع الهوى ). قلت : وفي ذلك يقول البرعي رضي الله عنه : \rلا تَتْبَع النَّفْسَ في هَوَاهَا... إنَّ اتِّبَاعَ الْهَوَى هَوَانُ.\rوقال وهب : \" خرج الغِنَى والعز يجولان ، فلقيا القناعة فاستقرا \".\rقال الشافعي رضي الله عنه : \rأَلاَ يا نفسُ إن ترضَيْ بِقُوتٍ... فأنت عزيزةٌ أبداً غنيهْ\rدَعِي عنكِ المطامِعَ والأمانِي... فكمْ أُمْنِيَّةٍ جَلبَتْ مَنِيهْ\rوقال آخر : \rأَفَادتني القناعةُ كلَّ عزٍّ... وهَلْ عِزٍّ أعزُّ مِنْ القَنَاعَهْ\rفَصَيِّرْها لنفسِكَ رأسَ مالٍ... وصَيِّرْ بعدها التَّقْوى بِضَاعَهْ\rتَنَل عِزّاً وتَغْنَى عَنْ لَئِيمٍ... وتَرْحَلْ للجِنَان بصبْرِ ساعَهْ. أ هـ {البحر المديد حـ 1 صـ 265 ـ 266}. بتصرف يسير.","part":12,"page":205},{"id":5001,"text":"من لطائف الإمام القشيرى فى الآية\rقوله جلّ ذكره : { قُلِ اللهُمَّ مَالِكَ المُلْكِ }.\r\" اللهم \" معناها يا الله والميم في آخرها بدل عن حرف النداء وهو يا. فهذا تعليم الحق كيفية الثناء على الحق ، أي صِفْني بما أسْتَحِقُّه من جلال القَدْر فَقُلْ : يا مالكَ المُلْكِ لا شريكَ لكَ ولا مُعينَ ، ولا ظهير ولا قرين ، ولا مُقاسِمَ لكَ في الذات ، ولا مُسَاهِمَ في المُلْك ، ولا مُعَارِضَ في الإبداع.\r{ تُؤْتِى المُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنزِعُ المُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ }.\rحتى نعلم أن الملك لك ، والمَلِكُ من المخلوقين مَنْ تَذَلَّلَ له ، ومنزوعٌ المُلْكُ ممن تكبَّر عليه ؛ فَتَجمُّلُ الخَلْقِ في تذللهم للحق ، وعِزُّهم في محوهم فيه ، وبقاؤهم في فنائهم به.\r{ وَتُعِزُّ مَن تَشَاءُ }.\rبعز ذاتك.\r{ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ }.\rبخذلانك.\rوتعز من تشاء بأن تهديه ليشهدك ويوحدك ، وتذل من تشاء بأن يجحدك ويفقدك وتعزُّ من تشاء بيُمْنِ إقبالك ، وتذل من تشاء بوحشة إعراضك. وتعزُّ من تشاء بأن تؤنسه بك ، وتذل من تشاء بأن توحشه عنك. وتعز من تشاء بأن تشغله بك ، وتذل من تشاء بأن تشغله عنك. وتعز من تشاء بسقوط أحكام نفسه ، وتذل من تشاء بغلبة غاغة نفسه. وتعز من تشاء بطوالع أُنسه وتذل من تشاء بطوارق نفسه. وتعز من تشاء ببسطه بك ، وتذل من تشاء بقبضه عنك.\rو { تُؤتِى المُلْكَ مَنْ تَشَاءُ } يشد نطاق خدمتك ، { وَتَنزِعُ المُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ } بنفيه عن بساط عبادتك. تؤتي الملك من تشاء بإفراد سِرِّه لك وتنزع الملك ممن تشاء بأن تربط قلبه بمخلوق ، { وَتُعِزُّ مَن تَشَاءُ } بإقامته بالإرادة ، { وَتُذِلُّ مَن تَشَاءُ } يردُّه إلى ما عليه أهل العادة.\r{ بِيَدِكَ الخَيْرُ }.\rولم يذكر الشر حفظاً لآداب الخطاب ، وتفاؤلاً بذكر الجميل ، وتطيراً من ذكر السوء.\r{ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيءٍ قَدِيرٌ }.\rمن الحجب والجذب ، ( والنصرة ) والخذلان ، والأخذ والرد ، والفرق والجمع ، والقبض والبسط. أ هـ {لطائف الإشارات حـ 1 صـ 230 ـ 231}","part":12,"page":206},{"id":5003,"text":"بحث نفيس في تنزيه القضاء الإلهي عن الشر للعلامة ابن القيم\rقال عليه الرحمة : \rقال الله تعالى : {قل اللهم قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} فصدر الآية سبحانه بتفرده بالملك كله وأنه هو سبحانه هو الذي يؤتيه من يشاء وينزعه ممن يشاء لا غيره فالأول تفرده بالملك والثاني تفرده بالتصرف فيه وأنه سبحانه هو الذي يعز من يشاء بما يشاء من أنواع العز ويذل من يشاء بسلب ذلك العز عنه وأن الخير كله بيديه ليس لأحد معه منه شيء ثم ختمها بقوله : {إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} فتناولت الآية ملكه وحده وتصرفه وعموم قدرته وتضمنت أن هذه التصرفات كلها بيده وأنها كلها خير فسلبه الملك عمن يشاء وإذلاله من يشاء خير وإن كان شرا بالنسبة إلى المسلوب الذليل فإن هذا التصرف دائر بين العدل والفضل والحكمة والمصلحة لا تخرج عن ذلك وهذا كله خير يحمد عليه الرب ويثنى عليه به كما يحمد ويثنى عليه بتنزيهه عن الشر وأنه ليس إليه كما ثبت في صحيح مسلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يثني على ربه بذلك في دعاء الاستفتاح في قوله : \"لبيك وسعديك والخير في يديك والشر ليس إليك أنابك وإليك تباركت وتعاليت\" فتبارك وتعالى عن نسبة الشر إليه بل كل ما نسب إليه فهو خير والشر إنما صار شرا لانقطاع نسبته وإضافته إليه فلو أضيف إليه لم يكن شرا كما سيأتي بيانه وهو سبحانه خالق الخير والشر فالشر في بعض مخلوقاته لا في خلقه وفعله وخلقه وفعله وقضاؤه وقدره خير كله ولهذا تنزه سبحانه عن الظلم الذي حقيقته وضع الشيء في غير موضعه كما تقدم فلا يضع الأشياء إلا في مواضعها اللائقة بها وذلك خير كله والشر وضع الشيء في غير محله فإذا وضع في محله لم يكن شرا فعلم أن الشر ليس إليه وأسماؤه الحسنى تشهد بذلك فإن منها القدوس السلام العزيز الجبار المتكبر فالقدوس المنزه من كل","part":12,"page":207},{"id":5004,"text":"شر ونقص وعيب كما قال أهل التفسير هو الطاهر من كل عيب المنزه عما لا يليق به وهذا قول أهل اللغة وأصل الكلمة من الطهارة والنزاهة ومنه بيت المقدس لأنه مكان يتطهر فيه من الذنوب ومن أمه لا يريد إلا الصلاة فيه رجع من خطيئته كيوم ولدته أمه ومنه سميت الجنة حظيرة القدس لطهارتها من آفات الدنيا ومنه سمي جبريل روح القدس لأنه طاهر من كل عيب ومنه قول الملائكة ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك فقيل المعنى ونقدس أنفسنا لك فعدى باللام وهذا ليس شيء والصواب أن المعنى نقدسك وننزهك عما لا يليق بك هذا قول جمهور أهل التفسير ، ","part":12,"page":208},{"id":5005,"text":"وقال ابن جرير : \"ونقدس لك ننسبك إلى ما هو من صفاتك من الطهارة من الأدناس ومما أضاف إليك أهل الكفر بك\" قال وقال بعضهم : \"نعظمك ونمجدك\" قاله أبو صالح ، وقال مجاهد : \"نعظمك ونكبرك\" انتهى وقال بعضهم ننزهك عن السوء فلا ننسبه إليك واللام فيه على حدها في قوله : {رَدِفَ لَكُمْ} لأن المعنى تنزيه الله لا تنزيه نفوسهم لأجله قلت ولهذا قرن هذا اللفظ بقولهم نسبح بحمدك فإن التسبيح تنزيه الله سبحانه عن كل سوء ، قال ميمون بن مهران : \"سبحان الله كلمة يعظم بها الرب ويحاشى بها من السوء\" وقال ابن عباس : \"هي تنزيه لله من كل سوء\" وأصل اللفظة من المباعدة من قولهم سبحت في الأرض إذا تباعدت فيها ومنه كل في فلك يسبحون فمن أثنى على الله ونزهه عن السوء فقد سبحه ويقال سبح الله وسبح له وقدسه وقدس له وكذلك اسمه السلام فإنه الذي سلم من العيوب والنقائص ووصفه بالسلام أبلغ في ذلك من وصفه بالسالم ومن موجبات وصفه بذلك سلامة خلقه من ظلمه لهم فسلم سبحانه من إرادة الظلم والشر ومن التسمية به ومن فعله ومن نسبته إليه فهو السلام من صفات النقص وأفعال النقص وأسماء النقص المسلم لخلقه من الظلم ولهذا وصف سبحانه ليلة القدر بأنها سلام والجنة بأنها دار السلام وتحية أهلها السلام وأثنى على أوليائه بالقول السلام كل ذلك السالم من العيوب وكذلك الكبير من أسمائه والمتكبر ، قال قتادة : \"وغيره هو الذي تكبر عن السوء\" وقال أيضا : \"الذي تكبر عن السيئات\" وقال مقاتل : \"المتعظم عن كل سوء\" ، وقال أبو إسحاق : \"الذي يكبر عن ظلم عباده\" وكذلك اسمه العزيز الذي له العزة التامة ومن تمام عزته براءته عن كل سوء وشر وعيب فإن ذلك ينافي العزة التامة وكذلك اسمه العلي الذي علا عن كل عيب وسوء ونقص ومن كمال علوه أن لا يكون فوقه شيء بل يكون فوق كل شيء وكذلك اسمه الحميد وهو الذي له الحمد كله فكمال حمده يوجب أن لا ينسب إليه شر ولا سوء ولا نقص لا في أسمائه ولا في أفعاله ولا","part":12,"page":209},{"id":5006,"text":"في صفاته فأسماؤه الحسنى تمنع نسبة الشر والسوء والظلم إليه مع أنه سبحانه الخالق لكل شيء فهو الخالق للعباد وأفعالهم وحركاتهم وأقوالهم والعبد إذا فعل القبيح المنهي عنه كان قد فعل الشر والسوء والرب سبحانه هو الذي جعله فاعلا لذلك وهذا الجعل منه عدل وحكمة وصواب فجعله فاعلا خير والمفعول شر قبيح فهو سبحانه بهذا الجعل قد وضع الشيء موضعه لما له في ذلك من الحكمة البالغة التي يحمد عليها فهو خير وحكمة ومصلحة وإن كان وقوعه من العبد عيبا ونقصا وشرا وهذا أمر معقول في الشاهد فإن الصانع الخبير إذا أخذ الخشبة العوجاء والحجر المكسور واللبنة الناقصة فوضع ذلك في موضع يليق به ويناسبه كان ذلك منه عدلا وصوابا يمدح به وإن كان في المحل عوج ونقص وعيب يذم به المحل ومن وضع الخبائث في موضعها ومحلها اللائق بها كان ذلك حكمة وعدلا وصوابا وإنما السفه والظلم أن يضعها في غير موضعها فمن وضع العمامة على الرأس والنعل في الرجل والكحل في العين والزبالة في الكناسة فقد وضع الشيء موضعه ولم يظلم النعل والزبالة إذ هذا محلهما ومن أسمائه سبحانه العدل والحكيم الذي لا يضع الشيء إلا في موضعه فهو المحسن الجواد الحكيم العدل في كل ما خلقه وفي كل ما وضعه في محله وهيأه له وهو سبحانه له الخلق والأمر فكما أنه في أمره لا يأمر إلا بأرجح الأمرين ويأمر بتحصيل المصالح وتكميلها وتعطيل المفاسد وتقليلها وإذا تعارض أمران رجح أحسنهما وأصلحهما وليس في الشريعة أمر يفعل إلا ووجوده للمأمور خير من عدمه ولا نهي عن فعل إلا وعدمه خير من وجوده فإن قلت فإذا كان وجوده خيرا من عدمه فكيف لا يشاء وجوده فإذا كان عدمه خيرا من وجوده فكيف يشاء وجوده فالمشيئة العامة تنقض عليك هذه القاعدة الكلية قلت لا تنقضها لأن وجوده وإن كان خيرا من عدمه فقد يستلزم وجوده فوات محبوب له هو أحب إليه من وقوع هذا المأمور من هذا المعنى وعدم المنهي وإن كان خيرا من وجوده فقد يكون","part":12,"page":210},{"id":5007,"text":"وجوده وسيلة وسببا إلى ما هو أحب إليه من عدمه وسيأتي تمام تقرير ذلك في باب اجتماع القدر والشرع وافتراقهما إن شاء الله والرب سبحانه إذا أمر بشيء فقد أحبه ورضيه وأراده وبينه وهو لا يحب شيئا إلا ووجوده خير من عدمه وما نهى عنه فقد أبغضه وكرهه وهو لا يبغض شيئا إلا وعدمه خير من وجوده هذا بالنظر إلى ذات هذا وهذا وأما باعتبار إفضائه إلى ما يحب ويكره فله حكم آخر ولهذا أمر سبحانه عباده أن يأخذوا بأحسن ما أنزل إليهم فالأحسن هو المأمور به وهو خير من المنهي عنه وإذا كانت هذه سنته في أمره وشرعه فهكذا سنته في خلقه وقضائه وقدره فما أراد أن يخلقه أو يفعله كان أن يخلقه ويفعله خيرا من أن لا يخلقه ولا يفعله وبالعكس وما كان عدمه خيرا من وجوده فوجوده شر وهو لا يفعله بل هو منزه عنه والشر ليس إليه ، فإن قلت فلم خلقه وهو شر ، قلت خلقه له وفعله خير لا شر فإن الخلق والفعل قائم به سبحانه والشر يستحيل قيامه به واتصافه به وما كان في المخلوق من شر فلعدم إضافته ونسبته إليه والفعل والخلق يضاف إليه فكان خيرا والذي شاءه كله خير والذي لم يشأ وجوده بقي على العدم الأصلي وهو الشر فإن الشر كله عدم وأن سببه جهل وهو عدم العلم أو ظلم وهو عدم العدل وما يترتب على ذلك من الآلام فهو من عدم استعداد المحل وقبوله لأسباب الخيرات واللذات ، فإن قلت كثير من الناس يطلق القول بأن الخير كله من الوجود ولوازمه والشر كله من العدم ولوازمه والوجود خير والشر المحض لا يكون إلا عدما ، قلت هذا اللفظ فيه إجمال فإن أريد به أن كل ما خلقه الله وأوجده ففيه الخير ووجوده خير من عدمه وما لم يخلقه ولم يشأه فهو المعدوم الباقي على عدمه ولا خير فيه إذ لو كان فيه خير لفعله فإنه بيده الخير فهذا صحيح فالشر العدمي هو عدم الخير وإن أريد أن كل ما يلزم الوجود فهو خير وكل ما يلزم العدم فهو شر فليس بصحيح فإن الوجود قد يلزمه شر مرجوح والعدم قد يلزمه خير راجح مثال","part":12,"page":211},{"id":5008,"text":"الأول النار والمطر والحر والبرد والثلج ووجود الحيوانات فإن هذا موجود ويلزمه شر جزئي مغمور بالنسبة إلى ما في وجود ذلك من الخير وكذلك المأمور به قد يلزمه من الألم والمشقة ما هو شر جزئي مغمور بالنسبة إلى ما فيه من الخير.\rفصل : وتحقيق الأمر أن الشر نوعان\rشر محض حقيقي من كل وجه وشر نسبي إضافي من وجه دون وجه\rفالأول لا يدخل في الوجود إذ لو دخل في الوجود لم يكن شرا محضا والثاني هو الذي يدخل في الوجود فالأمور التي يقال هي شرور إما أن تكون أمورا عدمية أو أمورا وجودية فإن كانت عدمية فإنها إما أن تكون عدما لأمور ضرورية للشيء في وجوده أو ضرورية له في دوام وجوده وبقائه أو ضرورية له في كماله وإما أن تكون غير ضرورية له في وجوده ولا بقائه ولا كماله وإن كان وجودها خيرا من عدمها فهذه أربعة أقسام فالأول كالإحساس والحركة والنفس للحيوان\rوالثاني كقوة الاغتذاء والنمو للحيوان المغتذي النامي\rوالثالث كصحته وسمعه وبصره وقوته","part":12,"page":212},{"id":5009,"text":"والرابع كالعلم بدقائق المعلومات التي العلم بها خير من الجهل وليست ضرورية له وأما الأمور الوجودية فوجود كل ما يضاد الحياة والبقاء والكمال كالأمراض وأسبابها والآلام وأسبابها والموانع الوجودية التي تمنع حصول الخير ووصوله إلى المحل القابل له المستعد لحصوله كالمواد الردية المانعة من وصول الغذاء إلى أعضاء البدن وانتفاعها به وكالعقائد الباطلة والإرادات الفاسدة المانعة لحصول أضدادها للقلب إذا عرف هذا فالشر بالذات هو عدم ما هو ضروري للشيء في وجوده أو بقائه أو كماله ولهذا العدم لوازم من شر أيضا فإن عدم العلم والعدل يلزمهما من الجهل والظلم ما هو شرور وجودية وعدم الصحة والاعتدال يلزمهما من الألم والضرر ما هو شر وجودي وأما عدم الأمور المستغنى عنها كعدم الغنى المفرط والعلوم التي لا يضر الجهل بها فليس بشر في الحقيقة ولا وجودها سببا للشر فإن العلم منه حيث هو علم والغنى منه حيث هو غنى لم يوضع سببا للشر وإنما يترتب الشر من عدم صفة تقتضي الخير كعدم العفة والصبر والعدل في حق الغنى فيحصل الشر له في غناه بعدم هذه الصفات وكذلك عدم الحكمة ووضع الشيء موضعه وعدم إرادة الحكمة في حق صاحب العلم يوجب ترتب الشر له على ذلك فظهر أن الشر لم يترتب إلا على عدم وإلا فالموجود من حيث وجوده لا يكون شرا ولا سببا للشر فالأمور الوجودية ليست شرورا بالذات بل بالعرض من حيث أنها تتضمن عدم أمور ضرورية أو نافعة فإنك لا تجد شيئا من الأفعال التي هي شر إلا وهي كمال بالنسبة إلى أمور وجهة الشر فيه بالنسبة إلى أمور أخر مثال ذلك أن الظلم يصدر عن قوة تطلب الغلبة والقهر وهي القوة الغضبية التي كمالها بالغلبة ولهذا خلقت فليس في ترتب أثرها عليها شر من حيث وجوده بل الشر عدم ترتب أثرها عليها البتة فتكون ضعيفة عاجزة مقهورة وإنما الشر الوجودي الحاصل شر إضافي بالنسبة إلى المظلوم بفوات نفسه أو ماله أو تصرفه وبالنسبة إلى الظالم لا من حيث","part":12,"page":213},{"id":5010,"text":"الغلبة والاستيلاء ولكن من حيث وضع الغلبة والقهر والاستيلاء في غير موضعه فعدل به من محله إلى غير محله ولو استعمل قوة الغضب في قهر المؤذي الباغي من الحيوانات الناطقة والبهيمة لكان خيرا ولكن عدل به إلى غير محله فوضع القهر والغلبة موضع العدل والنصفة ووضع الغلظة موضع الرحمة فلم يكن الشر في وجود هذه القوة ولا في ترتب أثرها عليها من حيث هما كذلك بل في إجرائها في غير مجراها ومثال ذلك ماء جار في نهر إلى أرض يسقيها وينفعها فكماله في جريانه حتى يصل إليها فإذا عدل به عن مجراه وطريقه إلى أرض يضرها ويخرب دورها كان الشر في العدول به عما أعدله وعدم وصوله إليه فهكذا الإرادة والغضب أعين بهما العبد ليتوصل بهما إلى حصول ما ينفعه وقهر ما يؤذيه ويهلكه فإذا استعملا في ذلك فهو كمالها وهو خير وإذا صرفا عن ذلك إلى استعمال هذه القوة في غير محلها وهذه في غير محلها صار ذلك شرا إضافيا نسبيا وكذلك النار كمالها في إحراقها فإذا أحرقت ما ينبغي إحراقه فهو خير وإن صادفت ما لا ينبغي إحراقه فأفسدته فهو شر إضافي بالنسبة إلى المحل المعين وكذلك القتل مثلا هو استعمال الآلة القطاعة في تفريق اتصال البدن فقوة الإنسان على استعمال الآلة خير وكون الآلة قابلة للتأثير خير وكون المحل قابلا لذلك خير وإنما الشر نسبي إضافي وهو وضع هذا التأثير في غير موضعه والعدول به عن المحل المؤدي إلى غيره وهذا بالنسبة إلى الفاعل وأما بالنسبة إلى المفعول فهو شر إضافي أيضا وهو ما حصل له من التألم وفاته من الحياة وقد يكون ذلك خيرا له من جهة أخرى وخير لغيرة وكذلك الوطء فإن قوة الفاعل وقبول المحل كمال ولكن الشر في العدول به عن المحل الذي يليق به إلى محل لا يحسن ولا يليق وهكذا حركة اللسان وحركات الجوارح كلها جارية على هذا المجرى فظهر أن دخول الشر في الأمور الوجودية إنما هو بالنسبة والإضافة لا أنها من حيث وجودها وذواتها شر وكذلك السجود ليس هو شرا","part":12,"page":214},{"id":5011,"text":"من حيث ذاته ووجوده فإذا أضيف إلى غير الله كان شرا بهذه النسبة والإضافة وكذلك كل ما وجوده كفر وشرك إنما كان شرا بإضافته إلى ما جعله كذلك كتعظيم الأصنام فالتعظيم من حيث هو تعظيم لا يمدح ولا يذم إلا باعتبار متعلقه فإذا كان تعظيما لله وكتابه ودينه ورسوله كان خيرا محضا وإن كان تعظيما للصنم وللشيطان فإضافته إلى هذا المحل جعلته شرا كما أن إضافة السجود إلى غير الله جعلته كذلك.\rفصل : ومما ينبغي أن يعلم أن الأشياء المكونة من موادها شيئا فشيئا كالنبات والحيوان أما إن يعرض لها النقص الذي هو شر في ابتدائها أو بعد تكونها فالأول هو بأن يعرض لمادتها من الأسباب ما يجعلها ردية المزاج ناقصة الاستعداد فيقع الشر فيها والنقص في خلقها بذلك السبب وليس ذلك بأن الفاعل حرمه وأذهب عنه أمرا وجوديا به كماله بل لأن المنفعل لم يقبل الكمال والتمام وعدم قبوله أمر عدمي ليس بالفاعل وأما الذي بالفاعل فهو الخير الوجودي الذي يتقبل به كماله وتمامه ونقصه والشر الذي حصل فيه هو من عدم إمداده بسبب الكمال فبقي على العدم الأصلي وبهذا يفهم سر قوله تعالى : {مَا تَرَى فِي خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِنْ تَفَاوُتٍ} فإن ما خلقه فهو أمر وجودي به كمال المخلوق وتمامه وأما عيبه ونقصه فمن عدم قبوله وعدم القبول ليس أمرا مخلوقا يتعلق بفعل الفاعل فالخلق الوجودي ليس فيه تفاوت والتفاوت إنما حصل بسبب هذا الخلق فإن الخالق سبحانه لم يخلق له استعدادا فحصل التفاوت فيه من عدم الخلق لا من نفس الخلق فتأمله والذي إلى الرب سبحانه هو الخلق وأما العدم فليس هو بفاعل له فإذا لم يكمل في مادة الجنين في الرحم ما يقتضي كماله وسلامة أعضائه واعتدالها حصل فيه التفاوت وكذلك النبات.\rفصل : وأما الثاني وهو أن الشر الحاصل بعد تكونه وإيجاده فهو نوعان أيضا","part":12,"page":215},{"id":5012,"text":"أحدهما أن يقطع عنه الإمداد الذي به كماله بعد وجوده كما يقطع عن النبات إمداده بالسقي وعن الحيوان إمداده بالغذاء فهو شر مضاف إلى العدم أيضا وهو عدم ما يكمل به\rالثاني : حصول مضاد مناف وهو نوعان\rأحدهما قيام مانع في المحل يمنع تأثير الأسباب الصالحة فيه كما تقوم بالبدن أخلاط ردية تمنع تأثير الغذاء فيه وانتفاعه به وكما تقوم بالقلب إرادات واعتقادات فاسدة تمنع انتفاعه بالهدى والعلم فهذا الشر وإن كان وجوديا وأسبابه وجودية فهو أيضا من عدم القوة والإرادة التي يدفع بها ذلك المانع فلو وجدت قوة وإرادة تدفعه لم يتأثر المحل به مثاله أن غلبة الأخلاط واستيلائها من عدم القوة المنضجة لها أو القوة الدافعة لما يحتاج إلى خروج وكذلك استيلاء الإرادات الفاسدة لضعف قوة العفة والصبر واستيلاء الاعتقادات الباطلة لعدم العلم المطابق لمعلومه فكل شر ونقص فإنما حصل لعدم سبب ضده وعدم سبب ضده ليس فاعلا له بل يكفي فيه بقاؤه على العدم الأصلي","part":12,"page":216},{"id":5013,"text":"الثاني : مانع من خارج كالبرد الشديد والحرق والغرق ونحو ذلك مما يصيب الحيوان والنبات فيحدث فيه الفساد فهذا لا ريب أنه شر وجودي مستند إلى سبب وجودي ولكنه شر نسبي إضافي وهو خير من وجه آخر فإن وجود ذلك الحر والبرد والماء يترتب عليه مصالح وخيرات كلية هذا الشر بالنسبة إليها جزئي فتعطيل تلك الأسباب لتفويت هذا الشر الجزئي يتضمن شرا أكثر منه وهو فوات تلك الخيرات الحاصلة بها فإن ما يحصل بالشمس والريح والمطر والثلج والحر والبرد من مصالح الخلق أضعاف أضعاف ما يحصل بذلك من مفاسد جزئية هي في جنب تلك المصالح كقطرة في بحر هذا لو كان شرها حقيقيا فكيف وهي خير من وجه وشر من وجه وإن لم يعلم جهة الخير فيها كثير من الناس فما قدرها الرب سبحانه سدى ولا خلقها باطلا وعند هذا فيقال الوجود إما أن يكون خيرا من كل وجه أو شرا من كل وجه أو خيرا من وجه شرا من وجه وهذا على ثلاثة أقسام قسم خيره راجح على شره وعكسه وقسم مستو خيره وشره وأما أن لا يكون فيه خير ولا شر فهذه ستة أقسام ولا مزيد عليها فبعضها واقع وبعضها غير واقع فأما القسم الأول وهو الخير المحض من كل وجه الذي لا شر فيه بوجه ما فهو أشرف الموجودات على الإطلاق وأكملها وأجلها وكل كمال وخير فيها فهو مستفاد من خيره وكماله في نفسه وهي تستمد منه وهو لا يستمد منها وهي فقيرة إليه وهو غني عنها كل منها يسأله كماله فالملائكة تسأله ما لا حياة لها إلا به وإعانته على ذكره وشكره وحسن عبادته وتنفيذ أوامره والقيام بما جعل إليهم من مصالح العالم العلوي والسفلي وتسأله أن يغفر لبني آدم والرسل تسأله أن يعينهم على أداء رسالاته وتبليغها وأن ينصرهم على أعدائهم وغير ذلك من مصالحهم في معاشهم ومعادهم وبنو آدم كلهم يسألونه مصالحهم على تنوعها واختلافها والحيوان كله يسأله رزقه وغذاءه وقوته وما يقيمه ويسأله الدفع عنه والشجر والنبات يسأله غذاءه وما يكمل به والكون كله يسأله إمداده","part":12,"page":217},{"id":5014,"text":"بقاله وحاله : {يَسْأَلُهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ} فأكف جميع العالم ممتدة إليه بالطلب والسؤال ويده مبسوطة لهم بالعطاء والنوال يمينه ملأى لا يغيضها نفقة سجاء الليل والنهار وعطاؤه وخيره مبذول للأبرار والفجار له كل كمال ومنه كل خير له الحمد كله وله الثناء كله وبيده الخير كله وإليه يرجع الأمر كله تبارك اسمه وتباركت أوصافه وتباركت أفعاله وتباركت ذاته فالبركة كلها له ومنه لا يتعاظمه خير سئله ولا تنقص خزائنه على كثرة عطائه وبذله فلو صور كل كمال في العالم صورة واحدة ثم كان العالم كله على تلك الصورة لكان نسبة ذلك إلى كماله وجلاله وجماله دون نسبة سراج ضعيف إلى عين الشمس.\rفصل : وأما الأقسام الخمسة الباقية فلا يدخل منها في الوجود إلا ما كانت المصلحة والحكمة والخير في إيجاده أكثر من المفسدة والأقسام الأربعة لا تدخل في الوجود\rأما الشر المحض الذي لا خير فيه فذاك ليس له حقيقة بل هو العدم المحض ، فإن قيل فإبليس شر محض والكفر والشرك كذلك وقد دخلوا في الوجود فأي خير في إبليس وفي وجود الكفر ، قيل في خلق إبليس من الحكم والمصالح والخيرات التي ترتبت على وجوده ما لا يعلمه إلا الله كما سننبه على بعضه فالله سبحانه لم يخلقه عبثا ولا قصد بخلقه إضرار عباده وهلاكهم فكم لله في خلقه من حكمة باهرة وحجة قاهرة وآية ظاهرة ونعمة سابغة وهو وإن كان للأديان والإيمان كالسموم للأبدان ففي إيجاد السموم من المصالح والحكم ما هو خير من تفويتها.","part":12,"page":218},{"id":5015,"text":"وأما الذي لا خير فيه ولا شر فلا يدخل أيضا في الوجود فإنه عبث فتعالى الله عنه وإذا امتنع وجود هذا القسم في الوجود فدخول ما الشر في إيجاده أغلب من الخير أولى بالامتناع ومن تأمل هذا الوجود علم أن الخير فيه غالب وأن الأمراض وإن كثرت فالصحة أكثر منها واللذات أكثر من الآلام والعافية أعظم من البلاء والغرق والحرق والهدم ونحوها وإن كثرت فالسلامة أكثر ولو لم يوجد هذا القسم الذي خيره غالب لأجل ما يعرض فيه من الشر لفات الخير الغالب وفوات الخير الغالب شر غالب ومثال ذلك النار فإن في وجودها منافع كثيرة وفيها مفاسد لكن إذا قابلنا بين مصالحها ومفاسدها لم تكن لمفاسدها نسبة إلى مصالحها وكذلك المطر والرياح والحر والبرد وبالجملة فعناصر هذا العالم السفلي خيرها ممتزج بشرها ولكن خيرها غالب وأما العالم العلوي فبريء من ذلك ، \rفإن قيل فهلا خلق الخلاق الحكيم هذه خالية من الشر بحيث تكون خيرات محضة فإن قلتم اقتضت الحكمة خلق هذا العالم ممتزجا فيه اللذة بالألم والخير بالشر فقد كان يمكن خلقه على حالة لا يكون فيه شر كالعالم العلوي سلمنا أن وجود ما الخير فيه أغلب من الشر أولى من عدمه فأي خير ومصلحة في وجود رأس الشر كله ومنبعه وقدوة أهله فيه إبليس وأي خير في إبقائه إلى آخر الدهر وأي خير يغلب في نشأة يكون فيها تسعة وتسعون إلى النار وواحد في الجنة وأي خير غالب حصل بإخراج الأبوين من الجنة حتى جرى على الأولاد ما جرى ولو داما في الجنة لارتفع","part":12,"page":219},{"id":5016,"text":"الشر بالكلية وإذا كان قد خلقهم لعبادته فكيف اقتضت حكمته أن صرف إليهم عنا ووفق لها الأقل من الناس وأي خير يغلب في خلق الكفر والفسوق والعصيان والظلم والبغي وأي خير في إيلام غير المكلفين كالأطفال والمجانين فإن قلتم فائدته التعويض أنقض عليكم بإيلام البهائم ثم وأي خير في خلق الدجال وتمكينه من الظهور والافتتان به وإذ قد اقتضت الحكمة ذلك فأي خير حصل في تمكينه من إظهار تلك الخوارق والعجائب وأي خير في السحر وما يترتب عليه من المفاسد والمضار وأي خير في إلباس الخلق شيعا وإذاقة بعضهم بأس بعض وأي خير في خلق السموم وذات السموم والحيوانات العادية المؤذية بطبعها وأي خير في خراب هذه البنية بعد خلقها في أحسن تقويم وردها إلى أرذل العمر بعد استقامتها وصلاحها وكذلك خراب هذا الدار ومحو أثرها فإن كان وجود ذلك خيرا غالبا فإبطاله إبطال للخير الغالب دع هذا كله فأي خير راجح أو مرجوح في النار وهي دار الشر الأعظم والبلاء الأكبر ولا خلاص لكم عن هذه الأسئلة إلا بسد باب الحكم والتعليل وإسناد الكون إلى محض المشيئة أو القول بالإيجاب الذاتي وأن الرب لا يفعل باختياره ومشيئته وهذه الأسئلة إنما ترد على من يقول بالفاعل المختار فلهذا لجأ القائلون إلى إنكار التعليل جملة فاختاروا أحد المذهبين وتحيزوا إلى إحدى الفئتين وإلا فكيف تجمعون بين القول بالحكمة والتعليل وبين هذه الأمور ؟ ","part":12,"page":220},{"id":5017,"text":"فالجواب بعد أن نقول سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر بل في تحقيق هذه الكلمات الجواب الشافي : {رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلاً سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ} : {وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لاعِبِينَ} {مَا خَلَقْنَاهُمَا إِلاّ بِالْحَقِّ} : {وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَاطِلاً ذَلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النَّارِ} : {أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثاً وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لا تُرْجَعُونَ فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ لا إِلَهَ إِلاّ هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ} : {اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الأَمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاَطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْماً} : {جَعَلَ اللَّهُ الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ قِيَاماً لِلنَّاسِ وَالشَّهْرَ الْحَرَامَ وَالْهَدْيَ وَالْقَلائِدَ ذَلِكَ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَأَنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ} : {صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ} : {وأحسن كل الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ} : {مَا تَرَى فِي خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِنْ تَفَاوُتٍ} بل هو في غاية التناسب واقع على أكمل الوجوه وأقربها إلى حصول الغايات المحمودة والحكم المطلوبة فلم يكن تحصل تلك الحكم والغايات التي انفرد الله سبحانه بعلمها على التفصيل وأطلع من شاء من عباده على أيسر اليسير منها إلا بهذه الأسباب والبدايات وقد سأله الملائكة المقربون عن جنس هذه الأسئلة وأصلها فقال : {إِنِّي أَعْلَمُ مَا لا تَعْلَمُونَ} وأقروا له بكمال العلم والحكمة وأنه في جميع أفعاله على\rصراط مستقيم وقالوا سبحانك لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم ولما ظهر لهم ببعض حكمته فيما سألوا عنه وأنهم لم يكونوا يعلمون قال : {قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ}.","part":12,"page":221},{"id":5018,"text":"فصل : ونحن نذكر أصولا مهمة نبين بها جواب هذه الأسئلة وقد اعترف كثير من المتكلمين ممن له نظر في الفلسفة والكلام أنه لا يمكن الجواب عنها إلا بالتزام القول بالموجب بالذات أو القول بإبطال الحكمة والتعليل وأنه سبحانه لا يفعل شيئا لشيء ولا يأمر بشيء لحكمة ولا جعل شيئا من الأشياء سببا لغيره وما ثم إلا مشيئة محضة وقدرة ترجح مثلا على مثل بلا سبب ولا على وأنه لا يقال في فعله لم ولا كيف ولا لأي سبب وحكمة ولا هو معلل بالمصالح","part":12,"page":222},{"id":5019,"text":"قال الرازي في مباحثه : \"فإن قيل فلم لم يخلق الخالق هذه الأشياء عرية عن كل الشرور فنقول لأنه لو جعلها كذلك لكان هذا هو القسم الأول وذلك مما خرج عنه\" يعني كان ذلك هو القسم الذي هو خير محض لا شر فيه قال : \"وبقي في الفعل قسم آخر وهو الذي يكون خيره غالبا على شره\" وقد بينا أن الأولى بهذا القسم أن يكون موجودا قال وهذا الجواب لا يعجبني لأن لقائل أن يقول أن جميع هذه الخيرات والشرور إنما توجد باختيار الله سبحانه وإرادته فالاحتراق الحاصل عقيب النار ليس موجبا عن النار بل الله اختار خلقه عقيب مماسة النار وإذا كان حصول الاحتراق عقيب مماسة النار باختيار الله وإرادته فكان يمكنه أن يختار خلق الإحراق عندما يكون خيرا ولا يختار خلقه عندما يكون شرا ولا خلاص عن هذه المطالبة إلا ببيان كونه فاعلا بالذات لا بالقصد والاختيار ويرجع حاصل الكلام في هذه المسألة إلى مسألة القدم والحدوث فانظر كيف اعترف بأنه لا خلاص عن هذه الأسئلة إلا بتكذيب جميع الرسل من أولهم إلى آخرهم وإبطال جميع الكتب المنزلة من عند الله ومخالفة صريح العقل في أن خالق العالم سبحانه مريد مختار ما شاء كان بمشيئته وما لم يشأ لم يكن لعدم مشيئته وأنه ليس في الكون شيء حاصل بدون مشيئته ألبتة فأقر على نفسه أنه لا خلاص له في تلك الأسئلة إلا بالتزام طريقة أعداء الرسل والملل القائلين بأن الله لم يخلق السماوات والأرض في ستة أيام ولا أوجد العالم بعد عدمه ولا يفنيه بعد إيجاده وصدور ما صدر عنه بغير اختياره ومشيئته فلم يكن مختارا مريدا للعالم وليس عنده إلا هذا القول أو قول الجبرية منكري الأسباب والحكم والتعليل أو قول المعتزلة الذين أثبتوا حكمة لا ترجع إلى الفاعل وأوجبوا رعاية مصالح شبهوا فيها الخالق بالمخلوق وجعلوا له بعقولهم شريعة أوجبوا عليه فيها وحرموا وحجروا عليه فالأقوال الثلاثة تتردد في صدره وتتقاذف به أمواجها تقاذف السفينة إذا لعبت بها الرياح (1)\r________________\r(1) هذا الاتهام فيه نظر وفيه تجن واضح ، وكلام الفخر ـ رحمه الله ـ لم يشر لا من قريب ولا من بعيد إلى شىء من ذلك بل هو على نقيضه. وكان الأليق بابن القيم ـ رحمه الله ـ أن ينصفه. والله أعلم.","part":12,"page":223},{"id":5020,"text":"الشديدة والعاقل لا يرضى لنفسه بواحد من هذه الأقوال لمنافاتها العقل والنقل والفطرة والقول الحق في هذه الأقوال كيوم الجمعة في الأيام أضل الله عنه أهل الكتابين قبل هذه الأمة وهداهم إليه كما قال النبي صلى الله عليه وسلم في الجمعة : \"أضل الله عنها من كان قبلنا فاليوم لنا وغدا لليهود وبعد غد للنصارى\" ونحن هكذا نقول بحمد الله ومنه القول الوسط الصواب لنا وإنكار الفاعل بالمشيئة والاختيار لأعداء الرسول وإنكار الحكمة والمصلحة والتعليل والأسباب للجهمية والجبرية وإنكار عموم القدرة والمشيئة العائدة إلى الرب سبحانه من محبته وكراهته وموجب حمده ومقتضى أسمائه وصفاته ومعانيها وآثارها للقدرية المجوسية ونحن نبرأ إلى الله من هذه الأقوال وقائلها إلا من حق تتضمنه مقالة كل فرقة منهم فنحن به قائلون وإليه منقادون وله ذاهبون.","part":12,"page":224},{"id":5021,"text":"فصل : الأصل الأول : إثبات عموم علمه سبحانه وإحاطته بكل معلوم وأنه لا تخفى عليه خافية ولا يعزب عنه مثقال ذرة في السماوات والأرض بل قد أحاط بكل شيء علما وأحصى كل شيء عددا والخلاف في هذا الأصل مع فرقتين إحداهما أعداء الرسل كلهم وهم الذين ينفون علمه بالجزئيات وحاصل قولهم أنه لا يعلم موجودا البتة فإن كل موجود جزئي معين فإذا لم يعلم الجزئيات لم يكن عالما بشيء من العالم العلوي والسفلي والفرقة الثانية غلاة القدرية الذين اتفق السلف على كفرهم وحكموا بقتلهم الذين يقولون لا يعلم أعمال العباد حتى يعلموها ولم يعلمها قبل ذلك ولا كتبها ولا قدرها فضلا عن أن يكون شاءها وكونها وقول هؤلاء معلوم البطلان بالضرورة من أديان جميع المرسلين وكتب الله المنزلة وكلام الرسول صلى الله عليه وسلم مملوءة بتكذيبهم وإبطال قولهم وإثبات عموم علمه الذي لا يشاركه فيه خلقه ولا يحيطون بشيء منه إلا بما شاء أن يطلعهم عليه ويعلمهم به وما أخفاه عنهم ولم يطلعهم عليه لا نسبة لما عرفوه إليه إلا دون نسبة قطرة واحدة إلى البحار كلها كما قال الخضر لموسى وهما أعلم أهل الأرض حينئذ ما نقص علمي وعلمك من علم الله إلا كما نقص هذا العصفور من البحر ويكفي أن ما يتكلم به من علمه لو قدر أن البحر يمده من بعده سبعة أبحر مداد وأشجار الأرض كلها من أول الدهر إلى آخره أقلام يكتب به ما يتكلم به مما يعلمه لنفدت البحار وفنيت الأقلام ولم تنفذ كلماته فنسبة علوم الخلائق إلى علمه سبحانه كنسبة قدرتهم إلى قدرته وغناهم إلى غناه وحكمتهم إلى حكمته وإذا كان أعلم الخلق به على الإطلاق يقول : \"لا أحصي ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك\" ويقول في دعاء الاستخارة : \"فإنك تقدر ولا أقدر وتعلم ولا أعلم وأنت علام الغيوب\" ويقول سبحانه للملائكة : {إِنِّي أَعْلَمُ مَا لا تَعْلَمُونَ} ويقول سبحانه لأعلم الأمم وهم أمة محمد صلى الله عليه وسلم : {كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ","part":12,"page":225},{"id":5022,"text":"وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئاً وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ} ويقول لأهل الكتاب : {وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلا قَلِيلاً} وتقول رسله يوم القيامة حين يسألهم : {مَاذَا أُجِبْتُمْ قَالُوا لا عِلْمَ لَنَا إِنَّكَ أَنْتَ عَلاّمُ الْغُيُوبِ} وهذا هو الأدب المطابق للحق في نفس الأمر فإن علومهم وعلوم الخلائق تضمحل وتتلاشى في علمه سبحانه كما يضمحل ضوء السراج الضعيف في عين الشمس فمن أظلم الظلم وأبين الجهل وأقبح القبيح وأعظم القحة والجراءة أن يعترض من لا نسبة لعلمه إلى علوم الناس التي لا نسبة لها إلى علوم الرسل التي لا نسبة لها إلى علم رب العالمين عليه ويقدح في حكمته ويظن أن الصواب والأولى أن يكون غير ما جرى به قلمه وسبق به علمه وأن يكون الأمر بخلاف ذلك فسبحان الله رب العالمين تنزيها لربوبيته وإلهيته وعظمته وجلاله عما لا يليق به من كل ما نسبه إليه الجاهلون الظالمون فسبحان الله كلمة يحاشى الله بها عن كل ما يخالف كماله من سوء ونقص وعيب فهو المنزه التنزيه التام من كل وجه وبكل اعتبار عن كل نقص متوهم وإثبات عموم حمده وكماله وتمامه ينفي ذلك واتصافه بصفات الإلهية التي لا تكون لغيره وكونه أكبر من كل شيء في ذاته وأوصافه وأفعاله ينفي ذلك لمن رسخت معرفته في معنى سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر وسافر قلبه في منازلها وتلقى معانيها من مشكاة النبوة لا من مشكاة الفلسفة والكلام الباطل وآراء المتكلمين فهذا أصل يجب التمسك به في هذا المقام وأن يعلم أن عقول العالمين ومعارفهم وعلومهم وحكمهم تقصر عن الإحاطة بتفاصيل حكمة الرب سبحانه في أصغر مخلوقاته ، ","part":12,"page":226},{"id":5023,"text":"الأصل الثاني : أنه سبحانه حي حقيقة وحياته أكمل الحياة وأتمها وهي حياة تستلزم جميع صفات الكمال ونفي أضدادها من جميع الوجوه ومن لوازم الحياة الفعل الاختياري فإن كل حي فعال وصدور الفعل عن الحي بحسب كمال حياته ونقصها وكل من كانت حياته أكمل من غيره كان فعله أقوى وأكمل وكذلك قدرته ولذلك كان الرب سبحانه على كل شيء قدير وهو فعال لما يريد وقد ذكر البخاري في كتاب خلق الأفعال عن نعيم بن حماد أنه قال : \"الحي هو الفعال\" وكل حي فعال فلا فرق بين الحي والميت إلا بالفعل والشعور وإذا كانت الحياة مستلزمة للفعل وهو الأصل الثالث فالفعل الذي لا يعقل الناس سواه هو الفعل الاختياري الإرادي الحاصل بقدرة الفاعل وإرادته ومشيئته وما يصدر عن الذات من غير سفير قدرة منها ولا إرادة لا يسميه أحد من العقلاء فعلا وإن كان أثرا من آثارها ومتولدا عنها كتأثير النار في الإحراق والماء في الإغراق والشمس في الحرارة فهذه آثار صادرة عن هذه الأجسام وليست أفعالا لها وإن كانت بقوى وطبائع جعلها الله فيها فالفعل والعمل من الحي العالم لا يقع إلا بمشيئته وقدرته وكون الرب سبحانه حيا فاعلا مختارا مريدا مما اتفقت عليه الرسل والكتب ودل عليه العقل والفطرة وشهدت به الموجودات ناطقها وصامتها جمادها وحيوانها علويها وسفليها فمن أنكر فعل الرب الواقع بمشيئته واختياره وفعله فقد جحد ربه وفاطره وأنكر أن يكون للعامل رب ، الأصل الرابع : أنه سبحانه ربط الأسباب بمسبباتها شرعا وقدرا وجعل الأسباب محل حكمته في أمره الديني والشرعي وأمره الكوني القدري ومحل ملكه وتصرفه فإنكار الأسباب والقوى والطبائع جحد للضروريات وقدح في العقول والفطر ومكابرة للحس وجحد للشرع والجزاء فقد جعل سبحانه مصالح العباد في معاشهم ومعادهم والثواب والعقاب والحدود والكفارات والأوامر والنواهي والحل والحرمة كل ذلك مرتبطا بالأسباب قائما بها بل العبد نفسه وصفاته وأفعاله سبب لما يصدر عنه","part":12,"page":227},{"id":5024,"text":"بل الموجودات كلها أسباب ومسببات والشرع كله أسباب ومسببات والمقادير أسباب ومسببات والقدر جار عليها متصرف فيها فالأسباب محل الشرع والقدر والقرآن مملوء من إثبات الأسباب كقوله : {بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ} : {بِمَا كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ} : {ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ يَدَاكَ} : {فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ} : {كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئاً بِمَا أَسْلَفْتُمْ فِي الأَيَّامِ الْخَالِيَةِ} : {جَزَاءً وِفَاقاً} : {فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ وَبِصَدِّهِمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ كَثِيراً وَأَخْذِهِمُ الرِّبا وَقَدْ نُهُوا عَنْهُ وَأَكْلِهِمْ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ} : {فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ وَكُفْرِهِمْ بِآيَاتِ اللَّهِ وَقَتْلِهِمُ الأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَقَوْلِهِمْ قُلُوبُنَا غُلْفٌ} إلى قوله : {وَبِكُفْرِهِمْ وَقَوْلِهِمْ عَلَى مَرْيَمَ بُهْتَاناً عَظِيماً وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ} وقوله : {فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً} وقوله : {فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ} وقوله : {ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانَتْ تَأْتِيهِمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَكَفَرُوا فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ} وقوله : {ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبا} وقوله : {ذَلِكَ بِأَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا اتَّبَعُوا الْبَاطِلَ وَأَنَّ الَّذِينَ آمَنُوا اتَّبَعُوا الْحَقَّ مِنْ رَبِّهِمْ} وقوله : {فَعَصَوْا رَسُولَ رَبِّهِمْ فَأَخَذَهُمْ أَخْذَةً رَابِيَةً} وقوله : {فَكَذَّبُوهُمَا فَكَانُوا مِنَ الْمُهْلَكِينَ} : {فَعَصَى فِرْعَوْنُ الرَّسُولَ فَأَخَذْنَاهُ أَخْذاً وَبِيلاً} : {فَكَذَّبُوهُ فَعَقَرُوهَا فَدَمْدَمَ عَلَيْهِمْ رَبُّهُمْ بِذَنْبِهِمْ","part":12,"page":228},{"id":5025,"text":"فَسَوَّاهَا} وقوله : {فَلَمَّا آسَفُونَا انْتَقَمْنَا مِنْهُمْ فَأَغْرَقْنَاهُمْ أَجْمَعِينَ فَجَعَلْنَاهُمْ سَلَفاً وَمَثَلاً لِلآخِرِينَ} وقوله : {وَنَزَّلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً مُبَارَكاً فَأَنْبَتْنَا بِهِ جَنَّاتٍ وَحَبَّ الْحَصِيدِ} وقوله : {حَتَّى إِذَا أَقَلَّتْ سَحَاباً ثِقَالاً سُقْنَاهُ لِبَلَدٍ مَيِّتٍ فَأَنْزَلْنَا بِهِ الْمَاءَ فَأَخْرَجْنَا بِهِ مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ} وقوله : {يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلامِ} وقوله : {قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ وَيُخْزِهِمْ} الآية وقوله : {وَأَنْزَلْنَا مِنَ الْمُعْصِرَاتِ مَاءً ثَجَّاجاً لِنُخْرِجَ بِهِ حَبّاً وَنَبَاتاً وَجَنَّاتٍ أَلْفَافاً} وكل موضع رتب فيه الحكم الشرعي أو الجزائي على الوصف أفاد كونه سببا له كقوله : {وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالاً مِنَ اللَّهِ} وقوله : {الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ} وقوله : {وَالَّذِينَ يُمَسِّكُونَ بِالْكِتَابِ وَأَقَامُوا الصَّلاةَ إِنَّا لا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُصْلِحِينَ} وقوله : {الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ زِدْنَاهُمْ عَذَاباً فَوْقَ الْعَذَابِ بِمَا كَانُوا يُفْسِدُونَ} وهذا أكثر من أن يستوعب وكل موضع تضمن الشرط والجزاء أفاد سببية الشرط والجزاء وهو أكثر من أن يستوعب كقوله : {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَاناً} وقوله : {لَئِنْ شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ} وكل موضع رتب فيه الحكم على ما قبله بحرف أفاد التسبب وقد تقدم وكل موضع تقدم ذكرت فيه الباء تعليلا لما قبلها بما بعدها أفاد التسبب وكل موضع صرح فيه بأن كذا جزاء لكذا أفاد\rالتسبيب فإن العلة الغائية عله للعلة الفاعلية ولو تتبعنا ما يفيد إثبات الأسباب من القرآن والسنة لزاد على عشرة آلاف موضع ولم نقل ذلك مبالغة بل حقيقة ويكفي شهادة الحس والعقل والفطر. أ هـ {شفاء العليل صـ 178 ـ 189}","part":12,"page":229},{"id":5026,"text":"قوله تعالى { تُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَتُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ وَتُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَتُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَتَرْزُقُ مَنْ تَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ (27)}\rمناسبة الآية لما قبلها\rقال البقاعى : \rلما ثبتت خصوصيته سبحانه وتعالى بصفة القدرة على الوجه الأعم ذكر بعض ما تحت ذلك مما لم يدخل شيء منه تحت قدرة غيره فقال : { تُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَتُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ}\rوقال الحرالي : ولما كانت هذه الآية متضمنة تقلبات نفسانية في العالم القائم الآدمي اتصل بها ذكر تقلبات في العالم الدائر ليؤخذ لكل منها اعتبار من الآخر.","part":12,"page":230},{"id":5027,"text":"ولما ظهر في هذه الآية افتراق النزع والإيتاء والإعزاز والإذلال أبدى في الآية التالية توالج بعضها في بعض ليؤذن بولوج العز في الذل والذل في العز ، والإيتاء في النزع والنزع في الإيتاء ، وتوالج المفترقات والمتقابلات بعضها في بعض ، ولما كانت هذه السورة متضمنة لبيان الإحكام والتشابه في منزل الكتاب بحكم الفرقان أظهر تعالى في آياتها ما أحكم وبين في خلقه وأمره وما التبس وأولج في خلقه وأمره ، فكان من محكم آية في الكائن القائم الآدمي ما تضمنه إيتاء الملك ونزعه والإعزاز والإذلال ، وكان من الاشتباه إيلاج العز في الذل وإيلاج الذل في العز ، فلما صرح بالإحكام ببيان الطرفين في الكائن القائم الآدمي ، وضمن الخطاب اشتباهه في ذكر العز والذل صرح به في آية الكون الدائر ، فذكر آية الآفاق وهو الليل والنهار بما يعاين فيها من التوالج حيث ظهر ذلك فيها وخفي في توالج أحوال الكائن القائم ، لأن الإحكام والاشتباه متراد بين الآيتين : آية الكائن القائم الآدمي وآية الكون الدائر العرشي ، فما وقع اشتباهه في أحدهما ظهر إحكامه في الآخر فقال سبحانه وتعالى : {تولج} من الولوج ، وهو الدخول في الشيء الساتر لجملة الداخل {الليل في النهار} فيه تفصيل من مضاء قدرته ، فهو سبحانه وتعالى يجعل كل واحد من المتقابلين بطانة للآخر والجاً فيه على وجه لا يصل إليه منال العقول لما في المعقول من افتراق المتقابلات ، فكان في القدرة إيلاج المتقابلات بعضها في بعض وإيداع بعضها في بعض على وجه لا يتكيف بمعقول ولا ينال بفكر - انتهى.\r{وتولج النهار في الليل} أي تدخل كلاً منهما في الآخر بعد ظهوره حتى يذهب فيه فيخفى ولا يبقى له أثر.\rقال الحرالي : ولما جعل المتعاقبين من الليل والنهار متوالجين جعل المتباطنين من الحي والميت مخرجين ، فما ظهر فيه الموت بطنت فيه الحياة ، وما ظهرت فيه الحياة بطن فيه الموت ؛ انتهى.","part":12,"page":231},{"id":5028,"text":"فقال سبحانه وتعالى : {وتخرج الحي} أي من النبات والحيوان {من الميت} منهما {وتخرج الميت} منهما {من الحي} منهما كذلك.\rقال الحرالي : فهذه سنة الله وتعالى وحكمته في الكائن القائم وفي الكون الدائر ، فأما في الكون الدائر فبإخراج حي الشجر والنجم من موات البذر والعجم ، وبظهوره في العيان كان أحكم في البيان مما يقع في الكائن القائم ، كذلك الكائن القائم يخرج الحي المؤمن الموقن من الميت الكافر الجاهل {وما كان استغفار إبراهيم لأبيه إلا عن موعده وعدها إياه فلما تبين له أنه عدو لله تبرأ منه} [ التوبة : 14 ] ويخرج الكافر الآبي من المؤمن الراحم {يا نوح إنه ليس من أهلك} [ هود : 46 ] أظهر سبحانه وتعالى بذلك وجوه الإحكام والاشتباه في آيتي خلقه ليكون ذلك آية على ما في أمره ، وليشف ذلك عما يظهر من أمر علمه وقدرته على من شاء من عباده كما أظهر في ملائكته وأنيبائه ، وكما خصص بما شاء من إظهار عظيم أمره في المثلين الأعظمين : مثل آدم وعيسى عليهما الصلاة والسلام ، فأنزلت هذه السورة لبيان الأمر فيما اشتبه على من التبس عليه أمر عيسى عليه الصلاة والسلام ، فهو تعالى أظهر من موات الإنسانية ما شاء من الإحياء بإذنه ، وأظهر في آدم عليه الصلاة والسلام ما شاء من علمه حين علم آدم الأسماء كلها كذلك أظهر في عيسى عليه الصلاة والسلام ما شاء من قدرته كما أظهر في الخلق ما شاء من ملكه ، فملك من شاء ونزع الملك ممن شاء ، وأعز من شاء وأذل من شاء ، وأظهر بالنهار ما شاء وطمس بالليل ما شاء ، وأولج المتقابلين بعضهما في بعض وأخرج المتباطنين بعضهما من بعض - انتهى.","part":12,"page":232},{"id":5029,"text":"ولما بدأ الآية سبحانه وتعالى مما يقتضي الترغيب بما هو محط أحوال الأنفس من الملك وأنواع الخير ختمها بمثل ذلك مما لا يقوم الملك ولا يطيب العيش إلا به فقال : {وترزق من تشاء} قوياً كان أو ضعيفاً {بغير حساب} أي تعطيه عطاء واسعاً جداً متصلاً من غير تضييق ولا عسر ، كما فعل بأول هذه الأمة على ما كانوا فيه من القلة والضعف حيث أباد بهم الأكاسرة والقياصرة وآتاهم كنوزهم وأخدمهم أبناءهم وأحلهم ديارهم.\rوقال الحرالي : ولما ذكر سبحانه وتعالى هذا الإحكام والاشتباه في أمر العلية من الخلق وفيه من الإحكام والاشتباه نحو ما في الإيتاء والنزع ولما فيه من الوزن والإيتاء بقدر ختم بأعزيه وهو الإرزاق الذي لا يقع على وزن ولا يكون بحساب ، وفيه إشعار بالإرزاق الختمي الذي يكون في آخر اليوم المحمدي للذين يؤتيهم الله سبحانه وتعالى ما شاء من ملكه وعزه وسعة رزقه بغير حساب ، فكما ختم الملك لبني إسرائيل بملك سليمان عليه الصلاة والسلام في قوله سبحانه وتعالى {هذا عطاؤنا فامنن أو أمسك بغير حساب} [ ص : 39 ] كذلك يختم لهذه الأمة بأن يرزقهم بغير حساب حين تلقي الأرض بركاتها وتتطهر من فتنتها ، فتقع المكنة في ختم اليوم المحمدي بالهداية والهدنة كما انقضت لبني إسرائيل بالملك والقوة - انتهى. أ هـ {نظم الدرر حـ 2 صـ 55 ـ 57}\rقال الفخر : \rأما قوله تعالى : {تُولِجُ الليل فِى النهار وَتُولِجُ النهار فِى الليل} فيه وجهان\rالأول : أن يجعل الليل قصيراً ويجعل ذلك القدر الزائد داخلاً في النهار وتارة على العكس من ذلك وإنما فعل سبحانه وتعالى ذلك لأنه علق قوام العالم ونظامه بذلك","part":12,"page":233},{"id":5030,"text":"والثاني : أن المراد هو أنه تعالى يأتي بالليل عقيب النهار ، فيلبس الدنيا ظلمة بعد أن كان فيها ضوء النهار ، ثم يأتي بالنهار عقيب الليل فيلبس الدنيا ضوءه فكان المراد من إيلاج أحدهما في الآخر إيجاد كل واحد منهما عقيب الآخر ، والأول أقرب إلى اللفظ ، لأنه إذا كان النهار طويلاً فجعل ما نقص منه زيادة في الليل كان ما نقص منه داخلاً في الليل. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 8 صـ 9}\rفائدة\rقال ابن عاشور : \rوحقيقة تولج تدخل وهو هنا استعارة لتعاقب ضوء النهار وظلمة الليل ، فكأن أحدهما يدخل في الآخر ، ولازدياد مدة النهار على مدة الليل وعكسه في الأيام والفصول عدا أيام الاعتدال وهي في الحقيقة لحظات قليلة ثم يزيد أحدهما لكن الزيادة لا تدرك في أولها فلا يعرفها إلا العلماء ، وفي الظاهر هي يومان في كل نصف سنة شمسية قال ابن عرفة : كان بعضهم يقول : القرآن يشتمل على ألفاظ يفهمها العوام وألفاظ يفهمها الخواص وما يفهمه الفريقان ومنه هذه الآية ؛ فإن الإيلاج يشمل الأيام التي لا يفهمها إلا الخواص والفصول التي يدركها سائر العوام.\rوفي هذا رمز إلى ما حدث في العالم من ظلمات الجهالة والإشراك ، بعد أن كان الناس على دين صحيح كدين موسى ، وإلى ما حدث بظهور الإسلام من إبطال الضلالات ، ولذلك ابتدئ بقوله {تُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ} ، ليكون الانتهاء بقوله {وَتُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ} ، فهو نظير التعريض الذي بينته في قوله {تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ} الآية. والذي دل على هذا الرمز افتتاح الكلام بقوله {اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ}. أ هـ {التحرير والتنوير حـ 3 صـ 69}","part":12,"page":234},{"id":5031,"text":"فصل\rقال الآلوسى : \r{ تُولِجُ الليل فِى النهار وَتُولِجُ النهار فِى الليل } الولوج في الأصل الدخول والإيلاج الإدخال واستعير لزيادة زمان النهار في الليل وعكسه بحسب المطالع والمغارب في أكثر البلدان وروي ذلك عن ابن عباس والحسن ومجاهد ولا يضر تساوي الليل والنهار دائماً عند خط الاستواء لأنه يكفي الزيادة والنقصان فيهما في الأغلب ، وقال الجبائي : المراد بإيلاج أحدهما في الآخر إيجاد كل واحد منهما عقيب الآخر والأول أقرب إلى اللفظ ، وعلى التقديرين الظاهر من الليل والنهار ليل التكوير ونهاره وهما المشهوران أن عند العامة الذين يفهمون ظاهر القول ، ووراء ذلك أيام السلخ التي يعرفها العارفون وأيام الإيلاج الشانية التي يعقلها العلماء الحكماء. وبيان ذلك على وجه الاختصار أن اليوم على ما ذكره القوم الإلهيون عبارة عن دورة واحدة من دورات فلك الكواكب وهو من النطح إلى النطح ومن الشرطين إلى الشرطين ومن البطين إلى البطين وهكذا إلى آخر المنازل ، ومن درجة المنزلة ودقيقتها إلى درجة المنزلة ودقيقتها ، وأخفى من ذلك إلى أقصى ما يمكن الوقوف عنده وما من يوم من الأيام المعروفة عند العامة وهي من طلوع الشمس إلى طلوع الشمس أو من غروبها إلى غروبها أو من استوائها إلى استوائها أو ما بين ذلك إلى ما بين ذلك إلا وفيه نهاية ثلثمائة وستين يوماً فاليوم طوله ثلاثمائة وستون درجة لأنه يظهر فيه الفلك كله وتعمه الحركة وهذا هو اليوم الجسماني ، وفيه اليوم الروحاني فيه تأخذ العقول معارفها والبصائر مشاهدها والأرواح أسرارها كما تأخذ الأجسام في هذا اليوم الجسماني أغذيتها وزيادتها ونموها وصحتها وسقمها وحياتها وموتها فالأيام من جهة أحكامها الظاهرة في العالم المنبعثة من القوة الفعالة للنفس الكلية سبعة من يوم الأحد إلى آخره ولهذه الأيام أيام روحانية لها أحكام في الأرواح والعقول تنبعث من القوة العلامة للحق الذي قامت به السموات والأرض وهو الكلمة الإلهية ، ","part":12,"page":235},{"id":5032,"text":"وعلى هذه السبعة الدوارة يدور فلك البحث فنقول : قال الله تعالى في المشهود من الأيام المحسوسة : { يُكَوّرُ الليل عَلَى النهار وَيَكُور النهار عَلَى الليل } [ الزمر : 5 ] وأبان عن حقيقتين من طريق الحكم بعد هذا فقال في آية : { وَءايَةٌ لَّهُمُ اليل نَسْلَخُ مِنْهُ النهار } [ ياس : 37 ] فهذه أنبأت أن الليل أصل والنهار كان غيباً فيه ثم سلخ ، وليس معنى السلخ معنى التكوير فلا بد أن يعرف ليل كل نهار من غيره حتى ينسب كل ثوب إلى لابسه ويرد كل فرع إلى أصله ، ويلحق كل ابن بأبيه ، وقال في الآية الكريمة كاشفاً عن حقيقة أخرى : { يُولِجُ الليل فِى النهار وَيُولِجُ النهار فِى الليل } فجعل بين الليل والنهار نكاحاً معنوياً لما كانت الأشياء تتولد منهما معاً وأكد هذا المعنى بقوله عز قائلاً : ","part":12,"page":236},{"id":5033,"text":"{ يغشى الليل النهار } [ الأعراف : 54 ] ولهذا كان كل منهما مولجاً ومولجاً فيه فكل واحد منهما لصاحبه أصل وبعل فكلما تولد في النهار فأمه النهار وأبوه الليل وكلما تولد في الليل فأمه الليل وأبوه النهار فليس إذاً حكم الايلاج حكم السلخ فإن السلخ إنما هو في وقت أن يرجع النهار من كونه مولجاً ومولجاً فيه والليل كذلك إلا أنه ذكر السلخ الواحد ولم يذكر السلخ الآخر من أجل الظاهر والباطن والغيب والشهادة. والروح والجسم والحرف والمعنى وشبه ذلك فالإيلاج روح كله والتكوير جسم هذا الروح الإيلاجي ولهذا كرر الليل والنهار في الإيلاج كما كررهما في التكوير هذا في عالم الجسم وهذا في عالم الروح ، فتكوير النهار لإيلاج الليل وتكوير الليل لإيلاج النهار ، وجاء السلخ واحداً للظاهر لأربابه ، وقد اختلف العجم والعرب في أصالة أي المكورين على الآخر ، فالعجم يقدمون النهار على الليل وزمانهم شمسي فليلة السبت عندهم مثلا الليلة التي تكون صبيحتها يوم الأحد وهكذا ، والعرب يقدمون الليل على النهار وزمانهم قمري { أولئك كتب في قلوبهم الإيمان } [ المجادلة : 22 ] فليلة الجمعة عندهم مثلا هي الليلة التي يكون صبيحتها يوم الجمعة وهم أقرب من العجم إلى العلم فإنه يعضدهم السلخ في هذا النظر غير أنهم لم يعرفوا الحكم فنسبوا الليلة إلى غير يومها كما فعل أصحاب الشمس وذلك لأن عوامهم لا يعرفون إلا أيام التكوير والعارفون من أهل هذه الدولة ، وورثة الأنبياء يعلمون ما وراء ذلك من أيام السلخ وأيام الإيلاج الشاني ، ولما كانت الأيام شيئاً وكل شيء عندهم ظاهر وباطن وغيب وشهادة وروح وجسم وملك. وملكوت ولطيف وكثيف قالوا : إن اليوم نهار وليل في مقابلة باطن وظاهر ، والأيام سبعة ولكل يوم نهار وليل من جنسه ، والنهار ظل ذلك الليل وعلى صورته لأنه أصله المدرج هو فيه المنسلخ هو منه بالنفخة الآلهية ، وقد أطلق سبحانه في آية السلخ ولم يبين أي نهار سلخ من أية","part":12,"page":237},{"id":5034,"text":"ليلة ولم يقل ليلة كذا سلخ منها نهار كذا ليعقلها من ألهمه الله تعالى رشده فينال فصل الخطاب ، فعلى المفهوم من اللسان العربي بالحساب القمري أي ليلة الأحد سلخ الله تعالى منها نهار الأربعاء وسلخ من ليلة الاثنين نهار الخميس ، ومن ليلة الثلاثاء نهار الجمعة ، ومن ليلة الأربعاء نهار السبت ، ومن ليلة الخميس نهار الأحد ، ومن ليلة الجمعة نهار الاثنين ومن ليلة السبت نهار الثلاثاء فجعل سبحانه بين كل ليلة ونهارها المسلوخ منها ثلاث ليال وثلاثة نهارات فكانت ستة وهي نشأتك ذاك الجهات ، فالليالي منها للتحت والشمال والخلف ، والنهارات منها للفوق واليمين والأمام فلا يكون الإنسان نهاراً ونوراً تشرق شمسه وتشرق به أرضه حتى ينسلخ من ليل شهوته ولا يقبل على من لا يقبل الجهات حتى يبعد عن جهات هيكله ، وإنما نسبوا هذه النسبة من جهة الاشتراك في الشأن الظاهر لستر الحكمة الإلهية على يد الموكلين بالساعات ، وفي اليوم الإيلاجي الشاني يعتبرون ليلاً ونهاراً أيضاً وهو عندهم أربع وعشرون ساعة قد اتحد فيها الشأن فلم ينبعث فيها إلا معنى واحد ويتنوع في الموجودات بحسب استعداداتها ولهذا قال سبحانه : ","part":12,"page":238},{"id":5035,"text":"{ كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِى شَأْنٍ } [ الرحمن : 29 ] ولم يقل في شؤون وتنوينه للتعظيم الظاهر باختلاف القوابل وتكثر الأشخاص فإذا ساعات ذلك اليوم تحت حكم واحد ونظر وال واحد قد ولاه من لا يكون في ملكه إلا ما يشاء وتولاه وخصه بتلك الحركة وجعله أميراً في ذلك ، والمتصرف الحقيقي هو الله تعالى لا هو من حيث هو ، فاليوم الشاني ما كانت ساعاته كلها سواء ومتى اختلفت فليس بيوم واحد ولا يوجد هذا في أيام التكوير وكذا في أيام السلخ إلا قليلاً فطلبنا ذلك في الأيام الإيلاجية فوجدناه مستوفى فيه ، وقد أرسل سبحانه آية الإيلاج ولم يقل : { يُولِجُ الليل } الذي صبيحته الأحد في الأحد ولا النهار الذي مساؤه ليلة الاثنين في الاثنين فإذا لا يلتزم أن ليلة الأحد هي ليلة الكور ولا ليلة السلخ وإنما يطلب وحدانية اليوم من أجل أحدية الشأن فلا ينظر إلا إلى اتحاد الساعات ، والحكم المولى من قبل المولى فليلة الأحد الإيلاجي مركبة من الساعة الأولى من ليلة الخميس ، والثانية منها ، والثالثة من يوم الخميس ، والعاشرة منها ، والخامسة من ليلة الجمعة ، والثانية عشرة منها ، والسابعة من يوم الجمعة ، والثامنة من ليلة السبت ، والتاسعة منها ، والرابعة من يوم السبت ، والحادية عشرة منه ، والسادسة من ليلة الأحد فهذه ساعات ليله.","part":12,"page":239},{"id":5036,"text":"وأما ساعات نهاره من أيام التكوير فالأولى من يوم الأحد ، والثامنة والثالثة من يوم الإثنين والعاشرة منه ، والخامسة من يوم الاثنين والثانية عشرة منه والسابعة من ليلة الثلاثة والثانية من يوم الثلاثاء والتاسعة منه ، والرابعة من ليلة الأربعاء والحادية عشرة منها والسادسة من يوم الأربعاء فهذه أربعة وعشرون ساعة ظاهرة كالشمس ليوم الأحد الإيلاجي الشاني كلها كنفس واحدة لأنها من معدن واحد ، وهكذا تقول في سائر الأيام حتى تكمل سبعة أيام متميزة بعضها من بعض مولجة بعضها في بعض نهارها في ليلها وليلها في نهارها لحكمة التوالد والتناسل وذلك كسريان الحكم الواحد في الأيام ، ويظهر ذلك من أيام التكوير. وقد ذكر مولانا الشيخ الأكبر قدس سره الشأن في كل يوم في رسالته \"المسماة بالشأن الإلهي\" ، ولعلِّي إن شاء الله تعالى أذكر ذلك عند قوله تعالى : { كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِى شَأْنٍ } [ الرحمن : 29 ] وهذه الأيام أيضاً غير يوم المثل وهو عمر الدنيا ويوم الرب ويوم المعارج ويوم القمر ويوم الشمس ويوم زحل ويوم الحمل ولكل كوكب من السيارات والبروج يوم. أ هـ {روح المعانى حـ 3 صـ 115 ـ 117}","part":12,"page":240},{"id":5037,"text":"بحث علمى\rقال فى الأمثل : \r\"الولوج\" بمعنى الدخول. والقصد من الآية هو هذا التغيير التدريجي الذي نراه بين الليل والنهار طوال السنة. هذا التغيير ناشىء عن انحراف محور الأرض عن مدارها بنحو 23 درجة واختلاف زاوية سقوط أشعّة الشمس عليها. لذلك نرى الشتاء في النصف الشمالي من خطّ الاستواء تطول أيّامه تدريجياً ، وتقصر لياليه تدريجياً ، حتّى أوائل الصيف ، حيث ينعكس التغيير فتقصر أيّامه وتطول لياليه حتّى أوائل الشتاء.\rأمّا في جنوب خطّ الاستواء فالتناظر يكون معكوساً.\rوبناءاً على ذلك فإنّ الله يدخل الليل في النهار ، ويدخل النهار في الليل ، دائماً ، أي أنّه ينقص هذا ليزيد ذاك وبالعكس.\rقد يقول قائل إنّ الليل والنهار في خطّ الاستواء الحقيقي وفي نقطتي القطبين في الشمال والجنوب متساويان وليس ثمّة أيّ تغيير فيهما ، فالليل والنهار في خطّ الاستواء متساويان ويمتدّ كلّ منهما اثنتي عشرة ساعة على امتداد السنة ، وفي القطبين يمتدّ الليل ستة أشهر ومثله النهار ، لذلك فإنّ الآية ليست عامّة.\rفي الجواب على هذا التساؤل نقول : إنّ خطّ الاستواء الحقيقي خطّ وهمي ، والناس عادةً يعيشون على طرفي الخط. كذلك الحال في القطبين فهما نقطتان وهميّتان ، وسكّان القطبين ـ إن كان فيهما سكّان ـ يعيشون في مناطق أوسع طبعاً من نقطة القطب الحقيقية ، وعليه فالاختلاف موجود في كلّ الحالات.\rوقد يكون للآية معنى آخر بالإضافة إلى ما ذكر ، وهو أنّ الليل والنهار لا يحدثان فجأةً في الكرة الأرضية بسبب وجود طبقات \"الجو\" حولها.\rفالنهار يبدأ بالتدريج من الفجر وينتشر ، ويبدأ الليل من حمرة الأُفق الغربي والغسق ، ثمّ ينتشر الظلام حتّى يعمّ جميع الأرجاء.","part":12,"page":241},{"id":5038,"text":"إنّ للتدرّج في تغيير الليل والنهار ـ بأيّ معنى كان ـ آثاراً مفيدة في حياة الإنسان والكائنات الأُخرى على الأرض. لأنّ نموّ النباتات وكثير من الحيوانات يتمّ في إطار نور الشمس وحرارتها التدريجيّة. فمن بداية الربيع حيث يزداد بالتدريج نور الشمس وحرارتها ، تطوي النباتات وكثير من الحيوانات كلّ يوم مرحلة جديدة من تكاملها. ولمّا كانت هذه الموجودات تحتاج بمرور الأيّام إلى مزيد من النور والحرارة ، فإنّ حاجتها هذه تلّبى عن طريق التغييرات التدريجيّة للّيل والنهار ، لتصل إلى نقطة تكاملها النهائيّة.\rفلو كان الليل والنهار كما هو دائماً ، لاختلّ نموّ كثير من النباتات والحيوانات ، ولاختفت الفصول الأربعة التي تنشأ من اختلاف الليل والنهار ومن مقدار زاوية سقوط نور الشمس ، ولخسر إلإنسان فوائد ذلك.\rكذلك هي الحال إذا أخذنا بنظر الاعتبار المعنى الثاني في تفسير الآية أي أنّ حلول الليل والنهار تدريجي ، لا فجائي ، وأنّ هناك فترة بين الطلوعين تفصل بينهما ، فمن ذلك يتّضح أنّ هذا التدرّج في حلول الليل والنهار نعمة كبرى لسكنة الأرض ، لأنّهم يتعرّفون بالتدرج على الظلام أو الضياء ، وبذلك تتطابق قِواهم الجسمية وحياتهم الاجتماعية مع هذا التغيير ، وإلاَّ حدثت حتماً مشاكل لهم. أ هـ {الأمثل حـ 2 صـ 450 ـ 451}","part":12,"page":242},{"id":5039,"text":"قوله تعالى {وَتُخْرِجُ الحى مِنَ الميت وَتُخْرِجُ الميت مِنَ الحى}\rفصل\rقال الفخر : \rذكر المفسرون فيه وجوهاً\rأحدها : يخرج المؤمن من الكافر كإبراهيم من آزر ، والكافر من المؤمن مثل كنعان من نوح عليه السلام\rوالثاني : يخرج الطيب من الخبيث وبالعكس\rوالثالث : يخرج الحيوان من النطفة ، والطير من البيضة وبالعكس\rوالرابع : يخرج السنبلة من الحبة وبالعكس ، والنخلة من النواة وبالعكس ، قال القفّال رحمه الله : والكلمة محتملة للكل\rأما الكفر والإيمان فقال تعالى : \r{أَوَ مَن كَانَ مَيْتًا فأحييناه} [ الأنعام : 122 ] يريد كان كافراً فهديناه فجعل الموت كفراً والحياة إيماناً ، وسمى إخراج النبات من الأرض إحياء ، وجعل قبل ذلك ميتة فقال {يحيي الأرض بعد موتها} [ الروم : 19 ] وقال : {فَسُقْنَاهُ إلى بَلَدٍ مَّيّتٍ فَأَحْيَيْنَا بِهِ الأرض بَعْدَ مَوْتِهَا} [ فاطر : 9 ] وقال : {كَيْفَ تَكْفُرُونَ بالله وَكُنتُمْ أمواتا فأحياكم ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ} [ البقرة : 28 ]. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 8 صـ 9}\rوقال القرطبى : \rواختلف المفسرون في معنى قوله تعالى : { وَتُخْرِجُ الحي مِنَ الميت } فقال الحسن : معناه تُخرج المؤمن من الكافر والكافر من المؤمن ، ورُوي نحوه عن سَلْمَان الفارسي.\rوروى مَعْمر عن الزهري \" أن النبي صلى الله عليه وسلم دخل على نسائه فإذا بامرأة حسنة الهيئة قال : \"من هذه\" ؟ قلن إحدى خالاتك.\rقال : \"ومن هي\" ؟ قلن : هي خالدة بنت الأسود بن عبد يغوث.\rفقال النبيّ صلى الله عليه وسلم : \"سبحان الذي يخرج الحيّ من الميت\" \" وكانت امرأة صالحة وكان أبوها كافراً.\rفالمراد على هذا القول موت قلب الكافر وحياة قلب المؤمن ؛ فالموت والحياة مستعاران.\rوذهب كثير من العلماء إلى أن الحياة والموت في الآية حقيقتان ؛ فقال عِكرمة : هي إخراج الدَّجاجة وهي حية من البيضة وهي ميتة ، وإخراج البيضة وهي ميتة من الدجاجة وهي حية.\rوقال ابن مسعود : هي النطفة تخرج من الرجل وهي ميتة وهو حي ، ويخرج الرجل منها حياً وهي ميتة.\rوقال عِكرمة والسّدي : هي الحبة تخرج من السنبلة والسنبلة تخرج من الحبة ، والنواة من النخلة والنخلة تخرج من النواة ؛ والحياة في النخلة والسنبلة تشبيه. أ هـ {تفسير القرطبى حـ 4 صـ 56 ـ 57}","part":12,"page":243},{"id":5040,"text":"قال ابن عطية : \rولفظ الإخراج في تنقل النطفة حتى تكون رجلاً إنما هو عبارة عن تغير الحال كما تقول في صبي جيد البنية : يخرج من هذا رجل قوي ، وهذا المعنى يسميه ابن جني : التجريد أي تجرد الشيء من حال إلى حال هو خروج ، وقد يحتمل قوله تعالى : { ويخرج الميت من الحي } أن يراد به أن الحيوان كله يميته فهذا هو معنى التجريد بعينه وأنشد ابن جني على ذلك : \rأَفَاءَتْ بَنُوا مَرْوانَ ظُلْماً دِمَاءَناَ ... وفي اللَّهِ -إنْ لَمْ يُنْصِفُوا- حَكَمٌ عَدْلُ. أ هـ {المحرر الوجيز حـ 1 صـ 418}\rفائدة\rقال الآلوسى : \rولا يلزم من الآية أن يكون إخراج كل حي من ميت وكل ميت من حي ليلزم التسلسل في جانب المبدىء إذ غاية ما تفهمه الآية أن لله تعالى هذه الصفة وأما أنه لا يخلق شيئاً إلا من شيء فلا كما لا يخفى. أ هـ {روح المعانى حـ 3 صـ 118}\rلطيفة\rقال الماوردى : \rقال قتادة : وإنما سَمَّى الله يحيى بن زكريا بيحيى لأن الله عز وجل أحياه بالإيمان. أ هـ {النكت والعيون حـ 1 صـ 385}\rفائدة\rقال أبو حيان : \rوالأظهر في قوله { الحي من الميت } تصور اثنين وقيل : عنى بذلك شيئاً واحداً يتغير به الحال ، فيكون ميتاً ثم يحيا ، وحياً ثم يموت. أ هـ {البحر المحيط حـ 2 صـ 439}\rفائدة\rقال ابن عادل : ","part":12,"page":244},{"id":5041,"text":"قوله : { وَتُخْرِجُ الحي مِنَ الميت } اختلف القراء في لفظة \" الْمَيِّتِ \" فقرأ ابنُ كثير وأبو عَمْرو وابن عامر وأبو بكر عن عاصم لفظ \" الْمَيْتِ \" من غير تاء تأنيث - مُخَفَّفاً ، في جميع القرآن ، سواء وصف به الحيوان نحو : { وَتُخْرِجُ الحي مِنَ الميت } [ آل عمران : 27 ] أو الجماد نحو : { فَسُقْنَاهُ إلى بَلَدٍ مَّيِّتٍ } [ فاطر : 9 ] - مُنَكَّراً أو معرفاً كما تقدم ذكره - إلا قوله تعالى : { إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَّيِّتُونَ } [ الزمر : 30 ] ، وقوله : { وَمَا هُوَ بِمَيِّتٍ } [ إبراهيم : 17 ] - في إبراهيم - مما لم يمت بعد ، فإن الكل ثقلوه ، وكذلك لفظ \" الميتة \" في قوله : { وَآيَةٌ لَّهُمُ الأرض الميتة } [ يس : 33 ] دون الميتة المذكورة مع الدم - فإن تلك لم يشدِّدْها إلا بعضُ قُرَّاء الشواذ - وكذلك قوله : { وَإِن يَكُن مَّيْتَةً } [ الأنعام : 139 ] ، وقوله : { فَأَنشَرْنَا بِهِ بَلْدَةً مَّيْتاً } [ الزخرف : 11 ] ، وقوله : { إِلاَّ أَن يَكُونَ مَيْتَة } [ الأنعام : 145 ] فإنها مخَفَّفاتٌ عند الجميع ، وثَقّل نافعٌ جميعَ ذلك ، والأخوان وحفص - عن نافع - وافقوا ابن كثير ومن معه في الأنعام في قوله : { أَوَ مَن كَانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْنَاه } [ الأنعام : 122 ] ، وفي الحجرات : { أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَن يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتا } [ الحجرات : 12 ] ، وفي يس : { الأرض الميتة } [ يس : 33 ] ، ووافقوا نافعاً فيما عدا ذلك ، فجمعوا بين اللغتين ؛ إيذاناً بأن كلاًّ من القراءتين صحيح ، وهما بمعنًى ؛ لأن \" فَيْعِل \" يجوز تخفيفه في المعتل بحَذْف إحْدى ياءَيْه ، فيقال : هَيْن وهيِّن ، لَيْن وليِّن ، ميْت وميِّت ، وقد جمع الشاعر بين اللغتين في قوله : [ الخفيف ]\rلَيْسَ مَنْ مَاتَ فَاسْتَرَاحَ بِمَيْتٍ... إنَّمَا الْمَيْتُ مَيِّتُ الأحْيَاءِ","part":12,"page":245},{"id":5042,"text":"إنَّمَا الْمَيْتُ مَنْ يَعِيشُ كَئِيباً... كَاسِفاً بِالُهُ قَليلَ الرَّجَاءِ\rوزعم بعضهم أن \" ميتاً \" بالتخفيف - لمن وقع به الموت ، وأن المشدّد يُستعمَل فيمن مات ومن لم يَمُتْ ، كقولهً - تعالى - : { إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَّيِّتُونَ } [ الزمر : 30 ].\rوقسم لا خلاف في تخفيفه - وهو ما تقدم في قوله : { الميتة والدم } { وَإِن يَكُن مَّيْتَةً } [ الأنعام : 139 ] { إِلاَّ أَن يَكُونَ مَيْتَة } ، وقوله : { فَأَنشَرْنَا بِهِ بَلْدَةً مَّيْتاً } [ الزخرف : 11 ].\rوقسم فيه الخلاف - وهو ما عدا ذلك - وتقدم تفصيله. أ هـ {تفسير ابن عادل حـ 5 صـ 133 ـ 134}\rقوله تعالى {وَتَرْزُقُ مَن تَشَاء بِغَيْرِ حِسَابٍ}\rقال الفخر : \rفيه وجوه\rالأول : أنه يعطي من يشاء ما يشاء لا يحاسبه على ذلك أحد ، إذ ليس فوقه ملك يحاسبه بل هو الملك يعطي من يشاء بغير حساب\rوالثاني : ترزق من تشاء غير مقدور ولا محدود ، بل تبسطه له وتوسعه عليه كما يقال : فلان ينفق بغير حساب إذا وصف عطاؤه بالكثرة ، ونظيره قولهم في تكثير مال الإنسان : عنده مال لا يحصى\rوالثالث : ترزق من تشاء بغير حساب ، يعني على سبيل التفضل من غير استحقاق لأن من أعطى على قدر الاستحقاق فقد أعطى بحساب ، وقال بعض من ذهب إلى هذا المعنى : إنك لا ترزق عبادك على مقادير أعمالهم ، والله أعلم. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 8 صـ 9}\rوقال القرطبى : \r{ وَتَرْزُقُ مَن تَشَآءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ } أي بغير تضييق ولا تقتير ؛ كما تقول : فلان يعطِي بغير حساب ؛ كأنه لا يحسب ما يعطي. أ هـ {تفسير القرطبى حـ 4 صـ 57}\rفائدة\rقال ابن عاشور : ","part":12,"page":246},{"id":5043,"text":"الرزق ما ينتفع به الإنسان فيطلق على الطعام والثمار كقوله : {وَجَدَ عِنْدَهَا رِزْقاً} [آل عمران : 37] وقوله : {فَلْيَأْتِكُمْ بِرِزْقٍ مِنْهُ} [الكهف : 19] ، ويطلق على أعم من ذلك مما ينتفع به كما في قوله تعالى : {يَدْعُونَ فِيهَا بِفَاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ وَشَرَابٍ وَعِنْدَهُمْ قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ أَتْرَابٌ} ثم قال : {إِنَّ هَذَا لَرِزْقُنَا مَا لَهُ مِنْ نَفَادٍ} [ص : 51-54] وقوله : {قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ قُلِ اللَّهُ} ومن ثم سميت الدراهم والدنانير رزقا : لأن بها يعوض ما هو رزق ، وفي هذا إيماء إلى بشارة للمسلمين بما أخبئ لهم من كنوز الممالك الفارسية والقيصرية وغيرها. أ هـ {التحرير والتنوير حـ 3 صـ 70}\rلطيفة\rقال الزمخشري :\rذكر قدرته الباهرة ، فذكر حال الليل والنهار في المعاقبة بينهما ، وحال الحي والميت في إخراج أحدهما من الآخر ، وعطف عليه رزقه بغير حساب دلالة على أن من قدر على تلك الأفعال العظيمة المحيرة للأفهام ، ثم قدر أن يرزق بغير حساب من يشاء من عباده ، فهو قادر على أن ينزع الملك من العجم ويذلهم ، ويؤتيه العرب ويعزهم. انتهى. أ هـ {الكشاف حـ 1 صـ 379}\rسؤال\rقال فى الأمثل :\rإننا نعلم أنّ الإنسان حرّ في كسب رزقه بغير إجبار ، وذلك بموجب قانون الخلق وحكم العقل ودعوة الأنبياء ، فكيف تقول هذه الآية إنّ كلّ هذه الأُمور بيد الله ؟\rفي الجواب نقول : إن المصدر الأوّل لعالم الخلق وجميع العطايا والإمكانات الموجودة عند الناس هو الله ، فهو الذي وضع جميع الوسائل في متناول الناس لبلوغ العزّة والسعادة. وهو الذي وضع في الكون تلك القوانين التي إذا لم يلتزمها الناس انحدروا إلى الذلّ والتعاسة. وعلى هذا الأساس يمكن إرجاع كلّ تلك الأُمور إليه ، وليس في ذلك أيّ تعارض مع حرّية إرادة البشر ، لأنّ الإنسان هوالذي يتصرّف بهذه القوانين والمواهب والقوى والطاقات تصرّفاً صحيحاً أو خاطئاً. أ هـ {الأمثل حـ 2 صـ 453 ـ 454}\rفوائد بلاغية\rقال أبو حيان :\rقيل : وتضمنت هذه الآيات أنواعاً من : الفصاحة ، والبلاغة ، والبديع.\rالاستفهام الذي معناه التعجب في { ألم تر إلى الذين }.\rوالإشارة في { نصيباً من الكتاب } فإدخال : من ، يدل على أنهم لم يحيطوا بالتوراة علماً ولا حفظاً ، وذلك إشارة إلى الإزراء بهم ، وتنقيص قدرهم وذمهم ، اذ يزعمون أنهم أخيار وهم بخلاف ذلك ، وفي قوله { ذلك بأنهم } إشارة إلى توليهم وإعراضهم اللذين سببهما افتراؤهم ، وفي { ووفيت كل نفس } إشارة إلى أن جزاء أعمالهم لا ينقص منه شيء.\rوالتكرار في { نصيباً من الكتاب } { يدعون إلى كتاب الله } إما في اللفظ والمعنى إن كان المدلول واحداً ، وإما في اللفظ إن كان مختلفاً.","part":12,"page":247},{"id":5044,"text":"وفي التولي والإعراض إن كانا بمعنى واحد.\rوفي : { مالك الملك } { تؤتي الملك } { وتنزع الملك } وتكراره في جمل للتفخيم والتعظيم إن كان المراد واحداً ، وإن اختلف كان من تكرار اللفظ فقط ، وتكرار { من تشاء } وفي { تولج } وفي { تخرج } وفي متعلقيهما.\rوالاتساع في جعل : في ، بمعنى : على ، على قول من زعم ذلك في قوله { تولج الليل في النهار } أي على النهار ، { وتولج النهار في الليل } أي على الليل.\rوعبر بالإيلاج عن العلو والتغشية.\rوالنفي المتضمن الأمر في { لا ريب فيه } على قول الزجاج ، أي لا ترتابوا فيه ، والتجنيس المماثل في { مالك الملك } والطباق : في : تؤتي وتنزع ، وتعز وتذل ، وفي الليل والنهار ، وفي الحي والميت.\rورد العجز على الصدر في : تولج ، وما بعده ، والحذف وهو في مواضع مما يتوقف فهم الكلام على تقديرها.\rكقوله { تؤتي الملك من تشاء } أي من تشاء أن تؤتيه.\rوالإسناد المجازي في { ليحكم بينهم } أسند الحكم إلى الكتاب لأنه يبين الأحكام فهو سبب الحكم. أ هـ {البحر المحيط حـ 2 صـ 439 ـ 440}\rوقال ابن عادل :\rاشتملت هذه الآيةُ على أنواع من البديع :\rمنها : التجنيس المماثل في قوله تعالى : { مَالِكَ الملك تُؤْتِي الملك مَن تَشَآءُ وَتَنزِعُ الملك }.\rومنها : الطباق ، وهو الجمع بين متضادين أو شبههما - في قوله : \" تُؤتي \" وتَنْزعُ \" وتعزُّ وتُذِلُّ وفي قوله : { بِيَدِكَ الخير } أي : والشَّرُّ - عند بعضهم - ، وفي قوله : \" اللَّيْل \" و\" النَّهَار \" و\" الحيّ \" و\" الميّت \".\rومنها رَدُّ الأعجازِ على الصدورِ ، والصدورِ على الأعجاز في قوله : { تُولِجُ الليل فِي النهار وَتُولِجُ النهار فِي الليل } ، وفي قوله : { وَتُخْرِجُ الحي مِنَ الميت وَتُخْرِجُ الميت مِنَ الحي } ونحوه عادات الشاذات شاذات العاداتِ.\rوتضمنت من المعاني التوكيد بإيقاع الظاهر موقع المُضْمَر في قوله : { تُؤْتِي الملك مَن تَشَآءُ } وفي تجوُّزه بإيقاع الحرف مكان ما هو بمعناه ، والحذف لفهم المعنى. أ هـ {تفسير ابن عادل حـ 5 صـ 135 ـ 136}\rلطيفة\rقال ابن عادل :\rقال أبو العبَّاس المقرئ : ورد لفظ الحساب في القرآن على ثلاثة أوجهٍ :\rالأول : بمعنى التعبِ ، قال تعالى : { وَتَرْزُقُ مَن تَشَآءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ }.\rالثاني : بمعنى العدد ، كقوله : { إِنَّمَا يُوَفَّى الصابرون أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ } [ الزمر : 10 ] أي : بغير عَددٍ.\rالثالث : بمعنى المطالبة ، قال تعالى : { فامنن أَوْ أَمْسِكْ بِغَيْرِ حِسَابٍ } [ ص : 39 ] [ أي : بغير مطالبة. أ هـ {تفسير ابن عادل حـ 5 صـ 136}","part":12,"page":248},{"id":5045,"text":"فائدة\rقال فى ملاك التأويل :\rقوله تعالى :\"تولج الليل فى النهار وتولج النهار فى الليل وتخرج الحى من الميت وتخرج الميت من الحى\"، وكذلك فى سورة يونس:\"أمن يملك السمع والأبصار ومن يخرج الحى من الميت ويخرج الميت من الحى\"، وكذا فى سورة الروم وحيث وقع ورود فى سورة الأنعام:\"إن الله فالق الحب والنوى يخرج الحى من الميت ومخرج الميت من الحى\" فوقع هنا اسم الفاعل موقع الفعل وعاقبه فقال\"ومخرج\"فيسأل عن هذا؟\rووجه ذلك والله أعلم: أن بناء آية الأنعام على آية بنيت على اسم الفاعل وان كان خبرا وهو قوله تعالى:\"إن الله فالق الحب والنوى\" ثم أعقب ذلك بقوله\"فالق الإصباح وجاعل الليل سكنا\"، فلما اكتنفت الآية أسماء فاعلين جئ فيها باسم الفاعل فى قوله\"ومخرج الميت من الحى\" ليناسب ذلك فعطف\"ومخرج\" على\"فالق\" إذ هو معطوف على ما عطف عليه فهو معطوف عليه ثم جئ بعد باسم فاعل وهو قوله تعالى:\"فالق الإصباح\" فتناسب هذا ولم يقع فى الأخر المتضمنة إخراج الحى من الميت والميت من الحى مثل هذا فلذلك لم يعدل إلى اسم الفعل والله سبحانه أعلم.\rفإن قلت فما بال قوله يخرج الحى من الميت فى هذا الموضع ورد بالفعل وقد اكتنفه قوله:\"فالق الحب والنوى ومخرج الميت من الحى\". وهما اسما فاعلين؟\rفالجواب عن ذلك ما قاله الزمخشرى قال:\"موقع قوله\"يخرج الحى من الميت\" موقع الجملة المبينة لقوله\"فالق الحب والنوى\" لأن فلق الحب والنوى بالنبات والثمر اليابس من جنس إخراج الحى من الميت لأن اليابس فى حكم الحيوان ألا ترى قوله\"يحيى الأرض بعد موتها\"، انتهى قوله، ذكر هذا عقب قوله\"ومخرج الميت من الحى\" أنه معطوف على فالق الحب والنوى كما تقدم وهذا من حسناته. أ هـ {ملاك التأويل صـ 108}","part":12,"page":249},{"id":5046,"text":"وقال العلامة الفيروزابادى : \rوقد ورد الحساب فى التنزيل على عشرة أَوجهٍ : \rالأَوّل : بمعنى الكثرة {عَطَآءً حِسَاباً} أَى كثِيراً.\rالثانى : بمعنى الأَجر والثواب {إِنْ حِسَابُهُمْ إِلاَّ عَلَى رَبِّي} أَى أَجرهم.\rالثالث : بمعنى العقوبة والعذاب {إِنَّهُمْ كَانُواْ لاَ يَرْجُونَ حِسَاباً} أَى لا يخافون عذاباً.\rالرّابع : الحَسِيب بمعنى الحفيظ {إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ حَسِيباً} أَى حفيظاً.\rالخامس : الحسِيب بمعنى الشاهد الحاضر {كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيباً} أَى شهيداً.\rالسّادس : الحساب بمعنى العَرْض على الملِك الأَكبر {يَوْمَ يَقُومُ الْحِسَابُ} أَى الْعَرْض على الرّحمن.\rالسّابع : بمعنى العدد {لِتَعْلَمُواْ عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ} أَى عدد الأَيام.\rالثامن : بمعنى المنَّة {يُرْزَقُونَ فِيهَا بِغَيْرِ حِسَابٍ} أَى بغير مِنَّة عليهم ولا تقتير.\rالتَّاسع : الحُسْبان بمعنى دوران الكواكب فى الفَلَك {الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ بِحُسْبَانٍ} أَى يدوران حول القُطْب كدوران الرّحى.\rالعاشر : الحِسْبان بالكسر بمعنى الظن {وَلاَ تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُواْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتاً} {وَلاَ تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلاً} وله نظائر.\rوأَمّا قوله تعالى {وَيُرْسِلَ عَلَيْهَا حُسْبَاناً مِّنَ السَّمَآءِ} فقيل معناه ناراً وعذاباً ، وإِنما هو فى الحقيقة ما يحاسب عليه فيجازى بحَسَبه. أ هـ {بصائر ذوى التمييز حـ 3 صـ 63}","part":12,"page":250},{"id":5047,"text":"فصل نفيس\rقال فى الميزان : \rقوله تعالى {وترزق من تشاء بغير حساب} المقابلة المذكورة آنفا تعطي أن يكون قوله {وترزق} الخ بيانا لما سبقه من إيتاء الملك والعز والإيلاج وغيره فالعطف عطف تفسير فيكون من قبيل بيان الخاص من الحكم بما هو أعم منه كما أن قوله {بيدك الخير} بالنسبة إلى ما سبقه من هذا القبيل والمعنى إنك متصرف في خلقك بهذه التصرفات لأنك ترزق من تشاء بغير حساب.\rمعنى الرزق في القرآن\rالرزق معروف والذي يتحصل من موارد استعماله أن فيه شوبا من معنى العطاء كرزق الملك الجندي ويقال لما قرره الملك لجنديه مما يؤتاه جملة رزقة وكان يختص بما يتغذى به لا غير كما قال تعالى {وعلى المولود له رزقهن وكسوتهن بالمعروف : البقرة - 233 }فلم يعد الكسوة رزقا.\rثم توسع في معناه فعد كل ما يصل الإنسان من الغذاء رزقا كأنه عطية بحسب الحظ والجد وإن لم يعلم معطيه ثم عمم فسمى كل ما يصل إلى الشئ مما ينتفع به رزقا وإن لم يكن غذائا كسائر مزايا الحياة من مال وجاه وعشيرة وأعضاد وجمال وعلم وغير ذلك قال تعالى {أم تسألهم خرجا فخراج ربك خير وهو خير الرازقين \" المؤمنون - 72 }وقال فيما يحكى عن شعيب {قال يا قوم أرأيتم إن كنت على بينة من ربي ورزقني منه رزقا حسنا : هود - 88 } والمراد به النبوة والعلم إلى غير ذلك من الآيات.\rوالمتحصل من قوله تعالى {إن الله هو الرزاق ذو القوة المتين \" الذاريات - 58 } والمقام مقام الحصر\rأولا أن الرزق بحسب الحقيقة لا ينتسب إلا إليه فما ينسب إلى غيره تعالى من الرزق كما يصدقه أمثال قوله تعالى {والله خير الرازقين : الجمعة - 11 } حيث أثبت رازقين وعده تعالى خيرهم وقوله {وارزقوهم فيها واكسوهم : النساء - 5 } كل ذلك من قبيل النسبة بالغير كما أن الملك والعزة لله تعالى لذاته ولغيره بإعطائه وإذنه فهو الرزاق لا غير.","part":12,"page":251},{"id":5048,"text":"وثانيا أن ما ينتفع به الخلق في وجودهم مما ينالونه من خير فهو رزقهم والله رازقه ويدل على ذلك مضافا إلى آيات الرزق على كثرتها آيات كثيرة أخر كالآيات الدالة على أن الخلق والأمر والحكم والملك بكسر الميم والمشيئة والتدبير والخير لله محضا عز سلطانه.\rوثالثا أن ما ينتفع به الإنسان انتفاعا محرما لكونه سببا للمعصية لا ينسب إليه تعالى لأنه تعالى نفي نسبة المعصية إلى نفسه من جهة التشريع قال تعالى {قل إن الله لا يأمر بالفحشاء أتقولون على الله ما لا تعلمون : الاعراف - 28 } وقال تعالى {إن الله يأمر بالعدل والإحسان} إلى أن قال {وينهي عن الفحشاء والمنكر : النحل - 90} وحاشاه سبحانه أن ينهي عن شئ ثم يأمر به أو ينهي عنه ثم يحصر رزقه فيه.\rولا منافاة بين عدم كون نفع محرم رزقا بحسب التشريع وكونه رزقا بحسب التكوين إذ لا تكليف في التكوين حتى يستتبع ذلك قبحا وما بينه القرآن من عموم الرزق إنما هو بحسب حال التكوين وليس البيان الالهي بموقوف على الافهام الساذجة العامية حتى يضرب صفحا عن التعرض للمعارف الحقيقية وفي القرآن شفاء لجميع القلوب لا يستضر به إلا الخاسرون قال تعالى {وننزل من القرآن ما هو شفاء ورحمة للمؤمنين ولا يزيد الظالمين إلا خسارا \" الإسراء - 82}.\rعلى أن الآيات تنسب الملك الذي لامثال نمرود وفرعون والأموال والزخارف التي بيد أمثال قارون إلى إيتاء الله سبحانه فليس إلا أن ذلك كله بإذن الله آتاهم ذلك امتحانا وإتماما للحجة وخذلانا واستدراجا ونحو ذلك وهذا كله نسب تشريعية وإذا صحت النسبة التشريعية من غير محذور لزوم القبح فصحة النسبة التكوينية التي لا مجال للحسن والقبح العقلائيين فيها أوضح.","part":12,"page":252},{"id":5049,"text":"ثم إنه تعالى ذكر أن كل شئ فهو مخلوق له منزل من عنده من خزائن رحمته كما قال {وإن من شئ إلا عندنا خزائنه وما ننزله إلا بقدر معلوم \" الحجر - 21 } وذكر أيضا أن ما عنده فهو خير قال تعالى {وما عند الله خير : القصص - 60} وانضمام الآيتين وما في معناهما من الآيات يعطي أن كل ما يناله شئ في العالم ويتلبس به مدى وجوده فهو من الله سبحانه وهو خير له ينتفع به ويتنعم بسببه كما يفيده أيضا قوله تعالى {الذي أحسن كل شئ خلقه \" الم السجدة - 7 } مع قوله تعالى {ذلكم الله ربكم خالق كل شئ لا إله إلا هو : المؤمن - 64}.\rوأما كون بعض ما ينال الأشياء من المواهب الإلهية شرا يستضر به فإنما شريته وإضراره نسبي متحقق بالنسبة إلى ما يصيبه خاصة مع كونه خيرا نافعا بالنسبة إلى آخرين وبالنسبة إلى علله وأسبابه في نظام الكون كما مر يشير إليه قوله تعالى {وما أصابك من سيئة فمن نفسك \" النساء - 79 } وقد مر البحث عن هذا المعنى فيما مر.\rوبالجملة جميع ما يفيضه الله على خلقه من الخير وكله خير ينتفع به يكون رزقا بحسب انطباق المعنى إذ ليس الرزق إلا العطية التي ينتفع بها الشئ المرزوق وربما أشار إليه قوله تعالى {ورزق ربك خير : طه - 131}.\rومن هنا يظهر أن الرزق والخير والخلق بحسب المصداق على ما يبينه القرآن أمور متساوية فكل رزق خير ومخلوق وكل خلق رزق وخير ، وإنما الفرق أن الرزق يحتاج إلى فرض مرزوق يرتزق به فالغذاء رزق للقوة الغاذية لاحتياجها إليه والغاذية رزق للواحد من الإنسان لاحتياجه إليها والواحد من الإنسان رزق لوالديه لانتفاعهما به وكذا وجود الإنسان خير للإنسان بفرضه عاريا عن هذه النعمة الإلهية قال تعالى {الذي أعطى كل شئ خلقه : طه - 50}.","part":12,"page":253},{"id":5050,"text":"والخير يحتاج إلى فرض محتاج طالب يختار من بين ما يواجهه ما هو مطلوبه فالغذاء خير للقوة الغاذية بفرضها محتاجة إليه طالبة له تنتخبه وتختاره إذا أصابته والقوه الغاذية خير للإنسان ووجود الإنسان خير له بفرضه محتاجا طالبا وأما الخلق والإيجاد فلا يحتاج من حيث تحقق معناه إلى شئ ثابت أو مفروض فالغذاء مثلا مخلوق موجد في نفسه وكذا القوة الغاذية مخلوقة والإنسان مخلوق.\rولما كان كل رزق لله وكل خير لله محضا فما يعطيه تعالى من عطية وما أفاضه من خير وما يرزقه من رزق فهو واقع من غير عوض وبلا شئ مأخوذ في مقابله إذ كل ما فرضنا من شئ فهو له تعالى حقا ولا استحقاق هناك إذ لا حق لأحد عليه تعالى إلا ما جعل هو على نفسه من الحق كما جعله في مورد الرزق قال تعالى {وما من دابة في الأرض إلا على الله رزقها : هود - 6 }\rوقال تعالى فورب السماء والأرض إنه لحق مثل ما أنكم تنطقون : الذاريات - 23}.\rفالرزق مع كونه حقا على الله لكونه حقا مجعولا من قبله عطية منه من غير استحقاق للمرزوق من جهة نفسه بل من جهة ما جعله على نفسه من الحق.\rومن هنا يظهر أن للإنسان المرتزق بالمحرمات رزقا مقدرا من الحلال بنظر التشريع فإن ساحته تعالى منزهة من أن يجعل رزق إنسان حقا ثابتا على نفسه ثم يرزقه من وجه الحرام ثم ينهاه عن التصرف فيه ويعاقبه عليه.\rوتوضيحه ببيان آخر أن الرزق لما كان هو العطية الإلهية بالخير كان هو الرحمة التي له على خلقه وكما أن الرحمة رحمتان رحمة عامة تشمل جميع الخلق من مؤمن وكافر ومتق وفاجر وإنسان وغير إنسان ورحمة خاصة وهي الرحمة الواقعة في طريق السعادة كالإيمان والتقوى والجنة كذلك الرزق منه ما هو رزق عام وهو العطية الإلهية العامة الممدة لكل موجود في بقاء وجوده ومنه ما هو رزق خاص وهو الواقع في مجرى الحل.","part":12,"page":254},{"id":5051,"text":"وكما أن الرحمة العامة والرزق العام مكتوبان مقدران قال تعالى {وخلق كل شئ فقدره تقديرا : الفرقان - 2 } كذلك الرحمة الخاصة والرزق الخاص مكتوبان مقدران وكما أن الهدى وهو رحمة خاصة مكتوب مقدر تقديرا تشريعيا لكل إنسان مؤمنا كان أو كافرا ولذلك أرسل الرسل وأنزل الكتب قال تعالى {وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون ما أريد منهم من رزق وما أريد أن يطعمون إن الله هو الرزاق ذو القوة المتين : الذاريات - 58 }\rوقال تعالى {وقضى ربك أن لا تعبدوا إلا إياه : الإسراء - 23 } فالعبادة وهى تستلزم الهدى وتتوقف عليه مقضية مقدرة تشريعا كذلك الرزق الخاص هو الذى عن مجرى الحل مقضى مقدر قال تعالى {قد خسر الذين قتلوا أولادهم سفها بغير علم وحرموا ما رزقهم الله افتراء على الله قد ضلوا وما كانوا مهتدين : الأنعام - 140 }\rوقال تعالى {والله فضل بعضكم على بعض في الرزق فما الذين فضلوا برادي رزقهم على ما ملكت أيمانهم فهم فيه سواء : النحل - 71 }\rوالآيتان كما ترى ذواتا إطلاق قطعي يشمل الكافر والمؤمن ومن يرتزق بالحلال ومن يرتزق بالحرام.\rومن الواجب أن يعلم أن الرزق كما مر من معناه هو الذي ينتفع به من العطية على قدر ما ينتفع فمن أوتي الكثير من المال وهو لا يأكل إلا القليل منه فإنما رزقه هو الذي أكله والزائد الباقي ليس من الرزق إلا من جهة الإيتاء دون الأكل فسعة الرزق وضيقه غير كثرة المال مثلا وقلته وللكلام في الرزق تتمة ستمر بك في قوله تعالى {وما من دابة في الأرض إلا على الله رزقها ويعلم مستقرها ومستودعها كل في كتاب مبين : هود - 6}.\rولنرجع إلى ما كنا فيه من الكلام في قوله تعالى {وترزق من تشاء بغير حساب}\rفنقول توصيف الرزق بكونه بغير حساب إنما هو لكون الرزق منه تعالى بالنظر إلى حال المرزوقين بلا عوض ولا استحقاق لكون ما عندهم من استدعاء أو طلب أو غير ذلك مملوكا له تعالى محضا فلا يقابل عطيته منهم شئ فلا حساب لرزقه تعالى.","part":12,"page":255},{"id":5052,"text":"وأما كون نفى الحساب راجعا إلى التقدير بمعنى كونه غير محدود ولا مقدر فيدفعه آيات القدر كقوله تعالى {إنا كل شئ خلقناه بقدر : القمر - 49 }\rوقوله ومن يتق الله يجعل له مخرجا ويرزقه من حيث لا يحتسب ومن يتوكل على الله فهو حسبه إن الله بالغ أمره قد جعل الله لكل شئ قدرا \" الطلاق - 3 }\rفالرزق منه تعالى عطية بلا عوض لكنه مقدر على ما يريده تعالى. أ هـ {الميزان حـ 3 صـ 137 ـ 141}","part":12,"page":256},{"id":5053,"text":"وقال صاحب الأمثل\r(وترزق من تشاء بغير حساب).\rهذه الآية تعتبر من باب ذكر \"العام\" بعد \"الخاص\" ، إذ الآيات السابقة قد ذكرت نماذج من الرزق الإلهي ، أمّا هنا فالآية تشير إلى جميع النِعم على وجه العموم ، أي أنّ العزّة والحكم والحياة والموت ليست هي وحدها بيد الله ، بل بيده كلّ أنواع الرزق والنِعم أيضاً.\rوتعبير (بغير حساب) يشير إلى أنّ بحر النِعم الإلهية من السعة والكبر بحيث إنّه مهما اعطى منه فلن ينقص منه شيء ولا حاجة به لضبط الحسابات. فالتسجيل في دفاتر الحساب من عادة ذوي الثروات الصغيرة المحدودة التي يخشى عليها من النفاذ والنقصان. فهؤلاء هم الذين يحسبون حسابهم قبل أن يهبوا لأحد شيئاً ، لئلاّ تتبدّد ثرواتهم. أمّا الله فلا يخشى النقص فيما عنده ، ولا أحد يحاسبه ، ولا حاجه له بالحساب.\rيتّضح ممّا قلنا أنّ هذه الآية لا تتعارض مع الآيات التي تبيّن التقدير الإلهي وتطرح موضوع لياقة الأفراد وقابليّتهم ومسألة التدبير في الخلقة. أ هـ {الأمثل حـ 2 صـ 453}","part":12,"page":257},{"id":5054,"text":"من لطائف الشهيد سيد قطب فى الآية\rقال عليه رحمة الله :\r{ تولج الليل في النهار وتولج النهار في الليل ؛ وتخرج الحي من الميت وتخرج الميت من الحي ؛ وترزق من تشاء بغير حساب } . .\rوالتعبير التصويري لهذه الحقيقة الكبيرة ، يملأ بها القلب والمشاعر والبصر والحواس : هذه الحركة الخفية المتداخلة . حركة إيلاج الليل في النهار وإيلاج النهار في الليل ؛ وإخراج الحي من الميت وإخراج الميت من الحي . . الحركة التي تدل على يد الله بلا شبهة ولا جدال ، متى ألقى القلب إليها انتباهه ، واستمع فيها إلى صوت الفطرة الصادق العميق .\rوسواء كان معنى إيلاج الليل في النهار وإيلاج النهار في الليل هو أخذ هذا من ذاك وأخذ ذاك من هذا عند دورة الفصول . . أو كان هو دخول هذا في هذا عند دبيب الظلمة ودبيب الضياء في الأمساء والأصباح . . سواء كان هذا أو ذاك فإن القلب يكاد يبصر يد الله وهي تحرك الأفلاك ، وتلف هذه الكرة المعتمة أمام تلك الكرة المضيئة ، وتقلب مواضع الظلمة ومواضع الضياء . . شيئاً فشيئاً يتسرب غبش الليل إلى وضاءة النهار . وشيئاً فشيئاً يتنفس الصبح في غيابة الظلام . . شيئاً فشيئاً يطول الليل وهو يأكل من النهار في مقدم الشتاء . وشيئاً فشيئاً يطول النهار وهو يسحب من الليل في مقدم الصيف . . وهذه أو تلك حركة لا يدعي الإنسان أنه هو الذي يمسك بخيوطها الخفية الدقيقة ؛ ولا يدعي كذلك عاقل أنها تمضي هكذا مصادفة بلا تدبير!\rكذلك الحياة والموت ، يدب أحدهما في الآخر في بطء وتدرج . كل لحظة تمر على الحي يدب فيه الموت إلى جانب الحياة ، ويأكل منه الموت وتبنى فيه الحياة! خلايا حية منه تموت وتذهب ، وخلايا جديدة فيه تنشأ وتعمل .","part":12,"page":258},{"id":5055,"text":"وما ذهب منه ميتاً يعود في دورة أخرى إلى الحياة . وما نشأ فيه حياً يعود في دورة أخرى إلى الموت . . هذا في كيان الحي الواحد . . ثم تتسع الدائرة فيموت الحي كله ، ولكن خلاياه تتحول إلى ذرات تدخل في تركيب آخر ثم تدخل في جسم حي فتدب فيها الحياة . . وهكذا دورة دائبة في كل لحظة من لحظات الليل والنهار . . ولا يدعي الإنسان أنه هو الذي يصنع من هذا كله شيئاً . ولا يزعم عاقل كذلك أنها تتم هكذا مصادفة بلا تدبير!\rحركة في كيان الكون كله وفي كيان كل حي كذلك . حركة خفية عميقة لطيفة هائلة . تبرزها هذه الإشارة القرآنية القصيرة للقلب البشري والعقل البشري ؛ وهي تشي بيد القادر المبدع اللطيف المدبر . . فأنى يحاول البشر أن ينعزلوا بتدبير شأنهم عن اللطيف المدّبر ؟ وأنى يختارون لأنفسهم أنظمة من صنع أهوائهم وهم قطاع من هذا الكون الذي ينظمه الحكيم الخبير ؟\rثم أنى يتخذ بعضهم بعضاً عبيداً ، ويتخذ بعضهم بعضاً أرباباً ، ورزق الجميع بيد الله وكلهم عليه عيال : { وترزق من تشاء بغير حساب } . .\rإنها اللمسة التي ترد القلب البشري إلى الحقيقة الكبرى . حقيقة الألوهية الواحدة . حقيقة القوامة الواحدة . وحقيقة الفاعلية الواحدة وحقيقة التدبير الواحد . وحقيقة المالكية الواحدة وحقيقة العطاء الواحد . ثم حقيقة أن الدينونة لا تكون إلا لله القيوم ، مالك الملك ، المعز المذل ، المحيي المميت ، المانح المانع ، المدبر لأمر الكون والناس بالقسط والخير على كل حال .","part":12,"page":259},{"id":5056,"text":"هذه اللمسة تؤكد الاستنكار الذي سبق في الفقرة الماضية لموقف الذين أوتوا نصيباً من الكتاب ، ثم هم يتولون ويعرضون عن التحاكم إلى كتاب الله ، المتضمن لمنهج الله للبشر ، بينما منهج الله يدبر أمر الكون كله وأمر البشر . . وفي الوقت ذاته تمهد للتحذير الوارد في الفقرة التالية من تولي المؤمنين الكافرين من دون المؤمنين . ما دام أن لا حول للكافرين في هذا الكون ولا طول . والأمر كله بيد الله . وهو ولي المؤمنين دون سواه. أ هـ {الظلال حـ 1 صـ 384 ـ 385}\rلطيفة\rقال فى روح البيان :\rقال الحجاج بن يوسف حين قيل له : لم لا تعدل مثل عمر رضى الله عنه وأنت قد أدركت خلافته أفلم ترعد له وصلاحه ؟\rفقال فى جوابهم : تبذوروا أتعمر لكم أى كونوا كأبى ذر فى الزهد والتقوى أعاملكم معاملة عمر فى العدل والإنصاف وفيه إشارة إلى أن الولاة إنما يكونون على حسب أعمال الرعايا وأحوالهم صلاحا وفسادا فعلى كل واحد من المسلمين التضرع لله تعالى والإنابة إليه بالتوبة والاستغفار عند فشّو الظلم وشمول الجور ويظهر جور الوالى وعدله فى الضرع والزرع والأشجار والأثمار والمكاسب والحرف يعنى يقل لين الضرع وتنزع بركة الزرع وتنقص ثمار الأشجار وتكسد معاملة التجار وأهل الحرف فى الأمصار التي ملك فيها ذلك الملك الجائر بشؤم ظلمه وسوء فعله ويكون الأمر على العكس إذا عدل ولما ولى عمر بن عبد العزيز الخلافة كتب إليه طاووس إن أردت أن يكون عملك خيرا كله فاستعمل أهل الخير فقال كفى بها موعظة. أ هـ {روح البيان حـ 2 صـ 25}","part":12,"page":260},{"id":5058,"text":"بحث علمى للدكتور زغلول النجار ـ حفظه الله ـ\r\"إخراج الحي من الميت وإخراج الميت من الحي في القرآن الكريم\"\rجاء هذا المعني في أربعة مواضع من القرآن الكريم علي النحو التالي :\r(1).. تولج الليل في النهار وتولج النهار في الليل وتخرج الحي من الميت وتخرج الميت من الحي وترزق من تشاء بغير حساب ( آل عمران : 27).\r(2) إن الله فالق الحب والنوي يخرج الحي من الميت ومخرج الميت من الحي ذلكم الله فأني تؤفكون ( الأنعام : 95).\r(3) قل من يرزقكم من السماء والأرض أمن يملك السمع والأبصار ومن يخرج الحي من الميت ويخرج الميت من الحي ومن يدبر الأمر فسيقولون الله فقل أفلا تتقون ( يونس : 31).\r(4) يخرج الحي من الميت ويخرج الميت من الحي ويحيي الأرض بعد موتها وكذلك تخرجون ( الروم : 19).\rالدلالة العلمية للآية الكريمة","part":12,"page":261},{"id":5059,"text":"تشير هذه الآية الكريمة إلي قدرة الله علي خلق الأحياء من المواد الأولية التي أوجدها مع بدء خلقه للكون , وهي مواد ميتة لا روح فيها ولا حياة , وبعد انتزاع الروح من الكائن الحي يعود جسده إلي تلك المواد الأولية التي بدأ خلقه منها , وبذلك فالله ( تعالي ) وحده هو الذي يملك إخراج الحي من الميت , وإخراج الميت من الحي ; وينطبق ذلك علي الخلق الأول للحياة , وعلي البعث في الآخرة , كما ينطبق علي العمليات الوسطي بينهما من الميلاد , والنمو , والتكاثر , والوفاة ; وهي عمليات مستمرة إلي قيام الساعة , ومنضبطة بسنن كونية , وقوانين ربانية ثابتة لا تتوقف ولا تتخلف إلي أن يشاء الله , وهذه السنن والقوانين لم يدركها علم الإنسان الكسبي إلا في العقود المتأخرة من القرن العشرين , وورود الإشارة إلي حقيقتها في كتاب الله الذي أنزل من قبل ألف وأربعمائة سنة بهذه الدقة البالغة لمما يجزم بأن القرآن الكريم لا يمكن أن يكون صناعة بشرية بل هو كلام الله الخالق , ومما يؤكد نبوة هذا النبي الخاتم ( صلي الله عليه وسلم ) ويشهد بصدق رسالته , وبأنه ( صلي الله عليه وسلم ) كان موصولا بالوحي , ومعلما من قبل خالق السماوات والأرض .\rوقبل الدخول في شرح الدلالة العلمية للآية الكريمة لابد لنا من التفريق بين تعبيري الحي والميت .\rالحي والميت في اللغة العربية : \r( الحياة ) في العربية ضد الموت ; و( الحي ) ضد الميت , و( المحيا ) من الحياة ; يقال : ( أحياه ) الله ( فحيي ) و( حي ), وللجمع ( حيوا ), و( الحيوان ) ضد الموتان .","part":12,"page":262},{"id":5060,"text":"وفي المقابل فإننا نجد أن ( الموات ) بالفتح هو كل ما لا روح فيه , وهو أيضا الأرض التي لا مالك لها , والتي لا ينتفع أحد بها ; و( الموت ) ضد الحياة ; يقال للحي إذا فارق الحياة أنه قد ( مات )( يموت ), و( يمات ), فهو ( ميت )[ بالتشديد والتخفيف ], وجمعه ( موتي ) و( أموات ) و( ميتون )[ بالتشديد والتخفيف ], ويستوي في ذلك المذكر والمؤنث ; و( الميتة ) ما لم تلحقه الذكاة , و( الموات ) بالضم هو ( الموت ); يقال : ( أماته ) الله ( موتة ); و( المستميت ) المتعرض للمخاطر إلي حد الموت ; و( المتماوت ) المتظاهر بالموت من قبيل الرياء ; ويقال للنوم أنه ( موت خفيف أو مؤقت ) و( للموت ) أنه نوم ثقيل ودائم إلي يوم البعث .\rالموات في كوننا : ","part":12,"page":263},{"id":5061,"text":"يتكون الجزء المدرك لنا من الكون في غالبيته من غاز الأيدروجين الذي يشكل أكثر من 74% من مادة الكون المنظور ; وغاز الأيدروجين هو أخف العناصر وزنا , وأقلها تعقيدا أي أبسطها بناء , وهو مادة غير حية . ويلي غاز الأيدروجين كثرة في الجزء المدرك لنا من الكون غاز الهيليوم الذي يشكل 24% من مادة الكون المنظور , وهو ثاني العناصر المعروفة لنا , ويتكون في داخل الشمس باتحاد أربع من نوي ذرات الأيدروجين وتنطلق الطاقة , ومعني ذلك أن باقي العناصر المعروفة لنا التي يزيد عددها علي مائة عنصر تشكل أقل من 2% من مادة الكون المنظور , وهي كلها غير حية , وقد أدت هذه الملاحظة إلي الاستنتاج الصحيح بأن جميع العناصر قد تخلقت باتحاذ نوي ذرات الأيدروجين بعملية تعرف باسم الاندماج النووي , وهذه العملية تتم في داخل نجوم السماء التي ينظر إليها علي أنها أفران ذرية كونية تتخلق فيها العناصر بالتدريج من أخفها وهو غاز الأيدروجين بعملية الاندماج النووي حتي تصل سلسلة هذه العمليات إلي إنتاج عنصر الحديد الذي لا يتم إنتاجه إلا في داخل النجوم العملاقة وفي مراحل توهجها الشديد المسماة باسم ( المستعرات العظام ), وحينما يتحول قلب المستعر الأعظم إلي الحديد يكون قد استهلك طاقته فينفجر هذا النجم الأعظم , وتتناثر أشلاؤه في صفحة السماء , لتدخل في نطاق جاذبية عدد من الأجرام بتقدير من الله ( تعالي ) علي هيئة النيازك ورماد الشهب , وقد تتعرض بعض نوي ذرات الحديد في أثناء هذه الرحلة في صفحة السماء لاصطياد عدد من الجسيمات الأولية للمادة ـبتقدير من الخالق سبحانه وتعالي فيتكون من العناصر ما هو أعلي وزنا , وأعقد بناء من الحديد .\rوباتحاد نوي ذرات العناصر مع الإليكترونات تكونت الذرات , وباتحاد الذرات تكونت الجزيئات , وباتحادها تكونت المركبات .","part":12,"page":264},{"id":5062,"text":"وعندما انفصلت أرضنا عن الشمس ( أو عن السديم الذي تكونت منه الشمس ), لم تكن سوي كومة من الرماد ليس بها من العناصر ماهو أعلي وزنا من ( السيليكون ), ثم رجمت بوابل من النيازك والشهب الحديدية التي بها بعض العناصر الأعلي وزنا من الحديد , فاندفعت تلك المواد العالية الكثافة إلي قلب الأرض الأولية ( كومة الرماد ) فانصهرت وصهرتها ومايزتها إلي سبع أراضين : لب صلب داخلي أغلبه الحديد والنيكل , يليه إلي الخارج لب سائل أغلبه كذلك الحديد والنيكل , ثم أربعة أوشحة متتالية تتناقص فيها نسبة الحديد من الداخل إلي الخارج , ثم الغلاف الصخري للأرض وبه 5.6% من الحديد , وفي أثناء عملية التمايز تلك تكونت مركبات المعادن التي كونت الصخور الأولية ( النارية ), والتي بدأت بها دورة الصخور . ومن الصخور النارية تكونت كل من الصخور الرسوبية والمتحولة , ومع تكون الصخور النارية , عبر المتداخلات النارية , والثورات البركانية أخرج الله ( تعالي ) من داخل الأرض ماءها , وغلافها الغازي , وهذه النطق الثلاث : الغلاف الصخري , والمائي , والغازي كلها مواد ميتة لا روح فيها ولا حياة .\rويقدر عمر الأرض بنحو 4600 مليون سنة , بينما يقدر عمر أقدم أثر للحياة علي سطحها بنحو 3800 مليون سنة , أي أن الأرض أخذت ثمانمائة مليون سنة علي الأقل من أجل إعدادها لاستقبال الحياة , والله ( تعالي ) قادر علي أن يقول للشيء كن فيكون , ولكن هذا التدرج قصد به أن يفهم الإنسان سنن الله في الخلق , وأن يحسن توظيفها في عمارة الأرض , وفي حسن القيام بواجبات الاستخلاف فيها .\rالأحياء علي أرضنا : ","part":12,"page":265},{"id":5063,"text":"يحيا علي يابسة أرضنا اليوم , وفي مياهها , وتحت هوائها من صور الحياة المدركة بلايين البلايين من الأفراد التي تنطوي في نحو المليوني نوع من أنواع الحياة , تجمع في ست ممالك هي : البدائيات , الطلائعيات , الفطريات , النبات , الحيوان , والإنسان .. التي ينقسم كل منها إلي عدد من القبائل , والفصائل , والرتب , والأجناس , والأنواع .\rوبمعدل الاكتشافات الحالية يتوقع العلماء أن عدد الأنواع التي عاشت علي الأرض واندثرت , والتي تعيش اليوم سوف يصل إلي نحو خمسة ملايين نوع من أنواع الحياة , يمثل كل نوع منها ببلايين الأفراد , ويتراوح متوسط عمر كل نوع من أنواع هذه الحياة بين نصف مليون سنة وخمسة ملايين من السنين .\rوكل نوع من أنواع هذه الحياة أعطاه الله ( تعالي ) القدرة علي القيام بجميع العمليات الحيوية من أمثال التغذية , والقدرة علي القيام بالتمثيل الغذائي ( الأيض ), وعلي الإخراج , والتنفس , والنمو , والتكاثر , والتكيف , والحركة .( باستثناء النبات ), والإحساس , إلي غير ذلك من الميزات التي تستخدم للتفريق بين الأحياء والأموات ( الموات ) في كوننا المدرك .\rإخراج الحي من الميت : \rإن قضية الخلق بأبعادها الثلاثة : خلق الكون , خلق الحياة , وخلق الإنسان هي من القضايا الغيبية التي لا تخضع لإدراك الإنسان , وفي ذلك يقول الحق ( تبارك وتعالي ) : \rما أشهدتهم خلق السماوات والأرض , ولا خلق أنفسهم وما كنت متخذ المضلين عضدا ( الكهف 51).\rولكن القرآن الكريم الذي أنزل فيه ربنا ( تبارك وتعالي ) قراره هذا يقول لنا أيضا فيه : \rقل سيروا في الأرض فانظروا كيف بدأ الخلق ثم الله ينشئ النشأة الآخرة إن الله علي كل شيء قدير ( العنكبوت : 20).","part":12,"page":266},{"id":5064,"text":"وبالجمع بين هاتين الآيتين الكريمتين يتضح لنا بجلاء أنه علي الرغم من كون عملية الخلق عملية غيبية غيبة كاملة , لم يشهدها أحد من المخلوقين إلا أن الله ( تعالي ) من رحمته بنا أبقي لنا في صخور الأرض وفي صفحة السماء من الشواهد الحسية ما يمكن أن يعين الإنسان علي وضع تصور ما عن كيفية الخلق , ويبقي هذا التصور متأثرا بخلفية واضعه , فتتعدد النظريات في قضية الخلق تعددا كبيرا , ويبقي للمسلم نور من الله ( تعالي ) في آية قرآنية كريمة , أو في حديث نبوي صحيح السند عن رسول الله ( صلي الله عليه وسلم ) يمكن أن يعينه علي أن يختار من بين هذه التصورات أو النظريات واحدة تتفق مع النص القرآني أو مع الحديث النبوي الصحيح أو معهما معا فيرتقي بهذه النظرية إلي مستوي الحقيقة انتصارا للعلم بالقرآن الكريم أو بالحديث النبوي الشريف وليس العكس , وهذه منزلة من منازل العلم لا يرقاها إلا المسلم .\rوتحدث الدهريون عن التطور الكيميائي , ومن بعده عن التطور العضوي , ونحن معشر المسلمين لا اعتراض لنا علي ذلك لأن الحكمة ضالة المؤمن أني وجدها فهو أولي الناس بها كما علمنا المصطفي ( صلي الله عليه وسلم ), فإذا كان المقصود بالتطور هو تدرج عمارة الأرض بأنماط من الخلق تزداد تدريجيا في العدد وفي تعقيد البناء , فهذا حق يقوم عليه الدليل وتؤكده الملاحظة , وتدعمه الحجة , ولكن أعداء الدين انطلقوا بهذه الملاحظة الصحيحة إلي ثلاثة استنتاجات خاطئة تماما هي :\r(1) الإدعاء بعشوائية الخلق الأول :","part":12,"page":267},{"id":5065,"text":"والملاحظة العلمية الدقيقة تشجب ذلك وترفضه , لأن هذا الفرض يقتضي عشوائية بناء الحمض الأميني ( وهو لبنة بناء الجزيء البروتيني الذي هو لبنة بناء الخلية الحية ), وعشوائية تجمع هذه الأحماض الأمينية لبناء مائتي ألف نوع من الجزيئات البروتينية , والتي تجمعت عشوائيا لبناء أول خلية حية , التي تشعبت من بعد إلي ملايين الأنواع من أنواع الحياة التي مثل كل نوع منها ببلايين الأفراد , بطريقة عشوائية محضة والحقيقة العلمية المؤكدة هي أن كلا من الحمض الأميني والجزيء البروتيني علي قدر من التعقيد في البناء , والدقة في ترابط الذرات والجزيئات لا يمكن للصدفة أن تصنعه أبدا ...!!\r(2) الإدعاء بعشوائية التدرج في الخلق : \rوهذا الافتراض ترفضه أيضا الملاحظة العلمية الدقيقة لأن لكل نوع من أنواع الحياة عددا محددا من الصبغيات التي تحمل شفرته الوراثية وتتحكم في صفاته ونشاطاته ومنها الانقسام والتكاثر , وهذه الشفرة الوراثية علي قدر من الدقة والتعقيد لا يمكن للصدفة أن تكون قادرة علي إبداعه أبدا .\rثم إن عملية تدرج عمارة الأرض بأنماط الحياة تمت بإتقان معجز , لعب فيه كل طور من أطوار الحياة دورا في إعداد الأرض للطور التالي , ولا يمكن للصدفة أبدا أن ترتب ذلك . ثم إن هناك انقطاعات في سجلات الحياة الأحفورية تؤكد حقيقة الخلق , وتنفي عشوائية التدرج .\r(3) الإدعاء بعشوائية ظهور الإنسان عن هذه السلسلة الطويلة من الخلق : ","part":12,"page":268},{"id":5066,"text":"وهذا أيضا هروب مقصود من الاعتراف بالخالق ( سبحانه وتعالي ) والملاحظات العلمية الدقيقة ترفضه ولا تؤيده . فتمايز الشفرة الوراثية للإنسان , وتحديد عدد الصبغيات التي تحملها , وما ميز الله ( تعالي ) به الإنسان من صفات تشريحية ونفسية , وقدرات عقلية تنفي ذلك الزعم وتدحضه , وتمايز الهيكل العظمي للإنسان فوق أعلي مخلوق قبله كصفة وحيدة تنفي تخرص المتخرصين , وتزييف المزيفين , لأن هذا القدر من التمايز لا يمكن أن يتم في الفترة الزمنية القصيرة التي عاشها نوع الإنسان علي الأرض , أضف إلي ذلك ذكاء الإنسان , وقدرته علي الكلام , ومهاراته المختلفة , وقدرته علي الشعور , والانفعال , والتعبير عن ذلك , وقدراته علي كسب المعارف والمهارات وتعليمها , كل ذلك يؤكد الخلق الخاص للإنسان وفصله عن كل صور الحياة من قبله .\rوإن قدرة الشفرة الوراثية في الإنسان علي الانقسام وتكرار نفسها ترد الجنس البشري كله إلي أب واحد هو آدم ( عليه السلام ) وفوق ذلك كله فإن دقة بناء الخلية الحية , وإحكام عملها , وانضباط كل نشاطاتها علي الرغم من ضآلة حجمها ( أقل من جزء من عشرة ملايين جزء من الملليمتر المكعب ), تنفي ذلك فلها جدارها الذي يبدو كالسور العظيم الذي تتخلله بوابات تفتح وتغلق بانتظام معجز , ولها جيوش دفاعية , وأخري هجومية , وثالثة احتياطية , ولها قوي وأجهزة كهرومغناطيسية , ولها مسئولون عن التموين , وقدرة علي تصنيع أكثر من مائتي ألف نوع من أنواع البروتينات , ولها علاقات داخلية منضبطة , وأخري خارجية مع غيرها من الخلايا الموجودة حولها , ولها شفرة وراثية معجزة , وغير ذلك من الصفات التي لا يتسع المقام لسردها , وهذا كله لا يمكن أن يكون للصدفة دور فيه .\rوخلق الخلية الحية من عناصر الأرض الميتة هو أعظم صور إخراج الحي من الميت التي أشارت إليها الآية الكريمة , وكذلك إعادة بعثها في يوم القيامة .","part":12,"page":269},{"id":5067,"text":"ومن صور ذلك أيضا قدرة الخالق المبدعة التي أعطاها لكل كائن حي لتحويل عناصر الأرض وجزيئات الماء والهواء ( وكلها من المواد الميتة ) بتقدير من الله ( تعالي ) إلي مواد حية كما يحدث في عملية التمثيل الضوئي التي تقوم بها النباتات الخضراء فتأخذ عناصر الأرض والماء من التربة , وتأخذ ثاني أوكسيد الكربون من الجو والطاقة من الشمس , في وجود صبغة خضراء تعرف باسم ( اليخضور ) أو غيرها من الصبغات النباتية وبعض الإنزيمات التي يفرزها النبات لتكوين الكربوهيدرات من مثل السكر , والنشا , والسيليلوز وهي مواد في غاية الأهمية لأنها تعد مكونات أساسية في بناء مختلف أجزاء النبات وفي طعام كل من الإنسان والحيوان .\rوفي كل من الإنسان والحيوان وفي بعض النباتات تتحول المواد الغذائية من الكربوهيدرات وغيرها إلي البروتينات وهي مركبات عضوية تتكون من جزيئات معقدة باتحاد ذرات الكربون والأيدروجين بذرات كل من الأوكسجين والنيتروجين , بالإضافة أحيانا إلي ذرات الكبريت أو الفوسفور . وتتكون كل الأنسجة الحية في الإنسان والحيوان من البروتينات التي تعد الوحدات الأساسية في بناء مختلف الخلايا الحية , وتقوم بالعديد من الدعم والحركة في كل من العضلات والعظام , وفي عمليات نقل الدم ورسائل الأعصاب , وفي حفز مختلف التفاعلات الحية في الخلايا من مثل ما تقوم به بعض الإنزيمات والهرمونات وكلها من البروتينات .\rوأجساد الكائنات الحية تتجدد باستمرار ماعدا الخلايا العصبية , فجسم الإنسان يفقد من خلاياه في كل ثانية حوالي 125 مليون خلية في المتوسط تتهدم وتموت , ويتكون غيرها في الحال .","part":12,"page":270},{"id":5068,"text":"هذه صورة من صور إخراج الحي من الميت وإخراج الميت من الحي حيث تتحرك المواد الميتة بين الأرض , ومائها , وهوائها , والطاقة القادمة إليها من الشمس لتخليق المواد اللازمة لبناء الخلية الحية من الكربوهيدرات والبروتينات وغيرها من المواد التي تنبني منها الخلايا الحية الجديدة في كل من عمليات النمو والتكاثر , فإذا ما ماتت هذه الكائنات الحية عادت مكوناتها إلي كل من الأرض , ومائها , وهوائها ليخرج الله ( تعالي ) الميت من الحي وهذه حقائق لم يدركها الإنسان إلا في أواخر القرن العشرين .. فسبحان الذي أنزل القرآن بعلمه , علي خاتم أنبيائه ورسله , ليكون حجة علي أهل عصرنا الذين فتنوا بالعلم ومعطياته فتنة كبيرة , حجة قائمة علي الذين ينكرون ربانية القرآن , ونبوة خاتم الأنبياء والمرسلين ( صلي الله وسلم وبارك عليه وعليهم أجمعين ) وهي حجة بالغة علي كل كافر ومشرك ومتشكك ... والله غالب علي أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون ( يوسف : 21). أ هـ {الإعجاز العلمى فى القرآن للدكتور زغلول النجار}","part":12,"page":271},{"id":5069,"text":"قوله تعالى { لَا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ (28)}\rمناسبة الآية لما قبلها\rقال البقاعى :\rولما بان بهذه الآية أن لا شيء في يد غيره ، واقتضى ذلك قصر الهمم عليه ، وكان نصارى نجران إنما داموا على موالاة ملوك الروم لمحض الدنيا مع العلم ببطلان ما هم عليه حذر المؤمنين من مداناة مثل ذلك مع كونهم مؤمنين كما وقع لحاطب بن أبي بلتعة رضي الله تعالى عنه مما قص في سورة الممتحنة إشارة إلى أنه لا تجتمع موالاة المؤمنين وموالاة الكافرين في قلب إلا أوشكت إحداهما أن تغلب على الأخرى فتنزعها ، فقال تعالى منبهاً على ذلك كله سائقاً مساق النتيجة لما قبله { لَا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ}","part":12,"page":272},{"id":5070,"text":"وقال الحرالي : ولما كان مضمون هاتين الآيتين بشرى لخصوص هذه الأمة وعمومها بالعز والملك وختم الرزق الذي لا حساب فيه كان من الحق أن تظهر على المبشرين عزة البشرى فلا يتولوا غيره ، ولما قبض ما بأيدي الخلق إليه في إيتاء الملك ونزعه والإعزاز والإذلال ، وأظهر إحاطة قدرته على كل شيء وإقامة امتحانه بما أولج وأخرج ، وأنبأ عن إطلاق حد العد عن أرزاقه فسد على النفس الأبواب التي منها تتوهم الحاجة إلى الخلق ؛ نهي المؤمنين الذين كانت لهم عادة بمباطنة بعض كفرة أهل الكتاب وغيرهم من المشركين ومن شمله وصف الكفر أن يجروا على عادتهم في موالاتهم ومصافاتهم والحديث معهم ، لأن المؤمنين يفاوضونهم بصفاء ، والكافرون يتسمعون ويأخذون منهم بدغل ونفاق عليهم كما قال تعالى {هاأنتم أولاء تحبونهم ولا يحبونكم} [ آل عمران : 119 ] فنهاهم الله سبحانه وتعالى عما غاب عنهم خبرته وطيته فقال تعالى : {لا يتخذ المؤمنون} أي الراسخون في الإيمان وعبر في أضدادهم بالوصف لئلا يتوهم ذلك في كل من تلبس بكفر في وقت ما فقال : {الكافرين أولياء} ونبه بقوله : {من دون المؤمنين} على أن ولاية أوليائه من ولايته ، وأن المنهي عنه إنما هو الولاية التي قد توهن الركون إلى المؤمنين لأن في ذلك - كما قال الحرالي - تبعيد القريب وتقريب البعيد ، والمؤمن أولى بالمؤمن كما قال عليه الصلاة والسلام : \" المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضاً \" فأقواهم له ركن ، وضعيفهم مستند لذلك الركن القوي ، فإذا والاه قوى به مما يباطنه ويصافيه ، وإذا اتخذ الكافر ولياً من دون مؤمنه القوي ربما تداعى ضعفه في إيمانهم إلى ما ينازعه فيه من ملابسة أحوال الكافرين ، كما أنهم لما أصاخوا إليهم إصاخة أوقعوا بينهم سباب الجاهلية كما في قوله تعالى {يا أيها الذين آمنوا إن تطيعوا فريقاً من الذين أوتوا الكتاب يردوكم بعد إيمانكم كافرين} [ آل عمران : 100 ] وكما قال سبحانه وتعالى : {يا أيها","part":12,"page":273},{"id":5071,"text":"الذين آمنوا إن تطيعوا الذين كفروا يردوكم على أعقابكم فتنقلبوا خاسرين} [ آل عمران : 149 ] ، ولم يمنع سبحانه وتعالى من صلة أرحام من لهم من الكافرين ، ولا من خلطتهم في أمر الدنيا فيما يجري مجرى المعاملة من البيع والشرى والأخذ والعطاء وغير ذلك ليوالوا في الدين أهل الدين ، ولا يضرهم أن يباروا من لم يحاربهم من الكافرين - انتهى.\rولما كان التقدير : فمن تولاهم وكل إليهم وكان في عدادهم ، لأنه ليس من الراسخين في صفة الإيمان عطف عليه ترهيباً لمن قد تتقاصر همته فيرضى بمنزلة ما دون الرسوخ قوله : {ومن يفعل ذلك} أي هذا الأمر البعيد من أفعال ذوي الهمم الذي يكون به في عداد الأعداء بعد هذا البيان ومع رفع هذا الحجاب الذي كان مسدولاً على أكثر الخلق {فليس من الله} أي الذي بيده كل شيء فلا كفوء له {في شيء} قال الحرالي : ففي إفهامه أن من تمسك بولاية المؤمنين فهو من الله في شيء بما هو متمسك بعنان من هو له وسيلة إلى الله سبحانه وتعالى من الذين إذا رؤوا ذكر الله - انتهى.\rولما كان من الناس القوي والضعيف والشديد واللين نظر إلى أهل الضعف سبحانه وتعالى فوسع لهم بقوله : {إلا أن تتقوا منهم تقاة} أي إلا أن تخافوا منهم أمراً خطراً مجزوماً به ، لا كما خافه نصارى نجران وتوهمه حاطب ، فحينئذ يباح إظهار الموالاة وإن كانت درجة من تصلب في مكاشرتهم وتعزز لمكابرتهم ومكاثرتهم ، وإن قطع أعظم فإياكم أن تركنوا إليهم! فإن الله سبحانه وتعالى يحذركم إقبالكم على عدوه ، فإن ذلك موجب لإعراضه عنكم {ويحذركم الله} أي الملك الأعظم {نفسه} فإنه عالم بما تفعلونه.\rوهو الحكم في الدنيا كما ترون من إذلاله العزيز وإعزازه الذليل ، وهذا المحذر منه وهو نفسه سبحانه وتعالى - كما قال الحرالي - مجموع أسماء تعاليه المقابلة بأسماء أوصافهم التي مجموعها أنفسهم.","part":12,"page":274},{"id":5072,"text":"وموجود النفس ما تنفس ، وإن كانت أنفس الخلق تنفس على ما دونها إلى حد مستطاعها ، فكان ما حذره الله من نفسه أولى وأحق بالنفاسة في تعالي أوصافه وأسمائه أن تنفس على من يغنيه فلا يستغني ، ويكفيه فلا يكتفي ويريه مصارف سد خلاته وحاجاته فلا ينصرف إليها ولا يتوجه نحوها ، فهو سبحانه وتعالى يعذب من تعرف له بنفسه فلم يعرفه أشد من عذاب من يتعرف له بآياته فلا يعتبر بها ، بما أن كل ما أبداه من نفسه بلا واسطة فهو أعظم مما أبداه بالواسطة من نعيم وعذاب ، فلا أعظم من نعيم من تعرف له بنفسه فعرفه ، ولا أشد من عذاب من تعرف له بنفسه فأنكره - انتهى.\rولما كانت مصائب الدنيا قد تستهان قال سبحانه وتعالى عاطفاً على نحو ما تقديره : فمن الله المبدأ : - وقال الحرالي : ولما كان الزائل أبداً مؤذناً بترك الاعتماد عليه أقام تعالى على المتمسك بما دونه حجة بزواله ، فلا يستطيع الثبات عليه عند ما تناله الإزالة والإذهاب ، ويصير الأمر كله لله ، فأعلم أن المصير المطلق إلى الله سبحانه وتعالى ، فنم تعرف إليه فعرفه نال أعظم النعيم ، ومن تعرف إليه فأنكره نال أشد الجحيم - انتهى ؛ فقال - : {وإلى الله} أي الذي له الإحاطة الكاملة {المصير} أي وإن طال إملاؤه لمن أعرض عنه فيوشك أن ينتقم منه. أ هـ {نظم الدرر حـ 2 صـ 57 ـ 59}\rفصل\rقال الفخر : \rفي كيفية النظم وجهان\rالأول : أنه تعالى لما ذكر ما يجب أن يكون المؤمن عليه في تعظيم الله تعالى ، ثم ذكر بعده ما يجب أن يكون المؤمن عليه في المعاملة مع الناس ، لأن كمال الأمر ليس إلا في شيئين : التعظيم لأمر الله تعالى ، والشفقة على خلق الله قال : {لاَّ يَتَّخِذِ المؤمنون الكافرين أَوْلِيَاء مِن دُونِ المؤمنين} الثاني : لما بيّن أنه تعالى مالك الدنيا والآخرة بين أنه ينبغي أن تكون الرغبة فيما عنده ، وعند أوليائه دون أعدائه. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 8 صـ 10}\rفصل فى سبب النزول\rقال الفخر : ","part":12,"page":275},{"id":5073,"text":"في سبب النزول وجوه\rالأول : جاء قوم من اليهود إلى قوم المسلمين ليفتنوهم عن دينهم فقال رفاعة بن المنذر ، وعبد الرحمن بن جبير ، وسعيد بن خيثمة لأولئك النفر من المسلمين : اجتنبوا هؤلاء اليهود ، واحذروا أن يفتنوكم عن دينكم فنزلت هذه الآية\rوالثاني : قال مقاتل : نزلت في حاطب بن أبي بلتعة وغيره ، وكانوا يتولون اليهود والمشركين ويخبرونهم بالأخبار ويرجون أن يكون لهم الظفر على رسول الله صلى الله عليه وسلم فنزلت هذه الآية\rالثالث : أنها نزلت في عبادة بن الصامت وكان له حلفاء من اليهود ، ففي يوم الأحزاب قال يا نبي الله إن معي خمسمائة من اليهود وقد رأيت أن يخرجوا معي فنزلت هذه الآية. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 8 صـ 10}\rسؤال : فإن قيل : إنه تعالى قال : {وَمَن يَفْعَلْ ذلك فَلَيْسَ مِنَ الله فِي شَىْء} وهذه صفة الكافر.\rقلنا : معنى الآية فليس من ولاية الله في شيء ، وهذا لا يوجب الكفر في تحريم موالاة الكافرين.\rواعلم أنه تعالى أنزل آيات كثيرة في هذا المعنى منها قوله تعالى : {لاَ تَتَّخِذُواْ بِطَانَةً مّن دُونِكُمْ} [ آل عمران : 118 ] وقوله {لاَّ تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بالله واليوم الآخر يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ الله وَرَسُولَهُ} [ المجادلة : 22 ] وقوله {لاَ تَتَّخِذُواْ اليهود والنصارى أَوْلِيَاء} وقوله {ياأيها الذين ءَامَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ عَدُوِّى وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاء} [ الممتحنة : 1 ] وقال : {والمؤمنون والمؤمنات بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ} [ التوبة : 71 ].\rواعلم أن كون المؤمن موالياً للكافر يحتمل ثلاثة أوجه\rأحدها : أن يكون راضياً بكفره ويتولاه لأجله ، وهذا ممنوع منه لأن كل من فعل ذلك كان مصوباً له في ذلك الدين ، وتصويب الكفر كفر والرضا بالكفر كفر ، فيستحيل أن يبقى مؤمناً مع كونه بهذه الصفة.","part":12,"page":276},{"id":5074,"text":"فإن قيل : أليس أنه تعالى قال : {وَمَن يَفْعَلْ ذلك فَلَيْسَ مِنَ الله فِي شَىْء} وهذا لا يوجب الكفر فلا يكون داخلاً تحت هذه الآية ، لأنه تعالى قال : {يا أيها الذين آمنوا} فلا بد وأن يكون خطاباً في شيء يبقى المؤمن معه مؤمناً\rوثانيها : المعاشرة الجميلة في الدنيا بحسب الظاهر ، وذلك غير ممنوع منه.\rوالقسم الثالث : وهو كالمتوسط بين القسمين الأولين هو أن موالاة الكفار بمعنى الركون إليهم والمعونة ، والمظاهرة ، والنصرة إما بسبب القرابة ، أو بسبب المحبة مع اعتقاد أن دينه باطل فهذا لا يوجب الكفر إلا أنه منهي عنه ، لأن الموالاة بهذا المعنى قد تجره إلى استحسان طريقته والرضا بدينه ، وذلك يخرجه عن الإسلام فلا جرم هدد الله تعالى فيه فقال : {وَمَن يَفْعَلْ ذلك فَلَيْسَ مِنَ الله فِي شَىْء }.\rفإن قيل : لم لا يجوز أن يكون المراد من الآية النهي عن اتخاذ الكافرين أولياء بمعنى أن يتولوهم دون المؤمنين ، فأما إذا تولوهم وتولوا المؤمنين معهم فذلك ليس بمنهي عنه ، وأيضاً فقوله {لاَّ يَتَّخِذِ المؤمنون الكافرين أَوْلِيَاء} فيه زيادة مزية ، لأن الرجل قد يوالي غيره ولا يتخذه موالياً فالنهي عن اتخاذه موالياً لا يوجب النهي عن أصل مولاته.\rقلنا : هذان الاحتمالان وإن قاما في الآية إلا أن سائر الآيات الدالة على أنه لا تجوز موالاتهم دلّت على سقوط هذين الاحتمالين. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 8 صـ 10 ـ 11}\rفوائد لغوية\rقال ابن عادل : \rالعامة على قراءة \" لا يَتَّخِذْ \" نَهْياً ، وقرأ الضَّبِّيُّ \" لا يَتَّخِذُ \" برفع الذال - نفياً - بمعنى لا ينبغي ، أو هو خبر بمعنى النهي نحو { لاَ تُضَآرَّ وَالِدَةٌ } [ البقرة : 233 ] و{ وَلاَ يُضَآرَّ كَاتِبٌ } [ البقرة : 282 ] - فيمن رفع الراء.\rقال أبو البقاء وغيره : \" وأجاز الكسائيُّ فيه [ رفع الراء ] على الخبر ، والمعنى : لا ينبغي \".","part":12,"page":277},{"id":5075,"text":"وهذا موافق لما قاله الفرَّاء ، فإنه قال : \" ولو رَفَع على الخبر - كقراءة مَنْ قرأ : { لاَ تُضَآرَّ وَالِدَةٌ } جاز \".\rقال أبو إسحاق : ويكون المعنى - على الرفع - أنه مَنْ كان مؤمناً ، فلا ينبغي أن يتخذ الكافرَ ولياً ؛ [ لأن ولي الكافر راضٍ بكُفْره ، فهو كافر ].\rكأنهما لم يَطَّلِعَا على قراءة الضبي ، أو لم تثبت عندهما.\rو \" يتخذ \" يجوز أن يكون متعدياً لواحد ، فيكون \" أوْلِيَاءَ \" حالاً ، وأن يكون متعدياً لاثنين ، وأولياء هو الثاني.\rقوله : { مِن دُونِ المؤمنين } فيه وجهان : \rأظهرهما : أن \" مِن \" لابتداء الغايةِ ، وهي متعلقة بفعل الاتخاذ.\rقال علي بن عيسى : \" أي : لا تجعلوا ابتداءَ الولايةِ من مكانٍ دون مكان المؤمنين \".\rوقد تقدم تحقيقُ هذا ، عند قوله تعالى : { وادعوا شُهَدَآءَكُم مِّن دُونِ الله } في البقرة [ الآية 23 ].\rوالثاني - أجاز أبو البقاء - أن يكون في موضع نصب ، صفة لِ \" أوْلِيَاءَ \" فعلى هذا يتعلق بمحذوف.\rقوله : { وَمَن يَفْعَلْ ذلك } أدغم الكسائيُّ اللام في الذال هنا ، وفي مواضع أخَر تقدم التنبيه عليها في البقرة.\rقوله : { مِنَ الله } الظاهر أنه في محل نصب على الحال من \" شَيءٍ \" ؛ لأنه لو تأخر لكان صفةً له.\r\" فِي شَيءٍ \" هو خبر \" لَيْسَ \" ؛ لأن به تستقل فائدةُ الإسنادِ ، والتقدير : فليس في شيء كائن من الله ، ولا بد من حذف مضافٍ ، أي : فليس من ولاية الله.\rوقيل : من دين الله ، ونظَّر بعضُهم الآيةَ الكريمةَ ببيت النابغةِ : [ الوافر ]\rإذَا حَاوَلْتَ مِنْ أسَدٍ فُجُوراً... فَإنِّي لَسْتُ مِنْكَ وَلَسْتَ مِني\rقال ابو حيّان : \" والتنظير ليس بجيِّدٍ ؛ لأن \" منك \" و\" مني \" خبر \" لَيْسَ \" وتستقل به الفائدةُ ، وفي الآية الخبر قوله : \" فِي شَيءٍ \" فليس البيتُ كالآيةِ \".","part":12,"page":278},{"id":5076,"text":"وقد نحا ابن عطية هذا المنحى المذكورَ عن بعضهم ، فقال : فليس من الله في شيء مَرْضِيِّ على الكمالِ والصوابِ ، وهذا كما قال النبي صلى الله عليه وسلم \" مَنْ غَشَّنَا فَلَيْسَ مِنَّا \" وفي الكلامِ حذفُ مضافٍ ، تقديره : فليس من التقرب إلى الله والثواب ، وقوله : \" فِي شَيءٍ \" هو في موضع نصبٍ على الحالِ من الضمير الذي في قوله : { فَلَيْسَ مِنَ الله }.\rقال أبو حيّان : \" وهو كلام مضطرب ؛ لأن تقديره : \" فليس من التقرُّب إلى الله \" يقتضي أن لا يكون \" مِنَ اللهِ \" خبراً لِ \" لَيْسَ \" ؛ إذْ لا يستقل ، وقوله : \" فِي شَيءٍ \" هو في موضع نصبٍ على الحال يقتضي أن لا يكون خبراً ، فيبقى \" ليس \" - على قوله - ليس لها خبر ، وذلك لا يجوز ، وتشبيهه الآية الكريمة بقوله صلى الله عليه وسلم : \" من غشنا فليس منا \" ليس بجيِّد ؛ لما بينَّا من الفرق بين بيت النابغة ، وبين الآية الكريمةِ \".","part":12,"page":279},{"id":5077,"text":"قال شهاب الدين : \" وقد يجاب عن قوله : إن \" مِنَ اللهِ \" لا يكون خبراً ؛ لعدم الاستقلال بأن في الكلام حذفَ مضافٍ ، تقديره : فليس من أولياء اللهِ \" لا يكون خبراً ؛ لعدم الاستقلال بأن في الكلام حذفَ مضافٍ ، تقديره : فليس من أولياء اللهِ ؛ لأن اتخاذَ الكفار أولياء ينافي ولاية الله - تعالى - ، وكذا قول ابن عطية : فليس من التقرُّب ، أي : من أهل التقرب ، وحينئذٍ يكون التنظير بين الآية ، والحديث ، وبيت النابغة مستقيماً بالنسبة إلى ما ذكر ، ونظير تقديرِ المضافِ هنا - قوله : { فَمَن تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي } [ إبراهيم : 36 ] ، أي : من أشياعي وأتباعي ، وكذا قوله : { وَمَن لَّمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مني } [ البقرة : 249 ] أي : من أشياعي وقول العرب : أنت مني فرسخين ، أي : من أشياعي ما سرنا فرسخين ، ويجوز أن يكون \" مِنَ اللهِ \" هو خبر \" ليس \" و\" فِي شيءٍ \" يكون حالاً منالضمير في \" لَيْسَ \" - كما ذهب إليه ابن عطية تصريحاً ، وغيره إيماءً ، وتقدم الاعتراض عليهما والجواب \".\rقوله : { إِلاَّ أَن تَتَّقُواْ } هذا استثناء مُفَرَّغ من المفعول من أجله ، والعامل فيه \" لا يَتَّخِذْ \" أي : لا يتخذ المؤمنُ الكافرَ وليًّا لشيء من الأشياء إلا للتقيةِ ظاهراً ، أي : يكون مواليه في الظاهر ، ومعاديه في الباطن ، وعلى هذا فقوله : { وَمَن يَفْعَلْ ذلك } وجوابه معترضٌ بين العلةِ ومعلولِها وفي قوله : { إِلاَّ أَن تَتَّقُواْ } التفات من غيبةٍ إلى خطابٍ ، ولو جرى على سنن الكلامِ الأول لجاء الكلام غيبة ، وذكروا للالتفات - هنا - معنى حسناً ، وذلك أن موالاةَ الكفارِ لما كانت مستقبحةً لم يواجه الله - تعالى - عباده بخطاب النهي ، بل جاء به في كلام أسْندَ الفعل المنهي عنه لغيب ، ولما كانت المجاملة - في الظاهر - والمحاسنة جائزة لعذرٍ - وهو اتقاء شرهم - حَسُنَ الإقبال إليهم ، وخطابهم برفع الحرج عنهم في ذلك.","part":12,"page":280},{"id":5078,"text":"قوله : { تُقَاةً } في نصبها ثلاثة أوجهٍ ، وذلك مَبْنِيٌّ على تفسير \" تُقَاةً \" ما هي ؟ \rأحدها : أنها منصوبةٌ على المصدرِ ، والتقدير : تتقوا منهم اتِّقَاءً ، ف \" تُقَاة \" واقعة موقع الاتقاء ، والعرب تأتي بالمصادر نائبة عن بعضها ، والأصل : أن تتقوا اتقاءً - نحو تقتدر اقتداراً - ولكنهم أتوا بالمصدر على حذف الزوائدِ ، كقوله : \r{ أَنبَتَكُمْ مِّنَ الأرض نَبَاتاً } [ نوح : 17 ] والأصل إنباتاً.\rومثله قول الشاعر : [ الوافر ]\r................................. وَبَعْدَ عَطَائِكَ الْمَائَةَ الرِّتَاعَا\rأي : اعطائك ، ومن ذلك - أيضاً - قوله : [ الوافر ]\r................................. وَلَيْس بِأنْ تَتَبَّعَُ اتِّبَاعَا\rوقول الآخر : [ الوافر ]\rوَلاَحَ بِجَانِبِ الْجَبَلَيْنِ مِنْهُ... رُكَامٌ يَحْفِرُ الأرْضَ احْتِفَارَا\rوهذا عكس الآية ؛ إذ جاء المصدرُ مُزَاداً فيه ، والفعل الناصب له مُجَرَّد من تلك الزوائدِ ، ومن مجيء المصدر على غير المصدر قوله تعالى : { وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلاً } [ المزمل : 8 ].\rوقول الآخر : [ الرجز أو السريع ]\rوَقَدْ تَطَوَّيْتُ انْطِوَاءَ الْحِضْبِ... والأصل : تَطَوِّيَّا ، والأصل في \" تُقَاةً \" وقية مصدر على فُعَل من الوقاية. وقد تقدم تفسير هذه المادة ، ثم أبدلت الواوُ تاءً مثل تخمة وتكأة وتجاه ، فتحركت الواو وانفتح ما قبلها ، فقُلِبَتْ ألفاً ، فصار اللفظ \" تقاة \" كما ترى بوزن \" فعلة \" ومجيء المصدر على \" فُعَل \" و\" فُعَلَة \" قليل ، نحو : التخمة ، والتؤدة ، والتهمة والتكأة ، وانضم إلى ذلك كونها جاءت على غير المصدر ، والكثير مجيء المصادرِ جارية على أفعالها.\rقيل : وحسَّن مجيءَ هذا المصدر ثلاثياً كونُ فعله قد حُذِفت زوائده في كثيرٍ من كلامهم ، نحو : تقى يتقى.\rومنه قوله : [ الطويل ]\r................................. تَقِ اللهَ فِينَا وَالْكِتَابَ الَّذِي تَتْلُو","part":12,"page":281},{"id":5079,"text":"وقد تقدم تحقيق ذلك أول البقرة.\rالثاني : أنها منصوبة على المفعول به ، وذلك على أن \" تَتَّقُوا \" بمعنى تخافوا ، وتكون \" تُقَاةً \" مصدراً واقعاً موقعَ المفعول به ، وهو ظاهر قول الزمخشريِّ ، فإنه قال : \" إلا أن تَخَافُوا من جهتهم أمراً يجب اتقاؤه \".\rوقُرِئَ \" تَقِيَّةً \" وقيل - للمتقى- : تُقَاة ، وتقية ، كقولهم : ضَرْب الأمير - لمضروبه فصار تقديرُ الكلامِ : إلا أن تخافوا منهم أمْراً مُتَّقًى.\rالثالث : أنها منصوبةٌ على الحال ، وصاحب الحال فاعل \" تَتَّقُوا \" وعلى هذا تكون حالاً مؤكدةً لأن معناه مفهوم من عاملها ، كقوله : { وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيّاً } [ مريم : 33 ] ، وقوله : { وَلاَ تَعْثَوْاْ فِي الأرض مُفْسِدِينَ } [ البقرة : 60 ] وهو - على هذا - جمع فاعل ، - وإن لم يُلْفَظْ بـ \" فاعل \" من هذه المادة - فيكون فاعلاً وفُعَلَة ، نحو : رَامٍ ورُمَاة ، وغَازٍ وغُزَاة ، لأن \" فُعَلَة \" يطَّرد جمعاً لِ \" فاعل \" الوصف ، المعتل اللام.\rوقيل : بل لعله جمع لـ \" فَعِيل \" أجاز ذلك كلَّه أبو علي الفارسي.\rقال شهاب الدينِ : \" جمع فعيل على \" فُعَلَة \" لا يجوز ، فإن \" فَعِيلاً \" الوصف المعتل اللام يجمع على \" أفعلاء \" نحو : غَنِيّ وأغنياء ، وتَقِيّ وأتقياء ، وصَفِيّ وأصفياء.\rفإن قيل : قد جاء \" فعيل \" الوصف مجموعاً على \" فَُلَة \" قالوا : كَمِيّ وكُمَاة.\rفالجواب : أنه من النادر ، بحيثُ لا يُقاس عليه \".","part":12,"page":282},{"id":5080,"text":"وقرأ ابنُ عباس ومجاهدٌ ، وأبو رجاء وقتادةُ وأبو حَيْوةَ ويعقوبُ وسهلٌ وعاصمٌ - في رواية المعتل عينه - تتقوا منهم تقيَّة - بوزن مَطِيَّة - وهي مصدر - أيضاً - بمعنى تقاة ، يقال : اتَّقَى يتقي اتقاءً وتَقْوًى وتُقَاةً وتَقِيَّة وتُقًى ، فيجيء مصدر \" افْتَعَل \" من هذه المادة على الافتعال ، وعلى ما ذكر معه من هذه الأوزانِ ، ويقال - أيضاً- : تقيت أتقي - ثلاثياً - تَقِيَّةً وتقوًى وتُقَاةً وتُقًى ، والياء في جميع هذه الألفاظ بدل من الواو لما عرفته من الاشتقاق.\rوأمال الأخوانِ \" تُقَاةً \" هنا ؛ لأن ألفَها منقلبةٌ عن ياءٍ ، ولم يؤثِّرْ حرفُ الاستعلاء في منع الإمالة ؛ لأن السبب غيرُ ظاهر ، ألا ترى أن سبب الياء الإمالة المقدرة - بخلاف غالب ، وطالب ، وقادم فإن حرف الاستعلاء - هنا - مؤثِّر ؛ لكن سبب الإمالة ظاهر ، وهو الكسرة ، وعلى هذا يقال : كيف يؤثر مع السبب الظاهر ، ولم يؤثر مع المقدَّر وكان العكس أولى.\rوالجوابُ : أن الكسرة سببٌ منفصلٌ عن الحرف المُمَال - ليس موجوداً فيه - بخلاف الألف المنقلبة عن ياء ، فإنها - نفسها - مقتضية للإمالة ، فلذلك لم يقاوِمها حرفُ الاستعلاء.\rوأمال الكسائي - وحده - { حَقَّ تُقَاتِهِ } [ آل عمران : 102 ] فخرج حمزة عن أصله ، وكأن الفرق أن \" تُقَاةً \" - هذه - رُسِمَتْ بالياء ، فلذلك وافق حمزةُ الكسائيَّ عليه ، ولذلك قال بعضهم : \" تَقِيَّة \" - بوزن مطيّة - كما تقدم ؛ لظاهر الرسم ، بخلاف \" تُقَاتِهِ \".\rقال شهاب الدين : [ وإنما أمعنت في سبب الإمالة هنا ؛ لأن بعضهم زعم أن إمالة هذا شاذٌّ ؛ لأجل حرف الاستعلاء ، وأن سيبويه حكى عن قوم أنَّهم يُميلُون شَيْئاً لا تجوز إمالَُته ، نحو : رَأيْتُ عِرْقَى بالإمالة ، وليس هذا من ذلك ؛ لما تقدم لك من أن سبب الإمالة في كسْرِهِ ظاهرٌ.","part":12,"page":283},{"id":5081,"text":"وقوله : \" مِنْهُمْ \" متعلق بـ \" تَتَّقُوا \" أو بمحذوف على أنه حال من \" تُقَاةً \" ؛ لأنه - في الأصل - يجوز أن يكون صفةً لها ، فلما قُدِّم نُصِبَ حالاً ، هذا إذا لم نجعل \" تُقَاةً \" حالاً ، فأما إذا جعلناها حالاً تعيَّن أن يَتَعلَّق \" مِنْهُمْ \" بالفعل قبله ، ولا يجوز أن يكون حالاً من \" تُقَاةً \" لفساد المعنى ؛ لأن المخاطبين ليسوا من الكافرين. أ هـ {تفسير ابن عادل حـ 5 صـ 137 ـ 142}\rفائدة\rقال الفخر : \rإنما كسرت الذال من يتخذ لأنها مجزوم للنهي ، وحركت لاجتماع الساكنين قال الزجاج : ولو رفع على الخبر لجاز ، ويكون المعنى على الرفع أن من كان مؤمناً فلا ينبغي أن يتخذ الكافر ولياً.\rواعلم أن معنى النهي ومعنى الخبر يتقاربان لأنه متى كانت صفة المؤمن أن لا يوالي الكافر كان لا محالة منهياً عن موالاة الكافر ، ومتى كان منهياً عن ذلك ، كان لا محالة من شأنه وطريقته أن لا يفعل ذلك. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 8 صـ 11}\rفائدة\rقال ابن عطية : \rهذا النهي عن الاتخاذ إنما هو فيما يظهره المرء فأما أن يتخذه بقلبه ونيته فلا يفعل ذلك مؤمن ، والمنهيون هنا قد قرر لهم الإيمان ، فالنهي إنما هو عبارة عن إظهار اللطف للكافر والميل إليهم ، ولفظ الآية عام في جميع الأعصار. أ هـ {المحرر الوجيز حـ 1 صـ 419}","part":12,"page":284},{"id":5082,"text":"فصل\rقال الآلوسى : \r{ لاَّ يَتَّخِذِ المؤمنون الكافرين أَوْلِيَاء } قال ابن عباس : كان الحجاج بن عمرو. وكهمس بن أبي الحقيق وقيس بن زيد والكل من اليهود يباطنون نفراً من الأنصار ليفتنوهم عن دينهم فقال رفاعة بن المنذر وعبد الله بن جبير وسعيد بن خيثمة لأولئك النفر : اجتنبوا هؤلاء اليهود واحذروا لزومهم ومباطنتهم لا يفتنوكم عن دينكم فأبى أولئك النفر إلا مباطنتهم وملازمتهم فأنزل الله هذه الآية ، وقال الكلبي : نزلت في المنافقين عبد الله بن أبي وأصحابه كانوا يتولون اليهود والمشركين ويأتونهم بالأخبار ويرجون أن يكون لهم الظفر على رسول الله صلى الله عليه وسلم فأنزل الله تعالى الآية ونهى المؤمنين عن فعلهم. وروى الضحاك عن ابن عباس أنها نزلت في عبادة بن الصامت الأنصاري وكان بدرياً نقيباً وكان له حلفاء من اليهود فلما خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الأحزاب قال عبادة : يا نبي الله معي خمسمائة من اليهود وقد رأيت أن يخرجوا معي فاستظهر بهم على العدو فأنزل الله تعالى { لاَّ يَتَّخِذِ } الخ ، والفعل مجزوم بلا النهاية ، وأجاز الكسائي فيه الرفع على الخبر والمعنى على النهي أيضاً وهو متعد لمفعولين ، وجوز أن يكون متعدياً لواحد فأولياء مفعول ثان ، أو حال وهو جمع ولي بمعنى الموالي من الولي وهو القرب ، والمراد لا يراعوا أموراً كانت بينهم في الجاهلية بل ينبغي أن يراعوا ما هم عليه الآن مما يقتضيه الإسلام من بغض وحب شرعيين يصح التكليف بهما وإنما قيدنا بذلك لما قالوا : إن المحبة لقرابة أو صداقة قديمة أو جديدة خارجة عن الاختيار معفوة ساقطة عن درجة الاعتبار ، وحمل الموالاة على ما يعم الاستعانة بهم في الغزو مما ذهب إليه البعض ومذهبنا وعليه الجمهور أنه يجوز ويرضخ لهم لكن إنما يستعان بهم على قتال المشركين لا البغاة على ما صرحوا به ، وما روي عن عائشة رضي الله تعالى عنها أنها قالت : خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم لبدر فتبعه","part":12,"page":285},{"id":5083,"text":"رجل مشرك كان ذا جراءة ونجدة ففرح أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم حين رأوه فقال له النبي صلى الله عليه وسلم : \" ارجع فلن أستعين بمشرك \" فمنسوخ بأن النبي صلى الله عليه وسلم استعان بيهود بني قينقاع ورضخ لهم واستعان بصفوان بن أمية في هوازن ، وذكر بعضهم جواز الاستعانة بشرط الحاجة والوثوق أما بدونهما فلا تجوز وعلى ذلك يحمل خبر عائشة ، وكذا ما رواه الضحاك عن ابن عباس في سبب النزول وبه يحصل الجمع بين أدلة المنع وأدلة الجواز على أن بعض المحققين ذكر أن الاستعانة المنهي عنها إنما هي استعانة الذليل بالعزيز وأما إذا كانت من باب استعانة العزيز بالذليل فقد أذن لنا بها ، ومن ذلك اتخاذ الكفار عبيداً وخدماً ونكاح الكتابيات منهم وهو كلام حسن كما لا يخفى.\rومن الناس من استدل بالآية على أنه لا يجوز جعلهم عمالاً ولا استخدامهم في أمور الديوان وغيره وكذا أدخلوا في الموالاة المنهى عنها السلام والتعظيم والدعاء بالكنية والتوقير بالمجالس ، وفي \"فتاوى العلامة ابن حجر\" جواز القيام في المجلس لأهل الذمة وعد ذلك من باب البر والإحسان المأذون به في قوله تعالى : { لاَّ ينهاكم الله عَنِ الذين لَمْ يقاتلوكم فِى الدين وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مّن دياركم أَن تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُواْ إِلَيْهِمْ إِنَّ الله يحب المقسطين } [ الممتحنة : 8 ] ولعل الصحيح أن كل ما عده العرف تعظيماً وحسبه المسلمون موالاة فهو منهي عنه ولو مع أهل الذمة لا سيما إذا أوقع شيئاً في قلوب ضعفاء المؤمنين ولا أرى القيام لأهل الذمة في المجلس إلا من الأمور المحظورة لأن دلالته على التعظيم قوية وجعله من الإحسان لا أراه من الإحسان كما لا يخفي. أ هـ {روح المعانى حـ 3 صـ 119 ـ 120}","part":12,"page":286},{"id":5084,"text":"قوله تعالى {مِن دُونِ المؤمنين}\rقال الفخر :\rقوله {مِن دُونِ المؤمنين} أي من غير المؤمنين كقوله {وادعوا شُهَدَاءكُم مِّن دُونِ الله} [ البقرة : 23 ] أي من غير الله ، وذلك لأن لفظ دون مختص بالمكان ، تقول : زيد جلس دون عمرو أي في مكان أسفل منه ، ثم إن من كان مبايناً لغيره في المكان فهو مغاير له فجعل لفظ دون مستعملاً في معنى غير ، ثم قال تعالى : {وَمَن يَفْعَلْ ذلك فَلَيْسَ مِنَ الله فِي شَىْء} وفيه حذف ، والمعنى فليس من ولاية الله في شيء يقع عليه اسم الولاية يعني أنه منسلخ من ولاية الله تعالى رأساً ، وهذا أمر معقول فإن موالاة الولي ، وموالاة عدوه ضدان قال الشاعر :\rتود عدوي ثم تزعم أنني.. صديقك ليس النوك عنك بعازب\rويحتمل أن يكون المعنى : فليس من دين الله في شيء وهذا أبلغ. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 8 صـ 11}\rفائدة\rقال الشيخ الشنقيطى :\rقوله تعالى : {لا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ} الآية, هذه الآية الكريمة توهم أن اتخاذ الكفار أولياء إذا لم يكن من دون المؤمنين لا بأس به بدليل قوله {مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ}, وقد جاءت آيات أخر تدل على منع اتخاذهم أولياء مطلقا كقوله تعالى: {وَلا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ وَلِيّاً وَلا نَصِيراً}, وكقوله: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَكُمْ هُزُواً وَلَعِباً مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَالْكُفَّارَ أَوْلِيَاءَ ..} الآية, والجواب عن هذا: أن قوله {مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ} لا مفهوم له, وقد تقرر في علم الأصول أن دليل الخطاب الذي هو مفهوم المخالفة له موانع تمنع اعتباره, منها كون تخصيص المنطوق بالذكر لأجل موافقته للواقع كما في هذه الآية؛ لأنها نزلت في قوم والَوْا اليهود دون المؤمنين, فنزلت ناهية عن الصورة الواقعة من غير قصد التخصيص بها, بل موالاة الكفار حرام مطلقا, والعلم عند الله. أ هـ {دفع إيهام الاضطراب صـ 48 ـ 49}\rفائدة\rقال القرطبى :\rومعنى { فَلَيْسَ مِنَ الله فِي شَيْءٍ } أي فليس من حزب الله ولا من أوليائه في شيء ؛ مثل { واسأل القرية } [ يوسف : 82 ].\rوحكى سيبويه \"هو مِني فرسخين\" أي من أصحابي ومعي. أ هـ {تفسير القرطبى حـ 4 صـ 57}\rقوله تعالى : {إِلا أَن تَتَّقُواْ مِنْهُمْ تقاة}\rفصل\rقال الفخر :\rقال الحسن أخذ مسيلمة الكذاب رجلين من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال لأحدهما : أتشهد أن محمداً رسول الله ؟ قال : نعم نعم نعم ، فقال : أفتشهد أني رسول الله ؟ قال : نعم ، وكان مسيلمة يزعم أنه رسول بني حنيفة ، ومحمد رسول قريش ، فتركه ودعا الآخر فقال أتشهد أن محمداً رسول الله ؟ قال : نعم ، قال : أفتشهد أني رسول الله ؟ فقال : إني أصم ثلاثا ، فقدمه وقتله فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقال : \" أما هذا المقتول فمضى على يقينه وصدقه فهنيئاً له ، وأما الآخر فقبل رخصة الله فلا تبعة عليه.\r\" واعلم أن نظير هذه الآية قوله تعالى : {إِلاَّ مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بالإيمان} [ النحل : 106 ]. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 8 صـ 12}","part":12,"page":287},{"id":5085,"text":"قال القرطبى : \r{ إِلاَّ أَن تَتَّقُواْ مِنْهُمْ تُقَاةً } قال معاذ بن جبل ومجاهد : كانت التقِية في جِدّة الإسلام قبل قوّة المسلمين ؛ فأما اليوم فقد أعز الله الإسلام أن يتقوا من عدوّهم.\rقال ابن عباس : هو أن يتكلم بلسانه وقلبه مطمئن بالإيمان ، ولا يُقتل ولا يأتي مَأْثَما.\rوقال الحسن : التقية جائزة للإنسان إلى يوم القيامة ، ولا تقية في القتل.\rوقرأ جابر بن زيد ومجاهد والضحاك : \"إلاّ أن تَتَّقُوا منهم تَقِيَّةً\" وقيل : إن المؤمن إذا كان قائماً بين الكفار فله أن يداريهم باللسان إذا كان خائفاً على نفسه وقلبُه مطمئن بالإيمان.\rوالتقِية لا تحِل إلا مع خوف القتل أو القطع أو الإيذاء العظيم.\rومن أكره على الكفر فالصحيح أن له أن يتصلّب ولا يجيب إلى التلفظ بكلمة الكفر ؛ بل يجوز له ذلك على ما يأتي بيانه في \"النحل\" إن شاء الله تعالى. أ هـ {تفسير القرطبى حـ 4 صـ 57}","part":12,"page":288},{"id":5086,"text":"وقال ابن عطية : \rواختلف العلماء في التقية ممن تكون ؟ وبأي شيء تكون ؟ وأي شيء تبيح ؟ فأما الذي تكون منه التقية فكل قادر غالب مكره يخاف منه ، فيدخل في ذلك الكفار إذا غلبوا وجورة الرؤساء والسلابة وأهل الجاه في الحواضر ، قال مالك رحمه الله : وزوج المرأة قد يكره ، وأما بأي شيء تكون التقية ويترتب حكمها فذلك بخوف القتل وبالخوف على الجوارح وبالضرب بالسوط وبسائر التعذيب ، فإذا فعل بالإنسان شيء من هذا أو خافه خوفاً متمكناً فهو مكره وله حكم التقية ، والسجن إكراه والتقييد إكراه والتهديد والوعيد إكراه وعداوة أهل الجاه الجورة تقية ، وهذه كلها بحسب حال المكره وبحسب الشيء الذي يكره عليه ، فكم من الناس ليس السجن فيهم بإكراه ، وكذلك الرجل العظيم يكره بالسجن والضرب غير المتلف ليكفر فهذا لا تتصور تقيته من جهة عظم الشيء الذي طلب منه ، ومسائل الإكراه هي من النوع الذي يدخله فقه الحال ، وأما أي شيء تبيح فاتفق العلماء على إباحتها للأقوال باللسان من الكفر وما دونه ومن بيع وهبة وطلاق ، وإطلاق القول بهذا كله ، ومن مداراة ومصانعة ، وقال ابن مسعود : ما من كلام يدرأ عني سوطين من ذي سلطان ، إلا كنت متكلماً به . واختلف الناس في الأفعال ، فقال جماعة من أهل العلم منهم الحسن ومكحول ومسروق : يفعل المكره كل ما حمل عليه مما حرم الله فعله وينجي نفسه بذلك ، وقال مسروق : فإن لم يفعل حتى مات دخل النار ، وقال كثير من أهل العلم منهم سحنون : بل إن لم يفعل حتى مات فهو مأجور وتركه ذلك المباح أفضل من استعماله ، وروي أن عمر بن الخطاب قال في رجل يقال له ، نهيت بن الحارث ، أخذته الفرس أسيراً ، فعرض عليه شرب الخمر وأكل الخنزير وهدد بالنار ، فلم يفعل فقذفوه فيها فبلغ ذلك عمر ، فقال : وأما كان عليّ نهيت أن يأكل ، وقال جمع كثير من العلماء التقية إنما هي مبيحة للأقوال ، فأما الأفعال فلا ، روي ذلك عن ابن عباس والربيع والضحاك ، وروي ذلك عن سحنون وقال","part":12,"page":289},{"id":5087,"text":"الحسن في الرجل يقال له : اسجد لصنم وإلا قتلناك ، قال ، إن كان الصنم مقابل القبلة فليسجد يجعل نيته لله ، فإن كان إلى غير القبلة فلا وإن قتلوه ، قال ابن حبيب : وهذا قول حسن .\rقال القاضي : وما يمنعه أن يجعل نيته لله وإن كان لغير قلبه ، وفي كتاب الله { فأين ما تولوا فثم وجه الله } [ البقرة : 115 ] وفي الشرع إباحة التنفل للمسافر إلى غير القبلة ، هذه قواعد مسألة التقية ، وأما تشعب مسائلها فكثير لا يقتضي الإيجاز جمعه. أ هـ {المحرر الوجيز حـ 1 صـ 420}\rفصل\rقال الفخر : \rاعلم أن للتقية أحكاماً كثيرة ونحن نذكر بعضها.\rالحكم الأول : أن التقية إنما تكون إذا كان الرجل في قوم كفار ، ويخاف منهم على نفسه وماله فيداريهم باللسان ، وذلك بأن لا يظهر العداوة باللسان ، بل يجوز أيضاً أن يظهر الكلام الموهم للمحبة والموالاة ، ولكن بشرط أن يضمر خلافه ، وأن يعرض في كل ما يقول ، فإن التقية تأثيرها في الظاهر لا في أحوال القلوب.\rالحكم الثاني للتقية : هو أنه لو أفصح بالإيمان والحق حيث يجوز له التقية كان ذلك أفضل ، ودليله ما ذكرناه في قصة مسيلمة.\rالحكم الثالث للتقية : أنها إنما تجوز فيما يتعلق بإظهار الموالاة والمعاداة ، وقد تجوز أيضاً فيما يتعلق بإظهار الدين فأما ما يرجع ضرره إلى الغير كالقتل والزنا وغصب الأموال والشهادة بالزور وقذف المحصنات واطلاع الكفار على عورات المسلمين ، فذلك غير جائز ألبتة.\rالحكم الرابع : ظاهر الآية يدل أن التقية إنما تحل مع الكفار الغالبين إلا أن مذهب الشافعي رضي الله عنه أن الحالة بين المسلمين إذا شاكلت الحالة بين المسلمين والمشركين حلت التقية محاماة على النفس.","part":12,"page":290},{"id":5088,"text":"الحكم الخامس : التقية جائزة لصون النفس ، وهل هي جائزة لصون المال يحتمل أن يحكم فيها بالجواز ، لقوله صلى الله عليه وسلم : \" حرمة مال المسلم كحرمة دمه \" ولقوله صلى الله عليه وسلم : \" من قتل دون ماله فهو شهيد \" ولأن الحاجة إلى المال شديدة والماء إذا بيع بالغبن سقط فرض الوضوء ، وجاز الاقتصار على التيمم دفعاً لذلك القدر من نقصان المال ، فكيف لا يجوز ههنا ، والله أعلم.\rالحكم السادس : قال مجاهد : هذا الحكم كان ثابتاً في أول الإسلام لأجل ضعف المؤمنين فأما بعد قوة دولة الإسلام فلا ، وروى عوف عن الحسن : أنه قال التقية جائزة للمؤمنين إلى يوم القيامة ، وهذا القول أولى ، لأن دفع الضرر عن النفس واجب بقدر الإمكان. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 8 صـ 12}\rفصل\rقال ابن الجوزى : \rوالتقية رخصة ، وليست بعزيمة.\rقال الإمام أحمد : وقد قيل : إن عرضت على السيف تجيب ؟ قال : لا.\rوقال إِذا أجاب العالم تقية ، والجاهل بجهل ، فمتى يتبين الحق ؟ . أ هـ {زاد المسير حـ 1 صـ 372}","part":12,"page":291},{"id":5089,"text":"فصل\rقال الجصاص : \rوقَوْله تَعَالَى : { لَا يَتَّخِذْ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ } الْآيَةَ.\rفِيهِ نَهْيٌ عَنْ اتِّخَاذِ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ ؛ لِأَنَّهُ جَزَمَ الْفِعْلَ ، فَهُوَ إذًا نَهْيٌ وَلَيْسَ بِخَبَرٍ.\rقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ نَهَى اللَّهُ تَعَالَى الْمُؤْمِنِينَ بِهَذِهِ الْآيَةِ أَنْ يُلَاطِفُوا الْكُفَّارَ ؛ وَنَظِيرُهَا مِنْ الْآيِ قَوْله تَعَالَى : { لَا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ لَا يَأْلُونَكُمْ خَبَالًا } وَقَالَ تَعَالَى : { لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاَللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ } الْآيَةَ.\rوَقَالَ تَعَالَى { فَلَا تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرَى مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ } وَقَالَ تَعَالَى : { فَلَا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إنَّكُمْ إذًا مِثْلُهُمْ } ، وَقَالَ تَعَالَى : { وَلَا تَرْكَنُوا إلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمْ النَّارُ } وَقَالَ تَعَالَى : { فَأَعْرِضْ عَمَّنْ تَوَلَّى عَنْ ذِكْرِنَا وَلَمْ يُرِدْ إلَّا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا } وَقَالَ تَعَالَى : { وَأَعْرِضْ عَنْ الْجَاهِلِينَ }.","part":12,"page":292},{"id":5090,"text":"وَقَالَ تَعَالَى : { يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدْ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ } وَقَالَ تَعَالَى : { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ } وَقَالَ تَعَالَى : { وَلَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ } فَنَهَى بَعْدَ النَّهْيِ عَنْ مُجَالَسَتِهِمْ وَمُلَاطَفَتِهِمْ عَنْ النَّظَرِ إلَى أَمْوَالِهِمْ ، وَأَحْوَالِهِمْ فِي الدُّنْيَا.\rوَرُوِيَ { أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَرَّ بِإِبِلٍ لِبَنِي الْمُصْطَلِقِ ، وَقَدْ عَبَسَتْ بِأَبْوَالِهَا مِنْ السِّمَنِ ، فَتَقَنَّعَ بِثَوْبِهِ وَمَضَى لِقَوْلِهِ تَعَالَى : { وَلَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْهُمْ } } وَقَالَ تَعَالَى : { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ إلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ }.\rوَرُوِيَ عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ : { أَنَا بَرِيءٌ مِنْ كُلِّ مُسْلِمٍ مَعَ مُشْرِكٍ فَقِيلَ : لِمَ يَا رَسُولَ اللَّهِ ؟ فَقَالَ : لَا تَرَاءَى نَارَاهُمَا }.\rوَقَالَ : { أَنَا بَرِيءٌ مِنْ كُلِّ مُسْلِمٍ أَقَامَ بَيْنَ الْمُشْرِكِينَ }.","part":12,"page":293},{"id":5091,"text":"فَهَذِهِ الْآيُ وَالْآثَارُ دَالَّةٌ عَلَى أَنَّهُ يَنْبَغِي أَنْ يُعَامَلَ الْكُفَّارُ بِالْغِلْظَةِ وَالْجَفْوَةِ دُونَ الْمُلَاطَفَةِ وَالْمُلَايَنَةِ ، مَا لَمْ تَكُنْ حَالٌ يَخَافُ فِيهَا عَلَى تَلَفِ نَفْسِهِ أَوْ تَلَفِ بَعْضِ أَعْضَائِهِ أَوْ ضَرَرًا كَبِيرًا يَلْحَقُهُ فِي نَفْسِهِ ، فَإِنَّهُ إذَا خَافَ ذَلِكَ جَازَ لَهُ إظْهَارُ الْمُلَاطَفَةِ وَالْمُوَالَاةِ مِنْ غَيْرِ صِحَّةِ اعْتِقَادٍ.\rوَالْوَلَاءُ يَنْصَرِفُ عَلَى وَجْهَيْنِ : أَحَدُهُمَا : مَنْ يَلِي أُمُورَ مَنْ يَرْتَضِي فِعْلَهُ بِالنُّصْرَةِ وَالْمَعُونَةِ وَالْحِيَاطَةِ ، وَقَدْ يُسَمَّى بِذَلِكَ الْمُعَانَ الْمَنْصُورَ.\rقَالَ اللَّهُ تَعَالَى : { اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا } يَعْنِي أَنَّهُ يَتَوَلَّى نَصْرَهُمْ وَمَعُونَتَهُمْ.\rوَالْمُؤْمِنُونَ أَوْلِيَاءُ اللَّهِ بِمَعْنَى أَنَّهُمْ مُعَانُونَ بِنُصْرَةِ اللَّهِ.\rقَالَ اللَّهُ تَعَالَى : { أَلَا إنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ }. أ هـ {أحكام القرآن للجصاص حـ 2 صـ 288 ـ 289}","part":12,"page":294},{"id":5092,"text":"فصل نفيس\rقال العلامة الآلوسى : \rوفي الآية دليل على مشروعية التقية وعرفوها بمحافظة النفس أو العرض أو المال من شر الأعداء ، والعدو قسمان : الأول : من كانت عداوته مبنية على اختلاف الدين كالكافر والمسلم ، والثاني : من كانت عداوته مبنية على أغراض دنيوية كالمال والمتاع والملك والإمارة ، ومن هنا صارت التقية قسمين : أما القسم الأول : فالحكم الشرعي فيه أن كل مؤمن وقع في محل لا يمكن له أن يظهر دينه لتعرض المخالفين وجب عليه الهجرة إلى محل يقدر فيه على إظهار دينه ولا يجوز له أصلاً أن يبقى هناك ويخفي دينه ويتشبث بعذر الاستضعاف فإن أرض الله تعالى واسعة ، نعم إن كان ممن لهم عذر شرعي في ترك الهجرة كالصبيان والنساء والعميان والمحبوسين والذين يخوفهم المخالفون بالقتل أو قتل الأولاد أو الآباء أو الأمهات تخويفاً يظن معه إيقاع ما خوفوا به غالباً سواء كان هذا القتل بضرب العنق أو بحبس القوت أو بنحو ذلك فإنه يجوز له المكث مع المخالف والموافقة بقدر الضرورة ويجب عليه أن يسعى في الحيلة للخروج والفرار بدينه ولو كان التخويف بفوات المنفعة أو بلحوق المشقة التي يمكنه تحملها كالحبس مع القوت والضرب القليل الغير المهلك لا يجوز له موافقتهم ، وفي صورة الجواز أيضاً موافقتهم رخصة وإظهار مذهبه عزيمة فلو تلفت نفسه لذلك فإنه شهيد قطعاً ، ومما يدل على أنها رخصة ما روي عن الحسن أن مسيلمة الكذاب أخذ رجلين من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال لأحدهما : أتشهد أن محمداً رسول الله ؟ قال : نعم فقال : أتشهد أني رسول الله ؟ قال : نعم ثم دعا بالآخر فقال له : أتشهد أن محمداً رسول الله ؟ قال : نعم فقال : أتشهد أني رسول الله ؟ قال : إني أصمّ قالها ثلاثاً ، وفي كل يجيبه بأني أصم فضرب عنقه فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : أما هذا المقتول فقد مضى على صدقه ويقينه وأخذ بفضله فهنيئاً له.","part":12,"page":295},{"id":5093,"text":"وأما الآخر فقد رخصه الله تعالى فلا تبعة عليه وأما القسم الثاني : فقد اختلف العلماء في وجوب الهجرة وعدمه فيه فقال بعضهم : تجب لقوله تعالى : { وَلاَ تُلْقُواْ بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التهلكة } [ البقرة : 195 ] وبدليل النهي عن إضاعة المال ، وقال قوم : لا تجب إذ الهجرة عن ذلك المقام مصلحة من المصالح الدنيوية ولا يعود من تركها نقصان في الدين لاتحاد الملة وعدوه القوي المؤمن لا يتعرض له بالسوء من حيث هو مؤمن ، وقال بعضهم : الحق أن الهجرة هنا قد تجب أيضاً إذا خاف هلاك نفسه أو أقاربه أو هتك حرمته بالإفراط ولكن ليست عبادة وقربة حتى يترتب عليها الثواب فإن وجوبها لمحض مصلحة دنيوية لذلك المهاجر لا لإصلاح الدين ليترتب عليها الثواب وليس كل واجب يثاب عليه لأن التحقيق أن كل واجب لا يكون عبادة بل كثير من الواجبات ما لا يترتب عليه ثواب كالأكل عند شدة المجاعة والاحتراز عن المضرات المعلومة أو المظنونة في المرض ، وعن تناول السموم في حال الصحة وغير ذلك ، وهذه الهجرة أيضاً من هذا القبيل وليست هي كالهجرة إلى الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم لتكون مستوجبة بفضل الله تعالى لثواب الآخرة","part":12,"page":296},{"id":5094,"text":"وعد قوم من باب التقية مداراة الكفار والفسقة والظلمة وإلانة الكلام لهم والتبسم في وجوههم والانبساط معهم وإعطائهم لكفّ إذاهم وقطع لسانهم وصيانة العرض منهم ولا يعد ذلك من باب الموالاة المنهي عنها بل هي سنة وأمر مشروع. فقد روى الديلمي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : { إن الله تعالى أمرني بمداراة الناس كما أمرني بإقامة الفرائض } وفي رواية \"بعثت بالمداراة\" وفي \"الجامع\" \"سيأتيكم ركب مبغضون فإذا جاءوكم فرحبوا بهم\" وروى ابن أبي الدنيا \"رأس العقل بعد الإيمان بالله تعالى مداراة الناس\" وفي رواية البيهقي \"رأس العقل المداراة\" وأخرج الطبراني \"مداراة الناس صدقة\" وفي رواية له \"ما وقى به المؤمن عرضه فهو صدقة\". وأخرج ابن عدي وابن عساكر \"من عاش مدارياً مات شهيداً قوا بأموالكم أعراضكم وليصانع أحدكم بلسانه عن دينه\" وعن بردة عن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت : \"استأذن رجل على رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنا عنده فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : \"بئس ابن الشعيرة أو أخو العشيرة ثم أذن له فألان له القول فلما خرج قلت : يا رسول الله قلت ما قلت ثم ألنت له القول ؟ فقال : يا عائشة إن من أشر الناس من يتركه الناس أو يدعه الناس اتقاء فحشه\" وفي \"البخاري\" عن أبي الدرداء \"إنا لنكشر في وجوه أقوام وإن قلوبنا لتلعنهم\" وفي رواية الكشميهني \"وإن قلوبنا لتقليهم\" وفي رواية ابن أبي الدنيا وإبراهيم الحرمي بزيادة \"ونضحك إليهم\" إلى غير ذلك من الأحاديث لكن لا تنبغي المداراة إلى حيث يخدش الدين ويرتكب المنكر وتسيء الظنون.","part":12,"page":297},{"id":5095,"text":"ووراء هذا التحقيق قولان لفئتين متباينتين من الناس وهم الخوارج والشيعة. أما الخوارج فذهبوا إلى أنه لا تجوز التقية بحال ولا يراعى المال وحفظ النفس والعرض في مقابلة الدين أصلاً ولهم تشديدات في هذا الباب عجيبة منها أن أحداً لو كان يصلي وجاء سارق أو غاصب ليسرق أو يغصب ماله الخطير لا يقطع الصلاة بل يحرم عليه قطعها وطعنوا على بريدة الأسلمي صحابي رسول الله صلى الله عليه وسلم بسبب أنه كان يحافظ فرسه في صلاته كي لا يهرب ، ولا يخفى أن هذا المذهب من التفريط بمكان ، وأما الشيعة فكلامهم مضطرب في هذا المقام فقال بعضهم : إنها جائزة في الأقوال كلها عند الضرورة وربما وجبت فيها لضرب من اللطف والاستصلاح ولا تجوز في الأفعال كقتل المؤمن ولا فيما يعلم أو يغلب على الظن أنه إفساد في الدين ؛ وقال المفيد : إنها قد تجب أحياناً وقد يكون فعلها في وقت أفضل من تركها وقد يكون تركها أفضل من فعلها ، وقال أبو جعفر الطوسي : إن ظاهر الروايات يدل على أنها واجبة عند الخوف على النفس ، وقال غيره : إنها واجبة عند الخوف على المال أيضاً ومستحبة لصيانة العرض حتى يسن لمن اجتمع مع أهل السنة أن يوافقهم في صلاتهم وصيامهم وسائر ما يدينون به ، ورووا عن بعض أئمة أهل البيت \"من صلى وراء سني تقية فكأنما صلى وراء نبي\" ، وفي وجوب قضاء تلك الصلاة عندهم خلاف ، وكذا في وجوب قضاء الصوم على من أفطر تقية حيث لا يحل الإفطار قولان أيضاً ، وفي أفضلية التقية من سني واحد صيانة لمذهب الشيعة عن الطعن خلاف أيضاً ، وأفتى كثير منهم بالأفضلية. ومنهم من ذهب إلى جواز بل وجوب إظهار الكفر لأدنى مخافة أو طمع ، ولا يخفى أنه من الإفراط بمكان ، وحملوا أكثر أفعال الأئمة مما يوافق مذهب أهل السنة ويقوم به الدليل على رد مذهب الشيعة على التقية وجعلوا هذا أصلاً أصيلاً عندهم وأسسوا عليه دينهم وهو الشائع الآن فيما بينهم حتى نسبوا ذلك للأنبياء عليهم السلام ؛ وجل","part":12,"page":298},{"id":5096,"text":"غرضهم من ذلك إبطال خلافة الخلفاء الراشدين رضي الله تعالى عنهم ويأبى الله تعالى ذلك.\rففي كتبهم ما يبطل كون أمير المؤمنين علي كرم الله تعالى وجهه وبنيه رضي الله تعالى عنهم ذوي تقية بل ويبطل أيضاً فضلها الذي زعموه ففي كتاب \"نهج البلاغة\" الذي هو أصح الكتب بعد كتاب الله تعالى في زعمهم أن الأمير كرم الله تعالى وجهه قال : علامة الإيمان إيثارك الصدق حيث يضرك على الكذب حيث ينفعك ، وأين هذا من تفسيرهم قوله تعالى : \r{ إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عَندَ الله أتقاكم } [ الحجرات : 13 ] بأكثركم تقية ؟ ا وفيه أيضاً أنه كرم الله تعالى وجهه قال : إني والله لو لقيتهم واحداً وهم طلاع الأرض كلها ما باليت ولا استوحشت وإني من ضلالتهم التي هم فيها والهدى الذي أنا عليه لعلى بصيرة من نفسي ويقين من ربي وإلى لقاء الله تعالى وحسن ثوابه لمنتظر راج. وفي هذا دلالة على أن الأمير لم يخف وهو منفرد من حرب الأعداء وهم جموع ، ومثله لا يتصور أن يتأتى فيما فيه هدم الدين ، وروى العياشي عن زرارة بن أعين عن أبي بكر بن حزم أنه قال : توضأ رجل ومسح على خفيه فدخل المسجد فجاء علي كرم الله تعالى وجهه فوجأ على رقبته فقال : ويلك تصلي وأنت على غير وضوء فقال : أمرني عمر فأخذ بيده فانتهى إليه ثم قال : انظر ما يقول هذا عنك ورفع صوته على عمر رضي الله تعالى عنه فقال عمر : أنا أمرته بذلك فانظر كيف رفع الصوت وأنكر ولم يتأق.","part":12,"page":299},{"id":5097,"text":"وروى الراوندي شارح \"نهج البلاغة\" ومعتقد الشيعة عن سلمان الفارسي أن علياً بلغه عن عمر أنه ذكر شيعته فاستقبله في بعض طرقات بساتين المدينة وفي يد عليّ قوس فقال : يا عمر بلغني عنك ذكرك لشيعتي فقال : أربع على صلعتك فقال عليّ إنك ههنا ثم رمى بالقوس على الأرض فإذا هي ثعبان كالبعير فاغراً فاه وقد أقبل نحو عمر ليبتلعه فقال عمر : اللَّهَ اللَّهَ يا أبا الحسن لأعدت بعدها في شيء فجعل يتضرع فضرب بيده على الثعبان فعادت القوس كما كانت فمضى عمر إلى بيته قال سلمان : فلما كان الليل دعاني عليّ فقال : سر إلى عمر فإنه حمل إليه مال من ناحية المشرق وقد عزم أن يخبئه فقل له يقول لك علي : أخرج ما حمل إليك من المشرق ففرقه على من هو لهم ولا تخبه فأفضحك قال سلمان : فمضيت إليه وأديت الرسالة فقال : أخبرني عن أمر صاحبك من أين علم به ؟ فقلت وهل يخفى عليه مثل هذا ؟ فقال : يا سلمان أقبل عني ما أقول لك ما عليّ إلا ساحر وإني لمستيقن بك والصواب أن تفارقه وتصير من جملتنا قلت : ليس كما قلت لكنه ورث من أسرار النبوة ما قد رأيت منه وعنده أكثر من هذا ، قال : ارجع إليه فقل : السمع والطاعة لأمرك فرجعت إلى عليّ فقال : أحدثك عما جرى بينكما فقلت : أنت أعلم مني فتكلم بما جرى بيننا ثم قال : إن رعب الثعبان في قلبه إلى أن يموت ، وفي هذه الرواية ضرب عنق التقية أيضاً إذ صاحب هذه القوس تغنيه قوسه عنها ولا تحوجه أن يزوج ابنته أم كلثوم من عمر خوفاً منه وتقية.","part":12,"page":300},{"id":5098,"text":"وروى الكليني عن معاذ بن كثير عن أبي عبد الله أنه قال : إن الله عز وجل أنزل على نبيه صلى الله عليه وسلم كتاباً فقال جبريل : يا محمد هذه وصيتك إلى النجباء فقال : ومن النجباء يا جبريل ؟ فقال : عليّ بن أبي طالب وولده وكان على الكتاب خواتم من ذهب فدفعه رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى علي وأمره أن يفك خاتماً منه فيعمل بما فيه ، ثم دفعه إلى الحسن ففك منه خاتماً فعمل بما فيه ثم دفعه إلى الحسين ففك خاتماً فوجد فيه أن اخرج بقومك إلى الشهادة فلا شهادة لهم إلا معك واشتر نفسك لله تعالى ففعل ، ثم دفعه إلى علي بن الحسين ففك خاتماً فوجد فيه أن اطرق واصمت والزم منزلك واعبد ربك حتى يأتيك اليقين ففعل ، ثم دفعه إلى ابنه محمد بن علي ففك خاتماً فوجد فيه حدث الناس وأفتهم وانشر علوم أهل بيتك وصدق آباءك الصالحين ولا تخافن أحداً إلا الله تعالى فإنه لا سبيل لأحد عليك ، ثم دفعه إلى جعفر الصادق ففك خاتماً فوجد فيه حدث الناس وافتهم ولا تخافن إلا الله تعالى وانشر علوم أهل بيتك وصدق آباءك الصالحين فإنك في حرز وأمان ففعل ، ثم دفعه إلى موسى وهكذا إلى المهدي. ورواه من طريق آخر عن معاذ أيضاً عن أبي عبد الله ، وفي الخاتم الخامس وقل الحق في الأمن والخوف ولا تخش إلا الله تعالى وهذه الرواية أيضاً صريحة بأن أولئك الكرام ليس دينهم التقية كما تزعمه الشيعة ، وروى سليم بن قيس الهلالي الشيعي من خبر طويل أن أمير المؤمنين قال : لما قبض رسول الله صلى الله عليه وسلم ومال الناس إلى أبي بكر رضي الله تعالى عنه فبايعوه حملت فاطمة وأخذت بيد الحسن والحسين ولم تدع أحداً من أهل بدر وأهل السابقة من المهاجرين والأنصار إلا ناشدتهم الله تعالى حقي ودعوتهم إلى نصرتي فلم يستجب لي من جميع الناس إلى أربعة : الزبير وسلمان وأبو ذر والمقداد ، وهذه تدل على أن التقية لم تكن واجبة على الإمام لأن هذا الفعل عند من بايع أبا بكر رضي الله تعالى عنه","part":12,"page":301},{"id":5099,"text":"فيه ما فيه.\rوفي \"كتاب أبان بن عياش\" أن أبا بكر رضي الله تعالى عنه بعث إلى علي قنفذاً حين بايعه الناس ولم يبايعه علي وقال : انطلق إلى علي وقل له أجب خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم فانطلق فبلغه فقال له : ما أسرع ما كذبتم على رسول الله صلى الله عليه وسلم وارتددتم والله ما استخلف رسول الله صلى الله عليه وسلم غيري ، وفيه أيضاً أنه لما يجب على غضب عمر وأضرم النار بباب علي وأحرقه ودخل فاستقبلته فاطمة وصاحت يا أبتاه ويا رسول الله فرفع عمر السيف وهو في غمده فوجأ به جنبها المبارك ورفع السوط فضرب به ضرعها فصاحت يا أبتاه فأخذ علي بتلابيب عمر وهزه ووجأ أنفه ورقبته ، وفيه أيضاً أن عمر قال لعلي : بايع أبا بكر رضي الله تعالى عنه قال : إن لم أفعل ذلك ؟ قال : إذاً والله تعالى لأضربن عنقك قال : كذبت والله يا ابن صهاك لا تقدر على ذلك أنت ألأم وأضعف من ذلك ، فهذه الروايات تدل صريحاً أن التقية بمراحل عن ذلك الإمام إذ لا معنى لهذه المناقشة والمسابة مع وجوب التقية ، وروى محمد بن سنان أن أمير المؤمنين قال لعمر : يا مغرور إني أراك في الدنيا قتيلاً بجراحة من عند أم معمر تحكم عليه جوراً فيقتلك ويدخل بذلك الجنان على رغم منك.","part":12,"page":302},{"id":5100,"text":"وروي أيضاً أنه قال لعمر مرة : إن لك ولصاحبك الذي قمت مقامه هتكاً وصلباً تخرجان من جوار رسول الله صلى الله عليه وسلم فتصلبان على شجرة يابسة فتورق فيفتتن بذلك من والاكما ثم يؤتى بالنار التي أضرمت لإبراهيم ويأتي جرجيس ودانيال وكل نبي وصديق فتصلبان فيها فتحرقان وتصيران رماداً ثم تأتي ريح فتنسفكما في اليم نسفاً فانظر بالله تعالى عليك من يروي هذه الأكاذيب عن الإمام كرم الله تعالى وجهه هل ينبغي له أن يقول بنسبة التقية إليه سبحان الله تعالى ، هذا العجب العجاب والداء العضال ، ومما يرد قولهم أيضاً : إن التقية لا تكون إلا لخوف ، والخوف قسمان : الأول : الخوف على النفس وهو منتف في حق حضرات الأئمة بوجهين : أحدهما : أن موتهم الطبيعي باختيارهم كما أثبت هذه المسألة الكليني في \"الكافي\" ، وعقد لها باباً وأجمع عليها سائر الإمامية ، وثانيهما : أن الأئمة يكون لهم علم بما كان وما يكون فهم يعلمون آجالهم وكيفيات موتهم وأوقاته بالتفصيل والتخصيص فقبل وقته لا يخافون على أنفسهم ويتأقون في دينهم ويغرون عوام المؤمنين ، القسم الثاني : خوف المشقة والإيذاء البدني والسب والشتم وهتك الحرمة ولا شك أن تحمل هذه الأمور والصبر عليها وظيفة الصلحاء فقد كانوا يتحملون البلاء دائماً في امتثال أوامر الله تعالى وربما قابلوا السلاطين الجبابرة وأهل البيت النبوي أولى بتحمل الشدائد في نصرة دين جدهم صلى الله عليه وسلم. وأيضاً لو كانت التقية واجبة لم يتوقف إمام الأئمة عن بيعة خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم ستة أشهر وماذا منعه من أداء الواجب أول وهلة ، ومما يرد قولهم في نسبة التقية إلى الأنبياء عليهم السلام بالمعنى الذي أراده قوله تعالى في حقهم : { الذين يُبَلّغُونَ رسالات الله وَيَخْشَوْنَهُ وَلاَ يَخْشَوْنَ أَحَداً إِلاَّ الله وكفى بالله حَسِيباً } [ الأحزاب : 39 ] وقوله سبحانه لنبيه صلى الله عليه وسلم : ","part":12,"page":303},{"id":5101,"text":"{يا أيها الرسول بَلّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبّكَ وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ والله يَعْصِمُكَ مِنَ الناس } [ المائدة : 67 ] إلى غير ذلك من الآيات ، نعم لو أرادوا بالتقية المداراة التي أشرنا إليها لكان لنسبتها إلى الأنبياء والأئمة وجه ، وهذا أحد محملين لما أخرجه عبد بن حميد عن الحسن أنه قال : التقية جائزة إلى يوم القيامة ، والثاني : حمل التقية على ظاهرها وكونها جائزة إنما هو على التفصيل الذي ذكرناه.\rومن الناس من أوجب نوعاً من التقية خاصاً بخواص المؤمنين وهو حفظ الأسرار الإلهية عن الإفشاء للأغيار الموجب لمفاسد كلية فتراهم متى سئلوا عن سر أبهموه وتكلموا بكلام لو عرض على العامة بل وعلى علمائهم ما فهموه ، وأفرغوه بقوالب لا يفهم المراد منها إلا من حسى من كأسهم أو تعطرت أرجاء فؤاده من عبير عنبر أنفاسهم ، وهذا وإن ترتب عليه ضلال كثير من الناس وانجر إلى الطعن بأولئك السادة الأكياس حتى رمي الكثير منهم بالزندقة وأفتى بقتلهم من سمع كلامهم وما حققه إلا أنهم رأوا هذا دون ما يترتب على الإفشاء من المفاسد التي تعم الأرض.\rوحنانيك بعض الشر أهون من بعض... وكتم الأسرار عن أهلها فيه فوات خير عظيم وموجب لعذاب أليم وقد يقال : ليس هذا من باب التقية في شيء إلا أن القوم تكلموا بما طفح على ألسنتهم وظهر على علانيتهم وكانت المعاني المرادة لهم بحيث تضيق عنها العبارة ولا يحوم حول حماها سوى الإشارة ، ومن حذا حذوهم واقتفى في التجرد إثرهم فهم ما قالوا وتحقق ما إليه مالوا. أ هـ {روح المعانى حـ 3 صـ 121 ـ 125}\rوقال ابن عاشور : \rوالآية نهي عن موالاة الكافرين دون المؤمنين باعتبار القيد أو مطلقا ، والموالاة تكون بالظاهر والباطن وبالظاهر فقط ، وتعتورها أحوال تتبعها أحكام ، وقد استخلصت من ذلك ثمانية أحوال.","part":12,"page":304},{"id":5102,"text":"الحالة الأولى : أن يتخذ المسلم جماعة الكفر ، أو طائفته ، أولياء له في باطن أمره ، ميلا إلى كفرهم ، ونواء لأهل الإسلام ، وهذه الحالة كفر ، وهي حال المنافقين ، وفي حديث عتبان بن مالك : أن قائلا قال في مجلس رسول الله صلى الله عليه وسلم أين مالك بن الدخشن فقال آخر ذلك منافق لا يحب الله ورسوله فقال النبي صلى الله عليه وسلم \"ا تقل ذلك أما سمعته يقول لا إله إلا الله يبتغي بذلك وجه الله\" فقال القائل الله ورسوله أعلم فإنا نرى وجهه ونصيحته إلى المنافقين. فجعل هذا الرجل الانحياز إلى المنافقين علامة على النفاق لولا شهادة الرسول لمالك بالإيمان أي في قلبه مع إظهاره بشهادة لا إله إلا الله.\rالحالة الثانية : الركون إلى طوائف الكفر ومظاهرتهم لأجل قرابة ومحبة دون الميل إلى دينهم ، في وقت يكون فيه الكفار متجاهرين بعداوة المسلمين ، والاستهزاء بهم ، وإذاهم كما كان معظم أحوال الكفار ، عند ظهور الإسلام مع عدم الانقطاع عن مودة المسلمين ، وهذه حالة لا توجب كفر صاحبها ، إلا أن ارتكابها إثم عظيم ، لأن صاحبها يوشك أن يواليهم على مضرة الإسلام ، على أنه من الواجب إظهار الحمية للإسلام ، والغيرة عليه ، كما قال العتابي : \rتود عدوي ثم تزعم أنني ... صديقك إن الرأي عنك لعازب","part":12,"page":305},{"id":5103,"text":"وفي مثلها نزل قوله تعالى : {أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَكُمْ هُزُواً وَلَعِباً مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَالْكُفَّارَ أَوْلِيَاءَ} [المائدة : 57] قال ابن عطية : كانت قريش من المستهزئين وفي مثل ذلك ورد قوله تعالى {إِِنَّمَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ} [الممتحنة : 9] الآية وقوله تعالى : {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ لا يَأْلُونَكُمْ خَبَالاً} [آل عمران : 118] الآية نزلت في قوم كان ، بينهم وبين اليهود ، جوار وحلف في الجاهلية ، فداموا عليه في الإسلام فكانوا يأنسون بهم ويستنيمون إليهم ، ومنهم أصحاب كعب بن الأشرف ، وأبي رافع ابن أبي الحقيق ، وكانا يؤذيان رسول الله صلى الله عليه وسلم.\rالحالة الثالثة : كذلك ، بدون أن يكون طوائف الكفار متجاهرين ببغض المسلمين ولا بأذاهم ، كما كان نصارى العرب عند ظهور الإسلام قال تعالى : {لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَوَدَّةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى} [المائدة : 82] وكذلك كان حال الحبشة فإنهم حموا المؤمنين ، وآووهم ، قال الفخر : وهذه واسطة ، وهي لا توجب الكفر ، إلا أنه منهي عنه ، إذ قد يجر إلى استحسان ما هم عليه وانطلاء مكائدهم على المسلمين.","part":12,"page":306},{"id":5104,"text":"الحالة الرابعة : موالاة طائفة من الكفار لأجل الإضرار بطائفة معينة من المسلمين مثل الانتصار بالكفار على جماعة من المسلمين ، وهذه الحالة أحكامها متفاوتة ، فقد قال مالك ، في الجاسوس يتجسس للكفار على المسلمين : إنه يوكل إلى اجتهاد الإمام ، وهو الصواب لأن التجسس يختلف المقصد منه إذ قد يفعله المسلم غرورا ، ويفعله طمعا ، وقد يكون على سبيل الفلتة ، وقد يكون له دأبا وعادة ، وقال ابن القاسم : ذلك زندقة لا توبة فيه ، أي لا يستتاب ويقتل كالزنديق ، وهو الذي يظهر الإسلام ويسر الكفار ، إذا اطلع عليه ، وقال ابن وهب ردة ويستتاب ، وهما قولان ضعيفان من جهة النظر.\rوقد استعان المعتمد ابن عباد صاحب أشبيلية بالجلالقة على المرابطين اللمتونيين ، فيقال : إن فقهاء الأندلس أفتوا أمير المسلمين عليا بن يوسف بن تاشفين ، بكفر ابن عباد ، فكانت سبب اعتقاله ولم يقتله ولم ينقل أنه استتابه.","part":12,"page":307},{"id":5105,"text":"الحالة الخامسة : أن يتخذ المؤمنون طائفة من الكفار أولياء لنصر المسلمين على أعدائهم ، في حين إظهار أولئك الكفار محبة المسلمين وعرضهم النصرة لهم ، وهذه قد اختلف العلماء في حكمها : ففي المدونة قال ابن القاسم : لا يستعان بالمشركين في القتال لقوله عليه السلام لكافر تبعه يوم خروجه إلى بدر \"ارجع فلن أستعين بمشرك\" وروى أبو الفرج ، وعبد الملك بن حبيب : أن مالكا قال : لا بأس بالاستعانة بهم عند الحاجة ، قال ابن عبد البر : وحديث لن أستعين بمشرك مختلف في سنده ، وقال جماعة : هو منسوخ ، قال عياض : حمله بعض علمائنا على أنه كان في وقت خاص واحتج هؤلاء بغزو صفوان بن أمية مع النبي صلى الله عليه وسلم ، في حنين ، وفي غزوة الطائف ، وهو يومئذ غير مسلم ، واحتجوا أيضا بأن النبي صلى الله عليه وسلم لما بلغه أن أبا سفيان يجمع الجموع ليوم أحد قال لبني النضير من اليهود : \"إنا وأنتم أهل كتاب وإن لأهل الكتاب على أهل الكتاب النصر فإما قاتلتم معنا وإلا أعرتمونا السلاح\" وإلى هذا ذهب أبو حنيفة ، والشافعي ، والليث ، والأوزاعي ، ومن أصحابنا من قال : لا نطلب منهم المعونة ، وإذا استأذنونا لا نأذن لهم : لأن الإذن كالطلب ، ولكن إذا خرجوا معنا من تلقاء أنفسهم لم نمنعهم ، ورام بهذا الوجه التوفيق بين قول ابن القاسم ورواية أبي الفرج ، قاله ابن رشد في البيان من كتاب الجهاد ، ونقل ابن رشد عن الطحاوي عن أبي حنيفة : أنه أجاز الاستعانة بأهل الكتاب دون المشركين ، قال ابن رشد : وهذا لا وجه له ، وعن أصبغ المنع مطلقا بلا تأويل.","part":12,"page":308},{"id":5106,"text":"الحالة السادسة : أن يتخذ واحد من المسلمين واحدا من الكافرين بعينه وليا له ، في حسن المعاشرة أو لقرابة ، لكمال فيه أو نحو ذلك ، من غير أن يكون في ذلك إضرار بالمسلمين ، وذلك غير ممنوع ، فقد قال تعالى في الأبوين {وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلَى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفاً} [لقمان : 15] واستأذنت أسماء النبي صلى الله عليه وسلم في بر والدتها وصلتها ، وهي كافرة ، فقال لها صلي أمك وفي هذا المعنى نزل قوله تعالى {لا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ} [الممتحنة : 8] قيل نزلت في والدة أسماء ، وقيل في طوائف من مشركي مكة : وهم كنانة ، وخزاعة ، ومزينة ، وبنو الحرث ابن كعب ، كانوا يودون انتصار المسلمين على أهل مكة. وعن مالك تجوز تعزية الكافر بمن يموت له. وكان النبي صلى الله عليه وسلم يرتاح للأخنس بن شريق الثقفي ، لما يبديه من محبة النبيء ، والتردد عليه ، وقد نفعهم يوم الطائف إذ صرف بني زهرة ، وكانوا ثلاثمائة فارس ، عن قتال المسلمين ، وخنس بهم كما تقدم في قوله تعالى {وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا} الآية.\rالحالة السابعة : حالة المعاملات الدنيوية : كالتجارات ، والعهود ، والمصالحات ، أحكامها مختلفة باختلاف الأحوال وتفاصيلها في الفقه.\rالحالة الثامنة : حالة إظهار الموالاة لهم لاتقاء الضر وهذه هي المشار إليها بقوله تعالى {إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً}.\rوالاستثناء في {إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا} منقطع ناشئ عن جملة {فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ} لأن الاتقاء ليس مما تضمنه اسم الإشارة ، لكنه أشبه الولاية في المعاملة. أ هـ {التحرير والتنوير حـ 3 صـ 72 ـ 74}","part":12,"page":309},{"id":5107,"text":"فائدة\rقال الجصاص : \rوقَوْله تَعَالَى : { إلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً } يَعْنِي أَنْ تَخَافُوا تَلَفَ النَّفْسِ وَبَعْضِ الْأَعْضَاءِ فَتَتَّقُوهُمْ بِإِظْهَارِ الْمُوَالَاةِ مِنْ غَيْرِ اعْتِقَادٍ لَهَا.\rوَهَذَا هُوَ ظَاهِرُ مَا يَقْتَضِيهِ اللَّفْظُ وَعَلَيْهِ الْجُمْهُورُ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ ، وَقَدْ حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ الْمَرْوَزِيِّ قَالَ : حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ أَبِي الرَّبِيعِ الْجُرْجَانِيُّ قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ قَالَ : أَخْبَرَنَا مَعْمَرُ عَنْ قَتَادَةَ فِي قَوْله تَعَالَى : { لَا يَتَّخِذْ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ } قَالَ : لَا يَحِلُّ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَتَّخِذَ كَافِرًا وَلِيًّا فِي دِينِهِ.\rوقَوْله تَعَالَى : { إلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً } : إلَّا أَنْ تَكُونَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَهُ قَرَابَةٌ فَيَصِلَهُ لِذَلِكَ ؛ فَجَعَلَ التَّقِيَّةَ صِلَةً لِقَرَابَةِ الْكَافِرِ.\rوَقَدْ اقْتَضَتْ الْآيَةُ جَوَازَ إظْهَارِ الْكُفْرِ عِنْدَ التَّقِيَّةِ ، وَهُوَ نَظِيرُ قَوْله تَعَالَى : { مَنْ كَفَرَ بِاَللَّهِ مِنْ بَعْدِ إيمَانِهِ إلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ } وَإِعْطَاءُ التَّقِيَّةِ فِي مِثْلِ ذَلِكَ إنَّمَا هُوَ رُخْصَةٌ مِنْ اللَّهِ تَعَالَى وَلَيْسَ بِوَاجِبٍ ، بَلْ تَرْكُ التَّقِيَّةِ أَفْضَلُ ، قَالَ أَصْحَابُنَا فِيمَنْ أُكْرِهَ عَلَى الْكُفْرِ فَلَمْ يَفْعَلْ حَتَّى قُتِلَ : إنَّهُ أَفْضَلُ مِمَّنْ أَظْهَرَ.","part":12,"page":310},{"id":5108,"text":"وَقَدْ أَخَذَ الْمُشْرِكُونَ خُبَيْبَ بْنَ عُدَيٍّ ، فَلَمْ يُعْطِ التَّقِيَّةَ حَتَّى قُتِلَ ، فَكَانَ عِنْدَ الْمُسْلِمِينَ أَفْضَلَ مِنْ عَمَّارِ بْنِ يَاسِرٍ حِينَ أَعْطَى التَّقِيَّةَ ، وَأَظْهَرَ الْكُفْرَ فَسَأَلَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ ذَلِكَ فَقَالَ : { كَيْفَ وَجَدْتَ قَلْبَكَ ؟ قَالَ : مُطْمَئِنًّا بِالْإِيمَانِ ، فَقَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : وَإِنْ عَادُوا فَعُدْ } وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى وَجْهِ التَّرْخِيصِ.\rوَرُوِيَ { أَنَّ مُسَيْلِمَةَ الْكَذَّابَ أَخَذَ رَجُلَيْنِ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ لِأَحَدِهِمَا : أَتَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ ؟ قَالَ : نَعَمْ قَالَ : أَتَشْهَدُ أَنِّي رَسُولُ اللَّهِ ؟ قَالَ : نَعَمْ فَخَلَّاهُ ، ثُمَّ دَعَا بِالْآخَرِ وَقَالَ : أَتَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ ؟ قَالَ : نَعَمْ قَالَ : أَتَشْهَدُ أَنَّى رَسُولُ اللَّهِ ؟ قَالَ : إنِّي أَصَمُّ ، قَالَهَا ثَلَاثًا ؛ فَضَرَبَ عُنُقَهُ ، فَبَلَغَ ذَلِكَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ : أَمَّا هَذَا الْمَقْتُولُ فَمَضَى عَلَى صِدْقِهِ وَيَقِينِهِ ، وَأَخَذَ بِفَضِيلَةٍ فَهَنِيئًا لَهُ ، وَأَمَّا الْآخَرُ فَقَبِلَ رُخْصَةَ اللَّهِ فَلَا تَبِعَةَ عَلَيْهِ }.\rوَفِي هَذَا دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ إعْطَاءَ التَّقِيَّةِ رُخْصَةٌ ، وَأَنَّ الْأَفْضَلَ تَرْكُ إظْهَارِهَا.","part":12,"page":311},{"id":5109,"text":"وَكَذَلِكَ قَالَ أَصْحَابُنَا فِي كُلِّ أَمْرٍ كَانَ فِيهِ إعْزَازُ الدِّينِ ، فَالْإِقْدَامُ عَلَيْهِ حَتَّى يُقْتَلَ أَفْضَلُ مِنْ الْأَخْذِ بِالرُّخْصَةِ فِي الْعُدُولِ عَنْهُ ، أَلَا تَرَى أَنَّ مَنْ بَذَلَ نَفْسَهُ لِجِهَادِ الْعَدُوِّ فَقُتِلَ كَانَ أَفْضَلَ مِمَّنْ انْحَازَ ؟ وَقَدْ وَصَفَ اللَّهُ أَحْوَالَ الشُّهَدَاءِ بَعْدَ الْقَتْلِ وَجَعَلَهُمْ أَحْيَاءً مَرْزُوقِينَ ، فَكَذَلِكَ بَذْلُ النَّفْسِ فِي إظْهَارِ دِينِ اللَّهِ تَعَالَى وَتَرْكُ إظْهَارِ الْكُفْرِ أَفْضَلُ مِنْ إظْهَارِ التَّقِيَّةِ فِيهِ.\rوَفِي هَذِهِ الْآيَةِ ، وَنَظَائِرِهَا دَلَالَةٌ عَلَى أَنْ لَا وِلَايَةَ لِلْكَافِرِ عَلَى الْمُسْلِمِ فِي شَيْءٍ ، وَأَنَّهُ إذَا كَانَ لَهُ ابْنٌ صَغِيرٌ مُسْلِمٌ بِإِسْلَامِ أُمِّهِ فَلَا وِلَايَةَ لَهُ عَلَيْهِ فِي تَصَرُّفٍ ، وَلَا تَزْوِيجٍ ، وَلَا غَيْرِهِ.\rوَيَدُلُّ عَلَى أَنَّ الذِّمِّيَّ لَا يَعْقِلُ جِنَايَةَ الْمُسْلِمِ ، وَكَذَلِكَ الْمُسْلِمُ لَا يَعْقِلُ جِنَايَتَهُ ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ مِنْ الْوِلَايَةِ وَالنُّصْرَةِ وَالْمَعُونَةِ. أ هـ {أحكام القرآن للجصاص حـ 2 صـ 289 ـ 290}","part":12,"page":312},{"id":5110,"text":"قوله تعالى : {وَيُحَذّرُكُمُ الله نَفْسَهُ}\rقال الفخر :\rفيه قولان\rالأول : أن فيه محذوفاً ، والتقدير : ويحذركم الله عقاب نفسه ، وقال أبو مسلم المعنى {وَيُحَذّرُكُمُ الله نَفْسَهُ} أن تعصوه فتستحقوا عقابه والفائدة في ذكر النفس أنه لو قال : ويحذركم الله فهذا لا يفيد أن الذي أريد التحذير منه هو عقاب يصدر من الله أو من غيره ، فلما ذكر النفس زال هذا الاشتباه ، ومعلوم أن العقاب الصادر عنه يكون أعظم أنواع العقاب لكونه قادراً على ما لا نهاية له ، وأنه لا قدرة لأحد على دفعه ومنعه مما أراد.\rوالقول الثاني : أن النفس ههنا تعود إلى اتخاذ الأولياء من الكفار ، أي ينهاهم الله عن نفس هذا الفعل. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 8 صـ 13}\rوقال ابن عطية :\rوقوله تعالى : { ويحذركم الله } إلى آخر الآية وعيد وتنبيه ووعظ وتذكير بالآخرة ، وقوله : { نفسه } نائبه عن إياه ، وهذه مخاطبة على معهود ما يفهمه البشر ، والنفس في مثل هذا راجع إلى الذات ، وفي الكلام حذف مضاف لأن التحذير إنما هو من عقاب وتنكيل ونحوه ، فقال ابن عباس والحسن ، ويحذركم الله عقابه. أ هـ {المحرر الوجيز حـ 1 صـ 420}\rوقال ابن عاشور :\rوقوله : {وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ} تحذير من المخالفة ومن التساهل في دعوى التقية واستمرارها أو طول زمانها.","part":12,"page":313},{"id":5111,"text":"وانتصاب {نَفْسَهُ} على نزع الخافض وأصله ويحذركم الله من نفسه ، وهذا النزع هو أصل انتصاب الاسمين في باب التحذير في قولهم إياك الأسد ، وأصله أحذرك من الأسد. وقد جعل التحذير هنا من نفس الله أي ذاته ليكون أعم في الأحوال ، لأنه لو قيل يحذركم الله غضبه لتوهم أن لله رضا لا يضر معه تعمد مخالفة أوامره ، والعرب إذا أردت تعميم أحوال الذات علقت الحكم بالذات : كقولهم لولا فلان لهلك فلان ، وقوله تعالى : {وَلَوْلا رِجَالٌ مُؤْمِنُونَ} إلى قوله : {لَعَذَّبْنَا الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَاباً أَلِيماً} [الفتح : 25] ومن هذا القبيل تعليق شرط لولا على الوجود المطلق الذي سوغ حذف الخبر بعد لولا. أ هـ {التحرير والتنوير حـ 3 صـ 75}\rقوله تعالى : {وإلى الله المصير}\rقال الفخر :\rالمعنى : إن الله يحذركم عقابه عند مصيركم إلى الله. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 8 صـ 13}\rوقال الآلوسى :\r{ وإلى الله المصير } أي المرجع ، والإظهار في مقام الإضمار لتربية المهابة وإدخال الروعة. قيل : والكلام على حذف مضاف أي إلى حكمه أو جزائه وليس باللازم ، والجملة تذييل مقرر لمضمون ما قبله ومحقق لوقوعه حتماً. أ هـ {روح المعانى حـ 3 صـ 126}\rلطيفة\rقال ابن عادل :\rقال أبو العباس المُقْرِئُ : ورد لفظ \" النفس \" في القرآن على أربعة أضربٍ :\rالأول : بمعنى العلم بالشيء ، والشهادة ، كقوله : { وَيُحَذِّرْكُمُ الله نَفْسَهُ } ، يعني علمه فيكم ، وشهادته عليكم.\rالثاني : بمعنى البدن ، قال تعالى : { كُلُّ نَفْسٍ ذَآئِقَةُ الموت } [ آل عمران : 185 ].\rالثالث : بمعنى الهَوَى ، كقوله : { إِنَّ النفس لأَمَّارَةٌ بالسوء } [ يوسف : 53 ] يعني الهَوَى.\rالرابع : بمعنى الروحِ ، قال تعالى : { أخرجوا أَنْفُسَكُمُ } [ الأنعام : 93 ] ، أي : أرواحكم. أ هـ {تفسير ابن عادل حـ 5 صـ 146}","part":12,"page":314},{"id":5112,"text":"فائدة\rقال فى ملاك التأويل :\rقوله تعالى:\"ويحذركم الله نفسه وإلى الله المصير\" ثم قال فى الآية الأخرى بعد:\"ويحذركم الله نفسه والله رؤوف بالعباد\".للسائل أن يسأل عن وجه تعقيب الأولى بقوله:\"والى الله المصير\" وتعقيب الثانية بقوله:\"والله رؤوف بالعباد\".","part":12,"page":315},{"id":5113,"text":"والجواب عن ذلك والله أعلم أنه لما تقدم قبل الأولى قوله تعالى:\"لا يتخذ المؤمنون الكافرين أولياء من دون المؤمنين\" فنهاهم سبحانه عن ذلك ثم أردف بالتحذير بقوله:\"ومن يفعل ذلك فليس من الله فى شئ\" ثم استثنى سبحانه من ذلك حال التقاة فقال:\"إلا أن تتقوا منهم تقاة\" ثم قال:\"ويحذركم الله نفسه- أى عذابه - وإلى الله المصير -أى ومرجعكم إليه فلا يفوته هارب فهذا كلام ملتحم جليل النظم والتنضيد ثم أتبع هذا بإعلامه أنه سبحانه لا يخفى عليه شئ مما أكنوه أو أظهروه فقال:\"قل إن تخفوا ما فى صدوركم أو تبدوه يعلمه الله ويعلم ما فى السماوات وما فى الأرض والله على كل شئ قدير\"، فأعلم فيها بعلمه المحيط بالأشياء والعلم والقدرة هما القاطعان بمنكرى العودة وعلى إنكارهما بنى المنكرون حشر الأجساد شنيع مقالهم وبثباتهما اضمحل باطلهم وقد أشارت هذه الآية العظيمة إلى علمه سبحانه بالجزئيات وقدرته عليها وفى ذلك الشأن كله ولعل الكلام يعود بنا إلى مقصود هذه الآية العظيمة فنبسط من ذلك ما يشفى صدر المؤمن ويقطع بالملحدين وإن كان أئمتنا من أهل الفن الكلامى قد شفوا فى ذلك رضى الله عنهم فعرف سبحانه بالرجوع الأخروى إليه ثم أخبر بأنه لا يغادر من أفعال عباده صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها فقال:\"يوم تجد كل نفس ما عملت من خير محضرا\"الآية ثم قال معيدا ومحذرا:\"ويحذركم الله نفسه\" وأعقب بقوله:\"والله رؤوف بالعباد\"، لما تقدم من التذكير والوعظ والبيان والتحذير المبنى على واضح الأمر والتبيان وذلك إنعام منه سبحانه وإحسان يستجر خوف المؤمنين العابدين، فناسبه التعقيب بذكر رأفته بعباده رفقا بهم وإنعاما وتلطفا فقال:\"والله رؤوف بالعباد\"، ولم يتقدم قبل الأولى ما تقدم قبل هذه متصلا بها وإنما تقدمها النهى عن موالاة الكفار والتبرى من مواليهم بالكلية فناسبه ما أعقب به وناسب هذه ما أعقبت به والله أعلم. أ هـ {ملاك التأويل صـ 109 ـ 110}","part":12,"page":316},{"id":5114,"text":"فائدة\rقال السعدى فى معنى الآية :\rهذا نهي من الله تعالى للمؤمنين عن موالاة الكافرين بالمحبة والنصرة والاستعانة بهم على أمر من أمور المسلمين ، وتوعد على ذلك فقال : { ومن يفعل ذلك فليس من الله في شيء } أي : فقد انقطع عن الله ، وليس له في دين الله نصيب ، لأن موالاة الكافرين لا تجتمع مع الإيمان ، لأن الإيمان يأمر بموالاة الله وموالاة أوليائه المؤمنين المتعاونين على إقامة دين الله وجهاد أعدائه ، قال تعالى : { والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض } فمن والى - الكافرين من دون المؤمنين الذين يريدون أن يطفؤا نور الله ويفتنوا أولياءه خرج من حزب المؤمنين ، وصار من حزب الكافرين ، قال تعالى : { ومن يتولهم منكم فإنه منهم } وفي هذه الآية دليل على الابتعاد عن الكفار وعن معاشرتهم وصداقتهم ، والميل إليهم [ ص 128 ] والركون إليهم ، وأنه لا يجوز أن يولى كافر ولاية من ولايات المسلمين ، ولا يستعان به على الأمور التي هي مصالح لعموم المسلمين. قال الله تعالى : { إلا أن تتقوا منهم تقاة } أي : تخافوهم على أنفسكم فيحل لكم أن تفعلوا ما تعصمون به دماءكم من التقية باللسان وإظهار ما به تحصل التقية. ثم قال تعالى : { ويحذركم الله نفسه } أي : فلا تتعرضوا لسخطه بارتكاب معاصيه فيعاقبكم على ذلك { وإلى الله المصير } أي : مرجع العباد ليوم التناد ، فيحصي أعمالهم ويحاسبهم عليها ويجازيهم ، فإياكم أن تفعلوا من الأعمال القباح ما تستحقون به العقوبة ، واعملوا ما به يحصل الأجر والمثوبة. أ هـ {تفسير السعدى صـ 127}","part":12,"page":317},{"id":5116,"text":"كلام نفيس لشيخ الإسلام ابن تيمية فى الآية\rقال عليه الرحمة والرضوان :\rرأس مال الرافضة التقية وهي أن يظهر خلاف ما يبطن كما يفعل المنافق وقد كان المسلمون في أول الإسلام في غاية الضعف والقلة وهم يظهرون دينهم لا يكتمونه والرافضة يزعمون أنهم يعملون بهذه الآية قوله تعالى لا يتخذ المؤمنون الكافرين أولياء من دون المؤمنين ومن يفعل ذلك فليس من الله في شيء إلا أن تتقوا منهم تقاة ويحذركم الله نفسه (سورة آل عمران). ويزعمون أنهم هم المؤمنون وسائر أهل القبلة كفار مع أن لهم في تكفير الجمهور قولين لكن قد رأيت غير واحد من أئمتهم يصرح في كتبه وفتاويه بكفر الجمهور وأنهم مرتدون ودارهم دار ردة يحكم بنجاسة مائعها وأن من أنتقل إلى قول الجمهور منهم ثم تاب لم تقبل توبته لأن المرتد الذي يولد على الفطرة لا يقبل منه الرجوع إلى الإسلام وهذا في المرتد عن الإسلام قول لبعض السلف وهو رواية عن الإمام أحمد قالوا لأن المرتد من كان كافرا فأسلم ثم رجع إلى الكفر بخلاف من يولد مسلما فجعل هؤلاء هذا في سائر الأمة فهم عندهم كفار فمن صار منهم إلى مذهبهم كان مرتدا وهذه الآية حجة عليهم فإن هذه الآية خوطب بها أولا من كان مع النبي صلى الله عليه وسلم من المؤمنين فقيل لهم {لا يتخذ المؤمنون الكافرين أولياء من دون المؤمنين} (سورة آل عمران). وهذه الآية مدنية باتفاق العلماء فإن (سورة آل عمران). كلها مدنية وكذلك البقرة والنساء والمائدة ومعلوم أن المؤمنين بالمدينة على عهد النبي صلى الله عليه وسلم لم يكن أحد منهم يكتم إيمانه ولا يظهر للكفار أنه منهم كما يفعله الرافضة مع الجمهور وقد اتفق المفسرون على أنها نزلت بسبب أن بعض المسلمين أراد إظهار مودة الكفار فنهوا عن ذلك وهم لا يظهرون المودة للجمهور وفي رواية الضحاك عن ابن عباس أن عبادة بن الصامت كان له حلفاء من اليهود فقال يا رسول الله إن معي خمسمائة من اليهود وقد رأيت أن أستظهر بهم على العدو فنزلت هذه الآية وفي رواية أبي صالح أن عبد الله بن أبي وأصحابه","part":12,"page":318},{"id":5117,"text":"من المنافقين كانوا يتولون اليهود ويأتونهم بالأخبار يرجون لهم الظفر على النبي صلى الله عليه وسلم فنهى الله المؤمنين عن مثل فعلهم وروى عن ابن عباس أن قوما من اليهود كانوا يباطنون قوما من الأنصار ليفتنوهم عن دينهم فنهاهم قوم من المسلمين عن ذلك وقال اجتنبوا هؤلاء فأبوا فنزلت هذه الآية وعن مقاتل بن حيان ومقاتل بن سليمان أنها نزلت في حاطب بن أبي بلتعة وغيره كانوا يظهرون المودة لكفار مكة فنهاهم الله عن ذلك\rوالرافضة من أعظم الناس إظهارا لمودة أهل السنة ولا يظهر أحدهم دينه حتى إنهم يحفظون من فضائل الصحابة والقصائد التي في مدحهم وهجاء الرافضة ما يتوددون به إلى أهل السنة ولا يظهر أحدهم دينه كما كان المؤمنون يظهرون دينهم للمشركين وأهل الكتاب فعلم أنهم من أبعد الناس عن العمل بهذه الآية وأما قوله تعالى {إلا أن تتقوا منهم تقاة} (سورة آل عمران). قال مجاهد إلا مصانعة والتقاة ليست بأن أكذب وأقول بلساني ما ليس في قلبي فإن هذا نفاق ولكن أفعل ما أقدر عليه كما في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال من رأى منكم منكرا فليغيره بيده فإن لم يستطع فبلسانه فإن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان فالمؤمن إذا كان بين الكفار والفجار لم يكن عليه أن يجاهدهم بيده مع عجزه ولكن إن أمكنه بلسانه وإلا فبقلبه مع أنه لا يكذب ويقول بلسانه ما ليس في قلبه إما أن يظهر دينه وإما أن يكتمه وهو مع هذا لا يوافقهم على دينهم كله بل غايته أن يكون كمؤمن آل فرعون وأمرأة فرعون وهو لم يكن موافقا لهم على جميع دينهم ولا كان يكذب ولا يقول بلسانه ما ليس في قلبه بل كان يكتم إيمانه وكتمان الدين شيء وإظهار الدين الباطل شيء آخر فهذا لم يبحه الله قط إلا لمن أكره بحيث أبيح له النطق بكلمة الكفر والله تعالى قد فرق بين المنافق والمكره","part":12,"page":319},{"id":5118,"text":"والرافضة حالهم من جنس حال المنافقين لا من جنس حال المكره الذي أكره على الكفر وقلبه مطمئن بالإيمان فإن هذا الإكراه لا يكون عاما من جمهور بني آدم بل المسلم يكون أسيرا أو منفردا في بلاد الكفر ولا أحد يكرهه على كلمه الكفر ولا يقولها ولا يقول بلسانه ما ليس في قلبه وقد يحتاج إلى أن يلين لناس من الكفار ليظنوه منهم وهو مع هذا لا يقول بلسانه ما ليس في قلبه بل يكتم ما في قلبه وفرق بين الكذب وبين الكتمان فكتمان ما في النفس يستعمله المؤمن حيث يعذره الله في الإظهار كمؤمن آل فرعون وأما الذي يتكلم بالكفر فلا يعذره إلا إذا أكره والمنافق الكذاب لا يعذر بحال ولكن في المعاريض مندوحة عن الكذب ثم ذلك المؤمن الذي يكتم إيمانه يكون بين الكفار الذين لا يعلمون دينه وهو مع هذا مؤمن عندهم يحبونه ويكرمونه لأن الإيمان الذي في قلبه يوجب أن يعاملهم بالصدق والأمانة والنصح وإرادة الخير بهم وإن لم يكن موافقا لهم على دينهم كما كان يوسف الصديق يسير في أهل مصر وكانوا كفارا وكما كان مؤمن آل فرعون يكتم إيمانه ومع هذا كان يعظم موسى ويقول {أتقتلون رجلا أن يقول ربي الله} (سورة غافر). وأما الرافضي فلا يعاشر أحدا إلا استعمل معه النفاق فإن دينه الذي في قلبه دين فاسد يحمله على الكذب والخيانة وغش الناس وإرادة السوء بهم فهو لا يألوهم خبالا ولا يترك شرا يقدر عليه إلا فعله بهم وهو ممقوت عند من لا يعرفه وإن لم يعرف أنه رافضي تظهر على وجهه سيما النفاق وفي لحن القول ولهذا تجده ينافق ضعفاء الناس ومن لا حاجة به إليه لما في قلبه من النفاق الذي يضعف قلبه والمؤمن معه عزة الإيمان فإن العزة لله ولرسوله وللمؤمنين ثم هم يدعون الإيمان دون الناس والذلة فيهم أكثر منها في سائر الطوائف من المسلمين وقد قال تعالى {إنا لننصر رسلنا والذين آمنوا في الحياة الدنيا ويوم يقوم الأشهاد} (سورة غافر). وهم أبعد طوائف أهل الإسلام عن النصرة وأولاهم","part":12,"page":320},{"id":5119,"text":"بالخذلان فعلم أنهم أقرب طوائف أهل الإسلام إلى النفاق وأبعدهم عن الإيمان وآية ذلك أن المنافقين حقيقة الذين ليس فيهم إيمان من الملاحدة يميلون إلى الرافضة والرافضة تميل إليهم أكثر من سائر الطوائف وقد قال صلى الله عليه وسلم الأرواح جنود مجندة ما تعارف منها ائتلف وما تناكر منها اختلف وقال ابن مسعود رضي الله عنه اعتبروا الناس بأخدانهم فعلم أن بين أرواح الرافضة وأرواح المنافقين اتفاقا محضا قدرا مشتركا وتشابها وهذا لما في الرافضة فإن النفاق شعب كما في الصحيحين عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال أربع من كن فيه كان منافقا خالصا ومن كانت فيه خصلة منهن كانت فيه شعبة من النفاق حتى يدعها إذا حدث كذب وإذا اؤتمن خان وإذا عاهد غدر وإذا خاصم فجر وفي الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال آية المنافق ثلاث إذا حدث كذب وإذا وعد أخلف وإذا اؤتمن خان وفي رواية لمسلم وإن صام وصلى وزعم أنه مسلم والقرآن يشهد لهذا فإن الله وصف المنافقين في غير موضع بالكذب والغدر والخيانة وهذه الخصال لا توجد في طائفة أكثر منها في الرافضة ولا أبعد منها عن أهل السنة المحضة المتبعين للصحابة فهؤلاء أولى الناس بشعب الإيمان وأبعدهم عن شعب النفاق\rوالرافضة أولى الناس بشعب النفاق وأبعدهم عن شعب الإيمان وسائر الطوائف قربهم إلى الإيمان وبعدهم عن النفاق بحسب سنتهم وبدعتهم وهذا كله مما يبين أن القوم أبعد الطوائف عن اتباع المعصوم الذي لا شك في عصمته وهو خاتم المرسلين صلوات الله وسلامه عليه وعلى آله وما يذكرونه من خلاف السنة في دعوى الإمام المعصوم وغير ذلك فإنما هو في الأصل من ابتداع منافق زنديق كما قد ذكر ذلك أهل العلم","part":12,"page":321},{"id":5120,"text":"ذكر غير واحد منهم أن أول من ابتدع الرفض والقول بالنص على علي وعصمته كان منافقا زنديقا أراد فساد دين الإسلام وأراد أن يصنع بالمسلمين ما صنع بولس بالنصارى لكن لم يتأت له ما تأتى لبولس لضعف دين النصارى وعقلهم فإن المسيح صلى الله عليه وسلم رفع ولم يتبعه خلق كثير يعلمون دينه ويقومون به علما وعملا فلما ابتدع بولس ما ابتدعه من الغو في المسيح اتبعه على ذلك طوائف وأحبوا الغلو في المسيح ودخلت معهم ملوك فقام أهل الحق خالفوهم وأنكروا عليهم فقتلت الملوك بعضهم وداهن الملوك بعضهم وبعضهم اعتزلوا في الصوامع والديارات وهذه الأمة ولله الحمد لا يزال فيها طائفة ظاهرة على الحق فلا يتمكن ملحد ولا مبتدع من إفساده بغلو أو انتصار على أهل الحق ولكن يضل من يتبعه على ضلاله وأيضا فنواب المعصوم الذي يدعونه غير معصومين في الجزئيات وإذا كان كذلك فيقال إذا كانت العصمة في الجزئيات غير واقعة وإنما الممكن العصمة في الكليات فالله تعالى قادر أن ينص على الكليات بحيث لا يحتاج في معرفتها إلى الإمام ولا غيره وقادر أيضا أن يجعل نص النبي أكمل من نص الإمام وحينئذ فلا يحتاج إلى عصمة الإمام لا في الكليات ولا في الجزئيات. أ هـ {منهاج أهل السنة حـ 6 صـ 295 ـ 302}","part":12,"page":322},{"id":5121,"text":"من لطائف الإمام القشيرى فى الآية\rقوله جلّ ذكره : { لاَّ يَتَّخِذِ المُؤْمِنُونَ الكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ المُؤْمِنُونَ }.\rمن حقائق الإيمان الموالاةُ في الله والمعاداة في الله.\rوأوْلى مَنْ تسومه الهجرانَ والإعراضَ عن الكفار - نَفْسُك ؛ فإنها مجبولةٌ على المجوسية حيث تقول : لي ومني وبي ، وقال الله تعالى : { يَا أيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قَاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُم مِّنَ الكُفَّارِ } [ التوبة : 123 ].\rوإن الإيمان في هذه الطريقة عزيز ، ومن لا إيمان له بهذه الطريقة من العوام - وإن كانوا قد بلغوا من الزهد والجهد مبلغاً عظيماً - فليسوا بأهل لموالاتك ، والشكل بالشكل أليق.\rقوله جلّ ذكره : { وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللهِ فِى شَيءٍ إِلاَّ أَن تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً وَيُحَذِّرُكُمُ اللهُ نَفْسَهُ وَإِلَى اللهِ المَصِيرُ }.\rصحبة الحق سبحانه وقربته لا تكون مقرونة بصحبة الأضداد وقربتهم - ألبتة.\r{ وَيُحَذِّرُكُمُ اللهُ نَفْسَهُ } : هذا خطاب للخواص من أهل المعرفة ، فأمَّا الذين نزلت رُتْبَتُهم عن هذا فقال لهم : { وَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِى } [ آل عمران : 131 ] وقال : { واتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ.. } [ البقرة : 281 ]. إلى غير ذلك من الآيات.\rويقال : { وَيُحَذِّرُكُمُ اللهُ نَفْسَهُ } أن يكون عندكم أنكم وصلتم ؛ فإن خفايا المكر تعتري الأكابر ، قال قائلهم :\rوأمِنْتُه فأتاح لي من مأمني... مكراً ، كذا مَنْ يأمن الأحبابا\rويقال : { وَيُحَذِّرُكُمُ اللهُ نَفْسَهُ } لأن يجري في وهم أحد أنه يصل إليه مخلوق ، أو يطأ بساطَ العِزِّ قَدَمُ همة بشر ، جلَّتْ الأحدية وعزَّت!\rوإنَّ من ظن أنه أقربهم إليه ففي الحقيقة أنه أبعدهم عنه. أ هـ {لطائف الإشارات حـ 1 صـ 233}","part":12,"page":323},{"id":5122,"text":"قوله تعالى { قُلْ إِنْ تُخْفُوا مَا فِي صُدُورِكُمْ أَوْ تُبْدُوهُ يَعْلَمْهُ اللَّهُ وَيَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (29)}\rمناسبة الآية لما قبلها\rقال البقاعى : \rولما كانت الموالاة بالباطن المنهي عنها مطلقاً ودائماً قد تفعل ويدعى نفيها لخفائها أمره صلى الله عليه وسلم بتحذيرهم من موالاة أعدائه على وجه النفاق أو غيره فقال : { قُلْ إِنْ تُخْفُوا}\rوقال الحرالي : ولما كان حقيقة ما نهى عنه في الولاية والتقاة أمراً باطناً يترتب عليه فعل ظاهر فوقع التحذير فيه على الفعل كرر فيه التحذير على ما وراء الفعل مما في الصدور ونبه فيه على منال العلم خفية ، فإنه قد يترك الشيء فعلاً ولا تترك النفس الغية صغواً ونزوعاً إليه في أوقات ، وكرر في ختمه التحذير ليتثنى التحذيران ترقياً من الظاهر في الفعل إلى باطن الحماية في العلم خفية ، فإنه قد يترك الشيء فعلاً ولا تترك النفس الغية صغواً ونزوعاً إليه في أوقات ، وكرر في ختمه التحذير ليتثنى التحذيران ترقياً من الظاهر في الفعل إلى باطن الحماية في العلم كما تثنى الأمران في الظاهر والباطن ، وكان في إجراء هذا الخطاب على لسان النبي صلى الله عليه وسلم حجة عليهم بما أنه بشر مثلهم يلزمهم الاقتداء به فيما لم يبادروا إلى أخذه من الله في خطابه الذي عرض به نحوهم ؛ انتهى.\rفقال تعالى - : {قل إن تخفوا} أي يا أيها المؤمنون {ما في صدوركم أو تبدوه يعلمه الله} أي المحيط قدرة وعلماً ، ثم قال عاطفاً على جملة الشرط التي هي مقول القول إرادة التعميم : {ويعلم ما} أي جميع ما {في السموات} ولما كان الإنسان مطبوعاً على ظن أنه إذا أخفي شيئاً في نفسه لا يعلمه غيره أكد بإعادة الموصول فقال : {وما} أي وجميع ما {في الأرض} ظاهراً كان أو باطناً.","part":12,"page":324},{"id":5123,"text":"ولما كان ذو العلم لا يكمل إلا بالقدرة ، وكان يلزم من تمام العلم شمول القدرة - كما سيأتي إن شاء الله تعالى برهانه في سورة طه - كان التقدير : فالله بكل شيء عليم ، فعطف عليه قوله : {والله} أي بما له من صفات الكمال {على كل شيء قدير} ومن نمط ذلك قوله سبحانه وتعالى : {إن الله لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء} [ آل عمران : 5 ] مع ذكر التصوير كيف يشاء والختم بوصفي العزة والحكمة ، وقد دل سبحانه وتعالى بالتفرد بصفتي العلم والقدرة على التفرد بالألوهية. أ هـ {نظم الدرر حـ 2 صـ 59 ـ 60}\rوقال الفخر : \rاعلم أنه تعالى لما نهى المؤمنين عن اتخاذ الكافرين أولياء ظاهراً وباطناً واستثنى عنه التقية في الظاهر أتبع ذلك بالوعيد على أن يصير الباطن موافقاً للظاهر في وقت التقية ، وذلك لأن من أقدم عند التقية على إظهار الموالاة ، فقد يصير إقدامه على ذلك الفعل بحسب الظاهر سبباً لحصول تلك الموالاة في الباطن ، فلا جرم بيّن تعالى أنه عالم بالبواطن كعلمه بالظواهر ، فيعلم العبد أنه لا بد أن يجازيه على كل ما عزم عليه في قلبه. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 8 صـ 13}\rقال أبو حيان : \rالمفهوم أن الباري تعالى مطلع على ما في الضمائر ، لا يتفاوت علمه تعالى بخفاياها ، وهو مرتب على ما فيها الثواب والعقاب إن خيراً فخير ، وإن شراً فشر.\rوفي ذلك تأكيد لعدم الموالاة ، وتحذير من ذلك. أ هـ {البحر المحيط حـ 2 صـ 444}\rأسئلة وأجوبة\rالسؤال الأول : هذه الآية جملة شرطية فقوله {إِن تُخْفُواْ مَا فِى صُدُورِكُمْ أَوْ تُبْدُوهُ} شرط وقوله {يَعْلَمْهُ الله} جزاء ولا شك أن الجزاء مترتب على الشرط متأخر عنه ، فهذا يقتضي حدوث علم الله تعالى.","part":12,"page":325},{"id":5124,"text":"والجواب : أن تعلق علم الله تعالى بأنه حصل الآن لا يحصل إلا عند حصوله الآن ، ثم أن هذه التبدل والتجدد إنما وقع في النسب والإضافات والتعليقات لا في حقيقة العلم ، وهذه المسألة لها غور عظيم وهي مذكورة في علم الكلام.\rالسؤال الثاني : محل البواعث والضمائر هو القلب ، فلم قال : {إِن تُخْفُواْ مَا فِى صُدُورِكُمْ} ولم يقل إن تخفوا ما في قلوبكم ؟ .\rالجواب : لأن القلب في الصدر ، فجاز إقامة الصدر مقام القلب كما قال : {يُوَسْوِسُ فِى صُدُورِ الناس} [ الناس : 5 ] وقال : {فَإِنَّهَا لاَ تَعْمَى الأبصار ولكن تعمى القلوب التى فِى الصدور} [ الحج : 46 ].\rالسؤال الثالث : إن كانت هذه الآية وعيداً على كل ما يخطر بالبال فهو تكليف ما لا يطاق.\rالجواب : ذكرنا تفصيل هذه الكلام في آخر سورة البقرة في قوله {للَّهِ مَا فِى السموات وَمَا فِي الأرض وَإِن تُبْدُواْ مَا فِي أَنفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُم بِهِ الله} [ البقرة : 284 ]. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 8 صـ 13 ـ 14}\rقوله تعالى : {وَيَعْلَمُ مَا فِى السموات وَمَا فِي الأرض }\rقال أبو حيان : \r{ ويعلم ما في السموات وما في الأرض } هذا دليل على سعة علمه ، وذكر عموم بعد خصوص ، فصار علمه بما في صدورهم مذكوراً مرتين على سبيل التوكيد ، أحدهما : بالخصوص ، والآخر : بالعموم ، إذ هم ممن في الأرض. أ هـ {البحر المحيط حـ 2 صـ 444}\rفائدة\rقال الفخر : \rاعلم أنه رفع على الاستئناف ، وهو كقوله {قاتلوهم يُعَذّبْهُمُ الله} [ التوبة : 14 ] جزم الأفاعيل ، ثم قال : {وَيَتُوبَ الله} فرفع ، ومثله قوله {فَإِن يَشَإِ الله يَخْتِمْ على قَلْبِكَ وَيَمْحُ الله الباطل} [ الشورى : 24 ] رفعاً ، وفي قوله {وَيَعْلَمُ مَا فِى السموات وَمَا فِي الأرض} غاية التحذير لأنه إذا كان لا يخفى عليه شيء فيهما فكيف يخفى عليه الضمير. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 8 صـ 14}\rقال ابن عادل : ","part":12,"page":326},{"id":5125,"text":"قوله : { وَيَعْلَمُ مَا فِي السماوات وَمَا فِي الأرض } من باب ذكر العام بعد الخاص. { مَا فِى صُدُورِكُمْ } ، وقدَّم - هنا - الإخْفَاءَ على الإبداء وجعل محلهما الصدور ، بخلاف آية البقرةِ - فإنه قدَّم فيها الإبداء على الإخفاء ، وجعل محلهما النفس ، وجعل جواب الشرطِ المحاسبة ؛ تفنُّناً في البلاغة ، وذكر ذلك للتحذير ؛ لأنه إذا كان لا يخفى عليه شيء فكيف يَخْفَى عليه الضميرُ ؟ أ هـ {تفسير ابن عادل حـ 5 صـ 147}\rقوله تعالى : {والله على كُلّ شَيْء قَدِيرٌ}\rقال الفخر :\rقال تعالى : {والله على كُلّ شَيْء قَدِيرٌ} إتماماً للتحذير ، وذلك لأنه لما بيّن أنه تعالى عالم بكل المعلومات كان عالماً بما في قلبه ، وكان عالماً بمقادير استحقاقه من الثواب والعقاب ، ثم بيّن أنه قادر على جميع المقدورات ، فكان لا محالة قادراً على إيصال حق كل أحد إليه ، فيكون في هذا تمام الوعد والوعيد ، والترغيب والترهيب. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 8 صـ 14}\rوقال الآلوسى :\r{ والله على كُلّ شَيْء قَدِيرٌ } إثبات لصفة القدرة بعد إثبات صفة العلم وبذلك يكمل وجه التحذير ، فكأنه سبحانه قال : ويحذركم الله نفسه لأنه متصف بعلم ذاتي محيط بالمعلومات كلها وقدرة ذاتية شاملة للمقدورات بأسرها فلا تجسروا على عصيانه وموالاة أعدائه إذ ما من معصية خفية كانت أو ظاهرة إلا وهو مطلع عليها وقادر على العقاب بها. أ هـ {روح المعانى حـ 3 صـ 126}\rفائدة\rقال أبو السعود :\rوإظهارُ الاسم الجليل في موضع الإضمارِ لتربية المهابة وتهويلِ الخطب. أ هـ {تفسير أبى السعود حـ 2 صـ 23}","part":12,"page":327},{"id":5126,"text":"فائدة\rقال الطبرى فى معنى الآية :\rيعني بذلك جل ثناؤه : \"قل\" يا محمد ، للذين أمرتهم أن لا يتخذوا الكافرين أولياء من دون المؤمنين \"إن تخفوا ما في صدوركم\" من موالاة الكفار فتُسِرُّوه ، أو تبدوا ذلكم من نفوسكم بألسنتكم وأفعالكم فتظهروه \"يعلمه الله\" ، فلا يخفى عليه. يقول : فلا تُضمروا لهم مودّةً ولا تظهروا لهم موالاة ، فينالكم من عقوبة ربكم ما لا طاقة لكم به ، لأنه يعلم سرّكم وعلانيتكم ، فلا يخفى عليه شيء منه ، وهو مُحصيه عليكم حتى يجازيَكم عليه بالإحسان إحسانًا ، وبالسيئة مثلها.\rوأما قوله : \"ويعلم ما في السموات وما في الأرض\" ، فإنه يعني أنه إذ كان لا يخفى عليه شيء هو في سماء أو أرض أو حيث كان ، فكيف يخفى عليه - أيها القوم الذين يتخذون الكافرين أولياء من دون المؤمنين - ما في صدوركم من الميْل إليهم بالمودة والمحبة ، أو ما تبدونه لهم بالمعونة فعلا وقولا.\rوأما قوله : \"والله على كل شيء قدير\" ، فإنه يعني : والله قديرٌ على معاجلتكم بالعقوبة على مُوالاتكم إياهم ومظاهرتكموهم على المؤمنين ، وعلى ما يشاء من الأمور كلها ، لا يتعذَّر عليه شيء أراده ، ولا يمتنع عليه شيء طلبه. أ هـ {تفسير الطبرى حـ 6 صـ 318}. بتصرف يسير.","part":12,"page":328},{"id":5127,"text":"وقال الزمخشرى :\r{ وَيَعْلَمُ مَا فِى السماوات وَمَا فِى الارض } لا يخفى عليه منه شيء قط. فلا يخفى عليه سركم وعلنكم { والله على كُلّ شَيْء قَدِيرٌ } فهو قادر على عقوبتكم. وهذا بيان لقوله : { وَيُحَذّرُكُمُ الله نَفْسَهُ } [ آل عمران : 28 ] لأنّ نفسه وهي ذاته المميزة من سائر الذوات ، متصفة بعلم ذاتي لا يختص بمعلوم دون معلوم ، فهي متعلقة بالمعلومات كلها وبقدرة ذاتية لا تختص بمقدور دون مقدور ، فهي قادرة على المقدورات كلها ، فكان حقها أن تحذر وتتقى فلا يجسر أحد على قبيح ولا يقصر عن واجب ، فإن ذلك مطلع عليه لا محالة فلاحق به العقاب ، ولو علم بعض عبيد السلطان أنه أراد الإطلاع على أحواله ، فوكل همه بما يورد ويصدر ، ونصب عليه عيوناً ، وبث من يتجسس عن بواطن أموره ، لأخذ حذره وتيقظ في أمره ، واتقى كل ما يتوقع فيه الاسترابة به ، فما بال من علم أنّ العالم الذات الذي علم السر وأخفى مهيمن عليه وهو آمن. اللهم إنا نعوذ بك من اغترارنا بسترك. أ هـ {الكشاف حـ 1 صـ 380 ـ 381}\rوقال ابن كثير :\rيخبر تبارك وتعالى عباده أنه يعلم السرائر والضمائر والظواهر ، وأنه لا يخفى عليه منهم خافية ، بل علمه محيط بهم في سائر الأحوال والآنات واللحظات وجميع الأوقات ، وبجميع ما في السموات والأرض ، لا يغيب عنه مثقال ذرة ، ولا أصغر من ذلك في جميع أقطار الأرض والبحار والجبال ، وهو { عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ } أي : قدرته نافذة في جميع ذلك.\rوهذا تنبيه منه لعباده على خوفه وخشيته ، وألا يرتكبوا ما نهى عنه وما يَبْغضه منهم ، فإنه عالم بجميع أمورهم ، وهو قادر على معاجلتهم بالعقوبة ، وإنْ أنظر من أنظر منهم ، فإنه يمهل ثم يأخذ أخذ عزيز مقتدر ؛ ولهذا قال بعد هذا : { يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَرًا [وَمَا عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَدًا بَعِيدًا ]}. أ هـ {تفسير ابن كثير حـ 2 صـ 31}","part":12,"page":329},{"id":5128,"text":"من فوائد ابن عاشور فى الآية : \r{قُلْ إِنْ تُخْفُوا مَا فِي صُدُورِكُمْ أَوْ تُبْدُوهُ يَعْلَمْهُ اللَّهُ وَيَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} [29].\rانتقال من التحذير المجمل إلى ضرب من ضروب تفصيله ، وهو إشعار لمحذر باطلاع الله على ما يخفونه من الأمر.\rوذكر الصدور هنا والمراد البواطن والضمائر : جريا على معروف اللغة من إضافة الخواطر النفسية إلى الصدر والقلب ، لأن الانفعالات النفسانية وترددات التفكر ونوايا النفوس كلها يشعر لها بحركات في الصدور.\rوزاد أو تبدوه فأفاد تعميم العلم تعليما لهم بسعة علم الله تعالى لأن مقام إثبات صفات الله تعالى يقتضي الإيضاح.\rوجملة : {وَيَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ} معطوفة على جملة الشرط فهي معمولة لفعل قل ، وليست معطوفة على جواب الشرط : لأن علم الله بما في السماوات وما في الأرض ثابت مطلقا غير معلق على إخفاء ما في نفوسهم وإبدائه وما في الجملة من التعميم يجعلها في قوة التذييل.\rوقوله : {وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} إعلام بأنه مع العلم ذو قدرة على كل شيء ، وهذا من التهديد ؛ إذ المهدد لا يحول بينه وبين تحقيق وعيده إلا أحد أمرين : الجهل بجريمة المجرم ، أو العجز عنه ، فلما أعلمهم بعموم علمه ، وعموم قدرته ، علموا أن الله لا يفلتهم من عقابه.\rوإظهار اسم الله دون ضميره فلم يقل وهو على كل شيء قدير : لتكون الجملة مستقلة فتجري مجرى المثل ، والجملة لها معنى التذييل. والخطاب للمؤمنين تبعا لقوله : {لا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ} [آل عمران : 28] الآية. أ هـ {التحرير والتنوير حـ 3 صـ 76}\rلطيفة\rقال القشيرى : \rلا يَعْزُبُ معلوم عن علمه ، فلا تحتشم من نازلة بك تسوءك ، فعن قريب سيأتيك الغوث والإجابة ، وعن قريب سيزول البلاء والمحنة ، ويُعَجِّلُ المدَدَ والكفاية. أ هـ {لطائف الإشارات حـ 1 صـ 234}","part":12,"page":330},{"id":5129,"text":"قوله تعالى { يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَرًا وَمَا عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَدًا بَعِيدًا وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ (30)}\rمناسبة الآية لما قبلها\rقال البقاعى :\rولما تم الوصف بالعلم والقدرة بعد التحذير من سطواته ذكر يوم المصير المحذر منه ، المحصى فيه كل كبير وصغير ، المعامل فيه كل عامل بما يليق به ، الذي يتم فيه انكشاف الأوصاف لكل ذكي وغبي فقال تعالى : {يوم} وهو معمول لعامل من معنى \" يحذر \" {تجد كل نفس} والذي يرشد إلى تعيين تقدير هذا العامل - إذا جعل العامل مقدراً - قوله سبحانه وتعالى {ويحذركم الله نفسه} [ آل عمران : 28 ] سابقاً لها ولا حقاً ، ويجوز أن يكون بدلاً من يوم في قوله {ليوم لا ريب فيه} [ آل عمران : 9 ] وتكون فتحته للبناء لإضافته إلى الجملة - والله سبحانه وتعالى أعلم ، والمراد بالنفس - والله سبحانه وتعالى أعلم - المكلفة {ما عملت من خير محضراً} أي لا نقص فيه ولا زيادة ، بأمر القاهر القادر على كل شيء {وما عملت من سوء} حاضراً ملازماً ، فما عملت من خير تود أنها لا تفارقه ولا ينقص منه شيء [ وما عملت من سوء {تود} أي تحب حباً شديداً {ولو أن بينها وبينه} أي ذلك العمل السوء {أمداً} أي زماناً.\rقال الحرالي : وأصله مقدار ما يستوفي جهد الفرس من الجري ، فهو مقدار ما يستوفي ظهور ما في التقدير إلى وفاء كيانه {بعيداً} من البعد ، وهو منقطع الوصلة في حس أو معنى - انتهى.\rفالآية من الاحتباك : ذكر إحضار الخير دلالة على حضور السوء ، وود بعد السوء دلالة على ود لزوم الخير.","part":12,"page":331},{"id":5130,"text":"ولما ذكر هول ذلك اليوم كان كأنه قال : فاتقوه فإن الله يحذركموه {ويحذركم الله} أي الذي له العظمة التي لا يحاط بها {نفسه} فالله سبحانه وتعالى منتقم ممن تعدى طوره ونسي أنه عبد ، قال الحرالي : أن تكون لكم أنفس فتجد ما عملت ، ويلزمها وطأة هذه المؤاخذة ، بل الذي ينبغي أن يبرىء العبد من نفسه تبرئته من أن يكون له إرادة ، وأن يلاحظ علم الله وقدرته في كلية ظاهره وباطنه وظاهر الكون وباطنه - انتهى.\rولما كان تكرير التحذير قد ينفر بين أن تحذيره للاستعطاف ، فإنه بنصب الأدلة وبعث الدعاة والترغيب في الطاعة والترهيب من المعصية المسبب عنه سعادة الدارين ، فهو من رأفته بالمحذرين فقال بانياً على ما تقديره : ويعدكم الله سبحانه وتعالى فضله ويبشركم به لرأفته بكم : {والله} أي والحال أن الذي له وحده الجلال والإكرام {رؤوف بالعباد} قال الحرالي : فكان هذا التحذير الخاتم ابتدائياً ، والتحذير السابق انتهائياً ، فكان هذا رأفة سابقة ، وكان الأول الذي ترتب على الفعل تحذيراً لاحقاً متصلاً بالمصير إلى الله ، وهذا الخاتم مبتدأً بالرأفة من الله. أ هـ {نظم الدرر حـ 2 صـ 60 ـ 61}\rفصل\rقال الفخر : \rاعلم أن العمل لا يبقى ، ولا يمكن وجدانه يوم القيامة ، فلا بد فيه من التأويل وهو من وجهين\rالأول : أنه يجد صحائف الأعمال ، وهو قوله تعالى : {إِنَّا كُنَّا نَسْتَنسِخُ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ} [ الجاثية : 29 ] وقال : {فَيُنَبّئُهُمْ بِمَا عَمِلُواْ أحصاه الله وَنَسُوهُ} [ المجادلة : 6 ]\rالثاني : أنه يجد جزاء الأعمال وقوله تعالى : {مُّحْضَرًا} يحتمل أن يكون المراد أن تلك الصحائف تكون محضرة يوم القيامة ، ويحتمل أن يكون المعنى : أن جزاء العمل يكون محضراً ، كقوله {وَوَجَدُواْ مَا عَمِلُواْ حَاضِرًا} [ الكهف : 49 ] وعلى كلا الوجهين ، فالترغيب والترهيب حاصلان. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 8 صـ 14 ـ 15}","part":12,"page":332},{"id":5131,"text":"قوله تعالى : {وَمَا عَمِلَتْ مِن سُوء تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَدَا بَعِيدًا}\rقال ابن عادل :\rالمعنى : { تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ } يعني : لو أن بين النفس وبين السوء أمداً بعيداً.\rقال السُّدِّيُّ : مكاناً بعيداً.\rوقال مقاتلٌ : كما بين المَشرق والمَغْرِب ؛ لقوله تعالى : { ياليت بَيْنِي وَبَيْنَكَ بُعْدَ المشرقين } [ الزخرف : 38 ].\rقال الحسنُ : يسر أحدهم أن لا يلقى عمله أبداً. أ هـ {تفسير ابن عادل حـ 5 صـ 155 ـ 156}\rقال الفخر :\rالأمد ، الغاية التي ينتهي إليها ، ونظيره قوله تعالى : {ياليت بَيْنِي وَبَيْنَكَ بُعْدَ المشرقين فَبِئْسَ القرين} [ الزخرف : 38 ].\rواعلم أن المراد من هذا التمني معلوم ، سواء حملنا لفظ الأمد على الزمان أو على المكان ، إذ المقصود تمني بعده ، ثم قال : {وَيُحَذّرُكُمُ الله نَفْسَهُ} وهو لتأكيد الوعيد. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 8 صـ 15}\rفوائد لغوية\rقال ابن عادل :\rفى ناصب \"يوم\" أوجه :\rأحدها : أنه منصوب بـ \" قَدِيرٌ \" ، أي : قدير في ذلك اليوم العظيم ، لا يقال : يلزم من ذلك تقييد قدرته بزمان ؛ لأنه إذا قدر في ذلك اليوم الذي يُسْلَب فيه كلُّ أحدٍ قدرته ، فلأنْ يقدرَ في غيره بطريق الأولى. وإلى هذا ذهب ابو بكر ابن الأنباري.\rالثاني : أنه منصوب بـ \" يُحَذِّرُكُمْ \" ، أي : يخوفكم عقابه في ذلك اليوم ، وإلى هذا نحا أبو إسحاق ، ورجحه.\rولا يجوز أن ينتصب بـ \" يُحَذِّرُكُمْ \" المتأخرة.\rقال ابن الأنباري : لا يجوز أن يكون اليوم منصوباً بـ \" يُحَذِّرُكُمْ \" المذكور في هذه الآية ؛ لأن واو النسق لا يعمل ما بعدها فيما قبلها \".","part":12,"page":333},{"id":5132,"text":"وعلى ما ذكره أبو إسحاق يكون ما بين الظرفِ وناصبه معترضاً ، وهو كلامٌ طويلٌ ، والفصل بمثله مستبعد ، هذا من جهة الصناعة ، وأما من جهة المعنى ، فلا يصح ؛ لأن التخويف لم يقع في ذلك اليوم ؛ لأنه ليس زمانَ تكليف ؛ لأن التخويف موجود ، واليوم موعود ، فكيف يتلاقيان ؟ \rقال : أن يكون منصوباً بالمصير ، والتقدير : وإلى الله المصير يومَ تَجِدُ ، وإليه نحا الزّجّاجُ - أيضاً - وابن الأنباري ومكيٌّ ، وغيرُهم ، وهذا ضعيف على قواعد البصريين ؛ للزوم الفصل بين المصدر ومعموله بكلامٍ طويلٍ.\rوقد يقال : إن جُمَل الاعتراضِ لا يُبَالَى بها في الفصل ، وهذا من ذاك.\rالرابع : أن يكون منصوباً بـ \" اذكر \" مقدراً ، فيكون مفعولاً به لا ظرفاً ، وقدر الطبريُّ الناصب له \" اتَّقُوا \" ، وفي التقدير ما فيه من كونه على خلاف الأصلِ ، مع الاستغناء عنه.\rالخامس : أن العامل فيه ذلك المضاف المقدر قبل \" نفسه \" ، أي : يحذركم اللهُ عقاب نفسه يوم تجد ، فالعامل فيه \" عقاب \" لا \" يحذركم \" قاله أبو البقاء ، وفي قوله : \" لا يُحَذِّرُكُمْ \" فرار عما أورد على أبي إسحاقَ كما تقدم.\rالسادس : أنه منصوب بـ \" تَوَدُّ \".\rقال الزمخشريُّ : \" يَوْمَ تَجِدُ \" منصوب بـ \" تَوَدُّ \" والضمير في \" بينه \" لليوم ، أي : يوم القيامة حين تجد كل نفس خيرها وشرها تتمنى لو أن بينها ، وبين ذلك اليوم ، وهَوْله أمداً بعيداً \".\rوهذا ظاهر حسنٌ ، ولكن في هذه المسألة خلافٌ ضعيف ؛ جمهور البصريين والكوفيين على جوازها ، وذهب الأخفشُ الفرّاءُ إلى مَنْعِهَا.\r","part":12,"page":334},{"id":5133,"text":"وضابط هذه المسألة أنه إذا كان الفاعلُ ضميراً عائداً إلى شيء مُتَّصِلٍ بمعمولِ الفعلِ نحو : ثَوْبَيْ أخَوْيك يلبسان ، فالفاعل هو الألف ، وهو ضمير عائد على \" أخويك \" المتصلين بمفعول \" يلبسان \" ومثله : غلام هندٍ ضربَتْ ، ففاعل \" ضربت \" ضمير عائد على \" هند \" المتصلة بـ \" غلام \" المنصوب بـ \" ضربت \" والآية من هذا القبيل ؛ فإن فاعل \" تَوَدُّ \" ضميرٌ عائدٌ على \" نَفْس \" المتصلة بـ \" يَوْمَ \" لأنها في جملة أضِيفَ الظرفُ إلى تلك الجملةِ ، والظرف منصوب بـ طتَوَدُّ \" ، والتقدير : يوم وُجدان كل نفس خيرها وشرها مُحْضَرَيْنِ تَوَدُّ كذا.\rاحتج الجمهور على الجواز بالسماع.\rوهو قول الشاعر : [ الخفيف ]\rأجَلَ الْمَرْءِ يَسْتَحِثُّ وَلاَ يَدْ... ري إذَا يَبْتَغِي حًصُولَ الأمَانِي\rففاعل \" يستحثَ \" ضمير عائد على \" المرء \" المتصل بـ \" أجل \" المنصوب بـ \" يستحث \".\rواحتج المانعون بأن المعمول فضلة ، يجوز الاستغناء عنه ، وعَوْد الضمير عليه في هذه المسائل يقتضي لزوم ذكره ، فيتنافى هذان السببان ، ولذلك أجمع على منع زيداً ضرب ، وزيداً ظن قائماً ، أي : ضرب نفسه ، وظنها ، وهو دليلٌ واضح للمانع لولا ما يرده من السماع كالبيت المتقدم وفي الفرق عُسْر بين : غلامَ زَيدٍ ضَرَبَ ، وبين : زيداً ضَرَبَ ، حيث جاز الأول ، وامتنع الثاني ، بمقتضى العلة المذكورة.\rقوله : \" تجد \" يجوز أن تكون [ المتعدية لواحد بمعنى \" تصيب \" ، ويكون \" محضراً \" على هذا منصوباً على الحال ، وهذا هو الظاهر ، ويجوز أن تكون علمية ] ، فتتعدى لاثنين ، أولهما \" مَا عَمِلَتْ \" ، والثاني \" مُحْضَراً \" وليس بالقويّ في المعنى ، و\" ما \" يجوز فيها وجهان : \rأظهرهما : أنها بمعنى \" الذي \" فالعائد - على هذا - مقدَّر ، أي : ما عملته ، وقوله : { مِنْ خَيْرٍ } حال ، إما من الموصول ، وإما من عائده ، ويجوز أن تكون \" مِنْ \" لبيان الجنسِ.\r","part":12,"page":335},{"id":5134,"text":"ويجوز أن تكون \" ما \" مصدرية ، ويكون المصدر - حينئذ - واقعاً موقع مفعول ، تقديره : يوم تجد كلُّ نفس عملها - أي : معمولها - فلا عائد حينئذ [ عند الجمهور ].\rقوله : { وَمَا عَمِلَتْ مِن سواء تَوَدُّ } يجوز في \" ما \" هذه أن تكون منسوقة على \" ما \" التي قبلها بالاعتبارين المذكورَيْن فيها - أي : وتجد الذي عملته ، أو وتجد عملها - أي : معمولها - من سوء. فإن جعلنا \" تَجِدُ \" متعدياً لاثنين ، فالثاني محذوف ، أي : وتجد الذي عملته من سوء محضراً ، أو وتجد عملها مُحْضَراً ، نحو علمت زيداً ذاهباً وبكراً - أي : وبكراً ذاهباً - فحذفت مفعوله الثاني ؛ للدلالة عليه بذكره مع الأول. وإن جعلناها متعدية لواحد ، فالحال من الموصول أيضاً - محذوفة ، أي : تجده محضراً - أى : في هذه الحال - وهذا كقولك : أكرمت زيداً ضاحكاً وعمراً - أي : وعمراً ضاحكاً - حذفت حال الثاني ؛ لدلالة حال الأول عليه- ، وعلى هذا فيكون في الجملة من قوله : \" تَوَدُّ \" وجهان : \rأحدهما : أن تكون في محل نصب على الحال من فاعل \" عَمِلَتْ \" ، أي : وما عملته حال كونها وَادَّةً ، أى : متمنِّيًَ البعد من السوءِ.\rوالثاني : أن تكون مستأنفةً ، أخبر الله تعالى عنها بذلك ، وعلى هذا لا تكونُ الآية دليلاً على القطع بوعيد المذنبين.\rووضع الكرم ، واللطف هذا ؛ لأنه نَصَّ في جانب الثوابِ على كونه مُحْضَراً ، وأما في جانب العقاب فلم ينصّ على الحضورِ ، بل ذكر أنهم يودون الفرار منه ، والبعد عنه ، وذلك بَيِّنٌ على أن جانب الوعد أولى بالوقوع من جانب الوعيدِ.\rويجوز أن تكون \" ما \" مرفوعة بالابتداء ، والخبر الجملة في قوله : \" تَوَدُّ \" ، أي : والذي عملته وعملها تود لو أن بينها وبينه أمداً بعيداً.\rوالضمير في \" بَيْنَهُ \" فيه وجهان : \rأحدهما - وهو الظاهر - عوده على \" مَا عَمِلَتْ \" ، وأعاده الزمخشري على \" الْيَوْم \".\r","part":12,"page":336},{"id":5135,"text":"قال أبو حيّان : \" وأبعد الزمخشري في عوده على \" اليوم \" ؛ لأن أحد القسمين اللذين أحْضِروا له في ذلك اليوم هو الخير الذي عمله ، ولا يطلب تباعد وقت إحضار الخير ، إلا بتجوُّز إذا كان يشتمل على الخير والشر ، فتود تباعده ؛ لتسلم من الشرِّ ، ودعه لا يحصل له الخير. والأولى عوده على { وَمَا عَمِلَتْ مِن سواء } ؛ لأنه أقربُ مذكورٍ ؛ ولأن المعنى أن السوء تَتَمَنَّى في ذلك اليوم التباعُدَ منه \".\rفإن قيل : هل يجوز أن تكون \" ما \" هذه شرطية ؟ \rفالجواب : أن الزمخشريَّ ، وابن عطية مَنَعَا من ذلك ، وَجَعَلا علة المنع عدم جزم الفعل الواقع جواباً ، وهو \" تَوَدُّ \".\rقال شهاب الدينِ : \" وهذا ليس بشيءٍ ؛ لأنهم نَصُّوا على أنه إذا وقع فعلُ الشرطِ ماضياً ، والجزاء مضارعاً جاز في ذلك المضارع وجهان - الجزم والرفع - وقد سُمِعَا من لسان العرب ، ومنه بيت زُهَيْر : [ البسيط ]\rوَإنْ أتَاهُ خَلِيلٌ يَوْمَ مَسْألةٍ... يَقُولُ : لاَ غَائِبٌ مَالِي وَلاَ حَرمُ\rومن الجزم قوله تعالى { مَن كَانَ يُرِيدُ الحياة الدنيا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ } [ هود : 15 ] ، وقوله : { مَن كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الآخرة نَزِدْ لَهُ } [ الشورى : 20 ] ، وقوله : { وَمَن كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدنيا نُؤْتِهِ مِنْهَا } [ الشورى : 20 ] فدل ذلك على أن المانع من شرطيتها ليس هو رَفْعَ تَودُّ \".","part":12,"page":337},{"id":5136,"text":"وأجاب ابو حيّان بأنها ليست شرطية - لا لما ذكر الزمخشريُّ وابن عطيّة - بل لعلَّةٍ أخرى ، قال : كنت سُئِلت عن قول الزمخشريِّ : فذكره ثم قال : ولنذكر هاهنا ما تمس إليه الحاجة بعد أن تقدم ما ينبغي تقديمه ، فنقول : إذا كان فعل الشرط ماضياً ، وبعده مضارع تتم به جملة الشرط والجزاء جاز في ذلك المضارع ، الجَزْمُ ، وجاز فيه الرفعُ ، مثال ذلك : إن قام زيد يَقُمْ - ويقوم عمرو ، فأما الجزم فعلى جواب الشرط ولا نعلم في جواز ذلك خلافاً ، وأنه فصيح ، إلا ما ذكره صاحب كتاب \" الإعراب \" عن بعض النحويين أنه لا يجيء في الكلام الفصيح ، وإنما يجيء مع \" كان \" كقوله تعالى : { مَن كَانَ يُرِيدُ الحياة الدنيا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ } [ هود : 15 ] ، لأنها أصل الأفعال ، ولا يجوز ذلك مع غيرها ، وظاهر كلام سيبويه ، وكلام الجماعة ، أنه لا يختص ذلك بـ \" كان \" بل سائر الأفعال في ذلك مثل \" كان \".\rوأنشد سيبويه للفرزدق : [ البسيط ]\rدَسَّتْ رَسُولاً بِأنَّ الْقَوْمَ إنْ قَدَرُوا... عَلَيْكَ يَشْفُوا صُدُوراً ذَاتَ تَوغِيرِ\rوقال أيضاً : [ الطويل ]\rتَعَالَ فَإنْ عَاهَدتنِي لا تَخُونُنِي... نَكُنْ مِثْلَ مَنْ يَا ذِئْبُ يَصْطَجِبَانِ\rوأما الرفع فإنه مسموع من لسان العرب كثيراً.\rقال بعض أصحابنا : هو أحسن من الجزم ، ومنه بيت زهير السابق. ومثله - أيضاً - قوله : [ الطويل ]\rوَإنْ شُلَّ رَيْعَانُ الْجَمِيع مَخَافَةً... نَقُولُ - جِهَاراً - وَيْلَكُمْ لا تُنَفِّرُوا\rوقال أبو صخر : [ الطويل ]\rوَلاَ بِالَّذِي إنْ بَانَ عَنْهُ حَبِيبُهُ... يَقُول - وَيُخْفِي - الصَّبْرَ - إنِّي لَجَازعُ\rوقال الآخر : [ الطويل ]\rوَإنْ بَعُدُوا لا يَأمَنُونَ اقْتِرَابَهُ... تَشَوُّفَ أهْلِ الْغَائِبِ الْمُتَنَظَّرِ\rوقال الآخر : [ الطويل ]\rفَإنْ كَانَ لا يُرْضِيكَ حَتَّى تَرُدَّنِي... إلَى قَطَرِيٍّ لا إخَالُكَ رَاضِيا\r","part":12,"page":338},{"id":5137,"text":"وقال الآخر : [ البسيط ]\rإنْ يُسْألُوا الْخَيْرَ يُعْطُوهُ وَإنْ خُبِرُوا... فِي الجَهْدِ أدْرَكَ مِنْهُمْ طيبُ أخْبَارِ\rقال شهاب الدين : \" هكذا ساق هذا البيتَ في جملة الأبيات الدالة على رفع المضارع ، ويدل على ذلك أنه قال - بعد إنشاده هذه الأبيات كلَّها- : فهذا الرفع - كما رأيت - كثير \".\rوهذا البيتُ ليس من ذلك ؛ لأن المضارع فيه مجزوم - وهو يُعْطُوه - وعلامة جزمهِ سقوط النون فكان ينبغي أن ينشده حين أنشد : دَسَّتْ رَسُولاً ، وقوله : \" تعال فإن عاهدتني \".\rوقال : فهذا الرفع كثير - كما رأيت - ونصوص الأئمة على جوازه في الكلام - وإن اختلفت تأويلاتُهم كما سنذكره - وقال صاحبنا أبو جعفر أحمد بن عبد النور بن رشيد المالقي - وهو مصنف كتاب رصف المباني - رحمه الله- : لا أعلم منه شيئاً جاء في الكلام ، وإذا جاء فقياسه الجزم ؛ لأنه أصل العمل في المضارع - تقدم الماضي أو تأخَّر - وتأوَّل هذا المسموعَ على إضْمَار الفاء ، وجملة مثل قول الشاعر : [ الرجز ]\r.............................. إنَّكَ إنْ يُصْرَعْ أخُوكَ تُصْرَعُ\rعلى مذهب من جعل الفاءَ منه محذوفة.\rوأما المتقدمون فاختلفوا في تخريج الرَّفعِ.\rفذهب سيبويه إلى أن ذلك على سبيل التقديم ، وأنَّ جوابَ الشرط ليس مذكوراً عِنْدَه ، وذهب المبردُ والكوفيون إلى أنه هو الجواب ، وإنما حُذِفَ منه الفاءُ ، والفاء يُرْفَع ما بعدها ، كقوله تعالى : { وَمَنْ عَادَ فَيَنْتَقِمُ الله مِنْهُ } [ المائدة : 95 ] فأعْطِيَتْ - في الإضمار - حكمَها في الإظهار.\r","part":12,"page":339},{"id":5138,"text":"وذهب غيرهما إلى أن المضارعَ هو الجوابُ بنفسه - أيضاً - كالقول قبله ، إلا أنه ليس معه فاء مقدرة قالوا : لكن لما كان فعلُ الشرط ماضياً ، لا يظهر لأداة الشرط فيه عملٌ ظاهِرٌ استضعفوا أداةَ الشرط ، فلم يُعْمِلُوها في الجواب ؛ لضَعْفِها ، فالمضارع المرفوع - عند هذا القائل - جواب بنفسه من غير نية تقديم ، ولا على إضمار الفاء ، وإنما لم يُجْزَم لما ذُكِر ، وهذا المذهب والذي قبله ضعيفان.\rوتلخص من هذا الذي قلناه - أن رَفْعَ المضارع لا يمنع أن يكون ما قبله شرطاً ، لكن امتنع أن يكون \" وما عملت \" شرطاً لعلة أخرى - لا لكون \" تَوَدُّ \" مرفوعاً ، وذلك على ما تقرَّر من مذهب سيبويه أن النية بالمرفوع التقديم ، وأنه - إذ ذاك - دليل على الجواب لا نفس الجواب ، فنقول : لما كان \" تَوَدُّ \" مَنوياً به التقديم أدَّى إلَى تقديم المُضْمَ رعلى ظاهرهِ في غير الأبوابِ المستثناة في العربية ، ألا ترى أن الضمير في قوله : \" وَبَيْنَه \" عائد على اسم الشرط - الذي هو \" ما \" - فيصير التقدير : تَوَدُّ كلُّ نفسٍ لو أن بينها وبينه أمداً بعيداً ما عملت من سوء ، فلزم هذا التقدير تقديم المضمر على الظاهر ، وذلك لا يجوز.\rفإن قلت : لم لا يجوز ذلك والضمير قد تأخَّر عن اسم الشرط وإن كانت نيتُه التقديمَ فقد حصل عَوْدُ الضمير على الاسم الظاهر قَبْلَه ، وذلك نظير : ضرب زيداً غلامُه ، فالفاعل رُتْبته التقديمُ ، ووجب تأخيره لصحة عود الضمير ؟ \r","part":12,"page":340},{"id":5139,"text":"فالجواب : أن اشتمال الدليل على ضمير اسم الشرط يوجب تأخيره عنه ؛ لعود الضمير ، فيلزم من ذلك اقتضاء جملة الشرط لجملة الدليل ، وجملة الشرط إنما تقتضي جملة الجزاء - لا دليله - ألا ترى أنها ليست بعاملة في جملة الدليل ؟ بل إنها تعمل في جملة الجزاء ، وجملة الدليل لا موضع لها من الإعراب ، وإذا كان كذلك تدافَع الأمر ؛ لأنها من حيث هي جملة دليل لا يقتضيها فعل شرط ، ومن حيث عَوْد الضمير على اسم الشرط اقتضاها ، فتدافَعَا ، وهذا بخلاف : ضرب زيد أخاه ؛ فإنها جملة واحدة ، والفعل عامل في الفاعل والمفعول معاً ، فكل واحد منهما يقتضي صاحبه ، ومن ذلك جاز - عند بعضهم - ضرب غلامُها هنداً ، لاشتراك الفاعل - المضاف إلى الضمير - والمفعول الذي عاد عليه الضمير - في العامل ، وامتنع ضرب غلامُها جازَ عنده ؛ لعدم الاشتراك في العامل ، ففرق ما بين المسألتين ، ولا يُحْفَظ من لسان العربِ : أوَدُّ لو أني أكْرمه أبا ضربتُ هِندٍ ؛ لأنه يلزم منه تقديم المُضْمَر على مفسِّره - في غير المواضع التي ذكرها النحويون - فلذلك لا يجوز تأخيره \" انتهى.\rوقد جوَّز ابو البقاء كونَها شرطية ، ولم يلتفت لما مَنَعُوا به ذلك ، فقال : \" والثاني - أنها شرط وارتفع \" تَوَدُّ \" على إرادة الفاء ، أي : فهو تود \".\rويجوز أن يرتفع من غير تقدير حذف ؛ لأن الشرط - هنا - ماضٍ ، وإذا لم يظهر في الشرط لفظ الجزم جاز في الجزاء الوجهان : الجزم والرفع.\r[ وقد تقدم تحقيق القول في ذلك ، فالظاهر موافقته للقول الثالث من تخريج الرفع في المضارع كما تقدم تحقيقه وقرأ... ] عبد الله وابن أبي عبلة : \" ودت \" - بلفظ الماضي - وعلى هذه القراءة يجوز في \" ما \" وجهان : \rأحدهما : أن تكون شرطية ، وفي محلها - حينئذ - احتمالان.\rالأول : النصب بالفعل بعدها ، والتقدير : أيَّ شيء عملت من سوء ودت ، ف \" وَدَّتْ \" جواب الشرط.\r","part":12,"page":341},{"id":5140,"text":"الثاني : الرفع على الابتداء ، والعائد على المبتدأ محذوف ، تقديره : وما عملته ، وهذا جائز في اسم الشرط خاصة عند افرّاء في فصيح الكلام ، أعني حذف عائد المبتدأ إذا كان منصوباً بفعل نحو : \" أيُّهُمْ ضرب أكرمه \" - برفع \" أيُّهم \" وإذا كان المبتدأ غير ذلك ضَعُفَ نحو : زيدٌ ضربت ، [ وسيأتي لهذه المسألة مزيد بيان في قراءة من قرأ : \" أفحكمُ الجاهلية يبغون \" ، وفي قوله : \" وكل وعد الله الحسنى \" في الحديد ].\rالوجه الثاني من وجهي \" ما \" : أن تكون موصولة ، بمعنى : الذي عملته من سوء ودت لو أن بينها وبينه أمدا بعيداً ، ومحلها - على هذا - رفع بالابتداءِ ، و\" وَدَّتْ \" الخبر ، وهو اختيار الزمخشريِّ ؛ لأنه قال : \" لكن الحمل على الابتداء والخبر أوْقَعُ في المعنى : لأنه حكاية الكائن في ذلك اليوم ، وأثبت ؛ لموافقة قراءة العامة \" انتهى.\rفإن قيل : لِمَ لَمْ يمتنع أن تكون \" ما \" شرطية على هذه القراءة ، كما امتنع ذلك فيها على قراءة العامة ؟ \rفالجواب : أن العلة إن كانت رفعَ الفعل ، وعدم جَزْمه - كما قال به الزمخشريّ وابن عطية - فهي مفقودة في هذه القراءة ؛ لأن الماضيَ مبني اللفظ ، لا يظهر فيه لأداة الشرط عملٌ وإن كانت العلة أن النية به التقديم ، فيلزم عَوْدُ الضميرِ على متأخِّرٍ لفظاً ورُتْبةًن فهي أيضاً مفقودة فيها ؛ إذ لا دَاعِيَ يدعو إلى ذلك.\rقوله - هنا - على بابها ، من كونها حرفاً لما كان سيقع لوقوعِ غيره ، وعلى هذا ففي الكلام حذفان : \rأحدهما : حذف مفعول \" تَوَدُّ \".\rوالثاني : حذف جواب \" لَوْ \" ، والتقدير فيها : تود تباعُدَ ما بينها وبينه لو أن بينها وبينه أمداً بعيداً لسُرَّت بذلك ، أو لفرحت ونحوه. والخلاف في \" لو \" بعد فعل الودادة وما بمعناه أنها تكون مصدرية كما تقدم تحريره في البقرة ، يبعد مجيئه هنا ؛ لأن بعدها حرفاً مصدرياً وهو \" أن \".\r","part":12,"page":342},{"id":5141,"text":"قال أبو حيان : ولا يباشر حرف مصدري حرفاً مصدرياً إلا قليلاً كقوله تعالى : { إِنَّهُ لَحَقٌّ مِّثْلَ مَآ أَنَّكُمْ تَنطِقُونَ } [ الذاريات : 23 ] ، قال شهاب الدين : إلا قليلاً يشعر بجوازه ، وهو لا يجوز ألبتة ، وأما الآية التي أوردها فقد مضى النحاة على أن ما زائدة.\rوقد تقدم الكلام في \" أنَّ \" الواقعة بعد \" لَوْ \" هذه ، هل محلها الرفع على الابتداء ، والخبر محذوفٌ - كما ذهب إليه سيبويه - أو أنها في محل رفع بالفاعلية بفعل مقدَّر ، أي : لو ثبت أن بينها وما قال الناس في ذلك وقد زعم بعضهم أن \" لو \" - هنا - مصدرية ، هي وما في حيزها من معنى المفعول لِ \" تَوَدُّ \" ، أي تود تباعد ما بينها وبينه ، وفي ذلك إشكال ، وهو دخول حرف مصدري على مثله ، لكن المعنى على تسلط الوداد على \" لو \" وما في حيِّزها لولا المانع الصناعي. والأمد : غاية الشيء ومنتهاه ، وجمعه آماد - نجو أجل وآجال - فأبدِلَت الهمزةُ ألِفاً ، لوقوعها ساكنةً بعد همزةِ \" أفعال \".\rقال الراغب : \" الأمَد والأبد متقاربان ، لكن الأبد عبارة عن مدة الزمانِ التي ليس لها حَدٌّ محدود ، وَلا يتقيد فلا يقال : أبَدَ كذا والأمد مدة لها حَدٌّ مجهول إذا أطلق ، وقد ينحصر إذا قيل : أمَد كذا ، كما يقال : زمان كذا ، والفرق بين الأمد والزمان ، أن الأمد يقال لاعتبار الغايةِ ، والزمان عام في المبدأ والغاية ولذلك قال بعضهم : المدى والأمد يتقاربان \". أ هـ {تفسير ابن عادل حـ 5 صـ 147 ـ 155}\rقوله تعالى : {والله رَءوفٌ بالعباد}\rقال الفخر : \rفيه وجوه\rالأول : أنه رؤوف بهم حيث حذرهم من نفسه ، وعرفهم كمال علمه وقدرته ، وأنه يمهل ولا يهمل ، ورغبهم في استيجاب رحمته ، وحذرهم من استحقاق غضبه ، قال الحسن : ومن رأفته بهم أن حذرهم نفسه\rالثاني : أنه رؤوف بالعباد حيث أمهلهم للتوبة والتدارك والتلافي","part":12,"page":343},{"id":5142,"text":"الثالث : أنه لما قال : {وَيُحَذّرُكُمُ الله نَفْسَهُ} وهو للوعيد أتبعه بقوله {والله رَءوفٌ بالعباد} وهو الموعد ليعلم العبد أن وعده ورحمته ، غالب على وعيده وسخطه\rوالرابع : وهو أن لفظ العباد في القرآن مختص ، قال تعالى : {وَعِبَادُ الرحمن الذين يَمْشُونَ على الأرض هَوْناً} [ الفرقان : 63 ] وقال تعالى : {عَيْناً يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ الله} [ الإنسان : 6 ] فكان المعنى أنه لما ذكر وعيد الكفار والفساق ذكر وعد أهل الطاعة فقال : {والله رَءوفٌ بالعباد} أي كما هو منتقم من الفساق ، فهو رؤوف بالمطيعين والمحسنين. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 8 صـ 15 ـ 16}\rوقال ابن عطية :\r{ والله رؤوف بالعباد } يحتمل أن يكون إشارة إلى التحذير لأن تحذيره وتنبيهه على النجاة رأفة منه بعباده ، ويحتمل أن يكون ابتداء إعلام بهذه الصفة فمقتضى ذلك التأنيس لئلا يفرط الوعيد على نفس مؤمن ، وتجيء الآية على نحو قوله تعالى : { إن ربك لشديد العقاب ، وإنه لغفور رحيم } [ الأعراف : 167 ] لأن قوله : { ويحذركم الله نفسه } [ آل عمران : 28 ] والله محذور العقاب. أ هـ {المحرر الوجيز حـ 1 صـ 421}","part":12,"page":344},{"id":5143,"text":"وقال أبو حيان : \r{ والله رؤوف بالعباد } لما ذكر صفة التخويف وكررها ، كان ذلك مزعجاً للقلوب ، ومنبهاً على إيقاع المحذور مع ما قرن بذلك من اطلاعه على خفايا الأعمال واحضاره لها يوم الحساب ، وهذا هو الاتصاف بالعلم والقدرة اللذين يجب أن يحذر لأجلهما ، فذكر صفة الرحمة ليطمع في إحسانه ، وليبسط الرجاء في أفضاله ، فيكون ذلك من باب ما إذا ذكر ما يدل على شدّة الأمر ، ذكر ما يدل على سعة الرحمة ، كقوله تعالى : { إن ربك لسريع العقاب وإنه لغفور رحيم } وتكون هذه الجملة أبلغ في الوصف من جملة التخويف ، لأن جملة التخويف جاءت بالفعل الذي يقتضي المطلق ولم يتكرر فيها اسم الله ، وجاء المحذر مخصوصاً بالمخاطب فقط ، وهذه الجملة جاءت اسمية ، فتكرر فيها اسم الله ، إذ الوصف محتمل ضميره تعالى ، وجاء المحكوم به على وزن فعول المقتضي للمبالغة والتكثير ، وجاء بأخص ألفاظ الرحمة وهو : رؤوف ، وجاء متعلقه عاماً ليشمل المخاطب وغيره ، وبلفظ العباد ليدل على الإحسان التام ، لأن المالك محسن لعبده وناظر له أحسن نظر ، إذ هو ملكه.\rقالوا : ويحتمل أن يكون إشارة إلى التحذير ، أي : إن تحذيره نفسه وتعريفه حالها من العلم والقدرة من الرأفة العظيمة بالعباد ، لأنهم إذا عرفوه حق المعرفة وحذروا دعاهم ذلك إلى طلب رضاه واجتناب سخطه.\rوعن الحسن : من رأفته بهم أن حذرهم نفسه ، وقال الحوفي : جعل تحذيرهم نفسه إياه ، وتخويفهم عقابه رأفة بهم ، ولم يجعلهم في عمىً من أمرهم.\rوروي عن ابن عباس هذا المعنى أيضاً ، والكلام محتمل لذلك ، لكن الأظهر الأول ، وهو أن يكون ابتداء إعلامه بهذه الصفة على سبيل التأنيس والإطماع لئلا يفرط الوعيد على قلب المؤمن. أ هـ {البحر المحيط حـ 2 صـ 448}\rفائدة\rقال البقاعى : ","part":12,"page":345},{"id":5144,"text":"والرأفة - يقول أهل المعاني - هي أرق الرحمة ، والذي يفصح عن المعنى - والله سبحانه وتعالى أعلم - أنها عطف العاطف على من يجد عنده منه وصلة ، فهي رحمة ذي الصلة بالراحم ، فمن تحقق أن الأمر لله سبحانه وتعالى وجد رفقه وفضله ورحمته عليه لما برىء من دعوى شيء من نسبة الخير إلى نفسه ، فأحبه لذلك ، قيل لأعرابي : إنك تموت وتبعث وترجع إلى الله ؟ فقال : أتهددونني بمن لم أر الخير قط إلا منه فلذلك إذا تحقق العبد ذلك من ربه أحبه بما وحّده وبما وجده في العاجلة فحماه أن يجد عمل نفسه في الآجلة - انتهى.\rوقد علم أن الآية من الاحتباك : التحذير أولاً دال على الوعد بالخير ثانياً ، والرأفة ثانياً دالة على الانتقام أولاً - والله سبحانه وتعالى الموفق. أ هـ {نظم الدرر حـ 2 صـ 61}\rلطيفة\rقال السمرقندى :\rذكر في أول هذه الآية عدله عز وجل في قوله : { يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَّا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُّحْضَرًا } ، وفي وسطها تخويف وتهديد وهو قوله { وَيُحَذّرُكُمُ الله نَفْسَهُ } وفي آخرها ذكر رأفته ورحمته وهو قوله { والله رَءوفٌ بالعباد }. أ هـ {بحر العلوم حـ 1 صـ 331}","part":12,"page":346},{"id":5145,"text":"من فوائد العلامة أبى السعود فى الآية\rقال رحمه الله :\r{ يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ } أي من النفوس المكلفة { مَّا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُّحْضَرًا } عندها بأمر الله تعالى وفيه من التهويل ما ليس في حاضراً { وَمَا عَمِلَتْ مِن سُوء } عطف على { مَّا عَمِلَتْ } والإحضار معتبرٌ فيه أيضاً إلا أنه خُص بالذكر في الخير للإشعار بكون الخير مراداً بالذات وكونِ إحضارِ الشر من مقتضيات الحكمة التشريعية { تَوَدُّ } عامل في الظرف والمعنى تود وتتمنى يوم تجد صحائفَ أعمالها من الخير والشر أن أجزِيتَها محْضَرة { لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ } أي بين ذلك اليوم { أَمَدَا بَعِيدًا } لشدة هوله وفي إسناد الود إلى كل نفس سواءٌ كان لها عملٌ سيء أو لا بل كانت متمحِّضةً في الخير من الدلالة على كمال فظاعةِ ذلك اليوم وهول مطلعِه ما لا يخفى ، اللهم إنا نعوذ بك من ذلك ويجوز أن يكون انتصابُ يومَ على المفعولية بإضمار اذكروا وتودّ إما حال من كل نفس أو استئنافٌ مبني على السؤال أي اذكروا يوم تجد كل نفس ما عملت من خير وشر محضراً وادّةً أن بينها وبينه أمداً بعيداً أو كأن سائلاً قال حين أمروا بذكر ذلك اليوم : فماذا يكون إذ ذاك ؟ قيل : تود لو أن بينها الخ أو { تَجِدُ } مقصورٌ على ما عملت من خير ، وتود خبرُ ما عملت من سوء ولا تكون ما شرطية لارتفاع تود وقرىء ودّت فحينئذ يجوز كونُها شرطيةً لكن الحمل على الخبر أوقعُ معنىً لأنها حكايةُ حالً ماضية وأوفقُ للقراءة المشهورة { وَيُحَذّرُكُمُ الله نَفْسَهُ } تكرير لما سبق وإعادة له لكن لا للتأكيد فقط بل لإفادة ما يفيده قوله عز وجل : { والله رَءوفٌ بالعباد } من أن تحذيرَه تعالى من رأفته بهم ورحمتِه الواسعةِ أو أن رأفته بهم لا تمنعُ تحقيقَ ما حذّرهُموه من عقابه وأن تحذيرَه ليس مبنياً على تناسي صفةِ الرأفة بل هو متحققٌ مع تحققها أيضاً كما في قوله تعالى : { ياأيها الإنسان مَا غَرَّكَ بِرَبّكَ الكريم } فالجملة على الأول اعتراضٌ ،","part":12,"page":347},{"id":5146,"text":"وعلى الثاني حال وتكرير الاسم الجليل لتربية المهابة. أ هـ {تفسير أبى السعود حـ 2 صـ 24}\rوقال ابن عاشور :\r{ يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ }\rجملة مستأنفة ، أصل نظم الكلام فيها : تود كل نفس لو أن بينها وبين ما عملت من سوء أمدا بعيدا يوم تجد ما عملت من خير محضرا. فقدم ظرفها على عامله على طريقة عربية مشهورة الاستعمال في أسماء الزمان ، إذ كانت هي المقصود من الكلام ، قضاء لحق الإيجاز بنسخ بديع. ذلك أنه إذا كان اسم الزمان هو الأهم في الغرض المسوق له الكلام ، وكان مع ذلك ظرفا لشيء من علائقه ، جيء به منصوبا على الظرفية ، وجعل معنى بعض ما يحصل منه مصوغا في صيغة فعل عامل في ذلك الظرف. أو أصل الكلام : يحضر لكل نفس يوم الإحضار ما عملت من خير وما عملت من سوء ، فتود في ذلك اليوم لو أن بينها وبين ما عملت من سوء أمدا بعيدا ، أي زمانا متأخرا ، وأنه لم يحضر ذلك اليوم. فالضمير في قوله وبينه على هذا يعود إلى ما عملت من سوء ، فحول التركيب ، وجعل تود هو الناصب ليوم ، ليستغني بكون ظرفا عن كونه فاعلا. أو يكون أصل الكلام : يوم تجد كل نفس ما عملت من خير ومن شر محضرا ، تود لو أن بينها وبين ذلك اليوم أمدا بعيدا ؛ ليكون ضمير بينه عائدا إلى يوم أي تود أنه تأخر ولم يحضر كقوله : {رَبِّ لَوْلا أَخَّرْتَنِي إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ} [المنافقون : 10] وهذا التحويل من قبيل قول امرئ القيس :\rيوما على ظهر الكثيب تعذرت ... علي وآلت حلفة لم تحلل","part":12,"page":348},{"id":5147,"text":"فإن مقصده ما حصل في اليوم ، ولكنه جعل الاهتمام بنفس اليوم ، لأنه ظرفه. ومنه ما يجيء في القرآن غير مرة ، ويكثر مثل هذا في الجمل المفصول بعضها عن بعض بدون عطف لأن الظرف والمجرور يشبهان الروابط ، فالجملة المفصولة إذا صدرت بواحد منها أكسبها ذلك نوع ارتباط بما قبلها : كما في هذه الآية ، وقوله تعالى : {إِذْ قَالَتِ امْرَأَتُ عِمْرَانَ} [آل عمران : 35] ونحوهما ، وهذا أحسن الوجوه في نظم هذه الآية وأومأ إليه في الكشاف .\rوقيل منصوب باذكر.\rوقيل متعلق بقوله : {الَمَصِيِرٌ} وفيه بعد لطول الفصل ، وقيل بقوله يحذركم وهو بعيد ، لأن التحذير حاصل من وقت نزول الآية ، ولا يحسن أن يجعل عامل الظرف في الآية التي قبل هذه لعدم التئام الكلام حق الالتئام.\rفعل الوجه الأول قوله تود هو مبدأ الاستئناف ، وعلى الوجوه الأخرى هو جملة حالية من قوله وما عملت من سوء.\rوقوله : {وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ} يجوز أن يكون تكريرا للتحذير الأول لزيادة التأكيد لقول لبيد :\rفتنازعا سبطا يطير ظلاله ... كدخان مشعلة يشب ضرامها\rمشمولة غلثت بنابت عرنج ... كدخان نار ساطع أسنامها\rويجوز أن يكون الأول تحذيرا من موالاة الكافرين ، والثاني تحذيرا من أن يجدوا يوم القيامة ما عملوا من سوء محضرا.\rوالخطاب للمؤمنين ولذلك سمى الموعظة تحذيرا : لأن المحذر لا يكون متلبسا بالوقوع في الخطر ، فإن التحذير تبعيد من الوقوع وليس انتشالا بعد الوقوع وذيله هنا بقوله : {وَاللَّهُ رَؤُوفٌ بِالْعِبَادِ} للتذكير بأن هذا التحذير لمصلحة المحذرين.","part":12,"page":349},{"id":5148,"text":"والتعريف في العباد للاستغراق : لأن رأفة الله شاملة لكل الناس مسلمهم وكافرهم {وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِمَا كَسَبُوا مَا تَرَكَ عَلَى ظَهْرِهَا مِنْ دَابَّةٍ} [فاطر : 45] {اللَّهُ لَطِيفٌ بِعِبَادِهِ} [الشورى : 19] وما وعيدهم إلا لجلب صلاحهم ، وما تنفيذه بعد فوات المقصود منه إلا لصدق كلماته ، وانتظام حكمته سبحانه. ولك أن تجعل أل عوضا عن المضاف إليه أي بعباده فيكون بشارة للمؤمنين. أ هـ {التحرير والتنوير حـ 3 صـ 77 ـ 78}\rموعظة\rقال فى روح البيان :\rاعلم ما يعمله الإنسان أو يقوله ينتفش فى صحائف النفوس السماوية وإذا تكرر صار ملكة راسخة لكنه مشغول عن تلك الهيآت الثابتة فى نفسه ونقوشها بالشواغل الحسية والوهمية والفكرية فإذا فارقت النفس الجسد وقامت قيامتها وجدت ما عملت من خير وشر محضرا لارتفاع الشواغل المانعة كقوله تعالى { أحصاه الله ونسوه } فإن كان شرا تتمنى البعد فيما بينها وما بين ذلك اليوم أو ذلك العمل لتعذبها به فتصير تلك الهيآت صورتها إن كانت راسخة والأصورة تعذبها وتعذبت بحسبها ومن الله العصمة\rفعلى العاقل أن يزكى نفسه عن الأخلاق الذميمة ويطهر قلبه عن لوث العلائق الدنيوية ويجتهد فى تحصيل مرضاة الله بالأعمال الصالحة والأقوال الحقة كى يجدها عند ربه يوم احتياجه ويفوز بالسعادة قال رسول الله صلى الله عليه وسلم \" يحشر الناس يوم القيامة أجوع ما كانوا قط وأظمأ ما كانوا قط وأعرى من كانوا قط وأنصب ما كانوا قط فمن أطعم الله أطعمه ومن سقى الله سقاه ومن كسا الله كساه ومن عمل لله كفاه \". {أخرجه الديلمى فى \"مسند الفردوس\" (5 / 468)}. أ هـ {روح البيان حـ 2 صـ 28 ـ 29}\rلطيفة\rقال الثعالبى :\rعن مَنْصُورِ بْنِ عَمَّار ؛ أنه قال : أعقلُ النَّاس مُحْسِنٌ خَائِفٌ ، وأجْهَلُ النَّاسِ مُسِيءٌ آمنٌ ، فلما سمع عَبْدُ المَلِكِ بْنُ مَرْوَان منْه هذا الكلامَ ؛ بكى حتى بَلَّ ثيابه ، ثم قال له : اتل عَلَيَّ ، يا مَنْصُورُ ، شَيْئاً منْ كتابِ اللَّهِ ، فتلا عليه : { يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَّا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُّحْضَراً... } الآيَةَ ، فَقَالَ عَبْدُ المَلِكِ : قَتَلْتَنِي ، يَا مَنْصُورُ ، ثُمَّ غُشِيَ عَلَيْهِ. أ هـ {الجواهر الحسان حـ 1 صـ 257}","part":12,"page":350},{"id":5150,"text":"من لطائف الإمام القشيرى فى الآية\rقوله جلّ ذكره : { يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَّا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُّحْضَرًا وَمَا عَمِلَتْ مِن سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَدَا بَعِيدًا }.\rوَدَّ أهل الطاعات أَنْ لو استكثروا منها ، ووَدَّ أهل المخالفات أَنْ لو كبحوا لجامهم عن الركض في ميادينهم ، قال قائلهم :\rولو إنني أُعْطِيتُ من دهري المُنَى... وما كلُّ مَنْ يُعْطَى المنى بِمُسَدَّدِ\rلَقُلْتَ لأيامٍ مَضَيْن : ألا ارجعي... وقلتُ لأيام أتيْن ألا ابعدي\rقوله جلّ ذكره : { وَيُحَذِّرُكُمُ اللهُ نَفْسَهُ وَاللهُ رَءُوفٌ بِالعِبَادِ }.\rالإشارة من قوله : { وَيُحَذِّرُكُمُ اللهُ نَفْسَه } للعارفين ، ومن قوله { وَاللهُ رَءُوفٌ بِالعِبَادِ } للمستأنفين ، فهؤلاء أصحاب العنف والعنوة ، وهؤلاء أصحاب التخفيف والسهولة.\rويقال لمَّا قال : { وَيُحَذِّرُكُمُ اللهُ نَفْسَه } اقتضى أسماع هذا الخطاب تحويلهم فقال مقروناً به { وَاللهُ رَءُوفٌ بِالعِبَادِ } لتحقيق تأميلهم ، وكذلك سُنَّتُه يطمعهم في عين ما يروعهم.\rويقال أفناهم بقوله { وَيُحَذِّركُمُ اللهُ نَفْسَهُ } ثم أحياهم وأبقاهم بقوله { وَاللهُ رَءُوفٌ بِالعِبَادِ }. أ هـ {لطائف الإشارات حـ 1 صـ 234}","part":12,"page":351},{"id":5151,"text":"قوله تعالى {قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (31)}\rمناسبة الآية لما قبلها\rقال البقاعى : \rولما فطمهم سبحانه وتعالى عن موالاة الكفار ظاهراً وباطناً بما اقتضى القصر على موالاة أهل الله لنفيه من تولي الكفر عن أن يكون في شيء من الله ، وكان الإنسان ربما وإلى الكافر وهو يدعي محبة الله سبحانه وتعالى ، وختم برأفته سبحانه وتعالى بعباده ، وكانت الرأفة قد تكون عن المحبة الموجبة للقرب ، فكان الإخبار بها ربما دعا إلى الاتكال ، ووقع لأجله الاشتباه في الحزبين ، جعل لذلك سبحانه وتعالى علامه فقال : {قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي}","part":12,"page":352},{"id":5152,"text":"وقال الحرالي : لما كان أعظم ما يترامى إليه مقامات السالكين إلى الله سبحانه وتعالى القاصدين إليه من مبدإ حال الذكر الذي هو منتهى المقامات العشر المترتبة في قوله سبحانه وتعالى {إن المسلمين} محبة الله سبحانه وتعالى بما أن المحبة وصلة خفية يعرف الحاس بها كنهها ، أقام سبحانه وتعالى الحجة على المترامين لدعوى القرب من الله والادعاء في أصل ما يصل إليه القول من محبته بما أنبأنهم أن من انتهى إلى أن يحب الله سبحانه وتعالى فليتبع هذا النبي الذي أحبه الله سبحانه وتعالى فمن اتبعه أحبه الله ، فقامت بذلك الحجة على كل قاصد وسالك ومتقرب ، فإن نهاية الخلق أن يحبوا الله ، وعناية الحق أن يحب العبد ، فرد سبحانه وتعالى جميع من أحاط به الاصطفاء والاجتباء والاختصاص ، ووجههم إلى وجهة الاتباع لحبيبه الذي أحبه ، كما قال صلى الله عليه وسلم \" لو أن موسى بين أظهركم ما وسعه إلا اتباعي \" وإذا كان ذلك في موسى عليه الصلاة والسلام كان في المنتحلين لملته ألزم بما هم متبعون لمتبعه عندهم ، وأصل ذلك أنه صلى الله عليه وسلم لما كان في في الأبد وجب أن يكون النهاية في المعاد ، فألزم الله سبحانه وتعالى على الخليقة ممن أحب الله سبحانه وتعالى أن يتبعوه ، وأجرى ذلك على لسان إشعاراً بما فيه من الخير والوصول إلى الله سبحانه وتعالى من حيث إنه نبي البشرى ، وليكون ذلك أكظم لمن أبى اتباعه - انتهى ، فقال سبحانه وتعالى - : {قل إن كنتم تحبون الله} أي المحيط بصفات الكمال مخلصين في حبه لاعتقاد أنه على غاية الكمال ، فإن الكمال محبوب لذاته {فاتبعوني} قال الحرالي : قد فسر صلى الله عليه وسلم ظاهر اتباعه فقال \" في البر \" وأصل حقيقته الإيمان بالله والإيثار لعباده ، والتقوى وهي ملاك الأمر وأصل الخير ، وهي إطراح استغناء العبد بشيء من شأنه ، لا من مِلك ولا من مُلك ولا من فعل ولا من وصف ولا من ذات حتى يكون عنده كما هو عند ربه في أزله قبل أن","part":12,"page":353},{"id":5153,"text":"يكون موجوداً لنفسه ليكون أمره كله بربه في وجوده كما كان أمره بربه قبل وجوده لنفسه ، وقد فسر حق التقاة التي هي غاية التقوى بأن يكون العبد يشكر فلا يكفر ، ويذكر فلا ينسى ، ويطيع فلا يعصى - انتهى.\rقال الإمام : المحبة توجب إقبال بالكلية على المحبوب والإعراض عن غيره - انتهى.\rفمن ادعى محبته وخالف سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم فهو كذاب ، وكتاب الله سبحانه وتعالى يكذبه {يحببكم الله} أي الذي له الأسماء الحسنى والصفات العلى حباً ظهرت أماراته بما أعلم به الفك ، فإن الأمر المنجي غاية النجاة إنما هو محبة الله سبحانه وتعالى للعبد ، لا محبة العبد لله ، فإنه ربما كانت له حالة يظن بها أنه يحب الله والواقع أنه ليس كما ظن لكونه يعمل بما يسخطه سبحانه وتعالى ، والأمارة الصحيحة لذلك رد الأمر كله إلى الله ، وحينئذ يفعل الله مع العبد فعل المحب من حسن الثناء والإكرام بالثواب.\rقال الحرالي : فإن من رد الأمانة إلى الله سبحانه وتعالى أحبه الله فكان سمعه وبصره ويده ورجله ، وإذا أحب الله عبداً أراحه وأنقذه من مناله في أن يكون هو يحب الله ، فمن أحب الله وله ، ومن أحبه الله سكن ي ابتداء عنايته وثبته الله سبحانه وتعالى - انتهى.\rفقد أشار سبحانه وتعالى إلى أن الدلالة الناشئة عن الرافة من الإكرام بالنعم من الهداية بالبيان والإبلاغ في الإحسان عامة للمحبوب وغيره ، وأن الدليل على المحبة الإلهية هو الاتباع الداعي \" اعملوا فكل ميسر لما خلق له فأما من كان من أهل السعادة فييسر لعمل أهل السعادة ، وأما من كان من أهل الشقاوة فييسر لعمل أهل الشقاوة \" \" ما تقرب المتقربون إليّ بمثل أداء ما افترضته عليهم ، ولا يزال العبد يتقرب إليّ بالنوافل حتى أحبه \".\r","part":12,"page":354},{"id":5154,"text":"ولما كان الدين شديداً لن يشاده أحد إلا غلبه ، لما عليه العبد من العجز والمعبود من عظيم الأمر أتبع ذلك الإعلام بأنه مع إيصال الثواب يرفع العقاب فقال - وقال الحرالي : ولما كان من آية حب الله له صلى الله عليه وسلم ما أنزل عليه من قوله : {إنا فتحنا لك فتحاً مبيناً ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر} [ الفتح : 1 2 ] أجرى لمن أحبه الله باتباعه حظ منه في قوله - : {ويغفر لكم ذنوبكم} أي مطلقاً ، وذنب كل عبد بحسبه ، لأن أصل معنى الذنب أدنى مقام العبد ، فكل ذي مقام أعلاه حسنته وأدناه ذنبه ، ولذلك في كل مقام توبة ، حتى تقع التوبة من التوبة فيكمل الوجود والشهود.\rولما كان هذا الأمر من أخص ما يقع ، وكان مما دونه مقامات خواص الخلق فيما بين إسلامهم إلى محبتهم لله سبحانه وتعالى ختم تعالى بما يفهم أحوال ما يرجع إلى من دون هذا الكمال فقال : {والله} أي الذي له الكمال كله {غفور رحيم} أي لمن لم ينته لرتبة حب الله له بما يقع في أثناء أحواله من موجب المغفرة واستدعاء الرحمة حيث لم يصل إلى المحبة ، فمرحوم بعد مغفرة وهو القاصد ، ومغفور بعد محبة وهو الواصل - انتهى. أ هـ {نظم الدرر حـ 2 صـ 61 ـ 64}\rوقال ابن عاشور : \r{قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ} [31].ا","part":12,"page":355},{"id":5155,"text":"انتقال إلى الترغيب بعد الترهيب على عادة القرآن. والمناسبة أن الترهيب المتقدم ختم بقوله {وَاللَّهُ رَؤُوفٌ بِالْعِبَادِ} [آل عمران : 30] والرأفة تستلزم محبة المرؤوف به الرؤف ، فجعل محبة الله فعلا للشرط في مقام تعليق الأمر باتباع الرسول عليه مبني على كون الرأفة تستلزم المحبة ، أو هو مبني على أن محبة الله أمر مقطوع به من جانب المخاطبين ، فالتعليق عليه تعليق شرط محقق ، ثم رتب على الجزاء مشروط آخر وهو قوله : {يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ} لكونه أيضا مقطوع الرغبة من المخاطبين ، لأن الخطاب للمؤمنين ، والمؤمن غاية قصده تحصيل رضا الله عنه ومحبته إياه. أ هـ {التحرير والتنوير حـ 3 صـ 78}\rفصل\rقال الفخر : \rاعلم أنه تعالى لما دعا القوم إلى الإيمان به ، والإيمان برسله على سبيل التهديد والوعيد ، دعاهم إلى ذلك من طريق آخر وهو أن اليهود كانوا يقولون {نَحْنُ أَبْنَاءُ الله وَأَحِبَّاؤُهُ} [ المائدة : 18 ] فنزلت هذه الآية ، ويروى أنه صلى الله عليه وسلم وقف على قريش وهم في المسجد الحرام يسجدون للأصنام فقال : \" يا معشر قريش والله لقد خالفتم ملة إبراهيم ، \" فقالت قريش : إنما نعبد هذه حباً لله تعالى ليقربونا إلى الله زلفى ، فنزلت هذه الآية ، ويروى أن النصارى قالوا : إنما نعظم المسيح حباً لله ، فنزلت هذه الآية ، وبالجملة فكل واحد من فرق العقلاء يدعي أنه يحب الله ، ويطلب رضاه وطاعته فقال لرسوله صلى الله عليه وسلم : قل إن كنتم صادقين في ادعاء محبة الله تعالى فكونوا منقادين لأوامره محترزين عن مخالفته ، وتقدير الكلام : أن من كان محباً لله تعالى لا بد وأن يكون في غاية الحذر مما يوجب سخطه ، وإذا قامت الدلالة القاطعة على نبوّة محمد صلى الله عليه وسلم وجبت متابتعه ، فإن لم تحصل هذه المتابعة دلّ ذلك على أن تلك المحبة ما حصلت. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 8 صـ 16}\rوقال القرطبى : ","part":12,"page":356},{"id":5156,"text":"الآية نزلت في وفد نَجران إذْ زعموا أن ما ادعوه في عيسى حُبٌّ لله عز وجل ؛ قاله محمد بن جعفر بن الزبير.\rوقال الحسن وابن جُريج : نزلت في قوم من أهل الكتاب قالوا : نحن الذين نُحِبّ ربنا.\rوروي أن المسلمين قالوا : يا رسول الله ، واللَّهِ إنا لنُحِب ربنا ؛ فأنزل الله عز وجل : { قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ الله فاتبعوني }.\rقال ابن عرفة : المحبّة عند العرب إرادةُ الشيء على قصد له.\rوقال الأزهري : محبة العبد لله ورسوله طاعته لهما واتباعه أمرهما ؛ قال الله تعالى : { قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ الله فاتبعوني }.\rومحبة الله للعباد إنعامه عليهم بالغفران ؛ قال الله تعالى : { فَإِنَّ الله لاَ يُحِبُّ الكافرين } [ آل عمران : 32 ] أي لا يغفر لهم.\rوقال سهل بن عبد الله : علامة حُبِّ الله حب القرآن ، وعلامة حب القرآن حب النبيّ صلى الله عليه وسلم ، وعلامة حب النبيّ صلى الله عليه وسلم حب السنة ، وعلامة حب الله وحب القرآن وحب النبيّ وحب السنة حب الآخرة ، وعلامة حب الآخرة أن يحب نفسه ، وعلامة حب نفسِه أن يبغض الدنيا ، وعلامة بغض الدنيا ألا يأخذ منها إلا الزّاد والبُلْغَة.\rوروى أبو الدرْداء.\r\" عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في قوله تعالى : { قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ الله فاتبعوني يُحْبِبْكُمُ الله } قال : \"على البِر والتقوى والتواضع وذلة النفس\" \" خرّجه أبو عبد الله الترمَذِيّ.\rوروي عن النبيّ صلى الله عليه وسلم أنه قال : \" من أراد أن يحِبه الله فعليه بصدق الحديث وأداء الأمانة وألاّ يؤذي جاره \"","part":12,"page":357},{"id":5157,"text":"وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : \" إن الله إذا أحب عبداً دعا جبريل فقال إني أُحِبُّ فلاناً فأحِبه قال فيحِبه جبريل ثم ينادي في السماء فيقول إنّ الله يحب فلاناً فأحِبوه فيحِبه أهل السماء قال ثم يوضع له القبول في الأرض ، وإذا أبغض عبداً دعا جبريل فيقول إني أبغض فلاناً فأبغِضه قال فيبغِضه جبريل ثم ينادِي في أهل السماء إن الله يُبغِض فلاناً فأبغضوه قال فيبغِضونه ثم توضع له البغضاء في الأرض \". أ هـ {تفسير القرطبى حـ 4 صـ 60 ـ 61}\rقال الطبرى : \rقال أبو جعفر : وأولى القولين بتأويل الآية ، قولُ محمد بن جعفر بن الزبير. لأنه لم يجر لغير وفد نجرانَ في هذه السورة ولا قبل هذه الآية ، ذكرُ قوم ادَّعوا أنهم يحبُّون الله ، ولا أنهم يعظمونه ، فيكون قوله.\"إن كنتم تحبون الله فاتبعوني\" جوابًا لقولهم ، على ما قاله الحسن.\rوأمّا ما روى الحسن في ذلك مما قد ذكرناه ، فلا خبر به عندنا يصحّ ، فيجوز أن يقال إنّ ذلك كذلك ، وإن لم يكن في السورة دلالة على أنه كما قال. إلا أن يكون الحسن أرادَ بالقوم الذين ذكر أنهم قالوا ذلك على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وفدَ نَجران من النصارى ، فيكون ذلك من قوله نظير اختيارنا فيه.\rفإذْ لم يكن بذلك خبر على ما قلنا ، ولا في الآية دليلٌ على ما وصفنا ، فأولى الأمور بنا أن نُلحق تأويله بالذي عليه الدّلالة من آي السورة ، وذلك هو ما وصفنا. لأن ما قبل هذه الآية من مبتدأ هذه السورة وما بعدها ، خبرٌ عنهم ، واحتجاجٌ من الله لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم ، ودليل على بُطول قولهم في المسيح. فالواجب أن تكون هي أيضًا مصروفةَ المعنى إلى نحو ما قبلها ومعنى ما بعدها.\r","part":12,"page":358},{"id":5158,"text":"قال أبو جعفر : فإذْ كان الأمر على ما وصفنا ، فتأويلُ الآية : قل ، يا محمد ، للوفد من نصارى نجران : إن كنتم كما تزعمون أنكم تحبون الله ، وأنكم تعظمون المسيح وتقولون فيه ما تقولون ، حبًّا منكم ربَّكم فحققوا قولكم الذي تقولونه ، إن كنتم صادقين ، باتباعكم إياي ، فإنكم تعلمون أني لله رسولٌ إليكم ، كما كان عيسى رسولا إلى من أرسل إليه ، فإنه إن اتبعتموني وصدّقتموني على ما أتيتكم به من عند الله يغفرُ لكم ذنوبكم ، فيصفح لكم عن العقوبة عليها ، ويعفو لكم عما مضى منها ، فإنه غفور لذنوب عباده المؤمنين ، رحيمٌ بهم وبغيرهم من خلقه. أ هـ {تفسير الطبرى حـ 6 صـ 324 ـ 325}\rفائدة\rقال السمرقندى : \rويقال : الحب من الله عصمته وتوفيقه ، والحب من العباد طاعة كما قال القائل : \rتَعْصي الإله وَأَنْتَ تُظْهِرُ حُبَّه.\r.. هَذَا لَعَمْرِي في القِيَاسِ بديعُ\rلَوْ كَانَ حُبُّكَ صَادِقاً لأَطَعْتَه.\r.. إِنَّ المُحِبَّ لِمَنْ يُحِبُّ مُطيعُ. أ هـ {بحر العلوم حـ 1 صـ 232}\rفصل\rقال الفخر : \rالمتكلمون مصرون على أن محبة الله تعالى عبارة عن محبة إعظامه وإجلاله ، أو محبة طاعته ، أو محبة ثوابه ، قالوا : لأن المحبة من جنس الإرادة ، والإرادة لا تعلق لها إلا بالحوادث وإلا بالمنافع.","part":12,"page":359},{"id":5159,"text":"واعلم أن هذا القول ضعيف ، وذلك لأنه لا يمكن أن يقال في كل شيء إنه إنما كان محبوباً لأجل معنى آخر وإلا لزم التسلسل والدور ، فلا بد من الانتهاء إلى شيء يكون محبوباً بالذات ، كما أنا نعلم أن اللذة محبوبة لذاتها ، فكذلك نعلم أن الكمال محبوب لذاته ، وكذلك أنا إذا سمعنا أخبار رستم واسفنديار في شجاعتهما مال القلب إليهما مع أنا نقطع بأنه لا فائدة لنا في ذلك الميل ، بل ربما نعتقد أن تلك المحبة معصية لا يجوز لنا أن نصر عليها ، فعلمنا أن الكمال محبوب لذاته ، كما أن اللذة محبوبة لذاتها ، وكمال الكمال لله سبحانه وتعالى ، فكان ذلك يقتضي كونه محبوباً لذاته من ذاته ومن المقربين عنده الذين تجلى لهم أثر من آثار كماله وجلاله قال المتكلمون : وأما محبة الله تعالى للعبد فهي عبارة عن إرادته تعالى إيصال الخيرات والمنافع في الدين والدنيا إليه. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 8 صـ 16}\rفائدة\rقال ابن عطية : \rومحبة الله للعبد أمارتها للمتأمل أن يرى العبد مهدياً مسدداً ذا قبول في الأرض ، فلطف الله بالعبد ورحمته إياه هي ثمرة محبته ، وبهذا النظر يتفسر لفظ المحبة حيث وقعت من كتاب الله عز وجل. أ هـ {المحرر الوجيز حـ 1 صـ 422}\rفصل\rقال ابن عاشور : \rالمحبة : انفعال نفساني ينشأ عند الشعور بحسن شيء : من صفات ذاتية. أو إحسان ، أو اعتقاد أنه يحب المستحسن ويجر إليه الخير. فإذا حصل ذلك الانفعال عقبه ميل وانجذاب إلى الشيء المشعور بمحاسنه ، فيكون المنفعل محبا ، ويكون المشعور بمحاسنه محبوبا ، وتعد الصفات التي أوجبت هذا الانفعال جمالا عند المحب ، فإذا قوي هذا الانفعال صار تهيجا نفسانيا ، فسمي عشقا للذوات ، وافتنانا بغيرها.","part":12,"page":360},{"id":5160,"text":"والشعور بالحسن الموجب للمحبة يستمد من الحواس في إدراك المحاسن الذاتية المعروفة بالجمال ، ويستمد أيضا من التفكر في الكمالات المستدل عليها بالعقل وهي المدعوة بالفضيلة ، ولذلك يحب المؤمنون الله تعالى ، ويحبون النبي صلى الله عليه وسلم ، تعظيما للكمالات ، واعتقادا بأنهما يدعوانهم إلى الخير ، ويحب الناس أهل الفضل الأولين كالأنبياء والحكماء والفاضلين ، ويحبون سعاة الخير من الحاضرين وهم لم يلقوهم ولا رأوهم.\rويرجع الجمال والفضيلة إلى إدراك النفس ما يلائمها : من الأشكال ، والأنغام ، والمحسوسات ، والخلال. وهذه الملاءمة تكون حسية لأجل مناسبة الطبع كملاءمة البرودة في الصيف ، والحر في الشتاء ، وملاءمة اللين لسليم الجلد ، والخشن لمن به داعي حكة ، أو إلى حصول منافع كملاءمة الإحسان والإغاثة. وتكون فكرية لأجل غايات نافعة كملاءمة الدوام للمريض ، والتعب لجاني الثمرة ، والسهر للمتفكر في العلم ، وتكون لأجل الإلف ، وتكون لأجل الاعتقاد المحض ، كتلقي الناس أن العلم فضيلة ، ويدخل في هذين محبة الأقوام عوائدهم من غير تأمل في صلاحها ، وقد تكون مجهولة السبب كملاءمة الأشكال المنتظمة للنفوس وملاءمة الألوان اللطيفة.\rوفي جميع ذلك تستطيع أن تزيد اتضاحا بأضدادها كالأشكال الفاسدة ، والأصوات المنكرة ، والألوان الكريهة ، دائما ، أو في بعض الأحوال ، كاللون الأحمر يراه المحموم.\rولم يستطع الفلاسفة توضيح علة ملاءمة بعض ما يعبر عنه بالجمال للنفوس : ككون الذات جميلة أو قبيحة الشكل ، وكون المربع أو الدائرة حسنا لجئ النفس ، والشكل المختل قبيحا ، ومع الاعتراف باختلاف الناس في بعض ما يعبر عنه بالجمال والقبح كما قال أبو الطيب : \rضروب الناس عشاق ضروبا\rوأن بعض الناس يستجيد من الملابس ما لا يرضى به الآخر ويستحسن من الألوان ما يستقبحه الآخر ، ومع ذلك كله فالمشاهد أن معظم الأحوال لا يختلف فيها الناس السالم والأذواق.\r","part":12,"page":361},{"id":5161,"text":"فأما المتقدمون فقال سقراط : سبب الجمال حب النفع ، وقال أفلاطون : الجمل أمر إلهي أزلي موجود في عالم العقل غير قابل للتغير قد تمتعت الأرواح به قبل هبوطها إلى الأجسام فلما نزلت إلى الأجسام صارت مهما رأت شيئا على مثال ما عهدته في العوالم العقلية وهي عالم المثال مالت إليه لأنه مألوفها من قبل هبوطها. وذهب الطبائعيون : إلى أن الجمال شيء ينشأ عندنا الإحساس بالحواس. ورأيت في كتاب \"جامع أسرار الطب\" للحكيم عبد الملك ابن زهر القرطبي العشق الحسي إنما هو ميل النفس إلى الشيء الذي تستحسنه وتستلذه ، وذلك أن الروح النفساني الذي مسكنه الدماغ قريب من النور البصري الذي يحيط بالعين ومتصل بمؤخر الدماغ وهو الذكر فإذا نظرت العين إلى الشيء المستحسن انضم النوري البصري وارتعد فبذلك الانضمام والارتعاد يتصل بالروح النفساني فيقلبه قبولا حسنا ثم يودعه الذكر فيوجب ذلك المحبة. ويشترك أيضا بالروح الحيواني الذي مسكنه القلب لاتصاله بأفعاله في الجسد كله فحينئذ تكون الفكرة والهم والسهر.\rوالحق أن منشأ الشعور بالجمال قد يكون عن الملائم ، وعن التأثر العصبي ، وهو يرجع إلى الملائم أيضا كتأثر المحموم باللون الأحمر ، وعن الإلف والعادة بكثرة الممارسة ، وهو يرجع إلى الملائم كما قال ابن الرومي : \rوحبب أوطان الرجال إليهم ... مآرب قضاها الشباب هنالك\rإذا ذكروا أوطانهم ذكرتهم ... عهود الصبا فيها فحنوا لذلك\rوعن ترقب الخير والمنفعة وهو يرجع إلى الملائم ، وعن اعتقاد الكمال والفضيلة وهو يرجع إلى المألوف الراجع إلى الممارسة بسبب ترقب الخير من صاحب الكمال والفضيلة.\rووراء ذلك كله شيء من الجمال ومن المحبة لا يمكن تعليله وهو استحسان الذوات الحسنة واستقباح الأشياء الموحشة فنرى الطفل الذي لا إلف له بشيء ينفر من الأشياء التي نراها وحشة.\r","part":12,"page":362},{"id":5162,"text":"وقد اختلف المتقدمون في أن المحبة والجمال هل يقصران على المحسوسات : فالذين قصروهما على المحسوسات لم يثبتوا غير المحبة المادية ، والذين لم يقصروهما عليها أثبتوا المحبة الرمزية ، أعني المتعلقة بالأكوان غير المحسوسة كمحبة العبد لله تعالى ، وهذا هو الحق ، وقال به من المتقدمين أفلاطون ، ومن المسلمين الغزالي وفخر الدين وقد أضيفت هذه المحبة إلى أفلاطون ، فقيل محبة أفلاطونية : لأنه بحث عنها وعللها فإننا نسمع بصفات مشاهير الرجال مثل الرسل وأهل الخير والذين نفعوا الناس ، والذين اتصفوا بمحامد الصفات كالعلم والكرم والعدل ، فنجد من أنفسنا ميلا إلى ذكرهم ثم يقوى ذلك الميل حتى يصير محبة منا إياهم مع أننا ما عرفناهم ، ألا ترى أن مزاولة كتب الحديث والسيرة مما يقوي محبة المزاول في الرسول صلى الله عليه وسلم ، وكذلك صفات الخالق تعالى ، لما كانت كلها كمالات وإحسانا إلينا وإصلاحا لفاسدنا ، أكسبنا اعتقادها إجلالا لموصوفها ، ثم يذهب ذلك الإجلال يقوى إلى أن يصير محبة وفي الحديث ثلاث من كن فيه وجد حلاوة لإيمان : أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما ، وأن يحب المرء لا يحبه إلا لله ، وأن يكره أن يعود في الكفر كما يكره أن يقذف في النار فكانت هذه الثلاثة من قبيل المحبة ولذلك جعل عندها وجدان حلاة الإيمان أي وجدانه جميلا عند معتقده.\rفأصحاب الرأي الأول يرون تعليق المحبة بذات الله في هذه الآية ونحوها مجازا بتشبيه الرغبة في مرضاته بالمحبة ، وأصحاب الرأي الثاني يرونه حقيقة وهو الصحيح.\rومن آثار المحبة تطلب القرب من المحبوب والاتصال به واجتناب فراقه. ومن آثارها محبة ما يسره ويرضيه ، واجتناب ما يغضبه ، فتعليق لزوم اتباع الرسول على محبة الله تعالى لأن الرسول دعا إلى ما يأمر الله به وإلى إفراد الوجهة إليه ، وذلك كمال المحبة.","part":12,"page":363},{"id":5163,"text":"وأما إطلاق المحبة في قوله : {يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ} فهو مجاز لا محالة أريد به لازم المحبة وهو الرضى وسوق المنفعة ونحو ذلك من تجليات لله يعلمها سبحانه. وهما المعبر عنهما بقوله : {يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ} فإن ذلك دليل المحبة وفي القرآن {وَقَالَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ بِذُنُوبِكُمْ} [المائدة : 18].\rوتعليق محبة الله إياهم على {فٌَاتَبُعُونِيُِ} المعلق على قوله : {إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ} ينتظم منه قياس شرطي اقتراني. ويدل على الحب المزعوم إذا لم يكن معه اتباع الرسول فهو حب كاذب ، لأن المحب لمن يحب مطيع ، ولأن ارتكاب ما يكرهه المحبوب إغاضة له وتلبس بعدوه وقد قال أبو الطيب : \rأأحبه وأحب فيه ملامة ... إن الملامة فيه من أعدائه\rفعلم أن حب العدو لا يجامع الحب وقد قال العتابي : \rتود عدوي ثم تزعم أنني ... صديقك ليس النوك عنك بعازب. أ هـ {التحرير والتنوير حـ 3 صـ 78 ـ 82}\rفوائد لغوية\rقال ابن عادل : \rقرأ العامة \" تُحِبُّونَ \" - بضم حرف المضارعة ، من \" أحَبَّ \" وكذلك { يُحْبِبْكُمُ الله }.\rوقرأ ابو رجاء العُطَارِديّ \" تَحِبُّون ، يَحْبِبْكم \" بفتح حرف المضارعة - من حَبَّ - وهما لغتان ، يقال حَبَّه يَحُبُّه - بضم الحاء وكسرها في المضارع - وأحَبَّهُ يُحبُّهُ.\rوحكى أبو زيد : حَبَبْتُهُ ، أحِبُّه.\rوأنشد : \rفَوَاللهِ لَوْلاَ ثُمْرُهُ مَا حَبَبْتُهُ... وَلاَ كَانَ أدْنَى مِنْ عُوَيفٍ وَمُشرِقِ\rونقل الزمخشريُّ : قراءة يحبكم - بفتح الياء والإدغام - وهو ظاهر ، لأنه متى سكن المثلين جَزْماً ، أو وقْفاً جاز فيه لغتان : الفك والإدغام. وسيأتي تحقيق ذلك إن شاء الله في المائدة.\rوالحُبّ : الخَابِيَة - فارسيّ مُعَرَّب - والجمع : حِباب وحِبَبَة ، حكاه الجوهريُّ.","part":12,"page":364},{"id":5164,"text":"وقرأ الجمهور \" فَاتَّبِعُونِي \" بتخفيف النون ، وهي للوقاية.\rوقرأ الزُّهري بتشديدها ، وخُرِّجَتُ على أنه ألحق الفعل نون التأكيد ، وأدغمها في نون الوقاية وكان ينبغي له أن يحذف واوَ الضمير ؛ لالتقاء الساكنين ، إلا أنه شبَّه ذلك بقوله : { أتحاجوني } وهو توجيه ضعيف ولكن هو يصلح لتخريج هذا الشذوذ.\rوطعن الزجاجُ على من روى عن أبي عمرو إدغام الراء من \" يغفر \" في لام \" لكم \".\rوقال : هو خطأ وغلط على أبي عمرو. وقد تقدم تحقيقه ، وأنه لا خطأ ولا غلط ، بل هو لغة للعرب ، نقلها الناس ، وإن كان البصريون لا يُجِيزون ذلك كما يقول الزجاج. أ هـ {تفسير ابن عادل حـ 5 صـ 156 ـ 157}\rفصل\rقال الفخر : \rالقوم كانوا يدعون أنهم كانوا محبين لله تعالى ، وكانوا يظهرون الرغبة في أن يحبهم الله تعالى ، والآية مشتملة على أن الإلزام من وجهين\rأحدهما : إن كنتم تحبون الله فاتبعوني ، لأن المعجزات دلّت على أنه تعالى أوجب عليكم متابعتي\rالثاني : إن كنتم تحبون أن يحبكم الله فاتبعوني لأنكم إذا اتبعتموني فقد أطعتم الله ، والله تعالى يحب كل من أطاعه ، وأيضاً فليس في متابعتي إلا أني دعوتكم إلى طاعة الله تعالى وتعظيمه وترك تعظيم غيره ، ومن أحب الله كان راغباً فيه ، لأن المحبة توجب الإقبال بالكلية على المحبوب ، والإعراض بالكلية عن غير المحبوب. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 8 صـ 16 ـ 17}\rفصل\rقال الفخر : ","part":12,"page":365},{"id":5165,"text":"خاض صاحب \"الكشاف\" في هذا المقام في الطعن في أولياء الله تعالى وكتب ههنا ما لا يليق بالعاقل أن يكتب مثله في كتب الفحش فهب أنه اجترأ على الطعن في أولياء الله تعالى فكيف اجترأ على كتبه مثل ذلك الكلام الفاحش في تفسير كلام الله تعالى ، نسأل الله العصمة والهداية ، ثم قال تعالى : {وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ} والمراد من محبة الله تعالى له إعطاؤه الثواب ، ومن غفران ذنبه إزالة العقاب ، وهذا غاية ما يطلبه كل عاقل ، ثم قال : {والله غَفُورٌ رَّحِيمٌ} يعني غفور في الدنيا يستر على العبد أنواع المعاصي رحيم في الآخرة بفضله وكرمه. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 8 صـ 17}\rفائدة\rقال الشنقيطى : \rقوله تعالى : { قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ الله فاتبعوني يُحْبِبْكُمُ الله } الآية.\rصرح تعالى : في هذه الآية الكريمة أن اتباع نبيه موجب لمحبته جلا وعلا ذلك المتبع ، وذلك يدل على أن طاعة رسول الله صلى الله عليه وسلم هي عين طاعته تعالى ، وصرح بهذا المدلول في قوله تعالى : { مَّنْ يُطِعِ الرسول فَقَدْ أَطَاعَ الله } [ النساء : 80 ] وقال تعالى : { وَمَآ آتَاكُمُ الرسول فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فانتهوا } [ الحشر : 7 ].\rتنبيه : يؤخذ من هذه الآية الكريمة أن علامة المحبة الصادقة لله ورسوله صلى الله عليه وسلم هي اتباعه صلى الله عليه وسلم ، فالذي يخالفه ويدعي أنه يحبه فهو كاذب مفتر. إذ لو كان محباً له لأطاعه ، ومن المعلوم عند العامة أن المحبة تستجلب الطاعة ومنه قول الشاعر : \rلو كان حبك صادقاً لأطعته... إن المحب لمن يحب مطيع\rوقول ابن أبي ربيعة المخزومي : \rومن لو نهاني من حبه... عن الماء عطشان لم أشرب\rوقد أجاد من قال : \rقالت : وقد سألت عن حال عاشقها... بالله صفه ولا تنقص ولا تزد\rفقلت : لو كان رهن الموت من ظمأ... وقلت : قف عن ورود الماء لم يرد. أ هـ {أضواء البيان حـ 1 صـ 224}","part":12,"page":366},{"id":5166,"text":"من فوائد البيضاوى فى الآية\rقال رحمه الله : \r{ قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ الله فاتبعوني } المحبة ميل النفس إلى الشيء لكمال أدركته فيه ، بحيث يحملها على ما يقربها إليه ، والعبد إذا علم أن الكمال الحقيقي ليس إلا لله ، وأن كل ما يراه كمالاً من نفسه أو غيره فهو من الله وبالله وإلى الله لم يكن حبه إلا لله وفي الله وذلك يقتضي إرادة طاعته والرغبة فيما يقربه إليه ، فلذلك فسرت المحبة بإرادة الطاعة وجعلت مستلزمة لاتباع الرسول في عبادته والحرص على مطاوعته. { يُحْبِبْكُمُ الله وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ } جواب للأمر أي يرضَ عنكم ويكشف الحجب عن قلوبكم بالتجاوز عما فرط منكم فيقربكم من جناب عزه ويبوئكم في جوار قدسه ، عبر عن ذلك بالمحبة على طريق الاستعارة أو المقابلة. { والله غَفُورٌ رَّحِيمٌ } لمن تحبب إليه بطاعته واتباع نبيه صلى الله عليه وسلم. أ هـ {تفسير البيضاوى حـ 2 صـ 27 ـ 28}","part":12,"page":367},{"id":5167,"text":"ومن فوائد الآلوسى : \r{ قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ الله فاتبعونى } ذهب عامة المتكلمين إلى أن المحبة نوع من الإرادة وهي لا تتعلق حقيقة إلا بالمعاني والمنافع فيستحيل تعلقها بذاته تعالى وصفاته فهي هنا بمعنى إرادة العبد اختصاصه تعالى بالعبادة وذلك إما من باب إطلاق الملزوم وإرادة اللازم أو من باب الاستعارة التبعية بأن شبه إرادة العبد ذلك ورغبته فيه بميل قلب المحب إلى المحبوب ميلاً لا يلتفت معه إلا إليه أو من باب مجاز النقص أي إن كنتم تحبون طاعة الله تعالى أو ثوابه فاتبعوني فيما آمركم به وأنهاكم عنه كذا قيل ، وهو خلاف مذهب العارفين من أهل السنة والجماعة فإنهم قالوا : المحبة تتعلق حقيقة بذات الله تعالى وينبغي للكامل أن يحب الله سبحانه لذاته وأما محبة ثوابه فدرجة نازلة ، قال الغزالي عليه الرحمة في \"الإحياء\" : الحب عبارة عن ميل الطبع إلى الشيء الملذ فإن تأكد ذلك الميل وقوي يسمى عشقاً ، والبغض عبارة عن نفرة الطبع عن المؤلم المتعب فإذا قوي سمي مقتاً ، ولا يظن أن الحب مقصور على مدركات الحواس الخمس حتى يقال : إنه سبحانه لا يدرك بالحواس ولا يتمثل بالخيال فلا يحب لأنه صلى الله عليه وسلم سمى الصلاة قرة عين وجعلها أبلغ المحبوبات ، ومعلوم أنه ليس للحواس الخمس فيها حظ بل حس سادس مظنته القلب والبصيرة الباطنة أقوى من البصر الظاهر والقلب أشد إدراكاً من العين وجمال المعاني المدركة بالعقل أعظم من جمال الصور الظاهرة للأبصار فتكون لا محالة لذة القلوب بما تدركه من الأمور الشريفة الإلهية التي تجل أن تدركها الحواس أتم وأبلغ فيكون ميل الطبع السليم والعقل الصحيح إليه أقوى ، ولا معنى للحب إلا الميل إلى ما في إدراكه لذة فلا ينكر إذاً حب الله تعالى إلا من قعد به القصور في درج البهائم فلم يجز إدراكه الحواس أصلاً ، نعم هذا الحب يستلزم الطاعة كما قال الوراق : \rتعصي الإله وأنت تظهر حبه... هذا لعمري في القياس بديع","part":12,"page":368},{"id":5168,"text":"لو كان حبك صادقاً لأطعته... إن المحب لمن يحب مطيع\rوالقول بأن المحبة تقتضي الجنسية بين المحب والمحبوب فلا يمكن أن تتعلق بالله تعالى ساقط من القول لأنها قد تتعلق بالأعراض بلا شبهة ولا جنسية بين العرض والجوهر.\r{ يُحْبِبْكُمُ الله } جواب الأمر وهو رأي الخليل. وأكثر المتأخرين على أن مثل ذلك جواب شرط مقدر أي إن تتبعوني يحببكم أي يقربكم رواه ابن أبي حاتم عن سفيان بن عيينة ، وقيل : يرض عنكم وعبر عن ذلك بالمحبة على طريق المجاز المرسل أو الاستعارة أو المشاكلة ، وجعل بعضهم نسبة المحبة لله تعالى من المتشابه الذي لا يعلم تأويله إلا الله تعالى.\r{ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ } أي يتجاوز لكم عنها { والله غَفُورٌ رَّحِيمٌ } أي لمن تحبب إليه بطاعته وتقرب إليه باتباعه نبيه صلى الله عليه وسلم ، والجملة تذييل مقرر لما سبق مع زيادة وعد الرحمة ، ووضع الاسم الجليل مع الإضمار لما مر وللاشعار باستتباع وصف الألوهية للمغفرة والرحمة ، وقرىء تحبوني ، ويحبكم ، ويحببكم من حبه ، ومنه قوله : \rأحب أبا ثروان من حب تمره... وأعلم أن الرفق بالجار أرفق\rووالله لولا تمره ما حببته... ولا كان أدنى من عبيد ومشرق","part":12,"page":369},{"id":5169,"text":"ومناسبة الآية لما قبلها كما قال الطيبي : أنه سبحانه لما عظم ذاته وبين جلالة سلطانه بقوله جل وعلا : { قُلِ اللهم مالك الملك } [ آل عمران : 26 ] الخ تعلق قلب العبد المؤمن بمولى عظيم الشأن ذي الملك والملكوت والجلال والجبروت ، ثم لما ثنى بنهي المؤمنين عن موالاة أعدائه وحذر عن ذلك غاية التحذير بقوله عز قائلاً : { لا يَتَّخِذِ المؤمنون الكافرين أَوْلِيَاء } [ آل عمران : 28 ] الخ ؛ ونبه على استئصال تلك الموالاة بقوله عز شأنه : { إِن تُخْفُواْ مَا فِى صُدُورِكُمْ أَوْ تُبْدُوهُ } [ آل عمران : 29 ] الآية وأكد ذلك بالوعيد الشديد زاد ذلك التعلق أقصى غايته فاستأنف قوله جل جلاله : { قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ الله } ليشير إلى طريق الوصول إلى هذا المولى جل وعلا فكأن قائلاً يقول : بأي شيء ينال كمال المحبة وموالاة الرب ؟ فقيل : بعد قطع موالاة أعدائنا تنال تلك الدرجة بالتوجه إلى متابعة حبيبنا إذ كل طريق سوى طريقه مسدود وكل عمل سوى ما أذن به مردود. أ هـ {روح المعانى حـ 3 صـ 129 ـ 130}\rوقال ابن كثير : \rهذه الآية الكريمة حاكمة على كل من ادعى محبة الله ، وليس هو على الطريقة المحمدية فإنه كاذب في دعواه في نفس الأمر ، حتى يتبع الشرع المحمدي والدين النبوي في جميع أقواله وأحواله ، كما ثبت في الصحيح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال : \"مَنْ عَمِلَ عَمَلا لَيْسَ عليه أمْرُنَا فَهُوَ رَدُّ\" ولهذا قال : { قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ } أي : يحصل لكم فوق ما طلبتم من محبتكم إياه ، وهو محبته إياكم ، وهو أعظم من الأول ، كما قال بعض الحكماء العلماء : ليس الشأن أن تُحِبّ ، إنما الشأن أن تُحَبّ. أ هـ {تفسير ابن كثير حـ 2 صـ 32}","part":12,"page":370},{"id":5170,"text":"وقال السعدى : \rهذه الآية فيها وجوب محبة الله ، وعلاماتها ، ونتيجتها ، وثمراتها ، فقال { قل إن كنتم تحبون الله } أي : ادعيتم هذه المرتبة العالية ، والرتبة التي ليس فوقها رتبة فلا يكفي فيها مجرد الدعوى ، بل لا بد من الصدق فيها ، وعلامة الصدق اتباع رسوله صلى الله عليه وسلم في جميع أحواله ، في أقواله وأفعاله ، في أصول الدين وفروعه ، في الظاهر والباطن ، فمن اتبع الرسول دل على صدق دعواه محبة الله تعالى ، وأحبه الله وغفر له ذنبه ، ورحمه وسدده في جميع حركاته وسكناته ، ومن لم يتبع الرسول فليس محبا لله تعالى ، لأن محبته لله توجب له اتباع رسوله ، فما لم يوجد ذلك دل على عدمها وأنه كاذب إن ادعاها ، مع أنها على تقدير وجودها غير نافعة بدون شرطها ، وبهذه الآية يوزن جميع الخلق ، فعلى حسب حظهم من اتباع الرسول يكون إيمانهم وحبهم لله ، وما نقص من ذلك نقص. أ هـ {تفسير السعدى صـ 128}\rلطيفة\rقال الثعالبى : \r : قال الشيخُ العارفُ باللَّه ابْنُ أبي جَمْرَةَ ( رضي اللَّه عنه ) : مِنْ علامةِ السعادةِ للشخْصِ : أنْ يكون مُعْتَنِياً بمعرفة السُّنَّة في جميعِ تصرُّفاته ، والذي يكونُ كذلك هو دائمٌ في عبادة ؛ في كلِّ حركاته وسكناته ، وهذا هو طريق أهل الفَضْلِ ؛ حتى حُكِيَ عن بعضهم ؛ أنه لم يأكُلِ البطِّيخَ سنين ؛ لَمَّا لَمْ يبلُغْه كيفيَّةُ السُّنَّة في أَكْله ، وكيف لاَ ، واللَّه سبحانه يَقُولُ : { قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ الله فاتبعوني يُحْبِبْكُمُ الله } والاِتباعية الكاملةُ إِنما تصحُّ بأنْ تكون عامَّة في كلِّ الأشياء ، يعني : إِلا ما خصَّصه به الدليلُ ، جعلنا اللَّه من أهْلها في الدَّارَيْن. انتهى.","part":12,"page":371},{"id":5171,"text":"قال عِيَاضٌ : اعلم أَنَّ مَنْ أَحبَّ شيئاً ، آثره ، وآثر موافقته ، وإِلا لم يكن صادقاً في حُبِّه ، وكان مدَّعياً ، فالصادقُ في حبِّ النبيِّ صلى الله عليه وسلم ، مَنْ تظهر علاماتُ ذلك عليه ، وأولُها الاِقتداءُ به ، واتباع سنَّته ، واتباع أقوالِهِ وأفعالِهِ ، والتأدُّبُ بآدابه في عُسره ويُسْره ؛ قال تعالى : { قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ الله فاتبعوني.\r.. } الآية ، قال عِيَاضٌ : رُويَ في الحديثِ ، عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم ؛ أنَّهُ قَالَ : \" مَنِ استمسك بِحَدِيثِي ، وَفَهِمَهُ وَحَفِظَهُ ، جَاءَ مَعَ القُرْآنِ ، وَمَنْ تَهَاوَنَ بالقُرْآنِ ، وَحَدِيثِيَ ، خَسِرَ الدُّنْيَا وَالآخِرَةَ... \" الحديثَ ، وعن أبي هريرةَ ( رضي اللَّه عنه ) ، عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ : \" المُسْتَمْسِكُ بسُنَّتِي عِنْدَ فَسَادِ أُمَّتِي ، لَهُ أَجْرُ مِائَةِ شَهِيدٍ \" ، وَقَالَ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ : \" عليكُمْ بالسبيلِ والسُّنَّةِ ، فإِنه ما على الأرضِ مِنْ عَبْدٍ على السبيل والسُّنَّة ، ذَكَر اللَّه في نَفْسِهِ ، ففاضَتْ عيناه مِنْ خَشْية ربه ، فيعذِّبه اللَّه أبداً ، وما على الأرضِ مِنْ عبدٍ على السبيلِ والسُّنَّةِ ، ذَكَرَ اللَّه في نَفْسه ، فاقشعر جِلْدُهُ مِنْ خَشْية اللَّه ، إلا كان مَثَلُهُ كَمَثَلِ شجرة ، قَدْ يَبِسَ ورَقُهَا ، فهي كَذَلِكَ ؛ إِذ أصابتها ريحٌ شديدةٌ فتحاتَّ عنها ورقُها إِلاَّ حَطَّ اللَّه عنه خَطَايَاهُ ؛ كما تَحَاتَّ عن الشجرة وَرَقُهَا \" الحديث.\r","part":12,"page":372},{"id":5172,"text":"قال عِيَاضٌ : ومن علامات محَبَّته صلى الله عليه وسلم : زُهْدُ مدَّعيها في الدُّنْيا ، وإِيثاره الفَقْر ، واتصافه به ؛ ففي حديثِ أبي سَعِيدٍ : \" إِنَّ الفَقْرَ إلى مَنْ يُحِبُّنِي مِنْكُمْ أَسْرَعُ مِنَ السَّيْلِ مِنْ أَعْلَى الوَادِي ، أَوِ الجَبَل إلى أَسْفَلِهِ \" ، وفي حديثِ عبدِ اللَّهِ بْنِ مُغَفَّلٍ : \" قال رجُلٌ للنبيِّ صلى الله عليه وسلم : \"يَا رَسُولَ اللَّهِ ، إٍنِّي أُحِبُّكَ ، فَقَالَ : انظر مَا تَقُولُ ؟ قَالَ : وَاللَّهِ لأُحِبُّكَ\" ؛ ثَلاَثَ مَرَّات ؛ قَالَ : \"إِنْ كُنْتَ تُحِبُّنِي ، فَأَعِدَّ لِلفَقْرِ تَجْفَافاً\" \" ، ثم ذكر نَحْوَ حديثِ أبِي سَعِيدٍ بمعناه. أهـ من \"الشِّفَا\". أ هـ {الجواهر الحسان حـ 1 صـ 258}. بتصرف يسير.\rفوائد بلاغية\rقال أبو حيان :\rقيل : وفي هذه الآيات من ضروب الفصاحة وفنون البلاغة الخطاب العام الذي سببه خاص.\rوفي قوله { لا يتخذ المؤمنون الكافرين } والتكرار ، في قوله : المؤمنون من دون المؤمنين ، وفي قوله : من الله ، ويحذركم الله نفسه ، وإلى الله ، وفي : يعلمه الله ، ويعلم ، وفي قوله : يعلمه الله ، والله على ، وفي قوله : ما عملت ، وما عملت ، وفي قوله : الله نفسه ، والله ، وفي قوله : ويحذركم الله ، والله روؤف ، وفي قوله : تحبون الله ، يحببكم الله ، والله غفور ، قل أطيعوا الله ، فإن الله.\rوالتجنيس المماثل في : تحبون ويحببكم ، والتجنيس المغاير ، في : تتقوا منهم تقاه ، وفي يغفر لكم وغفور.\rوالطباق في : تخفوا وتبدوه ، وفي : من خير ومن سوء ، وفي : محضراً وبعيداً.\rوالتعبير بالمحل عن الشيء في قوله : ما في صدوركم ، عبر بها عن القلوب ، قال تعالى : { فإنها لا تعمى الأبصار } الآية.\rوالإشارة في قوله : ومن يفعل ذلك ، الآية.\rأشار إلى انسلاخهم من ولاية الله.\rوالاختصاص في قوله : ما في صدوركم ، وفي قوله : ما في السموات وما في الأرض.\rوالتأنيس بعد الإيحاش في قوله : والله رؤوف بالعباد. أ هـ {البحر المحيط حـ 2 صـ 449}","part":12,"page":373},{"id":5173,"text":"فصل في معنى المحبة للنبى صلى الله عليه وسلم وحقيقتها\rقال القاضى عياض رحمه الله :\rاختلف الناس في تفسير محبة الله ومحبة النبي صلى الله عليه وسلم وكثرت عباراتهم في ذلك وليست ترجع بالحقيقة إلى اختلاف مقال ولكنها اختلاف أحوال فقال سفيان المحبة اتباع الرسول صلى الله عليه وسلم كأنه التفت إلى قوله تعالى (قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني) الآية، وقال بعضهم محبة الرسول اعتقاد نصرته والذب عن سنته والانقياد لها وهيبة مخالفته، وقال بعضهم المحبة دوام الذكر للمحبوب، وقال آخر: إيثار المحبوب، وقال بعضهم المحبة الشوق إلى المحبوب، وقال بعضهم المحبة مواطأة القلب لمراد الرب يحب ما أحب ويكره ما كره، وقال آخر: المحبة ميل القلب إلى موافق له وأكثر العبارات المتقدمة إشارة إلى ثمرات المحبة دون حقيقتها وحقيقة المحبة الميل إلى ما يوافق الإنسان وتكون موافقته له إما لاستلذاذه بإدراكه كحب الصور الجميلة والأصوات الحسنة والأطعمة والأشربة الذيذة وأشباهها مما كل طبع سليم مائل إليها لموافقتها له، أو لاستلذاذه بإدراكه بحاسة عقله وقلبه معاني باطنة شريفة كحب الصالحين والعلماء وأهل المعروف\rالمأثور عنهم السير الجميلة والأفعال الحسنة فإن طبع الإنسان مائل إلى الشغف بأمثال هؤلاء حتى يبلغ التعصب بقوم لقوم والتشيع من أمة في آخرين ما يؤدى إلى الجلاء عن الأوطان وهتك الحرم واخترام النفوس أو يكون حبه إياه لموافقته له من جهة إحسانه له وإنعامه عليه فقد جبلت النفوس على حب من أحسن إليها، فإذا تقرر لك هذا نظرت هذه الأسباب كلها في حقه صلى الله عليه وسلم فعلمت أنه صلى الله عليه وسلم\rجامع لهذه المعاني الثلاثة الموجبة للمحبة.\rأما جمال الصورة والظاهر وكمال الأخلاق والباطن فقد قررنا منها قبل فيما مر من الكتاب مالا يحتاج إلى زيادة.","part":12,"page":374},{"id":5174,"text":"وأما إحسانه وإنعامه على أمته فكذلك قد مر منه في أوصاف الله تعالى له من رأفته بهم ورحمته لهم وهدايته إياهم وشفقته عليهم واستنقاذهم به من النار وأنه بالمؤمنين رؤف رحيم ورحمة للعالمين ومبشرا ونذيرا وداعيا إلى الله بإذنه ويتلوا عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة ويهديهم إلى صراط مستقيم، فأى إحسان أجل قدرا وأعظم خطرا من إحسانه إلى جميع المؤمنين، وأى إفضال أعم منفعة وأكثر فائدة من إنعامه على كافة المسلمين ؟ إذ كان ذريعتهم إلى الهداية ومنقذهم من العماية وداعيهم إلى الفلاح والكرامة ووسيلتهم إلى ربهم وشفيعهم والمتكلم عنهم والشاهد لهم والموجب لهم البقاء الدائم والنعيم السرمد فقد استبان لك أنه صلى الله عليه وسلم مستوجب للمحبة الحقيقة شرعا بما قدمناه من صحيح الآثار وعادة وجبلة بما ذكرناه آنفا لإفاضته الإحسان وعمومه الإجمال، فإذا كان الإنسان يحب من منحه في دنياه مرة أو مرتين معروفا أو استنقذه من هلكة أو مضرة مدة التأذى بها قليل منقطع فمن منحه ما لا يبيد من النعيم ووقاه ما لا يفى من عذاب الجحيم أولى بالحب، وإذا كان يحب بالطبع ملك لحسن سيرته أو حاكم لما يؤثر من قوام طريقته أو قاص بعيد الدار لما يشاد من علمه أو كرم شيمته فمن جمع هذه الخصال على غاية مراتب الكمال أحق بالحب وأولى بالميل، وقد قال على رضى الله عنه في صفته صلى الله عليه وسلم من رآه\rبديهة هابه ومن خالطه معرفة أحبه وذكرنا عن بعض الصحابة أنه كان لا يصرف بصره عنه محبة فيه. أ هـ {الشفا حـ 2 صـ 29 ـ 31}","part":12,"page":375},{"id":5175,"text":"من لطائف الإمام القشيرى فى الآية\r{ تُحِبُّونَ اللهَ } فرق ، و{ يُحْبِبْكُمُ اللهُ } جمع.\r{ تُحِبُّونَ اللهَ } مشوب بالعلة ، و{ يُحْبِبْكُمُ اللهُ } بِلا عِلّة ، بل هو حقيقة الوصلة. ومحبة العبد لله حالة لطيفة يجدها من نفسه ، وتحمله تلك الحالة على موافقة أمره على الرضا دون الكراهية ، وتقتضي منه تلك الحالة إيثاره - سبحانه - على كل شيء وعلى كل أحد.\rوشرطُ المحبةِ ألا يكون فيها حظٌّ بحال ، فَمنْ لم يَفْنَ عن حظوظه بالكلِّية فليس له من المحبة شظيَّة.\rومحبة الحق للعبد إرادته إحسانَه إليه ولطفَه به ، وهي إرادةُ فضلٍ مخصوص ، وتكون بمعنى ثنائه سبحانه عليه ومدحه له ، وتكون بمعنى فضله المخصوص معه ، فعلى هذا تكون من صفات فعله.\rويقال شرط المحبة امتحاء كليتك عنك لاستهلاكك في محبوبك ، قال قائلهم :\rوما الحبُّ حتى تنزف العين بالبكا... وتخرس حتى لا تجيب المناديا\rوهذا فرق بين الحبيب والخليل ؛ قال الخليل : { فَمَن تَبِعَنِى فَإِنَّهُ مِنِّى } [ إبراهيم : 36 ].\rوقال الحبيبُ : { فَاتَّبِعُونِى يُحْبِبْكُمُ اللهُ }.\rفإن كان مُتَّبعُ الخليل \" منه \" إفضالاً فإن متابعَ الحبيبِ محبوبُ الحقِّ سبحانه ، وكفى بذلك قربة وحالاً.\rويقال قطع أطماع الكافة أن يسلم لأحدٍ نفس إلا ومقتداهم وإمامهم سيد الأولين والآخرين محمد صلى الله عليه وسلم.\rويقال في هذه الآية إشارة إلى أن المحبة غير معلولة وليست باجتلاب طاعة ، أو التجرد عن آفة لأنه قال : { يُحْبِبْكُمُ اللهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ } بيَّن أنه يجوز أن يكون عبد له فنون كثيرة ثم يحبُّ اللهَ ويحبُّه الله.","part":12,"page":376},{"id":5176,"text":"ويقال قال أولاً : { يُحْبِبْكُمُ اللهُ } ثم قال : { وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ } والواو تقتضي الترتيب ليُعْلَمَ أَنَّ المحبةَ سابقةٌ على الغفران ؛ أولاً يحبهم ويحبونه ( وبعده ) يغفر لهم ويستغفرونه ، فالمحبة توجِب الغفران لأن العفو يوجب المحبة.\rوالمحبة تشير إلى صفاء الأحوال ومنه حَبَبُ الأسنان وهو صفاؤها.\rوالمحبة توجب الاعتكاف بحضرة المحبوب في السر.\rويقال أحب البعير إذا استناخ فلا يبرح بالضرب.\rوالحبُّ حرفان حاء وباء ، والإشارة من الحاء إلى الروح ومن الباء إلى البَدَن ، فالمُحِبُّ لا يَدَّخِر عن محبوبه لا قلبَه ولا بَدَنَه. أ هـ {لطائف الإشارات حـ 1 صـ 235 ـ 236}","part":12,"page":377},{"id":5177,"text":"لطيفة\rقال ابن رجب : \rقول \" لا إله إلا الله \" تقتضي أن لا يحب سواه فإن الإله هو الذي يطاع فلا يعصي محبة وخوفا ورجاء ومن تمام محبته محبة ما يحبه وكراهة ما يكرهه فمن أحب شيئا مما يكرهه الله أو كره شيئا مما يحبه الله لم يكمل توحيده وصدقه في قول لا إله إلا الله وكان فيه من الشرك الخفي بحسب ما كرهه مما يحبه الله وما أحبه مما يكرهه الله\rقال الله تعالى {ذلك بأنهم اتبعوا ما أسخط الله وكرهوا رضوانه فأحبط أعمالهم}\rقال الليث عن مجاهد في قوله {لا يشركون بي شيئا} قال لا يحبون غيري\rوفي صحيح الحاكم عن عائشة رضي الله عنها عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : الشرك في هذه الأمة أخفى من دبيب النمل على الصفا في الليلة الظلماء وأدناه أن تحب على شيء من الجور أو تبغض على شيء من العدل\rوهل الدين إلا الحب والبغض\rقال الله عز وجل {قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله}\rوهذا نص في أن محبة ما يكرهه الله وبغض ما يحبه متابعة للهوى والموالاة على ذلك والمعاداة فيه من الشرك الخفي\rوقال الحسن : اعلم أنك لن تحب الله حتى تحب طاعته ، وسئل ذو النون متى أحب ربي ؟ \rقال إذا كان ما يبغضه عندك أمر من الصبر\rوقال بشر بن السري ليس من أعلام الحب أن تحب ما يبغض حبيبك\rوقال أبو يعقوب النهر جوري كل من ادعى محبة الله ولم يوافق الله في أمره فدعواه باطلة\rوقال يحيى بن معاذ : ليس بصادق من ادعى محبة الله ولم يحفظ حدوده\rوقال رويم المحبة الموافقة في جميع الأحوال وأنشد ... ولو قلت لي مت قلت سمعا طاعة ... وقلت لداعي الموت أهلا ومرحبا ...\rويشهد لهذا المعنى أيضا قوله تعالى {قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله}\rقال الحسن قال أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم إنا نحب ربنا حبا شديدا فأحب الله أن يجعل لحبه علما فأنزل الله تعالى هذه الآية","part":12,"page":378},{"id":5178,"text":"ومن هاهنا يعلم أنه لا تتم شهادة أن لا إله إلا الله إلا بشهادة أن محمدا رسول الله فإنه إذا علم أنه لا تتم محبة الله إلا بمحبة ما يحبه وكراهة ما يكرهه فلا طريق إلى معرفة ما يحبه وما يكرهه إلا من جهة محمد المبلغ عن الله ما يحبه وما يكرهه باتباع ما أمر به واجتناب ما نهى عنه فصارت محبة الله مستلزمة لمحبة رسوله صلى الله عليه وسلم وتصديقه ومتابعته ولهذا قرن الله بين محبته ومحبة رسوله في قوله تعالى {قل إن كان آباؤكم وأبناؤكم وإخوانكم} إلى قوله {أحب إليكم من الله ورسوله} كما قرن طاعته وطاعة رسوله صلى الله عليه وسلم في مواضع كثيرة\rوقال صلى الله عليه وسلم : ثلاث من كن فيه وجد بهن حلاوة الإيمان أن يكون الله ورسوله أحب اليه مما سواهما وأن يحب الرجل لا يحبه إلا لله وأن يكره أن يرجع إلى الكفر بعد أن أنقده منه كما يكره أن يلقى في النار\rهذه حال السحرة لما سكنت المحبة قلوبهم سمحوا ببذل النفوس وقالوا لفرعون {اقض ما أنت قاض}\rومتى تمكنت المحبة في القلب لم تنبعث الجوارح إلا إلى طاعة الرب وهذا هو معنى الحديث الآلهي الذي خرجه البخاري في صحيحه وفيه : ولا يزال عبدي يتقرب إلى بالنوافل حتى أحبه فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به وبصره الذي يبصر به ويده التي يبطش بها ورجله التي يمشي بها\rوقد قيل إن في بعض الروايات فبي يسمع وبي يبصر وبي يبطش وبي يمشي\rوالمعنى أن محبة الله إذا استغرق بها القلب واستولت عليه لم تنبعث الجوارح إلا إلى مراضي الرب وصارت النفس حينئذ مطمئنة بارادة مولاها عن مرادها وهواها\rيا هذا اعبد الله لمراده منك لا لمرادك منه فمن عبده لمراده منه فهو ممن يعبد الله على حرف إن أصابه خير اطمأن به وإن أصابته فتنة انقلب على وجهه خسر الدنيا والآخرة ومتى قويت المعرفة والمحبة لم يرد صاحبها إلا ما يريد مولاه","part":12,"page":379},{"id":5179,"text":"وفي بعض الكتب السالفة : من أحب الله لم يكن شيء عنده آثر من رضاه ومن أحب الدنيا لم يكن شيء عنده آثر من هوى نفسه\rوروى ابن أبي الدنيا بإسناده عن الحسن قال : ما نظرت ببصري ولا نطقت بلساني ولا بطشت بيدي ولا نهضت على قدمي حتى أنظر على طاعة الله أو على معصيته فإن كانت طاعة تقدمت وإن كانت معصية تأخرت\rهذا حال خواص المحبين الصادقين فافهموا رحمكم الله هذا فإنه من دقائق أسرار التوحيد الغامضة. أ هـ {كلمة الإخلاص صـ 29 ـ 36}","part":12,"page":380},{"id":5181,"text":"فصل\rالمحبة من أعلى مقامات العارفين، وهي إيثار من اللّه تعالى لعباده المخلصين ومعها نهاية الفضل العظيم، قال اللّه جلت قدرته: (يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُونَهُ) المائدة:54 ثم قال تعالى: (ذلِكَ فَضْلُ اللّهِ يُؤتيهِ مَنْ يَشاءُ) الحديد:21 وهذا الخبر متصل بالابتداء في المعنى لأنّ اللّه تعالى وصف المؤمنين المحبين بفضله عليهم، وما اعترض بينهما من الكلام فهو نعت المحبوبين، وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم: ما كان اللّه ليعذب حبيبه بالنار، وقال اللّه عزّ وجلّ مصداق قول نبيه عليه السلام، ردّاً على من ادعى محبته واحتجاجاً عليهم: (قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ بِذنُوبِكُمْ بَلْ أَنتُمْ بَشَرٌ مِمَّنْ خَلَقَ) المائدة: 18 وقال زيد بن أسلم: إنّ اللّه ليحب العبد حتى يبلغ من حبه له أن يقول: اصنع ماشئت فقد غفرت لك، وروينا عن إسماعيل بن أبان عن أنس قال: قال رسول اللّه صلى الله عليه وسلم: إذا أحب اللّه عبداً لم يضره ذنب، والتائب من الذنب كمن لا ذنب له، ثم تلا: إنّ اللّه يحب التوّابين ويحب المتطهرين، وقد اشترط اللّه للمحبة غفران الذنوب بقوله تعالى: (يُحْبِبْكُمْ اللّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ) آل عمران:31 فكل مؤمن باللّه فهو محب للّه، ولكن محبته على قدر إيمانه، وكشف مشاهدته وتجلي المحبوب له على وصف من أوصافه، دليل ذلك استجابتهم له بالتوحيد والتزام أمره وتسليم حكمه، ثم تفاوتهم في مشاهدات التوحيد، وفي دوام الالتزام للأوامر وفي تسليم الأحكام، فليس ذلك يكون إلا عن محبة، وإنّ تفاوت المحبون على حسب أقسامهم من المحبوب، وليس يقصر عن المحبة صغير كما لا يصغر عن المعرفة من عرف، ولا يكبر عن التوبة كبير ولو كان على كل العلوم قد أوقف، لأنّ اللّه تعالى وصف المؤمنين بشدة الحبّ له فقال تعالى: (وَالَّذينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبّاً للّه) البقرة:165 وفي قوله أشدّ دليل على تفاوتهم في المحبة لأنّ المعنى أشدّ فأشدّ ولم يقل","part":12,"page":381},{"id":5183,"text":"شديد، والحب للّه، فأشبه هذا الخطاب قوله تعالى:(إنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللّهِ أَتْقاكُمْ) الحجرات: 13 فدلّ على تفاوتهم في الإكرام على قدر تفاضلهم في التقوى ولم يقل: إنّ الكرام المتقون.\rوروينا عن رسول اللّه صلى الله عليه وسلم أنّ اللّه يعطي الدنيا من يحبّ ومن لا يحبّ، ولا يعطي الإيمان إلا من يحب، فالمؤمنون متزايدون في الحبّ للّه عزّ وجلّ عن تزايدهم في المعرفة به والمشاهدة له، وقد جعل رسول اللّه صلى الله عليه وسلم الحبّ للّه من شرط الإيمان قال: أن يكون اللّه ورسوله أحبّ إليه مما سواهما، وفي حديث: لا يؤمن أحدكم حتى يكون اللّه ورسوله أحبّ إليه مما سواهما، وفي خبر آخر أشدّ توكيداً وأبلغ من هذين قوله: واللّه، لا يؤمن العبد حتى أكون أحبّ إليه من أهله وماله والناس أجمعين، وفي خبر آخر: ومن نفسك، وقد أمر صلى الله عليه وسلم بالمحبة للّه فيما شرعه من الأحكام فقال أحبّوا اللّه لما أسدى إليكم من نعمه، وأحبّوني لحبّ اللّه، فدلّ ذلك على فرض الحبّ للّه وإنّ تفاضل المؤمنون في نهايات فضائله، ومن أفضل ما أسدى إلينا من نعمه المعرفة به، فأفضل الحبّ له ما كان عن المشاهدة، والمحبون للّه على مراتب من المحبة؛ بعضها أعلى من بعض، فأشدهم حبّاً للّه أحسنهم تخلقاً بأخلاقه مثل العلم والحلم والعفو وحسن الخلق، والستر على الخلق، وأعرفهم بمعاني صفاته وأتركهم منازعة له في معاني الصفات كي لا يشركوه فيها، مثل الكبر والحمد وحب المدح وحب الغنى والعز وطلب الذكر، ثم أشدهم حبّاً لرسوله إذ كان حبيب الحبيب وأتبعهم لآثاره أشبعهم هدياً لشمائله، وقد روي أنّ رجلاً قال: يا رسول اللّه إني أحبك فقال: استعد للفقر فقال: إني أحبّ اللّه فقال: استعد للبلاء، والفرق بينهما أن البلاء من أخلاق المبلي وهو اللّه تعالى المبتلي، فلما ذكر محبته أخبره بالبلاء ليصبر على أخلاقه، كما قال تعالى:(ولِرَبِّكَ فَاصْبِرْ) المدثر:7 فدل على أحكامه وبلائه، والفقر من أوصاف رسول اللّه صلى الله عليه وسلم، فلما ذكر محبته دله على اتباع أوصافه ليقتفي آثاره","part":12,"page":382},{"id":5185,"text":"ومن علامة المحبة كثرة ذكر الحبيب، وهو دليل محبة المولى لعبده وهو من أفضل مننه على خلقه، وفي الخبر أنّ للّه في كل يوم صدقة يمنّ بها على خلقه، وما تصدق على عبد بصدقة أفضل من أن يلهمه ذكره.\rوفي حديث سفيان عن مالك بن معول قيل: يارسول اللّه، أي الأعمال أفضل؟ قال: اجتناب المحارم، ولا يزال فوك رطباً من ذكر اللّه، وقد أمر النبي صلى الله عليه وسلم بكثرة الذكر للّه كما أمر بمحبة اللّه، لأن الذكر مقتضى المحبة فقال: أكثر من ذكر اللّه حتى يقول الناس إنك مجنون، وقد روينا: أكثروا من ذكر اللّه حتى يقول المنافقون إنكم مراؤون، وفي حديث أبي سلمة المدني عن أبيه عن جده: أتانا رسول اللّه صلى الله عليه وسلم ذات يوم إلى مسجد قباء، فذكر حديثاً فيه طول قال في آخر: من تواضع للّه رفعه ومن تكبر وضعه، ومن أكثر ذكر اللّه أحبه اللّه، وقد أخبر أنّ الذاكرين هم السابقون المفردون، ورفعهم إلى مقام النبوّة في وضع الوزر، ورفع الذكر إن كان الذكر موجب الحبّ في قوله: سيروا سبق المفردون، قيل: مَنْ المفردون؟ قال: المستهترون بذكر اللّه، وضع الذكر عنهم أوزارهم يردون القيامة خفافاً، ومن أعلام المحبة: حبّ لقاء الحبيب على العيان، والكشف في دار السلام ومحل القرب وهو الاشتياق إلى الموت، لأنه مفتاح اللقاء وباب الدخول إلى المعاينة، وفي الحديث: من أحبّ لقاء اللّه أحبّ اللّه لقاءه، وقال حذيفة عند الموت: حبيب جاء على فاقة لا أفلح من ندم، وقال بعض السلف ما من خصلة أحبّ إلى اللّه تكون فيّ لعبد بعد حبّ لقائه من كثرة السجود، فقدم حبّ لقاء اللّه وقد شرط اللّه لحقيقة الصدق القتل في سبيله، وأخبر أنه يحب قتل محبوبه في قوله تعالى: (إِنَّ اللّهَ يُحِبُّ الَّذينَ يُقَاتِلُونَ في سَبيلِهِ صَفّاً كَأنَّهُمْ بُنْيَانٌ مَرْصُوصٌ) الصف:4، بعد قوله تقريراً لهم: لِمَ تقولون ما لا تفعلون؟ حيث قالوا: إنّا نحبّ اللّه، فجعل القتل محنة محبته وعلامة أخذ مال محبوبه ونفسه، إذ يقول تعالى: (يُقَاتِلُونَ في سَبيلِ اللّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ) التوبة:111، وفي وصية أبي بكر لعمر رضي اللّه عنهما: الحق ثقيل وهو مع ثقله مريء، والباطل خفيف","part":12,"page":383},{"id":5186,"text":"وهو مع خفته وبيء؛ فإن حفظت وصيتي لم يكن غائب أحبّ إليك من الموت وهو مدرك، وإن ضيعت وصيتي لم يكن غائب أبغض إليك من الموت ولن تعجزه، وكان الثوري وبشر بن الحرث يقولان: لا يكره الموت إلا مريب، وهو كما قالا: لأن الحبيب على كل حال لا يكره لقاء الحبيب، وهذا لا يجده إلا عبد يحبّ اللّه بكل قلبه، عندها يشتاق إليه مولاه فينزعج القلب لشوق الغيب، فيحبّ لقاءه، وروي أنّ أبا حذيفة بن عتبة بن زمعة لما تبنى سالماً مولاه، عاتبته قريش في ذلك وقالوا: أنكحت عقيلة من عقائل قريش بمولى فقال: واللّه، لقد أنكحته إياها وأني لأعلم أنه خير منها، فكان قوله أشد عليهم قالوا: وكيف؟ وهي أختك وهو مولاك فقال: سمعت رسول اللّه صلى الله عليه وسلم يقول: من أراد أن ينظر إلى رجل يحب اللّه بكل قلبه فلينظر إلى سالم، فمن الدليل أنّ من المؤمنين من يحبّ اللّه ببعض قلبه فيؤثره بعض الإيثار، ويوجد فيه محبة الاعتبار، ومنهم من يحبه بكل قلبه فيؤثره على ما سواه، فهذا عابده ومألوهه الذي لا معبود له ولا إله إياه، وفيه دليل على أنهم على مقامات المحبة عن معاني مشاهدات الصفات ما بين البعض في القلوب والكلية، وقد كان نعيمان يؤتي به رسوله اللّه صلى الله عليه وسلم فيجده في معصية يرتكبها إلى أن أتى به يوماً فحده فلعنه رجل وقال: ما أكثر ما يؤتى به رسول اللّه صلى الله عليه وسلم فقال رسول اللّه صلى الله عليه وسلم: لا تفتعل فإنّه يحب اللّه ورسوله، فلم يخرجه من المحبة مع المخالفة. أ هـ {قوت القلوب صـ 445 ـ 447}","part":12,"page":384},{"id":5187,"text":"لطيفة :\rسئل الحارث المحاسبى رحمه الله :\rما علامة محبة الله للعبد؟ - فقال للسائل: ما الذي كشف لك عن طلب علم هذا؟ فقال: قوله تعالى: \" إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله \" . \" آل عمران 31 \" . فعلمت أن علامة محبة الله اتباع رسوله. ثم قال: \" يحببكم الله \" . فما علامة محبة الله للعبد؟ فقال: لقد سألت عن شيء غاب عن أكثر القلوب، إن علامة محبة الله للعبد أن يتولى الله سياسة همومه فيكون في جميع أموره هو المختار لها، ففي الهموم التي لا تعترض عليها حوادث القواطع، ولا تشير إلى التوقف لأن الله هو المتولي لها، فأخلاقه على السماحة، وجوارحه على الموافقة، يصرخ به ويحثه بالتهدد والزجر، فقال السائل: وما الدليل على ذلك؟ فقال: خبر النبي صلى الله عليه وسلم: \" إذا أحب الله عبداً جعل له واعظاً من نفسه وزاجراً من قلبه، يأمره وينهاه \" ، فقال السائل: زدني من علامة محبة الله للعبد. قال: ليس شيء أحب إلى الله من أداء الفرائض بما دعة من القلب والجوارح، والمحافظة عليها، ثم بعد ذلك كثرة النوافل كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: يقول الله تعالى: ما تقرب إلى عبدي بشيء أحب إلي من أداء ما افترضت عليه، ولا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به وبصره الذي يبصر به، إن دعاني أجبته، وإن سألني أعطيته \" فقال السائل: رحمك الله، صف لي من علامات وجود قلبه. قال: محبوسة يا فتى في سر الملاطفة، مخصوصة بعلم المكاشفة، مقلبة بتنعم النظر في مشاهدة الغيب، وحجاب العز، ورفعة المنعة، فهي القلوب التي أسرت أوهامها بعجب نفاذ اتقان الصنع، فعندها تصاعدت المنى، وتواترت على جوارحها فوائد الغنى، فانقطعت النفوس عن كل ميل إلى راحة، وانزعجت الهموم وفرت من الرفاهة، فنعمت بسرائر الهداية وعلمت طرق الولاية، وغذيت من لطيف الكفاية وأرسلت في روضة البصيرة، وأحلت القلوب محلاً نظرت فيه بلا عيان، وجالت بلا مشاهدة، وخوطبت بلا مشافهة. فهذا يا فتى صفة أهل","part":12,"page":385},{"id":5188,"text":"محبة الله من أهل المراقبة والحياء والرضا والتوكل. فهم الأبرار من العمال، وهم الزهاد من العلماء، وهم الحكماء من النجباء، وهم المسارعون من الأبرار، وهم دعاة الليل والنهار، وهم أصحاب صفاء التذكار وأصحاب الفكر والاعتبار، وأصحاب المحن والاختبار. هم قوم أسعدهم الله بطاعته وحفظهم برعايته، وتولاهم بسياسته، فلم تشتد لهم همة، ولم تسقط لهم إرادة. همومهم في الجد والطلب، وأرواحهم في النجاة والهرب، يستقلون الكثير من أعمالهم، ويستكثرون القليل من نعم الله عليهم، إن أنعم عليهم شكروا، وإن منعوا صبروا، يكاد يهيج منهم صراخ إلى مواطن الخلوات، ومعابر العبر والآيات، فالحسرات في قلوبهم تتردد، وخوف الفراق في قلوبهم يتوقد، نعم يا فتى، هؤلاء قوم أذاقهم الله طعم محبته، ونعمهم بدوام العذوبة في مناجاته، فقطعهم ذلك عن الشهوات، وجانبوا اللذات، وداموا في خدمة من له الأرض والسموات، فقد اعتقدوا الرضا قبل وقوع البلا، ومنقطعين عن إشارة النفوس، منكرين للجهل المأسوس، طاب عيشهم ودام نعيمهم، فعيشهم سليم، وغناهم في قلوبهم مقيم، كأنهم نظروا بأبصار القلوب إلى حجب الغيوب، فقطعوا وكان الله المنى والمطلوب، دعاهم إليه فأجابوه بالحث والجد ودوام السير، فلم تقم لهم أشغال إذ استبقوا دعوة الجبار، فعندها يا فتى غابت عن قلوبهم أسباب الفتنة بدواهيها، وظهرت أسباب المعرفة بما فيها، فصار مطيتهم إليه الرغبة، وسائقهم الرهبة، وحاديهم الشوق، حتى أدخلهم في رق عبوديته، فليس تلحقهم فترة في نية، ولا وهن في عزم، ولا ضعف في حزم، ولا تأويل في رخصة، ولا ميل إلى دواعي غرة. قال السائل: أرى هذا مراداً بالمحبة. قال: نعم يا فتى، هذه صفة المرادين بالمحبة. فقال: كيف المحن على هؤلاء؟ فقال: سهلة في علمها، صعبة في اختبارها، فمنحهم على قدر قوة إيمانهم. قال: فمن أشدهم محناً؟ قال: أكثرهم معرفة وأقواهم يقيناً وأكملهم إيماناً. كما جاء في الخبر: \" أشد الناس بلاء الأنبياء ثم الأمثل فالأمثل \" . أ هـ {حلية الأولياء حـ 10 صـ 99 ـ 101}","part":12,"page":386},{"id":5190,"text":"قوله تعالى { قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْكَافِرِينَ (32)}\rمناسبة الآية لما قبلها\rقال البقاعى :\rولما نفى عمن تولى أن يحبه كان في إشعارة أن هذا الكفر عموم كفر يداخل رتباً من الإيمان من حيث نفي عنه الحب فنفي منه ما يناله العفو أو المغفرة والرحمة ونحو ذلك بحسب رتب تناقص الكفر ، لأنه كفر دون كفر ، ومن فيه كفر فهو غير مستوفي اتباع الرسول بما أنه الماحي الذي يمحو الله به الكفر ، وإنما يحب الله من اتبع رسوله ، فعاد الختم في الخطاب إلى إشعار من معنى أوله وفي إلاحته أن حب الله للعبد بحسب توحيده ، فكلما كان أكمل توحيداً كان أحب ، وما سقط عن رتبة أدنى التوحيد الذي هو محل الأمر بطاعة الله سبحانه وتعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم كان كفراً بحسب ما يغطى على تلك الرتبة من التوحيد ، لأن هذه السورة سورة إلهية إيمانية حبية توحيدية ، فخطابها مخصوص بما يجري في حكم ذلك من الإيمان والكفر والمحكم والمتشابه وكشف غطاء الأعين ورفع حجب القلوب - انتهى.\rوقد وضح أن الآية من الاحتباك - فأصل نظمها : فإن تولوا فإن الله لا يحبهم لكفرانهم ، وإن أقبلوا فإن الله يحبهم لإيمانهم ، فإن الله لا يحب الكافرين والله يحب المؤمنين - إثبات التولية في الأول يدل على حذف الإقبال من الثاني ، إثبات الكراهة في الثاني يدل على حذف مثلها في الأول.","part":12,"page":387},{"id":5191,"text":"ولما كان الأصفياء أخص من مطلق الأحباب بين بعض الأصفياء وما أكرمهم به تصديقاً لقوله سبحانه وتعالى في الحديث القدسي الشريف \" فإذا احببته كنت سمعه الذي يسمع به ، وبصره الذي يبصر به ، ويده التي يبطش بها ، ورجله التي يمشي بها \" تنبيهاً لوفد نصارى نجران وغيرهم على أنه مثل ما اصطفى لنفسه ديناً اصطفى للتخلق به ناساً يحبونه ويطيعونه ويوالون أولياءه ويعادون أعداءه ، وليسوا من صفات الكافرين في شيء فقال - أو يقال : إنه سبحانه وتعالى لما شبه أفعاله في التشابه وغيره بأقواله وعرف أن الطريق الأقوم رد المتشابه منها إلى الواضح المحكم والالتجاء في كشف المشكل إليه مع الاعتقاد الجازم المستقيم ، وبين أن الموقف عن هذا الطريق الأقوم الوقوف مع العرض الدنيوي مع الرئاسة وغيرها وألف الدين مع التعلل فيه بالتمني الفارغ ، وأنهى ذلك وتوابعه إلى أن ختم بتهديد من تولى عن الحق أخذ في تصوير تصويره في الأرحام كيف شاء بما شوهد من ذلك ولم يشك فيه من أحوال أناس هم من خلص عباده المقبلين على ما يرضيه فقال : أو يقال ولعله أحسن : ولما أخبر سبحانه وتعالى أن أهل الكتاب ما اختلفوا إلا من بعد ما جاءهم العلم فكفروا بذلك ، وألحق به ما تبعه إلى أن ختم بالأمر باتباع الرسول وبأنه لا يحب الكافرين بالتولي عن رسله اشتد تشوف النفس إلى معرفة الرسل الآتين بالعلم الذين توجب مخالفتهم الكفر فبينهم بقوله : وقال الحرالي : لما كان منزل هذه السورة لإظهار المحكم والمتشابه في الخلق والأمر قدم سبحانه وتعالى بين يدي إبانة متشابه خلق عيسى عليه الصلاة والسلام وجه الاصطفاء المتقدم للآدمية ومن منها من الذرية لتظهر معادلة خلق عيسى عليه الصلاة والسلام آخراً لمتقدم خلق آدم عليه الصلاة والسلام أولاً ، حتى يكونا مثلين محيطين بطرفي الكون في علو ورحه ودنو أديم تربته وأنه سبحانه وتعالى نزل الروح إلى الخلق الآدمي كما قال {ولو جعلناه ملكاً لجعلناه رجلاً","part":12,"page":388},{"id":5192,"text":"وللبسنا عليهم ما يلبسون} [ الأنعام : 9 ] وظهر أثر ذلك اللبس بما وقع لأهل الزيغ في عيسى كما أنه رقى الخلق الطيني رتبة رتبة إلى كمال التسوية إلى أن نفخ فيه من روحه ، فكان ترقي الآدمي إلى النفخة لتنزل الروح إلى الطينة الإنسانية التي تم بها وجود عيسى عليه الصلاة والسلام كما كمل وجود آدم عليه الصلاة والسلام بالنفخة. أ هـ {نظم الدرر حـ 2 صـ 64 ـ 66}\rفصل\rقال الفخر : \rيروى أنه لما نزل قوله {قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ الله} الآية قال عبد الله بن أُبي : إن محمداً يجعل طاعته كطاعة الله ، ويأمرنا أن نحبه كما أحبت النصارى عيسى ، فنزلت هذه الآية ، وتحقيق الكلام أن الآية الأولى لما اقتضت وجوب متابعته ، ثم إن المنافق ألقى شبهة في الدين ، وهي أن محمداً يدعي لنفسه ما يقوله النصارى في عيسى ، ذكر الله تعالى هذه الآية إزالة لتلك الشبهة ، فقال : {قُلْ أَطِيعُواْ الله والرسول} يعني إنما أوجب الله عليكم متابعتي لا كما تقول النصارى في عيسى بل لكوني رسولاً من عند الله ، ولما كان مبلغ التكاليف عن الله هو الرسول لزم أن تكون طاعته واجبة فكان إيجاب المتابعة لهذا المعنى لا لأجل الشبهة التي ألقاها المنافق في الدين.\rثم قال تعالى : {فإِن تَوَلَّوْاْ فَإِنَّ الله لاَ يُحِبُّ الكافرين} يعني إن أعرضوا فإنه لا يحصل لهم محبة الله ، لأنه تعالى إنما أوجب الثناء والمدح لمن أطاعه ، ومن كفر استوجب الذلة والإهانة ، وذلك ضد المحبة ، والله أعلم. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 8 صـ 17}\rفائدة\rقال ابن عادل : \rقوله : { فإِن تَوَلَّوْاْ } يحتمل وجهين : \rأحدهما : أن يكون مضارعاً ، والأصل \" تَتَوَلُّوْا \" فحذف إحدى التاءين كما تقدم ، وعلى هذا ، فالكلام جارٍ على نسق واحدٍ ، وهو الخطاب.","part":12,"page":389},{"id":5193,"text":"والثاني : أن يكون فعلاً ماضيا مسنداً لضمير غيب ، فيجوز أن يكون من باب الالتفاتِ ، ويكون المراد بالغُيَّبِ المخاطبين في المعنى ، ونظيره قوله تعالى : { حتى إِذَا كُنتُمْ فِي الفلك وَجَرَيْنَ بِهِم } [ يونس : 22 ]. أ هـ {تفسير ابن عادل حـ 5 صـ 158}\rفائدة أخرى\rقال البيضاوى : \r{ فَإِنَّ الله لاَ يُحِبُّ الكافرين } لا يرضى عنهم ولا يثني عليهم ، وإنما لم يقل لا يحبهم لقصد العموم والدلالة على أن التولي كفر ، وإنه من هذه الحيثية ينفي محبة الله وأن محبته مخصوصة بالمؤمنين. أ هـ {تفسير البيضاوى حـ 2 صـ 28}\rمن فوائد الآلوسى فى الآية : \r{ قُلْ أَطِيعُواْ الله والرسول } أي في جميع الأوامر والنواهي ويدخل في ذلك الأمر السابق دخولاً أولياً ، وإيثار الإظهار على الإضمار بطريق الالتفات لتعيين حيثية الإطاعة والاشعار بعلتها ، وفيه إشارة إلى ردّ شبهة المنافق كأنه يقول : إنما أوجب الله تعالى عليكم متابعتي لا لما يقول النصارى في عيسى بل لكوني رسول الله { فَإِن تَوَلَّوْاْ } أي أعرضوا أو تعرضوا على أن تكون إحدى التائين محذوفة فيكون حينئذ داخلاً في حيز المقول وفي ترك ذكر احتمال الإطاعة تلويح إلى أنها غير محتملة منهم { فَإِنَّ الله لاَ يُحِبُّ الكافرين } أي لا يقربهم أو لا يرضى عنهم بل يبعدهم عن جوار قدسه وحظائر عزه ويسخط عليهم يوم رضاه عن المؤمنين. والمراد من الكافرين من تولى ولم يعبر بضميرهم للإيذان بأن التوالي عن الطاعة كفر وبأن محبته عز وجل مخصوصة بالمؤمنين لأن نفيها عن هؤلاء الكفار المستلزم لنفيها عن سائرهم لاشتراك العلة يقتضي الحصر في ضدهم. أ هـ {روح المعانى حـ 3 صـ 130}\rوقال ابن عاشور : \rقُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْكَافِرِينَ (32)","part":12,"page":390},{"id":5194,"text":"عودة إلى الموعظة بطريق الإجمال البحت : فَذْلَكَةً للكلام ، وحرصاً على الإجابة ، فابتدأ الموعظة أولاً بمقدمة وهي قوله : { إن الذين كفروا لن تغني عنهم أموالهم ولا أولادهم من الله شيئاً } [ آل عمران : 10 ] ثم شرع في الموعظة بقوله : { قل للذين كفروا ستغلبون } [ آل عمران : 12 ] الآية.\rوهو ترهيب ثم بذكر مقابله في الترغيب بقوله : { قل أؤنبّئكم بخير من ذلكم } [ آل عمران : 15 ] الآية ثم بتأييد ما عليه المسلمون بقوله : { شهد اللَّه أنه لا إله إلا هو } [ آل عمران : 18 ] الآية وفي ذلك تفصيل كثير.\rثم جاء بطريق المجادلة بقوله : { فإن حاجّوك } [ آل عمران : 20 ] الآية ثم بترهيب بغير استدلال صريح ولكن بالإيماء إلى الدليل وذلك قوله : { إن الذين يكفرون بآيات اللَّه ويقتلون النبيين بغير حق } [ آل عمران : 21 ] ثم بطريق التهديد والإنذار التعريضي بقوله : { قل اللهم مالك الملك } [ آل عمران : 26 ] الآيات.\rثم أمر بالقطيعة في قوله : { لا يتخذ المؤمنون الكافرين أولياء } [ آل عمران : 28 ].\rوختم بذكر عدم محبة الكافرين ردّاً للعجز على الصدر المتقدم في قوله : { إن الذين كفروا لن تغني عنهم أموالهم } [ آل عمران : 10 ] الآية ليكون نفي المحبة عن جميع الكافرين ، نفياً عن هؤلاء الكافرين المعيَّنين. أ هـ {التحرير والتنوير حـ 3 صـ 82}\rوقال السمرقندى : \r{ قُلْ أَطِيعُواْ الله والرسول } فقرن طاعته بطاعة رسوله رغماً لهم ، ويقال : أطيعوا الله فيما أنزل ، والرسول فيما بَيّن { فَإِن تَوَلَّوْاْ } يعني إن أعرضوا عن طاعتهما { فَإِنَّ الله لاَ يُحِبُّ الكافرين } أي لا يغفر لهم. أ هـ {بحر العلوم حـ 1 صـ 232}","part":12,"page":391},{"id":5195,"text":"فصل\rروى البغوى عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : \"كل أمتي يدخلون الجنة إلا من أبى\" قالوا ومن يأبى ؟ قال \"من أطاعني دخل الجنة ومن عصاني فقد أبى\". { أخرجه البخاري في الاعتصام - باب : الاقتداء بسنن رسول الله صلى الله عليه وسلم 13 / 249 . والمصنف في شرح السنة : 1 / 192 }.\rأخبرنا عبد الواحد المليحي ، أنا أحمد بن عبد الله النعيمي ، أنا محمد بن يوسف ، أنا محمد بن إسماعيل ، أنا محمد بن عبادة ، أنا يزيد نا سُليم بن حيان [وأثنى عليه] ، أنا سعيد بن ميناء قال : حدثنا أو سمعت جابر بن عبد الله يقول : جاءت ملائكة إلى النبي صلى الله عليه وسلم وهو نائم. فقال بعضهم : إنه نائم وقال بعضهم : إن العين نائمة والقلب يقظان فقالوا : إن لصاحبكم هذا مثلا فاضربوا له مثلا فقالوا : مثله كمثل رجل بنى دارا وجعل فيها مأدبة وبعث داعيا ، فمن أجاب الداعي دخل الدار وأكل من المأدبة ، ومن لم يجب الداعي لم يدخل الدار ولم يأكل من المأدبة ، فقالوا : أوِّلوها له يفقهها ، فقالوا : أما الدار الجنة والداعي محمد صلى الله عليه وسلم فمن أطاع محمدا فقد أطاع الله ومن عصى محمدا فقد عصى الله ومحمد صلى الله عليه وسلم فرق بين الناس\". { أخرجه البخاري في الاعتصام - باب : الاقتداء بسنن رسول الله صلى الله عليه وسلم 13 / 249 . والمصنف في شرح السنة : 1 / 192 - 193}. أ هـ {تفسيرالبغوى حـ 2 صـ 27 ـ 28}\rمن لطائف الإمام القشيرى فى الآية\rقوله جلّ ذكره : { قُلْ أَطِيعُوا اللهَ وَالرَّسُولَ فَإِن تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللهَ لاَ يُحِبُّ الكَافِرِينَ }.\rأمرهم بالطاعة ثم قال : { فَإِن تَوَلَّوْأ } أي قَصَّرُوا في الطاعة بأن خالفوا ، ثم قال : { فَإِنَّ اللهَ لاَ يُحِبُّ الكَافِرِينَ } لم يَقُلْ العاصين بل قال الكافرين ، ودليل الخطاب أنه يحب المؤمنين وإن كانوا عُصَاة. أ هـ {لطائف الإشارات حـ 1 صـ 236}","part":12,"page":392},{"id":5196,"text":"قوله تعالى { إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى آَدَمَ وَنُوحًا وَآَلَ إِبْرَاهِيمَ وَآَلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ (33) ذُرِّيَّةً بَعْضُهَا مِنْ بَعْضٍ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (34)}\rمناسبة الآية لما قبلها\rقال البقاعى : \rولما كان أصل الإبداء نوراً علياً نزله الحق سبحانه وتعالى في رتب التطوير والتصيير والجعل إلى أن بدأ عالماً دنياوياً محتوياً على الأركان الأربعة والمواليد الثلاثة ، وخفيت نورانيته في موجود أصنافه صفي الله سبحانه وتعالى من وجود كلية ذلك هذا الخلق الآدمي فكان صفي الله ، فأنبأ الخطاب عن تصييره إلى الصفاء بالافتعال ؛ انتهى - فقال سبحانه وتعالى : {إن الله} أي بجلاله وعظمته وكماله في إحاطته وقدرته {اصطفى} أي للعلم والرسالة عنه سبحانه وتعالى إلى خلقه والخلافة له في ملكه {آدم} أباكم الأول الذي لا تشكون في أنه خلقه من تراب ، وهو تنبيه لمن غلط في أمر عيسى عليه الصلاة والسلام على أن أعظم ما استغربوا من عيسى كونه من غير ذكر ، وآدم أغرب حالاً منه بأنه ليس من ذكر ولا أنثى ولا من جنس الأحياء - كما سيأتي ذلك صريحاً بعد هذا التلويح لذي الفهم الصحيح.\rقال الحرالي : فاصفطاه من كلية مخلوقه الذي أبداه ملكاً وملكوتاً خلقاً وأمراً ، وأجرى اسمه من أظهر ظاهره الأرضي وأدنى أدناه ، فسماه آدم من أديم الأرض ، على صيغة أفعل ، التي هي نهاية كمال الآدمية والأديمية.","part":12,"page":393},{"id":5197,"text":"فكان مما أظهر تعالى في اصطفاء آدم ما ذكر جوامعه علي رضي الله عنه في قوله : لما خلق الله سبحانه وتعالى أبان فضله للملائكة وأراهم ما اختصه به من سابق العلم من حيث علمه عند استنبائه إياه أسماء الأشياء فجعل الله سبحانه وتعالى آدم محراباً وكعبة وباباً وقبلة ، أسجد له الأبرار والروحانيين الأنوار ، ثم نبه آدم على مستودعه وكشف له خطر ما ائتمنه عليه بعد أن سماه عند الملائكة إماماً ، فكان تنبيهه على خطر أمانته ثمرة اصطفائه - انتهى {ونوحاً} أباكم الثاني الذي أخرجه من بين أبوين شابين على عادتكم المستمرة فيكم.\rوقال الحرالي : أنبأ تعالى أنه عطف لنوح عليه الصلاة والسلام اصطفاء على اصطفاء آدم ترقياً إلى كمال الوجود الآدمي وتعالياً إلى الوجود الروحي العيسوي ، فاصطفى نوحاً عليه الصلاة والسلام بما جعله أول رسول بتوحيده من حيث دحض الشرك وأقام كلمة الإيمان بقول \" لا إله إلا الله \" ، لما تقدم بين آدم ونوح من عبادة الأصنام والأوثان ، فكان هذا الاصطفاء اصطفاء باطناً لذلك الاصطفاء الظاهر فتأكد الاصطفاء وجرى من أهلكته طامة الطوفان مع نوح عليه الصلاة والسلام من الذر الآدمي مجرى تخليص الصفاوات من خثارتها ، وكما صفي آدم من الكون كله صفي نوحاً عليه السلام وولده الناجين معه من مطرح الخلق الآدمي الكافرين الذين لا يلدون إلا فاجراً كفاراً ، فلم يكن فيهم ولا في مستودع ذراريهم صفاوة تصلح لمزية الإخلاص الذي اختص بصفوته نوح عليه الصلاة والسلام {وإذا أخذنا من النبيين ميثاقهم ومنك ومن نوح} [ الأحزاب : 7 ] فكان ميثاق نوح عليه السلام ما قام به من كلمة التوحيد ورفض الأصنام والطاغوت التي اتخذها الظلمانيون من ذر آدم ، فتصفى بكلمة التوحيد النوارانيون منه ، فكان نوح عليه الصلاة والسلام ومن نجا معه صفوة زمانه ، كما كان آدم صفوة حينه - انتهى.\r","part":12,"page":394},{"id":5198,"text":"ولما كان أكثر الأنبياء من نسل إبراهيم عليه الصلاة والسلام زاد في تعظيمه بقوله : {وآل إبراهيم} أي الذين أود فيهم الخوارق ولا سيما في إخراج الولد من بين شيخين كبيرين لا يولد لمثلهما ، وفي ذلك إشارة إلى أن عيسى عليه الصلاة والسلام مثلهم لأنه أحدهم ، وكذا قوله : {وآل عمران} في قوله : {على العالمين} إشارة إلى أنه كسائر أقاربه منهم ، وأفصح بذلك إفصاحاً جلياً في قوله : {ذرية بعضها من بعض} أي فهم كلهم من بني آدم ، لا مزية لبعضهم على بعض في ذلك ، لا مزية في شيء من ذلك ، وأنتم لا تشكون فيه من شيء من الخصائص مما دون أمد عيسى عليه الصلاة والسلام ، فما لكم لما خص سبحانه وتعالى آل عمران من بين العالمين بخرق العادة فيهم بإخراج ولد من أنثى فقط من غير ذكر لم تردوا ما لم تعرفوا منه إلى ما تعرفون من الخوارق حتى انجلى لكم واتضح لديكم ؟ بل أشكل لعيكم وقامت فيكم قيامتكم بما يفضي إلى الشك في قدرة الإله الذي لا تشكون أن من شك في تمام قدرته كفر.\rوقال الحرالي : فإثبات هذه الجملة بتشابه وتماثل تتعالى عن نحوه الإلهية ، فأبان هذا الخطاب في عيسى عليه الصلاة والسلام اصطفاء من جملة هذا الاصطفاء ، فكما لم يقع فيمن سواه لبس من أمر ألإلهية فكذلك ينبغي أن لايقع فيه هو أيضاً لبس لمن يتلقن بيان الإحكام والتشابه من الذي أنزل الكتاب محكماً ومتشابهاً وأظهر الخلق بادياً وملتبساً انتهى.\rوقد عاد سبحانه وتعالى بهذا الخطاب على أحسن وجه إلى قصة عيسى عليه الصلاة والسلام الذي نزلت هذه الآيات كلها في المجادلة في أمره والإخبار عن حمله وولادته وغير ذلك من صفاته التي يتنزه الإله عنها ، وكراماته التي لا تكون إلا للقرب ، فأخبر أولاً عن حال أمه وأمها وأختها وما اتفق لهن من الخوارق التي تمسك بوقوع مثلها من عيسى عليه السلام من كفر برفعه فوق طوره ، ثم شرع في قص أمره حتى لم يدع فيه لبساً بوجه.\r","part":12,"page":395},{"id":5199,"text":"وقال الحرالي : في التعبير عن اصطفاء إبراهيم ومن بعده عليهم الصلاة والسلام في إشعار الخطاب اختصاص إبراهيم عليه الصلاة والسلام بما هو أخص من هذا الاصطفاء من حيث انتظم في سلكه آله لاختصاصه هو بالخلة التي لم يشركه فيها أهل هذا الاصطفاء ، فاختص نمط هذا الاصطفاء بآله ، وهم - والله سبحانه وتعالى أعلم - إسحاق ويعقوب والعيص عليهم الصلاة والسلام ومن هو منهم من ذريتهم لأن إسماعيل عليه السلام اختص بالوصلة بين إبراهيم الخليل ومحمد الحبيب صلوات الله وسلامه عليهم ، فكان مترقى ما هو لهم من وراء هذا الاصطفاء ، ولأن إنزال هذا الخطاب لخلق عيسى عليه الصلاة والسلام ، وهو من ولد داود عليه الصلاة والسلام فيما يذكر ، وداود من سبط لاوي بن إسرائيل عليهم الصلاة والسلام فيما ينسب ، فلذلك - والله سبحانه وتعالى أعلم - جرى هذا الاصطفاء على آله ، فظهر من مزية هذا الاصطفاء لآله ما كان من اصطفاء موسى عليه السلام بالتكليم وإنزال الكتاب السابق {يا موسى إني اصطفيتك على الناس} [ الأعراف : 144 ] فكان هذا الاصطفاء استخلاص صفاوة من صفاوة نوح عليه الصلاة والسلام المستخلصين من صفاوة آدم عليه الصلاة والسلام ، وآل عمران - والله سبحانه وتعالى أعلم - مريم وعيسى عليهما الصلاة والسلام ليقع الاصطفاء في نمط يتصل من آدم إلى عيسى عليهما الصلاة والسلام ليحوزوا طرفي الكون روحاً وسلالة ، والعالمون علم الله الذي له الملك ، فكما أن الملك لا بد له من علم يعلم به بدوه وظهوره جعل الله ما أبداه من خلقه علماً على ظهور ملكه بين يدي ظهور خلقه في غاية يوم الدين عاماً ، وفي يوم الدنيا لمن شاء من أهل اليقين والعيان خاصاً ، وأعلى معناه بما ظهر في لفظه من الألف الزائدة على لفظ العلم ، فاصطفى سبحانه وتعالى آدم عليه الصلاة والسلام على الموجودين في وقته ، وكذلك نوحاً وآل إبراهيم وآل عمران كلاًّ على عالم زمانه ، ومن هو بعد في غيب لم تبد صورته في","part":12,"page":396},{"id":5200,"text":"العالم العياني لم يلحقه بعد عند أهل النظر اسم العالم وأشار سبحانه وتعالى بذكر الذرية من معنى الذرء الذي هو مخصوص بالخلق ليظهر انتظام عيسى عليه الصلاة والسلام في سلك الجميع ذرءاًَ ، وأنه لا يكون مع الذرء لبس الإلهية ، لأن الله سبحانه وتعالى لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفواً أحد ، فكان نصب لفظ الذرية تكييفاً لهذا الاصطفاء المستخلص على وجه الذر ، وهو الذي يسميه النحاة حالاً - انتهى.\rولما ذكر سبحانه وتعالى هؤلاء الذين اصطفاهم ، وكان مدار أمر الاصطفاء على العلم ، ومدار ما يقال لهم وفيهم مما يكون كفراً أو إيماناً على السمع ختم سبحانه وتعالى الآية بقوله عاطفاً على ما تقديره : فالله سبحانه وتعالى يفعل بإحاطته ما يريد : {والله} أي المحيط قدرة وعلماً {سميع عليم} إشارة إلى أنه اصطفاهم على تمام العلم بهم ترغيباً في أحوالهم والاقتداء بأفعالهم وأقوالهم. أ هـ {نظم الدرر حـ 2 صـ 66 ـ 69}\rوقال ابن عاشور : \r{إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحاً وَآلَ إبراهيم وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ} [33]{ذُرِّيَّةً بَعْضُهَا مِنْ بَعْضٍ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ} [34].\rانتقال من تمهيدات سبب السورة إلى واسطة التمهيد والمقصد ، كطريقة التخلص ، فهذا تخلص لمحاجة وفد نجران وقد ذكرناه في أول السورة ، فابتدئ هنا بذكر آدم ونوح وهما أبو البشر أو أحدهما وذكر إبراهيم وهو أبو المقصودين بالتفضيل وبالخطاب. فأما آدم فهو أبو البشر باتفاق الأمم كلها إلا شذوذا من أصحاب النزعات الإلحادية الذين ظهروا في أوروبا واخترعوا نظيرة تسلسل أنواع الحيوان بعضها من بعض وهي نظيرة فائلة.\r","part":12,"page":397},{"id":5201,"text":"وآدم اسم أبس البشر عند جميع أهل الأديان ، وهو علم عليه وضعه لنفسه بإلهام من الله تعالى كما وضع مبدأ اللغة. ولا شك أن من أول ما يحتاج إليه هو وزوجه أن يعبر أحدهما للآخر ، وظاهر القرآن أن الله أسماه بهذا الاسم من قبل خروجه من جنة عدن ولا يجوز أن يكون اسمه مشتقا من الأدمة ، وهي اللون المخصوص لأن تسمية ذلك اللون بالأدمة خاص بكلام العرب فلعل العرب وضعوا اسم ذلك اللون أخذا من وصف لون آدم أبي البشر.\rوقد جاء في سفر التكوين من كتاب العهد عند اليهود ما يقتضي : أن آدم وجد على الأرض في وقت يوافق سنة 3942 اثنين وأربعين وتسعمائة وثلاثة آلاف قبل ميلاد عيسى وأنه عاش تسعمائة وثلاثين سنة فتكون وفاته في سنة 3012 اثنتي عشرة وثلاثة آلاف قبل ميلاد عيسى هذا ما تقبله المؤرخون المتبعون لضبط السنين. والمظنون عند المحققين الناظرين في شواهد حضارة البشرية أن هذا الضبط لا يعتمد ، وأن وجود آدم متقادم في أزمنة مترامية البعد هي أكثر بكثير مما حدده سفر التكوين.\rوأما نوح فتقول التوراة : إنه ابن لامك وسمي عند العرب لمك بن متوشالخ بن أخنوخ وهو إدريس عند العرب ابن يارد بتحتية في أوله بن مهلئيل بميم مفتوحة فهاء ساكنة فلام مفتوحة بن قينان بن أنوش بن شيت بن آدم. وعلى تقديرها وتقدير سني أعمارهم يكون قد ولد سنة ست وثمانين وثمانمائة وألفين قبل ميلاد عيسى وتوفي سنة ست وثلاثين وتسعمائة وألف قبل ميلاد عيسى والقول فيه كما تقدم في ضبط تاريخ وجود آدم.\r","part":12,"page":398},{"id":5202,"text":"وفي زمن نوح وقع الطوفان على جميع الأرض ونجاه الله وأولاده وأزواجهم في الفلك فيكون أبا ثانيا للبشر. ومن الناس من يدعي أن الطوفان لم يعم الأرض وعلى هذا الرأي ذهب مؤرخو الصين وزعموا أن الطوفان لم يشمل قطرهم فلا يكون نوح عندهم أبا ثانيا للبشر. وعلى رأي الجمهور فالبشر كلهم يرجعون إلى أبناء نوح الثلاثة سام ، وحام ، ويافث ، وهو أول رسول بعثه الله إلى الناس حسب الحديث الصحيح. وعمر نوح تسعمائة وخمسين سنة على ما في التوراة فهو ظاهر قوله تعالى : {فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلَّا خَمْسِينَ عَاماً} [العنكبوت : 14] وفي التوراة : أن الطوفان حدث وعمر نوح ستمائة سنة وأن نوحا صار بعد الطوفان فلاحا وغرس الكرم واتخذ الخمر. وذكر الآلوسي صفته بدون سند فقال : كان نوح دقيق الوجه في رأسه طول عظيم العينين غليظ العضدين كثير لحم الفخذين ضحم السرة طويل القامة جسيما طويل اللحية. قيل : إن مدفنه بالعراق في نواحي الكوفة ، وقيل في ذيل جبل لبنان ، وقيل بمدينة الكرك. وسيأتي ذكر الطوفان : في سورة الأعراف ، وفي سورة العنكبوت ، وذكر شريعته في سورة الشورى ، وفي سورة نوح.\rوالآل : الرهط ، وآل إبراهيم : أبناؤه وحفيده وأسباطه ، والمقصود تفضيل فريق منهم. وشمل آل إبراهيم الأنبياء من عقبه كموسى ، ومن قبله ، ومن بعده ، وكمحمد عليه الصلاة والسلام ، وإسماعيل ، وحنظلة بن صفوان ، وخالد بن سنان.","part":12,"page":399},{"id":5203,"text":"وأما آل عمران : فهم مريم ، وعيسى ، فمريم بنت عمران بن ماتان كذا سماه المفسرون ، وكان من أحبار اليهود ، وصالحيهم ، وأصله بالعبرانية عمرام بميم في آخره فهو أبو مريم ، قال المفسرون : هو من نسل سليمان بن داود ، وهو خطأ ، والحق أنه من نسل هارون أخي موسى كما سيأتي قريبا. وفي كتب النصارى : أن اسمه يوهاقيم ، فلعله كان له اسمان ومثله كثير. وليس المراد هنا عمران والد موسى وهارون ؛ إذ المقصود هنا التمهيد لذكر مريم وابنها عيسى بدليل قوله : {إِذْ قَالَتِ امْرَأَتُ عِمْرَانَ}. أ هـ {التحرير والتنوير حـ 3 صـ 82 ـ 84}","part":12,"page":400},{"id":5204,"text":"وقال الآلوسى : \r{ إِنَّ الله اصطفى ءادَمَ وَنُوحًا وَءالَ إبراهيم وَءالَ عمران عَلَى العالمين } روي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنه أن اليهود قالوا : نحن أبناء إبراهيم وإسحاق ويعقوب عليهم الصلاة والسلام ونحن على دينهم فنزلت ، وقيل : إن نصارى نجران لما غلوا في عيسى عليه الصلاة والسلام وجعلوه ابن الله سبحانه واتخذوه إلهاً نزلت رداً عليهم وإعلاماً لهم بأنه من ذرية البشر المنتقلين في الأطوار المستحيلة على الإله وهذا وجه مناسبة الآية لما قبلها. وقال شيخ الإسلام رحمه الله تعالى في وجه المناسبة : إنه سبحانه لما بين { إِنَّ الدّينَ عِندَ الله الإسلام } وإن اختلاف أهل الكتابين فيه إنما هو للبغي والحسد وأن الفوز برضوانه ومغفرته ورحمته منوط باتباع الرسول صلى الله عليه وسلم شرع في تحقيق رسالته وأنه من أهل بيت النبوة القديمة فبدأ ببيان جلالة أقدار الرسل عليهم الصلاة والسلام وأتبعه ذكر مبدأ عيسى وأمه وكيفية دعوته الناس إلى الإيمان تحقيقاً للحق وإبطالاً لما عليه أهل الكتابين من الإفراط والتفريط في شأنهما ثم بين محاجتهم في إبراهيم وادعائهم الانتماء إلى ملته ونزه ساحته العلية عما عم عليه من اليهودية والنصرانية ثم نص على أن جميع الرسل دعاة إلى عبادة الله تعالى وتوحيده وأن أممهم قاطبة مأمورون بالإيمان بمن جاءهم من رسول مصدق لما معهم تحقيقاً لوجوب الإيمان بالرسول صلى الله عليه وسلم وتحتم الطاعة له حسبما يأتي تفصيله انتهى وهو وجه وجيه. أ هـ {روح المعانى حـ 3 صـ 131}","part":12,"page":401},{"id":5205,"text":"فصل\rقال الفخر : \rاعلم أن المخلوقات على قسمين : \rالمكلف وغير المكلف واتفقوا على أن المكلف أفضل من غير المكلف ، واتفقوا على أن أصناف المكلف أربعة : الملائكة ، والإنس والجن ، والشياطين ، أما الملائكة ، فقد روي في الأخبار أن الله تعالى خلقهم من الريح ومنهم من احتج بوجوه عقلية على صحة ذلك فالأول : أنهم لهذا السبب قدروا على الطيران على أسرع الوجوه والثاني : لهذا السبب قدروا على حمل العرش ، لأن الريح تقوم بحمل الأشياء الثالث : لهذا السبب سموا روحانيين ، وجاء في رواية أخرى أنهم خلقوا من النور ، ولهذا صفت وأخلصت لله تعالى والأولى أن يجمع بين القولين فنقول : أبدانهم من الريح وأرواحهم من النور فهؤلاء هم سكان عالم السموات ، أما الشياطين فهم كفرة أما إبليس فكفره ظاهر لقوله تعالى : {وَكَانَ مِنَ الكافرين} [ البقرة : 34 ] وأما سائر الشياطين فهم أيضاً كفرة بدليل قوله تعالى : {وَإِنَّ الشياطين لَيُوحُونَ إلى أَوْلِيَائِهِمْ ليجادلوكم وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ} [ الأنعام : 121 ] ومن خواص الشياطين أنهم بأسرها أعداء للبشر قال تعالى : {فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبّهِ أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرّيَّتَهُ أَوْلِيَاء مِن دُونِى وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ} [ الكهف : 50 ] وقال : {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلّ نِبِىّ عَدُوّاً شياطين الإنس والجن} [ الأنعام : 112 ] ومن خواص الشياطين كونهم مخلوقين من النار قال الله تعالى حكاية عن إبليس {خَلَقْتَنِي مِن نَّارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ} [ الأعراف : 12 ] وقال : {والجآن خلقناه مِن قَبْلُ مِن نَّارِ السموم} [ الحجر : 27 ] فأما الجن فمنهم كافر ومنهم مؤمن ، قال تعالى : {وَأَنَّا مِنَّا المسلمون وَمِنَّا القاسطون فَمَنْ أَسْلَمَ فأولئك تَحَرَّوْاْ رَشَداً} [ الجن : 14 ] أما الإنس فلا شك أن لهم والداً هو والدهم الأول ، وإلا لذهب إلى ما لا نهاية والقرآن دلّ على أن ذلك الأول هو آدم صلى الله عليه وسلم على","part":12,"page":402},{"id":5206,"text":"ما قال تعالى في هذه السورة {إِنَّ مَثَلَ عيسى عِندَ الله كَمَثَلِ ءَادَمَ خَلَقَهُ مِن تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُن فَيَكُونُ} [ آل عمران : 59 ] وقال : {ياأيها الناس اتقوا رَبَّكُمُ الذى خَلَقَكُمْ مّن نَّفْسٍ واحدة وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا} [ النساء : 1 ].\rإذا عرفت هذا فنقول : اتفق العلماء على أن البشر أفضل من الجن والشياطين ، واختلفوا في أن البشر أفضل أم الملائكة ، وقد استقصينا هذه المسألة في تفسير قوله تعالى : {اسجدوا لأَدَمَ فَسَجَدُواْ} [ الأعراف : 11 ] والقائلون بأن البشر أفضل تمسكوا بهذه الآية ، وذلك لأن الاصطفاء يدل على مزيد الكرامة وعلو الدرجة ، فلما بيّن تعالى أنه اصطفى آدم وأولاده من الأنبياء على كل العالمين وجب أن يكونوا أفضل من الملائكة لكونهم من العالمين.\rفإن قيل : إن حملنا هذه الآية على تفضيل المذكورين فيها على كل العالمين أدى إلى التناقض لأن الجمع الكثير إذا وصفوا بأن كل واحد منهم أفضل من كل العالمين يلزم كون كل واحد منهم أفضل من كل العالمين يلزم كون كل واحد منهم أفضل من الآخر وذلك محال ، ولو حملناه على كونه أفضل عالمي زمانه أو عالمي جنسه لم يلزم التناقض ، فوجب حمله على هذا المعنى دفعاً للتناقض وأيضاً قال تعالى في صفة بني إسرائيل {وَأَنّى فَضَّلْتُكُمْ عَلَى العالمين} [ البقرة : 47 ] ولا يلزم كونهم أفضل من محمد صلى الله عليه وسلم بل قلنا المراد به عالمو زمان كل واحد منهم ، والجواب ظاهر في قوله : اصطفى آدم على العالمين ، يتناول كل من يصح إطلاق لفظ العالم عليه فيندرج فيه الملك ، غاية ما في هذا الباب أنه ترك العمل بعمومه في بعض الصور لدليل قام عليه ، فلا يجوز أن نتركه في سائر الصور من غير دليل. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 8 صـ 18 ـ 19}\rفصل\rقال البغوى : ","part":12,"page":403},{"id":5207,"text":"قال ابن عباس رضي الله عنهما : قالت اليهود نحن من أبناء إبراهيم وإسحاق ويعقوب ، ونحن على دينهم فأنزل الله تعالى هذه الآية. يعني : إن الله اصطفى هؤلاء بالإسلام وأنتم على غير دين الإسلام { اصْطَفَى }. أ هـ {تفسيرالبغوى حـ 2 صـ 28}\rفصل\rقال الفخر : \r{اصطفى} في اللغة اختار ، فمعنى : اصطفاهم ، أي جعلهم صفوة خلقه ، تمثيلاً بما يشاهد من الشيء الذي يصفى وينقى من الكدورة ، ويقال على ثلاثة أوجه : صفوة ، وصفوة وصفوة ، ونظير هذه الآية قوله لموسى {إِنْى اصطفيتك عَلَى الناس برسالاتي} [ الأعراف : 144 ] وقال في إبراهيم {وإسحاق وَيَعْقُوبَ وَإِنَّهُمْ عِندَنَا لَمِنَ المصطفين الاخيار} [ ص : 47 ].\rإذا عرفت هذا فنقول.\rفي الآية قولان\rالأول : المعنى أن الله اصطفى دين آدم ودين نوح فيكون الاصطفاء راجعاً إلى دينهم وشرعهم وملتهم ، ويكون هذا المعنى على تقدير حذف المضاف والثاني : أن يكون المعنى : إن الله اصطفاهم ، أي صفاهم من الصفات الذميمة ، وزينهم بالخصال الحميدة ، وهذا القول أولى لوجهين أحدهما : أنا لا نحتاج فيه إلى الإضمار\rوالثاني : أنه موافق لقوله تعالى : {الله أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رسالته} [ الأنعام : 124 ] وذكر الحليمي في كتاب \"المنهاج\" أن الأنبياء عليهم الصلاة والسلام لا بد وأن يكونوا مخالفين لغيرهم في القوى الجسمانية ، والقوى الروحانية ، أما القوى الجسمانية ، فهي إما مدركة ، وإما محركة.\rأما المدركة : فهي إما الحواس الظاهرة ، وإما الحواس الباطنة ، أما الحواس الظاهرة فهي خمسة\rأحدها : القوة الباصرة ، ولقد كان الرسول صلى الله عليه وسلم مخصوصاً بكمال هذه الصفة ويدل عليه وجهان\rالأول : قوله صلى الله عليه وسلم : \" زويت لي الأرض فأريت مشارقها مغاربها \"","part":12,"page":404},{"id":5208,"text":"والثاني : قوله صلى الله عليه وسلم : \" أقيموا صفوفكم وتراصوا فإني أراكم من وراء ظهري \" ونظير هذه القوة ما حصل لإبراهيم صلى الله عليه وسلم وهو قوله تعالى : {وَكَذَلِكَ نُرِى إبراهيم مَلَكُوتَ السموات والأرض} [ الأنعام : 75 ] ذكروا في تفسيره أنه تعالى قوَّى بصره حتى شاهد جميع الملكوت من الأعلى والأسفل\rقال الحليمي رحمه الله : وهذا غير مستبعد لأن البصراء يتفاوتون فروي أن زرقاء اليمامة كانت تبصر الشيء من مسيرة ثلاثة أيام ، فلا يبعد أن يكون بصر النبي صلى الله عليه وسلم أقوى من بصرها\rوثانيها : القوة السامعة ، وكان صلى الله عليه وسلم أقوى الناس في هذه القوة ، ويدل عليه وجهان\rأحدهما : قوله صلى الله عليه وسلم : \" أطت السماء وحق لها أن تئط ما فيها موضع قدم إلا وفيه ملك ساجد لله تعالى \" فسمع أطيط السماء","part":12,"page":405},{"id":5209,"text":"والثاني : أنه سمع دوياً وذكر أنه هوي صخرة قذفت في جهنم فلم تبلغ قعرها إلى الآن ، قال الحليمي : ولا سبيل للفلاسفة إلى استبعاد هذا ، فإنهم زعموا أن فيثاغورث راض نفسه حتى سمع خفيف الفلك ، ونظير هذه القوة لسليمان عليه السلام في قصة النمل {قَالَتْ نَمْلَةٌ يأَيُّهَا النمل ادخلوا مساكنكم} [ النمل : 18 ] فالله تعالى أسمع سليمان كلام النمل وأوقفه على معناه وهذا داخل أيضاً في باب تقوية الفهم ، وكان ذلك حاصلاً لمحمد صلى الله عليه وسلم حين تكلم مع الذئب ومع البعير ثالثها : تقوية قوة الشم ، كما في حق يعقوب عليه السلام ، فإن يوسف عليه السلام لما أمر بحمل قميصه إليه وإلقائه على وجهه ، فلما فصلت العير قال يعقوب {إِنّى لاجِدُ رِيحَ يُوسُف} [ يوسف : 94 ] فأحس بها من مسيرة أيام ورابعها : تقوية قوة الذوق ، كما في حق رسولنا صلى الله عليه وسلم حين قال : \" إن هذا الذراع يخبرني أنه مسموم \" وخامسها : تقوية القوة اللامسة كما في حق الخليل حيث جعل الله تعالى النار برداً وسلاماً عليه ، فكيف يستبعد هذا ويشاهد مثله في السمندل والنعامة ، وأما الحواس الباطنة فمنها قوة الحفظ ، قال تعالى : {سَنُقْرِئُكَ فَلاَ تنسى} [ الأعلى : 6 ] ومنها قوة الذكاء قال علي عليه السلام : \" علمني رسول الله صلى الله عليه وسلم ألف باب من العلم واستنبطت من كل باب ألف باب \" فإذا كان حال الولي هكذا ، فكيف حال النبي صلى الله عليه وسلم.\rوأما القوى المحركة : فمثل عروج النبي صلى الله عليه وسلم إلى المعراج ، وعروج عيسى حياً إلى السماء ، ورفع إدريس وإلياس على ما وردت به الأخبار ، وقال الله تعالى : {قَالَ الذى عِندَهُ عِلْمٌ مّنَ الكتاب أَنَاْ ءَاتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَن يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ} [ النمل : 40 ].\rوأما القوى الروحانية العقلية : فلا بد وأن تكون في غاية الكمال ، ونهاية الصفاء.\r","part":12,"page":406},{"id":5210,"text":"واعلم أن تمام الكلام في هذا الباب أن النفس القدسية النبوية مخالفة بماهيتها لسائر النفوس ، ومن لوازم تلك النفس الكمال في الذكاء ، والفطنة ، والحرية ، والاستعلاء ، والترفع عن الجسمانيات والشهوات ، فإذا كانت الروح في غاية الصفاء والشرف ، وكان البدن في غاية النقاء والطهارة كانت هذه القوى المحركة المدركة في غاية الكمال لأنها جارية مجرى أنوار فائضة من جوهر الروح واصلة إلى البدن ، ومتى كان الفاعل والقابل في غاية الكمال كانت الآثار في غاية القوة والشرف والصفاء.\rإذا عرفت هذا فقوله {إِنَّ الله اصطفى آدَمَ وَنُوحًا} معناه : إن الله تعالى اصطفى آدم إما من سكان العالم السفلي على قول من يقول : الملك أفضل من البشر ، أو من سكان العالم العلوي على قول من يقول : البشر أشرف المخلوقات ، ثم وضع كمال القوة الروحانية في شعبة معينة من أولاد آدم عليه السلام ، هم شيث وأولاده ، إلى إدريس ، ثم إلى نوح ، ثم إلى إبراهيم ، ثم حصل من إبراهيم شعبتان : إسماعيل وإسحاق ، فجعل إسماعيل مبدأ لظهور الروح القدسية لمحمد صلى الله عليه وسلم ، وجعل إسحاق مبدأ لشعبتين : يعقوب وعيصو ، فوضع النبوّة في نسل يعقوب ، ووضع الملك في نسل عيصو ، واستمر ذلك إلى زمان محمد صلى الله عليه وسلم ، فلما ظهر محمد صلى الله عليه وسلم نقل نور النبوّة ونور الملك إلى محمد صلى الله عليه وسلم ، وبقيا أعني الدين والملك لأتباعه إلى قيام القيامة ، ومن تأمل في هذا الباب وصل إلى أسرار عجيبة. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 8 صـ 19 ـ 20}\rفائدة\rقال القرطبى : \rوخص هؤلاء بالذكر من بين الأنبياء لأن الأنبياء والرسل بقضِّهم وقَضِيضهم من نسلهم. أ هـ {تفسير القرطبى حـ 4 صـ 63}\rفصل\rقال الفخر : ","part":12,"page":407},{"id":5211,"text":"من الناس من قال : المراد بآل إبراهيم المؤمنون ، كما في قوله {النار يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا} [ غافر : 46 ] والصحيح أن المراد بهم الأولاد ، وهم المراد بقوله تعالى : {إِنّى جاعلك لِلنَّاسِ إِمَامًا قَالَ وَمِن ذُرّيَّتِى قَالَ لاَ يَنَالُ عَهْدِي الظالمين} [ البقرة : 124 ] وأما آل عمران فقد اختلفوا فيه ، فمنهم من قال المراد عمران ولد موسى وهارون ، وهو عمران بن يصهر بن قاهث بن لاوي بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم ، فيكون المراد من آل عمران موسى وهارون وأتباعهما من الأنبياء ، ومنهم من قال : بل المراد : عمران بن ماثان والد مريم ، وكان هو من نسل سليمان بن داود بن إيشا ، وكانوا من نسل يهوذا بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم عليهم الصلاة والسلام ، قالوا وبين العمرانين ألف وثمانمائة سنة ، واحتج من قال بهذا القول على صحته بأمور أحدها : أن المذكور عقيب قوله {وآل عمران على العالمين} هو عمران بن ماثان جد عيسى عليه السلام من قبل الأم ، فكان صرف الكلام إليه أولى\rوثانيها : أن المقصود من الكلام أن النصارى كانوا يحتجون على إلهية عيسى بالخوارق التي ظهرت على يديه ، فالله تعالى يقول : إنما ظهرت على يده إكراماً من الله تعالى إياه بها ، وذلك لأنه تعالى اصطفاه على العالمين وخصه بالكرامات العظيمة ، فكان حمل هذا الكلام على عمران بن ماثان أولى في هذا المقام من حمله على عمران والد موسى وهارون وثالثها : أن هذا اللفظ شديد المطابقة لقوله تعالى : {وجعلناها وابنها ءَايَةً للعالمين} [ الأنبياء : 91 ] واعلم أن هذه الوجوه ليست دلائل قوية ، بل هي أمور ظنية ، وأصل الاحتمال قائم. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 8 صـ 20 ـ 21}","part":12,"page":408},{"id":5212,"text":"فائدة\rقال الآلوسى : \rوبدأ بآدم عليه الصلاة والسلام لأنه أول النوع ، وثنى بنوح عليه الصلاة والسلام لأنه آدم الأصغر والأب الثاني وليس أحد على وجه البسيطة إلا من نسله لقوله سبحانه : { وَجَعَلْنَا ذُرّيَّتَهُ هُمُ الباقين } [ الصافات : 77 ] وذكر آل إبراهيم لترغيب المعترفين باصطفائهم في الإيمان بنبوة واسطة قلادتهم واستمالتهم نحو الاعتراف باصطفائه بواسطة كونه من زمرتهم وذكر آل عمران مع اندراجهم في الآل الأول لإظهار مزيد الاعتناء بأمر عيسى عليه الصلاة والسلام لكمال رسوخ الاختلاف في شأنه وهذا هو الداعي إلى إضافة الآل في الأخيرين دون الأولين. وقيل : المراد بالآل في الموضعين بمعنى النفس أي اصطفى آدم ونوحاً وإبراهيم وعمران ، وذكر الآل فيهما اعتناءاً بشأنهما وليس بشيء ، والمراد بآل إبراهيم كما قال مقاتل : إسماعيل وإسحق ويعقوب والأسباط وروي عن ابن عباس والحسن رضي الله تعالى عنهم أنهم من كان على دينه كآل محمد صلى الله عليه وسلم في أحد الإطلاقات ، والمراد بآل عمران عيسى عليه الصلاة والسلام وأمه مريم بنت عمران بن ماثان من ولد سليمان بن داود عليهما السلام قاله الحسن ووهب ، وقيل : المراد بهم موسى وهارون عليهما السلام ، فعمران حينئذ هو عمران بن يصهر أبو موسى قاله مقاتل وبين العمرانين ألف وثمانمائة سنة والظاهر هو القول الأول لأن السورة تسمى آل عمران ولم تشرح قصة عيسى ومريم في سورة أبسط من شرحها في هذه السورة ، وأما موسى وهارون فلم يذكر من قصتهما فيها طرف فدل ذلك على أن عمران المذكور هو أبو مريم ، وأيضاً يرجح كون المراد به أبا مريم أن الله تعالى ذكر اصطفاءها بعد ونص عليه وأنه قال سبحانه : { إِذْ قَالَتِ امرأت عمران } [ آل عمران : 35 ] الخ ، والظاهر أنه شرح لكيفية الاصطفاء المشار إليه بقوله تعالى : { إِنَّ الله } فيكون من قبيل تكرار الاسم في جملتين فيسبق الذهن إلى أن الثاني هو الأول نحو أكرم زيداً إن زيداً رجل فاضل","part":12,"page":409},{"id":5213,"text":" ، وإذا كان المراد بالثاني غير الأول كان في ذلك إلباس على السامع ، وترجيح القول الأخير بأن موسى يقرن بإبراهيم في الذكر ليس في القوة كمرجح الأول كما لا يخفى ، والاصطفاء الاختيار ، وأصله أخذ صفوة الشيء كالاستصفاء ، ولتضمينه معنى التفضيل عدي بعلى ، والمراد بالعالمين أهل زمان كل واحد منهم أي اصطفى كل واحد منهم على عالمي زمامه ، ويدخل الملك في ذلك ، والتأويل خلاف الأصل.\rومن هنا استدل بعضهم بالآية على أفضلية الأنبياء على الملائكة ، ووجه الاصطفاء في جميع الرسل أنه سبحانه خصهم بالنفوس القدسية وما يليق بها من الملكات الروحانية والكمالات الجسمانية حتى إنهم امتازوا كما قيل على سائر الخلق خلقاً وخلقاً وجعلوا خائن أسرار الله تعالى ومظهر أسمائه وصفاته ومحل تجليه الخاص من عباده ومهبط وحيه ومبلغ أمره ونهيه ، وهذا ظاهر في المصطفين المذكورين في الآية من الرسل ، وأما مريم فلها الحظ الأوفر من بعض ذلك ، وقيل : اصطفى آدم بأن خلقه بيديه وعلمه الأسماء وأسجد له الملائكة وأسكنه جواره ، واصطفى نوحاً بأنه أول رسول بعث بتحريم البنات والأخوات والعمات والخالات وسائر ذوي المحارم وأنه أب الناس بعد آدم وباستجابة دعوته في حق الكفرة والمؤمنين ، واصطفى آل إبراهيم بأن جعل فيهم النبوة والكتاب ، ويكفيهم فخراً أن سيد الأصفياء منهم ، واصطفى عيسى وأمه بأن جعلهما آية للعالمين.","part":12,"page":410},{"id":5214,"text":"وإن أريد بآل عمران موسى وهارون فوجه اصطفاء موسى عليه الصلاة والسلام تكليم الله تعالى إياه وكتابة التوراة له بيده ، ووجه اصطفاء هارون جعله وزيراً لأخيه ، وأما اصطفاء إبراهيم عليه الصلاة والسلام فمفهوم بطريق الأولى وعدم التصريح به للإيذان بالغنى عنه لكمال شهرة أمره بالخلة وكونه شيخ الأنبياء وقدوة المرسلين ، وأما اصطفاء نبينا صلى الله عليه وسلم فيفهم من دخوله في آل إبراهيم كما أشرنا إليه وينضم إليه أن سياق هذا المبحث لأجله كما يدل عليه بيان وجه المناسبة في كلام شيخ الإسلام ، وروي عن أئمة أهل البيت أنهم يقرءون وآل محمد على العالمين وعلى ذلك لا سؤال ، ومن الناس من قال : المراد بآل إبراهيم محمد صلى الله عليه وسلم جعل كأنه كل الآل مبالغة في مدحه ، وفيه أن نبينا وإن كان في نفس الأمر بمنزلة الأنبياء كلهم فضلاً عن آل إبراهيم فقط إلا أن هذه الإرادة هنا بعيدة ، ويشبه ذلك في البعد بل يزيد عليه ما ذكره بعضهم في الآية أنه لما أمرهم بمتابعته صلى الله عليه وسلم وإطاعته ، وجعل إطاعته ومتابعته سبباً لمحبة الله تعالى إياهم وعدم إطاعته سبباً لسخط الله تعالى عليهم وسلب محبته عنهم أكد ذلك بتعقيبه بما هو عادة الله تعالى من اصطفاء أنبيائه على مخالفيهم وقمعهم وتذليلهم وإعدامهم لهم تخويفاً لهؤلاء المتمردين عن متابعته صلى الله عليه وسلم فذكر اصطفاء آدم على العالم الأعلى فإنه رجحه على سائر الملائكة وجعلهم ساجدين له وجعل الشيطان في لعنة لتمرده ، واصطفاء نوح على العالم مع نهاية كثرتهم فأهلكهم بالطوفان وحفظ نوحاً وأتباعه ، واصطفاء آل إبراهيم على العالم مع أن العالم كانوا كافرين فجعل دينهم شائعاً وذلل مخالفيهم ، واصطفاء موسى وهارون على العلم فجعل السحرة مع كثرتهم مغلوبين لهما وفرعون مع عظمته وغلبة جنوده مغلوباً وأهلكهم ، ولذا خص آدم بالذكر ونوحاً والآلين ، ولم يذكر إبراهيم ونبينا صلى الله تعالى عليهما","part":12,"page":411},{"id":5215,"text":"وسلم إذ إبراهيم لم يغلب ، وهذا الكلام لبيان أن نبينا صلى الله عليه وسلم سيغلب وليس المراد الاصطفاء بالنبوة حتى يخفى وجه التخصيص وبهذا ظهر ضعف الاستدلال به على فضلهم على الملائكة انتهى.\rوفيه أن المتبادر من الاصطفاء الاجتباء والاختيار لا النصر على الأعداء على أن المقام بمراحل عن هذا الحمل ، وقد أخرج ابن عساكر وغيره عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أنه فسر الاصطفاء هنا بالاختيار للرسالة ومثله فيما أخرجه ابن جرير عن الحسن وأيضاً حمل آل عمران على موسى وهارون مما لا ينساق إليه الذهن كما علمت ، وكأن القائل لما لم يتيسر له إجراء الاصطفاء بالمعنى الذي أراده في عيسى عليه الصلاة والسلام وأمه اضطر إلى الحمل على خلاف الظاهر ، وأنت تعلم أن الآية غنية عن الولوج في مثل هذه المضايق. أ هـ {روح المعانى حـ 3 صـ 131 ـ 132}\rلطيفة\rقال القرطبى : \rومعنى قوله : \"عَلَى الْعَالَمِينَ\" أي على عالمي زمانهم ، في قول أهل التفسير.\rوقال الترمذيّ الحكيم أبو عبد الله محمد بن عليّ : جميع الخلق كلهم.\rوقيل \"عَلَى الْعَالَمِينَ\" : على جميع الخلق كلهم إلى يوم الصور ، وذلك أن هؤلاء رُسُلٌ وأنبياء فهم صفوة الخلق ؛ فأما محمد صلى الله عليه وسلم فقد جازت مرتبته الاصطفاء لأنه حبيب ورحمة.\rقال الله تعالى : { وَمَآ أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ } [ الأنبياء : 107 ] فالرسل خلقوا للرحمة ، ومحمد صلى الله عليه وسلم خُلق بنفسه رحمةً ، فلذلك صار أماناً للخلق ، لمّا بعثه الله أَمِنَ الخلقُ العذاب إلى نفخة الصور.\rوسائر الأنبياء لم يحلّوا هذا المحل ؛ ولذلك قال عليه السلام : \" أنا رحمة مهداة \" يخبر أنه بنفسه رحمة للخلق من الله.\rوقوله \"مهداة\" أي هدية من الله للخلق.","part":12,"page":412},{"id":5216,"text":"ويقال : اختار آدم بخمسة أشياء : أوّلها أنه خلقه بيده في أحسن صورة بقدرته ، والثاني أنه علّمه الأسماء كلها ، والثالث أمر الملائكة بأن يسجدوا له ، والرابع أسكنه الجنة ، والخامس جعله أبا البشر.\rواختار نوحاً بخمسة أشياء : \rأوّلها أنه جعله أبا البشر ؛ لأن الناس كلهم غرِقوا وصار ذريته هم الباقين ، \rوالثاني أنه أطال عمره ؛ ويقال : طوبى لمن طال عمره وحسن عمله ، \rوالثالث أنه استجاب دعاءه على الكافرين والمؤمنين ، \rوالرابع أنه حمله على السفينة ، \rوالخامس أنه كان أوّل من نسخ الشرائع ؛ وكان قبل ذلك لم يحرم تزويج الخالات والعمات.\rواختار إبراهيم بخمسة أشياء : \rأوّلها أنه جعله أبا الأنبياء ؛ لأنه روي أنه خرج من صلبه ألف نبيّ من زمانه إلى زمن النبيّ صلى الله عليه وسلم ، \rوالثاني أنه اتخذه خليلاً ، \rوالثالث أنه أنجاه من النار ، \rوالرابع أنه جعله إماماً للناس ، \rوالخامس أنه ابتلاه بالكلمات فوَفّقَه حتى أتمهن.\rثم قال : \"وَآلَ عِمْرَانَ\" فإن كان عمران أبا موسى وهارون فإنما اختارهما على العالمين حيث بعث على قومه المَنّ والسلْوَى وذلك لم يكن لأحد من الأنبياء في العالم.\rوإن كان أبا مريم فإنه أصطفى له مريم بولادة عيسى بغير أب ولم يكن ذلك لأحد في العالم. والله أعلم. أ هـ {تفسير القرطبى حـ 4 صـ 63 ـ 64}\rقوله تعالى : {ذُرّيَّةً بَعْضُهَا مِن بَعْضٍ}\rقال ابن عادل : \rقوله : { ذُرِّيَّةَ } في نَصْبها وجهان : \rأحدهما : أنها منصوبة على البدل مما قبلها ، وفي المُبْدَل منه - على هذا - ثلاثة أوجه : \rأحدها : أنها بدل من \" آدَمَ \" وما عُطِفَ عليه وهذا إنَّمَا يتأتَّى على قول من يُطْلِق \" الذُّرِّيَّة \" على الآباء وعلى الأبناء وإليه ذَهَب جماعةٌ.\rقال الجرجاني : \" الآية توجب أن تكون الآباء ذرية للأبناء والأبناء ذرية للآباء. وجاز ذلك ؛ لأنه من ذرأ الخلق ، فالأب ذُرِئ منه الولد ، والولد ذرئ من الأب \".","part":12,"page":413},{"id":5217,"text":"قال الراغبُ : \" الذرية يقال للواحد والجمع والأصل والنسل ، لقوله تعالى : { حَمَلْنَا ذُرِّيَّتَهُمْ } [ يس : 40 ] أي : آباءهم ، ويقال للنساء : الذراريّ \". فعلى هذين القولين صَحَّ جَعْل \" ذُرِّيَّةٌ \" بدَلاً من \" آدم \" بما عطف عليه.\rقال أبو البقاء : \" ولا يجوز أن يكون بدلاً من \" آدم \" ؛ لأنه ليس بذريته \" ، وهذا ظاهر إن أراد آدَمَ وحده دون مَنْ عُطِف عليه ، وإن أراد \" آدم \" ومَنْ ذُكِرَ معه فيكون المانع عنده عدم جواز إطلاق الذُّرِّيَّة على الآباء.\rالثاني - من وجهي البدل - أنها بدل من \" نُوح \" ومَنْ عطف عليه ، وإليه نحا أبو البقاء.\rالثالث : أنها بدل من الآلين - أعني آل إبراهيمَ وآل عمرانَ - وإليه نحا الزمخشريُّ. يريد أن الأولين ذرية واحدة.\rالوجه الثاني - من وجهي نصب \" ذُرِّيَّةً \" - النصب على الحال ، تقديره : اصطفاهم حال كونهم بعضهم من بعض ، فالعامل فيها اصطفى. وقد تقدم القول في اشتقاق هذه اللفظة.\rقوله : { بَعْضُهَا مِن بَعْضٍ } هذه الجملة في موضع نصب ، نعتاً لِـ \" ذُرِّيَّةً \". أ هـ {تفسير ابن عادل حـ 5 صـ 166}\rفصل\rقال الفخر : \rفي تأويل الآية وجوه\rالأول : ذرية بعضها من بعض في التوحيد والإخلاص والطاعة ، ونظيره قوله تعالى : {المنافقون والمنافقات بَعْضُهُمْ مّن بَعْضٍ} [ التوبة : 67 ] وذلك بسبب اشتراكهم في النفاق\rوالثاني : ذرية بعضها من بعض بمعنى أن غير آدم عليه السلام كانوا متولدين من آدم عليه السلام ، ويكون المراد بالذرية من سوى آدم. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 8 صـ 21}\rلطيفة\rقال ابن الجوزى : \rقال أبو بكر النقاش : ومعنى قوله : { ذرية بعضها من بعض } أن الأبناء ذرية للآباء ، والآباء ذرية للأبناء ، كقوله تعالى : { حملنا ذريتهم في الفلك المشحون } [ يس : 41 ].","part":12,"page":414},{"id":5218,"text":"فجعل الآباء ذرية للأبناء ، وإنما جاز ذلك ، لأن الذرية مأخوذة من : ذرأ الله الخلق ، فسمي الولد للوالد ذرية ، لأنه ذرىء منه ، وكذلك يجوز أن يقال للأب : ذرية للابن ، لأن ابنه ذرئ منه ، فالفعل يتصل به من الوجهين.\rومثله { يحبونهم كحُب الله } [ البقرة : 165 ].\rفأضاف الحب إلى الله ، والمعنى : كحب المؤمن لله ، ومثله { ويطعمون الطعام على حبّه } [ الدهر : 8 ].\rفأضاف الحب للطعام. أ هـ {زاد المسير حـ 1 صـ 375}\rقوله تعالى : {والله سَمِيعٌ عَلِيمٌ}\rقال الفخر : \rقال القفال : المعنى والله سميع لأقوال العباد ، عليم بضمائرهم وأفعالهم ، وإنما يصطفي من خلقه من يعلم استقامته قولاً وفعلاً ، ونظيره قوله تعالى : {الله أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رسالته} [ الأنعام : 124 ] وقوله {إِنَّهُمْ كَانُواْ يُسَارِعُونَ فِى الخيرات وَيَدْعُونَنَا رَغَباً وَرَهَباً وَكَانُواْ لَنَا خاشعين} [ الأنبياء : 90 ] وفيه وجه آخر : وهو أن اليهود كانوا يقولون : نحن من ولد إبراهيم ومن آل عمران ، فنحن أبناء الله وأحباؤه ، والنصارى كانوا يقولون : المسيح ابن الله ، وكان بعضهم عالماً بأن هذا الكلام باطل ، إلا أنه لتطييب قلوب العوام بقي مصراً عليه ، فالله تعالى كأنه يقول : والله سميع لهذه الأقوال الباطلة منكم ، عليم بأغراضكم الفاسدة من هذه الأقوال فيجازيكم عليها ، فكان أول الآية بياناً لشرف الأنبياء والرسل ، وآخرها تهديداً لهؤلاء الكاذبين الذين يزعمون أنهم مستقرون على أديانهم. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 8 صـ 21}\rوقال أبو حيان : \r{ والله سميع عليم } أي سميع لما يقوله الخلق ، عليم بما بضمرونه.\rأو : سميع لما تقوله امرأة عمران ، عليم بما تقصد.\rأو : سميع لما تقوله الذرية ، عليم بما تضمره.\rثلاثة أقوال.\rوقال الزمخشرى : عليم بمن يصلح للاصطفاء ، أو : يعلم أن بعضهم من بعض في الدين. انتهى.","part":12,"page":415},{"id":5219,"text":"والذي يظهر أن ختم هذه الآية بقوله { والله سميع عليم } مناسب لقوله { آل إبراهيم وآل عمران } لأن إبراهيم عليه السلام دعا لآله في قوله : { ربنا إني أسكنت من ذريتي بواد غير ذي زرع } بقوله : { فاجعل أفئدة من الناس تهوي إليهم وارزقهم من الثمرات } وحمد ربه تعالى فقال : { الحمد لله الذي وهب لي على الكبر إسماعيل وإسحاق } وقال مخبراً عن ربه : { إن ربي لسميع الدعاء } ثم دعا ربه بأن يجعله مقيم الصلاة وذريته ، وقال حين بنى هو وإسماعيل الكعبة { ربنا تقبل منا } إلى سائر ما دعا به حتى قوله : { وابعث فيهم رسولاً منهم يتلو عليهم آياتك } ولذا قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : \" أنا دعوة إبراهيم \" فلما تقدمت من إبراهيم تضرعات وأدعية لربه تعالى في آله وذريته ، ناسب أن يختم بقوله : { والله سميع عليم } وكذلك آل عمران ، دعت امرأة عمران بقبول ما كانت نذرته لله تعالى ، فناسب أيضاً ذكر الوصفين ، ولذلك حين ذكرت النذر ودعت بتقبله ، أخبرت عن ربها بأنه { السميع العليم } أي : السميع لدعائها ، العليم بصدق نيتها بنذرها ما في بطنها الله تعالى. أ هـ {البحر المحيط حـ 2 صـ 454 ـ 455}\rلطيفة\rقال القشيرى : \rاتفق آدم وذريته في الطينة ، وإنما الخصوصية بالاصطفاء الذي هو من قِبَلِه ، لا بالنَّسَب ولا بالسبب. أ هـ {لطائف الإشارات حـ 1 صـ 236}\rلطيفة\rقال ابن عجيبة : \rإنما اصطفى الحق تعالى هؤلاء الرسل ؛ لكونهم قد أظهروا الدين بعد انطماس أنواره ، وجددوه بعد خمود أسراره ، هم أئمة الهدى ومقتبس أنوار الاقتداء ، فكل من كان على قدمهم من هذه الأمة المحمدية ، بحيث يجدد للناس دينهم ، ويُبين للناس معالم الطريق وطريق السلوك إلى عين التحقيق ، فهو ممن اصطفاه الله على عالمي زمانه. أ هـ {البحر المديد حـ 1 صـ 273}\rفصل\rقال ابن كثير فى معنى الآية : ","part":12,"page":416},{"id":5220,"text":"يخبر تعالى أنه اختار هذه البيوت على سائر أهل الأرض ، فاصطفى آدم ، عليه السلام ، خلقه بيده ، ونفخ فيه من روحه ، وأسجد له ملائكته ، وعلمه أسماء كل شيء ، وأسكنه الجنة ثم أهبطه منها ، لما له في ذلك من الحكمة.\rواصطفى نوحا ، عليه السلام ، وجعله أول رسول [بعثه] إلى أهل الأرض ، لما عبد الناس الأوثان ، وأشركوا في دين الله ما لم ينزل به سلطانا ، وانتقم له لما طالت مدته بين ظَهْرَاني قومه ، يدعوهم إلى الله ليلا ونهارًا ، سرا وجهارًا ، فلم يزدهم ذلك إلا فرارًا ، فدعا عليهم ، فأغرقهم الله عن آخرهم ، ولم يَنْجُ منهم إلا من اتبعه على دينه الذي بعثه الله به.\rواصطفى آل إبراهيم ، ومنهم : سيد البشر وخاتم الأنبياء على الإطلاق محمد صلى الله عليه وسلم ، وآل عمران ، والمراد بعمران هذا : هو والد مريم بنت عمران ، أم عيسى ابن مريم ، عليهم السلام. قال محمد بن إسحاق بن يَسار رحمه الله : هو عمران بن ياشم بن أمون بن ميشا بن حزقيا بن أحريق بن يوثم بن عزاريا ابن أمصيا بن ياوش بن أجريهو بن يازم بن يهفاشاط بن إنشا بن أبيان بن رخيعم بن سليمان بن داود ، عليهما السلام. فعيسى ، عليه السلام ، من ذرية إبراهيم. أ هـ {تفسير ابن كثير حـ 2 صـ 33}\rوقال الثعالبى : \r","part":12,"page":417},{"id":5221,"text":"قوله تعالى : { إِنَّ الله اصطفى آدَمَ وَنُوحاً... } الآية : لما مضى صدْرٌ مِنْ مُحَاجَّةِ نصارى نَجْرَانَ ، والردُّ عليهم وبيانُ فسادِ ما هُمْ عليه ، جاءَتْ هذه الآياتُ مُعْلِمَةً بصورةِ الأمر الذي قد ضَلُّوا فيه ، ومُنْبِئَةً عن حقيقته ، كيف كانَتْ ، فبدأ تعالى بذكْرِ فضْل آدم ومَنْ ذُكِرَ بعده ، ثم خَصَّ امرأة عِمْرَانَ بالذكْرِ ؛ لأنَّ القصْدَ وصْفُ قصَّة القَوْم إِلى أنْ يبيِّن أمر عيسى ( عليه السلام ) ، وكيف كان ، وانصرف \"نُوحٌ\" ، مع عُجْمَتِهِ وتعريفِهِ ؛ لخفَّة الاِسم ؛ كَهُودٍ وَلُوطٍ ، قال الفَخْرُ هنا : اعلم أنَّ المخلوقاتِ على قسمَيْنِ : مكلَّفٍ ، وغيْرِ مكلَّفٍ ، واتفقوا على أنَّ المكلَّف أفْضَلُ من غير المكلَّفِ ، واتفقوا على أنَّ أصنافَ المكلَّفين أربعةٌ : الملائكةُ ، والإِنْسُ ، والْجِنُّ ، والشَّيَاطِين.\r* ت * : تأمَّلْه جَعَلَ الشياطين قسيماً للجِنِّ. اه.\rوالآلُ ؛ في اللغة : الأَهْلُ ، والقَرَابَة ، ويقال للأَتْبَاعِ ، وأهل الطَّاعة : آل ، والآلُ ؛ في الآيةِ : يحتملُ الوجهَيْنِ ، فَإِنْ أُريدَ بالآلِ : القَرَابَةُ ، فالتقديرُ أنَّ اللَّهَ اصطفى هؤلاءِ على عَالِمِي زمانِهِمْ ، أو على العَالَمِينَ جميعاً ؛ بأنْ يقدَّر نبيُّنا محمَّد صلى الله عليه وسلم من آل إِبراهيم ، وإِن أُرِيدَ بالآلِ : الأَتْبَاعُ ، فيستقيمُ دُخُول أمَّة نبيِّنا محمَّد صلى الله عليه وسلم في الآلِ ؛ لأنها على ملَّةِ إِبراهيم.\rوقوله تعالى : { ذُرِّيَّةً بَعْضُهَا مِن بَعْضٍ } ، أي : متشابهينَ في الدِّين ، والحالِ ، وعِمْرَانُ هو رجلٌ من بني إِسرائيل ، وامرأة عِمْرَانَ اسمها حَنَّةُ. أ هـ {الجواهر الحسان حـ 1 صـ 259}","part":12,"page":418},{"id":5222,"text":"وقال ابن الجوزى :\rقال الزجاج : ومعنى اصطفاهم في اللغة : اختارهم ، فجعلهم صفوة خلقه ، وهذا تمثيل بما يرى ، لأن العرب تمثل المعلوم بالشيء المرئي ، فاذا سمع السامع ذلك المعلوم كان عنده بمنزلة ما يشاهد عياناً ، فنحن نُعاين الشيء الصافي أنه النقي من الكدر ، فكذلك صفوة الله من خلقه.\rوفيه ثلاث لغات : صَفوة ، وصِفوة ، وصُفوة ، وأما آدم فعربي ، وقد ذكرنا اشتقاقه في \"البقرة\" وأما نوح ، فأعجمي مُعربّ ، قال أبو سليمان الدمشقي : اسم نوح : السكن ، وإنما سمي نوحاً لكثرة نوحه.\rوفي سبب نوحه خمسة أقوال.\rأحدها : أنه كان ينوح على نفسه ، قاله يزيد الرقاشي ، والثاني : أنه كان ينوح لمعاصي أهله ، وقومه.\rوالثالث : لمراجعته ربه في ولده.\rوالرابع : لدعائه على قومه بالهلاك.\rوالخامس : أنه مر بكلب مجذوم ، فقال : اخسأ يا قبيح ، فأوحى الله إليه : أعِبتني يا نوح ، أم عبت الكلب ؟ (1)\rوفي آل إبراهيم ثلاثة أقوال.\rأحدها : أنه من كان على دينه ، قاله ابن عباس ، والحسن.\rوالثاني : أنهم إسماعيل ، وإسحاق ، ويعقوب ، والأسباط ، قاله مقاتل.\rوالثالث : أن المراد \"آل إبراهيم\" هو نفسه ، كقوله : { وبقية مما ترك آل موسى وآل هارون } [ البقرة : 248 ] ، ذكره بعض أهل التفسير.\rوفي \"عمران\" قولان.\rأحدهما : أنه والد مريم ، قاله الحسن ، ووهب.\rوالثاني : أنه والد موسى ، وهارون ، قاله مقاتل.\rوفي \"آله\" ثلاثة أقوال.\rأحدها : أنه عيسى عليه السلام ، قاله الحسن.\rوالثاني : أن آله موسى وهارون ، قاله مقاتل.\rوالثالث : أن المراد بـ \"آله\" نفسه ، ذكره بعض المفسرين ، وإنما خصّ هؤلاء بالذكر ، لأن الأنبياء كلهم من نسلهم.\rوفي معنى اصطفاء هؤلاء المذكورين ثلاثة أقوال.\rأحدها : أن المراد اصطفى دينهم على سائر الأديان ، قاله ابن عباس ، واختاره الفراء ، والدمشقي.\rوالثاني : اصطفاهم بالنبوة ، قاله الحسن ، ومجاهد ، ومقاتل.\rوالثالث : اصطفاهم بتفضيلهم في الأمور التي ميزهم بها على أهل زمانهم.\rوالمراد بـ \"العالمين\" : عالمو زمانهم ، كما ذكرنا في \"البقرة\". أ هـ {زاد المسير حـ 1 صـ 375}\r________________\r(1) لا يخفى ما فى هذه الأقوال من بعد بعيد لا يخفى على العلماء المحققين. والله أعلم.","part":12,"page":419},{"id":5223,"text":"لطائف ونفائس\rقال العلامة ابن القيم رحمه الله : \rفصل في ذكر نكتة حسنة في هذا الحديث المطلوب فيه الصلاة عليه وعلى آله كما صلى على إبراهيم وعلى آله\rوهي أن أكثر الأحاديث الصحاح والحسان ، بل كلها مصرحة بذكر النبي صلى الله عليه وسلم وبذكر آله ، وأما في حق المشبه به وهو إبراهيم وآله ، فإنما جاءت بذكر آل إبراهيم فقط دون ذكر إبراهيم ، أو بذكره فقط دون ذكر آله ، ولم يجئ حديث صحيح فيه لفظ إبراهيم وآل إبراهيم ، كما تظاهرت على لفظ : محمد وآل محمد.\rونحن نسوق الأحاديث الواردة في ذلك ، ثم نذكر ما يسره الله تعالى في سر ذلك. فنقول : هذا الحديث في الصحيح من أربعة أوجه : أشهرها ؟ حديث عبد الرحمن بن أبي ليلى قال : لقيني كعب بن عجرة فقال : ألا أهدي لك هدية ؟ خرج علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلنا : قد عرفنا كيف نسلم عليك ، فكيف نصلي عليك ؟ فقال : قولوا اللهم صل على محمد وعلى آل محمد ، كما صليت على آل إبراهيم إنك حميد مجيد ، اللهم بارك وفي لفظ : وبارك على محمد كما باركت على آل إبراهيم إنك حميد مجيد.\rرواه البخاري ومسلم وأبو دود والترمذي والنسائي وابن ماجه وأحمد ابن حنبل في المسند ، وهذا لفظهم إلا الترمذي فإنه قال : اللهم صل على محمد وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم فقط ، وكذا في البركة ، ولم يذكر الآل ، وهي رواية لأبي داود.\rوفي رواية : كما صليت على آل إبراهيم بذكر الآل فقط ، وكما باركت على إبراهيم بذكره فقط.\rوفي الصحيحين من حديث أبي حميد الساعدي, قالوا : يا رسول الله كيف نصلي عليك ؟ قال : قولوا : \"اللهم صل على محمد وعلى أزواجه وذريته ، كما صليت على آل إبراهيم ، وبارك على محمد وأزواجه وذريته كما باركت على آل إبراهيم إنك حميد مجيد\" هذا هو اللفظ المشهور.\rوقد روي فيه : كما صليت على إبراهيم, وكما باركت على إبراهيم بدون لفظ الآل في الموضعين.","part":12,"page":420},{"id":5224,"text":"وفي البخاري : عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه ، قال : قلنا يا رسول الله ، هذا السلام عليك فكيف الصلاة عليك ؟ قال : \" قولوا اللهم صل على محمد عبدك ورسولك كما صليت على إبراهيم ، وبارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على آل إبراهيم\".\rوفي صحيح مسلم : عن أبي مسعود الأنصاري رضي الله عنه, قال : أتانا رسول الله صلى الله عليه وسلم ونحن في مجلس سعد بن عبادة ، فقال له بشير أبن سعد : أمرنا الله أن نصلي عليك ، فكيف نصلي عليك ؟ قال فسكت رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى تمنينا أنه لم يسأله ، ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : \"قولوا : اللهم صل على محمد وعلى آل محمد كما صليت على آل إبراهيم ، وبارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على آل إبراهيم في العالمين إنك حميد مجيد ، والسلام كما قد علمتم\".\rوقد روي هذا الحديث بلفظ آخر : كما صليت على إبراهيم وكما باركت على إبراهيم لم يذكر الآل فيهما.\rوفي رواية أخرى : كما صليت على إبراهيم وكما باركت على آل إبراهيم بذكر إبراهيم وحده في الأول والآل فقط في الثانية.\rهذه هي الألفاظ المشهورة في هذه الأحاديث المشهورة ، في أكثرها لفظ : آل إبراهيم في الموضعين ، وفي بعضها لفظ : إبراهيم فيهما ، وفي بعضها لفظ : إبراهيم في الأول والآل في الثاني, وفي بعضها عكسه.\rوأما الجمع بين إبراهيم وآل إبراهيم ، فرواه البيهقي في سننه : من حديث يحيى بن السباق عن رجل من بني الحارث ، عن ابن مسعود رضي الله عنه ، عن النبي صلى الله عليه وسلم : إذا تشهد أحدكم في الصلاة فليقل : اللهم صل على محمد وعلى آل محمد وبارك على محمد وعلى آل محمد وارحم محمداً وآل محمد ، كما صليت وباركت وترحمت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد. وهذا إسناد ضعيف.","part":12,"page":421},{"id":5225,"text":"ورواه الدارقطني : من حديث ابن إسحاق ، حدثني محمد بن إبراهيم بن الحارث التيمي ، عن محمد بن عبد الله بن يزيد بن عبد ربه ، عن أبي مسعود الأنصاري رضي الله عنه ، فذكر الحديث وفيه : اللهم صل على محمد النبي الأمي وعلى آل محمد ، كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم ، وبارك على محمد النبي الأمي ، وعلى آل محمد ، كما باركت على إبراهيم ، وعلى آل إبراهيم ، إنك حميد مجيد ثم قال : هذا إسناد حسن متصل.\rوفي النسائي : من حديث موسى بن طلحة ، عن أبيه, قال : قلنا يا رسول الله كيف الصلاة عليك ؟ قال : قولوا اللهم صل على محمد وعلى آل محمد ، كما صليت على إبراهيم وآل إبراهيم ، إنك حميد مجيد ، وبارك على محمد وعلى آل محمد ، كما باركت على إبراهيم وآل إبراهيم إنك حميد مجيد ولكن رواه هكذا ، ورواه مقتصراً فيه على ذكر إبراهيم في الموضعين.\rوقد روى ابن ماجه حديثاً آخر موقوفاً على ابن مسعود فيه ، إبراهيم وآل إبراهيم قال في السنن : حدثنا الحسين بن بيان ، حدثنا زياد بن عبد الله ، حدثنا المسعودي, عن عون بن عبد الله ، عن أبي فاخته ، عن الأسود بن يزيد ، عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه ، قال : \"إذا صليتم على رسول الله صلى الله عليه وسلم فأحسنوا الصلاة عليه ، فإنكم لا تدرون لعل ذلك يعرض عليه\" ، قال : فقالوا له : فعلمنا ؟ قال : قولوا : \"اللهم اجعل صلواتك ورحمتك وبركاتك على سيد المرسلين ، وإمام المتقين ، وخاتم النبيين ، محمد عبدك ورسولك إمام الخير ، وقائد الخير ، ورسول الرحمة ، اللهم أبعثه مقاماً محموداً يغبطه به الأولون والآخرون ، اللهم صل على محمد وعلى آل محمد ، كما صليت على إبراهيم وآل إبراهيم إنك حميد مجيد ، اللهم بارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد\" وهذا موقوف.","part":12,"page":422},{"id":5226,"text":"وعامة الأحاديث في الصحاح والسنن كما ذكرنا أولاً بالاقتصار على الآل ، أو إبراهيم في الموضعين ، أو الآل في أحدهما وإبراهيم في الآخر ، وكذلك في حديث أبي هريرة المتقدم في أول الكتاب وغيره من الأحاديث ، فحيث جاء ذكر إبراهيم وحده في الموضعين فلأنه الأصل في الصلاة المخبر بها ، وآله تبع له فيها ، فدل ذكر المتبوع على التابع ، واندرج فيه ، وأغنى عن ذكره. وحيث جاء ذكر آله فقط فلأنه داخل في آله كما تقدم تقريره ، فيكون ذكر آل إبراهيم مغنياً عن ذكره ، وذكر آله بلفظين ، وحيث جاء في أحدهما ذكره فقط وفي الآخر ذكر آله فقط كان ذلك جمعاً بين الأمرين ، فيكون قد ذكر المتبوع الذي هو الأصل ، وذكر أتباعه بلفظ يدخل هو فيهم.\rيبقى أن يقال ، فلم جاء ذكر محمد وآل محمد بالاقتران دون الاقتصار على أحدهما في عامة الأحاديث ، وجاء الاقتصار على إبراهيم وآله في عامتها ؟ .","part":12,"page":423},{"id":5227,"text":"وجواب ذلك : أن الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم وعلى آله ذكرت في مقام الطلب والدعاء ، وأما الصلاة على إبراهيم فإنما جاءت في مقام الخبر وذكر الواقع ، لأن قوله صلى الله عليه وسلم : \"اللهم صل على محمد وعلى آل محمد\" جملة طلبية ، وقوله : \"كما صليت على آل إبراهيم \" جملة خبرية ، والجملة الطلبية إذا وقعت موقع الدعاء والسؤال ، كان بسطها وتطويلها أنسب من اختصارها وحذفه ، ولهذا يشرع تكرارها ، وإبداؤها وإعادتها ، فإنها دعاء والله يحب الملحين في الدعاء ، ولهذا تجد كثيراً من أدعية النبي صلى الله عليه وسلم فيها من بسط الألفاظ ، وذكر كل معنى بصريح لفظه ، دون الاكتفاء بدلالة اللفظ الآخر عليه ، ما يشهد لذلك ، كقوله صلى الله عليه وسلم في حديث علي الذي رواه مسلم في صحيح : اللهم اغفر لي ما قدمت وما أخرت, وما أسررت وما أعلنت ، وما أنت أعلم به مني ، أنت المقدم وأنت المؤخر لا إله إلا أنت ومعلوم أنه لو قيل : اغفر لي كل ما صنعت كان أوجز ، ولكن ألفاظ الحديث في مقام الدعاء والتضرع ، وإظهار العبودية والافتقار ، واستحضار الأنواع التي يتوب العبد منها تفصيلاً أحسن وأبلغ من الإيجاز والاختصار.\rوكذلك قوله في الحديث الآخر : اللهم اغفر لي ذنبي كله ، دقه وجله سره وعلانيته ، وأوله وآخره, وفي الحديث : \" اللهم اغفر لي خطيئتي وجهلي وإسرافي في أمري ، وما أنت أعلم به مني ، اللهم اغفر لي جدي وهزلي وخطئي وعمدي ، وكل ذلك عندي\".","part":12,"page":424},{"id":5228,"text":"وهذا كثير في الأدعية المأثورة ، فإن الدعاء عبودية لله ، وافتقار إليه ، وتذلل بين يديه ، فكلما كثره العبد وطوله وأعاده وأبداه ونوع جمله ، كان ذلك أبلغ في عبوديته وإظهار فقره وتذلله وحاجته ، وكان ذلك أقرب له من ربه ، وأعظم لثوابه ، وهذا بخلاف المخلوق ، فإنك كلما كثرت سؤاله وكررت حوائجك إليه أبرمته ، وثقلت عليه ، وهنت عليه ، وكلما تركت سؤاله كان أعظم عنده وأحب إليه. والله سبحانه كلما سألته كنت أقرب إليه وأحب إليه ، وكلما ألححت عليه في الدعاء أحبك ، ومن لم يسأله يغضب عليه : \rفالله يغضب إن تركت سؤاله ... وبني آدم حين يسأل يغضب\rفالمطلوب يزيد بزيادة الطلب وينقص بنقصانه.\rوأما الخبر فهو خبر عن أمر قد وقع وانقضى ، لا يحتمل الزيادة والنقصان ، فلم يكن في زيادة اللفظ فيه كبير فائدة ، ولا سيما ليس المقام مقام إيضاح وتفهيم للمخاطب ليحسن معه البسط والإطناب ، فكان الإيجاز فيه والاختصار أكمل وأحسن ، فلهذا جاء فيه بلفظ : إبراهيم تارة وبلفظ : آله أخرى ، لأن كلا اللفظين يدل على ما يدل عليه الآخر من الوجه الذي قدمناه ، فكان المراد باللفظين واحداً مع الإيجاز والاختصار. وأما في الطلب فلو قيل : صل على محمد لم يكن في هذا ما يدل على الصلاة على آله ، إذ هو طلب ودعاء ينشأ بهذا اللفظ ، ليس خبراً عن أمر قد وقع واستقر. ولو قيل : صل على آل محمد لكان النبي صلى الله عليه وسلم إنما يصلى عليه في العموم ، فقيل : على محمد وعلى آل محمد فإنه يحصل له بذلك الصلاة عليه بخصوصه ، والصلاة عليه بدخوله في آله.","part":12,"page":425},{"id":5229,"text":"وهنا للناس طريقتان في مثل هذا : أن يقال : هو داخل في آله مع اقترانه بذكره ، فيكون قد ذكر مرتين : مرة بخصوص ، ومرة في اللفظ العام ، وعلى هذا فيكون قد صلى عليه مرتين خصوصاً وعموماً ، وهذا على أصل من يقول : إن العام إذا ذكر بعد الخاص كان متناولاً له أيضا ، ويكون الخاص قد ذكر مرتين ، مرة بخصوصه ، ومرة بدخوله في اللفظ العام ، وكذلك في ذكر الخاص بعد العام ، كقوله تعالى : {مَنْ كَانَ عَدُوّاً لِلَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ فَإِنَّ اللَّهَ عَدُوٌّ لِلْكَافِرِينَ} البقرة : 98 ، وكقوله تعالى : {وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِنْ نُوحٍ وَإِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ وَأَخَذْنَا مِنْهُمْ مِيثَاقاً غَلِيظاً} الأحزاب : 7\rالطريقة الثانية : أن ذكره بلفظ الخاص يدل على أنه غير داخل في اللفظ العام ، فيكون ذكره بخصوصه مغنياً عن دخوله في اللفظ العام ، وعلى هذه الطريقة, فيكون في ذلك فوائد :\rمنها أنه لما كان من أشرف النوع العام ، أفرد بلفظ دال عليه بخصوصه ، كأنه باين النوع ، وتميز عنهم بما أوجب أن يتميز بلفظ يخصه ، فيكون ذلك تنبيهاً على اختصاصه ومزيته عن النوع الداخل في اللفظ العام.\rالثانية : أنه يكون فيه تنبيه على أن الصلاة عليه أصل ، والصلاة على آله تبع له إنما نالوها بتبعيتهم له.\rالثالثة : أن إفراده بالذكر يرفع عنه توهم التخصيص ، وأنه لا يجوز أن يكون مخصوصاً من اللفظ العام بل هو مراد قطعاً. أ هـ {جلاء الأفهام صـ 225 ـ 232}.\rتم الجزء الثانى عشر من كتاب {جامع لطائف التفسير} ولله الحمد والمنة\rويليه إن شاء الله تعالى الجزء الثالث عشر وأوله قوله تعالى\r{ إِذْ قَالَتِ امْرَأَةُ عِمْرَانَ رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّرًا فَتَقَبَّلْ مِنِّي إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (35)}","part":12,"page":426},{"id":5230,"text":"بسم الله الرحمن الرحيم\rاسم الكتاب / جامع لطائف التفسير\rالعاجز الفقير\rعبد الرحمن بن محمد القماش\rإمام وخطيب بدولة الإمارات العربية\rعفا الله عنه وغفر له\rالجزء الثالث عشر\rحقوق النسخ والطبع والنشر مسموح بها لكل مسلم\r{يا قوم لا أسألكم عليه أجرا}","part":13,"page":3},{"id":5231,"text":"الجزء الثالث عشر\rمن الآية {35} من سورة آل عمران\rوحتى الآية {59} من نفس السورة","part":13,"page":4},{"id":5232,"text":"قوله تعالى { إِذْ قَالَتِ امْرَأَةُ عِمْرَانَ رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّرًا فَتَقَبَّلْ مِنِّي إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (35)}\rمناسبة الآية لما قبلها\rقال البقاعى :\rولما كان جل المقصود هنا بيان الكرامات في آل عمران لا سيما في الولادة ، وكان آدم الممثل به عليه الصلاة والسلام قد تقدم بيان أمره في سورة البقرة سورة الكتاب المثمر للعلم ، وكذا بيان كثير مما اصطفى به إبراهيم وآله عليهم الصلاة والسلام إذ كان معظم القصد بالكلام لذريته ، وكان معظم المقصود من ذكر نوح عليه الصلاة والسلام كونه في عمود النسب ، وليس في أمر ولادته ما هو خارج عن العادة قال طاوياً لمن قبل : {إذ} أي اذكر جواباً لمن يجادلك في أمرهم ويسألك عن حالهم حين {قالت امرأة عمران} وهي حامل.","part":13,"page":5},{"id":5233,"text":"وقال الحرالي : لما كان من ذكر في الاصطفاء إنما ذكر توطئة لأمر عيسى عليه الصلاة والسلام اختص التفضيل بأمر عيسى عليه الصلاة والسلام دون سائر من ذكر معه ، وكان في هذه المناظرة بين الصورتين حظ من التكافؤ من حيث ذكر أمر خلق آدم عليه الصلاة والسلام في سورة البقرة ، فذكر خلق المثل المناظر له في السورة المناظرة لسورة البقرة وهي هذه السورة ، فعاد توقيت هذا القول إلى غاية هذا الاصطفاء ، فأنبأ عن ابتداء ما اختص منه بعيسى عليه الصلاة والسلام من قول أم مريم امرأة عمران حين أجرى على لسانها وأخطر بقلبها أن تجعل ما في بطنها نذراً ، ففصل ما به ختم من اصفطاء آل عمران ، ولذلك عرفت أم مريم في هذا الخطاب بأنها امرأة عمران ليلتئم التفصيل بجملته السابقة {رب إني نذرت لك ما في بطني} وكان نذر الولد شائعاً في بني إسرائيل إلا أنه كان عندهم معهوداً في الذكور لصلاحهم لسدانة بيت الله والقيام به ، فأكمل الله سبحانه وتعالى مريم لما كمل له الرجال - كما قال عليه أفضل الصلاة وأزكى السلام \" كمل من الرجال كثير ولم يكمل من النساء إلا أربع \" فذكر مريم بنت عمران عليها السلام ، فكان من كمالها خروج والدتها عنها ، وكان أصله من الأم التي لها الإشفاق ، فكان خروجها أكمل من خروج الولد لأنها لها في زمن الحمل والرضاع والتربية إلى أن يعقل الولد أباه فحينئذ يترقى إلى حزب أبيه ، ولذلك - والله سبحانه وتعالى أعلم - أري إبراهيم عليه الصلاة والسلاح ذبح ولده عند تمييزه ، وخرجت امرأة عمران عن حملها وهو في بطنها حين ما هو أعلق بها - انتهى.\rونذرته لله تعالى حال كونه {محرراً} أي لا اعتراض ولا حكم لأحد من الخلق عليه ، قال الحرالي : والتحرير طلب الحرية ، والحرية رفع اليد عن الشيء من كل وجه ، وفي الإتيان بصيغة التكثير والتكرير إشعار بمضي العزيمة في قطع الولاية عنه بالكلية لتسلم ولايته لله تعالى - انتهى.","part":13,"page":6},{"id":5234,"text":"{فتقبل مني} ولما كان حسن إجابة المهتوف به الملتجأ إليه على حسب إحاطة سمعه وعلمه عللت سؤالها في التقبل بأن قصرت السمع والعلم عليه سبحانه فقالت : {إنك أنت} أي وحدك {السميع العليم} فقالت كما قال سلفها إبراهيم وإسماعيل عليهما الصلاة والسلام {ربنا تقبل منا} [ البقرة : 127 ] ، أي فلا يسمع أحد قولي مثل سمعك ، ولا يعلم أحد نيتي مثل علمك ولا أنا ، فإن كان فيهما شيء لا يصلح فتجاوز عنه. أ هـ {نظم الدرر حـ 2 صـ 69 ـ 70}\rفصل\rقال ابن عادل :\rفي الناصب لِ \" إذْ \" أوجه :\rأحدها : أنه \" اذكر \" مقدَّراً ، فيكون مفعولاً به لا ظرفاً ، أي : اذكر لهم وقت قول امرأة عمران كيت وكيت وإليه ذهب ابو الحسن وأبو العباس.\rالثاني : أن الناصب له معنى الاصطفاء ، أي : \" اصْطَفَى \" مقدَّراً مدلولاً عليه بـ \" اصْطَفَى \" الأوَّل والتقدير : واصطفى آل عمران - إذ قالت امرأة عمران. وعلى هذا يكون قوله : { وَآلَ عِمْرَانَ } [ آل عمران : 33 ] من باب عطف الجمل لا من باب عطف المفردات ؛ إذ لو جُعِل من عطف المفردات لزم أن يكون وقتُ اصطفاءِ آدمَ وقول امرأةِ عمران كيت وكيت ، وليس كذلك ؛ لتغاير الزمانَيْن ، فلذلك اضطررنا إلى تقدير عامل غير هذا الملفوظِ به ، وإلى هذا ذَهَبَ الزَّجَّاجُ وغيره.\rالثالث : أنه منصوب بـ \" سميع \" وبه صرح ابن جرير الطبري ، وإليه نحا الزمخشري ؛ فإنه قال : سميع عليم لقول امرأة عمران ونِيَّتها ، و\" إذْ \" منصوب به.","part":13,"page":7},{"id":5235,"text":"قال أبو حيّان : ولا يَصِحُّ ذَلِكَ ؛ لأن قوله : { عَلِيمٌ } إمّا أن يكون خبراً بعد خبر ، أو وصفاً لقوله : \" سميع \" فإن كان خبراً فلا يجوز الفصل به بين العامل والمعمول ؛ لأنه أجنبيٌّ عنهما ، وإن كان وَصْفاً فلا يجوز أن يَعْمَل { سَمِيعٌ } في الظرف ؛ لأنه قَدْ وُصِفَ ، واسم الفاعل وما جرى مجراه إذا وُصِفَ قَبْلَ معموله لا يجوز له - إذ ذاك - أن يعمل ، على خلاف لبعض الكوفيين في ذلك ؛ لأن اتصافه تعالى بـ { سَمِيعٌ عَلِيمٌ } لا يتقيد بذلك الوقت.\rقال شهابُ الدين : \" وهذا القدر غيرُ مانع ؛ لأنه يُتَّسَع في الظرف وعديله ما لا يُتَّسَع في غيره ، ولذلك تقدم على ما في خبر \" أل \" الموصولة وما في خبر \" أن \" المصدرية \".\rوأما كونه - تعالى - سميعاً عليماً لا يتقيد بذلك الوقت ، فإن سَمْعَه لذلك الكلام مقيَّد بوجود ذلك الكلام ، وعلمه - تعالى - بأنها تذكر مقيَّد بذكرها لذلك ، والتغيُّر في السمع والعلم ، إنما هو في النسبِ والتعلُّقات.\rالرابع : أن تكون \" إذْ \" زائدةً ، وهو قول أبي عُبَيْدَةَ ، والتقدير : قالت امرأة عمرانَ ، وهذا غلط من النحويين ، قال الزّجّاج لم يصنع أبو عبيدة في هذا شيئاً ؛ لأن إلغاء حرفٍ من كتاب الله تعالى - من غير ضرورةٍ لا يجوز ، وكان أبو عبيدة يُضَعَّفُ في النحو.\rالخامس : قال الأخفش والمُبَرِّد : التقدير : \" ألم تر إذْ قالت امرأة عمران ، ومثله في كتاب الله كثير \". أ هـ {تفسير ابن عادل حـ 5 صـ 167 ـ 168}\rسؤال : فإن قيل : إن الله سميع عليم قبل أن قالت المرأة هذا القول ، فما معنى هذا التقييد ؟\rقلنا : إن سمعه تعالى لذلك الكلام مقيد بوجود ذلك الكلام وعلمه تعالى بأنها تذكر ذلك مقيد بذكرها لذلك والتغير في العلم والسمع إنما يقع في النسب والمتعلقات. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 8 صـ 22}\rفصل\rقال ابن عادل :","part":13,"page":8},{"id":5236,"text":"امرأة عمران هي حَنَّة بنت فاقوذا أم مريم ، وهي حنة - بالحاء المهملة والنون - وجدة عيسى - عليه السلام - وليس باسم عربي.\rقال القرطبيُّ : \" ولا يُعْرَف في العربية \" حنة \" : اسم امرأة - وفي العرب أبو حنة البدريّ ، ويقال فيه أبو حبة - بالباء الموحَّدة - وهو أصح ، واسمه عامر ، ودير حنة بالشام ، ودير آخر أيضاً يقال له كذلك.\rقال أبو نواس :\rيَا ديرَ حَنَّةَ مِنْ ذَاتِ الأكَيْرَاحِ... مَنْ يَصْحُ عَنْكِ فَإنِّي لَسْتُ بِالصَّاحِي\rوفي العرب كثير ، منهم أبو حبة الأنصاريّ وأبو السنابل بن بعْكك - المذكور في حديث سبيعة الأسلمية ، ولا يعرف \" خَنَّة \" - بالخاء المعجمة - إلا بنت يحيى بن أكثم ، وهي أم محمد بن نصر ، ولا يُعْرَف \" جَنَّة \" - بالجيم - إلاَّ أبو جنة وهو خال ذي الرمة الشاعر ، نقل هذا كله ابنُ ماكولا \".\rوعمران بن ماثان ، وليس بعمران أبي موسى ، وبينهما ألف وثمانمائة سنة ، وكان بنو ماثان رؤوس بني إسرائيل وأحبارهم وملوكهم.\rوقيل : عمران بن أشهم ، وكان زكريا قد تزوَّج إيشاع بنت فاقوذ ، وهي أخت حنة أم مريم ، فكان يحيى بن زكريا ومريم عليهما السلام ولدي خالة. أ هـ {تفسير ابن عادل حـ 5 صـ 168 ـ 169}\rفصل\rقال الفخر :\rفي كيفية هذا النذر روايات :\rالرواية الأولى : قال عكرمة.\rإنها كانت عاقراً لا تلد ، وكانت تغبط النساء بالأولاد ، ثم قالت : اللّهم إن لك علي نذراً إن رزقتني ولداً أن أتصدق به على بيت المقدس ليكون من سدنته.","part":13,"page":9},{"id":5237,"text":"والرواية الثانية : قال محمد بن إسحاق : إن أم مريم ما كان يحصل لها ولد حتى شاخت ، وكانت يوماً في ظل شجرة فرأت طائراً يطعم فرخاً له فتحركت نفسها للولد ، فدعت ربها أن يهب لها ولداً فحملت بمريم ، وهلك عمران ، فلما عرفت جعلته لله محرراً ، أي خادماً للمسجد ، قال الحسن البصري : إنها إنما فعلت ذلك بإلهام من الله ولولاه ما فعلت كما رأى إبراهيم ذبح ابنه في المنام فعلم أن ذلك أمر من الله وإن لم يكن عن وحي ، وكما ألهم الله أم موسى فقذفته في اليم وليس بوحي. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 8 صـ 22}\rفائدة\rقال ابن عادل :\rقوله : { مَا فِي بَطْنِي } أتى بـ \" ما \" التي لغير العاقلِ ؛ لأن ما في بطنها مُبْهَمٌ أمرُه ، والمُبْهَم أمره يجوز أن يُعَبَّر عنه بـ \" ما \".\rومثاله أن تقول إذا رأيتَ شبحاً من بعيد لا تدري إنسان هو أم غيره : ما هذا ؟ ولو عرفته إنساناً وجهلت كونه ذكراً أو أنثى ، قلت : ما هو أيضاً ؟ والآية من هذا القبيل ، هذا عند مَنْ يرى أن \" ما \" مخصوصة بغير العاقل ، وأما من يرى وقوعها على العقلاء ، فلا يتأوَّل شيئاً.\rوقيل : إنه لما كان ما في البطن لا تمييز له ولا عقل عبر عنه بـ \" ما \" التي لغير العُقَلاء. أ هـ {تفسير ابن عادل حـ 5 صـ 171}\rفصل\rقال الفخر :","part":13,"page":10},{"id":5238,"text":"المحرر الذي جعل حراً خالصاً ، يقال : حررت العبد إذا خلصته عن الرق ، وحررت الكتاب إذا أصلحته ، وخلصته فلم تبق فيه شيئاً من وجوه الغلط ، ورجل حر إذا كان خالصاً لنفسه ليس لأحد عليه تعلق ، والطين الحر الخالص عن الرمل والحجارة والحمأة والعيوب أما التفسير فقيل مخلصاً للعبادة عن الشعبي ، وقيل : خادماً للبيعة ، وقيل : عتيقاً من أمر الدنيا لطاعة الله ، وقيل : خادماً لمن يدرس الكتاب ، ويعلم في البيع ، والمعنى أنها نذرت أن تجعل ذلك الولد وقفاً على طاعة الله ، قال الأصم : لم يكن لبني إسرائيل غنيمة ولا سبي ، فكان تحريرهم جعلهم أولادهم على الصفة التي ذكرنا ، وذلك لأنه كان الأمر في دينهم أن الولد إذا صار بحيث يمكن استخدامه كان يجب عليه خدمة الأبوين ، فكانوا بالنذر يتركون ذلك النوع من الانتفاع ، ويجعلونهم محررين لخدمة المسجد وطاعة الله تعالى ، وقيل : كان المحرر يجعل في الكنيسة يقوم بخدمتها حتى يبلغ الحلم ، ثم يخير بين المقام والذهاب ، فإن أبى المقام وأراد أن يذهب ذهب ، وإن اختار المقام فليس له بعد ذلك خيار ، ولم يكن نبي إلا ومن نسله محرر في بيت المقدس. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 8 صـ 23}\rفصل\rقال ابن عادل :\rقوله : \" مُحَرَّراً \" في نَصبه أوجه :\rأحدها : أنها حال من الموصول - وهو { مَا فِي بَطْنِي } - فالعامل فيها \" نذرت \".\rالثاني : أنه حال من الضمير المرفوع بالجار ؛ لوقوعه صلة \" ما \" وهو قريب من الأول ، فالعامل الاستقرار الذي تضمنه الجار والمجرور.","part":13,"page":11},{"id":5239,"text":"الثالث : أن ينتصب على المصدر ؛ لأن المصدرَ يأتي على زِنَةِ اسم المفعول من الفعل الزَّائد على ثلاثة أحرف ، وعلى هذا ، فيجوز أن يكون في الكلام حذفُ مضاف ، تقديره : نذرتُ لك ما في بطني نَذْرَ تحرير ، ويجوز أن يكون \" ما \" انتصب على المعنى ؛ لأن معنى { نَذَرْتُ لَكَ } : حرَّرتُ لك ما في بطني تحريراً ، ومن مجيء المصدر بزنة المفعول مما زاد على الثلاثي قوله : { وَمَزَّقْنَاهُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ } [ سبأ : 19 ] وقوله : { وَمَن يُهِنِ الله فَمَا لَهُ مِن مُّكْرِمٍ } [ الحج : 18 ] - في قراءة من فتح الراء - أي : كلَّ تمزيق ، فما له من إكرام.\rومثله قول : [ الوافر ]\rألَمْ تَعْلَمْ مُسَرَّحِيَ الْقَوَافِي... فَلاَ عِيًّا بِهِنَّ وَلاَ اجْتِلاَبَا\rأي تسريحي القوافي.\rالرابع : أن يكون نعتاً لمفعولٍ محذوفٍ ، تقديره : غلاماً مُحَرَّراً ، قاله مكيُّ بن أبي طالب - وجعل ابنُ عطية ، في هذا القول نظراً.\rقال شهاب الدين : \" وجه النظر فيه أن \" نذر \" قد أخذ مفعوله - وهو قوله : { مَا فِي بَطْنِي } فلم يتعد إلى مفعول آخرَ ، وهو نظر صحيح \".\rوعلى القول بأنها حال يجوز أن تكون حالاً مقارنة إن أريد بالتحرير معنى العِتْق ومقدرة معنى خدمة الكنيسة - كما جاء في التفسير ، ووقف أبو عمرو والكسائي على \" امرأة \" بالهاء - دون التاء - وقد كتبوا \" امرأة \" بالتاء وقياسها الهاء هاهنا وفي يوسف \" امرأة العزيز \" موضعين - وامرأة نوح ، وامرأة لوط ، وامرأة فرعون ، وأهل المدينة يقفون بالتاء ؛ إتباعاً لرسم المصحف ، وهي لغة للعرب يقولون في حمزة : حمزت.\rوأنشدوا :\rوَاللهُ نَجَّاكَ بِكَفَّيْ مَسْلَمَتْ... مِنْ بَعْدِمَا وَبعْدِمَا وَبَعْدِمَتْ. أ هـ {تفسير ابن عادل حـ 5 صـ 169 ـ 170}\rفائدة\rقال الفخر :","part":13,"page":12},{"id":5240,"text":"هذا التحرير لم يكن جائزاً إلا في الغلمان أما الجارية فكانت لا تصلح لذلك لما يصيبها من الحيض ، والأذى ، ثم إن حنة نذرت مطلقاً إما لأنها بنت الأمر على التقدير ، أو لأنها جعلت ذلك النذر وسيلة إلى طلب الذكر. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 8 صـ 23}\rفصل فى حقيقة النذر\rقال ابن العربى :\rهُوَ الْتِزَامُ الْفِعْلِ بِالْقَوْلِ مِمَّا يَكُونُ طَاعَةً لِلَّهِ عَزَّ وَجَلَّ ، مِنْ الْأَعْمَالِ قُرْبَةً.\rوَلَا يَلْزَمُ نَذْرُ الْمُبَاحِ.\rوَالدَّلِيلُ عَلَيْهِ مَا رُوِيَ فِي الصَّحِيحِ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَأَى أَبَا إسْرَائِيلَ قَائِمًا : فَسَأَلَ عَنْهُ فَقَالُوا : نَذَرَ أَنْ يَقُومَ وَلَا يَقْعُدَ وَلَا يَسْتَظِلَّ وَيَصُومَ ، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { مُرُوهُ فَلْيَصُمْ وَلْيَقْعُدْ وَلْيَسْتَظِلَّ } ؛ فَأَخْبَرَهُ بِإِتْمَامِ الْعِبَادَةِ وَنَهَاهُ عَنْ فِعْلِ الْمُبَاحِ.\rوَأَمَّا الْمَعْصِيَةُ فَهِيَ سَاقِطَةٌ إجْمَاعًا ؛ ثَبَتَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ : { مَنْ نَذَرَ أَنْ يُطِيعَ اللَّهَ فَلْيُطِعْهُ ، وَمَنْ نَذَرَ أَنْ يَعْصِيَ اللَّهَ فَلَا يَعْصِهِ }. أ هـ {أحكام القرآن لابن العربى حـ 1 صـ 352 }\rوقال ابن عادل :\rوالنذر ما يوجبه الإنسان على نفسه وهذا النوع من النَّذْر كان في بني إسرائيل ، ولم يوجَد في شرعنا.\rقال ابن العربي : \" لا خلاف أن امرأة عمران لا يتطرق إلى حَمْلِها نذرٌ ؛ لكونها حُرَّةٌ ، فلو كانت امرأته أَمَة فلا خلاف أن المرء لا يصح له نذر في ولده. وكيفما تصرفت حاله فإنه إن كان الناذرُ عبداً فلم يتقرر وله في ذلك ، وإن كان حُرًّا ، فلا يصح أن يكون ، مملوكاً له ، وكذلك المرأة مثله ، فأي وجه للنذر فيه ؟ وإنما معناه - والله أعلم - أن المرء إنما يريدُ ولَده للأنس به والتسلّي ، والاستنصارِ ، فطلبت هذه المرأة أنساً به ، وسُكوناً إليه ، فلمَّا مَنَّ الله - تعالى - عليها به نذرَتْ أن حظها من الأنس متروك فيه ، وهو على خدمة الله - تعالى - موقوفٌ ، وهذا نَذْر الأحرار من الأبرار ، وأرادت به مُحَرَّراً من جهتي رق الدنيا وأشغالها. أ هـ {تفسير ابن عادل حـ 5 صـ 170 ـ 171}\rقوله تعالى {فَتَقَبَّلْ مِنّي إِنَّكَ أَنتَ السميع العليم}\rقال الفخر :\rالتقبل : أخذ الشيء على الرضا ، قال الواحدي : وأصله من المقابلة لأنه يقبل بالجزاء ، وهذا كلام من لا يريد بما فعله إلا الطلب لرضا الله تعالى والإخلاص في عبادته ، ثم قالت {إِنَّكَ أَنتَ السميع العليم} والمعنى : أنك أنت السميع لتضرعي ودعائي وندائي ، العليم بما في ضميري وقلبي ونيتي. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 8 صـ 23}","part":13,"page":13},{"id":5241,"text":"من فوائد العلامة الآلوسى فى الآية\rقال عليه الرحمة :\r{ إِذْ قَالَتِ امرأت عمران } تقرير للاصطفاء وبيان لكيفيته ، والظرف في حيز النصب على المفعولية بفعل محذوف أي اذكر لهم وقت قولها ، وقيل : هو منصوب على الظرفية لما قبله ، وهو { سَمِيعٌ عَلِيمٌ } [ آل عمران : 34 ] على سبيل التنازل أو السميع ولا يضر الفصل بينهما بالأجنبي لتوسعهم في الظروف ، وقيل : هو ظرف لمعنى الاصطفاء المدلول عليه باصطفى المذكور كأنه قيل : واصطفى آل عمران. { إِذْ قَالَتِ } الخ فكان من عطف الجمل لا المفردات على المفردات ليلزم كون اصطفاء الكل في ذلك الوقت ، وامرأة عمران هي حنة بنت فاقوذا كما رواه إسحق بن بشر عن ابن عباس رضي الله تعالى عنه ، والحاكم عن أبي هريرة وهي جدة عيسى عليه الصلاة والسلام وكان لها أخت اسمها إيشاع تزوجها زكريا عليه الصلاة والسلام هي أم يحيى فعيسى ابن خالة يحيى كما ذكر ذلك غير واحد من الإخباريين ويشكل عليه ماأخرجه الشيخان في حديث المعراج من قوله صلى الله عليه وسلم : \" فإذا أنا بابني الخالة عيسى ابن مريم ، ويحيى بن زكريا \" وأجاب صاحب \"التقريب\" بأن الحديث مخرج على المجاز فإنه كثيراً ما يطلق الرجل اسم الخالة على بنت خالته لكرامتها عليه ، والغرض أن بينهما عليهما الصلاة والسلام هذه الجهة من القرابة وهي جهة الخؤلة ، وقيل : كانت إيشاع أخت حنة من الأم وأخت مريم من الأب على أن عمران نكح أولاً أم حنة فولدت له إيشاع ثم نكح حنة بناءاً على حل نكاح الربائب في شريعتهم فولدت مريم فكانت إيشاع أخت مريم من الأب وخالتها من الأم لأنها أخت حنة من الأم ، وفيه أنه مخالف لما ذكره محيي السنة من أن إيشاع وحنة بنتا فاقوذا على أنه بعيد لعدم الرواية في الأمرين. أخرج ابن عساكر عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أن حنة امرأة عمران كانت حبست عن الولد والمحيض فبينا هي ذات يوم في ظل شجرة إذ نظرت إلى طير يزق فرخاً له فتحركت نفسها للولد فدعت الله تعالى أن يهب لها ذكراً فحاضت من","part":13,"page":14},{"id":5242,"text":"ساعتها فلما طهرت أتاها زوجها فلما أيقنت بالولد قالت : لئن نجاني الله تعالى ووضعت ما في بطني لأجعلنه محرراً ولم يكن يحرر في ذلك الزمان إلا الغلمان فقال لها زوجها : أرأيت إن كان ما في بطنك أنثى والأنثى عورة فكيف تصنعين ؟ فاغتمت لذلك فقالت عند ذلك : \r{ رَبّ إِنّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّرًا فَتَقَبَّلْ مِنّي } وهذا في الحقيقة استدعاء للولد الذكر لعدم قبول الأنثى فيكون المعنى رب إني نذرت لك ما في بطني فاجعله ذكراً على حد أعتق عبدك عني وجعله بعض الأئمة تأكيداً لنذرها وإخراجاً له عن صورة التعليق إلى هيئة التنجيز واللام من { لَكَ } للتعليل ، والمراد لخدمة بيتك والمحرر من لا يعمل للدنيا ولا يتزوج ويتفرغ لعمل الآخرة ويعبد الله تعالى ويكون في خدمة الكنيسة قاله ابن عباس رضي الله تعالى عنهما وقال مجاهد : المحرر الخادم للبيعة ، وفي رواية عند الخالص الذي لا يخالطه شيء من أمر الدنيا ، وقال محمد بن جعفر بن الزبير : أرادت عتيقاً خالصاً لطاعتك لا أصرفه في حوائجي ، وعلى كل هو من الحرية وهي ضربان أن لا يجري عليه حكم السبي وأن لا تتملكه الأخلاق الرديئة والرذائل الدنيوية.\rوانتصابه على الحالية من { مَا } والعامل فيه { نَذَرْتُ } ؛ وقيل : من الضمير الذي في الجار والمجرور ، والعامل فيه حينئذ الاستقرار ولا يخفى رجحان الوجه الأول والحال إما مقدرة أو مصاحبة ، وجوز أبو حيان أن ينصب على المصدر أي تحريراً لأنه بمعنى النذر ، وتأكيد الجملة للإيذان بوفور الرغبة في مضمونها وتقديم الجار والمجرور لكمال الاعتناء به والتعبير عن الولد بما لإبهام أمره وقصوره عن درجة العقلاء ، والتقبل أخذ الشيء على وجه الرضا وأصله المقابلة بالجزاء وتقبل هنا بمعنى اقبل.\r{ إِنَّكَ أَنتَ السميع } لسائر المسموعات فتسمع دعائي { العليم } بما كان ويكون فتعلم نيتي وهو تعليل لاستدعاء القبول من حيث إن علمه تعالى بصحة نيتها وإخلاصها مستدع لذلك تفضلاً وإحساناً ، وتأكيد الجملة لغرض قوة يقينها بمضمونها وقصر صفتي السمع والعلم عليه تعالى لغرض اختصاص دعائها وانقطاع حبل رجائها عما عداه سبحانه بالكلية مبالغة في الضراعة والابتهال قاله شيخ الإسلام وتقديم صفة السمع لأن متعلقاتها وإن كانت غير متناهية إلا أنها ليست كمتعلقات صفة العلم في الكثرة. أ هـ {روح المعانى حـ 3 صـ 133 ـ 134}","part":13,"page":15},{"id":5243,"text":"فائدة\rقال الجصاص :\rقَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ : { إذْ قَالَتْ امْرَأَةُ عِمْرَانَ رَبِّ إنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّرًا } رُوِيَ عَنْ الشَّعْبِيِّ أَنَّهُ قَالَ : \" مُخْلَصًا لِلْعِبَادَةِ \" ، وَقَالَ مُجَاهِدٌ : \" خَادِمًا لِلْبِيعَةِ \".\rوَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ الزُّبَيْرِ : \" عَتِيقًا مِنْ أَمْرِ الدُّنْيَا لِطَاعَةِ اللَّهِ تَعَالَى \".\rوَالتَّحْرِيرُ يَنْصَرِفُ عَلَى وَجْهَيْنِ : أَحَدُهُمَا : الْعِتْقُ ، مِنْ الْحُرِّيَّةِ.\rوَالْآخَرُ : تَحْرِيرُ الْكِتَابِ ، وَهُوَ إخْلَاصُهُ مِنْ الْفَسَادِ وَالِاضْطِرَابِ.\rوَقَوْلُهُ : { إنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّرًا } إذَا أَرَادَتْ مُخْلَصًا لِلْعِبَادَةِ أَنَّهَا تُنْشِئُهُ عَلَى ذَلِكَ وَتَشْغَلُهُ بِهَا دُونَ غَيْرِهَا ، وَإِذَا أَرَادَتْ بِهِ أَنَّهَا تَجْعَلُهُ خَادِمًا لِلْبِيعَةِ أَوْ عَتِيقًا لِطَاعَةِ اللَّهِ تَعَالَى فَإِنَّ مَعَانِيَ جَمِيعِ ذَلِكَ مُتَقَارِبَةٌ ، كَانَ نَذْرًا مِنْ قِبَلِهَا نَذَرَتْهُ لِلَّهِ تَعَالَى بِقَوْلِهَا : نَذَرْته ثُمَّ قَالَتْ : { فَتَقَبَّلْ مِنِّي إنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ } وَالنَّذْرُ فِي مِثْلِ ذَلِكَ صَحِيحٌ فِي شَرِيعَتِنَا أَيْضًا بِأَنْ يَنْذِرَ الْإِنْسَانُ أَنْ يُنَشِّئَ ابْنَهُ الصَّغِيرَ عَلَى عِبَادَةِ اللَّهِ وَطَاعَتِهِ ، وَأَنْ لَا يَشْغَلَهُ بِغَيْرِهِمَا ، وَأَنْ يُعَلِّمَهُ الْقُرْآنَ وَالْفِقْهَ وَعُلُومَ الدِّينِ.\rوَجَمِيعُ ذَلِكَ نُذُورٌ صَحِيحَةٌ ؛ لِأَنَّ فِي ذَلِكَ قُرْبَةً إلَى اللَّهِ تَعَالَى.\rوَقَوْلُهَا : { نَذَرْتُ لَكَ } يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ يَقْتَضِي الْإِيجَابَ ، وَأَنَّ مَنْ نَذَرَ لِلَّهِ تَعَالَى قُرْبَةً يَلْزَمُهُ الْوَفَاءُ بِهَا.","part":13,"page":16},{"id":5244,"text":"وَيَدُلُّ عَلَى أَنَّ النُّذُورَ تَتَعَلَّقُ عَلَى الْأَخْطَارِ وَعَلَى أَوْقَاتٍ مُسْتَقْبَلَةٍ ؛ لِأَنَّهُ مَعْلُومٌ أَنَّ قَوْلَهَا : { نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّرًا } أَرَادَتْ بِهِ بَعْدَ الْوِلَادَةِ وَبُلُوغِ الْوَقْتِ الَّذِي يَجُوزُ فِي مِثْلِهِ أَنْ يَخْلُصَ لِعِبَادَةِ اللَّهِ تَعَالَى.\rوَيَدُلُّ أَيْضًا عَلَى جَوَازِ النَّذْرِ بِالْمَجْهُولِ ؛ لِأَنَّهَا نَذَرَتْهُ وَهِيَ لَا تَدْرِي ذَكَرٌ هُوَ أَمْ أُنْثَى.\rوَيَدُلُّ عَلَى أَنَّ لِلْأُمِّ ضَرْبًا\rمِنْ الْوِلَايَةِ عَلَى الْوَلَدِ فِي تَأْدِيبِهِ وَتَعْلِيمِهِ وَإِمْسَاكِهِ وَتَرْبِيَتِهِ ، لَوْلَا أَنَّهَا تَمْلِكُ ذَلِكَ لَمَا نَذَرَتْهُ فِي وَلَدِهَا.\rوَيَدُلُّ أَيْضًا عَلَى أَنَّ لِلْأُمِّ تَسْمِيَةَ وَلَدِهَا وَتَكُونُ تَسْمِيَةً صَحِيحَةً ، وَإِنْ لَمْ يُسَمِّهِ الْأَبُ ؛ لِأَنَّهَا قَالَتْ : { وَإِنِّي سَمَّيْتُهَا مَرْيَمَ } وَأَثْبَتَ اللَّهُ تَعَالَى لَوَلَدِهَا هَذَا الِاسْمَ. أ هـ {أحكام القرآن للجصاص حـ 2 صـ 291}","part":13,"page":17},{"id":5245,"text":"قوله تعالى : {فَلَمَّا وَضَعَتْهَا قَالَتْ رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُهَا أُنْثَى وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالْأُنْثَى وَإِنِّي سَمَّيْتُهَا مَرْيَمَ وَإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ (36)}\rمناسبة الآية لما قبلها\rقال البقاعى :\rولما أخبر بما اقتضى مضى عزمها قبل الوضع أخبر بتحقيقه بعده فقال : {فلما وضعتها قالت} أي تحسراً ذاكرة وصف الإحسان استمطاراً للامتنان {رب إني وضعتها} قال الحرالي : من الوضع وهو إلقاء الشيء المستثقل {أنثى} هي أدنى زوجي الحيوان المتناكح - انتهى.\rولما كان الإخبار عادة إنما هو لمن لا يعلم الخبر بينت أن أمر الله سبحانه وتعالى ليس كذلك ، لأن المقصود بإخباره ليس مضمون الخبر وإنما هو شيء من لوازمه وهنا التحسر فقالت : {والله} أي الذي له صفات الكمال.","part":13,"page":18},{"id":5246,"text":"ولما كان المراد التعجيب من هذه المولودة بأنها من خوارق العادات عبرت عنها بما فقالت : {أعلم بما وضعت} وعبرت بالاسم الأعظم موضع ضمير الخطاب إشارة إلى السؤال في أن يهبها من كماله ويرزقها من هيبته وجلاله ، وفي قراءة إسكان التاء الذي هو إخبار من الله سبحانه وتعالى عنها - كما قال الحرالي - إلاحة معنى أن مريم عليها الصلاة والسلام وإن كان ظاهرها الأنوثة ففيها حقيقة المعنى الذي ألحقها بالرجال في الكمال ، حتى كانت ممن كمل من النساء لما لا يصل إليه كثير من رجال عالمها ، فكان في إشعاره أن الموضوع كان ظاهره ذكراً وحقيقته أنثى.\rولما كان مقصودها مع إمضاء نذرها بعد تحقق كونها أنثى التحسر على ما فاتها من الأجر في خدمة البيت المقدس بما يقابل فضل قوة الذكر على الأنثى وصلاحيته للخدمة في كل أحواله قالت : {وليس الذكر} أي الذي هو معتاد للنذر وكنت أحب أن تهبه لي لأفوز بمثل أجره في هذا الفرض في قوته وسلامته من العوارض المانعة من المكث في المسجد ومخالطة القومة {كالأنثى} التي وضعتها ، وهي داخلة في عموم النذر بحكم الإطلاق في الضعف وعارض الحيض ونحوه فلا ينقص يا رب أجري بسبب ذلك ، ولو قالت : وليست الأنثى كالذكر ، لفهم أن مرادها أن نذرها لم يشملها فلا حق للمسجد فيها من جهة الخدمة.\rقال الحرالي : وفي إشعار هذا القول تفصل مما تتخوفه أن لا يكون ما وضعته كفافاً لنذرها ، لما شهدت من ظاهر أنوثة ما وضعت ، فجعلها الله سبحانه وتعالى لها أكمل مما اشتملت عليه عزيمتها من رتبة الذكورة التي كانت تعهدها ، فكانت مريم عليها السلام أتم من معهود نذرها مزيد فضل من ربها عليها بعد وفاء حقيقة مقصودها في نذرها - انتهى.\r","part":13,"page":19},{"id":5247,"text":"ويجوز أن يكون هذا من كلام الله سبحانه وتعالى كالحالية التي قبله إذا أسكنت التاء ، والتقدير : قالت كذا والحال أن الله أعلم منها بما وضعت ، والحال أيضاً أنه ليس الذكر الذي أرادته بحكم معتاد النذر كالأنثى التي وهبت لها فدخلت فيه بحكم إطلاقه ، بل هي أعلى ، لأن غاية ما تعرفه من المنذورين أن يكون كأنبيائهم المقررين لحكم التوراة ، وهذه الأنثى مع ما لها من العلو في نفسها ستكون سبباً في السؤال في نبي هو أعظم أنبيائهم ، وتلد صاحب شريعة مستقلة ، ثم يكون مقرراً لأعظم الشرائع.\rولما تم ما قالته عند الوضع او قاله الله في تلك الحالة أتم سبحانه وتعالى الخبر عن بقية كلامها وأنها عدلت عن مظهر الجلالة إلى الخطاب على طريق أهل الحضرة ، وأكدت إعلاماً بشدة رغبتها في مضمون كلامها فقال حاكيا : {وإني سميتها مريم} ومعنى هذا الاسم بلسانهم : العابدة.\rقال الحرالي : فيه إشعار بأن من جاء بشيء أو قربه فحقه أن يجعل له اسماً ، ورد أن السقط إذا لم يسم يطالب من حقه أن يسميه فيقول : يا رب! أضاعوني ، فكان من تمام أن وضعتها أن تسميها ، فيكون إبداؤها لها وضع عين وإظهار اسم ، لما في وجود الاسم من كمال الوجود في السمع كما هو في العين ، ليقع التقرب والنذر بما هو كامل الوجود عيناً واسماً.\rولما كانت محررة لله سبحانه وتعالى كان حقاً أن يجري الله سبحانه وتعالى إعاذتها قولاً كما هو جاعلها معاذة كوناً من حيث هي له ، وما كان في حمى الملك لا يتطرق إليه طريدة فقالت : {وإني أعيذها بك} وفي قوله : {وذريتها} إشعار بما أوتيته من علم بأنها ذات ذرية ، فكأنها نطقت عن غيب من أمر الله سبحانه وتعالى مما لا يعلمه إلا الله ، فهو معلمه لمن شاء.\r","part":13,"page":20},{"id":5248,"text":"ولما كان من في حصن الملك وحرزه بجواره بعيداً ممن أحرقه بنار البعد وأهانه بالرجم حققت الإعاذة بقولها : {من الشيطان الرجيم} وفي هذا التخليص لمريم عليها السلام بالإعاذة ولذريتها حظ من التخليص المحمدي لما شق صدره ونبذ حظ الشيطان منه وغسل قلبه بالماء والثلج في البداية الكونية ، وبماء زمزم في البداية النبوية عند الانتهاء الكوني ، فلذلك كان لمريم ولذريتها بمحمد صلى الله عليه وسلم اتصال واصل ؛ قال صلى الله عليه وسلم : \" أنا أولى الناس بعيسى ابن مريم ، من أجل أنه ليس بيني وبينه نبي ، وبما هو حكم أمامه في خاتمة يومه وقائم من قومه دينه \". أ هـ {نظم الدرر حـ 2 صـ 71 ـ 72}","part":13,"page":21},{"id":5249,"text":"وقال الآلوسى :\r{ فَلَمَّا وَضَعَتْهَا } الضمير لما ولما علم المتكلم أن مدلولها مؤنث جاز له تأنيث الضمير العائد إليه وإن كان اللفظ مذكراً ، وأما التأنيث في قوله تعالى : { قَالَتْ رَبّ إِنّى وَضَعْتُهَا أنثى } فليس باعتبار العلم بل باعتبار أن كل ضمير وقع بين مذكر ومؤنث هما عبارتان عن مدلول واحد جاز فيه التذكير والتأنيث نحو الكلام يسمى جملة ، و{ أنثى } حال بمنزلة الخبر فأنث العائد إلى ( ما ) نظراً إلى الحال من غير أن يعتبر فيه معنى الأنوثة ليلزم اللغو أو باعتبار التأويل بمؤنث لفظي يصلح للمذكر والمؤنث كالنفس ، والحبلة ، والنسمة فلا يشكل التأنيث ولا يلغو { أنثى } بل هي حالة مبينة كذا قيل ولا يخلو عن نظر ، فالحق أن الضمير لما في بطني والتأنيث في الأول لما أن المقام يستدعي ظهور أنوثته واعتباره في حيز الشرط إذ عليه يترتب جواب ( لما ) لا على وضع ولد مّا ، والتأنيث في الثاني للمسارعة إلى عرض ما دهمها من خيبة الرجاء وانقطاع حبل الأمل ، و{ أنثى } حال مؤكدة من الضمير أو بدل منه ، وليس الغرض من هذا الكلام الإخبار لأنه إما للفائدة أو للازمها ، وعلم الله تعالى محيط بهما بل لمجرد التجسر والتحزن ، وقد قال الإمام المرزوقي : إنه قد يرد الخبر صورة لأغراض سوى الإخبار كما في قوله :\rقومي هم قتلوا أميم أخي... فإذا رميت ( يصيبني سهمي )","part":13,"page":22},{"id":5250,"text":"فإن هذا الكلام تحزن وتفجع وليس بإخبار ، وحاصل المعنى هنا على ما قرر فلما وضعت بنتاً تحسرت إلى مولاها وتفجعت إذ خاب منها رجاها وعلى هذا لا إشكال أصلاً في التأنيث ولا في الجزاء نفسه ، ولا في ترتبه على الشرط ، وما قيل : إنه يحتمل أن يكون فائدة هذا الكلام التحقير للمحرر استجلاباً للقبول لأنه من تواضع لله تعالى رفعه الله سبحانه فمستحقر من القول بالنسبة إلى ما ذكرنا ؛ والتأكيد هنا قيل : للرد على اعتقادها الباطل وربما أنه يعود إلى الاعتناء والمبالغة في التحسر الذي قصدته والرمز إلى أنه صادر عن قلب كسير وفؤاد بقيود الحرمان أسير. أ هـ {روح المعانى حـ 3 صـ 134}\rقال الفخر :\rاعلم أن الفائدة في هذا الكلام أنه تقدم منها النذر في تحرير ما في بطنها ، وكان الغالب على ظنها أنه ذكر فلم تشترط ذلك في كلامها ، وكانت العادة عندهم أن الذي يحرر ويفرغ لخدمة المسجد وطاعة الله هو الذكر دون الأنثى فقالت {رَبّ إِنّى وَضَعْتُهَا أنثى} خائفة أن نذرها لم يقع الموقع الذي يعتمد به ومعتذرة من إطلاقها النذر المتقدم فذكرت ذلك لا على سبيل الإعلام لله تعالى ، تعالى الله عن أن يحتاج إلى إعلامها ، بل ذكرت ذلك على سبيل الاعتذار. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 8 صـ 23 ـ 24}\rفوائد لغوية\rقال ابن عادل :\rقوله : { فَلَمَّا وَضَعَتْهَا } الضمير في \" وضعتها \" يعود على \" ما \" - من حيث المعنى- ؛ لأن الذي في بطنها أنْثَى - في علم الله - فعاد الضمير على معناها دون لفظها.\rوقيل : إنما أنث ؛ حَمْلاً على مضيّ النسمة أو الْجِبلَّة أو النفس ، قاله الزمخشريُّ.\rوقال ابنُ عطية : حملاً على الموجودة ، ورفعاً للفظ \" ما \" في قوله { مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّراً }.\rقوله : { أنثى } فيه وجهان :\rأحدهما : أنها منصوبة على الحال ، وهي حال مؤكِّدَة ؛ لأن التأنيث مفهوم من تأنيث الضمير ، فجاءت \" أنثى \" مؤكدة.","part":13,"page":23},{"id":5251,"text":"قال الزمخشريُّ : \" فإن قلت : كيف جاز انتصاب \" أنثى \" حالاً من الضمير في \" وَضَعْتُهَا \" وهو كذلك كقولك : وضعت الأنثى أنثى ؟\rقلت : الأصل وضعته أنثى ، وإنما أنث لتأنيث الحال ؛ لأن الحالَ وذا الحال لشيء واحد ، كما أنث الاسم في من كانت أمك ؛ لتأنيث الخبر ، ونظيره قوله تعالى : { فَإِن كَانَتَا اثنتين } [ النساء : 176 ].\rوأما على تأويل النسمة والجبلة فهو ظاهرٌ ، كأنه قيل : إني وَضَعْتُ النسمةَ أنثى \".\rيعني أن الحال على الجواب الثاني - تكون مبيِّنة لا مؤكِّدة ؛ وذلك لأن النسمة والجبلة تصدق على الذكر وعلى الأنثى ، فلما حصل الاشتراكُ جاءت الحال مبيِّنةً لها ، إلا أن أبا حيّان ناقشة في الجواب الأول ، فقال : وآل قوله - يعني الزمخشري - إلى أن \" أنثى \" تكون حالاً مؤكِّدة ، ولا يخرجه تأنيثه لتأنيث الحال عن أن يكون حالاً مؤكِّدة ، وأما تشبيهه ذلك بقوله : من كانت أمّك - حيث عاد الضمير على معنى \" ما \" - فليس ذلك نظير { وَضَعْتُهَآ أنثى } ؛ لأن ذلك حَمْلٌ على معنى \" ما \" إذ المعنى : اية امرأة كانت أمك ، أي كانت هي أي أمُّك ، فالتأنيث ليس لتأنيث الخبرِ ، وإنما هو من باب الحملِ على معنى \" ما \" ولو فرضنا أنه من تأنيث الاسم لتأنيث الخبر لم يكن نظير { وَضَعْتُهَآ أنثى } ؛ لأن الخبر تخصَّصَ بالإضافة غلى الضمير فاستفيد من الخبر ما لا يُستفاد من الاسم ، بخلاف \" أنْثَى \" فإنه لمجرَّد التأكيد ، وأما تنظيره بقوله : { فَإِن كَانَتَا اثنتين }. فيعني أنه ثَنَّى الاسمَ ؛ لتثنية الخبر. والكلام يأتي عليه في مكانه إن شاء الله تعالى فإنها من المشكلات ، فالأحسن أن يُجعل الضمير - في { وَضَعْتُهَآ أنثى } - عائداً على النسمة أو النفس ، فتكون الحال مبيِّنة مؤكِّدة.","part":13,"page":24},{"id":5252,"text":"قال شهاب الدين : قوله : \" ليس نظيرها ؛ لأن من كانت أمك \" حُمل فيه على معنى من ، وهذا أنث لتأنيث الخبر \" ليس كما قال ، بل هو نظيره ، وذلك أنه في الآية الكريمة حُمل على معنى \" ما \" كما حمل هناك على معنى \" من \" ، وقول الزمخشري : \" لتأنيث الخبر \" أي لأن المرادَ بـ \" من \" : التأنيث ، بدليل تأنيث الخبر ، فتأنيث الخبر بَيَّنَ لنا أن المراد بـ \" من \" المؤنث كذلك تأنيث الحال وهو أنثى ، بيّن لنا أن المراد بـ \" ما \" في قوله : { مَا فِي بَطْنِي } أنه شيءٌ مؤنث ، وهذا واضح لا يحتاج إلى فكر ، وأما قوله : \" فقد استفيد من الخبر ما لا يستفاد من الاسم بخلاف { وَضَعْتُهَآ أنثى } ، فإنه لمجرد التوكيد \" ليس بظاهر أيضاً ؛ وذلك لأن الزمخشري إنما أراد بكونه نظيره من حيث إن التأكيد في كلّ من المثالين مفهوم قبل مجيء الحال في الآية وقَبْل مجيء الخبر في النظير المأما كونه يفارقه في شيء آخر لعارض ، فلا يضر ذلك في التنظير ، ولا يخرجه عن كونه يشبهه من هذه الجهة ، وقد تحصل لك في هذه الحالة وجهان : \rأحدهما : أنها مؤكِّدة إن قلنا : إن الضمير في { وَضَعَتْهَا } عائد على معنى \" ما \".\rالثاني : أنها مبيِّنة إن قلنا : إن الضمير عائد على الجبلة والنسمة أو النفس أو الجِبلَّة لصدق كل من هذه الألفاظِ الثلاثةِ على الذكر والأنثى.\rالوجه الثاني من وجهي \" أنثى \" : أنها بدل من \" ها \" في { وَضَعَتْهَا } بدل كل من كل - قاله أبو البقاء.\rويكون في هذا البدلِ بيان ما المراد بهذا الضميرِ ، وهذا من المواضع التي يُفَسَّر فيها الضميرُ بما بعدَه لفظاً ورتبة ، فإن كان الضمير مرفوعاً نحو : { وَأَسَرُّواْ النجوى الذين ظَلَمُوا } [ الأنبياء : 3 ] - على أحد الأوجهِ - فالكل يجيزون فيه البدلَ ، وإن كان غير مرفوعٍ نحو ضربته زيداً ومررت به زيدٍ فاختلِفَ فيه ، والصحيح جوازه كقول الشاعر : [ الطويل ]\r","part":13,"page":25},{"id":5253,"text":"عَلَى حَالَةٍ لَوْ أنَّ فِي الْقَوْمِ حَاتِماً... عَلَى جُودِهِ لَضَنَّ بِالْمَاءِ حَاتِمِ\rبجر حاتم الأخير بدلاً من الهاء في \" جُودِهِ \". أ هـ {تفسير ابن عادل حـ 5 صـ 172 ـ 173}\rقوله تعالى : {والله أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ}\rقال الآلوسى :\r{ والله أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ } ليس المراد الرد عليها في إخبارها بما هو سبحانه أعلم به كما يتراءى من السياق بل الجملة اعتراضية سيقت لتعظيم المولود الذي وضعته وتفخيم شأنه والتجهيل لها بقدره أي والله أعلم بالشيء الذي وضعته وما علق به من عظائم الأمور ودقائق الأسرار وواضح الآيات ، وهي غافلة عن ذلك كله ، و( ما ) على هذه عبارة عن الموضوعة ، قيل : والاتيان بها دون من يلائم التجهيل فإنها كثيراً ما يؤتى بها لما يجهل به وجعلها عبارة عن الواضعة أي والله تعالى أعلم بشأن أم مريم حين تحسرها وتحزنها من توهم خيبة رجاها وأنها ليست من الولي إلى الله تعالى في شيء إذ لها مرتبة عظمى وتحريرها تحرير لا يوجد منه مما لا وجه له وجزالة النظم تأباه. أ هـ {روح المعانى حـ 3 صـ 135}\rفصل\rقال ابن عادل :\rقوله : { والله أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ } قرأ ابن عامر وأبو بكر \" وَضَعْتُ \" بتاء المتكلم - وهو من كلام أمِّ مَرْيَمَ خاطبت بذلك نفسَها ؛ تَسَلِّياً لها واعتذاراً للهِ تعالى ؛ حيث أتت بمولود لا يصلح لما نذرته من سدانة بيت المقدس.\rقال الزمخشريُّ - وقد ذكر هذه القراءة- : \" تعني ولعل الله - تعالى - فيه سِرًّا وحكمةً ، ولعل هذه الأنثى خير من الذكر ؛ تَسلِيَةً لنفسها \".\rوقيل : قالت ذلك ؛ خوفاً أن يُظَنَّ بها أنها تُخْبِر الله - تعالى - فأزالت الشبهةَ بقولها هذا وبينت أنها إنما قالتْ ذلك للاعتذارِ لا للإعلام - وفي قولها : { والله أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ } التفات من الخطاب إلى الغيبة ؛ إذ لو جَرَتْ على مقتضَى قولها : \" رَبِّ \" لقالت : وأنت أعلم.","part":13,"page":26},{"id":5254,"text":"وقرأ الباقون : \" وَضَعَتْ \" بتاء التأنيث الساكنةِ - على إسناد الفعل لضمير أم مريم ، وهو من كلام الباري تعالى ، وفيه تنبيه على عِظَم قَدْر هذا المولود ، وأنَّ له شأناً لم تعرفيه ، ولم تعرفي إلا كونه أنثى لا غير ، دون ما يئول إليه من أمور عِظَامٍ ، وآيات واضحةٍ.\rقال الزمخشريُّ : \" ولتكلُّمها بذلك على وجه التحسُّر والتحزُّن قال الله - تعالى - : { والله أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ } تعظيماً لموضوعها ، وتجهيلاً لها بقدر ما وُهِبَ لها منه ، ومعناه : والله أعلم بالشيء الذي وضعت ، وما علق به من عظائم الأمور ، وأن يجعله وولده آيةً للعالمين ، وهي جاهلة بذلك لا تعلم منه شيئاً فلذلك تحسرت \".\rوقد رجح بعضهم القراءة الثانية على الأولى بقوله : { والله أَعْلَمُ } قال : \" ولو كان من كلامِ مريم لكان التركيب : وأنت أعلم \". وقد تقدم جوابُه بأنه التفات.\rوقرأ ابن عباس \" والله أعلم بِمَا وَضَعَتِ \" - بكسر التاء - خاطبها الله - تعالى - بذلك ، بمعنى : أنك لا تعلمين قدرَ هذه المولودة ، ولا قدر ما علم الله فيها من عظائمِ الأمورِ.\rقوله : { وَلَيْسَ الذكر كالأنثى } ؛ هذه الجملة - يحتمل أن تكون معترضةً ، وأن يكون لها محل ، وذلك بحسب القراءات المذكورة في \" وَضَعَتْ \" - كما يأتي تفصيله - والألف واللام في \" الذكَر \" يحتمل أن تكون للعهدِ ، والمعنى : ليس الذكر الذي طلبَتْ كالأنثى التي وَهِبَتْ لها.\rقال الزمخشريُّ : \" فإن قلتَ : فما معنى قولها : { وَلَيْسَ الذكر كالأنثى } ؟ \r","part":13,"page":27},{"id":5255,"text":"قلت : هو بيان لما في قوله : { والله أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ } من التعظيم للموضوع ، والرفع منه ، ومعناه : ليس الذكر الذي طلبت كالأنثى التي وُهِبَتْ لها ، والألف واللام فيهما يحتمل أن تكون للعهد وأن تكون للجنس ، على أن المراد : أن الذكر ليس كالأنثى في الفضل والمزية ؛ إذ هو صالح لخدمة المتعبدات والتحرير ولمخالطة الأجانب ، بخلاف الأنثى ؛ لِما يعتريها من الحيض ، وعوارض النسوان.\rوكان سياقُ الكلام - على هذا - يقتضي أن يدخل النفي على ما استقر ، وحصل عندَها ، وانتفت عنه صفاتُ الكمال للغرض المقصود منه ، فكان التركيبُ : وليس الأنثى كالذكر ، وإنما عدل عن ذلك ؛ لأنها بدأت بالأهم لما كانت تريده ، وهو المُتَلَجلِج في صدرها ، والحائل في نفسها ، فلم يَجْرِ لسانُها في ابتداء النطق إلا به ، فصار التقديرُ : وليس جنسُ الذكرِ مثل جنس الأنثى ، لما بينهما من التفاوتِ فيما ذكر ، ولولا هذه المعاني التي استنبطها العلماء ، وفهموها عن الله - تعالى - لم يكن لمجرد الإخبار بالجملة الليسية معنًى ؛ إذ كلُّ أحدٍ يعلَمُ أن الذكر لَيْسَ كالأنثى.\rوقوله : { وَإِنِّي سَمَّيْتُهَا مَرْيَمَ } هذه الجملة معطوفة على قوله { إِنِّي وَضَعْتُهَآ } على قراءة مَنْ ضَمَّ التاء في قوله وضعت فتكون هي وما قبلها في محل نصب بالقول ، والتقدير : قالت : إني وضعتُها ، وقالت : والله أعلم بما وَضَعْتُ ، وقالت : وليس الذكر كالأنثى ، وقالت : إنِّي سَمَّيْتُهَا مَرْيَم.\rوأما على قراءة من سكن التاء أو كسرها فتكون { وَإِنِّي سَمَّيْتُهَا } أيضاً معطوفاً على { إِنِّي وَضَعْتُهَآ } ويكون قد فصل بين المتعاطفَيْن بجملتي اعتراض ، كقوله تعالى : { وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَّوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ } [ الواقعة : 76 ] قاله الزمخشريُّ.","part":13,"page":28},{"id":5256,"text":"قال أبو حيّان : \" ولا يتعين ما ذكر من أنهما جملتان معترضتان ؛ لأنه يحتمل أن يكون : { وَلَيْسَ الذكر كالأنثى } من كلامها في هذه القراءة \" ويكون المعترض جملة واحدة - كما كان من كلامها في قراءة من قرأ \" وَضَعْتُ \" بضم التاء - بل ينبغي أن يكون هذا المتعيِّن ؛ لثبوت كونه من كلامها في هذه القراءة ، ولأن في اعتراضِ جملتين خلافاً لمذهب أبي علي الفارسي من أنه لا يعترض جملتان.\rوأيضاً تشبيهه هاتين الجملتين اللتين اعترض بهما - على زعمه - بين المعطوف والمعطوفِ عليه ، بقوله : { وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَّوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ } [ الواقعة : 76 ] ليس تشبيهاً مطابقاً للآية ؛ لأنه لم يعترض جملتان بين طالب ومطلوب ، بل اعترض بين القسم - الذي هو { فَلاَ أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النجوم } [ الواقعة : 75 ] - وبين جوابه - الذي هو { إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ } [ الواقعة : 77 ] - بجملة واحدة - وهي قوله : { وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَّوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ } - لكنه جاء في جملة الاعتراض - بين بعض أجزائها ، وبعض اعتراض بجملة - وهي قوله : { لَّوْ تَعْلَمُونَ } اعتراضٌ بها بين المنعوتِ الذي هو \" لَقَسَمٌ \" - وبين نعته - الذي هو \" عَظِيمٌ \" - فهذا اعتراضٌ ، فليس فصلاً بجملتي اعتراض كقوله : { والله أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ وَلَيْسَ الذكر كالأنثى }.\rقال شهابُ الدين : والمشاحَّة بمثل هذه الأشياء ليست طائلة ، وقوله : \" ليس فصلاً بجملتي اعتراض \" ممنوع ، بل هو فَصْلٌ بجملتي اعتراض ، وكونه جاء اعتراضاً في اعتراض لا يضر ولا يقدَح في قوله : فصل بجملتين \" ف \" سمى \" يتعدى لاثنين ، أحدهما بنفسه ، وإلى الآخر بحرف الجر ، ويجوز حذفه ، تقول : سميت زيداً ، والأصل : بزيدٍ ، وجمع الشاعرُ بين الأصل والفرع في قوله : [ المتقارب ]\rوَسُنِّيْتَ كَعباً بِشَرِّ الْعِظَامِ... وَكَانَ أبُوكَ يُسَمَّى الْجَعَل","part":13,"page":29},{"id":5257,"text":"أي يسمى بالجُعَل - وقد تقدم الكلامَ في مريمَ واشتقاقها ومعناها. أ هـ {تفسير ابن عادل حـ 5 صـ 174 ـ 176}\rقوله تعالى {وَلَيْسَ الذكر كالأنثى}\rقال الفخر :\rفيه قولان الأول : أن مرادها تفضيل الولد الذكر على الأنثى ، وسبب هذا التفضيل من وجوه\rأحدها : أن شرعهم أنه لا يجوز تحرير الذكور دون الإناث\rوالثاني : أن الذكر يصح أن يستمر على خدمة موضع العبادة ، ولا يصح ذلك في الأنثى لمكان الحيض وسائر عوارض النسوان\rوالثالث : الذكر يصلح لقوته وشدته للخدمة دون الأنثى فإنها ضعيفة لا تقوى على الخدمة\rوالرابع : أن الذكر لا يلحقه عيب في الخدمة والاختلاط بالناس وليس كذلك الأنثى\rوالخامس : أن الذكر لا يلحقه من التهمة عند الاختلاط ما يلحق الأنثى فهذه الوجوه تقتضي فضل الذكر على الأنثى في هذا المعنى.\rوالقول الثاني : أن المقصود من هذا الكلام ترجيح هذه الأنثى على الذكر ، كأنها قالت الذكر مطلوبي وهذه الأنثى موهوبة الله تعالى ، وليس الذكر الذي يكون مطلوبي كالأنثى التي هي موهوبة لله ، وهذا الكلام يدل على أن تلك المرأة كانت مستغرقة في معرفة جلال الله عالمة بأن ما يفعله الرب بالعبد خير مما يريده العبد لنفسه. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 8 صـ 24}","part":13,"page":30},{"id":5258,"text":"وقال الآلوسى : \r{ وَلَيْسَ الذكر كالأنثى } اعتراض آخر مبين لما اشتمل عليه الأول من التعظيم وليس بياناً لمنطوقه حتى يلحق بعطف البيان الممتنع فيه العطف. واللام في الذكر والأنثى للعهد ، أما التي في الأنثى فلسبق ذكرها صريحاً في قوله سبحانه حكاية : { إِنّى وَضَعْتُهَا أنثى } وأما التي في الذكر فلقولها : { إِنّي نَذَرْتُ } [ آل عمران : 35 ] الخ إذ هو الذي طلبته والتحرير لا يكون إلا للذكر وسمي هذا العهد التقديري وهو غير الذهني لأن قولها : { مَا فِي بَطْنِي } [ آل عمران : 35 ] صالح للصنفين ، وقولها : { مُحَرَّرًا } [ آل عمران : 35 ] تمن لأن يكون ذكراً فأشير إلى ما في البطن حسب رجائها ، وجوز أن تكون الجملة من قولها فيكون مرادها نفي مماثلة الذكر للأنثى ، فاللام للجنس كما هو الظاهر لأنه لم يقصد خصوص ذكر وأنثى بل إن المراد أن هذا الجنس ليس كهذا الجنس ، وأورد عليه أن قياس كون ذلك من قولها أن يكون وليست الأنثى كالذكر فإن مقصودها تنقيص الأنثى بالنسبة إلى الذكر والعادة في مثله أن ينفى عن الناقص شبهه بالكامل لا العكس ، وأجيب بأنه جار على ما هو العادة في مثله أيضاً لأن مراد أمّ مريم ليس تفضيل الذكر على الأنثى بل العكس تعظيماً لعطية الله تعالى على مطلوبها أي وليس الذكر الذي هو مطلوبي كالأنثى التي وهبها الله تعالى لي علماً منها بأن ما يفعله الرب خير مما يريده العبد وفيه نظر أما أولاً : فلأن اللام في الذكر والأنثى على هذا يكون للعهد وهو خلال الظاهر الذي ذهب إليه أكثر المفسرين ، وأما ثانياً : فلأنه ينافي التحسر والتحزن المستفاد من قولها : { رَبّ إِنّى وَضَعْتُهَا أنثى } فإن تحزنها ذلك إنما هو لترجيحها الذكر على الأنثى ، والمفهوم من هذا الجواب ترجيحها الأنثى على الذكر اللهم إلا أن يحمل قولها ذلك على تسلية نفسها بعد ما تحزنت على هبة الأنثى بدل الذكر الذي كانت طلبته إلا أنه تبقى مخالفة الظاهر على ما هي ، فالأولى","part":13,"page":31},{"id":5259,"text":"في الجواب عدم الخروج عما هو الظاهر والبحث فيما اقتضته العادة فقد قال في \"الانتصاف\" بعد نقل الإيراد وذكر القاعدة : وقد وجدت الأمر في ذلك مختلفاً فلم يثبت لي تعين ما قالوه ألا ترى إلى قوله تعالى : { لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مّنَ النساء } [ الأحزاب : 32 ] فنفى عن الكامل شبه الناقص لأن الكمال لأزواج النبي صلى الله عليه وسلم ثابت بالنسبة إلى عموم النساء وعلى ذلك جاءت عبارة امرأة عمران ومنه أيضاً { أَفَمَن يَخْلُقُ كَمَن لاَّ يَخْلُقُ } [ النحل : 17 ] انتهى.\rوتمام الكلام في هذا المقام ما ذكره بعض المحققين أنه إذا دخل نفي بلا أو غيرها ، أو ما في معناه على تشبيه مصرح بأركانه ، أو ببعضها احتمل معنيين تفضيل المشبه بأن يكون المعنى أنه لا يشبه بكذا لأن وجه الشبه فيه أولى وأقوى كقولك ليس زيد كحاتم في الجود ويحتمل عكسه بأن يكون المعنى أنه لا يشبه به لبعد المسافة بينهما كقول العرب ماء ولا كصداء ، ومرعى ولا كالسعدان ، وفتى ولا كمالك وقوله :\rطرف الخيال ولا كليلة مدلج... ووقع في شروح \"المقامات\" وغيرها أن العرب لم تستعمل النفي بلا على هذا الوجه إلا للمعنى الثاني وأن استعماله لتفضيل المشبه من كلام المولدين حتى اعترضوا على قول الحريري في قوله :\rغدوت ولا اغتداء الغراب... وعِيب قول صاحب \"التلويح\" في خطبته : نال حظاً من الاشتهار ولا اشتهار الشمس نصف النهار ، ومبنى الاعتراض على هذا ، ولعله ليس بلازم كما أشار إليه صاحب \"الانتصاف\" بما أورد منه الآيات ، ومما أورده الثعالبي من خلافه أيضاً في كتابه \"المنتخب\" فلا حسن ولا القمر ، وجواد ولا المطر على أنه لو سلم ما ذكروه فالمعاني لا حجر فيها على أن ما ورد في النفي بلا المعترضة بين الطرفين لا في كل نفي انتهى. وهو كما قال : من نفائس المعاني التي ينبغي حفظها. أ هـ {روح المعانى حـ 3 صـ 135}","part":13,"page":32},{"id":5260,"text":"بحث علمى\r\" وليس الذكر كالأنثى \"\rبقلم الدكتور / محمد علي البار\rتقديم لفضيلة الشيخ / محمد عبدالله الخطيب\rهذه بحوث علمية ودراسات نفسية عن تكوين المرأة وقدراتها الحقيقية ، من عالم متميز في هذه الدراسات ومجرب من خلال المعامل في هذه الأشياء ، فهو يدلي برأيه المؤمن الخبير المحايد الذي يقول الحق دائماً ، والموقع على استعداد بقبول من يعترض على هذه الأشياء بصدر رحب ، وهذا البحث الأول ويليه مجموعة بحوث في نفس الموضوع\rإن الفروق الفسيولوجية \"الوظيفية\" والتشريحية بين الذكر والأنثى أكثر من أن تحصى وتعد.. فهي تبتدأ بالفروق على مستوى الصبغيات \"الجسيمات الملونة أو الكروموسومات\" التي تتحكم بالوراثة.. والتي تدق وتدق حتى أن ثخانتها تقاس بالأنجستروم ـ واحد على بليون من المليمتر ـ ثم ترتفع إلى مستوى الخلايا ، وكل خلية في جسم الإنسان توضح لك تلك الحقيقة الفاصلة بين الذكورة والأنوثة.. تتجلى الفروق بأوضح ما يكون في نطفة الذكر(الحيوانات المنوية) ونطفة المرأة (البويضة).. ثم ترتفع الفروق بعد ذلك في أجهزة الجسم المختلفة من العظام إلى العضلات.. وتتجلى كأوضح ما يكون في اختلاف الأجهزة التناسلية بين الذكر والأنثى ، ولا تقتصر الفروق على الجهاز التناسلي وإنما تشمل جميع أجهزة الجسم.. ولكنها تدق وتدق في بعض الأجهزة وتتضح في أخرى. وجهاز الغدد الصماء هو أحد الأجهزة التي تتجلى فيها الفروق كأوضح ما يكون.. فهرمونات الذكورة تختلف عن هرمونات الأنوثة في تأثيرها اختلافا كبيراً رغم أن الفرق الكيماوى بسيط ، ويتمثل في زيادة ذرة من الكربون وثلاثة ذرات من الهيدروجين إلى التركيب الجزئى في هرمون الأنوثة.\rوهذه ملاحظة أخرى هامة أشار إليها القرآن الكريم ? وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ? سورة البقرة الآية 228 ، فهرمون الذكورة يساوي هرمون الأنوثة + مجموعة مثيلية ، وكذلك الجهاز التناسلي للرجل يساوى الجهاز التناسلي للمرأة + أعضاء اضافية.","part":13,"page":33},{"id":5261,"text":"وفي أثناء تكوين الجنين في مراحله الأولى يكون جنين الذكر مشابهاً في أول الأمر لجنين الأنثى ، ويصعب التفريق بينهما إلا على مستوى الصبغيات الكروموسومات.. ولكن سرعان ما تتميز منطقة في المخ تدعي تحت المهاد لدى الجنين الذكر على مثيله الجنين الأنثوي.. وهذه الاضافة والزيادة في مخ جنين الذكر تؤدى إلى الفروق الهائلة فيما بعد بين الجهاز التناسلي للذكر والجهاز التناسلي للأنثى.. كما يؤدي إلى الفروق الهائلة بين غدد الذكر الصماء وغدد الأنثى.. وتؤثر هذه الغدد على مختلف أنشطة الجسم وعلى هيكله أيضا.. ومن ثم يختلف بناء هيكل الذكر عن بناء هيكل الأنثى ، كما تختلف الوظائف تبعاً لذلك.. والسبب في تمايز منطقة تحت المهاد من المخ بين جنين الذكر وجنين الأنثى هو هرمون التسترون الذي تفرزه مشيمة الجنين الذكر.. ثم تنمو الغدة التناسلية وتؤثر بالتالى على المنطقة المخية ـ تحت المهاد ـ.\rومن الغريب حقا أن هيكل البناء يصمم أساسا على هيكل الأنثى ، فإن وجد صبغ الذكورة ـ كروموسوم الذكورة ـ فإنه يضيف إلى ذلك الكيان اضافات تجعل النهاية ذكراً. أما إذا اختفى هذا الكروموسوم الهام من تركيب البويضة الملقحة كما يحصل في بعض الحالات النادرة حتى تُرينا قدرة المولى عز وجل فإن النتيجة النهائية هي جسم امرأة ، وإن كانت ناقصة التكوين ، ففي حالة (ترنر) فإن البويضة الملقحة تحتوى فقط على كروموسوم X O فلا هي أنثى محتوية على X X ولا هي ذكر محتوية على X Y.. فماذا تكون النتيجة ؟ \rتكون النتيجة أنثى غير أنها لا تحيض ولا تحبل ولا تلد ، أما إذا كانت نتيجة التلقيح مثلا X X Y كما يحصل في حالة (كلينفلتر) فإن الطفل المولود يكون ذكراً رغم وجود صبغيات الأنوثة بصورة كاملة.. وإن كان ذكر ضعيف الهمة بارد الشهوة خائر العزيمة.. وذلك لتراكم صبغ الأنوثة فيه.","part":13,"page":34},{"id":5262,"text":"أما إذا زاد صبغ الذكورة في البويضة الملقحة وصار حاصلها الكروموسومين X Y Y أي أن بها صبغين كروموسومين كاملين من اصباغ الذكورة ، فإن النتيجة تكون ذكراً قوي الشكيمة شديد البأس كثير العدوان.. حتى أن الفحوصات التي أجريت لاعتى المجرمين في السجون وأشدهم بأساً وأقداماً أظهرت أن كثيراً منهم كانوا ممن لديهم زيادة في صبغ كروموسوم\" الذكورة!!\rولعله لو فحص الرجال المشهورون في التاريخ بزيادة الشجاعة والاقدام والرجولة والخشونة.. لربما وجدنا أن ذلك مرجعه في كثير من الحالات إلى زيادة صبغ الذكورة Y لدي هؤلاء الموصوفين بزيادة جرأتهم واقدامهم ، سواء كان ذلك في مجال الخير أو في مجال الشر.\rوالفرق بين رجل وآخر من حيث الإقدام وصفات الرجولة يرجع في بعض الأحيان إلى زيادة هرمون الرجولة لدى هذا وقلته النسبية لدي ذلك.\rونظرة إلى المخصيين الذين تم اخصاؤهم قبل البلوغ ترينا كيف تتحول رجولتهم إلى الأنوثة.. ولا ينبت شعر عذارى المخصي وذقنه وشاربه.. ويتوزع الدهن بنفس الطريقة التي يتوزع فيها في الأنثى.. أي في الارداف والعجز.. وتلين عظامه وترق.. ويبقى صوته رخيماً على نبرة الطفولة دون أن تصيبه غلظة الرجولة وأجشها.\rأما أولئك الذين اخصوا بعد البلوغ فإن علامات الرجولة سرعان ما تندثر ، ويسقط شعر الذقن والشارب ، ولا يعود إلى النمو ثانية ، وتبدأ العضلات في الترهل.. كما تبدأ الصفات الأنثوية البدنية والنفسية في الظهور لأول مرة.","part":13,"page":35},{"id":5263,"text":"هذه الفروق كلها تؤكد إعجاز الآية ? وللرجال عليهن درجة ? وليست المرحلة مقتصرة فقط على التركيب البيولوجي ولكنها أيضاً تشمل تركيب النفس والقدرات العقلية الكلامية قال تعالى ? أَوَ مَن يُنَشَّأُ فِي الْحِلْيَةِ وَهُوَ فِي الْخِصَامِ غَيْرُ مُبِين? سورة الزخرف الآية 18 ، فإذا نظرت في التاريخ وجدت النابغين في كل فرع من فروع المعرفة والاختراع والحياة من الرجال ، بينما النابغات من النساء في أي مجال من مجالات المعرفة أو الاختراع محدودات ومعدودات ، ونستطيع أن نذكر المئات من الرجال في كل فن من فنون المعرفة .. وفي قيادة الجيوش وفي الاختراعات وفي الصناعة وفي المال والاقتصاد .. وإنه يسير عليك أن تعد العشرات من النساء في أي فن من هذه الفنون العامة من المعارف الإنسانية والصناعات والاختراعات ، وتستطيع أن تعدل عشرات الأنبياء والمرسلين وهم صفوة البشر ، ولكنك لا تستطيع أن تعد واحدة تتصف بصفات النبوة والرسالة رغم عظم هؤلاء النساء وهن أمهات الأنبياء وزوجاتهم وبناتهم.\rإن العذراء مَريم سيدة النساء في زمانها ، وفاطمة الزهراء سيدة نساء العالمين ، لا يضارعهن أحد من النساء وفعال الواحدة منهن خير من آلاف الرجال ، لكن الحقيقة تبقى كما هي أنه لم ترقى واحدة منهن إلى مستوى النبوة.","part":13,"page":36},{"id":5264,"text":"وليس هذا قدحاً بالمرأة فإن أعظم العباقرة يتصاغر أمام أبسط الأمهات ولا يستطيع أعظم قادة الدنيا من الرجال أن يفعل ما تفعله أبسط النساء وأجهلهن ، أنه لا يستطيع أن ينجب طفلاً ويحمله في بطنه تسعة أشهر ، كما أنه لا يمكنه رضاعته وتربيته مهما كان له من معرفة ونبوغ ، ووظيفة الأمومة لا يستطيع أن يقوم بها أي رجل مهما كان حظه عظيماً من النبوة ، ووظيفة الأمومة تتصاغر أمامها كل الوظائف الأخرى حتى جعل الرسول الكريم الجنة تحت أقدامها \"الجنة تحت أقدام الأمهات\" ويوصي أصحابه وأمته برعاية الأم بأضعاف أضعاف ما يوجبه للأب ، فعندما سئل المصطفى صلوات الله عليه من أحد أصحابه : من أحق الناس بحسن صحبتي وبري ؟ قال المصطفى : \"أمك ثم أمك ثم أمك ثم أبوك. ثم أدناك فأدناك\".\rوركز القرآن الكريم على بر الوالدين وحث عليهما أيما حث ، وخص الأم بزيادة ذكر ليبين مزيد فضلها ، قال تعالى : ? وَوَصَّيْنَا الإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَى وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ? سورة لقمان الآية 14 ، وقال عز من قائل ? وَوَصَّيْنَا الإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ إِحْسَانًا حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهًا وَوَضَعَتْهُ كُرْهًا وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلاَثُونَ شَهْرًا? سورة الأحقاف الآية15\".\r? وَقَضَى رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُوا إِلاَّ إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلاَهُمَا فَلاَ تَقُل لَّهُمَا أُفٍّ وَلاَ تَنْهَرْهُمَا وَقُل لَّهُمَا قَوْلاً كَرِيمًا* وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُل رَّبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا? سورة الإسراء الآية 23 ، 24.","part":13,"page":37},{"id":5265,"text":"والفروق بين الذكر والأنثى تتجلى في الجنين من الشهر الرابع حيث تتميز أعضاء الذكورة وأعضاء الأنوثة.. وحيث يكون المخ ومنطقة تحت المهاد قد تميزت تميزاً كاملاً بين الجنين الذكر والجنين الأنثى.\rوقد لاحظ العلماء والأطباء والمربون الاختلاف الشاسع في سلوك الأنثى ، ولو كانا توأمين.. فالصبي عادة أكثر عنفا ونشاطاً وإدراكاً من اخته.\rوتشكو الأمهات في العادة من نشاط أولادهن الزائد وما يسببونه لهن من متاعب وتحطيم في أثاث المنزل ، بينما البنات في العادة هادئات ، وتميل الصغيرات إلى اللعب بالعرائس وإلى تسريحهن والعناية بهن ، ويقمن تلقائياً بدور الأم ، بينما يصعب على الصبي فعل ذلك ، وسرعان ما يلوي رقبة العروسة أن أعطيت له ويمزقها لينظر ماذا في أحشائها.\rويعرف الآباء والأمهات الذين رزقهم الله بذرية من الأولاد والبنات الفروق الشاسعة بين أطفالهم.. وتقف البنت الصغيرة أمام المرأة وتتدلل تلقائياً.. وكثيراً ما كنت أسمع من إحدى بناتي وهن لم يجاوزن بعد سن الثالثة عند لبسها ثوباً جديداً واستعدادها للخروج مع أمها : يا بابا شوف الجمال!!.. أو يا بابا ايه رأيك في الفستان الجميل ده.. أو يا بابا شوف التسريحة الحلوة دي..\rولم يخطر ببال الصبي أن يفعل مثل ذلك بل هو مشغول منذ طفولته الباكرة باللعب بالكرة أو بتفكيك الألعاب التي تهدى له ليعرف ما بداخلها.","part":13,"page":38},{"id":5266,"text":"وتستمر الفروق تنمو يوما بعد يوم حتى تبلغ أوج اختلافها عند البلوغ ، عندما تستيقظ الغدد التناسلية من هجعتها الطويلة وتنشط ، فترسل هرمونات الذكورة إلى الصبي ليصبح رجلا ، فينمو شعر عذاريه وذقنه وشاربه ، ويصبح صوته أجش غليظاً.. وتنمو عضلاته وعظامه وتقوى.. ويتوزع الدهن في جسمه توزيعاً عادلاً.. ويكون عريض المنكبين قوي الساعدين مفتول الذراعين.. أما الفتاة فتنهمر عليها هرمونات الأنوثة ، فتنمو أثداؤها وأجهزتها التناسلية وتبدأ الحيض.. ويتوزع الدهن في جسمها بحيث يخفي أي نتوء أو حفرة لا ترتاح لها العين.. ويزداد الدهن في أرادافها وعجزها.. وينعم صوتها ويصير رخيما.. ليس هذا فحسب ولكن الهرمونات تؤثر في السلوك كما تؤثر في القوام والمشية ، فتجعل الفتى مقداماً محباً للمغامرة ، وتجعل الفتاة شديدة الخفر والحياء ، ميالة إلى الدلال والتغنج.\rوهي فروق تظهر في الحيوان المنوى والبويضة كما تظهر في الفتاة اليافعة والشاب الذي طر شاربه. أ هـ {بحث علمى\r\" وليس الذكر كالأنثى \" بقلم الدكتور / محمد علي البار}","part":13,"page":39},{"id":5267,"text":"بحث علمى آخر فى قوله تعالى\r{ وليس الذكر كالأنثى }\rللأستاذ / عبد الرازق نوفل\rبسم الله الرحمن الرحيم\rيصعب في جميع الكائنات الحية التمييز بين الذكر والأنثى بالشكل الظاهر ، فغالباً ما تتشابه الذكور مع الإناث تشابها يكاد يكون تاماً بحيث لا يمكن التفريق بينها إلا عن طريق الفحص الدقيق ، فيما عدا الإنسان إذ يختلف الذكر عن الأنثى في الشكل الظاهري اختلافاً كبيراً بحيث يتبين الإنسان الذكر وتعرف الأنثى من النظرة العابرة السريعة .. ولا يختلف الرجل عن المرأة في الشكل الخارجي فقط ولا في التركيب الداخلي علاوة على المظهر الخارجي فقط وإنما أثبتت الدراسات العلمية اختلاف الرجل عن المرأة اختلافاً كبيراً في كل ناحية من النواحي وفي مختلف المناشط وذلك بالرغم من أن النطفة التي يتكون منها جنين الذكر تشابه وتماثل النطفة التي يتكون منها جنين الأنثى في سبعة وأربعين كروموزم أو صبغي ولا تختلف النطفتان إلا في كرومزوم واحد أو صبغية واحدة ... هذا الجزء من ثمانية وأربعين جزءاً الذي يختلف فيه الذكر عن الأنثى يسبب اختلافاً كبيراً وشاسعاً وعميقاً بين الذكر والأنثى في الشكل الظاهري والتركيب الداخلي والعوامل السيكولوجية .","part":13,"page":40},{"id":5268,"text":"فلقد أثبت الدراسات التشريحية في علم وظائف الأعضاء التناسلية أنها لا تقتصر وظيفتها على التناسل وإنما هي تفرز افرازات خاصة بكل جنس وتؤثر تأثيراً مباشراً على كافة أوجه النشاط الفسيولوجي والروحي ، ولقد أثبتت التجارب العلمية أن إزالة الخصى من ذكور أي صنف من الكائنات الحية يقلل من نشاط الكائن ويزيل من صفاته كل ما يتميز به كذكر .. فالثور الذي يخصى تتولد فيه صفات البلادة بدل النشاط والهدوء بدلاً من العنف والاستكانة بدلاً من الوحشية ، كما أثبتت أن المبيض للأنثى له أثر مماثل لتأثير الخصى في الذكر فإن إيقاف عمليه يغير من صفات الأنثى تغييراً كاملاً لتأثير فكلا الجهازين يؤثران تأثيرا مباشراً في حياة الغدد .. وأثبت العلم أن المبيض لا يعمل إلا خلال جزء من حياة الأنثى فإذا وصلت إلى سن اليأس بطل عمل المبيض بينما الخصية تظل عاملة إلى مدة طويلة .. وبذلك فإن المرأة تحرم من إفرازاتها قبل الرجل بمدة أطول وهذا من أوجه الاختلاف بين الذكر والأنثى ..","part":13,"page":41},{"id":5269,"text":"ويزيد العلامة الدكتور الكسيس كاريل على ذلك إذ يقول ( ولا ترجع الفوارق القائمة بين الرجل والمرأة إلى اختلاف شكل الأعضاء التناسلية عند كل مهما كشكل الرحم ونمو الثديين وغير ذلك فحسب ، وإنما ترجع إلى سبب أعمق كثيراً وهو غمر الكيان العضوي كله بمواد كيمائية تنتجها الغدد التناسلية التي تختلف طبيعتها وتركيبها وخواصها في الذكر عن الأنثى . والواقع أن المرأة تختلف عن الرجل جد الاختلاف ، فكل خلية من خلايا جسمها تحمل طابع جنسها وهذا أيضاً شأن أجهزتها العضوية وعلى الأخص جهازها العصبي ... وأن دور الرجل في علمية التكاثر دور قصير الأجل ومحدود جداً بينما دور المرأة يطول إلى تسعة أشهر تخضع فيها المرأة إلى هذا الكائن الجيني فتظل حالتها الفسيولوجية دائمة التأثر به والإناث لا تبلغ تمام نموها إلا بعد أن تحمل مرة أو أكثر فإذا لم تلد تصبح أقل اتزانا وأكثر عصبية ) .\rويقول الدكتور تيودر وايك ( لقد مارست التحليل النفسي خمساً وأربعين سنة وأظن أنني يمكنني أن أقرر فيم يختلف الرجل والنساء ... إن عواطف الغيرة في المرأة أكبر مما هي في الرجل ، وقد يعتقد البعض أن الغيرة قد لا تكون شيئاً هاماً بحيث يلتفت إليه ، ولكن ثبت أن الغيرة تصحبها انفعالات قاسية وتغييرات نفسية وجسدية معاً مما يؤدي تأثيراً مباشراً على اتزان الفكر ودقة الحكم ، وفي حالة التكاثر يستمر الأمر بالنسبة للمرأة لمدة طويلة تبلغ تسعة أشهر في أثنائها تكون عواطفها موزعة بين جنينها وبين باقي الأفراد الذين تمارس معهم شؤون الحياة ... كما اثبت التحليل النفسي أن الرجال أكثر استعداداً للاعتراف بالأخطاء من النساء ... والاعتراف بالخطأ له تأثيره الكبير في خطة العمل في الحياة .","part":13,"page":42},{"id":5270,"text":"ولا يقتصر الاختلاف بين الذكر والأنثى في ذلك فقط بل إنه يتعدى ذلك إلى السلوك في العمل فقد أثبتت التجربة لاسيما أخيراً بعد أن شاركت المرأة بنصيب كبير في العمل أن هناك من الأعمال ما تجيده المرأة عن الرجل خصوصاً تلك التي تحتاج إلى صبر ووقت طويل وهناك من الأعمال مالا تستطيع المرأة وإن قامت بها كان إنتاجها فيها أقل من الرجل .\rأما الشكل الخارجي فاعتقد أن المرأة تختلف فيه عن الرجل اختلافاً كبيراً ووضحاً وجلياً بالرغم من أن الأجهزة الظاهرة للرجل هي التي للأنثى . فأجهزة السمع والبصر والأذن واليد والأرجل بالرغم من اتفاقها في الرجل مع الأنثى فما ابعد الفرق ظاهرياً بينهما .. بل والشعر وطبيعته يختلفان في المرأة عن الرجل ..\rوهكذا مهما توغلنا في البحث وجدنا الاختلاف الشديد بين الرجل والمرأة في الشكل الظاهري والتركيب الداخلي العملي والطاقة الإنتاجية .. وكل ما وصل إليه العلم أخيراً في ذلك سبق به القرآن الكريم إذ تقول الآية الشريفة ( وليس الذكر كالأنثى ) صدق الله العظيم سورة آل عمران : 36. أ هـ {الآيات العلمية الأستاذ عبد الرزاق نوفل صـ 56 57 58}","part":13,"page":43},{"id":5271,"text":"بحث ثالث\rبسم الله الرحمن الرحيم\rإذا كان مطلب بعض السياسيين والاجتماعيين بمعاملة النساء والرجال بالتساوي باعتبارهما متساويين في الخلق ؛ على حين أثبتت الحقائق العلمية العكس : وإذا تجاهلنا الثوابت العلمية في هذا الخصوص ، فيصبح المطلب إذن بمثابة كذبة بيولوجية ، أي صرف النظر عن ثوابت علمية تتصل بخلق الجسد والدماغ لكل من الجنسين. فإلى متى التظاهر بتساوي النساء مع الرجال رغم اختلافهما بيولوجياً ؟ فالوقت حان لمراجعة الموقف التقليدي القديم حول مساواة المرأة بالرجل الذي عمّ أرجاء من العالم. وحان الوقت لتصفية الخرافة الاجتماعية القائلة : الرجال والنساء متعاوضون ، أي يمكن قيام أحدهم بدور الآخر. ولكن اعلم أن الرجل يختلف عن المرأة ، مهما تحمست الدعوة إلى المساواة بينهما.\rفي حين هما متساويان فقط باعتبارهما من نفس الجنس ، الجنس البشري. فكل من يدعو إلى تساوي المرأة والرجل في المدركات ، المهارات ، الاستعدادات ، السلوك ، فهو يدعو دون أن يدرك إلى بناء مجتمع على أساس كذب بيولوجي (أحيائي) وعلمي. وبتعبير بسيط : الجنسان متباينان لأن دماغ كل منهما متباينان : فكما للمرآة جسد أنثوي فلها دماغ أنثوي ، وكما للرجل جسد ذكري فله دماغ ذكري. فيُصاغ دماغ الجنين الذكر إلى بنية ذكريه لتعرضه في الرحم إلى جرعات كبيرة من هرمونات منشطة الذكورة ، التستوسترون ، حيث تقدر عموماً كمية تلك الهرمونات عند الذكر في سن البلوغ عشرة أضعاف الكمية عند الأُنثى ، أو 1000% مما في المرأة. فمن أُنثى تتصرف تصرف الرجال ، كان دماغها تعرض في الرحم إلى كميات غير اعتيادية من هرمونات الذكورة.","part":13,"page":44},{"id":5272,"text":"والدماغ هو الجهاز الإداري والعاطفي المركزي لحياة الإنسان ، وتختلف بنيته في الرجال عن النساء من الفطرة ، فتنتج اختلافات بين الجنسين في العمليات العقلية والقدرات الفكرية وفي المهارات والاستعدادات ؛ ويتعامل الدماغ مع المعارف المستلمة بطريقة مختلفة بين الجنسين ، مما يؤدي إلى اختلاف في المدركات ، ترتيب الأسبقيات ، السلوك ، ونحو ذلك. فدعوى المساواة بين الجنسين تتعارض مع الفطرة ومع العلم.\rوتأمل في حالة متعارف عليها تفرّق الرجال عن النساء : فأبرز خصال سلوكية تميز الرجال عن النساء العدوانية والمغامرة ، المخاطرة ، المنافسة ، الجزم والإصرار والزعم ، الولوع إلى السلطوية ، هي خصال جُبلية غير مكتسبة : وإلى هذه الخصال تُعلّل هيمنة الرجال بدرجة كبيرة على مدار التاريخ. فالرجال لم يكتسبوا سلوكية المغامرة مثلاً عن طريق التعليم أو الممارسة أو نتيجة مؤثرات اجتماعية أو بيئية ؛ وليس في مدرسة درس يعلم المغامرة وتكتيكها ؛ بل حتى العلماء المختصين في مجال الفوارق بين الجنسين ، يقرون بأن هذه الخصال متميزة عند الرجال لأن نسبة هرمون التستوسترون عندهم عشرة أضعاف ما عند النساء Moir 15\rفحتى هذه المرحلة من البحث العلمي في فوارق بنية الدماغ بين الذكر والأنثى ، ذلك يدعو إلى التفكير والتأمل في مسألة إعادة النظر في الأنظمة والسياسات التربوية المعتمدة في المدارس في الوقت الحاضر وفي أوصاف الأعمال التي تليق لكل من الجنسين وبطريقة تقر وتعتمد تلك الفوارق البيولوجية. أو بعبارة صريحة ، هل نترك أنظمة الدراسة المختلطة بين الجنسين وتوفير فرص عمل متساوية للجنسين على حالها الحاضر من دون تغيير رغم ظهور ثوابت علمية عن الفوارق بينهما ؟ ","part":13,"page":45},{"id":5273,"text":"رأي بعض علماء الأعصاب أن يوماً سيأتي لمراجعة الأنظمة والسياسات التربوية الحالية ، حتى لو اقتضى الأمر مثلاً التخلي عن المدارس المختلطة وإنشاء مدارس خاصة بالذكور وأخرى خاصة بالإناث على ضوء الفوارق الفطرية في دماغ كل منهما ، بجانب تحديد أعمال تليق بالذكر وأعمال تليق بالأنثى على ضوء الفوارق العقلية والبدنية بينهما\rوإليك دراسة حديثة في المملكة المتحدة مما يعزز خيار التعليم في مدارس لجنس منفرد وأفضليته على مدارس تعليم مختلط : أُجريت الدراسة على 100 مدرسة نموذجية ذات 12 درجة ، 10 منها فقط ذات تعليم مختلط و90 ذات تعليم منفرد (منها للذكور وأخرى للإناث). وبعد تفحص نتائج الاختبار السنوي ، ظهر أن النتائج لمدارس جنس منفرد للبنين 20% أفضل من نتائج بنين في مدارس مختلطة ، وذات الحال بالنسبة لإناث في مدارس للإناث مقارنة بنظيراتهن في مدارس مختلطة. وفي سنة 1996 أجريت مراجعة لنتائج اختبار سنوية لمدارس ثانوية للبنات ، فأظهرت تفوقهن على نظيراتهن لمدارس ثانوية مختلطة!\rلعلك أدركت أن المرأة بيولوجياً تتميز على الرجل في نواحي تعدها لأداء الدور اللائق بها : فهي مثلاً تتميز في الإبصار المحيطي ، في الأبصار ليلاً ، السمع والتذوق واللمس ، الحدس ، مهارات اللغة واللباقة ، المقدرة على أداء أعمال متعددة ، التفاعل مع أفراد أعلى عن التفاعل مع أشياء ، النزعة نحو مجالات ذات طابع اجتماعي وشخصي ، أقل تقيداً بالقواعد من الرجل ، ونحو ذلك : كل ذلك ضروري لأداء متطلبات البيت المتشابكة من ضمنها التربية والرعاية المباشرة للأطفال بخاصة تعلقهم الفطري الحاسم بالأم أكثر من الأب ، بالإضافة إلى ممارسة نشاطات ذات طابع اجتماعي أو شخصي ، أو ذات طابع إنساني وخيري خارج قيود القواعد ، أو القيام بأعمال مكتبية رتيبة.","part":13,"page":46},{"id":5274,"text":"إن الإنسان بجنسيه يجني فوائد عُظمى من حياته إذا أدرك العالم كما هو مخلوق ؛ وليس بمحاولة منه إنشاء عالم حسب مشيئته ورغباته من أسس ومفاهيم يجهلها. فالرجال والنساء بإمكانهم العيش معاً بسعادة أكثر ، بتفهم وحب بعضهم البعض بدرجة أعلا ، بتنظيم العالم إلى مصير أفضل ، إذا أقر كل من الجنسين فوارقه عن الجنس الآخر. وبذلك يتمكن الجنس البشري من بناء حياته على دعامتين ثنائيتين متميزتين من حيث الهوية الجنسية. لقد آن الأوان لإيقاف الجدلية العقيمة غير المجدية بأن الرجال والنساء خُلقوا متماثلان ؛ فهم لم يُخلقوا هكذا ، ولا يمكن لأي مثالي أو مناد بإصلاح أن يغير هذه الحقيقة الفطرية الناصعة التي قضاها سبحانه لعباده الذكور والإناث. وعلينا أن نقر ونتقبل بأن الرجال أقوياء وضعفاء في مجالات ، حيثما النساء قويات وضعيفات في مجالات : فتمكنت آن موا مثلاً من جمع إحصاءات من مختلف المصادر حول نسبة الرجال والنساء في ممارسة أعمال مختلفة ، حيث تبين أن مقابل امرأة واحدة تسعة رجال\rفي مناصب سلطوية عليا!. والأمل هو النهاية لشعارات مصطنعة زائفة لمساواة المرأة بالرجل في كافة المجالات ، والبديل الصائب الحكيم هو الإقرار بالفوارق البيولوجية بينهما ثم قيامهما بالدور اللائق لكل منهما من أجل أداء متكامل لمختلف نشاطات الحياة. فدعنا نسلّم بحقيقة بيولوجية هي أن الرجل والمرأة لم يُخلقا متساويان ؛ إنما خُلقا متكاملان ، فنستمر على الحياة على هذا المنوال. مايكل لَفِن Michael Levin بروفيسور فلسفة في جامعة المدينة بنيويورك كتب يقول Moir 190 :","part":13,"page":47},{"id":5275,"text":"\"أدركت أن معظم النساء يجدن في الأمومة رضاء تاماً ، ومعظمهن كأمهات لا يتمتعن بالوا لدية أكثر من الآباء حسب ؛ إنما بالأحرى هن أفضل في أدائها ، أي هن أكثر ملائمة للوالدية من الآباء. فوقوف المرأة الأم على إطعام الجيل الخلَف وكساءهم وتربيتهم وتعليمهم هي مهمة رفيعة نبيلة ترقى على مهمة كسب المال من خلال العمل. أ هـ {من بحوث الدكتور : عبد الوهاب الراوي}","part":13,"page":48},{"id":5276,"text":"قوله تعالى {وَإِنّى سَمَّيْتُهَا مَرْيَمَ وِإِنّى أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرّيَّتَهَا مِنَ الشيطان الرجيم}\rفصل\rقال الفخر :\rفيه أبحاث :\rالبحث الأول : أن ظاهر هذا الكلام يدل على ما حكينا من أن عمران كان قد مات في حال حمل حنة بمريم ، فلذلك تولت الأم تسميتها ، لأن العادة أن ذلك يتولاه الآباء.\rالبحث الثاني : أن مريم في لغتهم : العابدة ، فأرادت بهذه التسمية أن تطلب من الله تعالى أن يعصمها من آفات الدين والدنيا ، والذي يؤكد هذا قولها بعد ذلك {وِإِنّى أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرّيَّتَهَا مِنَ الشيطان الرجيم }.\rالبحث الثالث : أن قوله {وَإِنّى سَمَّيْتُهَا مَرْيَمَ} معناه : وإني سميتها بهذا اللفظ أي جعلت هذا اللفظ اسماً لها ، وهذا يدل على أن الاسم والمسمى والتسمية أمور ثلاثة متغايرة.\rثم حكى الله تعالى عنها كلاماً ثالثاً وهو قولها {وِإِنّى أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرّيَّتَهَا مِنَ الشيطان الرجيم} وذلك لأنه لما فاتها ما كانت تريد من أن يكون رجلاً خادماً للمسجد تضرعت إلى الله تعالى في أن يحفظها من الشيطان الرجيم ، وأن يجعلها من الصالحات القانتات ، وتفسير الشيطان الرجيم قد تقدم في أول الكتاب. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 8 صـ 24 ـ 25}\rلطيفة\rقال ابن عادل :\rقوله : { وِإِنِّي أُعِيذُهَا } عطف على { وَإِنِّي سَمَّيْتُهَا } وأتى - هنا - بخبر \" إنَّ \" فعلاً مضارعاً ؛ دلالة على طلبها استمرار الاستعاذة دون انقطاعها ، بخلاف قوله : { وَضَعْتُها } و{ سَمَّيْتُهَا } حيث أتى بالخبرين ماضيَيْن ؛ لانقطاعهما ، وقدم المُعَاذَ به على المعطوف ؛ اهتماماً به. أ هـ {تفسير ابن عادل حـ 5 صـ 176}\rفائدة\rقال القرطبى :\rقوله تعالى : { وَإِنِّي سَمَّيْتُهَا مَرْيَمَ } يعني خادم الربّ في لغتهم.\r{ وِإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ } يعني مريم.\r{ وَذُرِّيَّتَهَا } يعني عيسى.\rوهذا يدلّ على أن الذرّيَّة قد تقع على الولد خاصّة.","part":13,"page":49},{"id":5277,"text":"وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : \" ما من مولود يولد إلا نَخَسه الشيطان فيستهلّ صارخاً من نخسه ( الشيطان ) إلا ابن مريم وأُمّه \" ثم قال أبو هريرة : اقرءوا إن شئتم { وِإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشيطان الرجيم }.\rقال علماؤنا : فأفاد هذا الحديثُ أن الله تعالى استجاب دعاء أُمّ مريم ، فإن الشيطان ينخَس جميع ولد آدم حتى الأنبياء والأولياء إلا مريم وابنها.\rقال قتادة : كل مولود يطعن الشيطان في جنبه حين يولد غير عيسى وأُمّه جُعل بينهما حجاب فأصابت الطعنة الحجاب ولم ينفذ لهما منه شيء ، قال علماؤنا : وإن لم يكن كذلك بطلت الخصوصية بهما ، ولا يلزم من هذا أن نخس الشيطان يلزم منه إضلال الممسوس وإغواؤه فإن ذلك ظنّ فاسد ؛ فكم تعرّض الشيطان للأنبياء والأولياء بأنواع الإفساد والإغواء ومع ذلك فعصمهم الله مما يَرُومه الشيطان ، كما قال تعالى : { إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ } [ الحجر : 42 ].\rهذا مع أن كل واحد من بني آدم قد وُكِلّ به قَرِينه من الشياطين ؛ كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم فَمَرْيَمُ وابنها وإن عُصِما من نخسه فلم يُعْصما من ملازمته لهما ومقارنته. والله أعلم. أ هـ {تفسير القرطبى حـ 4 صـ 68}","part":13,"page":50},{"id":5278,"text":"وقال الآلوسى : \rأخرج الشيخان من حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : \" ما من مولود يولد إلا والشيطان يمسه حين يولد فيستهل من مسه صارخاً إلا مريم وابنها \" وفي بعض طرقه أنه ضرب بينه وبينها حجاب وأن الشيطان أراد أن يطعن بإصبعه فوقعت الطعنة في الحجاب ، وفي رواية إسحق بن بشر عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : \" كل ولد آدم ينال منه الشيطان يطعنه حين يقع بالأرض بإصبعه ولهذا يستهل إلا ما كان من مريم وابنها فإنه لم يصل إبليس إليهما \" وطعن القاضي عبد الجبار بإصبع فكره في هذه الأخبار بأنها خبر واحد على خلاف الدليل ، وذلك أن الشيطان إنما يدعو إلى الشر من له تمييز ولأنه لو تمكن من هذا الفعل لجاز أن يهلك الصالحين ، وأيضاً لم خص عيسى وأمه دون سائر الأنبياء ؟ وأنه لو وجد المس أو النخس لدام أثره وليس فليس ، والزمخشري زعم أن المعنى على تقدير الصحة أن كل مولود يطمع الشيطان في إغوائه إلا مريم وابنها فإنهما كانا معصومين ، وكذلك كل من كان في صفتهما كقوله تعالى : { لأغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ إِلاَّ عِبَادَكَ مِنْهُمُ المخلصين } [ ص : 82 ، 83 ] واستهلاله صارخاً من مسه تخييل وتصوير لطمعه فيه كأنه يمسه ويضرب بيده عليه ونحوه من التخييل قول ابن الرومي : \rلما تؤذن الدنيا به من صروفها... يكون بكاء الطفل ساعة يولد\rوأما حقيقة النخس والمس كما يتوهم أهل الحشو فكلا ولو سلط إبليس على الناس ينخسهم لامتلأت الدنيا صراخاً وعياطاً مما يبلون به من نخسه انتهى.","part":13,"page":51},{"id":5279,"text":"ولا يخفى أن الأخبار في هذا الباب كثيرة وأكثرها مدون في \"الصحاح\" والأمر لا امتناع فيه ، وقد أخبر به الصادق عليه الصلاة والسلام فليتلق بالقبول ، والتخييل الذي ركن إليه الزمخشري ليس بشيء لأن المس باليد ربما يصلح لذلك أما الاستهلال صارخاً فلا على أن أكثر الروايات لا يجري فيها مثل ذلك ، وقوله : لامتلأت الدنيا عياطاً قلنا : هي مليئة فما من مولود إلا يصرخ ، ولا يلزم من تمكنه من تلك النخسة تمكنه منها في جميع الأوقات كيف وفي \"الصحيح\" : \"لولا أن الملائكة يحفظونكم لاحتوشتكم الشياطين كما يحتوش الذباب العسل\" وفي رواية \"لاختطفتكم الجن\" وقسر قوله تعالى : { لَهُ معقبات مّن بَيْنِ يَدَيْهِ } [ الرعد : 11 ] في أحد الوجوه به ، وبهذا يندفع أيضاً قول القاضي من أنه لو تمكن من هذا الفعل لجاز أن يهلك الصالحين وبقاء الأثر بل وحصوله أيضاً ليس أمراً ضرورياً للمس ولا للنخس والحصر باعتبار الأغلب والاقتصار على عيسى عليه السلام وأمه إيذاناً باستجابة دعاء امرأة عمران على أتم وجه ليتوجه أرباب الحاج إلى الله تعالى بشراشرهم ، أو يقدر له ما يخصصه ، وعلى التقديرين يخرج النبي صلى الله عليه وسلم من العموم فلا يلزم تفضيل عيسى عليه الصلاة والسلام في هذا المعنى ، ويؤيده خروج المتكلم من عموم كلامه ، وقد قال به جمع ويشهد له ما روى الجلال في \"البهجة السنية\" عن عكرمة قال : لما ولد النبي صلى الله عليه وسلم أشرقت الأرض نوراً فقال إبليس : لقد ولد الليلة ولد يفسد علينا أمرنا فقالت له جنوده : لو ذهبت إليه فجاءه فركضه جبريل عليه السلام فوقع بعدن ، وهذا أولى من إبقاء العام على عمومه ، والقول بأنه لا يبعد اختصاص عيسى وأمه بهذه الفضيلة دون الأنبياء عليهم السلام ولا يلزم منه تفضيله عليهم عليهم السلام إذ قد يوجد في الفاضل ما لا يوجد في الأفضل ، وعلى كلا الأمرين الفاضل والمفضول لا إشكال في الإخبار من تلك الحيثية ، نعم قد يشكل على","part":13,"page":52},{"id":5280,"text":"ظاهرها أن إعاذة أم مريم كانت بعد الوضع فلا يصح حملها على الإعاذة من المسِّ الذي يكون حين الولادة ، وأجيب بأن المس ليس إلا بالانفصال وهو الوضع ومعه الإعاذة ، غايته أنه عبر عنه بالمضارع كما أشرنا إليه لقصد الاستمرار فليتأمل ، والعجب من بعض أهل السنة كيف يتبع المعتزلة في تأويل مثل هذه الأحاديث الصحيحة لمجرد الميل إلى ترهات الفلاسفة مع أن إبقاءها على ظاهرها مما لا يرنق لهم شرباً ولا يضيق عليهم سرباً ، نسأل الله تعالى أن يوفقنا لمراضيه ويجعل مستقبل حالنا خيراً من ماضيه. أ هـ {روح المعانى حـ 3 صـ 137 ـ 138}\rقوله تعالى { فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا بِقَبُولٍ حَسَنٍ وَأَنْبَتَهَا نَبَاتًا حَسَنًا وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ وَجَدَ عِنْدَهَا رِزْقًا قَالَ يَا مَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هَذَا قَالَتْ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ (37)}\rمناسبة الآية لما قبلها\rقال البقاعى :\rولما أخبر بدعائها أخبر بإجابتها فيه فقال : {فتقبلها} فجاء بصيغة التفعل مطابقة لقولها {فتقبل} ، ففيه إشعار بتدرج وتطور وتكثر ، كأنه يشعر بأنها مزيد لها في كل طور تتطور إليه ، من حيث لم يكن فاقبل مني فلم تكن إجابته {فقبلها} ، فيكون إعطاء واحداً منقطعاً عن التواصل والتتابع ، فلا تزال بركة تحريرها متجدداً لها في نفسها وعائداً بركته على أمها حتى تترقى لى العلو المحمدي فيتكون في أزواجه ومن يتصل به - انتهى.\rوجاء بالوصف المشعر بالإحسان مضافاً إليها إبلاغاً في المعنى فقال : {ربها} قال الحرالي : وظهر سر الإجابة في قوله سبحانه وتعالى : {بقبول حسن} حيث لم يكن \" بتقبل \" - جرياً على الأول.","part":13,"page":53},{"id":5281,"text":"ولما أنبأ القبول عن معنى ما أوليته باطناً أنبأ الإنبات عما أوليته ظاهراً في جسمانيتها ، وفي ذكر الفعل من \" أفعل \" في قوله : {وأنبتها} والاسم من \" فعل \" في قوله : {نباتاً حسناً} إعلام بكمال الأمرين من إمدادها في النمو الذي هو غيب عن العيون وكمالها في ذاتية النبات الذي هو ظاهر للعين ، فكمل في الإنباء والوقوع حسن التأثير وحسن الأثر ، فأعرب عن إنباتها ونباتها معنى حسناً - انتهى.\rفوقع الجواب لأنها عناية من الله سبحانه وتعالى بها على ما وقع سؤالها فيه ، فلقد ضل وافترى من قذفها وبهتها ، وكفر وغلا من ادعى في ولدها من الإطراء ما ادعى.\rوقال الحرالي : وقد أنبأ سبحانه وتعالى في هذه السورة الخاصة بقصة مريم عليها الصلاة والسلام من تقبلها وإنباتها وحسن سيرتها بما نفي اللبس في أمرها وأمر ولدها ، لأن المخصوص بمنزل هذه السورة ما هو في بيان رفع اللبس الذي ضل به النصارى ، فيذكر في كل سورة ما هو الأليق والأولى بمخصوص منزلها ، فلذلك ينقص الخطاب في القصة الواحدة في سورة ما يستوفيه في سورة أخرى لاختلاف مخصوص منزلها ، كذلك الحال في القصص المتكررة في القرآن من قصص الأنبياء وما ذكر فيه لمقصد الترغيب والتثبيت والتحذير وغير ذلك من وجوه التنبيه - انتهى ، وفيه تصرف.\rولما كان الصغير لا بد له فيما جرت به العادة من كبير يتولى أمره قال : {وكفلها} قال الحرالي : من الكفل وهو حياطة الشيء من جميع جهاته حتى يصير عليه كالفلك الدائر {زكريا} وفي قراءة التشديد إنباء بأن الله سبحانه وتعالى هو في الحقيقة كفيلها بما هو تقبلها ، وفي استخلاص لزكريا من حيث جعله يد وكالة له فيها - انتهى.\rولما كان من شأن الكفيل القيام بما يعجز عنه المكفول بين سبحانه وتعالى أن تلك الكفالة إنما كانت جرياً على العوائد وأنه تبين أن تقبل الله لها أغناها عن سواه فقال في جواب من لعله يقول : ما فعل في كفالتها ؟ : {كلما} أي كان كلما {دخل عليها زكريا المحراب} أي موضع العبادة.","part":13,"page":54},{"id":5283,"text":"وقال الحرالي : هو صدر البيت ومقدمه الذي لا يكاد يوصل إليه إلا بفضل منه وقوة وجهد حرب {وجد عندها رزقاً} وذلك كما وجد عند خبيب بن عدي الأنصاري رضي الله تعالى عنه قطف العنب - كما سيأتي في آخر المائدة ، ومثل ذلك كثير في هذه الأمة ، وفي هذه العبارة أي من أولها إلاحة لمعنى حسن كفالته وأنه كان يتفقدها عند تقدير حاجتها إلى الطعام بما تفيده كلمة {كلما} من التكرار ، فيجد الكفيل الحق قد عاجلها برزق من غيب بما هو سبحانه وتعالى المتولي لإنباتها ليكون نباتها من غيب رزقه فتصلح لنفخ روحه ومستودع كلمته ، ولا يلحقها بعد الإعاذة ما فيه مس من الشيطان الرجيم الذي أعاذها الله سبحانه وتعالى منه بكثرة الاختلاط في موجودات الأرزاق ، فكان من حفظها أن تولى الله سبحانه وتعالى أرزاقها من غيب إلا ما يطيبه من باد ، وليكون حسن نباتها من أحسن رزق الله سبحانه وتعالى كما يقال : من غذي بطعام قوم غذي بقلوبهم ومن غذي بقلوبهم آل إلى منقلبهم ، وكانت هي مثل ما كفلها كافلها ظاهراً كفلته باطناً حين أبدى الله سبحانه وتعالى له من أمره ما لم يكن قبل بداً له ، فكان لمريم عليها الصلاة والسلام توطئة في رزقها لما يكون كماله في حملها فيكون رزقها بالكلمة ابتداء ليكون حملها بالكلمة ، فعند ذلك طلب زكريا عليه السلام نحو ما عاين لها من أن يرزقه الولد في غير إبّانه كما رزق مريم الرزق في غير أوانه ، وفي تعيين محلها بالمحراب ما يليح معنى ما ذكر من رجوليتها باطناً من حيث إن محل النساء أن يتأخرن فأبدى الله سبحانه وتعالى في محلها ذكر المحراب إشارة بكمالها ، والمحراب صدر البيت المتخذ للعبادة ، ويف لزومها لمحرابها في وقت تناول الرزق إعلام بأن الحبيس والمعتكف بيته محرابه ومحرابه بيته ، بخلاف من له متسع في الأرض ومحل من غير بيت الله ، إنما المساجد بيوت أهل الله المنقطعين إليه ، فهو محلهم في صلاتهم ومحلهم في تناول أرزاقهم ، ففيه إشعار","part":13,"page":55},{"id":5284,"text":"بحضورها ، وحضور أهل العكوف حضور سواء في صلاتهم وطعامهم ، ولذلك أنمى حال العبد عند ربه بما هو عليه في حال تناول طعامه وشرابه ، فأهل الله سواء محياهم ومماتهم وأكلهم وصلاتهم ، من غفل عند طعامه قلبه لم يستطع أن يحضر في صلاته قلبه ، ومن حضر عند طعامه قلبه لم يغب في صلاته قلبه ، وفي ذكر الرزق شائعاً إشعار بأنها أنواع من أرزاق من حيث إنه لو اختص يخص به ما هو أخص من هذا الاسم - انتهى.","part":13,"page":56},{"id":5285,"text":"ولما كان كأنه قيل : فما كان يقول لها إذا رأى ذلك ؟ قيل : كان كلما وجد ذلك ، أو : لما تكرر وجدانه لذلك {قال يا مريم أنّى} أي من أين {لك هذا} قال الحرالي : كلمة أنى تشعر باستغرابه وجود ذلك الرزق من وجوه مختلفة : من جهة الزمان أنه ليس زمانه ، ومن جهة المكان أنه ليس مكانه ، ومن جهة الكيف ووصوله إليها أنه ليس حاله ، وفي ذكر الضمير في قوله : {قالت هو من عند الله} إيذان بنظرها إلى مجموع حقيقة ذلك الرزق لا إلى أعيانه ، فهو إنباء عن رؤية قلب ، لا عن نظر عين لأن هو كلمة إضمار جامعة لكل ما تفصلت صورة مما اتحد مضمره ، ولما لم يكن من معهود ما أظهرته حكمته سبحانه مما يجريه على معالجات أيدي الخلق قالت {من عند الله} ذي الجلال والإكرام ، لأن ما خرج من معهود معالجة الحكمة فهو من عنده ، وما كان مستغرباً فيما هو من عنده فهو من لدنه ، فهي ثلاث رتب : رتبة لدنية ، ورتبة عندية ، ورتبة حكمية عادية ؛ فكان هذا وسط الثلاث - كما قال تعالى : {آتيناه رحمة من عندنا وعلمناه من لدنه علماً} [ الكهف : 65 ] حيث كان مستغرباً عند أهل الخصوص كما قال : {أخرقتها لتغرق أهلها لقد جئت شيئاً إمراً} [ الكهف : 71 ] والإمر العجب ، ولعلو رتبته عن الرتبة العادية جرى النبأ عنه مضافاً إلى الاسم العظيم الذي هو مسمى الأسماء كلها من حيث لم يكن {من عند ربي} لما في ذكر اسم الربوبية من إشعار بمادة أو قريب منها أو ما كان من نحوها كما قال {هذا من فضل ربي} [ النمل : 40 ] لما كان من عادته المكنة على الملوك ، وكان ممكناً فيما أحاط به موجود الأركان الأربعة - انتهى.\rولما أخبرت بخرقه سبحانه وتعالى لها العادة عللت ذلك بقولها مؤكدة تنبيهاً على أن ذلك ليس في قدرة ملوك الدنيا : {إن الله} أي الذي له الإحاطة الكلية.","part":13,"page":57},{"id":5286,"text":"قال الحرالي : في تجديد الاسم العظيم في النبأ إشعار باتساع النبأ وإيذان وإلاحة بأن ذلك يكون لك ولمن شاء الله كما هو لي بما شاء الله ، من حيث لم يكن أنه فيكون مليحاً لاختصاص ما بها ، ويؤيده عموم قولها : {يرزق من يشاء} وقولها : {بغير حساب} يشعر بأنه عطاء متصل ، فلا يتحدد ولا يتعدد ، فهو رزق لا متعقب عليه ، لأن كل محسوب في الإبداء محاسب عليه في الإعادة ، فكان في الرزق بغير حساب من علاج الحكمة بشرى برفع الحساب عنهم في المعاد وكفالة بالشكر عنه ، لأن أعظم الشكر لرزق الله سبحانه وتعالى معرفة العبد بأنه من الله تعالى ، إنما يشكر رزق الله من أخذه من الله سبحانه وتعالى - انتهى. أ هـ {نظم الدرر حـ 2 صـ 72 ـ 75}\rفائدة\rقال الفخر :\rإنما قال {فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا بِقَبُولٍ حَسَنٍ} ولم يقل : فتقبلها ربها بتقبل لأن القبول والتقبل متقاربان قال تعالى : {والله أَنبَتَكُمْ مّنَ الأرض نَبَاتاً} [ نوح : 17 ] أي إنباتاً ، والقبول مصدر قولهم : قبل فلان الشيء قبولاً إذا رضيه ، قال سيبويه : خمسة مصادر جاءت على فعول : قبول وطهور ووضوء ووقود وولوغ ، إلا أن الأكثر في الوقود إذا كان مصدرا الضم ، وأجاز الفراء والزجاج : قبولاً بالضم ، وروى ثعلب عن ابن الأعرابي يقال : قبلته قبولاً وقبولا ، وفي الآية وجه آخر وهو أن ما كان من باب التفعل فإنه يدل على شدة اعتناء ذلك الفاعل بإظهار ذلك الفعل كالتصبر والتجلد ونحوهما فإنهما يفيدان الجد في إظهار الصبر والجلادة ، فكذا ههنا التقبل يفيد المبالغة في إظهار القبول.\rفإن قيل : فلم لم يقل : فتقبلها ربها بتقبل حسن حتى صارت المبالغة أكمل ؟","part":13,"page":58},{"id":5287,"text":"والجواب : أن لفظ التقبل وإن أفاد ما ذكرنا إلا أنه يفيد نوع تكلف على خلاف الطبع ، أما القبول فإنه يفيد معنى القبول على وفق الطبع فذكر التقبل ليفيد الجد والمبالغة ، ثم ذكر القبول ليفيد أن ذلك ليس على خلاف الطبع ، بل على وفق الطبع ، وهذه الوجوه وإن كانت ممتنعة في حق الله تعالى ، إلا أنها تدل من حيث الاستعارة على حصول العناية العظيمة في تربيتها ، وهذا الوجه مناسب معقول. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 8 صـ 25}\rوقال ابن عادل : \rقوله : { فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا } الجمهور على { فَتَقَبَّلَهَا } فعلاً ماضياً على \" تَفَعَّل \" بتشديد العينِ - و{ رَبُّهَا } فاعل به ، وتفعل يحتمل وجهين : \rأحدهما : أن يكون بمعنى المجرَّد - أي فقبلها - بمعنى رَضِيها مكان الذَّكر المنذورِ ، ولم يقبل أنثى منذورة - قبل مريم - كذا ورد في التفسير ، و- \" تَفَعَّل \" يأتي بمعنى \" فَعَل \" مُجَرَّداً ، نحو تعجب وعَجب من كذا ، وتَبَرَّأ وبَرِئَ منه.\rوالثاني : أن \" تفعل \" بمعنى : استفعل ، أي : فاستقبلها ربُّها ، يقال : استقبلت الشيءَ أي : أخذته أول مرة.\rوالمعنى : أن اللهَ تولاَّها من أول أمرها وحين ولادتها.\rومنه قول الشاعر : [ الوافر ]\rوَخَيْرُ الأمْرِ مَا اسْتَقْبَلْتَ مِنْهُ... وَلَيْسَ بِأنْ تَتَبَّعَهُ اتِّبَاعا\rومنه المثل : خذ الأمر بقوابله. و\" تَفَعَّل \" بمعنى \" استفعل \" كثير ، نحو : تعظم ، واستعظم ، وتكبر ، واستكبر ، وتعجَّل واستعجل.\rقال بعضُ العلماء : \" إن ما كان من باب التفعُّل ، فإنه يدل على شدة اعتناء ذلك الفاعل بإظهار ذلك الفعل ، كالتصبُّر والتجلُّد ، ونحوهما ، فإنهما يُفيد أن الجِدَّ في إظهار الصَبْرِ والجَلَدِ ، فكذا هنا التقبل يفيد المبالغة في إظهار القبولِ \".\rوالباء - في قوله : \" بِقَبُولٍ \" - فيها وجهانِ : ","part":13,"page":59},{"id":5288,"text":"أحدهما : أنها زائدة ، أي : قبولاً ، وعلى هذا فينتصب \" قبولاً \" على المصدر الذي جاء على حذف الزوائد ؛ إذْ لو جاء على \" تَقَبُّل \" لقيل : تَقَبُّلاً ، نحو تَكَبَّرَ تَكَبُّراً.\rوَقَبُول : من المصادر التي جاءت على \" فَعُول \" - بفتح الفاء - قال سيبويه : خمسة مصادر جاءت على \" فَعُول \" قَبُول ، وطَهُور ، ووَقُود ، ووَضُوء ، وولُوع ، إلا أن الأكثر في الوقود - إذا كان مصدراً - الضَّمّ ، يقال : قَبلتُ الشيءَ قَبُولاً ، وأجاز الفرَّاءُ والزَّجَّاجُ ضم القافِ من قَبُول وهو القياس ، كالدخولِ والخروجِ ، وحكاها ابنُ الأعرابي عن الأعراب : قبلت قَبُولاً - بفتح القافِ وضمها - سماعاً ، وعلى وجهه قُبُول - لا غير - يعني لم يُقَل هنا إلا بالضم ، وأنشدوا : [ السريع ]\rقَدْ يُحْمَد الْمَرْءُ وَإنْ لَمْ يُبَلْ... بالشّرِّ وَالْوَجْهُ عَلَيْهِ الْقُبُولْ\rبضم القاف - كذا حكاه بعضهم.\rقال الزَّجَّاجُ : إن \" قَبُولاً \" هذا ليس منصوباً بهذا الْفِعْلِ حتى يكونَ مصدراً على غير المصدر ، بل هو منصوب بفعل موافقٍ له ، - أي : مجرداً - قال : والتقدير : فتقبلها بتقبُّلٍ حَسَنٍ ، وقَبِلَها قبولاً حَسَناً ، أي : رضيها ، وفيه بُعَدٌ.\rوالوجه الثاني : أن الياء ليست بزائدة ، بل هي على حالها ، ويكون المرادُ بالقبول - هنا - اسماً لما يقبل به الشيءُ ، نحو اللدود ، لما يُلَدُّ به. والمعنى بذلك اختصاصه لها بإقامتها مقام الذكرِ في النذر. أ هـ {تفسير ابن عادل حـ 5 صـ 177 ـ 178}\rفصل\rقال الفخر :\rذكر المفسرون في تفسير ذلك القبول الحسن وجوهاً :","part":13,"page":60},{"id":5289,"text":"الوجه الأول : أنه تعالى عصمها وعصم ولدها عيسى عليه السلام من مس الشيطان روى أبو هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : \" ما من مولود يولد إلا والشيطان يمسه حين يولد فيستهل صارخاً من مس الشيطان إلا مريم وابنها \" ثم قال أبو هريرة : اقرؤا إن شئتم {وِإِنّى أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرّيَّتَهَا مِنَ الشيطان} طعن القاضي في هذا الخبر وقال : إنه خبر واحد على خلاف الدليل فوجب رده ، وإنما قلنا : إنه على خلاف الدليل لوجوه أحدها : أن الشيطان إنما يدعو إلى الشر من يعرف الخير والشر والصبي ليس كذلك\rوالثاني : أن الشيطان لو تمكن من هذا النخس لفعل أكثر من ذلك من إهلاك الصالحين وإفساد أحوالهم\rوالثالث : لم خص بهذا الاستثناء مريم وعيسى عليهما السلام دون سائر الأنبياء عليهم السلام\rالرابع : أن ذلك النخس لو وجد بقي أثره ، ولو بقي أثره لدام الصراخ والبكاء ، فلما لم يكن كذلك علمنا بطلانه ، واعلم أن هذه الوجوه محتملة ، وبأمثالها لا يجوز دفع الخبر والله أعلم.\rالوجه الثاني : في تفسير أن الله تعالى تقبلها بقبول حسن ، ما روي أن حنة حين ولدت مريم لفتها في خرقة وحملتها إلى المسجد ووضعتها عند الأحبار أبناء هارون ، وهم في بيت المقدس كالحجبة في الكعبة ، وقالت : خذوا هذه النذيرة ، فتنافسوا فيها لأنها كانت بنت إمامهم ، وكانت بنو ماثان رؤوس بني إسرائيل وأحبارهم وملوكهم فقال لهم زكريا : أنا أحق بها عندي خالتها فقالوا لا حتى نقترع عليها ، فانطلقوا وكانوا سبعة وعشرين إلى نهر فألقوا فيه أقلامهم التي كانوا يكتبون الوحي بها على أن كل من ارتفع قلمه فهو الراجح ، ثم ألقوا أقلامهم ثلاث مرات ، ففي كل مرة كان يرتفع قلم زكريا فوق الماء وترسب أقلامهم فأخذها زكريا.\rالوجه الثالث : روى القفال عن الحسن أنه قال : إن مريم تكلمت في صباها كما تكلم المسيح ولم تلتقم ثدياً قط ، وإن رزقها كان يأتيها من الجنة.","part":13,"page":61},{"id":5290,"text":"الوجه الرابع : في تفسير القبول الحسن أن المعتاد في تلك الشريعة أن التحرير لا يجوز إلا في حق الغلام حين يصير عاقلاً قادراً على خدمة المسجد ، وههنا لما علم الله تعالى تضرع تلك المرأة قبل تلك الجارية حال صغرها وعدم قدرتها على خدمة المسجد ، فهذا كله هو الوجوه المذكورة في تفسير القبول الحسن. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 8 صـ 25 ـ 26}\rقوله تعالى : {وَأَنبَتَهَا نَبَاتًا حَسَنًا}\rقال الفخر :\rقال ابن الأنباري : التقدير أنبتها فنبتت هي نباتاً حسناً ثم منهم من صرف هذا النبات الحسن إلى ما يتعلق بالدنيا ، ومنهم من صرفه إلى ما يتعلق بالدين ، أما الأول فقالوا : المعنى أنها كانت تنبت في اليوم مثل ما ينبت المولود في عام واحد ، وأما في الدين فلأنها نبتت في الصلاح والسداد والعفة والطاعة. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 8 صـ 26}\rوقال الآلوسى :\r{ وَأَنبَتَهَا نَبَاتًا حَسَنًا } أي رباها الرب تربية حسنة في عبادة وطاعة لربها قاله ابن عباس رضي الله تعالى عنهما ، وفي رواية عنه أنه سوى خلقها فكانت تشب في يوم ما يشب غيرها في عام ، وقيل : تعهدها بما يصلحها في سائر أحوالها ، ففي الكلام استعارة تمثيلية أو مجاز مرسل بعلاقة اللزوم فإن الزارع يتعهد زرعه بسقيه عند الاحتياج وحمايته عن الآفات وقلع ما يخنقه من النبات. أ هـ {روح المعانى حـ 3 صـ 139}\rوقال ابن كثير :\r{ وَأَنْبَتَهَا نَبَاتًا حَسَنًا } أي : جعلها شكلا مليحا ومنظرا بهيجا ، ويَسر لها أسباب القبول ، وقرنها بالصالحين من عباده تتعلم منهم الخير والعلم والدين. ولهذا قال : { وَكَفَلَهَا زَكَرِيَّا }. أ هـ {تفسير ابن كثير حـ 2 صـ 35}\rقوله تعالى : {وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا}\rفصل\rقال الفخر :","part":13,"page":62},{"id":5291,"text":"قرأ عاصم وحمزة والكسائي ( وكفلها ) بالتشديد ، ثم اختلفوا في زكريا فقرأ عاصم بالمد ، وقرأ حمزة والكسائي بالقصر على معنى ضمها الله تعالى إلى زكريا ، فمن قرأ ( زكرياء ) بالمد أظهر النصب ومن قرأ بالقصر كان في محل النصب والباقون قرأوا بالمد والرفع على معنى ضمها زكرياء إلى نفسه ، وهو الاختيار ، لأن هذا مناسب لقوله تعالى : {أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ} وعليه الأكثر ، وعن ابن كثير في رواية {كفلها} بكسر الفاء ، وأما القصر والمد في زكريا فهما لغتان ، كالهيجاء والهيجا ، وقرأ مجاهد {فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا وَأَنبَتَهَا وَكَفَّلَهَا} على لفظ الأمر في الأفعال الثلاثة ، ونصب {رَبُّهَا} كأنها كانت تدعو الله فقالت : اقبلها يا ربها ، وأنبتها يا ربها ، واجعل زكريا كافلاً لها. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 8 صـ 26}\rفائدة\rقال ابن عاشور :\r{وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا}\rعد هذا في فضائل مريم ، لأنه من جملة ما يزيد فضلها لأن أبا التربة يكسب خلقه وصلاحه مرباه.\rوزكريا كاهن إسرائيلي اسمه زكريا من بني أبيا بن باكر بن بنيامين من كهنة اليهود ، جاءته النبوءة في كبره وهو ثاني من اسمه زكريا من أنبياء بني إسرائيل وكان متزوجا امرأة من ذرية هارون اسمها اليصابات وكانت امرأته نسيبة مريم كما في إنجيل لوقا قيل : كانت أختها والصحيح أنها كانت خالتها ، أو من قرابة أمها ، ولما ولدت مريم كان أبوها قد مات فتنازع كفالتها جماعة من أحبار بني إسرائيل حرصا على كفالة بنت حبرهم الكبير ، واقترعوا على ذلك كما يأتي ، فطارت القرعة لزكريا ، والظاهر أن جعل كفالتها للأحبار لأنها محررة لخدمة المسجد فيلزم أن تربى تربية صالحة لذلك. أ هـ {التحرير والتنوير حـ 3 صـ 88}\rفوائد لغوية\rقال ابن عادل :\rقوله : { كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا المحراب } \" المحراب \" فيه وجهان :","part":13,"page":63},{"id":5292,"text":"أحدهما : وهو مذهب سيبويه أنه منصوب على الظرف ، وشذ عن سائر أخواته بعد \" دَخَلَ \" خاصَّةً ، يعني أن كل ظرف مكان مختص لا يصل إليه الفعل إلا بواسطة \" في \" نحو صليت في المحراب - ولا تقول : صليت المحرابَ - ونِمْتُ في السوقِ - ولا تقول : السوقَ - إلا مع دخل خاصة ، نحو دخلت السوق والبيت... الخ. وإلا ألفاظاً أخر مذكورة في كتب النحو.\rوالثاني مذهب الأخفش وهو نَصب ما بعد \" دَخَلَ \" على المفعول به لا على الظرف فقولك : دخلت البيت ، كقولك : هدمت البيت ، في نصب كل منهما على المفعول به - وهو قول مرجوح ؛ بدليل أن \" دَخَلَ \" لو سُلِّطَ على غير الظَّرْفِ المختص وجب وصوله بواسطة \" في \" تقول : دخلتُ في الأمر - ولا تقول : دخلت الأمر - فدل ذلك على عدم تَعَدِّيه للمفعول به بنفسه.\rوالجواب : قال أبو عبيدة : هو سَيِّدُ المجالس ومقدَّمها وأشرفها ، وكذلك هو من المسجد.\rوقال أبو عمرو بن العلاء : هو القصر ؛ لعُلُوِّه وشَرَفِهِ.\rوقال الأصمعيُّ : هو الغُرْفَة.\rوأنشد لامرئِ القيس : [ الطويل ]\rوَمَاذَا عَلَيْهِ أنّ ذَكَرْتَ أو أنِسَا... كَغِزْلاَنِ رَمْلٍ فِي مَحَارِيبِ أقْيَالِ\rقالوا معناه : في غرف أقيال. وأنشد غيره - لعُمَرَ بن أبي ربيعة : [ السريع ]\rرَبَّةُ مِحْرَابٍ إذَا ما جِئْتُهَا... لَمْ أدْنُ حَتَّى أرْتَقِي سُلَّما\rوقيل : هو المحراب من المسجد المعهود ، وهو الأليق بالآية.\rوقد ذكرناه عمن تقدم فإنما يَعْنُونَ به : المحراب من حيث هو ، وأما في هذه الآية فلا يظهر بينهم خلاف في أنه المحراب المتعارف عليه. واستدل الأصمعيّ على أن المحراب هو الغرفة بقوله تعالى : { إِذْ تَسَوَّرُواْ المحراب } [ ص : 21 ] فوجه الإمالة تقدم الكسرة ، ووجه التَّفْخِيم أنه الأصل.\rقوله : { وَجَدَ عِندَهَا رِزْقاً } \" وجد \" هذه بمعنى أصاب ولَقِيَ وصَادَفَ ، فيتعدى لِواحِدٍ وهو \" رِزْقاً \" و\" عندها \" الظاهر أنه ظرف للوجدان.","part":13,"page":64},{"id":5293,"text":"وأجاز أبو البقاء أن يكون حالاً من \" رِزْقاً \" ؛ لأنه يصلح أن يكون صفة له في الأصل ، وعلى هذا فيتعلق بمحذوف ، ف \" وجد \" هو الناصب لِ \" كُلَّمَا \" لأنها ظرفية ، وأبو البقاء سمَّاه جوابها ؛ لأنها عنده الشرط كما سيأتي.\rقوله : { قَالَ يامريم } فيه وجهان :\rأحدهما : أنه مستأنف ، قال ابو البقاء : \" ولا يجوز أن يكون بدلاً من \" وَجَدَ \" ؛ لأنه ليس بمعناه \".\rالثاني : أنه معطوف بالفاء ، فحذف العاطف ، قال أبو البقاء : \" كما حذفت في جواب الشرط في قوله تعالى : { وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ } [ الأنعام : 121 ] ، وكذلك قول الشاعر : [ البسيط ]\rمَنْ يَفْعَلِ الْحَسَنَاتِ اللهُ يَشْكُرُهَا.................................\rوهذا الموضع يشبه جوابَ الشرط ، لأن \" كُلَّمَا \" تشبه الشرط في اقتضائها الجواب.\rقال شهاب الدين : وهذا - الذي قاله - فيه نظر من حيث إنه تخيَّل أن قوله تعالى : { وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ } أن جوابَ الشرط هو نفس { إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ } حُذِفَتْ منه الفاء ، وليس كذلك ، بل جواب الشرط محذوف ، و- { إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ } جواب قسم مقدر قبل الشرط وقد تقدم تحقيق هذه المسألة ، وليس هذا مما حُذِفَتْ منه فاء الجزاء ألبتة ، وكيف يَدَّعِي ذلك ، ويُشَبِّهه بالبيت المذكور ، وهو لا يجوز إلا في ضرورة ؟\rثم الذي يظهر أن الجملةَ من قوله : \" وَجَدَ \" في محل نصب على الحال من فاعل \" دَخَلَ \" ويكون جواب \" كُلَّمَا \" هو نفس \" قَالَ \" والتقدير : كلما دخل عليها زكريا المحراب واجداً عندَها الرزق.\rقال : وهذا بَيِّن.\rونكر \" رِزْقاً \" تعظيماً ، أو ليدل به على نوع \" ما \".\rقوله : { أنى لَكِ هذا } \" أنى \" خبر مقدم ، و\" هَذَا \" مبتدأ مؤخر ومعنى أنى هذا : من أين ؟ كذا فسَّره أبو عبيدة.\rقيل : ويجوز أن يكون سؤالاً عن الكيفية ، أي : كيف تَهَيأ لكِ هذا ؟\rقال الكميت : [ المنسرح ]","part":13,"page":65},{"id":5294,"text":"أنَّى وَمِنْ أيْنَ هَزَّكَ الطَّرَبُ... مِنْ حَيْثُ لاَ صَبْوةٌ وَلاَ رِيَبُ\rوجوَّز أبو البقاء في \" أنَّى \" أن ينتصب على الظرف بالاستقرار الذي في \" ذلك \". و\" لك \" رافع لـ \" هذا \" يعني بالفاعلية.\rولا حاجة إلى ذلك ، وتقدم الكلام على \" أنى \" في \" البقرة \". أ هـ {تفسير ابن عادل حـ 5 صـ 182 ـ 184}\rفائدة\rقال ابن عاشور :\rوالمحراب بناء يتخذه أحد ليخلو فيه بتعبده وصلاته ، وأكثر ما يتخذ في علو يرتقي إليه بسلم أو درج ، وهو غير المسجد ، وأطلق على غير ذلك إطلاقات ، على وجه التشبيه أو التوسع كقول عمر بن أبي ربيعة :\rدمية عند راهب قسيس ... صوروها في مذبح المحراب\rأرادا في مذبح البيعة ، لأن المحراب لا يجعل فيه مذبح. وقد قيل : إن المحراب مشتق من الحرب لأن المتعبد كأنه يحارب الشيطان فيه ، فكأنهم جعلوا ذلك المكان آلة لمحرب الشيطان.\rثم أطلق المحراب عند المسلمين على موضع كشكل نصف قبة في طول قامة ونصف يجعل بموضع القبلة ليقف فيه الإمام للصلاة. وهو إطلاق مولد وأول محراب في الإسلام محراب مسجد الرسول صلى الله عليه وسلم صنع في خلافة الوليد بن عبد الملك ، مدة إمارة عمر بن عبد العزيز على المدينة. والتعريف في {الْمِحْرَابَ} تعريف الجنس ويعلم أن المراد محراب جعلته مريم للتعبد. أ هـ {التحرير والتنوير حـ 3 صـ 89}\rفصل\rقال الفخر :","part":13,"page":66},{"id":5295,"text":"اختلفوا في كفالة زكريا عليه السلام إياها متى كانت ، فقال الأكثرون : كان ذلك حال طفوليتها ، وبه جاءت الروايات ، وقال بعضهم : بل إنما كفلها بعد أن فطمت ، واحتجوا عليه بوجهين الأول : أنه تعالى قال : {وَأَنبَتَهَا نَبَاتًا حَسَنًا} ثم قال : {وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا} وهذا يوهم أن تلك الكفالة بعد ذلك النبات الحسن والثاني : أنه تعالى قال : {وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا المحراب وَجَدَ عِندَهَا رِزْقًا قَالَ يا مريم أنى لَكِ هذا قَالَتْ هُوَ مِنْ عِندِ الله} وهذا يدل على أنها كانت قد فارقت الرضاع وقت تلك الكفالة ، وأصحاب القول الأول أجابوا بأن الواو لا توجب الترتيب ، فلعل الانبات الحسن وكفالة زكرياء حصلا معاً.\rوأما الحجة الثانية : فلعل دخوله عليها وسؤاله منها هذا السؤال إنما وقع في آخر زمان الكفالة. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 8 صـ 26 ـ 27}\rفائدة\rقال ابن الجوزى :\rقوله تعالى : { وجد عندها رزقاً } قال ابن عباس : ثمار الجنة ، فاكهة الصيف في الشتاء ، وفاكهة الشتاء في الصيف ، وهذا قول الجماعة.\rقوله تعالى : { أنى لكِ هذا } أي : من أين ؟ قال الربيع بن أنس : كان زكريا إذا خرج ، أغلق عليها سبعة أبواب ، فإذا دخل وجد عندها رزقاً.\rوقال الحسن : لم ترتضع ثدياً قط ، وكان يأتيها رزقها من الجنة (1) ، فيقول زكريا : أنى لك هذا ؟ فتقول : هو من عند الله ، فتكلمت وهي صغيرة.\rوزعم مقاتل أن زكريا استأجر لها ظئراً ، وعلى ما ذكرنا عن ابن إسحاق يكون قوله لها : أنى لك هذا ؟ لاستكثار ما يرى عندها. وما عليه الجمهور أصح. أ هـ {زاد المسير حـ 1 صـ 380}\r________________\r(1) لا يخفى ما فى هذا القول من البعد فهذا لم يتحقق لرسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ وقصة قطف العنب مشهورة فى البخارى\r4901 عن عبد الله بن عباس أنه قال :\rخسفت الشمس عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فصلى رسول الله صلى الله عليه وسلم والناس معه فقام قياما طويلا نحوا من سورة البقرة ثم ركع ركوعا طويلا ثم رفع فقام قياما طويلا وهو دون القيام الأول ثم ركع ركوعا طويلا وهو دون الركوع الأول ثم سجد ثم قام فقام قياما طويلا وهو دون القيام الأول ثم ركع ركوعا طويلا وهو دون الركوع الأول ثم رفع فقام قياما طويلا وهو دون القيام الأول ثم ركع ركوعا طويلا وهو دون الركوع الأول ثم رفع ثم سجد ثم انصرف وقد تجلت الشمس فقال ( إن الشمس والقمر آيتان من آيات الله لا يخسفان لموت أحد ولا لحياته فإذا رأيتم ذلك فاذكروا الله ) . قالوا يا رسول الله رأيناك تناولت شيئا في مقامك هذا ثم رأيناك تكعكعت ؟ فقال ( إني رأيت الجنة أوأريت الجنة فتناولت منها عنقودا ولو أخذته لأكلتم منه ما بقيت الدنيا ورأيت النار فلم أر كاليوم منظر قط ورأيت أكثر أهلها النساء ) . قالوا لم يا رسول الله ؟ قال ( بكفرهن ) . قيل يكفرن بالله ؟ قال ( يكفرن العشير ويكفرن الإحسان لو أحسنت إلى إحداهن الدهر ثم رأت منك شيئا قالت ما رأيت منك خيرا قط )\rومعلوم أن نعيم الجنة محله فى الآخرة ولبو حظى به أحد فى الدنيا لكان رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ\rوقد منح الله بعض صحابة رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ مثل مريم ـ عليها السلام ـ\rففى البخارى 2880\rأن بنت الحارث أخبرت أنهم حين اجتمعوا لقتل خبيب استعار منها موسى يستحد بها فأعارته فأخذ ابنا لي وأنا غافلة حين أتاه قالت فوجدته مجلسه على فخذه والموسى بيده ففزعت فزعة عرفها خبيب في وجهي فقال تخشين أن أقتله ؟ ما كنت لأفعل ذلك . والله ما رأيت أسيرا قط خيرا من خبيب والله لقد وجدته يوما يأكل من قطف عنب في يده وإنه لموثق في الحديد وما بمكة من ثمر وكانت تقول إنه لرزق من الله رزقه خبيبا. والله أعلم.","part":13,"page":67},{"id":5296,"text":"قوله تعالى : {كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا المحراب وَجَدَ عِندَهَا رِزْقًا}\rقال أبو حيان :\r{ كلما دخل عليها زكريا المحراب وجد عندها رزقاً }.\rقال مجاهد ، والضحاك ، وقتادة ، والسدي : وجد عندها فاكهة الشتاء في الصيف ، وفاكهة الصيف في الشتاء.\rوقال الحسن : تكلمت في المهد ولم تلقم ثدياً قط ، وإنما كانت يأتيها رزقها من الجنة.\rوالذي ورد في الصحيح أن الذي تكلم في المهد ثلاثة : عيسى ، وصاحب جريج ، وابن المرأة وورد من طريق شاذ : صاحب الأخدود.\rوالأغرب أن مريم منهم.\rوقيل : كان جريج النجار ، واسمه يوسف بن يعقوب ، وكان ابن عم مريم حين كفلها بالقرعة وقد ضعف زكريا عن القيام بها ، يأتيها من كسبه بشيء لطيف على قدر وسعه ، فيزكو ذلك الطعام ويكثر ، فيدخل زكريا عليها فيتحقق أنه ليس من وسع جريج ، فيسألها.\rوهذا يدل على أن ذلك كان بعد أن كبرت وهو الأقرب للصواب.\rوقيل : كانت ترزق من غير رزق بلادهم.\rقال ابن عباس : كان عنباً في مكتل ولم يكن في تلك البلاد عنب ، وقاله ابن جبير ، ومجاهد وقيل : كان بعض الصالحين يأتيها بالرزق.\rوالذي يدل عليه ظاهر الآية أن الذي كفلها بالتربية هو زكريا لا غيره ، فإن الله تعالى كفاه لما كفلها مؤونة رزقها ، ووضع عنه بحسن التكفل مشقة التكلف.\rو : كلما ، تقتضي التكرار ، فيدل على كثرة تعهده وتفقده لأحوالها.\rودلت الآية على وجود الرزق عندها كل وقت يدخل عليها ، والمعنى : أنه غذاء يتغذى به لم يعهده عندها ، ولم يوجهه هو.\rوأَبْعَدَ من فسر الرزق هنا بأنه فيض كان يأتيها من الله من العلم والحكمة من غير تعليم آدمي ، فسماه رزقاً قال الراغب : واللفظ محتمل ، انتهى ، وهذا شبيه بتفسير الباطنية. أ هـ {البحر المحيط حـ 2 صـ 461}\rفائدة\rقال الماوردى :\rواختلف في السبب الذي يأتيها هذا الرزق لأجله على قولين :\rأحدهما : أنه كان يأتيها بدعوة زكريا لها.","part":13,"page":68},{"id":5297,"text":"والثاني : أنه كان ذلك يأتيها لنبوة المسيح عليه السلام. أ هـ {النكت والعيون حـ 1 صـ 388}\rفصل\rقال الفخر :\rاحتج أصحابنا على صحة القول بكرامة الأولياء بهذه الآية ، ووجه الاستدلال أنه تعالى أخبر أن زكرياء كلما دخل عليها المحراب وجد عندها رزقاً قال يا مريم : أنى لك هذا ؟ قالت هو من عند الله ، فحصول ذلك الرزق عندها إما أن يكون خارقاً للعادة ، أو لا يكون ، فإن قلنا : إنه غير خارق للعادة فهو باطل من خمسة أوجه\rالأول : أن على هذا التقدير لا يكون حصول ذلك الرزق عند مريم دليلاً على علو شأنها وشرف درجتها وامتيازها عن سائر الناس بتلك الخاصية ومعلوم أن المراد من الآية هذا المعنى\rوالثاني : أنه تعالى قال بعد هذه الآية {هُنَالِكَ دَعَا زَكَرِيَّا رَبَّهُ قَالَ رَبّ هَبْ لِى مِن لَّدُنْكَ ذُرّيَّةً طَيّبَةً} والقرآن دل على أنه كان آيساً من الولد بسبب شيخوخته وشيخوخة زوجته ، فلما رأى انخراق العادة في حق مريم طمع في حصول الولد فيستقيم قوله {هُنَالِكَ دَعَا زَكَرِيَّا رَبَّهُ} أما لو كان الذي شاهده في حق مريم لم يكن خارقاً للعادة لم تكن مشاهدة ذلك سبباً لطمعه في انخراق العادة بحصول الولد من المرأة الشيخة العاقر\rالثالث : أن التنكر في قوله {وَجَدَ عِندَهَا رِزْقًا} يدل على تعظيم حال ذلك الرزق ، كأنه قيل : رزقاً.\rأي رزق غريب عجيب ، وذلك إنما يفيد الغرض اللائق لسياق هذه الآية لو كان خارقاً للعادة الرابع : هو أنه تعالى قال : {وجعلناها وابنها ءَايَةً للعالمين} [ الأنبياء : 91 ] ولولا أنه ظهر عليهما من الخوارق ، وإلا لم يصح ذلك.\rفإن قيل : لم لا يجوز أن يقال : المراد من ذلك هو أن الله تعالى خلق لها ولداً من غير ذكر ؟","part":13,"page":69},{"id":5298,"text":"قلنا : ليس هذا بآية ، بل يحتاج تصحيحه إلى آية ، فكيف نحمل الآية على ذلك ، بل المراد من الآية ما يدل على صدقها وطهارتها ، وذلك لا يكون إلا بظهور خوارق العادات على يدها كما ظهرت على يد ولدها عيسى عليه السلام الخامس : ما تواترت الروايات به أن زكريا عليه السلام كان يجد عندها فاكهة الشتاء في الصيف ، وفاكهة الصيف في الشتاء ، فثبت أن الذي ظهر في حق مريم عليها السلام كان فعلاً خارقاً للعادة ، فنقول : إما أن يقال : إنه كان معجزة لبعض الأنبياء أو ما كان كذلك ، والأول باطل لأن النبي الموجود في ذلك الزمان هو زكريا عليه السلام ، ولو كان ذلك معجزة له لكان هو عالماً بحاله وشأنه ، فكان يجب أن لا يشتبه أمره عليه وأن لا يقول لمريم {أنى لَكِ هذا} وأيضاً فقوله تعالى : {هُنَالِكَ دَعَا زَكَرِيَّا رَبَّهُ} مشعر بأنه لما سألها عن أمر تلك الأشياء ثم إنها ذكرت له أن ذلك من عند الله فهنالك طمع في انخراق العادة في حصول الولد من المرأة العقيمة الشيخة العاقر وذلك يدل على أنه ما وقف على تلك الأحوال إلا بأخبار مريم ، ومتى كان الأمر كذلك ثبت أن تلك الخوارق ما كانت معجزة لزكريا عليه السلام فلم يبق إلا أن يقال : إنها كانت كرامة لعيسى عليه السلام ، أو كانت كرامة لمريم عليها السلام ، وعلى التقديرين فالمقصود حاصل ، فهذا هو وجه الاستدلال بهذه الآية على وقوع كرامات الأولياء.\rاعترض أبو علي الجبائي وقال : لم لا يجوز أن يقال إن تلك الخوارق كانت من معجزات زكريا عليه السلام ، وبيانه من وجهين","part":13,"page":70},{"id":5299,"text":"الأول : أن زكريا عليه السلام دعا لها على الإجمال أن يوصل الله إليها رزقاً ، وأنه ربما كان غافلاً عن تفاصيل ما يأتيها من الأرزاق من عند الله تعالى ، فإذا رأى شيئاً بعينه في وقت معين قال لها {أنى لَكِ هذا قَالَتْ هُوَ مِنْ عِندِ الله} فعنذ ذلك يعلم أن الله تعالى أظهر بدعائه تلك المعجزة والثاني : يحتمل أن يكون زكريا يشاهد عند مريم رزقاً معتاداً إلا أنه كان يأتيها من السماء ، وكان زكريا يسألها عن ذلك حذراً من أن يكون يأتيها من عند إنسان يبعثه إليها ، فقالت هو من عند الله لا من عند غيره.\rالمقام الثاني : أنا لا نسلم أنه كان قد ظهر على مريم شيء من خوارق العادات ، بل معنى الآية أن الله تعالى كان قد سبب لها رزقاً على أيدي المؤمنين الذين كانوا يرغبون في الإنفاق على الزاهدات العابدات ، فكان زكريا عليه السلام إذا رأى شيئاً من ذلك خاف أنه ربما أتاها ذلك الرزق من وجه لا ينبغي ، فكان يسألها عن كيفية الحال ، هذا مجموع ما قاله الجبائي في \"تفسيره\" وهو في غاية الضعف ، لأنه لو كان ذلك معجزاً لزكريا عليه السلام كان مأذوناً له من عند الله تعالى في طلب ذلك ، ومتى كان مأذوناً في ذلك الطلب كان عالماً قطعاً بأن يحصل ، وإذا علم ذلك امتنع أن يطلب منها كيفية الحال ، ولم يبق أيضاً لقوله {هُنَالِكَ دَعَا زَكَرِيَّا رَبَّهُ} فائدة ، وهذا هو الجواب بعينه عن الوجه الثاني.\rوأما سؤاله الثالث ففي غاية الركاكة لأن هذا التقدير لا يبقى فيه وجه اختصاص لمريم بمثل هذه الواقعة ، وأيضاً فإن كان في قلبه احتمال أنه ربما أتاها هذا الرزق من الوجه الذي لا ينبغي فبمجرد إخبارها كيف يعقل زوال تلك التهمة فعلمنا سقوط هذه الأسئلة وبالله التوفيق.","part":13,"page":71},{"id":5300,"text":"أما المعتزلة فقد احتجوا على امتناع الكرامات بأنها دلالات صدق الأنبياء ، ودليل النبوّة لا يوجد مع غير الأنبياء ، كما أن الفعل المحكم لما كان دليلاً على العلم لا جرم لا يوجد في حق غير العالم.\rوالجواب من وجوه\rالأول : وهو أن ظهور الفعل الخارق للعادة دليل على صدق المدعي ، فإن ادعى صاحبه النبوّة فذاك الفعل الخارق للعادة يدل على كونه نبياً ، وإن ادعى الولاية فذلك يدل على كونه ولياً والثاني : قال بعضهم : الأنبياء مأمورون بإظهارها ، والأولياء مأمورون بإخفائها والثالث : وهو أن النبي يدعي المعجز ويقطع به ، والولي لا يمكنه أن يقطع به والرابع : أن المعجزة يجب انفكاكها عن المعارضة ، والكرامة لا يجب انفكاكها عن المعارضة ، فهذا جملة الكلام في هذا الباب وبالله التوفيق. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 8 صـ 27 ـ 28}\rفائدة\rقال أبو حيان :\r{ قال يا مريم أنَّى لك هذا قالت هو من عند الله } استغرب زكريا وجود الرزق عندها وهو لم يكن أتى به ، وتكرر وجوده عندها كلما دخل عليها ، فسأل على سبيل التعجب من وصول الرزق إليها ، وكيف أتى هذا الرزق ؟ و: أنَّى ، سؤال عن الكيفية وعن المكان وعن الزمان ، والأظهر أنه سؤال عن الجهة ، فكأنه قال : من أي جهة لك هذا الرزق ؟ ولذلك قال أبو عبيدة : معناه من أين ؟ ولا يبعد أن يكون سؤالاً عن الكيفية ، أي كيف تهيأ وصول هذا الرزق إليك ؟ وقال الكميت :\rأنَّى ومن أين أتاك الطرب . . .\rمن حيث لا صبوة ولا طرب\rوجوابها سؤاله بأنه { من عند الله } ظاهره أنه لم : يأت به آدمي ألبتة ، بل هو رزق يتعهدني به الله تعالى.","part":13,"page":72},{"id":5301,"text":"وظاهره أنه كان يسأل كلما وجد عندها رزقاً ، لأن من الجائز في الفعل أن يكون هذا الثاني من جهة غير الجهة التي تقدّمت ، فتجيبه بأنه من عند الله ، وتحيله على مسبب الأسباب ، ومبرز الأشياء من العدم الصرف إلى الوجود المحض ، فعند ذلك يستريح قلب زكريا بكونه لم يسبقه أحد إلى تعهد مريم ، وبكونه يشهد مقاماً شريفاً ، واعتناءً لطيفاً بمن اختارها الله تعالى بأن جعلها في كفالته.\rوهذا الخارق العظيم قيل : هو بدعوة زكريا لها بالرزق ، فيكون من خصائص زكريا وقيل : كان تأسيساً لنبوّة ولدها عيسى.\rوهذان القولان شبيهان بأقوال المعتزلة حيث ينفون وجود الخارق على غير النبي ، إلا إن كان ذلك في زمان نبي ، فيكون ذلك معجزة لذلك النبي.\rوالظاهر أنها كرامة خص الله بها مريم ، ولو كان خارقاً لأجل زكريا لم يسأل عنه زكريا ، وأما كون ذلك لأجل نبوة عيسى ، فهو كان لم يخلق بعد.\rقال الزجاج : وهذا الخارق من الآية التي قال تعالى : { وجعلناها وابنها آية للعالمين } وقال الجبائي : يجوز أن يكون من معجزات زكريا ، دعا لها على الإجمال.\rلأن يوصل لها رزقها ، وربما غفل عن تفاصيل ذلك ، فلما رأى شيئاً معيناً في وقت معين ، سأل عنه ، فعلم أنه معجزة ، فدعا به أو سأل عن ذلك خشية أن يكون الآتي به إنساناً ، فأخبرته أنه { من عند الله } ويحتمل أن يكون على أيدي المؤمنين ، وسأل لئلا يكون على وجه لا ينبغي. أ هـ {البحر المحيط حـ 2 صـ 461 ـ 462}\rفائدة\rقال الماوردى :\r{ قَالَ يَا مَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هَذَا قَالَتْ هُوَ مِنْ عِندِ اللَّهِ } فيه قولان :\rأحدهما : أن الله تعالى كان يأتيها بالرزق.\rوالثاني : أن بعض الصالحين من عباده سخره الله تعالى لها لطفاً منه بها حتى يأتيها رزقها. والأول أشبه. أ هـ {النكت والعيون حـ 1 صـ 388}","part":13,"page":73},{"id":5302,"text":"قوله تعالى {إنَّ الله يَرْزُقُ مَن يَشَاء بِغَيْرِ حِسَابٍ}\rقال الفخر :\rهذا يحتمل أن يكون من جملة كلام مريم ، وأن يكون من كلام الله سبحانه وتعالى ، وقوله {بِغَيْرِ حِسَابٍ} أي بغير تقدير لكثرته ، أو من غير مسألة سألها على سبيل يناسب حصولها ، وهذا كقوله {وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لاَ يَحْتَسِبُ} [ الطلاق : 3 ] وههنا آخر الكلام في قصة حنة. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 8 صـ 28}\rوقال ابن عطية :\rوقولها : { إن الله يرزق من يشاء بغير حساب } تقرير لكون ذلك الرزق من عند الله ، وذهب الطبري إلى أن ذلك ليس من قول مريم وأنه خبر من الله تعالى لمحمد عليه السلام ، والله تعالى لا تنتقص خزائنه ، فليس يحسب ما يخرج منها ، وقد يعبر بهذا العبارة عن المكثرين من الناس أنهم ينفقون بغير حساب ، وذلك مجاز وتشبيه ، والحقيقة هي فيما ينتفق من خزائن الله تعالى. أ هـ {المحرر الوجيز حـ 1 صـ 427}\rوقال الطبرى :\rوأما قوله : \"إنّ الله يَرْزُقُ مَن يشاء بغير حساب\" ، فخبرٌ من الله أنه يسوق إلى من يشاء من خلقه رزقَه ، بغير إحصاء ولا عدد يحاسب عليه عبدَه. لأنه جل ثناؤه لا ينقصُ سَوْقُه ذلك إليه كذلك خزائنَه ، ولا يزيدُ إعطاؤه إياه ، ومحاسَبته عليه في مُلكه ، وفيما لديه شيئًا ، ولا يعزب عنه علمُ ما يرزقه ، وإنما يُحاسب مَنْ يعطي مَا يعطيه ، مَنْ يخشى النقصانَ من ملكه ، ودخولَ النفاد عليه بخروج ما خرج من عنده بغير حساب معروف ، ومن كان جاهلا بما يعطى على غير حساب. أ هـ {تفسير الطبرى حـ 6 صـ 359}","part":13,"page":74},{"id":5303,"text":"لطيفة\rقال الآلوسى :\rأخرج أبو يعلى عن جابر : \"أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أقام أياماً لم يطعم طعاماً حتى شق ذلك عليه فطاف في منازل أزواجه فلم يجد عند واحدة منهن شيئاً فأتى فاطمة فقال : يا بنية هل عندك شيء آكله فإني جائع ؟ فقالت : لا والله فلما خرج من عندها بعثت إليها جارة لها برغيفين وقطعة لحم فأخذته منها فوضعته في جفنة لها وقالت : لأوثرن بهذا رسول الله صلى الله عليه وسلم على نفسي ومن عندي وكانوا جميعاً محتاجين إلى شبعة طعام فبعثت حسناً أو حسيناً إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فرجع إليها فقالت له : بي أنت وأمي قد أتى الله تعالى بشيء قد خبأته لك قال : هلمي يا بنية بالجفنة فكشفت عن الجفنة فإذا هي مملوءة خبزاً ولحماً فلما نظرت إليها بهتت وعرفت أنها بركة من الله تعالى فحمدت الله تعالى وقدمته إلى النبي صلى الله عليه وسلم فلما رآه حمد الله تعالى ، وقال : من أين لك هذا يا بنية ؟ قالت : يا أبتي هو من عند الله إن الله يرزق من يشاء بغير حساب فحمد الله سبحانه ثم قال : الحمد لله الذي جعلك شبيهة سيدة نساء بني إسرائيل فإنها كانت إذا رزقها الله تعالى رزقاً فسئلت عنه قالت : هو من عند الله إن الله يرزق من يشاء بغير حساب ثم جمع علياً والحسن والحسين وجمع أهل بيته حتى شبعوا وبقي الطعام كما هو فأوسعت فاطمة رضي الله تعالى عنها على جيرانها. { مسند أبي يعلى كما في المطالب العالية لابن حجر (4/74) ، وفي إسناده عبد الله بن صالح متكلم فيه ، وابن لهيعة ضعفه الجمهور}. أ هـ {روح المعانى حـ 3 صـ 142}\rفوائد بلاغية\rقال أبو حيان :\rقيل : وفي هذه الآيات أنواع من الفصاحة.\rالعموم الذي يراد به الخصوص في قوله : على العالمين ، والإختصاص في قوله : آدم ، ونوحاً ، وآل إبراهيم ، وآل عمران.\rوإطلاق اسم الفرع على الأصل.","part":13,"page":75},{"id":5304,"text":"والمسبب على السبب ، في قوله : ذرية ، فيمن قال المراد الأباء ، والإبهام في قوله : ما في بطني ، لما تعذر عليها الإطلاع على ما في بطنها أتت بلفظ : ما ، الذي يصدق على الذكر والأنثى ، والتأكيد في قوله : { إنك أنت السميع العليم } والخبر الذي يراد به الاعتذار في قولها : وضعتها أنثى ، والاعتراض في قوله : { والله أعلم بما وضعت } ، في قراءة من سكن التاء أو كسرها وتلوين الخطاب ومعدوله في قوله : والله أعلم بما وضعت ، في قراءة من كسر التاء ، خرج من خطاب الغيبة في قولها : فلما وضعتها ، إلى خطاب المواجهة في قوله : بما وضعت والتكرار في : وأنى ، وفي : زكريا ، وزكريا ، وفي : من عند الله ، إن الله والتجنيس المغاير في : فتقبلها ربها بقبول ، وأنبتها نباتاً ، وفي : رزقاً ويرزق والإشارة ، وهو أن يعبر باللفظ الظاهر عن المعنى الخفي ، في قوله : هو من عند الله ، أي هو رزق لا يقدر على الإتيان به في ذلك الوقت إلاَّ الله.\rوفي قوله : رزقاً ، أتى به منكّراً مشيراً إلى أنه ليس من جنس واحد ، بل من أجناس كثيرة ، لأن النكرة تقتضي الشيوع والكثرة.\rوالحذف في عدة مواضع لا يصح المعنى إلا باعتبارها. أ هـ {البحر المحيط حـ 2 صـ 462}\rمن لطائف الإمام القشيرى فى الآيات\rقال رحمه الله :\rالمُحَرَّرُ الذي ليس في رِقِّ شيء من المخلوقات ، حرَّرَه الحق سبحانه في سابق حكمه عن رق الاشتغال بجميع الوجوه والأحوال. فلمَّا نذرت أمُّ مريم ذلك ، ووضعتها أنثى خَجِلت ، فلمَّا رأتها قالت { رَبِّ إِنِّى وَضَعْتُهَا أُنْثَى } وهي لا تصلح أن تكون محرراً فقال تعالى : { وَاللهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ } ولعمري ليس الذكر كالأنثى في الظاهر ، ولكن إذا تَقَبَّلَها الحقُّ - سبحانه وتعالى - طلع عنها كل أعجوبة.","part":13,"page":76},{"id":5305,"text":"ولما قالت { إِنِّى نَذَرْتُ لَكَ مَا فِى بَطْنِى مُحَرَّرًا } قالت { فَتَقَبَّلْ مِنِّى } فاستجاب ، وظهرت آثار القبول عليها وعلى ابنها ، ونجا بحديثها عَالَمٌ وَهَلَكَ بسببها عَالَمٌ ، ووقعت الفتنة لأجلهما في عَالَم.\rقالت : { وَإِنِّى سَمَّيْتُهَا مَرْيَمَ وَإِنِّى أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ } استجارت بالله من أن يكون للشيطان في حديثها شيء بما هو الأسهل ، لتمام ما هم به من أحكام القلوب.\rقوله جلّ ذكره : { فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا بِقَبُولٍ حَسَنٍ وَأَنْبَتَهَا نَبَاتًا حَسَنًا وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا }.\rحيث بَلَّغَها فوق ما تَمَنَّتْ أمها ، ويقال تقبَّلها بقبول حسنٍ حتى أفردها لطاعته ، وتولاّهَا بما تَولَّى به أولياءه ، حتى أفضى جمع مَنْ في عصرها العَجَبَ من حُسْنِ توليه أمرها ، وإن كانت بنتاً.\rويقال القبولُ الحَسَنُ حُسْنُ تربيته لها مع علمه - سبحانه - بأنه يُقال فيه بسببها ما يُقال ، فلم يُبالِ بِقُبْح مقال الأعداء :\rأجد الملامة في هواكِ لذيذةً... حُبَّاً لذكرك فليلمني اللُّوَمُ\rوكما قيل :\rليقل من شاء ما... شاء فإني لا أُبالي\rويقال القبول الحسن أَنْ ربّاها على نعت العصمة حتى كانت تقول : { إِنِّى أَعُوذُ بِالرَّحْمَنِ مِنكَ إِن كُنتَ تَقِيّاً } [ مريم : 18 ].\r{ وَأَنْبَتَهَا نَبَاتًا حَسَنًا } حتى استقامت على الطاعة ، وآثرت رضاه - سبحانه - في جميع الأوقات ، وحتى كانت الثمرة منها مثل عيسى عليه السلام ، وهذا هو النبات الحسن ، وكفلها زكريا. ومن القبول الحسن والنبات الحسن أَنْ جعل كافَلَها والقَيَّمَ بأمرها وحفظها نبياً من الأنبياء مثل زكريا عليه السلام ، وقد أوحى الله إلى داود عليه السلام : إنْ رأيْتَ لي طالباً فكُنْ له خادماً.","part":13,"page":77},{"id":5306,"text":"قوله جلّ ذكره : { كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا المِحْرَابَ وَجَدَ عِنْدَهَا رِزْقًا قَالَ يَا مَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هّذَا قَالَتْ هُوَ مِنْ عِندِ اللهِ إِنَّ اللهَ يرزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ }.\rمِنْ إمارات القبول الحسن أنها لم تكن توجد إلا في المحراب ، ومن كان مسكنه وموضعه الذي يتعبَّدُ فيه وهناك يوجد المحراب - فذلك عَبْدٌ عزيز.\rويقال مِنَ القبول الحسن أنه لم يطرح أمرَها كُلَّه وشُغْلُها على زكريا عليه السلام : فكان إذا دخل عليها زكريا ليتعهدها بطعام وَجَدَ عندها رزقاً لِيَعْلَمَ العاملون أن الله - سبحانه - لا يُلْقِي شُغْلَ أوليائه على غير ، ومن خدم ولياً من أوليائه كان هو في رفق الولي لا إنه تكون عليه مشقة لأجل الأولياء. وفي هذا إشارة لمن يخدم الفقراء أن يعلم أنه في رفق الفقراء.\rثم كان زكريا عليه السلام يقول : { أَنَّى لَكِ هَذَا } ؟ لأنه لم يكن يعتقد فيها استحقاق تلك المنزلة ، وكان يخاف أن غيره يغلبه وينتهز فرصة تعهدها ويسبقه بكفاية شُغْلها ، فكان يسأل ويقول : { أَنَّى لَكِ هَذَا } ومن أتاكِ به ؟","part":13,"page":78},{"id":5307,"text":"وكانت مريم تقول : هو من عند الله لا من عند مخلوق ، فيكون لزكريا فيه راحتان : إحداهما شهود مقامها وكرامتها عند الله تعالى ، والثانية أنه لم يغلبه أحد على تعهدها ، ولم يسبق به. قوله : { كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا المِحْرَابَ } فلفظة كلَّما للتكرار وفي هذا إشارة : وهو أن زكريا عليه السلام لم يَذَرْ تَعهُّدَها - وإنْ وجد عندها رزقًا - بل كل يومٍ وكل وقتٍ كان يتفقد حالها لأن كراماتِ الأولياء ليست مما يجب أن يدوم ذلك قطعاً ؛ فيجوز أن يُظهِرَ الله ذلك عليهم دائماً ، ويجوز ألا يظهر ، فما كان زكريا عليه السلام يعتمد على ذلك فيترك تفقد حالها ، ثم كان يُجَدِّدُ السؤال عنها بقوله : { يَا مَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هَذَا } ؟ لجواز أن يكون الذي هو اليوم لا على الوجه الذي كان بالأمس ، فإنه لا واجب على الله سبحانه.\rوقوله : { إِنَّ اللهَ يَرْزُقُ مَن يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ } إيضاح عن عين التوحيد ، وأن رزقه للعباد ، وإحسانه إليهم بمقتضى مشيئته ، دون أن يكون مُعَلَّلاً بطاعاتهم ووسيلة عباداتهم. أ هـ {لطائف الإشارات حـ 1 صـ 238 ـ 239}","part":13,"page":79},{"id":5308,"text":"قوله تعالى {هُنَالِكَ دَعَا زَكَرِيَّا رَبَّهُ قَالَ رَبِّ هَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعَاءِ (38)}\rمناسبة الآية لما قبلها\rقال البقاعى :\rولما كان كأنه قيل : فما قال زكريا حينئذ ؟ قيل : {هنالك} أي في ذلك الوقت وذلك المكان العظيمي المقدار {دعا زكريا ربه} تذكراً لما عودهم الله سبحانه وتعالى به من الإكرام ، فظهرت عليه كرامات هذه الكفالة ، قال الحرالي : لما أشهده الله سبحانه وتعالى أنه يخرق عادته لمن شاء بكلمته في حق كفيلته في الظاهر ، الكافلة له في هذا المعنى ، دعا ربه الذي عوده بالإحسان أن يرزقه ولداً في غير إبانه كما رزق مريم رزقاً في غير زمانه فوجب دعاؤه - انتهى.\r{قال رب} أي الذي عودني بإحسانه {هب لي من لدنك} قال الحرالي : طلب عليه من باطن الأمر كما قال سبحانه وتعالى : {وعلمناه من لدنا علماً} [ الكهف : 65 ] ، وكما قال فيه {وحناناً من لدنا} [ مريم : 13 ] ، لأن كل ما كان من لدن فهو أبطن من عند {ذرية} فيه إشعار بكثرة ونسل باق ، فأجيب بولد فرد لما كان زمان انتهاء في ظهور كلمة الروح وبأنه لا ينسل فكان يحيي حصوراً لغلبة الروحانية على إنسانيته - انتهى.\r{طيبة} أي مطيعة لك لأن ذلك طلبة أهل الخصوص ، ثم علل إدلاله على المقام الأعظم بالسؤال بقوله : {إنك سميع الدعاء} أي مريده ومجيبه لأن من شأن من يسمع - ولم يمنع - أن يجب إذا كان قادراً كاملاً ، وقد ثبتت القدرة بالربوبية الكاملة التي لا تحصل إلا من الحي القيوم ، بخلاف الأصنام ونحوها مما عبد فإنها لا تسمع ، ولو سمعت لم تقدر على الإجابة إلى ما تسأل فيه لأنها مربوبة.\rقال الحرالي : أعلم الداعي بما لله سبحانه وتعالى من الإجابة ، والقرب \" وسيلة في قبول \" دعائه - انتهى. أ هـ {نظم الدرر حـ 2 صـ 75 ـ 76}\rفصل\rقال الفخر :","part":13,"page":80},{"id":5309,"text":"اعلم أن قولنا : ثم ، وهناك ، وهنالك ، يستعمل في المكان ، ولفظة : عند ، وحين يستعملان في الزمان ، قال تعالى : {فَغُلِبُواْ هُنَالِكَ وانقلبوا صاغرين} [ الأعراف : 119 ] وهو إشارة إلى المكان الذي كانوا فيه ، وقال تعالى : {إِذَا أُلْقُواْ مِنْهَا مَكَاناً ضَيّقاً مُّقَرَّنِينَ دَعَوْاْ هُنَالِكَ ثُبُوراً} [ الفرقان : 13 ] أي في ذلك المكان الضيق ، ثم قد يستعمل لفظة {هُنَالِكَ} في الزمان أيضاً ، قال تعالى : {هُنَالِكَ الولاية لِلَّهِ الحق} [ الكهف : 44 ] فهذا إشارة إلى الحال والزمان.\rإذا عرفت هذا فنقول : قوله {هُنَالِكَ دَعَا زَكَرِيَّا رَبَّهُ} إن حملناه على المكان فهو جائز ، أي في ذلك المكان الذي كان قاعداً فيه عند مريم عليها السلام ، وشاهد تلك الكرامات دعا ربه ، وإن حملناه على الزمان فهو أيضاً جائز ، يعني في ذلك الوقت دعا ربه. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 8 صـ 29}\rوقال ابن عادل : \r\" هنا \" هو الاسم ، واللام للبعد ، والكاف حرف خطاب ، وهو منصوب على الظرف المكاني بـ \" دَعَا \" وزان \" ذلك \" ، وهو منصوب على الظرف المكاني ، بـ \" دعا \" أي : في ذلك المكان الذي راى فيه ما رأى من أمر مريمَ ، وهو ظرف لا يتصرف بل يلزم النصبَ على الظرفية بـ \" مِنْ \" وَ \" إلَى \".\rقال الشاعر : [ الرجز ]\rقَدْ وَرَدَتْ مِنْ أمكِنَهْ... مِنْ هَاهُنَا وَمِنْ هُنَهْ\r","part":13,"page":81},{"id":5310,"text":"وحكمه حكم \" ذَا \" من كونه يُجَرَّد من حرف التنبيه ، ومن الكاف واللام ، نحو \" هُنَا \" وقد يَصْحَبه \" ها \" التنبيه ، نحو هاهنا ، ومع الكاف قليلاً ، نحو ها هناك ، ويمتنع الجمع بينها وبين اللام. وأخوات \" هنا \" بتشديد النون مع فتح الهاء وكسرها - و\" ثَمَّ \" بفتح الثاء - وقد يقال : \" هَنَّت \". ولا يشار بـ \" هُنَالِكَ \" وما ذُكِرَ مَعَهُ إلا للأمكنة ، كقوله : { فَغُلِبُواْ هُنَالِكَ وانقلبوا صَاغِرِينَ } [ الأعراف : 119 ] وقوله : { هُنَالِكَ الولاية لِلَّهِ الحق } [ الكهف : 44 ] وقوله : { دَعَوْاْ هُنَالِكَ ثُبُوراً } [ الفرقان : 13 ].\rوقد زعم بعضهم أن \" هُنا \" و\" هناك \" و\" هنالك \" للزمان ، فمن ورود \" هنالك \" بمعنى الزمان عند بعضهم - هذه الآية أي : في ذلك الزمان دعا زكريا ربه ، ومثله : { هُنَالِكَ ابتلي المؤمنون } [ الأحزاب : 11 ] ، وقوله : { فَغُلِبُواْ هُنَالِكَ } ومنه قول زهير : [ الطويل ]\rهُنَالِكَ إنْ يُسْتَخْبَلُوا الْمَالَ يُخْبِلُوا................................\rومن \" هنَّا \" قوله : [ الكامل ]\rحَنَّتْ نُوَارُ وَلاَتَ هَنَّا حَنَّتِ... وَبَدَا الَّذِي كَانَتْ نَوَارُ أجَنَّتِ\rلأن \" لات \" لا تعمل إلا في الأحيان.\rوفي عبارة السجاوندي أن \" هناك \" في المكان ، و\" هنالك \" في الزمان ، وهو سهو ؛ لأنها للمكان سواء تجردت ، أو اتصلت بالكاف واللام معاً ، أم بالكاف من دون اللام. أ هـ {تفسير ابن عادل حـ 5 صـ 187 ـ 188}\rوقال أبو حيان :\rقيل : واللام في : هنالك ، دلالة على بعد المسافة بين الدعاء والإجابة ، فإنه نقل المفسرون أنه كان بين دعائه وإجابته أربعون سنة.\rوقيل : دخلت اللام لبعد منال هذا الأمر لكونه خارقاً للعادة ، كما أدخل اللام في قوله : { ذلك الكتاب } لبعد مناله وعظم ارتفاعه وشرفه.","part":13,"page":82},{"id":5311,"text":"وقال الماتريدي : كانت نفسه تحدثه بأن يهب الله له ولداً يبقى به الذكر إلى يوم القيامة ، لكنه لم يكن يدعو مراعاة للأدب ، إذ الأدب أن لا يدعو لمراد إلاَّ فيما هو معتاد الوجود وإن كان الله قادراً على كل شيء ، فلما رأى عندها ما هو ناقض للعادة حمله ذلك على الدعاء في طلب الولد غير المعتاد. انتهى.\rوقوله : كانت تحدثه نفسه بذلك ، يحتاج إلى نقل.\rوفي قوله : { هنالك دعا } دلالة على أن يتوخى العبد بدعائه الأمكنة المباركة والأزمنة المشرفة. أ هـ {البحر المحيط حـ 2 صـ 463}\rفصل\rقال الفخر :\rاعلم أن قوله {هُنَالِكَ دَعَا} يقتضي أنه دعا بهذا الدعاء عند أمر عرفه في ذلك الوقت له تعلق بهذا الدعاء ، وقد اختلفوا فيه ، والجمهور الأعظم من العلماء المحققين والمفسرين قالوا : هو أن زكريا عليه السلام رأى عند مريم من فاكهة الصيف في الشتاء ، ومن فاكهة الشتاء في الصيف ، فلما رأى خوارق العادات عندها ، طمع في أن يخرقها الله تعالى في حقه أيضاً فيرزقه الولد من الزوجة الشيخة العاقر.\rوالقول الثاني : وهو قول المعتزلة الذين ينكرون كرامات الأولياء ، وإرهاصات الأنبياء قالوا : إن زكريا عليه السلام لما رأى آثار الصلاح والعفاف والتقوى مجتمعة في حق مريم عليها السلام اشتهى الولد وتمناه فدعا عند ذلك ، واعلم أن القول الأول أولى ، وذلك لأن حصول الزهد والعفاف والسيرة المرضية لا يدل على انخراق العادات ، فرؤية ذلك لا يحمل الإنسان على طلب ما يخرق العادة ، وأما رؤية ما يخرق العادة قد يطمعه في أن يطلب أيضاً فعلاً خارقاً للعادة ومعلوم أن حدوث الولد من الشيخ الهرم ، والزوجة العاقر من خوارق العادات ، فكان حمل الكلام على هذا الوجه أولى.\rفإن قيل : إن قلتم إن زكريا عليه السلام ما كان يعلم قدرة الله تعالى على خرق العادات إلا عندما شاهد تلك الكرامات عند مريم عليها السلام كان في هذا نسبة الشك في قدرة الله تعالى إلى زكريا عليه السلام.","part":13,"page":83},{"id":5312,"text":"فإن قلنا : إنه كان عالماً بقدرة الله على ذلك لمن تكن مشاهدة تلك الأشياء سبباً لزيادة علمه بقدرة الله تعالى ، فلم يكن لمشاهدة تلك الكرامات أثر في ذلك ، فلا يبقى لقوله هنالك أثر.\rوالجواب : أنه كان قبل ذلك عالماً بالجواز ، فأما أنه هل يقع أم لا فلم يكن عالماً به ، فلما شاهد علم أنه إذا وقع كرامة لولي ، فبأن يجوز وقوع معجزة لنبي كان أولى ، فلا جرم قوي طمعه عند مشاهدة تلك الكرامات. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 8 صـ 29 ـ 30}\rفائدة\rقال الفخر :\rإن دعاء الأنبياء والرسل عليهم الصلاة والسلام لا يكون إلا بعد الإذن ، لاحتمال أن لا تكون الإجابة مصلحة ، فحينئذ تصير دعوته مردودة ، وذلك نقصان في منصب الأنبياء عليهم الصلاة والسلام ، هكذا قاله المتكلمون ، وعندي فيه بحث ، وذلك لأنه تعالى لما أذن في الدعاء مطلقاً ، وبين أنه تارة يجيب وأخرى لا يجيب ، فللرسول أن يدعو كلما شاء وأراد مما لا يكون معصية ، ثم إنه تعالى تارة يجيب وأخرى لا يجيب ، وذلك لا يكون نقصاناً بمنصب الأنبياء عليهم الصلاة والسلام لأنهم على باب رحمة الله تعالى سائلون فإن أجابهم فبفضله وإحسانه وإن لم يجبهم فمن المخلوق حتى يكون له منصب على باب الخالق. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 8 صـ 30}\rفائدة\rقال الماوردى :\rقوله تعالى : { هُنَالِكَ دَعَا زَكَرِيَّا رَبَّهُ } اختلف في سبب دعائه على قولين :\rأحدهما : أن الله تعالى أذن له في المسألة لأن سؤال ما خالف العادة يُمْنَع منه إلا عن إذن لتكون الإجابة إعجازاً.\rوالثاني : أنه لما رآى فاكهة الصيف في الشتاء ، وفاكهة الشتاء في الصيف طمع في رزق الولد من عاقر. أ هـ {النكت والعيون حـ 1 صـ 389}","part":13,"page":84},{"id":5313,"text":"قوله تعالى حكاية عن زكريا عليه السلام : {هَبْ لِى مِن لَّدُنْكَ ذُرّيَّةً طَيّبَةً}\rفصل\rقال الفخر :\rأما الكلام في لفظة {لَّدُنْ} فسيأتي في سورة الكهف والفائدة في ذكره ههنا أن حصول الولد في العرف والعادة له أسباب مخصوصة فلما طلب الولد مع فقدان تلك الأسباب كان المعنى : أُريد منك إلهي أن تعزل الأسباب في هذه الواقعة وأن تحدث هذا الولد بمحض قدرتك من غير توسط شيء من هذه الأسباب. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 8 صـ 30}\rوقال ابن عادل :\rقوله : { مِن لَّدُنْكَ } فيه وجهان :\rأحدهما : أنه يتعلق بـ \" هَبْ \" وتكون \" مِنْ \" لابتداء الغاية مجازاً ، أي : يا رب هَبْ لي من عندك. ويجوز أن يتعلق بمحذوف على أنه في الأصل صفة لِ \" ذُرِّيَّة \" فلما قُدِّم عليها انتَصَبَ حالاً. أ هـ {تفسير ابن عادل حـ 5 صـ 188 ـ 189}\rفائدة\rقال أبو حيان :\r{ قال رب هب لي من لدنك ذرية طيبة } هذه الجملة شرح للدعاء وتفسير له ، وناداه بلفظ : رب ، إذ هو مربيه ومصلح حاله ، وجاء الطلب بلفظ : هب ، لأن الهبة إحسان محض ليس في مقابلتها شيء يكون عوضاً للواهب ، ولما كان ذلك يكاد يكون على سبيل ما لا تسبب فيه : لا من الوالد لكبر سنه ، ولا من الوالدة لكونها عاقراً لا تلد ، فكان وجوده كالوجود بغير سبب ، أتى هبة محضة منسوبة إلى الله تعالى بقوله : من لدنك ، أي من جهة محض قدرتك من غير توسط سبب.\rوتقدّم أن : لدن ، لما قرب ، و: عند ، لما قرب ولما بعد ، وهي أقل إبهاماً من : لدن ، ألا ترى أن : عند ، تقع جواباً لأين ، ولا تقع له جواباً : لدن ؟ . أ هـ {البحر المحيط حـ 2 صـ 463}\rفصل\rقال الفخر :","part":13,"page":85},{"id":5314,"text":"الذرية النسل ، وهو لفظ يقع على الواحد ، والجمع ، والذكر والأنثى ، والمراد منه ههنا : ولد واحد ، وهو مثل قوله {فَهَبْ لِى مِن لَّدُنْكَ وَلِيّاً} [ مريم : 5 ] قال الفراء : وأنث {طَيّبَةً} لتأنيث الذرية في الظاهر ، فالتأنيث والتذكير تارة يجيء على اللفظ ، وتارة على المعنى ، وهذا إنما نقوله في أسماء الأجناس ، أما في أسماء الأعلام فلا ، لأنه لا يجوز أن يقال جاءت طلحة ، لأن أسماء الأعلام لا تفيد إلا ذلك الشخص ، فإذا كان ذلك الشخص مذكراً لم يجز فيها إلا التذكير. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 8 صـ 30}\rقوله تعالى : {إِنَّكَ سَمِيعُ الدعاء}\rقال الفخر :\rليس المراد منه أن يسمع صوت الدعاء فذلك معلوم ، بل المراد منه أن يجيب دعاءه ولا يخيب رجاءه ، وهو كقول المصلين : سمع الله لمن حمده ، يريدون قبل حمد من حمد من المؤمنين ، وهذا متأكد بما قال تعالى حكاية عن زكريا عليه السلام في سورة مريم {وَلَمْ أَكُنْ بِدُعَائِكَ رَبّ شَقِيّاً} [ مريم : 4 ]. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 8 صـ 30}\rوقال ابن عادل :\rقوله { سَمِيعٌ الدعآء } مثال مبالغة ، مُحَوَّل من سامع ، وليس بمعنى مُسْمِع ؛ لفساد المعنى ؛ لأن معناه إنك سامعه ، وقيل : مُجِيبه ، كقوله : { إني آمَنتُ بِرَبِّكُمْ فاسمعون } [ يس : 25 ] أي : فأجيبوني ، وكقول المصلي : سَمِعَ اللهُ لِمَنْ حَمِدَهُ ، يريد قبل اللهُ حَمْدَ مَنْ حَمِدَهُ من المؤمنين. أ هـ {تفسير ابن عادل حـ 5 صـ 189}","part":13,"page":86},{"id":5315,"text":"من فوائد الآلوسى فى الآية\rقال رحمه الله :\r{ هُنَالِكَ دَعَا زَكَرِيَّا رَبَّهُ } قصة مستقلة سيقت في أثناء قصة مريم لكمال الارتباط مع ما في إيرادها من تقرير ما سيقت له ، و( هنا ) ظرف مكان ، واللام للبعد ، والكاف للخطاب أي في ذلك المكان حيث هو قاعد عند مريم في المحراب ، وهي ظرف ملازم للظرفية وقد تجر بمن وإلى ؛ وجوز أن يراد بها الزمان مجازاً فإن ( هنا ) وثم وحيث كثيراً ما تستعار له وهي متعلقة بدعا وتقديم الظرف للإيذان بأنه أقبل على الدعاء من غير تأخير ، وقال الزجاج : إن ( هنا ) هنا مستعارة للجهة والحال أي من تلك الحال دعا زكريا كما تقول : من ههنا قلت كذا ، ومن هنالك قلت كذا أي من ذلك الوجه وتلك الجهة.\rأخرج ابن بشر وابن عساكر عن الحسن قال : لما وجد زكريا عند مريم ثمر الشتاء في الصيف وثمر الصيف في الشتاء يأتيها به جبريل قال لها : أنى لك هذا في غير حينه. قالت : هو رزق من عند الله يأتيني به الله إن الله يرزق من يشاء بغير حساب فطمع زكريا في الولد فقال : إن الذي أتى مريم بهذه الفاكهة في غير حينها لقادر على أن يصلح لي زوجتي ويهب لي منها ولداً فعند ذلك دعا ربه وذلك لثلاث ليال بقين من المحرم قام زكريا فاغتسل ثم ابتهل في الدعاء إلى الله تعالى ، وقيل : أطمعه في الولد فدعا مع أنه كان شيخاً فانياً وكانت امرأته عاقراً لما أن الحال نبهته على جواز ولادة العاقر من الشيخ من وجوه.\rالأول : ما أشار إليه الأثر من حيث إن الولد بمنزلة الثمر والعقر بمنزلة غير أوانه ،\rوالثاني : أنه لما رأى تقبل أنثى مكان الذكر تنبه لأنه يجوز أن يقوم الشيخ مقام الشاب والعاقر مقام الناتج ،\rوالثالث : أنه لما رأى تقبل الطفل مقام الكبير للتحرير تنبه لذلك.","part":13,"page":87},{"id":5316,"text":"والرابع : أنه لما رأى تكلم مريم في غير أوانه تنبه لجواز أن تلد امرأته في غير أوانه ، والخامس : أنه لما سمع من مريم { إنَّ الله يَرْزُقُ مَن يَشَاء بِغَيْرِ حِسَابٍ } [ آل عمران : 37 ] تنبه لجواز أن تلد من غير استعداد ؛ ولا يخفى ما في بعض هذه الوجوه من الخدش ، وعلى العلات ليس ما رأى فقط علة موجبة للإقبال على الدعاء بل كان جزءاً من العلة التامة التي من جملتها كبر سنه عليه السلام وضعف قواه وخوف مواليه حسبما فصل في سورة مريم\r{ قَالَ } شرح للدعاء وبيان لكيفيته { رَبّ هَبْ لِى مِن لَّدُنْكَ } الجاران متعلقان بما قبلهما وجاز لاختلاف المعنى ، و{ مِنْ } لابتداء الغاية مجازاً أي أعطني من عندك { ذُرّيَّةً طَيّبَةً } أي مباركة كما قال السدي ، وقيل : صالحة تقية نقية العمل ، ويجوز أن يتعلق الجار الأخير بمحذوف وقع حالاً من ذرية ، وجاء الطلب بلفظ الهبة لأن الهبة إحسان محض ليس في مقابلة شيء وهو يناسب ما لا دخل فيه للوالد لكبر سنه ولا للوالدة لكونها عاقرة لا تلد فكأنه قال : أعطني ذرية من غير وسط معتاد ، والذرية في المشهور النسل تقع على الواحد والجمع والذكر والأنثى.\rوالمراد ههنا ولد واحد ؛ قال الفراء : وأنث الطيبة لتأنيث لفظ الذرية والتأنيث والتذكير تارة يجيئان على اللفظ وأخرى على المعنى وهذا في أسماء الأجناس كما في قوله :\rأبوك خليفة ولدته أخرى... وأنت خليفة ذاك الكمال","part":13,"page":88},{"id":5317,"text":"بخلاف الأعلام فإنه لا يجوز أن يقال : جاءت طلحة لأن اسم العلم لا يفيد إلا ذلك الشخص فإذا كان مذكراً لم يجز فيه إلا التذكير. { إِنَّكَ سَمِيعُ الدعاء } أراد كثير الإجابة لمن يدعوك من خلقك وهو تعليل لما قبله وتحريك لسلسلة الإجابة ، وفي ذلك اقتداء بجده الأعلى إبراهيم عليه السلام إذ قال : { الحمد للَّهِ الذى وَهَبَ لِى عَلَى الكبر إسماعيل وإسحاق إِنَّ رَبّى لَسَمِيعُ الدعاء } [ إبراهيم : 39 ] قيل : قد ذكر الله تعالى في كيفية دعائه ثلاث صيغ. إحداها : هذه والثانية : { إِنّى وَهَنَ العظم مِنّى } [ مريم : 4 ] الخ ، والثالثة : { رَبّ لاَ تَذَرْنِى فَرْداً } [ الأنبياء : 89 ] الخ ، فدل على أن الدعاء تكرر منه ثلاث مرات كل مرة بصيغة ، ويدل على أن بين الدعاء والإجابة زماناً ، ويصرح به ما نقل في بعض الآثار أن بينهما أربعين سنة ، وفيه منع ظاهر لجواز أن تكون الصيغ الثلاث حكاية لدعاء واحد مرة على سبيل الإيجاز ، وتارة على سبيل الإسهاب ، وأخرى على سبيل التوسط ، وهذه الحكاية في هذه الضيع إنما هي بالمعنى إذ لم يكن لسانهم عربياً ؛ ولهذا ورد عن الحسن أنه عليه السلام حين دعا قال : يا رازق مريم ثمار الصيف في الشتاء وثمار الشتاء في الصيف { هَبْ لِى مِن لَّدُنْكَ ذُرّيَّةً } ولم يذكر في الدعاء يا رب قيل : ويدل على أنه دعاء واحد متعقب بالتبشير العطف بالفاء في\rقوله تعالى : { فَنَادَتْهُ الملائكة } وفي قوله سبحانه : { فاستجبنا لَهُ وَوَهَبْنَا لَهُ يحيى } [ الأنبياء : 90 ] وظاهر قوله جل شأنه في مريم : { إِنَّا نُبَشّرُكَ } [ مريم : 7 ] اعتقاب التبشير الدعاء لا تأخره عنه ، وأثر إن بين الدعاء والإجابة أربعين سنة لم نجد له أثراً في الصحاح ، نعم ربما يشعر بعض الأخبار الموقوفة أن بين الولادة والتبشير مدة كما سنشير إلى ذلك قريباً إن شاء الله تعالى. أ هـ {روح المعانى حـ 3 صـ 144 ـ 145}","part":13,"page":89},{"id":5318,"text":"وقال ابن عطية :\rهناك في كلام العرب إشارة إلى مكان فيه بعد أو زمان ، و{ هنالك } باللام أبلغ في الدلالة على البعد ، ولا يعرب { هنالك } لأنه إشارة فأشبه الحروف التي جاءت لمعنى ، ومعنى هذه الآية : أن في الوقت الذي رأى زكرياء رزق الله لمريم ومكانتها منه وفكر في أنها جاءت أمها بعد أن أسنت وأن الله تقبلها وجعلها من الصاحلات تحرك أمله لطلب الولد وقوي رجاؤه وذلك منه على حال سن ووهن عظم واشتعال شيب وذلك لخوفه الموالي من ورائه حسبما يتفسر في سورة مريم إن شاء الله فدعا ربه أن يهب له ذرية طيبة ، و\" الذرية \" اسم جنس يقع على واحد فصاعداً كما الولي يقع على اسم جنس كذلك ، وقال الطبري : إنما أراد هنا بالذرية واحداً ودليل ذلك طلبه ولياً ولم يطلب أولياء ، وأنث \" الطيبة \" حملاً على لفظ الذرية كما قال الشاعر : [ الوافر ]\rأبوك خليفةٌ وَلَدَتْهُ أُخْرى ... وَأَنْتَ خَلِيفَةٌ ذاكَ الْكَمَالُ\rوكما قال الآخر :\rفما تزدري مِنْ حَيَّةٍ جَبليَّة ؟ ... سِكَات إذا ما عضَّ لَيْسَ بأدْرَدا\rوفيما قال الطبري تعقب وإنما الذرية والولي اسما جنس يقعان للواحد فما زاد ، وهكذا كان طلب زكرياء عليه السلام ، و{ طيبة } معناه سليمة في الخلق والدين نقية ، و{ سميع } في هذه الآية بناء اسم فاعل. أ هـ {المحرر الوجيز حـ 1 صـ 427}\rوقال ابن عاشور :\r{هُنَالِكَ دَعَا زَكَرِيَّا رَبَّهُ قَالَ رَبِّ هَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعَاءِ} [38].","part":13,"page":90},{"id":5319,"text":"أي في ذلك المكان ، قبل أن يخرج ، وقد نبهه إلى الدعاء مشاهدة خوارق العادة مع قول مريم : {إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ} [آل عمران : 37] والحكمة ضالة المؤمن ، وأهل النفوس الزكية يعتبرون بما يرون ويسمعون ، فلذلك عمد إلى الدعاء بطلب الولد في غير إبانه ، وقد كان في حسرة من عدم الولد كما حكى الله عند في سورة مريم. وأيضا فقد كان حينئذ في مكان شهد فيه فيضا إلهيا. ولم يزل أهل الخير يتوخون الأمكنة بما حدث فيها من خير ، والأزمنة الصالحة كذلك ، وما هي إلا كالذوات الصالحة في أنها محال تجليات رضا الله.\rوسأل الذرية الطيبة لأنها التي يرجى منها خير الدنيا والآخرة بحصول الآثار الصالحة النافعة. ومشاهدة خوارق العادات خولت لزكريا الدعاء بما هو من الخوارق ، أو من المستبعدات ، لأنه رأى نفسه غير بعيد عن عناية الله تعالى ، لا سيما في زمن الفيض أو مكانه ، فلا يعد دعاؤه بذلك تجاوزا لحدود الأدب مع الله على نحو ما قرره القرافي في الفرق بين ما يجوز من الدعاء وما لا يجوز. وسميع هنا بمعنى مجيب. أ هـ {التحرير والتنوير حـ 3 صـ 90}\rفصل\rقال القرطبى :\rدلّت هذه الآية على طلب الولد ، وهي سُنّة المرسلين والصدّيقين ، قال الله تعالى : { وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلاً مِّن قَبْلِكَ وَجَعَلْنَا لَهُمْ أَزْوَاجاً وَذُرِّيَّةً } [ الرعد : 38 ] وفي صحيح مسلم عن سعد بن أبي وَقّاص قال : أراد عثمان أن يتبتّل فنهاه رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ولو أجاز له ذلك لاختصينا.","part":13,"page":91},{"id":5320,"text":"وخرّج ابن ماجه عن عائشة قالت قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : \" النكاح من سُنَّتي فمن لم يعمل بُسنّتي فليس منّي وتزوّجوا فإني مكاثِرٌ بكم الأمم ومن كان ذا طَول فَلْيَنْكِح ومن لم يجد فعليه بالصوم فإنه له وجاء \" وفي هذا رَدٌّ على بعض جُهّال المتصوّفة حيث قال : الذي يطلب الولدَ أحمق ، وما عَرَفَ أنه ( هو ) الغبيُّ الأخرق ؛ قال الله تعالى مخبرا عن إبراهيم الخليل : { واجعل لِّي لِسَانَ صِدْقٍ فِي الآخرين } [ الشعراء : 84 ] وقال : { والذين يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ } [ الفرقان : 74 ].\rوقد ترجم البخاري على هذا \"باب طلب الولد\".\r\" وقال صلى الله عليه وسلم لأبى طَلْحة حين مات ابنه.\r\"أعْرَسْتم الليلة\" ؟ قال نعم.\rقال : \"بارك الله لكما في غابر ليلتكما\" \" قال فحملت.\rفي البخاري : قال سفيان فقال رجل من الأنصار : فرأيت تسعة أولاد كلهم قد قرأوا القرآن.\rوترجم أيضا \"باب الدعاء بكثرة الولد مع البركة\" وساق حديث أنس بن مالك قال قالت \" أم سُليم : يا رسول الله ، خادمك أنس أدع الله له.\rفقال : \"اللّهُمّ أكثر ماله وولده وبارك له فيما أعطيته\" \" وقال صلى الله عليه وسلم : \" الّلهُمّ اغفر لأبي سَلَمة وارفع درجته في المهديَّين فيما واخلفه في عَقِبه في الغابرين \" أخرّجه البخاري ومسلم.\rوقال صلى الله عليه وسلم : \" تزوجوا الوَلود الوَدود فإني مكاثر بكم الأمم \" أخرجه أبو داود.\rوالأخبار في هذا المعنى كثيرة تحث على طلب الولد وتندب إليه ؛ لما يرجوه الإنسان من نفعه في حياته وبعد موته.\rقال صلى الله عليه وسلم : \" \"إذا مات أحدكم انقطع عمله إلا من ثلاث\" فذكر \"أو ولد صالح يدعو له\" \" ولو لم يكن إلا هذا الحديث لكان فيه كفاية.\r","part":13,"page":92},{"id":5321,"text":"فإذا ثبت هذا فالواجب على الإنسان أن يتضرّع إلى خالقه في هداية ولده وزوجه بالتوفيق لهما والهداية والصلاح والعفاف والرعاية ، وأن يكونا مُعينين له على دينه ودنياه حتى تعظم منفعته بهما في أولاه وأخراه ؛ ألا ترى قول زكريا { واجعله رَبِّ رَضِيّاً } [ مريم : 6 ] وقال : { ذُرِيَّةً طَيِبةً }.\rوقال : { هَبْ لنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِيَّاتِنَا قُرَّة أَعْيُنٍ }.\r\" ودعا رسول الله صلى الله عليه وسلم لأنس فقال : \"اللّهُمّ أكثر ماله وولده وبارك له فيه\" \" خرّجه البخاري ومسلم ، وحسْبُك. أ هـ {تفسير القرطبى حـ 4 صـ 72 ـ 73}\rمن لطائف الإمام القشيرى فى الآية\rهُنَالِكَ دَعَا زَكَرِيَّا رَبَّهُ قَالَ رَبِّ هَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعَاءِ (38)\rأي لما رأى كرامة الله سبحانه معها ازداد يقيناً على يقين ، ورجاء على رجاء ؛ فسأل الوَلَدَ على كبر سِنِّه ، وإجابتُه إلى ذلك كان نقضاً للعادة.\rويقال إن زكريا عليه السلام سأل الوَلَدَ ليكونَ عوناً له على الطاعة ، ووارثاً من نَسْلِه في النبوة ، ليكون قائماً بحقِّ الله ، فلذلك استحق الإجابة ؛ فإن السؤال إذا كان لحقِّ الحقِّ - لا لحظِّ النَّفْسِ - لا يكون له الرد.\rوكان زكريا عليه السلام يرى الفاكهة الصيفية عند مريم في الشتاء ، وفاكهة الشتاء عندها في الصيف ، فسأل الولد في حال الكِبَر ليكون آية ومعجزة. أ هـ {لطائف الإشارات حـ 1 صـ 239 ـ 240}","part":13,"page":93},{"id":5322,"text":"قوله تعالى { فَنَادَتْهُ الْمَلَائِكَةُ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرَابِ أَنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيَى مُصَدِّقًا بِكَلِمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَسَيِّدًا وَحَصُورًا وَنَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ (39)\rمناسبة الآية لما قبلها\rقال البقاعى :\rولما كان الله سبحانه وتعالى عند ظن عبده به سمع دعاءه كما قال {فنادته} أي فتسبب عن دعائه وحسن رجائه أن نادته {الملائكة} يعني هذا النوع ، لا كلهم بل ناداه البعض ، وكان متهيئاً بما آتاه الله سبحانه وتعالى من المفضل لمناداة الكل ، كما هو شأن أهل الكمال من الرسل {وهو قائم يصلي في المحراب} وهو موضع محاربة العابد للشيطان ، وهو أشرف الأماكن لذلك.\rقال الحرالي : فيه إشعار بسرعة إجابته ولزومه معتكفه وقنوته في قيامه وأن الغالب على صلاته القيام لأن الصلاة قيام ، وسجود يقابله ، وركوع متوسط ، فذكرت صلاته بالقيام إشعاراً بأن حكم القيام غالب عليها - انتهى.\rثم استأنف في قراءة حمزة وابن عامر بالكسر لجواب من كأنه قال : بأي شيء نادته الملائكة ؟ قوله : {أن الله يبشرك} قال الحرالي : فذكر الاسم الأعظم المحيط معناه بجميع معاني الأسماء ، ولم يقل إن ربك لما كان أمر إجابته من وراء الحكمة العادية ؛ وفي قوله : {بيحيى} مسمى بصيغة الدوام - مع أنه كما قيل : قتل - إشعار بوفاء حقيقة الروحانية الحياتية فيه دائماً ، لا يطرقه طارق موت الظاهر حيث قتل شهيداً - انتهى.\r{مصدقاً بكلمة} أي نبي خلق بالكلمة لا بالمعالجة العادية ، يرسله الله سبحانه وتعالى إلى عباده فيكذبه أكثرهم ويصدقه هو ، وإطلاق الكلمة عليه من إطلاق السبب على المسبب.\rقال الحرالي : فكان عيسى عليه الصلاة والسلام كلمة الله سبحانه وتعالى ، ويحيى مصدقه بما هو منه كمال كلمته حتى أنهما في سماء واحدة ، ففي قوله : {من الله} إشعار بإحاطته في ذات الكلمة - انتهى.","part":13,"page":94},{"id":5323,"text":"{وسيداً وحصوراً} أي فلا يتزين بزينة لأنه بالغ الحبس لنفسه والتضييق لعيها في المنع من النكاح.\rقال في القاموس : والحصور من لا يأتي النساء وهو قادر على ذلك ، أو الممنوع منهن ، أو من لا يشتهيهن ولا يقربهن ، والمجبوب - والهَيوب المحجم عن الشيء.\rوقال الحرالي : وهو من الحصر وهو المنع عما شأن الشيء أن يكون مستعملاً فيه - انتهى {ونبياً} ولما كان النبي لا يكون إلا صالحاً لم يعطف بل قال : {من الصالحين} إعلاماً بمزية رتبة الصلاح واحترازاً من المتنبيين ، فكأنه قيل : فما قال حين أجابه ربه سبحانه وتعالى ؟ فقيل : {قال} يستثبت بذلك ما يزيده طمأنينة ويقيناً وسكينة {رب} أي أيها المحسن إلي. أ هـ {نظم الدرر حـ 2 صـ 76 ـ 77}\rفصل\rقال ابن عادل :\rقوله : { فَنَادَتْهُ الملائكة } قرأ الأخوان \" فَنَادَاهُ المَلاَئِكَةُ \" - من غير تأنيث - والباقون \" فَنَادَتْهُ \" بتاء التأنيث - باعتبار الجمع المُكَسَّر ، فيجوز في الفعل المسند إليه التذكير باعتبار الجمع ، والتأنيث باعتبار الجماعة ، ولتأنيث لفظ \" الملائكة \" مع أن المذكور إذا تقدَّم فعلُهم - وهم جماعة - كان التأنيث فيه أحسن ؛ كقوله تعالى : { قَالَتِ الأعراب } [ الحجرات : 14 ]. ومثل هذا { إِذْ يَتَوَفَّى الذين كَفَرُواْ الملاائكة } [ الأنفال : 50 ] تُقْرأ بالتاء والياء ، وكذا قوله : { تَعْرُجُ الملائكة } [ المعارج : 4 ].\rقال الزجاج : يلحقها التأنيث للفظ الجماعة ، ويجوز أن يُعَبَّر عنها بلفظ التذكير ؛ لأنه - تعالى جمع الملائكة ، وهكذا قوله : { وَقَالَ نِسْوَةٌ } [ يوسف : 30 ].\rوإنما حَسُنَ الحذفُ - هنا - للفصل بين الفعل وفاعله.\rوقد تجرأ بعضُهم على قراءة العامة ، فقال : \" أكره التأنيثَ ؛ لما فيه من موافقة دَعْوَى الجاهلية ؛ لأن الجاهلية زعمت أن الملائكة إناث \".\rروى إبراهيم قال : كان عبد الله بن مسعود يُذَكِّر الملائكةَ في كُلِّ القرآنِ.","part":13,"page":95},{"id":5324,"text":"قال أبو عُبَيْد : \" نراه اختار ذلك ؛ خلافاً على المشركين ؛ لأنهم قالوا : الملائكة بناتُ اللهِ \".\rوروى الشعبيُّ أن ابن مسعود قال : \" إذا اختلفتم في الياء والتاء فاجعلوها ياءً \".\rوتجرأ أبو البقاء على قراءة الأخوين ، فقال : وكره قوم قراءة التأنيث لموافقة الجاهلية ، ولذلك قرأ \" فناداه \" بغير تاء - والقراءة غير جيِّدة ؛ لأن الملائكة جمع ، وما اعتلوا ليس بشيءٍ ؛ لأن الإجماع على إثبات التاء في قوله : { وَإِذْ قَالَتِ الملائكة يامريم } [ آل عمران : 42 ].\rوهذان القولان - الصادران من أبي البقاء وغيره - ليسا بجيِّدَيْن ؛ لأنهما قراءتان متواترتان ، فلا ينبغي أن ترد إحداهما ألبتة.\rوالأخوان على أصلهما من إمالة \" فَنَادَاهُ \". والرسم يحتمل القراءتين معاً - أعني : التذكير والتأنيث والجمهور على أن الملائكة المراد بهم واحد - وهو جبريل.\rقال الزَّجَّاج : أتاه النداء من هذا الجنس الذين هم الملائكة ، كقولك : فلان يركب السُّفُنَ - أي : هذا الجنس كقوله تعالى : { يُنَزِّلُ الملائكة } [ النحل : 2 ] يعني جبريل \" بِالرُّوحِ \" يعني الوحي. ومثله قوله : { الذين قَالَ لَهُمُ الناس } [ آل عمران : 173 ] وهو نعيم بن مسعود ، وقوله : { إِنَّ الناس قَدْ جَمَعُواْ لَكُمْ } [ آل عمران : 173 ] يعني أبا سفيان. ولما كان جبريل - عليه السلام - رئيسَ الملائكة أخبر عنه إخبار الجماعة ؛ تعظيماً له.\rقيل : الرئيس لا بدَّ له من أتباع ، فلذلك أخبر عنه وعنهم ، وإن كان النداء قد صدر منه - قاله الفضل بن سلمة - ويؤيد كون المنادي جبريل وحده قراءةُ عبد الله - وكذا في مصحفه - فناداه جبريل.\rوالعطف بالفاء - في قوله \" فَنَادَتْهُ \" - مُؤذِنٌ بأن الدعاء مُتَعقب بالتبشير.\rوالنداء : رفع الصوت ، يقال : نادَى ندَاء - بضم النون وكسرها - والأكثر في الأصوات مجيئها على الضم ، نحو البُكَاء ، والصُّراخ ، والدُّعاء ، والرُّغاء.\r","part":13,"page":96},{"id":5325,"text":"وقيل : المكسور مصدر ، والمصموم اسم. ولو عُكِسَ هذا لكان أبْيَنَ ؛ لموافقته نظائره من المصادر.\rقال يعقوب بن السكيت : إن ضمّيت نونه قصرته ، وإن كسرتها مددته.\rوأصل المادة يدل على الرفع ، ومنه المنْتَدَى والنادي ؛ لاجتماع القوم فيهما وارتفاع أصواتهم. وقالت قريش : دار الندوة ، لارتفاع أصواتهم عند المشاورة والمحاورة فيها ، وفلان أنْدَى صَوْتاً من فلان - أي : أرفع - هذا أصله في اللغة ، وفي العرف : صار ذلك لأحسنها نَغَماً وصوتاً ، والنَّدَى : المَطَر ، ومنه : نَدِيَ ، يَنْدَى ، ويُعَبَّر به عن الجود ، كما يُعَبَّر بالمطر والغيث عنه استعارةً.\rقوله : { وَهُوَ قَائِمٌ } جملة حالية من مفعول النداء ، و\" يُصَلِّي \" يحتمل أوجهاً :\rأحدها : أن يكون خبراً ثانياً - عند مَنْ يرى تَعَدُّدَه مطلقاً - نحو : زيدٌ شاعرٌ فقيهٌ.\rالثاني : أنه حال من مفعول النداء ، وذلك - أيضاً - عند مَنْ يجوِّز تعدُّدَ الحال.\rالثالث : أنه حال من الضمير المستتر في \" قَائِمٌ \" فيكون حالاً من حال.\rالرابع : أن يكون صفة لِ \" قَائِمٌ \".\rقوله : { فِي المحراب } متعلق بـ \" يُصَلِّي ، ويجوز أن يتعلق بـ \" قَائِمٌ \" إذا جعلنا يُصَلِّي حالاً من الضمير في \" قَائِمٌ \" ؛ لأن العامل فيه - حينئذ - وفي الحال شيء واحد ، فلا يلزم فيه فَصْل ، أما إذا جعلناه خبراً ثانياً أو صفة لِ \" قَائِمٌ \" أو حالاً من المفعول لزم الفصلُ بين العاملِ ومعمولهِ بأجنبيٍّ. هذا معنى كلام أبي حيّان.\rقال شِهَابُ الدِّيْنِ : والذي يظهر أنه يجوز أن تكون المسألة من باب التنازع ؛ فإن كُلاًّ من \" قَائِمٌ \" و\" يصلِّي \" يصح أن يتسلَّط على \" فِي الْمِحْرَابِ \" وذلك على أي وجهٍ تقدم من وجوه الإعراب.\rوالمحراب - هنا - : المسجد.","part":13,"page":97},{"id":5326,"text":"قوله : { إِنَّ الله } قرأ نافع وحمزة وابن عامر بكسر \" إنَّ \" والباقون بفتحها ، فالكسر عند الكوفيين ؛ لإجراء النداء مُجْرَى القولِ ، فيُكْسر معه ، وند البصريين ، على إضْمار القول - أي : فنادته ، فقالت. والفتح والحذف - على حذف حرف الجر ، تقديره : فنادته بأن الله ، فلما حُذِفَ الخافض جَرَى الوجهان المشهوران في مَحَلِّها.\rوفي قراءة عبد الله : \" فنادته الملائكة يا زكريا \" فقوله : \" يا زكريا \" هو مفعول النداء ، وعلى هذه القراءة يتعين كسر \" إن \" ولا يجوز فتحُها ؛ لاستيفاء الفعلِ معموليه ، وهما الضمير وما نُودي به زكريا.\rقوله : { يُبَشِّرُكَ } قرأ نافع وابن كثير وأبو عمرو وابن عامر وعاصم الخمسة في هذه السورة { أَنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ } - في موضعين - وفي سورة الإسراء : { وَيُبَشِّرُ المؤمنين } [ الإسراء : 9 ] وفي سورة الكهف : { وَيُبَشِّرُ المؤمنين } - بضم الياء ، وفتح الباء ، وكسر الشين مشددة - من بَشَّرَه ، يُبَشِّرُه.\rوقرأ نافع وابن عامر وعاصم - ثلاثتهم - كذلك في سورة الشورى ، وهو قوله : { ذَلِكَ الذي يُبَشِّرُ الله عِبَادَهُ الذين آمَنُواْ } [ الشورى : 23 ].\rوقرأ الجميع - دون حمزة - - كذلك في سورة براءة : { يُبَشِّرُهُمْ رَبُّهُم بِرَحْمَةٍ مِّنْهُ } [ التوبة : 21 ] وفي الحجر - في قوله : { إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلامٍ عَلِيمٍ } [ الحجر : 53 ] - ولا خلاف في الثاني - وهو قوله : { فَبِمَ تُبَشِّرُونَ } [ الحجر : 54 ] - أنه بالتثقيل.\rوكذلك قرأ الجميع - دون حمزة - في سورة مريم - في موضعين { إِنَّا نُبَشِّرُكَ } [ مريم : 7 ] وقوله : { لِتُبَشِّرَ بِهِ المتقين } [ مريم : 97 ]. وكل من لم يذكر من قرأ بالتقييد المذكور فإنه يقرأ بفتح حرف المضارعة ، وسكون الياء وضم الشين.\r","part":13,"page":98},{"id":5327,"text":"وإذا أردت معرفة ضبط هذا الفَضل ، فاعلم أن المواضع التي وقع فيها الخلاف المذكور تسع كلماتٍ ، والقُرَّاء فيه على أربع مراتبٍ : \rفنافع وابن عامر وعاصم ثَقَّلُوا الجميعَ.\rوحمزة خفّف الجميع إلا قوله : { فَبِمَ تُبَشِّرُونَ } [ الحجر : 54 ].\rوابن كثير وأبو عمرو ثقلا الجميعَ إلا التي في سورة الشورَى فإنهما وافقَا فيها حمزة. والكسائي خفَّف خمساً منها ، وثقَّل أربعاً ، فخفَّفَ كلمتي هذه السورةِ ، وكلمات الإسراء والكهفِ والشورَى. وقد تقدم أن في هذا الفعل ثلاث لغاتٍ : بشَّر - بالتشديد - وبَشَرَ - بالتخفيف -.\rوعليه ما أنشده الفراء قوله : [ الطويل ]\rبَشَرْتَ عِيَالِي إذْ رَأيْتَ صَحِيفَةً... أتَتْكَ مِنَ الْحَجَّاجِ يُتْلَى كِتَابُهَا\rالثالثة : أبْشَرَ - رباعياً - وعليه قراءة بعضهم \" يُبَشِّرُكَ \" - بضم الياء.\rومن التبشير قول الآخر : [ الكامل ]\rيَا بِشْرُ حُقَّ لِوَجْهِكَ التَّبْشِيرُ... هَلاَّ غَضِبْتَ لَنَا وَأنْتَ أمِيْرُ ؟ \rوقد أجمع على مواضع من هذه اللغات نحو \" فَبَشِّرْهُمْ \". { وَأَبْشِرُوا } [ فصلت : 30 ] ، { فَبَشَّرْنَاهَا بِإِسْحَاقَ } [ هود : 71 ]. قالوا : { بَشَّرْنَاكَ بالحق } [ الحجر : 55 ]. فلم يرد الخلاف إلا في المضارع دونَ الماضي.\rوقد تقدم معنى البشارة واشتقاقها في سورة البقرة.\rقوله : { بيحيى } متعلق بـ { يُبَشِّرُكَ } ولا بد من حذف مضاف ، أي : بولادة يحيى ؛ لأن الذوات ليست متعلقة للبشارة ، ولا بد في الكلام من حذف معمول قاد إليه السياقُ ، تقديره : بولادة يحيى منك ومن امرأتك ، دلَّ على ذلك قرينةُ الحالِ وسياقُ الكلامِ.\rو \" يحيى \" فيه قولان : \rأحدهما- وهو المشهور عند المفسِّرين- : أنه منقول من الفعل المضارع وقد سَمُّوا بالأفعالِ كثيراً ، نحو يعيش ويعمر ويموت.\rقال قتادة : \" سُمِّي { بيحيى } لأن الله أحياه بالإيمان \".\r","part":13,"page":99},{"id":5328,"text":"وقال الزَّجَّاج : \" حيي بالعلم \" وعلى هذا فهو ممنوع من الصرف للعلميَّة ووزن الفعل ، نحو يزيد ويشكر وتغلب.\rوالثاني : أنه أعجميّ لا اشتقاق له - وهو الظاهر - فامتناعه للعلمية والعُجْمَة الشخصية.\rوعلى كلا القولين يُجْمَع على \" يَحْيَوْنَ \" بحَذْف الألف وبقاء الفتحةِ تدلّ عليها.\rوقال الكوفيون : إن كان عربيَّا منقولاً من الفعل فالأمر كذلك ، وإن كان أعجمياً ضُمَّ ما قبل الواو ، وكسر ما قبل الياء ؛ إجراءً له مُجْرَى المنقوص ، نحو جاء القاضُون ، ورأيت القاضِين ، نقل هذا أبو حيّان نهم. ونقل ابنُ مالك عنم أن الاسم إن كانت ألفه زائدةً ضُمَّ ما قبلَ الواو ، وكُسِرَ ما قبلَ الياءِ ، نحو : جاء حبلون ورأيت حُبلِين ، وإن كانت أصليةً نحو دُجَوْن وجب فتح ما قبل الحرفين.\rقالوا : فإن كان أعجمياً جاز الوجهان ؛ لاحتمال أن تكون ألفهُ أصليةً أو زائدة ؛ إذْ لا يُعْرَف له اشتقاق. ويصغر يحيى على \" يُحَيَّى \" وأنشد للشيخ أبي عمرو بن الحاجب في ذلك : [ مجزوء الرمل ]\rأيُّها الْعَالِمُ بِالتَّصْرِ... يفِ لا زِلْتَ تُحَيَّا\rقَالَ قَوْمٌ : إنَّ يَحْيَى... إنْ يُصَغَّرْ فَيُحَيَّا\rوَأبَى قَوْمٌ فَقَالُوا... لَيْسَ هَذَا الرَّأيُ حَيَّا\rإنَّمَا كَانَ صَوَاباً... لَوْ أجَابُوا بِيُحَيَّا\rكَيْفَ قَدْ رَدُّوا يُحَيَّا... أمْ تَرَى وَجْهاً يُحَيَّا ؟\rوهذا جارٍ مَجْرَى الألْغاز في تصغير هذه اللفظة ، وذلك يختلف بالتصريف والعمل ، وهو أنه لما اجتمع في آخر الاسم المصَغَّر ثلاثُ ياءاتٍ جرى فيه خلافٌ بين النحاة بالنسبةِ إلى الحَذْف والإثبات ، وأصل المسألة تصغير \" أحْوَى \" ويُنْسَب إلى \" يَحْيَى \" \" يَحْيَى \" - بحذف الألف ، تشبيهاً لها بالزائد - نحو حُبْلِيّ - في حُبْلَى - و\" يَحْيَوِيّ \" - بالقلب ؛ لأنها أصل كألف مَلْهَوِيّ ، أو شبيهة بالأصل إن كان أعجمياً - و\" يَحْيَاوِيّ \" - بزيادة ألف قبل قَلْبِ ألفِهِ واواً.","part":13,"page":100},{"id":5329,"text":"وقرأ حمزة والكسائي \" يَحْيَى \" بالإمالة ؛ لأجل الياء والباقون بالتفخيم.\rقال ابن عباس : \" سُمِّيَ \" يَحْيَى ؛ لأن اللهَ أحيا به عَقْرَ أمِّه.\rوقال قتادة : لأن الله أحيا قلبه بالإيمان.\rوقيل : لأن الله أحياه بالطاعة حتى إنه لم يَعْصِ اللهَ ، ولم يَهِمّ بمعصيةٍ.\rقال القرطبي : \" كان اسمه - في الكتاب الأول - حَيَا ، وكان اسم سارة - زوجة إبراهيم - يسارة ، وتفسيره بالعربية : لا تلد ، فلما بُشِّرَت بإسحاق قيل لها : سارة ، سمَّاها بذلك جبريل - عليه السلام - فقالت : يا إبراهيم ، لم نقص من اسمي حرف ؟ فقال إبراهيم ذلك لجبريل - عليه السلام - فقال : إن ذلك حرف زيد في اسمِ ابنٍ لها من أفضل الأنبياء ، اسمه حيا ، فسُمِّي بيَحْيَى \".\rقوله : { مُصَدِّقًا } حال من \" يَحْيَى \" وهذه حال مقدرة.\rوقال ابن عطية : \" هي حال مؤكدة بحسب حال هؤلاء الأنبياء عليهم الصلاة والسلام \". و\" بِكلِمةٍ \" متعلق بـ \" مُصَدِّقاً \".\rوقرأ أبو السّمال \" بِكِلْمَةٍ \" - بكسر الكاف وسكون اللام - وهي لغة صحيحة ؛ وذلك أنه أتبع الفاء للعين في حركتها ، فالتقى بذلك كسرتان ، فحذف الثانيةَ ؛ لأجل الاستثقال. أ هـ {تفسير ابن عادل حـ 5 صـ 190 ـ 196}\rفصل\rقال الفخر :\rظاهر اللفظ يدل على أن النداء كان من الملائكة ، ولا شك أن هذا في التشريف أعظم ، فإن دل دليل منفصل أن المنادي كان جبريل عليه السلام فقط صرنا إليه.","part":13,"page":101},{"id":5330,"text":"وحملنا هذ اللفظ على التأويل ، فإنه يقال : فلان يأكل الأطعمة الطيبة ، ويلبس الثياب النفيسة ، أي يأكل من هذا الجنس ، ويلبس من هذا الجنس ، مع أن المعلوم أنه لم يأكل جميع الأطعمة ، ولم يلبس جميع الأثواب ، فكذا ههنا ، ومثله في القرآن {الذين قَالَ لَهُمُ الناس} [ آل عمران : 173 ] وهم نعيم بن مسعود إن الناس : يعني أبا سفيان ، قال المفضل بن سلمة : إذا كان القائل رئيساً جاز الإخبار عنه بالجمع لاجتماع أصحابه معه ، فلما كان جبريل رئيس الملائكة ، وقلما يبعث إلا ومعه جمع صح ذلك.\rأما قوله {وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلّى فِى المحراب} فهو يدل على أن الصلاة كانت مشروعة في دينهم ، والمحراب قد ذكرنا معناه. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 8 صـ 31}\rقوله تعالى {أَنَّ الله يُبَشّرُكَ بيحيى}\rقال الفخر :\rفي قوله {يُبَشّرُكَ بيحيى} وجهان\rالأول : أنه تعالى كان قد عرف زكريا أنه سيكون في الأنبياء رجل اسمه يحيى وله ذرية عالية ، فإذا قيل : إن ذلك النبي المسمى بيحيى هو ولدك كان ذلك بشارة له بيحيى عليه السلام\rوالثاني : أن الله يبشرك بولد اسمه يحيى. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 8 صـ 31}","part":13,"page":102},{"id":5331,"text":"لطيفة\rقال الآلوسى :\rوالعدول عن إسناد التبشير بنون العظمة حسبما وقع في سورة مريم للجري على سنن الكبرياء كما في قول الخلفاء : أمير المؤمنين يرسم لك كذا وللإيذان بأن ما حكى هناك من النداء والتبشير وما يترتب عليه من المحاورة كان كل ذلك بواسطة الملك بطريق الحكاية منه سبحانه لا بالذات كما هو المتبادر وبهذا يتضح اتحاد المعنى في السورتين الكريمتين فتأمل انتهى ، وكان الداعي إلى اعتبار ما هنا محكياً بعبارة من الله تعالى ظهور عدم صحة كون ما في سورة مريم من عبارة الملك غير محكي من الله تعالى ، وأن الظاهر اتحاد الدعاءين وإلا فما هنا مما لا يجب حمله على ما ذكر لولا ذلك ، والملوح غير موجب كما لا يخفى ولا بد في الموضعين من تقدير مضاف كالولادة إذ التبشير لا يتعلق بالأعيان ، ويؤل في المعنى إلى ما هناك أي إن الله يبشرك بولادة غلام اسمه يحيى. أ هـ {روح المعانى حـ 3 صـ 146}\rقوله تعالى {مُصَدّقاً بِكَلِمَةٍ مّنَ الله}\rقال الفخر :\rفي المراد {بِكَلِمَةٍ مّنَ الله} قولان\rالأول : وهو قول أبي عبيدة : أنها كتاب من الله ، واستشهد بقولهم : أنشد فلان كلمة ، والمراد به القصيدة الطويلة.\rوالقول الثاني : وهو اختيار الجمهور : أن المراد من قوله {بِكَلِمَةٍ مّنَ الله} هو عيسى عليه السلام ، قال السدي : لقيت أم عيسى أم يحيى عليهما السلام ، وهذه حامل بيحيى وتلك بعيسى ، فقالت : يا مريم أشعرت أني حبلى ؟ فقالت مريم : وأنا أيضاً حبلى ، قالت امرأة زكريا فإني وجدت ما في بطني يسجد لما في بطنك فذلك قوله {مُصَدّقاً بِكَلِمَةٍ مّنَ الله} وقال ابن عباس : إن يحيى كان أكبر سناً من عيسى بستة أشهر ، وكان يحيى أول من آمن وصدق بأنه كلمة الله وروحه ، ثم قتل يحيى قبل رفع عيسى عليهما السلام ، فإن قيل : لم سمي عيسى كلمة في هذه الآية ، وفي قوله {إِنَّمَا المسيح عِيسَى ابن مَرْيَمَ رَسُولُ الله وَكَلِمَتُهُ} [ النساء : 171 ] قلنا : فيه وجوه","part":13,"page":103},{"id":5332,"text":"الأول : أنه خلق بكلمة الله ، وهو قوله {كُنَّ} من غير واسطة الأب ، فلما كان تكوينه بمحض قول الله {كُنَّ} وبمحض تكوينه وتخليقه من غير واسطة الأب والبذر ، لا جرم سمى : كلمة ، كما يسمى المخلوق خلقاً ، والمقدور قدرة ، والمرجو رجاء ، والمشتهي شهوة ، وهذا باب مشهور في اللغة\rوالثاني : أنه تكلم في الطفولية ، وآتاه الله الكتاب في زمان الطفولية ، فكان في كونه متكلماً بالغاً مبلغاً عظيماً ، فسمي كلمة بهذا التأويل وهو مثل ما يقال : فلان جود وإقبال إذا كان كاملاً فيهما\rوالثالث : أن الكلمة كما أنها تفيد المعاني والحقائق ، كذلك عيسى كان يرشد إلى الحقائق والأسرار الإلهية ، فسمى : كلمة ، بهذا التأويل ، وهو مثل تسميته روحاً من حيث إن الله تعالى أحيا به من الضلالة كما يحيا الإنسان بالروح ، وقد سمى الله القرآن روحاً فقال : {وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحاً مّنْ أَمْرِنَا} [ الشورى : 52 ]\rوالرابع : أنه قد وردت البشارة به في كتب الأنبياء الذين كانوا قبله ، فلما جاء قيل : هذا هو تلك الكلمة ، فسمى كلمة بهذا التأويل قالوا : ووجه المجاز فيه أن من أخبر عن حدوث أمر فإذا حدث ذلك الأمر قال : قد جاء قولي وجاء كلامي ، أي ما كنت أقول وأتكلم به ، ونظيره قوله تعالى : {وكذلك حَقَّتْ كَلِمَةُ رَبّكَ عَلَى الذين كَفَرُواْ أَنَّهُمْ أصحاب النار} [ غافر : 6 ] وقال : {ولكن حَقَّتْ كَلِمَةُ العذاب عَلَى الكافرين} [ الزمر : 71 ]","part":13,"page":104},{"id":5333,"text":"الخامس : أن الإنسان قد يسمى بفضل الله ولطف الله ، فكذا عيسى عليه السلام كان اسمه العلم : كلمة الله ، وروح الله ، واعلم أن كلمة الله هي كلامه ، وكلامه على قول أهل السنة صفة قديمة قائمة بذاته ، وعلى قول المعتزلة أصوات يخلقها الله تعالى في جسم مخصوص دالة بالوضع على معان مخصوصة ، والعلم الضروري حاصل بأن الصفة القديمة أو الأصوات التي هي أعراض غير باقية يستحيل أن يقال : أنها هي ذات عيسى عليه السلام ، ولما كان ذلك باطلاً في بداهة العقول لم يبق إلا التأويل. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 8 صـ 31 ـ 32}","part":13,"page":105},{"id":5334,"text":"وقال الآلوسى : \r{ مُصَدّقاً بِكَلِمَةٍ مّنَ الله } نصب على الحال المقدرة من ( يحيى ) ، والمراد بالكلمة عيسى عليه السلام وهو المروي عن ابن عباس ومجاهد وقتادة وعليه أجلة المفسرين وإنما سمي عيسى عليه السلام بذلك لأنه وجد بكلمة كن من دون توسط سبب عادي فشابه البديعيات التي هي عالم الأمر ، و{ مِنْ } لابتداء الغاية مجازاً متعلقة بمحذوف وقع صفة لكلمة أي بكلمة كائنة منه تعالى وأريد بهذا التصديق الإيمان وهو أول من آمن بعيسى عليه السلام وصدق أنه كلمة الله تعالى وروح منه في المشهور. أخرج أحمد عن مجاهد قال : \"قالت امرأة زكريا لمريم : إني أجد الذي في بطني يتحرك للذي في بطنك\". وأخرج ابن جرير من طريق ابن جريج عن ابن عباس قال : \"كان يحيى وعيسى ابني خالة وكانت أم يحيى تقول لمريم إني أجد الذي في بطني يسجد للذي في بطنك\" فذلك تصديقه له وكان أكبر من عيسى بستة أشهر كما قال الضحاك وغيره ، وقيل : بثلاث سنين ، قيل : وعلى كل تقدير يكون بين ولادة يحيى وبين البشارة بها زمان مديد لأن مريم ولدت وهي بنت ثلاث عشرة سنة أو بنت عشر سنين ، واعترض بأن هذا إنما يتم لو كان دعاء زكريا عليه السلام زمن طفولية مريم قبل العشر أو الثلاث عشرة ، وليس في الآية سوى ما يشعر بأن زكريا عليه السلام لما تكرر منه الدخول على مريم ومشاهدته الرزق لديها وسؤاله لها وسماعه منها ذلك الجواب اشتاق إلى الولد فدعا بما دعا ، وهذا الدعاء كما يمكن أن يكون في مبادىء الأمر يمكن أن يكون في أواخره قبيل حمل مريم وكونه في الأواخر غير بعيد لما أن الرغبة حينئذ أوفر حيث شاهد عليه السلام دوام الأمر وثباته زمن الطفولية وبعدها ، وهذا قلما يوجد في الأطفال إذ الكثير منهم قد يلقي الله تعالى على لسانه في صغره ما قد يكون عنه بمراحل في كبره فليس عندنا ما يدل صريحاً على أن بين الولادة والتبشير مدة مديدة ولا بين الدعاء والتبشير أيضاً ، نعم عندنا ما يدل على أن يحيى أكبر من عيسى","part":13,"page":106},{"id":5335,"text":"عليهما السلام وهو مما اتفق عليه المسلمون وغيرهم ، ففي \"إنجيل متى\" ما يصرح بأنه ولد قبله وقتله هيردوس قبل رفعه وأنه عمد المسيح والله تعالى أعلم بحقيقة الحال.\rوحكي عن أبي عبيدة أن معنى { بِكَلِمَةٍ مّنَ الله } بكتاب منه ، والمراد به الإنجيل وإطلاق الكلمة عليه كإطلاقها على القصيدة في قولهم كلمة الحويدرة للعينية المعروفة بالبلاغة. أ هـ {روح المعانى حـ 3 صـ 147}\rقوله تعالى {وَسَيّدًا}\rقال ابن عادل :\rالسيد : فَيْعِل ، والأصل سَيْود ، ففُعِلَ به ما فعل بـ \" ميت \" ، كما تقدم ، واشتقاقه من سَادَ ، يَسُودُ ، سِيَادَةً ، وسُؤدُداً - أي فاق نظراءه في الشرف والسؤدد.\rومنه قوله : [ الرجز ]\rنَفْسٌ عِصَامٍ سَوَّدَتْ عِصَاما... وَعَلَّمَتْهُ الْكَرَّ والإقْدَامَا\rوَصَيَّرَتْهُ بطلاً هُمَامَا\rوجمعه على \" فَعَلَة \" شاذ قياساً ، فصيح استعمالاً ؛ قال تعالى : { إِنَّآ أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَآءَنَا } [ الأحزاب : 67 ].\rوقال بعضهم : سُمي سيِّداً ؛ لأنه يسود سَوَاد الناس أي : مُعْظَمهم وجُلَّهم. والأصل سَوَدَة ، و\" فَعَلَة \" لِ \" فاعِل \" نحو كافِر وكفرة ، وفاجِر وفَجَرَة ، وبارّ وبررة.\rوقال ابن عباس : السَّيِّد : الحليم.\rقال الجبائي : إنه كان سيداً للمؤمنين ، ورئيساً لهم في الدين - أعني : في العلم والحلم والعبادة والورع.\rقال مجاهدٌ : السَّيِّد : الكريم على الله تعالى.\rوقال ابن المُسَيِّبِ : السيِّد : الفقيه العالم.\rوقال عكرمة : السيد : الذي لا يغلبه الغضبُ.\rوقيل : هو الرئيس الذي يتبع ، ويُنتَهَى إلى قولهِ.\rوقال المفضل : السيد في الدين.\rوقال الضحاك : الحسن الخلق.\rوقال سعيد بن جبير : هو الذي يُطيع ربَّه.\rويقول عن الضَّحَّاكِ : السيد : التقِيّ.\rوقال سفيان : الذي لا يحسد.\rوقيل : هو الذي يفوق قومَه في جميع خصال الخيرِ.\rوقيل : هو القانع بما قسم الله له.\rوقيل : هو السَّخِيّ.\rقال رسول الله صلى الله عليه وسلم \" مَنْ سَيدُكُمْ يَا بَنِي سَلمةَ \" ؟ قالوا : جَد بن قَيْس على بُخْلِه ، فقال : \" وأي دواء أدوى من البخل ، لكن سَيِّدَكم عمرو بن الجموح \" وفي الآية بذلك دليل على جواز تسمية الإنسان سيداً كما تجوز تسميته عزيزاً وكريماً. وقال صلى الله عليه وسلم لبني قريظة : \" قوموا إلى سيِّدكم \".\rوقال - في الحسن - : \" إن ابني هذا سَيِّدٌ ، فلعلَّ اللهَ يُصْلِحُ بِهِ بَيْنَ فِئَتَيْن عَظِيْمَتين من المسلمين \".\rقال الكسائي : السيّد من المَعْز : [ الْمُسِّن ]. وفي الحديث : \" الثَّنِيُّ من الضَّأن خير من السَّيِّد مِن الْمَعْزِ الْمُسِنّ \".\rوقال الشاعر : [ الطويل ]\rسَوَاءٌ عَلَيْهِ شَاةُ عَامٍ دَنَت لَهُ... لِيَذْبَحَهَا للِضَّيْفِ أمْ شَاةُ سَيِّد. أ هـ {تفسير ابن عادل حـ 5 صـ 197 ـ 199}","part":13,"page":107},{"id":5336,"text":"فائدة\rقال الجصاص :\rوقَوْله تَعَالَى : { وَسَيِّدًا وَحَصُورًا وَنَبِيًّا مِنْ الصَّالِحِينَ } يَدُلُّ عَلَى أَنَّ غَيْرَ اللَّهِ تَعَالَى يَجُوزُ أَنْ يُسَمَّى بِهَذَا الِاسْمِ ؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى سَمَّى يَحْيَى سَيِّدًا ، وَالسَّيِّدُ هُوَ الَّذِي تَجِبُ طَاعَتُهُ وَقَدْ رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ { قَالَ لِلْأَنْصَارِ حِينَ أَقْبَلَ سَعْدُ بْنُ مُعَاذٍ لِلْحُكْمِ بَيْنَهُ وَبَيْنَ بَنِي قُرَيْظَةَ : قُومُوا إلَى سَيِّدِكُمْ } ؛ وَقَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِلْحَسَنِ : { إنَّ ابْنِي هَذَا سَيِّدٌ } ؛ { وَقَالَ لِبَنِي سَلِمَةَ : مَنْ سَيِّدُكُمْ يَا بَنِي سَلِمَةَ ؟ قَالُوا : الْحُرُّ بْنُ قَيْسٍ عَلَى بُخْلٍ فِيهِ ، قَالَ : وَأَيُّ دَاءٍ أَدْوَى مِنْ الْبُخْلِ وَلَكِنْ سَيِّدُكُمْ الْجَعْدُ الْأَبْيَضُ عَمْرُو بْنُ الْجَمُوحِ } فَهَذَا كُلُّهُ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ مَنْ تَجِبُ طَاعَتُهُ يَجُوزُ أَنْ يُسَمَّى سَيِّدًا.\rوَلَيْسَ السَّيِّدُ هُوَ الْمَالِكُ فَحَسْبُ ؛ لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ كَذَلِكَ لَجَازَ أَنْ يُقَالَ سَيِّدُ الدَّابَّةِ \" وَسَيِّدُ الثَّوْبِ \" كَمَا يُقَالُ سَيِّدُ الْعَبْدِ \" وَقَدْ رُوِيَ { أَنَّ وَفْدَ بَنِي عَامِرٍ قَدِمُوا عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالُوا : أَنْتَ سَيِّدُنَا وَذُو الطَّوْلِ عَلَيْنَا فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : السَّيِّدُ هُوَ اللَّهُ تَكَلَّمُوا بِكَلَامِكُمْ ، وَلَا يَسْتَهْوِينَكُمْ الشَّيْطَانُ }.","part":13,"page":108},{"id":5337,"text":"وَقَدْ كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَفْضَلَ السَّادَةِ مِنْ بَنِي آدَمَ ، وَلَكِنَّهُ رَآهُمْ مُتَكَلِّفِينَ لِهَذَا الْقَوْلِ ، فَأَنْكَرَهُ عَلَيْهِمْ ، كَمَا قَالَ : { إنَّ أَبْغَضَكُمْ إلَيَّ الثَّرْثَارُونَ الْمُتَشَدِّقُونَ الْمُتَفَيْهِقُونَ } ، فَكُرِهَ لَهُمْ تَكَلُّفُ الْكَلَامِ عَلَى وَجْهِ التَّصَنُّعِ.\r ، وَقَدْ رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ : { لَا تَقُولُوا لِلْمُنَافِقِ سَيِّدًا فَإِنَّهُ إنْ يَكُ سَيِّدًا فَقَدْ هَلَكْتُمْ } ، فَنَهَى أَنْ يُسَمَّى الْمُنَافِقُ سَيِّدًا ؛ لِأَنَّهُ لَا تَجِبُ طَاعَتُهُ.\rفَإِنْ قِيلَ : قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : { رَبَّنَا إنَّا أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَاءَنَا فَأَضَلُّونَا السَّبِيلَا } فَسَمُّوهُمْ سَادَاتٍ وَهُوَ ضَلَالٌ.\rقِيلَ لَهُ : لِأَنَّهُمْ أَنْزَلُوهُمْ مَنْزِلَةَ مَنْ تَجِبُ طَاعَتُهُ ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مُسْتَحِقًّا لَهَا ، فَكَانُوا عِنْدَهُمْ وَفِي اعْتِقَادِهِمْ سَادَاتُهُمْ ، كَمَا قَالَ تَعَالَى : { فَمَا أَغْنَتْ عَنْهُمْ آلِهَتُهُمْ } وَلَمْ يَكُونُوا آلِهَةً ، وَلَكِنَّهُمْ سَمَّوْهُمْ آلِهَةً فَأَجْرَى الْكَلَامَ عَلَى مَا كَانَ فِي زَعْمِهِمْ وَاعْتِقَادِهِمْ. أ هـ {أحكام القرآن للجصاص حـ 2 صـ 292}","part":13,"page":109},{"id":5338,"text":"قوله تعالى {وَحَصُورًا}\rقال الفخر :\rالحصر في اللغة الحبس ، يقال حصره يحصره حصراً وحصر الرجل : أي اعتقل بطنه ، والحصور الذي يكتم السر ويحبسه ، والحصور الضيق البخيل ، وأما المفسرون : فلهم قولان\rأحدهما : أنه كان عاجزاً عن إتيان النساء ، ثم منهم من قال كان ذلك لصغر الآلة ، ومنهم من قال : كان ذلك لتعذر الإنزال ، ومنهم من قال : كان ذلك لعدم القدرة ، فعلى هذا الحصور فعول بمعنى مفعول ، كأنه قال محصور عنهن ، أي محبوس ، ومثله ركوب بمعنى مركوب وحلوب بمعنى محلوب ، وهذا القول عندنا فاسد لأن هذا من صفات النقصان وذكر صفة النقصان في معرض المدح لا يجوز ، ولأن على هذا التقدير لا يستحق به ثواباً ولا تعظيماً.","part":13,"page":110},{"id":5339,"text":"والقول الثاني : وهو اختيار المحققين أنه الذي لا يأتي النساء لا للعجز بل للعفة والزهد ، وذلك لأن الحصور هو الذي يكثر منه حصر النفس ومنعها كالأكول الذي يكثر منه الأكل وكذا الشروب ، والظلوم ، والغشوم ، والمنع إنما يحصل أن لو كان المقتضي قائماً ، فلولا أن القدرة والداعية كانتا موجودتين ، وإلا لما كان حاصراً لنفسه فضلاً عن أن يكون حصوراً ، لأن الحاجة إلى تكثير الحصر والدفع إنما تحصل عند قوة الرغبة والداعية والقدرة ، وعلى هذا الحصور بمعنى الحاصر فعول بمعنى فاعل. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 8 صـ 32 ـ 33}\rوقال البغوى ولله دره : \rواختار قوم هذا القول لوجهين { أحدهما } : لأن الكلام خرج مخرج الثناء ، وهذا أقرب إلى استحقاق الثناء ، و{ الثاني } : أنه أبعد من إلحاق الآفة بالأنبياء. أ هـ {تفسيرالبغوى حـ 2 صـ 35}\rوقال الخازن : \rوفيه قول آخر : وهو أن الحصور هو الممتنع عن الوطء مع القدرة عليه ، وإنما تركه للعفة والزهد فيه وهذا القول هو الصحيح وهو قول جماعة من المحققين وهو أليق بمنصب الأنبياء لأن الكلام إنما خرج مخرج المدح والثناء وذكر صفة النقص في معرض المدح لا يجوز ، وأيضاً فإن منصب النبوة يجل من أن يضاف إلى أحد منهم نقص أو آفة ، فحمل الكلام على منع النفس من الوطء مع القدرة عليه أولى من حمله على ترك الوطء مع العجز عنه. أ هـ {تفسير الخازن حـ 1 صـ 226}","part":13,"page":111},{"id":5340,"text":"فائدة\rقال ابن عاشور :\rوذكر هذه الصفة في أثناء صفات المدح إما أن يكون مدحا له ، لما تستلزمه هذه الصفة من البعد عن الشهوات المحرمة ، بأصل الخلقة ، ولعل ذلك لمراعاة براءته مما يلصقه أهل البهتان ببعض أهل الزهد من التهم ، وقد كان اليهود في عصره في أشد البهتان والاختلاق ، وإما ألا يكون المقصود بذكر هذه الصفة مدحا له لأن من هو أفضل من يحيى من الأنبياء والرسل كانوا مستكملين المقدرة على قربان النساء فتعين أن يكون ذكر هذه الصفة ليحيى إعلاما لزكريا بأن الله وهبه ولدا إجابة لدعوته ، إذ قال : {فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيّاً يَرِثُنِي} [مريم : 5 ، 6] وأنه قد أتم مراده تعالى من انقطاع عقب زكريا لحكمة علمها ، وذلك إظهار لكرامة زكريا عند الله تعالى.\rووسطت هذه الصفة بين صفات الكمال تأنيسا لزكريا وتخفيفا من وحشته لانقطاع نسله بعد يحيى. أ هـ {التحرير والتنوير حـ 3 صـ 93}\rفائدة\rقال القاضى عياض :\rاعلم أن ثناء الله تعالى على يحيى بأنه حصور ليس كما قال بعضهم إنه كان هيوبا أو لا ذكر له بل قد أنكر هذا حذاق المفسرين ونقاد العلماء وقالوا هذه نقيصة وعيب ولا يليق بالأنبياء عليهم السلام وإنما معناه أنه\rمعصوم من الذنوب أي لا يأتيها كأنه حصر عنها ، وقيل مانعا نفسه من الشهوات ، وقيل ليست له شهوة في النساء.\rفقد بان لك من هذا أن عدم القدرة على النكاح نقص وإنما الفضل في كونها موجودة ثم قمعها إما بمجاهدة كعيسى عليه السلام أو بكفاية من الله تعالى كيحيى عليه السلام. أ هـ {الشفا حـ 1 صـ 88 ـ 89}","part":13,"page":112},{"id":5341,"text":"وقال ابن عادل :\rالحصور : فعول للمبالغة ، مُحَوَّل من حاصر ، كضروب.\rوفي قوله : [ الطويل ]\rضَرُوبٌ بِنَصْلِ السَّيْفِ سُوقَ سِمَانِهَا... إذَا عَدِمُوا زاداً فَإنَّكَ حَاصِرُ\rوقيل : بل هو فَعُول بمعنى : مفعول ، أي : محصور ، ومثله ركوب بمعنى : مركوب ، وحلوب بمعنى : محلوب.\rوالحصور : الذي يكتم سره.\rقال جرير : [ الكامل ]\rوَلَقَدْ تَسَقَّطَنِي الْوُشَاةُ فَصَادَفُوا... حَصِراً بِسِرِّكِ يَا أمَيْمَ ضَنِينَا\rوهو البخيل - أيضاً - قال : [ البسيط ]\r................................ لاَ بِالْحَصُورِ وَلاَ فِيهَا بِسَئّارِ\rوقد تقدم اشتقاق هذه المادة وهو مأخوذ من المنع ؛ وذلك لأن الحصور هو الذي لا يأتي النساء - إما لطبعه على ذلك ، وإما لمغالبته نفسه - قال ابنُ مسعودٍ وابن عبَّاس وسعيد بن جبير وقتادة وعطاء والحسن : الحصور : الذي لا يأتي النساء ولا يقربُهُنَّ ، وهو - على هذا - بمعنى فاعل ، يعني أنه يحصر نفسه عن الشهوات.\rقال سعيد بن المُسيِّبِ هو العِنِّين الذي لا ماء له ، فيكون بمعنى \" مفعول \" كأنه ممنوع من النساء.\rواختيار المحققين أنه الذي لا يأتي النساء لا للعجز بل للعفة والزهد - مثل الشروب والظلوم والغشوم - والمنع إنما يحصل إذا كان المقتضي قائماً ، والدفع إنما يحصل عند قوة الداعية والرغبة والغِلْمَة. والكلام إنما خرج مخرج الثناء وأيضاً فإنه أبعد من إلحاق الآفة بالأنبياء - والصفة التي ذكروها صفة نقص ، وذكر صفة النقصان في معرِض المدحِ ، لا يجوز ، ولا يستحق به ثواباً ولا تعظيماً. أ هـ {تفسير ابن عادل حـ 5 صـ 199 ـ 200}\rفصل\rقال الفخر :\rاحتج أصحابنا بهذه الآية على أن ترك النكاح أفضل وذلك لأنه تعالى مدحه بترك النكاح ، وذلك يدل على أن ترك النكاح أفضل في تلك الشريعة ، وإذا ثبت أن الترك في تلك الشريعة أفضل ، وجب أن يكون الأمر كذلك في هذه الشريعة بالنص والمعقول ، أما النص فقوله تعالى : {أولئك الذين هَدَى الله فَبِهُدَاهُمُ اقتده} [ الأنعام : 90 ] وأما المعقول فهو أن الأصل في الثابت بقاؤه على ما كان والنسخ على خلاف الأصل. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 8 صـ 33}\rقوله تعالى {وَنَبِيّا}\rقال الفخر :","part":13,"page":113},{"id":5342,"text":"اعلم أن السيادة إشارة إلى أمرين أحدهما : قدرته على ضبط مصالح الخلق فيما يرجع إلى تعليم الدين والثاني : ضبط مصالحهم فيما يرجع إلى التأديب والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، وأما الحصور فهو إشارة إلى الزهد التام فلما اجتمعا حصلت النبوة بعد ذلك ، لأنه ليس بعدهما إلا النبوة. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 8 صـ 33}\rقوله {مّنَ الصالحين}\rقال الفخر :\rفيه ثلاثة أوجه الأول : معناه أنه من أولاد الصالحين\rوالثاني : أنه خير كما يقال في الرجل الخير ( أنه من الصالحين )\rوالثالث : أن صلاحه كان أتم من صلاح سائر الأنبياء ، بدليل قوله عليه الصلاة والسلام : \" ما من نبي إلا وقد عصى ، أو هم بمعصية غير يحيى فإنه لم يعص ولم يهم \".\rفإن قيل : لما كان منصب النبوة أعلى من منصب الصلاح فلما وصفه بالنبوة فما الفائدة في وصفه بعد ذلك بالصلاح ؟\rقلنا : أليس أن سليمان عليه السلام بعد حصول النبوة قال : {وَأَدْخِلْنِى بِرَحْمَتِكَ فِى عِبَادِكَ الصالحين} [ النمل : 19 ] وتحقيق القول فيه : أن للأنبياء قدراً من الصلاح لو انتقص لانتفت النبوة ، فذلك القدر بالنسبة إليهم يجري مجرى حفظ الواجبات بالنسبة إلينا ، ثم بعد اشتراكهم في ذلك القدر تتفاوت درجاتهم في الزيادة على ذلك القدر ، وكل من كان أكثر نصيباً منه كان أعلى قدراً والله أعلم. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 8 صـ 33}\rفائدة جليلة\rقال فى روح البيان :\rوالصلاح صفة تنتظم الخير كله والمراد به هنا ما فوق الصلاح الذى لابد منه فى منصب النبوة ألبتة من أقاصى مراتبه. أ هـ {روح البيان حـ 2 صـ 39}\rمن لطائف الإمام القشيرى فى الآية\rقوله جلّ ذكره : { فَنَادَتْهُ المَلاَئِكَةُ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّى فِى المِحْرَابِ }.\rلما سأل السؤال ، ولازم البال أَتَتْهُ الإجابةُ.\rوفيه إشارة إلى أن من له إلى الملوك حاجة فعليه بملازمة الباب إلى وقت الإجابة.","part":13,"page":114},{"id":5343,"text":"ويقال حكم الله - سبحانه - أنه إنما يقبل بالإجابة على من هو مُعَانِقٌ لخدمته ، فأمَّا مَنْ أعرض عن الطاعة ألقاه في ذُلِّ الوحشة.\rقوله جلّ ذكره : { أَنَّ اللهَ يُبَشِّرُكِ بِيَحْيَى مُصَدِّقًا بِكَلِمَةٍ مِّنَ اللهِ وَسَيِّدًا وَحَصُورًا وَنَبِيًّا مِّنَ الصَّالِحِينَ }.\rقيل سمَّاه يحيى لحياة قلبه بالله ، ولسان التفسير أنه حي به عقر أمه.\rويقال إنه سبب حياة من آمن به بقلبه.\rقوله : مصدقاً بكلمة من الله : أن تصديقه بكلمة \" الله \" فيما تعبده به أو هو مكوَّن بكلمة الله.\rوقوله { وَسَيِّدًا } : السيدُ من ليس في رق مخلوق ، تحرَّر عن أسر هواه وعن كل مخلوق ، ويقال السيد من تحقق بعلويته سبحانه ، ويقال السيد من فاق أهل عصره ، وكذلك كان يحيى عليه السلام.\rويقال سيد لأنه لم يطلب لنفسه مقامًا ، ولا شَاهَدَ لنفسه قَدْرًا. ولما أخلص في تواضعه لله بكل وجهٍ رقَّاه على الجملة وجعله سيداً للجميع.\rوقوله { وَحَصُورًا } أي مُعْتَقاً من الشهوات ، مكفياً أحكام البشرية مع كونه من جملة البشر. ويقال متوقياً عن المطالبات ، مانعاً نفسه عن ذلك تعززاً وتقرباً ، وقيل منعته استئصالات بواده الحقائق عليه فلم يبق فيه فَضْلٌ لحظِّ.\r{ وَنَبِيًّا مِّنَ الصَّالِحِينَ } أي مستحقاً لبلوغ رتبتهم. أ هـ {لطائف الإشارات حـ 1 صـ 240 ـ 241}","part":13,"page":115},{"id":5344,"text":"قوله تعالى : { قَالَ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ وَقَدْ بَلَغَنِيَ الْكِبَرُ وَامْرَأَتِي عَاقِرٌ قَالَ كَذَلِكَ اللَّهُ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ (40)}\rمناسبة الآية لما قبلها\rقال البقاعى :\rولما كان مطلوبه ولداً يقوم مقامه فيما هو فيه من النبوة التي لا يطيقها إلا الذكور الأقويا الكلمة ، وكانت العادة قاضية بأن ولد الشيخ يكون ضعيفاً لا سيما إن كان حرثه مع الطعن في السن في أصله غير قابل للزرع أحب أن يصرح له بمطلوبه فقال : {أنّى} أي كيف ومن أين {يكون لي} وعبر بما تدور مادته على الغلبة والقوة زيادة في الكشف فقال : {غلام} وفي تعبيره به في سياق الحصور دليل على أنه في غاية ما يكون من صحة الجسم وقوته اللازم منه شدة الداعية إلى النكاح ، وهو مع ذلك يمنع نفسه منه منعاً زائداً على الحد ، لما عنده من غلبة لاشهود اللازم منه الإقبال على العبادة بكليته والإعراض عن كل ما يشغل عنها جملة لا سيما النكاح ، بحيث يظن أنه لا إرب له فيه ، وهذا الموافق للتعبير الأول للحصور في القاموس ، وهو الذي ينبغي ألا يعرج على غيره لأنه بناء مبالغة من متعد ، ولأنه أمدح له صلى الله عليه وسلم ، ومهما دار الشيء على صفة الكمال في الأنبياء عليهم السلام وجب أن لا يعدل عنه ، وما ورد - كما يأتي إن شاء الله تعالى في سورة مريم عليها السلام - أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : \" ذكره مثل هذه القذاة \" (1) فقد ضعفوه ، وعلى تقدير صحته فيكون ذلك إخباراً عن أنه لما أعرض عنه رأساً ضعف ما معه لذلك ، فهو إخبار عن آخر أمره الذي أدت إليه عزيمته ، والآية مشيرة إلى ما اقتضته خلقته وغريزته وإن كان الجمع لكمال الوجود الإنساني بالنكاح أكمل كما وقع لنبينا صلى الله عليه وسلم ويقع لعيسى عليه السلام بعد نزوله {وقد} أي والحال أنه قد {بلغني الكبر} إلى حد لا يولد فيه عادة {وامرأتى عاقر} قال الحرالي : من العقر وهو البلوغ إلى حد انقطاع النسل هرماً - انتهى ؛ كذا قال ، وآية سورة مريم تدل على أن المعنى أنها لم تزل عقيماً ، وعليه يدل كلام أهل اللغة ، قال في القاموس في الراء : العقرة وتضم : العقم ، وقد عُقرت كعُنى فهي عاقر ، ورجل عاقر وعقير :\r_________________\r(1) باطل لا أصل له. يأتى فى سورة مريم إن شاء الله تعالى.","part":13,"page":116},{"id":5345,"text":"لا يولد له ولد ، والعُقَرة كهمزة : خرزة تحملها المرأة لئلا تلد ، وقال في الميم : العقم بالضم : هزمة تقع في الرحم فلا تقبل الولد ، عقمت كفرح ونصر وكرم وعُنى ، ورحم عقيم وامرأة عقيم ورجل عقيم : لا يولد له ، وقال الإمامان أبو عبد الله القزاز في ديوانه وعبد الحق في واعيه : والعقر بضم العين وسكون القاف مصدر العاقر من النساء وهي التي لا تحمل من غير داء ولا كبر ، يقال : الإمام أبو غالب \" ابن التياني \" في كتابه الموعب صاحب [ تلقيح ] العين : العقر مصدر العاقر من النساء وهي التي لا تحمل من غير داء ولا كبر ، لكن خلقة ، ثم قال وتعقرت : إذا ولدت ثم أمسكت - والله الموفق.\rثم وصل به قوله : {قال كذلك} أي مثل هذا الفعل الجليل البعيد الرتبة.\rولما كان استنباؤه عن القوة والكمال لا عن الخلق عبر سبحانه في تعليل ذلك بالفعل بخلاف ما يأتي في قصة مريم عليها السلام فقال : {الله يفعل ما يشاء}. أ هـ {نظم الدرر حـ 2 صـ 77 ـ 78}\rفائدة\rقال القرطبى :\rقيل : الرب هنا جبريل ، أي قال لجبريل : ربَّ أي يا سيدي أنَّي يكون لي غلام ؟ يعني ولدا ؛ وهذا قول الكلبي. (1)\rوقال بعضهم : قوله \"رب\" يعني الله تعالى. أ هـ {تفسير القرطبى حـ 4 صـ 79}\rأسئلة وأجوبة للإمام فخر الدين الرازى :\rالسؤال الأول : قوله {رَبّ} خطاب مع الله أو مع الملائكة ، لأنه جائز أن يكون خطاباً مع الله ، لأن الآية المتقدمة دلت على أن الذين نادوه هم الملائكة ، وهذا الكلام لا بد أن يكون خطاباً مع ذلك المنادي لا مع غيره ، ولا جائز أن يكون خطاباً مع الملك ، لأنه لا يجوز للإنسان أن يقول للملك : يا رب.\rوالجواب : للمفسرين فيه قولان\r_____________\r(1) هذا قول ظاهر الفساد والبطلان وفيه عدول عن الظاهر ولا حاجة إليه. والله أعلم.","part":13,"page":117},{"id":5346,"text":"الأول : أن الملائكة لما نادوه بذلك وبشروه به تعجب زكريا عليه السلام ورجع في إزالة ذلك التعجب إلى الله تعالى والثاني : أنه خطاب مع الملائكة والرب إشارة إلى المربي ، ويجوز وصف المخلوق به ، فإنه يقال : فلان يربيني ويحسن إلي.\rالسؤال الثاني : لما كان زكريا عليه السلام هو الذي سأل الولد ، ثم أجابه الله تعالى إليه فلم تعجب منه ولم استبعده ؟\rالجواب : لم يكن هذا الكلام لأجل أنه كان شاكاً في قدرة الله تعالى على ذلك والدليل عليه وجهان\rالأول : أن كل أحد يعلم أن خلق الولد من النطفة إنما كان على سبيل العادة لأنه لو كان لا نطفة إلا من خلق ، ولا خلق إلا من نطفة ، لزم التسلسل ولزم حدوث الحوادث في الأزل وهو محال ، فعلمنا أنه لا بد من الانتهاء إلى مخلوق خلقه الله تعالى لا من نطفة أو من نطفة خلقها الله تعالى لا من إنسان.\rوالوجه الثاني : أن زكريا عليه السلام طلب ذلك من الله تعالى ، فلو كان ذلك محالاً ممتنعاً لما طلبه من الله تعالى ، فثبت بهذين الوجهين أن قوله {أنى يَكُونُ لِي غلام} ليس للاستبعاد ، بل ذكر العلماء فيه وجوهاً\rالأول : أنه قوله {أنَّى} معناه : من أين.\rويحتمل أن يكون معناه : كيف تعطي ولداً على القسم الأول أم على القسم الثاني ، وذلك لأن حدوث الولد يحتمل وجهين\rأحدهما : أن يعيد الله شبابه ثم يعطيه الولد مع شيخوخته ، فقوله {أنى يَكُونُ لِي غلام} معناه : كيف تعطي الولد على القسم الأول أم على القسم الثاني ؟ فقيل له كذلك ، أي على هذا الحال والله يفعل ما يشاء ، وهذا القول ذكره الحسن والأصم","part":13,"page":118},{"id":5347,"text":"والثاني : أن من كان آيساً من الشيء مستبعداً لحصوله ووقوعه إذا اتفق أن حصل له ذلك المقصود فربما صار كالمدهوش من شدة الفرح فيقول : كيف حصل هذا ، ومن أين وقع هذا كمن يرى إنساناً وهبه أموالاً عظيمة ، يقول كيف وهبت هذه الأموال ، ومن أين سمحت نفسك بهبتها ؟ فكذا ههنا لما كان زكريا عليه السلام مستبعداً لذلك ، ثم اتفق إجابة الله تعالى إليه ، صار من عظم فرحه وسروره قال ذلك الكلام\rالثالث : أن الملائكة لما بشّروه بيحيى لم يعلم أنه يرزق الولد من جهة أنثى أو من صلبه ، فذكر هذا الكلام لذلك الاحتمال\rالرابع : أن العبد إذا كان في غاية الاشتياق إلى شيء فطلبه من السيد ، ثم إن السيد يعده بأنه سيعطيه بعد ذلك ، فالتذ السائل بسماع ذلك الكلام ، فربما أعاد السؤال ليعيد ذلك الجواب فحينئذ يلتذ بسماع تلك الإجابة مرة أخرى ، فالسبب في إعادة زكريا هذا الكلام يحتمل أن يكون من هذا الباب\rالخامس : نقل سفيان بن عيينة أنه قال : كان دعاؤه قبل البشارة بستين سنة حتى كان قد نسي ذلك السؤال وقت البشارة فلما سمع البشارة زمان الشيخوخة لا جرم استبعد ذلك على مجرى العادة لا شكا في قدرة الله تعالى","part":13,"page":119},{"id":5348,"text":"فقال ما قال (1)\rالسادس : نقل عن السدي أن زكريا عليه السلام جاءه الشيطان عند سماع البشارة فقال إن هذا الصوت من الشيطان ، وقد سخر منك فاشتبه الأمر على زكريا عليه السلام فقال : {رَبّ أنى يَكُونُ لِي غلام} وكان مقصوده من هذا الكلام أن يريه الله تعالى آية تدل على أن ذلك الكلام من الوحي والملائكة لا من إلقاء الشيطان قال القاضي : لا يجوز أن يشتبه كلام الملائكة بكلام الشيطان عند الوحي على الأنبياء عليهم الصلاة والسلام إذ لو جوزنا ذلك لارتفع الوثوق عن كل الشرائع ويمكن أن يقال : لما قامت المعجزات على صدق الوحي في كل ما يتعلق بالدين لا جرم حصل الوثوق هناك بأن الوحي من الله تعالى بواسطة الملائكة ولا مدخل للشيطان فيه ، أما ما يتعلق بمصالح الدنيا وبالولد فربما لم يتأكد ذلك المعجز فلا جرم بقي احتمال كون ذلك من الشيطان فلا جرم رجع إلى الله تعالى في أن يزيل عن خاطره ذلك الاحتمال. (2) أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 8 صـ 34 ـ 35}\r_____________\r(1) لا يخفى ما فى هذا الوجه من البعد وبعض هذه الأوجه يحتاج إلى سند. والله أعلم.\r(2) هذا الوجه فيه نظر والأولى عدم التعويل عليه لافتقاره إلى السند الصحيح.\rوقد علق الآلوسى على هذا الاعتراض وجوابه بقوله :\rوأنت تعلم أن الاعتراض ذكر والجواب أنثى.\rولعل هذا المبحث يأتيك إن شاء الله تعالى مستوفى عند تفسير قوله تعالى : { وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ وَلاَ نَبِىّ إِلاَّ إِذَا تمنى أَلْقَى الشيطان فِى أُمْنِيَّتِهِ } [ الحج : 52 ] الآية. وبالجملة القول باشتباه الأمر على زكريا عليه السلام في غاية البعد لا سيما وقد أخرج ابن جرير وابن المنذر عن قتادة أنه قال : إن الملائكة شافهته عليه السلام بذلك مشافهة فبشرته بيحيى. أ هـ {روح المعانى حـ 3 صـ 131}. والله أعلم.","part":13,"page":120},{"id":5349,"text":"وقال الماوردى :\rفإن قيل : فَلِمَ راجع بهذا القول بعد أن بُشَّرَ بالولد ، ففيه جوابان :\rأحدهما : أنه راجع ليعلم على أي حال يكون منه الولد ، بأن يُرّدّ هو وامرأته إلى حال الشباب ، أم على حال الكبر ، فقيل له : كذلك الله يفعل ما يشاء ، أي على هذه الحال ، وهذا قول الحسن.\rوالثاني : أنه قال ذلك استعظاماً لمقدور الله وتعجباً. (1) أ هـ {النكت والعيون حـ 1 صـ 391}\rقوله تعالى : {وَقَدْ بَلَغَنِي الكبر}\rقال الفخر :\rقال أهل المعاني : كل شيء صادفته وبلغته فقد صادفك وبلغك ، وكلما جاز أن يقول : بلغت الكبر جاز أن يقول بلغني الكبر يدل عليه قول العرب : لقيت الحائط ، وتلقاني الحائط.\rفإن قيل : يجوز بلغني البلد في موضع بلغت البلد ، قلنا : هذا لا يجوز ، والفرق بين الموضعين أن الكبر كالشيء الطالب للإنسان فهو يأتيه بحدوثه فيه ، والإنسان أيضاً يأتيه بمرور السنين عليه ، أما البلد فليس كالطالب للإنسان الذاهب ، فظهر الفرق. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 8 صـ 35}\rفائدة\rقال ابن الجوزى :\rوفي سنة يومئذ ستة أقوال.\rأحدها : أنه كان ابن مائة وعشرين سنة ، امرأته بنت ثمان وتسعين سنة ، قاله ابن عباس.\rوالثاني : أنه كان ابن بضع وسبعين سنة ، قاله قتادة.\rوالثالث : ابن خمس وسبعين ، قاله مقاتل.\rوالرابع : ابن سبعين.\rحكاه فضيل بن غزوان.\rوالخامس : ابن خمس وستين.\rوالسادس : ابن ستين ، حكاهما الزجاج. (2) أ هـ {زاد المسير حـ 1 صـ 385}\rقوله تعالى {وامرأتى عَاقِرٌ }\rقال الفخر :\rاعلم أن العاقر من النساء التي لا تلد ، يقال : عقر يعقر عقراً ، ويقال أيضاً عقر الرجل ، وعقر بالحركات الثلاثة في القاف إذا لم يحمل له ، ورمل عاقر : لا ينبت شيئاً ، واعلم أن زكريا عليه السلام ذكر كبر نفسه مع كون زوجته عاقراً لتأكيد حال الاستبعاد. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 8 صـ 35 }\r________________\r(1) هذا قول فى غاية الحسن. والله أعلم.\r(2) هذه الأقوال تفتقر إلى سند صحيح.","part":13,"page":121},{"id":5350,"text":"وقال ابن عادل : \rقوله : { وامرأتي عَاقِرٌ } جملة حالية ، إما من الياء في \" لِي \" فيتعدد الحال - عند مَنْ يراه - وإما من الياء في \" بَلَغَنِي \" ، والعاقر : مَنْ لا يولد له رجلاً كان أو امرأة ، مشتقاً من العَقْر ، وهو القتل ، كأنهم تخيلوا فيه قتل أولاده ، والفعل - بهذا المعنى - لازم ، وأما عَقَرْتُ - بمعنى \" نَحَرْت \" فمُتَعَدٍّ.\rقال تعالى : { فَعَقَرُواْ الناقة } [ الأعراف : 77 ].\rوقال الشاعر : [ الطويل ]\r......................... عَقَرْتَ بَعِيرِي يَا امْرَأ الْقَيْسِ فَانْزِلِ\rوقيل : عاقر - على النسب - أي : ذات عقر ، وهي بمعنى مفعول ، أي : معقورة ، ولذلك لم تلحق تاء التأنيث ، والعَُقْر بفتح العين وضمها - أصل الشيء ، ومنه عقر الدار ، وعقر الحوض ، وفي الحديث : \" ما غُزِيَ قَوْمٌ قَطٌّ فِي عُقْرِ دَارِهِمْ إلاَّ ذَلُّوا \" وعقرته ، أي : أصبت عقره ، أي : أصله - نحو رأسته ، أي أصبت رأسه ، والعقر - أيضاً - آخر الولد ، وكذلك بيضة العَقر ، والعقار : الخمر لأنها تعقر العقل - مجازاً - وفي كلامهم رفع فلان عقيرته ، أي : صوته ، وذلك أن رَجَلاً عُقِرَ رجله فرفع صوته ، فاستُعِير ذلك لكلّ من رفع صوته. وقال : وأنشد الفراء : [ الرجز ]\rأرْزَامُ بَابٍ عَقُرَتْ أعْوَامَا... فَعَلَّقَتْ بُنَيَّهَا تَسْمَامَا\rوقال بعضهم : يقال : عَقُرت المرأةُ تعقُر عَقْراً وعَقَاراً ويقال : عَقُر الرجل وعَقَر وعَقِرَ إذا لم تَحْبَل زوجته ، فجعل الفعل المسند إلى الرجل أوسع من المسند إلى المرأة.","part":13,"page":122},{"id":5351,"text":"قال الزّجّاج : عاقر بمعنى ذات عُقر قال : لأن فَعُلْت أسماء الفاعلين منه على فعيل نحو ظريفة ، وكريمة ، وإنما عاقر على ذات عُقْر ، قلت : وهذا نص في أن الفعل المسند للمرأة لا يقال فيه إلا عَقُرَتْ - بضم القاف ؛ إذْ لَوْ جاز فَتْحها ، أو كسرها لجاء منهما فَاعِل - من غير تأويل على النسب ، ومن ورود عاقر وصفاً للرجل قول عامر بن الطفيل : [ الطويل ]\rلَبِئْسَ الْفَتَى إنْ كُنْتُ أعْوَرَ عَاقِراً... جَبَاناً فَمَا عُذْرِي لَدَى كُلِّ مَحْضَرِ\rقال القرطبيُّ : \" والعاقر : العظيم من الرمل ، لا يُنْبِت شيئاً ، والعُقْر - أيضاً - مهر المرأة إذا وطئت بِشُبْهَةٍ وبَيْضَةُ الْعُقْر : زعموا أنها بيضة الديك ، لأنه يبيض في عمره بيضةً واحدةً إلى الطول ، وعقر النار - أيضاً - وسطها ومعظمها وعقر الحوض : مُؤخِّره - حيث تقف الإبل إذا وردت \". أ هـ {تفسير ابن عادل حـ 5 صـ 206 ـ 207}\rقوله {قَالَ كذلك الله يَفْعَلُ مَا يَشَاء}\rقال الفخر : \rقال صاحب \"الكشاف\" {كذلك الله} مبتدأ وخبر أي على نحو هذه الصفة الله ، ويفعل ما يشاء بيان له ، أي يفعل ما يريد من الأفاعيل الخارقة للعادة. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 8 صـ 35 }\rوقال ابن عادل : \rقوله : { كَذَلِكَ الله يَفْعَلُ مَا يَشَآءُ } في الكاف وجهان : \rأحدهما : أنها في محل نصب ، وفيه التخريجان المشهوران : \rالأول - وعليه أكثر المعربين- : أنها نعت لمصدر محذوف ، وتقديره يفعل الله ما يشاء من الأفعال العجيبة ، مثل ذاك الفعل ، وهو خلق الولد بين شيخ فَانٍ وعجوز عاقرٍ.\rوالثاني أنها في محل نصب على الحال من ضمير ذلك المصدرِ ، أي : يفعل الفعل حال كونه مثل ذلك وهو مذهب سيبويه ، وقد تقدم إيضاحه.","part":13,"page":123},{"id":5352,"text":"الثاني - من وجهي الكاف- : أنها في محل رفع خبر مقدَّم ، ولفظ الجلالة مبتدأ مؤخر ، فقدره الزمخشري على نحو هذه الصفة لله ، ويفعل ما يشاء بيان له ، وقدره ابن عطية : \" كهذه القدرة المستغربة هي قدرة الله \".\rوقدّره أبو حيّان ، فقال : \" وذلك على حذف مضاف ، أي : صنع الله الغريب مثل ذلك الصنع ، فيكون { يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ } شرحاً للإبهام الذي في اسم الإشارة \".\rفالكلام - على الأول - جملة واحدة ، وعلى الثاني جملتان.\rوقال ابن عطية : \" ويحتمل أن تكون الإشارة بذلك إلى حال زكريا وحال امرأته ، كأنه قال : رَبِّ على أيّ وجه يكون لنا غلام ونحن بحال كذا ؟ فقال لهما : كما أنتما يكون لكما الغلام ، والكلام تام ، على هذا التأويل - في قوله \" كذلك \" ، وقوله : { الله يَفْعَلُ مَا يَشَآءُ } جملة مبيِّنة مقررة في النفس وقوع هذا الأمر المستغرب \".\rوعلى هذا الذي ذكره يكون \" كَذَلِكَ \" متعلقاً بمحذوف ، و\" اللهُ يَفْعَلُ \" جملة منعقدة مع مبتدأ وخبر. أ هـ {تفسير ابن عادل حـ 5 صـ 207 ـ 208}\rفائدة\rقال ابن عادل :\rقدم في هذه السورة حال نفسه ، وأخَّر حالَ امرأته ، وفي سورة مريم عكس.\rفقيل : لأن ضَرْبَ الآيات - في مريم - مطابق لهذا التركيب ؛ لأنه قدَّم وَهْنَ عَظْمِه ، واشتعالَ شيْبه ، وخوفه مواليه ممن ورائه ، وقال : \" وَكَانَتِ امْرَأتِي عَاقِراً \" فلما أعاد ذِكْرَهما في استفهامه أخر ذِكْر الكِبَر ، ليوافق رؤوس الآي - وهي باب مقصود في الفصاحة - والعطف بالواو لا يقتضي ترتيباً زمانيًّا فلذلك لم يبال بتقديم ولا تأخير. أ هـ {تفسير ابن عادل حـ 5 صـ 202 ـ 203}\rفصل\rقال ابن عادل :\rالغلام : الفَتِيُّ السِّنِّ من الناس - وهو الذي بَقَلَ شَارِبُه - وإطلاقه على الطفل وعلى الكهل مجاز ؛ أما الطفل فللتفاؤل بما يئول إليه ، وأما الكهل ، فباعتبار ما كان عليه.\rقالت ليلى الأخيليّة : [ الطويل ]","part":13,"page":124},{"id":5353,"text":"شَفَاهَا مِنَ الدَّاءِ الْعُضَالِ الَّذِي بِهَا... غُلاَمٌ إذَا هَزَّ القَنَاةَ سَقَاهَا\rوقال بعضهم : ما دام الولد في بطن أمِّه سُمِّي جَنِيناً ، قال تعالى : { وَإِذْ أَنتُمْ أَجِنَّةٌ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ } [ النجم : 32 ] سمي بذلك لاجتنانه في الرحم ، فإذا وُلِدَ سُمِّي صَبِيًّا ، فإذا فُطِمَ سمي غُلاماً إلى سبع سنين ، ثم يُسَمَّى يافعاً إلى أن يبلغ عشر سنين ، ثم يُطْلَق عليه حَزَوَّر إلى خمس عشرة سنة ، ثم يصير قمراً إلى خمس وعشرين سنةً ، ثم عنطْنَطاً إلى ثلاثين.\rقال الشاعر : [ الطويل ]\rوَبِالْمَخْضِ حَتَّى صَارَ جَعْداً عَنَطْنَطاً... إذَا قَامَ سَاوَى غَارِبَ الْفَحْلِ غَارِبُهْ\rثم حَلْحَلاً إلى أربعين ، ثم كَهْلاً إلى خمسين - وقيل : إلى ستين - ثم شيخاً إلى ثمانين ، وسيأتي له مزيد بيان إن شاء الله تعالى عند قوله : { فِي المهد وَكَهْلاً } [ آل عمران : 46 ] ثم هو راغم بعد ذلك.\rواشتقاق \" الغلام \" من الغِلْمَة والاغتلام ، وهو طلب النكاح ، لما كان مسبباً عنه أخذ منه لفظه.\rويقال : اغتلم الفَحْلُ : أي : اشتدت شهوتُه إلى طلب النكاح ، واغتلم البحر ، أي : هاج وتلاطمت أمواجه ، مستعار منه.\rوجمعه - في القلة - أغْلِمَةٌ ، وفي الكثرة : غِلْمان ، وقد جمع - شذوذاً - على غِلْمَة ، وهل هذه الصيغة جمع تكسير أو اسم جمع ؟ \rقال الفراء : \" يقال : غلام بيِّن الغلومة والغلومِيَّة والغُلامية ، قال : والعرب تجعل مصدر كل اسم ليس له فعل معروف على هذا المثال فيقولون : عبد بَيِّنُ العبودية والعُبَاديَّة - يعني لم تتكلم العرب من هذا بفعل- \".\rقال القرطبي : والغَيْلم : ذكر السلحفاة ، والغَيْلم : موضع.\rوهي مصدر كَبِر يَكْبَر كِبَراً أي : طعن في السِّنِّ ، قال : [ الطويل ]\rصَغِيرَيْنِ نَرْعَى الْبَهْمَ يَا لَيْتَ أنَّنَا... إلَى الْيَوْمِ لَمْ نَكْبَرْ وَلَمْ تَكْبَرِ البَهْمُ. أ هـ {تفسير ابن عادل حـ 5 صـ 203 ـ 204}","part":13,"page":125},{"id":5354,"text":"فائدة\rقال فى ملاك التأويل :\rقوله تعالى فى قصة زكريا عليه السلام : \"أنى يكون لى غلام وقد بلغنى الكبر وامرأتى عاقر\" وفى سورة مريم : \"أنى يكون لى غلام وكانت امرأتى عاقرا وقد بلغت من الكبر عتيا\" للسائل أن يسأل عن اختلاف السياق فى الآيتين مع اتحاد معناهما.\rوالجواب عن ذلك والله أعلم : أن المعنى وإن كان فى السورتين واحدا وفى قضية واحدة فإن مقاطع آى وسورة مريم وفواصلها استدعت ما يجرى على حكمها ويناسبها من لدن قوله تعالى فى افتتاح السورة : \"ذكر رحمة ربك عبده زكريا إذ نادى ربه نداء خفيا\" إلى قوله فى قصة عيسى عليه السلام : \"والسلام على يوم ولدت ويوم أموت ويوم أبعث حيا\" ، لم تخرج فاصلة منها عن هذا المقطع ولا عدل بها إلى غيره ثم عادت إلى ذلك من لدن قوله تعالى : \"واذكر فى الكتاب إبراهيم إنه كان صديقا نبيا\" إلى آخر السورة فاقتضت مناسبة آى هذه السورة ورود قصة زكريا عليه السلام على ما تقدم ولم يكن غير ذلك ليناسب أما آية آل عمران فلم يتقيد ما قبلها من الآى وما بعدها بمقطع مخصوص فجرت هى على مثل ذلك والله أعلم. أ هـ {ملاك التأويل صـ 110}\rمن لطائف الإمام القشيرى فى الآية\rقيل كان بين سؤاله وبين الإجابة مدة طويلة ولذلك قال : أنَّى يكون لي غلام ؟\rويحتمل أنه قال : بأي استحقاقٍ مني تكون له هذه الإجابة لولا فضلك ؟\rويحتمل أنه قال أنَّى يكون هذا : أَعَلَى وَجهِ التبني أم على وجه التناسل ؟\rويحتمل أنه يكون من امرأة أخرى سوى هذه التي طعنت في السن أو من جهة التَّسرِّي بمملوكة ؟ أمْ مِنْ هذه ؟\rفقيل له : لا بَلْ مِنْ هذه ؛ فإنكما قاسيتما وحشة الانفراد معاً ، فكذلك تكون بشارة الولد لكما جميعاً. أ هـ {لطائف الإشارات حـ 1 صـ 241}","part":13,"page":126},{"id":5355,"text":"{ قَالَ رَبِّ اجْعَلْ لِي آَيَةً قَالَ آَيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ إِلَّا رَمْزًا وَاذْكُرْ رَبَّكَ كَثِيرًا وَسَبِّحْ بِالْعَشِيِّ وَالْإِبْكَارِ (41)}\rمناسبة الآية لما قبلها\rقال البقاعى :\r{الله يفعل ما يشاء} لأنه المحيط بكل شيء قدرة وعلماً فكأنه قيل : قد قرت عينه فما قال ؟ قيل {قال} إرادة تعجيل البشرى وتحقيق السراء : {رب اجعل لي آية} أي علامة أعلم بها ذلك {قال آيتك ألا تكلم الناس} أي لا تقدر على أن تكلمهم بكلام دنيوي {ثلاثة أيام }.\rولما كان الكلام يطلق على الفعل مجازاً استثنى منه قوله : {إلا رمزاً} لتخلص هذه المدة للذكر شكراً على النعمة فاحمد ربك على ذلك.\rقال الحرالي : والرمز تلطف في الإفهام بإشارة تحرك طرف كاليد واللحظ والشفتين ونحوها ، والغمز أشد منه باليد ونحوها - انتهى.","part":13,"page":127},{"id":5356,"text":"فعدم الكلام مع صحة آلته دليل إيجاد المتكلم مع ضعف آلته إلى حد لا يتكون عنها عادة ، ولما كان الأتم في القدرة أن يحبس عن كلام دون آخر قال : {واذكر ربك} أي بالحمد وهو أن تثبت له الإحاطة بكل كمال {كثيراًً} في الأيام التي منعت فيها من كلام الناس خصوصاً ، وفي سائر أوقاتك عموماً {وسبح} أي أوقع التسبيح لمطلق الخليل ربك بأن تنفي عنه كل نقص {بالعشي} وقال الحرالي : من العشو وأصل معناه : إيقاد نار على علم لمقصد هدى أو قرى ومأوى على حال وهن ، فسمي به عشي النهار لأنه وقت فعل ذلك ، ويتأكد معناه في العشاء ، ومنه سمي الطعام : العشاء {والإبكار} وأصله المبادرة لأول الشيء ، ومنه التبكير وهو السرعة ، والباكورة وهو أول ما يبدو من الثمر ، فالإبكار اقتطاف زهرة النهار وهو أوله - انتهى. أ هـ {نظم الدرر حـ 2 صـ 78 ـ 79}\rقال ابن عادل :\rقوله : { اجعل لي آيَةً } يجوز أن يكون الجعل بمعنى التصيير ، فيتعدى لاثنين : أولهما \" آية \" ، الثاني : الجار قبله ، والتقديم - هنا - واجب ؛ لأنه لا مسوغ للابتداء بهذه النكرة - وهي آية - أي : لو انحلت إلى مبتدأ وخبر إلا تقدم هذا الجار ، وحكمها بعد دخول الناسخ حكمها قبله ، والتقدير : صير آية من الآيات لي ، ويجوز أن يكون بمعنى الخلق والإيجاد - أي : أوجد لي آية - فيتعدى لواحد ، وفي \" لِي \" - على هذا - وجهان :\rأحدهما : أن يتعلق بالجَعْل.\rوالثاني : أن يتعلق بمحذوف على أنه حال من \" آيةً \" ؛ لأنه لو تأخَّر لجاز أن يقع صفة لها. ويجوز أن يكون للبيان.\rوحرك الياء - بالفتح - نافع وأبو عمرو ، وسكنها الباقون. أ هـ {تفسير ابن عادل حـ 5 صـ 208}\rفائدة\rقال البيضاوى :\r{ قَالَ رَبِّ اجعل لِّي ءايَةً } علامة أعرف بها الحبل لاستقبله بالبشاشة والشكر وتزيح مشقة الانتظار. أ هـ {تفسير البيضاوى حـ 2 صـ 37}","part":13,"page":128},{"id":5357,"text":"وقال الآلوسى :\r{ قَالَ رَبّ اجعل لِّى ءايَةً } أي علامة تدلني على العلوق وإنما سألها استعجالاً للسرور قاله الحسن ، وقيل ليتلقى تلك النعمة بالشكر حين حصولها ولا يؤخر حتى تظهر ظهوراً معتاداً ، ولعل هذا هو الأنسب بحال أمثاله عليه السلام ، وقول السدي : إنه سأل الآية ليتحقق أن تلك البشارة منه تعالى لا من الشيطان ليس بشيء كما أشرنا إليه آنفاً. أ هـ {روح المعانى حـ 3 صـ 150}\rوقال ابن عاشور :\rوعن السدي والربيع : آية تحقق كون الخطاب الوارد عليه وإرادا من قبل الله تعالى ، وهو ما في إنجيل لوقا. وعندي في هذا نظر ، لأن الأنبياء لا يلتبس عليهم الخطاب الوارد عليهم من الله ويعلمونه بعلم ضروري. أ هـ {التحرير والتنوير حـ 3 صـ 94}\rفصل\rقال الفخر :\rاعلم أن زكريا عليه السلام لفرط سروره بما بشّر به وثقته بكرم ربه ، وإنعامه عليه أحب أن يجعل له علامة تدل على حصول العلوق ، وذلك لأن العلوق لا يظهر في أول الأمر فقال : {رَبّ اجعل لِّى ءَايَةً} فقال الله تعالى : {ءَايتك أَلاَّ تُكَلّمَ الناس ثلاثة أَيَّامٍ إِلاَّ رَمْزًا}. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 8 صـ 35 ـ 36}\rفصل\rقال الفخر :\rذكروا في تفسير هذه الآية وجوهاً\rأحدها : أنه تعالى حبس لسانه ثلاثة أيام فلم يقدر أن يكلم الناس إلا رمزاً ، وفيه فائدتان\rإحداهما : أن يكون ذلك آية على علوق الولد\rوالثانية : أنه تعالى حبس لسانه عن أمور الدنيا ، وأقدره على الذكر والتسبيح والتهليل ، ليكون في تلك المدة مشتغلاً بذكر الله تعالى ، وبالطاعة والشكر على تلك النعمة الجسيمة وعلى هذا التقدير يصير الشيء الواحد علامة على المقصود ، وأداء لشكر تلك النعمة ، فيكون جامعاً لكل المقاصد.\rثم اعلم أن تلك الواقعة كانت مشتملة على المعجز من وجوه\rأحدها : أن قدرته على التكلم بالتسبيح والذكر ، وعجزه عن التكلم بأمور الدنيا من أعظم المعجزات\rوثانيها : أن حصول ذلك المعجز في تلك الأيام المقدورة مع سلامة البنية واعتدال المزاج من جملة المعجزات\rوثالثها : أن إخباره بأنه متى حصلت هذه الحالة فقد حصل الولد ، ثم إن الأمر خرج على وفق هذا الخبر يكون أيضاً من المعجزات.","part":13,"page":129},{"id":5358,"text":"القول الثاني في تفسير هذه الآية : وهو قول أبي مسلم : أن المعنى أن زكريا عليه السلام لما طلب من الله تعالى آية تدله على حصول العلوق ، قال آيتك أن لا تكلم ، أي تصير مأموراً بأن لا تتكلم ثلاثة أيام بلياليها مع الخلق ، أي تكون مشتغلاً بالذكر والتسبيح والتهليل معرضاً عن الخلق والدنيا شاكراً لله تعالى على إعطاء مثل هذه الموهبة ، فإن كانت لك حاجة دل عليها بالرمز فإذا أمرت بهذه الطاعة فاعلم أنه قد حصل المطلوب ، وهذا القول عندي حسن معقول ، وأبو مسلم حسن الكلام في التفسير كثير الغوص على الدقائق واللطائف.\rالقول الثالث : روي عن قتادة أنه عليه الصلاة والسلام عوقب بذلك من حيث سأل الآية بعد بشارة الملائكة فأخذ لسانه وصير بحيث لا يقدر على الكلام. (1) أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 8 صـ 36 }\rوقال السمرقندى وقد أجاد :\rوقال بعضهم : لم يكن عقوبة ، ولكن كانت كرامة له ، حين جعلت له علامة لظهور الحبل ، ومعجزة له. أ هـ {بحر العلوم حـ 1 صـ 237}\rوقال القرطبى :\rالمعنى : تممّ النعمة بأن تجعل لي آية ، وتكون تلك الآية زيادة نعمة وكرامة ؛ فقيل له : { آيَتُكَ أَلاَّ تُكَلِّمَ الناس ثَلاَثَةَ أَيَّامٍ } أي تمنع من الكلام ثلاث ليال ؛ دليل هذا القول قوله تعالى بعد بشرى الملائكة له : { وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِن قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْئاً } [ مريم : 9 ] أي أوجدتك بقدرتي فكذلك أوجد لك الولد.\rواختار هذا القول النحاس وقال : قول قتادة إن زكريا عوقب بترك الكلام قول مرغوب عنه ؛ لأن الله عز وجل لم يخبرنا أنه أذنب ولا أنه نهاه عن هذا ؛ والقول فيه أن المعنى اجعل لي علامة تدل على كون الولد ، إذ كان ذلك مغيباً عني. أ هـ {تفسير القرطبى حـ 4 صـ 81}\r______________\r(1) لا يخفى ما فى هذا القول من الفساد والبطلان وسيأتى الرد على هذا الوجه. والله أعلم.","part":13,"page":130},{"id":5359,"text":"قال السمرقندى :\rروى أسباط عن السدي أنه قال : لما بُشِّر بيحيى قال له الشيطان : إن النداء الذي سمعت بالبشارة من الشيطان ، ولو كان من الله ، لأوحى إليك ، كما أوحى إلى سائر الأنبياء.\rفقال عند ذلك : اجْعَل لي آية ، حتى أعلم أن هذه البشارة منك. (1) أ هـ {بحر العلوم حـ 1 صـ 237}\rقوله تعالى : { أَلاَّ تُكَلِّمَ الناس ثَلاَثَةَ أَيَّامٍ }\rقال ابن عادل :\rوقوله : { أَلاَّ تُكَلِّمَ } \" أن \" وما في حَيِّزها في محل رفع ؛ خبراً لقوله : { آيَتُكَ } أي آيتك عدم كلامك الناس. والجمهور على نصب \" تُكَلِّمَ \" بأن المصدرية.\rوقرأ ابن أبي عبلة برفعه ، وفيه وجهان :\rأحدهما : أن تكون \" أن \" مخففة من الثقيلة ، واسمها - حينئذ - ضمير الشأن محذوف والجملة المنفيَّة بعدها في محل رفع ، خبراً لِ \" أن \" ومثله : { أَفَلاَ يَرَوْنَ أَلاَّ يَرْجِعُ } [ طه : 89 ] وقوله : { وحسبوا أَلاَّ تَكُونَ فِتْنَةٌ } [ المائدة : 71 ] ووقع الفاصل بين \" أن \" والفعل الواقع خبرها حرف نفي ، ولكن يُضعف كونَها مخفَّفةً عدمُ وقوعها بعد فعل يقين.\rوالثاني : أن تكون \" أن \" الناصبة حُمِلَتْ على \" ما \" أختها ، ومثله : { لِمَنْ أَرَادَ أَن يُتِمَّ الرضاعة } [ البقرة : 233 ] و\" أن \" وما في حيزها - أيضاً - في محل رفع ، خبراً لـ \" آيتك \".\rقوله : { ثَلاَثَةَ أَيَّامٍ } الصحيح أن هذا النحو - وهو ما كان من الأزمنة يستغرق جميع الحدث الواقع فيه - منصوب على الظرف ، خلافاً للكوفيين ، فإنهم ينصبونه نصب المفعول به.\r____________\r(1) لا يخفى ما فى هذه الرواية من الضعف والوهن لمكانة العصمة من الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين.","part":13,"page":131},{"id":5360,"text":"وقيل : وثم معطوف محذوف تقديره ثلاثة أيام ولياليها ، فحذف ، كقوله تعالى : { تَقِيكُمُ الحر } [ النحل : 81 ] ونظائره ؛ يدل على ذلك قوله - في سورة مريم - { ثَلاَثَ لَيَالٍ سَوِيّاً } [ مريم : 10 ] وقد يقال : إنه يؤخذ المجموع من الآيتين ، فلا حاجة إلى ادعاء حذف ؛ فإنه على هذا التقدير الذي ذكرتموه - يحتاج إلى تقدير معطوف في الآية الأخرى ثلاث ليال وأيامها. أ هـ {تفسير ابن عادل حـ 5 صـ 209}\rفائدة\rقال السمرقندى :\rقال : { أَلاَّ تُكَلّمَ الناس ثلاثة أَيَّامٍ إِلاَّ }.\rوقال في آية أخرى : { قَالَ رَبِّ اجعل لِى ءَايَةً قَالَ ءَايَتُكَ أَلاَّ تُكَلِّمَ الناس ثلاث لَيَالٍ سَوِيّاً } [ مريم : 10 ] ، يعني أنك مستوي الخَلْق ، ولا علة بك. أ هـ {بحر العلوم حـ 1 صـ 237}","part":13,"page":132},{"id":5361,"text":"وقال الآلوسى : \r{ قَالَ ءايَتُكَ أَلاَّ تُكَلّمَ الناس } أي أن لا تقدر على تكليمهم من غير آفة وهو الأنسب بكونه آية والأوفق لما في سورة مريم ، وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن جبير بن معتمر قال : ربا لسانه في فيه حتى ملأه فمنعه الكلام ، والآية فيه عدم منعه من الذكر والتسبيح ، وعلى كلا التقديرين عدم التكليم اضطراري ، وقال أبو مسلم : إنه اختياري ، والمعنى آيتك أن تصير مأموراً بعدم التكلم إلا بالذكر والتسبيح ولا يخفى بعده هنا ، وعليه وعلى القولين قبله يحتمل أن يراد من عدم التكليم ظاهره فقط وهو الظاهر ، ويحتمل أن يكون كناية عن الصيام لأنهم كانوا إذ ذاك إذا صاموا لم يكلموا أحداً وإلى ذلك ذهب عطاء وهو خلاف الظاهر ، ومع هذا يتوقف قبوله على توقيف ، وإنما خص تكليم الناس للإشارة إلى أنه غير ممنوع من التكلم بذكر الله تعالى { ثلاثة أَيَّامٍ } أي متوالية ، وقال بعضهم المراد ثلاثة أيام ولياليها ، وقيل : الكلام على حذف مضاف أي ليالي ثلاثة أيام لقوله سبحانه في سورة [ مريم : 10 ] { ثلاث لَيَالٍ } والحق أن الآية كانت عدم التكليم ستة أفراد إلا أنه اقتصر تارة على ذكر { ثلاث أَيَّامٍ } منها وأخرى على { ثلاث لَيَالٍ } وجعل ما لم يذكر في كل تبعاً لما ذكر ، قيل : وإنما قدم التعبير بالأيام لأن يوم كل ليلة قبلها في حساب الناس يومئذ ، وكونه بعدها إنما هو عند العرب خاصة كما تقدمت الإشارة إليه ، واعترض بأن آية الليالي متقدمة نزولاً لأن السورة التي هي فيها مكية والسورة التي فيها آية الأيام مدنية ، وعليه يكون أول ظهور هذه الآية ليلاً ويكون اليوم تبعاً لليلة التي قبلها على ما يقتضيه حساب العرب فتدبر.","part":13,"page":133},{"id":5362,"text":"فالبحث محتاج إلى تحرير بعد ، وإنما جعل عقل اللسان آية العلوق لتخلص المدة لذكر الله تعالى وشكره قضاءاً لحق النعمة كأنه قيل له : آية حصول النعمة أن تمنع عن الكلام إلا بشكرها ، وأحسن الجواب على ما قيل ما أخذ من السؤال كما قيل لأبي تمام لم تقول ما لا نفهم ؟ فقال : لم لا نفهم ما يقال ؟ وهذا مبني على أن سؤال الآية منه عليه السلام إنما كان لتلقي النعمة بالشكر ، ولعل دلالة كلامه على ذلك بواسطة المقام وإلا ففي ذلك خفاء كما لا يخفى. وأخرج عبد الرزاق وغيره عن قتادة أن حبس لسانه عليه السلام كان من باب العقوبة حيث طلب الآية بعد مشافهة الملائكة له بالبشارة ولعل الجناية حينئذ من باب حسنات الأبرار سيئات المقربين ومع هذا حسن الظن يميل إلى الأول ، ومذهب قتادة لا آمن على الأقدام الضعيفة قتادة. أ هـ {روح المعانى حـ 3 صـ 150 ـ 151}\rفائدة\rقال الجصاص :\rقَالَ فِي هَذِهِ الْآيَةِ : { ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ } وَفِي مَوْضِعٍ آخَرَ فِي سُورَةِ مَرْيَمَ فِي هَذِهِ الْقِصَّةِ بِعَيْنِهَا : { ثَلَاثَ لَيَالٍ سَوِيًّا } عَبَّرَ تَارَةً بِذِكْرِ الْأَيَّامِ وَتَارَةً بِذِكْرِ اللَّيَالِيِ ، وَفِي هَذَا دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ أَحَدَ الْعَدَدَيْنِ مِنْ الْجَمِيعِ عِنْدَ الْإِطْلَاقِ يُعْقَلُ بِهِ مِقْدَارُهُ مِنْ الْوَقْتِ الْآخَرِ ، فَيُعْقَلُ مِنْ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ ثَلَاثُ لَيَالٍ مَعَهَا وَمِنْ ثَلَاثِ لَيَالٍ ثَلَاثَةُ أَيَّامٍ ، أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَمَّا أَرَادَ التَّفْرِقَةَ بَيْنَهُمَا أَفْرَدَ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِالذِّكْرِ فَقَالَ : { سَبْعَ لَيَالٍ وَثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ حُسُومًا } لِأَنَّهُ لَوْ اقْتَصَرَ عَلَى الْعَدَدِ الْأَوَّلِ عَقِلَ الْمَلَائِكَةُ مِثْلَهُ مِنْ الْوَقْتِ الْآخَرِ. أ هـ {أحكام القرآن للجصاص حـ 2 صـ 293}\rقوله تعالى {إِلاَّ رَمْزًا}\rقال الفخر :\rأصل الرمز الحركة ، يقال : ارتمز إذا تحرك ، ومنه قيل للبحر : الراموز ، ثم اختلفوا في المراد بالرمز ههنا على أقوال\rأحدها : أنه عبارة عن الإشارة كيف كانت باليد ، أو الرأس ، أو الحاجب ، أو العين ، أو الشفة\rوالثاني : أنه عبارة عن تحريك الشفتين باللفظ من غير نطق وصوت قالوا : وحمل الرمز على هذا المعنى أولى ، لأن الإشارة بالشفتين يمكن وقوعها بحيث تكون حركات الشفتين وقت الرمز مطابقة لحركاتهما عند النطق فيكون الاستدلال بتلك الحركات على المعاني الذهنية أسهل\rوالثالث : وهو أنه كان يمكنه أن يتكلم بالكلام الخفي ، وأما رفع الصوت بالكلام فكان ممنوعاً منه.\rفإن قيل : الرمز ليس من جنس الكلام فكيف استثنى منه ؟ .\rقلنا : لما أدى ما هو المقصود من الكلام سمي كلاماً ، ويجوز أيضاً أن يكون استثناءً منقطعاً فأما إن حملنا الرمز على الكلام الخفي فإن الإشكال زائل. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 8 صـ 36 ـ 37}","part":13,"page":134},{"id":5363,"text":"وقال ابن عادل :\rقوله : { إلاَّ رَمْزًا } فيه وجهان :\rأحدهما : أنه استثناء منقطع ؛ لأن الرمز ليس من جنس الكلام ، إذ الرمز الإشارة بعَيْن ، أو حاجب أو نحوهما ، ولم يذكر أبو البقاء غيره.\rوبه بدأ ابن عطية مختاراً له ، فإنه قال : \" والمراد بالكلام - في الآية - إنما هو النطق باللسان لا الإعلام بما في النفس ، فحقيقة هذا الاستثناء ، منقطع ، ثم قال : وذهب الفقهاءُ إلى أن الإشارة ونحوها في حكم الكلام في الأيْمَان ونحوها ؛ فعلى هذا يجيء الاستثناء متصلاً \".\rوالوجه الثاني : أنه متصل ؛ لأن الكلام لغة يطلق بإزاء معانٍ : الرمز والإشارة من جملتها.\rأنشدوا : [ الطويل ]\rإذَا كَلَّمَتْنِي بِالْعُيُونِ الْفَوَاتِرِ... رَدَدتُ عَلَيْهَا بِالدُّمُوعِ الْبَوَادِرِ\rوقال آخر : [ الطويل ]\rأرَادَتْ كَلاَماً فَاتَّقَتْ مِنْ رَقِيبِهَا... فَلَمْ يَكُ إلاَّ وَمْؤُهَا بِالْحَوَاجِبِ\rوهو مستعمل ، قال حبيب : [ البسيط ]\rكَلَّمْتُهُ بِجُفُونٍ غَيْرِ نَاطِقَةٍ... فَكَانَ مِنْ رَدِّهِ مَا قَالَ حَاجِبُهُ\rوبهذا الوجه بدأ الزمخشريُّ مختاراً له ، قال : \" لما أدى مؤدَّى الكلام ، وفُهِم منه ما يُفْهَم سُمِّي كلاماً ، ويجوز أن يكون استثناء منقطعاً \".\rوالرمز : الإشارة والإيماء بعين ، أو حاجب أو يَدٍ - ذكر بعض المفسّرين أن إشارته كانت بالمُسَبِّحة ومنه قيل للفاجرة : الرَّمَّازة ، والرمَّازة ، وفي الحديث : \" نَهَى عَنْ كَسْبِ الرَّمَّازَةِ \" ، يقال منه : رمزت ترمُز وترمِز - بضم العين وكسرها في المضارع.\rوأصل الرمز : التحرك ، يقال : رمز وارْتَمز أي : تحرَّك ، ومنه قيل للبحر : الراموز ، لتحركه واضطرابه.\rوقال الراغب : \" الرمز : الإشارة بالشفة والصوت الخفي ، والغمز بالحاجب. وما ارمَازَّ : أي ما تكلم رمزاً ، وكتيبه رمَّازة : أي : لم يُسْمَع منها إلا رَمزاً ؛ لكثرتها \".\rويؤيد كونه الصوت الخفي - على ما قاله الراغب - أنه كان ممنوعاً من رفع الصوت.","part":13,"page":135},{"id":5364,"text":"قال الفراء : \" قد يكون الرمز باللسان من غير أن يتبيَّن ، وهو الصوت الخفي ، شبه الهَمْس \".\rوقال عطاء : أراد صوم ثلاثة أيامٍ ؛ لأنهم كانوا إذا صاموا لم يتكلموا إلا رمزاً. أ هـ {تفسير ابن عادل حـ 5 صـ 209 ـ 211}\rقوله تعالى : {واذكر رَّبَّكَ كَثِيرًا}\rقال الفخر :\rفيه قولان\rأحدهما : أنه تعالى حبس لسانه عن أمور الدنيا {إِلاَّ رَمْزًا} فأما في الذكر والتسبيح ، فقد كان لسانه جيداً ، وكان ذلك من المعجزات الباهرة\rوالثاني : إن المراد منه الذكر بالقلب وذلك لأن المستغرقين في بحار معرفة الله تعالى عادتهم في الأول أن يواظبوا على الذكر اللساني مدة فإذا امتلأ القلب من نور ذكر الله سكت اللسان وبقي الذكر في القلب ، ولذلك قالوا : من عرف الله كل لسانه ، فكأن زكريا عليه السلام أمر بالسكوت واستحضار معاني الذكر والمعرفة واستدامتها. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 8 صـ 37}\rوقال الآلوسى :\r{ واذكر رَّبَّكَ } أي في أيام الحبسة شكراً لتلك النعمة كما يشعر به التعرض لعنوان الربوبية ، وقيل : يحتمل أن يكون الأمر بالذكر شكراً للنعمة مطلقاً لا في خصوص تلك الأيام ، وأن يكون في جميع أيام الحمل لتعود بركاته إليه ، والمنساق إلى الذهن هو الأول ، والجملة مؤكدة لما قبلها مبينة للغرض منها ، واستشكل العطف من وجهين : الأول عطف الإنشاء على الإخبار ، والثاني : عطف المؤكد على المؤكد ، وأجيب بأنه معطوف على محذوف أي اشكر واذكر ، وقيل : لا يبعد أن يجعل الأمر بمعنى الخبر عطفاً على ( لا تكلم ) فيكون في تقدير : أن لا تكلم وتذكر ربك ، ولا يخفى ما فيه. أ هـ {روح المعانى حـ 3 صـ 151 ـ 152}\rقوله تعالى : {وَسَبّحْ بالعشى والإبكار}\rقال الفخر :\rفي قوله {وَسَبّحْ} قولان","part":13,"page":136},{"id":5365,"text":"أحدهما : المراد منه : وصل لأن الصلاة تسمى تسبيحاً قال الله تعالى : {فَسُبْحَانَ الله حِينَ تُمْسُونَ} وأيضاً الصلاة مشتملة على التسبيح ، فجاز تسمية الصلاة بالتسبيح ، وههنا الدليل دل على وقوع هذا المحتمل وهو من وجهين\rالأول : أنا لو حملناه على التسبيح والتهليل لم يبق بين هذه الآية وبين ما قبلها وهو قوله {واذكر رَّبَّكَ} فرق ، وحينئذ يبطل لأن عطف الشيء على نفسه غير جائز والثاني : وهو أنه شديد الموافقة لقوله تعالى : {أَقِمِ الصلاة طَرَفَىِ النهار}\rوثانيهما : أن قوله {واذكر رَّبَّكَ} محمول على الذكر باللسان. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 8 صـ 37}\rفوائد لغوية\rقال ابن عادل :\rقوله : \" كَثِيراً \" نعت لمصدر محذوف ، أو حال من ضمير ذلك المصدر ، أو نعت لزمان محذوف تقديره : ذِكْراً كثيراً ، أو زماناً كثيراً ، والباء في قوله : \" بِالْعَشِيِّ \" بمعنى \" فِي \" أي : في العشي والإبكار.\rوالعشي : يقال من وقت زوال الشمس إلى مَغيبها ، كذا قال الزمخشريُّ.\rوقال الراغب : \" العشيُّ من زوال الشمسِ إلى الصباحِ \". والأول هو المعروف.\rقال الشاعر : [ الطويل ]\rفَلاَ الظِّلُّ مِنْ بَرْدِ الضُّحَى تَسْتَطِيعُهُ... وَلاَ الْفَيْءُ مِنْ بَرْدِ العَشِيِّ تَذُوقُ\rوقال الواحديُّ : \" العَشِيّ : جمع عشية ، وهي آخر النهارِ \".\rوالعامة قرءوا : \" والإبْكَارِ \" بكسر الهمزة ، وهو مصدر أبكر يُبْكِر إبكاراً - أي : خرج بُكْرَةً ، ومثله : بَكَرَ - بالتخفيف - وابتكر.\rقال عمر بن أبي ربيعة : [ الطويل ]\rأمِنْ آلِ نُعْمٍ أنْتَ غَادٍ فَمُبْكر.........................\rوقال : [ الخفيف ]\rأيُّهَا الرَّائِحُ المُجِدُّ ابْتِكَاراً........................\rوقال أيضاً : [ الطويل ]\rبَكَرْنَ بُكُوراً وَاسْتَحَرْنَ بسُحْرَةٍ... فَهُنَّ لِوَادِي الرَّسِّ كَالْيَدِ لِلْفَمِ","part":13,"page":137},{"id":5366,"text":"وقرئ شاذاً \" والأبْكَار \" - بفتح الهمزة - وهو جمع بَكَرَ - بفتح الفاء والعين - ومتى أريد به هذا الوقت من يوم بعينه امتنع من الصرف والتصرُّف ، فلا يُستعمَل غيرَ ظرف ، تقول : أتيتك يوم الجمعة بَكَر. وسبب مَنْع صَرْفه التعريفُ والعدل عن \" أل \". فلو أرِيدَ به وقت مُبْهَم انصرف نحو أتيتك بكراً من الأبكار ونظيره سحر وأسْحار - في جميع ما تقدم.\rوهذه القراءة تناسب قوله : { بالعشي } عند من يجعلها جمع عَشِيَّة ؛ ليتقابل الجَمْعَان.\rووقت الإبكار من طلوع الفجر إلى وقت الضحى.\rوقال الراغب : أصل الكلمة هي البكرة - أول النهار - فاشتقَّ من لفظه لفظُ الفعل ، فقيل : بكر فلان بُكُوراً - إذا خرج بُكْرَةً. والبَكور : المبالغ في البكور ، وبَكَّر في حاجته ، وابتكر وبَاكَر. [ وتصور فيها ] معنى التعجيل ؛ لتقدُّمِها على سائر أوقاتِ النهار فقيل لكل مُتَعَجِّل : بَكَّر.\rوظاهر هذه العبارة أن البَكَر مختص بطلوع الشمس إلى الضُّحَى ، فإن أريد به من أول طلوع الفجر إلى الضحى فإنه على خلاف الأصلِ.\rوقد صرح الواحديُّ بذلك ، فقال : \" هذا معنى الإبكارِ ، ثم يُسَمَّى ما بين طلوعِ الفجر إلى الضُّحَى إبكاراً كما يسمى إصْبَاحاً \". أ هـ {تفسير ابن عادل حـ 5 صـ 211 ـ 213}\rفائدة\rقال القرطبى :\rفي هذه الآية دليل على أن الإشارة تنزل منزلة الكلام وذلك موجود في كثير من السنة ، وآكد الإشارات ما حكم به النبيّ صلى الله عليه وسلم من أمر السوداء حين قال لها : \" \"أين الله\" ؟ فأشارت برأسها إلى السماء فقال : \"أعتقها فإنها مؤمنة\" \" فأجاز الإسلام بالإشارة الذي هو أصل الديانة الذي يحرز الدم والمال وتستحق به الجنة وينجي به من النار ، وحكم بإيمانها كما يحكم بنطق من يقول ذلك ؛ فيجب أن تكون الإشارة عاملة في سائر الديانة ، وهو قول عامة الفقهاء.\rوروى ابن القاسم عن مالك أن الأخرس إذا أشار بالطلاق إنه يلزمه.","part":13,"page":138},{"id":5367,"text":"وقال الشافعيّ في الرجل يمرض فيختل لسانه فهو كالأخرس في الرجعة والطلاق.\rوقال أبو حنيفة : ذلك جائز إذا كانت إشارته تعرف ، وإن شك فيها فهي باطل ، وليس ذلك بقياس وإنما هو استحسان.\rوالقياس في هذا كله أنه باطل ؛ لأنه لا يتكلم ولا تعقل إشارته.\rقال أبو الحسن بن بطّال : وإنما حمل أبا حنيفة على قوله هذا أنه لم يعلم السنن التي جاءت بجواز الإشارات في أحكام مختلفة في الديانة.\rولعل البخاري حاول بترجمته \"باب الإشارة في الطلاق والأُمور\" الردَّ عليه.\rوقال عطاء : أراد بقوله { أَلاَّ تُكَلِّمَ الناس } صوم ثلاثة أيام.\rوكانوا إذا صاموا لا يتكلمون إلا رمزاً. وهذا فيه بُعْدٌ. والله أعلم. أ هـ {تفسير القرطبى حـ 4 صـ 81 }\rلطيفة\rقال القرطبى :\rقال محمد بن كعب القرظيّ : لو رخص لأحد في ترك الذكر لرخص لزكريا بقول الله عز وجل { أَلاَّ تُكَلِّمَ الناس ثَلاَثَةَ أَيَّامٍ إِلاَّ رَمْزاً واذكر رَّبَّكَ كَثِيراً } ولرخص للرجل يكون في الحرب بقول الله عز وجل : { إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فاثبتوا واذكروا الله كَثِيراً } [ الأنفال : 45 ]. وذكره الطبري. أ هـ {تفسير القرطبى حـ 4 صـ 82}\rمن لطائف الإمام القشيرى فى الآية\rقوله جلّ ذكره : { قَالَ رَبِّ اجْعَلْ لِى آيَةً قَالَ آيَتُكَ أَلاَّ تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلاَثَةَ أَيَّامٍ إلاَّ رَمْزًا }.\rطلب الآية ليعلم الوقت الذي هو وقت الإجابة على التعيين لا لِشك له في أصل الإجابة.\rوجعل آية ولايته في إمساك لسانه عن المخلوقين مع انطلاقها مع الله بالتسبيح ، أي لا تمتنع عن خطابي فإني لا أمنع أوليائي من مناجاتي.\rقوله جلّ ذكره : { وَاذْكُرْ رَّبَّكَ كَثِيرًا }.\rبقلبك ولسانك في جميع أوقاتك.\r{ وَسَبِّحْ بِالعَشِىِّ وَالإِبْكَارِ }.\rفي الصلاة الدائبة. أ هـ {لطائف الإشارات حـ 1 صـ 241 ـ 242}","part":13,"page":139},{"id":5368,"text":"فائدة\rقال فى ملاك التأويل :\rقوله تعالى : \"قال ربك اجعل لى آية\" يريد والله أعلم آية على الحمل ليستعجل البشارة فقيل له : \"آيتك ألا تكلم الناس ثلاثة أيام إلا رمزا\" وفى سورة مريم : \"آيتك ألا تكلم الناس ثلاث ليال سويا\" مع اتحاد القصة فيسأل عن ذلك.\rوالجواب والله أعلم : أنه لما كان الإخبار مقصودا به التعريف بمنعه الكلام ثلاثة أيام بليالهن منصوصا على ذلك حتى لا يقع احتمال أن يكون المنع فى الليالى دون الأيام أو الأيام دون الليالى ، وهذا كما فى قوله تعالى : \"سخرها عليهم سبع ليال وثمانية أيام حسوما\" فوقع التنصيص على الوقتين ليرتفع توهم أفراد أحد الوقتين دون الآخر وكذا فى آية آل عمران بذكر الأيام ليناسب قوله\"إلا رمزا\" إذ الرمز ما يفهم المقصود دون نطق كالإشارة بالعين وباليد وقال مجاهد بالشفتين وكيفما كان فإنما يدرك بالعين ولما لم يذكر الرمز فى آية مريم ذكر فيها الليل. وحصل التعريف باستيفاء الوقت الممنوع فيه الكلام وما جعل له عوضا منه وهو الرمز وزيد فى آية مريم التعريف باستواء الليالى فى ذلك فالمراد مستويات فسويا من صفة ليال انتصب على الحال أو يكون المراد لا خرس بك ولا مرض فيكون سويا حالا من الضمير فى تكلم فورد هنا سويا مناسبا للفواصل ومقاطع الآى وليس فى آية آل عمران ما يستدعى ذلك فورد كل على ما يجب ويناسب والله أعلم. أ هـ {ملاك التأويل صـ 110 ـ 111}","part":13,"page":140},{"id":5369,"text":"قوله تعالى { وَإِذْ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاكِ وَطَهَّرَكِ وَاصْطَفَاكِ عَلَى نِسَاءِ الْعَالَمِينَ (42)}\rمناسبة الآية لما قبلها\rقال البقاعى :\rولما فرغ مما للكافل بعد ما نوه بأمر المكفولة بياناً لاستجابة الدعاء من أمها لها أعاد الإشارة بذكرها والإعلام بعلي قدرها فقال عاطفاً على ما تقديره : هذا ما للكافل فاذكره لهم فإنهم لا يشكون معه في نبوتك : {و} اذكر {إذ قالت الملائكة} وعبر بالجمع والمراد جبريل وحده عليه الصلاة والسلام كما في سورة مريم عليها السلام لتهيئها لخطاب كل منهم كما مضى {يا مريم إن الله} أي الذي له الأمر كله {اصطفاك} أي اختارك في نفسك ، لا بالنظر إلى شيء آخر عما يشين بعض من هو في نفسه خيار {وطهرك} أي عن كل دنس {واصطفاك} أي اصطفاء خاصاً {على نساء العالمين} فمن هذا الاصطفاء والله سبحانه وتعالى أعلم كما قال الحرالي : أن خلصت من الاصطفاء الأول العبراني إلى اصطفاء على عربي حتى أنكحت من محمد صلى الله عليه وسلم النبي العربي ؛ قال صلى الله عليه وسلم لخديجة رضي الله عنها : \" أما شعرت أن الله سبحانه وتعالى زوجني معك مريم بنت عمران \" - انتهى. أ هـ {نظم الدرر حـ 2 صـ 79}\rفصل\rقال الفخر :\rقالوا المراد بالملائكة ههنا جبريل وحده ، وهذا كقوله {يُنَزّلُ الملائكة بالروح مِنْ أَمْرِهِ} [ النحل : 2 ] يعني جبريل ، وهذا وإن كان عدولاً عن الظاهر إلا أنه يجب المصير إليه ، لأن سورة مريم دلت على أن المتكلم مع مريم عليها السلام هو جبريل عليه السلام ، وهو قوله {فَأَرْسَلْنَا إِلَيْهَا رُوحَنَا فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَراً سَوِيّاً} [ مريم : 17 ]. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 8 صـ 38}\rفصل\rقال الفخر :","part":13,"page":141},{"id":5370,"text":"اعلم أن مريم عليها السلام ما كانت من الأنبياء لقوله تعالى : {وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ إِلاَّ رِجَالاً نُّوحِى إِلَيْهِمْ مّنْ أَهْلِ القرى} [ يوسف : 109 ] وإذا كان كذلك كان إرسال جبريل عليه السلام إليها إما أن يكون كرامة لها ، وهو مذهب من يجوز كرامات الأولياء ، أو إرهاصاً لعيسى عليه السلام ، وذلك جائز عندنا ، وعند الكعبي من المعتزلة ، أو معجزة لزكرياء عليه السلام ، وهو قول جمهور المعتزلة ، ومن الناس من قال : إن ذلك كان على سبيل النفث في الروع والإلهام والإلقاء في القلب ، كما كان في حق أم موسى عليه السلام في قوله {وَأَوْحَيْنَا إلى أُمّ موسى} [ القصص : 7 ]. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 8 صـ 38}\rفصل\rقال الفخر :\rاعلم أن المذكور في هذه الآية أولاً : هو الاصطفاء ، وثانياً : التطهير ، وثالثاً : الاصطفاء على نساء العالمين ، ولا يجوز أن يكون الاصطفاء أولاً من الاصطفاء الثاني ، لما أن التصريح بالتكرير غير لائق ، فلا بد من صرف الاصطفاء الأول إلى ما اتفق لها من الأمور الحسنة في أول عمرها ، والاصطفاء الثاني إلى ما اتفق لها في آخر عمرها.\rالنوع الأول من الاصطفاء : فهو أمور\rأحدها : أنه تعالى قبل تحريرها مع أنها كانت أنثى ولم يحصل مثل هذا المعنى لغيرها من الإناث\rوثانيها : قال الحسن : إن أمها لما وضعتها ما غذتها طرفة عين ، بل ألقتها إلى زكريا ، وكان رزقها يأتيها من الجنة\rوثالثها : أنه تعالى فرغها لعبادته ، وخصها في هذا المعنى بأنواع اللطف والهداية والعصمة\rورابعها : أنه كفاها أمر معيشتها ، فكان يأتيها رزقها من عند الله تعالى على ما قال الله تعالى : {أنى لَكِ هذا قَالَتْ هُوَ مِنْ عِندِ الله}\rوخامسها : أنه تعالى أسمعها كلام الملائكة شفاها ، ولم يتفق ذلك لأنثى غيرها ، فهذا هو المراد من الاصطفاء الأول ، وأما التطهير ففيه وجوه","part":13,"page":142},{"id":5371,"text":"أحدها : أنه تعالى طهرها عن الكفر والمعصية ، فهو كقوله تعالى في أزواج النبي صلى الله عليه وسلم {وَيُطَهّرَكُمْ تَطْهِيراً} [ الأحزاب : 33 ]\rوثانيها : أنه تعالى طهرها عن مسيس الرجال\rوثالثها : طهرها عن الحيض ، قالوا : كانت مريم لا تحيض\rورابعها : وطهرك من الأفعال الذميمة ، والعادات القبيحة\rوخامسها : وطهرك عن مقالة اليهود وتهمتهم وكذبهم.\rوأما الاصطفاء الثاني : فالمراد أنه تعالى وهب لها عيسى عليه السلام من غير أب ، وأنطق عيسى حال انفصاله منها حتى شهد بما يدل على براءتها عن التهمة ، وجعلها وابنها آية للعالمين ، فهذا هو المراد من هذه الألفاظ الثلاثة. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 8 صـ 38 }\rوقال ابن الجوزى :\rوفي هذا الاصطفاء الثاني : أربعة أقوال.\rأحدها : أنه تأكيد للأول.\rوالثاني : أن الأول للعبادة ، والثاني : لولادة عيسى عليه السلام.\rوالثالث : أن الاصطفاء الأول اختيار مبهمَ ، وعموم يدخل فيه صوالح من النساء ، فأعاد الاصطفاء لتفضيلها على نساء العالمين.\rوالرابع : أنه لما أطلق الاصطفاء الأول ، أبان بالثاني أنها مصطفاة على النساء دون الرجال. أ هـ {زاد المسير حـ 1 صـ 387}\rفائدة\rقال الآلوسى ولله دره :\rالمراد من نساء العالمين قيل : جميع النساء في سائر الأعصار ، واستدل به على أفضليتها على فاطمة ، وخديجة ، وعائشة رضي الله تعالى عنهن ، وأيد ذلك بما أخرجه ابن عساكر في أحد الطرق عن ابن عباس أنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : \" سيدة نساء أهل الجنة مريم بنت عمران ، ثم فاطمة ، ثم خديجة ، ثم آسية امرأة فرعون \" وبما أخرجه ابن أبي شيبة عن مكحول ، وقريب منه ما أخرجه الشيخان عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : \" خير نساء ركبن الإبل نساء قريش أحناه على ولد في صغره وأرعاه على بعل في ذات يده ولو علمت أن مريم ابنة عمران ركبت بعيراً ما فضلت عليها أحداً \"","part":13,"page":143},{"id":5372,"text":"وبما أخرجه ابن جرير عن فاطمة صلى الله عليه وسلم على أبيها وعليها أنها قالت : قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم : \" أنت سيدة نساء أهل الجنة إلا مريم البتول \"\rوقيل : المراد نساء عالمها فلا يلزم منه أفضليتها على فاطمة رضي الله تعالى عنها ، ويؤيده ما أخرجه ابن عساكر من طريق مقاتل عن الضحاك عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : \" أربع نسوة سادات عالمهن ، مريم بنت عمران ، وآسية بنت مزاحم ، وخدجية بنت خويلد ، وفاطمة بنت محمد صلى الله عليه وسلم وأفضلهن عالماً فاطمة \" وما رواه الحرث بن أسامة في \"مسنده\" بسند صحيح لكنه مرسل \"مريم خير نساء عالمها\" وإلى هذا ذهب أبو جعفر رضي الله تعالى عنه وهو المشهور عن أئمة أهل البيت والذي أميل إليه أن فاطمة البتول أفضل النساء المتقدمات والمتأخرات من حيث إنها بضعة رسول الله صلى الله عليه وسلم بل ومن حيثيات أخر أيضاً ، ولا يعكر على ذلك الأخبار السابقة لجواز أن يراد بها أفضلية غيرها عليها من بعض الجهات وبحيثية من الحيثيات وبه يجمع بين الآثار وهذا سائغ على القول بنبوة مريم أيضاً إذ البضعية من روح الوجود وسيد كل موجود لا أراها تقابل بشيء\rوأين الثريا من يد المتناول... ومن هنا يعلم أفضليتها على عائشة رضي الله تعالى عنها الذاهب إلى خلافها الكثير محتجين بقوله صلى الله عليه وسلم : \" خذوا ثلثي دينكم عن الحميراء \" وقوله عليه الصلاة والسلام : \" فضل عائشة على النساء كفضل الثريد على الطعام \" وبأن عائشة يوم القيامة في الجنة مع زوجها رسول الله صلى الله عليه وسلم وفاطمة يومئذ فيها مع زوجها علي كرم الله تعالى وجهه ، وفرق عظيم بين مقام النبي صلى الله عليه وسلم ومقام علي كرم الله تعالى وجهه.","part":13,"page":144},{"id":5373,"text":"وأنت تعلم ما في هذا الاستدلال وأنه ليس بنص على أفضلية الحميراء على الزهراء ، أما أولاً : فلأن قصارى ما في الحديث الأول على تقدير ثبوته إثبات أنها عالمة إلى حيث يؤخذ منها ثلثا الدين ، وهذا لا يدل على نفي العلم المماثل لعلمها عن بضعته عليه الصلاة والسلام ، ولعلمه صلى الله عليه وسلم أنها لا تبقى بعده زمناً معتداً به يمكن أخذ الدين منها فيه لم يقل فيها ذلك ، ولو علم لربما قال : خذوا كل دينكم عن الزهراء ، وعدم هذا القول في حق من دل العقل والنقل على علمه لا يدل على مفضوليته وإلا لكانت عائشة أفضل من أبيها رضي الله تعالى عنه لأنه لم يرو عنه في الدين إلا قليل لقلة لبثه وكثرة غائلته بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم على أن قوله عليه الصلاة والسلام : \" إني تركت فيكم الثقلين كتاب الله تعالى وعترتي لا يفترقان حتى يردا على الحوض \" يقوم مقام ذلك الخبر وزيارة كما لا يخفى كيف لا وفاطمة رضي الله تعالى عنها سيدة تلك العترة ؟ ا. وأما ثانياً : فلأن الحديث الثاني معارض بما يدل على أفضلية غيرها رضي الله تعالى عنها عليها ، فقد أخرج ابن جرير عن عمار بن سعد أنه قال : قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم : \" فضلت خديجة على نساء أمتي كما فضلت مريم على نساء العالمين \" بل هذا الحديث أظهر في الأفضلية وأكمل في المدح عند من انجاب عن عين بصيرته عين التعصب والتعسف لأن ذلك الخبر وإن كان ظاهراً في الأفضلية لكنه قيل ولو على بعد : إن أل في النساء فيه للعهد ؛ والمراد بها الأزواج الطاهرات الموجودات حين الإخبار ولم يقل مثل ذلك في هذا الحديث. وأما ثالثاً : فلأن الدليل الثالث يستدعي أن يكون سائر زوجات النبي صلى الله عليه وسلم أفضل من سائر الأنبياء والمرسلين عليهم الصلاة والسلام لأن مقامهم بلا ريب ليس كمقام صاحب المقام المحمود صلى الله عليه وسلم فلو كانت الشركة في المنزل مستدعية للأفضلية لزم ذلك قطعاً ولا قائل به.","part":13,"page":145},{"id":5374,"text":"وبعد هذا كله الذي يدور في خلدي أن أفضل النساء فاطمة ، ثم أمها ، ثم عائشة بل لو قال قائل إن سائر بنات النبي صلى الله عليه وسلم أفضل من عائشة لا أرى عليه بأساً ؛ وعندي بين مريم وفاطمة توقف نظراً للأفضلية المطلقة ، وأما بالنظر إلى الحيثية فقد علمت ما أميل إليه ، وقد سئل الإمام السبكي عن هذه المسألة فقال : الذي نختاره وندين الله تعالى به أن فاطمة بنت محمد صلى الله عليه وسلم أفضل ، ثم أمها ، ثم عائشة ووافقه في ذلك البلقيني وقد صحح ابن العماد أن خديجة أيضاً أفضل من عائشة لما ثبت أنه عليه الصلاة والسلام قال لعائشة حين قالت : قد رزقك الله تعالى خيراً منها ، فقال لها : لا والله ما رزقني الله تعالى خيراً منها آمنت بي حين كذبني الناس وأعطتني مالها حين حرمني الناس ؛ وأيد هذا بأن عائشة أقرأها السلام النبي صلى الله عليه وسلم من جبريل ، وخديجة أقرأها السلام جبريل من ربها ، وبعضهم لما رأى تعارض الأدلة في هذه المسألة توقف فيها وإلى التوقف مال القاضي أبو جعفر الاستروشني منا وذهب ابن جماعة إلى أنه المذهب الأسلم. وأشكل ما في هذا الباب حديث الثريد ولعل كثرة الأخبار الناطقة بخلافه تهون تأويله ، وتأويل واحد لكثير أهون من تأويل كثير لواحد ، والله تعالى هو الهادي إلى سواء السبيل. أ هـ {روح المعانى حـ 3 صـ 155 ـ 156}\rفائدة\rقال الفخر :\rروي أنه عليه الصلاة والسلام قال : \" حسبك من نساء العالمين أربع : مريم وآسية امرأة فرعون ، وخديجة ، وفاطمة عليهن السلام \" فقيل هذا الحديث دل على أن هؤلاء الأربع أفضل من النساء ، وهذه الآي دلت على أن مريم عليها السلام أفضل من الكل ، وقول من قال المراد إنها مصطفاة على عالمي زمانها ، فهذا ترك الظاهر. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 8 صـ 39}","part":13,"page":146},{"id":5375,"text":"فصل\rقال الخازن :\rعن علي بن أبي طالب قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : \" خير نسائها مريم بنت عمران وخير نسائها خديجة بنت خويلد \" { أخرجه البخاري في الأنبياء . باب : وإذ قالت الملائكة يا مريم إن الله اصطفاك وطهرك واصطفاك على نساء العالمين 6 / 470 . ومسلم في فضائل الصحابة . باب : فضائل خديجة أم المؤمنين برقم (2430) 4 / 1886 . والبغوى في شرح السنة : 14 / 156}.\rقال أبو كريب : وأشار وكيع إلى السماء والأرض قيل : أراد وكيع بهذه الإشارة تفسير الضمير في قوله خير نسائها ومعناه إنهما خير كل النساء بين السماء والأرض قال الشيخ محيي الدين النووي : والأظهر أن معناه أن كل واحد مهما خير نساء الأرض في عصرها ، وأما التفضيل بينهما فمسكوت عنه. أ هـ {تفسير الخازن حـ 1 صـ 227 ـ 228}\rفصل\rقال القرطبى :\rروى مسلم عن أبي موسى قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : \" كمل من الرجال كثير ولم يكمل من النساء غير مريم بنتِ عمران وآسية امرأة فرعون وإنّ فضل عائشة على النساء كفضل الثريد على سائر الطعام \" قال علماؤنا رحمة الله عليهم : الكمال هو التناهي والتمام ؛ ويقال في ماضيه \"كمل\" بفتح الميم وضمها ، ويكمل في مضارعه بالضم ، وكمال كل شيء بحسبِه.\rوالكمال المطلق إنما هو لله تعالى خاصة.\rولا شك أن أكمل نوع الإنسان الأنبياء ثم يليهم الأولياء من الصدّيقين والشهداء والصالحين.\rوإذا تقرّر هذا فقد قيل : إن الكمال المذكور في الحديث يعني به النبوّة فيلزم عليه أن تكون مريم عليها السلام وآسية نبيّتين ، وقد قيل بذلك.\rوالصحيح أن مريم نبيّة ؛ لأن الله تعالى أوحى إليها بواسطة الملك كما أوحى إلى سائر النبيين حسب ما تقدّم ويأتي بيانه أيضاً في \"مريم\". (1)\rوأما آسية فلم يرِد ما يدل على نبوّتها دلالة واضحة بل على صدّيقيتها وفضلها ، على ما يأتي بيانه في \"التحريم\".\r_____________\r(1) هذا الكلام محل نظر والصحيح خلافه كما ذكر الفخر الرازى لقوله تعالى {وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ إِلاَّ رِجَالاً نُّوحِى إِلَيْهِمْ مّنْ أَهْلِ القرى} [ يوسف : 109 ] وإذا كان كذلك كان إرسال جبريل عليه السلام إليها إما أن يكون كرامة لها ، وهو مذهب من يجوز كرامات الأولياء ، أو إرهاصاً لعيسى عليه السلام ، وذلك جائز عندنا. انتهى كلام الفخر رحمه الله وهو فى غاية القوة.\rوقال ابن عطية : جمهور الناس على أنه لم تنبأ امرأة. أ هـ {المحرر الوجيز حـ 1 صـ 434} والله أعلم.","part":13,"page":147},{"id":5376,"text":"وروي من طرق صحيحة أنه عليه السلام قال فيما رواه عنه أبو هريرة : \" خير نساء العالمين أربع مريم بنت عمران وآسية بنت مزاحم امرأة فرعون وخديجة بنت خويلد وفاطمة بنت محمد \" ومن حديث ابن عباس عن النبيّ صلى الله عليه وسلم : \" أفضل نساء أهل الجنة خديجة بنت خويلد وفاطمة بنت محمد ومريم بنت عمران وآسية بنت مزاحم امرأة فرعون \" وفي طريق آخر عنه : \" سيدة نساء أهل الجنة بعد مريم فاطمة وخديجة \" فظاهر القرآن والأحاديث يقتضي أن مريم أفضل من جميع نساء العالم من حوّاء إلى آخر امرأة تقوم عليها الساعة ؛ فإن الملائكة قد بلغتها الوحي عن الله عز وجل بالتكليف والإخبار والبشارة كما بلغت سائر الأنبياء ؛ فهي إذاً نبيّة والنبيّ أفضل من الوليّ فهي أفضل من كل النساء : الأوّلين والآخرين مطلقاً.\rثم بعدها في الفضيلة فاطمة ثم خديجة ثم آسِية.\rوكذلك رواه موسى بن عقبة عن كُرَيْب عن ابن عباس قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : \" سيدة نساء العالمين مريم ثم فاطمة ثم خديجة ثم آسِية \"\rوهذا حديث حسن يرفع الإشكال.\rوقد خصّ الله مريم بما لم يؤته أحداً من النساء ؛ وذلك أن روح القدس كلمها وظهر لها ونفخ في دِرعها ودنا منها للنفخة ؛ فليس هذا لأحد من النساء.","part":13,"page":148},{"id":5377,"text":"وصدّقت بكلمات ربها ولم تسأل آية عندما بُشِّرت كما سأل زكريا صلى الله عليه وسلم من الآية ؛ ولذلك سماها الله في تنزيله صِدّيقة فقال : { وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ } [ المائدة : 75 ].\rوقال : { وَصَدَّقَتْ بِكَلِمَاتِ رَبَّهَا وَكُتُبِهِ وَكَانَتْ مِنَ القانتين } [ التحريم : 12 ] فشهد لها بالصدّيقية وشهد لها بالتصديق لكلمات البشرى وشهد لها بالقُنُوت.\rوإنما بشر زكريا بغلام فلحظ إلى كبر سنه وعقامة رحم امرأته فقال : أنى يكون لي غلام وامرأتي عاقر ؛ فسأل آية ؛ وبشرت مريم بالغلام فلحظت أنها بِكْرٌ ولم يمسسها بشر فقيل لها : { كذلك قَالَ رَبُّكَ } [ مريم : 21 ] فاقتصرت على ذلك ، وصدقت بكلمات ربها ولم تسأل آية ممن يعلم كُنْه هذا الأمر (1) ، ومن لأمرأة في جميع نساء العالمين من بنات آدم ما لها من هذه المناقب!.\rولذلك روي أنها سبقت السابقين مع الرسل إلى الجنة ؛ جاء في الخبر عنه صلى الله عليه وسلم : \" لو أقسمتُ لبرَرْتُ لا يدخل الجنة قبل سابقي أمتي إلا بضعة عشر رجلاً منهم إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط وموسى وعيسى ومريم ابنة عمران \" (2) وقد كان يحِق على من انتحل علم الظاهر\r______________\r(1) يفهم من هذا الكلام أنها أفضل من زكريا ـ عليه السلام ـ وليس الأمر كذلك فنبوتها محل اختلاف بين العلماء وإن كنا نرجح القول بعدم نبوتها بخلاف زكريا ـ عيه السلام ـ فنبوته محل اتفاق فكيف تفضله مريم ؟ ؟ !!!\rوقد تقدم أنه طلب من الله آية وعلامة ليتعجل شكر النعمة وهذا شأن المصطفين الأخيار. والله أعلم.\r(2) كيف تسبق السابقين من الرسل ؟ ؟ !!!\rوأبو بكر رضى الله عنه أفضل منها \" ما طلعت الشمس ولا غربت على رجل بعد النبيين أفضل من أبى بكر.","part":13,"page":149},{"id":5378,"text":"واستدل بالأشياء الظاهرة على الأشياء الباطنة أن يعرف قول رسول الله صلى الله عليه وسلم : \" أنا سيد ولد آدم ولا فخر \" وقوله حيث يقول : \" لِواء الحمد يوم القيامة بيدي ومفاتيح الكرم بيدي وأنا أوّل خطيب وأوّل شفيع وأوّل مُبشِّر وأوّل وأوّل \" فلم ينْل هذا السّؤدد في الدنيا على الرسل إلا لأمر عظيم في الباطن.\rوكذلك شأن مريم لم تنل شهادة الله في التنزيل بالصدّيقية والتصديق بالكلمات إلا لمرتبة قريبة دانية.\rومن قال لم تكن نبية قال : إن رؤيتها للملك كما رؤي جبريل عليه السلام في صفة دِحية الكلبي حين سؤاله عن الإسلام والإيمان ولم تكن الصحابة بذلك أنبياء والأوّل أظهر وعليه الأكثر. والله أعلم. أ هـ {تفسير القرطبى حـ 4 صـ 82 ـ 84}","part":13,"page":150},{"id":5379,"text":"من فوائد العلامة الآلوسى فى الآية\rقال رحمه الله :\r{ وَإِذْ قَالَتِ الملائكة } تتمة لشرح أحكام اصطفاء آل عمران ، ووقعت قصة زكريا ، ويحيى عليهما السلام في البين لما فيها مما يؤكد ذلك الاصطفاء ، و{ إِذْ } في المشهور منصوب بالذكر ، والجملة معطوفة على الجملة السابقة عطف القصة على القصة وبينهما كمال المناسبة لأن تلك مسوقة أولاً وبالذات لشرح حال الأم وهذه لشرح حال البنت ، والمراد من الملائكة رئيسهم جبريل عليه السلام ، والكلام هنا كالكلام فيما تقدم ، وجوز أبو البقاء كون الظرف معطوفاً على الظرف السابق وناصبه ناصبه والأول أولى ، والمراد : اذكر أيضاً من شواهد اصطفاء أولئك الكرام وقت قول الملائكة عليهم السلام { الملائكة يامريم إِنَّ الله اصطفاك } أي اختارك من أول الأمر ولطف بك وميزك على كل محرر وخصك بالكرامات السنية ، والتأكيد اعتناءاً بشأن الخبر وقول الملائكة لها ذلك كان شفاها على ما دلت عليه الأخبار ونطقت به الظواهر ، وفي بعض الآثار ما يقتضي تكرر هذا القول من الملائكة لها ، فقد أخرج ابن جرير عن ابن إسحاق أنه قال : كانت مريم حبيساً في الكنيسة ومعها فيها غلام اسمه يوسف وقد كان أمه وأبوه جعلاه نذيراً حبيساً فكانا في الكنيسة جميعاً وكانت مريم إذا نفد ماؤها وماء يوسف أخذا قلتيهما فانطلقا إلى المغارة التي فيها الماء فيملآن ثم يرجعان والملائكة في ذلك مقبلة على مريم بالبشارة يا مريم إن الله اصطفاك الآية فإذا سمع ذلك زكريا عليه السلام قال : إن لابنة عمران لشأناً ، وقيل : إن الملائكة عليهم السلام ألهموها ذلك ، ولا يخفى أن تفسير القول بالإلهام وإسناده للملائكة خلاف الظاهر وإن كان لا مانع من أن يكون بواسطتهم أيضاً على أنه قول لا يعضده خبر أصلاً ، وعلى القول الأولى يكون التكليم من باب الكرامة التي يمنّ بها الله سبحانه على خواص عباده ، ومن أنكرها زعم أن ذلك إرهاص وتأسيس لنبوة عيسى عليه السلام أو معجزة لزكريا عليه السلام ، وأورد على الأول أن","part":13,"page":151},{"id":5380,"text":"الإرهاص في المشهور أن يتقدم على دعوى النبوة ما يشبه المعجزة كإظلال الغمام لرسول الله صلى الله عليه وسلم وتكلم الحجر معه ، وهذا بظاهره يقتضي وقوع الخارق على يد النبي صلى الله عليه وسلم لكن قبل أن ينبأ لا على يد غيره كما فيما نحن فيه ، ويمكن أن يدفع بالعناية ؛ وأورد على الثاني بأنه بعيد جداً إذ لم يقع الكلام مع زكريا عليه السلام ولم يقترن ذلك بالتحدي أيضاً فكيف يكون معجزة له ، واستدل بهذه الآية من ذهب إلى نبوة مريم لأن تكليم الملائكة يقتضيها ، ومنعه اللقاني بأن الملائكة قد كلموا من ليس بنبي إجماعاً فقد روي أنهم كلموا رجلاً خرج لزيارة أخ له في الله تعالى وأخبروه أن الله سبحانه يحبه كحبه لأخبه فيه ولم يقل أحد بنبوته ، وادعى أن من توهم أن النبوة مجرد الوحي ومكالمة الملك فقد حاد عن الصواب.\rومن الناس من استدل على عدم استنباء النساء بالإجماع وبقوله تعالى : { وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ إِلاَّ رِجَالاً } [ الأنبياء : 7 ] ولا يخفى ما فيه ، أما أولاً : فلأن حكاية الإجماع في غاية الغرابة فإن الخلاف في نبوة نسوة كحواء ، وآسية ، وأم موسى ، وسارة ، وهاجر ، ومريم موجود خصوصاً مريم فإن القول بنبوتها شهير ، بل مال الشيخ تقي الدين السبكي في \"الحلبيات\" ، وابن السيد إلى ترجيحه ، وذكر أن ذكرها مع الأنبياء في سورتهم قرينة قوية لذلك. وأما ثانياً : فلأن الاستدلال بالآية لا يصح لأن المذكور فيها الإرسال وهو أخص من الاستنباء على الصحيح المشهور ، ولا يلزم من نفي الأخص نفي الأعم فافهم.","part":13,"page":152},{"id":5381,"text":"{ وَطَهَّرَكِ } أي من الأدناس والأقذار التي تعرض للنساء مثل الحيض والنفاس حتى صرت صالحة لخدمة المسجد قاله الزجاج وروي عن الحسن وابن جبير أن المراد طهرك بالإيمان عن الكفر وبالطاعة عن المعصية ، وقيل : نزهك عن الأخلاق الذميمة والطباع الرديئة ، والأولى الحمل على العموم أي طهرك من الأقذار الحسية والمعنوية والقلبية والقالبية. أ هـ {روح المعانى حـ 3 صـ 154ـ 155}\rلطيفة\rقال ابن عجيبة :\rلا يصطفي الله العبدَ لحضرته إلا بعد تطهيره من الرذائل ، وتحليته بأنواع الفضائل ، وقطعه عن قلبه الشواغل ، والقيام بوظائف العبودية ، وبالآداب مع عظمة الربوبية ، والخضوع تحت مجاري الأقدار ، والتسليم لأحكام الواحد القهار. أ هـ {البحر المديد حـ 1 صـ 277}","part":13,"page":153},{"id":5382,"text":"قوله تعالى { يَا مَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ وَاسْجُدِي وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ (43)}\rمناسبة الآية لما قبلها\rقال البقاعى :\rولما أخبرها سبحانه وتعالى بما اختصها به أمرها بالشكر فقال : {يا مريم اقنتي} أي أخلصي أفعالك للعبادة {لربك} الذي عودك الإحسان بأن رباك هذه التربية.\rولما قدم الإخلاص الذي هو روح العبادة أتبعه أشرفها فقال : {واسجدي} فإن أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد.\rقال الحرالي : وكان من اختصاص هذا الاصطفاء العلي - أي الثاني - ما اختصها من الخطاب بالركوع الذي لحقت به بهذه الأمة الراكعة التي أطلعها الله سبحانه وتعالى من سر عظمته التي هي إزاره على ما لم يطلع عليه أحداً ممن سواها في قوله : {واركعي مع الراكعين} كما قال لبني إسرائيل عند الأمر بالملة المحمدية {واركعوا مع الراكعين} [ البقرة : 43 ] - إلى ما يقع من كمال ما بشرت به حيث يكلم الناس كهلاً في خاتمة اليوم المحمدي ، ويكمل له الوجود الإنساني حيث يتزوج ويولد له - كما ذكر ، ولك كله فيما يشعر به ميم التمام في ابتداء الاسم وانتهائه ، وفيما بين التمامين من كريم التربية لها ما يشعر به الراء من تولي الحق لها في تربيتها ورزقها ، وما تشعر به الياء من كمالها الذي اختصت على عالمها - انتهى. أ هـ {نظم الدرر حـ 2 صـ 79 ـ 80}\rفصل\rقال الفخر :\rوفي الآية سؤالات :\rالسؤال الأول : لم قدم ذكر السجود على ذكر الركوع ؟ .\rوالجواب من وجوه\rالأول : أن الواو تفيد الاشتراك ولا تفيد الترتيب\rالثاني : أن غاية قرب العبد من الله أن يكون ساجداً قال عليه الصلاة والسلام : \" أقرب ما يكون العبد من ربه إذا سجد \" فلما كان السجود مختصاً بهذا النوع من الرتبة والفضيلة لا جرم قدمه على سائر الطاعات.","part":13,"page":154},{"id":5383,"text":"ثم قال : {واركعى مَعَ الركعين} وهو إشارة إلى الأمر بالصلاة ، فكأنه تعالى يأمرها بالمواظبة على السجود في أكثر الأوقات ، وأما الصلاة فإنها تأتي بها في أوقاتها المعينة لها\rوالثالث : قال ابن الأنباري : قوله تعالى : {اقنتى} أمر بالعبادة على العموم ، ثم قال بعد ذلك {واسجدى واركعى} يعني استعملي السجود في وقته اللائق به ، واستعملي الركوع في وقته اللائق به ، وليس المراد أن يجمع بينهما ، ثم يقدم السجود على الركوع والله أعلم\rالرابع : أن الصلاة تسمى سجوداً كما قيل في قوله {وأدبار السجود} [ ق : 40 ] وفي الحديث \" إذا دخل أحدكم المسجد فليسجد سجدتين \" وأيضاً المسجد سمي باسم مشتق من السجود والمراد منه موضع الصلاة ، وأيضاً أشرف أجزاء الصلاة السجود وتسمية الشيء باسم أشرف أجزائه نوع مشهور في المجاز.\rإذا ثبت هذا فنقول قوله {يامريم اقنتى} معناه : يا مريم قومي ، وقوله {واسجدى} أي صلي فكان المراد من هذا السجود الصلاة ، ثم قال : {واركعى مَعَ الراكعين} إما أن يكون أمراً لها بالصلاة بالجماعة فيكون قوله {واسجدى} أمراً بالصلاة حال الانفراد ، وقوله {واركعى مَعَ الراكعين} أمراً بالصلاة في الجماعة ، أو يكون المراد من الركوع التواضع ويكون قوله {واسجدى} أمراً ظاهراً بالصلاة ، وقوله {واركعى مَعَ الراكعين} أمراً بالخضوع والخشوع بالقلب.\rالوجه الخامس في الجواب : لعلّه كان السجود في ذلك الدين متقدماً على الركوع.\rالسؤال الثاني : أما المراد من قوله {واركعى مَعَ الركعين }.\rوالجواب : قيل معناه : افعلي كفعلهم ، وقيل المراد به الصلاة في الجماعة كانت مأمورة بأن تصلي في بيت المقدس مع المجاورين فيه ، وإن كانت لا تختلط بهم.\rالسؤال الثالث : لم لم يقل واركعي مع الراكعات ؟\rوالجواب لأن الاقتداء بالرجال حال الاختفاء من الرجال أفضل من الاقتداء بالنساء. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 8 صـ 39}\rفائدة\rقال الفخر :\rاعلم أن المفسرين قالوا : لما ذكرت الملائكة هذه الكلمات مع مريم عليها السلام شفاها ، قامت مريم في الصلاة حتى ورمت قدماها وسال الدم والقيح من قدميها. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 8 صـ 40}","part":13,"page":155},{"id":5385,"text":"من فوائد الآلوسى فى الآية\r{ يامريم اقنتى لِرَبّكِ } الظاهر أنه من مقول الملائكة أيضاً وصوها بالمحافظة على الصلاة بعد أن أخبروها بعلو درجتها وكمال قربها إلى الله تعالى لئلا تفتر ولا تغفل عن العبادة ، وتكرير النداء للإشارة إلى الاعتناء بما يرد بعد كأنه هو المقصود بالذات وما قبله تمهيد له. والقنوت إطالة القيام في الصلاة قاله مجاهد أو إدامة الطاعة قاله قتادة وإليه ذهب الراغب ، أو الإخلاص في العبادة قاله سعيد بن جبير أو أصل القيام في الصلاة قاله بعضهم والتعرض لعنوان الربوبية للإشعار بعلة وجوب امتثال الأوامر { واسجدى واركعى مَعَ الركعين } يحتمل أن يكون المراد من ذلك كله الأمر بالصلاة إلا أنه أمر سبحانه بها بذكر أركانها مبالغة في إيجاب المحافظة عليها لما أن في ذكر الشيء تفصيلاً تقريراً ليس في الإجمال ، ولعل تقديم السجود على الركوع لأنه كذلك في صلاتهم ، وقيل : لأنه أفضل أركان الصلاة وأقصى مراتب الخضوع ، وفي الخبر \" أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد \" أو للتنبيه على أن الواو لا توجب الترتيب أو ليقترن { اركعي } بالراكعين للإيذان بأنّ مَن ليس في صلاتهم ركوع ليسوا مصلين ، وكل من هذه الأوجه لا يخلو عن دغدغة ، أما أولاً : فلأنه إنما يتم على القول بأن القيام ليس أفضل من السجود كما نقل عن الإمام الشافعي ، وأما الثاني : فلأن خطاب القرآن مع من يعلم لغة العرب لا مع من يتعلم منه اللغة ، وأما الثالث : فلأن تماميته تتوقف على بيان وجه أنه لم يعبر بالساجدين تنبيهاً على أن من لا سجدة في صلاته ليس من المصلين ؟ وكان وجه ذلك ما يستفاد من كلام الزمخشري حيث قال : \"ويحتمل أن يكون في زمانها من كان يقوم ويسجد في صلاته ولا يركع\" ، وفيه من يركع فأمرت بأن تركع مع الراكعين ولا تكون مع من لا يركع ، فالنكتة في التعبير ما جعلت نكتة في ذكر { واسجدى واركعى مَعَ الركعين } واعترضه أيضاً بعضهم بأنه إذا قدم الركوع ، وقيل : ( واركعي مع الراكعين","part":13,"page":156},{"id":5386,"text":"واسجدي ) يحصل ذلك المقصود ، ولا مدخل للتقديم والتأخير في إفادة ذلك ، وقيل : المراد بالسجود وحده الصلاة كما في قوله تعالى : { وأدبار السجود } [ ق : 40 ] والتعبير عن الصلاة بذلك من التعبير بالجزء عن الكل ويراد بالركوع الخشوع والتواضع وكأن أمرها بذلك حفظاً لها من الوقوع في مهاوي التكبر والاستعلاء بما لها من علو الدرجة ، والاحتمال الأول هو الظاهر ، ويؤيده ما أخرجه ابن جرير عن الأوزاعي قال : \"كانت تقوم حتى يسيل القيح من قدميها\" وما أخرجه ابن عساكر في الآية عن أبي سعيد قال : \"كانت مريم تصلي حتى تورم قدماها\" والأكثرون على أن فائدة قوله سبحانه : { مَعَ الراكعين } الإرشاد إلى صلاة الجماعة ، وإليه ذهب الجبائي ، وذكر بعض المحققين على أن نكتة التعبير بذلك في المقام دون واسجدي مع الساجدين الإشارة إلى أن من أدرك الركوع مع الإمام فقد أدرك ركعة من الصلاة ، وعورض بأنه لو قيل : واسجدي مع الساجدين لربما كان فيه إشارة إلى أن من أدرك السجود مع الإمام فقد أدرك الجماعة ، ولعل هذه الإشارة أولى من الأولى في هذا المقام ، واستلزام ذلك أن من أدرك ما بعد السجود معه لا يدرك الجماعة في حيز المنع ، ولا يخفى أن المعارض والمعارض ليسا بشيء عند المنصفين ، وأحسن منهما ما أشار إليه صاحب \"الكشاف\" ، وزعم بعضهم أن { مَّعَ } مجاز عن الموافقة في الفعل فقط دون اجتماع أي افعلي كفعل الراكعين وإن لم توقعي الصلاة معهم قال : لأنها كانت تصلي في محرابها ، وأيضاً إنها كانت شابة وصلاة الشواب في الجماعة مكروهة ، واعترض بأنه ارتكاب للتجوز الذي هو خلاف الأصل من غير داع ، وكونها كانت تصلي في محرابها أحياناً مسلم لكن لا يدل على المدعى ، ودائماً مما لا دليل عليه وبفرضه لا يدل على المدعي أيضاً لجواز اقتدائها وهي في المحراب ، وكراهة صلاة الشابة في الجماعة لم يتحقق عندنا ثبوتها في شرع من قبلنا ، على أن الماتريدي نفى كراهة صلاة مريم","part":13,"page":157},{"id":5387,"text":"في الجماعة وإن كانت شابة ، وقلنا : بكراهة صلاة الشواب في شرعهم أيضاً ، وعلله بكون القوم الذين كانت تصلي معهم كانوا ذوي قرابة منها ورحم ، ولذلك اختصموا في ضمها وإمساكها ، وربما يعلل بعدم خشية الفتنة وإن كانوا أجانب ، ويستأنس لهذا بذهابها مع يوسف لملء القلة في المغارة ، ولعل أولئك الذين تركع معهم من هذا القبيل ، وإن قلنا : إنها تقتدي وهي في محرابها إما وحدها أو مع نسوة زال الإشكال ، وجاء { مَعَ الراكعين } دون الراكعات لأن هذا الجمع أعم إذ يشمل الرجال والنساء على سبيل التغليب ، ولمناسبة رؤوس الآي ، ولأن الاقتداء بالرجال أفضل إن قلنا : إنها مأمورة بصلاة الجماعة.\rوادعى بعضهم أن في التعبير بذلك مدحاً ضمنياً لمريم عليها السلام ولم يقيد الأمرين الأخيرين بما قيد به الأمر الأول اكتفاءاً بالتقييد من أول وهلة ، وقال شيخ الإسلام : إن تجريد الأمر بالركنين الأخيرين عما قيد به الأول لما أن المراد تقييد الأمر بالصلاة بذلك ، وقد فعل حيث قيد به الركن الأول منها ، ولعل ما ذكرناه أولى لأنه مطرد على سائر الأقوال في القنوت ، وأهرج ابن أبي داود في \"المصاحف\" عن ابن مسعود رضي الله تعالى عنه أنه كان يقرأ ( واركعي واسجدي في الساجدين ). أ هـ {روح المعانى حـ 3 صـ 156 ـ 157}","part":13,"page":158},{"id":5388,"text":"من فوائد ابن القيم فى الآية :\rقوله تعالى {اركعي مع الراكعين} ولم يقل اسجدي مع الساجدين فإنما عبر بالسجود عن الصلاة وأراد صلاتها في بيتها لأن صلاة المرأة في بيتها أفضل من صلاتها مع قومها ثم قال لها اركعي مع الراكعين أي صلي مع المصلين في بيت المقدس ولم يرد أيضا الركوع وحده دون أجزاء الصلاة ولكنه عبر بالركوع عن الصلاة كما تقول ركعت ركعتين وأربع ركعات يريد الصلاة لا الركوع بمجرده فصارت الآية متضمنة لصلاتين صلاتها وحدها عبر عنها بالسجود لأن السجود أفضل حالات العبد وكذلك صلاة المرأة في بيتها أفضل لها ثم صلاتها في المسجد عبر عنها بالركوع لأنه في الفضل دون السجود وكذلك صلاتها مع المصلين دون صلاتها وحدها في بيتها ومحرابها وهذا نظم بديع وفقه دقيق وهذه نبذ تسير بك إلى ما وراءها ترشدك وأنت صحيح {وطهر بيتي للطائفين والقائمين والركوع السجود}\r{وطهر بيتي للطائفين والقائمين والركع السجود} الحج 26\rبدأ بالطائفين للرتبة والقرب من البيت المأمور بتطهيره من أجل الطوافين وجمعهم جمع السلامة لأن جمع السلامة أدل على لفظ الفعل الذي هو علة تعلق بها حكم التطهير ولو كان مكان الطائفين الطواف لم يكن في هذا اللفظ من بيان قصد الفعل ما في قوله للطائفين ألا ترى أنك تقول تطوفون كما تقول طائفون فاللفظان متشابهان. أهـ { بدائع الفوائد حـ63 }","part":13,"page":159},{"id":5389,"text":"فصل\rقال البقاعى :\rوالمراد باتباع قصتها لما مضى التنبيه على انخراطها في سلك ما مضى من أمر آدم ويحيى إفصاحاً ، وإبراهيم في ابنيه إلاحة في خرق العادة فيهم ، وأن تخصيصها بالإنكار أو التعجب والتنازع مع الإقرار بأمرهم ليس من أفعال العقلاء ؛ والظاهر أن المراد بالسجود في هذا المقام ظاهره وبالركوع الصلاة نفسها ، فكأنه قيل : واسجدي مصلية ولتكن صلاتك مع المصلين أي في جماعة ، فإنك في عداد الرجال لما خصصت به من الكمال ، ولم يقل : مع الراكعات ، لأن الاقتداء بالرجال أفضل وأشرف وأكمل ، وإنما قلت هذا لأني تتبعت التوراة فلم أره ذكر فيها الركوع في صلاة إبراهيم عليه السلام ولا من بعده من الأنبياء عليهم الصلاة والسلام ولا أتباعهم إلا في موضع واحد لا يحسن جعله فيه على ظاهره ، ورأيته ذكر الصلاة فيها على ثلاثة أنحاء : الأول إطلاق لفظها من غير بيان كيفية ، والثاني إطلاق لفظ السجود مجرداً ، والثالث إطلاقه مقروناً بركوع أو جثو أو خرور على الوجه ونحو ذلك ؛ ففي السفر الأول منها في قصة إبراهيم عليه الصلاة والسلام حين ماتت زوجته سارة رضي الله تعالى وسأل بني حاث أهل تلك الأرض أن يعطوه مكاناً يدفنها فيه فأجابوه : فقام إبراهيم فسجد لشعب الأرض بني حاث وكلمهم ؛ وفيه في قصة ربانية قال : وسجد على الأرض وقال : يا رب - فذكر دعاء ثم قال : وصلى إبراهيم بين يدي الرب ؛ وفيه في قصة عبد لإبراهيم عليه الصلاة والسلام أنه ذهب إلى بلاد حران يخطب لإسحاق عليه السلام امرأة فظفر بقصده : فجثا الرجل - أي عبد إبراهيم - على الأرض فسجد للرب وقال : تبارك الله رب سيدي إبراهيم ؛ وفيه لما أجابه أهل المرأة : فلما سمع غلام إبراهيم كلامهم سجد على الأرض قدام المرأة ، وفيه عند لقاء عيصو لآخيه يعقوب عليه الصلاة والسلام : فدنت الأمان وأولادهما فسجدوا - أي لعيصوا ، ودنت ليا وولدها فسجدوا ؛ فلما كان أخيراً دنت راحيل ويوسف فسجدوا ؛ وفيه في قصة يوسف عليه السلام : ودنا","part":13,"page":160},{"id":5390,"text":"إخوته فخروا له سجداً وقالوا له : ها نحن لك عبيد ؛ وفي السفر الثاني عند قدوم موسى عليه الصلاة والسلام إلى بني إسرائيل وإخباره لهم بإرسال الله سبحانه وتعالى له وإظهاره لهم الآيات : فآمن الشعب وسمعوا أن الرب قد ذكر بني إسرائيل وأبصر إلى خضوعهم وجثا الشعب وسجدوا للرب ؛ وفيه في خروجهم من مصر : فركع الشعب كله ساجداً لله سبحانه وتعالى ؛ وفيه : فاستعجل موسى فخر على وجهه على الأرض ساجداً ؛ وفيه في تلقي موسى عليه السلام لختنه شعيب عليهما السلام إذ جاءه يهنئه بما أنعم الله عليه بعد غرق فرعون : فخرج موسى يتلقى ختنه وسجد له وقبله وسأل كل منهما عن سلامة صاحبه ؛ وفيه : وقال الله سبحانه وتعالى لموسى عليه الصلاة والسلام عند ما بشره بقتل الكنعانيين وغيرهم من سكان بلاد القدس : لا تسجدوا لآلهتهم ولا تعبدوها ولا تفعلوا كأفعالهم - بل كبهم كباً على وجوههم وكسر أصنامهم - واعبدوا الرب إلهكم ، وفي أوائل السفر الثالث في ذكر ظهور مجد الرب لهم في قبة الزمان التي كانوا يصلون إليها على حياة موسى عليه الصلاة والسلام : وعاين ذلك جميع الشعب وحمدوا الله سبحانه وتعالى وخر الشعب كله على وجهه ، وفي الرابع عندما هم بنو إسرائيل بالرجوع إلى مصر تضجراً من حالهم : فخر موسى وهارون عليهما السلام على وجوههما ساجدين بين يدي جماعة بني إسرائيل كلها ؛ وفيه : وكلم الرب موسى وهارون وقال لهما : تنحيا عن هذه الجماعة لأني مهلكها ، فخرا ساجدين على وجوههما ؛ وفيه عندما تذمروا عليه من أجل العطش : فجاء موسى وهارون من عند الجماعة إلى باب قبة الزمان فخرا على وجوههما فظهر لهما مجد الرب - فذكر قصة ضرب الحجر بالعصا وانفجار الماء ؛ وفيه في قصة بلعام بن باعور حين رأى ملكاً في طريقه فجثا على وجهه ساجداً.","part":13,"page":161},{"id":5391,"text":"وأما إطلاق لفظ الصلاة فقال في آخر السفر الثاني : وكان إذا خرج موسى عليه الصلاة والسلام إلى قبة الزمان كان جميع الشعب يقفون ويستعد كل امرىء منهم على باب خيمته ، وينظرون إلى موسى عليه الصلاة والسلام من خلفه حتى يدخل إلى القبة ، وإذا دخل موسى القبة كان ينزل عمود السحاب فيقف على باب القبة ، ويكلم موسى وكان جميع الشعب ينظرون إلى عمود السحاب واقفاً على باب القبة وكان يقف جميع الشعب ويصلي كل امرىء منهم على باب خيمته ؛ وفيه : وعمل سطلاً من نحاس فنصبه عند منظر النسوة اللاتي يأتين فيصلين على باب قبة الأمد.","part":13,"page":162},{"id":5392,"text":"وكل ما فيها من ذكر الصلاة فهكذا يطلق لفظه غير مقرون بما يرشد إلى كيفية ، فلا فائدة في سرده ؛ وهذا القبة أمر الله سبحانه وتعالى موسى عليه الصلاة والسلام باتخاذها مظهر المجد وأن يجعلها كهيئة الغمام الذي ظهر له مجده تعالى فيه في جبل طور سيناء ، وهي من غرائب الدهر في الارتفاع والسعة والهيئة ، ففيها من الخشب والبيوت والتوابيت والأعمدة والجواهر وصفائح الذهب والفضة والنحاس والسرداقات والستور من الحرير والأرجوان والكتاب والأطناب وغير ذلك مما يكل عنه الوصف ، وكله بنص من الله سبحانه وتعالى على الطول والعرض والوزن والمحل بحيث إنه كان فيها من صفائح الذهب ومساميره ونحوها تسعة وعشرون قنطاراً وأربعمائة وثلاثون مثقالاً بمثقال القدس ، ومن الفضة مائة قنطار وألف وسبعمائة وسبعون مثقالاً ، ومن النحاس سبعون قنطاراً وألفان وأربعمائة مثقال ؛ وكانت هذه القبة تنصب في مكان من الأرض وينزل بنو لاوي سبط موسى عليه الصلاة والسلام وهارون حولها يخدمونها بين يدي هارون عليه الصلاة والسلام وبنيه ، ومن دنا منها من غيرهم احترق ، وينزل أسباط بني إسرائيل حول بني لاوي ، لكل سبط منزلة لا يتعداها من شرقها وغربها وجنوبها وشمالها ، كل ذلك بأمر من الله سبحانه وتعالى لموسى عليه الصلاة والسلام ؛ وكان السحاب يغشاها بالنهار ، وكان النار تضيء عليها بالليل وتزهر ، فما دام السحاب مجللاً لها فهم مقيمون ، فإذا ارتفع عنها كان إذناً في سفرهم.","part":13,"page":163},{"id":5393,"text":"فالذي فهمته من هذه الأماكن وغيرها أن الصلاة عندهم تطلق على الدعاء وعلى فعل هو مجرد السجود ، فإن ذكر معه ما يدل على وضع الوجه على الأرض فذاك حينئذٍ يسمى صلاة ، وإلاّ كان المراد به مطلق الانحناء للتعظيم ، وذلك موافق للغة ، قال في القاموس : سجد : خضع ؛ والخضوع التطأمن ، وأما المكان الذي فيه ذكر الركوع فالظاهر أن معناه : فصلى الشعب كله ساجداً لله سبحانه وتعالى ، لأن الركوع في اللغة يطلق على معان منها الصلاة ، يقال : ركع - أي صلى ، وركع - إذا انحنى كبواً ، والراكع من يكبو على وجهه ، ولا يصح حمل الركوع على ظاهره ، لأنه لا يمكن في حال السجود ، وإن ارتكب فيه تأويل لم يكن بأولى مما ذكرته في الركوع - والله سبحانه وتعالى أعلم ، واحتججت باللغة لأن مترجم النسخة التي وقعت لي في عداد البلغاء ، يعرف ذلك من تأمل مواقع ترجمته لها ، على أني سألت عن صلاة اليهود الآن فأخبرت أنه ليس فيها ركوع ، ثم رأيت البغوي صرح في تفسير قوله سبحانه وتعالى : {واركعوا مع الراكعين} [ البقرة : 43 ] بأن صلاتهم لا ركوع فيها ، وكذا ابن عطية وغيرهما.","part":13,"page":164},{"id":5394,"text":"ولما كان المقصود من ذكر هذه الآيات بيان الخوارق التي كانت لآل عمران من زكريا ويحيى وعيسى وأمه عليهم الصلاة والسلام للمجادلة بالحق في أمر عيسى عليه الصلاة والسلام ، وبيان أن ما أشكل عليهم من أمره ليس خارجاً عن إشكال الخوارق في آله ، وكان الرد على كل طائفة بما تعتقد أولى وجب ذكر ذلك من الأناجيل الأربعة الموجودة الآن بين أظهر النصارى : ذكر قصة يحيى عليه الصلاة والسلام في حمله وولادته ونبوته وما اتفق في ذلك من الخوارق من الأناجيل وقد مزجت بين ألفاظها فجعلتها شيئاً واحداً على وجه ألم بعضه بأول أمر المسيح عليه الصلاة والسلام ؛ قال مترجمها في أول إنجيل لوقا : كان في أيام هيرودس ملك اليهودية كاهن ، أي حبر إمام ، اسمه زكريا من خدمة آل أبيا ، وامرأته من بنات هارون واسمها اليصابات ، وكانا كلاهما تقيين قدام الله سائرين ي جميع وصاياه وحقوق الرب بغير عيب ، ولم يكن لهما ولد لأن اليصابات كانت عاقراً ، وكانا كلاهما قد طعنا في أيامهما ، فبينما هو يكهن في أيام ترتيب خدمته أمام الله كعادة الكهنوت إذ بلغته نوبة وضع البخور فجاء ليبخر ، فدخل إلى هيكل الله وجميع الشعب يصلون خارجاً في وقت البخور ، فتراءى له ملاك الرب قائماً عن يمين مذبح البخور ، فلما رآه زكريا اضطرب ووقع عليه خوف فقال له الملاك : لا تخف يا زكريا! قد سمعت طلبتك ، وأمرأتك اليصابات تلد ابناً ، ويدعي اسمه يوحنا ، ويكون لك فرح وتهلل ، وكثير يفرحون بمولده ، يوكون عظيماً قدام الرب ، لا يشرب خمراً ولا سكراً ، ويمتلىء من روح القدس وهو في بطن أمه ، ويعيد كثيراً من بني إسرائيل إلى إلههم ، وهو يتقدم أمامه بالروح وبقوة ألياء ، ويقبل بقلوب الآباء على الأبناء والعصاة إلى علم الأبرار ، ويُعد للرب شعباً مستقيماً ، فقال زكريا للملاك : كيف أعلم هذا وأنا شيخ وامرأتي قد طعنت في أيامها ؟ فأجاب الملاك وقال : أنا جبريل الواقف قدام الله ، أرسلت أكلمك بهذا\rوأبشرك ، ومن الآن تكون صامتاً ، لا تستطيع أن تتكلم إلى اليوم الذي يكون هذا.","part":13,"page":165},{"id":5396,"text":"وكان الشعب منتظرين زكريا متعجبين من إبطائه في الهيكل ، فلما خرج لم يقدر يكلمهم ، فعلموا أنه قد رأى رؤيا في الهيكل ، فكان يشير إليهم ، وأقام صامتاً ، فلما كملت أيام خدمته مضى إلى بيته ، ومن بعد تلك الأيام حملت اليصابات امرأته ، وكتمت حملها خمسة أشهر قائلة : هذا ما صنع بي الرب في الأيام التي نظر إليّ فيها لينزع عني العار بين الناس ، ولما كانت في الشهر السادس أرسل جبريل عليه الصلاة والسلام الملاك من عند الله سبحانه وتعالى إلى مدينة في الجليل تسمى ناصرة إلى عذراء خطيبة لرجل اسمه يوسف من بيت داود ، واسم العذراء مريم ، فلما دخل إليها الملاك قال لها : افرحي يا ممتلئة نعمة الرب معك! مباركة أنت في النساء ، فلما رأته اضطربت من كلامه وفكرت قائلة ما هذا السلام ؟ فقال لها الملاك : لا تخافي يا مريم! فقد ظفرت بنعمة من عند الله سبحانه وتعالى وأنت تقبلين حبلاً وتلدين ابناً ، ويدعى اسمه يسوع ، هذا يكون عظيماً ، وابن العذراء يدعى ، ويعطيه الرب الإله كرسي داود أبيه ، ويملك على بيت يعقوب إلى الأبد ، ولا يكون لملكه انقضاء ، فقالت مريم للملاك : كيف يكون هذا ولا أعرف رجلاً ؟ فأجاب الملاك وقال لها : روح القدس يحل عليك وقوة العلي تقبلك ، فإنه ليس عند الله سبحانه وتعالى أمر عسير ، فقالت مريم : هانذا عبدة الرب فيكون فيّ كقولك ، وانصرف عنها الملاك ، فقامت مريم في تلك الأيام ومضت مسرعة إلى عين كرم إلى مدينة يهودا ، ودخلت إلى بيت زكريا فسلمت على اليصابات ، فلما سمعت اليصابات صوت سلام مريم تحرك الطفل في بطنها ، فامتلأت اليصابات من روح القدس وصرخت بصوت عظيم وقالت : مباركة أنت في النساء! ومباركة ثمرة بطنك! من أين لي هذا أن يأتي أمر ربي إليّ ، منذ وقع صوت سلامك في أذني تحرك الطفل بتهليل في بطني ، فطوبى للتي آمنت أن يتم لها ما قيل من الرب! فقالت مريم : تعظم نفسي بالرب ويتهلل روحي بالله مخلصي لأنه نظر إلى تواضع","part":13,"page":166},{"id":5397,"text":"عبدته ، وقدوس اسمه ، ورحمته لخائفيه ، صنع القوة بذراعه وفرق المستكبرين بفكر قلوبهم ، أنزل القادرين عن الكراسي ورفع المتواضعين ، أشبع الجياع من الخيرات ، فأقامت مريم عليها السلام عندها نحواً من ثلاثة أشهر وعادت إلى بيتها.\rولما تم زمان اليصابات لتلد ولدت ابناً ، فسمع جيرانها وأقاربها أن الرب قد أعظم رحمته معها ، ففرحوا لها ، فلما كانت في اليوم الثامن جاؤوا ليختنوا الصبي ودعوه باسم أبيه زكريا فأجاب أمه قائلة : لا ولكن ادعوه يوحنا ، فقالوا لها : ليس أحد في جنسك يدعى بهذا الاسم ، فأشاروا إلى أبيه : ما تريد أن تسميه ؟ فاستدعى لوحاً وكتب قائلاً : يوحنا ، فتعجب جميعهم ، وانفتح فوه قائلاً من ساعته ولسانه ، وتكلم وبارك ، ووقع خوف عظيم على جميع جيرانهم ، وتُحدث بهذا الكلام في جميع تخوم يهودا ، وفكر جميع السامعين في قلوبهم قائلين : ماذا ترى يكون من هذا الصبي! ويد الرب كانت معه ، فامتلأ زكريا أبوه من روح القدس وبدأ قائلاً : تبارك الرب إله إسرائيل الذي اطلع وصنع نجاة لشعبه وأقام لنا قرن خلاص من بيت داود فتاه كالذي تكلم على أفواه أنبيائه القديسين من الأبد ، خلاص من أعدائنا ومن يدي كل مبغضاً ، صنع رحمة مع آبائنا ، وذكر عهدة القديس : القسم الذي عهد به لإبراهيم أبينا ليعطينا الخلاص بلا خوف من يدي أعدائنا لنخدمه بالبر والعدل قدامه في كل أيام حياتنا ، وأنت ايها الصبي نبي العلاء تدعى ، وتنطلق قدام وجه الرب لتصلح طريقة ليعطي علم الخلاص لشعبه لمغفرة الخطايا بتحنن ورحمة ، إلهنا الذي افتقدنا شرق من العلو ليضيء للجالس في الظلمة وظلال الموت لتستقيم سبل أرجلنا للسلامة.","part":13,"page":167},{"id":5398,"text":"فأما الصبي فكان يشب ويتقوى بالروح وأقام في البرية إلى يوم ظهوره لإسرائيل ، وفي سنة خمس عشرة من ولاية طيباريوس قيصر وفيلاطوس النبطي على اليهودية وهيرودس رئيس الجليل ، وفيلفوس أخوه على ربع الصورية وكورة أبطرحيون وأوساسوس رئيس على ربع الإيليا ، وحنان وقيافا رؤساء الكهنة ، حلت كلمة الله سبحانه وتعالى على يوحنا بن زكريا في البرية فجاء إلى كل البلاد المحيطة بالأردن يكرز بمعمودية التوبة لمغفرة الخطايا - كا هو مكتوب في سفر كلام أشعيا النبي - قائلاً : صوت صارخ في البرية : أعدوا طريق الرب فاصنعوا سبله مستقيمة ، جميع الأودية تمتلىء وجميع الجبال والآكام تتضع ، ويصير الوعر سهلاً والخشنة إلى طريق سهلة ، ويعاين كل ذي جسد خلاص الله سبحانه وتعالى ؛ وفي إنجيل متّى : وفي تلك الأيام جاء يوحنا المعمدان يكرز في برية يهودا ويقول : توبوا فقد اقترب ملكوت السماوات - هذا هو الذي في أشعيا النبي : إذ يقول صوت صارخ ، وقال مرقس : مكتوب في أشعيا النبي : هوذا أنا مرسل ملاكي أمام وجهك ليسهل طريقك قدامك ، ثم استنعى صوت صارخ في البرية : أعدوا طريق الرب وسهلوا سبله ، وكان لباس يوحنا وبر الإبل ، ومنطقته جلداً على حقويه ، وكان طعامه الجراد وعسل البر ، حينئذٍ خرجوا إليه من يروشليم ، وكل اليهودية وجميع كور الأردن ، وكان يعمدهم في نهر الأردن معترفين بخطاياهم ؛ وفي مرقس : كان يوحنا يعمد في القفر ويكرز بمعمودية التوبة لغفران الخطايا ، وكان يخرج إليه جميع كور يهودا وكل يروشليم فيعمدهم في نهر الأردن معترفين بخطاياهم فقال للجمع الذين يأتون إليه ويعتمدون منه : يا ثمرة الأفاعي! وفي متى : فلما رأى كثيراً من الفريسيين والزنادقة يأتون إلى معموديته قال لهم : يا أولاد الأفاعي - ثم اتفق هو ولوقا - من دلكم على الهرب من الغضب الآتي ؟ اعملوا الآن ثماراً تليق بالتوبة ولا تقولوا في نفوسكم : إن أبانا إبراهيم ، أقول لكم : إن الله سبحانه","part":13,"page":168},{"id":5399,"text":"وتعالى قادر أن يقيم من هذه الحجارة أولاداً لإبراهيم ها هوذا الفأس موضوع على أصول الشجر ، وكل شجرة لا تثمر ثمرة طيبة تقطع وتلقى في النار ، فسأله الجموع ، ماذا نصنع ؟ أجاب وقال لهم : من له ثوبان فليعط من ليس له ، ومن له طعام فليصنع مثل ذلك ، فأتى العشارون ليعتمدوا منه فقالوا : ماذا نصنع يا معلم ؟ فقال لهم : لا تفعلوا أكثر مما أمرتم به ، وسأله أيضاً الجند قائلين : ماذان نصنع نحن أيضاً ؟ فقال لهم : لا تعيبوا أحداً ولا تظلموا أحداً ، واكتفوا بأرزاقكم.\rوإن جميع الشعب فكروا في قلوبهم وظنوا أن يوحنا المسيح ، أجابهم يوحنا أجمعين وقال لهم : أما أنا فأعمدكم بالماء للتوبة ، وسيأتي الذي هو أقوى من الذي لا أستحق أن أحل سيور حذائه ؛ وقال متى : لا أستحق أن أحمل حذاءه ؛ وقال مرقس : وكان يبشر قائلاً : الذي يأتي بعدي أوقى مني ، لست أهلاً - أعني لحل سيور حذائه ، أنا أعمدكم بالماء وهو يعمدكم بروح القدس والنار ، الذي بيده المرفش ، ينقي به الذرة ، ويجمع القمح إلى أهرائه ، ويحرق التبن بناء لا تطفأ ، ولا يخبز الشعب ، ويبشرهم بأشياء كثيرة ؛ وفي إنجيل يوحنا : كان إنسان أرسل من الله ، اسمه يوحنا ، جاء للشهادة للنور الذي هو نور الحق الذي يضيء لكل إنسان ، الآتي إلى العالم ، إلى خاصته ، جاء وخاصته لم تقبله ، فأما الذين قبلوه فأعطاهم سلطاناً ، والكلمة صارت جسداً ، وحل فينا ، ورأينا مجده مجداً مثل الوحيد الممتلىء نعمة ، وحقاً يوحنا شهد من أجله وصرخ وقال : هذا الذي قلت إنه يأتي بعدي كان قبلي ، لأنه أقدم مني ، ومن امتلائه نحن بأجمعنا أخذنا نعمة من أجل أن الناموس بموسى أعطى ، والنعمة والحق أوحيا بيسوع المسيح الذي لم يره أحد قط ، الابن الوحيد.","part":13,"page":169},{"id":5400,"text":"هذه شهادة يوحنا إذا أرسل إليه اليهود من يروشليم كهنة ولاويين - أي ناساً من أولاد لاوي - ليسألوه : من أنت ، فاعترف وأقر أني لست المسيح ، فسألوه : فمن ألياء ؟ فقال : لست أنا النبي ، قال : كلا! فقالوا له : فمن أنت لنرد الجواب إلى الذين أرسلونا ، ماذا تقول عن نفسك ؟ قال : أنا الصوت الصارخ في البرية : سهلوا طريق الرب - كما قال أشعيا النبي.\rفأما أولئك الذين أرسلوا فكانوا من الفريسيين فقالوا : ما بالك تعمد إن كنت لست المسيح ولا ألياء ولا النبي ؟ أجابهم يوحنا : أنا أعمدكم بالماء ، وفي وسطكم قائم ذاك الذي ليستم تعرفونه ، الذي يأتي بعدي وهو أقوى مني ، وهو قبلى كان ، ذاك الذي لست مستحقاً أن أحل سيور حذائه.\rهذا كان في بيت عنيا في عبر الأردن حيث كان يوحنا يعمد.","part":13,"page":170},{"id":5401,"text":"قال لوقا : فأما هيرودس رئيس الربع فكان يوحنا يبكته من أجل هيروديا امرأة أخيه فيلفوس ولأجل الشر الذي كان هيرودس يفعله ، وزاد على ذلك أنه طرح يوحنا في السجن ؛ وقال مرقس وقد ذكر آيات أظهرها المسيح : وسمع هيرودس الملك وقال : إن يوحنا المعمدان قام من الأموات ، ومن أجل تلك القوات يعمل ، وقال آخرون : إنه ألياء ، وآخرون : إنه نبي كواحد من الأنبياء ، فلما سمع هيرودس قال : أنا قطعت رأس يوحنا ؛ وفي متى : وفي ذلك الزمان سمع هيرودس رئيس الربع خبر يسوع فقال لغلمانه : هذا هو يوحنا المعمدان ، وهو قام من الأموات ، من أجل هذه القوات يعمل ، وكان هيرودس قد أمسك يوحنا وشده وجعله في السجن ، وقال مرقس : وحبسه من أجل هيروديا امرأة فيلفوس ، لأنه كان قد تزوجها وقال له يوحنا : ما يحل لك أن تأخذ امرأة أخيك ، وكانت هيروديا حنقة عليه تريد قتله ، ولم تقتله لأن هيرودس كان يخاف من يوحنا ، لأنه يعلم أنه رجل صديق قديس ويحفظه ويسمع منه كثيراً بشهوة ، وكان في يوم من الزمان وافى هيرودس مولود ، فصنع وليمة لعظمائه ورؤسائه ومقدمي الجليل ، ودخلت ابنة هيروديا فرقصت ، فوافق ذلك هيرودس وجلساءه ، فقال الملك للصبية : سلي ما أردت فأعطيك! وحلف لها أني أعطيك ما سألت ولو كان نصف ملكي ، فخرجت وقالت لأمها : أي شيء أسأله ؟ فقالت : رأس يوحنا المعمدان ، فرجعت للوقت بسرعة إلى الملك وسألت رأس يوحنا على طبق ، فحزن الملك ، ومن أجل اليمين والمنكبين لم ير منعها ، فأنفذ سيافاً من ساعته وأمر أن يؤتى برأسه في طبق ، فمضى وقطع رأسه في الحبس وجاء به في طبق وأعطاه للصبية ، فأخذته الصبية ودفعته لأمها ؛ وسمع تلاميذه فجاؤوا ورفعوا جثته وجعلوها في قبر ؛ قال متى : وجاء تلاميذه فأخذوا جسده ودفنوه وأتوا فأخبروا يسوع فلما سمع يسوع مضى من هناك في سفينة إلى البرية مفرداً ، فسمع الجمع فتبعوه ماشين من المدن ، فلما خرج أبصر جمعاً كثيراً فتحنن عليهم وأبرأ\rاعلاّءهم ومرضاهم انتهى. أ هـ {نظم الدرر حـ 2 صـ 80 ـ 87}","part":13,"page":171},{"id":5402,"text":"قوله تعالى { ذَلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلَامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُونَ (44)}\rمناسبة الآية لما قبلها\rقال البقاعى :\rولما أتى نبينا صلى الله عليه وسلم بهذه الأخبار الغريبة المحررة العجيبة التي لا يعرفها على وجهها إلا الحذاق من علماء بني إسرائيل كان من حق سامعها أن يتنبه من غفلته ويستيقظ من رقدته ، لأنها منبهة بنفسها للمنصف الفطن على أن الآتي بها - والسامع خبير بأنه لم يخالط عالماً قط - صادقاً لا مرية في صدقه في كل ما يدعيه عن الله سبحانه وتعالى ، وكان من حق من يتنبه أن يبادر إلى الإذعان فيصرح بالإيمان ، فلما لم يفعلوا التفت إلى تنبيه الغبي وتبكيت العتي فقال : {ذلك} أي الخطاب العلي المقام الصادق المرام البديع النظام {من أنباء الغيب نوحيه} أي نجدد إيحاءه في أمثاله {إليك} في كل حين فما كنت لديهم في هذا الذي ذكرناه لك يوماً على هذا التحرير مع الإعجاز في البلاغة ويجوز أن تكون الجملة حالاً تقديرها : {و} الحال أنك {ما كنت} ولما كان هذا مع كونه من أبطن السر هو من أخفى العلم عبر فيه بلدي لما هو في أعلى رتب الغرابة كما تقدم في قوله : {هو من عند الله} وكررها زيادة في تعظيمه وتنبيهاً على أنه مما يستغرب جداً حتى عند أهل الاصطفاء فقال : {لديهم} قال الحرالي : لدى هي عند حاضرة لرفعة ذلك الشيء الذي ينبأ به عنه - انتهى.","part":13,"page":172},{"id":5403,"text":"{إذ يلقون} لأجل القرعة - {أقلامهم} قال الحرالي : جمع قلم ، وهو مظهر الآثار المنبئة عما وراءها من الاعتبار - انتهى {أيهم} أي يستهمون أيهم {يكفل مريم} أي يحضنها ويربيها تنافساً في أمرها لما شرفها الله تعالى به {وما كنت لديهم إذ} أي حين {يختصمون} أي في ذلك حتى نقصّ مثل هذه الأخبار على هذا الوجه السديد - يعني أنه لا وجه لك إلى علم ذلك إلا بالكون معهم إذ ذاك ، أو أخذ ذلك عن أهل الكتاب ، أو بوحي منا ؛ ومن الواضح الجلي أن بعد نسبتك إلى التعلم من البشر كبعد نسبتك إلى الحضور بينهم في ذلك الوقت ، لشهرتك بالنشأة أمياً مباعداً للعلم والعلماء حتى ما يتفاخر به قومك من السجع ومعاناة الصوغ لفنون الكلام على الوجوه الفائقة ، فانحصر إخبارك بذلك في الوحي منا ، وجعل هذا التنبيه في نحو وسط هذا القصص ليكون السامع على ذكر مما مضى ويلقي السمع وهو شهيد لما بقي ، وجعله بعد الافتتاح بقصة مريم عليها السلام تنبيهاً على عظم شأنها وأنها المقصودة بالذات للرد على وفد نصارى نجران ، وكأنه أتبع التنبيه ما كان في أول القصة من اقتراعهم بالأقلام واختصامهم في كفالتها لخفائه إلا على خواص أهل الكتاب ، هذا مع ما في مناسبة الأقلام للبشارة بمن يعلمه الكتاب ، واستمر في إكمال المقال على ذلك الأسلوب الحكيم حتى تمت الحجة واستقامت المحجة فقال تعالى مبدلاً من إذ الأولى إيذاناً بأن ما بينهما اعتراض لما نبه عليه من شريف الأغراض : {إذ قالت الملائكة يا مريم}. أ هـ {نظم الدرر حـ 2 صـ 87 ـ 88}\rفصل\rقال الفخر :\r{ذلك} إشارة إلى ما تقدم ، والمعنى أن الذي مضى ذكره من حديث حنة وزكريا ويحيى وعيسى بن مريم ، إنما هو من إخبار الغيب فلا يمكنك أن تعلمه إلا بالوحي.\rفإن قيل : لم نفيت هذه المشاهدة ، وانتفاؤها معلوم بغير شبهة ، وترك نفي استماع هذه الأشياء من حفاظها وهو موهوم ؟ .","part":13,"page":173},{"id":5404,"text":"قلنا : كان معلوماً عندهم علماً يقينياً أنه ليس من أهل السماع والقراءة ، وكانوا منكرين للوحي ، فلم يبق إلا المشاهدة ، وهي وإن كانت في غاية الاستبعاد إلا أنها نفيت على سبيل التهكم بالمنكرين للوحي مع علمهم بأنه لا سماع ولا قراءة ، ونظيره {وَمَا كُنتَ بِجَانِبِ الغربى} [ القصص : 44 ] ، {وَمَا كُنْتَ بِجَانِبِ الطور} [ القصص : 46 ] {وما كنت لديهم إذ أجمعوا أمرهم} [ يوسف : 102 ] {وَمَا كُنْتَ تَعْلَمُهَا أَنتَ وَلاَ قَوْمُكَ مِن قَبْلِ هذا} [ هود : 49 ]. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 8 صـ 40}\rفصل\rقال ابن عادل :\rقوله : { ذلك مِنْ أَنَبَآءِ الغيب نُوحِيهِ } يجوز فيه أوجه :\rأحدها : أن يكون \" ذَلِكَ \" خبرَ مبتدأ محذوفٍ ، وتقديره : الأمر ذلك. و{ ذلك مِنْ أَنَبَآءِ الغيب } متعلقاً بما بعدَه ، وتكون الجملة من \" نُوحِيهِ \" - إذ ذاك - إما مُبَيِّنَة وشارحة للجملة قبلها ، وإما حالاً.\rالثاني : أن يكون \" ذَلِكَ \" مبتدأ ، و{ مِنْ أَنَبَآءِ الغيب } خبره ، والجملة من \" نُوحِيهِ \" مستأنفة ، والضميرُ من \" نوحِيهِ \" عائد على الغيب ، أي : الأمر والشأن أنا نوحي إليك الغيب ونعلمك به ونُظهرك على قصص مَنْ تقدمك مع عدم مدارستك لأهل العلم والأخبار ، ولذلك أتى بالمضارع في \" نُوحِيهِ \". وهذا أحسن من عَوْده على \" ذَلِكَ \" ؛ لأن عَوده على الغيب يشمل ما تقدم من القصص ، وما لم يتقدم منها ، ولو أعدته على \" ذَلِكَ \" اختص بما مَضَى وتقدم.\rالثالث : أن يكون \" نُوحِيهِ \" هو الخبر و{ مِنْ أَنَبَآءِ الغيب } على وجهَيْه المتقدمَيْن من كونه حالاً من ذلك ، أو متعلقاً بـ \" نُوحِيه \".\rويجوز فيه وجه ثالثٌ - على هذا - وهو أن يُجْعَل حالاً من مفعول \" نُوحِيهِ \" أي : نوحيه حال كونه بعض أنباءِ الغيبِ. أ هـ {تفسير ابن عادل حـ 5 صـ 217}\rفائدة\rقال الفخر :","part":13,"page":174},{"id":5405,"text":"الأنباء : الإخبار عما غاب عنك ، وأما الإيحاء فقد ورد الكتاب به على معان مختلفة ، يجمعها تعريف الموحى إليه بأمر خفي من إشارة أو كتابة أو غيرهما ، وبهذا التفسير يعد الإلهام وحياً كقوله تعالى : {وأوحى رَبُّكَ إلى النحل} [ النحل : 68 ] وقال في الشياطين {لَيُوحُونَ إلى أَوْلِيَائِهِمْ} [ الأنعام : 121 ] وقال : {فأوحى إِلَيْهِمْ أَن سَبّحُواْ بُكْرَةً وَعَشِيّاً} [ مريم : 11 ] فلما كان الله سبحانه ألقى هذه الأشياء إلى الرسول صلى الله عليه وسلم بواسطة جبريل عليه السلام بحيث يخفى ذلك على غيره سماه وحياً. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 8 صـ 40}\rوقال ابن عادل :\rفصل\rالإنباء هو الإخبارُ عما غاب عنك - والإيحاء ، ورد بإزاء معانٍ مختلفةٍ ، وأصله إعلام في خفاء يكون بالرمز والإشارة ويتضمن السرعة.\rكما في قوله : [ الطويل ]\r...................... فَأَوْحَتْ إلَيْنَا وَالأنَامِلُ رُسْلُهَا\rوقال تعالى : { فأوحى إِلَيْهِمْ أَن سَبِّحُواْ بُكْرَةً وَعَشِيّاً } [ مريم : 11 ]. ويكون بالكتابة ، قال زهير : [ الطويل ]\rأتَى الْعُجْمَ وَالآفاقَ مِنْهُ قَصَائِدٌ... بَقِينَ بَقَاءَ الْوَحْي فِي الْحَجَرِ الأصَمْ\rويطلق الوحي على الشيء المكتوب ، قال : [ الكامل ]\rفَمَدَافِعُ الرَّيانِ عُرِّيَ رَسْمُهَا... خَلَقاً كَمَا ضَمِنَ الوُحِيَّ سِلاَمُهَا\rقيل : الوُحِيّ : جمع وَحْي - كفلس وفلوس - كُسِرَت الحاءُ إتباعاً.\rقال القرطبيُّ : \" وأصل الوحي في اللغة : إعلام في خفاءٍ \".","part":13,"page":175},{"id":5406,"text":"وتعريفُ الوحي بأمر خفي من إشارة ، أو كتابة ، أو غيرها ، وبهذا التفسير يُعَدُّ الإلهامُ وَحياً ، كقوله تعالى : { وأوحى رَبُّكَ إلى النحل } [ النحل : 68 ] وقال - في الشياطين - : { لَيُوحُونَ إلى أَوْلِيَآئِهِمْ } [ الأنعام : 121 ] وقال : { فأوحى إِلَيْهِمْ أَن سَبِّحُواْ بُكْرَةً وَعَشِيّاً } [ مريم : 11 ] ، فلما ألقى الله - تعالى - هذه الأنباء إلى الرسول عليه السلام - بواسطة جبريل عليه السلام - بحيث يخفى ذلك على غيره - سمَّاه وحياً. أ هـ {تفسير ابن عادل حـ 5 صـ 217 ـ 218}\rفائدة\rقال القرطبى :\r{ نُوحِيهِ إِلَيكَ } فيه دلالة على نبوّة محمد صلى الله عليه وسلم حيث أخبر عن قصة زكريا ومريم ولم يكن قرأ الكتب ؛ وأخبر عن ذلك وصدّقه أهل الكتاب بذلك ؛ فذلك قوله تعالى : { نُوحِيهِ إِلَيكَ } فردّ الكناية إلى \"ذلك\" فلذلك ذُكِّر. أ هـ {تفسير القرطبى حـ 4 صـ 85}","part":13,"page":176},{"id":5407,"text":"وقال الآلوسى :\r{ ذلك } إشارة إلى ما تقدم ذكره من تلك الأخبار البديعة الشأن المرتقية من الغرابة إلى أعلى مكان ، وهو مبتدأ خبره قوله تعالى : { مِنْ أَنبَاء الغيب } أي من أخبار ما غاب عنك وعن قومك مما لا يعرف إلا بالوحي على ما يشير إليه المقام ، والجملة مستأنفة لا محل لها من الإعراب ، وقوله تعالى : { نُوحِيهِ إِلَيْكَ } جملة مستقلة مبينة للأولى ، والإيحاء إلقاء المعنى إلى الغير على وجه خفي ، ويكون بمعنى إرسال الملك إلى الأنبياء ، وبمعنى الإلهام ، والضمير في { نُوحِيهِ } عائد إلى ذلك في المشهور ، واستحسن عوده إلى الغيب لأنه حينئذ يشمل ما تقدم من القصص وما لم يتقدم منها بخلاف ما إذا عاد إلى ذلك فإنه حينئذ يوهم الاختصاص بما مضى ، وجوز أن تكون هذه الجملة خبراً عن المبتدأ قبلها ، و{ مِنْ أَنبَاء الغيب } إما متعلق بنوحيه أو حال من مفعوله أي : نوحيه حال كونه بعض أنباء الغيب وجعله حالاً من المبتدأ رأي البعض ، وجوز أبو البقاء أن يكون التقدير : الأمر ذلك فيكون { ذلك } خبراً لمبتدأ محذوف والجار والمجرور حال منه ، وهو وجه مرذول لا ينبغي أن يخرج عليه كلام الملك الجليل. وصيغة الاستقبال عند قوم للإيذان بأن الوحي لم ينقطع بعد { وَمَا كُنتَ لَدَيْهِمْ } أي عند المتنازعين فالضمير عائد إلى غير مذكور دل عليه المعنى ، والمقصود من هذه الجملة تحقيق كون الأخبار بما ذكر عن وحي على سبيل التهكم بمنكريه كأنه قيل : إن رسولنا أخبركم بما لا سبيل إلى معرفته بالعقل مع اعترافكم بأنه لم يسمعه ولم يقرأه في كتاب ، وتنكرون أنه وحي فلم يبق مع هذا ما يحتاج إلى النفي سوى المشاهدة التي هي أظهر الأمور انتفاءاً لاستحالتها المعلومة عند جميع العقلاء ، ونبه على ثبوت قصة مريم مع أن ما علم بالوحي قصة زكريا عليه السلام أيضاً لما أن { تِلْكَ } هي المقصودة بالأخبار أولاً ، وإنما جاءت القصة الأخرى على سبيل الاستطراد ولاندراج بعض قصة زكريا في","part":13,"page":177},{"id":5408,"text":"ذكر من تكفل فما خلت الجملة عن تنبيه على قصته في الجملة ، وروي عن قتادة أن المقصود من هذه الجملة تعجيب الله سبحانه نبيه عليه الصلاة والسلام من شدة حرص القوم على كفالة مريم والقيام بأمرها ، وسيق ذلك تأكيداً لاصطفائها عليها السلام ويبعد هذا الفصل بين المؤكد والمؤكد ، ومع هذا هو أولى مما قيل : إن المقصود منها التعجيب من تدافعهم لكفالتها لشدة الحال ومزيد الحاجة التي لحقتهم حتى وفق لها خير الكفلاء زكريا عليه السلام ، بل يكاد يكون هذا غير صحيح دراية ورواية ، وعلى كل تقدير لا يشكل نفي المشاهدة مع ظهور انتفائها عند كل أحد. أ هـ {روح المعانى حـ 3 صـ 158}\rفصل\rقال الطبرى فى معنى الآية :\rيعني جل ثناؤه بقوله ذلك : الأخبارَ التي أخبرَ بها عبادَه عن امرأة عمران وابنتها مريم ، وزكريا وابنه يحيى ، وسائر ما قصَّ في الآيات من قوله : \"إن الله اصطفى آدم ونوحًا\" ، ثم جمعَ جميعَ ذلك تعالى ذكره بقوله : \"ذلك\" ، فقال : هذه الأنباء من\"أنباء الغيب\" ، أي : من أخبار الغيب.\rويعني ب\"الغيب\" ، أنها من خفيّ أخبار القوم التي لم تطَّلع أنت ، يا محمد ، عليها ولا قومك ، ولم يعلمها إلا قليلٌ من أحبار أهل الكتابين ورهبانهم.\rثم أخبر تعالى ذكره نبيه محمدًا صلى الله عليه وسلم أنه أوحى ذلك إليه ، حجةً على نبوته ، وتحقيقًا لصدقه ، وقطعًا منه به عذرَ منكري رسالته من كفار أهل الكتابين ، الذين يعلمون أنّ محمدًا لم يصل إلى علم هذه الأنباء مع خفائها ، ولم يدرك معرفتها مع خُمولها عند أهلها ، إلا بإعلام الله ذلك إياه. إذ كان معلومًا عندهم أنّ محمدًا صلى الله عليه وسلم أميٌّ لا يكتب فيقرأ الكتب ، فيصل إلى علم ذلك من قِبَل الكتب ، ولا صاحبَ أهل الكتُب فيأخذ علمه من قِبَلهم.\rوأما\"الغيْب\" فمصدر من قول القائل : \"غاب فلان عن كذا فهو يَغيب عنه غيْبًا وَغيبةً\".\rوأما قوله : \"نُوحيه إليك\" ، فإن تأويله : نُنَزِّله إليك.\rوأصل\"الإيحاء\" ، إلقاء الموحِي إلى الموحَى إليه.","part":13,"page":178},{"id":5409,"text":"وذلك قد يكون بكتاب وإشارة وإيماء ، وبإلهام ، وبرسالة ، كما قال جل ثناؤه : ( وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ ) [سورة النحل : 68] ، بمعنى : ألقى ذلك إليها فألهمها ، وكما قال : ( وَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى الْحَوَارِيِّينَ ) [سورة المائدة : 111] ، بمعنى : ألقيت إليهم علمَ ذلك إلهامًا ، وكما قال الراجز :\r* أَوْحَى لَهَا القَرَارَ فاسْتَقَرَّتِ *\rبمعنى ألقى إليها ذلك أمرًا ، وكما قال جل ثناؤه : ( فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ أَنْ سَبِّحُوا بُكْرَةً وَعَشِيًّا ) [سورة مريم : 11] ، بمعنى : فألقى ذلك إليهم إيماء.\rوالأصل فيه ما وصفتُ ، من إلقاء ذلك إليهم. وقد يكون إلقاؤه ذلك إليهم إيماءً ، ويكون بكتاب. ومن ذلك قوله : ( وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ ) [سورة الأنعام : 121] ، يلقون إليهم ذلك وسوسةً ، وقوله : ( وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَذَا الْقُرْآنُ لأنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ ) [سورة الأنعام : 19] ، ألقى إلي بمجيء جبريل عليه السلام به إليّ من عند الله عز وجل.\rوأما\"الوحْي\" ، فهو الواقع من الموحِي إلى الموحَى إليه ، ولذلك سمت العرب الخط والكتاب\"وحيًا\" ، لأنه واقع فيما كُتِب ثابتٌ فيه ، كما قال كعب بن زهير :\rأَتَى العُجْمَ والآفَاقَ مِنْهُ قَصَائِدٌ... بَقِينَ بَقَاءَ الوَحْيِ فِي الحَجَرِ الأصَمّ\rيعني به : الكتابَ الثابت في الحجر. وقد يقال في الكتاب خاصةً ، إذا كتبه الكاتب : \"وحَى\" بغير ألف ، ومنه قول رؤبة :\rكَأَنَّهُ بَعْدَ رِيَاحِ تَدْهَمُهْ... وَمُرْثَعِنَّاتِ الدُّجُونِ تَثِمُهْ إنْجِيلُ أَحْبَارٍ وَحَى مُنَمْنِمُهْ. أ هـ {تفسير الطبرى حـ 6 صـ 404 ـ 406}\rقوله تعالى : {إِذْ يُلْقُون أقلامهم أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ}\rقال ابن عادل :\r{ إِذْ يُلْقُون أَقْلاَمَهُمْ }.\rأقلام : جمع قَلَم ، وهو فَعَل بمعنى مفعول ، أي : مَقْلُوم.","part":13,"page":179},{"id":5410,"text":"والقَلْمُ : القَطْع ، ومثله : القبض بمعنى المقبوض ، والنقض بمعنى المنقوض ، وجمع القلم على أقلام - وهو جمع قِلَّة - وحكى ابنُ سيدَه أنه يُجْمَع على قلام - بوزن رِماح - في الكثرة.\rوقيل له : قَلَم ؛ لأنه يُقْلَم ، ومنه قلمت ظفري - أي : قطعته وسويته.\rقال زهير : [ الطويل ]\rلَدَى أسَدٍ شَاكِي السلاحِ مُقَذَّفٍ... لَهُ لِبَدٌ أظْفَارُهُ لَمْ تُقَلَّمِ\rوقيل : سمي القَلَمُ قَلَماً ، تشبيهاً بالقُلامةِ - وهو نَبْتٌ ضعيفٌ - وذلك لأنه يُرقق فيَضْعف. أ هـ {تفسير ابن عادل حـ 5 صـ 219}\rفائدة\rقال الماوردى :\r{ وَمَا كُنتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلاَمَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ } فيه قولان :\rأحدهما : أنهم تشاجروا عليها وتنازعوا فيها طلباً لكفالتها ، فقال زكريا : أنا أحق بها لأن خالتها عندي ، وقال القوم : نحن أحق بها لأنها بنت إمامنا وعالمنا ، فاقترعوا عليها بإلقاء أقلامهم وهي القداح مستقبلة لجرية الماء ، فاستقبلت عصا زكريا لجرية الماء مصعدة ، وانحدرت أقلامهم فقرعهم زكريا ، وهو معنى قوله تعالى : { وَكَفَّلَهَا } وهذا قول ابن عباس ، وعكرمة ، والحسن ، والربيع.\rوالقول الثاني : أنهم تدافعوا كفالتها لأن زكريا قد كان كفل بها من غير اقتراع ، ثم لحقهم أزمة ضعف بها عن حمل مؤونتها ، فقال للقوم : ليأخذها أحدكم فتدافعوا كفالتها وتمانعوا منها ، فأقرع بينهم وبين نفسه فخرجت القرعة له ، وهذا قول سعيد. أ هـ {النكت والعيون حـ 1 صـ 393}\rقال الفخر :\rذكروا في تلك الأقلام وجوهاً\rالأول : المراد بالأقلام التي كانوا يكتبون بها التوراة وسائر كتب الله تعالى ، وكان القراع على أن كل من جرى قلمه على عكس جري الماء فالحق معه ، فلما فعلوا ذلك صار قلم زكريا كذلك فسلموا الأمر له وهذا قول الأكثرين\rوالثاني : أنهم ألقوا عصيهم في الماء الجاري جرت عصا زكريا على ضد جرية الماء فغلبهم ، هذا قول الربيع","part":13,"page":180},{"id":5411,"text":"والثالث : قال أبو مسلم : معنى يلقون أقلامهم مما كانت الأمم تفعله من المساهمة عند التنازع فيطرحون منها ما يكتبون عليها أسماءهم فمن خرج له السهم سلم له الأمر ، وقد قال الله تعالى : {فساهم فَكَانَ مِنَ المدحضين} [ الصافات : 141 ] وهو شبيه بأمر القداح التي تتقاسم بها العرب لحم الجزور ، وإنما سميت هذه السهام أقلاماً لأنها تقلم وتبرى ، وكل ما قطعت منه شيئاً بعد شيء فقد قلمته ، ولهذا السبب يسمى ما يكتب به قلماً.\rقال القاضي : وقوع لفظ القلم على هذه الأشياء وإن كان صحيحاً نظراً إلى أصل الاشتقاق ، إلا أن العرف أوجب اختصاص القلم بهذا الذي يكتب به ، فوجب حمل لفظ القلم عليه. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 8 صـ 40 ـ 41}\rسؤال : فإن قلت : لم نفيت المشاهدة وانتفاؤها معلوم بغير شبهة ؟ وترك نفي استماع الأنباء من حفاظها وهو موهوم؟\rقلت : كان معلوماً عندهم علماً يقيناً أنه ليس من أهل السماع والقراءة وكانوا منكرين للوحي ، فلم يبق إلا المشاهدة وهي في غاية الاستبعاد والاستحالة ، فنفيت على سبيل التهكم بالمنكرين للوحي مع علمهم بأنه لا سماع له ولا قراءة. ونحوه { وَمَا كُنتَ بِجَانِبِ الغربى } [ القصص : 44 ] ، { وَمَا كُنْتَ بِجَانِبِ الطور } [ القصص : 46 ] ، { وَمَا كُنتَ لَدَيْهِمْ إِذْ أَجْمَعُواْ أَمْرَهُمْ } [ يوسف : 102 ]. أ هـ {الكشاف حـ 1 صـ 390}\rفصل\rقال الفخر :\rظاهر الآية يدل على أنهم كانوا يلقون أقلامهم في شيء على وجه يظهر به امتياز بعضهم عن البعض في استحقاق ذلك المطلوب ، وإما ليس فيه دلالة على كيفية ذلك الإلقاء ، إلا أنه روي في الخبر أنهم كانوا يلقونها في الماء بشرط أن من جرى قلمه على خلاف جري الماء فاليد له ، ثم إنه حصل هذا المعنى لزكريا عليه السلام ، فلا جرم صار هو أولى بكفالتها والله أعلم. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 8 صـ 41}","part":13,"page":181},{"id":5412,"text":"فصل\rقال الفخر :\rاختلفوا في السبب الذي لأجله رغبوا في كفالتها حتى أدتهم تلك الرغبة إلى المنازعة ، فقال بعضهم : إن عمران أباها كان رئيساً لهم ومقدماً عليهم ، فلأجل حق أبيها رغبوا في كفالتها ، وقال بعضهم : إن أمها حررتها لعبادة الله تعالى ولخدمة بيت الله تعالى ، ولأجل ذلك حرصوا على التكفل بها ، وقال آخرون : بل لأن في الكتب الإلهية كان بيان أمرها وأمر عيسى عليه السلام حاصلاً فتقربوا لهذا السبب حتى اختصموا. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 8 صـ 41}\rفصل\rقال الفخر :\rاختلفوا في أن أولئك المختصمين من كانوا ؟ فمنهم من قال : كانوا هم خدمة البيت ، ومنهم من قال : بل العلماء والأحبار وكتاب الوحي ، ولا شبهة في أنهم كانوا من الخواص وأهل الفضل في الدين والرغبة في الطريق. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 8 صـ 41}\rقوله تعالى : {أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ}\rقال الطبرى :\rوإنما قيل : \"أيهم يكفل مريم\" ، لأن إلقاء المستهمين أقلامَهم على مريم ، إنما كان لينظروا أيهم أولى بكفالتها وأحقّ. ففي قوله عز وجل : \"إذ يلقون أقلامهم\" ، دلالة على محذوف من الكلام ، وهو : \"لينظروا أيهم يكفل ، وليتبيَّنوا ذلك ويعلموه\".\rفإن ظن ظانّ أنّ الواجب في\"أيهم\" النصبُ ، إذ كان ذلك معناه ، فقد ظن خطأ. وذلك أن\"النظر\" و\"التبين\" و\"العلم\" مع\"أيّ\" يقتضي استفهامًا واستخبارًا ، وحظ\"أىّ\" في الاستخبار ، الابتداءُ وبطولُ عمل المسألة والاستخبار عنه. وذلك أن معنى قول القائل : \"لأنظُرَنّ أيهم قام\" ، لأستخبرنَ الناس : أيهم قام ، وكذلك قولهم : \"لأعلمن\". أ هـ {تفسير الطبرى حـ 6 صـ 409}\rوقال الفخر :\rأما قوله : {أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ وَمَا كُنتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُونَ} ففيه حذف والتقدير : يلقون أقلامهم لينظروا أيهم يكفل مريم وإنما حسن لكونه معلوماً.","part":13,"page":182},{"id":5413,"text":"أما قوله {وَمَا كُنتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُونَ} فالمعنى وما كنت هناك إذ يتقارعون على التكفل بها وإذ يختصمون بسببها فيحتمل أن يكون المراد بهذا الاختصام ما كان قبل الإقراع ، ويحتمل أن يكون اختصاماً آخر حصل بعد الإقراع ، وبالجملة فالمقصود من الآية شدة رغبتهم في التكفل بشأنها ، والقيام بإصلاح مهماتها ، وما ذاك إلا لدعاء أمها حيث قالت {فَتَقَبَّلْ مِنّي إِنَّكَ أَنتَ السميع العليم} [ آل عمران : 35 ] وقالت {إِنّى أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرّيَّتَهَا مِنَ الشيطان الرجيم} [ آل عمران : 36 ]. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 8 صـ 41}\rوقال الآلوسى :\r{ وَمَا كُنتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُونَ } في شأنها تنافساً على كفالتها وكان هذا الاختصام بعد الاقتراع في رأي ، وقبله في آخر ، وتكرير { مَا كُنتُ لَدَيْهِمْ } مع تحقق المقصود بعطف { إِذْ يَخْتَصِمُونَ } على { إِذْ يُلْقُون } للإيذان بأن كل واحد من عدم الحضور عند الإلقاء ، وعدم الحضور عند الاختصام مستقل بالشهادة على نبوته صلى الله عليه وسلم لا سيما على الرأي الثاني في وقت الاختصام لأن تغيير الترتيب في الذكر مؤكد لذلك قاله شيخ الإسلام. واختلف في وقت هذا الاقتراع والتشاح على قولين : أحدهما : وهو المشهور المعول عليه أنه كان حين ولادتها وحمل أمها لها إلى الكنيسة على ما أشرنا إليه من قبل ، وثانيهما : أنه كان وقت كبرها وعجز زكريا عليه السلام عن تربيتها ، وهو قول مرجوح ، وأوهن منه قول من زعم أن الاقتراع وقع مرتين مرة في الصغر وأخرى في الكبر. أ هـ {روح المعانى حـ 3 صـ 159}\rوقال الطبرى :\r{ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُونَ }\rيعني بذلك جل ثناؤه : وما كنتَ ، يا محمد ، عند قوم مريم ، إذ يختصمون فيها أيُّهم أحقّ بها وأولى.","part":13,"page":183},{"id":5414,"text":"وذلك من الله عز وجل ، وإن كان خطابًا لنبيه صلى الله عليه وسلم ، فتوبيخٌ منه عز وجل للمكذبين به من أهل الكتابين. يقول : كيف يشكّ أهل الكفر بك منهم وأنت تنبئهم هذه الأنباءَ ولم تشهدْها ، ولم تكن معهم يوم فعلوا هذه الأمورَ ، ولست ممن قرأ الكتب فعَلِم نبأهم ، ولا جالَس أهلها فسمع خبَرَهم ؟ أ هـ {تفسير الطبرى حـ 6 صـ 410}\rفصل\rقال القرطبى :\rاستدل بعض علمائنا بهذه الآية على إثبات القُرْعة ، وهي أصل في شرعنا لكل من أراد العدل في القسمة ، وهي سنة عند جمهور الفقهاء في المستويين في الحجة ليعدل بينهم وتطمئن قلوبهم وترتفع الظِّنة عمن يتولى قسمتهم ، ولا يفضل أحد منهم على صاحبه إذا كان المقسوم من جنس واحد اتباعا للكتاب والسنَّة.\rوردّ العملَ بالقُرْعة أبو حنيفة وأصحابه ، وردّوا الأحاديث الواردة فيها ، وزعموا أنها لا معنى لها وأنها تشبه الأزلام التي نهى الله عنها.\rوحكى ابن المنذر عن أبي حنيفة أنه جوّزها وقال : القرعة في القياس لا تستقيم ، ولكنا تركنا القياس في ذلك وأخذنا بالآثار والسنّة.\rقال أبو عبيد : وقد عمِل بالقرعة ثلاثة من الأنبياء : يونس وزكريا ونبينا محمد صلى الله عليه وسلم.\rقال ابن المنذر.\rواستعمال القرعة كالإجماع من أهل العلم فيما يقسم بين الشركاء ، فلا معنى لقول من ردّها.\rوقد ترجم البخاريّ في آخر كتاب الشهادات ( باب القُرْعةِ في المشكِلات وقولِ الله عز وجل { إذْ يُلْقُونَ أَقْلاَمَهُمْ } ) وساق حديث النعمان بن بشير : \" مثل القائم على حدود الله والمُدْهِن فيها مثل قوم استهموا على سفينة \" الحديثَ.","part":13,"page":184},{"id":5415,"text":"وسيأتي في \"الأنفال\" إن شاء الله تعالى ، وفي سورة \"الزخرف\" أيضاً بحول الله سبحانه ، وحديث أمِّ العلاء ، وأن عثمان بن مَظْعُون طار لهم سَهمُه في السُّكْنى حين اقترعت الأنصار سُكْنَى المهاجرين ، الحديث ، وحديث عائشة قالت : \" كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أراد سفراً أقرع بين نسائه فأيتهنّ خرج سهمها خرج بها \" ؛ وذكر الحديث.\rوقد اختلفت الرواية عن مالك في ذلك ؛ فقال مرّةً : يقرع للحديث.\rوقال مَرّة : يسافر بأوفقهنّ له في السفر.\rوحديث أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : \" لو يعلم الناس ما في النِّداءِ والصّفّ الأوّل ثم لم يجدوا إلا أن يستهِموا عليه لاستهموا \" والأحاديث في هذا المعنى كثيرة.\rوكيفية القُرْعة مذكورة في كتب الفقه والخلاف.\rواحتج أبو حنيفة بأن قال : إن القرعة في شأن زكريا وأزواج النبيّ صلى الله عليه وسلم كانت مما لو تراضوا عليه دون قرعة لجاز.\rقال ابن العربيّ : \"وهذا ضعيف ، لأن القرعة إنما فائدتها استخراج الحكم الخفي عند التشاحّ ؛ فأما ما يخرجه التراضي فيه فباب آخر ، ولا يصح لأحد أن يقول : إن القرعة تجري مع موضِع التراضي ، فإنها لا تكون أبداً مع التراضي\" وإنما تكون فيما يتَشَاحّ الناس فيه ويُضَنُّ به.\rوصفة القرعة عند الشافعيّ ومن قال بها : أن تُقطع رِقاع صغار مستوية فيكتب في كل رقعة اسم ذي السهم ثم تجعل في بنادق طين مستوية لا تفاوت فيها ثم تجفف قليلاً ثم تلقى في ثوب رجل لم يحضر ذلك ويغطي عليها ثوبه ثم يدخل يده ويخرج ، فإذا أخرج اسم رجل أعطي الجزء الذي أقرع عليه. أ هـ {تفسير القرطبى حـ 4 صـ 86 ـ 87}\rفائدة أخرى :\rقال القرطبى :\rدلت الآية أيضاً على أن الخالة أحق بالحضانة من سائر القرابات ما عدا الجدّة ، وقد قضى النبيّ صلى الله عليه وسلم في ابنة حمزة واسمها أمة الله لجعفر وكانت عنده خالتها ، وقال : \" إنما الخالة بمنزلة الأم \" وقد تقدّمت في البقرة هذه المسألة.","part":13,"page":185},{"id":5416,"text":"وخرّج أبو داود عن عليّ قال : \" خرج زيد بن حارثة إلى مكة فقدِم بابنة حمزة فقال جعفر : أنا آخذها أنا أحق بها ابنة عمي وخالتها عندي ، وإنما الخالة أم.\rفقال عليّ : أنا أحق بها ابنة عمي وعندي ابنة رسول الله صلى الله عليه وسلم فهي أحق بها.\rوقال زيد : أنا أحق بها ، أنا خرجت إليها وسافرت وقدِمت بها ؛ فخرج النبيّ صلى الله عليه وسلم فذكر حديثاً قال : \"وأما الجارية فأقضي بها لجعفر تكون مع خالتها وإنما الخالة أمٌّ\" \" وذكر ابن أبي خيثمة أن زيد بن حارثة كان وصِيّ حمزة ، فتكون الخالة على هذا أحقَّ من الوصِيّ ويكون ابن العمّ إذا كان زوجاً غير قاطع بالخالة في الحضانة وإن لم يكن مَحْرَماً لها. أ هـ {تفسير القرطبى حـ 4 صـ 88}\rمن لطائف الإمام القشيرى فى الآية\rأي هذه القصص نحن عرفناكها وخاطبناك بمعانيها ، وإنْ قَصَصْنَا نحن عليك هذا - فعزيزٌ خطابُنا ، وأعزُّ وأتم مِنْ أَنْ لو كنتَ مشاهداً لها. أ هـ {لطائف الإشارات حـ 1 صـ 243}","part":13,"page":186},{"id":5417,"text":"من فوائد ابن القيم فى الآية :\rقوله تعالى {ذلك من أنباء الغيب نوحيه إليك وما كنت لديهم إذ يلقون أقلامهم أيهم يكفل مريم وما كنت لديهم إذ يختصمون}\rقال قتادة كانت مريم ابنة إمامهم وسيدهم فتشاح عليها بنو إسرائيل فاقترعوا عليها بسهامهم أيهم يكفلها فقرع زكريا وكان زوج أختها فضمها إليه\rوروى نحوه عن مجاهد وقال ابن عباس لما وضعت مريم في المسجد اقترع عليها أهل المصلى وهم يكتبون الوحي فاقترعوا بأقلامهم أيهم يكفلها وهذا متفق عليه بين أهل التفسير\rوقال تعالى {وإن يونس لمن المرسلين إذ أبق إلى الفلك المشحون فساهم فكان من المدحضين يقول تعالى فقارع فكان من المغلوبين فهذان نبيان كريمان استعملا القرعة وقد احتج الأئمة الأربعة بشرع من قبلنا إن صح ذلك عنهم\rوفي الصحيحين عن أبي هريرة رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لو يعلم الناس ما في النداء والصف الأول ثم لم يجدوا إلا أن يستهموا عليه لاستهموا\rوفي الصحيحين أيضا عن عائشة أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا أراد سفرا أقرع بين أزواجه فأيتهن خرج سهمها خرج بها معه\rوفي صحيح مسلم عن عمران بن حصين أن رجلا أعتق ستة مملوكين له عند موته لم يكن له مال غيرهم فدعاهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فجزأهم أثلاثا ثم أقرع بينهم فأعتق اثنين وأرق أربعة وقال له قولا شديدا\rوفي صحيح البخاري عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم عرض على قوم اليمين فسارعوا إليه فأمر أن يسهم بينهم في اليمين أيهم يحلف وفي سنن أبي داود عن النبي صلى الله عليه وسلم قال إذا أكره اثنان على اليمين أو استحباها فليستهما عليها. أهـ { الطرق الحكمية صـ365 ـ صـ 366 }","part":13,"page":187},{"id":5418,"text":"قوله تعالى { إِذْ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنْهُ اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ وَجِيهًا فِي الدُّنْيَا وَالْآَخِرَةِ وَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ (45)}\rمناسبة الآية لما قبلها\rقال البقاعى :\rولما كانت هذه السورة سورة التوحيد المقتضي للتفرد بالعظمة عبر بما صدرت به من اسم الذات الجامع لجميع الصفات فقال : {إن الله} أي الملك الأعظم الذي لا كفوء له ، فلا راد لأمره {يبشرك} وكرر هذا الاسم الشريف في هذا المقام زيادة في إيضاح هذا المرام بخلاف ما يأتي في سورة مريم عليها السلام ، وقوله : {بكلمة} أي مبتدئة {منه} من غير واسطة أب هو من تسمية المسبب باسم السبب ، والتعبير بها أوفق لمقصود السورة وأنفى لما يدعيه المجادلون في أمره ، ثم بين أنه ليس المراد بالكلمة حقيقتها ، بل ما يكون عنها ويكون فعالاًَ بها فقال مذكراً للضمير : {اسمه} أي الذي يتميز به عمن سواه مجموع ثلاثة أشياء : {المسيح} أصل هذا الوصف أنه كان في شريعتهم : من مسحه الإمام بدهن القدس كان طاهراً متأهلاً للملك والعلم والمزايا الفاضلة مباركاً ، فدل سبحانه وتعالى على أن عيسى عليه الصلاة والسلام ملازم للبركة الناشئة عن المسح وإن لم يُمسَح ؛ وأما وصف الدجال بذلك فإما أن يكون لما كان هلاكه على يد عيسى عليه الصلاة والسلام وصف بوصفه - من باب التسمية بالضد ، وإما أن يكون إشارة إلى أنه ملازم للنجاسة فهو بحيث لا ينفك - ولو مسح - عن الاحتياج إلى التطهير بالمسح من الدهن الذي يمسح به المذنبون ومن كان به برص ونحوه فيبرأ - والله سبحانه وتعالى أعلم.","part":13,"page":188},{"id":5419,"text":"ولما وصفه بهذا الوصف الشريف ذكر اسمه فقال {عيسى} وبين أنه يكون منها وحدها من غير ذكر بقوله موضع ابنك : {ابن مريم} وذلك أنفى لما ضل به من ضل في أمره ، وأوضح في تقرير مقصود السورة وفي تفخيم هذا الذكر بجعله نفس الكلمة وبإبهامه أولاً ثم تفسيره ، وقوله : {اسمه} تعظيم لقدره وبيان لفضله على يحيى عليهما السلام حيث لم يجعل له في البشارة به مثل هذا الذكر ، ثم أتم لها البشارة بأوصاف جعلها أحوالاً دالة على أنه يظهر اتصافه بها حال الولادة تحقيقاً لظهور أثر الكلمة عليه فقال : {وجيهاً} قال الحرالي : صيغة مبالغة مما منه الوجاهة ، وأصل معناه الوجه وهو الملاحظ المحترم بعلو ظاهر فيه - انتهى.\r{في الدنيا} ولما كان ذلك قد لا يلازم الوجاهة بعد الموت قال : {والآخرة} ولما كانت الوجاهة ثمَّ مختلفة ذكر أعلاها عاطفاً بالواو إشارة إلى تمكنه في الصفات فقال : {ومن المقربين} أي عند الله. أ هـ {نظم الدرر حـ 2 صـ 88 ـ 89}\rفصل\rقال ابن عادل :\rقوله تعالى : { إِذْ قَالَتِ الملائكة } في هذا الظرف أوجهٌ :\rأحدها : أن يكون منتصباً بـ \" يَخْتَصِمُونَ \".\rالثاني : أنه بدل من \" إذْ يَخْتَصِمُونَ \" وهو قول الزجاج.\rوفي هذين الوجهين بُعْدٌ ؛ حيث يلزم اتحاد زمان الاختصام ، وزمانِ قَوْل الكلام ، ولم يكن ذلك ؛ لأن وقت الاختصام كان صغيراً جِدًّا ، ووقت قولِ الملائكةِ بعد ذلك بأحْيَانٍ.\rقال الحسنُ : إنها كانت عاقلة في حال الصِّغَرِ ، وإن ذلك كان من كراماتها. فإن صحَّ ذلك صحَّ الاتحاد ، وقد استشعر الزمخشريُّ هذا السؤال ، فأجاب بأن الاختصام والبشارة وقَعَا في زمان واسعٍ ، كما تقول : لقيته سنةَ كذا ، يعني أن اللقاءَ إنما يقع في بعض السنة فكذا هذا.\rالثالث : أن يكون بدلاً من { إِذْ قَالَتِ الملائكة } - أولاً - وبه بدأ الزمخشريُّ - كالمختار له - وفيه بعد لكثرة الفاصل بين البدلَ والمبدل منه.\rالرابع : نصبه بإضمار فعل.","part":13,"page":189},{"id":5420,"text":"الخامس : قال أبو عبيدة : \" إذْ - هنا - صلة زائدة \". والمراد بالملائكة هنا : جبريل عليه السلام لما قررناه وقد تقدم الكلام في البشارة. أ هـ {تفسير ابن عادل حـ 5 صـ 221}\rقوله تعالى : {بِكَلِمَةٍ مّنْهُ}\rقال الفخر :\rوأما قوله تعالى : {بِكَلِمَةٍ مّنْهُ} فقد ذكرنا تفسير الكلمة من وجوه وأليقها بهذا الموضع وجهان\rالأول : أن كل علوق وإن كان مخلوقاً بواسطة الكلمة وهي قوله {كُنَّ} إلا أن ما هو السبب المتعارف كان مفقوداً في حق عيسى عليه السلام وهو الأب ، فلا جرم كان إضافة حدوثه إلى الكلمة أكل وأتم فجعل بهذا التأويل كأنه نفس الكلمة كما أن من غلب عليه الجود والكرم والإقبال يقال فيه على سبيل المبالغة إنه نفس الجود ، ومحض الكرم ، وصريح الإقبال ، فكذا ههنا.\rوالوجه الثاني : أن السلطان العادل قد يوصف بأنه ظل الله في أرضه ، وبأنه نور الله لما أنه سبب لظهور ظل العدل ، ونور الإحسان ، فكذلك كان عيسى عليه السلام سبباً لظهور كلام الله عزّ وجلّ بسبب كثرة بياناته وإزالة الشبهات والتحريفات عنه فلا يبعد أن يسمى بكلمة الله تعالى على هذا التأويل.\rفإن قيل : ولم قلتم إن حدوث الشخص من غير نطفة الأب ممكن قلنا : أما على أصول المسلمين فالأمر فيه ظاهر ويدل عليه وجهان\rالأول : أن تركيب الأجسام وتأليفها على وجه يحصل فيها الحياة والفهم ، والنطق أمر ممكن ، وثبت أنه تعالى قادر على الممكنات بأسرها ، وكان سبحانه وتعالى قادراً على إيجاد الشخص ، لا من نطفة الأب ، وإذا ثبت الإمكان ، ثم إن المعجز قام على صدق النبي ، فوجب أن يكون صادقاً ، ثم أخبر عن وقوع ذلك الممكن ، والصادق إذا أخبر عن وقوع الممكن وجب القطع بكونه كذلك ، فثبت صحة ما ذكرناه","part":13,"page":190},{"id":5421,"text":"الثاني : ما ذكره الله تعالى في قوله {إِنَّ مَثَلَ عيسى عِندَ الله كَمَثَلِ ءَادَمَ} [ آل عمران : 59 ] فلما لم يبعد تخليق آدم من غير أب فلأن لا يبعد تخليق عيسى من غير أب كان أولى وهذه حجة ظاهرة. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 8 صـ 42}\rقال الآلوسى : \rكلمة من لابتداء الغاية مجازاً وهي متعلقة بمحذوف وقع صفة لكلمة وإطلاق الكلمة على من أطلقت عليه باعتبار أنه خلق من غير واسطة أب بل بواسطة كن فقط على خلاف أفراد بني آدم فكان تأثير الكلمة في حقه أظهر وأكمل فهو كقولك لمن غلب عليه الجود مثلاً : محض الجود وعلى ذلك أكثر المفسرين وأيدوا ذلك بقوله تعالى : { إِنَّ مَثَلَ عيسى عِندَ الله كَمَثَلِ ءادَمَ خَلَقَهُ مِن تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُن فَيَكُونُ } [ آل عمران : 59 ] ، وقيل : أطلق عليه ذلك لأن الله تعالى بشر به في الكتب السالفة ، ففي \"التوارة\" في الفصل العشرين من السفر الخامس أقبل الله تعالى من سينا وتجلى من ساعير وظهر من جبال فاران وسينا جبل التجلي لموسى وساعير جبل بيت المقدس وكان عيسى يتعبد فيه وفاران جبل مكة ، وكان متحنث سيد المرسلين صلى الله عليه وسلم ، وهذا كقول من يخبر بالأمر إذا خرج موافقاً لما أخبر به : قد جاء كلامي ، وقيل : لأن الله تعالى يهدي به كما يهدي بكلمته.\rابن مَرْيَمَ رَسُولُ الله وَكَلِمَتُهُ ألقاها إلى مَرْيَمَ } [ النساء : 171 ] ولعله يرجح أول الأقوال كما يرجحه عدم اطراد الأقوال الأخر وإن لم يكن لازماً في مثل ذلك. أ هـ {روح المعانى حـ 3 صـ 160}\rوقال ابن عاشور : \rوالكلمة مراد بها كلمة التكوين وهي تعلق القدرة التنجيزي كما في حديث خلق الإنسان من قوله \"ويؤمر بأربع كلمات بكتب رزقه وأجله\" الخ.\rووصف عيسى بكلمة مراد به كلمة خاصة مخالفة للمعتاد في تكوين الجنين أي بدون الأسباب المعتادة.","part":13,"page":191},{"id":5422,"text":"وقوله : {منه} من للابتداء المجازي أي بدون واسطة أسباب النسل المعتادة وقد دل على ذلك قوله : {إِذَا قَضَى أَمْراً} [البقرة : 117]. أ هـ {التحرير والتنوير حـ 3 صـ 96}\rفصل\rقال الفخر :\rأما قوله تعالى : {بِكَلِمَةٍ مّنْهُ} فلفظة {مِنْ} ليست للتبعيض ههنا إذ لو كان كذلك لكان الله تعالى متجزئاً متبعضاً متحملاً للاجتماع والافتراق وكل من كان كذلك فهو محدث وتعالى الله عنه ، بل المراد من كلمة {مِنْ} ههنا ابتداء الغاية وذلك لأن في حق عيسى عليه السلام لما لم تكن واسطة الأب موجودة صار تأثير كلمة الله تعالى في تكوينه وتخليقه أكمل وأظهر فكان كونه كلمة {الله} مبدأ لظهوره ولحدوثه أكمل فكان المعنى لفظ ما ذكرناه لا ما يتوهمه النصارى والحلولية. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 8 صـ 43}\rقوله تعالى : {اسمه المسيح عِيسَى ابن مَرْيَمَ}\rقال ابن عادل :\rقوله : { اسمه المسيح عِيسَى } اسمه مبتدأ ، والمسيح خبره ، وعيسى بدل منه ، أو عطف بيان.\rقال أبو البقاء : \" ولا يجوز أن يكون خبراً آخرَ ؛ لأن تعدد الأخبار يوجب تعدد المبتدأ ، والمبتدأ مفرد - وهو قوله : اسمه - ولو كان \" عِيسَى \" خبراً آخر لكان أسماؤه أو أسماؤها - على تأنيث الكلمة \" وأما من يجيز ذلك فقد أعرب \" عِيسَى \" خبراً ثانياً ، وأعربه بعضهم خبرَ مبتدأ محذوفٍ - أى : هو عيسى.\rويجوز على هذا الوجه وَجْهٌ رابعٌ ، وهو النَّصْب بإضمار أعني ؛ لأن كل ما جاز قطعه رفعاص جاز قطعه نصباً ، والألف واللام في المسيح للغلبة كهي في الصعق والعيُّوق وفيه وجهان :\rأحدهما : أنه فَعِيل بمعنى فاعل ، فحُوِّلَ منه مبالغةً.\rقيل : لأنه يمسح الأرض بالسياحة ، أي : يقطعها ومنه : مسح القسام الأرض وعلى هذا المعنى يجوز أن يقالَ لعيسى : مِسِّيح - بالتشديد - على المبالغة ، كما يقال : رجل شريب.\rوقيل : لأنه يمسح ذا العاهةِ فَيَبْرَأُ - قاله ابن عباس.\rوقيل : كان يمسح رأسَ اليتيم.","part":13,"page":192},{"id":5423,"text":"وقيل : يلبس المسح فسمي بما يئوب إليه.\rوقيل : إنه فَعِيل بمعنى مفعول ؛ لأنه مُسِحَ بالبركة.\rوقيل لأنه مُسِح من الأوزار والآثام ، أو لأنه مَشِيح القَدَم لا أخْمَصَ له.\rقال الشاعر : [ الرجز ]\rبَاتَ يُقَاسِيهَا غُلاَمٌ كَالزَّلَمْ... مُدَمْلَجُ السَّاقَيْنِ مَمْسُوحُ الْقَدَمْ\rأو لمسح وَجْههِ بالمَلاحة ، قال : [ الطويل ]\rعَلَى وَجْهِ مَيٍّ مِسْحَةٌ مِنْ مَلاَحَةٍ........................\rأو لأنه كان ممسوحاً بدُهْنٍ طاهرٍ مبارَكٍ ، تُمْسَح به الأنبياء ، ولا يُمْسَح به غيرُهم ، قالوا : وهذا الدهن من مسح به وقتَ الولادة فإنه يكون نبيًّا ، أو لأنه مَسَحَهُ جبريلُ بجَنَاحه وقت الولادة ؛ صوناً له عن مَسِّ الشيطان. أو لأنه خرج من بطن أمه مَمْسُوحاً بالدُّهْن.\rوالثاني : أنّ وزنه مَفْعِل - من السياحة - وعلى هذا تكون الميمُ فيه زائدة ، وعلى هذا كلِّه ، فهو منقول من الصفة.\rوقال أبو عمرو بن العلاء : المَسِيح : الملك.\rوقال النَّخَعِيُّ : المسيح : الصديق. ويكون المسيح بمعنى : الكذَّاب ، وبه سُمِّي الدجال ، والحرف من الأضداد.\rوسمي الدجَّال مَسِيحاً لوجهَيْن.\rأحدهما : أنه ممسوح إحدى العينَيْن.\rالثاني : أنه يَمْسَح الأرضَ - أي يقطعها - في المدةِ القليلةِ ، قالوا : ولهذا قيل له : دَجَّال ؛ لضَرْبه الأرضَ ، وقَطْعِه أكثر نواحيها. يقال : قد دَجَل الرجلُ - إذا فعل ذلك.\rوقيل : سُمِّي دَجَّالاً من دَجَّل الرجل إذا موَّه ولبَّس.\rقال أبو عبيدٍ واللَّيْث : أصله - بالعبرانية - مَشِيحَا ، فغُيِّر.\rقال أبو حيان : \" فعلى هذا يكون اسماً مرتجلاً ، ليس مُشْتَقاً من المَسْح ، ولا من السياحة \".\rقال شهاب الدينِ : \" قوله : ليس مشتقاً صحيح ، ولكن لا يلزم من ذلك أن يكون مُرْتَجَلاً ولا بد ، لاحتمال أن يكون في لغتهم مَنْقُولاً من شيء عندهم \".\rوعيسى أصله : يسوع ، كما قالوا في موسى : أصله موشى ، أو ميشا - بالعبرانية.\r","part":13,"page":193},{"id":5424,"text":"فيكون من الاشتقاق الأوسط لأنه يُشْتَرط فيه وجود الحروف لا ترتيبها ، والأكبر يُشترط فيه أن يكون في الفرع حرفان ، والأصغر يُشْتَرط فيه أن يكون في الفرع حروف الأصل مرتَّبَةً.\rوعيسى اسم أعجمي ، فلذلك لم يَنْصَرف - في معرفة ولا نكرة - لأنَّ فيه ألفَ تأنيث ، ويكون مُشْتَقاً من عاسه يعوسه ، إذا سَاسَه وقام عليه.\rوأتى الضمير مذكَّراً في قوله : \" اسْمُهُ \" وإن كان عائداً على الكلمة ؛ مراعاةً للمعنى ؛ إذ المراد بها مذكَّر.\rوقيل - في الدَّجّال- : مِسِّيح - بكسر الميم وشد السين ، وبعضهم يقوله كذا بالخاء المعجمة ، وبعضهم يقوله بفتح الميم والخاء المعجمة - مُخَفَّفاً - والأول هو المشهور ؛ لأنه يمسح الأرض - أي : يطوفها - ويدخل جميعَ بلدانِها إلا مكةَ والمدينةَ وبيتَ المقدسِ ، فهو فعيل بمعنى فاعل. والدَّجَّال يمسح الأرضَ محنة وابنُ مريمَ يمسحها مِنْحَةً. وإن كان سُمِّي مسيحاً ؛ لأنه ممسوح العين فهو فعيل بمعنى مفعول.\rقال الشاعر : [ الرجز ]\r......................... إذَا الْمَسِيحُ يَقْتُلُ الْمَسِيحَا. أ هـ {تفسير ابن عادل حـ 5 صـ 222 ـ 225}","part":13,"page":194},{"id":5425,"text":"وقال الآلوسى :\rوهذه الأقوال تشعر بأن اللفظ عربي لا عبري ، وكثير من المحققين على الثاني ، واختاره أبو عبيدة ، وعليه لا اشتقاق لأنه لا يجري على الحقيقة في الأسماء الأعجمية ، وفي \"الكشف\" أن الظاهر فيه الاشتقاق لأنه عربي دخل عليه خواص كلامهم جعل لقب تشريف له عليه السلام كالخليل لإبراهيم ، وجعله معرباً ثم إجراؤه مجرى الصفات في إدخال اللام لأنه في كلامهم بمعنى الوصف خلاف الظاهر. ومن الناس من ادعى أن دخول اللام لا ينافي العجمة فإن التوراة والإنجيل والإسكندر لم تسمع إلا مقرونة بها مع أنها أعجمية ، ولعل ذلك لا ينافي أظهرية كون محل النزاع عربياً ، نعم قيل في عيسى : إنه مشتق من العيس وأنه إنما سمي به عليه السلام لأنه كان في لونه عيس أي بياض تعلوه حمرة كما يشير إليه خبر \"كأنما خرج من ديماس\" إلا أن المعول عليه فيه أنه لا اشتقاق له ، وأن القائل به كالراقم على الماء.\rوهذا الخلاف إنما هو في هذا المسيح وأما المسيح الدجال فعربي إجماعاً وسمي به لأنه مسحت إحدى عينيه ، أو لأنه يمسح الأرض أي يقطعها في المدة القليلة ، وفرق النخعي بين لقب روح الله وعدوّه بأن الأول : بفتح الميم والتخفيف ، والثاني : بكسر الميم وتشديد السين كشرير وأنكره غيره وهو المعروف. أ هـ {روح المعانى حـ 3 صـ 161}\rوقال ابن عاشور :\rوقوله : {اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ} عبر عن العلم واللقب والوصف بالاسم ، لأن لثلاثتها أثرا في تمييز المسمى. فأما اللقب والعلم فظاهر. وأما الوصف المفيد للنسب فلأن السامعين تعارفوا ذكر اسم الأب في ذكر الأعلام للتمييز وهو المتعارف ، وتذكر الأم في النسب إما للجهل بالأب كقول بعضهم : زياد بن سمية قبل أن يلحق بأبي سفيان في زمن معاوية بن أبي سفيان ، وإما لأن لأمه مفخرا عظيما كقولهم : عمرو ابن هند ، وهو عمرو بن المنذر ملك العرب.","part":13,"page":195},{"id":5426,"text":"والمسيح كلمة عبرانية بمعنى الوصف ، ونقلت إلى العربية بالغلبة على عيسى وقد سمى متنصرة العرب بعض أبنائهم عبد السميح وأصلها مسيح بميم مفتوحة ثم سين مهملة مكسورة مشددة ثم ياء مثناة مكسورة مشددة ثم حاء مهملة ساكنة ونطق به بعض العرب بوزن سكين.\rومعنى مسيح ممسوح بدهن المسحة وهو الزيت المعطر الذي أمر الله موسى أن يتخذه ليسكبه على رأس أخيه هارون حينما جعله كاهنا لبني إسرائيل ، وصارت كهنة بني إسرائيل يمسحون بمثله من يملكونهم عليهم من عهد شاول الملك ، فصار المسيح عندهم بمعنى الملك : ففي أول سفر صمويل الثاني من كتب العهد القديم قال داود للذي أتاه بتاج شاول الملك المعروف عند العرب بطالوت كيف لم تخف أن تمد يدك لتهلك مسيح الرب.\rفيحتمل أن عيسى سمي بهذا الوصف كما يسمون بملك ويحتمل أنه لقب لقبه به اليهود تهكما عليه إذ اتهموه بأنه يحاول أن يصير ملكا على إسرائيل ثم غلب عليه إطلاق هذا الوصف بينهم واشتهر بعد ذلك ، فلذلك سمي به في القرآن. أ هـ {التحرير والتنوير حـ 3 صـ 97}\rأسئلة وأجوبة : \rالسؤال الأول : المسيح : هل هو اسم مشتق ، أو موضوع ؟ .\rوالجواب : فيه قولان\rالأول : قال أبو عبيدة والليث : أصله بالعبرانية مشيحا ، فعربته العرب وغيروا لفظه ، وعيسى : أصله يشوع كما قالوا في موسى : أصله موشى ، أو ميشا بالعبرانية ، وعلى هذا القول لا يكون له اشتقاق.\rوالقول الثاني : أنه مشتق وعليه الأكثرون ، ثم ذكروا فيه وجوهاً\rالأول : قال ابن عباس : إنما سمي عيسى عليه السلام مسيحاً ، لأنه ما كان يمسح بيده ذا عاهة ، إلا برىء من مرضه\rالثاني : قال أحمد بن يحيى : سمي مسيحاً لأنه كان يمسح الأرض أي يقطعها ، ومنه مساحة أقسام الأرض ، وعلى هذا المعنى يجوز أن يقال : لعيسى مسيح بالتشديد على المبالغة كما يقال للرجل فسيق وشريب\r","part":13,"page":196},{"id":5427,"text":"الثالث : أنه كان مسيحاً ، لأنه كان يمسح رأس اليتامى لله تعالى ، فعلى هذه الأقوال : هو فعيل بمعنى : فاعل ، كرحيم بمعنى : راحم\rالرابع : أنه مسح من الأوزار والآثام\rوالخامس : سمي مسيحاً لأنه ما كان في قدمه خمص ، فكان ممسوح القدمين\rوالسادس : سمي مسيحاً لأنه كان ممسوحاً بدهن طاهر مبارك يمسح به الأنبياء ، ولا يمسح به غيرهم ، ثم قالوا : وهذا الدهن يجوز أن يكون الله تعالى جعله علامة حتى تعرف الملائكة أن كل من مسح به وقت الولادة فإنه يكون نبياً\rالسابع : سمي مسيحاً لأنه مسحه جبريل صلى الله عليه وسلم بجناحه وقت ولادته ليكون ذلك صوناً له عن مس الشيطان\rالثامن : سمي مسيحاً لأنه خرج من بطن أمه ممسوحاً بالدهن ، وعلى هذه الأقوال يكون المسيح ، بمعنى : الممسوح ، فعيل بمعنى : مفعول.\rقال أبو عمرو بن العلاء المسيح : الملك.\rوقال النخعي : المسيح الصديق والله أعلم.\rولعلّهما قالا ذلك من جهة كونه مدحاً لا لدلالة اللغة عليه ، وأما المسيح الدجال فإنما سمي مسيحاً لأحد وجهين أحدهما : لأنه ممسوح أحد العينين\rوالثاني : أنه يمسح الأرض أي : يقطعها في المدة القليلة ، قالوا : ولهذا قيل له : دجال لضربه في الأرض ، وقطعه أكثر نواحيها ، يقال : قد دجل الدجال إذا فعل ذلك ، وقيل : سمي دجالاً من قوله : دجل الرجل إذا موه ولبس.\rالسؤال الثاني : المسيح كان كاللقب له ، وعيسى كالاسم فلم قدم اللقب على الاسم ؟ .\rالجواب : أن المسيح كاللقب الذي يفيد كونه شريفاً رفيع الدرجة ، مثل الصديق والفاروق فذكره الله تعالى أولاً بلقبه ليفيد علو درجته ، ثم ذكره باسمه الخاص.\rالسؤال الثالث : لم قال عيسى بن مريم والخطاب مع مريم ؟ .\rالجواب : لأن الأنبياء ينسبون إلى الآباء لا إلى الأمهات ، فلما نسبه الله تعالى إلى الأم دون الأب ، كان ذلك إعلاماً لها بأنه محدث بغير الأب ، فكان ذلك سبباً لزيادة فضله وعلو درجته.","part":13,"page":197},{"id":5428,"text":"السؤال الرابع : الضمير في قوله : اسمه عائد إلى الكلمة وهي مؤنثة فلم ذكر الضمير ؟ .\rالجواب : لأن المسمى بها مذكر.\rالسؤال الخامس : لم قال اسمه المسيح عيسى بن مريم ؟ والاسم ليس إلا عيسى ، وأما المسيح فهو لقب ، وأما ابن مريم فهو صفة.\rالجواب : الاسم علامة المسمى ومعرف له ، فكأنه قيل : الذي يعرف به هو مجموع هذه الثلاثة. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 8 صـ 43 ـ 44}\rلطيفة\rقال الآلوسى :\rاعلم أن لفظ { ابن } في الآية يكتب بغير همزة بناءاً على وقوعه صفة بين علمين إذ القاعدة أنه متى وقع كذلك لم تكتب همزته بل تحذف في الخط تبعاً لحذفها في اللفظ لكثرة استعماله كذلك ومتى تقدمه علم لكن أضيف إلى غير علم كزيد ابن السلطان أو تقدمه غير علم ، وأضيف إلى علم كالسلطان ابن زيد أو وقع بين ما ليسا علمين كزيد العاقل ابن الأمير عمرو كتبت الألف ولم تحذف في الخط في جميع تلك الصور ، والكتاب كثيراً ما يخطئون في ذلك فيحذفون الهمزة منه في الكتابة أينما وقع ، وقد نص على خطئهم في ذلك ابن قتيبة وغيره. ومن هنا قيل : إن الرسم يرجح التبعية ، نعم في كون ذلك مطرداً فيما إذا كان المضاف إليه علم الأم خلاف ، والذي أختاره الحذف أيضاً إذا كان ذلك مشهوراً. أ هـ {روح المعانى حـ 3 صـ 162}\rقوله تعالى : {وَجِيهًا فِي الدنيا والأخرة}\rقال ابن عادل :\rوقوله : { وَجِيهًا } حال ، وكذلك قوله : { وَمِنَ المُقَرَّبِينَ } وقوله : { وَيُكَلِّمُ } وقوله : { مِّنَ الصالحين } هذه أربعة أحوالٍ انتصبت عن قوله : \" بِكَلِمَةٍ \". وإنما ذَكَّر الحالَ ؛ حملاً على المعنى ؛ إذ المعنى المرادُ بها : الولد والمُكَوِّن ، كما ذكَّر الضميرَ في \" اسْمُهُ \".","part":13,"page":198},{"id":5429,"text":"فالحال الأولى جِيءَ بها على الأصل - اسماً صريحاً - والباقية في تأويله. والثانيةُ : جار ومجرور ، وأتى بِهَا هكذا ؛ لوقوعها فاصلةً في الكلام ، ولو جِيءَ بها اسماً صريحاً ، لفات مناسبة الفواصل. والثالثة جملة فعليَّة ، وعطف الفعل على الاسم ؛ لتأويلهِ به ، وهو كقوله : { أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى الطير فَوْقَهُمْ صَافَّاتٍ وَيَقْبِضْنَ } [ الملك : 19 ] ، أي : وقَابضات ، ومثله في عطفِ الاسمِ على الفعل ؛ لأنه في تأويله ، قولُ النابغة : [ الطويل ]\r1466- فَأَلْفَيْتُهُ يَوْماً يُبِيْرُ عَدُوَّهُ... وَمُجْرٍ عَطَاءً يَسْتَحِقُّ الْمَعَابِرَا\rوقال الآخر : [ الرجز ]\r1467- بَاتَ يُغشِّيها بِغَضَبٍ بَاتِرِ... يَقْصِدُ في أَسْوُقِهَا وَجَائِرِ\rوالمعنى : مُبِيراً عدوه ، وقاصداً.\rوجاء بالثالثة جملة فعلية ؛ لأنها في رُتْبتها ، إذ الحالُ وَصْفٌ في المعنى ، وقد تقدم أنه إذا اجتمعَ صفات مختلفة في الصراحةِ والتأويل قُدِّم الاسمُ ، ثمَّ الظرفُ - أو عديلهُ - ثم الجملةُ. فكذا فعل هنا ، فقدم الاسم - وهو { وَجِيهًا } - ثم الجار والمجرور ، ثم الفعل ، وأتى به مضارعاً ؛ لدلالته على التجدُّد وقتاً مؤقتاً ، بخلاف الوجاهةِ ، فإنَّ المرادَ ثبوتها واستقرارها ، والاسمُ مُتَكَفِّلٌ بذلِك ، والجار قريبٌ من المفرد ، فلذلك ثَنَّى به ، إذ المقصودُ ثبوتُ تَقْرِيبِهِ.\rوالتضعيف في \" الْمُقَرَّبِينَ \" للتعدية ، لا للمبالغةِ ؛ ملا تقدم من أن التضعِيفَ للمبالغة لا يُكْسِبُ الفعلَ مفعولاً ، وهذا قد أكسبه مفعولاً - كما ترى - بخلاف : قَطَّعْتُ الأثوابَ ، فإنَّ التعدي حاصل قبل ذلك.\rوجيء بالرابعة - بقوله : { مِّنَ الصالحين } مراعاةً للفاصلةِ ، كما تقدم في \" الْمُقَرَّبِينَ \".\rوالمعنى : إنَّ اللهَ يُبَشِّرُكِ بهذه الكلمةِ موصوفةً بهذه الصفاتِ الجميلةِ.","part":13,"page":199},{"id":5430,"text":"ومنع أبو البقاء أن تكونَ أحوالاً من \" الْمَسِيحِ \" أو من \" عِيسَى \" أو من \" ابْن مرْيَمَ \" قال : \" لأنها أخبارٌ ، والعاملُ فيها الابتداءُ ، أو المبتدأ ، أو هما ، وليس شيءٌ من ذلك يعملُ في الحالِ \".\rومنع أيضاً - كونَهَا حالاً من الهاء في \" اسْمُهُ \" قال : \" للفصل الواقعِ بينهما ، ولعدمِ العاملِ في الحال \".\rقال شهابُ الدينِ : \" ومذهبهُ - أيضاً - أنَّ الحالَ لا يجيءُ مِنَ المُضَافِ إليهِ ، وهو مرادُهُ بقولِهِ : ولعدم العامل. وجاءت الحالُ من النكرةِ ؛ لتخصُّصِها بالصفة بعدها. وظاهرُ كلام الواحديِّ - فيما نقَلهُ عن الفرَّاء - أنَّها يجوز أن تكون أحوالاً من \" عِيسَى \" فإنَّه قال : والقرَّاء تسمِّي هذا قَطْعاً ، كأنه قال : عيسى ابن مريم الوجيه ، قطعَ منه التعريف. فظاهرُ هذا يُؤذِنُ بأنَّ { وَجِيهًا } من صفةِ \" عِيسَى \" في الأصلِ ، فقطع عنه ، والحالُ وصفٌ في المعنى \". أ هـ {تفسير ابن عادل حـ 5 صـ 226 ـ 228}\rفصل\rقال الفخر :\rمعنى الوجيه : ذو الجاه والشرف والقدر ، يقال : وجه الرجل ، يوجه وجاهة هو وجيه ، إذا صارت له منزلة رفيعة عند الناس والسلطان ، وقال بعض أهل اللغة : الوجيه : هو الكريم ، لأن أشرف أعضاء الإنسان وجهه فجعل الوجه استعارة عن الكرم والكمال.\rواعلم أن الله تعالى وصف موسى صلى الله عليه وسلم بأنه كان وجيهاً قال الله تعالى : {يا أيها الذين ءَامَنُواْ لاَ تَكُونُواْ كالذين ءَاذَوْاْ موسى فَبرَّأَهُ الله مِمَّا قَالُواْ وَكَانَ عِندَ الله وَجِيهاً} [ الأحزاب : 69 ] ثم للمفسرين أقوال :\rالأول : قال الحسن : كان وجيهاً في الدنيا بسبب النبوة ، وفي الآخرة بسبب علو المنزلة عند الله تعالى","part":13,"page":200},{"id":5431,"text":"والثاني : أنه وجيه عند الله تعالى ، وأما عيسى عليه السلام ، فهو وجيه في الدنيا بسبب أنه يستجاب دعاؤه ويحيي الموتى ويبرىء الأكمه والأبرص بسبب دعائه ، ووجيه في الآخرة بسبب أنه يجعله شفيع أمته المحقين ويقبل شفاعتهم فيهم كما يقبل شفاعة أكابر الأنبياء عليهم السلام\rوالثالث : أنه وجهه في الدنيا بسبب أنه كان مبرأ من العيوب التي وصفه اليهود بها ، ووجيه في الآخرة بسبب كثرة ثوابه وعلو درجته عند الله تعالى.\rفإن قيل : كيف كان وجيهاً في الدنيا واليهود عاملوه بما عاملوه ، قلنا : قد ذكرنا أنه تعالى سمى موسى عليه السلام بالوجيه مع أن اليهود طعنوا فيه ، وآذوه إلى أن برأه الله تعالى مما قالوا ، وذلك لم يقدح في وجاهة موسى عليه السلام ، فكذا ههنا. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 8 صـ 44 ـ 45}\rوقال أبو حيان :\r{ وجيهاً في الدنيا والآخرة } قال ابن قتيبة : الوجيه ذو الجاه ، يقال : وجه الرجل يوجه وجاهة.\rوقال ابن دريد : الوجيه المحب المقبول.\rوقال الأخفش : الشريف ذو القدر والجاه.\rوقيل : الكريم على من يسأله ، لأنه لا يرده لكرم وجهه.\rومعناه في حق عيسى أن وجاهته في الدنيا بنبوته ، وفي الآخرة بعلو درجته.\rوقيل : في بالدنيا بالطاعة ، وفي الآخرة بالشفاعة.\rوقيل : في الدنيا بإحياء الموتى وإبراء الأكمة والأبرص ، وفي الآخرة بالشفاعة.\rوقيل : في الدنيا كريماً لا يرد وجهه ، وفي الآخرة في علية المرسلين.\rوقال الزمخشرى : الوجاهة في الدنيا النبوة والتقدم على الناس ، وفي الآخرة الشفاعة وعلو الدرجة في الجنة.\rوقال ابن عطية : وجاهة عيسى في الدنيا نبوته وذكره ورفعه ، وفي الآخرة مكانته ونعميه وشفاعته. أ هـ {البحر المحيط حـ 2 صـ 482}\rقوله تعالى {وَمِنَ المقربين}\rقال البيضاوى :\r{ وَمِنَ المقربين } من الله ، وقيل إشارة إلى علو درجته في الجنة أو رفعه إلى السماء وصحبة الملائكة. أ هـ {تفسير البيضاوى حـ 2 صـ 40}","part":13,"page":201},{"id":5432,"text":"فصل\rقال الفخر :\rقوله {وَمِنَ المقربين} فيه وجوه\rأحدها : أنه تعالى جعل ذلك كالمدح العظيم للملائكة فألحقه بمثل منزلتهم ودرجتهم بواسطة هذه الصفة\rوثانيها : أن هذا الوصف كالتنبيه على أنه عليه السلام سيرفع إلى السماء وتصاحبه الملائكة\rوثالثها : أنه ليس كل وجيه في الآخرة يكون مقرباً لأن أهل الجنة على منازل ودرجات ، ولذلك قال تعالى : {وَكُنتُمْ أَزْوَاجاً ثلاثة} [ الواقعة : 7 ] إلى قوله {والسابقون السابقون * أُوْلَئِكَ المقربون} [ الواقعة : 10-11 ]. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 8 صـ 45}\rمن لطائف الإمام القشيرى فى الآية\rلم يُبَشرها بنصيب لها في الدنيا ولا في الآخرة من حيث الحظوظ ، ولكن بَشَّرها بما أثبت في ذلك من عظيم الآية ، وكونه نبياً لله مؤيَّداً بالمعجزة.\rويقال عرَّفها أن مَنْ وقع في تغليب القدرة ، وانتهى عند حكمه يَلْقَى من عجائب القدرة ما لا عهد به لأحد. ولقد عاشت مريم مدةً بجميل الصيت ، والاشتهار بالعفة ، فشوَّش عليها ظاهر تلك الحال بما كان عند الناس بسبب استحقاق ملام ، ولكن - في التحقيق - ليس كما ظَنَّهُ الأغبياء الذين سكرت أبصارهم من شهود جريان التقدير.\rوقيل إنه (.... ) عَرَّفها ذلك بالتدريج والتفصيل ، فأخبرها أن ذلك الولَدَ يعيش حتى يُكَلِّمَ الناس صبيَّا وكهلا ، وأن كيد الأعداء لا يؤثر فيه.\rوقيل كهلاً بعد نزوله من السماء.\rويقال ربط على قلبها بما عرَّفها أنه إذا لم ينطق لسانها بذكر براءة سَاحتها يُنْطِقُ اللهُ عيسى عليه السلام بما يكون دلالة على صدقها وجلالتها. أ هـ {لطائف الإشارات حـ 1 صـ 243}","part":13,"page":202},{"id":5433,"text":"قوله تعالى { وَيُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلًا وَمِنَ الصَّالِحِينَ (46)}\rمناسبة الآية لما قبلها\rقال البقاعى :\rولما كان ذلك قد لا يقتضي خرق العادات قال : {ويكلم الناس} أي من كلمه من جميع هذا النوع ، بأي لسان كان كلمه ، حال كونه {في المهد} قال الحرالي : هو موطن الهدوء والسكون للمتحسس اللطيف الذي يكون بذلك السكون والهدو قوامه - انتهى.\rوبشرها بطول حياتها بقوله : {وكهلاً} أي بعد نزوله من السماء في خاتمة اليوم المحمدي ، ويكون كلامه في الحالتين كلام الأنبياء من غير تفاوت.\rقال الحرالي : والكهولة سن من أسنان أرابيع الإنسان ، وتحقيق حده أنه الربع الثالث الموتر لشفع متقدم سنيه من الصبا والشباب فهو خير عمره ، يكون فيمن عمره ألف شهر - بضع وثمانون سنة - من حد نيف وأربعين إلى بضع وستين ، إذا قسم الأرباع لكل ربع إحدى وعشرون سنة صباً ، وإحدى وعشرون شباباً ، وإحدى وعشرون كهولة ، وإحدى وعشرون شيوخة ، فذلك بضع وثمانون سنة - انتهى.\rوهذا تحقيق ما اختلف من كلام أهل اللغة ، وقريب منه قول الإمام أبي منصور عبد الملك بن أحمد الثعالبي في الباب الرابع عشر من كتابه فقه اللغة : ثم ما دام بين الثلاثين والأربعين فهو شاب ، ثم كهل إلى أن يستوفي الستين ؛ ويقال : شاب الرجل ، ثم شمط ، ثم شاخ ، ثم كبر - انتهى.\rوالكهل - قال أهل اللغة - مأخوذ من : اكتهل النبات - إذا تم طوله قبل أن يهيج ، وكلام الفقهاء لا يخالفه ، فإن مبناه العرف ، فالنص على كهولته إشارة لأمه بأنه ممنوع من أعدائه إذا قصدوه ، وتنبيه على أن دعواهم لصلبه كاذبة.\rولما كانت رتبة الصلاح في غاية العظمة قال مشيراً إلى علو مقدارها : {ومن الصالحين} ومعلماً بأنها محيطة بأمره ، شاملة لآخر عمره ، كما كانت مقارنة لأوله. أ هـ {نظم الدرر حـ 2 صـ 89 ـ 90}\rفصل\rقال الفخر :","part":13,"page":203},{"id":5434,"text":"الواو للعطف على قوله {وَجِيهاً} والتقدير كأنه قال : وجيهاً ومكلماً للناس وهذا عندي ضعيف ، لأن عطف الجملة الفعلية على الاسمية غير جائز إلا للضرورة ، أو الفائدة والأولى أن يقال تقدير الآية {إِنَّ الله يُبَشّرُكِ بِكَلِمَةٍ مّنْهُ اسمه المسيح عِيسَى ابن مَرْيَمَ} الوجيه في الدنيا والآخرة المعدود من المقربين ، وهذا المجموع جملة واحدة ، ثم قال : {وَيُكَلّمُ الناس} فقوله {وَيُكَلّمُ الناس} عطف على قوله {إِنَّ الله يُبَشّرُكِ }. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 8 صـ 45}\rقال ابن عادل :\rوأجيب بأن هذا خطأ ؛ لأنه إن أراد العطف على جملة { إِنَّ الله يُبَشِّرُكِ } فهي جملة اسمية فقد عطف الفعلية على الاسمية ، فوقع فيما فَرَّ منه. وإن أراد العطفَ على \" يُبَشِّرُكِ \" فهو خطأ ؛ لأن المعطوف على الخبر خبر - و\" يُبَشِّرُكِ \" خبر - فيصير التقدير : إن الله يكلم الناسَ في المهدِ ، والصواب ما قالوه من كونه حالاً ، وأن الجملة الحالية إذا كانت فعلاً فهي مقدرة بالاسم ، فجاز العطف. أ هـ {تفسير ابن عادل حـ 5 صـ 130}\rفصل\rقال الفخر :\rفي المهد قولان\rأحدهما : أنه حجر أمه\rوالثاني : هو هذا الشيء المعروف الذي هو مضجع الصبي وقت الرضاع ، وكيف كان المراد منه : فإنه يكلم الناس في الحالة التي يحتاج الصبي فيها إلى المهد ، ولا يختلف هذا المقصود سواء كان في حجر أمه أو كان في المهد. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 8 صـ 45}\rقال ابن عادل :\rقوله : { فِي المهد } يجوز فيه وَجْهَان :\rأظهرهما : أنه متعلق بمحذوف ؛ على أنه حال من الضمير في { وَيُكَلِّمُ } أي : يكلمهم صَغِيراً ، و\" كَهْلاً \" على هذا نسق على هذه الحال المؤوَّلة فعلى هذا تكون خمسة أحوال.\rوالثاني : أنه ظرف لـ \" يُكَلِّمُ \" كسائر المنفصلات ، و\" كَهلاً \" على هذا نَسَق على \" وَجِيهاً \" فعلى هذا يكون خَمْسَةَ أحْوَالٍ. أ هـ {تفسير ابن عادل حـ 5 صـ 130}\rقوله تعالى {وَكَهْلاً}","part":13,"page":204},{"id":5435,"text":"قال ابن عادل : \rو \" كَهْلاً \" من قولهم : اكتهلت الدوحة ، إذا عَمَّها النُّوْرُ - والمرأة كهلة.\rوقال الراغب : \" والكهل : مَنْ وَخَطَه الشَّيْبُ ، واكتهل النباتُ : إذا شارف اليُبُوسَةَ مشارفةَ الكهل الشَّيْبَ \".\rوأنشد قولَ الأعشى - في وَصْف رَوْضَةٍ بأكمل أحوالها - : [ البسيط ]\r1468- يُضَاحِكُ الشَّمْسَ مِنْهَا كَوْكَبٌ شَرِقٌ... مُؤزَّرٌ بِعَمِيمِ النَّبْتِ مُكْتَهِلُ\rوقد تقدم الكلام في تنقُّل أحوالِ الولدِ من لدُنْ كونهِ في البطن إلى شيخوخته ، عند ذِكْر \" غلام \".\rوقال بعضهم : \" ما دامَ في بطن أمِّه ، فهو جنين ، فإذا وُلِدَ فوليد ، فإذا لم يستتمّ الأسبوع فصديغٌ ؛ وما دام يرضع فهو رضيع ، ثم هو فَطِيمٌ - عند الفِطَام - وإذا لم يرضع ؛ فجَحْوَش ، فإذا دبَّ ونما : فدراج ، فإذا سقطت رواضِعهُ فثَغور ومثغور ، [ فإذا نبتت أسنانهُ بعد السقوط بمُتَّغِر - بالتاء والثاء ] ، فإذا جاوز العشر : فمترعرع ، وناشئ. فإذا رَاهَق الحُلم : فيافع ، ومُراهق. فإذا احتلم فحَزَوَّر. والغلام يُطْلَق عليه في جميع أحواله بعد الولادة ، فإذا اخضر شارُبه ، وسال عذاره : فباقِل ، فإذا صار ذا لِحْيَةٍ : ففتًى وشارخ ، فإذا اكتملت لحيته ؛ فمُجْتَمِع ، ثم هو من الثلاثين إلى الأربعين شابّ ، ومن الأربعين إلى ستين كهل \" ، ولأهل اللغة عبارات مختلفة في ذلك ، وهذا أشهرها. أ هـ {تفسير ابن عادل حـ 5 صـ 228}\rقال القرطبى : \rو { المهد } مضجع الصبيّ في رضاعه.\rومهدت الأمر هيأته ووطّأته.\rوفي التنزيل { فَلأَنفُسِهِمْ يَمْهَدُونَ } [ الروم : 44 ].\rوامتهد الشيء ارتفع كما يمتهد سنام البعير.\r{ وَكَهْلاً } الكهل بين حال الغلومة وحال الشيخوخة.\rوامرأة كهلة.\rواكتهلت الروضة إذا عمها النَّوْر.\rيقول : يكلم الناس في المهد آية ، ويكلمهم كهلاً بالوحي والرسالة.\r","part":13,"page":205},{"id":5436,"text":"وقال أبو العباس : كلمهم في المهد حين برّأ أمَّه فقال : { إِنِّي عَبْدُ الله } [ مريم : 30 ] الآية.\rوأما كلامه وهو كهل فإذا أنزله الله تعالى من السماء أنزله على صورة ابن ثلاثٍ وثلاثين سنة وهو الكهل فيقول لهم : { إني عبد الله } كما قال في المهد.\rفهاتان آيتان وحجتان.\rقال المهدوِي : وفائدة الآية أنه أعلمهم أن عيسى عليه السلام يكلمهم في المهد ويعيش إلى أن يكلمهم كهلاً ، إذ كانت العادة أن من تكلم في المهد لم يعش.\rقال الزجاج : \"وكهلاً\" بمعنى ويكلم الناس كهلاً.\rوقال الفَرّاء والأخفش : هو معطوف على \"وجِيهاً\".\rوقيل : المعنى ويكلم الناس صغيراً وكهلاً.\rوروى ابن جُريج عن مجاهد قال : الكهل الحليم.\rقال النحاس : هذا لا يُعرف في اللغة ، وإنما الكهل عند أهل اللغة من ناهز الأربعين.\rوقال بعضهم : يقال له حَدَث إلى ستّ عشرة سنة.\rثم شابّ إلى اثنتين وثلاثين.\rثم يَكْتهل في ثلاثٍ وثلاثين ؛ قاله الأخفش. أ هـ {تفسير القرطبى حـ 4 صـ 90 ـ 91}\rأسئلة وأجوبة للإمام الفخر : \rالسؤال الأول : ما الكهل ؟ .\rالجواب : الكهل في اللغة ما اجتمع قوته وكمل شبابه ، وهو مأخوذ من قول العرب اكتهل النبات إذا قوي وتم قال الأعشى : \rيضاحك الشمس منها كوكب شرق.. مؤزر بحميم النبت مكتهل\rأراد بالمكتهل المتناهي في الحسن والكمال.\rالسؤال الثاني : أن تكلمه حال كونه في المهد من المعجزات ، فأما تكلمه حال الكهولة فليس من المعجزات ، فما الفائدة في ذكره ؟ .\rوالجواب : من وجوه\rالأول : أن المراد منه بيان كونه متقلباً في الأحوال من الصبا إلى الكهولة والتغير على الإله تعالى محال ، والمراد منه الرد على وفد نجران في قولهم : إن عيسى كان إلها\rوالثاني : المراد منه أن يكلم الناس مرة واحدة في المهد لإظهار طهارة أمه ، ثم عند الكهولة يتكلم بالوحي والنبوة\r","part":13,"page":206},{"id":5437,"text":"والثالث : قال أبو مسلم : معناه أنه يكلم حال كونه في المهد ، وحال كونه كهلاً على حد واحد وصفة واحدة وذلك لا شك أنه غاية في المعجز\rالرابع : قال الأصم : المراد منه أنه يبلغ حال الكهولة.\rالسؤال الثالث : نقل أن عمر عيسى عليه السلام إلى أن رفع كان ثلاثاً وثلاثين سنة وستة أشهر ، وعلى هذا التقدير : فهو ما بلغ الكهولة.\rوالجواب : من وجهين\rالأول : بينا أن الكهل في أصل اللغة عبارة عن الكامل التام ، وأكمل أحوال الإنسان إذا كان بين الثلاثين والأربعين ، فصح وصفه بكونه كهلاً في هذا الوقت\rوالثاني : هو قول الحسين بن الفضل البجلي : أن المراد بقوله {وَكَهْلاً} أن يكون كهلاً بعد أن ينزل من السماء في آخر الزمان ، ويكلم الناس ، ويقتل الدجال ، قال الحسين بن الفضل : وفي هذه الآية نص في أنه عليه الصلاة والسلام سينزل إلى الأرض. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 8 صـ 45 ـ 46}\rوقال السمرقندى : \rفإن قيل : ما معنى قوله كهلاً ؟ والكلام من الكهل لا يكون عجباً.\rقيل له : المراد منه كلام الحكمة والعبرة.\rويقال : كهلاً بعد نزوله من السماء ، وهو قول الكلبي. أ هـ {بحر العلوم حـ 1 صـ 238}\rوقال الماوردى : \rفيه قولان : \rأحدها : أنه يكلمهم كهلاً بالوحي الذي يأتيه من الله تعالى.\rوالثاني : أنه يتكلم صغيراً في المهد كلام الكهل في السنّ. أ هـ {النكت والعيون حـ 1 صـ 394}","part":13,"page":207},{"id":5438,"text":"فصل\rقال الفخر :\rأنكرت النصارى كلام المسيح عليه السلام في المهد ، واحتجوا على صحة قولهم بأن كلامه في المهد من أعجب الأمور وأغربها ، ولا شك أن هذه الواقعة لو وقعت لوجب أن يكون وقوعها في حضور الجمع العظيم الذي يحصل القطع واليقين بقولهم ، لأن تخصيص مثل هذا المعجز بالواحد والاثنين لا يجوز ، ومتى حدثت الواقعة العجيبة جداً عند حضور الجمع العظيم فلا بد وأن تتوفر الدواعي على النقل فيصير ذلك بالغاً حد التواتر ، وإخفاء ما يكون بالغاً إلى حد التواتر ممتنع ، وأيضاً فلو كان ذلك لكان ذلك الإخفاء ههنا ممتنعاً لأن النصارى بالغوا في إفراط محبته إلى حيث قالوا إنه كان إلها ، ومن كان كذلك يمتنع أن يسعى في إخفاء مناقبه وفضائله بل ربما يجعل الواحد ألفاً فثبت أن لو كانت هذه الواقعة موجودة لكان أولى الناس بمعرفتها النصارى ، ولما أطبقوا على إنكارها علمنا أنه ما كان موجوداً ألبتة.\rأجاب المتكلمون عن هذه الشبهة ، وقالوا : إن كلام عيسى عليه السلام في المهد إنما كان للدلالة على براءة حال مريم عليها السلام من الفاحشة ، وكان الحاضرون جمعاً قليلين ، فالسامعون لذلك الكلام ، كان جمعاً قليلاً ، ولا يبعد في مثله التواطؤ على الإخفاء ، وبتقدير : أن يذكروا ذلك إلا أن اليهود كانوا يكذبونهم في ذلك وينسبونهم إلى البهت ، فهم أيضاً قد سكتوا لهذه العلة فلأجل هذه الأسباب بقي الأمر مكتوماً مخفياً إلى أن أخبر الله سبحانه وتعالى محمداً صلى الله عليه وسلم بذلك ، وأيضاً فليس كل النصارى ينكرون ذلك ، فإنه نقل عن جعفر بن أبي طالب : لما قرأ على النجاشي سورة مريم ، قال النجاشي : لا تفاوت بين واقعة عيسى ، وبين المذكور في هذا الكلام بذرة. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 8 صـ 46 ـ 47}\rفصل\rقال القرطبى :\rذكر أبو بكر بن أبي شيبة حدّثنا عبد الله بن إدريس عن حُصين عن هلال بن يسَاف.","part":13,"page":208},{"id":5439,"text":"قال : لم يتكلم في المهد إلا ثلاثة : عيسى وصاحب يوسف وصاحب جريج ، كذا قال : \"وصاحب يوسف\".\rوهو في صحيح مسلم عن أبي هريرة عن النبيّ صلى الله عليه وسلم قال : \" لم يتكلم في المهد إلاَّ ثلاثة عيسى ابن مريم وصاحب جُريج وصاحب الجَبَّار وبيْنا صبيّ يرضع من أمّه \" وذكر الحديث بطوله.\rوقد جاء من حديث صُهيب في قصة الأخدود.\r\"أن امرأة جِيء لها لتلقى في النار على إيمانها ومعها صبيّ\".\rفي غير كتاب مسلم \"يرضع فتقاعست أن تقع فيها فقال الغلام يا أمَّه اصبري فإنك على الحق\".\rوقال الضحاك : تكلم في المهد ستة : شاهد يوسف وصبيّ ماشِطة امرأة فرعون وعيسى ويحيى وصاحب جُريج وصاحب الجَبّار.\rولم يذكر الأخدود ، فأسقط صاحب الأُخدود وبه يكون المتكلمون سبعة.\rولا معارضة بين هذا وبين قوله عليه السَّلام.\r\" لم يتكلم في المهد إلاَّ ثلاثة \" بالحصر فإنه أخبر بما كان في علمه مما أوحى إليه في تلك الحال ، ثم بعد هذا أعلمه الله تعالى بما شاء من ذلك فأخبر به.\rقلت : أما صاحب يوسف فيأتي الكلام فيه ، وأما صاحب جُريج وصاحب الجَبّار وصاحب الأُخدودِ ففي \"صحيح مسلم\".\rوستأتي قصة الأخدود في سورة \"البروج\" إن شاء الله تعالى.\rوأما صبيّ ماشطةِ ( امرأة ) فرعون ، فذكر البيهقيّ عن ابن عباس قال قال النبيّ صلى الله عليه وسلم : \" لما أسِري بي سِرْت في رائحة طيبة فقلت ما هذه الرائحة قالوا ماشطة ابنة فرعون وأولادها سقط مشطها من يديها فقالت : بسم الله فقالت ابنة فرعون : أبي ؟ قالت : ربّي وربُّكِ وربُّ أبيك قالت أوَ لكِ ربّ غير أبي ؟ قالت : نعم ربّي وربّكِ وربّ أبيك اللَّهُ قال فدعاها فرعون فقال : ألكِ ربّ غيري ؟ قالت : نعم ربّي وربّكَ الله قال فأمر بنُقرة من نُحاس فأحميت ثم أمر بها لتلقى فيها قالت : إن لي إليك حاجةً قال : ما هي ؟ قالت : تجمع عظامي وعظامَ ولدي في موضع واحد قال : ذاك لكِ لما لكِ علينا من الحق.\r","part":13,"page":209},{"id":5440,"text":"فأمر بهم فألقوا واحداً بعد واحد حتى بلغ رضيعاً فيهم فقال قَعِي يا أمّه ولا تقاعسِي فإنا على الحق \" قال وتكلم أربعة وهم صغار : هذا وشاهد يوسف وصاحب جُريج وعيسى ابن مريم. أ هـ {تفسير القرطبى حـ 4 صـ 91 ـ 92}\rقوله تعالى : {وَمِنَ الصالحين }\rسؤال : فإن قيل : كون عيسى كلمة من الله تعالى ، وكونه {وَجِيهًا فِي الدنيا والأخرة} وكونه من المقربين عند الله تعالى ، وكونه مكلماً للناس في المهد ، وفي الكهولة كل واحد من هذه الصفات أعظم وأشرف من كونه صالحاً فلم ختم الله تعالى أوصاف عيسى بقوله {وَمِنَ الصالحين} ؟ .\rقلنا : إنه لا رتبة أعظم من كون المرء صالحاً لأنه لا يكون كذلك إلا ويكون في جميع الأفعال والتروك مواظباً على النهج الأصلح ، والطريق الأكمل ، ومعلوم أن ذلك يتناول جميع المقامات في الدنيا والدين في أفعال القلوب ، وفي أفعال الجوارح ، فلما ذكر الله تعالى بعض التفاصيل أردفه بهذا الكلام الذي يدل على أرفع الدرجات. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 8 صـ 47}\rوقال الطبرى :\rوأما قوله : \"ومن الصالحين\" ، فإنه يعني : من عِدَادهم وأوليائهم ، لأنّ أهل الصلاح بعضهم من بعض في الدين والفضل. أ هـ {تفسير الطبرى حـ 6 صـ 419}","part":13,"page":210},{"id":5441,"text":"من فوائد الآلوسى فى الآية\r{ وَيُكَلّمُ الناس فِى المهد وَكَهْلاً } عطف على الحال الأولى أيضاً وعطف الفعل على الاسم لتأويله به سائغ شائع وهو في القرآن كثير والظرف حال من الضمير المستكن في الفعل ولم يجعل ظرفاً لغواً متعلقاً به مع صحته لعطف { وَكَهْلاً } عليه ، والمراد يكلمهم حال كونه طفلاً وكهلاً ، والمقصود التسوية بين الكلام في حال الطفولية وحال الكهولة ، وإلا فالكلام في الثاني ليس مما يختص به عليه السلام وليس فيه غرابة ، وعلى هذا فالمجموع حال لا كل على الاستقلال ، وقيل : إن كلاً منهما حال ، والثاني : تبشير ببلوغ سن الكهولة وتحديد لعمره ، والمهد مقر الصبي في رضاعه وأصله مصدر سمي به وكان كلامه في المهد ساعة واحدة بما قص الله تعالى لنا ، ثم لم يتكلم حتى بلغ أوان الكلام قاله ابن عباس ، وقيل : كان يتكلم دائماً وكان كلامه فيه تأسيساً لنبوته وإرهاصاً لها على ما ذهب إليه ابن الأخشيد وعليه يكون قوله : { وَجَعَلَنِى نَبِيّاً } [ مريم : 30 ] إخباراً عما يؤول إليه ، وقال الجبائي : إنه سبحانه أكمل عقله عليه السلام إذ ذاك وأوحى إليه بما تكلم به مقروناً بالنبوة ، وجوز أيضاً أن يكون ذلك كرامة لمريم دالة على طهارتها وبراءة ساحتها مما نسبه أهل الإفك إليها ، والقول : بأنه معجزة لها بعيد وإن قلنا بنبوتها وزعمت النصارى أنه عليه السلام لم يتكلم في المهد ولم ينطق ببراءة أمه صغيراً بل أقام ثلاثين سنة واليهود تقذف أمه بيوسف النجار وهذا من أكبر فضائحهم الصادحة برد ما هم عليه من دعوى الألوهية له عليه السلام وكذا تنقله في الأطوار المختلفة المتنافية لأن من هذا شأنه بمعزل عن الألوهية ، واعترضوا بأن كلامه في المهد من أعجب الأمور فلو كان لنقل ولو نقل لكان النصارى أولى الناس بمعرفته ، وأجيب بأن الحاضرين إذ ذاك لم يبلغوا مبلغ التواتر ، ولما نقلوا كذبوا فسكتوا ، وبقي الأمر مكتوماً إلى أن نطق القرآن به ، وهذا قريب على قول ابن عباس :","part":13,"page":211},{"id":5442,"text":"إنه لم يتكلم إلا ساعة من نهار وعلى القول الآخر وهو أنه بقي يتكلم يقال : إن الناس اشتغلوا بعد بنقل ما هو أعجب من ذلك من أحواله كإحياء الموتى وإبراء الأكمه والأبرص والإخبار عن الغيوب والخلق من الطين كهيئة الطير حتى لم يذكر التكلم منهم إلا النزر ولا زال الأمر بقلة حتى لم يبق مخبر عن ذلك وبقي مكتوماً إلى أن أظهره القرآن.\rوبعد هذا كله لك أن تقول لا نسلم إجماع النصارى على عدم تكلمه في المهد ، وظاهر الأخبار ، وقد تقدم بعضها يشير إلى أن بعضهم قائل بذلك ، وبفرض إجماعهم نهاية ما يلزم الاستبعاد وهو بعد إخبار الصادق لا يسمن ولا يغني من جوع عند من رسخ إيمانه.","part":13,"page":212},{"id":5443,"text":"وقوي إيقانه ، وكم أجمع أهل الكتابين على أشياء نطق القرآن الحق بخلافها والحق أحق بالاتباع ، ولعل مرامهم من ذلك أن يطفئوا نور الله بأفواههم { ويأبى الله إِلاَّ أَن يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الكافرون } [ التوبة : 32 ] والكهل ما بين الشاب والشيخ ، ومنه اكتهل النبت إذا طال وقوي ، وقد ذكر غير واحد أن ابن آدم ما دام في الرحم فهو جنين ، فإذا ولد فهو وليد ؛ ثم ما دام يرضع فهو رضيع ، ثم إذا قطع اللبن فهو فطيم ، ثم إذا دب ونما فهو دارج ، فإذا بلغ خمسة أشبار فهو خماسي ، فإذا سقطت رواضعه فهو مثغور ، فإذا نبتت أسنانه فهو مثغر بالتاء والثاء كما قال أبو عمرو فإذا قارب عشر سنين أو جاوزها فهو مترعرع وناشىء ؛ فإذا كان يبلغ الحلم أو بلغه فهو يافع ومراهق ، فإذا احتلم واجتمعت قوته فهو حزور ، واسمه في جميع هذه الأحوال غلام فإذا اخضر شاربه وأخذ عذاره يسيل قيل : قد بقل وجهه ، فإذا صار ذا فتاء فهو فتى وشارخ ، فإذا اجتمعت لحيته وبلغ غاية شبابه فهو مجتمع ، ثم ما دام بين الثلاثين والأربعين فهو شاب ، ثم كهل إلى أن يستوفي الستين. ويقال لمن لاحت فيه أمارات الكبر وخطه الشيب ، ثم يقال شاب ، ثم شمط ، ثم شاخ ، ثم كبر ، ثم هرم ، ثم دلف ، ثم خرف ، ثم اهتر ، ومحاظله إذا مات وهذا الترتيب إنما هو في الذكور وأما في الإناث فيقال للأنثى ما دامت صغيرة : طفلة ، ثم وليدة إذا تحركت ، ثم كاعب إذا كعب ثديها ثم ناهد ، ثم معصر إذا أدركت ، ثم عانس إذا ارتفعت عن حد الإعصار ، ثم خود إذا توسطت الشباب ، ثم مسلف إذا جاوزت الأربعين ، ثم نصف إذا كانت بين الشباب والتعجيز ، ثم شهلة كهلة إذا وجدت من الكبر وفيها بقية وجلد ثم شهربة إذا عجزت وفيها تماسك ثم حيزبون إذا صارت عالية السن ناقصة العقل ، ثم قلعم ولطلط إذا انحنى قدّها وسقطت أسنانها.","part":13,"page":213},{"id":5444,"text":"وعلى ما ذكر في سن الكهولة يراد بتكليمه عليه السلام كهلاً تكليمه لهم كذلك بعد نزوله من السماء وبلوغه ذلك السن بناءاً على ما ذهب إليه سعيد بن المسيب وزيد بن أسلم وغيرهما \"أنه عليه السلام رفع إلى السماء وهو ابن ثلاث وثلاثين سنة وأنه سينزل إلى الأرض ويبقى حياً فيها أربعاً وعشرين سنة\" كما رواه ابن جرير بسند صحيح عن كعب الأحبار ، ويؤيد هذا ما أخرجه ابن جرير عن ابن زيد في الآية قال : قد كلمهم عيسى في المهد وسيكلمهم إذا قتل الدجال وهو يومئذٍ كهل { وَمِنَ الصالحين } أي ومعدوداً في عدادهم وهو معطوف على الأحوال السابقة. أ هـ {روح المعانى حـ 3 صـ 163 ـ 164}","part":13,"page":214},{"id":5445,"text":"قوله تعالى { قَالَتْ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي وَلَدٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ قَالَ كَذَلِكِ اللَّهُ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ إِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (47)}\rمناسبة الآية لما قبلها\rقال البقاعى :\rولما كانت رتبة الصلاح في غاية العظمة قال مشيراً إلى علو مقدارها : {ومن الصالحين} ومعلماً بأنها محيطة بأمره ، شاملة لآخر عمره ، كما كانت مقارنة لأوله ، وكأنها لما سمعت ذلك امتلأت تعجباً فاستخفها ذلك إلى الاستعجال بالسؤال قبل إكمال المقال بأن {قالت رب} أيها المحسن إلى {أنّى} أي من أين وكيف {يكون لي} ولما كان استبعادها لمطلق الحبل ، لا بقيد كونه ذكراً كما في قصة زكريا عليه السلام قالت {ولد} وقالت : {ولم يمسسني بشر} لفهمها ذلك من نسبته إليها فقط.\rقال الحرالي : والبشر هو اسم المشهود من الآدمي في جملته بمنزلة الوجه في أعلى قامته ، من معنى البشرة ، وهو ظاهر لاجلد انتهى ( ولعل هذا الكلام خطر لها ولم تلفظ به فعلم الملك عليه السلام أنه شغل فكرها فأجابها عنه لتفريغ الفهم بأن {قال كذلك} أي مثل هذا الفعل العظيم الشأن العالم الرتبة يكون ما بشرتك به ) ولما كان استبعادها لمطلق التكوين من غير سبب أصلاً عبر في تعليل ذلك بالخلق فقال : {الله} أي الملك الأعظم الذي لا اعتراض عليه {يخلق} أي يقدر ويصنع ويخترع {ما يشاء} فعبر بالخلق إشارة إلى أن العجب فيه لا في مطلق الفعل كما في يحيى عليه السلام من جعل الشيخ كالشاب ، ثم علل ذلك بما بين سهولته فقال : {إذا قضى أمراً} أي جل أو قل {فإنما يقول له كن فيكون} بياناً للكلمة. أ هـ {نظم الدرر حـ 2 صـ 90}\rفصل\rقال الفخر :","part":13,"page":215},{"id":5446,"text":"قال المفسرون : إنها إنما قالت ذلك لأن التبشير به يقتضي التعجب مما وقع على خلاف العادة وقد قررنا مثله في قصة زكريا عليه السلام ، وقوله {إِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُن فَيَكُونُ} تقدم تفسيره في سورة البقرة. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 8 صـ 47}\rوقال القرطبى :\rقوله تعالى : { قَالَتْ رَبِّ } أي يا سَيّدي. (1)\rتخاطب جبريل عليه السَّلام ؛ لأنه لما تمثل لها قال لها : إنما أنا رسولُ رَبِّك ليَهب لكِ غلاماً زكياً.\rفلما سمعت ذلك من قوله استفهمت عن طريق الولد فقالت : أنَّى يكون لي ولد ولم يمسسني بشر ؟ أي بنكاح.\r( في سورتها ) { وَلَمْ أَكُ بَغِيّاً } [ مريم : 20 ] ذكرت هذا تأكيداً ؛ لأن قولها { وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ } يشمل الحرام والحلال.\rتقول : العادة الجارية التي أجراها الله في خلقه أن الولد لا يكون إلاَّ عن نكاح أو سِفاح.\rوقيل : ما استبعدت من قدرة الله تعالى شيئاً ، ولكن أرادت كيف يكون هذا الولد : أمِن قِبل زوج في المستقبل أم يخلقه الله ابتداء ؟ فرُوي أن جبريل عليه السَّلام حين قال لها : { كَذَلِكَ الله يَخْلُقُ مَا يَشَآءُ } { قَالَ كذلك قَالَ رَبُّكَ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ } [ مريم : 21 ].\rنفخ في جَيب درعها وكُمّها ؛ قاله ابن جُريج.\r_____________\r(1) قول فى غاية البعد وعدول عن الظاهر بغير دليل والأصل أن كلمة ربى لا تطلق على غير الله إلا مع وجود القرينة وهى مفقودة هنا ويؤخذ على الإمام القرطبى ـ رحمه الله ـ أنه اقتصر على ذكر هذا الوجه فقط كأنه اختاره ورجحه بينما ذكر غيره الوجهين والفريق الثالث قال : إن المراد من قولها {قالت رب} رب العالمين\rوهذا الكلام شبيه بكلام بعض المفسرين الذين قالوا أن المراد بكلمة {ربى} فى قوله تعالى فى سورة يوسف {إنه ربى أحسن مثواى} المراد به العزيز وسيأتى الرد على ذلك فى موضعه إن شاء الله.\rورحم الله الإمام الزمخشرى فقد قال فى هذا الموضع : ومن بدع التفاسير أن قولها : رب نداء لجبريل عليه السلام بمعنى يا سيدي. أ هـ {الكشاف حـ 1 صـ 391}","part":13,"page":216},{"id":5447,"text":"قال ابن عباس : أخذ جبريل رُدْن قميصها بأصبعه فنفخ فيه فحملت من ساعتها بعيسى.\rوقيل غير ذلك على ما يأتي بيانه في سورتها إن شاء الله تعالى.\rوقال بعضهم : وقع نفخ جبريل في رحمها فعلِقت بذلك.\rوقال بعضهم : لا يجوز أن يكون الخلق من نفخ جبريل لأنه يصير الولد بعضه من الملائكة وبعضه من الإنس ، ولكن سبب ذلك أن الله تعالى لما خلق آدم وأخذ الميثاق من ذُرِّيته فجعل بعض الماء في أصلاب الآباء وبعضه في أرحام الأمّهات فإذا اجتمع الماءان صارا ولداً ، وأن الله تعالى جعل الماءين جميعاً في مريم بعضه في رِحمها وبعضه في صُلبها ، فنفخ فيه جبريل لتهيج شهوتها ؛ لأن المرأة ما لم تَهِج شهوتها لا تحبل ، فلما هاجت شهوتها بنفخ جبريل وقع الماء الذي كان في صُلبها في رَحِمها فاختلط الماءان فعلِقت بذلك ؛ فذلك قوله تعالى : { إِذَا قضى أَمْراً } يعني إذا أراد أن يخلق خلقاً { فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ }.\rوقد تقدّم في \"البقرة\" القول فيه مستوفى. أ هـ {تفسير القرطبى حـ 4 صـ 92 ـ 93}","part":13,"page":217},{"id":5448,"text":"وقال الآلوسى :\r{ قَالَتْ } استئناف مبني على السؤال كأنه قيل : فماذا كان منها حين قالت لها الملائكة ذلك ؟ فقيل : { قَالَتْ رَبّ أنى يَكُونُ لِى وَلَدٌ } يحتمل أن يكون الاستفهام مجازياً والمراد التعجب من ذلك والاستبعاد العادي ، ويحتمل أن يكون حقيقياً على معنى أنه يكون بتزوج أو غيره ، وقيل : يحتمل أن يكون استفهاماً عن أنه من أي شخص يكون ، وإعراب هذه الجملة على نحو إعراب الجملة السابقة في قصة زكريا عليه السلام { وَلَمْ يَمْسَسْنِى بَشَرٌ } جملة حالية محققة لما مر ومقوية له ، والمسيس هنا كناية عن الوطء وهذا نفي عام للتزوج وغيره ، والبشر يطلق على الواحد والجمع ، والتنكير للعموم ، والمراد عموم النفي لا نفي العموم ، وسمي بشراً لظهور بشرته أو لأن الله تعالى باشر أباه وخلقه بيديه.\r{ قَالَ } استئناف كسابقه ، والفاعل ضمير الرب والملك حكى لها المقول وهو قوله سبحانه : { كذلك الله يَخْلُقُ } إما بلا تغيير فيكون فيه التفات ، وإما بتغيير ، وقيل : إن الله تعالى قال لها ذلك بلا واسطة ملك ، والأول : مبني على أنه تعالى لم يكلم غير الأنبياء بل غير خاصتهم عليهم الصلاة والسلام ، وقيل : القائل جبريل عليه السلام وليس على سبيل الحكاية والقرينة عليه ذكر الملائكة عليهم السلام قبله ، وحمل { قَالَتْ رَبّ } فيما تقدم على ذلك أبعد بعيد ، وقد مر عليك الكلام في مثل هذه الجملة خلا أن التعبير هنا بيخلق وهناك بيفعل لاختلاف القصتين في الغرابة فإن الثانية : أغرب فالخلق المنبىء عن الاختراع أنسب بها ولهذا عقبه ببيان كيفيته فقال سبحانه : { إِذَا قَضَى أَمْرًا } أي أراد شيئاً فالأمر واحد الأمور ، والقضاء في الأصل الأحكام ، وأطلق على الإرادة الإلهية القطعية المتعلقة بإيجاد المعدوم وإعدام الموجود وسميت بذلك لإيجابها ما تعلقت به ألبتة ويطلق على الأمر ، ومنه { وقضى رَبُّكَ } [ الإسراء : 23 ].","part":13,"page":218},{"id":5449,"text":"{ فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ } أي فهو يكون أي يحدث وهذا عند الأكثرين تمثيل لتأثير قدرته في مراده بأمر المطاع للمطيع في حصول المأمور من غير امتناع ، وتوقف وافتقار إلى مزاولة عمل واستعمال آلة ، فالممثل الشيء المكون بسرعة من غير عمل وآلة ، والممثل به أمر الآمر المطاع لمأمور به مطيع على الفور ، وهذا اللفظ مستعار لذلك منه. وأنت تعلم أنه يجوز فيه أن يكون حقيقة بأن يراد تعلق الكلام النفسي بالشيء الحادث على أن كيفية الخلق على هذا الوجه ، وعلى كلا التقديرين المراد من هذا الجواب بيان أن الله تعالى لا يعجزه أن يخلق ولداً بلا أب لأنه أمر ممكن في نفسه فيصح أن يكون متعلق الإرادة والقدرة كيف لا وكثيراً ما نشاهد حدوث كثير من الحيوانات على سبيل التولد كحدوث الفأر عن المدر والحيات عن الشعر المتعفن والعقارب عن البادورج والذباب عن الباقلاء إلى غير ذلك غايته الاستبعاد ، وهو لا يوجب ظناً فضلاً عن علم ، وبعد إخبار الصادق عن وجود ذلك الممكن يجب القطع بصحته ، والقول : بأن المادة فيما عد ونحوه موجودة وبعد وجودها لا ريب في الإمكان دون ما نحن فيه لأن مادة الآدمي منيان وليس هناك إلا مني واحد أو لا مني أصلاً فكيف يمكن الخلق ليس بشيء ، أما على مذهبنا فلأن الإيجاد لا يتوقف على سبق المادة وإلا لتسلسل الأمر ، وأما على مذهب المنكرين فيجوز أن يكون مني الأنثى بنفسه أو بما ينضم إليه مما لا يعلمه إلا الله تعالى بحالة يصلح أن يكون مادة ، وقصارى ما يلزم من ذلك الاستبعاد وهو لا يجدي نفعاً في أمثال هذه المقامات ، ويجوز أيضاً أن يقيم الله تعالى غير المني مقام المني ، وأي محال يلزم من ذلك ألا ترى كيف أقيم التراب مقام المني في أصل النوع ودعوى أن الإقامة مشروطة بكون ذلك الغير خارج الرحم ، وأما الإقامة في الرحم فمما لا إمكان لها غير بينة ولا مبينة بل العقل لا يفرق بين الأمرين في الإمكان وإنما يفرق بينهما في","part":13,"page":219},{"id":5451,"text":"موافقة العادة وعدمها وهو أمر وراء ما نحن فيه.\rومن الناس من بين هذا المطلب بأن التخيلات الذهنية كثيراً ما تكون أسباباً لحدوث الحوادث كتصور حضور المنافي للغضب وكتصور السقوط بحصول السقوط للماشي على جذع ممدود فوق فضاء بخلافه لو كان على قرار من الأرض وقد جعلت الفلاسفة هذا كالأصل في بيان جواز المعجزات والكرامات فما المانع أن يقال : إنها لما تخيلت صورة جبريل كفى ذلك في علوق الولد في رحمها لأن مني الرجل ليس إلا لأجل العقد فإذا حصل الانعقاد لمني المرأة بوجه آخر أمكن علوق الولد النتهى. وليس بشيء لأنه يعود بالنقص لحضرة البتول وأنها لتنزه ساحتها عن مثل هذا التخيل كما لا يخفى ، وفي جواب هذه الطاهرة ليوسف النجار ما يؤيد ما قلناه ، فقد أخرج إسحق بن بشر وابن عساكر عن وهب أنه قال : لما استقر حمل مريم وبشرها جبريل وثقت بكرامة الله تعالى واطمأنت وطابت نفساً ، وأول من اطلع على حملها ابن خال لها يقال له يوسف ، واهتم لذلك وأحزنه وخشي البلية منه لأنه كان يخدمها فلما رأى تغير لونها وكبر بطنها عظم عليه ذلك فقال معرضاً لها : هل يكون زرع من غير بذر ؟ ا قالت : نعم قال : وكيف يكون ذلك قالت : إن الله تعالى خلق البذر الأول من غير نبات وأنبت الزرع الأول من غير بذر ، ولعلك تقول : لم يقدر أن يخلق الزرع الأول إلا بالبذر ؟ ولعلك تقول : لولا أن استعان الله تعالى عليه بالبذر لغلبه حتى لا يقدر على أن يخلقه ولا ينبته ؟ قال يوسف : أعوذ بالله أن أقول ذلك قد صدقت وقلت بالنور والحكم ، وكما قدر أن يخلق الزرع الأول وينبته من غير بذر يقدر أن يجعل زرعاً من غير بذر فأخبريني هل ينبت الشجر من غير ماء ولا مطر ؟ قالت : ألم تعلم أن للبذر والماء والمطر والشجر خالقاً واحداً فلعلك تقول : لولا الماء والمطر لم يقدر على أن ينبت الشجر ؟ قال أعوذ بالله تعالى أن أقول ذلك قد صدقت فأخبريني خبرك قالت : بشرني الله تعالى بكلمة منه اسمه المسيح عيسى ابن مريم إلى قوله تعالى : { وَمِنَ الصالحين","part":13,"page":220},{"id":5452,"text":"} [ آل عمران : 46 ] فعلم يوسف أن ذلك أمر من الله تعالى لسبب خير أراده بمريم فسكت عنها فلم تزل على ذلك حتى ضربها الطلق فنوديت أن اخرجي من المحراب فخرجت. أ هـ {روح المعانى حـ 3 صـ 164 ـ 166}\rوقال ابن عاشور :\rقوله : { قالت رب } جملة معترضة ، من كلامها ، بين كلام الملائكة.\rوالنداء للتحسر وليس للخطاب : لأنّ الذي كلمها هو الملك ، وهي قد توجهت إلى الله.\rوالاستفهام في قولها { أنى يكون لي ولد } للإنكار والتعجّب ولذلك أجيب جوابين أحدهما كذلك الله يخلق ما يشاء فهو لرفع إنكارها ، والثاني إذا قضى أمراً إلخ لرفع تعجّبها.\rوجملة { قال كذلك الله يخلق } إلخ جواب استفهامها ولم تعطف لأنّها جاءت على طريقة المحاورات كما تقدم في قوله تعالى : { قالوا أتجعل فيها ومابعدها } في سورة البقرة ( 30 ) والقائل لها هو الله تعالى بطريق الوحي.\rواسم الإشارة في قوله : كذلك } راجع إلى معنى المذكور في قوله : { إن الله يبشرك بكلمة منه إلى قوله وكهلا } [ آل عمران : 45 ، 46 ] أي مثل ذلك الخلق المذكور يخلق الله ما يشاء.\rوتقديم اسم الجلالة على الفعل في قوله : { الله يخلق } لإفادة تقوى الحكم وتحقيق الخبر.\rوعبر عن تكوين الله لعيسى بفعل يَخْلق : لأنّه إيجاد كائن من غير الأسباب المعتادة لإيجاد مثله ، فهو خلْق أنُفٌ غيرُ ناشىء عن أسباب إيجاد الناس ، فكان لفعل يخلُق هنا موقعٌ متعين ، فإنّ الصانع إذا صنع شيئاً من موادّ معتادة وصنعة معتادة ، لا يقول خلَقْت وإنما يقول صَنَعت. أ هـ {التحرير والتنوير حـ 3 صـ 99}","part":13,"page":221},{"id":5453,"text":"وقال الطبرى فى معنى الآية :\rيعني بذلك جل ثناؤه ، قالت مريم إذ قالت لها الملائكة أنّ الله يبشرك بكلمة منه : \"ربِّ أنَّى يكون لي ولد\" ، من أيِّ وجه يكون لي ولد ؟ أمِن قبل زوج أتزوجه وبعل أنكحه ، أمْ تبتدئ فيَّ خلقه من غير بعل ولا فحل ، ومن غير أن يمسَّني بشر ؟ فقال الله لها \"كذلك الله يخلق ما يشاء\" ، يعني : هكذا يخلق الله منك ولدًا لك من غير أن يمسَّك بشر ، فيجعله آيةً للناس وعبرة ، فإنه يخلق ما يشاء ويصنعُ ما يريد ، فيعطي الولد من يشاء من غير فحل ومن فحلٍ ، ويحرِمُ ذلك من يشاءُ من النساء وإن كانت ذات بعلٍ ، لأنه لا يتعذر عليه خلق شيء أراد خلقه ، إنما هو أن يأمر إذا أراد شيئًا ما أراد [خلقه] فيقول له : \"كن فيكون\" ما شاء ، مما يشاء ، وكيف شاء. أ هـ {تفسير الطبرى حـ 6 صـ 420 ـ 421}\rفائدة\rقال ابن الجوزى :\rقوله تعالى : { قالت رب أنّى يكون لي ولد } في علة قولها هذا قولان.\rأحدهما : أنها قالت هذا تعجباً واستفهاماً ، لا شكاً وإنكاراً ، على ما أشرنا إليه في قصة زكريا ، وعلى هذا الجمهور ، والثاني : أن الذي خاطبها كان جبريل ، وكانت تظنه آدميا يريد بهاً سوءاً ، ولهذا قالت : { أعوذ بالرحمن منك إِن كنت تقياً } [ مريم : 18 ].\rفلما بشرها لم تتيقن صحة قوله ، لأنها لم تعلم أنه ملك ، فلذلك قالت : { أنى يكون لي ولد } قاله ابن الأنباري.\rقوله تعالى : { ولم يمسسني بشر } أي : ولم يقربني زوج.\rوالمس : الجماع ، قاله ابن فارس.\rوسمي البشر بشراً ، لظهورهم ، والبشرة : ظاهر جلد الإنسان ، وأبشرت الأرض : أخرجت نباتها ، وبشرت الأديم : إذا قشرت وجهه ، وتباشير الصبح : أوائله.\rقال : يعني جبريل : { كذلكِ الله يخلق ما يشاء } أي : بسبب ، وبغير سبب. أ هـ {زاد المسير حـ 1 صـ 390}","part":13,"page":222},{"id":5454,"text":"لطيفة\rقال ابن عطية :\rوجاءت العبارة في أمر زكريا يفعل وجاءت هنا ، { يخلق } من حيث أمر زكرياء داخل في الإمكان الذي يتعارف وإن قل وقصة مريم لا تتعارف البتة ، فلفظ الخلق أقرب إلى الاختراع وأدل عليه ، وروي أن عيسى عليه السلام ، ولد لثمانية أشهر (1) فلذلك لا يعيش من يولد من غيره لمثل ذلك. أ هـ {المحرر الوجيز حـ 1 صـ 437}\rوقال ابن كثير :\rولم يقل : \"يفعل\" كما في قصة زكريا ، بل نص هاهنا على أنه يخلق ؛ لئلا يبقى شبهة ، وأكد ذلك بقوله : { إِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ } أي : فلا يتأخر شيئًا ، بل يوجد عقيب الأمر بلا مهلة ، كقوله تعالى : { وَمَا أَمْرُنَا إِلا وَاحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِالْبَصَرِ } [ القمر : 50 ] أي : إنما نأمر مرة واحدة لا مثنوية فيها ، فيكون ذلك الشيء سريعًا كلمح بالبصر. أ هـ {تفسير ابن كثير حـ 2 صـ 44}\rلطيفة\rقال التسترى :\rقوله : { كَذَلِكَ الله يَخْلُقُ مَا يَشَآءُ إِذَا قضى أَمْراً فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ } [ 47 ] قال : إذا كان في علمه السابق الأزلي أمر فأراد إظهاره قال له كن فيكون ، قال القائل شعر : [ من الطويل ]\rقضى قبلَ خلقِ ما هو خالقٌ ... خلائقَ لا يَخفى عليه أمورُها\rهواها ونجواها ومضمر قلبها ... وقبل الهوى ماذا يكون ضميرُها. أ هـ {تفسير السعدى صـ 76}\rمن لطائف الإمام القشيرى فى الآية\rقوله جلّ ذكره : { قَالَت رَبِّ أنَّى يَكُونُ لِى وَلَدٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِى بَشَرٌ قَالَ كَذَلِكَ اللهُ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ }.\rكما شاهدت ظهور أشياء ناقضة للعادة في رزقنا فكذلك ننقض العادة في خلق ولدٍ من غير مسيس بشر.\rقوله جلّ ذكره : { إِذَا قَضَى أَمْرًا }.\rأي أراد إمضاء حُكْم.\r{ فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ }.\rفلا يتعسر عليه إبداء ولا إنشاء.\rولمَا بسطوا فيها لسان الملامة أنطق الله عيسى عليه السلام وهو ابن يومٍ حتى قال :\r{ أَنِّى قَدْ جِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ }. أ هـ {لطائف الإشارات حـ 1 صـ 244}\r________________\r(1) هذه الرواية تفتقر إلى سند صحيح. والله أعلم.","part":13,"page":223},{"id":5455,"text":"قوله تعالى { وَيُعَلِّمُهُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ (48)}\rمناسبة الآية لما قبلها\rقال البقاعى :\rفلما أجابها عما شغل قلبها من العجب فتفرغ الفهم أخذ في إكمال المقال بقوله عطفاً علي {ويكلم الناس} بالياء كما قبله في قراءة نافع وعاصم ، وبالنون في قراءة الباقين نظراً إلى العظمة إظهاراً لعظمة العلم : {ويعلمه} أو يكون مستأنفاً فيعطف على ما تقديره : فنخلقه كذلك ونعلمه {الكتاب} أي الكتابة أو جنس الكتاب فيشمل ذلك معرفة الكتاب وحفظه وفهمه وغير ذلك من أمره {والحكمة} أي العلوم الإلهية لتفيده تهذيب الأخلاق فيفيض عليه قول الحق وفعله على أحكم الوجوه بحيث لا يقدر أحد على نقض شيء مما يبرمه.\rولما وصفه بالعلوم النظرية والعملية فصار متأهلاً لأسرار الكتب الإلهية قال : {والتوراة} أي التي تعرفينها {والإنجيل} بإنزاله عليه تالياً لهما ، وتأخيره في الذكر الشرط فيقتضي اتصاف كل مقضي بهذه الأوصاف كلها. أ هـ {نظم الدرر حـ 2 صـ 90}\rفصل\rقال ابن عادل :\rقوله : { وَيُعَلِّمُهُ الكتاب } قرأ نافع وعاصم ويعقوب { وَيُعَلِّمُهُ } - بياء الغيبة - والباقون بنون المتكلم المعظم نفسه ، وعلى كلتا القراءتين ففي محل هذه الجملة أوجهٌ :\rأحدها : أنها معطوفة على \" يُبَشِّرُكِ \" أي : أن الله يبشركِ بكلمةٍ ويعلم ذلك المولود المُعَبَّر عنه بالكلمة.\rالثاني : أنها معطوفة على \" يَخْلُقُ \" أي : كذلك الله يخلق ما يشاء ويعلمه. وإلى هذين الوجهين ، ذهب جماعة منهم الزمخشريُّ وأبو علي الفارسيّ ، وهذان الوجهان ظاهران على قراءة الياء ، وأما قراءة النون ، فلا يظهر هذان الوجهان عليها إلا بتأويل الالتفات من ضمير الغيبة إلى ضمير المتكلم ، إيذاناً بالفخامة والتعظيم.","part":13,"page":224},{"id":5456,"text":"فأما عطفه على \" يُبَشِّرُكِ \" فقد استبعده أبو حيَّانَ جِدًّا ، قال : \" لطول الفصل بين المعطوف ، والمعطوف عليه \" ، وأما عطفه على \" يَخْلُقُ \" فقال : \" هو معطوف عليه سواء كانت - يعني \" يَخْلُقُ \" خبراً عن الله أم تفسيراص لما قبلها ، إذا أعربت لفظ \" اللهُ \" مبتدأ ، وما قبله خبر \".\rيعني أنه تقدم في إعراب { كَذَلِكَ الله } في قصة زكريا أوجهٍ :\rأحدها ما ذكره - ف \" يُعَلِّمُهُ \" معطوف على \" يخلُقُ \" بالاعتبارين [ المذكورين ] ؛ إذْ لا مَانِعَ من ذلك ، وعلى هذا الذي ذكره أبو حيّان وغيره ، تكون الجملة الشرطية معترضة بين المعطوف والمعطوف عليه ، والجملة من \" نُعَلِّمُهُ \" - في الوجهين المتقدمين - مرفوعة المحل ، لرفع محل ما عُطِفَتْ عليه.\rالثالث : أن يعطف على \" يُكَلِّمُ \" فيكون منصوباً على الحال ، والتقدير : يُبَشِّرُكَ بكلمة مُكَلِّماً ومُعلِّماً الكتاب ، وهذا الوجه جوزه ابنُ عَطِيَّةَ وغيره.\rالرابع : أن يكون معطوفاً على \" وَجِيهاً \" ؛ لأنه في تأويل اسم منصوبٍ على الحال ، وهذا الوجه جوَّزه الزمخشريُّ.\rواستبعد أبو حيّان هذين الوجهين الأخيرين - أعني الثالث والرابع - قال : \" الطول الفصل بين المعطوف والمعطوف عليه ، ولا يقع مثلُه في لسان العرب \".\rالخامس : أن يكون معطوفاً على الجملة المحكية بالقول : - وهي { كَذَلِكَ الله يَخْلُقُ مَا يَشَآءُ }.\rقال أبو حيّان : \" وعلى كلتا القراءتين هي معطوفة على الجملة المقولة ؛ وذلك أن الضمير في ( قال كذلك ) لله - تعالى - والجملة بعده هي المقولة ، وسواء كان لفظ ( الله ) مبتدأ خبره ما قبله ، أم مبتدأ ، وخبره \" يَخْلُقُ \" - على ما مر إعرابه في { قَالَ كَذَلِكَ الله يَفْعَلُ مَا يَشَآءُ } - فيكون هذا من القول لمريم على سبيل الاغتباط ، والتبشير بهذا الولد ، الذي أوجده اللهُ منها \".\rالسادس : أن يكون مستأنفاً ، لا محلَّ له من الإعراب.","part":13,"page":225},{"id":5457,"text":"قال الزَّمَخْشريُّ - بعد أن ذكر فيه أنه يجوز أن يكون معطوفاً على \" يُبَشِّرُكِ \" أو يخلق أو \" وَجِيهاً \" - : \" أو هو كلام مبتدأ \" يعني مستأنفاً.\rقال أبو حيّان : \" فإن عنى أنه استئناف إخبار عن الله ، أو من الله - على اختلاف القراءتين - فمن حيث ثبوت الواو لا بد أن يكون معطوفاً على شيء قبله ، فلا يكون ابتداء كلام إلا أن يُدَّعَى زيادةُ الواو في وتعلمه ، فحينئذٍ يَسِحُّ أن يكون ابتداءَ كلامٍ ، وإن عنى أنه ليس معطوفاً على ما ذكر ، فكان ينبغي أن يبين ما عطف عليه ، وأن يكون الذي عُطِف عليه ابتداء كلام ، حتى يكون المعطوف كذلك \".\rقال شهاب الدين : \" وهذا الاعتراض غير لازم ؛ لأنه لا يلزم من جعله كلاماً مستأنفاً أن يُدَّعَى زيادة الواو ، ولا أنه لا بد من معطوف عليه ؛ لأن النحويين ، وأهل البيان نَصُّوا على أن الواوَ تكون للاستئناف ، بدليل أن الشعراء يأتُون بها في أوائل أشعارهم ، من غير تقدُّم شيءٍ يكون ما بعدَها معطوفاً عليه ، والأشعار مشحونة بذلك ، ويُسمونها واوَ الاستئناف ، ومَن منع ذلك قدَّر أنّ الشاعرَ عطف كلامه على شيء منويٍّ في نفسه ، ولكن الأول أشهر القولين \".\rوقال الطبريُّ : قراءة الياء عطف على قوله : { يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ } ، وقراءة النون ، عطف على قوله : { نُوحِيهِ إلَيْكَ }.\rقال ابن عطيةَ : \" وهذا الذي قاله في الوجهين مفسد للمعنى \". ولم يبين أبو محمد وجه إفساد المعنى.","part":13,"page":226},{"id":5458,"text":"قال أبو حيّان : \" أما قراءةُ النون ، فظاهر فساد عطفه على \" نُوحِيهِ \" من حيث اللفظ ومن حيث المعنى ، أما من حيث اللفظ فمثله لا يقع في لسان الْعَرَبِ ؛ لبُعْدِ الفَصْل المُفْرِط ، وتعقيد التركيب وتنافي الكلامِ ، وأما من حيث المعنى فإنَّ المعطوف بالواو شريك المعطوف عليه في المعنى ، فيصير المعنى بقوله : { ذلك مِنْ أَنَبَآءِ الغيب } ، أي : إخبارك يا محمد بقصة امرأة عمرانَ وولادتها لمريم ، وَكَفَالَةِ زكريا ، وقصته في ولادة يحيى ، وتبشير الملائكة لمريمَ بالاصطفاء والتطهير كل ذلك من أخبار الغيب - نعلمه ، أي : نعلم عيسى الكتاب ، فهذا كلام لا ينتظم [ معناه ] مع معنى ما قبله.\rأما قراءة الياء وعطف \" وَيُعَلِّمُهُ \" على \" يَخْلُقُ \" فليست مُفْسِدَةً للمعنى ، بل هو أوْلَى وأصَحّ ما يحمل عطف \" وَيُعَلِّمُهُ \" لقُرب لفظه وصحة معناه - وقد ذكرنا جوازَه قبل - ويكون الله أخبر مريم بأنه - تعالى - يخلق الأشياءَ الغريبةَ التي لم تَجْرِ العادة بِمثلِهَا ، مثلما خلق لك ولداً من غير أبٍ ، وأنه - تعالى - يُعَلِّمُ هذا الولَد الذي يخلقه لك ما لم يُعَلِّمْه مَنْ قَبْلَه من الكتاب والحكمة والتوراة والإنجيل ، فيكون في هذا الإخبار أعظم تبشيرٍ لها بهذا الولد ، وإظهار بركته ، وأنه ليس مشبهاً أولاد الناس - من بني إسرائيل - بل هو مخالف لهم في أصل النشأة ، وفيما يعلمه - تعالى - من العلم ، وهذا يظهر لي أنه أحسن ما يحمل عليه عطف وَيُعَلِّمُهُ \" اه.\rقال أبو البقاء : \" يُقْرَأ - نعلمه - بالنون ، حملاً على قوله : { ذلك مِنْ أَنَبَآءِ الغيب نُوحِيهِ إِلَيْكَ } ويقرأ بالياء ؛ حملاً على \" يُبَشِّرُكِ \" وموضعه حال معطوفة على \" وَجِيهاً \".\rقال أبو حيّان : وقال بعضهم : \" وَنُعَلِّمُهُ \" - بالنون - حملاً على \" نُوحِيهِ \" - إن عني بالحمل العطف فلا شيء أبعد من هذا التقدير ، وإن عني بالحمل أنه من باب الالتفات فهو صحيح \".","part":13,"page":227},{"id":5459,"text":"قال شهاب الدين : \" يتعين أن يعني بقوله : حَمْلاً ؛ الالتفات ليس إلا ، ولا يجوز أن يعني به العطف لقوله : وموضعه حال معطوفة على \" وَجِيهاً \" وكيف يستقيم أن يُرِيدَ عطفه على \" يُبَشِّرُكِ \" أو على توجيهه مع حكمه عليه بأنه معطوف على \" وَجِيهاً \" ؟ هذا ما لا يستقيم أبداً \". أ هـ {تفسير ابن عادل حـ 5 صـ 233 ـ 236}\rوقال الطبرى :\rوالصواب من القول في ذلك عندنا أنهما قراءتان مختلفتان ، غير مختلفتي المعاني ، فبأيتهما قرأ القارئ فهو مصيب الصوابَ في ذلك ، لاتفاق معنى القراءتين ، في أنه خبر عن الله بأنّه يعلم عيسى الكتاب ، وما ذكر أنه يعلمه. أ هـ {تفسير الطبرى حـ 6 صـ 422}\rوقال الآلوسى :\r{ وَيُعَلّمُهُ الكتاب } عطف على { يُبَشّرُكِ } [ آل عمران : 45 ] أي : إن الله يبشرك بكلمة ويعلم ذلك المولود المعبر عنه بالكلمة الكتاب ولا يرد عليه طول الفصل لأنه اعتراض لا يضر مثله ، أو على { يَخْلُقُ } [ آل عمران : 47 ] أي كذلك الله يخلق ما يشاء ويعلمه أو على { يكلم } [ آل عمران : 46 ] فتكون في محل نصب على الحال والتقدير يبشرك بكلمة مكلماً الناس ومعلماً الكتاب أو على { الله وَجِيهاً } [ آل عمران : 45 ] وجوز أن تكون جملة مستأنفة ليست داخلة في حيز قول الملائكة عليهم السلام ، والواو تكون للاستئناف وتقع في ابتداء الكلام كما صرح به النحاة فلا حاجة كما قال الشهاب إلى التأويل بأنها معطوفة على جملة مستأنفة سابقة وهي { إِذْ قَالَتِ } [ آل عمران : 42 ] الخ ولا إلى مقدرة ، ولا إشكال في العطف كما قال التحرير ، وكذا لا يدعي أن الواو زائدة كما قال أبو حيان ، فهذه أوجه من الإعراب مختلفة بالأولوية ، وأغرب ما رأيته ما نقله الطبرسي عن بعضهم أن العطف على جملة { نُوحِيهِ إِلَيْكَ } [ آل عمران : 44 ] بل لا يكاد يستطيبه من سلم له ذوقه. أ هـ {روح المعانى حـ 3 صـ 166}","part":13,"page":228},{"id":5460,"text":"فصل\rقال الفخر :\rفي هذه الآية أمور أربعة معطوف بعضها على بعض بواو العطف ، والأقرب عندي أن يقال : المراد من الكتاب تعليم الخط والكتابة ، ثم المراد بالحكمة تعليم العلوم وتهذيب الأخلاق لأن كمال الإنسان في أن يعرف الحق لذاته والخير لأجل العمل به ومجموعهما هو المسمى بالحكمة ، ثم بعد أن صار عالماً بالخط والكتابة ، ومحيطاً بالعلوم العقلية والشرعية ، يعلمه التوراة ، وإنما أخر تعليم التوراة عن تعليم الخط والحكمة ، لأن التوراة كتاب إلهي ، وفيه أسرار عظيمة ، والإنسان ما لم يتعلم العلوم الكثيرة لا يمكنه أن يخوض في البحث على أسرار الكتب الإلهية ، ثم قال في المرتبة الرابعة والإنجيل ، وإنما أخر ذكر الإنجيل عن ذكر التوراة لأن من تعلم الخط ، ثم تعلم علوم الحق ، ثم أحاط بأسرار الكتاب الذي أنزله الله تعالى على من قبله من الأنبياء فقد عظمت درجته في العلم فإذا أنزل الله تعالى عليه بعد ذلك كتاباً آخر وأوقفه على أسراره فذلك هو الغاية القصوى ، والمرتبة العليا في العلم ، والفهم والإحاطة بالأسرار العقلية والشرعية ، والاطلاع على الحكم العلوية والسفلية ، فهذا ما عندي في ترتيب هذه الألفاظ الأربعة. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 8 صـ 47 ـ 48}","part":13,"page":229},{"id":5461,"text":"قال الآلوسى : \r{ الكتاب } مصدر بمعنى الكتابة أي يعلمه الخط باليد قاله ابن عباس وإليه ذهب ابن جريج ، وروي عنه أنه قال : أعطى الله تعالى عيسى عليه السلام تسعة أجزاء من الخط وأعطى سائر الناس جزءاً واحداً ، وذهب أبو علي الجبائي إلى أن المراد بعض الكتب التي أنزلها الله تعالى على أنبيائه عليهم السلام سوى التوراة والإنجيل مثل الزبور وغيره ، وذهب كثيرون إلى أن أل فيه للجنس والمراد جنس الكتب الإلهية إلا أن المأثور هو الأول ، والقول بأن المراد بالكتاب الجنس لكن في ضمن فردين هما التوراة والإنجيل ، وتجعل الواو فيما بعد زائدة مقحمة وما بعدها بدلاً أو عطف بيان من الهذيان بمكان. وقرأ أهل المدينة وعاصم ويعقوب وسهل ويعلمه بالياء ، والباقون بالنون قيل : وعلى ذلك لا يحسن بعض تلك الوجوه إلا بتقدير القول أي إن الله يبشرك بعيسى ويقول : نعلمه أو وجيهاً ومقولاً فيه نعلمه الكتاب { والحكمة } أي الفقه وعلم الحلال والحرام قاله ابن عباس وقيل : جميع ما علمه من أمور الدين ، وقيل : سنن الأنبياء عليهم السلام ، وقيل : الصواب في القول والعمل ، وقيل : إتقان العلوم العقلية ، وقد تقدم الكلام على ذلك.\r{ والتوراة } أفردا بالذكر على تقدير أن يراد بالكتاب ما يشملهما لوفور فضلهما وسمو شأوهما على غيرهما ، وتعليمه ذلك قيل : بالإلهام ، وقيل : بالوحي ، وقيل : بالتوفيق والهداية للتعلم ، وقد صح أنه عليه السلام لما ترعرع وفي رواية الضحاك عن ابن عباس لما بلغ سبع سنين أسلمته أمه إلى المعلم لكن الروايات متضافرة أنه جعل يسأل المعلم كلما ذكر له شيئاً عما هو بمعزل عن أن ينبض فيه ببنت شفة ، وذلك يؤيد أن علمه محض موهبة إلهية وعطية ربانية ، وذكر الإنجيل لكونه كان معلوماً عند الأنبياء والعلماء متحققاً لديهم أنه سينزل. أ هـ {روح المعانى حـ 3 صـ 166}\rوقال السمرقندى : \r{ الكتاب } يعني كتب الأنبياء.\rوهذا قول الكلبي.","part":13,"page":230},{"id":5462,"text":"وقال مقاتل : يعني الخط والكتابة ، فعلّمه الله بالوحي والإلهام.\r{ والحكمة } يعني الفقه { والتوراة والإنجيل } يعني يحفظ التوراة عن ظهر قلبه.\rوقال بعضهم : وهو عالم بالتوراة.\rوقال بعضهم : ألهمه الله بعدما كبر حتى تعلم في مدة يسيرة. أ هـ {بحر العلوم حـ 1 صـ 239}\rوقال ابن عطية : \r{ الكتاب } هو الخط باليد فهو مصدر كتب يكتب . هذا قول ابن جريج وجماعة المفسرين ، وقال بعضهم : هي إشارة إلى كتاب منزل لم يعين وهذه دعوى لا حجة عليها.\r ، وأما { الحكمة } ، فهي السنة التي يتكلم بها الأنبياء ، في الشرعيات ، والمواعظ ، ونحو ذلك ، مما لم يوح إليهم في كتاب ولا بملك ، لكنهم يلهمون إليه وتقوى غرائزهم عليه ، وقد عبر بعض العلماء عن { الحكمة } بأنها الإصابة في القول والعمل ، فذكر الله تعالى في هذه الآية أنه يعلم عيسى عليه السلام الحكمة ، والتعليم متمكن فيما كان من الحكمة بوحي أو مأثوراً عمن تقدم عيسى من نبي وعالم ، وأما ما كان من حكمة عيسى الخاصة به فإنما يقال فيها يعلمه على معنى يهيىء غريزته لها ويقدره ويجعله يتمرن في استخراجها ويجري ذهنه إلى ذلك ، و{ التوراة } هي المنزلة على موسى عليه السلام ، ويروى أن عيسى كان يستظهر التوراة وكان أعمل الناس بما فيها ، ويروى أنه لم يحفظها عن ظهر قلب إلا أربعة ، موسى ويوشع بن نون وعزير وعيسى عليهم السلام ، وذكر { الإنجيل } لمريم وهو ينزل - بعد - لأنه كان كتاباً مذكوراً عند الأنبياء والعلماء وأنه سيزل . أ هـ {المحرر الوجيز حـ 1 صـ 438}\rوقال البيضاوى : \r{ الكتاب } الكتبة أو جنس الكتب المنزلة. (1)\rوخص الكتابان لفضلهما. أ هـ {تفسير البيضاوى حـ 2 صـ 41}\r____________\r(1) وما الذى يمنع أن يكون المراد من الكتاب القرآن الكريم ومن الحكمة سنة رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ وقد ورد هذا المعنى فى أكثر من موضع عند اقتران الكتاب بالحكمة ، ويؤيد هذا المعنى أن عيسى ـ عليه السلام ـ سينزل آخر الزمان قبيل الساعة ويقتل الدجال ولن يأتى بشرع جديد وإنما يحكم بشريعة رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ وإذا كان الأمر كذلك فلابد له من معرفة الكتاب {القرآن} والحكمة {سنة رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ والله أعلم بمراد كتابه.","part":13,"page":231},{"id":5463,"text":"قوله تعالى { وَرَسُولًا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ بِآَيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ أَنِّي أَخْلُقُ لَكُمْ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأَنْفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِ اللَّهِ وَأُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ وَأُحْيِي الْمَوْتَى بِإِذْنِ اللَّهِ وَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَةً لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (49)}\rمناسبة الآية لما قبلها\rقال البقاعى :\rولما ذكر الكتاب المنزل عليه حسن ذكر الرسالة فقال بعد ما أفاد عظمتها بجعله ما مضى مقدمات لها : {ورسولاً} عطفاً على \" تالياً \" المقدر ، أو ينصب بتقدير : يجعله {إلى بني إسراءيل} أي بالإنجيل.\rولما كان ذكر الرسالة موجباً لتوقع الآية دلالة على صحتها ، وكان من شأن الرسول مخاطبة المرسل إليهم وإقباله بجميع رسالته عليهم اتبعه ببيان الرسالة مقروناً بحرف التوقع فقال : {أني} أي ذاكراً أني {قد جئتكم بآية من ربكم} أي الذي طال إحسانه إليكم ، ثم أبدل من \" آية \" {إني أخلق لكم} أي لأجل تربيتكم بصنائع الله {من الطين} قال الحرالي : هو متخمر الماء والتراب حيث يصير متهيئاً لقبول وقع الصورة فيه {كهيئة} وهي كيفية وضع أعضاء الصورة بعضها من بعض التي يدركها ظاهر الحس - انتهى وهي الصورة المتهيئة لما يراد منها {الطير} ثم ذكر احتياجه في إحيائه إلى معالجة بقوله معقباً للتصوير : {فأنفخ} قال الحرالي : من النفخ ، وهو إرسال الهواء من منبعثه بقوة انتهى.","part":13,"page":232},{"id":5464,"text":"{فيه} أي في ذلك الذي هو مثل الهيئة {فيكون طيراً} أي طائراً بالفعل - كما في قراءة نافع ، وذكر المعالجة لئلا يتوهم أنه خالق حقيقة ، ثم أكد ذلك إزالة لجميع الشبه بقوله : {بإذن الله} أي بتمكين الملك الأعظم الذي له جميع صفات الكمال ، له روح كامل لحمله في الهواء تذكيراً بخلق آدم عليه السلام من تراب ، وإشارة إلى أن هذا أعجب من خلق آدمي من أنثى فقط فلا تهلكوا في ذلك.\rولما ذكر ما يشبه أمر آدم عليه السلام أتبعه علاج أجساد أولاده بما يردها إلى معتادها بما يعجز أهل زمانه ، وكان الغلب عليهم الطب وبدأ بأجزائها فقال : {وأبرىء} قال الحرالي : من الإبراء وهو تمام التخلص من الداء ، والداء ما يوهن القوى ويغير الأفعال العامة للطبع والاختيار - انتهى.\r{الأكمه والأبرص} بإيجاد ما فقد منها من الروح المعنوي ؛ والكمه - قال الحرالي - ذهاب البصر في أصل معناه : تلمع الشيء بلمع خلاف ما هو عليه ، ومنه براص الأرض - لبقع لا نبت فيها ، ومنه البريص في معنى البصيص ، فما تلمع من الجلد على غير حاله فهو لذلك برص وقال الحرالي : البرص عبارة عن سور مزاج يحصل بسببه تكرج ، أي فساد بلغم يضعف القوة المغيرة عن إحالته إلى لون الجسد - انتهى.","part":13,"page":233},{"id":5465,"text":"ولما فرغ من رد الأرواح إلى جزاء الجسم أتبعه رد الروح الكامل في جميعه المحقق لأمر البعث المصور له بإخراجه من عالم الغيب إلى عالم الشهادة في بعض الآدميين فقال : {وأحي الموتى} أي برد أرواحهم إلى أشباحهم ، بعضهم بالفعل وبعضهم بالقوة ، لأن الذي أقدرني على البعض قادر على ذلك في الكل ، وقد أعطاني قوة ذلك ، وهذا كما نقل القضاعي أن الحسن قال : \" أتى رجل رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكر أنه طرح بنيّة له في وادي كذا ، فمضى معه إلى الوادي وناداها باسمها : يا فلانة! أجيبي بإذن الله سبحانه وتعالى! فخرجت وهي تقول : لبيك وسعديك! فقال لها : إن أبويك قد أسلما فإن أحببت أردك إليهما ، فقالت : لا حاجة لي بهما ، وجدت الله خيراً لي منهما \" وقد تقدم في البقرة عند {أرني كيف تحيي الموتى} [ البقرة : 260 ] ما ينفع هنا ، وقصة قتادة ابن دعامة في رده صلى الله عليه وسلم عينه بعد أن أصابها سهم فسالت على خده ، فصارت أحسن من أختها شهيرة ، وقصة أويس القرني رحمه الله تعالى في إبراه الله سبحانه وتعالى له من البرص ببرّه لأمه كذلك.","part":13,"page":234},{"id":5466,"text":"ولما كان ذلك من أمر الإحياء الذي هو من خواص الإلهية وأبطن آيات الملكوتية ربما أورث لبساً في أمر الإله تبرأ منه ورده إلى من هو له ، مزيلاً للبس وموضحاً للأمر فقال مكرراً لما قدمه في مثله معبراً بما يدل على عظمه : {بإذن الله} أي بعلمه وتمكينه ، ثم أتبعه ما هو من جنسه في الإخراج من عالم الغيب إلى عالم الشهادة فقال : {وأنبئكم} أي من الأخبار الجليلة من عالم الغيب {بما تأكلون} أي مما لم أشاهده ، بل تقطعون بأني كنت غائباً عنه {وما تدخرون} ولما كان مسكن الإنسان أعز البيوت عنده وأخفى لما يريد أن يخفيه قال : {في بيوتكم} قال الحرالي : من الادخار : افتعال من الدخرة ، قلب حرفاه الدال لتوسط الدال بين تطرفهما في متقابلي حالهما ؛ والدخرة ما اعتنى بالتمسك به عدة لما شأنه أن يحتاج إليه فيه ، فما كان لصلاح خاصة الماسك فهو ادخار ، وما كانت لتكسب فيما يكون من القوام فهو احتكار - انتهى.\rولما ذكرهذه الخوارق نبه على أمرها بقوله : {إن في ذلك} أي الأمر العظيم {لآية لكم} أي أيها المشاهدون على أني عبد الله ومصطفاه ، فلا تهلكوا في تكويني من أنثى فقط فتطروني ، فإني لم أعمل شيئاً منها إلا ناسباً له إلى الله سبحانه وتعالى وصانعاً فيه ما يؤذن بالحاجة المنافية للإلهية ولو بالدعاء ، وأفرد كاف الخطاب أولاً لكون ما عده ظاهراً لكل أحد على انفراده أنه آية لجميع المرسل إليهم ، وكذا جمع ثانياً قطعاً لتعنت من قد يقول : إنها لا تدل إلا باجتماع أنظار جميعهم - لو جمع الأول ، وإنها ليست آية لكلهم بل لواحد منهم - لو وحد في الثاني ، ولما كانت الآيات لا تنفع مع المعاندات قال : {إن كنتم مؤمنين} أي مذعنين بأن الله سبحانه وتعالى قادر على ما يريد ، وأهلاً لتصديق ما ينبغي التصديق به. أ هـ {نظم الدرر حـ 2 صـ 90 ـ 93}\rفصل\rقال الفخر :\rفي هذه الآية وجوه","part":13,"page":235},{"id":5467,"text":"الأول : تقدير الآية : ونعلمه الكتاب والحكمة والتوراة والإنجيل ونبعثه رسولاً إلى بني إسرائيل ، قائلاً {أَنّى قَدْ جِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مّن رَّبّكُمْ} والحذف حسن إذا لم يفض إلى الاشتباه\rالثاني : قال الزجاج : الاختيار عندي أن تقديره : ويكلم الناس رسولاً ، وإنما أضمرنا ذلك لقوله {أَنّى قَدْ جِئْتُكُمْ} والمعنى : ويكلمهم رسولاً بأني قد جئتكم ،\rالثالث : قال الأخفش : إن شئت جعلت الواو زائدة ، والتقدير : ويعلمه الكتاب والحكمة والتوراة ، والإنجيل رسولاً إلى بني إسرائيل ، قائلاً : أني قد جئتكم بآية. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 8 صـ 48}\rوقال ابن عادل :\rقوله : { وَرَسُولاً } فيه وجهان :\rأحدهما : أن صفة - بمعنى مُرْسَل - على \" فَعُول \" كالصَّبور والشَّكُور.\rوالثاني : أنه - في الأصل - مصدر ، ومن مَجِيء \" رسول \" مصدراً قوله : [ الطويل ]\rلَقَدْ كَذَبَ الْوَاشُونَ مَا بُحتُ عِنْدَهُمْ... يِسِرِّ وَلاَ أرْسَلْتُهُمْ بِرَسُولِ\rوقال آخر : [ الوافر ]\rألاَ أبْلِغْ أبَا عَمْرٍو رَسُولاً... بِأنِّي عَنْ فُتَاحَتِكُمْ غَنِيُّ\rأي أبلغه رسالة.\rومنه قوله تعالى : \" إنَّا رسُولُ رَبِّ العالمين \" - على أحد التأويلين - أي : إنا ذوا رسالةِ ربِّ العالمينَ. وعلى الوجهين يترتب الكلامُ في إعراب \" رَسُولاً \" ، فعلى الأول يكون في نصبه ستة أوجهٍ :\rأحدها : أن يكون معطوفاً على \" يُعَلِّمُهُ \" - إذا أعربناه حالاً معطوفاً على \" وَجِيهاً \" - إذ التقدير وجيهاً ومُعَلَّماً ومُرْسَلاً.\rقاله الزمخشريُّ وابنُ عطيةَ.\rوقال أبو حيّان : \" وقد بيَّنا ضَعْفَ إعرابِ مَنْ يقول : إن \" وَيُعَلِّمُهُ \" معطوف على \" وَجِيهاً \" ؛ للفصل المُفْرِط بين المتعاطفَيْن [ وهو مبني على إعراب \" ويعلمه \" ] \".","part":13,"page":236},{"id":5468,"text":"الثاني : أن يكون نَسَقاً على \" كَهْلاً \" الذي هو حال من الضمير المستتر في \" وَيُكَلِّمُ \" ، أي : يكلم الناسَ طفلاً وكهلاً ومُرْسَلاً إلى بني إسرائيلَ ، وقد جَوَّز ذلك ابنُ عطيةَ ، واستبعده أبو حيّان ؛ لطول الفصل بين المعطوف والمعطوف عليه.\rقال شهاب الدين : \" ويظهر أن ذلك لا يجوز - من حيث المعنى - إذْ يصير التقدير : يكلم الناس في حال كونه رسولاً إليهم وهو إنما صار رسولاً بعد ذلك بأزمنةٍ \".\rفإن قيل : هي حَالٌ مُقَدَّرة ، كقولهم : مررت برجلٍ معه صقرٌ صائداً به غداً ، وقوله : { فادخلوها خَالِدِينَ } [ الزمر : 73 ].\rوقيل : الأصل في الحال أن تكون مقارنة ، ولا تكون مقدّرة إلا حيث لا لَبْسَ.\rالثالث : أن يكون منصوباً بفعل مُضْمَرٍ لائقٍ بالمعنى ، تقديره : ويجعله رسولاً ، لما رأوه لا يصح عطفه على مفاعيل التعليم أضمروا له عاملاً يناسب. وهذا كما قالوا في قوله : { والذين تَبَوَّءُوا الدار والإيمان } [ الحشر : 9 ] وقوله : [ مجزوء الكامل ]\rيَا لَيْتَ زَوْجَكِ قَدْ غَدَا... مُتَقَلِّداً سيْفاً وَرُمْحَا\rوقول الآخر : [ الكامل ]\rفَعَلَفتُهَا تبْناً وَمَاءً بَارِداً...........................\rوقول الآخر : [ الوافر ]\r............................ وَزَجَّجْنَ الْحَوَاجِبَ وَالْعُيُونَا\rأي : واعتقدوا الإيمانَ ، وحاملاً رُمْحاً ، وسيقتها ماءً بارداً ، وكحَّلْنَ العيون.\rوهذا على أحد التأويلين في هذه الأمثلة.\rالرابع : أن يكون منصوباً بإضمار فعل من لفظ \" رسول \" ويكون ذلك الفعل معمولاً لقول مُضْمَرٍ - أيضاً - هو من قول عيسى.","part":13,"page":237},{"id":5469,"text":"الخامس : أن الرسول - فيه بمعنى النطق ، فكأنه قيل : وناطقاً بأني قد جئتكم ، ويوضِّحُ هذين الوجهين الأخيرين ، ما قاله الزمخشريُّ : \" فإن قلت : عَلاَم تَحْمِل \" وَرَسُولاً \" و\" مُصَدِّقاً \" من المنصوبات المتقدمة ، وقوله : { أَنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ } و{ لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ } يأبى حَمله عليها ؟\rقلت : هو من المضايق ، وفيه وجهان :\rأحدهما : أن يُضمر له \" وأرسَلْت \" - على إرادة القول - تقديره : ويعلمه الكتاب والحكمة ، ويقول : أرسلت رسولاً بأني قد جئتكم ، ومصدقاً لما بين يديَّ.\rالثاني : أن الرسول والمصدِّق فيهما معنى النطق ، فكأنه قيل : وناطقاً بأني قد جئتكم ، ومصدقاً لما بين يدي \". اه.\rإنما احتاج إلى إضمار ذلك كُلِّه تصحيحاً للمعنى واللفظ ، وذلك أن ما قبله من المنصوبات ، لا يصح عطفه عليه في الظاهر ؛ لأن الضمائر المتقدمة غُيَّب ، والضميرانِ المصاحبانِ لهذين المنصوبين في حُكْم المتكلم ؛ فاحتاج إلى ذلك التقدير ؛ ليناسب الضمائر.\rوقال أبو حيان : \" وهذا الوجه ضعيف ؛ إذْ فيه إضمارُ الْقَوْلِ ومعموله - الذي هو أرسلت - والاستغناء عنهما باسمِ منصوبٍ على الحال المؤكِّدة ، إذْ يُفْهَم من قوله : وأرسلت ، أنه رسول ، فهي - على هذا - حال مؤكِّدة \".\rواختار أبو حيّان الوجه الثالث ، قال : \" إذْ ليس فيه إلا إضمار فعل يدل عليه المعنى - ويكون قوله : { أَنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ } معمولاً لـ \" رَسُولاً \" أي : ناطقاً بأني قد جئتكم ، على قراءة الجمهور \".\rالثالث : أن يكون حالاً من مفعول \" وَيًعَلِّمُهُ \" وذلك على زيادة الواو - كأنه قيل : ويعلمه الكتاب ، حال كونه رسولاً. قاله الأخفشُ ، وهذا على أصل مذهبه من تجويزه زيادة الواو ، وهو مذهب مَرْجُوحٌ.\rوعلى الثاني وهو كون \" الرسول \" مصدراً كالرسالة في نصبه وجهان :","part":13,"page":238},{"id":5470,"text":"أحدهما : أنه مفعول به - عطفاً على المفعول الثاني لِ \" يُعَلِّمُهُ \" - أي : ويعلمه الكتاب والرسالة معاً ، أي : يعلمه الرسالة أيضاً.\rالثاني : أنه مصدر في موضع الحال ، وفيه التأويلات المشهورة في : رَجُلٌ عَدْل.\rوقرأ اليزيديُّ \" وَرَسُولٍ \" بالجر - وخرجها الزمخشريُّ على أنها منسوقة على قوله : \" بِكَلِمَةٍ \" أي : يبشرك بكلمة وبرسول.\rوفيه بُعْدٌ لكثرة الفصل بين المتعاطفين ، ولكن لا يظهر لهذه القراءة الشاذة غير هذا التخريج.\rقوله : { إلى بني إِسْرَائِيلَ } فيه وَجْهَانِ :\rأحدهما : أن يتعلق بنفس \" رسول \" إذْ فعله يتعدى بـ \" إِلَى \".\rوالثاني : أن يتعلق بمحذوفٍ على أنه صفة لـ \" رَسُولاً \" فيكون منصوبَ المحلِّ في قراءة الجمهور ، مجرورة في قراءة اليزيديِّ. أ هـ {تفسير ابن عادل حـ 5 صـ 236 ـ 239}\rفائدة\rقال الفخر :\rهذه الآية تدل على أنه صلى الله عليه وسلم كان رسولاً إلى كل بني إسرائيل بخلاف قول بعض اليهود إنه كان مبعوثاً إلى قوم مخصوصين منهم. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 8 صـ 48}","part":13,"page":239},{"id":5471,"text":"وقال الآلوسى : \rوتخصيصهم بالذكر للإيذان بخصوص بعثته ، أو للرد على من زعم من اليهود أنه مبعوث إلى غيرهم. ولي في نسبة هذا الزعم لبعض اليهود تردد وليس ذلك في الكتب المشهورة والذي رأيناه فيها أنهم في عيسى الذي قص الله تعالى علينا من أمره ما قص فرقتان : فرقة ترميه وحاشاه بأفظع ما رمت به أمة نبيها وهم أكثر اليهود ، وفرقة يقال لهم ( العنانية أصحاب عنان بن داود رأس الجالوت يصدقونه في مواعظه وإشاراته ويقولون : إنه لم يخالف التوراة ألبتة بل قررها ودعا الناس إليها ، وإنه من المستجيبين لموسى عليه السلام ، ومن بني إسرائيل المتعبدين وليس برسول ولا نبي ، ويقولون : إن سائر اليهود ظلموه حيث كذبوه أولاً ولم يعرفوا مدعاه وقتلوه آخراً ولم يعرفوا مرامه ومغزاه ) نعم من اليهود فرقة يقال لهم العيسوية أصحاب أبي عيسى إسحق بن يعقوب الأصفهاني الذي يسميه بعضهم ( بعرقيد الوهيم ) يزعمون : أن لله تعالى رسولاً بعد موسى عليه السلام يسمى المسيح إلا أنه لم يأت بعد ويدعون أن له خمسة من الرسل يأتون قبله واحداً بعد واحد وأن صاحبهم هذا أحد رسله وكل من هذه الأقوال بعيد عما ادعاه صاحب القيل بمراحل ولعله وجد ما يوافق دعواه ، ومن حفظ حجة على من لم يحفظ.\rهذا واختلف في زمن رسالته عليه السلام فقيل : في الصبا وهو ابن ثلاث سنين. وفي \"البحر\" : أن الوحي أتاه بعد البلوغ وهو ابن ثلاثين سنة فكانت نبوته ثلاث سنين قيل : وثلاثة أشهر وثلاثة أيام ثم رفع إلى السماء وهو القول المشهور ، وفيه أن أول أنبياء بني إسرائيل يوسف وقيل : موسى وآخرهم عيسى على سائرهم أفضل الصلاة وأكمل السلام. أ هـ {روح المعانى حـ 3 صـ 167}","part":13,"page":240},{"id":5472,"text":"سؤال : ما المراد بالآية ؟\rالجواب : المراد بالآية الجنس لا الفرد لأنه تعالى عدد ههنا أنواعاً من الآيات ، وهي إحياء الموتى ، وإبراء الأكمه والأبرص ، والإخبار عن المغيبات فكان المراد من قوله {قَدْ جِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مّن رَّبّكُمْ} الجنس لا الفرد. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 8 صـ 48}\rقوله تعالى : {أَنِى أَخْلُقُ لَكُمْ مّنَ الطين كَهَيْئَةِ الطير فَأَنفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِ الله }\rفصل\rقال الفخر :\rقرأ حمزة {أني} بفتح الهمزة ، وقرأ نافع بكسر الهمزة فمن فتح {أني} فقد جعلها بدلاً من آية كأنه قال : وجئتكم بأنى أخلق لكم من الطين ، ومن كسر فله وجهان أحدهما : الاستئناف وقطع الكلام مما قبله والثاني : أنه فسّر الآية بقوله {أَنِى أَخْلُقُ لَكُمْ} ويجوز أن يفسر الجملة المتقدمة بما يكون على وجه الابتداء قال الله تعالى : {وَعَدَ الله الذين ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصالحات} [ الفتح : 29 ] ثم فسّر الموعود بقوله {لَهُم مَّغْفِرَةٌ} وقال : {إِنَّ مَثَلَ عيسى عِندَ الله كَمَثَلِ ءَادَمَ} [ آل عمران : 59 ] ثم فسّر المثل بقوله.\r{خَلَقَهُ مِن تُرَابٍ} [ آل عمران : 59 ] وهذا الوجه أحسن لأنه في المعنى كقراءة من فتح {أني} على جعله بدلاً من آية. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 8 صـ 48 ـ 49}\rوقال ابن عادل :\rقوله : { أني أَخْلُقُ } قرأ نافع بكسر الهمزة ، والباقون بفتحها ، فالكسر من ثلاثة أوجهٍ :\rأحدها : على إضمار القول ، أي : فقلت : إني أخلق.\rالثاني : أنه على الاستئناف.\rوالثالث : على التفسير ، فسر بهذه الجملة قوله : \" بِآيَةْ \" ، كأن قائلاً قال : وما الآية ؟ فقال هذا الكلام.","part":13,"page":241},{"id":5473,"text":"ونظيره قوله : { إِنَّ مَثَلَ عيسى عِندَ الله كَمَثَلِ آدَمَ } [ آل عمران : 59 ] ثم قال : { خَلَقَهُ مِن تُرَابٍ } [ آل عمران : 59 ] ف \" خَلَقَهُ \" مفسرة للمثل ؛ ونظيره - أيضاً قوله : { وَعَدَ الله الذين آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصالحات } [ المائدة : 9 ] ثم فسر الوعد { لَهُم مَّغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ } [ المائدة : 9 ]. وهذا الوجه هو الصائر إلى الاستئناف ؛ فإن المستأنَفَ يؤتى به تفسيراً به لمجرد الإخبار بما تضمنه ، وفي الوجه الثالث نقول : إنه متعلِّق بما تقدمه ، مفسِّر له.\rوأما قراءة الجماعة ففيها أرْبَعَةُ أوْجُهٍ :\rأحدها : أنها بدل من { أَنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ } فيجيء ، فيها ما تقدم في تلك ؛ لأن حكمها حكمها.\rالثاني : أنها بدل من \" بِآيَةٍ \" فيكون محلُّها الجَرّ ، أي : وجئتكم بأني أخلق لكم ، وهذا نفسه آية من الآيات.\rوهذا البدلُ يحتمل أن يكون كُلاًّ من كُلٍّ - إن أريد بالآية شيء خاصٌّ - وأن يكون بدل بعض من كل إن أريد بالآية الجنس.\rالثالث : أنها خبر مبتدأ مُضْمَر ، تقديره : هي أني أخلق ، أي : الآية التي جئت بها أني أخلق وهذه الجملة - في الحقيقة - جوابٌ لسؤال مقدر ، كأن قائلاً قال : وما الآية ؟ فقال ذلك.\rالرابع : أن تكون منصوبةً بإضمار فعل ، وهو - أيضاً - جواب لذلك السؤال ، كأنه قال : أعني أني أخلُقُ.\rوهذان الوجهان يلاقيان - في المعنى - قراءة نافع - على بعض الوجوه - فإنهما استئناف. أ هـ {تفسير ابن عادل حـ 5 صـ 240 ـ 241}\rقوله تعالى {أَخْلُقُ لَكُمْ مّنَ الطين}\rقال الفخر :\r{أَخْلُقُ لَكُمْ مّنَ الطين} أي أقدر وأصور وقد بينا في تفسير قوله تعالى : {يا أيها الناس اعبدوا رَبَّكُمُ الذى خَلَقَكُمْ} [ البقرة : 21 ] أن الخلق هو التقدير ولا بأس بأن نذكره ههنا أيضاً فنقول الذي يدل عليه القرآن والشعر والاستشهاد ، أما القرآن فآيات","part":13,"page":242},{"id":5474,"text":"أحدها : قوله تعالى : {فَتَبَارَكَ الله أَحْسَنُ الخالقين} [ المؤمنون : 14 ] أي المقدرين ، وذلك لأنه ثبت أن العبد لا يكون خالقاً بمعنى التكوين والإبداع فوجب تفسير كونه خالقاً بالتقدير والتسوية\rوثانيها : أن لفظ الخلق يطلق على الكذب قال تعالى في سورة الشعراء {إِنْ هذا إِلاَّ خُلُقُ الاولين} [ الشعراء : 137 ] وفي العنكبوت {وَتَخْلُقُونَ إِفْكاً} [ العنكبوت : 17 ] وفي سورة ص {إِنْ هذا إِلاَّ اختلاق} [ ص : 7 ] والكاذب إنما سمي خالقاً لأنه يقدر الكذب في خاطره ويصوره\rوثالثها : هذه الآية التي نحن في تفسيرها وهي قوله {أَنِى أَخْلُقُ لَكُمْ مّنَ الطين} أي أصور وأقدر وقال تعالى في المائدة {وَإِذْ تَخْلُقُ مِنَ الطين كَهَيْئَةِ الطير} [ المائدة : 110 ] وكل ذلك يدل على أن الخلق هو التصوير والتقدير\rورابعها : قوله تعالى : {هُوَ الذى خَلَقَ لَكُم مَّا فِى الأرض جَمِيعاً} [ البقرة : 29 ] وقوله {خلق} إشارة إلى الماضي ، فلو حملنا قوله {خلق} على الإيجاد والإبداع ، لكان المعنى : أن كل ما في الأرض فهو تعالى قد أوجده في الزمان الماضي ، وذلك باطل بالاتفاق ، فإذن وجب حمل الخلق على التقدير حتى يصح الكلام وهو أنه تعالى قدر في الماضي كل ما وجد الآن في الأرض ، وأما الشعر فقوله :\rولأنت تفري ما خلقت وبع.. ض القوم يخلق ثم لا يفري\rوقوله :\rولا يعطي بأيدي الخالق ولا.. أيدي الخوالق إلا جيد الأدم\rوأما الاستشهاد : فهو أنه يقال : خلق النعل إذا قدرها وسواها بالقياس والخلاق المقدار من الخير ، وفلان خليق بكذا ، أي له هذا المقدار من الاستحقاق ، والصخرة الخلقاء الملساء ، لأن الملاسة استواء ، وفي الخشونة اختلاف ، فثبت أن الخلق عبارة عن التقدير والتسوية.","part":13,"page":243},{"id":5475,"text":"إذا عرفت هذا فنقول : اختلف الناس في لفظ {الخالق} قال أبو عبد الله البصري : إنه لا يجوز إطلاقه على الله في الحقيقة ، لأن التقدير والتسوية عبارة عن الظن والحسبان وذلك على الله محال ، وقال أصحابنا : الخالق ، ليس إلا الله ، واحتجوا عليه بقوله تعالى : {الله خالق كُلّ شَىْء} [ الرعد : 16 ] ومنهم من احتج بقوله {هَلْ مِنْ خالق غَيْرُ الله يَرْزُقُكُمْ} [ فاطر : 3 ] وهذا ضعيف ، لأنه تعالى قال : {هَلْ مِنْ خالق غَيْرُ الله يَرْزُقُكُمْ مّنَ السماء} [ فاطر : 3 ] فالمعنى هل من خالق غير الله موصوف بوصف كونه رازقاً من السماء ولا يلزم من صدق قولنا الخالق الذي يكون هذا شأنه ، ليس إلا الله ، صدق قولنا أنه لا خالق إلا الله.\rوأجابوا عن كلام أبي عبد الله بأن التقدير والتسوية عبارة عن العلم والظن لكن الظن وإن كان محالاً في حق الله تعالى فالعلم ثابت.\rإذا عرفت هذا فنقول : {أَنِى أَخْلُقُ لَكُمْ مّنَ الطين} معناه : أصور وأقدر. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 8 صـ 49 ـ 50}\rفائدة\rقال الشيخ الشنقيطى :\rقوله تعالى : {أَنِّي أَخْلُقُ لَكُمْ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ} الآية, هذه الآية يوهم ظاهرها أن بعض المخلوقين ربما خلق بعضهم, ونظيرها قوله تعالى : {وَتَخْلُقُونَ إِفْكاً} الآية, وقد جاءت آيات أخر تدل على أن الله خالق كل شيء كقوله تعالى : {إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ}, وقوله : {اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ} إلى غير ذلك من الآيات. والجواب ظاهر وهو معنى خلق عيسى كهيئة الطير من الطين : هو أخذه شيئا من الطين وجعله على هيئة أي صورة الطير, وليس المراد الخلق الحقيقي ؛ لأن الله متفرد به - جل وعلا -. وقوله : {وَتَخْلُقُونَ إِفْكاً} معناه : تكذبون, فلا منافاة بين الآيات كما هو ظاهر. أ هـ {دفع إيهام الاضطراب صـ 50}\rقوله تعالى {كَهَيْئَةِ الطير فَأَنفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِ الله}\rفوائد لغوية\rقال ابن عادل :\rقوله : { كَهَيْئَةِ } في موضع هذه الكاف ثلاثة أوجهٍ :\rأحدها : أنها نَعْت لمفعولٍ محذوفٍ ، تقديره : أني أخلق لكم هيئة مثلَ هيئة الطير. والهيئة إما أن تكونَ في الأصل مصدراً ، ثم أطلِقَت على المفعول - أي : المُهَيَّأ - كالخلق بمعنى : المخلوق ، وإما أن تكون اسماً لحال الشيء وليست مصدراً ، والمصدر : التَّهْيِيء - والتَّهَيُّؤ - والتَّهْيِئَة.\rويقال : هاء الشيء يَهِيءُ هَيْئاً وهَيْئَةً - إذا ترتب واستقر على حال مخصوص - ويتعدى بالتضعيف ، قال تعالى : { وَيُهَيِّىءْ لَكُمْ مِّنْ أَمْرِكُمْ مِّرْفَقاً } [ الكهف : 16 ] ، والطين معروف ، يقال : طَانَهُ الله على كذا وطَلَمَهُ - بإبدال النون ميماً - أي : جبله عليه ، والنفخ مَعْرُوفٌ.","part":13,"page":244},{"id":5476,"text":"الثاني : أن الكاف مفعول به ؛ لأنها اسم كسائر الأسماء - وهذا رأي الأخْفَشِ ، حيث يجعل الكاف اسماً حيث وقعت وغيره من النحاة لا يقول بذلك إلا إذا اضطر إليه - كوقوعها مجرورة بحرف جر ، أو إضافة ، أو وقوعها فاعلةً أو مبتدأ. وقد تقدم ذلك.\rالثالث : أنها نعت لمصدر محذوف ، قاله الواحديُّ نقلاً عن أبي عليٍّ بعد كلامٍ طويلٍ : \" ويكون الكاف موضع نصب على أنه صفة للمصدر المراد ، تقديره : أنِّي أخلق لكم من الطّينِ خلقاً مثل هيئة الطَّيْرِ \".\rوفيما قاله نظرٌ من حيث المعنى ؛ لأن التحدِّي إنما يقع في أثر الخلق - وهو ما ينشأ عنه من المخلوقات - لا في نفس الخلق ، اللهم إلا أن نقول : المراد بهذا المصدر المفعول به فيئول إلى ما تقدم.\rقال الزمخشري : أي أقدِّر لكم شيئاً مثل هيئة الطّيرِ. وهذا تصريح منه بأنها صفة لمفعول محذوف وقوله : \" أقدر \" تفسير للخلق ؛ لأن الخلق هنا - التقدير - كما تقدم - وليس المراد الاختراع ، فإنه مختص بالباري - تعالى-.\rوقرأ الزهريُّ : \" كَهَيْئَةِ \" - بنقل حركة الهمزة إلى الياء.\rوقرأ أبو جعفر : \" كَهَيْئَةِ الطَّائِرِ \".\rقوله : { فَأَنْفُخُ فِيهِ } في هذا الضمير ستة أوجُهٍ :\rأحدها : أنه عائد على الكاف ؛ لأنها اسم - عند مَنْ يرى ذلك - أي : فأنفخ في مثل هيئة الطير.\rالثاني : أنه عائد على \" هَيْئَةِ \" ، لأنها في معنى الشيء المُهَيَّأ ، فلذلك عاد الضميرُ عليها مذكَّراً وإن كانت مؤنثةً - اعتباراً بمعناها دون لفظها ، ونظيره قوله تعالى : { وَإِذَا حَضَرَ القسمة } [ النساء : 8 ] ثم قال { فارزقوهم مِّنْهُ } [ النساء : 8 ] فأعاد الضمير في { مِنْهَا } على { القِسْمَةَ } لما كانت بمعنى المقسوم.\rالثالث : أنه عائد على ذلك المفعول المحذوف ، أي : فأنفخ في ذلك الشيء المماثل لهيئة الطير.\rالرابع : أنه عائد على ما وقعت عليه الدلالة في اللفظ. وهو أني أخلق. ويكون الخلق بمنزلة المخلوق.","part":13,"page":245},{"id":5477,"text":"الخامس : أنه عائد على ما دَلَّت عليه الكاف من معنى المثل ؛ لأن المعنى : أخلق من الطِّينِ مثلَ هيئة الطَّير وتكون الكاف في موضع نصب على أنه صفة للمصدر المراد تقديره : أني أخلق لكم خلقاً مثل هيئة الطير. قاله الفارسي ؛ وقد تقدم الكلام معه في ذلك.\rالسادس : أنه عائد على الطين ، قاله أبو البقاء ، وأفسده الواحديُّ ، قال : \" ولا يجوز أن تعود الكناية على \" الطِّينِ \" لأن النفخ إنما يكون في طين مخصوص وهو ما كان مهيَّئاً منه - والطين المتقدم ذكرُه عام فلا تعود إليه الكناية ، ألا ترى أنه لا ينفخ في جميع الطين \".\rوفي هذا الرَّد نَظَر ؛ إذ لقائلٍ أن يقول : لا نُسَلِّم عمومَ الطين المتقدم ، بل المراد بعضه. ولذلك أدخل عليه \" مِنْ \" التي تقتضي التبعيض ، فإذا صار المعنى : أني أخلق بعض الطين ، عاد الضَّمِيرُ عليه من غير إشكال ، ولكنَّ الواحدي جعل \" مِنْ \" في الطين لابتداء الغاية ، وهو الظَّاهِرُ.\rقال أبو حيّان : \" وقرأ بعض القُرَّاء \" فأنْفَخَهَا \". أعَاد الضمير على الهيئة المحذوفة ؛ إذ يكون التقدير : هيئة كهيئة الطير ، أو على الكاف - على المعنى - إذ هي بمعنى مماثلة هيئة الطير ، فيكون التأنيث هنا كما هو في آية المائدة : { فَتَنفُخُ فِيهَا فَتَكُونُ طَيْراً } [ المائدة : 110 ] ويكون في هذه القراءة قد حذف حرف الجر ، كما حذف في قوله : [ البسيط ]\rمَا شُقَّ جَيْبٌ وَلاَ قَمَتْكَ نَائِحَةٌ... وَلاَ بَكَتْكَ جِيَادٌ عِنْدَ أسْلاَبِ\rوقول النابغة : [ البسيط ]\r.................... كَالْهِبْرَقِيِّ تَنَحَّى يَنْفُخُ الْفَحْما\rيريد ولا قامت عليك ، وينفخ في الفَحْمِ. وهي قراءة شائة ، نقلها الفرَّاء \".\rقال شهابُ الدين : \" وعجبت منه ، كيف لم يَعْزُها ، وقد عزاها صاحبُ الكشَّاف إلى عبد الله ، قال : وقرأ : \" أعبدُ الله \" فأنفخها \".\rقوله : { فَيَكُونُ } في \" يكون \" وجهان : ","part":13,"page":246},{"id":5478,"text":"أحدهما : أنها تامة ، أي : فيوجد ، ويكون \" طيراً \" - على هذا - حالاً.\rوالثاني : أنها ناقصة ، و\" طَيْراً \" - على هذا - حالاً.\rوالثاني : أنها ناقصة ، و\" طيراً \" خبرها. وهذا هو الذي ينبغي أن يكون ؛ لأن في وقوع اسم الجنس حالاً لا حاجة إلى تأويل ، وإنما يظهر ذلك على قراءة نَافعٍ \" طَائِراً \" ؛ لأنه - حينئذٍ - اسم مشتق.\rوإذا قيل بنقصانها ، فيجوز أن تكون على بابها ، ويجوز أن تكون بمعنى \" صار \" الناقصة ، كقوله : [ الطويل ]\rبِتَيْهَاءَ قَفْرٍ وَالْمَطِيُّ كَاَنَّهَا... قَطَا الْحَزْنِ قَدْ كَانَتْ فِرَاخاً بُيُوضُهَا\rأي صارت.\rوقال أبو البقاء : \" فيكون - أي فيصير - فيجوز أن يكون \" كان \" هنا - التامة ؛ لأن معناها \" صار \" بمعنى : انتقل ، ويجوز أن تكون الناقصة ، و\" طَائِراً \" - على الأول - حالٌ ، وعلى الثاني - خَبَرٌ \".\rقال شِهَابُ الدِّينِ : \" ولا حاجة إلى جعله إياها - في حال تمامها - بمعنى \" صار \" التامة التي معناها معنى \" انتقل \" بل النحويون إنما يقدرون التامة بمعنى حدث ، ووجد ، وحصل ، وشبهها وإذا جعلوها بمعنى \" صار \" فإنما يعنون \" صار \" الناقصة \". أ هـ {تفسير ابن عادل حـ 5 صـ 242 ـ 245}\rقال الفخر : \rقرأ نافع {فَيَكُونُ طائراً} بالألف على الواحد ، والباقون {طَيْراً} على الجمع ، وكذلك في المائدة والطير اسم الجنس يقع على الواحد وعلى الجمع.\rيروى أن عيسى عليه السلام لما ادعى النبوة ، وأظهر المعجزات أخذوا يتعنتون عليه وطالبوه بخلق خفاش ، فأخذ طيناً وصوره ، ثم نفخ فيه ، فإذا هو يطير بين السماء والأرض ، قال وهب : كان يطير ما دام الناس ينظرون إليه ، فإذا غاب عن أعينهم سقط ميتاً ، ثم اختلف الناس فقال قوم : إنه لم يخلق غير الخفاش ، وكانت قراءة نافع عليه.\rوقال آخرون : إنه خلق أنواعاً من الطير وكانت قراءة الباقين عليه. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 8 صـ 50}\rوقال ابن عادل : ","part":13,"page":247},{"id":5479,"text":"وقرأ نافع ويَعْقُوبُ فيكون طائِراً - هنا وفي المائدة - والباقون \" طَيْراً \" في الموضعين.\rفأما قراءة نافع فوجَّهَهَا بعضُهم بأنَّ المعنى على التوحيد ، والتقدير : فيكون ما أنفخ فيه طائراً ولا يعترض عليه بأن الرسمَ الكريمَ إنما هو \" طَيْراً \" - دون ألف - لأن الرسم يُجوِّز حذف مثل هذه الألف تخفيفاً ويدل على ذلك أنه رسم قوله تعالى : { وَلاَ طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ } [ الأنعام : 38 ] ولا طير - دون ألف - ولم يقرأه أحد \" طائر \" - بالألف - فالرسم محتمل ، لا مُنَافٍ.\rقال بعضهم كالشارح لما تقدم - : ذهب نافع إلى نوع واحد من الطير ؛ لأنه لم يخلق غير الخفّاشِ ، وزعم آخرون أن معنى قراءته : يكون كل واحد مما أنفخ فيه طائراً ، قال : كقوله تعالى : { فاجلدوهم ثَمَانِينَ جَلْدَةً } [ النور : 4 ] أي اجلدوا كل واحد منهم وهو كثير من كلامهم.\rوأما قراءة الباقين فمعناها يحتمل أن يُرَاد به اسم الجنس - أي : جنس الطير - ويُحْتَمل أن يُرَاد به الواحد فما فوقه ، ويحتمل أن يراد به الجمع ، ولا سيما عند من يرى أن طيراً صيغة جمع نحو رَكْب وصَحْب وتَجْر ؛ جمع راكب وصاحب وتاجر - وهو الأخفشُ - وأما عند سيبويه فهي عنده أسماء جموع ، لا جموع صريحة وتقدم الكلام على ذلك في البقرة. وحسن قراءة الجماعة لموافقتها لما قبلها - في قوله : { مِّنَ الطير } - ولموافقة الرسم لفظاً ومعنى. أ هـ {تفسير ابن عادل حـ 5 صـ 245}\rفصل\rقال القرطبى :\r{ فَأَنفُخُ فِيهِ } أي في الواحد منه أو منها أو في الطين فيكون طائراً.\rوطائر وطَيْر مثل تاجر وتَجْر.\rقال وَهْب (1) : كان يطير ما دام الناس ينظرون إليه فإذا غاب عن أعينهم سقط ميتاً ليتميز فعل الخلق من فعل الله تعالى.\rوقيل : لم يخلق غيرَ الخُفّاش لأنه أكمل الطير خلقاً ليكون أبلغ في القدرة ، لأن لها ثَدْياً وأسناناً وأُذناً ، وهي تحيض وتطهر وتلد.\r________________\r(1) تقدم أن أخبار وهب بن منبه وكعب الأحبار يجب التوقف فى قبولها. والله أعلم.","part":13,"page":248},{"id":5480,"text":"ويقال : إنما طلبوا خَلْق خُفّاش لأنه أعجب من سائر الخلق ؛ ومن عجائبه أنه لحم ودم يطير بغير ريش ويلد كما يلد الحيوان ولا يبيض كما يبيض سائر الطيور ، فيكون له الضرّع يخرج منه اللبن ، ولا يبصر في ضوء النهار ولا في ظلمة الليل ، وإنما يرى في ساعتين : بعد غروب الشمس ساعة وبعد طلوع الفجر ساعة قبل أن يُسفر جداً ، ويضحك كما يضحك الإنسان ، ويحيض كما تحيض المرأة.\rويقال : إن سؤالهم كان له على وجه التعنّت فقالوا : أخلق لنا خُفّاشاً واجعل فيه روحاً إن كنت صادقاً في مقالتك ؛ فأخذ طيناً وجعل منه خفاشاً ثم نفخ فيه فإذا هو يطير بين السماء والأرض ؛ وكان تسوية الطين والنفخ من عيسى والخلق من الله ، كما أن النفخ من جبريل والخلق من الله. أ هـ {تفسير القرطبى حـ 4 صـ 94}\rسؤال : فإن قال قائل : وكيف قيل : \"فأنفخ فيه\" ، وقد قيل : \"أني أخلق لكم من الطين كهيئة الطير\" ؟\rقيل : لأن معنى الكلام : فأنفخ في الطير. ولو كان ذلك : \"فأنفخ فيها\". كان صحيحًا جائزًا ، كما قال في المائدة ، ( فَتَنْفُخُ فِيهَا ) [سورة المائدة : 110] : يريد : فتنفخ في الهيئة.\rوقد ذكر أن ذلك في إحدى القراءتين : \"فأنفخها\" ، بغير\"في\". وقد تفعل العرب مثل ذلك فتقول : \"رب ليلة قد بتُّها ، وبتُّ فيها\" ، قال الشاعر :\rمَا شُقَّ جَيْبٌ وَلا قَامَتْكَ نَائِحَةٌ... وَلا بَكَتْكَ جِيَادٌ عِنْدَ أَسْلابِ\rبمعنى : ولا قامت عليك ، وكما قال الآخر :\rإحْدَى بَنِي عَيِّذِ اللهِ اسْتَمَرَّ بِهَا... حُلْوُ العُصَارَةِ حَتَّى يُنْفَخَ الصُّوَرُ. أ هـ {تفسير الطبرى حـ 6 صـ 426 ـ 427}\rفصل\rقال الفخر :","part":13,"page":249},{"id":5481,"text":"قال بعض المتكلمين : الآية تدل على أن الروح جسم رقيق كالريح ، ولذلك وصفها بالفتح ، ثم ههنا بحث ، وهو أنه هل يجوز أن يقال : إنه تعالى أودع في نفس عيسى عليه السلام خاصية ، بحيث متى نفخ في شيء كان نفخه فيه موجباً لصيرورة ذلك الشيء حياً ، أو يقال : ليس الأمر كذلك بل الله تعالى كان يخلق الحياة في ذلك الجسم بقدرته عند نفخة عيسى عليه السلام فيه على سبيل إظهار المعجزات ، وهذا الثاني هو الحق لقوله تعالى : {الذى خَلَقَ الموت والحياة} [ الملك : 2 ] وحكي عن إبراهيم عليه السلام أنه قال في مناظرته مع الملك {رَبّيَ الذى يُحْىِ وَيُمِيتُ} [ البقرة : 258 ] فلو حصل لغيره ، هذه الصفة لبطل ذلك الاستدلال. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 8 صـ 50}\rفائدة\rقال الفخر :\rالقرآن دلّ على أنه عليه الصلاة والسلام إنما تولد من نفخ جبريل عليه السلام في مريم وجبريل صلى الله عليه وسلم روح محض وروحاني محض فلا جرم كانت نفخة عيسى عليه السلام للحياة والروح. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 8 صـ 50}\rقوله تعالى {بِإِذُنِ الله}\rقال الفخر :\rقوله {بِإِذُنِ الله} معناه بتكوين الله تعالى وتخليقه لقوله تعالى : {وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلاَّ بِإِذْنِ الله} [ آل عمران : 145 ] أي إلا بأن يوجد الله الموت ، وإنما ذكر عيسى عليه السلام هذا القيد إزالة للشبهة ، وتنبيهاً على إني أعمل هذا التصوير ، فأما خلق الحياة فهو من الله تعالى على سبيل إظهار المعجزات على يد الرسل. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 8 صـ 50}\rلطيفة\rقال الزمخشرى :\rوكرر { بِإِذُنِ الله } دفعاً لوهم من توهم فيه اللاهوتية. أ هـ {الكشاف حـ 1 صـ 392}","part":13,"page":250},{"id":5482,"text":"فائدة\rقال ابن عطية :\rحقيقة الإذن في الشيء هي العلم بأنه يفعل والتمكين من ذلك ، فإن اقترن بذلك قول فذلك أمكن في الإذن وأبلغ ، ويخرج من حد الإذن إلى حد الأمر ولكن تجده أبداً في قسم الإباحة ، وتأمل قوله تعالى : { فهزموهم بإذن الله } [ البقرة : 251 ] ، وقول النبي عليه السلام ، وإذنها صماتها. أ هـ {المحرر الوجيز حـ 1 صـ 439}\rفصل\rقال ابن عادل :\rروي أن عيسى - عليه السلام - لما ادَّعَى النبوةَ ، وأظهر المعجزات ، طالبوه بخَلْق خفاش فأخذ طيناً ، فصوَّره ، فنفخ فيه ، فإذا هو يطير بين السماء والأرض.\rقال وَهْبٌ : كان يطير ما دام الناسُ ينظرون إليه ، فإذا غاب عن أعينهم سقط ميِّتاً ، ليتميز فعلُ الخلْق من فعل الخالق.\rقيل : خلق الخُفَّاش ، لأنه أكمل الطير خَلْقاً ، وأبلغ في القدرة ؛ لأن لها ثَدْياً وأسْنَاناً وأذناً ، وهي تحيض وتطهر وتَلِد.\rوقيل : إنما طالبوه بخلق خُفَّاش ؛ لأنه أعجب من سائر الخلق ، ومن عجائبه أنه لحم ودم ، يطير بغير ريش ويلد كما يَلِد الحيوان ، ولا يبيض كما يبيض سائر الطُّيور ، ويكون له الضرع يخرج منه اللبن ، ولا يُبصر في ضوء النهار ، ولا في ظلمة الليل ، وإنما يرى في ساعتين : بعد غروب الشمس سَاعةً ، وبعد طلوع الفجر سَاعةً - قبل أن يُسْفِر جِدًّا - ويضحك كما يضحك الإنسان ، ويحيض كما تحيض المرأة. قال قوم إنه لم يخلق غير الخفاش. وقال آخرون : إنه خلق أنواعاً من الطّيْرِ. أ هـ {تفسير ابن عادل حـ 5 صـ 246}","part":13,"page":251},{"id":5483,"text":"فصل\rقال القرطبى :\r{ وَأُحْيِي الموتى بِإِذْنِ الله } قيل : أحيا أربعة أنفس : العاذر وكان صديقاً له ، وابن العجوز وابنة العاشر وسام بن نوح ؛ فالله أعلم ، فأما العاذر فإنه كان قد توفي قبل ذلك بأيام فدعا الله فقام بإذن الله وودكه يقطر فعاش وولد له ، وأما ابن العجوز فإنه مرّ به يُحمل على سريره فدعا الله فقام ولبِس ثيابه وحمل السرير على عنقه ورجع إلى أهله ، وأما بنت العاشر فكان أتى عليها ليلة فدعا الله فعاشت بعد ذلك وولد لها ؛ فلما رأوا ذلك قالوا : إنك تحيي من كان موته قريباً فلعلهم لم يموتوا فأصابتهم سكتةٌ فأحي لنا سام بن نوح.\rفقال لهم : دلّوني على قبره فخرج وخرج القوم معه حتى انتهى إلى قبره فدعا الله فخرج من قبره وقد شاب رأسه.\rفقال له عيسى : كيف شاب رأسك ولم يكن في زمانكم شيْبٌ ؟ فقال : يا روح الله ، إنك دعوتني فسمعت صوتاً يقول : أجب روح الله ، فظننت أن القيامة قد قامت ، فمن هول ذلك شاب رأسي.\rفسأله عن النزع فقال : يا روح الله ، إن مرارة النزع لم تذهب عن حنجرتي ؛ وقد كان من وقت موته أكثر من أربعة آلاف سنة ، فقال للقوم : صدّقوه فإنه نبيّ ؛ فآمن به بعضهم وكذّبه بعضهم وقالوا : هذا سحر.\rوروي من حديث إسمعيل ابن عياش قال : حدّثني محمد بن طلحة عن رجل أن عيسى ابن مريم كان إذا أراد أن يحيي الموتى صلى ركعتين يقرأ في الأولى { تَبَارَكَ الذي بِيَدِهِ الملك }.\rوفي الثانية \"تنزيل السجدة\" فإذا فرغ حمِد الله وأثنى عليه ثم دعا بسبعة أسماء : يا قديمُ يا خَفيّ يا دائمُ يا فَرْدُ يا وتْرُ يا أحد يا صمد ؛ ذكره البيهقي وقال : ليس إسناده بالقويّ. (1) أ هـ {تفسير القرطبى حـ 4 صـ 94 ـ 95}\r_____________\r(1) كيف تصح هذه الرواية والقرآن لم ينزل من اللوح المحفوظ إلى بيت العزة فى سماء الدنيا جملة فى ليلة القدر ثم ينزل منجما على رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ فى ثلاث وعشرين سنة.\rإن هذا لشىء عجاب وكذلك بعض الروايات السابقة تفتقر إلى نقل صحيح والأولى الوقوف عندما أخبر عنه القرآن. والله أعلم.","part":13,"page":252},{"id":5484,"text":"فائدة\rقال ابن كثير :\r{ وَأُحْيِي الْمَوْتَى بِإِذْنِ اللَّهِ } قال كثير من العلماء : بعث الله كل نبي من الأنبياء بمعجزة تناسب أهل زمانه ، فكان الغالب على زمان موسى ، عليه السلام ، السحر وتعظيم السحرة. فبعثه الله بمعجزة بَهَرَت الأبصار وحيرت كل سحار ، فلما استيقنوا أنها من عند العظيم الجبار انقادوا للإسلام ، وصاروا من الأبرار. وأما عيسى ، عليه السلام ، فبُعث في زمن الأطباء وأصحاب علم الطبيعة ، فجاءهم من الآيات بما لا سبيل لأحد إليه ، إلا أن يكون مؤيدًا من الذي شرع الشريعة. فمن أين للطبيب قدرة على إحياء الجماد ، أو على مداواة الأكمه ، والأبرص ، وبعث من هو في قبره رهين إلى يوم التناد ؟ وكذلك محمد صلى الله عليه وسلم بعثه [الله] في زمن الفصحاء والبلغاء ونحارير الشعراء ، فأتاهم بكتاب من الله ، عز وجل ، لو اجتمعت الإنس والجن على أن يأتوا بمثله ، أو بعشر سور من مثله ، أو بسورة من مثله لم يستطيعوا أبدًا ، ولو كان بعضهم لبعض ظهيرا ، وما ذاك إلا لأن كلام الرب لا يشبهه كلام الخلق أبدًا. أ هـ {تفسير ابن كثير حـ 2 صـ 45}\rقوله تعالى : {وأبرىء الأكمه والأبرص وأحيي الموتى بإذن الله }\rقال ابن عادل :\rقوله : \" وأبرئ الأكمه \" وأبرئ عطف على \" أخْلُقُ \" فهو داخل في خبر \" أنِّي \". يقال : أبرأت زيد عن العاهة ومن الدِّيْن ، وبَرَّأتك من الدين - بالتضعيف. وبَرَأت من المرض أبْرأ وبَرِئْتُ - أيضاً - وأما برئت من الدَّيْنِ ومن الذَّنْب ، فبَرِئْتُ لا غَيْرُ.\rوقال الأصمعيُّ : برئتُ من المرض لغةُ تَمِيم ، وبَرَأتُ لغَةُ الحجازِ.","part":13,"page":253},{"id":5485,"text":"قال الراغبُ : \" بَرَأتُ من المرض وَبَرئْتُ ، وَبَرَأت من فلان \" ، فالظاهرُ من هذا أنه لا يقال الوجهان - أعني فتح الراء وكسرها - إلا في البراءة من المرض ونحوه. وأما الدَّيْنُ والذَّنْبُ ونحوهما ، فالفتح ليس إلا.\rوالبراءة : التخلص من الشيء المكروه مجاورته ؛ وكذلك التَّبَري والبراء.\rفصل\rمن وُلِدَ أعْمَى ، يقال : كَمِه يَكْمَهُ فهو أكْمَه.\rقال رؤبة : [ الرجز ]\rفَارْتَدَّ عَنْهَا كَارْتِدَادِ الأكْمَهِ... يقال : كمهتها ، أي : أعميتها.\rقال الزمخشريُّ والراغبُ وغيرُهما : \" الأكمهُ : من وُلِدَ مطموس العينين \" ، وهو قول ابنِ عباس وقتادة.\rقال الزمخشري : \" ولم يوجد في هذه الأمة أكمه غير قتادة صاحب التفسير \".\rقال الراغب : \" وقد يُقال لمن ذَهَبَتْ عينُه : أكمه \".\rقال سُوَيد : [ الرمل ]\rكَمِهَتْ عَيْنَاهُ حَتَّى ابْيَضّتَا.........................\rقال الحسنُ والسُّدِّيُّ : هو الأعمى.\rوقال عكرمةُ : هو الأعمش.\rوقال مجاهد : هو الذي يبصر بالنهار ولا يُبْصر بالليل.\rوالبرص : داء معروف ، وهو بياضٌ يَعْتَري الإنسانَ ، ولم تكن العربُ تنْفر من شيء نُفْرَتَها منه ، ويُقال : برص يبرص بَرَصاً ، أي : أصابه ذلك ، ويقال له : الوَضَح ، وفي الحديث : \" وَكَانَ بِهَا وَضَحٌ \". والوضَّاح من ملوك العرب هابوا أن يقولوا له : الأبرص. ويقال للقمر : أبْرَص ؛ لشدة بياضِه.\rوقال الراغب \" وللنكتة التي عليه \" وليس بِظَاهِرٍ ، فَإنَّ النُّكْتَةَ التي عليه سوداء ، والوزغ سامٌّ أبرص ، سُمِّيَ بذلك ؛ تشبيهاً بالبرص ، والبريص : الذي يَلْمَع لمعان البرص ويقارب البصيص. أ هـ {تفسير ابن عادل حـ 5 صـ 247 ـ 248}\rفصل\rقال الفخر :","part":13,"page":254},{"id":5486,"text":"ذهب أكثر أهل اللغة إلى أن الأكمه هو الذي ولد أعمى ، وقال الخليل وغيره هو الذي عمي بعد أن كان بصيراً ، وعن مجاهد هو الذي لا يبصر بالليل ، ويقال : إنه لم يكن في هذه الأمة أكمه غير قتادة بن دعامة السدوسي صاحب \"التفسير\" ، وروي أنه عليه الصلاة والسلام ربما اجتمع عليه خمسون ألفاً من المرضى من أطاق منهم أتاه ، ومن لم يطق أتاه عيسى عليه السلام ، وما كانت مداواته إلا بالدعاء وحده ، قال الكلبي : كان عيسى عليه السلام يحيي الأموات بيا حي يا قيوم وأحيا عاذر ، وكان صديقاً له ، ودعا سام بن نوح من قبره ، فخرج حياً ، ومرّ على ابن ميت لعجوز فدعا الله ، فنزل عن سريره حياً ، ورجع إلى أهله وولد له ، وقوله {بِإِذُنِ الله} رفع لتوهم من اعتقد فيه الإلهية. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 8 صـ 51}\rفائدة\rقال ابن عادل :\rإنما خَصَّ هذين المرضَيْن لأنهما أعْيا الأطباء ، وكان الغالب في زمن عيسى - عليه السلام - الطبَّ ، فأراهم الله المعجزة من جنس ذلك. أ هـ {تفسير ابن عادل حـ 5 صـ 248}\rفصل\rقال الآلوسى :\rكان دعاؤه الذي يدعو للمرضى والزمنى والعميان والمجانين وغيرهم \"اللهم أنت إله من في السماء وإله من في الأرض لا إله فيهما غيرك وأنت جبار من في السماء وجبار من في الأرض لا جبار فيهما غيرك وأنت ملك من في السماء وملك من في الأرض لا ملك فيهما غيرك قدرتك في الأرض كقدرتك في السماء وسلطانك في الأرض كسلطانك في السماء أسألك باسمك الكريم ووجهك المنير وملكك القديم إنك على كل شيء قدير\" ومن خواص هذا الدعاء كما قال وهب أنه إذا قرىء على الفزع والمجنون وكتب له وسقى منه نفع إن شاء الله تعالى. أ هـ {روح المعانى حـ 3 صـ 169}","part":13,"page":255},{"id":5487,"text":"فائدة\rقال فى ملاك التأويل :\rقوله سبحانه : \"ورسولا إلى بنى إسرائيل أنى قد جئتكم بآية من ربكم أنى أخلق لكم من الطين كهيئة الطير فأنفخ فيه فيكون طيرا بإذن الله وأبرئ الأكمه والأبرص وأحيى الموتى بإذن الله وأنبئكم ما تأكلون وما تدخرون فى بيوتكم\" ، وقال فى المائدة : \"وإذ تخلق من الطين كهيئة الطير بإذنى فتنفخ فيها فتكون طيرا بإذنى وتبرئ الأكمه والأبرص بإذنى وإذ تخرج الموتى بإذنى..الآية\" ، للسائل أن يسأل عن تذكير الضمير وتأنيثه وعن وجه تكرير قوله تعالى : \"بإذنى\" فى آية المائدة مضافا إلى ضميره سبحانه فى أربعة مواضع مع وجازة الكلام وتقارب ألفاظ الآية وقد جرى هذا الغرض فى آية آل عمران فورد فيها ذلك في موضعين خاصة مضافا من اسمه سبحانه ؟\rوالجواب عن السؤال الأول بعد تمهيد الجواز فى تذكير الضمير فى قوله\"فأنفخ فيه\" فى الآية الأولى وتأنيثه فى الآية الثانية\"فأنفخ فيها\" مع اتحاد ما يعود عليه. فأقول وأسأل الله توفيقه : قال الزمخشرى فى الأولى : \"الضمير للكاف أى فى ذلك الشئ المماثل لهيئة الطير فيكون طيرا أى فيصير طائرا كبقية الطيور ، وقال فى قوله : \"فتنتفخ فيها\" الضمير للكاف لأنها صفة الهيئة التى كان يخلقها عيسى وينفخ فيها ولا يرجع إلى الهيئة المضاف إليها لأنها ليست من خلقه ولا نفخه فى شئ قال وكذلك الضمير فى تكون انتهى نص كلامه وهو بين.\rوبقى السؤال عن وجه تخصيص كل من الموضعين بالوارد فيه وهو مقصودنا فى هذا الكتاب ، وعن وجه التكرار فى قوله تعالى فى سورة المائدة\"بإذنى\" فى أربعة مواضع مع وجازة الكلام وتقارب ألفاظ الآية ؟","part":13,"page":256},{"id":5488,"text":"الجواب عن وجه التخصيص والله أعلم : أن الترتيب الذى استقر عليه القرآن فى سوره وآياته أصل مراعى وقد تقدم بعض إشارة إلى ذلك ولعلنا سنزيد فى بيانه إن شاء الله وعودة الضمير على اللفظ وما يرجع إليه أولى وعودته على المعنى ثان عن ذلك وكلا التعبيرين عال فصيح فعاد فى آية آل عمران على الكاف لأنها تعاقب مثل وهو مذكر فهذا لحظ لفظى ثم عاد فى آية المائدة إلى الكاف من حيث هى فى المعنى صفة لأن المثل صفة فى التقدير المعنوى فحصل مراعاة المعنى ثانيا على ما يجب كما ورد فى قوله تعالى : \"ومن يقنت منكن لله ورسوله\" بعودة الضمير من يقنت مذكرا رعيا للفظ \"من\" ، ثم قال : وتعمل بالتاء رعيا للمعنى وهو كثير وقد بينا أن رعى اللفظ فى ذلك هو الأولى فجرى فى آية آل عمران على ذلك لأنها متقدمة فى الترتيب وجرى فى آية المائدة على ما هو ثان إذ هى ثانية فى الترتيب وذلك على ما يجب.\rوجواب ثان : وهو أنه قد ورد قبل ضمير آية آل عمران من لدن قوله تعالى : \"وما كنت لديهم إذ يلقون أقلامهم\" إلى قوله : \"فأنفخ فيه\" نحو من عشرين ضميرا من ضمائر المذكر فورد الضمير فى قوله\"فأنفخ فيه\" ضمير مذكر ليناسب ما تقدمه ويشاكل الأكثر الوارد قبله.\rأما آية العقود فمفتتحة بقوله تعالى : \"اذكر نعمتى عليك\" وخلقه الطائر ونفخه فيه من أجل نعمه تعالى عليه لتأييده بذلك فناسب ذلك تأنيث الضمير ولم تكثر الضمائر هنا ككثرتها هناك فجاء كل من الآيتين على أتم مناسبة.","part":13,"page":257},{"id":5489,"text":"والجواب عن السؤال الثانى : وهو تكرر قوله تعالى\"بإذنى\" فى آية المائدة أربع مرات مع تقارب الألفاظ ؟ ووجه أن آية آل عمران إخبار وبشارة لمريم بما منح لبنها عيسى عليه السلام وبمقاله عليه السلام لبنى اسرائيل تعريفا برسالته وتحديا بمعجزاته وتبرئا من دعوى استبداد أو انفراد بقدرة فى مقاله : \" أنى أخلق لكم من الطين كهيئة الطير فأنفخ فيه فيكون طيرا بإذن الله وأبرئ الأكمه والأبرص وأحيى الموتى بإذن الله\" إلى قوله تعالى\"إن فى ذلك لآية لكم\" إلى ما بعده ولم تتضمن هذه الآية غير البشارة والإعلام وأما آية المائدة فقصد بها غير هذا وبنيت على توبيخ النصارى وتعنيفهم فى مقالهم فى عيسى عليه السلام فوردت متضمنة عده سبحانه إنعامه على نبيه عيسى عليه السلام على طريقة تجارى العتب وليس بعتب تقريرا يقطع بمن وقع فى العظيمة ممن عبده ومثل ذلك فيما يجرى بيننا ولكلام الله سبحانه وتعالى المثل الأعلى قول القائل لعبده الأحب إليه المتبرئ من عصيانه : ألم أفعل لك كذا ألم أعطك كذا ويعدد عليه نعما ثم يقول : أفعل لك ذلك غيرى ؟ ، هل أحسنت إلى فلان إلا بما أعطيتك ؟ ، هل قهرت عدوك إلا بمعونتى لك ؟ فيقصد السيد بهذا قطع تخيل من ظن أن ما كان من هذا العبد من إحسان إلى أحد أو إرغام عدو أن ذلك من قبل نفسه مستبدا به وليس من قبل سيده فإذا قرره السيد على هذا واعترف العبد بأن ذلك كما قال السيد انقطعت حجة من ظن خلافه وتوهم استقلال العبد فعلى هذا النحو والله أعلم وردت الآية الكريمة ولذلك تكرر فيها ما تكرر مع الآيات قوله تعالى : \"بإذنى\" وتكرر ذلك أربع مرات عقب أربع آيات مما خص به عليه السلام من خلق الطير والنفخ فيه فيحيا وإبراء الأكمه والأبرص وإحياء الموتى وهى من الآيات التى ضل بسببها من ضل من النصارى وحملتهم على قولهم بالتليث تعالى الله عما يقولون علوا كبيرا ، \"ما اتخذ الله من ولد وما كان معه من إله\" فأعلم الله سبحانه وتعالى أن تلك الآيات بإذنه","part":13,"page":258},{"id":5490,"text":"وأكد\rذلك تأكيدا يرفع توهم حول أو قوة لغير الله سبحانه أو استبداد ممن ظنه ونزه نبيه عيسى عليه السلام عن نسبة شئ من ذلك لنفسه مستقلا بإيجاده أو ادعاء فعل شئ إلا بقدرة ربه سبحانه وإذنه وبرأه من شنيع مقالتهم.\rويزيد هذا الغرض بيانا ما أعقبت به هذا الآية من قوله تعالى : \"وإذ قال الله يا عيسى بن مريم ءأنت قلت للناس اتخذونى وأمى إلهيين من دون الله...الآيات\" فهل هذا للنصارى إلا أعظم توبيخ وتقريع والمقصود منه جواب عيسى عليه السلام بقوله فى إخبار الله سبحانه عنه : \"ما يكون لى أن أقول ما ليس لى بحق\" فافتتح بتنزيه ربه ثم نفى عن نفسه ما نسبوا إليه وأتبع بالتبرى والتسليم لربه فقال : \"إن كنت قلته فقد علمته\" فآية آل عمران بشارة وإخبار لمريم وآية المائدة واردة فيما يقوله سبحانه لعيسى عليه السلام توبيخا للنصارى كما بينا فلما اختلف القصدان اختلفت العبارتان. أ هـ {ملاك التأويل صـ 111 ـ 115}","part":13,"page":259},{"id":5491,"text":"قوله تعالى حكاية عنه {وَأُنَبّئُكُم بِمَا تَأْكُلُون وَمَا تَدَّخِرُونَ فِى بُيُوتِكُمْ}\rفائدة لغوية\rقال ابن عادل :\rقوله : { بِمَا تَأْكُلُونَ } يجوز في \" ما \" أن تكون موصولةً - اسميَّة أو حرفيَّة - ونكرة موصوفة. فعلى الأول والثالث تحتاج إلى عامل بخلاف الثاني - عند الجمهور - وكذلك \" ما \" في قوله : { وَمَا تَدَّخِرُونَ } محتملة لما ذكر. وأتى بهذه الخوارق الأربع بلفظ المضارع ؛ دلالةً على تجدُّد ذلك كلَّ وقتٍ طُلِبَ منه. أ هـ {تفسير ابن عادل حـ 5 صـ 249}\rقال الفخر :\rفي هذه الآية قولان\rأحدهما : أنه عليه الصلاة والسلام كان من أول مرة يخبر عن الغيوب ، روى السدي : أنه كان يلعب مع الصبيان ، ثم يخبرهم بأفعال آبائهم وأمهاتهم ، وكان يخبر الصبي بأن أمك قد خبأت لك كذا فيرجع الصبي إلى أهله ويبكي إلى أن يأخذ ذلك الشيء ثم قالوا لصبيانهم : لا تلعبوا مع هذا الساحر ، وجمعوهم في بيت ، فجاء عيسى عليه السلام يطلبهم ، فقالوا له ، ليسوا في البيت ، فقال : فمن في هذا البيت ، قالوا : خنازير قال عيسى عليه السلام كذلك يكونون فإذا هم خنازير.\rوالقول الثاني : إن الإخبار عن الغيوب إنما ظهر وقت نزول المائدة ، وذلك لأن القوم نهوا عن الادخار ، فكانوا يخزنون ويدخرون ، فكان عيسى عليه السلام يخبرهم بذلك. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 8 صـ 51}","part":13,"page":260},{"id":5492,"text":"وقال الآلوسى :\r{ وَأُنَبّئُكُم بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِى بُيُوتِكُمْ } ( ما ) في الموضعين موصولة ، أو نكرة موصوفة والعائد محذوف أي تأكلونه وتدخرونه والظرف متعلق بما عنده وليس من باب التنازع ، والادخار الخبء وأصل تدخرون تذتخرون بذال معجمة فتاء فأبدلت التاء ذالاً ثم أبدلت الذال دالاً وأدغمت ، ومن العرب من يقلب التاء دالاً ويدغم ، وقد كان هذا الإخبار بعد النبوة وإحيائه الموتى عليه السلام على ما في بعض الإخبار ، وقيل : قبل ، فقد أخرج ابن عساكر عن عبد الله بن عمرو بن العاص أنه قال : كان عيسى عليه السلام وهو غلام يلعب مع الصبيان يقول لأحدهم : تريد أن أخبرك ما خبأت لك أمك ؟ فيقول : نعم فيقول : خبأت لك كذا وكذا فيذهب الغلام منهم إلى أمه فيقول لها : أطعميني ما خبأت لي فتقول : وأي شيء خبأت لك ؟ فيقول : كذا وكذا فتقول : من أخبرك ؟ ا فيقول : عيسى ابن مريم فقالوا : والله لأن تركتم هؤلاء الصبيان مع عيسى ليفسدنهم فجمعوهم في بيت وأغلقوه عليهم فخرج عيسى يلتمسهم فلم يجدهم حتى سمع ضوضاهم في بيت فسأل عنهم فقال : ما هؤلاء أكان هؤلاء الصبيان ؟ قالوا : لا إنما هي قردة وخنازير قال : اللهم اجعلهم قردة وخنازير فكانوا كذلك ، وذهب بعضهم أن ذلك كان بعد نزول المائدة وأيد بما أخرجه عبد الرزاق وغيره عن عمار بن ياسر رضي الله تعالى عنه في الآية أنه قال : { وَأُنَبّئُكُم بِمَا تَأْكُلُونَ } من المائدة { وَمَا تَدَّخِرُونَ } منها ، وكان أخذ عليهم في المائدة حين نزلت أن يأكلوا ولا يدخروا فادخروا وخانوا فعلوا قردة وخنازير ، ويمكن أن يقال : إن كل ذلك قد وقع وعلى سائر التقادير فالمراد الأخبار بخصوصية هذين الأمرين كما يشعر به الظاهر ، وقيل : المراد الإخبار بالمغيبات إلا أنه قد اقتصر على ذكر أمرين منها ولعل وجه تخصيص الإخبار بأحوالهم لتيقنهم بها فلا يبقى لهم شبهة ، والسر في ذكر هذين الأمرين بخصوصهما أن غالب سعي الإنسان","part":13,"page":261},{"id":5493,"text":"وصرف ذهنه لتحصيل الأكل الذي به قوامه والادخار الذي يطمئن به أكثر القلوب ويسكن منه غالب النفوس فليفهم. أ هـ {روح المعانى حـ 3 صـ 170}\rسؤال : فإن قال قائل : وما كان في قوله لهم : \"وأنبئكم بما تأكلون وما تدخرون في بيوتكم\" من الحجة له على صدقه ، وقد رأينا المتنجِّمة والمتكهِّنة تخبرُ بذلك كثيرًا فتصيب ؟\rقيل : إن المتنجِّم والمتكهِّن معلوم منهما عند من يخبرانه بذلك ، أنهما ينبئان به عن استخراج له ببعض الأسباب المؤدية إلى علمه. ولم يكن ذلك كذلك من عيسى صلوات الله عليه ومن سائر أنبياء الله ورُسله ، وإنما كان عيسى يخبر به عن غير استخراج ، ولا طلب لمعرفته باحتيال ، ولكن ابتداءً بإعلام الله إياه ، من غير أصل تقدّم ذلك احتذاه ، أو بنى عليه ، أو فزع إليه ، كما يفزَع المتنجم إلى حسابه ، والمتكهن إلى رئيِّه. فذلك هو الفصل بين علم الأنبياء بالغيوب وإخبارهم عنها ، وبين علم سائر المتكذِّبة على الله ، أو المدَّعية علم ذلك.\rفهكذا فعل الأنبياء وحججها ، إنما تأتي بما أتت به من الحجج بما قد يوصل إليه ببعض الحيل ، على غير الوجه الذي يأتي به غيرها ، بل من الوجه الذي يعلم الخلق أنه لا يوصل إليه من ذلك الوجه بحيلة إلا من قِبَل الله. أ هـ {تفسير الطبرى حـ 6 صـ 432 ـ 434}. بتصرف يسير.\rوقال الفخر :\rالإخبار عن الغيوب على هذا الوجه معجزة ، وذلك لأن المنجمين الذين يدعون استخراج الخير لا يمكنهم ذلك إلا عن سؤال يتقدم ثم يستعينون عند ذلك بآلة ويتوصلون بها إلى معرفة أحوال الكواكب ، ثم يعترفون بأنهم يغلطون كثيراً ، فأما الإخبار عن الغيب من غير استعانة بآلة ، ولا تقدم مسألة لا يكون إلا بالوحي من الله تعالى. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 8 صـ 51}","part":13,"page":262},{"id":5494,"text":"قوله تعالى {إِنَّ فِي ذلك لأَيَةً لَّكُمْ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ }\rقال الفخر :\rالمعنى إن في هذه الخمسة لمعجزة قاهرة قوية دالة على صدق المدعي لكل من آمن بدلائل المعجزة في الحمل على الصدق ، بلى من أنكر دلالة أصل المعجز على صدق المدعي ، وهم البراهمة ، فإنه لا يكفيه ظهور هذه الآيات ، أما من آمن بدلالة المعجز على الصدق لا يبقى له في هذه المعجزات كلام ألبتة. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 8 صـ 50 ـ 51}\rوقال الطبرى :\rيعني بذلك جل ثناؤه : إنّ في خلقي من الطين الطيرَ بإذن الله ، وفي إبرائي الأكمهَ والأبرصَ ، وإحيائي الموتى ، وإنبائيَ إياكم بما تأكلون وما تدخرون في بيوتكم ، ابتداءً من غير حساب وتنجيم ، ولا كهانة وعرافة لعبرةً لكم ومتفكَّرًا ، تتفكرون في ذلك فتعتبرون به أنيّ محق في قولي لكم : \"إني رسولٌ من ربكم إليكم\" ، وتعلمون به أني فيما أدعوكم إليه من أمر الله ونهيه صادق \"إن كنتم مؤمنين\" ، يعني : إن كنتم مصدّقين حجج الله وآياته ، مقرّين بتوحيده ، وبنبيه موسى والتوراة التي جاءكم بها. أ هـ {تفسير الطبرى حـ 6 صـ 437}","part":13,"page":263},{"id":5495,"text":"وقال الآلوسى : \r{ إِنَّ فِى ذَلِكَ } أي المذكور من الخوارق الأربعة العظيمة ، وهذا من كلام عيسى عليه السلام حكاه الله تعالى عنه ، وقيل : هو من كلام الله تعالى سيق للتوبيخ { لآيَةً } أي جنسها ، وقرىء لآيات { لَكُمْ } دالة على صحة الرسالة دلالة واضحة حيث لم يكن ذلك بتخلل آلات وتوسط أسباب عادية كما يفعله الأطباء والمنجمون. ومن هنا يعلم أن علم الجفر وعلم الفلك ونحوهما لما كانت مقرونة بأصول وضوابط لا يقال عنها : إنها علم غيب أبداً إذ علم الغيب شرطه أن يكون مجرداً عن المواد والوسائط الكونية وهذه العلوم ليست كذلك لأنها مرتبة على قواعد معلومة عند أهلها لولاها ما علمت تلك العلوم ، وليس ذلك كالعلم بالوحي لأنه غير مكتسب بل الله تعالى يختص به من يشاء وكذا العلم بالإلهام فإنه لا مادة له إلا الموهبة الإلهية والمنحة الأزلية ، على أن بعضهم ذهب إلى أن تلك العلوم لا يحصل بها العلم المقابل للظن بل نهاية ما يحصل الظن الغالب وبينه وبين علم الغيب بون بعيد ، وسيأتي لهذا تتمة إن شاء الله تعالى { إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ } فيه مجاز المشارفة أي إن كنتم موفقين للإيمان ، ويحتمل أن يكون المعنى إن كنتم مصدقين ، وجواب الشرط على التقديرين محذوف أي انتفعتم بذلك. أ هـ {روح المعانى حـ 3 صـ 170}\rوقال ابن عطية : \rوقوله { إن كنتم مؤمنين } ، توقيف والمعنى ، لآيات نافعة هادية إن آمنتم وأبصرتم وإلا فليست بنافعة ولا هادية ، فأما كونها آيات فعلى كل حال آمنوا أو كفروا ، هذا كله على أن المخاطبة لمن لم يؤمن - بعد - وهو ظاهر حاله مع بني إسرائيل ، وإن كان خطابه لمؤمنين ، أو كما كانوا مؤمنين بموسى ، فمعنى الآية التثبيت وهز النفس كما تقول لإنسان تقيم نفسه إلى شيء : ما أنت يا فلان يلزمك أن تفعل كذا وكذا إن كنت من الرجال. أ هـ {المحرر الوجيز حـ 1 صـ 441}","part":13,"page":264},{"id":5496,"text":"فائدة\rقال ابن عادل :\rقوله : { إِنْ كُنْتُمْ مُّؤْمِنِينَ } جوابه محذوف ، أي : إن كنتم مؤمنين انتفعتم بهذه الآية ، وتدبَّرتموها. وقدر بعضهم صفةً محذوفةً لـ \" آية \" أي : لآية نافعة. قال ابو حيّان : \" حتى يتَّجه التعلُّق بهذا الشرط \" وفيه نظر ؛ إذْ يَصِحّ التعلُّق بالشرط دون تقدير هذه الصفة. أ هـ {تفسير ابن عادل حـ 5 صـ 251}\rلطيفة\rقال ابن عاشور :\rوتعرض القرآن لذكر هذه المعجزات تعريض بالنصارى الذي جعلوا منها دليلا على ألوهية عيسى ، بعلة أن هذه الأعمال لا تدخل تحت مقدرة البشر ، فمن قدر عليها فهو الإله ، وهذا دليل سفسطائي أشار الله إلى كشفه بقوله : {بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ} وقوله : {بِإِذْنِ اللَّهِ} مرتين. وقد روى أهل السير أن نصارى نجران استدلوا بهذه الأعمال لدى النبي صلى الله عليه وسلم. أ هـ {التحرير والتنوير حـ 3 صـ 102}","part":13,"page":265},{"id":5497,"text":"قوله تعالى { وَمُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَلِأُحِلَّ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ وَجِئْتُكُمْ بِآَيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (50)}\rمناسبة الآية لما قبلها\rقال البقاعى :\rولما كان ترجمة {أني قد جئتكم} آتياً إليكم بآية كذا ، مصدقاً بها لما أتيت به ، عطف على الحال المقدر منه تأكيداً لأنه عبد الله قوله : {ومصدقاً لما بين يدي} أي كان قبل إتياني إليكم {من التوراة} أي المنزلة على أخي موسى عليه الصلاة والسلام ، لأن القبلية تقتضي العدم الذي هو صفة المخلوق ؛ أو يعطف على {بآية} إذا جعلنا الباء للحال ، لا للتعدية ، أي وجئتكم مصحوباً بآية ومصدقاً.","part":13,"page":266},{"id":5498,"text":"ولما ذكر التوراة أتبعها ما يدل على أنه ليس كمن بينه وبين موسى من الأنبياء عليهم الصلاة والسلام في إقرارها كلها على ما هي عليه وتحديد أمرها على ما كان زمن موسى عليه الصلاة والسلام بل هو مع تصديقها ينسخ بعضها فقال : {ولأحل} أي صدقتها لأحثكم على العمل بها ولأحل {لكم بعض الذي حرم عليكم} أي فيها تخفيفاً عليكم {وجئتكم} اية ليس مكرراً لتأكيد : {أني قد جئتكم بآية من ربكم أني أخلق لكم من الطين} على ما توهم ، بل المعنى - والله سبحانه وتعالى أعلم - أن عيسى عليه الصلاة والسلام لما أتاهم بهذه الخوارف التي من جملتها إحياء الموتى ، وكان من المقرر عندهم - كما ورد في الأحاديث الصحيحة - التحذير من الدجال ، وكان من المعلوم من حاله أنه يأتي بخوارق ، منها إحياء ميت ويدعى الإلهية ، كان من الجائز أن يكون ذلك سبباً لشبهة تعرض لبعض الناس ، فختم هذا الدليل على رسالته بما هو البرهان الأعظم على عبوديته ، وذلك مطابقته لما دعا إليه الأنبياء والمرسلون كلهم من إخلاص العبادة لله سبحانه وتعالى فقال : وجئتكم {بآية} أي عظيمة خارقة للعادة {من} عند {ربكم} أي المحسن إليكم بعد التفرد بخلقكم ، وهي أجل الأمارات وأدلها على صدقي في رسالتي ، هو عدم تهمتي بوقوع شبهة في عبوديتي.\rولما تقرر بذكر الآية مرة بعد مرة مع ما أفادته من تأسيس التفصيل لأنواع الآيات تأكيد رسالته تلطيفاً لطباعهم الكثيفة ، فينقطع منها ما كانت ألفته في الأزمان المتطاولة من العوائد الباطلة سبب عن ذلك ما يصرح بعبوديته أيضاً فقال مبادراً للإشارة إلى أن الأدب مع المحسن آكد والخوف منه أحق وأوجب لئلا يقطع إحسانه ويبدل امتنانه {فاتقوا الله} أي الذي له الأمر كله {وأطيعون} أي في قبولها فإن التقوى مستلزمة لطاعة الرسول. أ هـ {نظم الدرر حـ 2 صـ 93 ـ 94}\rفصل\rقال الفخر :","part":13,"page":267},{"id":5499,"text":"قد ذكرنا في قوله {وَرَسُولاً إلى بَنِى إسرائيل أَنّى قَدْ جِئْتُكُمْ بِآيَةٍ} [ آل عمران : 49 ] أن تقديره وأبعثه رسولاً إلى بني إسرائيل قائلاً {أَنّى قَدْ جِئْتُكُمْ بِآيَةٍ} فقوله {وَمُصَدّقًا} معطوف عليه والتقدير : وأبعثه رسولاً إلى بني إسرائيل قائلاً {أَنّى قَدْ جِئْتُكُمْ بِآيَةٍ} ، وإني بعثت {مُّصَدّقاً لّمَا بَيْنَ يَدَىَّ مِنَ التوراة} وإنما حسن حذف هذه الألفاظ لدلالة الكلام عليها. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 8 صـ 52}\rفوائد لغوية\rقال ابن عادل :\rقوله : { مُصَدِّقًا } نَسَقٌ على محل بآيةٍ ، لأن محل \" بآيَةٍ \" في محل نصبٍ على الحالِ ؛ إذ التقدير وجئتكم متلبساً بآيةٍ ومصدقاً.\rوقال الفراء والزَّجَّاجُ : نصب \" مُصَدِّقاً \" على الحال ، المعنى : وجئتكم مُصَدِّقاً لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ ، وجاز إضمار \" جئتكم \" ، لدلالة أول الكلام عليه - وهو قوله : { أَنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ } - ومثله في الكلام : جئته بما يُحِبُّ ومُكْرِماً له.\rقال الفراء : \" ولا يجوز أن يكون \" مُصَدِّقاً \" معطوفاً على \" وَجِيهاً \" ؛ لأنه لو كان كذلك لقال : أو مصدقاً لما بين يديه ، يعني : أنه لو كان معطوفاً عليه ؛ لأتى معه بضمير الغيبة ، لا بضمير التكلُّم \". وذكر غير الفرّاء ، ومنع - أيضاً - أن يكون منسوقاً على \" رَسُولاً \" قال : لأنه لو كان مردوداً عليه لقال : ومصدقاً لما بين يديك ؛ لأنه خاطب بذلك مريم ، أو قال : بين يديه.\rيعني أنه لو كان معطوفاً على \" رَسُولاً \" لكان ينبغي أن يُؤتَى بضمير الخطاب ؛ مراعاةً لمريم ، أو بضمير الخطاب مراعاةً للاسم الظاهر.\rقال أبو حيّان : وقد ذكرنا أنه يجوز في \" رَسُولاً \" أن يكون منصوباً بإضمار فعل- أي : وأرسلت رسولاً - فعلى هذا التقدير يكون \" مُصَدِّقاً \" معطوفاً على \" رَسُولاً \".\rقوله : { مِنَ التوراة } فيه وجهان :","part":13,"page":268},{"id":5500,"text":"أحدهما : أنه حال من \" ما \" الموصولة ، أي : الذي بين يدي حال كونه من التوراةِ ، فالعامل فيه مصدقاً لأنه عامل في صاحب الحالِ.\rالثاني : أنه حال من الضمير المُسْتَتِر في الظرف الواقع صِلَةً. والعامل فيه الاستقرارُ المُضْمَرُ في الظرف أو نفس الظرف ؛ لقيامه مقامَ الفعل. أ هـ {تفسير ابن عادل حـ 5 صـ 251}\rفصل\rقال الفخر :\rإنه يجب على كل نبي أن يكون مصدقاً لجميع الأنبياء عليهم السلام ، لأن الطريق إلى ثبوت نبوتهم هو المعجزة ، فكل من حصل له المعجز ، وجب الاعتراف بنبوته ، فلهذا قلنا : بأن عيسى عليه السلام يجب أن يكون مصدقاً لموسى بالتوراة ، ولعلّ من جملة الأغراض في بعثة عيسى عليه السلام إليهم تقرير التوراة وإزالة شبهات المنكرين وتحريفات الجاهلين.\rوأما المقصود الثاني : من بعثة عيسى عليه السلام قوله {وَلأُحِلَّ لَكُم بَعْضَ الذي حُرّمَ عَلَيْكُمْ }.\rوفيه سؤال : وهو أنه يقال : هذه الآية الأخيرة مناقضة لما قبلها لأن هذه الآية الأخيرة صريحة في أنه جاء ليحل بعد الذي كان محرماً عليه في التوراة ، وهذا يقتضي أن يكون حكمه بخلاف حكم التوراة ، وهذا يناقض قوله {وَمُصَدّقًا لّمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التوراة }.","part":13,"page":269},{"id":5501,"text":"والجواب : إنه لا تناقض بين الكلام ، وذلك لأن التصديق بالتوراة لا معنى له إلا اعتقاد أن كل ما فيها فهو حق وصواب ، وإذا لم يكن الثاني مذكوراً في التوراة لم يكن حكم عيسى بتحليل ما كان محرماً فيها ، مناقضاً لكونه مصدقاً بالتوراة ، وأيضاً إذا كانت البشارة بعيسى عليه السلام موجودة في التوراة لم يكن مجيء عيسى عليه السلام وشرعه مناقضاً للتوراة ، ثم اختلفوا فقال بعضهم : إنه عليه السلام ما غير شيئاً من أحكام التوراة ، قال وهب بن منبه : إن عيسى عليه السلام كان على شريعة موسى عليه السلام كان يقرر السبت ويستقبل بيت المقدس ، ثم إنه فسّر قوله {وَلأُحِلَّ لَكُم بَعْضَ الذي حُرّمَ عَلَيْكُمْ} بأمرين أحدهما : إن الأحبار كانوا قد وضعوا من عند أنفسهم شرائع باطلة ونسبوها إلى موسى ، فجاء عيسى عليه السلام ورفعها وأبطلها وأعاد الأمر إلى ما كان في زمن موسى عليه السلام\rوالثاني : أن الله تعالى كان قد حرم بعض الأشياء على اليهود عقوبة لهم على بعض ما صدر عنهم من الجنايات كما قال الله تعالى : {فَبِظُلْمٍ مّنَ الذين هَادُواْ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طيبات أُحِلَّتْ لَهُمْ } [ النساء : 160 ] ثم بقي ذلك التحريم مستمراً على اليهود فجاء عيسى عليه السلام ورفع تلك التشديدات عنهم ، وقال آخرون : إن عيسى عليه السلام رفع كثيراً من أحكام التوراة ، ولم يكن ذلك قادحاً في كونه مصدقاً بالتوراة على ما بيناه ورفع السبت ووضع الأحد قائماً مقامه وكان محقاً في كل ما عمل لما بينا أن الناسخ والمنسوخ كلاهما حق وصدق. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 8 صـ 52 ـ 53}\rفوائد لغوية\rقال ابن عادل :\rقوله : { وَلأُحِلَّ } فيه أوجُهٌ :","part":13,"page":270},{"id":5502,"text":"أحدها : أنه معطوف على معنى \" مُصَدِّقاً \" إذ المعنى : جئتكم لأصَدِّقَ ما بين يديَّ ولأحِلَّ لكم ، ومثله من الكلام : جئته مُعْتَذِراً إليه ولأجْتَلِبَ رِضاهُ - أي : دئت لأعتذر ولأجتلب - كذا قال الواحديُّ ، وفيه نظرٌ ؛ لأن المعطوف عليه حال ، وهذا تعليلٌ.\rقال أبو حيّان : - بعد أن ذكر هذا الوَجْهَ - : \" وهذا هو العطف على التوهُّم وليس هذا منه ؛ لأن معقولية الحال مخالفة لمعقوليَّة التعليلِ ، والعطف على التوهُّم لا بُدَّ أن يكون المعنى مُتَّحِداً في المعطوف والمعطوف عليه ، ألا ترى إلى قوله تعالى : { فَأَصَّدَّقَ وَأَكُن } [ المنافقون : 10 ] كيف اتحد المعنى من حيث الصلاحية لجواب التحضيض.\rوكذلك قول الشاعر : [ الطويل ]\rتَقِيٌّ نَقِيٌّ ، لَمْ يُكَثِّرْ غَنِيمَةً... بِنَهْكَةِ ذِي قُرْبَى وَلاَ بِحَقَلَّدِ\rكيف اتخذ معنى النفي في قوله : لم يُكَثِّرْ ، وفي قوله : ولا بِحَقلَّدٍ ، أي : ليس بمكثر ولا بحقلدٍ.\rوكذلك ما جاء منه \".\rقال شهابُ الدّينِ : \" ويمكن أن يريد هذا القائلُ أنه معطوف على معنى \" مُصَدِّقاً \" أي : بسبب دلالته على علةٍ محذوفةٍ ، هي موافقة له في اللفظ ، فنسب العطف على معناه ، باعتبار دلالته على العلة المحذوفة لأنها تشاركه في أصل معناه - أعني مدلول المادة - وإن كانت دلالة الحال غير دلالة العقل \".\rالثاني : إنه معطوف على عِلَّةٍ مقدرة ، أي : جئتكم بآية ، ولأوسِّعَ عليكم ولأحِلَّ ، أو لأخفِّفَ عنكم ولأحِلَّ ، ونحو ذلك.\rالثالث : أنه معمول لفعلٍ مُضْمَرٍ ؛ لدلالة ما تقدم عليه ، أي : وجئتكم لأحِلَّ ، فحذف العامل بعد الواو.\rوالرابع : أنه متعلق بقوله : { وَأَطِيعُونِ } والمعنى اتبعوني لأحِلَّ لكم. وهذا بَعِيدٌ جداً أو مُمتنع.","part":13,"page":271},{"id":5503,"text":"الخامس : أن يكون { ولأُحِلَّ لَكُمْ } رداً على قوله : \" بِآيةٍ \". قال الزمخشريُّ : { وَلأُحِلَّ } رَدٌّ على قوله { بِآيَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ } أي : جئتكم بآية من ربكم ولأحلَّ.\rقال أبو حيان : \" ولا يستقيم أن يكون { وَلأُحِلَّ لَكُم } رداَّ على \" بآيَةٍ \" ، لأن \" بِآيَةٍ \" في موضع حال و\" لأحل \" تعليل ، ولا يَصِحُّ عطف التعليل على الحال ؛ لأن العطف بالحرف المشرك في الحكم يوجب التشريك في جنس المعطوفِ عليه ، فإن عطفت على مصدر ، أو مفعولٍ به ، أو ظرفٍ ، أو حالٍ ، أو تعليل وغير ذلك شارَكه في ذلك المعطوف \".\rقال شهاب الدين : ويحتمل أن يكون جوابه ما تقدم من أنه أراد رداً على \" بآية \" من حيث دلالتها على عمل مقدر.\rقوله : { بَعْضَ الذي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ } المراد بـ \" بَعْض \" مدلوله في الأصل.\rقال أبو عبيدة : إنها - هنا - بمعنى \" كل \".\rمستدلاًّ بقول لَبِيد : [ الكامل ]\rتَرَّاكُ أمْكِنَةٍ إِذَا لَمْ أرْضَهَا... أوْ يَعْتَلِقُ بَعْضَ النُّفُوسِ حِمَامُهَا\rيعني كلّ النفوس.\rوقد يرد الناسُ عليه بأنه كان يَلْزَمُ أن يُحِلَّ لهم الزنا ، والسرقةَ ، والقَتْلَ ؛ لأنها كانت محرَّمةً عليهم ، فلو كان المعنى : ولأحِلَّ لكم كُلَّ الذي حُرِّم عليكم لأحلَّ لهم ذلك كلَّه.\rواستدل بعضهم على أن \" بَعْضاً \" بمعنى \" كُلّ \" بقول الآخر : [ الطويل ]\rأبَا مُنْذِرٍ أفْنَيْتَ فَاسْتَبْقِ بَعْضَنَا... حَنَانَيْكَ بَعْضُ الشَّرِّ أهْوَنُ مِنْ بَعْضِ\rأي : أهون من كل شر.\rواستدل آخرون بقول الشَّاعِر : [ البسيط ]\rإنَّ الأمُورَ إذَا الأحْدَاثُ دَبَّرَهَا... دُونَ الشُّيُوخِ تَرَى فِي بَعْضِهَا خَلَلاَ\r","part":13,"page":272},{"id":5504,"text":"أي : في كلها خللاً ، ولا حاجة إلى إخراج اللفظ عن مدلوله مع إمكان صحة معناه ؛ إذ مراد لبيد بـ \" بَعْضَ النُّفُوسِ \" نفسه هو والتبعيض في البيت الآخر واضح ؛ فإن الشر بعضه أهون من بعضٍ آخر لا من كُلِّه ، وكذلك ليس كل أمر دبره الأحداث كان خَلَلاً ، بل قد يأتي تدبيره خيراً من تدبير الشيخ.\rوقرأ العامة : \" حُرِّمَ \" بالبناء للمفعول ، والفاعل هو الله. وقرأ عكرمة \" حَرَّمَ \" مبنيًّا للفاعل وهو الله تعالى ، أو الموصول في قوله : { لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ } ؛ لأنه كتاب مُنزَّل ، أو موسى ؛ لأنه هو صاحب التوراة ، فأضمر بالدلالة عليه بذكر كتابه.\rوقرأ إبراهيم النّخْعِيُّ : \" حَرُمَ \" - بوزن شَرُفَ وظَرُفَ - ونُسِب الفعل إليه مجازاً للعلم بأن المُحَرِّم هو الله.\rقوله : { وَجِئْتُكُمْ } هذه الجملة يحتمل أن تكون تأكيداً للأولَى ؛ لتقدُّم معناها ولفظها قبل ذلك.\rقال أبو البقاء : \" هذا تكرير للتوكيد ؛ لأنه قد سبق هذا المعنى في الآية التي قبلها \".\rويحتمل أن تكون للتأسيس ؛ لاختلاف متعلَّقها ومتعلَّق ما قبلها.\rقال أبو حَيَّانَ : قوله : { وَجِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ } للتأسيس ، لا للتوكيد لاختلاف متعلقها لقوله : { أَنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ } وتكون هذه الآية هي { إِنَّ الله رَبِّي وَرَبُّكُمْ فاعبدوه } ، لأن هذا القولَ شاهدٌ على صحة رسالتِه ؛ إذ جميعُ الرُّسُلِ كانوا عليه لم يختلفوا فيه ، وجعل هذا القولَ آيةَ وعلامةً ؛ لأنه رسول كسائر الرُّسُلِ ؛ حيث هداه للنظر في أدلَّةِ العقل والاستدلال قاله الزمخشريُّ ، [ وهو صحيح ]. أ هـ {تفسير ابن عادل حـ 5 صـ 252 ـ 255}. بتصرف يسير.\rفصل\rقال القرطبى :\r{ بَعْضَ الذي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ } يعني من الأطعمة.\rقيل : إنما أحل لهم عيسى عليه السلام ما حُرّم عليهم بذنوبهم ولم يكن في التوراة ، نحو أكل الشحوم وكل ذي ظفر.","part":13,"page":273},{"id":5505,"text":"وقيل : إنما أحل لهم أشياء حرّمتها عليهم الأحبار ولم تكن في التوراة محرّمة عليهم.\rقال أبو عبيدة : يجوز أن يكون \"بعض\" بمعنى كل ؛ وأنشد لِبيد : \rتَرّاكُ أمْكِنَةٍ إذا لم أرضها . . .\rأو يَرْتَبِطْ بعضَ النفوسِ حِمامُها\rوهذا القول غلط عند أهل النظر من أهل اللغة ؛ لأن البعض والجزء لا يكونان بمعنى الكل في هذا الموضع ، لأن عيسى صلى الله عليه وسلم إنما أحل لهم أشياء مما حرّمها عليهم موسى من أكل الشحوم وغيرها ولم يحل لهم القتل ولا السرقة ولا فاحشة.\rوالدليل على هذا أنه روى عن قتادة أنه قال : جاءهم عيسى بألْيَن مما جاء به موسى صلَّى الله عليهما وعلى نبينا ؛ لأن موسى جاءهم بتحريم الإبل وأشياءَ من الشحوم فجاءهم عيسى بتحليل بعضها.\rوقرأ النَّخَعيّ { بَعْضَ الذي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ } مثل كرم ، أي صار حراماً.\rوقد يوضع البعض بمعنى الكل إذا انضمت إليه قرينة تدل عليه ؛ كما قال الشاعر : \rأبا مُنْذِرٍ أفْنَيْتَ فاستبقِ بعضَنا . . .\rحَنَانَيْك بعضُ الشر أهْوَنُ من بعِض\rيريد بعض الشر أهون من كله. أ هـ {تفسير القرطبى حـ 4 صـ 96}","part":13,"page":274},{"id":5506,"text":"وقال الآلوسى : \r{ بَعْضَ الذي حُرّمَ عَلَيْكُمْ } أي في شريعة موسى عليه السلام. أخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن الربيع أنه قال : كان الذي جاء به عيسى ألين مما جاء به موسى عليهما السلام وكان قد حرم عليهما فيما جاء به موسى عليه السلام لحوم الإبل والثروب فأحلها لهم على لسان عيسى وحرمت عليهم شحوم الإبل فأحلت لهم فيما جاء به عيسى ، وفي أشياء من السمك ، وفي أشياء من الطير مما لا صيصية له ، وفي أشياء أخر حرمها عليهم وشدد عليهم فيها فجاء عيسى بالتخفيف منه في \"الإنجيل\". وأخرج عبد بن حميد عن قتادة مثله ، وهذا يدل على أن \"الإنجيل\" مشتمل على أحكام تغاير ما في \"التوراة\" وأن شريعة عيسى نسخت بعض شريعة موسى ، ولا يخل ذلك بكونه مصدقاً للتوراة فإن النسخ بيان لانتهاء زمان الحكم الأول لا رفع وإبطال كما تقرر ، وهذا مثل نسخ القرآن بعضه ببعض ، وذهب بعضهم إلى أن \"الإنجيل\" لم يخص أحكاماً ولا حوى حلالاً وحراماً ولكنه رموز وأمثال ومواعظ وزواجر ، وما سوى ذلك من الشرائع والأحكام فمحالة على \"التوراة\" ، وإلى أن عيسى عليه السلام لم ينسخ شيئاً مما في \"التوراة\" ، وكان يسبت ويصلي نحو البيت المقدس ، ويحرم لحم الخنزير ، ويقول بالختان إلا أن النصارى غيروا ذلك بعد رفعه فاتخذوا يوم الأحد بدل يوم السبت لما أنه أول يوم الأسبوع ومبدأ الفيض ، وصلوا نحو المشرق لما تقدم ، وحملوا الختان على ختان القلب وقطعه عن العلائق الدنيوية والعوائق عن الحضرة الإلهية وأحلوا لحم الخنزير مع أن مرقس حكى في \"إنجيله\" أن المسيح أتلف الخنزير وغرق منه في البحر قطيعاً كبيراً وقال لتلامذته : لا تعطوا القدس الكلاب ولا تلقوا جواهركم قدام الخنازير فقرنها بالكلاب ، وسبب ذلك زعمهم أن بطرس رأى في النوم صحيفة نزلت من السماء ، وفيها صور الحيوانات وصورة الخنزير وقيل له : يا بطرس كل منها ما أحببت ونسب هذا القول إلى وهب بن منبه ، والذاهبون إليه أولوا الآية بأن المراد ما","part":13,"page":275},{"id":5507,"text":"حرمه علماؤهم تشهياً أو خطأ في الاجتهاد ، واستدلوا على ذلك بأن المسيح عليه السلام قال في \"الإنجيل\" : ما جئت لأبطل التوراة بل جئت لأكملها ، ولا يخفى أن تأويل الآية بما أولوه به بعيد في نفسه ، ويزيده بعداً أنه قرىء حرم بالبناء للفاعل وهو ضمير ما { بَيْنَ يَدَىِ } أو الله تعالى ، وقرىء أيضاً حرم بوزن كرم ، وأن ما ذكروه من كلام المسيح عليه السلام لا ينافي النسخ لما علمت أنه ليس بإبطال وإنما هو بيان لانتهاء الحكم الأول ، ومعنى التكميل ضم السياسة الباطنة التي جاء بها إلى السياسة الظاهرة التي جاء بها موسى عليه السلام على ما قيل أو نسخ بعض أحكام التوراة بأحكام هي أوفق بالحكمة وأولى بالمصلحة وأنسب بالزمان ، وعلى هذا يكون قول المسيح حجة للأولين لا عليهم ، ولعل ما ذهبوا إليه هو المعول عليه كما لا يخفى على ذوي العرفان. أ هـ {روح المعانى حـ 3 صـ 171 ـ 172}\rقوله تعالى : {وَجِئْتُكُمْ بِأَيَةٍ مّن رَّبّكُمْ فاتقوا الله وَأَطِيعُونِ}\rفائدة\rقال ابن الجوزى :\r{ وجئتكم بآية } أي : بآيات تعلمون بها صدقي ، وإنما وحد ، لأن الكل من جنس واحد. أ هـ {زاد المسير حـ 1 صـ 393}\rقال الفخر :\rخوفهم فقال : {فاتقوا الله وَأَطِيعُونِ} لأن طاعة الرسول من لوازم تقوى الله تعالى فبيّن أنه إذا لزمكم أن تتقوا الله لزمكم أن تطيعوني فيما آمركم به عن ربي. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 8 صـ 53}\rقال الطبرى :\rيعني بذلك : وجئتكم بآية من ربكم تعلمون بها يقينًا صدقي فيما أقول \"فاتقوا الله\" ، يا معشرَ بني إسرائيل ، فيما أمركم به ونهاكم عنه في كتابه الذي أنزله على موسى ، فأوفوا بعهده الذي عاهدتموه فيه \"وأطيعون\" ، فيما دعوتكم إليه من تصديقي فيما أرسلني به إليكم ربي وربكم ، فاعبدوه ، فإنه بذلك أرسلني إليكم ، وبإحلال بعض ما كان محرّمًا عليكم في كتابكم ، وذلك هو الطريق القويمُ ، والهدى المتينُ الذي لا اعوجاج فيه. أ هـ {تفسير الطبرى حـ 6 صـ 441}","part":13,"page":276},{"id":5508,"text":"سؤال : فإن قلت : كيف جعل هذا القول آية من ربه ؟\rقلت لأنّ الله تعالى جعله له علامة يعرف بها أنه رسول كسائر الرسل ، حيث هداه للنظر في أدلة العقل والاستدلال. ويجوز أن يكون تكريراً لقوله : { جِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مّن رَّبّكُمْ } أي جئتكم بآية بعد أخرى مما ذكرت لكم ، من خلق الطير ، والإبراء ، والإحياء ، والإنباء بالخفايا ، وبغيره من ولادتي بغير أب ، ومن كلامي في المهد ، ومن سائر ذلك. أ هـ {الكشاف حـ 1 صـ 392 ـ 393}\rمن فوائد ابن عاشور فى الآية\rقال رحمه الله :\r{ ومصدّقاً } حال من ضمير المقدّر معه ، وليس عطفاً على قوله : { ورسولا } [ آل عمران : 49 ] لأنّ رسولاً من كلام الملائكة ، { ومصدقاً } من كلام عيسى بدليل قوله : { لما بين يدي }.\rوالمصدّق : المخبر بصِدق غيره ، وأدخلت اللام على المفعول للتقوية ، للدلالة على تصديقٍ مُثبت محقّق ، أي مصدّقاً تصديقاً لا يشوبُه شك ولا نِسبةٌ إلى خطأ.\rوجَعْل التصديق متعدياً إلى التوراة تَوْطئة لقوله : { ولأحل لكم بعض الذي حرم عليكم }.\rومعنى ما بين يديّ ما تقدم قبلي ، لأنّ المتقدّم السابق يمشي بين يدي الجائي فهو هنا تمثيل لحالة السبق ، وإن كان بينه وبين نزول التوراة أزمنة طويلة ، لأنّها لما اتّصل العمل بها إلى مَجيئه ، فكأنها لم تسبقه بزمن طويل.\rويستعمل بين يديْ كذا فِي معنى المشاهَد الحاضر ، كما تقدم في قوله تعالى : { يعلم ما بين أيديهم في سورة البقرة.\rوعَطْف قوله ولأحِلّ } على { رسولاً } وما بعده من الأحوال : لأنّ الحال تشبه العلة ؛ إذ هي قيد لعاملها ، فإذا كان التقييد على معنى التعليل شابَه المفعولَ لأجله ، وشابَه الجرور بلام التعليل ، فصح أن يُعطف عليها مجرورٌ بلام التعليل.\rويجوز أن يكون عطفاً على قوله : { بآية من ربكم } فيتعلّق بفعللِ جئتكم.\rوعقب به قوله : { مصدّقاً لما بين يديّ } تنبيهاً على أنّ النسخ لا ينافي التصديق ؛ لأنّ النسخ إعلام بتغيُّر الحكم.","part":13,"page":277},{"id":5509,"text":"وانحصرت شريعة عيسى في إحياء أحكام التوراة وما تركوه فيها وهو في هذا كغيره من أنبياء بني إسرائيل ، وفي تحليل بعض ما حرمه الله عليهم رعياً لحالهم في أزمنة مختلفة ، وبهذا كان رسولاً.\rقيل أحلّ لهم الشحوم ، ولحوم الإبل ، وبعض السمك ، وبعض الطير : الذي كان محرّماً من قبل ، وأحلّ لهم السبت ، ولم أقف على شيء من ذلك في الإنجيل.\rوظاهر هذا أنّه لم يحرّم عليهم ما حلّل لهم ، فما قيل : إنّه حرّم عليهم الطلاق فهو تقوُّل عليه وإنّما حذّرهم منه وبَيّن لهم سوء عواقبه ، وحرّم تزوج المرأة المطلّقة وينضم إلى ذلك ما لا تخلو منه دعوة : من تذكير ، ومواعظ ، وترغيبات.\r{ وَجِئْتُكُمْ بِأَيَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ فاتقوا الله وَأَطِيعُونِ } { إِنَّ الله رَبِّى وَرَبُّكُمْ فاعبدوه هذا صراط مُّسْتَقِيمٌ }.\rوقوله : { وجئتكم بآية من ربكم } تأكيد لقوله الأولِ : { أنى قد جئتكم بآية من ربكم } [ آل عمران : 49 ].\rوإنما عطف بالواو لأنه أريد أن يكون من جملة الأخبار المتقدّمة ويحصل التأكيد بمجرّد تقدم مضمونه ، فتكون لهذه الجملة اعتباران يجعلانها بمنزلة جملتين ، وليبنى عليه التفريع بقوله : { فاتقوا الله وأطيعون }. أ هـ {التحرير والتنوير حـ 3 صـ 103}\rمن اللطائف فى الآيات السابقة\rقال ابن عجيبة : \r","part":13,"page":278},{"id":5510,"text":"كل من انقطع بكليته إلى مولاه ، وصدف عن حظوظه ، وهواه ، وأفنى شبابه في طاعة ربه ، وجعل يلتمس في حياته دواء قلبه ، تحققت له البشارة في العاجل والآجل ، وحصل له التطهير من درن العيوب والرذائل ، ورزقه من فواكه العلوم ، ما تتضاءل دون إدراكه غاية الفهوم ، هذه مريم البتول أفنت شبابها في طاعة مولاها ، فقربها إليه وتولاها ، وبشرها بالاصطفائية والتطهير ، وأمرها شكراً بالجد والتشمير ، ثم بشّرها ثانياً بالولد النزيه والسيد النبيه ، روح الله وكلمة الله ، من غير أب ولا سبب ، ولا معالجة ولا تعب ، أمره بأمر الله ، يبرئ الأكمه والأبرص ويحيي الموتى بإذن الله ، هذا كله ببركة الانقطاع وسر الاتباع.\rقال صلى الله عليه وسلم : \" من انقطع إلى اللّهِ كَفَاه الله كلَّ مُؤْنة ، ورَزقه من حيثُ لا يحتسِبُ ، ومن انطقعَ إلى الدنيا وكَلَه الله تعالى إليها \".\rوقال بعضهم : صِدْقُ المجاهدة : الانقطاع إليه من كل شيء سواه. فالانقطاع إلى الله في الصغر يخدم على الإنسان في حال الكبر ، ومعاصي الصغر تجر الوبال إلى الكبر ، فكما أن عيسى عليه الصلاة والسلام كان يبرئ الأكمه والأبرص بإذن الله ، كذلك من انقطع بكُلِّيته إلى الله أبرأ القلوبَ السقيمة بإذن الله ، وأحيا موتى القلوب بذكر الله ، وأخبر بالغيوب وما تدخره ضمائر القلوب ، يدل على طاعة الله ، ويدعو بحاله ومقاله إلى الله ، يهدي الناس إلى الصراط المستقيم ، ويوصل من اتبعه إلى حضرة النعيم. وبالله التوفيق ، وهو الهادي إلى سواء الطريق. أ هـ {البحر المديد حـ 1 صـ 281}","part":13,"page":279},{"id":5512,"text":"قوله تعالى { إِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ (51)}\rمناسبة الآية لما قبلها\rقال البقاعى :\rولما كان كأنه قيل : ما تلك الآية التي سميتها \" آية \" بعد ما جئت به من الأشياء الباهرة قال : {إن الله} الجامع لصفات الكمال {ربي وربكم} أي خالقنا ومربينا ، أنا وأنتم في ذلك شرع واحد ، وقراءة من فتح {إن} أظهر في المراد {فاعبدوه هذا} أي الذي دعوتكم إليه {صراط مستقيم} أنا وأنتم فيه سواء ، لا أدعوكم إلى شيء إلا كنت أول فاعل له ، ولا أدعي أني إله ولا أدعو إلى عبادة غير الله تعالى كما يدعي الدجال ويغره من الكذبة الذين تظهر الخوارق على أيديهم امتحاناً من الله سبحانه وتعالى لعباده فيجعلونها سبباً للعلو في الأرض والترفع على الناس ، وجاء بالتحذير منهم وتزييف أحوالهم الأنبياء ، وإلى هذا يرشد قول عيسى عليه السلام فيما سيأتي عن إنجيل يوحنا أن من يتكلم من عنده إنما يطلب المجد لنفسه ، فأما الذي يطلب مجد الذي أرسله فهو صادق وليس فيه ظلم ؛ وإلى مثل ذلك أرشدت التوراة فإنه جعل العلامة على صدق الصادق وكذب الكاذب الدعوة ، فمن كانت دعوته إلى الله سبحانه وتعالى وجب تصديقه ، من كذبه هلك ، ومن دعا إلى غيره وجب تكذيبه ، ومن صدقه هلك ؛ قال في السفر الخامس منها : وإذا دخلتم الأرض التي يعطيكم الله ربكم فلا تعملوا مثل أعمال تلك الشعوب ، ولا يوجد فيكم من يقبر ابنه أو ابنته في النار نذراً للأصنام ، ولا من يطلب تعليم العرافين ، ولا من يأخذ بالعين ، ولا يوجد فيكم من يتطير طيرة ، ولا ساحر ، ولا من يرقى رقية ، ولا من ينطلق إلى العرافين والقافة فيطلب إليهم ويسألهم عن الموتى ، لأن كل من يعمل هذه الأعمال هو نجس بين يدي الله ربكم ، ومن أجل هذه النجاسة يهلك الله هذه الشعوب من بين أيديكم ؛ ولكن كونوا متواضعين مخبتين أما الله ربكم ، لأن هذه الشعوب التي ترثونها كانت تطيع العرافين والمنجمين ، فأما أنتم فليس هكذا يعطيكم الله ربكم ، بل يقيم لكم نبياً من إخوتكم مثلي ، فأطيعوا ذلك النبي كما أطعتم الله ربكم في حوريب يوم","part":13,"page":280},{"id":5513,"text":"الجماعة وقلتم : لا نسمع صوت الله ربنا ولا نعاين هذه النار العظيمة لئلا نموت ، فقال الرب : ما أحسن ما تكلموا! سأقيم لهم نبياً من إخوتهم مثلك وأجري قولي فيه ويقول لهم ما آمره به ، والرجل الذي لا يقبل قول النبي الذي يتكلم باسمي أنا أنتقم منه ، فأما النبي الذي يتكلم ويتجرأ باسمي ويقول ما لم آمره أن يقوله ويتكلم بأسماء الآلهة الأخرى ليقتل ذلك النبي ، وإن قلتم في قلوبكم : كيف لنا أن نعرف القول الذي لم يقله الرب ، إذا تكلم ذلك النبي باسم الرب فلم يكمل قوله : ولم يتم فلذلك القول لم يقله الرب ولكن تكلم ذلك النبي جراءة وصفاقة وجه ، فلا تخافوه ولا تفزعوا منه ؛ وقال قبل ذلك بقليل : وإذا أهلك الله الشعوب التي تنطلقون إليها وأبادهم م نبين أيديكم وورثتموهم وسكنتم أرضهم ، احفظوا ، لا تتبعوا آلهتهم من بعد ما يهلكهم الله من بين أيديكم ، ولا تسألوا عن آلهتهم ولا تقولوا : كيف كانت هذه الشعوب تعبد آلهتها حتى نفعل نحن مثل فعلها ؟ ولا تفعلوا مثل فعالها أمام الله ربكم ، لأنهم عملوا بكل ما أبغض الله وأحرقوا بنيهم وبناتهم لآلهتهم ، ولكن القول الذي آمركم به إياه احفظوا وبه اعملوا! لا تزيدوا ولا تنقصوا منه شيئاً فإن قام بينكم نبي أو من يفسر أحلاماً وعمل آية أو عجيبة ويقول : اقبلوا بنا نعبد الآلهة الأخرى التي لا تعرفونها ونتبعها - لا يقبل قول ذلك النبي وصاحب الأحلام ، لأنه إنما يريد ، أن يجربكم ليعلم هل تحبون الله ربكم ، احفظوا وصاياه واتقوا واسمعوا قوله واعبدوه والحقوا به ، فأما ذلك النبي وذلك الذي تحلّم الأحلام فليقتل ، لأنه نطق بإثم أمام الله ربكم الذي أخرجكم من أرض مصر وخلصكم من العبودية فأراد أن يضلكم عن الطريق الذي أمركم الله ربكم أن تسيروا فيه ، واستأصلوا الشر من بينكم ، وإن شوقك أخوك ابن أمك وأبيك أو ابنتك أو حليلتك أو صديقك ويقول لك : هلم بنا نتبع الآلهة الأخرى التي لم تعرفها أنت ولا آباؤك من","part":13,"page":281},{"id":5514,"text":"آلهة الشعوب التي حولكم - القريبة منكم والبعيدة - ومن أقطار الأرض إلى أقصاها - لا تقبل قوله ولا تطعه ولا تشفق عليه ولا ترحمه ولا تلتمّ عليه ولا تتعطف عليه ، ولكن اقتله قتلاً ، وابدأ به أنت قتلاً ، ثم يبدأ به جميع الشعوب ، وارجموه بالحجارة وليمت ، لأنه أراد أن يضلك عن عبادة الله ربك الذي أخرجك من أرض مصر وخلصك من العبودية ، ويسمع بذلك جميع بني إسرائيل ، ويفزعون فلا يعودوا أن يعملوا مثل هذا العمل السوء بينكم ، وإذا سمعتم أن في قرية من القرى التي أعطاكم الله قوماً قد ارتكبوا خطيئة وأضلوا أهل قريتهم وقالوا لهم : ننطلق فنعبد آلهة أخرى لم تعرفوها ، ابحثوا نعماً وسلوا حسناً ، إن كان القول الذي بلغكم يقيناً وفعلت هذه النجاسة في تلك القرية اقتلوا أهل تلك القرية بالسيف ، واقتلوا كل من فيها من النساء والصبيان والبهائم بالسيف ، واجمعوا جميع نهبها خارج القرية وأحرقوا القرية بالنار وأحرقوا كل نهبها أما الله ربكم ، وتصير القرية تلاً خراباً إلى الأبد ولا تبنى أيضاً ، ولا يلصق بأيديكم من خرابها شيء ليصرف الرب غضبه عنكم ويعطف عليكم ويفيض رحمته عليكم ويجيبكم ويرحمكم ويكثركم كما قال لآبائكم ؛ هذا إن أنتم سمعتم قول الله ربكم ، وحفظتم وصاياه التي أمرتكم بها اليوم ، وعملتم الحسنات أمام الله ربكم ، فإذا فعلتم هذا صرتم لله ربكم ، لا تأثموا ولا تصيروا شبه الوحش ولا تخدشوا وجوهكم وبين أعينكم على الميت ، لأنكم شعب طاهر لله ربكم ، وإياكم اختار الله ربكم أن تكونوا له شعباً حبيباً أفضل من جميع شعوب الأمم - انتهى.\r","part":13,"page":282},{"id":5515,"text":"فقد تبين من هذا كله أن عيسى عليه الصلاة والسلام مصدق للتوراة في الدعاء إلى توحيد الله سبحانه وتعالى وأن الآية الكبرى على صدق النبي الحق اختصاصه الله تعالى بالدعوة وتسويته بين نفسه وجميع من يدعوه في الإقبال عليه والتعبد له والتخشع لديه ، وأن الآية على كذب الكاذب دعاؤه إلى غير الله ؛ وفي ذلك وأمثاله مما سيأتي عن الإنجيل في سورة النساء تحذير من الدجال وأمثاله ، فثبت أن المراد بالآية في هذه الآية ما قدمته من الإخبار بأن الله سبحانه وتعالى رب الكل والأمر بعبادته ، وهذا كما يأتي من أمر الله سبحانه وتعالى لنبينا صلى الله عليه وسلم في قوله تعالى : {قل يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم} [ آل عمران : 64 ] إلى قوله : {ولا يتخذ بعضنا بعضاً أرباباً من دون الله} [ آل عمران : 64 ]. أ هـ {نظم الدرر حـ 2 صـ 94 ـ 96}\rقال الفخر فى معنى الآية :\rختم كلامه بقوله {إِنَّ الله رَبّى وَرَبُّكُمْ} ومقصوده إظهار الخضوع والاعتراف بالعبودية لكيلا يتقولوا عليه الباطل فيقولون : إنه إله وابن إله لأن إقراره لله بالعبودية يمنع ما تدعيه جهال النصارى عليه ، ثم قال : {فاعبدوه} والمعنى : أنه تعالى لما كان رب الخلائق بأسرهم وجب على الكل أن يعبدوه ، ثم أكد ذلك بقوله {هذا صراط مُّسْتَقِيمٌ }. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 8 صـ 53}\rوقال السمرقندى :\r{ إِنَّ الله رَبّى وَرَبُّكُمْ } أي خالقي وخالقكم ، ورازقي ورازقكم ، فاعبدوه ، أي وحدوه ولا تشركوا به شيئاً { هذا صراط مُّسْتَقِيمٌ } يعني هذا التوحيد الذي أدعوكم إليه طريق مستقيم ، لا عوج فيه ، وهو طريق الجنة. أ هـ {بحر العلوم حـ 1 صـ 241}\rوقال ابن عاشور :\rقوله : { إن الله ربي وربكم فاعبدوه } إنّ مكسورة الهمزة لا محالة ، وهي واقعة موقع التعليل للأمر بالتقوى والطاعة كشأنها إذا وقعت لِمجرّد الاهتمام كقول بشار\r...\r.\rبَكِّرا صَاحِبَيّ قَبْلَ الهَجير","part":13,"page":283},{"id":5516,"text":"إنّ ذَاكَ النجَاحَ في التبْكِيرِ...\rولذلك قال : { ربي وربكم } فهو لكونه ربّهم حقيق بالتقوى ، ولكونه ربّ عيسى وأرسله تقتضي تقواه طاعةَ رسوله.\rوقوله : فاعبدوه تفريع على الرُّبوبية ، فقد جعل قولَه إنّ الله ربي تعليلاً ثم أصلا للتفريع.\rوقوله : { هذا صراط مستقيم } الإشارة إلى ما قاله كلِّه أي أنّه الحق الواضح فشبهه بصراط مستقيم لا يضلّ سالكه ولا يتحير. أ هـ {التحرير والتنوير حـ 3 صـ 104}","part":13,"page":284},{"id":5517,"text":"وقال الآلوسى :\r{ إِنَّ الله رَبّى وَرَبُّكُمْ فاعبدوه هذا صراط مُّسْتَقِيمٍ } بيان للآية المأتي بها على معنى : هي قولي : إن الله ربي وربكم. ولما كان هذا القول مما أجمع الرسل على حقيته ودعوا الناس إليه كان آية دالة على رسالته ، وليس المراد بالآية على هذا المعجزة ليرد أن مثل هذا القول قد يصدر عن بعض العوام بل المراد أنه بعد ثبوت النبوة بالمعجزة كان هذا القول لكونه طريقة الأنبياء عليهم السلام علامة لنبوته تطمئن به النفوس ، وجوز أن يراد من الآية المعجزة على طرز ما مر ، ويقال : إن حصول المعرفة والتوحيد والاهتداء للطريق المستقيم في الاعتقادات والعبادات عمن نشأ بين قوم غيروا دينهم وحرفوا كتب الله تعالى المنزلة وقتلوا أنبياءهم ولم يكن ممن تعلم من بقايا أخبارهم من أعظم المعجزات وخوارق العادات. أو يقال من الجائز أن يكون قد ذكر الله تعالى في التوراة إذا جاءكم شخص من نعته كذا وكذا يدعوكم إلى كيت وكيت فاتبعوه فإنه نبي مبعوث إليكم فإذا قال : أنا الذي ذكرت بكذا وكذا من النعوت كان من أعظم الخوارق ، وقرىء أن الله بفتح همزة أن على أن المنسبك بدل من ( آية ) أو أن المعنى : جئتكم بآية دالة على أن الله الخ ، ومثل هذا محتمل على قراءة الكسر أيضاً لكن بتقدير القول ، وعلى كلا التقديرين يكون قوله تعالى : { فاتقوا الله وَأَطِيعُونِ } [ آل عمران : 50 ] اعتراضاً ، وقد ذكر غير واحد أن الظاهر أن هذه الجملة معطوفة عل جملة { جِئْتُكُم } [ آل عمران : 49 ] الأولى وكررت ليتعلق بها معنى زائد وهو قوله سبحانه : { إِنَّ الله رَبّى } أو للاستيعاب كقوله تعالى : { ثُمَّ اْرجِعِ البَصَرَ كَرَّتَيْنِ } [ الملك : 4 ] أي : جئتكم بآية بعد أخرى مما ذكرت لكم من خلق الطير وإبراء الأكمه والأبرص والإحياء والإنباء بالمخفيات ، ومن ولادتي بغير أب ، ومن كلامي في المهد ونحو ذلك والكلام الأول : لتمهيد الحجة عليهم ، والثاني : لتقريبها إلى الحكم","part":13,"page":285},{"id":5518,"text":"وهو إيجاب حكم تقوى الله تعالى وطاعته ولذلك جيء بالفاء في { فاتقوا الله } [ آل عمران : 50 ] كأنه قيل : لما جئتكم بالمعجزات الباهرات والآيات الظاهرات فاتقوا الله الخ ، وعلى هذا يكون قوله تعالى : { إِنَّ الله } الخ ابتداء كلام وشروعاً في الدعوة المشار إليها بقول مجمل ، فإن الجملة الاسمية المؤكدة بأن للإشارة إلى استكمال القوة النظرية بالاعتقاد الحق الذي غايته التوحيد ، وقوله تعالى : { فاعبدوه } إشارة إلى استكمال القوة العملية فإنه ملازمة الطاعة التي هي الاتيان بالأوامر والانتهاء عن المناهي ، وتعقيب هذين الأمرين بقوله سبحانه : { هذا صراط مُّسْتَقِيمٌ } تقرير لما سبق ببيان أن الجمع بين الأمرين الاعتقاد الحق ، والعمل الصالح هو الطريق المشهود له بالاستقامة ، ومعنى قراءة الفتح على ما ذكر لأن الله ربي وربكم فاعبدوه فهو كقوله تعالى : { لإيلاف قُرَيْشٍ } [ قريش : 1 ] الخ ، والإشارة إما إلى مجموع الأمرين ، أو إلى الأمر الثاني المعلول للأمر الأول ، والتنوين إما للتعظيم أو للتبعيض ؛ وجملة { هذا } الخ على ما قيل : استئناف لبيان المتقضي للدعوة. أ هـ {روح المعانى حـ 3 صـ 172 ـ 173}\rفائدة\rقال الطبرى :\rوهذه الآية وإن كان ظاهرُها خبرًا ، ففيه الحجة البالغة من الله لرسوله محمد صلى الله عليه وسلم على الوفد الذين حاجُّوه من أهل نجران ، بإخبار الله عزّ وجل عن أن عيسى كان بريئًا مما نسبه إليه مَن نسبه إلى غير الذي وصفَ به نفسه ، من أنه لله عبدٌ كسائر عبيده من أهل الأرض ، إلا ما كان الله جل ثناؤه خصَّه به من النبوة والحجج التي آتاه دليلا على صدقه - كما آتى سائرَ المرسلين غيره من الأعلام والأدلة على صدقهم - وحُجةً على نبوته. أ هـ {تفسير الطبرى حـ 6 صـ 442}\rفوائد لغوية\rقال ابن عادل :","part":13,"page":286},{"id":5519,"text":"قوله : { إِنَّ الله رَبِّي وَرَبُّكُمْ } قراءة العامة بكسر همزة \" إنّ \" على الإخبار المستأنف ؛ وهذا ظاهر على قولنا : إن { جِئْتُكُمْ } تأكيد.\rأما إذا جعلناه تأسيساً ، وجُعِلَت الآية هي قوله : { إِنَّ الله رَبِّي وَرَبُّكُمْ } - بالمعنى المذكور أولاً - فلا يصحُ الاستئناف ، بل يكون الكسر على إضمار القول ، وذلك القول بدلٌ من الآية ، كأن التقدير : وجئتكم بآية من ربكم قَوْلي : { إِنَّ الله رَبِّي وَرَبُّكُمْ } ، ف \" قَوْلِي \" بدلٌ من آية ، و\" إنّ \" وما في حَيِّزها معمول \" قولي \" ، ويكون قوله : { فاتقوا الله وَأَطِيعُونِ } اعتراضاً بين البدل والمُبْدَل منه.\rوقرئ بفتح الهمزة ، وفيه أوجُهٌ : \rأحدها : أنه بدل من \" آية \" ، كأن التقدير : وجئتكم بأن الله ربي وربكم ، أي : جئتكم بالتوحيد.\rوقوله : { فاتقوا الله وَأَطِيعُونِ } اعتراضٌ أيضاً.\rالثاني : أن ذلك على إضمار لام العلة ، ولام العلةِ متعلقة بما بعدها من قوله { فاعبدوه } ، والتقدير : فاعبدوه لأن الله ربي وربكم كقوله : { لإِيلاَفِ قُرَيْشٍ } [ قريش : 1 ] إلى أن قال : { فَلْيَعْبُدُواْ } [ قريش : 3 ] إذ التقدير فليعبدوا ، لإيلاف قريش ، وهذا عند سيبويه وأتباعه - ممنوع ؛ لأنه متى كان المعمول أنّ وصلتها يمتنع تقديمها على عاملها لا يجيزون : أنَّ زيداً منطق عرفت - تريد عرفت أن زيداً منطلقٌ - للفتح اللفظي ، إذْ تَصَدُّرُها - لفظاً يقتضي كسرها.\rالثالث : أن يكون على إسقاط الْخَافِضِ - وهو على - و\" على \" يتعلق بآية بنفسها ، والتقدير : وجئتكم بآية على أن الله ، كأنه قيل : بعلامة ودلالة على توحيد الله - تعالى - قاله ابنُ عَطِيَّةَ ، وعلى هذا فالجملتان الأمْرِيَّتان اعتراض - أيضاً - وفيه بُعْدٌ. أ هـ {تفسير ابن عادل حـ 5 صـ 255 ـ 256}","part":13,"page":287},{"id":5520,"text":"فوائد بلاغية\rقال أبو حيان :\rوفي هذه الآيات من ضروب الفصاحة والبديع : إسناد الفعل للآمر به لا لفاعله ، في قوله : إن الله يبشرك ، اذ هم المشافهون بالبشارة ، والله الآمر بها.\rومثله : نادى السلطان في البلد بكذا ، وإطلاق اسم السبب على المسبب في قوله : بكلمة منه ، على الخلاف الذي في تفسير : كلمة.\rوالاحتراس : في قوله : وكهلاً ، من ما جرت به العادة أن من تكلم في حال الطفولة لا يعيش.\rوالكناية : في قوله : ولم يمسسني بشر ، كنى بالمسّ عن الوطء ، كما كنى عنه : بالحرث ، واللباس ، والمباشرة.\rوالسؤال والجواب في : قالت الملائكة وفي أنى يكون ؟ والتكرار : في : جئتكم بآية.\rوفي : أنى أخلق لكم.\rو ، في : الطير ، وفي : بإذن الله ، وفي : ربي وربكم ، وفي : ما ، في قوله : بما تأكلون وما.\rوالتعبير عن الجمع بالمفرد في : الآية ، وفي : الأكمة والأبرص ، وفي : إذا قضى أمراً.\rوالطباق في : وأحيي الموتى ، وفي : لاحل وحرم والالتفات في : ونعلمه فيمن قرأ بالنون والتفسير بعد الإبهام في : من قال : الكتاب مبهم غير معين ، والتوراة والإنجيل تفسير له والحذف في عدة مواضع. أ هـ {البحر المحيط حـ 2 صـ 492}","part":13,"page":288},{"id":5521,"text":"فائدة\rقال فى ملاك التأويل :\rقوله تعالى : مخبرا عن عيسى عليه السلام : \"إن الله ربى وربكم فاعبدوه\" ، وفى سورة مريم : \"وإن الله ربى وربكم فاعبدوه\" ، فعطف الآية على ما قبلها بواو النسق وفى سورة الزخرف : \"إن الله هو ربى وربكم فاعبدوه\" بغير حرف النسق مع زيادة الفصل بالضمير من قوله\"هو\" ولم يقع ذلك فى الآيتين قبل كما لم يقع العطف فى الأولى والثالثة فانفردت كل آية من الثلاث بما وردت عليه مع اتحاد المقصد فيما أعطته كل واحدة منها فللسائل أن يسأل عن ذلك ؟\rوالجواب والله أعلم : أن آية مريم لما تضمنت مقالة عيسى عليه السلام وآية كلامه فى المهد مخبرا عن حاله النبوية وما منحه الله من الخصائص الاصطفائية فقال : \"إنى عبد الله آتانى الكتاب وجعلنى نبيا وجعلنى مباركا\" إلى ما أعقب به هذا من الخصائص الجليلة منسوقا بعضها على بعض ليبين تعداد تلك النعم إلى قوله : \"والسلام على يوم ولدت ويوم أموت ويوم أبعث حيا\" ، فذكر ما حفظ الله عليه من كرامته فى هذه الأحوال الثلاثة البشرية وهى : حال الولادة وحال الموت وحال البعث بعده وهذه أحوال تتنزه الربوبية عنها وتتعالى عن تجويزها عليه سبحانه وإذا صحبتها العادة لم تكن نقصا فى البشرية إذ بها امتيازها وهى من حيث الحيوانية الحادثة فصلها. ثم لما كان من تمام إخبار عيسى عليه السلام وتعريفه بما عرف به وتكميل ما قصد به إقراره لله سبحانه بالربوبية للكل فى قوله : \"وإن الله ربى وربكم فاعبدوه\" وكان متصلا بما تقدم وكأن قد قال : إنى عبد الله ومخصوص منه بكذا وكذا ومعترف بانفراد خالقى بملك الكل وقهرهم وخلقهم فهو ربهم ومالكهم والمعبود الحق فلما كان الكلام من حيث معناه متصلا وقد ورد أثناءه ما يعطى بظاهره حين أخبر تعالى عنه بقوله عليه السلام : \"والسلام على يوم ولدت ويوم أموت ويوم أبعث حيا\"","part":13,"page":289},{"id":5522,"text":"إن كلام عيسى عليه السلام قد تم وانقضى وشرع فى قضية أخرى من التعريف بحقيقة أمر عيسى عليه السلام فقال تعالى : \"ذلك عيسى بن مريم قول الحق الذى فيه يمترون ما كان لله أن يتخذ من ولد سبحانه إذا قضى أمرا فإنما يقول له كن فيكون\" فورد هنا مورد الجمل التى كأنها مفصولة مما قبلها مع الحاجة إليها واتصال ما بعدها بما قبلها لك يكن بد من حرف النسق ليحصل منه أنه كلام غير منقطع بعضه من بعض ولا مستأنف بل هو معطوف على ما تقدمه من كلام عيسى عليه السلام فلم يكن بد من حرف النسق لإحراز هذا الالتحام إذ لم يكن ليحصل دون حرف النسق حصوله معه فقيل : \"وإن الله ربى وربكم\" وهو حكاية قول عيسى\rمتصلا من حيث معناه بقوله : \"والسلام على يوم ولدت ويوم أموت ويوم أبعث حيا\" فالوجه عطفه عليه مع الحاجة إلى ما توسط الكلامين فهذا وجه ورود الواو هنا ولم يعرض فى آية آل عمران فصل بين الآية وما قبلها يوهم انقطاعا فيحتاج إلى الواو فهذا وجه دخولها فى هذه الآية والله أعلم.","part":13,"page":290},{"id":5523,"text":"وأما زيادة الضمير الفصلى فى سورة الزخرف فيحرز بمفهومه معنى ضروريا دعا إليه ما تقدم فى الآية قبله وذلك ما أشار اليه قوله سبحانه وتعالى : \"ولما ضرب ابن مريم مثلا إذا قومك منه يصدون\" إلى ما يتلو هذه ففى التفسير أنه لما نزل قوله تعالى : \"إنكم وما تعبدون من دون الله حصب جهنم\" الآية تعلق بها الكفار وقالوا قد عبدت الملائكة وعبد المسيح وأنت يا محمد تزعم أن عيسى نبى مقرب وأن الملائكة عباد مقربون فإذا كان هؤلاء مع آلهتنا فى النار فقد رضينا وجادلوا بهذا فأنزل الله تعالى : \"إن الذين سبقت لهم منا الحسنى أولئك عنها مبعدون\" وهذا مبسوط فى كتب التفسير فلما كان قد تقدم فى سورة الزخرف ذكر آلهتهم وقولهم : \"ءآلهتنا خير أم هو\" يعنون المسيح ناسبه ما أعقبه به من قوله تعالى حاكيا عن المسيح عليه السلام : \"إن الله ربى وربكم\" فكأن قد قيل : هؤلاء غيره فأحرز\"هو\" هذا المعنى ولم يرد فى آية آل عمران وآية مريم من ذكر آلهتهم ما ورد هنا فلم يحتج إلى الضمير المحرز لما ذكرناه وسنورد إن شاء الله فى قوله تعالى فى سورة النجم : \"وأنه أضحك وأبكى وأنه أمات وأحيا\" قوله بعد : \"وأنه هو أغنى وأقنى وأنه هو رب الشعرى\" بإثبات هذا الضمير فى أربعة مواضع وكونه لم يثبت فى قوله : \"وأنه خلق الزوجين\" ولا فى قوله : \"وأن عليه النشأة الأخرى\" ولا فى قوله : \"وأنه أهلك عادا الأولى\" وتوجيه ذلك والفرق بين ما ورد فيه منها الضمير وما لم يرد فيه ما يوضح وجه وروده فى آية الزخرف وسقوطه فى الآيتين قبلها أتم إيضاح وأشفاه ، ومن هذا قوله تعالى : \"فلما توفيتنى كنت أنت الرقيب عليهم\" فـ\"أنت\" هنا كـ\"هو\" فيما ذكر\rومحرزة ذلك المعنى من إفراد المشار اليه بالضمير بما حصله الخبر فتأمله فإنه بين فيما ذكرناه والله أعلم. أ هـ {ملاك التأويل صـ 115 ـ 118}","part":13,"page":291},{"id":5524,"text":"من ردود شيخ الإسلام ابن تيمية على شبه النصارى\rقال عليه الرحمة والرضوان ما نصه :\rفصل\rوقولهم فالإله واحد خالق واحد رب واحد\rهو حق في نفسه لكن قد نقضوه بقولهم في عقيدة إيمانهم نؤمن برب واحد يسوع المسيح ابن الله الوحيد إله حق من إله حق من جوهر أبيه مساو الأب في الجوهر فأثبتوا هنا إلهين ثم أثبتوا روح القدس إلها ثالثا وقالوا إنه مسجود له فصاروا يثبتون ثلاثة آلهة ويقولون إنما نثبت إلها واحدا وهو تناقض ظاهر وجمع بين النقيضين بين الإثبات والنفي\rولهذا قال طائفة من العقلاء إن عامة مقالات الناس يمكن تصورها إلا مقالة النصارى وذلك أن الذين وضعوها لم يتصوروا ما قالوا بل تكلموا بجهل وجمعوا في كلامهم بين النقيضين ولهذا قال بعضهم لو اجتمع عشرة نصارى لتفرقوا عن أحد عشر قولا وقال آخر لو سألت بعض النصارى وامرأته وابنه عن توحيدهم لقال الرجل قولا وامرأته قولا آخر وابنه قولا ثالثا فصل\rوقولهم لا يتبعض ولا يتجزأ مناقض لما ذكروه في أمانتهم ولما يمثلونه به\rفإنه يمثلونه بشعاع الشمس والشعاع يتبعض ويتجزأ فإن ما يقوم منه بهذا الموضع بعض وجزء منه ويمكن زوال بعضه مع بقاء بعض فإنه إذا وضع على مطرح الشعاع شيء فصل ما بين جانبيه وصار الشعاع الذي كان بينهما على ذلك الفوقاني فاصلا بين الشعاعين السافلين\rيبين ذلك أن الشعاع قائم بالأرض والهواء وكل منهما متجزىء متبعض وما قام بالمتبعض فهو متبعض فإن الحال يتبع المحل وذلك يستلزم التبعض والتجزىء فيما قام به\rويقولون أيضا إنه اتحد بالمسيح وأنه صعد إلى السماء وجلس عن يمين الأب وعندهم أن اللاهوت منذ اتحد بالناسوت لم يفارقه بل لما صعد إلى السماء وجلس عن يمين الأب كان الصاعد عندهم هو المسيح الذي هو ناسوت ولاهوت إله تام وإنسان تام فهم لا يقولون إن الجالس عن يمين الأب هو الناسوت فقط بل اللاهوت المتحد\rبالناسوت جلس عن يمين اللاهوت فأي تبعيض وتجزئة أبلغ من هذا","part":13,"page":292},{"id":5525,"text":"وليس هذا من كلام الأنبياء حتى يقال إن له معنى لا نفهمه بل هو من كلام أكابرهم الذي وضعوه وجعلوه عقيدة إيمانهم فإن كانوا تكلموا بما لا يعقلونه فهم جهال لا يجوز أن يتبعوا وإن كانوا يعقلون ما قالوه فلا يعقل أحد من كون اللاهوت المتحد بالناسوت جلس عن يمين اللاهوت المجرد عن الاتحاد إلا أن هذا اللاهوت المجرد منفصل مباين للاهوت المتحد وليس هو متصلا به بل غايته أن يكون مماسا له بل يجب أن يكون الذي يماس اللاهوت المجرد هو الناسوت مع اللاهوت المتحد به فهذا حقيقة التبعيض والتجزئة مع انفصال أحد البعضين عن الآخر\rوأيضا فيقال لهم المتحد بالمسيح أهو ذات رب العالمين أم صفة من صفاته فإن كان هو الذات فهو الأب نفسه ويكون المسيح هو الأب نفسه وهذا مما اتفق النصارى على بطلانه فإنهم يقولون هو الله وهو ابن الله كما حكى الله عنهم ولا يقولون هو الأب والابن والأب عندهم هو الله وهذا من تناقضهم\rوإن قالوا المتحد بالمسيح صفة الرب فصفة الرب لا تفارقه ولا يمكن اتحادها ولا حلولها في شيء دون الذات\rوأيضا فالصفة نفسها ليست هي الإله الخالق رب العالمين بل هي صفته ولا يقول عاقل إن كلام الله أو علم الله أو حياة الله هي رب العالمين الذي خلق السماوات والأرض فلو قدر أن المسيح هو صفة الله نفسها لم يكن هو الله ولم يكن هو رب العالمين ولا خالق السماوات والأرض\rوالنصارى يقولون إن المسيح رب العالمين خالق كل شيء وهو خالق آدم ومريم وإن كان ابن آدم ومريم فإنه خالق ذلك بلاهوته وهو ابن آدم ومريم بناسوته\rفلو قدر أن المسيح هو صفة الرب لم تكن الصفة هي الخالق فكيف والمسيح ليس هو صفة الله نفسها بل هو مخلوق بكلمة الله وسمى كلمة الله لأن الله كونه بكن\rوقال تعالى {ذلك عيسى ابن مريم قول الحق الذي فيه يمترون ما كان لله أن يتخذ من ولد سبحانه إذا قضى أمرا فإنما يقول له كن فيكون}","part":13,"page":293},{"id":5526,"text":"وسماه روحه لأنه خلقه من نفخ روح القدس في أمه لم يخلقه كما خلق غيره من أب آدمي\rقال الله تعالى {إن الله يبشرك بكلمة منه اسمه المسيح عيسى ابن مريم وجيها في الدنيا والآخرة ومن المقربين ويكلم الناس في المهد وكهلا ومن الصالحين قالت رب أنى يكون لي ولد ولم يمسسني بشر قال كذلك الله يخلق ما يشاء إذا قضى أمرا فإنما يقول له كن فيكون}\rوإن قالوا المتحد به بعض ذلك دون بعض فقد قالوا بالتبعيض والتجزئة فهم بين أمرين إما بطلان مذهبهم وإما اعترافهم بالتبعيض والتجزئة مع بطلانه\rوأيضا فقولهم إله حق من إله حق من جوهر أبيه مولود غير مخلوق مساو للأب في الجوهر ابن الله الوحيد المولود قبل كل الدهور\rيقال لهم هذا الابن المولود المساوي للأب في الجوهر الذي هو إله حق من إله حق هل هو صفة قائمة بغيرها أو عين قائمة بنفسها\rفإن كان الأول فالصفة ليست إلها ولا هي خالقة ولا يقال لها مولودة من الله ولا أنها مساوية لله في الجوهر ولم يسم قط أحد من الأنبياء ولا أتباع الأنبياء صفات الله لا ابنا له ولا ولدا ولا قال إن صفة الله تولدت منه ولا قال عاقل إن الصفة القديمة تولدت من الذات القديمة\rوهم يقولون إن المسيح إله خلق السماوات والأرض لاتحاد ناسوته بهذا الابن المولود قبل كل الدهور المساوي الأب في الجوهر\rوهذا كله نعت عين قائمة بنفسها كالجواهر القائمة بنفسها لا نعت صفات قائمة بغيرها وإذا كان كذلك كان التبعيض والتجزئة\rلازمة لقولهم فإن القول بالولادة الطبيعية مستلزم لأن يكون خرج منه جزء قال تعالى\rسورة الزخرف الآيات 15 ـ 19\rوأما هذا المعنى الذي يثبته من يثبته من علماء النصارى ويسمونه ولادة وبنوة فيسمونه الصفة القديمة الأزلية القائمة بالموصوف ابنا ويسمونها تارة النطق وتارة الكلمة وتارة العلم وتارة الحكمة ويقولون هذا مولود من الله وابن الله","part":13,"page":294},{"id":5527,"text":"فهذا لم يقله أحد من الأنبياء وأتباعهم ولا من سائر العقلاء غير هؤلاء المبتدعة من النصارى ولا يفهم أحد من العقلاء من اسم الولادة والبنوة هذا المعنى\rوالأنبياء لم يطلقوا لفظ الابن إلا على مخلوق وهم يقولون هو أب للمسيح بالطبع ولغيره بالوضع فلا يعقل جمهور العقلاء\rوغيرهم من هذا المعنى إلا البنوة المعقولة بانفصال جزء من الوالد وهذا ينكره من ينكره من علمائهم\rلكنهم لم يتبعوا الأنبياء ولم يقولوا ما تعقله العقلاء فضلوا فيما نقوله عن الأنبياء وأضلوا أتباعهم فيما قالوه وعوامهم وإن كانوا لا يقولون إن ولادة الله مثل ولادة الحيوان بانفصال شيء يوجد فيقولون ولادة لاهوتية بانفصال جزء من اللاهوت حل في الناسوت لا يعقل من الولادة غير هذا\rوأيضا فقولهم ونؤمن بروح القدس الرب المحي المنبثق من الأب الذي هو مع الأب مسجود له وممجد ناطق في الأنبياء فقولهم المنبثق من الأب الذي هو مع الأب مسجود له وممجد يمتنع أن يقال هذا في حياة الرب القائمة به فإنها ليست منبثقة منه كسائر الصفات إذ لو كان القائم بنفسه منبثقا لكان علمه وقدرته وسائر صفاته منبثقة منه بل الانبثاق في الكلام أظهر منه في الحياة فإن الكلام يخرج من المتكلم وأما الحياة فلا تخرج من الحي فلو كان في\rالصفات ما هو منبثق لكان الصفة التي يسمونها الابن ويقولون هي العلم والكلام أو النطق والحكمة أولى بأن تكون منبثقة من الحياة التي هي أبعد عن ذلك من الكلام\rوقد قالوا أيضا إنه مع الأب مسجود له وممجد والصفة القائمة بالرب ليست معه مسجود لها وقالوا هو ناطق في الأنبياء وصفة الرب القائمة به لا تنطق في الأنبياء بل هذا كله صفة روح القدس الذي يجعله الله في قلوب الأنبياء أو صفة ملك من الملائكة كجبريل فإذا كان هذا منبثقا من الأب والانبثاق الخروج فأي تبعيض وتجزئة أبلغ من هذا\rوإذا شبهوه بانبثاق الشعاع من الشمس كان هذا باطلا من وجوه","part":13,"page":295},{"id":5528,"text":"منها أن الشعاع عرض قائم بالهواء والأرض وليس جوهرا قائما بنفسه وهذا عندهم حي مسجود له وهو جوهر\rومنها أن ذلك الشعاع القائم بالهواء والأرض ليس صفة للشمس ولا قائما بها وحياة الرب صفة قائمة به\rومنها أن الانبثاق خصوا به روح القدس ولم يقولوا في الكلمة إنها منبثقة\rوالانبثاق لو كان حقا لكان بالكلمة أشبه منه بالحياة وكلما تدبر العاقل كلامهم في الأمانة وغيرها وجد فيه من التناقض والفساد\rما لا يخفى إلا على أجهل العباد ووجد فيه من مناقضته التوراة والإنجيل وسائر كتب الله ما لا يخفى من تدبر هذا وهذا\rووجد فيه من مناقضة صريح المعقول ما لا يخفى إلا على معاند أو جهول فقولهم متناقض في نفسه مخالف لصريح المعقول وصحيح المنقول عن جميع الأنبياء والمرسلين صلوات الله عليهم وسلامه أجمعين\rفصل\rقالوا وأما تجسم كلمة الله الخالقة بإنسان مخلوق وولادتهما معا أي الكلمة مع الناسوت فإنه لم يخاطب الباري أحدا من الأنبياء إلا وحيا أو من وراء حجاب حسب ما جاء في هذا الكتاب بقوله\r{وما كان لبشر أن يكلمه الله إلا وحيا أو من وراء حجاب أو يرسل رسولا فيوحي بإذنه ما يشاء}\rوإذا كانت اللطائف لا تظهر إلا في الكثائف روح القدس وغيرها فكلمة الله التي بها خلقت اللطائف والكثائف تظهر في غير كثيف كلا\rولذلك ظهر في عيسى بن مريم إذ الإنسان أجل ما خلقه الله ولهذا خاطب الخلق وشاهدوا منه ما شاهدوا\rوالجواب من طرق\rأحدها : أنه يقال هذا الذي ذكروه وادعوا أنه تجسم كلمة الله الخالقة بإنسان مخلوق وولادتهما معا أي الكلمة مع الناسوت وهو الذي يعبر عنه باتحاد اللاهوت بالناسوت هو أمر ممتنع في صريح العقل وما علم أنه ممتنع في صريح العقل لم يجز أن يخبر به رسول فإن الرسل إنما تخبر بما لا يعلم بالعقل أنه ممتنع فأما ما يعلم بصريح العقل أنه ممتنع فالرسل منزهون عن الإخبار عنه","part":13,"page":296},{"id":5529,"text":"الطريق الثاني : أن الأخبار الإلهية صريحة بأن المسيح عبد الله ليس بخالق العالم والنصارى يقولون هو إله تام وإنسان تام\rالطريق الثالث : الكلام فيما ذكروه\rفأما الطريق الأول فمن وجوه\rأحدها : أن يقال المتحد بالمسيح إما أن يكون هو الذات المتصفة بالكلام أو الكلام فقط وإن شئت قلت المتحد به إما الكلام مع الذات وإما الكلام بدون الذات فإن كان المتحد به الكلام مع الذات كان المسيح هو الأب وهو الابن وهو روح القدس وكان المسيح هو الأقانيم الثلاثة\rوهذا باطل باتفاق النصارى وسائر أهل الملل وباتفاق الكتب الإلهية وباطل بصريح العقل كما سنذكره إن شاء الله\rوإن كان المتحد به هو الكلمة فقط فالكلمة صفة والصفة لا تقوم\rبغير موصوفها والصفة ليست إلها خالقا والمسيح عندهم إله خالق فبطل قولهم على التقديرين وإن قالوا المتحد به الموصوف بالصفة فالموصوف هو الأب والمسيح عندهم ليس هو الأب وإن قالوا الصفة فقط فالصفة لا تفارق الموصوف ولا تقوم بغير الموصوف والصفة لا تخلق ولا ترزق وليست الإله والصفة لا تقعد عن يمين الموصوف والمسيح عندهم صعد إلى السماء وجلس عن يمين أبيه\rوأما كونه هو الأب فقط وهو الذات المجردة عن الصفات فهذا أشد استحالة وليس فيهم من يقول بهذا\rالوجه الثاني : أن الذات المتحدة بناسوت المسيح مع ناسوت المسيح إن كانتا بعد الاتحاد ذاتين وهما جوهران كما كانا قبل الاتحاد فليس ذلك باتحاد\rوإن قيل صارا جوهرا واحدا كما يقول من يقول منهم إنهما صارا كالنار مع الحديدة أو اللبن مع الماء فهذا يستلزم استحالة كل منهما وانقلاب صفة كل منهما بل حقيقته كما استحال الماء واللبن إذا اختلطا والنار مع الحديدة وحينئذ فيلزم أن يكون اللاهوت استحال وتبدلت صفته وحقيقته والاستحالة لا تكون إلا بعدم شيء ووجود آخر فيلزم عدم شيء من القديم الواجب الوجود بنفسه","part":13,"page":297},{"id":5530,"text":"وما وجب قدمه استحال عدمه وما وجب وجوده امتنع عدمه فإن القديم لا يكون قديما إلا لوجوبه بنفسه أو لكونه لازما للواجب بنفسه إذ لو لم يكن لازما له بل كان غير لازم له لم يكن قديما بقدمه والواجب بنفسه يمتنع عدمه ولازمه لا يعدم إلا بعدمه فإنه يلزم من انتفاء اللازم انتفاء الملزوم\rالوجه الثالث : أن يقال الناس لهم في كلام الله عز وجل عدة أقوال وقول النصارى باطل على جميع الأقوال التي قالها الناس في كلام الله فثبت بطلانه على كل تقدير وذلك أن كلام الله سبحانه إما أن يكون صفة له قائما به وإما أن يكون مخلوقا له بائنا عنه وإما أن يكون لا هذا ولا هذا بل هو ما يوجد في النفوس وهذا الثالث هو أبعد الأقوال عن أقوال الأنبياء وهو قول من يقول من الفلاسفة والصابئة إن الرب لا تقوم به الصفات وليس هو خالقا باختياره\rويقولون مع ذلك إنه ليس عالما بالجزئيات ولا قادرا على تغيير الأفلاك بل كلامه عندهم ما يفيض على النفوس وربما سموه كلاما بلسان الحال\rوهؤلاء ينفون الكلام عن الله ويقولون ليس بمتكلم وقد يقولون متكلم مجازا لكن لما نطقت به الأنبياء عليهم الصلاة والسلام أطلقه من دخل في الملل منهم ثم فسره بمثل هذا وهذا أحد قولي الجهمية\rوالقول الثاني : أنه متكلم حقيقة لكن كلامه مخلوق خلقه في غيره وهو قول المعتزلة وغيرهم والقول الآخر للجهمية\rوعلى هذين القولين فليس لله كلام قائم به حتى يتحد بالمسيح أو يحل به والمخلوق عرض من الأعراض ليس بإله خالق وكثير من أهل الكتاب اليهود والنصارى من يقول بهذا وهذا\rوأما القول الأول : وهو قول سلف الأئمة وأئمتها وجمهورها وقول كثير من سلف أهل الكتاب وجمهورهم فإما أن يقال الكلام قديم النوع بمعنى أنه لم يزل يتكلم بمشيئته أو قديم العين وإما أن يقال ليس بقديم بل هو حادث والأول هو القول المعروف عن أئمة السنة والحديث","part":13,"page":298},{"id":5531,"text":"وأما القائلون بقدم العين فهم يقولون الكلام لا يتعلق بمشيئته وقدرته لاعتقادهم أنه لا تحله الحوادث وما كان بمشيئته وقدرته لا يكون إلا حادثا\rولهم قولان منهم قال القديم معنى واحد أو خمسة معان وذلك المعنى يكون أمرا ونهيا وخبرا وهذه صفات له لا أقسام له وإن عبر عنه بالعربية كان قرآنا وإن عبر عنه بالعبرية كان توراة\rومنهم من قال هو حروف أو حروف وأصوات قديمة الأعيان\rوالقول الثالث : إنه متكلم بمشيئته وقدرته كلاما قائما بذاته قالوا وهو حادث ويمتنع أن يكون قديما لامتناع كون المقدور\rالمراد قديما وهذه الطوائف بنوا أقوالهم على أن ما لم يخل عن الحوادث فهو حادث لامتناع وجود ما لا نهاية له عندهم وإذا امتنع ذلك تعين أن يكون لنوع الحوادث ابتداء كما للحادث المعنى ابتداء ولم يسبق الحوادث كان معه أو بعده فيكون حادثا فلهذا منع هؤلاء أن تكون كلمات الله لا نهاية لها في الأزل وإن كان من هؤلاء من يقول بدوام وجودها في الأبد\rوأما القول بأن كلمات الله لا نهاية لها مع أنها قائمة بذاته فهو القول المأثور عن أئمة السلف وهو قول أكثر أهل الحديث وكثير من أهل الكلام ومن الفلاسفة وهذه الأقوال قد بسط الكلام عليها في غير موضع\rوالمقصود هنا أن قول النصارى باطل على كل قول من هذه الأقوال الأربعة كما تقدم بيان بطلانه على ذينك القولين فإنه على قول الجمهور الذين يجعلون لله كلمات كثيرة إما كلمات لا نهاية لها ولم تزل وإما كلمات لها ابتداء وإذا كان له كلمات كثيرة فالمسيح ليس هو الكلمات التي لا نهاية لها وليس هو كلمات كثيرة بل إنما خلق بكلمة من كلمات الله كما في الكتب الإلهية القرآن والتوراة إنه يخلق الأشياء بكلماته\rقال تعالى في قصة بشارة مريم بالمسيح\r{قالت رب أنى يكون لي ولد ولم يمسسني بشر قال كذلك الله يخلق ما يشاء إذا قضى أمرا فإنما يقول له كن فيكون}\rوقال أيضا\r{إن مثل عيسى عند الله كمثل آدم خلقه من تراب ثم قال له كن فيكون}","part":13,"page":299},{"id":5532,"text":"وقال {ذلك عيسى ابن مريم قول الحق الذي فيه يمترون ما كان لله أن يتخذ من ولد سبحانه إذا قضى أمرا فإنما يقول له كن فيكون}\rوقد أخبر الله في القرآن بخلقه للأشياء بكلماته في غير موضع بقوله\r{إنما أمره إذا أراد شيئا أن يقول له كن فيكون}\rوفي التوراة ليكن يوم الأحد ليكن كذا ليكن كذا\rوأيضا فعلى قول هؤلاء وعلى قول من يجعل كلامه إما معنى واحدا وإما خمسة معاني وإما حروف وأصوات هي شيء واحد فكلهم يقولون إن الكلام صفة قائمة بالموصوف لا يتصور أن يكون جوهرا قائما بنفسه ولا يتصور أن يكون خالقا ولا للكلام مشيئة ولا هو جوهر آخر غير جوهر المتكلم ولا يتحد بغير المتكلم بل جمهورهم يقولون إنه لا يحل أيضا بغير المتكلم\rومن قال بالحلول منهم فلا يقول إن الحال جوهر ولا إله خالق فتبين أن ما قاله النصارى باطل على جميع الأقوال التي قالها الناس\rفي كلام الله مع أن أكثر هذه الأقوال خطأ ولما كان قول النصارى فساده أظهر للعقلاء كان الخطأ الذي في أكثر هذه الأقوال قد خفي على العقلاء الذين قالوها ولم يخف عليهم فساد قول النصارى\rوأيضا فالذين قالوا بالحلول من الغلاة الذين يكفرهم المسلمون كالذين يقولون بحلوله في بعض أهل البيت أو بعض المشايخ هم وإن كانوا كفارا شاركوا النصارى في الحلول ولكن لم يقولوا أن الكلمة التي حلت هي الإله الخالق فيتناقضون تناقضا ظاهرا مثل ما في قول النصارى من التناقض البين ما ليس في قول هؤلاء وإن كانوا في بعض الوجوه قولهم شر من قول النصارى\rالوجه الرابع : أن يقال لو كان المسيح نفس كلمة الله فكلمة الله ليست هي الإله الخالق للسماوات والأرض ولا هي تغفر الذنوب وتجزي الناس بأعمالهم سواء كانت كلمته صفة له أو مخلوقة له كسائر صفاته ومخلوقاته فإن علم الله وقدرته وحياته لم تخلق العالم ولا يقول أحد يا علم الله اغفر لي ويا قدرة الله توبي علي ويا كلام الله ارحمني ولا يقول يا توراة الله","part":13,"page":300},{"id":5533,"text":"أو يا إنجيله أو يا قرآنه اغفر لي وارحمني وإنما يدعو الله سبحانه وهو سبحانه متصف بصفات الكمال فكيف والمسيح ليس هو نفس الكلام\rفإن المسيح جوهر قائم بنفسه والكلام صفة قائمة بالمتكلم وليس هو نفس الرب المتكلم فإن الرب المتكلم هو الذي يسمونه الأب والمسيح ليس هو الأب عندهم بل الابن فضلوا في قولهم من جهات\rمنها جعل الأقانيم ثلاثة وصفات الله لا تختص بثلاثة\rومنها جعل الصفة خالقة والصفة لا تخلق\rومنها جعلهم المسيح نفس الكلمة والمسيح خلق بالكلمة فقيل له كن فكان كما سيأتي إن شاء الله تعالى تفسير ذلك وإنما خص المسيح بتسميته كلمة الله دون سائر البشر لأن سائر البشر خلقوا على الوجه المعتاد في المخلوقات يخلق الواحد من ذرية آدم من نطفة ثم علقة ثم مضغة ثم ينفخ فيه الروح وخلقوا من ماء الأبوين الأب والأم\rوالمسيح عليه السلام لم يخلق من ماء رجل بل لما نفخ روح القدس في أمه حبلت به وقال الله كن فكان ولهذا شبهه الله بآدم في قوله\r{إن مثل عيسى عند الله كمثل آدم خلقه من تراب ثم قال له كن فيكون}\rفإن آدم عليه السلام خلق من تراب وماء فصار طينا ثم أيبس الطين ثم قال له كن فكان وهو حين نفخ الروح فيه صار بشرا تاما لم يحتج بعد ذلك إلى ما احتاج إليه أولاده بعد نفخ الروح فإن الجنين بعد نفخ الروح يكمل خلق جسده في بطن أمه فيبقى في بطنها نحو خمسة أشهر ثم يخرج طفلا يرتضع ثم يكبر شيئا بعد شيء وآدم عليه السلام حين خلق جسده قيل له كن فكان بشرا تاما بنفخ الروح فيه ولكن لم يسم كلمة الله لأن جسده خلق من التراب والماء وبقي مدة طويلة يقال أربعين سنة فلم يكن خلق جسده إبداعيا في وقت واحد بل خلق شيئا فشيئا وخلق الحيوان من الطين معتاد في الجملة","part":13,"page":301},{"id":5534,"text":"وأما المسيح عليه السلام فخلق جسده خلقا إبداعيا بنفس نفخ روح القدس في أمه قيل له كن فكان فكان له من الاختصاص بكونه خلق بكلمة الله ما لم يكن لغيره من البشر ومن الأمر المعتاد في لغة العرب وغيرهم أن الاسم العام إذا كان له نوعان خصت أحد النوعين باسم وأبقت الاسم العام مختصا بالنوع كلفظ الدابة والحيوان فإنه عام في كل ما يدب وكل حيوان ثم لما كان للآدمي اسم يخصه\rبقي لفظ الحيوان يختص به البهيم ولفظ الدابة يختص به الخيل أو هي والبغال والحمير ونحو ذلك وكذلك لفظ الجائز والممكن وذوي الأرحام وأمثال ذلك فلما كان لغير المسيح ما يختص به أبقي اسم الكلمة العامة مختصا بالمسيح\rالطريق الثاني أن ما ذكروه حجة عليهم فإن الله إذا لم يكلم أحد من الأنبياء إلا وحيا أو من وراء حجاب فالمسيح عيسى بن مريم يجب أن لا يكلمه إلا وحيا أو من وراء حجاب أو يرسل إليه رسولا\rوقوله تعالى\r{وما كان لبشر أن يكلمه الله إلا وحيا أو من وراء حجاب}\rيعم كل بشر المسيح وغيره\rوإذا امتنع أن يكلمه الله إلا وحيا أو من وراء حجاب فامتناع أن يتحد به أو يحل فيه أولى وأحرى\rفإن ما اتحد به وحل فيه كلمة الله من غير حجاب بين اللاهوت والناسوت وهم قد سلموا أن الله لا يكلم بشرا إلا من وراء حجاب\rالوجه الثالث أن قوله\r{وما كان لبشر أن يكلمه الله إلا وحيا أو من وراء حجاب}\rيقتضي أن يكون الحجاب حجابا يحجب البشر كما حجب موسى فيقتضي ذلك أنهم لا يرونه في الدنيا وإن كلمهم كما أنه كلم موسى ولم يره موسى بل سأل الرؤية فقال\r{قال رب أرني أنظر إليك قال لن تراني ولكن انظر إلى الجبل فإن استقر مكانه فسوف تراني فلما تجلى ربه للجبل جعله دكا وخر موسى صعقا فلما أفاق قال سبحانك تبت إليك وأنا أول المؤمنين}\rقيل أنا أول من آمن أنه لا يراك أحد في الدنيا وعندهم في التوراة أن الإنسان لا يمكنه أن يرى الله في الدنيا فيعيش","part":13,"page":302},{"id":5535,"text":"وكذلك قال عيسى لما سألوه عن رؤية الله فقال إن الله لم يره أحد قط وهذا معروف عندهم وإذا كان كذلك فلا بد أن يكون الحجاب الحاجب للبشر ليس هو من البشر وهذا يبطل قول النصارى فإنهم يقولون إن الرب احتجب بحجاب بشري وهو الجسد الذي ولدته مريم فاتخذه حجابا وكلم الناس من ورائه والقرآن يدل على أن الحجاب ليس من البشر\rيبين هذا الوجه الرابع وهو أن ذلك الجسد الذي ولدته مريم هو من جنس أجسام بني آدم فإن جاز أن يتحد به ويحل فيه ويطيق الجسد البشري ذلك في الدنيا بما يجعله الله فيه من القوة جاز أن يتحد بغيره من الأجسام بما يجعله فيها من القوة وإذا جاز أن يتحد بها جاز أن يكلمها بغير حجاب بينه وبينها بطريق الأولى والأحرى وهذا خلاف ما ذكروه وخلاف القرآن\rفتبين أن نفي الأنبياء لأن يراه المرء في الدنيا هو نفي لمماسته ببشر بطريق الأولى والأحرى والناسوت المسيحي هو بشر فإذا لم يمكنه أن يرى الله فكيف يمكنه أن يتحد به ويماسه ويصير هو وإياه كاللبن والماء والنار والحديد أو كالروح والبدن\rالوجه الخامس : أنه من المعلوم أن رؤية الآدمي له أيسر من\rاتحاده به وحلوله فيه وأولى بالإمكان فإذا كانت الرؤية في الدنيا قد نفاها الله ومنعها على ألسن رسله موسى وعيسى ومحمد صلوات الله عليهم وسلامه فكيف يجوز اتصاله بالبشر واتحاده به\rالوجه السادس أنه لو كان حلوله في البشر مما هو ممكن وواقع لم يكن لاختصاص واحد من البشر بذلك دون من قبله وبعده معنى فإن القدرة شاملة والمقتضى وهو وجود الله وحاجة الخلق موجودة ولهذا لما كانت الرسالة ممكنة أرسل من البشر غير واحد ولما كان سماع كلامه للبشر ممكنا سمع كلامه غير واحد ورؤيته في الدنيا بالأبصار لم تقع لأحد باتفاق علماء المسلمين لكن لهم في النبي قولان والذي عليه أكابر العلماء وجمهورهم أنه لم يره بعينه كما دل على ذلك الكتاب والسنة","part":13,"page":303},{"id":5536,"text":"والخلة لما كانت ممكنة اتخذ إبراهيم خليلا واتخذ محمد أيضا خليلا كما في الصحيح من غير وجه عن النبي أنه قال إن الله اتخذني خليلا كما اتخذ إبراهيم خليلا وقال لو كنت متخذا من أهل الأرض خليلا\rلاتخذت أبا بكر خليلا ولكن صاحبكم خليل الله يعني نفسه\rالوجه السابع : قولهم وإذا كانت اللطائف لا تظهر إلا في الكثائف مثل الروح وغيرها فكلمة الله التي بها خلقت الكثائف تظهر في غير كثيف كلا\rفيقال لهم ظهور اللطائف في الكثائف كلام مجمل فإن أردتم أن روح الإنسان تظهر في جسده أو الجني يتكلم على لسان المصروع ونحو ذلك فليس هذا مما نحن فيه وإن أردتم أن الله تعالى نفسه يحل في البشر فهذا محل النزاع فأين الدليل عليه وأنتم لم تذكروا إلا ما يدل على نقيض ذلك\rالوجه الثامن أن هذا أمر لم يدل عليه عقل ولا نقل ولا نطق نبي من الأنبياء بأن الله يحل في بشر ولا ادعى صادق قط حلول الرب فيه وإنما يدعي ذلك الكذابون كالمسيح الدجال الذي يظهر في آخر الزمان ويدعي الإلهية فينزل الله تبارك وتعالى عيسى ابن مريم\rمسيح الهدى فيقتل مسيح الهدى الذي ادعيت فيه الإلهية بالباطل المسيح الدجال الذي ادعى الإلهية بالباطل ويبين أن البشر لا يحل فيه رب العالمين\rولهذا لما أنذر النبي بالمسيح الدجال وقال\rما من نبي إلا وقد أنذر أمته المسيح الدجال حتى نوح أنذر قومه به\rوذكر النبي له ثلاث دلائل ظاهرة تظهر لكل مسلم تبين كذبه\rأحدها قوله\rمكتوب بين عينيه كافر {ك ف ر} يقرأه كل مؤمن قارىء وغير قارىء\rالثاني قوله واعلموا أن أحدا منكم لن يرى ربه حتى يموت فبين أن الله لا يراه أحد في الدنيا بعينيه وكل بشر فإنه يرى في الدنيا بالعين فعلم أن الله لا يتحد ببشر\rالثالث قوله أنه أعور وأن ربكم ليس بأعور ودلائل نفي الربوبية عنه كثيرة","part":13,"page":304},{"id":5537,"text":"لكن لما كان حلول اللاهوت في البشر واتخاذه به مذهبا ضل به طوائف كثيرون من بني آدم النصارى وغيرهم وكان المسيح الدجال يأتي بخوارق عظيمة والنصارى احتجوا على إلهية المسيح بمثل ذلك ذكر النبي من علامات كذبه أمورا ظاهرة لا يحتاج فيها إلى بيان موارد النزاع التي ضل فيها خلق كثير من الآدميين فإن كثيرا من الناس بل أكثرهم تدهشهم الخوارق حتى يصدقوا صاحبها قبل النظر في إمكان دعواه وإذا صدقوه صدقوا النصارى في دعوى إلهية المسيح وصدقوا أيضا من ادعى الحلول\rوالاتحاد في بعض المشايخ أو بعض أهل البيت أو غيرهم من أهل الإفك والفجور\rوبهذا يظهر الجواب عما يورده بعض أهل الكلام كالرازي على هذا الحديث حيث قالوا دلائل كون الدجال ليس هو الله ظاهرة فكيف يحتج النبي على ذلك بقوله إنه أعور وإن ربكم ليس بأعور وهذا السؤال يدل على جهل قائله بما يقع فيه بنو آدم من الضلال وبالأدلة البينة التي تبين فساد الأقوال الباطلة وإلا فإذا كان بنو إسرائيل في عهد موسى ظنوا أن العجل هو إله موسى فقالوا هذا إلهكم وإله موسى وظنوا أن موسى نسيه\rوالنصارى مع كثرتهم يقولون إن المسيح هو الله وفي المنتسبين إلى القبلة خلق كثير يقولون ذلك في كثير من المشايخ وأهل البيت حتى إن كثيرا من أكابر شيوخ المعرفة والتصوف يجعلون هذا نهاية التحقيق والتوحيد وهو أن يكون الموحد هو الموحد وينشدون ... ما وحد الواحد من واحد ... إذ كل من وحده جاحد ...\r... توحيد من يخبر عن نعته ... عارية أبطلها الواحد ...\r... توحيده إياه توحيده ... ونعت من ينعته لاحد ...\rفكيف يستبعد مع إظهار الدجال هذه الخوارق العظيمة أن يعتقد فيه أنه الله وهو يقول أنا الله وقد اعتقد ذلك فيمن لم يظهر فيه مثل خوارقه من الكذابين وفيمن لم يقل أنا الله كالمسيح وسائر الأنبياء والصالحين","part":13,"page":305},{"id":5538,"text":"الوجه التاسع : قولهم فكلمة الله التي بها خلقت اللطائف تظهر في غير كثيف كلا فيقال لهم كلمة الله التي يدعون ظهورها في المسيح أهي كلام الله الذي هو صفته أو ذات الله المتكلمة أو مجموعها فإن قلتم الظاهر فيه نفس الكلام فهذا يراد به شيئان\rإن أريد به أن الله أنزل كلامه على المسيح كما أنزله على غيره من الرسل فهذا حق اتفق عليه أهل الإيمان ونطق به القرآن\rوإن أريد به أن كلام الله فارق ذاته وحل في المسيح أو غيره فهو باطل مع أن هذا لاينفع النصارى فإن المسيح عندهم إله خلق السماوات والأرض وهو عندهم ابن آدم وخالق آدم وابن مريم وخالق مريم ابنها بناسوته وخالقها بلاهوته\rوإن أرادوا بظهور الكلمة ظهور ذات الله أو ظهور ذاته وكلامه في الكثيف الذي هو الإنسان فهذا أيضا يراد به ظهور نوره في قلوب المؤمنين كما قال تعالى\rالله نور السماوات والأرض إلى قوله كوكب دري الآية\rوكما ظهر الله من طور سيناء وأشرق من ساعير واستعلن من\rجبال فاران وكما تجلى لإبراهيم كما ذكره في التوراة فهذا لا يختص بالمسيح بل هو لغيره كما هو له\rوإن أرادوا أن ذات الرب حلت في المسيح أو في غيره فهذا محل النزاع فأين دليلهم على إمكان ذلك ثم وقوعه مع أن جماهير العقلاء من أهل الملل وغيرهم يقولون هذا غير واقع بل هو ممتنع\rالوجه العاشر : قولهم فكلمة الله التي بها خلقت اللطائف تظهر في غير كثيف كلا كلام باطل\rفإن ظهور ما يظهر من الأمور الإلهية إذا أمكن ظهوره فظهوره في اللطيف أولى من ظهوره في الكثيف فإن الملائكة تنزل بالوحي على الأنبياء عليهم السلام وتتلقى كلام الله من الله وتنزل به على الأنبياء عليهم السلام فيكون وصول كلام الله إلى ملائكة قبل وصوله إلى البشر وهم الوسائط","part":13,"page":306},{"id":5539,"text":"كما قال تعالى {أو يرسل رسولا فيوحي بإذنه ما يشاء}\rوالله تعالى أيد رسله من البشر حتى أطاقوا التلقي عن الملائكة وكانت الملائكة تأتيهم أحيانا في غير الصورة البشرية وأحيانا في الصورة البشرية فكان ظهور الأمور الإلهية باللطائف ووصولها إليهم أولى منه بالكثائف ولو جاز أن يتحد الرب سبحانه بحي من الأحياء ويحل فيه لكان حلوله في ملك من الملائكة واتحاده به أولى من حلوله واتحاده بواحد من البشر\rالوجه الحادي عشر : أن الناسوت المسيحي عندهم الذي اتحد به هو البدن والروح معا فإن المسيح كان له بدن وروح كما لسائر البشر واتحد به عندهم اللاهوت فهو عندهم اسم يقع على بدن وروح آدميين وعلى اللاهوت وحينئذ فاللاهوت على رأيهم إنما اتحد في لطيف وهو الروح وكثيف وهو البدن لم يظهر في كثيف فقط ولولا اللطيف الذي كان مع الكثيف وهو الروح لم يكن للكثيف فضيلة ولا شرف\rالوجه الثاني عشر : أنهم يشبهون اتحاد اللاهوت بالناسوت باتحاد الروح بالبدن كما شبهوا هنا ظهوره فيه بظهور الروح في البدن وحينئذ فمن المعلوم أن ما يصيب البدن من الآلام تتألم به الروح وما تتألم به الروح يتألم به البدن فيلزمهم أن يكون الناسوت لما صلب وتألم وتوجع الوجع الشديد كان اللاهوت أيضا متألما متوجعا وقد خاطبت بهذا بعض النصارى فقال لي الروح بسيطة أي لا يلحقها ألم فقلت له فما تقول في أرواح الكفار بعد الموت أمنعمة أو معذبة فقال هي في العذاب فقلت فعلم أن الروح المفارقة تنعم وتعذب فإذا\rشبهتم اللاهوت في الناسوت بالروح في البدن لزم أن تتألم إذا تألم الناسوت كما تتألم الروح إذا تألم البدن فاعترف هو وغيره بلزوم ذلك\rالوجه الثالث عشر : أن قولهم وإذا كانت اللطائف لاتظهر إلا في الكثائف فكلمة الله لا تظهر إلا في كثيف كلا","part":13,"page":307},{"id":5540,"text":"تركيب فاسد لا دلالة فيه وإنما يدل إذا بينوا أن كل لطيف يظهر في كثيف ولا يظهر في غيره حتى يقال فلهذا ظهر الله في كثيف ولم يظهر في لطيف وإلا فإذا قيل إنه لا يحل لا في لطيف ولا كثيف أو قيل إنه يحل فيهما بطل قولهم بوجوب حلوله في المسيح الكثيف دون اللطيف وهم لم يؤلفوا الحجة تأليفا منتجا ولا دلوا على مقدماتها بدليل فلا أتوا بصورة الدليل ولا مادته بل مغاليط لا تروج إلا على جاهل يقلدهم\rولا يلزم من حلول الروح في البدن أن يحل كل شيء في البدن بل هذه دعوى مجردة فأرواح بني آدم تظهر في أبدانهم ولا تظهر في أبدان البهائم بل ولا في الجن والملائكة تتصور في صورة الآدميين وكذلك الجن والإنسان لا يظهر في غير صورة الإنسان فأي دليل من كلامهم على أن الرب يحل في الإنسان الكثيف ولا يحل في اللطيف\rوالقوم شرعوا يحتجون على تجسيم كلمة الله الخالقة فقالوا وأما تجسيم كلمة الله الخالقة بإنسان مخلوق وولادتهما معا أي الكلمة مع\rالناسوت فإن الله لم يكلم أحدا من الأنبياء إلا وحيا أو من وراء حجاب وليس فيما ذكروه قط دلالة لا قطعية ولا ظنية على تجسيم كلمة الله الخالقة وولادتها مع الناسوت\rالوجه الرابع عشر : أنهم قالوا وأما تجسيم كلمة الله الخالقة ثم قالوا فكلمة الله التي بها خلقت اللطائف فتارة يجعلونها خالقة وتارة يجعلونها مخلوقا بها ومعلوم أن الخالق ليس هو المخلوق به والمخلوق به ليس هو الخالق فإن كانت الكلمة خالقة فهي خلقت الأشياء ولم تخلق الأشياء بها وإن كانت الأشياء خلقت بها فلم تخلق الأشياء بل خلقت الأشياء بها ولو قالوا إن الأشياء خلق بها بمعنى أن الله إذا أراد أمرا فإنما يقول له كن فيكون لكان هذا حقا لكنهم يجعلونها خالقة مع قولهم بما يناقض ذلك","part":13,"page":308},{"id":5541,"text":"الوجه الخامس عشر : أن يقال لهم إذا كان الله لم يخاطب بشرا إلا وحيا أو من وراء حجاب أو يرسل رسولا فيوحي بإذنه ما يشاء فتكليمه للبشر بالوحي ومن وراء حجاب كما كلم موسى وبإرسال ملك كما أرسل الملائكة إما أن يكون كافيا في حصول مراد الرب من الرسالة إلى عباده أو ليس كافيا بل لا بد من حلوله نفسه في بشر فإن كان ذلك كافيا أمكن أن يكون المسيح مثل غيره فيوحي الله إليه أو يرسل إليه ملكا فيوحي بإذن الله ما يشاء أو يكلمه من وراء حجاب كما كلم\rموسى وحينئذ فلا حاجة به إلى اتحاده ببشر مخلوق وإن كان التكلم ليس كافيا وجب أن يتحد بسائر الأنبياء كما اتحد بالمسيح فيتحد بنوح وإبراهيم وموسى وداود وغيرهم يبين هذا\rالوجه السادس عشر : وهو أنه من المعلوم أن الأنبياء الذين كانوا قبل المسيح أفضل من عوام النصارى الذين كانوا بعد المسيح وأفضل من اليهود الذين كذبوا المسيح فإذا كان الرب قد يفضل باتحاده في المسيح حتى كلم عباده بنفسه فيتحد بالمسيح محتجبا ببدنه الكثيف وكلم بنفسه اليهود المكذبين للمسيح وعوام النصارى وسائر من كلمه المسيح فكان أن يكلم من هم أفضل من هؤلاء من الأنبياء والصالحين بنفسه أولى وأحرى مثل أن يتحد بإبراهيم الخليل فيكلم إسحاق ويعقوب ولوطا محتجبا ببدن الخليل أو يتحد بيعقوب فيكلم أولاده أو غيرهم محتجبا ببدن يعقوب أو يتحد بموسى بن عمران فيكلم هارون ويوشع بن نون وغيرهما محتجبا ببدن موسى فإذا كان هو سبحانه لم يفعل ذلك إما لامتناع ذلك وإما لأن عزته وحكمته اعلى من ذلك مع عدم الحاجة إلى ذلك علم أنه لا يفعل ذلك في المسيح بطريق الأولى والأحرى\rالوجه السابع عشر : أنه إذا أمكنه أن يتحد ببشر فاتحاده بملك من الملائكة أولى وأحرى وحينئذ فقد كان اتحاده بجبريل الذي أرسله إلى الأنبياء أولى من اتحاده ببشر يخاطب اليهود وعوام النصارى. أ هـ { الجواب الصحيح حـ 3 صـ 299 ـ 324}","part":13,"page":309},{"id":5542,"text":"قوله تعالى { فَلَمَّا أَحَسَّ عِيسَى مِنْهُمُ الْكُفْرَ قَالَ مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصَارُ اللَّهِ آَمَنَّا بِاللَّهِ وَاشْهَدْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ (52)}\rمناسبة الآية لما قبلها\rقال البقاعى :\rولما ختم سبحانه وتعالى هذه البشارة بالآية القاطعة القويمة الجامعة ، وكان قوله : في أول السورة {يصوركم في الأرحام كيف يشاء} وقوله هنا {يخلق ما يشاء} مغنياً عن ذكر حملها ، طواه وأرشد السياق حتماً إلى أن التقدير : فصدق الله فيما قال لها ، فحملت به من غير ذكر فولدته - على ما قال سبحانه وتعالى - وجيهاً وكلم الناس في المهد وبعده ، وعلمه الكتاب والحكمة وأرسله إلى بني إسرائيل ، فأتم لهم الدلائل ونفى الشبه على ما أمره به الذي أرسله سبحانه وتعالى وعلموا أنه ناسخ لا مقرر ، فتابعه قوم وخالفه آخرون فغطوا جميع الآيات وأعرضوا عن الهدى والبينات ، ونصبوا له الأشراك والحبائل وبغوه الدواهي والغوائل ، فضلوا على علم وظهر منهم الكفر البين واعوجوا عن الصراط المستقيم عطف عليه قوله مسلياً لهذا النبي الكريم صلى الله عليه وسلم : {فلما أحس} قال الحرالي : من الإحساس وهو منال الأمر بادراً إلى العلم والشعور الوجداني - انتهى {عيسى منهم الكفر} أي علمه علم من شاهد الشيء بالحس ورأى مكرهم على ذلك يتزايد وعنادهم يتكاثر بعد أن علم كفرهم علماً لا مرية فيه ، فاستغاث بالأنصار وعلم أن منجنون الحرب قد دار ، فعزم على إلحاقهم دار البوار {قال من أنصاري }.\rولما كان المقصود ثبات الأنصار معه إلى أن يتم أمره عبر عن ذلك بصلة دلت على تضمين هذه الكلمة كلمة توافق الصلة فقال : {إلى} أي سائرين أو واصلين معي بنصرهم إلى {الله} أي الملك الأعظم {قال الحواريون} قال الحرالي : جمع حواري وهو المستخلص نفسه في نصرة من تحق نصرته بما كان من إيثاره على نفسه بصفاء وإخلاص لا كدر فيه ولا شوب - انتهى.","part":13,"page":310},{"id":5543,"text":"وهو مصروف لأن ياءه عارضة {نحن أنصار الله} أي الذي أرسلك وأقدرك على ما تأتي به من الآيات ، فهو المحيط بكل شيء عزة وعلماً ، ثم صححوا النصرة وحققوا بأن عللوا بقولهم : {آمنا بالله} أي على ما له من صفات الكمال ، ثم أكدوا ذلك بقولهم مخاطبين لعيسى عليه الصلاة والسلام رسولهم أكمل الخق إذ ذاك : {واشهد بأنا مسلمون} أي منقادون لجميع ما تأمرنا به كما هو حق من آمن لتكون شهادتك علينا أجدر لثباتنا ولتشهد لنا بها يوم القيامة. أ هـ {نظم الدرر حـ 2 صـ 96 ـ 97}\rوقال الفخر : \rاعلم أنه تعالى لما حكى بشارة مريم بولد مثل عيسى واستقصى في بيان صفاته وشرح معجزاته وترك ههنا قصة ولادته ، وقد ذكرها في سورة مريم على الاستقصاء ، شرع في بيان أن عيسى لما شرح لهم تلك المعجزات ، وأظهر لهم تلك الدلائل فهم بماذا عاملوه فقال تعالى : {فَلَمَّا أَحَسَّ عيسى مِنْهُمُ}. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 8 صـ 53 ـ 54}","part":13,"page":311},{"id":5544,"text":"وقال الآلوسى :\r{ فَلَمَّا أَحَسَّ عيسى مِنْهُمُ الكفر } شروع في بيان مآل أحواله عليه السلام ، وقيل : يحتمل أن يكون كله من قبل الملائكة شرحاً لطرف منها داخلاً تحت القول ، ويحتمل أن يكون الكلام قد تم عند قوله تعالى : { وَرَسُولاً إلى بَنِى إسرائيل } [ آل عمران : 49 ] ولا يكون { أَنّى قَدْ جِئْتُكُمْ } [ آل عمران : 49 ] متعلقاً بما قبله ، ولا يكون داخلاً تحت القول ويكون المحذوف هناك فجاء عيسى كما بشر الله تعالى رسولاً إلى بني إسرائيل بأني قد جئتكم بآية من ربكم الآية ، والفاء هنا مفصحة بمثل القدر هناك على التقدير الثاني ، وأصل الإحساس الإدراك بإحدى الحواس الخمس الظاهرة وقد استعير هنا استعارة تبعية للعلم بلا شبهة ، وقيل : إنه مجاز مرسل عن ذلك من باب ذكر الملزوم وإرادة اللازم والداعي لذلك أن الكفر مما لا يحس ، والقول بأن المراد إحساس آثار الكفر ليس بشيء ، والمراد من الكفر إصرارهم عليه وعتوهم فيه مع العزيمة على إيقاع مكروه به عليه السلام ، وقد صح أنه عليه السلام لقي من اليهود قاتلهم الله تعالى شدائد كثيرة.","part":13,"page":312},{"id":5545,"text":"أخرج إسحق بن بشر وابن عساكر من طرق عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال : \"كان اليهود يجتمعون على عيسى عليه السلام ويستهزءون به ويقولون له : يا عيسى ما أكل فلان البارحة وما ادخر في بيته لغد ؟ ا فيخبرهم ويسخرون منه حتى طال ذلك به وبهم وكان عيسى عليه السلام ليس له قرار ولا موضع يعرف إنما هو سائح في الأرض فمر ذات يوم بامرأة قاعدة عند قبر وهي تبكي فسألها فقالت : ماتت ابنة لي لم يكن لي ولد غيرها فصلى عيسى ركعتين ثم نادى يا فلانة قومي بإذن الرحمن فاخرجي فتحرك القبر ثم نادى الثانية فانصدع القبر. ثم نادى الثالثة فخرجت وهي تنفض رأسها من التراب فقالت : يا أماه ما حملك على أن أذوق كرب الموت مرتين ؟ يا أماه اصبري واحتسبي فلا حاجة لي في الدنيا يا روح الله سل ربي أن يردني إلى الآخرة وأن يهون عليَّ كرب الموت فدعا ربه فقبضها إليه فاستوت عليها الأرض فبلغ ذلك اليهود فازدادوا عليه غضباً\" وروي عن مجاهد أنهم أرادوا قتله ولذلك استنصر قومه ، ومن لابتداء الغاية متعلق بأحس أي ابتدأ الإحساس من جهتهم ؛ وجوز أبو البقاء أن يتعلق بمحذوف على أنه حال من الكفر أي لما أحس الكفر حال كونه صادراً منهم. أ هـ {روح المعانى حـ 3 صـ 147 ـ 175}\rفصل\rقال ابن عادل :\rالإحساس : الإدراك ببعص الحواسّ الخمس وهي الذوق والشمُّ واللمس والسمع والبصر - يقال : أحسَسْتُ بالشيء وبالشيء وحَسَسْتُه وحَسَسْتُ به ، ويقال : حَسَيْت - بإبدال سينه الثانية ياءً - وأحست بحذف أول سِينيه-.\rقال الشاعر : [ الوافر ]\rسِوَى أنَّ الْعِتَاقَ مِنَ الْمَطَايَا... أحَسْنَ بِهِ فَهُنَّ إلَيْهِ شُوسُ\rقال سيبويه : ومما شَذَّ من المضاعف - يعني في الحَذْف - فشبيه بباب أقمت ، وليس وذلك قولهم أَحَسْتُ وأَحَسْنَ - يريدون : أحسست وأحسَسْنَ ، وكذلك تفعل به في كل بناء يبنى الفعل فيه ولا تصل إليه الحركة ، فإذا قلت : لم أحس ، لم تحذف.","part":13,"page":313},{"id":5546,"text":"وقيل : الإحساس : الوجود والرؤية ، يقال : هل أحْسَسَْ صاحبَك - أي : وجدته ، أو رأيته ؟\rقال أبو العباس المقرئ : ورد لفظ \" الحِسّ \" في القرآن على أربعة أضربٍ :\rالأول : بمعنى الرؤية ، قال تعالى : { فَلَمَّآ أَحَسَّ عيسى مِنْهُمُ الكفر } [ آل عمران : 52 ] وقوله تعالى : { أَحَسُّواْ بَأْسَنَآ } [ الأنبياء : 12 ] أي رأوه. وقوله { هَلْ تُحِسُّ مِنْهُمْ مِّنْ أَحَدٍ } [ مريم : 98 ] أي : هل تَرَى منهم ؟\rالثاني : بمعنى القتل ، قال تعالى : { إِذْ تَحُسُّونَهُمْ بِإِذْنِهِ } [ آل عمران : 152 ] أي : تقتلونهم.\rالثالث : بمعنى البحث ، قال تعالى : { فَتَحَسَّسُواْ مِن يُوسُفَ وَأَخِيهِ } [ يوسف : 87 ].\rالرابع : بمعنى الصوت ، قال تعالى : { لاَ يَسْمَعُونَ حَسِيَسَهَا } [ الأنبياء : 102 ] أي : صَوْتَهَا.\rقوله : { مِّنْهُمْ } فيه وجهان :\rأحدهما : أن يتعلق بـ \" أحَسَّ \" و\" مِنْ \" لابتداء الغاية أي : ابتداء الإحساس من جهتهم.\rالثاني : أنه متعلق بمحذوف ، على أنه حال من الكفر ، أي : أحس الكفر حال كونه صادراً منهم. أ هـ {تفسير ابن عادل حـ 5 صـ 256 ـ 257}\rفصل\rقال الفخر :\rالإحساس عبارة عن وجدان الشيء بالحاسة وههنا وجهان\rأحدهما : أن يجري اللفظ على ظاهره ، وهو أنهم تكلموا بالكفر ، فأحس ذلك بإذنه\rوالثاني : أن نحمله على التأويل ، وهو أن المراد أنه عرف منهم إصرارهم على الكفر ، وعزمهم على قتله ، ولما كان ذلك العلم علماً لا شبهة فيه ، مثل العلم الحاصل من الحواس ، لا جرم عبر عن ذلك العلم بالإحساس. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 8 صـ 54}\rفصل\rقال الفخر :\rاختلفوا في السبب الذي به ظهر كفرهم على وجوه","part":13,"page":314},{"id":5547,"text":"الأول : قال السدي : أنه تعالى لما بعثه رسولاً إلى بني إسرائيل جاءهم ودعاهم إلى دين الله فتمردوا وعصوا فخافهم واختفى عنهم ، وكان أمر عيسى عليه السلام في قومه كأمر محمد صلى الله عليه وسلم وهو بمكة فكان مستضعفاً ، وكان يختفي من بني إسرائيل كما اختفى النبي صلى الله عليه وسلم في الغار ، وفي منازل من آمن به لما أرادوا قتله ، ثم إنه عليه الصلاة والسلام خرج مع أمه يسيحان في الأرض ، فاتفق أنه نزل في قرية على رجل فأحسن ذلك الرجل ضيافته وكان في تلك المدينة ملك جبار فجاء ذلك الرجل يوماً حزيناً ، فسأله عيسى عن السبب فقال : ملك هذه المدينة رجل جبار ومن عادته أنه جعل على كل رجل منا يوماً يطعمه ويسقيه هو وجنوده ، وهذا اليوم نوبتي والأمر متعذر علي ، فلما سمعت مريم عليها السلام ذلك ، قالت : يا بني ادع الله ليكفي ذلك ، فقال : يا أماه إن فعلت ذلك كان شر ، فقالت : قد أحسن وأكرم ولا بد من إكرامه فقال عيسى عليه السلام : إذا قرب مجيء الملك فاملأ قدورك وخوابيك ماء ثم أعلمني ، فلما فعل ذلك دعا الله تعالى فتحول ما في القدور طبيخاً ، وما في الخوابي خمراً ، فلما جاءه الملك أكل وشرب وسأله من أين هذا الخمر ؟ فتعلل الرجل في الجواب فلم يزل الملك يطالبه بذلك حتى أخبره بالواقعة فقال : إن من دعا الله حتى جعل الماء خمراً إذا دعا أن يحيي الله تعالى ولدي لا بد وأن يجاب ، وكان ابنه قد مات قبل ذلك بأيام ، فدعا عيسى عليه السلام وطلب منه ذلك ، فقال عيسى : لا نفعل ، فإنه إن عاش كان شراً ، فقال : ما أبالي ما كان إذا رأيته ، وإن أحييته تركتك على ما تفعل ، فدعا الله عيسى ، فعاش الغلام ، فلما رآه أهل مملكته قد عاش تبادروا بالسلاح واقتتلوا ، وصار أمر عيسى عليه السلام مشهوراً في الخلق ، وقصد اليهود قتله ، وأظهروا الطعن فيه والكفر به.","part":13,"page":315},{"id":5548,"text":"والقول الثاني : إن اليهود كانوا عارفين بأنه هو المسيح المبشر به في التوراة ، وأنه ينسخ دينهم ، فكانوا من أول الأمر طاعنين فيه ، طالبين قتله ، فلما أظهر الدعوة اشتد غضبهم ، وأخذوا في إيذائه وإيحاشه وطلبوا قتله.\rوالقول الثالث : إن عيسى عليه السلام ظن من قومه الذين دعاهم إلى الإيمان أنهم لا يؤمنون به وأن دعوته لا تنجح فيهم فأحب أن يمتحنهم ليتحقق ما ظنه بهم فقال لهم {مَنْ أَنصَارِى إِلَى الله} فما أجابه إلا الحواريون ، فعند ذلك أحس بأن من سوى الحواريين كافرون مصرون على إنكار دينه وطلب قتله. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 8 صـ 54}\rقوله تعالى : {قَالَ مَنْ أَنصَارِى إِلَى الله}\rفصل\rقال الفخر :\rفي الآية أقوال\rالأول : أن عيسى عليه السلام لما دعا بني إسرائيل إلى الدين ، وتمردوا عليه فر منهم وأخذ يسيح في الأرض فمر بجماعة من صيادي السمك ، وكان فيهم شمعون ويعقوب ويوحنا ابنا زيدي وهم من جملة الحواريين الاثنى عشر فقال عيسى عليه السلام : الآن تصيد السمك ، فإن تبعتني صرت بحيث تصيد الناس لحياة الأبد ، فطلبوا منه المعجزة ، وكان شمعون قد رمى شبكته تلك الليلة في الماء فما اصطاد شيئاً فأمره عيسى بإلقاء شبكته في الماء مرة أخرى ، فاجتمع في تلك الشبكة من السمك ما كادت تتمزق منه ، واستعانوا بأهل سفينة أخرى ، وملؤا السفينتين ، فعند ذلك آمنوا بعيسى عليه السلام.\rوالقول الثاني : أن قوله {مَنْ أَنصَارِى إِلَى الله} إنما كان في آخر أمره حين اجتمع اليهود عليه طلباً لقتله ، ثم ههنا احتمالات\rالأول : أن اليهود لما طلبوه للقتل وكان هو في الهرب عنهم قال لأولئك الاثنى عشر من الحواريين : أيكم يحب أن يكون رفيقي في الجنة على أن يلقى عليه شبهي فيقتل مكاني ؟ .","part":13,"page":316},{"id":5549,"text":"فأجابه إلى ذلك بعضهم وفيما تذكره النصارى في إنجيلهم : أن اليهود لما أخذوا عيسى سل شمعون سيفه فضرب به عبداً كان فيهم لرجل من الأحبار عظيم فرمى باذنه ، فقال له عيسى : حسبك ثم أخذ اذن العبد فردها إلى موضعها ، فصارت كما كانت ، والحاصل أن الغرض من طلب النصرة إقدامهم على دفع الشر عنه.\rوالاحتمال الثاني : أنه دعاهم إلى القتال مع القوم لقوله تعالى في سورة أخرى {فآمنت طائفة من بني اسرائيل وكفرت طائفة فأيدنا الذين آمنوا على عدوهم فأصبحوا ظاهرين} [ الصف : 14 ]. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 8 صـ 55}\rقوله تعالى {إِلَى الله}\rقال الفخر :\rفيه وجوه\rالأول : التقدير : من أنصاري حال ذهابي إلى الله أو حال التجائي إلى الله\rوالثاني : التقدير : من أنصاري إلى أن أبين أمر الله تعالى ، وإلى أن أظهر دينه ويكون إلى ههنا غاية كأنه أراد من يثبت على نصرتي إلى أن تتم دعوتي ، ويظهر أمر الله تعالى\rالثالث : قال الأكثرون من أهل اللغة إلى ههنا بمعنى مع قال تعالى : {وَلاَ تَأْكُلُواْ أموالهم إلى أموالكم} [ النساء : 2 ] أي معها ، وقال صلى الله عليه وسلم : \" الذود إلى الذود إبل \" أي مع الذود.","part":13,"page":317},{"id":5550,"text":"قال الزجاج : كلمة {إلى} ليست بمعنى مع فإنك لو قلت ذهب زيد إلى عمرو لم يجز أن تقول : ذهب زيد مع عمرو لأن {إلى} تفيد الغاية و{مَّعَ} تفيد ضم الشيء إلى الشيء ، بل المراد من قولنا أن {إلى} ههنا بمعنى {معَ} هو أنه يفيد فائدتها من حيث أن المراد من يضيف نصرته إلى نصرة الله إياي وكذلك المراد من قوله {وَلاَ تَأْكُلُواْ أموالهم إلى أموالكم} [ النساء : 2 ] أي لا تأكلوا أموالهم مضمومة إلى أموالكم ، وكذلك قوله عليه السلام : \" الذود إلى الذود إبل \" معناه : الذود مضموماً إلى الذود إبل والرابع : أن يكون المعنى من أنصاري فيما يكون قربة إلى الله ووسيلة إليه ، وفي الحديث أنه صلى الله عليه وسلم كان يقول إذا ضحى \" اللّهم منك وإليك \" أي تقرباً إليك ، ويقول الرجل لغيره عند دعائه إياته {إلى} أي انضم إلى ، فكذا ههنا المعنى من أنصاري فيما يكون قربة إلى الله تعالى الخامس : أن يكون {إلى} بمعنى اللام كأنه قال : من أنصاري لله نظيره قوله تعالى : {قُلْ هَلْ مِن شُرَكَائِكُمْ مَّن يَهْدِى إِلَى الحق قُلِ الله يَهْدِى لِلْحَقّ} [ يونس : 35 ] والسادس : تقدير الآية : من أنصاري في سبيل الله.\rو ( إلى ) بمعنى ( في ) جائز ، وهذا قول الحسن. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 8 صـ 55}\rوقال ابن عادل :\rوقد رد أبو البقاء كونَها بمعنى : \" مع \" فقال : [ وقيل : هي بمعنى : \" مع \" ] وليس بشيء ؛ فإن \" إلَى \" لا تصلح أن تكون بمعنى \" مع \" ولا قياس يُعَضِّدُهُ.\rوقيل : إن \" إلَى \" بمعنى اللام من أنصاري لله ؟ كقوله : { يهدي إِلَى الحق } ، كذا قدره الفارسي.\rوقيل : ضمَّن أنصاري معنى الإضافة ، أي : من يضيف نفسه إلى الله في نصرتي ، فيكون \" إلَى الله \" متعلقاً بنفس \" أنصاري \".\rوقيل : متعلق بمحذوف على أنه حال من الياء في \" أنْصَارِي \" أي : مَنْ أنصاري ذَاهِباً إلى الله ملتجِئاً إليه ، قاله الزمخشريُّ.","part":13,"page":318},{"id":5551,"text":"وقيل : التقدير : من أنصاري إلى أن أبَيِّن أمر الله ، وإلى أن أظهر دينه ، ويكون \" إلَى \" هاهنا غاية ؛ كأنه أراد : من يثبت على نصرتي إلى أن تتم دعوتي ، ويظهر أمرُ الله ؟\rوقيل : المعنى : من أنصاري فيما يكون قربة إلى الله ووسيلة إليه ؟\rوفي الحديث : أنه - عليه السلام - كان يقول - إذا ضَحَّى- : \" اللَّهُمَّ مِنْكَ وإلَيْكَ \" أي تقرّبنا إليك. أ هـ {تفسير ابن عادل حـ 5 صـ 258 ـ 289}\rقوله تعالى : {قَالَ الحواريون نَحْنُ أَنْصَارُ الله}\rقال الفخر :\rذكروا في لفظ {الحواري} وجوهاً\rالأول : أن الحواري اسم موضوع لخاصة الرجل ، وخالصته ، ومنه يقال للدقيق حواري ، لأنه هو الخالص منه ، وقال صلى الله عليه وسلم للزبير : \" إنه ابن عمتي ، وحواري من أمتي \" والحواريات من النساء النقيات الألوان والجلود ، فعلى هذا الحواريون هم صفوة الأنبياء الذي خلصوا وأخلصوا في التصديق بهم وفي نصرتهم.\rالقول الثاني : الحواري أصله من الحور ، وهو شدة البياض ، ومنه قيل للدقيق حواري ، ومنه الأحور ، والحور نقاء بياض العين ، وحورت الثياب : بيضتها ، وعلى هذا القول اختلفوا في أن أولئك لم سموا بهذا الاسم ؟ فقال سعيد بن جبير : لبياض ثيابهم ، وقيل كانوا قصارين ، يبيضون الثياب ، وقيل لأن قلوبهم كانت نقية طاهرة من كل نفاق وريبة فسموا بذلك مدحاً لهم ، وإشارة إلى نقاء قلوبهم ، كالثوب الأبيض ، وهذا كما يقال فلان نقي الجيب ، طاهر الذيل ، إذا كان بعيداً عن الأفعال الذميمة ، وفلان دنس الثياب : إذا كان مقدماً على ما لا ينبغي.","part":13,"page":319},{"id":5552,"text":"القول الثالث : قال الضحاك : مرّ عيسى عليه السلام بقوم من الذين كانوا يغسلون الثياب ، فدعاهم إلى الإيمان فآمنوا ، والذي يغسل الثياب يسمى بلغة النبط هواري ، وهو القصار فعربت هذه اللفظة فصارت حواري ، وقال مقاتل بن سليمان : الحواريون : هم القصارون ، وإذا عرفت أصل هذا اللفظ فقد صار بعرف الاستعمال دليلاً على خواص الرجل وبطانته. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 8 صـ 56}\rوقال ابن عادل : \rوالحواريون ، جمع حواري ، وهو النّاصرُ ، وهو مصروفٌ - وإن ماثل \" مفاعل \" ؛ لأن ياء النسب فيه عارضة ومثله حَوَاليّ - وهو المحتال - وهذا بخلاف : قَمَارِيّ وَبخَاتِيّ ، فإنهما ممنوعان من الصرف ، والفرق أن الياء في حواريّ وحواليّ - عارضة ، بخلافها في قَمَاري وبخاتيّ فإنها موجودة - قبل جمعهما - في قولك قُمْريّ وبُخْتِيّ. والحواريّ : الناصر - كما تقدم - ويُسَمَّى كل من تبع نبياً ونصره : حوارياً ؛ تسمية له باسم أولئك ؛ تشبيهاً بهم ، وفي الحديث عنه صلى الله عليه وسلم في الزبير : \" ابن عمتي وحواريّ أمتي \" وفيه أيضاً - \" إنَّ لكل نبي حواريًّا وحواريي الزُّبَيْر \" ، وقال معمر قال قتادة : إن الحواريّين كلهم من قريش : أبو بكر ، وعمر ، وعثمان ، وعلي ، وحمزة ، وجعفر ، وأبو عبيدةِ بن الجراح ، وعثمان بن مَظْعُون وعبد الرحمن بن عوف ، وسعد بن أبي وَقّاصِ وطلحة بن عبيد الله والزبير بن العوامِ - رضي الله عنهم أجمعين. وقيل : الحواريّ : هو صفوة الرجل وخالصته واشتقاقه من جِرتُ الثوب ، أي : أخلصت بياضَه بالغَسْل ، ومنه سُمِّي القَصَّار حوارياً ؛ لتنظيفه الثياب ، وفي التفسير : إن أتباع عيسى كانوا قصارين.\rقال أبو عبيدة : سمي اصحاب عيسى الحواريون للبياض وكانوا قصارين.\rوقال الفرزدق : [ البسيط ]\r1487- فَقُلْتُ : إنَّ الْحَوَارِيَّاتِ مَعْطَبَةٌ... إذَا تَفَتَّلْنَ مِنْ تَحْتِ الْجَلاَبِيْبِ","part":13,"page":320},{"id":5553,"text":"يعني النساء ؛ لبياضهن وصفاء لونهن - ولا سيما المترفِّهات - يقال لهن : الحواريات ، ولذلك قال الزَّمَخْشَريُّ : وحواري الرَّجُلِ : صفوته وخالصته ، ومنه قيل للحضريات : الحواريات ؛ لخلوص ألوانهن ونظافتهن.\r[ وأنشد لأبي حلزة اليشكري ] : [ الطويل ]\rفَقُلْ للحَوَارِيَّاتِ : يبكين غيرَنا... ولا تبكِنا إلا الكلابُ النوابحُ\rومنه سميت الحور العين ؛ لبياضهن ونظافتهن ، والاشتقاق من الحور ، وهو تبيض الثياب وغيرها : \rوقال الضّحّاكُ : هم الغَسَّالون وهم بلغة النبط - وهواري - بالهاء مكان الحاء-.\rقال ابن الأنباري : فمن قال بهذا القول قال : هذا حرف اشتركت فيه لغة العرب ولغة النبطِ وهو قول مقاتل بن سليمان إن الحواريين هم القصارون.\rوقيل : \" هم المجاهدون \" كذا نقله ابنُ الأنباريّ.\rوأنشد : [ الطويل ]\rوَنَحْنُ أُنَاسٌ تَمْلأُ البِيْضُ هَامُنَا... وَنَحْنُ الحَوَارِيُّونَ يَوْمَ نُزَاحِفُ\rجَمَاجِمُنَا يَوْمَ اللِّقَاءِ تُرُوسُنَا... إلَى الْمَوْتِ نَمْشِي لَيْسَ فِينَا تَجَانُفُ\rقال الواحديُّ : والمختار - من هذه الأقوال عند أهل اللغة - أن هذا الاسم لزمهم للبياض ثم ذكر ما تقدم عن أبي عبيدة.\rوقال الراغبُ : حوَّرت الشيء : بيَّضت ودوَّرته ، ومنه الخبز الحُوَّارَى ، والحواريُّون : أنصار عيسى.","part":13,"page":321},{"id":5554,"text":"وقيل : اشتقاقه من حار يَحُور - أي : رَجَع. قال تعالى : { إِنَّهُ ظَنَّ أَن لَّن يَحُورَ } [ الانشقاق : 14 ]. أي لن يرجع ، فكأنهم الراجعون إلى الله تعالى حار يحور حَوَراً - أي : رجع - وحار يحور حَوَراً - إذا تردَّد في مكانه ومنه : حار الماء في القدر ، وحار في أمره ، وتحيَّر فيه ، وأصله تَحَيْوَرَ ، فقُلِبَت الواوُ ياءً ، فوزنه تَفَيْعَل ، لا تفعَّل ؛ إذْ لو كان تفعّل لقيل : تحوَّر نحو تجوَّز ومنه قيل للعود الذي تُشَدُّ عليه البكرة : مِحْوَر ؛ لتردُّدِهِ ، ومَحَارة الأذُنِ ، لظاهره المنقعر - تشبيهاً بمحارة الماء ؛ لتردُّد الهواء بالصوت كتردُّد الماء في المحارة ، والقوم في حوارى أي : في تَرَدُّد إلى نقصان ، ومنه : \" نعوذ بالله من الحور بعد الكور \" وفيه تفسيران : أحدهما : نعوذ بالله من التردُّد في الأمر بعد المُضِيِّ فيه والثاني : نعوذ بالله من النقصان والتردُّد في الحال بعد الزيادةِ فيها.\rويقال : حَارَ بعدما كان. والمحاورة : المرادَّة في [ الكلام ] ، وكذلك التحاورُ ، والحوار ، ومنه : { وَهُوَ يُحَاوِرُهُ } [ الكهف : 34 ] و{ والله يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمآ } [ المجادلة : 1 ] ومنه أيضاً : كلمته فما رجع إليَّ حواراً وحَوِيراً ومَحُورة وما يعيش بحَوْر - أي : بعَقْل يرجع إليه. والحور : ظهور قَلِيلِ بَيَاض في العين من السواد ، وذلك نهاية الحُسْنِ في العينِ ، يقال - منه - : أحورت عينه ، والمذكر أحور ، والمؤنث حوراء والجمع فيهما حور - نحو حُمر في جمع أحمر وحمراء-.\rوقيل : سُمِّيت الحوراءُ حوراء لذلك.\rوقيل : اشتقاقهم من نقاء القلب وخلوصه وصدقه ، قاله أبو البقاء والضَّحَّاك ، وهو راجع للمعنى الأول من خلوص البياض ، فهو مجاز عن التنظيف من الآثام ، وما يشوب الدين.\rقاله ابن المبارك : سُمُّوا بذلك ؛ لما عليهم من أثر العبادة ونورها.","part":13,"page":322},{"id":5555,"text":"وقال رَوْحُ بن قَاسِم : سألت قتادةَ عن الحواريِّين ، فقال : هم الذين تَصْلُح لهم الخلافةُ ، وعنه أنه قال : الحواريون هم الوزراء.\rوالياء في \" حواريّ وحواليّ \" ليست للنسب ، بل زيادة كزيادتها في كُرْسِيٍّ ، وقرأ العامة \" الْحَوَارِيُّونَ \" بتشديد الياء في جميع القرآن ، وقرأ الثَّقَفِي والنخعيّ بتخفيفها في جميع القرأن ، قالوا : لأن التشديد ثقيل. أ هـ {تفسير ابن عادل حـ 5 صـ 259 ـ 261}\rقال الآلوسى :\rونقل جمع عن القفال أنه يجوز أن يكون بعضهم من الملوك وبعضهم من الصيادين وبعضهم من القصارين وبعضهم من الصباغين وبعضهم من سائر الناس وسموا جميعا بالحواريين لأنهم كانوا أنصار عيسى عليه السلام والمخلصين في محبته وطاعته\rوالاشتقاق كيف كانوا هو الاشتقاق ، ومأخذه إما أن يؤخذ حقيقياً وإما أن يؤخذ مجازياً وهو الأوفق بشأن أولئك الأنصار ، وقيل : إنه مأخوذ من حار بمعنى رجع ومنه قوله تعالى : { إِنَّهُ ظَنَّ أَن لَّن يَحُورَ } [ الإنشقاق : 14 ] وكأنهم سموا بذلك لرجوعهم إلى الله تعالى.","part":13,"page":323},{"id":5556,"text":"ومن الناس من فسر الحواري بالمجاهد فإن أريد بالجهاد ما هو المتبادر منه أشكل ذلك حيث إنه لم يصح أن عيسى عليه السلام أمر به ؛ وادعاه بعضهم مستدلاً بقوله تعالى : { يأَيُّهَا الذين ءامَنُواْ كُونُواْ أنصار الله كَمَا قَالَ عِيسَى ابن مَرْيَمَ لِلْحَوَارِيّينَ مَنْ أنصارى } [ الصف : 14 ] ولا يخفى أن الآية ليست نصاً في المقصود لجواز أن يراد بالتأييد التأييد بالحجة وإعلاء الكلمة ، وإن أريد بالجهاد جهاد النفس بتجريعها مرائر التكاليف لم يشكل ذلك. نعم استشكل أن عيسى عليه السلام إذا لم يكن مأموراً بالقتال فما معنى طلبه الأنصار ؟ وأجيب بأنه عليه السلام لما علم أن اليهود يريدون قتله استنصر للحماية منهم كما قاله الحسن ومجاهد ولم يستنصر للقتال معهم على الإيمان بما جاء به ، وهذا هو الذي لم يؤمر به لا ذلك بل ربما يدعى أن ذلك مأمور به لوجوب المحافظة على حفظ النفس ، وقد روي أن اليهود لما طلبوه ليقتلوه قال للحواريين : أيكم يحب أن يكون رفيقي في الجنة على أن يلقى فيه شبهي فيقتل مكاني ؟ فأجابه إلى ذلك بعضهم ، وفي بعض الأناجيل أن اليهود لما أخذوا عيسى عليه السلام سل شمعون سيفه فضرب به عبداً كان فيهم لرجل من الأحبار عظيم فرمى بإذنه فقال له عيسى عليه السلام : حسبك ثم أدنى أذن العبد فردها إلى موضعها فصارت كما كانت ، وقيل : يجوز أن يكون طلب النصرة للتمكين من إقامة الحجة ولتمييز الموافق من المخالف وذلك لا يستدعي الأمر بالجهاد كما أمر نبينا روح جسد الوجود صلى الله عليه وسلم وهو الظاهر لمن أنصف ، والمراد من أنصار الله أنصار دينه ورسوله وأعوانهما على ما هو المشهور. أ هـ {روح المعانى حـ 3 صـ 176 ـ 177}\rقال الطبرى : \rوأشبه الأقوال التي ذكرنا في معنى\"الحواريين\" ، قولُ من قال : \"سموا بذلك لبياض ثيابهم ، ولأنهم كانوا غسّالين\".","part":13,"page":324},{"id":5557,"text":"وذلك أن\"الحوَر\" عند العرب شدة البياض ، ولذلك سمي\"الحُوَّارَى\" من الطعام\"حُوّارَى\" لشدة بياضه ، ومنه قيل للرجل الشديد البياض مقلة العينين\"أحور\" ، وللمرأة\"حوراء\". وقد يجوز أن يكون حواريو عيسى كانوا سُمُّوا بالذي ذكرنا ، من تبييضهم الثيابَ ، وأنهم كانوا قصّارين ، فعرفوا بصحبة عيسى ، واختياره إياهم لنفسه أصحابًا وأنصارًا ، فجرى ذلك الاسم لهم ، واستُعمل حتى صار كل خاصّة للرجل من أصحابه وأنصاره : \"حواريُّه\" ، ولذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم.\r\"إنّ لكلّ نبيَ حواريًّا ، وَحوَاريَّ الزبير\". { ذكره الطبري بغير إسناد ، وهو من صحيح الحديث. أخرجه البخاري في مواضع (الفتح 6 : 39 / 7 : 64 ، 412 / 13 : 203 ، 204) ، وأخرجه مسلم في صحيحه 15 : 188. وكان في المطبوعة : \"إن لكل نبي حواري\" ، وصوابه ما أثبت. والرواية الأخرى بحذف : \"إن\" أي : \"لكل نبي حواري\" }. أ هـ {تفسير الطبرى حـ 6 صـ 450 ـ 451}\rوقال ابن عاشور :\rوقد أكثر المفسرون وأهل اللغة في احتمالات اشتقاقه واختلاف معناه وكلّ ذلك إلصاق بالكلمات التي فيها حروف الحاء والواو والراء لا يصحّ منه شيء.\rوالحواريون اثنا عشر رجلا وهم : سَمْعَان بطرس ، وأخوه أندراوس ، ويوحنا بن زبْدي ، وأخوه يعقوب وهؤلاء كلّهم صيادو سَمك ومتَّى العشَّار وتوما وفيليبس ، وبرثو لماوس ، ويعقوب بن حلفي ، ولباوس ، وسمعان القانوى ، ويهوذا الأسخريوطي. أ هـ {التحرير والتنوير حـ 3 صـ 105}\rفصل\rقال الفخر :\rاختلفوا في أن هؤلاء الحواريين من كانوا ؟ .\rفالقول الأول : إنه عليه السلام مرّ بهم وهم يصطادون السمك فقال لهم \"تعالوا نصطاد الناس\" قالوا : من أنت ؟ قال : \"أنا عيسى ابن مريم ، عبد الله ورسوله\" فطلبوا من المعجز على ما قال فلما أظهر المعجز آمنوا به ، فهم الحواريون.","part":13,"page":325},{"id":5558,"text":"القول الثاني : قالوا : سلمته أمه إلى صباغ ، فكان إذا أراد أن يعلمه شيئاً كان هو أعلم به منه وأراد الصباغ أن يغيب لبعض مهماته ، فقال له : ههنا ثياب مختلفة ، وقد علمت على كل واحد علامة معينة ، فاصبغها بتلك الألوان ، بحيث يتم المقصود عند رجوعي ، ثم غاب فطبخ عيسى عليه السلام جباً واحداً ، وجعل الجميع فيه وقال : \"كوني بإذن الله كما أريد\" فرجع الصباغ فأخبره بما فعل فقال : قد أفسدت علي الثياب ، قال : \"قم فانظر\" فكان يخرج ثوباً أحمر ، وثوباً أخضر ، وثوباً أصفر كما كان يريد ، إلى أن أخرج الجميع على الألوان التي أرادها ، فتعجب الحاضرون منه ، وآمنوا به فهم الحواريون.\rالقول الثالث : كانوا الحواريون اثنى عشر رجلاً اتبعوا عيسى عليه السلام ، وكانوا إذا قالوا : يا روح الله جعنا ، فيضرب بيده إلى الأرض ، فيخرج لكل واحد رغيفان ، وإذا عطشوا قالوا يا روح الله : عطشنا ، فيضرب بيده إلى الأرض ، فيخرج الماء فيشربون ، فقالوا : من أفضل منا إذا شئنا أطعمتنا ، وإذا شئنا سقيتنا ، وقد آمنا بك فقال : \"أفضل منكم من يعمل بيده ، ويأكل من كسبه\" فصاروا يغسلون الثياب بالكراء ، فسموا حواريين.\rالقول الرابع : أنهم كانوا ملوكاً قالوا وذلك أن واحداً من الملوك صنع طعاماً ، وجمع الناس عليه ، وكان عيسى عليه السلام على قصعة منها ، فكانت القصعة لا تنقص ، فذكروا هذه الواقعة لذلك الملك ، فقال : تعرفونه ، قالوا : نعم ، فذهبوا بعيسى عليه السلام ، قال : من أنت ؟ قال : أنا عيسى بن مريم ، قال فإني أترك ملكي وأتبعك فتبعه ذلك الملك مع أقاربه ، فأولئك هم الحواريون قال القفال : ويجوز أن يكون بعض هؤلاء الحواريين الاثني عشر من الملوك ، وبعضهم من صيادي السمك ، وبعضهم من القصارين ، والكل سموا بالحواريين لأنهم كانوا أنصار عيسى عليه السلام ، وأعوانه ، والمخلصين في محبته ، وطاعته ، وخدمته. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 8 صـ 56 ـ 57}\rفائدة","part":13,"page":326},{"id":5559,"text":"قال الفخر : \rالمراد من قوله {نَحْنُ أَنْصَارُ الله} أي نحن أنصار دين الله وأنصار أنبيائه ، لأن نصرة الله تعالى في الحقيقة محال ، فالمراد منه ما ذكرناه.\rأما قوله {آمنا بالله} فهذا يجري مجرى ذكر العلة ، والمعنى يجب علينا أن نكون من أنصار الله ، لأجل أنا آمنا بالله ، فإن الإيمان بالله يوجب نصرة دين الله ، والذب عن أوليائه ، والمحاربة مع أعدائه.\rثم قالوا : {واشهد بِأَنَّا مُسْلِمُونَ} وذلك لأن إشهادهم عيسى عليه السلام على أنفسهم ، إشهاد لله تعالى أيضاً ، ثم فيه قولان\rالأول : المراد واشهد أنا منقادون لما تريده منا في نصرتك ، والذب عنك ، مستسلمون لأمر الله تعالى فيه\rالثاني : أن ذلك إقرار منهم بأن دينهم الإسلام ، وأنه دين كل الأنبياء صلوات الله عليهم. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 8 صـ 57}\rوقال ابن عاشور : \rوكان جواب الحواريين دالاّ على أنهم علموا أنّ نصر عيسى ليس لذاته بل هو نصر لدين الله ، وليس في قولهم : { نحن أنصار الله } ما يفيد حصراً لأنّ الإضافة اللفظية لا تفيد تعريفاً ، فلم يحصل تعريف الجزأين ، ولكنّ الحواريين بادروا إلى هذا الانتداب.\rوقد آمن مع الحواريّين أفراد متفرّقون من اليهود ، مثل الذين شفى المسيح مرضاهم ، وآمن به من النساء أمّه عليها السلام ، ومريم المجدلية ، وأم يوحنا ، وحماة سمعان ، ويوثا امرأة حوزي وكيل هيرودس ، وسوسة ، ونساء أخر ولكنّ النساء لا تطلب منهنّ نصره. أ هـ {التحرير والتنوير حـ 3 صـ 105 ـ 106}\rوقال الآلوسى : ","part":13,"page":327},{"id":5560,"text":"{ ءامَنَّا بالله } مستند لتلك الدعوى جارية مجرى العلة لها { واشهد } عطف على { مِنَ } ولا يضر اختلافهما إنشائية وإخبارية لما تحقق في محله ، وقيل : إن { مِنَ } لإنشاء الإيمان أيضاً فلا اختلاف { بِأَنَّا مُسْلِمُونَ } أي منقادون لما تريده منا ويدخل فيه دخولاً أولياً نصرتهم له ، أو بأن ديننا الإسلام الذي هو دين الأنبياء من قبلك فهو إقرار معنى بنبوة من قبله عليه السلام وهذا طلب منهم شهادته عليه السلام لهم يوم القيامة حين تشهد الرسل لقومهم وعليهم إيذاناً كما قال الكرخي بأن مرمى غرضهم السعادة الأخروية وجاء في المائدة ( 111 ) { بِأَنَّنَا } لأن ما فيها كما قيل أول كلام الحواريين فجاء على الأصل ، وما هنا تكرار له بالمعنى فناسب فيه التخفيف لأن كلاً من التخفيف والتكرار فرع ، والفرع بالفرع أولى. أ هـ {روح المعانى حـ 3 صـ 177}\rفائدة\rقال الماوردى :\rواختلفوا في سبب استنصار المسيح بالحواريين على ثلاثة أقاويل :\rأحدها : أنه استنصر بهم طلباً للحماية من الكفار الذين أرادوا قتله حين أظهر دعوته ، وهذا قول الحسن ، ومجاهد.\rوالثاني : أنه استنصر بهم ليتمكن من إقامة الحجة وإظهار الحق.\rوالثالث : لتمييز المؤمن الموافق من الكافر المخالف. أ هـ {النكت والعيون حـ 1 صـ 395 ـ 396}\rفائدة\rقال الشنقيطى :\rلم يبين هنا الحكمة في ذكر قصة الحواريين مع عيسى ولكنه بين في سورة الصف ، أن حكمة ذكر قصتهم هي أن تتأسى بهم أمة محمد صلى الله عليه وسلم في نصرة الله ودينه ، وذلك في قوله تعالى : { ياأيها الذين آمَنُواْ كونوا أَنصَارَ الله كَمَا قَالَ عِيسَى ابن مَرْيَمَ لِلْحَوَارِيِّينَ مَنْ أنصاري إِلَى الله } [ الصف : 14 ] الآية. أ هـ {أضواء البيان حـ 1 صـ 230}","part":13,"page":328},{"id":5561,"text":"فائدة\rقال فى ملاك التأويل :\rقوله تعالى : \"فلما أحس عيسى منهم الكفر قال من أنصارى إلى الله قال الحواريون نحن أنصار الله آمنا بالله واشهد بأنا مسلمون\" ، وفى سورة المائدة : \"وإذ أوحيت إلى الحواريين أن آمنوا بى وبرسولى قالوا آمنا واشهد بأننا مسلمون\" فحذفت النون من\"أنا\"فى آية آل عمران تخفيفا وثبتت فى آية المائدة فقيل : \"أننا\" مع أن التخفيف بالحذف جائز فيهما والإثبات جائز وهو الأصل فللسائل أن يسأل عن وجه تخصيص كل من الموضعين بما ورد فيه ؟\rوالجواب عن ذلك والله أعلم أن آية المائدة لما ورد فيها التفصيل فيما يجب الإيمان به وذلك قوله : \"أن آمنوا بى وبرسولى\" فجاء على أتم عبارة فى المطلوب وأوفاها ناسب ذلك ورود\"أننا\" على أوفى الحالين وهو الورود على الأصل ، ولما لم يقع إفصاح بهذا التفصيل فى آية آل عمران حين قال تعالى : \"قال الحواريون نحن أنصار الله آمنا بالله\" فلم يقع هنا\"وبرسوله\" إيجازا للعلم به وشهادة السياق ناسب هذا الإيجاز كما ناسب الإتمام فى آية المائدة الإتمام فقيل هنا : \"واشهد بأنا مسلمون\" وجاء كل على ما يجب ولو قدر ورود العكس لما ناسب والله سبحانه أعلم بما أراد. أ هـ {ملاك التأويل صـ 118}","part":13,"page":329},{"id":5562,"text":"من لطائف الإمام القشيرى فى الآية\rقوله جلّ ذكره : { فَلَمَّا أَحَسَّ عِيسَى مِنْهُمُ الكُفْرَ } الآية.\rحين بَلَّغهم الرسالة واختلفوا - فمنهم من صدَّقه ومنهم من كذّبه وهم الأكثرون - عَلِمَ أن النبوة لا تنفك عن البلاء وتسليط الأعداء ، فقطع عنهم قلبه ، وصدق إلى الله قصده ، وقال لقومه : مَنْ أنْصاري إلى الله ليساعدوني على التجرد لحقِّه والخلوص في قصده ؟ فقال مَنْ انبسطت عليهم آثار العناية ، واستخلصوا بآثار التخصيص : نحن أنصار الله ، آمنا بالله ، واشهد علينا بالصدق ، وليس يشكل عليك شيءٌ مما نحن فيه. أ هـ {لطائف الإشارات حـ 1 صـ 245}","part":13,"page":330},{"id":5563,"text":"قوله تعالى { رَبَّنَا آَمَنَّا بِمَا أَنْزَلْتَ وَاتَّبَعْنَا الرَّسُولَ فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ (53)}\rمناسبة الآية لما قبلها\rقال البقاعى :\rلما خاطبوا الرسول أدباً ترقوا إلى المرسل في خطابهم إعظاماً للأمر وزيادة في التأكيد فقالوا مسقطين لأداة النداء استحضاراً لعظمته بالقرب لمزيد القدرة وترجي منزلة أهل الحب : {ربنا آمنا بما أنزلت} أي على ألسنة رسلك كلهم {واتبعنا الرسول} الآتي إلينا بذلك معتقدين رسالته منك وعبوديته لك {فاكتبنا} لتقبّلك شهادتنا واعتدادك بها {مع الشاهدين} أي الذين قدمت أنهم شهدوا لك بالوحدانية مع الملائكة أ هـ {نظم الدرر حـ 2 صـ 97}\rفصل\rقال الفخر :\rاعلم أنهم لما أشهدوا عيسى عليه السلام على إيمانهم ، وعلى إسلامهم تضرعوا إلى الله تعالى ، وقالوا : {رَبَّنَا ءَامَنَّا بِمَا أَنزَلَتْ واتبعنا الرسول فاكتبنا مَعَ الشاهدين} وذلك لأن القوم آمنوا بالله حين قالوا : في الآية المتقدمة {آمنا بالله} ثم آمنوا بكتب الله تعالى حيث قالوا {بِمَا أَنزَلَتْ} وآمنوا برسول الله حيث ، قالوا {واتبعنا الرسول} فعند ذلك طلبوا الزلفة والثواب ، فقالوا {فاكتبنا مَعَ الشاهدين} وهذا يقتضي أن يكون للشاهدين فضل يزيد على فضل الحواريين ، ويفضل على درجته ، لأنهم هم المخصوصون بأداء الشهادة قال الله تعالى : {وكذلك جعلناكم أُمَّةً وَسَطًا لّتَكُونُواْ شُهَدَاءَ عَلَى الناس وَيَكُونَ الرسول عَلَيْكُمْ شَهِيدًا} [ البقرة : 143 ] الثاني : وهو منقول أيضاً عن ابن عباس {فاكتبنا مَعَ الشاهدين} أي اكتبنا في زمرة الأنبياء لأن كل نبي شاهد لقومه قال الله تعالى : {فَلَنَسْئَلَنَّ الذين أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ وَلَنَسْئَلَنَّ المرسلين} [ الأعراف : 6 ].\rوقد أجاب الله تعالى دعاءهم وجعلهم أنبياء ورسلاً ، فأحيوا الموتى ، وصنعوا كل ما صنع عيسى عليه السلام.","part":13,"page":331},{"id":5564,"text":"والقول الثالث : {فاكتبنا مَعَ الشاهدين} أي اكتبنا في جملة من شهد لك بالتوحيد ولأنبيائك بالتصديق ، والمقصود من هذا أنهم لما أشهدوا عيسى عليه السلام على إسلام أنفسهم ، حيث قالوا {واشهد بِأَنَّا مُسْلِمُونَ} فقد أشهدوا الله تعالى على ذلك تأكيداً للأمر ، وتقوية له ، وأيضاً طلبوا من الله مثل ثواب كل مؤمن شهد لله بالتوحيد ولأنبيائه بالنبوّة.\rالقول الرابع : إن قوله {فاكتبنا مَعَ الشاهدين} إشارة إلى أن كتاب الأبرار إنما يكون في السموات مع الملائكة قال الله تعالى : {كَلاَّ إِنَّ كتاب الأبرار لَفِى عِلّيّينَ} [ المطففين : 18 ] فإذا كتب الله ذكرهم مع الشاهدين المؤمنين كان ذكرهم مشهوراً في الملأ الأعلى وعند الملائكة المقربين.\rالقول الخامس : إنه تعالى قال : {شَهِدَ الله أَنَّهُ لا إله إِلاَّ هُوَ والملائكة وَأُوْلُواْ العلم} [ آل عمران : 18 ] فجعل أولو العلم من الشاهدين ، وقرن ذكرهم بذكر نفسه ، وذلك درجة عظيمة ، ومرتبة عالية ، فقالوا {فاكتبنا مَعَ الشاهدين} أي اجعلنا من تلك الفرقة الذين قرنت ذكرهم بذكرك.\rوالقول السادس : أن جبريل عليه السلام لما سأل محمداً صلى الله عليه وسلم عن الإحسان فقال : \" أن تعبد الله كأنك تراه \" وهذا غاية درجة العبد في الاشتغال بالعبودية ، وهو أن يكون العبد في مقام الشهود ، لا في مقام الغيبة ، فهؤلاء القوم لما صاروا كاملين في درجة الاستدلال أرادوا الترقي من مقام الاستدلال ، إلى مقام الشهود والمكاشفة ، فقالوا {فاكتبنا مَعَ الشاهدين }.","part":13,"page":332},{"id":5565,"text":"القول السابع : إن كل من كان في مقام شهود الحق لم يبال بما يصل إليه من المشاق والآلام ، فلما قبلوا من عيسى عليه السلام أن يكونوا ناصرين له ، ذابين عنه ، قالوا {فاكتبنا مَعَ الشاهدين} أي اجعلنا ممن يكون في شهود جلالك ، حتى نصير مستحقرين لكل ما يصل إلينا من المشاق والمتاعب فحينئذ يسهل علينا الوفاء بما التزمناه من نصرة رسولك ونبيك. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 8 صـ 57 ـ 58}","part":13,"page":333},{"id":5566,"text":"وقال الآلوسى : \r{ رَبَّنَا ءامَنَّا بِمَا أَنزَلَتْ } عرض لحالهم عليه تعالى بعد عرضها على رسوله استمطاراً لسحائب إجابة دعائهم الآتي ، وقيل : مبالغة في إظهار أمرهم { واتبعنا الرسول } أي امتثلنا ما أتى به منك إلينا { فاكتبنا مَعَ الشاهدين } أي محمد صلى الله عليه وسلم وأمته لأنهم يشهدون للرسل بالتبليغ ومحمد صلى الله عليه وسلم يشهد لهم بالصدق رواه عكرمة عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما وروى أبو صالح عنه أنهم من آمن من الأمم قبلهم ، وقيل : المراد من { الشاهدين } الأنبياء لأن كل نبي شاهد لأمته وعليها ، وقال مقاتل : هم الصادقون ، وقال الزجاج : هم الشاهدون للأنبياء بالتصديق ، وقيل : أرادوا مع المستغرقين في شهود جلالك بحيث لا نبالي بما يصل إلينا من المشاق والآلام فيسهل علينا الوفاء بما التزمنا من نصرة رسولك ، وقيل : أرادوا اكتب ذكرنا في زمرة من شهد حضرتك من الملائكة المقربين كقوله تعالى : { إِنَّ كتاب الابرار لَفِى عِلّيّينَ } [ المطففين : 81 ] ولا يخفى ما في هذا الأخير من التكلف والمعنى على ما عداه أدخلنا في عداد أولئك ، أو في عداد أتباعهم ، قيل : وعبروا عن فعل الله تعالى ذلك بهم بلفظ { فاكتبنا } إذ كانت الكتابة تقيد وتضبط ما يحتاج إلى تحقيقه وعلمه في ثاني حال ، وقيل : المراد اجعل ذلك وقدره في صحائف الأزل. ومن الناس من جعل الكتابة كناية عن تثبيتهم على الإيمان في الخاتمة ، والظرف متعلق بمحذوف وقع حالاً من مفعول اكتبنا. أ هـ {روح المعانى حـ 3 صـ 177}","part":13,"page":334},{"id":5567,"text":"وقال الطبرى : \rوهذا خبر من الله عز وجل عن الحواريين أنهم قالوا : \"ربنا آمنا\" ، أي : صدّقنا \"بما أنزلت\" ، يعني : بما أنزلتَ على نبيك عيسى من كتابك \"واتبعنا الرسول\" ، يعني بذلك : صرنا أتباع عيسى على دينك الذي ابتعثته به ، وأعوانه على الحق الذي أرسلتَه به إلى عبادك وقوله : \"فاكتبنا مع الشاهدين\" ، يقول : فأثبت أسماءنا مع أسماء الذين شهدوا بالحق ، وأقرُّوا لك بالتوحيد ، وصدّقوا رسلك ، واتبعوا أمرك ونهيك ، فاجعلنا في عدادهم ومعهم فيما تكرمهم به من كرامتك ، وأحِلَّنا محلهم ، ولا تجعلنا ممن كفر بك ، وصدَّ عن سبيلك ، وخالف أمرك ونهيك.\rيعرّف خلقه جل ثناؤه بذلك سبيلَ الذين رضي أقوالهم وأفعالهم ، ليحتذوا طريقهم ، ويتبعوا منهاجهم ، فيصلوا إلى مثل الذي وصلوا إليه من درجات كرامته ويكذّب بذلك الذين انتحلوا من الملل غير الحنيفية المسلمة ، في دعواهم على أنبياء الله أنهم كانوا على غيرها ويحتجُّ به على الوفد الذين حاجوا رسول الله صلى الله عليه وسلم من أهل نجران : بأنّ قِيلَ مَنْ رضي الله عنه من أتباع عيسى كان خلاف قِيلهم ، ومنهاجهم غير منهاجهم. أ هـ {تفسير الطبرى حـ 6 صـ 452 ـ 453}","part":13,"page":335},{"id":5568,"text":"قوله تعالى { وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ (54)}\rقال البقاعى :\rولعله عقب قوله {فاكتبنا مع الشاهدين}\rبقوله : {ومكروا} المعطوف على قوله : {قال من أنصاري إلى الله} بالإضمار الصالح لشمول كل من تقدم له ذكر إشارة إلى أن التمالؤ عليه يصح أن ينسب إلى المجموع من حيث هو مجموع ، أما مكر اليهود فمشهور ، وأما الحواريون الاثنا عشر فنقض أحدهم وهو الذي تولى كبر الأمر وجر اليهود إليه ودلهم عليه - كما يأتي بيانه إن شاء الله تعالى في سورة النساء ، وترتيب المكر على الشرط يفهم أنهم لما علموا إحساسه بفكرهم خافوا غائلته فأعملوا الحيلة في قتله.\rوالمكر - قال الحرالي - إعمال الخديعة والاحتيال في هدم بناء ظاهر كالدنيا ، والكيد أعمال الخدعة والاحتيال في هدم بناء باطن كالتدين والتخلق وغير ذلك ، فكان المكر خديعة حس والكيد خديعة معنى - انتهى.\rثم إن مكرهم تلاشى واضمحل بقوله : {ومكر الله} أي المحيط بكل شيء قدرة وعلماً.\rولما كان المقام لزيادة العظمة أظهر ولم يضمر لئلا يفهم الإضمار خصوصاً من جهة ما فقال : {والله} أي والحال أنه الذي له هذا الاسم الشريف فلم يشاركه فيه أحد بوجه {خير الماكرين} بإرادته تأخير حربه لهم إلى وقت قضاه في الأزل فأمضاه وذلك عند مجيء الدجال بجيش اليهود فيكون أنصاره الذين سألهم ربه هذه الأمة تشريفاً لهم ، ثم بين ما فعله بهم من القضاء الذي هو على صورة المكر في كونه أذى يخفى على المقصود به بأنه رفعه إليه وشبه ذلك عليهم حتى ظنوا أنهم صلبوه وإنما صلبوا أحدهم ، ويقال : إنه الذي دلهم ، وأما هو عليه الصلاة والسلام فصانه عنده بعد رفعه إلى محل أوليائه وموطن قدسه لينزله في آخر الزمان لاستئصالهم بعد أن ضرب عليهم الذلة بعد قصدهم له بالأذى الذى طلبوا به العز إلى آخر الدهر فكان تدميرهم في تدبيرهم ، وذلك أخفى الكيد. أ هـ {نظم الدرر حـ 2 صـ 97 ـ 98}. بصرف يسير.","part":13,"page":336},{"id":5569,"text":"فصل\rقال الفخر :\rأصل المكر في اللغة ، السعي بالفساد في خفية ومداجاة ، قال الزجاج : يقال مكر الليل ، وأمكر إذا أظلم ، وقال الله تعالى : {وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الذين كَفَرُواْ} [ الأنفال : 30 ] وقال : {وَمَا كُنتَ لَدَيْهِمْ إِذْ أَجْمَعُواْ أَمْرَهُمْ وَهُمْ يَمْكُرُونَ} [ يوسف : 102 ] وقيل أصله من اجتماع الأمر وإحكامه ، ومنه امرأة ممكورة أي مجتمعة الخلق وإحكام الرأي يقال له الإجماع والجمع قال الله تعالى : {فَأَجْمِعُواْ أَمْرَكُمْ وَشُرَكَاءكُمْ} [ يونس : 71 ] فلما كان المكر رأياً محكماً قوياً مصوناً عن جهات النقص والفتور ، لا جرم سمي مكراً. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 8 صـ 58}\rفصل\rقال الفخر :\rأما مكرهم بعيسى عليه السلام ، فهو أنهم هموا بقتله ، وأما مكر الله تعالى بهم ، ففيه وجوه\rالأول : مكر الله تعالى بهم هو أنه رفع عيسى عليه السلام إلى السماء ، وذلك أن يهودا ملك اليهود ، أراد قتل عيسى عليه السلام ، وكان جبريل عليه السلام ، لا يفارقه ساعة ، وهو معنى قوله {وأيدناه بِرُوحِ القدس} [ البقرة : 87 ] فلما أرادوا ذلك أمره جبريل عليه السلام أن يدخل بيتاً فيه روزنة ، فلما دخلوا البيت أخرجه جبريل عليه السلام من تلك الروزنة ، وكان قد ألقى شبهه على غيره ، فأخذ وصلب فتفرق الحاضرون ثلاث فرق ، فرقة قالت : كان الله فينا فذهب ، وأخرى قالت : كان ابن الله ، والأخرى قالت : كان عبد الله ورسوله ، فأكرمه بأن رفعه إلى السماء ، وصار لكل فرقة جمع فظهرت الكافرتان على الفرقة المؤمنة إلى أن بعث الله تعالى محمداً صلى الله عليه وسلم ، وفي الجملة ، فالمراد من مكر الله بهم أن رفعه إلى السماء وما مكنهم من إيصال الشر إليه.","part":13,"page":337},{"id":5570,"text":"الوجه الثاني : أن الحواريين كانوا اثنى عشر ، وكانوا مجتمعين في بيت فنافق رجل منهم ، ودل اليهود عليه ، فألقى الله شبهه عليه ورفع عيسى ، فأخذوا ذلك المنافق الذي كان فيهم ، وقتلوه وصلبوه على ظن أنه عيسى عليه السلام ، فكان ذلك هو مكر الله بهم.\rالوجه الثالث : ذكر محمد بن إسحاق أن اليهود عذبوا الحواريين بعد أن رفع عيسى عليه السلام ، فشمسوهم وعذبوهم ، فلقوا منهم الجهد فبلغ ذلك ملك الروم ، وكان ملك اليهود من رعيته فقيل له إن رجلاً من بني إسرائيل ممن تحت أمرك كان يخبرهم أنه رسول الله ، وأراهم إحياء الموتى وإبراء الأكمه والأبرص فقتل ، فقال : لو علمت ذلك لحلت بينه وبينهم ، ثم بعث إلى الحواريين ، فانتزعهم من أيديهم وسألهم عن عيسى عليه السلام ، فأخبروه فتابعهم على دينهم ، وأنزل المصلوب فغيبه ، وأخذ الخشبة فأكرمها وصانها ، ثم غزا بني إسرائيل وقتل منهم خلقاً عظيماً ومنه ظهر أصل النصرانية في الروم ، وكان اسم هذا الملك طباريس ، وهو صار نصرانياً ، إلا أنه ما أظهر ذلك ، ثم إنه جاء بعده ملك آخر ، يقال له : مطليس ، وغزا بيت المقدس بعد ارتفاع عيسى بنحو من أربعين سنة ، فقتل وسبى ولم يترك في مدينة بيت المقدس حجراً على حجر فخرج عند ذلك قريظة والنضير إلى الحجاز فهذا كله مما جازاهم الله تعالى على تكذيب المسيح والهم بقتله.\rالقول الرابع : أن الله تعالى سلّط عليهم ملك فارس حتى قتلهم وسباهم ، وهو قوله تعالى : {بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَادًا لَّنَا أُوْلِى بَأْسٍ شَدِيدٍ} [ الإسراء : 5 ] فهذا هو مكر الله تعالى بهم.\rالقول الخامس : يحتمل أن يكون المراد أنهم مكروا في إخفاء أمره ، وإبطال دينه ومكر الله بهم حيث أعلى دينه وأظهر شريعته وقهر بالذل والدناءة أعداءه وهم اليهود ، والله أعلم. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 8 صـ 58 ـ 59}","part":13,"page":338},{"id":5571,"text":"وقال الآلوسى : \r{ وَمَكَرُواْ } أي الذين أحس منهم الكفر إذ وكلوا به من يقتله غيلة { وَمَكَرَ الله } بأن ألقى شبهه عليه السلام على غيره فصلب ورفعه إليه ، قال ابن عباس : لما أراد ملك بني إسرائيل قتل عيسى عليه السلام دخل خوخة وفيها كوة فرفعه جبريل عليه السلام من الكوة إلى السماء فقال الملك لرجل منهم خبيث : أدخل عليه فاقتله فدخل الخوخة فألقى الله تعالى عليه شبه عيسى عليه السلام فخرج إلى أصحابه يخبرهم أنه ليس في البيت فقتلوه وصلبوه وظنوا أنه عيسى ، وقال وهب : أسروه ونصبوا خشبة ليصلبوه فأظلمت الأرض فأرسل الله الملائكة فحالوا بينه وبينهم فأخذوا رجلاً يقال له يهودا وهو الذي دلهم على عيسى وذلك أن عيسى جمع الحواريين تلك الليلة وأوصاهم ثم قال ليكفرن بي أحدكم قبل أن يصيح الديك فيبيعني بدراهم يسيرة فخرجوا وتفرقوا وكانت اليهود تطلبه فأتى أحد الحواريين إليهم وقال : ما تجعلون لي إن دللتكم عليه ؟ فجعلوا له ثلاثين درهماً فأخذها ودلهم عليه فألقى الله تعالى عليه شبه عيسى عليه السلام فأدخل البيت ورفع وقال : أنا الذي دللتكم عليه فلم يلتفتوا إلى قوله وصلبوه وهم يظنون أنه عيسى فلما صلب شبه عيسى وأتى على ذلك سبعة أيام قال الله تعالى لعيسى : اهبط على مريم ثم لتجمع لك الحواريين وبثهم في الأرض دعاة فهبط عليها واشتعل الجبل نوراً فجمعت له الحواريين فبثهم في الأرض دعاة ثم رفعه الله سبحانه ، وتلك الليلة هي الليلة التي تدخن فيها النصارى فلما أصبح الحواريون قصد كل منهم بلدة من أرسله عيسى إليهم.","part":13,"page":339},{"id":5572,"text":"وروي عن غير واحد أن اليهود لما عزموا على قتله عليه السلام اجتمع الحواريون في غرفة فدخل عليهم المسيح من مشكاة الغرفة فأخبر بهم إبليس جمع اليهود فركب منهم أربعة آلاف رجل فأخذوا باب الغرفة فقال المسيح للحواريين : أيكم يخرج ويقتل ويكون معي في الجنة ؟ فقال واحد منهم : أنا يا نبي الله فألقى عليه مدرعة من صوف وعمامة من صوف وناوله عكازه وألقى عليه شبه عيسى عليه السلام فخرج على اليهود فقتلوه وصلبوه وأما عيسى عليه السلام فكساه الله النور وقطع عنه شهوة المطعم والمشرب ورفعه إليه ، ثم إن أصحابه لما رأوا ذلك تفرقوا ثلاث فرق فقالت فرقة : كان الله تعالى فينا فصعد إلى السماء ، وقالت فرقة أخرى : كان فينا ابن الله عز وجل ثم رفعه الله سبحانه إليه ، وقالت فرقة أخرى منهم : كان فينا عبد الله ورسوله ما شاء الله ثم رفعه إليه وهؤلاء هم المسلمون ، فتظاهرت عليهم الفرقتان الكافرتان فقتلوهم فلم يزل الإسلام مندرس الآثار إلى أن بعث الله تعالى محمداً صلى الله عليه وسلم ، وروي عن ابن إسحق أن اليهود عذبوا الحواريين بعد رفع عيسى عليه السلام ولقوا منهم الجهد فبلغ ذلك ملك الروم وكان ملك اليهود من رعيته واسمه داود بن نوذا فقيل له : إن رجلاً من بني إسرائيل ممن تحت أمرك كان يخبرهم أنه رسول الله تعالى وأراهم إحياء الموتى وإبراء الأكمه والأبرص فعل وفعل فقال : لو علمت ذلك ما خليت بينهم وبينه ثم بعث إلى الحواريين فانتزعهم من أيديهم وسألهم عن عيسى عليه السلام فأخبروه فبايعهم على دينهم وأنزل المصلوب فغيبه وأخذ الخشبة فأكرمها ثم غزا بني إسرائيل فقتل منهم خلقاً عظيماً ، ومنه ظهر أصل النصرانية في الروم ثم جاء بعده ملك آخر يقال له طيطوس وغزا بيت المقدس بعد رفع عيسى عليه السلام بنحو من أربعين سنة فقتل وسبى ولم يترك في بيت المقدس حجراً على حجر فخرج عند ذلك قريظة والنضير إلى الحجاز. أ هـ {روح المعانى حـ 3 صـ 177 ـ 178}","part":13,"page":340},{"id":5573,"text":"فائدة\rقال البغوى :\r{ وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ (54) }\rقوله تعالى : { وَمَكَرُوا } يعني كفار بني إسرائيل الذي أحس عيسى منهم الكفر وبروا في قتل عيسى عليه السلام ، وذلك أن عيسى عليه السلام بعد إخراج قومه إياه وأمه عاد إليهم مع الحواريين ، وصاح فيهم بالدعوة فهموا بقتله وتواطؤوا على الفتك به فذلك مكرهم ، قال الله تعالى : { وَمَكَرَ اللَّه وَاللَّه خَيْر الْمَاكِرِينَ } فالمكر من المخلوقين : الخبث والخديعة والحيلة ، والمكر من الله : استدراج العبد وأخذه بغتة من حيث لا يعلم كما قال : \" سنستدرجهم من حيث لا يعلمون \"( 182 -الأعراف ) وقال الزجاج : مكر الله عز وجل مجازاتهم على مكرهم فسمي الجزاء باسم الابتداء لأنه في مقابلته كقوله تعالى : \" الله يستهزئ بهم \"( 15 -البقرة ) \" وهو خادعهم \"( 142 -النساء ) ومكر الله تعالى خاصة بهم في هذه الآية ، وهو إلقاؤه الشبه على صاحبهم الذي أراد قتل عيسى عليه السلام حتى قتل.","part":13,"page":341},{"id":5574,"text":"قال الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس رضي الله عنهما : أن عيسى استقبل رهطا من اليهود فلما رأوه قالوا : قد جاء الساحر ابن الساحرة ، والفاعل ابن الفاعلة ، وقذفوه وأمه فلما سمع ذلك عيسى عليه السلام دعا عليهم ولعنهم فمسخهم الله خنازير. فلما رأى ذلك يهوذا رأس اليهود وأميرهم فزع لذلك وخاف دعوته فاجتمعت كلمة اليهود على قتل عيسى عليه السلام ، وثاروا إليه ليقتلوه فبعث الله إليه جبريل فأدخله في خوخة في سقفها روزنة فرفعه الله إلى السماء من تلك الروزنة ، فأمر يهوذا رأس اليهود رجلا من أصحابه يقال له : ططيانوس أن يدخل الخوخة ويقتله ، فلما دخل لم ير عيسى ، فأبطأ عليهم فظنوا أنه يقاتله فيها ، فألقى الله عليه شبه عيسى عليه السلام ، فلما خرج ظنوا أنه عيسى عليه السلام فقتلوه وصلبوه ، قال وهب : طرقوا عيسى في بعض الليل ، ونصبوا خشبة ليصلبوه ، فأظلمت الأرض ، فأرسل الله الملائكة فحالت بينهم وبينه ، فجمع عيسى الحواريين تلك الليلة وأوصاهم ثم قال : ليكفرن بي أحدكم قبل أن يصيح الديك ويبيعني بدراهم يسيرة ، فخرجوا وتفرقوا ، وكانت اليهود تطلبه ، فأتى أحد الحواريين إلى اليهود فقال لهم : ما تجعلون لي إن دللتكم على المسيح ؟ فجعلوا له ثلاثين درهما فأخذها ودلهم عليه. ولما دخل البيت ألقى الله عليه شبه عيسى ، فرفع عيسى وأخذ الذي دلهم علي فقال : أنا الذي دللتكم عليه فلم يلتفتوا إلى قوله وقتلوه وصلبوه ، وهم يظنون أنه عيسى ، فلما صلب شبه عيسى ، جاءت مريم أم عيسى وامرأة كان عيسى دعا لها فأبرأها الله من الجنون تبكيان عند المصلوب ، فجاءهما عيسى عليه السلام فقال لهما : علام تبكيان ؟ إن الله تعالى قد رفعني ولم يصبني إلا خير ، وإن هذا شيء شبه لهم ، فلما كان بعد سبعة أيام قال الله عز وجل لعيسى عليه السلام : اهبط على مريم المجدلانية اسم موضع في جبلها ، فإنه لم يبك عليك أحد بكاءها ، ولم يحزن حزنها ثم ليجتمع لك الحواريون فبثهم في الأرض دعاة إلى الله عز وجل","part":13,"page":342},{"id":5575,"text":"فأهبطه الله عليها فاشتعل الجبل حين هبط نورًا ، فجمعت له الحواريين فبثهم في الأرض دعاة ثم رفعه الله عز وجل إليه وتلك الليلة هي التي تدخن فيها النصارى ، فلما أصبح الحواريون حدَّث كل واحد منهم بلغة من أرسله عيسى إليهم فذلك قوله تعالى { وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّه وَاللَّه خَيْر الْمَاكِرِينَ }\rوقال السدي : إن اليهود حبسوا عيسى في بيت وعشرة من الحواريين فدخل عليهم رجل منهم فألقى الله عليه شبهه ، وقال قتادة ذكر لنا أن نبي الله عيسى عليه السلام قال لأصحابه أيكم يقذف عليه شبهي فإنه مقتول ، فقال رجل من القوم : أنا يا نبي الله فقتل ذلك الرجل ومنع الله عيسى عليه السلام ورفعه إليه وكساه الله الريش وألبسه النور وقطع عنه لذة المطعم والمشرب وطار مع الملائكة فهو معهم حول العرش ، وكان إنسيا ملكيا سمائيا أرضيا ، قال أهل التواريخ : حملت مريم بعيسى ولها ثلاث عشرة سنة ، وولدت عيسى ببيت لحم من أرض أوري شلم لمضي خمس وستين سنة من غلبة الإسكندر على أرض بابل فأوحى الله إليه على رأس ثلاثين سنة ، ورفعه الله من بيت المقدس ليلة القدر من شهر رمضان ، وهو ابن ثلاث وثلاثين سنة فكانت نبوته ثلاث سنين ، وعاشت أمه مريم بعد رفعه ست سنين. (1) أ هـ {تفسيرالبغوى حـ 2 صـ 44 ـ 45}\rفائدة\rقال ابن عادل :\rقوله : { وَمَكَرُواْ وَمَكَرَ الله } من باب المقابلة ، أي : لا يجوز أن يوصف - تعالى - بالمكر إلاَّ لأجْل ما ذُكِرَ معه من لفظ آخر مسند لمن يليق به. هكذا قيل ، وقد جاز ذلك من غير مقابلة في قوله : { أَفَأَمِنُواْ مَكْرَ الله فَلاَ يَأْمَنُ مَكْرَ الله إِلاَّ القوم } [ الأعراف : 99 ] والمكر في اللغة أصله الستر ، يقال : مكر اللَّيْلُ ، أي أظلم وستر بظلمته ما فيه.\r____________\r(1) كلام أهل التاريخ يحتاج إلى سند صحيح. والله أعلم.","part":13,"page":343},{"id":5576,"text":"قال القرطبي : وأصل المكر في اللغة : الاحتيال والخِداع ، والمكر : خَدَالةُ الساق ، والمكر : ضَرْب من النبات ويقال : بل هو المَغْرَة ، حكاه ابنُ فارس ، قالوا : واشتقاقه من المكر ، وهو شجر ملقف ، تخيلوا منه أن المكر منه أن المكر يلتفّ بالممكور به ويشتمل عليه ، وامرأة ممكورة الخَلْق ، أي : ملتفة الجسم ، وكذا ممكورة البَطْن.\rثم أطلق المكر على الخُبْث والخداع ، ولذلك عبر عنه بعض أهل اللغة بأنه السعيُ بالفساد ، قال الزّجّاجُ هو من مكر الليل وأمكر أي أظلم ، وعب ربعضهم عنه فقال هو صرف الغير عما يقصده بحيلةٍ ، وذلك ضربان : محمود ، وهو أن يتحرَّى به فِعْلَ جَميلٍ ، وعلى ذلك قوله : { والله خَيْرُ الماكرين }. ومذموم ، وهو أن يتحرَّى به فعل قبيح ، نحو : { وَلاَ يَحِيقُ المكر السيىء إِلاَّ بِأَهْلِهِ } [ فاطر : 43 ]. أ هـ {تفسير ابن عادل حـ 5 صـ 263 ـ 264}\rفائدة\rقال الشيخ الشنقيطى :\rلم يبين هنا مكر اليهود بعيسى ولا مكر الله باليهود ، ولكنه بين في موضع آخر أن مكرهم به محاولتهم قتله ، وذلك في قوله : { وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا المسيح عِيسَى ابن مَرْيَمَ رَسُولَ الله } [ النساء : 157 ] وبين أن مكره بهم إلقاؤه الشبه على غير عيسى وإنجاؤه عيسى عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام ، وذلك في قوله : { وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ ولكن شُبِّهَ لَهُمْ } [ النساء : 157 ] ، وقوله : { وَمَا قَتَلُوهُ يَقِيناً بَل رَّفَعَهُ الله إِلَيْهِ } [ النساء : 157-158 ] الآية. أ هـ {أضواء البيان حـ 1 صـ 213}\rفصل\rقال الفخر :\rالمكر عبارة عن الاحتيال في إيصال الشر ، والاحتيال على الله تعالى محال فصار لفظ المكر في حقه من المتشابهات وذكروا في تأويله وجوهاً أحدها : أنه تعالى سمى جزاء المكر بالمكر ، كقوله {وَجَزَاء سَيّئَةٍ سَيّئَةٌ مّثْلُهَا} [ الشورى : 40 ] وسمى جزاء المخادعة بالمخادعة ، وجزاء الاستهزاء بالاستهزاء","part":13,"page":344},{"id":5577,"text":"والثاني : أن معاملة الله معهم كانت شبيهة بالمكر فسمي بذلك الثالث : أن هذا اللفظ ليس من المتشابهات ، لأنه عبارة عن التدبير المحكم الكامل ثم اختص في العرف بالتدبير في إيصال الشر إلى الغير ، وذلك في حق الله تعالى غير ممتنع والله أعلم. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 8 صـ 59}\rوقال ابن عاشور فى معنى الآية :\r{وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ}\rعطف على جملة { فلما أحس عيسى منهم الكفر } فإنّه أحس منهم الكفر وأحس منهم بالغدر والمكر.\rوضمير مكروا عائد إلى ما عاد إليه ضمير منهم وهم اليهود وقد بَيّن ذلك قولُه تعالى ، في سورة الصف ( 14 ) : { قال الحواريون نحن أنصار الله فآمنت طائفة من بني إسرائيل وكفرت طائفة } والمكر فعل يُقصد به ضر ضُرُّ أحَد في هيئة تخفى عليه ، أو تلبيس فعل الإضرار بصورة النفع ، والمراد هنا : تدبير اليهود لأخذ المسيح ، وسعيُهم لدى ولاة الأمور ليمكّنوهم من قتله.\rومَكْرُ الله بهم هو تمثيل لإخفاق الله تعالى مساعيَهم في حال ظنهم أن قد نجحت مساعيهم ، وهو هنا مشاكلة.\rوجَازَ إطلاق المكر على فعل الله تعالى دونَ مشاكلة كما في قوله : { أفأمنوا مكر اللَّه } ( 99 ) في سورة الأعراف وبعض أساتذتنا يسمي مثل ذلك مشاكلة تقديرية.\rومعنى : والله خير الماكرين } أي أقواهم عند إرادة مقابلة مكرهم بخذلانه إياهم.","part":13,"page":345},{"id":5578,"text":"ويجوز أن يكون معنى خير الماكرين : أنّ الإملاء والاستدراج ، الذي يقدّره للفجّار والجبابرة والمنافقين ، الشبيه بالمَكر في أنّه حَسَن الظاهر سَيّء العاقبة ، هو خير محض لا يترتّب عليه إلاّ الصلاح العام ، وإن كان يؤذي شخصاً أو أشخاصاً ، فهو من هذه الجهة مجرّد عما في المكر من القُبح ، ولذلك كانت أفعاله تعالى منزّهة عن الوصف بالقبح أو الشناعة ، لأنها لا تقارنها الأحوال التي بها تقبح بعض أفعال العباد ؛ من دلالة على سفاهة رَأي ، أو سوء طوية ، أو جُبن ، أو ضُعف ، أو طَمع ، أو نحو ذلك.\rأي فإن كان في المكر قبْح فمكر الله خير محض ، ولك على هذا الوجه أن تجعل \"خَيْر\" بمعنى التفضيل وبدونه. أ هـ {التحرير والتنوير حـ 3 صـ 106}\rوقال ابن عطية : \rالمكر في اللغة ، السعي على الإنسان دون أن يظهر له ذلك ، بل أن يبطن الماكر ضد ما يبدي ، وقوله { والله خير الماكرين } معناه في أنه فاعل في حق في ذلك ، والماكر من البشر فاعل باطل ففي الأغلب ، لأنه في الأباطيل يحتاج إلى التحيل ، والله سبحانه أشد بطشاً وأنفذ إرادة ، فهو خير من جهات لا تحصى ، لا إله إلا هو. أ هـ {المحرر الوجيز حـ 1 صـ 443}\rوقال الثعالبى : \r{ وَمَكَرُواْ } ، يريدُ في تحيُّلهم في قتله بزعمهم فهذا هو مَكْرُهُمْ ، فجازاهم اللَّه تعالى ؛ بأنْ طرح شَبَهَ عيسى على أحد الحواريِّين ؛ في قول الجمهور ، أو على يهوديٍّ منهم كَانَ جَاسُوساً ، وأعقبَ بَنِي إسرائيل مذلَّةً وهَوَاناً في الدُّنيا والآخرة ، فهذه العُقُوبة هي التي سَمَّاها اللَّه تعالى مَكْراً في قوله : { وَمَكَرَ الله } ، وذلك مَهْيَعٌ أنْ تسمَّى العقوبةُ باسم الذنب.","part":13,"page":346},{"id":5579,"text":"وقوله : { والله خَيْرُ الماكرين } : معناه : فاعلُ حقٍّ في ذلك ، وذكر أبو القَاسِمِ القُشَيْرِيُّ في \"تحبيره\" ، قال : سُئِلَ مَيْمُونٌ ، أحسبه : ابن مِهْرَانَ ؛ عن قولِهِ تعالى : { وَمَكَرُواْ وَمَكَرَ الله } فقال : تخليتُهُ إياهم ، مع مَكْرهم هو مَكْرُهُ بهم. انتهى. ونحوه عن الجُنَيْدِ ، قال الفَرَّاء : المَكْرُ من المخْلُوقِ الْخِبُّ والحِيلَة ، ومِنَ الإله الاِسْتِدْرَاجُ ، قال اللَّه تعالى : { سَنَسْتَدْرِجُهُم مِّنْ حَيْثُ لاَ يَعْلَمُونَ } [ القلم : 44 ] قال ابن عبَّاس : كُلَّما أحْدَثُوا خطيئةً ، أحدثنا لَهُمْ نعمة. انتهى. أ هـ {الجواهر الحسان حـ 1 صـ 271 ـ 272}\rفائدة\rقال فى روح البيان :\rأيها العبد خف من وجود إحسان مولاك إليك ودوام إساءتك معه فى دوام لطفه بك وعطفه عليك أن يكون استدراجا لك حتى تقف معها وتغتر لها وتفرح لما أوتيت فتؤخذ بغتة قال الله تعالى { سنستدرجهم من حيث لا يعلمون }\rقال سهل رضى الله عنه فى معنى هذه الآية نمدهم بالنعم وننسيهم الشكر عليها فإذا ركنوا إلى النعمة وحجبوا عن المنعم أخذوا\rوقال أبو العباس ابن عطاء يعنى كلما أحدثوا خطيئة جددنا لهم نعمة وأنسيناهم الاستغفار من تلك الخطيئة ومن جهل المريد بنفسه وبحق ربه أن يسيىء الأدب بإظهار دعوى أو تورط فى بلوى فتؤخر العقوبة عنه إمهالا له فيظنه إهمالا فيقول لو كان هذا سوء أدب لقطع الإمداد وأوجب الإبعاد اعتبارا بالظاهر من الأمر من غير تعريج على ما وراء ذلك وما ذاك إلا لفقد نور بصيرته أو ضعف نورها وإلا فقد يقطع المدد عنه من حيث لا يشعر حتى ربما ظن أنه متوفر فى عين تقصير ولو لم يكن من قطع المدد إلا منع المزيد لكان قطعا لأن من لم يكن فى زيادة فهو فى نقصان\rولو لم يكن من الإبعاد إلا أن يخليك وما تريد فيصرفك عنه بمرادك هذا والعياذ بالله مكر وخسران","part":13,"page":347},{"id":5580,"text":"وعن ابن حنبل أنه كان يوصى بعض أصحابه فقال خف سطوة العدر وارج رقة الفضل ولا تأمن من مكره تعالى ولو أدخلك الجنة ففى الجنة وقع لأبيك آدم ما وقع. أ هـ {روح البيان حـ 2 صـ 50 ـ 51}\rلطيفة\rقال الماوردى :\rوالفرق بين المكر والحيلة أن الحيلة قد تكون لإظهار ما يعسر من غير قصد إلى الإضرار ، والمكر : التوصل إلى إيقاع المكروه به. أ هـ {النكت والعيون حـ 1 صـ 396}\rلطيفة\rقال ابن عجيبة :\rقيل للجنيد رضي الله عنه : كيف رَضِيَ المكرَ لنفسه ، وقد عابه على غيره ؟ قال : لا أدري ، ولكن أنشدني فلان للطبرانية :\rفديتُك قد جُبِلْتُ على هواكَ... ونفْسِي ما تَحِنُّ إلى سِوَاكَ\r; أُحِبّك ، لا بِبَعْضِي بل بكُلِّي... وإن يُبْقِ حُبُّكَ لي حِرَاكَا\rوَيَقْبُحُ مِنْ سِوَاكَ الْفِعْلُ عِنْدي... وتَفْعَلُهُ فَيَحْسُنُ مِنْكَ ذَاكَ\rفقال له السائل : أسألُك عن القرآن ، وتجيبني بشعر الطبرانية ؟ قال : ويحك ، قد أجبتك إن كنت تعقل. إنَّ تخليته إياهم مع المكرية ، مكرٌ منه بهم. ه.\rقلت : وجه الشاهد في قوله : ( وتفعله فيحسن منك ذاك ) ، ومضمن جوابه : أن فعل الله كله حسن في غاية الإتقان ، لا عيب فيه ولا نقصان ، كما قال صاحب العينية :\rوَكلُّ قبِيح إنْ نَسَبْتَ لِحُسْنِهِ... أَتَتْكَ مَعَانِي الْحُسْنِ فِيهِ تُسَارعُ\rيُكَمِّلُ نُقصَانَ الْقَبِيحِ جَمَالُهُ... فَما ثَمَّ نُقْصَانٌ وَلاَ ثَمَّ بَاشِعُ\rوتخليته تعالى إياهم مع المكر ، تسبب عنه الرفع إلى السماء ، وإبقاء عيسى حيّاً إلى آخر الزمان ، حتى ينزل خليفة عن نبينا - عليه الصلاة والسلام - ، فكان ذلك في غاية الكمال والإتقان ، لكن لا يفطن لهذا إلا أهل العرفان. أ هـ {البحر المديد حـ 1 صـ 282 ـ 283}","part":13,"page":348},{"id":5581,"text":"من لطائف الإمام القشيرى فى الآية\rوأما الباقون فجدُّوا في الشقاق ، وبالغوا في العداوة ، ودسُّوا له المكائد ، ومكروا ولكن أذاقهم الله وبال مكرهم ، فتوهموا أنهم صلبوا عيسى عليه السلام وقتلوه ، وذلك جهل منهم ، ولَبْسٌ عليهم. فاللهُ - سبحانه - رفع عيسى عليه السلام نبيَّه ووليَّه ، وحُقُّ الطردُ واللَّعنُ على أعدائه ، وهذا مَكْرُهُ بهم :\r{ وَمَكَرُواْ وَمَكَرَ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ }. أ هـ {لطائف الإشارات حـ 1 صـ 245}","part":13,"page":349},{"id":5582,"text":"قوله تعالى {إِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَجَاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأَحْكُمُ بَيْنَكُمْ فِيمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ (55)}\rقال البقاعى :\r{إذ} أي مكر حين {قال الله} أي ما له من التفرد بصفات الكمال {يا عيسى إني متوفيك} وعبر عن ذلك بطريق الكناية الإيمائية فإن عصمته من قتل الكفار ملزومة للموت حتف الأنف ، وأما قول الزمخشري : أي مستوفى أجلك ومعناه : إني عاصمك من أن يقتلك الكفار ، ومؤخرك إلى أجل كتبته لك ، ومميتك حتف أنفك لا قتلاً بأيديهم - ليكون كناية تلويحية عن العصمة من القتل لأنها ملزومة لتأخيره إلى الأجل المكتوب والتأخير ملزوم للموت حتف الأنف - فلا ينبغي الاغترار به لأنه مبني على مذهب الاعتزال من أن القاتل قطع أجل المقتول المكتوب ، وكأن القاضي البيضاوي لم يتفطن له فترجم هذه العبارة بما يؤديها ؛ ويجوز أن يكون معنى متوفيك : آخذك إليّ من غير أن يصلوا منك إلى محجم دم ولا ما فوقه من عضو ولا نفس فلا تخش مكرهم.\rقال في القاموس : أوفى فلاناً حقه : أعطاه وافياً ، كوفّاه ووافاه فاستوفاه وتوفاه.\rثم زاد سبحانه وتعالى في بشارته بالرفعة إلى محل كرامته وموطن ملائكته ومعدن النزاهة عن الأدناس فقال : {ورافعك} وزاد إعظام ذلك بقوله : {إليّ ومطهرك من الذين كفروا }.","part":13,"page":350},{"id":5583,"text":"ولما كان لذوي الهمم العوال ، أشد التفات إلى ما يكون عليه خلائفهم بعدهم من الأحوال ، بشره سبحانه وتعالى في ذلك بما يسره فقال : {وجاعل الذين اتبعوك} أي ولو بالاسم {فوق الذين كفروا} أي ستروا ما يعرفون من نبوتك بما رأوا من الآيات التي أتيت بها مطابقة لما عندهم من البشائر بك {إلى يوم القيامة} وكذا كان ، لم يزل من اتسم بالنصرانية حقاً أو باطلاً فوق اليهود ، ولا يزالون كذلك إلى أن يعدموا فلا يبقى منهم أحد.\rولما كان البعث عاماً دل عليه بالالتفات إلى الخطاب فقال تكميلاً لما بشر به من النصرة : {ثم إليّ مرجعكم} أي المؤمن والكافر في الآخرة {فأحكم بينكم فيما كنتم فيه تختلفون}. أ هـ {نظم الدرر حـ 2 صـ 98 ـ 99}\rفائدة\rقال ابن عادل :\rقوله : { إِذْ قَالَ الله } في ناصبه ثلاثةُ أوجهٍ :\rأحدها : قوله : { وَمَكَرَ الله } أي : مكر الله بهم في هذا الوقت.\rالثاني : { خَيْرُ الماكرين }.\rالثالث : أنه \"اذكر\" ـ مقدرا ـ فيكون مفعولا به كما تقدم تقريره. أ هـ {تفسير ابن عادل حـ 5 صـ 265}\rفصل\rقال الفخر :\rاعترفوا بأن الله تعالى شرف عيسى في هذه الآية بصفات :\rالصفة الأولى : {إِنّي مُتَوَفّيكَ} ونظيره قوله تعالى حكاية عنه {فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِى كُنتَ أَنتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ} [ المائدة : 117 ] واختلف أهل التأويل في هاتين الآيتين على طريقين أحدهما : إجراء الآية على ظاهرها من غير تقديم ، ولا تأخير فيها\rوالثاني : فرض التقديم والتأخير فيها ،\rأما الطريق الأول فبيانه من وجوه\rالأول : معنى قوله {إِنّي مُتَوَفّيكَ} أي متمم عمرك ، فحينئذ أتوفاك ، فلا أتركهم حتى يقتلوك ، بل أنا رافعك إلى سمائي ، ومقربك بملائكتي ، وأصونك عن أن يتمكنوا من قتلك وهذا تأويل حسن","part":13,"page":351},{"id":5584,"text":"والثاني : {مُتَوَفّيكَ} أي مميتك ، وهو مروي عن ابن عباس ، ومحمد بن إسحاق قالوا : والمقصود أن لا يصل أعداؤه من اليهود إلى قتله ثم إنه بعد ذلك أكرمه بأن رفعه إلى السماء ثم اختلفوا على ثلاثة أوجه\rأحدها : قال وهب : توفي ثلاث ساعات ، ثم رفع (1)\rوثانيها : قال محمد بن إسحاق : توفي سبع ساعات ، ثم أحياه الله ورفعه\rالثالث : قال الربيع بن أنس : أنه تعالى توفاه حين رفعه إلى السماء ، قال تعالى : {الله يَتَوَفَّى الأنفس حِينَ مِوْتِهَا والتى لَمْ تَمُتْ فِى مَنَامِهَا} [ الزمر : 42 ].\rالوجه الرابع : في تأويل الآية أن الواو في قوله {مُتَوَفّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَىَّ} تفيد الترتيب فالآية تدل على أنه تعالى يفعل به هذه الأفعال ، فأما كيف يفعل ، ومتى يفعل ، فالأمر فيه موقوف على الدليل ، وقد ثبت الدليل أنه حي وورد الخبر عن النبي صلى الله عليه وسلم : \" أنه سينزل ويقتل الدجال \" ثم إنه تعالى يتوفاه بعد ذلك.\r_______________\r(1) هذا قول باطل وفاسد ومخالف لإجماع الأمة ويؤيد ما يقوله النصارى ـ قاتلهم الله ـ وكان الأحرى بالفخر ـ رحمه الله ـ أن يبين فساد هذا القول ، وكما تقدمت الإشارة إلى وجوب التوقف فى أخبار وهب بن منبه\rقال القرطبى ـ رحمه الله ـ عن هذا الوجه :\rوهذا فيه بعد ؛ فإنه صح في الأخبار عن النبيّ صلى الله عليه وسلم نزولُه وقتلُه الدجّال على ما بيناه في كتاب التذكرة.\rوفي هذا الكتاب حسب ما تقدّم ، ويأتي.\rوقال ابن زيد : متوفيك قابضك ، ومتوفيك ورافعك واحد ولم يمت بعدُ. أ هـ {تفسير القرطبى حـ 4 صـ 100}","part":13,"page":352},{"id":5585,"text":"الوجه الخامس : في التأويل ما قاله أبو بكر الواسطي ، وهو أن المراد {إِنّي مُتَوَفّيكَ} عن شهواتك وحظوظ نفسك (1) ، ثم قال : {وَرَافِعُكَ إِلَىَّ} وذلك لأن من لم يصر فانياً عما سوى الله لا يكون له وصول إلى مقام معرفة الله ، وأيضاً فعيسى لما رفع إلى السماء صار حاله كحال الملائكة في زوال الشهوة ، والغضب والأخلاق الذميمة.\rوالوجه السادس : إن التوفي أخذ الشيء وافياً ، ولما علم الله إن من الناس من يخطر بباله أن الذي رفعه الله هو روحه لا جسده ذكر هذا الكلام ليدل على أنه عليه الصلاة والسلام رفع بتمامه إلى السماء بروحه وبجسده ويدل على صحة هذا التأويل قوله تعالى : {وَمَا يَضُرُّونَكَ مِن شَىْء} [ النساء : 113 ].\rوالوجه السابع : {إِنّي مُتَوَفّيكَ} أي أجعلك كالمتوفى لأنه إذا رفع إلى السماء وانقطع خبره وأثره عن الأرض كان كالمتوفى ، وإطلاق اسم الشيء على ما يشابهه في أكثر خواصه وصفاته جائز حسن.\rالوجه الثامن : أن التوفي هو القبض يقال : وفاني فلان دراهمي وأوفاني وتوفيتها منه ، كما يقال : سلم فلان دراهمي إلي وتسلمتها منه ، وقد يكون أيضاً توفي بمعنى استوفى وعلى كلا الاحتمالين كان إخراجه من الأرض وإصعاده إلى السماء توفياً له.\rفإن قيل : فعلى هذا الوجه كان التوفي عين الرفع إليه فيصير قوله {وَرَافِعُكَ إِلَىَّ} تكراراً.\rقلنا : قوله {إِنّي مُتَوَفّيكَ} يدل على حصول التوفي وهو جنس تحته أنواع بعضها بالموت وبعضها بالإصعاد إلى السماء ، فلما قال بعده {وَرَافِعُكَ إِلَىَّ} كان هذا تعييناً للنوع ولم يكن تكراراً.\r___________\r(1) لا يخفى ما فى هذا الوجه من البعد البعيد. والله أعلم.","part":13,"page":353},{"id":5586,"text":"الوجه التاسع : أن يقدر فيه حذف المضاف والتقدير : متوفي عملك بمعنى مستوفي عملك {وَرَافِعُكَ إِلَىَّ} أي ورافع عملك إلي ، وهو كقوله {إِلَيْهِ يَصْعَدُ الكلم الطيب} [ فاطر : 10 ] والمراد من هذه الآية أنه تعالى بشّره بقبول طاعته وأعماله ، وعرفه أن ما يصل إليه من المتاعب والمشاق في تمشية دينه وإظهار شريعته من الأعداء فهو لا يضيع أجره ولا يهدم ثوابه ، فهذه جملة الوجوه المذكورة على قول من يجري الآية على ظاهرها.\rالطريق الثاني : وهو قول من قال : لا بد في الآية من تقديم وتأخير من غير أن يحتاج فيها إلى تقديم أو تأخير ، قالوا إن قوله {وَرَافِعُكَ إِلَىَّ} يقتضي إنه رفعه حياً ، والواو لا تقتضي الترتيب ، فلم يبق إلا أن يقول فيها تقديم وتأخير ، والمعنى : أني رافعك إليّ ومطهرك من الذين كفروا ومتوفيك بعد إنزالي إياك في الدنيا ، ومثله من التقديم والتأخير كثير في القرآن.\rواعلم أن الوجوه الكثيرة التي قدمناها تغني عن التزام مخالفة الظاهر ، والله أعلم. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 8 صـ 60 ـ 61}","part":13,"page":354},{"id":5587,"text":"وقال محمد بن أبى بكر الرازى :\rلما هدده اليهود بالقتل بشره بأنه يقبض روحه بالوفاة لا بالقتل ، والواو لا تفيد الترتيب ليلزم من الآية موته قبل رفعه.أ هـ {تفسيرالرازى صـ 63}\rوقال البغوى :\r{ إِذْ قَالَ اللَّه يَا عِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ } اختلفوا في بعض التوفي هاهنا ، قال الحسن والكلبي وابن جريج : إني قابضك ورافعك في الدنيا إليِّ من غير موت ، يدل عليه قوله تعالى : \" فلما توفيتني \"( 117 -المائدة ) أي قبضتني إلى السماء وأنا حي ، لأن قومه إنما تنصروا بعد رفعه إلى السماء لا بعد موته ، فعلى هذا للتوفي تأويلان ، أحدهما : إني رافعك إلي وافيًا لم ينالوا منك شيئا ، من قولهم توفيت كذا واستوفيته إذا أخذته تامًا والآخر : أني [مستلمك] من قولهم توفيت منه كذا أي تسلمته ، وقال الربيع بن أنس : المراد بالتوفي النوم [وكل ذي عين نائم] وكان عيسى قد نام فرفعه الله نائما إلى السماء ، معناه : أني منومك ورافعك إلي كما قال الله تعالى : \" وهو الذي يتوفاكم بالليل \"( 60 -الأنعام ) أي ينيمكم. أ هـ {تفسيرالبغوى حـ 2 صـ 45}\rوقال السمرقندى :\rقوله تعالى : { إِذْ قَالَ الله ياعيسى إِنّي مُتَوَفّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَىَّ } ففي الآية تقديم وتأخير ، ومعناه إني رافعك من الدنيا إلى السماء ، ومتوفّيك بعد أن تنزل من السماء على عهد الدجال ويقال : إنه ينزل ويتزوج امرأة من العرب بعدما يقتل الدجال ، وتلد له ابنة ، فتموت ابنته ، ثم يموت هو بعدما يعيش سنين ، لأنه قد سأل ربه أن يجعله من هذه الأمة ، فاستجاب الله دعاءه. (1) أ هـ {بحر العلوم حـ 1 صـ 243}\rفصل\rقال ابن عادل :\rقال القرطبيُّ : \" والصحيح أن الله تعالى - رفعه من غير وفاةْ ولا نومٍ - كما قال الحسنُ وابنُ زيد - وهو اختيار الطبريِّ ، وهو الصحيحُ عن ابنِ عباس \".\r_______________\r(1) هذا الكلام يحتاج إلى سند.","part":13,"page":355},{"id":5588,"text":"وقال الضحاك : وكانت القصة أنهم لما أرادوا قَتْلَ عيسى عليه السلام اجتمع الحواريُّونَ في غرفة - وهم اثنا عشرَ رَجُلاً ، فدخل عليهمُ المسيحُ من مشكاةِ الغرفةِ ، فأخبر إبليس جَميع الْيَهُودِ ، فركب منهم أربعة آلاف رجلٍ ، فأخذوا بباب الغرفة ، فقال المسيح للحواريين : أيُّكُمْ يخرج ، ويقتل ، ويكون معي في الجنة ؟ فقال واحدٌ منهم أنا يا نبيَّ الله ، فألقَى إليه مدرعة من صوف ، وعمامة من صوفٍ ، ونَاوَلَه عُكَّازه ، وألقي عليه شبه عيسى ، فخرج على اليهود فقتلوه ، وصلبوه ، وأما عيسى فكساه اللهُ الرِّيشَ ، وألبسه النورَ ، وقطع عنه شهوة المطعم والمشرب ، فَطَارَ مع الملائكة ، ثم إن اصحابه تفرقوا ثلاث فرق :\rفقالت فرقة : كان اللهُ فينا ، ثم صعد إلى السماء ، وهم اليعقوبية.\rوقالت فرقة : كان فينا ابن الله - ما شاء الله - ثم رفعه الله إليه - وهم النسطورية.\rوقالت فرقة : كان فينا عبدُ الله ورسوله - ما شاء الله - ثم رفعه الله إليه - وهؤلاء هم المسلمون.\rفتظاهرت الكافرتان على المسلمة فقتلوها ، فلم يَزَل الإسلامُ طامساً حتى بَعَثَ اللهُ محمداً صلى الله عليه وسلم { فَآمَنَت طَّآئِفَةٌ مِّن بني إِسْرَائِيلَ وَكَفَرَت طَّآئِفَةٌ } [ الصف : 14 ] الآية على ما سيأتي من السورة إن شاء الله تعالى. أ هـ {تفسير ابن عادل حـ 5 صـ 267 ـ 268}\rفصل\rقال القرطبى :","part":13,"page":356},{"id":5589,"text":"وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : \" والله لينزِلنّ ابن مريم حكما عادلاً فليكسِرنّ الصليب وليقتلنّ الخنزير وليضعن الجِزية ولتُتركُنّ الْقِلاَصُ فلا يسعى عليها ولتَذهبَن الشحناء والتباغض والتحاسد وليدعونّ إلى المال فلا يقبله أحد \" وعنه أيضاً عن النبيّ صلى الله عليه وسلم قال : \" والذي نفسي بيده ليُهلنّ ابن مريم بفَجِّ الرّوْحاء حاجاً أو معتمراً أو ليثَنينّهما \" ولا ينزل بشرع مبتدإ فينسخ به شريعتنا بل ينزل مجدِّداً لما دَرَس منها متبعها.\rكما في \"صحيح مسلم\" عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : \" كيف أنتم إذا نزل ابن مريم فيكم وإمامكم منكم \" وفي رواية : \"فأمّكم منكم\".\rقال ابن أبي ذِئب : تدري ما أمّكم منكم ؟ .\rقلت : تخبِرني.\rقال : فأمّكم بكتاب ربكم تبارك وتعالى وسنةِ نبيكم صلى الله عليه وسلم. أ هـ {تفسير القرطبى حـ 4 صـ 101}\rكلام غريب للشيخ الطاهر بن عاشور :\rقال رحمه الله :\rقوله تعالى {إِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا}\rاستئناف ؛ وإذ ظرف غير متعلق بشيء ، أو متعلق بمحذوف ، أي اذكر إذ قال الله : كما تقدم في قوله : {إِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً} [البقرة : 30] وهذا حكاية لأمر رفع المسيح وإخفائه عن أنظار أعدائه. وقدم الله في خطابه إعلامه بذلك استئناسا له ، إذ لم يتم ما يرغبه من هداية قومه. مع العلم بأنه يحب لقاء الله ، وتبشيرا له بأن الله مظهر دينه ، لأن غاية هم الرسول هو الهدى ، وإبلاغ الشريعة ، فلذلك قال لهك {وَجَاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا} والنداء فيه للاستئناس ، وفي الحديث أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : \"لا يقبض نبي حتى يخير\".","part":13,"page":357},{"id":5590,"text":"وقوله : {إِنِّي مُتَوَفِّيكَ} ظاهر معناه : إني مميتك ، هذا هو معنى هذا الفعل في مواقع استعماله لأن أصل فعل توفى الشيء أنه قبضه تاما واستوفاه. فيقال : توفاه الله أي قدر موته ، ويقال : توفاه ملك الموت أي أنفذ إرادة الله بموته ، ويطلق التوفي على النوم مجازا بعلاقة المشابهة في نحو قوله تعالى : {وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ بِاللَّيْلِ} [الأنعام : 60] وقوله : {اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الْأُخْرَى إِلَى أَجَلٍ مُسَمّىً} [الزمر : 42]. أي وأما التي تمت الموت المعروف فيميتها في منامها موتا شبيها بالموت التام كقوله : {وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ بِاللَّيْلِ ثم قال حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا} فالكل إماتة في التحقيق ، وإنما فصل بينهما العرف والاستعمال ، ولذلك فرع بالبيان بقوله : \"فيمسك التي قضى عليها الموت ويرسل الأخرى إلى أجل مسمى ، فالكلام منتظم غاية الانتظام ، وقد اشتبه نظمه على بعض الأفهام. وأصرح من هذه الآية آية المائدة فلما توفيتني كنت أنت الرقيب عليهم لأنه دل على أنه قد توفى الوفاة المعروفة التي تحول بين المرء وبين علم ما يقع في الأرض ، وحملها على النوم بالنسبة لعيسى لا معنى له ؛ لأنه إذا أراد رفعه لم يلزم أن ينام ؛ ولأن النوم حينئذ وسيلة للرفع فلا ينبغي الاهتمام بذكره وترك ذكر المقصد ، فالقول بأنها بمعنى الرفع عن هذا العالم إيجاد معنى جديد للوفاة في اللغة بدون حجة ، ولذلك قال ابن عباس ، ووهب بن منبه : إنها وفاة موت وهو ظاهر قول مالك في جامع العتبية قال مالك : مات عيسى وهو ابن إحدى وثلاثين سنة قال ابن رشد في البيان والتحصيل يحتمل أن قوله : مات وهو ابن ثلاث وثلاثين على الحقيقة لا على المجاز.","part":13,"page":358},{"id":5591,"text":"وقال الربيع : هي وفاة نوم رفعه الله في منامه ، وقال الحسن وجماعة : معناه إني قابضك من الأرض ، ومخلصك في السماء ، وقيل : متوفيك متقبل عملك. والذي دعاهم إلى تأويل معنى الوفاة ما ورد في الأحاديث الصحيحة : أن عيسى ينزل في آخر مدة الدنيا ، فأفهم أن له حياة خاصة أخص من حياة أرواح بقية الأنبياء ، التي هي حياة أخص من حياة بقية الأرواح ؛ فإن حياة الأرواح متفاوتة كما دل عليه حديث \"أرواح الشهداء في حواصل طيور خضر\". ورووا أن تأويل المعنى في هذه الآية أولى من تأويل الحديث في معنى حياته وفي نزوله ، فمنهم من تأول معنى الوفاة فجعله حيا بحياته الأولى ، ومنهم من أبقى الوفاة على ظاهرها ، وجعل حياته بحياة ثانية ، فقال وهب بن منبه : توفاه الله ثلاث ساعات ورفعه فيها ، ثم أحياه عنده في السماء ، وقال بعضهم : توفي سبع ساعات. وسكت ابن عباس ومالك عن تعيين كيفية ذلك ، ولقد وفقا وسددا. ويجوز أن تكون حياته كحياة سائر الأنبياء ، وأن يكون نزوله إن حمل على ظاهره بعثا له قبل إبان البعث على وجه الخصوصية ، وقد جاء التعبير عن نزوله بلفظ \"يبعث الله عيسى فيقتل الدجال\" رواه مسلم عن عبد الله ابن عمر ، ولا يموت بعد ذلك بل يخلص من هنالك إلى الآخرة.","part":13,"page":359},{"id":5592,"text":"وقد قيل في تأويله : إن عطف {وَرَافِعُكَ إِلَيَّ} على التقديم والتأخير ؛ إذ الواو لا تفيد ترتيب الزمان أي إني رافعك إلي ثم متوفيك بعد ذلك ، وليس في الكلام دلالة على أنه يموت في آخر الدهر سوى أن في حديث أبي هريرة في كتاب أبي داود \"ويمكث\" أي \"عيسى أربعين سنة ثم يتوفى فيصلي عليه المسلمون\" والوجه أن يحمل قوله تعالى : {إِنِّي مُتَوَفِّيكَ} على حقيقته ، وهو الظاهر ، وأن تؤول الأخبار التي يفيد ظاهرها أنه حي على معنى حياة كرامة عند الله ، كحياة الشهداء وأقوى ، وأنه إذا حمل نزوله على ظاهره دون تأويل ، أن ذلك يقوم مقام البعث ، وأن قوله في حديث أبي هريرة ثم يتوفى فيصلي عليه المسلمون مدرج من أبي هريرة لأنه لم يروه غيره ممن رووا حديث نزول عيسى ، وهم جمع من الصحابة ، والروايات مختلفة وغير صريحة. ولم يتعرض القرآن في عد مزاياه إلى أنه ينزل في آخر الزمان. (1) أ هـ {التحرير والتنوير حـ 3 صـ 106 ـ 109}\r________________\r(1) كما ترى فإن بعض كلامه لا يخلو من بعد بعيد لا يخفى على المتأمل. والله أعلم.","part":13,"page":360},{"id":5593,"text":"فائدة\rقال الشيخ الشنقيطى :\rقوله تعالى : {إِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيّ} الآية, هذه الآية الكريمة يتوهم من ظاهرها وفاة عيسى عليه السلام وعلى نبينا الصلاة والسلام, وقد جاء في بعض الآيات ما يدل على خلاف ذلك كقوله : {وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ}, وقوله : {وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ} الآية على ما فسرها به ابن عباس في إحدى الروايتين, وأبو مالك والحسن وقتادة وابن زيد وأبو هريرة, ودلّت على صدقه الأحاديث المتواترة, واختاره ابن جرير, وجزم ابن كثير أنه الحق من أن قوله : {قَبْلَ مَوْتِهِ} أي موت عيسى عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام.\rوالجواب عن هذا من ثلاثة أوجه :","part":13,"page":361},{"id":5594,"text":"الأول : أنّ قوله تعالى : {مُتَوَفِّيكَ} لا يدل على تعيين الوقت, ولا يدل على كونه قد مضى, وهو مُتَوَفّيه قطعاً يوماً ما, ولكن لا دليل على أنّ ذلك اليوم قد مضى, وأما عطفه {وَرَافِعُكَ إِلَيّ} على قوله : {مُتَوَفِّيكَ} فلا دليل عليه لإطباق جمهور اللسان العربي على أن الواو لا تقتضي الترتيب ولا الجمع, وإنما تقتضي مطلق التشريك, وقد ادّعى السيرافي والسهيلي إجماع النحاة على ذلك, وعزاه الأكثر للمحققين, وهو الحق, خلافا لما قاله قطرب والفراء وثعلب وأبو عمر والزاهد وهشام والشافعي من أنها تفيد الترتيب لكثرة استعمالها فيه, وقد أنكر السيرافي ثبوت هذا القول عن الفراء وقال : لم أجده في كتابه. وقال ولي الدين : أنكر أصحابنا نسبة هذا القول إلى الشافعي, حكاه عنه صاحب (الضياء اللامع) وقوله صلى الله عليه وسلم : \"أبدأ بما بدأ الله به\" يعني الصفا, لا دليل عليه على اقتضائها الترتيب, وبيان ذلك هو ما قاله الفهري كما ذكر عنه صاحب الضياء اللامع وهو أنها كما أنها لا تقتضي الترتيب ولا المعية, فكذلك لا تقتضي المنع منهما فقد يكون العطف بها مع قصد الاهتمام بالأول كقوله : {إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ} الآية بدليل الحديث المتقدم. وقد يكون المعطوف بها مرتبا كقول حسان : ( هجوت محمد وأجبت عنه ) على رواية الواو, وقد يراد بها المعية كقوله : {فَأَنْجَيْنَاهُ وَأَصْحَابَ السَّفِينَةِ}, وقوله : {وَجُمِعَ الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ}, ولكن لا تحمل على الترتيب ولا على المعية إلا بدليل منفصل .","part":13,"page":362},{"id":5595,"text":"الوجه الثاني : أنّ معنى {مُتَوَفِّيكَ} أي منيمك ورافعك إليّ أي في تلك النومة, وقد جاء في القرآن إطلاق الوفاة على النوم في قوله : {وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ بِاللَّيْلِ وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُمْ بِالنَّهَارِ}, وقوله : {اللَّهُ يَتَوَفَّى الأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا}, وعزا ابن كثير هذا القول للأكثرين, واستدل بالآيتين المذكورتين وقوله صلى الله عليه وسلم : \"الحمد لله الذي أحيانا بعدما أماتنا..\" الحديث .\rالوجه الثالث : أنّ {مُتَوَفِّيكَ} اسم فاعل توفاه إذا قبضه وحازه إليه ومنه قولهم : \"توفّى فلان دينه\" إذا قبضه إليه.. فيكون معنى {مُتَوَفِّيكَ} على هذا قابضك منهم إلي حيا, وهذا القول هو اختيار بن جرير. وأما الجمع بأنه توفّاه ساعات أو أياما ثم أحياه فالظاهر أنه من الإسرائليات, وقد نهى صلى الله عليه وسلم عن تصديقها وتكذيبها. أ هـ {دفع إيهام الاضطراب صـ 50 ـ 53}","part":13,"page":363},{"id":5596,"text":"كلام نفيس للعلامة الآلوسى فى الآية الكريمة\rقال عليه الرحمة :\r{ إِذْ قَالَ الله } ظرف لمكر أو لمحذوف نحو وقع ذلك ولو قدر أذكر كما في أمثاله لم يبعد وتعلقه بالماكرين بعيد إذ لا يظهر وجه حسن لتقييد قوة مكره تعالى بهذا الوقت { ياعيسى إِنّي مُتَوَفّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَىَّ } أخرج ابن أبي حاتم عن قتادة قال : هذا من المقدم والمؤخر أي : رافعك إليّ ومتوفيك ، وهذا أحد تأويلات اقتضاها مخالفة ظاهر الآية للمشهور المصرح به في الآية الأخرى ، وفي قوله صلى الله عليه وسلم : \" إن عيسى لم يمت وإنه راجع إليكم قبل يوم القيامة \" وثانيها : أن المراد إني مستوفي أجلك ومميتك حتف أنفك لا أسلط عليك من يقتلك فالكلام كناية عن عصمته من الأعداء وما هم بصدده من الفتك به عليه السلام لأنه يلزم من استيفاء الله تعالى أجله وموته حتف أنفه ذلك. وثالثها : أن المراد قابضك ومستوفي شخصك من الأرض من توفى المال بمعنى استوفاه وقبضه. ورابعها : أن المراد بالوفاة هنا النوم لأنهما أخوان ويطلق كل منهما على الآخر ، وقد روي عن الربيع أن الله تعالى رفع عيسى عليه السلام إلى السماء وهو نائم رفقاً به ، وحكي هذا القول والذي قبله أيضاً عن الحسن. وخامسها : أن المراد أجعلك كالمتوفى لأنه بالرفع يشبهه ، وسادسها : أن المراد آخذك وافياً بروحك وبدنك فيكون { وَرَافِعُكَ إِلَىَّ } كالمفسر لما قبله ، وسابعها : أن المراد بالوفاة موت القوى الشهوانية العائقة عن إيصاله بالملكوت ، وثامنها : أن المراد مستقبل عملك ، ولا يخلو أكثر هذه الأوجه عن بعد لا سيما الأخير ، وقيل : الآية محمولة على ظاهرها ، فقد أخرج ابن جرير عن وهب أنه قال : توفى الله تعالى عيسى ابن مريم ثلاث ساعات من النهار حتى رفعه إليه. وأخرج الحاكم عنه أن الله تعالى توفى عيسى سبع ساعات ثم أحياه ، وأن مريم حملت به ولها ثلاث عشرة سنة وأنه رفع وهو ابن ثلاث وثلاثين ، وأن أمه بقيت بعد رفعه ست سنين ، وورد ذلك في رواية ضعيفة عن ابن عباس والصحيح كما قاله","part":13,"page":364},{"id":5597,"text":"القرطبي أن الله تعالى رفعه من غير وفاة ولا نوم وهو اختيار الطبري والرواية الصحيحة عن ابن عباس ، وحكاية أن الله تعالى توفاه سبع ساعات ذكر ابن إسحق أنها من زعم النصارى. ولهم في هذا المقام كلام تقشعر منه الجلود ، ويزعمون أنه في الإنجيل وحاشا الله ما هو إلا افتراء وبهتان عظيم ، ولا بأس بنقله ورده فإن في ذلك ردّ عواهم فيه عليه السلام الربوبية على أتم وجه ، فنقول : قالوا : بينما المسيح مع تلاميذه جالس ليلة الجمعة لثلاث عشرة ليلة خلت من شهر نيسان إذ جاء يهودا الأسخريوطي أحد الاثني عشر ومعه جماعة معهم السيوف والعصي من عند رؤساء الكهنة ومشايخ الشعب وقد قال لهم يهودا : الرجل الذي أقبل هو هو فأمسكوه فلما رأى يهودا المسيح قال : السلام عليك يا معلم ثم أمسكوه فقال يسوع : مثل ما يفعل باللصوص خرجتم لي بالسيوف والعصي وأنا عندكم في الهيكل كل يوم أعلم فلم تتعرضوا لي لكن هذه ساعة سلطان الظلمة فذهبوا به إلى رئيس الكهنة حيث تجتمع الشيوخ وتبعه بطرس من بعيد ودخل معه الدار ليلاً وجلس ناحية منها متنكراً ليرى ما يؤول أمره إليه فالتمس المشايخ على يسوع شهادة يقتلونه بها فجاء جماعة من شهود الزور فشهد منهم اثنان أن يسوع قال : أنا أقدر أن أنقض هيكل الله تعالى وأبنيه في ثلاثة أيام فقال له الرئيس : ما تجيب عن نفسك بشيء ؟ فسكت يسوع فأقسم عليه رئيس الكهنة بالله الحي أنت المسيح ؟ فقال أنت قلت ذاك وأنا أقول لكم من الآن لا ترون ابن الإنسان حتى تروه جالساً عن يمين القوة وآتيا في سحاب السماء وأن ناساً من القيام ههنا لا يذوقون الموت حتى يرون ابن الإنسان آتياً في ملكوته فلما سمع رئيس الكهنة ذلك شق ثيابه وقال : ما حاجتنا إلى شهادة يهودا قد سمعتم ماذا ترون في أمره ؟ فقالوا : هذا مستوجب الموت فحينئذٍ بصقوا في وجه البعيد ولطموه وضربوه وهزأوا به وجعلوا يلطمونه ويقولون : بين لنا من لطمك ولما كان من الغد أسلموه لفيلاطس","part":13,"page":365},{"id":5598,"text":"القائد فتصايح الشعب بأسره يصلب يصلب فتحرج فيلاطس من قتله ، وقال : أي شر فعل هذا فقال الشيوخ : دمه عليهم وعلى أولادهم فحينئذٍ ساقه جند القائد إلى الأبروطوريون فاجتمع عليه الشعب ونزعوه ثيابه وألبسوه لباساً أحمر وضفوا إكليلاً من الشوك وتركوه على رأسه وجعلوا في يده قصبة ثم جثوا على ركبهم يهزأون به ويقولون : السلام عليك يا ملك اليهود وشرعوا يبصقون عليه ويضربونه في رأسه ثم ذهبوا به وهو يحمل صليبه إلى موضع يعرف بالجمجمة فصلبوه وسمروا يديه على الخشبة فسألهم شربة ماء فأعطوه خلاً مدافاً بمرّ فذاقه ولم يسغه وجلس الشرط فاقتسموا ثيابه بينهم بالقرعة وجعلوا عند رأسه لوحاً مكتوباً هذا يسوغ ملك اليهود استهزاءاً به ، ثم جاءوا بلصين فجعلوهما عن يمينه وشماله تحقيراً له وكان اليهود يقولون له : يا ناقض الهيكل وبانيه في ثلاثة أيام خلص نفسك وإن كنت ابن الله كما تقول انزل عن الصليب ، وقال اليهود : هذا يزعم أنه خلص غيره فكيف لم يقدر على خلاص نفسه إن كان متوكلاً على الله تعالى فهو ينجيه مما هو فيه ؟ ولما كان ست ساعات من يوم الجمعة صرخ يسوع وهو على الصليب بصوت عظيم آلوي آلوي إيما صاصا أي إلهي إلهي لم تركتني وخذلتني وأخذ اليهود سفنجة فيها خل ورفعها أحدهم على قصبة وسقاه ، وقال آخر : دعوه حتى نرى من يخلصه فصرخ يسوع وأمال رأسه وأسلم الروح وانشق حجاب الهيكل وانشقت الصخور وتفتحت القبور وقام كثير من القديسين من قبورهم ودخلوا المدينة المقدسة وظهروا للناس ولما كان المساء جاء رجل من ألزامه يسمى يوسف بلفائف نقية وتركه في قبر كان قد نحته في صخرة ثم جعل على باب القبر حجراً عظيماً وجاء مشايخ اليهود من الغد الذي بعد الجمعة إلى فيلاطس القائد فقالوا : يا سيدي ذكرنا أن ذاك الضال كان قد ذكر لتلاميذه أنا أقوم بعد ثلاثة أيام فلو أمرت من يحرس القبر حتى تمضي المدة كي لا تأتي تلاميذه ويسرقوه ثم يشيعون في الشعب أنه قام فتكون","part":13,"page":366},{"id":5599,"text":"الضلالة الثانية شراً من الأولى فقال لهم القائد : اذهبوا وسدوا عليه واحرسوه كما تريدون فمضوا وفعلوا ما أرادوا ، وفي عشية يوم السبت جاءت مريم المجدلانية ومريم رفيقتها لينظرن إلى القبر.\rوفي \"إنجيل مرقص\" إنما جاءت مريم يوم الأحد بغلس وإذا ملك قد نزل من السماء برجة عظيمة فألقى الحجر عن القبر وجلس عنده وعليه ثياب بيض كالبرق فكاد الحرس أن يموتوا من هيبته ثم قال للنسوة : لا تخافا قد علمت أنكما جئتما تطلبان يسوع المصلوب ليس هو ههنا إنه قد قام تعالين انظرن إلى المكان الذي كان فيه الرب واذهبا وقولا لتلاميذه إنه سبقكم إلى الخليل فمضتا وأخبرتا التلاميذ ودخل الحراس وأخبروا رؤساء الكهنة الخبر فقالوا : لا تنطقوا بهذا ورشوهم بفضة على كتمان القضية فقبلوا ذلك منهم وأشاعوا أن التلاميذ جاءوا وسرقوه ومهدت المشايخ عذرهم عند القائد ومضت الأحد عشر تلميذاً إلى الخليل وقد شك بعضهم ، وجاء لهم يسوع وكلمهم وقال لهم : اذهبوا فعمدوا كل الأمم وعلموهم ما أوصيكم به ، وهو ذا أنا معكم إلى انقضاء الدهر انتهى.","part":13,"page":367},{"id":5600,"text":"وههنا أمور : \rالأول : أنه يقال للنصارى : ما ادعيتموه من قتل المسيح وصلبه أتنقلونه تواتراً أو آحاداً فإن زعموا أنه آحاد لم تتم بذلك حجة ولم يثبت العلم إذ الآحاد لم يؤمن عليهم السهو والغفلة والتواطؤ على الكذب ، وإذا كان الآحاد يعرض لهم ذلك فكيف يحتج بقولهم في القطعيات ؟ ا وإن عزوا ذلك إلى التواتر قلنا لهم : أحد شروط التواتر استواء الطرفين فيه والواسطة بأن يكون الإخبار في كل طبقة ممن لا يمكن مواطأته على الكذب فإن زعمتم أن خبر قتل المسيح كذلك أكذبتم نصوص الإنجيل الذي بأيديكم إذ قال نقلته الذين دونوه لكم وعليه معولكم : إن المأخوذ للقتل كان في شرذمة قليلة من تلامذته فلما قبض عليه هربوا بأسرهم ولم يتبعه سوى بطرس من بعيد فلما دخل الدار حيث اجتمعوا نظرت جارية منهم إليه فعرفته فقالت : هذا كان مع يسوع فحلف أنه لا يعرف يسوع ولا يقول بقوله وخادعهم حتى تركوه وذهب ، ولم يكد يذهب وأن شاباً آخر تبعه وعليه إزار فتعلقوا به فترك إزاره بأيديهم وذهب عرياناً فهؤلاء أصحابه وأتباعه لم يحضر أحد منهم بشهادة الإنجيل ، وأما أعداؤه اليهود الذين تزعمون أنهم حضروا الأمر فلا نسلم أنهم بلغوا عدد التواتر بل كانوا آحاداً وهم أعداء يمكن تواطؤهم على الكذب على عدوهم إيهاماً منهم أنهم ظفروا به وبلغوا منه أمانيهم فانخرم شرط التواتر.\rويؤيد هذا أن رؤساء الكهنة فيما زعمتم رشوا الحراس فلا يبعد أن تكون هذه العصابة من اليهود صلبوا شخصاً من أصحاب يسوع وأوهموا الناس أنه المسيح لتتم لهم أغراضهم على أن الأخباريين ذكروا أن بختنصر قتل علماء اليهود في مشارق الأرض ومغاربها لأنهم حرفوا التوراة وزادوا فيها ونقصوا حتى لم يبق منهم إلا شرذمة ، فالمخبرون لم يبلغوا حد التواتر في الطبقة الوسطى أيضاً.","part":13,"page":368},{"id":5601,"text":"الثاني : أن في هذا الفصل ما تحكم البداهة بكذبه ، وما تضحك الثكلى منه ، وما يبعده العقل مثل قوله للكهنة : إنكم من الآن ما ترون ابن الإنسان يريدون بالإنسان الرب سبحانه فإنه لم يرد إطلاق ذلك عليه جل شأنه في كتاب ، وقوله : إن ناساً من القيام ههنا الخ فإنه لم ير أحد من القيام هناك قبل موتة عيسى عليه السلام آتياً في ملكوته ، وقول الملك للنسوة : تعالين فانظرن إلى الموضع الذي كان فيه الرب فإنه يقال فيه : أرب يقبر وإله يلحد ، أف لتراب يغشى وجه هذا الإله ، وتباً لكفن ستر محاسنه ، وعجباً للسماء كيف لم تبد وهو سامكها وللأرض لم تمد وهو ماسكها وللبحار كيف لم تغض وهو مجريها وللجبال كيف لم تسر وهو مرسيها وللحيوان كيف لم يصعق وهو مشبعه وللكون كيف لم يمحق وهو مبدعه سبحان الله كيف استقام الوجود والرب في اللحود ، وكيف ثبت العالم على نظام والإله في الرغام إنا لله وإنا إليه راجعون على المصيبة بهذا الرب والرزية بهذا الإله لقد ثكلته أمه ، وعدمه لا أبا لك قومه ؟ ا وقوله : إلهي إلهي لم خذلتني فإنه ينافي الرضا بمرّ القضاء ، ويناقض التسليم لأحكام الحكيم ، وذلك لا يليق بالصالحين فضلاً عن المرسلين على أنه يبطل دعوى الربوبية التي تزعمونها والألوهية التي تعتقدونها ، وقولهم : إنه قام كثير من القديسين من قبورهم الخ فإنه كذب صريح لأنه لو كان صحيحاً لأطبق الناس على نقله ولزال الشك عن تلك الجموع في أمر يسوع ، وقولهم : مضت الأحد عشر تلميذاً إلى الخليل الخ فإنه قد انطفأ فيه سراج التلميذ الثاني عشر على ما يقتضيه قول المسيح : ويل لمن يسلم ابن الإنسان مع أن يسوع بزعمكم قال لتلاميذه الاثني عشر وفيهم يهودا الإسخريوطي الذي أسلمه للقتل : إنكم ستجلسون يوم القيامة على اثني عشر كرسياً تدينون اثني عشر سبط بني إسرائيل ، وقولهم : إنهم سألهم شربة ماء فإنه في غاية البعد لأن الإنجيل مصرح بأن المسيح كان يطوي أربعين يوماً وأربعين","part":13,"page":369},{"id":5602,"text":"ليلة ومثله لا يجزع من فراق الماء ساعة لا سيما وقد كان يقول لتلاميذه : إن لي طعاماً لا تعرفونه إلى غير ذلك.\rالثالث : إن ما ذكروا من قيام المسيح من قبره ليلة السبت مع صلبه يوم الجمعة مخالف لما رواه \"متى في إنجيله\" فإنه قال فيه : سأل اليهود المسيح أن يريهم آية فقال : الجيل الشرير الفاسق يطلب آية فلا يعطى إلا آية يونيان النبي يعني يونس عليه السلام لأنه أقام في بطن الحوت ثلاثة أيام وثلاث ليال وكذلك ابن الإنسان يقيم في بطن الأرض ثلاثة أيام وثلاث ليال الرابع : أن في هذه القصة ما يدل دلالة واضحة على أن المصلوب هو الشبه وأن الله تعالى حمى المسيح عليه السلام عن الصلب كما سيتضح لك مع زيادة تحقيق عند قوله تعالى : { وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ ولكن شُبّهَ لَهُمْ } [ النساء : 157 ] هذا وإنما أكد الحكم السابق اعتناءاً به أو لأن تسلط الكفار عليه جعل المقام مقام اعتقاد أنهم يقتلونه ، وأراد سبحانه بقوله : { وَرَافِعُكَ إِلَىَّ } رافعك إلى سمائي ، وقيل : إلى كرامتي ، وعلى كل فالكلام على حذف مضاف إذ من المعلوم أن البارىء سبحانه ليس بمتحيز في جهة ، وفي رفعه إلى أي سماء خلاف ، والذي اختاره الكثير من العارفين أنه رفع إلى السماء الرابعة ، وعن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أنه رفعه إلى السماء الدنيا فهو فيها يسبح مع الملائكة ثم يهبطه الله تعالى عند ظهور الدجال على صخرة بيت المقدس.","part":13,"page":370},{"id":5603,"text":"وفي الخازن أنه سبحانه لما رفعه عليه السلام إليه كساه الريش وألبسه النور وقطع عنه لذة المطعم والمشرب فطار مع الملائكة فهو معهم حول العرش وصار إنسياً ملكياً أرضياً سماوياً ، وأورد بعض الناس ههنا إشكالات وهي أن الله تعالى كان قد أيده بجبريل عليه السلام كما قال سبحانه : { وأيدناه بِرُوحِ القدس } [ البقرة : 87 ] ثم إن طرف جناح من أجنحة جبريل كان يكفي للعالم فكيف لم يكف في منع أولئك اليهود عنه ؟ ا وأيضاً أنه عليه السلام لما كان قادراً على إحياء الموتى وإبراء الأكمه والأبرص فكيف لم يقدر على إماتتهم ودفع شوكتهم ، أو على إسقامهم وإلقاء الزمانة والفلج عليهم حتى يصيروا عاجزين من التعرض له ؟ وأيضاً لما خلصه من الأعداء بأن رفعه إلى السماء فما الفائدة في إلقاء شبهه على الغير ؟ وأجيب عن الكل بأن بناء التكليف على الاختيار ، ولو أقدر الله تعالى جبريل ، أو عيسى عليهما السلام على دفع الأعداء ، أو رفعه من غير إلقاء شبهه إلى السماء لبلغت معجزته إلى حد الإلجاء ، والقول بأن فتح باب إلقاء الشبه يوجب ارتفاع الأمان عن المحسوسات وأنه يفضي إلى سقوط الشرائع وإبطال التواتر ، وأيضاً إن في ذلك الإلقاء تمويهاً وتخليطاً وذلك لا يليق بحكمة الله تعالى ليس بشيء ، أما أولاً : فلأن إلقاء شبه شخص على آخر وإن كان ممكناً في نفسه إلا أن الأصل عدم الإلقاء واستقلال كل من الحيوان بصورته التي هي له ، نعم لو أخبر الصادق بإلقاء صورة شخص على آخر قلنا به واعتقدناه فحينئذٍ لا يرتفع الأمان عن المحسوسات بل هي باقية على الأصل فيها فيما لم يخبر الصادق بخلافه على أن إبطال التواتر بفتح هذا الباب ممنوع لأنه لم يشترط في الخبر أن يكون عن أمر ثابت في نفس الأمر بل يكفي فيه كونه عن أمر محسوس على ما قاله بعض المحققين ، وأما ثانياً : فلأن التمويه والتلبيس إن كان على الأعداء فلا نسلم أنه مما لا يليق بالحكمة وإن كانت النجاة مما تمكن بدون","part":13,"page":371},{"id":5604,"text":"الإلقاء وإن كان ذلك على أوليائه فلا نسلم أن في الإلقاء تمويهاً لأنهم كانوا عارفين يقيناً بأن المطلوب الشبه لا عيسى عليه السلام كما ستعرفه إن شاء الله تعالى ، والقول بأن المطلوب قد ثبت بالتواتر أنه بقي حياً زماناً طويلاً فلولا أنه كان عيسى لأظهر الجزع وعرف نفسه ولو فعل ذلك لاشتهر وتواتر ليس بشيء أيضاً ، أما أولاً : فلأن دعوى تواتر بقاء المصلوب حياً زماناً طويلاً مما لم يثبتها برهان والثابت أن المصلوب إنما صلب في الساعة الثانية من يوم الجمعة ومات في الساعة السادسة من ذلك اليوم وأنزل ودفن ، ومقدار أربع ساعات لا يعد زماناً طويلاً كما لا يخفى ، وأما ثانياً : فلأن عدم تعريف المصلوب نفسه إما لأنه أدركته دهشة منعته من البيان والإيضاح ، أو لأن الله تعالى أخذ على لسانه لم يستطع أن يخبر عن نفسه صوناً لنبيه عليه السلام أن يفصح الرجل عن أمره ، أو لأنه لصديقيته آثر المسيح بنفسه وفعل ذلك بعهد عهده إليه رغبة في الشهادة ، ولهذا ورى في الجواب الذي نقلته النصارى في القصة وقد وعد المسيح عليه السلام التلاميذ على ما نقلوا قبل بقولهم لو دفعنا إلى الموت معك لمتنا والشبه من جملتهم فوفى بما وعد من نفسه على عادة الصديقين من أصحاب الأنبياء عليهم السلام فهو من رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه ، ومن ذهب إلى أن الشبه كان من الأعداء لا من الأولياء روى أنه جعل يقول لليهود عند الصلب : لست المسيح وإنما أنا صاحبكم لكنه لم يسمع ولم يلتفت إلى قوله وصلبوه ، والقول بأنه لو كان ذلك لتواتر لا يخفى ما فيه لمن أحاط بما ذكرناه خبراً فتأمل. أ هـ {روح المعانى حـ 3 صـ 179 ـ 183}","part":13,"page":372},{"id":5605,"text":"فصل\rقال ابن عطية :\rأجمعت الأمة على ما تضمنه الحديث المتواتر من أن عيسى عليه السلام في السماء حي ، وأنه ينزل في آخر الزمان فيقتل الخنزير ويكسر الصليب ويقتل الدجال ويفيض العدل ويظهر هذه الملة ملة محمد ويحج البيت ويعتمر ، ويبقى في الأرض أربعاً وعشرين سنة ، وقيل أربعين سنة ، ثم يميته الله تعالى. أ هـ {المحرر الوجيز حـ 1 صـ 444}\rفصل\rقال الفخر :\rالمشبهة يتمسكون بهذه الآية في إثبات المكان لله تعالى وأنه في المساء ، وقد دللنا في المواضع الكثيرة من هذا الكتاب بالدلائل القاطعة على أنه يمتنع كونه تعالى في المكان فوجب حمل اللفظ على التأويل ، وهو من وجوه :\rالوجه الأول : أن المراد إلى محل كرامتي ، وجعل ذلك رفعاً إليه للتفخيم والتعظيم ومثله قوله {إِنّى ذَاهِبٌ إلى رَبّى} [ الصافات : 99 ] وإنما ذهب إبراهيم صلى الله عليه وسلم من العراق إلى الشام وقد يقول السلطان : ارفعوا هذا الأمر إلى القاضي ، وقد يسمى الحجاج زوار الله ، ويسمى المجاورون جيران الله ، والمراد من كل ذلك التفخيم والتعظيم فكذا ههنا.\rالوجه الثاني : في التأويل أن يكون قوله {وَرَافِعُكَ إِلَىَّ} معناه إنه يرفع إلى مكان لا يملك الحكم عليه فيه غير الله لأن في الأرض قد يتولى الخلق أنواع الأحكام فأما السموات فلا حاكم هناك في الحقيقة وفي الظاهر إلا الله.\rالوجه الثالث : إن بتقدير القول بأن الله في مكان لم يكن ارتفاع عيسى إلى ذلك سبباً لانتفاعه وفرحه بل إنما ينتفع بذلك لو وجد هناك مطلوبه من الثواب والروح والراحة والريحان ، فعلى كلا القولين لا بد من حمل اللفظ على أن المراد : ورافعك إلى محل ثوابك ومجازاتك ، وإذا كان لا بد من إضمار ما ذكرناه لم يبق في الآية دلالة على إثبات المكان لله تعالى. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 8 صـ 61}","part":13,"page":373},{"id":5606,"text":"قوله تعالى : {وَمُطَهّرُكَ مِنَ الذين كَفَرُواْ}\rقال الفخر :\rالمعنى مخرجك من بينهم ومفرق بينك وبينهم ، وكما عظم شأنه بلفظ الرفع إليه أخبر عن معنى التخليص بلفظ التطهير وكل ذلك يدل على المبالغة في إعلاء شأنه وتعظيم منصبه عند الله تعالى. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 8 صـ 61}\rوقال الآلوسى :\r{ وَمُطَهّرُكَ مِنَ الذين كَفَرُواْ } يحتمل أن يكون تطهيره عليه السلام بتبعيده منهم بالرفع ، ويحتمل أن يكون بنجاته مما قصدوا فعله به من القتل ، وفي الأول : جعلهم كأنهم نجاسة ، وفي الثاني : جعل فعلهم كذلك والأول هو الظاهر وإلى الثاني ذهب الجبائي. والمراد من الموصول اليهود ، وأتى بالظاهر على ما قيل دون الضمير : إشارة إلى علة النجاسة وهي الكفر. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن الحسن أن المراد من الموصول اليهود والنصارى والمجوس وكفار قومه. أ هـ {روح المعانى حـ 3 صـ 183}\rفائدة\rقال ابن عاشور :\rوالتطهير في قوله : {ومطهرك} مجازي بمعنى العصمة والتنزيه ؛ لأن طهارة عيسى هي هي ، ولكن لو سلط عليه أعداؤه لكان ذلك إهانة له.\rوحذف متعلق كفروا لظهوره أي الذين كفروا بك وهم اليهود ، لأن اليهود ما كفروا بالله بل كفروا برسالة عيسى ، لأن عيسى لم يبعث لغيرهم فتطهيره لا يظن أنه تطهير من المشركين بقرينة السياق. أ هـ {التحرير والتنوير حـ 3 صـ 109}\rقوله تعالى {وَجَاعِلُ الذين اتبعوك فَوْقَ الذين كَفَرُواْ إلى يَوْمِ القيامة}\rفصل\rقال الفخر :\rقوله {وَجَاعِلُ الذين اتبعوك فَوْقَ الذين كَفَرُواْ إلى يَوْمِ القيامة} فيه وجهان","part":13,"page":374},{"id":5607,"text":"الأول : أن المعنى : الذين اتبعوا دين عيسى يكونون فوق الذين كفروا به ، وهم اليهود بالقهر والسلطان والاستعلاء إلى يوم القيامة ، فيكون ذلك إخباراً عن ذل اليهود وإنهم يكونون مقهورين إلى يوم القيامة ، فأما الذين اتبعوا المسيح عليه السلام فهم الذين كانوا يؤمنون بأنه عبد الله ورسوله وأما بعد الإسلام فهم المسلمون ، وأما النصارى فهم وإن أظهروا من أنفسهم موافقته فهم يخالفونه أشد المخالفة من حيث أن صريح العقل يشهد أنه عليه السلام ما كان يرضى بشيء مما يقوله هؤلاء الجهال ، ومع ذلك فإنا نرى أن دولة النصارى في الدنيا أعظم وأقوى من أمر اليهود فلا نرى في طرف من أطراف الدنيا ملكاً يهودياً ولا بلدة مملوءة من اليهود بل يكونون أين كانوا بالذلة والمسكنة وأما النصارى فأمرهم بخلاف ذلك\rالثاني : أن المراد من هذه الفوقية الفوقية بالحجة والدليل.\rواعلم أن هذه الآية تدل على أن رفعه في قوله {وَرَافِعُكَ إِلَىَّ} هو الرفعة بالدرجة والمنقبة ، لا بالمكان والجهة ، كما أن الفوقية في هذه ليست بالمكان بل بالدرجة والرفعة. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 8 صـ 61 ـ 62}\rفائدة\rقال ابن عادل :\r{ إلى يَوْمِ القيامة } متعلق بالجَعْل ، يعني أن هذا الجعل مستمر إلى ذلك اليوم. ويجوز أن يتعلق الاستقرار المقدَّر في فَوْقَ أي : جاعلهم قاهرين لهم ، إلى يَوْمِ القيامةِ ، يعني أنهم ظاهرون على اليهود ، وغيرهم من الكفار بالغلبة في الدنيا ، فأما يوم القيامة ، فَيَحْكُمُ اللهُ بينهم ، فيدخل الطائع الجَنَّةَ ، والعاصي النَّارَ وليس المعنى على انقطاع ارتفاع المؤمنين على الكافرين بعد الدنيا ، وانقضائها ؛ لن لهم استعلاءٌ آخر غير هذا الاستعلاء.","part":13,"page":375},{"id":5608,"text":"قال أبو حيّان : \" والظاهر أن \" إلى \" تتعلق بمحذوف وهو العامل في \" فَوْقَ \" وهو المفعول الثاني لـ \" َجَاعِل \" إذْ معنى \" جاعل \" هنا مُصَيِّر ، فالمعنى كائنين فوقهم إلى يوم القيامة. وهذا على أن الفوقية مجاز ، أما إن كانت الفوقية حقيقة - وهي الفوقية في الجنة - فلا تتعلق \" إلى \" بذلك المحذوف ، بل بما تقدم من \" مُتَوَفِّيك \" أو من \" رَافِعُكَ \" أو من \" مُطَهِّرُكَ \" إذْ يصح تعلُّقه بكل واحد منها ، أما تعلقه بـ \" رَافِعُكَ \" أو بـ \" مُطَهِّرُكَ \" فظاهر ، وأما بـ \" مُتَوَفِّيكَ \" فعلى بعض الأقوال \".\rيعني ببعض الأقوال أن التوفي يُرادُ به : قابضك من الأرض من غير موت ، وهو قول جماعة - كالحسن والكلبي [ وابن جريج ] وابن زيد وغيرهم. أو يراد به ما ذكره الزمخشريُّ : وهو مُسْتَوْفٍ أجلك ، ومعناه : إني عاصمك من أن يقتلَكَ الكفارُ ، ومؤخِّرُك إلى أجل كتبتُهُ لك ، ومميتك حَتْفَ أنفكِ لا قَتْلاً بأيدي الكفار ، وإن على قول مَنْ يقول : إنه تَوَفٍّ حقيقةً فلا يُتَصَوَّر تعلُّقه به ؛ لأن القائلَ بذلك لم يَقُل باستمرار الوفاة إلى يوم القيامة ، بل قائل يقول : إنه تُوُفِّي ثَلاثَ ساعاتٍ ، بقدر ما رفع إلى سمائه حتّى لا يلحقَه خوفٌ ولا ذُعْرٌ في اليقظة. وعلى هذا الذي ذكره أبو حيان يجوز أن تكون المسألة من الإعمال ، ويكون قد تنازع في هذا الجار ثلاثةُ عواملَ ، وإذا ضَمَمْنَا إليها كَوَن الفوقية مجازاً تنازع فيها أربعة عوامل ، والظاهر أنه متعلق بـ \" جَاعِل \". وقد تقدم أن أبا عمرو يسكن ميم \" أحكم \" ونحوه قبل الباء. أ هـ {تفسير ابن عادل حـ 5 صـ 268 ـ 269}\rوقال ابن كثير :","part":13,"page":376},{"id":5609,"text":"وقوله تعالى : { وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا } أي : برفعي إياك إلى السماء { وَجَاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ } وهكذا وقع ؛ فإن المسيح ، عليه السلام ، لما رفعه الله إلى السماء تَفَرَّقت أصحابه شيَعًا بعده ؛ فمنهم من آمن بما بعثه الله به على أنه عبد الله ورسوله وابن أمته ، ومنهم من غلا فيه فجعله ابن الله ، وآخرون قالوا : هو الله. وآخرون قالوا : هو ثالث ثلاثة. وقد حكى الله مقالاتهم في القرآن ، ورَد على كل فريق ، فاستمروا كذلك قريبا من ثلاثمائة سنة ، ثم نَبَع لهم ملك من ملوك اليونان ، يقال له : قسطنطين ، فدخل في دين النصرانية ، قيل : حيلة ليفسده ، فإنه كان فيلسوفا ، وقيل : جهلا منه ، إلا أنه بَدل لهم دين المسيح وحرفه ، وزاد فيه ونقص منه ، ووضعت له القوانين والأمانة الكبيرة - التي هي الخيانة الحقيرة-وأحل في زمانه لحم الخنزير ، وصَلّوا له إلى المشرق وصوروا له الكنائس ، وزادوا في صيامهم عشرة أيام من أجل ذنب ارتكبه ، فيما يزعمون. وصار دين المسيح دين قسطنطين إلا أنه بنى لهم من الكنائس والمعابد والصوامع والديارت ما يزيد على اثنى عشر ألف معبد ، وبنى المدينة المنسوبة إليه ، واتبعه الطائفة المَلْكِيَّة منهم. وهم في هذا كله قاهرون لليهود ، أيَّدهم الله عليهم لأنهم أقرب إلى الحق منهم ، وإن كان الجميع كفار ، عليهم لعائن الله.\rفلما بعث الله محمدًا صلى الله عليه وسلم ، فكان من آمن به يؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله على الوجه الحق -كانوا هم أتباع كُل نبي على وجه الأرض- إذ قد صدقوا الرسول النبي الأمي ، خاتم الرسل ، وسيد ولد آدم ، الذي دعاهم إلى التصديق بجميع الحق ، فكانوا أولى بكل نبي من أمته ، الذين يزعمون أنهم على ملّته وطريقته ، مع ما قد حَرّفوا وبدلوا.\r","part":13,"page":377},{"id":5610,"text":"ثم لو لم يكن شيء من ذلك لكان قد نسخ الله بشريعته شريعة جميع الرسل بما بعث به محمدًا صلى الله عليه وسلم من الدين الحق ، الذي لا يغير ولا يبدل إلى قيام الساعة ، ولا يزال قائما منصورًا ظاهرا على كل دين. فلهذا فتح الله لأصحابه مشارق الأرض ومغاربها ، واحتازوا جميع الممالك ، ودانت لهم جميعُ الدول ، وكسروا كسرى ، وقَصروا قيصر ، وسلبوهما كُنُوزَهما ، وأنفقت في سبيل الله ، كما أخبرهم بذلك نبيهم عن ربهم ، عز وجل ، في قوله : { وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الأرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا } الآية[ النور : 65 ] ولهذا لما كانوا هم المؤمنين بالمسيح حقا سلبوا النصارى بلاد الشام وأَجْلَوهم إلى الروم ، فلجؤوا إلى مدينتهم القسطنطينية ، ولا يزال الإسلام وأهله فوقهم إلى يوم القيامة. وقد أخبر الصادق المصدوق أمَّته بأن آخرهم سيفتحون القسطنطينية ، ويستفيؤون ما فيها من الأموال ، ويقتلون الروم مَقْتلة عظيمة جدا ، لم ير الناس مثلها ولا يرون بعدها نظيرها ، وقد جمعت في هذا جزءا مفردا. ولهذا قال تعالى : { وَجَاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ } أي : يوم القيامة { فَأَحْكُمُ بَيْنَكُمْ فِيمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ. أ هـ {تفسير ابن كثير حـ 2 صـ 47 ـ 48}\rقوله تعالى {ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأَحْكُمُ بَيْنَكُمْ فِيمَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ}\rقال الفخر :","part":13,"page":378},{"id":5611,"text":"المعنى أنه تعالى بشّر عيسى عليه السلام بأنه يعطيه في الدنيا تلك الخواص الشريفة ، والدرجات الرفيعة العالية ، وأما في القيامة فإنه يحكم بين المؤمنين به ، وبين الجاحدين برسالته ، وكيفية ذلك الحكم ما ذكره في الآية التي بعد هذه الآية. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 8 صـ 62}\rوقال الآلوسى : \r{ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ } أي مصيركم بعد يوم القيامة ورجوعكم ، والضمير لعيسى عليه السلام والطائفتين ، وفيه تغليب على الأظهر ، و{ ثُمَّ } للتراخي ؛ وتقديم الظرف للقصر المفيد لتأكيد الوعد والوعيد ، ويحتمل أن يكون الضمير لمن اتبع وكفر فقط ، وفيه التفات للدلالة على شدة إرادة إيصال الثواب والعقاب لدلالة الخطاب على الاعتناء. { فَأَحْكُمُ بَيْنَكُمْ } أي فأقضي بينكم إثر رجوعكم إليّ ومصيركم بين يدي { فِيمَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ } من أمور الدين ، أو من أمر عيسى عليه السلام ، والظرف متعلق بما بعده وقدم رعاية للفواصل. أ هـ {روح المعانى حـ 3 صـ 184}\rوقال ابن عاشور : \rوجملة {ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ} عطف على جملة {وَجَاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا} إذ مضمون كلتا الجملتين من شأن جزاء الله متبعي عيسى والكافرين به ، وثم للتراخي الرتبي ؛ لأن الجزاء الحاصل عند مرجع الناس إلى الله يوم القيامة ، مع ما يقارنه من الحكم بين الفريقين فيما اختلفوا فيه ، أعظم درجة وأهم من جعل متبعي عيسى فوق الذين كفروا في الدنيا.\rوالظاهر أن هذه الجملة مما خاطب الله به عيسى ، وأن ضمير مرجعكم ، وما معه من ضمائر المخاطبين ، عائد إلى عيسى والذين اتبعوه والذين كفروا به.\rويجوز أن يكون خطابا للنبي صلى الله عليه وسلم والمسلمين ، فتكون ثم للانتقال من غرض إلى غرض ، زيادة على التراخي الرتبي والتراخي الزمني.","part":13,"page":379},{"id":5612,"text":"والمرجع مصدر ميمي معناه الرجوع. وحقيقة الرجوع غير مستقيمة هنا فتعين أنه رجوع مجازي ، فيجوز أن يكون المراد به البعث للحساب بعد الموت ، وإطلاقه على هذا المعنى كثير في القرآن بلفظه وبمرادفه نحو المصير ، ويجوز أن يكون مرادا به انتهاء إمهال الله إياهم في أجل أراده فينفذ فيهم مراده في الدنيا.\rويجوز الجمع بين المعنيين باستعمال اللفظ في مجازيه ، وهو المناسب لجمع العذابين في قوله : {فَأُعَذِّبُهُمْ عَذَاباً شَدِيداً فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ} وعلى الوجهين يجري تفسير حكم الله بينهم فيما هم فيه يختلفون. أ هـ {التحرير والتنوير حـ 3 صـ 109 ـ 110}\rفوائد ولطائف\rقال ابن عادل :\r{ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ } في الآخرة { فَأَحْكُمُ بَيْنَكُمْ فِيمَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ } من الدّينِ ، وأمر عيسى عليه السلام ؛ التفات من غيبة إلى خطابِ ؛ وذلك أنه - تعالى - قدَّم ذِكْر مَنْ كَذَّب بعيسى وافترى عليه - وهم اليهود - وقدَّم - أيضاً - ذِكْرَ مَنْ آمن به - وهم الحواريون رضي الله عنهم - وقفَّى بعد ذلك بالإخبار بأنه يجعل مُتَّبِعِي عيسى فوق مخالفيه ، فلو جاء النظم على هذا السياق - من غير التفات ، لكان : ثم إليّ مرجعهم ، فأحكم بَيْنَهُم فيما كانوا ، ولكنه التفت إلى الخطاب ؛ لأنه أبلغ في البشارة ، وأزجر في النذارة.","part":13,"page":380},{"id":5613,"text":"وفي ترتيب هذه الأخبار الأربعة - أعني : إني مُتَوفِّيكَ وَرَافِعُكَ وَمُطَهِّرُكَ وَجَاعِلُ - هذا الترتيب معنًى حَسَنٌ جِدًّا ؛ وذلك أنه - تعالى - بشَّره - أولاً - بأنه متوفيه ، ومتولّي أمره ، فليس للكفار المتوعِّدين له بالقتل عليه سلطانٌ ولا سبيلٌ ، ثم بَشَّرَه - ثانياً - بأنه رافعه إليه - أي : إلى سمائه محل أنبيائه وملائكته ، ومحل عبادته ؛ ليسكن فيها ، ويعبدَ ربَّه مع عابديه - ثم - ثالثاً - بتطهيره من أوضار الكفرة وأذاهم وما قذفوه به ، ثم رابعاً - برفعة تابعيه على من خالَفهم ؛ ليتمَّ بذلك سروره ، ويكمل فرحه. وقدم البشارة بما يتعلق بنفسه على البشارة بما يتعلق بغيره ؛ لأن - الإنسان بنفسه أهم ، وبشأنه أعْنَى ، كقوله : { قوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارا } [ التحريم : 6 ] وفي الحديث : \" ابْدَأ بِنَفْسِكَ ثُمَّ بِمَنَ تَعُولُ \". أ هـ {تفسير ابن عادل حـ 5 صـ 272}\rفصل\rقال الفخر :\rبقي من مباحث هذه الآية موضع مشكل وهو أن نص القرآن دل على أنه تعالى حين رفعه ألقى شبهه على غيره على ما قال : {وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ ولكن شُبّهَ لَهُمْ} [ النساء : 157 ] والأخبار أيضاً واردة بذلك إلا أن الروايات اختلفت ، فتارة يروى أن الله تعالى ألقى شبهه على بعض الأعداء الذين دلوا اليهود على مكانه حتى قتلوه وصلبوه ، وتارة يروى أنه عليه السلام رغب بعض خواص أصحابه في أن يلقي شبهه حتى يقتل مكانه ، وبالجملة فكيفما كان ففي إلقاء شبهه على الغير إشكالات :","part":13,"page":381},{"id":5614,"text":"الإشكال الأول : إنا لو جوزنا إلقاء شبه إنسان على إنسان آخر لزم السفسطة ، فإني إذا رأيت ولدي ثم رأيته ثانياً فحينئذ أجوز أن يكون هذا الذي رأيته ثانياً ليس بولدي بل هو إنسان ألقي شبهه عليه وحينئذ يرتفع الأمان على المحسوسات ، وأيضاً فالصحابة الذين رأوا محمداً صلى الله عليه وسلم يأمرهم وينهاهم وجب أن لا يعرفوا أنه محمد لاحتمال أنه ألقي شبهه على غيره وذلك يفضي إلى سقوط الشرائع ، وأيضاً فمدار الأمر في الأخبار المتواترة على أن يكون المخبر الأول إنما أخبر عن المحسوس ، فإذا جاز وقوع الغلط في المبصرات كان سقوط خبر المتواتر أولى وبالجملة ففتح هذا الباب أوله سفسطة وآخره إبطال النبوات بالكلية.\rوالإشكال الثاني : وهو أن الله تعالى كان قد أمر جبريل عليه السلام بأن يكون معه في أكثر الأحوال ، هكذا قاله المفسرون في تفسير قوله {إِذْ أَيَّدتُّكَ بِرُوحِ القدس} [ المائدة : 110 ] ثم إن طرف جناح واحد من أجنحة جبريل عليه السلام كان يكفي العالم من البشر فكيف لم يكف في منع أولئك اليهود عنه ؟ وأيضاً أنه عليه السلام لما كان قادراً على إحياء الموتى ، وإبراء الأكمه والأبرص ، فكيف لم يقدر على إماتة أولئك اليهود الذين قصدوه بالسوء وعلى إسقامهم وإلقاء الزمانة والفلج عليهم حتى يصيروا عاجزين عن التعرض له ؟ .\rوالإشكال الثالث : إنه تعالى كان قادراً على تخليصه من أولئك الأعداء بأن يرفعه إلى السماء فما الفائدة في إلقاء شبهه على غيره ، وهل فيه إلا إلقاء مسكين في القتل من غير فائدة إليه ؟ .\rوالإشكال الرابع : أنه إذا ألقى شبهه على غيره ثم إنه رفع بعد ذلك إلى السماء فالقوم اعتقدوا فيه أنه هو عيسى مع أنه ما كان عيسى ، فهذا كان إلقاء لهم في الجهل والتلبيس ، وهذا لا يليق بحكمة الله تعالى.","part":13,"page":382},{"id":5615,"text":"والإشكال الخامس : أن النصارى على كثرتهم في مشارق الأرض ومغاربها وشدة محبتهم للمسيح عليه السلام ، وغلوهم في أمره أخبروا أنهم شاهدوه مقتولاً مصلوباً ، فلو أنكرنا ذلك كان طعناً فيما ثبت بالتواتر ، والطعن في التواتر يوجب الطعن في نبوّة محمد صلى الله عليه وسلم ، ونبوّة عيسى ، بل في وجودهما ، ووجود سائر الأنبياء عليهم الصلاة والسلام وكل ذلك باطل.\rوالإشكال السادس : أنه ثبت بالتواتر أن المصلوب بقي حياً زماناً طويلاً ، فلو لم يكن ذلك عيسى بل كان غيره لأظهر الجزع ، ولقال : إني لست بعيسى بل إنما أنا غيره ، ولبالغ في تعريف هذا المعنى ، ولو ذكر ذلك لاشتهر عند الخلق هذا المعنى ، فلما لم يوجد شيء من هذا علمنا أن ليس الأمر على ما ذكرتم ، فهذا جملة ما في الموضع من السؤالات : \rوالجواب عن الأول : أن كل من أثبت القادر المختار ، سلم أنه تعالى قادر على أن يخلق إنساناً آخر على صورة زيد مثلاً ، ثم إن هذا التصوير لا يوجب الشك المذكور ، فكذا القول فيما ذكرتم : \rوالجواب عن الثاني : أن جبريل عليه السلام لو دفع الأعداء عنه أو أقدر الله تعالى عيسى عليه السلام على دفع الأعداء عن نفسه لبلغت معجزته إلى حد الإلجاء ، وذلك غير جائز.\rوهذا هو الجواب عن الإشكال الثالث : فإنه تعالى لو رفعه إلى السماء وما ألقي شبهه على الغير لبلغت تلك المعجزة إلى حد الإلجاء.\rوالجواب عن الرابع : أن تلامذة عيسى كانوا حاضرين ، وكانوا عالمين بكيفية الواقعة ، وهم كانوا يزيلون ذلك التلبيس.\rوالجواب عن الخامس : أن الحاضرين في ذلك الوقت كانوا قليلين ودخول الشبهة على الجمع القليل جائز والتواتر إذا انتهى في آخر الأمر إلى الجمع القليل لم يكن مفيداً للعلم.\r","part":13,"page":383},{"id":5616,"text":"والجواب عن السادس : إن بتقدير أن يكون الذي ألقي شبه عيسى عليه السلام عليه كان مسلماً وقبل ذلك عن عيسى جائز أن يسكت عن تعريف حقيقة الحال في تلك الواقعة ، وبالجملة فالأسئلة التي ذكروها أمور تتطرق الاحتمالات إليها من بعض الوجوه ، ولما ثبت بالمعجز القاطع صدق محمد صلى الله عليه وسلم في كل ما أخبر عنه امتنع صيرورة هذه الأسئلة المحتملة معارضة للنص القاطع ، والله ولي الهداية. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 8 صـ 62 ـ 63}","part":13,"page":384},{"id":5617,"text":"قوله تعالى { فَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَأُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا فِي الدُّنْيَا وَالْآَخِرَةِ وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ (56)}\rمناسبة الآية لما قبلها\rقال الفخر :\rاعلم أنه تعالى لما ذكر {إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأَحْكُمُ بَيْنَكُمْ فِيمَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ} [ آل عمران : 55 ] بيّن بعد ذلك مفصلاً ما في ذلك الاختلاف ، أما الاختلاف فهو أن كفر قوم وآمن آخرون ، وأما الحكم فيمن كفر فهو أن يعذبه عذاباً شديداً في الدنيا والآخرة ، وأما الحكم فيمن آمن وعمل الصالحات ، فهو أن يوفيهم أجورهم. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 8 صـ 63 ـ 64}\rفصل\rقال ابن عادل :\rقوله : { فَأَمَّا الذين كَفَرُواْ } في محل هذا الموصول قولان :\rأظهرهما - وهو الأظهر- : أنه مرفوع على الابتداء ، والخبر الفاء وما بعدها.\rالثاني : أنه منصوب بفعل مقدَّر ، على أن المسألة من باب الاشتغال ، إذ الفعل بعده قد عمل في ضميره ، وهذا وجه ضعيف ؛ لأن \" أمَّا \" لا يليها إلا المبتدأ وإذا لم يَلِها إلا المبتدأ امتنع حمل الاسم بعدها على إضمار فعل ، ومن جوَّز ذلك قال : بأنه يُضْمَر الفعلُ متأخِّراً عن الاسم ، ولا يضمر قبله. قال : لئلا يَلِيَ \" أمَّا \" فعل - وهي لا يليها الأفعال ألبتة - فَتُقَدِّر - في قولك : أما زيداً فضربتُهُ - أما زيداً ضربتُ فضَرَبْتُه ، وكذا هنا يُقَدَّر : فأما الذين كفروا أعَذِّبُ فأعَذِّبُهُم ؛ قدر العامل بعد الصلة ، ولا تقدره قبل الموصول ؛ لما ذكرناه. وهذا ينبغي أن لا يجوز ؛ لعدم الحاجة إليه مع ارتكابِ وجهٍ ضعيفٍ جدًّا في أفصح الكلامِ.\rوقد قرئ شاذًّا { وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ } [ فصلت : 17 ] بنصب \" ثمود \" واستضعفها الناس. أ هـ {تفسير ابن عادل حـ 5 صـ 272 ـ 273}\rفصل\rقال الفخر :\rأما عذاب الكافر في الدنيا فهو من وجهين","part":13,"page":385},{"id":5618,"text":"أحدهما : القتل والسبي وما شاكله ، حتى لو ترك الكفر لم يحسن إيقاعه به ، فذلك داخل في عذاب الدنيا\rوالثاني : ما يلحق الكافر من الأمراض والمصائب ، وقد اختلفوا في أن ذلك هل هو عقاب أم لا ؟ قال بعضهم : إنه عقاب في حق الكافر ، وإذا وقع مثله للمؤمن فإنه لا يكون عقاباً بل يكون ابتلاءً وامتحاناً ، وقال الحسن : إن مثل هذا إذا وقع للكافر لا يكون عقاباً بل يكون أيضاً ابتلاءً وامتحاناً ، ويكون جارياً مجرى الحدود التي تقام على النائب ، فإنها لا تكون عقاباً بل امتحاناً ، والدليل عليه أنه تعالى يعد الكل بالصبر عليها والرضا بها والتسليم لها وما هذا حاله لا يكون عقاباً.\rفإن قيل : فقد سلمتم في الوجه الأول إنه عذاب للكافر على كفره ، وهذا على خلاف قوله تعالى : {وَلَوْ يُؤَاخِذُ الله الناس بِظُلْمِهِمْ مَّا تَرَكَ عَلَيْهَا مِن دَآبَّةٍ} [ النحل : 61 ] وكلمة {لَوْ} تفيد انتفاء الشيء لانتفاء غيره ، فوجب أن لا توجد المؤاخذة في الدنيا ، وأيضاً قال تعالى : {اليوم تجزى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ} [ غافر : 17 ] وذلك يقتضي حصول المجازاة في ذلك اليوم ، لا في الدنيا ، قلنا : الآية الدالة على حصول العقاب في الدنيا خاصة ، والآيات التي ذكرتموها عامة ، والخاص مقدم على العام. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 8 صـ 64}\rفصل\rقال الفخر :\rلقائل أن يقول وصف العذاب بالشدة ، يقتضي أن يكون عقاب الكافر في الدنيا أشد ، ولسنا نجد الأمر كذلك ، فإن الأمر تارة يكون على الكفار وأخرى على المسلمين ، ولا نجد بين الناس تفاوتاً.\rقلنا : بل التفاوت موجود في الدنيا ، لأن الآية في بيان أمر اليهود الذين كذبوا بعيسى عليه السلام ، ونري الذلة والمسكنة لازمة لهم ، فزال الإشكال. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 8 صـ 63 ـ 64}\rفصل\rقال الفخر :\rوصف تعالى هذا العذاب بأنه ليس لهم من ينصرهم ويدفع ذلك العذاب عنهم.","part":13,"page":386},{"id":5619,"text":"فإن قيل : أليس قد يمتنع على الأئمة والمؤمنين قتل الكفار بسبب العهد وعقد الذمة.\rقلنا : المانع هو العهد ، ولذلك إذا زال العهد حل قتله. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 8 صـ 64}\rمن فوائد الآلوسى فى الآية\rقال رحمه الله :\r{ فَأَمَّا الذين كَفَرُواْ فَأُعَذّبُهُمْ عَذَاباً شَدِيداً } تفسير للحكم المدلول عليه بقوله سبحانه : { فاحكم } [ آل عمران : 55 ] وتفصيل له على سبيل التقسيم بعد الجمع ، وإلى ذلك ذهب كثير من المحققين ، واعترض بأن الحكم مرتب على الرجوع إلى الله تعالى وذلك في القيامة لا محالة ، فكيف يصح تفسيره بالعذاب المقيد بقوله تعالى : { فِى الدنيا والآخرة } ؟ ا وأجيب بوجوه\rالأول : أن المقصود التأبيد وعدم الانقطاع من غير نظر إلى الدنيا والآخرة ،\rالثاني : أن المراد بالدنيا والآخرة مفهومهما اللغوي أي الأول والآخر ، ويكون ذلك عبارة عن الدوام وهذا أبعد من الأول جداً.\rالثالث : ما ذكر صاحب \"الكشف\" من أن المرجع أعم من الدنيوي والأخروي ، وقوله سبحانه : { إلى يَوْمِ القيامة } [ آل عمران : 55 ] غاية الفوقية لا غاية الجعل ، والرجوع متراخ عن الجعل وهو غير محدود على وزان قولك : سأعيرك سكنى هذا البيت إلى شهر ثم أخلع عليك بثوب من شأنه كذا وكذا فإنه يلزم تأخر الخلع عن الإعارة لا الخلع ، وعلى هذا توفية الأجر لِغُنْمِ الدارين ، ولا يخفى أن في لفظ { كُنتُمْ } في قوله جل وعلا : { فِيمَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ } [ آل عمران : 55 ] بعض نبوة عن هذا المعنى ، وأن المعنى أحكم بينكم في الآخرة فيما كنتم فيه تختلفون في الدنيا.","part":13,"page":387},{"id":5620,"text":"الرابع : أن العذاب في الدنيا هو الفوقية عليهم ، والمعنى أضم إلى عذاب الفوقية السابقة عذاب الآخرة قال في \"الكشف\" : وفيه تقابل حسن وإن هذه الفوقية مقدمة عذاب الآخرة ومؤكدته ، وإدماج أنها فوقية عدل لا تسلط وجود ، ولا يخفى أنه بعيد من اللفظ جداً إذ معنى أعذبه في الدنيا والآخرة ليس إلا أني أفعل عذاب الدارين إلا أن يقال : إن اتخاذ الكل لا يلزم أن يكون باتخاذ كل جزء فيجوز أن يفعل في الآخرة تعذيب الدارين بأن يفعل به عذاب الآخرة وقد فعل في الدنيا عذاب الدنيا فيكون تمام العذابين في الآخرة. الخامس : أن في الدنيا والآخرة متعلق بشديد تشديداً لأمر الشدة وليس بشيء كما لا يخفى ، والأولى من هذا كله ما ذكره بعض المحققين أن يحمل معنى { ثُمَّ } [ آل عمران : 55 ] على التراخي الرتبي والترقي من كلام إلى آخر لا على التراخي في الزمان فحينئذٍ لا يلزم أن يكون رجوعهم إلى الله تعالى متأخراً عن الجعل في الزمان سواء كان قوله جل شأنه : { إلى يَوْمِ القيامة } [ آل عمران : 55 ] غاية للجعل أو الفوقية فلا محذور ، ثم إن المراد بالعذاب في الدنيا إذلالهم بالقتل والأسر والسبي وأخذ الجزية ونحو ذلك ، ومن لم يفعل معه شيء من وجوه الإذلال فهو على وجل إذ يعلم أن الإسلام يطلبه وكفى بذلك عذاباً ، وبالعذاب في الآخرة عقاب الأبد في النار { وَمَا لَهُم مّن ناصرين } أي أعوان يدفعون عنهم عذاب الله ، وصيغة الجمع كما قال مولانا مفتي الروم لمقابلة ضمير الجمع أي ليس لكل واحد منهم ناصر واحد. أ هـ {روح المعانى حـ 3 صـ 184}","part":13,"page":388},{"id":5621,"text":"وقال ابن عطية :\rوقوله تعالى : { فأما الذين كفروا } الآية ، إخبار بما يجعل عليه حالهم من أول أمرهم وليس بإخبار عما يفعل بعد يوم القيامة ، لأنه قد ذكر الدنيا وهي قبل ، وإنما المعنى ، فأما الكافرون فالصنع بهم أنهم يعذبون { عذاباً شديداً في الدنيا } بالأسر والقتل والجزية والذل ، ولم ينله منهم فهو تحت خوفه إذ يعلم أن شرع الإسلام طالب له بذلك ، وقد أبرز الوجود هذا ، وفي { الآخرة } معناه ، بعذاب النار. أ هـ {المحرر الوجيز حـ 1 صـ 445}\rفائدة\rقال ابن عاشور :\rاعلم أن قوله فأعذبهم عذابا شديدا في الدنيا والآخرة قضية جزئية لا تقتضي استمرار العذابين :\rفأما عذاب الدنيا فهو يجري على نظام أحوال الدنيا : من شدة وضعف وعدم استمرار ، فمعنى انتفاء الناصرين لهم منه انتفاء الناصرين في المدة التي قدرها الله لتعذيبهم في الدنيا ، وهذا متفاوت ، وقد وجد اليهود ناصرين في بعض الأزمان مثل قصة أستير في الماضي وقضية فلسطين في هذا العصر.\rوأما عذاب الآخرة : فهو مطلق هنا ، ومقيد في آيات كثيرة بالتأييد ، كما قال : {وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنَ النَّارِ} [البقرة : 167].\rوجملة {وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ} تذييل للتفصيل كله فهي تذييل ثاني لجملة {فَأُعَذِّبُهُمْ عَذَاباً شَدِيداً} بصريح معناها ، أي أعذبهم لأنهم ظالمون والله لا يحب الظالمين وتذييل لجملة {وَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ} إلى آخرها ، بكناية معناها ؛ لأن انتفاء محبة الله الظالمين يستلزم أنه يحب الذين آمنوا وعملوا الصالحات فلذلك يعطيهم ثوابهم وافيا.\rومعنى كونهم ظالمين أنهم ظلموا أنفسهم بكفرهم وظلم الله النصارى بأن نقصوه بإثبات ولد له وظلموا عيسى بأن نسبوه ابنا لله تعالى ، وظلمه اليهود بتكذيبهم إياه وأذاهم.\rوعذاب الدنيا هو زوال الملك وضرب الذلة والمسكنة والجزية ، والتشريد في الأقطار ، وكونهم يعيشون تبعا للناس ، وعذاب الآخرة هو جهنم.\rومعنى : {وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ} أنهم لا يجدون ناصرا يدفع عنهم ذلك وإن حاوله لم يظفر به. أ هـ {التحرير والتنوير حـ 3 صـ 110 ـ 111}","part":13,"page":389},{"id":5622,"text":"قوله تعالى : { وَأَمَّا الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ (57)}\rفائدة\rقال الفخر :\rذكر الذين آمنوا ، ثم وصفهم بأنهم عملوا الصالحات ، وذلك يدل على أن العمل الصالح خارج عن مسمى الإيمان ، وقد تقدم ذكر هذه الدلالة مراراً. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 8 صـ 65}\rفصل\rقال ابن عادل :\rقرأ حفص عن عاصم والحسن \" فَيُوَفِّيهِمْ \" - بياء الغيبة - والباقون بالنون. فقراءة حفص على الالتفاتِ من التكلُّم إلى الغيبة ؛ تفنُّناً في الفصاحةِ ، وقراءة الباقين جاريةٌ على ما تقدم من إتِّسَاق النظم ، ولكن جاء هناك بالمتكلم وحده ، وهنا بالمتكلم وحده المعظم نفسه ؛ اعتناءً بالمؤمنين ، ورفْعاً من شأنهم ؛ لمَّا كانوا مُعَظَّمِينَ عندَه. أ هـ {تفسير ابن عادل حـ 5 صـ 273}\rوقال السمرقندى :\rقرأ عاصم في رواية حفص ، فيوفيهم بالياء ، يعني يوفيهم أجورهم ، وأما الباقون بالنون ، يعني أن الله قال { فَيُوَفّيهِمْ أُجُورَهُمْ } وهذا لفظ الملوك ، إنهم يتكلمون بلفظ الجماعة ، ويقولون : نحن نفعل كذا وكذا ، ونكتب إلى فلان ، ونأمر بكذا ، فالله تعالى خاطب العرب بما يفهمون فيما بينهم كما قال في سائر المواضع { إِنَّآ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحاً صَرْصَراً فِى يَوْمِ نَحْسٍ مُّسْتَمِرٍّ } [ القمر : 19 ] { إِنَّآ أَنزَلْنَا إِلَيْكَ الكتاب بالحق لِتَحْكُمَ بَيْنَ الناس بِمَآ أَرَاكَ الله وَلاَ تَكُنْ لِّلْخَآئِنِينَ خَصِيماً } [ النساء : 105 ] وكذلك ها هنا قال : \"فنوفيهم أجورهم\" أي نعطيهم ثواب عملهم. أ هـ {بحر العلوم حـ 1 صـ 243}","part":13,"page":390},{"id":5623,"text":"فصل\rقال الفخر :\rاحتج من قال بأن العمل علة للجزاء بقوله {فَيُوَفّيهِمْ أُجُورَهُمْ} فشبههم في عبادتهم لأجل طلب الثواب بالمستأجر ، والكلام فيه أيضاً قد تقدم والله أعلم. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 8 صـ 65}\rفائدة\rقال ابن عطية :\rوتوفية الأجور هي قسم المنازل في الجنة فذلك هو بحسب الأعمال ، وأما نفس دخول الجنة فبرحمة الله وبفضله. أ هـ {المحرر الوجيز حـ 1 صـ 445}\rوقال ابن عاشور :\rوأسند {فيوفيهم} إلى نون العظمة تنبيها على عظمة مفعول هذا الفاعل ؛ إذ العظيم يعطي عظيما.\rوالتقدير فيوفيهم أجورهم في الدنيا والآخرة بدليل مقابله في ضدهم من قوله : {فَأُعَذِّبُهُمْ عَذَاباً شَدِيداً فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ} وتوفية الأجور في الدنيا تظهر في أمور كثيرة : منها رضا الله عنهم ، وبركاته معهم ، والحياة الطيبة ، وحسن الذكر.\rوجملة {وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ} تذييل ، وفيها اكتفاء : أي ويحب الذين آمنوا وعملوا الصالحات. أ هـ {التحرير والتنوير حـ 3 صـ 111}\rفصل\rقال الفخر :\rالمعتزلة احتجوا بقوله {والله لاَ يُحِبُّ الظالمين} على أنه تعالى لا يريد الكفر والمعاصي ، قالوا : لأن مريد الشيء لا بد وأن يكون محباً له ، إذا كان ذلك الشيء من الأفعال وإنما تخالف المحبة الإرادة إذا علقتا بالأشخاص ، فقد يقال : أحب زيداً ، ولا يقال : أريده ، وأما إذا علقتا بالأفعال : فمعناهما واحد إذا استعملتا على حقيقة اللغة ، فصار قوله {والله لاَ يُحِبُّ الظالمين} بمنزلة قوله ( لا يريد ظلم الظالمين ) هكذا قرره القاضي ، وعند أصحابنا أن المحبة عبارة عن إرادة إيصال الخير إليه فهو تعالى وإن أراد كفر الكافر إلا أنه لا يريد إيصال الثواب إليه ، وهذه المسألة قد ذكرناها مراراً وأطواراً. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 8 صـ 65}","part":13,"page":391},{"id":5624,"text":"من فوائد الإمام البقاعى فى الآية\rقال رحمه الله :\rلم يقل : وأما الذين اتبعوك - لئلا يلتبس الحال وإن كان من اتبع النبي الأمي فقد اتبعه في بشارته به والأمر باتباعه بل قال : {وأما الذين آمنوا وعملوا الصالحات} لأن هذه ترجمة الذين اتبعوه حق الاتباع.\rولما كان تمام الاعتناء بالأولياء متضمناً لغاية القهر للأعداء أبدى في مظهر العظمة قوله تعظيماً لهم وتحقيراً لأعدائهم : {فيوفيهم أجورهم} أي نحبهم من غير أن نبخسهم منها شيئاً أو نظلم أحداً من الفريقين في شيء فإن الله سبحانه وتعالى متعال عن ذلك {والله} الذي له الكمال كله {لا يحب الظالمين} من كانوا ، أي لا يفعل معهم فعل المحب ، فهو يحبط أعمالهم لبنائها على غير أساس الإيمان ، فالآية من الاحتباك ، ونظمها على الأصل : فنوفيهم لأنا نحبهم والله يحب المؤمنين ، والذين ظلموا نحبط أعمالهم لأنا لا نحبهم والله لا يحب الظالمين ؛ فتوفية الأجر أولاً ينفيها ثانياً ، وإثبات الكراهة ثانياً يثبت ضدها أولاً ، وحقيقة الحال أنه أثبت للمؤمنين لازم المحبة المراد منها في حق الله سبحانه وتعالى لأنه أسّر ، ولازم المراد من عدمها في الظالمين لأنه أنكأ. أ هـ {نظم الدرر حـ 2 صـ 99}","part":13,"page":392},{"id":5625,"text":"من فوائد الآلوسى فى الآية\rقال رحمه الله :\r{ وَأَمَّا الذين ءامَنُوا وَعَمِلُواْ الصالحات } بيان لحال القسم الثاني ، وبدأ بقسم { الذين كَفَرُواْ } [ آل عمران : 56 ] لأن ذكر ما قبله من حكم الله تعالى بينهم أول ما يتبادر منه في بادىء النظر التهديد فناسب البداءة بهم ولأنهم أقرب في الذكر لقوله تعالى : { فَوْقَ الذين كَفَرُواْ } [ آل عمران : 55 ] ولكون الكلام مع اليهود الذين كفروا بعيسى عليه السلام وهموا بقتله { فَيُوَفّيهِمْ أُجُورَهُمْ } أي فيوفر عليهم ويتمم جزاء أعمالهم القلبية والقالبية ويعطيهم ثواب ذلك وافياً من غير نقص. وزعم بعضهم أن توفية الأجور هي قسم المنازل في الجنة والظاهر أنها أعم من ذلك وعلق التوفية على الإيمان والعمل الصالح ولم يعلق العذاب بسوى الكفر تنبيها على درجة الكمال في الإيمان ودعاءاً إليها وإيذاناً بعظم قبح الكفر ، وقرأ حفص. ورويس عن يعقوب فيوفيهم بياء الغيبة ، وزاد رويس ضم الهاء ، وقرأ الباقون بالنون جرياً على سنن العظمة والكبرياء ، ولعل وجه الالتفات إلى الغيبة على القراءة الأولى الإيذان بأن توفية الأجر مما لا يقتضي لها نصب نفس لأنها من آثار الرحمة الواسعة ولا كذلك العذاب ، والموصول في الآيتين مبتدأ خبره ما بعد الفاء ، وجوز أن يكون منصوباً بفعل محذوف يفسره ما ذكر ، وموضع المحذوف بعد الصلة كما قال أبو البقاء ولا يجوز أن يقدر قبل الموصول لأن أما لا يليها الفعل. { والله لاَ يُحِبُّ الظالمين } أي لا يريد تعظيمهم ولا يرحمهم ولا يثني عليهم ، أو المراد يبغضهم على ما هو الشائع في مثل هذه العبارة ، والجملة تذييل لما قبل مقرر لمضمونه. أ هـ {روح المعانى حـ 3 صـ 185}","part":13,"page":393},{"id":5626,"text":"وقال أبو حيان :\r{ وأما الذين آمنوا وعملوا الصالحات فيوفيهم أجورهم } بدأ أولاً بقسم الكفار ، لأن ما قبله من ذكر حكمه تعالى بينهم هو على سبيل التهديد والوعيد للكفار ، والإخبار بجزائهم ، فناسبت البداءة بهم ، ولأنهم أقرب في الذكر بقوله : { فوق الذين كفروا } وبكون الكلام مع اليهود الذين كفروا بعيسى وراموا قتله ، ثم أتى ثانياً بذكر المؤمنين ، وعلق هناك العذاب على مجرَّد الكفر ، وهنا علق توفية الأجر على الإيمان وعمل الصالحات تنبيهاً على درجة الكمال في الإيمان ، ودعاء إليها.\rوالتوفية : دفع الشيء وافياً من غير نقص ، والأجور : ثواب الأعمال ، شبهه بالعامل الذي يوفى أجره عند تمام عمله.\rوتوفية الأجور هي : قسم المنازل في الجنة بحسب الأعمال على ما رتبها تعالى ، وفي الآية قبلها قال : { فأعذبهم } أسند الفعل إلى ضمير المتكلم وحده ، وذلك ليطابق قوله : { فأحكم بينكم } وفي هذه الآية قال : فيوفيهم ، بالياء على قراءة حفص ، ورويس ، وذلك على سبيل الالتفات والخروج من ضمير المتكلم إلى ضمير الغيبة للتنوع في الفصاحة.\rوقرأ الجمهور : فنوفيهم ، بالنون الدالة على المتكلم المعظم شأنه ، ولم يأت بالهمزة كما في تلك الآية ليخالف في الإخبار بين النسبة الإسنادية فيما يفعله بالكافر وبالمؤمن ، كما خالف في الفعل ، ولأن المؤمن العامل للصالحات عظيم عند الله ، فناسبه الإخبار عن المجازي بنون العظمة. أ هـ {البحر المحيط حـ 2 صـ 499}","part":13,"page":394},{"id":5627,"text":"قوله تعالى : { ذَلِكَ نَتْلُوهُ عَلَيْكَ مِنَ الْآَيَاتِ وَالذِّكْرِ الْحَكِيمِ (58)}\rمناسبة الآية لما قبلها\rقال البقاعى :\rولما أتم سبحانه وتعالى ما أراد من أمر عيسى عليه الصلاة والسلام من ابتداء تكوينه إلى انتهاء رفعه وما كان بعده من أمر أتباعه مشيراً بذلك إلى ما فيه من بدائع الحكم وخزائن العلوم واللطائف المتنزلة على مقادير الهمم على أتقن وجه وأحكمه وأتمه وأخلصه وأسلمه ، وختمه بالتنفير من الظلم ، وكان الظلم وضع الشيء في غير موضعه ، وكان هذا القرآن العظيم قد حاز من حسن الترتيب ورصانة النظم بوضع كل شيء منه لفظاً ومعنى في محله الأليق به المحل الأعلى ، لا سيما هذه الآيات التي أتت بالتفصيل من أمر عيسى عليه الصلاة والسلام ، فلم تدع فيه شكاً ولا أبقت شبهة ولا لبساً ، أتبع ما تقدم من تفصيل الآيات البينات قوله منبهاً على عظمة هذه الآيات الشاهدات الآتي بها صلى الله عليه وسلم بأوضح الصدق بإعجازها في نظمها وفي العلم بمضامينها من غير معلم من البشر كما تقدم نحو ذلك في {ذلك من أنباء الغيب نوحيه إليك} {هود : 49 ] {ذلك} أي النبأ العظيم والأمر الجسيم الذي لم تكن تعلم شيئاً منه ولا علمه من شبان قومك {نتلوه} أي نتابع قصه بما لنا من العظمة {عليك} وأنت أعظم الخلق حال كونه {من الآيات} أي التي لا إشكال فيها ، ويجوز أن يكون خبر اسم الإشارة ، {والذكر الحكيم} إشارة إلى ذلك لأن الحكمة وضع الشيء في أعدل مواضعه وأتقنها ، وأشار بأداة البعد تنبيهاً على علو منزلته ورفيع قدره. أ هـ {نظم الدرر حـ 2 صـ 99 ـ 100}\rفوائد لغوية\rقال ابن عادل :\rقوله : { { ذلك نَتْلُوهُ } يجوز أن يكون \" ذَلِكَ \" مبتدأ ، \" نَتْلُوهُ \" الخبر \" مِنَ الآيَاتِ \" حال أو خبر بعد خبر.","part":13,"page":395},{"id":5628,"text":"ويجوز أن يكون \" ذَلِكَ \" منصوباً بفعل مقدَّر يفسِّره ما بعده - فالمسألة من باب الاشتغال - و\" مِنَ الآيَاتِ \" حال ، أو خبر مبتدأ مُضمَرٍ [ أي : هو من الآيات ، ولكنّ الأحسن الرفعُ بالابتداء ؛ لأنه لا يحوج إلى إضمار ، وعندهم \" زيد ضربته \" أحسن من \" زيداً ضربته \" ، ويجوز أن يكون ذلك خبر مبتدأ مضمر ] ، يعني الأمر ذلك ، و\" نَتْلُوهُ \" على هذا حال من اسم الإشارة ، و{ مِنَ الآيَاتِ } حال من مفعول \" نَتْلُوهُ \".\rويجوز أن يكون \" ذَلِكَ \" موصولاً بمعنى \" الذي \" و\" نَتْلُوهُ \" صلة وعائد ، وهو مبتدأ خبره الجار بعده أي : الذي نتلوه عليك كائن من الآيات ، أي : المعجزات الدالة على نبوتك. جوَّز ذلك الزَّجَّاجُ وتبعه الزمخشريُّ ، وهذا مذهب الكوفيين.\rأما البصريون فلا يُجيزُون أن يكون اسماً من أسماء الإشارة موصولاً إلا \" ذَا \" خاصةً ، بشروطٍ تقدم ذكرها ؛ ويجوز أن يكون \" ذلك \" مبتدأ ، و\" مِنَ الآيَاتِ \" خبره ، و\" نَتْلُوهُ \" جملة في موضع نصب على الحال ، والعامل معنى اسم الإشارة.\rقوله : \" نَتْلُوهُ \" فيه وجهان : \rأحدهما : أنه وإن كان مضارعاً لفظاً فهو ماضٍ معنًى ، أي : الذي قدمناه من قصة عيسى وما جرى له تلوناه عليك ، كقوله : { واتبعوا مَا تَتْلُواْ الشياطين } [ البقرة : 102 ].\rوالثاني : أنه على بابه ؛ لأن الكلام لم يتم ، ولم يفرغ من قصة عيسى - عليه السلام - إذْ بقي منها بقية.\rو \" من \" فيها وجهانِ : \rأظهرهما : أنها تبعيضية ؛ لأن المَتلُوَّ عليه - من قصة عيسى - بعض معجزاته وبعض القرآن وهذا أوْجَهُ وأوضحُ. والمرادُ بالآيات - على هذا - العلامات الدالة على نبوتك.\rوالثاني : أنها لبيان الجنسِ ، وإليه ذهب ابنُ عَطِيَّةَ وبَدَأ به.\r","part":13,"page":396},{"id":5629,"text":"قال أبو حيّان : وَلاَ يَتأتَّى ذلك من جهة المعنى إلا بمجاز ؛ لأن تقدير \" من \" البيانية بالموصول ليس بظاهر ؛ إذ لو قلتَ : ذلك تتلوه عليك الذي هو الآيات والذكر الحكيم لاحتجت إلى تأويل ، وهو أن تجعل بعض الآيات والذكر آياتٍ وذكراً [ على سبيل المجاز ].\rوالحكيمُ : صيغة مبالغة محول من \" فاعل \". ووصف الكتاب بذلك مجازاً ؛ لأن هذه الصفة الحقيقية لمنزِّله والمتكلم به ، فوصف بصفة من هو من سببه - وهو الباري تبارك وتعالى - أو لأنه ناطق بالحكمة أو لأنه أحْكِم في نظمه. وجوزوا أن تكون بمعنى \" مُفْعَل \" أي : مُحْكَم ، كقوله : { كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ } [ هود : 1 ] إلا أن \" فعيل \" بمعنى \" مُفْعَل \" قليل ، قد جاءت منه أليْفَاظ ، قالوا : عقدت العسل فهو عقيد ومعقد وحبست الفرس [ في سبيل الله ] فهو حبيس ومُحْبَس. وفي قوله : \" نَتْلُوه \" التفات من غيبة إلى تكلُّم ؛ لأنه قد تقدمه اسم ظاهر - وهو قوله : { والله لاَ يُحِبُّ الظالمين } - كذا قاله أبو حيّان ، وفيه نظرٌ ؛ إذ يُحْتَمل أن يكون قوله : { والله لاَ يُحِبُّ الظالمين } جِيء به اعتراضاً بَيْنَ أبعاض هذه القصَّةِ. أ هـ {تفسير ابن عادل حـ 5 صـ 274 ـ 275}\rفصل\rقال الفخر :\rالتلاوة والقصص واحد في المعنى ، فإن كلا منهما يرجع معناه إلى شيء يذكر بعضه على إثر بعض ، ثم إنه تعالى أضاف التلاوة إلى نفسه في هذه الآية ، وفي قوله {نَتْلُواْ عَلَيْكَ مِن نَّبَإِ موسى} [ القصص : 3 ] وأضاف القصص إلى نفسه فقال : {نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ القصص} [ يوسف : 3 ] وكل ذلك يدل على أنه تعالى جعل تلاوة الملك جارية مجرى تلاوته سبحانه وتعالى ، وهذا تشريف عظيم للملك ، وإنما حسن ذلك لأن تلاوة جبريل صلى الله عليه وسلم لما كان بأمره من غير تفاوت أصلاً أُضيف ذلك إليه سبحانه وتعالى. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 8 صـ 65}\rفائدة\rقال الفخر :","part":13,"page":397},{"id":5630,"text":"قوله {مِنَ الآيات} يحتمل أن يكون المراد منه ، أن ذلك من آيات القرآن ويحتمل أن يكون المراد منه أنه من العلامات الدالة على ثبوت رسالتك ، لأنها أخبار لا يعلمها إلا قارىء من كتاب أو من يوحى إليه ، فظاهر أنك لا تكتب ولا تقرأ ، فبقي أن ذلك من الوحي. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 8 صـ 65}\rفصل\rقال الفخر :\r{والذكر الحكيم} فيه قولان\rالأول : المراد منه القرآن وفي وصف القرآن بكونه ذكراً حكيماً وجوه\rالأول : إنه بمعنى الحاكم مثل القدير والعليم ، والقرآن حاكم بمعنى أن الأحكام تستفاد منه والثاني : معناه ذو الحكمة في تأليفه ونظمه وكثرة علومه والثالث : أنه بمعنى المحكم ، فعيل بمعنى مفعل ، قال الأزهري : وهو شائع في اللغة ، لأن حكمت يجري مجرى أحكمت في المعنى ، فرد إلى الأصل ، ومعنى المحكم في القرآن أنه أحكم عن تطرق وجوه الخلل إليه قال تعالى : {أُحكمت آياته} [ هود : 1 ] والرابع : أن يقال القرآن لكثرة حكمه إنه ينطق بالحكمة ، فوصف بكونه حكيماً على هذا التأويل.\rالقول الثاني : أن المراد بالذكر الحكيم ههنا غير القرآن ، وهو اللوح المحفوظ الذي منه نقلت جميع الكتب المنزلة على الأنبياء عليهم السلام ، أخبر أنه تعالى أنزل هذا القصص مما كتب هنالك ، والله أعلم بالصواب. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 8 صـ 65 ـ 66}","part":13,"page":398},{"id":5631,"text":"من فوائد الآلوسى فى الآية\rقال رحمه الله :\r{ ذلك } أي المذكور من أمر عيسى عليه السلام والإتيان بما يدل على البعد للإشارة إلى عظم شأن المشار إليه وبعد منزلته في الشرف. { نَتْلُوهُ عَلَيْكَ } أي نسرده ونذكره شيئاً بعد شيء ، والمراد تلوناه إلا أنه عبر بالمضارع استحضاراً للصورة الحاصلة اعتناءاً بها ، وقيل : يمكن الحمل على الظاهر لأن قصة عيسى عليه السلام لم يفرغ منها بعد { مِنَ الآيات } أي الحجج الدالة على صدق نبوتك إذ أعلمتهم بما لا يعلمه إلا قارىء كتاب ، أو معلم ولست بواحد منهما فلم يبق إلا أنك قد عرفته من طريق الوحي { والذكر } أي القرآن ، وقيل : اللوح المحفوظ وتفسيره به لاشتماله عليه ، و{ مِنْ } تبعيضية على الأول ، وابتدائية على الثاني وحملها على البيان وإرادة بعض مخصوص من القرآن بعيد { الحكيم } أي المحكم المتقن نظمه ، أو الممنوع من الباطل ، أو صاحب الحكمة ، وحينئذ يكون استعماله لما صدر عنه مما اشتمل على حكمته ؛ إما على وجه الاستعارة التبعية في لفظ حكيم ، أو الإسناد المجازي بأن أسند للذكر ما هو لسببه وصاحبه ، وجعله من باب الاستعارة المكنية التخييلية بأن شبه القرآن بناطق بالحكمة وأثبت له الوصف بحكيم تخييلا محوج إلى تكلف مشهور في دفع شبهة ذكر الطرفين حينئذ فتأمل ، وجوز في الآية أوجه من الإعراب ، الأول : أن ذلك مبتدأ ، و{ نَتْلُوهُ } خبره ، و{ عَلَيْكَ } متعلق بالخبر ، و{ مِنَ الآيات } حال من الضمير المنصوب ، أو خبر بعد خبر ، أو هو الخبر وما بينهما حال من اسم الاشارة على أن العامل فيه معنى الإشارة لا الجار والمجرور قيل : لأن الحال لا يتقدم العامل المعنوي ، الثاني : أن يكون ذلك خبراً لمحذوف أي : الأمر ذلك ، و{ نَتْلُوهُ } في موضع الحال من { ذلك } و{ مِنَ الآيات } حال من الهاء ، الثالث : أن يكون ذلك في موضع نصب بفعل دل عليه نتلو فيكون { مِنَ الآيات } حالا من الهاء أيضاً. أ هـ {روح المعانى حـ 3 صـ 185}","part":13,"page":399},{"id":5632,"text":"قوله تعالى {إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آَدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (59)}\rمناسبة الآية لما قبلها\rقال البقاعى :\rثم أكد ظلمهم وصور حكمته بمثل هذا الفرقان في أمر عيسى عليه الصلاة والسلام الكاشف لما في ذلك مما ألبس عليهم فقال : {إن مثل عيسى} أي في كونه من أنثى فقط {عند الله} أي المحيط بكل شيء قدرة وعلماً في إخراجه من غير سبب حكمي عادي {كمثل آدم} في أن كلاًّ منهما أبدع من غير أب ، بل أمر آدم أعجب فإنه أوجده من غير أب ولا أم ، ولذلك فسر مثله بأنه {خلقه} أي قدره وصوره جسداً من غير جنس البشر ، بل {من تراب} فعلمنا أن تفسير مثل عيسى كونه خلقه من جنس البشر من أم فقط بغير أب ، فمثل عيسى أقل غرابة من هذه الجهة وإن كان أغرب من حيث إنهم لم يعهدوا مثله ، فلذلك كان مثل آدم مثلاً له موضحاً لأنه مع كونه أغرب اشهر ( وعبر بالتراب دون الماء والطين والحمأ وغيره كما في غير هذا الموطن ، لأن التراب أغلب أجزائه ولأن المقام لإظهار العجب ، وإبداع ما أسكنه أنواع الأنوار بالهداية والعلوم الباهرة من التراب الذي هو أكثف الأشياء أغرب كما أن تغليب ظلام الضلال على الشياطين من كونهم من عنصر نير أعجب ).","part":13,"page":400},{"id":5633,"text":"ولما شبه المثل بالمثل علمنا أن مثل عيسى كل ولد نشاهده تولد من أنثى ، ومثل آدم كل حيوان نشاهده تولد من تراب ، وما شاهده بنو إسرائيل من خلق عيسى عليه الصلاة والسلام الطير من الطين فهذا المثل الذي هو كل ما تولد من أنثى مثل ذلك المثل الذي هو كل ما تولد من تراب في أن كلاًّ منهما لم يكن إلا بتكوين الله سبحانه وتعالى ، وإلا لكان كل جماع موجباً للولد وكل تراب موجباً لتولد الحيوان منه ، فلما كان أكثر الجماع لا يكون منه ولد علمنا أن الإيجاد بين الذكر والأنثى إنما هو بقدرة الله سبحانه وتعالى وإرادته ، ومن إرادته وقدرته كونه من ذكر وأنثى ، فلا فرق في ذلك بين أن يريد كونه من أنثى بتسبيب جماع من ذكر يخرق به عادة الجماع فيجعله موجباً للحبل وبين أن يريد كونه من أنثى فقط فيخرق به عادة ما نشاهده الآن من التوليد بين الذكر والأنثى ، كما أنا لما علمنا أنه ليس كل تراب يكون منه حيوان علمنا قطعاً أن هذا المتولد من تراب إنما هو بإرادة القادر واختياره لا بشيء آخر ، وإلى ذلك أشار يحيى عليه الصلاة والسلام بقوله فيما سلف قريباً : إن الله قادر على أن يقيم من الحجارة أولاداً لإبراهيم ، أي لأنه سبحانه وتعالى هو الذي يخلق المسببات فلا فرق حينئذ بين مسبب وسبب ، بل كلها في قدرته سواء ، وإلى ذلك أشار قوله : {ثم قال له كن} أي بشراً كاملاً روحاً وجسداً ، وعبر بصيغة المضارع المقترن بالفاء في {فيكون} دون الماضي وإن كان المتبادر إلى الذهب أن المعنى عليه حكاية للحال وتصويراً لها إشارة إلى أنه كان مع الأمر من غير تخلف وتنبيهاً على أن هذا هو الشأن دائماً ، يتجدد مع كل مراد ، لا يتخلف عن مراد الآمر أصلاً - كما تقدم التصريح به في آية {إذا قضى أمراً} [ البقرة : 117 ] وذلك أغرب مما كان سبب ضلال النصارى الذين يجادل عن معتقدهم وفد نجران ، قال سبحانه وتعالى ذلك إشارة إلى أنهم ظلموا في القياس ، وكان العدل أن يقاس في خرقه","part":13,"page":401},{"id":5634,"text":"للعادة بأبي أمه الذي كان يعلم الأسماء كلها وسجد له الملائكة ، لا بخالقه ومكونه تعالى عما يقول الظالمون علواً كبيراً.\rقال الحرالي : جعل سبحانه وتعالى آدم عليه الصلاة والسلام مثلاً مبدؤه السلالة الطينية ، وغايته النفخة الأمرية ، وكان عيسى عليه الصلاة ولاسلام مثلاً مبدؤه الروحية والكلمة ، وغايته التكمل بملابسة السلالة الطينية ، حتى قال صلى الله عليه وسلم : إنه عند نزوله في خاتمة اليوم المحمدي يتزوج امرأة من بني أسد ويولد له غلام لتكمل به الآدمية في العيسوية كما كملت العيسوية في الآدمية وليكون مثلاً واحداً أعلى جامعاً {وله المثل الأعلى في السماوات والأرض} [ الروم : 27 ] - انتهى. أ هـ {نظم الدرر حـ 2 صـ 100 ـ 101}\rفصل\rقال الفخر :\rأجمع المفسرون على أن هذه الآية نزلت عند حضور وفد نجران على الرسول صلى الله عليه وسلم ، وكان من جملة شبههم أن قالوا : يا محمد ، لما سلمت أنه لا أب له من البشر وجب أن يكون أبوه هو الله تعالى ، فقال : إن آدم ما كان له أب ولا أم ولم يلزم أن يكون ابناً لله تعالى ، فكذا القول في عيسى عليه السلام ، هذا حاصل الكلام ، وأيضاً إذا جاز أن يخلق الله تعالى آدم من التراب فلم لا يجوز أن يخلق عيسى من دم مريم ؟ بل هذا أقرب إلى العقل ، فإن تولد الحيوان من الدم الذي يجتمع في رحم الأم أقرب من تولده من التراب اليابس ، هذا تلخيص الكلام. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 8 صـ 66}\rفائدة\rقال القرطبى :\rقوله تعالى : { إِنَّ مَثَلَ عيسى عِندَ الله كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِن تُرَابٍ } دليل على صحة القياس.\rوالتشبيه واقع على أن عيسى خُلِقَ من غير أبٍ كآدم ، لا على أنه خلق من تراب.","part":13,"page":402},{"id":5635,"text":"والشيء قد يشبه بالشيء وإن كان بينهما فرق كبير بعد أن يجتمعا في وصف واحد ؛ فإن آدم خُلِقَ من تراب ولم يُخلق عيسى من تراب فكان بينهما فرق من هذه الجهة ، ولكن شبه ما بينهما أنهما خلقهما من غير أبٍ ؛ ولأن أصلِ خلقتهما كان من تراب لأنّ آدم لم يخلق من نفس التراب ، ولكنه جعل التراب طيناً ثم جعله صلصالاً ثم خلقه منه ، فكذلك عيسى حوّله من حال إلى حال ، ثم جعله بشراً من غير أبٍ. أ هـ {تفسير القرطبى حـ 4 صـ 102 ـ 103}\rفصل\rقال ابن عادل :\r{ إِنَّ مَثَلَ عيسى } جملة مستأنفة لا تعلُّق لها بما قبلها تعلقاً صناعياً ، بل معنويًّا. وزعم بَعْضهُمْ أنها جواب القسم ، وذلك القسم هو قوله : { والذكر الحكيم } كأنه قيل : أقسم بالذكر الحكيم أنَّ مثل عيسى ، فَيَكُونُ الْكَلاَمُ قد تم عند قوله : { مِنَ الآيَاتِ } ثم استأنف قسماً ، فالواو حَرْف جَرٍّ ، لا عطف وهذا بَعِيدٌ ، أو مُمْتَنعٌ ؛ إذ فيه تفكيكٌ لنَظْم القرآنِ ، وإذْهاب لرونقه وفصاحته.\rقوله : { خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ } في هذه الجملة وَجْهَانِ :\rأظهرهما : أنها مفسِّرة لوجه الشبه بين المثلين ، فلا مَحَلَّ لَهَا حينئذٍ مِنَ الإعْرَابِ.\rالثاني : أنها في محل نصب على الحال من آدَمَ عليه السلام و\" قد \" معه مضمرة ، والعامل فيها معنى التشبيه والهاء في طخَلَقَهُ \" عائدة على \" آدم \" ولا تعود على \" عِيْسَى \" لِفَسَادِ المعنى.\rوقال ابن عطية : \" ولا يجوز أن تكون خَلَقَه [ صفة ] لآدم ولا حالاً منه \".\rقال الزّجّاج : إذ الماضي لا يكون حالاً أنت فيهان بل هو كلامٌ مَقْطُوعٌ منه مَضمَّن تفسير الْمَثَلِ ، كما يقال في الكَلامِ : مثلك مثل زيد ، يشبه في امر من الأمور ، ثم يخبر بقصة زيد ، فيقول : فعل كذا وكذا.\rقال أبو حيّان : \" وَفيهِ نَظرٌ \" ولم يُبَيِّنُ وَجْهَ النظر.","part":13,"page":403},{"id":5636,"text":"قال شهاب الدِّينِ : \" والظاهر من هذا النظر أن الاعتراضَ - وهو قوله : لا يكون حالاً أنت فيها غير لازمٍ ؛ إذ تقدير \" قَدْ \" تُقَرِّبُه من الحال. وقد يظهر الجوابُ عما قاله الزَّجَّاجُ من قول الزمخشريِّ : قدره جسداً من طين { ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ } أي : أنشأه بَشَراً \".\rقال أبو حيّان : ولو كان الخلق بمعنى الإنشاء - لا بمعنى التقدير - لم يأت بقوله : \" كُنْ \" ؛ لأن ما خلق لا يقال له : كُنْ ، ولا ينشأ إلا إن كان معنى : { ثُمَّ قَالَ لَهُ كُن } عِبَارةً عَنْ نَفْخِ الرُّوحِ فِيهِ.\rوقال الواحديُّ : قوله { خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ } لَيْسَ بِصِلَةٍ لآدم وَلاَ صِفَةٍ ؛ لأن الصِّلَةَ للمبهمات ، والصفة للنَّكِرِاتِ ، ولكنه خبر مُسْتَأنَف على وجه التفسِيرِ لحال آدمَ عليه السلام.\rوعلى قول الزجّاج : { مِن تُرَابٍ } فيه وجهان : \rأظهرهما : أنه متعلق بـ \" خَلَقَهُ \" أي : ابتدأ خلقه من هذا الجنس.\rالثاني : أنه حال من مفعول \" خلقه \" تقديره : خلقه كائناً من تراب ، وهذا لا يساعده المعنى.\rوَالْمَثَلُ هاهنا منهم من فسَّره بمعنى الحال والشأن.\rقال الزَّمَخْشَريُّ : \" إن شأن عيسى وحاله الغريبة كشأن آدمَ \". وعلى هذا التفسير فالكاف على بابها - من كونها حرف تشبيه - وفسَّر بعضُهم المثل بمعنى الصفة ، كقوله : { مَّثَلُ الجنة التي وُعِدَ المتقون } [ الرعد : 35 ] ، أي : صفة الجنة.\rقال ابنُ عَطِيَّة : وهذا عندي خطأٌ وضَعْفٌ في فَهْمِ الكلام ، وإنما المعنى : أن المثل الذي تتصوره النفوس والعقول من عيسى هو كالمُتَصَوَّر من آدمَ ؛ إذ النّاس كلهم مُجْمِعُون على أن الله - تعالى - خلقه من تراب ، من غير فحل ، وكذلك قوله : { مَّثَلُ الْجَنَّةِ } عبارة عن المُتَصَوَّر منها. والكاف في \" كَمَثَلِ \" اسم على ما ذكرناه من المعنى.\r","part":13,"page":404},{"id":5637,"text":"قال أبو حيّان : \" ولا يظهر لي فرق بين كلامه هذا وكلام مَنْ جعل المثل بمعنى الشأن والحَال أو بمعنى الصفةِ \".\r[ قَالَ شِهَابُ الدِّينِ : قَد تَقَدَّمَ فَي أوَّلِ الْبَقَرةِ أنَّ الْمَثَلَ قَدْ يُعَبَّرُ بِهِ عَن الصِّفَةِ ، وَقَدْ لا يُعَبَّرُ بِهِ عَنْهَا ؛ فَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى تَغَايُرِهِمَا ، وَقَدْ تَقَدَّمَ كَلاَمُ النَّاسِ فِيهِ ، ويدلُّ عَلَى ذَلِكَ مَا قَالَهُ صَاحِبُ \" ريِّ الظَّمآنِ \" عن الفارسيّ الْجَميعِ ، وقَالَ : \" المَثَلُ بِمعنَى الصِّفَةِ ، لا يمكن تَصْحِيحُهُ فِي اللُّغَةِ ، إنَّمَا الْمثَلُ التشبيه على هذا تدور تصاريفُ الكلمةِ ، ولا معنى للوصفية في التشابه ؛ ومعنى المثل ] في كلامهم أنها كلمة يُرْسِلها قائلُها لحكمة تُشَبَّه بها الأمور ، وتقابَل بها الأحوال وقد فرق بين لفظ المثل في الاصطلاح وبين الصفة.\rقال بعضهم : إن الكافَ زائدة.\rوقال آخرون : إنّ \" مَثَلاً \" زائدة فحصل في الكافِ ثَلاَثَةُ أقوالٍ : \rقيل : أظهرها : أنها على بابها من الحرفية وعدم الزيادة وقد تقدم تحقيقه.\rوقال الزمخشريُّ : \" فإن قلتَ : كيف شُبِّه به وقد وُجِد هو بغير أب ووُجِد آدم من غير أب ولا أمٍّ ؟ \rقلت : هو مثله في أحد الطَّرَفَيْنِ ، فلا يمنع اختصاصه دونه بالطرف الآخر من تشبيهه به ؛ لأن المماثلة مشاركة في بعض الأوصاف ، ولأنه شُبِّه به في أنه وُجِد وجوداً خارجاً عن العادةِ المستمرةِ ، وهما في ذلك يظهران ، ولأن الوجود من غير أب ولا أمٍّ أغرب وأخرق للعادةِ من الوجود من غي رأب ، فشبَّه الغريبَ بالأغرب ؛ ليكون أقطعَ للخَصْم ، وأحسم لمادة شُبْهَتِه ، إذا نُظِّر فيما هو أغرب مما اسْتَغْرَبَه. أ هـ {تفسير ابن عادل حـ 5 صـ 275 ـ 277}","part":13,"page":405},{"id":5639,"text":"بحث نفيس للدكتور عبد المجيد الزندانى\rالحمد لله رب العالمين وأصلي وأسلم على سيدنا ونبينا محمد صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم أجمعين وبعد : فهذا هو البروفيسور ج. س. جورنجر أستاذ في كلية الطب قسم التشريح في جامعة جورج تاون في واشنطن. التقينا بهذا الأستاذ وسألناه : هل ذكر في تاريخ علم الأجنة أن الجنين يخلق في أطوار ؟ وهل هناك من الكتب المتعلقة بعلم الأجنة ما قد أشار إلى هذه الأطوار في زمن الرسول صلى الله عليه وسلم أو بعده بقرون ، أم أن هذا التقسيم إلى أطوار لم يعرف إلا في منتصف القرن التاسع عشر ؟ أجابنا بقوله : لقد كانت هناك عناية من اليونانيين بدراسة الجنين ، وقد حاول عدد منهم أن يصف ما يدور للجنين وما يحدث فيه. قلنا له : نعم ، نعلم هذا ، إن هناك نظريات لبعض العلماء منهم أرسطو وغيره ، ولكن هل هناك من ذكر أن هناك أطواراً ؟ لأننا نعلم أن الأطوار لم تعرف إلا في منتصف القرن التاسع عشر ، ولم تثبت إلا في أوائل القرن العشرين.فبعد نقاش طويل قال : لا. قلنا : هل هناك مصطلحات أطلقت على هذه الأطوار كالمصطلحات التي وردت في القرآن الكريم ؟ قال : لا. قلنا فما رأيك في هذه المصطلحات التي تغطي أطوار الجنين ؟ بعد مناقشة طويلة معه قدم بحثاً وألقاه في المؤتمر الطبي السعودي الثامن عن هذه الأطوار التي وردت في القرآن الكريم ، وعن جهل البشرية بها ، وعن شمول ودقة هذه المصطلحات التي أطلقها القرآن الكريم على هذه الأطوار لأحوال الجنين بعبارات موجزة وألفاظ مختصرة شملت حقائق واسعة. ثم هو ذا يتكلم عن رأيه في هذا فيقول : البروفيسور جورنجر : إنه وصف للتطور البشري منذ تكوين الأمشاج إلى أن أصبحت كتلاً عضوية ، عن هذا الوصف والإيضاحات الجلية والشاملة لكل مرحلة من مراحل تطور الجنين في معظم الحالات إن لم يكن في جميعها يعود هذا الوصف في قدمه إلى قرون عديدة قبل تسجيل المراحل المختلفة للتطور الجنيني البشري التي وردت في العلوم التقليدية العلمية.الشيخ الزنداني : وتطرق البحث مع","part":13,"page":406},{"id":5640,"text":"البروفيسور جورنجر حول هذه الظاهرة التي كشفت علمياً وكشفت حديثاً أنها لتزيل الإشكال الذي كان يثيره النصارى.\rالنصارى يقولون ها هو ذا عيسى عليه السلام قد خلق من أم فمن هو أبوه ؟ يثيرون هذا الإشكال لا يتصورون أن يكون هناك خلق بدون أب. أجاب عليهم القرآن الكريم وبين لهم وضرب لهم مثلاً بآدم قال تعالى : ?إن مثل عيسى عند الله كمثل آدم خلقه من تراب ثم قال له كن فيكون? (سورة آل عمران ، الآية : 59).إننا نجد ثلاثة أنواع من الخلق. آدم مخلوق بدون أب ولا أم. حواء مخلوقة بدون أم. عيسى عليه السلام مخلوق بدون أب. والذي قدر أن يخلق آدم عليه السلام بدون أب وأم قادر على أن يخلق عيسى عليه السلام من أم بدون أب ، ومع ذلك لا يزال النصارى يجادلون ، ويشاء الله سبحانه وتعالى أن يكشف لهم حجة بعد حجة وبرهاناً بعد برهان.لماذا تستشكلون هذا أيها النصارى ؟ قالوا : لأنا لا نرى أبداً مخلوقاً يمكن أن يأتي بغير أب ولا أم. فإذا بالعلم يكشف أن كثيراً من الحيوانات الدنيا وكثيراً من الكائنات الآن تتوالد وتنجب بدون تلقيح الذكور ، فهذا النحل : جميع ذكوره عبارة عن بيض لم يلقح بماء الذكور والبيضة التي تلقح بماء الذكور تكون شغالة أنثى. أما الذكور فهي مخلوقة من بيض الملكة بدون ماء الذكور وهناك أمثلة كثيرة على ذلك. بل لقد حدث في التقدم العلمي أن تمكن الإنسان أن ينبه بعض البيض لبعض الكائنات فتنمو هذه البيضة بدون حاجة إلى تلقيح الذكر. وها هو ذا البروفيسور جورنجر يحدثنا عن هذا الأمر.البروفيسور جورنجر : في نوع آخر لتناول الموضوع فإن البيض غير المخصب لكثير من الحيوانات اللافقارية والبرمائية والثديية السفلي يمكن تنشيطه بوسائل ميكانيكية ، كالوخز بالإبرة ، أو بوسائل مادية كالصدمة الحرارية ، أو بوسائل كيميائية بأي عدد من المواد الكيمائية المختلفة ، ويستمر البيض إلى مراحل تطور متقدمة ، في بعض الأجناس يعتبر هذا النوع من التطور الجيني طبيعياً.","part":13,"page":407},{"id":5641,"text":"الشيخ الزنداني : أين الإشكال إذاً عند النصارى ؟ يقولون مستحيل أن يكون هناك مخلوق من أم بدون أب. ويقدم هذا الدليل ويصبح ذلك من الأمور التي يمكن أن تقاس فيما بعد فأي إشكال بعد ذلك ؟ لقد أجاب الله تعالى الجواب القاطع الشافي وضرب مثلاً بآدم الذي هم يؤمنون به ليس له أب وليس له أم.\rأنتم تستشكلون مخلوقاً من أم بدون أب فإن الله قد قدم لكم مثلاً مخلوقاً أنتم تعرفونه وتؤمنون به بدون أب وبدون أم وهو آدم عليه السلام. ?إن مثل عيسى عند الله كمثل آدم خلقه من تراب ثم قال له كن فيكون?.\rويشاء الله جل وعلا أن يأتي هذا التقدم العلمي والكشف العلمي ليقيم دليلاً بعد دليل على بيان الحق الذي جاء به القرآن ، وهكذا يتجلى هذا الكتاب الكريم مع مرور الزمن وتتجلى آياته ، وتتضح لأكابر علماء عصرنا وللعلماء جيلاً بعد جيل ، فهو الكتاب الذي لا يشبع منه العلماء ولا تنقضي عجائبه. أ هـ { بحث للدكتور عبد المجيد الزندانى}\rلطيفة\rمن طريف ما ذكره الدكتور عبد الرزاق نوفل أنه قد ورد ذكر آدم في القرآن الكريم خمسا وعشرين مرة ، ومثل ذلك العدد ورد ذكر عيسى بن مريم. أ هـ { الإعجاز العددي للقرآن الكريم دكتور عبد الرزاق نوفل صـ243}.","part":13,"page":408},{"id":5642,"text":"قوله تعالى : {خَلَقَهُ مِن تُرَابٍ}\rقال الفخر :\rقوله تعالى : {خَلَقَهُ مِن تُرَابٍ} ليس بصلة لآدم ولا صفة ولكنه خبر مستأنف على جهة التفسير بحال آدم ، قال الزجاج : هذا كما تقول في الكلام مثلك كمثل زيد ، تريد أن تشبهه به في أمر من الأمور ، ثم تخبر بقصة زيد فتقول فعل كذا وكذا. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 8 صـ 66}\rفصل\rقال الفخر :\rاعلم أن العقل دل على أنه لا بد للناس من والد أول ، وإلا لزم أن يكون كل ولد مسبوق بوالد لا إلى أول وهو محال ، والقرآن دل على أن ذلك الوالد الأول هو آدم عليه السلام كما في هذه الآية ، وقال : {ياأيها الناس اتقوا رَبَّكُمُ الذى خَلَقَكُمْ مّن نَّفْسٍ واحدة وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا} [ النساء : 1 ] وقال : {هُوَ الذى خَلَقَكُمْ مّن نَّفْسٍ واحدة وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا} [ الأعراف : 189 ] ثم إنه تعالى ذكر في كيفية خلق آدم عليه السلام وجوهاً كثيرة\rأحدها : أنه مخلوق من التراب كما في هذه الآية\rوالثاني : أنه مخلوق من الماء ، قال الله تعالى : {وَهُوَ الذى خَلَقَ مِنَ الماء بَشَراً فَجَعَلَهُ نَسَباً وَصِهْراً} [ الفرقان : 54 ]\rوالثالث : أنه مخلوق من الطين قال الله تعالى : {الذى أَحْسَنَ كُلَّ شَىْء خَلَقَهُ وَبَدَأَ خَلْقَ الإنسان مِن طِينٍ * ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِن سُلاَلَةٍ مّن مَّاء مَّهِينٍ} [ السجدة : 7 ، 8 ]\rوالرابع : أنه مخلوق من سلالة من طين قال تعالى : {وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإنسان مِن سلالة مّن طِينٍ * ثُمَّ جعلناه نُطْفَةً فِى قَرَارٍ مَّكِينٍ} [ المؤمنون : 12 ، 13 ]\rالخامس : أنه مخلوق من طين لازب قال تعالى : {إِنَّا خلقناهم مّن طِينٍ لاَّزِبٍ} [ الصافات : 11 ]\rالسادس : إنه مخلوق من صلصال قال تعالى : {إِنّى خالق بَشَرًا مِّن صلصال مّنْ حَمَإٍ مَّسْنُونٍ} [ الحجر : 28 ]","part":13,"page":409},{"id":5643,"text":"السابع : أنه مخلوق من عجل ، قال تعالى : {خُلِقَ الإنسان مِنْ عَجَلٍ} [ الأنبياء : 37 ] الثامن : قال تعالى : {لَقَدْ خَلَقْنَا الإنسان فِى كَبَدٍ } [ البلد : 4 ] أما الحكماء فقالوا : إنما خلق آدم عليه السلام من تراب لوجوه : \rالأول : ليكون متواضعاً\rالثاني : ليكون ستاراً\rالثالث : ليكون أشد التصاقاً بالأرض ، وذلك لأنه إنما خلق لخلافة أهل الأرض ، قال تعالى : {إِنّي جَاعِلٌ فِى الأرض خَلِيفَةً} [ البقرة : 30 ]\rالرابع : أراد إظهار القدرة فخلق الشياطين من النار التي هي أضوأ الأجرام وابتلاهم بظلمات الضلالة ، وخلق الملائكة من الهواء الذي هو ألطف الأجرام وأعطاهم كمال الشدة والقوة ، وخلق آدم عليه السلام من التراب الذي هو أكثف الأجرام ، ثم أعطاه المحبة والمعرفة والنور والهداية ، وخلق السموات من أمواج مياه البحار وأبقاها معلقة في الهواء حتى يكون خلقه هذه الأجرام برهاناً باهراً ودليلاً ظاهراً على أنه تعالى هو المدبر بغير احتياج ، والخالق بلا مزاج وعلاج الخامس : خلق الإنسان من تراب ليكون مطفئاً لنار الشهوة ، والغضب ، والحرص ، فإن هذه النيران لا تطفأ إلا بالتراب وإنما خلقه من الماء ليكون صافياً تتجلى فيه صور الأشياء ، ثم إنه تعالى مزج بين الأرض والماء ليمتزج الكثيف فيصير طيناً وهو قوله {إِنّى خالق بَشَراً مّن طِينٍ} ثم إنه في المرتبة الرابعة قال : {وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإنسان مِن سلالة مّن طِينٍ} والسلالة بمعنى المفعولة لأنها هي التي تسل من ألطف أجزاء الطين ، ثم إنه في المرتبة السادسة أثبت له من الصفات ثلاثة أنواع : \rأحدها : أنه من صلصال والصلصال : اليابس الذي إذا حرك تصلصل كالخزف الذي يسمع من داخله صوت.\rوالثاني : الحمأ وهو الذي استقر في الماء مدة ، وتغير لونه إلى السواد.\rوالثالث : تغير رائحته قال تعالى : {فانظر إلى طَعَامِكَ وَشَرَابِكَ لَمْ يَتَسَنَّهْ} [ البقرة : 259 ] أي لم يتغير.\r","part":13,"page":410},{"id":5644,"text":"فهذه جملة الكلام في التوفيق بين الآيات الواردة في خلق آدم عليه السلام. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 8 صـ 66 ـ 67}\rفصل\rقال الفخر :\rفي الآية إشكال ، وهو أنه تعالى قال : {خَلَقَهُ مِن تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُن فَيَكُونُ} فهذا يقتضي أن يكون خلق آدم متقدماً على قول الله له {كُنَّ} وذلك غير جائز.\rوأجاب عنه من وجوه الأول : قال أبو مسلم : قد بينا أن الخلق هو التقدير والتسوية ، ويرجع معناه إلى علم الله تعالى بكيفية وقوعه وإراداته لإيقاعه على الوجه المخصوص وكل ذلك متقدم على وجود آدم عليه السلام تقديماً من الأزل إلى الأبد ، وأما قوله {كُنَّ} فهو عبارة عن إدخاله في الوجود فثبت أن خلق آدم متقدم على قوله {كُنَّ }.\rوالجواب الثاني : وهو الذي عول عليه القاضي أنه تعالى خلقه من الطين ثم قال له {كُنَّ} أي أحياه كما قال : {ثم أنشأناه خلقاً آخر} فإن قيل الضمير في قوله خلقه راجع إلى آدم وحين كان تراباً لم يكن آدم عليه السلام موجوداً.\rأجاب القاضي وقال : بل كان موجوداً وإنما وجد بعد حياته ، وليست الحياة نفس آدم وهذا ضعيف لأن آدم عليه السلام ليس عبارة عن مجرد الأجسام المشكلة بالشكل المخصوص ، بل هو عبارة عن هوية أخرى مخصوصة وهي : إما المزاج المعتدل ، أو النفس ، وينجر الكلام من هذا البحث إلى أن النفس ما هي ، ولا شك أنها من أغمض المسائل.\rالجواب : الصحيح أن يقال لما كان ذلك الهيكل بحيث سيصير آدم عن قريب سماه آدم عليه السلام قبل ذلك ، تسمية لما سيقع بالواقع.","part":13,"page":411},{"id":5645,"text":"والجواب الثالث : أن قوله {ثُمَّ قَالَ لَهُ كُن فَيَكُونُ} يفيد تراخي هذا الخبر عن ذلك الخبر كما في قوله تعالى : {ثُمَّ كَانَ مِنَ الذين ءامَنُواْ} [ البلد : 17 ] ويقول القائل : أعطيت زيداً اليوم ألفاً ثم أعطيته أمس ألفين ، ومراده : أعطيته اليوم ألفاً ، ثم أنا أخبركم أني أعطيته أمس ألفين فكذا قوله {خَلَقَهُ مِن تُرَابٍ} أي صيره خلقاً سوياً ثم إنه يخبركم أني إنما خلقته بأن قلت له {كُنَّ }. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 8 صـ 67 ـ 68}\rفصل\rقال الفخر :\rفي الآية إشكال آخر وهو أنه كان ينبغي أن يقال : ثم قال له كن فكان فلم يقل كذلك بل قال : {كُنْ فَيَكُونُ }.\rوالجواب : تأويل الكلام ، ثم قال له {كُنْ فَيَكُونُ} فكان.\rواعلم يا محمد أن ما قال له ربك {كُنَّ} فإنه يكون لا محالة. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 8 صـ 68}","part":13,"page":412},{"id":5646,"text":"من فوائد الآلوسى فى الآية\rقال رحمه الله :\r{ إِنَّ مَثَلَ عيسى } ذكر غير واحد أن وفد نجران قالوا لرسول الله صلى الله عليه وسلم : مالك تشتم صاحبنا ؟ قال : ما أقول ؟ قالوا : تقول : إنه عبد الله قال : أجل هو عبد الله ورسوله وكلمته ألقاها إلى العذراء البتول فغضبوا وقالوا : هل رأيت إنساناً قط من غير أب فإن كنت صادقاً فأرنا مثله فأنزل الله تعالى هذه الآية\". وأخرج البيهقي في \"الدلائل\" من طريق سلمة بن عبد يسوع عن أبيه عن جده \"أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كتب إلى أهل نجران قبل أن ينزل عليه { طس } [ النمل : 1 ] سليمان : بسم إله إبراهيم وإسحق ويعقوب من محمد رسول الله إلى أسقف نجران وأهل نجران إن أسلمتم فإني أحمد الله إليكم إله إبراهيم وإسحق ويعقوب أما بعد فإني أدعوكم إلى عبادة الله من عبادة العباد وأدعوكم إلى ولاية الله من ولاية العباد فإن أبيتم فالجزية فإن أبيتم فقد أذنتم بحرب والسلام ، فلما قرأ الأسقف الكتاب فظع به وذعر ذعراً شديداً فبعث إلى رجل من أهل نجران يقال له شرحبيل بن وداعة فدفع إليه كتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فقرأه فقال له الأسقف : ما رأيك ؟ فقال شرحبيل : قد علمت ما وعد الله تعالى إبراهيم في ذرية إسمعيل من النبوة فما يؤمن أن يكون هذا الرجل نبياً وليس لي في النبوة رأي لو كان أمر من أمر الدنيا أشرت عليك فيه وجهدت لك فبعث الأسقف إلى واحد بعد واحد من أهل نجران فكلهم قال مثل قول شرحبيل فاجتمع رأيهم على أن يبعثوا شرحبيل وعبد الله بن شرحبيل ، وحيار بن قنص فيأتونهم بخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم فانطلق الوفد حتى أتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم فسألهم وسألوه فلم تزل به وبهم المسألة حتى قالوا : ما تقول في عيسى ابن مريم ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ما عندي فيه شيء يومي هذا فأقيموا حتى أخبركم بما يقال لي في عيسى صبح الغداة فأنزل الله هذه الآية { إِنَّ مَثَلَ عيسى } إلى قوله سبحانه : { فَنَجْعَل لَّعْنَتُ","part":13,"page":413},{"id":5647,"text":"الله عَلَى الكاذبين } [ آل عمران : 61 ] فأبوا أن يقروا بذلك فلما أصبح رسول الله صلى الله عليه وسلم الغد بعد ما أخبرهم الخبر أقبل مشتملاً على الحسن والحسين في خميلة له وفاطمة تمشي عند ظهره للملاعنة وله يومئذ عدة نسوة فقال شرحبيل لصاحبيه : إنى أرى أمراً ثقيلاً إن كان هذا الرجل نبياً مرسلاً فتلاعناه لا يبقى على ظهر الأرض منا شعر ولا ظفر إلا هلك فقالا له : ما رأيك ؟ فقال : رأيي أن أحكمه فإني أرى رجلاً لا يحكم شططاً أبداً فقالا له : أنت وذاك فتلقى شرحبيل رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : إني رأيت خيراً من ملاعنتك قال : وما هو ؟ قال : حكمك اليوم إلى الليل وليلك إلى الصباح فما حكمت فينا فهو جائز فرجع رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يلاعنهم وصالحهم على الجزية ، وروي غير ذلك كما سيأتي قريباً ، والمثل هنا ليس هو المثل المستعمل في التشبيه والكاف زائدة كما قيل به بل بمعنى الحال والصفة العجيبة أي : إن صفة عيسى عندَ الله أي : في تقديره وحكمه ، أو فيما غاب عنكم ولم تطلعوا على كنهه ، والظرف متعلق فيما تعلق به الجار في قوله سبحانه : { كَمَثَلِ ءادَمَ } أي كصفته وحاله العجيبة التي لا يرتاب فيها مرتاب","part":13,"page":414},{"id":5648,"text":"{ خَلَقَهُ مِن تُرَابٍ } جملة ابتدائية لا محل لها من الإعراب مبينة لوجه الشبه باعتبار أن في كل الخروج عن العادة وعدم استكمال الطرفين ، ويحتمل أنه جيء بها لبيان أن المشبه به أغرب وأخرق للعادة فيكون ذلك أقطع للخصم وأحسم للمادة شبهته ، و{ مِنْ } لابتداء الغاية متعلقة بما عندها ، والضمير المنصوب لآدم والمعنى ابتدأ خلق قالبه من هذا الجنس { ثُمَّ قَالَ لَهُ كُن فَيَكُونُ } أي صر بشراً فصار ، فالتراخي على هذا زماني إذ بين إنشائه مما ذكر وإيجاد الروح فيه وتصييره لحماً ودماً زمان طويل ، فقد روي أنه بعد أن خلق قالبه بقي ملقى على باب الجنة أربعين سنة لم تنفخ فيه الروح ؛ والتعبير بالمضارع مع أن المقام مقام المضي لتصوير ذلك الأمر الكامل بصورة المشاهد الذي يقع الآن إيذاناً بأنه من الأمور المستغربة العجيبة الشأن ، وجوز أن يكون التعبير بذلك لما أن الكون مستقبل بالنظر إلى ما قبله ، وذهب كثير من المحققين إلى أن { ثُمَّ } للتراخي في الأخبار لا في المخبر به ، وحملوا الكلام على ظاهره ، ولا يضر تقدم القول على الخلق في هذا الترتيب والتراخي كما لا يخفى ، والضمير المجرور عائد على ما عاد عليه الضمير المنصوب ، والقول بأنه عائد على عيسى ليس بشيء لما فيه من التفكيك الذي لا داعي إليه ولا قرينة تدل عليه ، قيل : وفي الآية دلالة على صحة النظر والاستدلال لأنه سبحانه احتج على النصارى وأثبت جواز خلق عيسى عليه السلام من غير أب بخلق آدم عليه السلام من غير أب ولا أم ، ثم إن الظاهر أن عيسى عليه السلام خلقه الله سبحانه من نطفة مريم عليها السلام بجعلها قابلة لذلك ومستعدة له كما أشرنا إليه فيما تقدم. والقول بأنه خلق من الهواء كما خلق آدم من التراب مما لا مستند له من عقل ولا نقل { فَنَفَخْنَا فِيهِ مِن رُّوحِنَا } [ الأنبياء : 12 ] لا يدل عليه بوجه أصلا. أ هـ {روح المعانى حـ 3 صـ 186 ـ 187}","part":13,"page":415},{"id":5649,"text":"ومن فوائد السمرقندى\rقال رحمه الله :\r{ إِنَّ مَثَلَ عيسى عِندَ الله } نزلت في وفد نجران ، السيد والعاقب ، والأسقف ، وجماعة من علمائهم وأحبارهم ، قدموا على النبيّ صلى الله عليه وسلم ، وناظروه في أمر عيسى عليه السلام فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : \" هُوَ عَبْدُ الله وَرَسُولُهُ \" ، فقالوا : أرنا خلقاً من خلق الله تعالى بغير أب ، وَكَانَ يُحيي الموتى ، وكان فيه دليل على ما قلنا ، وكانوا يقولون : إنه اتخذه ابناً ، فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم : \" أسْلِمُوا \" فقالوا : قد أسلمنا قبلك ، فقال لهم : \" كَذَبْتُمْ ، إنَّمَا يَمْنَعُكُمْ مِنَ الإسْلامِ ثَلاثٌ ، أَكْلُ لَحْمِ الخَنْزِيرِ ، وَعِبَادَةُ الصَّلِيبِ ، وَقَوْلُكُمْ : لله وَلَدٌ \" ، فقالوا له : من أبو عيسى ؟ فنزل قوله تعالى : { إِنَّ مَثَلَ عيسى عِندَ الله كَمَثَلِ ءادَمَ } يعني : شبه خلق عيسى عند الله كشبه خلق آدم { خَلَقَهُ مِن تُرَابٍ } يعني : صوّره من غير أب ولا أم { ثُمَّ قَالَ لَهُ كُن فَيَكُونُ } فكان بشراً بغير أب ، كذلك عيسى كان بشراً بغير أب ، وفي هذه الآية دليل علمي أن الشيء يشبه بالشيء ، وإن كان بينهما فرق كبير ، بعد أن يجتمعا في وصف واحد ، كما أن هاهنا خلق آدم من تراب ، ولم يخلق عيسى من تراب ، وكان بينهما فرق من هذا الوجه ، ولكن الشبه بينهما أنه خلقهما من غير أب ، ولأن أصل خلقهما جميعاً كان من تراب ، لأن آدم لم يخلق من نفس التراب ، ولكنه جعل التراب طيناً ، ثم جعله صلصالاً ، ثم خلقه منه ، فكذلك عيسى عليه السلام حوله من حال إلى حال ، ثم خلقه بشراً من غير أب. أ هـ {بحر العلوم حـ 1 صـ 244}","part":13,"page":416},{"id":5650,"text":"وقال ابن كثير :\rيقول تعالى : { إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ } في قدرة الله تعالى حيث خلقه من غير أب { كَمَثَلِ آدَمَ } فإن الله تعالى خلقه من غير أب ولا أم ، بل { خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ } والذي خلق آدم قادر على خلق عيسى بطريق الأولى والأحرى ، وإن جاز ادعاء البنوة في عيسى بكونه مخلوقا من غير أب ، فجواز ذلك في آدم بالطريق الأولى ، ومعلوم بالاتفاق أن ذلك باطل ، فدعواها في عيسى أشد بطلانا وأظهر فسادًا. ولكن الرب ، عَزّ وجل ، أراد أن يظهر قدرته لخلقه ، حين خَلَق آدم لا من ذكر ولا من أنثى ؛ وخلق حواء من ذكر بلا أنثى ، وخلق عيسى من أنثى بلا ذكر كما خلق بقية البرية من ذكر وأنثى ، ولهذا قال تعالى في سورة مريم : { وَلِنَجْعَلَهُ آيَةً لِلنَّاسِ } [ مريم : 21 ]. أ هـ {تفسير ابن كثير حـ 2 صـ 49}\rلطيفة\rقال ابن عادل :\rوعن بعض العلماء أنه أسِر بالروم ، فقال لهم : لِمَ تعبدون عيسى ؟ قالوا : لأنه لا أبَ لَه.\rقال : فآدم أوْلَى ؛ لأنه لا أبوين له ، قالوا : فإنه كان يُحْيي الموتَى ؟ قال : فحَزقيل أوْلَى ؛ لأن عيسى أحْيَى أربعةَ نفر ، وحزقيل أحْيَى ثَمَانِيةَ آلاف ، قالوا : فإنه كان يُبْرِئُ الأكمه والأبرص.\rقال : فجَرْجيس أوْلَى ؛ لأنه طُبخَ ، وأحرق ، وخَرَجَ سَالِماً. أ هـ {تفسير ابن عادل حـ 5 صـ 278}\rمن لطائف الإمام القشيرى فى الآية\rقوله جلّ ذكره : { إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِندَ اللهِ كَمَثَلِ آدَمَ } الآية.\rخَصَّهما بتطهير الروح عن التناسخ في الأصلاب وأفرد آدم بصفَةِ البدء ؛ وعيسى عليه السلام بتخصيص نفخ الروح فيه على وجه الإعزاز ، وهما وإنْ كانا كبيري الشأن فنِقْصُ الحدثان والمخلوقية لازِمٌ لهما. أ هـ {لطائف الإشارات حـ 1 صـ 246}\rلطيفة\rقال أبو حيان :\rوقال بعض أهل العلم : المشاركة بين آدم وعيسى في خمسة عشر وصفاً : في التكوين ، و: في الخلق من العناصر التي ركب الله منها الدنيا.","part":13,"page":417},{"id":5651,"text":"وفي العبودية ، وفي النبوّة.\rوفي المحنة : عيسى باليهود ، وآدم بابليس ، وفي : أكلهما الطعام والشراب ، وفي الفقر إلى الله.\rوفي الصورة ، وفي الرفع إلى السماء والإنزال منها إلى الأرض ، وفي الإلهام ، عطس آدم فألهم ، فقال الحمد لله.\rوألهم عيسى ، حين أخرج من بطن أمّة فقال : { إني عبد الله } وفي العلم ، قال : { وعلم آدم الاسماء } وقال : { ويعلمه الكتاب والحكمة } وفي نفخ الروح فيهما { ونفخت فيه من روحي } { فنفخنا فيه من روحنا } وفي الموت ، وفي فقد الأب. أ هـ {البحر المحيط حـ 2 صـ 501}","part":13,"page":418},{"id":5652,"text":"فصل\rقال الإمام السهيلى رحمه الله :\rذكر نصارى نجران وما أنزل الله فيهم\rقد تقدم أن نجران عرفت بنجران بن زيد بن يشجب بن يعرب بن قحطان وأما أهلها فهم بنو الحارث بن كعب من مذحج.\rأسماء وفد نجران ومعتقدهم ومجادلتهم الرسول صلى الله عليه وسلم قال ابن إسحاق : فكانت تسمية الأربعة عشر الذين يئول إليهم أمرهم العاقب وهو عبد المسيح والسيد وهو الأيهم ، وأبو حارثة بن علقمة أخو بني بكر بن وائل ، وأوس والحارث وزيد وقيس ، ويزيد ونبيه وخويلد وعمرو ، وخالد وعبد الله ويحنس في ستين راكبا ، فكلم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - منهم أبو حارثة بن علقمة ، والعاقب عبد المسيح والأيهم السيد - وهم من النصرانية على دين الملك مع اختلاف من أمرهم يقولون هو الله ويقولون هو ولد الله ويقولون هو ثالث ثلاثة. وكذلك قول النصرانية.\rفهم يحتجون في قولهم \" هو الله \" بأنه كان يحيي الموتى ، ويبرئ الأسقام ويخبر بالغيوب ويخلق من الطين كهيئة الطير ثم ينفخ فيه فيكون طائرا ، وذلك كله بأمر الله تبارك وتعالى : ولنجعله آية للناس\rويحتجون في قولهم \" إنه ولد الله \" بأنهم يقولون لم يكن له أب يعلم وقد تكلم في المهد وهذا لم يصنعه أحد من ولد آدم قبله.\rويحتجون في قولهم \" إنه ثالث ثلاثة \" بقول الله فعلنا ، وأمرنا ، وخلقنا ، وقضينا ، فيقولون لو كان واحدا ما قال إلا فعلت ، وقضيت ، وأمرت ، وخلقت ، ولكنه هو وعيسى ومريم. ففي كل ذلك من قولهم قد نزل القرآن - فلما كلمه الحبران ، قال لهما رسول الله صلى الله عليه وسلم أسلما ، قالا : قد أسلمنا ، قال إنكما لم تسلما ، فأسلما ، قالا : بلى ، قد أسلمنا قبلك. قال كذبتما ، يمنعكما من الإسلام دعاؤكما لله ولدا ، وعبادتكما الصليب وأكلكما الخنزير قالا : فمن أبوه يا محمد ؟ فصمت عنهما رسول الله صلى الله عليه وسلم - فلم يجبهما\r( تأويل كن فيكون )","part":13,"page":419},{"id":5653,"text":"ذكر فيه قولهم للنبي صلى الله عليه وسلم من أبوه يا محمد يعنون عيسى ، فأنزل الله تعالى : إن مثل عيسى عند الله إلى قوله كن فيكون وفيها نكتة فإن ظاهر الكلام أن يقول خلقه من تراب ثم قال له كن فكان فيعطف بلفظ الماضي على الماضي ، والجواب أن الفاء تعطي التعقيب والتسبيب فلو قال فكان لم تدل الفاء إلا على التسبيب وأن القول سبب للكون فلما جاء بلفظ الحال دل مع التسبيب على استعقاب الكون للأمر من غير مهل وأن الأمر بين الكاف والنون قال له كن فإذا هو كائن واقتضى لفظ فعل الحال كونه في الحال فإن قيل وهي مسألة أخرى : إن آدم مكث دهرا طويلا ، وهو طين صلصال وقوله للشيء كن فيكون يقتضي التعقيب وقد خلق السموات والأرض في ستة أيام وهي ستة آلاف سنة فأين قوله كن فيكون من هذا ؟\rفالجواب ما قال أهل العلم في هذه المسألة وهو أن قول الباري سبحانه كن يتوجه إلى المخلوق مطلقا ومقيدا ، فإذا كان مطلقا كان كما أراد لحينه وإذا كان مقيدا بصفة أو بزمان كان كما أراد على حسب ذلك الزمان الذي تقيد الأمر به فإن قال له كن في ألف سنة كان في ألف سنة وإن قال له كن فيما دون اللحظة كان كذلك. أ هـ {الروض الأنف 5 صـ 5 ـ 8}","part":13,"page":420},{"id":5654,"text":"لطيفة\rقال فى الميزان :\rمنزلة عيسى عند الله وموقفه في نفسه\rكان (عليه السلام) عبدا لله\rوكان نبيا سورة مريم آية 30\rوكان رسولا إلى بني إسرائيل آل عمران آية 49\rوكان واحدا من الخمسة أولي العزم صاحب شرع وكتاب وهو الإنجيل الأحزاب آية 7 الشورى آية 13 المائدة آية 46\rوكان سماه الله بالمسيح عيسى آل عمران آية 45\rوكان كلمة لله وروحا منه النساء آية 171\rوكان إماما الأحزاب آية 7\rوكان من شهداء الأعمال النساء آية 159 المائدة آية 117\rوكان مبشرا برسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) الصف آية 6\rوكان وجيها في الدنيا والآخرة ومن المقربين آل عمران آية 45\rوكان من المصطفين آل عمران آية 33\rوكان من المجتبين وكان من الصالحين الأنعام آية 87 ـ 85\rوكان مباركا أينما كان وكان زكيا وكان آية للناس ورحمة من الله وبرا بوالدته وكان مسلما عليه مريم آية 33 وكان ممن علمه الله الكتاب والحكمة آل عمران آية 48 فهذه اثنتان وعشرون خصلة من مقامات الولاية هي جمل ما وصف الله به هذا النبي المكرم ورفع بها قدره. أ هـ {الميزان حـ 3 صـ 281 ـ 282}","part":13,"page":421},{"id":5666,"text":"كلام نفيس للعلامة ابن القيم عن عقيدة النصارى\rقال عليه الرحمة :\r\"المثلثة\" ، أمة الضلال ، وعباد الصليب ، الذين سبوا الله الخالق مسبّة ما سبّه إياها أحد من البشر ، ولم يقروا بأنه الواحد الأحد الفرد الصمد ، الذي {لم يلده ولم يولد ، ولم يكن له كفواً أحد} ، ولم يجعلوه أكبر من كل شيء ، بل قالوا فيه ما {تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنْشَقُّ الأرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدّاً} ، فقل ما شئت في طائفة أصل عقيدتها : إن الله ثالث ثلاثة ، وإن مريم صاحبته ، وإن المسيح ابنه ، وأنه نزل عن كرسي عظمته والتحم ببطن الصاحبة ، وجرى له ما جرى ، إلى أن قتل ومات ودفن ، فدينها عبادة الصلبان ، ودعاء الصور المنقوشة بالأحمر والأصفر في الحيطان ، يقولون في دعائهم : يا والدة الإله ارزقينا ، واغفري لنا وارحمينا!.\rفدينهم : شرب الخمور ، وأكل الخنزير ، وترك الختان ، والتعبد بالنجاسات ، واستباحة كل خبيث من الفيل إلى البعوضة ، والحلال ما حلله القس والحرام ما حرمه ، والدين ما شرعه ، وهو الذي يغفر لهم الذنوب ، وينجيهم من عذاب السعير. أ هـ {هداية الحيارى صـ 20 ـ 21}\rوقال أيضا :\r[فصل : أساس دين النصارى قائم على شتم الله والشرك به خرافة الفداء]\rوإن كان المعير للمسلمين من أمة الضلال وعبّاد الصليب والصور المدهونة في الحيطان والسقوف.\rفيقال له : ألا يستحيي من أصل دينه الذي يدين به : اعتقاده أن رب السموات والأرض - تبارك وتعالى - نزل عن كرسي عظمته وعرشه ، ودخل في فرج امرأة تأكل وتشرب وتبول وتتغوط وتحيض ، فالتحم ببطنها ، وأقام هناك تسعة أشهر ، يتلبط بين نجو وبول ودم طمث ، ثم خرج إلى القماط والسرير ، كلما بكي ألقمته أمه ثديها ، ثم انتقل إلى المكتب بين الصبيان ، ثم آل أمره إلى لطم اليهود خديه ، وصفعهم قفاه ، وبصقهم في وجهه ، ووضعهم تاجاً من الشوك على رأسه ، والقصبة في يده ، استخفافاً به وانتهاكاً لحرمته.","part":13,"page":422},{"id":5667,"text":"ثم قربوه من مركب خص بالبلاء راكبه ، فشدوه عليه ، وربطوه بالحبال ، وسمروا يديه ورجليه ، وهو يصيح ويبكي ويستغيث من حر الحديد وألم الصلب.\rهذا وهو الذي خلق السموات والأرض ، وقسم الأرزاق والآجال ، ولكن اقتضت حكمته ورحمته أن يمكن أعداءه من نفسه لينالوا منه ما نالوا ، فيستحقوا بذلك العذاب والسجن في الجحيم ، ويفدي أنبياءه ورسله وأولياءه بنفسه ، فيخرجهم من سجن إبليس ، فإن روح آدم وإبراهيم ونوح وسائر النبيين عندهم كانت في سجن إبليس في النار ، حتى خلصها من سجنه بتمكينه أعداءه من صلبه.\rوأما قولهم في \"مريم\" ، فإنهم يقولون : إنها أم المسيح ابن الله في الحقيقة ، ووالدته في الحقيقة ، لا أم لابن الله إلا هي ، ولا والدة له غيرها ، ولا أب لابنها إلا الله ، ولا ولد له سواه ، وإن الله اختارها لنفسه ولولادة ولده وابنه من بين سائر النساء ، بأنها حبلت بابن الله ، وولدت ابنه الذي لا ابن له في الحقيقة غيره ، ولا والد له سواه ، وإنها على العرش جالسة عن يسار الرب تبارك وتعالى والد ابنها ، وابنها عن يمينه.\rوالنصارى يدعونها ، ويسألونها سعة الرزق ، وصحة البدن ، وطول العمر ، ومغفرة الذنوب ، وأن تكون لهم عند ابنها ووالده ، الذي يعتقد عامتهم أنه زوجها ، ولا ينكرون ذلك عليهم ، سوراً وسنداً وذخراً وشفيعاً وركناً ، ويقولون في دعائهم : يا والدة الإله اشفعي لنا. وهم يعظمونها ويرفعونها على الملائكة وعلى جميع النبيين والمرسلين ، ويسألونها ما يسأل الإله من العافية والرزق والمغفرة ، حتى أن \"اليعقوبية\" يقولون في مناجاتهم لها : يا مريم ، يا والدة الله ، كوني لنا سوراً وسنداً وذخراً وركناً ، \"والنسطورية\" يقولون : يا والدة المسيح كوني لنا كذلك! ، ويقولون لليعقوبية : لا تقولوا يا والدة الإله ، وقولوا : يا والدة المسيح ، فقالت لهم اليعقوبية : المسيح عندنا وعندكم إله في الحقيقة ، فأي فرق بيننا وبينكم في ذلك ؟ ، ولكنكم أردتم مصالحة المسلمين ومقاربتهم في التوحيد.","part":13,"page":423},{"id":5668,"text":"هذا ؛ والأوقاح الأرجاس من هذه الأمة تعتقد أن الله سبحانه اختار مريم لنفسه ولولده ، وتخطاها كما يتخطى الرجل المرأة.\rقال النظام بعد أن حكى ذلك عنهم : \"وهم يفصحون بهذا عند من يثقون به ، وقد قال ابن الأخشيد هذا عنهم في المعونة ، وقال : إليه يشيرون ، ألا ترون أنهم يقولون : من لم يكن والداً يكون عقيماً ، والعقم آفة وعيب ، وهذا قول جميعهم ، وإلى المباضعة يشيرون ، ومن خالط القوم وطاولهم وباطنهم عرف ذلك منهم ، فهذا كفرهم وشركهم برب العالمين ، ومسبتهم له ، ولهذا قال فيهم أحد الخلفاء الراشدين : أهينوهم ولا تظلموهم ، فلقد سبوا الله مسبة ما سبه إياها أحد من البشر\".\rوقد أخبر النبي صلى الله عليه وسلم عن ربه في الحديث الصحيح أنه قال : \"شتمني ابن آدم ولم يكن له ذلك ، وكذبني ابن آدم ولم يكن له ذلك ، أما شتمه إياي فقوله : اتخذ الله ولداً ، وأنا الأحد الصمد ، الذي لم يلد ولم يولد ، ولم يكن له كفواً أحد ، وأما تكذيبه إياي فقوله : لن يعيدني كما بدأني ، وليس أول الخلق بأهون علي من إعادته\".\rفلو أتي الموحدون بكل ذنب ، وفعلوا كل قبيح ، وارتكبوا كل معصية ؛ ما بلغت مثقال ذرة في جنب هذا الكفر العظيم برب العالمين ، ومسبته هذا السب ، وقول العظائم فيه.","part":13,"page":424},{"id":5669,"text":"فما ظن هذه الطائفة برب العالمين أن يفعله بهم إذا لقوه : {يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ} ، ويسأل المسيح على رؤس الأشهاد وهم يسمعون : {يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ} ؟ ، فيقول المسيح مكذباً لهم ومتبرئاً منهم : {سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ إِنْ كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنْتَ عَلاّمُ الْغُيُوبِ مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلاّ مَا أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيداً مَا دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنْتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ}.\r[فصل : النصارى مخالفون للمسيح في كل فروع دينهم أيضاً : في الطهارة والصلاة والصوم وأكل الخنزير وتعليق الصليب...]\rفهذا أصل دينهم وأساسه الذي قام عليه.\rوأما فروعه وشرائعه : فهم مخالفون للمسيح في جميعها ، وأكثر ذلك بشهادتهم وإقرارهم ، ولكن يحيلون على البطارقة والأساقفة ، فإن المسيح صلوات الله وسلامه عليه كان يتدين بالطهارة ، ويغتسل من الجنابة ، ويوجب غسل الحائض ، وطوائف النصارى عندهم أن ذلك كله غير واجب ، وأن الإنسان يقوم من على بطن المرأة ، ويبول ، ويتغوط ، ولا يمس ماء ، ولا يستجمر ، والبول والنجو ينحدر على ساقه وفخذه ، ويصلي كذلك وصلاته صحيحة تامة ، ولو تغوط وبال وهو يصلي لم يضره ، فضلاً عن أن يفسو أو يضرط ، ويقولون : إن الصلاة بالجنابة والبول والغائط أفضل من الصلاة بالطهارة ، لأنها حينئذ أبعد من صلاة المسلمين واليهود ، وأقرب إلى مخالفة الأمتين ، ويستفتح الصلاة بالتصليب بين عينيه.","part":13,"page":425},{"id":5670,"text":"وهذه الصلاة رب العالمين برئ منها ، وكذلك المسيح وسائر النبيين ، فإن هذه بالاستهزاء أشبه منها بالعبادة ، وحاشى المسيح أن تكون هذه صلاته ، أوصلاة أحد من الحواريين ، والمسيح كان يقرأ في صلاته ما كان الأنبياء وبنوا إسرائيل يقرؤنه في صلاتهم من التوراة والزبور ، وطوائف النصارى إنما يقرؤن في صلاتهم كلاماً قد لحنه لهم الذين يتقدمون ويصلون بهم ، يجري مجرى النوح والأغاني. فيقولون : هذا قداس فلان ، وهذا قداس فلان. ينسبونه إلى الذين وضعوه ، وهم يصلون إلى الشرق ، وما صلى المسيح إلى الشرق قط ، وما صلى إلى أن توفاه الله إلا إلى بيت المقدس ، وهي قبلة داود والأنبياء قبله ، وقبلة بني إسرائيل.\rوالمسيح اختتن ، وأوجب الختان ، كما أوجبه موسى وهارون والأنبياء قبل المسيح.\rوالمسيح حرّم الخنزير ، ولعن آكله ، وبالغ في ذمه ، والنصارى تقر بذلك ، ولقي الله ولم يطعم من لحمه بوزن شعيرة ، والنصارى تتقرب إليه بأكله.\rوالمسيح ما شرع لهم هذا الصوم الذي يصومونه قط ، ولا صامه في عمره مرة واحدة ، ولا أحد من أصحابه ، ولا صام صوم العذارى في عمره ، ولا أكل في الصوم ما يأكلونه ، ولا حرم فيه ما يحرمونه ، ولا عطل السبت يوماً واحد حتى لقي الله ، ولا اتخذ الأحد عيداً قط ، والنصارى تقر أنه رقى مريم المجد الأنسية ، فأخرج منها سبع شياطين ، وأن الشياطين قالت له : أين نأوي ؟ ، فقال لها : اسلكي هذه الدابة النجسة ، يعني : الخنزير.\rفهذه حكاية النصارى عنه ، وهم يزعمون أن الخنزير من أطهر الدواب وأجملها.\rوالمسيح سار في الذبائح والمناكح والطلاق والمواريث والحدود سيرة الأنبياء قبله.\r[الراهب والقسيس يغفر ذنوبهم !! ويطيب لهم نسائهم!]","part":13,"page":426},{"id":5671,"text":"وليس عند النصارى على من زنا أو لاط أو سكر حد في الدنيا أبداً ، ولا عذاب في الآخرة ، لأن القس والراهب يغفره لهم ، فكلما أذنب أحدهم ذنباً أهدى للقس هدية أو أعطاه درهماً أو غيره ليغفر له ربه!! ، وإذا زنت امرأته أحدهم بيّتها عند القس ليطيبها له ، فإذا انصرفت من عنده وأخبرت زوجها أن القس طيبها قبل ذلك منها وتبرك به!.\r[المسيح لم يفوض الأساقفة والبتاركة في التشريع]\rمناقضة النصارى لليهود\rوهم يقرون أن المسيح قال : \"إنما جئتكم لأعمل بالتوراة وبوصايا الأنبياء قبلي ، وما جئت ناقضاً بل متمماً ، ولأن تقع السماء على الأرض أيسر عند الله من أن أنقض شيئاً من شريعة موسى ، ومن نقض شيئاً من ذلك يدعى ناقضاً في ملكوت السماء\".\rوما زال هو وأصحابه كذلك إلى أن خرج من الدنيا ، وقال لأصحابه : \"اعملوا بما رأيتموني أعمل ، وارضوا من الناس بما أرضيتكم به ، ووصوا الناس بما وصيتكم به ، وكونوا معهم كما كنت معكم ، وكونوا لهم كما كنت لكم\".\rوما زال أصحاب المسيح بعده على ذلك قريباً من ثلاثمائة سنة ، ثم أخذ القوم في التغير والتبديل ، والتقرب إلى الناس بما يهوون ، ومكايدة اليهود ومناقضتهم بما فيه ترك دين المسيح ، والانسلاخ منه جملة.\rفرأوا اليهود قد قالوا في المسيح : إنه ساحر مجنون ، ممخرق ، ولد زنية. فقالوا : هو إله تام ، وهو ابن الله!!. ورأوا اليهود يختتنون فتركوا الختان!!.","part":13,"page":427},{"id":5672,"text":"ورأوهم يبالغون في الطهارة فتركوها جملة!!. ورأوهم يتجنبون مؤاكلة الحائض وملامستها ومخالطتها جملة ، فجامعوها. ورأوهم يحرمون الخنزير ، فأباحوه وجعلوه شعار دينهم. ورأوهم يحرمون كثيراً من الذبائح والحيوان ، فأباحوا ما دون الفيل إلى البعوضة ، وقالوا : كل ما شئت ، ودع ما شئت ، لا حرج. ورأوهم يستقبلون بيت المقدس في الصلاة ، فاستقبلوا هم الشرق. ورأوهم يحرمون على الله نسخ شريعة شرعها ، فجوزوا هم لأساقفتهمم وبتاركتهم أن ينسخوا ما شاؤا ، ويحللوا ما شاؤا ، ويحرموا ما شاؤا. ورأوهم يحرمون السبت ويحفظونه ، فحرموا هم الأحد وأحلوا السبت ، مع إقرارهم بأن المسيح كان يعظم السبت ويحفظه. ورأوهم ينفرون من الصليب ، فإن في التوراة : \"ملعون من تعلق بالصليب\" ، والنصارى تقر بهذا ، فعبدوا هم الصليب. كما أن في التوراة تحريم الخنزير نصاً فتعبدوا هم بأكله. وفيها الأمر بالختان ، فتعبدوا هم بتركه ، مع إقرار النصارى بأن المسيح قال لأصحابه : \"إنما جئتكم لأعمل بالتوراة ووصايا الأنبياء قبلي ، وما جئت ناقضاً بل متمماً ، ولأن تقع السماء على الأرض أيسر عند الله من أن أنقض شيئاً من شريعة موسى\" ، فذهبت النصارى تنقضها شريعة شريعة في مكايدة اليهود ومغايظتهم.","part":13,"page":428},{"id":5673,"text":"وانضاف إلى هذا السبب ما في كتابهم المعروف عندهم \"بافر كسيس\" : أن قوماً من النصارى خرجوا من بيت المقدس وأتوا أنطاكية وغيرها من الشام ، فدعوا الناس إلى دين المسيح الصحيح ، فدعوهم إلى العمل بالتوراة وتحريم ذبائح من ليس من أهلها ، وإلى الختان وإقامة السبت ، وتحريم الخنزير ، وتحريم ما حرمته التوراة ، فشق ذلك على الأمم واستثقلوه ، فاجتمع النصارى ببيت المقدس وتشاوروا ، فيما يحتالون به على الأمم ليحببوهم إلى دين المسيح ، ويدخلوا فيه ، فاتفق رأيهم على مداخلة الأمم ، والترخيص لهم ، والاختلاط بهم ، وأكل ذبائحهم ، والانحطاط في أهوائهم ، والتخلق باخلاقهم ، وإنشاء شريعة تكون بين شريعة الإنجيل وما عليه الأمم ، وأنشأوا في ذلك كتاباً ، فهذا أحد مجامعهم الكبار ، وكانوا كلما أرادوا إحداث شيء اجتمعوا معاً وافترقوا فيه على ما يريدون إحداثه ، إلى أن اجتمعوا المجمع الذي لم يجتمع لهم أكبر منه في عهد قسطنطين الرومي ابن هيلانة الحرانية الفندقية ، وفي زمنه بدل دين المسيح ، وهو الذي أشاد دين النصارى المبتدع وقام به وقعد ، وكان عدتهم زهاء ألفى رجل ، فقرروا تقريراً ثم رفضوه ولم يرتضوه ، ثم اجتمع ثلاثمائة وثمانية عشر رجلاً منهم - والنصارى يسمونهم الآباء - ، فقرروا هذا التقرير الذي هم عليه اليوم ، وهو أصل الأصول عند جميع طوائفهم ، لا يتم لأحد منهم نصرانية إلا به ، ويسمونه \"سنهودس\" وهي \"الأمانة\"!!.\rأمانة المثلثة أكبر خيانة","part":13,"page":429},{"id":5674,"text":"ولفظها : \"نؤمن بالله الأب الواحد ، خالق ما يرى وما لا يرى ، وبالرب الواحد اليسوع المسيح ابن الله بكر أبيه ، وليس بمصنوع ، إله حق من إله حتى ، من جوهر أبيه ، الذي بيده أتقنت العوالم ، وخلق كل شيء ، الذي من أجلنا معشر الناس ومن أجل خلاصنا نزل من السماء ، وتجسد من روح القدس ومن مريم البتول ، وحبلت به مريم البتول وولدته ، وأخذ وصلب ، وقتل أيام فيلاطس الرومي ، ومات ودفن ، وقام في اليوم الثالث كما هو مكتوب ، وصعد إلى السماء ، وجلس عن يمين أبيه ، وهو مستعد للمجيء تارة أخرى للقضاء بين الأموات والأحياء.\rونؤمن بالرب الواحد ، روح القدس ، روح الحق ، الذي يخرج من أبيه روح محبته ، وبمعمودية واحدة لغفران الخطايا ، وبجماعة واحدة قديسية سليحية جاثليقية ، وبقيام أبداننا ، وبالحياة الدائمة إلى أبد الآبدين\".\rفصرحوا فيه بأن المسيح رب ، وأنه ابن الله ، وأنه بكره ليس له ولد غيره ، وأنه ليس بمصنوع ، أي : ليس بعبد مخلوق ، بل هو رب خالق ، وأنه إله حق ، استل وولد من إله حق ، وأنه مساوٍ لأبيه في الجوهر ، وأنه بيده أتقنت العوالم ، وهذه اليد التي أتقنت العوالم بها عندهم هي التي ذاقت حر المسامير كما صرحوا به في كتبهم ، وهذه ألفاظهم ، قالوا : \"وقد قال القدوة عندنا : إن اليد التي سمرها اليهود في الخشبة هي اليد التي عجنت طين آدم وخلقته ، وهي اليد التي شبرت السماء ، وهي اليد التي كتبت التوراة لموسى\"!.\rقالوا : وقد وصفوا صنيع اليهودية وهذه ألفاظهم : \"وإنهم لطموا الإله وضربوه على رأسه\" ، قالوا : \"وفي بشارة الأنبياء به : أن الإله تحبل به امرأة عذراء ، وتلده ، ويؤخذ ويصلب ويقتل\"!!.","part":13,"page":430},{"id":5675,"text":"قالوا : \"وأما \"سنهودس\" دون الأمم ، قد اجتمع عليه سبعمائة من الآباء وهم القدوة ، وفيه : \"أن مريم حبلت بالإله وولدته وأرضعته وسقته وأطعمته\" ، قالوا : \"وعندنا : أن المسيح ابن آدم ، وهو ربه وخالقه ورازقه ، وابن ولده إبراهيم ، وربه وخالقه ورازقه ، وابن إسرائيل ، وربه وإلهه ورازقه ، وابن مريم ، وربها وخالقها ورازقها\" ، قالوا : \"وقد قال علماؤنا ومن هو القدوة عند جميع طوائفنا : \"اليسوع في البدء ولم يزل كلمة ، والكلمة لم تزل الله ، والله هو الكلمة ، فذاك الذي ولدته مريم وعاينه الناس وكان بينهم هو الله ، وهوابن الله ، وهو كلمة الله\" هذه ألفاظهم.","part":13,"page":431},{"id":5676,"text":"قالوا : \"فالقديم الأزلي خالق السموات والأرض هو الذي عاينه الناس بأبصارهم ، ولمسوه بأيديهم ، وهو الذي حبلت به مريم ، وخاطب الناس من بطنها حيث قال للأعمى : أنت مؤمن بالله ، قال الأعمى : ومن هو حتى أؤمن به ؟ ، قال : هو المخاطب لك ، ابن مريم ، فقال : آمنت بك وخر ساجداً\" ، قالوا : \"فالذي حبلت به مريم هو الله وابن الله وكلمة الله\" ، وقالوا : \"وهو الذي ولد ورضع وفطم ، وأخذ وصلب وصفع ، وكتفت يداه وسمر وبصق في وجهه ، ومات ودفن ، وذاق ألم الصلب والتسمير والقتل لأجل خلاص النصارى من خطاياهم\". قالوا : \"وليس المسيح عند طوائفنا الثلاثة بنبي ، ولا عبد صالح ، بل هو رب الأنبياء ، وخالقهم وباعثهم ومرسلهم وناصرهم ومؤيدهم ، ورب الملائكة ، قالوا : وليس مع أمه بمعنى الخلق والتدبير واللطف والمعونة ، فإنه لا يكون لها بذلك مزية على سائر الإناث ولا الحيوانات ، ولكنه معها بحبلها به واحتواء بطنها عليه ، فلهذا فارقت إناث جميع الحيوانات ، وفارق ابنها جميع الخلق ، فصار الله وابنه الذي نزل من السماء وحبلت به مريم وولدته إلهاً واحداً ، ومسيحاً واحداً ، ورباً واحداً ، وخالقاً واحداً ، لا يقع بينهما فرق ، ولا يبطل الاتحاد بينهما بوجه من الوجوه ، لا في حبل ، ولا في ولادة ، ولا في حال نوم ، ولا مرض ، ولا صلب ، ولا موت ، ولا دفن ، بل هو متحد به في حال الحبل ، فهو في تلك الحال مسيح واحد ، وخالق واحد ، وإله واحد ، ورب واحد ، وفي حال الولادة كذلك ، وفي حال الصلب والموت كذلك ، قالوا : فمنا من يطلق في لفظه وعبارته حقيقة هذا المعنى فيقول : مريم حبلت بالإله ، وولدت الإله ، ومات الإله. ومنا من يمتنع من هذه العبارة لبشاعة لفظها ويعطي معناها وحقيقتها ، ويقول : مريم حبلت بالمسيح في الحقيقة ، وولدت المسيح في الحقيقة ، وهي أم المسيح في الحقيقة ، والمسيح إله في الحقيقة ، ورب في الحقيقة ، وابن الله في الحقيقة ، وكلمة الله في الحقيقة ، لا ابن لله في الحقيقة سواه ، ولا أب للمسيح في الحقيقة إلا هو.","part":13,"page":432},{"id":5677,"text":"قالوا : فهؤلاء يوافقون في المعنى قول من قال : حبلت بالإله ، وولدت الإله ، وقتل الإله ، وصلب الإله ، ومات ودفن ، وإن منعوا اللفظ والعبارة. قالوا : وإنما منعنا هذه العبارة التي أطلقها إخواننا ، لئلا يتوهم علينا إذا قلنا : حبلت بالإله ، وولدت الإله ، وألم الإله ، ومات الإله ، أن هذا كله حل ونزل بالإله الذي هو أب ، ولكنا نقول : حل هذا كله ونزل بالمسيح ، والمسيح عندنا وعند طوائفنا إله تام ، من إله تام ، من جوهر أبيه ، فنحن وإخواننا في الحقيقة شيء واحد ، ولا فرق بيننا إلا في العبارة فقط. قالوا : فهذا حقيقة ديننا وإيماننا ، والآباء والقدوة قد قالوا قبلنا وسنوه لنا ، ومهدوه ، وهم أعلم بالمسيح منا.\rولا تختلف المثلثة عباد الصليب من أولهم إلى آخرهم أن المسيح ليس بنبي ولا عبد صالح ، ولكنه إله حق من إله حق من جوهر أبيه ، وأنه إله تام من إله تام ، وأنه خالق السموات والأرضين ، والأولين والآخرين ، ورازقهم ومحييهم ومميتهم ، وباعثهم من القبور ، وحاشرهم ومحاسبهم ومثيبهم ومعاقبهم ، والنصارى تعتقد أن الأب انخلع من ملكه كله وجعله لابنه ، فهو الذي يخلق ويرزق ، ويميت ويحيي ، ويدبر أمر السموات والأرض ، ألا تراهم يقولون في أمانتهم : \"ابن الله وبكر أبهي ، وليس بمصنوع\" - إلى قولهم - : \"بيده أتقنت العوالم وخلق كل شيء\" - إلى قولهم - : \"وهو مستعد للمجئ تارة أخرى لفصل القضاء بين الأموات والأحياء\" ، ويقولون في صلواته ومناجاتهم : \"أنت أيها المسيح اليسوع تحيينا وترزقنا ، وتخلق أولادنا ، وتقيم أجسادنا ، وتبعثنا وتجازينا\"!!.\r[المسيح يكذب دعوى ربوبيته وإلهيته ويصرح بأنه نبي بشر]","part":13,"page":433},{"id":5678,"text":"وقد تضمن هذا كله تكذيبهم الصريح للمسيح ، وإن أوهمتهم ظنونهم الكاذبة أنهم يصدقونه ، فإن المسيح قال لهم : \"إن الله ربي وربكم ، وإلهي وإلهكم\" ، فشهد على نفسه أنه عبد الله ، مربوب مصنوع ، كما أنهم كذلك ، وأنه مثلهم في العبودية والحاجة والفاقة إلى الله ، وذكر أنه رسول الله إلى خلقه كما أرسل الأنبياء قبله.\rففي إنجيل \"يوحنا\" أن المسيح قال في دعائه : \"إن الحياة الدائمة إنما تجب للناس بأن يشهدوا أنك أنت الله الواحد الحق ، وأنك أرسلت اليسوع المسيح\" ، وهذا حقيقة شهادة المسلمين : أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله.\rوقال لبني إسرائيل : \"تريدون قتلي وأنا رجل قلت لكم الحق الذي سمعت الله يقوله\" ، فذكر ما غايته : أنه رجل بلّغهم ما قاله الله ، ولم يقل : وأنا إله ، ولا ابن الإله على معنى التوالد ، وقال : \"إني لم أجيء لأعمل بمشيئة نفسي ، ولكن بمشيئة من أرسلني\" ، وقال : \"إن الكلام الذي تسمعونه مني ليس من تلقاء نفسي ، ولكن من الذي أرسلني ، والويل لي إن قلت شيئاً من تلقاء نفسي ، ولكن بمشيئة هو من أرسلني\".\rوكان يواصل العبادة من الصلاة والصوم ويقول : \"ماجئت لأُخدم ، إنما جئت لأَخْدِم\" ، فأنزل نفسه بالمنزلة التي أنزله الله بها وهي منزلة الخدام ، وقال : \"لست أدين العباد بأعمالهم ، ولا أحاسبهم بأعمالهم ، ولكن الذي أرسلني هو الذي يلي ذلك منهم\" ، كل هذا في الإنجيل الذي بأيدي النصارى.\rوفيه : أن المسيح قال : \"يارب ، قد علموا أنك قد أرسلتني ، وقد ذكرت لهم اسمك\" ، فأخبر أن الله ربه ، وأنه عبده ورسوله.\rوفيه : \"أن الله الواحد رب كل شيء ، أرسل من أرسل من البشر إلى جميع العالم ليقبلوا إلى الحق\".\rوفيه : أنه قال : \"إن الأعمال التي أعمل هي الشاهدات لي بأن الله أرسلني إلى هذا العالم\".","part":13,"page":434},{"id":5679,"text":"وفيه : \"ما أبعدني وأتعبني إن أحدثت شيئاً من قبل نفسي ، ولكن أتكلم وأجيب بما علمني ربي\". وقال : \"إن الله مسحني وأرسلني ، وأنا عبد الله ، وإنما أعبد الله الواحد ليوم الخلاص\". وقال : \"إن الله عز وجل ما أكل ، ولا يأكل ، وما شرب ، ولا يشرب ، ولم ينم ، ولا ينام ، ولا ولد له ، ولا يلد ، ولا يولد ، ولا رآه أحد ، ولا يراه أحد إلا مات\".\rوبهذا يظهر لك سر قوله تعالى في القرآن : {مَا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلاّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ كَانَا يَأْكُلانِ الطَّعَامَ} ، تذكيراً للنصارى بما قال لهم المسيح ، وقال في دعائه لما سأل ربه أن يحيي الميت : \"أنا أشكرك وأحمدك لأنك تجيب دعائي في هذا الوقت وفي كل وقت ، فأسألك أن تحيي هذا الميت ليعلم بنو إسرائيل أنك أرسلتني ، وأنك تجيب دعائي\".\rوفي الإنجيل : أن المسيح حين خرج من السامرية ولحق بجلجال قال : \"لم يكرم أحد من الأنبياء في وطنه\" ، فلم يزد على دعوى النبوة.\rوفي إنجيل لوقا : \"لم يقتل أحد من الأنبياء في وطنه فكيف تقتلونني\".\rوفي إنجيل مرقس : \"إن رجلاً أقبل إلى المسيح وقال : أيها المعلم الصالح ، أي خير أعمل لأنال الحياة الدائمة ؟ ، فقال له المسيح : لم قلت صالحاً ؟ ، إنما الصالح الله وحده ، وقد عرفت الشروط ، لا تسرق ، ولا تزني ، ولا تشهد بالزور ، ولا تخن ، وأكرم أباك وأمك\".\rوفي إنجيل يوحنا : أن اليهود لما أرادوا قبضه رفع بصره إلى السماء وقال : \"قد دنا الوقت يا إلهي فشرفني لديك ، واجعل لي سبيلاً أن أملك كل من ملكتني الحياة الدائمة ، وإنما الحياة الباقية أن يؤمنوا بك إلهاً واحداً ، وبالمسيح الذي بعثت ، وقد عظمتك على أهل الأرض ، واحتملت الذي أمرتني به فشرفني\" ، فلم يدع سوى أنه عبد مرسل مأمور مبعوث.","part":13,"page":435},{"id":5680,"text":"وفي إنجيل متى : \"لا تنسبوا أباكم الذي على الأرض ، فإن أباكم الذي في السماء وحده ، ولا تدعوا معلمين فإنما معلمكم المسيح وحده\" ، والأب في لغتهم الرب المربي ، أي : لا تقولوا إلهكم وربكم في الأرض ، ولكنه في السماء ، ثم أنزل نفسه بالمنزلة التي أنزله بها ربه ومالكه وهو أن غايته أنه يعلم في الأرض ، وإلههم هو الذي في السماء.\rوفي إنجيل لوقا حين دعا الله فأحيا ولد المرأة فقالوا : \"إن هذا النبي لعظيم ، وإن الله قد تفقد أمته\".\rوفي إنجيل يوحنا : إن لمسيح أعلن صوته في البيت ، وقال لليهود : \"قد عرفتموني ، كنت كاذباً مثلكم ، وأنا أعلم وأنتم تجهلون أني منه وهو بعثني\" ، فما زاد في دعواه على ما ادعاه الأنبياء ، فأمسكت المثلثة قوله : \"إني منه\" وقالوا : إله حق من إله حق.\rوفي القرآن : {رَسُولٌ مِنَ اللَّهِ} ، وقال هود : {وَلَكِنِّي رَسُولٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ} ، وكذلك قال صالح ، ولكن أمة الضلال كما أخبر الله عنهم يتبعون المتشابه ، ويردون المحكم.\rوفي الإنجيل أيضاً أنه قال لليهود وقد قالوا له : {نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ} ، فقال لهم : : \"لو كان الله أباكم لأطعتموني ، لأني رسول منه ، خرجت مقبلاً ، ولم أقبل من ذاتي ، ولكن هو بعثني ، لكنكم لا تقبلون وصيتي ، وتعجزون عن سماع كلامي ، إنما أنتم أبناء الشيطان ، وتريدون إتمام شهواته\".\rوفي الإنجيل : إن اليهود أحاطت به ، وقالت له : \"إلى متى تخفي أمرك إن كنت المسيح الذي ننتظره فأعلمنا بذلك\" ، ولم تقل : إن كنت الله أو ابن الله ، فإنه لم يدّع ذلك ، ولا فهمه عنه أحد من أعدائه ولا أتباعه.","part":13,"page":436},{"id":5681,"text":"وفي الإنجيل أيضاً : \"أن اليهود أرادوا القبض عليه ، فبعثوا لذلك الأعوان ، وأن الأعوان رجعوا إلى قوادهم ، فقالوا لهم : لم لم تأخذوه ، فقالوا : ماسمعنا آدمياً أنصف منه ، فقالت اليهود : وأنتم أيضاً مخدوعون ، أترون أنه آمن به أحد من القواد ، أو من رؤساء أهل الكتاب ؟ ، فقال لهم بعض أكابرهم : أترون كتابكم يحكم على أحد قبل أن يسمع منه ؟ ، فقالوا له : اكشف الكتب ، ترى أنه لا يجيء من جلجال نبي\" ، فما قالت اليهود ذلك إلا وقد أنزل نفسه بالمنزلة التي أنزله بها ربه ومالكه أنه نبي ، ولو علمت من دعواه الإلهية لذكرت ذلك له ، وأنكرته عليه ، وكان أعظم أسباب التنفير عن طاعته ، لأن كذبه كان يعلم بالحس والعقل والفطرة واتفاق الأنبياء.\rولقد كان يجب لله سبحانه - لو سبق في حكمته أن يبرز لعباده ، وينزل عن كرسي عظمته ، ويباشرهم بنفسه - أن لا يدخل في فرج امرأة ، ويقيم في بطنها بين البول والنجو والدم عدة أشهر ، وإذ قد فعل ذلك ، لا يخرج صبياً صغيراً ، يرضع ويبكي ، وإذ قد فعل ذلك ، لا يأكل مع الناس ويشرب معهم وينام ، وإذ قد فعل ذلك فلا يبول ولا يتغوط ، ويمتنع من الخرأة إذ هي منقصة ابتلي بها الإنسان في هذه الدار لنقصه وحاجته ، وهو تعالى المختص بصفات الكمال ، المنعوت بنعوت الجلال ، الذي ما وسعته سمواته ولا أرضه ، وكرسيه وسع السموات والأرض ، فكيف وسعه فرج امرأة. تعالى الله رب العالمين.\rوكلكم متفقون على أن المسيح كان يأكل ويشرب ، ويبول ويتغوط ، وينام.\r[ما يراد بلفظ : \"الأب\" و\"الرب\" و\"الإله\" و\"السيد\" في كتبهم التي اشتبهت عليهم]\r[أسئلة على إلهية المسيح تنتظر الجواب من عبّاد الصليب]\rفيا معشر المثلثة وعبّاد الصليب ، أخبرونا من كان الممسك للسموات والأرض حين كان ربها وخالقها مربوطاً على خشبة الصليب ، وقد شدت يداه ورجلاه بالحبال ، وسمرت اليد التي أتقنت العوالم ، فهل بقيت السموات والأرض خلواً من إلهها وفاطرها ، وقد جرى عليه هذا الأمر العظيم ؟ !!.","part":13,"page":437},{"id":5682,"text":"أم تقولون : استخلف على تدبيرها غيره ، وهبط عن عرشه لرب نفسه على خشبة الصليب ، وليذوق حر المسامير ، وليوجب اللعنة على نفسه ، حيث قال في التوراة : \"ملعون من تعلق بالصليب\" أم تقولون : كان هو المدبر لها في تلك الال ، فكيف وقد مات ودفن! ؟ .\rأم تقولون - وهوحقيقة قولكم - : لا ندري ، ولكن هذا في الكتب ، وقد قاله الآباء ، وهم القدوة!!. والجواب عليهم!!\rفنقول لكم وللآباء معاشر المثلثة عبّاد الصليب : ما الذي دلكم على إلهية المسيح ؟ ، فإن كنتم استدللتم عليها بالقبض من أعدائه عليه ، وسوقه إلى خشبة الصليب ، وعلى رأسه تاج من الشوك ، وهم يبصقون في وجهه ويصفعونه ، ثم أركبوه ذلك المركب الشنيع ، وشدوا يديه ورجليه بالحبال ، وضربوا فيها المسامير ، وهو يستغيث ، وتعلق ، ثم فاضت نفسه وأودع ضريحه ، فما أصحه من استدلال عند أمثالكم ممن هم أضل من الأنعام ؟ ، وهم عار على جميع الأنام!!\rوإن قلتم : إنما استدللنا هذا الاستدلال صحيحاً ، فآدم إله المسيح ، وهو أحق بأن يكون إلهاً منه ، لأنه لا أم له ، ولا أب ، ولا مسيح له أم ، وحواء أيضاً اجعلوها إلهاً خامساً ، لأنها لا أم لها ، وهي أعجب من خلق المسيح ؟ !! ، والله سبحانه قد نوع خلق آدم وبنيه إظهاراً لقدرته ، وأنه يفعل ما يشاء ، فخلق آدم لا من ذكر ولا من أنثى ، وخلق زوجه حوى من ذكر لا من أنثى ، وخلق عبده المسيح من أنثى لا من ذكر ، وخلق سائر النوع من ذكر وأنثى.\rوإن قلتم : استدللنا على كونه إلهاً بأنه أحيا الموتى ، ولا يحييهم إلا إله. فاجعلوا موسى إلهاً آخر ، فإنه أتى من ذلك بشيء لم يأت المسيح بنظيره ولا ما يقاربه ، وهو جعل الخشبة حيواناً عظيماً ثعباناً ، فهذا أبلغ وأعجب من إعادة الحياة إلى جسم كانت فيه أولاً.","part":13,"page":438},{"id":5683,"text":"فإن قلتم : هذا غير إحياء الموتى. فهذا اليسع النبي أتى بإحياء الموتى وهم يقرون بذلك ، وكذلك إيليا النبي أيضاً أحيا صبياً بإذن الله ، وهذا موسى قد أحيا بإذن الله السبعين الذين ماتوا من قومه ، وفي كتبكم من ذلك كثير عن الأنبياء والحواريين ، فهل صار أحد منهم إلهاً بذلك.! ؟ \rوإن قلتم : جعلناه إلهاً للعجائب التي ظهرت على يديه ، فعجائب موسى أعجب وأعجب ، وهذا إيليا النبي بارك على دقيق العجوز ودهنها فلم ينفد ما في جرابها من الدقيق وما في قارورتها من الدهن سبع سنين!!.\rوإن جعلتموه إلهاً لكونه أطعم من الأرغفة اليسيرة آلافاً من الناس ، فهذا موسى قد أطعم أمته أربعين سنة من المن والسلوى!! ، وهذا محمد بن عبد الله قد أطعم العسكر كله من زاد يسير جداً حتى شبعوا وملؤا أوعيتهم ، وسقاهم كلهم من ماء يسير لا يملأ اليد حتى ملؤوا كل سقاء في العسكر ، وهذا منقول عنه بالتواتر! ؟ .\rوإن قلتم : جعلناه إلهاً لأنه صاح بالبحر فسكنت أمواجه ، فقد ضرب موسى البحر بعصاه فانفلق اثنى عشر طريقاً ، وقام الماء بين الطرق كالحيطان ، وفجر من الحجر الصلد اثنى عشر عيناً سارحة.!\rوإن جعلتموه إلهاً لأنه أبرأ الأكمه والأبرص ، فإحياء الموتى أعجب من ذلك ، وآيات موسى ومحمد صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين أعجب من ذلك.","part":13,"page":439},{"id":5684,"text":"وإن جعلتموه إلهاً لأنه ادعى ذلك ، فلا يخلو إما أن يكون الأمر كما تقولون عنه ، أو يكون إنما ادعى العبودية والافتقار ، وأنه مربوب مصنوع مخلوق. فإن كان كما ادعيتم عليه فهو أخو المسيح الدجال ، وليس بمؤمن ولا صادق ، فضلاً عن أن يكون نبياً كريماً ، وجزاؤه جهنم وبئس المصير ، كما قال تعالى : {وَمَنْ يَقُلْ مِنْهُمْ إِنِّي إِلَهٌ مِنْ دُونِهِ فَذَلِكَ نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ} ، وكل من ادعى الإلهية من دون الله فهو من أعظم أعداء الله ، كفرعون ، ونمرود ، وأمثالهما من أعداء الله ، فأخرجتم المسيح عن كرامة الله ونبوته ورسالته ، وجعلتموه من أعظم أعداء الله ، ولهذا كنتم أشد الناس عداوة للمسيح في صور محب موال!\rومن أعظم ما يعرف به كذب المسيح الدجال أنه يدعي الإلهية ، فيبعث الله عبده ورسوله مسيح الهدى ابن مريم فيقتله ، ويظهر للخلائق أنه كان كاذباً مفترياً ، ولو كان إلهاً لم يقتل ، فضلاً عن أن يصلب ويسمر ويبصق في وجهه!.\rوإن كان المسيح إنما ادّعى أنه عبد ونبي ورسول كما شهدت به الأناجيل كلها ، ودلَّ عليه العقل والفطرة ، وشهدتم أنتم له بالإلهية - وهذا هو الواقع - ، فلم تأتوا على إلهيته ببينة غير تكذيبه في دعواه ، وقد ذكرتم عنه في أناجيلكم في مواضع عديدة مايصرح بعبوديته ، وأنه مربوب مخلوق ، وأنه ابن البشر ، وأنه لم يدع غير النبوة والرسالة ، فكذبتموه في ذلك كله وصدقتم من كذب على الله وعليه.\rوإن قلتم : إنما جعلناه إلهاً لأنه أخبر بما يكون بعده من الأمور ، فكذلك عامة الأنبياء ، وكثير من الناس يخبر عن حوادث في المستقبل جزئية ، ويكون ذلك كما أخبر به ، ويقع من ذلك كثير للكهان والمنجمين والسحرة!.\rوإن قلتم : إنما جعلناه إلهاً لأنه سمى نفسه ابن الله في غير موضع من الإنجيل ، كقوله : \"إني ذاهب إلى أبي\" ، \"وإني سائل أبي\" ، ونحو ذلك ، وابن الإله إله.","part":13,"page":440},{"id":5685,"text":"قيل : فاجعلوا أنفسكم كلكم آلهة ، في غير موضع أنه سماه : \"أباه ، وأباهم\" ، كقوله : \"أذهب إلى أبي وأبيكم\" ، وفيه : \"ولا تسبوا أباكم على الأرض ، فإن أباكم الذي في السماء وحده\" ، وهذا كثير في الإنجيل ، وهو يدل على أن الأب عندهم الرب.\rوإن جعلتموه إلهاً لأن تلاميذه ادعوا ذلك له ، وهم أعلم الناس به ؛ كذبتم أناجيلكم التي بأيديكم ، فكلها صريحة أظهر صراحة بأنهم ما ادعوا له إلا ما ادعاه لنفسه من أنه عبد ، فهذا \"متى\" يقول في الفصل التاسع من إنجيله ، محتجاً بنبوة شعيا في المسيح عن الله عز وجل : \"هذا عبدي الذي اصطفيته ، وحبيبي الذي ارتاحت نفسي له\" ، وفي الفصل الثامن من إنجيله : \"إني أشكرك يارب\" ، \"ويارب السموات والأرض\".\rوهذا \"لوقا\" يقول في آخر إنجيله : \"إن المسيح عرض له ولآخر من تلاميذه في الطريق ملكوهما محزونان ، فقال لهما وهما لا يعرفانه : ما بالكما محزونين ؟ ، فقالا : كأنك غريب في بيت المقدس ، إذ كنت لا تعلم ما حدث فيها في هذه الأيام من أمر الناصري ، فإنه كان رجلاً نبياً قوياً تقياً في قوله وفعله عند الله وعند الأمة ، أخذوه وقتلوه\".\rوهذا كثير جداً في الإنجيل.\rوإن قلتم : إننا جعلناه إلهاً لأنه صعد إلى السماء.\rفهذا أخنوخ وإلياس قد صعدا إلى السماء ، وهما حيان مكرمان لم تشكهما شوكة ، ولا طمع فيهما طامع ، والمسلمون مجمعون على أن محمداً صلى الله عليه وسلم صعد إلى السماء وهو عبد محض ، وهذه الملائكة تصعد إلى السماء ، وهذه أرواح المؤمنين تصعد إلى السماء بعد مفارقتها الأبدان ، ولا تخرج بذلك عن العبودية ، وهل كان الصعود إلى السماء مخرج عن العبودية بوجه من الوجوه ؟ !!.\rوإن جعلتموه إلهاً لأن الأنبياء سمته إلهاً ورباً وسيداً ، ونحو ذلك ، فلم يزل كثير من أسماء الله عز وجل تعلق على غيره عند جميع الأمم وفي سائر الكتب ، وما زالت الروم والفرس والهند والسريانيون والعبرانيون والقبط وغيرهم يسمون ملوكهم آلهة وأرباباً.","part":13,"page":441},{"id":5686,"text":"وفي السفر الأول من التوراة : \"أن نبي الله دخلوا على بنات إلياس ورأوهن بارعات الجمال فتزوجوا منهن\".\rوفي السفر الثاني من التوراة في قصة المخرج من مصر : \"إني جعلتك إلهاً لفرعون\".\rوفي المزمور الثاني والثمانين لداود : \"قام الله لجميع الآلهة\" هكذا في العبرانية ، وأما من نقله إلى السريانية فإنه حرفه فقال : \"قام الله في جماعة الملائكة\" ، وقال في هذا المزمور وهو يخاطب قوماً بالروح : \"لقد ظننت أنكم آلهة ، وأنكم أبناء الله كلكم\".\rوقد سمى الله سبحانه عبده بالملك ، كما سمى نفسه بذلك ، وسماه بالرؤف الرحيم كما سمى نفسه بذلك ، وسماه بالعزيز وسمى نفسه بذلك.\rاسم الرب واقع على غير الله تعالى في لغة أمة التوحيد ، كما يقال : هذا رب المنزل ، ورب الإبل ، ورب هذا المتاع ، وقد قال شعيا : \"عرف الثور من اقتناه ، والحار مربط ربه ، ولم يعرف بنو إسرائيل\".\rوإن جعلتموه إلهاً لأنه صنع من الطين صورة طائر ثم نفخ فيها فصارت لحماً ودماً وطائراً حقيقة ، ولا يفعل هذا إلا الله. قيل : فاجعلوا موسى بن عمران إله الآلهة ، فإنه ألقى عصا فصارت ثعباناً عظيماً ، ثم أمسكها بيده فصارت عصا كما كانت.\rوإن قلتم : جعلناه إلهاً لشهادة الأنبياء والرسل له بذلك. قال عزرا حيث سباهم بختنصر إلى أرض بابل إلى أربعمائة واثنين وثمانين سنة : \"يأتي المسيح ويخلص الشعوب والأمم\" ، وعند انتهاء هذه المدة أى : المسيح ، ومن يطبق تخليص الأمم غير الإله التام. قيل لكم : فاجعلوا جميع الرسل آلهة ، فإنهم خلصوا الأمم من الكفر والشرك ، وخلصوهم من النار بإذن الله وحده ، ولا شك أن المسيح خلص من آمن به واتبعه من ذل الدنيا وعذاب الآخرة ، كما خلص موسى بني إسرائيل من فرعون وقومه ، وخلصهم بالإيمان بالله واليوم الآخر من عذاب الآخرة ، وخلص الله سبحانه بمحمد بن عبد الله صلى الله عليه وسلم عبده ورسوله من الأمم والشعوب مالم يخلصه نبي سواه ، فإن وجبت بذلك الإلهية لعيسى فموسى ومحمد أحق بها منه.","part":13,"page":442},{"id":5687,"text":"وإن قلتم : أوجبنا له بذلك الإلهية لقول أرمياء النبي عن ولادته : \"وفي ذلك الزمان يقوم لداود ابن ، وهو ضوء النور ، يملك الملك ، ويقيم الحق والعدل في الأرض ، يخلص من آمن به من اليهود ومن بني إسرائيل ومن غيرهم ، ويبقى بيت المقدس من غير مقاتل ، ويسمى الإله\" ، فقد تقدم أن اسم الإله في الكتب المتقدمة وغيرها قد أطلق على غيره هو بمنزلة الرب والسيد والأب ، ولو كان عيسى هو الله لكان أجل من أن يقال ويسمى الإله ، وكان يقول : وهوالله ، فإن الله سبحانه لا يعرف بمثل هذا ، وفي هذا الدليل الذي جعلتموه به إلهاً أعظم الأدلة على أنه عبد وأنه ابن البشر ، فإنه قال : \"يقوم لداود أب\" فهذا الذي قام لداود هو الذي سمى بالإله ، فعلم أنه هذا الاسم لمخلوق مصنوع مولود ، لا لرب العالمين وخالق السموات والأرضين.\rوإن قلتم : إنما جعلناه إلهاً من جهة قول شعيا النبي : \"قل لصهيون : يفر ويتهلل ، فإن الله يأتي ويخلص الشعوب ، ويخلص من آمن به ، ويخلص مدينة بيت المقدس ، ويظهر الله ذراعه الطاهر فيها لجميع الأمم المتبددين ، ويجعلهم أمة واحدة ، ويصير جميع أهل الأرض خلاص الله ، لأنه يمشي معهم وبين أيديهم ، ويجمعهم إله إسرائيل\".\rقيل لهم : هذا يحتاج أولاً : إلى أن يعلم أن ذلك في نبوة أشعيا بهذا اللفظ بغير تحريف للفظة ، ولا غلط في الترجمة ، وهذا غير معلوم ، وإن ثبت ذلك لم يكن فيه دليل على أنه إله تام ، وأنه غير مصنوع ولا مخلوق ، فإنه نظير ما في التوراة : \"جاء الله من طور سيناء ، وأشرق من ساعير ، واستعلن من جبال فاران\" ، وليس في هذا ما يدل على أن موسى ومحمداً إلهان ، والمراد بهذا : مجيء دينه وكتابه وشرعه وهداه ونوره.","part":13,"page":443},{"id":5688,"text":"وأما قوله : \"ويظهر ذراعه والطاهر لجميع الأمم المبددين\" ففي التوراة مثل هذا وأبلغ منه في غير موضع. وأما قوله : \"ويصر جميع أهل الأرض خلاص الله ، لأنه يمشي معهم ومن بين أيديهم\" فقد قال في التوراة في السفر الخامس لبني إسرائيل : \"لا تهابوهم ولا تخافوهم ، لأن الله ربكم السائر بين أيديكم وهو محارب عنكم\" ، وفي موضع آخر قال موسى : \"إن الشعب هو شعبك ، فقال : أنا أمضي أمامك ، فقال : إن لم تمض أنت أمامنا وإلا فلا تصعدنا من ههنا ، فكيف أعلم أنا ، وهذا الشعب أني وجدت نعمة كذا إلا بسيرك معنا\" ، وفي السفر الرابع : \"إني أصعدت هؤلاء بقدرتك ، فيقولان لأهل هذه الأرض الذي سمعوا منك الله فيما بين هؤلاء القوم يرونه عيناً بعين ، وغمامك تغيم عليهم ، ويعود غماماً يسير بين أيديهم نهاراً ويعود نهاراً ليلاً\" ، وفي التوراة أيضاً : \"يقول الله لموسى : إني آت إليك في غلظ الغمام ، لكي يسمع القوم مخاطبتي لك\" ، وفي الكتب الإلهية ، وكلام الأنبياء من هذا كثير ، وفيما حكى خاتم الأنبياء عن ربه تبارك وتعالى أنه قال : \"ولا يزال عبدي يتقرب إليّ بالنوافل حتى أحبه ، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به ، وبصره الذي يبصر به ، ويده التي يبطش بها ، ورجله التي يمشي بها ، فبي يسمع ، وبي يبصر ، وبي يبطش ، وبي يمشي\".\rوإن قلتم : جعلناه إلهاً لقول زكريا في نبوته1 : \"صهيون ، لأني آتيك وأحل فيك وأترائى ، وتؤمن بالله في ذلك اليوم الأمم الكثيرة ، ويكونون له شعباً واحداً ، ويحل هو فيهم ، ويعرفون أني أنا الله القوي الساكن فيك ، ويأخذ الله في ذلك اليوم الملك من يهودا ويملك عليهم إلى الأبد\".\rقيل لكم : إن أوجبتم له الإلهية بهذا فلتجب لإبراهيم وغيره من الأنبياء ، فإن عند أهل الكتاب وأنتم معهم أن الله تجلى لإبراهيم ، واستعلن له وترائى له.","part":13,"page":444},{"id":5689,"text":"وأما قوله : \"وأحل فيك\" لم يرد سبحانه بهذا حلول ذاته التي لا تسعها السموات والأرض في بيت المقدس ، وكيف تحل ذاته في مكان يكون فيه مقهوراً مغلوباً مع شرار الخلق ؟ ! ، كيف وقد قال : \"ويعرفون أني أنا الله القوي الساكن فيك\" ؟ ! ، أفترى عرفوا قوته بالقبض عليه ، وشد يديه بالحبال ، وربطه على خشبة الصليب ، ودق المسامير في يديه ورجليه ، ووضع تاج الشوك على رأسه ، وهو يستغيث ولا يغاث ، وما كان المسيح يدخل بيت المقدس إلا وهو مغلوب مقهور مستخف في غالب أحواله.\rولو صح مجيء هذه الألفاظ صحة لا تدفع ، وصحت ترجمتها كما ذكروه ؛ لكان معناها أن معرفة الله والإيمان به وذكره ودينه وشرعه حل في تلك البقعة ، وبيت المقدس لما ظهر فيه دين المسيح بعد رفعه حصل فيه من الإيمان بالله ومعرفته مالم يكن قبل ذلك.\rوجماع الأمر : أن النبوات المتقدمة والكتب الإلهية لم تنطق بحرف واحد يقتضي أن يكون ابن البشر إلهاً تاماً إله حق من إله حق ، وأنه غير مصنوع ولا مربوب ، بل لم يخصه إلا بما خص به أخوه ، وأولى الناس به محمد بن عبد الله في قوله : \"إنه عبد الله ورسوله ، وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه\" ، وكتب الأنبياء المتقدمة وسائر النبوات موافقة لما أخبر به محمد صلى الله عليه وسلم ، وذلك كله يصدق بعضه بعضاً ، وجميع ما تستدل به المثلثة عبّاد الصليب على إلهية المسيح من ألفاظ وكلمات في الكتب ، فإنها مشتركة بين المسيح وغيره كتسميته أباً وكلمة وروح حق وإلهاً ، وكذلك ما أطلق من حلول روح القدس فيه وظهور الرب فيه أو في مكانه. أ هـ {هداية الحيارى صـ 217 ـ 238}\rتم الجزء الثالث عشر من كتاب {جامع لطائف التفسير} ولله الحمد والمنة\rويليه إن شاء الله تعالى الجزء الرابع عشر وأوله قوله تعالى\r{ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلَا تَكُنْ مِنَ الْمُمْتَرِينَ (60) }","part":13,"page":445},{"id":5690,"text":"بسم الله الرحمن الرحيم\rاسم الكتاب / جامع لطائف التفسير\rالعاجز الفقير\rعبد الرحمن بن محمد القماش\rإمام وخطيب بدولة الإمارات العربية\rعفا الله عنه وغفر له\rالجزء الرابع عشر\rحقوق النسخ والطبع والنشر مسموح بها لكل مسلم\r{يا قوم لا أسألكم عليه أجرا}","part":14,"page":3},{"id":5691,"text":"الجزء الرابع عشر\rمن الآية {60} من سورة آل عمران\rوحتى الآية {83} من نفس السورة","part":14,"page":4},{"id":5692,"text":"قوله تعالى { الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلَا تَكُنْ مِنَ الْمُمْتَرِينَ (60)}\rمناسبة الآية لما قبلها\rقال البقاعى :\rولما ابتدأ القصة بالحق في قوله : {نزل عليك الكتاب بالحق} ختمها بذلك على وجه آكد وأضخم فقال : {الحق} أي الكامل في الثبات كائن {من ربك} أي المحسن إليك بأنه لا يدع لخصم عليك مقالاً ، ولما تسبب عما مضى نقلاً وعقلاً الاعتقاد الحق في أمر عيسى عليه الصلاة والسلام قال : {فلا تكن من الممترين} مشيراً بصيغة الافتعال إلى أنه لا يشك فيه بعد هذا إلا من أمعن الفكر في شبه يثيرها وأوهام يزاولها ويستزيرها ، وما أحسن ما في سفر الأنبياء الإسرائيليين الذي هو بأيدي الطائفتين اليهود ثم النصارى ، يتناقلونه معتقدين ما فيه ، وأوضحه في خلاف معتقدهم في عيسى عليه الصلاة والسلام وموافقة معتقدنا فيه ، لكنهم لا يتدبرون ، وذلك أنه قال في نبوة أشعيا عليه السلام : اسمع مني يا يعقوب عبدي وأنت يا إسرائيل الذي انتخبته! أنا الذي خلقتك في الرحم وأعنتك ، ثم قال : هكذا يقول : يقول الرب : أنا الذي جبلتك في الرحم وخلصتك وأعنتك ، أنا الذي خلقت الكل ، وأنا الذي مددت السماء وحدي ، وأنا الذي ثبتّ الأرض ، أنا الذي أبطل آيات العرافين ، وأصير كل تعريفهم جهلاً ، وأرد الحكماء إلى خلفهم ، وأعرف أعمالهم للناس ، وأثبت كلمة عبيدي ، وأتمم قول رسلي ؛ ثم قال : أنا الرب الذي خلقت هذه الأشياء ، الويل للذي يخاصم خالقه ولا يعلم أنه من خزف الطين! لعل الطين يقول للفاخوري : لماذا تصنعني ؟ أو لعله يقول له : لست أنا من صنعتك ، الويل للذي يقول لأبيه : لماذا ولدتني ؟ أو لأمه : لماذا حبلت بي ؟ هكذا يقول الرب قدوس إسرائيل ومخلصه : أنا الذي خلقت السماء ومددتها بيدي وجميع أجنادها ، وجعلت فيها الكواكب البهية. أ هـ {نظم الدرر حـ 2 صـ 101 ـ 102}\rفصل\rقال الفخر :\rفي الحق تأويلان","part":14,"page":5},{"id":5693,"text":"الأول : قال أبو مسلم المراد أن هذا الذي أنزلت عليك هو الحق من خبر عيسى عليه السلام لا ما قالت النصارى واليهود ، فالنصارى قالوا : إن مريم ولدت إلها ، واليهود رموا مريم عليها السلام بالإفك ونسبوها إلى يوسف النجار ، فالله تعالى بيّن أن هذا الذي أنزل في القرآن هو الحق ثم نهى عن الشك فيه ، ومعنى ممتري مفتعل من المرية وهي الشك.\rوالقول الثاني : أن المراد أن الحق في بيان هذه المسألة ما ذكرناه من المثل وهو قصة آدم عليه السلام فإنه لا بيان لهذه المسألة ولا برهان أقوى من التمسك بهذه الواقعة ، والله أعلم. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 8 صـ 68 ـ 69}\rلطيفة\rقال أبو السعود :\rوالتعرضُ لعنوان الربوبية مع الإضافة إلى ضمير المخاطَبِ لتشريفه عليه الصلاة والسلام والإيذانِ بأن تنزيلَ هذه الآياتِ الحقةِ الناطقةِ بكنه الأمر تربيةٌ له عليه الصلاة والسلام ولُطفٌ به. أ هـ {تفسير أبى السعود حـ 2 صـ 46}\rفصل\rقال ابن عادل :\rقوله : { الْحَقُّ مِن رَّبِّكَ } يجوزُ أنْ تكونَ هذه الجملةُ مستقلةً برأسِهَا والمعنى أنَّ الحقَّ الثابت الذي لا يضمحلّ هو مِنْ ربك ، ومن جملةِ ما جاء مِنْ ربكَ قصةُ عيسى وأمُهُ ، فهو حقٌّ ثابتٌ.\rويجوز أن يكونَ \" الحقُّ \" خبرَ مبتدأ محذوفٍ أي : ما قَصَصْنَا عليكَ من خبرِ عيسى وأمه ، وحُذِفَ لكونه معلوماً. و{ مِّن رَّبِّكُمْ } على هذا - فيهِ وجهانِ :\rأحدهما : أنه حال فيتعلق بمحذوف.\rوالثاني : أنه خبر ثان - عند من يجوز ذلك وتقدم نظير هذه الجملة في البقرة.\rوقال بعضهم : \" الحق رفع بإضمار فعل ، أي : جاءك الحق \".\rوقيل : إنه مرفوع بالصفة ، وفيه تقديم وتأخير ، تقديره : من ربك الحق. أ هـ {تفسير ابن عادل حـ 5 صـ 281}\rقوله تعالى : {فَلاَ تَكُنْ مّن الممترين}\rقال الفخر :","part":14,"page":6},{"id":5694,"text":"الامتراء الشك ، قال ابن الأنباري : هو مأخوذ من قول العرب مريت الناقة والشاة إذا حلبتها فكأن الشاك يجتذب بشكه مراء كاللبن الذي يجتذب عند الحلب ، يقال قد مارى فلان فلاناً إذا جادله ، كأنه يستخرج غضبه ، ومنه قيل الشكر يمتري المزيد أي يجلبه. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 8 صـ 68}\rفصل\rقال الفخر\rقوله تعالى : {فَلاَ تَكُنْ مّن الممترين} خطاب في الظاهر مع النبي صلى الله عليه وسلم ، وهذا بظاهره يقتضي أنه كان شاكاً في صحة ما أنزل عليه ، وذلك غير جائز ، واختلف الناس في الجواب عنه ، فمنهم من قال : الخطاب وإن كان ظاهره مع النبي عليه الصلاة والسلام إلا أنه في المعنى مع الأمة قال تعالى : {يا أيها النبى إِذَا طَلَّقْتُمُ النساء} [ الطلاق : 1 ]\rوالثاني : أنه خطاب للنبي عليه الصلاة والسلام والمعنى : فدم على يقينك ، وعلى ما أنت عليه من ترك الامتراء. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 8 صـ 69}\rوقال الآلوسى :\r{ فَلاَ تَكُنْ مّن الممترين } خطاب له صلى الله عليه وسلم ، ولا يضر فيه استحالة وقوع الامتراء منه عليه الصلاة والسلام كما في قوله تعالى : { وَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ المشركين } [ يونس : 105 ] بل قد ذكروا في هذا الأسلوب فائدتين.\rإحداهما : أنه صلى الله عليه وسلم إذا سمع مثل هذا الخطاب تحركت منه الأريحية فيزداد في الثبات على اليقين نوراً على نور\rوثانيتهما : أن السامع يتنبه بهذا الخطاب على أمر عظيم فينزع وينزجر عما يورث الامتراء لأنه صلى الله عليه وسلم مع جلالته التي لا تصل إليها الأماني إذا خوطب بمثله فما يظن بغيره ففي ذلك زيادة ثبات له صلوات الله تعالى وسلامه عليه ولطفه بغيره ، وجوز أن يكون خطاباً لكل من يقف عليه ويصلح للخطاب. أ هـ {روح المعانى حـ 3 صـ 187}","part":14,"page":7},{"id":5695,"text":"وقال ابن عاشور :\rالخطاب في { فلا تكن من الممترين } للنبيء صلى الله عليه وسلم والمقصود التعريض بغيره ، والمعرَّض بهم هنا هم النصارى الممترُون الذين امتروا في الإلاهية بسبب تحقق أن لاَ أبَ لِعيسى. أ هـ {التحرير والتنوير حـ 3 صـ 113}\rوقال ابن عطية :\rونهي النبي عليه السلام في عبارة اقتضت ذم الممترين ، وهذا يدل على أن المراد بالامتراء غيره ، ولو قيل : فلا تكن ممترياً لكانت هذه الدلالة أقل ، ولو قيل فلا تمتر لكانت أقل ونهي النبي عليه السلام عن الامتراء مع بعده عنه على جهة التثبيت والدوام على حاله. أ هـ {المحرر الوجيز حـ 1 صـ 447}\rوقال الزمخشرى :\rونهيه عن الامتراء وجل رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يكون ممتريا من باب التهييج لزيادة الثبات والطمأنينة ، وأن يكون لطفاً لغيره. أ هـ {الكشاف حـ 1 صـ 395}\rوقال فى روح البيان :\rولا يتصور كونه عليه السلام شاكا فى صحة ما أنزل عليه والمعنى دم على يقينك وعلى ما أنت عليه من الاطمئنان على الحق والتنزه عن الشك فيه\rقال الإمام أبو منصور رحمه الله العصمة لا تزيل المحنة ولا ترفع النهى. أ هـ {روح البيان حـ 2 صـ 54}\rفائدة\rقال السعدى :\rفي هذه الآية وما بعدها دليل على قاعدة شريفة وهو أن ما قامت الأدلة على أنه حق وجزم به العبد من مسائل العقائد وغيرها ، فإنه يجب أن يجزم بأن كل ما عارضه فهو باطل ، وكل شبهة تورد عليه فهي فاسدة ، سواء قدر العبد على حلها أم لا فلا يوجب له عجزه عن حلها القدح فيما علمه ، لأن ما خالف الحق فهو باطل ، قال تعالى { فماذا بعد الحق إلا الضلال } وبهذه القاعدة الشرعية تنحل عن الإنسان إشكالات كثيرة يوردها المتكلمون ويرتبها المنطقيون ، إن حلها الإنسان فهو تبرع منه ، وإلا فوظيفته أن يبين الحق بأدلته ويدعو إليه. أ هـ {تفسير السعدى صـ 133}","part":14,"page":8},{"id":5696,"text":"فصل\rقال البقاعى :\rذكر ما يحتاج إليه المفسرون - ويثمر إن شاء الله سبحانه وتعالى زيادة الإيقان لكل مسلم - من قصة عيسى عليه السلام في ولادته وما يتعلق بهذه السورة من مبدإ أمره ومنتهاه وبعض ما ظهر على يديه من الآيات ولسانه من الحكم المشيرة إلى أنه عبد الله ورسوله وغير ذلك من الأناجيل الأربعة التي في أيدي النصارى اليوم ، وقد أدخلت كلام بعضهم في بعض وجمعت ما تفرق من المعاني في سياقاتهم بحيث صار الكل حديثاً واحداً :\rقال متى - ومعظم السياق له - : كتاب ميلاد يسوع المسيح بن داود بن ابراهيم عليهم الصلاة والسلام ، ثم قال : لكل الأجيال من إبراهيم إلى داود أربعة عشر جيلاً ، ومن داود إلى زربابل أربعة عشر جيلاً ، ومن زربابل إلى المسيح أربعة عشر جيلاً ؛ لما خطبت مريم أمه ليوسف قبل أن يفترقا وجدت حبلاً من روح القدس ، وكان يوسف خطيبها صديقاً ولم يرد أن ينشرها ، وهم بتخليتها سراً ، وفيما هو مفكر في هذا إذا ظهر له ملاك الرب في الحلم قائلاً : يا يوسف بن داود! لا تخف أن تأخذ مريم خطيبتك ، فإن الذي تلده هو من روح القدس ، وستلد ابناً ويدعى اسمه يسوع ، وهو يخلص شعبه من خطاياهم ، هذا كله كان لكي يتم ما قيل من قبل الرب على لسان النبي القابل : ها هو ذا العذراء تحبل وتلد ابناً ، ويدعى اسمه \" عمانويل \" الذي تفسيره : الله معنا ، فقام يوسف من النوم وصنع كما أمره ملاك الرب وأخذ مريم خطيبته ولم يعرفها حتى ولدت ابناه البكر ، ودعي اسمه يسوع.","part":14,"page":9},{"id":5697,"text":"وفي إنجيل لوقا : ولما كان في تلك الأيام - أي أيام ولادة يحيى بن زكريا عليهم السلام - خرج أمر من أوغوسطوس قيصر بأن يكتب جميع المسكونة هذه الكتبة الأولى في ولاية فرسوس على الشام ، فمضى جميعهم ليكتتب كل واحد منهم في مدينته ، فصعد يوسف أيضاً من الجليل من مدينة الناصرة إلى اليهودية إلى مدينة داود التي تدعى بيت لحم ، لأنه كان من بيت داود وقبيلته ليكتتب مع مريم خطيبته وهي حبلى ، فبينما هما هناك إذ تمت أيام ولادتها لتلد ، فولدت ابنها البكر ولفته وتركته في مزود لأنه لم يكن لهما موضع حيث نزلا ، وكان في تلك الكورة رعاة يسهرون لحراسة الليل نوباً على مراعيهم ، وإذا ملاك الرب قد وقف بهم ومجد الرب أشرق عليهم ، فخافوا خوفاً عظيماً ، قال لهم الملاك : لا تخافوا الآن ، هو ذا أبشركم بفرح عظيم يكون لكم ولجميع الشعوب ، لأنه ولد لكم اليوم مخلص ، الذي هو المسيح في مدينة داود ، وهذه علامة لكم أنكم تجدون طفلاً ملفوفاً موضوعاً في مزود ، وللوقت بغتة تراءى مع الملاك جنود كثيرة سماويون ، يسبحون الله سبحانه وتعالى ويقولون : المجد لله في العلى ، وعلى الأرض السلام ، وفي الناس المسرة ؛ فلما صعد الملائكة إلى السماء قال الرجال الرعاة بعضهم لبعض : امضوا بنا إلى بيت لحم لننظر الكلام الذي أعلمنا به الرب ، فجاؤوا مسرعين فوجدوا مريم ويوسف والطفل موضوعاً في مزود ؛ فلما رأوه علموا أن الكلام الذي قيل لهم عن الصبي حق ، وكل من سمع تعجب مما تكلم به الرعاة ، وكانت مريم تحفظ هذا الكلام كله وتقيه ، ورجع الرعاة يمجدون الله سبحانه وتعالى ويسبحون على كل ما سمعوا وعاينوا كما قيل لهم.\r","part":14,"page":10},{"id":5698,"text":"ولما تمت ثمانية أيام أتوا به ليختن ودعوا اسمه يسوع كالذي دعاه الملاك قبل أن تحبل به في البطن ، فلما كملت أيام تطهيرها - على ما في ناموس موسى - صعدوا به إلى يروشليم ليقيموه للرب ، كما هو مكتوب في ناموس الرب أن كل ذكر فاتح رحم أمه يدعى قدوس الرب ، ويقرب عنه - كما هو مكتوب في ناموس الرب - زوج يمام أو فرخا حمام ؛ وكان إنسان بايروشليم اسمه شمعون ، وكان رجلاً باراً تقياً ، يرجو عز بني إسرائيل ، وروح القدس كان عليه ، وكان يوحى إليه من روح القدس أنه لا يموت حتى يعاين المسيح الرب ، فأقبل بالروح إلى الهيكل عندما جاؤوا بالطفل يسوع ليصفى عنه كما يجب في الناموس ، فحمله على ذراعه وبارك الرب قائلاً : الآن يا سيد! أطلق عبدك بسلام لكلامك ، لأن عيني أبصرتك خلاصك الذي أعددت قدام جميع الشعوب ، نور استعلن للأمم ومجد لشعبك إسرائيل ، وكان يوسف وأمه يتعجبان مما يقال عنه ، وباركهما شمعون وقال لمريم أمه : هوذا هذا موضوع لسقوط كثير وقيام كثير من بني إسرائيل.\rوكانت حنة النبية ابنة فانوئل من سبط أشير قد طعنت في أيامها وأقامت مع زوجها سبعة وستين بعد بكوريتها ، وترملت أربعة وثمانين عاماً غير مفارقة للهيكل عائدة للصّوم ، وللطلبة ليلاً ونهاراً ، وفي تلك الساعة جاءت قدامه معترفة لله وكانت تتكلم من أجله عند كل أحد ، تترجى خلاص يروشليم ، فلما أكملوا كل شيء على ما في ناموس الرب رجعوا إلى الجليل إلى مدينتهم الناصرة ، فأما الصبي فكان ينشأ ويتقوى بالروح ويمتلىء بالحكمة ، ونعمة الله كانت عليه ، وأبواه يمضيان إلى يروشليم في كل سنة في عيد الفصح.\r","part":14,"page":11},{"id":5699,"text":"وقال متى : فلما ولد يسوع في بيت لحم يهودا في أيام هيرودس الملك إذا مجوس وافوا من المشرق إلى يروشليم قائلين : أين هو المولود ملك اليهود لأنا رأينا نجمة في المشرق ، ووافينا لنسجد له ، فلما سمع هيرودس الملك اضطرب وجمع يروشليم وجمع كل رؤساء الكهنة وكتبة الشعب واتسخبرهم : أين يولد المسيح ؟ فقالوا له : في بيت لجحم أرض يهودا - كما هو مكتوب في النبي : وأنت يا بيت لحم أرض يهودا لست بصغيرة في ملوك يهود ، يخرج منك مقدم ، الذي يرعى شعب بني إسرائيل.\r","part":14,"page":12},{"id":5700,"text":"حينئذ دعا هيرودس والروم المجوس سراً ، وتحقق منهم الزمان الذي ظهر لهم فيه النجم وأرسلهم إلى بيت لحم قائلاً : امضوا فابحثوا عن الصبي باجتهاد ، فإذا وجدتموه فأخبروني لآتي أنا وأسجد له ، فلما سمعوا من الملك ذهبوا ، وإذا النجم الذي رأوه في المشرق يقدمهم حتى جاء ووقف حيث كان الصبي ، فلما رأوا النجم فرحوا فرحاً عظيماً جداً ، وأتوا إلى البيت فرأوا الصبي ، مع مريم أمه ، فخروا له سجداً وفتحوا أوعيتهم وقدموا له قرابين ذهباً ولُباناً ومُرّاً ، وأنحى إليهم في الحلم أن لا يرجعوا إلى هيردوس ، بل يذهبوا في طريق أخرى إلى كورتهم ، فلام ذهبوا وإذ ملاك الرب تراءى ليوسف في الحلم قائلاً : قم ، خذ الصبي وأمه واهرب إلى أرض مصر وكن هناك حتى أقول لك فإن هيردوس مزمع أن يطلب الصبي ليهلكه ، فقام وأخذ الصبي أمه ليلاً ، ومضى إلى مصر وكان هناك إلى وفاة هيرودس ، لكي يتم ما قيل من قبل الرب بالنبي القابل من مصر : دعوت ابني ؛ حينئذ لما رأى هيرودس سخرية المجوس به غضب جداً وأرسل ، فقتل كل صبيان بيت لحم وكل تخومها من ابن سنتين فما دون ، كنحو الزمان الذي تحقق عنده من المجوس ، حينئذ تم ما قيل من أرميا النبي حيث يقول : صوت سمع في الزأمة ، بكاء ونوح وعويل كثير ، راحيل تبكي على بنيها ولا تريد أن تتعزى لفقدهم ؛ فلما مات هيرودس ظهر ملاك الرب ليوسف في الحلم بمصر قائلاً : قم ، خذ الصبي وأمه واذهب إلى أرض إسرائيل ؛ فما سمع أن أورشلاوش قد ملك على اليهودية عوض هيرودس أبيه خاف أن يذهب إلى هناك ، فأخبر في الحلم وذهب إلى حور ناحية الجليل ، فأتى وسكن في مدينة تدعى ناصرة لكي يتم ما قيل في الأنبياء : إنه يدعى ناصريا وفي إنجيل لوقا : فلما تمت له اثنتا عشرة سنة مضوا إلى يروشليم إلى العيد كالعادة ، فلما كملت الأيام ليعودوا تخلف عنهما يسوع في يروشليم ولم تعلم أمه ويوسف ، لأنهما كانا يظنان أنه مع السائرين في الطريق ، فلما ساروا نحو يوم","part":14,"page":13},{"id":5701,"text":"طلباه عند أقربائهما ومعارفهما فلم يجداه ، فرجعا إلى يروشليم يطلبانه ، وبعد ثلاثة أيام وجداه في الهيكل جالساً بين العلماء يسمع منهم ويسألهم ، وكان كل من يسمعه مبهوتين من علمه وإجابته لهم ، فلما أبصراه بهتا ، فقالت له أمه : يا بني! ما هذا الذي صنعت بنا ؟ إن أباك وأنا كنا نطلبك باجتهاد معذبين ، فقال لهما : لم تطلباني ؟ أما تعلمان أنه ينبغي أن أكون في الذي لأبي ؟ فأما هما فلم يفهما الكلام ونزل معهما وجاء إلى الناصرة وكان يطيعهما ، فأما يسوع فكان ينشأ في قامته وفي الحكمة والنعمة عند الله والناس.\rقال متى : وفي تلك الأيام جاء يوحنا المعمدان يكرز في برية يهودا - إلى آخر ما تقدم آنفاً من بشارة يحيى عليه الصلاة والسلام به ، ثم قال : حينئذ أتى يسوع من الجليل إلى الأردن ليعتمد من يوحنا ، فامتنع يوحنا منه وقال : أنا المحتاج أن أعتمد منك وأنت تأتي إلي ، فأجاب يسوع : دع الآن ، هكذا يجب لنا أن نكمل كل البر ، حينئذ تركه فاعتمد يسوع ، وللوقت صعد من الماء فانفتحت له السماوات ، ورأى روح الله نازلاً كمثل حمامة جائياً إليه.\rوقال مرقس : وكان تلك الأيام جاء يسوع من ناصرة الجليل واصطنع في نهر الأردن من يوحنا ، فساعة صعد من الماء رأى السماوات قد انشقت ، وروح القدس كالحمامة نزلت عليه ، وللوقت أخرجه الروح إلى البرية ، وأقام بها أربعين يوماً وأربعين ليلة ، وهو مع الوحوش ، والملائكة تخدمه.\rوقال متى : وصام أربعين يوماً وأربعين ليلة.\r","part":14,"page":14},{"id":5702,"text":"وقال لوقا : وكان لما اعتمد جميع الشعب واعتمد يسوع فبينما هو يصلي انفتحت السماء ونزل عليه روح القدس شبه جسد حمامة ، وكان قد صار ليسوع ثلاثون سنة وكان يُظنّ أنه ابن يوسف وأن يسوع امتلأ من روح القدس ورجع من الأردن ، فانطلق به الروح أربعين يوماً ، لم يأكل شيئاً في تلك الأيام ؛ ثم قال : ورجع يسوع إلى الجليل بقوة الروح وخرج خبره في كل الكورة ، وكان يعلم في مجامعهم ويمجده كل أحد ، وجاء إلى الناصرة حيث كان تربى ودخل كعادته إلى مجمعهم يوم السبت ، وقام ليقرأ فدفع إليه سفر أشعيا النبي فلما فتح السفر وجد الموضع الذي فيه مكتوب : روح الرب عليّ ، من أجل هذا مسحني وأرسلني لأبشر المساكين وأشفي منكسري القلوب وأبشر المأسورين بالتخلية والعميان بالنظر ، وأرسل المربوطين بالتخلية ، وأبشر بالسنة المقبولة للرب والأيام التي أعطانا إلهنا ؛ ثم طوى السفر ودفعه إلى الخادم وجلس ، وكل من كان في الجمع كانت عيونهم محدقة إليه ، فبدأ يقول لهم : اليوم كمل هذا المكتوب بأسماعكم ؛ وفي إنجيل يوحنا : إن يسوع قال : إن كنت أنا أشهد لنفسي فليست شهادتي حقاً ، ولكن الذي يشهد لي بها حق ، أنتم أرسلتم إليّ يوحنا فشهد لي بالحق ، وأما أنا فلست أطلب شهادة من إنسان ولكني أقول هذا لتخلصوا أنتم ، وأنا على أعظم من شهادة يوحنا لأن الأعمال التي أعملها تشهد من أجلي أن الرب أرسلني ، والذي أرسلني قد شهد لي ولم تسمعوا قط صوته ولا عرفتموه ولا رأيتموه ، وكلمته لا تثبت فيكم لأنكم لستم تؤمنون بالذي أرسل ، فتشوا الكتب التي تظنون أن تكون لكم بها حياة الأبد فهي تشهد من أجلي ، لست آخذ المجد من الناس أنا أتيت باسم أبي فلم تقبلوني ، وإن أتاكم آخر باسم نفسه قبلتموه ، كيف تقدرون أن تؤمنوا وإنما تقبلون المجد بعضكم ، من بعض ولا تظنون أن المجد من الله تعالى الواحد ، لا تظنوا أني أشكوكم ، إن لكم من يشكوكم : موسى الذي عليه تتوكلون ، فلو كنتم آمنتم بموسى\rآمنتم بي ، لأن ذلك كتب من أجلي ، وإن كنتم لا تؤمنون بكتب ذلك فكيف تؤمنون بكلامي - انتهى ما وقع الاختيار أخيراً على إثباته هنا ، وفيه من الألفاظ المنكرة في شرعنا إطلاق الأب والابن ، وقد تقدم التنبيه على مثل ذلك. أ هـ {نظم الدرر حـ 2 صـ 102 ـ 106}","part":14,"page":15},{"id":5703,"text":"قوله تعالى { فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنْفُسَنَا وَأَنْفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَةَ اللَّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ (61)}\rمناسبة الآية لما قبلها\rقال البقاعى : \rولما أتاهم سبحانه وتعالى من أمر عيسى عليه الصلاة والسلام بالفصل في البيان الذي ليس بعده إلا العناد ، فبين أولاً ما تفضل فيه عيسى عليه الصلاة والسلام من أطوار الخلق الموجبة للحاجة المنافية للإلهية ، ثم فضح بتمثيله بآدم عليه الصلاة والسلام شبهتَهم ، ألزمهم عل تقديره بالفيصل الأعظم للمعاند الموجب للعذاب المستأصل أهل الفساد فقال سبحانه وتعالى : {فمن} أي فتسبب عما آتيناك به من الحق في أمره أنا نقول لك : من {حآجك فيه} أي خاصمك بإيراد حجة ، أي كلام يجعله في عداد ما يقصد.\rولما كان الملوم إنما هو من بلغته هذه الآيات وعرف معناها دون من حاج في الزمان الذي هو بعد نزولها دون اطلاعه عليها قال : {من} أي مبتدئاً المحاجة من ، ويجوز أن يكون الإتيان بمن لئلا يفهم أن المباهلة تختص بمن استغرق زمان البعد بالمجادلة {بعدما جآءك من العلم} أي الذي أنزلنان إليك وقصصناه عليك في أمره {فقل تعالوا} أي اقبلوا أيها المجادلون إلى أمر نعرف فيه علو المحق وسفول المبطل {ندع أبنآءنا وأبناءكم} أي الذي هم أعز ما عند الإنسان لكونهم بعضه {ونساءنا ونساءكم} أي اللاتي هن أولى ما يدافع عنه أولو الهمم العوالي {وأنفسنا وأنفسكم} فقدم ما يدافع عنه ذوو الأحساب ويفدونه بنفوسهم ، وقدم منه الأعز الألصق بالأكباد وختم بالمدافع ، وهذا الترتيب على سبيل الترقي إذا اعتبرت أنه قدم الفرع ثم الأصل وبدأ بالأدنى وختم بالأعلى ، وفائدة الجمع الإشارة إلى القطع بالوثوق بالكون على الحق.","part":14,"page":16},{"id":5704,"text":"ثم ذكر ما له هذا الجمع مشيراً بحرف التراخي إلى خطر الأمر وأنه مما ينبغي الاهتمام به والتروي له وإمعان النظر فيه لوخامة العاقبة وسوء المنقلب للكاذب فقال : {ثم نبتهل} أي نتضرع - قاله ابن عباس رضي الله تعالى عنهما كما نقله الإمام أبو حيان في نهره.\rوقال الحرالي : الابتهال طلب البهل ، والبهل أصل معناه التخلي والضراعة في مهم مقصود - انتهى.\r{فنجعل لعنت الله} أي الملك الذي له العظمة كلها فهو يجبر ولا يجار عليه ، أي إبعاد وطرده {على الكاذبين} وقال ابن الزبير بعد ما تقدم من كلامه : ثم لما أتبعت قصة آدم عليه الصلاة والسلام - يعني في البقرة - بذكر بني إسرائيل لوقوفهم من تلك القصص على ما لم تكن العرب تعرفه ، وأنذروا وحذروا ؛ أتبعت قصة عيسى عليه الصلاة والسلام - يعني هنا - بذكر الحواريين وأمر النصارى إلى آية المباهلة - انتهى. أ هـ {نظم الدرر حـ 2 صـ 106 ـ 107}\rوقال الفخر : \r","part":14,"page":17},{"id":5705,"text":"اعلم أن الله تعالى بيّن في أول هذه السورة وجوهاً من الدلائل القاطعة على فساد قول النصارى بالزوجة والولد ، وأتبعها بذكر الجواب عن جميع شبههم على سبيل الاستقصاء التام ، وختم الكلام بهذه النكتة القاطعة لفساد كلامهم ، وهو أنه لما لم يلزم من عدم الأب والأم البشريين لآدم عليه السلام أن يكون ابناً لله تعالى لم يلزم من عدم الأب البشري لعيسى عليه السلام أن يكون ابناً لله ، تعالى الله عن ذلك ولما لم يبعد انخلاق آدم عليه السلام من التراب لم يبعد أيضاً انخلاق عيسى عليه السلام من الدم الذي كان يجتمع في رحم أم عيسى عليه السلام ، ومن أنصف وطلب الحق ، علم أن البيان قد بلغ إلى الغاية القصوى ، فعند ذلك قال تعالى : {فَمَنْ حَاجَّكَ} بعد هذه الدلائل الواضحة والجوابات اللائحة فاقطع الكلام معهم وعاملهم بما يعامل به المعاند ، وهو أن تدعوهم إلى الملاعنة فقال : {فَقُلْ تَعَالَوْاْ نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ} إلى آخر الآية. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 8 صـ 69}","part":14,"page":18},{"id":5706,"text":"مناظرة بين الإمام فخر الدين الرازى وبين عالم نصرانى\rقال الإمام الفخر : \rاتفق أني حين كنت بخوارزم ، أخبرت أنه جاء نصراني يدعي التحقيق والتعمق في مذهبهم ، فذهبت إليه وشرعنا في الحديث وقال لي : ما الدليل على نبوّة محمد صلى الله عليه وسلم ، فقلت له كما نقل إلينا ظهور الخوارق على يد موسى وعيسى وغيرهما من الأنبياء عليهم السلام ، نقل إلينا ظهور الخوارق على يد محمد صلى الله عليه وسلم ، فإن رددنا التواتر ، أو قبلناه لكن قلنا : إن المعجزة لا تدل على الصدق ، فحينئذ بطلت نبوّة سائر الأنبياء عليهم السلام ، وإن اعترفنا بصحة التواتر ، واعترفنا بدلالة المعجزة على الصدق ، ثم إنهما حاصلان في حق محمد وجب الاعتراف قطعاً بنبوّة محمد عليه السلام ضرورة أن عند الاستواء في الدليل لا بد من الاستواء في حصول المدلول ، فقال النصراني : أنا لا أقول في عيسى عليه السلام إنه كان نبياً بل أقول إنه كان إلها ، فقلت له الكلام في النبوّة لا بد وأن يكون مسبوقاً بمعرفة الإله وهذا الذي تقوله باطل ويدل عليه أن الإله عبارة عن موجود واجب الوجود لذاته ، يجب أن لا يكون جسماً ولا متحيزاً ولا عرضاً وعيسى عبارة عن هذا الشخص البشري الجسماني الذي وجد بعد أن كان معدوماً وقتل بعد أن كان حياً على قولكم وكان طفلاً أولاً ، ثم صار مترعرعاً ، ثم صار شاباً ، وكان يأكل ويشرب ويحدث وينام ويستيقظ ، وقد تقرر في بداهة العقول أن المحدث لا يكون قديماً والمحتاج لا يكون غنياً والممكن لا يكون واجباً والمتغير لا يكون دائماً.","part":14,"page":19},{"id":5707,"text":"والوجه الثاني : في إبطال هذه المقالة أنكم تعترفون بأن اليهود أخذوه وصلبوه وتركوه حياً على الخشبة ، وقد مزقوا ضلعه ، وأنه كان يحتال في الهرب منهم ، وفي الاختفاء عنهم ، وحين عاملوه بتلك المعاملات أظهر الجزع الشديد ، فإن كان إلها أو كان الإله حالاً فيه أو كان جزءاً من الإله حالاً فيه ، فلم لم يدفعهم عن نفسه ؟ ولم لم يهلكهم بالكلية ؟ وأي حاجة به إلى إظهار الجزع منهم والاحتيال في الفرار منهم! وبالله أنني لأتعجب جداً! إن العاقل كيف يليق به أن يقول هذا القول ويعتقد صحته ، فتكاد أن تكون بديهة العقل شاهدة بفساده.\rوالوجه الثالث : وهو أنه : إما أن يقال بأن الإله هو هذا الشخص الجسماني المشاهد ، أو يقال حل الإله بكليته فيه ، أو حل بعض الإله وجزء منه فيه والأقسام الثلاثة باطلة أما الأول : فلأن إله العالم لو كان هو ذلك الجسم ، فحين قتله اليهود كان ذلك قولاً بأن اليهود قتلوا إله العالم ، فكيف بقي العالم بعد ذلك من غير إله! ثم إن أشد الناس ذلاً ودناءة اليهود ، فالإله الذي تقتله اليهود إله في غاية العجز! وأما الثاني : وهو أن الإله بكليته حل في هذا الجسم ، فهو أيضاً فاسد ، لأن الإله لم يكن جسماً ولا عرضاً امتنع حلوله في الجسم ، وإن كان جسماً ، فحينئذ يكون حلوله في جسم آخر عبارة عن اختلاط أجزاءه بأجزاء ذلك الجسم ، وذلك يوجب وقوع التفرق في أجزاء ذلك الإله ، وإن كان عرضاً كان محتاجاً إلى المحل ، وكان الإله محتاجاً إلى غيره ، وكل ذلك سخف ، وأما الثالث : وهو أنه حل فيه بعض من أبعاض الإله ، وجزء من أجزائه ، فذلك أيضاً محال لأن ذلك الجزء إن كان معتبراً في الإلهية ، فعند انفصاله عن الإله ، وجب أن لا يبقى الإله إلها ، وإن لم يكن معتبر في تحقق الإلهية ، لم يكن جزأ من الإله ، فثبت فساد هذه الأقسام ، فكان قول النصارى باطلاً.","part":14,"page":20},{"id":5708,"text":"الوجه الرابع : في بطلان قول النصارى ما ثبت بالتواتر أن عيسى عليه السلام كان عظيم الرغبة في العبادة والطاعة لله تعالى ، ولو كان إلها لاستحال ذلك ، لأن الإله لا يعبد نفسه ، فهذه وجوه في غاية الجلاء والظهور ، دالة على فساد قولهم ، ثم قلت للنصراني : وما الذي دلك على كونه إلها ؟ فقال الذي دل عليه ظهور العجائب عليه من إحياء الموتى وإبراء الأكمه والأبرص ، وذلك لا يمكن حصوله إلا بقدرة الإله تعالى ، فقلت له هل تسلم إنه لا يلزم من عدم الدليل عدم المدلول أم لا ؟ فإن لم تسلم لزمك من نفي العالم في الأزل نفي الصانع ، وإن سلمت أنه لا يلزم من عدم الدليل عدم المدلول ، فأقول : لما جوّزت حلول الإله في بدن عيسى عليه السلام ، فكيف عرفت أن الإله ما حل في بدني وبدنك وفي بدن كل حيوان ونبات وجماد ؟ فقال : الفرق ظاهر ، وذلك لأني إنما حكمت بذلك الحلول ، لأنه ظهرت تلك الأفعال العجيبة عليه ، والأفعال العجيبة ما ظهرت على يدي ولا على يدك ، فعلمنا أن ذلك الحلول مفقود ههنا ، فقلت له : تبين الآن أنك ما عرفت معنى قولي إنه لا يلزم من عدم الدليل عدم المدلول ، وذلك لأن ظهور تلك الخوارق دالة على حلول الإله في بدن عيسى : فعدم ظهور تلك الخوارق مني ومنك ليس فيه إلا أنه لم يوجد ذلك الدليل ، فإذا ثبت أنه لا يلزم من عدم الدليل عدم المدلول لا يلزم من عدم ظهور تلك الخوارق مني ومنك عدم الحلول في حقي وفي حقك ، وفي حق الكلب والسنور والفأر ثم قلت : إن مذهباً يؤدي القول به إلى تجويز حلول ذات الله في بدن الكلب والذباب لفي غاية الخسة والركاكة.","part":14,"page":21},{"id":5709,"text":"الوجه الخامس : أن قلب العصا حية ، أبعد في العقل من إعادة الميت حياً ، لأن المشاكلة بين بدن الحي وبدن الميت أكثر من المشاكلة بين الخشبة وبين بدن الثعبان ، فإذا لم يوجب قلب العصا حية كون موسى إلها ولا ابناً للإله ، فبأن لا يدل إحياء الموتى على الإلهية كان ذلك أولى ، وعند هذا انقطع النصراني ولم يبق له كلام ، والله أعلم. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 8 صـ 69 ـ 71}","part":14,"page":22},{"id":5711,"text":"مناظرة القاضى أبى بكر الباقلانى في مجلس ملك الروم وأخباره معه\rوجه عضد الدولة في بعض سفراته ، إلى ملك الروم الأعظم ، القاضي أبا بكر ابن الطيب ، واختصه بذلك ، ليظهر رفعة الإسلام ، ويغض من النصرانية. فلما تهيأ للخروج ، قال للقاضي ، وزير عضد الدولة : الطالع خروجاً? فسأله القاضي أبو بكر. فلما فسر مراده ، قال : لا أقول بهذا. لأن السعد والنحس كله ، والشر والخير كله ، بيد الله عز وجلّ. ليس للكواكب هاهنا مثقال ذرة من القدرة. وإنما وضعت كتب المنجمين ليتمعش بها الجاهلون ، بين العامة. ولا حقيقة لها. فقال الوزير : احضروا لي ابن الصدفي ، ليست المناظرة من شأني. ولا أنا قائم بها ، وإنما أنا أحفظ علم النجوم ، وأقول إذا كان من النجوم كذا كان كذا. وأما تعليله ، فهو من علم المنطق. فأحضر وأمر بمكالمة القاضي ، فقال له أبو سليمان : هذا القاضي يقول : إن الباري سبحانه ، قادر على أن يركب عشرة أنفس في ذلك المركب الذي في دجلة ، فإذا وصلوا إلى الجانب الآخر يكون الله قد زاد فيهم آخر فيكونون أحد عشر. ويكون الحادي عشر من خلقه الله في ذلك الوقت. ولو قلت أنا لا يقدر على ذلك أو هذا محال ، قطعوا لساني وقتلوني ، وإن أحسنوا إليّ كتفوني ، ورموني في الدجلة. وإذا كان الأمر كما ذكرت لم يكن لمناظرتي معه معنى. فالتفت الوزير إلى القاضي وقال : ما تقول أيها القاضي? فقلت : ليس كلامنا هاهنا في قدرة الباري تعالى ، والباري تعالى قادر على كل شيء. وإن جحده هذا الجاهل ، وإنما كلامنا في تأثيرات هذه الكواكب ، فانتقل إلى ما ذكر لعجزه وقلة معرفته ، وإلا فأي تعلق للكلام في قدرة الباري ، عز وجلّ ، في مسألتنا? وأنا وإن قلت إن القديم تعالى قادر على ذلك ، ما أقول إنه يخرق العادة ، وبفعل هذا. لأنه لا يجوز عندنا أن يخلق اليوم إنساناً من غير أبوين ، فإذا كان كذلك فقد علم الوزير أن هذا فرار من الزحف. فقال هو كما ذكرت. فقال المنطيقي : المناظرات دربة وتجربة ، وأنا لا أعرف مناظرات هؤلاء القوم ، وهم لا يعرفون مواضعتنا وعبارتنا ، ولا تجمل","part":14,"page":23},{"id":5712,"text":"المناظرة بين قوم هذا حالهم. فقال له الوزير : قبلنا اعتذارك والحق أبلج. قال القاضي : ومال إليّ بوجهه ، وقال : سر في دعة الله. فخرجت. فدخلنا بلاد الروم ، حتى وصلت إلى ملك الروم بالقسطنطينية ، وأخبر الملك بقدومنا. فأرسل إلينا من تلقانا ، وقال : لا تدخلوا على الملك بعمائمكم ، حتى تنزعوها. إلا أن تكون مناديل لطاف ، وحتى تنزعوا أخفافكم. فقلت : لا أفعل ، ولا أدخل ، إلا بما أنا عليه من الزي ، واللباس. فإن رضيتم ، وإلا فخذوا الكتب تقرأونها ، وأرسلوا بجوابها وأعود به. فأخبر بذلك الملك ، فقال : أريد معرفة سبب هذا وامتناعه عما مضى عليه رسمي مع الرسل. فسئل القاضي عن ذلك. فقال : أنا رجل من علماء المسلمين ، وما تحبونه منا ذلّ وصغار ، والله تعالى قد رفعنا بالإسلام وأعزّنا بنبينا محمد صلى الله عليه وسلم. وأيضاً فإن من شأن الملوك ، إذا بعثوا رسلهم إلى ملك آخر ، رفع أقدارهم ، لا إذلالهم. سيما إذا كان الرسول من أهل العلم. ووضع قدره انهدام جانبه ، عند الله تعالى ، وعند المسلمين. فعرّف الترجمان الملك بذلك ، فقال : دعوه يدخل ومن معه كما يشاؤون. ندخل بها على سلطاننا الأكرم ، الذي هو تحت يد أمير المؤمنين ، وأدخل بها على سلطاننا الأكرم الذي أمرنا الله تعالى ورسوله ، بطاعته. فما تنكرون عليّ هذا ، وأنا رجل من علماء المسلمين? فإن دخلت بغير هيئتي ورجعت إلى حكمك ، أهنت العلم ونفسي ، وذهب عند المسلمين جاهي. فقال للترجمان : قل له قد قبلنا عذرك ، ورفعنا منزلتك ، وليس محلك عندنا محل سائر الرسل ، وإنما محلك عندنا محل الأبرار الأخيار ، وقد أخبرنا صاحبكم في كتبه : إنك لسان المسلمين والمناظر عنهم ، وأنا أشتهي أن أعرف ذلك وأسمعه منك ، كما ذكروه عنك. قلت : إذا أذن الملك ، فقال : أنزلوا حيث أعددت لكم ، ويكون بعد هذا الاجتمال. قال القاضي : فنهضنا إلى موضع أُعدّ لنا ، وذكر أبو بكر البغدادي الحافظ : أن القاضي ، لما وصل إلى مدينة الطاغية ، وعرّف به وبمحله من العلم ، ","part":14,"page":24},{"id":5714,"text":"فكر الطاغية في أمره ، وعلم أنه لا يكفر له إذا دخل عليه - كما جرى رسم الرعية أن يقبل الأرض بين يدي ملوكها - فرأى أن يضع سريره ، وراء باب لطيف ، لا يمكن أن يدخل أحد منه إلا راكعاً ، ليدخل القاضي من ذلك الباب. فلما رآه القاضي ، تفكّر وأدار رأسه ، وحنى رأسه راكعاً ، ودخل من الباب يمشي مستقبلاً الملك بدبره ، حتى صار بين يديه. ثم رفع رأسه ، ونصب ظهره. ثم أدار وجهه إلى الملك حينئذ ، فعجب من فطنته ، ووقعت له الهيبة في قلبه. قال غيره : قال القاضي : فلما كان يوم الأحد ، بعث الملك في طلبي ، وقال : من شأن الرسول حضور مائدة الملك. فنحب أن تجيب إلى طعامنا ولا تنقض كل رسومنا. فقلت لرسوله : أنا من علماء المسلمين ، ولست كالرسل من الجند وغيرهم ، الذين لا يعرفون ما يجب عليهم في هذا الموطن. والملك يعلم أن العلماء لا يقدرون أن يدخلوا هذه الأشياء ، وهم يعلمون ، وأخشى أن يكون على مائدته من لحوم الخنازير ، وما حرمه الله تعالى على رسوله ، وعلى المسلمين? فذهب الترجمان ، وعاد إليّ وقال : يقول لك الملك : ليس على مائدتي ، ولا في طعامي شيء تكرهه. وقد استحسنت ما أتيت به ، وما أنت عندنا كسائر الرسل ، بل أعظم ، وما كرهت من لحوم الخنزير ، إنما هو خارج من حضرتي بيني وبينه حجاب. فنهضت على كل حال. وجلست وقدّم الطعام ، ومددت يدي وأوهمت الأكل ، ولم آكل منه شيئاً مع أني لم أرَ على مائدته ما يكره. فلما فرغ من الطعام ، بخّر المجلس وعطّره ، ثم قال : هذا الذي تدعونه في معجزات نبيّكم من انشقاق القمر ، كيف هو عندكم? قلت : هو صحيح عندنا ، وانشقّ القمر على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ، حتى رأى الناس ذلك. وإنما رآه الحضور ، ومن اتفق نظره إليه في تلك الحال. فقال الملك : وكيف لم يره جميع الناس? قلت : لأن الناس لم يكونوا على أهبة ووعد لشقوقه وحضوره. فقال : وهذا القمر بينكم وبينه نسبة وقرابة? لأي شيء لم تعرفه الروم وغيرها من سائر الناس ، وإنما رأيتموه أنتم خاصة? قلت : ","part":14,"page":25},{"id":5715,"text":"فهذه المائدة بينكم وبينها نسبة? وأنتم رأيتموها دون اليهود ، والمجوس والبراهمة ، وأهل الإلحاد ، وخاصة يونان جيرانكم ، فإنهم كلهم منكرون لهذا الشأن ، وأنتم رأيتموها دون غيركم. فتحيّر الملك وقال بكلامه : سبحان الله ، وأمر بإحضار فلان القسيس ليكلمني. وقال : نحن لا نطيقه. لأن صاحبه قال : ما في مملكتي مثله ، ولا للمسلمين في عصره مثله. فلم أشعر إذ جاؤوا برجل كالذئب أشقر الشعر مسبله ، فقعد ، وحكيت له المسألة فقال : الذي قاله المسلم لازم ، هو الحق لا أعرف له جواباً إلا ما ذكره. فقلت له : أتقول إن الكسوف إذا كان ، يراه جميع أهل الأرض أم يراه أهل الإقليم الذي بمحاذاته? قال : لا يراه إلا من كان في محاذاته. قلت : فما أنكرت من انشقاق القمر ، إذا كان في ناحية لا يراه إلا أهل تلك الناحية ، ومن تأهب للنظر له? فأما من أعرض عنه ، وكان في الأمكنة التي لا يرى القمر منها فلا يراه. فقال : هو كما قلت. ما يدفعك عنه دافع. وإنما الكلام في الرواة الذين نقلوه. وأما الطعن في غير هذا الوجه ، فليس بصحيح. فقال الملك : وكيف يطعن في النقلة? فقال النصراني : شبه هذا من الآيات ، إذا صح ، وجب أن ينقله الجم الغفير ، إلى الجم الغفير ، حتى يتصل بنا العلم الضروري به ، ولو كان كذلك ، لوقع إلينا العلم الضروري به. فلما لم يقع لنا العلم الضروري به ، دلّ أن الخبر مفتعل باطل. فالتفت الملك إليّ وقال : الجواب. قلت : يلزمه في نزول المائدة ، ما يلزمني في انشقاق القمر ، ويقال له لو كان نزول المائدة صحيحاً ، لوجب أن ينقله العدد الكثير ، فلا يبقى يهودي ولا نصراني ولا ثنوي إلا ويعلم هذا بالضرورة. ولما لم يعلموا ذلك بالضرورة ، دلّ أن الخبر كذب. فبهت النصراني والملك ، ومن ضمه المجلس. وانفض المجلس على هذا يديه. ثم رفع رأسه ، ونصب ظهره. ثم أدار وجهه إلى الملك حينئذ ، فعجب من فطنته ، ووقعت له الهيبة في قلبه.","part":14,"page":26},{"id":5716,"text":"قال القاضي : ثم سألني الملك في مجلس ثانٍ ، فقال : ما تقولون في المسيح عيسى بن مريم عليه السلام? قلت روح الله ، وكلمته ، وعبده ، ونبيه ، ورسوله. كمثل آدم خلقه من تراب ، ثم قال له : كن ، فيكون. وتلوت عليه النص. فقال : يا مسلم تقولون : المسيح عبد ، فقلت : نعم ، كذا نقول ، وبه ندين. قال : ولا تقولون إنه ابن الله? قلت : معاذ الله ، \"ما اتخذ الله من ولد وما كان معه من إله\" الآيتان ، إنكم لتقولون قولاً عظيماً. فإذا جعلتم المسيح ابن الله ، فمن أبوه وأخوه وجده وعم وخاله. وعددت عليه الأقارب ، فتحيّر وقال : يا مسلم ، العبد يخلق ، ويحيي ويميت ويبرئ الأكمه والأبرص? قلت : لا يقدر العبد على ذلك وإنما ذلك كله من فعل الله عز وجلّ. قال : وكيف يكون المسيح عبداً لله وخلقاً من خلقه ، وقد أتى بهذه الآيات ، وفعل ذلك كله? قلت : معاذ الله ما أحيى المسيح الموتى ولا أبرأ الأكمه والأبرص. فتحيّر وقلّ صبره ، وقال : يا مسلم ، تنكر هذا مع اشتهاره في الخلق ، وأخذ الناس له بالقبول? فقلت : ما قال أحد من أهل الفقه والمعرفة ، إن الأنبياء عليهم السلام ، يفعلون المعجزات من ذاتهم. وإنما هو شيء يفعله الله تعالى على أيديهم ، تصديقاً لهم ، يجري مجرى الشهادة. فقال : قد حضر عندي جماعة من أولاد نبيّكم ، وأهل دينكم المشهورين فيكم ، وقالوا ، إن ذلك في كتابكم. فقلت : أيها الملك ، في كتابنا أن ذلك كله بإذن الله ، وتلوت عليه منصوص القرآن في المسيح : \"بإذن الله\" وقلت : إنما فعل ذلك كله بإذن الله وحده لا شريك له ، لا من ذات المسيح. ولو كان المسيح يحيي الموتى ويبرئ الأكمه والأبرص من ذاته ، لجاز أن يقال : موسى ، فلق البحر ، وأخرج يده بيضاء من غير سوء من ذاته. وليست معجزات الأنبياء عليهم السلام من ذاتهم وأفعالهم ، دون إرادة الخالق. فلما لم يجز هذا ، لم يجز أن تسند المعجزات التي ظهرت على يد المسيح إليه. فقال الملك : وسائر الأنبياء كلهم من آدم ، إلى من بعده كانوا يتضرّعون للمسيح ، حتى","part":14,"page":27},{"id":5717,"text":"يفعل ما يطلبون. قلت : أوَفي لسان اليهود عظم ، لا يقدرون أن يقولوا إن المسيح كان يتضرّع إلى موسى? وكل صاحب نبي يقول : إن المسيح كان يتضرع إلى نبيه ، فلا فرق بين الموضعين في الدعوى. قال القاضي رحمه الله : ثم تكلمنا في مجلس ثالث فقلت له : أتحد اللهوت بالناسوت? قال : أراد أن ينجي الناس من الهلاك. قلت له : درى بأنه يقتل ويصلب ويفعل به كذا ولم يؤمن به اليهود? فإن قلت إنه لا يدري ما أراد اليهود به ، بطل أن يكون إلهاً. وإذا بطل أن يكون إلهاً ، بطل أن يكون ابناً ، وإن قلت قد درى ودخل في هذا الأمر على بصيرة ، فليس بحكيم ، لأن الحكمة تمنع من التعرض للبلاء. فبهت. وكان آخر مجلس كان لي معه. وذكر ابن حيّان عمن حدثه أن الطاغية ، وعد القاضي أبا بكر بالاجتماع معه في محفل من محافل النصرانية ليوم سمّاه. فحضر أبو بكر وقد احتفل المجلس ، وبولغ في زينته ، فأدناه الملك وألطف سؤاله ، وأجلسه على كرسيه ، دون سريره بقليل. والملك في أبهته وخاصته ، عليه التاج ، والذرية ورجال مملكته ، على مراتبهم. وجاء البطرك قيم ديانتهم ، وقد أوعد الملك إليه في التيقظ ، وقال له : إن فناخسرو ملك الفرس ، الذي سمعت بدهائه وبكرامته ، لا ينفذ إلا من يشبهه في رحلته وحيلته. فتحفظ منه. وأظهر دينك. فلعلك تتعلق منه بسقطة ، أو تعثر منه على زلة تقضي بفضلنا عليه. فجاء البطرك قيم الديانة ، وولي النِّحلة. فسلم القاضي عليه أحفل سلام. وسأله أحفى سؤال ، وقال له : كيف الأهل والولد? فعظم قوله هذا عليه ، وعلى جميعهم وتغيروا له ، وصلبوا على وجوههم ، وأنكروا قول أبي بكر عليه ، فقال : يا هؤلاء تستعظمون لهذا الإنسان اتخاذ الصاحبة والولد ، وتربون به عن ذلك ، ولا تستعظمونه لربكم ، عزّ وجهه ، فتضيفون ذلك إليه? سوءة لهذا الرأي ما أبين غلطه. فسقط في أيديهم ، ولم يردوا جواباً. وتداخلتهم له هيبة عظيمة ، وانكسروا ، ثم قال الملك للبطرك : ما ترى في أمر هذا الشيطان. قال : تقضي حاجته ، وتلاطف صاحبه ،","part":14,"page":28},{"id":5718,"text":"وتبعث بالهدايا إليه ، وتخرج العراقي عن بلدك من يومك إن قدرت. وإلا لم آمن الفتنة منه على النصرانية. ففعل الملك ذلك وأحسن جواب عضد الدولة ، وهداياه ، وعجل تسريحه ، ومعه عدة من أسارى المسلمين والمصاحف. ووكل بالقاضي من جنده من يحفظه ، حتى وصل إلى مأمنه. أ هـ {الإنصاف فيما يجب ولا يجوز فيه الخلاف\rللقاضى أبى بكر الباقلانى صـ 10 ـ 18}. بتصرف يسير","part":14,"page":29},{"id":5720,"text":"[ مُنَاظَرَةُ ابن القيم لِأَحَدِ عُلَمَاءِ أَهْلِ الْكِتَابِ فِي نُبُوّتِهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ ]\rوَدَارَ بَيْنِي وَبَيْنَ بَعْضِ عُلَمَائِهِمْ مُنَاظَرَةٌ فِي ذَلِكَ فَقُلْت لَهُ فِي أَثْنَاءِ الْكَلَامِ وَلَا يَتِمّ لَكُمْ الْقَدْحُ فِي نُبُوّةِ نَبِيّنَا صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ إلّا بِالطّعْنِ فِي الرّبّ تَعَالَى وَالْقَدْحِ فِيهِ وَنِسْبَتِهِ إلَى أَعْظَمِ الظّلْمِ وَالسّفَهِ وَالْفَسَادِ تَعَالَى اللّهُ عَنْ ذَلِكَ فَقَالَ كَيْفَ يَلْزَمُنَا ذَلِكَ ؟ قُلْت : بَلْ أَبْلَغُ مِنْ ذَلِكَ لَا يَتِمّ لَكُمْ ذَلِكَ إلّا بِجُحُودِهِ وَإِنْكَارِ وُجُودِهِ تَعَالَى وَبَيَانُ ذَلِكَ أَنّهُ إذَا كَانَ مُحَمّدٌ عِنْدَكُمْ لَيْسَ بِنَبِيّ صَادِقٍ وَهُوَ بِزَعْمِكُمْ مَلِكٌ ظَالِمٌ فَقَدْ تَهَيّأَ لَهُ أَنْ يَفْتَرِيَ عَلَى اللّهِ وَيَتَقَوّلَ عَلَيْهِ مَا لَمْ يَقُلْهُ ثُمّ يُتِمّ لَهُ ذَلِكَ وَيَسْتَمِرّ حَتّى يُحَلّلَ وَيُحَرّمَ وَيَفْرِضَ الْفَرَائِضَ وَيُشَرّعَ الشّرَائِعَ وَيَنْسَخَ الْمِلَلَ وَيَضْرِبَ الرّقَابَ وَيَقْتُلَ أَتْبَاعَ الرّسُلِ وَهُمْ أَهْلُ الْحَقّ وَيَسْبِي نِسَاءَهُمْ وَأَوْلَادَهُمْ وَيَغْنَمَ أَمْوَالَهُمْ وَدِيَارَهُمْ وَيُتِمّ لَهُ ذَلِكَ حَتّى يَفْتَحَ الْأَرْضَ وَيَنْسُبَ ذَلِكَ كُلّهُ إلَى أَمْرِ اللّهِ تَعَالَى لَهُ بِهِ وَمَحَبّتِهِ لَهُ وَالرّبّ تَعَالَى يُشَاهِدُهُ وَمَا يَفْعَلُ بِأَهْلِ الْحَقّ وَأَتْبَاعِ الرّسُلِ وَهُوَ مُسْتَمِرّ فِي الِافْتِرَاءِ عَلَيْهِ ثَلَاثًا وَعِشْرِينَ سَنَةً وَهُوَ مَعَ ذَلِكَ كُلّهِ يُؤَيّدُهُ وَيَنْصُرُهُ وَيُعْلِي أَمْرَهُ وَيُمَكّنُ لَهُ مِنْ أَسْبَابِ النّصْرِ الْخَارِجَةِ عَنْ عَادَةِ الْبَشَرِ وَأَعْجَبُ مِنْ ذَلِكَ أَنّهُ يُجِيبُ دَعَوَاتِهِ وَيُهْلِكُ أَعْدَاءَهُ مِنْ غَيْرِ فِعْلٍ مِنْهُ نَفْسِهِ وَلَا سَبَبٍ بَلْ تَارَةً بِدُعَائِهِ وَتَارَةً يَسْتَأْصِلُهُمْ سُبْحَانَهُ مِنْ غَيْرِ دُعَاءٍ","part":14,"page":30},{"id":5721,"text":"مِنْهُ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ وَمَعَ ذَلِكَ يَقْضِي لَهُ كُلّ حَاجَةٍ سَأَلَهُ إيّاهَا وَيَعِدُهُ كُلّ وَعْدٍ جَمِيلٍ ثُمّ يُنْجِزُ لَهُ وَعْدَهُ عَلَى أَتَمّ الْوُجُوهِ وَأَهْنَئِهَا وَأَكْمَلِهَا هَذَا وَهُوَ عِنْدَكُمْ فِي غَايَةِ الْكَذِبِ وَالِافْتِرَاءِ وَالظّلْمِ فَإِنّهُ لَا أَكْذَبَ مِمّنْ كَذَبَ عَلَى اللّهِ وَاسْتَمَرّ عَلَى ذَلِكَ وَلَا أَظْلَمَ مِمّنْ أَبْطَلَ شَرَائِعَ أَنْبِيَائِهِ وَرُسُلِهِ وَسَعَى فِي رَفْعِهَا مِنْ الْأَرْضِ وَتَبْدِيلِهَا بِمَا يُرِيدُ هُوَ وَقَتَلَ أَوْلِيَاءَهُ وَحِزْبَهُ وَأَتْبَاعَ رُسُلِهِ وَاسْتَمَرّتْ نُصْرَتُهُ عَلَيْهِمْ دَائِمًا وَاَللّهُ تَعَالَى فِي ذَلِكَ كُلّهِ رَبّهِ أَنّهُ أَوْحَى إلَيْهِ أَنّهُ لَا { أَظْلَمُ مِمّنِ افْتَرَى عَلَى اللّهِ كَذِبًا أَوْ قَالَ أُوحِيَ إِلَيّ وَلَمْ يُوحَ إِلَيْهِ شَيْءٌ وَمَنْ قَالَ سَأُنْزِلُ مِثْلَ مَا أَنْزَلَ اللّهُ } [ الْأَنْعَامِ 93 ] فَيَلْزَمُكُمْ مَعَاشِرَ مَنْ كَذّبَهُ أَحَدُ أَمْرَيْنِ لَا بُدّ لَكُمْ مِنْهُمَا : إمّا أَنْ تَقُولُوا : لَا صَانِعَ لِلْعَالَمِ وَلَا مُدَبّرَ وَلَوْ كَانَ لِلْعَالَمِ صَانِعٌ مُدَبّرٌ قَدِيرٌ حَكِيمٌ لَأَخَذَ عَلَى يَدَيْهِ وَلَقَابَلَهُ أَعْظَمَ مُقَابَلَةٍ وَجَعَلَهُ نَكَالًا لِلظّالِمِينَ إذْ لَا يَلِيقُ بِالْمُلُوكِ غَيْرُ هَذَا فَكَيْفَ بِمَلِكِ السّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَأَحْكَمِ الْحَاكِمِينَ ؟ . الثّانِي : نِسْبَةُ الرّبّ إلَى مَا لَا يَلِيقُ بِهِ مِنْ الْجَوْرِ وَالسّفَهِ وَالظّلْمِ وَإِضْلَالِ الْخَلْقِ دَائِمًا أَبَدَ الْآبَادِ لَا بَلْ نُصْرَةِ الْكَاذِبِ وَالتّمْكِينِ لَهُ مِنْ الْأَرْضِ وَإِجَابَةِ دَعَوَاتِهِ وَقِيَامِ أَمْرِهِ مِنْ بَعْدِهِ وَإِعْلَاءِ كَلِمَاتِهِ دَائِمًا وَإِظْهَارِ دَعْوَتِهِ وَالشّهَادَةِ لَهُ","part":14,"page":31},{"id":5722,"text":"بِالنّبُوّةِ قَرْنًا بَعْدَ قَرْنٍ عَلَى رُءُوسِ الْأَشْهَادِ فِي كُلّ مَجْمَعٍ وَنَادٍ فَأَيْنَ هَذَا مِنْ فِعْلِ أَحْكَمِ الْحَاكِمِينَ وَأَرْحَمِ الرّاحِمِينَ فَلَقَدْ قَدَحْتُمْ فِي رَبّ الْعَالَمِينَ أَعْظَمَ قَدْحٍ وَطَعَنْتُمْ فِيهِ أَشَدّ طَعْنٍ وَأَنْكَرْتُمُوهُ بِالْكُلّيّةِ وَنَحْنُ لَا نُنْكِرُ أَنّ كَثِيرًا مِنْ الْكَذّابِينَ قَامَ فِي الْوُجُودِ وَظَهَرَتْ لَهُ شَوْكَةٌ وَلَكِنْ لَمْ يَتِمّ لَهُ أَمْرُهُ وَلَمْ تَطُلْ مُدّتُهُ بَلْ سَلّطَ عَلَيْهِ رُسُلَهُ وَأَتْبَاعَهُمْ فَمَحَقُوا أَثَرَهُ وَقَطَعُوا دَابِرَهُ وَاسْتَأْصَلُوا شَأْفَتَهُ . هَذِهِ سُنّتُهُ فِي عِبَادِهِ مُنْذُ قَامَتْ الدّنْيَا وَإِلَى أَنْ يَرِثَ الْأَرْضَ وَمَنْ عَلَيْهَا . فَلَمّا سَمِعَ مِنّي هَذَا الْكَلَامَ قَالَ . مَعَاذَ اللّهِ أَنْ نَقُولَ إنّهُ ظَالِمٌ أَوْ كَاذِبٌ بَلْ كُلّ مُنْصِفٍ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ يُقِرّ بِأَنّ مَنْ سَلَكَ طَرِيقَهُ وَاقْتَفَى أَثَرَهُ فَهُوَ مِنْ أَهْلِ النّجَاةِ وَالسّعَادَةِ فِي الْأُخْرَى . قُلْتُ لَهُ فَكَيْفَ يَكُونُ سَالِكُ طَرِيقِ الْكَذّابِ وَمُقْتَفِي أَثَرِهِ بِزَعْمِكُمْ مِنْ أَهْلِ النّجَاةِ وَالسّعَادَةِ ؟ فَلَمْ يَجِدْ بُدّا مِنْ الِاعْتِرَافِ بِرِسَالَتِهِ وَلَكِنْ لَمْ يُرْسِلْ إلَيْهِمْ . قُلْت : فَقَدْ لَزِمَك تَصْدِيقَهُ وَلَا بُدّ وَهُوَ قَدْ تَوَاتَرَتْ عَنْهُ الْأَخْبَارُ بِأَنّهُ رَسُولُ رَبّ الْعَالَمِينَ إلَى النّاسِ أَجْمَعِينَ كِتَابِيّهِمْ وَأُمّيّهِمْ وَدَعَا أَهْلَ الْكِتَابِ إلَى دِينِهِ أَقَرّوا بِالصّغَارِ وَالْجِزْيَةِ فَبُهِتَ الْكَافِرُ وَنَهَضَ مِنْ فَوْرِهِ . وَالْمَقْصُودُ أَنّ رَسُولَ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ لَمْ يَزَلْ فِي جِدَالِ الْكُفّارِ عَلَى اخْتِلَافِ مِلَلِهِمْ وَنِحَلِهِمْ إلَى أَنْ تُوُفّيَ\rوَكَذَلِكَ أَصْحَابُهُ مِنْ بَعْدِهِ وَقَدْ أَمَرَهُ اللّه سُبْحَانَهُ بِجِدَالِهِمْ بِاَلّتِي هِيَ أَحْسَنُ فِي السّورَةِ الْمَكّيّةِ وَالْمَدَنِيّةِ وَأَمَرَهُ أَنْ يَدْعُوَهُمْ بَعْدَ ظُهُورِ الْحُجّةِ إلَى الْمُبَاهَلَةِ وَبِهَذَا قَامَ الدّينُ وَإِنّمَا جَعَلَ السّيْفَ نَاصِرًا لِلْحُجّةِ وَأَعْدَلُ السّيُوفِ سَيْفٌ يَنْصُرُ حُجَجَ اللّهِ وَبَيّنَاتِهِ وَهُوَ سَيْفُ رَسُولِهِ وَأُمّتِهِ. أ هـ {زاد المعاد حـ 3 صـ 560 ـ 561}","part":14,"page":32},{"id":5724,"text":"فصل\rقال الفخر : \rروي أنه عليه السلام لما أورد الدلائل على نصارى نجران ، ثم إنهم أصروا على جهلهم ، فقال عليه السلام : \" إن الله أمرني إن لم تقبلوا الحجة أن أباهلكم \" فقالوا : يا أبا القاسم ، بل نرجع فننظر في أمرنا ثم نأتيك فلما رجعوا قالوا للعاقب : وكان ذا رأيهم ، يا عبد المسيح ما ترى ، فقال : والله لقد عرفتم يا معشر النصارى أن محمداً نبي مرسل ، ولقد جاءكم بالكلام الحق في أمر صاحبكم ، والله ما باهل قوم نبياً قط فعاش كبيرهم ولا نبت صغيرهم ولئن فعلتم لكان الاستئصال فإن أبيتم إلا الإصرار على دينكم والإقامة على ما أنتم عليه ، فوادعوا الرجل وانصرفوا إلى بلادكم وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج وعليه مرط من شعر أسود ، وكان قد احتضن الحسين وأخذ بيد الحسن ، وفاطمة تمشي خلفه ، وعلي رضي الله عنه خلفها ، وهو يقول ، إذا دعوت فأمنوا ، فقال أسقف نجران : يا معشر النصارى ، إني لأرى وجوهاً لو سألوا الله أن يزيل جبلاً من مكانه لأزاله بها ، فلا تباهلوا فتهلكوا ولا يبقى على وجه الأرض نصراني إلى يوم القيامة ، ثم قالوا : يا أبا القاسم ، رأينا أن لا نباهلك وأن نقرك على دينك فقال صلوات الله عليه : \" فإذا أبيتم الباهلة فأسلموا ، يكن لكم ما للمسلمين ، وعليكم ما على المسلمين \" ، وعليكم ما على المسلمين ، فأبوا ، فقال : \" فإني أناجزكم القتال \" ، فقالوا ما لنا بحرب العرب طاقة ، ولكن نصالحك على أن لا تغزونا ولا تردنا عن ديننا ، على أن نؤدي إليك في كل عام ألفي حلة : ألفا في صفر ، وألفا في رجب ، وثلاثين درعاً عادية من حديد ، فصالحهم على ذلك ، وقال : \" والذي نفسي بيده ، إن الهلاك قد تدلى على أهل نجران ، ولو لاعنوا لمسخوا قردة وخنازير ، ولاضطرم عليهم الوادي ناراً ، ولاستأصل الله نجران وأهله ، حتى الطير على رؤوس الشجر ، ولما حال الحول على النصارى كلهم حتى يهلكوا \" ، وروي أنه عليه السلام لما خرج في المرط الأسود ، فجاء","part":14,"page":33},{"id":5725,"text":"الحسن رضي الله عنه فأدخله ، ثم جاء الحسين رضي الله عنه فأدخله ثم فاطمة ، ثم علي رضي الله عنهما ثم قال : {إِنَّمَا يُرِيدُ الله لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرجس أَهْلَ البيت وَيُطَهّرَكُمْ تَطْهِيراً} [ الأحزاب : 33 ] واعلم أن هذه الرواية كالمتفق على صحتها بين أهل التفسير والحديث. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 8 صـ 71}\rفصل\rقال ابن عادل : \rيجوز في \" مَنْ \" وجهان : \rأحدهما : أن تكونَ شرطية - وهو الظاهرُ - أي : إن حاجَّكَ أحدٌ فقُل له كيت وكيت.\rويجوز أن تكونَ موصولة بمعنى : \" الذي \" وإنما دخلت الفاءُ في الخبرِ لتضمُّنه معنى الشرطِ [ والمحاجةِ مفاعلة وهي من اثنين ، وكانَ الأمرُ كذلِكَ ].\r\" فِيهِ \" متعلق بـ \" حَاجَّكَ \" أى : جادلَكَ في شأنِهِ ، والهاء فيها وجهان : \rأولهما : وهو الأظهرُ - عودُها على عيسى عليه السلامُ.\rالثاني : عودها على \" الْحَقِّ \" ؛ لأنه أقربُمذكورٍ ، والأول أظْهَرُ ؛ لأنَّ عيسى هو المحدَّثُ عنهُ ، وهو صاحبُ القصة. قوله : { مِن بَعْدِ مَا جَآءَكَ } متعلق بـ \" حَاجَّكَ \" - أيضاً - و\" ما \" يجوز أن تكون موصولة اسمية ، ففاعل \" جَاءََكَ \" ضمير يعود عليها ، أي : من بعد الذي جاءك هو. { مِنَ الْعِلْمِ } حال من فاعل \" جَاءَكَ \".\rويجوز أن تكونَ موصولةً حرفيَّةً ، وحينئذٍ يقال : يلزم من ذلك خُلُوُّ الفعل من الفاعلِ ، أو عَوْد الضمير على الحرف ؛ لأن \" جَاءَكَ \" لا بد له من فاعل ، وليس معنا شيء يصلح عوده عليه إلا \" ما \" وهي حرفية.","part":14,"page":34},{"id":5726,"text":"والجوابُ : أنه يجوز أن يكون الفاعل قوله : { مِنَ الْعِلْمِ } و\" من \" مزيدة - : من بعد ما جاءك العلم - وهذا إنما يتخرج على قول الأخفش ؛ لأنه لا يشترط في زيادتها شيئاً. و\" مِنْ \" في قوله : \" مِنَ الْعِلْمِ \" يحتمل أن تكون تبعيضيَّة - وهو الظاهر - وأن تكون لبيان الجنس. والمراد بالعلم هو أنَّ عيسى عبد الله ورسوله ، وليس المراد - هاهنا - بالعلم نفس العلم ؛ لن العلمَ الذي في قلبه لا يؤثر في ذلك ، بل المرادُ بالعلم ، ما ذكره من الدلائل العقلية ، والدلائل الواصلة إليه بالوحي. أ هـ {تفسير ابن عادل حـ 5 صـ 282 ـ 283}\rفائدة\rقال الفخر :\r{فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ} أي في عيسى عليه السلام ، وقيل : الهاء تعود إلى الحق ، في قوله {الحق مِن رَّبّكَ} [ هود : 17 ] {مّن بَعْدِ مَا جَاءكَ مِنَ العلم} [ البقرة : 145 ] بأن عيسى عبد الله ورسوله عليه السلام وليس المراد ههنا بالعلم نفس العلم لأن العلم الذي في قلبه لا يؤثر في ذلك ، بل المراد بالعلم ما ذكره بالدلائل العقلية ، والدلائل الواصلة إليه بالوحي والتنزيل ، فقل تعالوا : أصله تعاليوا ، لأنه تفاعلوا من العلو ، فاستثقلت الضمة على الياء ، فسكنت ، ثم حذفت لاجتماع الساكنين ، وأصله العلو والارتفاع ، فمعنى تعالى ارتفع ، إلا أنه كثر في الاستعمال حتى صار لكل مجيء ، وصار بمنزلة هلم. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 8 صـ 71 ـ 72}","part":14,"page":35},{"id":5727,"text":"وقال الآلوسى :\r{ فَمَنْ حَاجَّكَ } أي جادلك وخاصمك من وفد نصارى نجران إذ هم المتصدون لذلك { فِيهِ } أي في شأن عيسى عليه السلام لأنه المحدث عنه وصاحب القصة ، وقيل : الضمير للحق المتقدم لقربه وعدم بعد المعنى { مّن بَعْدِ مَا جَاءكَ مِنَ العلم } أي الآيات الموجبة للعلم ، وإطلاق العلم عليها إما حقيقة لأنها كما قيل : نوع منه ، وإما مجاز مرسل ، والقرينة عليه ذكر المحاجة المقتضية للأدلة ، والجار والمجرور الأخير حال من فاعل { جَاءكَ } الراجع إلى { مَا } الموصولة ، و{ مِنْ } من ذلك تبعيضية ، وقيل : لبيان الجنس { فَقُلْ } أي لمن حاجك { تَعَالَوْاْ } أي أقبلوا بالرأي والعزيمة ، وأصله طلب الإقبال إلى مكان مرتفع ، ثم توسع فيه فاستعمل في مجرد طلب المجيء { نَدْعُ أَبْنَاءنَا وَأَبْنَاءكُمْ وَنِسَاءنَا وَنِسَاءكُمْ وَأَنفُسَنَا وأَنفُسَكُمْ } أي يدع كل منا ومنكم أبناءه ونساءه ونفسه للمباهلة ، وفي تقديم من قدم على النفس في المباهلة مع أنها من مظان التلف والرجل يخاطر لهم بنفسه إيذاناً بكمال أمنه صلى الله عليه وسلم وكمال يقينه في إحاطة حفظ الله تعالى بهم ، ولذلك مع رعاية الأصل في الصيغة فإن غير المتكلم تبع له في الإسناد قدم صلى الله عليه وسلم جانبه على جانب المخاطبين. أ هـ {روح المعانى حـ 3 صـ 187}\rفصل\rقال الفخر :\rهذه الآية دالة على أن الحسن والحسين عليهما السلام كانا ابني رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وعد أن يدعو أبناءه ، فدعا الحسن والحسين ، فوجب أن يكونا ابنيه ، ومما يؤكد هذا قوله تعالى في سورة الأنعام {وَمِن ذُرّيَّتِهِ دَاوُودُ وسليمان} [ الأنعام : 84 ] إلى قوله {وَزَكَرِيَّا ويحيى وعيسى} [ الأنعام : 85 ] ومعلوم أن عيسى عليه السلام إنما انتسب إلى إبراهيم عليه السلام بالأم لا بالأب ، فثبت أن ابن البنت قد يسمى ابناً ، والله أعلم. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 8 صـ72}\rفصل\rقال الفخر :","part":14,"page":36},{"id":5728,"text":"كان في الري رجل يقال له : محمود بن الحسن الحمصي ، وكان معلم الاثنى عشرية ، وكان يزعم أن علياً رضي الله عنه أفضل من جميع الأنبياء سوى محمد عليه السلام ، قال : والذي يدل عليه قوله تعالى : {وَأَنفُسَنَا وأَنفُسَكُمْ} وليس المراد بقوله {وَأَنفُسَنَا} نفس محمد صلى الله عليه وسلم لأن الإنسان لا يدعو نفسه بل المراد به غيره ، وأجمعوا على أن ذلك الغير كان علي بن أبي طالب رضي الله عنه ، فدلت الآية على أن نفس علي هي نفس محمد ، ولا يمكن أن يكون المراد منه ، أن هذه النفس هي عين تلك النفس ، فالمراد أن هذه النفس مثل تلك النفس ، وذلك يقتضي الاستواء في جميع الوجوه ، ترك العمل بهذا العموم في حق النبوة ، وفي حق الفضل لقيام الدلائل على أن محمداً عليه السلام كان نبياً وما كان علي كذلك ، ولانعقاد الإجماع على أن محمداً عليه السلام كان أفضل من علي رضي الله عنه ، فيبقى فيما وراءه معمولاً به ، ثم الإجماع دل على أن محمداً عليه السلام كان أفضل من سائر الأنبياء عليهم السلام فيلزم أن يكون علي أفضل من سائر الأنبياء ، فهذا وجه الاستدلال بظاهر هذه الآية ، ثم قال : ويؤيد الاستدلال بهذه الآية ، الحديث المقبول عند الموافق والمخالف ، وهو قوله عليه السلام : ","part":14,"page":37},{"id":5729,"text":"\" من أراد أن يرى آدم في علمه ، ونوحاً في طاعته ، وإبراهيم في خلته ، وموسى في هيبته ، وعيسى في صفوته ، فلينظر إلى علي بن أبي طالب رضي الله عنه \" فالحديث دل على أنه اجتمع فيه ما كان متفرقاً فيهم ، وذلك يدل على أن علياً رضي الله عنه أفضل من جميع الأنبياء سوى محمد صلى الله عليه وسلم ، وأما سائر الشيعة فقد كانوا قديماً وحديثاً يستدلون بهذه الآية على أن علياً رضي الله عنه مثل نفس محمد عليه السلام إلا فيما خصه الدليل ، وكان نفس محمد أفضل من الصحابة رضوان الله عليهم ، فوجب أن يكون نفس علي أفضل أيضاً من سائر الصحابة ، هذا تقدير كلام الشيعة ، والجواب : أنه كما انعقد الإجماع بين المسلمين على أن محمداً عليه السلام أفضل من علي ، فكذلك انعقد الإجماع بينهم قبل ظهور هذا الإنسان ، على أن النبي أفضل ممن ليس بنبي ، وأجمعوا على أن علياً رضي الله عنه ما كان نبياً ، فلزم القطع بأن ظاهر الآية كما أنه مخصوص في حق محمد صلى الله عليه وسلم ، فكذلك مخصوص في حق سائر الأنبياء عليهم السلام. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 8 صـ 72}","part":14,"page":38},{"id":5730,"text":"وقال أبو حيان : \rوأما الحديث الذي استدل به فموضوع لا أصل له.\rوهذه النزغة التي ذهب إليها هذا الحمصي من كون علي أفضل من الأنبياء عليهم السلام سوى محمد صلى الله عليه وسلم ، وتلقفها بعض من ينتحل كلام الصوفية ، ووسع المجال فيها ، فزعم أن الولي أفضل من النبي ، ولم يقصر ذلك على وليّ واحد ، كما قصر ذلك الحمصي ، بل زعم : أن رتبة الولاية التي لا نبوة معها أفضل من رتبة النبوة.\rقال : لأن الولي يأخذ عن الله بغير واسطة ، والنبي يأخذ عن الله بواسطة ومن أخذ بلا واسطة أفضل ممن أخذ بواسطة.\rوهذه المقالة مخالفة لمقالات أهل الإسلام.\rنعوذ بالله من ذلك ، ولا أحد أكذب ممن يدعي أن الولي يأخذ عن الله بغير واسطة ، لقد يقشعرّ المؤمن من سماع هذا الافتراء وحكى لي من لا أتهمه عن بعض المنتمين ، إلى أنه من أهل الصلاح ، أنه رؤي في يده كتاب ينظر فيه ، فسئل عنه.\rفقال : فيه ما أخذته عن رسول الله ، وفيه ما أخذته عن الله شفاهاً ، أو شافهني به ، الشك من السامع.\rفانظر إلى جراءة هذا الكاذب على الله حيث ادعى مقام من كلمة الله : كموسى ومحمد عليهما الصلاة والسلام وعلى سائر الأنبياء ؟. أ هـ {البحر المحيط حـ 2 صـ 504 }","part":14,"page":39},{"id":5731,"text":"وقال الآلوسى :\rواستدل بها {قصة المباهلة} الشيعة على أولوية علي كرم الله تعالى وجهه بالخلافة بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم بناءاً على رواية مجيء علي كرم الله تعالى وجهه مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ووجه أن المراد حينئذ بأبنائنا الحسن والحسين وبنسائنا فاطمة ، وبأنفسنا الأمير ، وإذا صار نفس الرسول وظاهر أن المعنى الحقيقي مستحيل تعين أن يكون المراد المساواة ، ومن كان مساوياً للنبي صلى الله عليه وسلم فهو أفضل وأولى بالتصرف من غيره ، ولا معنى للخليفة إلا ذلك ، وأجيب عن ذلك أما أولاً : فبأنا لا نسلم أن المراد بأنفسنا الأمير بل المراد نفسه الشريفة صلى الله عليه وسلم ، ويجعل الأمير داخلاً في الأبناء ، وفي العرف يعد الختن ابناً من غير ريبة ، ويلتزم عموم المجاز إن قلنا : إن إطلاق الإبن على ابن البنت حقيقة ، وإن قلنا : إنه مجاز لم يحتج إلى القول بعمومه وكان إطلاقه على الأمير وابنيه رضي الله تعالى عنهم على حد سواء في المجازية.","part":14,"page":40},{"id":5732,"text":"وقول الطبرسي وغيره من علمائهم إن إرادة نفسه الشريفة صلى الله عليه وسلم من أنفسنا لا تجوز لوجود { نَدْعُ } والشخص لا يدعو نفسه هذيان من القول ، إذ قد شاع وذاع في القديم والحديث دعته نفسه إلى كذا ، ودعوت نفسي إلى كذا ، وطوعت له نفسه ، وآمرت نفسي ، وشاورتها إلى غير ذلك من الاستعمالات الصحيحة الواقعة في كلام البلغاء فيكون حاصل { نَدْعُ أَنفُسَنَا } نحضر أنفسنا وأي محذور في ذلك على أنا لو قررنا الأمير من قبل النبي صلى الله عليه وسلم لمصداق أنفسنا فمن نقرره من قبل الكفار مع أنهم مشتركون في صيغة { نَدْعُ } إذ لا معنى لدعوة النبي صلى الله عليه وسلم إياهم وأبناءهم ونساءهم بعد قوله : { تَعَالَوْاْ } كما لا يخفى. وأما ثانياً : فبأنا لو سلمنا أن المراد بأنفسنا الأمير لكن لا نسلم أن المراد من النفس ذات الشخص إذ قد جاء لفظ النفس بمعنى القريب والشريك في الدين والملة ، ومن ذلك قوله تعالى : { وَلاَ تُخْرِجُونَ أَنْفُسِهِمْ مِّن دياركم } [ البقرة : 84 ] { وَلاَ تَلْمِزُواْ أَنفُسَكُمْ } [ الحجرات : 11 ] { لَّوْلا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ المؤمنون والمؤمنات بِأَنفُسِهِمْ خَيْراً } [ النور : 12 ] فلعله لما كان للأمير اتصال بالنبي صلى الله عليه وسلم في النسب والمصاهرة واتحاد في الدين عبر عنه بالنفس ، وحينئذ لا تلزم المساواة التي هي عماد استدلالهم على أنه لو كان المراد مساواته في جميع الصفات يلزم الاشتراك في النبوة والخاتمية والبعثة إلى كافة الخلق ونحو ذلك وهو باطل بالإجماع لأن التابع دون المتبوع ولو كان المراد المساواة في البعض لم يحصل الغرض لأن المساواة في بعض صفات الأفضل والأولى بالتصرف لا تجعل من هي له أفضل وأولى بالتصرف بالضرورة ، وأما ثالثاً : فبأن ذلك لو دلّ على خلافة الأمير كما زعموا لزم كون الأمير إماماً في زمنه صلى الله عليه وسلم وهو باطل بالاتفاق وإن قيد بوقت دون وقت فمع أن التقييد","part":14,"page":41},{"id":5733,"text":"مما لا دليل عليه في اللفظ لا يكون مفيداً للمدعي إذ هو غير متنازع فيه لأن أهل السنة يثبتون إمامته في وقت دون وقت فلم يكن هذا الدليل قائماً في محل النزاع ، ولضعف الاستدلال به في هذا المطلب بل عدم صحته كالاستدلال به على أفضلية الأمير علي كرم الله تعالى وجهه على الأنبياء والمرسلين عليهم السلام لزعم ثبوت مساواته للأفضل منهم فيه لم يقمه محققو الشيعة على أكثر من دعوى كون الأمير والبتول والحسين أعزة على رسول الله صلى الله عليه وسلم كما صنع عبد الله المشهدي في كتابه \"إظهار الحق \".\rوقد أخرج مسلم والترمذي وغيرهما عن سعد بن أبي وقاص قال : \"لما نزلت هذه الآية { قُلْ تَعَالَوْاْ نَدْعُ } الخ دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم علياً وفاطمة وحسناً وحسيناً فقال : اللهم هؤلاء أهلي\" وهذا الذي ذكرناه من دعائه صلى الله عليه وسلم هؤلاء الأربعة المتناسبة رضي الله تعالى عنهم هو المشهور المعول عليه لدى المحدثين ، وأخرج ابن عساكر عن جعفر بن محمد عن أبيه رضي الله تعالى عنهم \"أنه لما نزلت هذه الآية جاء بأبي بكر وولده وبعمر وولده وبعثمان وولده وبعلي وولده\" وهذا خلاف ما رواه الجمهور.","part":14,"page":42},{"id":5734,"text":"واستدل ابن أبي علان من المعتزلة بهذه القصة أيضاً على أن الحسنين كانا مكلفين في تلك الحال لأن المباهلة لا تجوز إلا مع البالغين ، وذهب الإمامية إلى أنها يشترط فيها كمال العقل والتمييز ، وحصول ذلك لا يتوقف على البلوغ فقد يحصل كمال قبله ربما يزيد على كمال البالغين فلا يمتنع أن يكون الحسنان إذ ذاك غير بالغين إلا أنهما في سن لا يمتنع معها أن يكونا كاملي العقل على أنه يجوز أن يخرق الله تعالى العادات لأولئك السادات ويخصهم بما لا يشاركهم فيه غيرهم ، فلو صح أن كمال العقل غير معتاد في تلك السن لجاز ذلك فيهم إبانة لهم عمن سواهم ودلالة على مكانهم من الله تعالى واختصاصهم به وهم القوم الذين لا تحصى خصائصهم. وذهب النواصب إلى أن المباهلة جائزة لإظهار الحق إلى اليوم إلا أنه يمنع فيها أن يحضر الأولاد والنساء ، وزعموا رفعهم الله تعالى لا قدراً ، وحطهم ولا حط عنهم وزراً أن ما وقع منه صلى الله عليه وسلم كان لمجرد إلزام الخصم وتبكيته وأنه لا يدل على فضل أولئك الكرام على نبينا وعليهم أفضل الصلاة وأكمل السلام ، وأنت تعلم أن هذا الزعم ضرب من الهذيان ، وأثر من مس الشيطان.\rوليس يصح في الأذهان شيء... إذا احتاج النهار إلى دليل\rومن ذهب إلى جواز المباهلة اليوم على طرز ما صنع رسول الله صلى الله عليه وسلم استدل بما أخرجه عبد بن حميد عن قيس بن سعد أن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما كان بينه وبين آخر شيء فدعاه إلى المباهلة ، وقرأ الآية ورفع يديه فاستقبل الركن وكأنه يشير بذلك رضي الله تعالى عنه إلى كيفية الابتهال وأن الأيدي ترفع فيه ، وفيما أخرجه الحاكم تصريح بذلك وأنها ترفع حذو المناكب. أ هـ {روح المعانى حـ 3 صـ 189 ـ 190}\rقوله تعالى {ثُمَّ نَبْتَهِلْ}\rقال الفخر :\rقوله {ثُمَّ نَبْتَهِلْ} أي نتباهل ، كما يقال اقتتل القوم وتقاتلوا واصطحبوا وتصاحبوا ، والابتهال فيه وجهان","part":14,"page":43},{"id":5735,"text":"أحدهما : أن الابتهال هو الاجتهاد في الدعاء ، وإن لم يكن باللعن ، ولا يقال : ابتهل في الدعاء إلا إذا كان هناك اجتهاد\rوالثاني : أنه مأخوذ من قولهم عليه بهلة الله ، أي لعنته وأصله مأخوذ مما يرجع إلى معنى اللعن ، لأن معنى اللعن هو الإبعاد والطرد وبهله الله ، أي لعنه وأبعده من رحمته من قولك أبهله إذا أهمله وناقة باهل لا صرار عليها ، بل هي مرسلة مخلاة ، كالرجل الطريد المنفي ، وتحقيق معنى الكلمة : أن البهل إذا كان هو الإرسال والتخلية فكان من بهله الله فقد خلاه الله ووكله إلى نفسه ومن وكله إلى نفسه فهو هالك لا شك فيه فمن باهل إنساناً ، فقال : علي بهلة الله إن كان كذا ، يقول : وكلني الله إلى نفسي ، وفرضني إلى حولي وقوتي ، أي من كلاءته وحفظه ، كالناقة الباهل التي لا حافظ لها في ضرعها ، فكل من شاء حلبها وأخذ لبنها لا قوة لها في الدفع عن نفسها ، ويقال أيضاً : رجل باهل ، إذا لم يكن معه عصاً ، وإنما معناه أنه ليس معه ما يدفع عن نفسه ، والقول الأول أولى ، لأنه يكون قوله {ثُمَّ نَبْتَهِلْ} أي ثم نجتهد في الدعاء ، ونجعل اللعنة على الكاذب وعلى القول الثاني يصير التقدير : ثم نبتهل ، أي ثم نلتعن {فَنَجْعَل لَّعْنَتُ الله عَلَى الكاذبين} وهي تكرار. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 8 صـ 72 ـ 73}\rوقال ابن عادل : \rقوله : { ثُمَّ نَبْتَهِلْ } قال ابنُ عبّاس : نتضرع في الدعاء.","part":14,"page":44},{"id":5736,"text":"وقال الكلبي : نجتهد ونبالغ في الداعاء وقال الكسائيُّ وأبو عبيدة : نَلتعن. والابتهال : افتعال ، من البُهْلَة ، وهي - بفتح الباء وضمها - اللعنة ، قال الزمخشريُّ : ثم نتباهل بأن نقول لعنة الله على الكاذب منا ومنكم والبهلة - بالفتح والضم - اللعنة ، وبَهَلَه الله : لعنه وأبعده من رحمته من قولك : أبهله إذا أهمله ، وناقة باهل : لا صِرَارَ عليها ، أي : مرسلة مُخَلاَّة - كالرجل الطريد المنفي - وإذا كان البهل هو الإرسال والتخلية ، فمن بهله الله فقد خلاه ، ووكله إلى نفسه ، فهو هالك لا شك فيه - كالناقة الباهل التي لا حافظ لها ، فمن شاء حلبها ، لا تقدر على الدفع عن نفسها هذا أصل الابتهال ، ثم استُعْمِل في كل دعاء مُجْتَهَدٍ فيه - وإن لم يكن التعاناً - [ يعني أنه اشتهر في اللغة : فلان يبتهل إلى الله - تعالى - في قضاء حاجته ، ويبتهل في كشف كربته ].\rقال شهاب الدّين : ما أحسن ما جعل \" الافتعال \" - هنا - بمعنى التفاعل ؛ لأن المعنى لا يجيء إلا على ذلك ، وتفاعل و\" افتعل \" أخوان في مواضع ، نحو اجتوروا وتجاوروا ، واشتوروا وتشاوروا ، واقتتل القوم وتقاتلوا ، واصطحبوا وتصاحبوا ، لذلك صحت واو اجتوروا واشتوروا.\rقال الراغبُ : وأصل البهل : كون الشيء غيرَ مراعى ، والباهل : البعير المُخَلَّى عن قيده والناقة المخلَّى ضرعها عن صِرَارٍ ، وأنشد لامرأة : أتيتك باهلاً غير ذات صِرار.\rوأبهلت فلاناً : خليته وإرادته ؛ تشبيهاً بالبعير الباهل ، والبهل والابتهال في الدعاء : الاسترسال فيه والتضرع ، نحو { ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَل } ومن فسر الابتهال باللعن فلأجل أن الاسترسال في هذا المكان لأجل اللعن.\rقال الشاعر : ( وهو لبيد ) : [ الرمل ]\rمِنْ قُرُومٍ سَادَةٍ في قَوْمِهِمْ... نَظَرَ الدَّهْرُ إلَيْهِمْ فَابْتَهَلْ","part":14,"page":45},{"id":5737,"text":"وظاهر هذا أنَّ الابتهال عام في كل دعاء - لعناً كان أو غيره - ثم خُصَّ في هذه الآية باللعن ، وظاهر عبارة الزمخشري أن أصله خصوصيته باللعن ، ثم تُجُوِّز فيه ، فاستُعمِل في كل اجتهاد في دعاء - لعناً كان ، أو غيره - والظاهر من أقوال اللغويين ما ذكره الراغب.\rقال أبو بكر بن دُرَيْد في مقصورته : [ الرجز ]\rلَمْ أرَ كَالْمُزْنِ سَوَاماً بُهَّلا تَحْسَبُهَا مَرْعِيَّةً وَهْيَ سُدَى\rبهلاً جمع باهلة - أي : مهملة ، وفاعلة تجمع على فُعَّل ، نحو ضُرَّب. والسُّدَى : المهمل - أيضاً - وأتى بـ \" ثُمَّ \" هنا ، تنبيهاً على خطئهم في مباهلته ، كأنه يقول لهم : لا تعجلوا ، وتَأنَّوْا ؛ لعلَّه أن يظهر لكم الحق ، فلذلك أتى بحرف التراخي.\rقوله : { فَنَجْعَل } هي المتعدية لاثنين - بمعنى نصير - و{ عَلَى الكاذبين } هو المفعول الثاني. أ هـ {تفسير ابن عادل حـ 5 صـ 287 ـ 288}\rلطيفة\rقال ابن عادل :\rورد لفظ \" الْعِلْم \" في القرآن على أربعة [ أضربٍ ].\rالأول : العلم القرآن ، قال تعالى : { فَمَنْ حَآجَّكَ فِيهِ مِن بَعْدِ مَا جَآءَكَ مِنَ العلم } [ آل عمران : 61 ].\rالثاني : النبي صلى الله عليه وسلم قال تعالى : { فَمَا اختلفوا إِلاَّ مِن بَعْدِ مَا جَآءَهُمُ العلم } [ الجاثية : 17 ] أي : محمد ، لما اختلف فيه أهلُ الكتاب.\rالثالث : الكيمياء ، قال تعالى - حكاية عن قارون- : { إِنَّمَآ أُوتِيتُهُ على عِلْمٍ عندي } [ القصص : 78 ].\rالرابع : الشرك ، قال تعالى : { فَرِحُواْ بِمَا عِندَهُمْ مِّنَ العلم } [ غافر : 83 ] أي من الشرك. أ هـ {تفسير ابن عادل حـ 5 صـ 283}","part":14,"page":46},{"id":5738,"text":"فصل\rمن فوائد ابن عاشور فى الآية\rقال رحمه الله :\r{فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنْفُسَنَا وَأَنْفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ} [61].\rتفريع على قوله : {الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فلا تكن من الممترين} لما فيه من إيماء إلى أن وفد نجران ممترون في هذا الذي بين الله لهم في هذه الآيات : أي فإن استمروا على محاجتهم إياك مكابرة في هذا الحق أو في شأن عيسى فادعهم إلى المباهلة والملاعنة.\rذلك أن تصميمهم على معتقدهم بعد هذا البيان مكابرة محضة بعد ما جاءك من العلم وبينت لهم ، فلم يبق أوضح مما حاججتهم به فعلمت أنهم إنما يحاجونك عن مكابرة ، وقلة يقين ، فادعهم إلى المباهلة بالملاعنة الموصوفة هنا.\rو {تعالوا} اسم فعل لطلب القدوم ، وهو في الأصل أمر من تعالى يتعالى إذا قصد العلو ، فكأنهم أرادوا في الأصل أمرا بالصعود إلى مكان عال تشريفا للمدعو ، ثم شاع حتى صار لمطلق الأمر بالقدوم أو الحضور ، وأجريت عليه أحوال اسم الفعل فهو مبني على فتح آخره وأما قول أبي فراس الحمداني :\rأيا جارتا ما أنصف الدهر بيننا . . .\rتعالي أقاسك الهموم تعالي\rفقد لحنوه فيه.\rومعنى : {تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ} ائتوا وادعوا أبناءكم ونحن ندعو أبناءنا إلى آخره ، والمقصود هو قوله : {ثُمَّ نَبْتَهِلْ} إلى آخره.\rوثم هنا للتراخي الرتبي.\rوالابتهال مشتق من البهل وهو الدعاء باللعن ويطلق على الاجتهاد في الدعاء مطلقا لأن الداعي باللعن يجتهد في دعائه والمراد في الآية المعنى الأول.\rومعنى {فَنَجْعَلْ لَعْنَتَ اللَّهِ } فندع بإيقاع اللعنة على الكاذبين.\rوهذا الدعاء إلى المباهلة إلجاء لهم إلى أن يعترفوا بالحق أو يكفوا.","part":14,"page":47},{"id":5739,"text":"روى المفسرون وأهل السيرة أن وفد نجران لما دعاهم رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الملاعنة قال لهم العاقب : نلاعنه فوالله لئن كان نبيا فلاعننا لا نفلح أبدا ولا عقبنا من بعدنا فلم يجيبوا إلى المباهلة وعدلوا إلى المصالحة كما سيأتي.\rوهذه المباهلة لعلها من طرق التناصف عند النصارى فدعاهم إليها النبي صلى الله عليه وسلم لإقامة الحجة عليهم.\rوإنما جمع في الملاعنة الأبناء والنساء : لأنه لما ظهرت مكابرتهم في الحق وحب الدنيا ، علم أن من هذه صفته يكون أهله ونساؤه أحب إليه من الحق كما قال شعيب أرهطي أعز عليكم من الله وأنه يخشى سوء العيش ، وفقدان الأهل ، ولا يخشى عذاب الآخرة.\rوالظاهر أن المراد بضمير المتكلم المشارك أنه عائد إلى النبي صلى الله عليه وسلم ، ومن معه من المسلمين ، والذين يحضرهم لذلك وأبناء أهل الوفد ونساؤهم اللائي كن معهم.\rوالنساء : الأزواج لا محالة ، وهو إطلاق معروف عند العرب إذا أضيف لفظ النساء إلى واحد أو جماعة دون ما إذا ورد غير مضاف ، قال تعالى : {يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّسَاءِ} [الأحزاب : 32] وقال : {وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ} وقال النابغة : \rحذارا على أن لا تنال مقادتي . . .\rولا نسوتي حتى يمتن حرائرا\rوالأنفس أنفس المتكلمين وأنفس المخاطبين أي وإيانا عَلَى الْكَاذِبِينَ وإياكم ، وأما الأبناء فيحتمل أن المراد شبانهم ، ويحتمل أنه يشمل الصبيان ، والمقصود أن تعود عليهم آثار الملاعنة.\rوالابتهال افتعال من البهل ، وهو اللعن ، يقال : بهله الله بمعنى لعنه واللعنة بهلة وبهلة بالضم والفتح ثم استعمل الابتهال مجازا مشهورا في مطلق الدعاء قال الأعشى : \rلا تقعدن وقد أكلتها حطبا . . .\rتعوذ من شرها يوما وتبتهل\rوهو المراد هنا بدليل أنه فرع عليه قوله : {فَنَجْعَلْ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ} على الكاذبين.\rوهذه دعوة إنصاف لا يدعو لها إلا واثق بأنه على الحق.","part":14,"page":48},{"id":5740,"text":"وهذه المباهلة لم تقع لأن نصارى نجران لم يستجيبوا إليها.\rوقد روى أبو نعيم في الدلائل أن النبي هيأ عليا وفاطمة وحسنا وحسينا ليصحبهم معه للمباهلة.\rولم يذكروا فيه إحضار نسائه ولا إحضار بعض المسلمين. أ هـ {التحرير والتنوير حـ 3 صـ 113 ـ 114}\rومن فوائد العلامة الجصاص\rقال رحمه الله :\rقَوْله تَعَالَى : { فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنْفُسَنَا وَأَنْفُسَكُمْ } الِاحْتِجَاجُ الْمُتَقَدِّمُ لِهَذِهِ الْآيَةِ عَلَى النَّصَارَى فِي قَوْلِهِمْ إنَّ الْمَسِيحَ هُوَ ابْنُ اللَّهِ وَهُمْ { وَفْدُ نَجْرَانَ وَفِيهِمْ السَّيِّدُ وَالْعَاقِبُ قَالَا لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : هَلْ رَأَيْت وَلَدًا مِنْ غَيْرِ ذَكَرٍ ؟ فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى : { إنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ } } ؛ رُوِيَ ذَلِكَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ وَالْحَسَنِ وَقَتَادَةَ.","part":14,"page":49},{"id":5741,"text":"وَقَالَ قَبْلَ ذَلِكَ فِيمَا حَكَى عَنْ الْمَسِيحِ : { وَلِأُحِلَّ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ } إلَى قَوْله تَعَالَى : { وَإِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ } وَهَذَا مَوْجُودٌ فِي الْإِنْجِيلِ ؛ لِأَنَّ فِيهِ : \" إنِّي ذَاهِبٌ إلَى أَبِي ، وَأَبِيكُمْ وَإِلَهِي وَإِلَهِكُمْ \" ؛ وَالْأَبُ السَّيِّدُ فِي تِلْكَ اللُّغَةِ ، أَلَا تَرَاهُ قَالَ : وَأَبِي ، وَأَبِيكُمْ ؟ فَعَلِمْت أَنَّهُ لَمْ يُرِدْ بِهِ الْأُبُوَّةَ الْمُقْتَضِيَةَ لَلْبُنُوَّةِ ، فَلَمَّا قَامَتْ الْحُجَّةُ عَلَيْهِمْ بِمَا عَرَفُوهُ وَاعْتَرَفُوا بِهِ ، وَأَبْطَلَ شُبْهَتَهُمْ فِي قَوْلِهِمْ إنَّهُ وَلَدٌ مِنْ غَيْرِ ذَكَرٍ بِأَمْرِ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ دَعَاهُمْ حِينَئِذٍ إلَى الْمُبَاهَلَةِ فَقَالَ تَعَالَى : { فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنْ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ } الْآيَةَ ؛ فَنَقَلَ رُوَاةُ السِّيَرِ وَنَقْلَةُ الْأَثَرِ لَمْ يَخْتَلِفُوا فِيهِ : { أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَخَذَ بِيَدِ الْحَسَنِ وَالْحُسَيْنِ وَعَلِيٍّ وَفَاطِمَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ ، ثُمَّ دَعَا النَّصَارَى الَّذِينَ حَاجُّوهُ إلَى الْمُبَاهَلَةِ ، فَأَحْجَمُوا عَنْهَا وَقَالَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ : إنْ بَاهَلْتُمُوهُ اضْطَرَمَ الْوَادِي عَلَيْكُمْ نَارًا ، وَلَمْ يَبْقَ نَصْرَانِيٌّ ، وَلَا نَصْرَانِيَّةٌ إلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ }.","part":14,"page":50},{"id":5742,"text":"وَفِي هَذِهِ الْآيَاتِ دَحْضُ شُبَهِ النَّصَارَى فِي أَنَّهُ إلَهٌ أَوْ ابْنُ الْإِلَهِ ؛ وَفِيهِ دَلَالَةٌ عَلَى صِحَّةِ نُبُوَّةِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ؛ لِأَنَّهُمْ لَوْلَا أَنَّهُمْ عَرَفُوا يَقِينًا أَنَّهُ نَبِيٌّ مَا الَّذِي كَانَ يَمْنَعُهُمْ مِنْ الْمُبَاهَلَةِ ؟ فَلَمَّا أَحْجَمُوا وَامْتَنَعُوا عَنْهَا دَلَّ عَلَى أَنَّهُمْ قَدْ كَانُوا عَرَفُوا صِحَّةَ نُبُوَّتِهِ بِالدَّلَائِلِ الْمُعْجِزَاتِ وَبِمَا وَجَدُوا مِنْ نَعْتِهِ فِي كُتُبِ الْأَنْبِيَاءِ الْمُتَقَدِّمِينَ.","part":14,"page":51},{"id":5743,"text":"وَفِيهِ الدَّلَالَةُ عَلَى أَنَّ الْحَسَنَ وَالْحُسَيْنَ ابْنَا رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ؛ لِأَنَّهُ { أَخَذَ بِيَدِ الْحَسَنِ وَالْحُسَيْنِ حِينَ أَرَادَ حُضُورَ الْمُبَاهَلَةِ وَقَالَ : تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ } ، وَلَمْ يَكُنْ هُنَاكَ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَنُونَ غَيْرُهُمَا ، وَقَدْ رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ { قَالَ لِلْحَسَنِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ : إنَّ ابْنِي هَذَا سَيِّدٌ } وَقَالَ { حِينَ بَالَ عَلَيْهِ أَحَدُهُمَا وَهُوَ صَغِيرٌ : لَا تُزْرِمُوا ابْنِي } وَهُمَا مِنْ ذُرِّيَّتِهِ أَيْضًا ، كَمَا جَعَلَ اللَّهُ تَعَالَى عِيسَى مِنْ ذُرِّيَّةِ إبْرَاهِيمَ عَلَيْهِمَا السَّلَامُ بِقَوْلِهِ تَعَالَى : { وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ دَاوُد وَسُلَيْمَانَ } إلَى قَوْله تَعَالَى : { وَزَكَرِيَّا وَيَحْيَى وَعِيسَى } وَإِنَّمَا نِسْبَتُهُ إلَيْهِ مِنْ جِهَةِ أُمِّهِ ؛ لِأَنَّهُ لَا أَبَ لَهُ وَمِنْ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ إنَّ هَذَا مَخْصُوصٌ فِي الْحَسَنِ وَالْحُسَيْنِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا أَنْ يُسَمَّيَا ابْنَيْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دُونَ غَيْرِهِمَا ، وَقَدْ رُوِيَ فِي ذَلِكَ خَبَرٌ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَدُلُّ عَلَى خُصُوصِ إطْلَاقِ اسْمِ ذَلِكَ فِيهِمَا دُونَ غَيْرِهِمَا مِنْ النَّاسِ ؛ لِأَنَّهُ رُوِيَ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ { كُلُّ سَبَبٍ وَنَسَبٍ مُنْقَطِعٌ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إلَّا سَبَبِي وَنَسَبِي } ؛ .\rوَقَالَ مُحَمَّدٌ فِيمَنْ أَوْصَى لَوَلَدِ فُلَانٍ ، وَلَمْ يَكُنْ لَهُ وَلَدٌ لِصُلْبِهِ وَلَهُ وَلَدُ ابْنٍ وَوَلَدُ ابْنَةٍ : \" إنَّ الْوَصِيَّةَ لَوَلَدِ الِابْنِ دُونَ وَلَدِ الِابْنَةِ \".","part":14,"page":52},{"id":5744,"text":"وَقَدْ رَوَى الْحَسَنُ بْنُ زِيَادٍ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّ وَلَدَ الِابْنَةِ يَدْخُلُونَ فِيهِ.\rوَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ قَوْله تَعَالَى وَقَوْلَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي ذَلِكَ مَخْصُوصٌ بِهِ الْحَسَنُ وَالْحُسَيْنُ فِي جَوَازِ نِسْبَتِهِمَا عَلَى الْإِطْلَاقِ إلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دُونَ غَيْرِهِ مِنْ النَّاسِ لِمَا وَرَدَ فِيهِ مِنْ الْأَثَرِ ، وَأَنَّ غَيْرَهُمَا مِنْ النَّاسِ إنَّمَا يُنْسَبُونَ إلَى الْآبَاءِ وَقَوْمِهِمْ دُونَ قَوْمِ الْأُمِّ ، أَلَا تَرَى أَنَّ الْهَاشِمِيَّ إذَا اسْتَوْلَدَ جَارِيَةً رُومِيَّةً أَوْ حَبَشِيَّةً أَنَّ ابْنَهُ يَكُونُ هَاشِمِيًّا مَنْسُوبًا إلَى قَوْمِ أَبِيهِ دُونَ أُمِّهِ ؟ وَكَذَلِكَ قَالَ الشَّاعِرُ : بَنُونَا بَنُو أَبْنَائِنَا وَبَنَاتِنَا بَنُوهُنَّ أَبْنَاءُ الرِّجَالِ الْأَبَاعِدِ فَنِسْبَةُ الْحَسَنِ وَالْحُسَيْنِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا إلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالْبُنُوَّةِ عَلَى الْإِطْلَاقِ مَخْصُوصٌ بِهِمَا لَا يَدْخُلُ فِيهِ غَيْرُهُمَا ؛ هَذَا هُوَ الظَّاهِرُ الْمُتَعَالِمُ مِنْ كَلَامِ النَّاسِ فِيمَنْ سِوَاهُمَا ؛ لِأَنَّهُمْ يُنْسَبُونَ إلَى الْأَبِ وَقَوْمِهِ دُونَ قَوْمِ الْأُمِّ. أ هـ {أحكام القرآن للجصاص حـ 2 صـ 295 ـ 296}\rأسئلة وأجوبة للإمام الفخر\rالسؤال الأول : الأولاد إذا كانوا صغاراً لم يجز نزول العذاب بهم وقد ورد في الخبر أنه صلوات الله عليه أدخل في المباهلة الحسن والحسين عليهما السلام فما الفائدة فيه ؟.","part":14,"page":53},{"id":5745,"text":"والجواب : إن عادة الله تعالى جارية بأن عقوبة الاستئصال إذا نزلت بقوم هلكت معهم الأولاد والنساء ، فيكون ذلك في حق البالغين عقاباً ، وفي حق الصبيان لا يكون عقاباً ، بل يكون جارياً مجرى إماتتهم وإيصال الآلام والأسقام إليهم ومعلوم أن شفقة الإنسان على أولاده وأهله شديدة جداً فربما جعل الإنسان نفسه فداءً لهم وجنة لهم ، وإذا كان كذلك فهو عليه السلام أحضر صبيانه ونساءه مع نفسه وأمرهم بأن يفعلوا مثل ذلك ليكون ذلك أبلغ في الزجر وأقوى في تخويف الخصم ، وأدل على وثوقه صلوات الله عليه وعلى آله بأن الحق معه.\rالسؤال الثاني : هل دلت هذه الواقعة على صحة نبوّة محمد صلى الله عليه وسلم ؟.\rالجواب : أنها دلّت على صحة نبوته عليه السلام من وجهين\rأحدهما : وهو أنه عليه السلام خوفهم بنزول العذاب عليهم ، ولو لم يكن واثقاً بذلك ، لكان ذلك منه سعياً في إظهار كذب نفسه لأن بتقدير : أن يرغبوا في مباهلته ، ثم لا ينزل العذاب ، فحينئذ كان يظهر كذبه فيما أخبر ومعلوم أن محمداً صلى الله عليه وسلم كان من أعقل الناس ، فلا يليق به أن يعمل عملاً يفضي إلى ظهور كذبه فلما أصر على ذلك علمنا أنه إنما أصر عليه لكونه واثقاً بنزول العذاب عليهم\rوثانيهما : إن القوم لما تركوا مباهلته ، فلولا أنهم عرفوا من التوراة والإنجيل ما يدل على نبوته ، وإلا لما أحجموا عن مباهلته.\rفإن قيل : لم لا يجوز أن يقال : إنهم كانوا شاكين ، فتركوا مباهلته خوفاً من أن يكون صادقاً فينزل بهم ما ذكر من العذاب ؟.\rقلنا هذا مدفوع من وجهين\rالأول : أن القوم كانوا يبذلونه النفوس والأموال في المنازعة مع الرسول عليه الصلاة والسلام ، ولو كانوا شاكين لما فعلوا ذلك","part":14,"page":54},{"id":5746,"text":"الثاني : أنه قد نقل عن أولئك النصارى أنهم قالوا : إنه والله هو النبي المبشر به في التوراة والإنجيل ، وإنكم لو باهلتموه لحصل الاستئصال فكان ذلك تصريحاً منهم بأن الامتناع عن المباهلة كان لأجل علمهم بأنه نبي مرسل من عند الله تعالى.\rالسؤال الثالث : أليس إن بعض الكفار اشتغلوا بالمباهلة مع محمد صلى الله عليه وسلم ؟ حيث قالوا {اللهم إِن كَانَ هذا هُوَ الحق مِنْ عِندِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مّنَ السماء} [ الأنفال : 32 ] ثم إنه لم ينزل العذاب بهم ألبتة ، فكذا ههنا ، وأيضاً فبتقدير نزول العذاب ، كان ذلك مناقضاً لقوله {وَمَا كَانَ الله لِيُعَذّبَهُمْ وَأَنتَ فِيهِمْ} [ الأنفال : 33 ].\rوالجواب : الخاص مقدم على العام ، فلما أخبر عليه السلام بنزول العذاب في هذه السورة على التعيين وجب أن يعتقد أن الأمر كذلك.\rالسؤال الرابع : قوله {إِنَّ هذا لَهُوَ القصص الحق} هل هو متصل بما قبله أم لا ؟.\rوالجواب : قال أبو مسلم : إنه متصل بما قبله ولا يجوز الوقف على قوله {الكاذبين} وتقدير الآية فنجعل لعنة الله على الكاذبين بأن هذا هو القصص الحق وعلى هذا التقدير كان حق {إن} أن تكون مفتوحة ، إلا أنها كسرت لدخول اللام في قوله {لَهُوَ} كما في قوله {إِنَّ رَبَّهُم بِهِمْ يَوْمَئِذٍ لَّخَبِيرٌ} [ العاديات : 11 ] وقال الباقون : الكلام تم عند قوله {عَلَى الكاذبين} وما بعده جملة أخرى مستقلة غير متعلقة بما قبلها ، والله أعلم. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 8 صـ 73 ـ 74}\rمن لطائف الإمام القشيرى فى الآية\rقوله جلّ ذكره : { فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ } الآية.","part":14,"page":55},{"id":5747,"text":"يعني بعدما ظَهَرْتَ على صدق ما يُقال لك ، وتَحقَّقْتَ بقلبك معرفة ما خاطبناك ، فلا تحتشم من حملهم على المباهلة ، وثقْ بأن لك القهر والنصرة ، وأَنَّا توليناك ، وفي كنف قُرْبنا آويناك ، ولو أنهم رغبوا في هذه المباهلة لأحرقت الأودية عليهم نيراناً مؤججة ، ولكن أخَّر الله - سبحانه - ذلك عنهم لعلمه بِمَنْ في أصلابهم من المؤمنين.\rوالإشارة في هذه الآية لِمَنْ نزلت حالته عن أحوال الصديقين ، فإنه إذا ظهرت أنوارهم انخنست آثار هؤلاء فلا إقرار ، ولا عنهم آثار. أ هـ {لطائف الإشارات حـ 1 صـ 247}\rفائدة\rقال أبو حيان :\rقيل : وفي هذه الآية ضروب من البلاغة : منها إسناد الفعل إلى غير فاعله ، وهو : { إذ قال الله يا عيسى } والله لم يشافهه بذلك ، بل بإخبار جبريل أو غيره من الملائكة.\rوالاستعارة في : { متوفيك } وفي : { فوق الذين كفروا } والتفصيل لما أجمل في : { إليّ مرجعكم فأحكم } بقوله : فأما ، وأمّا ، والزيادة لزيادة المعنى في { من ناصرين } أو : المثل في قوله { إن مثل عيسى }.\rوالتجوز بوضع المضارع موضع الماضي في قوله { نتلوه } وفي { فيكون } وبالجمع بين أداتي تشبيه على قول في { كمثل آدم } وبالتجوز بتسمية الشيء باسم أصله في { خلقه من تراب }.\rوخطاب العين ، والمراد به غيره ، في { فلا تكن من الممترين }.\rوالعام يراد به الخاص في { ندع أبناءنا } الآية والتجوز بإقامة ابن العم مقام النفس على أشهر الأقوال ، والحذف في مواضع كثيرة. أ هـ {البحر المحيط حـ 2 صـ 504 ـ 505}","part":14,"page":56},{"id":5748,"text":"قوله تعالى { إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْقَصَصُ الْحَقُّ وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا اللَّهُ وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (62)}\rمناسبة الآية لما قبلها\rقال البقاعى : \rولما كان العلم الأزلي حاصلاً بأن المجادلين في أمر عيسى عليه الصلاة والسلام يكفون عن المباهلة بعد المجادلة خوفاً من الاستئصال في العاجلة مع الخزي الدائم في الآجلة ، وكان كفهم عن ذلك موجباً للقطع بإبطالهم في دعواهم لكل من يشاهدهم أو يتصل به خبرهم ، حسن كل الحسن تعقيب ذلك بقوله : - تنبيهاً على ما فيه من العظمة - {إن هذا} أي الذي تقدم ذكره من أمر عيسى عليه السلام وغيره {لهو} أي خاصة دون غيره مما يضاده {القصص الحق} والقصص - كما قال الحرالي - تتبع الوقائع بالإخبار عنها شيئاً بعد شيء على ترتيبها ، في معنى قص الأثر ، وهو اتباعه حتى ينتهي إلى محل ذي الأثر - انتهى.\rولما بدأ سبحانه وتعالى القصة أول السورة بالإخبار بوحدانيته مستدلاً على ذلك بأنه الحي القيوم صريحاً ختمها بمثل ذلك إشارة وتلويحاً فقال - عاطفاً على ما أنتجه ما تقدم من أن عيسى صلى الله عليه وسلم عبد الله ورسوله معمماً للحكم معرقاً بزيادة الجار في النفي : {وما من إله} أي معبود بحق ، لأن له صفات الكمال ، فهو بحيث يضر وينفع {إلا الله} أي المحيط بصفات الكمال ، لأنه الحي القيوم - كما مضى التصريح به ، فاندرج في ذلك عيسى عليه الصلاة والسلام وغيره ، وقد علم من هذا السياق أنهم لما علموا تفرده تركوا المباهلة رهبة منه سبحانه وتعالى علماً منهم بأنهم له عاصون ولحقّه مضيعون وأن ما يدعون إلهيته لا شيء في يده من الدفع عنهم ولا من النفع لهم ، فلا برهان أقطع من هذا.","part":14,"page":57},{"id":5749,"text":"ولما كان في نفي العزة والحكمة عن غيره تعالى نوع خفاء أتى بالوصفين على طريق الحصر فقال - عاطفاً على ما قدّرته مام أرشد السياق إلى أنه علة ما قبله من نفي : {وإن الله} أي الملك الأعظم {لهو} أي وحده {العزيز الحكيم} وهذا بخلاف الحياة والقيومية فإنه لم يؤت بهما على طريق الحصر لظهورهما ، وقد علم بلا شبهة بما علم من أنه لا عزيز ولا حكيم إلا هو أنه لا إله إلا هو. أ هـ {نظم الدرر حـ 2 صـ 107 ـ 108}\rفصل\rقال الفخر : \rقوله {إِنَّ هَذَا} إشارة إلى ما تقدم ذكره من الدلائل ، ومن الدعاء إلى المباهلة {لَهُوَ القصص الحق} والقصص هو مجموع الكلام المشتمل على ما يهدي إلى الدين ، ويرشد إلى الحق ويأمر بطلب النجاة فبين تعالى إن الذي أنزله على نبيه هو القصص الحق ليكون على ثقة من أمره ، والخطاب وإن كان معه فالمراد به الكل. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 8 صـ 74}\rفصل\rقال ابن عادل : \rقال أبو مُسْلِمٍ : هذا الكلام متصل بما قبله ، ولا يجوز الوقف على قوله : { الكاذبين } ، وتقدير الآية : فنجعلْ لَعْنَةَ اللهِ عَلَى الْكَاذِبِيْنَ بأن هذا هو القصص الحقُ ، وعلى هذا التقدير كان حق \" إنَّ \" أن تكون مفتوحةً ، إلا أنها كُسِرَت ؛ لدخول اللاَّمِ في قوله : { لَهُوَ الْقَصَصُ } ، كما في قوله : { إِنَّ رَبَّهُم بِهِمْ يَوْمَئِذٍ لَّخَبِيرٌ } [ العاديات : 11 ].\rقال الباقون : الكلام تمّ عند قوله : { عَلَى الكاذبين } وما بعده جملة أخْرَى مستقلة غير مُتعَلِّقةٍ بما قبلها ، فَقَوْلُهُ : { هذا } الكلام إشارةٌ إلى ما تقدم من الدلائلِ والدعاءِ إلى الْمُبَاهَلَةِ ، وأخبار عيسى.\rوقيل : هو إشارة لما بعده - وهو قوله : { وَمَا مِنْ إله إِلاَّ الله } - وضُعفَ هذا بوجهين : \rأحدهما : أنَّ هذا ليس بقصصٍ.\rالثاني : أن مقترن بحرف العطف.","part":14,"page":58},{"id":5750,"text":"واعتذر بعضهم عن الأول ، فقال : إن أراد بالقصص الخبر ، فيصح على هذا ، ويكون التقدير : إن الخبر الحق { وَمَا مِنْ إله إِلاَّ الله } ولكن الاعتراض الثاني باقٍ ، لم يُجَبْ عنه.\rو \" هُوَ \" يجوز أن يكون فَصْلاً ، و\" القصص \" خبر \" إن \" ، و\" الْحَقُّ \" صفته ، ويجوز أن يكون \" هو \" مبتدأ و\" الْقَصَصُ \" خبره ، والجملة خبر \" إنَّ \".\rوالقصص مصدر قولهم : قَصَّ فلانٌ الحديثَ ، يَقُصُّهُ ، قَصًّا ، وقَصَصاً وأصله : تتبع الأثَر ، يقال : فلان خرج يقصُّ أثَرَ فلان ، أي : يتبعه ، ليعرف أين ذَهَبَ. ومنه قوله : { وَقَالَتْ لأُخْتِهِ قُصِّيهِ } [ القصص : 11 ] ، أي ، اتبعي أثره ، وكذلك القاصّ في الكلام ، لأنه يتتبع خَبراً بعد خبر. وقد تقدم التنبيه على قراءتي \" لهْو \" بسكون الهاء وضمها ؛ إجراء لها مجرى عضد.\rقال الزمخشريُّ : فإن قلتَ : لم جاز دخولُ اللامِ على الفَصْل ؟\rقلت : إذا جاز دخولُها على الخبر كان دخولُها على الفَصْل أجودَ ؛ لأنه أقرب إلى المبتدأ منه وأصلها أن تدخل على المبتدأ. أ هـ {تفسير ابن عادل حـ 5 صـ 191 ـ 192}\rقوله تعالى {وَمَا مِنْ إله إِلاَّ الله}\rقال الفخر : \r{وَمَا مِنْ إله إِلاَّ الله} هذا يفيد تأكيد النفي ، لأنك لو قلت عندي من الناس أحد ، أفاد أن عندك بعض الناس ، فإذا قلت ما عندي من الناس من أحد ، أفاد أنه ليس عندك بعضهم ، وإذا لم يكن عندك بعضهم ، فبأن لا يكون عندك كلهم أولى فثبت أن قوله {وَمَا مِنْ إله إِلاَّ الله} مبالغة في أنه لا إله إلا الله الواحد الحق سبحانه وتعالى.","part":14,"page":59},{"id":5751,"text":"ثم قال : {وَإِنَّ الله لَهُوَ العزيز الحكيم} وفيه إشارة إلى الجواب عن شبهات النصارى ، وذلك لأن اعتمادهم على أمرين أحدهما : أنه قدر على إحياء الموتى وإبراء الأكمه والأبرص ، فكأنه تعالى قال : هذا القدر من القدرة لا يكفي في الإلهية ، بل لا بد وأن يكون عزيزاً غالباً لا يدفع ولا يمنع ، وأنتم قد اعترفتم بأن عيسى ما كان كذلك ، وكيف وأنتم تقولون إن اليهود قتلوه ؟\rوالثاني : أنهم قالوا : إنه كان يخبر عن الغيوب وغيرها ، فيكون إلها ، فكأنه تعالى قال : هذا القدر من العلم لا يكفي في الإلهية ، بل لا بد وأن يكون حكيماً ، أي عالماً بجميع المعلومات وبجميع عواقب الأمور ، فذكر {العزيز الحكيم} ههنا إشارة إلى الجواب عن هاتين الشبهتين ونظير هذه الآية ما ذكره تعالى في أول السورة من قوله {هُوَ الذي يُصَوّرُكُمْ فِي الأرحام كَيْفَ يَشَاء لا إله إِلاَّ هُوَ العزيز الحكيم} [ آل عمران : 6 ]. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 8 صـ 75}\rفائدة\rقال ابن عادل :\rقوله : { وَمَا مِنْ إله إِلاَّ الله } يجوز فيه وجهان :\rأحدهما : أن { مِنْ إله } مبتدأ ، و\" مِنْ \" مزيدة فيه ، و\" إلاَّ اللهُ \" خبره ، تقديره : ما إلَهٌ إلا اللهُ ، وزيدت \" مِنْ \" للاستغراق والعموم.\rقال الزمخشريُّ : و\" مِنْ \" - في قوله : { وَمَا مِنْ إله إِلاَّ الله } - بمنزلة البناء على الفتح في : لا إلَهَ إلا اللهُ - في إفادة معنى الاستغراق.\rقال شهابُ الدينِ : الاستغراق في : لاَ إلَهَ إلاَّ اللهُ ، لم نستفده من البناء على الفتح ، بل استفدناه من \" مِنْ \" المقدَّرة ، الدالة على الاستغراق ، نَصَّ النحويون على ذلك ، واستدلوا عليه بظهورها في قول الشاعر : [ الطويل ]\rفَقَامَ يَذُودُ النَّاسَ عَنْهَا بِسَيْفِهِ... وَقَالَ : ألاَ لاَ مِنْ سَبيلٍ إلَى هِنْدٍ","part":14,"page":60},{"id":5752,"text":"الثاني : أن يكون الخبر مُضْمَراً ، تقديره : وما من إله لنا إلا الله ، و{ إِلاَّ الله } بدل من موضع { مِنْ إله } ، لأن موضعه رفع بالابتداء ، ولا يجوز في مثله الإبدالُ من اللفظ ، لِئَلاّ يلزم زيادة \" مِنْ \" في الواجب ، وذلك لا يجوز عند الجمهور.\rويجوز في مثل هذا التركيب نصب ما بعد \" إِلاَّ \" على الاستثناء ، ولكن لم يُقرأ به ، إلا أنَّه جائز لُغَةً أنْ يُقَالَ لاَ إلهَ إلاَّ اللهُ - برفع لفظ الجلالة بدلاً من الموضع ، ونصبها على الاستثناء من الضمير المستكن في الخبر المقدر ؛ إذ التقدير : لا إله استقر لنا إلا الله.\rوقال بَعْضُهُم : دخلت \" مِنْ \" لإفادة تأكيد النفي ؛ لأنك لو قلتَ : ما عندي من الناس أحد ، أفاد أن عندك بعض الناس. فإذا قلتَ : ما عندي من الناس من أحدٍ ، أفاد أن ليس عندك بعضهم وإذا لم يكن عندك بعضهم فبأن لا يكون عندك كلهم أوْلَى ، فثبت أن قوله : { وَمَا مِنْ إله إِلاَّ الله } مبالغة في أنه لا إله إلا الله الواحدُ الحقُّ. أ هـ {تفسير ابن عادل حـ 5 صـ 192 ـ 193}\rفائدة\rقال الآلوسى :\r{ وَمَا مِنْ إله إِلاَّ الله } رد النصارى في تثليثهم ، وكذا فيه رد على سائر الثنوية ، و{ مِنْ } زائدة للتأكيد كما هو شأن الصلات ، وقد فهم أهل اللسان كما قال الشهاب أنها لتأكيد الاستغراق المفهوم من النكرة المنفية لاختصاصها بذلك في الأكثر ، وقد توقف محب الدين في وجه إفادة الكلمات المزيدة للتأكيد بأي طريق هي فإنها ليست وضعية ، وأجاب بأنها ذوقية يعرفها أهل اللسان ، واعترض بأن هذا حوالة على مجهول فلا تفيد ، فالأولى أن يقال : إنها وضعية لكنه من باب الوضع النوعي فتدبر","part":14,"page":61},{"id":5753,"text":"{ وَإِنَّ الله لَهُوَ العزيز } أي الغالب غلبة تامة ، أو القادر قدرة كذلك ، أو الذي لا نظير له { الحكيم } أي المتقن فيما صنع ، أو المحيط بالمعلومات ، والجملة تذييل لما قبلها ، والمقصود منها أيضاً قصر الإلهية عليه تعالى رداً على النصارى أي قصر إفراد فالفصل والتعريف هنا كالفصل والتعريف هناك فما قيل : إنهما ليسا للحصر إذ الغالب على الأغيار لا يكون إلا واحداً فيلغو القصر فيه إلا أن يجعل قصر قلب ، والمقام لا يلائمه مما لا عصام له كما لا يخفى. أ هـ {روح المعانى حـ 3 صـ 191}\rمن فوائد ابن عاشور فى الآية\rقال عليه الرحمة :\rجملة { إن هذا لهو القصص الحق } وما عطف عليها بالواو اعتراض لبيان ما اقتضاه قوله : { الكاذبين } [ آل عمران : 61 ] لأنهم نفوا أن يكون عيسى عبد الله ، وزعموا أنه غلب فإثبات أنه عبد هو الحق.\rواسم الإشارة راجع إلى ما ذكر من نفي الإلهية عن عيسى.\rوالضمير في قوله لَهو القصصُ ضمير فصل ، ودخلت عليه لام الابتداء لزيادة التقوية التي أفادَها ضمير الفصل ؛ لأنّ اللام وَحدها مفيدة تقوية الخبر وَضمير الفصل يفيد القصر أي هذا القصص لا ما تَقُصُّه كتُب النصارى وعَقائِدهم.\rوالقصَص بفتح القاف والصاد اسم لما يُقَص ، يقال : قَصّ الخبر قَصّاً إذا أخبر به ، والقَصُّ أخص من الإخبار ؛ فإنّ القص إخبار بخبرٍ فيه طولٌ وتفصيل وتسمى الحادثة التي من شأنها أن يُخبر بها قِصة بكسر القاف أي مقصوصة أي مما يقُصها القُصّاص ، ويقال للذي ينتصب لتحديث الناس بأخبار الماضين قَصّاص بفتح القاف.\rفالقصصُ اسم لما يُقص : قال تعالى : { نحن نقص عليك أحسن القصص وقيل : هو اسم مصدر وليس هو مصدراً ، ومن جرى على لسانه من أهل اللغة أنه مصدر فذلك تسامح من تسامح الأقدمين ، فالقصّ بالإدغام مصدر ، والقصص بالفَكّ اسم للمصدر واسم للخبر المقصوص.\rوقوله : وما من إله إلا الله } تأكيد لحقيَّة هذا القصص.","part":14,"page":62},{"id":5754,"text":"ودخلت من الزائدة بعد حرف نفي تنصيصاً على قصد النفي الجنس لتدل الجملة على التوحيد ، ونفي الشريك بالصراحة ، ودلالةِ المطابقة ، وأن ليس المراد نفي الوحدة عن غير الله ، فيوهم أنه قد يكون إلاَ هَان أو أكثر في شقّ آخر ، وإن كان هذا يؤول إلى نفي الشريك لكن بدلالة الالتزام.\rوقوله : { وإن الله لهو العزيز الحكيم } فيه ما في قوله : { إن هذا لهو القصص الحق } فأفاد تقوية الخَبر عَن الله تعالى بالعزّة والحكم ، والمقصود إبطال إلهية المسيح على حسب اعتقاد المخاطبين من النصارى ، فإنهم زعموا أنه قتله اليهود وذلك ذِلّة وعجز لا يلتئمان مع الإلهية فكيف يكون إله وهو غير عزيز وهو محكوم عليه ، وهو أيضاً إبطال لإلهيته على اعتقادنا ؛ لأنه كان محتَاجَاً لإنقاذه من أيدي الظالمين. أ هـ {التحرير والتنوير حـ 3 صـ 115}\rقوله تعالى {فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِالْمُفْسِدِينَ (63)}\rمناسبة الآية لما قبلها\rقال البقاعى :\rولما ثبت ذلك كله سبب عنه تهديدهم على الإعراض بقوله - منبهاً بالتعبير بأداة الشك على أنه لا يعرض عن هذا المحل البين إلا من كان عالماً بأن مبطل ، ومثل ذلك لا يظن بذي عقل ولا مروة ، فمن حق ذكره أن يكون من قبيل فرض المحالات : {فإن تولوا} أي عن إجابتك إلى ما تدعوا إليه {فإن الله} أي المحيط بكل شيء قدرة وعلماً {عليهم} بهم ، هكذا كان الأصل ، فعدل عنه لتعليق الحكم بالوصف تنفيراً من مثل حالهم فقال : {بالمفسدين} أي فهو يحكم فيهم بعلمه فينتقم منهم فسادهم بعزته انتقاماً يتقنه بحكمته فينقلبون منه بصفقة خاسر ولا يجدون من ناصر. أ هـ {نظم الدرر حـ 2 صـ 108}\rفوائد لغوية\rقال ابن عادل :","part":14,"page":63},{"id":5755,"text":"وقوله : { فَإِنْ تَوَلَّوْا } يجوز أن يكون مضارعاً - حُذِفَتْ منه إحدى التاءَين ، تخفيفاً - على حَدِّ قراءة : { تَنَزَّلُ الملائكة } [ القدر : 4 ] و{ تَذَكَّرُون } [ الأنعام : 152 ] - ويؤيد هذا نسق الكلام ، ونظمُه في خطاب من تقدم في قوله : { تَعَالَوْا } ثم جرى معهم في الخطاب إلى أن قال لهم : فَإن تولّوا.\rقال ابو البقاء : \" ويجوز أن يكون مستقبلاً ، تقديره : تتولوا - ذكره النَّحَّاسُ - وهو ضعيفٌ ؛ لأن حَرْفَ الْمُضَارَعَِ لا يُحْذَف \".\rقال شهاب الدين : \" وهذا ليس بشيء ؛ لأن حرف المضارعة يُحْذَف - في هذا النحو - من غير خِلافٍ. وسيأتي من ذلك طائفة كثيرة \".\rوقد أجمعوا على الحذف في قوله : { تَنَزَّلُ الملائكة وَالرُّوحُ فِيهَا } [ القدر : 4 ].\rويجوز أن يكون ماضياً ، أي : فإن تَوَلَّى وَفْدُ نجرانَ المطلوب مباهلتهم ، ويكون - على ذلك - في الكلام التفات ؛ إذْ فيه انتقال من خطابٍ إلى غيبةٍ.\rقوله : { بِالْمُفْسِدِينَ } من وقوع الظاهر موقعَ المُضْمَرِ ، تنبيهاً على العلة المقتضية للجزاءِ ، وكان الأصل : فإن الله عليم بكم - على الأول - وبهم - على الثاني. أ هـ {تفسير ابن عادل حـ 5 صـ 193 ـ 194}\rفصل\rقال الفخر\rوالمعنى : فإن تولوا عما وصفت من أن الله هو الواحد ، وأنه يجب أن يكون عزيزاً غالباً قادراً على جميع المقدورات ، حكيماً عالماً بالعواقب والنهايات مع أن عيسى عليه السلام ما كان عزيزاً غالباً ، وما كان حكيماً عالماً بالعواقب والنهايات.\rفاعلم أن توليهم وإعراضهم ليس إلا على سبيل العناد فاقطع كلامك عنهم وفوض أمرهم إلى الله ، فإن الله عليم بفساد المفسدين ، مطلع على ما في قلوبهم من الأغراض الفاسدة ، قادر على مجازاتهم. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 8 صـ 75}","part":14,"page":64},{"id":5756,"text":"وقال الآلوسى :\r{ فَإِن تَوَلَّوْاْ } أي أعرضوا عن اتباعك وتصديقك بعد هذه الآيات البينات ، وهذا على تقدير أن يكون الفعل ماضياً ، ويحتمل أن يكون مضارعاً وحذفت منه إحدى التاءين تخفيفاً ، وأصله تتولوا { فَإِنَّ الله عَلِيمٌ بالمفسدين } أي بهم أو بكم ، والجملة جواب الشرط في الظاهر لكن المعنى على ما يترتب على علمه { بالمفسدين } من معاقبته لهم ، فالكلام للوعيد ووضع الظاهر موضع الضمير تنبيهاً على العلة المقتضية للجزاء والعقاب وهي الإفساد ، وقيل : المعنى على أن الله عليم بهؤلاء المجادلين بغير حق وبأنهم لا يقدمون على مباهلتك لمعرفتهم نبوتك وثبوت رسالتك ، والجملة على هذا أيضاً عند التحقيق قائمة مقام الجواب إلى أنه ليس الجزاء والعقاب ، والكلام منساق لتسليته صلى الله عليه وسلم ولا يخفى ما فيه. أ هـ {روح المعانى حـ 3 صـ 191}\rوقال أبو حيان :\rوالمعنى : ما يترتب على علمه بالمفسدين من معاقبته لهم ، فعبر عن العقاب بالعلم الذي ينشأ عنه عقابهم ، ونبه على العلة التي توجب العقاب ، وهي الإفساد ، ولذلك أتى بالاسم الظاهر دون الضمير ، وأتى به جمعاً ليدل على العموم الشامل لهؤلاء الذين تولوا ولغيرهم ، ولكونه رأس آية ، ودل على أن توليهم إفساد أي إفساد. أ هـ {البحر المحيط حـ 2 صـ 505 ـ 506}\rوقال ابن الجوزى :\rقوله تعالى : { فإن تولوا } فيه ثلاثة أقوال.\rأحدها : عن الملاعنة ، قاله مقاتل.\rوالثاني : أنه عن البيان الذي أتى به النبي صلى الله عليه وسلم ، قاله الزجاج.\rوالثالث : عن الإقرار بوحدانية الله ، وتنزيهه عن الصاحبة والولد ، قاله أبو سليمان الدمشقي ، وفي الفساد هاهنا قولان.\rأحدهما : أنه العمل بالمعاصي ، قاله مقاتل.\rوالثاني : الكفر ، ذكره الدمشقي. أ هـ {زاد المسير حـ 1 صـ 400}","part":14,"page":65},{"id":5757,"text":"قوله تعالى { قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ (64)}\rمناسبة الآية لما قبلها\rقال البقاعى : \rولما نكصوا عن المباهلة بعد أن أورد عليهم أنواع الحجج فانقطعوا ، فلم تبق لهم شبهة وقبلوا الصغار والجزية ، فعلم انحلالهم عما كانوا فيه من المحاجة ولم يبق إلا إظهار النتيجة ، اقتضى ذلك عظم تشوفه صلى الله عليه وسلم إليها لعظم حرصه صلى الله عليه وسلم على هداية الخلق ، فأمره بأن يذكرها مكرراً إرشادهم بطريق أخف مما مضى بأن يؤنسهم فيما يدعوهم إليه بالمؤاساة ، فيدعو دعاء يشمل المحاجين من النصارى وغيرهم ممن له كتاب من اليهود وغيرهم إلى الكلمة التي قامت البراهين على حقيتها ونهضت الدلائل على صدقها ، دعاء لا أعدل منه ، على وجه يتضمن نفي ما قد يتخيل من إرادة التفضل عليهم والاختصاص بأمر دونهم ، وذلك أنه بدأ بمباشرة ما دعاهم إليه ورضى لهم ما رضي لنفسه وما اجتمعت عليه الكتب واتفقت عليه الرسل فقال سبحانه وتعالى : {قل} ولما كان قد انتقل من طلب الإفحام خاطبهم تلطفاً بهم بما يحبون فقال : {يا أهل الكتاب} إشارة إلى ما عندهم في ذلك من العلم {تعالوا} أي ارفعوا أنفسكم من حضيض الشرك الأصغر والأكبر الذي أنتم به {إلى كلمة} ثم وصفها بقوله : {سواء} أي ذات عدل لا شطط فيه بوجه {بيننا وبينكم} ثم فسرها بقوله : {ألا نعبد إلا الله} أي لأنه الحائز لصفات الكمال ، وأكد ذلك بقوله : {ولا نشرك به شيئاً} أي لا نعتقد له شريكاً وإن لم نعبده.","part":14,"page":66},{"id":5758,"text":"ولما كان التوجه إلى غير الله خلاف ما تدعو إليه الفطرة الأولى عبر بصيغة الافتعال فقال : {ولا يتخذ بعضنا بعضاً أرباباً} أي كعزير والمسيح والأحبار والرهبان الذين يحلون ويحرمون.\rولما كان الرب قد يطلق على المعلم والمربي بنوع تربية نبه على أن المحذور إنما هو اعتقاد الاستبداد ، والأجتراء على ما يختص به الله سبحانه وتعالى فقال : {من دون الله} الذي اختص بالكمال.\rولما زاحت الشكوك وانتفت العلل أمر بمصارحتهم بالخلاف في سياق ظاهره المتاركة وباطنه الإنذار الشديد المعاركة فقال - مسبباً عن ذلك مشيراً بالتتعبير بأداة الشك إلى أن الإعراض عن هذا العدل لا يكاد يكون : {فإن تولوا} أي عن الإسلام له في التوحيد {فقولوا} أنتم تبعاً لأبيكم إبراهيم عليه السلام إذ قال : {أسلمت لرب العالمين} [ البقرة : 131 ] وامتثالاً لوصيته إذ قال : {ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون} [ البقرة : 132 ] {اشهدوا بأنا} أي نحن {مسلمون} أي متصفون بالإسلام منقادون لأمره ، فيوشك أن يأمرنا نبيه صلى الله عليه وسلم بقتالكم لنصرته عليكم جرياً على عادة الرسل ، فنجيبه بما أجاب به الحواريون المشهدون بأنهم مسلمون ، ثم نبارزكم متوجهين إليه معتمدين عليه ، وأنتم تعرفون أيامه الماضية ووقائعه السالفة. أ هـ {نظم الدرر حـ 2 صـ 109 ـ 110}\rوقال الفخر : ","part":14,"page":67},{"id":5759,"text":"اعلم أن النبي صلى الله عليه وسلم لما أورد على نصارى نجران أنواع الدلائل وانقطعوا ، ثم دعاهم إلى المباهلة فخافوا وما شرعوا فيها وقبلوا الصغار بأداء الجزية ، وقد كان عليه السلام حريصاً على إيمانهم ، فكأنه تعالى قال : يا محمد اترك ذلك المنهج من الكلام واعدل إلى منهج آخر يشهد كل عقل سليم وطبع مستقيم أنه كلام مبني على الإنصاف وترك الجدال ، و{قُلْ يا أهل الكتاب تَعَالَوْاْ إلى كَلِمَةٍ سَوَاء بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ} أي هلموا إلى كلمة فيها إنصاف من بعضنا لبعض ، ولا ميل فيه لأحد على صاحبه ، وهي {أَن لا نَعْبُدَ إِلاَّ الله وَلاَ نُشْرِكَ بِهِ شَيْئاً} هذا هو المراد من الكلام. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 8 صـ 76}\rوقال ابن عاشور : \rقوله تعالى {قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئاً وَلا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضاً أَرْبَاباً مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ} [64].\rرجوع إلى المجادلة ، بعد انقطاعها بالدعاء إلى المباهلة ، بعث عليه الحرص على إيمانهم ، وإشارة إلى شيء من زيغ أهل الكتابين عن حقيقة إسلام الوجه لله كما تقدم بيانه.\rوقد جيء في هذه المجادلة بحجة لا يجدون عنها موئلا وهي دعوتهم إلى تخصيص الله بالعبادة ونبذ عقيدة إشراك غيره في الإلهية.\rفجملة {قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ} بمنزلة التأكيد لجملة {فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا} [آل عمران : 61] لأن مدلول الأولى احتجاج عليهم بضعف ثقتهم بأحقية اعتقادهم ، ومدلول هذه احتجاج عليهم بصحة عقيدة الإسلام ، ولذلك لم تعطف هذه الجملة. أ هـ {التحرير والتنوير حـ 3 صـ 116}\rفصل\rقال الفخر : \rأما قوله تعالى : {يا أَهْلَ الكتاب} ففيه ثلاثة أقوال\rأحدها : المراد نصارى نجران","part":14,"page":68},{"id":5760,"text":"والثاني : المراد يهود المدينة والثالث : أنها نزلت في الفريقين ، ويدل عليه وجهان\rالأول : أن ظاهر اللفظ يتناولهما\rوالثاني : روي في سبب النزول ، أن اليهود قالوا للنبي عليه الصلاة والسلام ، ما تريد إلا أن نتخذك رباً كما اتخذت النصارى عيسى! وقالت النصارى : يا محمد ما تريد إلا أن نقول فيك ما قالت اليهود في عزير! فأنزل الله تعالى هذه الآية ، وعندي أن الأقرب حمله على النصارى ، لما بينا أنه لما أورد الدلائل عليهم أولاً ، ثم باهلهم ثانياً ، فعدل في هذا المقام إلى الكلام المبني على رعاية الإنصاف ، وترك المجادلة ، وطلب الإفحام والإلزام ، ومما يدل عليه ، أنه خاطبهم ههنا بقوله تعالى : {يا أهلَ الكتاب} وهذا الاسم من أحسن الأسماء وأكمل الألقاب حيث جعلهم أهلاً لكتاب الله ، ونظيره ، ما يقال لحافظ القرآن يا حامل كتاب الله ، وللمفسر يا مفسر كلام الله ، فإن هذا اللقب يدل على أن قائله أراد المبالغة في تعظيم المخاطب وفي تطييب قلبه ، وذلك إنما يقال عند عدول الإنسان مع خصمه عن طريقة اللجاج والنزاع إلى طريقة طلب الإنصاف. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 8 صـ 76 }\rوقال ابن عباس : نزلت في القسيسين والرهبان ، فبعث بها النبي صلى الله عليه وسلم إلى جعفر وأصحابه بالحبشة ، فقرأها جعفر ، والنجاشي جالس ، وأشراف الحبشة. أ هـ {زاد المسير حـ 1 صـ 400}\rقال الطبرى :","part":14,"page":69},{"id":5761,"text":"وإنما قلنا عنى بقوله : \"يا أهل الكتاب\" ، أهلَ الكتابين ، لأنهما جميعًا من أهل الكتاب ، ولم يخصص جل ثناؤه بقوله : \"يا أهل الكتاب\" بعضًا دون بعض. فليس بأن يكون موجَّهًا ذلك إلى أنه مقصود به أهلُ التوراة ، بأولى منه بأن يكون موجهًا إلى أنه مقصود به أهل الإنجيل ، ولا أهل الإنجيل بأولى أن يكونوا مقصودين به دُون غيرهم من أهل التوراة. وإذ لم يكن أحدُ الفريقين بذلك بأولى من الآخر لأنه لا دلالة على أنه المخصوص بذلك من الآخر ، ولا أثر صحيح فالواجب أن يكون كل كتابيّ معنيًّا به. لأن إفرادَ العبادة لله وحدَه ، وإخلاصَ التوحيد له ، واجبٌ على كل مأمور منهيٍّ من خلق الله. واسم\"أهل الكتاب\" ، يلزم أهل التوراة وأهل الإنجيل ، فكان معلومًا بذلك أنه عني به الفريقان جميعًا. أ هـ {تفسير الطبرى حـ 6 صـ 485}\rقوله تعالى : {تعالو إلى كَلِمَةٍ سَوَاء بَيْنَنَا}\rقال الفخر : \rأما قوله تعالى : {تَعَالَوْاْ} فالمراد تعيين ما دعوا إليه والتوجه إلى النظر فيه وإن لم يكن انتقالاً من مكان إلى مكان لأن أصل اللفظ مأخوذ من التعالي وهو الارتفاع من موضع هابط إلى مكان عال ، ثم كثر استعماله حتى صار دالاً على طلب التوجه إلى حيث يدعى إليه.\rأما قوله تعالى : {إلى كَلِمَةٍ سَوَاء بَيْنَنَا} فالمعنى هلموا إلى كلمة فيها إنصاف من بعضنا لبعض ، لا ميل فيه لأحد على صاحبه ، والسواء هو العدل والإنصاف ، وذلك لأن حقيقة الإنصاف إعطاء النصف ، فإن الواجب في العقول ترك الظلم على النفس وعلى الغير ، وذلك لا يحصل إلا بإعطاء النصف ، فإذا أنصف وترك ظلمه أعطاه النصف فقد سوى بين نفسه وبين غيره وحصل الاعتدال ، وإذا ظلم وأخذ أكثر مما أعطى زال الاعتدال فلما كان من لوازم العدل والإنصاف التسوية جعل لفظ التسوية عبارة عن العدل.","part":14,"page":70},{"id":5762,"text":"ثم قال الزجاج {سَوَآء} نعت للكملة يريد : ذات سواء ، فعلى هذا قوله {كَلِمَةٍ سَوَاء} أي كلمة عادلة مستقيمة مستوية ، فإذا آمنا بها نحن وأنتم كنا على السواء والاستقامة. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 8 صـ 76 }\rوقال الطبرى : \rوأما تأويل قوله : \"تعالوا\" ، فإنه : أقبلوا وهلمُّوا.\rوإنما\"هو تفاعلوا\" من\"العلوّ\" فكأن القائل لصاحبه : \"تعالَ إليّ\" ، قائلٌ\"تفاعل\" من\"العلوّ\" ، كما يقال : \"تَدَانَ مني\" من\"الدنوّ\" ، و\"تقارَبْ مني\" ، من\"القرب\".\rوقوله : \"إلى كلمة سواء\". فإنها الكلمة العدلُ ، \"والسَّواء\" من نعتِ\"الكلمة\".\rوقد اختلف أهل العربية في وجه إتباع\"سواء\" في الإعراب\"لكلمة\" ، وهو اسمٌ لا صفة.\rفقال بعض نحويي البصرة : جر\"سواء\" لأنها من صفة\"الكلمة\" وهي العدل ، وأراد مستوية. قال : ولو أراد\"استواء\" ، كان النصب. وإن شاء أن يجعلها على\"الاستواء\" ويجرّ ، جاز ، ويجعله من صفة\"الكلمة\" ، مثل\"الخلق\" ، لأن\"الخلق\" هو\"المخلوق\".\"والخلق\" قد يكونُ صفةً واسمًا ، ويجعل\"الاستواء\" مثل\"المستوى\" ، قال عز وجل : ( الَّذِي جَعَلْنَاهُ لِلنَّاسِ سَوَاءً الْعَاكِفُ فِيهِ وَالْبَادِ ) [سورة الحج : 25] ، لأن\"السواء\" للآخر ، وهو اسمٌ ليس بصفة فيجرى على الأول ، وذلك إذا أراد به\"الاستواء\". فإن أراد به\"مستويًا\" جاز أن يُجرَي على الأول. والرفع في ذا المعنى جيدٌ ، لأنها لا تغيَّر عن حالها ولا تثنى ولا تجمع ولا تؤنث فأشبهت الأسماء التي هي مثل\"عدل\" و\"رضًى\" و\"جُنُب\" ، وما أشبه ذلك. وقالوا : [في قوله] : ( أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاءً مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ ) [سورة الجاثية : 21] ، فـ\"السواء\" للمحيا والممات بهذا ، المبتدأ.\rوإن شئت أجريته على الأول ، وجعلتَه صفة مقدمة ، كأنها من سبب الأول\rفجرت عليه. وذلك إذا جعلته في معنى\"مستوى\". والرفع وجه الكلام كما فسَّرتُ لك.","part":14,"page":71},{"id":5763,"text":"وقال بعض نحويي الكوفة : \"سواء\" مصدرٌ وضع موضع الفعل ، يعني موضع\"متساوية\" : و\"متساو\" ، فمرة يأتي على الفعل ، ومرّةً على المصدر. وقد يقال في\"سواء\" ، بمعنى عدل : \"سِوًى وسُوًى\" ، كما قال جل ثناؤه : ( مَكَانًا سُوًى ) و(سِوًى) [سورة طه : 58] ، يراد به : عدل ونصَفٌ بيننا وبينك. وقد روي عن ابن مسعود رضي الله عنه أنه كان يقرأ ذلك( \" إِلَى كَلَمَةٍ عَدْلٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُم \" ). أ هـ {تفسير الطبرى حـ 6 صـ 485 ـ 487}\rفائدة\rقال ابن عادل :\rقوله : { إلى كَلَمَةٍ } مُتَعَلِّق بـ \" تَعَالَوْا \" فذكر مفعول \" تَعَالَوْا \" قبلها ، فإنه لم يذكر مفعوله ؛ فإن المقصودَ مُجَرَّدُ الإقبال ، ويجوز أن يكون حذفه للدلالة عليه ، تقديره : تعالوا إلى المباهلة.\rوقرأ العامة \" كَلِمَةٍ \" - بفتح الكاف وكسر اللام - وهو الأصل ، وقرأ أبو السَّمَّال \" كِلْمَةٍ \" بوزن سدرة و\" كَلْمَةٍ \" كَضَرْبَة وتقدم هذا قريباً.\rوكلمة مفسَّرة بما بعدها - من قوله : \" ألاّ نَعْبُدَ إلاَّ الله \" - فالمرادُ بها كَلاَمٌ كَثِيرٌ ، وهَذا مِنْ بَابَ إطلاق الجزء والمراد به الكل ، ومنه تسميتهم القصيدة جميعاً قافيةً - والقافية جزء منها قال : [ الوافر ]\rأعَلِّمُهُ الرِّمَايَةَ كُلَّ يَوْمٍ... فَلَمَّا اشتدَّ سَاعِدُهُ رَمَانِي\rوَكَمْ عَلَّمُْهُ نَظْمَ الْقَوَافِي... فَلَمَّا قَالَ قَافِيَةً هَجَانِي\rويقولون كلمة الشهادة - يعنون : لا إله إلا الله ، مُحَمدٌ رَسُولُ اللهِ - وقال صلى الله عليه وسلم : \" أصْدَقُ كَلِمَةٍ قَالهَا شاعرٌ كلمة لبِيدٍ \".\rيريد : [ الطويل ]\rألا كُلُّ شَيْءٍ مَا خَلاَ اللهَ بَاطِلُ... وَكُلُّ نَعِيمٍ - لا مَحَالَةَ - زَائِلُ\rوهذا كما يسمون الشيء بجزئه في الأعيان ، لأنه المقصود منه ، قالوا لرئيس القوم - وهو الذي ينظر لهم ما يحتاجون إليه- : عَيْن ، فأطلقوا عليه \" عيناً \".","part":14,"page":72},{"id":5764,"text":"وقال بعضهم : وُضِعَ المفردُ موضعَ الجمع ، كما قال : [ الطويل ]\rبِهَا جِيَفُ الْحَسْرَى ، فَأمَّا عِظَامُهَا... فَبِيضٌ ، وَأمَّا جِلدُهَا فَصَلِيبُ\rوقيل : أطلقت الكلمة على الكلمات ؛ لارتباط بعضها ببعضٍ ، فصارت في قوة الكلمة الواحدة - إذا اخْتلَّ جُزْءٌ منها اختلت الكلمةُ ؛ لأن كلمة التوحيد - لا إله إلا الله - هي كلماتٌ لا تتم النسبة المقصودة فيها من حصر الإلهية في \" الله \" إلا بمجموعها.\rوقرأ العامة \" سَوَاءٍ \" بالجر ؛ نعتاً لِ \" كَلِمَةٍ \" بمعنى عَدْلٍ ، ويدل عليه قراءة عبد الله : إلى كلمة عدل ، وهذا تفسير لا قراءة.\rوسواء في الأصل - مصدر ، ففي الوصف التأويلات الثلاثة المعروفة ، ولذلك لم يُؤنث كما لم تؤنث بـ \" امرأة عدل \" ؛ لأن المصادر لا تُثَنَّى ، ولا تُجْمَع ، ولا تُؤنَّثُ ، فإذا فتحت السين مَدَدْتَ ، وإذا كسرتَ أو ضممت قصرت ، كقوله : { مكَانًا سُوًى } [ طه : 58 ].\rوقرأ الحسن \" سَوَاءٌ \" بالنصب ، وفيها وجهان :\rأحدهما : نصبها على المصدر.\rقال الزمخشريُّ : \" بمعنى : اسْتَوْتِ اسْتِوَاءً \" ، وكذا الحوفيّ.\rوالثاني : أنه منصوب على الحال ، وجاءت الحالُ من النكرةِ ، وقد نصَّ عليه سيبويه.\rقال أبو حيّان : \" ولكن المشهور غيره ، والذي حسَّن مجيئَها من النكرة - هنا - كونُ الوَصْفِ بالمصدر على خلاف الأصل ، والصفة والحال متلاقيان من حيث المعنى \".\rوكأن أبا حيان غض من تخريج الزمخشريِّ والحوفيّ ، فقال : \" والحال والصفة متلاقيان من حيثُ المعنى ، والمصدر يحتاج إلى إضمار عاملٍ ، وإلى تأويل \" سواء \" بمعنى استواء \".\rوالأشهر استعمال \" سَوَاء \" بمعنى اسم الفاعل - أي : مُسْتوٍ.\rقال شهاب الدين : \" وبذلك فسَّرها ابن عباس ، فقال : إلى كَلِمَةٍ مُسْتَوِيَةٍ \". أ هـ {تفسير ابن عادل حـ 5 صـ 294 ـ 295}\rفائدة\rقال ابن عطية :","part":14,"page":73},{"id":5765,"text":"وقوله : { سواء } نعت للكلمة ، قال قتادة والربيع وغيرهما : معناه إلى كلمة عدل ، فهذا معنى \" السواء \" ، وفي مصحف عبد الله بن مسعود : \" إلى كلمة عدل بيننا وبينكم \" ، كما فسر قتادة والربيع ، وقال بعض المفسرين : معناه إلى كلمة قصد .\rقال الفقيه الإمام أبو محمد : وهذا قريب في المعنى من الأول ، والسواء والعدل والقصد مصادر وصف بها في هذه التقديرات كلها ، والذي أقوله في لفظة { سواء } انها ينبغي أن تفسر بتفسير خاص بها في هذا الموضع وهو أنه دعاهم إلى معان جميع الناس فيها مستوون ، صغيرهم وكبيرهم ، وقد كانت سيرة المدعوين أن يتخذ بعضهم بعضاً أرباباً فلم يكونوا على استواء حال فدعاهم بهذه الآية إلى ما تألفه النفوس من حق لا يتفاضل الناس فيه ، ف { سواء } على هذا التأويل بمنزلة قولك لآخر : هذا شريكي في مال سواء بيني وبينه.\rوالفرق بين هذا التفسير وبين تفسير اللفظة بعدل ، أنك لو دعوت أسيراً عندك إلى أن يسلم أو تضرب عنقه ، لكنت قد دعوته إلى السواء الذي هو العدل ، وعلى هذا الحد جاءت لفظة { سواء } في قوله تعالى : { فانبذ إليهم على سواء } [ الأنفال : 58 ] على بعض التأويلات ، ولو دعوت أسيرك إلى أن يؤمن فيكون حراً مقاسماً لك في عيشك ، لكنت قد دعوته إلى السواء ، الذي هو استواء الحال على ما فسرته ، واللفظ على كل تأويل فيها معنى العدل ، ولكني لم أر لمتقدم أن يكون في اللفظة معنى قصد استواء الحال ، وهو عندي حسن ، لأن النفوس تألفه ، والله الموفق للصواب برحمته. (1) أ هـ {المحرر الوجيز حـ 1 صـ 449}\rلطيفة\rقال ابن الجوزى :\rفأما \"الكلمة\" فقال المفسرون هي : لا إله إلا الله\rفإن قيل : فهذه كلمات ، فلم قال كلمة ؟ فعنه جوابان.\r_______________\r(1) هذا الكلام استحنه ابن عاشور وتعقبه أبو حيان بقوله :\rوهو تكثير لا طائل تحته ، والظاهر انتصاب الظرف بسواء. أ هـ {البحر المحيط حـ 2 صـ 507}","part":14,"page":74},{"id":5766,"text":"أحدهما : أن الكلمة تعبر عن ألفاظ وكلمات.\rقال اللغويون : ومعنى كلمة : كلام فيه شرح قصة وإن طال ، تقول العرب : قال زهير في كلمته يراد في قصيدته.\rقالت الخنساء :\rوقافيةٍ مثلِ حدِّ السنا . . .\rن تبقى ويذهبُ من قالها\rتقدُّ الذّؤابة مِن يَذْبلٍ . . .\rأبت أن تُزايل أوعالَها\rنطْقتَ ابنَ عمروٍ فسهَّلتها . . .\rولم ينطق الناس أمثالها\rفأوقعت القافية على القصيدة كلها ، والغالب على القافية أن تكون في آخر كلمة ، من البيت ، وإنما سميت قافية ، لإن الكلمة تتبع البيت ، وتقع آخره ، فسُميت قافية من قول العرب : قفوت فلاناً : إذا اتبعته ، وإلى هذا الجواب يذهب الزجاج وغيره.\rوالثاني : أن المراد بالكلمة : كلمات ، فاكتفى بالكلمة من كلمات ، كما قال علقمة بن عبدة.\rبِها جيفُ الحسرى فأمّا عظامُها . . .\rفبيضٌ وأما جلدُها فصليب\rأراد : وأما جلودها ، فاكتفى بالواحد من الجمع ، ذكره والذي قبله ابن الأنباري. أ هـ {زاد المسير حـ 1 صـ 401}\rقوله تعالى {أَن لا نَعْبُدَ إِلاَّ الله}\rفصل\rقال الفخر :\rإنه تعالى ذكر ثلاثة أشياء أولها : {أَن لا نَعْبُدَ إِلاَّ الله}\rوثانيها : أن {لا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئاً}\rوثالثها : أن {لاَّ يَتَّخِذِ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مّن دُونِ الله} وإنما ذكر هذه الثلاثة لأن النصارى جمعوا بين هذه الثلاثة فيعبدون غير الله وهو المسيح ، ويشركون به غيره وذلك لأنهم يقولون إنه ثلاثة : أب وابن وروح القدس ، فأثبتوا ذوات ثلاثة قديمة سواء ، وإنما قلنا : إنهم أثبتوا ذوات ثلاثة قديمة ، لأنهم قالوا : إن أقنوم الكلمة تدرعت بناسوت المسيح ، وأقنوم روح القدس تدرعت بناسوت مريم ، ولولا كون هذين الأقنومين ذاتين مستقلتين وإلا لما جازت عليهما مفارقة ذات الأب والتدرع بناسوت عيسى ومريم ، ولما أثبتوا ذوات ثلاثة مستقلة فقد أشركوا ، وأما إنهم اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أرباباً من دون الله فيدل عليه وجوه :","part":14,"page":75},{"id":5767,"text":"أحدها : إنهم كانوا يطيعونهم في التحليل والتحريم\rوالثاني : إنهم كانوا يسجدون لأحبارهم\rوالثالث : قال أبو مسلم : من مذهبهم أن من صار كاملاً في الرياضة والمجاهدة يظهر فيه أثر حلول اللاهوت ، فيقدر على إحياء الموتى وإبراء الأكمه والأبرص ، فهم وإن لم يطلقوا عليه لفظ الرب إلا أنهم أثبتوا في حقه معنى الربوبية\rوالرابع : هو أنهم كانوا يطيعون أحبارهم في المعاصي ، ولا معنى للربوبية إلا ذلك ، ونظيره قوله تعالى : {أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتخذ إلهه هَوَاهُ} [ الجاثية : 23 ] فثبت أن النصارى جمعوا بين هذه الأمور الثلاثة ، وكان القول ببطلان هذه الأمور الثلاثة كالأمر المتفق عليه بين جمهور العقلاء وذلك ، لأن قبل المسيح ما كان المعبود إلا الله ، فوجب أن يبقى الأمر بعد ظهور المسيح على هذا الوجه ، وأيضاً القول بالشركة باطل باتفاق الكل ، وأيضاً إذا كان الخالق والمنعم بجميع النعم هو الله ، وجب أن لا يرجع في التحليل والتحريم والانقياد والطاعة إلا إليه ، دون الأحبار والرهبان ، فهذا هو شرح هذه الأمور الثلاثة. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 8 صـ 77}\rفائدة\rقال ابن عادل :\rقوله : { أَلاَّ نَعْبُدَ إِلاَّ الله } فيه ستة أوجهٍ :\rأحدها : أنه بدل من \" كَلِمةٍ \" - بدل كل من كل.\rالثاني : بدل من \" سَوَاء \" جوزه أبو البقاء ؛ وليس بواضح ، لأن المقصود إنما هو الموصوف لا صفته فنسبة البدلية إلى الموصوف أوْلَى ، وعلى الوجهين ف \" أنْ \" وما في حَيِّزها في محل جَرٍّ.\rالثالث : أنه في محل رَفْع ؛ خبراً لمبتدأ مُضْمَرٍ ، والجملة استئناف ، جواب لسؤال مقدَّر ، كأنه لما قيل : { تَعَالَوْاْ إلى كَلَمَةٍ } قال قائل : ما هي ؟ فقيل : هي أن لا نعبد إلا الله ، وعلى هذا الأوجه الثلاثة ف \" بَيْنَ \" منصوب بـ \" سَوَاءٍ \" ظرفاً له ، أي : يقع الاستواء في هذه الجهة.\rوقد صرَّح بذلك [ الشاعر ] ، حيث قال : [ الوافر ]","part":14,"page":76},{"id":5768,"text":"أرُونِي خُطَّةً لا عَيبَ فيهَا... يُسَوِّي بَيْنَنَا فِيهَا السَّوَاءُ\rوالوقف التام - حينئذ - عند قوله : { مِّن دُونِ الله } ؛ لارتباط الكلام معنًى وإعراباً.\rالرابع : أن يكون \" أنْ \" وما في حَيِّزها في محل رفع بالابتداء ، والخبرُ : الظرفُ قبله.\rالخامس : جوَّز ابو البقاء أن يكون فاعلاً بالظرف قبله ، وهذا إنما يتأتَّى على رأي الأخفش ؛ إذا لم يعتمد الظرفُ.\rوحينئذ يكون الوقف على \" سَوَاءٍ \" ثم يبتدأ بقوله : { بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلاَّ نَعْبُدَ إِلاَّ الله } وهذا فيه بُعْدٌ من حيثُ المعنى ، ثم إنهم جعلوا هذه الجملة صفة لـ \" كَلِمةٍ \" ، وهذا غلط ؛ لعدم رابطة بين الصفة والموصوف ، وتقدير العائد ليس بالسهل.\rوعلى هذا فَقوْل أبي البقاء : وقيل : تم الكلامُ على \" سَوَاءٍ \" ، ثم استأنف ، فقال : { بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلاَّ نَعْبُدَ } ، أي : بيننا وبينكم التوحيد ، فعلى هذا يكون { أَلاَّ نَعْبُدَ } مبتدأ ، والظرف خبره ، والجملة صفة لـ \" الكلمة \" ، غير واضح ؛ لأنه - من حيث جعلها صفة - كيف يحسن أن يقول : تم الكلام على \" سَوَاءٍ \" ثم استأنف ؟ بل كان الصواب - على هذا الإعراب - أن تكون الجملة استئنافية - كما تقدم.\rالسادس : أن يكون : { أَلاَّ نَعْبُدَ } مرفوعاً بالفاعلية بـ \" سَوَاءٍ \" ، وإلى هذا ذَهَب الرُّمَّانِيُّ ؛ فإن التقدير - عنده - إلى كلمة مستوٍ فيها بيننا وبينكم عدم عبادةُ غيرِ الله تعالى :\rقال أبو حيّان : \" إلا أن فيه إضمارَ الرابطِ - وهو فيها - وهو ضعيف \". أ هـ {تفسير ابن عادل حـ 5 صـ 296}\rفائدة\rقال ابن عادل :","part":14,"page":77},{"id":5769,"text":"وقوله : { وَلاَ يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضاً أَرْبَاباً مِّن دُونِ الله } قال القرطبي : معنى قوله : { وَلاَ يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضاً أَرْبَاباً مِّن دُونِ الله } أي لا نتبعه في تحليل شيء أو تحريمه ، إلا فيما حلَّلَه الله - تعالى - وهو نظير قوله تعالى : { اتخذوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَاباً مِّن دُونِ الله } [ التوبة : 31 ] أي : أنزلوهم منزلةَ ربهم في قبول تحريمهم وتحليلهم لِما لم يحرمْه الله ولم يحللْه ، وهذا يدل على بُطْلان القول بالاستحسان المجردِ الذي لا يستند إلى دليلٍ شرعيٍّ.\rقال إلكيا الطبريُّ : \" مثل [ استحسانات ] أبي حنيفة في التقديرات التي قدرها دون [ مستندات بينة ] \".\rقال عكرمةُ : \" هو سجودُ بعضهم لبعض \" ، أي : لا نسجد لغير الله ، وكان السجود إلى زمان نبينا عليه السلامُ - ثم نُهِيَ عنه.\rوروى ابن ماجه - في سننه - عن أنس ، قال : \" قُلْنَا : يَا رَسُولَ اللهِ ، أيَنحَنِي بَعْضُنَا لِبَعْضٍ ؟ قال : \" لاَ \" ، قُلْنَا : أيُعَانِقُ بَعْضُنَا بَعْضاً ؟ قَالَ : \" لا ، وَلَكِنْ تَصَافَحُوا \".\rوقيل : لا نطيع أحداً في معصية الله. أ هـ {تفسير ابن عادل حـ 5 صـ 298 ـ 299}\rفائدة\rقال القرطبى :\rوفيه ردّ على الروافض الذين يقولون : يجب قبول ( قول ) الإمام دون إبانة مستند شرعيّ ، وأنه يحل ما حرّمه الله من غير أن يبين مستنداً من الشريعة. أ هـ {تفسير القرطبى حـ 4 صـ 106 ـ 107}\rتنبيه\rقال أبو حيان :\rقال الطبرى (1) : في قوله : { أرباباً من دون الله } أنزلوهم منزلة ربهم في قبول التحريم والتحليل لما لم يحرمه الله ، ولم يحله.\rوهذا يدل على بطلان القول بالاستحسان المجرد الذي لا يستند إلى دليل شرعي ، كتقديرات دون مستند ، والقول بوجوب قبول قول الإمام دون إبانة مستند شرعي ، كما ذهب إليه الرّوافض. انتهى. وفيه بعض اختصار. أ هـ {البحر المحيط حـ 2 صـ 508}\r_____________\r(1) اطلعت على أكثر من طبعة للبحر المحيط فوجدت هذا الكلام منسوبا إلى الطبرى وهو تصحيف فهذا الكلام غير موجود فى الطبرى ، والصواب نسبته إلى القرطبى. والله أعلم.","part":14,"page":78},{"id":5770,"text":"وقال الآلوسى :\r{ وَلاَ يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مّن دُونِ الله } أي لا يطيع بعضنا بعضاً في معصية الله تعالى قاله ابن جريج ويؤيده ما أخرجه الترمذي وحسنه من حديث عدي بن حاتم \"أنه لما نزلت هذه الآية قال : ما كنا نعبدهم يا رسول الله فقال صلى الله عليه وسلم : أما كانوا يحللون لكم ويحرمون فتأخذون بقولهم ؟ قال : نعم فقال عليه الصلاة والسلام : هو ذاك\" قيل : وإلى هذا أشار سبحانه بقوله عز من قائل : { اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أَرْبَاباً مّن دُونِ الله } [ التوبة : 31 ] وعن عكرمة أن هذا الاتخاذ هو سجود بعضهم لبعض ، وقيل : هو مثل اعتقاد اليهود في عزير أنه ابن الله ، واعتقاد النصارى في المسيح نحو ذلك ، وضمير بيننا على كل تقدير للناس لا للممكن وإن أمكن حتى يشمل الأصنام لأن أهل الكتاب لم يعبدوها.\rوفي التعبير بالبعض نكتة وهي الإشارة إلى أنهم بعض من جنسنا فكيف يكونون أربابا ؟ا\rفإن قلت : إن المخاطبين لم يتخذوا البعض أرباباً من دون الله بل اتخذوهم آلهة معه سبحانه\rأجيب : بأنه أريد من دون الله وحده ، أو يقال : بأنه أتى بذلك للتنبيه على أن الشرك لا يجامع الاعتراف بربوبيته تعالى عقلاً قاله بعضهم وللنصارى سود الله تعالى حظهم الحظ الأوفر من هذه المنهيات ، وسيأني إن شاء الله تعالى بيان فرقهم وتفصيل كفرهم على أتم وجه. أ هـ {روح المعانى حـ 3 صـ 193}\rلطيفة\rقال أبو حيان :","part":14,"page":79},{"id":5771,"text":"وفي قوله : بعضنا بعضاً ، إشارة لطيفة ، وهي أن البعضية تنافي الإلهية إذ هي تماثل في البشرية ، وما كان مثلك استحال أن يكون إلهاً ، وإذا كانوا قد استبعدوا اتباع من شاركهم في البشرية للاختصاص بالنبوّة في قولهم : { إن أنتم إلا بشر مثلنا } { إن نحن إلا بشر مثلكم } { أنؤمن لبشرين مثلنا } فادعاء الإلهية فيهم ينبغي أن يكونوا فيه أشد استبعاداً : وهذه الأفعال الداخل عليها أداة النفي متقاربة في المعنى ، يؤكد بعضها بعضاً ، إذ اختصاص الله بالعبادة يتضمن نفي الاشتراك ونفي اتخاذ الأرباب من دون الله ، ولكن الموضع موضع تأكيد وإسهاب ونشر كلام ، لأنهم كانوا مبالغين في التمسك بعبادة غير الله ، فناسب ذلك التوكيد في انتفاء ذلك. أ هـ {البحر المحيط حـ 2 صـ 508}\rقوله تعالى : {فَإِن تَوَلَّوْاْ فَقُولُواْ اشهدوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ}\rقال الفخر :\rالمعنى إن أبوا إلا الإصرار ، فقولوا إنا مسلمون ، يعني أظهروا أنكم على هذا الدين ، لا تكونوا في قيد أن تحملوا غيركم عليه. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 8 صـ 77}","part":14,"page":80},{"id":5772,"text":"وقال الآلوسى :\r{ فَإِن تَوَلَّوْاْ فَقُولُواْ اشهدوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ } المراد فإن تولوا عن موافقتكم فيما ذكر مما اتفق عليه الكتب والرسل بعد عرضه عليهم فاعلموا أنهم لزمتهم الحجة وإنما أبوا عناداً فقولوا لهم : أنصفوا واعترفوا بأنا على الدين الحق وهو تعجيز لهم أو هو تعريض بهم لأنهم إذا شهدوا بالإسلام لهم فكأنهم قالوا : إنا لسنا كذلك ، وإلى هذا ذهب بعض المحققين ، وقيل : المراد فإن تولوا فقولوا : إنا لا نتحاشى عن الإسلام ولا نبالي بأحد في هذا الأمر فاشهدوا بأنا مسلمون فإنا لا نخفي إسلامنا كما أنكم تخافون وتخفون كفركم ولا تعترفون به لعدم وثوقكم بصر الله تعالى ، ولا يخفى أن هذا على ما فيه إنما يحسن لو كان الكلام في منافقي أهل الكتاب لأن المنافقين هم الذين يخافون فيخفون ، وأما هؤلاء فهم معترفون بما هم عليه كيف كان فلا يحسن هذا الكلام فيهم ، و{ تَوَلَّوْاْ } هنا ماض ولا يجوز أن يكون التقدير تتولوا لفساد المعنى لأن { فَقُولُواْ } خطاب للنبي صلى الله عليه وسلم والمؤمنين ، ( وتتولوا ) خطاب للمشركين ، وعند ذلك لا يبقى في الكلام جواب. أ هـ {روح المعانى حـ 3 صـ 193 ـ 194}\rوقال ابن عطية :\rوقوله تعالى : { فقولوا اشهدوا بأنّا مسلمون } أمر بتصريح مخالفتهم بمخاطبتهم ومواجهتهم بذلك ، وإشهادهم على معنى التوبيخ والتهديد ، أي سترون أنتم أيها المتولون عاقبة توليكم كيف تكون. أ هـ {المحرر الوجيز حـ 1 صـ 449}\rوقال الزمخشرى :\r{ فَإِن تَوَلَّوْاْ } عن التوحيد { فَقُولُواْ اشهدوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ } أي لزمتكم الحجة فوجب عليكم أن تعترفوا وتسلموا بأنا مسلمون دونكم ، كما يقول الغالب للمغلوب في جدال أو صراع أو غيرهما : اعترف بأني أنا الغالب وسلم لي الغلبة.\rويجوز أن يكون من باب التعريض ، ومعناه : اشهدوا واعترفوا بأنكم كافرون حيث توليتم عن الحق بعد ظهوره. أ هـ {الكشاف حـ 1 صـ 398}","part":14,"page":81},{"id":5773,"text":"وقال ابن عاشور :\rوقوله : {فَإِنْ تَوَلَّوْا} جيء في هذا الشرط بحرف إن لأن التولي بعد نهوض هذه الحجة وما قبلها من الأدلة غريب الوقوع ، فالمقام مشتمل على ما هو صالح لاقتلاع حصول هذا الشرط ، فصار فعل الشرط من شأنه أن يكون نادر الوقوع مفروضا ، وذلك من مواقع إن الشرطية فإن كان ذلك منهم فقد صاروا بحيث يؤيس من إسلامهم فأعرضوا عنهم ، وأمسكوا أنتم بإسلامكم ، وأشهدوهم أنكم على إسلامكم.\rومعنى هذا الإشهاد التسجيل عليهم لئلا يظهروا إعراض المسلمين عن الاسترسال في محاجتهم في صورة العجز والتسليم بأحقية ما عليه أهل الكتاب فهذا معنى الإشهاد عليهم بأنا مسلمون. أ هـ {التحرير والتنوير حـ 3 صـ 117}\rلطيفة\rقال أبو حيان :\rوعبر عن العلم بالشهادة على سبيل المبالغة ، إذ خرج ذلك من حيز المعقول إلى حيز المشهود ، وهو المحضر في الحسّ. أ هـ {البحر المحيط حـ 2 صـ 508}\rفائدة\rقال ابن عادل :\rقوله : { فَإِن تَوَلَّوْاْ فَقُولُواْ }.\rقال أبو البقاء : هو ماضٍ ، ولا يجوز أن يكون التقدير : \" فإن تتولوا \" لفساد المعنى ؛ لأن قوله : { فَقُولُواْ اشهدوا } خطاب للمؤمنين ، و\" يَتولّوا \" للمشركين وعند ذلك لا يبقى في الكلام جوابُ الشرط ، والتقدير : فقولوا لهم وهذا ظاهر.\rوالمعنى : إن أبَوْا إلا الإصرارَ فقولوا لهم : اشْهَدُوا بأنا مسلمون [ مخلصون بالتوحيد ]. أ هـ {تفسير ابن عادل حـ 5 صـ 299}","part":14,"page":82},{"id":5774,"text":"من فوائد الإمام الجصاص فى الآية\rقال رحمه الله :\rقَوْله تَعَالَى : { قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إلَّا اللَّهَ } الْآيَةَ.\rقَوْله تَعَالَى : { كَلِمَةٍ سَوَاءٍ } يَعْنِي وَاَللَّهُ أَعْلَمُ : كَلِمَةِ عَدْلٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ نَتَسَاوَى جَمِيعًا فِيهَا ؛ إذْ كُنَّا جَمِيعًا عِبَادَ اللَّهِ ، ثُمَّ فَسَّرَهَا بِقَوْلِهِ تَعَالَى : { أَلَّا نَعْبُدَ إلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ } وَهَذِهِ هِيَ الْكَلِمَةُ الَّتِي تَشْهَدُ الْعُقُولُ بِصِحَّتِهَا ؛ إذْ كَانَ النَّاسُ كُلُّهُمْ عَبِيدَ اللَّهِ لَا يَسْتَحِقُّ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ الْعِبَادَةَ ، وَلَا يَجِبُ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ طَاعَةُ غَيْرِهِ إلَّا فِيمَا كَانَ طَاعَةً لِلَّهِ تَعَالَى.\rوَقَدْ شَرَطَ اللَّهُ تَعَالَى فِي طَاعَةِ نَبِيِّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَا كَانَ مِنْهَا مَعْرُوفًا ، وَإِنْ كَانَ اللَّهُ تَعَالَى قَدْ عَلِمَ أَنَّهُ لَا يَأْمُرُ إلَّا بِالْمَعْرُوفِ ؛ لِئَلَّا يَتَرَخَّصَ أَحَدٌ فِي إلْزَامِ غَيْرِهِ طَاعَةَ نَفْسِهِ إلَّا بِأَمْرِ اللَّهِ تَعَالَى قَالَ اللَّهُ تَعَالَى مُخَاطِبًا لِنَبِيِّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي قِصَّةِ الْمُبَايِعَاتِ : { وَلَا يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ فَبَايِعْهُنَّ } فَشَرَطَ عَلَيْهِنَّ تَرْكَ عِصْيَانِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْمَعْرُوفِ الَّذِي يَأْمُرُهُنَّ بِهِ تَأْكِيدًا ؛ لِئَلَّا يُلْزِمَ أَحَدًا طَاعَةَ غَيْرِهِ إلَّا بِأَمْرِ اللَّهِ وَمَا كَانَ مِنْهُ طَاعَةٌ لِلَّهِ تَعَالَى.","part":14,"page":83},{"id":5775,"text":"وقَوْله تَعَالَى : { وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ } أَيْ لَا يَتْبَعْهُ فِي تَحْلِيلِ شَيْءٍ ، وَلَا تَحْرِيمِهِ إلَّا فِيمَا حَلَّلَهُ اللَّهُ أَوْ حَرَّمَهُ ، وَهُوَ نَظِيرُ قَوْله تَعَالَى : { اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ } وَقَدْ رَوَى عَبْدُ السَّلَامِ بْنُ حَرْبٍ عَنْ غُطَيْفِ بْنِ أَعْيَنَ عَنْ مُصْعَبِ بْنِ سَعْدٍ عَنْ عَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ قَالَ : { أَتَيْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَفِي عُنُقِي صَلِيبٌ مِنْ ذَهَبٍ ، فَقَالَ : أَلْقِ هَذَا الْوَثَنَ عَنْك ثُمَّ قَرَأَ : { اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ } قُلْت : يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا كُنَّا نَعْبُدُهُمْ قَالَ : أَلَيْسَ كَانُوا يُحِلُّونَ لَهُمْ مَا حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ فَيُحِلُّونَهُ وَيُحَرِّمُونَ عَلَيْهِمْ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَهُمْ فَيُحَرِّمُونَهُ ؟ قَالَ : فَتِلْكَ عِبَادَتُهُمْ } ؛ وَإِنَّمَا وَصَفَهُمْ اللَّهُ تَعَالَى بِأَنَّهُمْ اتَّخَذُوهُمْ أَرْبَابًا ؛ لِأَنَّهُمْ أَنْزَلُوهُمْ مَنْزِلَةَ رَبِّهِمْ وَخَالِقِهِمْ فِي قَبُولِ تَحْرِيمِهِمْ وَتَحْلِيلِهِمْ لِمَا لَمْ يُحَرِّمْهُ اللَّهُ ، وَلَمْ يُحَلِّلْهُ.\rوَلَا يَسْتَحِقُّ أَحَدٌ أَنْ يُطَاعَ بِمِثْلِهِ إلَّا اللَّهُ تَعَالَى الَّذِي هُوَ خَالِقُهُمْ ، وَالْمُكَلَّفُونَ كُلُّهُمْ مُتَسَاوُونَ فِي لُزُومِ عِبَادَةِ اللَّهِ وَاتِّبَاعِ أَمْرَهُ وَتَوْجِيهِ الْعِبَادَةِ إلَيْهِ دُونَ غَيْرِهِ. أ هـ {أحكام القرآن للجصاص حـ 2 صـ 296 ـ 297}","part":14,"page":84},{"id":5776,"text":"ومن فوائد ابن كثير فى الآية\rقال رحمه الله :\rهذا الخطاب يعم أهل الكتاب من اليهود والنصارى ، ومن جرى مجراهم { قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ } والكلمة تطلق على الجملة المفيدة كما قال هاهنا. ثم وصفها بقوله : { سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ } أي : عدل ونصف ، نستوي نحن وأنتم فيها. ثم فسرها بقوله : { أَلا نَعْبُدَ إِلا اللَّهَ وَلا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا }\rلا وَثَنا ، ولا صنما ، ولا صليبا ولا طاغوتا ، ولا نارًا ، ولا شيئًا بل نُفْرِدُ العبادة لله وحده لا شريك له. وهذه دعوة جميع الرسل ، قال الله تعالى : { وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلا أَنَا فَاعْبُدُونِ } [ الانبياء : 25 ]. [وقال تعالى] { وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ } [ النحل : 36 ].\rثم قال : { وَلا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ } وقال ابن جُرَيْج : يعني : يطيع بعضنا بعضا في معصية الله. وقال عكرمة : يعني : يسجد بعضنا لبعض.\r{ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ } أي : فإن تولوا عن هذا النَّصَف وهذه الدعوة فأشْهدوهم أنتم على استمراركم على الإسلام الذي شرعه الله لكم.\rوقد ذكرنا في شرح البخاري ، عند روايته من طريق الزهري ، عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود ، عن ابن عباس ، عن أبي سفيان ، في قصته حين دخل على قيصر ، فسألهم عن نسب رسول الله صلى الله عليه وسلم وعن صفته ونعته وما يدعو إليه ، فأخبره بجميع ذلك على الجلية ، مع أن أبا سفيان كان إذ ذاك مُشْركًا لم يُسْلم بعد ، وكان ذلك بعد صُلْح الحُدَيْبِيَة وقبل الفتح ، كما هو مُصَرّح به في الحديث ، ولأنه لما قال هل يغدر ؟ قال : فقلت : لا ونحن منه في مُدة لا ندري ما هو صانع فيها. قال : ولم يمكني كلمة أزيد فيها شيئا سوى هذه : والغرض أنه قال : ثم جيء بكتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فقرأه ، فإذا فيه :","part":14,"page":85},{"id":5777,"text":"\"بِسْمِ اللهِ الرَّحمَنِ الرَّحِيم\rمِنْ مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللهِ إلَى هِرَقْلَ عَظِيمِ الرُّومِ ، سَلامٌ عَلَى مَنْ اتَّبَعَ الْهُدَى. أَمَّا بَعْدُ ، فَأَسْلِمْ تَسْلَمْ ، وَأَسْلِمْ يُؤْتِكَ اللهُ أَجْرَك مَرَّتَيْنِ فَإِن تَوَلَّيْتَ فإنَّ عَلَيْكَ إِثْمَ الأريسيِّين ، و{ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلا نَعْبُدَ إِلا اللَّهَ وَلا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ }.\rوقد ذكر محمد بن إسحاق وغير واحد أن صَدْر سورة آل عمران إلى بضع وثمانين آية منها نزلت في وَفْد نجْران ، وقال الزهري : هم أول من بَذَلَ الجزية. ولا خلاف أن آية الجزية نزلت بعد الفتح ، فما الجمع بين كتابة هذه الآية قبل الفتح إلى هِرقْل في جملة الكتاب ، وبين ما ذكره محمد بن إسحاق والزهري ؟ والجواب من وجُوه :\rأحدها : يحتمل أن هذه الآية نزلت مرتين ، مَرّةً قبل الحديبية ، ومرة بعد الفتح.\rالثاني : يحتمل أن صدر سورة آل عمران نزل في وفد نجران إلى عند هذه الآية ، وتكون هذه الآية نزلت قبل ذلك ، ويكون قول ابن إسحاق : \"إلى بضع وثمانين آية\" ليس بمحفوظ ، لدلالة حديث أبي سفيان.\rالثالث : يحتمل أن قدوم وفد نجران كان قبل الحديبية ، وأن الذي بذلوه مُصَالحةً عن المباهلة لا على وجه الجزية ، بل يكون من باب المهادنة والمصالحة ، ووافق نزول آية الجزية بعد ذلك على وفق ذلك كما جاء فرض الخمس والأربعة الأخماس وفق ما فعله عبد الله بن جحش في تلك السرية قبل بدر ، ثم نزلت فريضة القسم على وفق ذلك.","part":14,"page":86},{"id":5778,"text":"الرابع : يحتمل أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما أمر بكَتْب هذا [الكلام] في كتابه إلى هرقل لم يكن أنزل بعد ، ثم نزل القرآن موافقة له كما نزل بموافقة عمر بن الخطاب رضي الله عنه في الحجاب وفي الأسارى ، وفي عدم الصلاة على المنافقين ، وفي قوله : { وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى } [ البقرة : 125 ] وفي قوله : { عَسَى رَبُّهُ إِنْ طَلَّقَكُنَّ أَنْ يُبْدِلَهُ أَزْوَاجًا خَيْرًا مِنْكُنَّ } الآية [ التحريم : 5 ]. أ هـ {تفسير ابن كثير حـ 2 صـ 55 ـ 57}\rفصل\rقال الخازن :\rعن ابن عباس أن أبا سفيان أخبره أن هرقل أرسل إليه في ركب من قريش وكانوا تجاراً بالشام في المدة التي كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ماد فيها أبا سفيان وكفار قريش فأتوه وهو بإيلياء فدعاهم في مجلسه وحوله عظماء الروم ثم دعا بكتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي بعث به مع دحية الكلبي إلى عظيم بصرى فدفعه إلى هرقل فقرأه فإذا فيه\r\"بسم الله الرحمن الرحيم\"\rمن محمد بن عبدالله ورسوله إلى هرقل عظيم الروم سلام على من اتبع الهدى ، أما بعد فإني أدعوك بدعاية الإسلام اسلم تسلم يؤتك الله أجرك مرتين فإن توليت فإنما عليك إثم اليرسيين ، ويا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم أن لا نعبد إلاّ الله ولا نشرك به شيئاً ولا يتخذ بعضنا بعضاً أرباباً من دون الله ، فإن تولوا فقولوا أشهدوا بأنا مسلمون لفظ الحديث أحد روايات البخاري ، { أخرجه البخاري : في التفسير تفسير سورة آل عمران باب : قل يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم . . . 8 / 214}.\rوقد أخرجه بأطول من هذا وفيه زيادة قوله الأريسيين وفي رواية الأريسيين والأريس الأكار وهو الزراع والفلاح وقيل : هم أتباع عبدالله بن أريس رجل كان في الزمن الأول بعثه الله فخالفه قومه وقيل هم الأروسيون وهم نصارى أتباع عبدالله بن أروس وهم الأروسة.","part":14,"page":87},{"id":5779,"text":"وقيل : هم الأريسون بضم الهمزة وهم الملوك الذين يخالفون أنبياءهم وقيل : هم المتبخترون وقيل : هم اليهود والنصارى الذين صددتهم عن الإسلام واتبعوك على كفرك. أ هـ {تفسير الخازن حـ 1 صـ 237 ـ 238}\rلطيفة\rقال البيضاوى :\r( تنبيه ) انظر إلى ما راعى في هذه القصة من المبالغة في الإِرشاد وحسن التدرج في الحجاج بين : أولاً ، أحوال عيسى عليه الصلاة والسلام وما تعاور عليه من الأطوار المنافية للألوهية ، ثم ذكر ما يحل عقدتهم ويزيح شبهتهم ، فلما رأى عنادهم ولجاجهم دعاهم إلى المباهلة بنوع من الإِعجاز ، ثم لما أعرضوا عنها وانقادوا بعض الانقياد عاد عليهم بالإِرشاد وسلك طريقاً أسهل ، وألزم بأن دعاهم إلى ما وافق عليه عيسى والإِنجيل وسائر الأنبياء والكتب ، ثم لما لم يجد ذلك أيضاً عليهم وعلم أن الآيات والنذر لا تغني عنهم أعرض عن ذلك وقال { فَقُولُواْ اشهدوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ }. أ هـ {تفسير البيضاوى حـ 2 صـ 49}\rمن لطائف الإمام القشيرى فى الآية\rقوله جلّ ذكره : { قُل يَا أهْلَ الكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ } الآية.\rهي كلمة التوحيدِ وإفرادِ الحق سبحانه في إنشاء الأشياء بالشهود.\rوقوله : { أَلاَّ نَعْبُدُ إِلاَّ اللهَ } : لا تطالع بِسِرِّك مخلوقاً. وكما لا يكون غيرُه معبودَك فينبغي ألا يكون غيرُه مقصودَك ولا مشهودَك ، وهذا هو اتِّقاء الشِرْك ، وأنت أول الأغيار الذين يجب ألا تشهدهم.\r{ وَلاَ يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًاْ } ويظهر صدقُ هذا بترك المدح والذم لهم.\rونفي الشكوى والشك عنهم ، وتنظيف السر عن حسبان ذرة من المحو والإثبات منهم. قال صلى الله عليه وسلم \" أصدق كلمة قالتها العربُ قول لبيد \"\rألا كلُّ شيء ما خلا الله باطل... وكل نعيمٍ لا مَحالة زائل\rفإنَّ الذي على قلوبهم من المشاق أشد. وأمَّا أهل البداية فالأمر مُضيَّقٌ عليهم في الوظائف والأوراد ، فسبيلهم الأخذ بما هو الأشق والأصعب ، لفراغهم بقلوبهم من المعاني ، فمن ظنَّ بخلاف هذا فقد غلط. أ هـ {لطائف الإشارات حـ 1 صـ 248}","part":14,"page":88},{"id":5780,"text":"فائدة\rقال التسترى :\rقوله : { قُلْ يا أهل الكتاب تَعَالَوْاْ إلى كَلِمَةٍ سَوَآءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلاَّ نَعْبُدَ إِلاَّ الله } [ 64 ] يعني إلى طمع عدل بيننا وبينكم ، لأنهم كانوا مقرين بأن خالقهم وخالق السماوات والأرض هو الله تعالى ، فنوحده ولا نعبد إلاَّ إياه . وأصل العبادة : التوحيد مع أكل الحلال وكف الأذى ، ولا يحصل الأكل الحلال إلاَّ بكف الأذى ، ولا كف الأذى إلاَّ بأكل الحلال ، وأن تعلموا أكل الحلال وترك أذى الخلق والنية في الأعمال كما تعلموا فاتحة الكتاب ، ليصفوا إيمانكم وقلوبكم وجوارحكم ، فإنما هي الأصول . قال : حكى محمد بن سوار عن الثوري أنه قال : منزلة لا إله إلاَّ الله في العبد بمنزلة الماء في الدنيا ، قال الله تعالى : { وَجَعَلْنَا مِنَ المآء كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ } [ الأنبياء : 30 ] فمن لم ينفعه اعتقاد لا إله إلاَّ الله والاقتداء بسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم فهو ميت . قال سهل : وإني لأعرف رجلاً من أولياء الله تعالى اجتاز برجل مصلوب وجهه إلى غير القبلة ، فقال : أين ذلك اللسان الذي كنت تقول به صادقاً : \" لا إله إلاَّ الله \" ، ثم قال : اللهم هب لي ذنبه . قال سهل : فاستدار نحو القبلة بقدرة الله .\rوهو قوله تعالى : { تَعَالَوْاْ إلى كَلِمَةٍ سَوَآءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ } [ 64 ] الآية . والثالث إطاعة بالجوارح خالصاً لله ، من إقام الصلاة وإيتاء الزكاة والقنوع والرضا ، فدعاهم بذلك إلى أطيب القول وأحسن الفعال ، ولو لم يكن الإيمان بالله والقرآن الذي هو علم الله فيه الدعوة إلى الإقرار بالربوبية والتبعد إياه في الفزع ، لم تعرف الأنبياء عليهم الصلاة والسلام من أجابهم من الخلق. أ هـ {تفسير التسترى صـ 78}","part":14,"page":89},{"id":5781,"text":"كلام نفيس للعلامة ابن القيم\rقال عليه الرحمة :\rقصة هرقل\rفصل :\rوكان ملك الشام أحد أكابر علماءهم بالنصرانية \"هرقل\" ، قد عرف أنه رسول الله صلى الله عليه وسلم حقاً ، وعزم على الإسلام ، فأبى عليه عباد الصليب ، فخافهم على نفسه ، وضن بملكه مع علمه بأنه سينقل عنه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وأمته. ونحن نسوق قصته :\rففي الصحيحين من حديث عبد الله بن عباس : أن أبا سفيان أخبره من فِيه إلى فِيه ، قال : انطلقت في المدة التي كانت بيننا وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم ، قال فيينا أنا بالشام إذ جيء بكتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى هرقل ، وقد كان دحية بن خليفة جاء به ، فدفعه إلى عظيم بصرى ، فدفعه عظيم بصرى إلى هرقل ، فقال هرقل : هل هاهنا أحد من قوم هذا الرجل الذي يزعم أنه نبي ؟ ، قالوا : نعم ، قال : فدعيت في نفر من قريش ، فدخلنا على هرقل ، فأجلسنا بين يديه ، واجلسوا أصحابي خلفي ، فدعا بترجمانه ، فقال : قل لهم : إني سائل هذا عن الرجل الذي يزعم أنه نبي ، فإن كذبني فكذبوه ، فقال أبو سفيان : وأيم الله لولا مخافة أن يؤثر عليَّ الكذب لكذبت.\rثم قال لترجمانه : سله كيف حسبه فيكم ؟ ، قال : قلت : هو فينا ذو حسب. قال : فهل كان من آبائه من ملك ؟ ، قلت : لا. قال : فهل كنتم تتهمونه بالكذب قبل أن يقول ما قال ؟ ، قلت : لا. قال : ومن اتبعه أشراف الناس أم ضعفاؤهم ؟ ، قلت : بل ضعفاؤهم. قال : أيزيدون أم ينقصون ؟ ، قلت : لا ، بل يزيدون. قال : فهل يرتد أحد منهم عن دينه بعد أن يدخل فيه سخطة له ؟ ، قال : قلت : لا. قال : فهل قاتلتموه ؟ ، قلت : نعم. قال : فكيف كان قتالكم إياه ؟ ، قال : قلت : يكون الحرب بيننا وبينه سجالاً ، يصيب منا ونصيب منه. قال : فهل يغدر ؟ ، قلت : لا ، ونحن منه في مدة ما ندري ما هو صانع فيها ، قال : فوالله ما أمكنني من كلمة أدخل فيها شيئاً غير هذه. قال : فهل قال هذا القول أحد قبله ؟ ، قلت : لا.","part":14,"page":90},{"id":5782,"text":"قال لترجمانه : قل له : إني سألتك عن حسبه ، فزعمت أنه فيكم ذو حسب ، وكذلك الرسل تُبعث في أحساب قومها ، وسألتك : هل كان في آبائه ملك ؟ ، فزعمت أن لا ، فقلت : لو كان في آبائه ملك لقلت رجل يطلب ملك آبائه ، وسألتك عن أتباعه : أضعفاؤهم أم أشرافهم ؟ ، قلت : بل ضعفاؤهم ، وهم أتباع الرسل ، وسألتك : هل كنتم تتهمونه بالكذب قبل أن يقول ما قال ؟ ، فزعمت : أن لا ، فقد عرفت أنه لم يكن ليدع الكذب على الناس ثم يذهب فيكذب على الله عز وجل ، وسألتك : هل يرتد أحد منهم عن دينه بعد أن يدخل سُخطة له ؟ ، فزعمت أن لا ، وكذلك الإيمان إذا خالطت بشاشته القلوب ، وسألتك : هل يزيدون أم ينقصون ؟ ، فزعمت أنهم يزيدون ، وكذلك الإيمان حتى يتم ، وسألتك : هل قاتلتموه ؟ ، فزعمت أنكم قاتلتموه ، فيكون الحرب بينكم وبينه سجالاً ينال منكم وتنالون منه ، وكذلك الرسل تُبتلى ، ثم تكون لها العاقبة ، وسألتك هل يغدر ؟ ، فزعمت أنه لا يغدر ، وكذلك الرسل لا تغدر ، وسألتك : هل قال هذا القول أحد قبله ؟ ، فزعمت أن لا ، فقلت : لو قال هذا القول أحد من قبله قلت : رجل ائتم بقول قيل قبله.\rثم قال : فبم يأمركم ؟ ، قلت : يأمرنا بالصلاة والزكاة والصلة والعفاف ، قال : إن يكن ما تقول حقاً إنه لنبي ، وقد كنت أعلم أنه خارج ، ولكن لم أكن أظنه منكم ، ولو أعلم أني أخلص إليه لأحببت لقاءه ، ولو كنت عنده لغسلت عن قدميه ، وليبلغن ملكه ما تحت قدمي.\rثم دعا بكتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فقرأه ، فإذا فيه : \r\"بسم الله الرحمن الرحيم\"\rمن محمد رسول الله إلى هرقل عظيم الروم ، سلام على من اتبع الهدى.\rأما بعد : ","part":14,"page":91},{"id":5783,"text":"فإني أدعوك بدعاية الإسلام ، أسلم تسلم ، أسلم يؤتك الله أجرك مرتين ، وإن توليت فإن عليك إثم الأريسين ، و{قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلاّ نَعْبُدَ إِلاّ اللَّهَ وَلا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئاً وَلا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضاً أَرْبَاباً مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ}\".\rفلما قرأه وفرغ من قراءة الكتاب ارتفعت الأصوات عنده ، وكثر اللغط ، وأمر بنا فأخرجنا ، ثم أذن هرقل لعظماء الروم في دسكرة له بحمص ، ثم أمر بأبوابها فغلقت ، ثم اطلع فقال : يا معشر الروم ، هل لكم بالفلاح والرشد ، وأن تثبت مملكتكم ، فتبايعوا هذا النبي ؟. فحاصوا حيصة حمر الوحش إلى الأبواب ، فوجدوها قد غلقت ، فلما رأى هرقل نفرتهم ، وأيس من الإيمان ، قال : ردوهم علي ، فقال : إني قلت مقالتي آنفاً أختبر بها شدتكم على دينكم ، فقد رأيت ، فسدوا له ، ورضوا عنه.\rفهذا ملك الروم ، كان من علمائهم أيضاً ، عرف وأقر أنه نبي ، وأنه سيملك ما تحت قدميه ، وأحب الدخول في الإسلام ، فدعا قومه إليه ، فولوا عنه معرضين {كأنهم حمر مستنفرة ، فرت من قسورة} ، فمنعه من الإسلام الخوف على ملكه ورياسته ، ومنع أشباه الحمير ما منع الأمم قبلهم.\rولما عرف النجاشي ملك الحبشة أن عبّاد الصليب لا يخرجون عن عبادة الصليب إلى عبادة الله وحده أسلم سراً ، وكان يكتم إسلامه بينهم هو وأهل بيته ، ولا يمكنه مجاهرتهم.","part":14,"page":92},{"id":5784,"text":"ذكر ابن إسحاق : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أرسل إليه عمرو بن أمية الضمري رضي الله عنه مكانه يدعوه إلى الإسلام ، فقال له عمرو : يا أصحمة ، علي القول وعليك الاستماع ، إنك كأنك في الرقة علينا منا وكانا في الثقة بك منك ، لأنا لم نظن بك خيراً قط إلا نلناه ، ولم نخفك على شيء قط إلا أمناه ، وقد أخذنا الحجة عليك من فيك ، الإنجيل بيننا وبينك شاهد لا يرد ، وقاض لا يجور ، وفي ذلك موقع الحز ، وإصابة المفصل ، وإلا فأنت في هذا النبي الأمي كاليهود في عيسى ابن مريم ، وقد فرق النبي صلى الله عليه وسلم إلى الناس ، فرجاك لما لم يرجهم له ، وأمنك على ما خافهم عليه ، لخبر سالف وأجر منتظر ، فقال النجاشي : \"أشهد بالله أنه النبي الأمي الذي ينتظره أهل الكتاب ، وأن بشارة موسى براكب الحمار كبشارة عيسى براكب الجمل ، وأن العيان ليس بأشفى من الخبر\".\rكتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى النجاشي\rقال الواقدي : وكتب رسول الله صلى الله عليه وسلم إليه : \r\"بسم الله الرحمن الرحيم\"\rمن محمد رسول الله إلى النجاشي ملك الحبشة ، فإني أحمد إليك الله الذي لا إله إلا هو الملك القدوس السلام المؤمن المهيمن ، وأشهد أن عيسى بن مريم روح الله ، وكلمته ألقاها إلى مريم البتول الطيبة الحصينة ، حملت بعيسى ، فخلقه من روحه ونفخه ، كما خلق آدم بيده ، وإني أدعوك إلى الله وحده لا شريك له ، والموالاة على طاعته ، وإن تتبعني وتؤمن بالذي جاءني فإني رسول الله إليك ، وإني أدعوك وجنودك إلى الله عز وجل ، وقد بلغت ونصحت ، فاقبلوا نصيحتي والسلام على من اتبع الهدى\".\rفكتب إليه النجاشي : ","part":14,"page":93},{"id":5785,"text":"\"بسم الله الرحمن الرحيم\"\rإلى محمد رسول الله ، من النجاشي أصحمة ، سلام عليك يا نبي الله من الله وبركات الله الذي لا إله إلا هو ، أما بعد فلقد بلغني كتابك فيما ذكرت من أمر عيسى ، فورب السماء والأرض إن عيسى لا يزيد على ما ذكرت تفروقاً ، إنه كما ذكرت ، وقد عرفنا ما بعثت به إلينا ، وقد قر بنا ابن عمك وأصحابه ، فأشهد أنك رسول الله صادقاً مصدقاً ، وقد بايعتك وبايعت ابن عمك ، وأسلمت على يديه لله رب العالمين\".\rوالتفروق : علامة تكون بين النواة والتمرة.\rكتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المقوقس عظيم القبط\rفصل\rوكذلك ملك دين النصرانية بمصر ، عرف أنه نبي صادق ، ولكن منعه من اتباعه ملكه ، وأن عبّاد الصليب لا يتركون عبادة الصلب ، ونحن نسوق حديثه وقصته : \rقال الواقدي : كتب إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم : \"بسم الله الرحمن الرحيم ، من محمد بن عبد الله إلى المقوقس عظيم القبط ، سلام على من اتبع الهدى ، أما بعد : \rفإني أدعوك بداعية الإسلام ، أسلم تسلم ، أسلم يؤتك الله أجرك مرتين ، فإن تليت فإن عليك إثم القبط ، {يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلاّ نَعْبُدَ إِلاّ اللَّهَ وَلا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئاً وَلا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضاً أَرْبَاباً مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ}\" وختم الكتاب.\rفخرج به حاطب حتى قدم عليه الإسكندرية ، فانتهى إلى حاجبه ، فلم يلبثه أن أوصل إليه كتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وقال حاطب للمقوقس لما لقيه : إنه قد كان قبلك رجل يزعم أنه الرب الأعلى ، {فَأَخَذَهُ اللَّهُ نَكَالَ الآخِرَةِ وَالأولَى} ، فانتقم به ، ثم انتقم منه ، فاعتبر بغيرك ، ولا يعتبر بك غيرك.","part":14,"page":94},{"id":5786,"text":"قال : هات ، قال : إن لنا ديناً لن ندعه إلا لما هو خير منه ، وهو الإسلام الكافي به الله فقد ما سواه ، إن هذا النبي دعا الناس فكان أشدهم عليه قريش ، وأعداهم له يهود ، وأقربهم منه النصارى ، ولعمري ما بشارة موسى بعيسى إلا كبشارة عيسى بمحمد ، وما دعاؤنا إياك إلى القرآن إلا كدعائك أهل التوراة إلى الإنجيل ، وكل نبي أدرك قوماً فهم من أمته ، فالحق عليهم أن يطيعوه ، فأنت ممن أدرك هذا النبي ، ولسنا ننهاك عن دين المسيح ، ولكنا نأمرك به.\rفقال المقوقس : إني قد نظرت في أمر هذا النبي فرأيته لا يأمر بمزهود فيه ، ولا ينهى عن مرغوب عنه ، ولم أجده بالساحر الضال ، ولا الكاهن الكاذب ، ووجدت معه آلة النبوة من إخراج الخبء ، والإخبار بالنجوى ، ووصف لحاطب أشياء من صفة النبي صلى الله عليه وسلم. وقال : القبط لا يطاوعونني في اتباعه ، ولا أحب أن تعلم بمحاورتي إياك ، وأنا أضن بملكي أن أفارقه ، وسيظهر على بلادي ، وينزل بساحتي هذه أصحابه من بعده ، فارجع إلى صاحبك.\rوأخذ كتاب النبي صلى الله عليه وسلم فجعله في حق من عاج ، وختم عليه ، ودفعه إلى جارية له ، ثم دعا كاتباً له يكتب بالعربية ، فكتب : \r\"بسم الله الرحمن الرحيم\"\rلمحمد بن عبد الله ، من المقوقس عظيم القبط.\rسلام عليك ، أما بعد : \rفقد قرأت كتابك ، وفهمت ما ذكرت فيه ، وما تدعو إليه ، وقد علمت أن نبياً بقي ، وكنت أظن أنه يخرج بالشام ، وقد أكرمت رسولك ، وبعثت إليك بجاريتين لهما مكان في القبط عظيم ، وبكسوة ، وأهديت إليك بغلة لتركبها ، والسلام عليك.\" ولم يزد.\rوالجاريتان : مارية ، وسيرين. والبلغة : دلدل ، وبقيت إلى زمن معاوية.\rقال حاطب : فذكرت قوله لرسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقال : \"ضن الخبيث بملكه ، ولا بقاء لملكه\".\rكتاب رسول الله صلى الله عليه إلى حيفر وعبيد ابني الجلندي\rفصل : ","part":14,"page":95},{"id":5787,"text":"وكذلك ابنا الجلندي ، ملكا عمان وما حولها من ملوك النصارى ، أسلما طوعاً واختياراً. ونحن نذكر قصتهما ، وكتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم إليهما ، وهذا لفظه : \r\"بسم الله الرحمن الرحيم\"\rمن محمد بن عبد الله إلى حيفر وعبيد ابني الجلندي ، سلام على من اتبع الهدى ، أما بعد : فإني أدعوكما بداعية الإسلام ، أسلما تسلما ، فإني رسول الله إلى الناس كافة ، لأنذر من كان حياً ويحق القول على الكافرين ، وإنكما إن أقررتما بالإسلام وَلَّيتكما مكانكما ، وإن أبيتما أن تقرّا بالإسلام فإن ملككما زائل عنكما ، وخيلي تحل بساحتكما ، وتظهر نبوتي على ملككما\". وختم الكتاب ، وبعث به مع عمرو بن العاص.\rقال عمرو : فخرجت حتى انتهيت إلى عمان ، فلما قدمتها انتهيت إلى عبيد ، وكان أحلم الرجلين وأسهلهما خلقاً ، فقلت : إني رسول رسول الله إليك وإلى أخيك ، فقال : أخي المقدم عليَّ بالسن والملك ، وأنا أوصلك إليه حتى يقرأ كتابك.\rثم قال لي : وما تدعو إليه ؟ ، قلت : أدعوك إلى الله وحده لا شريك له ، وتخلع ما عبد من دونه ، وتشهد أن محمداً عبده ورسوله.\rقال : يا عمرو ، إنك سيد قومك ، فكيف صنع أبوك ، فإن لنا فيه قدوة ؟ ، قلت : مات ولم يؤمن بمحمد ، ووددت أنه كان أسلم وصدّق به ، وكنت أنا على مثل رأيه ، حتى هداني الله للإسلام.\rقال : فمتى تبعته ؟ ، قلت : قريباً ، فسألني أين كان إسلامي ؟ ، فقلت : عند النجاشي ، وأخبرته أن النجاشي قد أسلم.\rقال : فكيف صنع قومه بملكه ؟ ، قلت : أقروه ، قال : والأساقفة والرهبان ؟ ، قلت : نعم.\rقال : انظر يا عمرو ما تقول ، إنه ليس خصلة في رجل أفضح له من كذب ، قلت : ما كذبت ، وما نستحله في ذلك.\rقلت : كان النجاشي يخرج له خراجاً ، فلما أسلم وصدق بمحمد قال : لا والله لو سألني درهماً واحداً ما أعطيته ، فبلغ هرقل قوله ، فقال له نياق أخوه : أتدع عبدك لا يخرج لك خراجاً ويدين ديناً محدثاً ؟ ، قال هرقل : رجل رغب في دين واختاره لنفسه ، ما أصنع به ، والله لولا الضن بملكي لصنعت كما صنع.","part":14,"page":96},{"id":5788,"text":"قال : انظر ما تقول يا عمرو ؟ ، قلت : والله لقد صدقتك.\rقال عبد : فأخبرني ما الذي يأمر به وينهي عنه ؟ ، قلت : يأمر بطاعة الله عز وجل ، وينهي عن معصيته ، ويأمر بالبر وصلة الرحم ، وينهي عن الظلم والعدوان ، وعن الزنا وشرب الخمر ، وعن عبادة الحجر والوثن والصليب.\rفقال : ما أحسن هذا الذي يدعو إليه ، لو كان أخي يتابعني لركبنا حتى نؤمن بمحمد ، ونصدّق به ، ولكن أخي أضن بملكه من أن يدعه ويصير ديناً.\rقلت : إنه إن أسلم مَلَّكه رسول الله صلى الله عليه وسلم على قومه ، فأخذ الصدقة من غنيهم فردها على فقيرهم. قال : إن هذا لخلق حسن. وما الصدقة ؟ ، فأخبرته بما فرض رسول الله صلى الله عليه وسلم من الصدقات في الأموال ، حتى انتهيت إلى الإبل ، فقال : يا عمرو ويؤخذ من سوائم مواشينا التي ترعى الشجر وترد المياه ؟ ، فقلت : نعم ، فقال : والله ما أرى قومي في بعد دارهم ، وكثرة عددهم ، يطيعون بهذا.\rقال : فمكثت ببابه أياماً وهو يصل إلى أخيه فيخبره كل خبري ، ثم إنه دعاني يوماً فدخلت عليه ، فأخذ أعوانه بضبعي ، فقال : دعوه ، فأرسلت ، فذهبت لأجلس فأبو أن يدعوني أجلس ، فنظرت إليه فقال : تكلم بحاجتك ، فدفعت إليه الكتاب مختوماً ، ففض خاتمه ، فقرأه حتى انتهى إلى آخره ، ثم دفعه إلى أخيه فقرأه مثل قراءته ، إلا أني رأيت أخاه أرق منه ، ثم قال : ألا تخبرني عن قريش كيف صنعت ؟ ، فقلت : اتبعوه إما راغب في الإسلام وإما مقهور بالسيف ، قال : ومن معه ؟ ، قلت : الناس قد رغبوا في الإسلام واختاروه على غيره ، وعرفوا بعقولهم مع هدي الله إياهم أنهم كانوا في ضلال ، فما أعلم أحداً بقي غيرك في هذه الحرجة ، وإن أنت لم تسلم اليوم وتتبعه يوطئك الخيل ، ويبيد خضرائك ، فأسلم تسلم ، ويستعملك على قومك ، ولا تدخل عليك الخيل والرجال.\rقال : دعني يومي هذا وارجع إلى غداً.","part":14,"page":97},{"id":5789,"text":"فرجعت إلى أخيه ، فقال : يا عمرو إني لأرجو أن يسلم إن لم يضن بملكه ، حتى إذا كان الغد أتيت إليه ، فأبي أن يأذن لي ، فانصرفت إلى أخيه فأخبرته أني لم أصل إليه ، فأوصلني إليه ، فقال : إني فكرت فيما دعوتني إليه ، فإذا أنا أضعف العرب إن ملَّكت رجلاً ما في يدي ، وهو لا يبلغ خيله هنا ، وإن بلغت خيله ألفت قتالاً ليس كقتال من لاقاه.\rقلت : وأنا خارج غداً ، فلما أيقن بمخرجي خلا به أخوه فقال : ما نحن فيما قد ظهر عليه ، وكل من أرسل إليه قد أجابه. فأصبح فأرسل إليَّ فأجاب إلى الإسلام هو وأخوه جميعاً ، وصدقا النبي صلى الله عليه وسلم ، وخليا بيني وبين الصدقة ، وبين الحكم فيما بينهم ، وكانا لي عوناً على من خالفني. أ هـ {هداية الحيارى صـ 61 ـ 66}","part":14,"page":98},{"id":5791,"text":"قوله تعالى { يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تُحَاجُّونَ فِي إِبْرَاهِيمَ وَمَا أُنْزِلَتِ التَّوْرَاةُ وَالْإِنْجِيلُ إِلَّا مِنْ بَعْدِهِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ (65)}\rمناسبة الآية لما قبلها\rقال البقاعى : \rولما علم أهل الكتاب ما جبل عليه العرب من محبة أبيهم إبراهيم عليه الصلاة والسلام وأن محمداً صلى الله عليه وسلم أتى بدينة كما تقدم في قوله سبحانه وتعالى {بل ملة إبراهيم حنيفاً وما كان من المشركين} [ البقرة : 135 ] اجتمع ملأ من قرابتهم بحضرة النبي صلى الله عليه وسلم ، وضلل كل منهم الآخر وادعى كل منهم قصداً لاجتذاب المسلمين إلى ضلالهم بكيدهم ومحالهم اتباع إبراهيم عليه الصلاة والسلام بأنه صلى الله عليه وسلم كان على دينهم ، ولم يكن لذلك ذكر في كتابهم ، مع أن العقل يرده بأدنى التفات ، لأن دين كل منهم إنما قرر بكتابهم ، وكتابهم إنما نزل على نبيهم ، ونبيهم إنما كان بعد إبراهيم عليه الصلاة والسلام بدهور متطاولة ، واليهود ينسبون إلى يهوذا بن يعقوب عليه السلام ، لأخذه البكورية عن أخيه بنيامين لأمر مذكور في كتابهم ، والنصارى ينسبون إلى الناصرة مخرج عيسى عليه الصلاة والسلام في جبل الجليل ، ولا يعقل أن يكون المتقدم على دين ما حدث إلا بعده وعلى نسبة متأخرة عنه ، وكان دينه صلى الله عليه وسلم إنما هو الإسلام ، وهو الحنيفية السمحة فقال سبحانه وتعالى مبكتاً لهم : {يا أهل الكتاب} كالمعلل لتبكيتهم ، لأن الزلة من العالم أشنع {لم تحآجون في إبراهيم} فيدعيه كل من فريقكم {و} الحال أنه {ما أنزلت التوراة والإنجيل} المقرر كل منهما لأصل دين متجدد منكم {إلا} ولما كان إنزال كتاب كل منهم غير مستغرق للزمان الآتي بعده أدخل الجار فقال : {من بعده} وأعظم ما يتمسك به كل فرقة منهما السبت والأحد ، ولم يكن ما يدعونه فيهما في شريعة إبراهيم عليه السلام ، لا يقدرون على إنكار ذلك ، ولا يأتي مثل ذلك في دعوى أنه مسلم لأن الإسلام الذي هو الإذعان للدليل معنى قديم موجود من حين خلق الله العقل ، والدليل أنه لا يقدر أحد أن يدعي أنه ما حدث إلا بعد إبراهيم عليه السلام كما قيل في الدينين المذكورين.","part":14,"page":99},{"id":5792,"text":"ولما كان الدليل العقلي واضحاً في ذلك ختم الآية بقوله منكراً عليهم {أفلا تعقلون} أي هب أنكم لبستم وادعيتم أن ذلك في كتابكم زوراً وبهتاناً ، وظننتم أن ذلك يخفى على من لا إلمام له بكتابكم ، فكيف غفلتم عن البرهان العقلي!. أ هـ {نظم الدرر حـ 2 صـ 110}\rفصل\rقال الفخر : \rاعلم أن اليهود كانوا يقولون : إن إبراهيم كان على ديننا ، والنصارى كانوا يقولون : كان إبراهيم على ديننا ، فأبطل الله عليهم ذلك بأن التوراة والإنجيل ما أنزلا إلا من بعده فكيف يعقل أن يكون يهودياً أو نصرانياً ؟.\rفإن قيل : فهذا أيضاً لازم عليكم لأنكم تقولون : إن إبراهيم كان على دين الإسلام ، والإسلام إنما أنزل بعده بزمان طويل ، فإن قلتم إن المراد أن إبراهيم كان في أصول الدين على المذهب الذي عليه المسلمون الآن ، فنقول : فلم لا يجوز أيضاً أن تقول اليهود إن إبراهيم كان يهودياً بمعنى أنه كان على الدين الذي عليه اليهود ، وتقول النصارى إن إبراهيم كان نصرانياً بمعنى أنه كان على الدين الذي عليه النصارى ، فكون التوراة والإنجيل نازلين بعد إبراهيم لا ينافي كونه يهودياً أو نصرانياً بهذا التفسير ، كما إن كون القرآن نازلاً بعده لا ينافي كونه مسلماً.","part":14,"page":100},{"id":5793,"text":"والجواب : إن القرآن أخبر أن إبراهيم كان حنيفاً مسلماً ، وليس في التوراة والإنجيل أن إبراهيم كان يهودياً أو نصرانياً ، فظهر الفرق ، ثم نقول : أما إن النصارى ليسوا على ملة إبراهيم ، فالأمر فيه ظاهر ، لأن المسيح ما كان موجوداً في زمن إبراهيم ، فما كانت عبادته مشروعة في زمن إبراهيم لا محالة ، فكان الاشتغال بعبادة المسيح مخالفة لملة إبراهيم لا محالة ، وأما إن اليهود ليسوا على ملة إبراهيم ، فذلك لأنه لا شك إنه كان لله سبحانه وتعالى تكاليف على الخلق قبل مجيء موسى عليه السلام ، ولا شك أن الموصل لتلك التكاليف إلى الخلق واحد من البشر ، ولا شك أن ذلك الإنسان قد كان مؤيداً بالمعجزات ، وإلا لم يجب على الخلق قبول تلك التكاليف منه فإذن قد كان قبل مجيء موسى أنبياء ، وكانت لهم شرائع معينة ، فإذا جاء موسى فإما أن يقال إنه جاء بتقرير تلك الشرائع ، أو بغيرهما فإن جاء بتقريرها لم يكن موسى صاحب تلك الشريعة ، بل كان كالفقيه المقرر لشرع من قبله ، واليهود لا يرضون بذلك ، وإن كان قد جاء بشرع آخر سوى شرع من تقدمه فقد قال بالنسخ ، فثبت أنه لا بد وأن يكون دين كل الأنبياء جواز القول بالنسخ واليهود ينكرون ذلك ، فثبت أن اليهود ليسوا على ملة إبراهيم ، فبطل قول اليهود والنصارى بأن إبراهيم كان يهودياً أو نصرانياً ، فهذا هو المراد من الآية ، والله أعلم. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 8 صـ 77 ـ 78}\rفائدة\rقال القرطبى :\rقال الزجاج : هذه الآية أبْيَنُ حجة على اليهود والنصارى ؛ إذ التوراة والإنجيل أنزلا من بعده وليس فيهما اسم لواحد من الأديان ، واسم الإسلام في كل كتاب.\rويقال : كان بين إبراهيم وموسى ألف سنة ، وبين موسى وعيسى أيضاً ألف سنة. أ هـ {تفسير القرطبى حـ 4 صـ 107}\rفوائد لغوية\rقال ابن عادل :","part":14,"page":101},{"id":5794,"text":"قوله : { لِمَ تُحَآجُّونَ } هي \" ما \" الاستفهامية ، دخل عليها حرف الجر ، فحُذِفَت ألفُها وتقدم ذلك في البقرة ، واللام متعلقة بما بعدها ، وتقديمها على عاملها واجب ؛ لجرها ما له صَدْرُ الكلام.\rقوله : { في إِبْرَاهِيمَ } لا بد من مضافٍ محذوفٍ ، أي : في دين إبراهيم وشريعته ؛ لأن الذوات لا مجادلة فيها.\rقوله : { وَمَآ أُنزِلَتِ التوراة } الظاهر أن الواو للحال ، كهي في قوله : { لِمَ تَكْفُرُونَ بِآيَاتِ الله وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ } [ آل عمران : 70 ].\rأي كيف تحاجون في شريعته والحال أن التوراة والإنجيل متأخران عنه ؟\rوجوزوا أن تكون عاطفة ، وليس بالبيِّن ، وهذا الاستفهام للإنكار والتعجُّب ، وقوله : { إِلاَّ مِن بَعْدِهِ } متعلق بـ \" أنزلت \" ، وهو استثناء مفرَّغ. أ هـ {تفسير ابن عادل حـ 5 صـ 299}\rوقال أبو حيان : \rو : ما ، في قوله : لمَ ، استفهامية حذفت ألفها مع حرف الجر ، ولذلك علة ذكرت في النحو ، وتتعلق : اللام بتحاجون ، ومعنى هذا الاستفهام الإنكار ، ومعنى : في إبراهيم ، في شرعه ودينه وما كان عليه ، ومعنى : المحاجة ، ادعاء من الطائفتين أنه منها وجدالهم في ذلك ، فرد الله عليهم ذلك بأن شريعة اليهود والنصارى متأخرة عن إبراهيم ، وهو متقدم عليهما ، ومحال أن ينسب المتقدم إلى المتأخر ، ولظهور فساد هذه الدعوى قال : { أفلا تعقلون } أي : هذا كلام من لا يعقل ، إذ العقل يمنع من ذلك.\rولا يناسب أن يكون موافقاً لهم ، لا في العقائد ولا في الأحكام.\rأمّا في العقائد فعبادتهم عيسى وادعاؤهم أنه الله ، أو ابن الله ، أو ثالث ثلاثة.\rوادعاء اليهود أن عزيراً ابن الله ، ولم يكونا موجودين في زمان إبراهيم.\r","part":14,"page":102},{"id":5795,"text":"وأما الأحكام فإن التوراة والإنجيل فيهما أحكام مخالفة للأحكام التي كانت عليها شريعة إبراهيم ، ومن ذلك قوله { فبظلم من الذين هادوا حرمنا عليهم طيبات أحلت لهم } وقوله : { إنما جعل السبت على الذين اختلفوا فيه } وغير ذلك فلا يمكن إبراهيم على دين حدث بعده بأزمنة متطاوله.\rذكر المؤرخون أن بين إبراهيم وموسى ألف سنة ، وبينه وبين عيسى ألفان.\rوروى أبو صالح عن ابن عباس : أنه كان بين إبراهيم وموسى خمسمائة سنة وخمس وسبعون سنة ، وبين موسى وعيسى ألف سنة وستمائة واثنتان وثلاثون سنة.\rوقال ابن إسحاق : كان بين إبراهيم وموسى خمسمائة سنة وخمس وستون سنة ، وبين موسى وعيسى ألف وتسعمائة سنة وخمس وعشرون.\rوالواو في : { وما أنزلت التوراة } لعطف جملة على جملة ، هكذا ذكروا.\rوالذي يظهر أنها للحال كهي في قوله تعالى : { لم تكفرون بآيات الله وأنتم تشهدون } وقوله { لم تلبسون } ثم قال { وأنتم تعلمون } وقوله : { كيف تكفرون بالله وكنتم أمواتاً فأحياكم } أنكر عليهم ادّعاء أن إبراهيم كان على شريعة اليهود أو النصارى ، والحال أن شريعتيهما متأخرتان عنه في الوجود ، فكيف يكون عليها مع تقدمه عليها ؟\rوأمّا الحنيفية والإسلام فمن الأوصاف التي يختص بها كل ذي دين حق ، ولذلك قال تعالى : { إن الدين عند الله الإسلام } إذ الحنيف هو المائل للحق ، والمسلم هو المستسلم للحق ، وقد أخبر القرآن بأن إبراهيم { كان حنيفاً مسلماً }\rوفي قوله : { أفلا تعقلون } توبيخ على استحالة مقالتهم ، وتنبيه على ما يظهر به غلطهم ومكابرتهم. أ هـ {البحر المحيط حـ 2 صـ 509}\rمن فوائد الآلوسى فى الآية\rقال رحمه الله :","part":14,"page":103},{"id":5796,"text":"{ يا أَهْلِ الكتاب } خطاب لليهود والنصارى { لِمَ تُحَاجُّونَ فِى إبراهيم } أي تنازعون وتجادلون فيه ويدعي كل منكم أنه عليه السلام كان على دينه ، أخرج ابن إسحق ، وابن جرير عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال : \"اجتمعت نصارى نجران ، وأحبار يهود عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فتنازعوا عنده فقالت الأحبار : ما كان إبراهيم إلا يهودياً ، وقالت النصارى : ما كان إبراهيم إلا نصرانياً فأنزل الله تعالى فيهم هذه الآية\" والظرف الأول متعلق بما بعده وكذا الثاني ، وما استفهامية ، والغرض الإنكار والتعجب عند السمين وحذفت ألفها لما دخل الجار للفرق بينها وبين الموصولة ، والكلام على حذف مضاف أي دين إبراهيم أو شريعته لأن الذوات لا مجادلة فيها { وَمَا أُنزِلَتِ } على موسى عليه السلام { التوراة والإنجيل } على عيسى عليه السلام { إِلاَّ مِن بَعْدِهِ } حيث كان بينه وبين موسى عليهما السلام خمسمائة وخمس وستون سنة ، وقيل : سبعمائة ، وقيل : ألف سنة وبين موسى وعيسى عليهما السلام ألف وتسعمائة وخمس وعشرون سنة ، وقيل : ألفا سنة ، وهناك أقوال أخر.","part":14,"page":104},{"id":5797,"text":"{ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ } الهمزة داخلة على مقدر هو المعطوف عليه بالعاطف المذكور على رأي أي ألا تتفكرون فلا تعقلون بطلان قولكم أو أتقولون ذلك فلا تعقلون بطلانه ، وهذا تجهيل لهم في تلك الدعوى وتحميق ، وهو ظاهر إن كانوا قد ادعوا كما قال الشهاب إنه عليه السلام منهم حقيقة ، وإن كان مدعاهم أن دين إبراهيم يوافق دين موسى ، أو دين عيسى فهو يهودي ، أو نصراني بهذا المعنى فتجهيلهم ، ونفي العقل عنهم بنزول التوراة والإنجيل بعده مشكل إلا أن يدعى بأن المراد أنه لو كان الأمر كذلك لما أوتي موسى عليه السلام التوراة ، ولا عيسى عليه السلام الإنجيل بل كانا يؤمران بتبليغ صحف إبراهيم كذا قيل وأنت تعلم أن هذا لا يشفي الغليل إذ لقائل أن يقول : أي مانع من اتحاد الشريعة مع إنزال هذين الكتابين لغرض آخر غير بيان شريعة جديدة على أن الصحف لم تكن مشتملة على الأحكام بل كانت أمثالاً ومواعظ كما جاء في الحديث ، ثم ما قاله الشهاب وإن كان وجه التجهيل عليه ظاهراً ، إلا أن صدور تلك الدعوى من أهل الكتاب في غاية البعد لأن القوم لم يكونوا بهذه المثابة من الجهالة وفيهم أحبار اليهود ووفد نجران ، وقد ذكر أن الأخيرين كانت لهم شدة في البحث ، فقد أخرج ابن جرير عبد الله بن الحرث الزبيدي أنه قال : \"سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول : ليت بيني وبين أهل نجران حجاباً فلا أراهم ولا يروني\" من شدة ما كانوا يمارون النبي صلى الله عليه وسلم اللهم إلا أن يقال : إن الله تعالى أعمى بصائرهم في هذه الدعوى ليكونوا ضحكة لأطفال المؤمنين ، أو أنهم قالوا ذلك على سبيل التعنت والعناد ليغيظ كل منهم صاحبه ؛ أو ليوهموا بعض المؤمنين ظناً منهم أنهم لكونهم أميين غير مطلعين على تواريخ الأنبياء السالفين يزلزلهم مثل ذلك ففضحهم الله تعالى ، أو أن القوم في حدّ ذاتهم جهلة لا يعلمون وإن كانوا أهل كتاب وما ذكره ابن الحرث لا يدل على علمهم كما لا يخفى ، وقيل :","part":14,"page":105},{"id":5798,"text":"إن مراد اليهود بقولهم : إن إبراهيم عليه السلام كان يهودياً أنه كان مؤمناً بموسى عليه السلام قبل بعثته على حدّ ما يقوله المسلمون في سائر المرسلين عليهم الصلاة والسلام من أنهم كانوا مؤمنين بنبينا صلى الله عليه وسلم قبل بعثته كما يدل عليه تبشيرهم به ، وأن مراد النصارى بقولهم : إن إبراهيم كان نصرانياً نحو ذلك فرد الله تعالى عليهم بقوله سبحانه : { وَمَا أَنَزلَ التوراة والإنجيل إِلاَّ مِن بَعْدِهِ } أي ومن شأن المتأخر أن يشتمل على أخبار المتقدم لا سيما مثل هذا الأمر المهم والمفخر العظيم والمنة الكبرى أفلا تعقلون ما فيهما لتعلموا خلوهما عن الأخبار بيهوديته ونصرانيته اللتين زعمتموهما. أ هـ {روح المعانى حـ 3 صـ 194 ـ 195}\rومن فوائد ابن عاشور فى الآية\rقال رحمه الله :\rقوله تعالى {يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تُحَاجُّونَ فِي إِبْرَاهِيمَ وَمَا أُنْزِلَتِ التَّوْرَاةُ وَالْإِنْجِيلُ إِلَّا مِنْ بَعْدِهِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ}\rاستئناف ابتدائي للانتقال من دعائهم لكلمة الحق الجامعة لحق الدين ، إلى الإنكار عليهم محاجتهم الباطلة للمسلمين في دين إبراهيم ، وزعم كلّ فريق منهم أنهم على دينه توصّلاً إلى أنّ الذي خالف دينهم لا يكون على دين إبراهيم كما يدّعي النبي محمد صلى الله عليه وسلم فالمحاجة فرع عن المخالفة في الدعوى.\rوهذه المحاجة على طريق قياس المساواة في النفي ، أو في محاجتهم النبي في دعواه أنه على دين إبراهيم ، محاجة يقصدون منها إبطال مساواة دينِه لدين إبراهيم ، بطريقة قياس المساواة في النفي أيضاً.\rفيجوز أن تكون هذه الجملة من مقول القول المأمور به الرسولُ في قوله تعالى : { قل يا أهل الكتاب تعالوا } أي قل لهم : يا أهل الكتاب لِمَ تحاجون.","part":14,"page":106},{"id":5799,"text":"ويجوز أن يكون الاستئناف من كلام الله تعالى عَقِبَ أمرِه الرسولَ بأن يقول { تعالَوا } فيكون توجيه خطاب إلى أهل الكتاب مباشرة ، ويكون جعل الجملة الأولى من مقول الرسول دون هذه لأنّ الأولى من شُؤون الدعوة ، وهذه من طرق المجاحّة ، وإبطال قولهم ، وذلك في الدرجة الثانِيَة مِن الدعوة.\rوالكلُ في النسبة إلى الله سواء.\rومناسبة الانتقال من الكلام السابق إلى هذا الكلام نشأت من قوله : { فإن تولوا فقولوا أشهدوا بأنا مسلمون } [ آل عمران : 64 ] لأنه قد شاع فيما نزل من القرآن في مكة ، وبعدَها أنّ الإسلام الذي جاء به محمد صلى الله عليه وسلم يرجع إلى الحنيفية دين إبراهيم كما تقدم تقريره في سورة البقرة وكما في سورة النحل ( ) : { ثم أوحينا إليك أن اتبع ملة إبراهيم حنيفاً وسيجيء أنّ إبراهيم كان حنيفاً مسلماً ، وقد اشتهر هذا وأعلن بين المشركين في مكة ، وبني اليهود في المدينة ، وبين النصارى في وَفد نجران ، وقد علم أنّ المشركين بمكة كانوا يدّعون أنهم ورثة شريعة إبراهيم وسدنة بيته ، وكان أهل الكتاب قد ادّعوا أنهم على دين إبراهيم ، ولم يتبين لي أكان ذلك منهم ادّعاء قديماً أم كانوا قد تفطنوا إليه من دعوة محمد ، فاستيقظوا لتقليده في ذلك ، أم كانوا قالوا ذلك على وجه الإفحام للرسول حين حاجهم بأنّ دينه هو الحق ، وأنّ الدين عند الله الإسلام فألْجَؤوه إلى أحد أمرين : إما أن تكون الزيادةُ على دين إبراهيم غيرَ مخرجة عن اتِّباعه ، فهو مشترَك الإلزام في دين اليهودية والنصرانية ، وإما أن تكون مخرجة عن دين إبراهيم فلا يكون الإسلام تابعاً لدين إبراهيم.\r","part":14,"page":107},{"id":5800,"text":"وأحسب أنّ ادّعاءهم أنهم على ملة إبراهيم إنما انتحلوه لبثّ كل من الفريقين الدعوةَ إلى دينه بين العرب ، ولا سيما النصرانية ، فإنّ دعاتها كانوا يحاولون انتشارها بين العرب فلا يجدون شيئاً يروج عندهم سِوى أن يقولوا : إنها ملة إبراهيم ، ومن أجل ذلك اتُّبعت في بعض قبائل العرب ، وهنالك أخبار في أسباب النزول تثير هذه الاحتمالات : فروى أنّ وفد نجران قالوا للنبيء حين دعاهم إلى اتباع دينه : على أي دين أنتَ قال : على ملة إبراهيم قالوا : فقد زدتَ فيه ما لم يكن فيه فعلى هذه الرواية يكون المخاطبُ بأهل الكتاب هنا خصوصَ النصارى كالخطاب الذي قبْله وروى : أنه تنازعت اليهود ونصارى نجران بالمدينة ، عند النبي ، فأدّعي كل فريق أنه على دين إبراهيم دون الآخر ، فيكون الخطاب لأهل الكتاب كلهم ، من يهود ونصارى.\rولعل اختلاف المخاطبين هو الداعي لتكرير الخطاب.\rوقوله : وما أنزلت التوراة والإنجيل إلا من بعده } يكون على حسب الرواية الأولى مَنْعاً لقولهم : فقد زدت فيه ما ليس مِنْه ، المقصودِ منه إبطال أن يكون الإسلام هو دين إبراهيم.\rوتفصيلُ هذا المنع : إنكم لا قبل لكم بمعرفة دين إبراهيم ، فمن أين لكم أنّ الإسلام زاد فيما جاء به على دين إبراهيم ، فإنكم لا مستند لكم في علمكم بأمور الدين إلاّ التوراةُ والإنجيلُ ، وهما قد نَزلا من بعد إبراهيم ، فمن أين يعلم ما كانت شريعة إبراهيم حتى يعلمَ المزيد عليهَا ، وذكر التوراة على هذا لأنها أصل الإنجيل.\rويكون على حسب الرواية الثانية نفياً لدعوى كلّ فريق منهما أنه على دين إبراهيم ، بِأنّ دين اليهود هو التوراة ، ودينَ النصارى هو الإنجيل ، وكلاهما نزل بعد إبراهيم ، فكيف يكون شريعةً له.","part":14,"page":108},{"id":5801,"text":"قال الفخر : يعني ولم يُصرّح في أحد هذين الكتابين بأنه مطابقٌ لشريعة إبراهيم ، فذكر التوراة والإنجيل على هذا نشرٌ بعد اللف : لأنّ أهل الكتاب شَمِل الفريقين ، فذكر التوراة لإبطال قول اليهود ، وذكرَ الإنجيل لإبطالِ قول النصارى ، وذكر التوراة والإنجيل هنا لقصد جمع الفريقين في التخطئة ، وإن كان المقصود بادىء ذي بدء هم النصارى الذين مَساقُ الكلام معهم.\rوالأظهر عندي في تأليف المحاجة ينتظم من مجموع قوله : { وما أنزلت التوراة والإنجيل إلا من بعده } وقولِه : { فلم تحاجون فيما ليس لكم به علم } وقولِه : { والله يعلم وأنتم لا تعلمون } فيبطل بذلك دعواهم أنهم على دين إبراهيم ، ودعواهم أنّ الإسلام ليس على دين إبراهيم ، ويَثْبُتُ عليهم أنّ الإسلام على دين إبراهيم ، وذلك أنّ قوله : { وما أنزلت التوراة والإنجيل إلا من بعده } يدل على أنّ علمهم في الدين منحصر فيهما ، وهما نزلا بعد إبراهيم فلا جائز أن يكونا عين صحف إبراهيم.\rوقولُه : { فلم تحاجون فيما ليس لكم به علم } يُبطل قولهم : إنّ الإسلام زاد على دين إبراهيم ، ولا يدل على أنهم على دين إبراهيم ؛ لأنّ التوراة والإنجيل لم يَرد فيهما التصريح بذلك ، وهذا هو الفارق بين انتساب الإسلام إلى إبراهيم وانتساب اليهودية والنصرانية إليه ، فلا يقولون وكيف يُدّعَى أنّ الإسلام دين إبراهيم مع أنّ القرآن أنزل من بعد إبراهيم كما أنزلت التوراة والإنجيل من بعده.\r","part":14,"page":109},{"id":5802,"text":"وقوله : { والله يعلم } يدل على أنّ الله أنبأ في القرآن بأنه أرسل محمداً بالإسلام ديننِ إبراهيم وهو أعلم منكم بذلك ، ولم يسبق أن امتنّ عليكم بمثل ذلك في التوراة والإنجيل فأنتم لا تعلمون ذلك ، فلما جاء الإسلام وأنبأ بذلك أردتم أن تنتحلوا هذه المزية ، واستيقظتم لذلك حَسداً على هذه النعمة ، فنهضتْ الحجة عليهم ، ولم يبق لهم معذرة في أن يقولوا : إنّ مجيء التوراة والإنجيل من بعد إبراهيم مشترَكُ الإلزام لنا ولكم ؛ فإنّ القرآن أنزل بعد إبراهيم ، ولولا انتظام الدليل على الوجه الذي ذكرنا لَكَانَ مشترك الإلزام.\rوالاستفهام في قوله : { فلم تحاجون } مقصود منه التنبيه على الغلط.\rوقد أعرض في هذا الاحتجاح عليهم عن إبطال المنافاة بين الزيادة الواقعة في الدين الذي جاء به محمد صلى الله عليه وسلم على الدين الذي جاء به إبراهيم ، وبين وصف الإسلام بأنّه ملّة إبراهيم : لأنّهم لم يكن لهم من صحة النظر ما يفرقون به بين زيادة الفروع ، واتحاد الأصول ، وأنّ مساواة الدينين منظور فيها إلى اتحاد أصولهما سنبينها عند تفسير قوله تعالى : { فإنْ حاجّوك فقل أسلمتُ وجهي للَّه } [ آل عمران : 20 ] وعندَ قوله : { ما كان إبراهيم يهودياً ولا نصرانياً } فاكتُفي في المحاجّة بإبطال مستندهم في قولهم : \"فقد زدت فيه ما ليس فيه على طريقة المنع ، ثم بقوله : { ما كان إبراهيم يهودياً ولا نصرانياً ولكن كان حنيفاً مسلماً } [ آل عمران : 67 ] على طريقة الدعوى بناءً على أنّ انقطاع المعترِض كافٍ في اتجاه دعوى المستدل. أ هـ {التحرير والتنوير حـ 3 صـ 118 ـ 120}\rوقال السعدى : ","part":14,"page":110},{"id":5803,"text":"لما ادعى اليهود أن إبراهيم كان يهوديا ، والنصارى أنه نصراني ، وجادلوا على ذلك ، رد تعالى محاجتهم ومجادلتهم من ثلاثة أوجه ، أحدها : أن جدالهم في إبراهيم جدال في أمر ليس لهم به علم ، فلا يمكن لهم ولا يسمح لهم أن يحتجوا ويجادلوا في أمر هم أجانب عنه وهم جادلوا في أحكام التوراة والإنجيل سواء أخطأوا أم أصابوا فليس معهم المحاجة في شأن إبراهيم ، الوجه الثاني : أن اليهود ينتسبون إلى أحكام التوراة ، والنصارى ينتسبون إلى أحكام الإنجيل ، والتوراة والإنجيل ما أنزلا إلا من بعد إبراهيم ، فكيف ينسبون إبراهيم إليهم وهو قبلهم متقدم عليهم ، فهل هذا يعقل ؟! فلهذا قال { أفلا تعقلون } أي : فلو عقلتم ما تقولون لم تقولوا ذلك ، الوجه الثالث : أن الله تعالى برأ خليله من اليهود والنصارى والمشركين ، وجعله حنيفا مسلما ، وجعل أولى الناس به من آمن به من أمته ، وهذا النبي وهو محمد صلى الله على وسلم ومن آمن معه ، فهم الذين اتبعوه وهم أولى به من غيرهم ، والله تعالى وليهم وناصرهم ومؤيدهم ، وأما من نبذ ملته وراء ظهره كاليهود والنصارى والمشركين ، فليسوا من إبراهيم وليس منهم ، ولا ينفعهم مجرد الانتساب الخالي من الصواب. وقد اشتملت هذه الآيات على النهي عن المحاجة والمجادلة بغير علم ، وأن من تكلم بذلك فهو متكلم في أمر لا يمكن منه ولا يسمح له فيه ، وفيها أيضا حث على علم التاريخ ، وأنه طريق لرد كثير من الأقوال الباطلة والدعاوى التي تخالف ما علم من التاريخ. أ هـ {تفسير السعدى صـ 134}\rمن لطائف الإمام القشيرى فى الآية\r{ يَا أَهْلَ الكِتَابِ لِمَ تُحَاجُّونَ فِى إِبْرَاهِيمَ } الآية.\rضرب على خليله - صلوات الله - نقاب الضنَّة وحجاب الغيرة ، فقطع سببه عن جميعهم بعد ادِّعاء الكل فيه ، وحَكَمَ بتعارض شُبُهَاتِهم ، وكيف يكون إبراهيم - عليه السلام - على دين مَنْ أتى بعده ؟! إن هذا تناقضٌ من الظن. أ هـ {لطائف الإشارات حـ 1 صـ 248}","part":14,"page":111},{"id":5804,"text":"قوله تعالى { هَا أَنْتُمْ هَؤُلَاءِ حَاجَجْتُمْ فِيمَا لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ فَلِمَ تُحَاجُّونَ فِيمَا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ (66) }\rقال البقاعى : \rثم استأنف تبكيتاً آخر فقال منبهاً لهم مكرراً التنبيه إشارة إلى طول رقادهم أو شدة عنادهم : {ها أنتم هؤلاء} أي الأشخاص الحمقى ، ثم بين ذلك بقوله : {حاججتم} أي قصدتم مغالبة من يقصد الرد عليكم {فيما لكم به علم} أي نوع من العلم من أمر موسى وعيسى عليهما الصلاة والسلام لذكر كل منهما في كتابكم وإن كان جدالكم فيهما على خلاف ما تعلمون من أحوالهما عناداً أو طغياناً {فلم تحاجون} أي تغالبون بما تزعمون أنه حجة ، وهو لا يستحق أن يسمى شبهة فضلاً عن أن يكون حجة {فيما ليس لكم به علم} اصلاً ، لكونه لا ذكر له في كتابكم بما حاججتم فيه مع مخالفته لصريح العقل {والله} أي المحيط بكل شيء {يعلم} أي وأنتم تعلمون أن مجادلتكم في الحقيقة إنما هي مع الله سبحانه وتعالى ، وتعلمون أن علمه محيط بجميع ما جادلتم فيه {وأنتم} أي وتعلمون أنكم أنتم {لا تعلمون} أي ليس لكم علم أصلاً إلا ما علمكم الله سبحانه وتعالى ، هذا على تقدير كون \" ها \" في \" ها أنتم \" للتنبيه ، ونقل شيخنا ابن الجزري في كتابه \" النشر في القراءات العشر \" عن أبي عمرو بن العلاء وعن أبي الحسن الأخفش أنها بدل من همزة ، وروي عن أبي حمدون عن اليزيدي أن أبا عمرو قال : وإنما هي {أأنتم} ممدودة ، فجعلوا الهمزة هاء ، والعرب تفعل هذا ، فعلى هذا التقدير يكون استفهاماً معناه التعجيب منهم والتوبيخ لهم. أ هـ {نظم الدرر حـ 2 صـ 110 ـ 111}\rفصل\rقال الفخر : ","part":14,"page":112},{"id":5805,"text":"المراد من قوله {حاججتم فِيمَا لَكُم بِهِ عِلمٌ} هو أنهم زعموا أن شريعة التوراة والإنجيل مخالفة لشريعة القرآن فكيف تحاجون فيما لا علم لكم به وهو ادعاؤكم أن شريعة إبراهيم كانت مخالفة لشريعة محمد عليه السلام ؟.\rثم يحتمل في قوله {هأَنتُمْ هؤلاء حاججتم فِيمَا لَكُم بِهِ عِلمٌ} أنه لم يصفهم في العلم حقيقة وإنما أراد إنكم تستجيزون محاجته فيما تدعون علمه ، فكيف تحاجونه فيما لا علم لكم به ألبتة ؟.\rثم حقق ذلك بقوله {والله يَعْلَمُ} كيف كانت حال هذه الشرائع في المخالفة والموافقة {وَأَنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ} كيفية تلك الأحوال. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 8 صـ 79}\rفصل\rقال ابن عادل : \rقوله تعالى {هَا أَنْتُمْ}\rالقراء في هذه على أربع مراتِبَ ، والإعراب متوقِّفٌ على ذلك : \rالمرتبة الأولى للكوفيين وابن عامر والبَزِّي عن ابن كثير : ها أنتم - بألف بعد الهاء ، وهمزة مخففة بعدها.\rالمرتبة الثانية لأبي عمرو وقالون عن نافع : بألف بعد الهاء ، وهمزة مسهَّلَة بين بين بعدها.\rالمرتبة الثالثة لورش ، وله وجهانِ : \rأحدهما : بهمزة مسهلة بين بين بعد الهاء دون ألف بينهما.\rالثاني : بألفٍ صريحةٍ بعد الهاء بغير همزة بالكلية.\rالمرتبة الرابعة لقُنْبُل بهمزة مُخَفَّفَة بعد الهاء دون ألف.\rفصل\rاختلف الناسُ في هذه الهاء : فمنهم من قال : إنها \" ها \" التي للتنبيه الداخلة على أسماء الإشارة ، وقد كثر الفصلُ بينها وبين أسماء الإشارةِ بالضمائر المرفوعة المنفصلة ، نحو : ها أنت ذا قائماً ، وها نحن ، وها هم ، وهؤلاء ، وقد تُعادُ مع الإشارة بعد دخولها على الضمائرِ ؛ توكيداً ، كهذه الآية ، ويقل الفصل بغير ذلك كقوله : [ البسيط ]\rتَعَلَّمَنْ هَا - لَعَمْرُ اللهِ - ذَا قَسَماً... فَاقْدِرْ بِذَرْعِكَ وَانْظُرْ أيْنَ تَنْسَلِكُ\rوقول النابغة : [ البسيط ]","part":14,"page":113},{"id":5806,"text":"هَا - إنَّ - ذِي عِذْرَةٌ إنْ لا تَكُنْ قُبِلَتْ... فَإِنَّ صَاحِبَهَا قَدْ تَاهَ في الْبَلَدِ\rومنهم من قال : إنها مُبْدَلَةٌ من همزة الاستفهام ، والأصل : أأنتم ؟ وهو استفهام إنكار ، وقد كثر إبدال الهمزة هاء - وإن لم ينقس - قالوا هَرَقْتُ ، وهَرَحْتُ ، وهَنَرتُ ، وهذا قول أبي عمرو بن العلاء ، وأبي الحسن الأخفش ، وجماعة ، وأستحسنه أبو جعفر ، وفيه نظرٌ ؛ من حيث إنه لم يثبُت ذلك في همزة الاستفهام ، لم يُسْمَع : هَتَضْرِبُ زَيْداً - بمعنى أتَضْرِبُ زيداً ؟ وإذا لم يثبت ذلك فكيف يُحْمَلُ هذا عليه ؟\rهذا معنى ما اعترض به أبو حيان على هؤلاء الأئمةِ ، وإذا ثبت إبدال الهمزة هاءٌ هان الأمر ، ولا نظر إلى كونها همزةَ استفهام ، ولا غيرها ، وهذا - أعني كونها همزة استفهام أبْدِلت هاءً - ظاهر قراءة قُنْبُلٍ ، وورش ؛ لأنهما لا يُدْخِلان ألفاً بين الهاء وهمزة \" أنتم \" ؛ لأن إدخال الألف لما كان لاستثقال توالي همزتين ، فلما أبدلت الهمزة هاء زال الثقل لفظاً ؛ فلم يُحتَج إلى فاصلةٍ ، وقد جاء إبدال همزة الاستفهام ألفاً في قول الشاعر : [ الكامل ]\rوَأتَتْ صَوَاحِبَهَا ، وَقُلْنَ هَذَا الَّذِي... مَنَحَ الْمَوَدَّةَ غَيْرَنَا وَجَفَانَا\rيريد أذا الذي ؟\rويضعف جعلها - على قراءتهما - \" ها \" التي للتنبيه ؛ لأنه لم يُحْفَظ حَذْفُ ألِفِها ، لا يقال : هَذَا زيد - بحذف ألف \" ها \" - كذا قيل.\r","part":14,"page":114},{"id":5807,"text":"قال شهاب الدّينِ : \" وقد حذفها ابنُ عامر في ثلاثة مواضع - إلا أنه ضم الهاء الباقية بعد حذف الألف - فقرأ - في الوصل - : { ياأيها الساحر } [ الزخرف : 49 ] و{ وتوبوا إِلَى الله جَمِيعاً أَيُّهَا المؤمنون } [ النور : 31 ] ، و{ سَنَفْرُغُ لَكُمْ أَيُّهَا الثقلان } [ الرحمن : 31 ] ، ولكن إنما فعل ذلك اتباعاً للرسم ؛ لأن الألفَ حُذِفَتْ في مرسوم مصحف الشام في هذه الثلاثة ، وعلى الجملة فقد ثبت حذف ألف \" ها \" التي للتنبيه. وأمَّا من أثبت الألف بَيْن الهاء وبين همزة \" أنتم \" فالظاهر أنها للتنبيه ، ويضعف أن تكون بدلاً من همزة الاستفهام ؛ لما تقدم من أن الألف إنما تدخل لأجل الثقل ، والثقل قد زال بإبدال الهمزة هاء ، وقال بعضهم : الذي يقتضيه النظر أن تكون \" ها \" - في قراءة الكوفيين والبَزِّيّ وابن ذكوان - ، للتنبيه ؛ لأن الألف في قراءتهم ثابتة ، وليس من مذهبهم أن يفصلوا بين الهمزتين بألف ، وأن تكون في قراءة قُنْبُل وورش - مُبْدَلَة من همزة ؛ لأن قُنْبُلاً يقرأ بهمزة بعد الهاء ، ولو كانت \" ها \" للتنبيه لأتى بألف بعد الهاء ، وإنما لم يُسهِّل الهمزة - كما سَهَّلَها في { أَأَنذَرْتَهُمْ } ونحوه لأن إبدال الأولى هاء أغناه عن ذلك ، ولأن ورشاً فعل فيه ما فعل في : { أَأَنذَرْتَهُمْ } ونحوه من تسهيل الهمزة ، وترك إدخال الألفِ ، وكان الوجه في قراءته بالألف - أيضاً - الحمل على البدل كالوجه الثاني في { أَأَنذَرْتَهُمْ } ونحوه.\rوما عدا هؤلاء المذكورين - وهم أبو عمرو وهشام وقالون - يحتمل أن تكون \" ها \" للتنبيه ، وأن تكون بدلاً من همزة الاستفهام.\rأما الوجه الأول فلأن \" ها \" التنبيه دخلت على \" أنتم \" فحَقَّق هشام الهمزة كما حققها في \" هؤلاء \" ونحوها ، وَخَفَّفَهَا قالون وأبو عمرو ؛ لتوسُّطِها بدخول حرف التنبيه عليها ، وتخفيف الهمزة المتوسطة قَوِيٌّ.\r","part":14,"page":115},{"id":5808,"text":"الوجهُ الثاني : أن تكونَ الهاءُ بدلاً من همزة الاستفهام ؛ لأنهم يَفْصِلُون بين الهمزتين بألفٍ ، فيكون أبو عمرو وقالون على أصلهما - في إدخال الألف والتسهيل - وهشام على أصله - في إدخال الألف والتحقيق - ولم يُقْرَأ بالوجه الثاني - وهو التسهيل - لأن إبدال الهمزة الأولى هاءً مُغْنٍ عن ذلك.\rوقال آخرون : إنه يجوز أن تكون \" ها \" - في قراءة الجميع - مُبْدَلَةً من همزة ، وأن تكون التي للتنبيه دخلت على \" أنتم \" ذكر ذلك ابو علي الفارسي والمَهْدَوِي ومَكِيّ في آخرين.\rفأما احتمال هذين الوجهين - في قراءة أبي عمرو وقالون عن نافع ، وهشام عن ابن عامر- فقد تقدم توجيهه ، وأما احتمالهما في قراءة غيرهم ، فأما الكوفيون والبَزِّيُّ وابنُ ذكوان فقد تقدم توجيه كون \" ها \" - عندهم - للتنبيه ، وأما توجيه كونها بدلاً من الهمزة - عندهم - أن يكون الأصل أنه أأنتم ، ففصلوا بالألف - على لغة مَنْ قال : [ الطويل ]\r.................................. أأنتِ أمْ أمُّ سَالِمِ\rولم يعبئوا بإبدال الهمزة الأولى هاءً ؛ لكَوْن البدَلِ فيها عارضاً ، وهؤلاء ، وإن لم يكن من مذهبهم الفصل لكنهم جمعوا بين اللغتين.\rوأما توجيه كونها بدلاً من الهمزة - في قراءة قُنْبُلٍ وورشٍ - فقد تقدم ، وأما توجيه كونها للتنبيه في قراءتهما - وإن لم يكن فيها ألف - أن تكون الألف حُذِفَتْ لكثرة الاستعمال ، وعلى قول مَنْ أبدل كورشٍ حذفت إحدى الألفين ؛ لالتقاء الساكنين.\r","part":14,"page":116},{"id":5809,"text":"قال أبو شَامَةَ : الأوْلَى في هذه الكلمة - على جميع القراءات فيها - أن تكون \" ها \" للتنبيه ؛ لأنا إن جعلناها بدلاً من همزةٍ كانت الهمزةُ همزةَ استفهامٍ ، و{ هاأنتم } أينما جاءت في القرآن إنما جاءت للخبر ، لا للاستفهام ، ولا مانع من ذلك إلا تسهيلُ مَنْ سَهَّل ، وحَذْفُ مَنْ حذف ، أما التسهيل فقد سبق تشبيهه بقوله : { لأَعْنَتَكُمْ } [ البقرة : 220 ] وشبهه ، وأما الحذف فنقول : \" ها \" مثل \" أما \" - كلاهما حرف تنبيه - وقد ثبت جواز حذف ألف \" أما \" فكذا حذف ألف \" ها \" وعلى ذلك قولهم : أمَ واللهِ لأفْعَلَنَّ.\rوقد حمل البصريون قولهم : \" هَلُمَّ \" على أن الأصل \" هَالُمَّ \" ، ثم حذف الف \" ها \" فكذا { هاأنتم }. وهو كلام حَسَنٌ ، إلا أنَّ قوله : إن { هاأنتم } - حيث جاءت - كانت خبراً ، لا استفهاماً ممنوع ، بل يجوز ذلك ، ويجوز الاستفهام ، انتهى.\rذكر الفرّاءُ أيضاً - هنا - بحثاً بالنسبة إلى القصر والمد ، فقال : من أثبت الألفَ في \" ها \" ، واعتقدها للتنبيه ، وكان مذهبُه أن يقصر في المنفصل ، فقياسه هنا قَصْر الألف سواء حقَّق الهمزة ، أو سهلها ، وأمّا من جعلها للتنبيه ، ومذهبه المد في المنفصل ، أو جعل الهاء مبدلة من همزة استفهام - فقياسه أن يمد - سواء حقق الهمزة أو سهلها-.\rوأما ورش فقد تقدم عنه وجهان : إبدال الهمزة - من \" أنتم \" - ألفاً ، وتسهيلها بَيْن بَيْنَ ، فإذا أبدل مَدَّ ، وإذا سهَّل قَصَر ، إذا عُرِف هذا ففي إعراب هذه الآيةِ أوجُهٌ : \rأحدها : أنَّ \" أنتم \" مبتدأ ، و\" هَؤُلاَءِ \" خبره ، والجملة من قوله : { حَاجَجْتُمْ } في محل نصب على الحال يدل على ذلك تصريحُ العَرَب بإيقاع الحال موقعها - في قولهم : ها أنا ذا قائماً ، ثم هذه الحال عندهم - من الأحوال اللازمة ، التي لا يَسْتَغْنِي الكلامُ عَنْها.\r","part":14,"page":117},{"id":5810,"text":"الثالث : أن يكون { هاأنتم هؤلا } على ما تقدم - أيضاً - ولكن هَؤلاءِ هنا موصول ، لا يتم إلا بصلةٍ وعائدٍ ، وهما الجملة من قوله : { حَاجَجْتُمْ } ، ذكره الزمخشريُّ.\rوهذا إنما يتجه عند الكوفيين ، تقديره : ها أنتم الذين حاججتم.\rالرابع : أن يكون \" أنْتُمْ \" مبتدأ ، و\" حَاجَجْتُمْ \" خبره ، و\" هؤلاء \" منادًى ، وهذا إنما يتَّجِه عند الكوفيين أيضاً ؛ لأن حرفَ النداء لا يُحْذَف من أسماء الإشارة ، وأجازه الكوفيون وأنشدوا : [ البسيط ]\rإنَّ الأولَى وَصَفُوا قَوْمِي لَهُمْ فَبِهِمْ... هَذَا اعْتَصِمْ تَلْقَ مَنْ عَادَاكَ مَخْذُولا\rيريد يا هذا اعتصم ، وقول الآخر : [ الخفيف ]\rلا يَغُرًَّنَّكُمْ أولاَءِ مِنَ الْقَوْ... مِ جُنُوحٌ لِلسِّلْمِ فَهْوَ خِدَاعُ\rيريد : يا أولاء.\rالخامس : أن يكون \" هَؤلاءِ \" منصوباً على الاختصاص بإضمار فعل. و\" أنتُمْ \" مبتدأ ، و\" حَاجَجْتُمْ \" خبره ، وجملة الاختصاص مُعْتَرِضَةٌ.\rالسادس : أن يكون على حذف مضافٍ ، تقديره : ها أنتم مثل هؤلاء ، وتكون الجملة بعدَها مُبَيِّنَةٌ لوجه الشبه ، أو حالاً.\rالسابع : أن يكون \" أنْتُمْ \" خبراص مقدماً ، و\" هَؤلاءِ \" مبتدأ مؤخراً.\rوهذه الأوجهُ السبعةُ قد تقدم ذكرُها ، وذكرُ من نسبت إليه والردُّ على بعض القائلين ببعضها ، بما يغني عند إعادته في سورة البقرةِ عند قوله تعالى : { ثُمَّ أَنْتُمْ هؤلاء تَقْتُلُونَ } [ البقرة : 85 ] فليلتفت إليه.\rقوله : { فِيمَا لَكُم بِهِ عِلمٌ } \" ما \" يجوز أن تكون معنى \" الذي \" وأن تكونَ نكرةً موصوفةً.","part":14,"page":118},{"id":5811,"text":"ولا يجوز أن تكون مصدرية ؛ لعود الضمير عليها ، وهي حرف عند الجمهور ، و\" لَكُمْ \" يجوز أن يكون خبراً مقدماً ، و\" عِلمٌ \" مبتدأ مؤخراً ، والجملة صلة لِ \" ما \" أو صفة ، ويجوز أن يكون لكم وحده صلة ، أو صفة ، و\" عِلْمٌ \" فاعلٌ به ؛ لأنه قد اعتمد ، و\" بِهِ \" متعلق بمحذوف ؛ لأنه حال من \" عِلْمٌ \" إذ لو تأخَّر عنه لصَحَّ جَعْلُه نعتاً له ، ولا يجوز أن يتعلق بـ \" عِلمٌ \" لأنه مصدر ، والمصدر لا يتقدم معموله عليه ، فإن جعلته متعلِّقاً بمحذوف يفسِّره المصدرُ جاز ذلك ، وسُمي بياناً. أ هـ {تفسير ابن عادل حـ 5 صـ 300 ـ 305}\rمن فوائد الآلوسى فى الآية\rقال رحمه الله :","part":14,"page":119},{"id":5812,"text":"{ها أَنتُمْ هؤلاء } أي : أنتم هؤلاء الحمقى { حاججتم فِيمَا لَكُم بِهِ عِلمٌ } كأمر موسى ، وعيسى عليهما السلام { فَلِمَ تُحَاجُّونَ فِيمَا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ } وهو أمر إبراهيم عليه السلام حيث لا ذكر لدينه في كتابكم ، أو لا تعرض لكونه آمن بموسى وعيسى قبل بعثتيهما أصلاً ، وليس المراد وصفهم بالعلم حقيقة وإنما المراد هب أنكم تحاجون فيما تدعون علمه على ما يلوح لكم من خلال عبارات كتابكم وإشارته في زعمكم فكيف تحاجون فيما لا علم لكم به ولا ذكر ، ولا رمز له في كتابكم ألبتة ؟ا و( ها ) حرف تنبيه ، واطرد دخولها على المبتدأ إذا كان خبره اسم إشارة نحو ها أناذا وكررت هنا للتأكيد ، وذهب الأخفش أن الأصل أأنتم على الاستفهام فقلبت الهمزة هاءاً ، ومعنى الاستفهام عنده التعجب من جهالتهم ، وتعقبه أبو حيان بأنه لا يحسن ذلك لأنه لم يسمع إبدال همزة الاستفهام هاءاً في كلامهم إلا في بيت نادر ، ثم الفصل بين الهاء المبدلة وهمزة ( أنتم ) لا يناسب لأنه إنما يفصل لاستثقال اجتماع الهمزتين ، وهنا قد زال الاستثقال بإبدال الأولى هاءاً ، والإشارة للتحقير والتنقيص ، ومنها فهم الوصف الذي يظهر به فائدة الحمل ، وجملة { حاججتم } مستأنفة مبينة للأولى ، وقيل : إنها حالية بدليل أنه يقع الحال موقعها كثيراً نحو ها أناذا قائماً وهذه الحال لازمة ؛ وقيل : إن الجملة خبر عن ( أنتم ) و{ هَؤُلاء } منادى حذف منه حرف النداء ، وقيل : { هَؤُلاء } بمعنى الذي خبر المتبدأ ، وجملة { حاججتم } صلة ؛ وإليه ذهب الكوفيون ، وقراؤهم يقرءون { وَإِذْ أَنتُمْ } بالمد والهمز ، وقرأ أهل المدينة وأبو عمرو بغير همز ولا مد إلا بقدر خروج الألف الساكن ، وقرأ ابن كثير ويعقوب بالهمز والقصر بغير مد ، وقرأ ابن عامر بالمد دون الهمز { والله يَعْلَمُ } حال إبراهيم وما كان عليه { وَأَنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ } ذلك ، ولك أن تعتبر المفعول عاماً ويدخل المذكور","part":14,"page":120},{"id":5813,"text":"فيه دخولاً أولياً ، والجملة تأكيد لنفي العلم عنهم في شأن إبراهيم عليه السلام. أ هـ {روح المعانى حـ 3 صـ 195}\rفصل\rقال القرطبى :\rفي الآية دليل على المنع من الجدال لمن لا علم له ، والحظرِ على من لا تحقيق عنده فقال عز وجل : { هاأنتم هؤلاء حَاجَجْتُمْ فِيمَا لَكُم بِهِ عِلمٌ فَلِمَ تُحَآجُّونَ فِيمَا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ }.\rوقد ورد الأمر بالجدال لمن علِم وأيقن فقال تعالى : { وَجَادِلْهُم بالتي هِيَ أَحْسَنُ } [ النحل : 125 ].\rوروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه \" أتاه رجل أنكر ولده فقال : يا رسول الله ، إن امرأتي ولدت غلاماً أسود.\rفقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : \"هل لك من إبل\" ؟ قال نعم.\rقال : \"ما ألوانها\" ؟ قال : حُمْرٌ : قال.\r\"هل فيها من أَوْرَق\" ؟ قال نعم.\rقال : \"فمن أين ذلك\" ؟ قال : لعل عِرْقاً نَزَعه.\rفقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : \"وهذا الغلام لعل عِرقاً نزعه\" \" وهذا حقيقة الجدال ونهايةٌ في تبيين الاستدلال من رسول الله صلى الله عليه وسلم. أ هـ {تفسير القرطبى حـ 4 صـ 108 ـ 109}\rمن لطائف الإمام القشيرى فى الآية\rيعني ما كان في كتابكم له بيان ، ويصح أن يكون لكم عليه برهان ، فَخَصَّهُمْ في ذلك إمَّا بحق وإما بباطل ، فالذي ليس لكم ألبتة عليه دليل ولا لكم إلى معرفته سبيل فكيف تصديتم للحكم فيه ، وادِّعاء الإحاطة به ؟!. أ هـ {لطائف الإشارات حـ 1 صـ 249}","part":14,"page":121},{"id":5814,"text":"قوله تعالى { مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلَا نَصْرَانِيًّا وَلَكِنْ كَانَ حَنِيفًا مُسْلِمًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (67) }\rمناسبة الآية لما قبلها\rقال البقاعى : \rولما وبخهم على ذلك من جهلهم نفى سبحانه وتعالى عن إبراهيم عليه الصلاة والسلام ما ادعاه عليه كل منهم طبق ما برهنت عليه الآية الأولى ، ونفى عنه كل شرك أيضاً ، وأثبت أنه كان مائلاً عن كل باطل منقاداً مع الدليل إلى كل حق بقوله سبحانه وتعالى : {ما كان إبراهيم يهودياً} أي كما ادعى اليهود {ولا نصرانياً} كما ادعى النصارى - لما تقدم من الدليل {ولكن كان حنيفاً مسلماً} وقد بين معنى الحنيف عند قوله تعالى : {قل بل ملة إبراهيم حنيفاً} [ البقرة : 135 ] بما يصدق على المسلم ، وقال الإمام العارف ولي الدين الملوي في كتابه حصن النفوس في السؤال في القبر : واليهودي أصله من آمن بموسى عليه الصلاة والسلام والتزم أحكام التوراة ، والنصراني من آمن بعيسى عليه الصلاة والسلام والتزم أحكام الإنجيل ، ثم صار اليهودي من كفر بما أنزل بعد موسى عليه الصلاة والسلام ، والنصراني من كفر بما أنزل بعد عيسى عليه الصلاة والسلام ، والحنيف المائل عن كل دين باطل ، والمسلم المطيع لأوامر الله سبحانه وتعالى في أي كتاب أنزلت مع أي رسول أوردت ، وإن شئت قلت : هو المنقاد لله سبحانه وتعالى وحده بقلبه ولسانه وجميع جوارحه المخلص عمله لله عزّ وجلّ ، قال النبي صلى الله عليه وسلم لمن قال له : قل لي في الإسلام قولاً لا أسأل عنه أحداً غيرك \" قل : آمنت بالله ثم استقم \" انتهى.","part":14,"page":122},{"id":5815,"text":"ثم خص بالنفي من عرفوا بالشرك مع الصلاح لكل من داخله شرك من غيرهم كمن أشرك بعزير والمسيح عليهما الصلاة والسلام فقال : {وما كان من المشركين} وفي ذكر وصفي الإسلام والحنف تعريض لهم بأنهم في غاية العناد والجلافة واليبس في التمسك بالمألوفات وترك ما أتاهم من واضح الأدلة وقاطع الحجج البينات. أ هـ {نظم الدرر حـ 2 صـ 111 ـ 112}\rوقال ابن عاشور : \rقوله تعالى {مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلَا نَصْرَانِيًّا وَلَكِنْ كَانَ حَنِيفًا مُسْلِمًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (67)}\rنتيجة للاستدلال إذ قد تحَصحَص من الحجّة الماضية أنّ اليهودية والنصرانية غير الحنيفية ، وأنّ موسى وعيسى ، عليهما السلام ، لم يخبرا بأنهما على الحنيفية ، فأنتج أنّ إبراهيم لم يكن على حال اليهودية أو النصرانية ؛ إذ لم يؤْثَر ذلك عن موسى ولا عيسى ، عليهما السلام ، فهذا سنده خلوّ كتبهم عن ادّعاء ذلك.\rوكيف تكون اليهودية أو النصرانية من الحنيفية مع خلوّها عن فريضة الحج ، وقد جاء الإسلام بذكر فرضه لمن تمكن منه ، ومما يؤيد هذا ما ذكره ابن عطية في تفسير قوله تعالى في هذه السورة : { لا نفرّق بينَ أحد منهم ونحن له مسلمون } [ البقرة : 136 ] عن عكرمة قال : \"لما نزلت الآية قال أهل الملل : \"قد أسلمنا قبلك ، ونحن المسلمون\" فقال الله له : فحُجهم يا محمد وأنزل الله : { وللَّه على الناس حجّ البيت } [ آل عمران : 97 ] الآية فحجّ المسلمون وقَعد الكفار\".\rثمّ تمم الله ذلك بقوله : وما كان من المشركين ، فأبطلت دعاوى الفرق الثلاث.\rوالحنيف تقدم عند قوله تعالى : { قل بل ملّة إبراهيم حنيفاً } في سورة [ البقرة : 135 ].","part":14,"page":123},{"id":5816,"text":"وقولُه : ولكن كان حنيفاً مسلماً وما كان من المشركين } أفاد الاستدراكُ بعد نفي الضدّ حصرَا لحال إبراهيم فيما يوافق أصول الإسلام ، ولذلك بُيِّن حنيفاً بقوله : { مسلماً } لأنهم يعرفون معنى الحنيفية ولا يؤمنون بالإسلام ، فأعلمهم أنّ الإسلام هو الحنيفية ، وقال : { وما كان من المشركين } فنفى عن إبراهيم موافقة اليهودية ، .\rوموافقة النصرانية ، وموافقة المشركين ، وإنه كان مسلماً ، فثبتت موافقته الإسلام ، وقد تقدم في سورة البقرة [ 135 ] في مواضع أنّ إبراهيم سأل أن يكون مسلماً ، وأنّ الله أمره أن يكون مسلماً ، وأنه كان حنيفاً ، وأنّ الإسلام الذي جاء به محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم هو الذي كان جاء به إبراهيم { وقالوا كونوا هوداً أو نصارى تهتدوا قل بل ملة إبراهيم حنيفاً وما كان من المشركين } وكلّ ذلك لا يُبقي شكاً في أنّ الإسلام هو إسلام إبراهيم.","part":14,"page":124},{"id":5817,"text":"وَقد بينتُ آنفاً عند قوله تعالى : { فإن حاجوك فقل أسلمت وجهي لله } [ آل عمران : 20 ] الأصولَ الداخلة تحت معنى { أسلمتُ وجهي لله } فلنفرضها في معنى قول إبراهيم : { إني وجهت وجهي للذي فطر السموات والأرض } [ الأنعام : 79 ] فقد جاء إبراهيم بالتوحيد ، وأعلنه إعلاناً لم يَترك للشرك مسلكاً إلى نفوس الغافلين ، وأقام هيكلاً وهو الكعبة ، أول بيت وضع للناس ، وفرض حَجّه على الناس : ارتباطاً بمغزاه ، وأعلَن تمام العبودية لله تعالى بقوله : { ولا أخاف مَا تشركون به إلاّ أن يشاء ربّي شيئاً } [ الأنعام : 80 ] وأخلص القول والعمل لله تعالى فقال : { وكيف أخاف ما أشركتم ولا تخافون أنكم أشركتم بالله ما لم يُنزِّل به عليكم سلطاناً } [ الأنعام : 81 ] وتَطَلّب الهُدى بقوله : { ربنا واجعلنا مسلمَيْننِ لك } [ البقرة : 128 ] { وأرنا مناسكنا وتُب علينا } [ البقرة : 128 ] وكسر الأصنام بيده { فجعلهم جذاذاً } [ الأنبياء : 58 ] ، وأظهر الانقطاع لله بقوله : { الذي خلقني فهو يهدين والذي هو يطعمني ويسقين وإذا مرضت فهو يشفين والذي يميتني ثم يحيين } [ الشعراء : 78 81 ] ، وتصَدّى للاحتجاج على الوحدانية وصفات الله { قال إبراهيم فإن الله يأتي بالشمس من المشرق فأت بها من المغرب } [ البقرة : 258 ] { وتلك حجتنا ءاتيناها إبراهيم على قومه } [ الأنعام : 83 ] { وحاجهُ قومه } [ الأنعام : 80 ]. أ هـ {التحرير والتنوير حـ 3 صـ 122 ـ 123}\rفصل\rقال الفخر : \rقوله تعالى : {وَمَا كَانَ مِنَ المشركين}\rقال الفخر : \rوهو تعريض بكون النصارى مشركين في قولهم بإلهية المسيح وبكون اليهود مشركين في قولهم بالتشبيه.\rأ هـ {مفاتيح الغيب حـ 8 صـ 79}\rوقال ابن عاشور : ","part":14,"page":125},{"id":5818,"text":"وعطف قوله : { وما كان من المشركين } ليَيْأس مُشْرِكو العرب من أن يكونوا على ملّة إبراهيم ، وحتى لا يتوهم متوهم أنّ القصر المستفاد من قوله : ( ولكن حنيفاً مسلماً ) قصرٌ إضافي بالنسبة لليهودية والنصرانية ، حيث كان العرب يزعمون أنهم على ملّلا إبراهيم لكنهم مشركون. أ هـ {التحرير والتنوير حـ 3 صـ 123}\rسؤال : فإن قيل : قولكم إبراهيم على دين الإسلام أتريدون به الموافقة في الأصول أو في الفروع ؟ فإن كان الأول لم يكن مختصاً بدين الإسلام بل نقطع بأن إبراهيم أيضاً على دين اليهود ، أعني ذلك الدين الذي جاء به موسى ، فكان أيضاً على دين النصارى ، أعني تلك النصرانية التي جاء بها عيسى فإن أديان الأنبياء لا يجوز أن تكون مختلفة في الأصول ، وإن أردتم به الموافقة في الفروع ، فلزم أن لا يكون محمد عليه السلام صاحب الشرع ألبتة ، بل كان كالمقرر لدين غيره ، وأيضاً من المعلوم بالضرورة أن التعبد بالقرآن ما كان موجوداً في زمان إبراهيم عليه السلام فتلاوة القرآن مشروعة في صلاتنا وغير مشروعة في صلاتهم.\rقلنا : جاز أن يكون المراد به الموافقة في الأصول والغرض منه بيان إنه ما كان موافقاً في أصول الدين لمذهب هؤلاء الذين هم اليهود والنصارى في زماننا هذا ، وجاز أيضاً أن يقال المراد به الفروع وذلك لأن الله نسخ تلك الفروع بشرع موسى ، ثم في زمن محمد صلى الله عليه وسلم نسخ شرع موسى عليه السلام الشريعة التي كانت ثابتة في زمن إبراهيم عليه السلام وعلى هذا التقدير يكون محمد عليه السلام صاحب الشريعة ثم لما كان غالب شرع محمد عليه السلام موافقاً لشرع إبراهيم عليه السلام ، فلو وقعت المخالفة في القليل لم يقدح ذلك في حصول الموافقة. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 8 صـ 79 ـ 80}\rمن فوائد الآلوسى فى الآية\rقال رحمه الله :","part":14,"page":126},{"id":5819,"text":"{ مَا كَانَ إبراهيم يَهُودِيّا } كما قالت اليهود { وَلاَ نَصْرَانِيّا } كما قالت النصارى { وَلَكِن كَانَ حَنِيفًا } أي مائلاً عن العقائد الزائغة { مُسْلِمًا } أي منقاداً لطاعة الحق ، أو موحداً لأن الإسلام يرد بمعنى التوحيد أيضاً ؛ قيل : وينصره قوله تعالى : { وَمَا كَانَ مِنَ المشركين } أي عبدة الأصنام كالعرب الذي كانوا يدعون أنهم على دينه ، أو سائر المشركين ليعم أيضاً عبدة النار كالمجوس ، وعبدة الكواكب كالصابئة ، وقيل : أراد بهم اليهود والنصارى لقول اليهود عزير ابن الله وقول النصارى المسيح ابن الله تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً. وأصل الكلام وما كان منكم إلا أنه وضع المظهر موضع المضمر للتعريض بأنهم مشركون ، والجملة حينئذ تأكيد لما قبلها ، وتفسير الإسلام بما ذكر هو ما اختاره جمع من المحققين وادعوا أنه لا يصح تفسيره هنا بالدين المحمدي لأنه يرد عليه أنه كان بعده بكثير فكيف يكون مسلماً ؟ فيكون كادعائهم تهوده وتنصره المردود بقوله سبحانه : { وَمَا أُنزِلَتِ التوراة والإنجيل إِلاَّ مِن بَعْدِهِ } [ آل عمران : 65 ] فيرد عليه ما ورد عليهم ، ويشترك الإلزام بينهما ، وفسره بعضهم بذلك ، وأجاب عن اشتراك الإلزام بأن القرآن أخبر بأن إبراهيم كان مسلماً وليس في التوراة والإنجيل أنه عليه الصلاة والسلام كان يهودياً أو نصرانياً فظهر الفرق ، قال العلامة النيسابوري : فإن قيل : قولكم : إن إبراهيم عليه السلام على دين الإسلام إن أردتم به الموافقة في الأصول فليس هذا مختصاً بدين الإسلام ، وإن أردتم في الفروع لزم أن لا يكون نبينا صلى الله عليه وسلم صاحب شريعة بل مقرر لشرع من قبله. قيل : يختار الأول ، والاختصاص ثابت لأن اليهود والنصارى مخالفون للأصول في زماننا لقولهم بالتثليث وإشراك عزير عليه السلام إلى غير ذلك ، أو الثاني ولا يلزم ما ذكر لجواز أنه تعالى نسخ تلك الفروع بشرع موسى عليه السلام ثم نسخ نبينا","part":14,"page":127},{"id":5820,"text":"صلى الله عليه وسلم شرع موسى بشريعته التي هي موافقة لشريعة إبراهيم صلوات الله تعالى وسلامه عليه فيكون عليه الصلاة والسلام صاحب شريعة مع موافقة شرعه شرع إبراهيم في معظم الفروع انتهى ، ولا يخفى ما في الجواب على الاختيار الثاني من مزيد البعد ، بل عدم الصحة لأن نسخ شريعة إبراهيم بشريعة موسى ، ثم نسخ شريعة موسى بشريعة نبينا عليهم الصلاة والسلام الموافقة لشريعة إبراهيم لا يجعل نبينا صاحب شريعة جديدة بل يقال له أيضاً : إنه مقرر لشرع من قبله وهو إبراهيم عليه السلام ، وأيضاً موافقة جميع فروع شريعتنا لجميع فروع شريعة إبراهيم مما لا يمكن بوجه أصلاً إذ من جملة فروع شريعتنا فرضية قراءة القرآن في الصلاة ولم ينزل على غير نبينا صلى الله عليه وسلم بالبديهة ، ونحو ذلك كثير.\rوموافقة المعظم في حيز المنع ودون إثباتها الشم الراسيات ، وقوله تعالى : { أَنِ اتبع مِلَّةَ إبراهيم } [ النحل : 123 ] ليس بالدليل على الموافقة في الفروع إذ الملة فيه عبارة عن التوحيد أو عنه وعن الأخلاق كالهدى في قوله تعالى : { أُوْلَئِكَ الذين هَدَى الله فَبِهُدَاهُمُ اقتده } [ الانعام : 90 ] واعترض الشهاب على الجواب على الاختيار الأول بالبعد كاعتراضه على الجواب على الاختيار الثاني بمجرده أيضاً ، وذكر أن ذلك سبب عدول بعض المحققين عما يقتضيه كلام هذا العلامة من أن المراد بكون إبراهيم مسلماً أنه على ملة الإسلام إلى أن المراد بذلك أنه منقاد بحمل الإسلام على المعنى اللغوي ، وادعى أنه سالم من القدح ، ونظر فيه بأن أخذ الإسلام لغوياً لا يناسب بحث الأديان والكلام فيه فلا يخلو هذا الوجه عن بعد ، ولعله لا يقصر عما ادعاه من بعد الجواب الأول كما لا يخفى على صاحب الذوق السليم.","part":14,"page":128},{"id":5821,"text":"هذا وفي الآية وجه آخر ولعله يخرج من بين فرث ودم وهو أن أهل الكتاب لما تنازعوا فقالت اليهود إبراهيم منا ، وقالت النصارى إنه منا أرادت كل طائفة أنه عليه السلام كان إذ ذاك على ما هو عليه الآن من الحال وهو حال مخالف لما عليه نبيهم في نفس الأمر موافق له زعماً على معنى موافقة الأصول للأصول ، أو الموافقة فيما يعد في العرف موافقة ولو لم تكن في المعظم وليست هذه الدعوى من البطلان بحيث لا تخفى على أحد فرد الله تعالى عليهم بقوله سبحانه : { وَمَا أُنزِلَتِ التوراة والإنجيل إِلاَّ مِن بَعْدِهِ } [ آل عمران : 65 ] أي وليسا مشتملين على ذلك وهو من الحري بالذكر لو كان ، ثم أشار سبحانه إلى ما هم عليه من الحماقة على وجه أتم ، ثم صرح سبحانه بما أشار أولاً فقال : { مَا كَانَ إبراهيم يَهُودِيّا } أي من الطائفة اليهودية المخالفة لما جاء به موسى عليه السلام في نفس الأمر { وَلاَ نَصْرَانِيّا } أي من الطائفة النصرانية المخالفة لما جاء به عيسى عليه السلام كذلك { وَلَكِن كَانَ حَنِيفًا مُّسْلِمًا } أي على دين الإسلام الذي ليس عند الله دين مرضي سواه وهو دين جميع الأنبياء صلوات الله تعالى وسلامه عليهم ، وفي ذلك إشارة إلى أن أولئك اليهود والنصارى ليسوا من الدين في شيء لمخالفتهم في نفس الأمر لما عليه النبيان بل الأنبياء ، ثم أشار إلى سبب ذلك بما عرّض به من قوله سبحانه : { وَمَا كَانَ مِنَ المشركين } فعلى هذا يكون المسلم كما قال الجصاص ، وأشرنا إليه فيما مرّ مراراً المؤمن ولو من غير هذه الأمة خلافاً للسيوطي في زعمه أن الإسلام مخصوص بهذه الأمة هذا ما عندي في هذا المقام فتدبر فلمسلك الذهن اتساع. أ هـ {روح المعانى حـ 3 صـ 195 ـ 197}","part":14,"page":129},{"id":5822,"text":"وقال الطبرى :\rوهذا تكذيبٌ من الله عز وجل دعوَى الذين جادلوا في إبراهيم وملته من اليهود والنصارى ، وادَّعوا أنه كان على ملتهم وتبرئة لهم منه ، وأنهم لدينه مخالفون وقضاءٌ منه عز وجل لأهل الإسلام ولأمة محمد صلى الله عليه وسلم أنهم هم أهل دينه ، وعلى منهاجه وشرائعه ، دون سائر أهل الملل والأديان غيرهم.\rيقول الله عز وجل : ما كان إبراهيم يهوديًّا ولا نصرانيًّا ولا كان من المشركين ، الذين يعبدون الأصنامَ والأوثانَ أو مخلوقًا دون خالقه الذي هو إله الخلق وبارئهم \"ولكن كان حنيفًا\" ، يعني : متبعًا أمرَ الله وطاعته ، مستقيمًا على محجَّة الهدى التي أمر بلزومها \"مسلمًا\" ، يعني : خاشعًا لله بقلبه ، متذللا له بجوارحه ، مذعنًا لما فَرَض عليه وألزمه من أحكامه. أ هـ {تفسير الطبرى حـ 6 صـ 493 ـ 494}\rوقال ابن عطية :\rأخبر الله تعالى في هذه الآية ، عن حقيقة أمر إبراهيم ، فنفى عنه اليهودية والنصرانية والإشراك الذي هو عبادة الأوثان ، ودخل في ذلك الإشراك الذي تتضمنه اليهودية والنصرانية ، وجاء ترتيب النفي على غاية الفصاحة ، نفى نفس الملل وقرر الحالة الحسنة ، ثم نفى نفياً بين به أن تلك الملل فيها هذا الفساد الذي هو الشرك ، وهذا كما تقول : ما أخذت لك مالاً بل حفظته ، وما كنت سارقاً ، فنفيت أقبح ما يكون في الأخذ. أ هـ {المحرر الوجيز حـ 1 صـ 451}\rوقال أبو حيان :\r{ ما كان إبراهيم يهودياً ولا نصرانياً ولكن كان حنيفاً مسلماً وما كان من المشركين } أعلم تعالى براءة إبراهيم من هذه الأديان ، وبدأ بانتفاء اليهودية ، لأن شريعة اليهود أقدم من شريعة النصارى ، وكرر ، لا ، لتأكيد النفي عن كل واحد من الدينين ، ثم استدرك ما كان عليه بقوله { ولكن كان حنيفاً مسلماً } ووقعت لكن هنا أحسن موقعها ، إذ هي واقعة بين النقيضين بالنسبة إلى اعتقاد الحق والباطل.","part":14,"page":130},{"id":5823,"text":"ولما كان الكلام مع اليهود والنصارى ، كان الاستدارك بعد ذكر الانتفاء عن شريعتهما ، ثم نفى على سبيل التكميل للتبري من سائر الأديان كونه من المشركين ، وهم : عبدة الأصنام ، كالعرب الذين كانوا يدعون أنهم على دين إبراهيم ، وكالمجوس عبدة النار ، وكالصابئة عبدة الكواكب ، ولم ينص على تفصيلهم ، لأن الإشراك يجمعهم.\rوقيل : أراد بالمشركين اليهود والنصارى لإشراكهم به عزيراً والمسيح ، فتكون هذه الجملة توكيداً لما قبلها من قوله { ما كان إبراهيم يهودياً ولا نصرانياً } وجاء : من المشركين ، ولم يجىء : وما كان مشركاً ، فيناسب النفي قبله ، لأنها رأس آية.\r{ وما كان من المشركين } ثلاثة أقوال : أحدها : أن المشركين عبدة الأصنام والنار والكواكب والثاني : أنهم اليهود والنصارى والثالث : عبدة الأوثان واليهود والنصارى.\rوقال عبد الجبار : معنى { ما كان يهودياً ولا نصرانياً } لم يكن على الدين الذي يدين به هؤلاء المحاجون ، ولكن كان على جهة الدين الذي يدين به المسلمون.\rوليس المراد أن شريعة موسى وعيسى لم تكن صحيحة.\rوقال علي بن عيسى : لا يوصف إبراهيم بأنه كان يهودياً ولا نصرانياً لأنهما صفتا ذمّ لاختصاصهما بفرقتين ضالتين ، وهما طريقان محرّفان عن دين موسى وعيسى ، وكونه مسلماً لا يوجب أن يكون على شريعة محمد صلى الله عليه وسلم ، بل كان على جهة الإسلام.\rوالحنيف : اسم لمن يستقبل في صلاته الكعبة ، ويحج إليها ، ويضحي ، ويختتن.\rثم سمي من كان على دين إبراهيم حنيفاً. انتهى.\rوفي حديث زيد بن عمرو بن نفيل : أنه خرج إلى الشام يسأل عن الدين ، وأنه لقي عالماً من اليهود ، ثم عالماً من النصارى ، فقال له اليهودي : لن تكون على ديننا حتى تأخذ بنصيبك من غضب الله.\rوقال له النصراني : لن تكون على ديننا حتى تأخذ بنصيبك من لعنة الله.\rفقال زيد : ما أفرّ إلاَّ من غضب الله ، ومن لعنته.","part":14,"page":131},{"id":5824,"text":"فهل تدلاني على دين ليس فيه هذا ؟ قالا : ما نعلمه إلاَّ أن تكون حنيفاً.\rقال : وما الحنيف ؟ قال : دين إبراهيم ، لم يكن يهودياً ولا نصرانياً ، وكان لا يعبد إلاَّ الله وحده ، فلم يزل رافعاً يديه إلى السماء.\rوقال : اللهم إني أشهدك أني على دين إبراهيم. أ هـ {البحر المحيط حـ 2 صـ 511 ـ 512}. بتصرف يسير.","part":14,"page":132},{"id":5825,"text":"فائدة\rقال الشيخ الشنقيطى :\rقوله تعالى : {مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيّاً وَلا نَصْرَانِيّاً وَلَكِنْ كَانَ حَنِيفاً مُسْلِماً وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ} الآية.\rهذه الآية الكريمة وأمثالها في القرآن تدل على أن إبراهيم - عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام - لم يكن مشركاً يوما ؛ لأن نفي الكون الماضي في قوله : {وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ} يدل على استغراق النفي لجميع الزمن الماضي كما دل عليه قوله تعالى : {وَلَقَدْ آتَيْنَا إِبْرَاهِيمَ رُشْدَهُ مِنْ قَبْلُ ..} الآية, وقد جاء في موضع آخر ما يوهم خلاف ذلك وهو قوله : {فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأى كَوْكَباً قَالَ هَذَا رَبِّي .. فَلَمَّا رَأى الْقَمَرَ بَازِغاً قَالَ هَذَا رَبِّي ... فَلَمَّا رَأى الشَّمْسَ بَازِغَةً قَالَ هَذَا رَبِّي هَذَا أَكْبَرُ.. } الآية, ومن ظنّ ربوبية غير الله فهو مشرك بالله كما دل عليه قول الله تعالى عن الكفار : {وَمَا يَتَّبِعُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ شُرَكَاءَ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلا الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلا يَخْرُصُونَ}, والجواب عن هذا من وجهين :","part":14,"page":133},{"id":5826,"text":"أحدهما : أنه مناظر لا ناظر ومقصوده التسليم الجدلي : أي هذا ربي على زعمكم الباطل, والمناظر قد يسلم المقدمة الباطلة تسليما جدليا ليفحم بذلك خصمه, فلو قال لهم إبراهيم في أول الأمر : الكوكب مخلوق لا يمكن أن يكون ربا, لقالوا له : كذبت, بل الكوكب ربّ, ومما يدل لكونه مناظرا لا ناظر قوله تعالى : {وَحَاجَّهُ قَوْمُهُ..} استدل به بن جرير على أنه غير مناظر من قوله تعالى : {لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي لأَكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ} لا دليل فيه على التحقيق ؛ لأن الرسل يقولون مثل ذلك تواضعا وإظهارا لإلتجائهم إلى الله كقول إبراهيم : {وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الأَصْنَامَ}, وقوله هو وإسماعيل : {رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ} الآية .\rالوجه الثاني : أنّ الكلام على حذف همزة الاستفهام أي : أهذا ربي ؟ وقد تقرر في علم النحو أن حذف همزة الاستفهام إذا دلّ المقام عليها جائز, وهو قياسي عند الأخفش مع (أم) ودونها, ذُكِر الجواب أم لا, فمن أمثلته دون (أم) ودون ذكر الجواب قول الكميت : \rطربت وما شوقا إلى البيض أطرب\rولا لعبا مني وذو شيب يلعب\rيعني أو ذو الشيب يلعب ؟, وقول أبي خراش الهذلي واسمه بن خويلد\rرفوني وقالوا يا خويلد لم ترع\rفقلت وأنكرت الوجوه هم هم\rبعني أهم هم كما هو الصحيح, وجزم به الألوسي في تفسيره, وذكره ابن جرير عن جماعة, ويدل له قوله : \"وأنكرت الوجوه\", ومن أمثلته دون (أم) مع ذكر الجواب قول عمر بن أبي ربيعة المخزومي : \rثم قالوا تحبها قلت بهرا\rعدد النجم والحصى والتراب\rيعني : أتحبُّها على القول الصحيح, وهو مع (أم) كثير جداً, ومن أمثلته قول الأسود بن يعفر التميمي وأنشده سيبويه لذلك : \rلعمرك ما أدري وإن كنت داريا\rشعيث بن سهم أو شعيث بن منقر","part":14,"page":134},{"id":5827,"text":"يعني أشعيث بن سهم ؟ وقول بن أبي ربيعة المخزومي : \rبدا لي منها معصم يوم جمرت\rوكف خضيب زينت ببنان\rفوالله ما أدري وإني لحاسب\rبسبع رميت الجمر أم بثمان\rيعني أبسبع ؟ وقول الأخطل : \rكذبتك عينك أم رأيت بواسط\rغلس الظلام من الرباب خيالا\rيعني أكذبتك عينك ؟ كما نصّ سيبويه على جواز ذلك في بيت الأخطل, هذا وإن خالف الخليل زاعما أنّ (كذبتك) صيغة خبرية, وأنّ (أم) بمعنى (بل) ففي البيت على قول الخليل نوع من أنواع البديع المعنوي يسمى بالرجوع عند البلاغيين ، وقول الخنساء : \rقذى بعينيك أم بالعين عوار\rأم خلت إذا أقفرت من أهلها الدار\rتعني أقذى بعينيك ؟وقول أحيحة بن الجلاح الأنصاري : \rوما تدري وإن ذمرت سقبا\rلغيرك أم يكون لك الفصيل\rيعني ألغيرك ؟ وقول أمرئ القيس : \rتروح من الحي أم تبتكر\rوماذا عليك بأن تنتظر\rيعني أتروح ؟\rوعلى هذا القول فقرينة الاستفهام المحذوف علو مقام إبراهيم عن ظن ربوبية غير الله, وشهادة القرآن له بالبراءة من ذلك, والآية على هذا القول تشبه قراءة بن محيصن : (سواء عليهم أنذرتهم), ونظيرها على هذا القول قوله تعالى : {أَفَإِنْ مِتَّ فَهُمُ الْخَالِدُونَ}, وقوله تعالى : {وَتِلْكَ نِعْمَةٌ تَمُنُّهَا} على أحد القولين, وقوله : {فَلا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ}على أحد القولين.","part":14,"page":135},{"id":5828,"text":"وما ذكره بعض العلماء غير هذين الوجهين فهو راجع إليهما كالقول بإضمار القول أي يقول الكفار : هذا ربي, فإنه راجع إلى الوجه الأول, وما ذكره عن ابن إسحاق واختاره ابن جرير الطبري ونقله عن ابن عباس من أنّ إبراهيم كان ناظراً يظنُّ ربوبية الكوكب فهو ظاهر الضعف ؛ لأن نصوص القرآن ترده كقوله : {وَلَكِنْ كَانَ حَنِيفاً مُسْلِماً وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ}, وقوله تعالى : {ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفاً وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ}, وقوله : {وَلَقَدْ آتَيْنَا إِبْرَاهِيمَ رُشْدَهُ مِنْ قَبْلُ}, وقد بيّن المحقق ابن كثير في تفسيره رد ما ذكره بن جرير بهذه النصوص القرآنية وأمثالها, والأحاديث الدالة على مقتضاها كقوله صلى الله عليه وسلم : \"كل مولود يولد على الفطرة\" الحديث. أ هـ {دفع إيهام الاضطراب صـ 53 ـ 57}","part":14,"page":136},{"id":5829,"text":"قوله تعالى {إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَهَذَا النَّبِيُّ وَالَّذِينَ آَمَنُوا وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ (68)}\rمناسبة الآية لما قبلها\rقال البقاعى : \rولما نفي عنه صلى الله عليه وسلم كل زيغ بعد أن نفي عنه أن يكون على ملة هو متقدم عن حدوثها شرع في بيان ما يتم به نتيجة ما مضى ببيان من هو أقرب إليه ممن جاء بعده ، فقرر أن الأولى به إنما هو من اتبعه في أصل الدين ، وهو التوحيد والتنزيه الذي لم يختلف فيه نبيان أصلاً ، وفي الانقياد للدليل وترك المألوف من غير تلعثم حتى صاروا أحقاء بالإسلام الذي هو وصفه بقوله سبحانه وتعالى مؤكداً رداً عليهم وتكذيباً لمحاجتهم : {إن أولى الناس} أي أقربهم وأحقهم {بإبراهيم للذين اتبعوه} أي في دينه من أمته وغيرهم ، لا الذين ادعوا أنه تابع لهم ، ثم صرح بهذه الأمة فقال : {وهذا النبي} أي هو أولى الناس به {والذين آمنوا} أي من أمته وغيرهم وإن كانوا في أدنى درجات الإيمان {والله} أي بما له من صفات الكمال - وليهم ، هذا الأصل ، ولكنه قال : {ولي المؤمنين} ليعم الأنبياء كلهم وأتباعهم من كل فرقة ، ويعلم أن الوصف الموجب للتقريب العراقة في الإيمان ترغيباً لمن لم يبلغه في بلوغه. أ هـ {نظم الدرر حـ 2 صـ 112}\rفصل\rقال القرطبى : \rوقال ابن عباس : قال رؤساء اليهود : والله يا محمد لقد علمت أنا أولى الناس بدين إبراهيم منك ومن غيرك ، فإنه كان يهودياً وما بك إلا الحسد ؛ فأنزل الله تعالى هذه الآية.\r{ أَوْلَى } معناه أحق ، قيل : بالمعونة والنصرة.\rوقيل بالحجة.\r{ لَلَّذِينَ اتبعوه } على مِلّته وسنته.\r{ وهذا النبي } أفرد ذكره تعظيماً له ؛ كما قال { فِيهِمَا فَاكِهَةٌ وَنَخْلٌ وَرُمَّانٌ } [ الرحمن : 68 ] وقد تقدّم في \"البقرة\" هذا المعنى مستوفى.","part":14,"page":137},{"id":5830,"text":"و \"هذا\" في موضع رفع عطف على الذين ، و\"النبيّ\" نعت لهذا أو عطف بيان ، ولو نصب لكان جائزاً في الكلام عطفاً على الهاء في \"اتبعوه\".\r{ والله وَلِيُّ المؤمنين } أي ناصرهم.\rوعن ابن مسعود أن النبيّ صلى الله عليه وسلم قال : \" إن لكل نبيّ ولاة من النبيين وإن وليّي منهم أبي وخليل ربي ثم قرأ { إنّ أولى الناس بإبراهيم للذين اتبعوه وهذا النبيّ } \". أ هـ {تفسير القرطبى حـ 4 صـ 109 ـ 110}\rفائدة\rقال فى الميزان :\rوفي قوله {وهذا النبي والذين آمنوا} إفراد للنبى (عليه السلام) ومن اتبعه من المؤمنين من الذين اتبعوا إبراهيم إجلالا للنبي وصونا لمقامه أن يطلق عليه الاتباع كما يستشعر ذلك مثل قوله تعالى \" أولئك الذين هدى الله فبهديهم اقتده : الأنعام - 90 حيث لم يقل فبهم اقتده. أ هـ {الميزان حـ 3 صـ 254}","part":14,"page":138},{"id":5831,"text":"من فوائد الآلوسى فى الآية\rقال رحمه الله :\r{ إِنَّ أَوْلَى الناس بإبراهيم } { أُوْلِى } أفعل تفضيل من وليه يليه ولياً وألفه منقلبة عن ياء لأن فاءه واو فلا تكون لامه واواً إذ ليس في الكلام ما فاؤه ولامه واوان إلا واو ، وأصل معناه أقرب ، ومنه ما في الحديث \"لأولى رجل ذكر\" ويكون بمعنى أحق كما تقول : العالم أولى بالتقديم ، وهو المراد هنا أي أقرب الناس وأخصهم بإبراهيم { لَلَّذِينَ اتبعوه } أي كانوا على شريعته في زمانه ، أو اتبعوه مطلقاً فالعطف في قوله سبحانه : { وهذا النبى } من عطف الخاص على العام وهو معطوف على الموصول قبله الذي هو خبر { إن} وقرىء بالنصب عطفاً على الضمير المفعول ، والتقدير للذين اتبعوا إبراهيم واتبعوا هذا النبي وقرىء بالجر عطفاً على إبراهيم أي إن أولى الناس بإبراهيم ، وهذا النبي للذين اتبعوه واعترض بأنه كان ينبغي أن يثني ضمير { اتبعوه } ويقال اتبعوهما ، وأجيب بأنه من باب { والله وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَن يُرْضُوهُ } [ التوبة : 62 ] إلا أن فيه على ما قيل الفصل بين العامل والمعمول بأجنبي ، وقوله تعالى : { والذين ءامَنُواْ } إن كان عطفاً على الذين اتبعوه يكون فيه ذلك أيضاً ، وإن كان عطفاً على هذا النبي فلا فائدة فيه إلا أن يدعى أنها للتنويه بذكرهم ، وأما التزام أنه من عطف الصفات بعضها على بعض حينئذ فهو كما ترى ، ثم إن كون المتبعين لإبراهيم عليه السلام في زمانه أولى الناس به ظاهر ، وكون نبينا صلى الله عليه وسلم أولاهم به لموافقة شريعته للشريعة الإبراهيمية أكثر من موافقة شرائع سائر المرسلين لها ، وكون المؤمنين من هذه الأمة كذلك لتبعيتهم نبيهم فيماجاء به ومنه الموافق.","part":14,"page":139},{"id":5832,"text":"{ والله وَلِىُّ المؤمنين } ينصرهم ويجازيهم بالحسنى كما هو شأن الولي ، ولم يقل وليهم تنبيهاً على الوصف الذي يكون الله تعالى به ولياً لعباده وهو الإيمان بناءاً على أن التعليق بالمشتق يقتضي عليه مبدأ الاشتقاق. ومن ذلك يعلم ثبوت الحكم للنبي بدلالة النص ، قال ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال رؤساء اليهود : والله يا محمد لقد علمت أنا أولى بدين إبراهيم منك ومن غيرك وأنه كان يهودياً وما بك إلا الحسد فأنزل الله تعالى هذه الآية. أ هـ {روح المعانى حـ 3 صـ 197}\rومن فوائد ابن عاشور فى الآية\rقال عليه الرحمه :\rقوله تعالى { إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَهَذَا النَّبِيُّ وَالَّذِينَ آَمَنُوا وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ (68)}\rاستئناف ناشيء عن نفي اليهودية والنصرانية عن إبراهيم ، فليس اليهود ولا النصارى ولا المشركون بأولى الناس به ، وهذا يدل على أنهم كانوا يقولون : نحن أولى بدينكم.\rو ( أولى ) اسم تفضيل أي أشد ولْياً أي قرباً مشتق من وَلِي إذا صار وَليّاً ، وعدّي بالباء لتضمّنه معنى الاتصال أي أخصّ الناس بإبراهيم وأقربهم منه.\rومن المفسّرين من جعل أولى هنا بمعنى أجدر فيضطرّ إلى تقدير مضاف قبل قوله : { بإبراهيم } أي بدين إبراهيم.","part":14,"page":140},{"id":5833,"text":"والذين اتبعوا إبراهيم هم الذين اتبعوه في حياته : مثل لوط وإسماعيل وإسحاقَ ، ولا اعتداد بمحاولة الذين حاولوا اتباع الحنيفية ولم يهتدوا إليها ، مثل زيد بن عَمْرو بن نُفَيْل ، وأميةَ ابن أبي الصّلْت ، وأبيه أبي الصَّلت ، وأبي قيْس صِرمَة بن أبي أنس من بني النجّار ، وقال النبي صلى الله عليه وسلم \" كاد أمية بن أبي الصّلْت ، أن يُسلم \" وهو لم يدرك الإسلام فالمعنى كاد أن يكون حنيفاً ، وفي \"صحيح البخاري\" : أنّ زيد بن عَمرو بن نُفيل خرج إلى الشام يسأل عن الدين فلقي عالماً من اليهود ، فسأله عن دينه فقال له : إنّي أريد أن أكونَ على دينك ، فقال اليهوديّ : إنّك لا تكون على ديننا حتى تأخذ نصيبك من غضب الله ، قال زيد : أفِرُّ إلاّ من غضب الله ، ولا أحمل من غضب الله شيئاً أبداً وأنا أستطيع ، فهل تدلني على دين ليس فيه هذا ؟ قال : لا أعلمه إلاّ أن تكون حنيفاً ، قال : وما الحنيف ؟ قال : دين إبراهيم لم يكن يهودياً ولا نصرانياً وكان لا يعبد إلاّ الله ، فخرج من عنده فلقي عالماً من النصارى فقاوله مثل مقاولة اليهودي ، غير أنّ النصراني قال : أن تأخذ بنصيبك من لَعنة الله ، فخرج من عنده وقد اتفقا له على دين إبراهيم ، فلم يزل رافعاً يديه إلى السماء وقال : اللهم أشهَدْ أنّي على دين إبراهيم وهذا أمنية منه لا تصادف الواقع.","part":14,"page":141},{"id":5834,"text":"وفي \"صحيح البخاري\" ، عن أسماء بنت أبي بكر : قالت : رأيت زيدَ بن عَمرو بن نُفيل قبل الإسلام مسنِداً ظهره إلى الكعبة وهو يقول : \"يا معشر قريش ليس منكم على دين إبراهيم غيري\" وفيه أنّ النبي صلى الله عليه وسلم لقي زيدَ بن عمرو بن نُفيل بأسفل بَلْدَح قبل أن يَنزل على النبي صلى الله عليه وسلم الوحي فقُدِّمَتْ إلى النبي صلى الله عليه وسلم سُفرة فأبى زيدُ بن عمرو أنْ يأكل منها وقال : إنّي لست آكل ممّا تذبحون على أنصابكم ولا آكل إلاّ ما ذكر اسم الله عليه وهذا توهّم منه أن النبي صلى الله عليه وسلم يفعل كما تفعل قريش.\rوإنّ زيداً كان يعيب على قريش ذبائحهم ويقول : الشاة خلقها الله وأنزل لها من السماء الماء أنبت لها من الأرض ثم تذبحونها على غير اسم الله.\rواسم الإشارة في قوله : { وهذا النبي } مستعمل مجازاً في المشتهر بوصف بين المخاطبين كقوله في الحديث : \" فجعل الفَرَاشُ وهذه الدّوَابُّ تقع في النار \" فالإشارة استعملت في استحضار الدوابّ المعروفة بالتساقط على النار عند وقودها ، والنبي ليس بمشاهد للمخاطبين بالآية ، حينئذ ، ولا قُصدت الإشارة إلى ذاته.\rويجوز أن تكون الإشارة مستعملة في حضور التكلم باعتبار كون النبي هو الناطق بهذا الكلام ، فهو كقول الشاعر : \"نجوتتِ وهَذا تحملين طَليق\" أي والمتكلّم الذي تحملينه.\rوالاسم الواقع بعد اسم الإشارة ، بدلاً منه ، هو الذي يعين جهة الإشارة مَا هي.\rوعطف النبي على الذين اتبعوا إبراهيم للاهتمام به وفيه إيماء إلى أنّ متابعته إبراهيم عليه السلام ليست متابعة عامة فكون الإسلام من الحنيفية أنّه موافق لها في أصولها.\rوالمراد بالذين آمنوا المسلمون.","part":14,"page":142},{"id":5835,"text":"فالمقصود معناه اللقَبي ، فإنّ وصف الذين آمنوا صار لقباً لأمة محمد صلى الله عليه وسلم ولذلك كثر خطابهم في القرآن بيأيها الذين آمنوا.\rووجه كون هذا النبي صلى الله عليه وسلم والذين آمنوا أولى الناس بإبراهيم ، مثل الذين اتبعوه ، إنّهم قد تخلقوا بأصول شرعه ، وعرفوا قدره ، وكانوا له لسان صدق دائباً بذكره ، فهؤلاء أحقّ به ممّن انتسبوا إليه لكنهم نقضوا أصول شرعه وهم المشركون ، ومن الذين انتسبوا إليه وأنسوا ذكر شرعه ، وهم اليهود والنصارى ، ومن هذا المعنى قول النبي صلى الله عليه وسلم لما سَأل عن صوم اليهود ، يوم عاشوراء فقالوا : هو يوم نجّى الله فيه موسى فقال : \"نَحْن أحقّ بموسى منهم\" وصامه وأمر المسلمين بصومه.\rوقوله : { والله ولي المؤمنين } تذييل أي هؤلاء هم أولى الناس بإبراهيم ، والله ولي إبراهيم ، والذين اتبعوه ، وهذا النبي ، والذين آمنوا ؛ لأنّ التذييل يشمل المذيَّل قطعاً ، ثم يشمل غيره تكميلاً كالعام على سبب خاص.\rوفي قوله : { والله ولي المؤمنين } بعد قوله : { كان إبراهيم يهودياً } [ آل عمران : 67 ] تعريض بأنّ الذين لم يكن إبراهيم منهم ليسوا بمؤمنين. أ هـ {التحرير والتنوير حـ 3 صـ 123 ـ 125}\rفصل","part":14,"page":143},{"id":5836,"text":"روى الكلبيُّ وابنُ إسحاقَ حديث هجرة الحبشة لما هاجر جعفر بن أبي طالب ، وأناس من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم إلى الحبشة ، واستقرَّتْ بهم الدَّارُ ، وهاجر النبي صلى الله عليه وسلم إلى المدينة ، وكان من أمر بدر ما كان ، اجتمعت قريش في دارِ الندوةِ ، وقالوا : إن لنا في الذين عند النجاشي - من أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم - ثأراً ممن قُتِل منكم ببدر ، فاجمعوا مالاً ، وأهدوه إلى النجاشِيِّ ؛ لعله يدفع إليكم مَنْ عنده من قَوْمِكُمْ ، ولْيُنْتَدَب لذلك رجلان من ذوي رَأيكم ، فبعثوا عمرو بنَ العاصِ ، وعمارة بن الوليد مع الهدايا ، فركِبا البحرَ ، وأتَيَا الحبشةَ ، فلما دَخَلاَ على النجاشيِّ سَجَدَا له ، وسلما عليه ، وقَالاَ له : إنَّ قومَنا لك ناصحون شاكرون ، ولصِلاَحِك مُحِبُّونَ ، وإنهم بعثونا لنحذّرك هؤلاءِ الذين قَدِموا عليك ؛ لأنهم قومُ رجلٍ كَذَّابٍ ، خرج فينا يزعم أنه رسولُ اللهِ ، ولم يتابعه أحدٌ منا إلاَّ السُّفَهاءُ ، وإنا كنا ضيَّقْنَا عليهم الأمر ، وألجأناهم إلى شِعْبٍ بأرضِنَا ، لا يدخل عليهم أحدٌ ، ولا يخرجُ منهم أحدٌ ، حتى قتلهم الجوعُ والعطشُ ، فلمَّا اشتدَّ عليهم الأمرُ بعث إليك ابن عَمِّه ، ليُفْسِد عليك دِينَك ومُلْكَك ورَعِيَّتَك ، فاحْذَرْهُمْ ، وادْفَعْهم إلَيْنَا ، لنكفِيَكَهُمْ ، قالوا : وآية ذلك أنهم إذا دَخَلوا عليك لا يسجدون لك ، ولا يُحَيُّونَك بالتحية التي يُحَيِّيك بها الناسُ رغبةً عن دِينك وسُنَّتِكَ.","part":14,"page":144},{"id":5837,"text":"فدعاهم النجاشيُّ ، فلمَّا حضروا صاح جعفرُ بالباب : يستأذن عليك حزبُ اللهِ ، فقال النجاشيُّ : مروا هذا الصائحَ فلْيُعِدْ كلامَه ، ففعل جَعْفَرُ ، فقال النجاشيُّ : نعم ، فلْيَدْخُلُوا بأمان اللهِ وذمته ، فنظر عمرو بنُ العاصِ إلى صاحبه ، فقال : ألا تسمع ؟ يرطنون بـ \" حِزْبِ اللهِ \" وما أجابهم به النجاشي!!! فساءهما ذلك ، ثم دخلوا عليه ولم يَسْجُدُوا له ، فقال عمرو بن العاص ألا ترى أنهم يستكبرون أن يسجدوا لك ؟ فقال لهم النجاشِيُّ : ما منعكم أن تسجدوا لِي وتُحَيُّونِي بالتحية التي يحييني بها مَنْ أتاني من الآفاقِ ؟ قالوا : نَسْجُد لله الذي خَلَقَكَ ومُلْكَك ، وإنما كانت تلك التحيةُ لنا ونحن نعبدُ الأصْنَام ، فبعث الله فينا نبيًّا صادقاً ، وأمرنا بالتحية التي رضيها اللهُ ، وهي السلامُ ، وتحية أهل الجنَّةِ ، فعرف النجاشيُّ أن ذلك حَقٌّ ، وأنه في التوراة والإنجيل ، فقال : أيكم الهاتف : يستأذنُ عليك حِزْبُ الله ؟ قال جَعْفَر : أنا ، قال : فتكلم ، قال : إنك مَلِك من ملوك أهل الأرض ، ومن أهل الكتاب ، ولا يصلح عندَك كثرةُ الكلامِ ، ولا الظلمُ ، وأنا أحب أن أجيبَ عن أصحابي ، فمر هذين الرجلين ، فلْيَتَكَلَّمْ أحدُهما ، وليُنْصِت الآخرُ ، فيسمع محاورتنا ، فقال عَمْرو لجعفر : تَكَلَّمْ ، فقال جعفر للنجاشيُّ : سل هذين الرجلين أعَبيدٌ نحن أم أحرارٌ ؟ فإن كنا عبيداً أبَقْنَا من أرْبَابِنا فاردُدْنا إليهم ، فقال النجاشيُّ : أعبيدٌ هم أم أحرار ؟ فقال لا ، بل أحرارٌ كرام ، فقال النجاشيُّ : نَجَوْا من العبوديَّةِ ، ثم قال جعفرُ : سَلْهَُمَا هل لهم فينا دماء بغير حق ، فيقتصّ منا ؟ فقال عمرو : لا ، ولا قطرة.","part":14,"page":145},{"id":5838,"text":"قال جعفر : سَلْهُمَا ، هل أخذنا أموالَ الناسِ بغير حق ، فعلينا قضاؤها - قال النجاشيُّ : إن كان قنطاراً فعلي قضاؤه - فقال عمرو : لا ، ولا قيراط ، فقال النجاشيُّ : فما تطلبون منهم ؟ قال عمرو كنا وهم على دينٍ واحدٍ - دين آبائِنا - فتركوا ذلك ، واتَّبَعُوا غيره ، فَبَعَثَنَا إليك قومنا لتدفعهم إلينا ، فقال النجاشيُّ : ما هذا الدينُ الذي كنتم عليه ، الدين الذي اتبعتموه ؟\rقال : أما الدينُ الذي كنا عليه فتركناه فهو دينُ الشيطانِ ، كنا نكفر بالله ، ونعبد الحجارة ، وأما الدين الذي تحوَّلنا إليه فدينُ الله الإسلامُ ، جاءنا به من الله رسولٌ ، وكتاب مثل كتاب ابن مريم ، موافِقاً له.\rفقال النجاشيُّ : يا جعفر ، تكلمت بأمر عظيم ، فعلى رِسْلِك ، ثم أمر النجاشيُّ ، فضُرِب بالنَّاقوس ، قد اجتمع إليه كُلُّ قِسِّيسٍ ورَاهبٍ ، فلما اجتمعوا عنده ، قال النجاشيُّ : أنشدكم إله الذي أنزل الإنجيل على عيسى ، هل تجدون بين عيسى وبين يوم القيامة نبيًّا مُرسَلاً ؟ فقالوا : اللهم نَعَمْ ، قد بشرنا به عيسَى ، وقال : مَنْ آمن به فقد آمن بي ، ومن كَفَر به فقد كفر بي.","part":14,"page":146},{"id":5839,"text":"قال النجاشيُّ لجعفَرَ : ماذا يقول لكم هذا الرجلُ ؟ وما يأمركم به ، وما ينهاكم عنه ؟ قال : يقرأ علينا [ كتاب الله ] ، ويأمرنا بالمعروف ، وينهانا عن المنكر ، ويأمر بحُسْنِ الجوار ، وصلة الرَّحِم ، وبِرِّ اليتيم ، وأمرنا أن لا نعبد إلا اللهَ وحدَه لا شريك له ، فقال : اقرأ عليَّ مما يقرأ عليكم ، فقرأ سورتي العنكبوت والرُّوم ، ففاضت عينا النجاشيِّ وأصحابه من الدّمع ، وقالوا : زِدْنَا يا جعفرُ من هذا الحديثِ الطيبِ ، فقرأ عليهم سورة الكهف ، فأراد عمرو أن يُغْضِبَ النجاشِيّ ، فقال : إنهم يشتمون عيسى ابن مريمَ وأمَّه ، فقال النجاشِيُّ : ما تقولون في عيسى وأمِّه ، فقرأ عليهم جعفر سورة \" مريم \" ، فلما أتى على ذكر مريم وعيسى رفع النجاشِيُّ نُفَاثَةً من سواكه قَدْرَ ما يُقْذِي العَيْنَ قال : والله ما زادَ المسيحُ على قول هذا ، ثم أقبل على جعفرَ وأصحابه ، فقال : اذهبوا فأنتم شيوم بأرضي ، آمنون ، مَنْ سَبَّكُمْ وآذاكم غَرِم ، ثم قال : أبشروا ، ولا تخافوا ، فلا دهورة اليوم على حزب إبراهيمَ ، قال عمرو : يا نجاشيُّ ، ومَنْ حِزْبَ إبراهيم ؟ قال : هؤلاء الرهط وصاحبُهم الذي جاءوا من عنده ومَن اتبعهم ، فأنكر ذلك المشركون ، وادَّعَوْا في دين إبراهيمَ ، ثم رَدَّ النجاشيُّ على عمرو وصاحبه المالَ الذي حملوه ، وقال : إنما هديَّتُكم إليّ رشْوَة ، فاقبضوها ؛ فإن الله - تعالى - ملَّكَني ولم يأخذْ مني رشوة ، قال جعفرُ : فانصرفْنَا ، فكنا في خير دارٍ ، وأكرم جوارٍ ، فأنزل الله ذلك اليوم على رسوله في خصومتهم في إبراهيم - وهو في المدينة - قوله - عز وجل : { إِنَّ أَوْلَى الناس بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ اتبعوه وهذا النبي والذين آمَنُواْ والله وَلِيُّ المؤمنين }.{ أخرجه ابن إسحاق في السيرة عن أم سلمة : 1 / 211 -","part":14,"page":147},{"id":5840,"text":"215 ومن طريقه الإمام أحمد في المسند : 1 / 201 - 203 عن أم سلمة. وقال الهيثمي في المجمع : 6 / 27 : \"رواه أحمد ورجاله رجال الصحيح\" وذكره الواحدي في أسباب النزول ص (138 - 141)}.\rوروى ابن مسعود أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : \" إنَّ لِكُلِّ نَبِيٍّ وُلاَةً مِنَ النَّبِيِّينَ ، وَإنَّ وليِّي مِنْهُمْ أبي ، وَخَلِيلُ رَبِّي \" ثم قرأ : { إِنَّ أَوْلَى الناس بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ اتبعوه وهذا النبي والذين آمَنُواْ والله وَلِيُّ المؤمنين }.\r{ سعيد بن منصور في السنن برقم (501) والترمذي في السنن برقم (2995) وقد خولف أبو أحمد الزبيري وأبو الأحوص في رواية هذا الحديث ، فرواه ابن مهدي ويحيى القطان وأبو نعيم ، فلم يذكروا فيه مسروق.\rقال ابن أبي حاتم في العلل (2/63) : سألت أبي وأبا زرعة عن حديث رواه أبو أحمد الزبيري وروح بن عبادة فذكره ، فقالا جميعا : \"هذا خطأ رواه المتقنون من أصحاب الثوري عن الثوري عن أبيه عن أبي الضحى عن النبي صلى الله عليه وسلم بلا مسروق\"}. أ هـ {تفسير ابن عادل حـ 5 صـ 308 ـ 310}\rفوائد بلاغية\rقال أبو حيان :\rقيل : وجمعت هذه الآيات من البلاغة : التنبيه والإشارة والجمع بين حرفي التأكيد ، وبالفصل في قوله : { إن هذا لهو القصص الحق } وفي : { وإنّ الله لهو العزيز } والإختصاص في : { عليم بالمفسدين } وفي : { وليّ المؤمنين } والتجوز بإطلاق اسم الواحد على الجمع في : { إلى كلمة سواء } وباطلاق اسم الجنس على نوعه في : { يا أهل الكتاب } إذا فسر باليهود.\rوالتكرار في : إلا الله ، و: إنّ الله ، وفي : يا أهل الكتاب تعالوا ، يا أهل الكتاب لم.\rوفي : إبراهيم ، و: ما كان إبراهيم ، و: إن أولى الناس بإبراهيم.","part":14,"page":148},{"id":5841,"text":"والتشبيه في : أرباباً ، لما أطاعوهم في التحليل والتحريم ، وأذعنوا إليهم أطلق عليه : أرباباً تشبيهاً بالرب المستحق للعبادة والربوبية ، والإجمال في الخطاب في : يا أهل الكتاب ، تعالوا يا أهل الكتاب ، لم تحاجون ، كقول إبراهيم : يا أبت.\rيا أبت وكقول الشاعر :\rمهلاً بني عمنا مهلاً موالينا . . .\rلا تنبشوا بيننا ما كان مدفوناً\rوقول الآخر :\rبني عمنا لا تنبشوا الشر بيننا . . .\rفكم من رماد صار منه لهيب\rوالتجنيس المماثل في : أولى وولي. أ هـ {البحر المحيط حـ 2 صـ 501 ـ 513}\rمن لطائف الإمام القشيرى فى الآية\rلما تفرقت الأهواء والبدع وصار كل حزب إلى خطأ آخر ، بقي أهل الحقِّ في كل عصر وكل حين ووقت على الحجة المثلى ، فكانوا حزباً واحداً ، فبعضهم أَوْلى ببعض. وإبراهيم صاحب الحق ، ومن دان بدينه - كمثل رسولنا صلى الله عليه وسلم وأمته - على الدين الذي كان عليه إبراهيم عليه السلام وهو توحيد الله سبحانه وتعالى.\r{ وَاللهُ وَلِىُّ المُؤْمِنِينَ } لأنهم تولَّوْا دينه ، ووافقوا توحيده ، وولاية الله إنما تكون بالعَوْن والنصرة والتخصيص والقربة. أ هـ {لطائف الإشارات حـ 1 صـ 249}","part":14,"page":149},{"id":5842,"text":"قوله تعالى { وَدَّتْ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يُضِلُّونَكُمْ وَمَا يُضِلُّونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ (69)}\rمناسبة الآية لما قبلها\rقال البقاعى : \rولما كان قصد بعضهم بدعواه أن إبراهيم عليه الصلاة والسلام على دينه إنما هو إضلال أهل الإسلام عقب ذلك بالإعراب عن مرادهم بقوله تعالى - جواباً لمن كأنه قال : فما كان مراد أهل الكتابين بدعواهم فيه مع علمهم أن ذلك مخالف لصريح العقل ؟ {ودت طآئفة} أي من شأنها أن تطوف حولكم طواف التابع المحب مكراً وخداعاً {من أهل الكتاب} حسداً لكم {لو يضلونكم} بالرجوع إلى دينهم الذي يعلمون أنه قد نسخ {وما} أي والحال أنهم ما {يضلون} بذلك التمني أو الإضلال لو وقع {إلا أنفسهم} لأن كلاًّ من تمنيهم وإضلالهم ضلال لهم مع أنهم لا يقدرون أن يضلوا من هداه الله ، فمن تابعهم على ضلالهم فإنما أضله الله {وما يشعرون} أي وليس يتجدد لهم في وقت من الأوقات نوع شعور ، فكيدهم لا يتعداهم فقد جمعوا بين الضلال والجهل ، إما حقيقة لبغضهم وإما لأنهم لما عملوا بغير ما يعلمون عد علمهم جهلاً وعدوا هم بهائم ، فكانت هذه الجملة على غاية التناسب ، لأن أهم شيء في حق من رمى بباطل - إنما غلبة الرامي ليتعاظم بأنه شأنه - بيان إبطاله في دعواه ، ثم تبكيته المتضمن لبراءة المقذوف ، ثم التصريح ببراءته ، ثم بيان من هو أولى بالكون من حربه ، ثم بيان المراد من تلك الدعوى الكاذبة ليحذر غائلتها السامع. أ هـ {نظم الدرر حـ 2 صـ 112 ـ 113}\rفصل\rقال الفخر : ","part":14,"page":150},{"id":5843,"text":"اعلم أنه تعالى لما بيّن أن من طريقة أهل الكتاب العدول عن الحق ، والإعراض عن قبول الحجة بيّن أنهم لا يقتصرون على هذا القدر ، بل يجتهدون في إضلال من آمن بالرسول عليه السلام بإلقاء الشبهات كقولهم : إن محمداً عليه السلام مقر بموسى وعيسى ويدعي لنفسه النبوّة ، وأيضاً إن موسى عليه السلام أخبر في التوراة بأن شرعه لا يزول ، وأيضاً القول بالنسخ يفضي إلى البداء ، والغرض منه تنبيه المؤمنين على أن لا يغتروا بكلام اليهود ، ونظير قوله تعالى في سورة البقرة : {وَدَّ كَثِيرٌ مّنْ أَهْلِ الكتاب لَوْ يَرُدُّونَكُم مِن بَعْدِ إيمانكم كُفَّارًا حَسَدًا مّنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ} [ البقرة : 109 ] وقوله {وَدُّواْ لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُواْ فَتَكُونُونَ سَوَاء} [ النساء : 89 ].\rواعلم أن {مِنْ} ههنا للتبعيض وإنما ذكر بعضهم ولم يعمهم لأن منهم من آمن وأثنى الله عليهم بقوله {مّنْهُمْ أُمَّةٌ مُّقْتَصِدَةٌ} [ المائدة : 66 ] {وَمِنْ أَهْلِ الكتاب أُمَّةٌ قَائِمَة} [ آل عمران : 113 ] وقيل نزلت هذه الآية في معاذ وعمّار بن ياسر وحذيفة دعاهم اليهود إلى دينهم ، وإنما قال : {لَوْ يُضِلُّونَكُمْ} ولم يقل أن يضلوكم ، لأن {لَوْ} للتمني فإن قولك لو كان كذا يفيد التمني ونظيره قوله تعالى : {يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ} [ البقرة : 96 ].","part":14,"page":151},{"id":5844,"text":"ثم قال تعالى : {وَمَا يُضِلُّونَ إِلا أَنفُسَهُمْ} وهو يحتمل وجوهاً منها إهلاكهم أنفسهم باستحقاق العقاب على قصدهم إضلال الغير وهو كقوله {وَمَا ظَلَمُونَا ولكن كَانُواْ أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ} [ البقرة : 57 ] وقوله {وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقَالَهُمْ وَأَثْقَالاً مَّعَ أَثْقَالِهِمْ} [ العنكبوت : 13 ] {لِيَحْمِلُواْ أَوْزَارَهُمْ كَامِلَةً يَوْمَ القيامة وَمِنْ أَوْزَارِ الذين يُضِلُّونَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ أَلاَ سَآء مَا يَزِرُونَ} [ النحل : 25 ] ومنها إخراجهم أنفسهم عن معرفة الهدى والحق لأن الذاهب عن الاهتداء يوصف بأنه ضال ومنها أنهم لما اجتهدوا في إضلال المؤمنين ثم إن المؤمنين لم يلتفتوا إليهم فهم قد صاروا خائبين خاسرين ، حيث اعتقدوا شيئاً ولاح لهم أن الأمر بخلاف ما تصوروه.\rثم قال تعالى : {وَمَا يَشْعُرُونَ} أي ما يعلمون أن هذا يضرهم ولا يضر المؤمنين. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 8 صـ 80}\rفصل\rقال ابن عادل : \rفي \" مِن \" وجهان : \rأظهرهما : أنها تبعيضيَّة.\rوالثاني : أنها لبيان الجنس.\rقال ابن عطيَّة : ويعني أن المراد بـ \" طائفة \" جميع أهل الكتاب ، قال أبو حيّان : وهذا بعيد من دلالة اللفظ ، وهذا الجار - على القول بأنها تبعضية - في محلّ رفع ، صفة لِ \" طَائِفَةٌ \" ، وعلى القول بأنها بيانية تعلق بمحذوف.\rوقوله : تقدم أنه يجوز أن تكون مصدرية ، وأن تكون على بابها - من كونها حرفاً لما كان سيقع لوقوع غيره.\rقال أبو مُسْلِم الأصبهاني : \" وَدَّ \" بمعنى تَمَنَّى ، فيستعمل معها \" لو \" و\" أن \" وربما جُمِع بينهما ، فَيُقَالُ : وددت أن لو فعلت ، ومصدره الودادة ، والاسم منه وُدّ وبمعنى \" أحَبَّ \" فيتعدَّى \" أحَب \" والمصدر المودة ، والاسم منه ود وقد يتداخلانِ في المصدر والاسم.","part":14,"page":152},{"id":5845,"text":"وقال الراغب : \" إذا كان بمعنى \" أحب \" لا يجوز إدخال \" لو \" فيه أبداً \".\rوقال الرمانيُّ : \" إذا كان وَدَّ \" بمعنى تمنَّى صلُح للحال والاستقبال [ والماضي ، وإذا كان بمعنى الهمة والإرادة لم يصلح للماضي ؛ لأن الإرادة لاستدعاء الفعل ، وإذا كان للحال والمستقبل جاز وتجوز \" لَوْ \" ، وإذا كان للماضي لم يجز \" أنْ \" لأن \" أن \" للمستقبل ].\rوفيه نظرٌ ، لأن \" أن \" تُوصَل بالماضي. أ هـ {تفسير ابن عادل حـ 5 صـ 310 ـ 311}\rمن فوائد الآلوسى فى الآية\rقال رحمه الله :\r{ وَدَّت طَّائِفَةٌ مّنْ أَهْلِ الكتاب لَوْ يُضِلُّونَكُمْ } المشهور أنها نزلت حين دعا اليهود حذيفة وعماراً ومعاذاً إلى اليهودية ، فالمراد بأهل الكتاب اليهود ، وقيل : المراد بهم ما يشمل الفريقين ، والآية بيان لكونهم دعاة إلى الضلالة إثر بيان أنهم ضالون ، وأخرج ابن المنذر عن سفيان أنه قال : كل شيء في آل عمران من ذكر أهل الكتاب فهو في النصارى ، ولعله جار مجرى الغالب ، و{ مِنْ } للتبعيض ، والطائفة رؤساؤهم وأحبارهم ، وقيل : لبيان الجنس والطائفة جميع أهل الكتاب وفيه بعد ، و{ لَوْ } بمعنى أن المصدرية ، والمنسبك مفعول ودّ وجوز إقرارها على وضعها ، ومفعول ودّ محذوف ، وكذا جواب { لَوْ } والتقدير : ودّت إضلالكم لو يضلونكم لسروا بذلك ، ومعنى { يُضِلُّونَكُمْ } يردونكم إلى كفركم قاله ابن عباس أو يهلكونكم قاله ابن جرير الطبري أو يوقعونكم في الضلال ويلقون إليكم ما يشككونكم به في دينكم قاله أبو علي وهو قريب من الأول.","part":14,"page":153},{"id":5846,"text":"{ وَمَا يُضِلُّونَ إِلا أَنفُسَهُمْ } الواو للحال ، والمعنى على تقدير إرادة الإهلاك من الإضلال أنهم ما يهلكون إلا أنفسهم لاستحقاقهم بإيثارهم إهلاك المؤمنين سخط الله تعالى وغضبه ، وإن كان المراد من الإهلاك الإيقاع في الضلال فيحتاج إلى تأويل لأن القوم ضالون فيؤدي إلى جعل الضال ضالاً فيقال : إن المراد من الإضلال ما يعود من وباله إما على سبيل المجاز المرسل ، أو الاستعارة أي ما يتخطاهم الإضلال ولا يعود وباله إلا إليهم لما أنهم يضاعف به عذابهم ، أو المراد بأنفسهم أمثالهم المجانسون لهم ، وفيه على ما قيل : الإخبار بالغيب فهو استعارة أو تشبيه بتقدير أمثال أنفسهم إذ لم يتهود مسلم ولله تعالى الحمد وقيل : إن معنى إضلالهم أنفسهم إصرارهم على الضلال بما سولت لهم أنفسهم مع تمكنهم من اتباع الهدى بإيضاح الحجج ، ولا يخلو عن شيء { وَمَا يَشْعُرُونَ } أي وما يفطنون بكون الإضلال مختصاً بهم لما اعترى قلوبهم من الغشاوة قاله أبو علي وقيل : { وَمَا يَشْعُرُونَ } بأن الله تعالى يعلم المؤمنين بضلالهم وإضلالهم ، وفي نفي الشعور عنهم مبالغة في ذمهم. أ هـ {روح المعانى حـ 3 صـ 198 ـ 199}\rوقال ابن عاشور :\rقوله تعالى { وَدَّتْ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يُضِلُّونَكُمْ}\rاستئناف مناسبتُه قوله : { فإن تولوا فقولوا اشهدوا بأنا مسلمون إلى قوله { إن أولى الناس بإبراهيم } [ آل عمران : 64 68 ] إلخ.\rوالمراد بأهل الكتاب هنا اليهود خاصة ، ولذلك عُبّر عنهم بطائفة من أهل الكتاب لئلاّ يتوهم أنهم أهل الكتاب الذين كانت المحاجة مَعهم في الآيات السابقة.\rوالمراد بالطائفة جماعة منهم من قريظة ، والنضير ، وقَينُقاع ، دَعَوا عمَّار بن ياسر ، ومعاذَ بن جبل ، وحذيفةَ بن اليمان ، إلى الرجوع إلى الشرك.","part":14,"page":154},{"id":5847,"text":"وجملة لو يضلونكم مبينة لمضمون جملة ودّت ، على طريقة الإجمال والتفصيل.\rفلو شرطية مستعملة في التمنّي مجازاً لأنّ التمنّي من لوازم الشرط الامتناعي.\rوجواب الشرط محذوف يدل عليه فعل وَدّت تقديره : لو يضلونكم لحصل مودودهم ، والتحقيق أنّ التمنّي عارض من عوارض لَوْ الامتناعية في بعض المقامات.\rوليس هو معنى أصلياً من معاني لو.\rوقد تقدم نظير هذا في قوله تعالى : { يَودّ أحدهم لو يعمّر ألف سنة } في سورة [ البقرة : 96 ].\rوقوله : { لو يضلونكم } أي ودّوا إضلالكم وهو يحتمل أنهم ودّوا أن يجعلوهم على غير هدى في نظر أهل الكتاب : أي يذبذبوهم ، ويحتمل أنّ المراد الإضلال في نفس الأمر ، وإن كان وُدُّ أهل الكتاب أن يهوّدوهم.\rوعلى الوجهين يحتمل قوله تعالى : { وما يضلون إلا أنفسهم } أن يكون معناه : إنهم إذا أضلوا الناس فقد صاروا هم أيضاً ضالين ؛ لأنّ الإضلال ضلال ، وأن يكون معناه : إنهم كانوا من قبل ضالين برضاهم بالبقاء على دين منسوخ وقوله : { وما يشعرون } يناسب الاحتمالين لأنّ العلم بالحالتين دقيق. أ هـ {التحرير والتنوير حـ 3 صـ 125 ـ 126}\rوقال الطبرى : \rيعني بقوله جل ثناؤه : \"ودّت\" ، تمنت \"طائفة\" ، يعني جماعة \"من أهل الكتاب\" ، وهم أهل التوراة من اليهود ، وأهل الإنجيل من النصارى \"لو يضلُّونكم\" ، يقولون : لو يصدّونكم أيها المؤمنون ، عن الإسلام ، ويردُّونكم عنه إلى ما هم عليه من الكفر ، فيهلكونكم بذلك.\rو\"الإضلال\" في هذا الموضع ، الإهلاكُ ، من قول الله عز وجل : ( وَقَالُوا أَئِذَا ضَلَلْنَا فِي الأرْضِ أَئِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ ) [سورة السجدة : 10] ، يعني : إذا هلكنا ، ومنه قول الأخطل في هجاء جرير : \rكُنْتَ القَذَى فِي مَوْجِ أَكْدَرَ مُزْبِدٍ... قَذَفَ الأتِيُّ بِهِ فَضَلّ ضلالا\rيعنى : هلك هلاكًا ، وقول نابغة بني ذبيان : ","part":14,"page":155},{"id":5848,"text":"فَآبَ مُضِلُّوهُ بِعَيْنٍ جَلِيَّةٍ... وَغُودِرَ بِالجَوْلانِ حَزْمٌ ونَائِلُ\rيعني مهلكوه.\r\"وما يضلون إلا أنفسهم\" ، وما يهلكون - بما يفعلون من محاولتهم صدّكم عن دينكم - أحدًا غير أنفسهم ، يعني بـ\"أنفسهم\" : أتباعهم وأشياعَهم على ملَّتِهم وأديانهم ، وإنما أهلكوا أنفسَهم وأتباعهم بما حاولوا من ذلك لاستيجابهم من الله بفعلهم ذلك سخَطه ، واستحقاقهم به غَضَبه ولعنته ، لكفرهم بالله ، ونقضِهم الميثاقَ الذي أخذ الله عليهم في كتابهم ، في اتباع محمد صلى الله عليه وسلم وتصديقه ، والإقرار بنبوّته.\rثم أخبر جلّ ثناءه عنهم أنهم يفعلون ما يفعلون ، من محاولة صدّ المؤمنين عن الهدى إلى الضلالة والردى ، على جهل منهم بما اللهُ بهمُ محلٌّ من عقوبته ، ومدَّخِر لهم من أليم عذابه ، فقال تعالى ذكره : \"وما يشعرون\" أنهم لا يضلون إلا أنفسهم ، بمحاولتهم إضلالكم أيها المؤمنون.\rومعنى قوله : \"وما يشعرون\" ، وما يدرون ولا يعلمون. أ هـ {تفسير الطبرى حـ 6 صـ 500 ـ 502}\rمن لطائف الإمام القشيرى فى الآية\rقوله جلّ ذكره : { وَدَّت طِّائِفَةٌ مِّنْ أَهْلِ الكِتَابِ لَو يُضِلُّونَكُمْ وَمَا يُضِلُّونَ إِلاَّ أَنفُسَهُمْ }.\rمن حلَّت به فتنة ، وأصابته محنة ، واستهوته غواية - رَضِي لجميع الناس ما حلّ به ، فأهل الكتاب يريدون بالمؤمنين أن يزيغوا عن الحق ، ولكن أبى الله إلا أن يتم نوره ، وأن يعودَ إليهم وبالُ فعلهم. أ هـ {لطائف الإشارات حـ 1 صـ 249 ـ 250}","part":14,"page":156},{"id":5849,"text":"قوله تعالى { يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَكْفُرُونَ بِآَيَاتِ اللَّهِ وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ (70)}\rمناسبة الآية لما قبلها\rقال البقاعى : \rولما ختم الكلام فيهم بنفي شعورهم بين تعالى في معرض التبكيت أن نفيهم عنه إنما هو لأنهم معاندون ، لا يعملون بعلمهم ، بل يعملون بخلافه ، فقال مستأنفاً بما يدل على غاية التبكيت المؤذنة بشديد الغضب : {يا أهل الكتاب} أي الذين يدعون أنهم أهل العلم {لم تكفرون} أي كفراً تجددونه في كل وقت {بآيات الله} أي تسترون ما عندكم من العلم بسبب الآيات التي أنزلت عليكم من الملك المحيط بكل شيء عظمة وعزاً وعلماً {وأنتم تشهدون} أي تعلمون علماً هو عندكم في غاية الانكشاف أنها آياته أ هـ {نظم الدرر حـ 2 صـ 113}\rوقال الفخر : \rاعلم أنه تعالى لما بيّن حال الطائفة التي لا تشعر بما في التوراة من دلالة نبوّة محمد صلى الله عليه وسلم ، بيّن أيضاً حال الطائفة العارفة بذلك من أحبارهم.\rفقال : {يأَهْلَ الكتاب لِمَ تَكْفُرُونَ بأيات الله}. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 8 صـ 81}\rفي قوله {بآيات الله} وجوه\rالأول : أن المراد منها الآيات الواردة في التوراة والإنجيل ، وعلى هذا القول فيه وجوه\rأحدها : ما في هذين الكتابين من البشارة بمحمد عليه السلام ، ومنها ما في هذين الكتابين ، أن إبراهيم عليه السلام كان حنيفاً مسلماً ، ومنها أن فيهما أن الدين هو الإسلام.\rواعلم أن على هذا القول المحتمل لهذه الوجوه نقول : إن الكفر بالآيات يحتمل وجهين : \rأحدهما : أنهم ما كانوا كافرين بالتوراة بل كانوا كافرين بما يدل عليه التوراة فأطلق اسم الدليل على المدلول على سبيل المجاز والثاني : أنهم كانوا كافرين بنفس التوراة لأنهم كانوا يحرفونها وكانوا ينكرون وجود تلك الآيات الدالة على نبوّة محمد صلى الله عليه وسلم.","part":14,"page":157},{"id":5850,"text":"فأما قوله تعالى : {وَأَنتُمْ تَشْهَدُونَ} فالمعنى على هذا القول أنهم عند حضور المسلمين ، وعند حضور عوامهم ، كانوا ينكرون اشتمال التوراة والإنجيل على الآيات الدالة على نبوّة محمد صلى الله عليه وسلم ، ثم إذا خلا بعضهم مع بعض شهدوا بصحتها ، ومثله قوله تعالى : {تَبْغُونَهَا عِوَجاً وَأَنْتُمْ شُهَدَاء} [ آل عمران : 99 ].\rواعلم أن تفسير الآية بهذا القول ، يدل على اشتمال هذه الآية على الإخبار عن الغيب لأنه عليه الصلاة والسلام أخبرهم بما يكتمونه في أنفسهم ، ويظهرون غيره ، ولا شك أن الإخبار عن الغيب معجز.\rالقول الثاني : في تفسير آيات الله أنها هي القرآن وقوله {وَأَنتُمْ تَشْهَدُونَ} يعني أنكم تنكرون عند العوام كون القرآن معجزاً ثم تشهدون بقلوبكم وعقولكم كونه معجزاً.\rالقول الثالث : أن المراد بآيات الله جملة المعجزات التي ظهرت على يد النبي صلى الله عليه وسلم وعلى هذا القول فقوله تعالى : {وَأَنتُمْ تَشْهَدُونَ} معناه أنكم إنما اعترفتم بدلالة المعجزات التي ظهرت على سائر الأنبياء عليهم الصلاة والسلام الدالة على صدقهم ، من حيث أن المعجز قائم مقام التصديق من الله تعالى فإذا شهدتهم بأن المعجز إنما دل على صدق سائر الأنبياء عليهم الصلاة والسلام من هذا الوجه ، وأنتم تشهدون حصول هذا الوجه في حق محمد صلى الله عليه وسلم كان إصراركم على إنكار نبوته ورسالته مناقضاً لما شهدتهم بحقيته من دلالة معجزات سائر الأنبياء عليهم الصلاة والسلام على صدقهم. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 8 صـ 81}","part":14,"page":158},{"id":5851,"text":"وقال الآلوسى :\rقوله تعالى { يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَكْفُرُونَ بِآَيَاتِ اللَّهِ وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ (70)}\rأي لم تكفرون بما يتلى عليكم من آيات القرآن وأنتم تعلمون ما يدل على صحتها ووجوب الإقرار بها من التوراة والإنجيل ، وقيل : المراد : لم تكفرون بما في كتبكم من الآيات الدالة على نبوته صلى الله عليه وسلم وأنتم تشهدون الحجج الدالة على ذلك ، أو : لم تكفرون بما في كتبكم من أن الدين عند الله الإسلام وأنتم تشاهدون ذلك ، أو : لم تكفرون بالحجج الدالة على نبوته صلى الله عليه وسلم وأنتم تشهدون أن ظهور المعجزة يدل على صدق مدعي الرسالة أو أنتم تشهدون إذا خلوتم بصحة دين الإسلام ، أو : لم تكفرون بآيات الله جميعاً وأنتم تعلمون حقيتها بلا شبهة بمنزلة علم المشاهدة. أ هـ {روح المعانى حـ 3 صـ 199}\rوقال السمرقندى :\rيقول لم تجحدون بالقرآن { وَأَنتُمْ تَشْهَدُونَ } أنه نبيّ الله ، لأنهم كانوا يخبرون بأمره قبل مبعثه ويقال : بآيات الله ، يعني بعجائبه ودلائله.\rويقال : بآية الرجم. أ هـ {بحر العلوم حـ 1 صـ 247}\rوقال الطبرى :\rيعني بذلك جل ثناؤه : \"يا أهل الكتاب\" ، من اليهود والنصارى \"لم تكفرون\" ، يقول : لم تجحدون \"بآيات الله\" ، يعني : بما في كتاب الله الذي أنزله إليكم على ألسن أنبيائكم ، من آيه وأدلته\"وأنتم تشهدون\" أنه حق من عند ربكم.\rوإنما هذا من الله عز وجل ، توبيخٌ لأهل الكتابين على كفرهم بمحمد صلى الله عليه وسلم وجحودهم نبوّته ، وهم يجدونه في كتبهم ، مع شَهادتهم أن ما في كتبهم حقٌّ ، وأنه من عند الله. أ هـ {تفسير الطبرى حـ 6 صـ 503}","part":14,"page":159},{"id":5852,"text":"وقال ابن عطية :\rالمعنى : قل لهم يا محمد ، لأي سبب تكفرون بآيات الله التي هي آية القرآن ؟ وأنتم تشهدون أن أمره وصفة محمد الذي هو الآتي به في كتابكم ، قال هذا المعنى قتادة وابن جريج والسدي ، وتحتمل الآية أن يريد \" بالآيات \" ما ظهر على يدي محمد عليه السلام من تعجيز العرب والإعلام بالغيوب وتكلم الجماعات وغير ذلك و{ تشهدون } على هذا يكون بمعنى تحضرون وتعاينون ، والتأويل الأول أقوى لأنه روي أن أهل الكتاب كانوا قبل ظهور محمد صلى الله عليه وسلم يخبرون بصفة النبي الخارج وحاله ، فلما ظهر كفروا به حسداً ، فإخبارهم المتقدم لظهوره هو الشهادة التي وقفوا عليها ، قال مكي : وقيل إن هذه الآيات عني بها قريظة والنضير وبنو قينقاع ونصارى نجران. أ هـ {المحرر الوجيز حـ 1 صـ 452}\rوقال أبو حيان :\r{ قل يا أهل الكتاب لم تكفرون بآيات الله } قال ابن عباس : هي التوراة والإنجيل وكفرهم بها من جهة تغيير الأحكام ، وتحريف الكلام أو الآيات التي في التوراة والإنجيل من وصف النبي صلى الله عليه وسلم ، والإيمان به ، كما بين في قوله : { يجدونه مكتوباً عندهم في التوراة والإنجيل } قاله قتادة ، والسدي ، والربيع ، وابن جريح.\rأو : القرآن من جهة قولهم : { إنما يعلمه بشر } { إن هذا إلا إفك } { أساطير الأولين } والآيات التي أظهرها على يديه من : انشقاق القمر ، وحنين الجذع ، وتسبيح الحصى ، وغير ذلك.\rأو : محمد والإسلام ، قاله قتادة ، أو : ما تلاه من أسرار كتبهم وغريب أخبارهم ، قاله ابن بحر أو : كتب الله ، أو : الآيات التي يبين لهم فيها صدق محمد صلى الله عليه وسلم ، وصحة نبوّته ، وأمروا فيها باتباعه ، قاله ابو علي. أ هـ {البحر المحيط حـ 2 صـ 514}","part":14,"page":160},{"id":5853,"text":"وقال الثعالبى وقد أجاد :\rويحتملُ الجميع من الآيات المتلوَّة والمعجزات التي شَاهَدُوها منه صلى الله عليه وسلم. أ هـ {الجواهر الحسان حـ 1 صـ 277}\rقوله تعالى {وأنتم تشهدون}\rقال أبو حيان :\r{ وأنتم تشهدون } جملة حالية أنكر عليهم كفرهم بآيات الله وهم يشهدون أنها آيات الله ، ومتعلق الشهادة محذوف ، يقدّر على حسب تفسير الآيات ، فيقدّر بما يناسب ما فسرت به ، فلذلك قال قتادة ، والسدي ، والربيع : وأنتم تشهدون بما يدل على صحتها من كتابكم الذي فيه البشارة.\rوقيل : تشهدون بمثلها من آيات الأنبياء التي تقرون بها ، وقيل : بما عليكم فيه من الحجة.\rوقيل : إن كتبكم حق ، ولا تتبعون ما أنزل فيها.\rوقيل : بصحتها إذا خلوتم.\rفيكون : تشهدون ، بمعنى : تقرون وتعترفون.\rوقال الراغب : أو عنى ما يكون من شهادتهم { يوم تشهد عليهم ألسنتهم وأيديهم وأرجلهم }\rوقيل : تكفرون بآيات الله : تنكرون كون القرآن معجزاً ، ثم تشهدون بقلوبكم وعقولكم أنه معجز. أ هـ {البحر المحيط حـ 2 صـ 514 ـ 515}\rفائدة لغوية\rقال ابن عادل :\r\" لم \" أصلها \" لِمَا \" لأنها \" ما \" التي للاستفهام ، دخلت عليها اللامُ ، فحُذِفت الألف ؛ لطلب الخفة لأن حرف الجر صار كالعِوَضِ عنها ، ولأنها وقعت طرفاً ، ويدل عليها الفتحة ؛ وعلى هذا قوله تعالى : { عَمَّ يَتَسَآءَلُونَ } [ النبأ : 1 ] وقوله : { فَبِمَ تُبَشِّرُونَ } [ الحجر : 54 ] والوقف على [ هذه الحروف ] يكون بالهاء نحو فَبِمَهْ ، لِمَهْ. أ هـ {تفسير ابن عادل حـ 5 صـ 312}","part":14,"page":161},{"id":5854,"text":"قوله تعالى { يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَلْبِسُونَ الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (71)}\rقال البقاعى :\r{وأنتم تشهدون} أي تعلمون علماً هو عندكم في غاية الانكشاف أنها آياته ؛ ثم أتبع ذلك استئنافاً آخر مثل ذلك إلا أن الأول قاصر على ضلالهم وهذا متعد إلى إضلالهم فقال : {يا أهل الكتاب لم تلبسون الحق} أي الذي لا مرية فيه {بالباطل} أي بأن تؤولوه بغير تأويله ، أو تحملوه على غير محله {وتكتمون الحق} أي الذي لا يقبل تأويلاً ، وهو ما تعلمون من البشارة بمحمد صلى الله عليه وسلم وتوابعها {وأنتم} أي والحال أنكم {تعلمون} أي من ذوي العلم ، فأنتم تعرفون ذلك قطعاً وأن عذاب الضال المضل عظيم جداً. أ هـ {نظم الدرر حـ 2 صـ 113}\rفصل\rقال الفخر :\rاعلم أن علماء اليهود والنصارى كانت لهم حرفتان إحداهما : أنهم كانوا يكفرون بمحمد صلى الله عليه وسلم مع أنهم كانوا يعلمون بقلوبهم أنه رسول حق من عند الله والله تعالى نهاهم عن هذه الحرفة في الآية الأولى وثانيتهما : إنهم كانوا يجتهدون في إلقاء الشبهات ، وفي إخفاء الدلائل والبينات والله تعالى نهاهم عن هذه الحرفة في هذه الآية الثانية ، فالمقام الأول مقام الغواية والضلالة والمقام الثاني مقام الإغواء والإضلال. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 8 صـ 82}\rفائدة\rقال ابن عاشور :\rوإعادة ندائهم بقوله : { يا أهل الكتاب } ثانيةً لقصد التوبيخ وتسجيل باطلهم عليهم. أ هـ {التحرير والتنوير حـ 3 صـ 126}\rفصل\rقال الفخر :","part":14,"page":162},{"id":5855,"text":"اعلم أن الساعي في إخفاء الحق لا سبيل له إلى ذلك إلا من أحد وجهين : إما بإلقاء شبهة تدل على الباطل ، وإما بإخفاء الدليل الذي يدل على الحق ، فقوله {لِمَ تَلْبِسُونَ الحق بالباطل} إشارة إلى المقام الأول وقوله {وَتَكْتُمُونَ الحق} إشارة إلى المقام الثاني أما لبس الحق بالباطل فإنه يحتمل ههنا وجوهاً\rأحدها : تحريف التوراة ، فيخلطون المنزل بالمحرف ، عن الحسن وابن زيد\rوثانيها : إنهم تواضعوا على إظهار الإسلام أول النهار ، ثم الرجوع عنه في آخر النهار ، تشكيكاً للناس ، عن ابن عباس وقتادة وثالثها : أن يكون في التوراة ما يدل على نبوته صلى الله عليه وسلم من البشارة والنعت والصفة ويكون في التوراة أيضاً ما يوهم خلاف ذلك ، فيكون كالمحكم والمتشابه فيلبسون على الضعفاء أحد الأمرين بالآخر كما يفعله كثير من المشبهة ، وهذا قول القاضي ورابعها : أنهم كانوا يقولون محمداً معترف بأن موسى عليه السلام حق ، ثم إن التوراة دالة على أن شرع موسى عليه السلام لا ينسخ وكل ذلك إلقاء للشبهات. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 8 صـ 82}\rقوله تعالى : {وَتَكْتُمُونَ الحق}\rقال الفخر : \rأما قوله تعالى : {وَتَكْتُمُونَ الحق} فالمراد أن الآيات الموجودة في التوراة الدالة على نبوّة محمد صلى الله عليه وسلم كان الاستدلال بها مفتقراً إلى التفكر والتأمل ، والقوم كانوا يجتهدون في إخفاء تلك الألفاظ التي كان بمجموعها يتم هذا الاستدلال مثل ما أن أهل البدعة في زماننا يسعون في أن لا يصل إلى عوامهم دلائل المحققين. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 8 صـ 82}\rوقال ابن عاشور : \rولبس الحق بالباطل تلبيس دينهم بما أدخلوا فيه من الأكاذيب والخرافات والتأويلات الباطلة ، حتى ارتفعت الثقة بجميعه.","part":14,"page":163},{"id":5856,"text":"وكتمان الحق يحتمل أن يراد به كتمانهم تصديق محمد صلى الله عليه وسلم ويحتمل أن يراد به كتمانهم ما في التوراة من الأحكام التي أماتوها وعوّضوها بأعمال أحبارهم وآثار تأويلاتهم ، وهم يعلمونها ولا يعملون بها. أ هـ {التحرير والتنوير حـ 3 صـ 126}\rفائدة\rقال أبو حيان :\rوالظاهر أنه أنكر عليهم لبس الحق بالباطل ، وكتم الحق ، وكأن الحق منقسم إلى قسمين : قسم خلطوا فيه الباطل حتى لا يتميز ، وقسم كتموه بالكلية حتى لا يظهر. أ هـ {البحر المحيط حـ 2 صـ 516}\rقوله {وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ}\rقال الفخر :\rأما قوله {وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ} ففيه وجوه\rأحدها : إنكم تعلمون أنكم إنما تفعلون ذلك عناداً وحسداً\rوثانيها : {وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ} أي أنتم أرباب العلم والمعرفة لا أرباب الجهل والخرافة\rوثالثها : {وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ} أن عقاب من يفعل مثل هذه الأفعال عظيم. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 8 صـ 82}\rوقال أبو حيان :\r{ وأنتم تعلمون } جملة حالية تنعي عليهم ما التبسوا به من لبس الحق بالباطل وكتمانه ، أي : لا يناسب من علم الحق أن يكتمه ، ولا أن يخلطه بالباطل ، والسؤال عن السبب سؤال عن المسبب ، فإذا أنكر السبب فبالأولى أن ينكر المسبب ، وختمت الآية قبل هذه بقوله : { وأنتم تشهدون } وهذه بقوله : { وأنتم تعلمون } لأن المنكر عليهم في تلك هو الكفر بآيات الله ، وهي أخص من الحق ، لأن آيات الله بعض الحق ، والشهادة أخص من العلم ، فناسب الأخص الأخص ، وهنا الحق أعم من الآيات وغيرها ، والعلم أعم من الشهادة ، فناسب الأعم الأعم.\rوقالوا في قوله : { وأنتم تعلمون } أي : إنه نبي حق ، وإن ما جاء به من عند الله حق.\rوقيل : قال : { وأنتم تعلمون } ليتبين لهم الأمر الذي يصح به التكليف ، ويقوم عليهم به الحجة.","part":14,"page":164},{"id":5857,"text":"وقيل : { وأنتم تعلمون } الحق بما عرفتموه من كتبكم وما سمعتموه من ألسنة أنبيائكم. أ هـ {البحر المحيط حـ 2 صـ 516 ـ 517}\rفصل\rقال الفخر :\rقال القاضي : قوله تعالى : {لِمَ تَكْفُرُونَ} و{لِمَ تَلْبِسُونَ الحق بالباطل} دال على أن ذلك فعلهم ، لأنه لا يجوز أن يخلقه فيهم ، ثم يقول : لم فعلتم ؟\rوجوابه : أن الفعل يتوقف على الداعية فتلك الداعية إن حدثت لا لمحدث لزم نفي الصانع ، وإن كان محدثها هو العبد افتقر إلى إرادة أخرى وإن كان محدثها هو الله تعالى لزمكم ما ألزمتموه علينا ، والله أعلم. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 8 صـ 82}\rفوائد لغوية\rقال ابن عادل :\rقرأ العامة : { تَلْبِسُونَ } بكسر الباء ، من لبس عليه يلبس ، أي : خلَطه ، وقرأ يحيى بن وثَّابٍ بفتحها جعله من لبست الثوب ألبسه - على جهة المجاز ، وقرأ أبو مجلز \" تُلبِّسُون \" - بضم التاء ، وكسر الباء وتشديدها - من لبَّس \" بالتشديد \" ، ومعناه التكثير.\rوالباء في \" الباطل \" للحال ، أي : متلبساً بالباطل.\rفصل في معنى : تلبسون الحق\r{ تَلْبِسُونَ } تخلطون { الحق بالباطل } الإسلام باليهودية والنصرانية.\rوقيل : تخلطون الإيمان بعيسى - وهو الحق - بالكفر بمحمد - وهو الباطل -.\rوقيل : التوراة التي أنزل الله على موسى بالباطل ، الذي حرَّفتموه ، وكتبتموه بأيديكم ، قاله الحسنُ وابن زيد.\rوقال ابنُ عباس وقتادةُ : تواضعوا على إظهار الإسلام أول النهار ، ثم الرجوع عنه في آخر النهار تشكيكاً للناس.\rقال القاضي : أن يكون في التوراة ما يدل على نبوته صلى الله عليه وسلم من البشارة والنعت والصفة ، ويكون في التوراة - أيضاً - ما يوهم خلاف ذلك ، فيكون كالمحكم والمتشابه ، فيلبسون على الضعفاء أحد الأمرين بالآخر.","part":14,"page":165},{"id":5858,"text":"وقيل إنهم كانوا يقولون : إنَّ محمداً معترفٌ بأن موسى حَقٌّ ، ثم إنّ التوراةَ دالة على أن شرع موسى لا ينسخ ، وكل ذلك إلقاء للشبهات.\rقوله : { وَتَكْتُمُونَ الحق } جملة مُسْتَأنَفةٌ ، ولذلك لم يُنْصَب بإضمار \" أن \" في جواب الاستفهام ، وقد أجاز الزجاجُ - من البصريين - والفرّاءُ - من الكوفيين - فيه النصب - من حيث العربية - تسقط النون ، فينتصب على الصرف عند الكوفيين ، وبإضمار \" أن \" عند البصريين.\rومنع ذلك أبو علي الفارسيّ ، وأنكَرَه ، وقال : الاستفهام واقع على اللبس فحسب ، وأما { يَكْتُمُونَ } فخبر حتم ، لا يجوز فيه إلا الرفع. يعني أنه ليس معطوفاً على { تَلْبِسُونَ } ، بل هو استئناف ، خَبَّر عنهم أنهم يكتمون الحقَّ مع علمهم أنه حَقٌّ.\rونقل ابو محمد بن عَطِيَّة عن أبي عليٍّ أنه قال : الصَّرْف - هنا - يَقْبُح ، وكذلك إضمار \" أن \" لأن \" تَكتُمُونَ \" معطوف على موجب مقرَّر ، وليس بمستفهَم عنه ، وإنما استفهم عن السبب في اللبس ، واللبس موجب ، فليست الآيةُ بمنزلةِ قولهم : لا تأكل السمكَ وتَشْرَبَ اللَّبَنَ ، وليس بمنزلة قولك : أيقومُ فأقومَ ؟ والعطف على الموجب المقرَّر قبيح متى نصب - إلا في ضرورة الشعر - كما رُوِي : [ الوافر ]\r.................................. وَأَلْحَقَ بِالْحِجَازِ فَأسْتَرِيحَا\rقال سيبويه - في قولك : أسِرْتَ حتى تَدْخُلَهَا- : لا يجوز إلا النَّصْبُ في \" تداخلها \" لأن السير مستفهم عنه غيرُ موجَب ، وإذا قلنا : أيهم سار حتى يدخلُها ؟ رفعت لأن السيرَ موجب والاستفهام إنما وقع عن غيره.\r","part":14,"page":166},{"id":5859,"text":"قال أبو حيّان : وظاهر هذا النقل - عنه - معارضتُه لما نقل عنه قبله ؛ لأن ما قبلَه فيه أن الاستفهام رفع عن اللبس فحَسْب ، وأما { يَكْتُمُونَ } فخبر حَتْماً ، لا يجوز فيه إلا الرفع ، وفيما نقله ابن عطية أنَّ { يَكْتُمُونَ } معطوف على موجَب مقرَّر ، وليس بمستفهم عنه ، فيدل العطفُ على اشتراكهما في الاستفهام عن سبب اللبس ، وسبب الكَتْم الموجبين ، وفرق بين هذا المعنى ، وبين أن يكون { يَكْتُمُونَ } إخْباراً محضاً ، لم يشترك مع اللبس في السؤالِ عن السببِ ، وهذا الذي ذهبَ إليه أبو علي من أن الاستفهام إذا تضمَّن وقوعَ الفعل ، لا ينتصب الفعل بإضمار \" أن \" في جوابه وتبعه في ذلك جمال الدين ابن مالك ، فقال في تسهيله : \" أو لاستفهام لا يتضمَّن وقوعَ الفعلِ \".\r","part":14,"page":167},{"id":5860,"text":"فإن تضمن وقوع الفعلِ امتنع النصبُ عندَه ، نحو : لِمَ ضربتَ زيداً فيجازِيَك ؛ لأن الضرب قد وقع. ولم يشترط غيرُهما - من النحويين - ذلك ، بل إذا تعذر سَبْك المصدر مما قبله - إمَّا لعدم تقدُّمِ فعل ، وأما لاستحالة سَبْك المصدر المراد به الاستقبال ؛ لأجل مُضِيِّ الفعل - فإنما يقدر مصعد مقدَّراً استقبالُه بما يدل عليه المعنى ، فإذا قلت : لِمَ ضربتَ زيداً فاَضْرِبَك ؟ فالتقدير : ليكن منك إعلام بضَرْبِ زيدٍ فمجازاة منا ، وأما ما ردَّ به أبو علي الفارسي على الزجَّاج والفرَّاء ليس بلازم ؛ لأنه قد منع أن يراد بالفعل المُضِيَّ معنى إذ ليس نصًّا في ذلك ؛ إذْ قد يمكن الاستقبال لتحقيق صدوره لا سيما على الشخص الذي صدر منه أمثال ذلك ، وعلى تقدير تحقُّق المُضِي فلا يلزم - أيضاً - لأنه - كما تقدم - إذا لم يُمْكن سَبْك مصدر مستقبل من الجملة الاستفهامية سبكناه من لازمها ، ويدل على إلغاء هذا الشرطِ ، والتأويل بما ذكرناه ما حكاه ابنُ كَيْسَان من رفع المضارع بعد فعلٍ ماضٍ ، محقَّق الوقوع ، مستفهَم عنه ، نحو : أين ذهب زيد فنتَّبعُه ؟ ومن أبوك فنكرمه ؟ وكم مالك فنعرفُه ؟ كل ذلك متأوَّل بما ذكرنا من انسباك المصدر المستقبل من لازم الجُمَل المتقدمة ، فإن التقدير : ليكن منك إعلامٌ بذهاب زيد فاتباعٌ منا ، وليكن منك إعلام بأبيك فإكرام له منا ، وليكن منك تعريف بقدر مالك فمعرفة مِنَّا.\rقال شهابُ الدِّينِ : \" وهذا البحثُ الطويلُ على تقدير شيء لم يَقَعْ ، فإنه لم يُقْرَأ - لا في الشاذ ولا في غيره - إلا ثابتَ النون ، ولكن للعلماء غرضٌ في تطويل البحث ، تنقيحاً للذهن \".\r","part":14,"page":168},{"id":5861,"text":"ووراء هذا قراءة مُشْكِلَة ، رَوَوْها عن عُبَيْد بن عُمَير ، وهي : لِمَ تَلْبسُوا الحق بالباطل وَتَكْتُمُوا بحذف النون من الفعلين - وهي قراءة قراءة لا تَبْعد عن [ لَغطِ البحث ] ، كأنه توهم أن \" لَمْ \" هي الجازمة ، فجزم بها ، وقد نقل المفسّرونَ عن بعض النُّحَاةِ - هنا - أنهم يجزمون بلم حملاً على \" لم \" - نقل ذلك السجاونديُّ وغيره عنهم ، ولا أظن نحويّاً يقول ذلك ألبتة ، كيف يقولون في جار ومجرور : إنه يَجْزِم ؟ هذا ما لا يُتفَوَّهُ به ألبتة ولا نطيق سماعه ، فإن ثبتت هذه القراءةُ ولا بد فلتكن مما حُذِف فيه نونُ الرفع تخفيفاً ؛ حيث لا مقتضى لحَذْفها ، ومن ذلك قراءة بعضهم : \r{ قَالُواْ سِحْرَانِ تَظَاهَرَا } [ القصص : 48 ] - بتشديد الظاء - الأصل : تتظاهران ، فأدغم الثاني في الظاء ، وحذف النون تخفيفاً ، وفي الحديث : \" والذي نفسي بيده لا تدخلوا الجنة حتّى تؤمنوا ، ولا تؤمنوا حتى تحابّوا.. \" يريد - عليه السلامُ- : لا تدخلون ، ولا تؤمنون ؛ لاستحالة النهي معنًى.\rوقال الشاعرُ : [ الرجز ]\rأبِيتُ أسْرِي ، وَتَبِيتِي تَدْلُكِي... وَجْهَكِ بالْعَنْبَر وَالْمِسْكِ الذَّكِي\rيريد تبيتين وتدلُكين.\rومثله قول أبي طالب : [ الطويل ]\rفَإنْ يَكُ قَوْمٌ سَرَّهُمْ مَا صَنَعْتُمُ... سَتَحْتَلِبُوهَا لاَقِحاً غَيْرَ بَاهِلِ\rيريد : ستحتلبونها.\rولا يجوز أن يُتَوهَّم - في هذا البيت - أن يكون حذف النون لأجل جواب الشرط ، لأن الفاء مُرادَة وجوباً ؛ لعدم صلاحية \" ستحتلبوها \" جواباً ؛ لاقترانه بحرف التنفيس.\rوالمراد بالحق : الآيات الدالة على نبوة محمد صلى الله عليه وسلم في التوراة.\r","part":14,"page":169},{"id":5862,"text":"قوله : { وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ } جملة حالية ، ومتعلق العلم محذوف ، إما اقتصاراً ، وإما اختصاراً - أي : وأنتم تعلمون الحق من الباطل ، أو نبوة محمد صلى الله عليه وسلم أو تعلمون أن عقابَ مَنْ يفعل ذلك عظيم ، وتعلمن أنكم تفعلون ذلك عناداً وحسداً. أ هـ {تفسير ابن عادل حـ 5 صـ 312 ـ 316}\rفوائد بلاغية\rقال أبو حيان :\rوفي هذه الآيات أنواع من البديع.\rالطباق في قوله : الحق بالباطل ، والطباق المعنوي في قوله : لم تكفرون وأنتم تشهدون ، لأن الشهادة إقرار وإظهار ، والكفر ستر.\rوالتجنيس المماثل في : يضلونك وما يضلون والتكرار في : أهل الكتاب.\rوالحذف في مواضع قد بينت. أ هـ {البحر المحيط حـ 2 صـ 517}\rمن لطائف الإمام القشيرى فى الآية\rقوله تعالى {يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَلْبِسُونَ الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (71)}\rتكتمون الحق في شأن محمد عليه السلام وأنتم تعلمون أنه النبي الصادق ، وهل هذا حكم الخذلان وقضية الحرمان ، ثم أخبر أَنَّ منهم من ينافق في حالته ، فيريد أن يدفع عنه أذى المسلمين ، ولا يخالف إخوانه من الكافرين ، فتواصوا فيما بينهم بموافقة الرسول عليه السلام والمسلمين جهراً ، والخلوص في عقائدهم الفاسدة بعضهم مع بعض سِرَّاً. أ هـ {لطائف الإشارات حـ 1 صـ 250}","part":14,"page":170},{"id":5863,"text":"قوله تعالى { وَقَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ آَمِنُوا بِالَّذِي أُنْزِلَ عَلَى الَّذِينَ آَمَنُوا وَجْهَ النَّهَارِ وَاكْفُرُوا آَخِرَهُ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (72)}\rمناسبة الآية لما قبلها\rقال البقاعى : \rولما ذكر لبسهم دل عليه بقوله عطفاً على {ودت طائفة} مبيناً لنوع إضلال آخر : {وقالت طائفة من أهل الكتاب} أي من يهود المدينة {آمنوا} أي أظهروا الإيمان {بالذي أنزل على الذين آمنوا} متابعة لهم {وجه} أي أول {النهار} سمي وجهاً لأنه أول ما يستقبلك منه وهو ما يظهر ولذا عبروا به عن الأول الذي يصلح لاستغراق النصف ، لأن مرادهم التلبيس بظاهر لا باطن له ، ولفظ لا حقيقة له ، في جزء يسير جداً {واكفروا آخره} أي ليظنوا أنه لا غرض لكم إلا الحق ، وأنه ما ردكم عن دينهم بعد ابتاعكم له إلا ظهور بطلانه {لعلهم يرجعون} أي ليكون حالهم حال من يرجى رجوعه عن دينه. أ هـ {نظم الدرر حـ 2 صـ 113}\rوقال الفخر : \rاعلم أنه تعالى لما حكى عنهم أنهم يلبسون الحق بالباطل أردف ذلك بأن حكى عنهم نوعاً واحداً من أنواع تلبيساتهم ، وهو المذكور في هذه الآية. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 8 صـ 83}\rفصل\rقال الفخر : \rقول بعضهم لبعض {آمنوا بِالذي أنزل على الذين آمنوا وجه النهار} ويحتمل أن يكون المراد كل ما أنزل وأن يكون المراد بعض ما أنزل.\rأما الاحتمال الأول : ففيه وجوه","part":14,"page":171},{"id":5864,"text":"الأول : أن اليهود والنصارى استخرجوا حيلة في تشكيك ضعفه المسلمين في صحة الإسلام ، وهو أن يظهروا تصديق ما ينزل على محمد صلى الله عليه وسلم من الشرائع في بعض الأوقات ، ثم يظهروا بعد ذلك تكذيبه ، فإن الناس متى شاهدوا هذا التكذيب ، قالوا : هذا التكذيب ليس لأجل الحسد والعناد ، وإلا لما آمنوا به في أول الأمر وإذا لم يكن هذا التكذيب لأجل الحسد والعناد وجب أن يكون ذلك لأجل أنهم أهل الكتاب وقد تفكروا في أمره واستقصوا في البحث عن دلائل نبوته فلاح لهم بعد التأمل التام ، والبحث الوافي أنه كذاب ، فيصير هذا الطريق شبهة لضعفة المسلمين في صحة نبوته ، وقيل : تواطأ اثنا عشر رجلاً من أحبار يهود خيبر على هذا الطريق.\rوقوله {لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ} معناه أنا متى ألقينا هذه الشبهة فلعل أصحابه يرجعون عن دينه.\rالوجه الثاني : يحتمل أن يكون معنى الآية أن رؤساء اليهود والنصارى قال بعضهم لبعض نافقوا وأظهروا الوفاق للمؤمنين ، ولكن بشرط أن تثبتوا على دينكم إذا خلوتم بإخوانكم من أهل الكتاب ، فإن أمر هؤلاء المؤمنين في اضطراب فزجوا الأيام معهم بالنفاق فربما ضعف أمرهم واضمحل دينهم ويرجعوا إلى دينكم ، وهذا قول أبي مسلم الأصفهاني ويدل عليه وجهان الأول : أنه تعالى لما قال : {إِنَّ الذين ءامَنُواْ ثُمَّ كَفَرُواْ ثُمَّ ءامَنُواْ ثُمَّ كَفَرُواْ} [ النساء : 137 ] أتبعه بقوله {بَشّرِ المنافقين} [ النساء : 138 ] وهو بمنزلة قوله {وَإِذَا لَقُواْ الذين ءَامَنُواْ قَالُوا ءَامَنَّا وَإِذَا خَلَوْاْ إلى شياطينهم قَالُواْ إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِؤن} [ البقرة : 14 ]\r","part":14,"page":172},{"id":5865,"text":"الثاني : أنه تعالى اتبع هذه الآية بقوله {وَلاَ تُؤْمِنُواْ إِلاَّ لِمَن تَبِعَ دِينَكُمْ} فهذا يدل على أنهم نهوا عن غير دينهم الذي كانوا عليه فكان قولهم {آمنوا وَجْهَ النهار} أمر بالنفاق.\rالوجه الثالث : قال الأصم : قال بعضهم لبعض إن كذبتموه في جميع ما جاء به فإن عوامكم يعلمون كذبكم ، لأن كثيراً مما جاء به حق ولكن صدقوه في بعض وكذبوه في بعض حتى يحمل الناس تكذيبكم له على الإنصاف لا على العناد فيقبلوا قولكم.\rالاحتمال الثاني : أن يكون قوله {ءَامِنُواْ بِالذي أنزل على الذين آمنوا وجه النهار واكفروا آخره} بعض ما أنزل الله والقائلون بهذا القول حملوه على أمر القبلة وذكروا فيه وجهين الأول : قال ابن عباس : وجه النهار أوله ، وهو صلاة الصبح واكفروا آخره : يعني صلاة الظهر وتقريره أنه صلى الله عليه وسلم كان يصلي إلى بيت المقدس بعد أن قدم المدينة ففرح اليهود بذلك وطمعوا أن يكون منهم ، فلما حوله الله إلى الكعبة كان ذلك عند صلاة الظهر قال كعب بن الأشرف وغيره {آمنواْ بِالذي أنزل على الذين آمنوا وجه النهار} يعني آمنوا بالقبلة التي صلّى إليها صلاة الصبح فهي الحق ، واكفروا بالقبلة التي صلّى إليها صلاة الظهر ، وهي آخر النهار ، وهي الكفر الثاني : أنه لما حولت القبلة إلى الكعبة شق ذلك عليهم ، فقال بعضهم لبعض صلوا إلى الكعبة في أول النهار ، ثم اكفروا بهذه القبلة في آخر النهار وصلوا إلى الصخرة لعلّهم يقولون إن أهل الكتاب أصحاب العلم فلولا أنهم عرفوا بطلان هذه القبلة لما تركوها فحينئذ يرجعون عن هذه القبلة. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 8 صـ 83 ـ 84}\rفصل\rقال السمرقندى :\rوَقَالَتْ طائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ آمِنُوا بالَّذِي أُنْزِلَ على الَّذِينَ آمَنُوا وَجْهَ النَّهارِ }","part":14,"page":173},{"id":5866,"text":"قال الكلبي : وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما قَدِمَ المدينة ، صلى نحو بيت المقدس سبعة عشر شهراً ، أو ثمانية عشر شهراً ، فلما صرف الله نبيّه إلى الكعبة عند صلاة الظهر ، وقد كان صلى صلاة الصبح إلى بيت المقدس ، وصلّى صلاة الظهر والعصر إلى الكعبة.\rفقال رؤساء اليهود منهم : كعب بن الأشرف ، ومالك بن الصيف ، وغيرهما للسفلة منهم ، آمنوا بالذي أنزل على الذين آمنوا وجه النهار ، صدقوه بالقبلة التي صلّى صلاة الصبح في أول النهار وآمنوا به ، وإنه الحق ، { واكفروا ءاخِرَهُ } يعني اكفروا بالقبلة التي صلى إليها آخر النهار { لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ } إلى قبلتكم ودينكم.\rوقال مقاتل : معناه أنهم جاؤوا إلى محمد صلى الله عليه وسلم أول النهار ، ورجعوا من عنده ، وقالوا للسفلة : هو حق فاتبعوه ، ثم قالوا : حتى ننظر في التوراة ، ثم رجعوا في آخر النهار.\rفقالوا : قد نظرنا في التوراة ، فليس هو إياه ، يعنون أنه ليس بحق ، وإنما أرادوا أن يلبسوا على السفلة ، وأن يشككوا فيه فذلك قوله : { وَقَالَت طَّائِفَةٌ مّنْ أَهْلِ الكتاب ءامِنُواْ بالذي أُنزِلَ } يعني قالوا : لهم في أول النهار آمنوا به { واكفروا ءاخِرَهُ } يعني قالوا : في آخر النهار ، واكفروا به { لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ } أي يشكون فيه فيرجعون. أ هـ {بحر العلوم حـ 1 صـ 248}\rفصل\rقال الفخر :\rالفائدة في إخبار الله تعالى عن تواضعهم على هذه الحيلة من وجوه\rالأول : أن هذه الحيلة كانت مخفية فيما بينهم ، وما أطلعوا عليها أحداً من الأجانب ، فلما أخبر الرسول عنها كان ذلك إخباراً عن الغيب ، فيكون معجزاً","part":14,"page":174},{"id":5867,"text":"الثاني : أنه تعالى لما أطلع المؤمنين على تواطئهم على هذه الحيلة لم يحصل لهذه الحيلة أثر في قلوب المؤمنين ، ولولا هذا الإعلان لكان ربما أثرت هذه الحيلة في قلب بعض من كان في إيمانه ضعف\rالثالث : أن القوم لما افتضحوا في هذه الحيلة صار ذلك رادعاً لهم عن الإقدام على أمثالها من الحيل والتلبيس. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 8 صـ 84}\rمن فوائد الإمام القرطبى فى الآية\rقال عليه الرحمة :\rنزلت في كعب بن الأشرف ومالك بن الصيّف وغيرهما ، قالوا للسفلة من قومهم : آمنوا بالذي أنزل على الذين آمنوا وجه النهار ، يعني أوّله.\rوسمي وجهاً لأنه أحسنه ، وأوّل ما يُوَاجه منه أوّلُه.\rقال الشاعر :\rوتُضِيءُ في وجه النهارِ منيرةٌ . . .\rكجُمَانة البحرِيّ سُلّ نِظامُها\rوقال آخر :\rمن كان مسروراً بمقتل مالكٍ . . .\rفليأتِ نسوتنا بوجه نهارِ\rوهو منصوب على الظرف ، وكذلك \"آخرَه\".\rومذهب قتادة أنهم فعلوا ذلك ليشككوا المسلمين.\rوالطائفة الجماعة ، من طاف يطوف ، وقد يستعمل للواحد على معنى نفس طائفة.\rومعنى الآية أن اليهود قال بعضهم لبعض : أظهروا الإيمان بمحمد في أوّل النهار ثم اكفروا به آخرَه ؛ فإنكم إذا فعلتم ذلك ظهر لمن يتبعه ارتياب في دينه فيرجعون عن دينه إلى دينكم ، ويقولون إن أهل الكتاب أعلم به منا.\rوقيل : المعنى آمنوا بصلاته في أوّل النهار إلى بيت المقدس فإنه الحق ، واكفروا بصلاته آخر النهار إلى الكعبة لعلهم يرجعون إلى قِبلتكم ؛ عن ابن عباس وغيره.\rوقال مقاتل : معناه أنهم جاءوا محمداً صلى الله عليه وسلم أوّل النهار ورجعوا من عنده فقالوا للسّفلة : هو حق فاتبعوه ، ثم قالوا : حتى ننظر في التوراة ثم رجعوا في آخر النهار فقالوا : قد نظرنا في التوراة فليس هو به.","part":14,"page":175},{"id":5868,"text":"يقولون إنه ليس بحق ، وإنما أرادوا أن يُلبسوا على السّفلة وأن يُشكِّكوا فيه. أ هـ {تفسير القرطبى حـ 4 صـ 111}\rوقال ابن عاشور :\rقوله تعالى {وَقَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ آَمِنُوا بِالَّذِي أُنْزِلَ عَلَى الَّذِينَ آَمَنُوا وَجْهَ النَّهَارِ وَاكْفُرُوا آَخِرَهُ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (72)}\rعطف على { ودت طائفة } [ آل عمران : 69 ].\rفالطائفة الأولى حاوَلت الإضلال بالمجاهرة ، وهذه الطائفة حاولتْه بالمخادعة : قيل أشير إلى طائفة من اليهود منهم كَعْب بن الأشْرَف ، ومالك بن الصيف ، وغيرهما من يهود خيبر ، أغواهم العجب بدينهم فتوهموا أنهم قدوة للناس فلما أعيتهم المجاهرة بالمكابرة دبروا للكيد مكيدة أخرى ، فقالوا لطائفة من أتباعهم : \"آمِنوا بمحمد أولَ النهار مظهرين أنكم صدّقتموه ثم اكفُروا آخر النهار ليظهر أنكم كفرتم به عن بصيرة وتجربة فيقول المسلمون مَا صرف هؤلاء عنا إلاّ ما انكشف لهم من حقيقة أمر هذا الدين ، وأنّه ليس هو الدين المبشر به في الكتب السالفة\" ففعلوا ذلك.\rوقوله : { على الذين آمنوا } يحتمل أنه من لفظ الحكاية بأن يكون اليهود قالوا آمِنوا بالذي أنزل على أتباع محمد فحوّله الله تعالى فقال على الذين آمنوا تنويهاً بصدق إيمانهم.\rويحتمل أنه من المحكيّ بأن يكون اليهود أطلقوا هذه الصلة على أتباع محمد إذ صارت علماً بالغلبة عليهم.\rووجهُ النهار أوله وتقدم آنفاً عند قوله تعالى : { وجيهاً في الدنيا والآخرة } [ آل عمران : 45 ]. أ هـ {التحرير والتنوير حـ 3 صـ 126 ـ 127}","part":14,"page":176},{"id":5869,"text":"وقال العلامة ابن عطية :\rأخبر تعالى في هذه الآية أن طائفة من اليهود من أحبارهم ذهبت إلى خديعة المسلمين بهذا المنزع ، قال الحسن : قالت ذلك يهود خيبر ليهود المدينة ، قال قتادة وأبو مالك والسدي وغيرهم : قال بعض الأحبار لنظهر الإيمان لمحمد صدر النهار ثم لنكفر به آخر النهار ، فسيقول المسلمون عند ذلك : ما بال هؤلاء كانوا معنا ثم انصرفوا عنا ؟ ما ذلك إلا لأنهم انكشفت لهم حقيقة في الأمر فيشكون ، ولعلهم يرجعون عن الإيمان بمحمد عليه السلام.\rقال الفقيه الإمام أبو محمد : ولما كانت الأحبار يظن بهم العلم وجودة النظر والاطلاع على الكتاب القديم ، طمعوا أن تنخدع العرب بهذه النزعة ففعلوا ذلك ، جاؤوا إلى النبي صلى الله عليه وسلم بكرة ، فقالوا : يا محمد أنت هو الموصوف في كتابنا ، ولكن أمهلنا إلى العشي حتى ننظر في أمرنا ، ثم رجعوا بالعشي ، فقالوا : قد نظرنا ولست به { وجه } على هذا التأويل منصوب بقوله { آمنوا } والمعنى أظهروا الإيمان في { وجه النهار } ، والضمير في قوله { آخره } عائد على { النهار } ، وقال ابن عباس ومجاهد وغيرهم : نزلت الآية ، لأن اليهود ذهبت إلى المكر بالمؤمنين ، فصلوا مع النبي صلى الله عليه وسلم صلاة الصبح ، ثم رجعوا آخر النهار ، فصلوا صلاتهم ليرى الناس أنهم بدت لهم منه ضلالة ، بعد أن كانوا اتبعوه.\rقال الفقيه الإمام : وهذا القول قريب من القول الأول ، وقال جماعة من المفسرين : نزلت هذه الآية في أمر القبلة ، وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم صلى صلاة الصبح إلى الشام ، كما كان يصلي ، ثم حولت القبلة ، فصلى الظهر ، وقيل العصر إلى مكة ، فقالت الأحبار لتبّاعهم وللعرب : آمنوا بالذي أنزل في أول النهار واكفروا بهذه القبلة الأخيرة.","part":14,"page":177},{"id":5870,"text":"قال الفقيه الإمام : والعامل في قوله { وجه النهار } على هذا التأويل قوله : { أنزل } والضمير في قوله : { آخره } يحتمل أن يعود على { النهار } أو يعود على \" الذي أنزل \" ، و{ يرجعون } في هذا التأويل ، معناه عن مكة إلى قبلتنا التي هي الشام كذلك قال قائل هذا التأويل ، { وجه النهار } أوله الذي يواجه منه ، تشبيهاً بوجه الإنسان ، وكذلك تقول : صدرالنهار وغرة العام والشهر ، ومنه قول النبي عليه السلام أقتلته في غرة الإسلام ؟ ومن هذا قول الربيع بن زياد العبسي : [ الكامل ]\rمن كان مسروراً بِمَقْتَل مالِكٍ... فَلْيَأتِ نِسْوَتَنَا بِوَجْهِ نَهَارِ\rيَجِدِ النِّساءَ حَوَاسِراً يَنْدُبْنَهُ... قَدْ قُمْنَ قَبْلَ تَبلُّجِ الأَسْحَارِ. أ هـ {المحرر الوجيز حـ 1 صـ 453 ـ 454}\rفصل\rقال الفخر :\rوجه النهار هو أوله ، والوجه في اللغة هو مستقبل كل شيء ، لأنه أول ما يواجه منه ، كما يقال لأول الثوب وجه الثوب ، روى ثعلب عن ابن الأعرابي : أتيته بوجه نهار وصدر نهار ، وشباب نهار ، أي أول النهار ، وأنشد الربيع بن زياد فقال :\rمن كان مسروراً بمقتل مالك.. فليأت نسوتنا بوجه نهار. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 8 صـ 84}\rوقال ابن عادل :\rقوله : { وَجْهَ النهار } منصوب على الظرف ؛ لأنه بمعنى : أول النهار ؛ لأن الوجه - في اللغة - مستقبل كل شيء ؛ لأنه أول ما يواجَه منه ، كما يقال - لأول الثوب- : وجه الثوب.\rروى ثَعْلَبٌ عن ابن الأعرابي : أتيته بوجه نهارٍ ، وصدر نهار ، وشباب نهار ، أي : أوله وقال الربيع بن زياد العبسي : [ الكامل ]\rمَنْ كَانَ مَسْرُوراً بِمَقْتَلِ مَالِكٍ... فَلْيَأتِ نِسْوَتَنَا بِوَجْهِ نَهَارِ\rأي : بأوله ، وفي ناصب هذا الظرف وجهان :","part":14,"page":178},{"id":5871,"text":"أظهرهما : أنه فعل المر من قوله { آمِنُواْ } أي : أوْقَعُوا إيمانَكم في أول النهار ، وأوقعوا كُفْرَكم في آخره.\rوالثاني : أنه { وَأَنْزَلَ } أي : آمنوا بالمُنَزَّل في أول النهار ، وليس ذلك بظاهر ، بدليل المقابلة في قوله : { واكفروا آخِرَهُ }. فإن الضميرَ يعودُ على النهارِ ، ومن جوَّز الوجه الثاني جعل الضمير يعود على { بالذي أُنْزِلَ } ، أي : واكفروا آخر المنزَّل ، وأسباب النزول تُخالف هذا التأويل وفي هذا البيتِ الذي أنشدناه فائدةٌ ، وذلك أنه من قصيدة يرثي بها مالك بن زهير بن خُزَيْمَةَ العبسي ، وبعده : [ الكامل ]\rيَجِدِ النِّسَاءَ حَوَاسِراً يَنْدُبْنَهُ... يَبْكِينَ قَبْلَ تَبَلُّجِ الأسْحَارِ\rقَدْ كُنَّ يَخْبَأنَ الْوُجُوهَ تَسَتُّراً... فَالْيَوْمَ حِينَ بَدَوْنَ لِلنُّظَّارِ\rيَخْمِشْنَ حرَّاتِ الْوُجُوهِ عَلَى امرئٍ... سَهْلِ الْخَلِيقَةِ طَيِّبِ الأخْبَارِ\rومعنى الأبيات يحتاج إلى معرفةِ اصطلاح العربِ في ذلك ، وهو أنهم كانوا إذا قُتِلَ لهم قتيلٌ لا تقوم عليه نائحةٌ ولا تَنْدُبُه نادبةٌ ، حتى يؤخذَ بثأره ، فقال هذا : من سرَّه قَتْلُ مالك ، فليأتِ في أول النهارِ يجدنا قد أخذْنَا بثأره ، فذكر اللازم للشيء ، وهو من باب الكناية.","part":14,"page":179},{"id":5872,"text":"وحكي أن الشيباني سأل الأصمعي : كيف تنشد قول الربيع : ..... حين بدأنَ ، أو بدَيْنَ ؟ فقال الأصمعيّ : بَدأنَ ، فقال : أخطأت ، فقال : بَدَيْنَ ، فقال : أخطأتَ ، فغضب الأصمعيُّ ، وكان الصواب أن يقول : بدَوْنَ - بالواو - لأنه من باب : بدا يَبْدو ، أي : ظهر - فأتى الأصمعي يوماً للشيباني ، وقال له : كيف تُصَغِّر مُخْتَاراً ؟ فقال : مُخَيتير ، فضَحِك منه ، وصفَّق بيديه ، وشَنَّع عليه في حلقته ، وكان الصواب أن يقولَ : مُخَيِّر - بتشديد الياء - وذلك أنه اجتمع زائدان- ، الميم والتاء - والميم أولى بالبقاء ؛ لعلة ذكرها التصريفيُّون ، فأبقاها ، وحذف التاء ، وأتى بياء التصغير ، فقلب - لأجلها - الألف ياءً ، وأدْغمها فيها ، فصار : مُخَيِّراً - كما ترى - وهو يحتمل أن يكون اسمَ فاعل ، أو اسمَ مفعول - كما كان يحتملها مُكَبَّرهُ ، وهذا - أيضاً - يلبس باسم الفاعل خَيَّر فهو مُخَيِّر ، والقرائنُ تبينه.\rومفعول { يَرْجِعُونَ } محذوف - أيضاً - اقتصاراً - أي : لعلهم يكونون من أهل الرجوع ، أو اختصاراً أي : يرجعون إلى دينكم وما أنتم عليه. أ هـ {تفسير ابن عادل حـ 5 صـ 316 ـ 317}\rمن لطائف الإمام القشيرى فى الآية\rفبين الله سبحانه أن نفاقهم كُشِف للمسلمين ، وأن ذلك لا ينفعُهم أمَّا في الدنيا فَلإِطْلاع الله نبيُّه عليه السلام والمؤمنين - عليه ، وأَمَّا في الآخرة فَلِفَقْدِ إخلاصهم فيه. أ هـ {لطائف الإشارات حـ 1 صـ 250}","part":14,"page":180},{"id":5873,"text":"قوله تعالى { وَلَا تُؤْمِنُوا إِلَّا لِمَنْ تَبِعَ دِينَكُمْ قُلْ إِنَّ الْهُدَى هُدَى اللَّهِ أَنْ يُؤْتَى أَحَدٌ مِثْلَ مَا أُوتِيتُمْ أَوْ يُحَاجُّوكُمْ عِنْدَ رَبِّكُمْ قُلْ إِنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (73) يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ (74)}\rقال البقاعى : \r{ولا تؤمنوا} أي توقعوا التصديق الحقيقي {إلا لمن تبع دينكم} فصوبوا طريقته وصدقوا دينه وعقيدته.\rولما كان هذا عين الضلال أمره سبحانه وتعالى أن يعجب من حالهم منبهاً على ضلالهم بقوله معرضاً عنهم إيذاناً بالغضب : {قل إن الهدى هدى الله} أي المختص بالعظمة وجميع صفات الكمال ، أي لا تقدرون على إضلال أحد منا عنه ، ولا نقدر على إرشاد أحد منكم إليه إلا بإذنه ، ثم وصل به تقريعهم فقال : {أن} بإثبات همزة الإنكار في قراءة ابن كثير ، وتقديرها في قراءة غيره ، أي أفعلتم الإيمان على الصورة المذكورة خشية أن {يؤتى أحد} أي من طوائف الناس {مثل ما أوتيتم} أي من العلم والهدى الذي كنتم عليه أول الأمر {أو} كراهة أن {يحاجوكم} أي يحاجكم أولئك الذين أوتوا مثل ما أوتيتم {عند ربكم} الذي طال إحسانه إليكم بالشهادة عليكم أنهم آمنوا وكفرتم بعد البيان الواضح فيفضحوكم.","part":14,"page":181},{"id":5874,"text":"ولما كانت هذه الأية شبيهة بآية البقرة {ما يود الذين كفروا من أهل الكتاب ولا المشركين أن ينزل عليكم من خير من ربكم} [ البقرة : 105 ] في الحسد على ما أوتي غيرهم من الدين الحق وكالشارحة لها ببيان ما يلبيسونه لقصد الإضلال ختمت بما ختمت به تلك ، لكن لما قصد بها الرد عليهم في كلا هذين الأمرين اللذين دبروا هذا المكر لأجلهما زيدت ما له مدخل في ذلك فقال تعالى مجيباً لمن تشوف إلى تعليم ما لعله يكف من مكرهم ويؤمن من شرهم معرضاً عنهم بالخطاب بعد الإقبال عليهم به إيذاناً بشديد الغضب : {قل إن الفضل} في التشريف بإنزال الآيات وغيرها {بيد الله} المختص بأنه لا كفوء له ، فله الأمر كله ولا أمر لأحد معه ، وأتبعه نتيجته فقال : {يؤتيه من يشاء} فله مع كمال القدرة كمال الاجتباء ، ثم قال مرغباً مرهباً وراداً عليهم في الأمر الثاني : {والله} الذي له من العظمة وسائر صفات الكمال ما لا تحيط به العقول ولا تبلغه الأوهام {واسع عليم} أي يوسع على من علم فيه خيراً ، ويهلك من علم أنه لا يصلح لخير ، ويعلم دقيق أمركم وجليله ، فلا يحتاج سبحانه وتعالى إلى تنبيه أحد بمحاجتكم عليه عنده.\rولما كان هذا من الوضوح بحيث لا يحتاج إلى تأكيد انتقل عنه إلى تأكيد الرد عليهم في الأمر الأول بثمرة هذه الجملة ونتيجتها من أنه فاعل بالاختيار تام الاقتدار فقال : {يختص برحمته من يشاء} ثم أكد تعظيم ما لديه دفعاً لتوهم من يظن أن اختصاص البعض لضيق الرحمة عن العموم فقال : {والله} الذي كل شيء دونه فلا ينقص ما عنده {ذو الفضل العظيم} وكرر الاسم الأعظم هنا تعظيماً لما ذكر من النعم مشيراً بذلك كله إلى التمكن من الإعطاء باختباره وغزارة فضله وإلى القدرة على الإنجاء من حبائل المكر بسعة علمه. أ هـ {نظم الدرر حـ 2 صـ 113 ـ 114}\rفصل\rقال الفخر : ","part":14,"page":182},{"id":5875,"text":"اتفق المفسرون على أن هذا بقية كلام اليهود ، وفيه وجهان\rالأول : المعنى : ولا تصدقوا إلا نبياً يقرر شرائع التوراة ، فأما من جاء بتغيير شيء من أحكام التوراة فلا تصدقوه ، وهذا هو مذهب اليهود إلى اليوم ، وعلى هذا التفسير تكون ( اللام ) في قوله {إِلاَّ لِمَن تَبِعَ} صلة زائدة فإنه يقال صدقت فلاناً.\rولا يقال صدقت لفلان ، وكون هذه اللام صلة زائدة جائز ، كقوله تعالى : {رَدِفَ لَكُم} [ النمل : 72 ] والمراد ردفكم والثاني : أنه ذكر قبل هذه الآية قوله {آمنوا وجه النهار واكفروا آخره }.\rثم قال في هذه الآية : {وَلاَ تُؤْمِنُواْ إِلاَّ لِمَن تَبِعَ دِينَكُمْ} أي لا تأتوا بذلك الإيمان إلا لأجل من تبع دينكم ، كأنهم قالوا : ليس الغرض من الإتيان بذلك التلبيس إلا بقاء أتباعكم على دينكم ، فالمعنى ولا تأتوا بذلك الإيمان إلا لأجل من تبع دينكم ، فإن مقصود كل واحد حفظ أتباعه وأشياعه على متابعته.\rثم قال تعالى : {قُلْ إِنَّ الهدى هُدَى الله} قال ابن عباس رضي الله عنهما.\rمعناه : الدين دين الله ومثله في سورة البقرة {قُلْ إِنَّ هُدَى الله هُوَ الهدى} [ البقرة : 120 ].\r","part":14,"page":183},{"id":5876,"text":"واعلم أنه لا بد من بيان أنه كيف صار هذا الكلام جواباً عما حكاه عنهم ؟ فنقول : أما على الوجه الأول وهو قولهم لا دين إلا ما هم عليه ، فهذا الكلام إنما صلح جواباً عنه من حيث أن الذي هم عليه إنما ثبت ديناً من جهة الله ، لأنه تعالى أمر به وأرشد إليه وأوجب الانقياد له وإذا كان كذلك ، فمتى أمر بعد ذلك بغيره ، وأرشد إلى غيره ، وأوجب الانقياد إلى غيره كان نبياً يجب أن يتبع ، وإن كان مخالفاً لما تقدم ، لأن الدين إنما صار ديناً بحكمه وهدايته ، فحيثما كان حكمه وجبت متابعته ، ونظيره قوله تعالى جواباً لهم عن قولهم {مَا ولاهم عَن قِبْلَتِهِمُ التى كَانُواْ عَلَيْهَا قُل لّلَّهِ المشرق والمغرب} [ البقرة : 142 ] يعني الجهات كلها لله ، فله أن يحول القبلة إلى أي جهة شاء ، وأما على الوجه الثاني فالمعنى أن الهدى هدى الله ، وقد جئتكم به فلن ينفعكم في دفعه هذا الكيد الضعيف.\rثم قال تعالى : {أَن يؤتى أَحَدٌ مّثْلَ مَا أُوتِيتُمْ أَوْ يُحَاجُّوكُمْ عِندَ رَبّكُمْ }.\rواعلم أن هذه الآية من المشكلات الصعبة ، فنقول هذا إما أن يكون من جملة كلام الله تعالى أو يكون من جملة كلام اليهود ، ومن تتمة قولهم {ولا تؤمنوا إلا لمن تبع دينكم} ، وقد ذهب إلى كل واحد من هذين الاحتمالين قوم من المفسرين.\rأما الاحتمال الأول : ففيه وجوه","part":14,"page":184},{"id":5877,"text":"الأول : قرأ ابن كثير ( أن يؤتى ) بمد الألف على الاستفهام والباقون بفتح الألف من غير مد ولا استفهام ، فإن أخذنا بقراءة ابن كثير ، فالوجه ظاهر وذلك لأن هذه اللفظة موضوعة للتوبيخ كقوله تعالى : {أَن كَانَ ذَا مَالٍ وَبَنِينَ * إِذَا تتلى عَلَيْهِ ءاياتنا قَالَ أساطير الأولين} [ القلم : 14 ، 15 ] والمعنى أمن أجل أن يؤتي أحد شرائع مثل ما أوتيتم من الشرائع ينكرون اتباعه ؟ ثم حذف الجواب للاختصار ، وهذا الحذف كثير يقول الرجل بعد طول العتاب لصاحبه ، وتعديده عليه ذنوبه بعد كثرة إحسانه إليه أمن قلة إحساني إليك أمن إهانتي لك ؟ والمعنى أمن أجل هذا فعلت ما فعلت ؟ ونظيره قوله تعالى : {أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ ءَانَاءَ الليل ساجدا وَقَائِماً يَحْذَرُ الأخرة وَيَرْجُواْ رَحْمَةَ رَبّهِ} [ الزمر : 9 ] وهذا الوجه مروي عن مجاهد وعيسى بن عمر.\rأما قراءة من قرأ بقصر الألف من {أن} فقد يمكن أيضاً حملها على معنى الاستفهام كما قرىء {سَوَاءَ عَلَيْهِمْ ءَأَنذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنذِرْهُمْ} [ البقرة : 6 ] بالمد والقصر ، وكذا قوله {أَن كَانَ ذَا مَالٍ وَبَنِينَ} قرىء بالمد والقصر ، وقال امرؤ القيس : \rتروح من الحي أم تبتكر ؟.. وماذا عليك ولم تنتظر\rأراد أروح من الحي ؟ فحذف ألف الاستفهام ، وإذا ثبت أن هذه القراءة محتملة لمعنى الاستفهام كان التقدير ما شرحناه في القراءة الأولى.","part":14,"page":185},{"id":5878,"text":"الوجه الثاني : أن أولئك لما قالوا لأتباعهم : لا تؤمنوا إلا لمن تبع دينكم أمر الله تعالى نبيه صلى الله عليه وسلم أن يقول لهم إن الهدى هدى الله فلا تنكروا أن يؤتي أحد سواكم من الهدى مثل ما أوتيتموه {أَوْ يُحَاجُّوكُمْ} يعني هؤلاء المسلمين بذلك {عِندَ رَبّكُمْ} إن لم تقبلوا ذلك منهم ، أقصى ما في الباب أنه يفتقر في هذا التأويل إلى إضمار قوله فلا تنكروا لأن عليه دليلاً وهو قوله {إِنَّ الهدى هُدَى الله} فإنه لما كان الهدى هدى الله كان له تعالى أن يؤتيه من يشاء من عباده ومتى كان كذلك لزم ترك الإنكار.\rالوجه الثالث : إن الهدى اسم للبيان كقوله تعالى : {وَأَمَّا ثَمُودُ فهديناهم فاستحبوا العمى عَلَى الهدى} [ فصلت : 17 ] فقوله {إِنَّ الهدى} مبتدأ وقوله {هُدَى الله} بدل منه وقوله {أَن يؤتى أَحَدٌ مّثْلَ مَا أُوتِيتُمْ} خبر بإضمار حرف لا ، والتقدير : قل يا محمد لا شك أن بيان الله هو أن لا يؤتى أحد مثل ما أوتيتم ، وهو دين الإسلام الذي هو أفضل الأديان وأن لا يحاجوكم يعني هؤلاء اليهود عند ربكم في الآخرة لأنه يظهر لهم في الآخرة أنكم محقون وأنهم مضلون ، وهذا التأويل ليس فيه إلا أنه لا بد من إضمار حرف {لا} وهو جائز كما في قوله تعالى : {أَن تَضِلُّواْ} [ النساء : 44 ] أي أن لا تضلوا.","part":14,"page":186},{"id":5879,"text":"الوجه الرابع : {الهدى} اسم و{هُدَى الله} بدل منه و{أَن يؤتى أَحَدٌ} خبره والتقدير : إن هدى الله هو أن يؤتي أحد مثل ما أوتيتم ، وعلى هذا التأويل فقوله {أَوْ يُحَاجُّوكُمْ عِندَ رَبّكُمْ} لا بد فيه من إضمار ، والتقدير : أو يحاجوكم عند ربكم فيقضى لكم عليهم ، والمعنى : أن الهدى هو ما هديتكم به من دين الإسلام الذي من حاجكم به عندي قضيت لكم عليه ، وفي قوله {عِندَ رَبّكُمْ} ما يدل على هذا الإضمار ولأن حكمه بكونه رباً لهم يدل على كونه راضياً عنهم وذلك مشعر بأنه يحكم لهم ولا يحكم عليهم.\rوالاحتمال الثاني : أن يكون قوله {أَن يؤتى أَحَدٌ مّثْلَ مَا أُوتِيتُمْ} من تتمة كلام اليهود ، وفيه تقديم وتأخير ، والتقدير : ولا تؤمنوا إلا لمن تبع دينكم أن يؤتي أحد مثل ما أوتيتم أو يحاجوكم عند ربكم ، قل إن الهدى هدى الله ، وأن الفضل بيد الله ، قالوا ، والمعنى لا تظهروا إيمانكم بأن يؤتى أحد مثل ما أوتيتم إلا لأهل دينكم ، وأسروا تصديقكم ، بأن المسلمين قد أوتوا من كتب الله مثل ما أوتيتم ، ولا تفشوه إلا إلى أشياعكم وحدهم دون المسلمين لئلا يزيدهم ثباتاً ودون المشركين لئلا يدعوهم ذلك إلى الإسلام. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 8 صـ 84 ـ 87}\rفصل\rقال ابن عادل : \rقوله تعالى : { وَلاَ تؤمنوا إِلاَّ لِمَن تَبِعَ دِينَكُمْ } نقل ابنُ عطيّة الإجماع من أهل التأويل على أن هذا من مقول الطائفة ، وليس بسديد ، لما نقل من الخلاف ، وهل هي من مقول الطائفة أم من مقول الله تعالى - على معنى أن الله - تعالى - خاطب به المؤمنين ، تثبيتاً لقلوبهم ، وتسكيناً لجأشهم ؛ لئلا يشكُّوا عند تلبيس اليهودِ عليهم وتزويرهم ؟","part":14,"page":187},{"id":5880,"text":"[ إذا كان من كلامِ طائفةِ اليهودِ ، فالظاهر أنه انقطع كلامُهم ؛ إذ لا خلاف ، ولا شك أن قولَه : { وَلاَ تؤمنوا إِلاَّ لِمَن تَبِعَ دِينَكُمْ } من كلام الله مخاطباً لنبيه صلى الله عليه وسلم ]. أ هـ {تفسير ابن عادل حـ 5 صـ 321}\rفائدة\rقال ابن عادل :\rاللام في \" لِمَنْ \" فيها وجهان :\rأحدهما : أنها زائدة مؤكِّدة ، كهي في قوله تعالى : { قُلْ عسى أَن يَكُونَ رَدِفَ لَكُم } [ النمل : 72 ] أي : ردفكم وقول الآخر : [ الوافر ]\rفَلَمَّا أنْ تَوَاقَفْنَا قَلِيلاً... أنَخْنَا لِلْكَلاَكِلِ فَارْتَميْنَا\rوقول الآخر : [ الكامل ]\rمَا كُنْتُ أخْدَعُ لِلْخَلِيلِ بِخُلَّةٍ... حَتَّى يَكُونَ لِيَ الْخَلِيلُ خَدُوعَا\rوقول الآخر : [ الطويل ]\rيَذُمُّونَ لِلدُّنْيَا وَهُمْ يَحْلِبُونَهَا... أفَاوِيقَ حَتَّى ما يَدِرُّ لَهَا فَضْلُ\rأي : أنخنا الكلاكِلَ ، وأخدع الخليل ، ويذمون الدنيا ، ويُرْوَى : يذمون بالدنيا ، بالباء.\rقال شهابُ الدينِ : وأظن البيتَ : يذمون لِي الدنيا - فاشتبه اللفظ على السامع - وكذا رأيته في بعض التفاسيرِ ، وهذا الوجه ليس بالقوي.\rالثاني : أن \" آمن \" ضُمِّن معنى أقَرَّ واعْتَرَف ، فعُدِّيَ باللام ، أي : ولا تُقِرّوا ، ولا تعترفوا إلا لمن تبع دينكم ، ونحوه قوله : { فَمَآ آمَنَ لموسى إِلاَّ ذُرِّيَّةٌ } [ يونس : 83 ] وقوله : { وَمَآ أَنتَ بِمُؤْمِنٍ لَّنَا } [ يوسف : 17 ] وقال أبو علي : وقد يتعدَّى آمن باللام في قوله : { فَمَآ آمَنَ لموسى } [ يونس : 83 ] ، وقوله : { آمَنتُمْ لَهُ } [ طه : 71 ] ، وقوله : { يُؤْمِنُ بالله وَيُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ } [ التوبة : 61 ] فذكر أنه يتعدى بها من غير تضمين ، والصَّوَابُ التضمين وقد تقدم تحقيقه أول البقرة. وهنا استثناء مُفَرَّغٌ.","part":14,"page":188},{"id":5881,"text":"وقال أبو البقاء : { إِلاَّ لِمَن تَبِعَ } فيه وجهان : \rأحدهما : أنه استثناء مما قبلَه ، والتقديرُ : ولا تَقرُّوا إلا لمن تبع ، فعلى هذا اللام غير زائدة ولا يجوز أن تكون زائدة ويكون محمولاً على المعنى ، أي اجْحَدوا كُلَّ أحد إلا من تبع دينكم.\rوالثاني : أن النية به التأخير ، والتقدير : ولا تُصَدِّقُوا أن يؤتَى أحدٌ مثل ما أوتيتم إلا من تبع دينكم ؛ فاللام على هذا - زائدة ، و\" مَنْ \" في موضع نصب على الاستثناء من أحد.\rوقال الفارسيُّ : الإيمان لا يتعدى إلى مفعولين ، فلا يتعلق - أيضاً - بجارين ، وقد تعلَّق بالجار المحذوف من قوله : { أَن يؤتى } فلا يتعلق باللام في قوله : { لِمَن تَبِعَ دِينَكُمْ } إلا أن يحمل اللام على معناه ، فيتعدى إلى مفعولين ، ويكون المعنى : ولا تُقِرُّوا بأن يُتَى أحدٌ مثل ما أوتيتم إلا لمن تبع دينَكم ، كما تقول : أقررت لزيد بألفٍ ، فتكون اللام متعلقة بالمعنى ، ولا تكون زائدة على حد : { رَدِفَ لَكُمْ } [ النمل : 72 ] و{ إِن كُنتُمْ لِلرُّؤْيَا تَعْبُرُونَ } [ يوسف : 43 ] وهذا تَصْرِيحٌ من أبي علي بأنه ضمن \" آمن \" معنى \" أقَرَّ \". أ هـ {تفسير ابن عادل حـ 5 صـ 319 ـ 320}\rقوله تعالى {أَوْ يُحَاجُّوكُمْ عِندَ رَبّكُمْ}\rقال الفخر : \rأما قوله {أَوْ يُحَاجُّوكُمْ عِندَ رَبّكُمْ} فهو عطف على أن يؤتى ، والضمير في يحاجوكم لأحد ، لأنه في معنى الجمع بمعنى ولا تؤمنوا لغير أتباعكم ، إن المسلمين يحاجونكم يوم القيامة بالحق ويغالبونكم عند الله بالحجة ، وعندي أن هذا التفسير ضعيف ، وبيانه من وجوه","part":14,"page":189},{"id":5882,"text":"الأول : إن جد القوم في حفظ أتباعهم عن قبول دين محمد عليه السلام كان أعظم من جدهم في حفظ غير أتباعهم وأشياعهم عنه ، فكيف يليق أن يوصي بعضهم بعضاً بالإقرار بما يدل على صحة دين محمد صلى الله عليه وسلم عند أتباعهم وأشياعهم ، وأن يمتنعوا من ذلك عند الأجانب ؟ هذا في غاية البعد\rالثاني : أن على هذا التقدير يختل النظم ويقع فيه تقديم وتأخير لا يليق بكلام الفصحاء\rوالثالث : إن على هذا التقدير لا بد من الحذف فإن التقدير : قبل إن الهدى هدى الله وإن الفضل بيد الله ، ولا بد من حذف {قُلْ} في قوله {قُلْ إِنَّ الفضل بِيَدِ الله}\rالرابع : إنه كيف وقع قوله {قُلْ إِنَّ الهدى هُدَى الله} فيما بين جزأى كلام واحد ؟ فإن هذا في غاية البعد عن الكلام المستقيم ، قال القفال : يحتمل أن يكون قوله {قُلْ إِنَّ الهدى هُدَى الله} كلام أمر الله نبيه أن يقوله عند انتهاء الحكاية عن اليهود إلى هذا الموضع لأنه لما حكى عنهم في هذا الموضع قولاً باطلاً لا جرم أدب رسوله صلى الله عليه وسلم بأن يقابله بقول حق ، ثم يعود إلى حكاية تمام كلامهم كما إذا حكى المسلم عن بعض الكفار قولاً فيه كفر ، فيقول : عند بلوغه إلى تلك الكلمة آمنت بالله ، أو يقول لا إله إلا الله ، أو يقول تعالى الله ثم يعود إلى تمام الحكاية فيكون قوله تعالى : {قُلْ إِنَّ الهدى هُدَى الله} من هذا الباب ، ثم أتى بعده بتمام قول اليهود إلى قوله {أَوْ يُحَاجُّوكُمْ عِندَ رَبّكُمْ} ثم أمر النبي صلى الله عليه وسلم بمحاجتهم في هذا وتنبيههم على بطلان قولهم ، فقيل له {قُلْ إِنَّ الفضل بِيَدِ الله} إلى آخر الآية. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 8 صـ 87}\rوقال ابن عادل : \rاختلف الناس في هذه الآية على وجوه : ","part":14,"page":190},{"id":5883,"text":"الأول : أن قوله : { أَن يؤتى أَحَدٌ } متعلق بقوله : { وَلاَ تؤمنوا } على حذف حرف الجر ، والأصل : ولا تُؤْمِنُوا بأن يُؤتَى أحدٌ مثل ما أوتيتم إلا لمن تبع دينكم ، فلما حُذِفَ حرف الجر جرى الخلافُ المشهور بين الخليل وسيبويه في محل \" أن \" ، ويكون قولُه : { قُلْ إِنَّ الهدى هُدَى الله } جملةً اعتراضيةً.\rقال القفّالُ : يحتمل أن يكون قوله : { قُلْ إِنَّ الهدى هُدَى الله } كلاماً أمر اللهُ نبيه أن يقولَه عند انتهاء الحكاية عن اليهود إلى هذا الموضع ؛ لأنه لما حكى عنهم في هذا الموضع قولاً باطلاً - لا جرم - أدب الله رسوله بأن يقابله بقول حَقِّ ، ثم يعود إلى حكايةِ تمامِ كلامِهم - كما إذا حكى المسلم عن بعضِ الكُفَّار قَوْلاً فيه كُفْر ، فيقول - عند بلوغه إلى تلك الكلمة- : آمنت بالله ، أو يقول : لاَ إلَه إلا اللهُ ، أو يقول : تعالى الله عن ذلك ، ثم يعود إلى تمام الحكاية ، فيكون قوله : { قُلْ إِنَّ الهدى هُدَى الله } من هذا الباب.\rقال الزمخشريُّ في تقرير هذا الوجه - وبه بدأ- : { وَلاَ تؤمنوا مُتَعَلِّقٌ بقوله : { أَن يؤتى أَحَدٌ } وما بينهما اعتراضٌ ، أي : ولا تظهروا إيمانكم بأن يؤتى أحد مثل ما أوتيتم إلا لأهل دينكم دون غيرهم ، وأسِرُّوا تصديقكُمْ بأن المسلمين قد أوتوا مثل ما أوتيتم ، ولا تُفْشُوه إلا لأشياعكم - وحدهم - دون المسلمين ؛ لئلاَّ يزيدَهم ثباتاً ، ودون المشركين ، لئلا يدعوهم إلى الإسلام.\r{ أَوْ يُحَآجُّوكُمْ عِندَ رَبِّكُمْ } عطف على { أَن يؤتى } والضمير في { يُحَاجُّوكُمْ } لِ { أَحَدٌ } لأنه في معنى الجميع ، بمعنى : ولا تؤمنوا لغير أتباعكم بأن المسلمين يحاجونكم عند ربكم بالحق ، ويغالبونكم عَنْدَ اللهِ - تعالى - بالحُجَّةِ.\rفإن قلت : ما معنى الاعتراضِ ؟\r","part":14,"page":191},{"id":5884,"text":"قلت : معناه : إن الهدَى هُدى الله ، من شاء يَلْطُف به حتى يُسلم ، أو يزيد ثباتاً ، ولم ينفع كيدكم وحِيَلُكم ، وذَبُّكم تصديقكم عن المسلمين والمشركين ، وكذلك قوله : { قُلْ إِنَّ الفضل بِيَدِ الله يُؤْتِيهِ مَن يَشَآءُ } يريد الهداية والتوفيق.\rقال شهاب الدينِ : \" وهذا كلامٌ حسَنٌ ، لولا ما يُريد بباطنه \" ، وعلى هذا يكون قوله : { إِلاَّ لِمَن تَبِعَ } مستثْنَى من شيء محذوفٍ ، تقديره : ولا تُؤمنوا بأن يُؤتَى أحد مل ما أوتيتم لأحد من الناس إلا لأشياعكم دون غيرهم ، وتكون هذه الجملة - أعني قوله : { وَلاَ تؤمنوا } من كلام الطَّائِفَةِ المتقدمة ، أي وقالت طائفةٌ كذا ، وقالت أيضاً : ولا تؤمنوا ، وتكون الجملة من قوله : { قُلْ إِنَّ الهدى هُدَى الله } من كلام اللهِ لا غير \".\rقال ابن الخطيبِ : وعندي أن هذا التفسير ضعيف من وُجُوهٍ : \rالأول : أن جدَّ القوم في حفظ أتباعهم عن قبول دين محمَّد صلى الله عليه وسلم كان أعظمَ من جدهم في حفظِ غير أتباعهم عنه ، فكيف يليق أن يوصِيَ بعضُهم بعضاً بالإقرار بما يدل على صحة دين محمَّد صلى الله عليه وسلم عند أتباعهم ، وأشياعهم ، وأن يمتنعوا من ذلك عند الأجانب ؟ هذا في غاية البعد.\rالثاني : أن على هذا التقدير لا بد من الحَذْف ؛ فإن التقدير : قل إن الهُدَى هُدَى اللهِ ، وإنّ الفَضْلَ بِيَدِ اللهِ ، وَلا بُدَّ مِنْ حَذْفِ قَلْ في قوله : { قُلْ إِنَّ الفضل بِيَدِ الله }.\rالثالث : أنه كيف وقع قوله : { قُلْ إِنَّ الهدى هُدَى الله } فيما بين جزأي كلام واحد ؟ هذا في غاية البعد عن الكلام المستقيم.\r","part":14,"page":192},{"id":5885,"text":"الوجه الثاني : أن اللام زائدة في { لِمَنْ تَبِعَ دِينَكُمْ } وهو مستثنى من \" أحَدٌ \" المتأخِّر ، والتقدير : ولا تصدقوا أن يؤتى أحد مثل ما أوتيتم إلا مَنْ تَبعَ دينَكُمْ ، ف { لِمَنْ تَبِعَ } منصوب على الاستثناء من \" أحد \" ، وعلى هذا الوجه جوَّز أبو البقاء في محل { أَن يؤتى } ثلاثة أوجهٍ : \rالأول والثاني : مذهب الخليل وسيبويه ، وقد تَقَدَّمَا.\rالثالث : النصب على المفعول من أجله ، تقديره : مخافةَ أن يُؤتَى.\rوهذا الوجه الثالث - لا يصح من جهة المعنى ، ولا من جهة الصناعة ، أمّا المعنى فواضحٌ وأما الصناعة فإن فيه تقديم المستثنى على المستثنى منه ، وعلى عامله ، وفيه - أيضاً - تقديم ما في صلة أن عليها ، وهو غير جائزٍ.\rالوجه الثالث : أن يكون { أَن يؤتى } مجروراً بحرف العلة - وهو اللام - والمُعَلَّل محذوف ، تقديره لأن يؤتى أحد مثل ما أوتيتم قلتم ذلك ، ودبَّرتموه ، لا لشيء آخرَ ، وقوله : { إِلاَّ لِمَن تَبِعَ دِينَكُمْ } معناه : ولا تؤمنوا هذا الإيمانَ الظاهرَ - وهو إيمانكم وَجْهَ النَّهَارِ - { إِلاَّ لِمَن تَبِعَ دِينَكُمْ } ، إلا لمن كانوا تابعين لدينكم ممن أسلموا منكم ؛ لأن رجوعَهم كان أرْجَى عندهم من رجوع من سواهم ، ولأن إسلامَهم كان أغبط لهم ، وقوله : { إِلاَّ لِمَن تَبِعَ دِينَكُمْ } معناه : لأن يؤتى مثل ما أوتيتُمْ قلتم ذلك ، ودبرتموه ، لا لشيء آخرَ ، يعني أن ما بكم من الحسد والبغي ، أن يؤتى أحَدٌ مثل ما أوتيتم من فَضْل العلم والكتاب دعاكم إلى أن قُلْتُم ما قلتم ، والدليل عليه قراءة ابن كثير : أأنْ يُؤتَى أحَدٌ ؟ - بزيادة همزة الاستفهامِ ، والتقرير ، والتوبيخ - بمعنى : ألأن يؤتى أحَدٌ ؟\rفإن قلت : ما معنى قوله : { أَوْ يُحَاجُّوكُمْ } على هذا ؟\r","part":14,"page":193},{"id":5886,"text":"قلت : معناه : دبرتم ما دبرتم لأن يؤتى أحد مثل ما أوتيتم ، ولما يتصل به عند كفركم به في محاجتهم [ لكم ] عند ربكم.\rالوجه الرابع : أن ينتصب { أَن يؤتى } بفعل مقدَّرٍ ، يدل عليه : { وَلاَ تؤمنوا إِلاَّ لِمَن تَبِعَ دِينَكُمْ } إنكار لأن يؤتى أحد مثل ما أوتُوا.\rقال أبو حيّان : وهذا بعيد ؛ لأنه فيه حذفَ حرف النهي وحذفَ معموله ، ولم يُحْفظ ذلك من لسانهم.\rقال شهاب الدين : \" متى دلَّ على العامل دليلٌ جاز حَذْفُه على أي حالةٍ كان \".\rالوجه الخامس : أن يكون { هُدَى الله } بدلاً من \" الْهُدَى \" الذي هو اسم \" إنَّ \" ويكون خبر { أَن يؤتى أَحَدٌ } ، قُلْ إنَّ هدى الله أن يؤتى أحد ، أي إن هدى الله آتياً أحداً مثل ما أوتيتم ، ويكون \" أوْ \" بمعنى \" حتى \" ، والمعنى : حتى يحاجوكم عند ربكم ، فيغلبوكم ويدحضوا حُجَّتَكم عند الله ، ولا يكون { أَوْ يُحَاجُّوكُمْ } معطوفاً على { أَن يؤتى } وداخلاً في خبر إن.\rالوجه السادس : أن يكون { أَن يؤتى } بدلاً من { هُدَى الله } ويكون المعنى : قُلْ بأن الهدى هدى الله ، وهو أن يؤتى أحد كالذي جاءنا نحن ، ويكون قوله : { أَوْ يُحَاجُّوكُمْ } بمعنى فليحاجوكم ، فإنهم يغلبونكم ، قال ابنُ عطية : وفيه نظرٌ ؛ لأن يؤدي إلى حذف حرف [ النهي ] وإبقاء عمله.\rالوجه السابع : أن تكون \" لا \" النافية مقدَّرة قبل { أَن يؤتى } فحذفت ؛ لدلالة الكلام عليها ، وتكون \" أو \" بمعنى \" إلاَّ أن \" والتقدير : ولا تؤمنوا لأحد بشيء إلا لمن تبع دينَكم بانتفاء أن يؤتى أحَدٌ مثل ما أوتيتم إلا من تَبع دينَكُمْ ، وجاء بمثله ، فإن ذلك لا يؤتى به غيركم إلا أن يحاجوكم ، كقولك : لألزمنك أو تقضيني حقي.\rوفيه ضعف من حيث حذف \" لا \" النافية ، وما ذكروه من دلالة الكلامِ عليها غير ظاهر.\r","part":14,"page":194},{"id":5887,"text":"الوجه الثامن : أن يكون { أَن يؤتى } مفعولاً من أجله ، وتحرير هذا القول أن يجعل قوله : { أَن يؤتى أَحَدٌ مِّثْلَ مَآ أُوتِيتُمْ أَوْ يُحَآجُّوكُمْ } ليس داخلاً تحت قوله : \" قل \" بل هو من تمام قول الطائفة ، متصل بقوله : ولا تؤمنوا إلا لمن جاء بمثل دينكم مخافةَ أن يؤتى أحد من النُّبُوَّة والكرامة مثل ما أوتيتم ، ومخافةَ أن يُحاجُّوكم بتصديقكم إياهم عند ربكم إذا لم تستمروا عليه ، وهذا القولُ منهم ثمرة حسدهم وكُفْرهم - مع معرفتهم بنبوة محمد صلى الله عليه وسلم.\rولما قدر المُبردُ المفعول من أجله - هنا - قدر المضاف : كراهة أن يُؤتَى أحد مثل ما أوتيتم ، أي : مما خالف دينَ الإسلام ؛ لأن اللهَ لا يهدي من هو كاذبٌ كَفَّار ، فهُدَى الله بعيد من غير المؤمنين والخطاب في { أُوتِيتُمْ } و{ يُحَاجُّوكُمْ } لأمة محمد صلى الله عليه وسلم.\rواستضعف بعضُهم هذا ، وقال : كونه مفعولاً من أجْلهِ - على تقدير : كراهة - يحتاج إلى تقدير عامل فيه ويصعُب تقديره ؛ إذ قبله جملة لا يظهر تعليل النسبة فيها ، بكراهة الإيتاء المذكور.\rالوجه التاسع : أن \" أنْ \" المفتوحة تأتي للنفي - كما تأتي \" لا \" ، نقله بعضهم أيضاً عن الفراء ، وجعلَ \" أو \" بمعنى \" إلا \" ، والتقدير : لا يُؤتَى أحد ما أوتيتم إلا أن يحاجُّوكم ، فإن إيتاءه ما أوتيتم مقرون بمغالبتكم أو محاجتكم عند ربكم ؛ لأن من آتاه الله الوحي لا بُدّ أن يحاجهم عند ربهم - في كونهم لا يتبعونه - فقوله : { أَوْ يُحَاجُّوكُمْ } حالٌ لازمةٌ من جهة المعنى ؛ إذ لا يوحي اللهُ لرسولٍ إلا وهو يُحاجُّ مخالفيه. وهذا قول ساقطٌ ؛ إذْ لم يثبت ذلك من لسان العربِ. أ هـ {تفسير ابن عادل حـ 5 صـ 321 ـ 325}\rفائدة\rقال الماوردى :\rواختلف في سبب نهيهم أن يؤمنوا إلا لِمَنْ تَبعَ دينهم على قولين :","part":14,"page":195},{"id":5888,"text":"أحدهما : أنهم نُهُوا عن ذلك لِئَلاً يكون طريقاً لعبدة الأوثان إلى تصديقه ، وهذا قول الزجاج.\rوالثاني : أنهم نُهُوا عن ذلك لِئَلاَّ يعترفوا به فيلزمهم العمل بدينه لإقرارهم بصحته. أ هـ {النكت والعيون حـ 1 صـ 401}\rفصل\r\" أحد \" يجوز أن تكون - في الآية الكريمة - من الأسماء الملازمةِ للنفي ، وأن تكون بمعنى \" واحد \" والفرق بينهما أن الملازمة للنفي همزته أصلية ، والذي لا يلزم النفي همزته بدل من واو فعلى جعله ملازماً للنفي يظهر عود الضمير عليه جمعاً ؛ اعتباراً بمعناه ؛ إذ المراد به العموم ، وعليه قوله : { فَمَا مِنكُمْ مِّنْ أَحَدٍ عَنْهُ حَاجِزِينَ } [ الحاقة : 47 ] - جمع الخبر لما كان \" أحَدٌ \" في معنى الجميع - وعلى جعله غير اللازم للنفي يكون جمع الضمير في { يُحَاجُّوكُمْ } باعتبار الرسول صلى الله عليه وسلم وأتباعِه.\rوبعض الأوجه المتقدمة يصح أن يجعل فيها \" أحد \" - المذكور - الملازم للنفي ، وذلك إذا كان الكلام على معنى الجَحْد ، وإذا كان الكلام على معنى الثبوت - كما مَرَّ في بعض الوجوه فيمتنع جعفُه الملازم للنفي. والأمر واضح مما تقدم. أ هـ {تفسير ابن عادل حـ 5 صـ 325}\rفصل\rقال الفخر :","part":14,"page":196},{"id":5889,"text":"الإشكال الخامس : في هذه الوجوه : أن الإيمان إذا كان بمعنى التصديق لا يتعدى إلى المصدق بحرف اللام لا يقال صدقت لزيد بل يقال : صدقت زيداً ، فكان ينبغي أن يقال : ولا تؤمنوا إلا من تبع دينكم ، وعلى هذا التقدير يحتاج إلى حذف اللام في قوله {لِمَن تَبِعَ دِينَكُمْ} ويحتاج إلى إضمار الباء أو ما يجري مجراه في قوله {أَن يؤتى} لأن التقدير : ولا تصدقوا إلا من تبع دينكم ، بأن يؤتى أحد مثل ما أوتيتم ، فقد اجتمع في هذا التفسير الحذف والإضمار وسوء النظم وفساد المعنى ، قال أبو علي الفارسي : لا يبعد أن يحمل الإيمان على الإقرار فيكون المعنى : ولا تقروا بأن يؤتى أحد مثل ما أوتيتم إلا لمن تبع دينكم ، وعلى هذا التقدير لا تكون اللام زائدة ، لكن لا بد من إضمار حرف الباء أو ما يجري مجراه على كل حال ، فهذا محصل ما قيل في تفسير هذه الآية والله أعلم بمراده.\rثم قال تعالى : {قُلْ إِنَّ الفضل بِيَدِ الله يُؤْتِيهِ مَن يَشَاء والله واسع عَلِيمٌ }. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 8 صـ 87}\rفائدة\rقال ابن عادل :\rقرأ ابنُ كثير : أأن يؤتى - بهمزة استفهام - وهو على قاعدته من كونه يسهل الثانية بين بين من غير مدة بينهما ، وخُرِّجَتْ هذه القراءةُ على وجوهٍ :","part":14,"page":197},{"id":5890,"text":"أحدها : أن يكون { أَن يؤتى } على حذف حرف الجر - وهو لام العلة - والمُعَلَّل محذوف تقديره : ألأن يؤتى أحدٌ مثل ما أوتيتم قلتم ذلك ودبَّرتموه - وتقدم تحقيقه - وهذه اللفظة موضوعة للتوبيخ ، كقوله تعالى : { أَن كَانَ ذَا مَالٍ وَبَنِينَ إِذَا تتلى عَلَيْهِ آيَاتُنَا قَالَ أَسَاطِيرُ الأولين } [ القلم : 14-15 ] ، والمعنى : أمن أجل أن يُؤتَى أحدٌ شرائعَ مثلَ ما أوتيتم من الشرائع تُنْكِرون اتباعه ؟ ثم حذف الجواب ، للاختصارِ ، تقديره : أن يؤتى أحد مثل ما أوتيتم يا معشرَ اليهودِ من الكتاب والحكمة تحسدونه ، ولا تؤمنون به ، قاله قتادةُ والربيعُ ، وهذا الحذفُ كثيرٌ ؛ يقول الرجل - بعد طول العتاب لصاحبه ، وتعديده عليه ذنوبه بعد قلة إحسانه إليه- : أمِنْ قلة إحساني إليك ؟ أمِنْ إساءتي إليك ؟ والمعنى : أمن هذا فعلتَ ما فعلتَ ؟ ونظيره : { أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَآءَ الليل سَاجِداً وَقَآئِماً يَحْذَرُ الآخرة وَيَرْجُواْ رَحْمَةَ رَبِّهِ } [ الزمر : 9 ] ، وهذا الوجه يُروى عن مجاهد وعيسى بن عُمَرَ. وحينئذ يسوغ في محل \" أن \" الوجهان - أعني النصب - مذهب سيبويه - والجر مذهب الخليلِ.\rوثانيها : أن { أَن يؤتى } في محل رفع بالابتداء ، والخبر محذوف ، تقديره : أأن يُؤتَى أحَدٌ - يا معشر اليهودِ - من الكتاب والعلم مثل ما أوتيتم تصدقون به ، أو تعترفون به ، أو تذكرونه لغيركم ، أو تُشيعونه في الناس ، ونحو ذلك مما يَحْسُنُ تقديره ، وهذا على قول مَنْ يقول : أزَيْدٌ ضربته ؟ وهو وجه مرجوحٌ ، كذا قدره الواحديُّ تبعاً للفارسيِّ وأحسن من هذا التقدير لأن الأصل أإتيان أحد مثل ما أوتيتم ممكن أو مصدق به.\r","part":14,"page":198},{"id":5891,"text":"الثالث : أن يكون منصوباً بفعل مقدَّرٍ يُفَسِّرُه هذا الفعل المُضْمَر ، وتكون المسألة من باب الاشتغال ، التقدير : أتذكرون أن يؤتى أحَدٌ تذكرونه ؟ ف \" تذكرونه \" مُفَسِّرٌ لـ \" تذكرون \" الأولى ، على حد : أزيداً ضربتَه ؟ ثم حذف الفعل الأخير ؛ لدلالة الكلام عليه ، وكأنه منطوقٌ به ، ولكونه في قوةِ المنطوقِ به صَحَّ له أن يُفَسِّر مُضْمَراً وهذه المسألة منصوص عليها ، وهذا أرجح من الوجه قبله ، لأنه مثل : أزيداً ضربته وهو أرجح ، لأجل الطالب للفعل ، ومثل حذف هذا الفعل المقدَّر لدلالة ما قبل الاستفهام عليه حذف الفعل في قوله تعالى : { آلآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ } [ يونس : 91 ] تقديره : آلآن آمنتَ ، ورجعتَ وثبت ، ونحو ذلك.\rقال الواحديُّ : فإن قيل : كيف جاز دخول \" أحَدٌ \" في هذه القراءة ، وقد انقطع من النفي ، والاستفهام ، وإذا انقطع الكلام - إيجاباً وتقريراً - فلا يجوز دخول \" أحَدٌ \".\rقيل : يجوز أن يكون أحَدٌ \" - في هذا الموضع - أحداً الذي في نحو أحد وعشرين ، وهذا يقع في الإيجاب ، ألا ترى أنه بمعنى \" واحد \".\rقال أبو العباسِ : إن \" أحَداً \" و\" وَحَداً \" و\" وَاحِداً \" بمعنًى.\rوقوله : { أَوْ يُحَاجُّوكُمْ } ، أو في هذه القراءة - بمعنى \" حتى \" ، ومعنى الكلام : أأن يؤتى أحد مثل ما أوتيتم تذكرونه لغيركم حتى يُحَاجُّوكُمْ عند ربكم.\rقال الفراء : \" ومثله في لكلام : تَعَلَّق به أو يُعْطيك حَقَّك.\rومثله قول امرئ القيس : [ الطويل ]\r1514- فَقُلْتُ لَهُ : لا تَبْكِ عَيْنُكَ إنَّمَا... نُحَاوِلُ مُلْكاً أو نَمُوتَ فنُعْذَرَا","part":14,"page":199},{"id":5892,"text":"أي حتى ، ومن هذا قوله تعالى : { لَيْسَ لَكَ مِنَ الأمر شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ } [ آل عمران : 128 ] ، ومعنى الآية : ما أعطي أحد مثل ما أوتيتم - يا أمة محمدٍ - من الدين والحُجَّة حتى يحاجوكم عند ربكم \" ، قال : \" فهذا وَجْهٌ ، وأجود منه أن تجعله عَطْفاً على الاستفهام ، والمعنى : أأن يُؤتَى أحَد مثل ما أوتيتم أو يحاجَّكم أحد عند الله تصدقونه ؟ \". وهذا كله معنى قول أبي علي الفارسي.\rويجوز أن يكون { أَن يؤتى أَحَدٌ } منصوباً بفعل مُقَدَّرٍ لا على سبيل التفسير ، بل لمجرد الدلالة المعنوية ، تقديره : أتذكرون ، أو أتشيعونه. ذكره الفارسي أيضاً ، وهذا هو الوجه الرابع.\rالخامس : أن يكون { أَن يؤتى } - قراءته - مفعولاً من أجله على أن يكون داخلاً تحت القول لا من قول الطائفة ، وهو أظهر مِنْ جَعْلِه من قَوْل الطَّائِفَةِ.\rقال ابن الخطيبِ : \" أما قراءة من يقصر الألف من \" أنْ \" فقد يُمْكن إيضاحها على معنى الاستفهام ، كما قرئ : { سَوَآءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُم } [ البقرة : 6 ] - بالمد والقصر - وكذا قوله تعالى : { أَن كَانَ ذَا مَالٍ وَبَنِينَ } [ القلم : 14 ] قرئ بالمد والقصر.\rوقال امرؤ القيس : [ المتقارب ]\r1515- تَرُوحُ مِنَ الْحَيِّ أمْ تَبْتَكِرْ... وَمَاذَا عَلَيْكَ بِأنْ تَنْتَظِر ؟\rأراد : أتروح ؟ فحذف ألف الاستفهام ؛ لدلالة \" أم \" عليه ، وإذا ثبت أن هذه القراءةَ مُحْتَمِلَةٌ لمعنى الاستفهام كان التقدير ما شرحناه في القراءة الأولى.\rوقد ضعف الفارسيُّ قراءةَ ابن كثيرٍ ، فقال : [ \" وهذا موضع ينبغي أن تُرَجَّحَ فيه قراءةُ غيرِ ابنِ كثير على قراءة ابن كثير ] ؛ لأن الأسماء المُفْرَدةَ ليس بالمستمر فيها أن تدلَّ على الكثرة \".","part":14,"page":200},{"id":5893,"text":"وقرأ الأعمش وشعيب بن أبي حمزة : إن يُؤتَى - بكسْر الهمزة - وخرَّجها الزمخشريُّ على أنها \" إنْ \" النافية ، فقال : وقُرِئَ : \" إن يؤتى أحد \" على \" إن \" النافية ، وهو متصل بكلام أهل الكتاب ، أي : \" ولا تؤمنوا إلا لمن تبع دينكم \" وقولوا لهم : ما يؤتى أحد مثل ما أوتيتم حتى يحاجوكم عند ربكم ، يعني ما يُؤتَوْنَ مثلَه فلا يحاجونكم.\rقال ابنُ عطيةَ : \" وهذه القراءة تحتمل أن يكون الكلام خطاباً من الطائفة القائلة ، ويكون قولها : أو يحاجوكم بمعنى : أو فَلْيُحَاجُّوكُمْ ، وهذا على التصميم على أنه لا يُؤتَى أحدٌ مثلَ ما أوتيتم ، أو يكون بمعنى إلا أن يحاجوكم ، وهذا على تجويز أن يؤتى أحد ذلك إذا قامت الحجة له \" ، فقد ظهر - على ما ذكره ابن عطية - أنه يجوز في \" أوْ \" - في هذه القراءة - أن تكون على بابها من كونها للتنويع والتخيير ، وأن تكون بمعنى \" إلا \" إلا أن فيه حذفَ حرفِ الجزمِ ، وإبقاء عمله وهو لا يجوز ، وعلى قول غيره تكون بمعنى \" حَتَّى \".\r","part":14,"page":201},{"id":5894,"text":"وقرأ الحسن : أن يُؤتِيَ أحَد - على بناء الفعل للفاعل - ولما نقل بعضهم هذه القراءةَ لم يتعرَّض لـ \" أن \" - بفتح ولا بكسر - كأبي البقاء ، وابن عطية ، وقيَّدَها بعضُهم بكسر \" أنْ \" وفسَّرها بإن النافية ، والظاهر في معناه أن إنعام الله تعالى لا يُشْبِهه إنعام أحد من خلقه ، وهي خطاب من النبي صلى الله عليه وسلم لأمته ، والمفعول المحذوف ، تقديره : إن يُؤتِيَ أحَدٌ أحَداً مثل ما أوتيتم ، فحذف المفعول الأول ، وهُوَ أحَدٌ ؛ لدلالة المعنى عليه ، وأبقى الثاني ، فيكون قول اليهودِ وقد تم عند قوله : { إِلاَّ لِمَن تَبِعَ دِينَكُمْ } وما بعده من قول الله تعالى ، يقول : \" قل \" يا محمدُ إن { الهدى هُدَى الله أَن يؤتى } \" إنْ \" بمعنى الجحد ، أي : ما يؤتى أحد مثل ما أوتيتم يا أمة محمد ، أو يحاجوكم ، يعني : إلا أن يجادلكم اليهودُ بالباطل ، فيقولوا : نحن أفضل منكم وهذا معنى قول سعيد بن جُبَيرٍ والحسن والكلبيِّ ومقاتلٍ وهذا ملخَّص كلام الناسِ في هذه الآية مع اختلافهم.\rقال الواحدي : \" وهذه الآيةُ من مشكلات القرآن ، وأصعبه تفسيراً ؛ ولقد تدبَّرْتُ أقْوَالَ أهلِ التفسير ، والمعاني في هذه الآية ، فلم أجد قولاً يَطَّرِدُ في الآيةِ ، من أوَّلِها إلى آخرهَا ، مع بيان المعنى في النظم \". أ هـ {تفسير ابن عادل حـ 5 صـ 325 ـ 328}\rفصل\rقال الفخر :\rاعلم أنه تعالى حكى عن اليهود أمرين\rأحدهما : أن يؤمنوا وجه النهار ، ويكفروا آخره ، ليصير ذلك شبهة للمسلمين في صحة الإسلام.\rفأجاب عنه بقوله {قُلْ إِنَّ الهدى هُدَى الله} والمعنى : أن مع كمال هداية الله وقوة بيانه لا يكون لهذه الشبهة الركيكة قوة ولا أثر\rوالثاني : أنه حكى عنهم أنهم استنكروا أن يؤتى أحد مثل ما أوتوا من الكتاب والحكم والنبوة.","part":14,"page":202},{"id":5895,"text":"فأجاب عنه بقوله {قُلْ إِنَّ الفضل بِيَدِ الله يُؤْتِيهِ مَن يَشَاء} والمراد بالفضل الرسالة ، وهو في اللغة عبارة عن الزيادة ، وأكثر ما يستعمل في زيادة الإحسان ، والفاضل الزائد على غيره في خصال الخير ، ثم كثر استعمال الفضل لكل نفع قصد به فاعله الإحسان إلى الغير وقوله {بِيَدِ الله} أي إنه مالك له قادر عليه ، وقوله {يُؤْتِيهِ مَن يَشَاء} أي هو تفضل موقوف على مشيئته ، وهذا يدل على أن النبوة تحصل بالتفضل لا بالاستحقاق ، لأنه تعالى جعلها من باب الفضل الذي لفاعله أن يفعله وأن لا يفعله ، ولا يصح ذلك في المستحق إلا على وجه المجاز وقوله {والله واسع عَلِيمٌ} مؤكد لهذا المعنى ، لأن كونه واسعاً ، يدل على كمال القدرة ، وكونه عليماً على كمال العلم ، فيصح منه لمكان القدرة أن يتفضل على أي عبد شاء بأي تفضل شاء ، ويصح منه لمكان كمال العلم أن لا يكون شيء من أفعاله إلا على وجه الحكمة والصواب. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 8 صـ 87 ـ 87}\rمن فوائد القرطبى فى الآية\rقال رحمه الله :\rقوله تعالى : { وَلاَ تؤمنوا إِلاَّ لِمَن تَبِعَ دِينَكُمْ } هذا نهي ، وهو من كلام اليهود بعضهم لبعض ، أي قال ذلك الرؤساء للسّفلة.\rوقال السدي : من قول يهودِ خيبر ليهود المدينة.\rوهذه الآية أشكل ما في السورة.\rفروي عن الحسن ومجاهد أن معنى الآية ولا تؤمنوا إلا لمن تبع دينكم ، ولا تؤمنوا أن يحاجوكم عند ربكم لأنهم لا حجة لهم فإنكم أصح منهم دِيناً.\rو \"أن\" و\"يحاجوكم\" في موضع خفض ، أي بأن يحاجوكم أي باحتجاجهم ، أي لا تصدّقوهم في ذلك فإنهم لا حجة لهم.\r{ أَن يؤتى أَحَدٌ مِّثْلَ مَآ أُوتِيتُمْ } من التوراة والمنّ والسلوى وفرق البحر وغيرها من الآيات والفضائل.","part":14,"page":203},{"id":5896,"text":"فيكون \"أن يؤتي\" مؤخراً بعد { أَوْ يُحَآجُّوكُمْ } ، وقوله { إِنَّ الهدى هُدَى الله } اعتراض بين كلامين.\rوقال الأخفش : المعنى ولا تؤمنوا إلا لمن تبع دينكم ولا تؤمنوا أن يؤتى أحد مثل ما أوتيتم ولا تصدّقوا أن يحاجوكم ؛ يذهب إلى أنه معطوف.\rوقيل : المعنى ولا تؤمنوا إلا لمن تبع دينكم أن يؤتى أحد مثل ما أوتيتم ؛ فالمَدّ على الاستفهام أيضاً تأكيد للإنكار الذي قالوه إنه لا يؤتي أحد مثل ما أوتوه ؛ لأن علماء اليهود قالت لهم ؛ لا تؤمنوا إلا لمن تبع دينكم أن يؤتي أحد مِثل ما أوتيتم ؛ أي لا يؤتي أحد مثل ما أوتيتم ؛ فالكلام على نسقه.\rو \"أن\" في موضع رفع على قول من رفع في قولك أزيد ضربته ، والخبر محذوف تقديره أن يؤتي أحد مثل ما أوتيتم تصدّقون أو تقرون ، أي إيتاء موجود مصدَّقٌ أو مُقَرّ به ، أي لا تصدّقون بذلك.\rويجوز أن تكون \"أن\" في موضع نصب على إضمار فعل ؛ كما جاز في قولك أزيداً ضربته ، وهذا أقوى في العربية لأن الاستفهام بالفعل أولى ، والتقدير أتقرّون أن يؤتي ، أو أتشِيعون ذلك ، أو أتذكرون ذلك ونحوه.\rوبالمد قرأ ابن كثير وابن محيصِن وحميد.\rوقال أبو حاتم : \"أن\" معناه \"ألأَنْ\" ، فحذفت لام الجر استخفافا وأبدلت مدّةً ؛ كقراءة من قرأ { أَن كَانَ ذَا مَالٍ } [ القلم : 14 ] أي ألأن.\rوقوله \"أو يُحَاجُّوكُم\" على هذه القراءة رجوع إلى خطاب المؤمنين ؛ أو تكون \"أو\" بمعنى \"أَنْ\" لأنهما حَرْفَا شكّ وجزاء يوضع أحدهما موضع الآخر.\rوتقدير الآية : وأن يحاجوكم عند ربكم يا معشر المؤمنين ، فقل : يا محمد إن الهدى هدى الله ونحن عليه.\rومن قرأ بترك المدّ قال : إن النفي الأوّل دلّ على إنكارهم في قولهم ولا تؤمنوا.\r","part":14,"page":204},{"id":5897,"text":"فالمعنى أن علماء اليهود قالت لهم : لا تصدّقوا بأن يُؤتَى أحد مثل ما أوتيتم ، أي لا إيمان لهم ولا حجة ؛ فعطف على المعنى من العلم والحكمة والكتاب والحجة والمنّ والسّلْوَى وفَلق البحر وغيرها من الفضائل والكرامات ، أي إنها لا تكون إلا فيكم فلا تؤمنوا أن يؤتى أحد مثل ما أوتيتم إلا من تبع دينكم.\rفالكلام فيه تقديم وتأخير على هذه القراءة واللام زائدة.\rومن استثنى ليس من الأوّل ، وإلا لم يجز الكلام.\rودخلت \"أَحَدٌ\" لأن أوّل الكلام نفي ، فدخلت في صلة \"أن\" لأنه مفعول الفعل المنفي ؛ فأن في موضع نصب لعدم الخافض.\rوقال الخليل : ( أنْ ) في موضع خفض بالخافض المحذوف.\rوقيل : إن اللام ليست بزائدة ، و\"تُؤمِنُوا\" محمول على تُقِرّوا.\rوقال ابن جريج : المعنى ولا تؤمنوا إلا لمن تبع دينكم كراهية أن يؤتى أحدٌ مثل ما أوتيتم.\rوقيل : المعنى لا تخبروا بما في كتابكم من صفة محمد صلى الله عليه وسلم إلا لمن تبع دينكم لئلا يكون طريقاً إلى عبَدَة الأوثان إلى تصديقه.\rوقال الفرّاء : يجوز أن يكون قد انقطع كلام اليهود عند قوله عز وجل { إِلاَّ لِمَن تَبِعَ دِينَكُمْ } ثم قال لمحمد صلى الله عليه وسلم { قُلْ إِنَّ الهدى هُدَى الله }.\rأي إن البيان الحق هو بيان الله عز وجل { أَن يؤتى أَحَدٌ مِّثْلَ مَآ أُوتِيتُمْ } بيّن ألا يؤتى أحد مثل ما أوتيتم ، و\"لا\" مقدرة بعد \"أن\" أي لئلا يؤتى ؛ كقوله { يُبَيِّنُ الله لَكُمْ أَن تَضِلُّواْ } [ النساء : 176 ] أي لئلا تضلوا ، فلذلك صلح دخول \"أحد\" في الكلام.\rو \"أو\" بمعنى \"حتى\" و\"إلا أن\" ؛ كما قال امرؤ القيس : \rفقلتُ له لا تَبْكِ عَيْنُك إنّما . . .\rنحاول مُلكاً أو نموتَ فنُعذَرا\rوقال آخر : \rوكنتُ إذا غَمَزْتُ قَنَاةَ قوم . . .\rكسرتُ كُعُوبَها أو تستقيما\r","part":14,"page":205},{"id":5898,"text":"ومثله قولهم : لا نلتقي أو تقوم الساعة ، بمعنى \"حتى\" أو \"إلى أن\" ؛ وكذلك مذهب الكِسائيّ.\rوهي عند الأخفش عاطفة على \"وَلاَ تُؤْمِنُوا\" وقد تقدّم.\rأي لا إيمان لهم ولا حجة ؛ فعطف على المعنى.\rويحتمل أن تكون الآية كلها خطاباً للمؤمنين من الله تعالى على جهة التثبيت لقلوبهم والتشحيذ لبصائرهم ؛ لئلا يشكّوا عند تلبيس اليهود وتزويرهم في دينهم.\rوالمعنى لا تصدّقوا يا معشر المؤمنين إلا من تبع دينكم ، ولا تصدّقوا أن يؤتى أحد مثل ما أوتيتم من الفضل والدِّين ، ولا تصدّقوا أن يحاجّكم في دينكم عند ربّكم مَن خالفكم أو يقدر على ذلك ، فإن الهُدَى هدى الله وإن الفضل بيد الله.\rقال الضحاك : إن اليهود قالوا إنا نحاجّ عند ربنا مَن خالفنا في ديننا ؛ فبيّن الله تعالى أنهم هم المُدْحَضُون المعذَّبون وأن المؤمنين هم الغالبون.\rومحاجّتهم خصومتهم يوم القيامة.\rففي الخبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.\r\" إن اليهود والنصارى يحاجُّونا عند ربّنا فيقولون أعطيتنا أجْراً واحداً وأعطيتهم أجرين فيقول هل ظلمتكم من حقوقكم شيئاً قالوا لا قال فإن ذلك فضلي أوتيه من أشاء \" قال علماؤنا : فلو علموا أن ذلك من فضل الله لم يحاجونا عند ربنا ؛ فأعلم الله نبِيّه صلى الله عليه وسلم أنهم يحاجونكم يوم القيامة عند ربكم ، ثم قال : قل لهم الآن { إِنَّ الفضل بِيَدِ الله يُؤْتِيهِ مَن يَشَآءُ والله وَاسِعٌ عَلِيمٌ }. أ هـ {تفسير القرطبى حـ 4 صـ 112 ـ 114}","part":14,"page":206},{"id":5899,"text":"وقال ابن عاشور :\rوقوله : { ولا تؤمنوا إلا لمن تبع دينكم } من كلام الطائفة من أهل الكتاب قصدوا به الاحتراس ألا يظنوا من قولهم آمِنوا بالذي أنزل على الذين آمنوا وجهَ النهار أنه إيمان حَقُّ ، فالمعنى ولا تؤمنوا إيماناً حقاً إلاّ لمن تَبع دينكم ، فأما محمد فلا تؤمنوا به لأنه لم يتبِع دينكم فهذا تعليل للنهي.\rوهذا اعتذار عن إلزامهم بأنّ كتبهم بشرت بمجيء رسول مقفّ فتوهموا أنه لا يجيء إلاّ بشريعة التوراة ، وضلوا عن عدم الفائدة في مَجيئه بما في التوراة لأنه من تحصيل الحاصل ، فينزّه فعلُ الله عنه ، فالرسول الذي يجيء بعد موسى لا يكون إلاّ ناسخاً لبعض شريعة التوراة فجمعُهم بين مقالة : { آمنوا بالذي أنزل على الذين آمنوا } وبين مقالة : { ولا تؤمنوا } مثل { وما رميت إذ رميت } [ الأنفال : 17 ].\rوقوله : { قل إن الهدى هدى الله } كلام معترض ، أمر النبي عليه الصلاة والسلام أن يقوله لهم.\rكنايةً عن استبعاد حصول اهتدائهم ، وأنّ الله لم يهدهم ، لأنّ هدى غيره أي محاولته هدى الناس لا يحصل منه المطلوب ، إذا لم يقدّره الله.\rفالقصر حقيقي : لأنّ ما لم يقدّره الله فهو صورة الهدى وليس بهُدى وهو مقابل قولهم : آمنوا بالذي أنزل ولا تؤمنوا إلاَّ لمن تبع دينكم ، إذْ أرادوا صورة الإيمان ، وما هو بإيمان ، وفي هذا الجواب إظهار الاستغناء عن متابعتهم.\r{ أَن يؤتى أَحَدٌ مِّثْلَ مَآ أُوتِيتُمْ أَوْ يُحَآجُّوكُمْ عِندَ رَبِّكُمْ }.\rأشكل موقعُ هذه الآية بعد سابقتها وصفَ نظمها ، ومصرَف معناها : إلى أي فريق.\rوقال القرطبي : إنها أشكَلُ آية في هذه السورة.\rوذكر ابن عطية وجوها ثمانية.\rترجع إلى احتمالين أصليين.","part":14,"page":207},{"id":5900,"text":"الاحتمال الأول أنها تكملة لمحاورة الطائفةِ من أهل الكتاب بعضهم بعضاً ، وأن جملة { قل إن الهدى هدى الله } معترضة في أثناء ذلك الحِوار ، وعلى هذا الاحتمال تأتي وجوه نقتصر منها على وجهين واضحين :\rأحدهما : أنهم أرادوا تعليل قولهم : { ولا تؤمنوا إلا لمن تبع دينكم } على أن سياق الكلام يقتضي إرادتهم استحالة نسخ شريعة التوراة ، واستحالة بعثة رسول بعد موسى ، وأنه يُقدّر لام تعليل محذوف قبل ( أنْ ) المصدرية وهو حذف شائع مثلُه.\rثم إما أن يقدر حرف نفي بعد ( أنْ ) يدل عليه هذا السياق ويَقتضيه لفظ ( أحد ) المرادِ منه شمول كلّ أحد : لأنّ ذلك اللفظَ لا يستعمل مراداً منه الشمول إلاّ في سياق النفي ، ومَا في معنيّ النفي مثللِ استفهام الإنكار ، فأما إذا استعمل ( أحَد ) في الكلام الموجَب فإنه يكون بمعنى الوصف بالوحْدة ، وليس ذلك بمناسب في هذه الآية.\rفتقدير الكلام لأن لا يوتى أحد مثل ما أوتيتم وحذفُ حرف النفي بعد لام التعليل ، ظاهرةً ومقدّرةً ، كثيرٌ في الكلام ، ومنه قوله تعالى : { يُبين اللَّه لكم أن تضلوا } [ النساء : 176 ] ، أي لئلاّ تضلوا.\rوالمعنى : أنّ قصدهم من هذا الكلام تثبيتُ أنفسهم على ملازمة دين اليهودية ، لأن اليهود لا يجوِّزون نسخَ أحكام الله ، ويتوهمون أنّ النسخ يقتضي البَدَاء.\rالوجه الثاني : أنهم أرادوا إنكار أن يوتَى أحد النبوءة كما أوتيها أنبياءُ بني إسرائيل فيكون الكلام استفهاماً إنكارياً حذفت منه أداة الاستفهام لدلالة السياق ؛ ويؤيده قراءةُ ابن كثير قوله : { أن يؤتى أحد } بهمزتين.","part":14,"page":208},{"id":5901,"text":"وأما قوله : أو يحَاجوكم عندَ ربكم فحَرْف ( أو ) فيه للتقسيم مثل { ولا تطع منهم آثماً أو كفوراً } [ الإنسان : 24 ] ( أو ) معطوف على النفي ، أو على الاستفهام الإنكاري : على اختلاف التقديرين ، والمعنى : ولا يحاجوكم عند ربكم أو وكيف يحاجونكم عند ربكم ، أي لا حجة لهم عليكم عند الله.\rوواو الجمع في { يحاجوكم } ضمير عائد إلى ( أحد ) لدلالته على العموم في سياق النفي أو الإنكار.\rوفائدة الاعتراض في أثناء كلامهم المبادرة بما يفيد ضلالهم لأنّ الله حرمهم التوفيق.\rالاحتمال الثاني أن تكون الجملة مما أمر النبي صلى الله عليه وسلم بأن يقوله لهم بقيةً لقوله : \"إنّ الهُدى هُدى الله\".\rوالكلام على هذا ردّ على قولهم : { آمنوا بالذي أنزل على الذين آمنوا وجه النهار } وقولهم { ولا تؤمنوا إلا لمن تبع دينكم } على طريقة اللفّ والنشر المعكوس ، فقوله : { أن يأتى أحد مثل ما أوتيتم } إبطال لقولهم : { ولا تؤمنوا إلا لمن تبع دينكم } أي قلتم ذلك حسَداً من أنْ يؤتي أحدٌ مثلَ ما أوتيتم وقوله : { أو يحاجوكم } ردّ لقولهم : { آمنوا بالذي أنزل على الذين آمنوا وجه النهار واكفروا آخره } على طريقة التهكم ، أي مرادكم التنصّل من أن يحاجوكم أي الذين آمنوا عند الله يوم القيامة ، فجمعتم بين الإيمان بما آمن به المسلمون ، حتى إذا كان لهم الفوز يوم القيامة لا يحاجونكم عند الله بأنكم كافرون ، وإذا كان الفوز لكم كنتم قد أخذتم بالحَزم إذ لم تبطلوا دين اليهودية ، وعلى هذا فواو الجماعة في قوله : { أو يحاجوكم } عائد إلى الذين آمنوا.","part":14,"page":209},{"id":5902,"text":"وهذا الاحتمال أنسب نظماً بقوله تعالى : { قل إن الفضل بيد اللَّه } ، ليكون لِكلّ كلام حُكي عنهم تلقينُ جوابٍ عنه : فجواب قولهم : { آمنوا بالذي أنزل على الذين آمنوا } الآية ، قولُه : { قل إن الهدى هدى الله }.\rوجواب قولهم : { ولا تؤمنوا } إلخ قولُه : قل إنّ الفضل بيد الله إلخ.\rفهذا مِلاك الوجوه ، ولا نطيل باستيعابها إذْ ليس من غرضنا في هذا التفسير.\rوكلمة { أحد } اسم نكرة غلب استعمالها في سياق النفي ومعناها شخص أو إنسان وهو معدود من الأسماء التي لا تقع إلاّ في حيّز النفي فيفيد العموم مثل عَرِيب ودَيَّار ونحوهما وندر وقوعه في حيّز الإيجاب ، وهمزته مبدلة من الواو وأصلَه وَحَد بمعنى واحد ويرد وصفاً بمعنى واحد.\r[\rوقرأ الجمهور { أن يُؤتَى أحد } بهمزة واحدة هي جزء من حرف ( أنْ ).\rوقرأه ابن كثير بهمزتين مفتوحتين أولاهما همزة استفهام والثانية جزء من حرف ( أنْ ) وسهل الهمزة الثانية.\r{ قُلْ إِنَّ الفضل بِيَدِ الله يُؤْتِيهِ مَن يَشَآءُ والله واسع عَلِيمٌ } { يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَن يَشَآءُ والله ذُو الفضل العظيم }.\rزيادة تذكير لهم وإبطال لإحالتهم أن يكون محمد صلى الله عليه وسلم رسولاً من الله ، وتذكير لهم على طرح الحسد على نعم الله تعالى أي كما أعطى الله الرسالة موسى كذلك أعطاها محمداً ، وهذا كقوله تعالى : { أم يحسدون الناس على ما آتاهم اللَّه من فضله فقد آتينا آل إبراهيم الكتاب والحكمة } [ النساء : 54 ].\rوتأكيد الكلام بـ ( إنّ ) لتنزيلهم منزلة من ينكر أنّ الفضل بيد الله ومن يحسب أنّ الفضل تبع لشهواتهم وجملة { والله واسع عليم } عطف على جملة أنّ الفضل بيد الله إلخ أي أنّ الفضل بيد الله وهو لاَ يخفى عليه من هو أهل لنوال فضله.\rو { واسع } اسم فاعل الموصوف بالسعة.","part":14,"page":210},{"id":5903,"text":"وحقيقة السعة امتداد فضاء الحَيِّز من مكاننٍ أو ظرففٍ امتداداً يكفي لإيواء ما يحويه ذلك الحيز بدون تزاحم ولا تداخل بين أجزاء المحويّ ، يقال أرض واسعة وإناء واسع وثوب واسع ، ويطلق الاتساع وما يشتقّ منه على وفاء شيء بالعمل الذي يعملَه نوعُه دون مشقة يقال : فلان واسع البال ، وواسع الصدر ، وواسع العطاء.\rوواسعِ الخُلُق ، فتدلّ على شدّةِ أو كثرةِ ما يسند إليه أو يوصف به أو يعلق به من أشياء ومعاننٍ ، وشاع ذلك حتى صار معنى ثانياً.\rو { وَاسع } من صفات الله وأسمائِه الحسنى وهو بالمعنى المجازي لا محالة لاستحالة المعنى الحقيقي في شأنه تعالى ، ومعنى هذا الاسم عدمُ تناهي التعلقات لصفاته ذاتتِ التعلق فهو واسع العلم ، واسع الرحمة ، واسع العطاء ، فسعة صفاته تعالى أنها لا حدّ لتعلقاتها ، فهو أحقّ الموجودات بوصف واسع ، لأنه الواسع المطلق.\rوإسناد وصف واسع إلى اسمه تعالى إسناد مجازي أيضاً لأنّ الواسع صفاتُه ولذلك يُؤتَى بعد هذا الوصف أو ما في معناه من فعل السعة بما يميز جهة السعة من تمييز نحو : وَسِع كل شيء علماً ، ربنا وسعت كلّ شيء رحمةً وعلماً.\rفوصفه في هذه الآية بأنه واسع هو سعة الفضل لأنه وقع تذييلاً لقوله : ذلكَ فضل الله يؤتيه من يشاء.\rوأحسب أنّ وصف الله بصفة واسع في العربية من مبتكرات القرآن.\rوقوله : { عليم } صفة ثانية بقوة علمه أي كثرة متعلّقات صفة علمه تعالى.\rووصفه بأنه عليم هنا لإفادة أنه عليم بمن يستأهل أن يؤتيه فضلَه ويدل على علمه بذلك ما يظهر من آثار إرادته وقدرته الجارية على وفق علمه متى ظهر للناس ما أودعه الله من فضائل في بعض خلقه ، قال تعالى : { اللَّه أعلم حيث يجعل رسالته } [ الأنعام : 124 ]. أ هـ {التحرير والتنوير حـ 3 صـ 127 ـ 130}","part":14,"page":211},{"id":5904,"text":"وقال الثعلبى :\r{قُلْ إِنَّ الْهُدَى هُدَى اللَّهِ} متصل بالكلام الأوّل إخباراً عن قول اليهود بعضهم لبعض ،\rومعنى الآية : ولا تؤمنوا إلا لمن تبع دينكم ،\rولا تؤمنوا أن يؤتى أحد مثل ما أُؤتيتم من العلم والحكمة والحجّة في المنّ والسلوى ،\rوفلق البحر وغيرها من الفضائل والكرامات. ولا تؤمنوا أن يُحاجّوكم عند ربّكم لأنّكم أصحّ ديناً منه ،\rوهذا معنى قول مجاهد والأخفش.\rوقال ابن جريج وابن زيّات : قالت اليهود لسفلتهم : لا تؤمنوا إلا لمن تبع دينكم كراهية أن يؤتى أحد مثل ما أوتيتم وأيّ فضل يكون لكم عليهم حيث علموا ما علمتم وحينئذ {يُحَآجُّوكُمْ عِندَ رَبِّكُمْ} : يقولون عرفتم أنّ ديننا حقّ فلا تصدّقوهم لئلاّ يعلموا مثل ما عُلّمتم ولا يُحاجّوكم عند ربكم ،\rويجوز أن يكون على هذا القول لا مضمراً كقوله تعالى {يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَن تَضِلُّوا} يكون تقديره ولا تؤمنوا إلا لمن تبع دينكم لئلاّ يؤتى أحد من العلم مثل ما أوتيتم وألا يحاجّوكم عند ربكم.\rوقرأ الحسن والأعمش : إن يؤتى بكسر الألف ووجه هذه القراءة إنّ هذا كلّه من قول اللّه بلا اعتراض وأن يكون كلام اليهود تاماً عند قوله {إِلا لِمَن تَبِعَ دِينَكُمْ} ومعنى الآية : قل يا محمد إنّ الهدى هدى اللّه أن يؤتى ما يؤتى أحد مثل ما أوتيتم يا أُمّة محمد أو يحاجّوكم ،\rيعني إلا أن يجادلكم اليهود بالباطل فيقولون نحن أفضل منكم وقوله : {عِندَ رَبِّكُمْ} أي عند فضل ربّكم لكم ذلك ويكون (أنّ) على هذا القول بمعنى الجحد والنفي.\rوهذا معنى قول سعيد بن جبير والحسن وأبي مالك ومقاتل والكلبي. وقال الفرّاء : ويجوز أن يكون (أو) بمعنى حتّى كما يقال : تعلّق به أو يعطيك حقّك أي حتى يعطيك حقّك.\rوقال امرؤ القيس :\rفقلت له لا تبك عينك إنّما\rنحاول ملكاً أو نموت فنعذرا\rأي حتى نموت.","part":14,"page":212},{"id":5905,"text":"والمعنى لا يؤتى أحد مثل ما أوتيتم ،\rما أعطى أحداً مثل ما أُعطيتم يا أُمة محمد من الدّين والحجّة حتّى يحاجّوكم عند ربّكم.\rوقرأ ابن كثير : أن يؤتى بالمدّ وحينئذ يكون في الكلام اختيار تقديرها : أن يؤتى أحدٌ مثل ما أوتيتم يا معشر اليهود من الكتاب والحكمة تحسدونهم ولا تؤمنون بهم وهذا قول قتادة والربيع.\rوإلاّ هذا من قول اللّه عز وجّل : قل لهم يا محمد إنّ الهدى هدى اللّه لما أنزل كتاباً مثل كتابكم وبعث نبيّاً مثل نبيّكم حسدتموه وكفرتم به.\r{قُلْ إِنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ} الآية.\rقال أبو حاتم : إنّ معناه الآن فحذف لام الجزاء استخفافاً وأُبدلت مدّه كقراءة من قرأ : {أَن كَانَ ذَا مَالٍ} أي الآن كان.\rوقوله : أو يحاجّوكم على هذه القراءة رجوع إلى خطاب المؤمنين ويكون أو بمعنى أن لأنّهما حرفا شك وجزاء ويوضع أحدهما موضع الآخر وتقدير الآية : وإن يحاجّوكم يا معشر المؤمنين عند ربّكم فقل يا محمد : إنّ الهدى هدى اللّه ونحن عليه.\rويحتمل أن يكون الجميع خطاباً للمؤمنين ويكون نظم الآية : أن يؤتى أحد مثل ما أوتيتم يا معشر المؤمنين (فلا تشكّو عند تلبيس اليهود) فقل إنّ الفضل بيد اللّه.\rوإن حاجّوكم فقل إنّ الهدى هدى اللّه.\rفهذه وجوه الآيات باختلاف القرآن. ويحتمل أن يكون تمام الخبر عن اليهود عند قوله {لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ} فيكون قوله {وَلا تُؤْمِنُوا إِلا لِمَن تَبِعَ دِينَكُمْ} إلى آخر الآية من كلام اللّه عزّ وجّل. وذلك إنّ اللّه تعالى مثبّتٌ لقلوب المؤمنين ومشحذٌ لبصائرهم لئلاّ يشكّوا عند تلبيس اليهود وتزويرهم في دينهم أي : ولا تصدّقوا يا معشر المؤمنين إلا لمن تبع دينكم ولا تصدّقوا أن يؤتى أحد مثل ما أوتيتم من الدين والفضل ،","part":14,"page":213},{"id":5906,"text":"ولا تصدّقوا أن يحاجّوكم في دينكم عند ربّكم فيقدرون على ذلك فإنّ الهدى هدى اللّه وأنّ الفضل بيد اللّه.\r{يُؤْتِيهِ مَن يَشَآءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ} : فتكون الآية كلّها خطاب اللّه عز وجّل للمؤمنين عند تلبيس اليهود عليهم لئلاّ يزلّوا ولا يرتابوا واللّه أعلم. يدل عليه قول الضحّاك قال : إنّ اليهود قالوا : إنّا نحاجّ عند ربنا من خالفنا في ديننا فبيّن اللّه تعالى أنّهم هم المدحضون أي المغلوبون ،\rوإنّ المؤمنين هم الغالبون. أ هـ {الكشف والبيان حـ 3 صـ 91 ـ 93}\rوقال العلامة الشيخ محمد أبو زهرة يرحمه الله :\rوإنى أميل إلى الاحتمال الأول ، وأن تكون الجملة السامية \"قل إن الهدى هدى الله\" معترضة ، وأن قوله \"أن يؤتى أحد مثل ما أوتيتم\" من قولهم ، وذلك ليستقيم أمر الله بعد ذلك لنبيه بقوله \"قل إن الفضل بيد الله\" فإنه لا يتضح معناه إلا إذا كان عقب قولهم ؛ ليكون معنى جديدا للأمر الثانى بعد الأمر الأول ؛ إذ لو كان قوله \"أن يؤتى أحد\" من كلام الله المأمور به ما اتضح لنا معنى الأمر الثانى \"قل إن الهدى هدى الله\" إلا إذا كان لتكرار هدايته وفضله ، والتأسيس أولى من التأكيد. أ هـ {زهرة التفاسير / للعلامة الشيخ محمد أبو زهرة صـ 1276}","part":14,"page":214},{"id":5907,"text":"وقال الآلوسى :\r{ وَلاَ تُؤْمِنُواْ إِلاَّ لِمَن تَبِعَ دِينَكُمْ قُلْ إِنَّ الهدى هُدَى الله أَن يؤتى أَحَدٌ مّثْلَ مَا أُوتِيتُمْ أَوْ يُحَاجُّوكُمْ } في نظم الآية ومعناها أوجه لخصها الشهاب من كلام بعض المحققين ، أحدها : أن التقدير : ولا تؤمنوا بأن يؤتى أحد مثل ما أوتيتم وهم المسلمون أوتوا كتاباً سماوياً كالتوراة ونبياً مرسلاً كموسى وبأن يحاجوكم ويغلبوكم بالحجة يوم القيامة إلا لاتباعكم ، وحاصله أنهم نهوهم عن إظهار هذين الأمرين للمسلمين لئلا يزدادوا تصلباً ولمشركي العرب لئلا يبعثهم على الإسلام وأتى بأو على وزان { وَلاَ تُطِعْ مِنْهُمْ ءاثِماً أَوْ كَفُوراً } [ الإنسان : 24 ] وهو أبلغ. والحمل على معنى حتى صحيح مرجوح ، وأتى بقوله تعالى : { قُلْ إِنَّ الهدى هُدَى الله } معترضاً بين الفعل ومتعلقه ، وفائدة الاعتراض الإشارة إلى أن كيدهم غير ضار لمن لطف الله تعالى به بالدخول في الإسلام ، أو زيادة التصلب فيه. ويفيد أيضاً أن الهدى هداه فهو الذي يتولى ظهوره { يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُواْ نُورَ الله بأفواههم والله مُتِمُّ نُورِهِ } [ الصف : 8 ] فالمراد بالإيمان إظهاره كما ذكره الزمخشري ، أو الإقرار اللساني كما ذكره الواحدي ، والمراد من التابعين المتصلب منهم ، وإلا وقع ما فروا منه ، وثانيها : أن المراد : ولا تؤمنوا هذا الإيمان الظاهر الذي أتيتم به وجه النهار إلا لمن كان تابعاً لدينكم أولاً وهم الذين أسلموا منهم أي لأجل رجوعهم لأنه كان عندهم أهم وأوقع ، وهم فيه أرغب وأطمع ، وعند هذا تم الكلام ، ثم قيل : {إن الهدى هُدَى الله } أي فمن يهدي الله فلا مضل له ويكون قوله تعالى : { أَن يؤتى } الخ على هذا معللاً لمحذوف أي لأن يؤتى أحد مثل ما أوتيتم ولما يتصل به من الغلبة بالحجة يوم القيامة دبرتم ما دبتم. وحاصله أن","part":14,"page":215},{"id":5908,"text":"داعيكم إليه ليس إلا الحسد ، وإنما أتى بأو تنبيهاً على استقلال كل من الأمرين في غيظهم وحملهم على الحسد حتى دبروا ما دبروا ولو أتى بالواو لم تقع هذا الموقع للعلم بلزوم الثاني للأول لأنه إذا كان ما أوتوا حقاً غلبوا يوم القيامة مخالفهم لا محالة فلم يكن فيه فائدة زائدة ، وأما أو فتشعر بأن كلاً مستقل في الباعثية على الحسد والاحتشاد في التدبير ، والحمل على معنى حتى ليس له موقع يروع السامع وإن كان وجهاً ظاهراً.","part":14,"page":216},{"id":5909,"text":"ويؤيد هذا الوجه قراءة ابن كثير أأن يؤتى بزيادة همزة الاستفهام للدلالة على انقطاعه عن الفعل واستقلاله بالإنكار ، وفيه تقييد الإيمان بالصادر أول النهار بقرينة إن الكلام فيه ، وتخصيص من تبع بمسلميهم بقرينة المضي فإن غيرهم متبع دينهم الآن أيضاً ، وعن الزمخشري أن { أَن يؤتى } الخ من جملة المقول كأنه قيل : قل لهم هذين القولين ومعناه أكد عليهم أن الهدى ما فعل الله تعالى من إيتاء الكتاب غيركم ، وأنكر عليهم أن يمتعضوا من أن يؤتى أحد مثله كأنه قيل إن الهدى هدى الله ، وقل لأن يؤتى أحد مثل ما أوتيتم قلتم ما قلتم وكدتم ما كدتم ، وثالثها : أن يقرر ولا تؤمنوا على ما قرر عليه الثاني ، ويجعل { أَن يؤتى } خبر { إن } و{ هُدَى الله } بدل من اسمها وأو بمعنى حتى على أنها غاية سببية ، وحينئذ لا ينبغي أن يخص عند ربكم بيوم القيامة بل بالمحاجة الحقة كما أشير إليه في البقرة ، ولو حملت على العطف لم يلتئم الكلام ، ورابعها : أن يكون { وَلاَ تُؤْمِنُواْ إِلاَّ لِمَن } الخ باقياً على إطلاقه أي واكفروا آخره واستمروا على ما كنتم فيه من اليهودية ولا تقروا لأحد إلا لمن هو على دينكم وهو من جملة مقول الطائفة ويكون { قُلْ إِنَّ الهدى } الخ أمراً للنبي صلى الله عليه وسلم أن يقول ذلك في جوابهم ، على معنى : قل إن الهدى هدى الله فلا تنكروا أن يؤتى حتى تحاجوا ؛ وقرينة الإضمار إن { وَلاَ تُؤْمِنُواْ } الخ تقرير على اليهودية وأنه لا دين يساويها فإذا أمر صلى الله عليه وسلم أن يجيبهم علم أن ما أنكروه غير منكر وأنه كائن ، وحمل أو على معناها الأصلي حينئذٍ أيضاً حسن لأنه تأييد للإيتاء وتعريض بأن من أوتي مثل ما أوتوا هم الغالبون ، وقرىء إن يؤتى بكسر همزة إن على أنها نافية أي قولوا لهم ما يؤتى وهو خطاب لمن أسلم منهم رجاء العود","part":14,"page":217},{"id":5910,"text":"، والمعنى لا إيتاء ولا محاجة فأو بمعنى حتى ، وقدر قولوا توضيحاً وبياناً لأنه ليس استئنافاً تعليلاً ، وقوله تعالى : { قُلْ إِنَّ الهدى } الخ اعتراض ذكر قبل أن يتم كلامهم للاهتمام ببيان فساد ما ذهبوا إليه ؛ وأرجح الأوجه الثاني لتأيده بقراءة ابن كثير وأنه أفيد من الأول وأقل تكلفاً من باقي الأوجه ، وأقرب إلى المساق انتهى.","part":14,"page":218},{"id":5911,"text":"وأقول : ما ذكره في الوجه الرابع من تقرير فلا تنكروا أن يؤتى الخ هو قول قتادة والربيع والجبائي لكنهم لم يجعلوا أو بمعنى حتى وهو أحد الاحتمالين اللذين ذكرهما وكذا القول بإبدال أن يؤتى من الهدى قول السدي وابن جريج إلا أنهم قدروا لا بين أن ويؤتى ، واعترض عليهما أبو العباس المبرد بأن لا ليست مما تحذف ههنا ، والتزم تقدير مضاف شاع تقديره في أمثال ذلك وهو كراهة ، والمعنى إن الهدى كراهة أن يؤتى أحد مثل ما أوتيتم أي ممن خالف دين الإسلام لأن الله لا يهدي من هو كاذب كفار فهدى الله تعالى بعيد من غير المؤمنين ، ولا يخفى أنه معنى متوعر ، وليس بشيء ، ومثله ما قاله قوم من أن { أَن يؤتى } الخ تفسير للهدى ، وأن المؤتى هو الشرع وأن { أَوْ يُحَاجُّوكُمْ } عطف على { أُوتِيتُمْ } ، وأن ما يحاج به العقل وأن تقدير الكلام أن هدى الله تعالى ما شرع أو ما عهد به في العقل ، ومن الناس من جعل الكلام من أول الآية إلى آخرها من الله تعالى خطاباً للمؤمنين قال : والتقدير ولا تؤمنوا أيها المؤمنون إلا لمن تبع دينكم وهو دين الإسلام ولا تصدقوا أن يؤتى أحد مثل ما أوتيتم من الدين فلا نبي بعد نبيكم عليه الصلاة والسلام ولا شريعة بعد شريعتكم إلى يوم القيامة ولا تصدقوا بأن يكون لأحد حجة عليكم عند ربكم لأن دينكم خير الأديان ، وجعل { قُلْ إِنَّ الهدى هُدَى الله } اعتراضاً للتأكيد وتعجيل المسرة ولا يخفى ما فيه واختيار البعض له والاستدلال عليه بما قاله الضحاك إن اليهود قالوا : إنا نحج عند ربنا من خالفنا في ديننا فبين الله تعالى لهم أنهم هم المدحضون المغلوبون وأن المؤمنين هم الغالبون ليس بشيء لأن هذا البيان لا يتعين فيه هذا الحمل كما لا يخفى على ذي قلب سليم ، والضمير المرفوع من { يُحَاجُّوكُمْ } على كل تقدير عائد إلى { أَحَدٌ}","part":14,"page":219},{"id":5912,"text":"لأنه في معنى الجمع إذ المراد به غير أتباعهم.\rواستشكل ابن المنير قطع { أَن يؤتى } عن { لاَ تُؤْمِنُواْ } على ما في بعض الأوجه السابقة بأنه يلزم وقوع ( أحد ) في الواجب لأن الاستفهام هنا إنكار ، واستفهام الإنكار في مثله إثبات إذ حاصله أنه أنكر عليهم ووبخهم على ما وقع منهم وهو إخفاء الإيمان بأن النبوّة لا تخص بني إسرائيل لأجل العلتين المذكورتين فهو إثبات محقق ، ثم قال : ويمكن أن يقال : روعيت صيغة الاستفهام وإن لم يكن المراد حقيقته فحسن دخول ( أحد ) في سياقه لذلك وفيه تأمل فتأمل وتدبر ، فقد قال الواحدي : إن هذه الآية من مشكلات القرآن وأصعبه تفسيراً { قُلْ إِنَّ الفضل بِيَدِ الله } رد وإبطال لما زعموه بأوضح حجة ، والمراد من الفضل الإسلام قاله ابن جريج وقال غيره : النبوة ، وقيل : الحجج التي أوتيها النبي صلى الله عليه وسلم والمؤمنون ، وقيل : نعم الدين والدنيا ويدخل فيه ما يناسب المقام دخولاً أولياً { يُؤْتِيهِ مَن يَشَاء } أي من عباده { والله واسع } رحمة ، وقيل : واسع القدرة يفعل ما يشاء { عَلِيمٌ } بمصالح العباد ، وقيل : يعلم حيث يجعل رسالته. أ هـ {روح المعانى حـ 3 صـ 200 ـ 202}","part":14,"page":220},{"id":5913,"text":"وقال فى الميزان : \rقوله تعالى : {ولا تؤمنوا إلا لمن تبع دينكم}الخ الذي يعطيه السياق هو أن تكون هذه الجملة من قول أهل الكتاب تتمة لقولهم : آمنوا بالذي أنزل على الذين\rآمنوا وكذا قوله تعالى {أن يؤتي أحد مثل ما أوتيتم أو يحاجوكم به عند ربكم ويكون قوله {قل إن الهدى هدى الله} جملة معترضة هو جواب الله سبحانه عن مجموع ما تقدم من كلامهم أعني قولهم : {آمنوا بما أنزل} إلى قوله {دينكم} على ما يفيده تغيير السياق وكذا قوله تعالى {قل إن الفضل بيد الله} جوابه تعالى عن قولهم {أن يؤتى أحد} إلى آخره هذا هو الذي يقتضيه ارتباط أجزاء الكلام واتساق المعاني في الآيتين أولا وما تناظر الآيتين من الآيات الحاكية لأقوال اليهود في الجدال والكيد ثانيا.\rوالمعنى - والله أعلم - أن طائفة من أهل الكتاب وهم اليهود قالت أي قال بعضهم لبعض : صدقوا النبي والمؤمنين في صلاتهم وجه النهار إلى بيت المقدس ولا تصدقوهم في صلاتهم إلى الكعبة آخر النهار ولا تثقوا في الحديث بغيركم فيخبروا المؤمنين أن من شواهد نبوة النبي الموعود تحويل القبلة إلى الكعبة فإن في تصديقكم أمر الكعبة وإفشائكم ما تعلمونه من كونها من إمارات صدق الدعوة محذور أن يؤتى المؤمنون مثل ما أوتيتم من القبلة فيذهب به سؤددكم ويبطل تقدمكم في أمر القبلة ومحذور أن يقيموا عليكم الحجة عند ربكم أنكم كنتم عالمين بأمر القبلة الجديدة شاهدين على حقيته ثم لم تؤمنوا.\rفأجاب الله تعالى عن قولهم في الإيمان بما في وجه النهار والكفر في آخره وأمرهم بكتمان أمر القبلة لئلا يهتدي المؤمنون إلى الحق بأن الهدى الذي يحتاج إليه المؤمنون الذي هو حق الهدى إنما هو هدى لله دون هداكم فالمؤمنون في غنى عن ذلك فإن شئتم فاتبعوا وإن شئتم فاكفروا وإن شئتم فأفشوا وإن شئتم فاكتموا.","part":14,"page":221},{"id":5914,"text":"وأجاب تعالى عما ذكروه من مخافة أن يؤتى أحد مثل ما أوتوا أو يحاجوهم عند ربهم بأن الفضل بيد الله يؤتيه من يشاء لا بيدكم حتى تحبسوه لأنفسكم وتمنعوا منه غيركم وأما حديث الكتمان مخافة المحاجة فقد أعرض عن جوابه لظهور بطلانه كما فعل كذلك في قوله تعالى في هذا المعنى بعينه \" وإذا لقوا الذين آمنوا قالوا آمنا وإذا خلا بعضهم إلى بعض قالوا أتحدثونهم بما فتح الله عليكم ليحاجوكم به عند ربكم أفلا تعقلون أولا يعلمون أن الله يعلم ما يسرون وما يعلنون \" البقرة - 77 فقوله : {أو لا يعلمون} إيذان بأن هذا القول بعد ما علموا أن الله لا يتفاوت فيه السر والعلانية كلام منهم لا يستوي على تعقل صحيح وليس جوابا لمكان الواو في قوله {أو لا يعلمون}.\rوعلى ما مر من المعنى فقوله تعالى {ولا تؤمنوا} معناه لا تثقوا ولا تصدقوا لهم الوثاقة وحفظ السر على حد قوله تعالى {ويؤمن للمؤمنين} : التوبة - 61 والمراد بقوله لمن تبع اليهود.\rوالمراد بالجملة النهي عن إفشاء ما كان عندهم من حقية تحويل القبلة إلى الكعبة كما مر في قوله تعالى فول وجهك شطر المسجد الحرام إلى أن قال {وإن الذين أوتوا الكتاب ليعلمون أنه الحق من ربهم} إلى أن قال {الذين آتيناهم الكتاب يعرفونه كما يعرفون أبنائهم وإن فريقا منهم ليكتمون الحق وهم يعلمون} : البقرة - 146. أ هـ {الميزان حـ 3 صـ 257 ـ 259}","part":14,"page":222},{"id":5915,"text":"قوله تعالى : {يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَن يَشَاء والله ذُو الفضل العظيم (74)}\rقال الفخر :\rهذا كالتأكيد لما تقدم ، والفرق بين هذه الآية وبين ما قبلها أن الفضل عبارة عن الزيادة ، ثم إن الزيادة من جنس المزيد عليه ، فبيّن بقوله {إِنَّ الفضل بِيَدِ الله} إنه قادر على أن يؤتى بعض عباده مثل ما آتاهم من المناصب العالية ويزيد عليها من جنسها ، ثم قال : {يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَن يَشَاء} والرحمة المضافة إلى الله سبحانه أمر أعلى من ذلك الفضل ، فإن هذه الرحمة ربما بلغت في الشرف وعلو الرتبة إلى أن لا تكون من جنس ما آتاهم ، بل تكون أعلى وأجل من أن تقاس إلى ما آتاهم ، ويحصل من مجموع الآيتين إنه لا نهاية لمراتب إعزاز الله وإكرامه لعباده ، وأن قصر إنعامه وإكرامه على مراتب معينة ، وعلى أشخاص معينين جهل بكمال الله في القدرة والحكمة. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 8 صـ 88}\rوقال الآلوسى :\r{ يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَن يَشَاء } قال الحسن : هي النبوة ، وقال ابن جريج : الإسلام والقرآن ، وقال ابن عباس هو وكثرة الذكر لله تعالى ، والباء داخلة على المقصور وتدخل على المقصور عليه وقد نظم ذلك بعضهم فقال :\rوالباء بعد الاختصاص يكثر... دخولها على الذي قد قصروا وعكسه مستعمل وجيد\rذكره الحبر الإمام السيد... { والله ذُو الفضل العظيم } قال ابن جبير : يعني الوافر. أ هـ {روح المعانى حـ 3 صـ 202}\rوقال ابن عاشور :\rوجملة { يختص برحمته من يشاء } بدل بعض من كل لجملة { إن الفضل بيد الله يؤتيه من يشاء } فإنّ رحمته بعض مما هو فضله.\rوجملة { والله ذو الفضل العظيم } تذييل وتقدم تفسير نظيره عند قوله تعالى : { واللَّه يختص برحمته من يشاء واللَّه ذو الفضل العظيم } في سورة [ البقرة : 105 ]. أ هـ {التحرير والتنوير حـ 3 صـ 130}","part":14,"page":223},{"id":5916,"text":"فائدة\rقال فى الأمثل :\r\"خطط قديمة\"\rتعتبر هذه الآيات ، في الواقع ، من آيات إعجاز القرآن ، لأنّها تكشف أسرار\rاليهود وأعداء الإسلام وتفضح خططهم لزعزعة مسلمي الصدر الأوّل ، فتيقّظ المسلمون ببركتها ، ووعوا وساوس الأعداء المغرية. ولكنّنا لو دقّقنا النظر لأدركنا أنّ تلك الخطط تجري في عصرنا الحاضر أيضاً بطرق مختلفة. إنّ وسائل إعلام الأعداء القوية المتطوّرة مستخدمة الآن للغرض نفسه ، فهم يحاولون هدم أركان العقيدة الإسلامية في عقول المسلمين ، وبخاصة الجيل الشاب. وهم في هذا السبيل لا يتورّعون عن كلّ فرية ، ويلجأون إلى كلّ السبل ويتلبّسون بلبوس العالم والمستشرق والمؤرّخ وعالم الطبيعيات والصحفي ، بل حتّى الممثّل السينمائي.\rإنّهم يصرّحون أنّ هدفهم ليس التبشير بالمسيحية وحمل المسلمين على اعتناقها ، ولا اعتناق اليهودية ، بل هدفهم هو هدم أُسس المعتقدات الإسلامية في أفكار الشباب ، وجعلهم غير مهتمّين بدينهم وتراثهم. إنّ القرآن اليوم يحذّر المسلمين من هذه الخطط كما حذّرهم في القديم. أ هـ {الأمثل حـ 2 صـ 557 ـ 558}\rفوائد بلاغية\rقال أبو حيان :\rوتضمنت هذه الآيات من البديع : التجنيس المماثل ، والتكرار في : آمنوا وآمنوا ، وفي الهدى ، هدى الله وفي : يؤتى وأوتيتم ، وفي : أن أفضل ، وذو الفضل.\rوالتكرار أيضاً في : اسم الله ، في أربعة مواضع.\rوالطباق : في آمنوا واكفروا ، وفي وجه النهار وفي آخره ، والإختصاص.\rفي : وجه النهار ، لأنه وقت اجتماعهم بالمؤمنين يراؤونهم ، وآخره لأنه وقت خلوتهم بأمثالهم من الكفار ، والحذف في مواضع. أ هـ {البحر المحيط حـ 2 صـ 521 ـ 522}","part":14,"page":224},{"id":5917,"text":"قوله تعالى {وَمِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِقِنْطَارٍ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِدِينَارٍ لَا يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ إِلَّا مَا دُمْتَ عَلَيْهِ قَائِمًا ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لَيْسَ عَلَيْنَا فِي الْأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ (75)}\rمناسبة الآية لما قبلها\rقال البقاعى :\rفلما تقرر أن الأمر كله له ذكر دليل ذلك فيهم بأنه فضل فريقاً منهم فأعلاه ، ورذل فريقاً منهم فأرداه ، فلم يردهم الكتاب - وهم يتلونه - إلى الصواب ، فقال عاطفاً على ما مضى من مخازيهم مقرراً لكتمانهم للحق مع علمهم بأنه الحق بأنه الخيانة ديدنهم في الأعيان الدنيوية والمعاني الدينية منبهاً على أنهم وإن شاركوا الناس في انقسامهم إلى أمين وخائن فهم يفارقونهم من حيث إن خائنهم يتدين بخيانته ويسندها - مروقاً من ربقة الحياء - إلى الله ، مادحاً للأمين منهم : {ومن أهل الكتاب} أي الموصوفين {من إن تأمنه بقنطار} أي من الذهب المذكور في الفريق الآتي {يؤده إليك} غير خائن فيه ، فلا تسوقوا الكل مساقاً واحداً في الخيانة {ومنهم من إن تأمنه بدينار} أي واحد {لا يؤده إليك} في زمن من الأزمان دناءة وخيانة {إلا ما} أي وقت ما {دمت عليه قائماً} تطالبه به غالباً له بما دلت عليه أداة الاستعلاء ، ثم استأنف علة الخيانة بقوله : {ذلك} أي الأمر البعيد من الكمال {بأنهم قالوا} كذباً على شرعهم {ليس علينا في الأميين} يعني من ليس له كتاب فليس على دينهم {سبيل }.\rولما كان الكذب من عظم القباحة بمكان يظن بسببه أنه لا يجترىء عليه ذو عقل فكيف على الله سبحانه وتعالى قال : {وهم يعلمون} أي ذوو علم فيعلمون أنه كذب. أ هـ {نظم الدرر حـ 2 صـ 114 ـ 115}\rوقال الفخر :","part":14,"page":225},{"id":5918,"text":"اعلم أن تعلق هذه الآية بما قبلها من وجهين ، \rالأول : أنه - تعالى - حكى عنهم في الآية المتقدمة أنهم ادعوا أنهم أوتوا من المناصب الدينية ، ما لم يؤتَ أحد غيرُهم مثلَه ، ثم إنه تعالى بيّن أن الخِيانة مستقبحة عند جميع أرباب الأديان ، وهم مصرون عليها ، فدل هذا على كذبهم\rوالثاني : أنه تعالى لما حكى عنهم في الآية المتقدمة قبائح أحوالهم فيما يتعلق بالأديان وهو أنهم قالوا {لاَ تُؤْمِنُواْ إِلاَّ لِمَن تَبِعَ دِينَكُمْ} [ آل عمران : 73 ] حكى في هذه الآية بعض قبائح أحوالهم فيما يتعلق بمعاملة الناس ، وهو إصرارهم على الخيانة والظلم وأخذ أموال الناس في القليل والكثير. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 8 صـ 88}\rوقال ابن عاشور : \rقوله تعالى {وَمِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِقِنْطَارٍ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ}\rعطف على قوله : { وقالت طائفة من أهل الكتاب } [ آل عمران : 72 ] أو على قوله : { ودت طائفة من أهل الكتاب لو يضلونكم } [ آل عمران : 69 ] عطف القصة على القصة والمناسبة بيان دخائل أحوال اليهود في معاملة المسلمين الناشئة عن حسدهم وفي انحرافهم عن ملة إبراهيم مع ادّعائهم أنهم أولَى الناس به ، فقد حكى في هذه الآية خيانة فريق منهم. أ هـ {التحرير والتنوير حـ 3 صـ 131}\rفصل\rقال الفخر : \rالآية دالة على انقسامهم إلى قسمين : بعضهم أهل الأمانة ، وبعضهم أهل الخيانة وفيه أقوال","part":14,"page":226},{"id":5919,"text":"الأول : أن أهل الأمانة منهم هم الذين أسلموا ، أما الذين بقوا على اليهودية فهم مصرون على الخيانة لأن مذهبهم أنه يحل لهم قتل كل من خالفهم في الدين وأخذ أموالهم ونظير هذه الآية قوله تعالى : {لَيْسُواْ سَوَاء مّنْ أَهْلِ الكتاب أُمَّةٌ قَائِمَةٌ يَتْلُونَ ءايات الله ءَانَاء الليل وَهُمْ يَسْجُدُونَ} [ آل عمران : 113 ] مع قوله {مّنْهُمُ المؤمنون وَأَكْثَرُهُمُ الفاسقون} [ آل عمران : 110 ]\rالثاني : أن أهل الأمانة هم النصارى ، وأهل الخيانة هم اليهود (1) ، والدليل عليه ما ذكرنا ، أن مذهب اليهود أنه يحل قتل المخالف ويحل أخذ ماله بأي طريق كان\rالثالث : قال ابن عباس : أودع رجل عبد الله بن سلاّم ألفاً ومائتي أوقية من ذهب فأدى إليه ، وأودع آخر فنحاص بن عازوراء ديناراً فخانه فنزلت الآية. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 8 صـ 88 ـ 89}\rقال القرطبى : \rأخبر تعالى أن في أهل الكتاب الخائنَ والأمينَ ، والمؤمنون لا يميزون ذلك ، فينبغي اجتناب جميعهم.\rوخصّ أهل الكتاب بالذّكر وإن كان المؤمنون كذلك ؛ لأنّ الخيانة فيهم أكثر ، فخرج الكلام على الغالب. والله أعلم.\rوقد مضى تفسير القنطار.\rوأما الدينار فأربعة وعشرون قيراطاً والقيراط ثلاث حبات من وسط الشعير ، فمجموعة اثنتان وسبعون حبة ، وهو مُجْمَع عليه.\rومن حفِظ الكثير وأدّاه فالقليل أوْلى ، ومن خان في اليسير أو منعه فذلك في الكثير أكثر.\rوهذا أدلّ دليل على القول بمفهوم الخطاب.\rوفيه بين العلماء خلاف ( كثير ) مذكور في أُصول الفقه.\rوذكر تعالى قسمين : من يؤدّي ومن لا يؤدّي إلا بالملازمة عليه ؛ وقد يكون من الناس من لا يؤدِّي وإن دُمت عليه قائماً.\rفذكر تعالى القسمين لأنه الغالب والمعتاد والثالث نادر ؛ فخرج الكلام على الغالب. أ هـ {تفسير القرطبى حـ 4 صـ 116 ـ 117}\r_________\r(1) معاذ الله أن يكون النصارى أهل أمانة بل كل أهل الكتاب أهل كذب وخيانة والواقع يشهد بذلك وهم كما أخبر الله عنهم {لايرقبون فى مؤمن إلا ولا ذمة}. والله أعلم.","part":14,"page":227},{"id":5920,"text":"فصل\rقال الفخر : \rالمراد من ذكر القنطار والدينار ههنا العدد الكثير والعدد القليل ، يعني أن فيهم من هو في غاية الأمانة حتى لو اؤتمن على الأموال الكثيرة أدى الأمانة فيها ، ومنهم من هو في غاية الخيانة حتى لو اؤتمن على الشيء القليل ، فإنه يجوز فيه الخيانة ، ونظيره قوله تعالى : {وَإِنْ أَرَدْتُّمُ استبدال زَوْجٍ مَّكَانَ زَوْجٍ وَءاتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَاراً فَلاَ تَأْخُذُواْ مِنْهُ شَيْئاً} [ النساء : 20 ] وعلى هذا الوجه ، فلا حاجة بنا إلى ذكر مقدار القنطار وذكروا فيه وجوهاً الأول : إن القنطار ألف ومائتا أوقية قالوا : لأن الآية نزلت في عبد الله بن سلاّم حين استودعه رجل من قريش ألفاً ومائتي أوقية من الذهب فرده ولم يخن فيه ، فهذا يدل على القنطار هو ذلك المقدار\rالثاني : روي عن ابن عباس أنه ملء جلد ثور من المال\rالثالث : قيل القنطار هو ألف ألف دينار أو ألف ألف درهم ، وقد تقدم القول في تفسير القنطار. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 8 صـ 89}\rقوله تعالى : {وَمِنْهُمْ مَّنْ إِن تَأْمَنْهُ بِدِينَارٍ لاَّ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ إِلاَّ مَا دُمْتَ عَلَيْهِ قَائِمًا}\rفصل\rقال الفخر : \rفي لفظ ( القائم ) وجهان : منهم من حمله على حقيقته ، قال السدي : يعني إلا ما دمت قائماً على رأسه بالاجتماع معه والملازمة له ، والمعنى : أنه إنما يكون معترفاً بما دفعت إليه ما دمت قائماً على رأسه ، فإن أنظرت وأخرت أنكر ، ومنهم من حمل لفظ ( القائم ) على مجازه ثم ذكروا فيه وجوهاً","part":14,"page":228},{"id":5921,"text":"الأول : قال ابن عباس المراد من هذا القيام الإلحاح والخصومة والتقاضي والمطالبة ، قال ابن قتيبة : أصله أن المطالب للشيء يقوم فيه والتارك له يقعد عنه ، دليل قوله تعالى : {أُمَّةٌ قَائِمَةٌ} [ آل عمران : 113 ] أي عامله بأمر الله غير تاركه ، ثم قيل : لكل من واظب على مطالبة أمر أنه قام به وإن لم يكن ثم قيام\rالثاني : قال أبو علي الفارسي : القيام في اللغة بمعنى الدوام والثبات ، وذكرنا ذلك في قوله تعالى : {يُقِيمُونَ الصلاة} [ البقرة : 3 ] ومنه قوله {دِينًا قِيَمًا} [ الأنعام : 161 ] أي دائماً ثابتاً لا ينسخ فمعنى قوله {إِلاَّ مَا دُمْتَ عَلَيْهِ قَائِمًا} أي دائماً ثابتاً في مطالبتك إياه بذلك المال. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 8 صـ 89}\rقال السمرقندى :\r{ إِلاَّ مَا دُمْتَ عَلَيْهِ قَائِمًا } أي مُلِحّاً متقاضياً و{ ذلك } يعني الاستحلال { بِأَنَّهُمْ قَالُواْ لَيْسَ عَلَيْنَا فِى الاميين سَبِيلٌ } يعني يقولون ليس علينا في مال العرب مأثم.\rويقال : من لم يكن على ديننا ، فَمَالُه لنا حلال ، بمنزلة مذهب الخوارج أنهم يستحلون مال من كان على خلاف مذهبهم. أ هـ {بحر العلوم حـ 1 صـ 249}\rوقال الطبرى :\rواختلف أهل التأويل في تأويل قوله : \"إلا ما دمت عليه قائمًا\".\rفقال بعضهم : \"إلا ما دمت له متقاضيًا\".\rوقال آخرون : معنى ذلك : \"إلا ما دمتَ قائمًا على رأسه\". أ هـ\rثم قال رحمه الله :","part":14,"page":229},{"id":5922,"text":"وأولى القولين بتأويل الآية ، قول من قال : \"معنى ذلك : إلا ما دمت عليه قائمًا بالمطالبة والاقتضاء\". من قولهم : \"قام فلان بحقي على فلان حتى استخرجه لي\" ، أي عمل في تخليصه ، وسَعى في استخراجه منه حتى استخرجه. لأن الله عز وجل إنما وصفهم باستحلالهم أموال الأميين ، وأنّ منهم من لا يقضي ما عليه إلا بالاقتضاء الشديد والمطالبة. وليس القيام على رأس الذي عليه الدين ، بموجب له النقلة عما هو عليه من استحلال ما هو له مستحلّ ، ولكن قد يكون - مع استحلاله الذهابَ بما عليه لربّ الحقّ - إلى استخراجه السبيلُ بالاقتضاء والمحاكمة والمخاصمة. فذلك الاقتضاء ، هو قيام ربِّ المال باستخراج حقه ممن هو عليه. أ هـ {تفسير الطبرى حـ 6 صـ 520 ـ 521}\rفصل\rقال الفخر :\rيدخل تحت قوله {مَنْ إِن تَأْمَنْهُ بِقِنْطَارٍ} و{بِدِينَارٍ} العين والدين ، لأن الإنسان قد يأتمن غيره على الوديعة وعلى المبايعة وعلى المقارضة وليس في الآية ما يدل على التعيين والمنقول عن ابن عباس أنه حمله على المبايعة ، فقال منهم من تبايعه بثمن القنطار فيؤده إليك ومنهم من تبايعه بثمن الدينار فلا يؤده إليك ونقلنا أيضاً أن الآية نزلت في أن رجلاً أودع مالاً كثيراً عند عبد الله بن سلام ، ومالاً قليلاً عند فنحاص بن عازوراء ، فخان هذا اليهودي في القليل ، وعبد الله بن سلام أدى الأمانة ، فثبت أن اللفظ محتمل لكل الأقسام. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 8 صـ 90}\rسؤال : فإن قال قائل : وما وجه إخبار الله عز وجل بذلك نبيَّه صلى الله عليه وسلم ، وقد علمتَ أنّ الناس لم يزالوا كذلك : منهم المؤدِّي أمانته والخائنُها ؟","part":14,"page":230},{"id":5923,"text":"قيل : إنما أراد جل وعز بإخباره المؤمنين خبرَهم - على ما بينه في كتابه بهذه الآيات - تحذيرَهم أن يأتمنوهم على أموالهم ، وتخويفهم الاغترارَ بهم ، لاستحلال كثير منهم أموالَ المؤمنين.\rفتأويل الكلام : ومن أهل الكتاب الذي إنْ تأمنه ، يا محمد ، على عظيم من المال كثير ، يؤدِّه إليك ولا يخنْك فيه ، ومنهم الذي إن تأمنه على دينار يخنْك فيه فلا يؤدِّه إليك ، إلا أن تلح عليه بالتقاضي والمطالبة. أ هـ {تفسير الطبرى حـ 6 صـ 519}\rقوله تعالى : {ذلك بِأَنَّهُمْ قَالُواْ لَيْسَ عَلَيْنَا فِى الأميين سَبِيلٌ}\rقال الفخر : \rالمعنى إن ذلك الاستحلال والخيانة هو بسبب أنهم يقولون ليس علينا فيما أصبنا من أموال العرب سبيل. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 8 صـ 90}\rفصل\rقال الفخر : \rذكروا في السبب الذي لأجله اعتقد اليهود هذا الاستحلال وجوهاً\rالأول : أنهم مبالغون في التعصب لدينهم ، فلا جرم يقولون : يحل قتل المخالف ويحل أخذ ماله بأي طريق كان وروي في الخبر أنه لما نزلت هذه الآية قال عليه السلام : \" كذب أعداء الله ما من شيء كان في الجاهلية إلا وهو تحت قدمي ، إلا الأمانة فإنها مؤداة إلى البرِّ والفاجر \"\rالثاني : أن اليهود قالوا {نَحْنُ أَبْنَاء الله وَأَحِبَّاؤُهُ} [ المائدة : 18 ] والخلق لنا عبيد فلا سبيل لأحد علينا إذا أكلنا أموال عبيدنا","part":14,"page":231},{"id":5924,"text":"الثالث : أن اليهود إنما ذكروا هذا الكلام لا مطلقاً لكل من خالفهم ، بل للعرب الذين آمنوا بالرسول صلى الله عليه وسلم ، روي أن اليهود بايعوا رجالاً في الجاهلية فلما أسلموا طالبوهم بالأموال فقالوا : ليس لكم علينا حق لأنكم تركتم دينكم ، وأقول : من المحتمل أنه كان من مذهب اليهود أن من انتقل من دين باطل إلى دين آخر باطل كان في حكم المرتد ، فهم وإن اعتقدوا أن العرب كفار إلا أنهم لما اعتقدوا في الإسلام أنه كفر حكموا على العرب الذين أسلموا بالردة. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 8 صـ 90}\rلطيفة\rقال القرطبى :\rقال رجل لابن عباس : إنّا نُصيب في العَمْد من أموال أهل الذمّة الدّجاجة والشاة ونقول : ليس علينا في ذلك بأس.\rفقال له : هذا كما قال أهل الكتاب { ليس علينا في الأميِّين سبيل } إنهم إذا أدّوا الجزية لم تحل لكم أموالهم إلا عن طِيب أنفسهم ؛ ذكره عبد الرازق عن معمر عن أبي إسحاق الهَمْدانيّ عن صَعْصعة أن رجلاً قال لابن عباس ؛ فذكره. { تفسير عبد الرازق (1/130)}. أ هـ {تفسير القرطبى حـ 4 صـ 118 ـ 119}\rفائدة\rقال الفخر :\rنفي السبيل المراد منه نفي القدرة على المطالبة والإلزام.\rقال تعالى : {مَا عَلَى المحسنين مِن سَبِيلٍ} [ التوبة : 91 ] وقال : {وَلَن يَجْعَلَ الله للكافرين عَلَى المؤمنين سَبِيلاً} [ النساء : 141 ] وقال : {وَلَمَنِ انتصر بَعْدَ ظُلْمِهِ فأولئك مَا عَلَيْهِمْ مّن سَبِيلٍ * إِنَّمَا السبيل عَلَى الذين يَظْلِمُونَ الناس} [ الشورى : 41 42 ]. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 8 صـ 90}\rفائدة\rقال ابن عادل :\rقوله : \" منْ \" مبتدأ ، و{ وَمِّنْ أَهْلِ } خَبَرُه ، قُدِّمَ عليه ، و\" مَنْ \" إما موصولة ، وإما نكرة. و\" إن تأمنه بقنطار يؤده \" هذه الجملة الشرطية ، إما صلة ، فلا محل لها ، وإما صفة فمحلّها الرفع.","part":14,"page":232},{"id":5925,"text":"وقرا بعضهم : { تَأْمَنْهُ } ، و{ مَا لَكَ لاَ تَأْمَنَّ } [ يوسف : 11 ]. بكسر حرف المضارعة ، وكذلك ابن مسعود والأشهب والعقيلي ، إلا أنهما أبْدَلاَ الهمزة ياءً.\rوجعل ابن عطية ذلك لغة قُرَيْشٍ ، وغلَّطه أبو حيّان وقد تقدّمَ الْكَلاَمُ في كسر حرف المضارعةِ ، وشرطه في الفاتحة يقال : أمنته بكذا ، وعلى كذا ، فالباءُ للإلصاق بالأمانة ، و\" على \" بمعنى استيلاء المودع على الأمانة.\rوقيل : معنى : أمنته بكذا ، وثقت به فيه ، وأمنته عليه : جعلته أميناً عليه.\rوالقنطارُ والدينار : المراد بهما العددُ الكثيرُ ، والعدد القليل ، يعني : أن فيهم مَنْ هو في غاية الأمانة ، حتى أنه لو ائتمِن على الأموال الكثيرة أدَّى الأمانة فيها ، ومنهم من هو في غاية الخيانة ، حتى لو ائتُمِن على الشيء القليل فإنه يخون فيه.\rواختلف في القنطار ، فقيل : ألف ومائتان أوقية ؛ لأن الآية نزلت في عبد الله بن سلام ، حين استودعه رجل من قريش ألفاً ومائتي أوقية من الذهب ، فردَّه ، ولم يَخُنْ فيه.\rورُوِي عن ابن عباس أنه مِلْءُ جلد ثور من المال.\rوقيل : ألف ألف دينار ، أو ألف الف درهم - وقد تقدم-.\rوالدينار : أصله : دِنَّار - بنونين - فاستثقل توالي مثلَيْن ، فأبدلوا أولهما حرفَ علة ، تخفيفاً ؛ لكثرة دوره في لسانهم ، ويدل على ذلك رَدُّه إلى النونين - تكسيراً وتصغيراً - في قولهم : دَنَانير ودُنَيْنِير.\rومثله قيراط ، أصله : قِرَّاط ، بدليل قراريط وقُرَيْرِيط ، كما قالوا : تَظَنَّيْتُ ، وقصَّصْتُ أظفاري ، يريدون : تظنّنت وقصّصت - بثلاث نونات وثلاث صاداتٍ - والدِّينار مُعرَّب ، قالوا : ولم يختلف وزنه أصْلاً وهو أربعة وعشرون قيراطاً ، كل قِيراطٍ ثلاث شعيرات معتدلاتٍ ، فالمجموع اثنان وسبعون شعيرةً.","part":14,"page":233},{"id":5926,"text":"وقرأ أبو عمرو وحمزة وأبو بكر عن عاصم \" يُؤَدِّهْ \" بسكون الهاء في الحرفين.\rوقرأ قالون \" يُؤَدِّهِ \" بكسر الهاء من دون صلة ، والباقون بكسرها موصولة بياء ، وعن هشام وجهان : \rأحدهما : كقالون ، والآخر كالجماعة.\rأما قراءة أبي عمرو ومن معه فقد خرَّجوها على أوجه ، أحسنها أنه سكنت هاء الضمير ، إجراءً للوصْل مجرى الوقف وهو باب واسع مضى منه شيء - نحو : { يَتَسَنَّهْ } [ البقرة : 259 ] و{ أَنَا أُحْيِي وَأُمِيت } [ البقرة : 258 ] وسيأتي منه أشياء إن شاء الله تعالى.\rوأنشد ابنُ مجاهد على ذلك : [ البسيط ]\rوأشْرَبُ الْمَاءَ مَا بِي نَحْوَهُ عَطَشٌ... إلاَّ لأنَّ عُيُونَهْ سَيْلُ وَادِيهَا\rوأنشد الأخفش : [ الطويل ]\rفَبتُّ لَدَى الْبَيْتِ الْعَتِيقِ أخِيلُهُ... وَمِطْوايَ مُشْتَاقَانِ لَهْ أرقَان\rإلا أن هذا يخصُّه بعضهم بضرورة الشعر ، وليس كما قال ، لما سيأتي.\rوقد طعن بعضهم على هذه القراءةِ ، فقال الزَّجَّاجُ : هذا الإسكان الذي رُوِيَ عن هؤلاء غلط بَيِّنٌ ؛ وأن الفاء لا ينبغي أن تُجْزَم ، وإذا لم تُجْزَم فلا تسكن في الوصل ، وأما أبو عمرو فأُراه كان يختلس الكسرة ، فغلط عليه كما غلط عليه في \" باريكم \". وقد حكى عنه سيبويه - وهو ضابط لمثل هذا - أنه كان يكسر كسراً خفياً ، يعني يكسر في { بَارِئِكُمْ } [ البقرة : 54 ] كسراً خفيًّا ، فظنه الراوي سكوناً.\rقال شهابُ الدينِ : وهذا الرد من الزجَّاج ليس بشيءٍ لوجوه : \rمنها : أنه فَرَّ من السكون إلى الاختلاس ، والذي نصَّ على أن السكون لا يجوز نص على أنَّ الاختلاس - أيضا - لا يجوز إلا في ضرورة ، بل جعل الإسكان في الضرورة أحسن منه في الاختلاس ، قال : ليُجْرَى الوصلُ مجرى الوقف إجراء كاملاً ، وجعل قوله : [ البسيط ]","part":14,"page":234},{"id":5927,"text":"............................... إلاَّ لأن عُيُونَهْ سَيْلُ وَادِيهَا\rأحسن من قوله : [ البسيط ]\r................................ مَا حَجَّ رَبَّهُ في الدُّنْيَا ولا اعْتَمَرَ\rحيث سكن الأول ، واختلس الثاني.\rومنها أن هذه لغة ثابتة عن العرب حفظها الأئمة الأعلام كالكسائي والفراء - حكى الكسائيُّ عن بني عقيل وبني كلابٍ { إِنَّ الإنسان لِرَبِّهِ لَكَنُود } [ العاديات : 6 ] - بسكون الهاء وكسرها من غير إشباع-.\rويقولون : لَهُ مال ، ولَهْ مالٌ - بالإسكان والاختلاس.\rقال الفراء : من العرب مَنْ يجزم الهاء - إذا تحرَّك ما قبلَها - نحو ضَرَبْتُهْ ضرباً شديداً ، فيسكنون الهاء كما يسكنون ميم \" أنتم \" و\" قمتم \" وأصلها الرفع.\rوأنشد : [ الرجز ]\rلمَّا رَأى أن لا دَعَهْ ولا شِبَعْ... مَالَ إلَى أرْطَاةِ حِقف فالطَدَعْ\rقال شهاب الدينِ : وهذا عجيب من الفرَّاء ؛ كيف يُنْشِد هذا البيت في هذا المَعْرِض ؛ لأن هذه الفاء مبدلة من تاء التأنيث التي كانت ثابتةً في الوصل ، فقلبها هاءً ساكنة في الوصل ؛ إجراءً له مُجْرَى الوقف وكلامنا إنما هو في هاء الضمير لا في هاء التأنيثِ ؛ لأن هاء التانيثِ لا حَظَّ لها في الحركة ألبتة ، ولذلك امتنع رومها وإشمامُها في الوقف ، نَصُّوا على ذلك ، وكان الزجاج يُضَعَّف في اللغة ، ولذلك رد على ثعلب - في فصيحه - أشياء أنكرها عن العرب ، فردَّ الناسُ عليه رَدَّه ، وقالوا : قالتها العربُ ، فحفظها ثعلب ولم يحفظْها الزجَّاج. فليكن هذا منها.\rوزعم بعضهم أن الفعلَ لما كان مجزوماً ، وحلت الهاءُ محلّ لامِهِ جرى عليها ما يَجْرِي على لام الفعل - من السكون للجزم - وهو غير سديدٍ.\rوأما قراءة قالون فأنشدوا عليها قول الشاعر : [ الوافر ]","part":14,"page":235},{"id":5928,"text":"لَهُ زَجَلٌ كأنَّهُ صَوْتُ حَادٍ... إذَا طَلَبَ الْوَسِيقَةَ أوْ زَمِيرُ\rوقول الآخر : [ الطويل ]\rأنَا ابْنُ كِلابٍ وابْنُ أوْسٍ فَمَنْ يَكُنْ... قِنَاعُهُ مغْطِيًّا فَإنِّي لَمُجْتَلى\rوقول الآخر : [ البسيط ]\rأوْ مَعْبَرُ الظَّهْرِ يُنْبي عَنْ وَلِيَّتِهِ... مَا حَجَّ رَبَّهُ فِي الدُّنْيَا وَلا اعْتَمَرَ\rوقد تقدم أنها لغة عقيل ، وكلاب أيضاً ، وأما قراءة الباقين فواضحة وقرأ الزهريُّ \" يُؤَدِّهو \" بضم الهاء بعدها واو ، وهذا هو الأصل في هاء الكتابة ، وقرأ سَلاَّم كذلك إلا أنه ترك الواوَ فاختلس ، وهما نظيرتا قراءتي \" يؤدهي \" و{ يُؤَدِّهِ } - بالإشباع والاختلاس مع الكسرِ\rواعلم أن هذه الهاء متى جاءت بعد فعل مجزوم ، أو أمر معتلِّ الآخر ، جَرَى فيها هذه الأوجُه الثلاثة أعني السكون والإشباع والاختلاس - كقوله : { نُؤْتِهِ مِنْهَ } [ آل عمران : 145 ] وقوله : { يَرْضَهُ لَكُمْ } [ الزمر : 7 ] وقوله : { مَا تولى وَنُصْلِهِ جَهَنَّم } [ النساء : 115 ] ، وقوله : { فَأَلْقِهْ إِلَيْهِم } [ النمل : 28 ] وقد جاء ذلك في قراءة السبعة - أعني : الأوجه الثلاثة - في بعض هذه الكلمات وبعضها لم يأت فيه إلا وجه - وسيأتي مفصَّلاً في مواضعه إنْ شاء الله. وليس فيه أن الهاء التي للكناية متى سبقها متحرَّك فالفصيح فيها الإشباع ، نحو \" إنَّهُ ، لَهُ ، بِهِ \" ، وإن سبقها ساكن ، فالأشهر الاختلاس - سواء كان ذلك الساكن صحيحاً أو معتلاً - نحو فيه ، منه وبعضهم يفرق بين المعتلْ والصحيح وقد تقدم ذلك أول الكتاب.","part":14,"page":236},{"id":5929,"text":"إذا علم ذلك فنقول : هذه الكلمات - المشار إليها - إن نظرنا إلى اللفظ فقد وقعت بعد متحرِّك ، فحقها أن تشبع حركتها موصولةً بالياء ، أو الواو ، وإن سكنت فلما تقدم من إجراء الوصل مُجرى الوقف. وإن نظرنا إلى الأصل فقد سبقها ساكن - وهو حَرْفُ العلة المحذوف للجزم - فلذلك جاز الاختلاسُ ، وهذا أصل نافع مطرد في جميع هذه الكلمات.\rقوله { بِدِينَارٍ } في هذه الباء ثلاثة أوجهٍ :\rأحدها : أنها للإلصاق ، وفيه قَلَقٌ.\rالثاني : أنها بمعنى \" في \" ولا بد من حذف مضاف ، أي : في حفظ قنطار ، وفي حفظ دينار.\rالثالث : أنها بمعنى \" على \" وقد عُدِّيَ بها كثيراً ، كقوله : { مَا لَكَ لاَ تَأْمَنَّا على يُوسُف } [ يوسف : 11 ] وقوله : { هَلْ آمَنُكُمْ عَلَيْهِ إِلاَّ كَمَآ أَمِنتُكُمْ على أَخِيهِ مِن قَبْلُ } [ يوسف : 64 ] وكذلك هي في { بِقِنطَارٍ }.\rقوله : { إِلاَّ مَا دُمْتَ عَلَيْهِ قَآئِماً } استثناء مفرَّغ من الظرف العام ؛ إذ التقدير : لا يؤده إليك في جميع المُددِ والأزمنة إلا في مدة دوامك قائماً عليه ، متوكِّلاً به و\" دُمْتَ \" هذه هي الناقصةُ ، ترفع وتنصب ، وشرط إعمالها أن يتقدمها ما الظرفية كهذه الآية إذ التقدير إلا مدة دومك [ ولا ينصرف ، فأما قولهم : \" يدوم \" فمضارع \" دام \" التامة بمعنى بقي ، ولكونها صلة لـ \" ما \" الظرفية ] لزم أن يكون بحاجة إلى كلام آخر ، ليعمل في الظرف نحو أصحبك ما دمت باكياً ولو قلت ما دام زيد قائماً من غير شيء لم يكن كلاماً.","part":14,"page":237},{"id":5930,"text":"وجوز أبو البقاء في \" ما \" هذه أن تكون مصدرية فقط ، وذلك المصدر - المنسبك منها ومن دام - في محل نصب على الحال ، وهو استثناءٌ مفرَّغ - أيضاً - من الأحوال المقدَّرة العامة ، والتقدير : إلا في حال ملازمتك له ، وعلى هذا ، فيكون \" دَامَ \" هنا تامة ؛ لما تقدم من أن تقدُّم الظرفية شرط في إعمالها ، فإذا كانت تامة انتصب \" قَائماً \" على الحال ، يقال : دام يدُوم - كقام يقوم - و\" دُمت قائماً \" بضم الفاء وهذه لغة الحجاز ، وتميم يقولون : دِمْت - بكسرها - وبها قرأ أبو عبد الرحمن وابن وثّابٍ والأعمشُ وطلحة والفياضُ بن غزوان وهذه لغة تميم ، ويجتمعون في المضارع ، فيقولون : يدوم يعني : أن الحجازيين والتميميين اتفقوا على أن المضارع مضمومُ الْعَيْنِ ، وكان قياسُ تميم أن تقول يُدام كخاف يخاف - فيكون وزنها عند الحجازيين فعَل - بفتح العين - وعند التميمين فِعل بكسرها هذا نقل الفراء.\rوأما غيره فنقل عن تميم أنهم يقولون : دِمْتُ أدام - كخِفت اخاف - نقل ذلك أبو إسحاق وغيره كالراغب الأصبهاني والزمخشري.\rوأصل هذه المادة : الدلالة على الثبوت والسكون ، يقال : دام الماء ، أي سكن. وفي الحديث : \" لا يبولن أحدكم في الماء الدائم \" وفي بعضه بزيادة : الذي لا يجري ، وهو تفسير له ، وأدَمْت القِدْرَ ، ودومتها سكنت غليانها بالماء ، ومنه : دامَ الشيء ، إذا امتدَّ عليه الزمان ، ودوَّمت الشمس : إذا وقعت في كبد السماء.\rقال ذو الرمة : [ البسيط ]\r......................... وَالشَّمْسُ حيْرَى لَهَا في الْجَوِّ تَدْوِيمُ","part":14,"page":238},{"id":5931,"text":"هكذا أنشد الراغبُ هذا الشطر على هذا المعنى ، وغيره ينشده على معنى أن الدوام يُعَبَّر به عن الاستدارة حول الشيء ، ومنه الدوام ، وهو الدُّوَار الذي يأخذ الإنسان في دماغه ، فيرَى الأشياء دائرة. وأنشد معه - أيضاً - قول علقمة به عَبدَة : [ البسيط ]\rتَشْفِي الصُّدَاعَ وَلاَ يُؤْذِيكَ سَالِيهَا... وَلاَ يُخَالِطُهَا فِي الرَّأْسِ تَدْوِيمُ\rومنها : دوَّم الطائر ، إذا حَلَّق ودار.\rقوله : { لَيْسَ عَلَيْنَا } يجوز أن يكون في \" ليس \" ضمير الشأنِ - وهو اسمها - وحينئذ يجوز أن يكون \" سبيل \" مبتدأ ، و\" عَلَيْنَا \" الخبر ، والجملة خبر ليس. ويجوز أن يكون \" عَلَيْنَا \" وحده هو الخبر ، و{ سَبِيلِ } مرتفع به على الفاعلية. ويجوز أن يكون { سَبِيلِ } اسم \" ليس \" والخبر أحد الجارين أعني : { عَلَيْنَا } أو { فِي الأميين }.\rويجوز أن يتعلق { فِي الأميين } بالاستقرار الذي تعلق به \" عَلَيْنَا \" وجوّز بعضهم أن يتعلق بنفس \" ليس \" نقله أبو البقاء ، وغيرُه ، وفي هذا النقل نظر ؛ وذلك أن هذه الأفعال النواقص في عملها في الظروف خلاف ، وَبَنَوُا الخلافَ على الخلاف في دلالتها على الحدث ، فمن قال : تدل على الحدث جوز إعمالها في الظرف وشبهه ، ومن قال : لا تدل على الحدث منعوا إعمالها. واتفقوا على أن \" ليس \" لا يدل على حدث ألبتة ، فكيف تعمل ؟ هذا ما لا يُعْقَل.\rويجوز أن يتعلق { فِي الأميين } بـ \" سَبيلٌ \" ، لأنه استعمل بمعنى الحرجِ ، والضمانِ ، ونحوها. ويجوز أن يكون حالاً منه فيتعلق بمحذوف.\rقال : فالأمي منسوب إلى الأم ، وسُمِّي النبي صلى الله عليه وسلم أمياً ؛ قيل : لأنه كان لا يكتب ، وذلك لأن الأمَّ : أصل الشيء فمن لا يكتب فقد بَقِي على أصله في أن لا يكتب.","part":14,"page":239},{"id":5932,"text":"وقيل : نسبة إلى مكة ، وهي أمُّ القُرَىأ هـ {تفسير ابن عادل حـ 5 صـ 329 ـ 337}. بتصرف يسير.\rقوله تعالى : {وَيَقُولُونَ عَلَى الله الكذب وَهُمْ يَعْلَمُونَ}\rقال الفخر :\rفيه وجوه\rالأول : أنهم قالوا : إن جواز الخيانة مع المخالف مذكور في التوراة وكانوا كاذبين في ذلك وعالمين بكونهم كاذبين فيه ومن كان كذلك كانت خيانته أعظم وجرمه أفحش\rالثاني : أنهم يعلمون كون الخيانة محرمة\rالثالث : أنهم يعلمون ما على الخائن من الإثم. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 8 صـ 90}\rفائدة\rقال القرطبى :\rقوله تعالى : { وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الكذب وَهُمْ يَعْلَمُونَ } يدل على أن الكافر لا يُجعل أهلاً لقبول شهادته ؛ لأن الله تعالى وصفه بأنه كذاب.\rوفيه ردّ على الكفرة الذين يحرِّمون ويحلّلون غير تحريم الله وتحليله ويجعلون ذلك من الشرع.\rقال ابن العربي : ومن هذا يخرج الردّ على من يحكم بالاستحسان من غير دليل ، ولست أعلم أحداً من أهل القِبْلة قاله.\rوفي الخبر : لما نزلت هذه الآية قال النبيّ صلى الله عليه وسلم : \" ما شيء كان في الجاهلية إلا وهو تحت قدميّ إلا الأمانة فإنها مؤدّاة إلى البَرّ والفاجر \". أ هـ {تفسير القرطبى حـ 4 صـ 119}\rمن فوائد ابن عاشور فى الآية\rقال رحمه الله :","part":14,"page":240},{"id":5933,"text":"وقد ذكر الله هنا أنّ في أهل الكتاب فريقين : فريقاً يؤدّي الأمانة تعففاً عن الخيانة وفريقاً لا يؤدّي الأمانة متعلّلين لإباحة الخيانة في دينهم ، قيل : ومن الفريق الأول عبد الله بن سلام ، ومن الفريق الثاني فِنْحَاص بن عازوراء وكلاهما من يهود يثرب والمقصود من الآية ذمّ الفريق الثاني إذ كان من دينهم في زعمهم إباحة الخَون قال : { ذلك بأنهم قالوا ليس علينا في الأمين سبيل } فلذلك كان المقصود هو قوله : { ومنهم من إن تأمنه بدينار لا يؤده إليك } إلخ ولذلك طُوِّل الكلام فيه.\rوإنما قدّم عليه قوله : { ومن أهل الكتاب من إن تأمنه بقنطار } إنصافاً لحقّ هذا الفريق ، لأنّ الإنصاف مما اشتهر به الإسلام ، وإذ كان في زعمهم أنّ دينهم يبيح لهم خيانة غيرهم ، فقد صار النعيُ عليهم ، والتعبيرُ بهذا القول لازمَاً لجميعهم أمينهم وخائنهم ، لأنّ الأمين حينئذ لا مزية له إلاّ في أنّه ترك حقاً يبيح له دينُه أخذه ، فترفّع عن ذلك كما يترفع المتغالي في المروءة عن بعض المباحات.\rوتقديم المسند في قوله : { ومن أهل الكتاب } في الموضعين للتعجيب من مضمون صلة المسند إليهما : ففي الأول للتعجيب من قوة الأمانة ، مع إمكان الخيانة ووجود العذر له في عادة أهل دينه ، وفي الثاني للتعجيب من أن يكون الخوْن خُلْقاً لمتبع كتاب من كتب الله ، ثم يزيد التعجيبُ عند قوله : { ذلك بأنهم قالوا } فيكسب المسند إليهما زيادة عجَب حالٍ.\rوعُدّي { تأمنه } بالباء مع أنّ مثله يتعدّى بعلي كقوله : { هل آمنكم عليه } [ يوسف : 64 ] ، لتضمينه معنى تُعامله بقنطار ليشمل الأمانة بالوديعة ، والأمانةَ بالمعاملة على الاستيمان ، وقيل الباء فيه بمعنى على كقول أبي ذرّ أو عباسسٍ بن مِرداس : \rأربٌّ يَبولُ الثعْلُبَان بِرَأسه","part":14,"page":241},{"id":5934,"text":"وهو محمل بعيد ، لأنّ الباء في البيت للظرفية كقوله تعالى : { ببطن مكة } [ الفتح : 24 ].\rوقرأ الجمهور { يؤدّهِ } إليك بكسر الهاء من يؤدّهِ على الأصل في الضمائر.\rوقرأه أبو عمرو ، وحمزة ، وأبو بكر عن عاصم ، وأبُو جعفر : بإسكان هاء الضمير في يؤدّه ، فقال الزجاج : هذا الإسكان الذي روي عن هؤلاء غلط بيِّن لأنّ الهاء لا ينبغي أن تجزم وإذا لم تجزم فلا يجوز أن تكسر في الوصل ( هكذا نقله ابن عطية ومعناه أنّ جزم الجواب لا يظهر على هاء الضمير بل على آخر حرف من الفعل ولا يجوز تسكينها في الوصل كما في أكثر الآيات التي سكنوا فيها الهاء ).\rوقيل هو إجرَاء للوصل مُجرى الوقف وهو قليل ، قال الزجاج : وأما أبو عمرو فأراه كان يختلس الكسر فغلط عليه من نقله وكلام الزجاج مردود لأنه راعى فيه المشهور من الاستعمال المقيس ، واللغة أوسع من ذلك ، والقراءة حجة.\rوقرأه هشام عن ابن عامر ، ويعقوب باختلاس الكسر.\rوحكى القرطبي عن الفرّاء : أنّ مذهب بعض العرب يجزمون الهاء إذا تحرّك ما قبلها يقولون ضربته كما يسكنون ميم أنتم وقمتم وأصله الرفع وهذا كما قال الراجز : \rلَما رَأى ألاّ دَعَهْ ولاَ شِبَع\rمَالَ إلى أرْطَاةِ حقف فاضطجع...\rوالقِنطار تقدم آنفاً في قوله تعالى : { والقَناطير المقنطرة من الذهب والفضة } [ آل عمران : 14 ]\rوالدينار اسم للمسكوك من الذهب الذي وزنه اثنتان وسبعون حبة من الشعير المتوسط وهو معرّب دِنَّار من الرومية.\rوقد جعل القنطار والدينار مَثَلين للكثرة والقلة ، والمقصود ما يفيده الفحوى من أداء الأمانة فيما هو دون القنطار ، ووقوع الخيانة فيما هو فوق الدينار.\rوقوله : { إلا ما دمت عليه قائماً } أطلق القيام هنا على الحرص والمواظبة : كقوله : { قائماً بالقسط } [ آل عمران : 18 ] أي لا يفعل إلاّ العدل.","part":14,"page":242},{"id":5935,"text":"وعديّ \"قائماً\" بحرف ( على ) لأنّ القيام مجاز على الإلحاح والترداد فتعديته بحرف الاستعلاء قرينة وتجريد للاستعارة.\rو ( ما ) من قوله : { إلا ما دمت عليه قائماً } حرف مصدري يصير الفعل بعده في تأويل مصدر ، ويكثر أن يقدر معها اسم زمان ملتزَمٌ حذفه يدل عليه سياق الكلام فحينئذ يقال ما ظرفية مصدرية.\rوليست الظرفية مدلولها بالأصالة ولا هي نائبة عن الظرف ، ولكنها مستفادة من موقع ( مَا ) في سياق كلام يؤذن بالزمان ، ويكثر ذلك في دخول ( ما ) على الفعل المتصرّف من مادة دَام ومرادفها.\rو ( ما ) في هذه الآية كذلك فالمعنى : لا يؤدّه إليك إلاّ في مدة دوام قيامك عليه أي إلحاحك عليه.\rوالدوام حقيقته استمرار الفعل وهو هنا مجاز في طول المدة ، لتعذر المعنى الحقيقي مع وجود أداة الاستثناء ، لأنه إذا انتهى العمر لم يحصل الإلحاح بعدَ الموت.\rوالاستثناء من قوله : { إلا ما دمت عليه قائماً } يجوز أن يكون استثناء مفرّغاً من أوقات يدل عليها موقع ( مَا ) والتقدير لا يؤدّه إليك في جميع الأزمان إلاّ زماناً تدوم عليه فيه قائماً فيكون ما بعد ( إلاّ ) نصباً على الظرففِ ، ويجوز أن يكون مفرّغاً من مصادر يَدل عليها معنى ( ما ) المصدرية ، فيكون ما بعده منصوباً على الحال لأنّ المصدر يقع حالاً.\rوقدّم المجرور على متعلقه في قوله : { عليه قائماً } للاهتمام بمعنى المجرور ، ففي تقديمه معنى الإلحاح ، أي إذا لم يكن قيامُك عليه لا يُرجعُ لك أمانتك.\rوالإشارة في قوله : { ذلك بأنهم قالوا } إلى الحكم المذكور وهو { إن تأمنه بدينار لا يؤده إليك } وإنما أشير إليه لكمال العناية بتمييزه لاختصاصه بهذا الشأن العجيب.","part":14,"page":243},{"id":5936,"text":"والباء للسبب أي ذلك مُسَببٌ عن أقوال اختلقوها ، وعبّر عن ذلك بالقول ، لأنّ القول يصدر عن الاعتقاد ، فلذا ناب منابه فأطلق على الظنّ في مواضع من كلام العرب.\rوأرادوا بالأميين من ليسوا من أهل الكتاب في القديم ، وقد تقدم بيان معنى الأمي في سورة البقرة.\rوحرف ( في ) هنا للتعليل.\rوإذ قد كان التعليل لا يتعلق بالذوات ، تعيَّن تقدير مضاف مجرور بحرف ( في ) والتقدير في معاملة الأمّيّين.\rومعنى ليس علينا في الأميين سبيل ليس علينا في أكل حقوقهم حرج ولا إثم ، فتعليق الحكم بالأميين أي ذواتِهم مراد منه أعلق أحوالهم بالغرض الذي سبق له الكلام.\rفالسبيل هنا طريق المؤاخذة ، ثم أطلق السبيل في كلام العرب مجازاً مشهوراً على المؤاخذة قال تعالى : { مَا على المحسنين من سبيل } [ التوبة : 91 ] وقال : { إنما السبيل على الذين يستأذنوك } [ التوبة : 93 ] وربما عبّر عنه العرب بالطريق قال حُميد بن ثور : \rوهل أنا إن علّلتُ نفسي بسَرحة\rمن السرْح موجود عليَّ طريق...\rوقصدهم بذلك أن يحقروا المسلمين ، ويتطاولوا بما أوتوه من معرفة القراءة والكتابة مِنْ قبلهم.\rأو أرادوا الأميين بمعرفة التوراة ، أي الجاهلين : كناية عن كونهم ليسوا من أتباع دِين موسى عليه السلام.\rوأيَّاماً كان فقد أنْبَأ هذا عن خلق عجيب فيهم ، وهو استخفافهم بحقوق المخالفين لهم في الدين ، واستباحةُ ظلمهم مع اعتقادهم أنّ الجاهل أو الأمّي جدير بأن يدحَضُ حقُه.\rوالظاهر أنّ الذي جرّأهم علَى هذا سوء فهمهم في التوراة ، فإنّ التوراة ذكرت أحكاماً فرّقت فيها بين الإسرائيلي وغيره في الحقوق ، غير أنّ ذلك فيما يرجع إلى المؤاساة والمخالطة بين الأمة ، فقد جاء في سفر التثنية الإصحاح الخامس عشر : \"في آخر سبع سنين تعمل إبراء يبرىء كلُ صاحب دين يدَه ممّا أقرض صاحبه.","part":14,"page":244},{"id":5937,"text":"الأجنبيَّ تُطالِب ، وأما ما كان لك عند أخيك فتبرئة\" وجاء في \"الإصحاح\" 23 منه : \"لا تقرض أخاك بربا فضة أو ربا طعام وللأجنبي تُقرض بربا\" ولكن شَتان بين الحقوق وبين المؤاساة فإنّ تحريم الربا إنما كان لقصد المؤاساة ، والمؤاساة غير مفروضة مع غير أهل الملّة الواحدة.\rوعن ابن الكلبي قالت اليهود : الأموال كلّها كانت لنا ، فما في أيدي العرب منها فهو لنا ، وإنهم ظلمونا وغصَبونا فلا إثم علينا في أخذ أموالنا منهم.\rوهذا الخلقان الذميمان اللذان حكاهما الله عن اليهود قد اتصف بهما كثير من المسلمين ، فاستحلّ بعضهم حقوق أهل الذمة ، وتأوّلوها بأنهم صاروا أهل حرب ، في حين لا حرب ولا ضرب.\rوقد كذّبهم الله تعالى في هذا الزعم فقال : { ويقولون على الله الكذب } قال المفسرون : إنهم ادّعوا أنهم وجدوا ذلك في كتابهم.\rوروى عن سعيد بن جبير أنه لما نزل قوله تعالى : { ومن أهل الكتاب من إن تأمنه } إلى قوله { وهم يعلمون } قال النبي صلى الله عليه وسلم \"كذب أعداء الله ما من شيء كان في الجاهلية إلاّ وهو تحت قدميّ هاتين إلاّ الأمانة فإنها مؤدّاة إلى البرّ والفاجر.\rوقوله وهم يعلمون حال أي يعتمدون الكذب : إما لأنهم علموا أنّ ما قاسوه على ما في كتابهم ليس القياس فيه بصحيح ، وإما لأنّ التأويل الباطل بمنزلة العلم بالكذب ، إذ الشبهة الضعيفة كالعهد. أ هـ {التحرير والتنوير حـ 3 صـ 131 ـ 135}\rفصل\rقال القرطبى : \rالأمانة عظيمة القَدْر في الدِّين ، ومن عِظم قدرها أنها تقوم هي والرَّحِم على جَنَبَتَي الصراط ؛ كما في صحيح مسلم.\rفلا يُمَكّن من الجواز إلا من حفظهما.\rوروى مسلم عن حذيفة قال حدّثنا النبيّ صلى الله عليه وسلم عن رفع الأمانة ، قال : \" ينام الرجل النومة فتقبض الأمانة من قلبه \" الحديث.\rوقد تقدم بكماله أوّل البقرة.","part":14,"page":245},{"id":5938,"text":"وروى ابن ماجه حدّثنا محمد ابن المُصَفَّى حدّثنا محمد بن حرب عن سعيد بن سِنان عن أبي الزاهريّة عن أبي شجرة كثير ابن مُرة عن ابن عمر أن النبيّ صلى الله عليه وسلم قال : \" إن الله عز وجل إذا أراد أن يهلك عبداً نزع منه الحياء فإذا نزع منه الحياء لم تَلقه إلا مَقِيتاً مُمْقَتاً فإذا لم تلقه إلا مَقِيتاً مُمْقَتاً نُزعت منه الأمانة فإذا نزعت منه الأمانة لم تَلقه إلا خائناً مُخَوَّناً فإذا لم تلقه إلا خائناً مخوّناً نُزعت منه الرحمة فإذا نُزعت منه الرحمة لم تلقه إلا رجِيماً ملعناً فإذا لم تَلقه إلا رجِيماً مُلْعَناً نزعت منه رِبْقة الإسلام \" وقد مضى في البقرة معنى قولِه عليه السلام : \" أدّ الأمانة إلى من ائتمنك ولا تخن من خانك \" والله أعلم. أ هـ {تفسير القرطبى حـ 4 صـ 117 ـ 118}\rفصل\rقال ابن كثير : ","part":14,"page":246},{"id":5939,"text":"عن أبي هريرة رضي الله عنه ، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم : أَنَّهُ ذَكَرَ رَجُلا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ سَأَلَ [بَعْضَ] بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنْ يُسْلِفَهُ أَلْفَ دِينَارٍ ، فَقَالَ : ائْتِنِي بِالشُّهَدَاءِ أُشْهِدُهُمْ. فَقَالَ : كَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا. قَالَ : ائْتِنِي بِالْكَفِيلِ. قَالَ : كَفَى بِاللَّهِ كَفِيلا. قَال َ : صَدَقْتَ. فَدَفَعَهَا إِلَيْهِ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى ، فَخَرَجَ فِي الْبَحْرِ فَقَضَى حَاجَتَهُ ، ثُمَّ الْتَمَسَ مَرْكَبًا يَرْكَبُهَا يَقْدَمُ عَلَيْهِ لِلأجَلِ الَّذِي أَجَّلَهُ ، فَلَمْ يَجِدْ مَرْكِبًا ، فَأَخَذَ خَشَبَةً فَنَقَرَهَا فَأَدْخَلَ فِيهَا أَلْفَ دِينَارٍ ، وَصَحِيفَةً مِنْهُ إِلَى صَاحِبِهِ ، ثُمَّ زَجَّجَ مَوْضِعَهَا ، ثُمَّ أَتَى بِهَا إِلَى الْبَحْرِ ، فَقَالَ : اللَّهُمَّ إِنَّكَ تَعْلَمُ أَنِّي استَسْلَفْت ُ فُلانًا أَلْفَ دِينَارٍ فَسَأَلَنِي كَفِيلا فَقُلْتُ : كَفَى بِاللَّهِ كَفِيلا فَرَضِيَ بِكَ. وَسَأَلَنِي شَهِيدًا ، فَقُلْتُ : كَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا فَرَضِيَ بِكَ ، وَإِنِّي جَهَدْتُ أَنْ أَجِدَ مَرْكَبًا أَبْعَثُ إِلَيْهِ الَّذِي لَهُ فَلَمْ أَقْدِرْ ، وَإِنِّي اسْتَوْدَعْتُكَهَا. فَرَمَى بِهَا فِي الْبَحْرِ حَتَّى وَلَجَتْ فِيهِ ، ثُمَّ انْصَرَفَ وَهُوَ فِي ذَلِكَ يَلْتَمِسُ مَرْكَبًا يَخْرُجُ إِلَى بَلَدِهِ ، فَخَرَجَ الرَّجُلُ الَّذِي كَانَ أَسْلَفَهُ يَنْظُرُ لَعَلَّ مَرْكَبًا يَجِيئُهَُ بِمَالِهِ ، فَإِذَا بِالْخَشَبَةِ الَّتِي فِيهَا الْمَالُ ، فَأَخَذَهَا لأهْلِهِ حَطَبًا ، فَلَمَّا كَسَرَهَا وَجَدَ الْمَالَ وَالصَّحِيفَةَ ، ثُمَّ قَدِمَ الَّذِي كَانَ تَسَلَّف مِنْهُ ، فَأَتَاه بِأَلْفِ دِينَارٍ ، وَقَالَ : وَاللَّهِ مَا زِلْتُ جَاهِدًا","part":14,"page":247},{"id":5940,"text":"فِي طَلَبِ مَرْكَبٍ لآتِيَكَ بِمَالِكَ ، فَمَا وَجَدْتُ مَرْكَبًا قَبْلَ الَّذِي أَتَيْتُ فِيهِ. قَالَ : هَلْ كُنْتَ بَعَثْتَ إِلَيَّ بِشَيْءٍ ؟ قَالَ : أَلَمْ أُخْبِرْكَ أَنِّي لَمْ أَجِدْ مَرْكَبًا قَبْلَ هَذَا ؟ قَالَ : فَإِنَّ اللَّهَ قَدْ أَدَّى عَنْكَ الَّذِي بَعَثْتَ فِي الْخَشَبَةِ ، فَانْصَرِفْ بِأَلْفِ دِينَارٍ رَاشِدًا. { صحيح البخاري في الكفالة برقم (2291) وفي غيرها برقم (1498) ، (2404) ، (2430) ، (2744) ، (6261) والمسند (2/348)}. أ هـ {تفسير ابن كثير حـ 2 صـ 61}\rفصل\rقال القرطبى :\rليس في هذه الآية تعديل لأهل الكتاب ولا لبعضهم خلافاً لمن ذهب إلى ذلك ؛ لأن فُسّاق المسلمين يوجد فيهم من يؤدّي الأمانة ويؤمن على المال الكثير ولا يكونون بذلك عدولاً.\rفطريق العدالة والشهادة ليس يجزىء فيه أداء الأمانة في المال من جهة المعاملة والوديعة ؛ ألا ترى قولهم : { لَيْسَ عَلَيْنَا فِي الأميين سَبِيلٌ } فكيف يعدل من يعتقد استباحة أموالنا وحَريمنا بغير حرج عليه ؛ ولو كان ذلك كافياً في تعديلهم لسُمعت شهادتهم على المسلمين. أ هـ {تفسير القرطبى حـ 4 صـ 118}\rمن لطائف الإمام القشيرى فى الآية\rقوله جلّ ذكره : { وَمِنْ أَهْلِ الكِتَابِ مَنْ إِن تَأْمَنَهُ بِقِنطَارٍ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَّنْ إن تَأْمَنْهُ بِدِينَارٍ لاَّ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ } الآية.","part":14,"page":248},{"id":5941,"text":"أخبر أنهم - مع ضلالتهم وكفرهم - متفاوتون في أخلاقهم ، فكُلُّهمْ خَوَنَةٌ في أمانة الدِّين ، ولكنّ منهم من يرجع إلى سداد المعاملة ، ثم وإن كانت معاملتهم بالصدق فلا ينفعهم ذلك في إيجاب الثواب ولكن ينفعهم من حيث تخفيف العذاب ؛ إذ الكفار مُطَالَبُون بتفصيل الشرائع ، فإذا كانوا في كفرهم أقلَّ ذنباً كانوا بالإضافة إلى الأخسرين أقلَّ عذاباً ، وإن كانت عقوبتهم أيضاً مؤبَّدة.\rثم بيَّن أنه ليس الحكم إليهم حتى إذا :\r{ قَالُوا لَيْسَ عَلَيْنَا فِى الأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ }.\rفلا تجري عليهم هذه الحالة ، أو تنفعهم هذه القالة ، بل الحكم لله تعالى. أ هـ {لطائف الإشارات حـ 1 صـ 252}","part":14,"page":249},{"id":5942,"text":"قوله تعالى {بَلَى مَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ وَاتَّقَى فَإِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ (76)}\rمناسبة الآية لما قبلها\rقال البقاعى : \rولما ادعوا نفي الجناح عنهم فيهم وبين تعالى أنهم لا يتحاشون عن الكذب صرح بكذبهم في هذا الأمر بخصوصه بقوله : {بلى} أي عليكم في خيانتهم لتحريم العذر عليكم مطلقاً ، أي سبيل - كما هو في التوراة وقد مضى نقله في البقرة في آية {إن الذين آمنوا والذين هادوا} [ البقرة : 62 ] وآية {وقولوا للناس حسناً} [ البقرة : 83 ].\rولما مضى تقسيمهم إلى أمين وخائن استأنف بشارة الأول ونذارة الثاني على وجه عام لهم ولغيرهم لتحريم الخيانة في كل شرع في حق كل أحد منهما ، إن الله يبغض الخائن فقال : {من أوفى بعهده} في الدين والدنيا {واتقى} أي كائناً من كان {فإن الله} ذا الجلال والإكرام يحبه ، هكذا الأصل ، لكنه أظهر الوصف لتعليق الحكم به وإشعاراً بأنه العلة الحاملة له على الأمانة فقال : {يحب المتقين }. أ هـ {نظم الدرر حـ 2 صـ 115}\rفصل\rقال الفخر : \rاعلم أن في {بلى} وجهين","part":14,"page":250},{"id":5943,"text":"أحدهما : أنه لمجرد نفي ما قبله ، وهو قوله {لَيْسَ عَلَيْنَا فِى الأميين سَبِيلٌ} فقال الله تعالى راداً عليهم {بلى} عليهم سبيل في ذلك وهذا اختيار الزجاج ، قال : وعندي وقف التمام على {بلى} وبعده استئناف والثاني : أن كلمة {بلى} كلمة تذكر ابتداء لكلام آخر يذكر بعده ، وذلك لأن قولهم : ليس علينا فيما نفعل جناح قائم مقام قولهم : نحن أحباء الله تعالى ، فذكر الله تعالى أن أهل الوفاء بالعهد والتقى هم الذين يحبهم الله تعالى لا غيرهم ، وعلى هذا الوجه فإنه لا يحسن الوقف على {بلى} وقوله {مَنْ أوفى بِعَهْدِهِ} مضى الكلام في معنى الوفاء بالعهد والضمير في {بِعَهْدِهِ} يجوز أن يعود على اسم {الله} في قوله {وَيَقُولُونَ عَلَى الله الكذب} ويجوز أن يعود على {مِنْ} لأن العهد مصدر فيضاف إلى المفعول وإلى الفاعل وههنا سؤالان : \rالسؤال الأول : بتقدير {أن} يكون الضمير عائداً إلى الفاعل وهو {مِنْ} فإنه يحتمل أنه لو وفى أهل الكتاب بعهودهم وتركوا الخيانة ، فإنهم يكتسبون محبة الله تعالى.\rالجواب : الأمر كذلك ، فإنهم إذا أوفوا بالعهود أوفوا أول كل شيء بالعهد الأعظم ، وهو ما أخذ الله عليهم في كتابهم من الإيمان بمحمد صلى الله عليه وسلم ، ولو اتقوا الله في ترك الخيانة ، لاتقوه في ترك الكذب على الله ، وفي ترك تحريف التوراة.\rالسؤال الثاني : أين الضمير الراجع من الجزاء إلى {مِنْ} ؟.\rالجواب : عموم المتقين قام مقام رجوع الضمير. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 8 صـ 90 ـ 91}\rفصل\rقال الفخر : ","part":14,"page":251},{"id":5944,"text":"واعلم أن هذه الآية دالة على تعظيم أمر الوفاء بالعهد ، وذلك لأن الطاعات محصورة في أمرين التعظيم لأمر الله ، والشفقة على خلق الله ، فالوفاء بالعهد مشتمل عليهما معاً ، لأن ذلك سبب لمنفعة الخلق ، فهو شفقة على خلق الله ، ولما أمر الله به ، كان الوفاء به تعظيماً لأمر الله ، فثبت أن العبارة مشتملة على جميع أنواع الطاعات والوفاء بالعهد ، كما يمكن في حق الغير يمكن أيضاً في حق النفس لأن الوافي بعهد النفس هو الآتي بالطاعات والتارك للمحرمات ، لأن عند ذلك تفوز النفس بالثواب وتبعد عن العقاب. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 8 صـ 91}\rفائدة\rقال ابن عادل :\rقوله : { بلى } جواب لقولهم : \" لَيْسَ \" وإيجاب لما نفوه. وتقدم القول في نظيره.\rقال ابن الخطيبِ : وعندي الوقف التام على \" بلى \" ثم استأنف.\rوقيل : إن كلمة \" بلى \" كلمة تُذْكَر ابتداءً لكلام آخرَ يُذكَر بعده ؛ لأن قولَهم : ليس علينا فيما نفعل جناحٌ قائمٌ مقام قولهم : { نَحْنُ أَبْنَاءُ الله وَأَحِبَّاؤُهُ } [ المائدة : 18 ] فذكر - تعالى - أن أهل الوفاءِ بالعهد والتقى هم الذين يحبهم الله تعالى - لا غيرهم - وعلى هذا الوجه ، فلا يَحْسُن الوقف على \" بلى \" اه.\rو \" مَنْ \" شرطية ، أو موصولة ، والرابط بين الجملة الجزائية ، أو الخبرية هو العموم في { الْمُتَّقِينَ } وعند من يرى الربط بقيام الظاهر مقام المضمر يقول ذلك هنا.\rوقيل : الجزاء ، أو الخبر محذوف ، تقديره : يحبه الله ، ودل على هذا المحذوف قوله : { فَإِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ } وفيه تكلُّفٌ لا حاجةَ إليه.","part":14,"page":252},{"id":5945,"text":"قال القرطبيُّ : \" مَنْ \" رفع بالابتداء ، وهو شرط ، و\" أوفى \" في موضع جزم \" واتَّقَى \" معطوف عليه ، واتقى الله ، ولم يكذب ، ولم يستحل ما حرم عليه { فَإِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ } أي يحب أولئك.\rو \" بعهده \" يجوز أن يكون المصدر مضافاً لفاعله على أن الضمير يعود على \" مَنْ \". أو مضافاً إلى مفعوله على أنه يعود على \" اللهِ \" ويجوز أن يكون المصدر مضافاً للفاعل وإن كان الضمير لله تعالى وإلى المفعول وإن كان الضمير عائداً على \" مَنْ \" ومعناه واضح عند التَّأمُّلِ.\rفإن قيل : بتقدير أن يكون الضميرُ عائداً إلى الفاعل ، وهو \" مَنْ \" فإنه يدل على أنه لو وفى أهل الكتاب بعهودهم وتركوا الخيانةَ ، فإنهم يكتسبونَ محبة اللهِ.\rفالجواب أن الأمر كذلك ، فإنهم إذا وفوا بالعهود ، فأول ما يوفون به العهد الأعظم ، وهو ما أخذَ الله عليهم في كتابهم من الإيمان بمحمد صلى الله عليه وسلم وبما جاء به ، وهو المراد بالعهد في هذه الآية قال صلى الله عليه وسلم \" أرْبَعٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ كَانَ مُنَافِقاً خَالِصاً ، وَمَنْ كَانتْ فيه وَاحِدَةٌ مِنْهُنَّ كَانَتْ فِيهِ خصلَةٌ مِن النِّفَاقِ حَتَّى يَدَعَهَا : إذا ائتُمِنَ خَانَ ، وَإذَا حدَّث كَذَبَ ، وَإِذَا عَاهَدَ غَدَرَ ، وَإذَا خَاصَم فَجرَ \". أ هـ {تفسير ابن عادل حـ 5 صـ 338}","part":14,"page":253},{"id":5946,"text":"وقال الآلوسى :\r{ بلى } جواب لقولهم { لَيْسَ عَلَيْنَا فِى الأميين سَبِيلٌ } [ آل عمران : 75 ] ، وإيجاب لما نفوه ، والمعنى بلى عليهم في الأميين سبيل. { مَنْ أوفى بِعَهْدِهِ واتقى فَإِنَّ الله يُحِبُّ المتقين } استئناف مقرر للجملة التي دلت عليها { بلى } حيث أفادت بمفهومها المخالف ذم من لم يف بالحقوق مطلقاً فيدخلون فيه دخولاً أولياً ، و{ مِنْ } إما موصولة أو شرطية ، و{ أُوفِى } فيه ثلاث لغات : إثبات الهمزة وحذفها مع تخفيف الفاء وتشديدها ، والضمير في عهده عائد على { مِنْ } وقيل : يعود على { الله } فهو على الأول : مصدر مضاف لفاعله ، وعلى الثاني : مصدر مضاف لمفعوله أو لفاعله ولا بد من ضمير يعود على { مِنْ } من الجملة الثانية ، فإما أن يقام الظاهر مقام المضمر في الربط إن كان { المتقين } من { أُوفِى } وإما أن يجعل عمومه وشموله رابطاً إن كان { المتقين } عاماً ؛ وإنما وضع الظاهر موضع الضمير على الأول تسجيلاً على الموفين بالعهد بالتقوى وإشارة إلى علة الحكم ومراعاة لرؤوس الآي ، ورجح الأول بقوة الربط فيه ، وقال ابن هشام : الظاهر أنه لا عموم وأن { المتقين } مساو لمن تقدم ذكره والجواب لفظاً ، أو معنى محذوف تقديره يحبه الله ، ويدل عليه { فَإِنَّ الله } الخ ، واعترضه الحلبي بأنه تكلف لا حاجة إليه ، وقوله : الظاهر أنه لا عموم في حيز المنع فإن ضمير { بِعَهْدِهِ } إذا كان لله فالالتفات عن الضمير إلى الظاهر لإفادة العموم كما هو المعهود في أمثاله قاله بعض المحققين. أ هـ {روح المعانى حـ 3 صـ 203}","part":14,"page":254},{"id":5947,"text":"وقال الطبرى :\rوهذا إخبار من الله عز وجل عمَّنْ أدَّى أمانته إلى من ائتمنه عليها اتقاءَ الله ومراقبتَه ، عنده. فقال جل ثناؤه : ليس الأمر كما يقول هؤلاء الكاذبون على الله من اليهود ، من أنه ليس عليهم في أموَال الأميين حرج ولا إثم ، ثمّ قال : بلى ، ولكن من أوفى بعهده واتقى - يعني : ولكن الذي أوفى بعهده ، وذلك وصيته إياهم التي أوصاهم بها في التوراة ، من الإيمان بمحمد صلى الله عليه وسلم وما جاءهم به.\rو\"الهاء\" في قوله : \"من أوفى بعهده\" ، عائدة على اسم\"الله\" في قوله : \"ويقولون على الله الكذب\".\rيقول : بلى من أوفى بعهد الله الذي عاهده في كتابه ، فآمن بمحمد صلى الله عليه وسلم وصَدّق به وبما جاء به من الله ، من أداء الأمانة إلى من ائتمنه عليها ، وغير ذلك من أمر الله ونهيه \"واتقى\" ، يقول : واتقى ما نهاه الله عنه من الكفر به ، وسائر معاصيه التي حرّمها عليه ، فاجتنبَ ذلك مراقبةَ وعيد الله وخوفَ عقابه \"فإنّ الله يحبّ المتقين\" ، يعني : فإن الله يحب الذين يتقونه فيخافون عقابه ويحذرون عذابه ، فيجتنبون ما نهاهم عنه وحرّمه عليهم ، ويطيعونه فيما أمرهم به.\rوقد روى عن ابن عباس أنه كان يقول : هو اتقاء الشرك. أ هـ {تفسير الطبرى حـ 6 صـ 525 ـ 526}. بتصرف يسير.\rقال ابن عطية :\r{ بلى } أي عليهم سبيل وحجة وتبعة ، ثم أخبر على جهة الشرط أن { من أوفى } بالعهد { واتقى } عقوبة الله في نقضه ، فإنه محبوب عند الله ، وتقول العرب : وفى بالعهد ، وأوفى به بمعنى ، وأوفى ، هي لغة الحجاز وفسر الطبري وغيره ، على أن الضمير في قوله { بعهده } عائد على الله تعالى ، وقال بعض المفسرين : هو عائد على { من }.","part":14,"page":255},{"id":5948,"text":"قال الفقيه الإمام أبو محمد : والقولان يرجعان إلى معنى واحد ، لأن أمر الله تعالى بالوفاء مقترن بعهد كل إنسان ، وقال ابن عباس : { اتقى } في هذه الآية ، معناه : اتقى الشرك ، ثم خرج جواب الشرط على تعميم المتقين تشريفاً للتقوى وحضّاً عليها. أ هـ {المحرر الوجيز حـ 1 صـ 459}\rوقال البيضاوى :\r{ بلى } إثبات لما نفوه أي بلى عليهم فيهم سبيل. { مَنْ أوفى بِعَهْدِهِ واتقى فَإِنَّ الله يُحِبُّ المتقين } استئناف مقرر للجملة التي سدت { بلى } مسدها ، والضمير المجرور لمن أو لله وعموم المتقين ناب عن الراجع من الجزاء إلى { مِنْ } ، وأشعر بأن التقوى ملاك الأمر وهو يعم الوفاء وغيره من أداء الواجبات والاجتناب عن المناهي. أ هـ {تفسير البيضاوى حـ 2 صـ 55}","part":14,"page":256},{"id":5949,"text":"قوله تعالى {إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا أُولَئِكَ لَا خَلَاقَ لَهُمْ فِي الْآَخِرَةِ وَلَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ وَلَا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (77)}\rمناسبة الآية لما قبلها\rقال البقاعى : \rولما كانت النفوس نزاعة إلى الخيانة رواغة عند مضائق الأمانة ، وكانت الخيانة تجر إلى الكذب بسط في الإنذار فقال : {إن الذين يشترون} أي يلجون في أن يأخذوا على وجه العوض {بعهد الله} أي الذي عاهدوه عليه من الإيمان بالرسول الذي عاهدهم على الإيمان به وذكر صفته للناس ، وهو سبحانه أعلى وأعز من كل شيء فهو محيط بكل شيء قدرة وعلماً {وأيمانهم} أي التي عقدوها بالتزام متابعة الحق على ألسنة الرسل بما دل عليه العقل {ثمناً قليلاً} في الدنيا {أولئك} أي البعيدو الرتبة في الدناءة {لا خلاق} أي نصيب {لهم في الآخرة} أي لبيعهم له بنصيب الدنيا {ولا يكلمهم الله} أي الملك الأعظم استهانة بهم وغضباً عليهم بما انتهكوا من حرمته.\rولما زادت هذه عن آية البقرة العهد والحلف ، وكان من عادة الحالف والمعاهد النظر إلى من فعل ذلك لأجله زاد قوله : {ولا ينظر إليهم} أي بل يعدهم أحقر شيء بما أعرضوا عنه ، ولما كان لكثرة الجمع مدخل عظيم في مشقة الخزي قال : {يوم القيامة} الذي من افتضح في جمعه لم يفز {ولا يزكيهم} لأنهم لم يزكوا اسمه {ولهم} أي مع ذلك {عذاب أليم} يعرفون به ما جهلوا من عظمته. أ هـ {نظم الدرر حـ 2 صـ 115 ـ 116}\rوقال الفخر : \rاعلم أن في تعلق هذه الآية بما قبلها وجوهاً","part":14,"page":257},{"id":5950,"text":"الأول : أنه تعالى لما وصف اليهود بالخيانة في أموال الناس ، ثم من المعلوم أن الخيانة في أموال الناس لا تتمشى إلا بالأيمان الكاذبة لا جرم ذكر عقيب تلك الآية هذه الآية المشتملة على وعيد من يقدم على الأيمان الكاذبة\rالثاني : أنه تعالى لما حكى عنهم أنهم {يَقُولُونَ عَلَى الله الكذب وَهُمْ يَعْلَمُونَ} [ آل عمران : 75 ] ولا شك أن عهد الله على كل مكلف أن لا يكذب على الله ولا يخون في دينه ، لا جرم ذكر هذا الوعيد عقيب ذلك\rالثالث : أنه تعالى ذكر في الآية السابقة خيانتهم في أموال الناس ، ثم ذكر في هذه الآية خيانتهم في عهد الله وخيانتهم في تعظيم أسمائه حين يحلفون بها كذباً ، ومن الناس من قال : هذه الآية ابتداء كلام مستقل بنفسه في المنع عن الأيمان الكاذبة ، وذلك لأن اللفظ عام والروايات الكثيرة دلت على أنها إنما نزلت في أقوام أقدموا على الأيمان الكاذبة ، وإذا كان كذلك وجب اعتقاد كون هذا الوعيد عاماً في حق كل من يفعل هذا الفعل وأنه غير مخصوص باليهود. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 8 صـ 91 ـ 92}\rوقال ابن عاشور : \rمناسبة هذه الآية لما قبلها أنّ في خيانة الأمانة إبطالاً للعهد ، وللحلف الذي بينهم ، وبين المسلمين ، وقريشٍ.\rوالكلامُ استئناف قصد منه ذكر الخُلق الجامع لشتات مساوىء أهل الكتاب من اليهود ، دعا إليه قوله وَدّت طائفة من أهل الكتاب وما بعده.\rوقد جرت أمثال هذه الأوصاف على اليهود مفرّقة في سورة البقرة ( 40 ) : { أوفوا بعهدي ، ولا تشتروا بآياتي ثمناً قليلاً } [ البقرة : 41 ].\r{ ماله في الآخرة من خلاق } [ البقرة : 102 ].\r{ ولا يكلمهم الله يوم القيامة ولا يزيكهم } [ البرة : 174 ].\rفعلمنا أنهم المراد بذلك هنا.\r","part":14,"page":258},{"id":5951,"text":"وقد بينا هنالك وجه تسمية دينهم بالعهد وبالميثاق ، في مواضع ، لأنّ موسى عاهدهم على العمل به ، وبينا معاني هذه الأوصاف والأخبار. أ هـ {التحرير والتنوير حـ 3 صـ 135}\rفصل في سبب نزول الآية\rقال الفخر : \rاختلفت الروايات في سبب النزول ، فمنهم من خصها باليهود الذين شرح الله أحوالهم في الآيات المتقدمة ، ومنهم من خصها بغيرهم.\rأما الأول ففيه وجهان\rالأول : قال عكرمة إنها نزلت في أحبار اليهود ، كتموا ما عهد الله إليهم في التوراة من أمر محمد صلى الله عليه وسلم وكتبوا بأيديهم غيره وحلفوا بأنه من عند الله لئلا يفوتهم الرشا ، واحتج هؤلاء بقوله تعالى في سورة البقرة {وَأَوْفُواْ بِعَهْدِى أُوفِ بعهدِكُم} [ البقرة : 40 ]\rالثاني : أنها نزلت في ادعائهم أنه {لَيْسَ عَلَيْنَا فِى الأميين سَبِيلٌ} [ آل عمران : 75 ] كتبوا بأيديهم كتاباً في ذلك وحلفوا أنه من عند الله وهو قول الحسن.\rوأما الاحتمال الثاني : ففيه وجوه\rالأول : أنها نزلت في الأشعث بن قيس ، وخصم له في أرض ، اختصما إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقال للرجل : \" أقم بيِّنَتَك \" فقال الرجل : ليس لي بينة فقال للأشعث \" فعليك اليمين \" فهم الأشعث باليمين فأنزل الله تعالى هذه الآية فنكل الأشعث عن اليمين ورد الأرض إلى الخصم واعترف بالحق ، وهو قول ابن جريج\rالثاني : قال مجاهد : نزلت في رجل حلف يميناً فاجرة في تنفيق سلعته\rالثالث : نزلت في عبدان وامرىء القيس اختصما إلى الرسول صلى الله عليه وسلم في أرض ، فتوجه اليمين على امرىء القيس ، فقال : أنظرني إلى الغد ، ثم جاء من الغد وأقر له بالأرض ، والأقرب الحمل على الكل. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 8 صـ 92}\rوقال القرطبى : ","part":14,"page":259},{"id":5952,"text":"روى الأئمة \" عن الأشعث بن قيس قال : كان بيني وبين رجل من اليهود أرض فجحدني فقدّمته إلى النبيّ صلى الله عليه وسلم ، فقال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم : \"هل لك بيّنة\" ؟ قلت لا ، قال لليهوديّ : \"احلف\" قلت : إذاً يحلف فيذهب بمالي ؛ فأنزل الله تعالى { إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ الله وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَناً قَلِيلاً } إلى آخر الآية \" وروى الأئمة أيضاً عن أبي أمامة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : \" \"من اقتطع حق امرىء مسلم بيمينه فقد أوجب الله له النار وحرّم عليه الجنة\".\rفقال له رجل : وإن كان شيئاً يسيراً يا رسول الله ؟ قال : \"وإنْ كان قضِيباً من أَرَاك\" \" وقد مضى في البقرة معنى { وَلاَ يُكَلِّمُهُمُ الله وَلاَ يَنظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ القيامة وَلاَ يُزَكِّيهِمْ } [ آل عمران : 77 ]. أ هـ {تفسير القرطبى حـ 4 صـ 119 ـ 120}\rفصل\rقال الفخر : \rقوله : {إِنَّ الذين يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ الله} يدخل فيه جميع ما أمر الله به ويدخل فيه ما نصب عليه الأدلة ويدخل فيه المواثيق المأخوذة من جهة الرسول ، ويدخل فيه ما يلزم الرجل نفسه ، لأن كل ذلك من عهد الله الذي يلزم الوفاء به.","part":14,"page":260},{"id":5953,"text":"قال تعالى : {وَمِنْهُمْ مَّنْ عاهد الله لَئِنْ ءاتانا مِن فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ} [ التوبة : 75 ] الآية وقال : {وَأَوْفُواْ بِالْعَهْدِ إِنَّ العهد كَانَ مَسْؤُولاً} [ الإسراء : 34 ] وقال : {يُوفُونَ بالنذر} [ الإنسان : 7 ] وقال : {مّنَ المؤمنين رِجَالٌ صَدَقُواْ مَا عاهدوا الله عَلَيْهِ} [ الأحزاب : 23 ] وقد ذكرنا في سورة البقرة معنى الشراء ، وذلك لأن المشتري يأخذ شيئاً ويعطي شيئاً فكل واحد من المعطى والمأخوذ ثمن للآخر ، وأما الأيمان فحالها معلوم وهي الحلف التي يؤكد بها الإنسان خبره من وعد ، أو وعيد ، أو إنكار ، أو إثبات. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 8 صـ 92}\rقوله تعالى : {أولئك لاَ خلاق لَهُمْ فِى الأخرة وَلاَ يُكَلّمُهُمُ الله وَلاَ يَنظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ القيامة وَلاَ يُزَكّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ}\rفصل\rقال الفخر : \rاعلم أنه تعالى فرع على ذلك الشرط وهو الشراء بعهد الله والأيمان ثمناً قليلاً ، خمسة أنواع من الجزاء أربعة منها في بيان صيرورتهم محرومين عن الثواب والخامس : في بيان وقوعهم في أشد العذاب ، أما المنع من الثواب فاعلم أن الثواب عبارة عن المنفعة الخالصة المقرونة بالتعظيم.\rفالأول : وهو قوله {أولئك لاَ خلاق لَهُمْ فِى الأخرة} إشارة إلى حرمانهم عن منافع الآخرة.\rوأما الثلاثة الباقية : وهي قوله {وَلاَ يُكَلّمُهُمُ الله وَلاَ يَنظُرُ إِلَيْهِمْ وَلاَ يُزَكّيهِمْ} فهو إشارة إلى حرمانهم عن التعظيم والإعزاز.\rوأما الخامس : وهو قوله {وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} فهو إشارة إلى العقاب ، ولما نبهت لهذا الترتيب فلنتكلم في شرح كل واحد من هذه الخمسة : ","part":14,"page":261},{"id":5954,"text":"أما الأول : وهو قوله {لاَ خلاق لَهُمْ فِى الأخرة} فالمعنى لا نصيب لهم في خير الآخرة ونعيمها واعلم أن هذا العموم مشروط بإجماع الأمة بعدم التوبة ، فإنه إن تاب عنها سقط الوعيد بالإجماع وعلى مذهبنا مشروط أيضاً بعدم العفو فإنه تعالى قال : {إِنَّ الله لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاء} [ النساء : 48 ]. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 8 صـ 92 ـ 93}\rقوله تعالى {وَلاَ يُكَلّمُهُمُ الله}\rقال الفخر :\rوأما الثاني : وهو قوله {وَلاَ يُكَلّمُهُمُ الله} ففيه سؤال ، وهو أنه تعالى قال : {فَوَرَبّكَ لَنَسْئَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ * عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ} [ الحجر : 92 ، 93 ] وقال : {فَلَنَسْئَلَنَّ الذين أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ وَلَنَسْئَلَنَّ المرسلين} [ الأعراف : 6 ] فكيف الجمع بين هاتين الآيتين ، وبين تلك الآية ؟ قال القفال في الجواب : المقصود من كل هذه الكلمات بيان شدة سخط الله عليهم ، لأن من منع غيره كلامه في الدنيا ، فإنما ذلك بسخط الله عليه وإذا سخط إنسان على آخر ، قال له لا أكلمك ، وقد يأمر بحجبه عنه ويقول لا أرى وجه فلان ، وإذا جرى ذكره لم يذكره بالجميل فثبت أن هذه الكلمات كنايات عن شدة الغضب نعوذ بالله منه.\rوهذا هو الجواب الصحيح ، ومنهم من قال : لا يبعد أن يكون إسماع الله جلّ جلاله أولياءه كلامه بغير سفير تشريفاً عالياً يختص به أولياءه ، ولا يكلم هؤلاء الكفرة والفساق ، وتكون المحاسبة معهم بكلام الملائكة ومنهم من قال معنى هذه الآية أنه تعالى لا يكلمهم بكلام يسرهم وينفعهم ، والمعتد هو الجواب الأول. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 8 صـ 93}\rقوله تعالى : {وَلاَ يَنظُرُ إِلَيْهِمْ}\rقال الفخر :","part":14,"page":262},{"id":5955,"text":"وأما الثالث : وهو قوله تعالى : {وَلاَ يَنظُرُ إِلَيْهِمْ} فالمراد إنه لا ينظر إليهم بالإحسان ، يقال فلان لا ينظر إلى فلان ، والمراد به نفي الاعتداد به وترك الإحسان إليه ، والسبب لهذا المجاز أن من اعتد بالإنسان التفت إليه وأعاد نظره إليه مرة بعد أخرى ، فهلذا السبب صار نظر الله عبارة عن الاعتداد والإحسان ، وإن لم يكن ثم نظر ، ولا يجوز أن يكون المراد من هذا النظر الرؤية ، لأنه تعالى يراهم كما يرى غيرهم ، ولا يجوز أن يكون المراد من النظر تقليب الحدقة إلى جانب المرئي التماساً لرؤيته لأن هذا من صفات الأجسام ، وتعالى إلهنا عن أن يكون جسماً ، وقد احتج المخالف بهذه الآية على أن النظر المقرون بحرف ( إلى ) ليس للرؤية وإلا لزم في هذه الآية أن لا يكون الله تعالى رائياً لهم وذلك باطل. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 8 صـ 93}\rقوله تعالى {وَلاَ يُزَكّيهِمْ}\rقال الفخر : \rوأما الرابع : وهو قوله {وَلاَ يُزَكّيهِمْ} ففيه وجوه الأول : أن لا يطهرهم من دنس ذنوبهم بالمغفرة بل يعاقبهم عليها والثاني : لا يزكيهم أي لا يثني عليهم كما يثني على أوليائه الأزكياء والتزكية من المزكى للشاهد مدح منه له.\rواعلم أن تزكية الله عباده قد تكون على ألسنة الملائكة كما قال : {والملائكة يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مّن كُلّ بَابٍ سلام عَلَيْكُم بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عقبى الدار} [ الرعد : 23 ، 24 ] وقال : {وتتلقاهم الملائكة هذا يَوْمُكُمُ الذى كُنتُمْ تُوعَدُونَ} [ الأنبياء : 103 ] {نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِى الحياة الدنيا وَفِى الأخرة} [ فصلت : 21 ] وقد تكون بغير واسطة ، أما في الدنيا فكقوله {التائبون العابدون} [ التوبة : 112 ] وأما في الآخرة فكقوله {سَلاَمٌ قَوْلاً مّن رَّبّ رَّحِيمٍ} [ يس : 58 ]. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 8 صـ 93}","part":14,"page":263},{"id":5956,"text":"قوله تعالى {وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ}\rقال الفخر :\rوأما الخامس : وهو قوله {وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} فاعلم أنه تعالى لما بيّن حرمانهم من الثواب بيّن كونهم في العقاب الشديد المؤلم. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 8 صـ 94}\rفائدة\rقال ابن عادل :\rفي هذه اللام قولان :\rأحدهما : أنها بمعنى الاستحقاق ، أي : يستحقُّون العذاب الأليم.\rالثاني : كما تقول : المال لزيد ، فتكون لام التمليك ، فذكر ملك العذاب لهم ، تهكُّماً بهم. أ هـ {تفسير ابن عادل حـ 5 صـ 341}\rمن فوائد الآلوسى فى الآية\rقال رحمه الله :","part":14,"page":264},{"id":5957,"text":"{ إِنَّ الذين يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ الله وأيمانهم ثَمَنًا قَلِيًلا } أخرج الستة وغيرهم عن ابن مسعود رضي الله تعالى عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : \" من حلف على يمين هو فيها فاجر ليقطع بها مال امرىء مسلم لقي الله وهو عليه غضبان فقال الأشعث بن قيس : فيَّ والله كان ذلك كان بيني وبين رجل من اليهود أرض فجحدني فقدمته إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم : ألك بينة ؟ قلت : لا فقال لليهودي : احلف فقلت : يا رسول الله إذاً يحلف فيذهب مالي فأنزل الله تعالى { إِنَّ الذين } \" الخ. وأخرج البخاري وغيره عن عبد الله بن أبي أوفى أن رجلاً أقام سلعة له في السوق فحلف بالله لقد أعطى بها ما لم يعطه ليوقع فيها رجلاً من المسلمين فنزلت هذه الآية. وأخرج أحمد وابن جرير واللفظ له عن عدي بن عميرة قال : كان بين امرىء القيس ورجل من حضرموت خصومة فارتفعا إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال للحضرمي : بينتك وإلا فيمينه قال : يا رسول الله إن حلف ذهب بأرضي فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : من حلف على يمين كاذبة ليقتطع بها حق أخيه لقي الله تعالى وهو عليه غضبان فقال امرؤ القيس : يا رسول الله فما لمن تركها وهو يعلم أنها حق ؟ قال : الجنة قال : فإني أشهدك أني قد تركتها\" فنزلت ، وأخرج ابن جرير عن عكرمة قال : نزلت هذه الآية في أبي رافع ولبابة بن أبي الحقيق وكعب بن الأشرف وحي بن أخطب حرفوا التوراة وبدلوا نعت رسول الله صلى الله عليه وسلم وحكم الأمانات وغيرهما وأخذوا على ذلك رشوة ، وروي غير ذلك ولا مانع من تعدد سبب النزول كما حققوه.","part":14,"page":265},{"id":5958,"text":"والمراد بيشترون يستبدلون ، وبالعهد أمر الله تعالى ، وما يلزم الوفاء به ، وقيل : ما عهده إلى اليهود في التوراة من أمر النبي صلى الله عليه وسلم ، وقيل : ما في عقل الإنسان من الزجر عن الباطل والانقياد إلى الحق ، وبالأيمان الأيمان الكاذبة ، وبالثمن القليل الأعواض النزرة أو الرشا ، ووصف ذلك بالقلة لقلته في جنب ما يفوتهم من الثواب ويحصل لهم من العقاب { أُوْلَئِكَ لاَ خلاق لَهُمْ فِى الآخرة } أي لا نصيب لهم من نعيمها بسبب ذلك الاستبدال { وَلاَ يُكَلّمُهُمُ الله } أي بما يسرهم بل بما يسوؤهم وقت الحساب لهم قاله الجبائي أو لا يكلمهم بشيء أصلاً وتكون المحاسبة بكلام الملائكة لهم بأمر الله تعالى إياهم استهانة بهم ، وقيل : المراد إنهم لا ينتفعون بكلمات الله تعالى وآياته ولا يخفى بعده ، واستظهر أن يكون هذا كناية عن غضبه سبحانه عليهم.","part":14,"page":266},{"id":5959,"text":"{ وَلاَ يَنظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ القيامة } أي لا يعطف عليهم ولا يرحمهم كما يقول القائل أنظر إليّ يريد ارحمني ، وجعله الزمخشري مجازاً عن الاستهانة بهم والسخط عليهم ، وفرق بين استعماله فيمن يجوز عليه النظر المفسر بتقليب الحدقة وفيمن لا يجوز عليه ذلك بأن أصله فيمن يجوز عليه الكناية لأن من اعتد بالإنسان التفت إليه وأعاره نظر عينيه ، ثم كثر حتى صار عبارة عن الاعتداد والإحسان وإن لم يكن ثم نظر ، ثمّ جاء فيمن لا يجوز عليه النظر مجرداً لمعنى الإحسان مجازاً عما وقع كناية عنه فيمن يجوز عليه النظر ، وفي \"الكشف\" إن في هذا تصريحاً بأن الكناية يعتبر فيها صلوح إرادة الحقيقة وإن لم ترد وأن الكنايات قد تشتهر حتى لا تبقى تلك الجهة ملحوظة وحينئذٍ تلحق بالمجاز ولا تجعل مجازاً إلا بعد الشهرة لأن جهة الانتقال إلى المعنى المجازي أولاً غير واضحة بخلاف المعنى المكنى عنه ، وبهذا يندفع ما ذكره غير واحد من المخالفة بين قولي الزمخشري في جعل بسط اليد في قوله تعالى : { بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ } [ المائدة : 64 ] مجازاً عن الجود تارة وكناية أخرى إذ حاصله أنه إن قطع النظر عن المانع الخارجي كان كناية ثم ألحق بالمجاز فيطلق عليه أنه كناية باعتبار أصله قبل الإلحاق ومجاز بعده فلا تناقض بينهم كما توهموه فتدبر. والظرف متعلق بالفعلين وفيه تهويل للوعيد.","part":14,"page":267},{"id":5960,"text":"{ وَلاَ يُزَكّيهِمْ } أي ولا يحكم عليهم بأنهم أزكياء ولا يسميهم بذلك بل يحكم بأنهم كفرة فجرة قاله القاضي وقال الجبائي : لا ينزلهم منزلة الأزكياء ، وقيل : لا يطهرهم عن دنس الذنوب والأوزار بالمغفرة { وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ } أي مؤلم موجع ، والظاهر أن ذلك في القيامة إلا أنه لم يقيد به اكتفاءاً بالأول ، وقيل : إنه في الدنيا بالإهانة وضرب الجزية بناءاً على أن الآية في اليهود. أ هـ {روح المعانى حـ 3 صـ 203 ـ 204}\rوقال ابن عاشور :\rومعنى : {وَلا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ وَلا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ} غضبه عليهم إذ قد شاع نفي الكلام في الكناية عن الغضب ، وشاع استعمال النظر في الإقبال والعناية ، ونفي النظر في الغضب فالنظر المنفي هنا نظر خاص.\rوهاتان الكنايتان يجوز معهما إرادة المعنى الحقيقي.\rوقوله : {وَلا يُزَكِّيهِمْ} أي لا يطهرهم من الذنوب ولا يقلعون عن آثامهم ، لأن من بلغ من رقة الديانة إلى حد أن يشتري بعهد الله وأيمانه ثمنا قليلا ، فقد بلغ الغاية القصوى في الجرأة على الله ، فكيف يرجى له صلاح بعد ذلك ، ويحتمل أن يكون المعنى ولا ينميهم أي لا يكثر حظوظهم في الخيرات.","part":14,"page":268},{"id":5961,"text":"وفي مجيء هذا الوعيد ، عقب الصلة ، وهي يشترون بعهد الله الآية ، إيذان بأن من شابههم في هذه الصفات فهو لاحق بهم ، حتى ظن بعض السلف أن هذه الآية نزلت فيمن حلف يمينا باطلة ، وكل يظن أنها نزلت فيما يعرفه من قصة يمين فاجرة ، ففي البخاري ، عن أبي وائل ، عن عبد الله بن مسعود ، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : \"من حلف يمين صبر ليقتطع بها مال امرئ مسلم لقي الله وهو عليه غضبان\" فأنزل الله تصديق ذلك : {إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ} الآية فدخل الأشعث بن قيس وقال : ما يحدثكم أبو عبد الرحمن قلنا : كذا وكذا. أ هـ {التحرير والتنوير حـ 3 صـ 135 ـ 136}\rوقال الماوردى :\rقوله تعالى : { إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيمَانِهِم ثَمَناً قَلِيلاً } وفي العهد قولان :\rأحدهما : ما أوجب الله تعالى على الإنسان من طاعته وكَفَّه عن معصيته.\rوالثاني : ما في عقل الإنسان من الزجر عن الباطل والانقياد إلى الحق.\r{ أَولَئِكَ لاَ خَلاَقَ لَهُم فِي الآخِرةِ }. وفي أصل الخلاق قولان :\rأحدهما : أن أصله من الخلق بفتح الخاء وهو النفس ، وتقدير الكلام لا نصيب لهم.\rوالثاني : أن أصله الخُلق بضم الخاء لأنه نصيب مما يوجبه الخُلُق الكريم.\r{ وَلاَ يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ } فيه قولان :\rأحدهما : لا يكلمهم الله بما يسرهم ، لكن يكلمهم بما يسوءهم وقت الحساب لأنه قال : { ثُمَّ إِنَّ عَلَينَا حِسَابَهُم }.\rوالثاني : لا يكلمهم أصلاً ولكن يرد حسابهم إلى الملائكة.\r{ وَلاَ يَنظُرُ إِلَيهِم يَومَ الْقِيَامَةِ } فيه قولان :\rأحدهما : لا يراهم.\rوالثاني : لا يَمِنُ عليهم.\r{ وَلاَ يُزَكِّيهِم } أي لا يقضي بزكاتهم. أ هـ {النكت والعيون حـ 1 صـ 403 ـ 404}\rفائدة\rقال ابن عطية :","part":14,"page":269},{"id":5962,"text":"قوله تعالى : { إن الذين يشترون بعهد الله } الآية آية وعيد لمن فعل هذه الأفاعيل إلى يوم القيامة وهي آية يدخل فيها الكفر فيما دونه من جحد الحقوق وختر المواثيق ، وكل أحد يأخذ من وعيد الآية على قدر جريمته. أ هـ {المحرر الوجيز حـ 1 صـ 459}\rفصل\rقال القرطبى :\rودلتْ هذه الآية والأحاديثُ أن حكم الحاكم لا يُحلّ المال في الباطن بقضاء الظاهر إذا علم المحكوم له بطلانَه ؛ وقد روى الأئمة عن أمّ سلمة قالت قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : \" إنكم تختصمون إليّ وإنما أنا بشر ولعلّ بعضكم أن يكون ألْحن بحجّته من بعض وإنما أقضي بينكم على نحوٍ مما أسمع منكم فمن قضيت له من حق أخيه شيئاً فلا يأخذه فإنما أقطع له قطعة من النار يأتي بها يوم القيامة \" وهذا لا خلاف فيه بين الأئمة ، وإنما ناقض أبو حنيفة وغلا وقال : إن حكم الحاكم المبنيّ على الشهادة الباطلة يُحلّ الفرج لمن كان محرّماً عليه ؛ كما تقدّم في البقرة.\rوزعم أنه لو شهد شاهدا زورٍ على رجل بطلاق زوجته وحكم الحاكم بشهادتهما فإن فرجها يحل لمتزوّجها ممن يعلم أن القضية باطل.\rوقد شُنّع عليه بإعراضه عن هذا الحديث الصحيح الصريح ، وبأنه صان الأموال ولم ير استباحتها بالأحكام الفاسدة ، ولم يصن الفروج عن ذلك ، والفروج أحقُّ أن يحتاط لها وتُصان.\rوسيأتي بطلان قوله في آية اللعان إن شاء الله تعالى. أ هـ {تفسير القرطبى حـ 4 صـ 120}\rفصل\rقال ابن كثير :\rوقد وردت أحاديث تتعلق بهذه الآية الكريمة فلنذكر ما تيسر منها :","part":14,"page":270},{"id":5963,"text":"الحديث الأول : قال الإمام أحمد : حدثنا عفان ، حدثنا شعبة قال : علي بن مُدْرِك أخْبرَني قال : سمعت أبا زُرْعَة ، عن خَرَشة بن الحُر ، عن أبي ذر ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : \"ثَلاثَة لا يُكَلِّمُهُمُ اللهُ وَلا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ\" قلت : يا رسول الله ، من هم ؟ خابوا وخسروا. قال : وأعاده رسول الله [صلى الله عليه وسلم] ثلاث مرات قال : \"المُسْبِل ، والمُنْفِقُ سِلْعَتَهُ بِالْحَلِفِ\rالْكاذِبِ ، والمنانُ\". ورواه مسلم ، وأهل السنن ، من حديث شعبة ، به. { المسند (5/148) وصحيح مسلم برقم (106) وأبو داود في السنن برقم (4087 ، 4088) والترمذي في السنن برقم (1211) والنسائي في السنن (5/81) وابن ماجه في السنن برقم (2208)}.\rطريق أخرى : قال أحمد : حدثنا إسماعيل ، عن الحُرَيري ، عن أبي العلاء بن الشِّخِّير ، عن أبي الأحْمَس قال : لقيتُ أبا ذر ، فقلتُ له : بلغني عنك أنك تُحدِّث حديثا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم. فقال : أما إنه لا تَخَالُني أكذبُ على رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد ما سمعته منه ، فما الذي بلغك عني ؟ قلتُ : بلغني أنك تقول : ثلاثة يحبهم الله ، وثلاثة يَشْنَؤهم الله عز وجل. قال : قلته وسمعته. قلت : فمن هؤلاء الذين يحبهم الله ؟ قال : الرجل يلقى العدوّ في فئة فينصب لهم نَحْرَه حتى يقتل أو يفتح لأصحابه. والقومُ يسافرون فيطول سراهم حتى يَحنُّوا أن يمسوا الأرض فينزلون ، فيتنحى أحدهم فيصلي حتى يوقظهم لرحيلهم. والرجلُ يكون له الجار يؤذيه فيصبر على أذاهُ حتى يفرق بينهما موت أو ظَعْن. قلت : ومن هؤلاء الذين يشنأ الله ؟ قال : التاجر الحلاف -أو البائع الحلاف -والفقير المختال ، والبخيل المنان غريب من هذا الوجه. { المسند (5/151)}.\r","part":14,"page":271},{"id":5964,"text":"الحديث الثاني : قال الإمام أحمد : حدثنا يحيى بن سعيد ، عن جرير بن حازم قال : حدثنا عَدِيّ بن عدي ، أخبرني رجاء بن حَيْوة والعُرْس بن عَمِيرة عن أبيه عَدِي -هَو ابن عميرة الكندي-قال : خاصم رجل من كِنْدةَ يقال له : امرؤ القيس بن عابس رَجلا من حَضْرمَوْت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم في أرض ، فقضى على الحضرمي بالبينة ، فلم يكن له بينة ، فقضى على امرئ القيس باليمين. فقال الحضرمي : إن أمكنته من اليمين يا رسول الله ذهبتْ ورب الكعبة أرضى. فقال النبي صلى الله عليه وسلم : \"مَنْ حَلَفَ عَلَى يَمِينٍ كَاذِبَةٍ لِيقتطِعَ بِهَا مَال أحَد لَقِيَ الله عَزَّ وَجَلَّ وَهُوَ عَلَيْهِ غَضْبَانُ\" قال رجاء : وتلا رسول الله صلى الله عليه وسلم : { إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلا } فقال امرؤ القيس : ماذا لمن تركها يا رسول الله ؟ فقال الجنة\" قال : فاشهَدْ أني قد تركتها له كلها. ورواه النسائي من حديث عدي بن عدي ، به. { المسند (4/191) والنسائي في السنن الكبرى برقم (5996)}.\rالحديث الثالث : قال أحمد : حدثنا أبو معاوية ، حدثنا الأعمش ، عن شَقيق ، عن عبد الله قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : \"مَنْ حَلَفَ عَلَى يمين هو فيها فَاجِر ، لِيقْتَطِعَ بِهَا مَال امْرِئٍ مُسْلِمٍ ، لَقِيَ الله عَزَّ وجَلَّ وَهُوَ عَليْهِ غَضْبَانُ\".\r","part":14,"page":272},{"id":5965,"text":"فقال الأشعث : فيّ والله كان ذلك ، كان بيني وبين رجل من اليهود أرض فجَحَدني ، فقدَّمته إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم : \"أَلَكَ بَيَّنة ؟\" قلتُ : لا فقال لليهودي : \"احْلِفْ\" فقلتُ : يا رسول الله ، إذا يحلف فيذهب مالي. فأنزل الله عز وجل : { إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلا } [إلى آخر] الآية : أخرجاه من حديث الأعمش. { المسند (5/211) والبخاري في صحيحه برقم (2673)}.\rطريق أخرى : قال أحمد : حدثنا يحيى بن آدم ، حدثنا أبو بكر بن عَيَّاش ، عن عاصم بن أبي النَّجُود ، عن شَقِيق بن سلمة ، حدثنا عبد الله بن مسعود قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : \"مَنِ اقْتَطَعَ مَالَ امرئ مسلمٍ بغير حَقٍّ لَقِيَ الله وَهُوَ عَلَيْهِ غَضْبَان\" قال : فجاء الأشْعث بن قَيْس فقال : ما يُحدِّثكم أبو عبد الرحمن ؟ فحدثناه ، فقال : فيّ كان هذا الحديث ، خاصمتُ ابن عمٍّ لي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم في بئر لي كانت في يده ، فجَحَدني ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : \"بَيِّنَتُكَ أنَّها بِئْرُكَ وَإلا فَيَمِينُهُ\" قال : قلتُ : يا رسول الله ، ما لي بينة ، وإن تجعلها بيمينه تذهب بئري ؛ إنَّ خَصْمي امرؤ فاجر. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : \"مَنِ اقْتَطَعَ مَالَ امرئ مسلمٍ بغير حَقٍّ لَقِيَ الله وَهُوَ عَلَيْهِ غَضْبَان\" قال : وقرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم هذه الآية : { إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلا [ أُولَئِكَ لا خَلاقَ لَهُمْ فِي الآخِرَةِ وَلا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ وَلا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ] }. { المسند (5/12)}.\r","part":14,"page":273},{"id":5966,"text":"الحديث الرابع : قال الإمام أحمد : حدثنا يحيى بن غَيْلان ، حدثنا رشْدين عن زَبّان ، عن سهل بن معاذ بن أنس ، عن أبيه ، عن النبي صلى الله عليه وسلم : \"إنَّ لله تَعَالى عِبَادًا لا يُكَلِّمُهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلا يُزَكِّيهِمْ وَلا يَنْظُرُ إلَيهِمْ\" قيل : ومن أولئك يا رسول الله ؟ قال : \"مُتَبَرِّئٌ مَنْ وَالِدَيهِ رَاغِبٌ عَنْهُمَا ، ومُتَبَرِّئٌ مِنْ وَلَدِهِ ، وَرَجُلٌ أنْعَمَ عَلِيْهِ قَوْمٌ فكَفَر نعْمَتَهُمْ وتَبَرَّأ مِنْهُمْ\". { المسند (3/440)}.\rالحديث الخامس : قال ابن أبي حاتم : حدثنا الحسن بن عرفة ، حدثنا هُشَيْم ، أنبأنا العوّام -يَعني ابن حَوْشَبَ-عن إبراهيم بن عبد الرحمن -يعني السَّكْسَكي-عن عبد الله بن أبي أوْفَى : أن رجلا أقام سلعة له في السوق ، فحلف بالله لقد أعْطَى بها ما لم يُعْطه ، ليُوقع فيها رجلا من المسلمين ، فنزلت هذه الآية : { إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلا } ورواه البخاري ، من غير وجه ، عن العوام. { تفسير ابن أبي حاتم (2/355) وصحيح البخاري برقم (4551)}.\r","part":14,"page":274},{"id":5967,"text":"الحديث السادس : قال الإمام أحمد : حدثنا وَكِيع ، حدثنا الأعمش ، عن أبي صالح ، عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : \"ثَلاثَةٌ لا يُكَلِّمُهُمْ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَة وَلا يَنْظُرُ إلَيْهِمْ ، وَلا يُزَكِّيهِمْ ولَهم عذابٌ أليم : رَجُلٌ مَنَعَ ابْنَ السَّبِيلِ فَضْلَ مَاءٍ عِنْدَهُ ، وَرَجُلٌ حَلَفَ عَلَى سِلْعَةٍ بَعْدَ الْعَصْرِ -يَعْنِي كَاذِبًا-وَرَجُلٌ بَايَعَ إِمَامًا ، فَإِنْ أَعْطَاهُ وَفَى لَهُ ، وَإِنْ لَمْ يُعْطِهِ لَمْ يَفِ لَهُ\". ورواه أبو داود ، والترمذي ، من حديث وكيع ، وقال الترمذي : حسن صحيح. { المسند (2/480) وسنن أبي داود برقم (3474) وسنن الترمذي برقم (1595)}. أ هـ {تفسير ابن كثير حـ 2 صـ 62 ـ 65}\rلطيفة\rقال ابن عجيبة :\rقد أخذ الله العهد على الأرواح ألا يعبدوا معه غيره ، ولا يميلوا إلى شيء سواه ، فكل من مال إلى شيء ، أو ركن بالمحبة إلى غير الله ، فقد نقض العهد مع الله ، فلا نصيب له في مقام المعرفة ، ولا تحصل له مشاهدة ولا مكالمة حتى يثوب ويتوجه بكليته إلى مولاه. والله - تعالى أعلم. أ هـ {البحر المديد حـ 1 صـ 296}\rمن لطائف الإمام القشيرى فى الآية\rالذين آثروا هواهم على عُقباهم ، وقدَّموا مناهم على موافقة مولاهم أولئك لا نصيب لهم في الآخرة ؛ فللاستمتاع بما اختاروا من العاجل خسروا في الدارين.\rبقوا عن الحق ، وما استمتعوا بحظِّ ، جَمَعَ عليهم فنون المِحَن ولكنهم لا يدرون ما أصابهم ، لا يكلمهم الله ولا ينظر إليهم يوم القيامة ولا يزكيهم ، ثم مع هذا يُخَلِّدُم في العقوبة الأبدية. أ هـ {لطائف الإشارات حـ 1 صـ 252}","part":14,"page":275},{"id":5968,"text":"قوله تعالى { وَإِنَّ مِنْهُمْ لَفَرِيقًا يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُمْ بِالْكِتَابِ لِتَحْسَبُوهُ مِنَ الْكِتَابِ وَمَا هُوَ مِنَ الْكِتَابِ وَيَقُولُونَ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَمَا هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ (78)}\rمناسبة الآية لما قبلها\rقال البقاعى : \rولما نسبهم إلى الكذب عموماً نبه على نوع خاص منه هو أكذب الكذب فقال : {وإن منهم لفريقاً} أي جبلوا على الفرقة ، فهم لا يزالون يسعون في التفريق {يلون} أي يفتلون ويحرفون {ألسنتهم بالكتاب} بأن ينقلوا اللسان لتغيير الحرف من مخرج إلى آخر - مثلاً بأن يقولوا في {اعبدوا الله} [ المائدة : 72 وغيرها ] اللات ، وفي {لا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق} [ الأنعام : 151 ] بالحد ، وفي \" من زنى فارجموه \" فارحموه بالمهملة ، أو فحمموه ، أو اجلدوه - ونحو هذا.\rولما كان كلام الله سبحانه وتعالى لما له من الحلاوة والجلالة لا يلبس بغيره إلا على ضعيف العقل ناقص الفطرة عبر بالحسبان تنفيراً عن السماع منهم وتنبيهاً على بعد ما يسمعه الإنسان من غيره فقال : {لتحسبوه} أي الذي لوى به اللسان فحرف {من الكتاب} أي المنزل من عند الله ، ولما علم بهذه أنه ليس منه نبه على أنه في غاية البعد عنه فقال : {ما هو من الكتاب} أعاده ظاهراً تصريحاً بالتعميم.","part":14,"page":276},{"id":5969,"text":"ولما كان إيهامهم هذا من الجرأة بمكان أعلم سبحانه وتعالى أنهم تجاوزوا إلى ما هو أعظم منه فصرحوا بما أوهموه فقال : {ويقولون} أي مجددين التصريح بالكذب في كل وقت بأن يقولوا {وهو من عند الله} أي المحيط بجميع صفات الكمال ، ثم صرح بكذبهم بقوله - مبعداً لما لووا به ألسنتهم عن أن يكون فيه ثبوت حق مظهراً في موضع الإضمار لأن الاسم الذي لم يشارك فيه أحد بوجه أنص على المراد وأنفى لكل احتمال : {وما هو} أي الذي لووا به ألسنتهم حتى أحالوه عن حقيقته {من عند الله} أي الذي له الإحاطة العامة ، فما لم يكن من عنده فلا حق فيه بوجه من الوجوه ، لا بكونه من الكتاب ولا من غيره.\rولما بين بهذا كذبهم على الله سبحانه وتعالى تصريحاً بعد أن قدم في الآية الأولى بيانه بما يظن تلويحاً أخبر بأن ذلك عادة لهم ، لا يقفون منه عند عد ، ولا ينحصرون فيه بحد ، فقال : {ويقولون على الله} أي الحائز لجميع العظمة جرأة منهم {الكذب} أي العام كما قالوا عليه هذا الكذب الخاص ، ولما كان الكذب قد يطلق على ما لم يتعمد ، بل وقع خطأ احترز عنه بقوله : {وهم يعلمون} أي أنه كذب ، لا يشكون فيه. أ هـ {نظم الدرر حـ 2 صـ 116 ـ 117}\rفصل\rقال الفخر : ","part":14,"page":277},{"id":5970,"text":"اعلم أن هذه الآية تدل على أن الآية المتقدمة نازلة في اليهود بلا شك لأن هذه الآية نازلة في حق اليهود وهي معطوفة على ما قبلها فهذا يقتضي كون تلك الآية المتقدمة نازلة في اليهود أيضاً واعلم أن {اللي} عبارة عن عطف الشيء ورده عن الاستقامة إلى الاعوجاج ، يقال : لويت يده ، والتوى الشيء إذا انحرف والتوى فلان علي إذا غير أخلاقه عن الاستواء إلى ضده ، ولوى لسانه عن كذا إذا غيره ، ولوى فلاناً عن رأيه إذا أماله عنه ، وفي الحديث : \" لي الواجد ظلم \" وقال تعالى : {وراعنا لَيّاً بِأَلْسِنَتِهِمْ وَطَعْناً فِى الدين} [ النساء : 46 ].\rإذا عرفت هذا الأصل ففي تأويل الآية وجوه الأول : قال القفال رحمه الله قوله {يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُم} معناه وأن يعمدوا إلى اللفظة فيحرفونها في حركات الإعراب تحريفاً يتغير به المعنى ، وهذا كثير في لسان العرب فلا يبعد مثله في العبرانية ، فلما فعلوا مثل ذلك في الآيات الدالة على نبوّة محمد عليه الصلاة والسلام من التوراة كان ذلك هو المراد من قوله تعالى : {يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُم} وهذا تأويل في غاية الحسن الثاني : نقل عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال : إن النفر الذين لا يكلمهم الله يوم القيامة ولا ينظر إليهم كتبوا كتاباً شوشوا فيه نعت محمد صلى الله عليه وسلم وخلطوه بالكتاب الذي كان فيه نعت محمد صلى الله عليه وسلم ثم قالوا {هذا مِنْ عِندِ الله }.\rإذا عرفت هذا فنقول : إن لي اللسان تثنيه بالتشدق والتنطع والتكلف وذلك مذموم فعبّر الله تعالى عن قراءتهم لذلك الكتاب الباطل بلى اللسان ذماً لهم وعيباً ولم يعبر عنها بالقراءة ، والعرب تفرق بين ألفاظ المدح والذم في الشيء الواحد ، فيقولون في المدح : خطيب مصقع ، وفي الذم : مكثار ثرثار.","part":14,"page":278},{"id":5971,"text":"فقوله {وَإِنَّ مِنْهُمْ لَفَرِيقًا يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُم بالكتاب} المراد قراءة ذلك الكتاب الباطل ، وهو الذي ذكره الله تعالى في قوله {فَوَيْلٌ لّلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الكتاب بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هذا مِنْ عِندِ الله} [ البقرة : 79 ] ثم قال : {وَمَا هُوَ مِنَ الكتاب} أي وما هو الكتاب الحق المنزّل من عند الله. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 8 صـ 94}\rسؤالان\rالسؤال الأول : إلى ما يرجع الضمير في قوله {لِتَحْسَبُوهُ} ؟.\rالجواب : إلى ما دل عليه قوله {يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُم} وهو المحرّف.\rالسؤال الثاني : كيف يمكن إدخال التحريف في التوراة مع شهرتها العظيمة بين الناس ؟.\rالجواب : لعله صدر هذا العمل عن نفر قليل ، يجوز عليهم التواطؤ على التحريف ، ثم إنهم عرضوا ذلك المحرف على بعض العوام وعلى هذا التقدير يكون هذا التحريف ممكناً ، والأصوب عندي في تفسير الآية وجه آخر وهو أن الآيات الدالة على نبوّة محمد صلى الله عليه وسلم كان يحتاج فيها إلى تدقيق النظر وتأمل القلب ، والقوم كانوا يوردون عليها الأسئلة المشوشة والاعتراضات المظلمة فكانت تصير تلك الدلائل مشتبهة على السامعين ، واليهود كانوا يقولون : مراد الله من هذه الآيات ما ذكرناه لا ما ذكرتم ، فكان هذا هو المراد بالتحريف وبلي الألسنة وهذا مثل ما أن المحق في زماننا إذا استدل بآية من كتاب الله تعالى ، فالمبطل يورد عليه الأسئلة والشبهات ويقول : ليس مراد الله ما ذكرت ، فكذا في هذه الصورة. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 8 صـ 94 ـ 95}\rقوله تعالى : {وَيَقُولُونَ هُوَ مِنْ عِندِ اللَّهِ}\rفصل\rقال الفخر : ","part":14,"page":279},{"id":5972,"text":"اعلم أن من الناس من قال : إنه لا فرق بين قوله {لِتَحْسَبُوهُ مِنَ الكتاب وَمَا هُوَ مِنَ الكتاب} وبين قوله {وَيَقُولُونَ هُوَ مِنْ عِندِ اللَّهِ وَمَا هُوَ مِنْ عِندِ الله} [ آل عمران : 78 ] وكرر هذا الكلام بلفظين مختلفين لأجل التأكيد ، أما المحققون فقالوا : المغايرة حاصلة ، وذلك لأنه ليس كل ما لم يكن في الكتاب لم يكن من عند الله ، فإن الحكم الشرعي قد ثبت تارة بالكتاب ، وتارة بالسنة ، وتارة بالإجماع ، وتارة بالقياس والكل من عند الله.\r","part":14,"page":280},{"id":5973,"text":"فقوله {لِتَحْسَبُوهُ مِنَ الكتاب وَمَا هُوَ مِنَ الكتاب} هذا نفي خاص ، ثم عطف عليه النفي العام فقال : {وَيَقُولُونَ هُوَ مِنْ عِندِ اللَّهِ وَمَا هُوَ مِنْ عِندِ الله} وأيضاً يجوز أن يكون المراد من الكتاب التوراة ، ويكون المراد من قولهم : هو من عند الله ، أنه موجود في كتب سائر الأنبياء عليهم الصلاة والسلام مثل أشعياء ، وأرمياء ، وحيقوق ، وذلك لأن القوم في نسبة التحريف إلى الله كانوا متحيرين ، فإن وجدوا قوماً من الأغمار والبله الجاهلين بالتوراة نسبوا ذلك المحرف إلى أنه من التوراة ، وإن وجدوا قوماً عقلاء أذكياء زعموا أنه موجود في كتب سائر الأنبياء عليهم الصلاة والسلام الذين جاؤا بعد موسى عليه السلام ، واحتج الجُبّائي والكَعْبيّ به على أن فعل العبد غير مخلوق لله تعالى فقالا : لو كانَ ليُّ اللِّسان بالتحريف والكذب خلقاً لله تعالى لصدق اليهود في قولهم : إنه من عند الله ولزم الكذب في قوله تعالى : إنه ليس من عند الله ، وذلك لأنهم أضافوا إلى الله ما هو من عنده ، والله ينفي عن نفسه ما هو من عنده ، ثم قال : وكفى خزياً لقوم يجعلون اليهود أولى بالصدق من الله قال : ليس لأحد أن يقول المراد من قولهم {لِتَحْسَبُوهُ مِنَ الكتاب وَمَا هُوَ مِنَ الكتاب} وبين قوله {وَيَقُولُونَ هُوَ مِنْ عِندِ اللَّهِ وَمَا هُوَ مِنْ عِندِ الله} فرق ، وإذا لم يبق الفرق لم يحسن العطف ، وأجاب الكعبي عن هذا السؤال أيضاً من وجهين آخرين الأول : أن كون المخلوق من عند الخالق أوكد من كون المأمور به من عند الآمر به ، وحمل الكلام على الوجه الأقوى أولى والثاني : أن قوله {وَمَا هُوَ مِنْ عِندِ الله} نفي مطلق لكونه من عند الله وهذا ينفي كونه من عند الله بوجه من الوجوه ، فوجب أن لا يكون من عنده لا بالخلق ولا بالحكم.","part":14,"page":281},{"id":5974,"text":"والجواب : أما قول الجُبّائي لو حملنا قوله تعالى : {وَيَقُولُونَ هُوَ مِنْ عِندِ اللَّهِ} على أنه كلام الله لزم التكرار ، فجوابه ما ذكرنا أن قوله {وَمَا هُوَ مِنَ الكتاب} معناه أنه غير موجود في الكتاب وهذا لا يمنع من كونه حكماً لله تعالى ثابتاً بقول الرسول أو بطريق آخر فلما قال : {وَمَا هُوَ مِنْ عِندِ الله} ثبت نفي كونه حكماً لله تعالى وعلى هذا الوجه زال التكرار.\rوأما الوجه الأول : من الوجهين اللذين ذكرهما الكعبي فجوابه ، أن الجواب لا بد وأن يكون منطبقاً على السؤال ، والقوم ما كانوا في ادعاء أن ما ذكروه وفعلوه خلق الله تعالى ، بل كانوا يدعون أنه حكم الله ونازل في كتابه.\rفوجب أن يكون قوله {وَمَا هُوَ مِنْ عِندِ الله} عائداً إلى هذا المعنى لا إلى غيره ، وبهذا الطريق يظهر فساد ما ذكره في الوجه الثاني والله أعلم. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 8 صـ 95 ـ 96}\rفائدة\rقال أبو حيان :\rقال أبو بكر الرازي : هذه الآية فيها دلالة على أن المعاصي ليست من عند الله ولا من فعله ، لأنها لو كانت من فعله كانت من عنده.\rوقد نفى الله تعالى نفياً عامّاً لكون المعاصي من عنده. انتهى.\rوهذا مذهب المعتزلة ، وكان الرازي يجنح إلى مذهبهم.\rوقال ابن عطية { وما هو من عند الله } نفي أن يكون منزلاً كما ادّعوا ، وهو من عند الله بالخلق والاختراع والإيجاد ، ومنهم بالتكسب.\rولم تعن الآية إلاَّ معنى التنزيل ، فبطل تعلق القدرية بظاهر قوله : { وما هو من عند الله }. أ هـ {البحر المحيط حـ 2 صـ 528}\rفائدة\rقال ابن عادل :\rوقوله : يَلْوُونَ \" صفة لـ \" فريقاً \" فهي في محل نصبٍ ، وجمع الضمير اعتباراً بالمعنى ؛ لأنه اسم جمع - كالقوم والرهط-.","part":14,"page":282},{"id":5975,"text":"قال أبو البقاء : \" ولو أفرد على اللفظ لجاز \" وفيه نظرٌ ؛ إذ لا يجوز : القوم جاءني ، والعامة على { يَلْوُونَ } بفتح الياء ، وسكون اللام ، وبعدها واو مضمومة ، ثم أخْرَى ساكنة مضارع لوى أي : فتل.\rوقرأ أبو جعفر وشيبة بن نِصاح وأبو حاتم - عن نافع - \" يُلَوُّون \" بضم الياء ، وفتح اللام ، وتشديد الأولى - من لَوَّى \" مضعَّفاً ، والتضعيف فيه للتكثير والمبالغة ، لا للتعدية ؛ إذ لو كان لها لتعدى لآخرَ ؛ لأنه مُتَعَدٍّ لواحد قبل ذلك ، ونسبها الزمخشريُّ لأهل المدينةِ ، وهو كما قال ، فإن هؤلاء رؤساء قُرَّاء المدينة\rوقرأ حُمَيْد \" يَلُون \" - بفتح الياء ، وضم اللام ، بعدها واو مفردة ساكنة - ونسبها الزمخشريُّ لمجاهدٍ وابنِ كثيرٍ ، ووجَّهَهَا هو بأن الأصل { يَلْوُونَ } - كقراءة العامة - ثم أبدِلَت الواو المضمومة همزة ، وهو بدلٌ قباسيٌّ - كأجوه وأقِّتَتْ. ثم خُفِّفَت الهمزةُ بإلقاء حركتها على الساكن قبلها وهو اللام - وحُذِفَت الهمزةُ ، فبقي وزن \" يَلُون \" يَفُون - بحذْف اللام والعين - وذلك لأن اللام - وهي الياء - حُذِفت لالتقاء الساكنين ؛ لأن الأصل \" يلويون \" كيضربون ، فاستُثْقِلَت الضمة على الياء فحذفت ، فالتقى ساكنان - الياء وواو الضمير - فحُذِفت الياء لالتقائهما ، ثم حُذِفت الواو التي هي عين الكلمة.\rو { أَلْسِنَتَهُمْ } جمع لسانٍ ، وهذا على لغة من ذكَّره ، وأما على لغة من يُؤنثه - فيقول : هذه لسانٌ - فإنه يجمع على \" ألْسُن \" - نحو ذِراع وأذرُع وكراع وأكرِع.\r","part":14,"page":283},{"id":5976,"text":"وقال الفرّاء : لم نسمعْه من العرب إلا مذكَّراً. ويُعَبَّر باللسان عن الكلام ؛ لأنه ينشأ منه ، وفيه - والمراد به ذلك - التذكير والتأنيث- ، والليّ : الفتل ، يقال : لَويْت الثوب ، ولويت عنقه - أي فتلته - والليُّ : المطل ، لواه دَيْنَه ، يلويه لَيًّا ، وليَّاناً : مطله. والمصدر : اللَّيّ واللّيان.\rقال الشاعرُ : [ الرجز ]\rقَدْ كُنْتُ دَايَنْتُ بِهَا حَسَّانا... مَخَافَةَ إلافْلاسِ وَاللَّيانا\rوالأصل لوْيٌ ، ولَوْيَان ، فأعِلَّ بما تقدم في \" مَيِّت \" وبابه ثم يُطْلَق اللَّيُّ على الإراغة والمراوغة في الحجج والخصومة ؛ تشبيهاً للمعاني بالأجرام. وفي الحديث : \" لَيُّ الْوَاحِدِ ظُلْمٌ \".\rوقال بعضهم : اللَّيّ عبارة عن عَطْف الشيء ، وردّه عن الاستقامة إلى الاعوجاج يقال : لَوَيْت يده والتوى الشيءُ - إذا انحرف - والتوى فلان عليَّ إذا غيَّر أخلاقه عن الاستواء إلى ضده. ولوى لسانه عن كذا - إذا غيره - ولوى فلانٌ فلاناً عن رأيه - إذا أماله عنه - و{ بالكتاب } متعلق بـ { يَلْوُونَ } ، وجعله أبو البقاء حالاً من الألسنة ، قال : وتقديره : ملتبسة بالكتاب ، أو ناطقة بالكتاب.\r","part":14,"page":284},{"id":5977,"text":"والضمير في { لِتَحْسَبُوهُ } يجوز أن يعود على ما تقدَّم مما دل عليه ذِكْر اللَّيّ والتحريف ، أي : لتحسبوا المحرف من التوراة. ويجوز أن يعود على مضاف محذوفٍ ، دل عليه المعنى ، والأصل : يلوون ألسنتهم بشِبْهِ الكتاب ؛ لتحسبوا شِبْهَ الكتاب الذي حرفوه من الكتاب ، ويكون كقوله : { أَوْ كَظُلُمَاتٍ فِي بَحْرٍ } [ النور : 40 ] ثم قال : { يَغْشَاهُ } [ النور : 40 ] يعود على \" ذِي \" المحذوفة. و\" من الكتاب \" هو المفعول الثاني للحُسْبان. وقُرئ \" ليحسبوه \" - بياء الغيبة - والمراد بهم المسلمون - أيضاً - كما أريد بالمخاطبين في قراءة العامة ، والمعنى : ليحسب المسلمون أن المحرَّف من التوراة. أ هـ {تفسير ابن عادل حـ 5 صـ 341 ـ 343}\rقوله تعالى : {وَيَقُولُونَ عَلَى الله الكذب وَهُمْ يَعْلَمُونَ}\rقال الفخر :\rالمعنى أنهم يتعمدون ذلك الكذب مع العلم.\rواعلم أنه إن كان المراد من التحريف تغيير ألفاظ التوراة ، وإعراب ألفاظها ، فالمقدمون عليه يجب أن يكونوا طائفة يسيرة يجوز التواطؤ منهم على الكذب ، وإن كان المراد منه تشويش دلالة تلك الآيات على نبوّة محمد صلى الله عليه وسلم بسبب إلقاء الشكوك والشبهات في وجوه الاستدلالات لم يبعد إطباق الخلق الكثير عليه ، والله أعلم. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 8 صـ 96}\rمن فوائد الآلوسى فى الآية\rقال رحمه الله :\r{ وَإِنَّ مِنْهُمْ لَفَرِيقًا } أي إن من أهل الكتاب الخائنين لجماعة { يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُم بالكتاب } أي يحرفونه قاله مجاهد وقيل : أصل الليّ الفتل من قولك : لويت يده إذا فتلتها ، ومنه لويت الغريم إذا مطلته حقه قال الشاعر :\rتطيلين لياني وأنت ( ملية )... وأحسن يا ذات الوشاح التقاضيا","part":14,"page":285},{"id":5978,"text":"وفي الخبر \"ليّ الواجد ظلم\" فالمعنى يفتلون ألسنتهم في القراءة بالتحريف في الحركات ونحوها تغييراً يتغير به المعنى ويرجع هذا في الآخرة إلى ما قاله مجاهد ، وقريب منه ما قيل : إن المراد يميلون الألسنة بمشابه الكتاب ، والألسنة جمع لسان ، وذكر ابن الشحنة أنه يذكر ويؤنث. ونقل عن أبي عمرو بن العلاء أن من أنثه جمعه على ألسن ، ومن ذكره جمعه على ألسنة ، وعن الفراء أنه قال : اللسان بعينه لم أسمعه من العرب إلا مذكراً ولا يخفى أن المثبت مقدم على النافي ؛ والباء صلة أو للآلة أو للظرفية أو للملابسة ، والجار والمجرور حال من الألسنة أي ملتبسة بالكتاب ، وقرأ أهل المدينة يلوون بالتشديد فهو على حد { لَوَّوْاْ رُءوسَهُمْ } [ المنافقون : 5 ] وعن مجاهد وابن كثير يلون على قلب الواو المضمومة همزة ثم تخفيفها بحذفها وإلقاء حركتها على الساكن قبلها كذا قيل ، واعترض عليه بأنه لو نقلت ضمة الواو لما قبلها فحذفت لالتقاء الساكنين كفى في التوجيه فأي حاجة إلى قلب الواو همزة ، ورد بأنه فعل ذلك ليكون على القاعدة التصريفية بخلاف نقل حركة الواو ثم حذفها على ما عرف في التصريف ، ونظر فيه بعض المحققين بأن الواو المضمومة إنما تبدل همزة إذا كانت ضمتها أصلية فهو مخالف للقياس أيضاً. نعم قرىء يلؤون بالهمز في الشواذ وهو يؤيده ، وعلى كل ففيه اجتماع إعلالين ومثله كثير ، وأما جعله من الولي بمعنى القرب أي يقربون ألسنتهم بميلها إلى المحرف فبعيد من الصحيح قريب إلى المحرف.","part":14,"page":286},{"id":5979,"text":"{ لِتَحْسَبُوهُ مِنَ الكتاب } أي لتظنوا أيها المسلمون أن المحرف المدلول عليه باللي أو المشابه من كتاب الله تعالى المنزل على بعض أنبيائه عليهم الصلاة والسلام ، وقرىء ( ليحسبوه ) بالياء والضمير أيضاً للمسلمين. { وَمَا هُوَ مِنَ الكتاب } ولكنه من قبل أنفسهم { وَيَقُولُونَ هُوَ مِنْ عِندِ اللَّهِ } أي ويزعمون صريحاً غير مكتفين بالتورية والتعريض أن المحرف أو المشابه نازل من عند الله { وَمَا هُوَ مِنْ عِندِ الله } أي وليس هو نازلاً من عند الله تعالى ، والواو للحال والجملة حال من ضمير المبتدأ في الخبر ، وفي جملة { وَيَقُولُونَ } الخ تأكيد للنفي الذي قبلها وليس الغرض التأكيد فقط وإلا لما توجه العطف بل التشنيع أيضاً بأنهم لم يكتفوا بذلك التعريض حتى ارتكبوا هذا التصريح وبهذا حصلت المغايرة المقتضية للعطف ، والإظهار في موضع الإضمار لتهويل ما قدموا عليه ، واستدل الجبائي والكعبي بالآية على أن فعل العبد ليس بخلق الله تعالى وإلا صدق أولئك المحرفون بقولهم { هُوَ مِنْ عِندِ الله } تعالى لكن الله وردّ بأن القوم ما ادعوا أن التحريف من عند الله وبخلقه وإنما ادعوا أن المحرف منزل من عند الله ، أو حكم من أحكامه فتوجه تكذيب الله تعالى إياهم إلى هذا الذي زعموا.\rوالحاصل أن المقصود بالنفي كما أشرنا إليه نزوله من عنده سبحانه وهو أخص من كونه من فعله وخلقه ، ونفي الخاص لا يستلزم نفي العام فلا يدل على مذهب المعتزلة القائلين بأن أفعال العباد مخلوقة لهم لا لله تعالى :","part":14,"page":287},{"id":5980,"text":"{ وَيَقُولُونَ عَلَى الله الكذب } أي في نسبتهم ذلك إلى الله تعالى تعريضاً وتصريحاً { وَهُمْ يَعْلَمُونَ } أنهم كاذبون عليه سبحانه وهو تسجيل عليهم بأن ما افتروه عن عمد لا خطأ ، وقيل : يعلمون ما عليهم في ذلك من العقاب ، روى الضحاك عن ابن عباس أن الآية نزلت في اليهود والنصارى جميعاً وذلك أنهم حرفوا التوراة والإنجيل وألحقوا بكتاب الله تعالى ما ليس منه ، وروى غير واحد أنها في طائفة من اليهود ، وهم كعب بن الأشرف ومالك وحيي بن أخطب وأبو ياسر وشعبة بن عمرو الشاعر غيروا ما هو حجة عليهم من التوراة.","part":14,"page":288},{"id":5981,"text":"واختلف الناس في أن المحرف هل كان يكتب في التوراة أم لا ؟ فذهب جمع إلى أنه ليس في التوراة سوى كلام الله تعالى وأن تحريف اليهود لم يكن إلا تغييراً وقت القراءة أو تأويلاً باطلاً للنصوص ، وأما أنهم يكتبون ما يرومون في التوراة على تعدد نسخها فلا ، واحتجوا لذلك بما أخرجه ابن المنذر وابن أبي حاتم عن وهب بن منبه أنه قال : إن التوراة والإنجيل كما أنزلهما الله تعالى لم يغير منهما حرف ولكنهم يضلون بالتحريف والتأويل وكتب كانوا يكتبونها من عند أنفسهم ويقولون : إن ذلك من عند الله وما هو من عند الله فأما كتب الله تعالى فإنها محفوظة لا تحول وبأن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقول لليهود إلزاماً لهم : { فأتوا بالتوراة فاتلوها إن كنتم صادقين } [ آل عمران : 93 ] وهم يمتنعون عن ذلك فلو كانت مغيرة إلى ما يوافق مرامهم ما امتنعوا بل وما كان يقول لهم ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم لأنه يعود على مطلبه الشريف بالإبطال. وذهب آخرون إلى أنهم بدلوا وكتبوا ذلك في نفس كتابهم واحتجوا على ذلك بكثير من الظواهر ولا يمنع من ذلك تعدد النسخ إما لاحتمال الطواطؤ أو فعل ذلك في البعض دون البعض وكذا لا يمنع منه قول الرسول لهم ذلك لاحتمال علمه صلى الله عليه وسلم ببقاء بعض ما يفي بغرضه سالماً عن التغيير إما لجهلهم بوجه دلالته ، أو لصرف الله تعالى إياهم عن تغييره ، وأما ما روي عن وهب فهو على تقدير ثبوته عنه يحتمل أن يكون قولاً عن اجتهاد ، أو ناشئاً عن عدم استقراء تام ، ومما يؤيد وقوع التغيير في كتب الله تعالى وأنها لم تبق كيوم نزلت وقوع التناقض في الأناجيل وتعارضها وتكاذبها وتهافتها ومصادمتها بعضها ببعض ، فأنها أربعة أناجيل : الأول : \"إنجيل متى\" وهو من الاثني عشر الحواريين وإنجيله باللغة السريانية كتبه بأرض فلسطين بعد","part":14,"page":289},{"id":5982,"text":"رفع المسيح إلى السماء بثماني سنين وعدة إصحاحاته ثمانية وستون إصحاحاً ، والثاني : \"إنجيل مرقس\" وهو من السبعين وكتب إنجيله باللغة الفرنجية بمدينة رومية بعد رفع المسيح باثنتي عشرة سنة وعدة إصحاحاته ثمانية وأربعون إصحاحاً ، والثالث : \"إنجيل لوقا\" وهو من السبعين أيضاً كتب إنجيله باللغة اليونانية بمدينة الإسكندرية بعد ذلك وعدة إصحاحاته ثلاثة وثمانون إصحاحاً ، والرابع : \"إنجيل يوحنا\" وهو حبيب المسيح كتب إنجيله بمدينة إقسس من بلاد رومية بعد رفع المسيح بثلاثين سنة وعدة إصحاحاته في النسخ القبطية ثلاثة وثلاثون إصحاحاً ، وقد تضمن كل إنجيل من الحكايات والقصص ما أغفله الآخر ، واشتمل على أمور وأشياء قد اشتمل الآخر على نقيضها أو ما يخالفها ، وفيها ما تحكم الضرورة بأنه ليس من كلام الله تعالى أصلاً ، فمن ذلك أن متى ذكر أن المسيح صلب وصلب معه لصان أحدهما عن يمينه والآخر عن شماله وأنهما جميعاً كانا يهزءان بالمسيح مع اليهود ويعيرانه ، وذكر لوقا خلاف ذلك فقال : إن أحدهما كان يهزأ به والآخر يقول له : أما تتقي الله تعالى أما نحن فقد جوزينا وأما هذا فلم يعمل قبيحاً ثم قال للمسيح : يا سيدي أذكرني في ملكوتك فقال : حقاً إنك تكون معي اليوم في الفردوس ولا يخفى أن هذا يؤول إلى التناقض فإن اللصين عند متى كافران وعند لوقا أحدهما مؤمن والآخر كافر ، وأغفل هذه القصة مرقس ويوحنا ، ومنه أن لوقا ذكر أنه قال يسوع : إن ابن الإنسان لم يأت ليهلك نفوس الناس ولكن ليحيى وخالفه أصحابه وقالوا بل قال : إن ابن الإنسان لم يأت ليلقي على الأرض سلامة لكن سيفاً ويضرم فيها ناراً ، ولا شك أن هذا تناقض ، أحدهما : يقول جاء رحمة للعالمين ، والآخر يقول : جاء نقمة على الخلائق أجمعين ، ومن ذلك أن متى قال : قال يسوع للتلاميذ الإثني عشر :","part":14,"page":290},{"id":5983,"text":"أنتم الذين تكونون في الزمن الآتي جلوساً على إثني عشر كرسياً تدينون إثني عشر سبط إسرائيل فشهد للكل بالفوز والبر عامة في القيامة ثم نقض ذلك متى وغيره وقال : مضى واحد من التلاميذ الإثني عشر وهو يهوذا صاحب صندوق الصدقة فارتشى على يسوع بثلاثين درهماً وجاء بالشرطي فسلم إليهم يسوع فقال يسوع : الويل له خير له أن لا يولد ، ومنه أن متى أيضاً ذكر أنه لما حمل يسوع إلى فيلاطس القائد قال : أي شر فعل هذا فصرخ اليهود وقالوا : يصلب يصلب فلما رأى عزمهم وأنه لا ينفع فيهم أخذ ماءاً وغسل يديه وقال : أنا برىء من دم هذا الصديق وأنتم أبصر ، وأكذب يوحنا ذلك فقال : لما حمل يسوع إليه قال لليهود : ما تريدون ؟ قالوا : يصلب فضرب يسوع ثم سلمه إليهم إلى غير ذلك مما يطول ، فإذا وقع هذا التغيير والتحريف في أصول القوم ومتقدميهم فما ظنك في فروعهم ومتأخريهم.\rوإذا كان في الأنابيب حيف... وقع الطيش في صدور الصعاد\rويا ليت شعري هل تنبه ابن منبه لهذا أم لم يتنبه فقال : إن التوراة والإنجيل كما أنزلهما الله تعالى سبحان الله هذا من العجب العجاب ؟ا. أ هـ {روح المعانى حـ 3 صـ 204 ـ 207}\rوقال ابن عاشور :\rقوله تعالى {وَإِنَّ مِنْهُمْ لَفَرِيقًا يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُمْ بِالْكِتَابِ}\rأي من اليهود طائفة تخيل للمسلمين أشياء أنها مما جاء في التوراة ، وليست كذلك ، إما في الاعتذار عن بعض أفعالهم الذميمة ، كقولهم : ليس علينا في الأميين سبيل ، وإما للتخليط على المسلمين حتى يشككوهم فيما يخالف ذلك مما ذكره القرآن ، أو لإدخال الشك عليهم في بعض ما نزل به القرآن ، فاللَّيُّ مجمل ، ولكنه مبين بقوله : { لتحسبوه من الكتاب } وقولِه : { ويقولون هو من عند الله وما هو من عند الله }.","part":14,"page":291},{"id":5984,"text":"واللَّيُّ في الأصل : الإراغة أي إدارة الجسم غير المتصلب إلى غير الصوْب الذي هو ممتدّ إليه : فمن ذلك ليّ الحَبْل ، وليّ العنان للفَرس لإدارته إلى جهة غير صوب سَيره ، ومنه لَيّ العنق ، وليّ الرأس بمعنى الالتفات الشزر والإعراض قال تعالى : { لووا رؤوسهم } [ المنافقون : 5 ].\rواللّي في هذه الآية يحتمل أن يكون حقيقة بمعنى تحريف اللسان عن طريق حرف من حروف الهجاء إلى طريق حرف آخر يقاربه لتعطي الكلمة في أذن السامع جرس كلمة أخرى ، وهذا مثل ما حكى الله عنهم في قولهم \"راعنا\" وفي الحديث من قولهم في السلام على النبي : \"السامُ عليكم\" أي الموت أو \"السِّلام بكسر السين عليك\" وهذا اللّي يشابه الإشمام والاختلاس ومنه إمالة الألف إلى الياء ، وقد تتغير الكلمات بالترقيق والتفخيم وباختلاف صفات الحروف.\rوالظاهر أنّ الكتاب هو التوراة فلعلهم كانوا إذا قرؤوا بعض التوراة بالعربية نطقوا بحروف من كلماتها بينَ بينَ ليوهموا المسلمين معنى غير المعنى المراد ، وقد كانت لهم مقدرة ومِراس في هذا.\rوقريب من هذا ما ذكره المبرّد في الكامل أنّ بعض الأزارقة أعاد بيت عُمر ابن أبي ربيعة في مجلس ابن عباس\r...\r.\rرَأتْ رجلاً أما إذا الشمس عَارَضت\rفيضْحَى وأما بالعشي فيخصر...\rفجعل يضحى يَحْزَى وجعل يَخصر يخسر بالسين لِيشوّه المعنى لأنه غضب من إقبال ابن عباس على سماع شعره.\rوفي الأحاجي والألغاز كثير من هذا كقولهم : إنّ للاّهي إلهاً فوقَه فيقولها أحد بحضرة ناس ولا يشبع كسرة اللاّهي يخالها السامع لله فيظنه كَفَر.\rأو لعلهم كانوا يقرؤون ما ليس من التوراة بالكيفيات أو اللحون التي كانوا يقرؤون بها التوراة ليخيلوا للسامعين أنهم يقرؤون التوراة.","part":14,"page":292},{"id":5985,"text":"ويحتمل أن يكون اللّي هنا مجازَاً عن صرف المعنى إلى معنى آخر كقولهم لوى الحجة أي ألقي بها على غير وجهها ، وهو تحريف الكلم عن مواضعه : بالتأويلات الباطلة ، والأقيسة الفاسدة ، والموضوعات الكاذبة ، وينسبون ذلك إلى الله ، وأياماً كان فهذااللَّيُّ يقصدون منه التمويه على المسلمين لغرض ، حكما فعل ابن صوريا في إخفاء حكم رجم الزاني في التوراة وقوله : نحَمم وجهه.\rوالمخاطب يتحسبوه المسلمون دون النبي صلى الله عليه وسلم أو هو والمسلمون في ظنّ اليهود.\rوجيء بالمضارع في هاته الأفعال : يلوون ، ويَقُولون ، للدلالة على تجدّد ذلك وأنه دأبهم.\rوتكرير الكتاب في الآية مرتين ، واسم الجلالة أيضاً مرتين ، لقصد الاهتمام بالاسمين ، وذلك يجر إلى الاهتمام بالخبر المتعلق بهما ، والمتعلقين به ، قال المرزوقي في شرح الحماسة في باب الأدب عند قول يحيى بن زياد : \rلما رأيت الشيب لاح بياضه\rبمفرق رأسي قلت للشيب مرحبا...\rكان الواجب أن يقول : \"قلت له مرحبا لكنهم يكرّرون الأعلام وأسماء الأجناس كثيراً والقصد بالتكرير التفخيم\" قلت ومنه قول الشاعر : \rلا أرى الموت يسبق الموت شيء\rقهر الموت ذا الغنى والفقيرا...\rوقد تقدم تفصيل ذلك عند قوله تعالى في سورة [ البقرة : 282 ] : { واتقوا اللَّه ويعلمكم اللَّه واللَّه بكل شيء عليم }\rوالقراءة المعروفة يلوون : بفتح التحتية وسكون اللام وتخفيف الواو مضارع لوى ، وذكر ابن عطيّة أنّ أبا جعفر قرأه : يُلَوون بضم ففتح فواو مشدّدة مضارع لوّى بوزن فعل للمبالغة ولم أر نسبة هذه القراءة إلى أبي جعفر في كتب القراءات. أ هـ {التحرير والتنوير حـ 3 صـ 136 ـ 138}\rفصل\rقال العلامة أبو حيان ولله دره : ","part":14,"page":293},{"id":5986,"text":"والذي يظهر أن الليّ وقع بالكتاب أي : بألفاظه لا بمعانيه وحدها كما يزعم بعض الناس ، بل التحريف والتبديل وقع في الألفاظ ، والمعاني تبع للألفاظ ، ومن طالع التوراة علم يقيناً أن التبديل في الألفاظ والمعاني ، لأنها تضمنت أشياء يجزم العاقل أنها ليست من عند الله ، ولا أن ذلك يقع في كتاب إلهي من كثرة التناقض في الأخبار والأعداد ونسبة أشياء إلى الله تعالى من الأكل والمصارعة وغير ذلك ، ونسبة أشياء إلى الأنبياء من الكذب والسكر من الخمر والزنا ببناتهم.\rوغير ذلك من القبائح التي ينزه العاقل نفسه عن أن يتصف بشيء منها ، فضلاً عن منصب النبوة.\rوقد صنف الشيخ علاء الدين علي بن محمد بن خطاب الباجي ، رحمه الله تعالى ، كتاباً في ( السؤالات على ألفاظ التوراة ومعانيه ) ومن طالع ذلك الكتاب رأى فيه عجائب وغرائب ، وجزم بالتبديل لألفاظ التوراة ومعانيها ، هذا مع خلوها من ذكر : الآخرة ، والبعث ، والحشر ، والنشر ، والعذاب والنعيم الأخرويين ، والتبشير برسول الله صلى الله عليه وسلم ، وأين هذا من قوله تعالى { الذين يتبعون الرسول النبيّ الأميّ الذي يجدونه مكتوباً عندهم في التوراة والإنجيل يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر ويحل لهم الطيبات ويحرّم عليهم الخبائث ويضع عنهم إصرهم والأغلال التي كانت عليهم } وقوله تعالى وقد ذكر رسوله وصحابته.\r{ ذلك مثلهم في التوراة }","part":14,"page":294},{"id":5987,"text":"وقد نص تعالى في القرآن على ما يقتضي إخفاءهم لكثير من التوراة ، قال تعالى : { قل من أنزل الكتاب الذي جاء به موسى نوراً وهدى للناس تجعلونه قراطيس تبدونها وتخفون كثيراً } وقال تعالى { يا أهل الكتاب قد جاءكم رسولنا يبين لكم كثيراً مما كنتم تخفون من الكتاب } فدلت هاتان الآيتان على أن الذي أخفوه من الكتاب كثير ، ودل بمفهوم الصفة أن الذي أبدوه من الكتاب قليل. أ هـ {البحر المحيط حـ 2 صـ 527}\rفائدة\rقال الجصاص :\rقَوْله تَعَالَى : { وَإِنَّ مِنْهُمْ لَفَرِيقًا يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُمْ بِالْكِتَابِ } إلَى قَوْله تَعَالَى : { وَمَا هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ } يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْمَعَاصِيَ لَيْسَتْ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ ، وَلَا مِنْ فِعْلِهِ ؛ لِأَنَّهَا لَوْ كَانَتْ مِنْ فِعْلِهِ لَكَانَتْ مِنْ عِنْدِهِ ، وَقَدْ نَفَى اللَّهُ نَفْيًا عَامًّا كَوْنَ الْمَعَاصِي مِنْ عِنْدِهِ ، وَلَوْ كَانَتْ مِنْ فِعْلِهِ لَكَانَتْ مِنْ عِنْدِهِ مِنْ آكَدِ الْوُجُوهِ ، فَكَانَ لَا يَجُوزُ إطْلَاقُ النَّفْيِ بِأَنَّهُ لَيْسَ مِنْ عِنْدِهِ.\rفَإِنْ قِيلَ فَقَدْ يُقَالُ إنَّ الْإِيمَانَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ ، وَلَا يُقَالُ إنَّهُ مِنْ عِنْدِهِ مِنْ كُلِّ الْوُجُوهِ ، كَذَلِكَ الْكُفْرُ وَالْمَعَاصِي.\rقِيلَ لَهُ : لِأَنَّ إطْلَاقَ النَّفْيِ يُوجِبُ الْعُمُومَ وَلَيْسَ كَذَلِكَ إطْلَاقُ الْإِثْبَاتِ ، أَلَا تَرَى أَنَّك لَوْ قُلْت : \" مَا عِنْدَ زَيْدٍ طَعَامٌ \" كَانَ نَفْيًا لِقَلِيلِهِ وَكَثِيرِهِ ، وَلَوْ قُلْت : \" عِنْدَهُ طَعَامٌ \" مَا كَانَ عُمُومًا فِي كَوْنِ جَمِيعِ الطَّعَامِ عِنْدَهُ ؟. أ هـ {أحكام القرآن للجصاص حـ 2 صـ 300}","part":14,"page":295},{"id":5988,"text":"لطيفة\rقال فى الميزان :\rوتكرار لفظ الكتاب ثلاث مرات في الكلام لدفع اللبس فإن المراد بالكتاب الأول هو الذي كتبوه بأيديهم ونسبوه إلى الله سبحانه وبالثاني الكتاب الذي أنزله الله تعالى بالوحي وبالثالث هو الثاني كرر لفظه لدفع اللبس وللإشارة إلى أن الكتاب بما أنه كتاب الله أرفع منزلة من أن يشتمل على مثل تلك المفتريات وذلك لما في لفظ الكتاب من معنى الوصف المشعر بالعلية.\rونظيره تكرار لفظ الجلالة في قوله {ويقولون هو من عند الله وما هو من عند الله} فالمعنى وما هو من عند الله الذي هو إله حقا لا يقول إلا الحق قال تعالى {والحق أقول} وأما قوله ويقولون على الله الكذب وهم يعلمون تكذيب بعد تكذيب لنسبتهم ما اختلقوه من الوحي إلى الله سبحانه فإنهم كانوا يلبسون الأمر على الناس بلحن القول فأبطله الله بقوله {وما هو من الكتاب} ثم كانوا يقولون بألسنتهم هو من عند الله فكذبهم الله أولا بقوله {وما هو من عند الله} وثانيا بقوله {ويقولون على الله الكذب} وزاد في الفائدة أولا أن الكذب من دأبهم وديدنهم وثانيا أن ذلك ليس كذبا صادرا عنهم بالتباس من الأمر عليهم بل هم عالمون به متعمدون فيه. أ هـ {الميزان حـ 3 صـ 83 ـ 84}","part":14,"page":296},{"id":5990,"text":"قوله تعالى {مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُوا عِبَادًا لِي مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ (79)}\rمناسبة الآية لما قبلها\rقال البقاعى : \rولما فرغ من بيان ما أراد من كتمانهم للحق مع الإشارة إلى بعض توابعه إلى أن ختم بأنهم لا يتحاشون من الكذب على الله المقتضي للكذب على الأنبياء صلوات الله وسلامة عليهم ، لأنهم لا علم لهم بقول الله سبحانه وتعالى إلا بواسطة الأنبياء عليهم السلام ، ومهما كان القول كذباً على الله سبحانه وتعالى اقتضى أن يكون تعبداً للمنسوب إليه من دون الله سبحانه وتعالى لأنه هو الذي شرعه ، وذلك موجب لأن يدعي أن النبي دعا إليه عبادته من دون الله سبحانه وتعالى ، وذلك بعد أن اوضح سبحانه وتعالى من صفات عيسى عليه الصلاة والسلام المقتضية لنفي الإلهية عنه ما لا يخفى على ذي لب شرع يبين أنهم كاذبون فيما يدعونه في عيسى عليه الصلاة والسلام ، فنفي أن يكون قال لهم ذلك أو شيئاً منه على وجه شامل له ولكل من اتصف بصفته وبسياق هو بمجرده كاف في إبطال قولهم فقال : {ما كان} أي صح ولا تصور بوجه من الوجوه {لبشر} أي من البشر كائناً من كان من عيسى وعزير عليهما الصلاة والسلام وغيرهما {أن يؤتيه الله} أي المحيط بكل شيء قدرة وعلماً {الكتاب والحكم} أي الحكمة المهيئة للحكم ، وهي العلم المؤيد بالعمل والعمل المتقن بالعلم ، لأن أصلها الإحكام ، وهو وضع الشيء في محله بحيث يمتنع فساده {والنبوة} وهي الخبر من الله سبحانه وتعالى المقتضي لأتم الرفعة ، يفعل الله به ذلك الأمر الجليل وينصبه للدعاء إلى اختصاصه الله بالعبادة وترك الأنداد {ثم} يكذب على الله سبحانه وتعالى بأن {يقول للناس كونوا عباداً لي }.","part":14,"page":297},{"id":5991,"text":"ولما كان ذلك قد يكون تجوزاً عن قبول قوله والمبادرة لامتثال أمره عن الله سبحانه وتعالى احتراز عنه بقوله : {من دون الله} أي المختص بجميع صفات الكمال إذ لا يشك عاقل أن من أوتي نبوة وحكمة - وهو بشر - في غاية البعد عن ادعاء مثل ذلك ، لأن كل صفة من صفاته - لا سيما تغير بشرته الدالة على انفعالاته - مستقلة بالإبعاد عن هذه الدعوى ، فلم يبق لهم مستند ، لا من جهة عقل ولا من طريق نقل ، فصار قول مثل ذلك منافياً للحكمة التي هو متلبس بها ، فصح قطعاً انتقاؤه عنه.\rولما ذكر ما لا يكون له أتبعه ما له فقال : {ولكن} أي يقول {كونوا ربانيين} أي تابعين طريق الرب منسوبين إليه بكمال العلم المزين بالعمل ، والألف والنون زيدتا للإيذان بمبالغتهم في المتابعة ورسوخهم في العلم اللدني ، فإن الرباني هو الشديد التمسك بدين الله سبحانه وتعالى وطاعته ، قال محمد بن الحنفية عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما لما مات : مات رباني هذه الأمة : {بما كنتم تعلمون الكتاب} أي بسبب كونكم عالمين به معلمين له {وبما كنتم تدرسون} فإن فائدة الدرس العلم ، وفائدة العلم العمل ، ومنه الحث على الخير والمراقبة للخالق. أ هـ {نظم الدرر حـ 2 صـ 117 ـ 118}\rوقال الفخر :\rاعلم أنه تعالى لما بيّن أن عادة علماء أهل الكتاب التحريف والتبديل أتبعه بما يدل على أن من جملة ما حرّفوه ما زعموا أن عيسى عليه السلام كان يدعي الإلهية ، وأنه كان يأمر قومه بعبادته فلهذا قال : {مَا كَانَ لِبَشَرٍ} الآية. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 8 صـ 96}\rفصل في سبب نزول الآية\rقال الفخر :\rفي سبب نزول هذه الآية وجوه\rالأول : قال ابن عباس : لما قالت اليهود عزير ابن الله ، وقالت النصارى : المسيح ابن الله نزلت هذه الآية","part":14,"page":298},{"id":5992,"text":"الثاني : قيل إن أبا رافع القرظي من اليهود ورئيس وفد نجران من النصارى قالا لرسول الله صلى الله عليه وسلم : أتريد أن نعبدك ونتخذك رباً ، فقال عليه الصلاة والسلام \" معاذ الله أن نعبد غير الله أو أن نأمر بغير عبادة الله فما بذلك بعثني ؛ ولا بذلك أمرني \" فنزلت هذه الآية\rالثالث : قال رجل يا رسول الله نسلم عليك كما يسلم بعضنا على بعض ، أفلا نسجد لك ؟ فقال عليه الصلاة والسلام : \" لا ينبغي لأحد أن يسجد لأحد من دون الله ، ولكن أكرموا نبيكم واعرفوا الحق لأهله \"\rالرابع : أن اليهود لما ادعوا أن أحداً لا ينال من درجات الفضل والمنزلة ما نالوه ، فالله تعالى قال لهم : إن كان الأمر كما قلتم ، وجب أن لا تشتغلوا باستعباد الناس واستخدامهم ولكن يجب أن تأمروا الناس بالطاعة لله والانقياد لتكاليفه وحينئذ يلزمكم أن تحثوا الناس على الإقرار بنبوّة محمد صلى الله عليه وسلم ، لأن ظهور المعجزات عليه يوجب ذلك ، وهذا الوجه يحتمله لفظ الآية فإن قوله {ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُواْ عِبَادًا لي مِن دُونِ الله} مثل قوله {اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أَرْبَاباً مّن دُونِ الله} [ التوبة : 31 ]. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 8 صـ 96 ـ 97}\rفصل\rقال الفخر : \rاختلفوا في المراد بقوله {مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَن يُؤْتِيهُ الله الكتاب والحكم والنبوة ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُواْ عِبَادًا لّى مِن دُونِ الله} على وجوه\rالأول : قال الأصم : معناه ، أنهم لو أرادوا أن يقولوا ذلك لمنعهم الدليل عليه قوله تعالى : {وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الأقاويل * لأَخَذْنَا مِنْهُ باليمين} [ الحاقه : 44 ، 45 ] قال : {لَقَدْ كِدتَّ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلاً * إِذًا لأذقناك ضِعْفَ الحياة وَضِعْفَ الممات} [ الإسراء : 74 ، 75 ]","part":14,"page":299},{"id":5993,"text":"الثاني : أن الأنبياء عليهم الصلاة والسلام موصوفون بصفات لا يحسن مع تلك الصفات ادعاء الإلهية والربوبية منها أن الله تعالى آتاهم الكتاب والوحي وهذا لا يكون إلا في النفوس الطاهرة والأرواح الطيبة ، كما قال الله تعالى : {الله أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رسالاته} [ الأنعام : 124 ] وقال : {وَلَقَدِ اخترناهم على عِلْمٍ عَلَى العالمين} [ الدخان : 32 ] وقال الله تعالى : {الله يَصْطَفِى مِنَ الملائكة رُسُلاً وَمِنَ الناس} [ الحج : 75 ] والنفس الطاهرة يمتنع أن يصدر عنها هذه الدعوى ، ومنها أن إيتاء النبوّة لا يكون إلا بعد كمال العلم وذلك لا يمنع من هذه الدعوى ، وبالجملة فللإنسان قوتان : نظرية وعملية ، وما لم تكن القوة النظرية كاملة بالعلوم والمعارف الحقيقية ولم تكن القوة العملية مطهرة عن الأخلاق الذميمة لا تكون النفس مستعدة لقبول الوحي والنبوّة ، وحصول الكمالات في القوة النظرية والعملية يمنع من مثل هذا القول والاعتقاد ، \rالثالث : أن الله تعالى لا يشرف عبده بالنبوّة والرسالة إلا إذا علم منه أنه لا يقول مثل هذا الكلام\rالرابع : أن الرسول ادعى أنه يبلغ الأحكام عن الله تعالى ، واحتج على صدقه في هذه الدعوى فلو أمرهم بعبادة نفسه فحينئذ تبطل دلالة المعجزة على كونه صادقاً ، وذلك غير جائز ، ","part":14,"page":300},{"id":5994,"text":"واعلم أنه ليس المراد من قوله {مَا كَانَ لِبَشَرٍ} ذلك أنه يحرم عليه هذا الكلام لأن ذلك محرم على كل الخلق ، وظاهر الآية يدل على أنه إنما لم يكن له ذلك لأجل أن الله آتاه الكتاب والحكم والنبوّة ، وأيضاً لو كان المراد منه التحريم لما كان ذلك تكذيباً للنصارى في ادعائهم ذلك على المسيح عليه السلام لأن من ادعى على رجل فعلاً فقيل له إن فلان لا يحل له أن يفعل ذلك لم يكن تكذيباً له فيما ادعى عليه وإنما أراد في ادعائهم أن عيسى عليه السلام قال لهم : اتخذوني إلها من دون الله فالمراد إذن ما قدمناه ، ونظيره قوله تعالى : {مَّا كَانَ للَّهِ أَن يَتَّخِذَ مِن وَلَدٍ} [ مريم : 35 ] على سبيل النفي لذلك عن نفسه ، لا على وجه التحريم والحظر ، وكذا قوله تعالى : {مَا كَانَ لِنَبِىٍّ أَن يَغُلَّ} [ آل عمران : 161 ] والمراد النفي لا النهي والله أعلم. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 8 صـ 97}\rفصل\rقال الفخر : \rقوله {أَن يُؤْتِيهُ الله الكتاب والحكم والنبوة} إشارة إلى ثلاثة أشياء ذكرها على ترتب في غاية الحسن ، وذلك لأن الكتاب السماوي ينزل أولاً ثم إنه يحصل في عقل النبي فهم ذلك الكتاب وإليه الإشارة بالحكم ، فإن أهل اللغة والتفسير اتفقوا على أن هذا الحكم هو العلم ، قال تعالى : {وآتَيْنَاهُ الحكم صَبِيّاً} [ مريم : 12 ] يعني العلم والفهم ، ثم إذا حصل فهم الكتاب ، فحينئذ يبلغ ذلك إلى الخلق وهو النبوّة فما أحسن هذا الترتيب. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 8 صـ 97 ـ 98}\rقوله تعالى : {ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُواْ عِبَادًا لّى مِن دُونِ الله}\rقال الفخر : \rحكى الواحدي عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال في قوله تعالى : {كُونُواْ عِبَادًا لّى} إنه لغة مزينة يقولون للعبيد عباداً. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 8 صـ 98}","part":14,"page":301},{"id":5995,"text":"قوله تعالى : {ولكن كُونُواْ ربانيين}\rقال الفخر : \rفي هذه الآية إضمار ، والتقدير : ولكن يقول لهم كونوا ربانيين فأضمر القول على حسب مذهب العرب في جواز الاضمار إذا كان في الكلام ما يدل عليه ، ونظيره قوله تعالى : \r{وَأَمَّا الذين اسودت وُجُوهُهُمْ أَكْفَرْتُمْ بَعْدَ إيمانكم} [ آل عمران : 106 ] أي فيقال لهم ذلك. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 8 صـ 98}\rفصل\rقال الفخر : \rذكروا في تفسير ( الرباني ) أقوالاً\rالأول : قال سيبويه : الرباني المنسوب إلى الرب ، بمعنى كونه عالماً به ، ومواظباً على طاعته ، كما يقال : رجل إلهي إذا كان مقبلاً على معرفة الإله وطاعته وزيادة الألف والنون فيه للدلالة على كمال هذه الصفة ، كما قالوا : شعراني ولحياني ورقباني إذا وصف بكثرة الشعر وطول اللحية وغلظ الرقبة ، فإذا نسبوا إلى الشعر قالوا : شعري وإلى الرقبة رقبي وإلى اللحية لحيي\rوالثاني : قال المبرّد {الربانيون} أرباب العلم وأحدهم رباني ، وهو الذي يرب العلم ويرب الناس أي : يعلمهم ويصلحهم ويقوم بأمرهم ، فالألف والنون للمبالغة كما قالوا : ربان وعطشان وشبعان وعريان ، ثم ضمت إليه ياء النسبة كما قيل : لحياني ورقباني قال الواحدي : فعلى قول سيبويه الرباني : منسوب إلى الرب على معنى التخصيص بمعرفة الرب وبطاعته ، وعلى قول المبرد {الرباني} مأخوذ من التربية\rالثالث : قال ابن زيد : الرباني.","part":14,"page":302},{"id":5996,"text":"هو الذي يرب الناس ، فالربانيون هم ولاة الأمة والعلماء ، وذكر هذا أيضاً في قوله تعالى : {لَوْلاَ ينهاهم الرباانيون والأحبار} [ المائدة : 63 ] أي الولاة والعلماء وهما الفريقان اللذان يطاعان ومعنى الآية على هذا التقدير : لا أدعوكم إلى أن تكونوا عباداً لي ، ولكن أدعوكم إلى أن تكونوا ملوكاً وعلماء باستعمالكم أمر الله تعالى ومواظبتكم على طاعته ، قال القفال رحمه الله : ويحتمل أن يكون الوالي سمي ربانياً ، لأنه يطاع كالرب تعالى ، فنسب إليه\rالرابع : قال أبو عبيدة أحسب أن هذه الكلمة ليست بعربية إنما هي عبرانية ، أو سريانية ، وسواء كانت عربية أو عبرانية ، فهي تدل على الإنسان الذي علم وعمل بما علم ، واشتغل بتعليم طرق الخير. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 8 صـ 98}\rقال الطبرى :\rوأولى الأقوال عندي بالصواب في\"الربانيين\" أنهم جمع\"رباني\" ، وأن\"الرباني\" المنسوب إلى\"الرَّبَّان\" ، الذي يربُّ الناسَ ، وهو الذي يُصْلح أمورهم ، و\"يربّها\" ، ويقوم بها ، ومنه قول علقمة بن عبدة :\rوَكُنْتُ امْرَأً أَفْضَتْ إلَيْكَ رِبَابَتي... وَقَبْلَكَ رَبَّتْني ، فَضِعْتُ ، رُبُوبُ\rيعني بقوله : \"ربتني\" : ولي أمري والقيامَ به قبلك من يربه ويصلحه ، فلم يصلحوه ، ولكنهم أضاعوني فضعتُ.\rيقال منه : \"رَبَّ أمري فلان ، فهو يُربُّه رَبًّا ، وهو رَابُّه\". فإذا أريد به المبالغة في مدْحه قيل : \"هو ربّان\" ، كما يقال : \"هو نعسان\" من قولهم : \"نعَس يَنعُس\". وأكثر ما يجيء من الأسماء على\"فَعْلان\" ما كان من الأفعال ماضيه على\"فَعِل\" مثل قولهم : \"هو سكران ، وعطشان ، وريان\" من\"سَكِر يسكَر ، وعطِش يعطَش ، ورَوي يرْوَى\". وقد يجيء مما كان ماضيه على\"فَعَل يَفعُل\" ، نحو ما قلنا من\"نَعَس يَنعُس\" و\"ربَّ يَرُبّ\".","part":14,"page":303},{"id":5997,"text":"فإذا كان الأمر في ذلك على ما وصفنا وكان\"الربَّان\" ما ذكرنا ، و\"الربّاني\" هو المنسوب إلى من كان بالصفة التي وصفتُ وكان العالم بالفقه والحكمة من المصلحين ، يَرُبّ أمورَ الناس ، بتعليمه إياهم الخيرَ ، ودعائهم إلى ما فيه مصلحتهم وكان كذلك الحكيمُ التقيُّ لله ، والوالي الذي يلي أمور الناس على المنهاج الذي وَليه المقسطون من المصْلحين أمورَ الخلق ، بالقيام فيهم بما فيه صلاحُ عاجلهم وآجلهم ، وعائدةُ النفع عليهم في دينهم ، ودنياهم كانوا جميعًا يستحقون أن [يكونوا] ممن دَخل في قوله عز وجل : \"ولكن كونوا ربانيين\" .\rف\"الربانيون\" إذًا ، هم عمادُ الناس في الفقه والعلم وأمور الدين والدنيا. ولذلك قال مجاهد : \"وهم فوق الأحبار\" ، لأن\"الأحبارَ\" هم العلماء ، و\"الرباني\" الجامعُ إلى العلم والفقه ، البصرَ بالسياسة والتدبير والقيام بأمور الرعية ، وما يصلحهم في دُنياهم ودينهم. أ هـ {تفسير الطبرى حـ 6 صـ 543 ـ 544}\rوقال ابن عطية :\rفجملة ما يقال في الرباني إنه العالم بالرب والشرع المصيب في التقدير من الأقوال والأفعال التي يحاولها في الناس. أ هـ {المحرر الوجيز حـ 1 صـ 462}\rقوله تعالى : {بِمَا كُنتُمْ تُعَلّمُونَ الكتاب وَبِمَا كُنتُمْ تَدْرُسُونَ}\rفصل\rقال الفخر :","part":14,"page":304},{"id":5998,"text":"( ما ) في القراءتين ، هي التي بمعنى المصدر مع الفعل ، والتقدير : كونوا ربانيين بسبب كونكم عالمين ومعلمين وبسبب دراستكم الكتاب ، ومثل هذا من كون ( ما ) مع الفعل بمعنى المصدر قوله تعالى : {فاليوم ننساهم كَمَا نَسُواْ لِقَاء يَوْمِهِمْ هذا} [ الأعراف : 51 ] وحاصل الكلام أن العلم والتعليم والدراسة توجب على صاحبها كونه ربانياً والسبب لا محالة مغاير للمسبب ، فهذا يقتضي أن يكون كونه ربانياً ، أمراً مغايراً لكونه عالماً ، ومعلماً ، ومواظباً على الدراسة ، وما ذاك إلا أن يكون بحيث يكون تعلمه لله ، وتعليمه ودراسته لله ، وبالجملة أن يكون الداعي له إلى جميع الأفعال طلب مرضاة الله ، والصارف له عن كل الأفعال الهرب عن عقاب الله ، وإذا ثبت أن الرسول يأمر جميع الخلق بهذا المعنى ثبت أنه يمتنع منه أن يأمر الخلق بعبادته ، وحاصل الحرف شيء واحد ، وهو أن الرسول هو الذي يكون منتهى جهده وجده صرف الأرواح والقلوب عن الخلق إلى الحق ، فمثل هذا الإنسان كيف يمكن أن يصرف عقول الخلق عن طاعة الحق إلى طاعة نفسه.\rوعند هذا يظهر أنه يمتنع في أحد من الأنبياء صلوات الله عليهم أن يأمر غيره بعبادته. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 8 صـ 99}\rفوائد لغوية\rقال ابن عادل :\rقوله : { أَن يُؤْتِيهُ } اسم \" كَانَ \" و\" الْبَشَر \" خبرها. وقوله : { ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ } عطف على \" يُؤتيهُ \" ، وهذا العطفُ لازم من حيث المعنى ؛ إذ لو سكت عنه لم يصحّ المعنى ؛ لأن الله - تعالى - قد آتى كثيراً من البشر الكتابَ والحُكْمَ والنبوةَ ، وهذا كما يقولون - في بعض الأحوال والمفاعيل- : إنها لازمة فلا غرو - أيضاً - في لزوم المعطوف.","part":14,"page":305},{"id":5999,"text":"وإنما بينا هذا ؛ لأجل قراءة تأتي - إن شاء اله تعالى - ومعنى مجيء هذا النَّفي في كلام العرب ، نحو : \" ما كان لزيد أن يفعل \" ، كقوله تعالى : { مَّا يَكُونُ لَنَآ أَن نَّتَكَلَّمَ بهذا } [ النور : 16 ]. وقوله : { وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَن يَقْتُلَ مُؤْمِناً إِلاَّ خَطَئاً } [ النساء : 92 ] وقوله : { مَا كَانَ للَّهِ أَن يَتَّخِذَ مِن وَلَدٍ } [ مريم : 35 ] أي : ما ينبغي لنا ، ونحوه بنفي الكون والمراد نفي خبره ، وهو على قسمين : \rقسم يكون النفي فيه من جهة العقل ؛ ويُعَبَّر عنه بالنفي التام - كهذه الآية - لأن الله - تعالى - لا يُعْطي الكتاب بالحكم والنبوة لمن يقول هذه المقالة الشنعاء ، ونحوه : { مَّا كَانَ لَكُمْ أَن تُنبِتُواْ شَجَرَهَا } [ النمل : 60 ] وقوله : { وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلاَّ بِإِذْنِ الله } [ آل عمران : 145 ].\rوقسم يكون النفي فيه على سبيل الانتفاء ، كقول أبي بكر : ما كان لابن أبي قحافة أن يتقدم فيصلي بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم ويُعْرَف القسمان من السياق.\rوقرأ العامة \" يَقُولَ \" - بالنصب - نسقاً على \" يؤتيه \" والتقدير : لا يجتمع النبوة وهذا القول. والعامل فيه \" أن \" وهو معطوف عليه بمعنى : ثم أن يقول.\rوالمراد بالحكم : الفَهْم والعلم. وقيل : إمضاء الحكم عن الله - عز وجل-.\rو { الكتاب } القرآن.\rوقرأ ابن كثير - في رواية شبل بن عباد - وأبو عمرو - في رواية محبوب- : \" يقولُ \" - بالرفع - وخرَّجوها على القطع والاستئناف ، وهو مُشْكِلٌ ؛ لما تقدم من أن المعنى على لزوم ذكر هذا المعطوف ؛ إذْ لا يستقلّ ما قبله ؛ لفساد المعنى ، فكيف يقولون : على القطع والاستئناف.","part":14,"page":306},{"id":6000,"text":"قوله : { عِبَادًا } حكى الواحديُّ - عن ابن عباسٍ - أنه قال في قوله تعالى : { كُونُواْ عِبَاداً لِّي } أنه لغة مزينة ويقولون للعبيد : عباد.\rقال ابنُ عطِية : ومن جموعه : عَبِيد وعِبِدَّى.\rقال بعض اللغويين : هذه الجموع كلُّها بمعنًى.\rوقال بعضهم : العبادُ للهِ ، والعبيدُ والعِبِدَّى للبشر.\rوقال بعضهم : العِبِدَّى إنما تقال في العبد من العَبيد ، كأنه مبالغة تقتضي الإغراق في العبودية ، والذي استقرأت في لفظ \" العباد \" أنه جَمْع عَبْد متى سيقت اللفظة في مضمار الترفُّع والدلالة على الطاعة دون أن يقترن بها معنى التحقير ، وتصغير الشأن ، وانظر قوله : { والله رَؤُوفٌ بالعباد } { بَلْ عِبَادٌ مُّكْرَمُونَ } [ الأنبياء : 26 ] وقوله : { قُلْ ياعبادي الذين أَسْرَفُواْ على أَنفُسِهِمْ } [ الزمر : 53 ] وقول عيسى في معنى الشفاعة والتعريض { إِن تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ } [ المائدة : 118 ] ، وأما العبيد ، فتستعمل في تحقيره.\rومنه قول امرئ القيس : \rقُولاَ لِدُودَانَ عَبِيدِ العَصَا... مَا غَرَّكُمْ بِالأسَدِ الْبَاسِلِ\rوقال حمزة بن عبد المطلب : \" وَهَلْ أنْتُمْ إلاَّ عَبِيدٌ لأبِي \" ؟ ومنه قوله : { وَمَا رَبُّكَ بِظَلاَّمٍ لِّلْعَبِيدِ } [ فصلت : 46 ] لأنه مكان تشفيق وإعلام بقلة أنصارهم ومقدرتهم ، وأنه - تعالى - ليس بظلامٍ لهم مع ذلك. ولما كانت \" العباد \" تقتضي الطاعة لم تقع هنا ، ولذلك أتى بها في قوله تعالى : { قُلْ ياعبادي الذين أَسْرَفُواْ على أَنفُسِهِمْ } [ الزمر : 53 ] فهذا النوع من النظر يسلك به سبيل العجائب في فصاحة القرآن على الطريقة العربية.","part":14,"page":307},{"id":6001,"text":"قال أبو حيّان : \" وفيه بعض مناقشة ، أما قوله : ومن جموعه عَبِيد وعِبِدَّى ، فأما عبيد ، فالأصح أنه جمع ، وقيل اسم جمع. وأما عِبِدَّى فإنه اسم جمع ، وألفه للتأنيث \".\rقال شهابُ الدّينِ : \" لا مناقشة ، فإنه إنما يعني جَمْعاً معنويًّا ، ولا شك أن اسمَ الجمع جَمْعٌ معنويٌّ \".\rقال : وأما ما استقرأه من أن \" عِباداً \" يساق في [ مضمار ] الترفُّع والدلالة على الطاعة ، دون أن يقترن بها معنى التحقير والتصغير ، وإيراده ألفاظاً في القرآن بلفظ \" العباد \" وأما قوله : وأما العبيد ، فيستعمل في تحقيره - وأنشد بيت امرئ القيس ، وقول حمزة : \" وهل أنتم إلا عبيد أبي \" ، وقوله تعالى : { وَمَا رَبُّكَ بِظَلاَّمٍ لِّلْعَبِيدِ } [ فصلت : 46 ] فاستقراء ليس بصحيح ، إنما كثر استعمال \" عباد \" دون \" عبيد \" لأن \" فعالاً \" في جمع \" فَعْل \" غير الياء والعين قياس مُطَّردٌ ، وجمع فَعْل على \" فعيل \" لا يطَّرد.","part":14,"page":308},{"id":6002,"text":"قال سيبويه : \" وربما جاء \" فعيلاً \" وهو قليل - نحو الكليب والعبيد \". فلما كان \" فِعَال \" مقيساً في جمع \" عبد \" جاء \" عباد \" كثيراً ، وأما { وَمَا رَبُّكَ بِظَلاَّمٍ لِّلْعَبِيدِ } [ فصلت : 46 ] فحسَّنَ مجيئه هنا - وإن لم يكن مقيساً - أنه جحاء لتواخي الفواصل ، ألا ترى أن قبله : { أولئك يُنَادَوْنَ مِن مَّكَانٍ بَعِيدٍ } [ فصلت : 44 ] وبعده { قالوا آذَنَّاكَ مَا مِنَّا مِن شَهِيدٍ } [ فصلت : 47 ] فحَسَّنَ مجيئه بلفظ العبيد مؤاخاة هاتين الفاصلتين. ونظير هذا - في سورة ق - { وَمَآ أَنَاْ بِظَلاَّمٍ لِّلْعَبِيدِ } [ ق : 29 ] لأن قبله : { وَقَدْ قَدَّمْتُ إِلَيْكُم بالوعيد } [ ق : 28 ]. وبعده : { يَوْمَ نَقُولُ لِجَهَنَّمَ هَلِ امتلأت وَتَقُولُ هَلْ مِن مَّزِيدٍ } [ ق : 30 ] وأما مدلوله فمدلول \" عباد \" سواء ، وأما بيت امرئ القيس فلم يُفْهَم التحقير من لفظ \" عبيد \" إنما فُهم من إضافتهم إلى العصا ، ومن مجموع البيت. وكذلك قول حمزةَ : هل أنتم إلا عبيد ؟ إنما فهم التحقير من قرينة الحال التي كان عليها ، وأتى في البيت وفي قول حمزة على أحد الجائزين.\rوقال شهابُ الدينِ : \" رده عليه استقراءه من غير إثباته ما يجرِّم الاستقراء مردود ، وأما ادِّعاؤه أن التحقير مفهوم من السياق - دون لفظ - \" عبيد \" - ممنوع ؛ لأنه إذا دار إحالة الحكم بين اللفظ وغيره ، فالإحالة على اللفظ أوْلَى \".\rقوله : \" لي \" صفة لـ \" عباد \". و{ مِن دُونِ الله } متعلق بلفظ \" عِبَاداً لما فيه من معنى الفعل ، ويجوز أن يكون صفة ثانية ، وأن يكون حالاً ؛ لتخصُّص النكرة بالوصف.","part":14,"page":309},{"id":6003,"text":"قوله : { ولكن كُونُواْ } أي : ولكن يقول : كونوا ، فلا بد من إضمار القول هنا ، ومذهب العرب جواز الإضمار إذا كان في الكلام ما يدل عليه ، كقوله تعالى : { فَأَمَّا الذين اسودت وُجُوهُهُمْ أَكْفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ } [ آل عمران : 106 ] أي : يقال لهم ذلك.\rوالربانيون : جمع رَبَّانِيّ ، وفيه قولان : \rأحدهما : قال سيبَوَيْهِ : إنه منسوب إلى الرَّبّ ، يعني كونه عالماً به ، ومواظباً على طاعته ، كما يُقال : رجل إلهيّ إذا كان مقبلاً على معرفة الإلهِ وطاعتِهِ ، والألف والنونُ فيه زائدتان في النسبِ ، دلالةٌ على المبالغة كرقباني وشَعراني ، ولِحْيَاني - للغليظِ الرقبةِ ، والكثيرِ الشعرِ ، والطويلِ اللحيةِ - ولا تُفرد هذه الزيادة عن النسب أما إذا نسبوا إلى الرقبة والشعر واللحية - من غير مبالغة : قالوا : رَقَبيّ وشَعْرِيّ ولحويّ.\rالثاني : قال المُبَرِّدُ : الربانيون : أرباب العلم ، منسوب إلى رَبَّان ، والربان : هو المُعَلِّم للخير ، ومَن يوسوس للناس ويعرِّفُهم أمرَ دينهم ، فالألف والنون والتاء على زيادة الوصف ، كهي في عطشان وريان وجوعان ووسنان ، ثم ضمت إليه ياء النسب - كما قيل : لحيانيّ ورقبانيّ - وتكون النسبة - على هذا - في الوصف نحو أحمري ، قال : [ الرجز ]\rأطَرَباً وَأنتَ قِنَّسْرِيُّ... وَالدَّهْرُ بِالإنْسَانِ دَوَّارِيُّ\rوقال سيبويه : زادوا ألفاً ونوناً في الربانيّ ؛ لأنهم أرادوا تخصيصاً بعلم الرَّبِّ دون غيره من العلوم ، وهذا كما يقال : شعرانيّ ولحيانيّ ورقبانيّ.\rقال الواحديُّ : فعلى قول سيبويه الرباني منسوب إلى الربِّ مأخوذٌ من التربية.\rوفي التفسير : كونوا فقهاء ، علماء ، عاملين. قاله عليٌّ وابن عباس والحسنُ.","part":14,"page":310},{"id":6004,"text":"وقال قتادةُ : حكماء ، علماء وقال سعيد بن جبير عن ابن عباس : فقهاء ، معلمين.\rوقل عطاءٌ : علماء ، حكماء ، نصحاء لله في خلقه.\rوقيل : الرَّبَّانِيّ : الذي يُربِّي الناسَ بصغار العلم قَبل كِباره.\rوقال سعيد بن جُبَيرٍ : الرباني : العالم الذي يعمل بعلمه.\rوقيل : الربانيون فوق الأحبار ، والأحبارُ : العلماء ، والربانيون : الذين جمعوا مع العلم البصارة لسياسة الناس ، ولما مات ابنُ عبَّاسٍ قال محمدُ بنُ الحنفيةَ : اليوم مات رَبَّانِيُّ هذه الأمة.\rوقال ابنُ زيدٍ : الربانيُّ : هو الذي يربُّ النَّاسَ ، والربانيون هم : ولاة الأمة والعلماء ، وذكروا هذا - أيضاً - في قوله تعالى : { لَوْلاَ يَنْهَاهُمُ الربانيون والأحبار } [ المائدة : 63 ] أي : الولاة والعلماء ، وهما الفريقان اللذان يطاعان.\rومعنى الآية - على هذا التقدير - لا أدعوكم إلى أن تكونوا عباداً لي ، ولكن أدعوكم إلى أن تكونوا ملوكاً وعلماء باستعمالكم أمر الله تعالى ، ومواظبتكم على طاعته.\rقال القفال : يحتمل أن يكون الوالي ، سُمِّي ربانيًّا ؛ لأنه يُطاع كالربِّ ، فنسب إليه.\rقال أبو عبيدة : أحسب أن هذه الكلمة ليست بعربيةٍ ، إنما هي عبرانية ، أو سريانية ، وسواء كانت عبرانية ، أو سريانية ، أو عربية فهي تدل على الإنسان الذي عَلِمَ وعَمِلَ بما عَلِم ، ثم اشتغل بتعليم الخيرِ.\rقوله : { بِمَا كُنْتُمْ } الباء سببية ، أي : كونوا علماء بسبب كَوْنِكُمْ ، وفي متعلق هذه الباء ثلاثة أقوالٍ : \rأحدها : أنها متعلقة بـ \" كُونُوا \" ذكره أبو البقاء ، والخلاف مشهورٌ.\rالثاني : أن تتعلق بـ \" رَبَّانِيِّينَ \" لأن فيه معنى الفعل.","part":14,"page":311},{"id":6005,"text":"الثالث : أن تتعلق بمحذوف على أنها صفة لـ \" رَبَّانِيِّينَ \" ذكره أبو البقاء ، وليس بواضح المعنى ، و\" ما \" مصدرية ، فتكون مع الفعل بتأويل المصدر ، أي : بسبب كونكم عالمينَ ، نظيره قوله : { اليوم نَنسَاكُمْ كَمَا نَسِيتُمْ } [ الجاثية : 34 ]. وظاهر كلام أبي حيان أنه يجوز أن تكون غير ذلك ؛ فإنه قال : و\" ما \" الظاهر أنها مصدرية ، فهذا يوم تجويز غير ذلك - وفي جوازه بُعْد - وهو أن تكون موصولة ، وحينئذ تحتاج إلى عائد وهو مقدر ، أي بسبب الذي تعلمون به الكتاب ، وقد نقص شرطٌ ، وهو اتحاد المتعلَّق ، فلذلك لم يظهر جعلها غير مصدرية. و\" كُنْتُمْ \" معناه \" أنتم \" كقوله : { مَن كَانَ فِي المهد صَبِيّاً } [ مريم : 29 ] أي مَنْ هو في المهد.\rقوله : { تَعْلَمُونَ } قرأ نافعٌ وابنُ كثير وأبو عمرو \" تَعْلَمُونَ \" مفتوح حرف المضارعة ، ساكن العين مفتوح اللام من عَلِم يَعْلَم ، أي : تعرفون ، فيتعدى لواحدٍ ، وباقي السبعة بضم حرف المضارعة ، وفتح العين وتشديد اللام مكسورةً ، فيتعدى لاثنين ، أولهما محذوف ، تقديره : تُعَلِّمُونَ الناسَ والطالبين الكتاب.\rويجوزُ أن لا يُراد مفعول ، أي : كنتم من أهل التعليم ، وهو نظير : أطعم الخبزَ ، المقصود الأهم إطعام الخُبْز من غير نظرٍ إلى مَنْ يُطْعمُه ، فالتضعيف فيه للتعدية.\rوقد رجح جماعة هذه القراءة على قراءة نافع ، بأنها أبلغ ؛ وذلك أن كل مُعَلِّم عالم ، وليس كُلُّ عالمٍ معلماً ، فالوصْف بالتعليم أبلغ ، وبأن قبله ذِكْرَ الربانيين ، والرباني يقتضي أن يَعْلَم ، ويُعَلَّمَ غيرَه ، لا أن يقتصر بالعلم على نفسه.","part":14,"page":312},{"id":6006,"text":"ورجح بعضُهم الأولى بأنه لم يُذْكَر إلا مفعول واحدٌ ، والأصل عدم الحذف - والتخفيف مُسوَّغ لذلك ، بخلاف التشديد ، فإنه لا بدّ من تقدير مفعول. وأيضاً فهو أوفق لِ \" تَدْرُسُونَ \". والقراءتان متواترتان ، فلا ينبغي ترجيحُ إحداهما على الأخْرى.\rوقرأ الحسن ومجاهدٌ \" تَعَلَّمُونَ \" - بفتح التاء والعين ، واللام مشددة - من تعلم ، والأصل تتعلمون - بتاءين - فحُذِفَتْ إحداهما.\rقوله : { وَبِمَا كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ } كالذي قبله ، والعامة على \" تَدْرُسُونَ بفتح التاء ، وضم الراء - من الدرس ، وهو مناسب \" تَعْلَمُونَ \" من علم - ثلاثياً.\rقال بعضهم : كان حق من يقرأ \" تُعَلِّمون \" - بالتشديد - أن يقرأ \" تُدَرِّسُونَ \" - بالتشديد وليس بلازمٍ ؛ إذ المعنى : صرتم تُعَلِّمون غيرَكم ، ثم تُدَرِّسُونَ ، وبما كنتم تدرسون عليهم - أي : تتلونه عليهم ، كقوله : { لِتَقْرَأَهُ عَلَى الناس } [ الإسراء : 6 ].\rقال أبو حَيْوَةَ - في إحدى الرواتين عنه - \" تَدْرِسُونَ \" - بكسر الراء - وهي لغة ضعيفة ، يقال : دَرَس العلم يدرسه - بكسر العين في المضارع - وهما لغتان في مضارع \" درس \" وقرأ هو - أيضاً - في رواية \" تُدَرِّسُونَ \" من درَّس - بالتشديد - وفيه وجهان : \rأحدهما : أن يكون التضعيف فيه للتكثير موافقاً لقراءة \" تَعْلَمُونَ \" بالتخفيف.\rالثاني : أن التضعيف للتعدية ، ويكون المفعولان محذوفين ؛ لغهم المعنى ، والتقدير : تُدَرِّسُونَ غيركم العلم ، أي : تحملونهم على الدرس. وقُرِئَ \" تُدْرِسُونَ \" من أدرس - كيكرمون من أكرم - على أن أفعل بمعنى فعل - بالتشديد - فأدرس ودرّس واحد كأكرم وكرّم ، وأنزل ونزّل.","part":14,"page":313},{"id":6007,"text":"والدرس : التكرار والإدمان على الشيء. ومنه : درس زيد الكتاب والقرآن ، يدرُسه ويدرِسه ، أي : كرر عليه ، ويقال درست الكتاب ، أي : تناولت أثره بالحفظ ، ولما كان ذلك بمداومة القرآن عبر عن إدامة القرآن بالدرس. ودَرَس المنزلُ : ذهب أثرُه ، وطلَلٌ عافٍ ودارس بمعنًى. أ هـ {تفسير ابن عادل حـ 5 صـ 345 ـ 350}\rمن فوائد ابن عاشور فى الآية\rقال رحمه الله :\rوقوله : { ما كان لبشر } نفي لاستحقاق أحد لذلك القول واللام فيه للاستحقاق.\rوأصل هذا التركيب في الكلام ما كان فُلان فاعلاً كذا ، فلما أريدت المبالغة في النفي عدل عن نفي الفعل إلى نفي المصدر الدال على الجنس ، وجعل نفي الجنس عن الشخص بواسطة نفي الاستحقاق إذ لا طريقة لِحمل اسم ذات على اسم ذات إلاّ بواسطة بعض الحروف ، فصار التركيب : ما كان له أن يفعل ، ويقال أيضاً : ليس له أن يفعل ، ومثل ذلك في الإثبات كقوله تعالى : { إن لك ألا تجوع فيها ولا تعرى } [ طه : 118 ].\rفمعنى الآية : ليس قولُ { كونوا عباداً لي } حقاً لبشر أيِّ بشر كان.\rوهذه اللام هي أصل لام الجحود التي في نحو { وما كان الله ليعذّبهم } [ الأنفال : 33 ] ، فتراكيب لام الجحود كلّها من قبيل قلب مثل هذا التركيب لقصد المبالغة في النفي ، بحيث ينفى أن يكون وجود المسند إليه مجعولاً لأجل فِعْل كذا ، أي فهو بريء منه بأصل الخلقة ولذلك سميت جحوداً.\rوالمنفي في ظاهر هذه الآية إيتاء الحكم والنبوءة ، ولكن قد علم أنّ مصبّ النفي هو المعطوف من قوله : { ثم يقول للناس كونوا عباداً لي } أي ما كان له أن يقول كونوا عباداً لي إذا آتاه الله الكتاب إلخ.","part":14,"page":314},{"id":6008,"text":"والعباد جمع عبد كالعبيد ، وقال ابن عطية : \"الذي استقريت في لفظ العباد أنه جمع عبد لا يقصد معه التحقير ، والعبيد يقصد منه ، ولذلك قال تعالى : \"يا عبادي\" وسمّت العرب طوائف من العرب سكنوا الحِيرة ودخلوا تحت حكم كِسرى بالعباد ، وقيل لأنهم تنصّروا فسموْهم بالعباد ، بخلاف جمعه على عَبيد كقولهم : هم عبيد العَصا ، وقال حمزةُ بنُ المطلب هل أنتم إلاّ عبيدٌ لأبي ومنه قول الله تعالى : { وما ربك بظلام للعبيد } [ فصلت : 46 ] ؛ لأنّه مكان تشفيق وإعْلام بقلة مقدرتهم وأنه تعالى ليس بظلاّم لهم مع ذلك ، ولما كان لفظة العباد تقتضي الطاعة لم تقع هنا ، ولذلك آنس بها في قوله تعالى : { قل ياعبادي الذين أسرفوا على أنفسهم } [ الزمر : 53 ] فهذا النوع من النظر يُسلك به سُبل العجائب في ميزة فصاحة القرآن على الطريقة العربية السلبية\". أهـ.\rوقوله : { من دون الله } قيد قصد منه تشنيع القول بأن يكونوا عباداً للقائل بأنّ ذلك يقتضي أنهم انسلخوا عن العبودية لله تعالى إلى عبودية البشر ، لأنّ حقيقة العبودية لا تقبل التجزئة لمعبودين ، فإنّ النصارى لما جعلوا عيسى ربّاً لهم ، وجعلوه ابناً للَّه ، قد لزمهم أنهم انخلعوا عن عبودية الله فلا جدوى لقولهم : نحن عبد الله وعبيدُ عيسى ، فلذلك جعلت مقالتُهم مقتضية أنّ عيسى أمرهم بأن يكونوا عباداً له دون الله ، والمعنى أنّ لآمِر بأن يكون الناس عباداً له هو آمر بانصرافهم عن عبادة الله.\r{ ولكن كونوا ربانيين } أي ولكن يقول كونوا ربانيين أي كونوا منسوبين للربّ ، وهو الله تعالى ، لأنّ النسب إلى الشيء إنما يَكون لمزيد اختصاص المنسوب بالمنسوب إليه.\rومعنى ذلك أن يَكونوا مخلصين لله دون غيره.\rوالربّاني نسبة إلى الرب على غير قياس كما يقال اللِّحياني لعظيم اللحية ، والشَّعراني لكثير الشعرَ.","part":14,"page":315},{"id":6009,"text":"وقوله : { بما كنتم تعلمون الكتاب } أي لأنّ علمكم الكتاب من شأنه أن يصدّكم عن إشراك العبادة ، فإنّ فائدة العلم العمل. أ هـ {التحرير والتنوير حـ 3 صـ 139 ـ 140}\rوقال ابن عطية :\rوقوله تعالى : { ما كان لبشر } معناه لأحد من الناس ، والبشر اسم جنس يقع للكثير والواحد ولا مفرد له من لفظه ، وهذا الكلام لفظه النفي التام كقول أبي بكر رضي الله عنه : ما كان لابن أبي قحافة أن يصلي بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وإنما يعلم مبلغها من النفي بقرينة الكلام الذي هي فيه ، كقوله تعالى : { وما كان لنفس أن تموت إلا بإذن الله } [ آل عمران : 145 ] وقوله تعالى : { ما كان لكم أن تنبتوا شجرها } [ النحل : 60 ] فهذا منتف عقلاً ، وأما آيتنا هذه فإن النفي على الكمال لأنّا نقطع أن الله تعالى لا يؤتي النبوة للكذبة والمدعين ، و{ الكتاب } في هذه الآية اسم جنس ، و{ الحكم } بمعنى الحكمة ، ومنه قول النبي عليه السلام : إن من الشعر لحكماً ، و{ ثم } في قوله تعالى : { ثم يقول } معطية تعظيم الذنب في القول ، بعد مهلة من هذا الإنعام ، وقوله { عباداً } هو جمع عبد ، ومن جموعه عبيد وعبدى ، قال بعض اللغويين ، وهذه الجموع بمعنى ، وقال قوم ، العباد لله ، العبيد والعبدى للبشر ، وقال قوم : العبدى ، إنما تقال في العبيد بني العبيد ، وكأنه بناء مبالغة ، تقتضي الإغراق في العبودية.","part":14,"page":316},{"id":6010,"text":"قال القاضي أبو محمد : والذي استقريت في لفظة العباد ، أنه جمع عبد متى سيقت اللفظة في مضمار الترفيع والدلالة على الطاعة دون أن يقترن بها معنى التحقير وتصغير الشأن وانظر قوله تعالى : { والله رؤوف بالعباد } [ البقرة : 207 ] [ آل عمران : 30 ] و{ عباد مكرمون } [ الأنبياء : 26 ] { يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله } [ الزمر : 53 ] وقول عيسى في معنى الشفاعة والتعريض لرحمة الله { إن تعذبهم فإنهم عبادك } [ المائدة : 118 ] فنوه بهم ، وقال بعض اللغويين : إن نصارى الحيرة وهم عرب لما أطاعوا كسرى ودخلوا تحت أمره سمتهم العرب العباد فلم ينته بهم إلى اسم العبيد ، وقال قوم بل هم قوم من العرب من قبائل شتى اجتمعوا وتنصروا وسموا أنفسهم العباد كأنه انتساب إلى عبادة الله ، وأما العبيد فيستعمل في تحقير ، ومنه قول امرىء القيس : [ السريع ].\rقُولا لِدُوَدان عبيدِ العَصَى... مَا غَرَّكُمْ بالأَسَد الباسلِ\rومنه قول حمزة بن عبد المطلب : وهل أنتم إلا عبيد ومنه قول الله تعالى : { وما ربك بظلاّم للعبيد } [ فصلت : 46 ] لأنه مكان تشفيق وإعلام بقلة انتصارهم ومقدرتهم ، وأنه تعالى ليس بظلاّم لهم مع ذلك ، ولما كانت لفظة العباد تقتضي الطاعة لم تقع هنا ، ولذلك أنس بها في قوله تعالى : { قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم } [ الزمر : 53 ].\rقال الإمام أبو محمد : فهذا النوع من النظر يسلك به سبل العجائب في ميزة فصاحة القرآن العزيز على الطريقة العربية السليمة ، ومعنى قوله : { كونوا عباداً لي من دون الله } اعبدوني واجعلوني إلهاً.","part":14,"page":317},{"id":6011,"text":"واختلف المفسرون إلى من هي الإشارة بقوله تعالى : { ما كان لبشر } فقال النقاش وغيره : الإشارة إلى عيسى عليه السلام ، والآية رادة على النصارى الذين قالوا : عيسى إله ، وادعوا أن عبادته هي شرعة ومستندة إلى أوامره ، وقال ابن عباس والربيع وابن جريج وجماعة من المفسرين : بل الإشارة إلى محمد عليه السلام. أ هـ {المحرر الوجيز حـ 1 صـ 461 ـ 462}\rوقال ابن كثير :\rقوله { مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُوا عِبَادًا لِي مِنْ دُونِ اللَّهِ } أي : ما ينبغي لبشر آتاه الله الكتاب والحُكْم والنبوة أن يقول للناس : اعبدوني من دون الله. أي : مع الله ، فإذا كان هذا لا يصلح لنبي ولا لمرسل ، فلأن لا يصلح لأحد من الناس غيرهم بطريق الأولى والأحرى ؛ ولهذا قال الحسن البصري : لا ينبغي هذا لمؤمن أن يأمر الناس بعبادته. قال : وذلك أن القوم كان يعبد بعضهم بعضا -يعني أهل الكتاب-كانوا يَتعبَّدون لأحبارهم ورهبانهم ، كما قال الله تعالى : { اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ [ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لا إِلَهَ إِلا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ]} [التوبة : 31] وفي المسند ، والترمذي -كما سيأتي-أن عَديّ بن حاتم قال : يا رسول الله ، ما عبدوهم. قال : \"بَلَى ، إنَّهُمْ أَحَلُّوا لَهُمُ الْحَرَامَ وحَرَّمُوا عَلَيْهِمُ الْحَلالَ ، فَاتَّبَعُوهُمْ ، فَذَلِكَ عِبَادَتُهُمْ إِيَّاهُمْ\".","part":14,"page":318},{"id":6012,"text":"فالجهلة من الأحبار والرهبان ومشايخ الضلال يدخلون في هذا الذم والتوبيخ ، بخلاف الرسل وأتباعهم من العلماء العاملين ، فإنما يأمرون بما أمَرَ الله به وبلغتهم إياه رسله الكرام. إنما يَنْهَوْنهم عما نهاهم الله عنه وبلغتهم إياه رسله الكرام. فالرسل ، صلوات الله وسلامه عليهم أجمعينَ ، هم السفراء بين الله وبين خلقه في أداء ما حملوه من الرسالة وإبلاغ الأمانة ، فقاموا بذلك أتم قيام ، ونصحوا الخلق ، وبلغوهم الحق. أ هـ {تفسير ابن كثير حـ 2 صـ 66}\rفائدة\rقال الفخر :\rدلّت الآية على أن العلم والتعليم والدراسة توجب كون الإنسان ربانياً ، فمن اشتغل بالتعلم والتعليم لا لهذا المقصود ضاع سعيه وخاب عمله وكان مثله مثل من غرس شجرة حسناء مونقة بمنظرها ولا منفعة بثمرها ولهذا قال عليه الصلاة والسلام : \" نعوذ بالله من علم لا ينفع وقلب لا يخشع \". أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 8 صـ 99}\rمن لطائف الإمام القشيرى فى الآية\rأي ليس من صفة مَنْ اختراناه للنبوة واصطفيناه للولاية أن يدعو الخلق إلى نفسه ، أو يقول بإثبات نفسه وحظِّه ، لأن اختياره - سبحانه - إياهم للنبوة يتضمن عصمتهم عَمَّا لا يجوز ، فتجويز ذلك في وصفهم مُنافٍ لحالهم ، وإنما دعاء الرسل والأولياء - للخلق - إلى الله سبحانه وتعالى ، وهو معنى قوله تعالى : { وَلَكِن كُونُوا رَبَّانِيِّينَ } أي إنما أشار بهم على الخلق بأن يكونوا ربانيين ، والربَّاني منسوبٌ إلى الرب كما يقال فلان دقياني ولحياني... وبابه.\rوهم العلماء بالله الحلماء في الله القائمون بفنائهم عن غير الله ، المستهلكة حظوظهم ، المستغرِقون في حقائق وجوده عن إحساسهم بأحوال أنفسهم ، ينطقون بالله ويسمعون بالله ، وينظرون بالله ، فهم بالله مَحْوٌ عمَّا سوى الله. أ هـ {لطائف الإشارات حـ 1 صـ 253}","part":14,"page":319},{"id":6013,"text":"قوله تعالى { وَلَا يَأْمُرَكُمْ أَنْ تَتَّخِذُوا الْمَلَائِكَةَ وَالنَّبِيِّينَ أَرْبَابًا أَيَأْمُرُكُمْ بِالْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (80)}\rمناسبة الآية لما قبلها\rقال البقاعى : \rولما نفي أن يكون الحكيم من البشر داعياً إلى نفسه وأثبت أنه يكون ولا بد داعياً إلى الله سبحانه وتعالى لتظهر حكمته أثبت أن ذلك لا بد وأن يكون على وجه الإخلاص ، لأن بعض الشياطين يحكم مكره بإبعاد التهمة عن نفسه بالدعاء إلى إلى غيره على وجه الشرك لا سيما إن كان ذلك الغير ربانياً كعيسى عليه الصلاة والسلام فقال : {ولا يأمركم} أي ذلك البشر {أن تتخذوا} أتى بصيغة الافتعال إيذاناً بأن الفطر مجبولة على التوجه لله سبحانه وتعالى من غير كلفة {الملائكة والنبيين} فضلاً عن غيرهم {أرباباً} أي مع الله سبحانه وتعالى أو من دونه ، ثم بين أن كل عبادة كان فيها أدنى شائبة فهي باطلة بقوله على طريق الإنكار تبرئة لعبادة الخلص من مثل ذلك : {أيأمركم بالكفر} إشارة إلى أن الله سبحانه وتعالى غني ، لا يقبل إلا ما كان خالصاً لوجهه {بعد إذ أنتم مسلمون} أي منقادون لأحكامه ، أو متهيئون للتوحيد على عليّ الفطرة الأولى. أ هـ {نظم الدرر حـ 2 صـ 118 ـ 119}\rفصل\rقال الفخر : \rقرأ عاصم وحمزة وابن عامر {وَلاَ يَأْمُرَكُمْ} بنصب الراء ، والباقون بالرفع أما النصب فوجهه أن يكون عطفاً على {ثُمَّ يَقُولُ} وفيه وجهان","part":14,"page":320},{"id":6014,"text":"أحدهما : أن تجعل {لا} مزيدة والمعنى : ما كان لبشر أن يؤتيه الله الكتاب والحكم والنبوّة أن يقول للناس كونوا عباداً لي من دون الله ويأمركم أن تتخذوا الملائكة والنبيّين أرباباً ، كما تقول : ما كان لزيد أن أكرمه ثم يهينني ويستخف بي والثاني : أن تجعل {لا} غير مزيدة ، والمعنى أن النبي صلى الله عليه وسلم كان ينهى قريشاً عن عبادة الملائكة ، واليهود والنصارى عن عبادة عزير والمسيح ، فلما قالوا : أتريد أن نتخذك رباً ؟ قيل لهم : ما كان لبشر أن يجعله الله نبياً ثم يأمر الناس بعبادة نفسه وينهاهم عن عبادة الملائكة والأنبياء ، وأما القراءة بالرفع على سبيل الاستئناف فظاهر لأنه بعد انقضاء الآية وتمام الكلام ، ومما يدل على الانقطاع عن الأول ما روي عن ابن مسعود أنه قرأ {وَلَنْ يَأْمُرُكُمْ }. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 8 صـ 99 ـ 100}\rقال الطبرى : \rوأولى القراءتين بالصواب في ذلك : \"ولا يأمرَكم\" ، بالنصب على الاتصال بالذي قبله ، بتأويل : ما كان لبشر أن يؤتيه الله الكتابَ والحكمَ والنبوةَ ، ثم يقولَ للناس كونوا عبادًا لي من دون الله ولا أنْ يأمركم أن تتخذوا الملائكة والنبيين أربابًا. لأن الآية نزلت في سبب القوم الذين قالوا لرسول الله صلى الله عليه وسلم : \"أتريد أن نعبدك\" ؟ فأخبرهم الله جل ثناؤه أنه ليس لنبيّه صلى الله عليه وسلم أن يدعو الناسَ إلى عبادة نفسه ، ولا إلى اتخاذ الملائكة والنبيين أربابًا. ولكن الذي له : أنْ يدعوهم إلى أن يكونوا ربانيين.","part":14,"page":321},{"id":6015,"text":"فأما الذي ادَّعى من قرأ ذلك رفعًا ، أنه في قراءة عبد الله : \"ولن يأمركم\" استشهادًا لصحة قراءته بالرفع ، فذلك خبر غيرُ صحيح سَنَده ، وإنما هو خبر رواه حجاج ، عن هارون الأعور أنّ ذلك في قراءة عبد الله كذلك. ولو كان ذلك خبرًا صحيحًا سنده ، لم يكن فيه لمحتجٍّ حجة. لأن ما كان على صحته من القراءة من الكتاب الذي جاءَ به المسلمون وراثةً عن نبيهم صلى الله عليه وسلم ، لا يجوز تركه لتأويلٍ على قراءة أضيفت إلى بعض الصحابة ، بنقل من يجوز في نقله الخطأ والسهو. (1) أ هـ {تفسير الطبرى حـ 6 صـ 547 ـ 548}\rفائدة\rقال الفخر :\rقال الزجاج : ولا يأمركم الله ، وقال ابن جُرَيْج : لا يأمركم محمد ، وقيل : لا يأمركم الأنبياء بأن تتخذوا الملائكة أرباباً كما فعلته قريش. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 8 صـ 100}\rفائدة\rقال الفخر :\rإنما خص الملائكة والنبيّين بالذكر لأن الذين وصفوا من أهل الكتاب بعبادة غير الله لم يحك عنهم إلا عبادة الملائكة وعبادة المسيح وعزير ، فلهذا المعنى خصهما بالذكر. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 8 صـ 100}\rقال تعالى : {أَيَأْمُرُكُم بالكفر بَعْدَ إِذْ أَنتُم مُّسْلِمُونَ}\rقال القرطبى :\r{ أَيَأْمُرُكُم بالكفر بَعْدَ إِذْ أَنْتُمْ مُّسْلِمُونَ } على طريق الإنكار والتعجب ؛ فحرّم الله تعالى على الأنبياء أن يتخذوا الناس عباداً يتألّهون لهم ولكن ألزم الخلق حرمتهم.\rوقد ثبت عن النبيّ صلى الله عليه وسلم أنه قال : \" لا يقولنّ أحدكم عَبْدِي وأَمَتِي وليقل فَتايَ وفَتَاتِي ولا يقل أحدكم ربِّي وليقل سَيِّدي \" وفي التنزيل { اذكرني عِندَ رَبِّكَ } [ يوسف : 42 ]. أ هـ {تفسير القرطبى حـ 4 صـ 124}\r________________\r(1) القراءتان متواترتان ومن ثم فلا يجوز الترجيح بينهما. والله أعلم.","part":14,"page":322},{"id":6016,"text":"فصل\rقال الفخر :\rقال صاحب \"الكشاف\" قوله {بَعْدَ إِذْ أَنتُم مُّسْلِمُونَ} دليل على أن المخاطبين كانوا مسلمين وهم الذين استأذنوا الرسول صلى الله عليه وسلم في أن يسجدوا له. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 8 صـ 100}\rوقال أبو حيان :\rوفي هذه الآية دلالة على أن المخاطبين كانوا مسلمين ، ودلالة على أن الكفر ملة واحدة إذ الذين اتخذوا الملائكة أرباباً ثم الصابئة وعبدة الأوثان ، والذين اتخذوا النبيين أرباباً هم اليهود والنصارى والمجوس ، ومع هذا الاختلاف سمى الله الجميع : كفراً. أ هـ {البحر المحيط حـ 2 صـ 531}\rوقال الآلوسى :\r{ بَعْدَ إِذْ أَنتُم مُّسْلِمُونَ } استدل به الخطيب (1) على أن الآية نزلت في المسلمين القائلين \"أفلا نسجد لك ؟\" بناءاً على الظاهر ، ووجه كون الخطاب للكفار وأن الآية نزلت فيهم بأنه يجوز أن يقال لأهل الكتاب : { أَيَأْمُرُكُم بالكفر بَعْدَ إِذْ أَنتُم مُّسْلِمُونَ } أي منقادون مستعدون للدين الحق إرخاءاً للعنان واستدراجاً ، والقول بأن كل مصدق بنبيه مسلم ودعواه أنه أمره نبيه بما يوجب كفره دعوى أنه أمره بالكفر بعد إسلامه فدلالة هذا على أن الخطاب للمسلمين ضعيفة في غاية السقوط كما لا يخفى. أ هـ {روح المعانى حـ 3 صـ 209}\r________________\r(1) لعل الصواب ابن الخطيب والمراد منه الإمام فخر الدين الرازى فهو ابن خطيب الرى ونرى هذه العبارة شائعة فى كلام كثير من المفسرين كابن عادل وابن عرفة وغيرهما. والله أعلم.","part":14,"page":323},{"id":6017,"text":"فصل\rقال الفخر :\rقال الجبائي : الآية دالة على فساد قول من يقول : الكفر بالله هو الجهل به والإيمان بالله هو المعرفة به ، وذلك لأن الله تعالى حكم بكفر هؤلاء ، وهو قوله تعالى : {أَيَأْمُرُكُم بالكفر} ثم إن هؤلاء كانوا عارفين بالله تعالى بدليل قوله {ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُواْ عِبَادًا لّى مِن دُونِ الله} وظاهر هذا يدل على معرفته بالله فلما حصل الكفر ههنا مع المعرفة بالله دل ذلك على أن الإيمان به ليس هو المعرفة والكفر به تعالى ليس هو الجهل به.\rوالجواب : أن قولنا الكفر بالله هو الجهل به لا نعني به مجرد الجهل بكونه موجوداً بل نعني به الجهل بذاته وبصفاته السلبية وصفاته الإضافية أنه لا شريك له في المعبودية ، فلما جهل هذا فقد جهل بعض صفاته. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 8 صـ 100}\rفوائد لغوية\rقال ابن عادل :\rقوله : { وَلاَ يَأْمُرَكُمْ } قرأ ابن عامر وعاصم وحمزة بنصب يَأمُرَكُمْ \" والباقون بالرفع وأبو عمرو على أصله من جواز تسكين الراء والاختلاس ، وهي قراءة واضحة ، سهلة التخريج ، والمعنى ، وذلك أنها على القطع والاستئناف.\rأخبر تعالى - بأن ذلك الأمر لا يقع ، والفاعل فيه احتمالان :\rأحدهما : هو ضمير الله - تعالى -.\rالثاني : هو ضمير الموصوف المتقدم.\rوالمعنى : ولا يأمركم الله ، وقال ابن جريج وجماعة : ولا يأمركم محمد أن تتخذوا الملائكة والنبيين أرباباً وقيل : لا يأمركم عيسى.\rوقيل : لا يأمركم الأنبياء أن تتخذوا الملائكة والنبيين أرْباباً ، كفعل قريش والصابئين - حيث قالوا في المسيح هو العزير.","part":14,"page":324},{"id":6018,"text":"والمعنى على عوده على \" بَشَر \" أنه لا يقع من بشر موصوفٍ بما وُصِفَ به أن يَجْعَل نفسه ربًّا ، فيُعْبَدَ ، ولا يأمر - أيضاً - أن تُعْبَد الملائكةُ والنبيون من دون الله ، فانتفى أن يدعوَ الناسَ إلى عبادة نفسه ، وإلى عبادة غيره - والمعنى - على عَوْده على الله - تعالى - أنه تعالى أخْبَر أنه لم يَأمُرْ بذلك ، فانتفى أمر الله وأمر أنبيائه بعبادة غيره تعالى.\rوأما قراءة النصب ففيها وجوهٌ : \rأحدها : قول أبي علي وغيره ، وهو أن يكون المعنى : دلالة أن يأمركم ، فقدروا \" أن \" مضمرة بعده وتكون \" لا \" مؤكِّدة لمعنى النفي السابق ، كما تقول : ما كان من زيد إتيان ولا قيام وأنت تريد انتفاء كل واحد منهما عن زيد ، ف \" لا \" للتوكيد لمعنى النفي السابق ، وبقي معنى الكلام : ما كان من زيد إتيان ، ولا منه قيام.\rالثاني : أن يكون نصبه لنَسَقه على { أَن يُؤْتِيهُ } قال سيبويه : والمعنى : وما كان لبَشَرٍ أن يأمركم أن تتخِذُوا الملائكة.\rقال الواحديُّ : ويُقوي هذا الوجهَ ما ذكرنا من أن اليهود قالوا للنبي صلى الله عليه وسلم أتريد يا محمدُ أن نتخذَك رَبًّا ؟ فنزلت.\rالثالث : أن يكون معطوفاً على \" يَقُولُ في قراءة العامة - قاله الطَّبَريُّ.\rقال ابن عطيةَ : \" وهذا خَطأ لا يلتئم به المعنى \" ، ولم يبين أبو مُحَمدٍ وَجْهَ الخَطَأ \" ولا عدم التآم المعنى.","part":14,"page":325},{"id":6019,"text":"قال أبو حيّان : \" وجه الخطأ أنه إذا كان معطوفاً على \" يَقُولَ \" وجعل \" لا للنفي - على سبيل التأسيس لا على سبيل التأكيد - فلا يمكن أن يُقَدَّر الناصب - وهو \" أن \" - إلا قبل \" لا \" النافية ، وإذا قدرها قبلها انسبك منها ومن الفعل المنفي بـ \" لا \" مصدر منفي ، فيصير المعنى : ما كان لبشر موصوف بما وُصِفَ به انتفاء أمره باتخاذ الملائكة والنبيين أرباباً - وإذا لم يكن له انتفاء الأمر بذلك كان له ثبوت الأمر بذلك ، وهو خَطَأ بيِّن.\rأما إذا جعل \" لا \" لتأكيد النفي لا لتأسيسه فلا يلزم خَطَأ ، ولا عدم التئام المعنى ؛ وذلك أنه يصير النفي مستحباً على المصدرين المقدَّرِ ثبوتهما ، فينتفي قوله : { كُونُواْ عِبَاداً لِّي } وينتفي أيضاً أمره باتخاذ الملائكة والنبيين أرباباً. ويوضِّح هذا المعنى وَضْعُ \" غير \" موضع \" لا \" فإذا قلتَ : ما لزيد فقهٌ ولا نحوٌ.\rكانت \" لا \" لتأكيد النفي ، وانتفى عنه الوَصْفان ، ولو جعلت \" لا \" لتأسيس النفي كانت بمعنى \" غير \" فيصير المعنى انتفاء الفقه عنه ، وثبوت النحو له ؛ إذ لو قلت : ما لزيد فقه غير نحو ، إن في ذلك إثبات النحو له ، كأنك قلتَ : ما له غير نحو ، ألا ترى أنك إذا قلت : جئت بلا زادٍ ، كان المعنى : جئت بغير زاد وإذا قلت : ما جئت بغير زادٍ ، معناه أنك جئت بزاد ؛ لأن \" لا \" هنا لتأسيس النفي ، فإطلاق ابن عطية الخطأ وعدم التئامِ المعنى إنما يكون على أحد التقديرين ، وهو أن يكون \" لا \" لتأسيس النفي لا لتأكيده ، وأن يكون من عطف المنفي بـ \" لا \" على المثبت الداخل عليه النفي نحو : ما أريد أن تجهل وألا تتعلم ، تريد : ما أريد أن لا تتعلم \".\rوتابع الزمخشريُّ الطبريَّ في عطف \" يَأمُرَكُم \" على \" يَقُولَ \" وجوَّزَ في طلا \" الداخلة عليه وجهين :\rأحدهما : أن يكون لتأسيس النفي.","part":14,"page":326},{"id":6020,"text":"الثاني : أنها مزيدة لتأكيده ، فقال : وقُرِئ { وَلاَ يَأْمُرَكُمْ } بالنصب ؛ عطفاً على \" ثُمَّ يَقُولَ \" وفيه وجهان : \rأحدهما : أن تجعل \" لا \" مزيدة لتأكيد معنى النفي في قوله : { مَا كَانَ لِبَشَرٍ }. والمعنى : ما كان لبشر أن يستنبئه الله تعالى ، ويُنَصِّبه للدعاء إلى اختصاص الله بالعبادة وترك الأنداد ، ثم يأمر الناس بأن يكونوا عباداً لهم ، ويأمركم أن تتخذوا الملائكة والنبيين أرباباً ، كقولك : ما كان لزيد أن أكرمه ، ثم يهينني ولا يستخف بي.\rوالثاني : أن يُجْعَل \" لا \" غير مزيدة ، والمعنى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان ينهَى قُرَيشاً عن عبادة الملائكة واليهود والنصارى عن عبادةِ عُزَيْرٍ والمسيح ، فلما قالوا له : أنتخذك ربًّا ؟ قيل لهم : ما كان لبشر أن يستنبئه الله ثم يأمر الناس بعبادته ، وينهاكم عن عبادة الملائكة والأنبياء.\rقال شهاب الدينِ : \" وكلام الزمخشري صحيحٌ ، ومعناه واضح على كلا تقديري كون \" لا \" لتأسيس النفي وتأكيده فكيف يَجْعَل الشيخُ كلامَ الطبريِّ فاسداً على أحد التقديرين - وهو كونها لتأسيس النفي فقد ظهر صحةُ كلام الطبريِّ بكلام الزمخشريِّ ، وظهر أن رَدَّ ابنِ عطيةَ عليه مردودٌ \".\rوقد رجح الناس قراءةَ الرفعِ على النصبِ.\rقال سيبويه : ولا يأمركم منقطعة مما قبلها ؛ لأن المعنى ولا يأمركم الله.\rقال الواحدي : ومما يدل على انقطاعها من النسق ، وأنها مُسْتأنفة ، فلما وقعت \" لا \" موقع \" لن \" رفعت كما قال تعالى : { إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ بالحق بَشِيراً وَنَذِيراً وَلاَ تُسْأَلُ عَنْ أَصْحَابِ الجحيم } [ البقرة : 119 ] وفي قراءة ، عبد الله : ولن تُسْأل.","part":14,"page":327},{"id":6021,"text":"قال الزمخشريُّ : والقراءة بالرفع على ابتداء الكلام أظهر ، ويعضدُهَا قراءةُ عبد الله : \" ولَنْ يَأمُرَكم \" وقد تقدم أن الضمير في \" يَأمُركُمْ \" يجوز أن يعود على \" الله \" وأن يعود على البشر الموصوف بما تقدم والمراد به النبي صلى الله عليه وسلم أو أعم من ذلك.\rوسواء قرئ برفع { وَلاَ يَأْمُرَكُمْ } وبنصبه إذا جعلناه معطوفاً على \" يَقُولَ \" فإن الضمير يعود على \" بشر \" لا غير ، [ ويؤيد هذا قولُ بعضهم : ووجه القراءة بالنصب أن يكون معطوفاً على الفعل المنصوب قبله ، فيكون الضمير المرفوع لِ \" بشر \" لا غير يعني بما قبله \" ثُمَّ يَقُولَ \".\rولما ذكر سيبويه قراءة الرفع جعل الضمير عائداً على \" الله \" تعالى ولم يذكر غير ذلك ، فيحتمل أن يكون هو الأظهر عنده ، ويُحْتَمَل أنه لا يجوز غيرُه ، والأول أوْلَى.\rقال بعضهم : وفي الضمير المنصوب في \" يَأمُرُكُمْ \" - على كلتا القراءتين - خروج من الغيبة إلى الخطاب على طريق الالتفات ، فكأنه توهم أنه لما تقدم في قوله ذكر النافي - في قوله : { ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ } كان ينبغي أن يكون النظم ولا يأمرهم ؛ جرياً على ما تقدم ، وليس كذلك ، بل هذا ابتداء خطابٍ ، لا التفات فيه.\rقوله : { أَيَأْمُرُكُم بالكفر } الهمزة للاستفهام بمعنى الإنكار ، يعني أنه لا يفعل ذلك.\rقوله : { بَعْدَ إِذْ أَنْتُمْ مُّسْلِمُونَ } \" بَعْدَ \" متعلق بـ \" يَأمُرُكُمْ \" وبعد ظرف زمان مضاف لظرف زمان ماضٍ وقد تقدّم أنه لا يضافُ إليه إلا الزمان ، نحو حينئذٍ ويومئذٍ. و{ أَنْتُمْ مُّسْلِمُونَ } في محل خفض بالإضافة ؛ لأن \" إذْ \" تضاف إلى الجملة مطلقاً.","part":14,"page":328},{"id":6022,"text":"قال الزمخشريُّ : \" بَعْدَ إذ أنْتُمْ مُسْلِمُونَ \" دليلٌ على أن المخاطبين كانوا مسلمين ، وهم الذين استأذنوا الرسول صلى الله عليه وسلم أن يَسْجُدُوا له. أ هـ {تفسير ابن عادل حـ 5 صـ 350 ـ 354}\rمن فوائد ابن عاشور فى الآية\rقال رحمه الله :\rوفي قوله : { ولا يأمركم } التفات من الغيبة إلى الخطاب.\rوقرأ الجمهور \"يأمُرُكم\" بالرفع على ابتداء الكلام ، وهذا الأصل فيما إذا أعيد حرف النفي ، فإنه لما وقع بعد فعل منفي ، ثم انتقض نفيه بلكن ، احتيج إلى إعادة حرف النفي ، والمعنى على هذه القراءة واضح : أي ما كان لبشر أن يقول للناس كونوا إلخ ولا هو يأمُرهم أن يتخذوا الملائكة أرباباً.\rوقرأه ابن عامر ، وحمزة ويعقوب ، وخلف : بالنصب عطفاً على أن يقولَ ولا زائدة لتأكيد النفي الذي في قوله : { ما كان لبشر } ، وليست معمولة لأنْ : لاقتضاء ذلك أن يصير المعنى : لا ينبغي لبشر أوتي الكتاب ألاّ يأمركم أن تتخذوا ، والمقصود عكس هذا المعنى ، إذ المقصود أنه لا ينبغي له أن يأمر ، فلذلك اضطرّ في تخريج هذه القراءة إلى جعل لا زائدة لتأكيد النفي وليست لنفي جديد.\rوقرأه الدُّوري عن أبي عمرو باختلاس الضمة إلى السكون.\rولعلّ المقصود من قوله : { ولا يأمركم أن تتخذوا الملائكة والنبيين أرباباً } : أنهم لما بالغوا في تعظيم بعض الأنبياء والملائكة ، فصوّروا صور النبيئين ، مثل يحيى ومريم ، وعبدوهما ، وصوّروا صور الملائكة ، واقتران التصوير مع الغلوّ في تعظيم الصورة والتعبد عندها ضربٌ من الوثنية.\rقال ابن عرفة : \"إن قيل نفي الأمر أعم من النهي فهلا قيل ويَنهاكم.\rوالجواب أنّ ذلك باعتبار دعواهم وتقوّلهم على الرسل\".","part":14,"page":329},{"id":6023,"text":"وأقول : لعلّ التعبير بلا يأمركم مشاكلة لقوله : { ثم يقول للناس } لأنهم زعموا أنّ المسيح قال : إنه ابنُ الله فلما نفي أنه يقول ذلك نفي ما هو مثله وهو أن يأمرُهم باتخاذ الملائكة أرباباً ، أو لأنهم لما كانوا يدّعون التمسك بالدين كان سائر أحوالهم محمولة على أنهم تلقوها منه ، أو لأنّ المسيح لم ينههم عن ذلك في نفس الأمر ، إذ هذا مما لا يخطر بالبال أن تتلبس به أمة متدينة فاقتصر ، في الردّ على الأمة ، على أنّ أنبياءهم لم يَأمروهم به ولذلك عقب بالاستفهام الإنكاري ، وبالظرف المفيد مزيد الإنكار على ارتكابهم هذه الحالة ، وهي قوله : { أيأمركم بالكفر بعد إذ أنتم مسلمون }.\rفهناك سببان لإنكار أن يكونَ ما هم عليه مُرضياً أنبياءهم ؛ فإنه كفر ، وهم لا يرضون بالكفر.\rفما كان من حقّ من يتبعونهم التلبُّس بالكفر بعد أن خرجوا منه.\rوالخطاب في قوله : { ولا يأمركم } التفات من طريقة الغيبة في قوله : { ثم يقول للناس كونوا عباداً لي من دون الله } فالمواجَه بالخطاب هم الذين زعموا أنّ عيسى قال لهم : كونوا عباداً لي من دون الله.\rفمعنى { أنتم مسلمون } يقتضي أنّهم كانوا مسلمين والخطاب للنصارى وليس دينهم يطلق عليه أنه إسلام.\rفقيل : أريد بالإسلام الإيمان أي غير مشركين بقرينة قوله { بالكفر }.\rوقيل الخطاب للمسلمين بناء على ظاهر قوله : { إذ أنتم مسلمون } لأنّ اليهود والنصارى لم يوصفوا بأنهم مسلمون في القرآن ، فهذا الذي جرّأ من قالوا : إنّ الآية نزلت لقول رجل لرسول الله صلى الله عليه وسلم \"ألاَ نسجد لك\" ، ولا أراه لو كان صحيحاً أن تكون الآية قاصدة إياه ؛ لأنه لو أريد ذلك لقيل : ثم يأمر الناس بالسجود إليه ، ولما عرّج على الأمر بأن يكونوا عباداً له من دون الله ولا بأن يتّخذوا الملائكة والنبيين أرباباً. أ هـ {التحرير والتنوير حـ 3 صـ 141 ـ 142}","part":14,"page":330},{"id":6024,"text":"أبحاث نفيسة\rقال فى الميزان :\rما الذي قاله عيسى (عليه السلام) وما الذي قيل فيه\rذكر القرآن أن عيسى كان عبدا رسولا وأنه لم يدع لنفسه ما نسبوه إليه ولا تكلم معهم إلا بالرسالة كما قال تعالى {وإذ قال الله يا عيسى ابن مريم أأنت قلت للناس اتخذوني وامي إلهين من دون الله قال سبحانك ما يكون لي أن أقول ما ليس لي بحق إن كنت قلته فقد علمته تعلم ما في نفسي ولا أعلم ما في نفسك إنك أنت علام الغيوب ما قلت لهم إلا ما أمرتني به أن اعبدوا الله ربي وربكم وكنت عليهم شهيدا ما دمت فيهم فلما توفيتني كنت أنت الرقيب عليهم وأنت على كل شئ شهيد إن تعذبهم فإنهم عبادك وإن تغفر لهم فإنك أنت العزيز الحكيم قال الله هذا يوم ينفع الصادقين صدقهم} : المائدة - 119 116.\rوهذا الكلام العجيب الذي يشتمل من العبودية على عصارتها ويتضمن من بارع الأدب على مجامعه يفصح عما كان يراه عيسى المسيح (عليه السلام) من موقفه نفسه تلقاء ربوبية ربه وتجاه الناس وأعمالهم فذكر أنه كان يرى نفسه بالنسبة إلى ربه عبدا لا شأن له إلا الامتثال لا يرد إلا عن أمر ولا يصدر إلا عن أمر ولم يؤمر إلا بالدعوة إلى عبادة الله وحده ولم يقل لهم إلا ما أمر به أن اعبدوا الله ربي وربكم.\rولم يكن له من الناس إلا تحمل الشهادة على أعمالهم فحسب وأما ما يفعله الله فيهم وبهم يوم يرجعون إليه فلا شأن له في ذلك غفر أو عذب.\rفإن قلت فما معنى ما تقدم في الكلام على الشفاعة أن عيسى (عليه السلام) من الشفعاء يوم القيامة يشفع فيشفع.","part":14,"page":331},{"id":6025,"text":"قلت القرآن صريح أو كالصريح في ذلك قال تعالى {ولا يملك الذين يدعون من دونه الشفاعة إلا من شهد بالحق وهم يعلمون} : الزخرف - 86 وقد قال تعالى فيه {ويوم القيامة يكون عليهم شهيد}ا : النساء - 159 وقال تعالى {وإذ علمتك الكتاب والحكمة والتوراة والإنجيل} : المائدة - 110\rوقد تقدم إشباع الكلام في معنى الشفاعة وهذا غير التفدية التي يقول بها النصارى وهي إبطال الجزاء بالفدية والعوض فإنها تبطل السلطنة المطلقة الإلهية على ما سيجئ من بيانه والآية إنما تنفي ذلك وأما الشفاعة فالآية غير متعرضة لأمرها لا إثباتا ولا نفيا فإنها لو كانت بصدد إثباتها على منافاته للمقام لكان حق الكلام أن يقال وإن تغفر لهم فإنك أنت الغفور الرحيم ولو كانت بصدد نفيها لم يكن لذكر الشهادة على الناس وجه وهذا إجمال ما سيأتي في تفسير الآيات تفصيله إن شاء الله تعالى.\rوأما ما قاله الناس في عيسى (عليه السلام) فإنهم وإن تشتتوا في مذاهبهم بعده واختلفوا في مسالكهم بما ربما جاوز السبعين من حيث كليات ما اختلفوا فيه وجزئيات المذاهب والآراء كثيرة جدا.","part":14,"page":332},{"id":6026,"text":"لكن القرآن إنما يهتم بما قالوا به في أمر عيسى نفسه وأمه لمساسه بأساس التوحيد الذي هو الغرض الوحيد فيما يدعو إليه القرآن الكريم والدين الفطري القويم وأما بعض الجزئيات كمسألة التحريف ومسألة التفدية فلم يهتم به ذاك الاهتمام والذي حكاه القرآن الكريم عنهم أو نسبه إليهم ما في قوله تعالى {وقالت النصارى المسيح ابن الله} : التوبة - 30 وما في معناه كقوله تعالى {وقالوا اتخذ الرحمن ولدا سبحانه} : الأنبياء - 26 وما في قوله تعالى {لقد كفر الذين قالوا إن الله هو المسيح ابن مريم} : المائدة - 72 وما في قوله تعالى {لقد كفر الذين قالوا إن الله ثالث ثلاثة} : المائدة - 73 وما في قوله تعالى {ولا تقولوا ثلاثة} : النساء - 171.\rوهذه الآيات وإن اشتملت بظاهرها على كلمات مختلفة ذوات مضامين ومعان متفاوتة ولذلك ربما حملت على اختلاف المذاهب في ذلك كمذهب الملكانية القائلين بالبنوة الحقيقية والنسطورية القائلين بأن النزول والبنوة من قبيل إشراق النور على جسم شفاف كالبلور واليعقوبية القائلين بأنه من الانقلاب وقد انقلب الاله سبحانه لحما ودما لكن الظاهر أن القرآن لا يهتم بخصوصيات مذاهبهم المختلفة وإنما يهتم بكلمة واحدة مشتركة بينهم جميعا وهو البنوة وأن المسيح من سنخ الإله سبحانه وما يتفرع عليه من حديث التثليث وإن اختلفوا في تفسيرها اختلافا كثيرا وتعرقوا في المشاجرة والنزاع والدليل على ذلك وحدة الاحتجاج الوارد عليهم في القرآن لسانا.\rبيان ذلك أن التوراة والأناجيل الحاضرة جميعا تصرح بتوحيد الإله تعالى من جانب والإنجيل يصرح بالبنوة من جانب آخر وصرح بأن الابن هو الأب لا غير.","part":14,"page":333},{"id":6027,"text":"ولم يحملوا البنوة الموجودة فيه على التشريف والتبريك مع ما في موارد منه من التصريح بذلك كقوله : وأنا أقول لكم أحبوا أعداءكم وباركوا على لأغنيكم وأحسنوا إلى من أبغضكم وصلوا على من يطردكم ويعسفكم كيما تكونوا بني أبيكم الذي في السموات لأنه المشرق شمسه على الأخيار والأشرار والممطر على الصديقين والظالمين وإذا أحببتم من يحبكم فأي أجر لكم أليس العشارون يفعلون كذلك وإن سلمتم على إخوتكم فقط فأي فضل لكم أليس كذلك يفعل الوثنيون كونوا كاملين مثل أبيكم السماوي فهو كامل آخر الإصحاح الخامس من إنجيل متى.\rوقوله أيضا فليضئ نوركم قدام الناس ليروا أعمالكم الحسنة ويمجدوا أباكم الذي في السموات إنجيل متى الإصحاح الخامس.\rوقوله أيضا لا تصنعوا جميع مراحمكم قدام الناس كي يروكم فليس لكم أجر عند أبيكم الذي في السموات.\rوقوله أيضا في الصلاة وهكذا تصلون أنتم يا أبانا الذي في السموات يتقدس اسمك الخ.\rوقوله أيضا فإن غفرتم للناس خطاياهم غفر لكم أبوكم السمائي خطاياكم كل ذلك في الإصحاح السادس من إنجيل متى.\rوقوله وكونوا رحماء مثل أبيكم الرحيم إنجيل لوقا الإصحاح السادس.\rوقوله لمريم المجدلية امضي إلى إخوتي وقولي لهم إني صاعد إلى ابي الذي هو أبوكم وإلهي الذي هو إلهكم إنجيل يوحنا الإصحاح العشرون.\rفهذه وأمثالها من فقرات الأناجيل تطلق لفظ الأب على الله تعالى وتقدس بالنسبة إلى عيسى وغيره جميعا كما ترى بعناية التشريف ونحوه.","part":14,"page":334},{"id":6028,"text":"وإن كان ما في بعض الموارد منها يعطي أن هذه البنوة والأبوة نوع من الاستكمال المؤدي إلى الاتحاد كقوله تكلم اليسوع بهذا ورفع عينيه إلى السماء فقال يا أبت قد حضرت الساعة فمجد ابنك ليمجدك ابنك ثم ذكر دعائه لرسله من تلامذته ثم قال ولست أسأل في هؤلاء فقط بل وفي الذين يؤمنون بي بقولهم ليكونوا بجمعهم واحدا كما أنك يا أبت ثابت في وأنا أيضا فيك ليكونوا أيضا فينا واحدا ليؤمن العالم أنك أرسلتني وأنا أعطيتهم المجد الذي أعطيتني ليكونوا واحدا كما نحن واحد أنا فيهم وأنت في ويكونوا كاملين لواحد لكي يعلم العالم أنك أرسلتني وأنني أحببتهم كما أحببتني إنجيل يوحنا الإصحاح السابع عشر.\rلكن وقع فيها أقاويل يتأبى ظواهرها عن تأويلها إلى التشريف ونحوه كقوله قال له توما يا سيد ما نعلم أين تذهب وكيف نقدر أن نعرف الطريق قال له يسوع أنا هو الطريق والحق والحياة لا يأتي أحد إلى أبي إلا بي لو كنتم تعرفونني لعرفتم أبي أيضا ومن الآن تعرفونه وقد رأيتموه أيضا قال له فيلبس يا سيد أرنا الأب وحسبنا قال له يسوع أنا معكم كل هذا الزمان ولم تعرفني يا فيلبس من رآني فقد رأى الأب فكيف تقول أنت أرنا الأب أما تؤمن أني في أبي وأبي في وهذا الكلام الذي أقوله لكم ليس هو من ذاتي وحدي بل أبي الحال في هو يفعل هذه الأفعال آمنوا بي أنا في أبي وأبي في إنجيل يوحنا الإصحاح الرابع عشر.\rوقوله لكني خرجت من الله وجئت ولم آت من عندي بل هو أرسلني إنجيل يوحنا الإصحاح الثامن.\rوقوله أنا وأبي واحد نحن إنجيل يوحنا الإصحاح العاشر.\rوقوله لتلامذته اذهبوا وتلمذوا كل الأمم وعمدوهم باسم الأب والابن وروح القدس إنجيل متى الإصحاح الثامن والعشرون.","part":14,"page":335},{"id":6029,"text":"وقوله في البدء كان الكلمة والكلمة كان عند الله والله كان الكلمة منذ البدء كان هذا عند الله كل به كان وبغيره لم يكن شئ مما كان به كانت الحياة والحياة كانت نور الناس إنجيل يوحنا الإصحاح الأول.\rفهذه الكلمات وما يماثلها مما وقع في الإنجيل هي التي دعت النصارى إلى القول بالتثليث في الوحدة.\rوالمراد به حفظ أن المسيح ابن الله مع التحفظ على التوحيد الذي نص عليه المسيح في تعليمه كما في قوله إن أول كل الوصايا اسمع يا إسرائيل الرب إلهك إله واحد هو إنجيل مرقس الإصحاح الثاني عشر.\rومحصل ما قالوا به وإن كان لا يرجع إلى محصل معقول أن الذات جوهر واحد له أقانيم ثلاث والمراد بالأقنوم هو الصفة التي هي ظهور الشئ وبروزه وتجليه لغيره وليست الصفة غير الموصوف والأقانيم الثلاث هي أقنوم الوجود وأقنوم العلم وهو الكلمة وأقنوم الحياة وهو الروح.\rوهذه الأقانيم الثلاث هي الأب والابن والروح القدس والأول أقنوم الوجود والثاني أقنوم العلم والكلمة والثالث أقنوم الحياة فالابن وهو الكلمة وأقنوم العلم نزل من عند أبيه وهو أقنوم الوجود بمصاحبة روح القدس وهو أقنوم الحياة التي بها يستنير الأشياء.\rثم اختلفوا في تفسير هذا الإجمال اختلافا عظيما أوجب تشتتهم وانشعابهم شعبا ومذاهب كثيرة تجاوز السبعين وسيأتيك نبأها على قدر ما يلائم حال هذا الكتاب.","part":14,"page":336},{"id":6030,"text":"إذا تأملت ما قدمناه عرفت أن ما يحكيه القرآن عنهم أو ينسبه إليهم بقوله {وقالت النصارى المسيح ابن الله} الآية وقوله {لقد كفر الذين قالوا إن الله هو المسيح ابن مريم الآية وقوله {لقد كفر الذين قالوا إن الله ثالث ثلاثة} الآية وقوله {ولا تقولوا ثلاثة انتهوا} الآية كل ذلك يرجع إلى معنى واحد وهو تثليث الوحدة هو المشترك بين جميع المذاهب المستحدثة في النصرانية وهو الذي قدمناه في معنى تثليث الوحدة.\rوإنما اقتصر فيه على هذا المعنى المشترك لأن الذي يرد على أقوالهم في خصوص المسيح (عليه السلام) على كثرتها وتشتتها مما يحتج به القرآن أمر واحد يرد على وتيرة واحدة كما سيتضح.\rأ هـ {الميزان حـ 3 صـ 282 ـ 287}\rفائدة\rقال فى الميزان :","part":14,"page":337},{"id":6031,"text":"أما الطريق الأول فتوضيحه أن حقيقة البنوة والتولد هو أن يجزء واحد من هذه الموجودات الحية المادية كالإنسان والحيوان بل النبات أيضا شيئا من مادة نفسه ثم يجعله بالتربية التدريجية فردا آخر من نوعه مماثلا لنفسه يترتب عليه من الخواص والآثار ما كان يترتب على المجزى منه كالحيوان يفصل من نفسه النطفة والنبات يفصل من نفسه اللقاح ثم يأخذ في تربيته تدريجا حتى يصيره حيوانا أو نباتا آخر مماثلا لنفسه ومن المعلوم أن الله سبحانه يمتنع عليه ذلك أما أولا فلاستلزامه الجسمية المادية والله سبحانه منزه من المادة ولوازمها الافتقارية كالحركة والزمان والمكان وغير ذلك وأما ثانيا فلأن الله سبحانه لإطلاق ألوهيته وربوبيته له القيومية المطلقة على ما سواه فكل شئ سواه مفتقر الوجود إليه قائم الوجود به فكيف يمكن فرض شئ غيره يماثله في النوعية يستقل عنه بنفسه ويكون له من الذات والأوصاف والأحكام ما له من غير افتقار إليه وأما ثالثا فلأن جواز الإيلاد والاستيلاد عليه تعالى يستلزم جواز الفعل التدريجي عليه تعالى وهو يستلزم دخوله تحت ناموس المادة والحركة وهو خلف بل ما يقع بإرادته ومشيته تعالى إنما يقع من غير مهلة وتدريج.\rوهذا البيان هو الذي يفيده قوله تعالى {وقالوا اتخذ الله ولدا سبحانه بل له ما في السموات والأرض كل له قانتون بديع السموات والأرض وإذا قضى أمرا فإنما يقول له كن فيكون} : البقرة - 117 وعلى ما قررناه فقوله سبحانه برهان وقوله له ما في السموات والأرض كل له قانتون برهان آخر وقوله بديع السموات والأرض إذا قضى الخ برهان ثالث.","part":14,"page":338},{"id":6032,"text":"ويمكن أن يجعل قوله بديع السموات والأرض من قبيل إضافة الصفة إلى فاعلها ويستفاد منه أن خلقه تعالى على غير مثال سابق فلا يمكن منه الإيلاد لأنه خلق على مثال نفسه لانمفروضهم العينية فيكون هذه الفقرة وحدها برهانا آخر.\rولو فرض قولهم اتخذ الله ولدا كلاما ملقى لا على وجه الحقيقة بل على وجه التوسع في معنى الابن والولد بأن يراد به انفصال شئ عن شئ يماثله في الحقيقة من غير تجزء مادي أو تدريج زماني وهذا هو الذي يرومه النصارى بقولهم المسيح ابن الله بعد تنقيحه ليتخلص بذلك عن إشكال الجسمية والمادية والتدريج بقي إشكال المماثلة.\rتوضيحه أن إثبات الابن والأب إثبات للعدد بالضرورة وهو إثبات للكثرة الحقيقية وإن فرضت الوحدة النوعية بين الأب والابن كالأب والابن من الإنسان هما واحد في الحقيقة الإنسانيد وكثير من حيث إنهما فردان من الإنسان وعلى هذا فلو فرض وحدة الإله كان كل ما سواه ومن جملتها الابن غيرا له مملوكا مفتقرا إليه فلا يكون الابن المفروض إلها مثله ولو فرض ابن مماثل له غير مفتقر إليه بل مستقل مثله بطل التوحيد في الإله عز اسمه.\rوهذا البيان هو المدلول عليه بقوله تعالى {ولا تقولوا ثلاثة انتهوا خيرا لكم إنما الله إله واحد سبحانه أن يكون له ولد له ما في السموات وما في الأرض وكفى بالله وكيلا} : النساء - 171.","part":14,"page":339},{"id":6033,"text":"وأما الطريق الثاني وهو بيان أن شخص عيسى ابن مريم (عليه السلام) ليس ابنا لله مشاركا له في الحقيقة الإلهية فلما كان فيه من البشرية ولوازمها وتوضيحه أن المسيح (عليه السلام) حملت به مريم وربته جنينا في رحمها ثم وضعته وضع المرأة ولدها ثم ربته كما يتربى الولد في حضانة أمه ثم أخذ في النشوء وقطع مراحل الحياة والارتقاء في مدارج العمر من الصبا والشباب والكهولة وفي جميع ذلك كان حاله حال إنسان طبيعي في حياته يعرضه من العوارض والحالات ما يعرض الإنسان من جوع وشبع وسرور ومسائة ولذة وألم وأكل وشرب ونوم ويقظة وتعب وراحة وغير ذلك.\rفهذا ما شوهد من حال المسيح (عليه السلام) حين مكثه بين الناس ولا يرتاب ذو عقل أن من كان هذا شأنه فهو إنسان كسائر الأناسي من نوعه وإذا كان كذلك فهو مخلوق مصنوع كسائر أفراد نوعه وأما صدور الخوارق وتحقق المعجزات بيده كإحياء الأموات وخلق الطير وإبراء الأكمه والأبرص وكذا تحقق الخوارق من الآيات في وجوده كتكونه من غير أب فإنما هي أمور خارقة للعادة المألوفة والسنة الجارية في الطبيعة فإنها نادرة الوجود لا مستحيلته فهذا آدم تذكر الكتب السماوية أنه خلق من تراب ولا أب له وهؤلاء أنبياء الله كصالح وإبراهيم وموسى (عليهم السلام) جرت بأيديهم آيات معجزة كثيرة مذكورة في مسفورات الوحي من غير أن تقتضي فيهم ألوهية ولا خروجا عن طور الإنسانية.","part":14,"page":340},{"id":6034,"text":"وهذه الطريقة هي المسلوكة في قوله تعالى {لقد كفر الذين قالوا إن الله ثالث ثلاثة وما من إله إلا إله واحد} إلى أن قال {ما المسيح ابن مريم إلا رسول قد خلت من قبله الرسل وأمه صديقة كانا يأكلان الطعام انظر كيف نبين لهم الآيات ثم انظر أنى يؤفكون} : المائدة - 75 وقد خص أكل الطعام من بين جميع الأفعال بالذكر لكونه من أحسنها دلالة على المادية واستلزاما للحاجة والفاقة المنافية للألوهية فمن المعلوم أن من يجوع ويظمأ بطبعه ثم يشبع بأكله أو يرتوى بشربه ليس عنده غير الحاجة والفاقة التي لا يرفعها إلا غيره وما معنى ألوهية من هذا شأنه فإن الذي قد أحاطت به الحاجة واحتاج في رفعها إلى الخارج من نفسه فهو ناقص في نفسه مدبر بغيره وليس بإله غني بذاته بل هو مخلوق مدبر بربوبية من ينتهي إليه تدبيره.\rوإلى هذا يمكن أن يرجع قوله تعالى {لقد كفر الذين قالوا إن الله هو المسيح ابن مريم قل فمن يملك من الله شيئا إن أراد أن يهلك المسيح ابن مريم وأمه ومن في الأرض جميعا ولله ملك السموات والأرض وما بينهما يخلق ما يشاء والله على كل شئ قدير : المائدة - 17.\rوكذا قوله تعالى في ذيل الآية المنقولة سابقا آية 75 خطابا للنصارى {قل أتعبدون من دون الله ما لا يملك لكم ضرا ولا نفعا والله هو السميع العليم} : المائدة - 76.","part":14,"page":341},{"id":6035,"text":"فإن الملاك في هذا النوع من الاحتجاجات هو أن الذي شوهد من أمر المسيح أنه كان يعيش على الناموس الجاري في حياة الإنسان متصفا بجميع صفاته وأفعاله وأحواله النوعية كالأكل والشرب وسائر الاحتياجات الإنسانية والخواص البشرية ولم يكن هذا التلبس والاتصاف بحسب ظاهر الحس أو تسويل الخيال فحسب بل كان على الحقيقة وكان المسيح (عليه السلام) إنسانا ذا هذه الأوصاف والأحوال والأفعال والأناجيل مشحونة بتسميته نفسه إنسانا وابن الإنسان مملوئة بالقصص الناطقة بأكله وشربه ونومه ومشيه ومسافرته وتعبه وتكلمه ونحو ذلك بحيث لا يقبل شئ منها صرفا ولا تأويلا ومع تسليم هذه الأمور يجري على المسيح ما يجري على غيره فهو لا يملك من غيره شيئا كغيره ويمكن أن يهلك كغيره.\rوكذا حديث عبادته ودعائه بحيث لا يرتاب في أن ما كان يأتيه من عبادة فإنما للتقرب من الله والخضوع لقدس ساحته لا لتعليم الناس أو لاغراض أخر تشابه ذلك.\rوإلى حديث العبادة والاحتجاج به يؤمي قوله تعالى {لن يستنكف المسيح أن يكون عبدا لله ولا الملائكة المقربون ومن يستنكف عن عبادته ويستكبر فسيحشرهم إليه جميعا} : النساء - 172 فعبادة المسيح أول دليل على أنه ليس بإله وأن الألوهية لغيره لا نصيب له فيها فأي معنى لنصب الشئ نفسه في مقام العبودية والمملوكية لنفسه وكون الشئ قائما بنفسه من عين الجهة التي بها يقوم نفسه والأمر ظاهر وكذا عبادة الملائكة كاشفة عن أنها ليست ببنات الله سبحانه ولا أن روح القدس إله بعد ما كانوا بأجمعهم عابدين لله طائعين له كما قال تعالى {وقالوا اتخذ الرحمن ولدا سبحانه بل عباد مكرمون لا يسبقونه بالقول وهم بأمره يعملون يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم ولا يشفعون إلا لمن ارتضى وهم من خشيته مشفقون} : الأنبياء - 28","part":14,"page":342},{"id":6036,"text":"على أن الاناجيل مشحونة بأن الروح طائع لله ورسله مؤتمر للأمر محكوم بالحكم ولا معنى لأمر الشئ نفسه ولا لطاعته لذاته ولا لانقياده وائتماره لمخلوق نفسه.\rونظير عبادة المسيح لله سبحانه في الدلالة على المغايرة دعوته الناس إلى عبادة الله كما يشير إليه قوله تعالى {لقد كفر الذين قالوا إن الله هو المسيح ابن مريم وقال المسيح يا بني إسرائيل اعبدوا الله ربي وربكم إنه من يشرك بالله فقد حرم الله عليه الجنة ومأواه النار وما للظالمين من أنصار} : المائدة - 72 وسبيل الآية واحتجاجها ظاهر.\rوالأناجيل أيضا مشحونة في دعوته إلى الله سبحانه وهي وإن لم تشتمل على هذا اللفظ الجامع {اعبدوا الله ربي وربكم} لكنها مشتملة على الدعوة إلى عبادة الله وعلى اعترافه بأنه ربه الذي بيده زمام أمره وعلى اعترافه بأنه رب الناس ولا تتضمن دعوته إلى عبادة د نفسه صريحا ولا مرة مع ما فيها من قوله أنا وأبي واحد نحن إنجيل يوحنا الإصحاح العاشر فمن الواجب أن يحمل على تقدير صحته على أن المراد أن إطاعتي إطاعة الله كما قال تعالى في كتابه الكريم من يطع الرسول فقد أطاع الله : النساء - 80. أ هـ {الميزان حـ 3 صـ 287 ـ 291}\rفائدة\rقال فى الميزان :\rالمسيح من الشفعاء عند الله وليس بفاد =\rزعمت النصارى أن المسيح فداهم بدمه الكريم ولذلك لقبوه بالفادي قالوا إن آدم لما عصي الله بالأكل من الشجرة المنهية في الجنة أخطأ بذلك ولزمته الخطيئة وكذلك لزمت ذريته من بعده ما توالدوا وتناسلوا وجزاء الخطيئة العقاب في الآخرة والهلاك الأبدي الذي لا مخلص منه وقد كان الله سبحانه رحيما عادلا.","part":14,"page":343},{"id":6037,"text":"فبدا إذ ذاك إشكال عويص لا انحلال له وهو أنه لو عاقب آدم وذريته بخطيئتهم كان ذلك منافيا لرحمته التي لها خلقهم ولو غفر لهم كان ذلك منافيا لعدله فإن مقتضى العدل أن يعاقب المجرم الخاطي بجرمه وخطيئته كما أن مقتضاه أن يثاب المحسن المطيع بإحسانه وإسائته.\rولم تزل هذه العويصة على حالها حتى حلها ببركة المسيح وذلك بأن حل المسيح وهو ابن الله وهو الله نفسه رحم واحدة من ذرية آدم وهو مريم البتول وتولد منها كما يتولد إنسان فكان بذلك إنسانا كاملا لأنه ابن إنسان وإلها كاملا لأنه ابن الله وابن الله هو الله تعالى معصوما عن جميع الذنوب والخطايا.\rوبعد أن عاش بين الناس برهة يسيرة من الزمان يعاشرهم ويخالطهم ويأكل ويشرب معهم ويكلمهم ويستأنس بهم ويمشي فيهم تسخر لاعدائه ليقتلوه شر قتلة وهي قتلة الصلب التي لعن صاحبها في الكتاب الإلهي فاحتمل اللعن والصلب بما فيه من الزجر والأذى والعذاب ففدى الناس بنفسه ليخلصوا بذلك من عقاب الآخرة وهلاك السرمد وهو كفارة لخطايا المؤمنين به بل لخطايا كل العالم هذا ما قالوه.\rوقد جعلت النصارى هذه الكلمة أعني مسألة الصلب والفداء أساس دعوتهم فلا يبدئون إلا بها ولا يختمون إلا عليها كما أن القرآن يجعل أساس الدعوة الإسلامية هو التوحيد كما قال الله مخاطبا لرسوله (صلى الله عليه وآله وسلم) {قل هذه سبيلي أدعوا إلى الله على بصيرة أنا ومن اتبعني وسبحان الله وما أنا من المشركين} : يوسف - 108 مع أن المسيح على ما يصرح به الأناجيل وقد تقدم نقله كان يجعل أول الوصايا هو التوحيد ومحبة الله سبحانه.","part":14,"page":344},{"id":6038,"text":"وقد ناقشهم غيرهم من المسلمين وسائر الباحثين فيما يشتمل عليه قولهم هذا من وجوه الفساد والبطلان وألفت فيها كتب ورسائل وملئت بها صحف وطوامير ببيان منافاتها لضرورة العقل ومناقضتها لكتب العهدين والذي يهمنا ويوافق الغرض الموضوع له هذا الكتاب بيان جهات منافاته لأصول تعليم القرآن وختمه ببيان الفرق بين ما يثبته القرآن من الشفاعة وما يثبتونه من الفداء.\rعلى أن القرآن يذكر صراحة أنه إنما يخاطب الناس ويكلمهم ببيان ما يقرب من أفق عقولهم ويمكن بياناته من فقههم وفهمهم وهو الأمر الذي به يميز الإنسان الحق من الباطل فينقاد لهذا ويأبى ذاك ويفرق بين الخير والشر والنافع والضار فيأخذ بهذا ويترك ذاك والذي ذكرناه من اعتبار القرآن في بياناته حكم العقل السليم مما لا غبار عليه عند من راجع الكتاب العزيز.\rفأما ما ذكروه ففيه أولا أنهم ذكروا معصية آدم (عليه السلام) بالأكل من الشجرة المنهية والقرآن يدفع ذلك من جهتين الأولى أن النهي هناك كان نهيا إرشاديا يقصد به صلاح المنهي ووجه الرشد\rفي أمره لا إعمال المولوية والأمر الذي هو من هذا القبيل لا يترتب على امتثاله ولا تركه ثواب ولا عقاب مولوي كأوامر المشير ونواهيه لمن يستشيره وأوامر الطبيب ونواهيه للمريض بل إنما يترتب على امتثال التكليف الإرشادي الرشد المنظور لمصلحة المكلف وعلى مخالفته الوقوع في مفسدة المخالفة وضرر الفعل بما أنه فعل وبالجملة لم يلحق بآدم (عليه السلام) إلا أنه أخرج من الجنة وفاته راحة القرب وسرور الرضا وأما العقاب الأخروي فلا لأنه لم يعص معصية مولوية حتى يستتبع عقابا راجع تفسير الآيات 39 35 من سورة البقرة.\r","part":14,"page":345},{"id":6039,"text":"والثانية أنه (عليه السلام) كان نبيا والقرآن ينزه ساحة الأنبياء (عليهم السلام) ويبرء نفوسهم الشريفة عن اقتراف المعاصي والفسق عن أمر الله سبحانه والبرهان العقلي أيضا يؤيد ذلك راجع ما ذكرناه في البحث عن عصمة الأنبياء في تفسير الآية 213 من سورة البقرة.\r","part":14,"page":346},{"id":6040,"text":"وثانيا قولهم إن الخطيئة لزمت آدم فإن القرآن يدفعه بقوله {ثم اجتباه ربه فتاب عليه وهدى} : طه - 122 وقوله {فتلقى آدم من ربه كلمات فتاب عليه إنه هو التواب الرحيم} : البقرة - 37 والاعتبار العقلي يؤيد ذلك بل يبينه فإن الخطيئة وتبعة الذنب إنما هو أمر محذور مخوف منه يعتبره العقل أو المولى لازما للمخالفة والتمرد ليستحكم بذلك أمر التكليف فلولا العقاب والثواب لم يستقم أمر المولوية ولم يمتثل أمر ولا نهي وكما أن من شئون المولوية بسط العقاب على المجرمين في جرائمهم كالثواب على المطيعين في طاعاتهم كذلك من شئون المولوية إطلاق التصرف في دائرة مولويته فللمولى أن يغمض عن خطيئة المخطئين ومعصية العاصين بالعفو والمغفرة فإنه نوع تصرف وحكومة كما أن له أن يؤاخذ بها وهي نوع حكومة وحسن العفو والمغفرة عن الموالي وأولي القوة والسطوة في الجملة مما لا ريب فيه والعقلاء من الناس يستعملونه إلى هذا الحين فكون كل خطيئة صادرة من الإنسان لازمة للإنسان مما لا وجه له ألبتة وإلا لم يكن لأصل العفو والمغفرة تحقق لأن المغفرة والعفو إنما يكون لإمحاء الخطيئة وإبطال أثر الذنب ومع فرض أن الخطيئة لازمة غير منفكة لا يبقى موضوع للعفو والمغفرة مع أن الوحي الالهي مملو بحديث العفو والمغفرة وكتب العهدين كذلك حتى أن هذا الكلام المنقول منهم لا يخلو عنه وبالجملة دعوى كون ذنب من الذنوب أو خطيئة من الخطايا لازمة غير قابلة في نفسه للمغفرة والإمحاء حتى بالتوبة والإنابة والرجوع والندم مما لا يقبله عقل سليم ولا طبع مستقيم.\r","part":14,"page":347},{"id":6041,"text":"وثالثا أن قولهم أن خطيئة آدم كما لزمته كذلك لزمت ذريته إلى يوم القيامة يستلزم أن يشمل تبعة الذنب الصادر من واحد غيره أيضا ممن لم يذنب في المعاصي المولوية وبعبارة أخرى أن يصدر فعل عن واحد ويعم عصيانه وتبعته غير فاعله كما يشمل فاعله وهذا غير أن يأتي قوم بالمعصية ويرضى به آخرون من أخلافهم فتحسب المعصية على الجميع وبالجملة هو تحمل الوزر من غير صدور الذنب والقرآن يرد ذلك كما في قوله {أن لا تزر وازرة وزر أخرى وأن ليس للإنسان إلا ما سعى} : النجم - 39 والعقل يساعده عليه لقبح مؤاخذة من لم يذنب بذنب لم يصدر عنه راجع أبحاث الأفعال في تفسير آية 218 216 من سورة البقرة.\rورابعا أن كلامهم مبني على كون تبعة جميع الخطايا والذنوب هو الهلاك الأبدي من غير فرق بينها ولازمه أن لا يختلف الخطايا والذنوب من حيث الصغر والكبر بل يكون جميعها كبائر موبقات والذي يراه القرآن الكريم في تعليمه أن الخطايا والمعاصي مختلفة فمنها كبائر ومنها صغائر ومنها ما تناله المغفرة ومنها ما لا تناله إلا بالتوبة كالشرك قال تعالى {إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه نكفر عنكم سيئاتكم} : النساء - 31 وقال تعالى {إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء} : النساء - 48 فجعل تعالى من المحرمات المنهي عنها وهي الخطايا والذنوب ما هي كبائر وما هي سيئات أي صغائر بقرينة المقابلة وجعل تعالى من الذنوب ما لا يقبل المغفرة ومنها ما يقبلها فالذنوب على أي حال مختلفة وليس كل ذنب بموجب للخلود في النار والهلاك الأبدي.","part":14,"page":348},{"id":6042,"text":"واحد فاللطم غير القتل والنظر المريب غير الزنا وهكذا والعقلاء من الإنسان في جميع الأدوار لم يضعوا كل ذنب وخطأ موضع غيره ويرون للمعاصي المختلفة تبعات ومؤاخذات مختلفة فكيف يصح إجراء الجميع مجرى واحدا مع هذا الاختلاف الفاحش بينها وإذا فرض اختلافها لم يصح إلا جعل العقاب الخالد والهلاك الأبدي لبعضها كالشرك بالله كما يقول القرآن الكريم ومن المعلوم أن مخالفة نهي ما في الأكل من الشجرة ليس يحل محل الكفر بالله العظيم وما يشابه ذلك فلا وجه لجعل عقابه وتبعته هو العذاب المؤبد راجع بحث الأفعال السابق الذكر.\rوخامسا ما ذكروه من وقوع الإشكال وحدوث التزاحم بين صفة الرحمة وصفة العدل ثم الاحتيال إلى رفعه بنزول المسيح وصعوده بالوجه الذي ذكروه.","part":14,"page":349},{"id":6043,"text":"والمتأمل في هذا الكلام وما يستتبعه من اللوازم يجد أنهم يرون أن الله تعالى وتقدس موجود خالق ينسب وينتهي إليه هذا العالم المخلوق بجميع أجزائه غير أنه إنما يفعل بإرادة وعلم في نفسه وإرادته في تحققها تتوقف إلى ترجيح علمي كما أن الإنسان إنما يريد شيئا إذا رجحه بعلمه فهناك مصالح ومفاسد يطبق الله أفعاله عليها فيفعلها وربما أخطأ في التطبيق فندم على الفعل وربما فكر في أمر ولم يهتد إلى طريق صلاحه وربما جهل أمرا وبالجملة هو تعالى في أوصافه وأفعاله كالإنسان إنما يفعل ما يفعل بالتفكر والتروي ويروم فيه تطبيق فعله على المصلحة فهو محكوم بحكم المصالح ومقهور بعملها فيه من الخارج ويمكن له الاهتداء إلى الصلاح ويمكن له الضلال والاشتباه والغفلة فربما يعلم وربما يجهل وربما يغلب وربما يغلب عليه فقدرته محدودة كعلمه وإذا جاز عليه هذا الذي ذكر جاز عليه سائر ما يطرأ الفاعل المتفكر المريد في فعله من سرور وحزن وحمد وندم وابتهاج وانفعال وغير ذلك والذي هذا شأنه يكون موجودا ماديا جسمانيا واقعا تحت ناموس الحركة والتغير والاستكمال والذي هو كذلك ممكن مخلوق بل إنسان مصنوع وليس بالواجب تعالى الخالق لكل شئ.\rوأنت بالرجوع إلى كتب العهدين تجد صدق جميع ما نسبناه إليهم في الواجب تعالى من جسميته واتصافه بجميع أوصاف الجسمانيات وخاصة الإنسان.","part":14,"page":350},{"id":6044,"text":"والقرآن في جميع هذه المعاني المذكورة ينزه الله تعالى عن هذه الأوهام الخرافية كما يقول تعالى {سبحان الله عما يصفون} : الصافات - 159 والبراهين العقلية القاطعة قائمة على أنه تعالى ذات مستجمع لجميع صفات الكمال فله الوجود من غير شائبة عدم والقدرة المطلقة من غير عجز والعلم المطلق من غير طرو جهل والحياة المطلقة من غير إمكان موت وفناء وإذا كان كذلك لم يجز عليه تغير حال في وجوده أو علمه أو قدرته أو حياته.\rوإذا كان كذلك لم يكن جسما ولا جسمانيا لأن الأجسام والجسمانيات محاط التغيرات والتحولات ومحال الإمكانات والافتقارات والاحتياجات وإذا لم يكن جسما ولا جسمانيا لم يطرء عليه الحالات المختلفة والطواري المتنوعة من غفلة وسهو وغلط وندم وتحير وتأثر وانفعال وهوان وصغر ومغلوبية ونحوها وقد استوفينا البحث البرهاني المتعلق بهذه المعاني في هذا الكتاب في موارد يناسبها يجدها المراجع إذا راجع.\rوعلى الناقد المتبصر والمتأمل المتدبر أن يقايس بين القولين ما يقول به القرآن الكريم في إله العالم فيثبت له كل صفة كمال وينزهه عن كل صفة نقص وبالآخرة يعده أكبر وأعظم من أن يحكم فيه أفهامنا بما صحبته من عالم الحد والتقدير وبين ما يثبته العهدان في الباري تعالى بما لا يوجد إلا في أساطير يونان وخرافات هند القديم والصين وأمور كان الإنسان الأولي يتوهمها فيتأثر مما قدمه إليه وهمه.\rوسادسا قولهم إن الله أرسل ابنه المسيح وأمره أن يحل رحما من الأرحام ليتولد إنسانا وهو إله وهذا هو القول غير المعقول الذي انتهض لبيان بطلانه القرآن الكريم على ما أوضحناه في البيان السابق فلا نعيد.\r","part":14,"page":351},{"id":6045,"text":"ومن المعلوم أن العقل أيضا لا يساعد عليه فإنك إذا تأملت فيما يجب من الصفات أن يقال باتصاف الواجب تعالى بها كالثبات السرمدي وعدم التغير وعدم تحدد الوجود والإحاطة بكل شئ والتنزه عن الزمان والمكان وما يتبعهما وتأملت في تكون إنسان من حين كونه نطفة فجنينا في رحم سواء اعتبرت في معناه تفسير الملكانيين لهذه الكلمة أو تفسير النسطوريين أو تفسير اليعقوبيين أو غيرهم إذ لا نسبة بين ما له الجسمية وجميع أوصاف الجسمية وآثارها وبين ما ليس فيه جسمية ولا شئ مما يتصف به من زمان أو مكان أو حركة أو غير ذلك فكيف يمكن تعقل الاتحاد بينهما بوجه.\rوعدم انطباق القول المذكور على القضايا الضرورية العقلية هو السر فيما يذكره بولس وغيره من رؤسائهم القديسيين من تقبيح الفلسفة والازراء بالأحكام العقلية يقول بولس قد كتب لأهلكن حكمة الحكماء ولأخالفن فهم الفقهاء أين الحكيم أين الكاتب أين مستفحص هذا الدهر بتعمق أوليس قد حمق الله حكمة هذا العالم إلى أن قال وإذ اليهود يسألون آية واليونانيون يطلبون حكمة نكرز نحن بالمسيح مصلوب رسالة بولس الإصحاح الأول ونظائر هذه الكلمات كثيرة في كلامه وكلام غيره وليست إلا لسياسة النشر والإذاعة والتبليغ والعظة يوقن بذلك من أرعى نظره في هذه الرسائل والكتب وتعمق في طريق تكليمها الناس وإلقاء بياناتها إليهم.\rومن ما مر يظهر ما في قولهم إنه تعالى معصوم من الذنوب والخطايا فإن الإله الذي صوروه غير مصون عن الخطأ أصلا بمعنى الغلط في الإدراك والغلط في الفعل من غير أن ينتهي إلى مخالفة من يجب موافقته.\rوأما الذنب والمعصية بمعنى التمرد فيما يجب فيه الطاعة والانقياد فهو غير متصور في حقه تعالى فالعصمة أيضا غير متصورة في حقه سبحانه.","part":14,"page":352},{"id":6046,"text":"وسابعا قولهم إنه بعد أن صار إنسانا عاشر الناس معاشرة الإنسان للإنسان حق تسخر لأعدائه فيه تجويز اتصاف الواجب بحقيقة من حقائق الممكنات حتى يكون إلها وإنسانا في عرض واحد فكان من الجائز أن يصير الواجب شيئا من مخلوقاته أي يتصف بحقيقة كل نوع من هذه الأنواع الخارجية فتارة يكون إنسانا من الأناسي وتارة فرسا وتارة طائرا وتارة حشرة وتارة غير ذلك وتارة يكون أزيد من نوع واحد من الأنواع كالإنسان والفرس والحشرة معا.\rوهكذا يجوز أن يصدر عنه أي فعل فرض من أفعال الموجودات لجواز أن يصير هو ذلك النوع فيفعل فعله المختص به وكذا يجوز أن يصدر عنه أفعال متقابلة معا كالعدل والظلم وأن يتصف بصفات متقابلة كالعلم والجهل والقدرة والعجز والحياة والموت والغنى والفقر تعالى الملك الحق وهذا غير المحذور المتقدم في الأمر السادس\rوثامنا قولهم إنه تحمل الصلب واللعن أيضا لأن المصلوب ملعون ماذا يريدون بقولهم إنه تحمل اللعن وما ذا يراد بهذا اللعن أهو هذا اللعن الذي يعرفه العرف واللغة وهو الإبعاد من الرحمة والكرامة أو غير ذلك فإن كان هو الذي نعرفه وتعرفه اللغة فما معنى إبعاده تعالى نفسه من الرحمة أو إبعاد غيره إياه من الرحمة فهل الرحمة إلا الفيض الوجودي وموهبة النعمة والاختصاص بمزايا الوجود فيرجع هذا الإبعاد واللعن بحسب المعنى إلى الفقر في المال أو الجاه أو نحو ذلك في الدنيا أو الآخرة أو كلتيهما وحينئذ فما معنى لحوق اللعن بالله تعالى وتقدس بأي وجه تصوروه مع أنه الغني بالذات الذي هو يسد باب الفقر عن كل شئ.\r","part":14,"page":353},{"id":6047,"text":"والتعليم القرآني على خلاف هذا التعليم العجيب بتمام معنى الكلمة قال تعالى {يا أيها الناس أنتم الفقراء إلى الله والله هو الغني الحميد} : الفاطر - 15 والقرآن يسميه تعالى بأسماء ويصفه بصفات يستحيل معها عروض أي فقر وفاقة وحاجة ونقيصة وفقد وعدم وسوء وقبح وذل وهوان إلى ساحة قدسه وكبريائه.\rفإن قيل إن اتصافه بالهوان وحمله اللعن بواسطة اتحاده بالإنسان وإلا فهو تعالى في نفسه وحيال ذاته أجل من أن يعرضه ذلك.\rقيل لهم هل يوجب هذا الاتحاد حمله اللعن واتصافه بهذه الأمور الشاقة حقيقة ومن غير مجاز أو لا ؟\rفإن كان الأول لزم المحذور الذي ذكرناه وإن كان الثاني عاد الإشكال أعني أن تولد المسيح لم يوجب انحلال إشكال تزاحم الرحمة والعدل فإن تحمل غيره تعالى للمصائب وأقسام العذاب واللعن لا يتم أمر الفدية أي صيرورة الله فدية عن أفراد الإنسان وهو ظاهر.\rوتاسعا قولهم إن ذلك كفارة لخطايا المؤمنين بعيسى بل لخطايا كل العالم يدل ذلك على أنهم لم يحصلوا حقيقة معنى الذنوب والخطايا وكيفية استتباعها للعقاب الأخروي وكيف يتحقق هذا العقاب ولم يعرفوا حقيقة الارتباط بين هذه الذنوب والخطايا وبين التشريع وما هو موقف التشريع من ذلك على ما يتكفله البيان القرآني وتعليمه.\r","part":14,"page":354},{"id":6048,"text":"فقد بينا في المباحث السابقة في هذا الكتاب ومن جملتها ما في تفسير قوله تعالى {إن الله لا يستحيي أن يضرب مثلا ما} : البقرة - 26 وفي ذيل قوله تعالى {كان الناس امة واحدة} : البقرة - 213 أن الأحكام والقوانين التي يقع فيها المخالفة والتمرد ثم الذنب والخطيئة إنما هي أمور وضعية اعتبارية أريد بوضعها واعتبارها أن يحفظ مصالح المجتمع الإنساني بالعمل بها والرقوب لها وأن العقاب المترتب على المعصية والمخالفة إنما هو تبعة سوء اعتبروه ووضعوه ليكون ذلك صارفا للإنسان المكلف عن اقتراف المعصية والتمرد عن الطاعة هذا ما عند العقلاء البانين للمجتمع الإنساني.\rلكن التعليم القرآني يعطي في هذا المعنى ما هو أرقي من ذلك وأرق ويؤيده البحث العقلي على ما مر وهو أن الإنسان بانقياده للشرع المنصوب له من جانب الله وعدم انقياده له تتهيأ في نفسه حقائق من الصفات الباطنة الحميدة الفاضلة أو الرذيلة الخسيسة الخبيثة وهذه هي التي تهيئ للإنسان نعمة أخروية أو نقمة أخروية اللتين ممثلهما الجنة والنار وحقيقتهما القرب والبعد من الله فالحسنات أو الخطايا تتكي وتنتهي إلى أمور حقيقية لها نظام حقيقة غير اعتباري.","part":14,"page":355},{"id":6049,"text":"ومن البين أيضا أن التشريع الإلهي إنما هو تتمة للتكميل الإلهي في الخلقة وإنهاء الهداية التكوينية إلى غايتها وهدفها من الخلقة وبعبارة أخرى شأنه تعالى إيصال كل نوع إلى كمال وجوده وهدف ذاته ومن كمال وجود الإنسان النظام النوعى الصالح في الدنيا والحياة الناعمة السعيدة في الآخرة والطريق إلى ذلك الدين الذي يتكفل قوانين صالحة لإصلاح الاجتماع وجهات من التقرب باسم العبادات يعمل بها الإنسان فينتظم بذلك معاشه ويتهيأ في نفسه ويصلح في ذاته وعمله للكرامة الإلهية في الدار الآخرة كل ذلك من جهة النور المجعول في قلبه والطهارة الحاصلة في نفسه هذا حق الأمر.\rفللإنسان قرب وبعد من الله سبحانه هما الملاكان في سعادته وشقاوته الدائمتين ولصلاح اجتماعه المدني في الدنيا والدين هو العامل الوحيد في إيجاد هذا القرب والبعد وجميع ذلك أمور حقيقية غير مبتنية على اللغو والجزاف.\rوإذا فرضنا أن اقتراف معصية واحدة كالأكل من الشجرة المنهية ؟ من آدم أوجب له الهلاك الدائم لا له فحسب بل ولجميع ذريته ثم لم يكن هناك ما يعالج به الداء ويفرج به الهم إلا فداء المسيح فما فائدة تشريع الدين قبل المسيح وما فائدة تشريعه معه وما فائدة تشريعه بعده ؟ ؟!!!.\rوذلك أنه لما فرض أن الهلاك الدائم والعقاب الأخروي محتوم من جهة صدور المعصية لا ينفع في صرفه عن الإنسان لا عمل ولا توبة إلا بنحو الفداء لم يكن معنى لتشريع الشرائع وإنزال الكتب وإرسال الرسل من عند الله سبحانه ولم يزل الوعد والوعيد والإنذار والتبشير خالية عن وجه الصحة فماذا كاد يصلحه هذا السعي بعد وجوب العذاب وحتم الفساد.","part":14,"page":356},{"id":6050,"text":"وإذا فرض هناك من تكمل بالعمل بالشرائع السابقة وكم من الأنبياء والربانيين من الأمم السالفة كذلك كالنبي المكرم إبراهيم وموسى (عليهما السلام) وغيرهما وقد قضوا وماتوا قبل إدراك زمان الفداء فماذا ترى أترى أنهم ختموا الحياة على الشقاء أو السعادة وما الذي استقبلهم به الموت وعالم الآخرة استقبلهم بالعقاب والهلاك أم بالثواب والحيوة السعيدة.\rمع أن المسيح يصرح بأنه إنما أرسل لتخليص المذنبين والمخطئين وأما الصلحاء والأخيار فلا حاجة لهم إلى ذلك .\rوبالجملة فلا يبقى لتشريع الشرائع الإلهية وجعل النواميس الدينية قبل فداء المسيح غرض صحيح يصونه عن العبث واللغوية ولا لهذا الفعل العجيب من الله تعالى وتقدس محمل حق إلا أن يقال إنه تعالى كان يعلم أن لو لم يرفع محذور خطيئة آدم لم ينفعه شئ من هذه التشريعات قط وإنما شرع هذه الشرائع على سبيل الاحتياط برجاء أن سيوفق يوما لرفع المحذور ويجني ثمرة تشريعه بعد ذلك ويبلغ غايته ويظفر بأمنيته إذ ذاك فشرع ما شرع بكتمان الأمر عن الأنبياء والناس وإخفاء أن ههنا محذورا لو لم يرتفع خابت مساعي الأنبياء والمؤمنين كافة وذهبت الشرائع سدى وإظهار أن التشريع والدعوة على الجد والحقيقة.","part":14,"page":357},{"id":6051,"text":"فغر الناس وغر نفسه أما غرور الناس فبإظهار أن العمل بالشرائع يضمن مغفرتهم وسعادتهم وأما غرور نفسه فلأن التشريع بعد رفع المحذور بالفداء يعود لغوا لا أثر له في سعادة الناس كما أنه من غير رفع المحذور كان لا أثر له فهذا حال تشريع الدين قبل وصول أوان الفداء وتحققه ! وأما في زمان الفداء وبعده فالأمر في صيرورة التشريع والدعوة الدينية والهداية الإلهية لغوا أوضح وأبين فما هي الفائدة في الإيمان بالمعارف الحقة والإتيان بالأعمال الصالحة بعد ارتفاع محذور الخطيئة واستيجاب نزول المغفرة والرحمة على الناس مؤمنهم وكافرهم برهم وفاجرهم من غير فرق بين أتقى الأتقياء وأشقى الأشقياء في أنهما يشتركان في الهلاك المؤبد مع بقاء الخطيئة وفي الرحمة اللازمة مع ارتفاعها بالفداء والمفروض أنه لا ينفع أي عمل صالح في رفعها لولا الفداء.\rفإن قيل إن الفداء إنما ينفع في حق من آمن بالمسيح فللدعوة ثمرة كما يصرح به المسيح في بشارته\rقيل مضافا إلى أنه مناقض لما تقدمت الإشارة إليه من كلام يوحنا في رسالته إنه هدم لجميع الأصول الماضية إذ لا يبقى من الناس آدم فمن دونه في حظيرة النجاة والخلاص إلا شرذمة منهم وهم المؤمنون بالمسيح والروح بل واحدة من طوائفهم المختلفة في الأصول وأما غيرهم فهم باقون على الهلاك الدائم فليت شعري إلى ما يؤل أمر الأنبياء المكرمين قبل المسيح وأمر المؤمنين من أممهم ؟ وبماذا يتصف الدعوة التي جاؤوا بها من كتاب وحكم أبالصدق أم بالكذب ؟ والأناجيل تصدق التوراة ودعوتها وليس فيها دعوة إلى قصة الروح والفداء ! وهل هي تصدق ما هو صادق أو تصدق الكاذب ؟\r","part":14,"page":358},{"id":6052,"text":"فإن قيل إن الكتب السماوية السابقة فيما نعلم تبشر بالمسيح وهذه منهم دعوة إجمالية إلى المسيح وإن لم تفصل القول في كيفية نزوله وفدائه فلم يزل الله يبشر أنبيائه بظهور المسيح ليؤمنوا به ويطيبوا نفسا بما سيصنعه.\rقيل أولا إن القول به قبل موسى تخرص على الغيب على أن البشارة لو كانت فإنما هي بشارة بالخلاص وليست بدعوة إلى الإيمان والتدين به\rوثانيا إن ذلك لا يدفع محذور لغوية الدعوة في فروع الدين من الأخلاق والأفعال حتى من المسيح نفسه ، والأناجيل مملوءة بذلك\rوثالثا إن محذور الخطيئة وانتقاض الغرض الإلهي باق على حاله فإن الله تعالى إنما خلقهم ليرحم جميعهم ويبسط النعمة والسعادة على كافتهم وقد آل أمره إلى عقابهم والغضب عليهم وإهلاكهم للأبد إلا شرذمة منهم.\rفهذه نبذة من وجوه فساده عند العقل ويؤيده ويجري عليه القرآن الكريم قال تعالى {الذي أعطى كل شئ خلقه ثم هدى} طه - 50 فبين أن كل شئ مهدي إلى غايته وما يبتغيه بوجوده والهداية تعم التكوينية والتشريعية فالسنة الإلهية جارية على بسط الهداية ومنها هداية الإنسان هداية دينية.\r","part":14,"page":359},{"id":6053,"text":"ثم قال تعالى وهو أول هداية دينية ألقاها إلى آدم ومن معه حين إهباطهم من الجنة \" قلنا اهبطوا منها جميعا فإما يأتينكم مني هدى فمن تبع هداى فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون والذين كفروا وكذبوا بآياتنا أولئك أصحاب النار هم فيها خالدون \" البقرة - 39 وما يشتمل عليه بمنزلة التلخيص لتفاصيل الشرائع إلى يوم القيامة ففيه تشريع ووعد ووعيد عليه من غير تردد وارتياب وقد قال تعالى : \" والحق أقول \" ص - 84 وقال تعالى \" ما يبدل القول لدي وما أنا بظلام للعبيد \" ق - 29 فبين أنه لا يتردد فيما جزم به من الأمر ولا ينقض ما أنفذه من الأمر فما يقضيه هو الذي يمضيه وإنما يفعل ما قاله فلا ينحرف فعله عن المجرى الذي أراد عليه لا من جهته نفسه بأن يريد شيئا ثم يتردد في فعله أو يريده ثم يبدو له فلا يفعله ولا جهة غيره بأن يريد شيئا ويقطع به ويعزم عليه ثم يمنعه مانع من العقل أو يبدو إشكال يعترض عليه في طريق الفعل فكل ذلك من قهر القاهر وغلبة المانع الخارجي قال تعالى \" والله غالب على أمره \" يوسف - 21 وقال تعالى \" إن الله بالغ أمره \" الطلاق - 3 وقال تعالى حكاية عن موسى \" قال علمها عند ربي في كتاب لا يضل ربي ولا ينسى \" طه - 52 وقال تعالى \" اليوم تجزي كل نفس بما كسبت لا ظلم اليوم إن الله سريع الحساب \" المؤمن - 17.\rتدل هذه الآيات وما يشابهها على أنه تعالى إنما خلق الخلق ولم يغفل عن أمره ولم يجهل شيئا مما سيظهر منه ولم يندم على ما فعله ثم شرع لهم الشرائع تشريعا جديا فأصلا من غير هزل ولا خوف ولا رجاء ثم إنه يجزي كل ذي عمل بعمله إن خيرا فخير وإن شرا فشر من غير أن يغلبه تعالى غالب أو يحكم عليه حاكم من شريك أو فدية أو خلة أو شفاعة من دون إذنه فكل ذلك ينافي ملكه المطلق لما سواه من خلقه.\r","part":14,"page":360},{"id":6054,"text":"وعاشرا ما ذكروه من حديث الفداء وحقيقة الفداء أن يلزم الإنسان أو ما يتعلق به من نفس أو مال أثر سيئ من قتل أو فناء فيعوض بغيره أي شئ كان ليصان بذلك من لحوق ذلك الأثر به كما يفدي الإنسان الأسير بنفس أو مال وكما تفدي الجرائم والجنايات بالأموال ويسمى البدل فدية وفداء فالتفدية نوع معاملة ينتزع بها حق صاحب الحق وسلطنته عن المفدي عنه إلى الفداء فيستنقذ به المفدي عنه من أن يلحق به الشر.\rومن هنا يظهر أن الفداء غير معقول في ما يتعلق بالله سبحانه فإن السلطنة الإلهية على خلاف السلطنة الوضعية الاعتبارية الإنسانية سلطنة حقيقية واقعية غير جائزة التبديل مستحيلة الصرف فالأشياء بأعيانها وآثارها موجودة قائمة بالله سبحانه وكيف يتصور تغيير الواقع عما هو عليه فليس إلا أمرا لا يمكن تعقله فضلا عن أن يمكن وقوعه وهذا بخلاف الملك والسلطنة والحق وأمثالها الدائرة بيننا معاشر أبناء الاجتماع فإنها وأمثالها أمور وضعية اعتبارية زمامها بأيدينا نحن المجتمعين نبطلها مرة ونبدلها أخرى على حسب تغير مصالحنا في الحياة والمعاش (راجع ما تقدم من البحث في تفسير قوله تعالى \" ملك يوم الدين \" الحمد - 4 وقوله تعالى \" قل اللهم مالك الملك الآية \" آل عمران - 26).","part":14,"page":361},{"id":6055,"text":"وقد نفى الله سبحانه الفدية بالخصوص في قوله \" فاليوم لا يؤخذ منكم فدية ولا من الذين كفروا مأواكم النار \" الحديد - 15 وقد تقدم فيما مر أن من هذا القبيل قول المسيح فيما يحكيه الله تعالى عنه \" {وإذ قال الله يا عيسى ابن مريم أأنت قلت للناس اتخذوني وأمي إلهين من دون الله قال سبحانك ما يكون لي أن أقول ما ليس لي بحق} إلى أن قال {ما قلت لهم إلا ما أمرتني به أن اعبدوا الله ربي وربكم وكنت عليهم شهيدا ما دمت فيهم فلما توفيتني كنت أنت الرقيب عليهم وأنت على كل شئ شهيد إن تعذبهم فإنهم عبادك وإن تغفر لهم فإنك أنت العزيز الحكيم \"} المائدة - 118\rفإن قوله وكنت عليهم الخ في معنى أنه لم يكن لي شأن فيهم إلا ما أنت وظفته علي وعينته وهو تبليغ الرسالة والشهادة على الأعمال ما دمت فيهم وأما هلاكهم ونجاتهم وعذابهم ومغفرتهم فإنما ذلك إليك من غير أن يرتبط بي شئ من ذلك أو يكون لي شأن فيه فأملك لهم شيئا منك أخرجهم به من عذابك أو تسلطك عليهم وفي ذلك نفى الفداء إذ لو كان هناك فداء لم يصح تبريه من أعمالهم وإرجاع العذاب والمغفرة معا إلى الله سبحانه بنفي ارتباطهما به أصلا.\rوفي معنى هذه الآيات قوله تعالى \" واتقوا يوما لا تجزي نفس عن نفس شيئا ولا يقبل منها شفاعة ولا يؤخذ منها عدل ولا هم ينصرون \" البقرة - 48 وكذا قوله تعالى \" يوم لا بيع فيه ولا خلة ولا شفاعة \" البقرة - 254 وقوله تعالى \" يوم تولون مدبرين ما لكم من الله من عاصم \" المؤمن - 33 فإن العدل في الآية الأولى والبيع في الآية الثانية والعصمة من الله في الآية الثالثة مما ينطبق عليه الفداء فنفيها نفي الفداء.","part":14,"page":362},{"id":6056,"text":"نعم أثبت القرآن الشريف في مورد المسيح الشفاعة بدل ما يثبتونه من الفداء والفرق بينهما أن الشفاعة (كما تقدم البحث عنها في قوله تعالى \" واتقوا يوما لا تجزي \" البقرة - 48 نوع من ظهور قرب الشفيع ومكانته لدى المشفوع عنده من غير أن يملك الشفيع منه شيئا أو يسلب عنه ملك أو سلطنة أو يبطل حكمه الذي خالفه المجرم أو يبطل قانون المجازاة بل إنما هو نوع دعاء واستدعاء من الشفيع لتصرف المشفوع عنده وهو الرب ما يجوز له من التصرف في ملكه وهذا التصرف الجائز مع وجود الحق هو العفو الجائز للمولى مع كونه ذا حق أن يعذبه لمكان المعصية وقانون العقوبة.\rفالشفيع يحضه ويستدعي منه أن يعمل بالعفو والمغفرة في مورد استحقاق العذاب للمعصية من غير أن يسلب من المولى ملك أو سلطان بخلاف الفداء فإنه كما مر معاملة يتبدل به سلطنة من شئ إلى شئ آخر هو الفداء ويخرج المفدي عنه عن سلطان القابل الآخذ للفداء.\rويدل على هذا الذي ذكرناه قوله تعالى \" ولا يملك الذين يدعون من دونه الشفاعة إلا من شهد بالحق وهم يعلمون \" الزخرف - 86 فإنه صريح في وقوع الشفاعة من المستثنى والمسيح (عليه السلام) ممن كانوا يدعونهم من دون الله وقد نص القرآن بأن الله علمه الكتاب والحكمة وبأنه من الشهداء يوم القيامة قال تعالى \" ويعلمه الكتاب والحكمة \" آل عمران - 48 وقال تعالى حكاية عنه \" وكنت عليهم شهيدا ما دمت فيهم : المائدة - 117 وقال تعالى \" ويوم القيامة يكون عليهم شهيدا : النساء - 159 فالآيات كما ترى تدل على كون المسيح (عليه السلام) من الشفعاء وقد تقدم تفصيل القول في هذا المعني في تفسير قوله تعالى \" واتقوا يوما لا تجزي نفس عن نفس شيئا الآية : البقرة - 48. أ هـ {الميزان حـ 3 صـ 291 ـ 305}","part":14,"page":363},{"id":6057,"text":"فصل\rقال فى الميزان : \rوأما حقيقة ما عند النصارى من قصة المسيح وأمر الإنجيل والبشارة فهي أن قصته (عليه السلام) وما يتعلق بها تنتهي عندهم إلى الكتب المقدسة عندهم وهي الأناجيل الأربعة التي هي أناجيل متى ومرقس ولوقا ويوحنا وكتاب أعمال الرسل للوقا وعدة رسائل لبولس وبطرس ويعقوب ويوحنا ويهوذا واعتبار الجميع ينتهي إلى اعتبار الأناجيل فلنشتغل بها أما إنجيل متى فهو أقدم الأناجيل في تصنيفه وانتشاره ذكر بعضهم أنه صنف سنة 38 الميلادية وذكر آخرون أنه كتب ما بين سنة 50 إلى سنة 60 فهو مؤلف بعد المسيح.\rوالمحققون من قدمائهم ومتأخريهم على أنه كان أصله مكتوبا بالعبرانية ثم ترجم إلى اليونانية وغيرها أما النسخة الأصلية العبرانية فمفقودة وأما الترجمة فلا يدري حالها ولا يعرف مترجمها.\rوأما إنجيل مرقس فمرقس هذا كان تلميذا لبطرس ولم يكن من الحواريين وربما ذكروا إنه أنما كتب إنجيله باشارة بطرس وأمره وكان لا يرى إلهية المسيح ولذلك ذكر بعضهم أنه إنما كتب إنجيله للعشائر وأهل القرى فعرف المسيح تعريف رسول إلهي مبلغ لشرائع الله وكيف كان فقد كتب إنجيله سنة 61 ميلادية.\rوأما إنجيل لوقا فلوقا هذا لم يكن حواريا ولا رأى المسيح وإنما تلقن النصرانية من بولس وبولس كان يهوديا متعصبا على النصرانية يؤذي المؤمنين بالمسيح ويقلب الأمور عليهم ثم اتفق مفاجأة أن ادعى أنه صرع وفي حال الصرع لمسه المسيح ولامه وزجره عن الإساءة إلى متبعيه وأنه آمن بالمسيح وأرسله المسيح ليبشر بإنجيله.","part":14,"page":364},{"id":6058,"text":"وبولس هذا هو الذي شيد أركان النصرانية الحاضرة على ما هي عليها فبني التعليم على أن الإيمان بالمسيح كاف في النجاة من دون عمل وأباح لهم أكل الميتة ولحم الخنزير ونهى عن الختنة وكثير مما في التوراة مع أن الإنجيل لم يأت إلا مصدقا لما بين يديه من التوراة ولم يحلل إلا أشياء معدودة وبالجملة إنما جاء عيسى ليقوم شريعة التوراة ويرد إليها المنحرفين والفاسقين لا ليبطل العمل ويقصر السعادة على الإيمان الخالي.\rوقد كتب لوقا إنجيله بعد إنجيل مرقس وذلك بعد موت بطرس وبولس وقد صرح جمع بأن إنجيله ليس كتابا إلهاميا كسائر الأناجيل كما يدل عليه ما وقع في مبتدء إنجيله.\rوأما إنجيل يوحنا فقد ذكر كثير من النصارى أن يوحنا هذا هو يوحنا بن زبدي الصياد أحد التلاميذ الاثنى عشر الحواريين الذي كان يحبه المسيح حبا شديدا.\rوذكروا أن شيرينطوس وابيسون وجماعتهما لما كانوا يرون أن المسيح ليس إلا إنسانا مخلوقا لا يسبق وجوده وجود أمه اجتمعت أساقفة آسيا وغيرهم في سنة 96 ميلادية عند يوحنا والتمسوا منه أن يكتب ما لم يكتبه الآخرون في اناجيلهم ويبين بنوع خصوصي لاهوت المسيح فلم يسعه أن ينكر إجابة طلبهم.\rوقد اختلفت كلماتهم في السنة التي الف فيها هذا الإنجيل فمن قائل أنها سنة 65 وقائل أنها سنة 96 وقائل أنها سند 98.","part":14,"page":365},{"id":6059,"text":"وقال جمع منهم أنه ليس تأليف يوحنا التلميذ فبعضهم على أنه تأليف طالب من طلبة المدرسة الإسكندرية وبعضهم على أن هذا الإنجيل كله وكذا رسائل يوحنا ليست من تصنيفه بل إنما صنفه بعضهم في ابتداء القرن الثاني ونسبه إلى يوحنا ليعتبره الناس وبعضهم على أن إنجيل يوحنا كان في الأصل عشرين بابا فألحقت كنيسة أفاس الباب الحادي والعشرين بعد موت يوحنا فهذه حال هذه الأناجيل الأربعة وإذا أخذنا بالقدر المتيقن من هذه الطرق انتهت إلى سبعة رجال هم متى مرقس لوقا يوحنا بطرس بولس يهوذا ينتهي ركونهم كله إلى هذه الأناجيل الأربعة وينتهي الأربعة إلى واحد هو أقدمها وأسبقها وهو إنجيل متى وقد مر أنه ترجمة مفقود الأصل لا يدري من الذي ترجمه وكيف كان أصله وعلى ماذا كان يبني تعليمه أبرسالة المسيح أم بألوهيته.\rوهذا الإنجيل الموجود يترجم أنه ظهر في بني إسرائيل رجل يدعى عيسى بن يوسف النجار وأقام الدعوة إلى الله وكان يدعي أنه ابن الله مولود من غير أب بشري وأن أباه أرسله ليفدي به الناس عن ذنوبهم بالصلب والقتل وأنه أحيى الميت وإبرء الأكمه والأبرص وشفى المجانين بإخراج الجن من أبدانهم وأنه كان له اثنا عشر تلميذا أحدهم متى صاحب الإنجيل بارك لهم وأرسلهم للدعوة وتبليغ الدين المسيحي الخ.\rفهذا ملخص ما تنتهى إليه الدعوة المسيحية على انبساطها على شرق الأرض وغربها وهو لا يزيد على خبر واحد مجهول الاسم والرسم مبهم العين والوصف.","part":14,"page":366},{"id":6060,"text":"وهذا الوهن العجيب في مبدأ القصة هو الذي أوجب لبعض أحرار الباحثين من أوربا أن ادعى أن المسيح عيسى ابن مريم شخص خيالي صوره بعض النزعات الدينية على حكومات الوقت أو لها وتأيد ذلك بموضوع خرافي آخر يشبهه كل الشبه في جميع شئون القصة وهو موضوع كرشنا الذي تدعي وثنية الهند القديمة أنه ابن الله نزل عن لاهوته وفدى الناس بنفسه صلبا ليخلصهم من الأوزار والخطايا كما يدعى في عيسى المسيح حذو النعل بالنعل كما سيجئ ذكره.\rوأوجب لآخرين من منتقدي الباحثين أن يذهبوا إلى أن هناك شخصين مسميين بالمسيح المسيح غير المصلوب والمسيح المصلوب وبينهما من الزمان ما يزيد على خمسة قرون.\rوأن التاريخ الميلادي الذي سنتنا هذه سنة ألف وتسعمائة وستة وخمسين منه لا ينطبق على واحد منهما بل المسيح الأول غير المصلوب يتقدم عليه بما يزيد على مائتين وخمسين سنة وقد عاش نحوا من ستين سنة والمسيح الثاني المصلوب يتأخر عنه بما يزيد على مائتين وتسعين سنة وقد عاش نحو من ثلاث وثلاثين سنة على أن عدم انطباق التاريخ الميلادي على ميلاد المسيح في الجملة مما لم يسع للنصارى إنكاره وهو سكتة تاريخية.\rعلى أن ههنا أمورا مريبة موهمة اخرى فقد ذكروا أنه كتب في القرنين الأولين من الميلاد أناجيل كثيرة أخرى ربما أنهوها إلى نيف ومائة من الأناجيل والأناجيل الأربعة منها ثم حرمت الكنيسة جميع تلك الأناجيل إلا الأناجيل الأربعة التي عرفت قانونية لموافقة متونها تعليم الكنيسة. أ هـ {الميزان حـ 3 صـ 311 ـ 315}","part":14,"page":367},{"id":6063,"text":"قوله تعالى { وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَا آَتَيْتُكُمْ مِنْ كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ قَالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي قَالُوا أَقْرَرْنَا قَالَ فَاشْهَدُوا وَأَنَا مَعَكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ (81) فَمَنْ تَوَلَّى بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (82)}\rمناسبة الآية لما قبلها\rقال البقاعى : \rولما بين سبحانه وتعالى فيما مضى أن التولي عن الرسل كفر ، وذكر كثيراً من الرسل فخص في ذكرهم وعمم ، ذكر قانوناً كلياً لمعرفة الرسول عنه سبحانه وتعالى والتمييز بينه وبين الكاذب فقال عاطفاً على {إذ أنتم مسلمون} {وإذ أخذ الله} أي الذي له الكمال كله {ميثاق النبيين} أي كافة ، والمعنى : ما كان له أن يقول ذلك بعد الإنعام عليكم بالإسلام والإنعام عليه بأخذ الميثاق على الناس - الأنبياء وغيرهم - بأن يؤمنوا به إذا آتاهم ، فيكون بذلك الفعل مكفراً لغيره وكافراً بنعمة ربه ، وهذا معنى قوله : {لما} أي فقال لهم الله : لما {آتيتكم} وقراءة نافع : آتيناكم ، أوفق لسياق الجلالة - قاله الجعبري {من كتاب وحكمة} أي أمرتكم بها بشرع من الشرائع ، فأمرتم بذلك من أرسلتم إليه {ثم جآءكم رسول} أي من عندي ، ثم وصفه بما يعلم أنه من عنده فقال : {مصدق لما معكم} أي من ذلك الكتاب والحكمة {لتؤمنن به} أي أنتم وأممكم {ولتنصرنه} أي على من يخالفه ، فكأنه قيل : إن هذا الميثاق عظيم ، فقيل : إنّ ، زاد في تأكيده اهتماماً به فقال : {قال ءأقررتم} أي يا معشر النبيين {وأخذتم على ذلكم} أي العهد المعظم بالإشارة بأداة البعد وميم الجمع {إصري} أي عهدي ، سمي بذلك لما فيه من الثقل ، فإنه يشد في نفسه بالتوثيق والتوثق ، ويشتد بعد كونه على النفوس لما لها من النزوع إلى الإطلاق عن عهد التقيد بنوع من القيود ، فكأنه قيل : ما قالوا ؟ فقيل : {قالوا أقررنا} أي بذلك ، فقيل : ما قال ؟ فقيل {قال فاشهدوا} أي يا أنبياء! بعضكم على بعض ، أو يا ملائكة! عليهم {وأنا معكم من الشاهدين فمن} أي فتسبب عنه أنه من {تولى} أي منكم أو من أممكم الذي بلغهم ذلك عن نصرة نبي موصوف بما ذكر.","part":14,"page":368},{"id":6064,"text":"ولما كان المستحق لغاية الذم إنما هو من اتصل توليه بالموت لم يقرن الظرف بجار فقال : {بعد ذلك} أي الميثاق البعيد الرتبة بما فيه من الوثاقة {فأولئك} أي البعداء من خصال الخير {هم الفاسقون} أي المختصون بالخروج العظيم عن دائرة الحق. أ هـ {نظم الدرر حـ 2 صـ 119}\rفصل\rقال الفخر : \rاعلم أن المقصود من هذه الآيات تعديد تقرير الأشياء المعروفة عند أهل الكتاب مما يدل على نبوّة محمد صلى الله عليه وسلم قطعاً لعذرهم وإظهاراً لعنادهم ومن جملتها ما ذكره الله تعالى في هذه الآية وهو أنه تعالى أخذ الميثاق من الأنبياء الذين آتاهم الكتاب والحكمة بأنهم كلما جاءهم رسول مصدق لما معهم آمنوا به ونصروه ، وأخبر أنهم قبلوا ذلك وحكم تعالى بأن من رجع عن ذلك كان من الفاسقين ، فهذا هو المقصود من الآية فحصل الكلام أنه تعالى أوجب على جميع الأنبياء الإيمان بكل رسول جاء مصدقاً لما معهم إلا أن هذه المقدمة الواحدة لا تكفي في إثبات نبوّة محمد صلى الله عليه وسلم ما لم يضم إليها مقدمة أخرى ، وهي أن محمداً رسول الله جاء مصدقاً لما معهم ، وعند هذا لقائل أن يقول : هذا إثبات للشيء بنفسه ، لأنه إثبات لكونه رسولاً بكونه رسولاً.\rوالجواب : أن المراد من كونه رسولاً ظهور المعجز عليه ، وحينئذ يسقط هذا السؤال والله أعلم. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 8 صـ 101}\rفصل\rقال الفخر : \rأما قوله {وَإِذْ أَخَذَ الله} فقال ابن جرير الطبري : معناه واذكروا يا أهل الكتاب إذ أخذ الله ميثاق النبيّين ، وقال الزجاج : واذكر يا محمد في القرآن إذ أخذ الله ميثاق النبيّين.","part":14,"page":369},{"id":6065,"text":"أما قوله {ميثاق النبيين} فاعلم أن المصدر يجوز إضافته إلى الفاعل وإلى المفعول ، فيحتمل أن يكون الميثاق مأخوذاً منهم ، ويحتمل أن يكون مأخوذاً لهم من غيرهم ، فلهذا السبب اختلفوا في تفسير هذه الآية على هذين الوجهين.\rأما الاحتمال الأول : وهو أنه تعالى أخذ الميثاق منهم في أن يصدق بعضهم بعضاً ، وهذا قول سعيد بن جبير والحسن وطاوس رحمهم الله ، وقيل : إن الميثاق هذا مختص بمحمد صلى الله عليه وسلم ، وهو مروي عن علي وابن عباس وقتادة والسدي رضوان الله عليهم ، واحتج أصحاب هذا القول على صحته من وجوه\rالأول : أن قوله تعالى : {وَإِذْ أَخَذَ الله ميثاق النبيين} يشعر بأن آخذ الميثاق هو الله تعالى ، والمأخوذ منهم هم النبيون ، فليس في الآية ذكر الأمة ، فلم يحسن صرف الميثاق إلى الأمة ، ويمكن أن يجاب عنه من وجوه\rالأول : أن على الوجوه الذي قلتم يكون الميثاق مضافاً إلى الموثق عليه ، وعلى الوجه الذي قلنا يكون إضافته إليهم إضافة الفعل إلى الفاعل ، وهو الموثق له ، ولا شك أن إضافة الفعل إلى الفاعل أقوى من إضافته إلى المفعول ، فإن لم يكن فلا أقل من المساواة ، وهو كما يقال ميثاق الله وعهده ، فيكون التقدير : وإذ أخذ الله الميثاق الذي وثقه الله للأنبياء على أممهم\rالثاني : أن يراد ميثاق أولاد النبيّين ، وهو بنو إسرائيل على حذف المضاف وهو كما يقال : فعل بكر بن وائل كذا ، وفعل معد بن عدنان كذا ، والمراد أولادهم وقومهم ، فكذا ههنا\rالثالث : أن يكون المراد من لفظ {النبيين} أهل الكتاب وأطلق هذا اللفظ عليهم تهكماً بهم على زعمهم لأنهم كانوا يقولون نحن أولى بالنبوّة من محمد عليه الصلاة والسلام لأنا أهل الكتاب ومنا كان النبيون","part":14,"page":370},{"id":6066,"text":"الرابع : أنه كثيراً ورد في القرآن لفظ النبي والمراد منه أمته قال تعالى : {ياأيها النبى إِذَا طَلَّقْتُمُ النساء} [ الطلاق : 1 ].\rالحجة الثانية : لأصحاب هذا القول : ما روي أنه عليه الصلاة والسلام قال : \" لقد جئتكم بها بيضاء نقية أما والله لو كان موسى بن عمران حياً لما وسعه إلا اتباعي \".\rالحجة الثالثة : ما نقل عن علي رضي الله عنه أنه قال : إن الله تعالى ما بعث آدم عليه السلام ومن بعده من الأنبياء عليهم الصلاة والسلام إلا أخذ عليهم العهد لئن بعث محمد عليه الصلاة والسلام وهو حي ليؤمنن به ولينصرنه ، فهذا يمكن نصرة هذا القول به والله أعلم.\rالاحتمال الثاني : إن المراد من الآية أن الأنبياء عليهم الصلاة والسلام كانوا يأخذون الميثاق من أممهم بأنه إذا بعث محمد صلى الله عليه وسلم فإنه يجب عليهم أن يؤمنوا به وأن ينصروه ، وهذا قول كثير من العلماء ، وقد بينا أن اللفظ محتمل له وقد احتجوا على صحته بوجوه\rالأول : ما ذكره أبو مسلم الأصفهاني فقال : ظاهر الآية يدل على أن الذين أخذ الله الميثاق منهم يجب عليهم الإيمان بمحمد صلى الله عليه وسلم عند مبعثه ، وكل الأنبياء عليهم الصلاة والسلام يكونون عند مبعث محمد صلى الله عليه وسلم من زمرة الأموات ، والميت لا يكون مكلفاً فلما كان الذين أخذ الميثاق عليهم يجب عليهم الإيمان بمحمد عليه السلام عند مبعثه ولا يمكن إيجاب الإيمان على الأنبياء عند مبعث محمد عليه السلام ، علمنا أن الذين أخذ الميثاق عليهم ليسوا هم النبيّين بل هم أمم النبيّين قال : ومما يؤكد هذا أنه تعالى حكم على الذين أخذ عليهم الميثاق أنهم لو تولوا لكانوا فاسقين وهذا الوصف لا يليق بالأنبياء عليهم السلام وإنما يليق بالأمم ، \r","part":14,"page":371},{"id":6067,"text":"أجاب القفال رحمه الله فقال لم لا يجوز أن يكون المراد من الآية أن الأنبياء لو كانوا في الحياة لوجب عليهم الإيمان بمحمد عليه الصلاة والسلام ، ونظيره قوله تعالى : {لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ} [ الزمر : 65 ] وقد علم الله تعالى أنه لا يشرك قط ولكن خرج هذا الكلام على سبيل التقدير والفرض فكذا ههنا ، وقال : {وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الأقاويل * لأَخَذْنَا مِنْهُ باليمين * ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الوتين} [ الحاقة : 44 ، 45 ، 46 ] وقال في صفة الملائكة {وَمَن يَقُلْ مِنْهُمْ إِنّى إله مّن دُونِهِ فذلك نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ كَذَلِكَ نَجْزِى الظالمين } [ الأنبياء : 29 ] مع أنه تعالى أخبر عنهم بأنهم لا يسبقونه بالقول وبأنهم يخافون ربهم من فوقهم ، فكل ذلك خرج على سبيل الفرض والتقدير فكذا ههنا ، ونقول إنه سماهم فاسقين على تقدير التولي فإن اسم الفسق ليس أقبح من اسم الشرك ، وقد ذكر تعالى ذلك على سبيل الفرض والتقدير في قوله {لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ} [ الزمر : 65 ] فكذا ههنا.\rالحجة الثانية : أن المقصود من هذه الآية أن يؤمن الذين كانوا في زمان الرسول صلى الله عليه وسلم ، وإذا كان الميثاق مأخوذاً عليهم كان ذلك أبلغ في تحصيل هذا المقصود من أن يكون مأخوذاً على الأنبياء عليهم السلام ، وقد أجيب عن ذلك بأن درجات الأنبياء عليهم السلام ، أعلى وأشرف من درجات الأمم ، فإذا دلت هذه الآية على أن الله تعالى أوجب على جميع الأنبياء أن يؤمنوا بمحمد عليه السلام لو كانوا في الأحياء ، وأنهم لو تركوا ذلك لصاروا من زمرة الفاسقين فلأن يكون الإيمان بمحمد صلى الله عليه وسلم واجباً على أممهم لو كان ذلك أولى ، فكان صرف هذا الميثاق إلى الأنبياء أقوى في تحصيل المطلوب من هذا الوجه.","part":14,"page":372},{"id":6068,"text":"الحجة الثالثة : ما روي عن ابن عباس أنه قيل له إن أصحاب عبد الله يقرؤن {وَإِذْ أَخَذَ الله ميثاق الذين أُوتُواْ الكتاب} ونحن نقرأ {وَإِذْ أَخَذَ الله ميثاق النبيين} فقال ابن عباس رضي الله عنهما : إنما أخذ الله ميثاق النبيّين على قومهم.\rالحجة الرابعة : أن هذا الاحتمال متأكد بقوله تعالى : {يابنى إسرائيل اذكروا نِعْمَتِيَ التى أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَوْفُواْ بِعَهْدِى أُوفِ بِعَهْدِكُمْ} وبقوله تعالى : {وَإِذْ أَخَذَ الله ميثاق الذين أُوتُواْ الكتاب لَتُبَيّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلاَ تَكْتُمُونَهُ} [ آل عمران : 187 ] فهذا جملة ما قيل في هذا الموضوع ، والله أعلم بمراده. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 8 صـ 101 ـ 103}\rقال الطبرى : \rوأولى هذه الأقوال في ذلك بالصواب ، قول من قال : معنى ذلك : الخبرُ عن أخذ الله الميثاقَ من أنبيائه بتصديق بعضهم بعضًا ، وأخذ الأنبياء على أممها وتُبَّاعها الميثاقَ بنحو الذي أخذَ عليها ربُّها من تصديق أنبياء الله ورسله بما جاءتها به لأن الأنبياء عليهم السلام بذلك أرسلت إلى أممها. ولم يدَّع أحدٌ ممن صدَّق المرسلين ، أن نبيًّا أرسِل إلى أمة بتكذيب أحد من أنبياء الله عز وجل وحُجَجه في عباده بل كلها وإن كذب بعض الأمم بعض أنبياء الله ، بجحودها نبوّته مقرّةٌ بأنّ من ثبتت صحّة نبوته ، فعليها الدينونة بتصديقه. فذلك ميثاق مقرٌّ به جميعهم.\rولا معنى لقول من زعم أن الميثاق إنما أخذ على الأمم دون الأنبياء. لأن الله عز وجل قد أخبر أنه أخذ ذلك من النبيين ، فسواءٌ قال قائل : \"لم يأخذ ذلك منها ربها\" أو قال : \"لم يأمرها ببلاغ ما أرسلت\" ، وقد نصّ الله عز وجل أنه أمرها بتبليغه ، لأنهما جميعًا خبرَان من الله عنها : أحدهما أنه أخذ منها ، والآخر منهما أنه أمرَها. فإن جاز الشك في أحدهما ، جازَ في الآخر.\r","part":14,"page":373},{"id":6069,"text":"وأما ما استشهد به الربيع بن أنس ، على أن المعنيَّ بذلك أهلُ الكتاب من قوله : \"لتؤمنن به ولتنصرنه\" ، فإن ذلك غير شاهد على صحة ما قال. لأن الأنبياء قد أمر بعضُها بتصديق بعض ، وتصديقُ بعضها بعضًا ، نُصرةٌ من بعضها بعضًا. أ هـ {تفسير الطبرى حـ 6 صـ 557}\rفائدة لغوية\rقال ابن عادل :\rالعامل في \" إذْ \" وجوه :\rأحدها : \" اذكر \" إن كان الخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم.\rالثاني : \" اذكروا \" إن كان الخطاب لأهل الكتابِ.\rالثالث : اصطفى ، فيكون معطوفاً على \" إذْ \" المتقدمة قبلها ، وفيه بُعْدٌ ؛ بل امتناع ؛ لبُعْده.\rالرابع : أن العامل فيه \" قَالَ \" في قوله : { قَالَ أَأَقْرَرْتُمْ } وهو واضح.\rوميثاق ، يجوز أن يكون مضافاً لفاعله ، أو لمفعوله ، وفي مصحف أبيّ وعبد الله وقراءتهما : { مِيثَاقَ الذين أُوتُواْ الكتاب } [ آل عمران : 187 ]. وعن مجاهد ، وقال : أخطأ الكاتب.\rقال شهابُ الدين : \" وهذا خطأٌ من قائله - كائناً مَنْ كان - ولا أظنه عن مجاهد ؛ فإنه قرأ عليه مثل ابن كثير وأبي عمرو بن العلاء ، ولم يَنْقُلْ عنه واحدٌ منهما شيئاً مِنْ ذلك \". أ هـ {تفسير ابن عادل حـ 5 صـ 354}\rقوله تعالى : {لَمَا ءَاتَيْتُكُم مّن كتاب وَحِكْمَةٍ}\rفصل\rقال الفخر :\rقرأ الجمهور {لَّمّاً} بفتح اللام وقرأ حمزة بكسر اللام وقرأ سعيد بن جبير {لَّمّاً} مشددة ، أما القراءة بالفتح فلها وجهان\rالأول : أن {مَا} اسم موصول والذي بعده صلة له وخبره قوله {لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ} والتقدير : للذي آتيتكم من كتاب وحكمة ، ثم جاءكم رسول مصدق لما معكم لتؤمنن به ، وعلى هذا التقدير ( مَا ) رفع بالابتداء والراجع إلى لفظة ( مَا ) وموصولتها محذوف والتقدير : لما آتيتكموه فحذف الراجع كما حذف من قوله {أهذا الذى بَعَثَ الله رَسُولاً} [ الفرقان : 41 ] وعليه سؤالان :","part":14,"page":374},{"id":6070,"text":"السؤال الأول : إذا كانت ( مَا ) موصولة لزم أن يرجع من الجملة المعطوفة على الصلة ذكر إلى الموصول وإلا لم يجز ، ألا ترى أنك لو قلت : الذي قام أبوه ثم انطلق زيد لم يجز.\rوقوله {ثُمَّ جَاءكُمْ رَسُولٌ مُّصَدّقٌ لّمَا مَعَكُمْ} ليس فيه راجع إلى الموصول ، قلنا : يجوز إقامة المظهر مقام المضمر عند الأخفش والدليل عليه قوله تعالى : {إِنَّهُ مَن يَتَّقِ وَيِصْبِرْ فَإِنَّ الله لاَ يُضِيعُ أَجْرَ المحسنين} [ يوسف : 90 ] ولم يقل : فإن الله لا يضيع أجره ، وقال : {إِنَّ الذين ءامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصالحات إِنَّا لاَ نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلاً} [ الكهف : 30 ] ولم يقل : إنا لا نضيع أجرهم وذلك لأن المظهر المذكور قائم مقام المضمر فكذا ههنا.\rالسؤال الثاني : ما فائدة اللام في قوله {لَّمّاً} ؟\rقلنا : هذه اللام هي لام الابتداء بمنزلة قولك : لزيد أفضل من عمرو ، ويحسن إدخالها على ما يجري مجرى المقسم عليه لأن قوله {إِذْ أَخَذَ الله ميثاق النبيين} بمنزلة القسم والمعنى استحلفهم ، وهذه اللام المتلقية للقسم ، فهذا تقرير هذا الكلام.\rالوجه الثاني : وهو اختيار سيبويه والمازني والزجاج أن ( مَا ) ههنا هي المتضمنة لمعنى الشرط والتقدير ما آتيتكم من كتاب وحكمة ثم جاءكم رسول مصدق لما معكم لتؤمنن به ، فاللام في قوله {لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ} هي المتلقية للقسم ، أما اللام في {لَّمّاً} هي لام تحذف تارة ، وتذكر أخرى ، ولا يتفاوت المعنى ونظيره قولك : والله لو أن فعلت ، فعلت فلفظة ( أن ) لا يتفاوت الحال بين ذكرها وحذفها فكذا ههنا ، وعلى هذا التقدير كانت ( ما ) في موضع نصب بآتيتكم {وَجَاءكُمُ} جزم بالعطف على {ءاتَيْتُكُم}","part":14,"page":375},{"id":6071,"text":"و{لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ} هو الجزاء ، وإنما لم يرض سيبويه بالقول الأول لأنه لا يرى إقامة المظهر مقام المضمر ، وأما الوجه في قراءة {لَّمّاً} بكسر اللام فهو أن هذا لام التعليل كأنه قيل : أخذ ميثاقهم لهذا لأن من يؤتى الكتاب والحكمة فإن اختصاصه بهذه الفضيلة يوجب عليه تصديق سائر الأنبياء والرسل ( وَمَا ) على هذه القراءة تكون موصولة ، وتمام البحث فيه ما قدمناه في الوجه الأول ، وأما قراءة {لَّمّاً} بالتشديد فذكر صاحب \"الكشاف\" فيه وجهين\rالأول : أن المعنى : حين آتيتكم بعض الكتاب والحكمة ، ثم جاءكم رسول مصدق له ، وجب عليكم الإيمان به ونصرته\rوالثاني : أن أصل {لَّمّاً} لمن ما فاستثقلوا اجتماع ثلاث ميمات ، وهي الميمان والنون المنقلبة ميماً بإدغامها في الميم فحذفوا إحداها فصارت {لَّمّاً} ومعناه : لمن أجل ما آتيتكم لتؤمنن به ، وهذا قريب من قراءة حمزة في المعنى. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 8 صـ 103}\rوقال ابن عادل :\rقرأ العامَّة : \" لما آتيتكم \" بفتح لام \" لما \" وتخفيف الميم ، وحمزة - وحده - على كسر اللام. وقرأ الحسن وسعيد بن جبير \" لَمَّا \" بالفتح والتشديد.\rفأما قراءة العامة ففيها خمسة أوجه :\rأحدها : أن تكون \" ما \" موصولة بمعنى الذي ، وهي مفعولة بفعل محذوف ، ذلك الفعل هو جواب القسم والتقدير : واللهِ لَتُبَلِّغُنَّ ما آتيناكم من كتاب. قال هذا القائلُ : لأن لامَ القسَم إنما تقع على الفعل فلما دلت هذه اللام على الفعل حُذِف. ثم قال تعالى : { ثُمَّ جَآءَكُمْ رَسُولٌ } وهو محمد صلى الله عليه وسلم قال : وعلى هذا التقدير يستقيم النَّظْمُ.\rوقال شهاب الدينِ : وهذا الوجه لا ينبغي أن يجوز ألبتة ؛ إذ يمتنع أن تقول في نظيره من الكلام : \" والله لزيداً \" تريد : والله لنضربن زيداً.","part":14,"page":376},{"id":6072,"text":"الوجه الثاني : وهو قول أبي علي وغيره : أن تكون اللام - في \" لَمَا \" - جواب قوله : { مِيثَاقَ النبيين } لأنه جارٍ مَجْرَى القسم ، فهي بمنزلة قولك : لزيدٌ أفضل من عمرو ، فهي لام الابتداء المتلَقَّى بها القسم وتسمى اللام المتلقية للقسم. و\" ما \" مبتدأة موصولة و\" آتيتكم \" صلتها ، والعائد محذوف ، تقديره : آتيناكموه فحذف لاستكمال شرطه. و{ مِّن كِتَابٍ } حال - إما من الموصول ، وإما من عائده - وقوله : { ثُمَّ جَآءَكُمْ رَسُولٌ } عطف على الصلة ، وحينئذٍ فلا بد من رابط يربط هذه الجملةَ بما قبلها ؛ فإن المعطوفَ على الصلة صِلة.\rواختلفوا في ذلك ، فذهب بعضهم إلى أنه محذوف ، تقديره : جاءكم رسول به ، فحذف \" به \" لطول الكلام ودلالة المعنى عليه. وهذا لا يجوز ؛ لأنه متى جُرَّ العائدُ لم يُحْذَف إلا بشروط ، وهي مفقودةٌ هنا ، [ وزعم هؤلاء أن هذا مذهب سيبويه ، وفيه ما قد عرفت ، ومنهم من ] قال : الربط حصل - هنا - بالظاهر ، لأن الظاهر - وهو قوله \" لما معكم \" صادق على قوله : \" لما آتيناكم \" فهو نظير : أبو سعيد الذي رويت عن الخدري ، والحجاج الذي رأيت أبو يوسف.\rوقال : [ الطويل ]\rفَيَا رَبَّ لَيْلَى أنْتَ في كُلِّ مَوْطِنٍ... وَأنْتَ الَّذِي فِي رَحْمةِ اللهِ أطْمَعُ\rيريد رويت عنه ، ورأيته ، وفي رحمته. فأقام الظاهر مقام المضمر ، وقد وقع ذلك في المبتدأ والخبر ، نحو قوله تعالى : { إِنَّ الذين آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصالحات إِنَّا لاَ نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلاً } [ الكهف : 30 ] ولم يقل : إنا لا نضيع ، وقال تعالى : { إِنَّهُ مَن يَتَّقِ وَيِصْبِرْ فَإِنَّ الله لاَ يُضِيعُ أَجْرَ المحسنين } [ يوسف : 90 ] ولم يقل : لا يضيع أجره وهذا رأي أبي الحسن والأخفش. وقد تقدم البحث فيه.","part":14,"page":377},{"id":6073,"text":"ومنهم من قال : إن العائد يكون ضمير الاستقرار العامل في \" مَعَ \" و\" لتؤمنن به \" جوابُ قسمٍ مقدرٍ ، وهذا القَسَم المقدَّر وجوابه خبر للمبتدأ الذي هو \" لما آتيناكم \" والهاء - في \" بِهِ \" - تعود على المبتدأ ، ولا تعود على \" رَسُولٌ \" لئلاَّ يلزم خلُوّ الجملة الواقعة خبراً من رابط يربطها بالمبتدأ.\rالوجه الثالث : كما تقدم ، إلا أن اللام في \" لَمَا \" لام التوطئة ؛ لأن أخذ الميثاق في معنى الاستخلاف. وفي \" لتؤمنن \" لام جواب القسم ، هذا كلام الزمخشريِّ. ثم قال : و\" ما \" تحتمل أن تكون المتضمنة لمعنى الشرط ، و\" لَتُؤمِنُنَّ \" سادّ مَسَدّ جواب القَسَم والشرط جميعاً ، وأن تكون بمعنى الذي. وهذا الذي قاله فيه نظرٌ ؛ من حيثُ إن لام التوطئة تكون مع أدوات الشرط ، وتأتي - غالباً - مع \" إن \" أما مع الموصول فلا يجوزُ في اللام أن تكون موطئةً وأن تكون للابتداء. ثم ذكر في \" ما \" الوجهين ، لحملنا كل واحد على ما يليق به. الوجه الرابع : أن اللام هي الموطئة ، و\" ما \" بعدها شرطية ، ومحلها النصب على المفعول به بالفعل الذي بعدها - وهو \" آتيْنَاكُمْ \" ، وهذا الفعل مستقبل معنًى ؛ لكونه في جزاء الشرط ، ومحله الجزم ، والتقدير : واللهِ لأي شيء آتيتكم من كذا وكذا ليكونن كذا ، وقوله : { مِّن كِتَابٍ } ، كقوله : { مَا نَنسَخْ مِنْ آيَةٍ } [ البقرة : 106 ] وقد تقدم تقريره. وقوله : { ثُمَّ جَآءَكُمْ رَسُولٌ } عطف على الفعل قبله ، فيلزم أن يكون فيه رابط يربطه بما عُطِف عليه ، و\" لَتُؤمِنُنَّ \" جواب لقوله : { أَخَذَ الله مِيثَاقَ النبيين } وجواب الشرط محذوف ، سَدَّ جوابُ القسم مَسَدَّه ، والضمير في \" بِهِ \" عائد على \" رَسُولٌ \" ، كذا قال أبو حيّان.\r","part":14,"page":378},{"id":6074,"text":"قال شهاب الدين : \" وفيه نظر ؛ لأنه يمكن عودُه على اسم الشرط ، ويُستغنَى - حينئذٍ - عن تقديره رابطاً \".\rوهذا كما تقدم في الوجه الثاني ونظير هذا من الكلام أن نقول : أحلف بالله لأيهمْ رأيت ، ثم ذهب إليه رجل قرشي لأحسنن إليه - تريد إلى الرجل - وهذا الوجه هو مذهب الكسائي.\rوقد سأل سيبويه الخليل عن هذه الآية ، فأجاب بأن \" ما \" بمنزلة الذي ، ودخلت اللام على \" ما \" كما دخلت على \" إن \" حين قلت : والله لئن فعلت لأفعلن ، فاللام التي في \" ما \" كهذه التي في \" إن \" واللام التي في الفعل كهذه اللام التي في الفعل هنا. هذا نصُّ الخليلِ.\rقال أبو علي : لم يرد الخليل بقوله : إنما بمنزلة الذي كونها موصولة ، بل إنها اسم كما أن \" الذي \" اسم وإما أن تكون حرفاً كما جاءت حرفاً في قوله : { وَإِنَّ كُلاًّ لَّمَّا لَيُوَفِّيَنَّهُمْ رَبُّكَ } [ هود : 111 ] وقوله : { وَإِن كُلُّ ذَلِكَ لَمَّا مَتَاعُ الحياة الدنيا } [ الزخرف : 35 ].\rوقال سيبويه : ومثل ذلك { لَّمَن تَبِعَكَ مِنْهُمْ لأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ } [ الأعراف : 18 ] إنما دخلت اللام على نية اليمين. وإلى كونها شرطية ذهب جماعة كالمازني والزجَّاج والفارسيّ والزمخشري.\rقال أبو حيّان : \" وفيه خدش لطيف جدًّا \" وحاصل ما ذكر : أنهم إن أرادوا تفسير المعنى فيمكن أن يقال ، وإن أرادوا تفسير الإعراب فلا يصح ؛ لأن كلاَّ منهما - أعني : الشرط والقسم - يطلب جواباً على حدة ، ولا يمكن أن يكون هذا محمولاً عليهما ؛ لأن الشرط يقتضيه على جهة العمل ، فيكون في موضع جزمٍ ، والقسم يطلبه على جهة التعلُّق المعنويّ به من غير عملٍ ، فلا موضع له من الإعراب ، ومحال أن يكون الشيءُ له موضع من الإعراب ولا موضع له من الإعراب. [ وتقدم هذا الإشكال وجوابه ].\r","part":14,"page":379},{"id":6075,"text":"الوجه الخامس : أن أصلها \" لَمّا \" - بالتشديد - فخُفِّفَتْ ، وهذا قول أبي إسحاق وسيأتي في قراءة التشديد ، وقرأ حمزة لما - بكسر اللام ، خفيفة الميم - أيضاً - وفيها أربعة أوجه : \rأحدها : وهو أغربها - أن تكون اللام بمعنى \" بَعْد \".\rكقول النابغة : [ الطويل ]\rتَوَهَّمْتُ آيَاتٍ لها فعَرفْتُهَا... لِسِتّةِ أعْوَامٍ وَذَا الْعَامُ سَابِعُ\rيريد : فعرفتها بعد ستة أعوام ، وهذا منقول عن صاحب النَّظْم.\rقال شهاب الدين : \" ولا أدري ما حمله على ذلك ؟ وكيف ينتظم هذا كلاماً ؟ إْ يصير تقديره : وإذْ أخذ الله ميثاق النبيين بعدما آتيتكم ، ومَن المخاطب بذلك ؟ \".\rالثاني : أن اللام للتعليل - وهذا الذي ينبغي أن لا يُحَاد عنه - وهي متعلِّقة بـ \" لتؤمنن \" و\" ما \" حينئذٍ - مصدرية.\rقال الزمخشري : \" ومعناه : لأجل إيتائي إياكم بعض الكتاب والحكمة ، ثم لمجيء رسول مصدق لتؤمنن به على أن \" ما \" مصدرية ، والفعلان معها - أعني : \" آتيناكم \" و\" جاءكم \" - في معنى المصدرين ، واللام داخلة للتعليل ، والمعنى : أخذ اللهُ ميثاقهم ليؤمنن بالرسول ، ولينصرنه ، لأجل أن آتيتكم الكتابَ والحكمةَ ، وأن الرسول الذي آمركم بالإيمان به ونُصْرَتِهِ موافق لكم ، غير مخالف لكم \".\r","part":14,"page":380},{"id":6076,"text":"قال أبو حيّان : وظاهر هذا التعليل الذي ذكره ، والتقدير الذي قدره أنه تعليلٌ للفعل المقسَم فإن عنى هذا الظاهر ، فهو مخالفٌ لظاهر الآية ؛ لأن ظاهر الآية يقتضي أن يكون تعليلاً لأخْذ الميثاق ، لا لمتعلِّقه - وهو الإيمان - فاللام متعلقة بـ \" أخَذَ \" وعلى ظاهر تقدير الزمخشريِّ تكون متعلقة بقوله : { لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ } ويمتنع ذلك من حيث إن اللام المتلَقَّى بها القسم لا يعمل ما بعدها فيما قبلها تقول : والله لأضربن زيداً ، ولا يجوز : والله زيداً لأضربن ، فعلى هذا لا يجوز أن تتعلق اللام في \" لَمَا \" بقوله : \" لتؤمنن \".\rوأجاز بعض النحويين في معمول الجواب - إذا كان ظرفاً أو مجروراً - تَقَدُّمَه ، وجعل من ذلك قوله : { عَمَّا قَلِيلٍ لَّيُصْبِحُنَّ نَادِمِينَ } [ المؤمنون : 40 ].\rوقوله : [ الطويل ]\r......................... بِأسْحَم دَاجٍ عَوْضُ لا نتفَرَّقُ\rفعلى هذا يجوز أن يتعلق بقوله : { لَتُؤْمِنُنَّ }.\rقال شهاب الدين \" أما تعلُّق اللام بـ { لَتُؤْمِنُنَّ } - من حيث المعنى - فإنه أظهر من تعلُّقِها بـ \" أخذ \" فلم يَبْقَ إلا ما ذكر من منع تقديم معمول الجواب المقترن بالام عليه ، وقد يكون الزمخشريُّ ممن يرى جوازه \".\rوالثالث : أن تتعلق اللام بـ \" أخَذَ \" ، أي لأجل إيتائي إياكم كيت وكيت ، أخذت عليكم الميثاقَ ، وفي الكلام حذفُ مضاف ، تقديره : رعاية ما آتيتكم.\rالرابع : أن تتعلق بـ \" المِيثاق \" ، لأنه مصدر ، أي : توثقنا عليهم لذلك.\rهذه الأوجه بالنسبة إلى اللام ، وأما \" ما \" ففيها ثلاثة أوجهٍ : \rأحدها : أن تكون مصدرية كما تقدم عن الزمخشريِّ.\r","part":14,"page":381},{"id":6077,"text":"والثاني : أنها موصولة بمعنى \" الذي \" وعائدها محذوف ، و{ ثُمَّ جَآءَكُمْ } ، عطف على الصلة ، والرابط بالموصول إما محذوف ، تقديره : به ، وإما قيام الظاهر مقام المضمر ، وهو رأي الأخفشِ ، وإما ضمير الاستقرار الذي تضمنه \" مَعَكُمْ \".\rوالثالث : أنها نكرة موصوفة ، والجملة بعدها صفتها ، وعائدها محذوف ، { ثُمَّ جَآءَكُمْ } عطف على الصفة ، والكلام في الرابط كما تقدم فيها وهي صلة ، إلا أن إقامة الظاهر مُقَامه في الصفة ممتنع ، لو قلت : مررت برجل قام أبو عبد الله - على أن يكون قام أبو عبد الله صفة لرجل ، والرابط أبو عبد الله ، إذ هو الرجلُ في المعنى - لم يجز ذلك ، وإن جاز في الصلة والخبر - عند من يرى ذلك - فيتعين عود ضمير محذوف وجواب قوله : { وَإِذْ أَخَذَ الله مِيثَاقَ } قوله : { لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ } والضمير في \" بِهِ \" عائد على \" رَسُولٌ \" ويجوز الفصل بين القسم والمقسم عليه بمثل هذا الجار والمجرور ، فلو قلت أقسمت لَلْخَبر الذي بلغني عن عمرو لأحْسِنَنَّ إليه ، جاز.\rوقوله : { مِّن كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ } إما حالٌ من الموصول ، أو من عائده ، وإمّا بيانٌ له فامتنع في قراءة حمزة أن تكون \" ما \" شرطية ، كما امتنع - في قراءة الجمهورِ - أن تكون مصدرية.\rوأما قراءة التشديد ففيها أوجهٌ : \rأحدها : أن \" لَمَّا \" هنا - ظرفية ، بمعنى \" حين \" ثم القائل بظرفيتها اختلف تقديره في جوابها ، فذهب الزمخشري إلى أن الجواب مقدَّر من جنس جواب القسم ، فقال : \" لَمَّا \" - بالتشديد - بمعنى \" حين \" أي حين آتيتكم الكتاب والحكمة ، ثم جاءكم رسول ، وجب عليكم الإيمان به ، ونُصْرَتُه.\r","part":14,"page":382},{"id":6078,"text":"وقال ابن عطية : ويظهر أن \" لَمَّا \" هذه هي الظرفية ، أي : لما كنتم بهذه الحال رؤساء الناس وأمثالهم أخذ عليكم الميثاق ؛ إذ على القادة يُؤخَذ ، فيجيء على هذا المعنى كالمعنى في قراءة حمزةَ فقدر ابن عطية جوابها من جنس ما سبقها ، وهذا الذي ذهب إليه مذهبٌ مرجوحٌ ، قال به الفارسيُّ والجمهور وسيبويه وأتباعه والجمهور.\rوقال الزجَّاجُ : أي : لما ىتاكم الكتاب والحكمة ، أي : أخذ عليكم الميثاق وتكون لما يؤول إلى الجزاء ، كما تقول : لما جئتني أكرمتك.\rوهذه العبارة لا يؤخذ منها كون \" لما \" ظرفية ، ولا غير ذلك ، إلا أن فيها عاضداً لتقدير ابن عطية جوابها من جنس ما تقدمها ، بخلاف تقدير الزمخشريِّ.\rالثاني : أن \" لَمَّا \" حرف وجوب لوجوب ، وهو مذهب سيبويه ، وجوابها كما تقدم من تقديري ابن عطيةَ والزمخشري ، وفي قول ابن عطيةَ : فيجيء على هذا المعنى كالمعنى في قراءة حمزةَ - نظر ؛ إذ قراءة حمزة فيها تعليل ، وهذه القراءة لا تعليل فيها ، اللهم إلا أن يقال : لما كانت \" لَمَّا \" تحتاج إلى جواب أشبه ذلك العلة ومعمولها ؛ لأنك إذا قلت : لما جئتني أكرمتك ؛ في قوة : أكرمتك لأجل مجيئي إليه ، فهي من هذه الجهة كقراءة حمزة.\rوالثالث : أن الأصل : لمن ما ، فأدغمت النون في الميم ، لأنها تقاربها ، والإدغام - هنا - واجبٌ ، ولما اجتمع ثلاث ميمات : ميم \" من \" وميم \" ما \" والميم التي انقلبت من نون - من أجل الإدغام - فحصل ثقل في اللفظ ، قال الزمخشريُّ : \" فحذفوا إحداها \".\r","part":14,"page":383},{"id":6079,"text":"قال أبو حيّان : وفيه إبهام ، وقد عيَّنها ابنُ جني بأن المحذوف هي الأولى ، وفيه نظرٌ ؛ لأن الثقل إنما حصل بما بعد الأولى ، ولذلك كان الصحيحُ في نظائره إنما هو حذف الثاني ، في نحو { تَنَزَّلُ الملائكة } [ القدر : 4 ] وقد ذكر أبو البقاء أن المحذوفة هي النافية ، قال : \" لضعفها بكونها بدلاً ، وحصول التكرير بها \" و\" مِنْ \" هذه التي في لمن ما زائدة في الواجب على رأي الأخفشِ - وهذا تخريج أبي الفتح ، وفيه نظر بالنسبة إلى ادِّعائه زيادة \" من \" ، فإن التركيب يقلق على ذلك ، ويبقى المعنى غير ظاهر.\rالرابع : أن الأصل - أيضاً - لِمَنْ ما ، ففُعِل به ما تقدم من القلبِ والإدغامِ ، ثم الحذف ، إلا أن \" من \" ليست زائدة ، بل هي تعليلية ، قال الزمخشريُّ : \" ومعناه : لمن أجل ما آتيتكم لتؤمنن به ، وهذا نحو من قراءة حمزة في المعنى \".\rوهذا الوجه أوجه مما تقدمه ؛ لسلامته من ادِّعاء زيادة \" من \" ولوضوح معناه. أ هـ {تفسير ابن عادل حـ 5 صـ 356 ـ 362}\rفصل\rقال الفخر : ","part":14,"page":384},{"id":6080,"text":"قرأ نافع {ءاتيناكم} بالنون على التفخيم ، والباقون بالتاء على التوحيد ، حجة نافع قوله {وَءَاتَيْنَا دَاوُود زَبُوراً} [ النساء : 163 ] {وَآتَيْنَاهُ الحكم صَبِيّاً} [ مريم : 12 ] {وءاتيناهما الكتاب المستبين} [ الصافات : 117 ] ولأن هذا أدل على العظمة فكان أكثر هيبة في قلب السامع ، وهذا الموضع يليق به هذا المعنى ، وحجة الجمهور قوله {هُوَ الذى يُنَزّلُ على عَبْدِهِ ءايات بينات} [ الحديد : 9 ] و{الحمد لِلَّهِ الذى أَنْزَلَ على عَبْدِهِ الكتاب} [ الكهف : 1 ] وأيضاً هذه القراءة أشبه بما قبل هذه الآية وبما بعدها لأنه تعالى قال قبل هذه الآية {وَإِذْ أَخَذَ الله} وقال بعدها {إِصْرِى} وأجاب نافع عنه بأن أحد أبواب الفصاحة تغيير العبارة من الواحد إلى الجمع ومن الجمع إلى الواحد قال تعالى : {وَجَعَلْنَاهُ هُدًى لّبَنِى إسرائيل أَلاَّ تَتَّخِذُواْ مِن دُونِى} [ الإسراء : 2 ] ولم يقل من دوننا كما قال : {وجعلناه} ، والله أعلم. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 8 صـ 104}\rقال الطبرى : \rوأولى القراءتين في ذلك بالصواب (1) قراءةُ من قرأ : \"وإذ أخذ الله ميثاق النبيين لما آتيتكم\" ، بفتح\"اللام\". لأن الله عز وجل أخذ ميثاقَ جميع الأنبياء بتصديق كل رسول له ابتعثه إلى خلقه فيما ابتعثه به إليهم ، كان ممن آتاه كتابًا أو ممن لم يؤته كتابًا. وذلك أنه غير جائز وصف أحد من أنبياء الله عز وجل ورسله ، بأنه كان ممن أبيح له التكذيب بأحد من رسله. فإذْ كان ذلك كذلك ، وكان معلومًا أن منهم من أنزل عليه الكتابَ ، وأنّ منهم من لم ينزل عليه الكتاب كان بينًا أن قراءة من قرأ ذلك : \"لمِا آتيتكم\" ، بكسر\"اللام\" ، بمعنى : من أجل الذي آتيتكم من كتاب ، لا وجه له مفهومٌ إلا على تأويل بعيد ، وانتزاع عميق. أ هـ {تفسير الطبرى حـ 6 صـ 552 ـ 553}\r______________\r(1) لا يجوز الترجيح بين القراءات المتواترة وهذا أمر متكرر من الإمام الطبرى فليتأمل.","part":14,"page":385},{"id":6081,"text":"فائدة\rقال ابن عادل :\rوفي قوله : \" آتيتكم \" و\" آتيناكم \" على كلتا القراءتين - التفاتان :\rالأول : الخروج من الغيبة إلى التكلم في قوله : \" آتينا \" أو \" آتيت \" لأن قبله ذكر الجلالة المعظمة في قوله : { وَإِذْ أَخَذَ الله }.\rوالثاني : الخروج من الغيبة إلى الخطاب في قوله : \" آتيناكم \" لأنه قد تقدمه اسم ظاهر ، وهو { النبيين } إذ لو جرى على مقتضي تقدُّم الجلالة والنبيين لكان الترتيب : وإذْ أخذ الله ميثاق النبيين لما آتاهم من كتاب. كذا قال بعضهم ، وفيه نظرٌ ؛ لأن مثل هذا لا يُسَمَّى التفاتاً في اصطلاحهم ، وإنما يسمى حكاية الحال ، ونظيره قولك : حلف زيد ليفعلن ، ولأفعلن ، فالغيبة مراعاة لتقدم الاسم الظاهر ، والتكلُّم حكاية لكلام الحالف. والآية الكريمة من هذا. أ هـ {تفسير ابن عادل حـ 5 صـ 362}\rفصل\rقال الفخر :","part":14,"page":386},{"id":6082,"text":"إنه تعالى ذكر النبيّين على سبيل المغايبة ثم قال : {ءَاتَيْتُكُم} وهو مخاطبة إضمار والتقدير : وإذ أخذ الله ميثاق النبيّين فقال مخاطباً لهم لما آتيتكم من كتاب وحكمة ، والإضمار باب واسع في القرآن ، ومن العلماء من التزم في هذه الآية إضماراً آخر وأراح نفسه عن تلك التكلفات التي حكيناها عن النحويين فقال تقدير الآية : وإذ أخذ الله ميثاق النبيّين لتبلغن الناس ما آتيتكم من كتاب وحكمة ، قال إلا أنه حذف لتبلغن لدلالة الكلام عليه لأن لام القسم إنما يقع على الفعل فلما دلت هذه اللام على هذا الفعل لا جرم حذفه اختصاراً ثم قال تعالى بعده {ثُمَّ جَاءكُمْ رَسُولٌ مُّصَدّقٌ لّمَا مَعَكُمْ} وهو محمد صلى الله عليه وسلم {لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنصُرُنَّهُ} وعلى هذا التقدير يستقيم النظم ولا يحتاج إلى تكليف تلك التعسفات ، وإذا كان لا بد من التزام الإضمار فهذا الإضمار الذي به ينتظم الكلام نظماً بيناً جلياً أولى من تلك التكلفات. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 8 صـ 104}\rفصل\rقال الفخر :\rفي قوله {لَمَا ءَاتَيْتُكُم مّن كتاب} إشكال ، وهو أن هذا الخطاب إما أن يكون مع الأنبياء أو مع الأمم ، فإن كان مع الأنبياء فجميع الأنبياء ما أوتوا الكتاب ، وإنما أوتي بعضهم وإن كان مع الأمم ، فالإشكال أظهر ، والجواب عنه من وجهين\rالأول : أن جميع الأنبياء عليهم السلام أوتوا الكتاب ، بمعنى كونه مهتدياً به داعياً إلى العمل به ، وإن لم ينزل عليه\rوالثاني : أن أشرف الأنبياء عليهم السلام هم الذين أوتوا الكتاب ، فوصف الكل بوصف أشرف الأنواع. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 8 صـ 104}\rفائدة\rقال الفخر :\rالكتاب هو المنزل المقروء والحكمة هي الوحي الوارد بالتكاليف المفصلة التي لم يشتمل الكتاب عليها. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 8 صـ 104}","part":14,"page":387},{"id":6083,"text":"قوله تعالى : {ثُمَّ جَاءكُمْ رَسُولٌ مُّصَدّقٌ لّمَا مَعَكُمْ}\rأسئلة وأجوبة للعلامة الفخر\rالسؤال الأول : ما وجه قوله {ثُمَّ جَاءكُمْ} والرسول لا يجيء إلى النبيّين وإنما يجيء إلى الأمم ؟.\rوالجواب : إن حملنا قوله {وَإِذْ أَخَذَ الله ميثاق النبيين} على أخذ ميثاق أممهم فقد زال السؤال وإن حملناه على أخذ ميثاق النبيّين أنفسهم كان قوله {ثُمَّ جَاءكُمْ} أي جاء في زمانكم.\rالسؤال الثاني : كيف يكون محمد صلى الله عليه وسلم مصدقاً لما معهم مع مخالفة شرعه لشرعهم ،\rقلنا : المراد به حصول الموافقة في التوحيد ، والنبوات ، وأصول الشرائع ، فأما تفاصيلها وإن وقع الخلاف فيها ؛ فذلك في الحقيقة ليس بخلاف ، لأن جميع الأنبياء عليهم السلام متفقون على أن الحق في زمان موسى عليه السلام ليس إلا شرعه وأن الحق في زمان محمد صلى الله عليه وسلم ليس إلا شرعه ، فهذا وإن كان يوهم الخلاف ، إلا أنه في الحقيقة وفاق ، وأيضاً فالمراد من قوله {ثُمَّ جَاءكُمْ رَسُولٌ مُّصَدّقٌ لّمَا مَعَكُمْ} هو محمد صلى الله عليه وسلم ، والمراد بكونه مصدقاً لما معهم هو أن وصفه وكيفية أحواله مذكورة في التوراة والإنجيل ، فلما ظهر على أحوال مطابقة لما كان مذكوراً في تلك الكتب ، كان نفس مجيئه تصديقاً لما كان معهم ، فهذا هو المراد بكونه مصدقاً لما معهم.\rالسؤال الثالث : حاصل الكلام أن الله تعالى أخذ الميثاق على جميع الأنبياء بأن يؤمنوا بكل رسول يجيء مصدقاً لما معهم فما معنى ذلك الميثاق.","part":14,"page":388},{"id":6084,"text":"والجواب : يحتمل أن يكون هذا الميثاق ما قرر في عقولهم من الدلائل الدالة على أن الانقياد لأمر الله واجب ، فإذا جاء الرسول فهو إنما يكون رسولاً عند ظهور المعجزات الدالة على صدقه فإذا أخبرهم بعد ذلك أن الله أمر الخلق بالإيمان به عرفوا عند ذلك وجوبه ، فتقدير هذا الدليل في عقولهم هو المراد من أخذ الميثاق ، ويحتمل أن يكون المراد من أخذ الميثاق أنه تعالى شرح صفاته في كتب الأنبياء المتقدمين ، فإذا صارت أحواله مطابقة لما جاء في الكتب الإلهية المتقدمة وجب الانقياد له ، فقوله تعالى : {ثُمَّ جَاءكُمْ رَسُولٌ مُّصَدّقٌ لّمَا مَعَكُمْ} يدل على هذين الوجهين ، أما على الوجه الأول ، فقوله {رَّسُول} وأما على الوجه الثاني ، فقوله {مُّصَدّقٌ لّمَا مَعَكُمْ }. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 8 صـ 104 ـ 105}\rقوله تعالى {لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنصُرُنَّهُ}\rقال الفخر : \rأما قوله {لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنصُرُنَّهُ} فالمعنى ظاهر ، وذلك لأنه تعالى أوجب الإيمان به أولاً ، ثم الاشتغال بنصرته ثانياً ، واللام في {لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ} لام القسم ، كأنه قيل : والله لتؤمنن به. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 8 صـ 105}\rقوله تعالى : {قَالَ ءَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ على ذلكم إِصْرِى}\rفصل\rقال الفخر : ","part":14,"page":389},{"id":6085,"text":"إن فسرنا قوله تعالى : {وَإِذْ أَخَذَ الله ميثاق النبيين} بأنه تعالى أخذ المواثيق على الأنبياء كان قوله تعالى {أأقررتم} معناه : قال الله تعالى للنبيّين أأقرتم بالإيمان به والنصرة له وإن فسرنا أخذ الميثاق بأن الأنبياء عليهم الصلاة والسلام أخذوا المواثيق على الأمم كان معنى قوله {قَالَ أأقررتم} أي قال كل نبي لأمته أأقررتم ، وذلك لأنه تعالى أضاف أخذ الميثاق إلى نفسه ، وإن كانت النبيون أخذوه على الأمم ، فكذلك طلب هذا الإقرار أضافه إلى نفسه وإن وقع من الأنبياء عليهم الصلاة والسلام ، والمقصود أن الأنبياء بالغوا في إثبات هذا المعنى وتأكيده ، فلم يقتصروا على أخذ الميثاق على الأمم ، بل طالبوهم بالإقرار بالقول ، وأكدوا ذلك بالإشهاد. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 8 صـ 105}\rقال ابن عادل : \rقوله : { قَالَ أَأَقْرَرْتُمْ } فاعل \" قَالَ \" يجوز أن يكون ضمير الله - تعالى - وهو الظاهر - وأن يكون ضمير النبي الذي هو واحد النبيين ، خاطب بذلك أمَّته ، ومتعلَّق الإقرار محذوف ، أي : أقررتم بذلك كله ؟ والاستفهام - على الأول - مجاز ؛ إذ المراد به التقرير والتوكيد عليهم ؛ لاستحالته في حق الباري تعالى ، وعلى الثاني : هو استفهام حقيقة.\rو \" إصري \" على الأول - الياء لله - تعالى - وعلى الثاني للنبيّ صلى الله عليه وسلم.","part":14,"page":390},{"id":6086,"text":"وقرأ العامة \" إصري \" بكسر الهمزة ، وهي الفصحى ، وقرأ أبو بكر عن عاصم - في رواية - \" أُصْرِي \" بضمها ثم المضموم الهمزة يحتمل أن يكون لغة في المكسور - وهو الظاهرُ - ويحتمل أن يكون جمع إصار ومثله أزُر في جميع إزار ، والإصر : الثقل الذي يلحق الإنسان ؛ لأجل ما يلزمه من عَمَلٍ ، قال الزمخشري : \" سُمِّي العهدُ إصْراً ؛ لأنه مما يؤصر ، أي : يُشَدّ ، ويُعْقَد ، ومنه الإصار الذي يُعْقَد به \" وتقدم الكلام عليه في آخر البقرة. أ هـ {تفسير ابن عادل حـ 5 صـ 364}\rفصل\rقال الفخر :\rالإقرار في اللغة منقول بالألف من قر الشيء يقر ، إذا ثبت ولزم مكانه وأقره غيره والمقر بالشيء يقره على نفسه أي يثبته.\rأما قوله تعالى : {ءَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ على ذلكم إِصْرِى} أي قبلتم عهدي ، والأخذ بمعنى القبول كثير في الكلام قال تعالى : {وَلاَ يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ} [ البقرة : 48 ] أي يقبل منها فدية وقال : {وَيَأْخُذُ الصدقات} [ التوبة : 104 ] أي يقبلها والإصر هو الذي يلحق الإنسان لأجل ما يلزمه من عمل قال تعالى : {وَلاَ تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا} [ البقرة : 286 ] فسمى العهد إصراً لهذا المعنى ، قال صاحب \"الكشاف\" : سمى العهد إصراً لأنه مما يؤصر أي يشد ويعقد ، ومنه الإصار الذي يعقد به وقرىء {إِصْرِى} ويجوز أن يكون لغة في إصر. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 8 صـ 105 ـ 106}\rقوله تعالى : {قَالُواْ أَقْرَرْنَا قَالَ فاشهدوا وَأَنَاْ مَعَكُمْ مّنَ الشاهدين فَمَنْ تولى بَعْدَ ذلك فَأُوْلَئِكَ هُمُ الفاسقون}\rفصل\rقال الفخر :\rوفي تفسير قوله {فَاشْهدُواْ} وجوه\rالأول : فليشهد بعضكم على بعض بالإقرار ، وأنا على إقراركم وإشهاد بعضكم بعضاً {مّنَ الشاهدين} وهذا توكيد عليهم وتحذير من الرجوع إذا علموا شهادة الله وشهادة بعضهم على بعض","part":14,"page":391},{"id":6087,"text":"الثاني : أن قوله {فَاشْهدُواْ} خطاب للملائكة\rالثالث : أن قوله {فَاشْهدُواْ} أي ليجعل كل أحد نفسه شاهداً على نفسه ونظيره قوله {وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنفُسِهِمْ أَلَسْتَ بِرَبّكُمْ قَالُواْ بلى شَهِدْنَا} [ الأعراف : 172 ] على أنفسنا وهذا من باب المبالغة\rالرابع : {فَاشْهدُواْ} أي بينوا هذا الميثاق للخاص والعام ، لكي لا يبقى لأحد عذر في الجهل به ، وأصله أن الشاهد هو الذي يبين صدق الدعوى\rالخامس : {فَاشْهدُواْ} أي فاستيقنوا ما قررته عليكم من هذا الميثاق ، وكونوا فيه كالمشاهد للشيء المعاين له السادس : إذا قلنا إن أخذ الميثاق كان من الأمم فقوله {فَاشْهدُواْ} خطاب للأنبياء عليهم السلام بأن يكونوا شاهدين عليهم.\rوأما قوله تعالى : {وَأَنَاْ مَعَكُمْ مّنَ الشاهدين} فهو للتأكيد وتقوية الإلزام ، وفيه فائدة أخرى وهي أنه تعالى وإن أشهد غيره ، فليس محتاجاً إلى ذلك الإشهاد ، لأنه تعالى لا يخفى عليه خافية لكن لضرب من المصلحة لأنه سبحانه وتعالى يعلم السر وأخفى ، ثم إنه تعالى ضم إليه تأكيداً آخر فقال : {فَمَنْ تولى بَعْدَ ذلك فَأُوْلَئِكَ هُمُ الفاسقون} يعني من أعرض عن الإيمان بهذا الرسول وبنصرته بعد ما تقدم من هذه الدلائل كان من الفاسقين ووعيد الفاسق معلوم ، وقوله {فَمَنْ تولى بَعْدَ ذلك} هذا شرط ، والفعل الماضي ينقلب مستقبلاً في الشرط والجزاء ، والله أعلم. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 8 صـ 106}","part":14,"page":392},{"id":6088,"text":"وقال الآلوسى :\r{ فَمَنْ تولى } أي أعرض عن الإيمان بمحمد صلى الله عليه وسلم ونصرته قاله علي كرم الله وجهه { بَعْدَ ذَلِكَ } أي الميثاق والإقرار والتوكيد بالشهادة { فَأُوْلَئِكَ } إشارة إلى ( من ) مراعى معناه كما روعي من قبل لفظها { هُمُ الفاسقون } أي الخارجون في الكفر إلى أفحش مراتبه ، والمشهور عدم دخول الأنبياء عليهم الصلاة والسلام في حكم هذه الشرطية ، أو ما هي في حكمها لأنهم أجل قدراً من أن يتصور في حقهم ثبوت المقدم ليتصفوا ، وحاشاهم بما تضمنه التالي بل هذا الحكم بالنسبة إلى أتباعهم ، وجوز أن يراد العموم والآية من قبيل : { لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ } [ الزمر : 56 ]. أ هـ {روح المعانى حـ 3 صـ 202}\rفائدة\rقال ابن عادل :\rقوله : { مِّنَ الشاهدين } هذا هو الخبر ؛ لأنه محط الفائدة. وأما قوله : { مَعَكُمْ } فيجوز أن يكون حالاً ، أي : وأنا من الشاهدين مصاحباً لكم ، ويجوز أن يكون منصوباً بـ \" الشَّاهدينَ \" ظرفاً له عند مَنْ يرى تجويزَ ذلك - ويمتنع أن يكون هذا هو الخبرُ ؛ إذ الفائدة به غير تامةٍ في هذا المقامِ.\rوالجملة من قوله : { وَأَنَاْ مَعَكُمْ مِّنَ الشاهدين } يجوز ألا يكون لها محل ؛ لاستئنافها. ويجوز أن تكون في محل نصب على الحال من فاعل { فاشهدوا } والمقصود من هذا الكلام التأكيد ، وتقوية الإلزام. قوله : { فَمَنْ تولى } يجوز أن تكون \" مَنْ \" شرطية ، فالفاء - في \" فَأولَئِكَ \" جوابها. والفعل الماضي ينقلب مستقبلاً في الشرط. وأن تكون موصولةً ، ودخلت الفاء لشبه المبتدأ باسم الشرطِ ، فالفعل بعدها على الأول - في محل جزم ، وعلى الثاني لا محل له ؛ لكونه صلة ، وأما \" فأولئك \" ففي محل جزم أيضاً - على الأول ، ورفع الثاني ، لوقوعه خبراً و\" هم \" يجوز أن يكون فَصْلاً ، وأن يكون مبتدأ.","part":14,"page":393},{"id":6089,"text":"ومعنى الآية : من أعرض عن الإيمان بهذا الرسولِ ، وبنصرته ، والإقرار له { فأولئك هُمُ الفاسقون } الخارجون عن الإيمان. أ هـ {تفسير ابن عادل حـ 5 صـ 365 ـ 366}\rقول غريب منكر\rقال ابن الجوزى :\rقال مجاهد ، والربيع بن أنس : هذه الآية خطأ من الكتَّاب ، وهي في قراءة ابن مسعود : { وإِذ أخذ الله ميثاق الذين أوتوا الكتاب } واحتج الربيع بقوله تعالى : { ثم جاءكم رسول }. (1) أ هـ {زاد المسير حـ 1 صـ 415}\rلطيفة\rقال فى روح البيان :\rقال فى التيسير والتولى لا يقع من الأنبياء ولا يوصفون بالفسق لكن له وجهان.\rأحدهما أن الميثاق كان على الأنبياء وأممهم على التبعية والتولى من الأمم خاصة.\rوالثانى أن العصمة لا تزيل المحنة. أ هـ {روح البيان حـ 2 صـ 70}\rمن فوائد الإمام القرطبى فى الآية\rقال رحمه الله :\rقيل : أخذ الله تعالى ميثاق الأنبياء أن يصدّق بعضهم بعضاً ويأمر بعضهم بالإيمان بعضاً ؛ فذلك معنى النُّصرة بالتصديق.\rوهذا قول سعيد بن جُبير وقَتادة وطاوس والسُّدي والحسن ، وهو ظاهر الآية.\rقال طاوس : أخذ الله ميثاق الأوّل من الأنبياء أن يؤمن بما جاء به الآخِر.\rوقرأ ابن مسعود { وَإِذَ أَخَذَ الله مِيثَاقَ الذين أُوتُواْ الكتاب }.\r________________\r(1) هذا القول ظاهر الفساد والبطلان وأين هو من قوله تعالى {إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون}\rوالقرآن محفوظ فى السطور والصدور بل إن أحكام التجويد محفوظة كذلك فمن لحن فى حكم من أحكام التجويد رده أهل العلم كائنا من كان.\rومن العجيب أن بعض المفسرين كالقرطبى وغيره ذكر هذا القول دون إنكار.\rقال العلامة ابن عطية رحمه الله :\rوهذا لفظ مردود بإجماع الصحابة على مصحف عثمان رضي الله عنه. أ هـ {المحرر الوجيز حـ 1 صـ 464}. والله أعلم.","part":14,"page":394},{"id":6090,"text":"قال الكسائي : يجوز أن يكون { وَإِذْ أَخَذَ الله مِيثَاقَ النبيين } بمعنى وإذ أخذ الله ميثاق الذين مع النبيين.\rوقال البصريون : إذا أخذ الله ميثاق النبيين فقد أخذ ميثاق الذين معهم ؛ لأنهم قد اتبعوهم وصدّقوهم.\rو \"ما\" في قوله \"لَمَا\" بمعنى الذي.\rقال سيبويه : سألت الخليل بن أحمد عن قوله عز وجل : { وَإِذْ أَخَذَ الله مِيثَاقَ النبيين لَمَآ آتَيْتُكُم مِّن كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ } فقال : لما بمعنى الذي.\rقال النحاس : التقدير على قول الخليل للذي آتيتكموه ، ثم حذف الهاء لطول الاسم.\rو \"الذي\" رفع بالابتداء وخبره \"من كتاب وحكمة\".\rو \"مِن\" لبيان الجنس.\rوهذا كقول القائل : لزيد أفضل منك ؛ وهو قول الأخفش أنها لام الابتداء.\rقال المَهْدوِيّ : وقوله \"ثم جاءكم\" وما بعده جملة معطوفة على الصلة ، والعائد منها على الموصول محذوف ؛ والتقدير ثم جاءكم رسول مصدّق به.\rقوله تعالى : { ثُمَّ جَآءَكُمْ رَسُولٌ مُّصَدِّقٌ لِّمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنصُرُنَّهُ } الرسول هنا محمد صلى الله عليه وسلم في قول عليّ وابن عباس رضي الله عنهما.\rواللفظ وإن كان نكرة فالإشارة إلى معين ؛ كقوله تعالى : { وَضَرَبَ الله مَثَلاً قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُّطْمَئِنَّةً } إلى قوله { وَلَقَدْ جَآءَهُمْ رَسُولٌ مِّنْهُمْ فَكَذَّبُوهُ } [ النحل : 113 ].\rفأخذ الله ميثاق النبيّين أجمعين أن يؤمنوا بمحمد عليه السلام وينصروه إن أدركوه ، وأمرهم أن يأخذوا بذلك الميثاقَ على أممهم.\rواللام من قوله \"لتؤمنن به\" جواب القسم الذي هو أخذ الميثاق ، إذ هو بمنزلة الاستحلاف.\rوهو كما تقول في الكلام : أخذت ميثاقك لتفعلنّ كذا ، كأنك قلت استحلفك ، وفصل بين القسم وجوابه بحرف الجر الذي هو \"لِما\" في قراءة ابن كَثير على ما يأتي.","part":14,"page":395},{"id":6091,"text":"ومن فتحها جعلها متلقيةً للقسم الذي هو أخذ الميثاق.\rواللام في \"لتؤمنن به\" جواب قسم محذوف ، أي والله لتؤمنن به.\rوقال المبرّد والكسائي والزجاج : \"ما\" شرط دخلت عليها لام التحقيق كما تدخل على إن ، ومعناه ( لمهما ) آتيتكم ؛ فموضع \"ما\" نصب ، وموضع \"آتيتكم\" جزم ، و\"ثم جاءكم\" معطوف عليه ، { لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ } اللام في قوله \"لتؤمنن به\" جواب الجزاء ؛ كقوله تعالى : { وَلَئِن شِئْنَا لَنَذْهَبَنَّ } [ الإسراء : 86 ] ونحوه.\rوقال الكسائيّ : لتؤمنن به مُعْتمد القسم فهو متصل بالكلام الأول ، وجواب الجزاء قوله { فَمَنْ تولى بَعْدَ ذلك }.\rولا يحتاج على هذا الوجه إلى تقدير عائد.\rوقرأ أهل الكوفة \"لِمَا آتيتكم\" بكسر اللام ، وهي أيضاً بمعنى الذي وهي متعلقة بأخذ ، أي أخذ الله ميثاقهم لأجل الذي آتاهم من كتاب وحكمة ثم إن جاءكم رسول مصدّق لما معكم لتؤمننّ به من بعد الميثاق : لأن أخذ الميثاق في معنى الاستحلاف كما تقدّم.\rقال النحاس : ولأبي عبيدة في هذا قول حَسَن.\rقال : المعنى وإذ أخذ الله ميثاق الذين أوتوا الكتاب لتؤمننّ به لِما آتيتكم من ذكر التوراة.\rوقيل : في الكلام حذف ، والمعنى وَإذْ أخذ الله ميثاق النبيّين لَتُعَلِّمُنّ الناس لِمَا جاءكم من كتاب وحكمة ، ولتأخذنّ على الناس أن يؤمنوا.\rودلّ على هذا الحذف { وَأَخَذْتُمْ على ذلكم إِصْرِي }.\rوقيل : إن اللام في قولهِ \"لِما\" في قراءة من كسرها بمعنى بعد ، يعني بعد ما آتيتكم من كتاب وحكمة ؛ كما قال النابغة : \rتوهّمتُ آيات لها فعرفتُها . . .\rلستّةِ أعوام وذا العامُ سابع\rأي بعد ستة أعوام.\rوقرأ سعيد بن جُبير \"لمّا\" بالتشديد ، ومعناه حين آتيتكم.\r","part":14,"page":396},{"id":6092,"text":"واحتمل أن يكون أصلها التخفيف فزيدت \"مِن\" على مذهب من يرى زيادتها في الواجب فصارت لمن ما ، وقلبت النون ميما للإدغام فاجتمعت ثلاث ميمات فحذفت الأولى منهن استخفافا.\rوقرأ أهل المدينة \"آتيناكم\" على التعظيم.\rوالباقون \"آتيتكم\" على لفظ الواحد.\rثم كلّ الأنبياء لم يُؤتوا الكتاب وإنما أوتي البعض ؛ ولكن الغلبة للذين أوتوا الكتاب.\rوالمراد أخذ ميثاق جميع الأنبياء فمن لم يؤت الكتاب فهو في حكم من أوتي الكتاب لأنه أوتي الحُكْم والنبوّة.\rوأيضاً من لم يؤت الكتاب أمر بأن يأخذ بكتاب من قبله فدخل تحت صفة من أوتي الكتاب.\rقوله تعالى : { أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ على ذلكم إِصْرِي قالوا أَقْرَرْنَا قَالَ فاشهدوا وَأَنَاْ مَعَكُمْ مِّنَ الشاهدين } \"أقررتم\" من الإقرار ، والإصْر والأَصْر لغتان ، وهو العهد.\rوالإصر في اللغة الثِّقْل ؛ فَسُمِّي العهد إصراً لأنه مَنْع وتشديد.\r{ قَالَ فاشهدوا } أي اعلموا ؛ عن ابن عباس.\rالزجاج : بيّنوا لأن الشاهد هو الذي يصحّح دعوى المدّعِي.\rوقيل : المعنى اشهدوا أنتم على أنفسكم وعلى أتباعكم.\r{ وَأَنَاْ مَعَكُمْ مِّنَ الشاهدين } عليكم وعليهم.\rوقال سعيد بن المسيّب : قال الله عز وجل للملائكة فاشهدوا عليهم ، فتكون كناية عن غير مذكور. أ هـ {تفسير القرطبى حـ 4 صـ 124 ـ 126}\rومن فوائد العلامة ابن عطية فى الآية\rقال رحمه الله :","part":14,"page":397},{"id":6093,"text":"وقوله تعالى : { وإذ أخذ الله ميثاق النبيين } الآية ، المعنى واذكر يا محمد \" إذ \" ويحتمل أن يكون \" أخذ \" هذا الميثاق حين أخرج بني آدم من ظهر آدم نسماً ، ويحتمل أن يكون هذا الأخذ على كل نبي في زمنه ووقت بعثه ، ثم جمع اللفظ ، في حكاية الحال في هذه الآية ، والمعنى : أن الله تعالى أخذ ميثاق كل نبي بأنه يلتزم هو ومن آمن به ، الإيمان بمن أوتي بعده من الرسل ، الظاهره براهينهم والنصرة له ، واختلف المفسرون في العبارة عن مقتضى ألفاظ هذه الآية ، فقال مجاهد والربيع : إنما أخذ ميثاق أهل الكتاب ، لا ميثاق النبيين ، وفي مصحف أبي بن كعب وابن مسعود : \" وإذ أخذ الله ميثاق الذين أوتوا الكتاب \" ، قال مجاهد : هكذا هو القرآن ، وإثبات \" النبيين \" خطأ من الكتاب.\rقال الفقيه الإمام : وهذا لفظ مردود بإجماع الصحابة على مصحف عثمان رضي الله عنه ، وقال ابن عباس رضي الله عنه : إنما { أخذ الله ميثاق النبيين } على قومهم ، فهو أخذ لميثاق الجميع ، وقال طاوس : أخذ الله ميثاق النبيين أن يصدق بعضهم بعضاً ، وقال علي بن أبي طالب رضي الله عنه : ما بعث الله نبياً ، آدم فمن بعده ، إلا أخذ عليه العهد في محمد لئن بعث وهو حي ليؤمنن به ولينصرنه ، وأمره بأخذه على قومه ، ثم تلا هذه الآية ، وقاله السدي : وروي عن طاوس أنه قال : صدر الآية أخذ الميثاق على النبيين وقوله : { ثم جاءكم } مخاطبة لأهل الكتاب بأخذ الميثاق عليهم.","part":14,"page":398},{"id":6094,"text":"قال الفقيه الإمام أبو محمد : حكاه الطبري وهو قول يفسده إعراب الآية ، وهذه الأقوال كلها ترجع إلى ما قاله علي بن أبي طالب وابن عباس ، لأن الأخذ على الأنبياء أخذ على الأمم. وقرأ حمزة وغيره سوى السبعة : \" لما \" بكسر اللام ، وهي لام الجر ، والتقدير لأجل ما أتيناكم ، إذ أنتم القادة الرؤوس ، ومن كان بهذه الحال فهو الذي يؤخذ ميثاقه ، و\" ما \" في هذه القراءة بمعنى الذي الموصولة ، والعائد إليها من الصلة تقديره آتيناكموه ، و\" من \" لبيان الجنس ، وقوله ، { ثم جاءكم } الآية ، جملة معطوفة على الصلة ، ولا بد في هذه الجملة من ضمير يعود على الموصول ، فتقديره عند سيبويه : رسول به مصدق لما معكم ، وحذف تخفيفاً كما حذف الذي في الصلة بعينها لطول الكلام ، كما قال تعالى : { أهذا الذي بعث الله رسولاً } [ الفرقان : 41 ] والحذف من الصلات كثير جميل ، وأما أبو الحسن الأخفش ، فقال قوله تعالى : { لما معكم }. هو العائد عنده على الموصول ، إذ هو في المعنى بمنزلة الضمير الذي قدر سيبويه ، وكذلك قال الأخفش في قوله تعالى : { إنه من يتق ويصبر فإن الله لا يضيع أجر المحسنين } [ يوسف : 90 ] لأن المعنى لا يضيع أجرهم ، إذ المحسنون هم من يتقي ويصبر ، وكذلك قوله تعالى : { إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات إنّا لا نضيع أجر من أحسن عملاً } [ الكهف : 30 ] وكذلك ما ضارع هذه الآيات ، وسيبويه رحمه الله لا يرى أن يضع المظهر موقع المضمر ، كما يراه أبو الحسن ، واللام في { لتؤمِننَّ } ، هي اللام المتعلقة للقسم الذي تضمنه أخذ الميثاق وفصل بين القسم والمقسم عليه بالجار والمجرور وذلك جائز.","part":14,"page":399},{"id":6095,"text":"وقرأ سائر السبعة : \" لَما \" بفتح اللام ، وذلك يتخرج على وجهين ، أحدهما أن تكون \" ما \" موصولة في موضع رفع بالابتداء ، واللام لام الابتداء ، وهي متلقية لما أجري مجرى القسم من قوله تعالى : { وإذ أخذ الله ميثاق } وخبر الابتداء قوله { لتؤمنن } ، و{ لتؤمنن } متعلق بقسم محذوف ، والمعنى والله لتؤمنن ، هكذا قال أبو علي الفارسي ، وفيه من جهة المعنى نظر ، إذا تأملت على أي شيء وقع التحليف لكنه متوجه بأن الحلف يقع مرتين تأكيداً فتأمل ، والعائد الذي في الصلة ، والعائد الذي في الجملة المعطوفة على الصلة هنا في هذه القراءة هما على حد ما ذكرناهما في قراءة حمزة ، أما أن هذا التأويل يقتضي عائداً من الخبر الذي هو { لتؤمنن } فهو قوله تعالى : { به } فالهاء من { به } عائدة على \" ما \" ، ولا يجوز أن تعود على { رسول } فيبقى الموصول حينئذ غير عائد عليه من خبره ذكر ، والوجه الثاني الذي تتخرج عليه قراءة القراء \" لما \" بفتح اللام ، هو أن تكون \" ما \" للجزاء شرطاً ، فتكون في موضع نصب بالفعل الذي بعدها وهو مجزوم و{ جاءكم } معطوف في موضع جزم ، واللام الداخلة على \" ما \" ليست المتلقية للقسم ، ولكنها الموطئة المؤذنة بمجيء لام القسم ، فهي بمنزلة اللام في قوله تعالى : { لئن لم ينته المنافقون والذين في قلوبهم مرض } [ الأحزاب : 60 ] لأنها مؤذنة بمجيء المتلقية للقسم في قوله ، لنغرينك بهم وكذلك هذه مؤذنة بمجيء المتلقية للقسم في قوله : { لتؤمِننَّ } وهذه اللام الداخلة على \" أن \" لا يعتمد القسم عليها ، فلذلك جاز حذفها تارة وإثباتها تارة ، كما قال تعالى : { وإن لم ينتهوا عما يقولون ليمسن الذين كفروا منهم عذاب أليم } [ المائدة : 73 ].","part":14,"page":400},{"id":6096,"text":"قال الزجاج : لأن قولك ، والله لئن جئتني لأكرمنك ، إنما حلف على فعلك ، لأن الشرط معلق به ، فلذلك دخلت اللام على الشرط ، وما في هذا الوجه من كونها جزاء لا تحتاج إلى عائد لأنها مفعولة والمفعول لا يحتاج إلى ذكر عائد.\rوالضمير في قوله تعالى : { لتؤمِننَّ به } عائد على { رسول } ، وكذلك هو على قراءة من كسر اللام ، وأما الضمير في قوله { ولَتنصرنَه } فلا يحتمل بوجه إلا العود على رسول ، قال أبو علي في الإغفال : وجزاء الشرط محذوف بدلالة قوله { لتؤمنن } عليه ، قال سيبويه : سألته ، يعني الخليل عن قوله تعالى : { وإذ أخذ الله ميثاق النبيين لما آتيناكم } فقال : \" ما \" هنا بمنزلة الذي ودخلتها اللام كما دخلت على إن ، حين قلت : لئن فعلت لأفعلن ، ثم استمر يفسر وجه الجزاء قال أبو علي : أرد الخليل بقوله : هي بمنزلة الذي ، أنها اسم كما أن الذي اسم ولَم يرد أنها موصولة كالذي ، وإنما فرّ من أن تكون \" ما \" حرفاً كما جاءت حرفاً في قوله تعالى : { وإن كلاًّ لما ليوفينهم ربك أعمالهم } [ هود : 111 ] وفي قوله { وإن كل ذلك لما متاع الحياة الدنيا } [ الزخرف : 35 ] ، الله المستعان ، وحكى المهدوي ومكي عن سيبويه والخليل ، : أن خبر الابتداء فيمن جعل \" ما \" ابتداء على قراءة من فتح اللام هو في قوله : { من كتاب وحكمة } ولا أعرف من أين حكياه لأنه مفسد لمعنى الآية لا يليق بسيبويه ، والخليل ، وإنما الخبر في قوله ، { لتؤمنن } كما قال أبو علي الفارسي ومن جرى مجراه كالزجاج وغيره ، وقرأ الحسن : \" لمّا آتيناكم \" بفتح اللام وشدها قال أبو إسحاق : أي لما آتاكم الكتاب والحكمة أخذ الميثاق ، وتكون اللام تؤول إلى الجزاء ، كما تقول لما جئتني أكرمتك.","part":14,"page":401},{"id":6097,"text":"قال القاضي أبو محمد عبد الحق رضي الله عنه : ويظهر أن \" لما \" هذه هي الظرفية أي لما كنتم بهذه الحال ، رؤساء الناس وأماثلهم ، أخذ عليكم الميثاق ، إذ على القادة يؤخذ ، فيجيء هذا المعنى كالمعنى في قراءة حمزة ، وذهب ابن جني في \" لما \" في هذه الآية إلى أن أصلها \" لمن ما \" ، وزيدت \" من \" في الواجب على مذهب الأخفش ، ثم أدغمت ، كما يجب في مثل هذا ، فجاء لهما ، فثقل اجتماع ثلاث ميمات فحذفت الميم الأولى فبقي \" لما \" ، وتتفسر هذه القراءة على هذا التوجيه المحلق تفسر \" لما \" بفتح الميم مخففة ، وقد تقدم ، وقرأ نافع وحده ، \" آتيناكم \" بالنون ، وقرأ الباقون ، \" آتيتكم \" بالتاء ، و{ رسول } في هذه الآية اسم جنس ، وقال كثير من المفسرين : الإشارة بذلك إلى محمد صلى الله عليه وسلم ، وفي مصحف ابن مسعود : \" مصدقاً \" بالنصب على الحال.\rقوله تعالى :\r{ قَالَ ءَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِى قَالُواْ أَقْرَرْنَا قَالَ فَاشْهَدُواْ وَأَنَاْ مَعَكُم مِّنَ الشَّاهِدِينَ فَمَن تَوَلَّى بَعْدَ ذَلِكَ فَأْوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ}","part":14,"page":402},{"id":6098,"text":"هذه الآية هي وصف توقيف الأنبياء على إقرارهم بهذا الميثاق والتزامهم له وأخذ عهد الله فيه ، وذلك يحتمل موطن القسم ، ويحتمل أن يراد بهذه العبارة الجامعة وصف ما فعل مع كل نبي في زمنه ، { وأخذتم } في هذه الآية عبارة عما تحصل لهم من إيتاء الكتاب والحكمة فمن حيث أخذ عليهم أخذوا هم ايضاً وقال الطبري : { أخذتم } في هذه الآية معناه : قبلتم ، و\" الإصر \" ، العهد ، لا تفسير له في هذا الموضع إلا لذلك ، وقوله تعالى { فاشهدوا } يحتمل معنيين : أحدهما فاشهدوا على أممكم المؤمنين بكم ، وعلى أنفسكم بالتزام هذا العهد ، هذا قول الطبري وجماعة ، والمعنى الثاني ، بثوا الأمر عند أممكم واشهدوا به ، وشهادة الله تعالى هذا التأويل ، وفي التي في قوله { وأنا معكم من الشاهدين } هي إعطاء المعجزات وإقرار نبوءاتهم ، هذا قول الزجّاج وغيره.\rقال القاضي أبو محمد : فتأمل أن القول الأول هو إيداع الشهادة واستحفظها ، والقول الثاني هو الأمر بأدائها ، وحكم الله تعالى بالفسق على من تولى من الأمم بعد هذا الميثاق ، قاله علي بن أبي طالب رضي الله عنه وغيره ويحتمل أن يريد بعد الشهادة عند الأمم بهذا الميثاق على أن قوله ، { فاشهدوا } أمر بالأداء. أ هـ {المحرر الوجيز حـ 1 صـ 463 ـ 466}\rومن فوائد العلامة أبى السعود\rقال رحمه الله :","part":14,"page":403},{"id":6099,"text":"{ وَإِذْ أَخَذَ الله ميثاق النبيين } منصوبٌ بمضمر خوطب به النبيُّ صلى الله عليه وسلم أي اذكرْ وقتَ أخذِه تعالى ميثاقَهم { لَمَا ءاتَيْتُكُم مّن كتاب وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءكُمْ رَسُولٌ مُّصَدّقٌ لّمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنصُرُنَّهُ } قيل : هو ظاهره وإذا كان هذا حكمَ الأنبياءِ عليهم السلام كان الأممُ بذلك أولى وأحرى ، وقيل : معناه أخذُ الميثاقِ من النبيين وأممِهم ، واستُغنيَ بذكرهم عن ذكرهم ، وقيل : إضافةُ الميثاقِ إلى النبيين إضافةٌ إلى الفاعل والمعنى وإذْ أخذ الله الميثاقَ الذي وثّقه الأنبياءُ على أممهم ، وقيل : المرادُ أولادُ النبيين على حذف المضافِ وهم بنو إسرائيلَ أو سماهم نبيين تهكّماً بهم لأنهم كانوا يقولون : نحن أولى بالنبوة من محمد صلى الله عليه وسلم لأنا أهلُ الكتاب والنبيون كانوا منا ، واللام في { لَّمّاً } موطئةٌ للقسم لأن أخذَ الميثاق بمعنى الاستخلافِ ، وما تحتملُ الشرطيةَ ، ولتُؤمِنُنّ سادٌّ مسدَّ جوابِ القسم والشرط ، وتحتمل الخبرية ، وقرىء { لَّمّاً } بالكسر على أن ما مصدرية أي لأجل إيتائي إياكم بعضَ الكتاب ثم لمجيء رسولٍ مصدقٍ أخذَ الله الميثاقَ لتؤمِنُنَّ به ولتنصُرُنه ، أو موصولةٌ والمعنى أخذُه الذي آتيتُكموه وجاءكم رسولٌ مصدقٌ له وقرىء لَمّا بمعنى حين آتيتُكم أو لَمِنْ أجل ما آتيتُكم على أن أصله لَمِنْ ما بالإدغام فحُذف إحدى الميمات الثلاثِ استثقالاً.","part":14,"page":404},{"id":6100,"text":"{ قَالَ } أي الله تعالى بعدما أخذَ الميثاقَ { ءأَقْرَرْتُمْ } بما ذُكر { وَأَخَذْتُمْ على ذلكم إِصْرِى } أي عهدي سُمّيَ به لأنه يؤصَرُ أي يُشَدّ وقرىء بضم الهمزة إما لغةٌ كعبر وعبر أو جمع إصار وهو ما يشد به { قَالُواْ } استئنافٌ مبنيٌّ على السؤال كأنه قيل : فماذا قالوا عند ذلك ؟ فقيل قالوا : { أَقْرَرْنَا } وإنما لم يُذكر أخذُهم الإصرارَ اكتفاءً بذلك { قَالَ } تعالى { فَأَشْهِدُواْ } أي فليشهدْ بعضُكم على بعض بالإقرار وقيل : الخطابُ فيه للملائكة { وَأَنَاْ مَعَكُمْ مّنَ الشاهدين } أي وأنا أيضاً على إقراركم ذلك وتشاهُدِكم به شاهدٌ ، وإدخالُ مع على المخاطبين لما أنهم المباشِرون للشهادة حقيقةً وفيه من التأكيد والتحذيرِ ما لا يخفى.\r{ فَمَنْ تولى } أي أعرض عما ذكر { بَعْدَ ذَلِكَ } الميثاقِ والتوكيدِ بالإقرار والشهادة ، فمعنى البُعد في اسم الإشارةِ لتفخيم الميثاق { فَأُوْلَئِكَ } إشارةٌ إلى مَنْ ، والجمعُ باعتبار المعنى كما أن الإفرادَ في تولى باعتبار اللفظ ، وما فيه من معنى البُعد للدِلالة على ترامي أمرِهم في السوء وبُعد منزلتِهم في الشر والفساد أي فأولئك المُتولُّون المتّصفون بالصفات القبيحةِ { هُمُ الفاسقون } المتمرِّدون الخارجون عن الطاعة من الكَفَرة فإن الفاسقَ من كل طائفةٍ مَنْ كان متجاوزاً عن الحد. أ هـ {تفسير أبى السعود حـ 2 صـ 53 ـ 54}\rومن فوائد العلامة الآلوسى\rقال رحمه الله :","part":14,"page":405},{"id":6101,"text":"{ وَإِذْ أَخَذَ الله ميثاق النبيين لَمَا ءاتَيْتُكُم مّن كتاب وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءكُمْ رَسُولٌ مُّصَدّقٌ لّمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنصُرُنَّهُ } الظرف منصوب بفعل مقدر مخاطب به النبي صلى الله عليه وسلم أي اذكر وقت ذلك واختار السمين كونه معمولاً لأقررتم الآتي ، وضعفه عبد الباقي بأن خطاب { ءأَقْرَرْتُمْ } بعد تحقق أخذ الميثاق ، وفيه تردد ، وعطفه على ما تقدم من قوله تعالى : { وَإِذْ قَالَتِ الملائكة } [ آل عمران : 42 ] كما نقله الطبرسي بعيد. واختلف في المراد من الآية فقيل : إنها على ظاهرها ويؤيد ذلك ما أخرجه ابن جرير عن علي كرم الله تعالى وجهه قال : لم يبعث الله تعالى نبياً آدم فمن بعده إلا أخذ عليه العهد في محمد صلى الله عليه وسلم لئن بعث وهو حي ليؤمنن به ولينصرنه ويأمره فيأخذ العهد على قومه ثم تلا الآية ، وعدم ذكر الأمم فيها حينئذ إما لأنهم معلومون بالطريق الأولى أو لأنه استغنى بذكر النبيين عن ذكرهم ، ففي الآية اكتفاء وليس فيها الجمع بين المتنافيين ، وقيل : إن إضافة الميثاق إلى النبيين إضافة إلى الفاعل ، والمعنى وإذ أخذ الله الميثاق الذي وثقه النبيون على أممهم وإلى هذا ذهب ابن عباس فقد أخرج ابن المنذر ، وغيره عن سعيد بن جبير أنه قال : قلت لابن عباس : إن أصحاب عبد الله يقرءون { وَإِذْ أَخَذَ الله ميثاق الذين أُوتُواْ الكتاب لَمَا ءاتَيْتُكُم } الخ ونحن نقرأ ميثاق النبيين فقال ابن عباس إنما أخذ الله تعالى ميثاق النبيين على قومهم ، وأشار بذلك رضي الله تعالى عنه إلى أنه لا تناقض بين القراءتين كما توهم حتى ظن أن ذلك منشأ قول مجاهد فيما رواه عنه ابن المنذر وغيره أن { وَإِذْ أَخَذَ الله ميثاق النبيين } خطأ من الكتاب وأن الآية كما قرأ عبد الله وليس كذلك إذ لا يصلح ذلك","part":14,"page":406},{"id":6102,"text":"وحده منشأ وإلا لزم الترجيح بلا مرجح بل المنشأ لذلك إن صح ، ولا أظن ما يعلم بعد التأمل فيما أسلفناه في المقدمات وبسطنا الكلام عليه في \"الأجوبة العراقية عن الأسئلة الإيرانية\" وقيل : المراد أمم النبيين على حذف المضاف ، وإليه ذهب الصادق رضي الله تعالى عنه ؛ وقيل : المضاف المحذوف أولاد ، والمراد بهم على الصحيح بنو إسرائيل لكثرة أولاد الأنبياء فيهم وأن السياق في شأنهم ، وأيد بقراءة عبد الله المشار إليها وهي قراءة أبيّ بن كعب أيضاً ، وقيل : المراد وإذ أخذ الله ميثاقاً مثل ميثاق النبيين أي ميثاقاً غليظاً على الأمم ، ثم جعل ميثاقهم نفسه ميثاقهم بحذف أداة التشبيه مبالغة ، وقيل : المراد من النبيين بنو إسرائيل وسماهم بذلك تهكماً لأنهم كانوا يقولون نحن أولى بالنبوة من محمد لأنا أهل الكتاب والنبيون كانوا منا ، وهذا كما تقول لمن ائتمنته على شيء فخان فيه ثم زعم الأمانة : يا أمين ماذا صنعت بأمانتي ؟ ؟ا وتعقبه الحلبي بأنه بعيد جداً إذ لا قرينة تبين ذلك ، وأجيب بأن القائل بعد لعله اتخذ مقالهم المذكور قرينة حالية ، وقيل : إن الإضافة للتعليل لأدنى ملابسة كأنه قيل : وإذ أخذ الله الميثاق على الناس لأجل النبيين ، ثم بينه بقوله سبحانه : { لَمَا ءاتَيْتُكُم } الخ ولا يخفى أن هذا أيضاً من البعد بمكان ، وقال الشهاب : لم نر من ذكر أن الإضافة تفيد التعليل في غير كلام هذا القائل ، واختار كثير من العلماء القول الأول ، وأخذ الميثاق من النبيين له صلى الله عليه وسلم على ما دل عليه كلام الأمير كرم الله تعالى وجهه مع علمه سبحانه أنهم لا يدركون وقته لا يمنع من ذلك لما فيه مع ما علمه الله تعالى من التعظيم له صلى الله عليه وسلم والتفخيم ورفعة الشأن والتنويه بالذكر ما لا ينبغي إلا لذلك الجناب ، وتعظم الفائدة إذا كان","part":14,"page":407},{"id":6103,"text":"ذلك الأخذ عليهم في كتبهم لا في عالم الذر فإنه بعيد كبعد ذلك الزمان كما عليه البعض ويؤيد القول بأخذ الميثاق من الأنبياء الموجب لإيمان من أدركه عليه الصلاة والسلام منهم به ما أخرجه أبو يعلى عن جابر قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : \" لا تسألوا أهل الكتاب عن شيء فإنهم لن يهدوكم وقد ضلوا فإما أن تصدقوا بباطل ، وإما أن تكذبوا بحق وإنه والله لو كان موسى حياً بين أظهركم ماحل له إلا أن يتبعني \" وفي معناه أخبار كثيرة وهي تؤيد بظاهرها ما قلنا ، ومن هنا ذهب العارفون إلى أنه صلى الله عليه وسلم هو النبي المطلق والرسول الحقيقي والمشرع الاستقلالي ، وأن من سواه من الأنبياء عليهم الصلاة والسلام في حكم التبعية له صلى الله عليه وسلم.\rوهذا وقد عدوا هذه الآية من مشكلات القرآن إعراباً وقد غاص النحويون في تحقيق ذلك وشقوا الشعر فيه. أ هـ {روح المعانى حـ 3 صـ 209 ـ 210}\rمن فوائد العلامة الطاهر بن عاشور\rقال عليه الرحمة :\rعطف { وإذْ أخذ الله } على { ولا يأمركم أن تتخذوا الملائكة } [ آل عمران : 80 ] أي ما أمركم الأنبياء بشيء مما تقوّلتم عليهم وقد أمروكم بغير ذلك فأضعتموه حين أخذ الله ميثاقهم لِيُبَلِّغوه إليكم ، فالمعطوف هو ظرف ( إذْ ) وما تعلق به.\rويجوز أن يتعلق ( إذ ) بقوله : { أأقررتم } مقدماً عليه.\rويصح أن تجعل ( إذ ) بمعنى زمان غير ظرف والتقدير : واذْكر إذْ أخذ الله ميثاق النبيين ، فالمقصود الحكاية عن ذلك الزمان وما معه فيكون { قال أقررتم } معطوفاً بحذف العاطف.\rكما هو الشأن في جمل المحاورة وكذلك قوله : { قالوا أقررنا }.","part":14,"page":408},{"id":6104,"text":"ويصح أن تكون جملة { قال أأقررتم } وما بعدها بياناً لجملة { أخذ اللَّه ميثاق النبيين } باعتبار ما يقتضيه فعل أخذ الله ميثاقَ النبيين : من أنّ النبيين أعْطَوْا ميثاقاً لله فقال : أأقررتم قالوا : أقررنا إلخ.\rويكون قوله : { لما آتيناكم } إلى قوله { ولتنصرنه } هو صيغة الميثاق.\rوهذا الميثاق أخذه الله على جميع الأنبياء ، يؤذنهم فيه بأنّ رسولاً يجيء مصدّقاً لما معهم ، ويأمُرُهم بالإيمان به وبنصره ، والمقصود من ذلك إعلام أممهم بذلك ليَكون هذا الميثاق محفوظاً لدى سائر الأجيال ، بدليل قوله : { فمن تولّى بعد ذلك } إلخ إذ لا يجوز على الأنبياء التولّي والفسق ولكنّ المقصود أممهم كقوله : { لئن أشركت ليحبطن عملك }.\rوبدليل قوله قال : { فاشهدوا } أي على أممكم.\rوإلى هذا يرجع ما ورد في القرآن من دعوة إبراهيم عليه السلام : { ربنا وابعث فيهم رسولاً منهم } [ البقرة : 129 ] ، وقد جاء في سفر التثنية قول موسى عليه السلام : \"قال لي الربّ أقيم لهم نبيئاً من وسط إخوتهم مثلَك وأجْعَلُ كلامي في فمه فيكلمهم بكلّ ما أوصيه به\".\rوإخوَةُ بني إسرائيل هم بنو إسماعيل ، ولو كان المراد نبيئاً إسرائيلياً لقال أقيم لهم نبيئاً منهم على ما في ترجمة التوراة من غموض ولعلّ النص الأصلي أصرح من هذا المترجم.\r","part":14,"page":409},{"id":6105,"text":"والبشارات في كتب أنبياء بني إسرائيل وفي الأناجيل كثيرة ففي متى قول المسيح \"وتقوم أنبياء كذَبة كثيرون ويضلون كثيرين ولكنّ الذي يصبر أي يبقى أخيراً إلى المنتهى فهذا يخلص ويكرز (1) ببشارة الملكوت هذه في كل المسكونة شهادةً لجميع الأمم ثم يَأتي المنتهَى\" وفي إنجيل يوحنا قول المسيح \"وأنا أطلب من الأب فيعطيكم مُعَزِّياً آخر ليَمكث معكم إلى الأبد وأما المُعَزِّي الروح القدس الذي سيرسله الأب باسمي فهو يعلمكم كل شيء ويذكّركم بكل ما قلتُه لكم ومتى جاء المعزِّي روحُ الحق الذي من عند الأب ينبثق فهو يشهد لي\" إلى غير ذلك.\rوفي أخذ العهد على الأنبياء زيادة تنويه برسالة محمد صلى الله عليه وسلم وهذا المعنى هو ظاهر الآية ، وبه فسر محققو المفسرين من السلف والخلف منهم علي بن أبي طالب ، وابن عباس ، وطاووس ، والسدي.\rومن العلماء من استبعد أن يكون أخذ العهد على الأنبياء حقيقة نظراً إلى قوله : { فمن تولى بعد ذلك فأولئك هم الفاسقون } ( توهموه متعيناً لأن يكون المراد بمن تولّى من النبيين المخاطبين ، وستعلم أنه ليس كذلك ) فتأوّلوا الآية بأنّ المراد أخذ العهد على أممهم ، وسلكوا مسالك مختلفة من التأويل فمنهم من جعل إضافة الميثاق للنبيين إضافة تشبه إضافة المصدر إلى فاعله أي أخذ الله على الأمم ميثاق أنبيائهم منهم.\r________________\r(1) وقعت كلمة يكرز في ترجمة إنجيل متى ، ولعل معناها ويحسن تبليغ الدين","part":14,"page":410},{"id":6106,"text":"ومنهم من قدَّر حذف المضاف أي أمم النبيئين أو أولاد النبيئين وإليه مال قول مجاهد والربيع ، واحتجوا بقراءة أبي ، وابن مسعود ، هذه الآية : وإذ أخذ الله ميثاق الذين أوتوا الكتاب لما آتيناكم من كتاب ، ولم يقرأ ميثاق النبيئين ، وزاد مجاهد فقال : إن قراءة أبي هي القرآن ، وإنّ لفظ النبيئين غلط من الكتَّاب ، وردّه ابن عطية وغيره بإجماع الصحابة والأمة على مصحف عثمان.\rوقوله : { لما آتيناكم } قرأ الجمهور \"لَمَا\" بفتح اللام وتخفيف الميم فاللام موطئة للقسم ، لأنّ أخذ الميثاق في معنى اليمين وما موصوله مبتدأ { وآتيناكم } صلته وحذف العائد المنصوب جرى على الغالب في مثله ومِن كتاب بيان للموصول وصلتِه ، وعُطف { ثم جاءكم } على { آتيْناكم } أي الذي آتيناكموه وجاءكم بعده رسول.\rولتؤمننّ اللام فيه لام جواب القسم والجواب سدّ مسد خبر المبتدأ كما هو المعروف وضمير به عائد على المذكور أي لتؤمنّن بما آتيناكم وبالرسول ، أو هو عائد على الرسول وحذف ما يعود على ما آتيناكم لظهوره.\rوقرأه حمزة : بكسر لام لما فتكون اللام للتعليل متعلق بقوله : { لتؤمننّ به } أي شكراً على ما آتيتُكم وعلى أن بعثت إليكم رسولاً مصدّقاً لما كنتم عليه من الدين ولا يضرّ عمل مَا بعد لام القسم فيما قبلها فأخْذ الميثاق عليهم مطلقاً ثم علّل جواب القسم بأنه من شكر نعمة الإيتاء والتصديق ، ولا يصح من جهة المعنى تعليق { لما آتيتكم } بفعل القسم المحذوف ، لأنّ الشكر علة للجواب ، لا لأخْذ العهد.\rولام { لتؤمِننّ } لام جواب القسم ، على الوجه الأول ، وموطئة للقسم على الوجه الثاني.\rوقرأ نافع ، وأبو جعفر : آتيناكم بنون العظمة وقرأه الباقون { آتيتكم } بتاء المتكلم.\rوجملة قال : { أأقررتم } بدل اشتمال من جملة { أخذ الله ميثاق النبيين }.\r","part":14,"page":411},{"id":6107,"text":"والإقرار هنا مستعمل في معنى التحقيق بالوفاء مما أخذ من الميثاق.\rوالإصر : بكسر الهمزة ، العهد المؤكد الموثق واشتقاقه من الإصار بكسر الهمزة وهو ما يعقد ويسدّ به ، وقد تقدم الكلام على حقيقته ومجازه في قوله تعالى : { ربنا ولا تحمل علينا إصراً } في سورة [ البقرة : 286 ].\r( وقوله : { فاشهدوا } إن كان شهادة على أنفسهم فهي بمعنى التوثق والتحقيق وكذلك قوله : { وأنا معكم من الشاهدين } كقوله : { شهد اللَّه أنه لا إله إلا هو } [ آل عمران : 18 ] وإن كانت شهادة على أممهم بتبليغ ذلك الميثاق فالمعنى فاشهدوا على أممكم بذلك ، والله شاهد على الجميع كما شهد النبيئون على الأمم.\rوقوله : { فمن تولى بعد ذلك } أي من تولّى مِمن شهدتم عليهم ، وهم الأمم ، ولذلك لم يقل فمن تولّى بعد ذلك منكم كما قال في الآية التي خوطب فيها بنو إسرائيل في سورة [ المائدة : 12 ] : { فمن كفر بعد ذلك منكم فقد ضلّ سواء السبيل }\rووجه الحَصر في قوله : فأولئك هم الفاسقون } أنه للمبالغة لأنّ فسقهم في هذه الحالة أشد فسق فجعل غيره من الفسق كالعدَم. أ هـ {التحرير والتنوير حـ 3 صـ 142 ـ 145}\rفصل\rقال العلامة ابن كثير فى معنى الآية : ","part":14,"page":412},{"id":6108,"text":"يخبر تعالى أنه أخذ ميثاق كل نبي بعثه من لدن آدم ، عليه السلام ، إلى عيسى ، عليه السلام ، لَمَهْمَا آتى الله أحدَهم من كتاب وحكمة ، وبلغ أيّ مبلَغ ، ثم جاءه رسول من بعده ، ليؤمنَنَّ به ولينصرَنَّه ، ولا يمنعه ما هو فيه من العلم والنبوة من اتباع من بعث بعده ونصرته ؛ ولهذا قال تعالى وتقدس : { وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَا آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ } أي : لمهما أعطيتكم من كتاب وحكمة { ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ قَالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي }\rوقال ابن عباس ، ومجاهد ، والربيع ، وقتادة ، والسدي : يعني عهدي.\rوقال محمد بن إسحاق : { إصري } أي : ثقل ما حمّلْتم من عهدي ، أي ميثاقي الشديد المؤكد.\r{ قَالُوا أَقْرَرْنَا قَالَ فَاشْهَدُوا وَأَنَا مَعَكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ. فَمَنْ تَوَلَّى بَعْدَ ذَلِكَ } أي : عن هذا العهد والميثاق ، { فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ }\rقال علي بن أبي طالب وابن عمه عبد الله بن عباس ، رضي الله عنهما : ما بعث الله نبيا من الأنبياء إلا أخذ عليه الميثاق ، لئن بَعَث محمدًا وهو حَيّ ليؤمنن به ولينصرنه ، وأمَرَه أن يأخذ الميثاق على أمته : لئن بعث محمد [صلى الله عليه وسلم] وهم أحياء ليؤمِنُنَّ به ولينصرُنَّه.\rوقال طاووس ، والحسن البصري ، وقتادة : أخذ الله ميثاق النبيين أن يصدق بعضهم بعضا.\rوهذا لا يضاد ما قاله عليّ وابن عباس ولا ينفيه ، بل يستلزمه ويقتضيه. ولهذا رواه عبد الرزاق ، عن مَعْمَر ، عن ابن طاووس ، عن أبيه مثل قول عليّ وابن عباس.\r","part":14,"page":413},{"id":6109,"text":"وقد قال الإمام أحمد : حدثنا عبد الرزاق ، أنبأنا سفيان ، عن جابر ، عن الشعبي ، عن عبد الله بن ثابت قال : جاء عمر إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال : يا رسول الله ، إني مررتُ بأخٍ لي من قُرَيْظَة ، فكتب لي جَوَامعَ من التوراة ، ألا أعرضها عليك ؟ قال : فتغيَّرَ وَجْهُ رسول اللهِ صلى الله عليه وسلم -قال عبد الله بن ثابت : قلت له : ألا ترى ما بوجه رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ فقال عمر : رضينا بالله ربا ، وبالإسلام دينا ، وبمحمد رسولا -قال : فسُرِّيَ عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال : \"وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ لَوْ أَصْبَحَ فِيكُمْ مُوسَى عليه السلام ، ثُمَّ اتَّبَعْتُمُوهُ وَتَرَكْتُمُونِي لَضَلَلْتُمْ ، إِنَّكُمْ حَظِّي مِنْ الأمَمِ ، وَأَنَا حَظُّكُمْ مِنْ النَّبِيِّينَ\". { المسند (4/265) قال الهيثمي في المجمع (1/173) : \"رجاله رجال الصحيح إلا أن فيه جابر الجعفي وهو ضعيف\"}.\rحديث آخر : قال الحافظ أبو بكر حدثنا إسحاق ، حدثنا حماد ، عن مُجالد ، عن الشعبي ، عن جابر قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : \"لا تَسْأَلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ عَنْ شَيْءٍ ، فَإِنَّهُمْ لَنْ يَهْدُوكُمْ وَقَدْ ضَلُّوا ، وَإِنَّكُمْ إِمَّا أَنْ تُصَدِّقُوا بِبَاطِلٍ وإما أنْ تُكَذِّبُوا بِحَقٍّ ، وَإِنَّه -واللهِ-لَوْ كَانَ مُوسَى حَيًّا بَيْنَ أَظْهُرِكُمْ مَا حَلَّ لَهُ إِلا أَنْ يَتَّبِعَنِي\". { مسند البزار برقم (124) \"كشف الأستار\" ورواه أحمد في مسنده (3/387) والدارمي في السنن (1/115) قال الهيثمي في المجمع (1/174) : \"رواه البزار وأحمد وأبو يعلى\". وقد حسنه الشيخ ناصر الألباني ، وتوسع في الكلام عليه فليراجع في كتابه : \"إرواء الغليل\" (6/34)}.\r","part":14,"page":414},{"id":6110,"text":"وفي بعض الأحاديث [له] : \"لَوْ كَانَ مُوسَى وَعِيسَى حَيَّينِ لَمَا وَسِعَهُما إلا اتِّباعِي\" (10).\rفالرسول محمد خاتم الأنبياء صلوات الله وسلامه عليه ، دائما إلى يوم الدين ، وهو الإمام الأعظم الذي لو وجد في أي عصر وجد لكان هو الواجب الطاعة المقدَّم على الأنبياء كلهم ؛ ولهذا كان إمامهم ليلة الإسراء لما اجتمعوا ببيت المقدس ، وكذلك هو الشفيع في يوم الحشر في إتيان الرب لِفَصْل القضاء ، وهو المقام المحمود الذي لا يليق إلا له ، والذي يحيد عنه أولو العزم من الأنبياء والمرسلين ، حتى تنتهي النوبة إليه ، فيكونَ هو المخصوص به. أ هـ {تفسير ابن كثير حـ 2 صـ 67 ـ 68}\rوقال السعدى : \r","part":14,"page":415},{"id":6111,"text":"يخبر تعالى أنه أخذ ميثاق النبيين وعهدهم المؤكد بسبب ما أعطاهم من كتاب الله المنزل ، والحكمة الفاصلة بين الحق والباطل والهدى والضلال ، إنه إن بعث الله رسولا مصدقا لما معهم أن يؤمنوا به ويصدقوه ويأخذوا ذلك على أممهم ، فالأنبياء عليهم الصلاة والسلام قد أوجب الله عليهم أن يؤمن بعضهم ببعض ، ويصدق بعضهم بعضا لأن جميع ما عندهم هو من عند الله ، وكل ما من عند الله يجب التصديق به والإيمان ، فهم كالشيء الواحد ، فعلى هذا قد علم أن محمدا صلى الله عليه وسلم هو خاتمهم ، فكل الأنبياء عليهم الصلاة والسلام لو أدركوه لوجب عليهم الإيمان به واتباعه ونصرته ، وكان هو إمامهم ومقدمهم ومتبوعهم ، فهذه الآية الكريمة من أعظم الدلائل على علو مرتبته وجلالة قدره ، وأنه أفضل الأنبياء وسيدهم صلى الله عليه وسلم لما قررهم تعالى [ ص 137 ] { قالوا أقررنا } أي : قبلنا ما أمرتنا به على الرأس والعين { قال } الله لهم : { فاشهدوا } على أنفسكم وعلى أممكم بذلك ، قال { وأنا معكم من الشاهدين فمن تولى بعد ذلك } العهد والميثاق المؤكد بالشهادة من الله ومن رسله { فأولئك هم الفاسقون } فعلى هذا كل من ادعى أنه من أتباع الأنبياء كاليهود والنصارى ومن تبعهم ، فقد تولوا عن هذا الميثاق الغليظ ، واستحقوا الفسق الموجب للخلود في النار إن لم يؤمنوا بمحمد صلى الله عليه وسلم. أ هـ {تفسير السعدى صـ 136}\rفائدة\rقال الطبرى :","part":14,"page":416},{"id":6112,"text":"وهاتان الآيتان ، وإن كان مَخرَج الخبر فيهما من الله عز وجل بما أخبر أنه أشهدَ وأخذَ به ميثاقَ منْ أخذَ ميثاقه به ، عن أنبيائه ورسله ، فإنه مقصودٌ به إخبارُ من كان حوالَي مهاجَر رسول الله صلى الله عليه وسلم من يهود بني إسرائيل أيام حياته صلى الله عليه وسلم ، عَمَّا لله عليهم من العهد في الإيمان بنبوة محمد صلى الله عليه وسلم ومعنيٌّ [به] تذكيرُهم ما كان الله آخذًا على آبائهم وأسلافهم من المواثيق والعهود ، وما كانت أنبياءُ الله عرَّفتهم وتقدّمت إليهم في تصديقه واتباعه ونُصرته على من خالفه وكذبه وتعريفهم ما في كتب الله ، التي أنزلها إلى أنبيائه التي ابتعثها إليهم ، من صفته وعلامته. أ هـ {تفسير الطبرى حـ 6 صـ 563}\rمن لطائف الإمام القشيرى فى الآيتين\rقوله جلّ ذكره : { وَإِذْ أَخَذَ اللهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ } الآية.\rأخذ الله ميثاق محمد صلى الله عليه وسلم على جميع الأنبياء عليهم السلام ، كما أخذ ميثاقهم في الإقرار بربوبيته - سبحانه ، وهذا غاية التشريف للرسول عليه السلام ، فقد قَرَنَ اسمه باسم نفسه ، وأثبت قَدْرَه كما أثبت قدر نفسه ، فهو أوحد الكافة في الرتبة ، ثم سَهَّلَ سبيلَ الكافة في معرفة جلاله بما أظهر عليه من المعجزات.\rقوله تعالى {فَمَنْ تَوَلَّى بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ}\rالإشارة فيه : فَمَنْ حاد عن سُنَّتِه ، أو زاغ عن اتباع طريقته بعد ظهور دليله ، ووضوح معجزته فأولئك هم الذين خَبُثَتْ درجتهم ، ووجب المقت عليهم لجحدهم ، وسقوطهم عن تعلُّق العناية بهم. أ هـ {لطائف الإشارات حـ 1 صـ 255}","part":14,"page":417},{"id":6113,"text":"فوائد بلاغية\rقال أبو حيان :\rوذكروا في هذه الآية أنواعاً من الفصاحة.\rمنها : الطباق : في : بقنطار وبدينار ، إذ أريد بهما القليل والكثير ، وفي : يؤدّه ولا يؤدّه ، لأن الأداء معناه الدفع وعدمه معناه المنع ، وهما ضدان ، وفي قوله : بالكفر ومسلمون ، والتجنيس المغاير في : اتقى والمتقين ، وفي : فاشهدوا والشاهدين ، والتجنيس المماثل في : ولا يأمركم أيأمركم ، وفي : أقررتم وأقررنا.\rوالإشارة في قوله : ذلك بأنهم ، وفي أولئك لا خلاق لهم.\rوالسؤال والجواب ، وهو في : قال أأقررتم ؟ ثم : قالوا أقررنا.\rوالاختصاص في : يحب المتقين ، وفي يوم القيامة ، اختصه بالذكر لأنه اليوم الذي تظهر فيه مجازاة الأعمال.\rوالتكرار في : يؤدّه ولا يؤده ، وفي اسم الله في مواضع ، وفي : من الكتاب وما هو من الكتاب.\rوالاستعارة في : يشترون بعهد الله.\rوالالتفات في : لما آتيتكم ، وهو خطاب بعد قوله : النبيين ، وهو لفظ غائب.\rوالحذف في عدة مواضع تقدمت. أ هـ {البحر المحيط حـ 2 صـ 536}","part":14,"page":418},{"id":6114,"text":"فصل\rقال القاضى عياض : \rالفصل السابع فيما أخبر الله تعالى به في كتابه العزيز من عظيم قدره وشريف منزلته على الأنبياء وحظوة رتبته عليهم\rقال الله تعالى (وإذ أخذ الله ميثاق النبيين لما آتيتكم من كتاب وحكمة) إلى قوله (من الشاهدين) قال أبو الحسن القابسى استخص الله تعالى محمدا صلى الله عليه وسقلم بفضل لم يؤته غيره أبانه به وهو ما ذكره في هذه الآية ، قال المفسرون أخذ الله الميثاق بالوحى فلم يبعث نبيا إلا ذكر له محمدا ونعته وأخذ عليه ميثاقه إن أدركه ليؤمنن به وقيل أن يبينه لقومه ويأخذ ميثاقهم أن يبينوه لمن بعدهم ، وقوله ثم جاءكم : الخطاب لأهل الكتاب المعاصرين لمحمد صلى الله عليه وسلم ، قال على بن أبى طالب رضى الله عنه لم يبعث الله نبيا من آدم فمن بعده إلا أخذ عليه العهد في محمد صلى الله عليه وسلم لئن بعث وهو حى ليؤمنن به ولينصرنه ويأخذن العهد بذلك على قومه.","part":14,"page":419},{"id":6115,"text":"ونحوه عن السدى وقتادة في آى تضمنت فضله من غير وجه وحد : قال الله تعالى (وإذ أخذنا من النبيين ميثاقهم ومنك ومن نوح) الآية وقال تعالى (إنا أوحينا إليك كما أوحينا إلى نوح - إلى قوله - شهيدا) روى عن عمر بن الخطاب رضى الله عنه أنه قال في كلام بكى به النبي صلى الله عليه وسلم فقال بأبى أنت وأمى يا رسول الله لقد بلغ من فضيلتك عند الله أن بعثك آخر الأنبياء وذكرك في أولهم فقال (وإذ أخذنا من النبيين ميثاقهم ومنك ومن نوح) الآية بأبى أنت وأمى يا رسول الله لقد بلغ من فضيلتك عنده أن أهل النار يودون أن يكونوا أطاعوك وهم بين أطباقها يعذبون يقولون يا ليتنا أطعنا الله وأطعنا الرسولا : قال قتادة إن النبي صلى الله عليه وسلم قال كنت أول الأنبياء في الخلق وآخرهم في البعث فلذلك وقع ذكره مقدما هنا قبل نوح وغيره قال السمرقندى في هذا تفضيل نبينا صلى الله عليه وسلم لتخصيصه بالذكر قبلهم وهو آخرهم بعثا ، المعنى أخذ الله تعالى عليهم الميثاق إذ أخرجهم من ظهر آدم كالذر وقال تعالى (تلك الرسل فضلنا بعضهم على بعض) الآية\rقال أهل التفسير أراد بقوله ورفع بعضهم درجات محمدا صلى الله عليه وسلم لأنه بعث إلى الأحمر والأسود وأحلت له الغنائم وظهرت على يديه المعجزات وليس أحد من الأنبياء أعطى فضيلة أو كرامة إلا وقد أعطى محمدا صلى الله عليه وسلم مثلها قال بعضهم ومن فضله أن الله تعالى خاطب الأنبياء بأسمائهم وخاطبه بالنبوة والرسالة في كتابه فقال {يا أيها النبي} {ويا أيها الرسول}. أ هـ {الشفا حـ 1 صـ 43 ـ 46}","part":14,"page":420},{"id":6116,"text":"قوله تعالى { أَفَغَيْرَ دِينِ اللَّهِ يَبْغُونَ وَلَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا وَإِلَيْهِ يُرْجَعُونَ (83)}\rمناسبة الآية لما قبلها\rقال البقاعى : \rولما كان المدرك لكل نبي إنما هم أمة النبي الذي قبله ، وكانوا يكذبونه ويخالفونه قال - خاتماً لهذه القصص بعد الشهادة بنفسه المقدسة بما بدأها به في قوله {شهد الله} الآية إلى {إن الدين عند الله الإسلام} على وجه الإنكار والتهديد عاطفاً على ما دل عليه السياق - : {أفغير} أي أتولوا ففسقوا ، فتسبب عن ذلك أنهم غير دين الله ، وأورد بأن تقديم \" غير \" يفهم أن الإنكار منحط على طلبهم اختصاصاً لغير دين الله ، وليس ذلك هو المراد كما لا يخفى ، وأجيب بأن تقديمه الاهتمام بشأنه في الإنكار ، والاختصاص متأخر مراعاته عن نكبة غيره - كما تقرر في محله {دين الله} الذي اختص بصفات الكمال {يبغون} أي يطلبون بفسقهم ، أو أتوليتم - على قراءة الخطاب {وله} أي والحال أنه له حاصة {أسلم} أي خضع بالانقياد لأحكامة والجري تحت مراده وقضائه ، لا يقدرون على مغالبة قدره بوجه {من في السموات والأرض} وهم من لهم قوة الدفاع بالبدن والعقل فكيف بغيرهم {طوعاً} بالإيمان أو بما وافق أغراضهم {وكرهاً} بالتسليم لقهره في إسلام أحدهم وإن كثرت أعوانه وعز سلطانه إلى أكره ما يكره وهو صاغر داخر ، لا يستطيع أمراً ولا يجد نصراً {وإليه يرجعون} بالحشر ، لا تعالجون مقراً ولا تلقون ملجأ ولا مفراً ، فإذا كانوا كذلك لا يقدرون على التفصي من قبضته بنوع قوة ولا حيلة في سكون ولا حركة فكيف يخالفون ما أتاهم من أمره على ألسنة رسله وقد ثبت أنهم رسله بما أتى به كل منهم من المعجزة! ومن المعلوم أن المعاند للرسول صلى الله عليه وسلم معاند للمرسل. أ هـ {نظم الدرر حـ 2 صـ 119 ـ 120}","part":14,"page":421},{"id":6117,"text":"وقال الفخر :\rاعلم أنه تعالى لما بيّن في الآية الأولى أن الإيمان بمحمد عليه الصلاة والسلام شرع شرعه الله وأوجبه على جميع من مضى من الأنبياء والأمم ، لزم أن كل من كره ذلك فإنه يكون طالباً ديناً غير دين الله ، فلهذا قال بعده {أَفَغَيْرَ دِينِ الله يَبْغُونَ}. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 8 صـ 106}\rفصل\rقال الفخر :\rقرأ حفص عن عاصم {يَبْغُونَ} و{يَرْجِعُونَ} بالياء المنقطة من تحتها ، لوجهين\rأحدهما : رداً لهذا إلى قوله {وأولئك هُمُ الفاسقون} [ آل عمران : 82 ]\rوالثاني : أنه تعالى إنما ذكر حكاية أخذ الميثاق حتى يبين أن اليهود والنصارى يلزمهم الإيمان بمحمد صلى الله عليه وسلم ، فلما أصروا على كفرهم قال على جهة الاستنكار {أَفَغَيْرَ دِينِ الله يَبْغُونَ} وقرأ أبو عمرو {تبغون} بالتاء خطاباً لليهود وغيرهم من الكافر و{لاَ يَرْجِعُونَ} بالياء ليرجع إلى جميع المكلفين المذكورين في قوله {وَلَهُ أَسْلَمَ مَن فِى السموات والأرض} وقرأ الباقون فيهما بالتاء على الخطاب ، لأن ما قبله خطاب كقوله {ءَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ} [ آل عمران : 81 ] وأيضاً فلا يبعد أن يقال للمسلم والكافر ولكل أحد : أفغير دين الله تبغون مع علمكم بأنه أسلم له من في السموات والأرض ، وأن مرجعكم إليه وهو كقوله {وَكَيْفَ تَكْفُرُونَ وَأَنْتُمْ تتلى عَلَيْكُمْ ءايات الله وَفِيكُمْ رَسُولُهُ} [ آل عمران : 101 ]. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 8 صـ 106 ـ 107}\rفائدة\rقال ابن عادل :\rالجمهور يجعلون الهمزة مقدَّمةً على الفاء ، للزومها الصدر ، والزمخشري يقرها على حالها ، ويُقدِّر محذوفاً قبلها ، وهنا جوَّز وجهين :\rأحدهما : أن تكون الفاء عاطفةً جملة على جملة ، والمعنى : فأولئك هم الفاسقون ، فغير دين الله يبغون ، ثم توسطت الهمزة بينهما.","part":14,"page":422},{"id":6118,"text":"والثاني : أن تعطف على محذوف ، تقديره أيتولون ، فغير دين الله يبغون ؟ لأن الاستفهام إنما يكون عن الأفعال والحوادث ، وهو استفهام استنكار ، وقدم المفعول - الذي هو \" غير \" - على فعله ؛ لأنه أهم من حيث أن الإنكار - الذي هو معنى الهمزة - مُتَوَجِّه إلى المعبود الباطل ، هذا كلام الزمخشريِّ.\rقال أبو حيان : \" ولا تحقيق فيه ؛ لأن الإنكار - الذي هو معنى الهمزة - لا يتوجه إلى الذوات ، وإنما يتوجه إلى الأفعال التي تتعلق بالذوات ، فالذي أنكر إنما هو الابتغاء ، الذي متعلقه غير دين الله ، وإنما جاء تقديم المفعول من باب الاتساع ، ولشبه \" يبغون \" بالفاصلة ، فأخَّرَ الفعلُ \".\rوقرأ أبو عمرو وحفص عن عاصم \" يَبْغُونَ \" من تحت - نسقاً على قوله : { هُمُ الفاسقون } [ آل عمران : 82 ] والباقون بتاء الخطاب ، التفاتاً لقوله : { لَمَآ آتَيْتُكُم مِّن كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ } [ آل عمران : 81 ] ولقوله : { أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ } [ آل عمران : 81 ].\rوأيضاً فلا يبعد أن يُقال للمسلم والكافر ، ولكل أحد : أفغير دين الله تبغون مع علمكم أنه أسلم له مَنْ في السموات والأرض وأن مَرْجعكم إليه ؟ ونظيره قوله : { وَكَيْفَ تَكْفُرُونَ وَأَنْتُمْ تتلى عَلَيْكُمْ آيَاتُ الله وَفِيكُمْ رَسُولُهُ } [ آل عمران : 101 ]. أ هـ {تفسير ابن عادل حـ 5 صـ 366}\rفصل\rقال الفخر : ","part":14,"page":423},{"id":6119,"text":"الهمزة للاستفهام والمراد استنكار أن يفعلوا ذلك أو تقرير أنهم يفعلونه ، وموضع الهمزة هو لفظة {يَبْغُونَ} تقديره : أيبغون غير دين الله ؟ لأن الاستفهام إنما يكون عن الأفعال والحوادث ، إلا أنه تعالى قدم المفعول الذي هو {غَيْر دِينِ الله} على فعله ، لأنه أهم من حيث أن الإنكار الذي هو معنى الهمزة متوجه إلى المعبود الباطل وأما الفاء فلعطف جملة على جملة وفيه وجهان أحدهما : التقدير : فأولئك هم الفاسقون ، فغير دين الله يبغون.\rواعلم أنه لو قيل أو غير دين الله يبغون جاز إلا أن في الفاء فائدة زائدة كأنه قيل : أفبعد أخذ هذا الميثاق المؤكد بهذه التأكيدات البليغة تبغون ؟. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 8 صـ 107}\rفصل\rقال الفخر :","part":14,"page":424},{"id":6120,"text":"روي أن فريقين من أهل الكتاب اختصموا إلى الرسول صلى الله عليه وسلم فيما اختلفوا فيه من دين إبراهيم عليه السلام ، وكل واحد من الفريقين ادعى أنه أولى به ، فقال عليه الصلاة والسلام : \" كلا الفريقين برىء من دين إبراهيم عليه السلام ، \" فقالوا : ما نرضى بقضائك ولا نأخذ بدينك فنزلت هذه الآية ، ويبعد عندي حمل هذه الآية على هذا السبب لأن على هذا التقدير تكون هذه الآية منقطعة عما قبلها ، والاستفهام على سبيل الإنكار يقتضي تعلقها بما قبلها ، فالوجه في الآية أن هذا الميثاق لما كان مذكوراً في كتبهم وهم كانوا عارفين بذلك فقد كانوا عالمين بصدق محمد صلى الله عليه وسلم في النبوّة فلم يبق لكفرهم سبب إلا مجرد العداوة والحسد فصاروا كإبليس الذي دعاه الحسد إلى الكفر ، فأعلمهم الله تعالى أنهم متى كانوا طالبين ديناً غير دين الله ، ومعبوداً سوى الله سبحانه ، ثم بيّن أن التمرد على الله تعالى والإعراض عن حكمه مما لا يليق بالعقلاء فقال : {وَلَهُ أَسْلَمَ مَن فِى السموات والأرض طَوْعًا وَكَرْهًا وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ}. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 8 صـ 107}\rفائدة\rقال ابن عادل :\rقوله : \" وله أسلم من في السموات \" جملةٌ حاليةٌ ، أي : كيف يبغون غير دينه ، والحال هذه ، وفي قوله : \" طوعاً وكرهاً \" وجهان :\rأحدهما : أنهما مصدران في موضع الحال ، والتقدير : طائعين وكارهين.\rالثاني : أنهما مصدران على غير المصدر ، قال ابو البقاء : \" لأن \" أسْلَمَ \" بمعنى انقاد ، وأطاع \" وتابعه أبو حيان على هذا.\rوفيه نظرٌ ؛ من حيث إن هذا ماشٍ في \" طَوْعاً \" لموافقته معنى الفعل قبله ، وأما \" كَرْهاً \" ، كيف يقال فيه ذلك ؟ والقول بأنه يُغتفر في التوالي ما لا يُغْتَفَر في الأوائل ، غير نافع هنا.","part":14,"page":425},{"id":6121,"text":"ويقال يطاع يطوع ، وأطاع يُطيع بمعنى ، قاله ابن السِّكيتِ ، وقول : طاعه يطوعه : انقاد له ، وأطاعه ، أي : رضي لأمره ، وطاوعه ، أي : وافقه.\rقرأ الأعمش : \" وَكُرْهاً \" - بالضم - وسيأتي أنها قراءة الأخوين في سورة النساء. أ هـ {تفسير ابن عادل حـ 5 صـ 367 }\rفصل\rقال الفخر :\rالإسلام ، هو الاستسلام والانقياد والخضوع.\rإذا عرفت هذا ففي خضوع كل من في السموات والأرض لله وجوه الأول : وهو الأصح عندي أن كل ما سوى الله سبحانه ممكن لذاته وكل ممكن لذاته فإنه لا يوجد إلا بإيجاده ولا يعدم إلا بإعدامه فإذن كل ما سوى الله فهو منقاد خاضع لجلال الله في طرفي وجوده وعدمه ، وهذا هو نهاية الانقياد والخضوع ، ثم إن في هذا الوجه لطيفة أخرى وهي أن قوله {وَلَهُ أَسْلَمَ} يفيد الحصر أي وله أسلم كل من في السموات والأرض لا لغيره ، فهذه الآية تفيد أن واجب الوجود واحد وأن كل ما سواه فإنه لا يوجد إلا بتكوينه ولا يفنى إلا بإفنائه سواء كان عقلاً أو نفساً أو روحاً أو جسماً أو جوهراً أو عرضاً أو فاعلاً أو فعلاً ، ونظير هذه الآية في الدلالة على هذا المعنى قوله تعالى : {وَللَّهِ يَسْجُدُ مَن فِى السموات والأرض} [ الرعد : 15 ] وقوله {وَإِن مّن شَىْء إِلاَّ يُسَبّحُ بِحَمْدَهِ} [ الإسراء : 44 ].\rالوجه الثاني : في تفسير هذه الآية أنه لا سبيل لأحد إلى الامتناع عليه في مراده ، وإما أن ينزلوا عليه طوعاً أو كرهاً ، فالمسلمون الصالحون ينقادون لله طوعاً فيما يتعلق بالدين ، وينقادون له كرهاً فيما يخالف طباعهم من المرض والفقر والموت وأشباه ذلك ، وأما الكافرون فهم ينقادون لله تعالى على كل حال كرهاً لأنهم لا ينقادون فيما يتعلق بالدين ، وفي غير ذلك مستسلمون له سبحانه كرهاً ، لأنه لا يمكنهم دفع قضائه وقدره","part":14,"page":426},{"id":6122,"text":"الثالث : أسلم المسلمون طوعاً ، والكافرون عند موتهم كرهاً لقوله تعالى : {فَلَمْ يَكُ يَنفَعُهُمْ إيمانهم لَمَّا رَأَوْاْ بَأْسَنَا} [ غافر : 85 ] الرابع : أن كل الخلق منقادون لإلهيته طوعاً بدليل قوله تعالى : {وَلَئِن سَأَلْتَهُمْ مَّنْ خَلَقَ السموات والأرض لَيَقُولُنَّ الله} [ لقمان : 25 ] ومنقادون لتكاليفه وإيجاده للآلام كرهاً الخامس : أن انقياد الكل إنما حصل وقت أخذ الميثاق وهو قوله تعالى : {وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِى ءَادَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنفُسِهِمْ أَلَسْتَ بِرَبّكُمْ قَالُواْ بلى} [ الأعراف : 172 ]\rالسادس : قال الحسن : الطوع لأهل السموات خاصة ، وأما أهل الأرض فبعضهم بالطوع وبعضهم بالكره ، وأقول : إنه سبحانه ذكر في تخليق السموات والأرض هذا وهو قوله {فَقَالَ لَهَا وَلِلأَرْضِ ائتيا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ} [ فصلت : 11 ] وفيه أسرار عجيبة. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 8 صـ 107 ـ 108}\rوقال ابن كثير : \rالمؤمن مستسلم بقلبه وقالبه لله ، والكافر مستسلم لله كرها ، فإنه تحت التسخير والقهر والسلطان العظيم ، الذي لا يخالف ولا يمانع. أ هـ {تفسير ابن كثير حـ 2 صـ 69}\rوقال ابن عادل : \rوقيل : كل الخلق منقادون للإلهية طوعاً ، بدليل قوله : { وَلَئِن سَأَلْتَهُمْ مَّنْ خَلَقَ السماوات والأرض لَيَقُولُنَّ الله } [ لقمان : 25 ] ومنقادون لتكاليفه وإيجاده للآلام كرهاً.\rقوله : { وَإِلَيْهِ يُرْجَعُونَ } يجوز أن تكون هذه الجملةُ مستأنفةً ، فلا محل لها ، وإنما سيقت للإخبار بذلك. أ هـ {تفسير ابن عادل حـ 5 صـ 368}\rقوله {وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ}\rقال الفخر : \r","part":14,"page":427},{"id":6123,"text":"أما قوله {وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ} فالمراد أن من خالفه في العاجل فسيكون مرجعه إليه ، والمراد إلى حيث لا يملك الضر والنفع سواه هذا وعيد عظيم لمن خالف الدين الحق. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 8 صـ 108}\rفائدة\rقال ابن عادل :\rقوله : { وَإِلَيْهِ يُرْجَعُونَ } يجوز أن تكون هذه الجملةُ مستأنفةً ، فلا محل لها ، وإنما سيقت للإخبار بذلك ؛ لتضمنها معنى التهديد العظيم ، والوعيد الشديد. ويجوز أن تكون معطوفة على الجملة من قوله : { وَلَهُ أَسْلَمَ } فتكون حالاً - أيضاً - ويكون المعنى : أنه نَعَى عليهم ابتغاء غير دين من أسلم له جميع من في السموات والأرض - طائعين ومكرهين - ومن مرجعهم إليه.\rقرأ حفص - عن عاصم - \" يُرْجَعُونَ \" بياء الغيبة - ويحتمل ذلك وجوهاً :\rأحدها : أن يعود الضمير على { مَنْ أَسْلَمَ }.\rالثاني : أن يعود على من عاد عليه الضمير في \" يَبْغُونَ \" في قراءة من قرأ بالغيبة ، ولا التفات في هذين.\rوالثالث : أن يعود على من عاد عليه الضمير في \" تَبْغُونَ \" - في قراءة الخطاب - فيكون التفاتاً حينئذ. وقرأ الباقون - \" تبغون \" - بالخطاب - وهو واضح ، ومن قرأه بالغيبة كان التفاتاً منه.\rويجوز أن يكون التفاتاً من قوله : { مَن فِي السماوات والأرض }. أ هـ {تفسير ابن عادل حـ 5 صـ 368}\rقال الطبرى :","part":14,"page":428},{"id":6124,"text":"وأولى ذلك بالصواب ، قراءةُ من قرأ : \"أفغير دين الله تبغون\" على وجه الخطاب\"وإليه تُرجعون\" بالتاء. لأن الآية التي قبلها خطابٌ لهم ، فإتباعُ الخطاب نظيرَه ، أولى من صرف الكلام إلى غير نظيره. وإن كان الوجه الآخر جائزًا ، لما قد ذكرنا فيما مضى قبل : من أن الحكاية يخرج الكلام معها أحيانًا على الخطاب كله ، وأحيانًا على وجه الخبر عن الغائب ، وأحيانًا بعضُه على الخطاب ، وبعضُه على الغيبة ، فقوله : \"تبغون\" و\"إليه ترجعون\" في هذه الآية ، من ذلك. (1)\rوتأويل الكلام : يا معشرَ أهل الكتاب \"أفغيرَ دين الله تبغون\" ، يقول : أفغير طاعة الله تلتمسون وتريدون ، \"وله أسلم من في السماوات والأرض\" ، يقول : وله خَشع من في السموات والأرض ، فخضع له بالعبودة ، وأقرّ له بإفراد الربوبية ، وانقاد له بإخلاص التوحيد والألوهية \"طوْعًا وكرهًا\" ، يقول أسلم لله طائعًا من كان إسلامه منهم له طائعًا ، وذلك كالملائكة والأنبياء والمرسلين ، فإنهم أسلموا لله طائعين \"وكرهًا\" ، من كان منهم كارهًا. أ هـ {تفسير الطبرى حـ 6 صـ 564 ـ 565}\rفصل\rقال الفخر : \rقال الواحدي رحمه الله : الطوع الانقياد ، يقال : طاعه يطوعه طوعاً إذا انقاد له وخضع ، وإذا مضى لأمره فقد أطاعه ، وإذا وافقه فقد طاوعه ، قال ابن السكيت : يقال طاع له وأطاع ، فانتصب طوعاً وكرهاً على أنه مصدر وقع موقع الحال ، وتقديره طائعاً وكارهاً ، كقولك أتاني راكضاً ، ولا يجوز أن يقال : أتاني كلاماً أي متكلماً ، لأن الكلام ليس يضرب للإتيان ، والله أعلم. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 8 صـ 108}\r________________\r(1) تقدم الكلام على الترجيح بين القراءات المتواترة.","part":14,"page":429},{"id":6125,"text":"من فوائد الإمام القرطبى فى الآية\rقال رحمه الله :\rأَفَغَيْرَ دِينِ اللَّهِ يَبْغُونَ وَلَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا وَإِلَيْهِ يُرْجَعُونَ (83) قُلْ آَمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَالنَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ (84)\rقوله تعالى : { أَفَغَيْرَ دِينِ الله يَبْغُونَ } قال الكَلْبي : إن كعب بن الأشرف وأصحابه اختصموا مع النصارى إلى النبيّ صلى الله عليه وسلم فقالوا : أيُّنا أحق بدِين إبراهيم ؟ فقال النبيّ صلى الله عليه وسلم : \" كِلاَ الفريقين بريءٌ من دِينه \" فقالوا : ما نرضى بقضائك ولا نأخذ بِدينك ؛ فنزل { أَفَغَيْرَ دِينِ الله يَبْغُونَ } يعني يطلبون.\rونصبت \"غير\" بيبغون ، أي يبغون غير دين الله.\rوقرأ أبو عمرو وحده \"يبغون\" بالياء على الخبر \"وإليه ترجعون\" بالتاء على المخاطبة.\rقال : لأن الأوّل خاصُّ والثاني عامُّ ففرق بينهما لافتراقهما في المعنى.\rوقرأ حفص وغيره \"يبغون ، ويرجعون\" بالياء فيهما ؛ لقوله : { فأولئك هُمُ الفاسقون }.\rوقرأ الباقون بالتاء فيهما على الخطاب ؛ لقوله { لَمَآ آتَيْتُكُم مِّن كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ } [ آل عمران : 81 ].\rوالله أعلم.\rقوله تعالى : { وَلَهُ أَسْلَمَ } أي استسلم وانقاد وخضع وذلّ ، وكل مخلوق فهو منقاد مستسلم ؛ لأنه مجبول على ما لا يقدر أن يخرج عنه.\rقال قتادة : أسلم المؤمن طوعاً والكافر عند موته كرهاً ولا ينفعه ذلك ؛ لقوله : { فَلَمْ يَكُ يَنفَعُهُمْ إِيمَانُهُمْ لَمَّا رَأَوْاْ بَأْسَنَا } [ غافر : 85 ].","part":14,"page":430},{"id":6126,"text":"قال مجاهد : إسلام الكافر كرهاً بسجودِهِ لِغير الله وسجود ظِلّه لله ، { أَوَ لَمْ يَرَوْاْ إلى مَا خَلَقَ الله مِن شَيْءٍ يَتَفَيَّأُ ظِلاَلُهُ عَنِ اليمين والشمآئل سُجَّداً لِلَّهِ وَهُمْ دَاخِرُونَ } [ النحل : 48 ].\r{ وَللَّهِ يَسْجُدُ مَن فِي السماوات والأرض طَوْعاً وَكَرْهاً وَظِلالُهُم بالغدو والآصال } [ الرعد : 15 ].\rوقيل : المعنى أن الله خلق الخلق على ما أراد منهم ؛ فمنهم الحَسَن والقبيح والطويل والقصير والصحيح والمريض وكلهم منقادون اضطرارا ، فالصحيح منقاد طائع محبّ لذلك ، والمريض منقاد خاضع وإن كان كارهاً.\rوالطوع الانقياد والاتباع بسهولة.\rوالكره ما كان بمشقة وإباء من النفس.\rو { طَوْعاً وَكَرْهاً } مصدران في موضع الحال ، أي طائعين ومكرهين.\rوروى أنس بن مالك قال.\rقال رسول الله صلى الله عليه وسلم في قوله عز وجل : { وَلَهُ أَسْلَمَ مَن فِي السماوات والأرض طَوْعاً وَكَرْهاً } قال : \" الملائكة أطاعوه في السماء والأنصارُ وعبدُ القَيْس في الأرض \" وقال عليه السلام : \" لا تَسُبُّوا أصحابي فإن أصحابي أسلموا من خوف الله وأسلم الناس من خوف السيف \" وقال عِكْرمة : \"طوعا\" مَن أسلم من غير مُحاجّة \"وكرهاً\" مَن اضطرته الحجة إلى التوحيد.\rيدلّ عليه قوله عز وجل : { وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ الله } [ الزخرف : 87 ] { وَلَئِن سَأَلْتَهُمْ مَّنْ خَلَقَ السماوات والأرض وَسَخَّرَ الشمس والقمر لَيَقُولُنَّ الله } [ العنكبوت : 61 ].\rقال الحسن : هو عموم معناه الخصوص.\rوعنه : { أَسْلَمَ مَن فِي السماوات } وتمّ الكلام.\rثم قال : { والأرض طَوْعاً وَكَرْهاً }.\rقال : والكاره المنافق لا ينفعه عمله.\rو \"طوعاً وكرهاً\" مصدران في موضع الحال.\r","part":14,"page":431},{"id":6127,"text":"عن مجاهد عن ابن عباس قال : إذا استصعبت دابّةُ أحدكم أو كانت شَمُوساً فليقرأ فى أذنها هذه الآية : { أَفَغَيْرَ دِينِ الله يَبْغُونَ وَلَهُ أَسْلَمَ مَن فِي السماوات والأرض طَوْعاً وَكَرْهاً } إلى آخر الآية. أ هـ {تفسير القرطبى حـ 4 صـ 127 ـ 128}\rوقال العلامة ابن عطية :\r{ أسلم } في هذه الآية بمعنى : استسلم عند جمهور المفسرين ، و{ من } في هذه الآية تعم الملائكة والثقلين ، واختلفوا في معنى قوله { طوعاً وكرهاً } فقال مجاهد : هذه الآية كقوله تعالى : { ولئن سألتهم من خلق السماوات والارض ليقولن الله } [ الزمر : 38 ] فالمعنى أن إقرار كل كافر بالصانع هو إسلام كرهاً.\rقال الفقيه الإمام أبو محمد : فهذا عموم في لفظ الآية ، لأنه لا يبقى من لا يسلم على هذا التأويل و{ أسلم } فيه بمعنى استسلم ، وقال بمثل هذا القول أبو العالية رفيع ، وعبارته رحمه الله : كل آدمي فقد أقر على نفسه بأن الله ربي وأنا عبده ، فمن أشرك في عبادته فهذا الذي أسلم كرهاً ، ومن أخلص فهذا الذي أسلم طوعاً ، وقال ابن عباس رضي الله عنهما : بل إسلام الكاره منهم كان حين أخذ الميثاق ، وروي عن مجاهد أنه قال : الكره في هذه الآية هو بسجود ظل الكافر فيسجد المؤمن طوعاً ويسجد الكافر وهو كاره ، وقال الشعبي : الآية عبارة عن استقادة جميع البشر لله وإذعانهم لقدرته وإن نسب بعضهم الألوهية إلى غيره ، وذلك هو الذي يسجد كرهاً.\rقال الفقيه الإمام : وهذا هو مجاهد وأبي العالية المتقدم وإن اختلفت العبارات ، وقال الحسن بن أبي الحسن : معنى الآية : أنه أسلم قوم طوعاً ، وأسلم قوم خوف السيف ، وقال مطر الوراق : أسلمت الملائكة طوعاً ، وكذلك الأنصار وبنو سليم وعبد القيس ، وأسلم سائر الناس كرهاً حذر القتال والسيف.","part":14,"page":432},{"id":6128,"text":"قال الفقيه الإمام : وهذا قول الإسلام فيه هو الذي في ضمنه الإيمان ، والآية ظاهرها العموم ومعناها الخصوص ، إذ من أهل الأرض من لم يسلم طوعاً ولا كرهاً على هذا حد ، وقال قتادة : الإسلام كرهاً هو إسلام الكافر عند الموت والمعاينة حيث لا ينفعه.\rقال الفقيه الإمام : ويلزم على هذا أن كل كافر يفعل ذلك ، وهذا غير موجود إلا في أفراد ، والمعنى في هذه الآية ، يفهم كل ناظر أن هذا القسم الذي هو الكره إنما هو في أهل الأرض خاصة ، والتوقيف بقوله { أفغَير } إنما هو لمعاصري محمد صلى الله عليه وسلم من الأحبار والكفار. أ هـ {المحرر الوجيز حـ 1 صـ 466 ـ 467}\rومن فوائد أبى حيان فى الآية\rقال رحمه الله :\rوالهمزة في : أفغير ؟ للإنكار والتنبيه على الخطأ في التولي والإعراض ، وأضيف الدين إلى الله لأنه تعالى هو الذي شرعه وتعبد به الخلق ، ومعنى : تبغون ، تطلبون ، وهو هنا بمعنى : تدينون لأنهم متلبسون بدين غير دين الله لا طالبوه ، وعبر بالطلب إشعاراً بأنهم في كل الوقت باحثون عنه ومستخرجوه ومبتغوه.\rوقال الماتريدي : فإن قيل كل عاقل يبتغي دين الله ويدعي أنّ الذي هو عليه دين الله.\rقيل : الجواب من وجهين.\rأحدهما : أنه لما قصر في الطلب جعل في المعنى كأنه باغ غير دين الله ، إذ لو كان باغياً لبالغ في الطلب من الوجه الذي يوصل إليه منه ، فكأنه ليس باغياً من حيث المعنى ، ولكنه من حيث الصورة.\rوالثاني : أنه قد بان للبعض في الابتغاء ما هو الحق لظهور الحجج والآيات ، ولكن أبى إلاَّ العناد ، فهو باغ غير دين الله ، فتكون الآية في المعاندين. انتهى كلامه. أ هـ {البحر المحيط حـ 2 صـ 537}\rومن فوائد الآلوسى فى الآية\rقال رحمه الله :","part":14,"page":433},{"id":6129,"text":"والجملة في النظم معطوفة على مجموع الشرط والجزاء ، وقيل : على الجزاء فقط ، وعطف الإنشاء على الأخبار مغتفر هنا عند المانعين ، والهمزة على التقديرين متوسطة بين المعطوف والمعطوف عليه للإنكار ، وقيل : إنها معطوفة على محذوف تقديره أيتولون فغير دين الله يبغون قال ابن هشام : والأول : مذهب سيبويه والجمهور ، وجزم به الزمخشري في مواضع ، وجوز الثاني في بعض ويضعفه ما فيه من التكلف وأنه غير مطرد ، أما الأول : فلدعوى حذف الجملة فإن قوبل بتقديم بعض المعطوف فقد يقال إنه أسهل منه لأن المتجوز فيه على قولهم : أقل لفظاً مع أن في هذا التجوز تنبيهاً على أصالة شيء في شيء أي أصالة الهمزة في التصدر ، وأما الثاني : فلأنه غير ممكن في نحو { أَفَمَنْ هُوَ قَائِمٌ على كُلّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ } [ الرعد : 33 ] انتهى.","part":14,"page":434},{"id":6130,"text":"وتعقبه الشمس بن الصائغ بأنه أي مانع من تقدير ألا مدبر للموجودات فمن هو قائم على كل نفس على الاستفهام التقريري المقصود به تقرير ثبوت الصانع ، والمعنى أنتفى المدبر فلا أحد قائم على كل نفس لا يمكن ذلك بل المدبر موجود فالقائم على كل نفس هو وهو أولى من تقدير البدر ابن الدماميني أهم ضالون فمن هو قائم على كل نفس بما كسبت لم يوحدوه ، وجعله الهمزة للإنكار التوبيخي ، وعلى العلات يوشك أن يكون التفصيل في هذه المسألة أولى بأن يقال : إن انساق ذلك المقدر للذهن قيل : بالتقدير ، وإلا قيل : بما قاله الجماعة ، وتقديم المفعول لأنه المقصود بالإنكار لا للحصر كما توهم لأن المنكر اتخاذ غير الله رباً ولو معه ، ودعوى أنه إشارة إلى أن دين غير الله لا يجامع دينه في الطلب ، فالتقديم للتخصيص ، والإنكار متوجه إليه أي أيخصون غير دين الله بالطلب تكلف ، وقول أبي حيان : إن تعليل التقديم بما تقدم لا تحقيق فيه لأن الإنكار الذي هو معنى الهمزة لا يتوجه إلى الذوات ، وإنما يتوجه إلى الأفعال التي تتعلق بالذوات ، فالذي أنكر إنما هو الابتغاء الذي متعلقه غير دين الله ، وإنما جاء تقديم المفعول من باب الاتساع ، ولشبه { يَبْغُونَ } بالفاصلة لا تحقيق فيه عند ذوي التحقيق لأنا لم ندع توجه الإنكار إلى الذوات كما لا يخفى ، وقرأ أبو عمرو وعاصم في رواية لحفص ويعقوب يبغون بالياء التحتية ، وقرأ الباقون بالتاء الفوقانية على معنى أتتولون أو أتفسقون ، وتكفرون فغير دين الله تبغون وذهب بعضهم إلى أنه التفات فعنده لا تقدير ، وعلى تقدير التقدير يجيء قصد الإنكار فيما أشير إليه ولا ينافيه لأنه منسحب عليه","part":14,"page":435},{"id":6131,"text":"{ وَلَهُ أَسْلَمَ مَن فِى السماوات والارض } جملة حالية مؤكدة للإنكار أي كيف يبغون ويطلبون غير دينه ، والحالة هذه { طَوْعًا وَكَرْهًا } مصدران في موضع الحال أي طائعين وكارهين ، وجوز أبو البقاء أن يكونا مصدرين على غير المصدر لأنه أسلم بمعنى انقاد وأطاع قيل : وفيه نظر لأنه ظاهر في { طَوْعاً } لموافقة معناه ما قبله لا في { كَرْهاً } والقول بأن يغتفر في الثواني ما لا يغتفر في الأوائل غير نافع ، وقد يدفع بأن الكره فيه انقياد أيضاً ، والطوع مصدر طاع يطوع ، كالإطاعة مصدر أطاع يطيع ولم يفرقوا بينهما ، وقيل : طاعه يطوعه انقاد له ، وأطاعه يطيعه بمعنى مضى لأمره ، وطاوعه بمعنى وافقه ، وفي معنى الآية أقوال : الأول : أن المراد من الإسلام بالطوع الإسلام الناشيء عن العلم مطلقاً سواء كان حاصلاً للاستدلال كما في الكثير منا ، أو بدون استدلال وإعمال فكر كما في الملائكة ومن الإسلام بالكره ما كان حاصلاً بالسيف ومعاينة ما يلجىء إلى الإسلام ،\rالثاني : أن المراد انقادوا له تعالى مختارين لأمره كالملائكة والمؤمنين ومسخرين لإرادته كالكفرة فإنهم مسخرون لإرادة كفرهم إذ لا يقع ما لا يريده تعالى ، وهذا لا ينافي على ما قيل : الجزء الاختياري حتى لا يكون لهم اختيار في الجملة فيكون قولاً بمذهب الجبرية ، ولا يستدعي عدم توجه تعذيبهم على الكفر ولا عدم الفرق بين المؤمن والكافر بناءاً على أن الجميع لا يفعلون إلا ما أراده الله تعالى بهم كما وهم ،","part":14,"page":436},{"id":6132,"text":"الثالث : ما إشار إليه بعض ساداتنا الصوفية نفعنا الله تعالى بهم أن الإسلام طوعاً هو الانقياد والامتثال لما أمر الله تعالى من غير معارضة ظلمة نفسانية وحيلولة حجب الأنانية ، والإسلام كرهاً هو الانقياد مع توسط المعارضات والوساوس وحيلولة الحجب والتعلق بالوسائط ، والأول : مثل إسلام الملائكة وبعض من في الأرض من المصطفين الأخيار ، والثاني : مثل إسلام الكثير ممن تقلبه الشكوك جنباً إلى جنب حتى غدا يقول :\rلقد طفت في تلك المعاهد كلها... وسرحت طرفي بين تلك المعالم\rفلم أر إلا واضعاً كف حائر... على ذقن أو قارعاً سن نادم\rوالكفار من القسم الثاني عند أهل الله تعالى لأنهم أثبتوا صانعاً أيضاً إلا أن ظلمة أنفسهم حالت بينهم وبين الوقوف على الحق { وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بالله إِلاَّ وَهُمْ مُّشْرِكُونَ } [ يوسف : 106 ] { وَلَئِن سَأَلْتَهُمْ مَّنْ خَلَقَ السموات والأرض لَيَقُولُنَّ الله } [ العنكبوت : 61 ] وإلى هذا يشير كلام مجاهد ، وأخرج ابن جرير ، وغيره عن أبي العالية أنه قال : كل آدمي أقرّ على نفسه بأن الله تعالى ربي وأنا عبده فمن أشرك في عبادته فهذا الذي أسلم كرهاً ، ومن أخلص لله تعالى العبودية فهو الذي أسلم طوعاً ، وقرأ الأعمش كرهاً بالضم { وَإِلَيْهِ يُرْجَعُونَ } أي إلى جزائه تصيرون على المشهور فبادروا إلى دينه ، ولا تخالفوا الإسلام ، وجوزوا في الجملة أن تكون مستأنفة للأخبار بما تضمنته من التهديد ، وأن تكون معطوفة على { وَلَهُ أَسْلَمَ } فهي حالية أيضاً ، وقرأ عاصم بياء الغيبة ، والضمير لمن أو لمن عاد إليه ضمير { يَبْغُونَ } فإن قرىء بالخطاب فهو التفات ، وقرأ الباقون بالخطاب ، والضمير عائد لمن عاد إليه ضمير { يَبْغُونَ } فعلى الغيبة فيه التفات أيضاً. أ هـ {روح المعانى حـ 3 صـ 213 ـ 214}","part":14,"page":437},{"id":6133,"text":"ومن فوائد ابن عاشور فى الآية\rقال رحمه الله :\rقوله تعالى { أَفَغَيْرَ دِينِ اللَّهِ يَبْغُونَ وَلَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا وَإِلَيْهِ يُرْجَعُونَ (83) }\rتفريع عن التذكير بما كان عليه الأنبياء.\rوالاستفهام للتوبيخ والتحذير.\rوقرأه الجمهور { تبغون } بتاء الخطاب فهو خطاب لأهل الكتاب جارٍ على طريقة الخطاب في قوله آنفاً : { ولا يأمركم أن تتخذوا الملائكة } [ آل عمران : 80 ] وقرأه أبو عَمرو ، وحفص ، ويعقوب : بياء الغيبة فهو التفات من الخطاب إلى الغيبة ، إعراضاً عن مخاطبتهم إلى مخاطبة المسلمين بالتعجيب من أهل الكتاب.\rوكله تفريع ذكر أحوال خلَف أولئك الأمم كيف اتبعوا غير ما أخذ عليهم العهد به.\rوالاستفهام حينئذ للتعجيب.\rودين الله هو الإسلام لقوله تعالى : { إن الدين عند الله الإسلام } [ آل عمران : 19 ] وإضافته إلى الله لتشريفه على غيره من الأديان ، أو لأنّ غيره يومئذ قد نسخ بما هو دين الله.\rومعنى { تبغون } وتطلبون يقال بَغى الأمرَ يبغيه بُغَاء بضم الباء وبالمد ، ويقصر والبُغية بضم الباء وكسرها وهاء في آخره قيل مصدر ، وقيل اسم ، ويقال ابتغى بمعنى بغى ، وهو موضوع للطلب ويتعدّى إلى مفعول واحد.\rوقياس مصدره البغي ، لكنه لم يسمع البغي إلاّ في معنى الاعتداء والجور ، وذَلك فعلُه قاصر ، ولعلهم أرادوا التفرقة بين الطلب وبين الاعتداء ، فأماتوا المصدر القياسي لبَغَى بمعنى طلب وخصّوه ببغى بمعنى اعتدى وظلم : قال تعالى : { إنما السبيل على الذين يظلمون الناس ويبغون في الأرض بغير الحق } [ الشورى : 42 ] ويقال تَبَغّى بمعنى ابتغى.\rوجملة { وله أسلَم } \" حال من اسم الجلالة وتقدم تفسير معنى الإسلام لله عند قوله تعالى : { فقل أسلمتُ وجهي للَّه } [ آل عمران : 20 ].","part":14,"page":438},{"id":6134,"text":"ومعنى { طوعاً وكرهاً } أنّ من العقلاء من أسلم عن اختيار لظهور الحق له ، ومنهم من أسلم بالجبلّة والفطرة كالملائكة ، أو الإسلام كرهاً هو الإسلام بعد الامتناع أي أكرهته الأدلة والآيات أو هو إسلام الكافرين عند الموت ورؤية سوء العاقبة ، أو هو الإكراه على الإسلام قبل نزول آية لاَ إكراه في الدين.\rوالكرهُ بفتح الكاف هو الإكراه ، والكُره بضم الكاف المكروه.\rومعنى { وإليه ترجعون } أنه يرجعكم إليه ففعل رجع المتعدّي أسند إلى المجهول.\rلظهور فاعله ، أي يرجعكم الله بعد الموت ، وعند القيامة ، ومناسبة ذكر هذا ، عقب التوبيخ والتحذير ، أنّ الربّ الذي لا مفر من حكمه لا يجوز للعاقل أن يعدل عن ديننٍ أمره به ، وحقه أن يسلم إليه نفسه مختاراً قبل أن يسلمها اضطراراً.\rوقد دل قوله : { وإليه ترجعون } على المراد من قوله : { وكرهاً }. أ هـ {التحرير والتنوير حـ 3 صـ 145 ـ 146}\rفصل\rقال الثعالبى : \rقال النوويِّ : ورُوِّينَا في كتاب ابن السُّنِّيِّ ، عن السَّيِّدِ الجليلِ المُجْمَعِ على جلالته وحِفْظِهِ ودِيَانَتِهِ وَوَرَعِهِ يُونُسَ بْنِ عُبَيْدِ بْنِ دِينَارٍ البَصْرِيِّ الشَّافِعِيِّ المشهور ؛ أنه قَالَ : لَيس رجُلٌ يكونُ على دابَّة صَعْبَةٍ ، فيقول في أذنها : { أَفَغَيْرَ دِينِ الله يَبْغُونَ وَلَهُ أَسْلَمَ مَن فِي السموات والأرض طَوْعاً وَكَرْهاً وَإِلَيْهِ يُرْجَعُونَ } ، إلا وقَفَتْ بإذن اللَّه تعالى.","part":14,"page":439},{"id":6135,"text":"وروِّينَا في كتاب ابن السُّنِّيِّ ، عن ابن مَسْعودٍ ، عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم ؛ أنَّهُ قَالَ : \" إذَا انفلتت دَابَّةُ أَحَدِكُمْ بِأَرْضٍ فَلاَةٍ ، فَلْيُنَاد : يَا عِبَادَ اللَّهِ ، واحبسوا ، يَا عِبَادَ اللَّهِ ، احبسوا ، فَإنَّ للَّهِ عَزَّ وجَلَّ فِي الأَرْضِ حَاضِراً سَيَحْبِسُهَا \". قال النَّوويُّ : حكى لِي بعُضْ شُيُوخِنا ؛ أَنَّهُ انفلتت لَهُ دَابَّةٌ أَظْنُّهَا بَغْلَةً ، وَكَانَ يعرفُ هذا الحديثَ ، فقالَهُ ، فَحَبَسَهَا اللَّهُ عَلَيْهِ في الحَالِ ، وكنْتُ أَنَا مرَّةً مع جماعةٍ ، فانفلتت منَّا بهيمةٌ ، فَعَجَزُوا عَنْها ، فَقُلْتُهُ ، فوقَفَتْ في الحال بغَيْر سَبَبٍ سوى هذا الكلامِ. أ هـ {الجواهر الحسان حـ 1 صـ 286}\rمن لطائف الإمام القشيرى فى الآية\rقوله جلّ ذكره : { أَفَغَيْرَ دِينِ اللهِ يَبْغُونَ وَلَهُ أَسْلَمَ مَن فِى السَّمَوَاتِ والأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا }.\rمَنْ لاحظه على غير الحقيقة ، أو طالع سواه في توهم الأهلية كَرَاءِ السراب ظَنَّه ماءً فلمَّا أتاه وجده هباءً. ومغاليط الحسبانات مُقَطّعِةٌ مُشِكلَةٌ فَمَنْ حَلَّ بها نَزَلَ بوادٍ قَفْرٍ.\r{ وَلَهُ أَسْلَمَ مَن فِى السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا } لإجراء حكم الإلهية على وجه القهر عليهم. أ هـ {لطائف الإشارات حـ 1 صـ 255}.\rتم الجزء الرابع عشر من كتاب {جامع لطائف التفسير} ولله الحمد والمنة\rويليه إن شاء الله تعالى الجزء الخامس عشر وأوله قوله تعالى\r{ قُلْ آَمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَالنَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ (84) }","part":14,"page":440},{"id":6136,"text":"بسم الله الرحمن الرحيم\rاسم الكتاب / جامع لطائف التفسير\rالعاجز الفقير\rعبد الرحمن بن محمد القماش\rإمام وخطيب بدولة الإمارات العربية\rعفا الله عنه وغفر له\rالجزء الخامس عشر\rحقوق النسخ والطبع والنشر مسموح بها لكل مسلم\r{يا قوم لا أسألكم عليه أجرا}","part":15,"page":3},{"id":6137,"text":"الجزء الخامس عشر\rمن الآية {84} من سورة آل عمران\rوحتى الآية {109} من نفس السورة","part":15,"page":4},{"id":6138,"text":"قوله تعالى {قُلْ آَمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَالنَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ (84)}\rمناسبة الآية لما قبلها\rقال البقاعى :\rولما تم تنزيه الأنبياء عليهم الصلاة والسلام عن الدعاء إلى شيء غير الله ، ثم هدد من تولى ، فكان السامع جديراً بأن يقول : أنا مقبل غير متول فما اقول وما أفعل ؟ قال مخاطباً لرأس السامعين ليكون أجدر لامتثالهم : {قل} أي قبل كل شيء ، أي ملفتاً لمن نفعه هذا التذكير والتهديد فأقبل {آمنا} أنا ومن أطاعني من أمتي - مبكتاً لأهل الكتاب بما تركوه من دين إبراهيم عليه الصلاة والسلام ومن بعده من خلص أبنائه ، وأبوه وجادلوا فيه عدواناً وادعوه ؛ ثم فصل المأمور بالإيمان به فقال : {بالله} الذي لا كفوء له.\rولما كان الإنزال على الشيء مقصوداً به ذلك الشيء بالقصد الأول كان الأنسب أن يقال : {وما أنزل علينا} فيكون ذلك له حقيقة ولأتباعه مجازاً ، وكانت هذه السورة بذلك أحق لأنها سورة التوحيد {وما أنزل على إبراهيم} أي أبينا {وإسماعيل وإسحاق} أي ابنيه {ويعقوب} ابن إسحاق {والأسباط} أي أولاد يعقوب.\rولما كان ما ناله صاحبا شريعة بني إسرائيل من الكتابين المنزلين عليهما والمعجزات الممنوحين بها أعظم مما كان لمن قبلهما غير السياق إلى قوله : {وما أوتي موسى} من أولاد الأسباط من التوراة والشريعة {وعيسى} من ذرية داود من الإنجيل والشريعة الناسخة لشريعة موسى عليهما الصلاة والسلام.","part":15,"page":5},{"id":6139,"text":"ولما كان النظر هنا إلى الرسول صلى الله عليه وسلم أكثر لكونها سورة التوحيد الذي هو أخلق به وأغرق فيه ناسب الإعراء عن التأكيد بما في البقرة ، ونظر إلى الكل لمحاً واحداً فقال : {والنبيون} أي كافة من الوحي والمعجزات ليكون الإيمان بالمنزل مذكوراً مرتين لشرفه {من ربهم} أي المحسن إليهم خاصة وإلى العباد عامة بإرسالهم إليهم ؛ ثم استأنف تفسير هذا الإيمان بقوله : {لا نفرق بين أحد منهم} تنبيهاً على الموضع الذي كفر به اليهود والنصارى {ونحن له} أي لله وما أنزل من عنده {مسلمون} أي منقادون على طريق الإخلاص والرضى. أ هـ {نظم الدرر حـ 2 صـ 120 ـ 121}\rوقال الفخر : \rاعلم أنه تعالى لما ذكر في الآية المتقدمة أنه إنما أخذ الميثاق على الأنبياء في تصديق الرسول الذي يأتي مصدق لما معهم بيّن في هذه الآية أن من صفة محمد صلى الله عليه وسلم كونه مصدقاً لما معهم فقال : {قُلْ ءامَنَّا بالله} إلى آخر الآية. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 8 صـ 108}\rفصل\rقال الفخر : \rوحد الضمير في {قُلْ} وجمع في {آمنا} وفيه وجوه\rالأول : إنه تعالى حين خاطبه ، إنما خاطبه بلفظ الوحدان ، وعلمه أنه حين يخاطب القوم يخاطبهم بلفظ الجمع على وجه التعظيم والتفخيم ، مثل ما يتكلم الملوك والعظماء\rوالثاني : أنه خاطبه أولاً بخطاب الوحدان ليدل هذا الكلام على أنه لا مبلغ لهذا التكليف من الله إلى الخلق إلا هو ، ثم قال : {آمنا} تنبيهاً على أنه حين يقول هذا القول فإن أصحابه يوافقونه عليه","part":15,"page":6},{"id":6140,"text":"الثالث : إنه تعالى عينه في هذا التكليف بقوله {قُلْ} ليظهر به كونه مصدقاً لما معهم ثم قال {آمنا} تنبيهاً على أن هذا التكليف ليس من خواصه بل هو لازم لكل المؤمنين كما قال : {والمؤمنون كُلٌّ ءامَنَ بالله وَمَلَئِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لاَ نُفَرّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مّن رُّسُلِهِ} [ البقرة : 285 ]. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 8 صـ 108 ـ 109}\rفصل\rقال ابن عادل : \rوفي هذه الآية احتمالان : \rأحدهما : أن يكون المأمور بهذا القول - وهو \" آمَنَّا \" إلى آخره - هو محمد صلى الله عليه وسلم ثم في ذلك معنيان : \rأحدهما : أن يكون هو وأمته مأمورين بذلك ، وإنما حُذِفَ معطوفُه ؛ لِفَهْم المعنى ، والتقدير : قل يا محمد أنت وأمتك : آمنا بالله ، كذا قدَّره ابنُ عطية.\rوالثاني : أن المأمور بذلك نبينا وحده ، وإنما خوطب بلفظ الجمع ؛ تعظيماً له.\rقال الزمخشري : \" ويجوز أن يُؤمَر بأن يتكلم عن نفسه كما يتكلم الملوك ؛ إجلالاً من الله - تعالى - لقدر نبيِّه \".\rوالاحتمال الثاني : أن يكون المأمور بهذا القول مَنْ تقدم ، والتقدير : قل لهم : قولوا : آمنا ، ف \" آمَنَّا \" منصوب بـ \" قُلْ \" على الاحتمال الأول ، وب \" قُولُوا \" المقدَّر على الاحتمال الثاني ، وذلك القول المُضْمر منصوب المحل. أ هـ {تفسير ابن عادل حـ 5 صـ 368 ـ 369}\rفصل\rقال الفخر : ","part":15,"page":7},{"id":6141,"text":"قدم الإيمان بالله على الإيمان بالأنبياء ، لأن الإيمان بالله أصل الإيمان بالنبوة ، وفي المرتبة الثانية ذكر الإيمان بما أنزل عليه ، لأن كتب سائر الأنبياء حرفوها وبدلوها فلا سبيل إلى معرفة أحوالها إلا بما أنزل الله على محمد صلى الله عليه وسلم ، فكان ما أنزل على محمد كالأصل لما أنزل على سائر الأنبياء فلهذا قدمه عليه ، وفي المرتبة الثالثة ذكر بعض الأنبياء وهم الأنبياء الذين يعترف أهل الكتاب بوجودهم ، ويختلفون في نبوتهم {وَالأَسْبَاطَ} هم أسباط يعقوب عليه السلام الذين ذكر الله أممهم الاثنى عشر في سورة الأعراف ، وإنما أوجب الله تعالى الإقرار بنبوّة كل الأنبياء عليهم السلام لفوائد\rإحداها : إثبات كونه عليه السلام مصدقاً لجميع الأنبياء ، لأن هذا الشرط كان معتبراً في أخذ الميثاق\rوثانيها : التنبيه على أن مذاهب أهل الكتاب متناقضة ، وذلك لأنهم إنما يصدقون النبي الذي يصدقونه لمكان ظهور المعجزة عليه ، وهذا يقتضي أن كل من ظهرت المعجزة عليه كان نبياً ، وعلى هذا يكون تخصيص البعض بالتصديق والبعض بالتكذيب متناقضاً ، بل الحق تصديق الكل والاعتراف بنبوّة الكل\rوثالثها : إنه قال قبل هذه الآية {أَفَغَيْرَ دِينِ الله يَبْغُونَ وَلَهُ أَسْلَمَ مَن فِى السموات والأرض} [ آل عمران : 83 ] وهذا تنبيه على أن إصرارهم على تكذيب بعض الأنبياء إعراض عن دين الله ومنازعة مع الله ، فههنا أظهر الإيمان بنبوّة جميع الأنبياء ، ليزول عنه وعن أمته ما وصف أهل الكتاب به من منازعة الله في الحكم والتكليف","part":15,"page":8},{"id":6142,"text":"ورابعها : أن في الآية الأولى ذكر أنه أخذ الميثاق على جميع النبيّين ، أن يؤمنوا بكل من أتى بعدهم من الرسل ، وههنا أخذ الميثاق على محمد صلى الله عليه وسلم بأن يؤمن بكل من أتى قبله من الرسل ، ولم يأخذ عليه الميثاق لمن يأتي بعده من الرسل ، فكانت هذه الآية دالة من هذا الوجه على أنه لا نبي بعده ألبتة. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 8 صـ 109}\rسؤال : فإن قيل : لم عدَّى {أَنَزلَ} في هذه الآية بحرف الاستعلاء ، وفيما تقدم من مثلها بحرف الانتهاء ؟\rقلنا : لوجود المعنيين جميعاً ، لأن الوحي ينزل من فوق وينتهي إلى الرسل ، فجاء تارة بأحد المعنيين وأخرى بالآخر ، وقيل أيضاً إنما قيل {عَلَيْنَا} في حق الرسول ، لأن الوحي ينزل عليه وإلينا في حق الأمة لأن الوحي يأتيهم من الرسول على وجه الانتهاء وهذا تعسف ، ألا ترى إلى قوله {بِمَا أَنزَلَ إِلَيْكَ} [ البقرة : 4 ] وأنزل إليك الكتاب وإلى قوله {آمنوا بالذي أنزل على الذين آمنوا} [ آل عمران : 72 ]. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 8 صـ 109}\rوقال ابن عادل : \rوهذه الآية شبيهة بالتي في البقرة ، إلا أنَّ هنا عَدَّى \" أُنْزِلَ \" بـ \" عَلَى \" وهناك عدَّاه بـ \" إلى \".\rقال الزمخشري : لوجود المعنيين جميعاً ؛ لأن الوحي ينزل من فوق ، وينتهي إلى الرسل ، فجاء تارة بأحد المعنيين ، وأخرى بالآخر.\rقال ابن عطيةَ : \" الإنزال على نَبِيّ الأمة إنزال عليها \" وهذا ليس بطائل بالنسبة إلى طلب الفرق.","part":15,"page":9},{"id":6143,"text":"قال الراغب : \" إنما قال - هنا - \" عَلَى \" ، لأن ذلك لما كان خطاباً للنبيّ صلى الله عليه وسلم وكان واصلاً إليه من الملأ الأعلى بلا واسطةٍ بشريةٍ ، كان لفظ \" عَلَى \" المختص بالعُلُوِّ أوْلَى به ، وهناك لما كان خطاباً للأمة ، وقد وصل إليهم بواسطة النبي صلى الله عليه وسلم كان لفظ \" إلَى \" المختص بالاتصال أوْلَى.\rويجوز أن يقال : \" أنزل عليه \" ، إنما يُحْمَل على ما أُمِر المنزَّل عليه أن يُبَلِّغَه غيرَه. وأنزل إليه ، يُحْمَل على ما خُصَّ به في نفسه ، وإليه نهاية الإنزال ، وعلى ذلك قال تعالى : {أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّآ أَنزَلْنَا عَلَيْكَ الكتاب يتلى عَلَيْهِمْ} [ العنكبوت : 51 ] وقال : {وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذكر لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ} [ النحل : 44 ] خص هنا بـ \" إلى \" لماكان مخصوصاً بالذكر الذي هو بيان المنزل ، وهذا كلام في الأولى لا في الوجوب \".","part":15,"page":10},{"id":6144,"text":"وهذا الذي ذكره الراغب ردَّه الزمخشريُّ ، فقال : \" ومن قال : إنما قيل : \" عَلَيْنَا \" لقوله : \" قُلْ \" و\" إلينا \" لقوله : \" قُولُوا \" ، تفرقة بين الرسول والمؤمنين ؛ لأن الرسول يأتيه الوحي عن طريق الاستعلام ، ويأتيهم على وجه الانتهاء ، فقد تعسَّف ؛ ألا ترى إلى قوله : {بِمَآ أُنْزِلَ إِلَيْكَ} [ البقرة : 4 ] وقوله : {وَأَنزَلْنَآ إِلَيْكَ الكتاب} [ المائدة : 48 ] وقوله : {وَقَالَتْ طَّآئِفَةٌ مِّنْ أَهْلِ الكتاب آمِنُواْ بالذي أُنْزِلَ عَلَى الذين آمَنُواْ وَجْهَ النهار} [ آل عمران : 72 ] وفي البقرة : {وَمَا أُوتِيَ النبيون} [ البقرة : 136 ] وهنا : \" وَالنَّبِيُّونَ \" ، لأن التي في البقرة لفظ الخطابِ فيها عام ، ومن حكم خطاب العام البسط دون الإيجاز ، بخلاف الخطاب هنا ، لأنه خاص ، فلذلك اكتفى فيه بالإيجاز دون الإطناب \". أ هـ {تفسير ابن عادل حـ 5 صـ 369 ـ 370}\rفصل\rقال الفخر : \rاختلف العلماء في أن الإيمان بهؤلاء الأنبياء الذين تقدموا ونسخت شرائعهم كيف يكون ؟ وحقيقة الخلاف ، أن شرعه لما صار منسوخاً ، فهل تصير نبوته منسوخة ؟ فمن قال إنها تصير منسوخة قال : نؤمن أنهم كانوا أنبياء ورسلاً ، ولا نؤمن بأنهم الآن أنبياء ورسل ، ومن قال إن نسخ الشريعة لا يقتضي نسخ النبوّة قال : نؤمن أنهم أنبياء ورسل في الحال فتنبه لهذا الموضع. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 8 صـ 109}\rقوله تعالى {لاَ نُفَرّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مّنْهُمْ}\rفصل\rقال الفخر : \rقوله {لاَ نُفَرّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مّنْهُمْ} فيه وجوه","part":15,"page":11},{"id":6145,"text":"الأول : قال الأصم : التفرق قد يكون بتفضيل البعض على البعض ، وقد يكون لأجل القول بأنهم ما كانوا على سبيل واحد في الطاعة لله والمراد من هذا الوجه يعني : نقر بأنهم كانوا بأسرهم على دين واحد في الدعوة إلى الله وفي الانقياد لتكاليف الله\rالثاني : قال بعضهم المراد {لاَ نُفَرّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مّنْهُمْ} بأن نؤمن ببعض دون بعض كما تفرقت اليهود والنصارى\rالثالث : قال أبو مسلم {لاَ نُفَرّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مّنْهُمْ} أي لا نفرق ما أجمعوا عليه ، وهو كقوله {واعتصموا بِحَبْلِ الله جَمِيعاً وَلاَ تَفَرَّقُواْ} [ آل عمران : 103 ] وذم قوماً وصفهم بالتفرق فقال : {لَقَد تَّقَطَّعَ بَيْنَكُمْ وَضَلَّ عَنكُم مَّا كُنتُمْ تَزْعُمُونَ} [ الأنعام : 94 ]. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 8 صـ 109 ـ 110}\rقوله تعالى {وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ}\rقال الفخر : \rأما قوله {وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ} ففيه وجوه\rالأول : إن إقرارنا بنبوّة هؤلاء الأنبياء إنما كان لأجل كوننا منقادين لله تعالى مستسلمين لحكمه وأمره ، وفيه تنبيه على أن حاله على خلاف الذين خاطبهم الله بقوله {أَفَغَيْرَ دِينِ الله يَبْغُونَ وَلَهُ أَسْلَمَ مَن فِى السموات والأرض}\rوالثاني : قال أبو مسلم {وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ} أي مستسلمون لأمر الله بالرضا وترك المخالفة وتلك صفة المؤمنين بالله وهم أهل السلم والكافرون يوصفون بالمحاربة لله كما قال : {إِنَّمَا جَزَاء الذين يُحَارِبُونَ الله وَرَسُولَهُ} [ المائدة : 33 ]","part":15,"page":12},{"id":6146,"text":"الثالث : أن قوله {وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ} يفيد الحصر والتقدير : له أسلمنا لا لغرض آخر من سمعة ورياء وطلب مال ، وهذا تنبيه على أن حالهم بالضد من ذلك فإنهم لا يفعلون ولا يقولون إلا للسمعة والرياء وطلب الأموال ، والله أعلم. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 8 صـ 110}\rوقال أبو السعود : \r{لاَ نُفَرّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مّن رُّسُلِهِ} وهمزة أحدٍ إما أصلية فهو اسمٌ موضوعٌ لمن يصلُح أن يخاطَبَ يستوي فيه المفردُ والمثنى والمجموعُ والمذكرُ والمؤنث ولذلك صح دخولُ بين عليه كما في مثل المالُ بين الناس ، وإما مُبدلةٌ من الواو فهو بمعنى واحد ، وعمومُه لوقوعه في حيز النفي ، وصِحةُ دخولِ {بَيْنَ} عليه باعتبار معطوفٍ قد حُذف لظهوره أي بين أحدٍ منهم وغيرِه كما في قول النابغة : \rفما كان بين الخيرِ إذ جاء سالما... أبو حَجَرٍ إلا ليالٍ قلائلُ\rأي بين الخير وبيني {وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ} أي منقادون أو مخلصون أنفسَنا له تعالى لا نجعلُ له شريكاً فيها ، وفيه تعريضٌ بإيمان أهلِ الكتاب فإنه بمعزل من ذلك. أ هـ {تفسير أبى السعود حـ 2 صـ 55}","part":15,"page":13},{"id":6147,"text":"من فوائد الآلوسى فى الآية\rقال رحمه الله : \r{قُلْ ءامَنَّا بالله} أمر للرسول صلى الله عليه وسلم أن يخبر عن نفسه والمؤمنين بالإيمان بما ذكر ، فضمير ( آمنا ) للنبي صلى الله عليه وسلم والأمة ، وقال المولى عبد الباقي : لما أخذ الله تعالى الميثاق من النبيين أنفسهم أن يؤمنوا بمحمد عليه الصلاة والسلام وينصروه أمر محمداً أيضاً صلى الله عليه وسلم أن يؤمن بالأنبياء المؤمنين به وبكتبهم فيكون {مِنَ} في موضع آمنت لتعظيم نبينا عليه أفضل الصلاة وأكمل السلام ، أو لما عهد مع النبيين وأممهم أن يؤمنوا أمر محمداً عليه الصلاة والسلام وأمته أن يؤمنوا بهم وبكتبهم. والحاصل أخذ الميثاق من الجانبين على الإيمان على طريقة واحدة ولم يتعرض هنا لحكمة الأنبياء السالفين إما لأن الإيمان بالكتاب المنزل إيمان بما فيه من الحكمة ، أو للإشارة إلى أن شريعتهم منسوخة في زمن هذا النبي صلى الله عليه وسلم وكلاهما على تقدير كون الحكمة بمعنى الشريعة ولم يتعرض لنصرته عليه الصلاة والسلام لهم إذ لا مجال بوجه لنصرة السلف ، ويؤيد دعوى أخذ الميثاق من الجانبين ما أخرجه عبد الرزاق وغيره عن طاوس أنه قال : أخذ الله تعالى ميثاق النبيين أن يصدق بعضهم بعضاً.","part":15,"page":14},{"id":6148,"text":"{وَمَا أُنزِلَ عَلَيْنَا} وهو القرآن المنزل عليه صلى الله عليه وسلم أولاً وعليهم بواسطة تبليغه إليهم ، ومن هنا أتى بضمير الجمع ، وقد يعتبر الإنزال عليه عليه الصلاة والسلام وحده ، ولكن نسب إلى الجمع ما هو منسوب لواحد منه مجازاً على ما قيل ، ويحتمل أن تكون النون نون العظمة لا ضمير الجماعة ، وعدى الإنزال هنا بعلى وفي البقرة ( 136 ) بإلى لأنه له جهة علو باعتبار ابتدائه وانتهاء باعتبار آخره ، وقد جعل الخطاب هنا للنبي صلى الله عليه وسلم فناسبه الاستعلاء وهناك للعموم ، فناسب الانتهاء كذا قيل ، ويرد عليه قوله تعالى : {وَقَالَت طَّائِفَةٌ مّنْ أَهْلِ الكتاب ءامِنُواْ} [ آل عمران : 72 ] والتحقيق أنه لا فرق بين المعدى بإلى والمعدى بعلى إلا بالاعتبار ، فإن اعتبرت مبدأه عديته بعلى لأنه فوقاني وإن اعتبرت انتهاءه إلى من هو له عديته بإلى ويلاحظ أحد الاعتبارين تارة والآخر أخرى تفنناً بالعبارة ، وفرّق الراغب بأن ما كان واصلاً من الملأ الأعلى بلا واسطة كان لفظ على المختص بالعلو أولى به ، وما لم يكن كذلك كان لفظ إلى المختص بالإيصال أولى به وقيل : أنزل عليه يحمل على أمر المنزل عليه أن يبلغه غيره ، وأنزل إليه يحمل على ما خص به نفسه لأن إليه انتهاء الإنزال وكلا القولين لا يخلو عن نظر","part":15,"page":15},{"id":6149,"text":"{وَمَا أُنزِلَ على إبراهيم وإسماعيل وإسحاق وَيَعْقُوبَ والاسباط} قيل : خص هؤلاء الكرام بالذكر لأن أهل الكتاب يعترفون بنبوتهم وكتبهم ، والمراد بالموصول الصحف كما هو الظاهر وقدم المنزل عليه عليه الصلاة والسلام على المنزل عليهم إما لتعظيمه والاعتناء به ، أو لأنه المعرف له ومعرفة المعرف تتقدم على معرفة المعرف ، والأسباط الأحفاد لا أولاد البنات ، والمراد بهم على رأي أبناء يعقوب الإثنا عشر وذراريهم ، وليس كلهم أبناءاً خلافاً لزاعمه {وَمَا أُوتِىَ موسى وعيسى} من \"التوراة\" \"والإنجيل\" وسائر المعجزات كما يشعر به إيثار الإيتاء على الإنزال الخاص بالكتاب وقيل : هو خاص بالكتابين ، وتغيير الأسلوب للاعتناء بشأن الكتابين ، وتخصيص هذين النبيين بالذكر لما أن الكلام مع اليهود والنصارى {والنبيون} عطف على {موسى وعيسى} أي وبما أوتي النبيون على تعدد أفرادهم واختلاف أسمائهم {مّن رَّبّهِمُ} متعلق بأوتي ، وفي التعبير بالرب مضافاً إلى ضميرهم ما لا يخفى من اللطف.\r{لاَ نُفَرّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مّنْهُمْ} أي بالتصديق والتكذيب ما فعل اليهود والنصارى والتفريق بغير ذلك كالتفضيل جائز {وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ} أي مستسلمون بالطاعة والانقياد في جميع ما أمر به ونهى عنه ، أو مخلصون له في العبادة ، وعلى التقديرين لا تكون هذه الجملة مستدركة بعد جملة الإيمان كما هو ظاهر ، وقيل : إن أهل الملل المخالفة للإسلام كانوا كلهم يقرون بالإيمان ولم يكونوا يقرون بلفظ الإسلام فلهذا أردف تلك الجملة بهذه. أ هـ {روح المعانى حـ 3 صـ 214 ـ 215}","part":15,"page":16},{"id":6150,"text":"وقال ابن عاشور : \rالمخاطب بفعل قل هو النبي صلى الله عليه وسلم ليقول ذلك بمسمع من الناس : مسلمهم ، وكافرهم ، ولذلك جاء في هذه الآية قوله : {وما أنزل علينا} أي أنزل عليّ لتبليغكم فجعل إنزاله على الرسول والأمة لاشتراكهم في وجوب العمل بما أنزل ، وعدّى فعل ( أنزل ) هنا بحرف ( على ) باعتبار أنّ الإنزال يقتضي علوّاً فوصول الشيء المنزَل وصول استعلاء وعدّي في آية سورة البقرة بحرف ( إلى ) باعتبار أنّ الإنزال يتضمن الوصول وهو يتعدّى بحرف ( إلى ).\rوالجملة اعتراض.\rواستئناف : لتلقين النبي عليه السلام والمسلمين كلاماً جامعاً لمعنى الإسلام ليدوموا عليه ، ويعلن به للأمم ، نشأ عن قوله : {أفغير دين الله يبغون} [ آل عمران : 83 ].\rومعنى : {لا نفرق بين أحد منهم} أننا لا نعادي الأنبياء ، ولا يحملنا حبّ نبيئنا على كراهتهم ، وهذا تعريض باليهود والنصارى ، وحذف المعطوف وتقديره لا نفرق بين أحد وآخر ، وتقدم نظير هذه الآية في سورة البقرة.\rوهذه الآية شعار الإسلام وقد قال الله تعالى : {وتؤمنون بالكتاب كله} [ آل عمران : 119 ].\rوهنا انتهت المجادلة مع نصارى نجران. أ هـ {التحرير والتنوير حـ 3 صـ 147}\rمن لطائف الإمام القشيرى فى الآية\rآمنا بالله لا بنفوسنا أو حَوْلنا أو قوتنا.\rوآمنا بما أنزل علينا بالله ، وأَنَّا لا نُفَرِّق بين أحد منهم -بالله سبحانه - لا بحولنا واختيارنا ، وجهدنا واكتسابنا ، ولولا أنه عرَّفنا أنه مَنْ هو ما عرفنا وإلا فمتى عَلِمْنا ذلك. أ هـ {لطائف الإشارات حـ 1 صـ 256}","part":15,"page":17},{"id":6151,"text":"قوله تعالى {وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآَخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ (85)}\rمناسبة الآية لما قبلها\rقال البقاعى : \rولما أمر سبحانه وتعالى بإظهار الإيمان بهذا القول ، وكان ذلك هو الإذعان الذي هو الإسلام قال - محذراً من الردة عنه عاطفاً على {آمنا} ومظهراً لما من حقه الإضمار لولا إرادة التنبيه على ذلك مشيراً بصيغة الافتعال إلى مخالفة الفطرة الأولى - : {ومن يبتغ} أي يتطلب {غير} دين {الإسلام} الذي هو ما ذكر من الانقياد لله سبحانه وتعالى المشتمل على الشرائع المعروفة التي أساسها الإيمان بعد التلبس به حقيقة بإظهار اتباع الرسل أو مجازاً بالكون على الفطرة الأولى بما أشعر به الابتغاء - كما تقدم ، وكرر الإسلام في هذا السياق كثيراً لكونه في حيز الميثاق المأخوذ بمتابعة الرسول المصدق حثاً على تمام الانقياد له {ديناً} وأتى بالفاء الرابطة إعلاماً بأن ما بعدها مسبب عما قبلها ومربوط به فقال : {فلن يقبل منه} أي في الدنيا ، وأشعر ترتيب هذا على السبب بأنه يرجى زوال السبب لأنه مما عرض للعبد كما جرى في الردة في خلافة الصديق رضي الله تعالى عنه ، فإنه رجع إلى الإسلام أكثر المرتدين وحسن إسلامهم ، وقوله : {وهو في الآخرة من الخاسرين} معناه : ولا يقبل منهم في الآخرة ، مع زيادة التصريح بالخسارة - وهي حرمان الثواب - المنافية لمقاصدهم ، والقصد الأعظم بهذا أهل الكتاب مع العموم لغيرهم لإقرارهم بهذا النبي الكريم وتوقعهم له ، عالمين قطعاً بصدقه لما في كتبهم من البشارة به. أ هـ {نظم الدرر حـ 2 صـ 121}\rفصل\rقال الفخر : ","part":15,"page":18},{"id":6152,"text":"اعلم أنه تعالى لما قال في آخر الآية المتقدمة {وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ} [ آل عمران : 84 ] أتبعه بأن بيّن في هذه الآية أن الدين ليس إلا الإسلام ، وأن كل دين سوى الإسلام فإنه غير مقبول عند الله ، لأن القبول للعمل هو أن يرضى الله ذلك العمل ، ويرضى عن فاعله ويثيبه عليه ، ولذلك قال تعالى : {إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ الله مِنَ المتقين} [ المائدة : 27 ] ثم بيّن تعالى أن كل من له دين سوى الإسلام فكما أنه لا يكون مقبولاً عند الله ، فكذلك يكون من الخاسرين ، والخسران في الآخرة يكون بحرمان الثواب ، وحصول العقاب ، ويدخل فيه ما يلحقه من التأسف والتحسر على ما فاته في الدنيا من العمل الصالح وعلى ما تحمله من التعب والمشقة في الدنيا في تقريره ذلك الدين الباطل واعلم أن ظاهر هذه الآية يدل على أن الإيمان هو الإسلام إذ لو كان الإيمان غير الإسلام وجب أن لا يكون الإيمان مقبولاً لقوله تعالى : {وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإسلام دِينًا فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ} إلا أن ظاهر قوله تعالى : {قَالَتِ الأعراب ءَامَنَّا قُل لَّمْ تُؤْمِنُواْ ولكن قُولُواْ أَسْلَمْنَا} [ الحجرات : 14 ] يقتضي كون الإسلام مغايراً للإيمان ووجه التوفيق بينهما أن تحمل الآية الأولى على العرف الشرعي ، والآية الثانية على الوضع اللغوي. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 8 صـ 110}\rفصل فى نزول الآية\rقال القرطبى : \rقال مجاهد والسُّدِّي : نزلت هذه الآية في الحارث بن سُويد أخو الجُلاَس بن سويد ، وكان من الأنصار ، ارتد عن الإسلام هو واثنا عشر معه ولحقوا بمكة كفاراً ، فنزلت هذه الآية ، ثم أرسل إلى أخيه يطلب التوبة.\rورُوي ذلك عن ابن عباس وغيره.\rقال ابن عباس : وأسلم بعد نزول الآيات. أ هـ {تفسير القرطبى حـ 4 صـ 128}","part":15,"page":19},{"id":6153,"text":"وقال الآلوسى : \r{وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإسلام دِينًا فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ} نزلت في جماعة ارتدوا وكانوا اثني عشر رجلاً وخرجوا من المدينة وأتوا مكة كفاراً ، منهم الحرث بن سويد الأنصاري ، والإسلام قيل : التوحيد والانقياد ، وقيل : شريعة نبينا عليه الصلاة والسلام بين تعالى أن من تحرى بعد مبعثه صلى الله عليه وسلم غير شريعته فهو غير مقبول منه ، وقبول الشيء هو الرضا به وإثابة فاعله عليه ، وانتصاب {دِينًا} على التمييز من {غَيْرِ} وهي مفعول {يَبْتَغِ} وجوز أن يكون {دِينًا} مفعول {يَبْتَغِ} و{غَيْرِ} صفة قدمت فصارت حالاً ، وقيل : هو بدل من {غَيْرَ الإسلام} والجمهور على إظهار الغينين ، وروي عن أبي عمرو الإدغام ، وضعفه أبو البقاء بأن كسرة الغين الأولى تدل على الياء المحذوفة (1)\r_____________\r(1) القراءة متواترة للسوسى عن أبى عمرو ومن ثم فلا يجوز تضعيفها. والله أعلم.","part":15,"page":20},{"id":6154,"text":"{وَهُوَ فِى الآخرة مِنَ الخاسرين} إما معطوفة على جواب الشرط فتكون في محل جزم ، وإما في محل الحال من الضمير المجرور فتكون في محل نصب ، وإما مستأنفة فلا محل لها من الإعراب ، و{فِى الآخرة} متعلق بمحذوف يدل عليه ما بعده أي وهو خاسر في الآخرة أو متعلق بالخاسرين على أن الألف واللام ليست موصولة بل هي حرف تعريف ، والخسران في الآخرة هو حرمان الثواب وحصول العقاب ، وقيل : أصل الخسران ذهاب رأس المال ، والمراد به هنا تضييع ما جبل عليه من الفطرة السليمة المشار إليها في حديث \" كل مولود يولد على الفطرة \" وعدم الانتفاع بذلك وظهوره بتحقق ضده {يَوْمَ لاَ يَنفَعُ مَالٌ وَلاَ بَنُونَ إِلاَّ مَنْ أَتَى الله بِقَلْبٍ سَلِيمٍ} [ الشعراء : 88 ، 89 ] والتعبير بالخاسرين أبلغ من التعبير بخاسر كما أشرنا إليه فيما قبل وهو منزل منزلة اللازم ولذا ترك مفعوله ، والمعنى وهو من جملة الواقعين في الخسران واستدل بالآية على أن الإيمان هو الإسلام إذ لو كان غيره لم يقبل ، واللازم باطل بالضرورة فالملزوم مثله ، وأجيب بأن {فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ} ينفي قبول كل دين يباين دين الإسلام والإيمان ، وإن كان {غَيْرَ الإسلام} لكنه لا يغاير دين الإسلام بل هو هو بحسب الذات ، وإن كان غيره بحسب المفهوم ، وذكر الإمام أن ظاهر هذه الآية يدل على عدم المغايرة ، وقوله تعالى : {قَالَتِ الاعراب ءامَنَّا قُل لَّمْ تُؤْمِنُواْ ولكن قُولُواْ أَسْلَمْنَا} [ الحجرات : 14 ] يدل على المغايرة ، ووجه التوفيق بينهما أن تحمل الآية الأولى على العرف الشرعي ، والثانية على الوضع اللغوي. أ هـ {روح المعانى حـ 3 صـ 215 ـ 216}","part":15,"page":21},{"id":6155,"text":"وقال السمرقندى : \rقوله {وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإسلام دِينًا} قال الكلبي : نزلت في شأن مرثد بن أبي مرثد ، وطُعْمَة بن أَبَيْرق ، ومقيس بن صبابة ، والحارث بن سُوَيد ، وكانوا عشرة.\rوقال مقاتل : كانوا اثني عشر.\rوقال الضحاك : يعني لا يقبل من جميع الخلق من أهل الأديان ديناً غير دين الإسلام ، ومن يتدين غير الإسلام ديناً {فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِى الآخرة مِنَ الخاسرين} أي من المغبونين ، لأنه ترك منزله في الجنة ، واختار منزله في النار. أ هـ {بحر العلوم حـ 1 صـ 253}\rوقال ابن عاشور : \rقوله تعالى {وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآَخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ (85)}\rعطف على جملة {أفغير دين الله يبغون} وما بينهما اعتراض ، كما علمت ، وهذا تأييس لأهل الكتاب من النجاة في الآخرة ، وردّ لقولهم : نحن على ملة إبراهيم ، فنحن ناجون على كلّ حال.\rوالمعنى من يبتغ غير الإسلام بعد مجيء الإسلام. أ هـ {التحرير والتنوير حـ 3 صـ 147}\rوقال ابن عطية : \rحكم تعالى في قوله {ومن يبتغ} الآية بأنه لا يقبل من آدمي ديناً غير دين الإسلام ، وهو الذي وافق في معتقداته دين كل من سمي من الأنبياء ، وهو الحنيفة السمحة ، وقال عكرمة : لما نزلت قال أهل الملل للنبي صلى الله عليه وسلم : قد أسلمنا قبلك ونحن المسلمون ، فقال الله له : فجحهم يا محمد وأنزل عليه {ولله على الناس حج البيت} [ آل عمران : 97 ] فحج المسلمون وقعد الكفار ، وأسند الطبري عن ابن عباس أنه قال : نزلت {إن الذين آمنوا والذين هادوا والنصارى والصابئين من آمن بالله واليوم الآخر} إلى قوله {ولا هم يحزنون} [ البقرة : 62 ] فأنزل الله بعدها ، {ومن يبتغ غير الإسلام ديناً فلن يقبل منه} الآية.","part":15,"page":22},{"id":6156,"text":"قال الفقيه الإمام : فهذه إشارة إلى نسخ ، وقوله {في الآخرة} متعلق بمقدر ، تقديره خاسر في الآخر لأن الألف واللام في {الخاسرين} في معنى الموصول ، وقال بعض المفسرين : إن قوله {من يبتغ} الآية ، نزلت في الحارث بن سويد ، ولم يذكر ذلك الطبري. أ هـ {المحرر الوجيز حـ 1 صـ 467}\rفصل\rقال ابن عادل : \rالعامة يظهرون هذين المثلين في {يَبْتَغِ غَيْرَ} لأن بينهُمَا فاصلاً فلم يلتقيا في الحقيقةِ ، وذلك الفاصل هو الياء التي حذفت للجزم.\rوروي عن أبي عمرو فيها الوجهان : \rالإظهار على الأصل ، ولمراعاة الفاصل الأصْلِيّ.\rوالإدغام ؛ مراعاةً للفظ ؛ إذ يَصْدُق أنهما التقيا في الجملة ، ولأن ذلك مستحِقّ الحَذْف لعامل الجَزْم.\rوليس هذا مخصوصاً بهذه الآية ، بل كل ما التقى فيه مِثْلاَنِ بسبب حذف حرف لعلةٍ اقتضت ذلك جَرَى فيها الوجهان ، نحو : {يَخْلُ لَكُمْ وَجْهُ أَبِيكُمْ} [ يوسف : 9 ] وقوله : {وَإِن يَكُ كَاذِباً فَعَلَيْهِ كَذِبُهُ} [ غافر : 28 ].\rوقد استشكل على هذا نحو {وياقوم مَالي أَدْعُوكُمْ} [ غافر : 41 ] ونحو : {وياقوم مَن يَنصُرُنِي} [ هود : 30 ] فإنه لم يُرْوَ عن أبي عمرو خلاف في إدغامها ، وكان القياس يقتضي جواز الوجهين ، لأن ياء المتكلم فاصلة تقديراً.\rقوله : \" دِيناً \" فيه ثلاثة أوجهٍ : \rأحدها : أنه مفعول \" يَبْتَغِ \" و\" غَيْرَ الإسْلاَمِ \" حالٌ ؛ لأنها في الأصل صفةٌ له ، فلما قُدِّمَتْ نُصِبَت حالاً.\rالثاني : أن يكون تمييزاً لِ \" غَيْرَ \" لإبهامها ، فمُيِّزَتْ كما مُيِّزت \" مِثْلُ \" و\" شِبهُ \" وأخواتهما ، وسُمِع من العرب : إن لنا غيرَها إبلاً وشاءً.\rوالثالث : أن يكون بدلاً من \" غَيْرَ \". وعلى هذين الوجهين ف {غَيْرَ الإسلام} هو المفعول به ل \" يبتغ \".","part":15,"page":23},{"id":6157,"text":"وقوله : {وَهُوَ فِي الآخرة مِنَ الخاسرين} يجوز أن لا يكون لهذه الجملة محلٌّ ؛ لاستئنافها ، ويجوز أن تكون في محل جَزْم ؛ نَسَقاً على جواب الشرط - وهو {فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ} - ويكون قد ترتب على ابتغاء غير الإسلام ديناً الخُسران وعدمُ القبول. أ هـ {تفسير ابن عادل حـ 5 صـ 371 ـ 372}\rمن فوائد البيضاوى فى الآية\rقال رحمه الله : \r{وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإسلام دِينًا} أي غير التوحيد والإِنقياد لحكم الله. {فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الأخرة مِنَ الخاسرين} الواقعين في الخسران ، والمعنى أن المعرض عن الإِسلام والطالب لغيره فاقد للنفع واقع في الخسران بإبطال الفطرة السليمة التي فطر الناس عليها ، واستدل به على أن الإِيمان هُو الإِسلام إذ لو كان غيره لم يقبل. والجواب إنه ينفي قبول كل دين يغايره لا قبول كل ما يغايره ، ولعل الدين أيضاً للأعمال. أ هـ {تفسير البيضاوى حـ 2 صـ 61}\rوقال أبو حيان : \r{ومن يبتغ غير الإسلام دينا فلن يقبل منه} الإسلام هنا قيل هو الاستسلام إلى الله والتفويض إليه ، وهو مطلوب في كل زمان ومكان وشريعة ، ولذلك فسره الزمخشري بالتوحيد ، وإسلام الوجه لله.\rوقيل : المراد بالإسلام شريعة محمد صلى الله عليه وسلم ، بيَّن تعالى أن من تحرّى بعد مبعثه شريعة غير شريعته فغير مقبول منه ، وهو الدين الذي وافق في معتقداته دين من ذكر من الأنبياء.\rقيل : وعن ابن عباس لما نزلت : {إن الذين آمنوا والذين هادوا والنصارى} الآية أنزل الله بعدها : {ومن يبتغ} الآية.\rوهذا إشارة إلى نسخ {إن الذين آمنوا} وعن عكرمة : لما نزلت قالوا للنبي صلى الله عليه وسلم : قد أسلمنا قبلك ونحن المسلمون ، فقال الله له : حجهم يا محمد ، وأنزل {ولله على الناس حج البيت} فحج المسلمون وقعد الكفار.","part":15,"page":24},{"id":6158,"text":"وقيل : نزلت في الحارث بن سويد ، وستأتي قصته بعد هذا.\rوقبول العمل هو رضاه وإثابة فاعله عليه.\r{وهو في الآخرة من الخاسرين} الخسران في الآخرة هو حرمان الثواب وحصول العقاب شبه في تضييع زمانه في الدنيا باتباع غير الإسلام بالذي خسر في بضاعته ، ويحتمل أن تكون هذه الجملة قد عطفت على جواب الشرط ، فيكون قد ترتب على ابتغاء غير الإسلام ديناً عدم القبول والخسران ، ويحتمل أن لا تكون معطوفة عليه بل هي استئناف إخبار عن حاله في الآخرة.\rو : في الآخرة متعلق بمحذوف يدل عليه ما بعده ، أي : وهو خاسر في الآخرة ، أو : بإضمار أعني ، أو : بالخاسرين على أن الألف واللام ليست موصولة بل للتعريف ، كهي في : الرجل ، أو : به على أنها موصولة ، وتسومح في الظرف والمجرور لأنه يتسع فيهما ما لا يتسع في غيرهما ، وكلُّ منقول ، وقد تقدّم لنا نظير. أ هـ {البحر المحيط حـ 2 صـ 539 ـ 540}. بتصرف يسير.\rفصل\rقال ابن كثير\rقال تعالى : {وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الإسْلامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ} أي : من سلك طريقًا سوى ما شَرَعَه الله فلن يُقْبل منه {وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ} كما قال النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح : \"مَنْ عَمِلَ عَمَلا لَيْسَ عَلَيْهِ أمْرُنَا فَهُوَ رَدٌّ\".","part":15,"page":25},{"id":6159,"text":"وقال الإمام أحمد : حدثنا أبو سعيد مولى بني هاشم ، حدثنا عباد بن راشد ، حدثنا الحسن ، حدثنا أبو هريرة ، إذ ذاك ونحن بالمدينة ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : \"تَجِيءُ الأعْمَالُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ، فَتَجِيءُ الصَّلاةُ فَتَقُولُ : يَا رَبِّ ، أَنَا الصَّلاةُ. فَيَقُولُ : إِنَّكِ عَلَى خَيْرٍ. فَتَجِيءُ الصَّدَقَةُ فَتَقُولُ : يَا رَبِّ ، أَنَا الصَّدَقَةُ. فَيَقُولُ : إِنَّكِ عَلَى خَيْرٍ. ثُمَّ يَجِيءُ الصِّيَامُ فَيَقُولُ : أَيْ يَا رَبِّ ، أَنَا الصِّيَامُ. فَيَقُولُ : إِنَّكَ عَلَى خَيْرٍ. ثُمَّ تَجِيءُ الأعْمَالُ ، كُل ذَلِكَ يَقُولُ اللَّهُ تعالى : إِنَّكَ عَلَى خَيْرٍ ، ثُمَّ يَجِيءُ الإسْلامُ فَيَقُولُ : يَا رَب ، أَنْتَ السَّلامُ وَأَنَا الإسْلامُ. فَيَقُولُ اللَّهُ [تعالى] : إِنَّكَ عَلَى خَيْرٍ ، بِكَ الْيَوْمَ آخُذُ وَبِكَ أُعْطِي ، قَالَ اللَّهُ فِي كِتَابِهِ : {وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الإسْلامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنْ الْخَاسِرِينَ}.\rتفرد به أحمد. قال أبو عبد الرحمن عبد الله بن الإمام أحمد : عباد بن راشد ثقة ، ولكن الحسن لم يسمع من أبي هريرة. {المسند (2/362) وقال الهيثمي في المجمع (10/345) : \"فيه عباد بن راشد ، وثقه أبو حاتم وغيره ، وضعفه جماعة ، وبقية رجال أحمد رجال الصحيح\"}. أ هـ {تفسير ابن كثير حـ 2 صـ 70}\rمن لطائف الإمام القشيرى فى الآية\rمَنْ سَلَكَ غير الخمود تحت جريان حكمه سبيلاً زَلَّتَ قَدَمُه في وهدة من المغاليط لا مدى لقعرها.\rويقال من توسَّل إليه بشيء دون الاعتصام به فخُسْرانه أكثر من رِبْحِه.\rويقال من لم يَفْنَ عن شهود الكل لم يصل إلى مَنْ به الكل.\rويقال مَنْ لم يَمْشِ تحت راية المصطفى صلى الله عليه وسلم المُعظَّم في قَدْره ، المُعَلَّى في وصفه ، لم يُقْبَلْ منه شيء ولا ذرة. أ هـ {لطائف الإشارات حـ 1 صـ 256}","part":15,"page":26},{"id":6160,"text":"قوله تعالى {كَيْفَ يَهْدِي اللَّهُ قَوْمًا كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ وَشَهِدُوا أَنَّ الرَّسُولَ حَقٌّ وَجَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (86) أُولَئِكَ جَزَاؤُهُمْ أَنَّ عَلَيْهِمْ لَعْنَةَ اللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ (87) خَالِدِينَ فِيهَا لَا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ وَلَا هُمْ يُنْظَرُونَ (88) إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (89)}\rمناسبة الآية لما قبلها\rقال البقاعى : \rولما أخبر سبحانه وتعالى بخسارة من ارتد عن الإسلام شرع يستدل على استحقاقه لذلك بقوله : {كيف يهدي الله} مع ما له من كمال العظمة {قوماً} أي يخلق الهداية في قلوب ناس بهم قوة المحاولة لما يريدونه {كفروا} أي أوقعوا الكفر بالله ربهم وبما ذكر مما أتت به رسله إعراضاَ عنه وعنهم ، ولما كان المقصود بكمال الذم من استمر كفره إلى الموت قال من غير جار : {بعد إيمانهم} بذلك كله {وشهدوا} أي وبعد أن شهدوا {أن الرسول حق} بما عندهم من العلم به {وجاءهم البينات} أي القاطعة بأنه حق وأنه رسول الله قطعاً ، لا شيء أقوى من بيانه ولا أشد من ظهوره بما أشعر به إسقاط تاء التأنيث من جاء.","part":15,"page":27},{"id":6161,"text":"ولما كان الحائد عن الدليل بعد البيان لا يرجى في الغالب عوده كان الاستبعاد بكيف موضحاً لأن التقدير لأجل التصريح بالمراد : أولئك لا يهديهم الله لظلمهم بوضعهم ثمرة الجهل بنقض عهد الله سبحانه وتعالى المؤكد بواسطة رسله موضع ثمرة العلم ، فعطف على هذا المقدر المعلوم تقديره قوله : {والله} أي الذي له الكمال كله {لا يهدي القوم الظالمين} أي الغريقين في الظلم لكونه جبلهم على ذلك ، تحذيراً من مطلق الظلم ، ولما علمت بشاعة خيانتهم تشوف السامع إلى معرفة جزائهم فقال : {أولئك} أي البعداء البغضاء {جزاؤهم أن عليهم لعنة الله} أي الملك الأعظم ، وهي غضبه وطرده {والملائكة والناس أجمعين} حتى أنهم هم ليلعنون أنفسهم ، فإن الكافر يطبع على قلبه فيظن أنه على هدى ويصير يلعن الكافر ظاناً أنه ليس بكافر ، وهذا اللعن واقع عليهم حال تلبسهم بالفعل لوضعهم الشيء في غير محله ، فصار كل من له علم يبعدهم لسوء صنيعهم لتبديلهم الحسن بالسيىء ، وحذراً من فعل مثل ذلك معه {خالدين فيها} أي اللعنة دائماً.\rولما كان المقيم في الشدة قد تنقص شدته على طول نفي ذلك بقوله : {لا يخفف عنهم العذاب} مفيداً أن عليهم مع مطلق الشدة بالطرد شدائد أخرى بالعقوبة.\rولما كان المعذب على شيء ربما استمهل وقتاً ما ليرجع عن ذلك الشيء أو ليعتذر نفى ذلك بقوله : {ولا هم ينظرون} أي يؤخرون للعلم بحالهم باطناً وظاهراً حالاً ومآلاً ، ولإقامة الحجة عليهم من جميع الوجوه ، لم يترك شيء نمها لأن المقيم لها منزه عن العجز والنسيان.","part":15,"page":28},{"id":6162,"text":"ولما انخلعت القلوب بهذه الكروب نفّس عنها سبحانه وتعالى مشيراً إلى أن فيهم - وإن استبعد رجوعهم - موضعاً للرجاء بقوله : {إلا الذين تابوا} أي رجعوا إلى ربهم متذكرين لإحسانه ، ولما كان التائب لم يستغرق زمان ما بعد الإيمان بالكفر ، وكانت التوبة مقبولة ولو قل زمنها أثبت الجار فقال : {من بعد ذلك} الارتدار حيث تقبل التوبة {وأصلحوا} أي بالاستمرار على ما تقضيه من الثمرات الحسنة {فإن الله} أي الذي له الجلال والإكرام يغفر ذنوبهم لأن الله {غفور} يمحو الزلات {رحيم} بإعطاء المثوبات ، هذه صفة لهم ولكل من تاب من ذنبه. أ هـ {نظم الدرر حـ 2 صـ 121 ـ 122}\rوقال الفخر : \rاعلم أنه تعالى لما عظم أمر الإسلام والإيمان بقوله {وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإسلام دِينًا فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِى الأخرة مِنَ الخاسرين} [ آل عمران : 85 ] أكد ذلك التعظيم بأن بيّن وعيد من ترك الإسلام ، فقال : {كَيْفَ يَهْدِى الله قَوْمًا كَفَرُواْ بَعْدَ إيمانهم}. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 8 صـ 111}\rفصل\rقال الفخر : \rفي سبب النزول أقوال\rالأول : قال ابن عباس رضي الله عنهما : نزلت هذه الآية في عشرة رهط كانوا آمنوا ثم ارتدوا ولحقوا بمكة ثم أخذوا يتربصون به ريب المنون فأنزل الله تعالى فيهم هذه الآية ، وكان فيهم من تاب فاستثنى التائب منهم بقوله {إِلاَّ الذين تَابُواْ}\rالثاني : نقل أيضاً عن ابن عباس أنه قال : نزلت في يهود قريظة والنضير ومن دان بدينهم كفروا بالنبي صلى الله عليه وسلم بعد أن كانوا مؤمنين قبل مبعثه ، وكانوا يشهدون له بالنبوّة ، فلما بعث وجاءهم بالبينات والمعجزات كفروا بغياً وحسداً","part":15,"page":29},{"id":6163,"text":"والثالث : نزلت في الحرث بن سويد وهو رجل من الأنصار حين ندم على ردته فأرسل إلى قومه أن اسألوا لي هل لي من توبة ؟ فأرسل إليه أخوه بالآية ، فأقبل إلى المدينة وتاب على يد الرسول صلى الله عليه وسلم وقبل الرسول صلى الله عليه وسلم توبته ، \rقال القفال رحمه الله : للناس في هذه الآية قولان : منهم من قال إن قوله تعالى : {وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإسلام دِينًا} [ آل عمران : 85 ] وما بعده من قوله {كَيْفَ يَهْدِى الله قَوْمًا كَفَرُواْ بَعْدَ إيمانهم} إلى قوله {وَأُوْلَئِكَ هُمُ الضالون} [ آل عمران : 90 ] نزل جميع ذلك في قصة واحدة ، ومنهم من جعل ابتداء القصة من قوله {إِن الذين كَفَرُواْ وَمَاتُواْ وَهُمْ كُفَّارٌ} [ آل عمران : 90 ] ثم على التقديرين ففيها أيضاً قولان أحدهما : أنها في أهل الكتاب\rوالثاني : أنها في قوم مرتدين عن الإسلام آمنوا ثم ارتدوا على ما شرحناه. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 8 صـ 111}\rوقال القرطبى : \rقال ابن عباس : إن رجلاً من الأنصار أسلم ثم ارتد ولحق بالشرك ثم ندم ؛ فأرسل إلى قومه : سَلُوا لِي رسول الله صلى الله عليه وسلم هل لي مِنْ توبة ؟ فجاء قومُه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا : هل له من توبة ؟ فنزلت {كَيْفَ يَهْدِي الله قَوْماً كَفَرُواْ بَعْدَ إِيمَانِهِمْ} إلى قوله : {غَفُورٌ رَّحِيمٌ} فأرسل إليه فأسلم.\rأخرجه النسائي.","part":15,"page":30},{"id":6164,"text":"وفي رواية : أن رجلاً من الأنصار ارتد فلحق بالمشركين ، فأنزل الله {كَيْفَ يَهْدِي الله قَوْماً كَفَرُواْ} إلى قوله : {إِلاَّ الذين تَابُواْ} فبعث بها قومُه إليه ، فلما قرئت عليه قال : والله ما كذَبني قومي على رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ولا أكذبت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الله ، والله عز وجل أصدق الثلاثة ؛ فرجع تائباً ، فقبِل منه رسول الله صلى الله عليه وسلم وتركه.\rوقال الحسن : نزلت في اليهود لأنهم كانوا يبشِّرون بالنبيّ صلى الله عليه وسلم ويَسْتَفْتِحون على الذِين كفروا ؛ فلما بُعِث عانَدُوا وكفروا ، فأنزل الله عز وجل {أولئك جَزَآؤُهُمْ أَنَّ عَلَيْهِمْ لَعْنَةَ الله والملائكة والناس أَجْمَعِينَ}.\rثم قيل : \"كيف\" لفظة استفهام ومعناه الجحْد ، أي لا يهدي الله.\rونظيره قوله : {كَيْفَ يَكُونُ لِلْمُشْرِكِينَ عَهْدٌ عِندَ الله وَعِندَ رَسُولِهِ} [ التوبة : 7 ] أي لا يكون لهم عهد ؛ وقال الشاعر : \rكيف نومي على الفِراش ولَمَّا . . .\rيشمل القومَ غارةٌ شَعْواءُ\rأي لا نوم لي. أ هـ {تفسير القرطبى حـ 4 صـ 129}\rقال الطبرى : \rوأشبه القولين بظاهر التنزيل ما قال الحسن : منْ أنّ هذه الآية معنيٌّ بها أهل الكتاب على ما قال ، غيرَ أنّ الأخبار بالقول الآخر أكثر ، والقائلين به أعلم ، بتأويل القرآن.\r","part":15,"page":31},{"id":6165,"text":"وجائز أن يكون الله عز وجل أنزل هذه الآيات بسبب القوم الذين ذُكر أنهم كانوا ارتدّوا عن الإسلام ، فجمع قصّتهم وقصة من كان سبيله سبيلهم في ارتداده عن الإيمان بمحمد صلى الله عليه وسلم في هذه الآيات. ثم عرّف عباده سُنته فيهم ، فيكون داخلا في ذلك كلّ من كان مؤمنًا بمحمد صلى الله عليه وسلم قبل أنُ يبعث ، ثم كفر به بعد أن بُعث ، وكلّ من كان كافرًا ثم أسلم على عهده صلى الله عليه وسلم ، ثم ارتد وهو حيٌّ عن إسلامه. فيكون معنيًّا بالآية جميعُ هذين الصنفين وغيرُهما ممن كان بمثل معناهما ، بل ذلك كذلك إن شاء الله.\rفتأويل الآية إذًا : \"كيف يَهدي الله قومًا كفروا بعد إيمانهم\" ، يعني : كيف يُرشد الله للصواب ويوفّق للإيمان ، قومًا جحدُوا نبوّة محمد صلى الله عليه وسلم \"بعد إيمانهم\" ، أي : بعد تصديقهم إياه ، وإقرارهم بما جاءَهم به من عند ربه \"وَشهدوا أن الرسول حقّ\" ، يقول : وبعد أن أقرّوا أن محمدًا رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى خلقه حقًّا \"وجاءهم البينات\" ، يعني : وجاءهم الحجج من عند الله والدلائلُ بصحة ذلك ؟. أ هـ {تفسير الطبرى حـ 6 صـ 575 ـ 576}\rفصل\rقال الفخر : ","part":15,"page":32},{"id":6166,"text":"اختلف العقلاء في تفسير قوله {كَيْفَ يَهْدِى الله قَوْمًا كَفَرُواْ بَعْدَ إيمانهم} أما المعتزلة فقالوا : إن أصولنا تشهد بأنه تعالى هدى جميع الخلق إلى الدين بمعنى التعريف ، ووضع الدلائل وفعل الألطاف ، إذ لو يعم الكل بهذه الأشياء لصار الكافر والضال معذوراً ، ثم إنه تعالى حكم بأنه لم يهد هؤلاء الكفار ، فلا بد من تفسير هذه الهداية بشيء آخر سوى نصب الدلائل ، ثم ذكروا فيه وجوهاً الأول : المراد من هذه الآية منع الألطاف التي يؤتيها المؤمنين ثواباً لهم على إيمانهم كما قال تعالى : {والذين جاهدوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا} [ العنكبوت : 69 ] وقال تعالى : {وَيَزِيدُ الله الذين اهتدوا هُدًى} [ مريم : 76 ] وقال تعالى : {والذين اهتدوا زَادَهُمْ هُدًى} [ محمد : 17 ] وقال : {يَهْدِى بِهِ الله مَنِ اتبع رِضْوَانَهُ سُبُلَ السلام} [ المائدة : 16 ] فدلت هذه الآيات على أن المهتدي قد يزيده الله هدىً\rالثاني : أن المراد أن الله تعالى لا يهديهم إلى الجنة قال تعالى : {إِنَّ الذين كَفَرُواْ وَظَلَمُواْ لَمْ يَكُنِ الله لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلاَ لِيَهْدِيَهُمْ طَرِيقاً * إِلاَّ طَرِيقَ جَهَنَّمَ} [ النساء : 168 ، 169 ] وقال : {يَهْدِيهِمْ رَبُّهُمْ بِإِيمَانِهِمْ تَجْرِى مِن تَحْتِهِمُ الأنهار} [ يونس : 9 ]\r","part":15,"page":33},{"id":6167,"text":"والثالث : أنه لا يمكن أن يكون المراد من الهداية خلق المعرفة فيه لأن على هذا التقدير يلزم أن يكون أيضاً من الله تعالى لأنه تعالى إذا خلق المعرفة كان مؤمناً مهتدياً ، وإذا لم يخلقها كان كافراً ضالاً ، ولو كان الكفر من الله تعالى لم يصح أن يذمهم الله على الكفر ولم يصح أن يضاف الكفر إليهم ، لكن الآية ناطقة بكونهم مذمومين بسبب الكفر وكونهم فاعلين للكفر فإنه تعالى قال : {كَيْفَ يَهْدِى الله قَوْمًا كَفَرُواْ بَعْدَ إيمانهم} فضاف الكفر إليهم وذمهم على ذلك الكفر فهذا جملة أقوالهم في هذه الآية ، \rوأما أهل السنة فقالوا : المراد من الهداية خلق المعرفة ، قالوا : وقد جرت سنة الله في دار التكليف أن كل فعل يقصد العبد إلى تحصيله فإن الله تعالى يخلقه عقيب قصد العبد ، فكأنه تعالى قال : كيف يخلق الله فيهم المعرفة وهم قصدوا تحصيل الكفر أو أرادوه والله أعلم. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 8 صـ 111 ـ 112}\rقوله تعالى {وشهدوا}\rقال الفخر : \rقوله {وشهدوا} فيه قولان : \rالأول : أنه عطف والتقدير بعد أن آمنوا وبعد أن شهدوا أن الرسول حق ، لأن عطف الفعل على الاسم لا يجوز فهو في الظاهر وإن اقتضى عطف الفعل على الاسم لكنه في المعنى عطف الفعل على الفعل\rالثاني : أن الواو للحال بإضمار ( قد ) والتقدير : كيف يهدي الله قوماً كفروا بعد إيمانهم حال ما شهدوا أن الرسول حق. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 8 صـ 112}\rفصل\rقال الفخر : \rتقدير الآية : كيف يهدي الله قوماً كفروا بعد إيمانهم ، وبعد الشهادة بأن الرسول حق ، وقد جاءتهم البينات ، فعطف الشهادة بأن الرسول حق ، على الإيمان ، والمعطوف مغاير للمعطوف عليه ، فيلزم أن الشهادة بأن الرسول حق مغاير للإيمان","part":15,"page":34},{"id":6168,"text":"وجوابه : إن مذهبنا أن الإيمان هو التصديق بالقلب ، والشهادة هو الإقرار باللسان ، وهما متغايران فصارت هذه الآية من هذا الوجه دالة على أن الإيمان مغاير للإقرار باللسان وأنه معنى قائم بالقلب. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 8 صـ 112}\rفصل\rقال الفخر : \rاعلم أنه تعالى استعظم كفر القوم من حيث أنه حصل بعد خصال ثلاث\rأحدها : بعد الإيمان\rوثانيها : بعد شهادة كون الرسول حقاً\rوثالثها : بعد مجيء البينات ، وإذا كان الأمر كذلك كان ذلك الكفر صلاحاً بعد البصيرة وبعد إظهار الشهادة ، فيكون الكفر بعد هذه الأشياء أقبح لأن مثل هذا الكفر يكون كالمعاندة والجحود ، وهذا يدل على أن زلة العالم أقبح من زلة الجاهل. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 8 صـ 112}\rفصل\rقال ابن عادل : \rالاستفهام فيه كقوله : {كَيْفَ تَكْفُرُونَ بالله} [ البقرة : 28 ].\rوقيل : الاستفهام - هنا - معناه النَّفْي كقوله : [ الخفيف ]\rكَيْفَ نَوْمي عَلَى الْفِرَاش وَلَمَّا... تَشمَلِ الشَّامَ غَارَةٌ شَعْوَاءُ ؟\rوقول الآخر : [ الطويل ]\rفَهَذِي سُيُوفٌ يَا صُدَبُّ بْنَ مَالِكٍ... كَثِيرٌ ، وَلَكِنْ كَيْفَ بِالسَّيْفِ ضَارِبُ ؟\rيعني : أين بالسيف ؟\r{وشهدوا} في هذه الجملة ثلاثة أوجهٍ : \rأحدها : أنها معطوفة على \" كَفَرُوا \" و\" كَفَرُوا \" في محل نَصْب ؛ نعتاً لِ \" قوماً \" أي : كيف يهدي من جمع بين هذين الأمرين ، وإلى هذا ذهب ابنُ عطيةَ والحَوْفِيُّ وأبو البقاء ، وردَّه مكيّ ، فقال : لا يجوز عطف \" شَهِدُوا \" على كَفَرُوا \" لفساد المعنى. ولم يُبَيِّن جهَةَ الفساد ، فكأنه فهم الترتيب بين الكفر والشهادة ، فلذلك فَسَد المعنى عنده. وهذا غير لازم ؛ فإن الواو لا تقتضي ترتيباً ، ولذلك قال ابن عطيةَ : \" المعنى مفهوم أن الشهادة قبل الكُفْر ، والواو لا تُرَتِّب \".","part":15,"page":35},{"id":6169,"text":"الثاني : أنها في محل نصب على الحال من واو \" كَفَرُوا \" فالعامل فيها الرافع لصاحبها ، و\" قد \" مضمرة معها على رأي - أي كفروا وقد شهدوا ، وإليه ذهب جماعةٌ كالزمخشريِّ ، وأبي البقاء وغيرهما.\rقال أبو البقاء : \" ولا يجوز أن يكون العامل \" يَهْدِي \" ؛ لأنه يهدي من شَهِدَ أن الرسولَ حق \".\rيعني أنه لا يجوز أن يكون حالاً من \" قَوْماً \" والعاملُ في الحالِ \" يَهْدِي \" لما ذكر من فساد المعنى.\rالثالث : أن يكون معطوفاً على \" إيمَانِهِمْ \" لما تضمَّنه من الانحلال لجملة فعلية ؛ إذ التقدير : بعد أن آمنوا وشهدوا ، وإلى هذا ذهب جماعة.\rقال الزمخشريُّ : أن يُعْطَف على ما في \" إيمانهم \" من معنى الفعل ؛ لأن معناه : بعد أن آمنوا ، كقوله : {فَأَصَّدَّقَ وَأَكُن} [ المنافقون : 10 ] وقول الشاعر : [ الطويل ]\rمَشَائِيمُ لَيْسُوا مُصْلِحِينَ عَشِيرَةً... وَلاَ نَاعِبٍ إلاَّ بِبَيْنٍ غُرَابُهَا\rوجه تنظيره ذلك بالآية والبيت يوهم ما يسوِّغ العطف عليه في الجملة ، كذا يقول النحاة : جزم على التوهم أي لسقوط الفاء ؛ إذْ لو سقطت لانجزم في جواب التحضيض ، ولذا يقولون : توهَّم وجودَ الباء فَجَرَّ.\rوفي العبارة - بالنسبة إلى القرآن - سوء أدبٍ ، ولكنهم لم يقصدوا ذلك.\rوكان تنظير الزمخشري بغير ذلك أولى ، كقوله : {إِنَّ المصدقين والمصدقات وَأَقْرَضُواْ الله قَرْضاً حَسَنا} [ الحديد : 18 ].\rإذ هو في قوة : إن الذين تصدقوا وأقرضوا.\rوقال الواحدي : \" عطف الفعل على المصدر ؛ لأنه أرادَ بالمصدر الفعلَ ، تقديره : كفروا بالله بعد أن آمنوا ، فهو عطف على المعنى ، كقوله : [ الوافر ]\rلَلُبْسُ عَبَاءةٍ وَتَقَرُّ عَيْنِي... أحَبُّ إلَيَّ مِنْ لُبْسِ الشُّفُوفِ\rمعناه : لأن ألبس عباءةً وتقرَّ عيني \".","part":15,"page":36},{"id":6170,"text":"وظاهر عبارة الزمخشري والواحدي أن الأول مؤوَّل لأجل الثاني ، وهذا ليس بظاهر ؛ لأنا إنما نحتاج إلى ذلك لكون الموضع يطلب فِعْلاً ، كقوله : {إِنَّ المصدقين} لأن الموصول يطلب جملة فعلية ، فاحتجنا أن نتأول اسم الفاعل بفعله ، وعطفنا عليه و\" أقرضُوا \" وأما \" بعد إيمانهم \" وقوله : \" للبس عباءة \" ، فليس الاسم محتاجاً إلى فِعل ، فالذي ينبغي هو أن نتأوَّل الثاني باسم ؛ ليصحَّ عطفه على الاسم الصريح قبله ، وتأويله بأن تأتي معه بـ \" أن \" المصدريَّة مقدَّرةً ، تَقْدِيرُهُ : بعد إيمانهم وأن شهدوا أي وشهادتهم ، ولهذا تأول النحويون قوله : للُبْسُ عباءة وتقرَّ : وأن تَقَرَّ ، إذ التقدير : وقرة عيني ، وإلى هذا ذهب أبو البقاء ، فقال : \" التقدير : بعد أن آمنوا وأن شهدوا ، فيكون في موضع جر ، يعني أنه على تأويل مصدر معطوف على المصدر الصحيح المجرور بالظرف \".\rوكلام الجرجاني فيه ما يشهد لهذا ، ويشهد لتقدير الزمخشريّ ؛ فإنه قال : قوله \" وَشَهِدُوا \" منسوق على ما يُمْكن في التقدير ، وذلك أن قوله : \" بعد إيمانهم \" يمكن أن يكون : بعد أن آمنوا ، و\" أن \" الخفيفة مع الفعل بمنزلة المصدر ، كقوله : {وَأَن تَصُومُواْ خَيْرٌ لَّكُم} [ البقرة : 184 ] ، أي : والصوم.\rومثله مما حُمِل فيه على المعنى قوله تعالى : {وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَن يُكَلِّمَهُ الله إِلاَّ وَحْياً أَوْ مِن وَرَآءِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِل} [ الشورى : 51 ] فهو عطف على قوله : \" إلا وحياً \" ويمكن فيه : إلاَّ أن يُوحِيَ إليه ، فلما كان قوله : \" إلا وحياً \" بمعنى : إلا أن يُوحِي إليه ، حمله على ذلك.\rومثله من الشعر : [ الطويل ]\rفَظَلَّ طُهَاةُ اللَّحْمِ مِنْ بَيْنِ مُنْضِجٍ... صَفِيفَ شواءٍ أوْ قَدِيرٍ مُعَجَّلِ","part":15,"page":37},{"id":6171,"text":"خفض قوله : قدير ؛ لأنه عطف على ما يمكن في قوله : منضج ؛ لأنه أمكن أن يكون مضافاً إلى الصفيف ، فحملَه على ذلك ، فإتيانه بهذا البيت نظير إتيان الزمخشريِّ بهذه الآيةِ الكريمةِ والبيت المتقدميْن ؛ لأنه جر \" قدير \" - هنا - على التوهُّم ، كأنه توهَّم إضافة اسم الفاعل إلى مفعوله ؛ تخفيفاً ، فَجرَّ على التوهُّم كما توهم الآخر وجود الباء في قوله : ليسوا مصلحين ؛ لأنها كثيراً ما تزاد في خبر \" ليس \".\rفإن قيل : إذا كان تقدير الآية : كيف يهدي اللهُ قوماً كفروا بعد الإيمانِ وبعد الشهادةِ بأن الرسول حق ، وبعد أن جاءَهم البيِّنات ، فعطف الشهادة بأن الرسول حَقٌّ يقتضي أنه مغاير للإيمان.\rفالجواب : أن الإيمان هو التصديق بالقلب ، والشهادة هي الإقرار باللسان ، فهما متغايران.\rوقوله : \" أن الرسول \" الجمهور على أنه وَصْف بمعنى المُرْسَل ، وقيل : هو بمعنى الرسالةِ ، فيكون مصدراً ، وقد تقدم. أ هـ {تفسير ابن عادل حـ 5 صـ 272 ـ 375}\rقوله تعالى : {والله لاَ يَهْدِى القوم الظالمين}\rقال ابن عطية : \rوقوله تعالى {والله لا يهدي القوم الظالمين} عموم معناه الخصوص فيمن حتم كفره وموافاته عليه ، ويحتمل أن يريد الإخبار عن أن الظالم في ظلمه ليس على هدى من الله ، فتجيء الآية عامة تامة العموم. أ هـ {المحرر الوجيز حـ 1 صـ 468}\rوقال القرطبى : \r{والله لاَ يَهْدِي القوم الظالمين} يقال : ظاهر الآية أَنَّ مَن كفر بعد إسلامه لا يهديه الله ومن كان ظالماً ، لا يهديه الله ؛ وقد رأينا كثيراً من المرتدِّين قد أسلموا وهداهم الله ، وكثيراً من الظالمين تابوا عن الظلم.","part":15,"page":38},{"id":6172,"text":"قيل له : معناه لا يهديهم الله ما داموا مقيمين على كفرهم وظلمهم ولا يُقبِلون على الإسلام ؛ فأما إذا أسلموا وتابوا فقد وفقهم الله لذلك. والله تعالى أعلم. أ هـ {تفسير القرطبى حـ 4 صـ 129 ـ 130}\rوقال السمرقندى : \rفإن قيل : في ظاهر الآية أن من كفر بعد إسلامه ، لا يهديه الله ، ومن كان ظالماً لا يهديه الله ، وقد رأينا كثيراً من المرتدين ، أسلموا وهداهم الله ، وكثيراً من الظالمين تابوا عن الظلم.\rقيل له : لا يهديهم الله ما داموا مقيمين على كفرهم وظلمهم ، ولا يُقْبِلُون إلى الإسلام ، فأما إذا جاهدوا ، وقصدوا الرجوع ، وفقهم الله لذلك لقوله : {والذين جاهدوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ الله لَمَعَ المحسنين} [ سورة العنكبوت : 69 ] وتأويل آخر : {كَيْفَ يَهْدِى الله} يقول : كيف يرشدهم إلى الجنة ؟ كما قال في آية : {إِنَّ الذين كَفَرُواْ وَظَلَمُواْ لَمْ يَكُنِ الله لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلاَ لِيَهْدِيَهُمْ طَرِيقاً} [ النساء : 168 ] ويقال : كيف يرحمهم الله وينجيهم من العقوبة ؟ ويقال : كيف يغفر الله لهم ؟ وقالت المعتزلة : كَيْفَ يَهْدِي الله ؟ معناه : كيف يكونون مهتدين ، لأنهم لا يرون الهداية ، والاهتداء في الابتداء إلا على سبيل الجزاء ، ويرون ذلك من كسب العبد. أ هـ {بحر العلوم حـ 1 صـ 254}\rسؤالان\rالسؤال الأول : قال في أول الآية {كَيْفَ يَهْدِى الله قَوْمًا} وقال في آخرها {والله لاَ يَهْدِى القوم الظالمين} وهذا تكرار.\rوالجواب : أن قوله {كَيْفَ يَهْدِى الله} مختص بالمرتدين ، ثم إنه تعالى عمم ذلك الحكم في المرتد وفي الكافر الأصلي فقال : {والله لاَ يَهْدِى القوم الظالمين}.\rالسؤال الثاني : لم سمي الكافر ظالماً ؟.","part":15,"page":39},{"id":6173,"text":"الجواب : قال تعالى : {إِنَّ الشرك لَظُلْمٌ عَظِيمٌ} [ لقمان : 13 ] والسبب فيه أن الكافر أورد نفسه موارد البلاء والعقاب بسبب ذلك الكفر ، فكان ظالماً لنفسه. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 8 صـ 112 ـ 113}\rمن فوائد الآلوسى فى الآية\rقال رحمه الله : \r{كَيْفَ يَهْدِى الله} إلى الدين الحق {قَوْمًا كَفَرُواْ بَعْدَ إيمانهم} أخرج عبد بن حميد وغيره عن الحسن أنهم أهل الكتاب من اليهود والنصارى رأوا نعت محمد صلى الله عليه وسلم في كتابهم وأقروا وشهدوا أنه حق فلما بعث من غيرهم حسدوا العرب على ذلك فأنكروه وكفروا بعد إقرارهم حسداً للعرب حين بعث من غيرهم. وأخرج ابن أبي حاتم من طريق العوفي عن ابن عباس مثله ، وقال عكرمة : هم أبو عامر الراهب والحرث بن سويد في اثني عشر رجلاً رجعوا عن الإسلام ولحقوا بقريش ثم كتبوا إلى أهلهم هل لنا من توبة ؟ فنزلت الآية فيهم وأكثر الروايات على هذا والمراد من الآية استبعاد أن يهديهم أي يدلهم دلالة موصولة لا مطلق الدلالة قاله بعضهم ، وقيل : إن المعنى كيف يسلك بهم سبيل المهديين بالإثابة لهم والثناء عليهم وقد فعلوا ما فعلوا ، وقيل : إن الآية على طريق التبعيد كما يقال : كيف أهديك إلى الطريق وقد تركته أي لا طريق يهديهم به إلى الإيمان إلا من الوجه الذي هداهم به وقد تركوه ولا طريق غيره ، وقيل : إن المراد كيف يهديهم إلى الجنة ويثيبهم والحال ما ترى ؟ا","part":15,"page":40},{"id":6174,"text":"{وَشَهِدُواْ أَنَّ الرسول} وهو محمد صلى الله عليه وسلم {حَقّ} لا شك في رسالته {وَجَاءهُمُ البينات} أي البراهين والحجج الناطقة بحقية ما يدعيه ، وقيل : القرآن ، وقيل : ما في كتبهم من البشارة به عليه الصلاة والسلام ، {وَشَهِدُواْ} عطف على ما في إيمانهم من معنى الفعل لأنه بمعنى آمنوا ، والظاهر أنه عطف على المعنى كما في قوله تعالى : {إِنَّ المصدقين والمصدقات وَأَقْرَضُواْ الله} [ الحديد : 18 ] لا على التوهم كما توهم ؛ واختار بعضهم تأويل المعطوف ليصح عطفه على الاسم الصريح قبله بأن يقدر معه أن المصدرية أي : وإن شهدوا أي وشهادتهم على حد قوله : \rولبس عباءة وتقرّ عيني... أحب إليّ من لبس الشفوف","part":15,"page":41},{"id":6175,"text":"وإلى هذا ذهب الراغب وأبو البقاء ، وجوز عطفه على {كَفَرُواْ} وفساد المعنى يدفعه أن العطف لا يقتضي الترتيب فليكن المنكر الشهادة المقارنة بالكفر أو المتقدمة عليه ، واعترض بأن الظاهر تقييد المعطوف بما قيد به المعطوف عليه وشهادتهم هذه لم تكن بعد إيمانهم بل معه أو قبله ؛ وأجيب بالمنع لأنه لا يلزم تقييد المعطوف بما قيد به المعطوف عليه ولو قصد ذلك لأخر ، وقيل : يمنع من ذلك العطف أنهم ليسوا جامعين بين الشهادة والكفر ، وأجيب بالمنع بل هم جامعون وإن لم يكن ذلك معاً ، ومن الناس من جعله معطوفاً على {كَفَرُواْ} ولم يتكلم شيئاً مما ذكر ، وزعم أن ذلك في المنافقين وهو خلاف المنقول والمعقول ، والأكثرون من المحققين على اختيار الحالية من الضمير في {كَفَرُواْ} وقد معه مقدرة ، ولا يجوز أن يكون العامل يهدي لأنه يهدي من شهد أن الرسول حق وعليه ، وعلى تقدير العطف على الإيمان استدل على أن الإقرار باللسان خارج عن حقيقة الإيمان ، ووجه ذلك أن العطف يقتضي بظاهره \"المغايرة\" بين المعطوف والمعطوف عليه وأن الحالية تقتضي التقييد ولو كان الإقرار داخلاً في حقيقة الإيمان لخلا ذكره عن الفائدة ، ولو كان عينه يلزم تقييد الشيء بنفسه ولا يخفى ما فيه ، وادعى بعضهم أن المراد من الإيمان الإيمان بالله ، ومن الشهادة المذكورة الإيمان برسول صلى الله عليه وسلم ، والأمر حينئذ واضح فتدبر {والله لاَ يَهْدِى القوم الظالمين} أي الكافرين الذين ظلموا أنفسهم بالإخلال بالنظر ، ووضع الكفر موضع الإيمان فكيف من جاءه الحق وعرفه ثم أعرض عنه ؛ ويجوز حمل الظلم مطلقه فيدخل فيه الكفر دخولاً أولياً ، والجملة اعتراضية أو حالية. أ هـ {روح المعانى حـ 3 صـ 216 ـ 217}","part":15,"page":42},{"id":6176,"text":"وقال ابن عاشور : \rقوله تعالى {كَيْفَ يَهْدِي اللَّهُ قَوْمًا كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ}\rاستئناف ابتدائي يناسب ما سبقه من التنويه بشرف الإسلام.\r( وكيف ) استفهام إنكاري والمقصود إنكار أن تحصل لهم هداية خاصة وهي إما الهداية الناشئة عن عناية الله بالعبد ولطفه به ، وإسنادها إلى الله ظاهر ؛ وإما الهداية الناشئة عن إعمال الأدلة والاستنتاج منها ، وإسنادُها إلى الله لأنّه موجد الأسباب ومسبّباتها.\rويجوز أن يكون الاستفهام مستعملاً في الاستبعاد ، فإنهم آمنوا وعلموا ما في كتب الله ، ثمّ كفروا بعد ذلك بأنبيائهم ، إذ عبدَ اليهود الأصنام غير مرة ، وعبد النصارى المسِيح ، وقد شهدوا أنّ محمداً صادق لقيام دلائل الصدق ، ثم كابروا ، وشككوا الناس.\rوجاءتهم الآيات فلم يتعظوا ، فلا مطمع في هديهم بعد هذه الأحوال ، وإنما تسري الهداية لمن أنصف وتهيّأ لإدراك الآيات دون القوم الذين ظلموا أنفسهم.\rوقيل نزلت في اليهود خاصّة.\rوقيل نزلت في جماعة من العرب أسلموا ثم كفروا ولحقوا بقريش ثم ندموا فراسلوا قومهم من المسلمين يسألونهم هل من توبة فنزلت ، ومِنهم الحارث بن سويد ، وأبو عامر الراهب ، وطُعيمة بن أُبَيْرِق.\rوقوله : {وشهدوا} عطف على {إيمانهم} أي وشهادتهم ، لأنّ الاسم الشبيه بالفعل في الاشتقاق يحسن عطفه على الفعل وعطفُ الفعل عليه. أ هـ {التحرير والتنوير حـ 3 صـ 147 ـ 148}\rقوله تعالى : {أُوْلَئِكَ جَزَآؤُهُمْ أَنَّ عَلَيْهِمْ لَعْنَةَ الله والملائكة والناس أَجْمَعِينَ خالدين فِيهَا}\rقال الفخر : \rالمعنى أنه تعالى حكم بأن الذين كفروا بعد إيمانهم يمنعهم الله تعالى من هدايته ، ثم بيّن أن الأمر غير مقصور عليه ، بل كما لا يهديهم في الدنيا يلعنهم اللعن العظيم ويعذبهم في الآخرة ، على سبيل التأبيد والخلود.","part":15,"page":43},{"id":6177,"text":"واعلم أن لعنة الله ، مخالفة للعنة الملائكة ، لأن لعنته بالإبعاد من الجنة وإنزال العقوبة والعذاب واللعنة من الملائكة هي بالقول ، وكذلك من الناس ، وكل ذلك مستحق لهم بسبب ظلمهم وكفرهم فصح أن يكون جزاء لذلك. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 8 صـ 113}\rقال ابن عطية : \r\" اللعنة \" الإبعاد وعدم الرحمة والعطف ، وذلك مع قرينة الكفر زعيم بتخليدهم في النار ، ولعنة الملائكة قول ، و{الناس} : بنو آدم ، ويظهر من كلام أبي علي الفارسي في بعض تعاليقه ، أن الجن يدخلون في لفظة الناس ، وأنشد على ذلك ، [ الوافر ]\rفقلتُ إلى الطَّعامِ فَقَالَ مِنْهُمْ... أُناسٌ يَحْسُدُ الأَنَسَ الطَّعاما\rقال القاضي أبو محمد عبد الحق رضي الله عنه : والذي يظهر ، أن لفظة {الناس} إذا جاءت مطلقة ، فإنما هي في كلام العرب بنو آدم لا غير ، فإذا جاءت مقيدة بالجن ، فذلك على طريقة الاستعارة ، إذ هي جماعة كجماعة ، وكذلك {برجال من الجن} [ الجن : 6 ] وكذلك {نفر من الجن} [ الجن : 1 ] ، ولفظة النفر أقرب إلى الاشتراك من رجال وناس ، وقوله تعالى : {من الجنة والناس} [ الناس : 6 ] قاض بتباين الصنفين ، وقوله تعالى : {والناس أجمعين} إما يكون لمعنى الخصوص في المؤمنين ويلعن بضعهم بعضاً ، فيجيء من هذا في كل شخص منهم أن لعنة جميع الناس ، وإما أن يريد أن هذه اللعنة تقع في الدنيا من جميع الناس على من هذه صفته ، وكل من هذه صفته - وقد أغواه الشيطان- يلعن صاحب الصفات ولا يشعر من نفسه أنه متصف بها ، فيجيء من هذا أنهم يلعنهم جميع الناس في الدنيا حتى أنهم ليلعنون أنفسهم ، لكن على غير تعيين. أ هـ {المحرر الوجيز حـ 1 صـ 468 ـ 469}","part":15,"page":44},{"id":6178,"text":"وقال البيضاوى : \r{أُوْلَئِكَ جَزَآؤُهُمْ أَنَّ عَلَيْهِمْ لَعْنَةَ الله والملائكة والناس أَجْمَعِينَ} يدل بمنطوقه على جواز لعنهم ، وبمفهومه على نفي جواز لعن غيرهم. ولعل الفرق أنهم مطبوعون على الكفر ممنوعون عن الهدى مؤيسون عن الرحمة رأساً بخلاف غيرهم ، والمراد بالناس المؤمنون أو العموم فإن الكافر أيضاً يلعن منكر الحق والمرتد عنه ولكن لا يعرف الحق بعينه. أ هـ {تفسير البيضاوى حـ 2 صـ 62}\rوقال الآلوسى : \r{أولئك} أي المذكورون المتصفون بأشنع الصفات وهو مبتدأ ، وقوله سبحانه : {جَزَآؤُهُمْ} أي جزاء فعلهم مبتدأ ثان ، وقوله عز شأنه : {أَنَّ عَلَيْهِمْ لَعْنَةَ الله والملئكة والناس أَجْمَعِينَ} خبر المبتدأ الثاني ، وهو وخبره خبر المبتدأ الأول قيل : وهذا يدل بمنطوقه على جواز لعنهم ، ومفهومه ينفي جواز لعن غيرهم ، ولعل الفرق بينهم وبين غيرهم حتى خص اللعن بهم أنهم مطبوع على قلوبهم ممنوعون بسبب خياثة ذواتهم وقبح استعدادهم من الهدى آيسون من رحمة الله تعالى بخلاف غيرهم ، والخلاف في لعن أقوام بأعيانهم ممن ورد لعن أنواعهم كشارب خمر معين مثلا مشهور والنووي على جوازه استدلالا بما ورد أنه صلى الله عليه وسلم مر بحمار وسم في وجهه فقال : لعن الله تعالى من فعل هذا وبما صح أن الملائكة تلعن من خرجت من بيتها بغير إذن زوجها ، وأجيب بأن اللعن هناك للجنس الداخل فيه الشخص أيضاً ، واعترض بأنه خلاف الظاهر كتأويل إن وراكبها بذلك والاحتياط لا يخفى والمراد من الناس إما المؤمنون لأنهم هم الذين يلعنون الكفرة ، أو المطلق لأن كل واحد يلعن من لم يتبع الحق ، وإن لم يكن غير متبع بناءاً على زعمه. أ هـ {روح المعانى حـ 3 صـ 217}\rسؤالان\rالسؤال الأول : لم عم جميع الناس ومن يوافقه لا يلعنه ؟.\rقلنا : فيه وجوه","part":15,"page":45},{"id":6179,"text":"الأول : قال أبو مسلم له أن يلعنه وإن كان لا يلعنه\rالثاني : أنه في الآخرة يلعن بعضهم بعضاً قال تعالى : {كُلَّمَا دَخَلَتْ أُمَّةٌ لَّعَنَتْ أُخْتَهَا} [ الأعراف : 38 ] وقال : {ثُمَّ يَوْمَ القيامة يَكْفُرُ بَعْضُكُمْ بِبَعْضٍ وَيَلْعَنُ بَعْضُكُمْ بَعْضاً} [ العنكبوت : 25 ] وعلى هذا التقدير فقد حصل اللعن للكفار من الكفار\rوالثالث : كأن الناس هم المؤمنون ، والكفار ليسوا من الناس ، ثم لما ذكر لعن الثلاث قال : {أَجْمَعِينَ}\rالرابع : وهو الأصح عندي أن جميع الخلق يلعنون المبطل والكافر ، ولكنه يعتقد في نفسه أنه ليس بمبطل ولا بكافر ، فإذا لعن الكافر وكان هو في علم الله كافراً ، فقد لعن نفسه وإن كان لا يعلم ذلك.\rالسؤال الثاني : قوله {خالدين فِيهَا} أي خالدين في اللعنة ، فما خلود اللعنة ؟.\rقلنا : فيه وجهان\rالأول : أن التخليد في اللعنة على معنى أنهم يوم القيامة لا يزال يلعنهم الملائكة والمؤمنون ومن معهم في النار فلا يخلو شيء من أحوالهم ، من أن يلعنهم لاعن من هؤلاء\rالثاني : أن المراد بخلود اللعن خلود أثر اللعن ، لأن اللعن يوجب العقاب ، فعبر عن خلود أثر اللعن بخلود اللعن ، ونظيره قوله تعالى : {مَّنْ أَعْرَضَ عَنْهُ فَإِنَّهُ يَحْمِلُ يَوْمَ القيامة وِزْراً * خالدين فِيهِ} [ طه : 100 ، 101 ]\rالثالث : قال ابن عباس قوله {خالدين فِيهَا} أي في جهنم فعلى هذا الكناية عن غير مذكور. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 8 صـ 113}","part":15,"page":46},{"id":6180,"text":"وقال الآلوسى : \r{خالدين فِيهَا} حال من الضمير في {عَلَيْهِمْ} [ آل عمران : 78 ] والعامل فيه الاستقرار ، والضمير المجرور للعنة أو للعقوبة أو للنار ، وإن لم يجر لها ذكر اكتفاءاً بدلالة اللعنة عليها {لاَ يُخَفَّفُ عَنْهُمُ العذاب وَلاَ هُمْ يُنظَرُونَ} أي لا يمهلون ولا يؤخر عنهم العذاب من وقت إلى وقت آخر ، أو لا ينظر إليهم ولا يعتد بهم ، والجملة إما مستأنفة أو في محل نصب على الحال. أ هـ {روح المعانى حـ 3 صـ 217}\rقال ابن عطية : \rوقرائن الآية تقتضي أن هذه اللعنة مخلدة لهم في جهنم : فالضمير عائد على النار ، وإن كان لم يجر لها ذكر ، لأن المعنى يفهمها في هذا الموضع كما يفهم قوله تعالى : {كل من عليها فان} [ الرحمن : 26 ] أنها الأرض ، وقد قال بعض الخراسانيين في قوله تعالى : {إنما أنت منذر من يخشاها} [ النازعات : 45 ] إن الضمير عائد على النار و{ينظرون} في هذه الآية ، بمعنى يؤخرون ، ولا راحة إلا في التخفيف أو التأخير فهما مرتفعان عنهم ، ولا يجوز أن يكون {ينظرون} هنا من نظر العين إلا على توجيه غير فصيح لا يليق بكتاب الله تعالى. أ هـ {المحرر الوجيز حـ 1 صـ 469}\rفصل\rقال ابن عادل : \rوفي قوله : {جَزَآؤُهُمْ} وجهان : \rأحدهما : أن يكون مبتدأ ثانياً ، و{أَنَّ عَلَيْهِمْ لَعْنَةَ الله} في محل رفع ؛ خبراً ل \" جَزَاؤُهُمْ \" والجملة خبر ل \" أولئك \".\rوالثاني : أن يكون \" جَزَاؤُهُمْ \" بدلاً من \" أولَئِكَ \" بدل اشتمال ، و{أَنَّ عَلَيْهِمْ لَعْنَةَ الله} خبر \" أولئك \".","part":15,"page":47},{"id":6181,"text":"وقال هنا : {جَزَآؤُهُمْ أَنَّ عَلَيْهِمْ لَعْنَةَ الله} وقال - هناك- : {أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ الله} [ البقرة : 161 ] دون \" جزاؤهم \" قيل : لأن هناك وقع الإخْبار عمن توفِّيَ على الكُفْر ، فمن ثَمَّ حتم الله عليه اللعنة ، بخلافه هنا ، فإن سبب النزول في قوم ارتدوا ثم رجعوا للإسلام ، ومعنى : \" جَزَاؤُهُمْ \" أي : جزاء كفرهم وارتدادهم ، وتقدم القول في قراءة الحسن \" النَّاس أجمعون \" وتخريجها.\rقوله : \" خالدين \" حال من المضير في \" عَلَيْهِمْ \" والعامل فيها الاستقرار ؛ أو الجارّ ؛ لقيامه مقام الفعلِ ، والضمير في \" فِيهَا \" للَّعنة. أ هـ {تفسير ابن عادل حـ 5 صـ 377}\rقوله تعالى : {لاَ يُخَفَّفُ عَنْهُمُ العذاب وَلاَ هُمْ يُنظَرُونَ}\rقال الفخر : \rمعنى الإنظار التأخير قال تعالى : {فَنَظِرَةٌ إلى مَيْسَرَةٍ} [ البقرة : 280 ] فالمعنى أنه لا يجعل عذابهم أخف ولا يؤخر العقاب من وقت إلى وقت وهذا تحقيق قول المتكلمين : إن العذاب الملحق بالكافر مضرة خالصة عن شوائب المنافع دائمة غير منقطعة ، نعوذ منه بالله. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 8 صـ 113}\rقوله تعالى : {إِلاَّ الذين تَابُواْ مِن بَعْدِ ذلك}\rقال الفخر : \rوالمعنى إلا الذين تابوا منه ، ثم بيّن أن التوبة وحدها لا تكفي حتى ينضاف إليها العمل الصالح فقال : {وَأَصْلَحُواْ} أي أصلحوا باطنهم مع الحق بالمراقبات وظاهرهم مع الخلق بالعبادات ، وذلك بأن يلعنوا بأنا كنا على الباطل حتى أنه لو اغتر بطريقتهم الفاسدة مغتر رجع عنها. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 8 صـ 113}\rوقال ابن عطية : \rوالإصلاح عام في القول والعمل. أ هـ {المحرر الوجيز حـ 1 صـ 469}","part":15,"page":48},{"id":6182,"text":"قوله تعالى : {فَإِنَّ الله غَفُورٌ رَّحِيمٌ}\rقال الفخر : \rفيه وجهان\rالأول : غفور لقبائحهم في الدنيا بالستر ، رحيم في الآخرة بالعفو\rالثاني : غفور بإزالة العقاب ، رحيم بإعطاء الثواب ، ونظيره قوله تعالى : {قُل لِلَّذِينَ كَفَرُواْ إِن يَنتَهُواْ يُغْفَرْ لَهُمْ مَّا قَدْ سَلَفَ} [ الأنفال : 38 ] ودخلت الفاء في قوله {فَإِنَّ الله غَفُورٌ رَّحِيمٌ} لأنه الجزاء ، وتقدير الكلام : إن تابوا فإن الله يغفر لهم. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 8 صـ 113 ـ 114}\rوقال ابن كثير : \r{إِلا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ} وهذا من لطفه وبره ورأفته ورحمته وعائدته على خلقه : أنه من تاب إليه تاب عليه. أ هـ {تفسير ابن كثير حـ 2 صـ 71}\rوقال الآلوسى : \r{إِلاَّ الذين تَابُواْ مِن بَعْدِ ذلك} أي الكفر الذي ارتكبوه بعد الإيمان {وَأَصْلَحُواْ} أي دخلوا في الصلاح بناءاً على أن الفعل لازم من قبيل أصبحوا أي دخلوا في الصباح ، ويجوز أن يكون متعدياً والمفعول محذوف أي أصلحوا ما أفسدوا ففيه إشارة كما قيل إلى أن مجرد الندم على ما مضى من الارتداد ، والعزم على تركه في الاستقبال غير كاف لما أخلوا به من الحقوق ، واعترض بأن مجرد التوبة يوجب تخفيف العذاب ونظر الحق إليهم ، فالظاهر أنه ليس تقييداً بل بيان لأن يصلح ما فسد. وأجيب بأنه ليس بوارد لأن مجرد الندم والعزم على ترك الكفر في المستقبل لا يخرجه منه فهو بيان للتوبة المعتد بها ، فالمآل واحد عند التحقيق. {فَإِنَّ الله غَفُورٌ رَّحِيمٌ} أي فيغفر كفرهم ويثيبهم ، وقيل : {غَفُورٌ} لهم في الدنيا بالستر على قبائحهم {رَّحِيمٌ} بهم في الآخرة بالعفو عنهم ولا يخفى بعده والجملة تعليل لما دل عليه الاستثناء. أ هـ {روح المعانى حـ 3 صـ 218}","part":15,"page":49},{"id":6183,"text":"من لطائف الإمام القشيرى فى الآيات الكريمة\rقوله جلّ ذكره : {كَيْفَ يَهْدِى اللهُ قَوْمًا كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ وَشَهِدُوا أَنَّ الرَّسُولَ حَقٌّ} الآية.\rمَنْ أبعده عن استحقاق الوصلة في سابق حكمه فمتى يقربه من بساط الخدمة بفعله في وقته ؟\rويقال : الذي أقصاه حكم ( الأول ) متى أدناه صدق العمل ؟ والله غالبٌ على أمره.\rأولئك قصارى حالهم ما سبق لهم من حكمه في ابتداء أمرهم ، ابتداؤهم ردُّ القسمة ، ووسائطهم الصدُّ عن الخدمة ، ونهايتهم المصير إلى الطرد والمذلة.\rخالدين في تلك المذلة لا يفتر عنهم العذاب لحظة ، ولا يخفف دونهم الفراق ساعة.\rأولئك هم الذين تداركتهم الرحمة ، ولم يكونوا في شق السبق من تلك الجملة ، وإن كانوا في توهم الخلق من تلك الزمرة. أ هـ {لطائف الإشارات حـ 1 صـ 257}","part":15,"page":50},{"id":6184,"text":"قوله تعالى {إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْرًا لَنْ تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الضَّالُّونَ (90)}\rمناسبة الآية لما قبلها\rقال البقاعى : \rولما رغب في التوبة رهب من التواني عنها فقال : {إن الذين كفروا} أي بالله وأوامره ، وأسقط الجار لما مضى من قوله {من بعد إيمانهم} بذلك.\rولما كان الكفر لفظاعته وقبحه وشناعته جديراً بالنفرة عنه والبعد منه نبه سبحانه وتعالى على ذلك باستبعاد إيقاعه ، فكيف بالتمادي عليه فكيف بالازدياد منه! وعبر عن ذلك بأداة التراخي فقال : {ثم ازدادوا كفراً} أي بأن تمادوا على ذلك ولم يبادروا بالتوبة {لن تقبل توبتهم} أي إن تابوا ، لأن الله سبحانه وتعالى يطبع على قلوبهم فلا يتوبون توبة نصوحاً يدومون عليها ويصلحون ما فسد ، أو لن توجد منهم توبة حتى يترتب عليها القبول لأنهم زادوا عن أهل القسم الأول بالتمادي ، ولم يأت بالفاء الدالة على أنه مسبب عما قبله إعلاماً بأن ذلك إنما هو لأنهم مطبوع على قلوبهم ، مهيؤون للكفر من أصل الجبلة ، فلا يتوبون أبداً توبة صحيحة ، فالعلة الحقيقية الطبع لا الذنب ، وهذا شامل لمن تاب عن شيء وقع منه كأبي عزة الجمحي ، ولمن لم يتب كحيي بن أخطب {وأولئك هم} أي خاصة {الضالون} أي الغريقون في الضلال وإليه أشار {ولو أسمعهم لتولوا} [ الأنفال : 23 ] لوقوعهم في أبعد شعابة وأضيق نقابه ، فأنى لهم بالرجوع منه والتقصي عنه !.أ هـ {نظم الدرر حـ 2 صـ 122 ـ 123}\rفصل فى سبب نزول الآية\rقال القرطبى : \rقال قتادة وعطاء الخراسانيّ والحسن : نزلت في اليهود كفروا بعيسى والإنجيل ، ثم ازدادوا كفراً بمحمد صلى الله عليه وسلم والقرآن.","part":15,"page":51},{"id":6185,"text":"وقال أبو العالية : نزلت في اليهود والنصارى كفروا بمحمد صلى الله عليه وسلم بعد إيمانهم بنعته وصفته ، {ثُمَّ ازدادوا كُفْراً} بإقامتهم على كفرهم.\rوقيل : {ازدادوا كُفْراً} بالذنوب التي اكتسبوها.\rوهذا اختيار الطبري ، وهي عنده في اليهود. أ هـ {تفسير القرطبى حـ 4 صـ 130}\rقال الطبرى : \rوأولى هذه الأقوال بالصواب في تأويل هذه الآية ، قولُ من قال : \"عنى بها اليهودَ\" وأن يكون تأويله : إن الذين كفروا من اليهود بمحمد صلى الله عليه وسلم عند مَبعثه ، بعد إيمانهم به قبل مبعثه ، ثم ازدادوا كفرًا بما أصَابوا من الذنوب في كفرهم ومُقامهم على ضلالتهم ، لن تقبل توبتهم من ذنوبهم التي أصابوها في كفرهم ، حتى يتوبوا من كفرهم بمحمد صلى الله عليه وسلم ، ويراجعوا التوبة منه بتصديقه بما جاء به من عند الله.\rوإنما قلنا : \"ذلك أولى الأقوال في هذه الآية بالصواب\" ، لأن الآيات قبلها وبعدها فيهم نزلت ، فأولى أن تكون هي في معنى ما قبلها وبعدها ، إذ كانت في سياق واحد. أ هـ {تفسير الطبرى حـ 6 صـ 581 ـ 582}\rوقال ابن عطية : \rاختلف المتأولون في كيف يترتب كفر بعد إيمان ، ثم زيادة كفر ، فقال الحسن وقتادة وغيرهما : الآية في اليهود كفروا بعيسى بعد الإيمان بموسى ثم {ازدادوا كفراً} بمحمد صلى الله عليه وسلم.\rقال الإمام أبو محمد : وفي هذا القول اضطراب ، لأن الذي كفر بعيسى بعد الإيمان بموسى ليس بالذي كفر بمحمد صلى الله عليه وسلم ، فالآية على هذا التأويل تخلط الأسلاف بالمخاطبين ، وقال أبو العالية رفيع : الآية في اليهود ، كفروا بمحمد صلى الله عليه وسلم بعد إيمانهم بصفاته وإقرارهم أنها في التوراة. ثم ازدادوا كفراً بالذنوب التي أصابوها في خلاف النبي صلى الله عليه وسلم ، من الافتراء والبهت والسعي على الإسلام وغير ذلك.","part":15,"page":52},{"id":6186,"text":"قال الإمام أبو محمد : وعلى هذا الترتيب يدخل في الآية المرتدون اللاحقون بقريش وغيرهم ، وقال مجاهد : معنى قوله {ثم ازدادوا كفراً} أي تموا على كفرهم وبلغوا الموت به ، فيدخل في هذا القول اليهود والمرتدون ، وقال السدي نحوه. أ هـ {المحرر الوجيز حـ 1 صـ 469 ـ 470}\rفصل\rقال الفخر : \rاختلفوا فيما به يزداد الكفر ، والضابط أن المرتد يكون فاعلاً للزيادة بأن يقيم ويصر فيكون الإصرار كالزيادة ، وقد يكون فاعلاً للزيادة بأن يضم إلى ذلك الكفر كفراً آخر ، وعلى هذا التقدير الثاني ذكروا فيه وجوهاً\rالأول : أن أهل الكتاب كانوا مؤمنين بمحمد عليه الصلاة والسلام قبل مبعثه ، ثم كفروا به عند المبعث ، ثم ازدادوا كفراً بسبب طعنهم فيه في كل وقت ، ونقضهم ميثاقه ، وفتنتهم للمؤمنين ، وإنكارهم لكل معجزة تظهر\rالثاني : أن اليهود كانوا مؤمنين بموسى عليه السلام ، ثم كفروا بسبب إنكارهم عيسى والإنجيل ، ثم ازدادوا كفراً ، بسبب إنكارهم محمداً عليه الصلاة والسلام والقرآن\rوالثالث : أن الآية نزلت في الذين ارتدوا وذهبوا إلى مكة ، وازديادهم الكفر أنهم قالوا : نقيم بمكة نتربص بمحمد صلى الله عليه وسلم ريب المنون\rالرابع : المراد فرقة ارتدوا ، ثم عزموا على الرجوع إلى الإسلام على سبيل النفاق ، فسمى الله تعالى ذلك النفاق كفراً. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 8 صـ 114}\rفصل\rقال الفخر : \rإنه تعالى حكم في الآية الأولى بقبول توبة المرتدين ، وحكم في هذه الآية بعدم قبولها وهو يوهم التناقض ، وأيضاً ثبت بالدليل أنه متى وجدت التوبة بشروطها فإنها تكون مقبولة لا محالة ، فلهذا اختلف المفسرون في تفسير قوله تعالى : {لَّن تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ} على وجوه ؛ ","part":15,"page":53},{"id":6187,"text":"الأول : قال الحسن وقتادة وعطاء : السبب أنهم لا يتوبون إلا عند حضور الموت والله تعالى يقول : {وَلَيْسَتِ التوبة لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السيئات حتى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الموت قَالَ إِنّى تُبْتُ الآن} [ النساء : 18 ]\rالثاني : أن يحمل هذا على ما إذا تابوا باللسان ولم يحصل في قلوبهم إخلاص\rالثالث : قال القاضي والقفال وابن الأنباري : أنه تعالى لما قدم ذكر من كفر بعد الإيمان ، وبيّن أنه أهل اللعنة ، إلا أن يتوب ذكر في هذه الآية أنه لو كفر مرة أخرى بعد تلك التوبة فإن التوبة الأولى تصير غير مقبولة وتصير كأنها لم تكن ، قال وهذا الوجه أليق بالآية من سائر الوجوه لأن التقدير : إلا الذين تابوا وأصلحوا فإن الله غفور رحيم ، فإن كانوا كذلك ثم ازدادوا كفراً لن تقبل توبتهم ، \rالرابع : قال صاحب \"الكشاف\" : قوله {لَّن تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ} جعل كناية عن الموت على الكفر ، لأن الذي لا تقبل توبته من الكفار هو الذي يموت على الكفر ، كأنه قيل إن اليهود والمرتدين الذين فعلوا ما فعلوا مائتون على الكفر داخلون في جملة من لا تقبل توبتهم الخامس : لعلّ المراد ما إذا تابوا عن تلك الزيادة فقط فإن التوبة عن تلك الزيادة لا تصير مقبولة ما لم تحصل التوبة عن الأصل ، وأقول : جملة هذه الجوابات إنما تتمشى على ما إذا حملنا قوله {إِنَّ الذين كَفَرُواْ بَعْدَ إيمانهم ثُمَّ ازدادوا كُفْرًا} على المعهود السابق لا على الاستغراق وإلا فكم من مرتد تاب عن ارتداده توبة صحيحة مقرونة بالإخلاص في زمان التكليف ، فأما الجواب الذي حكيناه عن القفال والقاضي فهو جواب مطرد سواء حملنا اللفظ على المعهود السابق أو على الاستغراق. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 8 صـ 114 ـ 115}","part":15,"page":54},{"id":6188,"text":"فائدة\rقال الزمخشرى :\rفإن قلت : فحين كان المعنى {لَّن تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ} بمعنى الموت على الكفر ، فهلا جعل الموت على الكفر مسبباً عن ارتدادهم وازديادهم الكفر لما في ذلك من قساوة القلوب وركوب الرين وجرّه إلى الموت على الكفر ؟\rقلت : لأنه كم من مرتد مزداد للكفر يرجع إلى الإسلام ولا يموت على الكفر.\rفإن قلت : فأي فائدة في هذه الكناية ، أعني أن كنى عن الموت على الكفر بامتناع ، قبول التوبة ؟\rقلت : الفائدة فيها جليلة ، وهي التغليظ في شأن أولئك الفريق من الكفار ، وإبراز حالهم في صورة حالة الآيسين من الرحمة التي هي أغلظ الأحوال وأشدّها ، ألا ترى أنّ الموت على الكفر إنما يخاف من أجل اليأس من الرحمة. أ هـ {الكشاف حـ 1 صـ 409 ـ 410}\rفصل\rقال ابن عادل :\rقوله : \" كفراً \" تمييز منقول من الفاعلية ، والأصل : ثم ازداد كفرُهم ، والدال الأولى بدل من تاء الافتعال ؛ لوقوعها بعد الزاي ، كذا أعربه أبو حيان ، وفيه نظر ؛ إذ المعنى على أنه مفعول به ، وهي أن الفعل المتعدي لاثنين إذا جُعِل مطاوعاص نقص مفعولاً ، وهذا من ذاك ؛ لأن الأصل : زدت زيداً خيراً فازداده ، وكذلك أصل الآيةِ الكريمةِ : زادهم الله كُفراً فازدادوه ، فلم يؤت هنا بالفاء داخلةً على \" لَنْ \" وأتي بها في \" لَنْ \" الثانية ، لأن الفاءَ مُؤذِنَةً بالاستحقاق بالوصف السابق - لأنه قد صَرَّحَ بقَيْد مَوْتِهِم على الكُفْر ، بخلاف \" لَنِ \" الأولى ، فإنه لم يُصَرِّحْ ممعها به فلذلك لم يُؤتَ بالفاء. أ هـ {تفسير ابن عادل حـ 5 صـ 378 ـ 379}\rفصل\rقال القرطبى :\r{لَّن تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ} مشكل لقوله : {وَهُوَ الذي يَقْبَلُ التوبة عَنْ عِبَادِهِ وَيَعْفُواْ عَنِ السيئات} [ الشورى : 25 ] فقيل : المعنى لن تقبل توبتهم عند الموت.","part":15,"page":55},{"id":6189,"text":"قال النحاس : وهذا قول حسن ؛ كما قال عز وجل : {وَلَيْسَتِ التوبة لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السيئات حتى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الموت قَالَ إِنِّي تُبْتُ الآن} [ النساء : 18 ].\rورُوي عن الحسن وقتادة وعطاء.\rوقد قال صلى الله عليه وسلم : \" إن الله يقبل توبة العبد ما لم يُغَرْغر \" وسيأتي في \"النساء\" بيان هذا المعنى.\rوقيل : {لَنْ تُقْبَلَ تَوْبَتُهُم} التي كانوا عليها قبل أن يكفروا ؛ لأن الكفر قد أحبطها.\rوقيل : {لن تقبل توبتهم} إذا تابوا من كفرهم إلى كفر آخر ؛ وإنما تقبل توبتهم إذا تابوا إلى الإسلام.\rوقال قطرب.\rهذه الآية نزلت في قوم من أهل مكة قالوا : نتربص بمحمد ريب المنون ، فإن بدا لنا الرّجعة رجعنا إلى قومنا.\rفأنزل الله تعالى : {إِنَّ الذين كَفَرُواْ بَعْدَ إِيمَانِهِمْ ثُمَّ ازدادوا كُفْراً لَّن تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ} أي لن تقبل توبتهم وهم مقيمون على الكفر ؛ فسماها توبة غير مقبولة ؛ لأنه لم يصح من القوم عزم ، والله عز وجل يقبل التوبة كلها إذا صحّ العزم. أ هـ {تفسير القرطبى حـ 4 صـ 130 ـ 131}\rوقال ابن عطية : \rوتحتمل الآية عندي أن تكون إشارة إلى قوم بأعيانهم من المرتدين ختم الله عليهم بالكفر ، وجعل ذلك جزاء لجريمتهم ونكايتهم في الدين ، وهم الذي أشار إليهم بقوله {كيف يهدي الله قوماً} [ آل عمران : 86 ] فأخبر عنهم أنهم لا تكون لهم توبة فيتصور قبولها ، فتجيء الآية بمنزلة قول الشاعر : ","part":15,"page":56},{"id":6190,"text":"( على لاحب لا يهتدى بمناره )... أي قد جعلهم الله من سخطه في حيز من لا تقبل له توبة إذ ليست لهم ، فهم لا محالة يموتون على الكفر ، ولذلك بيّن حكم الذين يموتون كفاراً بعقب الآية ، فبانت منزلة هؤلاء ، فكأنه أخبر عن هؤلاء المعينين ، أنهم يموتون كفاراً ، ثم أخبر الناس عن حكم من يموت كافراً. أ هـ {المحرر الوجيز حـ 1 صـ 470}\rوقال الآلوسى : \r{لَّن تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ} قال الحسن وقتادة والجبائي : لأنهم لا يتوبون إلا عند حضور الموت والمعاينة وعند ذلك لا تقبل توبة الكافر ، وعن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما لأنها لم تكن عن قلب ، وإنما كانت نفاقاً ، وقيل : إن هذا من قبيل : \rولا ترى الضب بها ينجحر... أي لا توبة لهم حتى تقبل لأنهم لم يوفقوا لها فهو من قبيل الكناية كما قال العلامة دون المجاز حيث أريد بالكلام معناه لينتقل منه إلى الملزوم ، وعلى كل تقدير لا ينافي هذا ما دل عليه الاستثناء وتقرر في الشرع كما لا يخفى ، وقيل : إن هذه التوبة لم تكن عن الكفر وإنما هي عن ذنوب كانوا يفعلونها معه فتابوا عنها مع إصرارهم على الكفر فردت عليهم لذلك ، ويؤيده ما أخرجه ابن جرير عن أبي العالية قال : هؤلاء اليهود والنصارى كفروا بعد إيمانهم ثم ازدادوا كفراً بذنوب أذنبوها ثم ذهبوا يتوبون من تلك الذنوب في كفرهم فلم تقبل توبتهم ولو كانوا على الهدى قبلت ولكنهم على ضلالة ، وتجيء على هذا مسألة تكليف الكافر بالفروع وقد بسط الكلام عليها في الأصول. أ هـ {روح المعانى حـ 3 صـ 218}\rوقال ابن عاشور : \rوتأويل {لن تقبل توبتهم} إما أنه كناية عن أنهم لا يتوبون فتقبَل توبتهم كقوله تعالى : {ولا يقبل منها شفاعة} [ البقرة : 48 ] أي لا شفاعة لها فتقبل وهذا كقول امرىء القيس ..\rعلى لاَحب لا يُهتدَى بمناره","part":15,"page":57},{"id":6191,"text":"أي لا منار له ، إذ قد علم من الأدلة أنّ التوبة مقبولة ودليله الحصر المقصود به المبالغة في قوله : {وأولئك هم الضالون}.\rوإمَّا أنّ الله نهى نبيه عن الاغترَار بما يظهرونه من الإسلام نفاقاً ، فالمراد بعدم القبول عدم تصديقهم في إيمانهم ، وإما الإخبار بأنّ الكفر قد رسخ في قلوبهم فصار لهم سجية لا يحولون عنها ، فإذا أظهروا التوبة فهم كاذبون ، فيكون عدم القبول بمعنى عدم الاطمئنان لهم ، وأسرارُهم موكولة إلى الله تعالى.\rوقد أسلم بعض اليهود قبل نزول الآية : مثل عبد الله بن سلام ، فلا إشكال فيه ، وأسلم بعضهم بعد نزول الآية.\rوقيل المراد الذين ارتدّوا من المسلمين وماتوا على الكفر ، فالمراد بالازدياد الاستمرار وعدم الإقلاع. أ هـ {التحرير والتنوير حـ 3 صـ 149}\rوقال الطبرى : \r","part":15,"page":58},{"id":6192,"text":"وإنما قلنا : \"معنى ازديادهم الكفر : ما أصابوا في كفرهم من المعاصي\" ، لأنه جل ثناؤه قال : \"لن تقبل توبتهم\" ، فكان معلومًا أن معنى قوله : \"لن تقبل توبتهم\" ، إنما هو معنيٌّ به : لن تقبل توبتهم مما ازدادوا من الكفر على كفرهم بعد إيمانهم ، لا من كفرهم. لأن الله تعالى ذكره وعد أن يقبل التوبة من عباده فقال : ( وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ ) [سورة الشورى : 25] ، فمحالٌ أنْ يقول عز وجل : \"أقبل\" و\"لا أقبل\" في شيء واحد. وإذْ كان ذلك كذلك وكان من حُكم الله في عباده أنه قابلٌ توبةَ كل تائب من كل ذنب ، وكان الكفر بعد الإيمان أحدَ تلك الذنوب التي وعد قَبول التوبة منها بقوله : \"إلا الذين تابوا من بعد ذلك وأصلحوا فإن الله غفور رحيم\" علم أنّ المعنى الذي لا يقبل التوبةَ منه ، غيرُ المعنى الذي يَقبل التوبة منه. وإذْ كان ذلك كذلك ، فالذي لا يَقبل منه التوبة ، هو الازدياد على الكفر بعد الكفر ، لا يقبل الله توبة صاحبه ما أقام على كفره ، لأن الله لا يقبل من مشرك عملا ما أقام على شركه وضلاله. فأما إن تاب من شركه وكفره وأصلح ، فإنّ الله - كما وصف به نفسه - غفورٌ رحيمٌ.\rفإن قال قائل : وما تُنكر أن يكون معنى ذلك كما قال من قال : \"فلن تقبل توبته من كفره عند حضور أجله وتوبته الأولى\" ؟\r","part":15,"page":59},{"id":6193,"text":"قيل : أنكرنا ذلك ، لأن التوبة من العبد غير كائنة إلا في حال حياته ، فأما بعد مماته فلا توبة ، وقد وعد الله عز وجل عبادَه قَبول التوبة منهم ما دامت أرواحُهم في أجسادهم. ولا خلاف بين جميع الحجة في أنّ كافرًا لو أسلم قبل خُرُوج نفسه بطرْفة عين ، أنّ حكمه حكم المسلمين في الصلاة عليه ، والموارثة ، وسائر الأحكام غيرهما. فكان معلومًا بذلك أنّ توبته في تلك الحال لو كانت غير مقبولة ، لم ينتقل حكمه من حكم الكفار إلى حكم أهل الإسلام ، ولا منزلةَ بين الموت والحياة ، يجوزُ أن يقال : \"لا يقبل الله فيها توبةَ الكافر\". فإذْ صحّ أنها في حال حياته مقبولة ، ولا سبيلَ بعد الممات إليها ، بطل قولُ الذي زعم أنها غير مقبولة عند حُضُور الأجل.\rوأما قول من زعم أنّ معنى ذلك : \"التوبة التي كانت قبل الكفر\" ، فقولٌ لا معنى له. لأن الله عز وجل لم يصف القوم بإيمان كان منهم بعد كفر ، ثم كُفْر بعد إيمان بل إنما وصفهم بكفر بعد إيمان. فلم يتقدم ذلك الإيمانَ كفرٌ كان للإيمان لهم توبة منه ، فيكون تأويل ذلك على ما تأوّله قائل ذلك. وتأويل القرآن على ما كان موجودًا في ظاهر التلاوة إذا لم تكن حجة تدل على باطن خاص - أولى من غيره ، وإن أمكن توجيهه إلى غيره. أ هـ {تفسير الطبرى حـ 6 صـ 582 ـ 583}\rقوله تعالى {وَأُوْلَئِكَ هُمُ الضالون}\rسؤالان\rالأول : {وَأُوْلَئِكَ هُمُ الضالون} ينفي كون غيرهم ضالاً ، وليس الأمر كذلك فإن كل كافر فهو ضال سواء كفر بعد الإيمان أو كان كافراً في الأصل والجواب : هذا محمول على أنهم هم الضالون على سبيل الكمال.","part":15,"page":60},{"id":6194,"text":"السؤال الثاني : وصفهم أولاً بالتمادي على الكفر والغلو فيه والكفر أقبح أنواع الضلال والوصف إنما يراد للمبالغة ، والمبالغة إنما تحصل بوصف الشيء بما هو أقوى حالاً منه لا بما هو أضعف حالاً منه والجواب : قد ذكرنا أن المراد أنهم هم الضالون على سبيل الكمال ، وعلى هذا التقدير تحصل المبالغة. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 8 صـ 115}\rفصل\rقال ابن عادل : \rقوله : \" وأولئك هم الضالون \" في هذه الجملة ثلاثة أوجه : \rأحدها : أن تكون في محل رفع ؛ عَطْفاً على خبر \" إنَّ \" ، أي : إن الذين كفروا لن تُقْبَلَ توبتُهم ، وإنهم أولئك هم الضَّالُّون.\rالثاني : أن تُجعل معطوفةً على الجملة المؤكَّدة بـ \" إنَّ \" ، وحينئذ فلا محل لها من الإعراب ، لعَطْفِها على ما لا محل له.\rالثالث : هو إعرابها بأن تكون الواو للحال ، فالجملة بعدها في محل نصب على الحال ، والمعنى : لن تقبل توبتهم من الذنوب ، والحال أنهم ضالُّون ، فالتوبة والضلال متنافيان ، لا يجتمعان ، قاله الراغب.\rوهو بعيد في التركيب ، وإن كان قريب المعنى.\rقال أبو حيان : \" وينبو عن هذا المعنى هذا التركيب إذْ لو أريد هذا المعنى لم يُؤتَ باسم الإشارة \". أ هـ {تفسير ابن عادل حـ 5 صـ 380 ـ 381}","part":15,"page":61},{"id":6195,"text":"فصل\rقال الشيخ الشنقيطى : \rقوله تعالى : {إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْراً لَنْ تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الضَّالُّونَ} هذه الآية الكريمة تدل على أن المرتدين بعد إيمانهم المزدادين كفرا لا يقبل الله توبتهم إذا تابوا ؛ لأنه عبّر بـ (لن) الدالة على نفي الفعل في المستقبل, مع أنه جاءت آيات أخر دالة على أن الله يقبل توبة كل تائب قبل حضور الموت, وقبل طلوع الشمس من مغربها, كقوله تعالى : {قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ}, وقوله : {وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوبَةَ عَنْ عِبَادِهِ}, وقوله : {يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ لا يَنْفَعُ نَفْساً إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ}, فإنه يدل بمفهومه على أن التوبة قبل إتيان بعض الآيات مقبولة من كل تائب, وصرّح تعالى بدخول المرتدين في قبول التوبة قبل هذه الآية مباشرة في قوله تعالى : {كيف يهدي الله قوماً كفروا بعد إيمانهم وشهدوا أن الرسول حقٌّ ..} إلى قوله : {إلا الذين تابوا من بعد ذلك وأصلحوا فإن الله غفور رحيم} فالاستثناء في قوله : {إلا الذين تابوا} راجع إلى المرتدين بعد الإيمان المستحقين للعذاب واللعنة إن لم يتوبوا, ويدل له قوله تعالى : {ومن يرتدد منكم عن دينه فيمت وهو كافر} الآية ؛ لأنّ مفهومه أنه إذا تاب قبل الموت قبلت توبته مطلقا.\rوالجواب من أربعة أوجه : ","part":15,"page":62},{"id":6196,"text":"الأول : وهو اختيار ابن جرير ونقله عن رفيع بن العالية أن المعنى : إنّ الذين كفروا من اليهود بمحمد صلى الله عليه وسلم بعد إيمانهم به قبل مبعثه ثم ازداوا كفرا بما أصابوا من الذنوب في كفرهم لن تقبل توبتهم من الذنوب التي أصابوها في كفرهم, ويدل على هذا الوجه قوله تعالى : {وأولئك هم الضالون} ؛ لأنه يدل على أن توبتهم مع بقائهم على ارتكاب الضلال وعدم قبولها حينئذ ظاهر .\rالثاني : وهو أقربها عندي أن قوله تعالى : {لن تقبل توبتهم} يعني إذا تابوا عند حضور الموت, ويدل لهذا الوجه أمران : \rالأول : أنّه تعالى بيّن في مواضع أخرى أنّ الكافر الذي لا تقبل توبته هو الذي يصر على الكفر حتى يحضره الموت في ذلك الوقت كقوله تعالى : {وليست التوبة للذين يعملون السيئات حتى إذا حضر أحدهم الموت قال : إني تبت الآن, ولا الذين يموتون وهم كفار}, فجعل التائب عند حضور الموت والميت على كفره سواء, وقوله تعالى : {فلم يك ينفعهم إيمانهم لما رأوا بأسنا} الآية, وقوله في فرعون : {الآن وقد عصَيْتَ قبلُ وكنت من المفسدين}. فالإطلاق الذي في هذه الآية يقيّد بقيد تأخير التوبة إلى حضور الموت لوجوب حمل المطلق على المقيد كما تقرر في الأصول.\rالثاني : أنه تعالى أشار إلى ذلك بقوله : {ثم ازدادوا كفرا} فإنه يدل على عدم توبتهم في وقت نفعها, ونقل ابن جرير هذا الوجه الثاني - الذي هو التقيد بحضور الموت - عن الحسن وقتادة وعطاء الخراساني والسدي.\rالثالث : أن المعنى {لن تقبل توبتهم} أي إيمانهم الأول لبطلانه بالردة بعد, وهذا القول خرجه ابن جرير عن ابن جريج, ولا يخفى ضعف هذا القول وبعده عن ظاهر القرآن.","part":15,"page":63},{"id":6197,"text":"الرابع : أن المراد بقوله : {لن تقبل توبتهم} أنهم لم يوفقوا للتوبة النصوح حتى تقبل منهم, ويدل لهذا الوجه قوله تعالى : {إنّ الذين آمنوا ثم كفروا ثم ازدادوا كفرا لم يكُنِ اللهُ ليغفر لهم ولا ليهدِيَهُم سبيلا}, فإنّ قوله تعالى : {ولا ليهديهم سبيلا} يدل على {إنّ الذين كفروا وظلموا لم يكن الله ليغفر لهم ولا ليهديهم طريقا إلا طريق جهنم}, وكقوله : {إن الذين حقّت عليهم كلمة ربك لا يؤمنون} الآية, ونظير الآية على هذا القول قوله تعالى : {فما تنفعهم شفاعة الشافعين} أي لا شفاعة لهم أصلا حتى تنفعهم, وقوله تعالى : {ومن يدع مع الله إلها آخر لا برهان له به} الآية ؛ لأن الإله الآخر لا يمكن وجوده أصلا حتى يقوم عليه برهان أو لا يوم عليه.\rقال مقيده - عفا الله عنه - : مثل هذا الوجه الأخير هو المعروف عند النظار بقولهم : \"السالبة لا تقتضي وجود الموضوع\" وإيضاحه أن القضية السالبة عندهم صادقة في صورتين ؛ لأن المقصود منها عدم اتصاف الموضوع بالمحمول, وعدم اتصافه به يتحقق في صورتين : ا الأولى : أن يكون الموضوع موجودا إلا أن المحمول منتف عنه, كقولك : \"ليس الإنسان بحجر\" فالإنسان موجود والحجرية منتفية عنه.\rوالثانية : أن يكون الموضوع من أصله معدوما ؛ لأنه إذا عدم تحقق عدم اتصافه بالمحمول الوجودي - لأن العدم لا يتصف بالوجود كقولك لا نظير لله يستحق العبادة - فإن الموضوع الذي هو نظير لله مستحيل من أصله, وإذا تحقق عدمه تحقق انتفاء اتصافه باستحقاق العبادة ضرورة. وهذا النوع من أساليب اللغة العربية, ومن شواهده قول امرؤ القيس : \rعلى لا حب لا يهتدي بمناره\rإذا سافه العود النباطي جرجرا\rلأن المعنى : على لا حب لا منار له أصلا حتى يهتدى به, وقول الآخر : \rلا تفزع الأرنب أهوالها\rو لا ترى الضب بها ينجحر","part":15,"page":64},{"id":6198,"text":"لأنه يصف فلاة بأنها ليس فيها أرانب ولا ضباب حتى تفزع أهوالها أو ينجحر فيها الضب أي يدخل الجحر أو يتخذه. وقد أوضحت مسألة (أن السالبة لا تقتضي وجود الموضوع) في أرجوزتي في المنطق, في مبحث (انحراف السور), وأوضحت فيها أيضا في مبحث (التحصيل والعدول) أن من الموجبات ما لا يقتضي وجود الموضوع نحو : (بحر من زئبق) ممكن والمستحيل معدوم ؛ فإنها موجبتان, وموضوع كل منهما معدوم. وحررنا هناك التفصيل فيما يقتضي وجود الموضوع وما لا يقتضيه.\rوهذا الذي قررنا من أن المرتد إذا تاب قبلت توبته ولو بعد تكرر الردة ثلاث مرات أو أكثر, لا منافاة بينه وبين ما قاله جماعة من العلماء من الأربعة وغيرهم, وهو مروي عن علي وبن عباس رضي الله عنهما من أن المرتد إذا تكرر منه ذلك يقتل ولا تقبل توبته, واستدل بعضهم على ذلك بهذه الآية ؛ لأن هذا الخلاف في تحقيق المناط لا في نفس المناط, والمتناظران قد يختلفان في تحقيق المناط مع اتفاقهما على أصل المناط, وإيضاحه أن المناط مكان النوط وهو التعليق, ومنه قول حسان رضي الله عنه : \rوأنت زتيم نيط في آل هاشم\rكما نيط خلف الراكب القدح الفرد\r","part":15,"page":65},{"id":6199,"text":"و المراد به : مكان تعليق الحكم وهو العلة, فالمناط والعلة مترادفان اصطلاحا, إلا أنه غلب التعبير بلفظ المناط في المسلك الخامس من مسالك العلة الذي هو المناسبة والإخالة ؛ فإنه يسمى تخريج المناط, وكذلك في المسك التاسع الذي هو تنقيح المناط, فتخريج المناط : هو استخراج العلة بمسلك المناسبة والاخالة, وتنقيح المناط : هو تصفية العلة وتهذيبها حتى لا يخرج شيء غير صالح لها, ولا يدخل شيء غير صالح لها كما هو معلوم في محله, وأما تحقيق المناط - وهو الغرض هنا - فهو : أن يكون مناط الحكم متفق عليه بين الخصمين, إلا أن أحدهما يقول : هو موجود في هذا الفرع, والثاني : يقول : لا, ومثاله : الاختلاف في قطع النباش ؛ فإن أبا حنيفة رحمه الله تعالى يوافق الجمهور على أن السرقة مناط القطع, ولكنه يقول : لم يتحقق المناط في النباش ؛ لأنه غير سارق, بل هو آخذ مال عارض للضياع كالملتقط من غير حرز.","part":15,"page":66},{"id":6200,"text":"فإذا حققت ذلك, فاعلم أن مراد القائلين : لا تقبل توبته أن أفعاله دالة على خبث نيته وفساد عقيدته, وأنه ليس تائبا في الباطن توبة نصوح, فهم موافقون على أن التوبة النصوح مناط القبول كما ذكرنا, ولكن يقولون : أفعال هذا الخبيث دلّت على عدم تحقيق المناط فيه, ومن هنا اختلفت العلماء في توبة الزنديق المستتر بالكفر, فمن قائل : لا تقبل توبته, ومن قائل : تقبل, ومن مفرق بين إتيانه تائبا قبل الإطلاع عليه وبين الإطلاع على نفاقه قبل التوبة, كما هو معروف في فروع المذاهب الأربعة ؛ لأن الذين يقولون : يقتل ولا تقبل توبته يرون أن نفاقه الباطن دليل على أن توبته تقية لا حقيقة, واستدلوا بقوله تعالى : {إلا الذين تابوا وأصلحوا}, فقالوا : الإصلاح شرط والزنديق لا يُطَّلَعُ على إصلاحه ؛ لأن الفساد أتى مما أسرَّهُ, فإذا اطلع عليه وأظهر الإقلاع لم يزل في الباطن على ما كان عليه.\rوالذي يظهر أن أدلة القائلين بقبول توبته مطلقا أظهر وأقوى كقوله صلى الله عليه وسلم لأسامة رضي الله عنه : \"هلاّ شققت على قلبه\", وقوله للذي ساره في قتل رجل قال : \"أليس يصلي ؟\" قال : \"بلى\", قال : \"أولئك الذين نهيت عن قتلهم\", وقوله - لخالد لما استأذنه في قتل الذي أنكر القسمة - : \"إني لم أؤمر أن أنقِّبَ عن قلوب الناس\", وهذه الأحاديث في الصحيح, ويدل لذلك أيضا : إجماعهم على أن أحكام الدنيا على الظاهر والله يتولى السرائر, وقد نصّ تعالى على أن الأَيْمان الكاذبة جُنّةٌ للمنافقين في الأحكام الدنيوية بقوله : {اتخذوا أيمانهم جنة}, وقوله : {سيحلفون بالله لكم إذا انقلبتم إليهم لتُعرضوا عنهم فأعرضوا عنهم فإنهم رجس}, وقوله : {ويحلفون بالله إنهم لمنكم وما هم منكم} الآية, إلى غير ذلك من الآيات.","part":15,"page":67},{"id":6201,"text":"وما استدل به بعضهم من قتل ابن مسعود لابن النواحة صاحب مسيلمة, فيجاب عنه : بأنه قتله لقول النبي صلى الله عليه وسلم - حين جاءه رسولا لمسيلمة - : \"لولا أن الرسل لا تقتل لقتلتك\", فقتله ابن مسعود تحقيقا لقوله صلى الله عليه وسلم, فقد روي أنه قتله لذلك, فإن قيل : إن هذه الآية الدالة على عدم قبول توبتهم أخص من غيرها ؛ لأن فيها القيد بالردة وازدياد الكفر, فالذي تكررت منه الردة أخص من مطلق المرتد, والدليل على الأعم ليس دليلا على الأخص ؛ لأن وجود الأعم لا يلزم وجود الأخص, فالجواب : أن القرآن دل على توبة من تكرر منه الكفر إذا أخلص في الإنابة إلى الله ، ووجه الدلالة على ذلك قوله تعالى : {إن الذين آمنوا ثم كفروا ثم ازدادوا كفرا لم يكن الله ليغفر لهم ولا ليهديهم سبيلا}, ثم بيّن أن المنافقين داخلون فيهم بقوله تعالى : {بشِّر المنافقين بأنّ لهم عذابا أليما} الآية, ودلالة الاقتران وإن ضعفها بعض الأصوليين فقد صححتها جماعة من المحققين, ولا سيما إذا اعتضدت بدلالة القرينة عليها كما هنا ؛ لأن قوله تعالى : {لم يكنِ الله ليغفرَ لهم ولا ليهديَهم سبيلا, بشّر المنافقين بأن لهم عذابا أليما} فيه الدلالة الواضحة على دخولهم في المراد بالآية, بل كونها في خصوصهم قال به جماعة من العلماء.","part":15,"page":68},{"id":6202,"text":"فإذا حققت ذلك فاعلم أن الله تعالى نصّ على أن من أخلص التوبة من المنافقين تاب الله عليه بقوله : {إنّ المنافقين في الدرك الأسفل من النار ولن تجد لهم نصيرا, إلا الذين تابوا وأصلحوا واعتصموا بالله وأخلصوا دينهم لله فأولئك مع المؤمنين وسوف يؤتي الله المؤمنين أجرا عظيما, ما يفعل الله بعذابكم إن شكرتم وآمنتم, وكان الله شاكراً عليما}, وقد كان مخشي بن حمير رضي الله عنه من المنافقين الذين أنزل الله فيهم قوله تعالى : {ولئن سألتهم ليقولن إنما كنا نخوض ونلعب قل أبالله وآياته ورسوله كنتم تستهزئون لا تعتذروا قد كفرتم بعد إيمانكم} فتاب إلى الله بإخلاص ، فتاب الله عليه ، وأنزل الله فيه : {إن نعف عن طائفة منكم نعذب طائفة} الآية ، فتحصّل أن القائلين بعدم قبول توبة من تكررت منه الردة يعنون الأحكام الدنيوية ولا يخالفون في أنه أخلص التوبة إلى الله قبلها منه ؛ لأن اختلافهم في تحقيق المناط كما تقدم ، والعلم عند الله تعالى. أ هـ {دفع إيهام الاضطراب صـ 57 ـ 66}","part":15,"page":69},{"id":6203,"text":"قوله تعالى {إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَمَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْ أَحَدِهِمْ مِلْءُ الْأَرْضِ ذَهَبًا وَلَوِ افْتَدَى بِهِ أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ (91)}\rمناسبة الآية لما قبلها\rقال البقاعى : \rولما رغب في التوبة رهب من التواني عنها فقال : {إن الذين كفروا} أي بالله وأوامره ، وأسقط الجار لما مضى من قوله {من بعد إيمانهم} بذلك.\rولما كان الكفر لفظاعته وقبحه وشناعته جديراً بالنفرة عنه والبعد منه نبه سبحانه وتعالى على ذلك باستبعاد إيقاعه ، فكيف بالتمادي عليه فكيف بالازدياد منه! وعبر عن ذلك بأداة التراخي فقال : {ثم ازدادوا كفراً} أي بأن تمادوا على ذلك ولم يبادروا بالتوبة {لن تقبل توبتهم} أي إن تابوا ، لأن الله سبحانه وتعالى يطبع على قلوبهم فلا يتوبون توبة نصوحاً يدومون عليها ويصلحون ما فسد ، أو لن توجد منهم توبة حتى يترتب عليها القبول لأنهم زادوا عن أهل القسم الأول بالتمادي ، ولم يأت بالفاء الدالة على أنه مسبب عما قبله إعلاماً بأن ذلك إنما هو لأنهم مطبوع على قلوبهم ، مهيؤون للكفر من أصل الجبلة ، فلا يتوبون أبداً توبة صحيحة ، فالعلة الحقيقية الطبع لا الذنب ، وهذا شامل لمن تاب عن شيء وقع منه كأبي عزة الجمحي ، ولمن لم يتب كحيي بن أخطب {وأولئك هم} أي خاصة {الضالون} أي الغريقون في الضلال وإليه أشار {ولو أسمعهم لتولوا} [ الأنفال : 23 ] لوقوعهم في أبعد شعابة وأضيق نقابه ، فأنى لهم بالرجوع منه والتقصي عنه!","part":15,"page":70},{"id":6204,"text":"ولما أثبت لهم الخصوصية بذلك لائناً لهم فيه إلى حد أيس معه من رجوعهم تشوف السامع إلى حالهم في الآخرة فقال مبيناً لهم أن السبب في عدم قبول توبتهم تفويت محلها بتماديهم على الكفر : {إن الذين كفروا} أي هذا الكفر أو غيره ، ويجوز أن يكون المراد أنهم ثلاثة أقسام : التائبون توبة صحيحة وهم الذين أصلحوا ، والتائبون توبة فاسدة ، والواصلون كفرهم بالموت من غير توبة ، ولذا قال : {وماتوا وهم كفار} ولما كان الموت كذلك سبباً للخلود في النار لأن السياق للكفر والموت عليه ، صرح بنفي قبول الفداء كائناً من كان ، وربطه بالفاء فقال : {فلن يقبل} أي بسبب شناعة فعلهم الذي هو الاجتراء على الكفر ثم الموت عليه {من أحدهم} أي كائناً من كان {ملء الأرض ذهباً} أي من الذهب لا يتجدد له قبول ذلك لو بذله هبة أوهدية أو غير ذلك {ولو افتدى به} لو في مثل هذا السياق تجيء منبهة على أن ما قبلها جاء على سبيل الاستقصاء ، وما بعدها جاء تنصيصاً على الحالة التي يظن أنها لا تندرج فيما قبلها ، كقوله صلى الله عليه وسلم \" أعطوا السائل ولو جاء على فرس \" فكونه جاء على فرس يؤذن بغناه ، فلا يناسب أن يعطى فنص عليه ؛ وأما هنا فلما كان قبول الفدية واجباً عند أهل الكتاب - كما مر في قوله سبحانه وتعالى {وإن يأتوكم أسارى تفادوهم} [ البقرة : 85 ] كان بحيث ربما ظن أن بذله - على طريق الافتداء يخالف بذله على غير ذلك الوجه حتى يجب قبوله ، فنص عليه ؛ وأيضاً فحالة الافتداء حالة لا يمتن فيها المفتدي على المفتدى منه ، إذ هي حالة قهر من المفتدى منه للمفتدى - قاله أبو حيان.","part":15,"page":71},{"id":6205,"text":"فالمعنى : لا يقبل من أحدهم ما يملأ الأرض من الذهب على حال من الأحوال ولو على حال الافتداء ، والمراد بالمثال المبالغة في الكثرة ، أي لا يقبل منه شيء ؛ وإنما اقتصر على ملء الأرض لأنه أكثر ما يدخل تحت أوهام الناس ويجري في محاوراتهم - والله سبحانه وتعالى أعلم.\rولما تشوف السامع إلى معرفة ما يحل بهم أجيب بقوله : {أولئك} أي البعداء من الرحمة {لهم عذاب أليم} ولعظمته أغرق في النفي بعده بزيادة الجار فقال : {وما لهم من ناصرين} أي ينصرونهم بوجه من الوجوه ، فانتفى عنهم كل وجه من وجوه الاستنقاذ. أ هـ {نظم الدرر حـ 2 صـ 123 ـ 124}\rوقال ابن عاشور : \rقوله تعالى {إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَمَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْ أَحَدِهِمْ مِلْءُ الْأَرْضِ ذَهَبًا وَلَوِ افْتَدَى بِهِ}\rاستئناف لبيان حال الكافرين الذين ماتوا على كفرهم ، نشأ عن حكم فريق من الكفار تكرر منهم الكفر حتى رسخ فيهم وصار لهم ديدنا.\rوإن كان المراد في الآية السابقة من الذين ازدادوا كفرا الذين ماتوا على الكفر ، كانت هذه الآية كالتوكيد اللفظي للأولى أعيدت ليبنى عليها قوله : {فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْ أَحَدِهِمْ مِلءُ الْأَرْضِ ذَهَباً} .\rوأيا ما كان فالمراد بالموصول هنا العموم مثل المعرف بلام الاستغراق. أ هـ {التحرير والتنوير حـ 3 صـ 149 ـ 150}\rفصل\rقال الفخر : \rاعلم أن الكافر على ثلاثة أقسام\rأحدها : الذي يتوب عن الكفر توبة صحيحة مقبولة وهو الذي ذكره الله تعالى في قوله {إِلاَّ الذين تَابُواْ وَأَصْلَحُواْ فَإِنَّ الله غَفُورٌ رَّحِيمٌ} [ آل عمران : 89 ]\rوثانيهما : الذي يتوب عن ذلك الكفر توبة فاسدة وهو الذي ذكره الله في الآية المتقدمة وقال : إنه لن تقبل توبته","part":15,"page":72},{"id":6206,"text":"وثالثهما : الذي يموت على الكفر من غير توبة ألبتة وهو المذكور في هذه الآية ، ثم إنه تعالى أخبر عن هؤلاء بثلاثة أنواع.\rالنوع الأول : قوله {فَلَن يُقْبَلَ مِنْ أَحَدِهِم مّلْء الأرض ذَهَبًا وَلَوِ افتدى بِهِ} قال الواحدي ملء الشيء قدر ما يملؤه وانتصب {ذَهَبًا} على التفسير ، ومعنى التفسير : أن يكون الكلام تاماً إلا أن يكون مبهماً كقوله : عندي عشرون ، فالعدد معلوم ، والمعدود مبهم ، فإذا قلت : درهماً فسرت العدد ، وكذلك إذا قلت : هو أحسن الناس فقد أخبرت عن حسنه ، ولم تبين في ماذا ، فإذا قلت وجهاً أو فعلاً فقد بينته ونصبته على التفسير وإنما نصبته لأنه ليس له ما يخفضه ولا ما يرفعه فلما خلا من هذين نصب لأن النصب أخف الحركات فيجعل كأنه لا عامل فيه قال صاحب \"الكشاف\" وقرأ الأعمش {ذَهَبَ} بالرفع رداً على ملء كما يقال : عندي عشرون نفساً رجال. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 8 صـ 115}\rفصل\rقال ابن عادل : \r\" قد تقدم أن عكرمة يقرأ : \" نقبل ملء \" بالنون مفعولاً به\rوقرأ بعضهم \" فلن يقبل \" - بالياء من تحت مبنيًّا للفاعل وهو الله تعالى ، \" مِلْءَ \" بالنصب كما تقدم.\rوقرأ ابو جعفر وأبو السَّمَّال \" مل الأرض \" بطرح همزة \" ملء \" ، نقل حركتها إلى الساكن قبلها.\rوبعضهم يدغم نحو هذا - أي لام \" ملء \" في لام \" الأرضِ \" - بعروض التقائهما.\rوالملء : مقدار ما يُمْلأ الوعاء ، والمَلْء - بفتح الميم - هو المصدر ، يقال : ملأت القدر ، أملؤها ، مَلأ ، والملاءة بضم الميم والمد : الملحَفة.\rو \" ذهباً \" العامة على نصبه ، تمييزاً.\rوقال الكسائي : على إسقاط الخافض ، وهذا كالأول ؛ لأن التمييز مقدر بـ \" من \" واحتاجت \" ملء \" إلى تفسير ؛ لأنها دالة على مقدار - كالقفيز والصّاع-.\rوقرأ الأعمش : \" ذهب \" - بالرفع -.","part":15,"page":73},{"id":6207,"text":"قال الزمخشريُّ : ردًّا على \" مِلْءُ \" كما يقال : عندي عشرون نَفْساً رجال ، يعني الردّ البدل ، ويكون بدل نكرة من معرفة.\rقال أبو حيان : ولذلك ضبط الحذّاق قوله : \" لك الحمد ملء السموات \" بالرفع ، على أنه نعت لِ \" الْحَمْد \". واستضعفوا نصبه على الحال ، لكونه معرفة.\rقال شهاب الدين : \" يتعين نصبه على الحال ، حتى يلزم ما ذكره من الضعف ، بل هو منصوب على الظرف ، أي : إن الحمد يقع مِلْئاً للسموات والأرض \". أ هـ {تفسير ابن عادل حـ 5 صـ 381 ـ 382}\rأسئلة وأجوبة\rالسؤال الأول : لم قيل في الآية المتقدمة {لَّن تُقْبَلَ} بغير فاء وفي هذه الآية {فَلَن يُقْبَلَ} بالفاء ؟.\rالجواب : أن دخول الفاء يدل على أن الكلام مبني على الشرط والجزاء ، وعند عدم الفاء لم يفهم من الكلام كونه شرطا وجزاء ، تقول : الذي جاءني له درهم ، فهذا لا يفيد أن الدرهم حصل له بسبب المجيء ، وإذا قلت : الذي جاءني فله درهم ، فهذا لا يفيد أن الدرهم حصل له بسبب المجيء فذكر الفاء في هذه الآية يدل على أن عدم قبول الفدية معلل بالموت على الكفر.\rالسؤال الثاني : ما فائدة الواو في قوله {وَلَوِ افتدى بِهِ} ؟.\rالجواب : ذكروا فيه وجوهاً\rالأول : قال الزجاج : إنها للعطف ، والتقدير : لو تقرب إلى الله بملء الأرض ذهباً لم ينفعه ذلك مع كفره ، ولو افتدى من العذاب بملء الأرض ذهباً لم قبل منه ، وهذا اختيار ابن الأنباري قال : وهذا أوكد في التغليظ ، لأنه تصريح بنفي القبول من جميع الوجوه","part":15,"page":74},{"id":6208,"text":"الثاني : {الواو} دخلت لبيان التفصيل بعد الإجمال وذلك لأن قوله {فَلَن يُقْبَلَ مِنْ أَحَدِهِم مّلْء الأرض ذَهَبًا} يحتمل الوجوه الكثيرة ، فنص على نفي القبول بجهة الفدية الثالث : وهو وجه خطر ببالي ، وهو أن من غضب على بعض عبيده ، فإذا أتحفه ذلك العبد بتحفة وهدية لم يقبلها ألبتة إلا أنه قد يقبل منه الفدية ، فأما إذا لم يقبل منه الفدية أيضاً كان ذلك غاية الغضب ، والمبالغة إنما تحصل بتلك المرتبة التي هي الغاية ، فحكم تعالى بأنه لا يقبل منهم ملء الأرض ذهباً ولو كان واقعاً على سبيل الفداء تنبيهاً على أنه لما لم يكن مقبولاً بهذا الطريق ، فبأن لا يكون مقبولاً منه بسائر الطرق أولى.\rالسؤال الثالث : أن من المعلوم أن الكافر لا يملك يوم القيامة نقيراً ولا قطميراً ومعلوم أن بتقدير أن يملك الذهب فلا ينفع الذهب ألبتة في الدار الآخرة ، فما فائدة قوله {لَنْ يُقْبَلَ مِنْ أَحَدِهِم مّلْء الأرض ذَهَبًا}.\rالجواب : فيه وجهان\rأحدهما : أنهم إذا ماتوا على الكفر فلو أنهم كانوا قد أنفقوا في الدنيا ملء الأرض ذهباً لن يقبل الله تعالى ذلك منهم ، لأن الطاعة مع الكفر لا تكون مقبولة\rوالثاني : أن الكلام وقع على سبيل الفرض ، والتقدير : فالذهب كناية عن أعز الأشياء ، والتقدير : لو أن الكافر يوم القيامة قدر على أعز الأشياء ثم قدر على بذله في غاية الكثرة لعجز أن يتوسل بذلك إلى تخليص نفسه من عذاب الله ، وبالجملة فالمقصود أنهم آيسون من تخليص النفس من العقاب. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 8 صـ 115 ـ 116}","part":15,"page":75},{"id":6209,"text":"وقال الآلوسى : \rوههنا سؤال مشهور وهو أنه لم دخلت الفاء في خبر {إن} هنا ولم تدخل في الآية السابقة مع أن الآيتين سواء في صحة إدخال الفاء لتصور السببية ظاهراً ؟ وأجاب غير واحد بأن الصلة في الآية الأولى الكفر وازدياده وذلك لا يترتب عليه عدم قبول التوبة بل إنما يترتب على الموت عليه إذ لو وقعت على ما ينبغي لقبلت بخلاف الموت على الكفرة في هذه الآية فإنه يترتب عليه ذلك ولذلك لو قال : من جاءني له درهم كان إقراراً بخلاف ما لو قرنه بالفاء كما هو معروف بين الفقهاء ولا يرد أن ترتب الحكم على الوصف دليل على السببية لأنا لا نسلم لزومه لأن التعبير بالموصول قد يكون لأغراض كالإيماء إلى تحقق الخبر كقوله : \rإن التي ضربت بيتاً مهاجرة... بكوفة الجند غالت دونها غول\rوقد فصل ذلك في المعاني ؛ وقرىء فلن يقبل من أحدهم ملء الأرض على البناء للفاعل وهو الله تعالى ونصب ملء وملء الأرض بتخفيف الهمزتين.","part":15,"page":76},{"id":6210,"text":"{وَلَوِ افتدى بِهِ} قال ابن المنير في \"الانتصاف\" : إن هذه الواو المصاحبة للشرط تستدعي شرطاً آخر تعطف عليه الشرط المقترنة به ضرورة والعادة في مثل ذلك أن يكون المنطوق به منبها على المسكوت عنه بطريق الأولى مثاله قولك : أكرم زيداً ولو أساء فهذه الواو عطفت المذكور على محذوف تقديره أكرم زيداً لو أحسن ولو أساء إلا أنك نبهت بإيجاب إكرامه وإن أساء على أن إكرامه إن أحسن بطريق الأولى ؛ ومنه {كُونُواْ قَوَّامِينَ بالقسط شُهَدَاء للَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنفُسِكُمْ} [ النساء : 135 ] فإن معناه والله تعالى أعلم لو كان الحق على غيركم ولو كان عليكم ولكنه ذكر ما هو أعسر عليهم فأوجبه تنبيهاً على أن ما كان أسهل أولى بالوجوب ، ولما كانت هذه الآية مخالفة لهذا النمط من الاستعمال لأن قوله سبحانه : {وَلَوِ افتدى بِهِ} يقتضي شرطاً آخر محذوفاً يكون هذا المذكور منبهاً عليه بطريق الأولى ، والحالة المذكورة أعني حالة افتدائهم بملء الأرض ذهباً هي أجدر الحالات بقبول الفدية ، وليس وراءها حالة أخرى تكون أولى بالقبول منها خاض المفسرون بتأويلها فذكر الزمخشري ثلاثة أوجه حاصل الأول : أن عدم قبول ملء الأرض كناية عن عدم قبول فدية مّا لدلالة السياق على أن القبول يراد للخلاص وإنما عدل تصويراً للتكثير لأنه الغاية التي لا مطمح وراءها في العرف ، وفي الضمير يراد {مّلْء الأرض} على الحقيقة فيصير المعنى لا تقبل منه فدية ولو افتدى بملء الأرض ذهباً ففي الأول نظر إلى العموم وسده مسد فدية ما ، وفي الثاني إلى الحقيقة أو لكثرة المبالغة من غير نظر إلى القيام مقامها ، وحاصل الثاني : أن المراد ولو افتدى بمثله معه كما صرح به في آية أخرى ولأنه علم أن الأول فدية أيضاً كأنه قيل : لا يقبل ملء الأرض فدية ولو ضوعف ، ويرجع هذا إلى جعل","part":15,"page":77},{"id":6211,"text":"الباء بمعنى مع ، وتقدير مثل بعده أي مع مثله ، وحاصل الثالث : أنه يقدر وصف يعينه المساق من نحو كان متصدقاً به ، وحينئذ لا يكون الشرط المذكور من قبل ما يقصد به تأكيد الحكم السابق بل يكون شرطاً محذوف الجواب ويكون المعنى لا يقبل منه ملء الأرض ذهباً لو تصدق ولو افتدى به أيضاً لم يقبل منه وضمير {بِهِ} للمال من غير اعتبار وصف التصدق فالكلام من قبيل {وَمَا يُعَمَّرُ مِن مُّعَمَّرٍ وَلاَ يُنقَصُ مِنْ عُمُرِهِ} [ فاطر : 11 ] ، وعندي درهم ونصفه انتهى ، ولا يخفى ما في ذلك من الخفاء والتكلف ، وقريب من ذلك ما قيل : إن الواو زائدة ، ويؤيد ذلك أنه قرىء في الشواذ بدونها وكذا القول : بأن {لَوْ} ليست وصلية بل شرطية ، والجواب ما بعد أو هو ساد مسده ، وذكر ابن المنير في الجواب مدعياً أن تطبيق الآية عليه أسهل وأقرب بل ادعى أنه من السهل الممتنع أن قبول الفدية التي هي ملء الأرض ذهباً تكون على أحوال تارة تؤخذ قهراً كأخد الدية ، وكرة يقول المفتدي : أنا أفدي نفسي بكذا ولا يفعل ، وأخرى يقول ذلك والفدية عتيدة ويسلمها لمن يؤمل قبولها منه فالمذكور في الآية أبلغ الأحوال وأجدرها بالقبول ، وهي أن يفتدي بملء الأرض ذهباً افتداءاً محققاً بأن يقدر على هذا الأمر العظيم ويسلمه اختياراً ، ومع ذلك لا يقبل منه فلأن لا يقبل منه مجرد قوله : أبذل المال وأقدر عليه ، أو ما يجري هذا المجرى بطريق الأولى فتكون الواو والحالة هذه على بابها تنبيهاً على أن ثم أحوالاً أخر لا يقع فيها القبول بطريق الأولى بالنسبة إلى الحالة المذكورة ، وقوله تعالى : ( ولو أن لهم ما في الأرض جميعاً ومثله معه ليفتدوا به ) مصرح بذلك ، والمراد به أنه لا خلاص لهم من الوعيد وإلا فقد علم أنهم في ذلك اليوم أفلس من ابن المُذَلَّق لا يقدرون على شيء ، ","part":15,"page":78},{"id":6212,"text":"ونظير هذا قولك : لا أبيعك هذا الثوب بألف دينار ولو سلمتها إليَّ في يدي انتهى ، وقريب منه ما ذكره أبو حيان قائلاً : إن الذي يقتضيه هذا التركيب وينبغي أن يحمل عليه أن الله تعالى أخبر أن من مات كافراً لا يقبل منه ما يملأ الأرض من ذهب على كل حال يقصدها ولو في حال افتدائه من العذاب لأن حالة الافتداء لا يمتن فيها المفتدي على المفتدى منه إذ هي حالة قهر من المفتدى منه ، وقد قررنا في نحو هذا التركيب أن ( لو ) تأتي منبهة على أن ما قبلها جاء على سبيل الاستقصاء وما بعدها جاء تنصيصاً على الحالة التي يظن أنه لا تندرج فيما قبلها كقوله عليه الصلاة والسلام : \" أعطوا السائل ولو جاء على فرس \" و\" ردوا السائل ولو بظلف محرق \" كأن هذه الأشياء مما لا ينبغي أن يؤتى بها لأن كون السائل على فرس يشعر بغناه فلا يناسب أن يعطى ، وكذلك الظلف المحرق لا غناء فيه فكان يناسب أن لا يرد السائل به. وكذلك حال الافتداء يناسب أن يقبل منه ملء الأرض ذهباً لكنه لا يقبل ، ونظيره {وَمَا أَنتَ بِمُؤْمِنٍ لَّنَا وَلَوْ كُنَّا صادقين} [ يوسف : 17 ] لأنهم نفوا أن يصدقهم على كل حال حتى في حالة صدقهم وهي الحالة التي ينبغي أن يصدقوا فيها ولو لتعميم النفي والتأكيد له. هذا وقد أخرج الشيخان وابن جرير واللفظ له عن أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : يجاء بالكافر يوم القيامة فيقال له : أرأيت لو كان لك ملء الأرض ذهبا أكنت مفتدياً به ؟ فيقول : نعم فيقال : لقد سئلت ما هو أيسر من ذلك فلم تفعل فذلك قوله تعالى : {إِنَّ الذين كَفَرُواْ وَمَاتُواْ وَهُمْ كُفَّارٌ فَلَن يُقْبَلَ مِنْ أَحَدِهِم مّلْء الأرض ذَهَبًا وَلَوِ افتدى بِهِ}. {أخرجه البخاري في الرقاق باب من نوقش الحساب عذب : 11 / 400 ، وباب صفة الجنة والنار : 11 / 416 ، وفي الأنبياء","part":15,"page":79},{"id":6213,"text":"باب خلق آدم وذريته. ومسلم في صفات المنافقين وأحكامهم باب طلب الكافر الفداء بملء الأرض ذهبا برقم (2805) : 4 / 2160 ، والبغوى في شرح السنة : 15 /242}. أ هـ {روح المعانى حـ 3 صـ 218 ـ 220}\rفائدة\rقال ابن عاشور : \rوعندي أن موقع هذا الشرط في الآية جار على استعمال غفل أهل العربية عن ذكره وهو أن يقع الشرط استئنافا بيانيا جوابا لسؤال ، محقق أو مقدر ، يتوهمه المتكلم من المخاطب فيريد تقديره ، فلا يقتضي أن شرطها هو غاية للحكم المذكور قبله ، بل قد يكون كذلك ، وقد يكون السؤال مجرد استغراب من الحكم فيقع بإعادة ما تضمنه الحكم تثبيتا على المتكلم على حد قولهم : ادر ما تقول فيجيب المتكلم بإعادة السؤال تقريرا له وإيذانا بأنه تكلم عن بينة ، نعم إن الغالب أن يكون السؤال عن الغاية وذلك كقول رؤبة ، وهو من شواهد هذا : \rقالت بنات العم يا سلمى وإن . . .\rكان فقيرا معدما قالت وإن\rوقد يحذف السؤال ويبقى الجواب كقول كعب بن زهير : \rلا تأخذني بأقوال الوشاة ولم . . .\rأذنب وإن كثرت في الأوقاويل\rوقد يذكر السؤال ولا يذكر الجواب كقوله تعالى : {أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ شُفَعَاءَ قُلْ أَوَلَوْ كَانُوا لا يَمْلِكُونَ شَيْئاً وَلا يَعْقِلُونَ} [الزمر : 43] فلو ذكر الجواب من قبل المشركين لأجابوا بتقرير ذلك.\rفقوله : {وَلَوِ افْتَدَى بِهِ} جواب سؤال متعجب من الحكم وهو قوله : {فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْ أَحَدِهِمْ} فكأنه قال ولو افتدى به فأجيب بتقرير ذلك على حد بيت كعب.\rفمفاد هذا الشرط حينئذ مجرد التأكيد.\rويجوز أن يكون الشرط عطفا على محذوف دل عليه افتدى : أي لن يقبل من أحدهم ملء الأرض ذهبا يجعله رهينة.","part":15,"page":80},{"id":6214,"text":"ولو بذله فدية ، لأن من عادة العرب أن المطلوب بحق قد يعطي فيه رهنا إلى أن يقع الصلح أو العفو ، وكذلك في الديون ، وكانوا إذا تعاهدوا على صلح أعطت القبائل رهائن منهم كما قال الحارث : \rواذكروا حلف ذي المجاز وما قدم . . .\rفيه العهود والكفلاء\rووقع في حديث أبي رافع اليهودي أن محمد بن مسلمة قال لأبي رافع نرهنك السلاح واللامة. أ هـ {التحرير والتنوير حـ 3 صـ 151 ـ 152}\rفصل\rقال ابن عادل : \rقوله : \" ولو افتدى به \" الجمهور على ثبوت الواو ، وهي واو الحال.\rقال الزمخشريّ : فإن قلت : كيف موقع قوله : \" ولو افتدى به \" ؟\rقلت : هو كلام محمول على المعنى ، كأنه قيل : فلن يقبل من أحدهم فدية ، ولو افتدى بملء الأرض ذهباً. انتهى.\rوالذي ينبغي أن يُحْمَل عليه : أن الله - تعالى - أخبر أن مَن ْ مات كافراً لا يُقْبَل منه ما يملأ الأرض من ذهب على كل حال يقصدُها ، ولو في حال افتدائه من العذاب ، وذلك أن حالة الافتداء حالة لا يميز فيها المفتدي عن المفتدى منه ؛ إذ هي حالة قهر من المفتدى منه للمفتدي.\rقال أبو حيان : وقد قررنا - في نحو هذا التركيب - أن \" لَوْ \" تأتي منبهة على أن ما قبلها جاء على سبيل الاستقصاء ، وما بعدها جاء تنصيصاً على الحالة التي يظن أنها لا تندرج فيما قبلها ، كقوله صلى الله عليه وسلم : \" أعْطُوا السَّائِلَ ولو جاء عَلَى فَرَسٍ \" وقوله : \" رُدُّوا السَّائِلَ ولَو بِظِلْف محرق \" كأن هذه الأشياء مما ينبغي أن يؤتى بها ؛ لأن كون السائل على فرس يُشْعر بغناه ، فلا يناسب أن يُعْطَى ، وكذلك الظلف المحرق ، لا غناء فيه ، فكان يناسب أن لا يُرَدَّ به السائل.","part":15,"page":81},{"id":6215,"text":"قيل : الواو - هنا - زائدة ، وقد يتأيد هذا بقراءة ابن أبى عبلة طلو افتدى به \" - دون واو - معناه أنه جعل الافتداء شرطاً في عدم القبول ، فلم يتعمم النفي وجود القبول.\rو \" لو \" قيل : هي - هنا - شرطية ؛ بمعنى \" إن \" لا التي معناها لما كان سيقع لوقوع غيره ؛ لأنها متعلقة بمستقبل ، وهو قوله : \" فلن تقبل \" ، وتلك متعلّقة بالماضي.\rقال الزجاج : إنها للعطف ، والتقدير : لو تقرب إلى الله بملء الأرض ذهباً لن يقبل منه ، ولو افتدى به لم تقبل منه ، وهذا اختيار ابن الأنباري ، قال : وهذا آكد في التغليظ ؛ لأنه تصريح بنفي القبول من وجوه. وقيل : دخلت الواو لبيان التفصيل بعد الإجمال ؛ لأن قوله : {فلن يقبل من أحدهم ملء الأرض ذهباً} يحتمل الوجوه الكثيرة ، فنص على نفي القبول بجهة الفدية.\rوافتدى افتعل - من لفظ الفدية - وهو متعدٍّ لواحد ؛ لأنه بمعنى فدى ، فيكون افتعل فيه وفعل بمعنى ، نحو : شَوَى ، واشْتَوَى ، ومفعوله محذوف ، تقديره : افْتدَى نفسه. والهاء في \" به \" - فيها أقوال : \rأحدها : - وهو الأظهر - عودها على \" ملء \" ؛ لأنه مقدار يملأها ، أي : ولو افتدى بملء الأرض.\rالثاني : أن يعوج على \" ذَهَباً \" ، قاله أبو البقاء.\rقال أبو حيان : ويوجد في بعض التفاسير أنها تعود على الملء ، أو على الذهب ، فقوله : \" أو على الذهب \" غلط.\rقال شهاب الدين : \" كأن وجه الغلط فيه أنه ليس محدَّثاً عنه ، إنما جيء به بياناً وتفسيراً لغيره ، فضلة \".\rالثالث : أن يعود على \" مِثْل \" محذوف.","part":15,"page":82},{"id":6216,"text":"قال الزمخشريُّ : \" ويجوز أن يُراد : ولو افتدى بمثله ، كقوله : {لَوْ أَنَّ لَهُمْ مَّا فِي الأرض جَمِيعاً وَمِثْلَهُ مَعَه} [ الرعد : 18 ] ، والمثل يحذف في كلامهم كثيراً ، كقولك : ضربت ضرب زيد - تريد : مثل ضربه - وقولك : أبو يوسف أبو حنيفة - أي : مثله-.\rوقوله : [ الرجز ]\rلا هَيْثَمَ اللَّيْلَةَ لِلْمَطِيِّ... وَلاَ فَتَى إلاَّ ابْنُ خَيْبَرِيّ\rو \" قضية ولا أبا حسن لها \" يريد : لا مثل هيثم ، ولا مثل أبي حسن ، كما أنه يزاد قولهم : مثلك لا يفعل كذا ، يريدون : أنت لا تفعل كذا ، وذلك أن المثلين يسد أحدهما مسد الآخر ، فكانا في حكم شيء واحد \".\rقال أبو حيان : \" ولا حاجةَ إلى تقدير \" مثل \" في قوله : \" ولو افتدى به \" ، وكأن الزمخشريَّ تخيَّل انَّ قدّر أن يُقْبَل لا يُمكن أن يُفْتَدَى به ، فاحتاج إلى إضمار : \" مثل \" حتى يغاير ما نُفِي قبولُه وبين ما يفتدى به ، وليس كذلك ؛ لأن ذلك - ما ذكرناه - على سبيل الفرض والتقدير ؛ إذ لا يمكن - عادةً - أن أحداً يملك مِلْءَ الأرض ذهباً ، بحيث أنه لو بَذَلَهُ - على أيِّ جهةٍ بذله - لم يُقْبَل منه ، بل لو كان ذلك ممكناً لم يَحْتَج إلى تقدير \" مثل \" ؛ لأنه نفى قبوله - حتى في حالة الافتداء - وليس ما قدر في الآية نظير ما مثل به ، لأن هذا التقدير لا يحتاج إليه ، ولا معنى له ، ولا في اللفظ ، ولا في المعنى ما يدل عليه ، فلا يقدر.\rوأما ما مثل به - من نحو : ضربت ضربَ زيدٍ ، وأبو يوسف أبو حنيفةَ - فبضرورة العقل يُعْلَم أنه لا بد من تقدير مثل إذ ضربك يستحيل أن يكون ضربَ زيد ، وذات أبي يوسف ، يستحيل أن تكون ذاتَ أبي حنيفة.","part":15,"page":83},{"id":6217,"text":"وأما \" لا هيثم الليلة للمطي \" ، فدل على حذف \" مثل \" ما تقرر في اللغة العربية أن \" لا \" التي لنفي الجنس ، لا تدخل على الأعلام ، فتؤثر فيها ، فاحتيج إلى إضمار : \" مثل \" لتبقى على ما تقرر فيها ؛ إذ تقرر أنها لا تعمل إلا في الجنس ؛ لأن العلمية تنافي عمومَ الجنس.\rوأما قوله : كما يزاد في : مثلك لا يفعل - تريد : أنت - فهذا قول قد قيل ، ولكن المختار عند حُذَّاق النحويين أن الأسماء لا تزاد \".\rقال شهاب الدين : وهذا الاعتراض - على طوله - جوابه ما قاله أبو القاسم - في خطبة كشافه - واللغوي وإن علك اللغة بلحييه والنحوي - وإن كان أنحَى من سيبويه - [ لا يتصدى أحد لسلوك تلك الطرائقِ ، ولا يغوص على شيء من تلك الحقائقِ ، إلا رجل قد برع في علمين مختصَّين بالقرآن المعاني والبديع - وتمهَّل في ارتيادهما آونةً ، وتعب في التنقير عنهما أزمنةً ]. أ هـ {تفسير ابن عادل حـ 5 صـ 382 ـ 385}. بتصرف يسير.\rقوله تعالى {وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ}\rقال الفخر : \rاعلم أنه تعالى لما بيّن أن الكافر لا يمكنه تخليص النفس من العذاب ، أردفه بصفة ذلك العذاب ، فقال : {وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} أي مؤلم. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 8 صـ 116}\rفائدة\rقال الآلوسى : \rوفي تعقيب ما ذكر بهذه الجملة مبالغة في التحذير والإقناط لأن من لا يقبل منه الفداء ربما يعفى عنه تكرماً. أ هـ {روح المعانى حـ 3 صـ 220}","part":15,"page":84},{"id":6218,"text":"فائدة\rقال ابن عادل : \rويجوز أن يكون \" لهم \" : خبراً لاسم الإشارة ، و\" عَذَابٌ \" فاعل به ، وعمل لاعتماده على ذي خبره ، أي : أولئك استقر لهم عذاب. وأن يكون \" لَهُمْ \" خبراً مقدَّماًن و\" عَذَابٌ \" مبتدأ مؤخر ، والجملة خبر عن اسم الإشارة ، والأول أحسن ؛ لأن الإخبار بالمفرد أقرب من الإخبار بالجملة ، والأول من قبيل الإخبار بالمفرد. أ هـ {تفسير ابن عادل حـ 5 صـ 385}\rقوله تعالى {وَمَا لَهُم مّن ناصرين}\rقال الفخر : \rوالمعنى أنه تعالى لما بيّن أنه لا خلاص لهم عن هذا العذاب الأليم بسبب الفدية ، بيّن أيضاً أنه لا خلاص لهم عنه بسبب النصرة والإعانة والشفاعة ، ولأصحابنا أن يحتجوا بهذه الآية على إثبات الشفاعة وذلك لأنه تعالى ختم تعديد وعيد الكفار بعدم النصرة والشفاعة فلو حصل هذا المعنى في حق غير الكافر بطل تخصيص هذا الوعيد بالكفر ، والله أعلم. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 8 صـ 116}\rفائدة\rقال ابن عادل : \rويجوز في إعرابه وجهان : \rأحدهما : أن يكون {مِّن نَّاصِرِينَ} : فاعلاً ، وجاز عمل الجارّ ؛ لاعتماده على حرف النفي ، أي : وما استقر لهم من ناصرين.\rوالثاني : أنه خبر مقدَّم ، و{مِّن نَّاصِرِينَ} : مبتدأ مؤخر ، و\" مِنْ \" مزيدة على الإعرابَيْن ؛ لوجود الشرطين في زيادتها.\rوأتى بـ \" ناصرين \" جمعاً ؛ لتوافق الفواصل. أ هـ {تفسير ابن عادل حـ 5 صـ 385}","part":15,"page":85},{"id":6219,"text":"فصل\rقال ابن كثير فى معنى الآية : \r{إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَمَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْ أَحَدِهِمْ مِلْءُ الأرْضِ ذَهَبًا وَلَوِ افْتَدَى بِهِ} أي : من مات على الكفر فلن يقبل منه خير أبدًا ، ولو كان قد أنفق ملء الأرض ذهبا فيما يراه قُرْبة ، كما سئل النبي صلى الله عليه وسلم عن عبد الله بن جُدْعان -وكان يُقْرِي الضيفَ ، ويَفُكُّ العاني ، ويُطعم الطعام- : هل ينفعه ذلك ؟ فقال : لا إِنَّهُ لَمْ يَقُلْ يَوْمًا مِن الدَّهْرِ : رَبِّ اغْفِرْ لي خَطِيئَتِي يوم الدِّينِ. {رواه مسلم في صحيحه برقم (214) من حديث عائشة رضي الله عنها}.\rوكذلك لو افتدى بملء الأرض أيضا ذهبا ما قبل منه ، كما قال تعالى : {وَلا يُقْبَلُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلا تَنْفَعُهَا شَفَاعَةٌ} [البقرة : 123] ، [وقال {لا بَيْعٌ فِيهِ وَلا خُلَّةٌ وَلا شَفَاعَةٌ} ] [البقرة : 254] وقال : {لا بَيْعٌ فِيهِ وَلا خِلالٌ} [إبراهيم : 31] وقال {إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ أَنَّ لَهُمْ مَا فِي الأرْضِ جَمِيعًا وَمِثْلَهُ مَعَهُ لِيَفْتَدُوا بِهِ مِنْ عَذَابِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَا تُقُبِّلَ مِنْهُمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} [المائدة : 36] ؛ ولهذا قال تعالى هاهنا : {إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَمَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْ أَحَدِهِمْ مِلْءُ الأرْضِ ذَهَبًا وَلَوِ افْتَدَى بِهِ} فعطف {وَلَوِ افْتَدَى بِهِ} على الأول ، فدل على أنه غيره ، وما ذكرناه أحسن من أن يقال : إن الواو زائدة ، والله أعلم. ويقتضي ذلك ألا ينقذه من عذاب الله شيء ، ولو كان قد أنفق مثل الأرض ذهبا ، ولو افتدى نفسه من الله بملء الأرض ذهبا ، بوَزْن جِبالها وتِلالها وتُرابها ورِمَالها وسَهْلها ووعْرِها وبَرِّها وبَحْرِها.","part":15,"page":86},{"id":6220,"text":"وقال الإمام أحمد : حدثنا حجَّاج ، حدثني شُعْبَة ، عن أبي عمران الجَوْني ، عن أنس بن مالك عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : \" يُقَالُ لِلرَّجُلِ مِنْ أَهْلِ النَّارِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ : أَرَأَيْتَ لَوْ كَانَ لَكَ مَا عَلَى الأرْضِ مِنْ شَيْءٍ ، أَكُنْتَ مُفْتَدِيًا بِهِ ؟ قَالَ : فَيَقُولُ : نَعَمْ. قَالَ : فَيَقُولُ : قَدْ أَرَدْتُ مِنْكَ أَهْوَنَ مِنْ ذَلِكَ ، قَدْ أَخَذْتُ عَلَيْكَ فِي ظَهْرِ أبيك آدَمَ ألا تُشْرِكَ بِي شَيْئًا ، فَأَبَيْتَ إِلا أَنْ تُشْرِكَ \". وهكذا أخرجاه البخاري ، ومسلم. {المسند (3/127) وصحيح البخاري برقم (6538) وصحيح مسلم برقم (2805)}.\rطريق أخرى : قال الإمام أحمد : حدثنا رَوْح ، حدثنا حَمَّاد ، عن ثابت ، عن أنس قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : \"يُؤْتَى بِالرَّجُلِ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ فَيَقُولُ لَهُ : يَا ابْنَ آدَمَ ، كَيْفَ وَجَدْتَ مَنزلَكَ ؟ فَيَقُولُ : أَيْ رَبِّ ، خَيْرُ مَنزلٍ. فَيَقُولُ : سَلْ وَتَمَنَّ. فَيَقُولُ : مَا أَسْأَلُ وَلا أَتَمَنَّى إِلا أَنْ تَرُدَّنِي إِلَى الدُّنْيَا فَأُقْتَلَ فِي سَبِيلِكَ عَشْرَ مِرَار -لِمَا يَرَى مِنْ فَضْلِ الشَّهَادَةِ. وَيُؤْتَى بِالرَّجُلِ مِنْ أَهْلِ النَّارِ فَيَقُولُ لَهُ : يَا ابْنَ آدَمَ ، كَيْفَ وَجَدْتَ مَنزلَكَ ؟ فَيَقُولُ : يا رَبِّ شَرُّ مَنزلٍ. فَيَقُولُ لَهُ : تَفْتَدِي مِني بِطِلاعِ الأرْضِ ذَهَبًا ؟ فَيَقُولُ : أَيْ رَبِّ ، نَعَمْ. فَيَقُولُ : كَذَبْتَ ، قَدْ سَأَلْتُكَ أَقَلَّ مِنْ ذَلِكَ وَأَيْسَرَ فَلَمْ تَفْعَلْ ، فيُرَد إلى النَّارِ\" . {المسند (3/208)}.\rولهذا قال : {أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ} أي : وما لهم من أحد يُنْقِذهم من عذاب الله ، ولا يجيرهم من أليم عقابه. أ هـ {تفسير ابن كثير حـ 2 صـ 71 ـ 72}","part":15,"page":87},{"id":6221,"text":"فوائد بلاغية\rقال أبو حيان : \rوتضمنت هذه الآية من أصناف البديع : الطباق : في قوله : طوعا وكرها.\rوفي : كفروا بعد إيمانهم في موضعين.\rوالتكرار : في : يهدي ولا يهدي.\rوفي : كفروا بعد إيمانهم.\rوالتجنيس المغاير : في كفروا وكفروا.\rوالتأكيد : بلفظ : هم ، في قوله : وأولئك هم الضالون.\rقيل : والتشبيه في : ثم ازدادوا كفراً ، شبه تماديهم على كفرهم وإجرامهم بالاجرام التي يزاد بعضها على بعض ، وهو من تشبيه المعقول بالمحسوس.\rوالعدول من مفعل إلى فعيل ، في : عذاب أليم ، لما في : فعيل ، من المبالغة.\rوالحذف في مواضع. أ هـ {البحر المحيط حـ 2 صـ 545}","part":15,"page":88},{"id":6222,"text":"قوله تعالى {لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ (92)}\rمناسبة الآية لما قبلها\rقال البقاعى : \rولما كان آخر هذه القصص في الحقيقة إبطال كل ما خالف الإسلام الذي هو معنى {إن الدين عند الله الإسلام} [ آل عمران : 19 ] - وما بعد ذلك إنما جرّه - ختم الآية بدعوى أن المخالفين من الخاسرين ، وختم ذلك بأن من مات على الكفر لا يقبل إنفاقه للإنقاذ مما يلحقه من الشدائد ، لا بدفع لقاهر ولا بتقوية لناصر ، فتشوفت النفس إلى الوقت الذي يفيد فيه الإنفاق وأي وجوهه أنفع ، فأرشد إلى ذلك وإلى أن الأحب منه أجدر بالقبول ، رجوعاً إلى ما قرره سبحانه وتعالى قبل آية الشهادة بالوحدانية من صفة عباده المنفقين والمستغفرين بالأسحار على وجه أبلغ بقوله : {لن تنالوا البر} وهو كمال الخير {حتى تنفقوا} أي في وجوه الخير {مما تحبون} أي من كل ما تقتضون ، كما ترك إسرائيل عليه الصلاة والسلام أحب الطعام إليه لله سبحانه وتعالى.\rولما كان التقدير : فإن أنفقتم منه علمه الله سبحانه وتعالى فأنالكم به البر ، وإن تيممتم الخبيث الذي تكرهونه فأنفقتموه لم تبروا ، وكان كل من المحبة والكراهة أمراً خفياً ، قال سبحانه وتعالى مرغماً مرهباً : {وما تنفقوا من شيء} أي من المحبوب وغيره {فإن الله} أي الذي له الإحاطة الكاملة.\rوقدم الجار اهتماماً به إظهاراً لأنه يعلمه من جميع وجوهه ما تقول لمن سألك - هل تعلم كذا : لا أعلم إلا هو ، فقال : {به عليم} فهذا كما ترى احتباك. أ هـ {نظم الدرر حـ 2 صـ 125}\rفصل\rقال الفخر : ","part":15,"page":89},{"id":6223,"text":"اعلم أنه تعالى لما بيّن أن الإنفاق لا ينفع الكافر ألبتة علم المؤمنين كيفية الإنفاق الذي ينتفعون به في الآخرة ، فقال : {لَن تَنَالُواْ البر حتى تُنفِقُواْ مِمَّا تُحِبُّونَ} وبيّن في هذه الآية أن من أنفق مما أحب كان من جملة الأبرار ، ثم قال في آية أخرى {إِنَّ الأبرار لَفِى نَعِيم} [ المطففين : 22 ] وقال أيضاً : {إِنَّ الأبرار يَشْرَبُونَ مِن كَأْسٍ كَانَ مِزَاجُهَا كافورا} [ الإنسان : 5 ] وقال أيضاً : {إِنَّ الأبرار لَفِى نَعِيمٍ * عَلَى الأرائك يَنظُرُونَ * تَعْرِفُ فِى وُجُوهِهِمْ نَضْرَةَ النعيم * يُسْقَوْنَ مِن رَّحِيقٍ مَّخْتُومٍ * ختامه مِسْكٌ وَفِى ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ المتنافسون} [ المطففين : 22 ، 26 ] وقال : {لَّيْسَ البر أَن تُوَلُّواْ وُجُوهَكُمْ قِبَلَ المشرق والمغرب} [ البقرة : 177 ] فالله تعالى لما فصل في سائر الآيات كيفية ثواب الأبرار اكتفى ههنا بأن ذكر أن من أنفق ما أحب نال البر ، وفيه لطيفة أخرى.\rوهي أنه تعالى قال : {لَّيْسَ البر أَن تُوَلُّواْ وُجُوهَكُمْ قِبَلَ المشرق والمغرب ولكن البر مَنْ ءَامَنَ بالله واليوم الآخر والملائكة} إلى آخر الآية ، فذكر في هذه الآية أكثر أعمال الخير ، وسماه البر ثم قال في هذه الآية {لَن تَنَالُواْ البر حتى تُنفِقُواْ مِمَّا تُحِبُّونَ} والمعنى أنكم وإن أتيتم بكل تلك الخيرات المذكورة في تلك الآية فإنكم لا تفوزون بفضيلة البر حتى تنفقوا مما تحبون ، وهذا يدل على أن الإنسان إذا أنفق ما يحبه كان ذلك أفضل الطاعات. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 8 صـ 117}\rفصل\rقال القرطبى : ","part":15,"page":90},{"id":6224,"text":"روى الأئمة واللفظ للنسائي عن أنس قال : لما نزلت هذه الآية {لَن تَنَالُواْ البر حتى تُنْفِقُواْ مِمَّا تُحِبُّونَ} قال أبو طلحة : إن ربنا ليسألنا من أموالنا فأشهدك يا رسول الله أني جعلت أرضي لله.\rفقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : \" اجعلها في قرابتك في حسان بن ثابت وأُبيّ بن كعب \" وفي الموطأ \"وكانت أحب أمواله إليه بَئرُحَاء ، وكانت مستقبلة المسجد ، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يدخلها ويشرب من ماء فيها طيبٍ\".\rوذكر الحديث.\rففي هذه الآية دليل على استعمال ظاهر الخطاب وعمومه ؛ فإن الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين لم يفهموا من فحوى الخطاب حين نزلت الآية غير ذلك.\rألا ترى أبا طلحة حين سمع {لَن تَنَالُواْ البر حتى تُنْفِقُواْ} الآية ، لم يحتج أن يقف حتى يرد البيان الذي يريد اللَّهُ أن ينفق منه عبادُه بآية أخرى أو سنة مبيِّنة لذلك فإنهم يحبون أشياء كثيرة.\rوكذلك فعل زيد بن حارثة.\rعَمِد مما يحب إلى فرس يقال له \"سَبَل\" وقال : اللهم إنك تعلم أنه ليس لي مال أحب إليّ من فرسي هذه ؛ فجاء بها ( إلى ) النبي صلى الله عليه وسلم فقال : هذا في سبيل الله.\rفقال لأسامة بن زيد \"اقبضه\".\rفكأنّ زيداً وجد من ذلك في نفسه.\rفقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : \" إن الله قد قبلها منك \" ذكره أسد بن موسى.\rوأعتق ابن عمر نافعاً مولاه ، وكان أعطاه فيه عبد الله بن جعفر ألف دينار.\rقالت صفية بنت أبي عبيد : أظنه تأوّل قول الله عز وجل : {لَن تَنَالُواْ البر حتى تُنْفِقُواْ مِمَّا تُحِبُّونَ}.","part":15,"page":91},{"id":6225,"text":"وروى شِبل عن ابن أبي نَجيح عن مجاهد قال : كتب عمر بن الخطاب إلى أبي موسى الأشعري أن يبتاع له جارية من سَبْي جَلُولاء يوم فتح مدائنِ كسْرَى ؛ فقال سعد بن أبي وقاص ، فدعا بها عمر فأعجبته ، فقال إن الله عز وجل يقول : {لَن تَنَالُواْ البر حتى تُنْفِقُواْ مِمَّا تُحِبُّونَ} فأعتقها عمر رضي الله عنه.\rوروي عن الثوري أنه بلغه أن أمّ ولد الرّبيع بن خَيْثم قالت : كان إذا جاءه السائل يقول لي : يا فلانة أعطي السائل سكراً ، فإن الربيع يحب السكر.\rقال سفيان : يتأوّل قوله جلّ وعز : {لَن تَنَالُواْ البر حتى تُنْفِقُواْ مِمَّا تُحِبُّونَ}.\rوروي عن عمر بن عبد العزيز أنه كان يشتري أعدالاً من سكر ويتصدّق بها.\rفقيل له : هلا تصدّقت بقيمتها ؟ فقال : لأن السكر أحب إليّ فأردت أن أنفق مما أحبّ.\rوقال الحسن : إنكم لن تنالوا ما تحبون إلا بترك ما تشتهون ، ولا تُدركوا ما تأمّلون إلا بالصبر على ما تكرهون. أ هـ {تفسير القرطبى حـ 4 صـ 132 ـ 133}\rفصل\rقال الفخر : \rوههنا بحث وهو : أن لقائل أن يقول كلمة {حتى} لانتهاء الغاية فقوله {لَن تَنَالُواْ البر حتى تُنفِقُواْ مِمَّا تُحِبُّونَ} يقتضي أن من أنفق مما أحب فقد نال البر ومن نال البر دخل تحت الآيات الدالة على عظم الثواب للأبرار ، فهذا يقتضي أن من أنفق ما أحب وصل إلى الثواب العظيم وإن لم يأت بسائر الطاعات ، وهو باطل ، ","part":15,"page":92},{"id":6226,"text":"وجواب هذا الإشكال : أن الإنسان لا يمكنه أن ينفق محبوبه إلا إذا توسل بإنفاق ذلك المحبوب إلى وجدان محبوب أشرف من الأول ، فعلى هذا الإنسان لا يمكنه أن ينفق الدنيا في الدنيا إلا إذا تيقن سعادة الآخرة ، ولا يمكنه أن يعترف بسعادة الآخرة إلا إذا أقر بوجود الصانع العالم القادر ، وأقر بأنه يجب عليه الانقياد لتكاليفه وأوامره ونواهيه ، فإذا تأملت علمت أن الإنسان لا يمكنه إنفاق الدنيا في الدنيا إلا إذا كان مستجمعاً لجميع الخصال المحمودة في الدنيا. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 8 صـ 117}\rفصل\rقال الفخر : \rكان السلف إذا أحبوا شيئاً جعلوه لله ، روي أنه لما نزلت هذه الآية قال أبو طلحة : يا رسول الله لي حائط بالمدينة وهو أحب أموالي إليّ أفأتصدق به ؟ فقال عليه السلام : \" بخ بخ ذاك مال رابح ، وإني أرى أن تجعلها في الأقربين \"\rفقال أبو طلحة : أفعل يا رسول الله ، فقسمها في أقاربه ، ويروى أنه جعلها بين حسّان بن ثابت وأُبي بن كعب رضي الله عنهما ، وروي أن زيد بن حارثة رضي الله عنه جاء عند نزول هذه الآية بفرس له كان يحبه وجعله في سبيل الله ، فحمل عليها رسول الله صلى الله عليه وسلم أسامة ، فوجد زيد في نفسه فقال عليه السلام : \" إن الله قد قبلها \" واشترى ابن عمر جارية أعجبته فأعتقها فقيل له : لم أعتقتها ولم تصب منها ؟ فقال : {لَن تَنَالُواْ البر حتى تُنفِقُواْ مِمَّا تُحِبُّونَ}. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 8 صـ 117}\rفصل\rقال الفخر : \rللمفسرين في تفسير البر قولان\rأحدهما : ما به يصيرون أبراراً حتى يدخلوا في قوله {إِنَّ الأبرار لَفِى نَعِيمٍ} فيكون المراد بالبر ما يحصل منهم من الأعمال المقبولة\rوالثاني : الثواب والجنة فكأنه قال : لن تنالوا هذه المنزلة إلا بالانفاق على هذا الوجه.","part":15,"page":93},{"id":6227,"text":"أما القائلون بالقول الأول ، فمنهم من قال : {البر} هو التقوى واحتج بقوله {ولكن البر مَنْ ءامَنَ بالله} إلى قوله {أولئك الذين صَدَقُوا وأولئك هُمُ المتقون} [ البقرة : 177 ] وقال أبو ذر : إن البر هو الخير ، وهو قريب مما تقدم.\rوأما الذين قالوا : البر هو الجنة فمنهم من قال : {لَن تَنَالُواْ البر} أي لن تنالوا ثواب البر ، ومنهم من قال : المراد بر الله أولياءه وإكرامه إياهم وتفضله عليهم ، وهو من قول الناس : برني فلان بكذا ، وبر فلان لا ينقطع عني ، وقال تعالى : {لاَّ ينهاكم الله عَنِ الذين لَمْ يقاتلوكم فِى الدين} إلى قول : {أَن تَبَرُّوهُمْ} [ الممتحنة : 8 ]. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 8 صـ 117 ـ 118}\rفصل\rقال الفخر : \rاختلف المفسرون في قوله {مِمَّا تُحِبُّونَ} منهم من قال : إنه نفس المال ، قال تعالى : {وَإِنَّهُ لِحُبّ الخير لَشَدِيدٌ} [ العاديات : 8 ] ومنهم من قال : أن تكون الهبة رفيعة جيدة ، قال تعالى : {وَلاَ تَيَمَّمُواْ الخبيث مِنْهُ تُنفِقُونَ} [ البقرة : 267 ] ومنهم من قال : ما يكون محتاجاً إليه قال تعالى : {وَيُطْعِمُونَ الطعام على حُبّهِ مِسْكِيناً} [ الإنسان : 8 ] أحد تفاسير الحب في هذه الآية على حاجتهم إليه ، وقال : {وَيُؤْثِرُونَ على أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ} [ الحشر : 9 ] وقال عليه السلام : \" أفضل الصدقة ما تصدقت به وأنت صحيح شحيح تأمل العيش وتخشى الفقر \" والأولى أن يقال : كل ذلك معتبر في باب الفضل وكثرة الثواب. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 8 صـ 118}\rفصل\rقال الفخر : \rاختلف المفسرون في أن هذا الإنفاق ، هل هو الزكاة أو غيرها ؟","part":15,"page":94},{"id":6228,"text":"قال ابن عباس : أراد به الزكاة ، يعني حتى تخرجوا زكاة أموالكم ، وقال الحسن : كل شيء أنفقه المسلم من ماله طلب به وجه الله فإنه من الذين عنى الله سبحانه بقوله {لَن تَنَالُواْ البر حتى تُنفِقُواْ مِمَّا تُحِبُّونَ} حتى التمرة ، والقاضي اختار القول الأول ، واحتج عليه بأن هذا الإنفاق ، وقف الله عليه كون المكلف من الأبرار ، والفوز بالجنة ، بحيث لو لم يوجد هذا الإنفاق ، لم يصر العبد بهذه المنزلة ، وما ذاك إلا الإنفاق الواجب ، وأقول : لو خصصنا الآية بغير الزكاة لكان أولى لأن الآية مخصوصة بإيتاء الأحب ، والزكاة الواجبة ليس فيها إيتاء الأحب ، فإنه لا يجب على المزكي أن يخرج أشرف أمواله وأكرمها ، بل الصحيح أن هذه الآية مخصوصة بإيتاء المال على سبيل الندب. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 8 صـ 118}\rفائدة\rقال الفخر : \rنقل الواحدي عن مجاهد والكلبي : أن هذه الآية منسوخة بآية الزكاة ، وهذا في غاية البعد لأن إيجاب الزكاة كيف ينافي الترغيب في بذل المحبوب لوجه الله سبحانه وتعالى. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 8 صـ 118}\rفصل\rقال الفخر : \rقال بعضهم كلمة {مِنْ} في قوله {مِمَّا تُحِبُّونَ} للتبعيض ، وقرأ عبد الله {حتى تُنفِقُواْ بَعْضِ مَا تُحِبُّونَ} وفيه إشارة إلى أن إنفاق الكل لا يجوز ثم قال : {والذين إِذَا أَنفَقُواْ لَمْ يُسْرِفُواْ وَلَمْ يَقْتُرُواْ وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَاماً} [ الفرقان : 67 ] وقال آخرون : إنها للتبيين. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 8 صـ 118}\rقوله تعالى : {وما تنفقوا من شيء فإن الله به عليم}\rفصل\rقال الفخر : \rوأما قوله : {وما تنفقوا من شيء فإن الله به عليم}.\rففيه سؤال : \rوهو أن يقال : قيل فإن الله به عليم على جهة جواب الشرط مع أن الله تعالى يعلمه على كل حال.\rوالجواب : من وجهين","part":15,"page":95},{"id":6229,"text":"الأول : أن فيه معنى الجزاء تقديره : وما تنفقوا من شيء فإن الله به يجازيكم قل أم كثر ، لأنه عليم به لا يخفى عليه شيء منه ، فجعل كونه عالماً بذلك الإنفاق كناية عن إعطاء الثواب ، والتعريض في مثل هذا الموضع يكون أبلغ من التصريح\rوالثاني : أنه تعالى يعلم الوجه الذي لأجله يفعلونه ويعلم أن الداعي إليه أهو الإخلاص أم الرياء ويعلم أنكم تنفقون الأحب الأجود ، أم الأخس الأرذل.\rواعلم أن نظير هذه الآية قوله {وَمَا تَفْعَلُواْ مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ الله} وقوله {وَمَا أَنفَقْتُم مّن نَّفَقَةٍ أَوْ نَذَرْتُم مّن نَّذْرٍ فَإِنَّ الله يَعْلَمُهُ} [ البقرة : 270 ] قال صاحب \"الكشاف\" {مِنْ} في قوله {مِن شَىْء} لتبيين ما ينفقونه أي من شيء كان طيباً تحبونه أو خبيثاً تكرهونه فإن الله به عليم يجازيكم على قدره. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 8 صـ 119}\rفصل\rقال ابن عادل : \rالنيل : إدراك الشيء ولحوقه.\rوقيل : هو العطية.\rوقيل : هو تناول الشيء باليد ، يقال : نِلْتُه ، أناله ، نَيْلاً ، قال تعالى : {وَلاَ يَنَالُونَ مِنْ عَدُوٍّ نَّيْلا} [ التوبة : 120 ].\rوأما النول - بالواو - فمعناه التناول ، يقال : نِلتُه ، أنوله ، أي تناولته ، وأنلْته زيداً ، وأنوله إياه ، أي ناولته إياه ، كقولك : عطوته ، أعطوه ، بمعنى : تناولته ، وأعطيته إياه - إذا ناولته إياه.\rقوله : \" حتى تنفقوا \" بمعنى إلى أن ، و\" مِن \" في \" مما تحبون \" تبعيضية يدل عليه قراءة عبد الله : بعض ما تحبون.\rقال شهاب الدين : \" وهذه - عندي - ليست قراءة ، بل تفسير معنى \".\rوقال آخرون : \" إنها للتبيين \".","part":15,"page":96},{"id":6230,"text":"[ وجوز أبو البقاء ذلك فقال : \" أو نكرة موصوفة ولا تكون مصدرية ؛ لأن المحبة لا تتفق ، فإن جعلت المحبة بمعنى : المفعول ، جاز على رأي أبي علي \" يعني يَبْقى التقدير : من الشيء المحبوب ، وهذان الوجهان ضعيفان والأول أضعف ]. أ هـ {تفسير ابن عادل حـ 5 صـ 385 ـ 386}","part":15,"page":97},{"id":6231,"text":"من فوائد الآلوسى فى الآية\rقال رحمه الله : \r{لَن تَنَالُواْ البر حتى تُنفِقُواْ مِمَّا تُحِبُّونَ} كلام مستأنف لبيان ما ينفع المؤمنين ويقبل منهم إثر بيان ما لا ينفع الكفار ولا يقبل منهم ، وتنال من نال نيلاً إذا أصاب ووجد ، ويقال : نال العلم إذا وصل إليه واتصف به ، والبر الإحسان وكمال الخير ، وبعضهم يفرق بينه وبين الخير بأن البر هو النفع الواصل إلى الغير مع القصد إلى ذلك ، والخير هو النفع مطلقاً وإن وقع سهواً ، وضد البر العقوق ، وضد الخير الشر ، وأل فيه إما للجنس والحقيقة ، والمراد لن تكونوا أبراراً حتى تنفقوا وهو المروي عن الحسن ، وإنا لتعريف العهد ، والمراد لن تصيبوا بر الله تعالى يا أهل طاعته حتى تنفقوا ، وإلى ذلك ذهب مقاتل وعطاء. وأخرج ابن جرير عن ابن مسعود رضي الله تعالى عنه تفسير البر بالجنة ، وروي مثله عن مسروق والسدي وعمرو بن ميمون ، وذهب بعضهم إلى أن الكلام على حذف مضاف أي لن تنالوا ثواب البر ، وحتى بمعنى إلى ، ومن تبعيضية ، ويؤيده قراءة عبد الله ( بعض ما تحبون ) ، وقيل : بيانية ، وعليه أيضاً لا تخالف بين القراءتين معنى ، و( ما ) موصولة أو موصوفة ، وجعلها مصدرية والمصدر بمعنى المفعول جائز على رأي أبي علي. وفي المراد من قوله سبحانه : {مِمَّا تُحِبُّونَ} أقوال ، فقيل المال وكنى بذلك عنه لأن جميع الناس يحبونه ، وقيل : نفائس الأموال وكرائمها ، وقيل : ما يعم ذلك وغيره من سائر الأشياء التي يحبها الإنسان ويهواها ، والإنفاق على هذا مجاز ، وعلى الأولين حقيقة.","part":15,"page":98},{"id":6232,"text":"وكان السلف رضي الله تعالى عنهم إذا أحبوا شيئاً جعلوه لله تعالى ، فقد أخرج الشيخان والترمذي والنسائي عن أنس رضي الله تعالى عنه قال : كان أبو طلحة أكثر الأنصار نخلاً بالمدينة وكان أحب أمواله إليه بيرحاء وكانت مستقبلة المسجد وكان النبي صلى الله عليه وسلم يدخلها ويشرب من ماء فيها طيب فلما نزلت {لَن تَنَالُواْ البر حتى تُنفِقُواْ مِمَّا تُحِبُّونَ} قال أبو طلحة : يا رسول الله إن الله تعالى يقول : {لَن تَنَالُواْ البر حتى تُنفِقُواْ مِمَّا تُحِبُّونَ} وإن أحب أموالي إليَّ بيرحاء وإنها صدقة لله تعالى أرجو برها وذخرها عند الله تعالى فضعها يا رسول الله حيث أراك الله تعالى فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : بخ بخ ذلك مال رابح وقد سمعت ما قلت وإني أرى أن تجعلها في الأقربين فقال أبو طلحة : أفعل يا رسول الله فقسمها أبو طلحة في أقاربه وبني عمه\" وفي رواية لمسلم وأبي داود \"فجعلها بين حسان بن ثابت وأُبي بن كعب\". وأخرج ابن أبي حاتم وغيره عن محمد بن المنكدر قال : \"لما نزلت هذه الآية جاء زيد بن حارثة بفرس يقال لها سبل لم يكن له مال أحب إليه منها فقال : هي صدقة فقبلها رسول الله صلى الله عليه وسلم وحمل عليها ابنه أسامة فرأى رسول الله صلى الله عليه وسلم ذلك في وجه زيد فقال : إن الله تعالى قد قبلها منك\".","part":15,"page":99},{"id":6233,"text":"وأخرج عبد بن حميد عن ابن عمر قال : \"حضرتني هذه الآية {لَن تَنَالُواْ البر} الخ فذكرت ما أعطاني الله تعالى فلم أجد أحب إلي من مرجانة جارية لي رومية فقلت هي حرة لوجه الله تعالى فلو أني أعود في شيء جعلته لله تعالى لنكحتها فأنكحتها نافعاً ، وأخرج ابن المنذر عن نافع قال : كان ابن عمر رضي الله تعالى عنهما يشتري السكر يتصدق به فنقول له : لو اشتريت لهم بثمنه طعاماً كان أنفع لهم من هذا فيقول : أنا أعرف الذي تقولون ولكن سمعت الله تعالى يقول : {لَن تَنَالُواْ البر حتى تُنفِقُواْ مِمَّا تُحِبُّونَ} وأن ابن عمر يحب السكر.","part":15,"page":100},{"id":6234,"text":"وظاهر هذه الأخبار يدل على أن الإنفاق في الآية يعم المستحب ، وروي عن ابن عباس أن المراد به إخراج الزكاة الواجبة وما فرضه الله تعالى في الأموال فكأنه قيل : لن تنالوا البر حتى تخرجوا زكاة أموالكم وهو مبني على أن المراد من ما تحبون المال لا كرائمه ، فقول النيسابوري : إنه يرد عليه أنه لا يجب على المزكي أن يخرج أشرف أمواله وأكرمها ، ناشيء من قلة التأمل ، ولو تأمل ما اعترض على ترجمان القرآن وحبر الأمة ، ونقل الواحدي عن مجاهد والكلبي أن الآية منسوخة بآية الزكاة ، وضعف بأن إيجاب الزكاة لا ينافي الترغيب في بذل المحبوب في سبيل الله تعالى ، واستشكلت هذه الآية بأن ظاهرها يستدعي أن الفقير الذي لم ينفق طول عمره مما يحبه لعدم إمكانه لا يكون باراً أو لا يناله برّ الله تعالى بأهل طاعته مع أنه ليس كذلك ، وأجيب بأن الكلام خارج مخرج الحث على الإنفاق وهو مقيد بالإمكان وإنما أطلق على سبيل المبالغة في الترغيب ، وقيل : الأولى أن يكون المراد : لن تنالوا البر الكامل الواقع على أشرف الوجوه حتى تنفقوا مما تحبون والفقير الذي لم ينفق طول عمره لا يبعد القول بأنه لا يكون باراً كاملاً ولا يناله برّ الله تعالى الكامل بأهل طاعته ، وقيل : الأولى من هذا الأولى أن يقال : إن المراد : لن تنالوا البر على الإنفاق حتى تنفقوا مما تحبون وحاصله أن الإنفاق من المحبوب يترتب عليه نيل البر وأن الإنفاق مما عداه لا يترتب عليه نيل البر ، وليس في الآية ما يدل على حصر ترتب البر على الإنفاق من المحبوب ، ونفي ترتب البر على فعل آخر من الأفعال المأمور بها ، وحينئذ لا يبعد أن يكون الفقير الغير المنفق باراً أو نائلاً برّ الله تعالى بأهل طاعته من جهة أخرى ، وربما تستدعي أفعاله الخالية عن إنفاق المال من البرّ ما هو أكمل وأوفر مما يستدعيه","part":15,"page":101},{"id":6235,"text":"الإنفاق المجرد منه ؛ وينجر الكلام إلى مسألة تفضيل الفقير الصابر على الغني الشاكر ، وهي مسألة طويلة الذيل قد ألفت فيها الرسائل {وَمَا تُنفِقُواْ مِن شَىْء} أي أي شيء تنفقونه من الأشياء ، أو أى شيء تنفقوا طيب تحبونه ، أو خبيث تكرهونه فمن على الأول متعلقة بمحذوف وقع صفة لاسم الشرط ، وعلى الثاني في محل نصب على التمييز {فَإِنَّ الله بِهِ عَلِيمٌ} تعليل لجواب الشرط واقع موقعه أي فيجازيكم يحسبه فإنه تعالى عليم بكل ما تنفقونه ، وقيل : إنه جواب الشرط ، والمراد أن الله تعالى يعلمه موجوداً على الحدّ الذي تفعلونه من حسن النية وقبحها ، وتقديم الظرف لرعاية الفواصل ، وفي الآية ترغيب وترهيب قيل : وفيها إشارة إلى الحث على إخفاء الصدقة. أ هـ {روح المعانى حـ 3 صـ 222 ـ 223}\rومن فوائد أبى حيان\rقال عليه الرحمة : \r{لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون} مناسبة هذه الآية لما قبلها هو أنه لما أخبر عمن مات كافراً أنه لا يقبل ما أنفق في الدنيا ، أو ما أحضره لتخليص نفسه في الآخرة على الاختلاف الذي سبق ، حض المؤمن على الصدقة وبين أنه لن يدرك البر حتى ينفق مما يحب.\rوالبر هنا.\rقال ابن مسعود ، وابن عباس ، ومجاهد ، والسدّي ، وعمرو بن ميمون : البر الجنة.\rوقال الحسن ، والضحاك : الصدقة المفروضة.\rوقال أبو روق : الخير كله.\rوقيل : الصدق.\rوقيل : أشرف الدين ، قاله عطاء.\rوقال ابن عطية : الطاعة.\rوقال مقاتل بن حيان : التقوى.\rوقال الزجاج : كل ما تقرّب به إلى الله من عمل خير.\rوقال معناه ابن عطية.\rقال أبو مسلم : وله مواضع ، فيقال : الصدق البر ، ومنه : صدقت وبررت ، وكرام بررة ، والإحسان : ومنه بررت والدي ، واللطف والتعاهد : ومنه يبر أصحابه إذا كان يزورهم ويتعاهدهم ، والهبة والصدقة : برّة بكذا إذا وهبه له.","part":15,"page":102},{"id":6236,"text":"وقال : ويحتمل لن تنالوا برّ الله بكم أي ، رحمته ولطفه. انتهى.\rوهو قول أبي بكر الوراق ، قال : معنى الآية لن تنالوا برّي بكم إلاَّ ببرّكم بإخوانكم ، والإنفاق عليهم من أموالكم وجاهكم.\rوروي نحوه على ابن جرير.\rويحتمل أن يريد : لن تنالوا درجة الكمال من فعل البر حتى تكونوا أبراراً إلاَّ بالإنفاق المضاف إلى سائر أعمالكم ، قاله ابن عطية.\rوقد تقدّم شرح البرّ في قوله : {أتأمرون الناس بالبر} ولكن فعلنا ما قال الناس في خصوصية هذا الموضع.\rو : من ، في : مما تحبون ، للتبعيض ، ويدل على ذلك قراءة عبد الله : حتى تنفقوا بعض ما تحبون.\rو : ما ، موصولة ، والعائد محذوف.\rوالظاهر : أن المحبة هنا هو ميل النفس وتعلقها التعلق التام بالمنفق ، فيكون إخراجه على النفس أشق وأصعب من إخراج ما لا تتعلق به النفس ذلك التعلق ، ولذلك فسره الحسن ، والضحاك : بأنه محبوب المال ، كقوله : {ويطعمون الطعام على حبه} لذلك ما روي عن جماعة أنهم لهذه الآية تصدّقوا بأحب شيء إليهم ، فتصدّق أبو طلحة ببير حاء ، وتصدق زيد بن حارثة بفرس له كان يحبها ، وابن عمر بالسكر واللوز لأنه كان يحبه ، وأبو ذر بفحل خير إبله وببرنس على مقرور ، وتلا الآية ، والربيع بن خيثم بالسكر لحبه له ، وأعتق عمر جارية أعجبته ، وابنه عبد الله جارية كانت أعجب شيء إليه.\rوقيل : معنى مما تحبون ، نفائس المال وطيبه لا رديئه وخبيثه.\rوقيل : ما يكون محتاجاً إليه.\rوقيل : كل شيء ينفقه المسلم من ماله يطلب به وجه الله.\rولفظة : تحبون ، تنبو عن هذه الأقوال ، والذي يظهر أن الإنفاق هو في الندب ، لأن المزكي لا يجب عليه أن يخرج أشرف أمواله ولا أحبها إليه ، وأبعد من ذهب إلى أن هذه الآية منسوخة ، لأن الترغيب في الندب لوجه الله لا ينافي الزكاة.","part":15,"page":103},{"id":6237,"text":"قال بعضهم : وتدل هذه الآية على أن الكلام يصير شعراً بأشياء ، منها : قصد المتكلم إلى أن يكون شعراً ، لأن هذه الآية على وزن بيت الرمل ، يسمى المجزؤ والمسبع ، وهو : \rيا خليليّ أربعا واستخبر ال . . .\rمنزل الدارس عن حيّ حلال\rرسماً بعسفان . . .\rولا يجوز أن يقال : إن في القرآن شعراً. أ هـ {البحر المحيط حـ 2 صـ 546 ـ 547}\rوقال ابن عاشور : \r{لَن تَنَالُواْ البر حتى تُنفِقُواْ مِمَّا تُحِبُّونَ}\rاسئناف وقع معتَرَضاً بين جملة {إن الذين كفروا وماتوا وهم كفّار} [ آل عمران : 91 ] الآية ، وبين جملة {كُلّ الطعام كانَ حِلاّ لبني إسرائيل} [ آل عمران : 93 ].\rوافتتاح الكلام ببيان بعض وسائل البرّ إيذَان بأنّ شرائع الإسلام تدور على مِحْور البرّ ، وأنّ البرّ معنى نفساني عظيم لا يخرِم حقيقته إلاّ ما يفضى إلى نقض أصل من أصول الاستقامة النَّفسانيّة.\rفالمقصود من هذه الآيَة أمران : أوّلهما التَّحريض على الإنفاق والتّنويه بأنّه من البرّ ، وثانيهما التنويه بالبرّ الَّذِي الإنفاق خصلة من خصاله.\rومناسبة موقع هذه الآية تِلْو سابقتها أنّ الآية السّابقة لمّا بينت أنّ الّذين كفروا لن يقبل من أحدهم أعظم ما ينفقه ، بيّنت هذه الآية ما ينفع أهل الإيمان من بذل المال ، وأنّه يبلغ بصاحبه إلى مرتبة البرّ ، فبيْن الطرفيْن مراتب كثيرة قد علمها الفطناء من هذه المقابلة.\rوالخطاب للمؤمنين لأنَّهم المقصود من كُلّ خطاب لم يتقدّم قبله ما يعيِّن المقصود منه.","part":15,"page":104},{"id":6238,"text":"والبرّ كمال الخير وشموله في نوعه : إذ الخير قد يعظم بالكيفية ، وبالكميّة ، وبهما معاً ، فبذل النَّفس في نصر الدّين يعظم بالكيفية في ملاقاة العدوّ الكثير بالعدد القليل ، وكذلك إنقاذ الغريق في حالة هوْل البحر ، ولا يتصوّر في مثل ذلك تعدّد ، وإطعام الجائع يعظم بالتعدّد ، والإنفاق يعظم بالأمرين جميعاً ، والجزاء على فعل الخير إذا بلغ كمال الجزاء وشموله كان برّاً أيضاً.\rوروَى النَّوَّاسُ بن سِمْعان عن النبي صلى الله عليه وسلم أنّه قال : \" البرُّ حُسْن الخُلُق والإثممِ ما حاك في النفْس وكَرهتَ أن يَطَّلع عليه الناس \" رواه مسلم.\rومُقابَلَة البرّ بالإثم تدلّ على أنّ البرّ ضدّ الإثم.\rوتقدّم عند قوله تعالى : {ليس البرّ أن تولّوا وجوهكم قِبل المَشرق والمغرب} [ البقرة : 177 ].\rوقد جعل الإنفاق من نفس المال المُحَبّ غاية لانتفاء نوال البرّ ، ومقتضى الغاية أنّ نوال البرّ لا يحصل بدونها ، وهو مشعر بأنّ قبْل الإنفاق مسافاتتٍ معنوية في الطريق الموصلة إلى البرّ ، وتلك هي خصال البرّ كلّها بقيتْ غير مسلوكة ، وأنّ البرّ لا يحصل إلاّ بنِهايتها وهو الإنفاق من المحبوب ، فظهر ل ( حتّى ) هنا موقع من البلاغة لا يخلفها فيه غيرها : لأنَّه لو قيل إلاّ أن تنفقوا مِمَّا تحبّون ، لتوهمّ السامع أنّ الإنفاق من المحَبِّ وحده يوجب نَوال البِرّ ، وفاتت الدلالة على المسافات والدرجات الَّتي أشعرت بها ( حتَّى ) الغائية.\rو ( تنالوا ) مشتقّ من النوال وهو التّحصيل على الشيء المعطي.\rوالتّعريف في البِرّ تعريف الجنس : لأنّ هذا الجنس مركّب من أفعال كثيرة منها الإنفاق المخصوص ، فبدونه لا تتحقَّق هذه الحقيقة.\rوالإنفاق : إعطاء المال والقوتتِ والكسوة.","part":15,"page":105},{"id":6239,"text":"وما صدقُ ( ما ) في قوله : {مما تحبون} المال : أي المال النَّفيس العزيز على النَّفس ، وسوّغ هذا الإبهام هنا وجود تنفقوا إذ الإنفاق لا يطلق على غير بذل المال ف ( من ) للتبعيض لا غير ، ومن جوّز أن تكون ( من ) للتبيين فقد سها لأنّ التبيينية لا بدّ أن تُسبق بلفظ مبهم.\rوالمال المحبوب يختلف باختلاف أحوال المتصدّقين ، ورغباتهم ، وسعة ثرواتهم ، والإنفاقُ منه أي التّصدق دليل على سخاءٍ لوجه الله تعالى ، وفي ذلك تزكية للنّفس من بقية ما فيها من الشحّ ، قال تعالى : {ومن يوق شحّ نفسه فأولئك هم المفلحون} [ الحشر : 9 ] وفي ذلك صلاح عظيم للأمّة إذ تجود أغنيَاؤها على فقرائها بما تطمح إليه نفوسهم من نفائس الأموال فتشتدّ بذلك أواصر الأخوّة ، ويهنأ عيش الجميع.\rوقد بيَّن الله خصال البِرّ في قوله : {ولكن البر من آمن باللَّه واليوم الآخر والملائكة والكتاب والنَّبيّين وآتى المال على حُبّه ذوي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل والسائلين وفي الرقاب وأقامَ الصلاة وآتى الزكاة والموفون بعهدهم إذا عاهدوا والصابرين في البأساء والضراء وحين البأس} في سورة [ البقرة : 177 ].\r( فالبرّ هو الوفاء بما جاء به الإسلام ممَّا يعرض للمرء في أفعاله ، وقد جمع الله بينه وبين التَّقوى في قوله : {وتعاونوا على البِر والتقوى ولا تعاونوا على الإثم والعدوان} [ المائدة : 2 ] فقابل البرّ بالإثم كما في قول النبي صلى الله عليه وسلم في حديث النّواس بن سِمْعان المتقدّم آنفاً.\rوقوله : {وما تنفقوا من شيء فإن الله به عليم} تَذْييل قُصد به تعميم أنواع الإنفاق ، وتبيين أنّ الله لا يخفى عليه شيء من مقاصد المنفقين ، وقد يكون الشيء القليل نفيساً بحسب حال صاحبه كما قال تعالى : {والذين لا يجدون إلاّ جهدهم} [ التوبة : 79 ].\r","part":15,"page":106},{"id":6240,"text":"وقوله : {فإن الله به عليم} مراد به صريحه أي يطّلع على مقدار وقعه ممَّا رغَّب فيه ، ومرَاد به الكناية عن الجزاء عليه. أ هـ {التحرير والتنوير حـ 3 صـ 152 ـ 155}. بتصرف يسير.\rوقال العلامة ابن عطية : \rذهب بعض الناس إلى أن يصل معاني هذه الآيات بعضها ببعض ، من حيث أخبر تعالى : أنه لا يقبل من الموافي على الكفر {ملء الأرض ذهباً} [ آل عمران : 91 ] وقد بان أنه يقبل من المؤمن القليل والكثير ، فحض على الإنفاق من المحبوب المرغوب فيه ، ثم ذكر تقرب إسرائيل عليه السلام ، بتحريم ما كان يحب على نفسه ، ليدل تعالى على أن جميع التقربات تدخل بالمعنى في جملة الإنفاق من المحبوب ، وفسر جمهور المفسرين هذه الآيات ، على أنها معان منحازة ، نظمتها الفصاحة المعجزة أجمل نظم ، وقوله تعالى {لن تنالوا} الآية ، خطاب لجميع المؤمنين ، وقال السدي وعمر بن ميمون : {البر} الجنة.\rقال الفقيه الإمام : وهذا تفسير بالمعنى ، وإنما الخاص باللفظة أنه ما يفعله البر من افاعيل الخير ، فتحتمل الآية أن يريد : لن تنالو بر الله تعالى بكم ، أي رحمته ولطفه ، ويحتمل أن يريد : لن تنالوا درجة الكمال من فعل البر حتى تكونوا أبراراً ، إلا بالإنفاق المنضاف إلى سائر أعمالكم ، وبسبب نزول هذه الآية ، تصدق أبو طلحة بحائطه ، المسمى بيرحاء ، وتصدق زيد بن حارثة بفرس كان يحبها ، فأعطاها رسول الله صلى الله عليه وسلم أسامة ابنه ، فكأن زيداً شق عليه فقال له النبي : أما إن الله قد قبل صدقتك ، وكتب عمر بن الخطاب إلى أبي موسى الأشعري أن يشتري له جارية من سبي جلولاء وقت فتح مدائن كسرى علي يدي سعيد بن أبي وقاص فسيقت إليه وأحبها فدعا بها يوماً وقال : إن الله يقول {لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون} ، فأعتقها.","part":15,"page":107},{"id":6241,"text":"قال الفقيه الإمام أبو محمد : فهذا كله حمل للآية على أن قوله تعالى : {مما تحبون} أي من رغائب الأموال التي يضن بها ، ويتفسر بقول النبي صلى الله عليه وسلم : خير الصدقة أن تصدق وأنت صحيح شحيح تخشى الفقر وتأمل الغنى - الحديث - وذهب قوم من العلماء إلى أن ما يحب من المطعومات على جهة الاشتهاء يدخل في الآية ، فكان عبد الله بن عمر ، يشتهي أكل السكر بالوز فكان يشتري ذلك ويتصدق به ويتلو الآية.\rقال الفقيه الإمام أبو محمد : وإذا تأملت جميع الطاعات ، وجدتها إنفاقاً مما يحب الإنسان ، إما من ماله ، وإما من صحته ، وإما من دعته وترفهه ، وهذه كلها محبوبات ، وسأل رجل أبا ذر الغفاري رضي الله عنه ، أي الأعمال أفضل ؟ فقال : الصلاة عماد الإسلام ، والجهاد سنام العمل ، والصدقة شيء عجيب ، فقال له الرجل : أراك تركت شيئاً وهو أوثقها في نفسي الصيام ، فقال أبو ذر : قربة وليس هناك ، ثم تلا {لن تنالوا البر} الآية ، وقوله تعالى {وما تنفقوا من شيء فإن الله به عليم} شرط وجواب فيه وعد ، أي عليم مجاز به وإن قل. أ هـ {المحرر الوجيز حـ 1 صـ 471 ـ 472}\rلطيفة\rقال الثعالبى : \rقال الغَزَّالِيُّ : قال نافعٌ : كانَ ابْنُ عُمَرَ مريضاً ، فاشتهى سَمَكَةً طَرِيَّةً ، فحملتْ إلَيْه على رغيفٍ ، فقام سائلٌ بالبابِ ، فأمر بدفعها إلَيْه ، ثم قَالَ : سمعْتُ رسُولَ اللَّه صلى الله عليه وسلم يَقُولُ \" أَيُّمَا امرىء اشتهى شَهْوَةً ، فَرَدَّ شَهْوَتَهُ ، وآثَرَ على نَفْسِهِ غَفَرَ اللَّهُ لَهُ \" أ هـ من \"الإِحياء\". (1) أ هـ {الجواهر الحسان حـ 1 صـ 288}\r(1) {الإحياء حـ 3 صـ 92}","part":15,"page":108},{"id":6242,"text":"من لطائف الإمام القشيرى فى الآية\rلمَّا كان وجود البرِّ مطلوباً ذكر فيه \" مِنْ \" التي للتبعيض فقال : {مِمَّا تُحِبُّونَ} ؛ فَمنْ أراد البر فلينفق مما يحبه أي البعض ، وَمَنْ أراد البَارَّ فلينفقْ جميع ما يحبه. ومن أنفق محبوبه من الدنيا وَجَدَ مطلوبه من الحق تعالى ، ومن كان مربوطاً بحظوظ نفسه لم يحظ بقرب ربِّه.\rويقال إذا كنت لا تصل إلى البر إلا بإنفاق محبوبك فمتى تصل إلى البارّ وأنت تؤثر عليه حظوظك. {وَمَا تُنفِقُوا مِن شَيءٍ فَإِنَّ اللهَ بِهِ عَلِيمٌ} منهم من ينفق على ملاحظة الجزاء والعِوض ، ومنهم من ينفق على مراقبة دفع البلاء والحَزن ، ومنهم من ينفق اكتفاء بعلمه ، قال قائلهم : \rويهتز للمعروف في طلب العلى... لتُذكَرَ يوماً - عند سلمى - شمائلُه. أ هـ {لطائف الإشارات حـ 1 صـ 258 ـ 259}","part":15,"page":109},{"id":6243,"text":"قوله تعالى {كُلُّ الطَّعَامِ كَانَ حِلًّا لِبَنِي إِسْرَائِيلَ إِلَّا مَا حَرَّمَ إِسْرَائِيلُ عَلَى نَفْسِهِ مِنْ قَبْلِ أَنْ تُنَزَّلَ التَّوْرَاةُ قُلْ فَأْتُوا بِالتَّوْرَاةِ فَاتْلُوهَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (93)}\rمناسبة الآية لما قبلها\rقال البقاعى : \rولما أخبر بذلك بين أنه كان ديدن أهل الكمال على وجه يقرر به ما مضى من الإخبار بعظيم اجتراء أهل الكتاب على الكذب بأمر حسّي فقال تعالى : {كل الطعام} أي من الشحوم مطلقاً وغيرها {كان حلاًّ لبني إسرائيل} أي أكله - كما كان حلاًّ لمن قبلهم على أصل الإباحة {إلا ما حرم إسرائيل} تبرراً وتطوعاً {على نفسه} وخصه بالذكر استجلاباً لبنيه إلى ما يرفعهم بعد اجتذابهم للمؤمنين إلى ما يضرهم ولا ينفعهم.\rولما كانوا بما أغرقوا فيه من الكذب ربما قالوا : إنما حرم ذلك اتباعاً لحكم التوراة قال : {من قبل} وأثبت الجار لأن تحريمه كان في بعض ذلك الزمان ، لا مستغرقاً له.\rوعبر بالمضارع لأنه أدل على التجدد فقال : {أن تنزل التوراة} وكان قد ترك لحوم الإبل وألبانها وكانت أحب الأطعمة إليه لله وإيثاراً لعباده - كما تقدم ذلك في البقرة عند {فلما جاءهم ما عرفوا كفروا به} [ البقرة : 89 ].\rولما كانت هذه الآية إلزاماً لليهود باعتقاد النسخ الذي طعنوا به في هذا الدين في أمر القبلة ، وكانوا ينكرونه ليصير عذراً لهم في التخلف عن اتباع النبي الأمي الذي يجدونه مكتوباً عندهم ، فكانوا يقولون : لم تزل الشحوم وما ذكر معها حراماً على من قبلنا كما كانت حراماً علينا ، فأمر بجوابهم بأن قال : {قل} أي لليهود {فأتوا بالتوارة فاتلوها} أي لتدل لكم {إن كنتم صادقين} فيما ادعيتموه ، فلم يأتلوا بها فبان كذبهم فافتضحوا فضيحة لا مثل لها في الدنيا. أ هـ {نظم الدرر حـ 2 صـ 125 ـ 126}\rفصل","part":15,"page":110},{"id":6244,"text":"قال الفخر : \rاعلم أن الآيات المتقدمة إلى هذه الآية كانت في تقرير الدلائل الدالة على نبوّة محمد صلى الله عليه وسلم ، وفي توجيه الإلزامات الواردة على أهل الكتاب في هذا الباب.\rوأما هذه الآية فهي في بيان الجواب عن شبهات القوم فإن ظاهر الآية يدل على أنه صلى الله عليه وسلم كان يدعي أن كل الطعام كان حلاً ثم صار البعض حراماً بعد أن كان حلاً والقوم نازعوه في ذلك وزعموا أن الذي هو الآن حرام كان حراماً أبداً.\rوإذا عرفت هذا فنقول : الآية تحتمل وجوهاً\rالأول : أن اليهود كانوا يعولون في إنكار شرع محمد صلى الله عليه وسلم على إنكار النسخ ، فأبطل الله عليهم ذلك بأن {كُلُّ الطعام كَانَ حِلاًّ لّبَنِى إسرائيل إِلاَّ مَا حَرَّمَ إسرائيل على نَفْسِهِ} فذاك الذي حرمه على نفسه ، كان حلالاً ثم صار حراماً عليه وعلى أولاده فقد حصل النسخ ، فبطل قولكم : النسخ غير جائز ، ثم إن اليهود لما توجه عليهم هذا السؤال أنكروا أن يكون حرمة ذلك الطعام الذي حرم الله بسبب أن إسرائيل حرمه على نفسه ، بل زعموا أن ذلك كان حراماً من لدن زمان آدم عليه السلام إلى هذا الزمان ، فعند هذا طلب الرسول عليه السلام منهم أن يحضروا التوراة فإن التوراة ناطقة بأن بعض أنواع الطعام إنما حرم بسبب أن إسرائيل حرمه على نفسه ، فخافوا من الفضيحة وامتنعوا من إحضار التوراة ، فحصل عند ذلك أمور كثيرة تقوي دلائل نبوّة محمد صلى الله عليه وسلم\rأحدها : أن هذا السؤال قد توجه عليهم في إنكار النسخ ، وهو لازم لا محيص عنه\rوثانيها : أنه ظهر للناس كذبهم وأنهم ينسبون إلى التوراة ما ليس فيها تارة ، ويمتنعون عن الإقرار بما هو فيها أخرى","part":15,"page":111},{"id":6245,"text":"وثالثها : أن الرسول صلى الله عليه وسلم كان رجلاً أُمياً لا يقرأ ولا يكتب فامتنع أن يعرف هذه المسألة الغامضة من علوم التوراة إلا بخبر السماء فهذا وجه حسن علمي في تفسير الآية وبيان النظم.\rالوجه الثاني : أن اليهود قالوا له : إنك تدعي أنك على ملة إبراهيم ، فلو كان الأمر كذلك فكيف تأكل لحوم الإبل وألبانها مع أن ذلك كان حراماً في دين إبراهيم فجعلوا هذا الكلام شبهة طاعنة في صحة دعواه ، فأجاب النبي صلى الله عليه وسلم عن هذه الشبهة بأن قال : ذلك كان حلاً لإبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب عليهم السلام ، إلا أن يعقوب حرمه على نفسه بسبب من الأسباب وبقيت تلك الحرمة في أولاده فأنكر اليهود ذلك ، فأمرهم الرسول عليه السلام بإحضار التوراة وطالبهم بأن يستخرجوا منها آية تدل على أن لحوم الإبل وألبانها كانت محرمة على إبراهيم عليه السلام فعجزوا عن ذلك وافتضحوا فظهر عند هذا أنهم كانوا كاذبين في ادعاء حرمة هذه الأشياء على إبراهيم عليه السلام.\rالوجه الثالث : أنه تعالى لما أنزل قوله {وعلى الذين هادوا حرمنا كل ذي ظفر ومن البقر والغنم حرمنا عليهم شحومهما إلا ما حملت ظهورهما أو الحوايا أو ما اختلط بعظم ذلك جزيناهم ببغيهم وإنا لصادقون} [ الأنعام : 146 ] وقال أيضاً : {فَبِظُلْمٍ مّنَ الذين هَادُواْ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طيبات أُحِلَّتْ لَهُمْ} [ النساء : 160 ] فدلت هذه الآية على أنه تعالى إنما حرم على اليهود هذه الأشياء جزاءً لهم على بغيهم وظلمهم وقبيح فعلهم وإنه لم يكن شيء من الطعام حراماً غير الطعام الواحد الذي حرمه إسرائيل على نفسه ، فشق ذلك على اليهود من وجهين\rأحدهما : أن ذلك يدل على أن تلك الأشياء حرمت بعد أن كانت مباحة ، وذلك يقتضي وقوع النسخ وهم ينكرونه","part":15,"page":112},{"id":6246,"text":"والثاني : أن ذلك يدل على أنهم كانوا موصوفين بقبائح الأفعال ، فلما حق عليهم ذلك من هذين الوجهين أنكروا كون حرمة هذه الأشياء متجددة ، بل زعموا أنها كانت محرمة أبداً ، فطالبهم النبي صلى الله عليه وسلم بآية من التوراة تدل على صحة قولهم فعجزوا عنه فافتضحوا ، فهذا وجه الكلام في تفسير هذه الآية وكله حسن مستقيم. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 8 صـ 119 ـ 120}\rقوله تعالى {كُلُّ الطعام كَانَ حِلاًّ لّبَنِى إسراءيل}\rفصل\rقال الفخر : \rقال صاحب \"الكشاف\" {كُلُّ الطعام} أي كل المطعومات أو كل أنواع الطعام وأقول : اختلف الناس في أن اللفظ المفرد المحلى بالألف واللام هل يفيد العموم أم لا ؟.\rذهب قوم من الفقهاء والأدباء إلى أنه يفيده ، واحتجوا عليه بوجوه\rأحدها : أنه تعالى أدخل لفظ {كُلٌّ} على لفظ الطعام في هذه الآية ، ولولا أن لفظ الطعام قائم مقام لفظ المطعومات وإلا لما جاز ذلك\rوثانيها : أنه استثنى عنه ما حرم إسرائيل على نفسه والاستثناء يخرج من الكلام ما لولاه لدخل ، فلولا دخول كل الأقسام تحت لفظ الطعام وإلا لم يصح هذا الاستثناء وأكدوا هذا بقوله تعالى : {إِنَّ الإنسان لَفِى خُسْرٍ إِلاَّ الذين ءامَنُواْ} [ العصر : 2 ، 3 ]\rوثالثها : أنه تعالى وصف هذا اللفظ المفرد بما يوصف به لفظ الجمع ، فقال : {والنخل باسقات لَّهَا طَلْعٌ نَّضِيدٌ * رّزْقاً لّلْعِبَادِ} [ ق : 10 ، 11 ] فعلى هذا من ذهب إلى هذا المذهب لا يحتاج إلى الإضمار الذي ذكره صاحب \"الكشاف\" ، أما من قال إن الاسم المفرد المحلى بالألف واللام لا يفيد العموم ، وهو الذي نظرناه في أصول الفقه احتاج إلى الإضمار الذي ذكره صاحب \"الكشاف\". أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 8 صـ 120 ـ 121}\rفصل\rقال الفخر : ","part":15,"page":113},{"id":6247,"text":"الطعام اسم لكل ما يطعم ويؤكل ، وزعم بعض أصحاب أبي حنيفة رحمة الله عليه إنه اسم للبر خاصة ، وهذه الآية دالة على ضعف هذا الوجه ، لأنه استثنى من لفظ الطعام ما حرم إسرائيل على نفسه ، والمفسرون اتفقوا على أن ذلك الذي حرمه إسرائيل على نفسه كان شيئاً سوى الحنطة ، وسوى ما يتخذ منها ومما يؤكد ذلك قوله تعالى في صفة الماء {وَمَن لَّمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنّى} [ البقرة : 249 ] وقال تعالى : {وَطَعَامُ الذين أُوتُواْ الكتاب حِلٌّ لَّكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَّهُمْ} [ المائدة : 5 ] وأراد الذبائح ، وقالت عائشة رضي الله عنها : ما لنا طعام إلا الأسودان ، والمراد التمر والماء.\rإذا عرفت هذا فنقول : ظاهر هذه الآية يدل على أن جميع المطعومات كان حلاً لبني إسرائيل ثم قال القفال : لم يبلغنا أنه كانت الميتة مباحة لهم مع أنها طعام ، وكذا القول في الخنزير ، ثم قال فيحتمل أن يكون ذلك على الأطعمة التي كان يدعي اليهود في وقت الرسول صلى الله عليه وسلم أنها كان محرمة على إبراهيم ، وعلى هذا التقدير لا تكون الألف واللام في لفظ الطعام للاستغراق ، بل للعهد السابق ، وعلى هذا التقدير يزول الإشكال ومثله قوله تعالى : {قُل لا أَجِدُ فِى مَا أُوْحِىَ إِلَىَّ مُحَرَّمًا على طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلا أَن يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَّسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنْزير} [ الأنعام : 145 ] فإنه إنما خرج هذا الكلام على أشياء سألوا عنها فعرفوا أن المحرم منها كذا وكذا دون غيره فكذا في هذه الآية. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 8 صـ 121}\rقوله تعالى : {إِلاَّ مَا حَرَّمَ إسرائيل على نَفْسِهِ}\rفصل\rقال الفخر : \rاختلفوا في الشيء الذي حرمه إسرائيل على نفسه على وجوه","part":15,"page":114},{"id":6248,"text":"الأول : روى ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : \" إن يعقوب مرض مرضاً شديداً فنذر لئن عافاه الله ليحرمن أحب الطعام والشراب عليه ، وكان أحب الطعام إليه لحمان الإبل وأحب الشراب إليه ألبانها \" وهذا قول أبي العالية وعطاء ومقاتل\rوالثاني : قيل إنه كان به عرق النسا ، فنذر إن شفاه الله أن لا يأكل شيئاً من العروق\rالثالث : جاء في بعض الروايات أن الذي حرمه على نفسه زوائد الكبد والشحم إلا ما على الظهر ، ونقل القفال رحمه الله عن ترجمة التوراة ، أن يعقوب لما خرج من حران إلى كنعان بعث برداً إلى عيصو أخيه إلى أرض ساعير ، فانصرف الرسول إليه ، وقال : إن عيصو هو ذا يتلقاك ومعه أربعمائة رجل ، فذعر يعقوب وحزن جداً وصلّى ودعا وقدم هدايا لأخيه وذكر القصة إلى أن ذكر الملك الذي لقيه في صورة رجل ، فدنا ذلك الرجل ووضع أصبعه على موضع عرق النسا ، فخدرت تلك العصبة وجفت فمن أجل هذا لا يأكل بنو إسرائيل العروق. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 8 صـ 121 ـ 122}\rفائدة\rقال الماوردى : \rواختلفوا في تحريم إسرائيل على نفسه هل كان بإذن الله تعالى أم لا _ على اختلافهم في اجتهاد الأنبياء... على قولين : \rأحدهما : لم يكن إلا بإذنه وهو قول من زعم أن ليس لنبي أن يجتهد.\rوالثاني : باجتهاده من غير إذن ، وهو قول من زعم أن للنبي أن يجتهد.\rواختلفوا في تحريم اليهود ذلك على أنفسهم على قولين : \rأحدهما : أنهم حرموه على أنفسهم اتباعاً لإسرائيل.\rوالثاني : أن التوراة نزلت بتحريمها فحرموها بعد نزولها ، والأول أصح. أ هـ {النكت والعيون حـ 1 صـ 409 ـ 410}\rفصل\rقال الفخر : \rظاهر الآية يدل على أن إسرائيل حرم ذلك على نفسه ، وفيه سؤال : وهو أن التحريم والتحليل إنما يثبت بخطاب الله تعالى ، فكيف صار تحريم يعقوب عليه السلام سبباً لحصوله الحرمة.","part":15,"page":115},{"id":6249,"text":"أجاب المفسرون عنه من وجوه\rالأول : أنه لا يبعد أن الإنسان إذا حرم شيئاً على نفسه فإن الله يحرمه عليه ألا ترى أن الإنسان يحرم امرأته على نفسه بالطلاق ، ويحرم جاريته بالعتق ، فكذلك جائز أن يقول تعالى إن حرمت شيئاً على نفسك فأنا أيضاً أحرمه عليك\rالثاني : أنه عليه الصلاة والسلام ربما اجتهد فأدى اجتهاده إلى التحريم ، فقال بحرمته وإنما قلنا : إن الاجتهاد جائز من الأنبياء لوجوه\rالأول : قوله تعالى : {فاعتبروا يا أولى الأبصار} [ الحشر : 2 ] ولا شك أن الأنبياء عليهم الصلاة والسلام رؤساء أولي الأبصار\rوالثاني : قال : {لَعَلِمَهُ الذين يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ} [ النساء : 83 ] مدح المستنبطين والأنبياء أولى بهذا المدح\rوالثالث : قال تعالى لمحمد عليه الصلاة والسلام {عَفَا الله عَنكَ لِمَ أَذِنتَ لَهُمْ} [ التوبة : 43 ] فلو كان ذلك الإذن بالنص ، لم يقل : لم أذنت ، فدل على أنه كان بالاجتهاد\rالرابع : أنه لا طاعة إلا وللأنبياء عليهم الصلاة والسلام فيها أعظم نصيب ولا شك أن استنباط أحكام الله تعالى بطريق الاجتهاد طاعة عظيمة شاقة ، فوجب أن يكون للأنبياء عليهم الصلاة والسلام فيها نصيب لا سيما ومعارفهم أكثر وعقولهم أنور وأذهانهم أصفى وتوفيق الله وتسديده معهم أكثر ، ثم إذا حكموا بحكم بسبب الاجتهاد يحرم على الأمة مخالفتهم في ذلك الحكم كما أن الإجماع إذا انعقد على الاجتهاد فإنه يحرم مخالفته\rوالأظهر الأقوى أن إسرائيل صلوات الله عليه إنما حرم ذلك على نفسه بسبب الاجتهاد إذ لو كان ذلك بالنص لقال إلا ما حرّم الله على إسرائيل فلما أضاف التحريم إلى إسرائيل دل هذا على أن ذلك كان بالاجتهاد وهو كما يقال : الشافعي يحل لهم الخيل وأبو حنيفة يحرمه بمعنى أن اجتهاده أدى إليه فكذا ههنا.","part":15,"page":116},{"id":6250,"text":"الثالث : يحتمل أن التحريم في شرعه كالنذر في شرعنا ، فكما يجب علينا الوفاء بالنذر كان يجب في شرعه الوفاء بالتحريم.\rواعلم أن هذا لو كان فإنه كان مختصاً بشرعه أما في شرعنا فهو غير ثابت قال تعالى : {ياأيها النبى لِمَ تُحَرّمُ مَا أَحَلَّ الله لَكَ} [ التحريم : 1 ]\rالرابع : قال الأصم : لعل نفسه كانت مائلة إلى أكل تلك الأنواع فامتنع من أكلها قهراً للنفس وطلباً لمرضاة الله تعالى ، كما يفعله كثير من الزهاد فعبر من ذلك الامتناع بالتحريم\rالخامس : قال قوم من المتكلمين أنه يجوز من الله تعالى أن يقول لعبده : احكم فإنك لا تحكم إلا بالصواب فلعل هذه الواقعة كانت من هذا الباب ، وللمتكلمين في هذه المسألة منازعات كثيرة ذكرناها في أصول الفقه. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 8 صـ 122}\rفصل\rقال الفخر : \rظاهر هذه الآية يدل على أن الذي حرمه إسرائيل على نفسه فقد حرمه الله على بني إسرائيل ، وذلك لأنه تعالى قال : {كُلُّ الطعام كَانَ حِلاًّ لّبَنِى إسراءيل} فحكم بحل كل أنواع المطعومات لبني إسرائيل ، ثم استثنى عنه ما حرمه إسرائيل على نفسه ، فوجب بحكم الاستثناء أن يكون ذلك حراماً على بني إسرائيل والله أعلم. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 8 صـ 122 ـ 123}\rقوله تعالى : {مِن قَبْلِ أَن تُنَزَّلَ التوراة}\rقال الفخر : ","part":15,"page":117},{"id":6251,"text":"أما قوله تعالى : {مِن قَبْلِ أَن تُنَزَّلَ التوراة} فالمعنى أن قبل نزول التوراة كان حلاً لبني إسرائيل كل أنواع المطعومات سوى ما حرّمه إسرائيل على نفسه ، أما بعد التوراة فلم يبق كذلك بل حرم الله تعالى عليهم أنواعاً كثيرة ، روي أن بني إسرائيل كانوا إذا أتوا بذنب عظيم حرم الله عليهم نوعاً من أنواع الطعام ، أو سلّط عليهم شيئاً لهلاك أو مضرة ، دليله قوله تعالى : {فَبِظُلْمٍ مّنَ الذين هَادُواْ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طيبات أُحِلَّتْ لَهُمْ} [ النساء : 160 ]. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 8 صـ 123}\rقوله تعالى : {قُلْ فَأْتُواْ بالتوراة فاتلوها إِن كُنتُمْ صادقين}\rفصل\rقال الفخر : ","part":15,"page":118},{"id":6252,"text":"{قُلْ فَأْتُواْ بالتوراة فاتلوها إِن كُنتُمْ صادقين} وهذا يدل على أن القوم نازعوا رسول الله صلى الله عليه وسلم ، إما لأنهم ادعوا أن تحريم هذه الأشياء كان موجوداً من لدن آدم عليه السلام إلى هذا الزمان ، فكذبهم رسول الله صلى الله عليه وسلم في ذلك ، وإما لأن الرسول صلى الله عليه وسلم ادعى كون هذه المطعومات مباحة في الزمان القديم ، وأنها إنما حرمت بسبب أن إسرائيل حرمها على نفسه ، فنازعوه في ذلك ، فطلب الرسول عليه السلام إحضار التوراة ليستخرج منها المسلمون من علماء أهل الكتاب آية موافقة لقول الرسول ، وعلى كلا الوجهين ، فالتفسير ظاهر ، ولمنكري القياس أن يحتجوا بهذه الآية ، وذلك لأن الرسول عليه السلام طالبهم فيما ادعوه بكتاب الله ، ولو كان القياس حجة لكان لهم أن يقولوا : لا يلزم من عدم هذا الحكم في التوراة عدمه ، لأنا نثبته بالقياس ، ويمكن أن يجاب عنه بأن النزاع ما وقع في حكم شرعي ، وإنما وقع في أن هذا الحكم ، هل كان موجوداً في زمان إبراهيم وسائر الأنبياء عليهم السلام أم لا ؟ ومثل هذا لا يمكن إثباته إلا بالنص ، فلهذا المعنى طالبهم الرسول صلوات الله وسلامه عليه ، بنص التوراة. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 8 صـ 123}\rوقال أبو حيان : \r{قل فأتوا بالتوراة فاتلوها إن كنتم صادقين}.\rقل : خطاب للنبي صلى الله عليه وسلم.\rوقيل : فأتوا محذوف تقديره : هذا الحق ، لا زعمُكُم معشر اليهود.\rفأتوا : وهذه أعظم محاجة أَن يُؤمروا بإحضار كتابهم الذي فيه شريعتهم ، فإنه ليس فيه ما ادّعوه بل هو مصدّق لما أخبر به صلى الله عليه وسلم : من أنّ تلك المطاعم كانت حلالاً لهم من قديم ، وأن التحريم هو حادث.\rوروي أنهم لم يتجاسروا على الإتيان بالتوراة لظهور افتضاحهم بإتيانها ، بل بهتوا وذلك كعادتهم في كثير من أحوالهم.","part":15,"page":119},{"id":6253,"text":"وفي استدعاء التوراة منهم وتلاوتها الحجةُ الواضحة على صدق رسول الله صلى الله عليه وسلم ، إذ كان عليه السلام النبيّ الأميَّ الذي لم يقرأ الكتب ولا عرف أخبار الأمم السالفة ، ثم أخذ يحاجهم ويستشهد عليهم بما في كتبهم ولا يجدون من إنكاره محيصاً.\rوفي الآية دليل على جواز النسخ في الشرائع ، وهم ينكرون ذلك.\rوخرج قوله : \" إن كنتم صادقين \" مخرجَ الممكن ، وهم معلوم كذبهم.\rوذلك على سبيل الهزء بهم كقولك : إنْ كنت شجاعاً فالقني ، ومعلوم ، عندك أنَّه ليس بشجاع ، ولكن هزأت به إذ جعلت هذا الوصف مما يمكن أن يتصف به. أ هـ {البحر المحيط حـ 3 صـ 5}\rفصل\rقال ابن عادل : \rالحِلّ بمعنى : الحَلالَ ، وهو - في الأصل - مصدر لِ \" حَلَّ يَحِلُّ \" ، كقولك : عز يعز عزًّا ، ثم يطلق على الأشخاص ، مبالغة ، ولذلك يَسْتَوي فيه الواحدُ والمثنَّى والمجموعُ ، والمذكَّرُ والمؤنثُ ، كقوله تعالى : {لاَ هُنَّ حِلٌّ لَّهُمْ وَلاَ هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ} [ الممتحنة : 10 ] ، وفي الحديث عن عائشة : \" كُنْتُ أطيِّبُ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم لِحِلِّه ولِحَرَمِهِ \" ، أي لإحلاله ولإحرامه ، وهو كالحرم واللبس - بمعنى : الحرام واللباس - وقال ابن عباس - في زمزم - : هي حِلٌّ وبِلٌّ. رواه سفيان بن عُيَيْنَة ، فسئل سفيان ، ما حِلّ ؟ فقال : محَلَّل. و\" لِبَني \" : متعلق بـ \" حِلاًّ \".\rقوله : {إِلاَّ مَا حَرَّمَ} مستثنى من اسم \" كَانَ \".\rوجوَّز أبو البقاء أن يكون مستثنًى من ضمير مستتر في \" حِلاًّ \" فقال لأنه استثناء من اسم \" كَانَ \" والعامل فيه : \" كان \" ، ويجوز أن يعمل فيه \" حِلاًّ \" ، ويكون فيه ضمير يكون الاستثناء منه ؛ لأن حِلاًّ وحلالاً في موضع اسم الفاعل بمعنى الجائز والمباح.\rوفي هذا الاستثناء قولان : ","part":15,"page":120},{"id":6254,"text":"أحدهما : أنه متَّصل ، والتقدير : إلا ما حرَّم إسرائيل على نفسه ، فحرم عليهم في التوراة ، فليس فيها ما زادوه من محرمات ، وادَّعَوْا صحةَ ذلك.\rوالثاني : أنه مُنْقَطِع ، والتقدير : لكن حرم إسرائيلُ على نفسه خاصَّةً ، ولم يحرمه عليهم ، والأول هو الصحيح.\rقوله : {مِن قَبْلِ أَن تُنَزَّلَ التوراة} فيه وجهان :\rأحدهما : أنه متعلق بـ \" حَرَّم \" أي : إلا ما حرَّم من قبل ، قاله أبو البقاء.\rقال أبو حيان : \" ويبعد ذلك ؛ إذ هو من الإخبار بالواضح ؛ لأنه معلوم أن الذي حَرَّم إسرائيل على نفسه ، هو من قبل إنزال التوراة ضرورةً ؛ لتباعد ما بين وجود إسرائيل وإنزال التوراة \".\rوالثاني : أنه يتعلق بقوله : {كَانَ حِلاًّ}.\rقال أبو حيان : \" ويظهر أنه متعلّق بقوله : {كَانَ حِلاًّ لبني إِسْرَائِيلَ} ، أي : من قبل أن تُنَزًّل التوراة ، وفصل بالاستثناء ؛ إذْ هو فَصْل جائز ، وذلك على مذهب الكسائي وأبي الحسن ، في جواز أن يعمل ما قبل \" إلا \" فيما بعدها إذا كان ظرفاً أو مجروراً أو حالاً - نحو ما جلس إلا زيد عندك ، ما أوَى إلا عمرو إليك ، وما جاء إلا زيد ضاحكاً.\rوأجاز الكسائي ذلك في المنصوب مطلقاً ، نحو ما ضرب إلا زيدٌ عمراً ؛ وأجاز ذلك هو وابن الأنباري في المرفوع ، نحو ما ضرب إلا زيداً عمرو ، وأما تخريجه على غير مذهب الكسائي وأبي الحسن ، فَيُقدَّر له عامل من جنس ما قبله ، تقديره - هنا - جل من قبل أن ينزل أي تنزل التوراة \".","part":15,"page":121},{"id":6255,"text":"وقرئ : {تُنَزَّلَ التوراة} بتخفيف الزاي وتشديدها ، وكلاهما بمعنى واحد ، وهذا يرد قولَ من قال بأن \" تنَزَّل \" - بالتشديد - يدل على أنه نزل مُنَجَّماً ؛ لأن التوراة إنَّما نزلت دُفْعَةً واحدة بإجماع المفسرين.\r. أ هـ {تفسير ابن عادل حـ 5 صـ 388 ـ 389}\rفصل\rقال البغوى : \rروي أن يعقوب مرض مرضًا شديدًا فطال سُقْمُه فنذر لئن عافاه الله من سقمه ليُحرِّمَنِّ أحبَّ الطعام والشراب إليه ، وكان أحب الطعام إليه لحمان الإبل وأحب الشراب إليه ألبانها فحرّمهما.\rوقال ابن عباس ومجاهد وقتادة والسدي والضحاك : هي العروق.","part":15,"page":122},{"id":6256,"text":"وكان السبب في ذلك أنه اشتكى عرق النَّسا وكان أصل وجعه فيما روى جُويبر ومقاتل عن الضحاك : أن يعقوب كان نذر إن وهبه الله اثنى عشر ولدًا وأتى بيت المقدس صحيحًا أن يذبح آخرهم فتلقاه مَلك [من الملائكة] فقال : يا يعقوب إنك رجل قوي فهل لك في الصراع ، فعالجه فلم يصرعْ واحدٌ منهما صاحبَه فغمزه المَلك غمزة فعرض له عرق النسا من ذلك ، ثم قال له : أمَا إني لو شئت أن أصرعك لفعلت ولكن غمزتك هذه الغمزة لأنك كنت نذرت إن أتيت بيت المقدس صحيحًا ذبحت آخر ولدك ، فجعل الله لك بهذه الغمزة من ذلك مخرجًا ، فلما قدمها يعقوب أراد ذبح ولده ونسي قول الملَكِ فأتاه الملَكُ وقال : إنما غمزتك للمخرج وقد وُفي نذرُك فلا سبيل لك إلى ولدك. (1)\rوقال ابن عباس ومجاهد وقتادة والسدي : أقبل يعقوب من حران يريد بيت المقدس حين هرب من أخيه عيصو : وكان رجلا بطيشًا قويًا فلقيه ملك فظن يعقوب أنه لص فعالجه أن يصرعه فغمز الملك فخذ يعقوب ، ثم صعد إلى السماء ويعقوب عليه السلام ينظر إليه ، فهاج به عرق النسا ولقي من ذلك بلاءً وشدةً وكان لا ينام بالليل من الوجع ، ويبيت وله زقاء ، أي : صياح ، فحلف يعقوب لئن شفاه الله أن لا يأكل عرقًا ولا طعاما فيه عرق ، فحرمه على نفسه ، فكان بنوه بعد ذلك يتبعون العروق يخرجونها من اللحم.\rوروى جُويبر عن الضحاك عن ابن عباس : لمّا أصاب يعقوب عرق النسا وصف له الأطباء أن يجتنب لحمان الإبل فحرمها يعقوب على نفسه.\rوقال الحسن : حرّم إسرائيل على نفسه لحم الجزور تعبدًا لله تعالى : فسأل ربَّه أن يجيز له ذلك فحرمه الله على ولده. أ هـ {تفسيرالبغوى حـ 2 صـ 68}\r_________________\r(1) هذا القول يفتقر إلى سند وسياقها تظهر عليه علامات الإسرائيليات. والله أعلم.","part":15,"page":123},{"id":6257,"text":"وقال ابن كثير : \rقال ابن عباس [رضي الله عنه] حضرت عصابة من اليهود نبيّ الله صلى الله عليه وسلم فقالوا : حدِّثنا عن خلال نسألك عنهن لا يعلمهن إلا نبي. قال : \"سَلُونِي عَمَّا شِئْتُمْ ، وَلَكِنْ اجْعَلُوا لِي ذِمَّةَ اللَّهِ ، وَمَا أَخَذَ يَعْقُوبُ عَلَى بَنِيهِ لَئِنْ أنا حَدَّثْتُكُمْ شَيْئًا فَعَرَفْتُمُوهُ لَتُتَابِعُنِّي عَلَى الإسْلامِ\". قَالُوا : فَذَلِكَ لَكَ. قَالَ : \"فَسَلُونِي عَمَّا شِئْتُمْ \" قالوا : أَخْبرْنَا عن أربع خلال : أَخْبرْنَا أَيُّ الطعام حَرَّمَ إسرائيل على نفسه ؟ وكيف ماء المرأة وماء الرجل ؟ كيف هذا النبي الأمّي في النوم ؟ ومن وَليّه من الملائكة ؟ فأخذ عليهم العهد لئن أخبرهم ليتابعنه وقال : \"أَنْشُدُكُمْ بِالَّذِي أَنزلَ التَّوْرَاةَ عَلَى مُوسَى : هَلْ تَعْلَمُونَ أَنَّ إِسْرَائِيلَ مَرِضَ مَرَضًا شَدِيدًا وَطَالَ سُقْمُهُ ، فَنَذَرَ لِلَّهِ نَذْرًا لَئِنْ شَفَاهُ اللَّهُ مِنْ سُقْمِهِ لَيُحَرِّمَنَّ أَحَبَّ الشَّرَابِ إِلَيْهِ وَأَحَبَّ الطَّعَامِ إِلَيْهِ ، وَكَانَ أَحَبَّ الطَّعَامِ إِلَيْهِ لُحْمان الإبِلِ ، وَأَحَبَّ الشَّرَابِ إِلَيْهِ أَلْبَانُهَا\" فقالوا : اللهم نعم. قال : \"اللَّهُمَّ اشْهَدْ عَلَيْهِمْ\". وقال : أَنْشُدُكُمْ بِاللَّهِ الَّذِي لا إِلَهَ إِلا هُوَ ، الَّذِي أَنزلَ التَّوْرَاةَ عَلَى مُوسَى : هَلْ تَعْلَمُونَ أَنَّ مَاءَ الرَّجُلِ أَبْيَضُ غَلِيظٌ ، ومَاءَ الْمَرْأَةِ أَصْفَر رَقِيقٌ ، فَأَيُّهُمَا عَلا كَانَ لَهُ الولد وَالشَّبَهُ بإذنِ اللَّهِ ، إِنْ عَلا مَاءُ الرَّجُلِ مَاءَ المرأة كَانَ ذَكَرًا بِإِذْنِ اللَّهِ وَإِنْ عَلا مَاءُ الْمَرْأَةِ مَاءَ الرَّجُلِ كَانَ أُنْثَى بِإِذْنِ اللَّهِ \". قالوا : نعم. قال : \"اللَّهُمَّ اشْهَدْ عَلَيْهِمْ\". وقال : ","part":15,"page":124},{"id":6258,"text":"\"أَنْشُدُكُمْ بِالَّذِي أَنزلَ التَّوْرَاةَ عَلَى مُوسَى : هَلْ تَعْلَمُونَ أَنَّ هَذَا النَّبِيَّ الأمِّيَّ تَنَامُ عَيْنَاهُ وَلا يَنَامُ قَلْبُهُ\". قالوا : اللهم نعمْ. قَالَ : \"اللَّهُمَّ اشْهَدْ \". قالوا : وأنت الآن فحدثنا منْ وليُّك من الملائكة ؟ فعندها نجامعك أو نفارقك قال : \"إِنَّ وَلِيِّيَ جِبْرِيلُ ، وَلَمْ يَبْعَث اللَّهُ نَبِيًّا قَطُّ إِلا وَهُوَ وَلِيُّهُ\". قالوا : فعندها نفارقك ، ولو كان وليك غيره لتابعنَاك ، فعند ذلك قال الله تعالى : {قُلْ مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ} الآية [البقرة : 97].\rورواه أحمد أيضًا ، عن حسين بن محمد ، عن عبد الحميد ، به. {المسند (1/278)}.","part":15,"page":125},{"id":6259,"text":"طريق أخرى : قال أحمد : حدثنا أبو أحمد الزبيري حدثنا عبد الله بن الوليد العِجْليّ ، عن بُكَير بن شهاب ، عن سعيد بن جُبَير ، عن ابن عباس قال : أقبلت يهودُ على رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقالوا : يا أبا القاسم ، نسألك عن خمسة أشياء ، فإن أنبأتنا بهن عرفنا أنك نبي واتبعناك ، فأخذ عليهم ما أخذ إسرائيل على بنيه إذ قال : {اللَّهُ عَلَى مَا نَقُولُ وَكِيلٌ} [يوسف : 66]. قال : \"هاتوا\". قالوا : أخبرنا عن علامة النبي ؟ قال : \"تَنَامُ عَيْنَاهُ وَلا يَنَامُ قَلْبُه\". قالوا : أخبرنا كيف تُؤنِّثُ المرأةُ وكيف تُذْكرُ ؟ قال : \"يَلْتَقِي الماءَان ، فإذا علا مَاءُ الرَّجُلِ مَاءَ الْمَرْأَةِ أذْكَرَتْ ، وإذَا عَلا مَاءُ الْمَرْأَةِ آنثَتْ. قالوا : أخبرنا ما حَرَّم إسرائيل على نفسه ، قال : \"كَانَ يَشْتَكِي عِرْقَ النَّسَا ، فَلَمْ يَجِدْ شَيْئًا يُلائِمُهُ إلا ألْبَانَ كَذَا وكَذَا -قال أحمد : قال بعضهم : يعني الإبل -فَحَرَّم لُحُومَهَا\". قالوا : صدقت. قالوا : أخبرنا ما هذا الرَّعد ؟ قال : \"مَلَكٌ مِنْ مَلائِكَةِ اللهِ مُوَكلٌ بِالسَّحَابِ بِيدِهِ -أو فِي يَدِه - مِخْرَاقٌ مِنْ نَارٍ يَزْجُر بِهِ السّحابَ ، يَسُوقُهُ حَيْثُ أَمَرَهُ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ\". قالوا : فما هذا الصوت الذي يُسمع ؟ قال : \"صَوْتُه\". قالوا : صدقت ، إنما بقيت واحدة ، وهي التي نتابعك إن أخبرتنا بها ، فإنه ليس من نبي إلا له ملك يأتيه بالخبر ، فأخبرنا من صاحبُك ؟ قال : \"جبْرِيلُ عَلَيْه السَّلامُ\". قالوا : جبريل ذاك يَنزل بالحَرْب والقتال والعذاب عَدُوُّنا. لو قلتَ : ميكائيل الذي ينزل بالرحمة والنبات والقَطْر لَكَانَ ، فأنزل الله عز وجل : {قُلْ مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نزلَهُ عَلَى قَلْبِكَ بِإِذْنِ اللَّهِ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ","part":15,"page":126},{"id":6260,"text":"وَهُدًى وَبُشْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ} [البقرة : 97]. {المسند (1/274) وسنن الترمذي برقم (3117) والنسائي في السنن الكبرى برقم (9072)}. أ هـ {تفسير ابن كثير حـ 2 صـ 74 ـ 75}\rمن فوائد العلامة ابن عطية فى الآية\rقال رحمه الله : \rقوله تعالى : {كل الطعام} الآية ، إخبار بمغيب عن محمد صلى الله عليه وسلم وجميع الأميين لا يعلمه إلا الله وعلماء أهل الكتاب ، وذهب كثير من المفسرين إلى أن معنى الآية : الرد على اليهود في قولهم في كل ما حرموه على أنفسهم من الأشياء : إنها محرمة عليهم بأمر الله في التوراة ، فأكذبهم الله بهذه الآية ، وأخبر أن جميع الطعام كان حلاً لهم ، إلا ما حرم إسرائيل على نفسه خاصة ، ولم يرد به ولده ، فلما استنوا هم به جاءت التوراة بتحريم ذلك عليهم ، وليس من التوراة شيء من الزوائد التي يدعون أن الله حرمها ، وإلى هذا تنحو ألفاظ السدي ، وقال : إن الله تعالى حرم ذلك عليهم في التوراة عقوبة لاستنانهم في تحريم شيء إنما فعله يعقوب خاصة لنفسه ، قال : فذلك قوله تعالى : {فبظلم من الذين هادوا حرمنا عليهم طيبات أحلت لهم} [ النساء : 160 ].","part":15,"page":127},{"id":6261,"text":"قال القاضي أبو محمد عبد الحق رضي الله عنه : والظاهر في لفظة ظلم أنها مختصة بتحريم ونحوه ، يدل على ذلك أن العقوبة وقعت بذلك النوع ، وذهب قوم من العلماء إلى أن معنى الآية : الرد على قوم من اليهود قالوا : إن ما نحرمه الآن على أنفسنا من الأشياء التي لم تذكر في التوراة كان علينا حراماً في ملة أبينا إبراهيم ، فأكذبهم الله وأخبر أن الطعام كله كان حلالاً لهم قبل التوراة {إلا ما حرم إسرائيل} في خاصته ، ثم جاءت التوراة بتحريم ما نصت عليه ، وبقيت هذه الزوائد في حيز افترائهم وكذبهم ، وإلى هذا تنحو ألفاظ ابن عباس رضي الله عنهما وترجم الطبري في تفسير هذه الآية بتراجم ، وأدخل تحتها أقوالاً توافق تراجمه ، وحمل ألفاظ الضحاك أن الاستثناء منقطع وكأن المعنى : كل الطعام كان حلاً لهم قبل نزول التوراة وبعد نزولها.\rقال الفقيه الإمام أبو محمد : فيرجع المعنى إلى القول الأول الذي حكيناه ، وحمل الطبري قول الضحاك إن معناه : لكن إسرائيل حرم على نفسه خاصة ولم يحرم الله على بني إسرائيل في توراة ولا غيرها.","part":15,"page":128},{"id":6262,"text":"قال الفقيه الإمام : وهذا تحميل يرد عليه قوله تعالى : {حرمنا عليهم} [ الأنعام : 146 ] وقوله صلى الله عليه وسلم : حرمت عليهم الشحوم إلى غير ذلك من الشواهد ، وقوله تعالى : {حِلاًّ} معناه : حلالاً ، و{إسرائيل} هو يعقوب ، وانتزع من هذه الآية أن للأنبياء أن يحرموا باجتهادهم على أنفسهم ما اقتضاه النظر لمصلحة أو قربة أو زهد ، ومن هذا على جهة المصلحة تحريم النبي صلى الله عليه وسلم جاريته ، فعاتبه الله تعالى في ذلك ولم يعاتب يعقوب ، فقيل : إن ذلك لحق آدمي ترتب في نازلة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم وقيل : إن هذه تحريم تقرب وزهد ، وتحريم الجارية تحريم غضب ومصلحة نفوس ، واخلتف الناس في الشيء الذي حرمه يعقوب على نفسه فقال يوسف بن ماهك : جاء أعرابي إلى ابن عباس فقال له : إنه جعل امرأته عليه حراماً ، فقاله ابن عباس : إنها ليس عليك بحرام ، فقال الأعرابي : ولم ؟ والله تعالى يقول في كتابه {إلا ما حرم إسرائيل على نفسه} فضحك ابن عباس وقال : وما يدريك ما حرم إسرائيل ؟ ثم أقبل على القوم يحدثهم ، فقال : إن إسرائيل عرضت له الأنساء فأضنته فجعل لله إن شفاه من ذلك أن لا يطعم عرقاً ، قال : فلذلك اليهود تنزع العروق من اللحم ، وقال بمثل هذا القول قتادة وأبو مجلز وغيرهم ، وقال ابن عباس والحسن بن أبي الحسن وعبد الله بن كثير ومجاهد أيضاً : إن الذي حرم إسرائيل هو لحوم الإبل وألبانها ، ولم يختلف فيما علمت أن سبب التحريم هو بمرض أصابه ، فجعل تحريم ذلك شكراً لله تعالى إن شفي ، وقيل : هو وجع عرق النسا ، وفي حديث عن النبي صلى الله عليه وسلم أن عصابة من بني إسرائيل قالوا له : يا محمد ما الذي حرم إسرائيل على نفسه ؟ فقال لهم : أنشدكم بالله هل تعلمون أن يعقوب مرض مرضاً شديداً فطال سقمه منه فنذر لله نذراً إن","part":15,"page":129},{"id":6263,"text":"عاقاه الله من سقمه ليحرمنَّ أحب الطعام والشراب إليه ، وكان أحب الطعام إليه لحوم الإبل وألبانها ؟ قالوا : اللهم نعم ، وظاهر الأحاديث والتفاسير في هذه الأمر أن يعقوب عليه السلام حرم الإبل وألبانها ، وهو يحبها ، تقرباً إلى الله بذلك ، إذ ترك الترفه والتنعم من القرب ، وهذا هو الزهد في الدنيا ، وإليه نحا عمر بن الخطاب رضي الله عنه بقوله : إياكم وهذه المجازر فإن لها ضراوة كضراوة الخمر ومن ذلك قول أبي حازم الزاهد ، وقد مر بسوق الفاكهة فرأى محاسنها فقال : موعدك الجنة إن شاء الله ، وحرم يعقوب عليه السلام أيضاً العروق ، لكن بغضه لها لما كان امتحن بها ، وهذا شيء يعتري نفوس البشر في غير ما شيء وليس في تحريم العروق قربة فيما يظهر ، والله أعلم ، وقد روي عن ابن عباس : أن يعقوب حرم العروق ولحوم الإبل ، وأمر الله نبيه محمداً صلى الله عليه وسلم أن يأمرهم بالإتيان بالتوراة ، حتى يبين منها كيف الأمر ، المعنى : فإنه أيها اليهود ، كما أنزل الله عليَّ لا كما تدعون أنتم ، قال الزجّاج : وفي هذا تعجيز لهم وإقامة الحجة عليهم ، وهي كقصة المباهلة مع نصارى نجران. أ هـ {المحرر الوجيز حـ 1 صـ 472 ـ 473}","part":15,"page":130},{"id":6264,"text":"ومن فوائد الآلوسى فى الآية\rقال رحمه الله : \r{كُلُّ الطعام كَانَ حِلاًّ لّبَنِى إسرائيل} روى الواحدي عن الكلبي أنه حين قال النبي صلى الله عليه وسلم : \" أنا على ملة إبراهيم قالت اليهود : كيف وأنت تأكل لحوم الإبل وألبانها ؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم : كان ذلك حلالاً لإبراهيم عليه السلام فنحن نحله فقالت اليهود : كل شيء أصبحنا اليوم نحرمه فإنه كان محرماً على نوح وإبراهيم حتى انتهى إلينا فأنزل الله تعالى هذه الآية تكذيباً لهم \" والطعام بمعنى المطعوم ، ويراد به هنا المطعومات مطلقاً أو المأكولات وهو لكونه مصدراً منعوتاً به معنى يستوي فيه الواحد المذكور وغيره وهو الأصل المطرد فلا ينافيه قول الرضيّ : إنه يقال : رجل عدل ورجلان عدلان لأنه رعاية لجانب المعنى ، وذكر بعضهم أن هذا التأويل يجعل كلا للتأكيد لأن الاستغراق شأن الجمع المعرف باللام ، والحل مصدر أيضاً أريد منه حلالاً ، والمراد الإخبار عن أكل الطعام بكونه حلالاً لا نفس الطعام لأن الحل كالحرمة مما لا يتعلق بالذوات ولا يقدر نحو الانفاق وإن صح أن يكون متعلق الحل وربما توهم بقرينة ما قبله لأنه خلاف الغرض المسوق له الكلام. و{إسرائيل} هو يعقوب بن إسحق بن إبراهيم عليهم السلام ، وعن أبي مجلز أن ملكاً سماه بذلك بعد أن صرعه وضرب على فخذه.","part":15,"page":131},{"id":6265,"text":"{إِلاَّ مَا حَرَّمَ إسرائيل على نَفْسِهِ} قال مجاهد : حرم لحوم الأنعام ، وروى عكرمة عن ابن عباس أنه حرم زائدتي الكبد والكليتين والشحم إلا ما كان على الظهر ، وعن عطاء أنه حرم لحوم الإبل وألبانها. وسبب تحريم ذلك كما في الحديث الذي أخرجه الحاكم وغيره بسند صحيح عن ابن عباس أنه عليه الصلاة والسلام كان به عرق النسا فنذر إن شفي لم يأكل أحب الطعام إليه وكان ذلك أحب إليه ، وفي رواية سعيد بن جبير عنه أنه كان به ذلك الداء فأكل من لحوم الإبل فبات بليلة يزقو فحلف أن لا يأكله أبداً ، وقيل : حرمه على نفسه تعبداً وسأل الله تعالى أن يجيز له فحرم سبحانه على ولده ذلك ، ونسب هذا إلى الحسن ، وقيل : إنه حرمه وكف نفسه عنه كما يحرم المستظهر في دينه من الزهاد اللذائذ على نفسه. وذهب كثير إلى أن التحريم كان بنص ورد عليه ، وقال بعض : كان ذلك عن اجتهاد ويؤيده ظاهر النظم ، وبه استدل على جوازه للأنبياء عليهم الصلاة والسلام ، والاستثناء متصل لأن المراد على كل تقدير أنه حرمه على نفسه وعلى أولاده ، وقيل : منقطع ، والتقدير ولكن حرم إسرائيل على نفسه خاصة ولم يحرمه عليهم وصحح الأول.","part":15,"page":132},{"id":6266,"text":"{مِن قَبْلِ أَن تُنَزَّلَ} الظاهر أنه متعلق بقوله تعالى : {الطعام كَانَ حِلاًّ} ولا يضر الفصل بالاستثناء إذ هو فصل جائز ، وذلك على مذهب الكسائي وأبي الحسن في جواز أن يعمل ما قبل إلا فيما بعدها إذا كان ظرفاً أو جاراً ومجروراً أو حالاً ، وقيل : متعلق بحرم ، وتعقبه أبو حيان بأنه بعيد إذ هو من الإخبار بالواضح المعلوم ضرورة ولا فائدة فيه ، واعتذر عنه بأن فائدة ذلك بيان أن التحريم مقدم عليها وأن التوراة مشتملة على محرمات أخر حدثت عليهم حرجاً وتضييقاً ، واختار بعضهم أنه متعلق بمحذوف ، والتقدير : كان حلا من قبل أن تنزل التوراة في جواب سؤال نشأ من سابق المستثنى كأنه قيل : متى كان حلاً ؟ فأجيب به والذي دعاه إلى ذلك عدم ظهور فائدة تقييد التحريم ولزوم قصر الصفة قبل تمامها على تقدير جعله قيداً للحل.","part":15,"page":133},{"id":6267,"text":"ولا يخفى ما فيه ، والمعنى على الظاهر أن كل الطعام ما عدا المستثنى كان حلالاً لبني إسرائيل قبل نزول التوراة مشتملة على تحريم ما حرم عليهم لظلمهم ، وفي ذلك رد لليهود في دعواهم البراءة فيما نعى عليهم قوله تعالى : {فَبِظُلْمٍ مّنَ الذين هَادُواْ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ} [ النساء : 160 ] وقوله سبحانه : {وَعَلَى الذين هَادُواْ حَرَّمْنَا} [ الأنعام : 146 ] الآيتين ، وتبكيت لهم في منع النسخ ضرورة أن تحريم ما كان حلالاً لا يكون إلا به ودفع الطعن في دعوى الرسول صلى الله عليه وسلم موافقته لأبيه إبراهيم عليه السلام على ما دل عليه سبب النزول. وذهب السدي إلى أنه لم يحرم عليهم عند نزول التوراة إلا ما كان يحرمونه قبل نزولها اقتداءاً بأبيهم يعقوب عليه السلام ، وقال الكلبي : لم يحرم سبحانه عليهم ما حرم في التوراة ، وإنما حرمه بعدها بظلمهم وكفرهم ، فقد كانت بنو إسرائيل إذا أصابت ذنباً عظيماً حرم الله تعالى عليهم طعاماً طيباً وصب عليهم رجزاً ، وعن الضحاك أنه لم يحرم الله تعالى عليهم شيئاً من ذلك في التوراة ولا بعدها ، وإنما هو شيء حرموه على أنفسهم اتباعاً لأبيهم وإضافة تحريمه إلى الله تعالى مجاز وهذا في غاية البعد.","part":15,"page":134},{"id":6268,"text":"{قُلْ فَأْتُواْ بالتوراة فاتلوها} أمر له صلى الله عليه وسلم بأن يحاجهم بكتابهم الناطق بصحة ما يقول في أمر التحليل والتحريم وإظهار اسم التوراة لكون الجملة كلاماً مع اليهود منقطعاً عما قبله ، وقوله تعالى : {إِن كُنتُمْ صادقين} أي في دعواكم شرط حذف جوابه لدلالة ما قبله عليه أي إن كنتم صادقين فأتوا بالتوراة فاتلوها ، روي أنهم لم يجسروا على الإتيان بها فبهتوا وألقموا حجراً. وفي ذلك دليل ظاهر على صحة نبوة نبينا صلى الله عليه وسلم إذ علم بأن ما في التوراة يدل على كذبهم وهو لم يقرأها ولا غيرها من زبر الأولين ومثله لا يكون إلا عن وحي. أ هـ {روح المعانى حـ 4 صـ 2 ـ 3}\rوقال ابن عاشور : \r{كُلُّ الطعام كَانَ حِلاًّ لّبَنِى إسرائيل}\rهذا يرتبط بالآي السَّابقة في قوله تعالى : {ما كان إبراهيم يهودياً ولا نصرانياً} [ آل عمران : 67 ] وما بينهما اعتراضات وانتقالات في فنون الخطاب.\rوهذه حجّة جزئية بعد الحجج الأصليّة على أنّ دين اليهودية ليس من الحنيفية في شيء ، فإنّ الحنيفية لم يكن ما حرّم من الطّعام بنصّ التَّوراة محرّماً فيها ، ولذلك كان بنو إسرائيل قبل التَّوراة على شريعة إبراهيم ، فلم يكن محرّماً عليهم ما حُرّم من الطعام إلاّ طعاماً حرّمه يعقوب على نفسه.\rوالحجَّة ظاهرة ويدلّ لهذا الارتباط قوله في آخرها : {قل صدق الله فاتبعوا ملة إبراهيم حنيفاً} [ آل عمران : 95 ].","part":15,"page":135},{"id":6269,"text":"ويحتمل أنّ اليهود مع ذلك طعنوا في الإسلام ، وأنَّه لم يكن على شريعة إبراهيم ، إذْ أباح للمسلمين أكل المحرّمات على اليهود ، جهلاً منهم بتاريخ تشريعهم ، أو تضليلاً من أحبارهم لعامّتهم ، تنفيراً عن الإسلام ، لأن الأمم في سذاجتهم إنَّما يتعلّقون بالمألوفات ، فيعدّونها كالحقائق ، ويقيمونها ميزاناً للقبول والنّقد ، فبيّن لهم أنّ هذا ممّا لا يُلتفت إليه عند النّظر في بقيّة الأديان ، وحسبكم أنّ ديناً عظيماً وهو دين إبراهيم ، وزُمرة من الأنبياء من بنيه وحفدته ، لم يكونوا يحرّمون ذلك.\rوتعريف ( الطّعام ) تعريف الجنس ، و( كُلّ ) للتنصيص على العموم.\rوقد استدلّ القرآن عليهم بهذا الحكم لأنَّه أصرح ما في التَّوراة دلالة على وقوع النسخ فإنّ التوراة ذكرت في سفر التكوين ما يدلّ على أنّ يعقوب حرّم على نفسه أكل عِرق النَّسَا الَّذِي على الفخذ ، وقد قيل : إنَّه حرّم على نفسه لحوم الإبل وألبانها ، فقيل : إنّ ذلك على وجه النذر ، وقيل : إنّ الأطبَّاء نهوه عن أكل ما فيه عرق النّسا لأنَّه كان مبتلى بوجع نَساه ، وفي الحديث أنّ يعقوب كان في البدو فلم تستقم عافيته بأكل اللّحم الّذي فيه النّسا.\rوما حرّمه يعقوب على نفسه من الطعام : ظاهر الآية أنَّه لم يكن ذلك بوحي من الله إليه ، بل من تلقاء نفسه ، فبعضه أراد به تقرّباً إلى الله بحرمان نفسه من بعض الطيِّبات المشتهاة ، وهذا من جهاد النَّفس ، وهو من مقامات الزّاهدين ، وكان تحريم ذلك على نفسه بالنذر أو بالعزم.\rوليس في ذلك دليل على جواز الاجتهاد للأنبياء في التشّريع لأنّ هذا من تصرّفه في نفسه فيما أبيح له ، ولم يدع إليه غيرَه ، ولعلّ أبناء يعقوب تأسَّوا بأبيهم فيما حرَّمه على نفسه فاستمرّ ذلك فيهم.","part":15,"page":136},{"id":6270,"text":"وقوله : {من قبل أن تنزل التوراة} تصريح بمحلّ الحجَّة من الردّ إذ المقصود تنبيههم على ما تناسوه فنُزلوا منزلة الجاهل بكون يعقوب كان قبل موسى ، وقال العصام : يتعلّق قوله : {من قبل أن تنزل التوراة} بقوله : {حِلاًّ} لئلاّ يلزم خلوّه عن الفائدة ، وهو غير مُجد لأنّه لمّا تأخّر عن الاستثناء من قوله {حلاّ} وتبيّن من الاستثناء أنّ الكلام على زمن يعقوب ، صار ذكر القيد لغواً لولا تنزيلهم منزلة الجاهل ، وقصد إعلان التّسجيل بخطئهم والتعريض بغباوتهم.\rوقوله : {قل فأتوا بالتوراة فأتلوها إن كنتم صادقين} أي في زعمكم أنّ الأمر ليس كما قلناه أو إن كنتم صادقين في جميع ما تقدّم : من قولكم إنّ إبراهيم كان على دين اليهودية ، وهو أمر للتعجيز ، إذ قد علم أنَّهم لا يأتون بها إذا استدلّوا على الصّدق.\rوالفاء في قوله : {فأتوا} فاء التفريع.\rوقوله : {إن كنتم صادقين} شرط حذف جوابه لدلالة التفريع الَّذي قبله عليه.\rوالتَّقدير : إن كنتم صادقين فأتوا بالتَّوراة. أ هـ {التحرير والتنوير حـ 3 صـ 155 ـ 156}","part":15,"page":137},{"id":6271,"text":"فائدة\rقال الجصاص : \rفَإِنْ قِيلَ : كَيْفَ يَجُوزُ لِلْإِنْسَانِ أَنْ يُحَرِّمَ عَلَى نَفْسِهِ شَيْئًا وَهُوَ لَا يَعْلَمُ مَوْقِعَ الْمَصْلَحَةِ فِي الْحَظْرِ وَالْإِبَاحَةِ ؛ إذْ كَانَ عِلْمُ الْمَصَالِحِ فِي الْعِبَادَاتِ لِلَّهِ تَعَالَى وَحْدَهُ ؟ قِيلَ : هَذَا جَائِزٌ بِأَنْ يَأْذَنَ اللَّهُ لَهُ فِيهِ ، كَمَا يَجُوزُ الِاجْتِهَادُ فِي الْأَحْكَامِ بِإِذْنِ اللَّهِ تَعَالَى فَيَكُونُ مَا يُؤَدِّي إلَيْهِ الِاجْتِهَادُ حُكْمًا لِلَّهِ تَعَالَى.\rوَأَيْضًا فَجَائِزٌ لِلْإِنْسَانِ أَنْ يُحَرِّمَ امْرَأَتَهُ عَلَى نَفْسِهِ بِالطَّلَاقِ وَيُحَرِّمَ جَارِيَتَهُ بِالْعِتْقِ ، فَكَذَلِكَ جَائِزٌ أَنْ يَأْذَنَ اللَّهُ لَهُ فِي تَحْرِيمِ الطَّعَامِ ، إمَّا مِنْ جِهَةِ النَّصِّ أَوْ الِاجْتِهَادِ.\rوَمَا حَرَّمَهُ إسْرَائِيلُ عَلَى نَفْسِهِ لَا يَخْلُو مِنْ أَنْ يَكُونَ تَحْرِيمُهُ صَدَرَ عَنْ اجْتِهَادٍ مِنْهُ فِي ذَلِكَ أَوْ تَوْقِيفًا مِنْ اللَّهِ لَهُ فِي إبَاحَةِ التَّحْرِيمِ لَهُ إنْ شَاءَ.\rوَظَاهِرُ الْآيَةِ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ تَحْرِيمَهُ صَدَرَ عَنْ اجْتِهَادٍ مِنْهُ فِي ذَلِكَ لِإِضَافَةِ اللَّهِ تَعَالَى التَّحْرِيمَ إلَيْهِ ، وَلَوْ كَانَ ذَلِكَ عَنْ تَوْقِيفٍ لَقَالَ : \" إلَّا مَا حَرَّمَ اللَّهُ عَلَى بَنِي إسْرَائِيلَ \" فَلَمَّا أَضَافَ التَّحْرِيمَ إلَيْهِ دَلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّهُ قَدْ كَانَ جَعَلَ إلَيْهِ إيجَابَ التَّحْرِيمِ مِنْ طَرِيقِ الِاجْتِهَادِ.","part":15,"page":138},{"id":6272,"text":"وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ جَائِزٌ أَنْ يَجْعَلَ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الِاجْتِهَادَ فِي الْأَحْكَامِ كَمَا جَازَ لِغَيْرِهِ ، وَالنَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَوْلَى بِذَلِكَ لِفَضْلِ رَأْيِهِ وَعِلْمِهِ بِوُجُوهِ الْمَقَايِيسِ وَاجْتِهَادِ الرَّأْيِ ، وَقَدْ بَيَّنَّا ذَلِكَ فِي أُصُولِ الْفِقْهِ. أ هـ {أحكام القرآن للجصاص حـ 2 صـ 302}","part":15,"page":139},{"id":6273,"text":"قوله تعالى {فَمَنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (94)}\rفصل\rقال الفخر : \rالافتراء اختلاق الكذب ، والفرية الكذب والقذف ، وأصله من فرى الأديم ، وهو قطعه ، فقيل للكذب افتراء ، لأن الكاذب يقطع به في القول من غير تحقيق في الوجود.\rثم قال : {مِن بَعْدِ ذلك} أي من بعد ظهور الحجة بأن التحريم إنما كان من جهة يعقوب ، ولم يكن محرماً قبله {فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظالمون} المستحقون لعذاب الله لأن كفرهم ظلم منهم لأنفسهم ولمن أضلوه عن الدين. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 8 صـ 123}\rوقال البقاعى : \r{فمن} أي فتسبب عن ذلك أنه من {افترى} أي تعمد {على الله} أي الملك الأعظم {الكذب} أي في أمر المطاعم أو غيرها.\rولما كان المراد النهي عن إيقاع الكذب في أي زمن كان ، لا عن إيقاعه في جميع الزمان الذي بعد نزول الآية أثبت الجار فقال : {من بعد ذلك} أي البيان العظيم الظاهر جداً {فأولئك} أي الأباعد الأباغض {هم} خاصة لتعمدهم الكذب على من هو محيط بهم ولا تخفى عليه خافية {الظالمون} أي المتناهو الظلم بالمشي على خلاف الدليل فعل من يمشي في الظلام ، فهو لا يضع شيئاً في موضعه ، وذلك بتعرضهم إلى أن يهتكهم التام العلم ويعذبهم الشامل القدرة. أ هـ {نظم الدرر حـ 2 صـ 126}","part":15,"page":140},{"id":6274,"text":"وقال الآلوسى\r{فَمَنِ افترى عَلَى الله الكذب} أي اخترع ذلك بزعمه أن التحريم كان على الأنبياء وأممهم قبل نزول التوراة فمن عبارة عن أولئك اليهود ، ويحتمل أن تكون عامة ويدخلون حينئذٍ دخولاً أولياً ، وأصل الافتراء قطع الأديم يقال : فرى الأديم يفريه فرياً إذا قطعه ، واستعمل في الابتداع والاختلاق ، والجملة يحتمل أن تكون مستأنفة وأن تكون منصوبة المحل معطوفة على جملة {فَاتُواْ} [ آل عمران : 93 ] فتدخل تحت القول ، ومن يجوز أن تكون شرطية وأن تكون موصولة وقد روعي لفظها ومعناها.\r{مِن بَعْدِ ذلك} أي أمرهم بما ذكر وما يترتب عليه من قيام الحجة وظهور البينة. {فَأُوْلَئِكَ} أي المفترون المبعدون عن عز القرب {هُمُ الظالمون} لأنفسهم بفعل ما أوجب العقاب عليهم ، وقيل : هم الظالمون لأنفسهم بذلك ولأشياعهم بإضلالهم لهم بسبب إصرارهم على الباطل وعدم تصديقهم رسول الله صلى الله عليه وسلم وإنما قيد بالبعدية مع أنه يستحق الوعيد بالكذب على الله تعالى في كل وقت وفي كل حال للدلالة على كمال القبح ، وقيل : لبيان أنه إنما يؤاخذ به بعد إقامة الحجة عليه ومن كذب فيما ليس بمحجوج فيه فهو بمنزلة الصبي الذي لا يستحق الوعيد بكذبه وفيه تأمل ، ثم مناسبة هذه الآية لما قبلها أن الأكل إنفاق مما يحب لكن على نفسه وإلى ذلك أشار علي بن عيسى ، وقيل : إنه لما تقدم محاجتهم في ملة إبراهيم عليه السلام وكان مما أنكروا على نبينا صلى الله عليه وسلم أكل لحوم الإبل وادعوا أنه خلاف ملة إبراهيم ناسب أن يذكر رد دعواهم ذلك عقيب تلك المحاجة. أ هـ {روح المعانى حـ 4 صـ 3}","part":15,"page":141},{"id":6275,"text":"وقال ابن عاشور : \rوقوله : {فمن افترى على الله الكذب من بعد ذلك فأولئك هم الظالمون} نهاية لتسجيل كذبهم أي من استمرّ على الكذب على الله ، أي فمن افترى منكم بعد أن جعلنا التَّوراة فيصلاً بيننا ، إذ لم يبق لهم ما يستطيعون أن يدّعُوه شُبهة لهم في الاختلاق ، وجُعل الافتراء على الله لتعلّقه بدين الله.\rوالفاء للتفريع على الأمْر.\rوالافتراء : الكذب ، وهو مرادف الاختلاق.\rوالافتراء مأخوذ من الفَرْي ، وهو قطع الجلد قِطعاً ليُصلح به مثل أن يحْذى النعل ويصنع النطع أو القِربة.\rوافترى افتعال من فرى لعلّهُ لإفادة المبالغة في الفَرْي ، يقال : افترى الجلد كأنَّه اشتدّ في تقطيعه أو قطعَه تقطيع إفساد ، وهو أكثر إطلاق افترى.\rفأطلقوا على الإخبار عن شيء بأنّه وقَعَ ولَم يقع اسم الافتراء بمعنى الكذب ، كأنّ أصله كناية عن الكذب وتلميح ، وشاع ذلك حتَّى صار مرادفاً للكذب ، ونظيره إطلاق اسم الاختلاق على الكذب ، فالافتراء مرادف للكذب ، وإردَافه بقوله هنا : \"الكذب\" تأكيد للافتراء ، وتكرّرت نظائر هذا الإرداف في آيات كثيرة.\rفانتصب \"الكذب\" على المفعول المطلق الموكِّد لفعله.\rواللام في الكذب لتعريف الجنس فهو كقوله : {أفْتَرَى على اللَّه كَذِباً أمْ به جِنّة} [ سبأ : 8 ]\rوالكذب : الخبر المخالف لما هو حاصل في نفس الأمر من غير نظر إلى كون الخَبر موافقاً لاعتقاد المُخبر أو هو على خلاف ما يعتقده ، ولكنّه إذا اجتمع في الخبر المخالفة للواقع والمخالفة لاعتقاد المخبِر كان ذلك مذموماً ومسبَّة ؛ وإن كان معتقداً وقوعه لشبهة أو سوء تأمّل فهو مذموم ولكنّه لا يُحقَّر المخبر به ، والأكثر في كلام العرب أن يعنى بالكذب ما هو مذموم.","part":15,"page":142},{"id":6276,"text":"ثُمّ أعلنَ أن المتعيّن في جانبه الصّدق هو خبَر الله تعالى للجزم بأنهم لا يأتون بالتوراة ، وهذا كقوله : {ولن يتمنّوه أبداً} [ البقرة : 95 ]. أ هـ {التحرير والتنوير حـ 3 صـ 156 ـ 157}\rفائدة\rقال ابن عطية : \rقوله : {فمن افترى على الله الكذب من بعد ذلك} تحتمل الإشارة -بذلك- أن تكون إلى ثلاثة أشياء : أحدها : أن تكون إلى التلاوة إذ مضمنها بيان المذهب وقيام الحجة ، أي فمن كذب منا على الله تعالى أو نسب إلى كتب الله ما ليس فيها فهو ظالم واضع الشيء غير موضعه ، والآخر : أن تكون الإشارة إلىستقرار التحريم في التوراة ، لأن معنى الآية : {كل الطعام كان حلاً لبني إسرائيل إلا ما حرم إسرائيل على نفسه} [ آل عمران : 93 ] ، ثم حرمته التوراة عليهم عقوبة لهم ، {فمن افترى على الله الكذب} ، وزاد في المحرمات فهو الظالم ، والثالث : أن تكون الإشارة إلى الحال بعد تحريم إسرائيل على نفسه ، وقبل نزول التوراة ، أي من تسنن بيعقوب وشرع ذلك دون إذن من الله ، ومن حرم شيئاً ونسبه إلى ملة إبراهيم فهو الظالم ، ويؤيد هذا الاحتمال الأخير ، قوله تعالى {فبظلم من الذين هادوا حرمنا عليهم طيبات أحلت لهم} [ النساء : 160 ] فنص على أنه كان لهم ظلم في معنى التحليل والتحريم ، وكانوا يشددون فشدد الله عليهم ، كما فعلوا في أمر البقرة ، وبخلاف هذه السيرة جاء الإسلام في قوله صلى الله عليه وسلم : يسروا ولا تعسروا ، وقوله : دين الله يسر وقوله : بعثت بالحنيفية. أ هـ {المحرر الوجيز حـ 1 صـ 473}","part":15,"page":143},{"id":6277,"text":"فصل\rقال ابن عادل : \r\" مَنْ \" يجوز أن تكون شرطيَّةً ، أو موصولة ، وحمل على لفظها في قوله : \" افْتَرَى \" فوحَّد الضمير ، وعلى معناها فجمع في قوله : {فأولئك هُمُ الظالمون} ، والافتراء مأخوذ من الفَرْي ، وهو القطع ، والظالم هو الذي يضع الشيء في غير مَوْضِعِه.\rوقوله : {مِن بَعْدِ ذَلِكَ} أي : من بعد ظهور الحجة ، {فأولئك هُمُ الظالمون} المستحقون لعذاب الله.\rقوله : {مِنْ بَعْدِ} فيه وجهان : \rأحدهما : - وهو الظاهر- : أن يتعلق بـ \" افْتَرَى \".\rالثاني : قال أبو البقاء : يجوز أن يتعلق بالكذب ، يعني : الكذب الواقع من بعد ذلك.\rوفي المشار إليه ثلاثة أوجه : \rأحدها : استقرار التحريم المذكور في التوراةِ عليهم ؛ إذ المعنى : إلا ما حرم إسرائيلُ على نفسه ، ثم حرم في التوراة ؛ عقوبةً لهم.\rالثاني : التلاوة ، وجاز تذكير اسم الإشارة ؛ لأن المراد بها بيان مذهبهم.\rالثالث : الحال بعد تحريم إسرائيل على نفسه ، وهذه الجملة - أعني : قوله : {فَمَنِ افترى عَلَى الله الكذب} - يجوز أن تكون استئنافيةً ، فلا محل لها من الإعراب ، ويجوز أن تكون منصوبة المحل ؛ نسقاً على قوله : {فَأْتُواْ بالتوراة} ، فتندرج في المقول. أ هـ {تفسير ابن عادل حـ 5 صـ 394}","part":15,"page":144},{"id":6278,"text":"قوله تعالى {قُلْ صَدَقَ اللَّهُ فَاتَّبِعُوا مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (95)}\rمناسبة الآية لما قبلها\rقال البقاعى : \rولما اتضح كذبهم وافتضح تدليسهم - لأنه لما استدل عليهم بكتابهم فلم يأتوا به صار ظاهراً كالشمس ، لا شك فيه ولا لبس ، ولم يزدهم ذلك إلا تمادياً في الكذب - أمر سبحانه وتعالى نبيه صلى الله عليه وسلم بقوله : {قل} أي لأهل الكتاب الذي أنكروا النسخ فأقمت عليهم الحجة من كتابهم {صدق الله} أي الملك الأعظم الذي له الكمال كله في جميع ما أخبر ، وتخبر به عن ملة إبراهيم وغيره من بنيه أسلافكم ، وتبين أنه ليس على دينكم هو ولا أحد ممن قبل موسى عليه الصلاة والسلام ، لأنكم لو كنتم صادقين لأتيتم بالتوراة ، نافياً بذلك أن يكون تأخرهم عن الإتيان بها لعلة يعتلون بها غير ذلك ، وإذ قد تبين صدقه تعالى في جميع ما قال وجب اتباعه في كل ما يأمر به ، وأعظمه ملة إبراهيم فإنها الجامعة للمحاسن.\rولما ثبت ذلك بهذا الدليل المحكم لزم قطعاً أنه ما كان يهودياً ولا نصرانياً ولا مشركاً ، وقد أقروا بأن ملته هي الحق وأنهم أتباعه ، فتسبب عن ذلك وجوب اتباعه فيما أخبر الله سبحانه وتعالى به فبان كالشمس صدقه ، لا فيما افتروه هم من الكذب ، فقال سبحانه وتعالى : {فاتبعوا ملة إبراهيم} وهي الإسلام أي الانقياد للدليل ، وهو معنى قوله : {حنيفاً} أي تابعاً للحجة إذا تحررت ، غير متقيد بمألوف.\rولما كان صلى الله عليه وسلم مفطوراً.\rعلى الإسلام فلم يكن في جبلته شيء من العوج فلم يكن له دين غير الإسلام نفى الكون فقال : {وما كان من المشركين} أي بعزير ولا غيره من الأكابر كالأحبار الذين تقلدونهم مع علمكم بأنهم يدعون إلى ضد ما دعا إليه سبحانه وتعالى. أ هـ {نظم الدرر حـ 2 صـ 126 ـ 127}\rفصل\rقال الفخر : \r{قُلْ صَدَقَ الله} يحتمل وجوهاً","part":15,"page":145},{"id":6279,"text":"أحدها : {قُلْ صَدَقَ} في أن ذلك النوع من الطعام صار حراماً على إسرائيل وأولاده بعد أن كان حلالاً لهم ، فصح القول بالنسخ ، وبطلت شبهة اليهود\rوثانيها : {صَدَقَ الله} في قوله إن لحوم الإبل وألبانها كانت محللة لإبراهيم عليه السلام وإنما حرمت على بني إسرائيل لأن إسرائيل حرمها على نفسه ، فثبت أن محمداً صلى الله عليه وسلم لما أفتى بحل لحوم الإبل وألبانها ، فقد أفتى بملة إبراهيم\rوثالثها : {صَدَقَ الله} في أن سائر الأطعمة كانت محللة لبني إسرائيل وأنها إنما حرمت على اليهود جزاءً على قبائح أفعالهم.\rثم قال تعالى : {فاتبعوا مِلَّةَ إبراهيم حَنِيفاً} أي اتبعوا ما يدعوكم إليه محمد صلوات الله عليه من ملة إبراهيم ، وسواء قال : ملة إبراهيم حنيفاً ، أو قال : ملة إبراهيم الحنيف لأن الحال والصفة سواء في المعنى.\rثم قال : {وَمَا كَانَ مِنَ المشركين} أي لم يدع مع الله إلها آخر ، ولا عبد سواه ، كما فعله بعضهم من عبادة الشمس والقمر ، أو كما فعله العرب من عبادة الأوثان ، أو كما فعله اليهود من ادعاء أن عزير ابن الله ، وكما فعله النصارى من ادعاء أن المسيح ابن الله ، والغرض منه بيان أن محمداً صلوات الله عليه على دين إبراهيم عليه السلام ، في الفروع والأصول.\rأما في الفروع ، فلما ثبت أن الحكم بحله كان إبراهيم قد حكم بحله أيضاً ، وأما في الأصول فلأن محمداً صلوات الله وسلامه عليه لا يدعو إلا إلى التوحيد ، والبراءة عن كل معبود سوى الله تعالى وما كان إبراهيم صلوات الله عليه وسلامه إلا على هذا الدين. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 8 صـ 123 ـ 124}","part":15,"page":146},{"id":6280,"text":"وقال الآلوسى\r{قُلْ صَدَقَ الله} أي ظهر وثبت صدقه في أن كل الطعام كان حلاً لبني إسرائيل إلا ما حرم إسرائيل على نفسه وقيل : في أن محمداً صلى الله عليه وسلم على دين إبراهيم عليه السلام وأن دينه الإسلام ، وقيل : في كل ما أخبر به ويدخل ما ذكر دخولاً أولياً وفيه كما قيل : تعريض بكذبهم الصريح {فاتبعوا مِلَّةَ إبراهيم} وهي دين الإسلام فإنكم غير متبعين ملته كما تزعمون ، وقيل : اتبعوا مثل ملته حتى تخلصوا عن اليهودية التي اضطرتكم إلى الكذب على الله والتشديد على أنفسكم ، وقيل : اتبعوا ملته في استباحة أكل لحوم الإبل وشرب ألبانها مما كان حلاً له {حَنِيفاً} أي مائلاً عن سائر الأديان الباطلة إلى دين الحق ، أو مستقيماً على ما شرعه الله تعالى من الدين الحق في حجه ونسكه ومأكله وغير ذلك {وَمَا كَانَ مِنَ المشركين} أي في أمر من أمور دينهم أصلاً ( وفرعاً ) وفيه تعريض بشرك أولئك المخاطبين ، والجملة تذييل لما قبلها. أ هـ {روح المعانى حـ 4 صـ 3 ـ 4}\rوقال ابن عاشور : \r{قل صدق الله} وهو تعريض بكذبهم لأنّ صدق أحد الخبرين المتنافيين يستلزم كذب الآخر ، فهو مستعمل في معناه الأصلي والكنائي.\rوالتَّفريع في قوله : {فاتبعوا ملة إبراهيم جنيفاً} تفريع على {صدق الله} لأنّ اتّباع الصادق فيما أمر به مَنجاة من الخطر. أ هـ {التحرير والتنوير حـ 3 صـ 157}","part":15,"page":147},{"id":6281,"text":"لطيفة\rقال الطبرى : \rوإنما قال جل ثناؤه : \"وما كان من المشركين\" ، يعني به : وما كان من عَدَدهم وأوليائهم. وذلك أن المشركين بعضهم من بعض في التظاهر على كفرهم. ونصرةِ بعضهم بعضًا. فبرأ الله إبراهيم خليله أن يكون منهم أو [من] نصرائهم وأهل ولايتهم. وإنما عنى جل ثناؤه بالمشركين ، اليهودَ والنصارَى وسائر الأديان ، غير الحنيفية. قال : لم يكن إبراهيم من أهل هذه الأديان المشركة ، ولكنه كان حنيفًا مسلمًا. أ هـ {تفسير الطبرى حـ 7 صـ 18}\rفصل\rقال ابن عادل : \rالعامة على إظهار لام \" قُلْ \" مع الصاد.\rوقرأ ابنُ بن تغلب بإدغامها فيها ، وكذلك أدغم اللام في السين في قوله : {قُلْ سِيرُواْ} [ الأنعام : 11 ] وسيأتي أن حمزةَ والكسائيِّ وهشاماً أدْغموا اللام في السين في قوله : {بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ} [ يوسف : 18 ].\rقال أبو الفتح : \" عِلَّةُ ذلك فُشُوُّ هذين الحرفَيْن في الضم ، وانتشار الصوت المُنْبَثّ عنهما ، فقاربتا بذلك مخرج اللام ، فجاز إدغامها فيهما \" ، وهو مأخوذ من كلام سيبويه ، فإن سيبويه قال : \" والإدغام ، يعني : إدغام اللام مع الصاد والطاء وأخواتهما ، جائز ، وليس ككثرته مع الراء ؛ لأن هذه الحروفَ تراخين عنها ، وهن من الثنايا ؛ قال : وجواز الإدغام أنّ آخر مخرج اللام قريب من مخرجها \". انتهى.\rقال أبو البقاء عبارة تُوَضِّحُ ما تقدم ، وهي : \" لأن الصاد فيها انبساط ، وفي اللام انبساط ، بحيث يتلاقى طرفاهما ، فصارا متقاربين \". أ هـ {تفسير ابن عادل حـ 5 صـ 395}","part":15,"page":148},{"id":6282,"text":"قوله تعالى {إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِلْعَالَمِينَ (96) فِيهِ آَيَاتٌ بَيِّنَاتٌ مَقَامُ إِبْرَاهِيمَ وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آَمِنًا وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ (97)}\rمناسبة الآية لما قبلها\rقال البقاعى : \rولما ألزمهم سبحانه وتعالى بالدليل الذي دل على النسخ أنهم على غير ملة إبراهيم عليه الصلاة والسلام ، وأوجب عليهم اتباعها بعد بيان أنها هي ما عليه محمد صلى الله عليه وسلم وأتباعه ، أخبر عن البيت الذي يخول إليه التوجه في الصلاة ، فعابوه على أهل الإسلام أنه أعظم شعائر إبراهيم عليه الصلاة والسلام التي كفروا بتركها ، ولذلك أبلغ في تأكيده فقال سبحانه وتعالى : {إن أول بيت} أي من البيوت الجامعة للعبادة {وضع للناس} أي على العموم متعبداً واجباً عليهم قصده وحجه بما أمرهم به على لسان موسى عليه الصلاة والسلام ، واستقباله في الصلاة بما أنزل على محمد صلى الله عليه وسلم في ذلك ، ولعل بناء وضع ، للمفعول إشارة إلى أن وضعه كان قبل إبراهيم عليه الصلاة والسلام {للذي ببكة} أي البلدة التي تدق أعناق الجبابرة ، ويزدحم الناس فيها إزدحاماً لا يكون في غيرها مثله ولا قريب منه ، فلا بد أن يدق هذا النبي الذي أظهرته منها الأعناق من كل من ناواه ويزدحم الناس على الدخول في دينه ازدحاماً لم يعهد مثله فإن فاتكم ذلك ختم في الدارين غاية الخيبة ودام ذلكم وصغاركم ؛ حال كونه {مباركاً} أي عظيم الثبات كثير الخيرات في الدين والدنيا {وهدى للعالمين} أي من بني إسرائيل ومن قبلهم ومن بعدهم ، فعاب عليهم سبحانه وتعالى في هذه الآية فعلهم من النسخ ما أنكروه على مولاهم.","part":15,"page":149},{"id":6283,"text":"وذلك نسخهم لما شرعه من حجة من عند أنفسهم تحريفاً منهم مثالاً لما قدم من الإخبار به عن كذبهم ، وهذا أمر شهير يسجل عليهم بالمخالفة ويثبت للمؤمنين المؤالفة ، فإن حج البيت الحرام وتعظيمه من أعظم ما شرعه إبراهيم عليه الصلاة والسلام - كما هو مبين في السير وغيرها وهم عالمون بذلك ، وقد حجه أنبياؤهم عليهم الصلاة والسلام وأسلافهم إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط وغيرهم من الأنبياء عليهم الصلاة والسلام وأتباعهم - كما روي من غير طريق عن النبي صلى الله عليه وسلم حتى أن في بعض الطرق أنه كان مع موسى عليه الصلاة في حجة إليه سبعون ألفاً من بني إسرائيل ، ومن المحال عادة أن يخفى ذلك عليهم ، ومن الأمر الواضح أنهم قد تركوا هذه الشريعة العظيمة أصلاً ورأساً ، فكيف يصح لهم دعوى أنهم على دين إبراهيم عليه الصلاة والسلام مع انسلاخهم من معظم شرائعه! ثم فسر الهدى بقوله : {فيه آيات بينات} وقوله : {مقام إبراهيم} أي أثر قدمه عليه الصلاة والسلام في الحجر حيث قام لتغسل كنته رأسه الشريف - أعربه أبو حيان بدلاً أو عطف بيان من الموصول الذي هو خبر {إن} في قوله : {للذي ببكة} فكأنه قيل : إن أول بيت وضع للناس لمقام إبراهيم ، وأعربه غيره بدل بعض من قوله {آيات} وهو وحده آيات لعظمه ولتعدد ما فيه من تأثير القدم ، وحفظه إلى هذا الزمان مع كونه منقولاً ، وتذكيره بجميع قضايا إبراهيم وإسماعيل عليهما الصلاة والسلام.\rولما كان أمن أهله في بلاد النهب والغارات التي ليس بها حاكم يفزع إليه ولا رئيس يعول في ذلك عليه من أدل الآيات قال سبحانه وتعالى : {ومن دخله} أي فضلاً عن أهله {كان آمناً} أي عريقاً في الأمن ، أو فأمنوه بأمان الله ، وتحويل العبارة عن \" وأمن داخله \" لأن هذا أدل على المراد من تمكن الأمن ، وفيه بشارة بدخول الجنة.\r","part":15,"page":150},{"id":6284,"text":"ولما أوضح سبحانه وتعالى براءتهم من إبراهيم عليه الصلاة والسلام لمخالفتهم إياه بعد دعواهم بهتاناً أنه على دينهم ، وكانت المخالفة في الواجب أدل قال سبحانه وتعالى : {ولله} أي الملك الذي له الأمر كله {على الناس} أي عامة ، فأظهر في موضع الإضمار دلالة على الإحاطة والشمول - كما سيأتي بيان ذلك إن شاء الله تعالى عن الأستاذ أبي الحسن الحرالي في {استطعما أهلها} [ الكهف : 77 ] في الكهف ، وذلك لئلا يدعي خصوصة بالعرب أو غيرهم {حج البيت} أي زيارته زيارة عظيمة ، وأظهر أيضاً تنصيصاً عليه وتنويهاً بذكره تفخيماً لقدره ، وعبر هنا بالبيت لأنه في الزيارة ، وعادة العرب زيارة معاهد الأحباب وأطلالهم وأماكنهم وحلالهم ، وأعظم ما يعبر به عن الزيارة عندهم الحج ، ثم مَن بالتخفيف بقوله مبدلاً من الناس ، تأكيداً بالإيضاح بعد الإبهام وحملاً على الشكر بالتخفيف بعد التشديد وغير ذلك من البلاغة : {من استطاع} أي منهم {إليه سبيلاً} فمن حجه كان مؤمناً.\rولما كان من الواضح أن التقدير : ومن لم يحجه مع الاستطاعة كفر بالنعمة إن كان معترفاً بالوجوب ، وبالمروق من الدين إن جحد ، عطف عليه قوله : {ومن كفر} أي بالنعمة أو بالدين {فإن الله} اي الملك الأعلى {غني} ولما كان غناه مطلقاً دل عليه بقوله موضع عنه : {عن العالمين} أي طائعهم وعاصيهم ، صامتهم وناطقهم ، رطبهم ويابسهم ، فوضح بهذه الآية وما شاكلها أنهم ليسوا على دينه كما وضح بما تقدم أنه ليس على دينهم ، فثبتت بذلك براءته منهم ، والآية من الاحتباك لأن إثبات فرضه أولاً يدل على كفر من أباه ، وإثبات {ومن كفر} ثانياً يدل على إيمان من حجه. أ هـ {نظم الدرر حـ 2 صـ 127 ـ 129}\rفصل\rقال الفخر : \rفي اتصال هذه الآية بما قبلها وجوه","part":15,"page":151},{"id":6285,"text":"الأول : أن المراد منه الجواب عن شبهة أخرى من شبه اليهود في إنكار نبوّة محمد عليه الصلاة والسلام ، وذلك لأنه عليه السلام لما حول القبلة إلى الكعبة طعن اليهود في نبوته ، وقالوا إن بيت المقدس أفضل من الكعبة وأحق بالاستقبال ، وذلك لأنه وضع قبل الكعبة ، وهو أرض المحشر ، وقبلة جملة الأنبياء ، وإذا كان كذلك كان تحويل القبلة منه إلى الكعبة باطلاً ، فأجاب الله تعالى عنه بقوله {إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ} فبيّن تعالى أن الكعبة أفضل من بيت المقدس وأشرف ، فكان جعلها قبلة أولى\rوالثاني : أن المقصود من الآية المتقدمة بيان أن النسخ هل يجوز أم لا ؟ فإن النبي صلى الله عليه وسلم استدل على جوازه بأن الأطعمة كانت مباحة لبني إسرائيل ، ثم إن الله تعالى حرم بعضها ، والقوم نازعوا رسول الله صلى الله عليه وسلم فيه ، وأعظم الأمور التي أظهر رسول الله نسخها هو القبلة ، لا جرم ذكر تعالى في هذه الآية بيان ما لأجله حولت الكعبة ، وهو كون الكعبة أفضل من غيرها\rالثالث : أنه تعالى لما قال في الآية المتقدمة {فاتبعوا مِلَّةَ إبراهيم حَنِيفاً وَمَا كَانَ مِنَ المشركين} [ آل عمران : 95 ] وكان من أعظم شعار ملة إبراهيم الحج ، ذكر في هذه الآية فضيلة البيت ، ليفرع عليه إيجاب الحج\rالرابع : أن اليهود والنصارى زعم كل فرقة منهم أنه على ملة إبراهيم ، وقد سبقت هذه المناظرة في الآيات المتقدمة ، فإن الله تعالى بيّن كذبهم ، من حيث أن حج الكعبة كان ملة إبراهيم واليهود والنصارى لا يحجون ، فيدل هذا على كذبهم في ذلك. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 8 صـ 124}","part":15,"page":152},{"id":6286,"text":"وقال الآلوسى : \r{إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ}. أخرج ابن المنذر وغيره عن ابن جريج قال : بلغنا أن اليهود قالت : بيت المقدس أعظم من الكعبة لأنه مهاجر الأنبياء ولأنه في الأرض المقدسة ، فقال المسلمون : بل الكعبة أعظم فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فنزلت إلى {مَّقَامِ إبراهيم} [ آل عمران : 97 ] وروي مثل ذلك عن مجاهد ووجه ربطها بما قبلها أن الله تعالى أمر الكفرة باتباع ملة إبراهيم ومن ملته تعظيم بيت الله تعالى الحرام فناسب ذكر البيت وفضله وحرمته لذلك ، وقيل : وجه المناسبة أن هذه شبهة ثانية ادعوها فأكذبهم الله تعالى فيها كما أكذبهم في سابقتها ، والمعنى : إن أول بيت وضع لعبادة الناس ربهم أي هيىء وجعل متعبداً ؛ والواضع هو الله تعالى كما يدل عليه قراءة من قرأ {وُضِعَ} بالبناء للفاعل لأن الظاهر حينئذٍ أن يكون الضمير راجعاً إلى الله تعالى وإن لم يتقدم ذكره سبحانه صريحاً في الآية بناءاً على أنها مستأنفة واحتمال عوده إلى إبراهيم عليه السلام لاشتهاره ببناء البيت خلاف الظاهر. أ هـ {روح المعانى حـ 4 صـ 4}\rفصل\rقال القرطبى : \rثبت في صحيح مسلم \" عن أبي ذر قال : سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أوّل مسجد وضع في الأرض قال : \"المسجد الحرام\".\rقلت : ثم أي ؟ قال : \"المسجد الأقصى\".\rقلت : كم بينهما ؟ قال : \"أربعون عاماً ثم الأرض لك مسجد فحيثما أدركتك الصلاة فصل\" \" قال مجاهد وقتادة : لم يوضع قبله بيت.\rقال عليّ رضي الله عنه : كان قبل البيت بيوت كثيرة ، والمعنى أنه أوّل بيت وضع للعبادة.\rوعن مجاهد قال : تفاخر المسلمون واليهود فقالت اليهود : بيت المقدِس أفضل وأعظم من الكعبة ؛ لأنه مهاجر الأنبياء وفي الأرض المقدسة.\rوقال المسلمون : بل الكعبة أفضل ؛ فأنزل الله هذه الآية.","part":15,"page":153},{"id":6287,"text":"وقد مضى في البقرة بنيان البيت وأوّل من بناه.\rقال مجاهد : خلق الله موضع هذا البيتِ قبل أن يخلق شيئاً من الأرض بألفي سنة ، وأن قواعده لفي الأرض السابعة السفلى.\rوأما المسجد الأقصى فبناه سليمان عليه السلام ؛ كما خرجه النسائي بإسناد صحيح من حديث عبد الله بن عمرو.\rوعن النبي صلى الله عليه وسلم : \" أن سليمان بن داود عليه السلام لما بنى بيت المقدس سأل الله خِلالاً ثلاثة ( سأل الله عز وجل ) حُكْماً يصادف حكمه فأُوتِيَهُ ، وسأل الله عز وجل مُلْكاً لا ينبغي لأحد من بعده فأوتيه ، وسأل الله عز وجل حين فرغ من بناء المسجد ألاّ يأتيه أحد لا يَنْهزه إلا الصلاةُ فيه أن يخرجه من خطيئته كيوم ولدته أمّه فأوتيه \" فجاء إشكالٌ بين الحديثين ؛ لأن بين إبراهيم وسليمان آماداً طويلة.\rقال أهل التواريخ : أكثر من ألف سنة.\rفقيل : إن إبراهيم وسليمان عليهما السلام إنما جدّدا ما كان أسَّسَه غيرهما.\rوقد روي أن أوّل من بني البيت آدم عليه السلام كما تقدّم.\rفيجوز أن يكون غيره من ولده وضع بيت المقدس من بعده بأربعين عاماً ، ويجوز أن تكون الملائكة أيضاً بنته بعد بنائها البيت بإذن الله ؛ وكل محتمل.\rوالله أعلم.\rوقال علي بن أبي طالب رضي الله عنه : أمر الله تعالى الملائكة ببناء بيت في الأرض وأن يطوفوا به ؛ وكان هذا قبل خلق آدم ، ثم إن آدم بنى منه ما بنى وطاف به ، ثم الأنبياء بعده ، ثم استتم بناءه إبراهيم عليه السلام. أ هـ {تفسير القرطبى حـ 4 صـ 137 ـ 138}\rفصل\rقال الفخر : \rقال المحققون : {الأول} هو الفرد السابق ، فإذا قال : أول عبد اشتريه فهو حر فلو اشترى عبدين في المرة الأولى لم يعتق أحد منها لأن الأول هو الفرد ، ثم لو اشترى في المرة الثانية عبداً واحداً لم يعتق ، لأن شرط الأول كونه سابقاً فثبت أن الأول هو الفرد السابق.","part":15,"page":154},{"id":6288,"text":"إذا عرفت هذا فنقول : إن قوله تعالى : {إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ} لا يدل على أنه أول بيت خلقه الله تعالى ، ولا أنه أول بيت ظهر في الأرض ، بل ظاهر الآية يدل على أنه أول بيت وضع للناس ، وكونه موضوعاً للناس يقتضي كونه مشتركاً فيه بين جميع الناس ، فأما سائر البيوت فيكون كل واحد منها مختصاً بواحد من الناس فلا يكون شيء من البيوت موضوعاً للناس ، وكون البيت مشتركاً فيه بين كل الناس ، لا يحصل إلا إذا كان البيت موضوعاً للطاعات والعبادات وقبلة للخلق ، فدل قوله تعالى : {إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ} على أن هذا البيت وضعه الله موضعاً للطاعات والخيرات والعبادات فيدخل فيه كون هذا البيت قبلة للصلوات ، وموضعاً للحج ، ومكانا يزداد ثواب العبادات والطاعات فيه.\rفإن قيل : كونه أولاً في هذا الوصف يقتضي أن يكون له ثان ، وهذا يقتضي أن يكون بيت المقدس يشاركه في هذه الصفات التي منها وجوب حجه ، ومعلوم أنه ليس كذلك.\rوالجواب : من وجهين\rالأول : أن لفظ الأول : في اللغة اسم للشيء الذي يوجد ابتداء ، سواء حصل عقيبه شيء آخر أو لم يحصل ، يقال : هذا أول قدومي مكة ، وهذا أول مال أصبته ولو قال : أول عبد ملكته فهو حر فملك عبداً عتق وإن لم يملك بعده عبداً آخر ، فكذا هنا ، ","part":15,"page":155},{"id":6289,"text":"والثاني : أن المراد من قوله {إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ} أي أول بيت وضع لطاعات الناس وعباداتهم وبيت المقدس يشاركه في كونه بيتاً موضوعاً للطاعات والعبادات ، بدليل قوله عليه الصلاة والسلام : \" لا تشد الرحال إلا إلى ثلاث مساجد : المسجد الحرام ، والمسجد الأقصى ، ومسجدي هذا \" فهذا القدر يكفي في صدق كون الكعبة أول بيت وضع للناس ، وأما أن يكون بيت المقدس مشاركاً له في جميع الأمور حتى في وجوب الحج ، فهذا غير لازم والله أعلم. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 8 صـ 124 ـ 125}\rفصل\rقال الفخر : \rاعلم أن قوله {إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِى بِبَكَّةَ مُبَارَكاً} يحتمل أن يكون المراد كونه أولاً في الوضع والبناء وأن يكون المراد كونه أولاً في كونه مباركاً وهدىً فحصل للمفسرين في تفسير هذه الآية قولان\rالأول : أنه أول في البناء والوضع ، والذاهبون إلى هذا المذهب لهم أقوال\rأحدها : ما روى الواحدي رحمه الله تعالى في \"البسيط\" بإسناده عن مجاهد أنه قال : خلق الله تعالى هذا البيت قبل أن يخلق شياً من الأرضين ، وفي رواية أخرى : خلق الله موضع هذا البيت قبل أن يخلق شياً من الأرض بألفي سنة ، وإن قواعده لفي الأرض السابعة السفلى وروي أيضاً عن محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب رضوان الله تعالى عليهم أجمعين عن أبيه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : \" إن الله تعالى بعث ملائكته فقال ابنوا لي في الأرض بيتاً على مثال البيت المعمور وأمر الله تعالى من في الأرض أن يطوفوا به كما يطوف أهل السماء بالبيت المعمور ، وهذا كان قبل خلق آدم \".","part":15,"page":156},{"id":6290,"text":"وأيضاً ورد في سائر كتب التفسير عن عبد الله بن عمر ، ومجاهد والسدي : أنه أول بيت وضع على وجه الماء عند خلق الأرض والسماء ، وقد خلقه الله تعالى قبل الأرض بألفي عام وكان زبدة بيضاء على الماء ثم دحيت الأرض تحته ، قال القفال في \"تفسيره\" : روى حبيب بن ثابت عن ابن عباس أنه قال : وجد في كتاب في المقام أو تحت المقام\" أنا الله ذو بكة وضعتها يوم وضعت الشمس والقمر ، وحرمتها يوم وضعت هذين الحجرين ، وحففتها بسبعة أملاك حنفاء\"\rوثانيها : أن آدم صلوات الله عليه وسلامه لما أهبط إلى الأرض شكا الوحشة ، فأمره الله تعالى ببناء الكعبة وطاف بها ، وبقي ذلك إلى زمان نوح عليه السلام ، فلما أرسل الله تعالى الطوفان ، رفع البيت إلى السماء السابعة حيال الكعبة ، يتعبد عنده الملائكة ، يدخله كل يوم سبعون ألف ملك سوى من دخل من قبل فيه ، ثم بعد الطوفان اندرس موضع الكعبة ، وبقي مختفياً إلى أن بعث الله تعالى جبريل صلوات الله عليه إلى إبراهيم عليه السلام ودله على مكان البيت ، وأمره بعمارته ، فكان المهندس جبريل والبناء إبراهيم والمعين إسماعيل عليهم السلام.\rواعلم أن هذين القولين يشتركان في أن الكعبة كانت موجودة في زمان آدم عليه السلام ، وهذا هو الأصوب ويدل عليه وجوه\r","part":15,"page":157},{"id":6291,"text":"الأول : أن تكليف الصلاة كان لازماً في دين جميع الأنبياء عليهم السلام ، بدليل قوله تعالى في سورة مريم {أولئك الذين أَنْعَمَ الله عَلَيْهِم مّنَ النبيين مِن ذُرّيَّةِ ءَادَمَ وَمِمَّن حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ وَمِن ذُرّيَّةِ إبراهيم وإسرائيل وَمِمَّنْ هَدَيْنَا واجتبينا إِذَا تتلى عَلَيْهِمْ ءايات الرحمن خَرُّواْ سُجَّداً وَبُكِيّاً} [ مريم : 58 ] فدلت الآية على أن جميع الأنبياء عليهم السلام كانوا يسجدون لله والسجدة لا بد لها من قبلة ، فلو كانت قبلة شيث وإدريس ونوح عليهم السلام موضعاً آخر سوى القبلة لبطل قوله {إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِى بِبَكَّةَ} فوجب أن يقال : إن قبلة أولئك الأنبياء المتقدمين هي الكعبة ، فدل هذا على أن هذه الجهة كانت أبداً مشرفة مكرمة\rالثاني : أن الله تعالى سمى مكة أم القرى ، وظاهر هذا يقتضي أنها كانت سابقة على سائر البقاع في الفضل والشرف منذ كانت موجودة\rالثالث : روي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال في خطبته يوم فتح مكة \" ألا إن الله قد حرم مكة يوم خلق السموات والأرض والشمس والقمر \" وتحريم مكة لا يمكن إلا بعد وجود مكة\rالرابع : أن الآثار التي حكيناها عن الصحابة والتابعين دالة على أنها كانت موجودة قبل زمان إبراهيم عليه السلام.\rواعلم أن لمن أنكر ذلك أن يحتج بوجوه\rالأول : ما روي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : \" اللّهم إني حرمت المدينة كما حرم إبراهيم مكة \" وظاهر هذا يقتضي أن مكة بناء إبراهيم عليه السلام ولقائل أن يقول : لا يبعد أن يقال البيت كان موجوداً قبل إبراهيم وما كان محرماً ثم حرمه إبراهيم عليه السلام","part":15,"page":158},{"id":6292,"text":"الثاني : تمسكوا بقوله تعالى : {وَإِذْ يَرْفَعُ إبراهيم القواعد مِنَ البيت وإسماعيل} [ البقرة : 127 ] ولقائل أن يقول : لعل البيت كان موجوداً قبل ذلك ثم انهدم ، ثم أمر الله إبراهيم برفع قواعده وهذا هو الوارد في أكثر الأخبار\rالثالث : قال القاضي : إن الذي يقال من أنه رفع زمان الطوفان إلى السماء بعيد ، وذلك لأن الموضع الشريف هو تلك الجهة المعينة ، والجهة لا يمكن رفعها إلى السماء ألا ترى أن الكعبة والعياذ بالله تعالى لو انهدمت ونقل الأحجار والخشب والتراب إلى موضع آخر لم يكن له شرف ألبتة ، ويكون شرف تلك الجهة باقياً بعد الانهدام ، ويجب على كل مسلم أن يصلي إلى تلك الجهة بعينها ، وإذا كان كذلك فلا فائدة في نقل تلك الجدران إلى السماء ولقائل أن يقول : لما صارت تلك الأجسام في العزة إلى حيث أمر الله بنقلها إلى السماء ، وإنما حصلت لها هذه العزة بسبب أنها كانت حاصلة في تلك الجهة ، فصار نقلها إلى السماء من أعظم الدلائل على غاية تعظيم تلك الجهة وإعزازها ، فهذا جملة ما في هذا القول : \rالقول الثاني : أن المراد من هذه الأولية كون هذا البيت أولاً في كونه مباركاً وهدىً للخلق روي أن النبي عليه الصلاة والسلام سئل عن أول مسجد وضع للناس ، فقال عليه الصلاة والسلام : \" المسجد الحرام ثم بيت المقدس \" فقيل كم بينهما ؟ قال : \" أربعون سنة \" وعن علي رضي الله عنه أن رجلاً قال له : أهو أول بيت ؟ قال : \" لا قد كان قبله بيوت ولكنه أول بيت وضع للناس مباركاً فيه الهدى والرحمة والبركة أول من بناه إبراهيم ، ثم بناه قوم من العرب من جرهم ، ثم هدم فبناه العمالقة ، وهم ملوك من أولاد عمليق بن سام بن نوح ، ثم هدم فبناه قريش \"","part":15,"page":159},{"id":6293,"text":"واعلم أن دلالة الآية على الأولية في الفضل والشرف أمر لا بد منه ، لأن المقصود الأصلي من ذكر هذه الأولية بيان الفضيلة ، لأن المقصود ترجيحه على بيت المقدس ، وهذا إنما يتم بالأولية في الفضيلة والشرف ، ولا تأثير للأولية في البناء في هذا المقصود ، إلا أن ثبوت الأولية بسبب الفضيلة لا ينافي ثبوت الأولية في البناء ، وقد دللنا على ثبوت هذا المعنى أيضاً. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 8 صـ 125 ـ 127}\rوقال الآلوسى : \rالمراد بالأولية الأولية بحسب الزمان ، وقيل : بحسب الشرف (1) ، ويؤيد الأول : ما أخرجه الشيخان عن أبي ذر رضي الله تعالى عنه قال : سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أول بيت وضع للناس فقال : \" المسجد الحرام ثم بيت المقدس فقيل : كم بينهما ؟ فقال : أربعون سنة \" واستشكل ذلك بأن باني المسجد الحرام إبراهيم عليه السلام وباني الأقصى داود ثم ابنه سليمان عليهما السلام ، ورفع قبته ثمانية عشر ميلاً وبين بناء إبراهيم وبنائهما مدة تزيد على الأربعين بأمثالها.\rوأجيب بأن الوضع غير البناء والسؤال عن مدة ما بين وضعيهما لا عن مدة ما بين بناءيهما فيحتمل أن واضع الأقصى بعض الأنبياء قبل داود وابنه عليهما السلام ثم بنياه بعد ذلك ، ولا بد من هذا التأويل قاله الطحاوي وأجاب بعضهم على تقدير أن يراد من الوضع البناء بأن باني المسجد الحرام والمسجد الأقصى هو إبراهيم عليه السلام وأنه بنى الأقصى بعد أربعين سنة من بنائه المسجد الحرام وادعى فهم ذلك من الحديث فتدبر.\r_______________\r(1) الأولية فى الشرف أسمى من الأولية فى الزمان فإبليس عليه لعنة الله خلق قبل آدم ـ عليه السلام ـ بآلاف السنين وشتان بين أشقى الأشقياء وبين أسعد السعداء. والله أعلم.","part":15,"page":160},{"id":6294,"text":"وورد في بعض الآثار أن أول من بنى البيت الملائكة وقد بنوه قبل آدم عليه السلام بألفي عام ، وعن مجاهد وقتادة والسدي ما يؤيد ذلك ، وحكي أن بناء الملائكة له كان من ياقوتة حمراء ثم بناه آدم ثم شيث ثم إبراهيم ثم العمالقة ثم جرهم ثم قصي ثم قريش ثم عبد الله بن الزبير ثم الحجاج واستمر بناء الحجاج إلى الآن إلا في الميزاب والباب والعتبة ووقع الترميم في الجدار والسقف غير مرة وجدد فيه الرخام ، وقيل : إنه نزل مع آدم من الجنة ثم رفع بعد موته إلى السماء ، وقيل : بني قبله ورفع في الطوفان إلى السماء السابعة ، وقيل : الرابعة ، وذهب أكثر أهل الأخبار أن الأرض دحيت من تحته ، وقد أسلفنا لك ما ينفعك هنا فتذكر. أ هـ {روح المعانى حـ 4 صـ 4 ـ 5}\rفائدة نفيسة\rقال العلامة ابن عطية وقد أجاد : \rورويت في هذا أقاصيص من نزول آدم به من الجنة ومن تحديد ما بين خلقه ودحو الأرض ، ونحو ما قال الزجّاج : من أنه البيت المعمور أسانيدها ضعاف فلذلك تركتها ، وعلى هذا القول يجيء رفع إبراهيم القواعد تجديداً. أ هـ {المحرر الوجيز حـ 1 صـ 474}\rفصل\rقال الفخر : \rإذا ثبت أن المراد من هذه الأولية زيادة الفضيلة والمنقبة فلنذكر ههنا وجوه فضيلة البيت : \rالفضيلة الأولى : اتفقت الأمم على أن باني هذا البيت هو الخليل عليه السلام ، وباني بيت المقدس سليمان عليه السلام ، ولا شك أن الخليل أعظم درجة وأكثر منقبة من سليمان عليه السلام فمن هذا الوجه يجب أن تكون الكعبة أشرف من بيت المقدس.","part":15,"page":161},{"id":6295,"text":"واعلم أن الله تعالى أمر الخليل عليه السلام بعمارة هذا البيت ، فقال : {وَإِذْ بَوَّأْنَا لإبراهيم مَكَانَ البيت أَن لاَّ تُشْرِكْ بِى شَيْئاً وَطَهّرْ بَيْتِىَ لِلطَّائِفِينَ والقائمين والركع السجود} [ الحج : 26 ] والمبلغ لهذا التكليف هو جبريل عليه السلام ، فلهذا قيل : ليس في العالم بناء أشرف من الكعبة ، فالآمر هو الملك الجليل والمهندس هو جبريل ، والباني هو الخليل ، والتلميذ إسماعيل عليهم السلام.\rالفضيلة الثانية : {مَّقَامِ إبراهيم} وهو الحجر الذي وضع إبراهيم قدمه عليه فجعل الله ما تحت قدم إبراهيم عليه السلام من ذلك الحجر دون سائر أجزائه كالطين حتى غاص فيه قدم إبراهيم عليه السلام ، وهذا مما لا يقدر عليه إلا الله ولا يظهره إلا على الأنبياء ، ثم لما رفع إبراهيم قدمه عنه خلق فيه الصلابة الحجرية مرة أخرى ، ثم إنه تعالى أبقى ذلك الحجر على سبيل الاستمرار والدوام فهذه أنواع من الآيات العجيبة والمعجزات الباهرة أظهرها الله سبحانه في ذلك الحجر.\rالفضيلة الثالثة : قلة ما يجتمع فيه من حصى الجمار ، فإنه منذ آلاف سنة وقد يبلغ من يرمي في كل سنة ستمائة ألف إنسان كل واحد منهم سبعين حصاة ، ثم لا يرى هناك إلا ما لو اجتمع في سنة واحدة لكان غير كثير وليس الموضع الذي ترمي إليه الجمرات مسيل ماء ولا مهب رياح شديدة وقد جاء في الآثار أن من كانت حجته مقبولة رفعت حجارة جمراته إلى السماء.\rالفضيلة الرابعة : إن الطيور تترك المرور فوق الكعبة عند طيرانها في الهواء بل تنحرف عنها إذا ما وصلت إلى فوقها.\r","part":15,"page":162},{"id":6296,"text":"الفضيلة الخامسة : أن عنده يجتمع الوحش لا يؤذي بعضها بعضاً كالكلاب والظباء ، ولا يصطاد فيه الكلاب والوحوش وتلك خاصية عجيبة وأيضاً كل من سكن مكة أمن من النهب والغارة وهو بركة دعاء إبراهيم عليه السلام حيث قال : {رَبِّ اجعل هذا بَلَدًا آمِنًا} [ البقرة : 126 ] وقال تعالى في صفة أمنه {أَوَ لَمْ يَرَوْاْ أَنَّا جَعَلْنَا حَرَماً ءَامِناً وَيُتَخَطَّفُ الناس مِنْ حَوْلِهِمْ} [ العنكبوت : 67 ] وقال : {فَلْيَعْبُدُواْ رَبَّ هذا البيت الذى أَطْعَمَهُم مّن جُوعٍ وَءامَنَهُم مّنْ خوْفٍ} [ قريش : 3 ، 4 ] ولم ينقل ألبتة أن ظالماً هدم الكعبة وخرب مكة بالكلية ؛ وأما بيت المقدس فقد هدمه بختنصر بالكلية.\rالفضيلة السادسة : أن صاحب الفيل وهو أبرهة الأشرم لما قاد الجيوش والفيل إلى مكة لتخريب الكعبة وعجز قريش عن مقاومة أولئك الجيوش وفارقوا مكة وتركوا له الكعبة فأرسل الله عليهم طيراً أبابيل ، والأبابيل هم الجماعة من الطير بعد الجماعة ، وكانت صغاراً تحمل أحجاراً ترميهم بها فهلك الملك وهلك العسكر بتلك الأحجار مع أنها كانت في غاية الصغر ، وهذه آية باهرة دالة على شرف الكعبة وإرهاص لنبوّة محمد عليه الصلاة والسلام.\rفإن قال قائل : لم لا يجوز أن يقال إن كل ذلك بسبب طلسم موضوع هناك بحيث لا يعرفه أحد فإن الأمر في تركيب الطلسمات مشهور.\rقلنا : لو كان هذا من باب الطلسمات لكان هذا طلسماً مخالفاً لسائر الطلسمات فإنه لم يحصل لشيء سوى الكعبة مثل هذا البقاء الطويل في هذه المدة العظيمة ، ومثل هذا يكون من المعجزات ، فلا يتمكن منها سوى الأنبياء.\rالفضيلة السابعة : إن الله تعالى وضعها بواد غير ذي زرع ، والحكمة من وجوه\rأحدها : إنه تعالى قطع بذلك رجاء أهل حرمه وسدنة بيته عمن سواه حتى لا يتوكلوا إلا على الله\r","part":15,"page":163},{"id":6297,"text":"وثانيها : أنه لا يسكنها أحد من الجبابرة والأكاسرة فإنهم يريدون طيبات الدنيا فإذا لم يجدوها هناك تركوا ذلك الموضع ، فالمقصود تنزيه ذلك الموضع عن لوث وجود أهل الدنيا\rوثالثها : أنه فعل ذلك لئلا يقصدها أحد للتجارة بل يكون ذلك لمحض العبادة والزيارة فقط\rورابعها : أظهر الله تعالى بذلك شرف الفقر حيث وضع أشرف البيوت في أقل المواضع نصيباً من الدنيا ، فكأنه قال : جعلت الفقراء في الدنيا أهل البلد الأمين ، فكذلك أجعلهم في الآخرة أهل المقام الأمين ، لهم في الدنيا بيت الأمن وفي الآخرة دار الأمن\rوخامسها : كأنه قال : لما لم أجعل الكعبة إلا في موضع خال عن جميع نعم الدنيا فكذا لا أجعل كعبة المعرفة إلا في كل قلب خال عن محبة الدنيا ، فهذا ما يتعلق بفضائل الكعبة ، وعند هذا ظهر أن هذا البيت أول بيت وضع للناس في أنواع الفضائل والمناقب ، وإذا ظهر هذا بطل قول اليهود : إن بيت المقدس أشرف من الكعبة والله أعلم. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 8 صـ 127 ـ 128}\rقوله تعالى : {لَلَّذِى بِبَكَّةَ}\rفصل\rقال الفخر : ","part":15,"page":164},{"id":6298,"text":"لا شك أن المراد من {بكة} هو مكة ثم اختلفوا فمنهم من قال : بكة ومكة اسمان لمسمى واحد ، فإن الباء والميم حرفان متقاربان في المخرج فيقام كل واحد منهما مقام الآخر فيقال : هذه ضربة لازم ، وضربة لازب ، ويقال : هذا دائم ودائب ، ويقال : راتب وراتم ، ويقال : سمد رأسه ، وسبده ، وفي اشتقاق بكة وجهان الأول : أنه من البك الذي هو عبارة عن دفع البعض بعضاً ، يقال : بكه يبكه بكاً إذا دفعه وزحمه ، وتباك القوم إذا ازدحموا فلهذا قال سعيد بن جبير : سميت مكة بكة لأنهم يتباكون فيها أي يزدحمون في الطواف ، وهو قول محمد بن علي الباقر ومجاهد وقتادة قال بعضهم : رأيت محمد بن علي الباقر يصلي فمرت امرأة بين يديه فذهبت أدفعها فقال : دعها فإنها سميت بكة لأنه يبك بعضهم بعضاً ، تمر المرأة بين يدي الرجل وهو يصلي ، والرجل بين يدي المرأة وهي تصلي لا بأس بذلك في هذا المكان.\rالوجه الثاني : سميت بكة لأنها تبك أعناق الجبابرة لا يريدها جبار بسوء إلا اندقت عنقه قال قطرب : تقول العرب بككت عنقه أبكه بكاً إذا وضعت منه ورددت نخوته.\rوأما مكة ففي اشتقاقها وجوه\rالأول : أن اشتقاقها من أنها تمك الذنوب أي تزيلها كلها ، من قولك : أمتك الفصيل ضرع أمه ، إذا امتص ما فيه\r","part":15,"page":165},{"id":6299,"text":"الثاني : سميت بذلك لاجتلابها الناس من كل جانب من الأرض ، يقال أمتك الفصيل ، إذا استقصى ما في الضرع ، ويقال تمككت العظم ، إذا استقصيت ما فيه الثالث : سميت مكة ، لقلة مائها ، كأن أرضها امتكت ماءها الرابع : قيل : إن مكة وسط الأرض ، والعيون والمياه تنبع من تحت مكة ، فالأرض كلها تمك من ماء مكة ، ومن الناس من فرق بين مكة وبكة ، فقال بعضهم : إن بكة اسم للمسجد خاصة ، وأما مكة ، فهو اسم لكل البلد ، قالوا : والدليل عليه أن اشتقاق بكة من الازدحام والمدافعة ، وهذا إنما يحصل في المسجد عند الطواف ، لا في سائر المواضع ، وقال الأكثرون : مكة اسم للمسجد والمطاف.\rوبكة اسم البلد ، والدليل عليه أن قوله تعالى : {لَلَّذِى بِبَكَّةَ} يدل على أن البيت حاصل في بكة ومظروف في بكة فلو كان بكة اسماً للبيت لبطل كون بكة ظرفاً للبيت ، أما إذا جعلنا بكة اسماً للبلد ، استقام هذا الكلام. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 8 صـ 128 ـ 129}\rلطيفة\rقال الفخر : \rلمكة أسماء كثيرة ، قال القفال رحمه الله في \"تفسيره\" : مكة وبكة وأم رحم وكويساء والبشاشة والحاطمة تحطم من استخف بها ، وأم القرى قال تعالى : {لّتُنذِرَ أُمَّ القرى وَمَنْ حَوْلَهَا} [ الأنعام : 92 ] وسميت بهذا الاسم لأنها أصل كل بلدة ومنها دحيت الأرض ، ولهذا المعنى يزار ذلك الموضع من جميع نواحي الأرض. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 8 صـ 129}\rلطيفة ثانية\rقال الفخر : ","part":15,"page":166},{"id":6300,"text":"للكعبة أسماء أحدها : الكعبة قال تعالى : {جَعَلَ الله الكعبة البيت الحرام} [ المائدة : 97 ] والسبب فيه أن هذا الاسم يدل على الإشراف والارتفاع ، وسمي الكعب كعباً لإشرافه وارتفاعه على الرسغ ، وسميت المرأة الناهدة الثديين كاعباً ، لارتفاع ثديها ، فلما كان هذا البيت أشرف بيوت الأرض وأقدمها زماناً ، وأكثرها فضيلة سمي بهذا الاسم وثانيها : البيت العتيق : قال تعالى : {ثُمَّ مَحِلُّهَا إلى البيت العتيق} [ الحج : 33 ] وقال : {وَلْيَطَّوَّفُواْ بالبيت العتيق} [ الحج : 29 ] وفي اشتقاقه وجوه\rالأول : العتيق هو القديم ، وقد بينا أنه أقدم بيوت الأرض بل عند بعضهم أن الله خلقه قبل الأرض والسماء\rوالثاني : أن الله أعتقه من الغرق حيث رفعه إلى السماء\rالثالث : من عتق الطائر إذا قوي في وكره ، فلما بلغ في القوة إلى حيث أن كل من قصد تخريبه أهلكه الله سمي عتيقاً\rالرابع : أن الله أعتقه من أن يكون ملكاً لأحد من المخلوقين\rالخامس : أنه عتيق بمعنى أن كل من زاره أعتقه الله تعالى من النار\rوسادسها : المسجد الحرام قال سبحانه : {سُبْحَانَ الذى أسرى بِعَبْدِهِ لَيْلاً مّنَ المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى} [ الإسراء : 1 ] والمراد من كونه حراماً سيجيء إن شاء الله في تفسير هذه الآية. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 8 صـ 129}\rسؤال : فإن قال قائل : كيف الجمع بين قوله {إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ} وبين قوله {وَطَهّرْ بَيْتِىَ لِلطَّائِفِينَ} [ الحج : 26 ] فأضافه مرة إلى نفسه ومرة إلى الناس.\rوالجواب : كأنه قيل : البيت لي ولكن وضعته لا لأجل منفعتي فإني منزّه عن الحاجة ولكن وضعته لك ليكون قبلة لدعائك والله أعلم. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 8 صـ 129 ـ 130}\rقوله تعالى : {مُبَارَكاً وَهُدًى للعالمين}\rفصل\rقال الفخر : ","part":15,"page":167},{"id":6301,"text":"اعلم أنه تعالى وصف هذا البيت بأنواع الفضائل فأولها : أنه أول بيت وضع للناس ، وقد ذكرنا معنى كونه أولاً في الفضل ونزيد ههنا وجوهاً أُخر\rالأول : قال علي رضي الله عنه ، هو أول بيت خص بالبركة ، وبأن من دخله كان آمناً ، وقال الحسن : هو أول مسجد عبد الله فيه في الأرض وقال مطرف.\rأول بيت جعل قبلة\rوثانيها : أنه تعالى وصفه بكونه مباركاً. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 8 صـ 130}\rفصل\rقال الفخر : \rالبركة لها معنيان\rأحدهما : النمو والتزايد\rوالثاني : البقاء والدوام ، يقال تبارك الله ، لثبوته لم يزل ، والبركة شبه الحوض لثبوت الماء فيها ، وبرك البعير إذا وضع صدره على الأرض وثبت واستقر ، فإن فسرنا البركة بالتزايد والنمو فهذا البيت مبارك من وجوه أحدها : أن الطاعات إذا أتى بها في هذا البيت ازداد ثوابها.\rقال صلى الله عليه وسلم : \" فضل المسجد الحرام على مسجدي ، كفضل مسجدي على سائر المساجد \" ثم قال صلى الله عليه وسلم : \" صلاة في مسجدي هذا أفضل من ألف صلاة فيما سواه \" فهذا في الصلاة ، وأما الحج ، فقال عليه الصلاة والسلام : \" من حج ولم يرفث ولم يفسق خرج من ذنوبه كيوم ولدته أمه \" وفي حديث آخر \" الحج المبرور ليس له جزاء إلا الجنة \" ومعلوم أنه لا أكثر بركة مما يجلب المغفرة والرحمة\rوثانيها : قال القفال رحمه الله تعالى : ويجوز أن يكون بركته ما ذكر في قوله تعالى : {يجبى إِلَيْهِ ثَمَرَاتُ كُلّ شَىْء} [ القصص : 57 ] فيكون كقوله {إلى المسجد الأقصى الذى بَارَكْنَا حَوْلَهُ} [ الإسراء : 1 ]","part":15,"page":168},{"id":6302,"text":"وثالثها : أن العاقل يجب أن يستحضر في ذهنه أن الكعبة كالنقطة وليتصور أن صفوف المتوجهين إليها في الصلوات كالدوائر المحيطة بالمركز ، وليتأمل كم عدد الصفوف المحيطة بهذه الدائرة حال اشتغالهم بالصلاة ، ولا شك أنه يحصل فيما بين هؤلاء المصلين أشخاص أرواحهم علوية ، وقلوبهم قدسية وأسرارهم نورانية وضمائرهم ربانية ثم إن تلك الأرواح الصافية إذا توجهت إلى كعبة المعرفة وأجسادهم توجهت إلى هذه الكعبة الحسيّة فمن كان في الكعبة يتصل أنوار أرواح أولئك المتوجهين بنور روحه ، فتزداد الأنوار الإلهية في قلبه ، ويعظم لمعان الأضواء الروحانية في سره وهذا بحر عظيم ومقام شريف ، وهو ينبهك على معنى كونه مباركاً.\rوأما إن فسرنا البركة بالدوام فهو أيضاً كذلك لأنه لا تنفك الكعبة من الطائفين والعاكفين والركع السجود ، وأيضاً الأرض كرة ، وإذا كان كذلك فكل وقت يمكن أن يفرض فهو صبح لقوم ، وظهر لثان وعصر لثالث ، ومغرب لرابع وعشاء لخامس ، ومتى كان الأمر كذلك لم تكن الكعبة منفكة قط عن توجه قوم إليها من طرف من أطراف العالم لأداء فرض الصلاة ، فكان الدوام حاصلاً من هذه الجهة ، وأيضاً بقاء الكعبة على هذه الحالة ألوفاً من السنين دوام أيضاً فثبت كونه مباركاً من الوجهين. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 8 صـ 130}","part":15,"page":169},{"id":6303,"text":"وقال الآلوسى : \r{مُبَارَكاً} أي كثير الخير لما أنه يضاعف فيه ثواب العبادة قاله ابن عباس ، وقيل : لأنه يغفر فيه الذنوب لمن حجه وطاف به واعتكف عنده. وقال القفال : يجوز أن تكون بركته ما ذكر في قوله تعالى : {يجبى إِلَيْهِ ثَمَرَاتُ كُلّ شَىْء} [ القصص : 57 ] ، وقيل : بركته دوام العبادة فيه ولزومها ، وقد جاءت البركة بمعنيين : النمو وهو الشائع ، والثبوت ومنه البركة لثبوت الماء فيها والبرك الصدر لثبوت الحفظ فيه وتبارك الله سبحانه بمعنى ثبت ولم يزل ، ووجه الكرماني كونه مباركاً بأن الكعبة كالنقطة وصفوف المتوجهين إليها في الصلوات كالدوائر المحيطة بالمركز ولا شك أن فيهم أشخاصاً أرواحهم علوية وقلوبهم قدسية وأسرارهم نورانية وضمائرهم ربانية ومن كان في المسجد الحرام يتصل أنوار تلك الأرواح الصافية المقدسة بنور روحه فتزداد الأنوار الإلهية في قلبه وهذا غاية البركة ثم إن الأرض كرية وكل آن يفرض فهو صبح لقوم ظهر لثان عصر لثالث وهلم جراً ، فليست الكعبة منفكة قط عن توجه قوم إليها لأداء الفرائض فهو دائماً كذلك والمنصوب حال من الضمير المستتر في الظرف الواقع صلة. وجوز أبو البقاء جعله حالاً من الضمير في وضع. أ هـ {روح المعانى حـ 4 صـ 5}\rقوله تعالى {هُدًى للعالمين}\rقال الفخر : \rالمعنى أنه قبلة للعالمين يهتدون به إلى جهة صلاتهم ، وقيل : هدىً للعالمين أي دلالة على وجود الصانع المختار ، وصدق محمد صلى الله عليه وسلم في النبوّة بما فيه من الآيات التي ذكرناها والعجائب التي حكيناها فإن كل ما يدل على النبوة فهو بعينه يدل أولاً على وجود الصانع ، وجميع صفاته من العلم والقدرة والحكمة والاستغناء ، وقيل : هدىً للعالمين إلى الجنة لأن من أدى الصلوات الواجبة إليها استوجب الجنة. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 8 صـ 130 ـ 131}","part":15,"page":170},{"id":6304,"text":"فصل\rقال ابن عادل : \rقوله : {وُضِعَ لِلنَّاسِ} هذه الجملة في موضع خفض ؛ صفة ل \" بَيْتٍ \".\rوقرأ العامة \" وُضِعَ \" مبنيًّا للمفعول. وعكرمة وابن السميفع \" وضَعَ \" مبنيًّا للفاعل.\rوفي فاعله قولان : \rأحدهما : - وهو الأظهر - أنه ضمير إبراهيم ؛ لتقدُّم ذِكْرِه ؛ ولأنه مشهور بعمارته.\rوالثاني : أنه ضمير الباري تعالى ، و\" لِلنَّاسٍ \" متعلق بالفعل قبله ، واللام فيه للعلة.\rو \" للذي \" بِبَكَّة \" خبر \" إنَّ \" وأخبر - هنا - بالمعرفة - وهو الموصول - عن النكرة - وهو \" أول بَيْتٍ \" - لتخصيص النكرة بشيئين : الإضافة ، والوصف بالجملة بعده ، وهو جائز في باب \" إن \" ، ومن عبارة سيبويه : إن قريباً منك زيدٌ ، لما تخصص \" قريباً \" بوصفه بالجار بعده ساغ ما ذكرناه ، وزاده حُسْناً - هنا - كونه اسماً ل \" إنَّ \" ، وقد جاءت النكرة اسماً ل \" إنَّ \" - وإن لم يكن تخصيص - كقوله : [ الطويل ]\rوَإنَّ حَرَاماً أن أسُبَّ مُجَاشِعاً... بِآبَائِيَ الشُّمِّ الْكِرَامِ الخَضَارِمِ\rوببكة صلة ، والباء فيه ظرفية ، أي : في مكة.\rوبكة فيها أربعة أوجه : \rأحدها : أنها مرادفة ل \" مكة \" فأبدلت ميمها باءً ، قالوا : والعرب تُعَاقِب بين الباء والميم في مواضع ، قالوا : هذا على ضربة لازم ، ولازب ، وهذا أمر راتب ، وراتم ، والنبيط والنميط وسبد رأسه وسمَدَها ، وأغبطت الحمى ، وأغمطت.\rوقيل : إنها اسم لبطن مكة ، ومكة اسم لكل البلد.\rوقيل : إنها اسم لمكان البيت.\rوقيل : إنها اسم للمسجد نفسه ، وأيدوا هذا بأن التباكّ وهو : الازدحام إنما يحصل عند الطواف ، يقال : تباكَّ الناسُ - أي : ازْدَحموا ، ويُفْسِد هذا القولَ أن يكون الشيء ظرفاً لنفسه ، كذا قال بعضهم ، وهو فاسد ، لأن البيت في المسجد حقيقةً.","part":15,"page":171},{"id":6305,"text":"وقال الأكثرون : بكة : اسم للمسجد والمطاف ، ومكة : اسم البلد ، لقوله تعالى : {لَلَّذِي بِبَكَّةَ} فدل على أن البيت مظروف في بكة ، فلو كان بكة اسماً للبيت لبطل كون بكةَ ظرفاً له.\rوسميت بكة ؛ لازدحام الناس ، قاله مجاهد وقتادة ، وهو قول محمد بن علي الباقر.\rوقال بعضهم : رأيت محمد بن علي الباقر يصلي ، فمرت امرأة بين يديه ، فذهبت أدْفَعها ، فقال : دعها ، فإنها سُمِّيَتْ بكةَ ، لأنه يبكُّ بعضُهم بعضاً ، تمر المرأة بين يدي الرجل وهو يصلي ، والرجل بين يدي المرأة وهي تصلي ، ولا بأس بذلك هنا.\rوقيل : لأنها تبكُّ أعناق الجبابرة - أي : تدقها.\rقال قطرب : تقول العرب : بَكَكْتهُ ، أبُكُّهُ ، بَكًّا ، إذا وضعت منه.\rوسميت مكة - من قولهم : مَكَكْتُ المخ من العظم ، إذا تستقصيته ولم تترك فيه شيئاً.\rومنه : مَكَّ الفصيل ما في ضَرْعِ أمِّه - إذا لم يترك فيه لبناً ، ورُويَ أنه قال : \" لا تُمَكِّكُوا عَلَى غُرَمَائِكُمْ \".\rوقيل : لأنها تَمُكُّ الذنوبَ ، أي : تُزيلها كلَّها.\rقال ابن الأنباري : وسُمِّيَتْ مكة لِقلَّةِ مائِها وزرعها ، وقلة خِصْبها ، فهي مأخوذة من مكَكْت العَظْم ، إذا لم تترك فيه شيئاً.\rوقيل : لأن مَنْ ظَلَم فيها مَكَّهُ اللهُ ، أي : استقصاه بالهلاك.\rوقيل : سُمِّيت بذلك ؛ لاجتلابها الناسَ من كل جانب من الأرض ، كما يقال : امتكّ الفصيلُ - إذا استقصى ما في الضَّرْع.\rوقال الخليل : لأنها وسط الأرض كالمخ وسط العظم.\rوقيل : لأن العيونَ والمياه تنبع من تحت مكة ، فالأرض كلها تمك من ماء مكة ، والمكوك : كأس يشرب به ، ويُكال به - كـ \" الصُّوَاع \".","part":15,"page":172},{"id":6306,"text":"قال القفال : لها أسماء كثيرة ، مكة ، وبكة ، وأمّ رُحْم ، - بضم الراء وإسكان الحاء - قال مجاهد : لأن الناس يتراحمون فيها ، ويتوادَعُون - والباسَّة ؛ قال الماوَرْدِي : لأنها تبس من الْحَد فيها ، أي : تُحَطِّمه وتُهْلكه ، قال تعالى : {وَبُسَّتِ الجبال بَسّاً} [ الواقعة : 5 ].\rويروى : الناسَّة - بالنون - قال صاحبُ المطالع : ويقال : الناسَّة - بالنون-. قال الماوَرْدِيُّ : لأنها تنس من ألحد فيها - أي : تطرده وتَنْفِيه.\rونقل الجوهري - عن الأصمعي- : النَّسّ : اليبس ، يُقال : جاءنا بخُبْزَة ناسَّة ، ومنه قيل لمكةَ : الناسَّة ؛ لقلة مائها.\rوالرأس ، والعرش ، والقادس ، والمقدَّسة - من التقديس - وصَلاَحِ - بفتح الصاد وكسر الحاء - مبنيًّا على الكسر كقَطَامِ وحَذَامِ ، والبلد ، والحاطمة ؛ لأنها تحطم من استخَفَّ بها ، وأم القرى ؛ لأنها أصل كل بلدة ، ومنها دحيت الأرض ، ولهذا المعنى تُزَار من جميع نواحي الأرض.\rقوله : {مُبَارَكاً وَهُدًى} حالان ، إما من الضمير في \" وُضِعَ \" كذا أعربه أبو البقاء وغيره ، وفيه نظر ؛ من حيث إنه يلزم الفصل بين الال بأجنبيّ - وهو خبر \" إنَّ \" - وذلك غير جائز ؛ لأن الخبر معمول ل \" إنَّ \" فإن أضمرت عاملاً بعد الخبر أمكن أن يعمل في الحال ، وكان تقديره : أول بيت وُضِعَ للناس للذي ببكة وُضِعَ مباركاً ، والذي حمل على ذلك ما يُعْطيه تفسير أمير المؤمنين من أنه وُضِعَ أولاً بقيد هذه الحال.\rوإما أن يكون العاملُ في الحال هو العامل في \" بِبَكَّةَ \" أي استقر ببكة في حال بركته ، وهو وجه ظاهر الجواز. والظاهر أن قوله : \" وَهُدًى \" معطوف على \" مُبَارَكاً \" والمعطوف على الحال حال.\rوجوز بعضهم أن يكونَ مرفوعاً ، على أنه خبر مبتدأ محذوف - أي : وهو هدى - ولا حاجة إلى تكلف هذا الإضمار.","part":15,"page":173},{"id":6307,"text":"والبركة : الزيادة ، يقال : بارك الله لك ، أي : زادك خيراً ، وهو مُتَعَدٍّ ، ويدل عليه قوله تعالى : {أَن بُورِكَ مَن فِي النار وَمَنْ حَوْلَهَا} [ النمل : 8 ] و\" تبارك \" لا يتَصَرف ، ولا يُستعمل إلا مُسْنداً لله تعالى ، ومعناه - في حقه تعالى- : تزايد خيرُه وإحسانه.\rوقيل : البركة ثبوت الخير ، مأخوذ من مَبْرَك البعير.\rوإما من الضمير المستكن في الجار وهو \" ببكة \" لوقوعه صلة ، والعامل فيها الجار وبما تضمنه من الاستقرار أو العامل في الجار ويجوز أن ينصب على إضمار فعل المدح أو على الاختصاص ، ولا يضر كونه نكرة وقد تقدم دلائل ذلك. و\" للعالمين \" كقوله : \" للمتقين \" أول البقرة. أ هـ {تفسير ابن عادل حـ 5 صـ 396 ـ 404}. بتصرف يسير.\rقوله تعالى : {فِيهِ ءايات بينات}\rفصل\rقال الفخر : \rفيه قولان\rالأول : أن المراد ما ذكرناه من الآيات التي فيه وهي : أمن الخائف ، وإنمحاق الجمار على كثرة الرمي ، وامتناع الطير من العلو عليه واستشفاء المريض به وتعجيل العقوبة لمن انتهك فيه حرمة ، وإهلاك أصحاب الفيل لما قصدوا تخريبه فعلى هذا تفسير الآيات وبيانها غير مذكور.\rوقوله {مَّقَامِ إبراهيم} لا تعلق له بقوله {فِيهِ ءايات بينات} فكأنه تعالى قال : {فِيهِ ءايات بينات} ومع ذلك فهو مقام إبراهيم ومقره والموضع الذي اختاره وعبد الله فيه ، لأن كل ذلك من الخلال التي بها يشرف ويعظم.\rالقول الثاني : أن تفسير الآيات مذكور ، وهو قوله {مَّقَامِ إبراهيم} أي : هي مقام إبراهيم. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 8 صـ 131}\rفائدة\rقال ابن عطية : \rالضمير في قوله : {فيه} عائد على البيت ، وساغ ذلك مع كون \" الآيات \" خارجة عنه لأن البيت إنما وضع بحرمه وجميع فضائله ، فهي فيه وإن لم تكن داخل جدرانه. أ هـ {المحرر الوجيز حـ 1 صـ 475}","part":15,"page":174},{"id":6308,"text":"سؤال : فإن قيل : الآيات جماعة ولا يصح تفسيرها بشيء واحد ، أجابوا عنه من وجوه\rالأول : أن مقام إبراهيم بمنزلة آيات كثيرة ، لأن ما كان معجزة لرسول الله صلى الله عليه وسلم ، فهو دليل على وجود الصانع ، وعلمه وقدرته وإرادته وحياته ، وكونه غنياً منزّهاً مقدساً عن مشابهة المحدثات فمقام إبراهيم وإن كان شيئاً واحداً إلا أنه لما حصل فيه هذه الوجوه الكثيرة كان بمنزلة الدلائل كقوله {إِنَّ إبراهيم كَانَ أُمَّةً قانتا} [ النحل : 120 ]\rالثاني : أن مقام إبراهيم اشتمل على الآيات ، لأن أثر القدم في الصخرة الصماء آية ، وغوصه فيها إلى الكعبين آية ، وإلانة بعض الصخرة دون بعض آية ، لأنه لأن من الصخرة ما تحت قدميه فقط ، وإبقاؤه دون سائر آيات الأنبياء عليهم السلام آية خاصة لإبراهيم عليه السلام وحفظه مع كثرة أعدائه من اليهود والنصارى والمشركين والملحدين ألوف سنين فثبت أن مقام إبراهيم عليه السلام آيات كثيرة\rالثالث : قال الزجاج إن قوله {وَمَن دَخَلَهُ كَانَ ءامِناً} من بقية تفسير الآيات ، كأنه قيل : فيه آيات بينات مقام إبراهيم وأمن من دخله ، ولفظ الجمع قد يستعمل في الاثنين ، قال تعالى : {إِن تَتُوبَا إِلَى الله فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا} [ التحريم : 4 ] وقال عليه السلام : \" الاثنان فما فوقهما جماعة \" ومنهم من تمم الثلاثة فقال : مقام إبراهيم ، وأن من دخله كان آمناً ، وأن لله على الناس حجه ، ثم حذف ( أن ) اختصاراً ، كما في قوله {قُلْ أَمَرَ رَبّي بالقسط} [ الأعراف : 29 ] أي أمر ربي بأن تقسطوا\rالرابع : يجوز أن يذكر هاتان الآيتان ويطوي ذكر غيرهما دلالة على تكاثر الآيات ، كأنه قيل فيه آيات بينات مقام إبراهيم ، وأمن من دخله ، وكثير سواهما","part":15,"page":175},{"id":6309,"text":"الخامس : قرأ ابن عباس ومجاهد وأبو جعفر المدني في رواية قتيبة {آيَة بَيّنَةً} على التوحيد\rالسادس : قال المبرّد {مَّقَامِ} مصدر فلم يجمع كما قال : {وعلى سَمْعِهِمْ} والمراد مقامات إبراهيم ، وهي ما أقامه إبراهيم عليه السلام من أمور الحج وأعمال المناسك ولا شك أنها كثيرة وعلى هذا فالمراد بالآيات شعائر الحج كما قال : {وَمَن يُعَظّمْ شعائر الله} [ الحج : 32 ]. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 8 صـ 131}\rوقال العلامة ابن عطية : \rوقرأ جمهور الناس : \" آيات بينات \" بالجمع ، وقرأ أبي بن كعب وعمر وابن عباس : \" آية بينة \" على الإفراد ، قال الطبري : يريد علامة واحدة المقام وحده ، وحكي ذلك عن مجاهد.\rقال القاضي أبو محمد : ويحتمل أن يراد بالآية اسم الجنس فيقرب من معنى القراءة الأولى ، واختلف عبارة المفسرين عن \" الآيات البينات \" فقال ابن عباس : من الآيات المقام ، يريد الحجر المعروف والمشعر وغير ذلك.\rقال القاضي أبو محمد رضي الله عنه : وهذا يدل على أن قراءته \" آية \" بالإفراد إنما يراد بها اسم الجنس ، وقال الحسن بن أبي الحسن : \" الآيات البينات \" مقام إبراهيم ، وإن من دخله كان آمناً ، وقال مجاهد : المقام الآية ، وقوله : {ومن دخله كان آمناً} كلام آخر.\rقال القاضي أبو محمد : فرفع {مقام} على قول الحسن ومجاهد على البدل من {آيات} ، أو على خبر ابتداء تقديره هن مقام إبراهيم ، وعلى قول ابن عباس ومن نحا نحوه : هو مرتفع بالابتداء وخبره محذوف مقدم تقديره : منهن {مقام إبراهيم}.","part":15,"page":176},{"id":6310,"text":"قال القاضي : والمترجح عندي أن المقام وأمن الداخل جعلا مثالاً مما في حرم الله من الآيات ، وخصا بالذكر لعظمهما ، وأنهما تقوم بهما الحجة على الكفار ، إذ هم مدركون لهاتين الآيتين بحواسهم ، ومن آيات الحرم والبيت التي تقوم بها الحجة على الكفار أمر الفيل ، ورمي طير الله عنه بحجارة السجيل ، وذلك أمر لم تختلف كافة العرب في نقله وصحته إلى أن أنزله الله في كتابه ، ومن آياته كف الجبابرة عنه على وجه الدهر ، ومن آياته الحجر الأسود ، وما روي فيه أنه من الجنة وما أشربت قلوب العالم نم تعظيمه قبل الإسلام ، ومن آياته حجر المقام ، وذلك أنه قام عليه إبراهيم عليه السلام ، وقت رفعه القواعد من البيت ، لما طال له البناء فكلما علا الجدار ، ارتفع الحجر به في الهواء ، فما زال يبني وهو قائم عليه وإسماعيل يناوله الحجارة والطين حتى أكمل الجدار ، ثم إن الله تعالى ، لما أراد إبقاء ذلك آية للعالمين لين الحجر ، فغرقت فيه قدما إبراهيم عليه السلام كأنها في طين ، فذلك الأثر العظيم باقي في الحجر إلى اليوم ، وقد نقلت كافة العرب ذلك في الجاهلية على مرور الأعصار ، وقال أبو طالب : [ الطويل ]\rومَوْطِىءُ إبراهيمَ في الصَّخرِ رطْبَةٌ... على قَدَمِيهِ حافياً غيرَ ناعِلِ","part":15,"page":177},{"id":6311,"text":"فما حفظ أن أحداً من الناس نازع في هذا القول ، ومن آياته البينات زمزم في نبعها لهاجر بهمز جبريل عليه السلام الأرض بعقبه ، وفي حفر عبد المطلب لها آخراً بعد دثورها بتلك الرؤيا المشهورة ، وبما نبع من الماء تحت خف ناقته في سفره ، إلى منافرة قريش ومخاصمتها في أمر زمزم ، ذكر ذلك ابن إسحاق مستوعباً ، ومن آيات البيت نفع ماء زمزم لما شرب له ، وأنه يعظم ماؤها في الموسم ، ويكثر كثرة خارقة للعادة في الآبار ، ومن آياته ، الأمنة الثابتة فيه على قديم الدهر ، وأن العرب كانت تغير بعضها على بعض ويتخطف الناس بالقتل ، وأخذ الأموال وأنواع الظلم إلا في الحرم ، وتركب على هذا أمن الحيوان فيه ، وسلامة الشجر ، وذلك كله للبركة التي خصه الله بها ، والدعوة من الخليل عليه السلام في قوله ، اجعل هذا بلداً آمناً ، وإذعان نفوس العرب وغيرهم قاطبة لتوقير هذه البقعة دون ناه ، ولا زاجر ، آية عظمى تقوم بها الحجة ، وهي التي فسرت بقوله تعالى : {ومن دخله كان آمناً} ومن آياته كونه بواد غير ذي زرع ، والأرزاق من كل قطر تجيء إليه عن قرب وعن بعد ، ومن آياته ، ما ذكر ابن القاسم العتقي رحمه الله ، قال في النوادر ، وغيرها : سمعت أن الحرم يعرف بأن لا يجيء سيل من الحل فيدخل الحرم.","part":15,"page":178},{"id":6312,"text":"قال القاضي أبو محمد : هذا والله أعلم ، لأن الله تعالى جعله ربوة أو في حكمها ليكون أصون له ، والحرم فيما حكى ابن أبي زيد في الحج الثاني من النوادر. مما يلي المدينة نحو من أربعة أميال إلى منتهى التنعيم ، ومما يلي العرق نحو من ثمانية أميال إلى مكان يقال له المقطع ، ومما يلي عرفة تسعة أميال ، ومما يلي طريق اليمن سبعة أميال ، إلى موضع يقال له أضاة ، ومما يلي جدة عشرة أميال إلى منتى الحديبية ، قال مالك في العتبية : والحديبية في الحرم ، ومن آياته فيما ذكر مكي وغيره ، أن الطير لا تعلوه ، وإن علاه طائر فإنما ذلك لمرض به ، فهو يستشفي بالبيت ، وهذا كله عندي ضعيف ، والطير تعاين تعلوه ، وقد علته العقاب التي أخذت الحية المشرفة على جداره ، وتلك كانت من آياته ومن آياته فيما ذكر الناس قديماً وحديثاً ، أنه إذا عمه المطر من جوانبه الأربعة في العام الواحد ، أخصبت آفاق الأرض ، وإن لم يصب جانباً منه لم يخصب ذلك الأفق الذي يليه ذلك العام. أ هـ {المحرر الوجيز حـ 1 صـ 475 ـ 476}\rوقال ابن عادل : \rوفيه أجوبة : \rأحدها : أن أقلَّ الجمع اثنان - كما ذهب إليه بعضهم.\rقال الزمخشري : ويجوز أن يُراد : فيه آيات مقام إبراهيم ، وأمن من دخله ؛ لأن الاثنين نَوْعٌ من الجَمْع ، كالثلاثة والأربعة ، وقال النبي صلى الله عليه وسلم : \" الاثْنَانِ فَمَا فَوْقَهُمَا جَمَاعَةٌ \".\rقال الزجَّاج : ولفظ الجمع قد يُستعمل في الاثنين ، قال تعالى : {إِن تَتُوبَآ إِلَى الله فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا} [ التحريم : 4 ].","part":15,"page":179},{"id":6313,"text":"وقال بعضهم : تمام الثلاثة قوله : {وَللَّهِ عَلَى الناس حِجُّ البيت} وتقدير الكلام : مقام إبراهيم ، وأن من دخله كان آمناً ، وأن لله على الناس حَجَّ البيت ، ثم حذف \" أن \" اختصاراً ، كما في قوله : {قُلْ أَمَرَ رَبِّي بالقسط} [ الأعراف : 29 ] أي : أمر ربي أن اقسطوا.\rالثاني : أن {مَّقَامُ إِبْرَاهِيمَ} وإن كان مفرداً لفظاً إلا أنه يشتمل على آياتٍ كثيرةٍ ، بمعنيين : \rأحدهما : أن أثر القدمين في الصخرة الصَّمَّاء آية ، وغَوصَهما فيها إلى الكعبين آية أخْرَى ؛ وبعض الصخرة دون بعض آيةٌ ، وإبقاؤه على مر الزمان ، وحفظه من الأعداء الكثيرة آية ، واستمراره دون آيات سائر الأنبياء خلا نبينا صلى الله عليه وعلى سائرهم آية ، قال معناه الزمخشري.\rوثانيهما : أن {مَّقَامُ إِبْرَاهِيمَ} بمنزلة آيات كثيرة ؛ لأن كل ما كان معجزةً لنبيٍ فهو دليل على وجود الصانع وعلمه وقدرته وإرادته وحياته ، وكونه غنيًّا مُنَزَّهاً ، مقدَّساً عن مشابهة المحدثات ، فمقام إبراهيم وإن كان شيئاً واحداً إلا أنه لما حصل فيه هذه الوجوه الكثيرة كان بمنزلة الآيات ، كقوله تعالى : {إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتاً لِلَّهِ حَنِيفاً} [ النحل : 120 ] ، قاله ابنُ الخطيب.\rالثالث : أن يكون هذا من باب الطَّيّ ، وهو أن يُذْكَرَ جَمْعٌ ، ثم يُؤتَى ببعضه ، ويُسْكَت عن ذِكْر باقيه لغرض للمتكلم ، ويُسَمَّى طَيًّا.\rوأنشد الزمخشري عليه قول جرير : [ البسيط ]\rكَانَتْ حَنِيفَةُ أثْلاَثاً فَثُلْثُهُمُ... مِنَ الْعَبِيدِ ، وَثُلْثٌ مِنْ مَوَالِيهَا","part":15,"page":180},{"id":6314,"text":"وأورد منه قوله صلى الله عليه وسلم : \" حُبِّبَ إليّ مِنْ دُنْيَاكُم ثَلاثٌ : الطيبُ والنِّسَاءُ ، وجُعِلَت قُرَّةُ عَينِي فِي الصلاة \" ذكر اثنين - وهما الطيب والنساء - وطَوَى ذِكْر الثالثة.\rلا يقال إن الثالثة قوله صلى الله عليه وسلم : \" جعلت قُرَّةُ عَيْنِي فِي الصَّلاةِ \" لأنها ليست من دنياهم ، إنما هي من الأمور الأخروية.\rوفائدة الطَّيّ - عندهم - تكثير ذلك الشيء ، كأنه تعالى لما ذكر من جملة الآيات هاتين الآيتين قال : وكثير سواهما.\rوقال ابنُ عطية : \" والأرجح - عندي - أن المقام ، وأمن الداخل ، جُعِلاَ مثالاً مما في حرم الله - تعالى - من الآيات ، وخُصَّا بالذِّكْر ؛ لِعِظَمِهِمَا ، وأنهما تقوم بهما الحُجَّةُ على الكفَّار ؛ إذْ هم مدركون لهاتين الآيتين بِحَوَاسِّهم \".\rالوجه الثاني : أن يكون {مَّقَامُ إِبْرَاهِيمَ} عطف بيان ، قاله الزمخشري.","part":15,"page":181},{"id":6315,"text":"ورَدَّ عليه أبو حيان هذا من جهة تخالفهما تعريفاً وتنكيراً ، فقال : وقوله مخالف لإجماع البصريين والكوفيين ، فلا يلتفت إليه ، وحُكْم عطف البيان عند الكوفيين حكم النعت ، فيُتْبعون النكرة نكرة ، والمعرفة معرفة ، ويتبعهم في ذلك أبو علي الفارسي. وأما البصريون ، فلا يجوز - عندهم - إلا أن يكونا معرفتين ، ولا يجوز أن يكونا نكرتين ، وكل شيء أورده الكوفيون مما يُوهِم جوازَ كونه عطفَ بيان جعله البصريون بَدَلاً ، ولم يَقُمْ دليل للكوفيين ؛ وستأتي هذه المسألة إن شاء الله - عند قوله : {مِن مَّآءٍ صَدِيدٍ} [ إبراهيم : 16 ] وقوله : {مِن شَجَرَةٍ مُّبَارَكَةٍ زَيْتُونَةٍ} [ النور : 35 ] ، ولما أوّل الزمخشريُّ مقام إبراهيم وأمن داخله - بالتأويل المذكور - اعترض على نفسه بما ذكرناه من إبدال غير الجمع من الجمع - وأجاب بما تقدم ، واعترض - أيضاً - على نفسه بأنه كيف تكون الجملة عطف بيان للأسماء المفردةِ ؟ فقال : \" فإن قلتَ : كيف أجَزْت أن يكون مقام إبراهيم والأمن عطف بيان للآيات. وقوله : {وَمَن دَخَلَهُ كَانَ آمِناً} جملة مستأنفة ، إما ابتدائية وإما شرطية ؟\rقلت : أجَزْت ذلك من حيث المعنى ؛ لأن قوله : {وَمَن دَخَلَهُ كَانَ آمِناً} دل على أمْن مَنْ دخله ، وكأنه قيل : فيه آيات بيِّنات مقام إبراهيم وأمن من دخله ، ألا ترى أنك لو قلت : فيه آية بينة ، مَنْ دخله كان آمناً صَحَّ ؛ لأن المعنى : فيه آية بينة أمن مَنْ دخله \".","part":15,"page":182},{"id":6316,"text":"قال أبو حيان : \" وليس بواضح ؛ لأن تقديره - وأمنَ الداخل - هو مرفوع ، عطفاً على \" مَقَام إبراهيم \" وفسر بهما الآيات ، والجملة من قوله : {وَمَن دَخَلَهُ كَانَ آمِناً} لا موضع لها من الإعراب ، فتدافعا ، إلا إن اعتقد أن ذلك معطوف على محذوف ، يدل عليه ما بعده ، فيمكن التوجيه ، فلا يجعل قوله : {وَمَن دَخَلَهُ كَانَ آمِناً} في معنى : وأمن داخله ، إلا من حيث تفسير المعنى ، لا تفسير الإعراب \".\rقال شهاب الدين : \" وهي مُشَاحَّةٌ لا طائلَ تحتَها ، ولا تدافع فيما ذكر ؛ لأن الجملة متى كانت في تأويل المفرد صح عطفُها عليه \".\rالوجه الثالث : قال المبرد : \" مَقَامُ \" مصدر ، فلم يُجْمَع ، كما قال : {خَتَمَ الله على قُلُوبِهمْ وعلى سَمْعِهِمْ} [ البقرة : 7 ] والمراد : مقامات إبراهيم ، وهي ما أقامه إبراهيم من أمور الحج ، وأعمال المناسك ، ولا شك أنها كثيرة ، وعلى هذا ، فالمراد بالآيات : شعائر الحج ، كما قال تعالى : {وَمَن يُعَظِّمْ شَعَائِرَ الله} [ الحج : 32 ].\rالوجه الرابع : أن قوله : {مَّقَامُ إِبْرَاهِيمَ} خبر مبتدأ مضمر ، تقديره : أحدها ، أي : أحد تلك الآيات البينات مقام إبراهيم ، أو مبتدأ محذوف الخبر ، تقديره : منها ، أي : من الآيات البيِّنات \" مقام إبراهيم \".\rوقال بعضهم : {مَّقَامُ إِبْرَاهِيمَ} لا تعلُّقَ له بقوله : {فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ} ، فكأنه - تعالى - قال : {فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ} ومع ذلك فهو {مَّقَامُ إِبْرَاهِيمَ} ومَقَرُّه ، والموضع الذي اختاره ، وعَبَدَ الله فيه ؛ لأن كل ذلك من الخِلال التي بها تَشَرَّف وتَعَظَّم.","part":15,"page":183},{"id":6317,"text":"وقرأ أبَيّ وعُمَر وابنُ عباس ومُجَاهِدٌ وأبو جعفر المديني - في رواية قتيبة - آية بيِّنة - بالتوحيد ، وتخريج \" مَقَامُ \" - على الأوجه المتقدِّمة - سَهْل ، من كونه بدلاً ، أو بياناً - عند الزمخشري - أو خبر مبتدأ محذوف وهذا البدل متفق عليه ؛ لأن البصريين يُبْدِلون من النكرة مطلقاً ، والكوفيون لا يبدلون منها إلا بشرط وَصْفها ، وقد وُصِفَتْ. أ هـ {تفسير ابن عادل حـ 5 صـ 406 ـ 408}\rفصل\rقال الفخر : \r{مقَامِ إبراهيم} فيه أقوال\rأحدها : أنه لما ارتفع بنيان الكعبة ، وضعف إبراهيم عن رفع الحجارة قام على هذا الحجر فغاصت فيه قدماه\rوالثاني : أنه جاء زائراً من الشام إلى مكة ، وكان قد حلف لامرأته أن لا ينزل بمكة حتى يرجع ، فلما وصل إلى مكة قالت له أم إسماعيل : إنزل حتى نغسل رأسك ، فلم ينزل ، فجاءته بهذا الحجر فوضعته على الجانب الأيمن ، فوضع قدمه عليه حتى غسلت أحد جانبي رأسه ، ثم حولته إلى الجانب الأيسر ، حتى غسلت الجانب الآخر ، فبقي أثر قدميه عليه\rوالثالث : أنه هو الحجر الذي قام إبراهيم عليه عند الأذان بالحج ، قال القفال رحمه الله : ويجوز أن يكون إبراهيم قام على ذلك الحجر في هذه المواضع كلها. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 8 صـ 132}","part":15,"page":184},{"id":6318,"text":"قوله تعالى : {وَمَن دَخَلَهُ كَانَ ءَامِناً}\rفصل\rقال ابن عطية : \rواختلف الناس في معنى قوله {كان آمناً} فقال الحسن وقتادة وعطاء ومجاهد وغيرهم : هذه وصف حال كانت في الجاهلية أن الذي يجر جريرة ثم يدخل الحرم ، فإنه كان لا يتناول ولا يطلب فأما في الإسلام وأمن جميع الأقطار ، فإن الحرم لا يمنع من حد من حدود الله ، من سرق فيه قطع ، ومن زنى رجم ، ومن قتل قتل ، واستحسن كثير ممن قال هذا القول أن يخرج من وجب عليه القتل إلى الحل فيقتل هنالك ، وقال ابن عباس رضي الله عنهما : من أحدث حدثاً ثم استجار بالبيت فهو آمن ، وإن الأمن في الإسلام كما كان في الجاهلية ، والإسلام زاد البيت شرفاً وتوقيراً ، فلا يعرض أحد بمكة لقاتل وليه ، إلا أنه يجب على المسلمين ألا يبايعوا ذلك الجاني ولا يكلموه ولا يؤوه حتى يتبرم فيخرج من الحرم فيقام عليه الحد ، وقال بمثل هذا عبيد بن عمير والشعبي وعطاء بن أبي رباح والسدي وغيرهم ، إلا أن أكثرهم قالوا هذا فيمن يقتل خارج الحرم ثم يعوذ بالحرم ، فأما من يقتل في الحرم ، فإنه يقام عليه الحد في الحرم.\rقال القاضي أبو محمد عبد الحق رضي الله عنه : وإذا تؤمل أمر هذا الذي لا يكلم ولا يبايع ، فليس بآمن ، وقال يحيى بن جعدة : معنى الآية ومن دخل البيت كان آمناً من النار ، وحكى النقاش عن بعض العباد قال : كنت أطوف حول الكعبة ليلاً فقلت : يا رب إنك قلت : {ومن دخله كان آمناً} ، فمن ماذا هو آمن يا رب ؟ فسمعت مكلماً يكلمني وهو يقول : من النار ، فنظرت وتأملت فما كان في المكان أحد. أ هـ {المحرر الوجيز حـ 1 صـ 476 ـ 477}","part":15,"page":185},{"id":6319,"text":"وقال الفخر : \r{وَمَن دَخَلَهُ كَانَ ءَامِناً} ولهذه الآية نظائر : منها قوله تعالى : {وَإِذْ جَعَلْنَا البيت مَثَابَةً لّلنَّاسِ وَأَمْناً} [ البقرة : 125 ] وقوله {أَوَلَمْ يَرَوْاْ أَنَّا جَعَلْنَا حَرَماً ءَامِناً} [ العنكبوت : 67 ] وقال إبراهيم {رَبِّ اجعل هذا بَلَدًا آمِنًا} [ إبراهيم : 35 ] وقال تعالى : {أَطْعَمَهُم مّن جُوعٍ وَءَامَنَهُم مّنْ خوف} [ قريش : 4 ] قال أبو بكر الرازي : لما كانت الآيات المذكورة عقيب قوله {إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ} موجودة في الحرم ثم قال : {وَمَن دَخَلَهُ كَانَ ءَامِناً} وجب أن يكون مراده جميع الحرم ، وأجمعوا على أنه لو قتل في الحرم فإنه يستوفي القصاص منه في الحرم وأجمعوا على أن الحرم لا يفيد الأمان فيما سوى النفس ، إنما الخلاف فيما إذا وجب القصاص عليه خارج الحرم فالتجأ إلى الحرم فهل يستوفي منه القصاص في الحرم ؟ قال الشافعي : يستوفي ، وقال أبو حنيفة : لا يستوفي ، بل يمنع منه الطعام والشراب والبيع والشراء والكلام حتى يخرج ، ثم يستوفي منه القصاص ، والكلام في هذه المسألة قد تقدم في تفسير قوله {وَإِذْ جَعَلْنَا البيت مَثَابَةً لّلنَّاسِ وَأَمْناً} واحتج أبو حنيفة رضي الله عنه بهذه الآية ، فقال : ظاهر الآية الإخبار عن كونه آمناً ، ولكن لا يمكن حمله عليه إذ قد لا يصير آمناً فيقع الخلف في الخبر ، فوجب حمله على الأمر ترك العمل به في الجنايات التي دون النفس ، لأن الضرر فيها أخف من الضرر في القتل ، وفيما إذا وجب عليه القصاص لجناية أتى بها في الحرم ، لأنه هو الذي هتك حرمة الحرم ، فيبقى في محل الخلاف على مقتضى ظاهر الآية.\rوالجواب : أن قوله {كَانَ ءَامِناً} إثبات لمسمى الأمن ، ويكفي في العمل به إثبات الأمن من بعض الوجوه ، ونحن نقول به وبيانه من وجوه","part":15,"page":186},{"id":6320,"text":"الأول : أن من دخله للنسك تقرباً إلى الله تعالى كان آمناً من النار يوم القيامة ، قال النبي عليه السلام : \" من مات في أحد الحرمين بعث يوم القيامة آمناً \" وقال أيضاً : \" من صبر على حر مكة ساعة من نهار تباعدت عنه جهنم مسيرة مائتي عام \" وقال : \" من حج ولم يرفث ولم يفسق خرج من ذنوبه كيوم ولدته أمه \"\rوالثاني : يحتمل أن يكون المراد ما أودع الله في قلوب الخلق من الشفقة على كل من التجأ إليه ودفع المكروه عنه ، ولما كان الأمر واقعاً على هذا الوجه في الأكثر أخبر بوقوعه على هذا الوجه مطلقاً وهذا أولى مما قالوه لوجهين\rالأول : أنا على هذا التقدير لا نجعل الخبر قائماً مقام الأمر وهم جعلوه قائماً مقام الأمر\rوالثاني : أنه تعالى إنما ذكر هذا لبيان فضيلة البيت وذلك إنما يحصل بشيء كان معلوماً للقوم حتى يصير ذلك حجة على فضيلة البيت ، فأما الحكم الذي بيّنه الله في شرع محمد عليه السلام فإنه لا يصير ذلك حجة على اليهود والنصارى في إثبات فضيلة الكعبة.\rالوجه الثالث : في تأويل الآية : أن المعنى من دخله عام عمرة القضاء مع النبي صلى الله عليه وسلم كان آمناً لأنه تعالى قال : {لَتَدْخُلُنَّ المسجد الحرام إِن شَاء الله ءَامِنِينَ} [ الفتح : 27 ]\rالرابع : قال الضحاك : من حج حجة كان آمناً من الذنوب التي اكتسبها قبل ذلك.\r","part":15,"page":187},{"id":6321,"text":"واعلم أن طرق الكلام في جميع هذه الأجوبة شيء واحد ، وهو أن قوله {كَانَ ءَامِناً} حكم بثبوت الأمن وذلك يكفي في العمل به إثبات الأمن من وجه واحد وفي صورة واحدة فإذا حملناه على بعض هذه الوجوه فقد عملنا بمقتضى هذا النص فلا يبقى للنص دلالة على ما قالوه ، ثم يتأكد ذلك بأن حمل النص على هذا الوجه لا يفضي إلى تخصيص النصوص الدالة على وجوب القصاص وحمله على ما قالوه يفضي إلى ذلك فكان قولنا أولى والله أعلم. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 8 صـ 132 ـ 133}\rفصل\rقال ابن كثير : \rوقوله : {وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا} يعني : حَرَمُ مكة إذا دخله الخائف يأمنُ من كل سوء ، وكذلك كان الأمر في حال الجاهلية ، كما قال الحسن البصري وغيره : كان الرجل يَقْتُل فيَضَع في عُنُقِه صوفَة ويدخل الحرم فيلقاه ابن المقتول فلا يُهَيِّجْهُ حتى يخرج.\rوقال ابن أبي حاتم : حدثنا أبو سعيد الأشَجّ ، حدثنا أبو يحيى التَّيْمِيّ ، عن عطاء ، عن سعيد بن جُبَير ، عن ابن عباس في قوله : {وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا} قال : من عاذ بالبيت أعاذه البيت ، ولكن لا يؤوى ولا يُطْعَم ولا يُسقى ، فإذا خرج أُخذ بذنبه.\rوقال الله تعالى : {أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا حَرَمًا آمِنًا وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ} [العنكبوت : 67] وقال تعالى : {فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ. الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ} [قريش : 3 ، 4] وحتى إنه من جملة تحريمها حُرْمة اصطياد صيدها وتنفيره عن أوكاره ، وحُرْمة قطع أشجارها وقَلْع ثمارها حَشيشها ، كما ثبتت الأحاديث والآثار في ذلك عن جماعة من الصحابة مرفوعا وموقوفًا.","part":15,"page":188},{"id":6322,"text":"ففي الصحيحين ، واللفظ لمسلم ، عن ابن عباس قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الفتح فتح مكة : \"لا هِجْرَةَ وَلَكِنْ جِهَادٌ ونية ، وإذَا استَنْفَرْتُمْ فَانْفِرُوا\" ، وقال يوم الفتح فتح مكة : \"إنَّ هَذَا الْبَلَدَ حَرَّمَهُ اللهُ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَوَاتِ والأرْضَ ، فَهُوَ حَرَامٌ بِحرمَةِ الله إلى يوم القيامة ، وإنه لم يحل القتال فيه لأحد قبلي ، ولم يحل لي إلا في ساعة من نهار ، فهو حرام بحرمة الله إلى يوم القيامة ، لا يُعْضَد شَوْكُهُ ، ولا يُنَفَّرُ صَيْدُهُ ، ولا يَلْتَقطْ لُقَطتَه إلا من عَرَّفها ، ولا يُخْتَلى خَلاها فقال العباس : يا رسول الله ، إلا الإذْخَرَ ، فإنه لقَيْنهم ولبُيوتهم ، فقال : \"إلا الإذْخَر\". {صحيح البخاري برقم (1834) وصحيح مسلم برقم (1353)}.\rولهما عن أبي هريرة ، مثله أو نحوه. {صحيح البخاري برقم (2434) ، وصحيح مسلم برقم (1355)}.\r","part":15,"page":189},{"id":6323,"text":"ولهما واللفظ لمسلم أيضًا عَن أبي شُرَيح العَدوي أنه قال لعَمْرو بن سعيد ، وهو يبعث البعوث إلى مكةَ : ائذَنْ لي أيها الأمير أن أُحدِّثك قَولا قام به رسول الله صلى الله عليه وسلم الغَدَ من يوم الفتح سَمعَتْه أذناي ووعاه قلبي وأبصرته عيناي حين تكلم به ، إنه حَمد الله وأثنى عليه ثم قال : \"إنَّ مَكِّةَ حَرَّمَهَا اللهُ ولَمْ يُحَرِّمْهَا النَّاسُ ، فَلا يَحِلُّ لامرئ يُؤْمِنُ باللهِ والْيَوْمِ الآخر أنْ يَسْفِكَ بِهَا دَمًا ، ولا يَعْضد بِهَا شَجَرةً ، فَإنْ أحَد تَرخَّصَ بِقِتَالِ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم فِيهَا فَقُولُوا له : إنَّ اللهَ أذِنَ لِرَسُولِهِ وَلَمْ يَأْذَنْ لَكُمْ ، وإنَّمَا أذِنَ لِي فِيهَا سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ ، وَقَدْ عَادَتْ حُرْمَتُهَا الْيَوْمَ كَحُرْمَتِهَا بِالأمْسِ فَلْيُبَلِّغِ الشَّاهدُ الغائِبَ\" فقيل لأبي شُرَيح : ما قال لك عَمْرو ؟ قال : أنا أعلم بذلك منك يا أبا شريح ، إن الحَرَم لا يُعيذ عاصيا ولا فَارا بِدَمٍ ولا فارا بخَزْيَة.{صحيح البخاري برقم (1832) وصحيح مسلم برقم (1354)}.\rوعن جابر قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : \"لا يَحِلُّ لأحَدِكُمْ أنْ يَحْمِلَ بِمَكَّةَ السِّلاحَ\" رواه مسلم. {صحيح مسلم برقم (1356)}.\rوعن عبد الله بن عَدِيّ بن الحمراء الزهري أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول ، وهو واقف بالحَزْوَرَة في سوق مكة : \"واللهِ إِنَّكِ لَخَيْرُ أرْضِ اللهِ ، وأحَبُّ أرْضِ اللهِ إلَى اللهِ ، ولَوْلا أنِّي أُخْرِجْتُ مِنْكِ مَا خَرَجْتُ\".\rرواه الإمام أحمد ، وهذا لفظه ، والترمذي ، والنسائي ، وابن ماجة. وقال الترمذي : حسن صحيح. {المسند (4/305) وسنن الترمذي برقم (3925) والنسائي في السنن الكبرى برقم (4254) وسنن ابن ماجة برقم (3108)}.\r","part":15,"page":190},{"id":6324,"text":"وكذا صَحَّح من حديث ابن عباس نحوه. {سنن الترمذي برقم (3926) وقال : \"هذا حديث حسن غريب من هذا الوجه\"}.\rوروى أحمد عن أبي هريرة ، نحوه. {المسند (4/305)}. أ هـ {تفسير ابن كثير حـ 2 صـ 79 ـ 80}\rفصل\rقال ابن عادل : \rقوله : {فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ} يجوز أن تكون هذه الجملة في محل نصب على الحال ، إما من ضمير \" وُضِعَ \" وفيه ما تقدم من الإشكال.\rوأمَّا من الضمير في \" بِبَكَّةَ \" وهذا على رأي مَنْ يُجِيز تعدد الحال الذي حالٍ واحدٍ.\rوإما من الضمير في \" للعالمِينَ \" ، وإما من \" هُدًى \" ، وجاز ذلك لتخصُّصِه بالوَصْف ، ويجوز أن يكون حالاً من الضمير في \" مُبَارَكاً \".","part":15,"page":191},{"id":6325,"text":"ويجود أن تكون الجملة في محل نصب ؛ نعتاً لِ \" هُدًى \" بعد نعته بالجار قبله. ويجوز أن تكون هذه الجملة مستأنفةً ، لا محل لها من الإعراب ، وإنما جِيء بها بياناً وتفسيراً لبركته وهُداه ، ويجوز أن يكون الحال أو الوصف على ما مر تفصيله هو الجار والمجرور فقط ، و\" آياتٌ \" مرفوع بها على سبيل الفاعلية لأن الجار متى اعتمد على أشياء تقدمت أول الكتاب رفع الفاعل ، وهذا أرجح مِنْ جَعْلِها جملةً من مبتدأ وخبر ؛ لأن الحالَ والنعتَ والخبرَ أصلها : أن تكون مفردة ، فما قَرُب منها كان أولى ، والجار قريب من المفرد ، ولذلك تقدَّكم المفردُ ، ثم الظرفُ ، ثم الجملة فيما ذكرنا ، وعلى ذلك جاء قوله تعالى : {وَقَالَ رَجُلٌ مُّؤْمِنٌ مِّنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ إِيمَانَهُ} [ غافر : 28 ] ، فقدم الوصف بالمفرد \" مُؤمِنٌ \" ، وثَنَّى بما قَرُبَ منه وهو {مِّنْ آلِ فِرْعَوْنَ} [ البقرة : 49 ] ، وثلَّث بالجملة وهي {يَكْتُمُ إِيمَانَهُ} وقد جاء في الظاهر عكس هذا ، وسيأتي الكلام عليه - إن شاء الله - عند قوله : {بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ} [ المائدة : 45 ].\rقوله : {مَّقَامُ إِبْرَاهِيمَ وَمَن دَخَلَهُ كَانَ آمِناً} فيه أوْجُه : \rأحدها : أن \" مَقَام \" : بدل من \" آيَاتٌ \" وعلى هذا يقال : إن النحويين نَصُّوا على أنه متى ذكر جَمع لا يُبْدَل منه إلا ما يُوَفِّي بالجمع ، فتقول : مررت برجال زيد وعمرو وبكر ؛ لأن أقل الجمع - على الصحيح - ثلاثة ، فإن لم يُوَفِّ ، قالوا : وجب القطع عن البدلية ، إما إلى النصب بإضمار فِعْل ، وإما إلى الرفع ، على مبتدأ محذوف الخبر ، كما تقول - في المثال المتقدم - زيداً وعمراً ، أي : أعني زيداً وعمراً ، أو زيد وعمرو ، أي : منهم زيد وعمرو.","part":15,"page":192},{"id":6326,"text":"ولذلك أعربوا قول النابغة الذبياني : [ الطويل ]\rتَوَهَّمْتُ آيَاتٍ لَهَا فَعَرَفْتُهَا... لِسِتَّةِ أعْوَامٍ وَذَا العَامُ سَابِعُ\rرَمَادٌ كَكُحْلِ الْعَيْنِ لأْياً أبينُهُ... وَنُؤيٌ كَجِذْمِ الْحَوْضِ أثْلَمُ خَاشِعُ\rعلى القطع المتقدم ، أي : فمنها رمادٌ ونؤي ، وكذا قوله تعالى : {هَلُ أَتَاكَ حَدِيثُ الجنود فِرْعَوْنَ وَثَمُودَ} [ البروج : 17-18 ] أي : أعني فرعون وثمود ، أو أذُمّ فرعونَ وثمودَ ، على أنه قد يُقال : إن المراد بفرعون وثمودَ ؛ هما ومَنْ تبعهما من قومهما ، فذكرهما وافٍ بالجمعيَّةِ. أ هـ {تفسير ابن عادل حـ 5 صـ 505 ـ 506}\rمن فوائد ابن عاشور فى الآية\rقال رحمه الله : \r{إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكاً وَهُدىً لِلْعَالَمِينَ[96] فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ مَقَامُ إبراهيم وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِناً} .\rهذا الكلام واقع موقع التعليل للأمر في قوله : {فَاتَّبِعُوا مِلَّةَ إبراهيم حَنِيفاً} [آل عمران : 95] لأن هذا البيت المنوه بشأنه كان مقاما لإبراهيم ففضائل هذا البيت تحقق فضيلة شرع بانيه في متعارف الناس ، فهذا الاستدلال خطابي ، وهو أيضا إخبار بفضيلة الكعبة وحرمتها فيما مضى من الزمان.\rوقد آذن بكون الكلام تعليلا موقع إن في أوله فإن التأكيد بإن هنا لمجرد الاهتمام وليس لرد إنكار منكر ، أو شك شاك.\rومن خصائص إن إذا وردت في الكلام لمجرد الاهتمام ، أن تغني غناء فاء التفريع وتفيد التعليل والربط ، كما في دلائل الإعجاز.\rولما في هذه من إفادة الربط استغني عن العطف لكون إن مؤذنة بالربط.","part":15,"page":193},{"id":6327,"text":"وبيان وجه التعليل أن هذا البيت لما كان أول بيت وضع للهدى وإعلان توحيد الله ليكون علما مشهودا بالحس على معنى الوحدانية ونفي الإشراك ، فقد كان جامعا لدلائل الحنيفية ، فاذا ثبت له شرف الأولية ودوام الحرمة على ممر العصور ، دون غيره من الهياكل الدينية التي نشأت بعده ، وهو ماثل ، كان ذلك دلالة إلهية على أنه بمحل العناية من الله تعالى ، فدل على أن الدين الذي قارن إقامته هو الدين المراد لله ، وهذا يؤول إلى معنى قوله : {إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْأِسْلامُ} [آل عمران : 19].\rوهذا التعليل خطابي جار على طريقة اللزوم العرفي.\rوقال الواحدي ، عن مجاهد : تفاخر المسلمون واليهود ، فقالت اليهود : بيت المقدس أفضل وأعظم من الكعبة لأنه مهاجر الأنبياء وفي الأرض المقدسة.\rوقال المسلمون : بل الكعبة أفضل.\rفأنزل الله هذه الآية.\rو {أول} اسم للسابق في فعل ما فإذا أضيف إلى اسم جنس فهو السابق من جنس ذلك المضاف إليه في الشأن المتحدث عنه.\rوالبيت بناء يأوي واحدا أو جماعة ، فيكون بيت سكنى ، وبيت صلاة ، وبيت ندوة ، ويكون مبنيا من حجر أو من أثواب نسيج شعر أو صوف ، ويكون من أدم فيسمى قبة قال تعالى : {وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ جُلُودِ الْأَنْعَامِ بُيُوتاً} [النحل : 81].\rومعنى {وضع} أسس وأثبت ، ومنه سمي المكان موضعا ، وأصل الوضع أنه الحط ضد الرفع ، ولما كان الشيء المرفوع لمعنى الإدناء للمتناول ، والتهيئة للانتفاع.\rوالناس تقدم في قوله تعالى : {وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ} في سورة البقرة [8].\rو {بكة} اسم مكة.","part":15,"page":194},{"id":6328,"text":"وهو لغة بإبدال الميم باء في كلمات كثيرة عدت من المترادف : مثل لازب في لازم ، وأربد وأرمد أي في لون لرماد ، وفي سماع ابن القاسم من العتبية عن مالك : أن بكة بالباء اسم موضع البيت ، وأن مكة بالميم اسم بقية الموضوع ، فتكون باء الجر هنا لظرفية مكان البيت خاصة.\rلا لسائر البلد الذي فيه البيت ، والظاهر عندي أن بكة اسم بمعنى البلدة وضعه إبراهيم علما على المكان الذي عينه لسكنى ولده بنية أن يكون بلدا ، فيكون أصله من اللغة الكلدانية ، لغة إبراهيم ، ألا ترى أنهم سموا مدينة بعلبك أي بلد بعل وهو معبود الكلدانيين ، ومن أعجاز القرآن هذا اللفظ عند ذكر كونه أول بيت ، فلاحظ أيضا الاسم الأول ، ويؤيد قوله : {رَبَّ هَذِهِ الْبَلْدَةِ} [النمل : 91] وقوله : {رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِناً} [إبراهيم : 35].\rوقد قيل : إن بكة مشتق من البك وهو الازدحام ، ولا أحسب قصد ذلك لواضع الاسم.\rوعدل عن تعريف البيت باسمه العلم بالغلبة ، وهو الكعبة ، إلي تعريفه بالموصولية بأنه الذي ببكة : لأن هذه الصلة صارت أشهر في تعينه عند السامعين ، إذ ليس في مكة يومئذ بيت للعبادة غيره ، بخلاف اسم الكعبة : فقد أطلق اسم الكعبة على القليس الذي بناه الحبشة في صنعاء لدين النصرانية ولقبوه الكعبة اليمانية.\rوالمقصود إثبات سبق الكعبة في الوجود قبل بيوت أخر من نوعها.\rوظاهر الآية أن الكعبة أول البيوت المبنية في الأرض ، فتمسك بهذا الظاهر مجاهد ، وقتادة ، والسدي ، وجماعة ، فقالوا : هي أول بناء ، وقالوا : أنها كانت مبنية من عهد آدم عليه السلام ثم درست ، فجددها إبراهيم ، قال ابن عطية : ورويت في هذا أقاصيص أسانيدها ضعاف فلذلك تركتها ، وقد زعموا أنها كانت تسمى الضراح بوزن غراب ولكن المحققين وجمهور أهل العلم لم يأخذوا بهذا الظاهر ، وتأولوا الآية.","part":15,"page":195},{"id":6329,"text":"قال علي رضي الله عنه كان قبل البيت بيوت كثيرة ولا شك أن الكعبة بناها إبراهيم وقد تعدد في القرآن ذكر ذلك ، ولو كانت من بناء الأنبياء قبله لزيد ذكر ذلك زيادة في التنويه بشأنها ، وإذا كان كذلك فلا يجوز أن يكون أول بناء وقع في الأرض كان في عهد إبراهيم ، لأن قبل إبراهيم أمما وعصورا كان فيها البناء ، وأشهر ذلك برج بابل ، بنى إثر الطوفان ، وما بناه المصريون قبل عهد إبراهيم ، وما بناه الكلدان في بلد إبراهيم قبل رحلته إلى مصر ، ومن ذلك بيت أصنامهم ، وذلك قبل أن تصير إليه هاجر التي أهداها له ملك مصر ، وقد حكى القرآن عنهم {قَالُوا ابْنُوا لَهُ بُنْيَاناً فَأَلْقُوهُ فِي الْجَحِيمِ} [الصافات : 97] فتعين تأويل الآية بوجه ظاهر ، وقد سلك العلماء مسالك فيه : وهي راجعة إلى تأويل الأول ، أو تأويل البيت ، أو تأويل فعل وضع ، أو تأويل الناس ، أو تأويل نظم الآية.\rوالذي أراه في التأويل أن القرآن كتاب دين وهدى ، فليس غرض الكلام فيه ضبط أوائل التاريخ ، ولكن أوائل أسباب الهدى ، فالأولية في الآية على بابها ، والبيت كذلك ، والمعنى أنه أول بيت عبادة حقة وضع لإعلان التوحيد ، بقرينة المقام ، وبقرينة قوله : {وُضِعَ لِلنَّاسِ} المقتضي أنه من وضع واضع لمصلحة الناس ، لأنه لو كان بيت سكنى لقيل وضعه الناس ، وبقرينة مجيء الحالين بعد ؛ وهما قوله : {مُبَارَكاً وَهُدىً لِلْعَالَمِينَ} .","part":15,"page":196},{"id":6330,"text":"وهذا تأويل في معنى بيت ، وإذا كان أول بيت عبادة حق ، كان أول معهد للهدى ، فكان كل هدى مقتبسا منه فلا محيص لكل قوم كانوا على هدى من الاعتراف به وبفضله ، وذلك يوجب اتباع الملة المبنية على أسس ملة بانية ، وهذا المفاد من تفريغ قوله : {فَاتَّبِعُوا مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفاً} [البقرة : 95] وتأول الآية علي بن أبي طالب ، فروى عنه أن رجلا سأله : أهو أول بيت? قال : لا ، قد كان قبله بيوت ، ولكنه أول بيت وضع للناس مباركا وهدى فجعل مباركا وهدى حالين من الضمير في {وضع} لا من اسم الموصول ، وهذا تأويل في النظم لا ينساق إليه الذهن إلا على معنى أنه أول بيت من بيوت الهدى كما قلنا ، وليس مراده أن قوله : {وضع} هو الخبر لتعين أو الخبر هو قوله : {للذي ببكة} بدليل دخول اللام عليه.\rوعن مجاهد قالت اليهود : بيت المقدس أفضل من لكعبة لأنها مهاجر الأنبياء ، وقال المسلمون : الكعبة ، فأنزل اله هذه الآية ، وهذا تأويل {أول} بأنه الأول من شيئين لا من جنس البيوت كلها.\rوقبل : أراد بالأول الأشرف مجازا.\rوعندي أنه يجوز أن يكون المراد من الناس المعهودين وهم أهل الكتب أعني اليهود والنصارى والمسلمين ، وكلهم يعترف بأصالة دين إبراهيم عليه السلام فأول معبد بإجماعهم هو الكعبة فيلزمهم الاعتراف بأنه أفضل مما سواه من بيوت عبادتهم.\rوإنما كانت الأولية موجبة التفضيل لأن مواضع العبادة لا تتفاضل من جهة العبادة ، إذ هي في ذلك سواء ، ولكنها تتفاضل بما يحف بذلك من طول أزمان التعبد فيها ، وبنسبتها إلى بانيها ، وبحسن المقصد في ذلك ، وقد قال تعالى في مجسد قباء {لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ} [التوبة : 108].\rوقد جمعت الكعبة جميع هذه المزايا فكانت أسبق بيوت العبادة الحق ، وهي أسبق من بيت المقدس بتسعة قرون.","part":15,"page":197},{"id":6331,"text":"فإن إبراهيم بني الكعبة في حدود سنة 1900 قبل المسيح وسليمان بني بيت المقدس سنة 1000 قبل المسيح ، والكعبة بناها إبراهيم بيده فهي مبنية بيد رسول.\rوأما بيت المقدس فبناها العملة لسليمان بأمره.\rوروى في صحيح مسلم ، عن أبي ذر رضي الله عنه أنه قال : سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم : أي مسجد وضع أول ? قال : \"المسجد الحرام\" ، قلت : ثم أي? قال : \"المسجد الأقصى\" ، قلت : كم كان بينهما? قال : \"أربعون سنة\" ، فاستشكله العلماء بأن بين إبراهيم وسليمان قرونا فكيف تكون أربعين سنة ، وأجاب بعضهم بإمكان أن يكون إبراهيم بنى مسجدا في موضع بيت المقدس ثم درس فجدده سليمان.\rوأقول : لاشك أن بيت المقدس من بناء سليمان كما هو نص كتاب اليهود ، وأشار إليه القرآن في قوله : {يَعْمَلُونَ لَهُ مَا يَشَاءُ مِنْ مَحَارِيبَ} [سبأ : 13] الآية ، فالظاهر أن إبراهيم لما مر ببلاد الشام ووعده الله أن يورث تلك الأرض نسله عين الله له الموضع الذي سيكون به أكبر مسجد تبنيه ذريته ، فأقام هنالك مسجدا صغيرا شكرا لله تعالى ، وجعله على الصخرة المجعولة مذبحا للقربان.\rوهي الصخرة التي بنى سليمان عليها المسجد ، فلما كان أهل ذلك البلد يومئذ مشركين دثر ذلك البناء حتى هدى الله سليمان إلى إقامة المسجد الأقصى عليه ، وهذا من العلم الذي أهملته كتب اليهود ، وقد ثبت في سفر التكوين إن إبراهيم بنى مذابح في جهات مر عليها من أرض الكنعانيين لأن الله أخبره أنه يعطي تلك الأرض لنسله ، فالظاهر أنه بنى أيضا بموضع مسجد أرشليم مذبحا. (1) أ هـ {التحرير والتنوير حـ 3 صـ 158 ـ 161}\r_______________\r(1) بعض هذا الكلام فيه نظر لاستناده إلى التوراة التى لم تسلم من الأيدى الآثمة التى حرفتها. والله أعلم.","part":15,"page":198},{"id":6332,"text":"قوله تعالى {وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ}\rفصل\rقال الفخر : \rقرأ حمزة والكسائي وحفص عن عاصم {حَجَّ البيت} بكسر الحاء والباقون بفتحها ، قيل الفتح لغة الحجاز ، والكسر لغة نجد وهما واحد في المعنى ، وقيل هما جائزان مطلقاً في اللغة ، مثل رطل ورطل ، وبزر وبزر ، وقيل المكسورة اسم للعمل والمفتوحة مصدر ، وقال سيبويه : يجوز أن تكون المكسورة أيضاً مصدراً ، كالذكر والعلم. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 8 صـ 133}\rفصل\rقال القرطبى : \rقوله تعالى : {وَللَّهِ} اللام في قوله \"ولله\" لام الإيجاب والإلزام ، ثم أكده بقوله تعالى : {عَلَى} التي هي من أوكد ألفاظ الوجوب عند العرب ؛ فإذا قال العربي : لفلان عليّ كذا ؛ فقد وكّده وأوجبه.\rفذكر الله تعالى الحج ( بأبلغ ) ألفاظ الوجوب تأكيداً لحقِّه وتعظيماً لحُرْمته.\rولا خلاف في فريضته ، وهو أحد قواعد الإسلام ، وليس يجب إلاَّ مرّة في العمر.\rوقال بعض الناس : يجب في كل خمسة أعوام ( مرة ) ؛ ورووا في ذلك حديثاً أسندوه إلى النبيّ صلى الله عليه وسلم ، والحديث باطل لا يصح ، والإجماع صادّ في وجوههم.\rقلت : وذكر عبد الرزاق قال : حدّثنا سفيان ( الثوري ) عن العلاء بن المسيّب عن أبيه عن أبي سعيد الخدري أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : \" يقول الرب جلّ وعزّ إن عبداً أوسعت عليه في الرزق فلم يعد إليّ في كل أربعة أعوام لمحروم \" مشهور من حديث العلاء بن المسيب بن رافع الكاهليّ الكوفيّ من أولاد المحدّثين ، روى عنه غير واحد ، منهم من قال : في كل خمسة أعوام ، ومنهم من قال : عن العلاء عن يونس بن خَبّاب عن أبي سعيد ، في غير ذلك من الاختلاف.","part":15,"page":199},{"id":6333,"text":"وأنكرت الملحدة الحَجّ ، فقالت : إن فيه تجريد الثياب وذلك يخالف الحياء ، والسعي وهو يناقض الوَقَار ، ورمي الجمار لغير مرمى وذلك يضادّ العقل ؛ فصاروا إلى أن هذه الأفعال كلها باطلة ؛ إذ لم يعرفوا لها حِكمة ولا عِلة ، وجهلوا أنه ليس من شرط المولى مع العبد ، أن يفهم المقصود بجميع ما يأمره به ، ولا أن يطلع على فائدة تكليفه ، وإنما يتعين عليه الامتثال ، ويلزمه الانقياد من غير طلب فائدة ولا سؤال عن مقصود.\rولهذا المعنى كان عليه السَّلام يقول في تلبيته : \" لبيْك حقّاً حقّاً تعبُّداً ورِقاً لبيّك إله الحق \" وروى الأئمَّة عن أبي هريرة قال : خطبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : \" \"أيها الناس قد فَرض الله عليكم الحجَّ فحجّوا\".\rفقال رجل : كلَّ عام يا رسول الله ؟ فسكت ، حتى قالها ثلاثاً ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : \"لو قلت نعم لوجبتْ ولما استطعتم\" ثم قال : \"ذروني ما تركتكم فإنما هلك من كان قبَلكم بكثرة سؤالهم واختلافهم على أنبيائهم فإذا أمرتكم بشىء فأتوا منه ما استطعتم وإذا نهيتكم عن شيء فدعوه\" \" لفظ مسلم.\rفبيّن هذا الحديثُ أن الخطاب إذا توجه على المكلفين بفرضٍ أنه يكفي منه فعل مرّة ولا يقتضي التكرار ؛ خلافاً للأستاذ أبي إسحاق الأسفرايِنِي وغيره.\rوثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم قال له أصحابه : يا رسول الله ، أحجُّنا لعامِنا هذا أم للأبد ؟ فقال : \"لا بل للأبد\".\rوهذا نص في الردّ على من قال : يجب في كل خمس سنين مرة.\rوقد كان الحج معلوماً عند العرب مشهوراً لديهم ، وكان مما يرغب فيه لأسواقها وتَبَرُّرِها وتحنُّفها ؛ فلما جاء الإسلام خوطبوا بما علموا وألزموا بما عرفوا.","part":15,"page":200},{"id":6334,"text":"وقد حجّ النبيّ صلى الله عليه وسلم قبل حجَّ الفرض ، وقد وقف بعرفة ولم يغيّر من شرع إبراهيم ما غيروا ؛ حين كانت قريش تقف بالمَشْعَر الحرام ويقولون ؛ نحن أهل الحرم فلا نخرج منه ؛ ونحن الْحمْسُ.\rحسب ما تقدّم بيانه في \"البقرة\".\rقلت : من أغرب ما رأيته أن النبيّ صلى الله عليه وسلم حجّ قبل الهجرة مرتين وأن الفرض سقط عنه بذلك ؛ لأنه قد أجاب نداء إبراهيم حين قيل له : {وَأَذِّن فِي الناس بالحج} [ الحج : 27 ].\rقال الكيا الطبري : وهذا بعيد ؛ فإنه ورد إذا في شرعه : {وَللَّهِ عَلَى الناس حِجُّ البيت} [ آل عمران : 97 ] فلا بدّ من وجوبه عليه بحكم الخطاب في شرعه.\rولئن قيل : إنما خاطب من لم يحج ، كان تحَكُّماً وتخصيصاً لا دليل عليه ، ويلزم عليه ألاَّ يجب بهذا الخطاب على من حج على دِين إبراهيم ، وهذا في غاية البعد. أ هـ {تفسير القرطبى حـ 4 صـ 142 ـ 144}\rفصل\rقال الفخر : \rفي قوله {مَنِ استطاع إِلَيْهِ سَبِيلاً} وجوه\rالأول : قال الزجاج : موضع {مِنْ} خفض على البدل من {الناس} والمعنى : ولله على من استطاع من الناس حج البيت\rالثاني : قال الفرّاء إن نويت الاستئناف بمن كانت شرطاً وأسقط الجزاء لدلالة ما قبله عليه ، والتقدير من استطاع إلى الحج سبيلاً فلله عليه حج البيت\rالثالث : قال ابن الأنباري : يجوز أن يكون {مِنْ} في موضع رفع على معنى الترجمة للناس ، كأنه قيل : من الناس الذين عليهم لله حج البيت ؟ فقيل هم من استطاع إليه سبيلاً. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 8 صـ 133}\rفصل\rقال الفخر : ","part":15,"page":201},{"id":6335,"text":"اتفق الأكثرون على أن الزاد والراحلة شرطان لحصول الاستطاعة ، روى جماعة من الصحابة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه فسّر استطاعة السبيل إلى الحج بوجود الزاد والراحلة ، وروى القفال عن جويبر عن الضحاك أنه قال : إذا كان شاباً صحيحاً ليس له مال فعليه أن يؤاجر نفسه حتى يقضي حجه فقال له قائل : أكلف الله الناس أن يمشوا إلى البيت ؟ فقال : لو كان لبعضهم ميراث بمكة أكان يتركه ؟ قال : لا بل ينطلق إليه ولو حبواً ، قال : فكذلك يجب عليه حج البيت ، عن عكرمة أيضاً أنه قال : الاستطاعة هي صحة البدن ، وإمكان المشي إذا لم يجد ما يركبه.\rواعلم أن كل من كان صحيح البدن قادراً على المشي إذا لم يجد ما يركب فإنه يصدق عليه أنه يستطيع لذلك الفعل ، فتخصيص هذه الاستطاعة بالزاد والراحلة ترك لظاهر اللفظ فلا بد فيه من دليل منفصل ، ولا يمكن التعويل في ذلك على الأخبار المروية في هذا الباب لأنها أخبار آحاد فلا يترك لأجلها ظاهر الكتاب لا سيما وقد طعن محمد بن جرير الطبري في رواة تلك الأخبار ، وطعن فيها من وجه آخر ، وهو أن حصول الزاد والراحلة لا يكفي في حصول الاستطاعة ، فإنه يعتبر في حصول الاستطاعة صحة البدن وعدم الخوف في الطريق ، وظاهر هذه الأخبار يقتضي أن لا يكون شيء من ذلك معتبراً ، فصارت هذه الأخبار مطعوناً فيها من هذا الوجه بل يجب أن يعول في ذلك على ظاهر قوله تعالى : {وَمَا جَعَلَ عَلَيْكمْ فِى الدين مِنْ حَرَجٍ} [ الحج : 78 ] وقوله {يُرِيدُ الله بِكُمُ اليسر وَلاَ يُرِيدُ بِكُمُ العسر} [ البقرة : 185 ]. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 8 صـ 133 ـ 134}\rفصل\rقال القرطبى : ","part":15,"page":202},{"id":6336,"text":"ودلّ الكتاب والسنة على أن الحج على التراخي لا على الفور ؛ وهو تحصيل مذهب مالكٍ فيما ذكر ابن خُوَيزِ مَنْدَاد ، وهو قول الشافعيّ ومحمد بن الحسن وأبي يوسف في رواية عنه.\rوذهب بعض البغداديين من المتأخرين من المالكيين إلى أنه على الفور ، ولا يجوز تأخيره مع القدرة عليه ؛ وهو قول داود.\rوالصحيح الأوّل ؛ لأن الله تعالى قال في سور الحج : {وَأَذِّن فِي الناس بالحج يَأْتُوكَ رِجَالاً} [ الحج : 27 ] وسورة الحج مكية.\rوقال تعالى : {وَللَّهِ عَلَى الناس حِجُّ البيت} الآية.\rوهذه السورة نزل عام أحُد بالمدينة سنة ثلاث من الهجرة ولم يحج رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى سنة عشر.\rأما السُّنّة : فحديثِ ضمام بن ثعلبة السعديّ من بني سعد بن بكر قِدم على النبيّ صلى الله عليه وسلم فسأله عن الإسلام فذكر الشهادة والصَّلاة والزكاة والصيام والحج.\rرواه ابن عباس وأبو هريرة وأنس ، وفيها كلها ذكر الحج ، وأنه كان مفروضاً ، وحديث أنس أحسُنها سياقاً وأتَمُّها.\rواختلف في وقت قدومه ؛ فقيل : سنة خمس.\rوقيل : سنة سبع.\rوقيل : سنة تسع ؛ ذكره ابن هشام عن أبي عبيدة الواقدي عام الخَنْدَق بعد انصراف الأحْزَاب.\rقال ابن عبد البر : ومن الدليل على أن الحج على التراخي إجماع العلماء على ترك تفسِيق القادر على الحج إذا أخره العام والعامين ونحوهما ، وأنه إذا حج من بعد أعوامٍ من حين استطاعته فقد أدّى الحج الواجب عليه في وقته ، وليس هو عند الجميع كمن فاتته الصَّلاة حتى خرج وقتها فقضاها بعد خروج وقتها ، ولا كمن فاته صيام رمضان لمرض أو سفر فقضاه ، ولا كمن أفسد حجه فقضاه ، فلما أجمعوا على أنه لا يُقال لمن حج بعد أعوام من وقت استطاعته : أنت قاضٍ لِما وجب عليك ؛ علِمنا أن وقت الحج مُوسَّع فيه وأنه على التراخي لا على الفور.\r","part":15,"page":203},{"id":6337,"text":"قال أبو عمر : كل من قال بالتراخي لا يَحُدُّ في ذلك حداً ؛ إلاَّ ما روي عن سحنون وقد سئل عن الرجل يجد ما يحج فيه فيؤخِّر ذلك إلى سنين كثيرةٍ مع قدرته على ذلك هل يُفَسَّق بتأخيره الحجّ وتُردّ شهادتُه ؟ قال : لا وإن مضى من عمره ستون سنة ، فإذا زاد على الستين فُسّق وردّت شهادته.\rوهذا توقيف وحَدّ ، والحدود في الشرع لا تؤخذ إلاَّ عمن له أن يشَرِّع.\rقلت : وحكاه ابن خويزِمنداد عن ابن القاسم.\rقال ابن القاسم وغيره : إنْ أخره ستين سنة لم يُحَرَّج ، وإن أخره بعد الستين حُرِّج ؛ لأن النبيّ صلى الله عليه وسلم قال : \" أعمار أمتي ما بين الستين إلى السبعين وقل من يتجاوزها \" فكأنه في هذا العشر قد يتضايق عليه الخطاب.\rقال أبو عمر : وقد احتج بعض الناس ( كسحنون ) بقوله صلى الله عليه وسلم : \" معترك أمّتي بين الستين إلى السبعين وقل من يجاوز ذلك \" ولا حجة فيه ؛ لأنه كلام خرج على الأغلب من أعمار أمّته لو صحّ الحديث.\rوفيه دليل على التوسعة إلى السبعين لأنه من الأغلب أيضاً ، ولا ينبغي أن يقطع بتفسيق من صحت عدالته وأمانته بمثل هذا من التأويل الضعيف. وبالله التوفيق. أ هـ {تفسير القرطبى حـ 4 صـ 144 ـ 145}\rفصل\rقال الفخر : \rاحتج بعضهم بهذه الآية على أن الكفار مخاطبون بفروع الشرائع قالوا لأن ظاهر قوله تعالى : {وَللَّهِ عَلَى الناس حِجُّ البيت} يعم المؤمن والكافر وعدم الإيمان لا يصلح معارضاً ومخصصاً لهذا العموم ، لأن الدهري مكلف بالإيمان بمحمد صلى الله عليه وسلم مع أن الإيمان بالله الذي هو شرط صحة الإيمان بمحمد عليه السلام غير حاصل والمحدث مكلف بالصلاة مع أن الوضوء الذي هو شرط صحة الصلاة غير حاصل ، فلم يكن عدم الشرط مانعاً من كونه مكلفاً بالمشروط ، فكذا ههنا والله أعلم. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 8 صـ 134}\rفصل","part":15,"page":204},{"id":6338,"text":"قال القرطبى : \rأجمع العلماء على أن الخطاب بقوله تعالى : {وَللَّهِ عَلَى الناس حِجُّ البيت} عام في جميعهم مسترسل على جملتهم.\rقال ابن العربيّ : \"وإن كان الناس قد اختلفوا في مطلق العمومات بَيْدَ أنهم اتفقوا على حمل هذه الآية على جميع الناس ذكرِهم وأنثاهم ، خلا الصغيرِ فإنه خارج بالإجماع عن أصول التكليف ، وكذلك العبد لم يدخل فيه ؛ لأنه أخرجه عن مطلق العموم قوله تعالى ( في التمام ) : {مَنِ استطاع إِلَيْهِ سَبِيلاً} والعبد غيرُ مستطيع ؛ لأن السيِّد يمنعه لحقوقه عن هذه العبادة.\rوقد قدّم الله سبحانه حقَّ السيّد على حقه رِفقاً بالعباد ومصلحةً لهم.\rولا خلاف فيه بين الأمّة ولا بين الأئمة ، فلا نَهْرِف بما لا نعرِف ، ولا دليل عليه إلاَّ الإجماعُ\".\rقال ابن المنذر : أجمع عامّة أهل العلم إلاَّ من شَذّ منهم ممن لا يعدّ خلافاً ، على أن الصبيّ إذا حَجّ في حال صغره ، والعبد إذا حج في حال رِقّه ، ثم بلغ الصبي وعَتَق العبد إنّ عليهما حجة الإسلام إذا وجدا إليها سبيلاً.\rوقال أبو عمر : خالف داود جماعة فقهاء الأمصار وأئمّة الأثر في المملوك وأنه عنده مخاطب بالحج ، وهو عند جمهور العلماء خارج من الخطاب العام في قوله تعالى : {وَللَّهِ عَلَى الناس حِجُّ البيت مَنِ استطاع إِلَيْهِ سَبِيلاً} بدليل عدم التصرف ، وأنه ليس له أن يحج بغير إذن سيده ؛ كما خرج من خطاب الجمعة وهو قوله تعالى : {ياأيها الذين آمنوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاَةِ مِن يَوْمِ الجمعة} [ الجمعة : 9 ] الآية عند عامّة العلماء إلاَّ من شذّ.\rوكما خرج من خطاب إيجاب الشهادة ، قال الله تعالى : {وَلاَ يَأْبَ الشهدآء إِذَا مَا دُعُواْ} [ البقرة : 282 ] فلم يدخل في ذلك العبدُ.","part":15,"page":205},{"id":6339,"text":"وكما جاز خروج الصبيّ من قوله : {وَللَّهِ عَلَى الناس حِجُّ البيت} [ آل عمران : 97 ] وهو من الناس بدليل رفع القلم عنه.\rوخرجت المرأة من قوله : {ياأيها الذين آمنوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاَةِ} وهي ممّن شَمِله اسم الإيمان ، وكذلك خروج العبد من الخطاب المذكور.\rوهو قول فقهاء الحجاز والعراق والشام والمغرب ، ومثلهم لا يجوز عليهم تحريف تأويل الكتاب.\rفإن قيل : إذا كان حاضَر المسجد الحرام وأذِن له سيدُه فلِمَ لا يلزمه الحج ؟ قيل له : هذا سؤال على الإجماع وربما لا يُعلّل ذلك ، ولكن إذا ثبت هذا الحكم على الإجماع استدللنا به على أنه لا يُعتدّ بحجّه في حال الرِّقّ عن حجة الإسلام ؛ وقد روي عن ابن عباس عن النبيّ صلى الله عليه وسلم أنه قال : \" أيّما صبيّ حجّ ثم أدرك فعليه أن يحج حجة أُخرى وأيّما أعرابيّ حجّ ثم هاجر فعليه أن يحج حجة أخرى وأيما عبد حج ثم أعتق فعليه أن يحج حجة أخرى \" قال ابن العربيّ.\r\"وقد تساهل بعض علمائنا فقال : إنما لم يثبت الحج على العبد وإن إذِن له السيد لأنه كان كافراً في الأصل ولم يكن حَجُّ الكافر معتدّاً به ، فلما ضُرب عليه الرقّ ضرباً مؤبَّداً لم يخاطب بالحج ؛ وهذا فاسد من ثلاثة أوجه فاعلموه : أحدها أن الكفار عندنا مُخاطبون بفروع الشريعة ، ولا خلاف فيه في قول مالك.\rالثاني أن سائر العبادات تلزمه من صلاة وصوم مع كونه رقيقاً ، ولو فعلها في حال كفره لم يعتدّ بها ، فوجب أن يكون الحج مثلها.\rالثالث أن الكفر قد ارتفع بالإسلام فوجب ارتفاع حكمه.\rفتبين أن المعتمد ما ذكرناه من تقدّم حقوق السيد\". والله الموفق. أ هـ {تفسير القرطبى حـ 4 صـ 145 ـ 146}\rفصل\rقال الفخر : ","part":15,"page":206},{"id":6340,"text":"احتج جمهور المعتزلة بهذه الآية على أن الاستطاعة قبل الفعل ، فقالوا : لو كانت الاستطاعة مع الفعل لكان من لم يحج مستطيعاً للحج ، ومن لم يكن مستطيعاً للحج لا يتناوله التكليف المذكور في هذه الآية فيلزم أن كل من لم يحج أن لا يصير مأموراً بالحج بسبب هذه الآية وذلك باطل بالاتفاق.\rأجاب الأصحاب بأن هذا أيضاً لازم لهم ، وذلك لأن القادر إما أن يصير مأموراً بالفعل قبل حصول الداعي إلى الفعل أو بعد حصوله أما قبل حصول الداعي فمحال ، لأن قبل حصول الداعي يمتنع حصول الفعل ، فيكون التكليف به تكليف ما لا يطاق ، وأما بعد حصول الداعي فالفعل يصير واجب الحصول ، فلا يكون في التكليف به فائدة ، وإذا كانت الاستطاعة منتفية في الحالين وجب أن لا يتوجه التكليف المذكور في هذه الآية على أحد. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 8 صـ 134}","part":15,"page":207},{"id":6341,"text":"كلام نفيس للعلامة الآلوسى فى هذا الموضع\rقال عليه الرحمة : \rوالحق عندي في هذه المسألة أن شرط التكليف هو القوة التي تصير مؤثرة بإذن الله تعالى عند انضمام الإرادة التابعة لإرادة الله تعالى لقوله سبحانه : {لاَ يُكَلّفُ الله نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا} [ البقرة : 286 ] وإيضاحه أنه تعالى كما أنه غني بالذات عن العالمين كذلك حكيم جواد وكما أن غناه الذاتي أن يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد كذلك مقتضى جوده ورحمته مراعاة ما اقتضته حكمته سبحانه كما أشار إليه العضد في \"عيون الجواهر\" ، وأطال الكلام فيه أبو عبد الله الدمشقي في \"شفاء العليل\". ومن المعلوم أن الحكمة لا تقتضي أن يؤمر بالفعل من لا يقدر على الامتثال وينهى عنه من لا يقدر على الاجتناب فلا بد بمقتضى الحكمة التي رعاها سبحانه فيما خلق وأمر فضلاً ورحمة أن يكون التكليف بحسب الوسع وإذا كان كذلك كان شرط التكليف هو القوة التي تصير مؤثرة إذا انضم إليها الإرادة وهذه قبل الفعل ، والقدرة التي هي مع الفعل هي القدرة المستجمعة لشرائط التأثير التي من جملتها انضمام الإرادة إليها ، وبهذا جمع الإمام الرازي كما في \"المواقف بين مذهب الأشعري القائل بأن القدرة مع الفعل ، والمعتزلة القائلين بأنها قبله ، وقال : لعل الأشعري أراد بالقدرة القوة المستجمعة لشرائط التأثير فلذلك حكم بأنها مع الفعل وأنها لا تتعلق بالضدين ، والمعتزلة أرادوا بالقدرة مجرد القوة العضلية فلذلك قالوا بوجودها قبل الفعل وتعلقها بالأمور المتضادة وهو جمع صحيح ، وقول السيد قدس سره في توجيه البحث الذي ذكره صاحب \"المواقف\" فيه بأن القدرة الحادثة ليست مؤثرة عند الشيخ فكيف يصح أن يقال : إنه أراد بالقدرة والقوة المستجمعة لشرائط التأثير مدفوع بما تبين في \"الإبانة\" التي هي آخر مصنفاته.","part":15,"page":208},{"id":6342,"text":"والمعتمد من كتبه كما صرح به ابن عساكر والمجد ابن تيمية وغيرهما أن الشيخ قائل بالتأثير للقدرة المستجمعة للشرائط لكن لا استقلالاً كما يقوله المعتزلة بل بإذن الله تعالى وهو معنى الكسب عنده ، وأما قوله في شرح المواقف\" : إن أفعال العباد الاختيارية واقعة بقدرة الله تعالى وحدها ليس لقدرتهم تأثير فيها بل الله تعالى أجرى عادته بأن يوجد في العبد قدرة واختياراً فإذا لم يكن هناك مانع أوجد فيه فعله المقدور مقارناً لهما فيكون فعل العبد مخلوقاً لله تعالى إبداعاً وإحداثاً ومكسوباً للعبد ، والمراد بكسبه إياه مقارنته لقدرته وإرادته من غير أن يكون هناك منه تأثير ومدخل في وجوده سوى كونه محلاً له ، وهو مذهب الشيخ أبي الحسن الأشعري ، ففيه بحث من وجوه : ","part":15,"page":209},{"id":6343,"text":"أما أولاً : فلأن هذا ليس مذهب الشيخ المذكور في آخر تصانيفه التي استقر عليها الاعتماد وذكره في غيره إن سلم لا يعول عليه لكونه مرجوحاً مرجوعاً عنه وأما ثانياً : فلأن التكليف في صرائح الكتاب والسنة إنما تعلق أمراً أو نهياً بالأفعال الاختيارية أنفسها لا بمقارنة القدرة والإرادة لها فمكسوب العبد نفس الفعل الاختياري ، والمراد بكسبه إياه تحصيله إياه بتأثير قدرته بإذن الله تعالى لا مستقلاً ، فالقول بأن المراد بكسب العبد للفعل هو مقارنة الفعل لقدرته وإرادته من غير تأثير لا يوافق ما اقتضاه صرائح الكتاب والسنة ونصوص \"الإبانة\" ، ويزيده وضوحاً حديث أبي هريرة \"أنه لما نزل {وَإِن تُبْدُواْ مَا فِي أَنفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُم بِهِ الله} [ البقرة : 284 ] اشتد ذلك على أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فأتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم جثوا على الركب فقالوا : يا رسول الله كلفنا من الأعمال ما نطيق الصلاة والصيام والجهاد والصدقة وقد أنزل عليك هذه الآية ولا نطيقها\" الحديث فإنه صريح بأن الذي كلفوا به ما يطيقونه من نفس الأعمال وهو نفس الصلاة وأخواتها لا مقارنتها لقدرتهم وإرادتهم وأقرهم صلى الله عليه وسلم على ذلك وأما ثالثاً : فلأن مقارنة الفعل لقدرة العبد وإرادته لو كانت هي الكسب لكانت هي المكلف بها ولو كانت كذلك لكان التكليف بما لا يطاق واقعاً لأن المقارنة أمر يترتب على فعل الله تعالى أي على إيجاد الله تعالى الفعل الاختياري مقارناً لهما وما يترتب على فعل الله تعالى ليس مقدوراً للعبد أصلاً لأن معنى كون الشيء مقدوراً له أن يكون ممكن الإيقاع بقدرته عند تعلق مشيئته به الموافقة لمشيئة الله تعالى كما هو واضح من حديث \" من كظم غيظه وهو قادر على أن ينفذه \" وما يترتب على فعل الله تعالى لا","part":15,"page":210},{"id":6344,"text":"يكون مقدوراً للعبد بهذا المعنى إذ لو كان مقدوراً له ابتداءاً لزم أن لا يكون مترتباً على فعل الله تعالى أو بواسطة لزم أن يكون فعل الله تعالى المترتب عليه هذا مقدوراً للعبد واللازم باطل بشقيه بعد القول بنفي التأثير أصلاً فكذا الملزوم وأما رابعاً : فلأن المقارنة لكونها مترتبة على فعل الله تعالى لا تختلف بالنسبة إلى العبد صعوبة وسهولة فلو كانت هي المكلف بها لاستوى بالنسبة إلى العبد التكليف بأشق الأعمال والتكليف بأسهلها مع أن نص الكتاب التكليف بحسب الوسع ونص السنة أن المملوك لا يكلف إلا ما يطيق شاهدان على التفاوت كما أن البديهة تشهد بذلك ، واعترض هذا من وجوه الأول : أن القول بأن من المعلوم أن الحكمة لا تقتضي أن يؤمر بالفعل من لا يقدر على الامتثال يقتضي أن أفعال الله تعالى وأحكامه لا بدّ فيها من حكمة ومصلحة وهو مسلم لكن لا نسلم أنه لا بدّ أن تظهر هذه المصلحة لنا إذ الحكيم لا يلزمه اطلاع من دونه على وجه الحقيقة كما قاله القفال في \"محاسن الشريعة\" وحينئذٍ فما المانع من أن يقال هناك مصلحة لم نطلع عليها ، ويجاب بأنا لم ندع سوى أن الله تعالى قد راعى الحكمة فيما أمر وخلق تفضلاً ورحمة لا وجوباً وهذا ثابت بقوله تعالى : {صُنْعَ الله الذى أَتْقَنَ كُلَّ شَىْء} [ النمل : 88 ] وقوله سبحانه : {أَحْسَنَ كُلَّ شَىْء خَلَقَهُ} [ السجدة : 7 ] وبالإجماع المعصوم عن الخطأ بفضل الله تعالى وإن مقتضى الحكمة أن لا يطلب حصول شيء إلا ممن يتمكن منه ويقدر عليه كما تشهد له النصوص ولم ندع وجوب ظهور وجه الحكمة في جميع أفعاله وأحكامه ولا ما يستلزم ذلك وبيان وجه الحكمة لحكم واحد لا يستلزم دعوى الكلية ويؤول هذا إلى أن الله تعالى أطلعنا على الحكمة في هذا مع عدم وجوب الاطلاع عليه.","part":15,"page":211},{"id":6345,"text":"والثاني : أن القول بأن التكليف في صرائح الكتاب والسنة إنما تعلق الخ فيه أنه ليس المراد مطلق المقارنة بل المقارنة على جهة التعلق فالكسب عبارة عن تعلق القدرة الحادثة بالمقدور من غير تأثير كما في عبارة غير واحد ، فالأوامر والنواهي متعلقة بالأفعال التي هي اختيارية في الظاهر باعتبار هذا التعلق الذي لا تأثير معه وادعاء أنها صرائح في التعلق مع التأثير ممنوع بل هي محتملة ولو سلم أنها ظاهرة في التأثير ، فالظاهر قد يعدل عنه لدليل خلافه ، والقول بأنا لا نفهم من تعلق القدرة إلا تأثيرها وإلا فليست بقدرة ، فكيف يثبت للقدرة تعلق بلا تأثير سؤال مشهور وجوابه : ما في \"شرح المواقف\" وغيره من أن التأثير من توابع القدرة ، وقد ينفك عنها ويجاب بأن تفسير الكسب بالتعلق الذي لا تأثير معه مراداً به التحصيل بحسب ظاهر الأمر فقط مصادم للنصوص الناطقة بأن العبد متمكن من إيجاد أفعاله الاختيارية بإذن الله تعالى ، ولا دليل على خلافه يوجب العدول ، و{الله خالق كُلّ شَىْء} [ الرعد : 16 ] لا ينافي التأثير بالإذن على أن تعلق القدرة تابع للإرادة وتعلقها على القول بنفي التأثير بالكلية غير صحيح كما يشير إليه كلام الجلال الدواني في بيان مبادىء الأفعال الاختيارية ، ويوضحه كلام حجة الإسلام الغزالي في كتاب التوحيد والتوكل من \"الإحياء\" ، وأما ما في \"شرح المواقف\" وغيره من أن التأثير قد ينفك عن القدرة فنحن نقول به إذ ما شاء الله تعالى كان وما لم يشأ لم يكن وإنما الإنكار على نفي التأثير بالكلية عن القدرة الحادثة والاستدلال بما ذكره حجة الإسلام في \"الاقتصاد\" من أن القدرة الأزلية متعلقة في الأزل بالحادث ولا حادث فصح التعلق ولا تأثير ، ويجوز أن تكون القدرة الحادثة كذلك مجاب عنه بأن القدرة لا تؤثر إلا على وفق الإرادة والإرادة","part":15,"page":212},{"id":6346,"text":"تعلقت أزلاً بإيجاد الأشياء بالقدرة في أوقاتها اللائقة بها في الحكمة فعدم تأثيرها قبل الوقت لكونها مؤثرة على وفق الإرادة لا مطلقاً فلا يجب تأثيرها قبل الوقت ويجب تأثيرها فيه والقدرة الحادثة على القول بنفي تأثيرها بالكلية لا يصدق عليها أنها تؤثر وفق الإرادة فلا يصح قياسها على القديمة.\rوالحاصل : إن كل تعلق للقديمة على وفق الإرادة لا ينفك عنه التأثير في وقته بخلاف الحادثة فإنه لا تأثير لها أصلاً على القول بنفي التأثير عنها كليّاً فلا تعلق لها بالتأثير على وفق الإرادة.\rوالثالث : أن القول في الاعتراض الثالث أنه لو كانت كذلك لكان التكليف بما لا يطاق واقعاً الخ يقال عليه : نلتزم وقوعه عند الأشعري ولا محذور فيه ، ويجاب بأنه قد حقق في موضعه أن الإمام الأشعري لم ينص على ذلك ولا يصح أخذه من كلامه فالتزام وقوعه عنده التزام ما لم يقل به لا صريحاً ولا التزاماً. والقول بأنه لا محذور فيه إنما يصح بالنظر إلى الغنى الذاتي وأما بالنظر إلى أنه تعالى جواد حكيم فالتزامه مصادمة للنص وأي محذور أشنع من هذا.","part":15,"page":213},{"id":6347,"text":"والرابع : أن القول هناك أيضاً أن المقارنة لو كانت هي الكسب لكانت هي المكلف بها غير لازم فإن الكسب يطلق على المعنى المصدري ويطلق على المفعول أي المكسوب وهو نفس الأمر لا الكسب بمعنى المقارنة أو تعلق القدرة الحادثة بالفعل فمعنى كسب تعلقت قدرته بالفعل ، وإن شئت قلت : قارنت قدرته الفعل فكان الفعل مكسوباً وهو المكلف به ، ويجاب بأن الكسب الحقيقي الوارد في الكتاب والسنة معناه تحصيل العبد ما تعلقت به إرادته التابعة لإرادة الله تعالى بقدرته المؤثرة بإذنه وإن مكسوبه ما حصله بقدرته المذكورة فمعنى كون الفعل المكسوب مكلفاً به هو أن العبد المكلف مطلوب منه تحصيله بالكسب بالمعنى المصدري لأن المكسوب هو الحاصل بالمصدر فإذا كان المكسوب مكلفاً به كان الكسب بالمعنى المصدري مكلفاً به قطعاً لامتناع حصول المكسوب من غير قيام المعنى المصدري بالمكلف ضرورة انتفاء الحاصل بالمصدر عند انتفاء قيام المصدر بالمكلف فظهرت الملازمة في الشرطية.\rوالخامس : إن القول في الاعتراض أن المقارنة لكونها أمراً مترتباً على فعل الله تعالى لا تختلف الخ ، فيه أمران : الأول : أنا لا نسلم التلازم بين كون المقارنة هي المكلف بها وبين عدم الاختلاف وأيّ مانع من أن تكون مختلفة باعتبار أحوال الشخص عندها فتارة يخلق الله تعالى فيه صبراً وعزماً وتارة جزعاً وفتوراً إلى غير ذلك مما يرجع إلى سلامة البنية ومقابله أو غيرهما من الأعراض والأحوال التي يخلقها الله تعالى ويصرف عبده فيها كيف شاء مما يوجب ألماً أو لذة. الثاني : إن ما ذكرتموه مشترك الإلزام إذ يقال إذا كانت قدرة العبد مؤثرة بإذن الله تعالى فبأي وجه وقع الاختلاف حتى كان هذا سهلاً وهذا صعباً وكلاهما مقدور وهما متساويان في الإمكان.","part":15,"page":214},{"id":6348,"text":"ويجاب أما عن الأول : بأن التلازم بين كونها مترتبة على فعل الله تعالى وبين عدم اختلافها متحقق لأنها إذا كانت الكسب بالمعنى المصدري كانت تحصيلاً للمكسوب والتحصيل لكونه قائماً بالمكلف تتفاوت درجاته صعوبة وسهولة قطعاً ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم : \" صل قائماً فإن لم تستطع فقاعداً فإن لم تستطع فعلى جنب \" والمقارنة لكونها أمراً مرتباً على فعل الله تعالى ليست قائمة بالعبد فلا تتفاوت بالنسبة إليه أصلاً ، والإيراد بتجويز اختلافها بكون بعضها بخلق الله تعالى عنده صبراً في العبد الخ خارج عن المقصود لأن العبارة صريحة في أن المقصود عدم اختلافها بالنسبة إلى العبد صعوبة وسهولة لا مطلق الاختلاف ، وأما عن الثاني : فبأنه قد دلت النصوص على تفاوت درجات القوة والبطش كقوله تعالى : {كَانُواْ أَكْثَرَ مِنْهُمْ وَأَشَدَّ قُوَّةً} [ غافر : 82 ] وقوله سبحانه : {كَانُواْ مِن قَبْلِهِمْ كَانُواْ هُمْ أَشَدَّ} [ غافر : 21 ] وقوله عز شأنه : {فَأَهْلَكْنَا أَشَدَّ مِنْهُم بَطْشاً} [ الزخرف : 8 ] وباختلاف درجات ذلك في الأقوياء التابع لاستعداداتهم الذاتية الغير المجعولة وقع الاختلاف في الأعمال صعوبة وسهولة ، هذا ما ظفرنا به من تحقيق الحق من كتب ساداتنا قدس الله تعالى أسرارهم وجعل أعلى الفردوس قرارهم ، وإنما استطردت هذا المبحث هنا مع تقدم إشارات جزئية إلى بعض منه لأنه أمر مهم جداً لا تنبغي الغفلة عنه فاحفظه فإنه من بنات الحقاق لا من حوانيت الأسواق ، والله تعالى الموفق لا رب غيره. أ هـ {روح المعانى حـ 4 صـ 9 ـ 13}\rفصل\rقال القرطبى : \rإذا وُجدت الاستطاعة وتوجّه فرضُ الحج فقد يعرض ما يمنع منه كالغرِيم يمنعه عن الخروج حتى يؤدّيَ الدِّين ؛ ولا خلاف في ذلك.","part":15,"page":215},{"id":6349,"text":"أو يكون له عِيَال يجب عليه نفقتهم فلا يلزمه الحج حتى يكوِّن لهم نفقتهم مدّةَ غيبته لذهابه ورجوعه ، ولأن هذا الإنفاق فرض على الفَوْر ، والحجّ فرضٌ على التّراخي ، فكان تقديم العيال أوْلى.\rوقد قال النبيّ صلى الله عليه وسلم : \" كفى بالمرء إثماً أن يُضيِّع من يقوت \" وكذلك الأبَوان يخاف الضيعةَ عليهما وعَدَم العوِض في التلطّف بهما ، فلا سبيل له إلى الحج ؛ فإن مَعنَاه لأجل الشّوق والوَحْشة فلا يُلتفت إليه.\rوالمرأة يمنعها زوجها ، وقيل لا يمنعها.\rوالصحيح المنع ؛ لا سيما إذا قلنا إن الحج لا يلزم على الفَوْر.\rوالبحر لا يمنع الوجوب إذا كان غالبه السلامة كما تقدّم بيانه في البقرة ويعَلم من نفسه أنه لا يَمِيد.\rفإن كان الغالب عليه العَطَب أو المَيْد حتى يعطل الصَّلاة فلاَ.\rوإن كان لا يجد موضعاً لسجوده لكثرة الراكب وضيق المكان فقد قال مالك : إذا لم يستطع الركوع والسجود إلاَّ على ظهر أخيه فلا يركبه.\rثم قال : أيركب حيث لا يصلي ويلٌ لمن ترك الصلاةا.\rويسقط الحج إذا كان في الطريق عدوّ يطلب الأنفس أو يطلب من الأموال ما لم يتحدّد بحدّ مخصوص أو يتحدّد بقدر مُجحِف. أ هـ {تفسير القرطبى حـ 4 صـ 149}\rفصل\rقال الفخر : ","part":15,"page":216},{"id":6350,"text":"روي أنه لما نزلت هذه الآية قيل : يا رسول الله أكتب الحج علينا في كل عام ، ذكروا ذلك ثلاثاً ، فسكت الرسول صلى الله عليه وسلم ، ثم قال في الرابعة (1) : \" لو قلت نعم لوجبت ولو وجبت ما قمتم بها ولو لم تقوموا بها لكفرتم ألا فوادعوني ما وادعتكم وإذا أمرتكم بأمر فافعلوا منه ما استطعتم وإذا نهيتكم عن أمر فانتهوا عنه فإنما هلك من كان قبلكم بكثرة احتلافهم على أنبيائهم \" ثم احتج العلماء بهذا الخبر على أن الأمر لا يفيد التكرار من وجهين الأول : أن الأمر ورد بالحج ولم يفد التكرار والثاني : أن الصحابة استفهموا أنه هل يوجب التكرار أم لا ؟ ولو كانت هذه الصيغة تفيد التكرار لما احتاجوا إلى الاستفهام مع كونهم عالمين باللغة. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 8 صـ 134}\rفصل\rقال الفخر : \rاستطاعة السبيل إلى الشيء عبارة عن إمكان الوصول ، قال تعالى : {فَهَلْ إلى خُرُوجٍ مّن سَبِيلٍ} [ غافر : 11 ] وقال : {هَلْ إلى مَرَدّ مّن سَبِيلٍ} [ الشورى : 44 ] وقال : {مَا عَلَى المحسنين مِن سَبِيلٍ} [ التوبة : 91 ] فيعتبر في حصول هذا الإمكان صحة البدن ، وزوال خوف التلف من السبع أو العدو ، وفقدان الطعام والشراب والقدرة على المال الذي يشتري به الزاد والراحلة وأن يقضي جميع الديون ويرد جميع الودائع ، وإن وجب عليه الإنفاق على أحد لم يجب عليه الحج إلا إذا ترك من المال ما يكفيهم في المجيء والذهاب وتفاصيل هذا الباب مذكور في كتب الفقهاء والله أعلم. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 8 صـ 134 ـ 135}\r___________\r(1) نص الحديث عن أبي هريرة قال : خطبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : \" أيُّهَا النَّاسُ ، قَدْ فُرِضَ عَلَيْكُمْ الْحَجُّ فَحُجُّوا\". فقال رجل : أكل عام يا رسول الله ؟ فسكت ، حتى قالها ثلاثًا. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : \"لَوْ قُلْتُ : نَعَمْ ، لَوَجَبَتْ ، وَلَمَا اسْتَطَعْتُمْ \". ثم قال : \"ذَرُونِي مَا تَرَكْتُكُمْ ، فَإِنَّمَا هَلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ بِكَثْرَةِ سُؤَالِهِمْ وَاخْتِلافِهِمْ عَلَى أَنْبِيَائِهِمْ ، وإذَا أَمَرْتُكُمْ بِشَيْءٍ فَأْتُوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُمْ ، وإذَا نَهَيْتُكُمْ عَنْ شَيْءٍ فَدَعُوهُ\". ورواه مسلم ، عن زُهَير بن حرب ، عن يزيد بن هارون ، به نحوه. {المسند (2/508) وصحيح مسلم برقم (1337)}.","part":15,"page":217},{"id":6351,"text":"فصل\rقال ابن عادل : \rقوله : {مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً} فيه ستة أوجُه : \rأحدها : أن \" مَنْ \" بدل من \" النَّاس \" بدل بعض من كل ، وبدل البعض وبدل الاشتمال لا بد في كل منهما من ضميرٍ يعود على المُبْدَل منه ، نحو : أكَلْتُ الرَّغِيفَ ثُلُثَه ، وسُلِب زيدٌ ثوبُه ، وهنا ليس من ضمير. فقيل : هو محذوف تقديره من استطاع منهم.\rالثاني : أنه بدلُ كُلٍّ من كُلٍّ ، إذ المراد بالناس المذكورين : خاصٌّ ، والفرق بين هذا الوجه ، والذي قبله ، أن الذي قبله يقال فيه : عام مخصوص ، وهذا يقال فيه : عامٌّ أريد به الخاص ، وهو فرق واضح وهاتان العبارتان للشافعي.\rالثالث : أنها خبر مبتدأ مُضْمَر ، تقديره : هم من استطاع.\rالرابع : أنها منصوبة بإضمار فعل ، أي : أعني من استطاع. وهذان الوجهان - في الحقيقة - مأخوذان من وجه البدل ؛ فإنَّ كل ما جاز إبداله مما قبله ، جاز قطعه إلى الرفع ، أو إلى النصب المذكورين آنفاً. الخامس : أن \" مَنْ \" فاعل بالمصدر وهو \" حَدُّ \" ، والمصدر مضاف لمفعوله ، والتقدير : ولله على الناس أن يحج من استطاع منهم سبيلاً البيت.\rوهذا الوجه قد رَدَّه جماعةٌ من حيث الصناعة ، ومن حيث المعنى ؛ أما من حيث الصناعة ؛ فلأنه إذا اجتمع فاعل ومفعول مع المصدر العامل فيهما ، فإنما يُضَاف المصدر لمرفوعه - دون منصوبة - فيقال : يعجبني ضَرْبُ زيدٍ عمراً ، ولو قلتَ : ضَرْبُ عمرٍو زيدٌ ، لم يجزْ إلا في ضرورة ، كقوله : [ البسيط ]\rأفْتَى تِلاَدِي وَمَا جَمَّعْتُ مِنْ نَشَبٍ... قَرْعُ الْقَوَاقِيزِ أفْوَاهُ الأبَارِيقِ","part":15,"page":218},{"id":6352,"text":"يروى بنصب \" أفواه \" على إضافة المصدر - وهو \" قَرْع \" - إلى فاعله ، وبالرفع على إضافته إلى مفعوله. وقد جوَّزَ ، بعضُهم في الكلام على ضَعْفٍ ، والقرآن لا يُحْمَل على ما في الضرورة ، ولا على ما فيه ضعف ، أمَّا من حيث المعنى ؛ فلأنه يؤدي إلى تكليف الناس جميعهم - مستطيعهم وغير مستطيعهم - بأن يحج مستطيعهم ، فيلزم من ذلك تكليف غير المُسْتَطِيعِ بأن يَحُجَّ ، وهو غير جائز - وقد التزم بعضُهم هذا ، وقال : نعم ، نقول بموجبه ، وأن الله - تعالى - كلَّف الناسَ ذلك ، حتى لو لم يحج المستطيعون لزم غير المستطيعين أن يأمروهم بالحج حسب الإمكان ؛ لأن إحجاج الناس إلى الكعبة وعرفة فرضٌ واجب. و\" مَنْ \" - على هذه الأوجه الخمسة - موصولة بمعنى : الذي.\rالسادس : أنها شرطية ، والجزاء محذوف ، يدل عليه ما تقدم ، أو هو نفس المتقدم - على رأي - ولا بد من ضمير يعود من جملة الشرط على \" النَّاسِ \" ، تقديره : من استطاع منهم إليه سبيلاً فلله عليه.\rويترجح هذا بمقابلته بالشرط بعده ، وهو قوله : {وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ الله غَنِيٌّ عَنِ العالمين}.\rوقوله : {وَللَّهِ عَلَى الناس حِجُّ البيت} جملة من مبتدأ - وهو {حِجُّ البيت} - وخبر - وهو قوله : \" لله \" - و\" عَلَى النَّاسِ \" متعلق بما تعلق به الخبر ، أو متعلق بمحذوف ؛ على أنه حال من الضمير المستكن في الجار ، والعامل فيه - أيضاً - ذلك الاستقرار المحذوف ، ويجوز أن يكون على الناس هو الخبر ، و\" للهِ \" متعلق بما تعلق به الخبر ، ويمتنع فيه أن يكون حالاً من الضمير في \" عَلَى النَّاسِ \" وَإنْ كان العكس جائزاً - كما تقدم-.","part":15,"page":219},{"id":6353,"text":"والفرق أنه يلزم هنا تقديم الحال على العامل المعنوي ، والحال لا يتقدم على العامل المعنوي - بخلاف الظرف وحرف الجر ، فإنهما يتقدمان على عاملهما المعنوي ؛ للاتساع فيهما ، وقد تقدم أن الشيخ جمال الدين بن مالك ، يجوز تقديمها على العامل المعنوي - إذا كانت هي ظرفاً ، أو حرف جر ، والعامل كذلك ، ومسألتنا في الآية الكريمة من هذا القبيل. وقد جيء في هذه الآيات بمبالغاتٍ كثيرة.\rمنها قوله : {وَللَّهِ عَلَى الناس حِجُّ البيت} يعني : أنه حق واجب عليهم لله في رقابهم ، لا ينفكون عن أدائه والخروج عن عُهدته.\rومنها : أنه ذكر \" النَّاسَ \" ، ثم أبدل منهم {مَنِ استطاع إِلَيْهِ سَبِيلاً} ، وفيه ضربان من التأكيد.\rأحدهما : أن الإبدال تثنية المراد وتكرير له.\rوالثاني : أن التفصيل بعد الإجمال ، والإيضاح بعد الإبهام ، إيراد له في صورتين مختلفتين ، قاله الزمخشري ، على عادة فصاحته ، وتلخيصه المعنى بأقرب لفظ ، والألف واللام في \" البَيْتِ \" للعهد ؛ لتقدم ذكره ، وهو أعلم بالغلبة كالثريا والصعيد. فإذا قيل : زار البيتَ ، لم يَتَبَادر الذهن إلا إلى الكعبة شرفها الله.\rوقال الشاعر : [ الطويل ]\rلَعَمْرِي لأنْتَ الْبَيْتُ أكْرِمُ أهْلَهُ... وَأقْعُدُ فِي أفْيَائِهِ بِالأصَائِلِ\rأنشد هذا البيت أبو حيان في هذا المعرض.\rقال شهابُ الدين : \" وفيه نظر ، إذْ ليس في الظاهر الكعبة \".\rالضمير في : \" إلَيْهِ \" الظاهر عوده على الحَجِّ ؛ لأنه محدَّث عنه.\rقال الفراء : إن نويت الاستئناف بـ \" مَنْ \" كانت شرطاً ، وأسقط الْجَزاء لدلالة ما قبله عليه ، والتقدير : من استطاع إلى الحج سبيلاً ، فللَّه عليه حجُّ البيت.\rوقيل : يعود على \" الْبَيْتِ \" ، و\" إلَيْهِ \" متعلق بـ \" اسْتَطَاعَ \" ، و\" سَبِيلاً \" مفعول به ؛ لأن استطاع متعدٍّ ، ومنه قوله تعالى : {لاَ يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَكُمْ} [ الأعراف : 197 ] ، إلى غير ذلك من الآيات. أ هـ {تفسير ابن عادل حـ 5 صـ 413 ـ 415}","part":15,"page":220},{"id":6355,"text":"لطيفة\rقال ابن عادل : \rقال أبو العباس المقرئ : ورد لفظ الاستطاعة بإزاء معنيين في القرآن : \rالأول : سَعَةِ المال ، قال تعالى : {وَللَّهِ عَلَى الناس حِجُّ البيت مَنِ استطاع إِلَيْهِ سَبِيلاً} [ آل عمران : 97 ] أي : سعة في المال ومنه قوله تعالى : {لَوِ استطعنا لَخَرَجْنَا مَعَكُمْ} [ التوبة : 42 ] أي : لو وجدنا سعة في المال.\rالثاني : بمعنى الإطاقة ، قال تعالى : {وَلَن تستطيعوا أَن تَعْدِلُواْ بَيْنَ النسآء} [ النساء : 129 ] ، وقال : {فاتقوا الله مَا استطعتم} [ التغابن : 16 ]. أ هـ {تفسير ابن عادل حـ 5 صـ 415}\rوقال العلامة الفيروزابادى : \rوردت الاستطاعة فى القرآن على ثلاثة أَوجهٍ : \rالأَوّل : بمعنى السّعةِ والغِنى بالمال : {لَوِ اسْتَطَعْنَا لَخَرَجْنَا مَعَكُمْ} ، {مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً}.\rالثانى : بمعنى القوة والطَّاقة : {وَلَن تَسْتَطِيعُواْ أَن تَعْدِلُواْ بَيْنَ النِّسَآءِ}.\rالثالث : بمعنى القُدْرة والمُكْنة البدنيّة : {وَمَا اسْتَطَاعُواْ لَهُ نَقْباً} ، {إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَن تَنفُذُواْ}.\rوالاستطاعة استفعالة من الطَّوع. وذلك وجود ما يصير به الفعل (متأتيا. وهو عن المحققين اسم للمعانى [التى] بها يتمكَّن الإِنسان مّما يريده من إِحداث الفعل). وهى أَربعة أَشياءَ : بِنْية مخصوصة للفاعل ، وتصوّر للفعل ، ومادّة قابلة لتأْثيره ، وآلة إِن كان الفعل آليّاً ، كالكتابة ؛ فإِن الكاتب محتاج إِلى هذه الأَربعة فى إِيجاده للكتابة. ولذلك يقال : فلان غير مستطيع للكتابة إِذا فَقَد واحداً من هذه الأَربعة ، فصاعداً. ويضادّه العَجْز ، وهو أَلاَّ يجد أَحد هذه الأَربعة فصاعداً. ومتى وَجَدَ هذه الأَربعة كلَّها فمستطيع مطلقا ، ومتى فقدها فعاجز مطلقا ، ومتى وجد بعضها دون بعض فمستطيع من وجهٍ ، عاجزٌ من وجهٍ. ولأَن يوصَف بالعجز أَولى.\rوالاستطاعة أَخصّ من القدرة. وقوله تعالى : {وَللَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً} فإِنَّه يحتاج إِلى هذه الأَربعة. أ هـ {بصائر ذوى التمييز حـ 2 صـ 185}","part":15,"page":221},{"id":6356,"text":"قوله تعالى : {وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ الله غَنِىٌّ عَنِ العالمين}\rفصل\rقال الفخر : \rفي هذه الآية قولان : \rالقول الأول : أنها كلام مستقل بنفسه ووعيد عام في حق كل من كفر بالله ولا تعلق له بما قبله.\rالقول الثاني : أنه متعلق بما قبله والقائلون بهذا القول منهم من حمله على تارك الحج ومنهم من حمله على من لم يعتقد وجوب الحج ، أما الذين حملوه على تارك الحج فقد عولوا فيه على ظاهر الآية فإنه لما تقدم الأمر بالحج ثم أتبعه بقوله {وَمَن كَفَرَ} فهم منه أن هذا الكفر ليس إلا ترك ما تقدم الأمر به ثم إنهم أكدوا هذا الوجه بالأخبار ، روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : \" من مات ولم يحج فليمت إن شاء يهودياً وإن شاء نصرانياً \" وعن أبي أمامة قال : قال النبي صلى الله عليه وسلم : \" من مات ولم يحج حجة الإسلام ولم تمنعه حاجة ظاهرة أو مرض حابس أو سلطان جائز فليمت على أي حال شاء يهودياً أو نصرانياً \" وعن سعيد بن جبير : لو مات جار لي وله ميسرة ولم يحج لم أصل عليه ، فإن قيل : كيف يجوز الحكم عليه بالكفر بسبب ترك الحج ؟\rأجاب القفال رحمه الله تعالى عنه : يجوز أن يكون المراد منه التغليظ ، أي قد قارب الكفر وعمل ما يعمله من كفر بالحج ، ونظيره قوله تعالى : {وَبَلَغَتِ القلوب الحناجر} [ الأحزاب : 10 ] أي كادت تبلغ ونظيره قوله عليه الصلاة والسلام : \" من ترك صلاة متعمداً فقد كفر \" وقوله عليه الصلاة والسلام : \" من أتى امرأة حائضاً أو في دبرها فقد كفر \"","part":15,"page":222},{"id":6357,"text":"وأما الأكثرون : فهم الذين حملوا هذا الوعيد على من ترك اعتقاد وجوب الحج ، قال الضحاك : لما نزلت آية الحج جمع الرسول صلى الله عليه وسلم أهل الأديان الستة المسلمين ، والنصارى واليهود والصابئين والمجوس والمشركين فخطبهم وقال : \" إن الله تعالى كتب عليكم الحج فحجوا \" فآمن به المسلمون وكفرت به الملل الخمس ، وقالوا : لا نؤمن به ، ولا نصلي إليه ، ولا نحجه ، فأنزل الله تعالى قوله {وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ الله غَنِىٌّ عَنِ العالمين} وهذا القول هو الأقوى. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 8 صـ 135}\rوقال القرطبى : \rقوله تعالى : {وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ الله غَنِيٌّ عَنِ العالمين} قال آبن عباس وغيره : المعنى ومن كفر بفرض الحج ولم يره واجبا.\rوقال الحسن البصري وغيره : إن من ترك الحج وهو قادر عليه فهو كافر.\rوروى الترمذي عن الحارث عن علي قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : \" من ملك زادا وراحلة تُبلَّغه إلى بيت الله ولم يحجّ فلا عليه أن يموت يهودياً أو نصرانياً وذلك أنَّ الله يقول في كِتابه {ولِلَّه عَلَى النَّاسِ حجُّ الْبَيْتِ مِن استطاع إلَيْهِ سَبِيلاً} \" قال أبو عيسى : \"هذا حديث غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه ، وفي إسناده مَقال ، وهلال بن عبد الله مجهول ، والحارث يُضعَّف\" وروي نحوه عن أبي أمامة وعمر بن الخطاب رضي الله عنهما.","part":15,"page":223},{"id":6358,"text":"وعن عبد خير بن يزيد عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه أن رسول الله قال في خطبته : \" يأيها الناس إن الله فرض عليكم الحج على من استطاع إليه سبيلا ومن لم يفعل فليمت على أي حال شاء إن شاء يهودياً أو نصرانياً أو مجوسياً إلا أن يكون به عذر من مرض أو سلطان جائر ألا نصيب له في شفاعتي ولا ورُودَ حَوْضي \" وقال ابن عباس قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : \" من كان عنده مال يبلّغه الحج فلم يحج أو عنده مال تحلّ فيه الزكاة فلم يزّكه سأل عند الموت الرجعة \" فقيل يابن عباس إنا كنا نرى هذا للكافرين.\rفقال : أنا أقرأ عليكم به قرآنا {ياأيها الذين آمَنُواْ لاَ تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلاَ أَوْلاَدُكُمْ عَن ذِكْرِ الله وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ فأولئك هُمُ الخاسرون} {وَأَنفِقُواْ مِن مَّا رَزَقْنَاكُمْ مِّن قَبْلِ أَن يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ الموت فَيَقُولُ رَبِّ لولا أخرتني إلى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُن مِّنَ الصالحين} [ المنافقون : 9 10 ] ، قال الحسن بن صالح في تفسيره : فأَزّكَى وأحجّ.\rوعن النبي صلى الله عليه وسلم أن رجلا سأله عن الآية فقال : \" من حج لا يرجو ثوابا أو جلس لا يخاف عقابا فقد كفر به \" وروى قتادة عن الحسن قال قال عمر رضي الله عنه : لقد هممت أن أبعث رجالا إلى الأمصار فينظرون إلى من كان له مال ولم يحجّ فيضربون عليه الجزية ؛ فذلك قوله تعالى : {وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ الله غَنِيٌّ عَنِ العالمين}.\rقلت : هذا خرج مخرج التغليظ ؛ ولهذا قال علماؤنا : تضمّنت الآية أن من مات ولم يحج وهو قادر فالوعيد يتوجّه عليه ، ولا يجزىء أن يحجّ عنه غيره لأن حج الغير لو أسقط عنه الفرض لسقط عنه الوعيد.\rوالله أعلم.\rوقال سعيد بن جُبير : لو مات جارٌ لي وله مَيْسرة ولم يحج لم أصلّ عليه. أ هـ {تفسير القرطبى حـ 4 صـ 153 ـ 154}","part":15,"page":224},{"id":6360,"text":"وقال الآلوسى : \r{وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ الله غَنِىٌّ عَنِ العالمين} يحتمل أن يراد بمن كفر من لم يحج وعبر عن ترك الحج بالكفر تغليظاً وتشديداً على تاركه كما وقع مثل ذلك فيما أخرجه سعيد بن منصور وأحمد وغيرهما عن أبي أمامة من قوله صلى الله عليه وسلم : \" من مات ولم يحج حجة الإسلام لم يمنعه مرض حابس أو سلطان جائر أو حاجة ظاهرة فليمت على أي حالة شاء يهودياً أو نصرانياً \" ومثله ما روي بسند صحيح عن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه أنه قال : لقد هممت أن أبعث رجالاً إلى هذه الأمصار فلينظروا كل من كان له جدة فلم يحج فيضربوا عليهم الجزية ما هم بمسلمين ما هم بمسلمين ، ويحتمل إبقاء الكفر على ظاهره بناءاً على ما أخرج ابن جرير وعبد بن حميد وغيرهما عن عكرمة \"أنه لما نزلت {وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإسلام دِينًا} [ آل عمران : 85 ] الآية قال اليهود : فنحن مسلمون فقال لهم النبي صلى الله عليه وسلم : إن الله تعالى فرض على المسلمين حج البيت فقالوا لم يكتب علينا وأبوا أن يحجوا فنزل {وَمَن كَفَرَ} \" الآية. ومن طريق الضحاك أنه لما نزلت آية الحج جمع رسول الله صلى الله عليه وسلم أهل الملل مشركي العرب والنصارى واليهود والمجوس والصابئين فقال : إن الله تعالى قد فرض عليكم الحج فحجوا البيت فلم يقبله إلا المسلمون وكفرت به خمس ملل قالوا : لا نؤمن به ولا نصلي إليه ولا نستقبله فأنزل الله سبحانه {وَمَن كَفَرَ} الخ وإلى إبقائه على ظاهره ذهب ابن عباس ، فقد أخرج البيهقي عنه أنه قال في الآية : {وَمَن كَفَرَ} بالحج فلم ير حجه براً ولا تركه مأثماً ، وروى ابن جرير أن الآية لما نزلت قام رجل من هذيل فقال : يا رسول الله من تركه كفر ؟ قال : \" من تركه لا يخاف عقوبته ومن حج لا يرجو ثوابه فهو ذاك \" ، وعلى كلا الاحتمالين لا تصلح الآية","part":15,"page":225},{"id":6361,"text":"دليلاً لمن زعم أن مرتكب الكبيرة كافر. أ هـ {روح المعانى حـ 4 صـ 13}\rوقال العلامة ابن عطية : \rهذا كفر معصية ، كقوله عليه السلام ، من ترك الصلاة فقد كفر وقوله : لا ترجعوا بعدي كفاراً ، يضرب بعضكم رقاب بعض ، على أظهر محتملات هذا الحديث. وبيّن أن من أنعم الله عليه بمال وصحة ولم يحج فقد كفر النعمة ، ومعنى قوله تعالى : {غني عن العالمين} الوعيد لمن كفر ، والقصد بالكلام ، فإن الله غني عنهم ، ولكن عمم اللفظ ليبرع المعنى ، وينتبه الفكر على قدرة الله وسلطانه واستغنائه من جميع الوجوه حتى ليس به افتقار إلى شيء ، لا رَبَّ سواه. أ هـ {المحرر الوجيز حـ 1 صـ 480}\rوقال ابن عاشور : \rوقوله : {وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ} ظاهره أنه مقابل قوله : {مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً} فيكون المراد بمن كفر من لم يحج مع الاستطاعة ، ولذلك قال جمع من المحققين : إن الإخبار عنه بالكفر هنا تغليط لأمر ترك الحج.\rوالمراد كفر النعمة.\rويجوز أيضا أن يراد تشويه صنعه بأنه كصنيع من لا يؤمن بالله ورسله وفضيلة حرمه.\rوقال قوم : أراد ومن كفر بفرض الحج ، وقال قوم بظاهره : إن ترك الحج مع القدرة عليه كفر.\rونسب للحسن.\rولم يلتزم جماعة من المفسرين أن يكون العطف للمقابلة وجعلوها جملة مستقلة.\rكالتذييل ، بين بها عدم اكتراث الله بمن كفر به.\rوعندي أنه يجوز أن يكون المراد بمن كفر من كفر بالإسلام ، وذلك تعريض بالمشركين من أهل مكة بأنه لا اعتداد بحجهم عند الله وإنما يريد الله أن يحج المؤمنون به والموحدون له.","part":15,"page":226},{"id":6362,"text":"وفي قوله : {غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ} رمز إلى نزعه ولاية الحرم من أيديهم : لأنه لما فرض الحج وهم يصدون عنه ، وأعلمنا أنه غني عن الناس ، فهو لا يعجزه من يصد الناس عن مراده تعالى. أ هـ {التحرير والتنوير حـ 3 صـ 168 ـ 169}\rفصل\rقال الفخر : \rاعلم أن تكليف الشرع في العبادات قسمان ، منها ما يكون أصله معقولاً إلا أن تفاصيله لا تكون معقولة مثل الصلاة فإن أصلها معقول وهو تعظيم الله أما كيفية الصلاة فغير معقولة ، وكذا الزكاة أصلها دفع حاجة الفقير وكيفيتها غير معقولة ، والصوم أصله معقول ، وهو قهر النفس وكيفيته غير معقولة ، أما الحج فهو سفر إلى موضع معين على كيفيات مخصوصة ، فالحكمة في كيفيات هذه العبادات غير معقولة وأصلها غير معلومة.\rإذا عرفت هذا فنقول : قال المحققون إن الإتيان بهذا النوع من العبادة أدل على كمال العبودية والخضوع والانقياد من الإتيان بالنوع الأول ، وذلك لأن الآتي بالنوع الأول يحتمل أنه إنما أتى به لما عرف بعقله من وجوه المنافع فيه ، أما الآتي بالنوع الثاني فإنه لا يأتي به إلا لمجرد الانقياد والطاعة والعبودية ، فلأجل هذا المعنى اشتمل الأمر بالحج في هذه الآية على أنواع كثيرة من التوكيد\rأحدها : قوله {وَللَّهِ عَلَى الناس حِجُّ البيت} والمعنى أنه سبحانه لكونه إلها ألزم عبيده هذه الطاعة فيجب الانقياد سواء عرفوا وجه الحكمة فيها أو لم يعرفوا\rوثانيها : أنه ذكر {الناس} ثم أبدل منه {مَنِ استطاع إِلَيْهِ سَبِيلاً} وفيه ضربان من التأكيد ، أما أولاً فلأن الإبدال تثنية للمراد وتكرير ، وذلك يدل على شدة العناية ، وأما ثانياً فلأنه أجمل أولاً وفصل ثانياً وذلك يدل على شدة الاهتمام","part":15,"page":227},{"id":6363,"text":"وثالثها : أنه سبحانه عبّر عن هذا الوجوب بعبارتين إحداهما : لام الملك في قوله {وَللَّهِ} وثانيتهما : كلمة {على} وهي للوجوب في قوله {وَللَّهِ عَلَى الناس}\rورابعها : أن ظاهر اللفظ يقتضي إيجابه على كل إنسان يستطيعه ، وتعميم التكليف يدل على شدة الاهتمام\rوخامسها : أنه قال {وَمَن كَفَرَ} مكان ، ومن لم يحج وهذا تغليظ شديد في حق تارك الحج\rوسادسها : ذكر الاستغناء وذلك مما يدل على المقت والسخط والخذلان\rوسابعها : قوله {عَنِ العالمين} ولم يقل عنه لأن المستغني عن كل العالمين أولى أن يكون مستغنياً عن ذلك الإنسان الواحد وعن طاعته ، فكان ذلك أدل على السخط\rوثامنها : أن في أول الآية قال : {وَللَّهِ عَلَى الناس} فبيّن أن هذا الإيجاب كان لمجرد عزة الإلهية وكبرياء الربوبية ، لا لجر نفع ولا لدفع ضر ، ثم أكد هذا في آخر الآية بقوله {فَإِنَّ الله غَنِىٌّ عَنِ العالمين} ومما يدل من الأخبار على تأكيد الأمر بالحج ، قوله عليه الصلاة والسلام : \" حجوا قبل أن لا تحجوا فإنه قد هدم البيت مرتين ويرفع في الثالث \" وروي \" حجوا قبل أن لا تحجوا حجوا قبل أن يمنع البر جانبه \" قيل : معناه أنه يتعذر عليكم السفر في البر في مكة لعدم الأمن أو غيره ، وعن ابن مسعود \" حجوا هذا البيت قبل أن تنبت في البادية شجرة لا تأكل منها دابة إلا هلكت \". أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 8 صـ 135 ـ 136}\rفائدة\rقال ابن عادل : ","part":15,"page":228},{"id":6364,"text":"وقوله : {وَمَن كَفَرَ} يجوز أن تكون الشرطية - وهو الظاهر - ويجوز أن تكون الموصولة ، ودخلت الفاء ؛ شبهاً للموصول باسم الشرط كما تقدم ، ولا يخفى حال الجملتين بعدها بالاعتبارين المذكورين ، ولا بد من رابط بين الشرط وجزائه ، أو المبتدأ وخبره ، ومن جوَّز إقامة الظاهر مقام المضمر اكتفى بذلك في قوله : {غَنِيٌّ عَنِ العالمين} كأنه قال : غني عنهم. أ هـ {تفسير ابن عادل حـ 5 صـ 418}\rفصل\rقال ابن كثير : \rوقوله : {وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلا} هذه آية وُجُوب الحج عند الجمهور. وقيل : بل هي قوله : {وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ} [البقرة : 196] والأول أظهر.\rوقد وَرَدَت الأحاديثُ المتعددة بأنه أحدُ أركان الإسلام ودعائمه وقواعده ، وأجمع المسلمون على ذلك إجماعا ضروريا ، وإنما يجب على المكلَّف في العُمْر مَرّة واحدة بالنص والإجماع.\rقال الإمام أحمد : حدثنا يزيد بن هارون ، أخبرنا الربيع بن مسلم القُرَشيّ ، عن محمد بن زياد ، عن أبي هريرة قال : خطبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : \" أيُّهَا النَّاسُ ، قَدْ فُرِضَ عَلَيْكُمْ الْحَجُّ فَحُجُّوا\". فقال رجل : أكل عام يا رسول الله ؟ فسكت ، حتى قالها ثلاثًا. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : \"لَوْ قُلْتُ : نَعَمْ ، لَوَجَبَتْ ، وَلَمَا اسْتَطَعْتُمْ \". ثم قال : \"ذَرُونِي مَا تَرَكْتُكُمْ ، فَإِنَّمَا هَلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ بِكَثْرَةِ سُؤَالِهِمْ وَاخْتِلافِهِمْ عَلَى أَنْبِيَائِهِمْ ، وإذَا أَمَرْتُكُمْ بِشَيْءٍ فَأْتُوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُمْ ، وإذَا نَهَيْتُكُمْ عَنْ شَيْءٍ فَدَعُوهُ\". ورواه مسلم ، عن زُهَير بن حرب ، عن يزيد بن هارون ، به نحوه. {المسند (2/508) وصحيح مسلم برقم (1337)}.","part":15,"page":229},{"id":6365,"text":"وقد روى سُفْيان بن حسين ، وسليمان بن كثير ، وعبد الجليل بن حُمَيد ، ومحمد بن أبي حفصة ، عن الزهري ، عن أبي سنَان الدؤلي -واسمه يزيد بن أمية-عن ابن عباس قال : خطبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : \"يَأيُّهَا النَّاسُ ، إنَّ اللهَ كَتَبَ عَلَيْكُم الحَجَّ\". فقام الأقرع بن حابس فقال : يا رسول الله ، أفي كل عام ؟ قال : \"لَوْ قُلْتُهَا ، لَوَجَبَتْ ، ولَوْ وَجَبَتْ لَمْ تَعْمَلُوا بِهَا ، وَلَمْ تَسْتَطِيعُوا أنْ تَعْمَلُوا بِهَا ؛ الحَجُّ مَرَّةً ، فَمَنْ زَادَ فَهُوَ تَطَوُّعٌ\".\rرواه أحمد ، وأبو داود ، والنسائي ، وابن ماجة ، والحاكم من حديث الزهري ، به. ورواه شريك ، عن سِمَاك ، عن عِكرمة ، عن ابن عباس ، بنحوه. وروي من حديث أسامة يزيد. {المسند (1/290) وسنن أبي داود برقم (1721) وسنن النسائي (5/111) وسنن ابن ماجة برقم (2886) والمستدرك (2/293)}.\rوقال الإمام أحمد : حدثنا منصور بن وَرْدَان ، عن علي بن عبد الأعلى ، عن أبيه ، عن أبي البَخْتَرِيّ ، عن علِيّ قال : لما نزلت : {وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلا} قالوا : يا رسول الله ، في كل عام ؟ فسكت ، قالوا : يا رسول الله ، في كل عام ؟ قال : \"لا ولَوْ قُلْتُ : نَعَمْ ، لَوَجَبَتْ\". فأنزل الله تعالى : {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ} [المائدة : 101].\rوكذا رواه الترمذي ، وابن ماجة ، والحاكم ، من حديث منصور بن وَرْدان ، به : ثم قال الترمذي : حسن غريب. وفيما قال نظر ؛ لأن البخاري قال : لم يسمع أبو البَخْتَرِيّ من عليّ. {المسند (1/113) وسنن الترمذي برقم (3055) وسنن ابن ماجة برقم (2884) والمستدرك (2/294)}.","part":15,"page":230},{"id":6366,"text":"وقال ابن ماجة : حدثنا محمد بن عبد الله بن نُمَيْر ، حدثنا محمد بن أبي عُبَيدة ، عن أبيه ، عن الأعمش ، عن أبي سفيان ، عن أنس بن مالك قال : قالوا : يا رسول الله ، الحج في كل عام ؟ قال : \"لَوْ قُلْتُ : نعم ، لوجَبَتْ ، وَلَوْ وَجَبَتْ لَمْ تَقُومُوا بِهَا ، ولَوْ لَمْ تَقُومُوا بِهَا لَعُذِّبتُمْ\". {سنن ابن ماجة برقم (2885) وقال البوصيري في الزوائد (3/4) : \"هذا إسناد صحيح رجاله ثقات\"}.\rوفي الصحيحين من حديث ابن جُرَيْج ، عن عطاء ، عن جابر ، عن سُراقة بن مالك قال : يا رسول الله ، مُتْعَتنا هذه لعامنا هذا أم للأبد ؟ قال : \"لا بَلْ لِلأبَدِ\". وفي رواية : \"بل لأبَد أبَدٍ\". {صحيح البخاري برقم (2505) وصحيح مسلم برقم (1216)}.\rوفي مسند الإمام أحمد ، وسنن أبي داود ، من حديث واقد بن أبي واقد الليثي ، عن أبيه ؛ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لنسائه في حجته : \"هَذِه ثُمَّ ظُهُورَ الحُصْر\" . {المسند (5/218 ، 219) وسنن أبي داود برقم (1722)}.\rيعني : ثم الزَمْنَ ظُهور الحصر ، ولا تخرجن من البيوت.\rوأما الاستطاعة فأقسام : تارة يكون الشخص مستطيعا بنفسه ، وتارة بغيره ، كما هو مقرر في كتب الأحكام.\rقال أبو عيسى الترمذي : حدثنا عَبْدُ بن حميد ، أخبرنا عبد الرزاق ، أخبرنا إبراهيم بن يزيد قال : سمعت محمَّد بن عَبَّاد بن جعفر يحدث عن ابن عمر قال : قام رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : مَن الحاجّ يا رسول الله ؟ قال : \"الشَّعثُ التَّفِل\" فقام آخر فقال : أيّ الحج أفضل يا رسول الله ؟ قال : \"العَجُّ والثَّجُّ\" ، فقام آخر فقال : ما السبيل يا رسول الله ؟ قال : \"الزَّادُ والرَّاحِلَة\".","part":15,"page":231},{"id":6367,"text":"وهكذا رواه ابن ماجة من حديث إبراهيم بن يزيد وهو الخُوزي. قال الترمذي : ولا نعرفه إلا من حديثه ، وقد تكلم فيه بعض أهل العلم من قبل حفظه. كذا قال هاهنا. وقال في كتاب الحَجّ : هذا حديث حسن. {سنن الترمذي برقم (813) ، (2998) وسنن ابن ماجة برقم (2896)}.\rأ هـ {تفسير ابن كثير حـ 2 صـ 81 ـ 83}","part":15,"page":232},{"id":6369,"text":"من لطائف الإمام القشيرى فى الآيتين\rقال عليه الرحمة : \rالبيت حَجَرةٌ والعبد مَدَرَةٌ ، فَرَبَطَ المدرة بالحجرة ، فالمدر مع الحجر. وتعزَّز وتَقَدَّس من لم يزل.\rويقال البيت مطاف النفوس ، والحق سبحانه مقصود القلوب!\rالبيت أطلال وآثار وإنما هي رسوم وأحجار ولكن : \rتلك آثارنا تدلُّ علينا... فانظروا بعدنا إلى الآثار\rويقال البيت حجر ، ولكن ليس كل حجر كالذي يجانسه من الحجر.\rحَجَرٌ ولكن لقلوب الأحباب مزعج بل لأكباد الفقراء منفج ، لا بل لقلوب قومٍ مِثْلِجٌ مبهج ، ولقلوب الآخرين منفج مزعج.\rوهم على أصناف : بيت هو مقصد الأحباب ومزارهم ، وعنده يسمع أخبارهم ويشهد آثارهم.\rبيت من طالعه بعين التفرقة عاد بسرٍ خراب ، ومن لاحظه بعين الإضافة حظي بكل تقريب وإيجاب ، كما قيل : \rإن الديار - وإن صَمَتَتْ - فإنَّ لها... عهداً بأحبابنا إذ عندها نزلوا\rبيت من زاره بنفسه وجد ألطافه ، ومن شهده بقلبه نال كشوفاته.\rويقال قال سبحانه : {وَطَهِّرْ بَيْتِىَ} [ الحج : 26 ] وأضافه إلى نفسه ، وقال ها هنا : {إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ} وفي هذا طرف من الإشارة إلى عين الجمع.\rوسميت ( بكة ) لازدحام الناس ، فالكلُّ يتناجزون على البدار إليه ، ويزدحمون في الطواف حواليْه ، ويبذلون المهج في الطريق ليصلوا إليه.\rوالبيت لم يخاطِب أحداً منذ بنِيَ بُمْنَيةٍ ، ولم يستقبل أحداً بحظوة ، ولا راسل أحداً بسطر في رسالة ، فإذا كان البيت الذي خلقه من حجر - هذا وصفه في التعزز فما ظنُّك بِمَن البيتُ له. قال صلى الله عليه وسلم مخبراً عنه سبحانه : \" الكبرياء ردائي والعظمة إزاري \".\rويقال إذا كان البيت المنسوب إليه لا تصل إليه من ناحية من نواحيه إلا بقطع المفاوز والمتاهات فكيف تطمع أن تصل إلى ربِّ البيت بالهوينى دون تحمُّل المشقات ومفارقة الراحات ؟!","part":15,"page":233},{"id":6370,"text":"ويقال لا تُعِلِّق قلبك بأول بيتٍ وضع لَكَ ولكن أَفْرِدْ سِرَّكَ لأول حبيبٍ آثرك.\rويقال شتَّان بين عبدٍ اعتكف عند أول بيتٍ وُضِع له وبين عبدٍ لازم حضرة أول عزيز كان له.\rويقال ازدحام الفقراء بهممهم حول البيت ليس بأقل من ازدحام الطائفين بِقَدَمِهم ، فالأغنياء يزورون البيت ، ويطوفون بِقَدَمِهم ، والفقراء يبقون عنه فيطوفون حوله بهممهم.\rويقال الكعبة بيت الحق سبحانه في الحجر ، والقلب بيت الحق سبحانه في السِّر ، قال قائلهم : \rلستُ من جملة المحبين إنْ لم... أجعل القلبَ بيته والمقاما\rوطوافي إجالة السِّر فيه... وهو ركني إذا أردت استلاما\rفاللطائف تطوف بقلوب العارفين ، والحقائق تعتكف في قلوب الموحِّدين ، والكعبة مقصود العبد بالحج ، والقلب مقصود الحق بإفراده إياه بالتوحيد والوجد.\rقوله جلّ ذكره : {مُبَارَكًا وَهُدًى لِلْعَالَمِينَ}.\rبركاته اتصال الألطاف والكشوفات ، فَمَنْ قصده بهمته ، ونزل عليه بقصده هداه إلى طريق رُشْدِه.\rقوله جلّ ذكره : {فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ}.\rولكن لا تُدْرَكُ تلك الآيات بأبصار الرؤوس ولكن ببصائر القلوب.","part":15,"page":234},{"id":6371,"text":"قوله جلّ ذكره : {وَللهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ البَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً}.\rشرط الغَنيِّ ألا يَدَّخِر عن البيت شيئاً مِنْ مالِه ، وشرط الفقير ألا يدخر عن الوصول إلى بيته نَفَساً من روحه.\rويقال الاستطاعة فنون ؛ فمستطيع بنفسه ومَالِه وهو الصحيح السليم ، ومستطيع بغيره وهو الزَّمِنُ المعصوب ، وثالث غفل الكثيرون عنه وهو مستطيع بربه وهذا نعت كل مخلص مستحق فإن بلاياه لا تحملها إلا مطايانا.\rويقال حج البيتِ فَرْضٌ على أصحاب الأموال ، وربِّ البيتِ فَرْضٌ على الفقراء فرض حتم ؛ فقد يَنْسَدُّ الطريق إلى البيت ولكن لا ينسدُّ الطريق إلى رب البيت ، ولا يُمْنَعُ الفقير عن ربِّ البيت.\rويقال الحج هو القصد إلى مَنْ تُعَظِّمه : فقاصدٌ بنفسه إلى زيارة البيت ، وقاصد بقلبه إلى شهود رب البيت ، فشتان بين حج وحج ، هؤلاء تحللهم عن إحرامهم عند قضاء منسكهم وأداء فَرضِهم ، وهؤلاء تحللهم عن إحرامهم عند شهود ربهم ، فأمَّا القاصدون بنفوسهم فأحرموا عن المعهودات من محرمات الإحرام ، وأمَّا القاصدون بقلوبهم فإنهم أحرموا عن المساكنات وشهود الغير وجميع الأنام.\rقوله جلّ ذكره : {وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ اللهَ غَنِىٌّ عَنِ العَالَمِينَ}.\rضرب رقم الكفر على من ترك حج البيت ، ووقعت بسبب هذا القول قلوب العلماء في كدِّ التأويل ، ثم قال : {فَإِنَّ اللهَ غَنِىٌّ عَنِ العَالَمِينَ} وهذا زيادة تهديد تدل عَلى زيادة تخصيص.","part":15,"page":235},{"id":6372,"text":"ويقال إن سبيل من حج البيت أن يقوم بآداب الحج ، فإذا عقد بقلبه الإحرام يجب أن يفسخ كلَّ عَقْدٍ يصدُّه عن هذا الطريق ، وينقض كل عزم يرده عن هذا التحقيق ، وإذا طَهَّرَ تَطَهَّرَ عن كل دَنَسٍ من آثار الأغيار بماء الخجل ثم بماء الحياء ثم بماء الوفاء ثم بماء الصفاء ، فإذا تجرَّد عن ثيابه تجرد عن كل ملبوسٍ له من الأخلاق الذميمة ، وإذا لبَّى بلسانه وجب ألا تبقى شَعْرَةٌ مِنْ بَدَنِهِ إلا وقد استجابت لله. فإذا بلغ الموقف وقف بقلبه وسِرِّه حيث وقفه الحق بلا اختيار مقام ، ولا تعرض لتخصيص ؛ فإذا وقف بعرفات عرف الحق سبحانه ، وعرف له تعالى حقَّه على نفسه ، ويتعرَّف إلى الله تعالى بِتَبَرِّيه عن مُنَّتِه وحَوْلِه ، والحقُّ سبحانه يتعرَّف إليه بِمِنَّته وطَوْله ، فإذا بلغ المشعر الحرام يذكر مولاه بنسيان نفسه ، ولا يصحُّ ذكرُه لربِّه مع ذكره لنفسه ، فإذا بلغ مَنيّ نفى عن قلبه كل طَلَبٍ ومُنَى ، وكلَّ شهوةٍ وهوى.\rوإذا رمى الجمار رمى عن قلبه وقذف عن سره كل علاقة في الدنيا والعقبى.\rوإذا ذبح ذبح هواه بالكلية ، وتَقَرَّب به إلى الحق سبحانه ، فإذا دخل الحَرَمَ عَزَمَ على التباعد عن كل مُحرَّم على لسان الشريعة وإشارة الحقيقة.\rوإذا وقع طَرْفُه على البيت شهد بقلبه ربَّ البيت ، فإذا طاف بالبيت أخذ سِرُّه بالجولان في الملكوت.\rفإذا سعى بين الصفا والمروة صفَّى عنه كل كدورة بشرية وكل آفة إنسانية.\rفإذا حَلَقَ قطع كلَّ علاقة بقيت له.\rوإذا تحلل من إحرام نفسه وقصده إلى بيت ربِّه استأنف إحراماً جديداً بقلبه ، فكما خرج من بيت نفسه إلى بيت ربه يخرج من بيت ربه إلى ربه تعالى.\rفمن أكمل نُسْكَه فإنما عمل لنفسه ، ومن تكاسل فإنَّ الله غني عن العالمين وقال صلى الله عليه وسلم : \" الحاج أشعث أغبر \" ، فمن لم يتحقق بكمال الخضوع والذوبان عن كليته فليس بأشعث ولا أغبر.\rأ هـ {لطائف الإشارات حـ 1 صـ 260 ـ 264}. بتصرف يسير.","part":15,"page":236},{"id":6373,"text":"من فوائد ولطائف العلامة ابن القيم فى الآية\rقال رحمه الله : \rقوله تعالى : {وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً} حج البيت مبتدأ وخبره في أحد المجرورين قبله والذي يقتضيه المعنى أن يكون في قوله على الناس لأنه وجوب والوجوب يقتضي على ويجوز أن يكون في قوله ولله لأنه يتضمن الوجوب والاستحقاق ويرجح هذا التقدير أن الخبر محط الفائدة وموضعها وتقديمه في هذا الباب في نية التأخير وكان الأحق أن يكون ولله ويرجح الوجه الأول بأن يقال قوله : \"حج البيت على الناس\" أكثر استعمالا في باب الوجوب من أن يقال حج البيت لله تعالى أي حق واجب لله فتأمله وعلى هذا ففي تقديم المجرور الأول وليس بخبر فائدتان إحداهما : أنه اسم للموجب للحج فكان أحق بالتقديم من ذكر الوجوب فتضمنت الآية ثلاثة أمور مرتبة بحسب الوقائع أحدها : الموجب لهذا الفرض فبديء بذكره والثاني : مؤدي الواجب وهو المفترض عليه وهم الناس والثالث : النسبة","part":15,"page":237},{"id":6374,"text":"والحق المتعلق به إيجابا وبهم وجوبا وأداء وهو الحج والفائدة الثانية : أن الاسم المجرور من حيث كان لله تعالى اسما سبحانه وجب الاهتمام بتقديمه تعظيما لحرمة هذا الواجب الذي أوجبه وتخويفا من تضييعه إذ ليس ما أوجبه الله سبحانه بمثابة ما أوجبه غيره وأما قوله : من فهي بدل وقد استهوى طائفة من الناس بأنها فاعل المصدر كأنه قال : \"أن يحج البيت من استطاع إليه سبيلا\" وهذا القول يضعف من وجوه منها أن الحج فرض عين ولو كان معنى الآية ما ذكره لأفهم فرض الكفاية لأنه إذا حج المستطيعون برئت ذمم غيرهم لأن المعنى يؤول إلى ولله على الناس أن يحج البيت مستطيعهم فإذا أدى المستطيعون الواجب لم يبق واجبا على غير المستطيعين وليس الأمر كذلك بل الحج فرض عين على كل أحد حج المستطيعون أو قعدوا ولكن الله سبحانه عذر غير المستطيع بعجزه عن أداء الواجب فلا يؤاخذه به ولا يطالبه بأدائه فإذا حج أسقط الفرض عن نفسه وليس حج المستطيعين بمسقط للفرض عن العاجزين وإن أردت زيادة إيضاح فإذا قلت : واجب على أهل هذه الناحية أن يجاهد منهم الطائفة المستطيعة للجهاد فإذا جاهدت تلك الطائفة انقطع تعلق الوجوب عن غيرهم وإذا قلت : واجب على الناس كلهم أن يجاهد منهم المستطيع كان الوجوب متعلقا بالجميع وعذر العاجز بعجزه ففي نظم الآية على هذا الوجه دون أن يقال ولله حج البيت على المستطيعين هذه النكتة البديعة فتأملها الوجه الثاني : أن إضافة المصدر إلى الفاعل إذا وجد أولى من إضافته إلى المفعول ولا يعدل عن هذا الأصل إلا بدليل منقول فلو كان من هو الفاعل لأضيف المصدر إليه وكان يقال ولله على الناس حج البيت من استطاع وحمله على باب يعجبني ضرب زيدا عمرو مما يفصل به بين المصدر وفاعله المضاف إليه بالمفعول والظرف حمل على المكثور المرجوح وهي قراءة ابن عامر قتل","part":15,"page":238},{"id":6375,"text":"أولادهم بفتح الدال شركائهم فلا يصار إليه وإذا ثبت أن من بدل بعض من كل وجب أن يكون في الكلام ضمير يعود إلى الناس كأنه قيل : من استطاع منهم وحذف هذا الضمير في أكثر الكلام لا يحسن وحسنه هاهنا أمور منها أن من واقعة على من يعقل كالاسم المبدل منه فارتبطت به ومنها : أنها موصولة بما هو أخص من الاسم الأول ولو كانت الصلة أعم لقبح حذف الضمير العائد ومثال ذلك إذا قلت : رأيت أخواتك من ذهب إلى السوق تريد من ذهب منهم لكان قبيحا لأن الذاهب إلى السوق أعم من الأخوة وكذلك لو قلت البس الثياب ما حسن وجمل تريد منها ولم تذكر الضمير لكان أبعد في الجواز لأن لفظ ما حسن أعم من الثياب وباب بدل البعض من الكل أن يكون أخص من المبدل منه فإذا كان أعم وأضفته إلى ضمير أو قيدته بضمير يعود إلى الأول ارتفع العموم وبقي الخصوص ومما حسن حذف الضمير في هذه الآية أيضا مع ما تقدم طول الكلام بالصلة والموصول وأما المجرور من قوله إليه فيحتمل وجهين أحدهما : أن يكون في موضع حال من سبيل كأنه نعت نكرة قدم عليها لأنه لو تأخر لكان في موضع النعت لسبيل والثاني أن يكون متعلقا بسبيل فإن قيل : كيف يتعلق به وليس فيه معنى الفعل قيل : السبيل كان هاهنا عبارة عن الموصل إلى البيت من قوت وزاد ونحوهما كان فيه رائحة الفعل ولم يقصد به السبيل الذي هو الطريق فصلح تعلق المجرور به واقتضى حسن النظم وإعجاز اللفظ تقديم المجرور وإن كان موضعه التأخير لأنه ضمير يعود على البيت والبيت هو المقصود به الاعتناء وهم يقدمون في كلامهم ما هم به أهم وببيانه أعنى هذا تعبير السهيلي وهو بعيد جدا بل الصواب في متعلق الجار والمجرور وجه آخر أحسن من هذين ولا يليق بالآية سواه وهو الوجوب المفهوم من قوله على الناس أي يجب على الناس الحج فهو حق واجب وأما تعليقه بالسبيل أو جعله حالا","part":15,"page":239},{"id":6376,"text":"منها ففي غاية البعد فتأمله ولا يكاد يخطر بالبال من الآية وهذا كما يقول لله عليك الحج ولله عليك الصلاة والزكاة ومن فوائد الآية وأسرارها أنه سبحانه إذا ذكر ما يوجبه ويحرمه يذكره بلفظ الأمر والنهي وهو الأكثر أو بلفظ الإيجاب والكتاب والتحريم نحو : {كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ} {حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ} {قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ} نظم الآية وتأكد الوجوب وفي الحج أتى بهذا النظم الدال على تأكد الوجوب من عشرة أوجه أحدها : أن قدم اسمه تعالى وأدخل عليه لام الاستحقاق والاختصاص ثم ذكر من أوجبه عليهم بصيغة العموم الداخلة عليها حرف على ثم أبدل منه أهل الاستطاعة ثم نكر السبيل في سياق الشرط إيذانا بأنه يجب الحج على أي سبيل تيسرت من قوت أو مال فعلق الوجوب بحصول ما يسمى سبيلا ثم أتبع ذلك بأعظم التهديد بالكفر فقال : ومن كفر أي بعدم التزام هذا الواجب وتركه ثم عظم الشأن وأكد الوعيد بإخباره باستغنائه عنه والله تعالى هو الغني الحميد ولا حاجة به إلى حج أحد وإنما في ذكر استغنائه عنه هنا من الإعلام بمقته له وسخطه عليه وإعراضه بوجهه عنه ما هو من أعظم التهديد وأبلغه ثم أكد ذلك بذكر اسم العالمين عموما ولم يقل فإن الله غني عنه لأنه إذا كان غنيا عن العالمين كلهم فله الغنى الكامل التام من كل وجه عن كل أحد بكل اعتبار وكان أدل على عظم مقته لتارك حقه الذي أوجبه عليه ثم أكد هذا المعنى بأداة إن الدالة على التوكيد فهذه عشرة أوجه تقتضي تأكيد هذا الغرض العظيم وتأمل سر البدل في الآية المقتضى لذكر الإسناد مرتين مرة بإسناده إلى عموم الناس ومرة بإسناده إلى خصوص المستطيعين وهذا من فوائد البدل تقوية المعنى وتأكيده بتكرار الإسناد ولهذا كان فيه نية تكرار العامل وإعادته ثم تأمل ما في الآية من","part":15,"page":240},{"id":6377,"text":"الإيضاح بعد الإبهام والتفصيل بعد الإجمال وكيف تضمن ذلك إيراد الكلام في صورتين وحلتين اعتناء به وتأكيدا لشأنه ثم تأمل كيف افتتح هذا الإيجاب بذكر محاسن البيت وعظم شأنه بما يدعو النفوس إلى قصده وحجه وإن لم يطلب ذلك منها فقال : {إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكاً وَهُدىً لِلْعَالَمِينَ فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ مَقَامُ إِبْرَاهِيمَ وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِناً} فوصفه بخمس صفات أحدها : أنه أسبق بيوت العالم وضع في الأرض الثاني : أنه مبارك والبركة كثرة الخير ودوامه وليس في بيوت العالم\rأبرك منه ولا أكثر خيرا ولا أدوم ولا أنفع للخلائق الثالث : أنه هدى وصفه بالمصدر نفسه مبالغة حتى كأنه هو نفس الهدى الرابع : ما تضمنه من الآيات البينات التي تزيد على أربعين آية الخامس : الأمن لداخله وفي وصفه بهذه الصفات دون إيجاب قصده ما يبعث النفوس على حجه وإن شطت بالزائرين الديار وتناءت بهم الأقطار ثم أتبع ذلك بصريح الوجوب المؤكد بتلك التأكيدات وهذا يدلك على الاعتناء منه سبحانه بهذا البيت العظيم والتنويه بذكره والتعظيم لشأنه والرفعة من قدره ولو لم يكن له شرف إلا إضافته إياه إلى نفسه بقوله : {وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ} لكفى بهذه الإضافة فضلا وشرفا وهذه الإضافة هي التي أقبلت بقلوب العالمين إليه وسلبت نفوسهم حبا له وشوقا إلى رؤيته فهو المثابة للمحبين يثوبون إليه ولا يقضون منه وطرا أبدا كلما ازدادوا له زيادة ازدادوا له حبا وإليه اشتياقا فلا الوصال يشفيهم ولا البعاد يسلبهم كما قيل : \rأطوف به والنفس بعد مشوقة ... إليه وهل بعد الطواف تداني\rوألثم منه الركن أطلب برد ما ... بقلبي من شوق ومن هيمان\rفو الله ما أزداد إلا صبابة ... ولا القلب إلا كثرة الخفقان","part":15,"page":241},{"id":6378,"text":"فيا جنة المأوى ويا غاية المنى ... ويا منيتي من دون كل أمان\rأبت غلبات الشوق إلا تقربا ... إليك فما لي بالبعاد يدان\rوما كان صدى عنك صد ملالة ... ولي شاهد من مقلني ولساني\rدعوت اصطباري عنك بعدك والبكا ... فلبى البكا والصبر عنك عصاني\rوقد زعموا أن المحب إذا نأى ... سيبلى هواه بعد طول زمان\rولو كان هذا الزعم حقا لكان ذا ... دواء الهوى في الناس كل أوان\rبل إنه يبلى التصبر والهوى ... على حاله لم يبله الملوان\rوهذا محب قاده الشوق والهوى ... بغير زمام قائد وعنان\rأتاك على بعد المزار ولو ونت ... مطيته جاءت به القدمان. أ هـ {بدائع الفوائد حـ 2 صـ 43 ـ 46}","part":15,"page":242},{"id":6379,"text":"قوله تعالى {قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَكْفُرُونَ بِآَيَاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ شَهِيدٌ عَلَى مَا تَعْمَلُونَ (98) قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ مَنْ آَمَنَ تَبْغُونَهَا عِوَجًا وَأَنْتُمْ شُهَدَاءُ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ (99)}\rمناسبة الآية لما قبلها\rقال البقاعى : \rولما أتم سبحانه وعز شأنه البراهين وأحكم الدلائل عقلاً وسمعاً ، ولم يبق لمتعنت شبهة ، ولم يبادروا الإذعان ، بل زادوا في الطغيان ، وكادوا أن يوقعوا الضراب والطعان بين أهل الإيمان ، أعرض سبحانه وتعالى عن خطابهم إيذاناً بشديد الغضب ورابع الانتقام فقال سبحانه وتعالى مخاطباً لرسوله الذي يكون قتلهم على يده : {قل} وأثبت أداة دالة على بعدهم عن الحضرة القدسية فقال : {يا أهل الكتاب} أي من الفريقين {لم تكفرون} أي توقعون الكفر {بآيات الله} أي وهي - لكونه الحائز بجميع الكمال - البينات نقلاً وعقلاً الدالة على أنكم على الباطل لما وضح من أنكم على غير ملة إبراهيم عليه الصلاة والسلام.\rولما كان كفرهم ظاهراً ذكر شهادته تعالى فقال مهدداً {والله} أي والحال أن الله الذي هو محيط بكل شيء قدرة وعلماً فلا إله غيره وقد أشركتم به {شهيد على} كل {ما تعملون} أي لكونه يعلم سبحانه السر وأخفى وإن حرفتم وأسررتم.\rثم استأنف إيذاناً بالاستقلال تقريعاً آخر لزيادتهم على الكفر التكفير فقال : {قل يا آهل الكتاب} أي المدعين للعلم واتباع الوحي ، كرر هذا الوصف لأنه مع أنه أبعد في التقريع أقرب إلى التطلف في صرفهم عن ضلالهم {لم تصدون} أي بعد كفركم {عن سبيل الله} أي الملك الذي له القهر والعز والعظمة والاختصاص بجميع صفات الكمال ، وسبيله دينه الذي جاء به نبيه محمد صلى الله عليه وسلم ، وقدمه اهتماماً به.","part":15,"page":243},{"id":6380,"text":"ثم ذكر المفعول فقال : {من أمن} حال كونكم {تبغونها} أي السبيل {عوجاً} أي بليكم ألسنتكم وافترائكم على الله ، ولم يفعل سبحانه وتعالى إذ أعرض عنهم في هذه الآية ما فعل من قبل إذ أقبل عليهم بلذيذ خطابه تعالى جده وتعاظم مجده إذ قال : {يا أهل الكتاب لم تحاجون في إبراهيم} [ آل عمران : 65 ] {يا أهل الكتاب لم تكفرون} [ آل عمران : 70 ] والآية التي بعدها بغير واسطة.\rولما ذكر صدهم وإرادتهم العوج الذي لا يرضاه ذو عقل قال موبخاً : {وأنتم شهداء} أي باستقامتها بشهادتكم باستقامة دين إبراهيم مع قيام أدلة السمع والعقل أنها دينه وأن النبي والمؤمنين أولى الناس به لانقيادهم للأدلة.\rولما كان الشهيد قد يغفل ، وكانوا يخفون مكرهم في صدهم ، هددهم بإحاطة علمه فقال : {وما الله} أي الذي تقدم أنه شهيد عليكم وله صفات الكمال كلها {بغافل} أي أصلاً {عما تعملون}. أ هـ {نظم الدرر حـ 2 صـ 129 ـ 130}. بتصرف يسير.\rوقال ابن عاشور : \rقوله تعالى {قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَكْفُرُونَ بِآَيَاتِ اللَّهِ}\rابتداء كرم رُجع به إلى مجادلة أهل الكتاب وموعظتهم فهو مرتبط بقوله تعالى : {قل صدق اللَّه} الآية.\rأمر الرّسول عليه الصلاة والسّلام بالصدع بالإنكار على أهل الكتاب.\rبعد أن مهّد بين يدي ذلك دلائل صحَّة هذا الدّين ولذلك افتتح بفعل {قل} اهتماماً بالمقول ، وافتتح المقولُ بنداء أهل الكتاب تسجيلاً عليهم. أ هـ {التحرير والتنوير حـ 3 صـ 169}\rفصل\rقال الفخر : \rاعلم أن في كيفية النظم وجهين\rالأول : وهو الأوفق : أنه تعالى لما أورد الدلائل على نبوّة محمد عليه الصلاة والسلام مما ورد في التوراة والإنجيل من البشارة بمقدمه ، ثم ذكر عقيب ذلك شبهات القوم.\rفالشبهة الأولى : ما يتعلق بإنكار النسخ.","part":15,"page":244},{"id":6381,"text":"وأجاب عنها بقوله {كُلُّ الطعام كَانَ حِلاًّ لّبَنِى إسرائيل إِلاَّ مَا حَرَّمَ إسرائيل على نَفْسِهِ} [ آل عمران : 93 ].\rوالشبهة الثانية : ما يتعلق بالكعبة ووجوب استقبالها في الصلاة ووجوب حجها.\rوأجاب عنها بقوله {إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ} [ آل عمران : 96 ] إلى آخرها ، فعند هذا تمت وظيفة الاستدلال وكمل الجواب عن شبهات أرباب الضلال ، فعند ذلك خاطبهم بالكلام اللين وقال : {لِمَ تَكْفُرُونَ بآيات الله} بعد ظهور البينات وزوال الشبهات ، وهذا هو الغاية القصوى في ترتيب الكلام وحسن نظمه.\rالوجه الثاني : وهو أنه تعالى لما بين فضائل الكعبة ووجوب الحج ، والقوم كانوا عالمين بأن هذا هو الدين الحق والملة الصحيحة قال لهم : {لِمَ تَكْفُرُونَ بِآَيَاتِ الله} بعد أن علمتم كونها حقة صحيحة.\rواعلم أن المبطل إما أن يكون ضالاً فقط ، وإما أن يكون مع كونه ضالاً يكون مضلاً ، والقوم كانوا موصوفين بالأمرين جميعاً فبدأ تعالى بالإنكار عليهم في الصفة الأولى على سبيل الرفق واللطف. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 8 صـ 136 ـ 137}\rفصل\rقال الفخر : \rقوله {يا أهل الكتاب لِمَ تَكْفُرُونَ بِأَيَاتِ الله} واختلفوا فيمن المراد بأهل الكتاب ، فقال الحسن : هم علماء أهل الكتاب الذين علموا صحة نبوته ، واستدل عليه بقوله {وَأَنْتُمْ شُهَدَاء} وقال بعضهم : بل المراد كل أهل الكتاب لأنهم وإن لم يعلموا فالحجة قائمة عليهم فكأنهم بترك الاستدلال والعدول إلى التقليد بمنزلة من علم ثم أنكر. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 8 صـ 137}","part":15,"page":245},{"id":6382,"text":"سؤال : فإن قيل : ولم خص أهل الكتاب بالذكر دون سائر الكفار ؟.\rقلنا لوجهين : الأول : أنا بينا أنه تعالى أورد الدليل عليهم من التوراة والإنجيل على صحة نبوّة محمد عليه الصلاة والسلام ، ثم أجاب عن شبههم في ذلك ، ثم لما تمّ ذلك خاطبهم فقال : {يا أَهْل الكتاب} فهذا الترتيب الصحيح\rالثاني : أن معرفتهم بآيات الله أقوى لتقدم اعترافهم بالتوحيد وأصل النبوّة ، ولمعرفتهم بما في كتبهم من الشهادة بصدق الرسول والبشارة بنبوته. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 8 صـ 137}\rوقال الطبرى : \rيعني بذلك : يا معشر يهود بني إسرائيل وغيرهم من سائر من ينتحل الدِّيانة بما أنزلَ الله عز وجل من كتبه ، ممن كفَر بمحمد صلى الله عليه وسلم وجحد نبوَّته : \"لم تكفرون بآيات الله\" ، يقول : لم تجحدونُ حجج الله التي آتاها محمدًا في كتبكم وغيرها ، التي قد ثبتت عليكم بصدقه ونبوَّته وحُجته.\rوأنتم تعلمون : يقول : لم تجحدون ذلك من أمره ، وأنتم تعلمون صدقه ؟ فأخبر جل ثناؤه عنهم أنهم متعمِّدون الكفر بالله وبرسوله على علم منهم ، ومعرفةٍ من كفرهم. أ هـ {تفسير الطبرى حـ 7 صـ 52}\rفصل\rقال الفخر : \rقالت المعتزلة في قوله تعالى : {لِمَ تَكْفُرُونَ بِآَيَاتِ الله} دلالة على أن الكفر من قبلهم حتى يصح هذا التوبيخ وكذلك لا يصح توبيخهم على طولهم وصحتهم ومرضهم.\rوالجواب عنه : المعارضة بالعلم والداعي. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 8 صـ 137}\rفصل\rقال الفخر : \rالمراد {مِنْ آيات الله} الآيات التي نصبها الله تعالى على نبوّة محمد عليه الصلاة والسلام ، والمراد بكفرهم بها كفرهم بدلالتها على نبوّة محمد عليه الصلاة والسلام.\rثم قال : {والله شَهِيدٌ عَلَى مَا تَعْمَلُونَ} الواو للحال والمعنى : لم تكفرون بآيات الله التي دلتكم على صدق محمد عليه الصلاة والسلام ، والحال أن الله شهيد على أعمالكم ومجازيكم عليها وهذه الحال توجب أن لا تجترؤا على الكفر بآياته. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 8 صـ 137}","part":15,"page":246},{"id":6384,"text":"من فوائد الآلوسى فى الآية\rقال رحمه الله : \r{قُلْ يا أهل الكتاب لِمَ تَكْفُرُونَ بئايات الله} خاطبهم بعنوان أهلية الكتاب الموجبة للإيمان به وبما يصدقه مبالغة في تقبيح حالهم في تكذيبهم بذلك والاستفهام للتوبيخ والإشارة إلى تعجيزهم عن إقامة العذر في كفرهم كأنه قيل : هاتوا عذركم إن أمكنكم. والمراد من الآيات مطلق الدلائل الدالة على نبوة رسوله صلى الله عليه وسلم وصدق مدعاه الذي من جملته الحج وأمره به ، وبه تظهر مناسبة الآية لما قبلها ، وسبب نزولها ما أخرجه ابن إسحاق وجماعة عن زيد بن أسلم قال : مرّ شاس بن قيس وكان شيخاً قد عسا في الجاهلية عظيم الكفر شديد الضغن على المسلمين شديد الحسد لهم على نفر من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم من الأوس والخزرج في مجلس قد جمعهم يتحدثون فيه فغاظه ما رأى من ألفتهم وجماعتهم وصلاح ذات بينهم على الإسلام بعد الذي كان بينهم من العداوة في الجاهلية فقال : قد اجتمع ملأ بني قيلة بهذه البلاد والله ما لنا معهم إذا اجتمع ملؤهم بها من قرار فأمر فتى شاباً معه من يهود فقال : اعمد إليهم فاجلس معهم ثم ذكرهم يوم بعاث وما كان قبله وأنشدهم بعض ما كانوا تقاولوا فيه من الأشعار ، وكان يوم بعاث يوماً اقتتلت فيه الأوس والخزرج وكان الظفر فيه للأوس على الخزرج ففعل ، فتكلم القوم عند ذلك وتنازعوا وتفاخروا حتى تواثب رجلان من الحيين على الركب أوس بن قيظي أحد بني حارثة من الأوس وهبار بن صخر أحد بني سلمة من الخزرج فتقاولا ثم قال أحدهما لصاحبه : إن شئتم والله رددناها الآن وغضب الفريقان جميعاً وقالوا قد فعلنا السلاح السلاح موعدكم الظاهرة والظاهرة الحرة فخرجوا إليها وانضمت الأوس بعضها إلى بعض والخزرج بعضها إلى بعض على دعواهم التي كانوا عليها في الجاهلية فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فخرج إليهم فيمن معه من المهاجرين من","part":15,"page":247},{"id":6385,"text":"أصحابه حتى جاءهم فقال : يا معشر المسلمين اللَّهَ اللَّهَ أبدعوى الجاهلية وأنا بين أظهركم بعد إذ هداكم الله تعالى إلى الإسلام وأكرمكم به وقطع به عنكم أمر الجاهلية واستنقذكم به من الكفر وألف به بينكم ترجعون إلى ما كنتم عليه كفاراً فعرف القوم أنها نزغة من الشيطان وكيد لهم من عدوهم فألقوا السلاح من أيديهم وبكوا وعانق الرجال بعضهم بعضاً ثم انصرفوا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم سامعين مطيعين قد أطفأ الله تعالى عنهم كيد عدو الله تعالى شماس ، وأنزل الله تعالى في شأن شاس وما صنع {قُلْ يا أهل أَهْلِ الكتاب لَمَن تَكْفُرُونِ} إلى قوله سبحانه : {وَمَا الله بغافل عَمَّا تَعْمَلُونَ} [ آل عمران : 98 ، 99 ] وأنزل في أوس بن قيظي وهبار ومن كان معهما من قومهما الذين صنعوا ما صنعوا {المحسنين يا أيها الذين ءامَنُواْ إِن تُطِيعُواْ} [ آل عمران : 149 ] الآية ، وعلى هذا يكون المراد من أهل الكتاب ظاهراً اليهود. وقيل : المراد منه ما يشمل اليهود والنصارى.\r{والله شَهِيدٌ عَلَى مَا تَعْمَلُونَ} جملة حالية العامل فيها {تَكْفُرُونِ} وهي مفيدة لتشديد التوبيخ والإظهار في موضع الإضمار لما مرّ غير مرة والشهيد العالم المطلع ، وصيغة المبالغة للمبالغة في الوعيد وجعل الشهيد بمعنى الشاهد تكلف لا داعي إليه ، و{مَا} إما عبارة عن كفرهم ، وإما على عمومها وهو داخل فيها دخولاً أولياً والمعنى لأي سبب تكفرون ، والحال أنه لا يخفى عليه بوجه من الوجوه جميع أعمالكم وهو مجازيكم عليها على أتم وجه ولا مرية في أن هذا مما يسد عليكم طرق الكفر والمعاصي ويقطع أسباب ذلك أصلاً. أ هـ {روح المعانى حـ 4 صـ 14 ـ 15}\rمن لطائف الإمام القشيرى فى الآية\rالخطاب بهذه الآية لتأكيد الحجة عليهم ، ومن حيث الحقيقة والقهر يَسُدُّ الحجة عليهم ، فهم مدعوون - شرعاً وأمراً ، مطرودون - حُكْماً وقهراً. أ هـ {لطائف الإشارات حـ 1 صـ 265}","part":15,"page":248},{"id":6386,"text":"قوله تعالى {قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ مَنْ آَمَنَ تَبْغُونَهَا عِوَجًا وَأَنْتُمْ شُهَدَاءُ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ (99)}\rقال الفخر : \rإنه تعالى لما أنكر عليهم في ضلالهم ذكر بعد ذلك الإنكار عليهم في إضلالهم لضعفة المسلمين فقال : {قُلْ يا أهل الكتاب لِمَ تَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ الله مَنْ ءَامَنَ}. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 8 صـ 138}\rقال ابن عاشور : \rوقوله : {قل يا أهل الكتاب لم تصدون} توبيخ ثان وإنكار على مجادلتهم لإضلالهم المؤمنين بعد أن أنكر عليهم ضلالهم في نفوسهم ، وفُصِل بلا عطف للدلالة على استقلاله بالقصد ، ولو عطف لصحّ العطف. أ هـ {التحرير والتنوير حـ 3 صـ 169 ـ 170}\rفائدة\rقال البيضاوى : \r{قُلْ يا أهل الكتاب لِمَ تَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ الله مَنْ ءامَنَ} كرر الخطاب والاستفهام مبالغة في التقريع ونفي العذر لهم ، وإشعاراً بأن كل واحد من الأمرين مستقبح في نفسه مستقل باستجلاب العذاب. أ هـ {تفسير البيضاوى حـ 2 صـ 71}\rفائدة\rقال الفخر : \rقال المفسرون : وكان صدهم عن سبيل الله بإلقاء الشبه والشكوك في قلوب الضعفة من المسلمين وكانوا ينكرون كون صفته صلى الله عليه وسلم في كتابهم. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 8 صـ 138}","part":15,"page":249},{"id":6387,"text":"قوله تعالى : {تَبْغُونَهَا عِوَجاً}\rفصل\rقال الفخر : \rالعوج بكسر العين الميل عن الاستواء في كل ما لا يرى ، وهو الدين والقول ، فأما الشيء الذي يرى فيقال فيه : عوج بفتح العين كالحائط والقناة والشجرة ، قال ابن الأنباري : البغي يقتصر له على مفعول واحد إذا لم يكن معه اللام كقولك : بغيت المال والأجر والثواب وأُريد ههنا : تبغون لها عوجاً ، ثم أسقطت اللام كما قالوا : وهبتك درهماً أي وهبت لك درهماً ، ومثله صدت لك ظبياً وأنشد : \rفتولى غلامهم ثم نادى.. أظليما أصيدكم أم حماراً\rأراد أصيد لكم والهاء في {تَبْغُونَهَا} عائدة إلى {السبيل} لأن السبيل يؤنث ويذكر و{العوج} يعني به الزيغ والتحريف ، أي تلتمسون لسبيله الزيغ والتحريف بالشبه التي توردونها على الضعفة نحو قولهم : النسخ يدل على البداء وقولهم : إنه ورد في التوراة أن شريعة موسى عليه السلام باقية إلى الأبد ، وفي الآية وجه آخر وهو أن يكون {عِوَجَا} في موضع الحال والمعنى : تبغونها ضالين وذلك أنهم كأنهم كانوا يدعون أنهم على دين الله وسبيله فقال الله تعالى : إنكم تبغون سبيل الله ضالين وعلى هذا القول لا يحتاج إلى إضمار اللام في تبغونها. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 8 صـ 138}\rقوله تعالى : {وَأَنْتُمْ شُهَدَاء}\rقال الفخر : \rفيه وجوه\rالأول : قال ابن عباس رضي الله عنهما : يعني أنتم شهداء أن في التوراة أن دين الله الذي لا يقبل غيره هو الإسلام\rالثاني : وأنتم شهداء على ظهور المعجزات على نبوته صلى الله عليه وسلم\rالثالث : وأنتم شهداء أنه لا يجوز الصد عن سبيل الله\rالرابع : وأنتم شهداء بين أهل دينكم عدول يثقون بأقوالكم ويعولون على شهادتكم في عظام الأمور وهم الأحبار والمعنى : أن من كان كذلك فكيف يليق به الإصرار على الباطل والكذب والضلال والإضلال. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 8 صـ 138}\rوقال ابن عاشور : ","part":15,"page":250},{"id":6388,"text":"وقوله : {وأنتم شهداء} حال أيضاً توازن الحال في قوله قبلها {والله شهيد على ما تعملون} ومعناه وأنتم عالمون أنّها سبيل الله.\rوقد أحالهم في هذا الكلام على ما في ضمائرهم مِمَّا لا يعلمه إلاّ الله لأنّ ذلك هو المقصود من وخز قلوبهم ، وانثنائهم باللائمة على أنفسهم ، ولذلك عقّبه بقوله : {وما الله بغافل عما تعملون} وهو وعيد وتهديد وتذكير لأنَّهم يعلمون أنّ الله يعلم ما تخفي الصدور وهو بمعنى قوله في موعظتهم السابقة {والله شهيد على ما تعملون} إلاّ أنّ هذا أغلظ في التَّوبيخ لما فيه من إبطال اعتقاد غفلته سبحانه ، لأنّ حالهم كانت بمنزلة حال من يعتقد ذلك. أ هـ {التحرير والتنوير حـ 3 صـ 171}\rوقال أبو حيان : \r{وأنتم شهداء} أي بالعقل نحو : {وألقى السمع وهو شهيد} أي عارف بعقله ، وتارة بالفعل.\rنحو قال : {فاشهدوا وأنا معكم من الشاهدين} وتارة بإقامة ذلك ، أي شهدتم بنبوّة محمد صلى الله عليه وسلم قبل بعثه على ما في التوراة من صفته وصدقه.\rوقال الزمخشري : وأنتم شهداء أنها سبيل الله التي لا يصدّ عنها إلا ضال مضلٌّ.\rأو وأنتم شهداء بين أهل دينكم عدول يثقون بأقوالكم ، ويستشهدون في عظام أمورهم ، وهم الأحبار انتهى.\rقيل : وفي قوله : {وأنتم شهداء} دلالة على أن شهادة بعضهم على بعض جائزة ، لأنه تعالى سماهم شهداء ، ولا يصدق هذا الاسم إلا على من يكون له شهادة.\rوشهادتهم على المسلمين لا تجوز بإجماع ، فتعين وصفهم بأن تجوز شهادة بعضهم على بعض ، وهو قول أبي حنيفة وجماعة.\rوالأكثرون على أنَّ شهادتهم لا تقبل بحال ، وأنّهم ليسوا من أهل الشهادة. أ هـ {البحر المحيط حـ 3 صـ 17}\rفصل\rقال ابن عادل : ","part":15,"page":251},{"id":6389,"text":"\" لم \" : متعلق بالفعل بعده ، و\" من آمن \" مفعوله والعامة على \" تُصِدُّون \" - بفتح التاء - من صَدَّ يَصُدُّ - ثلاثياً - ويُستَعْمَل لازماً ومتعدياً.\rوقرأ الحسن \" تُصِدُّونَ \" - بضم التاء - من أصَدَّ - مثل أعد - ووجهه أن يكون عدى \" صَدَّ \" اللازم بالهمزة كقول ذي الرمة : [ الطويل ]\rأناسٌ أصَدُّوا النَّاسَ بِالسَّيْفِ عَنْهُمْ...............................\rقال الفراء : يقال : صَدَدتُه ، أصُدُّه ، صَدًّا. وأصْدَدتهُ ، إصْداداً.\rوكان صدهم عن سبيل الله بإلقاءِ الشُّبَه في قلوب الضَّعفَة من المسلمين ، وكانوا يُنْكِرون كَوْنَ صفته في كتابهم.\rقوله : {تَبْغُونَهَا} يجوز أن تكون جملةً مستأنفةً ، أخبر عنهم بذلك - وأن تكون في محل نَصْب على الحال ، وهو أظهر من الأول ؛ لأن الجملةَ الاستفهاميةَ السابقة جِيء بعدَها بجملة حالية - أيضاً - وهي قوله : {والله شَهِيدٌ عَلَى مَا تَعْمَلُونَ}. {وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ} [ البقرة : 84 ].\rفتتفق الجملتان في انتصاب الحال عن كل منهما ، ثم إذا قُلْنا بأنها حال ، ففي صاحبها احتمالان : \rأحدهما : أنه فاعل \" تَصُدُّونَ \".\rوالثاني : أنه {سَبِيلِ الله}.\rوإن جاز الوجهان لأن الجملة - اشتملت على ضمير كل منهما.\rوالضمير في {تَبْغُونَهَا} يعود على {سَبِيلِ} فالسبيل يذَكَّر ويؤنث كما تقدم ومن التأنيث هذه الآية ، وقوله : {قُلْ هذه سبيلي} [ يوسف : 108 ].\rوقول الشاعر : [ الوافر ]\rفَلاَ تَبَْدْ فَكُلُّ فَتَى أنَاسٍ... سَيُصْبحُ سَالِكاً تِلْكَ السَّبِيلا\rقوله ( عوجاً ) فيه وجهان : \rأحدهما : أنه مفعول به ، وذلك أن يُراد بـ \" تَبْغُونَ \" تطلبون.\rقال الزجَّاج والطبريّ : تطلبون لها اعوجاجاً.","part":15,"page":252},{"id":6390,"text":"تقول العرب : ابْغِني كذا - بوصل الألف - أي : أطْلُبه لي ، وأبْغِني كذا - بقطع ، الألف - أي : أعِنِّي على طلبه.\rقال ابنُ الأنباري : البغي يقتصر له على مفعول واحد إذا لم يكن معه اللام ، كقولك : بغيت المال والأجر والثواب.\rوههنا أريد يبغون لها عوجاً ، فلما سقطت اللام عمل الفعل فيما بعدَها ، كما قالوا وهبتك درهماً ، يريدون وهبت لك ، ومثله : صِدْتُك ظبياً ، أي : صدت لك.\rقال الشاعر : [ الخفيف ]\rفَتَوَلَّى غُلاَمُُهُمْ ثُمَّ نَادَى... أظِليماً أصِيدُكُمْ أمْ حِمَارا\rيريد : أصيد لكم ظليماً ؟\rومثله : \" جنيتك كمأة وجنيتك طِبًّا \" ، والأصل جنيت لك ، فحذف ونصب \".\rوالثاني : أنه حال من فاعل \" تَبْغُونََهَا \" وذلك أن يُراد بـ \" تبغون \" معنى تتعدّون ، والبغي : التَّعَدِّي.\rوالمعنى : تبغون عليها ، أو فيها.\rقال الزجاج : كأنه قال تبغونها ضالين ، والعوج بالكسر ، والعوج بالفتح - المَيْل ، ولكن العرب فرَّقوا بينهما ، فخَصُّوا المكسور بالمعاني ، والمفتوح بالأعيان تقول : في دينه وفي كلامه عِوَج - بالكسر ، وفي الجدار والقناة والشجر عَوَجٌ - بالفتح.\rقال أبو عبيدة : العِوَج - بالكسر. المَيْل في الدِّين والكلامِ والعملِ ، وبالفتح في الحائط والجِذْع.\rوقال أبو إسحاق : الكسر فيما لا تَرَى له شَخْصاً ، وبالفتح فيما له شَخْصٌ.\rوقال صاحب المُجْمَل : بالفتح في كل منتصب كالحائط ، والعوَج - يعني : بالكسر - ما كان في بساط ، أو دين ، أو أرض ، أو معاش ، فجعل الفرق بينهما بغير ما تقدم.","part":15,"page":253},{"id":6391,"text":"وقال الراغب : العِوَجُ : العطف من حال الانتصاب ، يقال : عُجْتُ البعير بزمامه ، وفلان ما يعوج به - أي : يرجع ، والعَوَج - يعني : بالفتح - يقال فيما يُدْرَك بالبصر كالخشب المتصِب ، ونحوه ، والعِوَجُ يقال فيما يُدْرَك بفِكْر وبصيرة ، كما يكون في أرض بسيطة عوج ، فيُعْرَف تفاوتُه بالبصيرة ، وكالدين والمعاش ، وهذا قريب من قول ابن فارس ؛ لأنه كثيراً ما يأخذ منه.\rوقد سأل الزمخشريُّ في سورة طه قوله تعالى : {لاَّ ترى فِيهَا عِوَجاً ولا أَمْتاً} [ طه : 107 ] - سؤالاً ، حاصله : أنه كيف قيل : عوج - بالكسر - في الأعيان ، وإنما يقال في المعاني ؟\rوأجاب هناك بجواب حَسَنٍ - يأتي إن شاء الله.\rوالسؤال إنما يَجيء على قول أبي عبيدة والزجَّاج المتقدم ، وأما على قول ابن فارس والراغب فلا يرد ، ومن مجيء العِوَج بمعنى الميل من حيث الجملة قول الشاعر : [ الوافر ]\rتَمُرُّونَ الدِّيَارَ وَلَمْ تَعُوجُوا... كَلاَمُكُمُ عَلَيَّ إذَنْ حَرَامُ\rوقول امرئ القيس : [ الكامل ]\rعُوجَا عَلَى الطَّلَلِ الْمُحِيلِ لأنَّنَا... نَبْكِي الدِّيَارَ كَمَا بَكَى ابْنُ حِذَامِ\rأي : ولم تميلوا ، ومِيلاَ.\rوأما قولهم : ما يَعوج زيد بالدواء - أي : ما ينتفع به - فمن مادة أخرى ومعنى آخر.\rوالعاجُ : العَظْم ، ألفه مجهولة لا يُعْلم منقلبة عن واوٍ أو عن ياءٍ ؟ وفي الحديث أنه صلى الله عليه وسلم قال لثوبان : \" اشْتَرِ لِفَاطِمَةَ سِوَاراً مِنْ عَاج \".\rقال القتيبي : العاجُ الذَّبْل ؛ وقال أبو خراش الهذليّ في امرأة : [ الطويل ]\rفَجَاءَتْ كَخَاصِي الْعِيرِ لَمْتَحْلَ عَاجَةً... وَلاَ جَاجَةً مِنْهَا تَلُوحُ عَلَى وَشْمِ\rقال الأصْمَعِيّ : العاجة : الذبلة ، والجاجة - بجيمين - خَرَزةَ ما تساوي فلساً.","part":15,"page":254},{"id":6392,"text":"وقوله : كَخَاصِي العير ، هذا مَثَل تقوله العرب لمن جاء مُسْتَحياً مِنْ أمْرٍ ، فيقال : جاء كخاصي العير.\rوالعير : الحمار ، يعنون جاء مستحياً. ويقال : عاج بالمكان ، وعوَّج به - أي : أقام وقَطَن ، وفي حديث إسماعيلَ - على نبينا وعليه السلام- : \" ها أنتم عائجون \" أي مقيمون.\rوأنشدوا للفرزدق : [ الوافر ]\rهَلَ أنْتُمْ عَائِجُونَ بِنَا لَعَنَّا... نَرَى الْعَرَصَاتِ أوْ أثَرَ الْخِيَامِ ؟\rكذا أنشد هذا البيت الهرويُّ ، مستشهداً به على الإقامة - وليس بظاهر - بل المراد بـ \" عائجون \" في البيت : سائلون ومُلْتفتون.\rوفي الحديث : \" ثم عاج رأسه إليها \" أي : التفت إليها.\rوالرجل الأعوج : السيّئ الخُلُق ، وهو بَيِّن العَوَج. والعوج من الخيل التي في رجلها تَجْنيب. والأعوج من الخيل منسوبة إلى فرس كان في الجاهلية سابقاً ، ويقال : فرس مُجَنَّب إذا كان بعيد ما بين الساقين غير فَحَجٍ ، وهو مَدْح ويقال : الحنبة : اعوجاج.\rقوله : {وَأَنْتُمْ شُهَدَاءُ} حال ، إما من فاعل \" تَصُدُّونَ \" ، وإما من فاعل \" تَبْغُونهَا \" ، وإما مستأنف وليس بظاهر و\" شهداء \" جمع شهيد أو شاهد كما تقدم. أ هـ {تفسير ابن عادل حـ 5 صـ 421 ـ 424}","part":15,"page":255},{"id":6393,"text":"قوله تعالى : {وَمَا الله بغافل عَمَّا تَعْمَلُونَ}\rقال الفخر : \rالمراد التهديد ، وهو كقول الرجل لعبده ، وقد أنكر طريقة لا يخفى على ما أنت عليه ولست غافلاً عن أمرك وإنما ختم الآية الأولى بقوله {وَاللَّه شَهِيدٌ} وهذه الآية بقوله {وَمَا الله بغافل عَمَّا تَعْمَلُونَ} وذلك لأنهم كانوا يظهرون الكفر بنبوّة محمد صلى الله عليه وسلم وما كانوا يظهرون إلقاء الشبه في قلوب المسلمين ، بل كانوا يحتالون في ذلك بوجوه الحيل فلا جرم قال فيما أظهروه {والله شَهِيدٌ} وفيما أضمروه {وَمَا الله بغافل عَمَّا تَعْمَلُونَ} وإنما كرر في الآيتين قوله {قُلْ يا أهل الكتاب} لأن المقصود التوبيخ على ألطف الوجوه ، وتكرير هذا الخطاب اللطيف أقرب إلى التلطف في صرفهم عن طريقتهم في الضلال والإضلال وأدل على النصح لهم في الدين والإشفاق. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 8 صـ 138}","part":15,"page":256},{"id":6394,"text":"من فوائد العلامة أبى السعود فى الآية\rقال رحمه الله : \r{قُلْ يا أهل الكتاب} أمرٌ بتوبيخهم بالإضلال إثرَ توبيخِهم بالضلال ، والتكريرُ للمبالغة في حمله عليه السلام على تقريعهم وتوبيخِهم ، وتركُ عطفِه على الأمر السابقِ للإيذان باستقلالهم كما أن قطْعَ قولِه تعالى : {لِمَ تَصُدُّونَ} عن قوله تعالى : {لِمَ تَكْفُرُونَ} للإشعار بأن كلَّ واحدٍ من كُفرهم وصدِّهم شناعةٌ على حيالها مستقِلةٌ في استتباع اللائمةِ والتقريعِ ، وتكريرُ الخطابِ بعنوان أهليةِ الكتابِ لتأكيد الاستقلالِ وتشديدِ التشنيع فإن ذلك العنوانَ كما يستدعي الإيمانَ بما هو مصدِّقٌ لما معهم يستدعي ترغيبَ الناسِ فيه ، فصدُّهم عنه في أقصى مراتبِ القَباحةِ ولكون صدِّهم في بعض الصورِ بتحريف الكتابِ والكفرِ بالآياتِ الدالةِ على نبُوَّته عليه السلام ، وقرىء تُصِدّون من أصَدَّه {عَن سَبِيلِ الله} أي دينِه الحقِّ الموصلِ إلى السعادة الأبدية ، وهو التوحيدُ وملةُ الإسلام {مَنْ ءامَنَ} مفعول لتصُدُّون قُدِّم عليه الجارُّ والمجرورُ للاهتمام به. كانوا يفتِنون المؤمنين ويحتالون لصدهم عنه ويمنعون من أراد الدخولَ فيه بجُهدهم ، ويقولون : إن صفتَه عليه السلام ليست في كتابهم ولا تقدّمت البِشارةُ به عندهم ، وقيل : أتت اليهودُ الأوسَ والخزرجَ فذكّروهم ما كان بينهم في الجاهلية من العداوات والحروبِ ليعودا إلى ما كانوا فيه {تَبْغُونَهَا} على إسقاط الجارِّ وإيصالِ الفعل إلى الضمير كما في قوله : \rفتولى غلامُهم ثم نادى... أظليماً أصيدُكم أم حمارا","part":15,"page":257},{"id":6395,"text":"بمعنى أصيدُ لكم أي تطلُبون لسبيل الله التي هي أقومُ السبل {عِوَجَا} اعوجاجاً بأن تَلْبِسوا على الناس وتُوهِموا أن فيه ميلاً عن الحق بنفي النسخِ وتغييرِ صفةِ الرسولِ صلى الله عليه وسلم عن وجهها ونحو ذلك. والجملةُ حالٌ من فاعل تصُدّون وقيل : من سبيل الله {وَأَنْتُمْ شُهَدَاء} حالٌ من فاعل تصُدون باعتبار تقييدِه بالحال الأولى أو من فاعل تبغونها أي والحالُ أنكم شهداءُ تشهدون بأنها سبيلُ الله لا يحوم حولَها شائبةُ اعوجاجٍ وأن الصدَّ عنها إضلالٌ قال ابن عباس رضي الله عنهما : أي شهداءُ ( على ) أن في التوراة إن دينَ الله الذي لا يُقبل غيرُه هو الإسلامُ أو وأنتم عدولٌ فيما بينكم يثقون بأقوالكم ويستشهدونكم في القضايا وعظائمِ الأمور {وَمَا الله بغافل عَمَّا تَعْمَلُونَ} اعتراضٌ تذييليٌ فيه تهديدٌ ووعيدٌ شديدٌ ، قيل : لما كان صدُّهم للمؤمنين بطريق الخُفْية خُتمت الآيةُ الكريمة بما يحسِمُ مادةَ حيلتهم من إحاطة علمِه تعالى بأعمالهم كما أن كفرَهم بآياتِ الله تعالى لمّا كان بطريق العلانيةِ خُتمت الآية السابقةُ بشهادته تعالى على ما يعملون. أ هـ {تفسير أبى السعود حـ 2 صـ 63 ـ 64}\rمن لطائف العلامة أبى حيان\rقال رحمه الله : \rقال الراغب : وقد جاء {يا أهل الكتاب} دون قل ، وجاء هنا قل.\rفبدون قل هو استدعاء منه تعالى لهم إلى الحق ، فجعل خطابهم منه استلانة للقوم ليكونوا أقرب إلى الانقياد.\rولما قصد الغض منهم ذكر قل تنبيهاً على أنهم غير متساهلين أنْ يخاطبهم بنفسه ، وإنْ كان كلا الخطابين وصل على لسان النبي صلى الله عليه وسلم.\rوأطلق أهل الكتاب على المدح تارة ، وعلى الذّم أخرى.","part":15,"page":258},{"id":6396,"text":"وأهل القرآن والسنة لا ينطلق إلا على المدح ، لأن الكتاب قد يراد به ما افتعلوه دون ما أنزل الله نحو : {يكتبون الكتاب بأيديهم} وقد يراد به ما أنزل الله.\rوأيضاً فقد يصحُّ أنْ يُقال على سبيل الذمّ والتهكم ، كما لو قيل : يا أهل الكتاب لمن لا يعمل بمقتضاه ، انتهى ما لخص من كلامه. أ هـ {البحر المحيط حـ 3 صـ 16}\rفائدة\rقال الجصاص : \rقَوْله تَعَالَى : {قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ مَنْ آمَنَ تَبْغُونَهَا عِوَجًا وَأَنْتُمْ شُهَدَاءُ}.\rقَالَ زَيْدُ بْنُ أَسْلَمَ : \" نَزَلَتْ فِي قَوْمٍ مِنْ الْيَهُودِ كَانُوا يُغْرُونَ بَيْنَ الْأَوْسِ وَالْخَزْرَجِ بِذِكْرِهِمْ الْحُرُوبَ الَّتِي كَانَتْ بَيْنَهُمْ حَتَّى يَنْسَلِخُوا مِنْ الدِّينِ بِالْعَصَبِيَّةِ وَحَمِيَّةِ الْجَاهِلِيَّةِ \".\rوَعَنْ الْحَسَنِ : \" أَنَّهَا نَزَلَتْ فِي الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى جَمِيعًا فِي كِتْمَانِهِمْ صِفَتَهُ فِي كُتُبِهِمْ \".\rفَإِنْ قِيلَ : قَدْ سَمَّى اللَّهُ الْكُفَّارَ شُهَدَاءَ وَلَيْسُوا حُجَّةً عَلَى غَيْرِهِمْ ، فَلَا يَصِحُّ لَكُمْ الِاحْتِجَاجُ بِقَوْلِهِ : {لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ} فِي صِحَّةِ إجْمَاعِ الْأُمَّةِ وَثُبُوتِ حُجَّتِهِ.\rقِيلَ لَهُ : إنَّهُ جَلَّ وَعَلَا لَمْ يَقُلْ فِي أَهْلِ الْكِتَابِ ، وَأَنْتُمْ شُهَدَاءُ عَلَى غَيْرِكُمْ ، وَقَالَ هُنَاكَ : {لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ} كَمَا قَالَ : {وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا} فَأَوْجَبَ ذَلِكَ تَصْدِيقَهُمْ وَصِحَّةَ إجْمَاعِهِمْ.","part":15,"page":259},{"id":6397,"text":"وَقَالَ فِي هَذِهِ الْآيَةِ : {وَأَنْتُمْ شُهَدَاءُ} وَمَعْنَاهُ غَيْرُ مَعْنَى قَوْلِهِ : {شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ} وَقَدْ قِيلَ فِي مَعْنَاهُ وَجْهَانِ.\rأَحَدُهُمَا : {وَأَنْتُمْ شُهَدَاءُ} أَنَّكُمْ عَالِمُونَ بِبُطْلَانِ قَوْلِكُمْ فِي صَدِّكُمْ عَنْ دِينِ اللَّهِ تَعَالَى وَذَلِكَ فِي أَهْلِ الْكِتَابِ مِنْهُمْ.\rوَالثَّانِي : أَنْ يُرِيدَ بِقَوْلِهِ : {شُهَدَاءُ} عُقَلَاءَ ، كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : {أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ} يَعْنِي : وَهُوَ عَاقِلٌ (1) ؛ لِأَنَّهُ يَشْهَدُ الدَّلِيلَ الَّذِي يُمَيَّزُ بِهِ الْحَقُّ مِنْ الْبَاطِلِ. أ هـ {أحكام القرآن للجصاص حـ 2 صـ 312 ـ 313}\rمن لطائف الإمام القشيرى فى الآية\r{قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ مَنْ آَمَنَ تَبْغُونَهَا عِوَجًا وَأَنْتُمْ شُهَدَاءُ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ (99)}\rكيف يصد غيره مَنْ هو مصدودٌ في نَفْسِه ؟ إنَّ في هذا لَسِرَّا للربوبية. أ هـ {لطائف الإشارات حـ 1 صـ 265}\r_____________\r(1) الأولى حمل الآية على المعنى الأول لأنهم كما أخبر عنهم القرآن يعرفون رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ كما يعرفون أبناءهم وأما وصفهم بأنهم عقلاء فهذا مدح وسياق الآية يأباه لأن المقام مقام إنكار وتوبيخ لهم والقرآن قد وبخهم فى أكثر من موضع بقوله {أفلا تعقلون} والعاقل من شأنه أن لا يعادى الحق بل يسارع لقبوله واتباعه. والله أعلم.","part":15,"page":260},{"id":6398,"text":"قوله تعالى {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا فَرِيقًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ يَرُدُّوكُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ كَافِرِينَ (100) وَكَيْفَ تَكْفُرُونَ وَأَنْتُمْ تُتْلَى عَلَيْكُمْ آَيَاتُ اللَّهِ وَفِيكُمْ رَسُولُهُ وَمَنْ يَعْتَصِمْ بِاللَّهِ فَقَدْ هُدِيَ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (101)}\rمناسبة الآية لما قبلها\rقال البقاعى : \rولما تم إيذانه بالسخط على أعدائه وأبلغ في إنذارهم عظيم انتقامه إن داموا على إضلالهم ، أقبل بالبشر على أحبائه ، مواجهاً لهم بلذيذ خطابه وصفي غنائه ، محذراً لهم الاغترار بالمضلين ، ومنبهاً ومرشداً ومذكراً ودالاً على ما ختم به ما قبلها من إحاطة علمه بدقيق مكر اليهود ، فقال سبحانه وتعالى : {يا أيها الذين آمنوا} أي بنبينا محمد صلى الله عليه وسلم {إن تطيعوا فريقاً} أتى بهذا اللفظ لما كان المحذر منه الافتراق والمقاطعة الذي يأتي عيب أهل الكتاب به {من الذين أوتوا الكتاب} أي القاطعين بين الأحباب مثل شأس بن قيس الذي مكر بكم إلى أن أوقع الحرب بينكم ، فلولا النبي الذي رحمكم به ربكم لعدتم إلى شر ما كنتم فيه {يردوكم} وزاد في تقبيح هذا الحال بقوله مشيراً بإسقاط الجار إلى الاستغراق زمان البعد : {بعد إيمانكم كافرين} أي غريقين في صفة الكفر ، فيا لها من صفقة ما أخسرها وطريقة ما أجورها!.","part":15,"page":261},{"id":6399,"text":"ولما حذرهم منهم عظم عليهم طاعتهم بالإنكار والتعجيب من ذلك مع ما هم عليه بعد اتباع الرسول صلى الله عليه وسلم من الأحوال الشريفة فقال - عاطفاً على ما تقديره : فكيف تطيعونهم وأنتم تعلمون عداوتهم : {وكيف تكفرون} أي يقع منكم ذلك في وقت من الأوقات على حال من الأحوال {وأنتم تتلى} أي تواصل بالقراءة {عليكم آيات الله} أي علامات الملك الأعظم البينات {وفيكم رسوله} الهادي من الضلالة المنقذ من الجهالة ، فتكونون قد جمعتم إلى موافقة العدو مخالفة الولي وأنتم بعينه وفيكم أمينه {ومن} أي والحال أنه من {يعتصم} أي يجهد نفسه في ربط أموره {بالله} المحيط بكل شيء علماً وقدرةً في جميع أحواله كائناً من كان.\rولما كان من قصر نفسه على من له الكمال كله متوقعاً للفلاح عبر بأداة التوقع مقرونة بفاء السبب فقال : {فقد هدى} وعبر بالمجهول على طريقة كلام القادرين {إلى صراط مستقيم}. أ هـ {نظم الدرر حـ 2 صـ 130 ـ 131}\rوقال العلامة أبو السعود : \r{يا أيها الذين ءامَنُواْ إِن تُطِيعُواْ فَرِيقاً مّنَ الذين أُوتُواْ الكتاب يَرُدُّوكُم بَعْدَ إيمانكم كافرين} تلوينٌ للخطاب وتوجيهٌ له إلى المؤمنين تحذيراً لهم عن طاعة أهلِ الكتابِ والافتتانِ بفتنتهم إثرَ توبيخِهم بالإغواء والإضلالِ ردعاً لهم عن ذلك ، وتعليقُ الردِّ بطاعة فريقٍ منهم للمبالغة في التحذير عن طاعتهم وإيجابِ الاجتنابِ عن مصاحبتهم بالكلية فإنه في قوة أن يُقال : لا تُطيعوا فريقاً الخ ، كما أن تعميمَ التوبيخِ فيما قبله للمبالغة في الزجر أو للمحافظة على سبب النزولِ. أ هـ {تفسير أبى السعود حـ 2 صـ 64}\rقوله تعالى {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا فَرِيقًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ يَرُدُّوكُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ كَافِرِينَ}","part":15,"page":262},{"id":6400,"text":"وقال ابن عاشور : \rإقبال على خطاب المؤمنين لتحذيرهم من كيد أهل الكتاب وسوء دعائهم المؤمنين ، وقد تفضّل الله على المؤمنين بأن خاطبهم بغير واسطة خلاف خطابه أهل الكتاب إذ قال : {قل يا أهل الكتاب} [ آل عمران : 98 ] ولم يقل : قل يأيُّها الّذين آمنوا.\rوالفريق : الجماعة من النَّاس ، وأشار به هنا إلى فريق من اليهود وهم شَاس بن قَيس وأصحابه ، أو أراد شاساً وحده ، وجعله فريقاً كما جعل أبا سفيان ناساً قي قوله : \"إنّ النّاس قد جمعوا لكم\" وسياق الآية مؤذن بأنَّها جرت على حادثة حدثتْ وأنّ لنزولها سبباً. أ هـ {التحرير والتنوير حـ 3 صـ 171}\rفصل\rقال الفخر : ","part":15,"page":263},{"id":6401,"text":"اعلم أنه تعالى لما حذر الفريق من أهل الكتاب في الآية الأولى عن الإغواء والإضلال حذر المؤمنين في هذه الآية عن إغوائهم وإضلالهم ومنعهم عن الالتفات إلى قولهم ، روي أن شاس بن قيس اليهودي كان عظيم الكفر شديد الطعن على المسلمين شديد الحسد ، فاتفق أنه مرّ على نفر من الأنصار من الأوس والخزرج فرآهم في مجلس لهم يتحدثون ، وكان قد زال ما كان بينهم في الجاهلية من العداوة ببركة الإسلام ، فشق ذلك على اليهودي فجلس إليهم وذكرهم ما كان بينهم من الحروب قبل ذلك وقرأ عليهم بعض ما قيل في تلك الحروب من الأشعار فتنازع القوم وتغاضبوا وقالوا : السلاح السلاح ، فوصل الخبر إلى النبي عليه السلام ، فخرج إليهم فيمن معه من المهاجرين والأنصار ، وقال : أترجعون إلى أحوال الجاهلية وأنا بين أظهركم ، وقد أكرمكم الله بالإسلام وألف بين قلوبكم فعرف القوم أن ذلك كان من عمل الشيطان ، ومن كيد ذلك اليهودي ، فألقوا السلاح وعانق بعضهم بعضاً ، ثم انصرفوا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فما كان يوم أقبح أولاً وأحسن آخراً من ذلك اليوم ، فأنزل الله تعالى هذه الآية فقوله {إِن تُطِيعُواْ فَرِيقاً مّنَ الذين أُوتُواْ الكتاب} يحتمل أن يكون المراد هذه الواقعة ، ويحتمل أن يكون المراد جميع ما يحاولونه من أنواع الإضلال ، فبيّن تعالى أن المؤمنين إن لانوا وقبلوا منهم قولهم أدى ذلك حالاً بعد حال إلى أن يعودوا كفاراً ، والكفر يوجب الهلاك في الدنيا والدين ، أما في الدنيا فبوقوع العداوة والبغضاء وهيجان الفتنة وثوران المحاربة المؤدية إلى سفك الدماء ، وأما في الدين فظاهر. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 8 صـ 139}","part":15,"page":264},{"id":6402,"text":"وقال الآلوسى : \rخطاب للأوس والخزرج على ما يقتضيه سبب النزول ويدخل غيرهم من المؤمنين في عموم اللفظ ، وخاطبهم الله تعالى بنفسه بعد ما أمر رسوله صلى الله عليه وسلم بخطاب أهل الكتاب إظهاراً لجلالة قدرهم وإشعاراً بأنهم هم الأحقاء بأن يخاطبهم الله تعالى ويكلمهم فلا حاجة إلى أن يقال المخاطب الرسول صلى الله عليه وسلم بتقدير قل لهم. والمراد من الفريق بعض غير معين أو هو شاس بن قيس اليهودي ، وفي الاقتصار عليه مبالغة في التحذير ولهذا على ما قيل حذف متعلق الفعل ، وقال بعضهم : هو على معنى إن تطيعوهم في قبول قولهم بإحياء الضغائن التي كانت بينكم في الجاهلية\rو{كافرين} إما مفعول ثان ليردوكم على تضمين الردّ معنى التصيير كما في قوله : \rرمى الحدثان نسوة آل سعد... بمقدار سمدن له سمودا فرد شعورهن السود بيضا\rورد وجوههن البيض سودا... أو حال من مفعوله ، قالوا : والأول : أدخل في تنزيه المؤمنين عن نسبتهم إلى الكفر لما فيه من التصريح بكون الكفر المفروض بطريق القسر ، و{بَعْدَ} يجوز أن يكون ظرفاً ليردوكم وأن يكون ظرفاً لكافرين وإيراده مع عدم الحاجة إليه لإغناء ما في الخطاب عنه واستحالة الرد إلى الكفر بدون سبق الإيمان وتوسيطه بين المنصوبين لإظهار كمال شناعة الكفر وغاية بعده من الوقوع إما لزيادة قبحه أو لممانعة الإيمان له كأنه قيل : بعد إيمانكم الراسخ ، وفي ذلك من تثبيت المؤمنين ما لا يخفى وقدم توبيخ الكفار على هذا الخطاب لأن الكفار كانوا كالعلة الداعية إليه. أ هـ {روح المعانى حـ 4 صـ 16}","part":15,"page":265},{"id":6403,"text":"وقال الطبرى فى تأويل الآية : \rيا أيها الذين صدقوا الله ورسوله ، وأقرُّوا بما جاءهم به نبيهم صلى الله عليه وسلم من عند الله ، إن تطيعوا جماعة ممن ينتحل الكتابَ من أهل التوراة والإنجيل ، فتقبلوا منهم ما يأمرونكم به ، يُضِلُّوكم فيردّوكم بعد تصديقكم رسولَ ربكم ، وبعد إقراركم بما جاء به من عند ربكم ، كافرين يقول : جاحدين لما قد آمنتم به وصدَّقتموه من الحقّ الذي جاءكم من عند ربكم. فنهاهم جَلّ ثناؤه : أن ينتصحوهم ، ويقبلوا منهم رأيًا أو مشورةً ، ويعلِّمهم تعالى ذكره أنهم لهم منطوُون على غِلٍّ وغِش وحسد وبغض. أ هـ {تفسير الطبرى حـ 7 صـ 59 ـ 60}\rفائدة\rقال ابن عادل : \rقوله : {يَرُدُّوكُم} رَدَّ ، يجوز أن يُضَمَّن معنى : \" صَيَّر \" فينصب مفعولَيْن.\rومنه قول الشاعر : [ الوافر ]\rرَمَى الحَدَثَانُ نِسْوَةَ سَعْدٍ... بِمِقْدَارٍ سَمَدْنَ لَهُ سُمُوداً\rفَرَدَّ شُعُورَهُنَّ السُّودَ بِيضاً... وَرَدَّ وُجُوهَهُنَّ البِيضَ سُودَا\rويجوز ألا يتضمن ، فيكون المنصوبُ الثاني حالاً.\rقوله : {بَعْدَ إِيمَانِكُمْ} يجوز أن يكون منصوباً بـ \" يَرُدُّوكُمْ \" ، وأن يتعلق بـ \" كَافِرِينَ \" ، ويصير المعنى كالمعنى في قوله : {كَفَرُواْ بَعْدَ إِيمَانِهِمْ} [ آل عمران : 86 ]. أ هـ {تفسير ابن عادل حـ 5 صـ 426}\rلطيفة\rقال الإمام القشيرى : \rالوحشة ليست بلازمة لأصحابها ، بل هي متعدية إلى كل من يحوِّم حول أهلها ، فَمَنْ أطاع عدوَّ الله إلى شؤم صحبة ( الأعداء ) ألقاه في وهدته. أ هـ {لطائف الإشارات حـ 1 صـ 265}","part":15,"page":266},{"id":6404,"text":"قوله تعالى : {وَكَيْفَ تَكْفُرُونَ وَأَنْتُمْ تتلى عَلَيْكُمْ ءايات الله وَفِيكُمْ رَسُولُهُ}\rقال الفخر : \rكلمة {كَيْفَ} تعجب ، والتعجب إنما يليق بمن لا يعلم السبب ، وذلك على الله محال ، والمراد منه المنع والتغليظ وذلك لأن تلاوة آيات الله عليهم حالاً بعد حال مع كون الرسول فيهم الذي يزيل كل شبهة ويقرر كل حجة ، كالمانع من وقوعهم في الكفر ، فكان صدور الكفر على الذين كانوا بحضرة الرسول أبعد من هذا الوجه ، فقوله {إِن تُطِيعُواْ فَرِيقاً مّنَ الذين أُوتُواْ الكتاب يَرُدُّوكُم بَعْدَ إيمانكم كافرين} تنبيه على أن المقصد الأقصى لهؤلاء اليهود والمنافقين أن يردوا المسلمين عن الإسلام ثم أرشد المسلمين إلى أنه يجب أن لا يلتفتوا إلى قولهم ، بل الواجب أن يرجعوا عند كل شبهة يسمعونها من هؤلاء اليهود إلى الرسول صلى الله عليه وسلم ، حتى يكشف عنها ويزيل وجه الشبهة فيها. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 8 صـ 139}","part":15,"page":267},{"id":6405,"text":"وقال الآلوسى : \r{وَكَيْفَ تَكْفُرُونَ} أي على أيّ حال يقع منكم الكفر {وَأَنْتُمْ تتلى عَلَيْكُمْ ءايات الله} الدالة على توحيده ونبوة نبيه صلى الله عليه وسلم {وَفِيكُمْ رَسُولُهُ} يعني : محمداً صلى الله عليه وسلم يعلمكم الكتاب والحكمة ويزكيكم بتحقيق الحق وإزاحة الشبه ، والجملة وقعت حالاً من ضمير المخاطبين في {تَكْفُرُونِ} والمراد استبعاد أن يقع منهم الكفر وعندهم ما يأباه. وقيل : المراد التعجيب أي لا ينبغي لكم أن تكفروا في سائر الأحوال لا سيما في هذه الحال التي فيها الكفر أفظع منه في غيرها ؛ وليس المراد إنكار الواقع كما في {كَيْفَ تَكْفُرُونَ بالله وَكُنتُمْ أمواتا} [ البقرة : 28 ] الآية ؛ وقيل : المراد بكفرهم فعلهم أفعال الكفرة كدعوى الجاهلية فلا مانع من أن يكون الاستفهام لإنكار الواقع ، والأول أولى وفي الآية تأييس لليهود مما راموه ، والأكثرون على تخصيص هذا الخطاب بأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أو الأوس والخزرج منهم ، ومنهم من جعله عاماً لسائر المؤمنين وجميع الأمة ، وعليه معنى كونه صلى الله عليه وسلم فيهم إن آثاره وشواهد نبوته فيهم لأنها باقية حتى يأتي أمر الله ولم يسند سبحانه التلاوة إلى رسوله عليه الصلاة والسلام إشارة إلى استقلال كل من الأمرين في الباب ، وإيذاناً بأن التلاوة كافية في الغرض من أي تال كانت. أ هـ {روح المعانى حـ 4 صـ 16}\rفصل\rقال القرطبى : \rويدخل في هذه الآية مَن لم يَرَ النبي صلى الله عليه وسلم ؛ لأن ما فيهم من سُنّته يقوم مقام رؤيته.\rقال الزّجاج : يجوز أن يكون هذا الخطاب لأصحاب محمد خاصةً ؛ لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان فيهم وهم يشاهدونه.","part":15,"page":268},{"id":6406,"text":"ويجوز أن يكون هذا الخطاب لجميع الأمة ؛ لأن آثاره وعلاماته والقرآن الذي أوتَي فِيَنا مكانَ النبيّ صلى الله عليه وسلم فِيَنا وإن لم نشاهده.\rوقال قَتادة : في هذه الآية عَلَمان بيّنان : كتابُ الله ونبيّ الله ؛ فأما نبي الله فقد مضى ، وأما كتاب الله فقد أبقاه الله بين أظهرهم رحمةً منه ونعمةً ؛ فيه حلالهُ وحرامهُ ، وطاعته ومعصيته. أ هـ {تفسير القرطبى حـ 4 صـ 156}\rلطيفة\rقال ابن عاشور : \r{وفيكم رسوله} حقيقيّة ومؤذنة بمنقبة عظيمة ، ومنّة جليلة ، وهي وجود هذا الرسول العظيم بينهم ، تلك المزيّة الَّتي فاز بها أصحابه المخاطبون.\rوبها يظهر معنى قوله صلى الله عليه وسلم فيما رواه الترمذي عن أبي سعيد الخدْري : \"لاَ تسبُّوا أصحابي فوالّذي نفسي بيده لَوْ أنّ أحدكم أنفق مثلَ أُحُد ذَهَباً مَا بَلَغ مُدّ أحدِهم ولا نصِيفه\" النصيف نِصْف مدّ.\rوفي الآية دلالة على عِظْم قدْر الصّحابة وأنّ لهم وازعين عن مواقعة الضّلال : سماعُ القرآن ، ومشاهدَة أنوار الرّسول عليه السَّلام فإنّ وجوده عصمة من ضلالهم. أ هـ {التحرير والتنوير حـ 3 صـ 172}","part":15,"page":269},{"id":6407,"text":"وقال أبو السعود : \r{وَكَيْفَ تَكْفُرُونَ} استفهامٌ إنكاريٌّ بمعنى إنكارِ الوقوعِ كما في قوله تعالى : {كَيْفَ يَكُونُ لِلْمُشْرِكِينَ عَهْدٌ} الخ لا بمعنى إنكار الواقعِ كما في قوله تعالى : {كَيْفَ تَكْفُرُونَ بالله وَكُنتُمْ أمواتا} الخ وفي توجيه الإنكارِ والاستبعادِ إلى كيفية الكفرِ من المبالغة ما ليس في توجيهه إلى نفسه بأن يقال : أتكفرون ؟ لأن كلَّ موجودٍ لا بد أن يكون وجودُه على حال من الأحوال فإذا أُنكِرَ ونُفيَ جميعُ أحوالِ وجودِه فقد انتفى وجودُه بالكلية على الطريق البرهاني وقوله تعالى : {وَأَنْتُمْ تتلى عَلَيْكُمْ آيات الله} جملةٌ وقعتْ حالاً من ضمير المخاطَبين في تكفُرون مؤكِّدةٌ للإنكار والاستبعادِ بما فيها من الشؤون الداعيةِ إلى الثبات على الإيمان ، الرادعةِ عن الكفر ، وقوله تعالى : {وَفِيكُمْ رَسُولُهُ} معطوفٌ عليها داخلٌ في حكمها فإن تلاوةَ آياتِ الله تعالى عليهم وكونَ رسولِه عليه الصلاة والسلام بين أظهُرِهم يعلِّمهم الكتابَ والحِكمةَ ويزكِّيهم بتحقيق الحقِّ وإزاحةِ الشُّبَهِ من أقوى الزواجر عن الكفر ، وعدمُ إسنادِ التلاوة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم للإيذان باستقلالِ كلَ منهما في الباب. أ هـ {تفسير أبى السعود حـ 2 صـ 65}","part":15,"page":270},{"id":6408,"text":"قوله تعالى : {وَمَن يَعْتَصِم بالله فَقَدْ هُدِىَ إلى صراط مّسْتَقِيمٍ}\rقال الفخر : \rالمقصود : إنه لما ذكر الوعيد أردفه بهذا الوعد ، والمعنى : ومن يتمسك بدين الله ، ويجوز أن يكون حثاً لهم على الالتجاء إليه في دفع شرور الكفار والاعتصام في اللغة الاستمساك بالشيء وأصله من العصمة ، والعصمة المنع في كلام العرب ، والعاصم المانع ، واعتصم فلان بالشيء إذا تمسك بالشيء في منع نفسه من الوقوع في آفة ، ومنه قوله تعالى : {وَلَقَدْ رَاوَدتُّهُ عَن نَّفْسِهِ فاستعصم} [ يوسف : 32 ] قال قتادة : ذكر في الآية أمرين يمنعان عن الوقوع في الكفر أحدهما : تلاوة كتاب الله والثاني : كون الرسول فيهم ، أما الرسول صلى الله عليه وسلم فقد مضى إلى رحمة الله ، وأما الكتاب فباق على وجه الدهر. وأما قوله {فَقَدْ هُدِىَ إلى صراط مّسْتَقِيمٍ} فقد احتج به أصحابنا على أن فعل العبد مخلوق لله تعالى ، قالوا : لأنه جعل اعتصامهم هداية من الله ، فلما جعل ذلك الاعتصام فعلاً لهم وهداية من الله ثبت ما قلناه ، أما المعتزلة فقد ذكروا فيه وجوهاً\rالأول : أن المراد بهذه الهداية الزيادة في الألطاف المرتبة على أداء الطاعات كما قال تعالى : {يَهْدِى بِهِ الله مَنِ اتبع رِضْوَانَهُ سُبُلَ السلام} [ المائدة : 16 ] وهذا اختاره القفال رحمه الله\rوالثاني : أن التقدير من يعتصم بالله فنعم ما فعل فإنه إنما هدي إلى الصراط المستقيم ليفعل ذلك\rالثالث : أن من يعتصم بالله فقد هدي إلى طريق الجنة\rوالرابع : قال صاحب \"الكشاف\" {فَقَدْ هُدِىَ} أي فقد حصل له الهدى لا محالة ، كما تقول : إذا جئت فلانا فقد أفلحت ، كأن الهدى قد حصل فهو يخبر عنه حاصلاً وذلك لأن المعتصم بالله متوقع للهدى كما أن قاصد الكريم متوقع للفلاح عنده. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 8 صـ 139 ـ 140}","part":15,"page":271},{"id":6409,"text":"وقال الآلوسى : \rوقوله تعالى : {فَقَدْ هُدِىَ إلى صراط مّسْتَقِيمٍ} جواب الشرط ولكونه ماضياً مع قد أفاد الكلام تحقق الهدى حتى كأنه قد حصل ، قيل : والتنوين للتفخيم ووصف الصراط بالاستقامة للتصريح بالرد على الذين يبغون له عوجاً ، والصراط المستقيم وإن كان هو الدين الحق في الحقيقة والاهتداء إليه هو الاعتصام به بعينه لكن لما اختلف الاعتباران وكان العنوان الأخير مما يتنافس فيه المتنافسون أبرز في معرض الجواب للحث والترغيب على طريقة قوله تعالى : {فَمَن زُحْزِحَ عَنِ النار وَأُدْخِلَ الجنة فَقَدْ فَازَ} [ آل عمران : 185 ] انتهى.\rوأنت تعلم أن هذا على ما فيه إنما يحتاج إليه على تقدير أن يكون المراد من الاعتصام بالله الإيمان به سبحانه والتمسك بدينه كما قاله ابن جريج ، وأما إذا كان المراد منه الثقة بالله تعالى والتوكل عليه والالتجاء إليه كما روي عن أبي العالية فيبعد الاحتياج ، وعلى هذا يكون المراد من الاهتداء إلى الصراط المستقيم النجاة والظفر بالمخرج ، فقد أخرج الحكيم الترمذي عن الزهري قال : أوحى الله تعالى ( إلى ) داود عليه السلام ما من عبد يعتصم بي من دون خلقي وتكيده السموات والأرض إلا جعلت له من ذلك مخرجاً ، وما من عبد يعتصم بمخلوق من دوني إلا قطعت أسباب السماء بين يديه وأسخت الأرض من تحت قدميه. أ هـ {روح المعانى حـ 4 صـ 17}\rفصل\rقال ابن عادل : \rقوله : {وَأَنْتُمْ تتلى عَلَيْكُمْ آيَاتُ الله} جملة حالية ، من فاعل : \" تَكْفُرُونَ \".\rوكذلك قوله : {وَفِيكُمْ رَسُولُهُ} أي : كيف يُوجَد منكم الكفرُ مع وجود هاتين الحالتين ؟\rوالاعتصام : الامتناع ، يقال : اعْتَصَمَ واسْتَعْصَمَ بمعنًى واحدٍ ، واعْتَصَمَ زَيْدٌ عَمْراً ، أي : هيَّأ له ما يَعْتصِمُ به.","part":15,"page":272},{"id":6410,"text":"وقيل : الاعتصام : الاستمساك ، واستعصم بكذا ، أي : استمسك به.\rومعنى الآية : ومن يتمسك بدينِ الله وطاعته فقد هُدِي وأرْشِد إلى صراطٍ مستقيمٍ. وقيل : ومن يؤمن بالله. وقيل : ومن يتمسك بحبل الله وهو القرآن.\rوالعِصام : ما يُشدُّ به القربة ، وبه يسمَّى الأشخاص ، والعِصْمة مستعملة بالمعنيَيْن ؛ لأنها مانعةٌ من الخطيئة وصاحبها متمسك بالحق - والعصمة - أيضاً - شِبْه السوار ، والمِعْصَم : موضع العِصْمَة ، ويُسَمَّى البياض الذي في الرسغ - عُصْمَة ؛ تشبيهاً بها ، وكأنهم جعلوا ضمةَ العينِ فارقةً ، وأصل العُصْمة : البياض يكون في أيدي الخيل والظباء والوعول ، والأعْصَم من الوعول : ما في معاصمها بياضٌ ، وهي أشدُّها عَدْواً.\rقال : [ الكامل ]\rلَوْ أنَّ عُصْمَ عَمَامَتَيْن وَيَذْبُلٍ... سمعَا حَدِيثَكَ أنْزَلاَ الأوْعَالا\rوعصمه الطعام : منع الجوع منه ، تقول العرب : عَصَمَ فلاناً الطعامُ ، أي : منعه من الجوع.\rوقال أحمد بن يحيى : العرب تُسَمِّي الخبز عاصِماً ، وجابراً.\rقال : [ الرجز ]\rفَلاَ تَلُومِينِي وَلُومِي جَابِرا... فَجَابِرٌ كَلَّفَنِي الْهَوَاجِرَا\rويسمونه عامراً ، وأنشد : [ الطويل ]\rأبُو مَالِكٍ يَعْتَادُنِي بِالظَّهَائِر... يِجِيءُ فَيُلْقِي رَحْلَهُ عِنْدَ عَامِرِ\rوأبو مالك كنية الجوع.\rوفي الحديث - في النساء : \" لاَ يَدْخُلُ الجَنَّةَ مِنْهُنَّ إلاَّ كَالْغُرَابِ الأعْصَمِ \" وهو الأبيض الرجلين.\rوقيل : الأبيض الجناحَين.\rقال صلى الله عليه وسلم : \" المَرْأةُ الصَّالِحَةُ فِي النِّسَاءِ كَالْغُرَابِ الأعْصَمِ في الغِرْبَانِ \".\rقيل : يا رسولَ الله ، وما الغراب الأعصم ؟ قال \" الَّذِي فِي أحدِ جَنَاحَيْه بَيَاضٌ \".","part":15,"page":273},{"id":6411,"text":"وفي الحديث : كنا مع عمرو بن العاص ، فدخلنا شِعْباً ، فإذا نحن بغربان ، وفيهن غُرابٌ أحمرُ المنقار أحمر الرِّجلين ، فقال عَمرو : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم \" لاَ يَدْخُلُ الجَنَّةَ مِنَ النِّسَاءِ إلاَّ بِقَدْرِ هَذَا مِنَ الغِرْبَانِ \" والمراد منه : التقليل.\rقوله : \" فقد هدي \" جواب الشرط ، وجيء ف يالجواب بـ \" قد \" دلالةً على التوقُّع ؛ لأن المعتصم متوقع الهداية.\rوالمعنى : ومن يمتنع بدينِ الله ، ويتمسك بدينه ، وطاعتهِ ، فقد هُدِي إلى صراطِ مستقيم واضح. وفسره ابن جرير ومن يعتصم بالله أي : يؤمن بالله. أ هـ {تفسير ابن عادل حـ 5 صـ 426 ـ 427}\rمن لطائف الإمام القشيرى فى الآية\rلا ينبغي لمن أشرقت في قلبه شموسُ العرفان أن يوقع الكفرُ عليه ظِلَّه ، فإنه إذا أقبل النهارُ من ها هنا أدبر الليل من ها هنا.\rوقوله : {وَمَن يَعْتَصِم} الآية إنما يعتصم بالله مَنَّ وَجَدَ العصمة من الله ، فأمَّا مَنْ لم يَهْدِه الله فمتى يعتصم بالله ؟ فالهدايةُ منه في البداية توجِبُ اعتصامك في النهاية ، لا الاعتصام منك يوجب الهداية.\rوحقيقةُ الاعتصام صدق اللُّجوء إليه ، ودوامُ الفرار إليه ، واستصحاب الاستغاثة إليه. ومَنْ كشف عن سِرِّه غطاء التفرقة تحقق بأنه لا لغير الله ذرة أو منه سينة ، فهذا الإنسان يعتصم به ممن يُعْتَصَمُ به ؛ قال سيد الأولين والآخرين صلوات الله عليه وعلى آله : {أَعُوذُ بِكَ مِنْك}.\rومَنْ اعتصم بنفسه دون أن يكون محواً عن حوله وقوته في اعتصامه - فالشِرْكُ وطنُه وليس يشعر. أ هـ {لطائف الإشارات حـ 1 صـ 265 ـ 266}","part":15,"page":274},{"id":6412,"text":"قوله تعالى {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (102) وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آَيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (103)}\rمناسبة الآية لما قبلها\rقال البقاعى : \rولما انقضى هذا التحذير من أهل الكتاب والتعجيب والترغيب ، أمر بما يثمر ذلك من رضاه فقال : {يا أيها الذين آمنوا} أي ادعوا ذلك بألسنتهم {اتقوا الله} أي صدقوا دعواكم بتقوى ذي الجلال والإكرام {حق تقاته} فأديموا الانقياد له بدوام مراقبته ولا تقطعوا أمراً دونه {ولا تموتن} على حالة من الحالات {إلا وأنتم مسلمون} أي منقادون أتم الانقياد ، ونقل عن العارف أبي الحسن الشاذلي أن هذه الآية في أصل الدين وهو التوحيد ، وقوله سبحانه وتعالى : {فاتقوا الله ما استطعتم} [ التغابن : 16 ] في فروعه.","part":15,"page":275},{"id":6413,"text":"ولما كان عزم الإنسان فاتراً وعقله قاصراً ، دلهم - بعد أن أوقفتهم التقوى - على الأصل لجميع الخيرات المتكفل بالحفظ من جميع الزلات فقال : {واعتصموا} أي كلفوا أنفسكم الارتباط الشديد والانضباط العظيم {بحبل الله} أي طريق دين الملك الذي لا كفوء له التي نهجها لكم ومهدها ، وأصل الحبل السبب الذي يوصف به إلى البغية والحاجة ، وكل من يمشي على طريق دقيق يخاف أن تزلق رجله عنه إذا تمسك بحبل مشدود الطرفين بجانبي ذلك الطريق أمن الخوف ، ولا يخفى دقة الصراط بما ورد به النقل الصحيح وهذا الدين مثاله فصعوبته وشدته على النفوس بما لها من النوازع والحظوظ مثال دقته ، فمن قهر نفسه وحفظها على التمسك به حفظ عن السقوط عما هو مثاله.\rولما أفهم كل من الضمير والحبل والاسم الجامع إحاطة الأمر بالكل أكده بقوله : {جميعاً} لا تدعوا أحداً منكم يشذ عنها ، بل كلما عثرتم على أحد فارقها ولو قيد شبر فردوه إليها ولا تناظروه ولا تهملوا أمره ، ولا تغفلوا عنه فيختل النظام ، وتتعبوا على الدوام ، بل تزالوا كالرابط ربطاً شديداً حزمة نبل بحبل ، لا يدع واحدة منها تنفرد عن الأخرى ، ثم أكد ذلك بقوله : {ولا تفرقوا} ثم ذكرهم نعمة الاجتماع ، لأن ذلك باعث على شكرها ، وهو باعث على إدامة الاعتصام والتقوى ، وبدأ منها بالدنيوية لأنها أس الأخروية فقال : {واذكروا نعمة الله} الذي له الكمال كله {عليكم} يا من اعتصم بعصام الدين! {إذا كنتم أعداء} متنافرين أشد تنافر {فألف بين قلوبكم} بالجمع على هذا الصراط القويم والمنهج العظيم {فأصبحتم بنعمته إخواناً} قد نزع ما في قلوبكم من الإحن ، وأزال تلك الفتن والمحن.\r","part":15,"page":276},{"id":6414,"text":"ولما ذكر النعمةت التي أنقذتهم من هلاك الدنيا ثنى بما تبع ذلك من نعمة الدين التي عصمت من الهلاك الأبدي فقال : {وكنتم على شفا} أي حرف وطرف {حفرة من النار} بما كنتم فيه من الجاهلية {فأنقذكم منها}.\rولما تم هذا البيان على هذا الأسلوب الغريب نبه على ذلك بقوله - جواباً لمن يقول : لله در هذا البيان! ما أغربه من بيان! - {كذلك} أي مثل هذا البيان البعيد المنال البديع المثال {يبين الله} المحيط علمه الشاملة قدرته بعظمته {لكم آياته} وعظم الأمر بتخصيصهم به وإضافة الآي إليه.\rولما كان السياق لبيان دقائق الكفار في إرادة إضلالهم ختم الآية بقوله : {لعلكم تهتدون} أي ليكون حالكم عند من ينظركم حال من ترجى وتتوقع هدايته ، هذا الترجي حالكم فيما بينكم ، وأما هو سبحانه وتعالى فقد أحاط علمه بالسعيد والشقي ، ثم الأمر إليه ، فمن شاء هداه ، ومن أراد أرداه. أ هـ {نظم الدرر حـ 2 صـ 131 ـ 132}\rوقال الفخر : \r","part":15,"page":277},{"id":6415,"text":"اعلم أنه تعالى لما حذر المؤمنين من إضلال الكفار ومن تلبيساتهم في الآية الأولى أمر المؤمنين في هذه الآيات بمجامع الطاعات ، ومعاقد الخيرات ، فأمرهم أولاً : بتقوى الله وهو قوله {اتقوا الله} وثانياً : بالاعتصام بحبل الله ، وهو قوله {واعتصموا بِحَبْلِ الله} وثالثاً : بذكر نعم الله وهو قوله {واذكروا نِعْمَةَ الله عَلَيْكُمْ} والسبب في هذا الترتيب أن فعل الإنسان لا بد وأن يكون معللاً ، إما بالرهبة وإما بالرغبة ، والرهبة مقدمة على الرغبة ، لأن دفع الضرر مقدم على جلب النفع ، فقوله {اتقوا الله حَقَّ تُقَاتِهِ} إشارة إلى التخويف من عقاب الله تعالى ، ثم جعله سبباً للأمر بالتمسك بدين الله والاعتصام بحبل الله ، ثم أردفه بالرغبة ، وهي قوله {واذكروا نِعْمَةَ الله عَلَيْكُمْ} فكأنه قال : خوف عقاب الله يوجب ذلك ، وكثرة نعم الله توجب ذلك فلم تبق جهة من الجهات الموجبة للفعل إلا وهي حاصلة في وجوب انقيادكم لأمر الله ووجوب طاعتكم لحكم الله ، فظهر بما ذكرناه أن الأمور الثلاثة المذكورة في هذه الآية مرتبة على أحسن الوجوه. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 8 صـ 140 ـ 141}\rوقال ابن عاشور : \rانتقل مِن تحذير المخاطبين من الانخداع لوساوس بعض أهل الكتاب ، إلى تحريضهم على تمام التَّقوى ، لأنّ في ذلك زيادة صلاح لهم ورسوخاً لإيمانهم ، وهو خطاب لأصحاب محمَّد صلى الله عليه وسلم ويَسري إلى جميع من يكون بعدهم.\rوهذه الآية أصل عظيم من أصول الأخلاق الإسلامية.\rوالتَّقوى تقدّم تفسيرها عند قوله تعالى : {هدى للمتقين}.\rوحاصلها امتثال الأمر ، واجتناب المنهي عنه ، في الأعمال الظَّاهرة ، والنَّوايا الباطنة.","part":15,"page":278},{"id":6416,"text":"وحقّ التقوى هو أن لا يكون فيها تقصير ، وتظاهر بما ليس من عمله ، وذلك هو معنى قوله تعالى : {فاتَّقوا الله ما استطعتم} [ التغابن : 16 ] لأنّ الاستطاعة هي القدرة ، والتَّقوى مقدورة للنَّاس.\rوبذلك لم يكن تعارض بين الآيتين ، ولا نسخ ، وقيل : هاته منسوخة بقوله تعالى : {فاتقوا اللَّه ما استطعتم} لأنّ هاته دلّت على تقوى كاملة كما فسَّرها ابن مسعود : أن يطاع فلا يعصى ، ويُشكر فلا يكفر ، ويذكر فلا يُنْسى ، ورووا أنّ هذه الآية لمَّا نزلت قالوا : \"يا رسول الله من يَقوىَ لهذا\" فنزلت قوله تعالى : {فاتَّقوا الله ما استطعتم} فنسَخَ هذه بناء على أنّ الأمر في الآيتين للوجوب ، وعلى اختلاف المراد من التقويين.\rوالحقّ أنّ هذا بيان لا نسخ ، كما حقَّقه المحقِّقون ، ولكن شاع عند المتقدّمين إطلاق النَّسخ على ما يشمل البيان. أ هـ {التحرير والتنوير حـ 3 صـ 173}\rفصل\rقال البغوى : \rقوله تعالى {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ} قال مقاتل بن حيان : كان بين الأوس والخزرج عداوة في الجاهلية وقتال حتى هاجر رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة ، فأصلح بينهم فافتخر بعده منهم رجلان : ثعلبة بن غنم من الأوس وأسعد بن زرارة من الخزرج ، فقال الأوسي : منّا خزيمة بن ثابت ذو الشهادتين ، ومنّا حنظلة غسيل الملائكة ، ومنا عاصم بن ثابت بن أفلح حميُّ الدبر ، ومنّا سعد بن معاذ الذي اهتز لموته عرش الرحمن ورضي الله بحكمه في بني قريظة.","part":15,"page":279},{"id":6417,"text":"وقال الخزرجي : منّا أربعة أحكموا القرآن : أبي بن كعب ، ومعاذ بن جبل ، وزيد بن ثابت ، وأبو زيد ، ومنّا سعد بن عبادة خطيب الأنصار ورئيسهم ، فجرى الحديث بينهما فغضبا وأنشدا الأشعار وتفاخرا ، فجاء الأوس والخزرج ومعهم السلاح فأتاهم النبي صلى الله عليه وسلم فأنزل الله تعالى هذه الآية : {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ}. أ هـ {تفسيرالبغوى حـ 2 صـ 77}\rفصل\rقال القرطبى : \rروى البخاري عن مُرة عن عبد الله قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : \" حقّ تقاته أن يطاع فلا يُعصَى وأن يُذكَر فلا يُنْسى وأن يُشكر فلا يُكفر \" وقال ابن عباس : هو ألاّ يُعصَى طَرْفة عَيْن.\rوذكر المفسرون أنه لما نزلت هذه الآية قالوا : يا رسول الله ، من يَقْوى على هذا ؟ وشق عليهم فأنزل الله عز وجل {فاتقوا الله مَا استطعتم} [ التغابن : 16 ] فنسخت هذه الآيةَ ؛ عن قَتادة والرّبيع وابن زيد.\rقال مقاتل : وليس في آل عمران من المنسوخ شيء إلا هذه الآية.\rوقيل : إن قوله {فاتقوا الله مَا استطعتم} بيانٌ لهذه الآية.\rوالمعنى : فاتّقوا الله حق تُقاته ما استطعتم ، وهذا أصوب ؛ لأن النسخ إنما يكون عند عدم الجمع والجمع ممكن فهو أوْلىَ.\rوقد روى علي بن أبي طلحة عن ابن عباس قال : قول الله عز وجل {يا أيها الذين آمَنُواْ اتقوا الله حَقَّ تُقَاتِهِ} [ آل عمران : 102 ] لم تُنسخ ، ولكن \"حقّ تُقاته\" أن يُجاهد في سبيل الله حق جهاده ، ولا تأخذكم في الله لَوْمةُ لائم ، وتقوموا بالقسط ولو على أنفسكم وأبنائكم.\rقال النحاس : وكلما ذكر في الآية واجبٌ على المسلمين أن يستعملوه ولا يقع فيه نسخ. أ هـ {تفسير القرطبى حـ 4 صـ 157 ـ 158}\rقوله تعالى : {اتقوا الله حَقَّ تُقَاتِهِ}\rفصل\rقال الفخر : ","part":15,"page":280},{"id":6418,"text":"قال بعضهم هذه الآية منسوخة وذلك لما يروى عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال : لما نزلت هذه الآية شق ذلك على المسلمين لأن حق تقاته : أن يطاع فلا يعصى طرفة عين ، وأن يشكر فلا يكفر ، وأن يذكر فلا ينسى ، والعباد لا طاقة لهم بذلك ، فأنزل الله تعالى بعد هذه {فاتقوا الله مَا استطعتم} ونسخت هذه الآية أولها ولم ينسخ آخرها وهو قوله {وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ} وزعم جمهور المحققين أن القول بهذا النسخ باطل واحتجوا عليه من وجوه الأول : ما روي عن معاذ أنه عليه السلام قال له : \" هل تدري ما حق الله على العباد ؟ قال الله ورسوله أعلم ، قال : هو أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئاً \" وهذا لا يجوز أن ينسخ الثاني : أن معنى قوله {اتقوا الله حَقَّ تُقَاتِهِ} أي كما يحق أن يتقى ، وذلك بأن يجتنب جميع معاصيه ، ومثل هذا لا يجوز أن ينسخ لأنه إباحة لبعض المعاصي ، وإذا كان كذلك صار معنى هذا ومعنى قوله تعالى : {فاتقوا الله مَا استطعتم} [ التغابن : 16 ] واحداً لأن من اتقى الله ما استطاع فقد اتقاه حق تقاته ، ولا يجوز أن يكون المراد بقوله {حَقَّ تُقَاتِهِ} ما لا يستطاع من التقوى ، لأن الله سبحانه أخبر أنه لا يكلف نفساً إلا وسعها والوسع دون الطاقة ونظير هذه الآية قوله {وجاهدوا فِى الله حَقَّ جهاده} [ الحج : 78 ].\rفإن قيل : أليس أنه تعالى قال : {وَمَا قَدَرُواْ الله حَقَّ قَدْرِهِ} [ الأنعام : 91 ].","part":15,"page":281},{"id":6419,"text":"قلنا : سنبين في تفسير هذه الآية أنها جاءت في القرآن في ثلاثة مواضع وكلها في صفة الكفار لا في صفة المسلمين ؛ أما الذين قالوا : إن المراد هو أن يطاع فلا يعصى فهذا صحيح والذي يصدر عن الإنسان على سبيل السهو والنسيان فغير قادح فيه لأن التكليف مرفوع في هذه الأوقات ، وكذلك قوله : أن يشكر فلا يكفر ، لأن ذلك واجب عليه عند خطور نعم الله بالبال ، فأما عند السهو فلا يجب ، وكذلك قوله : أن يذكر فلا ينسى ، فإن هذا إنما يجب عند الدعاء والعبادة وكل ذلك مما لا يطاق ، فلا وجه لما ظنوه أنه منسوخ.\rقال المصنف رضي الله تعالى عنه ، أقول : للأولين أن يقرروا قولهم من وجهين\rالأول : أن كنه الإلهية غير معلوم للخلق ، فلا يكون كمال قهره وقدرته وعزته معلوماً للخلق ، وإذا لم يحصل العلم بذلك لم يحصل الخوف اللائق بذلك فلم يحصل الاتقاء اللائق به\rالثاني : أنهم أمروا بالاتقاء المغلظ والمخفف معاً فنسخ المغلظ وبقي المخفف ، وقيل : إن هذا باطل ، لأن الواجب عليه أن يتقي ما أمكن والنسخ إنما يدخل في الواجبات لا في النفي ، لأنه يوجب رفع الحجر عما يقتضي أن يكون الإنسان محجوراً عنه وإنه غير جائز. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 8 صـ 141}\rقوله تعالى : {حَقَّ تُقَاتِهِ}\rقال الفخر : \rقوله تعالى : {حَقَّ تُقَاتِهِ} أي كما يجب أن يتقى يدل عليه قوله تعالى : {حَقُّ اليقين} [ الواقعة : 95 ] ويقال : هو الرجل حقاً ، ومنه قوله عليه السلام : \" أنا النبي لا كذب ، أنا ابن عبد المطلب \" وعن علي رضي الله عنه أنه قال : أنا علي لا كذب أنا ابن عبد المطلب ، والتقى اسم الفعل من قولك اتقيت ، كما أن الهدى اسم الفعل من قولك اهتديت. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 8 صـ 141}\rقوله تعالى : {وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ}\rقال الفخر : ","part":15,"page":282},{"id":6420,"text":"لفظ النهي واقع على الموت ، لكن المقصود الأمر بالإقامة على الإسلام ، وذلك لأنه لما كان يمكنهم الثبات على الإسلام حتى إذا أتاهم الموت أتاهم وهم على الإسلام ، صار الموت على الإسلام بمنزلة ما قد دخل في إمكانهم ، ومضى الكلام في هذا عند قوله {إِنَّ الله اصطفى لَكُمُ الدين فَلاَ تَمُوتُنَّ إَلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ} [ البقرة : 132 ]. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 8 صـ 142}","part":15,"page":283},{"id":6421,"text":"وقال الآلوسى : \r{وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ} أي مخلصون نفوسكم لله عز وجل لا تجعلون فيها شركة لسواه أصلاً ، وذكر بعض المحققين أن الإسلام في مثل هذا الموضع لا يراد به الأعمال بل الإيمان القلبي لأن الأعمال حال الموت مما لا تكاد تتأتى ولذا ورد في دعاء صلاة الجنازة اللهم من أحييته منا فأحيه على الإسلام ومن أمته منا فأمته على الإيمان فأخذ الإسلام أولاً والإيمان ثانياً لما أن لكل مقام مقالاً ، والاستثناء ( مفرغ ) من أعم الأحوال أي لا تموتن على حال من الأحوال إلا على حال تحقق إسلامكم وثباتكم عليه كما تفيده الجملة الاسمية ، ولو قيل : إلا مسلمين لم يقع هذا الموقع والعامل في الحال ما قبل {إِلا} بعد النقض والمقصود النهي عن الكون على حال غير حال الإسلام عند الموت ، ويؤل إلى إيجاب الثبات على الإسلام إلى الموت إلا أنه وجه النهي إلى الموت للمبالغة في النهي عن قيده المذكور وليس المقصود النهي عنه أصلاً لأنه ليس بمقدور لهم حتى ينهوا عنه ، وفي التحبير للإمام السيوطي : ومن عجيب ما اشتهر في تفسير {مُّسْلِمُونَ} قول العوام : أي متزوجون وهو قول لا يعرف له أصل ولا يجوز الإقدام على تفسير كلام الله تعالى بمجرد ما يحدث في النفس أو يسمع ممن لا عهدة عليه انتهى ، وقرأ أبو عبد الله رضي الله تعالى عنه {مُّسْلِمُونَ} بالتشديد ومعناه مستسلمون لما أتى به النبي صلى الله عليه وسلم منقادون له ؛ وفي هذه الآية تأكيد للنهي عن إطاعة أهل الكتاب. أ هـ {روح المعانى حـ 4 صـ 18}\rمن لطائف الإمام القشيرى فى الآية\rقوله جلّ ذكره : {يَا أيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللهَ حَقَّ تُقَاتِهِ}.\rحقُّ التقوى أن يكون على وفق الأمر لا يزيد من قِبَلِ نَفْسِه ولا ينقص.","part":15,"page":284},{"id":6422,"text":"هذا هو المعتمد من الأقاويل فيه ، وأمره على وجهين : على وجه الحَتْم وعلى وجه الندب وكذلك القول في النهي على قسمين : تحريم وتنزيه ، فيدخل في جملة هذا أن يكون حق تقاته أولاً اجتناب الزلة ثم اجتناب الغفلة ثم التوقي عن كل خلة ثم التنقي من كل عِلَّة ، فإذا تَقِيتَ عن شهود تقواك بعد اتصافك بتقواك فقد اتَّقَيْت حقَّ تقواك.\rوحق التقوى رفض العصيان ونفي النسيان ، وصون العهود ، وحفظ الحدود ، وشهود الإلهية ، والانسلاخ عن أحكام البشرية ، والخمود تحت جريان الحكم بعد اجتناب كل جُرْم وظلم ، واستشعار الأنفة عن التوسل إليه بشيء من طاعتك دون صرف كرمه ، والتحقق بأنه لا يَقْبل أحداً بعِلَّة ولا يَرُدُّ أحداً بعلة.\rقوله جلّ ذكره : {وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ}.\rلا تُصَادِفَنَّكم الوفاة إلا وأنتم بشرط الوفاء. أ هـ {لطائف الإشارات حـ 1 صـ 266}\rقوله تعالى : {واعتصموا بِحَبْلِ الله جَمِيعاً}\rقال ابن عاشور : \rوقوله : {واعتصموا بحبل الله جميعاً ولا تفرقوا} ثَنَّى أمرهم بما فيه صلاح أنفسهم لأخراهم ، بأمرهم بما فيه صلاح حالهم في دنياهم ، وذلك بالاجتماع على هذا الدّين وعدم التَّفرّق ليكتسبوا باتّحادهم قوّة ونماء. أ هـ {التحرير والتنوير حـ 3 صـ 174}\rفصل\rقال الفخر : \rو اعلم أنه تعالى لما أمرهم بالاتقاء عن المحظورات أمرهم بالتمسك بالاعتصام بما هو كالأصل لجميع الخيرات والطاعات ، وهو الاعتصام بحبل الله.","part":15,"page":285},{"id":6423,"text":"واعلم أن كل من يمشي على طريق دقيق يخاف أن تزلق رجله ، فإذا تمسك بحبل مشدود الطرفين بجانبي ذلك الطريق أمن من الخوف ، ولا شك أن طريق الحق طريق دقيق ، وقد انزلق رجل الكثير من الخَلْق عنه ، فمن اعتصم بدليل الله وبيناته فإنه يأمن من ذلك الخوف ، فكان المراد من الحبل ههنا كل شيء يمكن التوصل به إلى الحق في طريق الدين ، وهو أنواع كثيرة ، فذكر كل واحد من المفسرين واحداً من تلك الأشياء ، فقال ابن عباس رضي الله عنهما : المراد بالحبل ههنا العهد المذكور في قوله {وَأَوْفُواْ بِعَهْدِى أُوفِ بِعَهْدِكُمْ} [ البقرة : 40 ] وقال : {إِلاَّ بِحَبْلٍ مّنْ الله وَحَبْلٍ مّنَ الناس} [ آل عمران : 112 ] أي بعهد ، وإنما سمي العهد حبلاً لأنه يزيل عنه الخوف من الذهاب إلى أي موضع شاء ، وكان كالحبل الذي من تمسك به زال عنه الخوف ، وقيل : إنه القرآن ، روي عن علي رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : \" أما إنها ستكون فتنة \" قيل : فما المخرج منها ؟ قال : \" كتاب الله فيه نبأ من قبلكم وخبر من بعدكم وحكم ما بينكم وهو حبل الله المتين \" وروي عن ابن مسعود عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : \" هذا القرآن حبل الله \" وروي عن أبي سعيد الخُدْريّ عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : \" إني تارك فيكم الثقلين ، كتاب الله تعالى حبل ممدود من السماء إلى الأرض ، وعترتي أهل بيتي \" وقيل : إنه دين الله ، وقيل : هو طاعة الله ، وقيل : هو إخلاص التوبة ، وقيل : الجماعة ، لأنه تعالى ذكر عقيب ذلك قوله {وَلاَ تَفَرَّقُواْ}\r","part":15,"page":286},{"id":6424,"text":"وهذه الأقوال كلها متقاربة ، والتحقيق ما ذكرنا أنه لما كان النازل في البئر يعتصم بحبل تحرزاً من السقوط فيها ، وكان كتاب الله وعهده ودينه وطاعته وموافقته لجماعة المؤمنين حرزاً لصاحبه من السقوط في قعر جهنم جعل ذلك حبلاً لله ، وأمروا بالاعتصام به. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 8 صـ 142}\rفائدة\rقال الآلوسى : \rوفي الكلام استعارة تمثيلية بأن شبهت الحالة الحاصلة للمؤمنين من استظهارهم بأحد ما ذكر ووثوقهم بحمايته بالحالة الحاصلة من تمسك المتدلي من مكان رفيع بحبل وثيق مأمون الانقطاع من غير اعتبار مجاز في المفردات ، واستعير ما يستعمل في المشبه به من الألفاظ للمشبه ، وقد يكون في الكلام استعارتان مترادفتان بأن يستعار الحبل للعهد مثلاً استعارة مصرحة أصلية والقرينة الإضافة ، ويستعار الاعتصام للوثوق بالعهد والتمسك به على طريق الاستعارة المصرحة التبعية والقرينة اقترانها بالاستعارة الثانية ، وقد يكون في {اعتصموا} مجاز مرسل تبعي بعلاقة الإطلاق والتقييد ، وقد يكون مجازاً بمرتبتين لأجل إرسال المجاز وقد تكون الاستعارة في الحبل فقط ويكون الاعتصام باقياً على معناه ترشيحاً لها على أتم وجه ، والقرينة قد تختلف بالتصرف فباعتبار قد تكون مانعة وباعتبار آخر قد لا تكون ، فلا يرد أن احتمال المجازية يتوقف على قرينة مانعة عن إرادة الموضع له فمع وجودها كيف يتأتى إرادة الحقيقة ليصح الأمران في {اعتصموا} وقد تكون الاستعارتان غير مستقلتين بأن تكون الاستعارة في الحبل مكنية وفي الاعتصام تخييلية لأن المكنية مستلزمة للتخييلية قاله الطيبي ، ولا يخفى أنه أبعد من العيوق. وقد ذكرنا في \"حواشينا على رسالة ابن عصام\" ما يردّ على بعض هذه الوجوه مع الجواب عن ذلك فارجع إليه إن أردته. أ هـ {روح المعانى حـ 4 صـ 19}","part":15,"page":287},{"id":6425,"text":"قوله تعالى : {وَلاَ تَفَرَّقُواْ}\rفصل\rقال الفخر : \rفي التأويل وجوه\rالأول : أنه نهى عن الاختلاف في الدين وذلك لأن الحق لا يكون إلا واحداً ، وما عداه يكون جهلاً وضلالاً ، فلما كان كذلك وجب أن يكون النهي عن الاختلاف في الدين ، وإليه الإشارة بقوله تعالى : {فَمَاذَا بَعْدَ الحق إِلاَّ الضلال} [ يونس : 32 ]\rوالثاني : أنه نهى عن المعاداة والمخاصمة ، فإنهم كانوا في الجاهلية مواظبين على المحاربة والمنازعة فنهاهم الله عنها\rالثالث : أنه نهى عما يوجب الفرقة ويزيل الألفة والمحبة.\rواعلم أنه روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : \" ستفترق أمتي على نيف وسبعين فرقة الناجي منهم واحد والباقي في النار فقيل : ومن هم يا رسول الله ؟ قال الجماعة \" وروي \" السواد الأعظم \" وروي \" ما أنا عليه وأصحابي \" والوجه المعقول فيه : أن النهي عن الاختلاف والأمر بالاتفاق يدل على أن الحق لا يكون إلا واحداً ، وإذا كان كذلك كان الناجي واحداً. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 8 صـ 142 ـ 143}\rفائدة\rقال ابن عطية : \r{ولا تفرقوا} يريد التفرق الذي لا يتأتى معه الائتلاف على الجهاد وحماية الدين وكلمة الله تعالى ، وهذا هو الافتراق بالفتن والافتراق في العقائد ، وأما الافتراق في مسائل الفروع والفقه فليس يدخل في هذه الآية ، بل ذلك ، هو الذي قال فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم : \" خلاف أمتي رحمة \" ، وقد اختلف الصحابة في الفروع أشد اختلاف ، وهم يد واحدة على كل كافر ، وأما الفتنة على علي بن أبي طالب رضي الله عنه فمن التفرق المنهي عنه ، أما أن التأويل هو الذي أدخل في ذلك أكثر من دخله من الصحابة رضي الله عن جميعهم. أ هـ {المحرر الوجيز حـ 1 صـ 484}","part":15,"page":288},{"id":6426,"text":"فصل\rقال ابن العربى : \rالتَّفَرُّقُ الْمَنْهِيُّ عَنْهُ يَحْتَمِلُ ثَلَاثَةَ أَوْجُهٍ : الْأَوَّلُ : التَّفَرُّقُ فِي الْعَقَائِدِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى : {شَرَعَ لَكُمْ مِنْ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَاَلَّذِي أَوْحَيْنَا إلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ} الثَّانِي : قَوْلُهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ : {لَا تَحَاسَدُوا وَلَا تَدَابَرُوا وَلَا تَقَاطَعُوا وَكُونُوا عِبَادَ اللَّهِ إخْوَانًا} ، وَيَعْضُدُهُ قَوْله تَعَالَى : {وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إخْوَانًا} الثَّالِثُ : تَرْكُ التَّخْطِئَةِ فِي الْفُرُوعِ وَالتَّبَرِّي فِيهَا ، وَلْيَمْضِ كُلُّ أَحَدٍ عَلَى اجْتِهَادِهِ ؛ فَإِنَّ الْكُلَّ بِحَبْلِ اللَّهِ مُعْتَصِمٌ ، وَبِدَلِيلِهِ عَامِلٌ ؛ وَقَدْ قَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : {لَا يُصَلِّيَنَّ أَحَدٌ مِنْكُمْ الْعَصْرَ إلَّا فِي بَنِي قُرَيْظَةَ} ؛ فَمِنْهُمْ مَنْ حَضَرَتْ الْعَصْرُ فَأَخَّرَهَا حَتَّى بَلَغَ بَنِي قُرَيْظَةَ أَخْذًا بِظَاهِرِ قَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.\rوَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ : لَمْ يُرِدْ هَذَا مِنَّا يَعْنِي وَإِنَّمَا أَرَادَ الِاسْتِعْجَالَ فَلَمْ يُعَنِّفْ النَّبِيُّ عَلَيْهِ السَّلَامُ أَحَدًا مِنْهُمْ.\rوَالْحِكْمَةُ فِي ذَلِكَ أَنَّ الِاخْتِلَافَ وَالتَّفَرُّقَ الْمَنْهِيَّ عَنْهُ إنَّمَا هُوَ الْمُؤَدِّي إلَى الْفِتْنَةِ وَالتَّعَصُّبِ وَتَشْتِيتِ الْجَمَاعَةِ ؛ فَأَمَّا الِاخْتِلَافُ فِي الْفُرُوعِ فَهُوَ مِنْ مَحَاسِنِ الشَّرِيعَةِ.\rقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : {إذَا اجْتَهَدَ الْحَاكِمُ فَأَصَابَ فَلَهُ أَجْرَانِ ، وَإِذَا اجْتَهَدَ فَأَخْطَأَ فَلَهُ أَجْرٌ وَاحِدٌ}.\rوَرُوِيَ أَنَّ لَهُ إنْ أَصَابَ عَشَرَةَ أُجُورٍ. أ هـ {أحكام القرآن لابن العربى حـ 1 صـ 381 ـ 382}","part":15,"page":289},{"id":6428,"text":"فصل\rقال القرطبى : \rقوله تعالى : {وَلاَ تَفَرَّقُواْ} ( يعني في دينكم ) كما افترقت اليهود والنصارى في أديانهم ؛ عن ابن مسعود وغيره.\rويجوز أن يكون معناه ولا تفرقوا متابعين للهوى والأغراض المختلفة ، وكونوا في دِين الله إخوانا ؛ فيكون ذلك منعا لهم عن التقاطع والتدابر ؛ ودل عليه ما بعده وهو قوله تعالى {واذكروا نِعْمَةَ الله عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَآءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَاناً}.\rوليس فيه دليل على تحريم الاختلاف في الفروع : فإن ذلك ليس اختلافا إذ الاختلاف ما يتعذر معه الائتلاف والجمع ، وأما حكم مسائل الاجتهاد فإن الاختلاف فيها بسبب آستخراج الفرائض ودقائق معاني الشرع ؛ وما زالت الصحابة يختلفون في أحكام الحوادث ، وهم مع ذلك متآلفون.\rوقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : \" اختلاف أمّتي رحمة \" وإنما منع الله اختلافا هو سبب الفساد.\rروى الترمذي عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم : \" تفرقت اليهود على إحدى وسبعين فِرقة أو اثنتين وسبعين فِرقة والنصارى مثل ذلك وتفترق أمَّتي على ثلاث وسبعين فِرقة \"\rقال الترمذي : هذا حديث صحيح.\rوأخرجه أيضاً عن ابن عمرو قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : \" \"ليأتين على أمتي ما أتى على بني إسرائيل حَذْوَ النعل بالنعل حتى لو كان منهم من يأتي أمّة علانية لكان من أمتي من يصنع ذلك وإن بني إسرائيل تفرّقت آثنتين وسبعين مِلةً وتفترق أمتي على ثلاث وسبعين مِلةً كلهم في النار إلا مِلة واحدة\" قالوا : من هي يا رسول الله ؟ \"ما أنا عليه وأصحابي\" \" أخرجه من حديث عبد الله بن زياد الأفريقي ، عن عبد الله بن يزيد عن ابن عمرو ، وقال : هذا حديث حسن غريب لا نعرفه إلاّ من هذا الوجه.","part":15,"page":290},{"id":6429,"text":"قال أبو عمر : وعبد الله الأفريقي ثِقة وثقة قومه وأثنوا عليه ، وضعّفه آخرون.\rوأخرجه أبو داود في سننه من حديث معاوية بن أبي سفيان عن النبي صلى الله عليه وسلم : \" قال ألا إنّ مَن قبلكم مِن أهل الكتاب افترقوا على اثنتين وسبعين مِلة وإن هذه المِلة ستفترق على ثلاث وسبعين ثنتان وسبعون في النار وواحدة في الجنة وهي الجماعة وإنه سيخرج من أمتي أقوامٌ تجارى بهم تلك الأهْواء كما يتجارى الكلب بصاحبه لا يَبْقَى منه عِرقٌ ولا مِفصَلٌ إلا دخله \" وفي سنن ابن ماجه عن أنس ابن مالك قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : \" من فارق الدنيا على الإخلاص لله وحده وعبادته لا شريك له وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة مات واللَّهُ عنه راض \" قال أنس : وهو دِين الله الذي جاءت به الرسل وبلّغوه عن ربهم قبل هَرَج الأحاديث واختلاف الأهْوَاء ، وتصديق ذلك في كتاب الله في آخر ما نزل ، يقول الله : \"فَإنْ تَابُوا\" قال : خلعوا الأوثان وعبادتها {وَأَقَامُواْ الصلاة وَآتَوُاْ الزكاة} ، وقال في آية أخرى : {فَإِن تَابُواْ وَأَقَامُواْ الصلاة وَآتَوُاْ الزكاة فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدين} [ التوبة : 11 ] أخرجه عن نصر بن علي الجَهْضَمي عن أبي أحمد عن أبي جعفر الرازي عن الربيع بن أنس عن أنس.\rقال أبو الفِرج الجَوْزي : فإن قيل هذه الفِرقَ معروفة ؛ فالجواب أنا نعرف الافتراق وأصول الفِرق وأن كل طائفة من الفِرق انقسمت إلى فِرَق ، وإن لم نُحط بأسماء تلك الفرق ومذاهبها ، فقد ظهر لنا من أصول الفِرق الحَرُوريّة والقَدَرِية والجَهْمِية والمَرجِئة والرافِضَة والجَبْرِية.\rوقال بعض أهل العلم : أصل الفِرق الضّالة هذه الفِرق السّتْ ، وقد انقسمت كل فِرقة منها اثنتي عشرة فِرقة ، فصارت آثنتين وسبعين فِرقة.\r","part":15,"page":291},{"id":6430,"text":"آنقسمت الحَرُوريّة آثنتي عشرة فرقة ؛ فأولهم الأزْرَقِيَّةُ قالوا : لا نعلم أحدا مؤمنا ؛ وكفّروا أهل القِبْلة إلاَ من دان بقولهم.\rوالإباضية قالوا : من أخذ بقولنا فهو مؤمن ، ومن أعرض عنه فهو منافق.\rوالثعلبية قالوا : إن الله عز وجل لم يقض ولم يُقَدَّر.\rوالخازِمِيّة قالوا : لا ندري ما الإيمان ، والخلق كلهم معذورون.\rوالخلَفِيَة زعموا أن من ترك الجهاد من ذكر أو أنثى كفر.\rوالكوزية قالوا : ليس لأحد أن يَمسّ أحدا وأنه لا يعرف الطاهر من النّجس ولا أن يؤاكله حتى يتوب ويغتسل.\rوالكَنزيّة قالوا : لا يسع أحدا أن يعطي مالَه أحدا ؛ لأنه ربما لم يكن مستحقا بل يكنزه في الأرض حتى يظهر أهل الحق.\rوالشّمراخِيّة قالوا : لا بأس بمسِّ النساء الأجانب لأنهن رياحين.\rوالأخْنَسية قالوا : لا يلحق الميت بعد موته خير ولا شر.\rوالحكميّة قالوا : مَن حاكم إلى مخلوق فهو كافر.\rوالمعتزلة قالوا : اشتبه علينا أمر علي ومعاوية فنحن نتبرأ من الفريقين.\rوالميمونية قالوا : لا إمام إلا برضا أهل محبتنا.\rوانقسمت القَدَرية اثنتى عشرة فرقة : الأحمرية وهي التي زعمت أن في شرط العدل من الله أن يملّك عباده أمورَهم ، ويحول بينهم وبين معاصيهم.\rوالثَّنَويّة وهي التي زعمت أن الخير من الله والشر من الشيطان.\rوالمعتزلة وهم الذين قالوا بخلق القرآن وجحدوا ( صفات ) الرّبوبيّة.\rوالكَيْسانية وهم الذين قالوا : لا ندري هذه الأفعال من الله أو من العباد ، ولا نعلم أيثاب الناس بعدُ أو يعاقبون.\rوالشيطانية قالوا : إن الله تعالى لم يخلق الشيطان.\rوالشّريكية قالوا : إن السيئات كلها مقدّرة إلا الكفر.\rوالوَهْميّة قالوا : ليس لأفعال الخلق وكلامهم ذات ، ولا للحسنة والسيئة ذات.\rوالزِّبْرية قالوا : كل كتاب نزل من عند الله فالعمل به حق ، ناسخاً كان أو منسوخاً.\r","part":15,"page":292},{"id":6431,"text":"والمسعدية زعموا أن من عصى ثم تاب لم تقبل توبته والناكِثية زعموا أن من نكث بيعة رسول الله صلى الله عليه وسلم فلا إثم عليه.\rوالقاسِطية تبعوا إبراهيم بن النظام في قوله : من زعم أن الله شيء فهو كافر.\rوانقسمت الْجَهميّة اثنتى عشرة فرقة : المعطّلة زعموا أن كل ما يقع عليه وهم الإنسان فهو مخلوق ، وأن من ادعى أن الله يُرى فهو كافر.\rوالمريسية - قالوا : أكثر صفات الله تعالى مخلوقة.\rوالمَلْتَزِقَة جعلوا الباري سبحانه في كل مكان.\rوالوَارِدِيّة قالوا لا يدخل النار من عرف ربه ، ومن دخلها لم يخرج منها أبداً.\rوالزنَادِقَة قالوا : ليس لأحد أن يثبت لنفسه ربّاً ؛ لأن الإثبات لا يكون إلا بعد إدراك الحواس ، وما لا يُدرك لا يثبت.\rوالحَرْقَيّة زعموا أن الكافر تحرقه النار مرّة واحدة ثم يبقى محترقاً أبداً لا يجد حرّ النار.\rوالمخْلُوقية زعموا أن القرآن مخلوق.\rوالفانية زعموا أن الجنة والنّار يفنيان ، ومنهم من قال لم يُخلقا.\rوالعبدِية جحدوا الرسل وقالوا إنما هم حكماء.\rوالواقفية قالوا : لا نقول إن القرآن مخلوق ولا غير مخلوق.\rوالقَبْرية ينكرون عذاب القبر والشفاعة.\rواللفْظية قالوا : لفظنا بالقرآن مخلوق.\rوانقسمت المرجئة اثنتى عشرة فرقة : التّارِكيّة قالوا ليس لله عز وجل على خلقه فريضة سوى الإيمان به ، فمن آمن به فليفعل ما شاء.\rوالسّائِبيّة قالوا : إن الله تعالى سيب خلقه ليفعلوا ما شاءوا.\rوالراجِيّة قالوا : لا يُسمّى الطائع طائعاً ولا العاصي عاصياً ، لأنَا لا ندري ما لَه عند الله تعالى.\rوالسّالِبيّة قالوا : الطاعة ليست من الإيمان.\rوالبهيشية قالوا : الإيمان عِلْمٌ ومن لا يعلم الحق من الباطل والحلال من الحرام فهو كافر.\rوالعَمَلِيّة قالوا : الإيمان عَمَلٌ.\rوالمَنْقُوصيّة قالوا : الإيمان لا يزيد ولا ينقص.\r","part":15,"page":293},{"id":6432,"text":"والمسْتَثْنِية قالوا : الاستثناء من الإيمان.\rوالمشبِّهة قالوا : بَصَرٌ كبصرٍ ويَدٌ كيدٍ.\rوالحشوية قالوا : حكم الأحاديث كلها واحد ؛ فعندهم أن تارك النفل كتارك الفرض.\rوالظاهِرِية الذين نفوا القياس.\rوالبِدْعية أوّل من ابتدع هذه الأحداث في هذه الأُمة.\rوانقسمت الرافضة اثنتي عشرة فرقة : العلوية قالوا : إن الرسالة كانت إلى عليّ وإن جبريل أخطأ.\rوالأمِرِيّة قالوا : إن عليّاً شريك محمد في أمره.\rوالشِّيعة قالوا : إن عليّاً رضي الله عنه وصِيّ رسول الله صلى الله عليه وسلم ووَليُّه من بعده ، وإن الأمّة كفرت بمبايعة غيره.\rوالإسحاقية قالوا : إن النبوّة متصلة إلى يوم القيامة ، وكلّ مَن يعلم علم أهل البيت فهو نبيّ.\rوالناوُوسيّة قالوا : عليّ أفضل الأمة ، فمن فضّل غيره عليه فقد كفر.\rوالإمامية قالوا : لا يمكن أن تكون الدنيا بغير إمام من ولد الحسين ، وإن الإمام يعلِّمه جبريل عليه السلام ، فإذا مات بدّل غيره مكانه.\rوالزيدِية قالوا : ولد الحسين كلهم أئمة في الصلوات ، فمتى وُجد منهم أحد لم تجز الصلاةُ خلف غيرهم ، برّهم وفاجرهم.\rوالعباسية زعموا أن العباس كان أولى بالخلافة من غيره.\rوالتناسخية قالوا : الأرواح تتناسخ ؛ فمن كان مُحسناً خرجت روحه فدخلت في خلق يسعد بعيشه.\rوالرَّجعية زعموا أن عليّاً وأصحابه يرجعون إلى الدنيا ، وينتقمون من أعدائهم.\rواللاّعِنَة يلعنون عثمان وطلحة والزبير ومعاوية وأبا موسى وعائشةَ وغيرَهم.\rوالمتربّصة تشبهوا بزيّ النُّساك ونصبوا في كل عصر رجلاً ينسُبون إليه الأمر ، يزعمون أنه مَهدِيُّ هذه الأُمة ، فإذا مات نصبوا آخر.\rثم انقسمت الجَبْرية اثنتى عشرة فرقة : فمنهم المضطرية قالوا : لا فعل للآدميّ ، بل الله يفعل الكل.","part":15,"page":294},{"id":6433,"text":"والأفعالية قالوا : لنا أفعال ولكن لا استطاعة لنا فيها ، وإنما نحن كالبهائم نقاد بالحبل.\rوالمفروغية قالوا : كل الأشياء قد خُلقت ، والآن لا يُخلق شيء.\rوالنجارية زعمت أن الله تعالى يعذّب الناس على فعله لا على فعلهم.\rوالمنّانيّة قالوا : عليك بما يخطر بقلبك ، فافعل ما توسّمت منه الخير.\rوالكَسْبية قالوا : لا يكتسب العبد ثواباً ولا عقاباً.\rوالسّابقية قالوا : من شاء فليعمل ومن شاء ( ف ) لا يعمل ، فإن السعيد لا تضرّه ذنوبه والشّقي لا ينفعه بِرّه.\rوالحِبِّية قالوا : من شرب كأس محبة الله تعالى سقطت عنه عبادة الأركان.\rوالخوفية قالوا : من أحبّ الله تعالى لم يسعه أن يخافه ؛ لأن الحبيب لا يخاف حبيبه.\rوالفكرية قالوا : من ازداد علماً أسقط عنه بقدر ذلك من العبادة.\rوالخشبية قالوا : الدنيا بين العباد سواء ، لا تفاضُل بينهم فيما ورَّثَهم أبوهم آدم.\rوالمَنّيّه قالوا : منا الفعل ولنا الاستطاعة.\rوسيأتي بيان الفرقة التي زادت في هذه الأُمة في آخر سورة \"الأنعام\" إن شاء الله تعالى.\rوقال ابن عباس لسماك الحنفي : يا حنفي ، الجماعةَ الجماعةا فإنما هلكت الأُمم الخالية لتفرّقها ؛ أما سمعت الله عز وجل يقول : {واعتصموا بِحَبْلِ الله جَمِيعاً وَلاَ تَفَرَّقُواْ}.","part":15,"page":295},{"id":6434,"text":"وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : \" إن الله يرضى لكم ثلاثاً ويكره لكم ثلاثاً يرضى لكم أن تعبدوه ولا تشركوا به شيئاً وأن تعتصموا بحبل الله جميعاً ولا تفرقوا ويكره لكم ثلاثاً قيل وقال وكثرة السؤال وإضاعة المال \" فأوجب تعالى علينا التمسك بكتابه وسنة نبيه والرجوع إليهما عند الاختلاف ، وأمرنا بالاجتماع على الاعتصام بالكتاب والسنة اعتقادا وعملاً ، وذلك سبب اتفاق الكلمة وانتظام الشتات الذي يتم به مصالح الدنيا والدين ، والسلامة من الاختلاف ، وأمر بالاجتماع ونهى عن الافتراق الذي حصل لأهل الكتابين.\rهذا معنى الآية على التمام ، وفيها دليل على صحة الإجماع حسبما هو مذكور في موضعه من أُصول الفقه ، والله أعلم. أ هـ {تفسير القرطبى حـ 4 صـ 159 ـ 164}\rلطيفة\rقال السمرقندى : \rقال بعض الحكماء : إن مثل من في الدنيا ، كمثل من وقع في بئر ، فيها من كل نوع من الآفات ، فلا يمكنه أن يخرج منها والنجاة من آفاتها إلا بحبل وثيق ، فكذلك الدنيا دار محنة ، وفيها كل نوع من الآفات ، فلا سبيل إلى النجاة منها إلا بالتمسك بحبل وثيق ، وهو كتاب الله تعالى. أ هـ {بحر العلوم حـ 1 صـ 259}\rفصل\rقال الفخر : \rاستدلت نفاة القياس بهذه الآية ، فقالوا : الأحكام الشرعية إما أن يقال : إنه سبحانه نصب عليها دلائل يقينية أو نصب عليها دلائل ظنية ، فإن كان الأول امتنع الاكتفاء فيها بالقياس الذي يفيد الظن ، لأن الدليل الظني لا يكتفى به في الموضع اليقيني ، وإن كان الثاني كان الأمر بالرجوع إلى تلك الدلائل الظنية يتضمن وقوع الاختلاف ووقوع النزاع ، فكان ينبغي أن لا يكون التفرق والتنازع منهياً عنه ، لكنه منهي عنه لقوله تعالى : {وَلاَ تَفَرَّقُواْ} وقوله {وَلاَ تنازعوا}","part":15,"page":296},{"id":6435,"text":"ولقائل أن يقول : الدلائل الدالة على العمل بالقياس تكون مخصصة لعموم قوله {وَلاَ تَفَرَّقُواْ} ولعموم قوله {وَلاَ تنازعوا} والله أعلم. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 8 صـ 143}\rقوله تعالى : {واذكروا نِعْمَةَ الله عَلَيْكُمْ}\rفصل\rقال الفخر : \rاعلم أن نعم الله على الخلق إما دنيوية وإما أُخروية وإنه تعالى ذكرهما في هذه الآية ، أما النعمة الدنيوية فهي قوله تعالى : {إِذْ كُنتُم أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُم بِنِعْمَتِهِ إِخْوَاناً}. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 8 صـ 143}\rوقال ابن عاشور : \rوقوله : {واذكروا نعمت الله عليكم} تصوير لحالهم الَّتي كانوا عليها ليحصل من استفظاعها انكشاف فائدة الحالة الَّتي أمروا بأن يكونوا عليها وهي الاعتصام جميعاً بجامعة الإسلام الَّذي كان سبب نجاتهم من تلك الحالة ، وفي ضمن ذلك تذكير بنعمة الله تعالى ، الّذي اختار لهم هذا الدّين ، وفي ذلك تحريض على إجابة أمره تعالى إياهم بالاتِّفاق.\rوالتَّذكيرُ بنعمة الله تعالى طريق من طُرق مواعظ الرّسل.\rقال تعالى حكاية عن هود : {واذكروا إذ جعلكم خلفاء من بعد قوم نوح} [ الأعراف : 69 ] وقال عن شعيب : {واذكروا إذ كنتم قليلاً فكثَّركم} [ الأعراف : 86 ] وقال الله لموسى : {وذكرهم بأيام الله} [ إبراهيم : 5 ].\rوهذا التَّذكير خاصّ بمن أسلم من المسلمين بعد أن كان في الجاهلية ، لأنّ الآية خطاب للصّحابة ولكن المنّة به مستمرة على سائر المسلمين ، لأن كُلّ جيل يُقَدّر أن لو لم يَسبق إسلام الجيل الَّذي قبله لكانوا هم أعداء وكانوا على شفا حفرة من النَّار. أ هـ {التحرير والتنوير حـ 3 صـ 175}","part":15,"page":297},{"id":6436,"text":"فصل\rقال الفخر : \rقيل إن ذلك اليهودي لما ألقى الفتنة بين الأوس والخَزْرَج وهَمَّ كلُّ واحد منهما بمحاربة صاحبه ، فخرج الرسول صلى الله عليه وسلم ولم يزل يرفق بهم حتى سكنت الفتنة وكان الأوس والخزرج أخوين لأب وأم ، فوقعت بينهما العداوة ، وتطاولت الحروب مئة وعشرين سنة إلى أن أطفأ الله ذلك بالإسلام ، فالآية إشارة إليهم وإلى أحوالهم ، فإنهم قبل الإسلام كان يحارب بعضهم بعضاً ويبغض بعضهم بعضاً ، فلما أكرمهم الله تعالى بالإسلام صاروا إخواناً متراحمين متناصحين وصاروا إخوة في الله : ونظير هذه الآية قوله {لَوْ أَنفَقْتَ مَا فِى الأرض جَمِيعاً مَّا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ ولكن الله أَلَّفَ بَيْنَهُمْ} [ الأنفال : 63 ].\rواعلم أن كل من كان وجهه إلى الدنيا كان معادياً لأكثر الخلق ، ومن كان وجهه إلى خدمة الله تعالى لم يكن معادياً لأحد ، والسبب فيه أنه ينظر من الحق إلى الخلق فيرى الكل أسيراً في قبضة القضاء والقدر فلا يعادي أحداً ، ولهذا قيل : إن العارف إذا أمر أمر برفق ويكون ناصحاً لا يعنف ويعير فهو مستبصر بسر الله في القدر. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 8 صـ 143}\rفصل\rقال الفخر : \rقال الزَّجّاج : أصل الأخ في اللُّغة من التوخي وهو الطلب ، فالأخ مقصده مقصد أخيه ، والصديق مأخوذ من أن يصدق كل واحد من الصديقين صاحبه ما في قلبه ، ولا يخفي عنه شيئاً وقال أبو حاتم قال أهل البصرة : الاخوة في النسب والإخوان في الصداقة ، قال وهذا غلط ، قال الله تعالى : {إِنَّمَا المؤمنون إِخْوَةٌ} [ الحجرات : 10 ] ولم يعن النسب ، وقال : {أَوْ بُيُوتِ إخوانكم} [ النور : 61 ] وهذا في النسب. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 8 صـ 143}\rقوله تعالى {فَأَصْبَحْتُم بِنِعْمَتِهِ إِخْوَاناً}\rقال الفخر : ","part":15,"page":298},{"id":6437,"text":"قوله {فَأَصْبَحْتُم بِنِعْمَتِهِ إِخْوَاناً} يدل على أن المعاملات الحسنة الجارية بينهم بعد الإسلام إنما حصلت من الله ، لأنه تعالى خلق تلك الداعية في قلوبهم وكانت تلك الداعية نعمة من الله مستلزمة لحصول الفعل ، وذلك يبطل قول المعتزلة في خلق الأفعال ، قال الكعبي : إن ذلك بالهداية والبيان والتحذير والمعرفة والألطاف.\rقلنا : كل هذا كان حاصلاً في زمان حصول المحاربات والمقاتلات ، فاختصاص أحد الزمانين بحصول الألفة والمحبة لا بد أن يكون لأمر زائد على ما ذكرتم. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 8 صـ 143 ـ 144}\rفائدة\rقال الثعالبى : \rويسَّر اللَّه تعالى الأنصار للإسلام بوجْهَيْن : \rأحدهما : أنَّ بني إسرائيل كانُوا مجاوِرِينَ لهم ، وكانوا يقولُونَ لِمَنْ يتوعَّدونه من العَرَبِ : يُبْعَثُ لَنَا الآنَ نَبِيٌّ نَقْتُلُكُمْ معه قَتْلَ عَادٍ وإرَمَ ، فلمَّا رأَى النَّفَر من الأنْصَارِ النبيَّ صلى الله عليه وسلم قال بعضُهم لبعضٍ : هذا ، واللَّهِ ، النَّبيُّ الَّذِي تَذْكُرُه بَنُو إسرائيل ، فلا تُسْبَقَنَّ إلَيْهِ.\rوالوجْهُ الآخرُ : الحَرْبُ الَّتي كَانَتْ ضرَّسَتْهم ، وأفْنَتْ سراتهم ، فَرَجوْا أنْ يجمع اللَّه به كلمتهم ، فكان الأمر كما رَجَوْا ، فعدَّد اللَّه سبحانَهُ علَيْهم نعمَتَهُ في تأليفهم بعد العَدَاوة ، وذَكَّرهم بها قال الفَخْر : كانَتِ الأنصارُ قَبْلَ الإسلام أعداءً ، فلما أكرمهم اللَّه [ سبحانه ] بالإسلام ، صاروا إخواناً في اللَّه متراحِمِينَ.\rواعلم أنَّ كلَّ مَنْ كان وجهه إلى الدنيا ، كان معادياً لأكثر الخَلْق ، ومَنْ كان وجهه إلى خدمة المولى سبحانه ، لَمْ يكُنْ معادِياً لأحدٍ ؛ لأنه يَرَى الكُلَّ أسيراً في قبضة القَضَاء والقَدَر ، ولهذا قيل : إن العارف ، إذا أَمَرَ ، أَمَرَ برفْقٍ ، ونَصَحَ لاَ بِعُنْفٍ وعُسْر ، وكيف ، وهو مُسْتَبْصِرٌ باللَّه في القَدَر. أ هـ {الجواهر الحسان حـ 1 صـ 296}","part":15,"page":299},{"id":6438,"text":"فائدة\rقال فى الأمثل : \r(واذكروا نعمة الله عليكم إذ كنتم أعداء فألف بين قلوبكم فأصبحتم بنعمته إخواناً).\rوالملفت للنظر هو تكرار كلمة (نعمة) في هذه الآية مرتين وهو إشعار بأهمية الوحدة هذه الموهبة الإلهية التي لا تحققّ إلاَّ في ظل التعاليم الإسلامية والاعتصام بحبل الله.\rوالنقطة الأُخرى الجديرة بالاهتمام أيضاً هي أن الله نسب تأليف قلوب المؤمنين إلى نفسه فقال (فألف بين قلوبكم) أي أن الله ألف بين قلوبكم ، وبهذا التعبير يشير القرآن الكريم إلى معجزة اجتماعية عظيمة للإسلام ، لأننا لو لاحظنا ما كان عليه العرب والمجتمع الجاهلي من عداوات واختلافات وما كان يكمن في القلوب من أحقاد طويلة عميقة وما تراكم فيها من ضغائن مستحكمة ، وكيف أن أقل شرارة صغيرة أو مسألة جزئية كانت تكفي لتفجير الحروب ، واندلاع القتال في ذلك المجتمع المشحون بالأحقاد ، وخاصة بالنظر إلى تفشي الأمية والجهل الملازم عادة للإصابة باللجاج والعناد والعصبية ، فإن أفراداً من هذا النوع من الصعب أن يتناسوا أبسط أُمورهم فكيف بالأحداث الدامية الكبرى ؟ ومن هنا تتجلى أهمية المعجزة الاجتماعية التي حققها الإسلام حيث وحد الصفوف ، وألف بين القلوب ، وأنسى الأحقاد ، تلك المعجزة التي أثبتت أن تحقيق مثل هذه الوحدة وتأليف تلك القلوب المتنافرة المتباغضة ، وإيجاد أُمة واحدة متآخية من ذلك الشعب الممزق الجاهل ما كان ليتيسر في سنوات قليلة بالطرق والوسائل العادية.\rاعتراف العلماء والمؤرخين : \rوقد كانت أهمية هذا الموضوع (أي وحدة القبائل العربية المتباغضة بفضل الإسلام) إلى درجة أنها لم تخف على العلماء والمؤرخين ، حتّى غير المسلمين منهم ، فقد اتفق الجميع في الإعجاب بهذه المسألة ، وإظهارها في كتاباتهم ، وها نحن نذكر نماذج من ذلك : ","part":15,"page":300},{"id":6439,"text":"يقول \"جان ديون پورث\" العالم الإنجليزي المشهور : \"لقد حول محمّد العربي البسيط ، القبائل المتفرقة والجائعة ، الفقيرة في بلدة إلى مجتمع متماسك منظم ، امتازت ، فيما بعد ـ بين جميع شعوب الأرض بصفات وأخلاق عظيمة وجديدة ، واستطاع في أقل من ثلاثين عاماً وبهذا الطريق أن يتغلب على الإمبراطورية الرومانية ، ويقضي على ملوك إيران ، ويستولي على سوريا وبلاد ما بين النهرين ، وتمتد فتوحاته إلى المحيط الأطلسي وشواطىء بحر الخزر وحتى نهر سيحان (في جنوب شرقي آسيا الوسطى).\rويقول توماس كارليل : \"لقد أخرج الله العرب بالإسلام من الظلمات إلى النور وأحيى به منها أمة خاملة لا يسمع لها صوت ولا يحس فيها حركة حتّى صار الخمول شهرة ، والغموض نباهة ، والضعة رفعة ، والضعف قوّة ، والشرارة حريقاً ، وشمل نوره الأنحاء ، وعم ضوؤه الأرجاء وما هو إلاَّ قرن بعد إعلان هذا الدين حتّى أصبح له قدم في الهند ، وأُخرى في الأندلس ، وعم نوره ونبله وهداه نصف المعمورة\".\rويقول الدكتور \"غوستاف لوبون\" : معترفاً بهذه الحقيقة : \"... وإلى زمان وقوع هذه الحادثة المدهشة (يعني الإسلام) الذي أبرز العربي فجأة في لباس الفاتحين ، وصانعي الفكر والثقافة لم يكن يعد أن جزء من أرض الحجاز من التاريخ الحضاري ولا أنه كان يتراءى فيها للناظر أي شيء أو علامة للعلم والمعرفة ، أو الدين\".\rويكتب \"نهرو\" العالم والسياسي الهندي الراحل في هذا الصدد قائلاً : \r\"إن قصة انتشار العرب في آسيا وأوروبا وإفريقيا والحضارة الراقية والمدنية الزاهرة التي قدموها للعالم أعجوبة من أعجوبات التاريخ ، ولقد كان محمّد واثقاً بنفسه ورسالته ، وقد هيأ بهذه الثقة وهذا الإيمان لأُمته أسباب القوّة والعزّة والمنعة\".\rلقد كان وضع العرب سيئاً إلى أبعد الحدود حتّى إن القرآن يصف تلك الحالة بأنهم كانوا على حافة الانهيار والسقوط إذ يقول : (وكنتم على شفا حفرة من النار فأنقذكم منها). أ هـ {الأمثل حـ 2 صـ 623 ـ 625}","part":15,"page":301},{"id":6441,"text":"فصل\rقال البغوى : \rقوله تعالى : {وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ} قال محمد بن إسحاق بن يسار وغيره من أهل الأخبار : كانت الأوس والخزرج أخوين لأب وأم فوقعتْ بينهما عداوةٌ بسبب قتيل ، فتطاولت تلك العداوة والحربُ بينهم عشرين ومائة سنة إلى أن أطفأ الله عز وجل ذلك بالإسلام وألف [بينهم] برسوله محمد صلى الله عليه وسلم وكان سبب ألفتهم أن سويد بن الصامت أخا بني عمرو بن عوف وكان شريفا يسميه قومه الكامل لجلَدِهِ ونسبه ، قدم مكة حاجًا أو معتمرًا ، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد بُعث وأُمر بالدعوة ، فتصدى له حين سمع به ودعاه إلى الله عز وجل وإلى الإسلام فقال له سويد : فلعلّ الذي معك مثل الذي معي ، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم : [وما الذي معك قال : مجلّة لقمان يعني حكمته فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم] اعرضها علي فعرضها ، فقال : إنَّ هذا لكَلامٌ حسن ، معي أفضل من هذا قرآن أنزله الله عليّ نورًا وهدىً فتلا عليه القرآن ودعاه إلى الإسلام فلم [يَبْعُدْ] منه وقال : إن هذا [ لقول] حسن ، ثم انصرف إلى المدينة فلم يلبث أن قتلته الخزرج قبل يوم بُعاث فإنَّ قومه ليقولون : قد قتل وهو مسلم.","part":15,"page":302},{"id":6442,"text":"ثم قدم أبو الحيسر أنس بن رافع ومعه فئة من بني الأشهل فيهم إياس بن معاذ يلتمسون الحِلْفَ من قريش على قوم من الخزرج ، فلما سمع بهم رسول الله صلى الله عليه وسلم أتاهم فجلس إليهم ، فقال : هل لكم إلى خيرٍ مما جئْتُم له ؟ فقالوا : وما ذلك ؟ قال : أنا رسول الله بعثني إلى العباد أدعوهم إلى أن لا يشركوا بالله شيئا ، وأنزل علي الكتاب ، ثم ذكر لهم الإسلام وتلا عليهم القرآن ، فقال إياس بن معاذ وكان غلاما حدثا : أي قوم هذا والله خير مما جئتم له ، فأخذ أبو الحيسر حفنة من البطحاء فضرب بها وجه إياس وقال : دعنا منك فلعمري لقد جئنا لغير هذا ، فصمت إياس وقام رسول الله صلى الله عليه وسلم عنهم ، وانصرفوا إلى المدينة وكانت وقعة بُعاث بين الأوس والخزرج ، ثم لم يلبث إياس بن معاذ أن هلك.\rفلما أراد الله عز وجل إظهار دينه وإعزازَ نبيه خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم في الموسم الذي لقي فيه النفر من الأنصار يعرض نفسه على قبائل العرب كما كان يصنع في كل موسم ، فلقي عند العقبة رهطا من الخزرج أراد الله بهم خيرًا ، وهم ستة نفر : أسعد بن زرارة ، وعوف بن الحارث وهو ابن عفراء ، ورافع بن مالك العجلاني ، وقطبة بن عامر بن حديدة ، وعقبة بن عامر بن نابي ، وجابر بن عبد الله ، فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم : من أنتم ؟ قالوا : نفرٌ من الخزرج ، قال : أمن موالي يهود ؟ قالوا : نعم : قال : أفلا تجلسون حتى أكلّمكم ؟ قالوا : بلى ، فجلسوا معه فدعاهم إلى الله عز وجل وعرضَ عليهم الإسلام وتلا عليهم القرآن.\r","part":15,"page":303},{"id":6443,"text":"قالوا : وكان مما صنع الله لهم به في الإسلام أن يهودًا كانوا معهم ببلادهم ، وكانوا أهل كتاب وعلم ، وهم كانوا أهل أوثان وشرك ، وكانوا إذا كان منهم شيء قالوا : إن نبيا الآن مبعوثٌ قد أظل زمانه نتبعه ونقتلكم معه قتل عاد وإرَم ، فلمّا كلّم رسول الله صلى الله عليه وسلم أولئك النفر ودعاهم إلى الله عز وجل قال بعضهم لبعض : يا قوم تعلمون والله إنه النبي الذي تَوعَّدَكُم به يهود ، فلا يسبقُنكَّم إليه ، فأجابوه وصدقوه وأسلموا ، وقالوا : إنا قد تركنا قومنا ولا قوم بينهم من العداوة والشرّ ما بينهم وعسى الله أن يجمعهم بك ، وسنقدم عليهم فندعوهم إلى أمرك ، فإن يجمعهم الله عليك فلا رجل أعزّ منك.\rثم انصرفوا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم راجعين إلى بلادهم قد آمنوا به صلى الله عليه وسلم ، فلما قدموا المدينة ذَكَرُوا لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ودعوهم إلى الإسلام حتى فشا فيهم فلم يبق دارٌ من دُور الأنصار إلا وفيها ذكرٌ من رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى إذا كان العام المقبل وافى الموسم من الأنصار اثنا عشر رجلا وهم : أسعد بن زرارة ، وعوف ، ومعاذ ابنا عفراء ، ورافع بن مالك بن العجلان ، وذكوان بن عبد القيس ، وعبادة بن الصامت ، ويزيد بن ثعلبة ، وعباس بن عبادة ، وعقبة بن عامر ، وقطبة بن عامر ، وهؤلاء خزرجيّون وأبو الهيثم بن التيهان ، وعويمر بن ساعدة من الأوس ، فلقوه بالعقبة وهي العقبة الأولى ، فبايعوا رسول الله صلى الله عليه وسلم على بيعة النساء ، على أن لا يشركوا بالله شيئًا ولا يسرقوا ولا يزنوا ، إلى آخر الآية فإن وفيتم فلكم الجنة ، وإن غشيتم شيئًا من ذلك فأُخذتم بحدّه في الدنيا فهو كفارةٌ له ، وإن ستر عليكم فأمركم إلى الله إن شاء عذبكم وإن شاء غفر لكم ، قال : وذلك قبل أن يفرض عليهم الحرب.\r","part":15,"page":304},{"id":6444,"text":"قال : فلما انصرف القوم بعث معهم رسول الله صلى الله عليه وسلم مُصعب بن عمير بن هاشم بن عبد مناف ، وأمره أن يقرئهم القرآن ويعلمهم الإسلام ويُفقهَهم في الدين ، وكان مُصعب يُسمى بالمدينة المقرئ ، وكان منزله على أسعد بن زرارة ، ثم إن أسعد بن زرارة خرج بمصعب فدخل به حائطًا ، من حوائط بني ظفر ، فجلسا في الحائط واجتمع إليهما رجال ممن أسلم ، فقال سعد بن معاذ لأسيد بن حُضير : انطلق إلى هذين الرجلين اللذين قد أتيا دارنا ليسفها ضعفاءَنا فازجرهما ، فإن أسعد بن زرارة ابن خالتي ولولا ذاك لكفيتكه ، وكان سعد بن معاذ وأُسَيْد بن حضير سَيِّدَيْ قومِهما من بني عبد الأشهل وهما مشركان ، فأخذ أسيد بن حضير حربته ثم أقبل إلى مصعب وأسعد وهما جالسان في الحائط ، فلما رآه أسعد بن زرارة قال لمصعب : هذا سيد قومه قد جاءك فأصدق الله فيه ، قال مصعب : إن يجلسْ أكلمه قال : فوقف عليهما متشتّمًا فقال : ما جاء بكم إلينا تسفهان ضعفاءنا ؟ اعتزلا إن كانت لكما في أنفسكما حاجة ، فقال له مصعب : أوَ تجلس فتسمع ؟ فإن رضيت أمرا قبلته وإن كرهته كُفّ عنك ما تكره ، قال : أنصفتَ ثم ركز حربته وجلس إليهما فكلمه مصعب بالإسلام وقرأ عليه القرآن فقالا والله لَعَرفنا في وجهه الإسلام قبل أن يتكلم به ، في إشراقه وتسهله ، ثم قال : ما أحسن هذا الكلام وأجمله ! كيف تصنعون إذا أردتم أن تدخلوا في هذا الدين ؟ قالا له : تغتسلُ وتُطهرُ ثوبَيك ثم تشهد شهادة الحق [ثم تصلي ركعتين فقام فاغتسل وطهر ثوبيه وشهد شهادة الحق] ثم قام وركع ركعتين ثم قال لهما : إنَّ ورائي رجلا إن اتبعكما لم يتخلف عنه أحد من قومه وسأرسله إليكما الآن ، سعد بن معاذ ، ثم أخذ حربته فانصرف إلى سعد وقومه ، وهم جلوس في ناديهم فلما نظر إليه سعد بن معاذ مقبلا قال : أحلف بالله لقد جاءكم أسيد بغير الوجه الذي ذهب من","part":15,"page":305},{"id":6445,"text":"عندكم ، فلما وقف على النادي قال له سعد : ما فعلت ؟ قال : كلمّتُ الرجلين فوالله ما رأيت بهما بأسًا وقد نهيتُهما فقالا فافعل ما أحببت ، وقد حُدثتُ أن بني حارثة خرجوا إلى أسعد بن زُرارة ليقتلوه ، وذلك أنهم عرفوا أنه ابن خالتك ليحقروك فقام سعد [مغضبًا] مبادرًا للذي ذكر له من بني حارثة ، فأخذ الحربة ثم قال : والله ما أراك أغنيت شيئا فلما رآهما مطمئنين عرف أن أسيدًا إنما أراد أن يسمع منهما فوقف عليهما مَتشتمًا ثم قال لأسعد بن زرارة : لولا ما بيني وبينك من القرابة ما رمت هذا مني ، تغشانا في دارنا بما نكره وقد قال أسعد لمصعب : جاءك والله سيد قومه ، إن يتبعك لم يخالفك منهم أحد ، فقال له مصعب : أو تقعد فتسمع فإن رضيت أمرًا ورغبتَ فيه قبلتَه ، وإن كرهتَه عَزلنا عنك ما تكره ، قال سعد : أنصفت ، ثم ركز الحربة وجلس ، فعرض عليه الإسلام وقرأ عليه القرآن قال فعرفنا والله في وجهه الإسلام : قبل أن يتكلم به في إشراقه وتسهله ، ثم قال لهما : كيف تصنعون إذا أنتم أسلمتم ودخلتم في هذا الدين ؟ قالا تغتسل وتطهر ثوبيك ، ثم تشهد شهادة الحق ثم [تصلي] ركعتين فقام واغتسل وطهر ثوبيه وشهد شهادة الحق وركع ركعتين ، ثم أخذ حربته فأقبل عامدا إلى نادي قومه ومعه أُسَيْد بن حضير فلما رآه قومه مقبلا قالوا : نحلف بالله لقد رجع سعد إليكم بغير الوجه الذي ذهب به من عندكم ، فلما وقف عليهم قال : يا بني عبد الأشهل كيف تعلمون أمري فيكم ؟ قالوا : سيدنا وأفضلنا رأيًا وأيمننا نقيبةً قال : فإن كلام رجالكم ونسائكم عليّ حرام حتى تؤمنوا بالله ورسوله ، قال : فما أمسى في دار بني عبد الأشهل رجلُ ولا امرأةٌ إلا مسلم أو مسلمة ، ورجع أسعد بن زرارة ومصعب إلى منزل أسعد بن زرارة ، فأقام عنده يدعو الناس إلى الإسلام حتى لم يبق دار من دور الأنصار إلا وفيها رجال مسلمون ونساء","part":15,"page":306},{"id":6446,"text":"مسلمات إلا ما كان من دار بني أمية بن زيد وخطمة ووائل وواقف ، وذلك أنه كان فيهم أبو قيس بن الأسلت الشاعر ، وكانوا يسمعون منه ويطيعونه فوقف بهم عن الإسلام حتى هاجر رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة ومضى بدرٌ وأُحد والخندق.\rقالوا : ثم إن مصعب بن عمير رجع إلى مكة وخرج معه من الأنصار من المسلمين سبعون رجلا مع حجاج قومهم من أهل الشرك حتى قدموا مكة فواعدوا رسول الله صلى الله عليه وسلم العقبة من أوسط أيام التشريق وهي بيعة العقبة الثانية.\r","part":15,"page":307},{"id":6447,"text":"قال كعب بن مالك - وكان قد شهد ذلك -فلما فرغنا من الحج وكانت الليلة التي واعدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ومعنا عبد الله بن عمرو بن حرام أبو جابر أخبرناه وكنا نكتم عمن معنا من المشركين من قومنا أمرنا فكلمناه ، وقلنا له : يا أبا جابر إنك سيد من ساداتنا وشريف من أشرافنا وإنا نرغب بك عمّا أنت فيه أن تكون حطبا للنار غدا ، ودعوناه إلى الإسلام فأسلم ، وأخبرناه بميعاد رسول الله صلى الله عليه وسلم فشهد معنا العقبة ، وكان نقيبا ، فبتنا تلك الليلة مع قومنا في رحالنا حتى إذا مضى ثلث الليل خرجنا لميعاد رسول الله صلى الله عليه وسلم نتسلل مستخفين تسلل القطا ، حتى اجتمعنا في الشِّعب عند العقبة ، ونحن سبعون رجلا ومعنا امرأتان من نسائنا نسيبة بنت كعب أم عمارة إحدى نساء بني النجار ، وأسماء بنت عمرو بن عدي أم منيع إحدى نساء بني سلمة ، فاجتمعنا بالشعب ننتظر رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى جاءنا ومعه عمه العباس بن عبد المطلب ، وهو يومئذ على دين قومه إلا أنه أحب أن يحضر أمر ابن أخيه ، ويتوثق له ، فلما جلسنا كان أول من تكلم العباس بن عبد المطلب ، فقال : يا معشر الخزرج -وكانت العرب يسمون هذا الحي من الأنصار الخزرج خزرجها وأوسها -إن محمدًا صلى الله عليه وسلم منّا حيث قد علمتم ، وقد منعناه من قومنا ممن هو على مثل رأينا وهو في عزّ من قومه ومنعة في بلده ، وأنه قد أبى إلا الانقطاع إليكم واللحوق بكم ، فإن كنتم ترون أنكم وافون له بما دعوتموه إليه ومانعوه ممن خالفه فأنتم وما تحملتم من ذلك ، وإن كنتم ترون أنكم مُسْلِمُوه وخاذلوه بعد الخروج إليكم فمن الآن فدعوه فإنه في عزٍ ومنعةٍ.\rقال : فقلنا قد سمعنا ما قلت : فتكلمْ يا رسول الله وخذْ لنفسك ولربِّك ما شئت.\r","part":15,"page":308},{"id":6448,"text":"قال : فتكلم رسول الله صلى الله عليه وسلم فتلا القرآن ودعا إلى الله ورغب في الإسلام ، ثم قال أبايعكم على أن تمنعوني مما تمنعون منه [أنفسكم ونساءكم] وأبناءكم ، قال : فأخذ البراء بن مَعْرُور بِيدِهِ ثم قال : والذي بعثك بالحق نبيا لنمنعك مما نمنع منه أُزُرَنَا فبايعنا يا رسول الله ، فنحن أهل الحرب وأهل الحلقة ورثناها كابرا عن كابر.\rقال : [فاعترض] القول -والبراءَ يكلم رسول الله صلى الله عليه وسلم -أبو الهيثم بن التيهان ، فقال : يا رسول الله إن بيننا وبين الناس حبالا يعني العهود ، وإنا قاطعوها فهل عسيتَ إن فعلنا نحن ذلك ثم أظهرك الله أن ترجع إلى قومك وتدعنا ، فتبسّم رسولُ الله صلى الله عليه وسلم ثم قال : الدم الدم والهدم الهدم أنتم مني وأنا منكم أحاربُ من حاربتم وأسالم من سالمتم.\rوقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : \"أخرجوا إلي منكم اثني عشر نقيبًا كفلاء على قومهم بما فيهم ككفالة الحواريين لعيسى بن مريم\" فأخرجوا اثني عشر نقيبًا تسعةً من الخزرج وثلاثةً من الأوس.\rقال عاصم بن عمرو بن قتادة : إن القوم لما اجتمعوا لبيعة رسول الله صلى الله عليه وسلم قال العباس بن عُبادة بن نَضْلة الأنصاري : يا معشر الخزرج هل تدرون علاما تبايعون هذا الرجل ؟ إنكم تبايعونه على حرب الأحمر والأسود ، فإن كنتم ترون أنكم إذا نهكت أموالكم مصيبة واشرافكم قتلى أسلمتموه ، فمن الآن ، فهو والله إن فعلتم خِزْيٌ في الدنيا والآخرة ، وإن كنتم ترون أنكم وافون له بما دعوتُموه إليه من تهلكة الأموال وقتل الأشراف فخذوه فهو والله خير الدنيا والآخرة.\r","part":15,"page":309},{"id":6449,"text":"قالوا : فإنا نأخذه على مصيبة الأموال وقتل الأشراف ، فما لنا بذلك يا رسول الله إن نحن وفيَّنا ؟ قال : \"الجنة\" قال : ابسطْ يَدكَ فبسطَ يده فبايعوه ، وأول من ضرب على يده البراء بن مَعْرُور ثم تتابع القوم ، فلما بايعنا رسول الله صلى الله عليه وسلم صرخ الشيطان من رأس العقبة بأنفذ صوت ما سمعتُه قط : يا أهل الجباجب هل لكم في مُذَمَّمٍ والصُّباة قد اجتمعوا على حربكم ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : هذا عدو الله ، هذا أزبّ العقبة ، اسمع أي عدو الله أما والله لأفرغنّ لك ، ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ارفضوا إلى رحالكم.\rفقال العباس بن عبادة بن نضلة : والذي بعثك بالحق لئن شئت [لنميلن] غدًا على أهل منًى بأسيافنا ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : لم نُؤْمر بذلك ولكن ارجعوا إلى رحالكم.\rقال فرجعنا إلى مضاجعنا فنمنا عليها حتى أصبحنا فلما أصبحنا غدت علينا جِلّةُ قريش حتى جاؤونا في منازلنا ، فقالوا : يا معشر الخزرج بلغنا أنكم جئتم صاحبنا هذا تستخرجونه من بين أظهرنا وتبايعونه على حربنا ، وإنه والله ما حي من العرب أبغض إلينا أن تنشب الحرب بيننا وبينهم [منكم] قال : فانبعث مَنْ هناك من مشركي قومنا يحلفون لهم بالله : ما كان من هذا شيء وما علمناه وصدقوا ، ولم يعلموا ، وبعضُنا ينظر إلى بعض ، وقام القوم وفيهم الحارث بن هشام بن المغيرة [المخزومي] وعليه نعلان جديدان ، قال فقلت له كلمة كأني أريد أن أشرك القوم بها فيما قالوا يا جابر أما تستطيع أن تتخذ وأنت سيد من ساداتنا مثل نعلي هذا الفتى من قريش ، قال فسمعها الحارث فخلعهما من رجليه ثم رمى بهما إلي وقال : والله لتنتعلنهما قال يقول أبو جابر رضي الله عنه : مه والله أحْفَظْتَ الفتى فاردد إليه نعليه ، قال : لا أردهما فألٌ -والله -صالح والله لئن صدق الفأل [لأسلبنه].\r","part":15,"page":310},{"id":6450,"text":"قال : ثم انصرف الأنصار إلى المدينة وقد شدّدوا العقد ، فلما قدموها أظهروا الإسلام بها وبلغ ذلك قريشا فآذوا أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأصحابه : \"إن الله تعالى قد جعل لكم إخوانًا ودارًا تأمنون فيها\" فأمرهم بالهجرة إلى المدينة واللحوق بإخوانهم من الأنصار.\rفأول من هاجر إلى المدينة أبو سلمة بن عبد الأسد المخزومي ، ثم عامر بن ربيعة ثم عبد الله بن جحش ثم تتابع أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أرْسالا إلى المدينة فجمع الله أهل المدينة أوسها وخزرَجَها بالإسلام ، وأصلح ذات بينهم بنبيه محمد صلى الله عليه وسلم. {أخرج هذه القصة ابن إسحاق في المغازي 1 / 265 - 266 من سيرة ابن هشام مع الروض الأنف وعنه أخرجها الطبري في التفسير : 7 / 78 - 79}. أ هـ {تفسيرالبغوى حـ 2 صـ 79 ـ 81}\rقوله تعالى : {وَكُنتُمْ على شَفَا حُفْرَةٍ مّنَ النار فَأَنقَذَكُمْ مّنْهَا}\rقال الفخر : \rالمعنى أنكم كنتم مشرفين بكفركم على جهنم ، لأن جهنم مشبهة بالحفرة التي فيها النار فجعل استحقاقهم للنار بكفرهم كالإشراف منهم على النار ، والمصير منهم إلى حفرتها ، فبيّن تعالى أنه أنقذهم من هذه الحفرة ، وقد قربوا من الوقوع فيها.\rقالت المعتزلة : ومعنى ذلك أنه تعالى لطف بهم بالرسول عليه السلام وسائر ألطافه حتى آمنوا قال أصحابنا : جميع الألطاف مشترك فيه بين المؤمن والكافر ، فلو كان فاعل الإيمان وموجده هو العبد لكان العبد هو الذي أنقذ نفسه من النار ، والله تعالى حكم بأنه هو الذي أنقذهم من النار ، فدل هذا على أن خالق أفعال العباد هو الله سبحانه وتعالى. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 8 صـ 144}\rلطيفة\rقال ابن عاشور : ","part":15,"page":311},{"id":6451,"text":"أرى أن شَفا حفرة النَّار هنا تمثيل لحالهم في الجاهلية حين كانوا على وشك الهلاك والتَّفاني الَّذي عبَّر عنه زهير بقوله : \rتفانَوا ودَقُّوا بينَهم عِطْر مَنْشَم...\rبحال قوم بلغ بهم المشي إلى شفا حفير من النَّار كالأُخدُود فليس بينهم وبين الهلاك السَّريع التَّام إلا خطوة قصيرة ، واختيار الحالة المشبَّه بها هنا لأن النَّار أشدّ المهلكات إهلاكاً ، وأسرعُها ، وهذا هو المناسب في حمل الآية ليكون الامتنان بنعمتين محسوستين هما : نعمة الأخوة بعد العداوة ، ونعمة السلامة بعد الخطر ، كما قال أبو الطيب : \rنَجاة من البأساءِ بعدَ وقوع...\rوالإنقاذ من حالتين شنيعتين.\rوقال جمهور المفسرين : أراد نار جهنَّم.\rوعلى قولهم هذا يكون قوله : {شفا حفرة} مستعاراً للاقتراب استعارة المحسوس للمعقول.\rوالنَّارُ حقيقة ، ويبعد هذا المحمل قوله تعالى : {حفرة} إذ ليست جهنّم حفرة بل هي عالم عظيم للعذاب.\rوورد في الحديث \" فإذا هي مطوية كطي البئر وإذا لها قرنان \" لكن ذلك رؤيا جاءت على وجه التمثيل وإلا فهي لا يحيط بها النّظر.\rويكون الامتنان على هذا امتناناً عليهم بالإيمان بعد الكفر وهم ليقينهم بدخول الكفرة النَّارَ علموا أنَّهم كانوا على شفاها.\rوقيل : أراد نار الحرب وهو بعيد جداً لأنّ نار الحرب لا توقد في حُفرة بل توقد في العلياء ليراها من كان بعيداً كما قال الحارث : \rوبعينيك أوقدَتْ هند النَّارَ...\rعِشاء تُلْوي بها العَليَاء\rفتنورتَ نَارها من بعيد...\rبخَزَازَى أيَّان منك الصِلاء\rولأنهم كانوا ملابسين لها ولم يكونوا على مقاربتها.\rوالضّمير في {منها} للنَّار على التَّقادير الثَّلاثة.\rويجوز على التَّقدير الأول أن يكون لشَفا حفرة وعاد عليه بالتأنيث لاكتسابه التَّأنيث من المضاف إليه كقول الأعشى : ","part":15,"page":312},{"id":6452,"text":"وتَشْرَقَ بالقَوْلِ الذي قد أذعتَه...\rكما شَرِقَتْ صَدْرُ القناة من الدم. أ هـ {التحرير والتنوير حـ 3 صـ 177 ـ 178}\rفائدة\rقال الفخر : \rوفي قوله {فَأَنقَذَكُمْ مّنْهَا} سؤال وهو : أنه تعالى إنما ينقذهم من الموضع الذي كانوا فيه وهم كانوا على شفا حفرة ، وشفا الحفرة مذكر فكيف قال منها ؟.\rوأجابوا عنه من وجوه\rالأول : الضمير عائد إلى الحفرة ولما أنقذهم من الحفرة فقد أنقذهم من شفا الحفرة لأن شفاها منها\rوالثاني : أنها راجعة إلى النار ، لأن القصد الإنجاء من النار لا من شفا الحفرة ، وهذا قول الزجاج\rالثالث : أن شفا الحفرة ، وشفتها طرفها ، فجاز أن يخبر عنه بالتذكير والتأنيث. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 8 صـ 144}\rوقال الآلوسى : \r{وَكُنتُمْ على شَفَا حُفْرَةٍ مّنَ النار} أي وكنتم على طرف حفرة من جهنم إذ لم يكن بينكم وبينها إلا الموت وتفسير الشفا بالطرف مأثور عن السدي في الآية ووارد عن العرب ويثني على شفوان ويجمع على أشفاء ويضاف إلى الأعلى كـ {شفا جرف هار} [ التوبة : 109 ] وإلى الأسفل قيل : كما هنا وكون المراد من النار ما ذكرنا هو الظاهر وحملها على نار الحرب بعيد {فَأَنقَذَكُمْ مّنْهَا} أي بمحمد صلى الله عليه وسلم قاله ابن عباس والضمير المجرور عائد إما على {النار} ، أو على حفرة أو على شفا لأنه بمعنى الشفة ، أو لاكتسابه التأنيث من المضاف إليه كما في قوله : \rوتشرق بالقول الذي قد أذعته... كما شرقت صدر القناة من الدم","part":15,"page":313},{"id":6453,"text":"فإن المضاف يكتسب التأنيث من المضاف إليه إذا كان بعضاً منه أو فعلاً له أو صفة كما صرحوا به وما نحن فيه من الأول ، ومن أطلق لزمه جواز قامت غلام هند ، واختار الزمخشري الاحتمال الأخير ، وقال ابن المنير : \"وعود الضمير إلى الحفرة أتم لأنها التي يمتن بالانقاذ منها حقيقة ، وأما الامتنان بالانقاذ من الشفا قلما يستلزمه الكون على الشفا غالباً من الهوي إلى الحفرة فيكون الانقاذ من الشفا إنقاذاً من الحفرة التي يتوقع الهوي فيها فإضافة المنة إلى الإنقاذ من الحفرة ( تكون ) أبلغ وأوقع مع أن اكتساب التأنيث من المضاف إليه قد عده أبو علي في \"التعاليق\" من ضرورة الشعر خلاف رأيه في \"الإيضاح\" ، وما حمل الزمخشري على إعادة الضمير إلى الشفا إلا أنه هو الذي كانوا عليه ولم يكونوا في الحفرة حتى يمتن عليهم بالإنقاذ من الحفرة ، وقد علم أنهم كانوا صائرين إليها غالباً لولا الانقاذ الرباني ( فبولغ في الامتنان بذلك ) ألا ترى إلى قوله صلى الله عليه وسلم : \" الراتع حول الحمى يوشك أن يقع فيه \" وإلى قوله تعالى : {أَم مَّنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ على شَفَا جُرُفٍ هَارٍ فانهار بِهِ فِى نَارِ جَهَنَّمَ} [ التوبة : 109 ] فانظر كيف جعل تعالى كون البنيان على الشفا سبياً مؤدياً إلى انهياره في نار جهنم مع تأكيد ذلك بقوله سبحانه : {هَارٍ} \" انتهى ، ومنه يعلم ما في قول أبي حيان ( في البحر\" 391 ) : من \"أنه لا يحسن عوده إلا إلى الشفا لأن كينونتهم عليه هو أحد جزأي الإسناد فالضمير لا يعود إلا إليه لا على الحفرة لأنها غير محدث عنها ولا على النار لأنه إنما جيء بها لتخصيص الحفرة. وأيضاً فالإنقاذ من الشفا أبلغ من الإنقاذ من الحفرة ومن النار ( لأن الإنقاد منه يستلزم الإنقاد من الحفرة ومن النار ) ، والإنقاذ منهما لا يستلزم الانقاذ من\rالشفا فعوده على الشفا هو الظاهر من حيث اللفظ ومن حيث المعنى ، نعم ما ذكره من أن عوده على الشفا هو الظاهر من حيث اللفظ ظاهر بناءاً على أن الأصل أن يعود الضمير على المضاف دون المضاف إليه إذا صلح لكل منهما ولو بتأويل إلا أنه قد يترك ذلك فيعود على المضاف إليه إما مطلقاً كما هو قول ابن المنير أو بشرط كونه بعضه أو كبعضه كقول جرير :\rأرى مرّ السنين ( أخذن ) مني... فإن مرّ السنين من جنسها ، وإليه ذهب الواحدي والشرط موجود فيما نحن فيه. أ هـ {روح المعانى حـ 4 صـ 20}","part":15,"page":314},{"id":6454,"text":"فائدة\rقال الشيخ الشنقيطى :\rقوله تعالى: {وكنتم على شفا حفرة من النار فأنقذكم منها } هذه الآية الكريمة تدل على أن الأنصار ما كان بينهم وبين النار إلا أن يموتوا مع أنهم كانوا أهل فترة, والله تعالى يقول: {وماكنا معذّّبين إلا أن نبعث رسولا}, ويقول: {رسلا مبشرين ومنذرين لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل} الآية, وقد بين الله هذه الحجة بقوله في سورة طه: {و لو أنا أهلكناهم بعذابٍ من قبله لقالوا: ربنا لولا أرسلت إلينا رسولا فنتبع آياتك من قبل أن نذل ونخزى}, والآيات بمثل هذا كثيرة.\rوالذي يظهر في الجواب: - والله تعالى أعلم - أنه برسالة محمد صلى الله عليه وسلم لم يبق عذر لأحد, فكل من لم يؤمن به فليس بينه وبين النار إلا أن يموت, كما بينه تعالى بقوله: {ومن يكفر به من الأحزاب فالنار موعده} الآية.\rوما أجاب به بعضهم من أن عندهم بقية من إنذار الرسل الماضين تلزمهم بها الحجة, فهو جواب باطل؛ لأن نصوص القرآن مصرِّحة بأنهم لم يأتهم نذير كقوله تعالى: {لتنذر قوما ما أُنذر أباؤهم}, وقوله: {أم يقولون افتراه بل هو الحق من ربك لتنذر قوما ما أتاهم من نذير من قبلك} الآية, وقوله: {وما كنت بجانب الطور إذ نادينا ولكن رحمة من ربك لتنذر قوما ما أتاهم من نذير من قبلك}, وقوله: {يا أهل الكتاب قد جاءكم رسولنا يبين لكم على فترة من الرسل أن تقولوا ما جاءنا من بشير ولا نذير} الآية, وقوله تعالى: {وما آتيناهم من كتب يدرسونها وما أرسلنا إليهم قبلك من نذير}. أ هـ {دفع إيهام الاضطراب صـ 66 ـ 67}","part":15,"page":315},{"id":6455,"text":"فصل\rقال الفخر :\rإنهم لو ماتوا على الكفر لوقعوا في النار ، فمثلت حياتهم التي يتوقع بعدها الوقوع في النار بالقعود على حرفها ، وهذا فيه تنبيه على تحقير مدة الحياة ، فإنه ليس بين الحياة وبين الموت المستلزم للوقوع في الحفرة إلا ما بين طرف الشيء ، وبين ذلك الشيء ، ثم قال : {كذلك يُبَيّنُ الله} الكاف في موضع نصب ، أي مثل البيان المذكور يبين الله لكم سائر الآيات لكي تهتدوا بها ،\rقال الجبائي : الآية تدل على أنه تعالى يريد منهم الاهتداء ، أجاب الواحدي عنه في \"البسيط\" فقال : بل المعنى لتكونوا على رجاء هداية.\rوأقول : وهذا الجواب ضعيف لأن على هذا التقدير يلزم أن يريد الله منهم ذلك الرجاء ومن المعلوم أن على مذهبنا قد لا يريد ذلك الرجاء ، فالجواب الصحيح أن يقال كلمة ( لعلّ ) للترجي ، والمعنى أنا فعلنا فعلاً يشبه فعل من يترجى ذلك ، والله أعلم. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 8 صـ 144}\rفائدة\rقال ابن عاشور :\rوقوله : {كذلك يبين الله لكم آياته} نعمة أخرى وهي نعمة التَّعليم والإرشاد ، وإيضاح الحقائق حتَّى تكمل عقولهم ، ويَتَبَيَّنوا مَا فيه صلاحهم.\rوالبيان هنا بمعنى الإظهار والإيضاح.\rوالآيات يجوز أن يكون المراد بها النعم ، كقول الحرث بن حلزة :\rمَنْ لنا عنده من الخَيْر آيا...\rتٌ ثلاث في كلّهن القضاء\rويجوز أن يراد بها دلائل عنايته تعالى بهم وتثقيف عقولهم وقلوبهم بأنوار المعارف الإلهية.\rوأن يراد بها آيات القرآن فإنها غاية في الإفصاح عن المقاصد وإبلاغ المعاني إلى الأذهان. أ هـ {التحرير والتنوير حـ 3 صـ 178}","part":15,"page":316},{"id":6456,"text":"من فوائد الجصاص فى الآية\rقال رحمه الله : \rقَوْله تَعَالَى : {وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا}.\rرُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي مَعْنَى الْحَبْلِ هَهُنَا : \" أَنَّهُ الْقُرْآنُ \" وَكَذَلِكَ رُوِيَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ وَقَتَادَةَ وَالسُّدِّيِّ.\rوَقِيلَ : إنَّ الْمُرَادَ بِهِ دِينُ اللَّهِ.\rوَقِيلَ : بِعَهْدِ اللَّهِ ؛ لِأَنَّهُ سَبَبُ النَّجَاةِ كَالْحَبْلِ الَّذِي يُتَمَسَّكُ بِهِ لِلنَّجَاةِ مِنْ غَرَقٍ أَوْ نَحْوِهِ.\rوَيُسَمَّى الْأَمَانُ الْحَبْلَ ؛ لِأَنَّهُ سَبَبُ النَّجَاةِ ، وَذَلِكَ فِي قَوْله تَعَالَى : {إلَّا بِحَبْلٍ مِنْ اللَّهِ وَحَبْلٍ مِنْ النَّاسِ} يَعْنِي بِهِ الْأَمَانَ.\rإلَّا أَنَّ قَوْلَهُ : {وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا} أَمْرٌ بِالِاجْتِمَاعِ وَنَهْيٌ عَنْ الْفُرْقَةِ ، وَأَكَّدَهُ بِقَوْلِهِ : {وَلَا تَفَرَّقُوا} مَعْنَاهُ التَّفَرُّقُ عَنْ دِينِ اللَّهِ الَّذِي أُمِرُوا جَمِيعًا بِلُزُومِهِ وَالِاجْتِمَاعِ عَلَيْهِ.\rوَرُوِيَ نَحْوُ ذَلِكَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ وَقَتَادَةَ.\rوَقَالَ الْحَسَنُ : \" وَلَا تَفَرَّقُوا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ \".\rوَقَدْ يَحْتَجُّ بِهِ فَرِيقَانِ مِنْ النَّاسِ : أَحَدُهُمَا : نُفَاتَ الْقِيَاسِ وَالِاجْتِهَادِ فِي أَحْكَامِ الْحَوَادِثِ ، مِثْلُ النِّظَامِ ، وَأَمْثَالِهِ مِنْ الرَّافِضَةِ.","part":15,"page":317},{"id":6457,"text":"وَالْآخَرُ مَنْ يَقُولُ بِالْقِيَاسِ وَالِاجْتِهَادِ ، وَيَقُولُ مَعَ ذَلِكَ : إنَّ الْحَقَّ وَاحِدٌ مِنْ أَقَاوِيلِ الْمُخْتَلِفِينَ فِي مَسَائِلِ الِاجْتِهَادِ ، وَيُخْطِئُ مَنْ لَمْ يُصِبْ الْحَقَّ عِنْدَهُ ؛ صَلَّى اللَّهُ عَلَى مُحَمَّدٍ : {وَلَا تَفَرَّقُوا}.\rفَغَيْرُ جَائِزٍ أَنْ يَكُونَ التَّفَرُّقُ وَالِاخْتِلَافُ دِينًا لِلَّهِ تَعَالَى مَعَ نَهْيِ اللَّهِ تَعَالَى عَنْهُ.\rوَلَيْسَ هَذَا عِنْدَنَا كَمَا قَالُوا ؛ لِأَنَّ أَحْكَامَ الشَّرْعِ فِي الْأَصْلِ عَلَى أَنْحَاءَ : مِنْهَا مَا لَا يَجُوزُ الْخِلَافُ فِيهِ ، وَهُوَ الَّذِي دَلَّتْ الْعُقُولُ عَلَى حَظْرِهِ فِي كُلِّ حَالٍ أَوْ عَلَى إيجَابِهِ فِي كُلِّ حَالٍ ؛ فَأَمَّا مَا جَازَ أَنْ يَكُونَ تَارَةً وَاجِبًا وَتَارَةً مَحْظُورًا وَتَارَةً مُبَاحًا ، فَإِنَّ الِاخْتِلَافَ فِي ذَلِكَ سَائِغٌ يَجُوزُ وُرُودُ الْعِبَادَةِ بِهِ ، كَاخْتِلَافِ حُكْمِ الطَّاهِرِ وَالْحَائِضِ فِي الصَّوْمِ وَالصَّلَاةِ ، وَاخْتِلَافِ حُكْمِ الْمُقِيمِ وَالْمُسَافِرِ فِي الْقَصْرِ وَالْإِتْمَامِ.\rوَمَا جَرَى مَجْرَى ذَلِكَ.\rفَمِنْ حَيْثُ جَازَ وُرُودُ النَّصِّ بِاخْتِلَافِ أَحْكَامِ النَّاسِ فِيهِ فَيَكُونُ بَعْضُهُمْ مُتَعَبِّدًا بِخِلَافِ مَا تَعَبَّدَ بِهِ الْآخَرُ ، لَمْ يَمْتَنِعْ تَسْوِيغُ الِاجْتِهَادِ فِيمَا يُؤَدِّي إلَى الْخِلَافِ الَّذِي يَجُوزُ وُرُودُ النَّصِّ بِمِثْلِهِ ؛ وَلَوْ كَانَ جَمِيعُ الِاخْتِلَافِ مَذْمُومًا لَوَجَبَ أَنْ لَا يَجُوزَ وُرُودُ الِاخْتِلَافِ فِي أَحْكَامِ الشَّرْعِ مِنْ طَرِيقِ النَّصِّ وَالتَّوْقِيفِ ، فَمَا جَازَ مِثْلُهُ فِي النَّصِّ جَازَ فِي الِاجْتِهَادِ.","part":15,"page":318},{"id":6458,"text":"وَقَدْ يَخْتَلِفُ الْمُجْتَهِدَانِ فِي نَفَقَاتِ الزَّوْجَاتِ وَقِيَمِ الْمُتْلَفَاتِ ، وَأُرُوشِ كَثِيرٍ مِنْ الْجِنَايَاتِ فَلَا يَلْحَقُ وَاحِدًا مِنْهَا لَوْمٌ ، وَلَا تَعْنِيفٌ ؛ وَهَذَا حُكْمُ مَسَائِلِ الِاجْتِهَادِ.\rوَلَوْ كَانَ هَذَا الضَّرْبُ مِنْ الِاخْتِلَافِ مَذْمُومًا لَكَانَ لِلصَّحَابَةِ فِي ذَلِكَ الْحَظُّ الْأَوْفَرُ ، وَلَمَا وَجَدْنَاهُمْ مُخْتَلِفِينَ فِي أَحْكَامِ الْحَوَادِثِ وَهُمْ مَعَ ذَلِكَ مُتَوَاصِلُونَ يُسَوِّغُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ لِصَاحِبِهِ مُخَالَفَتَهُ مِنْ غَيْرِ لَوْمٍ ، وَلَا تَعْنِيفٍ فَقَدْ حَصَلَ مِنْهُمْ الِاتِّفَاقُ عَلَى تَسْوِيَةِ هَذَا الضَّرْبِ مِنْ الِاخْتِلَافِ.\rوَقَدْ حَكَمَ اللَّهُ تَعَالَى بِصِحَّةِ إجْمَاعِهِمْ وَثُبُوتِ حُجَّتِهِ فِي مَوَاضِعَ كَثِيرَةٍ مِنْ كِتَابِهِ.\rوَرُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ {اخْتِلَافُ أُمَّتِي رَحْمَةٌ} وَقَالَ : {لَا تَجْتَمِعُ أُمَّتِي عَلَى ضَلَالٍ} ؛ فَثَبَتَ بِذَلِكَ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَمْ يَنْهَنَا بِقَوْلِهِ : {وَلَا تَفَرَّقُوا} عَنْ هَذَا الضَّرْبِ مِنْ الِاخْتِلَافِ.\rوَأَنَّ النَّهْيَ مُنْصَرِفٌ إلَى أَحَدِ وَجْهَيْنِ : إمَّا فِي النُّصُوصِ أَوْ فِيمَا قَدْ أُقِيمَ عَلَيْهِ دَلِيلٌ عَقْلِيٌّ أَوْ سَمْعِيٌّ لَا يَحْتَمِلُ إلَّا مَعْنًى وَاحِدًا ؛ وَفِي فَحَوَى الْآيَةِ مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ هُوَ الِاخْتِلَافُ","part":15,"page":319},{"id":6459,"text":"وَالتَّفَرُّقُ فِي أُصُولِ الدِّينِ لَا فِي فُرُوعِهِ ، وَمَا يَجُوزُ وُرُودُ الْعِبَادَةِ بِالِاخْتِلَافِ فِيهِ ، وَهُوَ قَوْله تَعَالَى : {وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ} يَعْنِي بِالْإِسْلَامِ.\rوَفِي ذَلِكَ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ التَّفَرُّقَ الْمَذْمُومَ الْمَنْهِيَّ عَنْهُ فِي الْآيَةِ هُوَ فِي أُصُولِ الدِّينِ وَالْإِسْلَامِ لَا فِي فُرُوعِهِ ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. أ هـ {أحكام القرآن للجصاص حـ 2 صـ 313 ـ 315}","part":15,"page":320},{"id":6460,"text":"فوائد لغوية\rقال ابن عادل : \rقوله : {واعتصموا بِحَبْلِ الله جَمِيعاً} الحبل - في الأصل - هو : السبب ، وكل ما وصلك إلى شيء فهو حبل ، وأصله في الأجرام واستعماله في المعانِي من باب المجاز. ويجوز أن يكون - حينئذٍ - من باب الاستعارة ، ويجوز أن يكون من باب التمثيل ، ومن كلام الأنصار رضي الله عنهم : يا رسولَ الله ، إنَّ بيننا وبَيْنَ القوم حبالاً ونحن قاطعوها - يعْنُون العهود والحِلْف.\rقال الأعشى : [ الكامل ]\rوَإذَا تُجَوِّزُهَا حِبَالُ قَبِيلَةٍ... أخَذَتْ مِنَ الأخْرَى إلَيْكَ حِبَالَهَا\rيعني العهود.\rقيل : والسبب فيه أن الرجل كان إذا سافر خاف ، فيأخذ من القبيلة عَهداً إلى الأخرى ، ويُعْطَى سَهْماً وحَبْلاً ، ويكون معه كالعلامة ، فسُمِّيَ العهدُ حَبْلاً لذلك ، وهذا المعنى غير طائل ، بل سُمِّي العهد حبلاً للتوصُّل به إلى الغرض.\rوقال آخر : [ الكامل ]\rمَا زِلْتُ مُعْتَصِماً بِحَبْلٍ مِنْكُمُ... مَنْ حَلَّ سَاحَتَكُمْ بِأسْبَابِ نَجَا","part":15,"page":321},{"id":6461,"text":"قال القرطبي : العِصْمة : المَنَعَة ، ومنه يقال للبَذْرَقة : عصمة ، والبذرقة : الخفارة للقافلة ، وهو من يُرسَلُ معها يحميها ممن يؤذيها ، قال ابنُ خالويه : \" البذرقة ليست بعربيةٍ ، وإنَّما هي كلمة فارسية عرَّبتها العرب ، يقال : بعث السلطان بَذْرَقَةً مع القافلة \". والحبل لفظ مشترك ، وأصله - في اللغة : السبب الذي يُوصل به إلى البغية والحاجة ، والحبل : المستطيل من الرمل ، ومنه الحديث : \" واللهَ مَا تَرَكَتُ مِنْ حَبْلٍ إلاَّ وَقَفْتُ عَلَيْه ، فَهَلْ لِي مِنْ حَجٍّ \" ؟ والحبل : الرَّسَن ، والحبل : الداهية.\rقال كثير : [ الطويل ]\rفَلاَ تَعْجَلِي يَا عَزَّ أنْ تتفهمي... بنُصْحٍ أتَى الوَاشُونَ أمْ بِحُبُولٍ\rوالحبالة : حبالة الصائد ، وكلها ليس مراداً في الآية إلا الذي بمعنى العَهْد.\rوقوله : {جَمِيعًا} أي : مجتمعين عليه ، فهو حال من الفاعل.\rقوله : {وَلاَ تَفَرَّقُوا} قراءة البَزِّيِّ بتشديد التاء وصلاً وقد تقدم توجيهه في البقرة عند قوله \" ولا تيمموا \" والباقون بتخفيفها على الحذف.\rقوله : {واذكروا نِعْمَةَ الله عَلَيْكُمْ}.\r{نِعْمَةَ الله} مصدر مضاف لفاعله ؛ إذ هو المُنْعِم ، {عَلَيْكُمْ} ، ويجوز أن يكون متعلقاً بنفس {نِعْمَتَ} ؛ لأن هذه المادةَ تتعدى بـ \" على \" قال تعالى : {وَإِذْ تَقُولُ للذي أَنعَمَ الله عَلَيْهِ} [ الأحزاب : 37 ].\rويجوز أن يكون متعلقاً بمحذوف على أنه حال من \" نِعْمَةَ \" ، فيتعلق بمحذوف ، أي : مستقرة ، وكائنة عليكم.\rقوله : {إِذْ كُنْتُمْ} \" إذْ \" منصوبة - بـ \" نِعْمَةَ \" ظرفاً لها ويجوز أن يكون متعلِّقاً بالاستقرار الذي تضمنه {عَلَيْكُمْ} إذا قلنا : إن \" عَلَيْكُمْ \" حال من النعمة ، وأما إذا علقنا \" عَلَيْكُمْ \" بـ \" نِعْمَةَ \" تعيَّن الوجه الأول.","part":15,"page":322},{"id":6462,"text":"وجوز الحوفي أن يكون منصوباً بـ \" اذْكُروا \" يعني : مفعولاً به ، لا أنه ظرف له ؛ لفساد المعنى ؛ إذْ \" اذْكُرُوا \" مستقبل ، و\" إذْ \" ماضٍ.\r{فَأَصْبَحْتُمْ} أي : فصرتم. و\" أصبح \" من أخوات \" كان \" فإذا كانت ناقصة ، كانت مثل \" كان \" في رفع الاسم ونَصْب الخبر ، وإذا كانت تامة رفعت فاعلاً ، واستغنت به ، فإن وجد منصوب بعدها فهي حال ، وتكون تامة إذا كانت بمعنى دخل في الصباح ، تقول : أصبح زيد ، أي دخل في الصباح ، ومثلها - في ذلك - \" أمسى \" قال تعالى {فَسُبْحَانَ الله حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ} [ الروم : 17 ] وقال : {وَإِنَّكُمْ لَّتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ مُّصْبِحِينَ} [ الصافات : 137 ].\rوفي أمثالهم : \" إذا سمعت بسرى القين فاعلم أنه مصبح \" ؛ لأن القين - وهو الحداد - ربما قلَّت صناعته في أحياء العرب ، فيقول : أنا غداً مسافر ، فيأتيه الناس بحوائجهم ، ويقيم ، ويترك السفر ، فأخرجوه مثلاً لمن يقول قولاً ويخالفه. والمعنى : فاعلم أنه مقيم في الصباح. ويكون بمعنى \" صار \" عملاً ومعنًى. كقوله : [ الخفيف ]\rفَأصْبَحُوا كَأنَّهُمْ وَرَقٌ جَفْ... فَ فَألْوَتْ بِهِ الصَّبَا وَالدَّبُورُ\rأي : صاروا.\rو \" إخواناً \" خبرها ، وجوَّزوا فيها - هنا - أن تكون على بابها - من دلالتها على اتصاف الموصوف بالصفة في وقت الصباح ، وتكون بمعنى : \" صار \" - وأن تكون تامة ، أي : دخلتم في الصباح ، فإذا كانت ناقصة على بابها - فالأظهر أن يكون \" إخْناناً \" خبرها ، و\" بنعمته \" متعلق به لما فيه من معنى الفعل ، أي : تآخيتم بنعمته ، والباء للسببية.","part":15,"page":323},{"id":6463,"text":"وجوَّز أبو حيان أن تتعلق بـ \" أصْبَحْتم \" ، وقد عُرف ما فيه من خلاف. وجوّز غيره أن تتعلق بمحذوف على أنه حال من فاعل \" أصْبَحْتُمْ \" ، أي : فأصبحتم إخواناً ملتبسين بنعمته ، أو حال من \" إخواناً \" ؛ لأنه في الأصل - صفة له.\rوجوَّزوا أن تكون \" بِنِعْمَتِهِ \" هو الخبر ، و\" إخواناً \" حال والباء بمعنى الظرفية ، وإذا كانت بمعنى : \" صار \" جرى فيها ما تقدم من جميع هذه الأوجه ، وإذا كانت تامة ، فإخواناً حال ، و\" بِنِعْمَتِهِ \" فيه ما تقدم من الأوجه خلا الخبرية.\rقال ابن عطية : \" فأصْبَحْتُمْ \" عبارة عن الاستمرار - وإن كانت اللفظة مخصوصة بوقت - وإنما خُصَّت هذه اللفظة بهذا المعنى من حيث مبدأ النهار ، وفيه مبدأ الأعمال ، فالحال التي يحبها المرء من نفسه فيها هي التي يستمر عليها يومَه في الأغلب.\rومنه قول الربيع بن ضَبع : [ المنسرح ]\rأصْبَحْتُ لاَ أحْمِلُ السِّلاَحَ وَلاَ... أمْلُِ رَأسَ البَعِيرِ إنْ نَفَرَا\rقال أبو حيان : وهذا الذي ذكره - من أن \" أصبح \" للاستمرار وعلله بما ذكره - لم أر أحداً من النحويين ذهب إليه ، إنما ذكروا أنها تُسْتَعْمَل بالوجهين اللذين ذكرناهما.\rقال شهاب الدين : وهذا - الذي ذكره ابن عطية - معنى حَسَنٌ ، وإذا لم يَنُصّ عليه النحويون لا يُدْفَع ؛ لأن النحاة - غالباً - إنما يتحدثون بما يتعلق بالألفاظ ، وأما المعاني المفهومة من فَحْوى الكلام ، فلا حاجة إلى الكلام عليها غالباً.\rوالإخوان : جمع أخ ، وإخوة اسم جمع عند سيبويه ، وعند غيره هي جمع.","part":15,"page":324},{"id":6464,"text":"وقال بعضهم : إن الأخ في النسب - يُجْمَع على : \" إخوة \" ، وفي الدين يُجْمَع على : \" إخوان \" ، هذا أغلب استعمالهم ، وقال تعالى : {إِنَّمَا المؤمنون إِخْوَةٌ} [ الحجرات : 10 ] ونفس هذه الآية تَرُدُّ ما قاله ؛ لأن المراد - هنا - ليس أخُوَّة النسب إنما المراد أخوة الدين والصداقة.\rقال أبو حاتم : قال أهل البصرة : الإخوة في النسب ، والإخوان في الصداقة ، قال : وهذا غلط ؛ يقال للأصدقاء والأنسباء : إخوة ، وإخوان ، قال تعالى : {إِنَّمَا المؤمنون إِخْوَةٌ} [ الحجرات : 10 ] ولم يَعْنِ النسب ، وقال تعالى : {أَوْ بُيُوتِ إِخْوَانِكُمْ} [ النور : 61 ] وهذا في النسب.\rوهذا الرد من أبي حاتم إنما يتّجِه على هذا النقل المُطْلق ، ولا يرد على النقل الأول ؛ لأنهم قيدوه بالأغلب في الاستعمال.\rقال الزجاج : أصل الأخ - في اللغة - من التوخي - وهو الطلب ؛ فإن الأخ مقصده مقصد أخيه ، والصديق مأخوذ من أن يصدق كل واحد من الصديقين ما في قلبه ، ولا يُخْفِي عنه شيئاً.\rقوله : {وَكُنْتُمْ على شَفَا حُفْرَةٍ} شَفَا الشيء : طرفه وحرفه ، وهو مقصور من ذوات الواو ، ويُثَنَّى بالواو نحو : شَفَوَيْن ويكتب بالألف ، ويُجْمَع على أشفاء ، ويُسْتَعْمَل مضافاً إلى أعلى الشيء وإلى أسفله ، فمن الأول : {شَفَا جُرُفٍ هَارٍ} [ التوبة : 109 ] ومن الثاني : هذه الآية.\rوأشْفَى على كذا : قاربه ، ومنه : أشفى المريض على الموت. قال يعقوب : يقال للرجل عند موته ، وللقمر عند محاقه ، وللشمس عند غروبها : ما بقي منه ، أو منها ، إلا شَفاً ، أي : إلا قليل. وقال بعضهم : يقال لما بين الليل والنهار ، وعند غروب الشمس إذا غاب بعضها : شَفاً.\rوأنشد : [ الرجز ]\rأدْرَكْتُهُ بِلاَ شَفاً ، أوْ بِشَفَا... وَالشَّمْسُ قَدْ كَادَتْ تكونُ دَنفَا","part":15,"page":325},{"id":6465,"text":"قوله بلا بشفا : أي : غابت الشمسُ ، وقوله : أو بشفا ، أي : بقيت منه بقية.\rقال الراغب : والشفاء من المرض : موافاة شفا السلامة ، وصار اسماً للبُرْء والشفاء.\rقال البخاري : قال النحاس : \" الأصل في شفا - شَفَوٌ ، ولهذا يُكْتَب بالألف ، ولا يمال \".\rوقال الأخفش : \" لما لم تَجُز فيه الإمالة عُرِفَ أنه من الواو \" ؛ لأن الإمالةَ من الياء.\rقال المهدويّ : \" وهذا تمثيل يُراد به خروجُهم من الكفر إلى الإيمان \".\rقوله : {فَأَنقَذَكُم مِّنْهَا} في عَود هذا الضمير وجوه : \rأحدها : أنه عائد على \" حُفْرَةٍ \".\rوالثاني : أنه عائد على \" النَّارِ \".\rقال الطبريّ : إن بعض الناس يُعيده على الشفا ، وأنث من حيث كان الشفا مضافاً إلى مؤنث ، كما قال جرير : [ الوافر ]\rأرَى مَرَّ السِّنِينَ أخَذْنَ مِنِّي... كَمَا أخَذَ السِّرَارُ مِنَ الْهِلاَلِ\rقال ابن عطية : \" وليس الأمر كما ذكروا ؛ لأنه لا يُحتاج - في الآية - إلى مثل هذه الصناعة ، إلا لو لم يجد للضمير مُعَاداً إلا الشفا ، أما ومعنا لفظ مؤنث يعود الضميرُ عليه ، ويُعَذِّده المعنى المتكلَّم فيه ، فلا يحتاج إلى تلك الصناعة \".","part":15,"page":326},{"id":6466,"text":"قال أبو حيان : \" وأقول : لا يحسن عَوْدُه إلا على الشفا ؛ لأن كينونتهم على الشفا هو أحد جزأي الإسناد ، فالضمير لا يعود إلا عليه ، وأما ذِكْرُ الحفرة ، فإنما جاءت على سبيل الإضافة إليها ، ألا ترى أنك إذا قلت : كان زَيْدٌ غلامَ جَعْفَر ، لم يكن جعفر محدِّثاً عنه ، وليس أحد جُزْأي الإسناد ، وكذا لو قلتَ : زيد ضرب غلامَ هند ، لم تُحَدِّث عن هند بشيء ، وإنما ذكرت جعفراً وهنداً ؛ تخصيصاً للمحدَّث عنه ، وأما ذكر : \" النَّارِ \" فإنما ذُكِرَ لتخصيص الحُفْرة ، وليست - أيضاً - أحد جزأي الإسناد ، وليست أيضاً محدَّثاً عنها ، فالإنقاذ من الشفا أبلغ من الإنقاذ من الحفرة من النار ؛ لأن الإنقاذ منه يستلزم من الحُفْرة ومن النار ، والإنقاذ منهما لا يستلزم الإنقاذ من الشفا ، فعَوْدُه على الشفا هو الظاهر من حيث اللفظ ومن حيث المعنى \".\rقال الزجَّاج : \" وقوله : \" مِنْهَأ \" الكناية راجعة إلى النار ، لا إلى الشَّفَا ؛ لأنَّ القصد الإنجاء من النار لا من شفا الحفرة \".\rوقال غيره : \" الضمير عائد إلى الحُفْرَةِ ؛ ولما أنقذهم من الحُفْرَةِ فقد أنقذهم من شَفَا الحفرة ؛ لأن شفاها منها \".\rقال الواحديّ : على أنه يجوز أن يذكر المضاف إليه ، ثم تعود الكناية إلى المضاف إليه - دون المضاف ، كقول جرير : [ الوافر ]\rأرَى مَرَّ السِّنِينَ أخَذْنَ مِنِّي... كَمَا أخَذَ السِّرَارُ مِنَ الْهِلاَلِ\rكذلك قول العجاج : [ الرجز ]\rطُولُ اللَّيَالِي أسْرَعَتْ فِي نَقْضِي... طَوَيْنَ طُولِي وَطَوَيْنَ عَرضِي\rقال : وهذا إذا كان المضاف من جنس المضاف إليه ، فإن مَرَّ السنين هو المسنون ، وكذلك شفا الحُفْرة من الحفرة ، فذكَّر الشَّفَا ، وعادت الكناية إلى الحفرة.","part":15,"page":327},{"id":6467,"text":"وهذان القولان نَصٌّ في رَدِّ ما قاله أبو حيان ، إلا أن المعنى الذي ذكره أولَى ؛ لأنه إذا أنقذهم من طَرف الحفرة فهو أبلغ من إنقاذهم من الحفرة ، وما ذكره - أيضاً - من الصناعة واضح.\rقال بعضهم : \" شَفَا الحُفْرة ، وشفتها : طرفها ، فجاز أن يخبر عنها بالتذكير والتأنيث \".\rوالإنقاذ : التخليص والتنحِية.\rقال الأزهَريُّ : \" يقال : أنقذته ، ونقذته ، واستنقذته ، وتنقَّذْتُه بمعنًى ويقال : فرس نقيذ ، إذا كان مأخوذاً من قوم آخرين ؛ لأنه استُنْقِذَ منهم \".\rوالحفرة : فُعْلَة بمعنى : مفعولة ، كغُرْفة بمعنى : مغروفة.\rقوله تعالى : {كذلك يُبَيِّنُ الله} نعت لمصدر محذوف ، أو حال من ضميره ، أي : يبين الله لكم تَبْييناً مثل تبيينه لكم الآيات الواضحة ، لكي تهتدوا بها. أ هـ {تفسير ابن عادل حـ 5 صـ 430 ـ 449}. بتصرف يسير.\rلطيفة\rرُوِيَ أن أعرابيّاً سمع ابن عباس يقرأ هذه الآية ، فقال الأعرابي : والله ما أنقذهم منها وهو يريد أن يوقعهم فيها ، فقال ابن عباس رضي الله عنه خذوها من غير فقيه. أ هـ {البحر المديد حـ 1 صـ 315}","part":15,"page":328},{"id":6468,"text":"قوله تعالى {وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (104)}\rمناسبة الآية لما قبلها\rقال البقاعى : \rولما عاب سبحانه وتعالى الكفار بالضلال ثم بالإضلال أمر المؤمنين بالهدى في أنفسهم ، وأتبعه الأمر بهداية الغير بالاجتماع ، وكان الأمر بالاجتماع المؤكد بالنهي عن التفرق ربما أفهم الوجوب لتفرد الجميع في كل جزئية من جزئيات العبادة في كل وقت على سبيل الاجتماع مع الإعراض عن كل عائق عن ذلك سواء كان وسيلة أو لا بالنسبة إلى كل فرد فرد ؛ أتبعه بقوله - منبهاً على الرضى بإيقاع ذلك في الجملة سواء كان بالبعض أو الكل كما هو شأن فروض الكفايات - : {ولتكن منكم أمة} أي جماعة تصلح لأن يقصدها غيرها ، ويكون بعضها قاصداً بعضاً ، حتى تكون أشد شيء ائتلافاً واجتماعاً في كل وقت من الأوقات على البدل {يدعون} مجددين لذلك في كل وقت {إلى الخير} أي بالجهاد والتعليم والوعظ والتذكير.\rولما عم كل خير خص ليكون المخصوص مأموراً به مرتين دلالة على جليل أمره وعليّ قدره فقال : {ويأمرون بالمعروف} أي من الدين {وينهون عن المنكر} فيه بحيث لا يخلو وقت من الأوقات عن قوم قائمين بذلك ، وهو تنبيه لهم على أن يلازموا ما فعله الرسول صلى الله عليه وسلم ومن معه من أصحابه رضي الله تعالى عنهم من أمرهم بالمعروف ونهيهم عن المنكر حين استفزهم الشيطان بمكر شأس بن قيس في التذكير بالأحقاد والأضغان والأنكاد ، وإعلام بأن الذكرى تنفع المؤمنين.","part":15,"page":329},{"id":6469,"text":"ولما كان هذا السياق مفهماً لأن التقدير : فإنهم ينالون بذلك خيراً كثيراً ، ولهم نعيم مقيم ؛ عطف عليه مرغباً : {وأولئك} أي العالون الرتبة العظيمو النفع {هم المفلحون} حق الإفلاح ، فبين سبحانه وتعالى أن الاجتماع المأمور به إنما هو بالقلوب الجاعلة لهم كالجسد الواحد ، ولا يضر فيه صرف بعض الأوقات إلى المعاش وتنعيم البدن ببعض المباحات ، وإن كان الأكمل صرف الكل بالنية إلى العبادة. أ هـ {نظم الدرر حـ 2 صـ 132 ـ 133}\rوقال الفخر : \rاعلم أنه تعالى في الآيات المتقدمة عاب أهل الكتاب على شيئين أحدهما : أنه عابهم على الكفر ، فقال : {قُلْ يا أهل الكتاب لِمَ تَكْفُرُونَ} [ آل عمران : 70 ] ثم بعد ذلك عابهم على سعيهم في إلقاء الغير في الكفر ، فقال : {قُلْ يا أهل الكتاب لِمَ تَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ الله} [ آل عمران : 99 ] فلما انتقل منه إلى مخاطبة المؤمنين أمرهم أولاً بالتقوى والإيمان ، فقال : {اتقوا الله حَقَّ تُقَاتِهِ وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ واعتصموا بِحَبْلِ الله جَمِيعاً} [ آل عمران : 102 ، 103 ] ثم أمرهم بالسعي في إلقاء الغير في الإيمان والطاعة ، فقال : {وَلْتَكُن مّنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الخير} وهذا هو الترتيب الحسن الموافق للعقل. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 8 صـ 145}\rوقال ابن عاشور : \rهذا مفرع عن الكلام السابق : لأنه لما أظهر لهم نعمة نقلهم من حالتي شقاء وشناعة إلى حالتي نعيم وكمال ، وكانوا قد ذاقوا بين الحالتين الأمرين ثم الأحلوين ، فحلبوا الدهر أشطريه ، كانوا أحرياء بأن يسعوا بكل عزمهم إلى انتشال غيرهم من سوء ما هو فيه إلى حسنى ما هم عليه حتى يكون الناس أمة واحدة خيرة.\rوفي غريزة البشر حب المشاركة في الخير لذلك تجد الصبي إذا رأى شيئا أعجبه نادى من هو حوله ليراه معه.","part":15,"page":330},{"id":6470,"text":"ولذلك كان هذا الكلام حريا بأن يعطف بالفاء ، ولو عطف بها لكان أسلوبا عربيا إلا أنه عدل عن العطف بالفاء تنبيها على أن مضمون هذا الكلام مقصود لذاته بحيث لو لم يسبقه الكلام السابق لكان هو حريا بأن يؤمر به فلا يكون مذكورا لأجل التفرع عن غيره والتبع.\rوفيه من حسن المقابلة في التقسيم ضرب من ضروب الخطابة : وذلك أنه أنكر على أهل الكتاب كفرهم وصدهم الناس عن الإيمان ، فقال : {قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ شَهِيدٌ عَلَى مَا تَعْمَلُونَ قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ} [آل عمران : 98 ، 99] الآية.\rوقابل ذلك بأن أمر المؤمنين بالإيمان والدعاء إليه إذ قال : {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ} [آل عمران : 102]وقوله : {وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الخيْرِ} الآية.\rوصيغة {وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ} صيغة وجوب لأنها أصرح في الأمر من صيغة افعلوا لأنها أصلها.\rفإذا كان الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر غير معلوم بينهم من قبل نزول هذه الآية ، فالأمر لتشريع الوجوب ، وإذا كان ذلك حاصلا بينهم من قبل كما يدل عليه قوله : {كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ} [آل عمران : 110] فالأمر لتأكيد ما كانوا يفعلونه ووجوبه ، وفيه زيادة الأمر بالدعوة إلى الخير وقد كان الوجوب مقررا من قبل بآيات أخرى مثل {وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ} [العصر : 3] ، أو بأوامر نبوية.\rفالأمر لتأكيد الوجوب أيضا للدلالة على الدوام والثبات عليه ، مثل {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ} [النساء : 136].","part":15,"page":331},{"id":6471,"text":"والأمة الجماعة والطائفة كقوله تعالى : {كُلَّمَا دَخَلَتْ أُمَّةٌ لَعَنَتْ أُخْتَهَا} [الأعراف : 38].\rوأصل الأمة من كلام العرب الطائفة من الناس التي تؤم قصدا واحدا : من نسب أو موطن أو دين ، أو مجموع ذلك ، ويتعين ما يجمعها بالإضافة أو الوصف كقولهم : أمة العرب وأمة غسان وأمة النصارى.\rوالمخاطب بضمير منكم إن كان هم أصحاب رسول الله كما هو ظاهر الخطابات السابقة آنفا جاز أن تكون من بيانية وقدم البيان على المبين ويكون ما صدق الأمة نفس الصحابة ، وهم أهل العصر الأول من المسلمين فيكون المعنى : ولتكونوا أمة يدعون إلى الخير فهذه الأمة أصحاب هذا الوصف قد أمروا بأن يكونوا من مجموعهم الأمة الموصوفة بأنهم يدعون إلى الخير ، والمقصود تكوين هذا الوصف لأن الواجب عليهم هو التخلق بهذا الخلق فإذا تخلقوا به تكونت الأمة المطلوبة.\rوهي أفضل الأمم.\rوهي أهل المدينة الفاضلة المنشودة للحكماء من قبل ، فجاءت الآية بهذا الأمر على هذا الأسلوب البليغ الموجز.\rوفي هذا محسن التجريد : جردت من المخاطبين أمة أخرى للمبالغة في هذا الحكم كما يقال : لفلان من بنيه أنصار.\rوالمقصود : ولتكونوا آمرين بالمعروف ناهين عن المنكر حتى تكونوا أمة هذه صفتها ، وهذا هو الأظهر فيكون جميع أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم قد خوطبوا بأن يكونوا دعاة إلى الخير ، ولا جرم فهو الذين تلقوا الشريعة من رسول الله صلى الله عليه وسلم مباشرة ، فهم أولى الناس بتبليغها.\rوأعلم بمشاهدها وأحوالها ، ويشهد لهذا قوله صلى الله عليه وسلم في مواطن كثيرة \"ليبلغ الشاهد الغائب ألا هل بلغت\" وإلى هذا المحمل مال الزجاج وغير واحد من المفسرين ، كما قاله ابن عطية.","part":15,"page":332},{"id":6472,"text":"ويجوز أيضا ، على اعتبار الضمير خطابا لأصحاب محمد صلى الله عليه وسلم ، أن تكون من للتبعيض ، والمراد من الأمة الجماعة والفريق ، أي : وليكن بعضكم فريقا يدعون إلى الخير فيكون الوجوب على جماعة من الصحابة فقد قال ابن عطية : قال الضحاك ، والطبري : أمر المؤمنين أن تكون منهم جماعة بهذه الصفة.\rفهم خاصة أصحاب الرسول وهم خاصة الرواة.\rوأقول : على هذا يثبت حكم الوجوب على كل جيل بعدهم بطريق القياس لئلا يتعطل الهدى. أ هـ {التحرير والتنوير حـ 3 صـ 178 ـ 180}\rفصل\rقال الفخر : \rفي قوله {مّنكُمْ} قولان\rأحدهما : أن {مِنْ} ههنا ليست للتبعيض لدليلين\rالأول : أن الله تعالى أوجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر على كل الأمة في قوله {كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بالمعروف وَتَنْهَوْنَ عَنِ المنكر} [ آل عمران : 110 ]\rوالثاني : هو أنه لا مكلف إلا ويجب عليه الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، إما بيده ، أو بلسانه ، أو بقلبه ، ويجب على كل أحد دفع الضرر عن النفس إذا ثبت هذا فنقول : معنى هذه الآية كونوا أمة دعاة إلى الخير آمرين بالمعروف ناهين عن المنكر ، وأما كلمة {مِنْ} فهي هنا للتبيين لا للتبعيض كقوله تعالى : {فاجتنبوا الرجس مِنَ الأوثان} [ الحج : 30 ] ويقال أيضاً : لفلان من أولاده جند وللأمير من غلمانه عسكر يريد بذلك جميع أولاده وغلمانه لا بعضهم ، كذا ههنا ، ثم قالوا : إن ذلك وإن كان واجباً على الكل إلا أنه متى قام به قوم سقط التكليف عن الباقين ، ونظيره قوله تعالى : {انفروا خِفَافًا وَثِقَالاً} [ التوبة : 41 ] وقوله {إِلاَّ تَنفِرُواْ يُعَذّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا} [ التوبة : 39 ] فالأمر عام ، ثم إذا قامت به طائفة وقعت الكفاية وزال التكليف عن الباقين.","part":15,"page":333},{"id":6473,"text":"والقول الثاني : أن {مِنْ} ههنا للتبعيض ، والقائلون بهذا القول اختلفوا أيضاً على قولين\rأحدهما : أن فائدة كلمة {مِنْ} هي أن في القوم من لا يقدر على الدعوة ولا على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر مثل النساء والمرضى والعاجزين\rوالثاني : أن هذا التكليف مختص بالعلماء ويدل عليه وجهان\rالأول : أن هذه الآية مشتملة على الأمر بثلاثة أشياء : الدعوة إلى الخير ، والأمر بالمعروف ، والنهي عن المنكر ، ومعلوم أن الدعوة إلى الخير مشروطة بالعلم بالخير وبالمعروف وبالمنكر ، فإن الجاهل ربما عاد إلى الباطل وأمر بالمنكر ونهى عن المعروف ، وربما عرف الحكم في مذهبه وجهله في مذهب صاحبه فنهاه عن غير منكر ، وقد يغلظ في موضع اللين ويلين في موضع الغلظة ، وينكر على من لا يزيده إنكاره إلا تمادياً ، فثبت أن هذا التكليف متوجه على العلماء ، ولا شك أنهم بعض الأمة ، ونظير هذه الآية قوله تعالى : {فَلَوْلاَ نَفَرَ مِن كُلّ فِرْقَةٍ مّنْهُمْ طَائِفَةٌ لّيَتَفَقَّهُواْ فِى الدين} [ التوبة : 122 ]\rوالثاني : أنا جمعنا على أن ذلك واجب على سبيل الكفاية بمعنى أنه متى قام به البعض سقط عن الباقين ، وإذا كان كذلك كان المعنى ليقم بذلك بعضكم ، فكان في الحقيقة هذا إيجاباً على البعض لا على الكل ، والله أعلم.\rوفيه قول رابع : وهو قول الضحاك : إن المراد من هذه الآية أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم لأنهم كانوا يتعلمون من الرسول عليه السلام ويعلمون الناس ، والتأويل على هذا الوجه كونوا أمة مجتمعين على حفظ سنن الرسول صلى الله عليه وسلم وتعلم الدين. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 8 صـ 145 ـ 146}\rوقال القرطبى : \rو \"مِن\" في قوله \"مِنكم\" للتبعيض ، ومعناه أن الآمِرِين يجب أن يكونوا علماء وليس كل الناس علماء.","part":15,"page":334},{"id":6474,"text":"وقيل : لبيان الجنس ، والمعنى لتكونوا كلكم كذلك.\rقلت : القول الأوّل أصح ؛ فإنه يدل على أن الأمر بالمعروف والنهيّ عن المنكر فرض على الكفاية ، وقد عيّنهم الله تعالى بقوله : {الذين إِنْ مَّكَّنَّاهُمْ فِي الأرض أَقَامُواْ الصلاة} [ الحج : 41 ] الآية.\rوليس كل الناس مُكِّنُوا.\rوقرأ ابن الزبير : \"وَلْتَكُنَ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ المُنكَرِ ويَستَعينونَ اللَّهَ على ما أصابهم\".\rقال أبو بكر الأنباري : وهذه الزيادة تفسير من ابن الزبير ، وكلام من كلامه غَلِط فيه بعض الناقلين فألحقه بألفاظ القرآن ؛ يدلّ على صحة ما أصِفُ الحديثُ الذي حدّثنيه أبي حدّثنا ( حسن ) بن عرفة حدّثنا وكيع عن أبي عاصم عن أبي عون عن صبيح قال : سمعت عثمان بن عفّان يقرأ \"ويأمرون بِالمعروفِ وَيَنْهَوْنَ عن المنكرِ ويستعينون الله على ما أصابهم\" فما يشكّ عاقل في أن عثمان لا يعتقد هذه الزيادة من القرآن ؛ إذ لم يكتبها في مصحفه الذي هو إمام المسلمين ، وإنما ذكرها واعظاً بها ومؤكِّداً ما تقدمها من كلام رب العالمين جل وعلا. أ هـ {تفسير القرطبى حـ 4 صـ 165 ـ 166}\rفصل\rقال الفخر : \rهذه الآية اشتملت على التكليف بثلاثة أشياء ، أولها : الدعوة إلى الخير ثم الأمر بالمعروف ، ثم النهي عن المنكر ، ولأجل العطف يجب كون هذه الثلاثة متغايرة ، فنقول : أما الدعوة إلى الخير فأفضلها الدعوة إلى إثبات ذات الله وصفاته وتقديسه عن مشابهة الممكنات وإنما قلنا إن الدعوة إلى الخير تشتمل على ما ذكرنا لقوله تعالى : {ادع إلى سَبِيلِ رَبّكَ بالحكمة} [ النحل : 125 ] وقوله تعالى : {قُلْ هذه سَبِيلِى ادعوا إلى الله على بَصِيرَةٍ أَنَاْ وَمَنِ اتبعنى} [ يوسف : 108 ].","part":15,"page":335},{"id":6475,"text":"إذا عرفت هذا فنقول : الدعوة إلى الخير جنس تحته نوعان\rأحدهما : الترغيب في فعل ما ينبغي وهو بالمعروف\rوالثاني : الترغيب في ترك ما لا ينبغي وهو النهي عن المنكر فذكر الجنس أولاً ثم أتبعه بنوعية مبالغة في البيان ، وأما شرائط الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، فمذكورة في كتب الكلام. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 8 صـ 146}\rفائدة\rقال السمرقندى : \rيقال : إن الأمراء ، يجب عليهم الأمر والنهي باليد ، والعلماء باللسان ، والعوام بالقلب ، وهنا كما قال عليه الصلاة والسلام : \" إذا رَأَى أَحَدٌ مُنْكَراً ، فَلْيُغَيِّرْهُ بِيَدِهِ ، فإنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِلِسَانِهِ ، فَإنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِقَلْبِهِ ، وذلك أَضْعَفُ الإيمانِ \"\rوروي عن عبد الله بن مسعود أنه قال : بحسب امرىء إذا رأى منكراً ، لا يستطيع النكير أن يعلم الله من قلبه أنه كاره.\rوروي عن بعض الصحابة أنه قال : إن الرجل إذا رأى منكراً ، لا يستطيع النكير عليه ، فليقل ثلاث مرات : اللهم إِنَّ هذا منكر ، فإذا قال ذلك فقد فعل ما عليه. أ هـ {بحر العلوم حـ 1 صـ 261}","part":15,"page":336},{"id":6476,"text":"فصل\rقال ابن عاشور : \rإن الدعوة إلى الخير تتفاوت : فمنها ما هو بين يقوم به كل مسلم ، ومنها ما يحتاج إلى علم فيقوم به أهله ، وهذا هو المسمى بفرض الكفاية ، يعني إذ قام به بعض الناس كفى عن قيام الباقين ، وتتعين الطائفة التي تقوم بها بتوفر شروط القيام بمثل ذلك الفعل فيها ، كالقوة على السلاح في الحرب ، وكالسباحة في إنقاذ الغريق ، والعلم بأمور الدين في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، وكذلك تعين العدد الذي يكفي للقيام بذلك الفعل مثل كون الجيش نصف عدد جيش العدو ، ولما كان الأمر يستلزم متعلقا فلمأمور في فرض الكفاية الفريق الذين فيهم الشروط ، ومجموع أهل البلد ، أو القبيلة ، لتنفيذ ذلك ، فإذا قام به العدد الكافي ممن فيهم الشروط سقط التكليف عن الباقين ، وإذا لم يقوموا به كان الإثم على البلد أو القبيلة ، لسكوت جميعهم ، ولتقاعس الصالحين للقيام بذلك ، مع سكوتهم أيضا ثم إذا قام به البعض فإنما يثاب ذلك البعض خاصة.\rومعنى الدعاء إلى الخير الدعاء إلى الإسلام ، وبث دعوة النبي صلى الله عليه وسلم ، فإن الخير اسم يجمع خصال الإسلام : ففي حديث حذيفة بن اليمان \"قلت : يا رسول الله إنا كنا في جاهلية وشر فجاءنا الله بهذا الخير فهل بعد هذا الخير من شر\" الحديث ، ولذلك يكون عطف الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر عليه من عطف الشيء على مغايره ، وهو أصل العطف.\rوقيل : أريد بالخير ما يشمل جميع الخيرات ، ومنها الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، فيكون العطف من عطف الخاص على العام للاهتمام به.\rوحذفت مفاعيل يدعون ويأمرون وينهون لقصد التعميم أي يدعون كل أحد كما في قوله تعالى : {وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى دَارِ السَّلامِ} [يونس : 25].","part":15,"page":337},{"id":6477,"text":"والمعروف هو ما يعرف وهو مجاز في المقبول المرضي به ، لأن الشيء إذا كان معروفا كان مألوفا مقبولا مرضيا به ، وأريد به هنا ما يقبل عند أهل العقول ، وفي الشرائع ، وهو الحق والصلاح ، لأن ذلك مقبول عند انتفاء العوارض.\rوالمنكر مجاز في المكروه ، والكره لازم للإنكار لأن المنكر في أصل اللسان هو الجهل ومنه تسمية غير المألوف نكرة ، وأريد به هنا الباطل والفساد ، لأنهما من المكروه في الجبلة عند انتفاء العوارض.\rوالتعريف في الخير ، والمعروف ، والمنكر تعريف الاستغراق ، فيفيد العموم في المعاملات بحسب ما ينتهي إليه العلم والمقدرة فيشبه الاستغراق العرفي.\rومن المفسرين من عين جعل من في قوله تعالى : {وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ} للبيان ، وتأول الكلام بتقدير تقديم البيان على المبين فيصير المعنى : ولتكن أمة هي انتم أي ولتكونوا أمة يدعون ، محاولة للتسوية بين مضمون هذه الآية ، ومضمون قوله تعالى : {كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ} [آل عمران : 110] ومساواة معنيي الآيتين غير متعينة لجواز أن يكون المراد من خير أمة هاته الأمة ، التي قامت بالأمر بالمعروف ، على ماسنبينه هنالك.\rوالآية أوجبت أن تقوم طائفة من المسلمين بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، ولاشك أن الأمر والنهي من أقسام القول والكلام ، فالمكلف به هو بيان المعروف ، والأمر به ، وبيان المنكر ، والنهي عنه ، وأما امتثال المأمورين والمنهيين لذلك ، فموكول إليهم أو إلى ولاة الأمور الذين يحملونهم على فعل ما أمروا به ، وأما ما وقع في الحديث \"من رأى منكم منكرا فليغيره بيده فأن لم يستطيع فبلسانه فأن لم يستطع فبقلبه\" فذلك مرتبة التغيير ، والتغيير يكون باليد ، ويكون بالقلب أي تمني التغيير ، وأما الأمر والنهي فلا يكونان بهما.","part":15,"page":338},{"id":6478,"text":"والمعروف والمنكر إن كانا ضروريين كان لكل مسلم أن يأمر وينهي فيهما ، وان كانا نظريين ، فأنما يقوم بالأمر والنهي فيهما أهل العلم.\rوللأمر بالمعروف والنهي عن المنكر شروط مبينة في الفقه والآداب الشرعية ، ألا أني أنبه إلى شرط ساء فهم بعض الناس فيه وهو قول بعض الفقهاء : يشترط ألا يجر النهي إلى منكر أعظم.\rوهذا شرط قد خرم مزية الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، وأتخذه المسلمون ذريعة لترك هذا الواجب.\rولقد ساء فهمهم فيه إذ مراد مشترطه أن يتحقق الأمر أن أمره يجر إلى منكر أعظم لا أن يخاف أن يتوهم إذ الوجوب قطعي لا يعارضه إلا ظن أقوى.\rولما كان تعيين الكفاءة للقيام بهذا الفرض ، في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، لتوقفه على مراتب العلم بالمعروف والمنكر ، ومراتب القدرة على التغيير ، وإفهام الناس ذلك ، رأى أئمة المسلمين تعيين ولاة للبحث عن المناكر وتعيين كيفية القيام بتغييرها ، وسموا تلك الولاية بالحسبة ، وقد أولى عمر بن الخطاب في هاته الولاية أم الشفاء ، \rوأشهر من وليها في الدولة العباسية أبن عائشة ، وكان رجلا صلبا في الحق ، وتسمى هذه الولاية في المغرب ولاية السوق وقد ولياها في قرطبة الأمام محمد بن خالد بن مرتنيل القرطبي المعروف بالأشج من أصحاب ابن القاسم توفي سنة 220.\rوكانت في الدولة الحفصية ولاية الحسبة من الولايات النبيهة وربما ضمت إلى القضاء كما كان الحال في تونس بعد الدولة الحفصية. أ هـ {التحرير والتنوير حـ 3 صـ 181 ـ 183}\rفصل\rقال البغوى : \rقال أبو سعيد رضي الله عنهما سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : \"من رأى منكم منكرًا فليغيره بيده فإن لم يستطع فبلسانه فإن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان\". {أخرجه مسلم في الإيمان باب بيان كون النهي عن المنكر من الإيمان برقم (78) : 1 / 69}.","part":15,"page":339},{"id":6479,"text":"عن حذيفة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : \"والذي نفسي بيده لتأمُرُنَّ بالمعروف ولتنهونّ عن المنكر أو ليوشِكَنَّ الله أن يبعث عليكم عذابًا من عنده ثم لتدْعُنّه فلا يستجاب لكم\". {أخرجه الترمذي في الفتن باب ما جاء في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر : 6 / 391 وقال : هذا حديث حسن والإمام أحمد في المسند : 5 / 388 والبغوى في شرح السنة : 14 / 345. قال الهيثمي : رواه الطبراني في الأوسط والبزار عن أبي هريرة وفيه حبان بن علي وهو متروك وقد وثقه ابن معين في رواية وضعفه في أخرى. مجمع الزوائد : 7 / 266}.","part":15,"page":340},{"id":6480,"text":"عن قيس بن أبي حازم ، قال : سمعت أبا بكر الصديق رضي الله عنه يقول : يا أيها الناس إنكم تقرؤون هذه الآية : {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ} فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : \"إن الناس إذا رأوا منكرا فلم يغيروه يوشك أن يعمهم الله تعالى بعذابه\". {أخرجه أبو دواد في الملاحم باب الأمر والنهي : 6 / 187 ، وعزاه المنذري للنسائي ، وأخرجه الترمذي في الفتن باب ما جاء في نزول العذاب إذا لم يغيروا المنكر : 6 / 388 - 389 وفي التفسير سورة المائدة 8 / 422 - 423 وقال : حديث حسن صحيح. وابن ماجه في الفتن باب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر برقم (4005) : 2 / 1327 وأحمد في المسند : 1 / 7 وابن حبان ص (455) من موارد الظمآن والمصنف في شرح السنة : 14 / 344 وأبو بكر المروزي في مسند أبي بكر الصديق برقم (86 - 88) ص 130 - 131 وقال الحافظ ابن كثير في التفسير : 2 / 110 \" وقد روى هذا الحديث أصحاب السنن الأربعة وابن حبان في صحيحه وغيرهم من طرق كثيرة عن جماعة كثيرة عن إسماعيل بن أبي خالد به متصلا مرفوعا ومنهم من رواه عنهم موقوفا على الصديق. وقد رجح رفعه الدارقطني وغيره\". وانظر : سلسلة الأحاديث الصحيحة للألباني : 4 / 88 - 89}.","part":15,"page":341},{"id":6481,"text":"عن النعمان بن بشير رضي الله عنه يقول : قال النبي صلى الله عليه وسلم : \"مثل المداهن في حدود الله تعالى والواقع فيها ، كمثل قوم اسْتَهَمُوا على سفينة فصار بعضهم في أسفلها وصار بعضهم في أعلاها ، فكان الذين في أسفلها يمرون بالماء على الذين في أعلاها ، فتأذوا به فأخذ فأسا فجعل ينقر أسفل السفينة ، فأتوه فقالوا : مالك ؟ فقال تأذيتم بي ولا بد لي من الماء فإن أخذوا على يديه أنْجوه ونَجَّوا أنفسهم وإن تركوه أهلكوه وأهلكوا أنفسهم\". {أخرجه البخاري في الشهادات باب القرعة في المشكلات : 5 / 292 بلفظه ، وأخرجه المصنف في شرح السنة : 14 / 342 بألفاظ مقاربة}. أ هـ {تفسيرالبغوى حـ 2 صـ 85 ـ 86}. بتصرف يسير.\rقوله تعالى : {وأولئك هُمُ المفلحون}\rفصل\rقال الفخر : ","part":15,"page":342},{"id":6482,"text":"منهم من تمسك بهذه الآية في أن الفاسق ليس له أن يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر ، قال لأن هذه الآية تدل على أن الآمر بالمعروف والناهي عن المنكر من المفلحين ، والفاسق ليس من المفلحين ، فوجب أن يكون الآمر بالمعروف ليس بفاسق ، وأجيب عنه بأن هذا ورد على سبيل الغالب فإن الظاهر أن من أمر بالمعروف ونهى عن المنكر لم يشرع فيه إلا بعد صلاح أحوال نفسه ، لأن العاقل يقدم مهم نفسه على مهم الغير ، ثم إنهم أكدوا هذا بقوله تعالى : {أَتَأْمُرُونَ الناس بالبر وَتَنسَوْنَ أَنفُسَكُم} [ التوبة : 44 ] قوله {لِمَ تَقُولُونَ مَا لاَ تَفْعَلُونَ * كَبُرَ مَقْتاً عِندَ الله أَن تَقُولُواْ مَا لاَ تَفْعَلُونَ} [ الصف : 2 ، 3 ] ولأنه لو جاز ذلك لجاز لمن يزني بامرأة أن يأمرها بالمعروف في أنها لم كشفت وجهها ؟ ومعلوم أن ذلك في غاية القبح ، والعلماء قالوا : الفاسق له أن يأمر بالمعروف لأنه وجب عليه ترك ذلك المنكر ووجب عليه النهي عن ذلك المنكر ، فبأن ترك أحد الواجبين لا يلزمه ترك الواجب الآخر ، وعن السلف : مروا بالخير وإن لم تفعلوا ، وعن الحسن أنه سمع مطرف بن عبد الله يقول : لا أقول ما لا أفعل ، فقال : وأينا يفعل ما يقول ؟ ودَّ الشيطان لو ظفر بهذه الكلمة منكم فلا يأمر أحد بمعروف ولا ينهى عن المنكر. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 8 صـ 146 ـ 147}\rقال ابن عاشور : \rوجملة {وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} معطوفة على صفات أمة وهي التي تضمنتها جمل {يَدْعُونَ إِلَى الخيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ} والتقدير : وهم مفلحون : لأن الفلاح لما كان مسببا على تلك الصفات الثلاث جعل بمنزلة صفة لهم ، ويجوز جعل جملة {وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} حالا من أمة ، والواو للحال.","part":15,"page":343},{"id":6483,"text":"والمقصود بشارتهم بالفلاح الكامل إن فعلوا ذلك.\rوكان مقتضى الظاهر فصل هذه الجملة عما قبلها بدون عطف ، مثل فصل جملة {أُولَئِكَ عَلَى هُدىً مِنْ رَبِّهِمْ} [البقرة : 5] لكن هذه عطفت أو جاءت حالا لأن مضمونها جزاء عن الجمل التي قبلها ، فهي أجدر بأن تلحق بها.\rومفاد هذه الجملة قصر صفة الفلاح عليهم ، فهو أما قصر إضافي بالنسبة لمن لم يقم بذلك مع المقدرة عليه ، وأما قصر أريد به المبالغة لعدم الاعتداد في هذا المقام بفلاح غيرهم ، وهو معنى قصد الدلالة على معنى الكمال. أ هـ {التحرير والتنوير حـ 3 صـ 183}\rفصل\rقال الفخر : \rعن النبي صلى الله عليه وسلم : \" من أمر بالمعروف ونهى عن المنكر كان خليفة الله في أرضه وخليفة رسوله وخليفة كتابه \" وعن علي رضي الله عنه : أفضل الجهاد الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، وقال أيضاً : من لم يعرف بقلبه معروفاً ولم ينكر منكراً نكس وجعل أعلاه أسفله ، وروى الحسن عن أبي بكر الصديق رضي الله عنه أنه قال : يا أيها الناس ائتمروا بالمعروف وانتهوا عن المنكر تعيشوا بخير ، وعن الثوري : إذا كان الرجل محبباً في جيرانه محموداً عند إخوانه فاعلم أنه مداهن. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 8 صـ 147}\rفصل\rقال الفخر : ","part":15,"page":344},{"id":6484,"text":"قال الله سبحانه وتعالى : {وَإِن طَائِفَتَانِ مِنَ المؤمنين اقتتلوا فَأَصْلِحُواْ بَيْنَهُمَا فَإِن بَغَتْ إِحْدَاهُمَا على الأخرى فقاتلوا التى تَبْغِى حتى تَفِىء إلى أَمْرِ الله} [ الحجرات : 9 ] قدم الإصلاح على القتال ، وهذا يقتضي أن يبدأ في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بالأرفق مترقياً إلى الأغلظ فالأغلظ ، وكذا قوله تعالى : {واهجروهن فِى المضاجع واضربوهن} [ النساء : 34 ] يدل على ما ذكرناه ، ثم إذا لم يتم الأمر بالتغليظ والتشديد وجب عليه القهر باليد ، فإن عجز فباللسان ، فإن عجز فبالقلب ، وأحوال الناس مختلفة في هذا الباب. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 8 صـ 147}\rمن فوائد ابن عطية فى الآية\rقال رحمه الله : \rقرأ الحسن والزهري وأبو عبد الرحمن وعيسى بن عمر وأبو حيوة : \" ولِتكن \" بكسر اللام على الأصل ، إذ أصلها الكسر ، وكذلك قرؤوا لام الأمر في جميع القرآن ، قال الضحاك والطبري وغيرهما : أمر المؤمنون أن تكون منهم جماعة بهذه الصفة ، فهم خاصة أصحاب الرسول ، وهم خاصة الرواة.\rقال القاضي : فعلى هذا القول \" من \" للتبعيض ، وأمر الله الأمة بأن يكون منها علماء يفعلون هذه الأفاعيل على وجوهها ويحفظون قوانينها على الكمال ، ويكون سائر الأمة متبعين لأولئك ، إذ هذه الأفعال لا تكون إلا بعلم واسع ، وقد علم تعالى أن الكل لا يكون عالماً ، وذهب الزجّاج وغير واحد من المفسرين ، إلى أن المعنى : ولتكونوا كلكم أمة يدعون ، \" ومن \" لبيان الجنس قال : ومثله من كتاب الله ، {فاجتنبوا الرجس من الأوثان} [ الحج : 30 ] ومثله من الشعر قول القائل : [ البسيط ]\rأَخُوا رَغَائِبَ يُعْطِيها وَيسْأَلُها... يأبى الظُّلامةَ مِنْهُ النُّوفَل الزّفرُ","part":15,"page":345},{"id":6485,"text":"قال القاضي : وهذه الآية على هذا التأويل إنما هي عندي بمنزلة قولك : ليكن منك رجل صالح ، ففيها المعنى الذي يسميه النحويون ، التجريد ، وانظر أن المعنى الذي هو ابتداء الغاية يدخلها ، وكذلك يدخل قوله تعالى : {من الأوثان} ذاتها ولا تجده يدخل قول الشاعر : منه النوفل الزفر ، ولا تجده يدخل في \" من \" التي هي صريح بيان الجنس ، كقولك ثوب من خز ، وخاتم من فضة ، بل هذه يعارضها معنى التبعيض ، ومعنى الآية على هذا التأويل : أمر الأمة بأن يكونوا يدعون جميع العالم إلى الخير ، الكفار إلى الإسلام ، والعصاة إلى الطاعة ، ويكون كل واحد من هذه الأمور على منزلته من العلم والقدرة ، قال أهل العلم : وفرض الله بهذه الآية ، الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، وهو من فروض الكفاية إذا قام به قائم سقط عن الغير ، وللزوم الأمر بالمعروف شروط ، منها أن يكون بمعروف لا بتخرق ، فقد قال صلى الله عليه وسلم : من كان آمراً بمعروف ، فليكن أمره ذلك بمعروف ، ومنها أن لا يخاف الآمر أذى يصيبه ، فإن فعل مع ذلك فهو أعظم لأجره ، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : \" من رأى منكم منكراً فليغيره بيده ، فإن لم يستطع فبلسانه ، فإن لم يستطع فبقلبه ، وذلك أضعف الإيمان \".","part":15,"page":346},{"id":6486,"text":"قال القاضي : والناس في تغيير المنكر والأمر بالمعروف على مراتب ، ففرض العلماء فيه تنبيه الحكام والولاة ، وحملهم على جادة العلم ، وفرض الولاة تغييره بقوتهم وسلطانهم ، ولهم هي اليد ، وفرض سائر الناس رفعه إلى الحكام والولاة بعد النهي عنه قولاً ، وهذا في المنكر الذي له دوام ، وأما إن رأى أحد نازلة بديهة من المنكر ، كالسلب والزنى ونحوه ، فيغيرها بنفسه بحسب الحال والقدرة ، ويحسن لكل مؤمن أن يحتمل في تغيير المنكر ، وإن ناله بعض الأذى ، ويؤيد هذا المنزع أن في قراءة عثمان بن عفان وابن مسعود وابن الزبير \" يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ، ويستعينون بالله على ما أصابهم \" ، فهذا وإن كان لم يثبت في المصحف ، ففيه إشارة إلى التعرض لما يصيب عقب الأمر والنهي ، كما هي في قوله تعالى : {وأمر بالمعروف وانه عن المنكر ، واصبر على ما أصابك} [ لقمان : 17 ] وقوله تعالى : {يا أيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم ، لا يضركم من ضل إذا اهتديتم} [ المائدة : 105 ] معناه إذا لم يقبل منكم ولم تقدروا على تغيير منكره ، وقال بعض العلماء : \" المعروف \" التوحيد ، و{المنكر} الكفر ، والآية نزلت في الجهاد.\rقال الفقيه القاضي : ولا محالة أن التوحيد والكفر هما رأس الأمرين ، ولكن ما نزل عن قدر التوحيد والكفر ، يدخل في الآية ولا بد ، {المفلحون} الظافرون ببغيتهم ، وهذا وعد كريم. أ هـ {المحرر الوجيز حـ 1 صـ 485 ـ 486}","part":15,"page":347},{"id":6487,"text":"ومن فوائد الآلوسى فى الآية\rقال رحمه الله : \r{وَلْتَكُن مّنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الخير} أمرهم سبحانه بتكميل الغير إثر أمرهم بتكميل النفس ليكونوا هادين مهديين على ضد أعدائهم فإن ما قص الله تعالى من حالهم فيما سبق يدل على أنهم ضالون مضلون ، والجمهور على إسكان لام الأمر ، وقرىء بكسرها على الأصل ، و( تكن ) إما من كان التامة فتكون {أُمَّةٍ} فاعلاً وجملة {يَدَّعُونَ} صفته و{مّنكُمْ} متعلق بتكن أو بمحذوف على أن يكون صفة لأمة قدم عليها فصار حالاً. وإما من كان الناقصة فتكون {أُمَّةٍ} اسمها {وَيُدْعَوْنَ} خبرها و{مّنكُمْ} إما حال من أمة أو متعلق بكان الناقصة ، والأمة الجماعة التي تؤم أي تقصد لأمر مّا ، وتطلق على أتباع الأنبياء لاجتماعهم على مقصد واحد وعلى القدوة ؛ ومنه {إِنَّ إبراهيم كَانَ أُمَّةً} [ النحل : 120 ] وعلى الدين والملة ، ومنه {بَلْ قَالُواْ إِنَّا وَجَدْنَا ءابَاءنَا} [ الزخرف : 22 ] وعلى الزمان ، ومنه {وادكر بَعْدَ أُمَّةٍ} [ يوسف : 54 ] إلى غير ذلك من معانيها.\rوالمراد من الدعاء إلى الخير الدعاء إلى ما فيه صلاح ديني أو دنيوي فعطف الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر عليه في قوله سبحانه : ","part":15,"page":348},{"id":6488,"text":"{وَيَأْمُرُونَ بالمعروف وَيَنْهَوْنَ عَنِ المنكر} من باب عطف الخاص على العام إيذاناً بمزيد فضلهما على سائر الخيرات كذا قيل : وقال ابن المنير : \"إن هذا ليس من تلك الباب لأنه ذكر بعد العام جميع ما يتناوله إذ الخير المدعو إليه إما فعل مأمور أو ترك منهي لا يعدو واحداً من هذين حتى يكون تخصيصهما بتميزهما عن بقية المتناولات ، فالأولى أن يقال فائدة هذا التخصيص ذكر الدعاء إلى الخير عاماً ثم مفصلاً ، وفي تثنية الذكر على وجهين ما لا يخفى من العناية إلا إن ثبت عرف يخص الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ببعض أنواع الخير وحينئذ يتم ما ذكر ، وما أرى هذا العرف ثابتاً\" انتهى ، وله وجه وجيه لأن الدعاء إلى الخير لو فسر بما يشمل أمور الدنيا وإن لم يتعلق بها أمر أو نهي كان أعم من فرض الكفاية ولا يخفى ما فيه ، على أنه قد أخرج ابن مردويه عن الباقر رضي الله تعالى عنه قال : \"قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم {وَلْتَكُن مّنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الخير} ثم قال : الخير اتباع القرآن وسنتي\" وهذا يدل أن الدعاء إلى الخير لا يشمل الدعاء إلى أمور الدنيا.","part":15,"page":349},{"id":6489,"text":"ومن الناس من فسر الخير بمعروف خاص وهو الإيمان بالله تعالى وجعل المعروف في الآية ما عداه من الطاعات فحينئذ لا يتأتى ما قاله ابن المنير أيضاً ، ويؤيده ما أخرجه ابن أبي حاتم عن مقاتل أن الخير الإسلام والمعروف طاعة الله والمنكر معصيته ، وحذف المفعول الصريح من الأفعال الثلاثة إما للإعلام بظهوره أي يدعون الناس ولو غير مكلفين ويأمرونهم وينهونهم ، وإما للقصد إلى إيجاد نفس الفعل على حدّ فلان يعطي أي يفعلون الدعاء والأمر والنهي ويوقعونها ، والخطاب قيل متوجه إلى من توجه الخطاب الأول إليه في رأي وهم الأوس والخزرج ، وأخرج ابن المنذر عن الضحاك أنه متوجه إلى أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم خاصة وهم الرواة ، والأكثرون على جعله عاماً ويدخل فيه من ذكر دخولاً أولياً ، و( من ) هنا قيل : للتبعيض ، وقيل : للتبيين وهي تجريدية كما يقال لفلان من أولاده جند وللأمير من غلمانه عسكر يراد بذلك جميع الأولاد والغلمان.","part":15,"page":350},{"id":6490,"text":"ومنشأ الخلاف في ذلك أن العلماء اتفقوا على أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من فروض الكفايات ولم يخالف في ذلك إلا النزر ، ومنهم الشيخ أبو جعفر من الإمامية قالوا : إنها من فروض الأعيان ، واختلفوا في أن الواجب على الكفاية هل هو واجب على جميع المكلفين ويسقط عنهم بفعل بعضهم أو هو واجب على البعض ؟ ذهب الإمام الرازي وأتباعه إلى الثاني للاكتفاء بحصوله من البعض ولو وجب على الكل لم يكتف بفعل البعض إذ يستبعد سقوط الواجب على المكلف بفعل غيره ، وذهب إلى الأول الجمهور وهو ظاهر نص الإمام الشافعي في \"الأم\" ، واستدلوا على ذلك بإثم الجميع بتركه ولو لم يكن واجباً عليهم كلهم لما أثموا بالترك. وأجاب الأولون عن هذا بأن إثمهم بالترك لتفويتهم ما قصد حصوله من جهتهم في الجملة لا للوجوب عليهم ، واعترض عليه من طرف الجمهور بأن هذا هو الحقيق بالاستبعاد أعني إثم طائفة بترك أخرى فعلاً كلفت به. والجواب عنه بأنه ليس الإسقاط عن غيرهم بفعلهم أولى من تأثيم غيرهم بتركهم يقال فيه : بل هو أولى لأنه قد ثبت نظيره شرعاً من إسقاط ما على زيد بأداء عمرو ولم يثبت تأثيم إنسان بترك آخر فيتم ما قاله الجمهور.","part":15,"page":351},{"id":6491,"text":"واعترض القول بأن هذا هو الحقيق بالاستبعاد بأنه إنما يتأتى لو ارتبط التكليف في الظاهر بتلك الطائفة الأخرى بعينها وحدها لكنه ليس كذلك بل كلتا الطائفتين متساويتان في احتمال الأمر لهما وتعلقه بهما من غير مزية لإحداهما على الأخرى فليس في التأثيم المذكور تأثيم طائفة بترك أخرى فعلا كلفت به إذ كون الأخرى كلفت به غير معلوم بل كلتا الطائفتين متساويتان في احتمال كل أن تكون مكلفة به فالاستبعاد المذكور ليس في محله على أنه إذا قلنا بما اختاره جماعة من أصحاب المذهب الثاني من أن البعض مبهم آل الحال إلى أن المكلف طائفة لا بعينها فيكون المكلف القدر المشترك بين الطوائف الصادق بكل طائفة فجميع الطوائف مستوية في تعلق الخطاب بها بواسطة تعلقه بالقدر المشترك المستوي فيها فلا إشكال في اسم الجميع ولا يصير النزاع بهذا بين الطائفتين لفظياً حيث إن الخطاب حينئذ عم الجميع على القولين وكذا الإثم عند الترك لما أن في أحدهما دعوى التعليق بكل واحد بعينه ، وفي الآخر دعوى تعلقه بكل بطريق السراية من تعلقه بالمشترك ، وثمرة ذلك أن من شك أن غيره هل فعل ذلك الواجب لا يلزمه على القول بالسراية ويلزمه على القول بالابتداء ولا يسقط عنه إلا إذا ظن فعل الغير ، ومن هنا يستغنى عن الجواب عما اعترض به من طرف الجمهور فلا يضرنا ما قيل فيه على أنه يقال على ما قيل : ليس الدين نظير ما نحن فيه كلياً لأن دين زيد واجب عليه وحده بحسب الظاهر ولا تعلق له بغيره فلذا صح أن يسقط عنه بأداء غيره ولم يصح أن يأثم غيره بترك أدائه بخلاف ما نحن فيه فإن نسبة الواجب في الظاهر إلى كلتا الطائفتين على السواء فيه فجاز أن يأثم كل طائفة بترك غيرها لتعلق الوجوب بها بحسب الظاهر واستوائها مع غيرها في التعلق.","part":15,"page":352},{"id":6492,"text":"وأما قولهم : ولم يثبت تأثيم إنسان بأداء آخر فهو لا يطابق البحث إذ ليس المدعي تأثيم أحد بأداء غيره بل تأثيمه بترك فالمطابق ولم يثبت تأثيم إنسان بترك أداء آخر ويتخلص منه حينئذ بأن التعلق في الظاهر مشترك في سائر الطوائف فيتم ما ذهب إليه الإمام الرازي وأتباعه وهو مختار ابن السبكي خلافاً لأبيه ، إذا تحقق هذا فاعلم أن القائلين بأن المكلف البعض قالوا : إن من للتبعيض ، وأن القائلين بأن المكلف الكل قالوا : إنها للتبيين ، وأيدوا ذلك بأن الله تعالى أثبت الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لكل الأمة في قوله سبحانه : {كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بالمعروف وَتَنْهَوْنَ عَنِ المنكر} [ آل عمران : 110 ] ولا يقتضي ذلك كون الدعاء فرض عين فإن الجهاد من فروض الكفاية بالاجماع مع ثبوته بالخطابات العامة فتأمل.","part":15,"page":353},{"id":6493,"text":"{وَأُوْلئِكَ} أي الموصوفون بتلك الصفات الكاملة. {هُمُ المفلحون} أي الكاملون في الفلاح وبهذا صح الحصر المستفاد من الفصل وتعريف الطرفين ، أخرج الإمام أحمد وأبو يعلى عن درة بنت أبي لهب قالت : سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم من خير الناس ؟ قال : \" آمرهم بالمعروف وأنهاهم عن المنكر وأتقاهم لله تعالى وأوصلهم للرحم \" وروى الحسن من أمر بالمعروف ونهى عن المنكر فهو خليفة الله تعالى وخليفة رسوله الله صلى الله عليه وسلم وخليفة كتابه ، وروى لتأمرون بالمعروف ولتنهون عن المنكر أو ليسلطن الله تعالى عليكم سلطاناً ظالماً لا يجل كبيركم ولا يرحم صغيركم ويدعو خياركم فلا يستجاب لهم وتستنصرون فلا تنصرون والأمر بالمعروف يكون واجباً ومندوباً على حسب ما يؤمر به والنهي عن المنكر كذلك أيضاً إن قلنا إن المكروه منكر شرعاً ، وأما إن فسر بما يستحق العقاب عليه كما أن المعروف ما يستحق الثواب عليه فلا يكون إلا واجباً ، وبه قال بعضهم إلا أنه يرد أنهما ليسا على طرفي نقيض والأظهر أن العاصي يجب عليه أن ينهى عما يرتكبه لأنه يجب عليه نهي كل فاعل وترك نهي بعض وهو نفسه لا يسقط عنه وجوب نهي الباقي وكذا يقال في جانب الأمر ولا يعكر على ذلك قوله تعالى : ","part":15,"page":354},{"id":6494,"text":"{لِمَ تَقُولُونَ مَا لاَ تَفْعَلُونَ} [ الصف : 2 ] لأنه مؤل بأن المراد نهيه عن عدم الفعل لا عن القول ولا قوله سبحانه : {أَتَأْمُرُونَ الناس بالبر وَتَنسَوْنَ أَنفُسَكُمْ} [ البقرة : 44 ] لأن التوبيخ إنما هو على نسيان أنفسهم لا على أمرهم بالبر ، وعن بعض السلف مروا بالخير وإن لم تفعلوا ، نعم للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر شروط معروفة محلها والأصل فيهما افعل كذا ولا تفعل كذا ، والقتال ليمتثل المأمور والمنهي أمر وراء ذلك وليس داخلاً في حقيقتهما وإن وجب على بعض كالأمراء في بعض الأحيان لأن ذلك حكم آخر كما يشعر به قوله صلى الله عليه وسلم : \" مروا أولادكم بالصلاة وهم أبناء سبع سنين واضربوهم عليها وهم أبناء عشر سنين وفرقوا بينهم في المضاجع \". أ هـ {روح المعانى حـ 4 صـ 20 ـ 23}\rمن لطائف الإمام القشيرى فى الآية\rهذه إشارة إلى أقوامٍ قاموا بالله لله ، لا تأخذهم لومة لائم ، ولا تقطعهم عن الله استنامة إلى علة ، وقفوا جملتهم على دلالات أمره ، وقصَرُوا أنفاسَهم واستغرقوا أعمارَهم على تحصيل رضاه ، عملوا لله ، ونصحوا الدين لله ، ودَعَوْا خَلْقَ الله إلى الله ، فَرَبِحَتْ تجارتُهم ، وما خَسِرتْ صفقتهم. أ هـ {لطائف الإشارات حـ 1 صـ 268}","part":15,"page":355},{"id":6495,"text":"كلام نفيس لحجة الإسلام الغزالى\rقال عليه الرحمة :\rإن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر هو القطب الأعظم في الدين وهو المهم الذي ابتعث الله له النبيين أجمعين ولو طوى بساطه وأهمل علمه وعمله لتعطلت النبوة واضمحلت الديانة وعمت الفترة وفشت الضلالة وشاعت الجهالة واستشرى الفساد واتسع الخرق وخربت البلاد وهلك العباد ولم يشعروا بالهلاك إلا يوم التناد وقد كان الذي خفنا أن يكون فإنا لله وإنا إليه راجعون إذ قد اندرس من هذا القطب عمله وعلمه وانمحق بالكلية حقيقته ورسمه فاستولت على القلوب مداهنة الخلق وانمحت عنها مراقبة الخالق واسترسل الناس في اتباع الهوى والشهوات استرسال البهائم وعز على بساط الأرض مؤمن صادق لا تأخذه في الله لومة لائم فمن سعى في تلافي هذه الفترة وسد هذه الثلمة إما متكفلا بعملها أو متقلدا لتنفيذها مجددا لهذه السنة الداثرة ناهضا بأعبائها ومتشمرا في إحيائها كان مستأثرا من بين الخلق بإحياء سنة أفضى الزمان إلى إماتتها ومستبدا بقربة تتضاءل درجات القرب دون ذروتها.\rوقال أيضا :\rقوله تعالى {ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر وأولئك هم\rالمفلحون}\rفي الآية بيان الإيجاب فإن قوله تعالى {ولتكن} أمر وظاهر الأمر الإيجاب وفيها بيان أن الفلاح منوط به إذ حصر وقال {وأولئك هم المفلحون} وفيها بيان أنه فرض كفاية لا فرض عين وأنه إذا قام به أمة سقط الفرض عن الآخرين إذ لم يقل كونوا كلكم آمرين بالمعروف بل قال ولتكن منكم أمة فإذا مهما قام به واحد أو جماعة سقط الحرج عن الآخرين واختص الفلاح بالقائمين به المباشرين وإن تقاعد عنه الخلق أجمعون عم الحرج كافة القادرين عليه لا محالة. أ هـ {الإحياء حـ 2 صـ 206 ـ 207}. بتصرف يسير","part":15,"page":356},{"id":6496,"text":"قوله تعالى {وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (105)}\rمناسبة الآية لما قبلها\rقال البقاعى : \rولما أمر بذلك أكده بالنهي عما يضاده معرضاً بمن نزلت هذه الآيات فيهم من أهل الكتاب مبكتاً لهم بضلالهم واختلافهم في دينهم على أنبيائهم فقال : {ولا تكونوا كالذين تفرقوا} بما ابتدعوه في أصول دينهم وبما ارتكبوه من المعاصي ، فقادهم ذلك ولا بد إلى التخاذل والتواكل والمداهنة التي قصدوا بها المسالمة فجرتهم إلى المصارمة.\rولما كان التفرق ربما كان بالأبدان فقط مع الاتفاق في الآراء بيَّن أن الأمر ليس كذلك فقال : {واختلفوا} بما أثمر لهم الحقد الحامل على الاتصاف بحالة من يظن أنهم جميع وقلوبهم شتى.\rولما ذمهم بالاختلاف الذي دل العقل على ذمه زاد في تقبيحه بأنهم خالفوا فيه بعد نهي العقل واضح النقل فقال : {من} أي وابتدأ اختلافهم من الزمان الذي هو من {بعد ما جاءهم} وعظمه بإعرائه عن التأنيث {البينات} أي بما يجمعهم ويعليهم ويرفعهم ويوجب اتفاقهم وينفعهم ، فأرداهم ذلك الافتراق وأهلكهم.\rولما كان التقدير : فأولئك قد تعجلوا الهلاك في الدنيا فهم الخائبون ، عطف عليه قوله : {وأولئك} أي البعداء البغضاء {لهم عذاب عظيم} أي في الدار الآخرة بعد عذاب الدنيا باختلافهم منابذين لما من شأنه الجمع ، والآية من الاحتباك : إثبات \" المفلحون \" أولاً يدل على \" الخاسرون \" ثانياً ، والعذاب العظيم ثانياً يدل على النعيم المقيم أولاً. أ هـ {نظم الدرر حـ 2 صـ 133}","part":15,"page":357},{"id":6497,"text":"فصل\rقال الفخر : \rفي النظم وجهان\rالأول : أنه تعالى ذكر في الآيات المتقدمة أنه بيّن في التوراة والإنجيل ما يدل على صحة دين الإسلام وصحة نبوّة محمد صلى الله عليه وسلم ، ثم ذكر أن أهل الكتاب حسدوا محمداً صلى الله عليه وسلم واحتالوا في إلقاء الشكوك والشبهات في تلك النصوص الظاهرة ، ثم إنه تعالى أمر المؤمنين بالإيمان بالله والدعوة إلى الله ، ثم ختم ذلك بأن حذر المؤمنين من مثل فعل أهل الكتاب ، وهو إلقاء الشبهات في هذه النصوص واستخراج التأويلات الفاسدة الرافعة لدلالة هذه النصوص فقال : {وَلاَ تَكُونُواْ} أيها المؤمنون عند سماع هذه البينات {كالذين تَفَرَّقُواْ واختلفوا} من أهل الكتاب {مِن بَعْدِ مَا جَاءهُمُ} في التوراة والإنجيل تلك النصوص الظاهرة ، فعلى هذا الوجه تكون الآية من تتمة جملة الآيات المتقدمة\rوالثاني : وهو أنه تعالى لما أمر بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، وذلك مما لا يتم إلا إذا كان الآمر بالمعروف قادراً على تنفيذ هذا التكليف على الظلمة والمتغالين ، ولا تحصل هذه القدرة إلا إذا حصلت الإلفة والمحبة بين أهل الحق والدين ، لا جرم حذرهم تعالى من الفرقة والاختلاف لكي لا يصير ذلك سبباً لعجزهم عن القيام بهذا التكليف ، وعلى هذا الوجه تكون هذه الآية من تتمة الآية السابقة فقط. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 8 صـ 147}\rفصل\rقال الفخر : \rقوله {تَفَرَّقُواْ واختلفوا} فيه وجوه\rالأول : تفرقوا واختلفوا بسبب اتباع الهوى وطاعة النفس والحسد ، كما أن إبليس ترك نص الله تعالى بسبب حسده لآدم\rالثاني : تفرقوا حتى صار كل فريق منهم يصدق من الأنبياء بعضاً دون بعض ، فصاروا بذلك إلى العداوة والفرقة\rالثالث : صاروا مثل مبتدعة هذه الأمة ، مثل المشبهة والقدرية والحشوية. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 8 صـ 148}","part":15,"page":358},{"id":6498,"text":"وقال القرطبى : \rيعني اليهود والنصارى في قول جمهور المفسرين.\rوقال بعضهم : هم المبتدِعة من هذه الأمة.\rوقال أبو أمامة : هم الحَرُورِيّة ؛ وتلا الآية.\rوقال جابر بن عبد الله : \"الّذِينَ تَفَرّقُوا واختلفوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّناتُ\" اليهود والنصارى. أ هـ {تفسير القرطبى حـ 4 صـ 166}\rفائدة\rقال ابن عاشور : \rوقدم الافتراق على الاختلاف للإيذان بأن الاختلاف علة التفرق وهذا من المفادات الحاصلة من ترتيب الكلام وذكر الأشياء مع مقارنتها ، وفي عكسه قوله تعالى : {وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ} [البقرة : 282].\rوفيه إشارة إلى أن الاختلاف المذموم والذي يؤدي إلى الافتراق ، وهو الاختلاف في أصول الديانة الذي يفضي إلى تكفير بعض الأمة بعضا ، أو تفسيقه ، دون الاختلاف في الفروع المبينة على اختلاف مصالح الأمة في الأقطار والأعصار ، وهو المعبر عنه بالاجتهاد.\rونحن إذا تقصينا تاريخ المذاهب الإسلامية لا نجد افتراقا نشأ بين المسلمين إلا عن اختلاف في العقائد والأصول ، دون الاختلاف في الاجتهاد في فروع الشريعة. أ هـ {التحرير والتنوير حـ 3 صـ 183 ـ 184}\rفصل\rقال الفخر : \rقال بعضهم {تَفَرَّقُواْ واختلفوا} معناهما واحد وذكرهما للتأكيد وقيل : بل معناهما مختلف ، ثم اختلفوا فقيل : تفرقوا بالعداوة واختلفوا في الدين ، وقيل : تفرقوا بسبب استخراج التأويلات الفاسدة من تلك النصوص ، ثم اختلفوا بأن حاول كل واحد منهم نصرة قوله ومذهبه والثالث : تفرقوا بأبدانهم بأن صار كل واحد من أولئك الأحبار رئيساً في بلد ، ثم اختلفوا بأن صار كل واحد منهم يدعي أنه على الحق وأن صاحبه على الباطل ، وأقول : إنك إذا أنصفت علمت أن أكثر علماء هذا الزمان صاروا موصوفين بهذه الصفة فنسأل الله العفو والرحمة. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 8 صـ 148}","part":15,"page":359},{"id":6499,"text":"وقال الآلوسى\r{وَلاَ تَكُونُواْ كالذين تَفَرَّقُواْ} وهم اليهود والنصارى قاله الحسن والربيع.\rوأخرج ابن ماجه عن عوف بن مالك قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : \" افترقت اليهود على إحدى وسبعين فرقة فواحدة في الجنة وسبعون في النار وافترقت النصارى على ثنتين وسبعين فرقة فإحدى وسبعون في النار وواحدة في الجنة والذي نفسي بيده لتفترقن أمتي على ثلاث وسبعين فرقة فواحدة في الجنة وثنتان وسبعون في النار قيل : يا رسول الله من هم ؟ قال : الجماعة \" وفي رواية أحمد عن معاوية مرفوعاً \" إن أهل الكتاب تفرقوا في دينهم على ثنتين وسبعين ملة وتفترق هذه الأمة على ثلاث وسبعين كلها في النار إلا واحدة \" ، وفي رواية له أخرى عن أنس مرفوعاً أيضاً \" إن بني إسرائيل تفرقت إحدى وسبعين فرقة فهلكت سبعون فرقة وخلصت فرقة واحدة وإن أمتي ستفترق على اثنتين وسبعين فرقة تهلك إحدى وسبعون فرقة وتخلص فرقة \" ولا تعارض بين هذه الروايات لأن الافتراق حصل لمن حصل على طبق ما وقع فيها في بعض الأوقات وهو يكفي للصدق وإن زاد العدد أو نقص في وقت آخر {واختلفوا} في التوحيد والتنزيه وأحوال المعاد ، قيل : وهذا معنى تفرقوا وكرره للتأكيد ، وقيل : التفرق بالعداوة والاختلاف بالديانة. {مِن بَعْدِ مَا جَاءهُمُ البينات} أي الآيات والحجج المبينة للحق الموجبة لاتحاد الكلمة ، وقال الحسن : التوراة ، وقال قتادة. وأبو أمامة : القرآن {وَأُوْلئِكَ} إشارة إلى المذكورين باعتبار اتصافهم بما في حيز الصلة {لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ} لا يكتنه على تفرقهم واختلافهم المذكور ، وفي ذلك وعيد لهم وتهديد للمتشبهين بهم لأن التشبيه بالمغضوب عليه يستدعي الغضب.","part":15,"page":360},{"id":6500,"text":"ثم إن هذا الاختلاف المذموم محمول كما قيل على الاختلاف في الأصول دون الفروع ويؤخذ هذا التخصيص من التشبيه ، وقيل : إنه شامل للأصول والفروع لما نرى من اختلاف أهل السنة فيها كالماتريدي والأشعري فالمراد حينئذٍ بالنهي عن الاختلاف النهي عن الاختلاف فيما ورد فيه نص من الشارع أو أجمع عليه وليس بالبعيد.\rواستدل على عدم المنع من الاختلاف في الفروع بقوله عليه الصلاة والسلام : \" اختلاف أمتي رحمة \" وبقوله صلى الله عليه وسلم : \" مهما أوتيتم من كتاب الله تعالى فالعمل به لا عذر لأحد في تركه فإن لم يكن في كتاب الله تعالى فسنة مني ماضية فإن لم يكن سنة مني فما قال أصحابي إن أصحابي بمنزلة النجوم في السماء فأيما أخذتم به اهتديتم واختلاف أصحابي لكم رحمة \" ، وأراد بهم صلى الله عليه وسلم خواصهم البالغين رتبة الاجتهاد والمقصود بالخطاب من دونهم فلا إشكال فيه خلافاً لمن وهم ، والروايات عن السلف في هذا المعنى كثيرة.","part":15,"page":361},{"id":6501,"text":"فقد أخرج البيهقي في \"المدخل\" عن القاسم بن محمد قال : اختلاف أصحاب محمد رحمة لعباد الله تعالى ، وأخرجه ابن سعد في \"طبقاته\" بلفظ كان اختلاف أصحاب محمد رحمة للناس ، وفي \"المدخل\" عن عمر بن عبد العزيز قال : ما سرني لو أن أصحاب محمد لم يختلفوا لأنهم لو لم يختلفوا لم تكن رخصة ، واعترض الإمام السبكي بأن اختلاف أمتي رحمة ليس معروفاً عند المحدثين ولم أقف له على سند صحيح ولا ضعيف ولا موضوع ولا أظن له أصلاً إلا أن يكون من كلام الناس بأن يكون أحد قال : اختلاف الأمة رحمة فأخذه بعضهم فظنه حديثاً فجعله من كلام النبوة وما زلت أعتقد أن هذا الحديث لا أصل له ، واستدل على بطلانه بالآيات والأحاديث الصحيحة الناطقة بأن الرحمة تقتضي عدم الاختلاف والآيات أكثر من أن تحصى ، ومن الأحاديث قوله صلى الله عليه وسلم : \" إنما هلكت بنو إسرائيل بكثرة سؤالهم واختلافهم على أنبيائهم \" وقوله عليه الصلاة والسلام : \" لا تختلفوا فتختلف قلوبكم \" وهو وإن كان وارداً في تسوية الصفوف إلا أن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب ، ثم قال : والذي نقطع به أن الاتفاق خير من الاختلاف وأن الاختلاف على ثلاثة أقسام. أحدها : في الأصول ولا شك أنه ضلال وسبب كل فساد وهو المشار إليه في القرآن ، والثاني : في الآراء والحروب ويشير إليه قوله صلى الله عليه وسلم لمعاذ وأبي موسى لما بعثهما إلى اليمن : \"تطاوعا ولا تختلفا\" ولا شك أيضاً أنه حرام لما فيه من تضييع المصالح الدينية والدنيوية ، والثالث : في الفروع كالاختلاف في الحلال والحرام ونحوهما والذي نقطع به أن الاتفاق خير منه أيضاً لكن هل هو ضلال كالقسمين الأولين أم لا ؟ فيه خلاف ، فكلام ابن حزم ومن سلك مسلكه ممن يمنع التقليد يقتضي الأول ، وأما نحن فإنا نجوز التقليد للجاهل والأخذ عند الحاجة بالرخصة","part":15,"page":362},{"id":6502,"text":"من أقوال بعض العلماء من غير تتبع الرخص وهو يقتضي الثاني ، ومن هذا الوجه قد يصح أن يقال : الاختلاف رحمة فإن الرخص منها بلا شبهة وهذا لا ينافي قطعاً القطع بأن الاتفاق خير من الاختلاف فلا تنافي بين الكلامين لأن جهة الخيرية تختلف وجهة الرحمة تختلف ، فالخيرية في العلم بالدين الحق الذي كلف الله تعالى به عباده وهو الصواب عنده والرحمة في الرخصة له وإباحة الإقدام بالتقليد على ذلك ، ورحمة نكرة في سياق الإثبات لا تقتضي العموم فيكتفي في صحته أن يحصل في الاختلاف رحمة مّا في وقت مّا في حالة مّا على وجه مّا فإن كان ذلك حديثاً فيخرج على هذا وكذا إن لم يكنه ، وعلى كل تقدير لا نقول إن الاختلاف مأمور به ، والقول بأن الاتفاق مأمور به يلتفت إلى أن المصيب واحد أم لا ؟ فإن قلنا : إن المصيب واحد وهو الصحيح فالحق في نفس الأمر واحد والناس كلهم مأمورون بطلبه واتفاقهم عليه مطلوب والاختلاف حينئذٍ منهي عنه وإن عذر المخطىء وأثيب على اجتهاده وصرف وسعه لطلب الحق.","part":15,"page":363},{"id":6503,"text":"فقد أخرج البخاري ومسلم وأبو داود والنسائي وابن ماجه من حديث عمرو بن العاص \"إذا حكم الحاكم فاجتهد وأصاب فله أجران وإذا حكم فاجتهد فأخطأ فله أجر\" وكذلك إذا قلنا بالشبه كما هو قول بعض الأصوليين ، وأما إذا قلنا : كل مجتهد مصيب فكل أحد مأمور بالاجتهاد وباتباع ما غلب على ظنه فلا يلزم أن يكونوا كلهم مأمورين بالاتفاق ولا أن لا يكون اختلافهم منهياً عنه ، وإطلاق الرحمة على هذا التقدير في الاختلاف أقوى من إطلاقها على قولنا : المصيب واحد ، هذا كله إذا حملنا الاختلاف في الخبر على الاختلاف في الفروع ، وأما إذا قلنا المراد الاختلاف في الصنائع والحرف فلا شك أن ذلك من نعم الله تعالى التي يطلب من العبد شكرها كما قال الحليمي في \"شعب الإيمان\" ، لكن كان المناسب على هذا أن يقال اختلاف الناس رحمة إذ لا خصوصية للأمة بذلك فإن كل الأمم مختلفون في الصنائع والحرف لا هذه الأمة فقط فلا بد لتخصيص الأمة من وجه ، ووجهه إمام الحرمين بأن المراتب والمناصب التي أعطيتها أمته صلى الله عليه وسلم لم تعطها أمة من الأمم فهي من رحمة الله تعالى لهم وفضله عليهم لكنه لا يسبق من لفظ الاختلاف إلى ذلك ولا إلى الصنائع والحرف ، فالحرفة الإبقاء على الظاهر المتبادر وتأويل الخبر بما تقدم.","part":15,"page":364},{"id":6504,"text":"هذه خلاصة كلامه ولا يخفى أنه مما لا بأس به ، نعم كون الحديث ليس معروفاً عند المحدثين أصلاً لا يخلو عن شيء ، فقد عزاه الزركشي في \"الأحاديث المشتهرة\" إلى كتاب \"الحجة\" لنصر المقدسي ولم يذكر سنده ولا صحته لكن ورد ما يقويه في الجملة مما نقل من كلام السلف ، والحديث الذي أوردناه قبل وإن رواه الطبري والبيهقي في \"المدخل\" بسند ضعيف عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما على أنه يكفي في هذا الباب الحديث الذي أخرجه الشيخان وغيرهما ، فالحق الذي لا محيد عنه أن المراد اختلاف الصحابة رضي الله تعالى عنهم ومن شاركهم في الاجتهاد كالمجتهدين المعتد بهم من علماء الدين الذين ليسوا بمبتدعين وكون ذلك رحمة لضعفاء الأمة ، ومن ليس في درجتهم مما لا ينبغي أن ينتطح فيه كبشان ولا يتنازع فيه اثنان فليفهم. أ هـ {روح المعانى حـ 4 صـ 23 ـ 25}\rفائدة\rقال الفخر : \rإنما قال : {مِن بَعْدِ مَا جَاءهُمُ البينات} ولم يقل {جَاءتْهُمْ} لجواز حذف علامة من الفعل إذا كان فعل المؤنث متقدماً. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 8 صـ 148}\rوقال القرطبى : \r\"جاءهم\" مذكر على الجمع ، وجاءتهم على الجماعة. أ هـ {تفسير القرطبى حـ 4 صـ 166}\rقوله تعالى : {وَأُوْلَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ}\rقال الفخر : \r{وَأُوْلَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ} يعني الذين تفرقوا لهم عذاب عظيم في الآخرة بسبب تفرقهم ، فكان ذلك زجراً للمؤمنين عن التفرق. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 8 صـ 148}\rمن لطائف الإمام القشيرى فى الآية\rهؤلاء أقوام أظهر عليهم في الابتداء رقومَ الطلب ، ثم وسمهم في الانتهاء بِكَيِّ الفُرقة ، فباتوا في شق الأحباب ، وأصبحوا في زمرة الأجانب. أ هـ {لطائف الإشارات حـ 1 صـ 268}","part":15,"page":365},{"id":6505,"text":"قوله تعالى {يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ أَكَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ (106) وَأَمَّا الَّذِينَ ابْيَضَّتْ وُجُوهُهُمْ فَفِي رَحْمَةِ اللَّهِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (107)}\rمناسبة الآية لما قبلها\rقال البقاعى : \rولما قدم ما لأهل الكتاب المقدمين على الكفر على علم يوم القيامة في قوله {إن الذين يشترون بعهد الله وأيمانهم} [ آل عمران : 77 ] وختم تلك الآية بأنهم لهم عذاب أليم واستمر حتى ختم هذه الآية بأنه مع ذلك عظيم ؛ بين ذلك اليوم بقوله - بادئاً بما هو أنكى لهم من تنعيم أضدادهم - : {يوم تبيض وجوه} أي بما لها من المآثر الحسنة {وتسود وجوه} بما عليها من الجرائر السيئة {فأما الذين اسودت وجوههم} بدأ بهم لأن النشر المشوش أفصح ، ولأن المقام للترهيب وزيادة النكاية لأهله ، فيقال لهم توبيخاً وتقريعاً : {أكفرتم} يا سود الوجوه وعبيد الشهوات! {بعد إيمانكم} بما جبلتم عليه من الفطر السليمة ومكنتم به من العقول المستقيمة من النظر في الدلائل ، ثم بما أخذ عليكم أنبياؤكم من العهود {فذوقوا العذاب} أي الأليم العظيم {بما كنتم تكفرون} وأنتم تعلمون ، فإنكم في لعنة الله ماكثون {وأما الذين ابيضت وجوهم} إشراقاً وبهاء لأنهم آمنوا فأمنوا من العذاب {ففي رحمة الله} أي ثمرة فعل ذي الجلال والإكرام الذي هو فعل الراحم.\rلا في غير رحمته.","part":15,"page":366},{"id":6506,"text":"ثم أجاب عن سؤال من كأنه قال : هل تزول عنهم كما هو حال النعم في الدنيا ؟ بقوله - على وجه يفهم لزومها لهم في الدنيا والآخرة - : {هم} أي خاصة {فيها خالدون} فلذا كانوا يؤمنون ، فالآية من الاحتباك : إثبات الكفر أولاً دل على إرادة الإيمان ثانياً ، وإثبات الرحمة ثانياً دل على حذف اللعنة أولاً.\rأ هـ {نظم الدرر حـ 2 صـ 134}\rوقال الفخر : \rاعلم أنه تعالى لما أمر اليهود ببعض الأشياء ونهاهم عن بعض ، ثم أمر المسلمين بالبعض ونهاهم عن البعض أتبع ذلك بذكر أحوال الآخرة ، تأكيداً للأمر. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 8 صـ 148}\rفصل\rقال الفخر : \rفي نصب {يَوْمٍ} وجهان\rالأول : أنه نصب على الظرف ، والتقدير : ولهم عذابٌ عظيم في هذا اليوم ، وعلى هذا التقدير ففيه فائدتان إحداهما : أن ذلك العذاب في هذا اليوم ، والأخرى أن من حكم هذا اليوم أن تبيض فيه وجوه وتسود وجوه\rوالثاني : أنه منصوب بإضمار ( اذكر ). أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 8 صـ 148}\rوقال ابن عادل : \rفي ناصب \" يَوْمَ \" أوجه : \rأحدها : أنه الاستقرار الذي تضمنه \" لَهُمْ \" والتقدير : وأولئك استقر لهم عذاب يوم تبيضُّ وجوه.\rوقيل : إن العامل فيه مضمر ، تدل عليه الجملة السابقة ، والتقدير : يُعَذَّبُونَ يوم تبيض وجوه.\rوقيل : اعاملَ فيه \" عَظِيمٌ \" وضُعِّفَ هذا بأنه يلزم تقييد عِظَمِهِ بهذا اليوم.\rوهذا التضعيف ضعيف ؛ لأنه إذا عظم في هذا اليوم ففي غيره أوْلَى.\rقال شهابُ الدين : \" وهذا غير لازم \" ، قال : \" وأيضاً فإنه مسكوت عنه فيما عدا هذا اليوم \".\rوقيل : إن العامل \" عَذَابٌ \". وهذا ممتنع ؛ لأن المصدر الموصوف لا يعمل بعد وصفه.\rوقيل : إنه منصوب بإضمار \" اذكر \".\rوقرأ يحيى بن وثاب ، وأبو نُهَيك ، وأبو رُزَيْن العقيليّ : \" تِبْيَضُّ \" و\" تِسْوَدُّ \" - بكسر التاء - وهي لغة تميم.","part":15,"page":367},{"id":6507,"text":"وقرأ الحسن والزهري وابن مُحَيْصِن ، وأبُو الجَوْزَاءِ : تِبياضّ وتسوادّ - بألف فيهما - وهي أبلغ ؛ فإن البياض أدلُّ على اتصاف الشيء بالبياض من ابيضَّ ، ويجوز كسر حرف المضارعة - أيضاً - مع الألف ، إلا أنه لم ينقل قراءةً لأحدٍ. أ هـ {تفسير ابن عادل حـ 5 صـ 453}\rفصل\rقال الفخر : \rهذه الآية لها نظائر منها قوله تعالى : {وَيَوْمَ القيامة تَرَى الذين كَذَبُواْ عَلَى الله وُجُوهُهُم مُّسْوَدَّةٌ} [ الزمر : 60 ] ومنها قوله {وَلاَ يَرْهَقُ وُجُوهَهُمْ قَتَرٌ وَلاَ ذِلَّةٌ} [ يونس : 26 ] ومنها قوله {وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُّسْفِرَةٌ * ضاحكة مُّسْتَبْشِرَةٌ * وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ عَلَيْهَا غَبَرَةٌ * تَرْهَقُهَا قَتَرَةٌ} [ عبسى : 38 41 ] ومنها قوله {وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاضِرَةٌ * إلى رَبّهَا نَاظِرَةٌ * وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ بَاسِرَةٌ * تَظُنُّ أَن يُفْعَلَ بِهَا فَاقِرَةٌ} [ القيامة : 22 25 ] ومنها قوله {تَعْرِفُ فِى وُجُوهِهِمْ نَضْرَةَ النعيم} [ المطففين : 24 ] ومنها قوله {يُعْرَفُ المجرمون بسيماهم} [ الرحمن : 41 ].\rإذا عرفت هذا فنقول : في هذا البياض والسواد والغبرة والقترة والنضرة للمفسرين قولان\rأحدهما : أن البياض مجاز عن الفرح والسرور ، والسواد عن الغم ، وهذا مجاز مستعمل ، قال تعالى : {وَإِذَا بُشّرَ أَحَدُهُمْ بالأنثى ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدّا وَهُوَ كَظِيمٌ} [ النحل : 58 ] ويقال : لفلان عندي يد بيضاء ، أي جلية سارة ، ولما سلم الحسن بن علي رضي الله عنه الأمر لمعاوية قال له بعضهم : يا مسود وجوه المؤمنين ، ولبعضهم في الشيب.\rيا بياض القرون سودت وجهي.. عند بيض الوجوه سود القرون\rفلعمري لأخفينك جهدي.. عن عياني وعن عيان العيون\rبسواد فيه بياض لوجهي.. وسواد لوجهك الملعون","part":15,"page":368},{"id":6508,"text":"وتقول العرب لمن نال بغيته وفاز بمطلوبه : ابيض وجهه ومعناه الاستبشار والتهلل وعند التهنئة بالسرور يقولون : الحمد لله الذي بيض وجهك ، ويقال لمن وصل إليه مكروه : إربد وجهه واغبر لونه وتبدلت صورته ، فعلى هذا معنى الآية أن المؤمن يرد يوم القيامة على ما قدمت يداه فإن كان ذلك من الحسنات ابيض وجهه بمعنى استبشر بنعم الله وفضله ، وعلى ضد ذلك إذا رأى الكافر أعماله القبيحة محصاة اسود وجهه بمعنى شدة الحزن والغم وهذا قول أبي مسلم الأصفهاني.\rوالقول الثاني : إن هذا البياض والسواد يحصلان في وجوه المؤمنين والكافرين ، وذلك لأن اللفظ حقيقة فيهما ، ولا دليل يوجب ترك الحقيقة ، فوجب المصير إليه ، قلت : ولأبي مسلم أن يقول : الدليل دل على ما قلناه ، وذلك لأنه تعالى قال : {وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُّسْفِرَةٌ ضاحكة مُّسْتَبْشِرَةٌ وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ عَلَيْهَا غَبَرَةٌ تَرْهَقُهَا قَتَرَةٌ} فجعل الغبرة والقترة في مقابلة الضحك والاستبشار ، فلو لم يكن المراد بالغبرة والقترة ما ذكرنا من المجاز لما صح جعله مقابلاً ، فعلمنا أن المراد من هذه الغبرة والقترة الغم والحزن حتى يصح هذا التقابل ، ثم قال القائلون بهذا القول : الحكمة في ذلك أن أهل الموقف إذا رأوا البياض في وجه إنسان عرفوا أنه من أهل الثواب فزادوا في تعظيمه فيحصل له الفرح بذلك من وجهين أحدهما : أن السعيد يفرح بأن يعلم قومه أنه من أهل السعادة ، قال تعالى مخبراً عنهم {ياليت قَوْمِى يَعْلَمُونَ بِمَا غَفَرَ لِى رَبّى وَجَعَلَنِى مِنَ المكرمين} [ يس : 26 ، 27 ]","part":15,"page":369},{"id":6509,"text":"الثاني : أنهم إذا عرفوا ذلك خصوه بمزيد التعظيم فثبت أن ظهور البياض في وجه المكلف سبب لمزيد سروره في الآخرة وبهذا الطريق يكون ظهور السواد في وجه الكفار سبباً لمزيد غمهم في الآخرة ، فهذا وجه الحكمة في الآخرة ، وأما في الدنيا فالمكلف حين يكون في الدنيا إذا عرف حصول هذه الحالة في الآخرة صار ذلك مرغباً له في الطاعات وترك المحرمات لكي يكون في الآخرة من قبيل من يبيض وجهه لا من قبيل من يسود وجهه ، فهذا تقرير هذين القولين. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 8 صـ 148 ـ 149}\rوقال القرطبى : \rقوله تعالى : {يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ} يعني يوم القيامة حين يبعثون من قبورهم تكون وجوهُ المؤمنين مبيضّة ووجُوه الكافرين مسْوَدّة.\rويقال : إن ذلك عند قراءة الكتاب ، إذا قرأ المؤمن كتابه فرأى في كتابه حسناته استبشر وابيض وجهُه ، وإذا قرأ الكافر والمنافق كتابه فرأى فيه سيئاته اسود وجهه.\rويقال : إن ذلك عند الميزان إذا رجحت حسناته ابيض وجهه ، وإذا رجحت سيئاته اسود وجهه.\rويقال : ذلك عند قوله تعالى : {وامتازوا اليوم أَيُّهَا المجرمون} [ يس : 59 ].\rويقال : إذا كان يوم القيامة يُؤْمر كل فريق بأن يجتمع إلى معبوده ، فإذا انتهوا إليه حزِنوا واسودت وجوههم ، فيبقى المؤمنون وأهل الكتاب والمنافقون ؛ فيقول الله تعالى للمؤمنين : \"من ربكم\" ؟ فيقولون : ربنا الله عز وجل.\rفيقول لهم : \"أتعرفونه إذا رأيتموه\".\rفيقولون : سبحانها إذا اعترف عرفناه.\rفيرونه كما شاء الله.\rفيخِرّ المؤمنون سُجَّدا لله تعالى ، فتصير وجوههم مثل الثلج بياضاً ، ويبقى المنافقون وأهل الكتاب لا يقدرون على السجود فيحزنوا وتسودّ وجوههم ؛ وذلك قوله تعالى : {يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ}. أ هـ {تفسير القرطبى حـ 4 صـ 166 ـ 167}","part":15,"page":370},{"id":6510,"text":"قال ابن عاشور : \rوالبياض والسواد بياض وسواد حقيقيان يوسم بهما المؤمن والكافر يوم القيامة ، وهما بياض وسواد خاصان لأن هذا من أحوال الآخرة فلا داعي لصرفه عن حقيقته. أ هـ {التحرير والتنوير حـ 3 صـ 185}\rفائدة\rقال العلامة الشنقيطى : \rقوله تعالى : {وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ}.\rبين في هذه الآية الكريمة أن من أسباب اسوداد الوجوه يوم القيامة الكفر بعد الإيمان وذلك في قوله {فَأَمَّا الذين اسودت وُجُوهُهُمْ أَكْفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ} [ آل عمران : 106 ] الآية.\rوبين في موضع آخر أن من أسباب ذلك الكذب على الله وهو قوله تعالى : {وَيَوْمَ القيامة تَرَى الذين كَذَبُواْ عَلَى الله وُجُوهُهُم مُّسْوَدَّةٌ} [ الزمر : 60 ]. وبين في موضع آخر أن من أسباب ذلك اكتساب السيئات وهو قوله : {والذين كَسَبُواْ السيئات جَزَآءُ سَيِّئَةٍ بِمِثْلِهَا وَتَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ مَّا لَهُمْ مِّنَ الله مِنْ عَاصِمٍ كَأَنَّمَا أُغْشِيَتْ وُجُوهُهُمْ قِطَعاً مِّنَ الليل مُظْلِماً} [ يونس : 27 ] وبين في موضع آخر أن من أسباب ذلك الكفر والفجور وهو قوله تعالى : {وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ عَلَيْهَا غَبَرَةٌ تَرْهَقُهَا قَتَرَةٌ أولئك هُمُ الكفرة الفجرة} [ عبس : 40-42 ].\rوهذه الأسباب في الحقيقة شيء واحد عبر عنه بعبارات مختلفة ، وهو الكفر بالله تعالى ، وبين في موضع آخر شدة تشويه وجوههم بزرقة العيون وهو قوله : {وَنَحْشُرُ المجرمين يَوْمِئِذٍ زُرْقاً} [ طه : 102 ] وأقبح صورة أن تكون الوجوه مسوداً والعيون زرقاً ، ألا ترى الشاعر لما أراد أن يصور علل البخيل في أقبح صورة وأشوهها اقترح لها زرقة العيون ، واسوداد الوجوه في قوله : \rوللبخيل على أمواله علل... زرق العيون عليها أوجه سود. أ هـ {أضواء البيان حـ 1 صـ 240}\rفصل\rقال الفخر : ","part":15,"page":371},{"id":6511,"text":"احتج أصحابُنا بهذه الآية على أن المُكلَّف إما مؤمن وإما كافر ، وأنه ليس ههنا منزلة بين المنزلتين كما يذهب إليه المعتزِلة ، فقالوا : إنه تعالى قسم أهل القيامة إلى قسمين منهم من يبيض وجهه وهم المؤمنون ، ومنهم من يسود وجهه وهم الكافرون ولم يذكر الثالث ، فلو كان ههنا قسم ثالث لذكره الله تعالى قالوا وهذا أيضاً متأكد بقوله تعالى : {وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُّسْفِرَةٌ * ضاحكة مُّسْتَبْشِرَةٌ * وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ عَلَيْهَا غَبَرَةٌ * تَرْهَقُهَا قَتَرَةٌ * أُوْلَئِكَ هُمُ الكفرة الفجرة} [ عبس : 38 42 ].\rأجاب القاضي عنه بأن عدم ذكر القسم الثالث لا يدل على عدمه ، يبين ذلك أنه تعالى إنما قال : {يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ} فذكرهما على سبيل التنكير ، وذلك لا يفيد العموم ، وأيضاً المذكور في الآية المؤمنون والذين كفروا بعد الإيمان ولا شبهة أن الكافر الأصلي من أهل النار مع أنه غير داخل تحت هذين القسمين ، فكذا القول في الفساق.","part":15,"page":372},{"id":6512,"text":"واعلم أن وجه الاستدلال بالآية هو أنا نقول : الآيات المتقدمة ما كانت إلا في الترغيب في الإيمان بالتوحيد والنبوّة وفي الزجر عن الكفر بهما ثم إنه تعالى اتبع ذلك بهذه الآية فظاهرها يقتضي أن يكون ابيضاض الوجه نصيباً لمن آمن بالتوحيد والنبوّة ، واسوداد الوجه يكون نصيباً لمن أنكر ذلك ، ثم دل ما بعد هذه الآية على أن صاحب البياض من أهل الجنة ، وصاحب السواد من أهل النار ، فحينئذ يلزم نفي المنزلة بين المنزلتين ، وأما قوله يشكل هذا بالكافر الأصلي فجوابنا عنه من وجهين الأول : أن نقول لم لا يجوز أن يكون المراد منه أن كل أحد أسلم وقت استخراج الذرية من صلب آدم ؟ وإذا كان كذلك كان الكل داخلاً فيه والثاني : وهو أنه تعالى قال في آخر الآية {فَذُوقُواْ العذاب بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ} فجعل موجب العذاب هو الكفر من حيث إنه كفر لا الكفر من حيث أنه بعد الإيمان ، وإذا وقع التعليل بمطلق الكفر دخل كل الكفار فيه سواء كفر بعد الإيمان ، أو كان كافراً أصلياً والله أعلم. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 8 صـ 149 ـ 150}\rفصل\rقال القرطبى : \rاختلفوا في التعيين ؛ فقال ابن عباس : تبيضّ وجُوه أهلِ السنّة وتسودّ وجوه أهل البِدعة.\rقلت : وقول ابن عباس هذا رواه مالك بن سليمان الهرويّ أخو غسّان عن مالك بن أنس عن نافع عن ابن عمر قال : \" قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في قول الله تعالى {يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ} قال : \"يعني تبيض وجوه أهل السنة وتسودّ وجوه أهل البدعة\" \" ذكره أبو بكر أحمد بن علي بن ثابت الخطيب.\rوقال فيه : منكر من حديث مالك.\rقال عطاء : تبيض وجوه المهاجرين والأنصار ، وتسودّ وجوه بني قريظة والنضِير.","part":15,"page":373},{"id":6513,"text":"وقال أُبيّ بن كعب : الذين اسودت وجوههم هم الكفار ، وقيل لهم : أكفرتم بعد إيمانكم لإقراركم حين أخْرِجتم من ظهر آدم كالذّرّ.\rهذا اختيار الطبري.\rالحسن : الآية في المنافقين.\rقتادة هي في المرتدِّين.\rعِكرمة : هم قوم من أهل الكتاب كانوا مصدِّقين بأنبيائهم مصدقين بمحمد صلى الله عليه وسلم قبل أن يبعث فلما بُعث عليه السلام كفروا به ؛ فذلك قوله : {أَكْفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ}.\rوهو اختيار الزجاج.\rمالك بن أنس : هي في أهل الأهواء.\rأبو أمامة الباهِليّ عن النبيّ صلى الله عليه وسلم : \" هي في الحرورِية \" وفي خبر آخر أنه عليه السلام قال : \" هي في القدرية \" روى الترمذيّ عن أبي غالب قال : رأى أبو أمامة رؤوساً منصوبة على درج مسجد دمشق ، فقال أبو أمَامة : \" كلابُ النار شرُّ قتلى تحت أَدِيم السماء ، خيرُ قتلى من قتلوه ثم قرأ {يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ} \" إلى آخر الآية.\rقلت لأبي أمامة : أنت سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ قال : لو لم أسمعه من رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا مرة أو مرتين أو ثلاثاً حتى عدّ سبعاً ما حدثتكموه.\rقال : هذا حديث حسن.\rوفي صحيح البخاري عن سهل بن سعد قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : \" إنى فرطكم على الحوض من مرّ عليّ شرب ومن شرب لم يظمأ أبداً لَيرِدنّ عليّ أقوام أعرِفهم ويعرِفوني ثم يحال بيني وبينهم \" قال أبو حازم ؛ فسمعني النُّعمان بن أبي عياش فقال : أهكذا سمعتَ من سهل بن سعد ؟ فقلت نعم.","part":15,"page":374},{"id":6514,"text":"فقال : أشهد على أبي سعيدٍ الخدرِيّ لسمعته وهو يزيد فيها : \" فأقول إنهم منِّي فيقال إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك فأقول سحقاً سحقاً لمن غيَّر بعدي \" وعن أبي هريرة أنه كان يحدّث أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : \" يرِد عليَّ الحوضَ يوم القيامة رهْطٌ من أصحابي فيُجْلَون عن الحَوْض فأقول يا ربِّ أصحابي فيقول إنك لا علم لك بما أحدثوا بعدك إنهم ارتدوا على أدبارهم القهقري \" والأحاديث في هذا المعنى كثيرة.\rفمن بدّل أو غيّر أو ابتدع في دين الله ما لا يرضاه الله ولم يأذَنْ به الله فهو من المطْرُودين عن الحوض المبتَعِدين منه المسودِّي الوُجُوه ، وأشدّهم طرداً وإبعاداً من خالف جماعة المسلمين وفارق سبيلهم ؛ كالخوارج على اختلاف فِرَقها ، والرَوافِض على تَباين ضلالها ، والمعتزلة على أصناف أهوائها ؛ فهؤلاء كلهم مبدِّلون ومبتدِعون ، وكذلك الظلمة المسرفون في الجور والظلم وطمس الحق وقتل أهله وإذلالهم ، والمعلنون بالكبائر المستخِفُّون بالمعاصي ، وجماعة أهل الزّيْع والأهْواء والبِدَع ؛ كلٌّ يُخاف عليهم أن يكونوا عُنُوا بالآية ، والخبر كما بيّنا ، ولا يَخلُد في النار إلا كافر جاحِدٌ ليس في قلبه مثقالُ حبّةِ خرْدلٍ من إيمان.\rوقد قال ابن القاسم : وقد يكون من غير أهل الأهْواء من هو شرٌّ من أهل الأهواء.\rوكان يقول : تمام الإخلاص تَجنّب المعاصي. أ هـ {تفسير القرطبى حـ 4 صـ 167 ـ 168}\rقوله : {فَأَمَّا الذين اسودت وُجُوهُهُمْ أَكْفَرْتُمْ بَعْدَ إيمانكم}\rقال القرطبى : \rقوله تعالى : {فَأَمَّا الذين اسودت وُجُوهُهُمْ} في الكلام حذف ، أي فيقال لهم {أَكْفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ} يعني يوم الميثاق حين قالوا بلى.\rويقال : هذا لليهود وكانوا مؤمنين بمحمد صلى الله عليه وسلم قبل أن يبعث فلما بعث كفروا به.","part":15,"page":375},{"id":6515,"text":"وقال أبو العالية : هذا للمنافقين ، يقال : أكفرتم في السر بعد إقراركم في العلانية.\rوأجمع أهل العربية على أنه لا بدّ من الفاء في جواب \"أما\" لأن المعنى في قولك : \"أما زيد فمنطلق ، مهما يكن من شيء فزيد منطلق\". أ هـ {تفسير القرطبى حـ 4 صـ 169}\rقال الطبرى : \rوأولى الأقوال التي ذكرناها في ذلك بالصواب ، القولُ الذي ذكرناه عن أبي بن كعب أنه عنى بذلك جميع الكفار ، وأنّ الإيمان الذي يوبَّخُون على ارتدادهم عنه ، هو الإيمان الذي أقروا به يوم قيل لهم : ( أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا ) [سورة الأعراف : 172].\rوذلك أن الله جل ثناؤه جعل جميعَ أهل الآخرة فريقين : أحدهما سودًا وجوهه ، والآخر بيضًا وجوهه. فمعلوم -إذ لم يكن هنالك إلا هذان الفريقان- أن جميع الكفار داخلون في فريق من سُوِّد وجهه ، وأن جميع المؤمنين داخلون في فريق من بُيِّض وجهه. فلا وجه إذًا لقول قائل : \"عنى بقوله : \"أكفرتم بعد إيمانكم\" ، بعض الكفار دون بعض\" ، وقد عمّ الله جل ثناؤه الخبرَ عنهم جميعهم ، وإذا دخل جميعهم في ذلك ، ثم لم يكن لجميعهم حالة آمنوا فيها ثم ارتدوا كافرين بعدُ إلا حالة واحدة ، كان معلومًا أنها المرادة بذلك.\rفتأويل الآية إذًا : أولئك لهم عذاب عظيمٌ في يوم تبيضُّ وجوه قوم وتسودُّ وجوه آخرين. فأما الذين اسودت وجوههم ، فيقال : أجحدتم توحيد الله وعهدَه وميثاقَه الذي واثقتموه عليه ، بأن لا تشركوا به شيئًا ، وتخلصوا له العبادة - بعد إيمانكم يعني : بعد تصديقكم به ؟ \"فذوقوا العذاب بما كنتم تكفرون\". أ هـ {تفسير الطبرى حـ 7 صـ 95 ـ 96}\rأسئلة وأجوبة للإمام الفخر","part":15,"page":376},{"id":6516,"text":"السؤال الأول : أنه تعالى ذكر القسمين أولاً فقال : {يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ} فقدم البياض على السواد في اللفظ ، ثم لما شرع في حكم هذين القسمين قدم حكم السواد ، وكان حق الترتيب أن يقدم حكم البياض.\rوالجواب عنه من وجوه : \rأحدها : أن الواو للجمع المطلق لا للترتيب\rوثانيها : أن المقصود من الخلق إيصال الرحمة لا إيصال العذاب ، قال عليه الصَّلاة والسَّلام حاكياً عن رَبِّ العزة سبحانه : \" خلقتهم ليربحوا علي لا لأربح عليهم \" وإذا كان كذلك فهو تعالى ابتدأ بذكر أهل الثواب وهم أهل البياض ، لأن تقديم الأشرف على الأخس في الذكر أحسن ، ثم ختم بذكرهم أيضاً تنبيهاً على أن إرادة الرحمة أكثر من إرادة الغضب كما قال : \" سبقت رحمتي غضبي \"\rوثالثها : أن الفصحاء والشعراء قالوا : يجب أن يكون مطلع الكلام ومقطعه شيئاً يسر الطبع ويشرح الصدر ولا شك أن ذكر رحمة الله هو الذي يكون كذلك فلا جرم وقع الابتداء بذكر أهل الثواب والاختتام بذكرهم.\rالسؤال الثاني : أين جواب ( أما ) ؟.\rوالجواب : هو محذوف ، والتقدير فيقال لهم : أكفرتم بعد إيمانكم ، وإنما حسن الحذف لدلالة الكلام عليه ومثله في التنزيل كثير قال تعالى : {والملائكة يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مّن كُلّ بَابٍ سلام عَلَيْكُمُ} [ الرعد : 23 ، 24 ] وقال : {وَإِذْ يَرْفَعُ إبراهيم القواعد مِنَ البيت وإسماعيل رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا} [ البقرة : 127 ] وقال : {وَلَوْ ترى إِذِ المجرمون نَاكِسُواْ رُؤُوسَهُمْ عِندَ رَبّهِمْ رَبَّنَا} [ السجدة : 12 ].\rالسؤال الثالث : من المراد بهؤلاء الذين كفروا بعد إيمانهم ؟.\rوالجواب : للمفسرين فيه أقوال","part":15,"page":377},{"id":6517,"text":"أحدها : قال أُبيُّ بن كَعْب : الكل آمنوا حال ما استخرجهم من صلب آدم عليه السلام ، فكل من كفر في الدنيا ، فقد كفر بعد الإيمان ، ورواه الواحدي في \"البسيط\" بإسناده عن النبي صلى الله عليه وسلم وثانيها : أن المراد : أكفرتم بعد ما ظهر لكم ما يوجب الإيمان وهو الدلائل التي نصبها الله تعالى على التوحيد والنبوّة ، والدليل على صحة هذا التأويل ، قوله تعالى فيما قبل هذه الآية {يا أهل الكتاب لِمَ تَكْفُرُونَ بأيات الله وَأَنتُمْ تَشْهَدُونَ} [ آل عمران : 70 ] فذمهم على الكفر بعد وضوح الآيات ، وقال للمؤمنين {وَلاَ تَكُونُواْ كالذين تَفَرَّقُواْ واختلفوا مِن بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ البينات} [ آل عمران : 105 ].\rثم قال ههنا {أَكْفَرْتُمْ بَعْدَ إيمانكم} فكان ذلك محمولاً على ما ذكرناه حتى تصير هذه الآية مقررة لما قبلها ، وعلى هذين الوجهين تكون الآية عامة في حق كل الكفار ، وأما الذين خصصوا هذه الآية ببعض الكفار فلهم وجوه\rالأول : قال عكرمة والأصم والزجاج المراد أهل الكتاب فإنهم قبل مبعث النبي صلى الله عليه وسلم كانوا مؤمنين به ، فلما بعث صلى الله عليه وسلم كفروا به\rالثاني : قال قتادة : المراد الذين كفروا بعد الإيمان بسبب الارتداد\rالثالث : قال الحسن : الذين كفروا بعد الإيمان بالنفاق\rالرابع : قيل هم أهل البدع والأهواء من هذه الأمة\rالخامس : قيل هم الخوارج ، فإنه عليه الصلاة والسلام قال فيهم : \" إنهم يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية \" وهذان الوجهان الأخيران في غاية البعد لأنهما لا يليقان بما قبل هذه الآية ، ولأنه تخصيص لغير دليل ، ولأن الخروج على الإمام لا يوجب الكفر ألبتة.\rالسؤال الرابع : ما الفائدة في همزة الاستفهام في قوله {أَكْفَرْتُمْ} ؟.","part":15,"page":378},{"id":6518,"text":"الجواب : هذا استفهام بمعنى الإنكار ، وهو مؤكد لما ذكر قبل هذه الآية وهو قوله {قُلْ يا أهل الكتاب لِمَ تَكْفُرُونَ بِآياتِ الله والله شَهِيدٌ عَلَى مَا تَعْمَلُونَ قُلْ يا أهل الكتاب لِمَ تَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ الله} [ آل عمران : 98 ، 99 ]. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 8 صـ 150 ـ 151}\rفائدة\rقال ابن عاشور : \rوقدم عند وصف اليوم ذكر البياض ، الذي هو شعار أهل النعيم ، تشريفا لذلك اليوم بأنه يوم ظهور رحمة الله ونعمته ، ولأن رحمة الله سبقت غضبه ، ولأن في ذكر سمة أهل النعيم ، عقب وعيد غيرهم بالعذاب ، حسرة عليهم ، إذ يعلم السامع أن لهم عذابا عظيما في يوم فيه نعيم عظيم.\rثم قدم في التفصيل ذكر سمة أهل العذاب تعجيلا بمساءتهم. أ هـ {التحرير والتنوير حـ 3 صـ 185}\rفصل\rقال ابن عادل : \rقوله : {أكَفَرْتُمْ} هذه الجملة في مَحَلِّ نصب بقول مُضْمَرٍ ، وذلك القول المضمر - مع فاء مضمرة - أيضاً - هو جواب \" أما \" ، وحذف الفاء مع القول مطرد ، وذلك أن القول يُضْمَر كثيراً ، كقوله تعالى : {وَالمَلاَئِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِّن كُلِّ بَابٍ سَلاَمٌ عَلَيْكُم} [ الرعد : 23-24 ].\rوقوله : {والذين اتخذوا مِن دُونِهِ أَوْلِيَآءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلاَّ لِيُقَرِّبُونَآ} [ الزمر : 3 ] ، وقوله : {وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ القواعد مِنَ البيت وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّآ} [ البقرة : 127 ] ، وأما حذفها دون إضمار القول فلا يجوز إلا في ضرورة.\rكقوله : [ الطويل ]\rفأمَّا الْقِتَالُ لا قَتالَ لَديْكُمُ... وَلِكِنَّ سَيْراً في عِرَاضِ الْمَوَاكِبِ\rأي : فلا قتال.","part":15,"page":379},{"id":6519,"text":"وقال صاحب \" أسرار التنزيل \" : إنّ النحاة اعترض عليهم - في قولهم : لما حذف يقال : حُذِفت الفاء ؛ بقوله تعالى : {وَأَمَّا الذين كفروا أَفَلَمْ تَكُنْ آيَاتِي تتلى عَلَيْكُمْ} [ الجاثية : 31 ] ، فحذف يقال ، ولم يحذف الفاء ، فلما بطل هذا تعيَّن أن يكون الجواب في قوله : {فَذُوقُواْ العذاب بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ} ، فوقع ذلك جواباً له ، ولقوله : {أَكَفَرْتُم} ومن نظم العرب - إذا ذكروا حرفاً يقتضي جواباً له - أن يكتفوا عن جوابه حتى يذكروا حرفاً آخر يقتضي جواباً ، ثم يجعلون له جواباً واحداً ، كما في قوله : {فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُم مِّنِّي هُدًى فَمَن تَبِعَ هُدَايَ فَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ} [ البقرة : 38 ] ، فقوله : {فلا خوف عليهم} جواب للشرطين معاً ، وليس \" أفلم تكن آياتي \" جواب \" إما \" بل الفاء عاطفة على مقدَّر ، والتقدير : أأهملتكم ، فلم أتل عليكم آياتي ؟\rقال أبو حيان : وهو كلام أديب لا كلام نحويّ ، أما قوله : قد اعترض على النحاة ، فيكفي في بُطْلان هذا الاعتراض أنه اعتراض على جميع النحاة ؛ لأنه ما من نحويٍّ إلا خرَّج الآيةَ على إضمار : فيُقال لهم : أكفرتم ، وقالوا : هذا هو فَحْوَى الخطابِ ، وهو أن يكون في الكلام شيء مقدَّر لا يستغني المعنى عنه ، فالقول بخلافه مخالف للإجماع ، فلا التفات إليه.","part":15,"page":380},{"id":6520,"text":"وأما ما اعترض به من قوله : {وَأَمَّا الذين كفروا أَفَلَمْ تَكُنْ آيَاتِي} [ الجاثية : 31 ] وأنهم قدروه : فيقال لهم : أفلم تكن آياتي ، فحذف فيقال ولم تحذف الفاء ، فدل على بطلان هذا التقدير - فليس بصحيح ، بل هذه الفاء التي بعد الهمزة في \" أفَلَمْ \" ليست فاء \" فيقال \" التي هي جواب \" أما \" - حتى يقال : حذف \" يقال \" وبقيت الفاء ، بل الفاء التي هي جواب \" أما \" و\" يقال \" بعدها - محذوف ، وفاء \" أفلم \" يحتمل وجهين : \rأحدهما : أن تكون زائدة.\rوقد أنشد النحويون على زيادة الفاء قول الشاعر : [ الطويل ]\rيَمُوتُ أناسٌ أوْ يَشِيبُ فَتَاهُمُ... وَيَحْدُثُ نَاسٌ ، والصَّغِيرُ فِيَكْبُرُ\rأي : صغير يكبر ، وقول الآخر : [ الكامل ]\rلَمَّا اتَّقَى بِيَدٍ عَظِيمٍ جِزمُهَا... فَتَرَكْتُ ضَاحِيَ جِلْدِهَا يَتَذَبْضَبُ\rأي : تركت ، وقول زُهير : [ الطويل ]\rأرَانِي إذَا ما بِتُّ بِتُّ عَلَى هَوًى... فَثُمَّ إذَا أصْبَحْتُ أصْبَحْتُ غَادِيَا\rيريد ثم إذا.\rوقال الأخفش : \" وزعموا أنهم يقولون : أخوك فوجد ، يريدون : أخوك وجد \".\rوالوجه الثاني : أن تكون الفاء تفسيرية ، والتقدير : فيقال لهم ما يسوؤهم ، \" أفلم \" تكن آياتي ، ثم اعتني بحرف الاستفهام ، فتقدمت على الفاء التفسيرية ، كما تتقدم على الفاء التي للتعقيب في قوله : {أَفَلَمْ يَسِيرُواْ فِي الأرض} [ يوسف : 109 ] وهذا على رَأي من يثبت أن الفاء تفسيرية ، نحو توضأ زيد فغسل وجهه ويديه.. إلى آخر أفعال الوضوء ، فالفاء - هنا - ليت مرتِّبة ، وإنما هي مفسِّرة للوضوء ، كذلك تكون في {أفلم تكن آياتي تتلى عليكم} مفسرة للقول الذي يسوؤهم.","part":15,"page":381},{"id":6521,"text":"وقوله : فلما بطل هذا تعين أن يكون الجواب : \" تذوقوا \" ، أي : تعيَّن بطلان حذف ما قدَّره النحويون ، من قوله : \" فيقال لهم \" ؛ لوجود هذه الفاء في \" أفلم تكن \" ، وقد بيَّنَّا أن ذلك التقدير لم يبطل ؛ وأنه سواء في الآيتين ، وإذا كان كذلك فجواب : \" أما \" هو فيقال - في الموضعين - ومعنى الكلام عليه ، وأما تقديره : أأهملتكم فلم تكن آياتي تتلى عليكم ؟ فهذه نزعة زمخشرية ، وذلك أن الزمخشريَّ يقدِّر بين همزة الاستفهام وبين الفاء فِعْلاً يصح عطف ما بعدها عليه ، ولا يعتقد أن الفاء والواو ، و\" ثم \" إذا دخلت عليها الهمزة - أصلهن التقديم على الهمزة ، لكن اعتني بالاستفهام ، فقدم على حرف العطف - كما ذهب إليه سيبويه وغيره من النحويين - وقد رجع الزمخشريّ إلى مذهب الجماعة في ذلك ، وبطلان قول الأول مذكور في النحو وقد تقدم - في هذا الكتاب - حكاية مذهب الجماعة في ذلك ، وعلى تقدير قول هذا الرجل - أأهملتكم فلم تكن آياتي ، لا بدّ من إذمار القول ، وتقديره : فيقال : أاهملتكم ؛ لأن هذا المقدَّر هو خبر المبتدأ ، والفاء جواب \" أما \" ، وهو الذي يدل عليه الكلام ، ويقتضيه ضرورة.\rوقول هذا الرجل : فوعق ذلك جواباً له ولقوله : \" أكفرتم \" يعني : أن \" فذوقوا العذاب \" جواب ل \" أما \" ولقوله : \" أكفرتم \" والاستفهام - هنا - لا جواب له إنما هو استفهام على طريق التوبيخ والإرذال بهم.\rوأما قول هذا الرجل : ومن نظم العرب إلى آخره ، فليس كلام العرب على ما زعم ، بل يُجْعَل لكُلٍّ جوابٌ ، إن لا يكن ظاهراً فمقدَّر ، ولا يجعلون لهما جواباً واحداً.\rوأما دعواه ذلك في قوله تعالى : {فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُم مِّنِّي هُدًى} [ البقرة : 38 ] وزعمه أن قوله تعالى : {فَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ} [ البقرة : 38 ]. انتهى.","part":15,"page":382},{"id":6522,"text":"والهمزة في \" أكَفَرْتُمْ \" للإنكار عليهم ، والتوبيخ لهم ، والتعجُّب من حالهم.\rوفي قوله : \" أكَفَرْتُمْ \" نوع من الالتفات ، وهو المُسَمَّى عند علماء البيان بتلوين الخطاب ، وذلك أن قوله : {فَأَمَّا الذين اسودت وُجُوهُهُمْ} في حكم الغيبة ، وقوله - بعد ذلك \" أكَفَرْتُمْ \" خطاب مواجهة.\rقوله : {فَذُوقُوا} من باب الاستعارة ، جعل العذاب شيئاً يُدْرَك بحاسَّةِ الأكْل ، والذوق ؛ تصويراً له بصورة ما يُذَاق.\rوقوله : {بِمَا كُنْتُمْ} الباء سببية ، و\" ما \" مصدرية ، ولا تكون بمعنى : الذي ؛ لاحتياجها إلى العائد ، وتقديره غير جائز ، لعدم الشروط المجوِّزة لحَذْفِه. أ هـ {تفسير ابن عادل حـ 5 صـ 455 ـ 457}\rقوله تعالى : {فَذُوقُواْ العذاب بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ}\rفصل\rقال الفخر : \rفيه فوائد\rالأولى : أنه لو لم يذكر ذلك لكان الوعيد مختصاً بمن كفر بعد إيمانه ، فلما ذكر هذا ثبت الوعيد لمن كفر بعد إيمانه ولمن كان كافراً أصلياً\rالثانية : قال القاضي قوله {أَكْفَرْتُمْ بَعْدَ إيمانكم} يدل على أن الكفر منه لا من الله وكذا قوله {فَذُوقُواْ العذاب بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ}\rالثالثة : قالت المرجئة : الآية تدل على أن كل نوع من أنواع العذاب وقع معللاً بالكفر ، وهذا ينفي حصول العذاب لغير الكافر. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 8 صـ 151}\rفصل\rقال الخازن : \rعن أنس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : \" ليردنَّ عليَّ الحوض رجال ممن صاحبني حتى إذا رفعوا إليّ اختلجوا دوني فلأقولن أي رب أصحابي أصحابي فيقال لي لا تدري ما أحدثوا \" زاد في رواية فأقول : \" سحقاً لمن بدل بعدي \"","part":15,"page":383},{"id":6523,"text":"عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : \" يرد على يوم القيامة رهط من أصحابي أو قال من أمتي فيجلون عن الحوض فأقول يا رب أصحابي فيقول : أنه لا علم لك بما أحدثوا بعدك إنهم ارتدوا على أدباهم القهقهرى \" وقيل هم الخوارج الذين خرجوا على عليّ بن أبي طالب وقتلهم وهم الحرورية.\rعن زيد بن وهب أنه كان في الجيش الذين كانوا مع علي لما ساروا إلى الخوارج فقال عليّ : أيها الناس إني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : \" يخرج قوم من أمتي يقرؤون القرآن ليس قراءتكم إلى قراءتهم بشيء ولا صلاتكم إلى صلاتهم بشيء ، ولا صيامكم إلى صيامهم بشيء يقرءون القرآن يحسبون أنه لهم وهو عليهم لا تجاوز صلاتهم تراقيهم يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية فأينما لقيتموهم فاقتلوهم فإن في قتلهم أجراً لمن قتلهم عند الله يوم القيامة \"\rبشير بن عمرو.\rقال : قلت لسهل بن حنيف هل سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول في الخوارج شيئاً قال : سمعته يقول وأهوى بيده إلى العراق \" يخرج منهم قوم يقرؤون القرآن لايجاوز تراقيهم يمرقون من الإسلام مروق السهم من الرمية \" وقيل هم أهل البدع والأهواء من هذه الأمة كالقدرية ونحوهم ومن قال بهذا القول يقول كفرهم بعد إيمانهم هو خروجهم من الجماعة ومفارقتهم في الاعتقاد.","part":15,"page":384},{"id":6524,"text":"عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : \" بادروا بالأعمال فتناً كقطع الليل المظلم يصبح لارجل مؤمناً ويسمى مؤمناً ، ويصبح كافراً يبيع دينه بعرض من الدنيا \" وقال الحارث الأعور : سمعت على بن أبي طالب رضي الله عنه يقول : على المنبر إن الرجل ليخرج من أهله فما يؤوب إليهم حتى يعمل عملاً يستوجب به الجنة وإن الرجل ليخرج من أهله فما يعود إليهم حتى يعمل عملاً يستوجب به النار ثم قرأ {يوم تبيض وجوه} الآية ثم نادى هم الذين كفروا بعد الإيمان ورب الكعبة. {أخرجه مسلم في الإيمان باب الحث على المبادرة بالأعمال قبل تظاهر الفتن برقم (118) : 1 / 110 وأخرجه المصنف في شرح السنة : 15 /}. أ هـ {تفسير الخازن حـ 1 صـ 263}\rقوله تعالى : {وَأَمَّا الذين ابيضت وُجُوهُهُمْ فَفِى رَحْمَةِ الله هُمْ فِيهَا خالدون}\rقال الآلوسى : \r{وَأَمَّا الذين ابيضت وُجُوهُهُمْ فَفِى رَحْمَةِ الله} أي الجنة فهو من التعبير بالحال عن المحل والظرفية حقيقية ، وقد يراد بها الثواب فالظرفية حينئذٍ مجازية كما يقال : في نعيم دائم وعيش رغد وفيه إشارة إلى كثرته وشموله للمذكورين شمول الظرف ولا يجوز أن يراد بالرحمة ما هو صفة له تعالى إذ لا يصح فيها الظرفية ويدل على ما ذكر مقابلتها بالعذاب ومقارنتها للخلود في قوله تعالى : {هُمْ فِيهَا خالدون} وإنما عبر عن ذلك بالرحمة إشعاراً بأن المؤمن وإن استغرق عمره في طاعة الله تعالى فإنه لا ينال ما ينال إلا برحمته تعالى ولهذا ورد في الخبر \" لن يدخل أحدكم الجنة عمله فقيل له : حتى أنت يا رسول الله ؟ فقال : حتى أنا إلا أن يتغمدني الله تعالى برحمته \"","part":15,"page":385},{"id":6525,"text":"وجملة هم فيها خالدون استئنافية وقعت جواباً عما نشأ من السياق كأنه قيل : كيف يكونون فيها ؟ فأجيب بما ترى وفيها تأكيد في المعنى لما تقدم ، وقيل : خبر بعد خبر وليس بشيء ، وتقديم الظرف للمحافظة على رؤوس الآي ، والضمير المجرور للرحمة ، ومن أبعد البعيد جعله للدعوة إلى الخير والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر خلافاً لمن قال به ، وجعل الكلام عليه بياناً لسبب كونهم في رحمة الله تعالى وكون مقابلهم في العذاب كأنه قيل : ما بالهم في رحمة الله تعالى ؟ فأجيب بأنهم كانوا خالدين في الخيرات ، وقرىء ابياضت واسوادت. أ هـ {روح المعانى حـ 4 صـ 26}\rأسئلة وأجوبة\rالسؤال الأول : ما المراد برحمة الله ؟.\rالجواب : قال ابن عباس : المراد الجنة ، وقال المحققون من أصحابنا : هذا إشارة إلى أن العبد وإن كثرت طاعته فإنه لا يدخل الجنة إلا برحمة الله ، وكيف لا نقول ذلك والعبد ما دامت داعيته إلى الفعل وإلى الترك على السوية يمتنع منه الفعل ؟ فإذن ما لم يحصل رجحان داعية الطاعة امتنع أن يحصل منه الطاعة وذلك الرجحان لا يكون إلا بخلق الله تعالى ، فإذن صدور تلك الطاعة من العبد نعمة من الله في حق العبد فكيف يصير ذلك موجباً على الله شيئاً ، فثبت أن دخول الجنة لا يكون إلا بفضل الله وبرحمته وبكرمه لا باستحقاقنا.\rالسؤال الثاني : كيف موقع قوله {هُمْ فِيهَا خالدون} بعد قوله {فَفِى رَحْمَةِ الله}.\rالجواب : كأنه قيل : كيف يكونون فيها ؟ فقيل هم فيها خالدون لا يظعنون عنها ولا يموتون.\rالسؤال الثالث : الكفار مخلدون في النار كما أن المؤمنين مخلدون في الجنة ، ثم إنه تعالى لم ينص على خلود أهل النار في هذه الآية مع أنه نص على خلود أهل الجنة فيها فما الفائدة ؟.","part":15,"page":386},{"id":6526,"text":"والجواب : كل ذلك إشعارات بأن جانب الرحمة أغلب ، وذلك لأنه ابتدأ في الذكر بأهل الرحمة وختم بأهل الرحمة ، ولما ذكر العذاب ما أضافه إلى نفسه ، بل قال : {فَذُوقُواْ العذاب} مع أنه ذكر الرحمة مضافة إلى نفسه حيث قال : {فَفِى رَحْمَةِ الله} ولما ذكر العذاب ما نص على الخلود مع أنه نص على الخلود في جانب الثواب ، ولما ذكر العذاب علله بفعلهم فقال : {فَذُوقُواْ العذاب بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ} ولما ذكر الثواب علله برحمته فقال : {فَفِى رَحْمَةِ الله} ثم قال في آخر الآية {وَمَا الله يُرِيدُ ظُلْماً للعالمين} وهذا جار مجرى الاعتذار عن الوعيد بالعقاب ، وكل ذلك مما يشعر بأن جانب الرحمة مغلب ، يا أرحم الراحمين لا تحرمنا من برد رحمتك ومن كرامة غفرانك وإحسانك. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 8 صـ 151 ـ 152}\rلطيفة\rقال أبو حيان : \r{وأما الذين ابيضت وجوههم ففي رحمة الله هم فيها خالدون} انظر تفاوت ما بين التقسيمين هناك جمع لمن اسودّت وجوههم بين التعنيف بالقول والعذاب ، وهنا جعلهم مستقرّين في الرحمة ، فالرّحمة ظرف لهم وهي شاملتهم.\rولما أخبر تعالى أنَّهم مستقرّون في رحمة الله بيَّن أنّ ذلك الاستقرار هو على سبيل الخلود لا زوال منه ولا انتقال ، وأشار بلفظ الرّحمة إلى سابق عنايته بهم ، وأن العبد وإنْ كثرت طاعته لا يدخل الجنة إلا برحمة الله تعالى.\rوقال ابن عباس : المراد بالرحمة هنا الجنة ، وذكر الخلود للمؤمن ولم يذكر ذلك للكافر إشعاراً بأنَّ جانب الرحمة أغلب.\rوأضاف الرحمة هنا إليه ولم يضف العذاب إلى نفسه ، بل قال : {فذوقوا العذاب} ولما ذكر العذاب علّله بفعلهم ، ولم ينص هنا على سبب كونهم في الرحمة. أ هـ {البحر المحيط حـ 3 صـ 27 ـ 28}\rفائدة لغوية\rقال ابن عادل : \rقوله : {فَفِي رَحْمَةِ الله} فيها وجهان : ","part":15,"page":387},{"id":6527,"text":"أحدهما : أن الجارَّ متعلق بـ \" خالِدُونَ \" ، و\" فِيهَا \" تأكيد لفظي للحرف ، والتقدير : فهم خالدون في رحمة الله فيها. وقد تقرر أنه لا يؤكد الحرف تأكيداً لفظياً ، إلا بإعادة ما دخل عليه ، أو بإعادة ضميره - كهذه الآية - ولا يجوز أن يعود - وحْدَه - إلا في ضرورةٍ.\rكقوله : [ الرجز ]\rحَتَّى تَرَاهَا وكَأنَّ وكأنْ... أعْنَاقَهَا مُشَدَّدَاتٌ بِقَرَنْ\rكذا ينشدون هذا البيت.\rوأصرح منه في الباب - قول الشاعر : [ الوافر ]\rفَلاَ وَاللهِ لا يُلْقَى لِمَا بِي... وَلاَ لِلِمَا بِهِمْ أبَداً دَوَاءُ\rويحسن ذلك إذا اختلف لفظهما.\rكقوله : [ الطويل ]\rفَأصْبَحْنَ لا يَسْألْنني عَنْ بِمَا بِهِ... أصَعَّدَ في عُلُوِ الْهَوَى أمْ تَصَوَّيَا\rاللهم إلا أن يكون ذلك الحرفُ قائماً مقام جملة ، فيُكَرَّر - وحده - كحروف الجواب ، مثل : نَعَمْ نَعَمْ ، وبلى بلى ، ولا لا.\rوالثاني : أن قوله : {فَفِي رَحْمَةِ الله} : خبر لمبتدأ مُضْمَر ، والجملة - بأسْرها - جواب : \" أما \" والتقدير : فهم مستقرون في رحمة الله ، وتكون الجملة - بعده - من قوله : {هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ} جملة مستقلة من مبتدأ وخبر ، دلت على أن الاستقرار في الرحمة على سبيل الخلود ، فلا تعلُّق لها بالجملة قبلها من حيث الإعراب. أ هـ {تفسير ابن عادل حـ 5 صـ 459}\rفصل\rقال ابن عاشور : ","part":15,"page":388},{"id":6528,"text":"ووقعت تأويلات من المسلمين وقعوا بها فيما حذرهم منه القرآن ، فتفرقوا واختلفوا من بعد ما جاءهم البينات : الذين قال فيهم رسول الله صلى الله عليه وسلم \"فلا ترجعوا بعدي كفارا يضرب بعضكم رقاب بعض\" مثل أهل الردة الذين ماتوا على ذلك ، فمعنى الكفر بعد الإيمان حينئذ ظاهر ، وعلى هذا المعنى تأول الآية مالك بن أنس فيما روى عنه ابن القاسم وهو في ثالثة المسائل من سماعه من كتاب المرتدين والمحاربين من العتبية قال ما آية في كتاب الله أشد على أهل الاختلاف من أهل الأهواء من هذه الآية يوم تبيض وجوه وتسود وجوه قال مالك : إنما هذه لأهل القبلة.\rيعني أنها ليست للذين تفرقوا واختلفوا من الأمم قبلنا بدليل قوله : {أَكَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ} .\rورواه أبو غسان مالك الهروي عن مالك عن أبن عمر ، وروي مثل هذا عن ابن عباس ، وعلة هذا الوجه فالمراد الذين أحدثوا بعد إيمانهم كفرا بالردة أو بشنيع الأقوال التي تفضي إلى الكفر ونقض الشريعة ، مثل الغرابية من الشيعة الذين قالوا بأن النبوة لعلي ، ومثل غلاة الإسماعيلية أتباع حمزة بن علي ، وأتباع الحاكم العبيدي ، بخلاف من لم تبلغ به مقالته إلى الكفر تصريحا ولا لزوما بينا مثل الخوارج والقدرية كما هو مفصل في كتب الفقه والكلام في حكم المتأولين ومن يؤول قولهم إلى لوازم سيئة.\rوذوق العذاب مجاز للإحساس وهو مجاز مشهور علاقته التقييد. أ هـ {التحرير والتنوير حـ 3 صـ 185 ـ 186}\rمن لطائف الإمام القشيرى فى الآيتين\rأرباب الدَّعاوَى تسودُّ وجوههم ، وأصحابَ المعاني تبيض وجوههم ، وأهل الكشوفات غداً تبيضُّ بالإشراق وجوهُهُم ، وأصحاب الحجاب تسودُّ بالحجبة وجوهُهُم ، فتعلوها غَبَرة ، وترهقها قَتَرَة.\rويقال مَنْ ابيض - اليومَ - قلبُه ابيضَّ - غداً - وجهُه ، ومَنْ كان بالضد فحاله العكس.\rويقال مَنْ أعرض عن الخلق - عند سوانحه - ابيضَّ وجهه بروح التفويض ، ومَنْ علَّق بالأغيار قلبَه عند الحوائج اسودّ محيَّاه بغبار الطمع ؛ فأمّا الذين ابيضت وجوههم ففي أُنُسٍ وروح ، وأمّا الذين اسودّت وجوههم ففي محن ونَوْح. أ هـ {لطائف الإشارات حـ 1 صـ 269}","part":15,"page":389},{"id":6529,"text":"لطيفة\rقال الفيروزابادى : \rوقد ورد الرّحمة فى القرآن على عشرين وجهاً : \rالأَوّل : بمعنى منشور القرآن : {وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَآءٌ وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِينَ}.\rالثانى : بمعنى سيّد الرُسُل : {وَمَآ أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ} ، وقال صلىَّ الله عليه وسلَّم : \"إِنَّما أَنَا رَحْمَة مُهْدَاة\".\rالثالث : بمعنى توفيق الطَّاعة والإِحسان : {فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللَّهِ لِنتَ لَهُمْ}.\rالرَّابع : بمعنى بنوّة المرسلين : {أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ}.\rالخامس : بمعنى الإِسلام والإِيمان : {يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَن يَشَآءُ}.\rالسّادس : بمعنى نعمة العِرفان : {وَآتَانِي رَحْمَةً مِّنْ عِندِهِ} أَى معرفة.\rالسّابع : بمعنى العصمة من العصيان : {إِلاَّ مَن رَّحِمَ}.\rالثامن : بمعنى أَرزاق الإِنسان والحيوان : {لَّوْ أَنْتُمْ تَمْلِكُونَ خَزَآئِنَ رَحْمَةِ رَبِّي}.\rالتاسع : بمعنى فَطَرَات ماءِ الغِيثان : {وَيَنشُرُ رَحْمَتَهُ}.\rالعاشر : بمعنى العافية من الابتلاءِ والامتحان : {أَوْ أَرَادَنِي بِرَحْمَةٍ}.\rالحادى عشر : بمعنى النجاة من عذاب النيران : {وَلَوْلاَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ}.\rالثانى عشر : بمعنى النُصْرَةِ على أهل العدوان : {أَوْ أَرَادَ بِكُمْ رَحْمَةً}.\rالثالث عشر : بمعنى اللأُلْفة والموافقة بين أَهل الإِيمان : {وَجَعَلْنَا فِي قُلُوبِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ رَأْفَةً وَرَحْمَةً}.\rالرابع عشر : بمعنى الكتاب المنزل على موسى بن عمران : {وَمِن قَبْلِهِ كِتَابُ مُوسَى إِمَاماً وَرَحْمَةً}.\rالخامس عشر : بمعنى الثناء على إِبراهيم والوِلدان : {رَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ}.","part":15,"page":390},{"id":6530,"text":"السّادس عشر : بمعنى إِجابة دعوة زكريا مبتهلا إِلى الله المَنَّان : {ذِكْرُ رَحْمَةِ رَبِّكَ عَبْدَهُ زَكَرِيَّآ}.\rالسّابع عشر : بمعنى العفو عن ذوى العصيان : {لاَ تَقْنَطُواْ مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ}.\rالثامن عشر : بمعنى فتح أَبواب الرَّوْحِ والرَّيْحان : {مَّا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِن رَّحْمَةٍ فَلاَ مُمْسِكَ لَهَا}.\rالتاسع عشر : بمعنى الجنَّةِ دار السّلام والأَمان : {إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِّنَ الْمُحْسِنِينَ}.\rالعشرون : بمعنى صفة الرّحيم الرحمن : {كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ}. وفى الخبر : \"إِنَّّ الله تعالى خلق الأَرواح قبل الأَجساد بأَربعة آلاف سنة ، وقدَّر الأَرزاق قبل الأَرواح بأَربعة آلاف سنة ، وكَتب الرَّحمة على نفسه قبل الأَرزاق بأَربعة آلاف سنة.\rولهذا قال : سبقت رحمتى غضبى ، وعفوى عقابى\". أ هـ {بصائر ذوى التمييز حـ 2 صـ 445}","part":15,"page":391},{"id":6531,"text":"قوله تعالى {تِلْكَ آَيَاتُ اللَّهِ نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِالْحَقِّ وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِلْعَالَمِينَ (108)\rمناسبة الآية لما قبلها\rقال البقاعى : \rولما حازت هذه الآيات من التهذيب وإحكام الترتيب وحسن السياق قصب السباق أشار إليها مع قربها بأداة البعد وأضافها إلى أعظم أسمائه فقال : {تلك آيات الله} أي هذه دلائل الملك الأعظم العالية الرتب البعيدة المتناول ، ثم استأنف الخبر عنها في مظهر العظمة قائلاً : {نتلوها} أي نلازم قصها ، وزاد في تعظيمها بعد المبتدأ بالمنتهي فقال : {عليك} ثم أكد ذلك بقوله : {بالحق} أي ثابتة المعاني راسخة المقاصد صادقة الأقوال في كل مما أخبرت به من فوزكم وهلاكهم من غير أن نظلم أحداً منهم {وما الله} أي الحائز لجميع الكمال {يريد ظلماً} قلَّ أو جلَّ {للعالمين} أي ما ظلمهم ولا يريد ظلم أحد منهم ، لأنه سبحانه وتعالى متعالٍ عن ذلك ، لا يتصور منه وهو غني عنه ، لأن له كل شيء. أ هـ {نظم الدرر حـ 2 صـ 134}\rفائدة\rقال ابن عاشور : \rالإشارة في قوله {تلك} إلى طائفة من آيات القرآن السابقة من هذه السورة كما اقتضاه قوله : {نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِالْحَقِّ} .","part":15,"page":392},{"id":6532,"text":"والتلاوة اسم لحكاية كلام لإرادة تبليغه بلفظة وهي كالقراءة إلا أن القراءة تختص بحكاية كلام مكتوب فيتجه أن تكون الطائفة المقصودة بالإشارة هي الآيات المبدوئة بقوله تعالى : {إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ} [آل عمران : 59] إلى هنا لأن ما قبله ختم بتذييل قريب من هذا التذييل ، وهو قوله : {ذَلِكَ نَتْلُوهُ عَلَيْكَ مِنَ الْآياتِ وَالذِّكْرِ الْحَكِيمِ} [آل عمران : 58] فيكون كل تذييل مستقلا بطائفة الجمل التي وقع هو عقبها.\rوخصت هذه الطائفة من القرآن بالإشارة لما فيها من الدلائل المثبتة صحة عقيدة الإسلام ، والمبطلة لدعاوى الفرق الثلاث من اليهود والنصارى والمشركين ، مثل قوله : {إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ} [آل عمران : 59] وقوله : {وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا إِلَهٌ وَاحِدٌ} [المائدة : 74] الآية.\rوقوله : {فَلِمَ تُحَاجُّونَ فِيمَا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ} [آل عمران : 66] الآية.\rوقوله : {إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ} [آل عمران : 68] الآية.\rوقوله : {مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ} [آل عمران : 79] والحكم والنبوة الآية.\rوقوله : {وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ} [آل عمران : 81] الآية.\rوقوله : {فَأْتُوا بِالتَّوْرَاةِ فَاتْلُوهَا} [آل عمران : 93] فاتلوها.\rوقوله : {إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكاً} [آل عمران : 96] وما تخلل ذلك من أمثال ومواعظ وشواهد. أ هـ {التحرير والتنوير حـ 3 صـ 186 ـ 187}\rفصل\rقال الفخر : \rقوله {تِلْكَ} فيه وجهان","part":15,"page":393},{"id":6533,"text":"الأول : المراد أن هذه الآيات التي ذكرناها هي دلائل الله ، وإنما جاز إقامة {تِلْكَ} مقام {هذه} لأن هذه الآيات المذكورة قد انقضت بعد الذكر ، فصار كأنها بعدت فقيل فيها {تِلْكَ}\rوالثاني : إن الله تعالى وعده أن ينزل عليه كتاباً مشتملاً على كل ما لابد منه في الدين ، فلما أنزل هذه الآيات قال : تلك الآيات الموعودة هي التي نتلوها عليك بالحق ، وتمام الكلام في هذه المسألة قد تقدم في سورة البقرة في تفسير قوله {ذلك الكتاب} [ البقرة : 2 ] وقوله {بالحق} فيه وجهان الأول : أي ملتبسة بالحق والعدل من إجزاء المحسن والمسيء بما يستوجبانه\rالثاني : بالحق ، أي بالمعنى الحق ، لأن معنى التلو حق. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 8 صـ 152}\rفائدة لغوية\rقال ابن عادل : \rقوله : \" تلْكَ \" مبتدأ ، {آيَاتُ الله} خبره ، و\" نَْلُوهَا \" جملة حالية.\rوقيل : {آيَاتُ الله} بدل من \" تِلْكَ \" ، و\" نَتْلُوها \" جملة واقعة خبر المتبدأ ، و\" بِالحَقِّ \" حال من فاعل \" نتلُوهَا \" ، أو مفعولة ، وهي حال مؤكدة ؛ لأنه - تعالى - لا ينزلها إلا على هذه الصفة.\rوقال الزَّجَّاج : \" في الكلام حذف ، تقديره : تلك آيات القرآن حُجَجُ الله ودلائله \".\rقال أبو حيان : فعلى هذا الذي قدَّره يكون خبر المبتدأ محذوفاً ؛ لأنه عنده بهذا التقدير يتم معنى الآية ، وهذا التقدير لا حاجة إليه ؛ [ إذ الكلام مُسْتَغْنٍ عنه ، تامٌّ بنفسه ]. أ هـ {تفسير ابن عادل حـ 5 صـ 460}","part":15,"page":394},{"id":6534,"text":"قوله تعالى : {وَمَا الله يُرِيدُ ظُلْماً للعالمين}\rفصل\rقال الفخر : \rإنما حسن ذكر الظلم ههنا لأنه تقدم ذكر العقوبة الشديدة وهو سبحانه وتعالى أكرم الأكرمين ، فكأنه تعالى يعتذر عن ذلك (1) وقال إنهم ما وقعوا فيه إلا بسبب أفعالهم المنكرة ، فإن مصالح العالم لا تستقيم إلا بتهديد المذنبين ، وإذا حصل هذا التهديد فلا بد من التحقيق دفعاً للكذب ، فصار هذا الاعتذار من أدل الدلائل ، على أن جانب الرحمة غالب ، ونظيره قوله تعالى في سورة ( عم ) بعد أن ذكر وعيد الكفار {إِنَّهُمْ كَانُواْ لاَ يَرْجُونَ حِسَاباً وَكَذَّبُواْ بئاياتنا كِذَّاباً} [ النبأ : 27 ، 28 ] أي هذا الوعيد الشديد إنما حصل بسبب هذه الأفعال المنكرة. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 8 صـ 152}\r___________\r(1) هذا اللفظ فيه تجرؤ وكان الأحرى والأولى مراعاة الأدب مع الله تعالى.","part":15,"page":395},{"id":6535,"text":"وقال أبو السعود : \rوقوله : {وَمَا الله يُرِيدُ ظُلْماً للعالمين} تذييلٌ مقرِّرٌ لمضمون ما قبله على أبلغِ وجهٍ وآكَدِه ، فإن تنكيرَ الظلم وتوجيهَ النفي إلى إرادته بصيغة المضارعِ دون نفسِه وتعليقَ الحكمِ بآحاد الجمعِ المعروفِ ، والالتفات إلى الاسم الجليلِ إشعارٌ بعلة الحكمِ وبيانٌ لكمال نزاهتِه عز وجل عن الظلم بما لا مزيدَ عليه أي ما يريد فرداً من أفراد الظلم لفرد من أفراد العالمين في وقت من الأوقات فضلاً عن أن يظلِمَهم ، فإن المضارعَ كما يفيد الاستمرارَ في الإثبات يفيده في النفي بحسب المقامِ كما أن الجملةَ الاسميةَ تدلُّ بمعرفة المقامِ على دوام الثبوتِ ، وعند دخولِ حرفِ النفي تدل على دوامِ الانتفاءِ لا على انتفاء الدوامِ وفي سبك الجملةِ نوعُ إيماءٍ إلى التعريض بأن الكفرَةَ هم الظالمون ظلموا أنفسَهم بتعريضها للعذاب الخالد كما في قوله تعالى : {إِنَّ الله لاَ يَظْلِمُ الناس شَيْئًا ولكن الناس أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ}. أ هـ {تفسير أبى السعود حـ 2 صـ 70}\rفائدة\rقال ابن عادل : \rقوله : {وَمَا الله يُرِيدُ ظُلْماً لِّلْعَالَمِينَ} اللام - في \" لِلْعَالَمِينَ \" - زائدة - لا تعلُّق لها بشيء ، زيدت في مفعول المصدر وهو ظلم والفاعل محذوف ، وهو - في التقدير - ضمير الباري ، والتقدير : وما الله يريد أن يظلم العالمين ، فزيدت اللام ، تقوية للعامل ؛ لكونه فرعاً ، كقوله : {فَعَّالٌ لِّمَا يُرِيدُ} [ البروج : 16 ]. أ هـ {تفسير ابن عادل حـ 5 صـ 461}\rفائدة\rقال الجصاص : \rقَوْله تَعَالَى : {وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِلْعَالَمِينَ} ؛ قَدْ اقْتَضَى ذَلِكَ نَفْيَ إرَادَةِ الظُّلْمِ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ ، فَلَا يُرِيدُ هُوَ أَنْ يَظْلِمَهُمْ ، وَلَا يُرِيدُ أَيْضًا ظُلْمَ بَعْضِهِمْ لِبَعْضٍ ؛ لِأَنَّهُمَا سَوَاءٌ فِي مَنْزِلَةِ الْقُبْحِ.\rوَلَوْ جَازَ أَنْ يُرِيدَ ظُلْمَ بَعْضِهِمْ لَجَازَ أَنْ يُرِيدَ ظُلْمَهُ لَهُمْ ، أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَا فَرْقَ فِي الْعُقُولِ بَيْنَ مَنْ أَرَادَ ظُلْمَ نَفْسِهِ لِغَيْرِهِ وَبَيْنَ مَنْ أَرَادَ ظُلْمَ إنْسَانٍ لِغَيْرِهِ ، وَأَنَّهُمَا سَوَاءٌ فِي الْقُبْحِ ؟ فَكَذَلِكَ يَنْبَغِي أَنْ تَكُونَ إرَادَتُهُ لِلظُّلْمِ مُنْتَفِيَةً مِنْهُ وَمِنْ غَيْرِهِ. أ هـ {أحكام القرآن للجصاص حـ 2 صـ 321}","part":15,"page":396},{"id":6536,"text":"فصل\rقال الفخر : \rقال الجُبّائي : هذه الآية تدل على أنه سبحانه لا يريد شيئاً من القبائح لا من أفعاله ولا من أفعال عباده ، ولا يفعل شيئاً من ذلك ، وبيانه : وهو أن الظلم إما أن يفرض صدوره من الله تعالى ، أو من العبد ، وبتقدير صدوره من العبد ، فإما أن يظلم نفسه وذلك بسبب إقدامه على المعاصي أو يظلم غيره ، فأقسام الظلم هي هذه الثلاثة ، وقوله تعالى : {وَمَا الله يُرِيدُ ظُلْماً للعالمين} نكرةٌ في سياق النَّفي ، فوجب أن لا يريد شيئاً مما يكون ظلماً ، سواء كان ذلك صادراً عنه أو صادراً عن غيره ، فثبت أن هذه الآية تدل على أنه لا يريد شيئاً من هذه الأقسام الثلاثة ، وإذا ثبت ذلك وجب أن لا يكون فاعلاً لشيء من هذه الأقسام ، ويلزم منه أن لا يكون فاعلاً للظلم أصلاً ويلزم أن لا يكون فاعلاً لأعمال العباد ، لأن من جملة أعمالهم ظلمهم لأنفسهم وظلم بعضهم بعضاً ، وإنما قلنا : إن الآية تدل على كونه تعالى غير فاعل للظلم ألبتة لأنها دلت على أنه غير مريد لشيء منها ، ولو كان فاعلاً لشيء من أقسام الظلم لكان مريداً لها ، وقد بطل ذلك ، قالوا : فثبت بهذه الآية أنه تعالى غير فاعل للظلم ، وغير فاعل لأعمال العباد ، وغير مريد للقبائح من أفعال العباد ، ثم قالوا : إنه تعالى تمدح بأنه لا يريد ذلك ، والتمدح إنما يصح لو صح منه فعل ذلك الشيء وصح منه كونه مريداً له ، فدلت هذه الآية على كونه تعالى قادراً على الظلم وعند هذا تبجحوا وقالوا : هذه الآية الواحدة وافية بتقرير جميع أصول المعتزلة في مسائل العدل ، ثم قالوا : ولما ذكر تعالى أنه لا يريد الظلم ولا يفعل الظلم قال بعده {وَللَّهِ مَا فِى السموات وَمَا فِي الأرض وَإِلَى الله تُرْجَعُ الأمور} وإنما ذكر هذه الآية عقيب ما تقدم لوجهين","part":15,"page":397},{"id":6537,"text":"الأول : أنه تعالى لما ذكر أنه لا يريد الظلم والقبائح استدل عليه بأن فاعل القبيح إنما يفعل القبيح إما للجهل ، أو العجز ، أو الحاجة ، وكل ذلك على الله محال لأنه مالك لكل ما في السموات وما في الأرض ، وهذه المالكية تنافي الجهل والعجز والحاجة ، وإذا امتنع ثبوت هذه الصفات في حقه تعالى امتنع كونه فاعلاً للقبيح\rوالثاني : أنه تعالى لما ذكر أنه لا يريد الظلم بوجه من الوجوه كان لقائل أن يقول : إنا نشاهد وجود الظلم في العالم ، فإذا لم يكن وقوعه بإرادته كان على خلاف إرادته ، فيلزم كونه ضعيفاً عاجزاً مغلوباً وذلك محال.","part":15,"page":398},{"id":6538,"text":"فأجاب الله تعالى عنه بقوله {وَللَّهِ مَا فِى السموات وَمَا فِي الأرض} أي أنه تعالى قادر على أن يمنع الظلمة من الظلم على سبيل الإلجاء والقهر ، ولما كان قادراً على ذلك خرج عن كونه عاجزاً ضعيفاً لا أنه تعالى أراد منهم ترك المعصية اختياراً وطوعاً ليصيروا بسبب ذلك مستحقين للثواب فلو قهرهم على ترك المعصية لبطلت هذه الفائدة ، فهذا تلخيص كلام المعتزلة في هذه الآية ، وربما أوردوا هذا الكلام من وجه آخر ، فقالوا : المراد من قوله {وَمَا الله يُرِيدُ ظُلْماً للعالمين} إما أن يكون هو لا يريد أن يظلمهم أو أنه لا يريد منهم أن يظلم بعضهم بعضاً فإن كان الأول فهذا لا يستقيم على قولكم ، لأن مذهبكم أنه تعالى لو عذب البريء عن الذنب بأشد العذاب لم يكن ظلماً ، بل كان عادلاً ، لأن الظلم تصرف في ملك الغير ، وهو تعالى إنما يتصرف في ملك نفسه فاستحال كونه ظالماً وإذا كان كذلك لم يكن حمل الآية على أنه لا يريد أن يظلم الخلق وإن حملتم الآية على أنه لا يريد أن يظلم بعض العباد بعضاً ، فهذا أيضاً لا يتم على قولكم لأن كل ذلك بإرادة الله وتكوينه على قولكم ، فثبت أن على مذهبكم لا يمكن حمل الآية على وجه صحيح والجواب : لم لا يجوز أن يكون المراد أنه تعالى لا يريد أن يظلم أحداً من عباده ؟ قوله الظلم منه محال على مذهبكم فامتنع التمدح به قلنا : الكلام عليه من وجهين\rالأول : أنه تعالى تمدح بقوله {لاَ تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلاَ نَوْمٌ} [ البقرة : 255 ] وبقوله {وَهُوَ يُطْعِمُ وَلاَ يُطْعَمُ} [ الأنعام : 14 ] ولا يلزم من ذلك صحة النوم والأكل عليه فكذا ههنا","part":15,"page":399},{"id":6539,"text":"الثاني : أنه تعالى إن عذب من لم يكن مستحقاً للعذاب فهو وإن لم يكن ظلماً في نفسه لكنه في صور الظلم ، وقد يطلق اسم أحد المتشابهين على الآخر كقوله {وَجَزَاءُ سَيّئَةٍ سَيّئَةٌ مّثْلُهَا} [ الشورى : 40 ] ونظائره كثيرة في القرآن هذا تمام الكلام في هذه المناظرة. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 8 صـ 152 ـ 153}\rمن لطائف الإمام القشيرى فى الآية\rنُدِيمُ مخاطبتنا معك على دوام الأوقات في كل قليل وكثير ، عمارة لسبيل الوداد : {وَمَا اللهُ يُرِيدُ ظُلْمًا للعَالَمِينَ} وأنَّى يجوز الظلم في وصفه تقديراً ووجوداً - والخلق كلُّهم خَلْقُه - والحكمُ عليهم حُكْمُه ؟. أ هـ {لطائف الإشارات حـ 1 صـ 269}","part":15,"page":400},{"id":6540,"text":"قوله تعالى {وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ (109)}\rمناسبة الآية لما قبلها\rقال البقاعى : \rولما كان أمرهم بالإقبال عليه ونهيهم عن الإعراض عنه ربما أوقع في وهم أنه غير قادر على ضبطهم أو محتاج إلى ربطهم أزال ذلك دالاً على أنه غني عن الظلم بقوله : {ولله} الملك الأعلى {ما} أي كل شيء {في السماوات و} كل {ما في الأرض} من جوهر وعرض مِلكاً ومُلكاً.\rولما كان المقصود سعة الملك لم يضمر لئلا يظن تخصيص الثاني بما في حيز الأول فقال : {وإلى الله} الذي لا أمر لأحد معه {ترجع الأمور} أي كلها ، التي فيهما والتي في غيرهما ، فلا داعي له إلى الظلم ، لأنه غني عن كل شيء وقادر على كل شيء. أ هـ {نظم الدرر حـ 2 صـ 134 ـ 135}\rوقال القرطبى : \r{وَللَّهِ مَا فِي السماوات وَمَا فِي الأرض} قال المهدويّ : وجه اتصال هذا بما قبله أنه لما ذكر أحوال المؤمنين والكافرين وأنه لا يريد ظلماً للعالمين ، وصله بذكر اتساع قدرته وغناه عن الظلم لكون ما في السموات وما في الأرض ( في قبضته ، وقيل : هو ابتداء كلام ، بيّن لعباده أن جميع ما في السموات وما في الأرض ) له حتى يسألوه ويعبدوه ولا يعبدوا غيره. أ هـ {تفسير القرطبى حـ 4 صـ 169}\rقال أبو السعود : \r{وَللَّهِ مَا فِى السموات وَمَا فِي الأرض} أي له تعالى وحده من غير شِرْكةٍ أصلاً ، ما فيهما من المخلوقات الفائتةِ للحصر مُلكاً وخلقاً إحياءً وإماتةً وإثابةً وتعذيباً ، وإيرادُ كلمةِ {مَا} إما لتغليب غيرِ العقلاءِ وإما لتنزيلهم منزلةَ غيرِهم إظهاراً لحقارتهم في مقام بيانِ عظمتِه تعالى {وإلى الله} أي إلى حُكمه وقضائِه لا إلى غيره شِرْكةً أو استقلالاً. أ هـ {تفسير أبى السعود حـ 2 صـ 70}\rوقال الآلوسى : \r{وَللَّهِ مَا فِى السماوات وَمَا فِي الأرض} أي له سبحانه وحده ما فيهما من المخلوقات ملكاً وخلقاً وتصرفاً والتعبير بـ {ما} للتغليب أو للإيذان بأن غير العقلاء بالنسبة إلى عظمته كغيرهم {وَإِلَى الله تُرْجَعُ الامور} أي أمورهم فيجازي كلاًّ بما تقتضيه الحكمة من الثواب والعقاب ، وتقديم الجار للحصر أي إلى حكم الله تعالى وقضائه لا إلى غيره شركة أو استقلالاً ، والجملة مقررة لمضمون ما ورد في جزاء الفريقين ، وقيل : معطوفة على ما قبلها مقررة لمضمونه والإظهار في مقام الإضمار لتربية المهابة ، وقرأ يحيى بن وثاب ( ترجع ) بفتح التاء وكسر الجيم في جميع القرآن. أ هـ {روح المعانى حـ 4 صـ 27}","part":15,"page":401},{"id":6541,"text":"فصل\rقال الفخر : \rاحتج أصحابنا بقوله {وَللَّهِ مَا فِى السموات وَمَا فِي الأرض} على كونه خالقاً لأعمال العباد ، فقالوا لا شك أن أفعال العباد من جملة ما في السموات والأرض ، فوجب كونها له بقوله {وَللَّهِ مَا فِى السموات وَمَا فِي الأرض} وإنما يصح قولنا : إنها له لو كانت مخلوقة له فدلت هذه الآية على أنه خالق لأفعال العباد.\rأجاب الجبائي عنه بأن قوله {لِلَّهِ} إضافة ملك لا إضافة فعل ، ألا ترى أنه يقال : هذا البناء لفلان فيريدون أنه مملوكه لا أنه مفعوله ، وأيضاً المقصود من الآية تعظيم الله لنفسه ومدحه لإلهية نفسه ، ولا يجوز أن يتمدح بأن ينسب إلى نفسه الفواحش والقبائح ، وأيضاً فقوله {مَا فِي السموات وَمَا فِي الأرض} إنما يتناول ما كان مظروفاً في السموات والأرض وذلك من صفات الأجسام لا من صفات الأفعال التي هي أعراض.\rأجاب أصحابنا عنه بأن هذه الإضافة إضافة الفعل بدليل أن القادر على القبيح والحسن لا يرجح الحسن على القبيح إلا إذا حصل في قلبه ما يدعوه إلى فعل الحسن ، وتلك الداعية حاصلة بتخليق الله تعالى دفعاً للتسلسل ، وإذا كان المؤثر في حصول فعل العبد هو مجموع القدرة والداعية ، وثبت أن مجموع القدرة والداعية بخلق الله تعالى ثبت أن فعل العبد مستند إلى الله تعالى خلقاً وتكويناً بواسطة فعل السبب ، فهذا تمام القول في هذه المناظرة. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 8 صـ 153 ـ 154}\rفصل\rقال الفخر : ","part":15,"page":402},{"id":6542,"text":"قوله تعالى {وَللَّهِ مَا فِى السموات وَمَا فِي الأرض} زعمت الفلاسفة أنه إنما قدم ذكر ما في السموات على ذكر ما في الأرض لأن الأحوال السماوية أسباب للأحوال الأرضية ، فقدم السبب على المسبب ، وهذا يدل على أن جميع الأحوال الأرضية مستندة إلى الأحوال السماوية ، ولا شك أن الأحوال السماوية مستندة إلى خلق الله وتكوينه فيكون الجبر لازماً أيضاً من هذا الوجه. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 8 صـ 154}\rفائدة\rقال الفخر : \rقال تعالى : {وَللَّهِ مَا فِى السموات وَمَا فِي الأرض وَإِلَى الله تُرْجَعُ الأمور} فأعاد ذكر الله في أول الآيتين والغرض منه تأكيد التعظيم ، والمقصود أن منه مبدأ المخلوقات وإليه معادهم ، فقوله {وَللَّهِ مَا فِى السموات وَمَا فِي الأرض} إشارة إلى أنه سبحانه هو الأول وقوله {وَإِلَى الله تُرْجَعُ الأمور} إشارة إلى أنه هو الآخر ، وذلك يدل إحاطة حكمه وتصرفه وتدبيره بأولهم وآخرهم ، وأن الأسباب منتسبة إليه وأن الحاجات منقطعة عنده. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 8 صـ 154}\rفائدة\rقال ابن عطية : \rوذكر الطبري : أن بعض البصريين نظر قوله تعالى : {وإلى الله} فأظهر الاسم ، ولم يقل إليه بقول الشاعر : \rلا أرى الموتَ يسبقُ الموتَ شيءٌ... نَغَّصَ الموتُ ذا الغنى والْفَقيرا\rوما جرى مجراه ، وقاله الزجّاج ، وحكي أن العرب تفعل ذلك إرادة تفخيم الكلام والتنبيه على عظم المعنى.","part":15,"page":403},{"id":6543,"text":"قال القاضي أبو محمد : والآية تشبه البيت في قصد فخامة النظم ، وتفارقه من حيث الآية جملتان مفترقتان في المعنى ، فلو تكررت جمل كثيرة على هذا الحد لحسن فيها كلها إظهار الاسم ، وليس التعرض بالضمير في ذلك بعرف ، وأما البيت وما أشبهه فالضمير فيه هو العرف ، إذ الكلام في معنى واحد ، ولا يجوز إظهار الاسم إلا في المعاني الفخمة في النفوس من التي يؤمن فيها اللبس على السامع ، وقرأ بعض السبعة ، \" تَرجع الأمور \" بفتح التاء على بناء الفعل للفاعل ، وقد تقدم ذكر ذلك. أ هـ {المحرر الوجيز حـ 1 صـ 488}\rفائدة\rقال الفخر : \rكلمة {إلى} في قوله {وَإِلَى الله تُرْجَعُ الأمور} لا تدل على كونه تعالى في مكان وجهة ، بل المراد أن رجوع الخلق إلى موضع لا ينفذ فيه حكم أحد إلا حكمه ولا يجري فيه قضاء أحد إلا قضاؤه. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 8 صـ 154}\rفوائد بلاغية\rقال أبو حيان : \rقالوا وتضمنت هذه الآيات الطباق : في تبيضّ وتسودّ ، وفي اسودّت وابيضّت ، وفي أكفرتم بعد إيمانكم ، وفي بالحق وظلماً.\rوالتفصيل : في فأمّا وأمّا.\rوالتجنيس : المماثل في أكفرتم وتكفرون.\rوتأكيد المظهر بالمضمر في : ففي رحمة الله هم فيها خالدون.\rوالتكرار : في لفظ الله.\rومحسنه : أنه في جمل متغايرة المعنى ، والمعروف في لسان العرب إذا اختلفت الجمل أعادت المظهر لا المضمر ، لأن في ذكره دلالة على تفخيم الأمر وتعظيمه ، وليس ذلك نظير.\rلا أرى الموت يسبق الموت شيء . . .\rلاتحاد الجملة.\rلكنه قد يؤتى في الجملة الواحدة بالمظهر قصداً للتفخيم.\rوالإشارة في قوله : تلك ، وتلوين الخطاب في فأمّا الذين اسودّت وجوههم أكفرتم ، والتشبيه والتمثيل في تبيض وتسودّ ، إذا كان ذلك عبارة عن الطلاقة والكآبة والحذف في مواضع. أ هـ {البحر المحيط حـ 3 صـ 29 ـ 30}","part":15,"page":404},{"id":6544,"text":"بحث نفيس للعلامة الجصاص\rقال عليه الرحمة : \rبَابُ فَرْضِ الْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيِ عَنْ الْمُنْكَرِ\rقَالَ اللَّهُ تَعَالَى : {وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنْ الْمُنْكَرِ}\rقَالَ أَبُو بَكْرٍ : قَدْ حَوَتْ هَذِهِ الْآيَةُ مَعْنَيَيْنِ.\rأَحَدُهُمَا : وُجُوبُ الْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيِ عَنْ الْمُنْكَرِ.\rوَالْآخَرُ : أَنَّهُ فَرْضٌ عَلَى الْكِفَايَةِ لَيْسَ بِفَرْضٍ عَلَى كُلِّ أَحَدٍ فِي نَفْسِهِ إذَا قَامَ بِهِ غَيْرُهُ.\rلِقَوْلِهِ تَعَالَى : {وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ} وَحَقِيقَتُهُ تَقْتَضِي الْبَعْضَ دُونَ الْبَعْضِ ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ فَرْضُ الْكِفَايَةِ إذَا قَامَ بِهِ بَعْضُهُمْ سَقَطَ عَنْ الْبَاقِينَ.\rوَمِنْ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ هُوَ فَرْضٌ عَلَى كُلِّ أَحَدٍ فِي نَفْسِهِ وَيَجْعَلُ مَخْرَجَ الْكَلَامِ مَخْرَجَ الْخُصُوصِ فِي قَوْلِهِ : {وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ} مَجَازًا ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى : {يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ} وَمَعْنَاهُ : \" ذُنُوبَكُمْ \".\rوَاَلَّذِي يَدُلُّ عَلَى صِحَّةِ هَذَا الْقَوْلِ أَنَّهُ إذَا قَامَ بِهِ بَعْضُهُمْ سَقَطَ عَنْ الْبَاقِينَ ، كَالْجِهَادِ وَغُسْلِ الْمَوْتَى وَتَكْفِينِهِمْ وَالصَّلَاةِ عَلَيْهِمْ وَدَفْنِهِمْ ، وَلَوْلَا أَنَّهُ فَرْضٌ عَلَى الْكِفَايَةِ لَمَا سَقَطَ عَنْ الْآخَرِينَ بِقِيَامِ بَعْضِهِمْ بِهِ.","part":15,"page":405},{"id":6545,"text":"وَقَدْ ذَكَرَ اللَّهُ تَعَالَى الْأَمْرَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيَ عَنْ الْمُنْكَرِ فِي مَوَاضِعَ أُخَرَ مِنْ كِتَابِهِ ، فَقَالَ عَزَّ وَجَلَّ : {كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنْ الْمُنْكَرِ} وَقَالَ فِيمَا حَكَى عَنْ لُقْمَانَ : {يَا بُنَيَّ أَقِمْ الصَّلَاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنْ الْمُنْكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَك إنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ} وَقَالَ تَعَالَى : {وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إلَى أَمْرِ اللَّهِ}.\rوَقَالَ عَزَّ وَجَلَّ : {لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُد وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ كَانُوا لَا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ} فَهَذِهِ الْآيُ وَنَظَائِرُهَا مُقْتَضِيَةٌ لِإِيجَابِ الْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيِ عَنْ الْمُنْكَرِ ، وَهِيَ عَلَى مَنَازِلَ : أَوَّلُهَا تَغْيِيرُهُ بِالْيَدِ إذَا أَمْكَنَ ، فَإِنْ لَمْ يُمْكِنْ وَكَانَ فِي نَفْيِهِ خَائِفًا عَلَى نَفْسِهِ إذَا أَنْكَرَهُ بِيَدِهِ فَعَلَيْهِ إنْكَارُهُ بِلِسَانِهِ ، فَإِنْ تَعَذَّرَ ذَلِكَ لِمَا وَصَفْنَا فَعَلَيْهِ إنْكَارُهُ بِقَلْبِهِ.","part":15,"page":406},{"id":6546,"text":"كَمَا حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ أَحْمَدَ بْنِ فَارِسٍ قَالَ : حَدَّثَنَا يُونُسُ بْنُ حَبِيبٍ قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُد الطَّيَالِسِيُّ قَالَ : حَدَّثَنَا شُعْبَةُ قَالَ : أَخْبَرَنِي قَيْسُ بْنُ مُسْلِمٍ قَالَ : سَمِعْت طَارِقَ بْنَ شِهَابٍ قَالَ : قَدَّمَ مَرْوَانُ الْخُطْبَةَ قَبْلَ الصَّلَاةِ فَقَامَ رَجُلٌ فَقَالَ : خَالَفْت السُّنَّةَ كَانَتْ الْخُطْبَةُ بَعْدَ الصَّلَاةِ ؛ قَالَ : تُرِكَ ذَلِكَ يَا أَبُو فُلَانٍ قَالَ شُعْبَةُ : وَكَانَ لَحَّانًا فَقَامَ أَبُو سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ فَقَالَ : أَمَّا هَذَا الْمُتَكَلِّمُ فَقَدْ قَضَى مَا عَلَيْهِ ، قَالَ لَنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : {مَنْ رَأَى مِنْكُمْ مُنْكَرًا فَلْيُنْكِرْهُ بِيَدِهِ فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَلْيُنْكِرْهُ بِلِسَانِهِ فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَلْيُنْكِرْهُ بِقَلْبِهِ وَذَاكَ أَضْعَفُ الْإِيمَانِ}.\rوَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ الْبَصْرِيُّ قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُد قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ عَنْ الْأَعْمَشِ عَنْ إسْمَاعِيلَ بْنِ رَجَاءَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ ، وَعَنْ قَيْسِ بْنِ مُسْلِمٍ عَنْ طَارِقِ بْنِ شِهَابٍ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ : سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ : {مَنْ رَأَى مِنْكُمْ مُنْكَرًا فَاسْتَطَاعَ أَنْ يُغَيِّرَهُ بِيَدِهِ فَلْيُغَيِّرْهُ بِيَدِهِ فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِلِسَانِهِ فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِقَلْبِهِ وَذَاكَ أَضْعَفُ الْإِيمَانِ}.","part":15,"page":407},{"id":6547,"text":"فَأَخْبَرَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّ إنْكَارَ الْمُنْكَرِ عَلَى هَذِهِ الْوُجُوهِ الثَّلَاثَةِ عَلَى حَسَبِ الْإِمْكَانِ ، وَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ إذَا لَمْ يَسْتَطِعْ تَغْيِيرَهُ بِيَدِهِ فَعَلَيْهِ تَغْيِيرُهُ بِلِسَانِهِ ، ثُمَّ إذَا لَمْ يُمْكِنْهُ ذَلِكَ فَلَيْسَ عَلَيْهِ أَكْثَرُ مِنْ إنْكَارِهِ بِقَلْبِهِ.\rوَحَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ جَعْفَرٍ قَالَ : حَدَّثَنَا يُونُسُ بْنُ حَبِيبٍ قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُد قَالَ : حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جَرِيرٍ الْبَجَلِيِّ عَنْ أَبِيهِ ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : {مَا مِنْ قَوْمٍ يُعْمَلُ بَيْنَهُمْ بِالْمَعَاصِي هُمْ أَكْثَرُ ، وَأَعَزُّ مِمَّنْ يَعْمَلُهُ ثُمَّ لَمْ يُغَيِّرُوا إلَّا عَمَّهُمْ اللَّهُ مِنْهُ بِعِقَابٍ}.","part":15,"page":408},{"id":6548,"text":"وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُد قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ النُّفَيْلِيُّ قَالَ : حَدَّثَنَا يُونُسُ بْنُ رَاشِدٍ عَنْ عَلِيِّ بْنِ بَذِيمَةَ عَنْ أَبِي عُبَيْدَةَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : {إنَّ أَوَّلَ مَا دَخَلَ النَّقْصُ عَلَى بَنِي إسْرَائِيلَ كَانَ الرَّجُلُ يَلْقَى الرَّجُلَ فَيَقُولُ يَا هَذَا اتَّقِ اللَّهَ وَدَعْ مَا تَصْنَعُ فَإِنَّهُ لَا يَحِلُّ لَك ، ثُمَّ يَلْقَاهُ مِنْ الْغَدِ فَلَا يَمْنَعُهُ ذَلِكَ أَنْ يَكُونَ أَكِيلَهُ وَشَرِيبَهُ وَقَعِيدَهُ فَلَمَّا فَعَلُوا ذَلِكَ ضَرَبَ اللَّهُ تَعَالَى قُلُوبَ بَعْضِهِمْ بِبَعْضٍ ثُمَّ قَالَ : {لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُد وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ} إلَى قَوْلِهِ : {فَاسِقُونَ}.\rثُمَّ قَالَ : كَلًّا وَاَللَّهِ لَتَأْمُرُنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوُنَّ عَنْ الْمُنْكَرِ وَلَتَأْخُذُنَّ عَلَى يَدَيْ الظَّالِمِ وَلَتَأْطُرُنَّهُ عَلَى الْحَقِّ أَطْرًا وَتَقْصُرُنَّهُ عَلَى الْحَقِّ قَصْرًا.\r} قَالَ أَبُو دَاوُد : حَدَّثَنَا خَلَفُ بْنُ هِشَامٍ قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو شِهَابٍ الْحَنَّاطُ عَنْ الْعَلَاءِ بْنِ الْمُسَيِّبِ عَنْ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ عَنْ سَالِمٍ عَنْ أَبِي عُبَيْدَةَ عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِنَحْوِهِ ، وَزَادَ فِيهِ : {أَوْ لَيَضْرِبَنَّ اللَّهُ بِقُلُوبِ بَعْضِكُمْ عَلَى بَعْضٍ لَيَلْعَنَنَّكُمْ كَمَا لَعَنَهُمْ}.","part":15,"page":409},{"id":6549,"text":"فَأَخْبَرَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّ مِنْ شَرْطِ\rالنَّهْيِ عَنْ الْمُنْكَرِ أَنْ يُنْكِرَهُ ثُمَّ لَا يُجَالِسَ الْمُقِيمَ عَلَى الْمَعْصِيَةِ ، وَلَا يُؤَاكِلَهُ ، وَلَا يُشَارِبَهُ.\rوَكَانَ مَا ذَكَرَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ ذَلِكَ بَيَانًا لِقَوْلِهِ تَعَالَى : {تَرَى كَثِيرًا مِنْهُمْ يَتَوَلَّوْنَ الَّذِينَ كَفَرُوا} فَكَانُوا بِمُؤَاكَلَتِهِمْ إيَّاهُمْ وَمُجَالَسَتِهِمْ لَهُمْ تَارِكِينَ لِلنَّهْيِ عَنْ الْمُنْكَرِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى : {كَانُوا لَا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ} مَعَ مَا أَخْبَرَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ إنْكَارِهِ بِلِسَانِهِ إلَّا أَنَّ ذَلِكَ لَمْ يَنْفِهِ مَعَ مُجَالَسَتِهِ وَمُؤَاكَلَتِهِ وَمُشَارَبَتِهِ إيَّاهُ.\r ، وَقَدْ رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي ذَلِكَ أَيْضًا مَا حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُد قَالَ : حَدَّثَنَا وَهْبُ بْنُ بَقِيَّةَ قَالَ : أَخْبَرَنَا خَالِدُ عَنْ إسْمَاعِيلَ عَنْ قَيْسٍ قَالَ : قَالَ أَبُو بَكْرٍ بَعْدَ أَنْ حَمِدَ اللَّهَ تَعَالَى وَأَثْنَى عَلَيْهِ : يَا أَيُّهَا النَّاسُ إنَّكُمْ تَقْرَءُونَ هَذِهِ الْآيَةَ وَتَضَعُونَهَا فِي غَيْرِ مَوْضِعِهَا : {عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إذَا اهْتَدَيْتُمْ} وَإِنَّا سَمِعْنَا النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ : {إنَّ النَّاسَ إذَا رَأَوْا الظَّالِمَ فَلَمْ يَأْخُذُوا عَلَى يَدَيْهِ يُوشِكُ أَنْ يَعُمَّهُمْ اللَّهُ بِعِقَابٍ}.","part":15,"page":410},{"id":6550,"text":"وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُد قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو الرَّبِيعِ سُلَيْمَانُ بْنُ دَاوُد الْعَتَكِيُّ قَالَ : حَدَّثَنَا ابْنُ الْمُبَارَكِ عَنْ عُتْبَةَ بْنِ أَبِي حَكِيمٍ قَالَ : حَدَّثَنِي عَمْرُو بْنُ جَارِيَةَ اللَّخْمِيُّ قَالَ : حَدَّثَنِي أَبُو أُمَيَّةَ الشَّعْبَانِيُّ قَالَ : سَأَلْت أَبَا ثَعْلَبَةَ الْخُشَنِيَّ فَقُلْت : {يَا أَبَا ثَعْلَبَةَ كَيْفَ تَقُولُ فِي هَذِهِ الْآيَةِ : {عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ} فَقَالَ : أَمَا وَاَللَّهِ لَقَدْ سَأَلْتَ عَنْهَا خَبِيرًا ، سَأَلْتُ عَنْهَا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : بَلْ ائْتَمِرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَتَنَاهَوْا عَنْ الْمُنْكَرِ حَتَّى إذَا رَأَيْت شُحًّا مُطَاعًا وَهَوًى مُتَّبَعًا وَدُنْيَا مُؤْثَرَةً وَإِعْجَابَ كُلِّ ذِي رَأْيٍ بِرَأْيِهِ فَعَلَيْك يَعْنِي بِنَفْسِك وَدَعْ عَنْك الْعَوَامَّ فَإِنَّ مِنْ وَرَائِكُمْ أَيَّامَ الصَّبْرِ الصَّبْرُ فِيهِ كَقَبْضٍ عَلَى الْجَمْرِ لِلْعَامِلِ فِيهِمْ مِثْلُ أَجْرِ خَمْسِينَ رَجُلًا يَعْمَلُونَ مِثْلَ عَمَلِهِ.\rقَالَ : وَزَادَنِي غَيْرُهُ : قَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ أَجْرُ خَمْسِينَ مِنْهُمْ ؟ قَالَ : أَجْرُ خَمْسِينَ مِنْكُمْ.\r} وَفِي هَذِهِ الْأَخْبَارِ دَلَالَةٌ عَلَى أَنَّ الْأَمْرَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيَ عَنْ الْمُنْكَرِ لَهُمَا حَالَانِ : حَالٌ يُمْكِنُ فِيهَا تَغْيِيرُ الْمُنْكَرِ","part":15,"page":411},{"id":6551,"text":"وَإِزَالَتُهُ ، فَفُرِضَ عَلَى مَنْ أَمْكَنَهُ إزَالَةُ ذَلِكَ بِيَدِهِ أَنْ يُزِيلَهُ ؛ وَإِزَالَتُهُ بِالْيَدِ تَكُونُ عَلَى وُجُوهٍ : مِنْهَا أَنْ لَا يُمْكِنَهُ إزَالَتُهُ إلَّا بِالسَّيْفِ ، وَأَنْ يَأْتِيَ عَلَى نَفْسِ فَاعِلِ الْمُنْكَرِ فَعَلَيْهِ أَنْ يَفْعَلَ ذَلِكَ.\rكَمَنْ رَأَى رَجُلًا قَصَدَهُ أَوْ قَصَدَ غَيْرَهُ بِقَتْلِهِ أَوْ بِأَخْذِ مَالٍ أَوْ قَصَدَ الزِّنَا بِامْرَأَةٍ أَوْ نَحْوِ ذَلِكَ ، وَعَلِمَ أَنَّهُ لَا يَنْتَهِي إنْ أَنْكَرَهُ بِالْقَوْلِ أَوْ قَاتَلَهُ بِمَا دُونَ السِّلَاحِ فَعَلَيْهِ أَنْ يَقْتُلَهُ ؛ لِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : {مَنْ رَأَى مُنْكَرًا فَلْيُغَيِّرْهُ بِيَدِهِ} ، فَإِذَا لَمْ يُمْكِنْهُ تَغْيِيرُهُ بِيَدِهِ إلَّا بِقَتْلِ الْمُقِيمِ عَلَى هَذَا الْمُنْكَرِ فَعَلَيْهِ أَنْ يَقْتُلَهُ فَرْضًا عَلَيْهِ.\rوَإِنْ غَلَبَ فِي ظَنِّهِ أَنَّهُ إنْ أَنْكَرَهُ بِيَدِهِ وَدَفْعَهُ عَنْهُ بِغَيْرِ سِلَاحٍ انْتَهَى عَنْهُ لَمْ يَجُزْ لَهُ الْإِقْدَامُ عَلَى قَتْلِهِ ، وَإِنْ غَلَبَ فِي ظَنِّهِ أَنَّهُ إنْ أَنْكَرْهُ بِالدَّفْعِ بِيَدِهِ أَوْ بِالْقَوْلِ امْتَنَعَ عَلَيْهِ ، وَلَمْ يُمْكِنْهُ بَعْدَ ذَلِكَ دَفْعُهُ عَنْهُ ، وَلَمْ يُمْكِنْهُ إزَالَةُ هَذَا الْمُنْكَرِ إلَّا بِأَنْ يَقْدَمَ عَلَيْهِ بِالْقَتْلِ مِنْ غَيْرِ إنْذَارٍ مِنْهُ لَهُ فَعَلَيْهِ أَنْ يَقْتُلَهُ.","part":15,"page":412},{"id":6552,"text":"وَقَدْ ذَكَرَ ابْنُ رُسْتُمَ عَنْ مُحَمَّدٍ فِي رَجُلٍ غَصَبَ مَتَاعَ رَجُلٍ : \" وَسِعَكَ قَتْلُهُ حَتَّى تَسْتَنْقِذَ الْمَتَاعَ وَتَرُدَّهُ إلَى صَاحِبِهِ \" وَكَذَلِكَ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ فِي السَّارِقِ إذَا أَخَذَ الْمَتَاعَ : \" وَسِعَكَ أَنْ تَتْبَعَهُ حَتَّى تَقْتُلَهُ إنْ لَمْ يَرُدَّ الْمَتَاعَ \".\rقَالَ مُحَمَّدٌ : وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ فِي اللِّصِّ الَّذِي يَنْقُبُ الْبُيُوتَ : \" يَسَعُكَ قَتْلُهُ \" وَقَالَ فِي رَجُلٍ يُرِيدُ قَلْعَ سِنِّك ، قَالَ فَلَكَ أَنْ تَقْتُلَهُ إذَا كُنْت فِي مَوْضِعٍ لَا يُعِينُك النَّاسُ عَلَيْهِ \" وَهَذَا الَّذِي ذَكَرْنَاهُ يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْله تَعَالَى : {فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إلَى أَمْرِ اللَّهِ} فَأَمَرَ بِقِتَالِهِمْ.\rوَلَمْ يَرْفَعْهُ عَنْهُمْ إلَّا بَعْدَ الْفَيْءِ إلَى أَمْرِ اللَّهِ تَعَالَى وَتَرْكِ مَا هُمْ عَلَيْهِ مِنْ الْبَغْيِ وَالْمُنْكَرِ.\rوَقَوْلُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : {مَنْ رَأَى مِنْكُمْ مُنْكَرًا فَلْيُغَيِّرْهُ بِيَدِهِ} يُوجِبُ ذَلِكَ أَيْضًا ؛ لِأَنَّهُ قَدْ أَمَرَ بِتَغْيِيرِهِ بِيَدِهِ عَلَى أَيِّ وَجْهٍ أَمْكَنَ ذَلِكَ ، فَإِذَا لَمْ يُمْكِنْهُ تَغْيِيرُهُ إلَّا بِالْقَتْلِ فَعَلَيْهِ قَتْلُهُ حَتَّى يُزِيلَهُ.\rوَكَذَلِكَ قُلْنَا فِي أَصْحَابِ الضَّرَائِبِ وَالْمُكُوسِ الَّتِي يَأْخُذُونَهَا مِنْ أَمْتِعَةِ النَّاسِ : إنَّ دِمَاءَهُمْ مُبَاحَةٌ وَوَاجِبٌ عَلَى الْمُسْلِمِينَ قَتْلُهُمْ.","part":15,"page":413},{"id":6553,"text":"وَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْ النَّاسِ أَنْ يَقْتُلَ مَنْ قَدَرَ عَلَيْهِ مِنْهُمْ مِنْ غَيْرِ إنْذَارٍ مِنْهُ لَهُ ، وَلَا التَّقَدُّمِ إلَيْهِمْ بِالْقَوْلِ ؛ لِأَنَّهُ مَعْلُومٌ مِنْ حَالِهِمْ أَنَّهُمْ غَيْرُ قَابِلِينَ إذَا كَانُوا مُقْدِمِينَ عَلَى ذَلِكَ مَعَ الْعِلْمِ بِحَظْرِهِ ، وَمَتَى أَنْذَرَهُمْ مَنْ يُرِيدُ الْإِنْكَارَ عَلَيْهِمْ امْتَنَعُوا مِنْهُ حَتَّى لَا يُمْكِنَ تَغْيِيرُ مَا هُمْ عَلَيْهِ مِنْ الْمُنْكَرِ ، فَجَائِزٌ قَتْلُ مَنْ كَانَ مِنْهُمْ مُقِيمًا عَلَى ذَلِكَ ، وَجَائِزٌ مَعَ ذَلِكَ تَرْكُهُمْ لِمَنْ خَافَ إنْ أَقْدَمَ عَلَيْهِمْ بِالْقَتْلِ أَنْ يُقْتَلَ ؛ إلَّا أَنَّ عَلَيْهِ اجْتِنَابَهُمْ وَالْغِلْظَةَ عَلَيْهِمْ بِمَا أَمْكَنَ وَهِجْرَانَهُمْ.\rوَكَذَلِكَ حُكْمُ سَائِرِ مَنْ كَانَ مُقِيمًا عَلَى شَيْءٍ مِنْ الْمَعَاصِي الْمُوبِقَاتِ مُصِرًّا عَلَيْهَا مُجَاهِرًا بِهَا فَحُكْمُهُ حُكْمُ مَنْ ذَكَرْنَا فِي وُجُوبِ النَّكِيرِ عَلَيْهِمْ بِمَا أَمْكَنَ وَتَغْيِيرِ مَا هُمْ عَلَيْهِ بِيَدِهِ ، وَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَلْيُنْكِرْهُ بِلِسَانِهِ ، وَذَلِكَ إذَا رَجَا أَنَّهُ إنْ أَنْكَرَ عَلَيْهِمْ بِالْقَوْلِ أَنْ يَزُولُوا عَنْهُ وَيَتْرُكُوهُ ، فَإِنْ لَمْ يَرْجُ ذَلِكَ ، وَقَدْ غَلَبَ فِي ظَنِّهِ أَنَّهُمْ غَيْرُ قَابِلِينَ مِنْهُ مَعَ عِلْمِهِمْ بِأَنَّهُ مُنْكِرٌ عَلَيْهِمْ وَسِعَهُ السُّكُوتُ عَنْهُمْ بَعْدَ أَنْ يُجَانِبَهُمْ وَيُظْهِرَ هِجْرَانَهُمْ ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : {فَلْيُغَيِّرْهُ بِلِسَانِهِ فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَلْيُغَيِّرْهُ بِقَلْبِهِ}.","part":15,"page":414},{"id":6554,"text":"وَقَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : {فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ} قَدْ فُهِمَ مِنْهُ أَنَّهُمْ إذَا لَمْ يَزُولُوا عَنْ الْمُنْكَرِ فَعَلَيْهِ إنْكَارُهُ بِقَلْبِهِ سَوَاءٌ كَانَ فِي تَقِيَّةٍ أَوْ لَمْ يَكُنْ ؛ لِأَنَّ قَوْلَهُ : \" إنْ لَمْ يَسْتَطِعْ \" مَعْنَاهُ أَنَّهُ لَا يُمْكِنُهُ إزَالَتُهُ بِالْقَوْلِ فَأَبَاحَ لَهُ السُّكُوتَ فِي هَذِهِ الْحَالِ.\rوَقَدْ رُوِيَ عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ فِي قَوْله تَعَالَى : {عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إذَا اهْتَدَيْتُمْ} : مُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنْ الْمُنْكَرِ مَا قُبِلَ مِنْك ، فَإِذَا لَمْ يُقْبَلْ مِنْك فَعَلَيْك نَفْسُك.\rوَحَدِيثُ أَبِي ثَعْلَبَةَ الْخُشَنِيِّ أَيْضًا الَّذِي قَدَّمْنَاهُ يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ ؛ لِأَنَّهُ قَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : {ائْتَمِرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَتَنَاهَوْا عَنْ الْمُنْكَرِ حَتَّى إذَا رَأَيْت شُحًّا مُطَاعًا وَهَوًى مُتَّبَعًا وَدُنْيَا مُؤْثَرَةً وَإِعْجَابَ كُلِّ ذِي رَأْيٍ بِرَأْيِهِ فَعَلَيْك نَفْسَك وَدَعْ عَنْك الْعَوَامَّ} يَعْنِي وَاَللَّهُ أَعْلَمُ : إذَا لَمْ يَقْبَلُوا ذَلِكَ وَاتَّبَعُوا أَهْوَاءَهُمْ وَآرَاءَهُمْ فَأَنْتَ فِي سَعَةٍ مِنْ تَرْكِهِمْ وَعَلَيْك نَفْسَك وَدَعْ أَمْرَ الْعَوَامّ ، وَأَبَاحَ تَرْكَ النَّكِيرِ بِالْقَوْلِ فِيمَنْ هَذِهِ حَالُهُ.","part":15,"page":415},{"id":6555,"text":"وَرُوِيَ عَنْ عِكْرِمَةَ أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ قَالَ لَهُ : قَدْ أَعْيَانِي أَنْ أَعْلَمَ مَا فُعِلَ بِمَنْ أَمْسَكَ عَنْ الْوَعْظِ مِنْ أَصْحَابِ السَّبْتِ ، فَقُلْت لَهُ : أَنَا أُعَرِّفُك ذَلِكَ ، اقْرَأْ الْآيَةَ الثَّانِيَةَ قَوْله تَعَالَى : {أَنْجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنْ السُّوءِ} قَالَ : فَقَالَ لِي : أَصَبْت وَكَسَانِي حُلَّةً.\rفَاسْتَدَلَّ ابْنُ عَبَّاسٍ بِذَلِكَ عَلَى أَنَّ اللَّهَ أَهْلَكَ مَنْ عَمِلَ السُّوءَ وَمَنْ لَمْ يَنْهَ عَنْهُ ، فَجَعَلَ الْمُمْسِكِينَ عَنْ إنْكَارِ الْمُنْكَرِ بِمَنْزِلَةِ فَاعِلِيهِ فِي الْعَذَابِ.\rوَهَذَا عِنْدَنَا عَلَى أَنَّهُمْ كَانُوا رَاضِينَ بِأَعْمَالِهِمْ غَيْرَ مُنْكِرِينَ لَهَا بِقُلُوبِهِمْ ، وَقَدْ نَسَبَ اللَّهُ تَعَالَى قَتْلَ الْأَنْبِيَاءِ الْمُتَقَدِّمِينَ إلَى مَنْ كَانَ فِي عَصْرِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ الْيَهُودِ الَّذِينَ كَانُوا مُتَوَالِينَ لِأَسْلَافِهِمْ الْقَاتِلِينَ لِأَنْبِيَائِهِمْ ، بِقَوْلِهِ : {قَدْ جَاءَكُمْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِي بِالْبَيِّنَاتِ وَبِاَلَّذِي قُلْتُمْ فَلِمَا قَتَلْتُمُوهُمْ} وَبِقَوْلِهِ : {فَلِمَ تَقْتُلُونَ أَنْبِيَاءَ اللَّهِ مِنْ قَبْلُ إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ} فَأَضَافَ الْقَتْلَ إلَيْهِمْ وَإِنْ لَمْ يُبَاشِرُوهُ ، وَلَمْ يَقْتُلُوهُ ؛ إذْ كَانُوا رَاضِينَ بِأَفْعَالِ الْقَاتِلِينَ ؛ فَكَذَلِكَ أَلْحَقَ اللَّهُ تَعَالَى مَنْ لَمْ يَنْهَ عَنْ السُّوءِ مِنْ أَصْحَابِ السَّبْتِ بِفَاعِلِيهِ ؛ إذْ كَانُوا بِهِ رَاضِينَ وَلَهُمْ عَلَيْهِ مُتَوَالِينَ.","part":15,"page":416},{"id":6556,"text":"فَإِذَا كَانَ مُنْكِرًا لِلْمُنْكَرِ بِقَلْبِهِ ، وَلَا يَسْتَطِيعُ تَغْيِيرَهُ عَلَى غَيْرِهِ فَهُوَ غَيْرُ دَاخِلٍ فِي وَعِيدِ فَاعِلِيهِ ، بَلْ هُوَ مِمَّنْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : {عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إذَا اهْتَدَيْتُمْ} وَحَدَّثَنَا مَكْرَمُ بْنُ أَحْمَدَ الْقَاضِي قَالَ : حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَطِيَّةَ الْكُوفِيُّ قَالَ : حَدَّثَنَا الْحِمَّانِيُّ قَالَ : سَمِعْت ابْنَ الْمُبَارَكِ يَقُولُ : لَمَّا بَلَغَ أَبَا حَنِيفَةَ قَتْلُ إبْرَاهِيمَ الصَّائِغَ بَكَى حَتَّى ظَنَنَّا أَنَّهُ سَيَمُوتُ ، فَخَلَوْت بِهِ فَقَالَ : كَانَ وَاَللَّهِ رَجُلًا عَاقِلًا ، وَلَقَدْ كُنْت أَخَافُ عَلَيْهِ هَذَا الْأَمْرَ ؛ قُلْت : وَكَيْفَ كَانَ سَبَبُهُ ؟ قَالَ : كَانَ يَقْدُمُ وَيَسْأَلُنِي ، وَكَانَ شَدِيدَ الْبَذْلِ لِنَفْسِهِ فِي طَاعَةِ اللَّهِ وَكَانَ شَدِيدَ الْوَرَعِ ، كُنْت رُبَّمَا قَدَّمْت إلَيْهِ الشَّيْءَ فَيَسْأَلُنِي عَنْهُ ، وَلَا يَرْضَاهُ ، وَلَا يَذُوقُهُ وَرُبَّمَا رَضِيَهُ فَأَكْلَهُ ، فَسَأَلَنِي عَنْ الْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيِ عَنْ الْمُنْكَرِ ، إلَى أَنْ اتَّفَقْنَا عَلَى أَنَّهُ فَرِيضَةٌ مِنْ اللَّهِ تَعَالَى فَقَالَ لِي : مُدَّ يَدَك حَتَّى أُبَايِعَك فَأَظْلَمَتْ الدُّنْيَا بَيْنِي وَبَيْنَهُ ؛ فَقُلْت : وَلِمَ ؟ قَالَ : دَعَانِي إلَى حَقٍّ مِنْ حُقُوقِ اللَّهِ فَامْتَنَعْت عَلَيْهِ وَقُلْت لَهُ إنْ قَامَ بِهِ رَجُلٌ وَحْدَهُ قُتِلَ ، وَلَمْ يَصْلُحْ لِلنَّاسِ أَمْرٌ ، وَلَكِنْ إنْ وَجَدَ عَلَيْهِ أَعْوَانًا صَالِحِينَ وَرَجُلًا يَرْأَسُ عَلَيْهِمْ مَأْمُونًا عَلَى دَيْنِ اللَّهِ لَا يَحُولُ.","part":15,"page":417},{"id":6557,"text":"قَالَ : وَكَانَ يَقْتَضِي ذَلِكَ كُلَّمَا قَدِمَ عَلَى تَقَاضِي الْغَرِيمِ الْمُلِحِّ كُلَّمَا قَدِمَ عَلَيَّ تَقَاضَانِي ، فَأَقُولُ لَهُ : هَذَا أَمْرٌ لَا يَصْلُحُ بِوَاحِدٍ مَا أَطَاقَتْهُ الْأَنْبِيَاءُ حَتَّى عَقَدَتْ عَلَيْهِ مِنْ السَّمَاءِ ، وَهَذِهِ فَرِيضَةٌ لَيْسَتْ كَسَائِرِ الْفَرَائِضِ ؛ لِأَنَّ سَائِرَ الْفَرَائِضِ يَقُومُ بِهَا الرَّجُلُ وَحْدَهُ وَهَذَا مَتَى أُمِرَ بِهِ الرَّجُلُ وَحْدَهُ أَشَاطَ بِدَمِهِ وَعَرَّضَ نَفْسَهُ لِلْقَتْلِ فَأَخَافُ عَلَيْهِ أَنْ يُعِينَ عَلَى قَتْلِ نَفْسِهِ.\rوَإِذَا قُتِلَ الرَّجُلُ لَمْ يَجْتَرِئْ غَيْرُهُ أَنْ يُعَرِّضَ نَفْسَهُ وَلَكِنَّهُ يَنْتَظِرُ فَقَدْ قَالَتْ الْمَلَائِكَةُ : {أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِك وَنُقَدِّسُ لَك قَالَ إنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ} ثُمَّ خَرَجَ إلَى مَرْوَ حَيْثُ كَانَ أَبُو مُسْلِمٍ ، فَكَلَّمَهُ بِكَلَامٍ غَلِيظٍ فَأَخْذَهُ ، فَاجْتَمَعَ عَلَيْهِ فُقَهَاءُ أَهْلِ خُرَاسَانَ وَعِبَادُهُمْ حَتَّى أَطْلَقُوهُ ، ثُمَّ عَاوَدَهُ فَزَجْرَهُ ، ثُمَّ عَاوَدَهُ ثُمَّ قَالَ : مَا أَجِدُ شَيْئًا أَقُومُ بِهِ لِلَّهِ تَعَالَى أَفْضَلَ مِنْ جِهَادِك وَلَأُجَاهِدَنَّك بِلِسَانِي لَيْسَ لِي قُوَّةٌ بِيَدِي ، وَلَكِنْ يَرَانِي اللَّهُ ، وَأَنَا أُبْغِضُك فِيهِ فَقَتْلَهُ.","part":15,"page":418},{"id":6558,"text":"قَالَ أَبُو بَكْرٍ : لَمَّا ثَبَتَ بِمَا قَدَّمْنَا ذِكْرَهُ مِنْ الْقُرْآنِ وَالْآثَارِ الْوَارِدَةِ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وُجُوبُ فَرْضِ الْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيِ عَنْ الْمُنْكَرِ ، وَبَيَّنَّا أَنَّهُ فَرْضٌ عَلَى الْكِفَايَةِ إذَا قَامَ بِهِ الْبَعْضُ سَقَطَ عَنْ الْبَاقِينَ ، وَجَبَ أَنْ لَا يَخْتَلِفَ فِي لُزُومِ فَرْضِهِ الْبَرُّ وَالْفَاجِرُ ؛ لِأَنَّ تَرْكَ الْإِنْسَانِ لِبَعْضِ الْفُرُوضِ لَا يُسْقِطُ عَنْهُ فُرُوضَ غَيْرِهِ ، أَلَا تَرَى أَنَّ تَرْكَهُ لِلصَّلَاةِ لَا يُسْقِطُ عَنْهُ فَرْضَ الصَّوْمِ وَسَائِرَ الْعِبَادَاتِ ؟ فَكَذَلِكَ مَنْ لَمْ يَفْعَلْ سَائِرَ الْمَعْرُوفِ ، وَلَمْ يَنْتَهِ عَنْ سَائِرِ الْمَنَاكِيرِ فَإِنَّ فَرْضَ الْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيِ عَنْ الْمُنْكَرِ غَيْرُ سَاقِطٍ عَنْهُ.","part":15,"page":419},{"id":6559,"text":"وَقَدْ رَوَى طَلْحَةُ بْنُ عَمْرٍو عَنْ عَطَاءِ بْنِ أَبِي رَبَاحٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ : {اجْتَمَعَ نَفَرٌ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالُوا : يَا رَسُولَ اللَّهِ أَرَأَيْت إنْ عَمِلْنَا بِالْمَعْرُوفِ حَتَّى لَا يَبْقَى مِنْ الْمَعْرُوفِ شَيْءٌ إلَّا عَمِلْنَاهُ وَانْتَهَيْنَا عَنْ الْمُنْكَرِ حَتَّى لَمْ يَبْقَ شَيْءٌ مِنْ الْمُنْكَرِ إلَّا انْتَهَيْنَا عَنْهُ ، أَيَسَعُنَا أَنْ لَا نَأْمُرَ بِالْمَعْرُوفِ ، وَلَا نَنْهَى عَنْ الْمُنْكَرِ ؟ قَالَ : مُرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَإِنْ لَمْ تَعْمَلُوا بِهِ كُلِّهِ ، وَانْهَوْا عَنْ الْمُنْكَرِ وَإِنْ لَمْ تَنْتَهُوا عَنْهُ كُلِّهِ} ، فَأَجْرَى النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَرْضَ الْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيِ عَنْ الْمُنْكَرِ مَجْرَى سَائِرِ الْفُرُوضِ فِي لُزُومِ الْقِيَامِ بِهِ مَعَ التَّقْصِيرِ فِي بَعْضِ الْوَاجِبَاتِ.\rوَلَمْ يَدْفَعْ أَحَدٌ مِنْ عُلَمَاءِ الْأُمَّةِ وَفُقَهَائِهَا سَلَفِهِمْ وَخَلَفِهِمْ وُجُوبَ ذَلِكَ إلَّا قَوْمٌ مِنْ الْحَشْوِ وَجُهَّالِ أَصْحَابِ الْحَدِيثِ ، فَإِنَّهُمْ أَنْكَرُوا قِتَالَ الْفِئَةِ الْبَاغِيَةِ وَالْأَمْرَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيَ عَنْ الْمُنْكَرِ بِالسِّلَاحِ ، وَسَمُّوا الْأَمْرَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيَ عَنْ الْمُنْكَرِ فِتْنَةً إذَا اُحْتِيجَ فِيهِ إلَى حَمْلِ السِّلَاحِ وَقِتَالِ الْفِئَةِ الْبَاغِيَةِ ، مَعَ مَا قَدْ سَمِعُوا فِيهِ مِنْ قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى : {فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إلَى أَمْرِ اللَّهِ} وَمَا يَقْتَضِيهِ اللَّفْظُ مِنْ وُجُوبِ قِتَالِهَا بِالسَّيْفِ وَغَيْرِهِ.","part":15,"page":420},{"id":6560,"text":"وَزَعَمُوا مَعَ ذَلِكَ أَنَّ السُّلْطَانَ لَا يُنْكَرُ عَلَيْهِ الظُّلْمُ وَالْجَوْرُ وَقَتْلُ النَّفْسِ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ وَإِنَّمَا يُنْكَرُ عَلَى غَيْرِ السُّلْطَانِ بِالْقَوْلِ أَوْ بِالْيَدِ بِغَيْرِ سِلَاحٍ ، فَصَارُوا شَرًّا عَلَى الْأُمَّةِ مِنْ أَعْدَائِهَا الْمُخَالِفِينَ لَهَا ؛ لِأَنَّهُمْ أَقْعَدُوا النَّاسَ عَنْ قِتَالِ الْفِئَةِ الْبَاغِيَةِ وَعَنْ الْإِنْكَارِ عَلَى السُّلْطَانِ الظُّلْمَ وَالْجَوْرَ.\rحَتَّى أَدَّى ذَلِكَ إلَى تَغَلُّبِ الْفُجَّارِ بَلْ الْمَجُوسِ ، وَأَعْدَاءِ الْإِسْلَامِ حَتَّى ذَهَبَتْ الثُّغُورُ وَشَاعَ الظُّلْمُ وَخَرِبَتْ الْبِلَادُ وَذَهَبَ الدِّينُ وَالدُّنْيَا وَظَهَرَتْ الزَّنْدَقَةُ وَالْغُلُوُّ وَمَذَاهِبُ الثَّنَوِيَّةِ وَالْخُرَّمِيَّةِ وَالْمَزْدَكِيَّةِ وَاَلَّذِي جَلَبَ ذَلِكَ كُلَّهُ عَلَيْهِمْ تَرْكُ الْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيِ عَنْ الْمُنْكَرِ وَالْإِنْكَارِ عَلَى السُّلْطَانِ الْجَائِرِ ؛ وَاَللَّهُ الْمُسْتَعَانُ.\rوَقَدْ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُد قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبَّادٍ الْوَاسِطِيُّ قَالَ : حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ قَالَ : أَخْبَرَنَا إسْرَائِيلُ قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جُحَادَةَ عَنْ عَطِيَّةَ الْعَوْفِيِّ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : {أَفْضَلُ الْجِهَادِ كَلِمَةُ عَدْلٍ عِنْدَ سُلْطَانٍ جَائِرٍ أَوْ أَمِيرٍ جَائِرٍ}.","part":15,"page":421},{"id":6561,"text":"وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عُمَرَ قَالَ : أَخْبَرَنِي أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ مُصْعَبٍ الْمَرْوَزِيِّ قَالَ : سَمِعْت أَبَا عُمَارَةَ قَالَ : سَمِعْت الْحَسَنَ بْنَ رَشِيدٍ يَقُولُ : سَمِعْت أَبَا حَنِيفَةَ يَقُولُ : أَنَا حَدَّثْت إبْرَاهِيمَ الصَّائِغَ عَنْ عِكْرِمَةَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ : قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ {سَيِّدُ الشُّهَدَاءِ حَمْزَةُ بْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ وَرَجُلٌ قَامَ إلَى إمَامٍ جَائِرٍ فَأَمَرَهُ وَنَهَاهُ فَقَتَلَهُ}. أ هـ {أحكام القرآن للجصاص حـ 2 صـ 315 ـ 321}.\rتم الجزء الخامس عشر من كتاب {جامع لطائف التفسير} ولله الحمد والمنة\rويليه إن شاء الله تعالى الجزء السادس عشر وأوله قوله تعالى\r{ كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَوْ آَمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ مِنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ (110) }","part":15,"page":422},{"id":6562,"text":"بسم الله الرحمن الرحيم\rاسم الكتاب / جامع لطائف التفسير\rالعاجز الفقير\rعبد الرحمن بن محمد القماش\rإمام وخطيب بدولة الإمارات العربية\rعفا الله عنه وغفر له\rالجزء السادس عشر\rحقوق النسخ والطبع والنشر مسموح بها لكل مسلم\r{يا قوم لا أسألكم عليه أجرا}","part":16,"page":3},{"id":6563,"text":"الجزء السادس عشر\rمن الآية {110} من سورة آل عمران\rوحتى الآية {136} من نفس السورة","part":16,"page":4},{"id":6564,"text":"قوله تعالى { كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَوْ آَمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ مِنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ (110)}\rمناسبة الآية لما قبلها\rقال البقاعى : \rولما كان من رجوع الأمور إليه هدايته من يشاء وإضلاله من يشاء قال - مادحاً لهذه الأمة ليمعنوا في رضاه حمداً وشكراً ومؤيساً لأهل الكتاب عن إضلالهم ليزدادوا حيرة وسكراً : {كنتم خير أمة} أي وجدتم على هذا الوصف الثابت لكم جبلة وطبعاً.\rثم وصف الأمة بما يدل على عموم الرسالة وأنهم سيقهرون أهل الكتاب فقال : {أخرجت للناس} ثم بين وجه الخيرية بما لم يحصل مجموعة لغيرهم على ما هم عليه من المكنة بقوله : {تأمرون} أي على سبيل التجدد والاستمرار {بالمعروف} أي كل ما عرفه الشرع وأجازه {وتنهون عن المنكر} وهو ما خالف ذلك ، ولو وصل الأمر إلى القتال ، مبشراً لهم بأنه قضى في ألأزل أنهم يمتثلون ما أمرهم به من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في قوله : {ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير} إراحة لهم من كلفة النظر في أنهم هل يمتثلون فيفلحوا ، وإزاحة لحملهم أعباء الخطر بكونهم يعانون عليه ليفوزوا ويربحوا ، فصارت فائدة الأمر كثيرة الثواب بقصد امتثال الواجب ، وللترمذي - وقال : حسن عن بهز بن حكيم عن أبيه عن جده أنه سمع النبي صلى الله عليه يقول في هذه الآية : \" أنتم تتمون سبعين أمة أنتم خيرها وأكرمها على الله سبحانه وتعالى \" وللبخاري في التفسير عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال : \" أنتم خير الناس للناس ، تأتون بهم في السلاسل في أعناقهم حتى يدخلوا في الإسلام \".","part":16,"page":5},{"id":6565,"text":"ولما أخبر عنهم بهذا الوصف الشريف في نفسه أتبعه ما زاده شرفاً ، وهو أنهم فعلوه في حال إيمانهم فهو معتبر به لوجود شرطه الذي هو أساس كل خير فقال {وتؤمنون} أي تفعلون ذلك والحال أنكم تؤمنون {بالله} أي الملك الأعلى الذي تاهت الأفكار في معرفة كنه ذاته ، وارتدت نوافذ أبصار البصائر خاسئة عن حصر صفاته ، أي تصدقون أنبياءه ورسله بسببه في كل ما أخبروا به قولاً وفعلاً ظاهراً وباطناً ، وتفعلون جميع أوامره وتنهون عن جميع مناهيه ؛ وهذا يفهم أن من لم يؤمن كإيمانهم فليس من هذه الأمة أصلاً ، لأن الكون المذكور لا يحصل إلا بجميع ما ذكر ، وكرر الاسم الأعظم زيادة في تعظيمهم ، وقد صدق الله ومن أصدق من الله حديثاً!\rقال الإمام أبو عمر يوسف بن عبد البر النمري في خطبة كتاب الاستيعاب : روى ابن القاسم عن مالك أنه سمعه يقول : لما دخل أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم الشام نظر إليهم رجل من أهل الكتاب فقال : ما كان أصحاب عيسى ابن مريم الذين قطعوا بالمناشير وصلبوا على الخشب بأشد اجتهاداً من هؤلاء - انتهى.\rولما كان من المعلوم أن التقدير : وذلك خير لكم ، عطف عليه قوله : {ولو آمن أهل الكتاب} أي أوقعوا الإيمان كما آمنتم بجميع الرسل وجميع ما أنزل عليهم في كتابهم وغيره ، ولم يفرقوا بين شيء من ذلك {لكان} أي الإيمان {خيراً لهم} إشارة إلى تسفيه أحلامهم في وقوفهم مع ما منعهم عن الإيمان من العرض القليل الفاني والرئاسة التافهة ، وتركهم الغنى الدائم والعز الباهر الثابت.\rولما كان هذا ربما أوهم أنه لم يؤمن منهم أحد قال مستأنفاً : {منهم المؤمنون} أي الثابتون في الإيمان ، ولكنهم قليل {وأكثرهم الفاسقون} أي الخارجون من رتبة الأوامر والنواهي خروجاً يضمحل معه خروج غيرهم. أ هـ {نظم الدرر حـ 2 صـ 135 ـ 136}\rفصل\rقال الفخر :","part":16,"page":6},{"id":6566,"text":"في النظم وجهان\rالأول : أنه تعالى لما أمر المؤمنين ببعض الأشياء ونهاهم عن بعضها وحذرهم من أن يكونوا مثل أهل الكتاب في التمرد والعصيان ، وذكر عقيبه ثواب المطيعين وعقاب الكافرين ، كان الغرض من كل هذه الآيات حمل المؤمنين المكلفين على الانقياد والطاعة ومنعهم عن التمرد والمعصية ، ثم إنه تعالى أردف ذلك بطريق آخر يقتضي حمل المؤمنين على الانقياد والطاعة فقال {كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ} والمعنى أنكم كنتم في اللوح المحفوظ خير الأمم وأفضلهم ، فاللائق بهذا أن لا تبطلوا على أنفسكم هذه الفضيلة ، وأن لا تزيلوا عن أنفسكم هذه الخصلة المحمودة ، وأن تكونوا منقادين مطيعين في كل ما يتوجه عليكم من التكاليف\rالثاني : أن الله تعالى لما ذكر كمال حال الأشقياء وهو قوله {فَأَمَّا الذين اسودت وُجُوهُهُمْ} [ آل عمران : 106 ] وكمال حال السعداء وهو قوله {وَأَمَّا الذين ابيضت وُجُوهُهُمْ} [ آل عمران : 107 ] نبه على ما هو السبب لوعيد الأشقياء بقوله {وَمَا الله يُرِيدُ ظُلْماً للعالمين} [ آل عمران : 108 ] يعني أنهم إنما استحقوا ذلك بأفعالهم القبيحة ، ثم نبه في هذه الآية على ما هو السبب لوعد السعداء بقوله {كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ} أي تلك السعادات والكمالات والكرامات إنما فازوا بها في الآخرة لأنهم كانوا في الدنيا {خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ}. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 8 صـ 155}\rفصل\rقال الفخر : ","part":16,"page":7},{"id":6567,"text":"لفظة {كَانَ} قد تكون تامة وناقصة وزائدة على ما هو مشروح في النحو واختلف المفسرون في قوله {كُنتُمْ} على وجوه الأول : أن ( كان ) ههنا تامة بمعنى الوقوع والحدوث وهو لا يحتاج إلى خبر ، والمعنى : حدثتم خير أمة ووجدتم وخلقتم خير أمة ، ويكون قوله {خَيْرَ أُمَّةٍ} بمعنى الحال وهذا قول جمع من المفسرين الثاني : أن ( كان ) ههنا ناقصة وفيه سؤال : وهو أن هذا يوهم أنهم كانوا موصوفين بهذه الصفة وأنهم ما بقوا الآن عليها.\rوالجواب عنه : أن قوله ( كان ) عبارة عن وجود الشيء في زمان ماض على سبيل الإبهام ، ولا يدل ذلك على انقطاع طارىء بدليل قوله {استغفروا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّاراً} [ نوح : 10 ] قوله {وَكَانَ الله غَفُوراً رَّحِيماً} [ الفتح : 14 ] إذا ثبت هذا فنقول : للمفسرين على هذا التقدير أقوال\rأحدها : كنتم في علم الله خير أمة\rوثانيها : كنتم في الأمم الذين كانوا قبلكم مذكورين بأنكم خير أمة وهو كقوله {أَشِدَّاء عَلَى الكفار رُحَمَاء بَيْنَهُمْ} [ الفتح : 29 ] إلى قوله {ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِى التوراة} [ الفتح : 29 ] فشدتهم على الكفار أمرهم بالمعروف ونهيهم عن المنكر\rوثالثها : كنتم في اللوح المحفوظ موصوفين بأنكم خير أمة\rورابعها : كنتم منذ آمنتم خير أمة أخرجت للناس\rوخامسها : قال أبو مسلم قوله {كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ} تابع لقوله {وَأَمَّا الذين ابيضت وُجُوهُهُمْ} [ آل عمران : 107 ] والتقدير : أنه يقال لهم عند الخلود في الجنة : كنتم في دنياكم خير أمة فاستحقيتم ما أنتم فيه من الرحمة وبياض الوجه بسببه ، ويكون ما عرض بين أول القصة وآخرها كما لا يزال يعرض في القرآن من مثله","part":16,"page":8},{"id":6568,"text":"وسادسها : قال بعضهم : لو شاء الله تعالى لقال ( أنتم ) وكان هذا التشريف حاصلاً لكلنا ولكن قوله {كُنتُمْ} مخصوص بقوم معينين من أصحاب الرسول صلى الله عليه وسلم وهم السابقون الأولون ، ومن صنع مثل ما صنعوا وسابعها : كنتم مذ آمنتم خير أمة تنبيهاً على أنهم كانوا موصوفين بهذه الصفة مذ كانوا.\rالاحتمال الثالث : أن يقال ( كان ) ههنا زائدة ، وقال بعضهم قوله {كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ} هو كقوله {واذكروا إِذْ كُنتُمْ قَلِيلاً فَكَثَّرَكُمْ} [ الأعراف : 86 ] وقال في موضع آخر {واذكروا إِذْ أَنتُمْ قَلِيلٌ مُّسْتَضْعَفُونَ} [ الأنفال : 26 ] وإضمار كان وإظهارها سواء إلا أنها تذكر للتأكيد ووقوع الأمر لا محالة : قال ابن الأنباري : هذا القول ظاهر الاختلال ، لأن ( كان ) تلغى متوسطة ومؤخرة ، ولا تلغى متقدمة ، تقول العرب : عبد الله كان قائم ، وعبد الله قائم كان على أن كان ملغاة ، ولا يقولون : كان عبد الله قائم على إلغائها ، لأن سبيلهم أن يبدؤا بما تنصرف العناية إليه ، والمعنى لا يكون في محل العناية ، وأيضاً لا يجوز إلغاء الكون في الآية لانتصاب خبره ، وإذا عمل الكون في الخبر فنصبه لم يكن ملغى.\rالاحتمال الرابع : أن تكون ( كان ) بمعنى صار ، فقوله {كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ} معناه صرتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر ، أي صرتم خير أمة بسبب كونكم آمرين بالمعروف وناهين عن المنكر ومؤمنين بالله. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 8 صـ 155 ـ 156}","part":16,"page":9},{"id":6569,"text":"وقال الآلوسى : \r{ كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ } كلام مستأنف سيق لتثبيت المؤمنين على ما هم عليه من الاتفاق على الحق والدعوة إلى الخير كذا قيل ، وقيل : هو من تتمة الخطاب الأول في قوله سبحانه وتعالى : { يا أيها الذين ءامَنُواْ اتقوا الله حَقَّ تُقَاتِهِ } [ آل عمران : 102 ] وتوالت بعد هذا خطابات المؤمنين من أوامر ونواهي واستطرد بين ذلك من يبيض وجهه ومن يسود وشيء من أحوالهم في الآخرة ، ثم عاد إلى الخطاب الأول تحريضاً على الانقياد والطواعية وكان ناقصة ولا دلالة لها في الأصل على غير الوجود في الماضي من غير دلالة على انقطاع أو دوام ، وقد تستعمل للأزلية كما في صفاته تعالى نحو { وَكَانَ الله بِكُلّ شَىْء عَلِيماً } [ الأحزاب : 40 ] وقد تستعمل للزوم الشيء وعدم انفكاكه نحو { وَكَانَ الإنسان أَكْثَرَ شَىء جَدَلاً } [ الكهف : 54 ] ، وذهب بعض النحاة إلى أنها تدل بحسب الوضع على الانقطاع كغيرها من الأفعال الناقصة والمصحح هو الأول وعليه لا تشعر الآية بكون المخاطبين ليسوا خير أمة الآن ، وقيل : المراد كنتم في علم الله تعالى أو في اللوح المحفوظ أو فيما بين الأمم أي في علمهم كذلك ، وقال الحسن : معناه أنتم خير أمة ، واعترض بأنه يستدعي زيادة كان وهي لا تزاد في أول الجملة. أ هـ {روح المعانى حـ 4 صـ 27}\rوقال ابن عاشور : \rكُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بالمعروف وَتَنْهَوْنَ عَنِ المنكر وَتُؤْمِنُونَ بالله }.\rيتنزّل هذا منزلة التَّعليل لأمرهم بالدّعوة إلى الخير ، وما بعده فإن قوله { تأمرون بالمعروف } حال من ضمير كنتم ، فهو موذن بتعليل كونهم خيرَ أمَّة فيترتب عليه أنّ ما كان فيه خيريتهم يجدر أن يفرض عليهم ، إن لم يكن مفروضاً من قبل ، وأن يؤكد عليهم فرضه ، إن كان قد فرض عليهم من قبل.","part":16,"page":10},{"id":6570,"text":"والخطاب في قوله { كنتم } إمَّا لأصحاب الرسول صلى الله عليه وسلم ونقل ذلك عن عمر بن الخطاب ، وابن عبَّاس.\rقال عمر : هذه لأوّلنَا ولا تكون لآخِرنا.\rوإضافة خير إلى أمّة من إضافة الصفة إلى الموصوف : أي كنتم أمَّة خير أمَّة أخرجت للنَّاس ، فالمراد بالأمّة الجماعة ، وأهل العصر النبوي ، مثل القَرن ، وهو إطلاق مشهور ومنه قوله تعالى : { وادّكَر بعد أمَّة } [ يوسف : 45 ] أي بعد مدة طويلة كمدة عصر كامل.\rولا شكّ أن الصحابة كانوا أفضل القرون التي ظهرت في العالم ، لأن رسولهم أفضل الرسل ، ولأن الهدى الذي كانوا عليه لا يماثله هدى أصحاب الرسل الذين مضوا ، فإن أخذت الأمة باعتبار الرسول فيها فالصحابة أفضل أمة من الأمم مع رسولها ، قال النبي صلى الله عليه وسلم \" خير القرون قرني \" والفضل ثابت للجموع على المجموع ، وإن أخذت الأمة من عدا الرسول ، فكذلك الصحابة أفضل الأمم التي مضت بدون رُسلها ، وهذا تفضيل للهدى الذي اهتدوا به ، وهو هدى رسولهم محمد صلى الله عليه وسلم وشريعته.\rوإمّا أن يكون الخطاب بضمير { كنتم } للمسلمين كلّهم في كلّ جيل ظهروا فيه ، ومعنى تفضيلهم بالأمر بالمعروف مع كونه من فروض الكفايات لا تقوم به جميع أفراد الأمّة لا يخلو مسلم من القيام بما يستطيع القيام به من هذا الأمر ، على حسب مبلغ العلم ومنتهى القدرة ، فمن التغيير على الأهل والولد ، إلى التغيير على جميع أهل البلد ، أو لأن وجود طوائف القائمين بهذا الأمر في مجموع الأمّة أوجب فضيلة لجميع الأمّة ، لكون هذه الطوائف منها كما كانت القبيلة تفتخر بمحامد طوائقها ، وفي هذا ضمان من الله تعالى بأنّ ذلك لا ينقطع من المسلمين إن شاء الله تعالى.","part":16,"page":11},{"id":6571,"text":"وفعل ( كان ) يدل على وجود ما يسند إليه في زمن مضى ، دون دلالة على استمرار ، ولا على انقطاع ، قال تعالى { وكان الله غفوراً رحيماً } [ النساء : 96 ] أي وما زال ، فمعنى { كنتم خير أمة } وجدتم على حالة الأخيرية على جميع الأمم ، أي حصلت لكم هذه الأخيرية بحصول أسبابها ووسائلها ، لأنّهم اتّصفوا بالإيمان ، والدّعوة للإسلام ، وإقامته على وجهه ، والذبّ عنه النقصانَ والإضاعة لتحقّق أنّهم لمّا جُعل ذلك من واجبهم ، وقد قام كُلّ بما استطاع ، فقد تحقّق منهم القيام به ، أو قد ظهر منهم العزم على امتثاله ، كُلّما سنح سانح يقتضيه ، فقد تحقّق أنهم خير أمَّة على الإجمال فأخبر عنهم بذلك.\rهذا إذا بنَينا على كون الأمر في قوله آنفاً { ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر } [ آل عمران : 104 ] وما بعده من النهي في قوله { ولا تكونوا كالذين تفرقوا } [ آل عمران : 105 ] الآية ، لم يكن حاصلاً عندهم من قبل.\rويجوز أن يكون المعنى : { كنتم خير أمة } موصوفين بتلك الصّفات فيما مضى تفعلونها إمَّا من تلقاء أنفسكم ، حرصاً على إقامة الدّين واستحساناً وتوفيقاً من الله في مصادفتكم لمرضاته ومراده ، وإمّا بوجوب سابق حاصل من آيات أخرى مثل قوله : { وتواصوا بالحق } [ العصر : 3 ] وحينئذٍ فلمَّا أمرهم بذلك على سبيل الجزم ، أثنى عليهم بأنَّهم لم يكونوا تاركيه من قبل ، وهذا إذا بنَينا على أنّ الأمر في قوله { ولتكن منكم أمة } [ آل عمران : 104 ] تأكيداً لما كانوا يفعلونه ، وإعلام بأنَّه واجب ، أو بتأكيد وجوبه على الوجوه التي قدّمتها عند قوله { ولتكن منكم أمة }.","part":16,"page":12},{"id":6572,"text":"ومن الحيرة التجاء جمع من المفسرين إلى جعل الإخبار عن المخاطبين بكونهم فيما مضى من الزمان أمة بمعنى كونهم كذلك في علم الله تعالى وقَدَره أو ثبوت هذا الكون في اللوح المحفوظ أو جعل كان بمعنى صار.\rوالمراد بأمَّة عمومُ الأمم كلّها على ما هو المعروف في إضافة أفعل التفضيل إلى النكرة أن تكون للجنس فتفيد الاستغراق. أ هـ {التحرير والتنوير حـ 3 صـ 187 ـ 189}\rفصل\rقال الفخر : \rاحتج أصحابنا بهذه الآية على أن إجماع الأمة حُجَّة ، وتقريره من وجهين\rالأول : قوله تعالى : {وَمِن قَوْمِ مُوسَى أُمَّةٌ يَهْدُونَ بالحق} [ الأعراف : 159 ] ثم قال في هذه الآية {كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ} فوجب بحكم هذه الآية أن تكون هذه الأمة أفضل من أولئك الذين يهدون بالحق من قوم موسى ، وإذا كان هؤلاء أفضل منهم وجب أن تكون هذه الأمة لا تحكم إلا بالحق إذ لو جاز في هذه الآية أن تحكم بما ليس بحق لامتنع كون هذه الأمة أفضل من الأمة التي تهدي بالحق ، لأن المبطل يمتنع أن يكون خيراً من المحق ، فثبت أن هذه الأمة لا تحكم إلا بالحق ، وإذا كان كذلك كان إجماعهم حجة.\rالوجه الثاني : وهو ( أن الألف واللام ) في لفظ {المعروف} ولفظ {المنكر} يفيدان الاستغراق ، وهذا يقتضي كونهم آمرين بكل معروف ، وناهين عن كل منكر ومتى كانوا كذلك كان إجماعهم حقاً وصدقاً لا محالة فكان حجة ، والمباحث الكثيرة فيه ذكرناها في الأصول. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 8 صـ 156}","part":16,"page":13},{"id":6573,"text":"فائدة\rقال الفخر : \rقال الزجاج : قوله {كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ} ظاهر الخطاب فيه مع أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ، ولكنه عام في كل الأمة ، ونظيره قوله {كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصيام} [ البقرة : 183 ] {كتب عَلَيْكُم القصاص} [ البقرة : 178 ] فإن كل ذلك خطاب مع الحاضرين بحسب اللفظ ، ولكنه عام في حق الكل كذا ههنا. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 8 صـ 156}\rفصل\rقال الفخر : \rقال القفال رحمه الله : أصل الأمة الطائفة المجتمعة على الشيء الواحد فأمة نبينا صلى الله عليه وسلم هم الجماعة الموصوفون بالإيمان به والإقرار بنبوته ، وقد يقال لكل من جمعتهم دعوته أنهم أمته إلا أن لفظ الأمة إذا أطلقت وحدها وقع على الأول ، ألا ترى أنه إذا قيل أجمعت الأمة على كذا فهم منه الأول وقال عليه الصلاة والسلام : \" أمتي لا تجتمع على ضلالة \" وروي أنه عليه الصلاة والسلام يقول يوم القيامة \" أمتي أمتي \" فلفظ الأمة في هذه المواضع وأشباهها يفهم منه المقرون بنبوته ، فأما أهل دعوته فإنه إنما يقال لهم : إنهم أمة الدعوة ولا يطلق عليهم إلا لفظ الأمة بهذا الشرط. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 8 صـ 156}\rقوله تعالى {أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ}\rأما قوله {أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ} ففيه قولان الأول : أن المعنى كنتم خير الأمم المخرجة للناس في جميع الأعصار ، فقوله {أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ} أي أظهرت للناس حتى تميزت وعرفت وفصل بينها وبين غيرها\rوالثاني : أن قوله {لِلنَّاسِ} من تمام قوله {كُنتُمْ} والتقدير : كنتم للناس خير أمة ، ومنهم من قال : {أُخْرِجَتْ} صلة ، والتقدير : كنتم خير أمة للناس. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 8 صـ 156 ـ 157}\rوقال ابن عاشور : \rوقوله { أخرجت للناس } الإخراج مجاز في الإيجاد والإظهار كقوله تعالى { فأخرج لهم عجلاً جسداً له خوار } [ طه : 88 ] أي أظهر بصوغه عجلاً جسداً.","part":16,"page":14},{"id":6574,"text":"والمعنى : كنتم خير الأمم التي وجدت في عالم الدنيا.\rوفاعل { أخرجت } معلوم وهو الله موجد الأمم ، والسائق إليها ما به تفاضلها.\rوالمراد بالناس جميع البشر من أوّل الخليقة. أ هـ {التحرير والتنوير حـ 3 صـ 189}\rفصل\rقال القرطبى :\rوإذا ثبت بنَصِّ التنزيل أن هذه الأمة خير الأمم ؛ فقد روى الأئمّة من حديث عِمران بن حصين عن النبيّ صلى الله عليه وسلم أنه قال : \" خير الناس قرني ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم \" ( الحديث ) وهذا يدل على أن أوّل هذه الأمة أفضل ممن بعدهم ، وإلى هذا ذهب معظم العلماء ، وأن من صحب النبيّ صلى الله عليه وسلم ورآه ولو مرّة في عمره أفضل ممن يأتي بعده ، وأن فضيلة الصحبة لا يعدِلها عمل.\rوذهب أبو عمر بن عبد البِّر إلى أنه قد يكون فيمن يأتي بعد الصحابة أفضل ممن كان في جملة الصحابة ، وأن قوله عليه السَّلام : \" خير الناس قرني \" ليس على عمومه بدليل ما يجمع القرن من الفاضل والمفضول.\rوقد جمع قرنه جماعة من المنافقين المظهِرين للإيمان وأهلِ الكبائر الذين أقام عليهم أو على بعضهم الحدود ، وقال لهم : ما تقولون في السارق والشارب والزاني.\rوقال مُوَاجهةً لمن هو في قرنه : \" لا تسبوا أصحابي \" و\" قال لخالد بن الوليد في عمّار : \"لا تسب من هوخير منك\" \" وروى أبو أمَامة أن النبيّ صلى الله عليه وسلم قال : \" طوبى لمن رآني وآمن بي وطوبى سبع مرّات لمن لم يرني وآمن بي \" وفي مسند أبي داود الطيالِسِيّ عن محمد بن أبي حميد عن زيد بن أسلم عن أبيه عن عمر قال : كنت جالساً عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : \" \"أتدرون أي الخلق أفضل إيماناً\" قلنا الملائكة.\rقال : \"وحق لهم بل غيرهم\" قلنا الأنبياء.","part":16,"page":15},{"id":6575,"text":"قال : \"وحق لهم بل غيرهم\" ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : \"أفضل الخلق إيماناً قوم في أصلاب الرجال يؤمنون بي ولم يروني يجِدون ورقا فيعملون بما فيها فهم أفضل الخلق إيماناً\" \" وروى صالح بن جبير عن أبي جُمْعَة قال : \" قلنا يا رسول الله ، هل أحد خير منا ؟ قال : \"نعم قوم يجِيئون من بعدكم فيجدون كتاباً بين لوحين فيؤمنون بما فيه ويؤمنون بي ولم يروني\" \" وقال أبو عمر : وأبو جمعة له صحبة واسمه حَبِيب بن سِبَاع ، وصالح بن جبير من ثِقَات التابعين.\rوروى أبو ثعلبة الخشنِي عن النبيّ صلى الله عليه وسلم أنه قال : \" \"إن أمامكم أياماً الصّابر فيها على دينه كالقابض على الجَمْر للعامل فيها أجر خمسين رجلاً يعمل مثل عمله\"قيل : يا رسول الله ، منهم ؟ قال : \"بل منكم\" \" قال أبو عمر : وهذه اللفظة { بَلِ مِّنكُمْ } قد سكت عنها بعض المحدّثين فلم يذكرها.\rوقال عمر بن الخطاب في تأويل قوله : { كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ } قال : من فعل مثل فعلِكم كان مثلكم.\rولا تعارض بين الأحاديث ؛ لأن الأوّل على الخصوص ، والله الموفِّق.","part":16,"page":16},{"id":6576,"text":"وقد قيل في توجيه أحاديث هذا الباب : إن قرنه إنما فُضِّل لأنهم كانوا غُرَبَاء في إيمانهم لكثرة الكفار وصبرِهم على أذاهم وتمسكهم بدينهم ، وإن أواخر هذه الأمّة إذا أقاموا الدِّين وتمسّكوا به وصبروا على طاعة ربهم في حين ظهور الشر والفسق والهَرَج والمعاصي والكبائر كانوا عند ذلك أيضاً غُرَبَاء ، وزكت أعمالهم في ذلك الوقت كما زَكَتْ أعمال أوائلهم ، و( مما ) يشهد لهذا قوله عليه السَّلام : \" بدأ الإسلام غريباً وسيعود كما بدأ فطوبى للغرباء \" ويشهد له أيضاً حديث أبي ثعلبة ، ويشهد له أيضاً قوله صلى الله عليه وسلم : \" أُمَّتي كالمطر لا يُدْرَى أوّلُه خيرٌ أم آخره \" ذكره أبو داود الطيالسِيّ وأبو عيسى الترمذي ، ورواه هشام بن عبيد الله الرازي عن مالكٍ عن الزهري عن أنس قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : \" مثل أمتي مثل المطرِ لا يُدْرَى أوّله خيرٌ أم آخره \" ذكره الدارقطنِي في مسند حديث مالك.\rقال أبو عمر : هشام بن عبيد الله ثقةٌ لا يختلفون في ذلك.\rوروي أن عمر بن عبد العزيز لما ولي الخلافة كتب إلى سالم بن عبد الله أن اكتب إليّ بسيرة عمر بن الخطاب لأعمل بها ؛ فكتب إليه سالم : إن عملت بسيرة عمر ؛ فأنت أفضل من عمر لأن زمانك ليس كزمان عمر ، ولا رجالك كرجال عمر.\rوكتب إلى فقهاء زمانه ، فكلُّهم كتب إليه بمثل قول سالم.\rوقد عارض بعض الجِلّة من العلماء قوله صلى الله عليه وسلم : \" خير الناس قرنِي \" بقوله صلى الله عليه وسلم : \" خير الناس من طال عمره وحَسُن عملُه وشرُّ الناس من طال عمره وساء عمله \" قال أبو عمر : فهذه الأحاديث تقتضي مع تَوَاتُر طرقها وحسنها التّسْويةَ بين أوّلِ هذه الأمّة وآخرِها.","part":16,"page":17},{"id":6577,"text":"والمعنى في ذلك ما تقدّم ذكره من الإيمان والعمل الصالح في الزمان الفاسد الذي يرفع فيه من أهل العلم والدين ، ويكثر فيه الفسق والهَرَج ، ويُذَلّ المؤمنُ ويُعَزُّ الفاجر ويعود الدين غَرِيباً كما بدا غَرِيباً ويكون القائمُ فيه كالقابض على الجمر ، فيستوي حينئذ أوّل هذه الأمّة بآخرها في فضل العمل إلاَّ أهل بدَرُ والحُديبية ، ومن تدبّر آثار هذا الباب بان له الصّواب ، والله يؤتي فضله من يشاء. أ هـ {تفسير القرطبى حـ 4 صـ 171 ـ 173}\rقوله تعالى : {تَأْمُرُونَ بالمعروف وَتَنْهَوْنَ عَنِ المنكر وَتُؤْمِنُونَ بالله }\rقال الفخر : \rاعلم أن هذا كلام مستأنف ، والمقصود منه بيان علة تلك الخيرية ، كما تقول : زيد كريم يطعم الناس ويكسوهم ويقوم بما يصلحهم ، وتحقيق الكلام أنه ثبت في أصول الفقه أن ذكر الحكم مقروناً بالوصف المناسب له يدل على كون ذلك الحكم معللاً بذلك الوصف ، فههنا حكم تعالى بثبوت وصف الخيرية لهذه الأمة ، ثم ذكر عقيبه هذا الحكم وهذه الطاعات ، أعني الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والإيمان ، فوجب كون تلك الخيرية معللة بهذه العبادات. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 8 صـ 157}","part":16,"page":18},{"id":6578,"text":"وقال الآلوسى : \r{ تَأْمُرُونَ بالمعروف وَتَنْهَوْنَ عَنِ المنكر } فإنه وإن كان استئنافاً مبيناً لكونهم خير أمة أو صفة ثانية لأمة على ما قيل إلا أنه يفهم الشرطية والمتبادر من المعروف الطاعات ومن المنكر المعاصي التي أنكرها الشرع. وأخرج ابن المنذر وغيره عن ابن عباس في الآية أن المعنى تأمرونهم أن يشهدوا أن لا إله إلا الله ويقرّوا بما أنزل الله تعالى وتقاتلونهم عليهم ولا إله إلا الله هو أعظم المعروف وتنهونهم عن المنكر والمنكر هو التكذيب وهو أنكر المنكر وكأنه رضي الله تعالى عنه حمل المطلق على الفرد الكامل وإلا فلا قرينة على هذا التخصيص.","part":16,"page":19},{"id":6579,"text":"{ وَتُؤْمِنُونَ بالله } أريد بالإيمان به سبحانه الإيمان بجميع ما يجب الإيمان به لأن الإيمان إنما يعتد به ويستأهل أن يقال له إيمان إذا آمن بالله تعالى على الحقيقة وحقيقة الإيمان بالله تعالى أن يستوعب جميع ما يجب الإيمان به فلو أخل بشيء منه لم يكن من الإيمان بالله تعالى في شيء ، والمقام يقتضيه لكونه تعريضاً بأهل الكتاب وأنهم لا يؤمنون بجميع ما يجب الإيمان به كما يشعر بذلك التعقيب بنفي الإيمان عنهم مع العلم بأنهم مؤمنون في الجملة وأيضاً المقام مقام مدح للمؤمنين بكونهم خير أمة أخرجت للناس وهذه الجملة معطوفة على ما قبلها المعلل للخيرية فلو لم يرد الإيمان بجميع ما يجب الإيمان به لم يكن مدحاً فلا يصلح للتعليل والعطف يقتضيه وإنما أخر الإيمان عن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر مع تقدمه عليهما وجوداً ورتبة كما هو الظاهر لأن الإيمان مشترك بين جميع الأمم دون الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فهما أظهر في الدلالة على الخيرية ، ويجوز أن يقال قدمهما عليه للاهتمام وكون سوق الكلام لأجلهما ، وأما ذكره فكالتتميم ، ويجوز أيضاً أن يكون ذلك للتنبيه على أن جدوى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في الدين أظهر مما اشتمل عليه الإيمان بالله تعالى لأنه من وظيفة الأنبياء عليهم الصلاة والسلام ولو قيل قدما وأخر للاهتمام وليرتبط بقوله تعالى : \r{ وَلَوْ ءامَنَ أَهْلُ الكتاب لَكَانَ خَيْراً لَّهُمْ } لم يبعد. أ هـ {روح المعانى حـ 4 صـ 28}","part":16,"page":20},{"id":6580,"text":"وقال ابن عاشور : \rوإنّما قدّم { تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر } على قوله { وتؤمنون بالله } لأنهما الأهم في هذا المقام المسوق للتنويه بفضيلة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر الحاصلة من قوله تعالى : { ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر } [ آل عمران : 104 ] والاهتمام الذي هو سبب التقديم يختلف باختلاف مقامات الكلام ولا ينظر فيه إلى ما في نفس الأمر لأنّ إيمانهم ثابت محقّق من قبل.\rوإنَّما ذكر الإيمان بالله في عداد الأحوال التي استحقوا بها التفضيل على الأمم ، لأنّ لكلّ من تلك الأحوال الموجبة للأفضلية أثراً في التفَّضيل على بعض الفرق ، فالإيمان قصد به التفضيل على المشركين الذين كانوا يفتخرون بأنهم أهل حرم الله وسدنة بيته وقد ردّ الله ذلك صريحاً في قوله : { أجعلتم سقاية الحاج وعمارة المسجد الحرام كمن آمن بالله واليوم الآخر وجاهد في سبيل الله لا يستوون عند الله } [ التوبة : 19 ] وذكر الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، قصد به التفضيل على أهل الكتاب ، الذين أضاعوا ذلك بينهم ، وقد قال تعالى فيهم { كانوا لا يتناهون عن منكر فعلوه } [ المائدة : 79 ].\rفإن قلت إذا كان وجه التفضيل على الأمم هو الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والإيمان بالله ، فقد شاركنا في هذه الفضيلة بعض الجماعات من صالحي الأمم الذين قبلنا ، لأنَّهم آمنوا بالله على حسب شرائعهم ، وأمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر ، لتعذّر أن يترك الأمم بالمعروف لأنّ الغيرة على الدين أمر مرتكز في نفوس الصادقين من أتباعه.","part":16,"page":21},{"id":6581,"text":"قلت : لم يثبت أن صالحي الأمم كانوا يلتزمون الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر إمّا لأنه لم يكن واجباً عليهم ، أو لأنَّهم كانوا يتوسعّون في حل التقية ، وهذا هارون في زمن موسى عبدت بنو إسرائيل العجل بمرأى منه ومسمع فلم يغيّر عليهم ، وقد حكى الله محاورة موسى معه بقوله { قال يا هارون ما منعك إذ رأيتهم ضلوا ألا تتبعني أفعصيت أمري قال يابن أم لا تأخذ بلحيتي ولا برأسي إني خشيت أن تقول فرقت بين بني إسرائيل ولم ترقب قولي } [ طه : 92 94 ] وأما قوله تعالى { من أهل الكتاب أمة قائمة يتلون آيات الله آناء الليل وهم يسجدون يؤمنون بالله واليوم الآخر ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر } [ آل عمران : 113 ، 114 ] الآية فتلك فئة قليلة من أهل الكتاب هم الذين دخلوا في الإسلام مثل عبد الله بن سلام ، وقد كانوا فئة قليلة بين قومهم فلم يكونوا جمهرة الأمّة.","part":16,"page":22},{"id":6582,"text":"وقد شاع عند العلماء الاستدلال بهذه الآية على حجيّة الإجماع وعصمته من الخطأ بناء على أن التعريف في المعروف والمنكر للاستغراق ، فإذا أجمعت الأمَّة على حكم ، لم يجز أن يكون ما أجمعوا عليه منكراً ، وتعيّن أن يكون معروفاً ، لأنّ الطائفة المأمورة بالأمر بالمعروف والنَّهي عن المنكر في ضمنهم ، ولا يجوز سكوتها منكر يقع ، ولا عن معروف يترك ، وهذا الاستدلال إن كان على حجية الإجماع بمعنى الشرع المتواتر المعلوم من الدين بالضرورة فهو استدلال صحيح لأن المعروف والمنكر في هذا النوع بديهي ضروري ، وإن كان استدلالاً على حجية الإجماعات المنعقدة عن اجتهاد ، وهو الذي يقصده المستدلون بالآية ، فاستدلالهم بها عليه سفسطائي لأنّ المنكر لا يعتبر منكراً إلاّ بعد إثبات حكمه شرعاً ، وطريق إثبات حكمه الإجماع ، فلو أجمعوا على منكر عند الله خطأ منهم لما كان منكراً حتَّى ينهي عنه طائفة منهم لأنّ اجتهادهم هو غاية وسعهم. أ هـ {التحرير والتنوير حـ 3 صـ 189 ـ 191}\rفائدة\rقال القرطبى :\rقوله تعالى : { تَأْمُرُونَ بالمعروف وَتَنْهَوْنَ عَنِ المنكر } مدح هذه الأمّة ما أقاموا ذلك واتصفوا به.\rفإذا تركوا التغيير وتَواطَئوا على المنكر زال عنهم اسم المدح ولحقهم اسم الذَّمِّ ، وكان ذلك سبباً لهلاكهم. أ هـ {تفسير القرطبى حـ 4 صـ 173}\rفائدة\rقال أبو حيان :\rوحكم عليهم بأنهم خيرُ أمة ، ولم يبين جهة الخيرية في اللفظ وهي : سبقهم إلى الإيمان برسول الله صلى الله عليه وسلم ، وبدارهم إلى نصرته ، ونقلهم عنه علم الشريعة ، وافتتاحهم البلاد.\rوهذه فضائل اختصوا بها مع ما لهم من الفضائل.","part":16,"page":23},{"id":6583,"text":"وكل من عمل بعدهم حسنة فلهم مثل أجرها ، لأنّهم سببٌ في إيجادها ، إذْ هم الذين سنوها ، وأوضحوا طريقها \" من سنّ سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة ، لا ينقص ذلك من أجرهم شيئاً \". أ هـ {البحر المحيط حـ 3 صـ 30 ـ 31}\rأسئلة وأجوبة للإمام الفخر :\rالسؤال الأول : من أي وجه يقتضي الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والإيمان بالله كون هذه الأمة خير الأمم مع أن هذه الصفات الثلاثة كانت حاصلة في سائر الأمم ؟ .\rوالجواب : قال القفال : تفضيلهم على الأمم الذين كانوا قبلهم إنما حصل لأجل أنهم يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر بآكد الوجوه وهو القتال لأن الأمر بالمعروف قد يكون بالقلب وباللسان وباليد ، وأقواها ما يكون بالقتال ، لأنه إلقاء النفس في خطر القتل وأعرف المعروفات الدين الحق والإيمان بالتوحيد والنبوة ، وأنكر المنكرات : الكفر بالله ، فكان الجهاد في الدين محملاً لأعظم المضار لغرض إيصال الغير إلى أعظم المنافع ، وتخليصه من أعظم المضار ، فوجب أن يكون الجهاد أعظم العبادات ، ولما كان أمر الجهاد في شرعنا أقوى منه في سائر الشرائع ، لا جرم صار ذلك موجباً لفضل هذه الأمة على سائر الأمم ، وهذا معنى ما روي عن ابن عباس أنه قال في تفسير هذه الآية : قوله {كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ} تأمرونهم أن يشهدوا أن لا إله إلا الله ويقروا بما أنزل الله ، وتقاتلونهم عليه و\"لا إله إلا الله\" أعظم المعروف ، والتكذيب هو أنكر المنكر.","part":16,"page":24},{"id":6584,"text":"ثم قال القفال : فائدة القتال على الدين لا ينكره منصف ، وذلك لأن أكثر الناس يحبون أديانهم بسبب الألف والعادة ، ولا يتأملون في الدلائل التي تورد عليهم فإذا أكره على الدخول في الدين بالتخويف بالقتل دخل فيه ، ثم لا يزال يضعف ما في قلبه من حب الدين الباطل ، ولا يزال يقوى في قلبه حب الدين الحق إلى أن ينتقل من الباطل إلى الحق ، ومن استحقاق العذاب الدائم إلى استحقاق الثواب الدائم.\rالسؤال الثاني : لم قدم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر على الإيمان بالله في الذكر مع أن الإيمان بالله لا بد وأن يكون مقدماً على كل الطاعات ؟ .\rوالجواب : أن الإيمان بالله أمر مشترك فيه بين جميع الأمم المحقة ، ثم إنه تعالى فضل هذه الأمة على سائر الأمم المحقة ، فيمتنع أن يكون المؤثر في حصول هذه الخيرية هو الإيمان الذي هو القدر المشترك بين الكل ، بل المؤثر في حصول هذه الزيادة هو كون هذه الأمة أقوى حالاً في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من سائر الأمم ، فإذن المؤثر في حصول هذه الخيرية هو الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، وأما الإيمان بالله فهو شرط لتأثير هذا المؤثر في هذا الحكم لأنه ما لم يوجد الإيمان لم يصر شيء من الطاعات مؤثراً في صفة الخيرية ، فثبت أن الموجب لهذه الخيرية هو كونهم آمرين بالمعروف ناهين عن المنكر ، وأما إيمانهم فذاك شرط التأثير ، والمؤثر ألصق بالأثر من شرط التأثير ، فلهذا السبب قدم الله تعالى ذكر الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر على ذكر الإيمان.\rالسؤال الثالث : لم اكتفى بذكر الإيمان بالله ولم يذكر الإيمان بالنبوة مع أنه لا بد منه.","part":16,"page":25},{"id":6585,"text":"والجواب : الإيمان بالله يستلزم الإيمان بالنبوّة ، لأن الإيمان بالله لا يحصل إلا إذا حصل الإيمان بكونه صادقاً ، والإيمان بكونه صادقاً لا يحصل إلا إذا كان الذي أظهر المعجز على وفق دعواه صادقاً لأن المعجز قائم مقام التصديق بالقول ، فلما شاهدنا ظهور المعجز على وفق دعوى محمد صلى الله عليه وسلم كان من ضرورة الإيمان بالله الإيمان بنبوّة محمد صلى الله عليه وسلم ، فكان الاقتصار على ذكر الإيمان بالله تنبيهاً على هذه الدقيقة. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 8 صـ 157 ـ 158}\rفوائد لغوية\rقال ابن عادل : \rفي \" كان \" هذه - ستة أقوال : \rأحدها : أنها ناقصة على بابها - وإذا كانت كذلك ، فلا دلالة لها على مُضِيٍّ وانقطاع ، بل تصلح للانقطاع نحو : كان زيدٌ قائماً ، وتصلح للدوام ، كقوله : { وَكَانَ الله غَفُوراً رَّحِيماً } [ النساء : 96 ] ، وقوله : { وَلاَ تَقْرَبُواْ الزنى إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً } [ الإسراء : 32 ] ، فهي - هنا - بمنزلة : لم يزل ، وهذا بحسب القرائن.\rوقال الزمخشري : \" كان عبارة عن وجود الشيء في زمنٍ ماضٍ ، على سبيل الإبهام ، وليس فيه دليل على عدم سابق ، ولا على انقطاع طارئ ، ومنه قوله تعالى : { وَكَانَ الله غَفُوراً رَّحِيماً } ، وقوله : { كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ } [ آل عمران : 110 ]. كأنه قيل : وُجِدتم خيرَ أمة \".\rقال أبو حيان : قوله : \" لم يدل على عدم سابق \" ، هذا إذا لم يكن بمعنى : \" صار \" ، فإذا كان بمعنى : \" صار \" دلت على عدم سابق ، فإذا قلتَ : كان زيدٌ عالماً - بمعنى : صار زيدٌ عالماً - دل على أنه نقل من حالة الجَهْل إلى حالة العلم.","part":16,"page":26},{"id":6586,"text":"وقوله : \" ولا على انقطاع طارئ \" ، قد ذكرنا - قبل - أن الصحيح أنها كسائر الأفعال ، يدل لفظ المُضِيّ منها على الانقطاع ، ثم قد يستعمل حيث لا انقطاع ، وفرق بين الدلالة والاستعمال ؛ ألا ترى أنك تقول : \" هذا اللفظ يدل على العموم \" ثم قد يستعمل حيث لا يراد العموم ، بل يراد الخصوص.\rوقوله : كأنه قيل : \" وجدتم خير أمة \" ، هذا يعارض قوله : إنها مثل قوله : { وَكَانَ الله غَفُوراً رَّحِيماً } ؛ لأن تقديره : وجدتم خير أمة يدل على أنها التامة ، وأن { خَيْرَ أُمَّةٍ } حال ، وقوله : { وكان الله غفوراً رحيماً } لا شك أنها - هنا - الناقصة ، فتعارضا.\rقال شهابُ الدين : \" لا تعرُضَ ؛ لأن هذا تفسير معنًى ، لا إعراب \".\rالثاني : أنها بمعنى : \" صرتم \" ، و\" كان \" تأتي بمعنى : \" صار \" كثيراً.\rكقوله : [ الطويل ]\rبِتَيْهَاءَ قَفْرٍ وَالْمَطِيُّ كأنَّهَا... قَطَا الْحَزْنِ قَدْ كَانَتْ فِرَاخاً بُيُوضُهَا\rأي : صارت فراخاً.\rالثالث : أنها تامة ، بمعنى : \" وجدتم \" ، و{ خَيْرَ أُمَّةٍ } - على هذا منصوب على الحال ، أي : وجدتم على هذه الحال.\rالرابع : أنها زائدة ، والتقدير : أنتم خير أمة ، وهذا قول مرجوح ، أو غلط ، لوجهين :\rأحدهما : أنها لا تزاد أولاً ، وقد نقل ابنُ مالك الاتفاق على ذلك.\rالثاني : أنها لا تعمل في \" خير \" مع زيادتها.\rوفي الثاني نظر ، إذ الزيادة لا تنافي العمل ، لما تقدم عند قوله : \" وما لنا ألا نقاتل في سبيل الله \" ؟\rالخامس : أنها على بابها ، والمراد : كنتم في علم الله ، أو في اللوح المحفوظ ، أو في الأمم السالفة ، مذكورين بأنكم خير أمة.\rالسادس : أن هذه الجملة متصلة بقوله : \" ففي رحمة الله \" ، أي : فيقال لهم يوم القيامة : \" كنتم خير أمة \" ، وهو بعيد جِدًّا.","part":16,"page":27},{"id":6587,"text":"قوله : { أُخْرِجَتْ } يجوز في هذه الجملة أن تكون في مَحَلِّ جَرٍّ ؛ نعتاً لـ \" أمةٍ \" - وهو الظاهر - وأن تكون في محل نصب ؛ نعتاً لـ \" خَيْر \" ، وحينئذ يكون قد روعي لفظ الاسم الظاهر بعد وروده بعد ضمير الخطاب ، ولو روعي ضمير الخطاب لكان جائزاً - أيضاً - وذلك أنه إذا تقدم ضميرُ حاضرٍ - متكلِّماً كان أو غائباً أو ماطباً - ثم جاء بعده خبره اسماً ظاهراً ، ثم جاء بعد ذلك الاسم الظاهر ما يصلح أن يكون وصفاً له كان للعرب فيه طريقان :\rأحدهما : مراعاة ذلك الضمير السابق ، فيطابقه بما في تلك الجملة الواقعة صفة للاسم الظاهر.\rالثانية : مراعاة ذلك الاسم الظاهر ، فيبعد الضمير عليه منها غائباً ، وذلك كقولك : أنت رجل يأمر بالمعروف ، بالخطاب ، مراعاة لـ \" أنت \" ، وبالغيبة ، مراعاة للفظ \" رجل \" ، وأنا امرؤ أقول الحق - بالمتكلم ؛ مراعاة لـ \" أنا \" ويقول الحقّ ، مراعاة لمرئٍ ، وبالغيبة مراعة للفظ امرئ ، ومن مراعاة الضمير قوله تعالى : { بَلْ أَنتُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ } [ النمل : 55 ] ، وقوله : { بَلْ أَنتُمْ قَوْمٌ تُفْتَنُونَ } [ النمل : 47 ] ، وقوله صلى الله عليه وسلم : \" إنَّكَ امْرُؤٌ فِيكَ جَاهِلِيَّةٌ \".\rوقول الشاعر : [ الطويل ]\rوَأنْتَ امْرُؤٌ قَدْ كَثَّأتْ لَكَ لِحْيَةٌ... كَأنَّكَ مِنْهَا قَاعِدٌ في جُوَالِقِ\rولو قيل : - في الآية الكريمة- : أخْرِجْتُمْ ؛ مراعاة لـ \" كُنْتُمْ \" لكان جائزاً - من حيث اللفظ - ولكن لا يجوز أن يُقْرأ به ؛ لأن القراءةَ سنَّة مُتَّبَعَةٌ ، فالأولَى أن تُجْعَل الجملة صفة لـ \" أمَّةٍ \" ، لا لـ \" خَيْرَ \" ن لتناسب الخطاب في قوله : { تَاْمُرُونَ }.\rقوله : { لِلنَّاسِ } فيه أوجه :","part":16,"page":28},{"id":6588,"text":"أحدها : أن تتعلق بـ { أُخْرِجَتْ } ومعناه : ما أخرج الله أمة خيراً من أمة محمد صلى الله عليه وسلم ، وفي الحديث : \" ألا وَإنَّ هَذِه الأمة تُوفِّي سبعين أمة ، أنتم خَيْرُهَا وَأكْرَمُهَا عَلَى اللهِ تَعَالَى \".\rالثاني : أنه متعلق بـ \" خَيْرَ \" أي : أنتم خير الناس للناس.\rقال أبو هريرة : معناه : كنتم خير الناس للناس ؛ تجيئون بهم في السلاسل ، فتُدْخلونهم في الإسلام.\rوقال قتادة : هم أمة محمد صلى الله عليه وسلم لم يؤمر نبيٌّ قبله بالقتال ، فهم يقاتلون الكفار ، فيُدْخلونهم في الإسلام ، فهم خير أمةٍ للناس.\rوالفرق بينهما - من حيث المعنى - أنه لا يلزم أن يكونوا أفضلَ الأمم - في الوجه الثاني - من هذا اللفظ بل من موضع آخرَ.\rالثالث : أنه متعلِّق - من حيث المعنى ، لا من حيث الإعراب ، بـ \" تَأمُرُونَ \" على أن مجرورَها مفعول به ، فلما تقدم ضَعُفَ العامل ، فَقُوِّيَ بزيادة اللام ، كقوله : { إِن كُنتُمْ لِلرُّؤْيَا تَعْبُرُونَ } [ يوسف : 43 ] أي : إن كنتم تعبرون الرؤيا.\rقوله : { تَأْمُرُونَ } في هذه الجملة أوجُهٌ :\rالأول : أنها خبر ثان لِ \" كُنْتُمْ \" ، ويكون قد راعى الضمير المتقدم - في \" كُنْتُمْ \" ، ولو راعى الخبر لقال : يأمرون - بالغيبة ، وقد تقدم تحقيقه.\rالثاني : أنها في محل نصب على الحال ، قاله الراغب وابن عطية.\rالثالث : أنها في محل نصب ؛ نعتاً لِ { خَيْرَ أُمَّةٍ } ، وأتى بالخطاب لما تقدم ، قاله الحوفي.","part":16,"page":29},{"id":6589,"text":"الرابع : أنها مستأنفة ، بيَّن بها كونهم خير أمة ، كأنه قيل : السبب في كونكم خير الأمم هذه الخصال الحميدة ، والمقصود بيان علة تلك الخيرية - كقولك : زيد كريم ؛ يُطعِم الناسَ ويكسوهم - لأن ذِكْرَ الحكم مقروناً بالوصف المناسِب له يُشْعِر بالعلِّيَّةِ ، فها هنا لما ذكر - عقيب الخيرية - أمْرَهم بالمعروف ، ونَهْيَهُم عن المنكر ، أوجب أن تكون تلك الخيرية لهذا السبب ، وهذا أغرب الأوجه. أ هـ {تفسير ابن عادل حـ 5 صـ 462 ـ 467}\rفصل\rقال الخازن : \rعن عمران بن حصين أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : \" خير الناس قرني ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم قال عمران : فلا أدري أذكر بعد قرنه قرنين أو ثلاثة ثم إن بعدهم قوماً يشهدون ولا يستشهدون ويخونون ولا يؤتمنون وينذرون ولا يوفون ويظهر فيهم السمن \"\rزاد في رواية : \" ويحلفون ولا يستحلفون \"\rعن ابن مسعود أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : \" خير الناس قرني ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم ثم يجيء قوم تسبق شهادة أحدهم يمينه ويمينه شهادته \" قوله : \" خير الناس قرني \" يعني أصحابي القرن أهل كل زمان مأخوذ من الاقتران فكأنه الزمان الزمان الذي يقترن فيه أهل ذلك الزمان في أعمارهم وأحوالهم ، وقيل القرن أربعون سنة وقيل ثمانون وقيل مائة.\rعن أبي سعيد الخدري قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : \" لا تسبوا أصحابي فلو أن أحداً أنفق مثل أحد ذهباً ما بلغ مد أحدهم ولا نصيفه \" النصيف النصف.","part":16,"page":30},{"id":6590,"text":"وقال ابن عباس في رواية عطاء في قوله : كنتم خير أمة هم أمة محمد صلى الله عليه وسلم قال الزّجاج قوله كنتم خير أمة الخطاب فيه مع أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ولكنه عام في كل أمة ونظيره قوله : \" كتب عليكم الصيام ، كتب عليكم القصاص \" فإن كل ذلك خطاب مع الحاضرين بحسب اللفظ ، ولكنه عام في حق الكل كذا ههنا عن \" بهز بن حكيم عن أبيه عن جده أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول في قوله تعالى : { كنتم خير أمة أخرجت للناس } قال أنتم الأمة تتمون سبعين أمة أنتم خيرها وأكرمها على الله تعالى \" أخرجه الترمذي وقال حديث حسن وأصل الأمة الجماعة المجتمعة على الشيء.\rوأمة محمد صلى الله عليه وسلم هم الجماعة الموصوفين بالإيمان بالله عز وجل وبمحمد صلى الله عليه وسلم\rعن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : \" كل أمتي يدخلون الجنة إلا من أبى.\rقالوا : ومن يأبى ؟ قال من أطاعني دخل الجنة ومن عصاني فقد أبى \" عن ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : \" إن الله لا يجمع أمتي او قال أمة محمد صلى الله عليه وسلم على ضلالة ويد الله على الجماعة ومن شذ شذ في النار \" أخرجه الترمذي عن أبي موسى قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : \" إن أمتي أمة مرحومة ليس عليها عذاب في الآخرة عذابها في الدنيا الفتن والزلازل والقتل \" أخرجه أبو داود عن أنس قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : \" مثل أمتي كمثل المطر لا يدري آخره خير أم أوله \" أخرجه الترمذي","part":16,"page":31},{"id":6591,"text":"وله عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : \" أهل الجنة عشرون ومائة صف ، ثمانون من هذه الأمة ، وأربعون من سائر الأمم \" وله عن ابن عمر قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : \" باب أمتي الذي يدخلون من الجنة عرضه مسيرة الراكب المسرع المجد ثلاثاً ثم إنهم يتضاغطون عليه حتى تكاد مناكبهم تزول \" قال الترمذي سألت محمداً يعني البخاري عن هذا الحديث فلم يعرفه وقال لخالد بن أبي بكر مناكير عن سالم بن عبدالله زاد غيره في الحديث وهم شركاء الناس في سائر الأبواب عن أبي سعيد الخدري قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : \" من أمتي من يشفع في الفئام من الناس ومنهم من يشفع في القبيلة ومنهم من يشفع للعصبة من يشفع للواحد \" أخرجه الترمذي\rعن سهل بن سعد قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : \" ليدخلن الجنة من أمتي سبعون ألفاً أو سبعمائة ألف سماطين متماسكين آخذ بعضهم ببعض حتى يدخل أولهم وآخرهم الجنة وجوههم على صورة القمر ليلة البدر \" عن أبي أمامة قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : \" وعدني ربي أن يدخل من أمتي الجنة سبعون ألفاً لا حساب عليهم ولا عذاب ومع كل ألف سبعون ألفاً وثلاث حثيات من حثيات ربي \" أخرجه الترمذي.\rوروى البغوي بإسناد الثعلبي عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : \" إن الجنة حرمت على الأنبياء كلهم حتى أدخلها وحرمت على الأمم حتى تدخلها أمتي \" وقوله تعالى : { أخرجت للناس } معناه كنتم خير الأمم المخرجة للناس في جميع الأعصار ومعنى أخرجت أظهرت للناس حتى تميزت وعرفت وقيل معناه كنتم للناس خير أمة أخرجت\rعن أبي هريرة قال : { كنتم خير أمة أخرجت للناس } قال : خير الناس للناس تأتون بهم في السلاسل في أعناقهم حتى يدخلوا في الإسلام ، وقيل : أخرجت صلة والتقدير كنتم خير أمة للناس وقيل معناه كنتم للناس خير أمة للناس وقيل معناه ما أخرج للناس أمة خير من أمة محمد صلى الله عليه وسلم. أ هـ {تفسير الخازن حـ 1 صـ 264 ـ 265}","part":16,"page":32},{"id":6592,"text":"فصل نفيس فى فضل هذه الأمة\rقال العلامة ابن كثير ـ رحمه الله ـ : \rيخبر تعالى عن هذه الأمة المحمدية بأنهم خير الأمم فقال : { كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ }.\rقال البخاري : حدثنا محمد بن يوسف ، عن سفيان ، عن مَيْسَرة ، عن أبي حازم ، عن أبي هريرة : { كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ } قال : خَيْرَ الناس للناس ، تأتون بهم في السلاسل في أعناقهم حتى يدخلوا في الإسلام (1).\rوهكذا قال ابن عباس ، ومُجاهد ، وعِكْرِمة ، وعَطاء ، والربيع بن أنس ، وعطية العَوْفيّ : { كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ } يعني : خَيْرَ الناس للناس.\rوالمعنى : أنهم خير الأمم وأنفع الناس للناس ؛ ولهذا قال : { تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ }\rقال الإمام أحمد : حدثنا أحمد بن عبد الملك ، حدثنا شريك ، عن سِماك ، عن عبد الله بن عُمَيرة عن زوج [ذُرّةَ] بنت أبي لَهَب ، [عن درة بنت أبي لهب] قالت : قام رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم وهو على المنبر ، فقال : يا رسول الله ، أيّ الناس خير ؟ فقال : \"خَيْرُ النَّاسِ أقْرَؤهُمْ وأتقاهم للهِ ، وآمَرُهُمْ بِالمعروفِ ، وأنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ ، وَأَوْصَلُهُمْ لِلرَّحِمِ\" (2).\rورواه أحمد في مسنده ، والنسائي في سننه ، والحاكم في مستدركه ، من حديث سماك ، عن سعيد بن جُبَير عن ابن عباس في قوله : { كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ } قال : هم الذين هاجروا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم من مكة إلى المدينة (3).\r__________\r(1) صحيح البخاري برقم (4557).\r(2) المسند (6/432).\r(3) المسند (1/319) والنسائي في السنن الكبرى (11072) والمستدرك (2/294) وقال الحاكم : \"صحيح الإسناد على شرط مسلم\" ووافقه الذهبي.","part":16,"page":33},{"id":6594,"text":"والصحيح أن هذه الآية عامةٌ في جميع الأمة ، كل قَرْن بحسبه ، وخير قرونهم الذين بُعثَ فيهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ثم الذين يَلونهم ، ثم الذين يلونهم ، كما قال في الآية الأخرى : { وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا } أي : خيارا { لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ [ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا] } الآية.\rوفي مسند الإمام أحمد ، وجامع الترمذي ، وسنن ابن ماجة ، ومستدرك الحاكم ، من رواية حكيم بن مُعَاوية بن حَيْدَة ، عن أبيه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : \"أَنْتُمْ تُوفُونَ سَبْعِينَ أُمَّةً ، أنْتُمْ خَيْرُهَا ، وأنْتُمْ أكْرَمُ عَلَى اللهِ عزَّ وجَلَّ\" (1).\rوهو حديث مشهور ، وقد حَسَّنه الترمذي. ويروى من حديث معاذ بن جبل ، وأبي سعيد [الخدري] نحوه.\rوإنما حازت هذه الأمة قَصَبَ السَّبْق إلى الخيرات بنبيها محمد صلى الله عليه وسلم فإنه أشرفُ خلق الله أكرم الرسل على الله ، وبعثه الله بشرع كامل عظيم لم يُعْطه نبيًّا قبله ولا رسولا من الرسل. فالعمل [على] منهاجه وسبيله ، يقوم القليلُ منه ما لا يقوم العملُ الكثيرُ من أعمال غيرهم مقامه ، كما قال الإمام أحمد : \rحدثنا عبد الرحمن ، حدثنا ابن زُهَير ، عن عبد الله -يعني ابن محمد بن عقيل-عن محمد بن علي ، وهو ابن الحنفية ، أنه سمع علي بن أبي طالب ، رضي الله عنه ، يقول : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : \"أُعْطِيتُ مَا لَمْ يُعْطَ أَحَدٌ مِنْ الأنْبِيَاءِ\". فقلنا : يا رسول الله ، ما هو ؟ قال : \" نُصِرْتُ بِالرُّعْبِ وَأُعْطِيتُ مَفَاتِيحَ الأرْضِ ، وَسُمِّيتُ أَحْمَدَ ، وَجُعِلَ التُّرَابُ لِي طَهُورًا ، وَجُعِلَتْ أُمَّتِي خَيْرَ الأمَمِ\". تفرد به أحمد من هذا الوجه ، وإسناده حسن (2).\rوقال الإمام أحمد : حدثنا أبو العلاء الحسن بن سَوَّار ، حدثنا لَيْث ، عن معاوية عن بن أبي حُلَيْس يزيد بن مَيْسَرَةَ قال : سمعت أم الدرداء ، رضي الله عنها ، تقول : سمعت أبا الدرداء يقول : سمعت أبا القاسم صلى الله عليه وسلم ، وما سمعته يكنيه قبلها ولا بعدها ، يقول إنَّ اللهَ تَعَالَى يَقُولُ : يَا عِيسَى ، إنِّي بَاعِثٌ بَعْدَكَ أُمَّةً ، إنْ أَصَابَهُمْ مَا يُحِبُّونَ حَمِدُوا وشَكَرُوا ، وإنْ أصَابَهُمْ مَا يَكْرَهُونَ احْتَسَبُوا وَصَبَرُوا ، وَلا حِلْمَ وَلا عِلْمَ\". قال : يَا رَبِّ ، كَيْفَ هَذَا لهُمْ ، وَلا حِلْمَ وَلا عِلْمَ ؟ . قال : \"أُعْطِيهِمْ مِن حِلْمِي وعلمي\" (3).\r__________\r(1) المسند (4/447) وسنن الترمذي برقم (3001) وسنن ابن ماجة برقم (4287) والمستدرك (4/84).\r(2) المسند (1/98) وقال الهيثمي في المجمع (1/260) : \"فيه عبد الله بن محمد بن عقيل وهو سيئ الحفظ. وقال الترمذي : صدوق وقد تكلم فيه بعض العلماء من قبل حفظه ، وسمعت محمد البخاري يقول : كان أحمد بن حنبل وإسحاق والحميدي يحتجون بحديث ابن عقيل. قلت : فالحديث حسن\".\r(3) المسند (6/450).","part":16,"page":34},{"id":6595,"text":"وقد وردت أحاديثُ يناسب ذكرُها هاهنا : \rقال الإمام أحمد : حدثنا هاشم بن القاسم ، حدثنا المسعودي ، حدثنا بُكَيْر بن الأخْنَس ، عن رجل ، عن أبي بكر الصديق ، رضي الله عنه ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : \"أُعْطِيتُ سَبْعِينَ أَلْفًا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ بِغَيْرِ حِسَابٍ ، وُجُوهُهُمْ كَالْقَمَرِ لَيْلَةَ الْبَدْر ، قُلُوبُهُمْ عَلَى قَلْبِ رَجُلٍ وَاحِدٍ ، فَاسْتَزَدْتُ رَبِّي ، عز وجَلَّ ، فَزَادَنِي مَعَ كُل وَاحِدٍ سبعين ألفًا\". فقال أبو بكر ، رضي الله عنه : فرأيت أن ذلك آتٍ على أهل القرى ، ومصيبٌ من حافات البوادي (1).\rحديث آخر : قال الإمام أحمد : حدثنا عبد الله بن بكر السهمي ، حدثنا هشام بن حسان ، عن القاسم بنِ مهران ، عن موسى بن عبيد ، عن ميمون بن مهران ، عن عبد الرحمن بن أبي بكر ؛ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : \"إنَّ رَبِّي أعْطَانِي سَبْعِينَ أَلْفًا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ ، بِغَيْرِ حِسَابٍ\". فقال عمر : يا رسول الله ، فهلا استزدته ؟ فقال : \"اسْتَزَدْتُهُ فَأَعْطَانِي مَعَ كُلِّ رَجُلٍ سَبْعِينَ أَلْفًا \". قال عمر : فهلا استزدته ؟ قال : \"قَدِ اسْتَزَدْتُهُ فأعْطَانِي هكَذَا\". وفرج عبد الله بن بكر بين يديه ، وقال عبد الله : وبسط باعيه ، وحثا عبد الله ، قال هشام : وهذا من الله لا يدرى ما عدده (2).\r_____________\r(1) المسند (1/6) وقال الهيثمي في المجمع (10/410) : \"فيه المسعودي وقد اختلط وتابعيه لم يسم ، وبقية رجال أحمد رجال الصحيح\".\r(2) المسند (1/197) وفي إسناده القاسم بن مهران وموسى بن عبيد وهما مجهولان ، وبقية رجاله رجال الصحيح.","part":16,"page":35},{"id":6596,"text":"حديث آخر : قال الإمام أحمد : حدثنا أبو اليَمان ، حدثنا إسماعيل بن عَيّاش ، عن ضَمْضم بن زُرْعة قال : قال شُرَيح بن عبيد : مَرِضَ ثَوْبَان بحِمْص ، وعليها عبد الله بن قُرْط الأزْدِي ، فلم يَعُدْه ، فدخل على ثوبان رجل من الكَلاعيين عائدًا ، فقال له ثوبان : [أتكتب ؟ قال : نعم : فقال : اكتب ، فكتب للأمير عبد الله بن قرط ، \"من ثوبان] مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، أما بعد : فإنه لو كان لموسى وعيسى ، عليهما السلام ، بحضرتك خَادم لعدته\" ثم طوى الكتاب وقال له : أتبلغه إياه ؟ فقال : نعم. فانطلقَ الرجلُ بكتابه فدفعه إلى ابن قرط ، فلما رآه قام فَزِعا ، فقال الناس : ما شأنه ؟ أحدث أمر ؟ فأتى ثوبان حتى دخل عليه فعاده ، وجلس عنده ساعة ثم قام ، فأخذ ثوبان بردائه وقال : اجلس حتى أحدثك حديثًا سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم سمعته يقول : \"لَيَدْخُلَنَّ الْجَنَّةَ مِنْ أُمَّتِي سَبْعُونَ ألْفًا ، لا حِسَابَ عَلَيْهِمْ وَلا عَذَابَ ، مَعَ كُلِّ ألفٍ سَبْعُونَ ألْفًا\".\rتفرد به أحمد من هذا الوجه ، وإسناد رجاله كلهم ثقات شاميون حِمْصِيّون فهو حديث صحيح (1) ولله الحمد.\rطريق أخرى : قال الطبراني : حدثنا عمرو بن إسحاق بن زبْريق الحِمْصي ، حدثنا محمد بن\r__________\r(1) المسند (5/280).","part":16,"page":36},{"id":6598,"text":"إسماعيل -يعني ابن عَيَّاش-حدثنا أبي ، عن ضَمْضَم بن زُرْعة ، عن شُرَيح بن عبيد ، عن أبي أسماء الرَحَبيّ ، عن ثوبان قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : \"إنَّ رَبِّي ، عَزَّ وجَلَّ ، وَعَدَنِي مِنْ أُمَّتِي سَبْعِينَ ألْفًا لا يُحَاسَبُونَ ، مَعَ كُلِّ ألْفٍ سَبْعُونَ ألْفًا\". هذا لعله هو المحفوظ بزيادة أبي أسماء الرحبي ، بين شريح وبين ثوبان (1) والله أعلم.\rحديث آخر : قال الإمام أحمد : حدثنا عبد الرزاق ، أخبرنا مَعْمر ، عن قتادة ، عن الحسن ، عن عمران بن حُصَين ، عن ابن مسعود قال : أكثرنا الحديث عند رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات ليلة ، ثم غَدَوْنا إليه فقال : \"عُرِضَتْ عَلَيَّ الأنْبِيَاءُ اللَّيْلَةَ بِأُمَمِهَا ، فَجَعَلَ النَّبِيُّ يَمُرُّ وَمَعَهُ الثَّلاثَةُ ، وَالنَّبِيُّ وَمَعَهُ الْعِصَابَةُ ، وَالنَّبِيُّ وَمَعَهُ النَّفَرُ ، وَالنَّبِيُّ لَيْسَ مَعَهُ أَحَدٌ ، حَتَّى مَرَّ عَلَيَّ مُوسَى ، عليه السلام ، ومَعَهُ كَبْكَبَةٌ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ ، فَأَعْجَبُونِي ، فَقُلْتُ : مَنْ هَؤُلاءِ ؟ فَقِيلَ لِي : هَذَا أَخُوكَ مُوسَى ، مَعَهُ بَنُو إِسْرَائِيلَ\". قال : \"قُلْتُ : فَأَيْنَ أُمَّتِي ؟ فَقِيلَ : انْظُرْ عَنْ يَمِينِكَ. فَنَظَرْتُ فَإِذَا الظِّرَابُ قَدْ سُدَّ بِوُجُوهِ الرِّجَالِ ثُمَّ قِيلَ لِي انْظُرْ عَنْ يَسَارِكَ فَنَظَرْتُ فَإِذَا الأفُقُ قَدْ سُدَّ بِوُجُوهِ الرِّجَالِ فَقِيلَ لي : قَدْ رَضِيتَ ؟ فَقُلْتُ \"رَضِيتُ يَا رَبِّ ، [رَضِيتُ يَا رَبِّ ] \" قَالَ : \"فَقِيلَ لِي : إِنَّ مَعَ هَؤُلاءِ سَبْعِينَ أَلْفًا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ بِغَيْرِ حِسَابٍ\". فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : \"فِدَاكُمْ أَبِي وَأُمِّي إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ تَكُونُوا مِنْ السَّبْعِينَ أَلْفًا فَافْعَلُوا فَإِنْ قَصَّرْتُمْ فَكُونُوا مِنْ أَهْلِ الظِّرَابِ فَإِنْ قَصَّرْتُمْ فَكُونُوا مِنْ أَهْلِ الأفُقِ ، فَإِنِّي قَدْ رَأَيْتُ ثَمَّ أُناسًا يَتَهَاوَشُونَ\". فَقَامَ عُكاشَةُ بْنُ مِحْصَنٍ فَقَالَ : ادع الله يا رسول الله أن يجعلني منهم.أي من السبعين ، فدعا له. فقام رجل آخر فَقَالَ : ادع الله يا رسول الله أن يجعلني منهم\r_________________\r(1) المعجم الكبير (2/92) ورواه أيضا في مسند الشاميين رقم (1682).","part":16,"page":37},{"id":6599,"text":"فَقَالَ : \"قَدْ سَبَقَكَ بِهَا عُكاشَة\". قَالَ : ثُمَّ تَحَدَّثْنَا فَقُلْنَا : لمَنْ (6) تُرَوْنَ هؤلاء السبعين الألف ؟ قوم وُلِدُوا في الإسلام لم يُشْرِكُوا بالله شيئا حتى ماتوا. فبلغ ذلك النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فقال : \"هُمْ الَّذِينَ لا يَكْتَوُونَ وَلا يَسْتَرْقُونَ وَلا يَتَطَيَّرُونَ ، وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ\" (1).\rهكذا رواه أحمد بهذا السَّنَد وهذا السياق ، ورواه أيضا عن عبد الصمد ، عن هشام ، عن قتادة ، بإسناده مثله ، وزاد بعد قوله : \"رَضِيتُ يَا رَبِّ رضيت يا رب\" قال رَضِيتَ ؟ قُلْتُ : \"نَعَمْ\". قَالَ : انْظُرْ عَنْ يَسَارِكَ قال : \"فَنَظَرْتُ فَإِذَا الأفُقُ قَدْ سُدَّ بِوُجُوهِ الرِّجَالِ \". فقال : رَضِيتَ ؟ قُلْتُ : \"رَضِيتُ\". وهذا إسناد صحيح من هذا الوجه ، تفرد به أحمد ولم يخرجوه (2).\rحديث آخر : قال أحمد بن مَنِيع : حدثنا عبد الملك بن عبد العزيز ، حدثنا حَمّاد ، عن عاصم ، عن\r__________\r(1) المسند (1/401).\r(2) المسند (1/420).","part":16,"page":38},{"id":6600,"text":"زر ، عن ابن مسعود قال النبي صلى الله عليه وسلم : \"عُرِضَتْ عَلَيَّ الأمَمُ بِالْمَوْسِمِ فَرَاثَتْ عَلَيَّ أُمَّتِي ، ثُمَّ رَأَيْتُهُمْ فَأَعْجَبَتْنِي كَثْرَتُهُمْ وَهَيْئاتُهُمْ ، قَدْ مَلَؤوا السَّهْلَ وَالْجَبَلَ\" ، فَقَالَ : أَرَضِيتَ يَا مُحَمَّدُ ؟ فَقُلْتُ : \"نَعَمْ\". قَالَ : فَإِنَّ مَعَ هَؤُلاءِ سَبْعِينَ أَلْفًا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ بِغَيْرِ حِسَابٍ ، وَهُمْ الَّذِينَ لا يَسْتَرْقُونَ وَلا يَكْتَوُونَ ، وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ \". فَقَامَ عُكاشَةُ فَقَالَ : يَا رسول اللَّه ، ادعُ اللَّه أن يجعلني منهم فقال : \"أنْتَ مِنْهُمْ\" فقام رجل آخر فقال : [ادع الله أن يجعلني منهم فقال] سَبَقَكَ بِهَا عُكاشَةُ\". رواه الحافظ الضِّياء المقْدِسيّ ، قال : هذا عندي على شرط مسلم (1).\rحديث آخر : قال الطبراني : حدثنا محمد بن محمد الجُذُوعيّ القاضي ، حدثنا عُقْبة بن مكْرم. حدثنا محمد بن أبي عَدِيّ عن هشام بنِ حسان عن محمد بن سِيرين ، عن عِمْران بن حُصَين قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : \"يَدْخُل الجَنَّة مِنْ أمَّتِي سَبْعُونَ ألْفًا بِغَيْرِ حِسَاب وَلا عَذَابٍ\". قيل : من هم ؟ قال : \"هُمْ الَّذِينَ لا يَكْتَوُونَ وَلا يَسْتَرْقُونَ وَلا يَتَطَيَّرُونَ ، وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ\". رواه مسلم من طريق هشام بن حسان ، وعنده ذكر عكاشة (2).\r___________\r(1) ورواه ابن حبان في صحيحه برقم (2646) \"موارد\" وأبو يعلى في مسنده (9/233) والبزار في مسنده (4/204) كلهم من طريق حماد عن عاصم به.\r(2) المعجم الكبير (18/183) وصحيح مسلم برقم (216).","part":16,"page":39},{"id":6601,"text":"حديث آخر : ثبَتَ في الصحيحين من رواية الزُّهْرِي ، عن سعيد بن الْمُسَيَّب ، أن أبا هريرة حدثه قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : \"يَدْخُلُ الْجَنَّةَ مِنْ أُمَّتِي زُمْرَةٌ وَهُمْ سَبْعُونَ ألفًا ، تُضِيء وُجُوهُهُمْ إضَاءة الْقَمَرِ لَيْلَةَ الْبَدْرِ\". فقال أبو هريرة : فقام عُكَاشة بن مِحْصَن الأسدي يرفع ، نَمِرَةً عليه فقال : يا رسول الله ، ادع الله أن يجعلني منهم. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : \"اللَّهُمَّ اجْعَلْهُ مِنْهُمْ\". ثم قام رجل من الأنصار فقال : يا رسول الله ، ادع الله أن يجعلني منهم فقال : \"سَبَقَكَ بِهَا عكاشَةُ\" (1).\rحديث آخر : قال أبو القاسم الطبراني : حدثنا يحيى بن عثمان ، حدثنا سعيد بن أبي مريم ، حدثنا أبو غَسَّان ، عن أبي حازم ، عن سَهْلِ بن سَعْد ؛ أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : \"لَيدخُلَنَّ مِنْ أُمَّتِي سَبْعُونَ ألْفًا -أوْ سَبْعُمِائة ألفٍ-آخِذٌ بَعْضُهُمْ ببعض ، حَتَّى يدخل أوَّلُهُمْ وآخِرُهُمُ الْجَنَّةَ ، وَوجُوهُهُم عَلَى صُورَةِ الْقَمَرِ لَيْلَة الْبَدْرِ\".\rأخرجه البخاري ومسلم جميعًا ، عن قُتَيْبةَ عن عبد العزيز بن أبي حازم ، عن أبيه ، عن سَهْل به (2).\r__________\r(1) صحيح البخاري برقم (6542) وصحيح مسلم برقم (216).\r(2) المعجم الكبير (6/142) وصحيح البخاري برقم (6554) وصحيح مسلم برقم (219).","part":16,"page":40},{"id":6602,"text":"حديث آخر : قال مسلم بن الحجّاج في صحيحه : حدثنا سعيد بن منصور ، حدثنا هُشَيْم ، أخبرنا حُصَيْن بن عبد الرحمن قال : كنت عند سعيد بن جُبَير فقال : أيُّكم رأى الكوكب الذي انقضَّ البارحةَ ؟ قلتُ : أنا. ثم قُلتُ : أما إني لم أكن في صلاة ، ولكني لُدغْتُ : قال : فما صنعتَ ؟ قلتُ : استرقَيْتُ. قال : فما حملك على ذلك ؟ قلتُ : حديث حدَّثَنَاه الشعبي. قال : وما حدثكم الشعبي ؟ قلت : حَدَّثَنَا عن بُرَيْدَة بن الحُصَيب الأسلمي أنه قال : لا رُقْيَةَ إلا مِنْ عَيْنٍ أو حُمّة. فقال : قد أحسن من انتهى إلى ما سمع ، ولكن حدثنا ابنُ عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : \"عُرضَتْ عَلَيَّ الأمَمُ ، فَرَأيْتُ النَّبِيَّ وَمَعَهُ الرُّهَيْطُ والنَّبِيَّ ومَعَهُ الرَّجُلُ والرَّجُلانِ والنَّبِيَّ وَلَيْسَ مَعَهُ أحَدٌ ، إذْ رُفِعَ لِي سَوَادٌ عَظِيمٌ ، فَظَنَنْتُ أنَّهُمْ أُمَّتِي ، فَقِيلَ لِي : هَذَا مُوسَى وقوْمُهُ ، وَلَكِنِ انْظُرْ إلَى الأفقِ. فَنَظَرتُ ، فَإذا سَوَادٌ عَظِيمٌ ، فَقِيلَ لِي : انْظُرْ إلَى الأفُقِ الآخَرِ ، فَإذَا سَوَادٌ عَظِيمٌ ، فَقِيلَ لِي : هَذِهِ أُمَّتُكَ ومعَهُم سَبْعُونَ ألْفًا يَدْخُلُونَ الجنة بِغَيْرِ حِسَابٍ ، وَلا عَذَابٍ\". ثم نهَضَ فدخل منزله ، فخاض الناس في أولئك الذين يدخلون الجنة بغير حساب ولا عذاب ، فقال بعضهم : فلعلهم الذين صَحِبوا رسول الله صلى الله عليه وسلم. وقال بعضهم : فلعلهم الذين وُلِدُوا في الإسلام فلم يُشْرِكوا بالله شيئا ، وذكروا أشياء ، فخرج عليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : \"مَا الَّذِي تَخُوضُونَ فِيهِ ؟ \" فأخبروه ، فقال : \"هُمُ الَّذِينَ لا يَرْقُونَ وَلا يَسْتَرقُونَ وَلا يَتَطيرونَ ، وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ\". فقام عكاشة بن مِحصن فقال : ادع الله أن يجعلني منهم قال : ","part":16,"page":41},{"id":6603,"text":"\"أنْتَ مِنْهُمْ\". ثم قام رجل آخر فقال : ادع الله أن يجعلني منهم. قال : \"سَبَقَكَ بِهَا عُكَاشَةُ\".\rوأخرجه البخاري عن أُسَيد بن زيد ، عن هُشَيم وليس عنده ، \"لا يرقون\" (1).\rحديث آخر : قال أحمد : حدثنا رَوْح بن عبادة. حدثنا ابن جُرَيج ، أخبرني أبو الزُّبَيْر ، أنه سمع جابر بن عبد الله قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فذكر حديثًا ، وفيه : \"فَتَنْجُو أَوَّلُ زُمْرَةٍ وُجُوهُهُمْ كَالْقَمَرِ لَيْلَةَ الْبَدْرِ سَبْعُونَ أَلْفًا ، لا يُحَاسَبُونَ ثم الَّذِينَ يَلُونَهُمْ ، كأَضْوَإِ نَجْمٍ فِي السَّمَاءِ ثُمَّ كَذَلِكَ\". وذكر بقيته ، رواه مسلم من حديث رَوْح ، غير أنه لم يذكر النبي صلى الله عليه وسلم (2).\rحديث آخر : قال الحافظ أبو بكر بن أبي عاصم في كتاب السنن له : حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة ، حدثنا إسماعيل بن عيَّاش ، عن محمد بن زياد ، سمعت أبا أمامة الباهلي يقول : سمعتُ رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : \"وَعَدنِي رَبِّي أنْ يُدْخِلَ الْجَنَّةَ مِنْ أُمَّتِي سَبْعِينَ ألفًا ، مَعَ كُلِّ ألْفٍ سَبْعُونَ ألْفًا ، لا حِسَابَ عَلَيْهِمْ وَلا عَذَابَ. وَثَلاثُ حَثياتٍ مِنْ حَثَيات ربِّي عزَّ وجَلَّ\".\rوكذا رواه الطبراني من طريق هشام بن عمار ، عن إسماعيل بن عياش ، به ، وهذا إسناد جيد (3).\rطريق أخرى عن أبي أمامة : قال ابن أبي عاصم : حدثنا دُحَيم ، حدثنا الوليد بن مسلم ، حدثنا\r__________\r(1) صحيح مسلم برقم (220) وصحيح البخاري برقم (5752 ، 3410 ، 5705 ، 6541 ، 6472).\r(2) المسند (3/283).\r(3) السنة لابن أبي عاصم برقم (589) والمعجم الكبير (8/129).","part":16,"page":42},{"id":6604,"text":"صفوان بن عَمرو ، عن سليم بن عامر ، عن أبي اليمان الهوزَني - واسمه عامر بن عبد الله بن لُحيّ ، عن أبي أمامة ، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : \"إنَّ اللهَ وَعَدَنِي أنْ يُدْخِلَ الْجنةَ مِنْ أُمَّتِي سَبْعِينَ ألْفًا بِغَيْرِ حِسَابٍ\". قال يزيد بن الأخنس : والله ما أولئك في أمتك يا رسول الله إلا مثل الذباب الأصهب في الذباب. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : \"فَإنَّ اللهَ وَعَدَنِي سَبْعِينَ ألْفًا ، مَعَ كُلِّ ألْفٍ سَبْعُونَ ألفًا ، وَزَادَنِي ثَلاثَ حَثَيَاتٍ\". وهذا أيضًا إسناد حسن (1).\rحديث آخر : قال أبو القاسم الطبراني : حدثنا أحمد بن خُلَيْد ، حدثنا أبو تَوْبة ، حدثنا معاوية بن سلام ، عن زيد بن سلام أنه سمع أبا سلام يقول : حدثني عامر بن زيد البُكَالي أنه سمع عُتْبة بن عبْد السلمي ، رضي الله عنه ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : \"إنَّ رَبِّي عَزَّ وَجَلَّ وَعَدَنِي أنْ يُدْخِلَ الْجَنَّةَ مِنْ أُمَّتِي سَبْعِينَ ألْفًا بِغَيِرِ حِسَابٍ ، ثُمَّ يَشْفَعُ كُلُّ ألْفٍ لِسَبْعِينَ ألْفًا ، ثم يَحْثي رَبِّي ، عز وجل ، بِكفيْهِ ثَلاثَ حَثَيَات\". فكبر عمر وقال : إن السبعين الأوَلَ يُشفعهم الله في آبائهم وأبنائهم وعشائرهم ، وأرجو أن يجعلني الله في إحدى الحثيات الأواخر.\rقال الحافظ الضياء المقدسي في كتابه صفة الجنة : لا أعلم لهذا الإسناد علة. والله أعلم (2).\r___________\r(1) السنة لابن أبي عاصم برقم (588).\r(2) المعجم الكبير (17/126 ، 127) ورواه الطبراني أيضا في المعجم الأوسط (1/254) بهذا الإسناد. وقال الهيثمي في المجمع (10/413) : \"وفيه عامر بن زيد البكالي ، وقد ذكره ابن أبي حاتم ولم يجرحه ولم يوثقه ، وبقية رجاله ثقات\".","part":16,"page":43},{"id":6605,"text":"حديث آخر : قال الإمام أحمد : حدثنا يحيى بن سعيد ، حدثنا هشام -يعني الدَّستَوائي-حدثنا يحيى بن أبي كثير ، عن هلال بن أبي ميمونة ، حدثنا عطاء بن يَسَار أن رِفَاعة الجُهَنيّ حدّثه قال : أقبلنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى إذا كنا بالكُدَيد -أو قال بقُدَيْد-فذكر حديثا ، وفيه : ثم قال : وَعَدَنِي رَبِّي ، عَزَّ وَجَلَّ ، أنْ يُدْخِلَ الْجنةَ مِنْ أُمَّتِي سَبْعِينَ ألْفًا بِغَيْرِ حِسَابٍ ، وَإِنِّي لأرْجُو ألا يَدْخُلُوهَا حَتَّى تَبوؤُوا أْنتُمْ ومَنْ صَلَحَ مِنْ أزْوَاجِكُمْ وذرياتكم مَسَاكِنَ فِي الْجَنَّةِ\".\rقال الضياء [المقدسي] وهذا عندي على شرط مسلم (1).\rحديث آخر : قال عبد الرزاق : أخبرنا مَعْمَر ، عن قتادة ، عن النَّضْر بن أنس ، عن أنس قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : \"إنَّ اللهَ وَعَدَنِي أنْ يُدْخِلَ الجنة مِنْ أُمَّتِي أرْبَعمِائَةِ ألْفٍ\". قال أبو بكر : زدنا يا رسول الله. قال : والله هكذا فقال عمر : حسبك يا أبا بكر. فقال أبو بكر : دعني ، وما عليك أن يدخلنا الله الجنة كلنا فقال عمر : إن شاء الله أَدْخَل خَلْقه الجنة بكفٍّ واحد. فقال النبي صلى الله عليه وسلم : \"صَدَقَ عُمَرُ\".\r__________\r(1) المسند (4/16).","part":16,"page":44},{"id":6606,"text":"هذا الحديث بهذا الإسناد انفرد به عبد الرزاق (1) قاله الضياء. وقد رواه الحافظ أبو نُعيم الأصبهاني : \rحدثنا محمد بن أحمد بن مَخْلَد ، حدثنا إبراهيم بن الْهيْثَم البَلدِي ، حدثنا سليمان بن حَرْب ، حدثنا أبو هلال ، عن قتادة ، عن أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : \"وَعَدَنِي رَبِّي أنْ يُدْخِلَ الْجَنَّةَ مِنْ أُمَّتِي مِائَةَ ألْف\". فقال أبو بكر : يا رسول الله ، زدنا قال : \"وهكذا\" -وأشار سليمان بن حرب بيده كذلك-قلت يا رسول الله ، زدنا. فقال عمر : إن الله قادر أن يدخل الناس الجنة بِحَفْنَةٍ واحدة. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : \"صَدَقَ عُمَرُ\". هذا حديث غريب من هذا الوجه وأبو هلال اسمه : محمد بن سُلَيْم الراسبي ، بصري (2).\rطريق أخرى عن أنس : قال الحافظ أبو يعلى : حدثنا محمد بن أبي بكر ، حدثنا عبد القاهر بن السُّرِّي السلمي ، حدثنا حُمَيد ، عن أنس ، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : \"يَدْخُلُ الْجَنَّةَ مِنْ أُمَّتِي سَبْعُونَ ألْفًا\". قالوا : زدنا يا رسول الله. قال : \"لِكُلِّ رَجُلٍ سَبْعُونَ ألْفًا\" قالوا : زدنا -وكان على كثيب -فقال : هكذا ، وحثا بيده. قالوا : يا رسول الله ، أبْعدَ الله من دخل النار بعد هذا ، وهذا إسناد جيد ، رجاله ثقات ، ما عدا عبد القاهر بن السري ، وقد سئل عنه ابن معين ، فقال : صالح (3).\r_____________\r(1) المصنف لعبد الرزاق برقم (20556) ورواه من طريقه أحمد في المسند (3/165) وابن أبي عاصم في السنة برقم (590).\r(2) الحلية لأبي نعيم (2/344) ورواه أحمد في مسنده (3/193) من طريق أبي هلال عن قتادة به.\r(3) مسند أبي يعلى (6/417).","part":16,"page":45},{"id":6607,"text":"حديث آخر : روى الطبراني من حديث قتادة ، عن أبي بكر بن أنس ، عن أبي بكر بن عُمَير عن أبيه ؛ أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : \"إنَّ اللهَ وَعَدَنِي أنْ يُدْخِلَ مِنْ أُمَّتِي ثَلاثَمائة ألْفٍ الْجَنَّةَ\". فقال عمير : يا رسول الله ، زدنا. فقال هكذا بيده. فقال عمير يا رسول الله ، زدنا. فقال عمر : حَسْبك ، إنّ الله إنْ شاء أدخل الناس الجنة بِحفْنَةٍ -أو بِحَثْيَةٍ-واحدة. فقال نبي الله صلى الله عليه وسلم : \"صَدَقَ عُمَرُ\" (1).\rحديث آخر : قال الطبراني : حدثنا أحمد بن خُلَيْد ، حدثنا أبو تَوْبة ، حدثنا معاوية بن سلام ، عن زيد بن سلام أنه سمع أبا سلام يقول : حدثني عبد الله بن عامر ، أن قيسا الكندي حَدّث أن أبا سعيد الأنماري حدثه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : \"إنَّ رَبِّي عَزَّ وَجَلَّ وَعَدَنِي أنْ يُدْخِلَ الْجَنَّةَ مِنْ أُمَّتِي سَبْعِينَ ألْفًا بِغَيِرِ حِسَابٍ ، ويَشْفَعُ كُلُّ ألْفٍ لِسَبْعِين ألْفًا ، ثم يَحْثِي رَبِّي ثَلاثَ حَثَيَاتٍ بِكَفَّيْهِ\". كذا قال قيس ، فقلت لأبي سعيد : أنت سمعتَ هذا من رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ قال : نعم ، بأذني ، ووعاه قلبي. قال أبو سعيد : فقال -يعني رسول الله صلى الله عليه وسلم- : \"وَذَلِكَ إنْ شَاءَ اللهُ ، عز وجل ، يَسْتَوْعِبُ مُهَاجِرِي أمتي ، ويُوَفِّي الله بقيته مِنْ أعْرَابِنَا\".\rوقد روى هذا الحديث محمد بن سهل بن عسكر ، عن أبي تَوْبَة الربيع بن نافع بإسناده ، مثله.\r__________\r(1) المعجم الأوسط (1/257) وقال الهيثمي في المجمع (10/409) : \"رجاله ثقات\".","part":16,"page":46},{"id":6608,"text":"وزاد : قال أبو سعيد : فحسب ذلك عند رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فبلغ أربعمائة ألف ألف وتسعين ألف ألْف.\rحديث آخر : قال أبو القاسم الطبراني : حدثنا هاشم بن مَرْثَد الطبراني ، حدثنا محمد بن إسماعيل بن عَيّاش ، حدثني أبي ، حدثني ضَمْضَم بن زُرْعة ، عن شُرَيح بن عبيد ، عن أبي مالك قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : \"أمَا وَالَّذي نَفْسُ مُحَمَّد بِيَدِهِ لَيُبْعَثَنَّ مِنْكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إلَى الْجَنَّةِ مِثْلَ اللَّيْلِ الأسْوَدِ ، زُمْرةٌ جَمِيعُهَا يَخْبطُونَ الأرضَ ، تَقُولُ الملائِكةُ : لِمَ جَاءَ مَعَ مُحَمَّدٍ أكْثَرُ مِمَّا جَاءَ مَعَ الأنْبِيَاءِ ؟ \". وهذا إسناد حسن (1).\rنوع آخر من الأحاديث الدالة على فضيلة هذه الأمة وشرفها بكرامتها على الله ، وأنها خير الأمم في الدنيا والآخرة.\rقال الإمام أحمد : حدثنا يحيى بن سعيد ، حدثنا ابن جُرَيج ، أخبرني أبو الزبير ، عن جابر أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول : \"إنِّي لأرْجُو أنْ يَكُونَ مَنْ يَتَّبِعُنِي مِنْ أُمَّتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ رُبْعَ الْجَنَّةِ\". قال : فكبَّرنا. ثم قال : \"أَرْجُو أنْ يَكُونُوا ثلثَ النَّاسِ\". قال : فكبرنا. ثم قال : \"أَرْجُو أنْ تَكُونُوا الشَّطْرَ\". وهكذا رواه عن رَوْح ، عن ابن جُرَيج ، به. وهو على شرط مسلم (2).\r____________\r(1) المعجم الكبير (3/297) وقال الهيثمي في المجمع (10/404) : \"وفيه محمد بن إسماعيل بن عياش وهو ضعيف\".\r(2) قال الهيثمي في المجمع (10/402) : \"رواه أحمد والبزار والطبراني في الأوسط ، ورجال البزار رجال الصحيح وكذا أحد أسانيد أحمد\".","part":16,"page":47},{"id":6609,"text":"وثبت في الصحيحين من حديث أبي إسحاق السَّبِيعي ، عن عَمْرو بن ميمون ، عن عبد الله بن مسعود قال : قال لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم : \"أمَا تَرْضَوْنَ أنْ تَكُونُوا رُبْعَ أَهْلِ الْجَنِّةِ ؟ \" فكبرنا. ثم قال : \"أَمَا تَرْضَوْنَ أنْ تَكُونُوا ثُلُثَ أَهْلَ الْجَنَّةِ ؟ \" فكبرنا. ثم قال : \"إنِّي لأرْجُو أنْ تَكُونُوا شَطْرَ أَهْلِ الْجَنَّة\" (1).\rطريق أخرى عن ابن مسعود : قال الطبراني : حدثنا أحمد بن القاسم بن مُساور ، حدثنا عفان بن مسلم ، حدثنا عبد الواحد بن زياد حدثني الحارث بن حَصِيرة ، حدثني القاسم بن عبد الرحمن ، عن أبيه ، عن عبد الله بن مسعود قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : \"كَيْفَ أَنْتُمْ وَرُبْعُ الْجَنَّةِ لَكُمْ ولِسَائر الناس ثلاثة أرْبَاعِهَا ؟ \" قالوا : الله ورسوله أعلم. قال : \"كَيْفَ أَنْتُمْ وثُلُثُهَا ؟ \" قالوا : ذاك أكثر. قال : \"كَيْفَ أَنْتَمْ والشَّطْرُ لَكُمْ ؟ \" قالوا : ذاك أكثر. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : \"أهْلُ الْجَنّةِ عِشْرُونَ وَمَائةُ صَفٍّ ، لَكُمْ مِنْهَا ثَمَانُونَ صَفًا\".\rقال الطبراني : تفرد به الحارث بن حَصيرة (2).\r__________\r(1) صحيح البخاري برقم (6528 ، 6642) وصحيح مسلم برقم (221).\r(2) المعجم الكبير (10/208) ورواه أحمد في مسنده (1/453) من طريق عفان عن عبد الواحد بن زياد به. قال الهيثمي في المجمع (10/403) : \"رجالهم رجال الصحيح غير الحارث بن حصيرة وقد وثق\".","part":16,"page":48},{"id":6610,"text":"حديث آخر : قال الإمام أحمد : حدثنا عبد الصمد ، حدثنا عبد العزيز بن مسلم ، حدثنا ضرار بن مُرَّة أبو سَنان الشيباني ، عن محارب بن دِثَار ، عن ابن بُرَيْدة ، عن أبيه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : \"أَهْلُ الْجَنَّةِ عِشْرُونَ وَمِائَةُ صَفٍّ ، هَذِه الأمَّةُ مِنْ ذَلِكَ ثَمَانُون صَفا\".\rوكذلك رواه عن عفان ، عن عبد العزيز ، به. وأخرجه الترمذي من حديث أبي سنان ، به وقال : هذا حديث حسن. ورواه ابن ماجة من حديث سفيان الثوري ، عن عَلْقَمة بن مَرْثَد ، عن سليمان بن بُرَيدة ، عن أبيه ، به (1).\rحديث آخر : رَوَى الطبراني من حديث سليمان بن عبد الرحمن الدمشقي ، حدثنا خالد بن يزيد البَجَلي ، حدثنا سليمان بن علي بن عبد الله بن عباس ، عن أبيه ، عن جده ، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : \"أهْلُ الْجَنَّةِ عِشْرُونَ وَمِائَةُ صَفٍّ ، ثَمَانُونَ مِنْهَا مِنْ أُمَّتِي\".\rتفرد به خالد بن يزيد البَجَلي ، وقد تكلم فيه ابن عَدِيّ (2).\rحديث آخر : قال الطبراني : حدثنا عبد الله بن أحمد بن حنبل ، حدثنا موسى بن غيلان ، حدثنا هاشم بن مَخْلَد ، حدثنا عبد الله بن المبارك ، عن سفيان ، عن أبي عمرو ، عن أبيه عن أبي هريرة قال : لما نزلت { ثُلَّةٌ مِنَ الأوَّلِينَ. وَثُلَّةٌ مِنَ الآخِرِينَ [الواقعة : 38 ، 39 ] } قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : \"أَنْتُمْ رُبْعُ أهْلِ الْجَنَّةِ ، أَنْتُمْ ثُلُثُ أَهْلِ الْجَنَّةِ ، أَنْتُمْ نِصْفُ أَهْلِ الْجَنَّةِ ، أَنْتُمْ ثُلُثَا أَهْلِ الْجَنَّةِ\" (3).\r____________\r(1) المسند (5/355 ، 347) وسنن الترمذي برقم (2546) وسنن ابن ماجة برقم (4289).\r(2) المعجم الكبير (10/348) ورواه ابن عدي في الكامل (3/13) وقال : \"أحاديثه كلها لا يتابع عليها لا إسنادا ولا متنا ، ولم أر للمتقدمين فيه قولا ، بل غفلوا عنه وهو عندي ضعيف\".\r(3) ورواه أبو نعيم في الحلية من طريق الطبراني به (7/101) ونقل عن الطبراني قوله : \"تفرد برفعه ابن المبارك عن الثوري. وأبو عمرو اسمه محمد والد أسباط بن محمد الكوفي القرشي\".","part":16,"page":49},{"id":6611,"text":"وقال عبد الرزاق : أخبرنا مَعْمَر ، عن ابن طاوس ، عن أبيه ، عن أبي هريرة ، رضي الله عنه ، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : \"نَحْنُ الآخِرُونَ الأوَّلُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ، نَحْنُ أَوَّلُ النَّاسِ دُخُولا الْجَنَّةَ ، بَيْدَ أَنَّهُمْ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِنَا ، وَأُوتِينَاهُ مِنْ بَعْدِهِمْ ، فَهَدَانَا اللَّهُ لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الْحَقِّ ، فَهَذَا الْيَوْمُ الَّذِي اخْتَلَفُوا فِيهِ ، النَّاسُ لَنَا فِيهِ تَبَعٌ غَدًا لِلْيَهُوَدِ [و] للنصارى بَعْدَ غَدٍ\".\rرواه البخاري ومسلم من حديث عبد الله بن طاوس ، عن أبيه ، عن أبي هريرة ، رضي الله عنه ، عن النبي صلى الله عليه وسلم مرفوعا بنحوه (1) ورواه مسلم أيضا عن طريق الأعمش ، عن أبي صالح ، عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : \"نَحْنُ الآخِرُونَ الأوَّلُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ، وَنَحْنُ أوَّلُ مَنْ يَدْخُلُ الْجَنَّةَ\". وذكر تمام الحديث (2).\rحديث آخر : روى الدارقطني في الأفراد من حديث عبد الله بن محمد بن عقيل ، عن الزهري ، \r__________\r(1) صحيح البخاري برقم (896 ، 3486 ، 3487) ومسلم برقم (855).\r(2) صحيح مسلم برقم (855).","part":16,"page":50},{"id":6612,"text":"عن سعيد بن المسيَّب ، عن عمر بن الخطاب ، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : \"إنَّ الْجَنَّةَ حُرِّمَتْ عَلَى الأنْبِيَاءِ كُلُّهُمْ حَتَّى أَدْخُلَهَا ، وَحُرِّمَتْ عَلَى الأمَمِ حَتَّى تَدْخُلَهَا أمتِي\".\rثم قال : تفرد به ابن عقيل ، عن الزهري ، ولم يرو عنه سواه. وتفرد به زُهير بن محمد ، عن ابن عقيل ، وتفرد به عَمْرو بن أبي سلمة ، عن زهير.\rوقد رواه أبو أحمد بن عَدِيّ الحافظ فقال : حدثنا أحمد بن الحسين بن إسحاق ، حدثنا أبو بكر الأعين محمد بن أبي عَتَّاب ، حدثنا أبو حفص التِّنيسي -يعني عمرو بن أبي سلمة-حدثنا صدقة الدمشقي. عن زهير بن محمد ، عن عبد الله بن محمد بن عقيل ، عن الزهري.\rورواه الثَّعْلَبي : حدثنا أبو عباس المَخْلَدي ، أخبرنا أبو نُعْم عبد الملك بن محمد ، أخبرنا أحمد بن عيسى التنيسي ، حدثنا عمرو بن أبي سلمة ، حدثنا صدقة بن عبد الله ، عن زهير بن محمد ، عن ابن عقيل ، به (1).\rفهذه الأحاديث في معنى قوله تعالى : { كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ } فمن اتصف من هذه الأمة بهذه الصفات دخل معهم في هذا الثناء عليهم والمدح لهم ، كما قال قتادة : بَلَغَنَا أن عمر بن الخطاب [رضي الله عنه] في حجة حجّها رأى من الناس سُرْعة فقرأ هذه الآية : { كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ } ثم قال : من سَرَّه أن يكون من تلك الأمة فَلْيؤدّ شَرْط الله فيها. رواه ابن جرير.\rومن لم يتصف بذلك أشبه أهل الكتاب الذين ذمهم الله بقوله : { كَانُوا لا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ [ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ] [المائدة : 79] }. أ هـ {تفسير ابن كثير حـ 2 صـ 93 ـ 103}\r______________\r(1) أطراف الغرائب والأفراد (ق21) لابن القيسراني ، والكامل لابن عدي (4/129) ورواه البغوي في تفسيره (2/91) من طريق الثعلبي. ونقل ابن أبي حاتم في العلل (2/227) عن أبي زرعة : \"هذا الحديث منكر لا أدري كيف هو\".","part":16,"page":51},{"id":6613,"text":"قوله تعالى : {وَلَوْ ءامَنَ أَهْلُ الكتاب لَكَانَ خَيْراً لَّهُمْ}\rقال الفخر : \rفيه وجهان الأول : ولو آمن أهل الكتاب بهذا الدين الذي لأجله حصلت صفة الخيرية لأتباع محمد عليه الصلاة والسلام لحصلت هذه الخيرية أيضاً لهم ، فالمقصود من هذا الكلام ترغيب أهل الكتاب في هذا الدين\rالثاني : إن أهل الكتاب إنما آثروا دينهم على دين الإسلام حباً للرياسة واستتباع العلوم ولو آمنوا لحصلت لهم هذه الرياسة في الدنيا مع الثواب العظيم في الآخرة ، فكان ذلك خيراً لهم مما قنعوا به.\rواعلم أنه تعالى أتبع هذا الكلام بجملتين على سبيل الابتداء من غير عاطف إحداهما : قوله {مّنْهُمُ المؤمنون وَأَكْثَرُهُمُ الفاسقون} [ آل عمران : 110 ] وثانيتهما : قوله {لَن يَضُرُّوكُمْ إِلاَّ أَذًى وَإِن يقاتلوكم يُوَلُّوكُمُ الأدبار ثُمَّ لاَ يُنصَرُونَ}\rقال صاحب \"الكشاف\" : هما كلامان واردان على طريق الاستطراد عند إجراء ذكر أهل الكتاب ، كما يقول القائل : وعلى ذكر فلان فإن من شأنه كيت وكيت ، ولذلك جاء {آمن} غير عاطف. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 8 صـ 158}\rفائدة\rقوله تعالى : {وَلَوْ ءامَنَ أَهْلُ الكتاب لَكَانَ خَيْراً لَّهُمْ}\rقال الفخر : \rيعني كما أنكم اكتسبتم هذه الخيرية بسبب هذه الخصال ، فأهل الكتاب لو آمنوا لحصلت لهم أيضاً صفة الخيرية والله أعلم. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 8 صـ 156}","part":16,"page":52},{"id":6614,"text":"قوله تعالى {مّنْهُمُ المؤمنون وَأَكْثَرُهُمُ الفاسقون}\rقال الآلوسى : \r{ مّنْهُمُ المؤمنون } كعبد الله بن سلام وأخيه وثعلبة بن شعبة. { وَأَكْثَرُهُمُ الفاسقون } أي الخارجون عن طاعة الله تعالى وعبر عن الكفر بالفسق إيذاناً بأنهم خرجوا عما أوجبه كتابهم ، وقيل : للإشارة إلى أنهم في الكفار بمنزلة الكفار في العصاة لخروجهم إلى الحال الفاحشة التي هي منهم أشنع وأفظع. أ هـ {روح المعانى حـ 4 صـ 28}\rوقال ابن عاشور : \r{ منهم المؤمنون وأكثرهم الفاسقون } أي منهم من آمن بالنبي محمد صلى الله عليه وسلم فصدق عليه لقب المؤمن ، مثل عبد الله بن سلام ، وكان اسمه حُصيناً وهو من بني قينقاع ، وأخيه ، وعمته خالدة ، وسعية أو سنعة بن غريض بن عاديا التيماوي ، وهو ابن أخي السموأل بن عاديا ، وثعلبة بن سعية ، وأسد بن سعية القرظي ، وأسد بن عبيد القرظي ، ومخيريق مِن بني النضير أو من بني قينقاع ، ومثل أصْحمة النَّجاشي ، فإنَّه آمن بقلبه وعوّض عن إظهاره إعمالَ الإسلام نصره للمسلمين ، وحمايته لهم ببلده ، حتَّى ظهر دين الله ، فقبل الله منه ذلك ، ولذلك أخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم عنه بأنَّه كان مؤمناً وصلّى عليه حين أوحي إليه بموته.\rويحتمل أن يكون المعنى من أهل الكتاب فريق متقّ في دينه ، فهو قريب من الإيمان بمحمَّد صلى الله عليه وسلم وهؤلاء مثل من بقي متردّداً في الإيمان من دون أن يتعرّض لأذى المسلمين ، مثل النَّصارى من نجران ونصارى الحبشة ، ومثل مخيريق اليهودي قبل أن يسلم ، على الخلاف في إسلامه ، فإنَّه أوصى بماله لرسول الله صلى الله عليه وسلم فالمراد بإيمانهم صدق الإيمان بالله وبدينهم.","part":16,"page":53},{"id":6615,"text":"وفريق منهم فاسق عن دينه ، محرّف له ، مناوٍ لأهل الخير ، كما قال تعالى : { ويقتلون الذين يأمرون بالقسط من الناس } مثل الذين سَمُّوا الشاة لرسول الله يوم خيْبر ، والذين حاولوا أن يرموا عليه صخرة. أ هـ {التحرير والتنوير حـ 3 صـ 191 ـ 192}\rسؤالان : \rالسؤال الأول : الألف واللام في قوله {المؤمنون} للاستغراق أو للمعهود السابق ؟ .\rوالجواب : بل للمعهود السابق ، والمراد : عبد الله بن سلاّم ورهطه من اليهود ، والنجاشي ورهطه من النصارى.\rالسؤال الثاني : الوصف إنما يذكر للمبالغة فأي مبالغة تحصل في وصف الكافر بأنه فاسق.\rوالجواب : الكافر قد يكون عدلاً في دينه وقد يكون فاسقاً في دينه فيكون مردوداً عند الطوائف كلهم ، لأن المسلمين لا يقبلونه لكفره ، والكفار لا يقبلونه لكونه فاسقاً فيما بينهم ، فكأنه قيل أهل الكتاب فريقان : منهم من آمن ، والذين ما آمنوا فهم فاسقون في أديانهم ، فليسوا ممن يجب الاقتداء بهم ألبتة عند أحد من العقلاء. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 8 صـ 158}\rفوائد لغوية\rقال ابن عادل : \rقوله : { لَكَانَ خَيْرًا } اسم \" كان \" ضمير يعود على المصدر المدلول عليه بفعله ، والتقدير لكان الإيمان خيراً لهم كقولهم : \" من كذب كان شراً له \" أي : كان الكذب شراً له ، كقوله تعالى : { اعدلوا هُوَ أَقْرَبُ للتقوى } [ المائدة : 8 ].\rوقول الشاعر : [ الوافر ]\r1573- إذَا نُهِيَ السَّفِيةُ جَرَى إلَيْهِ... وَخَالفَ ، وَالسَّفِيةُ إلى خِلاَفِ\rأي : جرى إليه السفه.\rوالمفضل عليه محذوف ، أي : خيراً لهم من كُفْرهم ، وبقائهم على جَهْلهم.\rوقال ابن عطية : ولفظة \" خير \" صيغة تفضيل ، ولا مشاركة بين كُفْرهم وإيمانهم في الخير ، وإنما جاز ذلك لما في لفظه \" خير \" من الشياع وتشعب الوجوه ، وكذلك هي لفظة \" أفضل \" ، و\" أحب \" وما جرى مجراها.","part":16,"page":54},{"id":6616,"text":"قال أبو حيان : \" وإبقاؤها على موضوعها الأصلي أوْلَى - إذا أمكن ذلك - وقد أمكن ذلك ؛ إذ الخيرية مطلقة ، فتحصل بأدْنى مشاركة \".\rقوله : { مِّنْهُمُ المؤمنون وَأَكْثَرُهُمُ الفاسقون } جملة مستأنفة ، سِيقت للإخبار بذلك.\rقال الزمخشريّ : \" هما كلامان واردان على طريق الاستطراد ، عند إجراء ذِكْر أهل الكتاب ، كما يقول القائل - إذا ذكر فلاناً - من شأنه كيت وكيت - ولذلك جاء من غير عاطف \".\rالألف واللام في قوله : { الْمُؤْمِنُونَ } للعهد ، لا للاستغراق ، والمراد عبد الله بن سلام ورهطه من \" الليهود \" ، والنجاشي ورَهْطه من \" النصارى \". أ هـ {تفسير ابن عادل حـ 5 صـ 469 ـ 470}\rمن لطائف الإمام القشيرى فى الآية\rقوله جلّ ذكره : { كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ للنَّاسِ تأْمُرُونَ بِالمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ المُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللهِ }.\rلمّا كان المصطفى صلوات الله عليه أشرفَ الأنبياء كانت أُمَّتُه - عليه السلام - خيرَ الأمم. ولمَّا كانوا خيرَ الأمم كانوا أشرفَ الأمم ، ولمَّا كانوا أشرف الأمم كانوا أشْوَقَ الأمم ، فلمَّا كانوا أشوق الأمم كانت أعمارُهم أقْصَرَ الأعمار ، وخَلقَهم آخِرَ الخلائق لئلا يطولَ مُكْثُهم تحت الأرض. وما حصلت خيريتُهم بكثرة صلواتهم وعبادتهم ، ولكن بزيادة إقبالهم ، وتخصيصه إياهم. ولقد طال وقوف المتقدمين بالباب ولكن لما خرج الإذنُ بالدخول تقدَّم المتأخرون : \rوكم باسطين إلى وَصْلِنا... أكُفَّهُم لم ينالوا نصيبا\r{ وَلَو آمَنَ أَهْلُ الكِتَابِ لَكَانَ خَيْرًا لَّهُم مِّنْهُمْ المُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الفَاسِقُونَ }.\rلو دَخَلَ الكافةُ تحت أمرنا لوصلوا إلى حقيقة العزِّ في الدنيا والعقبى ، ولكن بَعُدُوا عن القبول في سابق الاختيار فصار أكثرُهم موسوماً بالشِّرْك. أ هـ {لطائف الإشارات حـ 1 صـ 169 ـ 270}. بتصرف يسير.","part":16,"page":55},{"id":6617,"text":"قوله تعالى : { لَنْ يَضُرُّوكُمْ إِلَّا أَذًى وَإِنْ يُقَاتِلُوكُمْ يُوَلُّوكُمُ الْأَدْبَارَ ثُمَّ لَا يُنْصَرُونَ (111)}\rمناسبة الآية لما قبلها\rقال البقاعى : \rولما كانت مخالفة الأكثر قاصمة خفف عن أوليائه بقوله : {لن يضروكم} ولما كان الضر- كما تقدم عن الحرالي - إيلام الجسم وما يتبعه من الحواس ، والأذى إيلام النفس وما يتبعها من الأحوال ، أطلق الضر هنا على جزء معناه وهو مطلق الإيلام ، ثم استثنى منه فقال : {إلا أذى} أي بألسنتهم ، وعبر بذلك لتصوير مفهومي الأذى والضر ليستحضر في الذهن ، فيكون الاستثناء أدل على نفي وصولهم إلى المواجهة {وإن يقاتلوكم} أي يوماً من الأيام {يولوكم} صرح بضمير المخاطبين نصاً في المطلوب {الأدبار} أي انهزاماً ذلاً وجبناً.\rولما كان المولي قد تعود له كرة بعد فرة قال - عادلاً عن حكم الجزاء لئلا يفهم التقييد بالشرط مشيراً بحرف التراخي إلى عظيم رتبة خذلانهم - : {ثم لا ينصرون} أي لا يكون لهم ناصر من غيرهم أبداً وإن طال المدى ، فلا تهتموا بهم ولا بأحد يمالئهم من المنافقين ، وقد صدق الله ومن أصدق من الله قيلاً! لم يقاتلوا في موطن إلا كانوا كذلك. أ هـ {نظم الدرر حـ 2 صـ 136}","part":16,"page":56},{"id":6618,"text":"وقال الفخر :\rاعلم أنه تعالى لما رغب المؤمنين في التصلب في إيمانهم وترك الالتفات إلى أقوال الكفار وأفعالهم بقوله {كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ} رغبهم فيه من وجه آخر ، وهو أنهم لا قدرة لهم على الاضرار بالمسلمين إلا بالقليل من القول الذي لا عبرة به ، ولو أنهم قاتلوا المسلمين صاروا منهزمين مخذولين ، وإذا كان كذلك لم يجب الالتفات إلى أقوالهم وأفعالهم ، وكل ذلك تقرير لما تقدم من قوله {إِن تُطِيعُواْ فَرِيقاً مّنَ الذين أُوتُواْ الكتاب} [ آل عمران : 100 ] فهذا وجه النظم. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 8 صـ 158 ـ 159}\rفائدة\rقال الفخر :\rقوله {لَن يَضُرُّوكُمْ إِلاَّ أَذىً} معناه : أنه ليس على المسلمين من كفار أهل الكتاب ضرر وإنما منتهى أمرهم أن يؤذوكم باللسان ، إما بالطعن في محمد وعيسى عليهما الصلاة والسلام ، وإما بإظهار كلمة الكفر ، كقولهم {عُزَيْرٌ ابن الله} [ التوبة : 30 ] و{المسيح ابن الله} [ التوبة : 30 ] و{الله ثالث ثلاثة} [ المائدة : 73 ] وإما بتحريف نصوص التوراة والإنجيل ، وإما بإلقاء الشبه في الأسماع ، وإما بتخويف الضعفة من المسلمين ، ومن الناس من قال : إن قوله {إِلاَّ أَذىً} استثناء منقطع وهو بعيد ، لأن كل الوجوه المذكورة يوجب وقوع الغم في قلوب المسلمين والغم ضرر ، فالتقدير لا يضروكم إلا الضرر الذي هو الأذى ، فهو استثناء صحيح ، والمعنى لن يضروكم إلا ضرراً يسيراً ، والأذى وقع موقع الضرر ، والأذى مصدر أذيت الشيء أذى. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 8 صـ 159}\rوقال القرطبى :\rقوله تعالى : { لَن يَضُرُّوكُمْ إِلاَّ أَذًى } يعني كذبهم وتحريفهم وبُهْتَهم ؛ لا أنَّه تكون لهم الغَلَبَة ؛ عن الحسن وقتادة.\rفالاستثناء متَّصِل ، والمعنى لن يضروكم إلاَّ ضراً يسيراً ؛ فوقع الأذى موقع المصدر.","part":16,"page":57},{"id":6619,"text":"فالآية وعد من الله لرسوله صلى الله عليه وسلم وللمؤمنين ، أن أهل الكتاب لا يغلبونهم وأنهم منصورون عليهم لا ينالهم منهم اصطلام إلاَّ إيذاء بالبهت والتحريف ، وأما العاقبة فتكون للمؤمنين.\rوقيل : هو منقطع ، والمعنى لن يضروكم ألْبَتّة ، لكن يؤذونكم بما يُسمِّعونكم.\rقال مقاتل : إن رءوس اليهود : كعب وعديّ والنعمان وأبو رافع وأبو ياسر وكنانة وابن صوريا عمدوا إلى مؤمنيهم : عبد الله بن سلام وأصحابه فآذوهم لإسلامهم ؛ فأنزل الله تعالى : { لَن يَضُرُّوكُمْ إِلاَّ أَذًى } يعني باللسان ، وتَمّ الكلام. أ هـ {تفسير القرطبى حـ 4 صـ 173 ـ 174}\rقوله تعالى : {وَإِن يقاتلوكم يُوَلُّوكُمُ الأدبار ثُمَّ لاَ يُنصَرُونَ}\rقال الفخر : \r{وَإِن يقاتلوكم يُوَلُّوكُمُ الأدبار ثُمَّ لاَ يُنصَرُونَ} وهو إخبار بأنهم لو قاتلوا المسلمين لصاروا منهزمين مخذولين {ثُمَّ لاَ يُنصَرُونَ} أي إنهم بعد صيرورتهم منهزمين لا يحصل لهم شوكة ولا قوة ألبتة ، ومثله قوله تعالى : {وَلَئِن قُوتِلُواْ لاَ يَنصُرُونَهُمْ وَلَئِن نَّصَرُوهُمْ لَيُوَلُّنَّ الأدبار ثُمَّ لاَ يُنصَرُونَ} [ الحشر : 12 ] قوله {قُلْ لّلَّذِينَ كَفَرُواْ سَتُغْلَبُونَ وَتُحْشَرُونَ إلى جَهَنَّمَ} [ آل عمران : 12 ] وقوله {نَحْنُ جَمِيعٌ مُّنتَصِرٌ * سَيُهْزَمُ الجمع وَيُوَلُّونَ الدبر} [ القمر : 44 ، 45 ] وكل ذلك وعد بالفتح والنصرة والظفر. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 8 صـ 159}\rوقال القرطبى : \r{ وَإِن يُقَاتِلُوكُمْ يُوَلُّوكُمُ الأدبار } يعني منهزمين ، وتمّ الكلام.\r{ ثُمَّ لاَ يُنصَرُونَ } مستأنف ؛ فلذلك ثبتت فيه النون.\rوفي هذه الآية معجزة للنبيّ عليه السَّلام ؛ لأن من قاتله من اليهود ولاه دبره. أ هـ {تفسير القرطبى حـ 4 صـ 174}\rوقال العلامة أبو حيان : ","part":16,"page":58},{"id":6620,"text":"{ وإن يقاتلوكم يولوكم الأدبار } ، هذه مبالغة في عدم مكافحة الكفار للمؤمنين إذا أرادوا قتالهم ، بل بنفس ما تقع المقابلة ولوا الأدبار ، فليسوا ممن يغلب ويقتل وهو مقبل على قرنه غير مدبر عنه.\rوهذه الجملة جاءت كالمؤكدة للجملة قبلها ، إذ تضمنت الإخبار أنهم لا تكون لهم غلبة ولا قهر ولا دولة على المؤمنين ، لأنّ حصول ذلك إنما يكون سببه صدق القتال والثبات فيه ، أو النصر المستمد من الله ، وكلاهما ليس لهم.\rوأتى بلفظ الإدبار لا بلفظ الظهور ، لما في ذكر الإدبار من الإهانة دون ما في الظهور ، ولأن ذلك أبلغ في الانهزام والهرب.\rولذلك ورد في القرآن مستعملاً دون لفظ الظهور لقوله تعالى : { سيهزم الجمع ويولون الدبر } { ومن يولهم يومئذ دبره } ثم لا ينصرون : هذا استئنافُ إخبار أنّهم لا ينصرون أبداً.\rولم يشرك في الجزاء فيجزم ، لأنه ليس مرتباً على الشرط ، بل التولية مترتبة على المقاتلة.\rوالنصر منفى عنهم أبداً سواء قاتلوا أم لم يقاتلوا ، إذ منع النصر سببه الكفر.\rفهي جملة معطوفة على جملة الشرط والجزاء ، كما أن جملة الشرط والجزاء معطوفة على لن يضروكم إلا أذى.\rوليس امتناع الجزم لأجلهم كما زعم بعضهم زعم أن جواب الشرط يقع عقيب المشروط.\rقال : \rوثم للتراخي ، فلذلك لم تصلح في جواب الشرط.\rوالمعطوف على الجواب كالجواب وما ذهب إليه هذا الذاهب خطأ ، لأن ما زعم أنه لا يجوز قد جاء في أفصح كلام.\rقال تعالى : { وإن تتولوا يستبدل قوماً غيركم ثم لا يكونوا أمثالكم } فجزم المعطوف بثم على جواب الشرط.\rوثمَّ هنا ليست للمهلة في الزمان ، وإنما هي للتراخي في الإخبار.\rفالإخبار بتوليهم في القتال وخذلانهم والظفر بهم أبهج وأسرّ للنفس. أ هـ {البحر المحيط حـ 3 صـ 32 ـ 33}","part":16,"page":59},{"id":6621,"text":"وقال الآلوسى : \rوفي هذه الآية دلالة واضحة على نبوة نبينا صلى الله عليه وسلم ولكونها من الإخبار بالغيب الذي وافقه الواقع لأن يهود بني قينقاع وبني قريظة والنضير ويهود خيبر حاربوا المسلمين ولم يثبتوا ولم ينالوا شيئاً منهم ولم تخفق لهم بعد ذلك راية ولم يستقم أمر ولم ينهضوا بجناح. أ هـ {روح المعانى حـ 4 صـ 29}\rوقال ابن عاشور : \rوقوله { ثم لا ينصرون } احتراس أي يولوكم الأدبار تولية منهزمين لا تولية متحرّفين لقتال أو متحيّزين إلى فئة ، أو متأمّلين في الأمر.\rوفي العدول عن جعله معطوفاً على جملة الجواب إلى جعله معطوفاً على جملتي الشرط وجزائه معاً ، إشارة إلى أنّ هذا ديدنهم وهجيراهم.\rلو قاتلوكم ، وكذلك في قتالهم غيركم.\rوثمّ لترتيب الإخبار دالّة على تراخي الرتبة.\rومعنى تراخي الرتبة كون رتبة معطوفها أعظم من رتبة المعطوف عليه في الغرض المسوق له الكلام.\rوهو غير التّراخي المجازي ، لأن التّراخي المجازي أن يشبَّه ما ليس بمتأخّر عن المعطوف بالمتأخّر عنه.\rوهذا كلّه وعيد لهم بأنهم سيقاتلون المسلمين ، وأنّهم ينهزمون ، وإغراء للمسلمين بقتالهم. أ هـ {التحرير والتنوير حـ 3 صـ 193}\rفصل\rقال الفخر : \rاعلم أن هذه الآية اشتملت على الإخبار عن غيوب كثيرة ، منها أن المؤمنين آمنون من ضررهم ، ومنها أنهم لو قاتلوا المؤمنين لانهزموا ، ومنها أنه لا يحصل لهم قوة وشوكة بعد الانهزام وكل هذه الأخبار وقعت كما أخبر الله عنها ، فإن اليهود لم يقاتلوا إلا انهزموا ، وما أقدموا على محاربة وطلب رياسة إلا خذلوا ، وكل ذلك إخبار عن الغيب فيكون معجزاً. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 8 صـ 159}","part":16,"page":60},{"id":6622,"text":"أسئلة وأجوبة\rالسؤال الأول : هب أن اليهود كذلك ، لكن النصارى ليسوا كذلك فهذا يقدح في صحة هذه الآيات قلنا : هذه الآيات مخصوصة باليهود ، وأسباب النزول على ذلك فزال هذا الإشكال.\rالسؤال الثاني : هلا جزم قوله {ثُمَّ لاَ يُنصَرُونَ }.\rقلنا : عدل به عن حكم الجزاء إلى حكم الإخبار ابتداء كأنه قيل أخبركم أنهم لا ينصرون ، والفائدة فيه أنه لو جزم لكان نفي النصر مقيداً بمقاتلتهم كتولية الأدبار ، وحين رفع كان نفي النصر وعداً مطلقاً كأنه قال : ثم شأنهم وقصتهم التي أخبركم عنها وأبشركم بها بعد التولية أنهم لا يجدون النصرة بعد ذلك قط بل يبقون في الذلة والمهانة أبداً دائماً.\rالسؤال الثالث : ما الذي عطف عليه قوله {ثُمَّ لاَ يُنصَرُونَ} ؟ .\rالجواب : هو جملة الشرط والجزاء ، كأنه قيل : أخبركم أنهم إن يقاتلوكم ينهزموا ، ثم أخبركم أنهم لا ينصرون وإنما ذكر لفظ {ثُمَّ} لإفادة معنى التراخي في المرتبة ، لأن الإخبار بتسليط الخذلان عليهم أعظم من الأخبار بتوليتهم الأدبار. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 8 صـ 159}\rمن فوائد العلامة ابن عطية فى الآية\rقال عليه الرحمة : \rقوله تعالى : { لن يضروكم إلا أذى } معناه : لن يصيبكم منهم ضرر في الأبدان ولا في الأموال ، وإنما هو أذى بالألسنة ، فالاستثناء متصل ، وقال الحسن ، وقتادة وغيرهما : \" الأذى \" هو تحريفهم أمر محمد صلى الله عليه وسلم وتكذيبهم إياه.","part":16,"page":61},{"id":6623,"text":"قال القاضي أبو محمد : وتنقصهم المؤمنين وطعنهم عليهم جملة وأفراداً ، وهذا كله عظيم مقلق وبسببه استحقوا القتل والإجلاء ، وضرب الجزية ، لكن أراد الله تعالى بهذه الآية أن يلحظهم المؤمنون بعين الاحتقار حتى لا يصدوا أحداً عن دينه ولا يشغلوه عن عبادة ربه ، وهكذا هي فصاحة العرب ، ومن هذا المعنى في التحقير قول ثمامة بن أثال : يا محمد إن تقتلني تقتل ذا دم ، وإن تنعم تنعم على شاكر ، وإن شئت المال فاسأل منه ما شئت ، فقوله : ذا دم ، روي بالذال منقوطة ، وبالدال غير منقوطة ، فذم بفتح الذال وبكسرها أراد بها الذمام ، وأما الدال غير المنقوطة ، فيحتمل أنه أرد التعظيم لأمر نفسه ، وذلك بأحد وجهين : إما أن يريد الوعيد ، أي تقتل ذا دم مطلوب بثأره له حماة فاحذر عاقبة ذلك ، وإما أن يريد تقتل ملكاً يستشفى بدمه ، كما كانت العرب تعتقد في دماء الملوك ، فهذا استعطاف لا وعيد ، أي لا ينبغي ذلك أن تفسد مثلي ، وهذا كما استعطف الأشعث بن قيس أبا بكر رضي الله عنه بهذا المعنى ، ويحتمل كلام ثمامة ، أنه أراد تحقير أمر نفسه وليذهب عن نفس رسول الله صلى الله عليه وسلم المسرة بنيل مثل هذا الأمر العظيم ، ويجري ذلك مجرى قول أبي جهل لعبد الله بن مسعود : وهل أعمد من رجل قتلتموه ؟ ومثله قول الأسير لعمر بن عبد العزيز ، حين قال له : لأقتلنك ، قال إن ذلك لا ينقص من عدد الخزر شيئاً فكأن ثمامة أراد : إن تقتلني تقتل حيواناً حقيراً شأنه ، كما يقتل كل ذي دم فما بالك تفعل ذلك وتدع الإنعام عليّ ؟ فالآية تنظر إلى هذا المعنى من جهة أنه حقر عند المؤمنين ما هو عيظم في نفسه تنبيهاً لهم ، وأخبر الله تعالى في قوله : { وإن يقاتلوكم } الآية ، بخبر غيب صححه الوجود ، فهي من آيات محمد صلى الله عليه وسلم ، وفائدة الخبر هي في قوله : { ثم لا ينصرون","part":16,"page":62},{"id":6624,"text":"} أي لا تكون حربهم معكم سجالاً وخص { الأدبار } بالذكر دون الظهر تخسيساً للفارّ ، وهكذا هو حيث تصرف. أ هـ {المحرر الوجيز حـ 1 صـ 490}\rفوائد لغوية\rقال ابن عادل : \rقوله : { إِلاَّ أَذًى } فيه وجهان : \rأحدهما : أنه متصل ، وهو استثناء مفرَّغ من المصدر العام ، كأنه قيل : لن يضروكم ضرراً ألبتة إلا ضرر أذى لا يبالى به - من كلمة سوء ونحوها - إمَّا بالطعن في محمد وعيسى - عليهما السلام - وَإمَّا بإظهار كلمة الكفر - كقولهم : عيسى ابنُ الله ، وعُزَيْر ابن الله ، وإن الله ثالث ثلاثة ، وإما بتحريف نصوص التوراة والإنجيل ، وإما بتخويف ضعفةِ المسلمين.\rالثاني : أنه منقطع ، أي : لن يضروكم بقتال وغَلَبَة ، لكن بكلمة أذًى ونحوها.\rقال بعض العلماء : وهذا بعيد ، لأن الوجوه المذكورة توجب وقوع الغَمِّ في قلوب المسلمين ، والغم ضرر. فالتقدير : لا يضروكم إلا الضرر الذي هو الأذى ، فهو استثناء صحيح ، والمعنى : لا يضروكم إلا ضَرَراً يَسِيراً.\rأ هـ {تفسير ابن عادل حـ 5 صـ 470}. بتصرف يسير.\rمن لطائف الإمام القشيرى فى الآية\rإن الحق سبحانه وتعالى لا يسلط على أوليائه إلا بمقدار ما يصدق إلى الله فرارهم ، فإذا حق فرارهم أكرم لديه قرارهم ، وإن استطالوا على الأولياء بموجب حسبانهم انعكس الحال عليهم بالصغار والهوان. أ هـ {لطائف الإشارات حـ 1 صـ 270}","part":16,"page":63},{"id":6625,"text":"قوله تعالى { ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ أَيْنَ مَا ثُقِفُوا إِلَّا بِحَبْلٍ مِنَ اللَّهِ وَحَبْلٍ مِنَ النَّاسِ وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الْمَسْكَنَةُ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُوا يَكْفُرُونَ بِآَيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ الْأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ (112)}\rمناسبة الآية لما قبلها\rقال البقاعى : \rولما أخبر عنهم سبحانه وتعالى بهذا الذل أتبعه الإخبار بأنه في كل زمان وكل مكان معاملة منه لهم بضد ما أرادوا ، فعوضهم عن الحرص على الرئاسة إلزامهم الذلة ، وعن الإخلاد إلى المال إسكانهم المسكنة ، وأخبر أن ذلك لهم طوق الحمامة غير مزائلهم إلى آخر الدهر باقٍ في أعقابهم بأفعالهم هذه التي لم ينابذهم فيها الأعقاب فقال سبحانه وتعالى مستأنفاً : {ضربت عليهم الذلة} وهي الانقياد كرهاً ، وأحاطت بهم كما يحيط البيت المضروب بساكنه {أين ما ثقفوا} أي وجدهم من هو حاذق خفيف فطن في كل مكان وعلى كل حال {إلا} حال كونهم معتصمين {بحبل} أي عهد وثيق مسبب للأمان ، وهو عهد الجزية وما شاكله {من الله} أي الحائز لجميع العظمة {وحبل من الناس} أي قاطبة : الذي آمنوا وغيرهم ، موافقٍ لذلك الحبل الذي من الله سبحانه وتعالى.","part":16,"page":64},{"id":6626,"text":"ولما كان الذل ربما كان مع الرضى ولو من وجه قال : {وبآءو} أي رجعوا عما كانوا فيه من الحال الصالح {بغضب من الله} الملك الأعظم ، ملازمٍ لهم ، ولما كان الوصفان قد يصحبهما اليسار قال : {وضربت} أي مع ذلك {عليهم} أي كما يضرب البيت {المسكنة} أي الفقر ليكونوا بهذه الأوصاف أعرق شيء في الذل ، فكأنه قيل : لم استحقوا ذلك ؟ فقيل : {ذلك} أي الإلزام لهم بما ذكر {بأنهم} أي أسلافهم الذي رضوا هم فعلهم {كانوا يكفرون} أي يجددون الكفر مع الاستمرار {بآيات الله} اي الملك الأعظم الذي له الكمال كله ، وذلك أعظم الكفر لمشاهدتهم لها مع اشتمالها من العظم على ما يليق بالاسم الأعظم {ويقتلون الأنبياء} أي الآتين من عند الله سبحانه وتعالى حقاً على كثرتهم بما دل عليه جمع التكسير ، فهو أبلغ مما في أولها الأبلغ مما في البقرة ليكون ذمهم على سبيل الترقي كما هي قاعدة الحكمة.\r","part":16,"page":65},{"id":6627,"text":"ولما كانوا معصومين ديناً ودنيا قال : {بغير حق} أي يبيح قتلهم ؛ ثم علل إقدامهم على هذا الكفر بقوله : {ذلك} أي الكفر والقتل العظيمان {بما عصوا وكانوا} أي جبلة وطبعاً {يعتدون} أي يجددون تكليف أنفسهم الاعتداء ، فإن الإقدام على المعاصي والاستهانة بمجاوزة الحدود يهوّن الكفر ، فقال الأصفهاني : قال أرباب المعاملات : من ابتلى بترك الآداب وقع في ترك السنن ، ومن ابتلى بترك السنن وقع في ترك الفرائض ، ومن ابتلى بترك الفرائض وقع في استحقار الشريعة ، ومن ابتلى بذلك وقع في الكفر ، والآية دليل على مؤاخذة الابن الراضي بذنب الأب وإن علا ، وذلك طبق ما رأيته في ترجمة التوراة التي بين أيديهم الآن ، قال في السفر الثاني : وقال الله سبحانه وتعالى جميع هذه الآيات كلها : أنا الرب إلهك الذي أصعدتك من أرض مصر من العبودية والرق ، لا تكون لك آلهة أخرى ، لا تعملن شيئاً من الأصنام والتماثيل التي مما في السماء فوق وفي الأرض من تحت ، ومما في الماء أسفل الأرض ، لا تسجدن لها ولا تعبدنها ، لأني أنا الرب إلهك إله غيور ، أجازي الأبناء بذنوب الآباء إلى ثلاثة أحقاب وأربعة خلوف ، وأثبت النعمة إلى ألف حقب لأحبائي وحافظي وصاياي. أ هـ {نظم الدرر حـ 2 صـ 137 ـ 138}\rقال الفخر : \rقد ذكرنا تفسير هذه اللفظة في سورة البقرة ، والمعنى جعلت الذلة ملصقة ربهم كالشيء يضرب على الشيء فيلصق به ، ومنه قولهم : ما هذا علي بضربة لازب ، ومنه تسمية الخراج ضريبة. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 8 صـ 160}\rفصل\rقال الفخر : \rالذلة هي الذل ، وفي المراد بهذا الذل أقوال\rالأول : وهو الأقوى أن المراد أن يحاربوا ويقتلوا وتغنم أموالهم وتسبى ذراريهم وتملك أراضيهم فهو كقوله تعالى : {اقتلوهم حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ} [ البقرة : 191 ].","part":16,"page":66},{"id":6628,"text":"ثم قال تعالى : {إِلاَّ بِحَبْلٍ مّنْ الله} والمراد إلا بعهد من الله وعصمة وذِمام من الله ومن المؤمنين لأن عند ذلك تزول الأحكام ، فلا قتل ولا غنيمة ولا سبي\rالثاني : أن هذه الذلة هي الجزية ، وذلك لأن ضرب الجزية عليهم يوجب الذلة والصغار\rوالثالث : أن المراد من هذه الذلة أنك لا ترى فيهم ملكاً قاهراً ولا رئيساً معتبراً ، بل هم مستخفون في جميع البلاد ذليلون مهينون.\rواعلم أنه لا يمكن أن يقال المراد من الذلة هي الجزية فقط أو هذه المهانة فقط لأن قول {إِلاَّ بِحَبْلٍ مّنْ الله} يقتضي زوال تلك الذلة عند حصول هذا الحبل والجزية والصغار والدناءة لا يزول شيء منها عند حصول هذا الحبل ، فامتنع حمل الذلة على الجزية فقط ، وبعض من نصر هذا القول ، أجاب عن هذا السؤال بأن قال : إن هذا الاستثناء منقطع ، وهو قول محمد بن جرير الطبري ، فقال : اليهود قد ضربت عليهم الذلة ، سواء كانوا على عهد من الله أو لم يكونوا فلا يخرجون بهذا الاستثناء من الذلة إلى العزة ، فقوله {إِلاَّ بِحَبْلٍ مّنْ الله} تقديره لكن قد يعتصمون بحبل من الله وحبل من الناس.\r","part":16,"page":67},{"id":6629,"text":"واعلم أن هذا ضعيف لأن حمل لفظ {إِلا} على ( لكن ) خلاف الظاهر ، وأيضاً إذا حملنا الكلام على أن المراد : لكن قد يعتصمون بحبل من الله وحبل من الناس لم يتم هذا القدر فلا بد من إضمار الشيء الذي يعتصمون بهذه الأشياء لأجل الحذر عنه والإضمار خلاف الأصل ، فلا يصار إلى هذه الأشياء إلا عند الضرورة فإذا كان لا ضرورة ههنا إلى ذلك كان المصير إليه غير جائز ، بل ههنا وجه آخر وهو أن يحمل الذلة على كل هذه الأشياء أعني : القتل ، والأسر ، وسبي الذراري ، وأخذ المال ، وإلحاق الصغار ، والمهانة ، ويكون فائدة الاستثناء هو أنه لا يبقى مجموع هذه الأحكام ، وذلك لا ينافي بقاء بعض هذه الأحكام ، وهو أخذ القليل من أموالهم الذي هو مسمى بالجزية ، وبقاء المهانة والحقارة والصغار فيهم ، فهذا هو القول في هذا الموضع ، وقوله {أَيْنَمَا ثُقِفُواْ} أي وجدوا وصودفوا ، يقال : ثقفت فلاناً في الحرب أي أدركته ، وقد مضى الكلام فيه عند قوله {حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ} [ البقرة : 191 ]. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 8 صـ 160 ـ 161}\rقوله تعالى {إِلاَّ بِحَبْلٍ مّنْ الله}\rفصل\rقال الفخر : \rقوله {إِلاَّ بِحَبْلٍ مّنْ الله} فيه وجوه\rالأول : قال الفرّاء : التقدير إلا أن يعتصموا بحبل من الله ، وأنشد على ذلك : \rرأتني بحبلها فصدت مخافة.. وفي الحبل روعاء الفؤاد فروق\rواعترضوا عليه ، فقالوا : لا يجوز حذف الموصول وإبقاء صلته ، لأن الموصول هو الأصل والصلة فرع فيجوز حذف الفرع لدلالة الأصل عليه ، أما حذف الأصل وإبقاء الفرع فهو غير جائز\rالثاني : أن هذا الاستثناء واقع على طريق المعنى ، لأن معنى ضرب الذلة لزومها إياهم على أشد الوجوه بحيث لا تفارقهم ولا تنفك عنهم ، فكأنه قيل : لا تنفك عنهم الذلة ، ولن يتخلصوا إلا بحبل من الله وحبل من الناس","part":16,"page":68},{"id":6630,"text":"الثالث : أن تكون الباء بمعنى ( مع ) كقولهم : اخرج بنا نفعل كذا ، أي معنا ، والتقدير : إلا مع حبل من الله. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 8 صـ 161}\rفصل\rقال الفخر : \rالمراد من حبل الله عهده ، وقد ذكرنا فيما تقدم أن العهد إنما سمي بالحبل لأن الإنسان لما كان قبل العهد خائفاً ، صار ذلك الخوف مانعاً له من الوصول إلى مطلوبه ، فإذا حصل العهد توصل بذلك العهد إلى الوصول إلى مطلوبه ، فصار ذلك شبيهاً بالحبل الذي من تمسك به تخلص من خوف الضرر. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 8 صـ 161}\rسؤال : فإن قيل : إنه عطف على حبل الله حبلاً من الناس وذلك يقتضي المغايرة فكيف هذه المغايرة ؟ \rقلنا : قال بعضهم : حبل الله هو الإسلام ، وحبل الناس هو العهد والذمة ، وهذا بعيد لأنه لو كان المراد ذلك لقال : أو حبل من الناس ، وقال آخرون : المراد بكلام الحبلين العهد والذمة والأمان ، وإنما ذكر تعالى الحبلين لأن الأمان المأخوذ من المؤمنين هو الأمان المأخوذ بإذن الله وهذا عندي أيضاً ضعيف ، والذي عندي فيه أن الأمان الحاصل للذمي قسمان\rأحدهما : الذي نص الله عليه وهو أخد الجزية\rوالثاني : الذي فوض إلى رأي الإمام فيزيد فيه تارة وينقص بحسب الاجتهاد فالأول : هو المسمى بحبل الله والثاني : هو المسمى بحبل المؤمنين والله أعلم. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 8 صـ 161}\rفوائد لغوية\rقال ابن عادل : ","part":16,"page":69},{"id":6631,"text":"قوله : { أَيْنَ مَا ثُقِفُوا } ، \" أيْنَمَا \" اسم شرط ، وهي ظرف مكان ، و\" ما \" مزيدة فيها ، ف \" ثُقِفُوا \" في محل جزم بها ، وجواب الشرط إما محذوف - أي : أينما ثُقِفُوا غلبوا وذُلّوا ، دلَّ عليه قوله : { ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ } ، وإما نفس \" ضُرِبَتْ \" ، عند مَنْ يُجيز تقديم جواب الشرط عليه ، ف { ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ } لا محل له - على الأول ، ومحله جزم على الثاني.\rقوله : { إلاَّ بِحَبْلٍ } هذا الجار في محل نَصْب على الحال ، وهو استثناء مفرَّغ من الأحوال العامة.\rقال الزمخشري : \" وهو استثناء من أعَمِّ عامّة الأحوال ، والمعنى : ضُرِبَتْ عليهم الذلة في عامة الأحوال ، إلا في حال اعتصامهم بحبل الله ، وحبل الناس ، فهو استثناء متصل \".\rقال الزجّاج والفرَّاء : هو استثناء منقطع ، فقدره الفراء : إلا أن يعتصموا بحبل من الله ، فحذف ما يتعلق به الجار.\rكقول حميد بن ثور الهلالي : [ الطويل ]\r1574- رَأتْنِي بِحَبْلَيْهَا ، فَصَدَّتْ مَخَافَةً... وَفِي الْحَبْلِ رَوْعَاءُ الْفُؤَادِ ، فَرُوقُ\rأراد : أقبلت بحبليها ، فحذف الفعل ؛ للدلالة عليه.\rونظَّره ابنُ عطية بقوله تعالى : { وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَن يَقْتُلَ مُؤْمِناً إِلاَّ خَطَئاً } [ النساء : 92 ] قال : \" لأن بادئ الرأي يعطي أن له أن يقتل خطأ ، وأن الحبل من الله ومن الناس يزيل ضرب الذلة ، وليس الأمر كذلك ، وإنَّما في الكلام محذوف ، يدركه فَهْمُ السامع الناظر في الأمر ، وتقديره : - في أمتنا - فلا نجاة من الموت إلا بحبل \".\r","part":16,"page":70},{"id":6632,"text":"قال أبو حيان : \" وعلى ما قدره لا يكون استثناءً منقطعاً ؛ لأنه مستثنًى من جملة مقدَّرة ، وهي : فلا نجاة من الموت ، وهو متصل على هذا التقدير ، فلا يكون استثناء المنقطع - كما قرره النحاة - على قسمين : منه ما يمكن أن يتسلط عليه العامل ، ومنه لا يمكن فيه ذلك - ومنه هذه الآية - على تقدير الانقطاع - إذ التقدير : لكن اعتصامهم بحبل من الله وحَبْل من الناس يُنَجيهم من القتل ، والأسر ، وسَبي الذراري ، واستئصال أموالهم ؛ ويدل على أنه منقطع الإخبار بذلك في قوله تعالى - في سورة البقرة- : { وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذلة والمسكنة وَبَآءُوا بِغَضَبٍ مِّنَ الله } [ البقرة : 61 ] ، فلم يستثنِ هناك \". أ هـ {تفسير ابن عادل حـ 5 صـ 472 ـ 473}.\rقوله تعالى : {وَبَاءُو بِغَضَبٍ مّنَ الله}\rقال الفخر : \rقد ذكرنا أن معناه : أنهم مكثوا ، ولبثوا وداموا في غضب الله ، وأصل ذلك مأخوذ من البوء وهو المكان ، ومنه : تبوأ فلان منزل كذا وبوأته إياه ، والمعنى أنهم مكثوا في غضب من الله وحلوا فيه ، وسواء قولك : حل بهم الغضب وحلوا به. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 8 صـ 161}\rقوله تعالى : {وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ المسكنة}\rقال الفخر : \rالأكثرون حملوا المسكنة على الجزية وهو قول الحسن قال وذلك لأنه تعالى أخرج المسكنة عن الاستثناء وذلك يدل على أنها باقية عليهم غير زائلة عنهم ، والباقي عليهم ليس إلا الجزية ، وقال آخرون : المراد بالمسكنة أن اليهودي يظهر من نفسه الفقر وإن كان غنياً موسراً ، وقال بعضهم : هذا إخبار من الله سبحانه بأنه جعل اليهود أرزاقاً للمسلمين فيصيرون مساكين. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 8 صـ 161}\rقوله تعالى : {ذلك بِأَنَّهُمْ كَانُواْ يَكْفُرُونَ بآيات الله وَيَقْتُلُونَ الانبياء بِغَيْرِ حَقّ}\rقال الفخر : ","part":16,"page":71},{"id":6633,"text":"المعنى : أنه تعالى ألصق باليهود ثلاثة أنواع من المكروهات\rأولها : جعل الذلة لازمة لهم\rوثانياً : جعل غضب الله لازماً لهم\rوثالثها : جعل المسكنة لازمة لهم ، ثم بيّن في هذه الآية أن العلة لإلصاق هذه الأشياء المكروهة بهم هي : أنهم كانوا يكفرون بآيات الله ويقتلون الأنبياء بغير حق ، وهنا سؤالات : \rالسؤال الأول : هذه الذلة والمسكنة إنما التصقت باليهود بعد ظهور دولة الإسلام ، والذين قتلوا الأنبياء بغير حق هم الذين كانوا قبل محمد صلى الله عليه وسلم بأدوار وأعصار ، فعلى هذا الموضع الذي حصلت فيه العلة وهو قتل الأنبياء لم يحصل فيه المعلول الذي هو الذلة والمسكنة ، والموضع الذي حصل فيه هذا المعلول لم تحصل فيه العلة ، فكان الإشكال لازماً.\rوالجواب عنه : أن هؤلاء المتأخرين وإن كان لم يصدر عنهم قتل الأنبياء عليهم السلام لكنهم كانوا راضين بذلك ، فإن أسلافهم هم الذين قتلوا الأنبياء وهؤلاء المتأخرون كانوا راضين بفعل أسلافهم ، فنسب ذلك الفعل إليهم من حيث كان ذلك الفعل القبيح فعلاً لآبائهم وأسلافهم مع أنهم كانوا مصوبين لأسلافهم في تلك الأفعال.\rالسؤال الثاني : لم كرر قوله {ذلك بِمَا عَصَواْ} وما الحكمة فيه ولا يجوز أن يقال التكرير للتأكيد ، لأن التأكيد يجب أن يكون بشيء أقوى من المؤكد ، والعصيان أقل حالاً من الكفر فلم يجز تأكيد الكفر بالعصيان ؟ .\rوالجواب من وجهين\r","part":16,"page":72},{"id":6634,"text":"الأول : أن علة الذلة والغضب والمسكنة هي الكفر وقتل الأنبياء ، وعلة الكفر وقتل الأنبياء هي المعصية ، وذلك لأنهم لما توغلوا في المعاصي والذنوب فكانت ظلمات المعاصي تتزايد حالاً فحالاً ، ونور الإيمان يضعف حالاً فحالاً ، ولم يزل كذلك إلى أن بطل نور الإيمان وحصلت ظلمة الكفر ، وإليه الإشارة بقوله {كَلاَّ بَلْ رَانَ على قُلُوبِهِمْ مَّا كَانُواْ يَكْسِبُونَ} [ المطففين : 14 ] فقوله {ذلك بِمَا عَصَواْ} إشارة إلى علة العلة ولهذا المعنى قال أرباب المعاملات ، من ابتلي بترك الآداب وقع في ترك السنن ، ومن ابتلي بترك السنن وقع في ترك الفريضة ، ومن ابتلي بترك الفريضة وقع في استحقار الشريعة ، ومن ابتلي بذلك وقع في الكفر\rالثاني : يحتمل أن يريد بقوله {ذلك بِأَنَّهُمْ كَانُواْ يَكْفُرُونَ} من تقدم منهم ، ويريد بقوله {ذلك بِمَا عَصَواْ} من حضر منهم في زمان الرسول صلى الله عليه وسلم ، وعلى هذا لا يلزم التكرار ، فكأنه تعالى بيّن علة عقوبة من تقدم ، ثم بيّن أن من تأخر لما تبع من تقدم كان لأجل معصيته وعداوته مستوجباً لمثل عقوبتهم حتى يظهر للخلق أن ما أنزله الله بالفريقين من البلاء والمحنة ليس إلا من باب العدل والحكمة. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 8 صـ 162}","part":16,"page":73},{"id":6635,"text":"فائدة\rقال ابن عطية :\rوقوله تعالى : { ذلك بما عصوا } حمله المفسرون على أن الإشارة بذلك إلى الشيء الذي أشير إليه بذلك الأول ، قاله الطبري والزجّاج وغيرهما. والذي أقول : إن الإشارة بـ { ذلك } الأخير إنما هي إلى كفرهم وقتلهم ، وذلك أن الله تعالى ، استدرجهم فعاقبهم على العصيان والاعتداء بالمصير إلى الكفر وقتل الأنبياء ، وهو الذي يقول أهل العلم : إن الله تعالى يعاقب على المعصية بالإيقاع في معصية ، ويجازي على الطاعة بالتوفيق إلى الطاعة ، وذلك موجود في الناس إذا تؤمل ، وعصيان بني إسرائيل واعتداؤهم في السبت وغيره متقرر في غير ما موضع من كتاب الله ، وقال قتادة رحمه الله عندما فسر هذه الآية : اجتنبوا المعصية والعدوان فإن بها أهلك من كان قبلكم من الناس. أ هـ {المحرر الوجيز حـ 1 صـ 491}","part":16,"page":74},{"id":6636,"text":"من فوائد الآلوسى فى الآية\rقال رحمه الله : \r{ ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذلة } أي ذلة هدر النفس والمال والأهل ، وقيل : ذلة التمسك بالباطل وإعطاء الجزية ، قال الحسن : أذلهم الله تعالى فلا منعة لهم وجعلهم تحت أقدام المسلمين وهذا من ضرب الخيام والقباب كما قاله أبو مسلم ، قيل : ففيه استعارة مكنية تخييلية ، وقد يشبه إحاطة الذلة واشتمالها عليهم بذلك على وجه الاستعارة التبعية ، وقيل : هو من قولهم : ضرب فلان الضريبة على عبده أي ألزمها إياه فالمعنى ألزموا الذلة وثبتت فيهم فلا خلاص لهم منها { أَيْنَ مَا ثُقِفُواْ } أي وجدوا ، وقيل : أخذوا وظفر بهم ، و{ أَيْنَمَا } شرط ، وما زائدة وثقفوا في موضع جزم وجواب الشرط محذوف يدل عليه ما قبله أو هو بنفسه على رأي { إِلاَّ بِحَبْلٍ مّنْ الله وَحَبْلٍ مّنَ الناس } استثناء مفرغ من أعم الأحوال ، والمعنى على النفي أي لا يسلمون من الذلة في حال من الأحوال إلا في حال أن يكونوا معتصمين بذمة الله تعالى أو كتابه الذي أتاهم وذمة المسلمين فإنهم بذلك يسلمون من القتل والأسر وسبي الذراري واستئصال الأموال. وقيل : أي إلا في حال أن يكونوا متلبسين بالإسلام واتباع سبيل المؤمنين فإنهم حينئذٍ يرتفع عنهم ذل التمسك والإعطاء { وَبَاءوا بِغَضَبٍ مّنَ الله } أي رجعوا به وهو كناية عن استحقاقهم له واستيجابهم إياه من قولهم باء فلان بفلان إذا صار حقيقاً أن يقتل به ، فالمراد صاروا أحقاء بغضبه سبحانه والتنوين للتفخيم والوصف مؤكد لذلك { وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ المسكنة } فهم في الغالب مساكين وقلما يوجد يهودي يظهر الغنى.","part":16,"page":75},{"id":6637,"text":"{ ذلك } أي المذكور من المذكورات { بِأَنَّهُمْ كَانُواْ يَكْفُرُونَ بآيات الله } الدالة على نبوة محمد صلى الله عليه وسلم { وَيَقْتُلُونَ الانبياء بِغَيْرِ حَقّ } أصلاً ، ونسبة القتل إليهم مع أنه فعل أسلافهم على نحو ما مر غير مرة { ذلك بِمَا عَصَواْ وَّكَانُواْ يَعْتَدُونَ } إشارة إلى كفرهم وقتلهم الأنبياء عليهم السلام على ما يقتضيه القرب فلا تكرار ، وقيل : معناه أن ضرب الذلة وما يليه كما هو معلل بكفرهم وقتلهم فهو معلل بعصيانهم واعتدائهم ، والتعبير بصيغة الماضي والمضارع لما مر. أ هـ {روح المعانى حـ 4 صـ 29 ـ 30}\rومن فوائد ابن عاشور فى الآية\rقال رحمه الله : \rضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذلة أَيْنَ مَا ثقفوا إِلاَّ بِحَبْلٍ مِّنْ الله وَحَبْلٍ مِّنَ الناس وَبَآءُوا بِغَضَبٍ مِّنَ الله وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ المسكنة }.\rيعود ضمير ( عليهم ) إلى { وأكثرهم الفاسقون } [ آل عمران : 110 ] وهو خاص باليهود لا محالة ، وهو كالبيان لقوله { ثم لا ينصرون }.\rوالجملة بيَانيّة لذكر حال شديد من شقائهم في الدنيا.\rومعنى ضرب الذلّة اتَّصالها بهم وإحاطتها ، ففيه استعارة مكنية وتبعية شبّهت الذلّة ، وهي أمر معقول ، بقية أو خيمة شملتهم وشبّه اتّصالها وثباتها بضرب القبة وشَدّ أطنابها ، وقد تقدّم نظيره في البقرة.\rو { ثُقفُوا } في الأصل أخذوا في الحرب { فإمّا تثقفنّهم في الحرب } [ الأنفال : 57 ] وهذه المادة تدلّ على تمكّن من أخذ الشيء ، وتصرّف فيه بشدّة ، ومنها سمي الأسْر ثِقافاً ، والثقاف آلة كالكلُّوب تكسر به أنابيب قنا الرّماح.\rقال النابغة : \rعَضّ الثِّقَافِ على صُمّ الأنَابِيب\rوالمعنى هنا : أينما عثر عليهم ، أو أينما وجدوا ، أي هم لا يوجدون إلا محكومين ، شبّه حال ملاقاتهم في غير الحرب بحال أخذ الأسير لشدّة ذلّهم.","part":16,"page":76},{"id":6638,"text":"وقوله { إلا بحبل من الله وحبل من الناس } الحبل مستعار للعهد ، وتقدّم ما يتعلق بذلك عند قوله تعالى { فقد استمسك بالعروة الوثقى } في سورة البقرة ( 256 ) وعهد الله ذمّته ، وعهد النَّاس حلفهم ، ونصرهم ، والاستثناء من عموم الأحوال وهي أحوال دلّت عليها الباء التي للمصاحبة.\rوالتَّقدير : ضربت عليهم الذلّة متلبِّسين بكُلّ حال إلاّ متلبّسين بعهد من الله وعهد من النَّاس ، فالتَّقدير : فذهبوا بذلّة إلاّ بحبل من الله.\rوالمعنى لا يسلمون من الذلّة إلاّ إذا تلبَّسُوا بعهد من الله ، أي ذمّة الإسلام ، أو إذا استنصروا بقبائل أولى بأس شديد ، وأمّا هم في أنفسهم فلا نصر لهم.\rوهذا من دلائل النُّبوّة فإنّ اليهود كانوا أعزّة بيثربَ وخيبر والنضير وقريظة ، فأصبحوا أذلّة ، وعمَّتهم المذلّة في سائر أقطار الدنيا.\r{وباءوا بغضب من الله} أي رجعوا وهو مجاز لمعنى صاروا إذ لا رجوع هنَا.\rوالمسكنة الفقر الشَّديد مشتقة من اسم المسكين وهو الفقير ، ولعلّ اشتقاقه من السكون وهو سكون خيالي أطلق على قلّة الحيلة في العيش.\rوالمراد بضرب المسكنة عليهم تقديرها لهم وهذا إخبار بمغيّب لأن اليهود المخبر عنهم قد أصابهم الفقر حين أخذت منازلهم في خيبر والنَّضِير وقينُقاع وقُريظةَ ، ثُمّ بإجلائهم بعد ذلك في زمن عمر.\r{ذلك بِأَنَّهُمْ كَانُواْ يَكْفُرُونَ بآيات الله وَيَقْتُلُونَ الأنبيآء بِغَيْرِ حَقٍّ ذلك بِمَا عَصَوْاْ وَّكَانُواْ يَعْتَدُونَ }.\rالإشارة إلى ضرب الذلّة المأخوذ من { ضربت عليهم الذلّة }.\rومعنى { يكفرون بآيات الله ويقتلون الأنبياء } تقدّم عند قوله تعالى : { إنّ الذين يكفرون بآيات الله } [ آل عمران : 21 ] أوائل هذه السورة.","part":16,"page":77},{"id":6639,"text":"وقوله : { ذلك بما عَصوا وكانوا يعتدون } يحتمل أن يكون إشارة إلى كفرهم وقتلهم الأنبياء بغير حقّ ، فالباء سبب السبب ، ويحتمل أن يكون إشارة ثانية إلى ضرب الذلّة والمسكنة فيكون سبباً ثانياً.\r( وما ) مصدرية أي بسبب عصيانهم واعتدائهم ، وهذا نشر على ترتيب اللفّ فكفرهم بالآيات سببه العصيان ، وقتلهم الأنبياء سببه الاعتداء. أ هـ {التحرير والتنوير حـ 3 صـ 193 ـ 194}\rمن لطائف الإمام القشيرى فى الآية\rعلَمُ الهجران لا ينكتم ، وسِمَةُ البُعْد لا تَخْفَى ، ودليل القطيعة لا يستتر ؛ فهم في صغار الطرد ، وذُلِّ الرد ، يعتبر بهم أولو الأبصار ، ويغترُّ بهم أضرابُهم من الكفار الفُجَّار. أ هـ {لطائف الإشارات حـ 1 صـ 271}","part":16,"page":78},{"id":6640,"text":"قوله تعالى { لَيْسُوا سَوَاءً مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ يَتْلُونَ آَيَاتِ اللَّهِ آَنَاءَ اللَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ (113) يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَأُولَئِكَ مِنَ الصَّالِحِينَ (114) وَمَا يَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَلَنْ يُكْفَرُوهُ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالْمُتَّقِينَ (115)}\rمناسبة الآيات لما قبلها\rقال البقاعى : \rولما كان السياق ربما أفهم أنهم كلهم كذلك قال مستأنفاً نافياً لذلك : {ليسوا سوآء} أي في هذه الأفعال ، يثني سبحانه وتعالى على من أقبل على الحق منهم وخلع الباطل ولم يراع سلفاً ولا خلفاً بعيداً ولا قريباً.\rثم استأنف قوله بياناً لعدم استوائهم : {من أهل الكتاب} فأظهر لئلا يتوهم عود الضمير على خصوص من حكم بتكفيرهم {أمة} أي جماعة يحق لها أن تؤم {قائمة} أي مستقيمة على ما أتاها به نبيها في الثبات على ما شرعه ، متهيئة بالقيام للانتقال عنه عند مجيء الناسخ الذي بشر به ووصفه.\rغير زائغة بالإيمان ببعضه والكفر ببعضه.\rثم ذكر الحامل على الاستقامة فقال : {يتلون} أي يتعابعون مستمرين {آيات الله} أي علامات ذي الجلال والإكرام المنزلة الباهرة التي لا لبس فيها {آناء الليل} أي ساعاته {وهم يسجدون} أي يصلون في غاية الخضوع.\rثم ذكر ما أثمر لهم التهجد فقال : {يؤمنون} وكرر الاسم الأعظم إشارة إلى استحضارهم لعظمته فقال : {بالله} أي الذي له من الجلال وتناهي الكمال ما حير العقول.","part":16,"page":79},{"id":6641,"text":"وأتبعه اليوم الذي تظهر فيه عظمته كلها ، لأنه الحامل على كل خير فقال : {واليوم الآخر} أي إيماناً يعرف أنه حق بتصديقهم له بالعمل الصالح بما يرد عليهم من المعارف التي ما لها من نفاد ، فيتجدد تهجدهم فتثبت استقامتهم.\rولما وصفهم بالاستقامة في أنفسهم في أنفسهم وصفهم بأنهم يقوّمون غيرهم فقال : {ويأمرون بالمعروف} أي مجددين ذلك مستمرين عليه {وينهون عن المنكر} لذلك ، ولما ذكر فعلهم للخير ذكر نشاطهم في جميع أنواعه فقال : {ويسارعون في الخيرات} ولما كان التقدير : فأولئك من المستقيمين ، عطف عليه : {وأولئك} أي العالو الرتبة {من الصالحين} إشارة إلى أن من لم يستقم لم يصلح لشيء ، وأرشد السياق إلى أن التقدير : وأكثرهم ليسوا بهذه الصفات.\rولما كان التقدير : فما فعلوا من خير فهو بعين الله سبحانه وتعالى ، يشكره لهم ، عطف عليه قوله : {وما تفعلوا} أي أنتم {من خير} من إنفاق أو غيره {فلن تكفروه} بل هو مشكور لكم بسبب فعلكم ، وبني للمجهول تأدباً معه سبحانه وتعالى ، وليكون على طريق المتكبرين.\rوعطف على ما تقديره : فإن الله عليم بكل ما يفعله الفاعلون ، قوله : {والله} أي المحيط بكل شيء {عليم بالمتقين} من الفاعلين الذين كانت التقوى حاملة لهم على كل خير ، فهو يثيبهم أعظم الثواب ، ويغيرهم فهو يعاقبهم بما يريد من العقاب ، هذا على قراءة الخطاب ، وأما على قراءة الغيبة فأمرها واضح في نظمها بما قلته. أ هـ {نظم الدرر حـ 2 صـ 138 ـ 139}\rفصل\rقال الفخر : ","part":16,"page":80},{"id":6642,"text":"اعلم أن في قوله {لَيْسُواْ سَوَاء} قولين أحدهما : أن قوله {لَيْسُواْ سَوَاء} كلام تام ، وقوله {مّنْ أَهْلِ الكتاب أُمَّةٌ قَائِمَةٌ} كلام مستأنف لبيان قوله {لَيْسُواْ سَوَاء} كما وقع قوله {تَأْمُرُونَ بالمعروف} [ آل عمران : 110 ] بياناً لقوله {كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ} [ آل عمران : 110 ] والمعنى أن أهل الكتاب الذين سبق ذكرهم ليسوا سواء ، وهو تقرير لما تقدم من قوله {مّنْهُمُ المؤمنون وَأَكْثَرُهُمُ الفاسقون} ، ثم ابتدأ فقال : {مّنْ أَهْلِ الكتاب أُمَّةٌ قَائِمَةٌ} وعلى هذا القول احتمالان أحدهما : أنه لما قال : {مّنْ أَهْلِ الكتاب أُمَّةٌ قَائِمَةٌ} كان تمام الكلام أن يقال : ومنهم أمة مذمومة ، إلا أنه أضمر ذكر الأمة المذمومة على مذهب العرب من أن ذكر أحد الضدين يغني عن ذكر الضد الآخر وتحقيقه أن الضدين يعلمان معاً ، فذكر أحدهما يستقل بإفادة العلم بهما ، فلا جرم يحسن إهمال الضد الآخر.\rقال أبو ذؤيب : \rدعاني إليها القلب إني لامرؤ.. مطيع فلا أدري أرشد طلابها\rأراد ( أم غي ) فاكتفى بذكر الرشد عن ذكر الغي ، وهذا قول الفراء وابن الأنباري ، وقال الزجاج : لا حاجة إلى إضمار الأمة المذمومة ، لأن ذكر الأمة المذمومة قد جرى فيما قبل هذه الآيات فلا حاجة إلى إضمارها مرة أخرى ، لأنا قد ذكرنا أنه لما كان العلم بالضدين معاً كان ذكر أحدهما مغنياً عن ذكر الآخر ، وهذا كما يقال زيد وعبد الله لا يستويان زيد عاقل ديّن زكي ، فيغني هذا عن أن يقال : وعبد الله ليس كذلك ، فكذا ههنا لما تقدم قوله {لَيْسُواْ سَوَاء} أغنى ذلك عن الإضمار.\r","part":16,"page":81},{"id":6643,"text":"والقول الثاني : أن قوله {لَيْسُواْ سَوَاء} كلام غير تام ولا يجوز الوقف عنده ، بل هو متعلق بما بعده ، والتقدير : ليسوا سواء من أهل الكتاب أمة قائمة وأمة مذمومة ، فأمة رفع بليس وإنما قيل {لَّيْسُواْ} على مذهب من يقول : أكلوني البراغيث ، وعلى هذا التقدير لا بد من إضمار الأمة المذمومة وهو اختيار أبي عبيدة إلا أن أكثر النحويين أنكروا هذا القول لاتفاق الأكثرين على أن قوله أكلوني البراغيث وأمثالها لغة ركيكة ، والله أعلم. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 8 صـ 163}\rفصل\rقال الآلوسى\r{ لَيْسُواْ سَوَاء } أخرج ابن إسحق والطبراني والبيهقي وغيرهم عن ابن عباس قال : لما أسلم عبد الله بن سلام وثعلبة بن شعبة وأسيد بن شعبة وأسيد بن عبيد ومن أسلم من يهود معهم فآمنوا وصدقوا ورغبوا في الإسلام قالت أحبار يهود وأهل الكفر منهم : ما آمن بمحمد وتبعه إلا أشرارنا ولو كانوا من خيارنا ما تركوا دين آبائهم وذهبوا إلى غيره فأنزل الله تعالى في ذلك { لَيْسُواْ سَوَاء } إلى قوله سبحانه وتعالى : { وَأُوْلَئِكَ مِنَ الصالحين } ( آل عمران ؛ 114 ) والجملة على ما قاله مولانا شيخ الإسلام تمهيد لتعداد محاسن مؤمني أهل الكتاب ، وضمير الجمع لأهل الكتاب جميعاً لا للفاسقين ( منهم ) خاصة وهو اسم ليس وسواء خبره ، وإنما أفرد لكونه في الأصل مصدراً والوقف هنا تام على الصحيح والمراد بنفي المساواة نفي المشاركة في أصل الاتصاف بالقبائح المذكورة لا نفي المساواة في الاتصاف بمراتبها مع تحقق المشاركة في أصل الاتصاف ومثله كثير في الكلام. أ هـ {روح المعانى حـ 4 صـ 33}\rفصل\rقال الفخر : \rفي المراد بأهل الكتاب قولان","part":16,"page":82},{"id":6644,"text":"الأول : وعليه الجمهور : أن المراد منه الذين آمنوا بموسى وعيسى عليهما السلام ، روي أنه لما أسلم عبد الله بن سلاّم وأصحابه قال لهم بعض كبار اليهود : لقد كفرتم وخسرتم ، فأنزل الله تعالى لبيان فضلهم هذه الآية ، وقيل : إنه تعالى لما وصف أهل الكتاب في الآية المتقدمة بالصفات المذمومة ذكر هذه الآية لبيان أن كل أهل الكتاب ليسوا كذلك ، بل فيهم من يكون موصوفاً بالصفات الحميدة والخصال المرضية ، قال الثوري : بلغني أنها نزلت في قوم كانوا يصلون ما بين المغرب والعشاء ، وعن عطاء : أنها نزلت في أربعين من أهل نجران واثنين وثلاثين من الحبشة وثلاثة من الروم كانوا على دين عيسى وصدقوا بمحمد عليه الصلاة والسلام.\r","part":16,"page":83},{"id":6645,"text":"والقول الثاني : أن يكون المراد بأهل الكتاب كل من أوتي الكتاب من أهل الأديان ، وعلى هذا القول يكون المسلمون من جملتهم ، قال تعالى : {ثُمَّ أَوْرَثْنَا الكتاب الذين اصطفينا مِنْ عِبَادِنَا} [ فاطر : 32 ] ومما يدل على هذا ما روى ابن مسعود أن النبي صلى الله عليه وسلم أخر صلاة العشاء ثم خرج إلى المسجد ، فإذا الناس ينتظرون الصلاة ، فقال : \" أما إنه ليس من أهل الأديان أحد يذكر الله تعالى هذه الساعة غيركم \" وقرأ هذه الآية ، قال القفال رحمه الله : ولا يبعد أن يقال : أولئك الحاضرون كانوا نفراً من مؤمني أهل الكتاب ، فقيل ليس يستوي من أهل الكتاب هؤلاء الذين آمنوا بمحمد صلى الله عليه وسلم فأقاموا صلاة العتمة في الساعة التي ينام فيها غيرهم من أهل الكتاب الذين لم يؤمنوا ، ولم يبعد أيضاً أن يقال : المراد كل من آمن بمحمد صلى الله عليه وسلم فسماهم الله بأهل الكتاب ، كأنه قيل : أولئك الذين سموا أنفسهم بأهل الكتاب حالهم وصفتهم تلك الخصال الذميمة والمسلمون الذين سماهم الله بأهل الكتاب حالهم وصفتهم هكذا ، يستويان ؟ فيكون الغرض من هذه الآية تقرير فضيلة أهل الإسلام تأكيداً لما تقدم من قوله {كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ} [ آل عمران : 110 ] وهو كقوله {أَفَمَن كَانَ مُؤْمِناً كَمَن كَانَ فَاسِقاً لاَّ يَسْتَوُونَ} [ السجدة : 18 ]. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 8 صـ 164}","part":16,"page":84},{"id":6646,"text":"وقال الآلوسى : \r{ مّنْ أَهْلِ الكتاب أُمَّةٌ قَائِمَةٌ } استئناف مبين لكيفية عدم التساوي ومزيل لما فيه من الإبهام ، وقال أبو عبيدة : إنه مع الأول كلام واحد ، وجعل أمة اسم ليس والخبر سواء فهو على حد أكلوني البراغيث ، وقيل : أمة مرفوع بسواء وضعف كلا القولين ظاهر ، ووضع { أَهْلِ الكتاب } موضع الضمير زيادة في تشريفهم والاعتناء بهم والقائمة من قام اللازم بمعنى استقام أي : أمة مستقيمة على طاعة الله تعالى ثابتة على أمره لم تنزع عنه وتتركه كما تركه الآخرون وضيعوه ، وحكي عن ابن عباس وغيره ، وزعم الزجاج أن الكلام على حذف مضاف والتقدير ذو أمة قائمة أي ذو طريقة مستقيمة ، وفيه أنه عدول عن الظاهر من غير دليل. والمراد من هذه الأمة من تقدم في سبب النزول ، وجعل بعضهم أهل الكتاب عاماً لليهود والنصارى وعد من الأمة المذكورة نحو النجاشي وأصحابه ممن أسلم من النصارى. أ هـ {روح المعانى حـ 4 صـ 33}\rفصل\rقال ابن عاشور : \r{لَيْسُوا سَوَاءً مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ يَتْلُونَ آَيَاتِ اللَّهِ آَنَاءَ اللَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ}\rاستئناف قصد به إنصاف طائفة من أهل الكتاب ، بعد الحكم على معظمهم بصيغة تعمّهم ، تأكيداً لِما أفاده قولُه { منهم المؤمنون وأكثرُهم الفاسقون } [ آل عمران : 110 ] فالضمير في قوله { ليسوا } لأهل الكتاب المتحدّث عنهم آنفاً ، وهم اليهود ، وهذه الجملة تتنزّل من التي بعدها منزلة التمهيد.\rو ( سواء ) اسم بمعنى المماثل وأصله مصدر مشتق من التسوية.\rوجملة { من أهل الكتاب أمة قائمة الخ...\rمبيّنة لإبهام ليسوا سواء } والإظهار في مقام الإضمار للاهتمام بهؤلاء الأمة ، فلأمّة هنا بمعنى الفريق.","part":16,"page":85},{"id":6647,"text":"وإطلاق أهل الكتاب عليهم مجاز باعتبار ما كان كقوله تعالى : { وآتوا اليتامى أموالهم } [ النساء : 2 ] لأنهم صاروا من المسلمين.\rوعدل عن أن يقال : منهم أمَّة قائمة إلى قوله من أهل الكتاب : ليكون ذا الثناء شاملاً لصالحي اليهود ، وصالحي النَّصارى ، فلا يختصّ بصالحي اليهود ، فإن صالحي اليهود قبل بعثة عيسى كانوا متمسّكين بدينهم ، مستقيمين عليه ، ومنهم الَّذين آمنوا بعيسى واتّبعوه ، وكذلك صالحو النَّصارى قبل بعثة محمّد صلى الله عليه وسلم كانوا مستقيمين على شريعة عيسى وكثير منهم أهل تهجَّد في الأديرة والصّوامع وقد صاروا مسلمين بعد البعثة المحمدية.\rوالأمَّة : الطائفة والجماعة.\rومعنى قائمة أنه تمثيل للعمل بدينها على الوجه الحقّ ، كما يقال : سوق قائمة وشريعة قائمة.\rوالآناء أصله أأنْاء بهمزتين بوزن أفعال ، وهو جمع إنى بكسر الهمزة وفتح النُّون مقصوراً ويقال أنى بفتح الهمزة قال تعالى : { غير ناظرين إنَاه } [ الأحزاب : 53 ] أي منتظرين وقته. أ هـ {التحرير والتنوير حـ 3 صـ 195}\rفصل\rقال الفخر : \rاعلم أنه تعالى مدح الأمة المذكورة في هذه الآية بصفات ثمانية.\rالصفة الأولى : أنها قائمة وفيها أقوال\rالأول : أنها قائمة في الصلاة يتلون آيات الله آناء الليل فعبّر عن تهجدهم بتلاوة القرآن في ساعات الليل وهو كقوله {وَالَّذِينَ يِبِيتُونَ لِرَبّهِمْ سُجَّداً وقياما} [ الفرقان : 64 ] وقوله {إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أدنى مِن ثُلُثَىِ الليل} [ المزمل : 20 ] وقوله {قُمِ الليل} [ المزمل : 2 ] وقوله {وَقُومُواْ لِلَّهِ قانتين} [ البقرة : 238 ] والذي يدل على أن المراد من هذا القيام في الصلاة قوله {وَهُمْ يَسْجُدُونَ} والظاهر أن السجدة لا تكون إلا في الصلاة.","part":16,"page":86},{"id":6648,"text":"والقول الثاني : في تفسير كونها قائمة : أنها ثابتة على التمسك بالدين الحق ملازمة له غير مضطربة في التمسك به كقوله {إِلاَّ مَا دُمْتَ عَلَيْهِ قَائِمًا} [ آل عمران : 75 ] أي ملازماً للاقتضاء ثابتاً على المطالبة مستقصياً فيها ، ومنه قوله تعالى : {قَائِمَاً بالقسط} [ آل عمران : 18 ].\rوأقول : إن هذه الآية دلّت على كون المسلم قائماً بحق العبودية وقوله {قَائِمَاً بالقسط} يدل على أن المولى قائم بحق الربوبية في العدل والإحسان فتمت المعاهدة بفضل الله تعالى كما قال : {أَوْفُواْ بِعَهْدِى أُوفِ بِعَهْدِكُمْ} [ البقرة : 40 ] وهذا قول الحسن البصري ، واحتج عليه بما روي أن عمر بن الخطاب قال يا رسول الله : إن أناساً من أهل الكتاب يحدثوننا بما يعجبنا فلو كتبناه ، فغضب صلى الله عليه وسلم وقال : \" أمتهوكون أنتم يا ابن الخطاب كما تهوكت اليهود \" ، قال الحسن : متحيرون مترددون \" أما والذي نفسي بيده لقد أتيتكم بها بيضاء نقية \" وفي رواية أخرى قال عند ذلك : \" إنكم لم تكلفوا أن تعملوا بما في التوراة والإنجيل وإنما أمرتم أن تؤمنوا بهما وتفوضوا علمهما إلى الله تعالى ، وكلفتم أن تؤمنوا بما أنزل علي في هذا الوحي غدوةً وعشياً والذي نفس محمد بيده لو أدركني إبراهيم وموسى وعيسى لآمنوا بي واتبعوني \" فهذا الخبر يدل على أن الثبات على هذا الدين واجب وعدم التعلق بغيره واجب ، فلا جرم مدحهم الله في هذه الآية بذلك فقال : {مّنْ أَهْلِ الكتاب أُمَّةٌ قَائِمَةٌ }.\rالقول الثالث : {أُمَّةٌ قَائِمَةٌ} أي مستقيمة عادلة من قولك : أقمت العود فقام بمعنى استقام ، وهذا كالتقرير لقوله {كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ }. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 8 صـ 164 ـ 165}\rقوله تعالى : {يَتْلُونَ ءايات الله ءَانَاء الليل}\rقال الفخر : ","part":16,"page":87},{"id":6649,"text":"آيات الله قد يراد بها آيات القرآن ، وقد يراد بها أصناف مخلوقاته التي هي دالة على ذاته وصفاته والمراد ههنا الأولى. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 8 صـ 165}\rقوله تعالى : {وَهُمْ يَسْجُدُونَ}\rفصل\rقال الفخر : \rالصفة الثالثة : قوله تعالى : {وَهُمْ يَسْجُدُونَ} وفيه وجوه\rالأول : يحتمل أن يكون حالاً من التلاوة كأنهم يقرؤن القرآن في السجدة مبالغة في الخضوع والخشوع إلا أن القفال رحمه الله روى في \"تفسيره\" حديثاً : أن ذلك غير جائز ، وهو قوله عليه السلام : \" ألا إني نهيت أن أقرأ راكعاً أو ساجداً \"\rالثاني : يحتمل أن يكون كلاماً مستقلاً والمعنى أنهم يقومون تارة يبتغون الفضل والرحمة بأنواع ما يكون في الصلاة من الخضوع لله تعالى وهو كقوله {وَالَّذِينَ يِبِيتُونَ لِرَبّهِمْ سُجَّداً وقياما} [ الفرقان : 64 ] وقوله {أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ ءَانَاء الليل ساجدا وَقَائِماً يَحْذَرُ الأخرة وَيَرْجُواْ رَحْمَةَ رَبّهِ} [ الزمر : 9 ] قال الحسن : يريح رأسه بقدميه وقدميه برأسه ، وهذا على معنى إرادة الراحة وإزالة التعب وإحداث النشاط\rالثالث : يحتمل أن يكون المراد بقوله {وَهُمْ يَسْجُدُونَ} أنهم يصلون وصفهم بالتهجد بالليل والصلاة تسمى سجوداً وسجدة وركوعاً وركعة وتسبيحاً وتسبيحة ، قال تعالى : {واركعوا مَعَ الراكعين} [ البقرة : 43 ] أي صلوا وقال : {فَسُبْحَانَ الله حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ} [ الروم : 17 ] والمراد الصلاة\rالرابع : يحتمل أن يكون المراد بقوله {وَهُمْ يَسْجُدُونَ} أي يخضعون ويخشعون لله لأن العرب تسمي الخشوع سجوداً كقوله {وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَا فِى السموات وَمَا فِي الأرض} [ النحل : 49 ] وكل هذه الوجوه ذكرها القفال رحمه الله. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 8 صـ 165}\rفوائد لغوية\rقال ابن عادل : ","part":16,"page":88},{"id":6650,"text":"الظاهر في هذه أنّ الوقف على \" سَوَاءٌ \" تام ؛ فإن الواو اسم \" ليس \" و\" سواء \" خبر ، والواو تعود على أهل الكتاب المتقدم ذكرهم.\rولا معنى : أنهم منقسمون إلى مؤمن وكافر ؛ لقوله : { مِّنْهُمُ المؤمنون وَأَكْثَرُهُمُ الفاسقون } [ آل عمران : 110 ] ، فانتفى استواؤهم.\rو \" سواء \" - في الأصل - مصدر ، ولذلك وُحِّدَ ، وقد تقدم تحقيقه أول البقرة.\rقال أبو عبيدة : الواو في \" لَيْسُوا \" علامة جمع ، وليست ضميراً ، واسم \" ليس \" - على هذا - \" أمة \" و\" قَائِمَةٌ \" صفتها ، وكذا \" يَتْلُونَ \" ، وهذا على لغة \" أكلوني البراغيث \".\rكقول الآخر : [ المتقارب ]\rيَلُومَونَنِي فِي اشْتِرَاءِ النَّخِي... لِ أهْلِي ، فَكُلُّهُمْ بعَذْلِ أَلُومُ\rقالوا : وهي لغة ضعيفة ، ونازع السُّهَيْلِيّ النحويين في كونها ضعيفةً ، ونسبها بعضُهم إلى شنوءة ، وكثيراً ما جاء عليها الحديث ، وفي القرآن مثلُها. وسيأتي تحقيقها في المائدة.\rقال ابنُ عطية : وما قاله أبو أبو عبيدةَ خطأٌ مردودٌ ، ولم يبيِّن وَجْهَ الخطأ ، وكأنه توهم أن اسم \" ليس \" هو { أُمَّةٌ قَآئِمَةٌ } فقط ، وأنه لا محذوفَ ثَمَّ ؛ إذ ليس الغرض تفاوت الأمة القائمة التالية ، فإذا قُدِّر - ثَمَّ - محذوف لم يكن قول أبي عبيدةَ خطأً مردوداً إلا أن بعضهم رد قوله بأنها لغة ضعيفة وقد تقدم ما فيها. والتقدير الذي يصح به المعنى : أي : ليس سواء من أهل الكتاب أمة قائمة ، موصوفة بما ذُكِرَ ، وأمة كافرة ، فبهذا التقدير يصح به المعنى الذي نحا إليه أبو عُبَيْدَةَ.\r","part":16,"page":89},{"id":6651,"text":"وقال الفرَّاءُ : إن الوقفَ لا يتم على \" سَوَاءً \" فجعل الواو اسم \" ليس \" ، و\" سَوَاءً \" خبرها - كما قال الجمهور - و\" أمَّةٌ \" مرتفعة بـ \" سَوَاءً \" ارتفاع الفاعل ، أي : ليس أهل الكتاب مستوياً ، من أهل الكتاب أمة قائمة ، موصوفة بما ذُكِر ، وأمة كافرة ، فبهذا التقدير يصح به المعنى الذي نحا إليه أبو عُبَيْدَةَ.\rوقال الفرَّاءُ : إن الوقفَ لا يتم على \" سَوَاءً \" فجعل الواو اسم \" ليس \" ، و\" سَوَاءً \" خبرها - كما قال الجمهور - و\" أمَّةٌ \" مرتفعة بـ \" سَوَاءً \" ارتفاع الفاعل ، أي : ليس أهل الكتاب مستوياً ، من أهل الكتاب أمة قائمة ، موصوفة بما ذُكِر ، وأمة كافرة ، فحُذِفَت هذه الجملةُ المعادلة ؛ لدلالة القسم الأول عليها ؛ فإن مذهب العرب إذا ذُكِرَ أحد الضدين ، أغْنَى عن ذِكر الضِّدِّ الآخَر.\rقال أبو ذُؤيب : [ الطويل ]\rدَعَانِي إلَيْهَا الْقَلْبُ إنِّي لأمْرِهَا... سَمِيعٌ ، فَمَا أدْرِي أرُشْدٌ طِلاَبُها ؟ \rوالتقدير : أم غي ، فحذف الغَيّ ؛ لدلالة ضِدِّه عليه.\rومثله قول الآخر : [ الطويل ]\rأرَاكَ ، فَمَا أدْرِي أهَمٌّ هَمَمْتُهُ... وَذُو الْهَمِّ قِدْماً خَاشِعٌ مُتَضَائِلُ\rأي أهم هممته أم غيره ؟ فحذف ؛ للدلالة ، وهو كثير.\rقال الفراء : \" لأن المساواة تقتضي شيئين \" ، كقوله : { سَوَآءً العاكف فِيهِ والباد } [ الحج : 25 ] ، وقوله : { سَوَآءً مَّحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ } [ الجاثية : 21 ].\rوقد ضُعِّفَ قَوْلُ الفراء من حيث الحذف ، ومن حيث وَضع الظاهر مَوْضِعَ المُضْمَر ؛ إذ الأصل : منهم أمة قائمة ، فوضع أهل الكتاب موضع المضمر.\r","part":16,"page":90},{"id":6652,"text":"والوجه أن يكون { لَيْسُواْ سَوَآءً } جملة تامة ، وقوله : { مِّنْ أَهْلِ الكتاب أُمَّةٌ } جملة برأسها ، وقوله : { يَتْلُونَ } جملة أخرى ، مبينة لعدم استوائهم - كما جاءت الجملة من قوله : { تَأْمُرُونَ بالمعروف } [ آل عمران : 110 ] مبيِّنة للخيريَّةِ.\rويجوز أن يكون { يَتْلُونَ } في محل رفع ، صفة لـ \" أمَّةٌ \".\rويجوز أن يكون حالاً من \" أمَّةٌ \" ؛ لتخصُّصِها بالنعت.\rويجوز أن يكون حالاً من الضمير في \" قَائِمة \" ، وعلى كونها حالاً من \" أمَّةٌ \" يكون العامل فيها الاستقرار الذي تضمنه الجار.\rويجوز أن يكون حالاً من الضميرِ المستكن في هذا الجار ، لوقوعه خبراً لـ \" أمَّة \".\rقوله : { آنَآءَ الليل } ظرف لـ \" يتلون \" ، والآناء : الساعات ، واحده : أنَى - بفتح الهمزة والنون ، بزنة عصا -أو إنَى بكسر الهمزة ، وفتح النون ، بزنة مِعًى ، أو أنْي - بالفتح والسكون بزنة ظَبْي ، أو إنْي - بالكسر والسكون ، بزنة نِحْي - أو إنْو - بالكسر والسكون مع الواو ، بزنة جرو - فالهمزة في \" آناء \" منقلبة عن ياء ، على الأقوال الأربعة - كرداء - وعن واو على القول الأخير ، نحو كساء.\rقال القفال : كأن التأنِّيَ مأخوذ منه ، لأنه انتظار الساعات والأوقات ، وفي الحديث أن النبيَّ صلى الله عليه وسلم قال للرجل الذي أخر المجيء إلى الجمعة- : \" آذيت وآنيت \" أي : دافعت الأوقات. وستأتي بقية هذه المادة في مواضعها.\rولا يجوز أن يكون \" آناء الليل \" ظرفاً لِ \" قَائِمَةٌ \".\r","part":16,"page":91},{"id":6653,"text":"قال أبو البقاءِ : \" لأن \" قَائِمَةٌ \" قد وُصِفَتْ ، فلا يجوز أن تعمل فيما بعد الصفة \" ، وهذا على تقدير أن يكون \" يَتْلُونَ \" وَصْفاً لِ \" قائمة \" ، وفيه نظر ؛ لأن المعنَى ليس على جَعْل هذه الجملةِ صفة لما قبلها ، بل على الاستئناف للبيان المتقدم ، وعلى تقدير جَعْلها صفة لما قبلها ، فهي صفة لـ \" أمَّةٌ \" ، لا لِ \" قَائِمَةٌ \" ؛ لأن الصفة لا توصَف إلا أن يكون معنى الصفة الثانية لائقاً بما قبلها ، نحو : مررت برجل ناطقٍ فصيح ، ففصيح صفة لناطق ؛ لأن معناه لائق به ، وبعضهم يجعله وَصْفاً لرجل.\rوإنما المانع من تعلُّق هذا الظرف بـ \" قَائِمَةٌ \" ما ذكرناه من استئناف جملته.\rقوله : { وَهُمْ يَسْجُدُونَ } يجوز أن يكون حالاً من فاعل \" يَتْلُونَ \" أي : يَتْلُونَ القرآن ، وهم ساجدون ، وهذا قد يكون في شريعتهم - مشروعية التلاوة في السجود - بخلاف شرعنا ، قال عليه السلام \" ألاَ إنِّي نُهِيتُ أن أقرأ القُرآنَ رَاكِعاً ، أو سَاجِداً \" ، وبهذا يرجح قول من يقول إنهم غير أمة محمد صلى الله عليه وسلم.\rويجوز أن يكون حالاً من الضمير في \" قَائِمَةٌ \" قاله أبو البقاء.\rوفيه ضعف ؛ للاستئناف المذكور. أ هـ {تفسير ابن عادل حـ 5 صـ 475 ـ 479}. بتصرف يسير.\rمن فوائد العلامة ابن عطية فى الآية\rقال رحمه الله : \rلما مضت الضمائر في الكفر والقتل والعصيان والاعتداء عامة في جميع أهل الكتاب ، عقب ذلك بتخصيص الذين هم على خير وإيمان ، وذلك أن أهل الكتاب لم يزل فيهم من هو على استقامة ، فمنهم من مات قبل أن يدرك الشرائع فذلك من الصالحين ، ومنهم من أدرك الإسلام فدخل فيه.","part":16,"page":92},{"id":6654,"text":"قال القاضي أبو محمد : ويعترض هذا النظر أن جميع اليهود على عوج من وقت عيسى ، وتجيء الآية إشارة إلى من أسلم فقط ، أو يكون اليهود في معنى الأمة القائمة إلى وقت عيسى ، ثم ينتقل الحكم في النصارى ، ولفظ { أهل الكتاب } يعم الجميع ، والضمير في { ليسوا } لمن تقدم ذكره في قوله { منهم المؤمنون وأكثرهم الفاسقون } [ آل عمران : 110 ] وما قال أبو عبيدة من أن الآية نظيرة قول العرب أكلوني البراغيث خطأ مردود ، وكذلك أيضاً ما حكي عن الفراء أن { أمة } مرتفعة بـ { سواء } على أنها فاعلة كأنه قال : لا تستوي أمة كذا وإن في الآخر الكلام محذوفاً معادلاً تقديره وأمة كافرة ، فأغنى القسم الأول عن ذكرها ودل عليه كما قال أبو ذؤيب :\rعَصَيْتُ إليْها الْقَلْبَ إنّي لأَمْرِها... سَمِيعٌ فما أدري أَرُشْدٌ طِلابُها ؟\rالمعنى أم غيّ ، فاقتصر لدلالة ما ذكر عليه.\rقال القاضي أبو محمد : وإنما الوجه أن الضمير في { ليسوا } يراد به من تقدم ذكره ، و{ سواء } خبر ليس ، و{ من أهل الكتاب } مجرور فيه خبر مقدم ، و{ أمة } رفع بالابتداء قال ابن عباس رضي الله عنهما : لما أسلم عبد الله بن سلام وثعلبة بن سعية وأسيد بن سعية وأسد بن عبيد ومن أسلم من اليهود ، معهم ، قال الكفار من أحبار اليهود ما آمن بمحمد إلا شرارنا ولو كانوا خياراً ما تركوا دين آبائهم ، فأنزل الله تعالى في ذلك { ليسوا سواء } الآية ، وقال مثله قتادة وابن جريج.\rقال القاضي أبو محمد : وهو أصح التأويلات ، وقال عبد الله بن مسعود رضي الله عنه : معنى الآية : ليس اليهود وأمة محمد سواء ، وقاله السدي.","part":16,"page":93},{"id":6655,"text":"قال القاضي أبو محمد : فمن حيث تقدم ذكر هذه الآمة في قوله { كنتم خير أمة } [ آل عمران : 110 ] وذكر أيضاً اليهود قال الله لنبيه { ليسوا سواء } و{ الكتاب } على هذا جنس كتب الله وليس بالمعهود من التوراة والإنجيل فقط ، والمعنى : { من أهل الكتاب } وهم أهل القرآن أمة قائمة : واختلف عبارة المفسرين في قوله { قائمة } فقال مجاهد : معناه عادلة ، وقال قتادة والربيع وابن عباس : معناه قائمة على كتاب الله وحدوده مهتدية ، وقال السدي : القائمة القانتة المطيعة.\rقال القاضي أبو محمد : وهذا كله يرجع إلى معنى واحد من الاعتدال على أمر الله ، ومنه قيل للدنانير أو الدراهم الوازنة قائمة وهذه الآية تحتمل هذا المعنى وأن لا تنظر اللفظة إلى هيئة الأشخاص وقت تلاوة آيات الله ، ويحتمل أن يراد بـ { قائمة } وصف حال التالين في { آناء الليل } ، ومن كانت هذه حاله فلا محالة أنه معتدل على أمر الله ، وهذه الآية في هذين الاحتمالين مثل ما تقدم في قوله : { إلا ما دمت عليه قائماً } [ آل عمران : 75 ] و{ يتلون } معناه : يسردون ، و{ آيات الله } في هذه الآية هي كتبه ، و\" الآناء \" : الساعات واحدها \" إني \" بكسر الهمزة وسكون النون ، ويقال فيه \" أني \" بفتح الهمزة ، ويقال \" إنَى \" بكسر الهمزة وفتح النون والقصر ، ويقال فيه \" أنى \" بفتح الهمزة ويقال \" إِنْو \" بكسر الهمزة وسكون النون وبواو مضمومة ومنه قول الهذيلي : [ البسط ]\rحُلْوٌ وَمُرٌّ كَعَطْفِ الْقدْحِ مِرَّتهُ... في كلُّ إنيٍ قضاه الليل ينتعل","part":16,"page":94},{"id":6656,"text":"وحكم هذه الآية لا يتفق في شخص بأن يكون كل واحد يصلي جميع ساعات الليل وإنما يقوم هذا الحكم من جماعة الأمة ، إذا بعض الناس يقوم أول الليل ، وبعضهم آخره ، وبعضهم بعد هجعة ثم يعود إلى نومه ، فيأتي من مجموع ذلك في المدن والجماعات عبارة { آناء الليل } بالقيام ، وهكذا كان صدر هذه الأمة ، وعرف الناس القيام في أول الثلث الآخر من الليل أو قبله بشيء ، وحينئذ كان يقوم الأكثر ، والقيام طول الليل قليل وقد كان في الصالحين من يلتزمه ، وقد ذكر الله تعالى القصد من ذلك في سورة المزمل ، وقيام الليل لقراءة العلم المبتغى به وجه الله داخل في هذه الآية ، وهو أفضل من التنفل لمن يرجى انتفاع المسلمين بعلمه ، وأما عبارة المفسرين في { آناء الليل } ، فقال الربيع وقتادة وغيرهما : { آناء الليل } ساعات الليل ، وقال عبد الله بن كثير : سمعنا العرب تقول { آناء الليل } ساعات الليل ، وقال السدي : { آناء الليل } جوف الليل.","part":16,"page":95},{"id":6657,"text":"قال القاضي أبو محمد : وهذا قلق ، أما أن جوف الليل جزء من الآناء ، وقال ابن مسعود : نزلت هذه الآية بسبب أن النبي صلى الله عليه وسلم احتبس عنا ليلة عن صلاة العشاء وكان عند بعض نسائه فلم يأت حتى مضى ليل ، فجاء ومنا المصلي ومنا المضطجع ، فقال : أبشروا فإنه ليس أحد من أهل الكتاب يصلي هذه الصلاة ، فأنزل الله تعالى : { ليسوا سواء } الآية ، فالمراد بقوله : { يتلون آيات الله آناء الليل } صلاة العشاء ، وروى سفيان الثوري عن منصور أنه قال : بلغني أن هذه الآية نزلت في المصلين بين العشاءين وقوله تعالى : { وهم يسجدون } ذهب بعض الناس إلى أن السجود هنا عبارة عن الصلاة ، سماها بجزء شريف منها كما تسمى في كثير من المواضع ركوعاً ، فهي على هذا جملة في موضع الحال ، كأنه قال : يتلون آيات الله آناء الليل مصلين ، وذهب الطبري وغيره إلى أنها جملة مقطوعة من الكلام الأول ، أخبر عنهم أنهم أيضاً أهل سجود.\rقال القاضي أبو محمد : ويحسن هذا من جهة أن التلاوة آناء الليل قد يعتقد السامع أن ذلك في غير الصلاة ، وأيضاً فالقيام في قراءة العلم يخرج من الآية على التأويل الأول ، وثبت فيها على هذا الثاني فـ { هم يسجدون } على هذا نعت عدد بواو العطف ، كما تقول : جاءني زيد الكريم والعاقل. أ هـ {المحرر الوجيز حـ 1 صـ 492 ـ 493}\rومن فوائد الإمام الزمخشرى\rقال رحمه الله : \rالضمير في { لَّيْسُواْ } لأهل الكتاب ، أي ليس أهل الكتاب مستوين.\rوقوله : { مّنْ أَهْلِ الكتاب أُمَّةٌ قَائِمَةٌ } كلام مستأنف لبيان قوله : { لَيْسُواْ سَوَاءً } كما وقع قوله : { تَأْمُرُونَ بالمعروف } [ آل عمران : 110 ] بياناً لقوله { كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ } { أُمَّةٌ قَائِمَةٌ } مستقيمة عادلة ، من قولك : أقمت العود فقام ، بمعنى استقام ، وهم الذين أسلموا منهم.","part":16,"page":96},{"id":6658,"text":"وعبر عن تهجدهم بتلاوة القرآن في ساعات الليل مع السجود ، لأنه أبين لما يفعلون ؛ وأدل على حسن صورة أمرهم.\rوقيل : عنى صلاة العشاء ، لأن أهل الكتاب لا يصلونها.\rوعن ابن مسعود رضي الله عنه :\rأخَّر رسول الله صلى الله عليه وسلم صلاة العشاء ، ثم خرج إلى المسجد فإذا الناس ينتظرون الصلاة ، فقال : \" أما إنه ليس من أهل الأديان أحد يذكر الله في هذه الساعة غيركم ، وقرأ هذه الآية \" وقوله : { يَتْلُونَ } و{ يُؤْمِنُونَ } في محل الرفع صفتان لأمّة ، أي أمّة قائمة تالون مؤمنون ، وصفهم بخصائص ما كانت في اليهود من تلاوة آيات الله بالليل.\rساجدين ، ومن الإيمان بالله ، لأن إيمانهم به كلا إيمان لإشراكهم به عُزيراً ، وكفرهم ببعض الكتب والرسل دون بعض.\rومن الإيمان باليوم الآخر ، لأنهم يصفونه بخلاف صفته.\rومن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، لأنهم كانوا مداهنين.\rومن المسارعة في الخيرات ، لأنهم كانوا متباطئين عنها غير راغبين فيها.\rوالمسارعة في الخير : فرط الرغبة فيه لأن من رغب في الأمر سارع في توليه والقيام به وآثر الفور على التراخي { وَأُوْلئِكَ } الموصوفون بما وصفوا به { مِنَ } جملة { الصالحين } الذين صلحت أحوالهم عند الله ورضيهم واستحقوا ثناءه عليهم.\rويجوز أن يريد بالصالحين المسلمين. أ هـ {الكشاف حـ 1 صـ 431 ـ 432}\rفائدة\rقال الشيخ الشنقيطى :\rقوله تعالى : { مِّنْ أَهْلِ الكتاب أُمَّةٌ قَآئِمَةٌ يَتْلُونَ آيَاتِ الله آنَآءَ الليل وَهُمْ يَسْجُدُونَ }.\rذكر هنا من صفات هذه الطائفة المؤمنة من أهل الكتاب أنها قائمة. أي : مستقيمة على الحق وأنها تتلو آيات الله آناء الليل وتصلي وتؤمن بالله وتأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر.","part":16,"page":97},{"id":6659,"text":"وذكر في موضع آخر أنها تتلو الكتاب حق تلاوته وتؤمن بالله وهو قوله : { الذين آتَيْنَاهُمُ الكتاب يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلاَوَتِهِ أولئك يُؤْمِنُونَ بِهِ } [ البقرة : 121 ].\rوذكر في موضع آخر أنهم يؤمنون بالله وما أنزل إلينا وما أنزل إليهم وأنهم خاشعون لله لا يشترون بآياته ثمناً قليلاً. وهو قوله : { وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الكتاب لَمَن يُؤْمِنُ بالله وَمَآ أُنزِلَ إِلَيْكُمْ وَمَآ أُنزِلَ إِلَيْهِمْ خَاشِعِينَ للَّهِ لاَ يَشْتَرُونَ بِآيَاتِ الله ثَمَناً قَلِيلاً } [ آل عمران : 199 ]. وذكر في موضع آخر أنهم يفرحون بإنزال القرآن وهو قوله تعالى : { والذين آتَيْنَاهُمُ الكتاب يَفْرَحُونَ بِمَآ أُنزِلَ إِلَيْكَ } [ الرعد : 36 ] ، وذكر في موضع آخر أنهم يعلمون أن إنزال القرآن من الله حق ، وهو قوله : { والذين آتَيْنَاهُمُ الكتاب يَعْلَمُونَ أَنَّهُ مُنَزَّلٌ مِّن رَّبِّكَ بالحق } [ الأنعام : 114 ] الآية ، وذكر في موضع آخر أنهم إذا تلي عليهم القرآن خروا لأذقانهم سجداً وسبحوا ربهم وبكوا ، وهو قوله : { إِنَّ الذين أُوتُواْ العلم مِن قَبْلِهِ إِذَا يتلى عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلأَذْقَانِ سُجَّداً وَيَقُولُونَ سُبْحَانَ رَبِّنَآ إِن كَانَ وَعْدُ رَبِّنَا لَمَفْعُولاً وَيَخِرُّونَ لِلأَذْقَانِ يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعاً } [ الإسراء : 107-109 ].","part":16,"page":98},{"id":6660,"text":"وقال في بكائهم عند سماعه أيضاً : { وَإِذَا سَمِعُواْ مَآ أُنزِلَ إِلَى الرسول ترى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدمع مِمَّا عَرَفُواْ مِنَ الحق } [ المائدة : 83 ] وذكر في موضع آخر أن هذه الطائفة من أهل الكتاب ، تؤتى أجرها مرتين وهو قوله : { وَلَقَدْ وَصَّلْنَا لَهُمُ القول لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ الذين آتَيْنَاهُمُ الكتاب مِن قَبْلِهِ هُم بِهِ يُؤْمِنُونَ وَإِذَا يتلى عَلَيْهِمْ قالوا آمَنَّا بِهِ إِنَّهُ الحق مِن رَّبِّنَآ إنَّا كُنَّا مِن قَبْلِهِ مُسْلِمِينَ أولئك يُؤْتُونَ أَجْرَهُم مَّرَّتَيْنِ بِمَا صَبَرُواْ } [ القصص : 51-54 ]. أ هـ {أضواء البيان حـ 1 صـ 241}\rفصل\rقال العلامة الثعالبى : \rروى أبو هريرةَ ، عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم ؛ أنَّهُ قَالَ : \" يَنْزِلُ رَبَّنَا تَبَارَكَ وتعالى كُلَّ لَيْلَةٍ إلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا حِينَ يبقى ثُلُثُ اللَّيْلِ الآخِرُ ، فَيَقُولُ : مَنْ يَدْعُونِي ؛ فَأَسْتَجِيبَ لَهُ ، مَنْ يَسْأَلُنِي ؛ فَأُعْطِيهُ ، مَنْ يَسْتَغْفِرُنِي ؛ فَأَغْفِرَ لَهُ \" رواه الجماعةُ ، أعني : الكتبَ الستَّة ؛ البخاريَّ ، ومُسْلِماً ، وأبا داوُدَ ، والتِّرمذيَّ ، والنَّسائيَّ ، وابْنَ مَاجَة ، وفي بعضِ الطُّرُق : \"حتى يَطْلُعَ الفَجْرُ\" ، زاد ابْنُ ماجَة : \"فَلِذَلِكَ كَانُوا يَسْتَحِبُّونَ الصَّلاَةَ آخِرَ اللَّيْلِ على أَوَّلِهِ\".","part":16,"page":99},{"id":6661,"text":"وعن عمرو بْنِ عَبَسَة أَنَّهُ سَمِعَ النبيَّ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ : \" أَقْرَبُ مَا يَكُونُ الرَّبُّ مِنَ العَبْدِ فِي جَوْفِ اللَّيْلِ الآخِرِ ، فإنِ استطعت أَنْ تَكُونَ مِمَّنْ يَذْكُرُ اللَّهَ فِي تِلْكَ السَّاعَةِ ، فَكُنْ \" رواه أبو داوُد ، والتِّرمذيُّ ، والنَّسَائِيُّ ، والحَاكِمُ في \"المستدرك\" ، واللفظ للتِّرمذيِّ ، وقال : حَسَنٌ صَحِيحٌ ، وقال الحاكمُ : صحيحٌ على شرطِ مُسْلِمٍ. اه من \"السلاح\".\rوعن أبي أُمَامَةَ ، قُلْتُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، أيُّ الدُّعَاءِ أَسْمَعُ ؟ قَالَ : \" جَوْفَ اللَّيْلِ الآخِرَ ، ودُبُرَ الصَّلَوَاتِ المَكْتُوبَاتِ \" ، رواه الترمذيُّ والنسائيُّ ، وقال الترمذيُّ : هذا حديثٌ حسنٌ ، وفي روايةٍ : \" جَوْفَ اللَّيْلِ الآخِرَ أرجى \" ، أو نحو هذا. أ هـ من \"السلاح\".\rومما يدْخُلُ في ضِمْنِ قوله سبحانه : { ويسارعون فِي الخيرات } ؛ أن يكون المرءُ مغْتَنِماً للخَمْس ؛ كما قال النبيُّ صلى الله عليه وسلم : \" اغتنم خَمْساً قَبْلَ خَمْسٍ : شَبَابَكَ قَبْلَ هَرَمِكَ وَصِحَّتِكَ قَبْلَ سَقَمِكَ ، وَفَرَاغَكَ قَبْلَ شُغُلِكَ ، وَحَيَاتَكَ قَبْلَ مَوْتِكَ ، وَغِنَاكَ قَبْلَ فَقْرِكَ \" ؛ فَيَكُونُ متى أَرَادَ أَنْ يَصْنَعَ خَيْراً ، بادر إليه ، ولم يسوِّف نفسه بالأمل ، فهذه أيضاً مسارعةٌ في الخيرات ، وذكر بعض النَّاس قال : دخلْتُ معَ بَعْضِ الصَّالحين في مَرْكَبٍ ، فقُلْتُ له : ما تقُولُ ( أصْلَحَكَ اللَّه ) في الصَّوْمِ في السَّفر ؟ فقال لي : إنها المبادرةُ ، يا ابْنَ الأخِ ، قال المحدِّث : فجاءني ، واللَّهِ ، بجوابٍ ليس من أجوبة الفُقَهَاء. أ هـ {الجواهر الحسان حـ 1 صـ 201 ـ 202}\rمن لطائف الإمام القشيرى فى الآية\rكما غَايَرَ بين النور والظلام مغايرة تضاد فكذلك أثبت منافاة بين أحوال الأولياء وأحوال الأعداء ، ومتى يستوي الضياء والظلمة ، واليقين والتُّهمة ، والوصلة والفرقة ، والبعاد والألفة ، والمعتكف على البِساط والمنصرف عن الباب ، والمتصف بالولاء والمنحرف عن الوفاء ؟ هيهات يلتقيان! فكيف يتفقان أو يستويان ؟ ! أ هـ {لطائف الإشارات حـ 1 صـ 271}","part":16,"page":100},{"id":6662,"text":"فائدة\rقال الجصاص : \rقَوْله تَعَالَى { يُؤْمِنُونَ بِاَللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنْ الْمُنْكَرِ } صِفَةٌ لِهَؤُلَاءِ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ ؛ لِأَنَّهُمْ آمَنُوا بِاَللَّهِ وَرَسُولِهِ وَدَعَوْا النَّاسَ إلَى تَصْدِيقِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَالْإِنْكَارِ عَلَى مَنْ خَالَفَهُ فَكَانُوا مِمَّنْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : { كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ } فِي الْآيَةِ الْمُتَقَدِّمَةِ ؛ ، وَقَدْ بَيَّنَّا مَا دَلَّ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ مِنْ وُجُوبِ الْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيِ عَنْ الْمُنْكَرِ.\rفَإِنْ قِيلَ فَهَلْ تَجِبُ إزَالَةُ الْمُنْكَرِ مِنْ طَرِيقِ اعْتِقَادِ الْمَذَاهِبِ الْفَاسِدَةِ عَلَى وَجْهِ التَّأْوِيلِ كَمَا وَجَبَ فِي سَائِرِ الْمَنَاكِيرِ مِنْ الْأَفْعَالِ ؟ قِيلَ لَهُ : هَذَا عَلَى وَجْهَيْنِ : فَمَنْ كَانَ مِنْهُمْ دَاعِيًا إلَى مَقَالَتِهِ فَيُضِلُّ النَّاسَ بِشُبْهَتِهِ فَإِنَّهُ تَجِبُ إزَالَتُهُ عَنْ ذَلِكَ بِمَا أَمْكَنَ.\rوَمَنْ كَانَ مِنْهُمْ مُعْتَقِدًا ذَلِكَ فِي نَفْسِهِ غَيْرَ دَاعٍ إلَيْهَا فَإِنَّمَا يُدْعَى إلَى الْحَقِّ بِإِقَامَةِ الدَّلَالَةِ عَلَى صِحَّةِ قَوْلِ الْحَقِّ وَتَبَيُّنِ فَسَادِ شُبْهَتِهِ مَا لَمْ يَخْرُجْ عَلَى أَهْلِ الْحَقِّ بِسَيْفِهِ وَيَكُونُ لَهُ أَصْحَابٌ يَمْتَنِعُ بِهِمْ عَنْ الْإِمَامِ فَإِنْ خَرَجَ دَاعِيًا إلَى مَقَالَتِهِ مُقَاتِلًا عَلَيْهَا فَهَذَا الْبَاغِي الَّذِي أَمَرَ اللَّهُ تَعَالَى بِقِتَالِهِ حَتَّى يَفِيءَ إلَى أَمْرِ اللَّهِ تَعَالَى.","part":16,"page":101},{"id":6663,"text":"وَقَدْ رُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ وَجْهَهُ أَنَّهُ كَانَ قَائِمًا عَلَى الْمِنْبَرِ بِالْكُوفَةِ يَخْطُبُ فَقَالَ الْخَوَارِجُ مِنْ نَاحِيَةِ الْمَسْجِدِ : لَا حُكْمَ إلَّا لِلَّهِ ، فَقَطَعَ خُطْبَتَهُ وَقَالَ : \" كَلِمَةُ حَقٍّ يُرَادُ بِهَا بَاطِلٌ ، أَمَا إنَّ لَهُمْ عِنْدَنَا ثَلَاثًا أَنْ لَا نَمْنَعَهُمْ حَقَّهُمْ مِنْ الْفَيْءِ مَا كَانَتْ أَيْدِيهِمْ مَعَ أَيْدِينَا ، وَلَا نَمْنَعَهُمْ مَسَاجِدَ اللَّهِ أَنْ يَذْكُرُوا فِيهَا اسْمَهُ ، وَلَا نُقَاتِلَهُمْ حَتَّى يُقَاتِلُونَا \".\rفَأَخْبَرَ أَنَّهُ لَا يَجِبُ قِتَالُهُمْ حَتَّى يُقَاتِلُونَا وَكَانَ\rابْتَدَأَهُمْ عَلِيٌّ كَرَّمَ اللَّهُ وَجْهَهُ بِالدُّعَاءِ حِينَ نَزَلُوا حَرُورَاءَ وَحَاجَّهُمْ حَتَّى رَجَعَ بَعْضُهُمْ وَذَلِكَ أَصْلٌ فِي سَائِرِ الْمُتَأَوِّلِينَ مِنْ أَهْلِ الْمَذَاهِبِ الْفَاسِدَةِ أَنَّهُمْ مَا لَمْ يَخْرُجُوا دَاعِينَ إلَى مَذَاهِبِهِمْ لَمْ يُقَاتَلُوا ، وَأَقَرُّوا عَلَى مَا هُمْ عَلَيْهِ مَا لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ الْمَذْهَبُ كُفْرًا ، فَإِنَّهُ غَيْرُ جَائِزٍ إقْرَارُ أَحَدٍ مِنْ الْكُفَّارِ عَلَى كُفْرِهِ إلَّا بِجِزْيَةٍ.\rوَلَيْسَ يَجُوزُ إقْرَارُ مَنْ كَفَرَ بِالتَّأْوِيلِ عَلَى الْجِزْيَةِ ؛ لِأَنَّهُ بِمَنْزِلَةِ الْمُرْتَدِّ لِإِعْطَائِهِ بَدِيًّا جُمْلَةَ التَّوْحِيدِ وَالْإِيمَانِ بِالرَّسُولِ ، فَمَتَى نَقَضَ ذَلِكَ بِالتَّفْصِيلِ صَارَ مُرْتَدًّا.","part":16,"page":102},{"id":6664,"text":"وَمِنْ النَّاسِ مَنْ يَجْعَلُهُمْ بِمَنْزِلَةِ أَهْلِ الْكِتَابِ ، كَذَلِكَ كَانَ يَقُولُ أَبُو الْحَسَنِ ، فَتَجُوزُ عِنْدَهُ مُنَاكَحَاتُهُمْ ، وَلَا يَجُوزُ لِلْمُسْلِمِينَ أَنْ يُزَوِّجُوهُمْ وَتُؤْكَلُ ذَبَائِحُهُمْ ؛ لِأَنَّهُمْ مُنْتَحِلُونَ بِحُكْمِ الْقُرْآنِ.\rوَإِنْ لَمْ يَكُونُوا مُسْتَمْسِكِينَ بِهِ ، كَمَا أَنَّ مَنْ انْتَحَلَ النَّصْرَانِيَّةَ أَوْ الْيَهُودِيَّةَ فَحُكْمُهُ حُكْمُهُمْ ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مُسْتَمْسِكًا بِسَائِرِ شَرَائِعِهِمْ ؛ وَقَالَ تَعَالَى : { وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ } وَقَالَ مُحَمَّدٌ فِي الزِّيَادَاتِ : \" لَوْ أَنَّ رَجُلًا دَخَلَ فِي بَعْضِ الْأَهْوَاءِ الَّتِي يَكْفُرُ أَهْلُهَا ، كَانَ فِي وَصَايَاهُ بِمَنْزِلَةِ الْمُسْلِمِينَ ، يَجُوزُ مِنْهَا مَا يَجُوزُ مِنْ وَصَايَا الْمُسْلِمِينَ وَيَبْطُلُ مِنْهَا مَا يَبْطُلُ مِنْ وَصَايَاهُمْ \".\rوَهَذَا يَدُلُّ عَلَى مُوَافَقَةِ الْمَذْهَبِ الَّذِي يَذْهَبُ إلَيْهِ أَبُو الْحَسَنِ فِي بَعْضِ الْوُجُوهِ.\rوَمِنْ النَّاسِ مَنْ يَجْعَلُهُمْ بِمَنْزِلَةِ الْمُنَافِقِينَ الَّذِينَ كَانُوا فِي زَمَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأُقِرُّوا عَلَى نِفَاقِهِمْ مَعَ عِلْمِ اللَّهِ تَعَالَى بِكُفْرِهِمْ وَنِفَاقِهِمْ.\rوَمِنْ النَّاسِ مَنْ يَجْعَلُهُمْ كَأَهْلِ الذِّمَّةِ ؛ وَمَنْ أَبَى ذَلِكَ فَفَرَّقَ بَيْنَهُمَا بِأَنَّ الْمُنَافِقِينَ لَوْ وَقَفْنَا عَلَى\rنِفَاقِهِمْ لَمْ نُقِرَّهُمْ عَلَيْهِ ، وَلَمْ نَقْبَلْ مِنْهُمْ إلَّا الْإِسْلَامَ أَوْ السَّيْفَ.","part":16,"page":103},{"id":6665,"text":"وَأَهْلُ الذِّمَّةِ إنَّمَا أَقَرُّوا بِالْجِزْيَةِ ، وَغَيْرُ جَائِزٍ أَخْذُ الْجِزْيَةِ مِنْ الْكُفَّارِ الْمُتَأَوِّلِينَ الْمُنْتَحِلِينَ لِلْإِسْلَامِ ، وَلَا يَجُوزُ أَنْ يُقَرُّوا بِغَيْرِ جِزْيَةٍ ، فَحُكْمُهُمْ فِي ذَلِكَ مَتَى وَقَفْنَا عَلَى مَذْهَبِ وَاحِدٍ مِنْهُمْ اعْتِقَادُ الْكُفْرِ لَمْ يَجُزْ إقْرَارُهُ عَلَيْهِ ، وَأُجْرِيَ عَلَيْهِ أَحْكَامُ الْمُرْتَدِّينَ ، وَلَا يَقْتَصِرُ فِي إجْرَائِهِ حُكْمَ الْكُفَّارِ عَلَى إطْلَاقِ لَفْظٍ عَسَى أَنْ يَكُونَ غَلَطُهُ فِيهِ دُونَ الِاعْتِقَادِ دُونَ أَنْ يُبَيِّنَ عَنْ ضَمِيرِهِ فَيُعْرِبَ لَنَا عَنْ اعْتِقَادِهِ بِمَا يُوجِبُ تَكْفِيرَهُ ، فَحِينَئِذٍ يَجُوزُ عَلَيْهِ أَحْكَامُ الْمُرْتَدِّينَ مِنْ الِاسْتِتَابَةِ فَإِنْ تَابَ وَإِلَّا قُتِلَ ؛ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. أ هـ {أحكام القرآن للجصاص حـ 2 صـ 222 ـ 224}","part":16,"page":104},{"id":6666,"text":"قوله تعالى {يُؤْمِنُونَ بالله واليوم الآخر}\rفصل\rقال الفخر : \rالصفة الرابعة : قوله {يُؤْمِنُونَ بالله واليوم الآخر} واعلم أن اليهود كانوا أيضاً يقومون في الليالي للتهجد وقراءة التوراة ، فلما مدح المؤمنين بالتهجد وقراءة القرآن أردف ذلك بقوله {يُؤْمِنُونَ بالله واليوم الآخر} وقد بينا أن الإيمان بالله يستلزم الإيمان بجميع أنبيائه ورسله والإيمان باليوم الآخر يستلزم الحذر من المعاصي ، وهؤلاء اليهود ينكرون أنبياء الله ولا يحترزون عن معاصي الله ، فلم يحصل لهم الإيمان بالمبدأ والمعاد.\rواعلم أن كمال الإنسان أن يعرف الحق لذاته ، والخير لأجل العمل به ، وأفضل الأعمال الصلاة وأفضل الأذكار ذكر الله ، وأفضل المعارف معرفة المبدأ ومعرفة المعاد ، فقوله {يَتْلُونَ ءايات الله ءَانَاء الليل وَهُمْ يَسْجُدُونَ} إشارة إلى الأعمال الصالحة الصادرة عنهم وقوله {يُؤْمِنُونَ بالله واليوم الآخر} إشارة إلى فضل المعارف الحاصلة في قلوبهم فكان هذا إشارة إلى كمال حالهم في القوة العملية وفي القوة النظرية ، وذلك أكمل أحوال الإنسان ، وهي المرتبة التي يقال لها : إنها آخر درجات الإنسانية وأول درجات الملكية. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 8 صـ 166}","part":16,"page":105},{"id":6667,"text":"فوائد لغوية\rقال ابن عادل : \rقوله : { يُؤْمِنُونَ بالله واليوم الآخر وَيَأْمُرُونَ بالمعروف وَيَنْهَوْنَ عَنِ المنكر } إمَّا استئناف ، وإما أحوال ، وجيء بالجملة الأولى اسميةً ؛ دلالةً على الاستقرار ، وصُدِّرَتْ بضميرٍ ، وثَنَّى عليه جملة فعلية ، ليتكرر الضمير ، فيزداد بتكراره توكيداً.\rوجيء بالخبر مضارعاً ؛ دلالةً على تجدُّدِ السجود في كل وقت ، وكذلك جيء بالجُمَل التي بعدها أفعالاً مضارعة.\rويحتمل أن يكون { يُؤْمِنُونَ بالله واليوم الآخر } خبراً ثانياً ، لقوله : \" هُمْ \" ، ولذلك ترك العاطف ولو ذكره لكان جائزاً. أ هـ {تفسير ابن عادل حـ 5 صـ 479}.\rقوله تعالى {وَيَأْمُرُونَ بالمعروف وَيَنْهَوْنَ عَنِ المنكر}\rفصل\rقال الفخر : \rالصفة الخامسة : قوله {وَيَأْمُرُونَ بالمعروف}.\rالصفة السادسة : قوله {وَيَنْهَوْنَ عَنِ المنكر} واعلم أن الغاية القصوى في الكمال أن يكون تاماً وفوق التمام فكون الإنسان تاماً ليس إلا في كمال قوته العملية والنظرية وقد تقدم ذكره ، وكونه فوق التمام أن يسعى في تكميل الناقصين ، وذلك بطريقين ، إما بإرشادهم إلى ما ينبغي وهو الأمر بالمعروف ، أو بمنعهم عما لا ينبغي وهو النهي عن المنكر ، قال ابن عباس رضي الله عنهما : {يَأْمُرُونَ بالمعروف} أي بتوحيد الله وبنبوّة محمد صلى الله عليه وسلم {وَيَنْهَوْنَ عَنِ المنكر} أي ينهون عن الشرك بالله ، وعن إنكار نبوّة محمد صلى الله عليه وسلم ، واعلم أن لفظ المعروف والمنكر مطلق فلم يجز تخصيصه بغير دليل ، فهو يتناول كل معروف وكل منكر. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 8 صـ 166}\rقوله تعالى {ويسارعون فِى الخيرات}\rفصل\rقال الفخر : \rالصفة السابعة : قوله {ويسارعون فِى الخيرات} وفيه وجهان\rأحدهما : أنهم يتبادرون إليها خوف الفوت بالموت ، والآخر : يعملونها غير متثاقلين.","part":16,"page":106},{"id":6668,"text":"فإن قيل : أليس أن العجلة مذمومة قال عليه الصلاة والسلام : \" العجلة من الشيطان والتأني من الرحمن \" فما الفرق بين السرعة وبين العجلة ؟ قلنا : السرعة مخصوصة بأن يقدم ما ينبغي تقديمه ، والعجلة مخصوصة بأن يقدم ما لا ينبغي تقديمه ، فالمسارعة مخصوصة بفرط الرغبة فيما يتعلق بالدين ، لأن من رغب في الأمر ، آثر الفور على التراخي ، قال تعالى : {وَسَارِعُواْ إلى مَغْفِرَةٍ مّن رَّبّكُمْ} [ آل عمران : 133 ] وأيضاً العجلة ليست مذمومة على الإطلاق بدليل قوله تعالى : {وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبّ لترضى} [ طه : 84 ]. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 8 صـ 166}\rقوله تعالى {وَأُوْلَئِكَ مِنَ الصالحين}\rفصل\rقال الفخر : \rالصفة الثامنة : قوله {وَأُوْلَئِكَ مِنَ الصالحين} والمعنى وأولئك الموصوفون بما وصفوا به من جملة الصالحين الذين صلحت أحوالهم عند الله تعالى ورضيهم ، \rواعلم أن الوصف بذلك غاية المدح ويدل عليه القرآن والمعقول ، أما القرآن ، فهو أن الله تعالى مدح بهذا الوصف أكابر الأنبياء عليهم الصلاة والسلام فقال : بعد ذكر إسماعيل وإدريس وذي الكفل وغيرهم {وأدخلناهم فِى رَحْمَتِنَا إِنَّهُمْ مّنَ الصالحين} [ الأنبياء : 86 ] وذكر حكاية عن سليمان عليه السلام أنه قال : {وَأَدْخِلْنِى بِرَحْمَتِكَ فِى عِبَادِكَ الصالحين} [ النمل : 19 ] وقال : {فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ مولاه وَجِبْرِيلُ وصالح الْمُؤْمِنِينَ} [ التحريم : 4 ] وأما المعقول فهو أن الصلاح ضد الفساد ، وكل ما لا ينبغي أن يكون فهو فساد ، سواء كان ذلك في العقائد ، أو في الأعمال ، فإذا كان كل ما حصل من باب ما ينبغي أن يكون ، فقد حصل الصلاح ، فكان الصلاح دالاً على أكمل الدرجات. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 8 صـ 166 ـ 167}","part":16,"page":107},{"id":6669,"text":"من فوائد الآلوسى فى الآية\rقال رحمه الله : \r{ يُؤْمِنُونَ بالله واليوم الآخر } صفة أخرى لأمة ، وجوز أن تكون حالاً على طرز ما قبلها وإن شئت كما قال أبو البقاء استأنفتها ، والمراد بهذا الإيمان الإيمان بجميع ما يجب الإيمان به على الوجه المقبول ، وخص الله تعالى اليوم الآخر بالذكر إظهاراً لمخالفتهم لسائر اليهود فيما عسى أن يتوهم متوهم مشاركتهم لهم فيه لأنهم يدّعون أيضاً الإيمان بالله تعالى واليوم الآخر لكن لما كان ذلك مع قولهم : { عُزَيْرٌ ابن الله } [ التوبة : 30 ] وكفرهم ببعض الكتب والرسل ووصفهم اليوم الآخر بخلاف ما نطقت به الشريعة المصطفوية جعل هو والعدم سواء.\r{ وَيَأْمُرُونَ بالمعروف وَيَنْهَوْنَ عَنِ المنكر } إشارة إلى وفور نصيبهم من فضيلة تكميل الغير إثر الإشارة إلى وفوره من فضيلة تكميل النفس ، وفيه تعريض بالمداهنين الصادين عن سبيل الله تعالى { ويسارعون فِى الخيرات } أي يبادرون إلى فعل الخيرات والطاعات خوف الفوات بالموت مثلا ، أو يعملون الأعمال الصالحة راغبين فيها غير متثاقلين لعلمهم بجلالة موقعها وحسن عاقبتها وهذه صفة جامعة لفنون الفضائل والفواضل وفي ذكرها تعريض بتباطؤ اليهود وتثاقلهم عن ذلك ، وأصل المسارعة المبادرة وتستعمل بمعنى الرغبة ، واختيار صيغة المفاعلة للمبالغة ، وقيل : ولم يعبر بالعجلة للفرق بينها وبين السرعة فإن السرعة التقدم فيما يجوز أن يتقدم فيه وهي محمودة وضدها الإبطاء وهو مذموم ، والعجلة التقدم فيما لا ينبغي أن يتقدم فيه وهي مذمومة وضدها اوناة وهي محمودة ، وإيثار ( في ) على إلى وكثيراً ما تتعدى المسارعة بها للإيذان كما قال شيخ الإسلام : بأنهم مستقرون في أصل الخير متقلبون في فنونه لا أنهم خارجون ( عنها ) منتهون إليها ؛ وصيغة جمع القلة هنا تغني عن جمع الكثرة كما لا يخفى.","part":16,"page":108},{"id":6670,"text":"{ وَأُوْلئِكَ } أي الموصوفون بتلك الصفات الجليلة الشأن بسبب اتصافهم بها كما يشعر به العدول عن الضمير { مّنَ الصالحين } أي من عداد الذين صلحت عند الله تعالى حالهم وهذا رد لقول اليهود : ما آمن به إلا شرارنا. وقد ذهب الجل إلى أن في الآية استغناءاً بذكر أحد الفريقين عن الآخر على عادة العرب من الاكتفاء بذكر أحد الضدين عن الآخر ، والمراد ومنهم من ليسوا كذلك. أ هـ {روح المعانى حـ 4 صـ 34 ـ 35}\rقوله تعالى : {وَمَا يَفْعَلُواْ مِنْ خَيْرٍ فَلَنْ يُكْفَروهُ والله عَلِيمٌ بالمتقين}\rفصل\rقال الفخر : \rقرأ حمزة والكسائي وحفص عن عاصم {وَمَا يَفْعَلُواْ مِنْ خَيْرٍ فَلَنْ يُكْفَروهُ} بالياء على المغايبة ، لأن الكلام متصل بما قبله من ذكر مؤمني أهل الكتاب ، يتلون ويسجدون ويؤمنون ويأمرون وينهون ويسارعون ، ولن يضيع لهم ما يعلمون ، والمقصود أن جهال اليهود لما قالوا لعبد الله بن سلاّم إنكم خسرتم بسبب هذا الإيمان ، قال تعالى بل فازوا بالدرجات العظمى ، فكان المقصود تعظيمهم ليزول عن قلبهم أثر كلام أولئك الجهال ، ثم هذا وإن كان بحسب اللفظ يرجع إلى كل ما تقدم ذكره من مؤمني أهل الكتاب ، فإن سائر الخلق يدخلون فيه نظراً إلى العلة.","part":16,"page":109},{"id":6671,"text":"وأما الباقون فإنهم قرؤا بالتاء على سبيل المخاطبة فهو ابتداء خطاب لجميع المؤمنين على معنى أن أفعال مؤمني أهل الكتاب ذكرت ، ثم قال : وما تفعلوا من خير معاشر المؤمنين الذين من جملتكم هؤلاء ، فلن تكفروه ، والفائدة أن يكون حكم هذه الآية عاماً بحسب اللفظ في حق جميع المكلفين ، ومما يؤكد ذلك أن نظائر هذه الآية جاءت مخاطبة لجميع الخلائق من غير تخصيص بقوم دون قوم كقوله {وَمَا تَفْعَلُواْ مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ الله} [ البقرة : 197 ] {وما تفعلوا من خير يوف إليكم} {وَمَا تَفْعَلُواْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِندَ الله} وأما أبو عمرو فالمنقول عنه أنه كان يقرأ هذه الآية بالقراءتين. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 8 صـ 167}\rقال الطبرى : \rوالصواب من القراءة في ذلك عندنا : \"وما يفعلوا ، من خير فلن يُكفروه\" ، بالياء في الحرفين كليهما ، يعني بذلك الخبرَ عن الأمة القائمة ، التالية آيات الله.\rوإنما اخترنا ذلك ، لأن ما قبل هذه الآية من الآيات ، خبر عنهم. فإلحاق هذه الآية إذْ كان لا دلالة فيها تدل على الانصراف عن صفتهم بمعاني الآيات قبلها ، أولى من صرفها عن معاني ما قبلها. وبالذي اخترنا من القراءة كان ابن عباس يقرأ. (1)\rفتأويل الآية إذًا ، على ما اخترنا من القراءة : وما تفعل هذه الأمة من خير ، وتعمل من عملٍ لله فيه رضًى ، فلن يكفُرهم الله ذلك ، يعني بذلك : فلن يبطل الله ثوابَ عملهم ذلك ، ولا يدعهم بغير جزاء منه لهم عليه ، ولكنه يُجزل لهم الثواب عليه ، ويسني لهم الكرامة والجزاء. أ هـ {تفسير الطبرى حـ 7 صـ 131 ـ 132}. بتصرف يسير.\r______________\r(1) تقدم الرد على مثل هذا القول فلا يجوز الترجيح بين القراءات المتواترة وهى من بلاغات القرآن وفصاحته التى تبهر العقول وتأخذ بمجامع القلوب لمن تأمل. والله أعلم.","part":16,"page":110},{"id":6672,"text":"فصل\rقال الفخر : \r{فَلَنْ تكفروه} أي لن تمنعوا ثوابه وجزاءه وإنما سمي منع الجزاء كفر لوجهين\rالأول : أنه تعالى سمى إيصال الثواب شكراً قال الله تعالى : {فَإِنَّ الله شَاكِرٌ عَلِيمٌ } [ البقرة : 158 ] وقال : {فأولئك كَانَ سَعْيُهُم مَّشْكُورًا} [ الإسراء : 19 ] فلما سمى إيصال الجزاء شكراً سمى منعه كفراً والثاني : أن الكفر في اللغة هو الستر فسمي منع الجزاء كفراً ، لأنه بمنزلة الجحد والستر. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 8 صـ 167}\rسؤال : فإن قيل : لم قال : {فَلَنْ تكفروه} فعداه إلى مفعولين مع أن شكر وكفر لا يتعديان إلا إلى واحد يقال شكر النعمة وكفرها ؟ .\rقلنا : لأنا بينا أن معنى الكفر ههنا هو المنع والحرمان ، فكان كأنه قال : فلن تحرموه ، ولن تمنعوا جزاءه. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 8 صـ 167}\rفصل\rقال الفخر : \rاحتج القائلون بالموازنة من الذاهبين إلى الإحباط بهذه الآية فقال : صريح هذه الآية يدل على أنه لا بد من وصول أثر فعل العبد إليه ، فلو انحبط ولم ينحبط من المحبط بمقداره شيء لبطل مقتضى هذه الآية ، ونظير هذه الآية قوله تعالى : {فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرّاً يَرَهُ} [ الزلزلة : 7 ، 8 ]. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 8 صـ 167}\rسؤال : فإن قيل : \" شكر \" و\" كفر \" لا يتعديان إلا إلى واحد ، يقال : شكر النعمة ، وكفرها - فكيف تعدّى - هنا - لاثنين أولهما قام مقام الفاعل ، والثاني : الهاء في \" يكفروه \" ؟ .\rفقيل : إنه ضُمِّن معنى فعل يتعدى لاثنين - كحرم ومنع ، فكأنه قيل : فلن يُحْرَموه ، ولن يُمْنَعُوا جزاءه. أ هـ {تفسير ابن عادل حـ 5 صـ 482}.\rقوله تعالى : {والله عَلِيمٌ بالمتقين}\rقال الفخر : ","part":16,"page":111},{"id":6673,"text":"{والله عَلِيمٌ بالمتقين} والمعنى أنه تعالى لما أخبر عن عدم الحرمان والجزاء أقام ما يجري مجرى الدليل عليه وهو أن عدم إيصال الثواب والجزاء إما أن يكون للسهو والنسيان وذلك مُحالٌ في حقِّه ؛ لأنه عليم بكل المعلومات ، وإما أن يكون للعجز والبخل والحاجة وذلك محال لأنه إله جميع المحدثات ، فاسم الله تعالى يدل على عدم العجز والبخل والحاجة ، وقوله {عَلِيمٌ} يدل على عدم الجهل ، وإذا انتفت هذه الصفات امتنع المنع من الجزاء ، لأن منع الحق لا بد وأن يكون لأجل هذه الأمور والله أعلم ، إنما قال : {عَلِيمٌ بالمتقين} مع أنه عالم بالكل بشارة للمتقين بجزيل الثواب ودلالة على أنه لا يفوز عنده إلا أهل التقوى. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 8 صـ 167 ـ 168}\rوقال العلامة الطبرى : \rفتأويل الآية إذًا ، على ما اخترنا من القراءة : وما تفعل هذه الأمة من خير ، وتعمل من عملٍ لله فيه رضًى ، فلن يكفُرهم الله ذلك ، يعني بذلك : فلن يبطل الله ثوابَ عملهم ذلك ، ولا يدعهم بغير جزاء منه لهم عليه ، ولكنه يُجزل لهم الثواب عليه ، ويسني لهم الكرامة والجزاء. أ هـ {تفسير الطبرى حـ 7 صـ 132}\rوقال العلامة أبو السعود : \r{ والله عَلِيمٌ بالمتقين } تذييلٌ مقرِّرٌ ما قبله ، فإن علمَه تعالى بأحوالهم يستدعي تَوْفيةَ أجورِهم لا محالة ، والمرادُ بالمتقين إما الأمةُ المعهودةُ ، وضع موضِعَ الضميرِ العائدِ إليهم مدحاً لهم وتعييناً لعُنوان تعلّقِ العلمِ بهم وإشعاراً بمناط إثابتِهم هو التقوى المنطويةُ على الخصائص السالفةِ وإما جنسُ المتقين عموماً وهم مندرجون تحت حُكمِه اندراجاً أولياً. أ هـ {تفسير أبى السعود حـ 2 صـ 74}","part":16,"page":112},{"id":6674,"text":"لطيفة\rقال البيضاوى : \r{ والله عَلِيمٌ بالمتقين } بشارة لهم وإشعار بأن التقوى مبدأ الخير وحسن العمل ، وأن الفائز عند الله هو أهل التقوى. أ هـ {تفسير البيضاوى حـ 2 صـ 81}\rمن فوائد العلامة ابن عاشور فى الآية\rقال عليه الرحمة : \r{وَمَا يَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَلَنْ يُكْفَرُوهُ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالْمُتَّقِينَ}\rتذييل للجمل المفتتحة بقوله تعالى : { من أهل الكتاب أمَّة قائمة } [ آل عمران : 113 ] إلى قوله { من الصالحين } [ آل عمران : 114 ] وقرأ الجمهور : تفعلوا بالفوقية فهو وعد للحاضرين ، ويعلم منه أنّ الصّالحين السَّابقين مثلهم ، بقرينة مقام الامتنان ، ووقوعه عقب ذكرهم ، فكأنَّه قيل : وما تفعلوا من خير ويَفعلوا.\rويجوز أن يكون إلتفاتاً لخطاب أهل الكتاب.\rوقرأه حمزة ، والكسائي ، وحفص ، وخلف بياء الغيبة عائداً إلى أمّة قائمة.\rوالكفر : ضد الشكر أي هو إنكار وصول النَّعمة الواصلة.\rقال عنترة : \rنبئْتُ عَمْرا غيرَ شاكر نعمتي\rوالكفْرُ مَخْبَثَة لِنَفْسسِ المنعم...\rوقال تعالى { واشكروا لي ولا تكفرون } وأصل الشكر والكفر أن يتعديا إلى واحد ، ويكون مفعولهما النّعمة كما في البيت.\rوقد يجعل مفعولهما المنعم على التوسّع في حذف حرف الجرّ ، لأن الأصل شكرت له وكفرت له.\rقال النابغة : \rشكرتُ لك النعمي\rوقد جمع بين الاستعمالين قوله تعالى { واشكروا لي ولا تكفرون } [ البقرة : 152 ] وقد عدّي { تُكْفَروه } هنا إلى مفعولين : أحدهما نائب الفاعل ، لأن الفعل ضمّن معنى الحرمان.\rوالضّمير المنصوب عائد إلى خير بتأويل خير بجزاء فعل الخير على طريقة الاستخدام وأطلق الكفر هنا على ترك جزاء فعل الخير ، تشبيهاً لفعل الخير بالنَّعمة.","part":16,"page":113},{"id":6675,"text":"كأنّ فاعل الخير أنعم على الله تعالى بنعمته مثل قوله { إن تُقرضوا الله قرضاً حسناً } [ التغابن : 17 ] فحذفّ المشبّه ورمز إليه بما ه من لوازم العرفية.\rوهو الكفر ، على أنّ في القرينة استعارة مصرّحة مثل { ينقضون عهدَ الله } [ البقرة : 27 ].\rوقد أمتنّ الله علينا إذ جعل طاعتنا إيّاه كنعمة عليه تعالى ، وجعل ثوابها شُكراً ، وتَرْك ثوابها كفراً فنفاه.\rوسمّى نفسه الشكور.\rوقد عدّي الكفر أن هنا إلى النعمة على أصل تعديته. أ هـ {التحرير والتنوير حـ 3 صـ 196 ـ 197}\rمن لطائف الإمام القشيرى فى الآية\rوَمَا يَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَلَنْ يُكْفَرُوهُ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالْمُتَّقِينَ (115)\rلن يخيبَ عن بابه قاصد ، ولم يخسر عليه ( تاجر ) ، ولم يستوحش معه مصاحب ، ولم يَذِلّ له طالب. أ هـ {لطائف الإشارات حـ 1 صـ 271}","part":16,"page":114},{"id":6676,"text":"قوله تعالى { إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوَالُهُمْ وَلَا أَوْلَادُهُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (116)}\rمناسبة الآية لما قبلها\rقال البقاعى : \rولما رغبهم في الإنفاق بما يشمل كل خير وأخبرهم بأنه عالم بدقة وجله ، وأخبر أن ذلك كان دأب إسرائيل عليه الصلاة والسلام على وجه أنتج أن بنيه كاذبون في ادعائهم أنهم على ملة جده إبراهيم عليه الصلاة والسلام ، ثم حذر منهم وختم ما ختمه بالمتقين بالترغيب في الخير بما اندرج فيه الإنفاق الذي قدم أول السورة أنه من صفة المتقين المستغفرين بالأسحار التي هي أشرف آناء الليل وكان مما يمنع منه خوفُ الفقر والنزول عن حال الموسرين من الكفار المفاخرين بالإكثار المعيرين بالإقلال من المال والولد وقوفاً مع الحال الدنيوي ، وكان قد أخبر أنه لا يقبل من أحد منهم في الآخرة ملء الأرض ذهباً ، أعقب هذا بمثل ذلك على وجه أعم فقال - واصفاً أضداد من تقدم ، نافياً ما يعتقدون من أن أعمالهم الصورية تنفعهم - : {إن الذين كفروا} أي بالله بالميل عن المنهج القويم وإن ادعوا الإيمان به نفاقاً أو غيره {لن تغني عنهم أموالهم} أي وإن كثرت {ولا أولادهم} وإن عظمت {من الله} أي الملك الذي لا كفوء له {شيئاً} أي من الإغناء تأكيداً لما قرر من عدم نصرة أهل الكتاب الذين حملهم على إيثار الكفر على الإيمان استجلاب الأموال والرئاسة على الأتباع على وجه يعم جميع الكفار - كما قال في أول السورة - سواءً.\rولما كان التقدير : فأولئك هم الخاسرون ، عطف عليه قوله : {وأولئك أصحاب النار} أي هم مختصون بها ، ثم استأنف ما يفيد ملازمتها فقال : {هم فيها خالدون}. أ هـ {نظم الدرر حـ 2 صـ 139}\rوقال الفخر : ","part":16,"page":115},{"id":6677,"text":"اعلم أنه تعالى ذكر في هذه الآيات مرة أحوال الكافرين في كيفية العقاب ، وأخرى أحوال المؤمنين في الثواب جامعاً بين الزجر والترغيب والوعد والوعيد ، فلما وصف من آمن من الكفار بما تقدم من الصفات الحسنة أتبعه تعالى بوعيد الكفار ، فقال : {إِنَّ الذين كَفَرُواْ لَن تُغْنِىَ عَنْهُمْ أموالهم وَلاَ أولادهم}. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 8 صـ 168}\rفصل\rقال الفخر : \rفي قوله {إِنَّ الذين كَفَرُواْ} قولان\rالأول : المراد منه بعض الكفار ثم القائلون بهذا القول ذكروا وجوهاً\rأحدها : قال ابن عباس : يريد قريظة والنضير ، وذلك لأن مقصود رؤساء اليهود في معاندة الرسول ما كان إلا المال والدليل عليه قوله تعالى في سورة البقرة {وَلاَ تَشْتَرُواْ بآياتي ثَمَنًا قَلِيلاً} [ البقرة : 41 ]\rوثانيها : أنها نزلت في مشركي قريش ، فإن أبا جهل كان كثير الافتخار بماله ولهذا السبب نزل فيه قوله {وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مّن قَرْنٍ هُمْ أَحْسَنُ أَثَاثاً ورئياً} [ مريم : 74 ] وقوله {فَلْيَدْعُ نَادِيَهُ * سَنَدْعُ الزبانية} [ العلق : 17 ، 18 ]\rوثالثها : أنها نزلت في أبي سفيان ، فإنه أنفق مالاً كثيراً على المشركين يوم بدر وأحد في عداوة النبي صلى الله عليه وسلم. (1)\r__________\r(1) لا يخفى ما فى هذا الوجه من الفساد والبطلان فإن أبا سفيان قد أسلم وحسن إسلامه فصار من أهل السعادة وهذا يتنافى ما عجز الآية وهو قوله تعالى {وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ} والأولى ـ والله أعلم ـ حمل الآية على من مات كافرا.","part":16,"page":116},{"id":6678,"text":"والقول الثاني : أن الآية عامة في حق جميع الكفار ، وذلك لأنهم كلهم كانوا يتعززون بكثرة الأموال ، وكانوا يعيرون الرسول صلى الله عليه وسلم وأتباعه بالفقر ، وكان من جملة شبههم أن قالوا : لو كان محمد على الحق لما تركه ربه في هذا الفقر والشدة ولأن اللفظ عام ، ولا دليل يوجب التخصيص فوجب إجراؤه على عمومه ، وللأولين أن يقولوا : إنه تعالى قال بعد هذه الآية {مَثَلُ مَا يُنْفِقُونَ} [ آل عمران : 177 ] فالضمير في قوله {يُنفِقُونَ} عائد إلى هذا الموضع ، وهو قوله {إِنَّ الذين كَفَرُواْ} ثم إن قوله {يُنفِقُونَ} مخصوص ببعض الكفار ، فوجب أن يكون هذا أيضاً مخصوصاً. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 8 صـ 168}","part":16,"page":117},{"id":6679,"text":"فصل\rقال الفخر : \rإنما خص تعالى الأموال والأولاد بالذكر لأن أنفع الجمادات هو الأموال وأنفع الحيوانات هو الولد ، ثم بيّن تعالى أن الكافر لا ينتفع بهما ألبتة في الآخرة ، وذلك يدل على عدم انتفاعه بسائر الأشياء بطريق الأولى ، ونظيره قوله تعالى : {يَوْمَ لاَ يَنفَعُ مَالٌ وَلاَ بَنُونَ * إِلاَّ مَنْ أَتَى الله بِقَلْبٍ سَلِيمٍ} [ الشعراء : 88 ، 89 ] وقوله {واتقوا يَوْمًا لاَّ تَجْزِى نَفْسٌ عَن نَّفْسٍ شَيْئًا} [ البقرة : 48 ] الآية وقوله {فَلَن يُقْبَلَ مِنْ أَحَدِهِم مّلْء الأرض ذَهَبًا وَلَوِ افتدى بِهِ} [ آل عمران : 91 ] وقوله {وَمَا أموالكم وَلاَ أولادكم بالتى تُقَرّبُكُمْ عِندَنَا زلفى} [ سبأ : 37 ] ولما بيّن تعالى أنه لا انتفاع لهم بأموالهم ولا بأولادهم ، قال : {وَأُوْلئِكَ أصحاب النار هُمْ فِيهَا خالدون }. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 8 صـ 168 ـ 169}\rوقال ابن عطية : \rوخص الله تعالى \" الأموال والأولاد \" بالذكر لوجوه.\rمنها أنها زينة الحياة الدنيا ، وعظم ما تجري إليه الآمال ، ومنها أنها ألصق النصرة بالإنسان وأيسرها ، ومنها أن الكفار يفخرون بالآخرة لا همة لهم إلا فيها هي عندهم غاية المرء وبها كانوا يفخرون على المؤمنين ، فذكر الله أن هذين اللذين هما بهذه الأوصاف لا غناء فيهما من عقاب الله في الآخرة ، فإذا لم تغن هذه فغيرها من الأمور البعيدة أحرى أن لا يغني. أ هـ {المحرر الوجيز حـ 1 صـ 494}\rفائدة\rقال البغوى : \r{ وَأُولَئِكَ أَصْحَاب النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ } وإنما جعلهم من أصحابها لأنهم أهلها لا يخرجون منها ولا يفارقونها ، كصاحب الرجل لا يفارقه. أ هـ {تفسيرالبغوى حـ 2 صـ 94}","part":16,"page":118},{"id":6680,"text":"فصل\rقال الفخر : \rواحتج أصحابنا بهذه الآية على أن فساق أهل الصلاة لا يبقون في النار أبداً فقالوا قوله {وَأُوْلئِكَ أصحاب النار} كلمة تفيد الحصر فإنه يقال : أولئك أصحاب زيد لا غيرهم وهم المنتفعون به لا غيرهم ولما أفادت هذه الكلمة معنى الحصر ثبت أن الخلود في النار ليس إلا للكافر. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 8 صـ 169}\rمن فوائد الآلوسى فى الآية\rقال رحمه الله : \r{ إِنَّ الذين كَفَرُواْ لَن تُغْنِىَ عَنْهُمْ أموالهم وَلاَ أولادهم مّنَ الله شَيْئاً } مؤكداً لذلك ولهذا فصل.\rوالمراد من الموصول إما سائر الكفار فإنهم فاخروا بالأموال والأولاد حيث قالوا : { نَحْنُ أَكْثَرُ أموالا وأولادا وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ } [ سبأ : 35 ] فرد الله تعالى عليهم بما ترى عليهم ، وإما بنو قريظة وبنو النضير حيث كانت معالجتهم بالأموال والأولاد. وروي هذا عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما ، وقيل : مشركو قريش وقيل وقيل ولعل من ادعى العموم وهو الظاهر قال بدخول المذكورين دخولاً أولياً ، والمراد من الإغناء الدفع ، ويقال : أغنى عنه إذا دفع عنه ضرراً لولاه لنزل به أي لن تدفع عنهم يوم القيامة أموالهم التي عولوا عليها في المهمات ولا من هو أرجى من ذلك وأعظم عندهم وهم أولادهم من عذاب الله تعالى لهم شيئاً يسيراً منه ، وقال بعضهم : المراد بالاغناء الإجزاء ، ويقال : ما يغني عنك هذا أي ما يجزي عنك وما ينفعك ، ومن للبدل أو الابتداء ، وشيئاً مفعول مطلق أي لن يجزي عنهم ذلك من عذاب الله تعالى شيئاً من الإجزاء ، وعلى التفسير الأول للإغناء وجعل هذا معنى حقيقياً له دونه يقال بالتضمين وأمر المفعولية عليه ظاهر لتعديه حينئذ.","part":16,"page":119},{"id":6681,"text":"{ وَأُوْلئِكَ } أي الموصوفون بالكفر بسبب كفرهم { أصحاب النار } أي ملازموها وهو معنى الأصحاب عرفاً. { هُمْ فِيهَا خالدون } تأكيد لما يراد من الجملة الأولى واختيار الجملة الاسمية للايذان بالدوام والاستمرار وتقديم الظرف محافظة على رؤوس الآي. أ هـ {روح المعانى حـ 4 صـ 35 ـ 36}\rوقال ابن عاشور :\r{إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوَالُهُمْ وَلَا أَوْلَادُهُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ}\rاستئناف ابتدائي للانتقال إلى ذكر وعيد المشركين بمناسبة ذكر وعد الذين آمنوا من أهل الكتاب.\rوإنَّما عطف الأولاد هنا لأن الغَناء في متعارف النَّاس يكون بالمال والولد ، فالمال يدفع به المرءُ عن نفسه في فداء أو نحوه ، والولد يدافعون عن أبيهم بالنصر ، وقد تقدّم القول في مثله في طالعة هذه السورة.\rوكرّر حرف النَّفي مع المعطوف في قوله { ولا أولادهم } لتأكيد عدم غناء أولادهم عنهم لدفع توّهم ما هو متعارف من أن الأولاد لا يقعدون عن الذبّ عن آبائهم.\rويتعلق { من الله } بفعل { لن تغني } على معنى ( من ) الابتدائية أي غناء يصدر من جانب الله بالعفو عن كفرهم.\rوانتصب ( شيئاً ) على المفعول المطلق لفعل { لن تغني } أي شيئاً من غٍناء.\rوتنكير شيئاً للتقليل.\rوجملة { وأولئك أصحاب النار } عطف على جملة { لن تغني عنه أموالهم ولا أولادهم }.\rوجيء بالجملة معطوفة ، على خلاف الغالب في أمثالها أن يكون بدون عطف ، لقصد أن تكون الجملة منصبّاً عليها التَّأكيد بحرف ( إنّ ) فيكمل لها من أدلَّة تحقيق مضمونها خمسة أدلة هي : التّأَكيد بـ { إن } ، وموقع اسم الإشارة ، والإخبار عنهم بأنَّهم أصحاب النَّار ، وضمير الفصل ، ووصف خالدون. أ هـ {التحرير والتنوير حـ 3 صـ 197}","part":16,"page":120},{"id":6682,"text":"وقال العلامة الطبرى : \rوهذا وعيدٌ من الله عز وجل للأمة الأخرى الفاسقة من أهل الكتاب ، الذين أخبر عنهم بأنهم فاسقون ، وأنهم قد باؤوا بغضب منه ، ولمن كان من نظرائهم من أهل الكفر بالله ورسوله وما جاء به محمد صلى الله عليه وسلم من عند الله.\rيقول تعالى ذكره : \"إن الذين كفروا\" ، يعني : الذين جحدوا نبوة محمد صلى الله عليه وسلم وكذبوا به وبما جاءهم به من عند الله \"لن تغني عنهم أموالهم ولا أولادهم من الله شيئًا\" ، يعني : لن تدفع أمواله التي جمعها في الدنيا ، وأولاده الذين ربَّاهم فيها ، شيئًا من عقوبة الله يوم القيامة إن أخرها لهم إلى يوم القيامة ، ولا في الدنيا إنْ عجَّلها لهم فيها.\rوإنما خصّ أولاده وأمواله ، لأن أولاد الرجل أقربُ أنسبائه إليه ، وهو على ماله أقدر منه على مال غيره ، وأمرُه فيه أجوز من أمره في مال غيره. فإذا لم يغن عنه ولده لصلبه ، وماله الذي هو نافذ الأمر فيه ، فغير ذلك من أقربائه وسائر أنسبائه وأموالهم ، أبعد من أن تغني عنه من الله شيئا.\rثم أخبر جل ثناؤه أنهم هم أهل النار الذين هم أهلها بقوله : \"وأولئك أصحاب النار\". وإنما جعلهم أصحابها ، لأنهم أهلها الذين لا يخرجون منها ولا يفارقونها ، كصاحب الرجل الذي لا يفارقه ، وقرينه الذي لا يزايله.\rثم وكد ذلك بإخباره عنهم إنهم\"فيها خالدون\" ، أنّ صحبتهم إياها صحبة لا انقطاع لها ، إذْ كان من الأشياء ما يفارق صاحبه في بعض الأحوال ، ويزايله في بعض الأوقات ، وليس كذلك صحبة الذين كفروا النارَ التي أصْلوها ، ولكنها صحبة دائمة لا نهاية لها ولا انقطاع. نعوذ بالله منها ومما قرَّب منها من قول وعمل. أ هـ {تفسير الطبرى حـ 7 صـ 133 ـ 134}","part":16,"page":121},{"id":6683,"text":"من لطائف الإمام القشيرى فى الآية\r{إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوَالُهُمْ وَلَا أَوْلَادُهُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (116)}\rلا في الحال لهم بدل ولا في المآل عنهم خلف. في عاجلهم خَسِروا ، وفي آجلهم في قطعٍ وهجْرٍ ، وبلاءٍ وخُسْرٍ ، وعذابٍ ونُكْر. أ هـ {لطائف الإشارات حـ 1 صـ 272}","part":16,"page":122},{"id":6684,"text":"قوله تعالى { مَثَلُ مَا يُنْفِقُونَ فِي هَذِهِ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَثَلِ رِيحٍ فِيهَا صِرٌّ أَصَابَتْ حَرْثَ قَوْمٍ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ فَأَهْلَكَتْهُ وَمَا ظَلَمَهُمُ اللَّهُ وَلَكِنْ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (117)}\rمناسبة الآية لما قبلها\rقال البقاعى : \rولما كان ربما قيل : فما حال ما يبدلونه في المكارم ويواسون به في المغارم ؟ ضرب لذلك مثلاً جعله هباء منثوراً ، ضائعاً وإن كثر بوراً ، كأن لم يكن شيئاً مذكوراً ، بقوله سبحانه وتعالى جواباً لهذا السؤال : {مثل ما ينفقون} أي من المال ، وحقر قصدهم بتحقير محطه فقال : {في هذه الحياة الدنيا} أي على وجه القربة أو غيرها ، لكونهم ضيعوا الوجه الذي به يقبل ، وهو الإخلاص.","part":16,"page":123},{"id":6685,"text":"ومثل إنفاقهم له ومثل حرث أصيب بالريح {كمثل ريح فيها صر} أي برد شديد {أصابت حرث قوم} موصوفين بأنهم {ظلموا أنفسهم} أي بالبناء على غير أساس الإيمان {فأهلكته} فمثل ما ينفقون في كونه لم ينفعهم في الدنيا بإنتاج ما أرادوا في الدنيا وضرهم في الدارين ، أما في الدنيا فبضياعه في غير شيء ، وأما في الآخرة فبالمعاقبة عليه لتضييع أساسه وقصدهم الفاسد به ، مثل الزرع الموصوف فإنه لم ينفع أهله الموصوفين ، بل ضرهم في الدنيا بضياعه ، وفي الآخرة بما قصدوا به من المقصود الفاسد ، ومثل إنفاقهم له في كونه ضرهم ولم ينفعهم مثل الريح في كونها ضرت الزرع ولم تنفعه ، فلما كانت الريح الموصوفة أمراً مشاهداً جلياً جعلت في إهلاكها مثلاً لضياع أنفاقهم الذي هو أمر معنوي خفي ، ولما كان الزرع المحترق أمراً محسوساً جعل فيما حصل له بعد التعب من العطب مثالاً لأمر معقول ، وهو أموالهم في كون إنفاقهم إياها لم يثمر لهم شيئاً غير الخسارة والتعب ، فالمثلان ضياع الرزع والإنفاق ، وضياع الزرع أظهر فهو مثل لضياع الإنفاق لأنه أخفى ، وقد بان أن الآية من الاحتباك : حذف أولاً مثل الإنفاق لدلالة الريح عليه ، وثانياً الحرث لدلالة ما ينفق عليه.","part":16,"page":124},{"id":6686,"text":"ولما كان سبحانه وتعالى موصوفاً بأنه الحكم العدل القائم بالقسط وأنه لا ينسى خيراً فعل قال دفعاً لتوهم أن ذلك بخس : {وما ظلمهم} أي الممثل بهم والممثل لهم {الله} الملك الأعظم الغنيّ الغِِنى المطلق لأنه المالك المطلق ، وقد كفروا ، أما الممثل لهم فبكونهم أنفقوا على غير الوجه الذي شرعه ، وأما الممثل بهم فبكونهم لم يحرسوا زرعهم بالطاعات ، وفي الآية دليل على أن أهل الطاعات تحرس ضوائعهم من الآفات وتخرق فيها العادات ، ثم قال : {ولكن} لوما كان الممثل لأجلهم الذين كفروا أعم من أن يموتوا عليه أو يسلموا لم يعبر في الظلم بما تقتضيه الجبلة من فعل الكون وقال : الأساس بكفرهم ، وأن ظلمهم مقصور على أنفسهم ، لا يتعداها إلى غيرها وإن ظهر لإنفاقهم نكاية في عدوهم ، فإن العاقبة لما كانت للمؤمنين كانت نكايتهم كالعدم ، بل هي زيادة في وبالهم ، فهي من ظلمهم لأنفسهم. أ هـ {نظم الدرر حـ 2 صـ 139 ـ 140}\rوقال الفخر : \rاعلم أنه تعالى لما بيّن أن أموال الكفار لا تغني عنهم شيئاً ، ثم إنهم ربما أنفقوا أموالهم في وجوه الخيرات ، فيخطر ببال الإنسان أنهم ينتفعون بذلك ، فأزال الله تعالى بهذه الآية تلك الشبهة ، وبيّن أنهم لا ينتفعون بتلك الإنفاقات ، وإن كانوا قد قصدوا بها وجه الله. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 8 صـ 169}\rفصل\rقال الفخر : \rالمثل الشبه الذي يصير كالعلم لكثرة استعماله فيما يشبه به ، وحاصل الكلام أن كفرهم يبطل ثواب نفقتهم ، كما أن الريح الباردة تهلك الزرع.\rفإن قيل : فعلى هذا التقدير مثل إنفاقهم هو الحرث الذي هلك ، فكيف شبه الإنفاق بالريح الباردة المهلكة.","part":16,"page":125},{"id":6687,"text":"قلنا : المثل قسمان : منه ما حصلت فيه المشابهة بين ما هو المقصود من الجملتين وإن لم تحصل المشابهة بين أجزاء الجملتين ، وهذا هو المسمى بالتشبيه المركب ، ومنه ما حصلت المشابهة فيه بين المقصود من الجملتين ، وبين أجزاء كل واحدة منهما ، فإذا جعلنا هذا المثل من القسم الأول زال السؤال ، وإن جعلناه من القسم الثاني ففيه وجوه الأول : أن يكون التقدير : مثل الكفر في إهلاك ما ينفقون ، كمثل الريح المهلكة للحرث الثاني : مثل ما ينفقون ، كمثل مهلك ريح ، وهو الحرث الثالث : لعلّ الإشارة في قوله {مَثَلُ مَا يُنْفِقُونَ} إلى ما أنفقوا في إيذاء رسول الله صلى الله عليه وسلم في جمع العساكر عليه ، وكان هذا الإنفاق مهلكاً لجميع ما أتوا به من أعمال الخير والبر ، وحينئذ يستقيم التشبيه من غير حاجة إلى إضمار وتقديم وتأخير ، والتقدير : مثل ما ينفقون في كونه مبطلاً لما أتوا به قبل ذلك من أعمال البر كمثل ريح فيها صر في كونها مبطلة للحرث ، وهذا الوجه خطر ببالي عند كتابتي على هذا الموضع ، فإن انفاقهم في إيذاء الرسول صلى الله عليه وسلم من أعظم أنواع الكفر ومن أشدها تأثيراً في إبطال آثار أعمال البر. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 8 صـ 169 ـ 170}\rفصل\rقال الفخر : \rاختلفوا في تفسير هذا الإنفاق على قولين","part":16,"page":126},{"id":6688,"text":"الأول : أن المراد بالإنفاق ههنا هو جميع أعمالهم التي يرجون الانتفاع بها في الآخرة سماه الله إنفاقاً كما سمى ذلك بيعاً وشراء في قوله {إِنَّ الله اشترى مِنَ المؤمنين أَنفُسَهُمْ} [ التوبة : 111 ] إلى قوله {فاستبشروا بِبَيْعِكُمُ الذى بَايَعْتُمْ بِهِ} [ التوبة : 111 ] ومما يدل على صحة هذا التأويل قوله تعالى : {لَن تَنَالُواْ البر حتى تُنفِقُواْ مِمَّا تُحِبُّونَ} [ آل عمران : 92 ] والمراد به جميع أعمال الخير وقوله تعالى : {لاَ تَأْكُلُواْ أموالكم بَيْنَكُمْ بالباطل} [ البقرة : 188 ] والمراد جميع أنواع الانتفاعات.\rوالقول الثاني : وهو الأشبه أن المراد إنفاق الأموال ، والدليل عليه ما قبل هذه الآية وهو قوله {لَن تُغْنِىَ عَنْهُمْ أموالهم وَلاَ أولادهم} [ آل عمران : 10 ]. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 8 صـ 170}\rفائدة\rقال ابن عاشور :\rضَرَبَ لأعمالهم المتعلّقة بالأموال مثلاً ، فشبّه هيئة إنفاقهم المعجب ظاهرُها ، المخيِّببِ آخِرُها ، حين يحبطها الكفر ، بهيئة زرع أصابته ريح باردة فأهلكته ، تشبيه المعقول بالمحسوس.\rولمَّا كان التَّشبيه تمثيلياً لم يُتَوخ فيه مُوالاةُ ما شبّه به إنفاقهم لأداةِ التَّمثيل ، فقيل : كمثل ريح ، ولم يُقل : كمثل حَرْث قوم. أ هـ {التحرير والتنوير حـ 3 صـ 198}\rفصل\rقال الفخر :\rقوله {مَثَلُ مَا يُنْفِقُونَ} المراد منه جميع الكفار أو بعضهم ، فيه قولان :","part":16,"page":127},{"id":6689,"text":"الأول : المراد بالإخبار عن جميع الكفار ، وذلك لأن إنفاقهم إما أن يكون لمنافع الدنيا أو لمنافع الآخرة فإن كان لمنافع الدنيا لم يبقَ منه أثر ألبتة في الآخرة في حق المسلم فضلاً عن الكافر وإن كان لمنافع الآخرة لم ينتفع به في الآخرة لأن الكفر مانع من الانتفاع به ، فثبت أن جميع نفقات الكفار لا فائدة فيها في الآخرة ، ولعلّهم أنفقوا أموالهم في الخيرات نحو بناء الرباطات والقناطر والإحسان إلى الضعفاء والأيتام والأرامل ، وكان ذلك المنفق يرجو من ذلك الإنفاق خيراً كثيراً فإذا قدم الآخرة رأى كفره مبطلاً لآثار الخيرات ، فكان كمن زرع زرعاً وتوقع منه نفعاً كثيراً فأصابته ريح فأحرقته فلا يبقى معه إلا الحزن والأسف ، هذا إذا أنفقوا الأموال في وجوه الخيرات ، أما إذا أنفقوها فيما ظنوه أنه الخيرات لكنه كان من المعاصي مثل إنفاق الأموال في إيذاء الرسول صلى الله عليه وسلم وفي قتل المسلمين وتخريب ديارهم ، فالذي قلناه فيه أسد وأشد ، ونظير هذه الآية قوله تعالى : {وَقَدِمْنَا إلى مَا عَمِلُواْ مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَّنثُوراً} [ الفرقان : 23 ] وقال : {إِنَّ الذين كَفَرُواْ يُنفِقُونَ أموالهم لِيَصُدُّواْ عَن سَبِيلِ الله فَسَيُنفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً} [ الأنفال : 36 ] وقوله {والذين كَفَرُواْ أعمالهم كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ} [ النور : 39 ] فكل ذلك يدل على الحسنات من الكفار لا تستعقب الثواب ، وكل ذلك مجموع في قوله تعالى : {إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ الله مِنَ المتقين} [ المائدة : 27 ] وهذا القول هو الأقوى والأصح.","part":16,"page":128},{"id":6690,"text":"واعلم أنا إنما فسرنا الآية بخيبة هؤلاء الكفار في الآخرة ، ولا يبعد أيضاً تفسيرها بخيبتهم في الدنيا ، فإنهم أنفقوا الأموال الكثيرة في جمع العساكر وتحملوا المشاق ، ثم انقلب الأمر عليهم ، وأظهر الله الإسلام وقواه فلم يبق مع الكفار من ذلك الإنفاق إلا الخيبة والحسرة.\rوالقول الثاني : المراد منه الإخبار عن بعض الكفار ، وعلى هذا القول ففي الآية وجوه\rالأول : أن المنافقين كانوا ينفقون أموالهم في سبيل الله ولكن على سبيل التقية والخوف من المسلمين ، وعلى سبيل المداراة لهم ، فالآية فيهم ، \rالثاني : نزلت هذه الآية في أبي سفيان وأصحابه يوم بدر عند تظاهرهم على الرسول عليه السلام\rالثالث : نزلت في إنفاق سفلة اليهود على أحبارهم لأجل التحريف والرابع : المراد ما ينفقون ويظنون أنه تقرب إلى الله تعالى مع أنه ليس كذلك. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 8 صـ 170 ـ 171}\rفصل\rقال الفخر : \rاختلفوا في {الصر} على وجوه\rالأول : قال أكثر المفسرين وأهل اللغة : الصر البرد الشديد وهو قول ابن عباس وقتادة والسدي وابن زيد\rوالثاني : أن الصر : هو السموم الحارة والنار التي تغلي ، وهو اختيار أبي بكر الأصم وأبي بكر ابن الأنباري ، قال ابن الأنباري : وإنما وصفت النار بأنها {فِيهَا صِرٌّ} لتصويتها عند الالتهاب ، ومنه صرير الباب ، والصرصر مشهور ، والصرة الصيحة ومنه قوله تعالى : {فَأَقْبَلَتِ امرأته فِى صَرَّةٍ} [ الذاريات : 29 ] وروى ابن الأنباري بإسناده عن ابن عباس رضي الله عنهما في {فِيهَا صِرٌّ} قال فيها نار ، وعلى القولين فالمقصود من التشبيه حاصل ، لأنه سواء كان برداً مهلكاً أو حراً محرقاً فإنه يصير مبطلاً للحرث والزرع فيصح التشبيه به. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 8 صـ 171}","part":16,"page":129},{"id":6691,"text":"فائدة\rقال ابن عاشور :\rوفي قوله { فيها صرّ } إفادة شدّة برد هذه الريح ، حتَّى كأنّ جنس الصر مظروف فيها ، وهي تحمله إلى الحرث.\rوالحرث هنا مصدر بمعنى المفعول : أي محروثَ قوم أي أرضاً محروثة والمراد أصابت زرعَ حرث.\rوتقدّم الكلام على معاني الحرث عند قوله تعالى { والأنعام والحرث } [ آل عمران : 14 ] في أول السورة.\rوقوله { ظلموا أنفسهم } إدماج في خلال التمثيل يكسب التمثيل تفظيعاً وتشويهاً وليس جُزءاً من الهيئة المشبّه بها.\rوقد يذكر البلغاء مع المُشَبَّه به صفات لا يقصدون منها غير التحسين أو التقبيح كقول كعب بن زهير :\rشُجَّت بذي شبم من ماء مَحْنيَة...\rصافٍ بأبطحَ أضحى وهو مشمول\rتنفي الرّياحُ القذى عنه وأفرطهُ...\rمن صَوْب سَارِيَةٍ بيض يعاليل\rفأجرى على الماء الذي هو جزء المشبّه به صفات لا أثر لها في التشبيه.\rوالسامعون عالمون بأن عقاب الأقوام الذين ظلموا أنفسهم غاية في الشدّة ، فذكر وصفهم بظلم أنفسهم لتذكير السامعين بذلك على سبيل الموعظة ، وجيء بقوله { مثل ما ينفقون } غير معطوف على ما قبله لأنّه كالبيان لقوله { لن تغني عنهم أموالهم }.\rوقوله { وما ظلمهم الله ولكن أنفسهم يظلمون } الضمائر فيه عائدة على الذين كفروا.\rوالمعنى أنّ الله لم يظلمهم حين لم يتقبل نفقاتهم بل هم تسبّبوا في ذلك ، إذ لم يؤمنوا لأن الإيمان جعله الله شرطاً في قبول الأعمال ، فلما أعلمهم بذلك وأنذرهم لم يكن عقابه بعد ذلك ظلماً لهم ، وفيه إيذان بأنّ الله لا يخالف وعده من نفي الظلم عن نفسه. أ هـ {التحرير والتنوير حـ 3 صـ 198 ـ 199}\rفصل\rقال الفخر :","part":16,"page":130},{"id":6692,"text":"المعتزلة احتجوا بهذه الآية على صحة القول بالإحباط ، وذلك لأنه كما أن هذه الريح تهلك الحرث فكذلك الكفر يهلك الإنفاق ، وهذا إنما يصح إذا قلنا : إنه لولا الكفر لكان ذلك الإنفاق موجباً لمنافع الآخرة وحينئذ يصح القول بالإحباط ، وأجاب أصحابنا عنه بأن العمل لا يستلزم الثواب إلا بحكم الوعد ، والوعد من الله مشروط بحصول الإيمان ، فإذا حصل الكفر فات المشروط لفوات شرطه ؛ لأن الكفر أزاله بعد ثبوته ، ودلائل بطلان القول بالإحباط قد تقدمت في سورة البقرة. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 8 صـ 171}\rقوله تعالى : {أَصَابَتْ حَرْثَ قَوْمٍ ظَلَمُواْ أَنفُسَهُمْ}\rسؤال : لم لم يقتصر على قوله {أَصَابَتْ حَرْثَ قَوْمٍ} وما الفائدة في قوله {ظَّلَمُواْ أَنفُسَهُمْ } ؟ .\rقلنا : في تفسير قوله {ظَّلَمُواْ أَنفُسَهُمْ} وجهان\rالأول : أنهم عصوا الله فاستحقوا هلاك حرثهم عقوبة لهم ، والفائدة في ذكره هي أن الغرض تشبيه ما ينفقون بشيء يذهب بالكلية حتى لا يبقى منه شيء ، وحرث الكافرين الظالمين هو الذي يذهب بالكلية ولا يحصل منه منفعة لا في الدنيا ولا في الآخرة ، فأما حرث المسلم المؤمن فلا يذهب بالكلية لأنه وإن كان يذهب صورة فلا يذهب معنى ، لأن الله تعالى يزيد في ثوابه لأجل وصول تلك الأحزان إليه\rوالثاني : أن يكون المراد من قوله {ظَّلَمُواْ أَنفُسَهُمْ} هو أنهم زرعوا في غير موضع الزرع أو في غير وقته ، لأن الظلم وضع الشيء في غير موضعه ، وعلى هذا التفسير يتأكد وجه التشبيه ، فإن من زرع لا في موضعه ولا في وقته يضيع ، ثم إذا أصابته الريح الباردة كان أولى بأن يصير ضائعاً ، فكذا ههنا الكفار لما أتوا بالإنفاق لا في موضعه ولا في وقته ثم أصابه شؤم كفرهم امتنع أن لا يصير ضائعاً ، والله أعلم. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 8 صـ 171}","part":16,"page":131},{"id":6693,"text":"قوله تعالى : {وَمَا ظَلَمَهُمُ الله ولكن أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ}\rقال الفخر : \rوالمعنى أن الله تعالى ما ظلمهم حيث لم يقبل نفقاتهم ، ولكنهم ظلموا أنفسهم حيث أتوا بها مقرونة بالوجوه المانعة من كونها مقبولة لله تعالى ، \rقال صاحب \"الكشاف\" : قرىء {ولكن} بالتشديد بمعنى ولكن أنفسهم يظلمونها ، ولا يجوز أن يراد ، ولكنه أنفسهم يظلمون على إسقاط ضمير الشأن ، لأنه لا يجوز إلا في الشعر. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 8 صـ 171}\rفوائد لغوية\rقال ابن عادل : \rوالمثل : الشبه الذي يصير كالعلم ؛ لكثرة استعماله فيما يشبه به. و\" ما \" يجوز أن تكون موصولة اسمية وما بعدها محذوف لاستكمال الشروط أي \" ينفقونه \". وحاصل الكلام أن كفرهم يبطل ثواب نفقتهم ، كما أن الريح الباردة تهلك الزرع.\rقوله : { كَمَثَلِ رِيحٍ } خبر المبتدأ ، وعلى هذا الظاهر - أعني : تشبيه الشيء المنفق بالريح - استشكل التشبيه ؛ لأن المعنى على تشبيهه بالحرث - أي : الزرع - لا بالريح ، وقد أجيب عن ذلك بوجوه : \rأحدها : أنه من باب التشبيه المركب ، بمعنى أنه تقابل الهيئة المجتمعة بالهيئة المجتمعة ، وليس تقابل الأفراد بالأفراد كما مر في أول سورة البقرة عند قوله تعالى : { مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ } وهذا اختيار الزمخشري.\rثانيها : أنه من باب التشبيه بين شيئين بشيئين ، فذكر أحد المشبَّهين ، وترك ذكر الآخر وذكر أحد المشبهين به ، فقد حذف من كل اثنين ما يدل عليه نظيره ، كما مر في قوله تعالى : { وَمَثَلُ الذين كَفَرُواْ كَمَثَلِ الذي يَنْعِقُ } [ البقرة : 171 ] ، وهو اختيار ابن عطية ، قال : \" وهذا غاية البلاغة والإعجاز \".","part":16,"page":132},{"id":6694,"text":"وثالثها : أنه على حذف مضاف ، إمَّا من الأول ، تقديره : مثل مهلك ما ينفقونه ، وإما من الثاني ، تقديره : كمثل مهلك ريح ، وهذا الثاني أظهر ؛ لأنه يؤدِّي - في الأول - إلى تشبيه الشيء المُنْفَق - المُهْلَك - بالريح ، وليس المعنى عليه ، ففيه عَوْدٌ لما فُرَّ منه.\rوذكر أبو حيان التقدير المشار إليه ، ولم ينبه عليه اللهم إلا أن يريد بـ \" مهلك \" اسم مصدر ، أي : مثل إهلاك ما ينفقون ، ولكن يحتاج إلى تقدير مثل هذا المضاف - أيضاً - قبل \" رِيح \" تقديره : مثل إهلاك ما ينفقون كمثل إهلاك ريح.\rوقيل : التقدير : مثل الكفر - في إهلاك ما ينفقون - كمثل الريح المهلكة للحرث.\rوقال ابن الخطيب : \" لعل الإشارة في قوله : { مَثَلُ مَا يُنْفِقُونَ } إلى ما أنفقوا في إنذار رسول الله صلى الله عليه وسلم في جَمْع العساكر عليه ، فكان هذا الإنفاق مهلكاً لجميع ما أتَوْا به من أعمال البر والخير ، حينئذ يستقيم التشبيه من غير حاجة إلى إضمار ، وتقديم وتأخير ، والتقدير : مثل ما ينفقون في كونه مبطلاً لما أتوا به - قبل ذلك - من أعمال البر كمثل ريح فيها صر في كونها مبطلة للحرث \".\rوهذا فيه نظر ؛ لأن الكفار لا يثبت لهم عملُ برٍّ ، حتى تحبطه النفقة المذكورة ، قال تعالى : { وَقَدِمْنَآ إلى مَا عَمِلُواْ مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَآءً مَّنثُوراً } [ الفرقان : 23 ].\rوقد يمكن أن يجاب عنه بأنه إن كان المراد بالذين كفروا : أهل الكتاب ، فقد كانت لهم أعمال بر قبل بعثة النبي صلى الله عليه وسلم.\rوإن كان المراد : المشركين ، فلا يُحْكَم عليهم إلا بعد البعثة ، قال تعالى : { وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حتى نَبْعَثَ رَسُولاً } [ الإسراء : 15 ].","part":16,"page":133},{"id":6695,"text":"ويجوز في \" ما \" أن تكون موصولة اسمية ، وعائدها محذوف - أي : مثل ما ينفقونه - وأن تكون ما مصدرية ، وحينئذ يكون قد شبه إنفاقهم - في عدم نفعه - بالريح الموصوفة بهذه الصفة ، وهو من باب تشبيه المعقول بالمحسوس.\rقوله : { فِيهَا صِرٌّ } في محل جر ، نعتاً لـ \" ريح \" ، ويجوز أن يكون { فِيهَا صِرٌّ } : جملة من مبتدأ وخبر ، ويجوز أن يكون \" فيها \" - وحده - هو الصفة ، و\" صِرٌّ \" فاعل له - وجاز ذلك ؛ لاعتماد الجار على الموصوف - وهذا أحسن ؛ لأن الأصل في الأوصاف : الإفراد ، وهذا قريب منه.\rوالصِّرّ : قال ابْنُ عبَّاسٍ ، وقَتَادَةُ ، والسُّدِّيُّ ، وابْنُ زَيْدٍ ، وأكثر أهل اللغة : إنه البرد الشديد ، المحْرِق.\rقال الشاعر : [ البسيط ]\rلا تَعْدِلِينَ أتَاوِيِّينَ تَضْربُهُمْ... نَكْبَاءُ صِرٌّ بِأصْحَابِ الْمُحِلاَّتِ\rوقيل : الصِّرُّ بمعنى : الصرصر - وهو البرد-.\rقالت ليلى الأخيلية : [ الطويل ]\rوَلَمْ يَغْلِبِ الْخَصْمَ الألَدَّ وَيَمْلأ الْ... جِفَانَ سَرِيعاً يَوْمَ نَكْبَاءَ صَرْصَرِ\rمأخوذ من الشد والتعقيد ، ومنه الصُّرَّة - للعُقْدة - وأصَرَّ على كذا : لَزِمَه.\rوقال أبُو بَكْرٍ الأصَمُّ ، وابْنُ الأنْبَارِي : هي السَّمُومُ الحَارَّة.\rوقال الزجاج : الصَّرْصَر : صوت لهيب النار - في الريح - من صَرَّ الشيءُ ، يَصِرُّ ، صَريراً - أي : صَوَّت بهذا الحِسِّ المعروف ، ومنه صرير الباب ، والصرة : الصيحة ، قال تعالى : { فَأَقْبَلَتِ امرأته فِي صَرَّةٍ } [ الذاريات : 29 ].\r","part":16,"page":134},{"id":6696,"text":"وروى ابْنُ الأنْبَارِيِّ - بإسناده - عن ابْنِ عَبَّاسٍ ، في قوله : { فِيهَا صِرٌّ } قال : فيها نار. وعلى القولين ، فالمقصود من التشبيه حاصل ؛ لأنه - سواء كان بَرْداً مُهْلِكاً ، أو حَرًّا مُحْرِقاً - يبطل الحرث والزرع ، وإذا عُرِف هذا ، فإن قلنا : الصِّرّ : البَرْد الشديد ، أو هو صوت النار ، أو هو صوت الريح ، فَظَرْفِيَّة الريح له واضحة ، وإن كان الصِّرُّ صفة الريح - كالصرصر - فالمعنى : فيها قِرَّة صر - كما تقول : برد بارد - وحُذِفَ الوصوف ، وقامت الصفة مقامه ، أو تكون الظرفية مجازاً جعل الموصوف ظرفاً للصفة.\rكقوله : [ الوافر ]\r...................... وَفِي الرَّحْمَنِ لِلضُّعَفَاءِ كَافِي\rومنه قوله : إن ضيعني فلان ، ففي الله كافٍ ، المعنى : الرحمن كافٍ ، الله كافٍ ، وهذا فيه بُعْد.\rقوله : \" أصَابَتْ \" هذه الجملة في محل جَرّ - أيضاً - صفة لـ \" رِيح \".\rولا يجوز أن يكون صفة لـ \" صر \" ؛ لأنه مذكَّر ، وبدأ أولاً بالوَصْف بالجار ؛ لأنه قريب من المفرد ، ثم بالجملة ، هذا إن أعربنا \" فِيهَا \" - وحده - صفة ، ورفعنا به \" صِرٌّ \" ، أما إذا أعربناه خبراً مقدماً ، أو \" صِرٌّ \" مبتدأ ، فهما جملة - أيضاً-.\r","part":16,"page":135},{"id":6697,"text":"قوله : { ظَلَمُوا } صفة لـ \" قوم \" ، والضمير في { ظَلَمَهُمُ } يعود على القوم ذوي الحرث ، أي : ما ظلمهم الله بإهلاك حرثهم ، ولكنهم ظلموا أنفسهم بارتكابهم المعاصي التي كانت سبباً في إهلاكهم ؛ أو لأنهم زرعوا في غير موضع الزرع ، أو في غير وقته ؛ لأن الظلم : وضع الشيء في غير موضعه ، وبهذا يتأكد وَجْه الشبه ؛ لأن الزرع - لا في موضعه ، ولا في وقته - يضيع ، ثم أصابته الريح الباردة ، فكان أولى بالضياع ، وكذا - هاهنا - الكفار لما أتَوْا بالإنفاق لا في موضعه ولا في وقته ثم أصابه شؤمُ كُفْرِهم ، فصار ضائعاً ، والله أعلم.\rوجوَّزَ الزَّمَخْشَرِيُّ وغيره : أن يعود الضمير على المنفقين ، وإليه نَحَا ابْنُ عَطِيَّةَ ، ورجحه بأن أصحاب الحرث لم يُذْكَروا للرد عليهم ، ولا لتبيين ظلمهم ، بل لمجرد التشبيه.\rوقوله : { ولكن أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ } العامَّة على تخفيف \" لكن \" ، وهي استدراكية ، و\" أنْفُسَهُمْ \" مفعول مقدَّم ، قُدِّم للاختصاص ، أي : لم يقع وبالُ ظلمهم إلاَّ بأنفسهم خاصَّة ، لا يتخطاهم ، ولأجل الفواصل - أيضاً -.\rوقرأها بعضُهم مشدَّدة ، ووجهها أن تكون \" أنْفُسَهُمْ \" اسمها ، و\" يَظْلِمُونَ \" الخبر ، والعائد من الجملة الخبريَّة على الاسم محذوف ، تقديره : ولكن أنفسهم يظلمونها ، فحذف ، وحسَّنَ حذفَه كَوْنُ الفعلِ فاصلة ، فلو ذكر مفعوله ، لفات هذا الغرض.\rوقد خرجه بعضهم على أن يكون اسمها ضمير الأمر والقصة - حُذِفَ للعلم به ، و\" أنْفُسَهُمْ \" مفعول مقدم لـ \" يَظْلِمُونَ \" كما تقدم والجملة خبر لها.\rوقد رُدَّ هذا بأن حذف اسم هذه الحروف لا يجوز إلا ضرورة.\rكقوله : [ الخفيف ]\rإنَّ مَنْ يَدْخُلِ الْكَنِيسَةَ يَوْماً... يَلْقَ فِيهَا جَآذِراً وَظِبَاءَ","part":16,"page":136},{"id":6698,"text":"على أن بعضهم لا يُقصره على الضرورة ، مستشهداً بقوله - عليه السلام- : \" إنَّ مِنْ أشَدِّ النَّاسِ عَذَاباً يَوْمَ القِيَامَةِ المُصَوِّرون \".\rقال : تقديره : إنه ، ويعزى هذا للكسائي.\rوقد ردَّه بعضُهم ، وخرَّج الحديثَ على زيادة \" من \" والتقدير : إن أشد الناس.\rوالبصريون لا يُجِيزون زيادة \" من \" في مثل هذا التركيب لما تقدم وإنما يُجيزها الأخفش. أ هـ {تفسير ابن عادل حـ 5 صـ 483 ـ 487}. بتصرف يسير.\rمن فوائد ابن عطية فى الآية\rقال رحمه الله : \rوقوله تعالى : { مثل ما ينفقون في هذه الحياة الدنيا } الآية ، معناه : المثال القائم في النفوس من إنفاقهم الذي يعدونه قربة وحسبة وتحنثاً ومن حبطه يوم القيامة وكونه هباء منثوراً ، وذهابه كالمثال القائم في النفوس من زرع قوم نبت واخضرّ وقوي الأمر فيه فهبت عليه { ريح فيها صر } محرق فأهلكته ، فوقع التشبيه بين شيئين وشيئين ، ذكر الله عز وجل أحد الشيئين المشبهين وترك ذكر الآخر ثم ذكر أحد الشيئين المشبه بهما وليس الذي يوازي المذكور الأول ، وترك ذكر الآخر ، ودل المذكور أن على المتروكين ، وهذه غاية البلاغة والإيجاز ، ومثل ذلك قوله تعالى : { ومثل الذين كفروا كمثل الذي ينعق بما لا يسمع } [ البقرة : 171 ] ، وقرأ عبد الرحمن بن هرمز الأعرج ، \" تنفقون \" بالتاء على معنى قل لهم يا محمد ، و{ مثل } رفع بالابتداء وخبره في محذوف به تتعلق الكاف من قوله { كمثل } ، و{ ما } بمعنى الذي وجمهور المفسرين على أن { ينفقون } يراد به الأموال التي كانوا ينفقونها في التحنث وفي عداوة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وكان ذلك عندهم قربة ، وقال السدي : { ينفقون } معناه من أقوالهم التي يبطنون ضدها.","part":16,"page":137},{"id":6699,"text":"قال القاضي أبو محمد : وهذا ضعيف ، لأنه يقتضي أن الآية في منافقين والآية إنما هي في كفار يعلنون مثل ما يبطنون ، وذهب بعض المفسرين إلى أن { ينفقون } يراد به أعمالهم من الكفر ونحوه ، أي هي \" كالريح التي فيها صر \" ، فتبطل كل ما لهم من صلة رحم وتحنث بعتق ونحوه ، كما تبطل الريح الزرع ، وهذا قول حسن لولا بعد الاستعارة في الإنفاق ، و\" الصر \" البرد الشديد ، المحرق لكل ما يهب عليه وهو معروف قال ابن عباس وجمهور المفسرين : \" الصر \" البرد ، وتسميه العرب الضريب ، وذهب الزجّاج وغيره : إلى أن اللفظة من التصويت ، من قولهم صر الشيء ، ومنه الريح الصرصر ، قال الزجاج ، فالصر صوت النار التي في الريح.\rقال القاضي : \" الصر \" هو نفس جهنم الذي في الزمهرير يحرق نحواً مما تحرق النار ، و\" الحرث \" شامل للزرع والثمار ، لأن الجميع مما يصدر عن إثارة الأرض ، وهي حقيقة الحرث ، ومنه الحديث لا زكاة إلا في عين أو حرث أو ماشية ، وقال عز وجل : { ظلموا أنفسهم } فما بال هذا التخصيص والمثل صحيح ، وإن كان الحرث لمن لم يظلم نفسه ؟ فالجواب أن ظلم النفس في هذه الآية تأوله جمهور المفسرين بأنه ظلم بمعاصي الله ، فعلى هذا وقع التشبيه بحرث من هذه صفته ، إذ عقوبته أوخى واخذ الله له أشد والنقمة إليه أسرع وفيه أقوى ، كما روي في جوف العير وغيره ، وأيضاً فمن أهل العلم من يرى أن كل مصائب الدنيا فإنما هي بمعاصي العبيد ، وينتزع ذلك من غير ما آية في القرآن ، فيستقيم على قوله : إن كل حرث تحرقه ريح فإنما هو لمن قد ظلم نفسه ، وذهب بعض الناس ونحا إليه المهدوي : إلى أن قوله تعالى : { حرث قوم ظلموا أنفسهم } معناه زرعوا في غير أوان الزرعة.","part":16,"page":138},{"id":6700,"text":"قال أبو محمد : وينبغي أن يقال في هذا : { ظلموا أنفسهم } بأن وضعوا أفعال الفلاحة غير موضعها من وقت أو هيئة عمل ، ويخص هؤلاء بالذكر لأن الحرق فيما جرى هذا المجرى أو عب وأشد تمكناً ، وهذا المنزع يشبه من جهة ما قول امرىء القيس : [ المتقارب ]\rوسالفة كَسحوقِ اللَّيا... نِ أَضرِمَ فيها الغويُّ السعرُ\rفخصص الغويّ لأنه يلقي النار في النخلة الخضراء الحسنة التي لا ينبغي أن تحرق ، فتطفىء النار عن نفسها رطوبتها بعد أن تتشذب وتسود ، فيجيء الشبه حسناً ، والرشيد لا يضرم النار إلا فيما يبس واستحق فهو يذهب ولا يبقى منه ما يشبه به ، والضمير في { ظلمهم } للكفار الذين تقدم ضميرهم في { ينفقون } وليس هو للقوم ذوي الحرث لأنهم لم يذكروا ليرد عليهم ، ولا ليبين ظلمهم وأيضاً فقوله : { ولكن أنفسهم يظلمون } ، يدل على فعل الحال في حاضرين. أ هـ {المحرر الوجيز حـ 1 صـ 494 ـ 495}","part":16,"page":139},{"id":6701,"text":"ومن فوائد الآلوسى فى الآية\rقال رحمه الله : \r{ مَثَلُ مَا يُنْفِقُونَ فِى هذه الحياة الدنيا } كالدليل لعدم إغناء الأموال ، ولعل عدم بيان إغناء الأولاد ظاهر لأنهم إن كانوا كفاراً وهو الظاهر كان حكمهم وإن كانوا مسلمين كانوا عليهم لا لهم في الدنيا ، وبغضهم لهم في الآخرة { يَوْمَ تبلى السرائر } [ الطارق : 9 ] و{ يَوْمَ يُكْشَفُ عَن سَاقٍ } [ القلم : 42 ] وتبريهم منهم حين يفر المرء من أمه وأبيه أظهر من أن يخفى ، وما موصولة والعائد محذوف أي ينفقونه والإشارة للتحقير ، والمراد تمثيل جميع صدقات الكفار ونفقاتهم كيف كانت وهو المروي عن مجاهد وقيل : مثل لما ينفقه الكفار مطلقاً في عداوة الرسول صلى الله عليه وسلم ، وقيل : لما أنفقه قريش يوم بدر وأحد لما تظاهروا عليه عليه الصلاة والسلام ، وقيل : لما أنفقه سفلة اليهود على علمائهم المحرفين أي حال ذلك وقصته العجيبة.\r{ كَمَثَلِ رِيحٍ فِيهَا صِرٌّ } أي برد شديد قاله ابن عباس رضي الله تعالى عنهما وجماعة ، وقال الزجاج الصر صوت لهيب النار وقد كانت في تلك الريح ، وقيل أصل الصر كالصرصر الريح الباردة ، وعليه يكون معنى النظم ريح فيها ريح باردة وهو كما ترى محتاج إلى التوجيه ، وقد ذكر فيه أنه وارد على التجريد كقوله : \rولولا ذاك قد سومت مهري... وفي الرحمن للضعفاء كاف","part":16,"page":140},{"id":6702,"text":"أي هو كاف ومنع بعضهم كونه في الأصل الريح الباردة وإنما هو مصدر بمعنى البرد كما قال الحبر واستعماله فيما ذكر مجاز وليس بمراد ، وقيل : إنه صفة بمعنى بارد إلا أن موصوفه محذوف أي برد بارد فهو من الإسناد المجازي كظل ظليل وفيه بعد لأن المعروف في مثله ذكر الموصوف وأما حذفه وتقديره فلم يعهد ، وقيل : هو في الأصل صوت الريح الباردة من صر القلم والباب صريراً إذا صوت ، أو من الصرة الضجة والصيحة وقد استعمل هنا على أصله ، وفيه أن هذا المعنى مما لم يعهد في الاستعمال ، والريح واحدة الرياح ، وفي \"الصحاح\" والأرياح ، وقد تجمع على أرواح لأن أصلها الواو ، وإنما جاءت بالياء لانكسار ما قبلها فإذا رجعوا إلى الفتح عادت إلى الواو كقولك : أروح الماء وتروحت بالمروحة ، ويقال أيضاً : ريح وريحة كما قالوا : دار ودارة ، وسيأتي إن شاء الله تعالى للعلماء من الكلام في هذا المقام ، وأفرد الريح لما في \"البحر\" أنها مختصة بالعذاب والجمع مختص بالرحمة ولذلك روي اللهم اجعلها رياحاً ولا تجعلها ريحاً.","part":16,"page":141},{"id":6703,"text":"{ أَصَابَتْ حَرْثَ } أي زرع. { قَوْمٍ ظَلَمُواْ أَنفُسَهُمْ } بالكفر والمعاصي فباءوا بغضب من الله تعالى وإنما وصفوا بذلك لما قيل : إن الإهلاك عن سخط أشد وأفظع أو لأن المراد الإشارة إلى عدم الفائدة في الدنيا والآخرة وهو إنما يكون في هلاك مال الكافر وأما غيره فقد يثاب على ما هلك له لصبره ، وقيل : المراد ظلموا أنفسهم بأن زرعوا في غير موضع الزراعة وفي غير وقتها { فَأَهْلَكَتْهُ } عن آخره ولم تدع له عيناً ولا أثراً عقوبة لهم على معاصيهم ، وقيل : تأديباً من الله تعالى لهم في وضع الشيء في غير موضعه الذي هو حقه وهذا من التشبيه المركب الذي توجد فيه الزبدة من الخلاصة والمجموع ولا يلزم فيه أن يكون ما يلي الأداة هو المشبه به كقوله تعالى : { إِنَّمَا مَثَلُ الحياة الدنيا كَمَاء أَنزَلْنَاهُ } [ يونس : 24 ] وإلا لوجب أن يقال : كمثل حرث لأنه المشبه به المنفق ، وجوز أن يراد مثل إهلاك ما ينفقون كمثل إهلاك ريح ، أو مثل ما ينفقون كمهلك ريح والمهلك اسم مفعول هو الحرث ، والوجه عند كونه مركباً قلة الجدوى والضياع ، ويجوز أن يكون من التشبيه المفرق فيشبه إهلاك الله تعالى بإهلاك الريح ، والمنفق بالحرث وجعل الله تعالى أعمالهم هباءاً منثوراً بما في الريح الباردة من جعله حطاماً ، وقرىء تنفقون بالتاء.","part":16,"page":142},{"id":6704,"text":"{ وَمَا ظَلَمَهُمُ الله } الضمير إما للمنفقين أي ما ظلمهم بضياع نفقاتهم التي أنفقوها على غير الوجه اللائق المعتدّ به ، وإما للقوم المذكورين أي ما ظلم الله تعالى أصحاب الحرث بإهلاكه لأنهم استحقوا ذلك وحينئذ يكون هذا النفي مع قوله تعالى : { ولكن أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ } تأكيداً لما فهم من قبل إشعاراً وتصريحاً ، وقرىء ( ولكن ) بالتشديد على أن ( أنفسهم ) اسمها ، وجملة يظلمون خبرها والعائد محذوف ، والتقدير يظلمونها وليس مفعولاً مقدماً كما في قراءة التخفيف ، واسمها ضمير الشأن لأنه لا يحذف إلاّ في الشعر كقوله : \rوما كنت ممن يدخل العشق قلبه... ولكن من يبصر جفونك يعشق\rوتعين حذفه فيه لمكان من الشرطية التي لا تدخل عليها النواسخ وتقديم { أَنفُسِهِمْ } على الفعل للفاصلة لا للحصر وإلا لا يتطابق الكلام لأن مقتضاه وما ظلمهم الله ولكن هم يظلمون أنفسهم لا أنهم يظلمون أنفسهم لا غيرهم وهو في الحصر لازم ، وصيغة المضارع للدلالة على التجدد والاستمرار. أ هـ {روح المعانى حـ 4 صـ 36 ـ 37}","part":16,"page":143},{"id":6705,"text":"فصل\rقال الطبرى فى معنى الآية : \rقال أبو جعفر : يعني بذلك جل ثناؤه : شَبَهُ ما ينفق الذين كفروا ، أي : شَبَهُ ما يتصدق به الكافر من ماله ، فيعطيه من يعطيه على وجه القُربة إلى ربّه وهو لوحدانية الله جاحد ، ولمحمد صلى الله عليه وسلم مكذب ، في أن ذلك غير نافعه مع كفره ، وأنه مضمحلّ عند حاجته إليه ، ذاهبٌ بعد الذي كان يرجو من عائدة نفعه عليه كشبه ريح فيها برد شديد ، أصابت هذه الريح التي فيها البرد الشديد \"حرثَ قوم\" ، يعني : زرع قوم قد أمَّلوا إدراكه ، ورجَوْا رَيْعه وعائدة نفعه \"ظلموا أنفسهم\" ، يعني : أصحاب الزرع ، عصوا الله ، وتعدَّوا حدوده \"فأهلكته\" ، يعني : فأهلكت الريح التي فيها الصرُّ زرعهم ذلك ، بعد الذي كانوا عليه من الأمل ورجاء عائدة نفعه عليهم.\rيقول تعالى ذكره : فكذلك فعل الله بنفقة الكافر وصدقته في حياته ، حين يلقاه ، يبطل ثوابها ويخيب رجاؤه منها. وخرج المثَل للنفقة ، والمراد بـ \"المثل\" صنيع الله بالنفقة ، فبيَّن ذلك قوله : \"كمثل ريح فيها صرٌّ\" ، فهو كما قد بيّنا في مثله قوله : ( مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا ) [سورة البقرة : 17] وما أشبه ذلك.\rفتأويل الكلام ، : مثل إبطال الله أجرَ ما ينفقون في هذه الحياة الدنيا ، كمثل ريح فيها صر. وإنما جاز ترك ذكر\"إبطال الله أجر ذلك\" ، لدلالة آخر الكلام عليه ، وهو قوله : \"كمثل ريح فيها صرٌّ\" ، ولمعرفة السامع ذلك معناه.\rقوله : { وَمَا ظَلَمَهُمُ اللَّهُ وَلَكِنْ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (117) }","part":16,"page":144},{"id":6706,"text":"قال أبو جعفر : يعني بذلك جل ثناؤه : وما فعل الله بهؤلاء الكفار ما فعل بهم ، من إحباطه ثواب أعمالهم وإبطاله أجورها ظلمًا منه لهم يعني : وضعًا منه لما فعل بهم من ذلك في غير موضعه وعند غير أهله ، بل وضَع فعله ذلك في موضعه ، وفعل بهم ما هم أهله. لأن عملهم الذي عملوه لم يكن لله وهم له بالوحدانية دائنون ، ولأمره مُتبعون ، ولرسله مصدقون ، بل كان ذلك منهم وهم به مشركون ، ولأمره مخالفون ، ولرسله مكذبون ، بعد تقدُّم منه إليهم أنه لا يقبل عملا من عامل إلا مع إخلاص التوحيد له ، والإقرار بنبوة أنبيائه ، وتصديق ما جاءوهم به ، وتوكيده الحجج بذلك عليهم. فلم يكن بفعله ما فعل بمن كفر به وخالف أمره في ذلك بعد\rالإعذار إليه ، من إحباط وَفْر عمله له ظالمًا ، بل الكافرُ هو الظالم نفسه ، لإكسابها من معصية الله وخلاف أمره ، ما أوردها به نار جهنم ، وأصلاها به سعير سقَرَ. أ هـ {تفسير الطبرى حـ 7 صـ 134 ـ 138}. بتصرف يسير.\rمن لطائف الإمام القشيرى فى الآية\rما وجدوا ميراث ما بذلوا لغير الله إلا حسراتٍ متتابعة ، وما حصلوا من حسباناتهم إلا على محن مترادفة ، وذلك جزاء من أعرض وتولّى. أ هـ {لطائف الإشارات حـ 1 صـ 272}","part":16,"page":145},{"id":6707,"text":"قوله تعالى { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ لَا يَأْلُونَكُمْ خَبَالًا وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآَيَاتِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ (118) هَا أَنْتُمْ أُولَاءِ تُحِبُّونَهُمْ وَلَا يُحِبُّونَكُمْ وَتُؤْمِنُونَ بِالْكِتَابِ كُلِّهِ وَإِذَا لَقُوكُمْ قَالُوا آَمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا عَضُّوا عَلَيْكُمُ الْأَنَامِلَ مِنَ الْغَيْظِ قُلْ مُوتُوا بِغَيْظِكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ (119)}\rمناسبة الآيتين لما قبلهما\rقال البقاعى : \rولما كان الجمال بالمال لا سيما مع الإنفاق من أعظم المرغبات في الموالاة ، وكانت هذه الآية قد صيرت جميلة قبيحاً وبَذوله شحيحاً ؛ قال سبحانه وتعالى - مكرراً التنبيه على مكر ذوي الأموال والجمال الذين يريدون إيقاع الفتنة بينهم من اليهود والمنافقين ليضمحل أمرهم وتزول شوكتهم : {يا أيها الذين آمنوا} أي إيماناً صحيحاً مصدقاً ادعاؤه بالعمل الصالح الذي من أعظمه الحب في الله والبغض في الله {لا تتخذوا بطانة} أي من تباطنونهم بأسراركم وتختصونهم بالمودة والصفاء ومبادلة المال والوفاء {من دونكم} أي ليسوا منكم أيها المؤمنون ، وعبر بذلك إعلاماً بأنهم يهضمون أنفسهم وينزلونها عن علّي درجتها بموادتهم.\rثم وصفهم تعليلاً للنهي بقوله : {لا يألونكم خبالاً} أي يقصرون بكم من جهة الفساد ، ثم بين ذلك بقوله على سبيل التعليل أيضاً : {ودّوا ما عنتم} أي تمنوا مشقتكم.","part":16,"page":146},{"id":6708,"text":"ولما كان هذا قد يخفى بيَّنه بقوله معللاً : {قد بدت البغضاء من أفواههم} أي هي بينة في حد ذاتها مع اجتهادهم في إخفائها ، لأن الإنسان إذا امتلأ من شيء غلبه بفيضه ، ولكنكم لحسن ظنكم وصفاء نياتكم لا تتأملونها فتأملوا.\rثم أخبر عن علمه سبحانه قطعاً وعلم الفطن من عباده بالقياس ظناً بقوله : {وما تخفي صدورهم أكبر} مما ظهر على سبيل الغلبة.\rثم استأنف على طريق الإلهاب والتهييج قوله : {قد بيَّنا} أي بما لنا من العظمة {لكم} أي بهذه الجمل {الآيات} أي الدالات على سعادة الدارين ومعرفة الشقي والسعيد والمخالف والمؤالف.\rوزادهم إلهاباً بقوله : {إن كنتم} أي جبلة وطبعاً {تعقلون} ثم استانف الإخبار عن ملخص حالهم معهم فقال منبهاً أو مبدلاً الهاء من همزة الإنكار : {ها أنتم أولاء} أي المؤمنون المسلمون المستسلمون {تحبونهم} أي لاغتراركم بإقرارهم بالإيمان لصفاء بواطنكم {ولا} أي والحال أنهم لا {يحبونكم} لمخالفتهم لكم في الدين ، فإنهم كاذبون في إقرارهم بالإيمان {وتؤمنون} أي أنتم {بالكتاب كله} أي ويكفرون هم به كله ، إما بالقصد الأول وإما بالإيمان بالبعض والكفر بالبعض {وإذا لقوكم قالوا} أي لكم {آمنا} لتغتروا بهم {وإذا خلوا} أي منكم ، وصوّر شدة حنقهم بقوله : {عضّوا عليكم} لما يرون من ائتلافكم وحسن أحوالكم {الأنامل من الغيظ} أي المفرط منكم ، ومن جعل الهاء في {ها أنتم} بدلاً عن همزة الاستفهام فالمراد عنده : أأنتم يا هؤلاء القرباء مني تحبونهم والحال أنهم على ما هم عليه من منابذتكم وأنتم على ما أنتم عليه من الفطنة بصفاء الأفكار وعليّ الآراء بقبولكم الحق كله ، لأن المؤمن كيس فطن ؛ فهو استفهام - وإن كان من وادي التوبيخ - المراد به التنبيه والتهييج المنقل من سافل الدركات إلى عالي الدرجات - والله الموفق.\r","part":16,"page":147},{"id":6709,"text":"ولما كانوا كأنهم قالوا : فما نفعل ؟ قال مخاطباً للرأس المسموع الأمر المجاب الدعاء : {قل} أي لهم {موتوا بغيظكم} أي ازدراء بهم ودعاء عليهم بدوام الغيظ من القهر وزيادته حتى يميتهم.\rولما كانوا يحلفون على نفي هذا ليرضوهم قال تعالى مؤكداً لما أخبر به لئلا يظن أنه أريد به غير الحقيقة : {إن الله} أي الجامع لصفات الكامل {عليم بذات الصدور} أي فلا تظنوا أنه أراد بعض ما يتجوز بالغيظ عنه. أ هـ {نظم الدرر حـ 2 صـ 141 ـ 142}\rوقال ابن عاشور : \rالآن إذ كشف الله دخائل مَنْ حولَ المسلمين من أهل الكتاب ، أتمّ كشف ، جاء موقع التحذير من فريق منهم ، والتحذير من الاغترار بهم ، والنهي عن الإلقاء إليهم بالمودة ، وهؤلاء هم المنافقون ، للإخبار عنهم بقوله : { وإذا لقوكم قالوا آمنا } [ آل عمران : 119 ] الخ...\rوأكثرهم من اليهود ، دون الذين كانوا مشركين من الأوس والخزرج.\rوهذا موقع الاستنتاج في صناعة الخطابة بعد ذكر التمهيدات والإقناعات.\rوحقّه الاستئناف الابتدائي كما هنا. أ هـ {التحرير والتنوير حـ 3 صـ 199}\rفصل\rقال الفخر : \rاختلفوا في أن الذين نهى الله المؤمنين عن مخالطتهم من هم ؟ على أقوال : \rالأول : أنهم هم اليهود وذلك لأن المسلمين كانوا يشاورونهم في أمورهم ويؤانسونهم لما كان بينهم من الرضاع والحلف ظناً منهم أنهم وإن خالفوهم في الدين فهم ينصحون لهم في أسباب المعاش فنهاهم الله تعالى بهذه الآية عنه ، وحجة أصحاب هذا القول أن هذه الآيات من أولها إلى آخرها مخاطبة مع اليهود فتكون هذه الآية أيضاً كذلك","part":16,"page":148},{"id":6710,"text":"الثاني : أنهم هم المنافقون ، وذلك لأن المؤمنين كانوا يغترون بظاهر أقوال المنافقين ويظنون أنهم صادقون فيفشون إليهم الأسرار ويطلعونهم على الأحوال الخفية ، فالله تعالى منعهم عن ذلك ، وحجة أصحاب هذا القول أن ما بعد هذه الآية يدل على ذلك وهو قوله {وإذا لقوكم قالوا آمنا وإذا خلوا عضوا عليكم الأنامل من الغيظ} [ آل عمران : 119 ] ومعلوم أن هذا لا يليق باليهود بل هو صفة المنافقين ، ونظيره قوله تعالى في سورة البقرة : {وَإِذَا لَقُواْ الذين ءَامَنُواْ قَالُوا ءَامَنَّا وَإِذَا خَلَوْاْ إلى شياطينهم قَالُواْ إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهزِؤن} [ البقرة : 14 ]\rالثالث : المراد به جميع أصناف الكفار ، والدليل عليه قوله تعالى : {بِطَانَةً مّن دُونِكُمْ} فمنع المؤمنين أن يتخذوا بطانة من غير المؤمنين فيكون ذلك نهياً عن جميع الكفار وقال تعالى : {يا أيها الذين ءامَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ عَدُوّى وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاء} [ الممتحنة : 1 ] ومما يؤكد ذلك ما روي أنه قيل لعمر بن الخطاب رضي الله عنه : ههنا رجل من أهل الحيرة نصراني لا يعرف أقوى حفظاً ولا أحسن خطاً منه ، فإن رأيت أن تتخذه كاتباً ، فامتنع عمر من ذلك وقال : إذن اتخذت بطانة من غير المؤمنين ، فقد جعل عمر رضي الله عنه هذه الآية دليلاً على النهي عن اتخاذ بطانة ، وأما ما تمسكوا به من أن ما بعد الآية مختص بالمنافقين فهذا لا يمنع عموم أول الآية ، فإنه ثبت في أصول الفقه أن أول الآية إذا كان عاماً وآخرها إذا كان خاصاً لم يكن خصوص آخر الآية مانعاً من عموم أولها. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 8 صـ 172}\rفصل\rقال الفخر : ","part":16,"page":149},{"id":6711,"text":"قال أبو حاتم عن الأصمعي : بطن فلان بفلان يبطن به بطوناً وبطانة ، إذا كان خاصاً به داخلاً في أمره ، فالبطانة مصدر يسمى به الواحد والجمع ، وبطانة الرجل خاصته الذين يبطنون أمره وأصله من البطن خلاف الظهر ، ومنه بطانة الثوب خلاف ظهارته ، والحاصل أن الذي يخصه الإنسان بمزيد التقريب يسمى بطانة لأنه بمنزلة ما يلي بطنه في شدة القرب منه. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 8 صـ 172}\rفائدة\rقال الفخر :\rقوله تعالى : {لاَ تَتَّخِذُواْ بِطَانَةً} نكرة في سياق النفي فيفيد العموم. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 8 صـ 173}\rقوله تعالى {مّن دُونِكُمْ}\rقال الفخر :\rمن دونكم أي من دون المسلمين ومن غير أهل ملتكم ولفظ {مّن دُونِكُمْ} يحسن حمله على هذا الوجه كما يقول الرجل : قد أحسنتم إلينا وأنعمتم علينا ، وهو يريد أحسنتم إلى إخواننا ، وقال تعالى : {وَيَقْتُلُونَ النبيين بِغَيْرِ حَقّ} [ آل عمران : 21 ] أي آباؤهم فعلوا ذلك. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 8 صـ 173}\rفصل\rقال القرطبى :\rنهى الله عزّ وجلّ المؤمنين بهذه الآية أن يَتَّخِذوا من الكفار واليهود وأهل الأهْوَاء دُخَلاءَ ووُلَجاء ، يفاوضونهم في الآراء ، ويسندون إليهم أمورهم.\rويُقال : كل من كان على خلاف مَذْهَبك ودينك فلا ينبغي لك أن تحادثه ؛ قال الشاعر :\rعن الْمَرءِ لاَ تَسْألْ وَسَلْ عن قَرِينهِ . . .\rفَكلُّ قَرِينٍ بِالمُقارن يَقْتَدِي\rوفي سنن أبي داود عن أبي هريرة عن النبيّ صلى الله عليه وسلم قال : \" المرء على دين خليله فلينظر أحدكم من يخالل \" وروي عن ابن مسعود أنه قال : اعتبروا الناس بإخوانهم.\rأ هـ {تفسير القرطبى حـ 4 صـ 178 ـ 179}\rفائدة\rقال الفخر :\rفي قوله {مّن دُونِكُمْ} احتمالان\rأحدهما : أن يكون متعلقاً بقوله {لاَ تَتَّخِذُواْ} أي : لا تتخذوا من دونكم بطانة","part":16,"page":150},{"id":6712,"text":"والثاني : أن يجعل وصفاً للبطانة والتقدير : بطانة كائنات من دونكم. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 8 صـ 173}\rوقال القرطبى :\rقوله تعالى : { مِّن دُونِكُمْ } أي من سواكم.\rقال الفرّاء : { وَيَعْمَلُونَ عَمَلاً دُونَ ذَلِكَ } أي سِوى ذلك.\rوقيل : { مِن دُونِكم } يعني في السير وحسن المذهب.\rومعنى { لاَ يَأْلُونَكُمْ خَبَالاً } لا يقصِّرون فيما فيه الفسادُ عليكم. أ هـ {تفسير القرطبى حـ 4 صـ 180}\rسؤال : فإن قيل : ما الفرق بين قوله : لا تتخدوا من دونكم بطانة ، وبين قوله {لاَ تَتَّخِذُواْ بِطَانَةً مّن دُونِكُمْ} ؟ .\rقلنا : قال سيبويه : إنهم يقدمون الأهم والذي هم بشأنه أعني وههنا ليس المقصود اتخاذ البطانة إنما المقصود أن يتخذ منهم بطانة فكان قوله : لا تتخذوا من دونكم بطانة أقوى في إفادة المقصود. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 8 صـ 173}\rفائدة\rقال الفخر :\rقيل {مِنْ} زائدة ، وقيل للنبيّين : لا تتخذوا بطانة من دون أهل ملتكم. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 8 صـ 173}\rفصل\rقال القرطبى :\rبيّن تعالى المعنى الذي لأجله نهى عن المواصلة فقال : { لاَ يَأْلُونَكُمْ خَبَالاً } يقول فساداً.\rيعني لا يتركون الجهد في فسادكم ، يعني أنهم وإن لم يقاتلوكم في الظاهر فإنهم لا يتركون الجهد في المكر والخديعة ، على ما يأتي بيانه.\rوروي عن أبي أمَامَة \" عن رسول الله صلى الله عليه وسلم : في قول الله تعالى : { يا أيها الذين آمَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ بِطَانَةً مِّن دُونِكُمْ لاَ يَأْلُونَكُمْ خَبَالاً } قال : \"هم الخوارج\" \" ورُوي أن أبا موسى الأشعري استكتب ذِمّياً فكتب إليه عمر يعنِّفه وتلا عليه هذه الآية.","part":16,"page":151},{"id":6713,"text":"وقدِم أبو موسى الأشعري على عمر رضي الله عنهما بحساب فرفعه إلى عمر فأعجبه ، وجاء عمر كتابٌ فقال لأبي موسى : أين كاتبك يقرأ هذا الكتاب على الناس ؟ فقال : إنه لا يدخل المسجد.\rفقال : لِم أجُنُبٌ هو ؟ قال : إنه نصراني ؛ فانتهره وقال : لا تُدْنِهم وقد أقصاهم الله ، ولا تُكرمهم وقد أهانهم الله ، ولا تَأْمَنهم وقد خوّنهم الله.\rوعن عمر رضي الله عنه قال : لا تستعملوا أهل الكتاب إنهم يستحلون الرُّشا ، واستعينوا على أموركم وعلى رعيتكم بالذين يخشون الله تعالى.\rوقيل لعمر رضي الله عنه : إن هاهنا رجلاً من نصارى الحِيرة لا أحد أكتب منه ولا أخط بقلم أفلا يكتب عنك ؟ فقال : لا آخذ بِطانة من دون المؤمنين.\rفلا يجوز استكتاب أهل الذِّمة ، ولا غير ذلك من تصرفاتهم في البيع والشراء والاستنابة إليهم.\rقلت : وقد انقلبت الأحوال في هذه الأزمان باتخاذ أهل الكتاب كتبةً وأمناء وتَسوَّدُوا بذلك عند الجَهَلة الأغْبِياء من الوُلاة والأمراء.\rروى البخاريّ عن أبي سعيدٍ الخدرِيّ عن النبيّ صلى الله عليه وسلم قال : \" ما بعث الله مِن نبيّ ولا استخلف مِن خليفةٍ إلاَّ كانت له بِطانتانِ بِطانة تأمره بالمعروف وتحضُّه عليه وبِطانة تأمره بالشر وتحضّه عليه فالمعصوم من عَصَمَ اللَّهُ تعالى \" وروى أنس بن مالك قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : \" لا تستضِيئوا بِنار المشركين ولا تنقشوا في خواتيمكم عَرَبِيّاً \" فسّره الحسن بن أبي الحسن فقال : أراد عليه السَّلام لا تستشيروا المشركين في شيء من أموركم ، ولا تنقشوا في خواتيمكم محمداً.\rقال الحسن : وتصديق ذلك في كتاب اللَّهِ عزّ وجلّ : { ياأيها الذين آمَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ بِطَانَةً مِّن دُونِكُمْ } الآية. أ هـ {تفسير القرطبى حـ 4 صـ 179 ـ 180}\r","part":16,"page":152},{"id":6714,"text":"سؤال : فإن قيل : هذه الآية تقتضي المنع من مصاحبة الكفار على الإطلاق ، وقال تعالى : {لاَّ ينهاكم الله عَنِ الذين لَمْ يقاتلوكم فِى الدين وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مّن دياركم أَن تَبَرُّوهُمْ} [ الممتحنة : 8 ] {إِنَّمَا ينهاكم الله عَنِ الذين قاتلوكم} [ الممتحنة : 9 ] فكيف الجمع بينهما ؟ \rقلنا : لا شك أن الخاص يقدم على العام. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 8 صـ 173}\rفصل فى سبب نزول الآية\rقال السمرقندى : \rنزلت الآية في شأن جماعة من الأنصار ، كانت بينهم وبين اليهود مواصلة وخاصية ، وكانوا على ذلك بعد الإسلام ، فنهاهم الله عزّ وجلّ عن ذلك.\rويقال : كل من كان على خلاف مذهبه ودينه لا ينبغي له أن يحادثه ، لأنه يقال في المثل : \rعن المَرْءِ لاَ تَسْأَلْ وَأَبْصِرْ قرينه.\r.. فَإِنَّ القَرِينَ بالمقارن يَقْتَدِي. أ هـ {بحر العلوم حـ 1 صـ 266}\rوقال الآلوسى\r{ يا أيها الذين ءامَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ بِطَانَةً مّن دُونِكُمْ } أخرج ابن إسحاق وغيره عن ابن عباس قال : كان رجال من المسلمين يواصلون رجالاً من يهود لما كان بينهم من الجوار والحلف في الجاهلية فأنزل الله تعالى فيهم ينهاهم عن مباطنتهم تخوف الفتنة عليهم هذه الآية ، ","part":16,"page":153},{"id":6715,"text":"وأخرج عبد بن حميد أنها نزلت في المنافقين من أهل المدينة نهي المؤمنون أن يتولوهم ، وظاهر ما يأتي يؤيده ، والبطانة خاصة الرجل الذين يستبطنون أمره مأخوذ من بطانة الثوب للوجه الذي يلي البدن لقربه وهي نقيض الظهارة ويسمى بها الواحد والجمع والمذكر والمؤنث و( من ) متعلقة بـ لا تتخذوا أو بمحذوف وقع صفة لبطانة ، وقيل : زائدة ، و( دون ) إما بمعنى غير أو بمعنى الأدون والدنيء ، وضمير الجمع المضاف إليه للمؤمنين والمعنى لا تتخذوا الكافرين كاليهود والمنافقين أولياء وخواص من غير المؤمنين أو ممن لم تبلغ منزلته منزلتكم في الشرف والديانة ، والحكم عام وإن كان سبب النزول خاصاً فإن اتخاذ المخالف ولياً مظنة الفتنة والفساد ولهذا ورد تفسير هذه البطانة بالخوارج. أ هـ {روح المعانى حـ 4 صـ 37}\rقوله تعالى : {لاَ يَأْلُونَكُمْ خَبَالاً}\rفصل\rقال الفخر :\rقال صاحب \"الكشاف\" : يقال ( ألا ) في الأمر يألوا ، إذا قصر فيه ، ثم استعمل معدى إلى مفعولين في قولهم : لا آلوك نصحاً ، ولا آلوك جهداً على التضمين ، والمعنى لا أمنعك نصحاً ولا أنقصك جهداً. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 8 صـ 173}\rفصل\rقال الفخر :\rالخبال : الفساد والنقصان ، وأنشدوا :\rلستم بيد إلا يداً أبدا مخبولة العضد.. أي : فاسدة العضد منقوضتها ، ومنه قيل : رجل مخبول ومخبل ومختبل لمن كان ناقص العقل ، وقال تعالى : {لَوْ خَرَجُواْ فِيكُم مَّا زَادُوكُمْ إِلاَّ خَبَالاً} [ التوبة : 47 ] أي فساداً وضرراً. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 8 صـ 173}\rفائدة\rقال الفخر :\rقوله {لاَ يَأْلُونَكُمْ خَبَالاً} أي لا يدعون جهدهم في مضرتكم وفسادكم ، يقال : ما ألوته نصحاً ، أي ما قصرت في نصيحته ، وما ألوته شراً مثله. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 8 صـ 173}","part":16,"page":154},{"id":6716,"text":"قوله تعالى : {وَدُّواْ مَا عَنِتُّمْ}\rفصل\rقال الفخر : \rما مصدرية كقوله {ذَلِكُمْ بِمَا كُنتُمْ تَفْرَحُونَ فِى الأرض بِغَيْرِ الحق وَبِمَا كُنتُمْ تَمْرَحُونَ} [ غافر : 75 ] أي بفرحكم ومرحكم وكقوله {والسماء وَمَا بناها * والأرض وَمَا طحاها} [ الشمس : 5 ، 6 ] أي بنائه إياها وطحيه إياها. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 8 صـ 174}\rفائدة\rقال أبو حيان : \rوقال الراغب : المعاندة والمعانتة يتقاربان ، لكن المعاندة هي الممانعة ، والمعانتة أن تتحرّى مع الممانعة المشقة انتهى.\rويقال : عِنت بكسر النون ، وأصله انهياض العظم بعد جبره. أ هـ {البحر المحيط حـ 3 صـ 42}\rقال الفخر : \rتقدير الآية : أحبوا أن يضروكم في دينكم ودنياكم أشد الضرر. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 8 صـ 174}\rفصل\rقال الفخر : \rقال الواحدي رحمه الله : لا محل لقوله {وَدُّواْ مَا عَنِتُّمْ} لأنه استئناف بالجملة وقيل : إنه صفة لبطانة ، ولا يصح هذا لأن البطانة قد وصفت بقوله {لاَ يَأْلُونَكُمْ خَبَالاً} فلو كان هذا صفة أيضاً لوجب إدخال حرف العطف بينهما. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 8 صـ 174}\rفصل\rقال الفخر : \rالفرق بين قوله {لاَ يَأْلُونَكُمْ خَبَالاً} وبين قوله {وَدُّواْ مَا عَنِتُّمْ} في المعنى من وجوه\rالأول : لا يقصرون في إفساد دينكم ، فإن عجزوا عنه ودوا إلقاءكم في أشد أنواع الضرر\rالثاني : لا يقصرون في إفساد أموركم في الدنيا ، فإذا عجزوا عنه لم يزل عن قلوبهم حب إعناتكم\rوالثالث : لا يقصرون في إفساد أموركم ، فإن لم يفعلوا ذلك لمانع من خارج ، فحب ذلك غير زائل عن قلوبهم. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 8 صـ 174}\rقوله تعالى : {قَدْ بَدَتِ البغضاء مِنْ أفواههم}\rفصل\rقال الفخر : ","part":16,"page":155},{"id":6717,"text":"الأفواه جمع الفم ، والفم أصله فوه بدليل أن جمعه أفواه ، يقال : فوه وأفواه كسوط وأسواط ، وطوق وأطواق ، ويقال رجل مفوه إذا أجاد القول ، وأفوه إذا كان واسع الفم ، فثبت أن أصل الفم فوه بوزن سوط ، ثم حذفت الهاء تخفيفاً ثم أقيم الميم مقام الواو لأنهما حرفان شفويان. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 8 صـ 174}\rوقال القرطبى : \rقوله تعالى : { قَدْ بَدَتِ البغضآء مِنْ أَفْوَاهِهِمْ } يعني ظهرت العداوة والتكذيب لكم من أفواههم.\rوالبغضاء : البغض ، وهو ضدّ الحُبِّ.\rوالبغضاء مصدر مؤنث.\rوخصّ تعالى الأفواه بالذِّكر دون الألسنة إشارةً إلى تَشدُّقهم وثَرْثَرَتهم في أقوالهم هذه ، فهم فوق المتستر الذي تبدو البغضاء في عينيه.\rومن هذا المعنى نهيه عليه السَّلام أن يشتحِي الرجل فاه في عِرض أخيه.\rمعناه أن يفتح ؛ يُقال : شحى الحمار فاه بالنهيق ، وشحى الفَمُ نفسه.\rوشحى اللِّجَامُ فمَ الفرس شَحْياً ، وجاءت الخيل شَواحِيَ : فاتحاتٍ أفواهَها.\rولا يفهم من هذا الحديث دليلُ خطاب على الجواز فيأخذ أحدٌ في عِرض أخيه هَمْساً ؛ فإن ذلك يُحرمُ باتفاق من العلماء.\rوفي التنزيل { وَلاَ يَغْتَب بَّعْضُكُم بَعْضاً } [ الحجرات : 12 ] الآية.\rوقال صلى الله عليه وسلم : \" إن دِماءكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام \" فذِكر الشَّحْو إنما هو إشارة إلى التشدّق والانبساط ، فاعلم. أ هـ {تفسير القرطبى حـ 4 صـ 180 ـ 181}\rوقال النسفى : \r{ قَدْ بَدَتِ البغضاء مِنْ أفواههم } لأنهم لا يتمالكون مع ضبطهم أنفسهم أن ينفلت من ألسنتهم ما يعلم به بغضه للمسلمين. أ هـ {تفسير النسفى حـ 1 صـ 174}","part":16,"page":156},{"id":6718,"text":"وقال الطبرى : \rقوله تعالى : { قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ }\rيعني بذلك جل ثناؤه : قد بدت بغضاء هؤلاء الذين نهيتكم أيها المؤمنون ، أن تتخذوهم بطانة من دونكم لكم \"من أفواههم\" ، يعني بألسنتهم. والذي بدا لهم منهم بألسنتهم ، إقامتهم على كفرهم ، وعداوتهم من خالف ما هم عليه مقيمونَ من الضلالة. فذلك من أوكد الأسباب في معاداتهم أهل الإيمان ، لأن ذلك عداوة على الدين ، والعداوة على الدين العداوة التي لا زوال لها إلا بانتقال أحد المتعاديين إلى ملة الآخر منهما ، وذلك انتقال من هدى إلا ضلالة كانت عند المنتقل إليها ضلالة قبل ذلك. فكان في إبدائهم ذلك للمؤمنين ، ومقامهم عليه ، أبينُ الدلالة لأهل الإيمان على ما هم عليه من البغضاء والعداوة.\rوقد قال بعضهم : معنى قوله : \"قد بدت البغضاء من أفواههم\" ، قد بدت بغضاؤهم لأهل الإيمان ، إلى أوليائهم من المنافقين وأهل الكفر ، بإطلاع بعضهم بعضًا على ذلك. وزعم قائلو هذه المقالة أنّ الذين عنوا بهذه الآية أهل النفاق ، دون من كان مصرحًا بالكفر من اليهود وأهل الشرك. أ هـ {تفسير الطبرى حـ 7 صـ 145}\rفصل\rقال الفخر : \rقوله {قَدْ بَدَتِ البغضاء مِنْ أفواههم} إن حملناه على المنافقين ففي تفسيره وجهان\rالأول : أنه لا بد في المنافق من أن يجري في كلامه ما يدل على نفاقه ومفارقتة لطريق المخالصة في الود والنصيحة ، ونظيره قوله تعالى : {وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِى لَحْنِ القول} [ محمد : 30 ]","part":16,"page":157},{"id":6719,"text":"الثاني : قال قتادة : قد بدت البغضاء لأوليائهم من المنافقين والكفار لاطلاع بعضهم بعضاً على ذلك ، أما إن حملناه على اليهود فتفسير قوله {قَدْ بَدَتِ البغضاء مِنْ أفواههم} فهو أنهم يظهرون تكذيب نبيّكم وكتابكم وينسبونكم إلى الجهل والحمق ، ومن اعتقد في غيره الإصرار على الجهل والحمق امتنع أن يحبه ، بل لا بد وأن يبغضه ، فهذا هو المراد بقوله {قَدْ بَدَتِ البغضاء مِنْ أفواههم }. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 8 صـ 174}\rقال الآلوسى :\r{ قَدْ بَدَتِ البغضاء مِنْ أفواههم } أي ظهرت أمارات العداوة لكم من فلتات ألسنتهم وفحوى كلماتهم لأنهم لشدة بغضهم لكم لا يملكون أنفسهم ولا يقدرون أن يحفظوا ألسنتهم ، وقال قتادة : ظهور ذلك فيما بينهم حيث أبدى كل منهم ما يدل على بغضه للمسلمين لأخيه ، وفيه بعد إذ لا يناسبه ما بعده. أ هـ {روح المعانى حـ 4 صـ 38}\rفصل\rقال القرطبى :\rوفي هذه الآية دليل على أن شهادة العدوّ على عدوّه لا يجوز ، وبذلك قال أهل المدينة وأهل الحجاز ؛ ورُوي عن أبي حنيفة جواز ذلك.\rوحكى ابن بَطّال عن ابن شعبان أنه قال : أجمع العلماء على أنه لا تجوز شهادة العدوّ على عدوّه في شيء وإن كان عدلاً ، والعداوة تزيل العدالة فكيف بعداوة كافر. أ هـ {تفسير القرطبى حـ 4 صـ 181}\rوقال ابن الجوزى :\rقال القاضي أبو يعلى : وفي هذه الآية دلالة على أنَّه لا يجوز الاستعانة بأهل الذمة في أمور المسلمين من العمالات والكتبة ، ولهذا قال أحمد : لا يستعين الإمام بأهل الذِّمة على قتال أهل الحرب. أ هـ {زاد المسير حـ 1 صـ 447}","part":16,"page":158},{"id":6720,"text":"قوله تعالى : {وَمَا تُخْفِى صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ}\rقال الفخر : \rيعني الذي يظهر على لسان المنافق من علامات البغضاء أقل مما في قلبه من النفرة ، والذي يظهر من علامات الحقد على لسانه أقل مما في قلبه من الحقد. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 8 صـ 174}\rقوله تعالى : {قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الأيات إِنْ كُنتُمْ تَعْقِلُونَ}\rقال الفخر : \r{قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الأيات إِنْ كُنتُمْ تَعْقِلُونَ} أي من أهل العقل والفهم والدراية ، وقيل : {إِنْ كُنتُمْ تَعْقِلُونَ} الفصل بين ما يستحقه العدو والولي ، والمقصود بعثهم على استعمال العقل في تأمل هذه الآية وتدبر هذه البينات ، والله أعلم. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 8 صـ 174}\rوقال ابن عاشور : \r( والآيات ) في قوله : { قد بينا لكم الآيات } بمعنى دلائل سوء نوايا هذه البطانة كما قال : { إن في ذلك لآيات للمتوسمين } [ الحجر : 75 ] ولم يزل القرآن يربّي هذه الأمّة على إعمال الفكر ، والاستدلال ، وتعرّف المسبَّبات من أسبابها في سائر أحوالها : في التَّشريع ، والمعاملة ليُنشئها أمَّة علم وفطنة.\rولكون هذه الآيات آياتِ فراسةٍ وتوسّم ، قال : { إن كنتم تعقلون } ولم يقل : إن كنتم تعلمون أو تفقهون ، لأنّ العقل أعمّ من العلم والفقه. أ هـ {التحرير والتنوير حـ 3 صـ 201}","part":16,"page":159},{"id":6721,"text":"فائدة\rقال الآلوسى : \r{ إِنْ كُنتُمْ تَعْقِلُونَ } أي إن كنتم من أهل العقل ، أو إن كنتم تعلمون الفضل بين الولي والعدو ، أو إن كنتم تعلمون مواعظ الله تعالى ومنافعها ، وجواب ( إن ) محذوف لدلالة الكلام عليه ، ثم إن هذه الجمل ما عدا وما تخفي صدورهم أكبر لأنها حال لا غير جاءت مستأنفات جواباً عن السؤال عن النهي وترك العطف بينها إيذاناً باستقلال كل منها في ذلك ، وقيل : إنها في موضع النعت لبطانة إلا قد بينا لظهور أنها لا تصلح لذلك ، والأول أحسن لما في الاستئناف من الفوائد وفي الصفات من الدلالة على خلاف المقصود أو إيهامه لا أقل وهو تقييد النهي وليس المعنى عليه ، وقيل : إن ودوا ما عنتم بيان وتأكيد لقوله : { لاَ يَأْلُونَكُمْ خَبَالاً } فحكمه حكمه وما عدا ذلك مستأنف للتعليل على طريق الترتيب بأن يكون اللاحق علة للسابق إلى أن تكون الأولى علة للنهي ويتم التعليل بالمجموع أي لا تتخذوهم بطانة لأنهم لا يألونكم خبالاً لأنهم يودّون شدّة ضرركم بدليل أنهم قد تبدو البغضاء من أفواههم وإن كانوا يخفون الكثير ولا بد على هذا من استثناء قد بينا إذ لا يصلح تعليلا لبدو البغضاء ويصلح تعليلاً للنهي فافهم. أ هـ {روح المعانى حـ 4 صـ 38}\rوقال الطبرى : \r\"إن كنتم تعقلون\" ، يعني : إن كنتم تعقلون عن الله مواعظه وأمره ونهيه ، وتعرفون مواقع نفع ذلك منكم ، ومبلغ عائدته عليكم. أ هـ {تفسير الطبرى حـ 7 صـ 148}\rفوائد لغوية\rقال ابن عادل : \rقوله : { مِّن دُونِكُمْ } يجوز أن يكون صفةً لـ \" بِطَانَةً \" ، فيتعلق بمحذوف ، أي : كائنة من غيركم.\rوقدره الزمخشريّ : من غير أبناء جنسكم وهم المسلمون.\rويجوز أن يتعلق بفعل النهي ، وجوَّز بعضُهم أن تكون \" من \" زائدة ، والمعنى : دونكم في العمل والإيمان.","part":16,"page":160},{"id":6722,"text":"وبطانة الرجل : خاصَّته الذين يُبَاطنهم في الأمور ، ولا يُظْهِر غيرَهم عليها ، مشتقة من البطن ، والباطن دون الظاهر ، وهذا كما استعاروا الشعارَ والدِّثار في ذلك ، قال صلى الله عليه وسلم : \" النَّاسُ دثار ، والأنْصَارُ شِعَار \".\rوالشعَارُ : ما يلي الجسد من الثياب. ويقال : بَطَنَ فلانٌ بفلانٍ ، بُطُوناً ، وبِطَانة.\rقال الشاعر : [ الطويل ].\rأولَئِكَ خُلْصَانِي ، نَعَمْ وَبِطَانَتِي... وَهُمْ عَيْبَتِي مِنْ دُونِ كُلِّ قَرِيبِ\rفالبطانة مصدر يُسمَّى به الواحد والجمع ، وأصله من البطن ، ومنه : بطانة الثوب غير ظهارته.\rفإن قيل : قوله : { لاَ تَتَّخِذُواْ بِطَانَةً } نكرة في سياق النفي ، فيقتضي العموم في النهي عن مصاحبة الكفار ، وقد قال تعالى : { لاَّ يَنْهَاكُمُ الله عَنِ الذين لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدين وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِّن دِيَارِكُمْ } [ الممتحنة : 8 ] فكيف الجمع فيهما.\rفالجواب : أن الخاص مقدَّم على العام.\rقوله : { لاَ يَأْلُونَكُمْ } لما منع المؤمنين من أن يتخذوا بطانة من الكافرين ذَكَر علَّة النهي ، وهي أمور : \rأحدها : قوله : { لاَ يَأْلُونَكُمْ خَبَالاً } يقال : ألا في الأمر ، يَألُو فيه ، أي : قصَّر - نحو غزا يغزو - فأصله أن يتعدى بحرف الجر كما ترى. واختلف في نصب \" خَبَالاً \" على وجوه : \rأحدها : أنه مفعول ثانٍ ، وإنما تعدَّى لاثنين ؛ للتضمين.\rقال الزمخشري : يقال : ألا في الأمر ، يألو فيه - أي : قصَّر - ثم استُعْمِل مُعَدًّى إلى مفعولين في قولهم : لا آلوك نُصْحاً ، ولا آلوك جُهْداً ، على التضمين ، والمعنى : لا أمنعك نُصْحاً ولا أنقُصُكَهُ.\r","part":16,"page":161},{"id":6723,"text":"الثاني : أنه منصوب على إسقاط الخافض ، والأصل : لا يألونكم في خبال ، أو في تخبيلكم ، أو بالخبال ، كما يقال : أوجعته ضرباً ، وهذا غير منقاسٍ ، بخلاف التضمين ؛ فإنه ينقاس ، وإن كان فيه خلافٌ واهٍ.\rالثالث : أن ينتصب على التمييز ، وهو - حينئذ - تمييز منقول من المفعولية ، والأصل : لا يألون خبالكم ، أي : في خبالكم ، ثم جعل الضمير - المضاف إليه - مفعولاً بعد إسقاط الخافض فنُصِبَ الخبال - الذي كان مضافاً - تمييزاً ، ومثله قوله : { وَفَجَّرْنَا الأرض عُيُوناً } [ القمر : 12 ] على أن \" عُيُوناً \" بدل بعض من كل ، وفيه حذف العائد ، أي : عيوناً منها ، وعلى هذا التخريج ، يجوز أن يكون \" خَبَالاً \" يدل اشتمال من \" كم \" والضمي ر أيضاً محذوف أي : \" خبالاً منكم \" وهذا وَجْه رابع.\rالخامس : أنه مصدر في موضع الحال ، أي : متخبلين.\rالسادس : قال ابْنُ عَطِيَّةَ : معناه : لا يقصرون لكم فيما فيه الفساد عليكم.\rفعلى هذا - الذي قدره - يكون المضمر ، و\" خَبَالاً \" منصوبين على إسقاط الخافض ، وهو اللام ، وهذه الجملة فيها ثلاثة أوجه : \rأحدها : أنها جُمْلة استئنافية ، لا محل لها من الإعراب ، وإنما جِيءَ بها ، وبالجُمَل التي بعدها ، لبيان حال الطائفة الكافرة ، حتى ينفروا منها ، فلا يتخذوها بطانة ، وهو وجه حسن.\rالثاني : أنها جملة في موضع نصب ؛ حال من الضمير المستكن في \" دُونِكُمْ \" على أن الجار صفة لبطانة.\rالثالث : أنها في محل نصب ؛ نعتاً لـ \" بِطَانةً \" - أيضاً-.\rوالألْو - بزنة الغزو - التقصير - كما تقدم-.\rقال زهير : [ الطويل ]\rسَعَى بَعْدَهُمْ قَوْمِي لِكَيْ يُدْرِكُوهُمُ... فَلَمْ يَفْعَلُوا ، وَلَم يُليمُوا ، وَلَمْ يَأْلُوا\rوقال امرؤ القيس : [ الطويل ]\r","part":16,"page":162},{"id":6724,"text":"وَمَا المَرْءُ مَا دَامَتْ حُشَاشَةُ نَفْسِهِ... بِمُذْرِكِ أطْرَافِ الخُطُوبِ وَلاَ آلِي\rيقال : آلَى ، يُولِي - بزنة أكرم ، فأبدِلَت الهمزةُ الثانية ألفاً.\rوأنشدوا : [ الوافر ]\r...................... فَمَا آلَى بَنِيَّ وَلاَ أسَاءُوا\rويقال : ائتلَى ، يأتلي - بزنة اكتسب يكتسب-.\rقال امرؤ القيس : [ الطويل ]\rألاَ رُبَّ خَصْمٍ فِيَكِ ألْوَى رَدَدْتُهُ... نَصِيحٍ عَلَى تَعْذَالِهِ غَيْرِ مُؤْتَلِي\rفيتحد لفظ آلى بمعنى قصَّر ، وآلى بمعنى حَلفَ - وإن كان الفرق بينهما ثابتاً من حيث المادة ؛ لأن لامه من معنى الحلف ياء ، ومن معنى التقصير واو.\rقال الراغب : وألَوْتُ فلاناً ، أي : أوْليته تقصيراً - نحو كسبته ، أي : أوْليته كَسْباً - وما ألوته جهداً ، أي : ما أوليته تقصيراً بحسب الجهد ، فقولك : جهداً ، تمييز.\rوقوله : { لاَ يَأْلُونَكُمْ خَبَالاً } [ آل عمران : 118 ] أي : لا يُقَصِّرون في طلب الخبال ، ولا يدعون جهدهم في مضرتكم ، قال تعالى : { وَلاَ يَأْتَلِ أُوْلُواْ الفضل مِنكُمْ } [ النور : 22 ].\rقيل : هو \" يفتعل \" من ألوت.\rوقيل : هو من آليت ، أي : حلفت.\rوالخبال : الفساد ، وأصله ما يلحق الحيوان من مَرَض ، وفتور ، فيورثه فساداً واضطراباً ، يقال منه : خبله وخَبَّله - بالتخفيف والتشديد ، فهو خابل ، ومُخَبَّل ، ومخبول ، والمخبل : الناقص العقل ، قال تعالى : { لَوْ خَرَجُواْ فِيكُم مَّا زَادُوكُمْ إِلاَّ خَبَالاً } [ التوبة : 47 ] ، ويقال : خَبْل ، وخَبَل ، وخَبَال وفي الحديث : \" مَنْ شَرِبَ الَْمْرَ ثَلاَثاً كَانَ حَقًّا على اللهِ أن يَسقيه مِنْ طِينَةِ الخَبَالِ \".\rوقال زهير بن أبي سُلْمى : [ الطويل ]\r","part":16,"page":163},{"id":6725,"text":"هُنَالِكَ إنْ يُسْتَخْبَلُوا الْمَالَ يُخْبِلُوا... وَإنْ يُسْألُوا يُعْطُوا ، وَإن يُيْسِرُوا يُغْلُوا\rوالمعنى في هذا البيت : أنهم إذا طُلِب منهم إفساد شيء من إبلهم أفسدوه ، وهذا كناية عن كرمهم.\rقوله : { وَدُّواْ مَا عَنِتُّمْ } هذه العلة الثانية ، وفي هذه الجملة ثلاثة أوجه : \rأحدها : وهو الأظهر - أن تكون مستأنفة ، لا محل لها من الإعراب - كما هو الظاهر في التي قبلها.\rوالثاني : أنها نعت لـ \" بِطَانَةً \" فمحلُّها نصب.\rقال الواحدي : \" ولا يصح هذا ؛ لأن البطانة قد وُصِفَت بقوله : { لاَ يَأْلُونَكُمْ خَبَالاً } ، ولو كان هذا صفة - أيضاً- ، لوجب إدخال حرف العطف بينهما \".\rوالثالث : أنها حال من الضمير في \" يَألونَكُمْ \" ، و\" ما \" مصدرية ، و\" عَنِتُّمْ \" صلتها ، وهي وصلتها مفعول الودادة ، أي : عنتكم ، أي : مقتكم.\rوقال الراغب : \" المعاندة ، والمعانتة ، يتقاربان ، لكن المعاندة هي الممانعة ، والمعانتة : أن يتحرى مع الممانعة المشقة \".\rقوله : { قَدْ بَدَتِ البغضآء } هذه الجملة كالتي قبلها ، وقرأ عبد الله \" بَدَا \" - من غير تاء - لأن الفاعل مؤنَّث مجازيّ ؛ ولأنها في معنى البغض ، والبغضاء : مصدر - كالسراء والضراء - يقال منه : بَغُضَ الرجل ، فهو بغيض ، كظَرُفَ فهو ظَرِيفٌ.","part":16,"page":164},{"id":6726,"text":"قوله : { مِنْ أَفْوَاهِهِمْ } متعلق بـ \" بَدَتْ \" و\" مِنْ \" لابتداء الغاية ، وجوَّز ابو البقاء أن يكون حالاً ، أي : خارجة من أفواههم ، والأفواه : جمع فَم ، وأصله فوه ، فلامه هاء ، يدل على ذلك جمعه على أفواه ، وتصغيره على \" فُوَيْه \" ، والنسب إليه على فوهي ، وهل وزنه فَعْل - بسكون العين- أو \" فَعَل \" - بفتح العين- ؟ خلاف للنحويين ، ثم حذفوا لامه تخفيفاً ، فبقي آخرهُ حرف علة ، فأبدلوه ميماً ؛ لقُرْبهِ منها ؛ لأنهما من الشفة ، وفي الميم هُوِيٌّ في الفم يضارع المد الذي في الواو.\rوهذا كله إذا أفردوه عن الإضافة ، فإن أضافوه لَمْ يُبْدلوا حرفَ العلة.\rكقوله : [ البسيط ]\rفَوهٌ كَشقِّ الْعَصَا لأْياً تُبَيِّنُهُ... أسَكُّ مَا يَسْمَعُ الأصْوَاَ مَضلُومُ\rعكس الأمر في الطرفين ، فأتى بالميم في حال الإضافة ، وبحرف العلة في القطع عنها. فمن الأول قوله : [ الرجز ]\rيُصْبِحُ ظَمْآنَ وَفِي الْبَحْرِ فَمُهُ... وخصَّه الفارسيُّ وجماعة بالضرورة ، وغيرهم جوَّزه سعة ، وجعل منه قوله : \" لخلوف فم الصائم عند الله أطيب من ريح المسك \".\rومن الثاني قوله : [ الرجز ]\rخَالَطَ مِنْ سَلْمَى خَيَاشِيمَ وَفَا... أي : وفاها ، وإنما جاز ذلك ؛ لأن الإضافة كالمنطوق بها.\rوقالت العرب : رجل مفوَّه - إذا كان يجيد القولَ - وأَفْوَه : إذا كان واسعَ الفم.\rقال لبيد : [ الوافر ]\r................. وَمَا فَاهُوا بِهِ أبَداً مُقِيمُ\rوفي الفم تسع لغات ، وله أربع مواد : ف م ه. ف م و. ف م ي. ف م م ؛ بدليل أفواه ، وفموين ، وفميين ، وأفمام.\r","part":16,"page":165},{"id":6727,"text":"قوله : { وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ } يجوز أن تكون \" ما \" بمعنى : الذي ، والعائد محذوف - أي : تخفيه فحذف - وأن تكون مصدرية - أي : وإخفاء صدورهم - وعلى كلا التقديرين ، ف \" ما \" مبتدأ و\" أكبر \" خبره ، والمفضَّل عليه محذوف ، أي : أكبر من الذي أبدَوْهُ بأفواههم.\rقوله : { إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ } شرط ، حذف جوابه ، لدلالة ما تقدم عليه ، أو هو ما تقدم - عند من يرى جوازه-.\rوالمعنى : إن كنتم من أهل العقل ، والفهم ، والدراية.\rوقيل : إن كنتم تعقلون الفَصْل بين ما يستحقه الولِيّ والعدُوّ ، والمقصود منه : استعمال العقل في تأمل هذه الآيات ، وتدبُّر هذه البينات. أ هـ {تفسير ابن عادل حـ 5 صـ 488 ـ 495}. بتصرف يسير.\rمن فوائد ابن عطية فى الآية\rقال رحمه الله : \rنهى الله تعالى المؤمنين بهذه الآية عن أن يتخذوا من الكفار واليهود أخلاء يأنسون بهم في الباطن من أمورهم ويفاوضونهم في الآراء ويستنيمون إليهم ، وقوله : { من دونكم } يعني من دون المؤمنين ، ولفظة \" دون \" تقتضي فيما أضيف إليه أنه معدوم من القصة التي فيها الكلام ، فشبه الأخلاء بما يلي بطن الإنسان من ثوبه ، ومن هذا المعنى قول النبي صلى الله عليه وسلم : ما من خليفة ولا ذي إمرة إلا وله بطانتان ، بطانة تأمره بالخير وتحضه عليه وبطانة تأمره بالشر وتحضه عليه والمعصوم من عصم الله ، وقوله : { لا يألونكم خبالاً } معناه لا يقصرون لكم فيما فيه الفساد عليكم ، تقول : ما ألوت في كذا أي ما قصرت بل اجتهدت ومنه قول زهير : \rجرى بعدهم قوم لكي يلحقوهم... فلم يلحقوا ولم يليموا ولم يألوا","part":16,"page":166},{"id":6728,"text":"أي لم يقصروا ، والخبل والخبال : الفساد ، وقال ابن عباس : كان رجال من المؤمنين يواصلون رجالاً من اليهود للجوار والحلف الذي كان بينهم في الجاهلية ، فنزلت الآية في ذلك ، وقال أيضاً ابن عباس وقتادة والربيع والسدي : نزلت في المنافقين : نهى الله المؤمنين عنهم ، وروى أنس بن مالك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : \" لا تستضيئوا بنار المشركين ولا تنقشوا في خواتيمكم عربياً \" فسره الحسن بن أبي الحسن ، فقال أراد عليه السلام ، لا تستشيروا المشركين في شيء من أموركم ولا تنقشوا في خواتيمكم ( محمداً ).","part":16,"page":167},{"id":6729,"text":"قال القاضي : ويدخل في هذه الآية استكتاب أهل الذمة وتصريفهم في البيع والشراء والاستنامة إليهم ، وروي أن أبا موسى الأشعري استكتب ذميماً فكتب إليه عمر يعنفه ، وتلا عليه هذه الآية ، وقيل لعمر : إن هاهنا رجلاً من نصارى الحيرة لا أحد أكتب منه ولا أخط بقلم ، أفلا يكتب عنك ؟ فقال : إذاً أتخذ بطانة من دون المؤمنين ، و{ ما } في قوله ، { ما عنتّم } مصدرية ، فالمعنى : { ودوا } عنتكم ، و\" العنت \" : المشقة والمكروه يلقاه المرء وعقبة عنوت : أي شاقة ، وقوله تعالى : { ذلك لمن خشي العنت } [ النساء : 35 ] معناه المشقة إما في الزنا وإما في ملك الإرب قال السدي : معناه \" ودوا \" ما ضللتم ، وقال ابن جريج : المعنى \" ودوا \" أن تعنتوا في دينكم ويقال عنت الرجل يعنت بكسر النون في الماضي ، وقوله تعالى : { قد بدت البغضاء من أفواههم } يعني بالأقوال ، فهم فوق المتستر الذي تبدوا البغضاء في عينيه وخص تعالى الأفواه بالذكر دون الألسنة إشارة إلى شدقهم وثرثرتهم في أقوالهم هذه ، ويشبه هذا الذي قلناه ما في الحديث أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى أن يتشحى الرجل في عرض أخيه ، معناه : أن يفتح فاه به يقال شحّى الحمار فاه بالنهيق وشحّى اللجام في الفرس ، والنهي في أن يأخذ أحد عرض أخيه همساً راتب ، فذكر التشحي إنما هو إشارة إلى التشدق والانبساط وقوله : { وما تخفي صدورهم أكبر } إعلام بأنهم يبطنون من البغضاء أكثر مما يظهرون بأفواههم ، وفي قراءة عبد الله بن مسعود : \" قد بدا البغضاء \" بتذكير الفعل ، لما كانت { البغضاء } بمعنى البغض ، ثم قال تعالى للمؤمنين ، { قد بينا لكم الآيات إن كنتم تعقلون } تحذيراً وتنبيهاً ، وقد علم تعالى أنهم عقلاء ولكن هذا هز للنفوس كما تقول : إن كنت رجلاً فافعل كذا وكذا. أ هـ {المحرر الوجيز حـ 1 صـ 496 ـ 497}","part":16,"page":168},{"id":6730,"text":"فصل\rقال ابن كثير فى معنى الآية : \rيقول تبارك وتعالى ناهيًا عباده المؤمنين عن اتخاذ المنافقين بطانة ، أي : يُطْلعونهم على سرائرهم وما يضمرونه لأعدائهم ، والمنافقون بجهدهم وطاقتهم لا يألون المؤمنين خَبَالا أي : يَسْعَوْنَ في مخالفتهم وما يضرهم بكل ممكن ، وبما يستطيعونه من المكر والخديعة ، ويودون ما يُعْنتُ المؤمنين ويخرجهم ويَشُقّ عليهم.\rوقوله : { لا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ } أي : من غيركم من أهل الأديان ، وبطانة الرجل : هم خاصّة أهله الذين يطلعون على داخل أمره.\rوقد روى البخاري ، والنسائي ، وغيرهما ، من حديث جماعة ، منهم : يونس ، ويحيى بن سعيد ، وموسى بن عقبة ، وابن أبي عتيق -عن الزهري ، عن أبي سلمة ، عن أبي سعيد ؛ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : \"مَا بَعَثَ اللهُ مِنْ نَبِي وَلا اسْتَخْلَفَ مِنْ خَلِيفَة إلا كَانَتْ لَهُ بِطَانَتَانِ : بِطَانَةٌ تَأْمُرُهُ بِالْخيرِ وتَحُضُّهُ عَلَيْهِ ، وَبِطَانَةٌ تَأْمُرُهُ بِالسُّوءِ وَتَحُضُّهُ عَلَيْهِ ، وَالْمَعْصُومُ مَنْ عَصَم اللهُ \". { صحيح البخاري برقم (6611 ، 7198) والنسائي في الكبرى برقم (8755)}.\rوقال ابن أبي حاتم : حدثنا أبي ، حدثنا أبو أيوب محمد بن الوَزَّان ، حدثنا عيسى بن يونس ، عن أبي حَيّان التيمي عن أبي الزِّنْباع ، عن ابن أبي الدِّهْقانة قال : قيل لعمر بن الخطاب ، رضي الله عنه : إن هاهنا غُلاما من أهل الحِيرة ، حافظ كاتب ، فلو اتخذته كاتبا ؟ فقال : قد اتخذت إذًا بطانة من دون المؤمنين. { تفسير ابن أبي حاتم (2/550) ورواه ابن أبي شيبة في المصنف (8/658) من طريق أبي حيان التيمي به ورواه عبد بن حميد في تفسيره كما في الدر (2/300)}.","part":16,"page":169},{"id":6731,"text":"ففي هذا الأثر مع هذه الآية دلالة على أن أهل الذَّمَّة لا يجوز استعمالهم في الكتابة ، التي فيها استطالة على المسلمين واطِّلاع على دَوَاخل أمُورهم التي يُخْشَى أن يُفْشوها إلى الأعداء من أهل الحرب ؛ ولهذا قال تعالى : { لا يَأْلُونَكُمْ خَبَالا وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ }.\rوقد قال الحافظ أبو يعلى : حدثنا إسحاق بن إسرائيل ، حدثنا هُشَيم ، حدثنا العَوَّام ، عن الأزهر بن راشد قال : كانوا يأتون أنَسًا ، فإذا حَدَّثهم بحديث لا يدرون ما هو ، أتَوا الحسن -يعني البصري-فيفسره لهم. قال : فحدَّث ذات يوم عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : \"لا تَسْتَضِيؤوا بِنَارِ الْمُشْرِكِينَ ، ولا تَنْقُشُوا فِي خَوَاتِيمِكُمْ عَرَبيا فلم يدروا ما هو ، فأتوا الحسن فقالوا له : إن أنسا حَدّثنا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : \"لا تَسْتَضِيؤوا بِنَارِ الشِّركِ ولا تَنْقُشُوا فِي خَوَاتِيمِكُمْ عَرَبيا فقال الحسن : أما قوله : \"ولا تَنْقُشُوا فِي خَوَاتِيمِكُمْ عَرَبيا : محمد صلى الله عليه وسلم. وأما قوله : \"لا تَسْتَضِيؤوا بِنَارِ الشِّركِ\" يقول : لا تستشيروا المشركين في أموركم. ثم قال الحسن : تصديق ذلك في كتاب الله : { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ }.\rهكذا رواه الحافظ أبو يعلى ، رحمه الله ، وقد رواه النسائي عن مجاهد بن موسى ، عن هشيم. ورواه الإمام أحمد ، عن هُشَيم بإسناده مثله ، من غير ذكر تفسير الحسن البصري. { رواه البيهقي في شعب الإيمان برقم (9375) والطبري في تفسيره (7/142) من طريق هشيم بسياق أبي يعلى به ، ورواه أحمد في مسنده (3/99) والنسائي في السنن (8/176) من غير ذكر تفسير الحسن البصري}.\r","part":16,"page":170},{"id":6732,"text":"وهذا التفسير فيه نظر ، ومعناه ظاهر : \"لا تَنْقُشُوا فِي خَوَاتِيمِكُمْ عَرَبيّا أي : بخط عربي ، لئلا يشابه نقش خاتم النبي صلى الله عليه وسلم ، فإنه كان نَقْشُه محمد رسول الله ؛ ولهذا جاء في الحديث الصحيح أنه نهى أن يَنْقُشَ أحد على نقشه. وأما الاستضاءة بنار المشركين ، فمعناه : لا تقاربوهم في المنازل بحيث تكونون معهم في بلادهم ، بل تَبَاعَدُوا منهم وهَاجروا من بلادهم ؛ ولهذا روى أبو داود [رحمه الله] لا تَتَرَاءَى نَاراهُمَا\" وفي الحديث الآخر : \"مَنْ جَامَعَ الْمُشْرِكَ أَوْ سَكَنَ مَعَهُ ، فَهُوَ مِثْلُهُ\" ؛ فحَمْلُ الحديث على ما قاله الحسن ، رحمه الله ، والاستشهاد عليه بالآية فيه نظر ، والله أعلم.\rثم قال تعالى : { قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ } أي : قد لاح على صَفَحات وجوههم ، وفلتات ألسنتهم من العداوة ، مع ما هم مشتملون عليه في صدورهم من البغضاء للإسلام وأهله ، ما لا يخفى مثله على لبيب عاقل ؛ ولهذا قال : { قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الآيَاتِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ }. أ هـ {تفسير ابن كثير حـ 2 صـ 106 ـ 108}. بتصرف يسير.\rمن لطائف الإمام القشيرى فى الآية\rالركون إلى الضد - بعد تبين المشاق - إعانة على الحال بما لا يبلغه كيد العدو ، فأشار الحقُّ - سبحانه - على المسلمين بالتحرز عن الاعتراض ، وإظهار البراءة عن كل غير ، ودوام الخلوص للحق - سبحانه - بالقلب والسر. وأخبر أن مضادات القوم للرسول صلى الله عليه وسلم أصلية غير طارئة عليهم ، وكيف لا ؟ وهو صلوات الله عليه محلُّ الإقبال وهم محل الإعراض. ومتى يجتمع الليلُ والنهار ؟ !. أ هـ {لطائف الإشارات حـ 1 صـ 272 ـ 273}","part":16,"page":171},{"id":6733,"text":"قوله تعالى {هَا أَنْتُمْ أُولَاءِ تُحِبُّونَهُمْ وَلَا يُحِبُّونَكُمْ وَتُؤْمِنُونَ بِالْكِتَابِ كُلِّهِ وَإِذَا لَقُوكُمْ قَالُوا آَمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا عَضُّوا عَلَيْكُمُ الْأَنَامِلَ مِنَ الْغَيْظِ قُلْ مُوتُوا بِغَيْظِكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ (119)}\rقال ابن عاشور : \rقوله تعالى {هَا أَنْتُمْ أُولَاءِ تُحِبُّونَهُمْ وَلَا يُحِبُّونَكُمْ}\rاستئناف ابتدائي ، قصد منه المقابلة بين خُلق الفريقين ، فالمؤمنون يحبّون أهل الكتاب ، وأهل الكتاب يبغضونهم ، وكلّ إناء بما فيه يرشح ، والشأن أنّ المحبَّة تجلب المحبَّة إلاّ إذا اختلفت المقاصد والأخلاق. أ هـ {التحرير والتنوير حـ 3 صـ 201}\rقال القرطبى : \rقوله تعالى : { هَآ أَنْتُمْ أولاء تُحِبُّونَهُمْ } يعني المنافقين ؛ دليله قوله تعالى : { وَإِذَا لَقُوكُمْ قالوا آمَنَّا } ؛ قاله أبو العالية ومقاتل.\rوالمحبة هنا بمعنى المصافاة ، أي أنتم أيها المسلمون تُصافونهم ولا يُصافونكم لنِفاقهم.\rوقيل : المعنى تريدون لهم الإسلام وهم يريدون لكم الكفر.\rوقيل : المراد اليهود ؛ قاله الأكثر. أ هـ {تفسير القرطبى حـ 4 صـ 181}\rفصل\rقال الفخر : \rإنه تعالى ذكر في هذه الآية أموراً ثلاثة ، كل واحد منها على أن المؤمن لا يجوز أن يتخذ غير المؤمن بطانة لنفسه فالأول : قوله {تُحِبُّونَهُمْ وَلاَ يُحِبُّونَكُمْ} وفيه وجوه : \rأحدها : قال المفضل {تُحِبُّونَهُمْ} تريدون لهم الإسلام وهو خير الأشياء {وَلاَ يُحِبُّونَكُمْ} لأنهم يريدون بقاءكم على الكفر ، ولا شك أنه يوجب الهلاك","part":16,"page":172},{"id":6734,"text":"الثاني : {تُحِبُّونَهُمْ} بسبب ما بينكم وبينهم من الرضاعة والمصاهرة {وَلاَ يُحِبُّونَكُمْ} بسبب كونكم مسلمين الثالث : {تُحِبُّونَهُمْ} بسبب أنهم أظهروا لكم الإيمان {وَلاَ يُحِبُّونَكُمْ} بسبب أن الكفر مستقر في باطنهم\rالرابع : قال أبو بكر الأصم {تُحِبُّونَهُمْ} بمعنى أنكم لا تريدون إلقاءهم في الآفات والمحن {وَلاَ يُحِبُّونَكُمْ} بمعنى أنهم يريدون إلقاءكم في الآفات والمحن ويتربصون بكم الدوائر\rالخامس : {تُحِبُّونَهُمْ} بسبب أنهم يظهرون لكم محبة الرسول ومحب المحبوب محبوب {وَلاَ يُحِبُّونَكُمْ} لأنهم يعلمون أنكم تحبون الرسول وهم يبغضون الرسول ومحب المبغوض مبغوض\rالسادس : {تُحِبُّونَهُمْ} أي تخالطونهم ، وتفشون إليهم أسراركم في أمور دينكم {وَلاَ يُحِبُّونَكُمْ} أي لا يفعلون مثل ذلك بكم.\rواعلم أن هذه الوجوه التي ذكرناها إشارة إلى الأسباب الموجبة لكون المؤمنين يحبونهم ولكونهم يبغضون المؤمنين ، فالكل داخل تحت الآية ، ولما عرفهم تعالى كونهم مبغضين للمؤمنين وعرفهم أنهم مبطلون في ذلك البغض صار ذلك داعياً من حيث الطبع ، ومن حيث الشرع إلى أن يصير المؤمنون مبغضين لهؤلاء المنافقين. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 8 صـ 175}\rوقال الآلوسى : \rوالمراد بمحبة المؤمنين لهم المحبة العادية الناشئة من نحو الإحسان والصداقة ، ومثلها وإن كان غريباً يلام عليه إذا وقع من المؤمنين في حق أعداء الدين الذين يتربصون بهم ريب المنون لكن لا يصل إلى الكفر وإنما لم يصل إليه باعتبار آخر لا يكاد يقع من أولئك المخاطبين ، وقيل : المراد : تحبونهم لأنكم تريدون الإسلام لهم وتدعونهم إلى الجنة ولا يحبونكم لأنهم يريدون لكم الكفر والضلال وفي ذلك الهلاك ، ولا يخفى ما فيه. أ هـ {روح المعانى حـ 4 صـ 39}","part":16,"page":173},{"id":6735,"text":"فائدة\rقال ابن عاشور : \rوتركيب ها أنتم أولاء ونظائره مثل هأنا تقدم في قوله تعالى في سورة [ البقرة : 85 ] : { ثم أنتم هؤلاء تقتلون أنفسكم } ولمّا كان التعجيب في الآية من مجموع الحالين قيل : هاأنتم أولاء تحبونهم ولا يحبونكم } فالعَجب من محبّة المؤمنين إيّاهم في حال بغضهم المؤمنين ، ولا يذكر بعد اسم الإشارة جملة في هذا التركيب إلاّ والقصد التعجّب من مضمون تلك الجملة.\rوجملة { ولا يحبونكم } جملة حال من الضمير المرفوع في قوله : { تحبونهم } لأنّ محلّ التّعجيب هو مجموع الحالين.\rوليس في هذا التعجيب شيء من التغليط ، ولكنَّه مجرد إيقاظ ، ولذلك عقّبه بقوله : { وتؤمنون بالكتاب كله } فإنَّه كالعذر للمؤمنين في استبطانهم أهل الكتاب بعد إيمان المؤمنين ، لأنّ المؤمنين لمَّا آمنوا بجميع رسل الله وكتبهم كانوا ينسبون أهل الكتاب إلى هدى ذهب زمانه ، وأدخلوا فيه التّحريف بخلاف أهل الكتاب إذ يرمقون المسلمين بعين الازدراء والضلالة واتّباع ما ليس بحقّ.\rوهذان النظران ، منّا ومنهم ، هما أصل تسامح المسلمين مع قوّتهم ، وتصَلُّب أهل الكتابين مع ضعفهم. أ هـ {التحرير والتنوير حـ 3 صـ 201 ـ 202}\rقوله تعالى : {وَتُؤْمِنُونَ بالكتاب كُلّهِ}\rفائدة\rقال الفخر : \rفي الآية إضمار ، والتقدير : وتؤمنون بالكتاب كله وهم لا يؤمنون به ، وحسن الحذف لما بينا أن الضدين يعلمان معاً فكان ذكر أحدهما مغنياً عن ذكر الآخر. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 8 صـ 175}\rقال القرطبى : \rوالكتاب اسم جنس ؛ قال ابن عباس : يعنى بالكُتُب.\rواليهود يؤمنون بالبعض ؛ كما قال تعالى : { وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُواْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُواْ نُؤْمِنُ بِمَآ أُنْزِلَ عَلَيْنَا وَيَكْفُرونَ بِمَا وَرَآءَهُ } [ البقرة : 91 ]. أ هـ {تفسير القرطبى حـ 4 صـ 181 ـ 182}","part":16,"page":174},{"id":6736,"text":"فائدة\rقال الفخر : \rذكر ( الكتاب ) بلفظ الواحد لوجوه\rأحدها : أنه ذهب به مذهب الجنس كقولهم : كثر الدرهم في أيدي الناس\rوثانيها : أن المصدر لا يجمع إلا على التأويل ، فلهذا لم يقل الكتب بدلاً من الكتاب ، وإن كان لو قاله لجاز توسعاً. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 8 صـ 175}\rفصل\rقال الفخر : \rتقدير الكلام : أنكم تؤمنون بكتبهم كلها وهم مع ذلك يبغضونكم فما بالكم مع ذلك تحبونهم وهم لا يؤمنون بشيء من كتابكم ، وفيه توبيخ شديد بأنهم في باطلهم أصلب منكم في حقكم ، ونظيره قوله تعالى : {فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمونَ وَتَرْجُونَ مِنَ الله مَا لاَ يَرْجُونَ} [ النساء : 104 ]. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 8 صـ 176}\rفائدة\rقال ابن عطية : \rوقوله { وتؤمنون بالكتاب كله } يقتضي أن الآية في منافقي اليهود لا في منافقي العرب ، ويعترضها أن منافقي اليهود لم يخفظ عنهم أنهم كانوا يؤمنون في الظاهر إيماناً مطلقاً ويكفرون في الباطن ، كما كان المنافقون من العرب يفعلون ، إلا ما روي من أمر زيد بن الصيت القينقاعي فلم يبق إلا أن قولهم : { آمنا } معناه : صدقنا أنه نبي مبعوث إليكم ، أي فكونوا على دينكم ونحن أولياؤكم وإخوانكم ولا نضمر لكم إلا المودة ، ولهذا كان بعض المؤمنين يتخذهم بطانة ، وهذا منزع قد حفظ أن كثيراً من اليهود كان يذهب إليه ، ويدل على هذا التأويل أن المعادل لقولهم { آمنا } ، \" عض الأنامل من الغيظ \" ، وليس هو ما يقتضي الارتداد كما هو في قوله تعالى : { وإذا خلوا إلى شياطينهم قالوا إنّا معكم } [ البقرة : 14 ] بل هو ما يقتضي البغض وعدم المودة ، وكان أبو الجوزاء إذا تلا هذه الآية قال : هم الإباضية.\rقال القاضي أبو محمد : وهذه الصفة قد تترتب في أهل بدع من الناس إلى يوم القيامة. أ هـ {المحرر الوجيز حـ 1 صـ 497}","part":16,"page":175},{"id":6737,"text":"قال أبو حيان : \rوما ذكر من أن منافقي اليهود لم يحفظ عنهم أنهم كانوا يؤمنون في الظاهر إيماناً مطلقاً ويكفرون في الباطن إلاَّ ما روي من أمر زيد فيه نظر ، فإنه قد روى أن جماعة منهم كانوا يعتمدون ذلك ، ذكره البيهقي وغيره.\rولو لم يرو ذلك إلا عن زيد القينقاعي لكان في ذلك مذمة لهم بذلك ، إذ وجد ذلك في جنسهم.\rوكثيراً ما تمدح العرب أو تذم بفعل الواحد من القبيلة ، ويؤيد صدور ذلك من اليهود قوله تعالى : { وقالت طائفة من أهل الكتاب آمنوا بالذي أنزل على الذين آمنوا وجه النهار واكفروا آخره 43}\rقوله تعالى : {وإذا لقوكم قالوا آمنا وإذا خلوا عضوا عليكم الأنامل من الغيظ}\rقال الفخر : \rالمعنى : أنه إذا خلا بعضهم ببعض أظهروا شدة العداوة ، وشدة الغيظ على المؤمنين حتى تبلغ تلك الشدة إلى عض الأنامل ، كما يفعل ذلك أحدنا إذا اشتد غيظه وعظم حزنه على فوات مطلوبه ، ولما كثر هذا الفعل من الغضبان ، صار ذلك كناية عن الغضب حتى يقال في الغضبان : إنه يعض يده غيظاً وإن لم يكن هناك عض ، قال المفسرون : وإنما حصل لهم هذا الغيظ الشديد لما رأوا من ائتلاف المؤمنين واجتماع كلمتهم وصلاح ذات بينهم.\rثم قال تعالى : {قُلْ مُوتُواْ بِغَيْظِكُمْ} وهو دعاء عليهم بأن يزداد غيظهم حتى يهلكوا به ، والمراد من ازدياد الغيظ ازدياد ما يوجب لهم ذلك الغيظ من قوة الإسلام وعزة أهله وما لهم في ذلك من الذل والخزي. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 8 صـ 176}\rفائدة\rقال ابن عاشور : \rوعضّ الأنامل كناية عن شدّة الغيظ والتحسّر.","part":16,"page":176},{"id":6738,"text":"وإن لم يكن عَضّ أنامل محسوساً ، ولكن كنّي به عن لازمه في المتعارف ، فإنّ الإنسان إذا اضطرب باطنه من الانفعال صدرت عنه أفعال تناسب ذلك الانفعال ، فقد تكون مُعِينة على دفع انفعاله كقتل عدوّه ، وفي ضدّه تقبيل من يحبّهُ ، وقد تكون قاصرة عليه يشفي بها بعض انفعاله ، كتخبّط الصّبي في الأرض إذا غضب ، وضَرب الرجل نفسه من الغضب ، وعضّه أصابعه من الغيظ ، وقرعه سنّه من النَّدم ، وضرب الكفّ بالكفّ من التحسّر ، ومن ذلك التأوّه والصّياح ونحوها ، وهي ضروب من علامات الجزع ، وبعضها جبلّي كالصياح ، وبعضها عادي يتعارفه النَّاس ويكثر بينهم ، فيصيرون يفعلونه بدون تأمّل ، وقال الحارث بن ظالم المري : \rفأقبل أقوام لئام أذلّة\rيعضّون من غيظ رؤوس الأباهم...\rوقوله : { عليكم } على فيه للتَّعليل ، والضّمير المجرور ضمير المسلمين ، وهو من تعليق الحكم بالذات بتقدير حالة معيّنة ، أي على التئامكم وزوال البغضاء ، كما فعل شاس بن قيس اليهودي فنزل فيه قوله تعالى : { يا أيها الذين آمنوا إن تطيعوا فريقاً من الذين أوتوا الكتاب يردوكم بعد إيمانكم كافرين } [ آل عمران : 100 ] ، ونظير هذا التعليق قول الشاعر : \rلتقرعِنّ على السنّ من ندم\rإذا تذكرتِ يوما بعضَ أخلاقي...\rو { من الغيظ } ( من ) للتعليل.\rوالغيظ : غضب شديد يلازمه إرادة الانتقام. أ هـ {التحرير والتنوير حـ 3 صـ 202 ـ 203}","part":16,"page":177},{"id":6739,"text":"قال الآلوسى : \r{ قُلْ } يا محمد بلسانك ، وقيل : المراد حدث نفسك بإذلالهم وإعزاز الإسلام من غير أن يكون هناك قول ، وقيل : هو خطاب لكل مؤمن وتحريض لهم على عداوتهم وحث لهم على خطابهم خطاب الخصماء فإنه لا أقطع للمحبة من جراحة اللسان فالمقصود على هذا من قوله تعالى : { مُوتُواْ بِغَيْظِكُمْ } مجرد الخطاب بما يكرهونه ، والصحيح الذي اتفقت عليه كلمتهم أنه دعاء عليهم وكون ذلك مما فيه خفاء إذ لا يخاطب المدعو عليه بل الله تعالى ويسأل منه ابتلاؤه لا خفاء في خفائه وأنه غفلة عن قولهم قاتلك الله تعالى ، وقولهم : دم بعز ، وبت قرير عين ، وغيره مما لا يحصى ، والمراد كما قيل : الدعاء بدوام الغيظ وزيادته بتضاعف قوة الإسلام وأهله حتى يهلكوا به ، وهذا عند العلامة الثاني من كناية الكناية حيث عبر بدعاء موتهم بالغيظ عن ملزومه الذي هو دعاء ازدياد غيظهم إلى حين الهلاك وبه عن ملزومه الذي هو قوة الإسلام وعز اسمه وذلك لأن مجرد الموت بالغيظ أو ازدياده ليس مما يحسن أن يطلب ويدعى به.\rوتعقب بأن المجاز على المجاز مذكور وأما الكناية على الكناية فنادرة وقد صرح بها السبكي في \"قواعده الأصولية\" ونقل فيها خلافاً ، ومع هذا الفرق بين الكناية بالوسائط والكناية على الكناية مما يحتاج إلى التأمل الصادق ولعله فرق اعتباري ، وأيضاً ما ذكره من أن مجرد الموت بالغيظ الخ مدفوع بأنه يمكن أن يكون المحسن لذلك ما فيه من الإشارة إلى ذمهم حيث إنهم قد استحقوا هذا الموت الفظيع والحال الشنيع. أ هـ {روح المعانى حـ 4 صـ 40}","part":16,"page":178},{"id":6740,"text":"وقال ابن عاشور : \rوقوله : { قل موتوا بغيظكم } كلام لم يقصد به مخاطبون معيَّنون لأنَّه دعاء على الَّذين يعضّون الأنامل من الغيظ ، وهم يفعلون ذلك إذا خلوا ، فلا يتصوّر مشافهتهم بالدّعاء على التَّعيين ولكنَّه كلام قصد إسماعه لكلّ من يعلم من نفسه الاتّصاف بالغيظ على المسلمين وهو قريب من الخطاب الَّذي يقصد به عموم كُل مخاطب نحو : { ولو ترى إذ المجرمون ناكسوا رؤوسهم } [ السجدة : 12 ].\rوالدعاء عليهم بالموت بالغيظ صريحهُ طلب موتهم بسبب غيظهم ، وهو كناية عن ملازمة الغيظ لهم طول حياتهم إن طالت أو قصرت ، وذلك كناية عن دوام سبب غيظهم ، وهو حسن حال المسلمين ، وانتظام أمرهم ، وازدياد خيرهم ، وفي هذا الدعاء عليهم بلزوم ألم الغيظ لهم ، وبتعجيل موتهم به ، وكلّ من المعنيين المكني بهما مراد هنا ، والتكنّي بالغيظ وبالحسد عن كمال المغيظ منه المحسود مشهور ، والعرب تقول : فلان محسَّد ، أي هو في حالة نعمة وكمال. أ هـ {التحرير والتنوير حـ 3 صـ 203}\rوقال السمرقندى : \r{ مُوتُواْ بِغَيْظِكُمْ } يقول موتوا بحنقكم على وجه الدعاء ، والطرد واللعن ، لا على وجه الأمر والإيجاب ، لأنه لو كان على وجه الإيجاب ، لماتوا من ساعتهم.\rكما قال في موضع آخر : { أَلَمْ تَرَ إِلَى الذين خَرَجُواْ مِن ديارهم وَهُمْ أُلُوفٌ حَذَرَ الموت فَقَالَ لَهُمُ الله مُوتُواْ ثُمَّ أحياهم إِنَّ الله لَذُو فَضْلٍ عَلَى الناس ولكن أَكْثَرَ الناس لاَ يَشْكُرُونَ } [ البقرة : 243 ] ، فماتوا من ساعتهم ، فهاهنا لم يرد به الإيجاب.\rوقال الضحاك : { قُلْ مُوتُواْ بِغَيْظِكُمْ } ، يعني أنكم تخرجون من الدنيا بهذه الحسرة ، والغيظ يعني اللفظ لفظ الأمر ، والمراد به الخبر ، يعني أنكم تموتون بغيظكم. أ هـ {بحر العلوم حـ 1 صـ 267}","part":16,"page":179},{"id":6741,"text":"سؤال : فإن قيل : قوله {قُلْ مُوتُواْ بِغَيْظِكُمْ} أمر لهم بالإقامة على الغيظ ، وذلك الغيظ كفر ، فكان هذا أمراً بالإقامة على الكفر وذلك غير جائز.\rقلنا : قد بينا أنه دعاء بازدياد ما يوجب هذا الغيظ وهو قوة الإسلام فسقط السؤال\rوأيضاً فإنه دعاء عليهم بالموت قبل بلوغ ما يتمنون. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 8 صـ 176}\rوقال القرطبى : \rإن قيل : كيف لم يموتوا والله تعالى إذا قال لشيء : كن فيكون.\rقيل عنه جوابان : أحدهما قال فيه الطبريّ وكثير من المفسرين : هو دعاء عليهم.\rأي قل يا محمد أدام الله غيظكم إلى أن تموتوا.\rفعلى هذا يتجه أن يدعو عليهم بهذا مُوَاجهةً وغيرَ مواجهة بخلاف اللّعْنَة.\rالثاني : أن المعنى أخبرهم أنهم لا يدركون ما يؤملون ، فإن الموت دون ذلك.\rفعلى هذا المعنى زال معنى الدعاء وبقي معنى التقْرِيع والإغَاظَة.\rويجري هذا المعنى مع قول مسافر ابن أبي عمرو : \rويتمنّى في أُرُومتنا . . .\rونَفْقَأ عينَ من حسدا\rوينظر إلى هذا المعنى قوله تعالى : { مَن كَانَ يَظُنُّ أَن لَّن يَنصُرَهُ الله فِي الدنيا والآخرة فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ إِلَى السمآء ثُمَّ لْيَقْطَعْ }. أ هـ {تفسير القرطبى حـ 4 صـ 182 ـ 183}\rلطيفة\rقال أبو حيان : \rقال بعض شيوخنا : هذا ليس بأمر جازم ، لأنه لو كان أمراً لماتوا من فورهم كما جاء فقال لهم الله : موتوا.\rوليس بدعاء ، لأنه لو أمره بالدعاء لماتوا جميعهم على هذه الصفة ، فإن دعوته لا ترد.\rوقد آمن منهم بعد هذه الآية كثير ، وليس بخبر لأنه لو كان خبر الوقع على حكم ما أخبر به يعني ولم يؤمن أحد بعد ، وإنما هو أمر معناه التوبيخ والتقريع كقوله : اعملوا ما شئتم ، إذا لم تستح فاصنع ما شئت. أ هـ {البحر المحيط حـ 3 صـ 44 ـ 45}\rقوله تعالى : {إِنَّ الله عَلِيمٌ بِذَاتِ الصدور}\rفصل\rقال الفخر : ","part":16,"page":180},{"id":6742,"text":"( ذات ) كلمة وضعت لنسبة المؤنث كما أن ( ذو ) كلمة وضعت لنسبة المذكر والمراد بذات الصدور الخواطر القائمة بالقلب والدواعي والصوارف الموجودة فيه وهي لكونها حالة في القلب منتسبة إليه فكانت ذات الصدور ، والمعنى أنه تعالى عالم بكل ما حصل في قلوبكم من الخواطر والبواعث والصوارف. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 8 صـ 176}\rفصل\rقال الفخر : \rقال صاحب \"الكشاف\" يحتمل أن تكون هذه الآية داخلة في جملة المقول وأن لا تكون\rأما الأول : فالتقدير : أخبرهم بما يسرونه من عضهم الأنامل غيظاً إذا خلوا وقل لهم : إن الله عليم بما هو أخفى مما تسرونه بينكم ، وهو مضمرات الصدور ، فلا تظنوا أن شيئاً من أسراركم يخفى عليه\rأما الثاني : وهو أن لا يكون داخلاً في المقول فمعناه : قل لهم ذلك يا محمد ولا تتعجب من إطلاعي إياك على ما يسرون ، فإني أعلم ما هو أخفى من ذلك ، وهو ما أضمروه في صدورهم ولم يظهروه بألسنتهم ويجوز أن لا يكون ، ثم قول وأن يكون قوله {قُلْ مُوتُواْ بِغَيْظِكُمْ} أمر الرسول صلى الله عليه وسلم بطيب النفس وقوة الرجاء والاستبشار بوعد الله إياه أنهم يهلكون غيظاً بإعزاز الإسلام وإذلالهم به ، كأنه قيل : حدث نفسك بذلك ، والله تعالى أعلم. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 8 صـ 176}\rفوائد لغوية\rقال ابن عادل : \rقوله تعالى : { هَآأَنْتُمْ أولاء تُحِبُّونَهُمْ } قد تقدم نظيره.\rقال الزَّمَخْشَرِيُّ : \" ها \" للتنبيه ، و\" أنْتُمْ \" مبتدأ و\" أولاءِ \" خبره ، و\" تُحِبُّونَهُمْ \" في موضع نصب على الحال من اسم الإشارة.\rويجوز أن يكون \" أولاء \" بمعنى : الذي ، و\" تُحِبُّونَهُمْ \" صلة له ، والموصول مع الصلة خبر.\rقال الفرَّاء : \" أولاَءِ \" خبر ، و\" يحبونهم \" خبر بعد خبر.","part":16,"page":181},{"id":6743,"text":"ويجوز أن يكون \" أولاء \" في موضع نصب بفعل محذوف ، فتكون المسالة من باب الاشتغال ، نحو : أنا زيداً ضربته.\rقوله : { وَلاَ يُحِبُّونَكُمْ } يحتمل أن يكون استئناف إخبار ، وأن يكون جملة حالية.\rقوله : { عَلَيْكُمْ } متعلق بـ \" عَضُّوا \" ، وكذلك { مِنَ الغيظ } و\" مِنْ \" فيه لابتداء الغاية ، ويجوز أن يكون بمعنى اللام ، فيفيد العِلِّيَّةَ - أى : من أجل الغيظ-.\rوجوز أبو البقاء - في \" عَلَيْكُمْ \" ، وفي { مِنَ الغيظ } - أن يكونا حالين ، فقال : \" ويجوز أن يكون حالاً ، أي : حنقين عليكم من الغيظ. { ومِنَ الغيظ } متعلق بـ \" عَضُّوا \" أيضاً ، و\" مِنْ \" لابتداء الغاية ، أي : من أجل الغيظ ، ويجوز أن يكون حالاً ، أي : مغتاظين \". انتهى.\rوقوله : و\" من \" لابتداء الغاية - أي : من أجل الغيظ كلام متنافر ؛ لأن التي للابتداء لا تفسَّر بمعنى : \" من أجل \" ، فإنه معنى العلة ، والعلة والابتداء متغايران ، وعلى الجملة ، فالحالية - فيهما - لا يظهر معناها ، وتقديره الحال ليس تقديراً صناعيًّا ؛ لأن التقدير الصناعي إنما يكون بالأكوان المطلقة.\rوالعَضّ : الأزم بالأسنان ، وهو تحامُل الأسنان بعضها على بعض ، يقال : عَضِضْتُ قال امرؤ القيس : [ الطويل ]\r.................... كَفَحْلِ الْهِجَانِ يَنْتَحِي لِلْعَضِيضِ\rجعل الباء زائدة في المفعول ؛ إذ الأصل : يعضون خلفنا الأنامل.\rوقال آخر : [ المتقارب ]\rقَدَ افْنَى أنَامِلَهُ أزْمُهُ... فَأضْحَى يَعَضُّ عَلَيَّ الْوَظِيفَا\rوقال الحارث بن ظالم المري : [ الطويل ]\rوَأقْتُلُ أقْوَاماً لِئاماً أذِلَّةً... يَعُذُّونَ مِنْ غَيْظٍ رُءُوسَ الأبَاهِمِ\rوقال آخر : [ البسيط ]\rإذَا رَأوْنِي - أطَالَ اللهُ غَيْظَهُمُ... عَضُّوا مِنَ الْغَيظِ أطْرَافَ الأبَاهِيمِ\r","part":16,"page":182},{"id":6744,"text":"والعَضّ كله بالضاد ، إلا في قولهم : عَظَّ الزمان - أي : اشتد - وعظت الحرب ، فإنهما بالظاء - أخت الطاء-.\rقال الشاعر : [ الطويل ]\rوَعَظُّ زَمَانٍ - يَا بْنَ مَرْوَانَ لَمْ يَدَعْ... مِنَ الْمَالِ إلاَّ مُسْحَتاً أوْ مُجَلَّفُ\rقال شهاب الدين : \" وقد رأيته بخط جماعة من الفضلاء : وعضُّ زمان - بالضاد \".\rوالعُضُّ - بضم الفاء - عَلَف من نوًى مرضوض وغيره ، ومنه : بَعير عُضَاضِيّ - أي : سمين - كأنه منسوب إليه ، وأعَضَّ القومُ - إذا أكلت إبلُهم ذلك ، والعِضّ - بكسر الفاء - الرجل الداهية ، كأنهم تصوروا عَضَّه وشدته.\rوزمن عضوض - أي : جدب ، والتَّعْضوض : نوع من التمر ، سُمِّيَ بذلك لشدة مضغه وصعوبته.\rوالأنامل : جمع أنملة - وهي رؤوس الأصابع.\rقال الرُّماني : واشتقاقها من النمل - هذا الحيوان المعروف - شبهت به لدقتها ، وسرعة تصرفها وحركتها ، ومنه قالوا للنمام : \" نمل ومنمل \" لذلك.\rقال الشاعر : [ المتقارب ]\rوَلَسْتُ بِذِي نَيْرَبٍ فِيهِمُ... وَلاَ مُنْمِشٍ فيهِمُ مُنْمِلِ\rوفي ميمها الضم والفتح.\rوالغيظ : مصدر غاظه ، يغيظه- أي : أغضبه -. وفسره الراغب بأنه أشد الغضب ، قال : وهو الحرارة التي يجدها الإنسان من ثوران دَمِ قلبه. وإذا وصف به الله تعالى ، فإنما يراد به الانتقام. والتغيظ : إظهار الغيظ ، وقد يكون مع ذلك صوت ، قال تعالى : { سَمِعُواْ لَهَا تَغَيُّظاً وَزَفِيراً } [ الفرقان : 12 ] ، والجملة من قوله : { وَتُؤْمِنُونَ بالكتاب كُلِّهِ } معطوفة على { تُحِبُّونَهُمْ } ، ففيها ما فيها من الأوجه المعروفة.\r","part":16,"page":183},{"id":6745,"text":"قال الزمخشري : والواو في { وَتُؤْمِنُونَ } للحال ، وانتصابها من { وَلاَ يُحِبُّونَكُمْ } أي : لا يحبونكم والحال أنكم تؤمنون بكتابكم كله ، وهم - مع ذلك - يبغضونكم ، فما بالكم تحبونهم ، وهم لا يؤمنون بشيء من كتابكم.\rقال أبو حيان : \" وهو حسن ، إلا أن فيه من الصناعة النحوية ما يخدشه ، وهو أنه جعل الواو في { وَتُؤْمِنُونَ } للحال ، وانتصابها من { وَلاَ يُحِبُّونَكُمْ } والمضارع المثبت - إذا وقع حالاً - لا تدخل عليه واو الحال ، تقول : جاء زيد يضحك ، ولا يجوز : ويضحك ، فأما قولهم : قمت وأصُكُّ عينه ، ففي غاية الشذوذ ، وقد أوِّل على إضمار مبتدأ ، أي : وأنا أصُكّ عينه ، فتصير الجملة اسمية ، ويحتمل هذا التأويل هنا : ولا يحبونكم وأنتم تؤمنون بالكتاب كله ، لكنَّ الأولَى ما ذكرنا من كونها للعطف \".\rيعني : فإنه لا يُحْوِج إلى حَذْف ، بخلاف تقديره مبتدأ ، فإنه على خلاف الأصل.\rقوله : { قُلْ مُوتُواْ بِغَيْظِكُمْ } يجوز أن تكون الباء للحال ، أي : موتوا ملتبسين بغيظكم لا يزايلكم ، وهو كناية عن كثرة افسلام وفُشوِّه ؛ لأنه كلما ازداد الإيمان ازداد غيظهم ، ويجوز أن تكون للسببية أي : بسبب غَيْظكم ، وليس بالقويّ.\rوقوله : { مُوتُواْ } صورته أمر ومعناه الدعاء ، فيكون دُعَاءً عليهم بأن يزداد غَيْظُهم ، حتى يهلكوا به ، والمراد من ازدياد الغيظ : ازدياد ما يوجب لهم ذلك الغيظ من قوة الإسلام ، وعِزِّ أهْلِه ، وما لهم في ذلك من الذُّلِّ ، والخِزْي ، والعار.\rوقيل : معناه الخبر ، أي : أن الأمر كذلك.\r","part":16,"page":184},{"id":6746,"text":"وقد قال بعضهم : إنه لا يجوز أن يكون بمعنى : الدعاء ؛ لأنه لو كان أمره بأن يدعو عليهم بذلك لماتوا جميعاً على هذه الصفة ؛ فإنَّ دعوته لا ترد ، وقد آمن منهم كثيرون بعد هذه الآيةِ ، [ وليس بخبر ] ؛ لأنه لو كان خبراً لوقع على حكم ما أخبره ، ولم يؤمن أحدٌ بعدُ ، وإذا انتفى هذان المعنيان فلم يَبْقَ إلا أن يكون معناه التوبيخ ، والتهديد ، كقوله تعالى : { اعملوا مَا شِئْتُمْ } [ فصلت : 40 ] و\" إذَا لَمْ تَستَحْي فاصْنَعْ مَا شِئْتَ \".\rوهذا - الذي قاله - ليس بشيء ؛ لأن مَنْ آمن منهم لم يدخل تحت الدعاء - إن قُصِد به الدعاء - ولا تحت الخبر ، إن قُصِد به الإخبار.\rقوله : { إِنَّ الله عَلِيمٌ بِذَاتِ الصدور } يحتمل أن تكون هذه الجملة مستأنفة ، أخبر - تعالى - بذلك ؛ لأنهم كانوا يُخفون غيظَهم ما أمكنهم ، فذكر ذلك لهم على سبيل الوعيد ، ويحتمل أن يكون من جملة المقول ، أي : قُلْ لهم : كذا ، وكذا ، فيكون في محل نصب بالقول ، ومعنى قوله : { بِذَاتِ } أي : بالُمضْمَرات ، ذوات الصدور ، ف \" ذَات \" - هنا - تأنيث \" ذي \" بمعنى صاحب ؛ فحُذِف الموصوف ، وأقيمت صفته مقامه ، أي : عَلِيمٌ بالمضمرات صاحبة الصدُور ، و\" ذو \" جعلت صاحبة للصدور لملازمتها لها ، وعدم انفكاكها عنها ، نحو أصحاب النار ، وأصحاب الجنة.\rوالمراد بذات الصدور : الخواطر القائمة بالقلب من الدواعي ، والصوارف الموجودة فيه.\rواختلفوا في الوقف على هذه اللفظة ، هل يوقف عليها بالتاء ، أو بالهاء ؟ .\rفقال الأخفش ، والفَرَّاءُ ، وابن كيسان : الوقف عليها بالتاء اتباعاً لرسم المصحف.\r","part":16,"page":185},{"id":6747,"text":"وقال الكسائي ، والجَرْمِيّ : يوقف عليها بالهاء ، لأنها تاء تأنيث ، كهي في صاحبة ، وموافقة الرسم أوْلَى ؛ فإنَّهُ قد ثبت لنا الوقف على تاء التأنيث الصريحة بالتاء ، فإذا وقفنا - هنا - بالتاء ، وافقنا تلك اللغة ، والرسم ، بخلاف عكسه. أ هـ {تفسير ابن عادل حـ 5 صـ 495 ـ 500}. بتصرف يسير.\rمن لطائف الإمام القشيرى فى الآية\rقوله جلّ ذكره : { هَا أَنْتُمْ أُوْلاَءِ تُحِبُّونَهُمْ وَلا يُحِبُّونَكُمْ وَتُؤْمِنُونَ بِالكِتَابِ كُلِّهِ وَإِذَا لَقُوكُمْ قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا عَضُّوا عَلَيْكُمُ الأَنَامِلَ مِنَ الغَيْظِ }.\rأنتم بقضية كرمكم تصفو - عن الكدورات - قلوبكم ؛ فتغلبكم الشفقة عليهم ، وهم - لعتوِّهم وخُلْفِهم - يكيدون لكم ما استطاعوا ، ولفرط وحشتهم لا تترشح منهم إلا قطرات غيظهم. فَفَرِّغْ - يا محمد - قلبك منهم.\r{ قُلْ مُوتُوا بِغَيْظِكُمْ إِنَّ اللهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ }.\rدَعْهُمْ ينفردوا بمقاساة ما تداخلهم من الغيظ ، واستريحوا بقلوبكم عمَّا يَحِلُّ بهم ، فإن الله أولى بعباده ؛ يوصل إلى مَنْ يشاء ما يشاء. أ هـ {لطائف الإشارات حـ 1 صـ 273}","part":16,"page":186},{"id":6748,"text":"موعظة\rقال حجة الإسلام عليه الرحمة : \rواحذر صحبة أكثر الناس فإنهم لا يقيلون عثرة ولا يغفرون زلة ولا يسترون عورة ويحاسبون على النقير والقطمير ويحسدون على القليل والكثير ينتصفون ولا ينصفون ويؤاخذون على الخطأ والنسيان ولا يعفون يغرون الإخوان على الإخوان بالنميمة والبهتان فصحبة أكثرهم خسران وقطيعتهم رجحان إن رضوا فظاهرهم الملق وإن سخطوا فباطنهم الحنق لا يؤمنون في حنقهم ولا يرجون في ملقهم ظاهرهم ثياب وباطنهم ذئاب يقطعون بالظنون ويتغامزون وراءك بالعيون ويتربصون بصديقهم من الحسد ريب المنون يحصون عليك العثرات في صحبتهم ليواجهوك بها في غضبهم ووحشتهم ولا تعول على مودة من لم تخبره حق الخبرة بأن تصحبه مدة في دار أو موضع واحد فتجربه في عزله وولايته وغناه وفقره أو تسافر معه أو تعامله في الدينار والدرهم أو تقع في شدة فتحتاج إليه فإن رضيته في الأحوال فاتخذه أبا لك إن كان كبيرا أو ابنا لك إن كان صغيرا أو أخاك إن كان مثلك\rفهذه جملة آداب المعاشرة مع أصناف الخلق. أ هـ {الإحياء حـ 2 صـ 212}","part":16,"page":187},{"id":6749,"text":"قوله تعالى {إِنْ تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِنْ تُصِبْكُمْ سَيِّئَةٌ يَفْرَحُوا بِهَا وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لَا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ (120)}\rمناسبة الآية لما قبلها\rقال البقاعى : \rولما كان ما أخبرت به هذه الجمل من بغضهم وشدة عداوتهم محتاجاً ليصل إلى المشاهدة إلى بيان دل عليه بقوله : {إن تمسسكم} أي مجرد مس {حسنة تسؤهم} ولما كان هذا دليلاً شهودياً ولكنه ليس صريحاً أتبعه الصريح بقوله : {وإن تصبكم} أي بقوة مرها وشدة وقعها وضرها {سيئة يفرحوا بها} ولما كان هذا أمراً مبكتاً غائظاً مؤلماً داواهم بالإشارة إلى النصر مشروطاً بشرط التقوى والصبر فقال : {وإن تصبروا وتتقوا} أي تكونوا من أهل الصبر والتقوى {لا يضركم كيدهم شيئاً} ثم علل ذلك بقوله : {إن الله} أي ذال الجلال والإكرام {بما يعملون محيط} أي فهو يعد لكل كيد ما يبطله ، والمعنى على قراءة الخطاب : بعملكم كله ، فمن صبر واتقى ظفرته ، ومن عمل على غير ذلك انتقمت منه. أ هـ {نظم الدرر حـ 2 صـ 142}\rوقال الفخر : \rواعلم أن هذه الآية من تمام وصف المنافقين ، فبيّن تعالى أنهم مع ما لهم من الصفات الذميمة والأفعال القبيحة مترقبون نزول نوع من المحنة والبلاء بالمؤمنين. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 8 صـ 177}\rفصل\rقال الفخر : ","part":16,"page":188},{"id":6750,"text":"المس أصله باليد ثم يسمى كل ما يصل إلى الشيء ( ماساً ) على سبيل التشبيه فيقال : فلان مسّه التعب والنصب ، قال تعالى : {وَمَا مَسَّنَا مِن لُّغُوبٍ} [ ق : 38 ] وقال : {وَإِذَا مَسَّكُمُ الضر فِى البحر} [ الإسراء : 67 ]\rقال صاحب \"الكشاف\" : المس ههنا بمعنى الإصابة ، قال تعالى : {إِن تُصِبْكَ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِن تُصِبْكَ مُصِيبَةٌ} [ التوبة : 50 ] وقوله {مَّا أصابك مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ الله وَمَا أصابك مِن سَيّئَةٍ فَمِن نَّفْسِكَ} [ النساء : 79 ] وقال : {إِذَا مَسَّهُ الشر جَزُوعاً * وَإِذَا مَسَّهُ الخير مَنُوعاً} [ المعارج : 20 ، 21 ]. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 8 صـ 177}\rوقال ابن عطية : \rذكر الله تعالى المس في الحسنة ليبين أن بأدنى طروء الحسنة تقع المساءة بنفوس هؤلاء المبغضين ، ثم عادل ذلك في السيئة بلفظ الإصابة ، وهي عبارة عن التمكن.\rلأن الشيء المصيب لشيء هو متمكن منه ، أو فيه.\rفدل هذا النوع البليغ على شدة العداوة ، إذ هو حقد لا يذهب عند نزول الشدائد ، بل يفرحون بنزول الشدائد بالمؤمنين. أ هـ {المحرر الوجيز حـ 1 صـ 498}\rفصل\rقال الفخر : \rالمراد من الحسنة ههنا منفعة الدنيا على اختلاف أحوالها ، فمنها صحة البدن وحصول الخصب والفوز بالغنيمة والاستيلاء على الأعداء وحصول المحبة والأُلفة بين الأحباب والمراد بالسيئة أضدادها ، وهي المرض والفقر والهزيمة والانهزام من العدو وحصول التفرق بين الأقارب ، والقتل والنهب والغارة ، فبيّن تعالى أنهم يحزنون ويغتمون بحصول نوع من أنواع الحسنة للمسلمين ويفرحون بحصول نوع من أنواع السيئة لهم. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 8 صـ 177}","part":16,"page":189},{"id":6751,"text":"فائدة\rقال الفخر : \rيقال ساء الشيء يسوء فهو سيء ، والأنثى سيئة أي : قبح ، ومنه قوله تعالى : {سَاء مَا يَعْمَلُونَ} [ المائدة : 66 ] والسوأى ضد الحسنى. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 8 صـ 177}\rوقال القرطبى : \rقوله تعالى : { إِن تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ } قرأ السُّلَميّ بالياء والباقون بالتاء.\rواللفظ عام في كل ما يحسُن ويسوء.\rوما ذكره المفسرون من الخِصْب والجَدْب واجتماع المؤمنين ودخول الفرقة بينهم إلى غير ذلك من الأقوال أمثلة وليس باختلاف.\rوالمعنى في الآية : أن من كانت هذه صفته من شدّة العداوة والحِقد والفرح بنزول الشدائد على المؤمنين ، لم يكن أهلاً لأن يتخذ بطانة ، لا سِيما في هذا الأمر الجسيم من الجهاد الذي هو مِلاك الدنيا والآخرة ؛ ولقد أحسن القائل في قوله : \rكلّ العداوةِ قد تُرجَى إفاقتُها . . .\rإلاّ عداوة مَن عاداك مِنْ حسدِ. أ هـ {تفسير القرطبى حـ 4 صـ 183}","part":16,"page":190},{"id":6752,"text":"وقال الآلوسى : \r{ إِن تَمْسَسْكُمْ } أيها المؤمنون { حَسَنَةٌ } نعمة من ربكم كالألفة واجتماع الكلمة والظفر بالأعداء { تَسُوْهُمْ } أي تحزنهم وتغظهم { تَسُؤْهُمْ وَإِن تُصِبْكُمْ سَيّئَةٌ } أي محنة كإصابة العدو منكم واختلاف الكلمة فيما بينكم { يَفْرَحُواْ } أي يبتهجوا { بِهَا } وفي ذلك إشارة إلى تناهي عداوتهم إلى حد الحسد والشماتة ، والمس قيل : مستعار للإصابة فهما هنا بمعنى ، وقد سوى بينهما في غير هذا الموضع كقوله تعالى : { إِن تُصِبْكَ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِن تُصِبْكَ مُصِيبَةٌ } [ التوبة : 50 ] وقوله سبحانه : { إِذَا مَسَّهُ الشر جَزُوعاً وَإِذَا مَسَّهُ الخير مَنُوعاً } [ المعارج : 20 ، 21 ] والتعبير هنا بالمسّ مع الحسنة وبالإصابة مع السيئة لمجرد التفنن في التعبير ، وقال بعض المحققين : الأحسن والأنسب بالمقام ما قيل : إنه للدلالة على إفراطهم في السرور والحزن لأن المسّ أقل من الإصابة كما هو الظاهر فإذا ساءهم أقلّ خير نالهم فغيره أولى منه ، وإذا فرحوا بأعظم المصائب مما يرثي له الشامت ويرق الحاسد فغيره أولى فهم لا ترجى موالاتهم أصلاً فكيف تتخذونهم بطانة ؟ ا والقول بأنه لا يبعد أن يقال : إن ذلك إشارة إلى أن ما يصيبهم من الخير بالنسبة إلى لطف الله تعالى معهم خير قليل وما يصيبهم من السيئة بالنسبة لما يقابل به من الأجر الجزيل عظيم بعيد كما لا يخفى. أ هـ {روح المعانى حـ 4 صـ 40}\rلطيفة\rقال أبو حيان : \rوالنكرة هنا في سياق الشرط بأن تعم عموم البدل ، ولم يأت معرفاً لإيهام التعيين بالعهد ، ولإيهام العموم الشمولي.\rوقابل الحسنة بالسيئة ، والمساءة بالفرح وهي مقابلة بديعة. أ هـ {البحر المحيط حـ 3 صـ 45}\rلطيفة\rقال ابن عادل : \rقال أبو العباس : وردت الحسنةُ على خمسةِ أوجُه : ","part":16,"page":191},{"id":6753,"text":"الأول : بمعنى : النصر والظفَر ، قال تعالى : { إِن تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ } [ آل عمران : 120 ] أي : نَصْر وَظفَر.\rالثاني : بمعنى : التوحيد ، قال تعالى : { مَن جَآءَ بالحسنة } [ الأنعام : 160 ] أي : بالتوحيد.\rالثالث : الرَّخَاء : قال تعالى : { وَإِن تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ يَقُولُواْ هذه مِنْ عِندِ الله } [ النساء : 78 ] أي : رخاء.\rالرابع : بمعنى : العاقبة ، قال تعالى : { وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بالسيئة قَبْلَ الحسنة } [ الرعد : 6 ] أي بالعذاب قبل العاقبةِ.\rالخامس : القول بالمعروف ، قال تعالى : { وَيَدْرَءُونَ بالحسنة السيئة } [ الرعد : 22 ] أي : بالقول المعروف.\rفصل\rوالسيئة - أيضاً - على خمسة أوجه : \rالأول : بمعنى : الهزيمة - كما تقدم - كقوله : { وَإِن تُصِبْكُمْ سَيِّئَةٌ يَفْرَحُواْ بِهَا } [ آل عمران : 120 ] أي : هزيمة.\rالثاني : الشرك ، قال تعالى : { وَمَن جَآءَ بالسيئة } [ الأنعام : 160 ] أي : بالشرك.\rالثالث : القحط ، قال تعالى : { وَإِن تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَقُولُواْ هذه مِنْ عِندِكَ } [ النساء : 78 ] أي : قحط ، ومثله قوله : { وَإِن تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَطَّيَّرُواْ بموسى وَمَن مَّعَهُ } [ الأعراف : 131 ].\rالرابع : العذاب ، قال تعالى : { وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بالسيئة } [ الرعد : 6 ].\rالخامس : القول الرديء ، قال تعالى : { وَيَدْرَءُونَ بالحسنة السيئة } [ الرعد : 22 ]. أ هـ {تفسير ابن عادل حـ 5 صـ 500 ـ 501}.\rقوله تعالى : {وَإن تَصْبِرُواْ وَتَتَّقُواْ لاَ يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئاً}\rقال الفخر : ","part":16,"page":192},{"id":6754,"text":"{وَإن تَصْبِرُواْ} يعني على طاعة الله وعلى ما ينالكم فيها من شدة وغم {وَتَتَّقُواْ} كل ما نهاكم عنه وتتوكلوا في أموركم على الله {لاَ يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئاً}. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 8 صـ 177}\rوقال ابن عاشور : \rوَإِن تَصْبِرُواْ وَتَتَّقُواْ لاَ يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئاً إِنَّ الله بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ }.\rأرشد الله المؤمنين إلى كيفية تلقّي أذى العدوّ : بأن يتلقّوه بالصّبر والحذر ، وعبّر عن الحذر بالاتّقاء أي اتّقاء كيدهم وخداعهم ، وقوله { لا يَضِركم كيدهم شيئاً } أي بذلك ينتفي الضرّ كلّه لأنّه أثبت في أوّل الآيات أنّهم لا يضرّون المؤمنين إلاّ أذى ، فالأذى ضرّ خفيف ، فلمَّا انتفى الضرّ الأعظم الَّذي يحتاج في دفعه إلى شديدِ مقاومة من القتال وحراسة وإنفاق ، كان انتفاء ما بَقي من الضرّ هيّناً ، وذلك بالصّبر على الأذى ، وقلّة الاكتراث به ، مع الحذر منهم أن يتوسّلوا بذلك الأذى إلى ما يوصل ضرّاً عظيماً.\rوفي الحديث : \" لا أحد أصبر على أذى يسمعه من اللَّهِ يدعون له نِدّاً وهو يرزقهم \". أ هـ {التحرير والتنوير حـ 3 صـ 204}\rفصل\rقال الفخر : \rقرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو {لاَ يَضُرُّكُمْ} بفتح الياء وكسر الضاد وسكون الراء ، وهو من ضاره يضيره ، ويضوره ضوراً إذا ضرَّه ، والباقون {لاَ يَضُرُّكُمْ} بضم الضاد والراء المشددة وهو من الضر ، وأصله يضرركم جزماً ، فأدغمت الراء في الراء ونقلت ضمة الراء الأولى إلى الضاد وضمت الراء الأخيرة ، اتباعاً لأقرب الحركات وهي ضمة الضاد ، وقال بعضهم : هو على التقديم والتأخير تقديره : ولا يضركم كيدهم شيئاً إن تصبروا وتتقوا ، \rقال صاحب \"الكشاف\" : وروى المفضل عن عاصم {لاَ يَضُرُّكُمْ} بفتح الراء. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 8 صـ 177}","part":16,"page":193},{"id":6755,"text":"وقال ابن عادل : \rوقرأ الباقون : { يَضُرُّكُمْ } بضم الضاد ، وتشديد الراء مرفوعة ، وفي هذه القراءة أوجه : \rالأول : أن الفعل مرتفع ، وليس بجواب للشرط ، وإنما هو دالٌّ على جواب الشرط ، وذلك أنه على نية التقديم ؛ إذ التقدير : لا يضركم إن تصبروا وتتقوا ، فلا يضركم ، فحذف فلا يضركم الذي هو الجواب ، لدلالة ما تقدم عليه ، ثم أخر ما هو دليل على الجواب ، وهذا تخريج سيبويه وأتباعه ، إنما احتاجوا إلى ارتكاب ذلك ، لما رأوا من عدم الجزم في فعل مضارع لا مانع من إعمال الجزم ، ومثله قول الراجز : \rيا أقْرَعُ بْنَ حَابسٍ يَا أقْرَعُ... إنَّكَ إنْ يُصْرَع أخُوكَ تُصْرَعُ\rبرفع \" تصرع \" الأخير-.\rوكذلك قوله : [ البسيط ]\rوَإنْ أتَاهُ خَلِيلٌ يَوْمَ مَسْألَةٍ... يَقُولُ : لاَ غَائِبٌ مَالِي وَلاَ حَرِمُ\rبرفع \" يقول \" - إلاَّ أن هذا النوع مطّرد ، بخلاف ما قبله - أعني : كون فعل الشرط والجزاء مضارعين - فإن المنقول عن سيبويه ، وأتباعه وجوب الجزم ، إلا في ضرورة.\rكقوله : [ الرجز ]\r...................... إنَّك إنْ يُصْرَعْ أخُوكَ تُصْرَعُ\rوتخريجه هذه الآية على ما تقدم عنه يدل على أن ذلك لا يُخَصُّ بالضرورة\rالوجه الثاني : أن الفعل ارتفع لوقوعه بعد فاء مقدَّرة ، وهي وما بعدها الجواب في الحقيقة ، والفعل متى وقع بعد الفاء رُفِع ليس إلاَّ كقوله تعالى : { وَمَنْ عَادَ فَيَنْتَقِمُ الله مِنْهُ } [ المائدة : 95 ].\rوالتقدير : فلا يضركم ، والفاء حذفت في غير محل النزاع.\rكقوله : [ البسيط ]\rمَنْ يَفْعَلِ الْحَسَنَاتِ اللهُ يَشْكُرُهَا... وَالشَّرُّ بِالشَّرِّ عِنْدَ اللهِ مِثْلانِ","part":16,"page":194},{"id":6756,"text":"أي : فالله يشكرها ، وهذا الوجه نقله بعضهم عن المبرد ، وفيه نظر ؛ من حيث إنهم ، لما أنشدوا البيت المذكور ، نقلوا عن المبرد أنه لا يُجَوَّز حَذْفَ هذه الفاء - ألبتة - لا ضرورة ، ولا غيرها - وينقلون عنه أنه يقول : إنما الرواية في هذا البيت : [ البسيط ]\rمَنْ يَفْعَلِ الْخَيْرَ فَالرَّحْمنُ يَشْكُرُهُ... وردوا عليه بأنه إذا صحَّت روايةٌ ، فلا يقدح فيها غيرُها ، ونقله بعضُهم عن الفراء والكسائي ، وهذا أقرب.\rالوجه الثالث : أن الحركة حركة إتباع ؛ وذلك أن الأصل : \" لاَ يَضْرُرْكُمْ \". بالفك وسكون الثاني جَزْماً ، وسيأتي أنه إذا التقى مِثْلان في آخر فعل سكن ثانيهما - جَزْماً ، أو وَقْفاً - فللعرب فيه مذهبان : \rالجزم : وهو لغة تميم.\rوالفك : وهو لغة الحجاز.\rلكن لا سبيل إلى الإدغام إلا في متحرك ، فاضطررنا إلى تحريك المِثْل الثاني ، فحَرَّكْناه بأقرب الحركات إليه ، وهي الضمة التي على الحرف قبله ، فحرَّكناه بها ، وأدْغمنا ما قبله فيه ، فهو مجزوم تقديراً ، وهذه الحركة - في الحقيقة - حركة إتباع ، لا حركة إعراب ، بخلافها في الوجهين السابقين ، فإنها حركة إعراب.\rواعلم أنه متى أدغم هذا النوع ، فإما أن تكون فاؤُه مضمومةً ، أو مفتوحةً ، أو مكسورةً ، فإن كانت مضمومة - كالآية الكريمة.\rوقولهم : مُدَّ - ففيه ثلاثة أوجه حالة الإدغام : \rالضم للإتباع ، والفتح للتخفيف ، والكسر على أصل التقاء الساكنين ، فتقول : مُدَّ ومُدُّ ومُدِّ.\rوينشدون على ذلك قول الشاعر : [ الوافر ]\rفغُضّ الطَّرْفَ إنَّكَ مِنْ نُمَيْرٍ... فَلاَ كَعْباً بَلَغْتَ وَلاَ كِلاَبَا\rبضم الضاد ، وفتحها ، وكسرها - على ما تقرر - وسيأتي أن الآية قُرِئَ فيها بالأوُجه الثلاثةِ.\r","part":16,"page":195},{"id":6757,"text":"وإن كانت فاؤه مفتوحةً ، نحو عَضَّ ، أو مكسورة ، نحو فِرَّ ، كان في اللام وجهان : الفتح ، والكسر ؛ إذ لا وَجْهَ للضمِّ ، لكن لك في نحو فِرَّ أن تقول : الكسر من وجهين : إما الإتباع ، وإما التقاء الساكنين ، وكذلك لك في الفتح - نحو عَضَّ - وجهان - أيضاً- : إما الإتباع ، وإمَّا التخفيف.\rهذا كله إذا لم يتصل بالفعل ضمير غائب ، فأما إذا اتصل به ضمير الغائب - نحو رُدَّهُ - ففيه تفصيل ولغات ليس هذا موضعها.\rوقرأ عاصم - فيما رواه المفضَّل- : بضم الضاد ، وتشديد الراء مفتوحة - على ما تقدم من التخفيف - وهي عندهم أوجه من ضم الراء.\rوقرأ الضحاك بن مزاحم : \" لا يَضُرِّكُمْ \" بضم الضاد ، وتشديد الراء المكسورة - على ما تقدم من التقاء الساكنين. وكأن ابْنُ عَطِيَّةَ لم يحفظها قراءةً ؛ فإنه قال : فأما الكسر فلا أعرفه قراءةً.\rوعبارة الزجَّاج في ذلك متجوَّز فيها ؛ إذْ يظهر من روح كلامه أنها قراءة وقد بينا أنها قراءة.\rوقرأ أبيّ : \" لا يَضْرُرْكُمْ \" بالفكّ ، وهي لغة الحجاز.\rوالكيد : المكر والاحتيال.\rوقال الراغب : هو نوع من الاحتيال ، وقد يكون ممدوحاً ، وقد يكون مذموماً ، وإن كان استعماله في المذموم أكثر.\rقال ابْنُ قُتَيْبَةَ : وأصله من المشقة ، من قولهم : فلان يكيد بنفسه ، أي : يجود بها في غمرات الموت ، ومشقاته.\rويقال : كِدْتُ فلاناً ، أكيده - كبعته أبيعُه.\rقال الشاعر : [ الخفيف ]\rمَنْ يَكِدْنِي بسَيِّءٍ كُنْتُ مِنْهُ... كَالشَّجَى بَيْنَ حَلْقِهِ وَالْوَرِيدِ\rو \" شَيْئاً \" منصوب نصب المصادر ، أي : شيئاً من الضرر ، وقد تقدم نظيره. أ هـ {تفسير ابن عادل حـ 5 صـ 501 ـ 504}.\rفائدة\rقال الفخر : \rالكيد هو أن يحتال الإنسان ليوقع غيره في مكروه ، وابن عباس فسّر الكيد ههنا بالعداوة. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 8 صـ 177}","part":16,"page":196},{"id":6758,"text":"فصل\rقال الفخر : \rمعنى الآية : أن كل من صبر على أداء أوامر الله تعالى واتقى كل ما نهى الله عنه كان في حفظ الله فلا يضره كيد الكافرين ولا حيل المحتالين.\rوتحقيق الكلام في ذلك هو أنه سبحانه إنما خلق الخلق للعبودية كما قال : {وَمَا خَلَقْتُ الجن والإنس إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ} [ الذاريات : 56 ] فمن وفى بعهد العبودية في ذلك فالله سبحانه أكرم من أن لا يفي بعهد الربوبية في حفظه عن الآفات والمخافات ، وإليه الإشارة بقوله {وَمَن يَتَّقِ الله يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجاً * وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لاَ يَحْتَسِبُ} [ الطلاق : 2 ، 3 ] إشارة إلى أنه يوصل إليه كل ما يسره ، وقال بعض الحكماء : إذا أردت أن تكبت من يحسد فاجتهد في اكتساب الفضائل. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 8 صـ 177 ـ 178}\rفائدة\rقال النسفى : \rوهذا تعليم من الله وإرشاد إلى أن يستعان على كيد العدو بالصبر والتقوى.\rوقال الحكماء : إذا أردت أن تكبت من يحسدك فازدد فضلاً في نفسك. أ هـ {تفسير النسفى حـ 1 صـ 175}\rقوله تعالى : {إِنَّ الله بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ}\rقال الطبرى : \rوقوله : \"إنّ الله بما يعملون محيطٌ\" ، يقول جل ثناؤه : إن الله بما يعمل هؤلاء الكفار في عباده وبلاده من الفساد والصدّ عن سبيله ، والعداوة لأهل دينه ، وغير ذلك من معاصي الله \"محيط\" بجميعه ، حافظ له ، لا يعزب عنه شيء منه ، حتى يوفيهم جزاءهم على ذلك كله ، ويذيقهم عقوبته عليه. أ هـ {تفسير الطبرى حـ 7 صـ 158}\rفصل\rقال الفخر : \rقرىء بما يعملون بالياء على سبيل المغايبة بمعنى أنه عالم بما يعملون في معاداتكم فيعاقبهم عليه ، ومن قرأ بالتاء على سبيل المخاطبة ، فالمعنى أنه عالم محيط بما تعملون من الصبر والتقوى فيفعل بكم ما أنتم أهله. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 8 صـ 178}","part":16,"page":197},{"id":6759,"text":"فصل\rقال الفخر : \rإطلاق لفظ المحيط على الله مجاز ، لأن المحيط بالشيء هو الذي يحيط به من كل جوانبه ، وذلك من صفات الأجسام ، لكنه تعالى لما كان عالماً بكل الأشياء قادراً على كل الممكنات ، جاز في مجاز اللغة أنه محيط بها ، ومنه قوله {والله مِن وَرَائِهِمْ مُّحِيطٌ} [ البروج : 20 ] وقال : {والله مُحِيطٌ بالكافرين} [ البقرة : 19 ] وقال : {وَلاَ يُحِيطُونَ بِهِ عِلْماً} [ طه : 110 ] وقال : {وَأَحَاطَ بِمَا لَدَيْهِمْ وأحصى كُلَّ شَىْء عَدَداً} [ الجن : 28 ]. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 8 صـ 178}\rفائدة\rقال الفخر : \rإنما قال : {إِنَّ الله بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ} ولم يقل إن الله محيط بما يعملون لأنهم يقدمون الأهم والذي هم بشأنه ، أعني وليس المقصود ههنا بيان كونه تعالى عالماً ، بينا أن جميع أعمالهم معلومة لله تعالى ومجازيهم عليها ، فلا جرم قد ذكر العمل ، والله أعلم. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 8 صـ 178}\rفوائد بلاغية\rقال أبو حيان : \rقالوا : وتضمنت هذه الآيات ضروباً من البلاغة والفصاحة.\rمنها : الوصل والقطع في { ليسوا سواء من أهل الكتاب أمة قائمة }.\rوالتكرار : في أصحاب النار هم.\rوالعدول عن اسم الفاعل إلى غيره : في يتلون وما بعده ، وفي يظلمون.\rوالاكتفاء بذكر بعض الشيء عن كله إذا كان فيه دلالة على الباقي في : يؤمنون بالله واليوم الآخر.\rوالمقابلة : في تأمرون وتنهون ، وفي المعروف والمنكر.\rويجوز أن يكون طباقاً معنوياً ، وفي حسنة وسيئة ، وفي تسؤهم ويفرحوا.\rوالاختصاص : في عليم بالمتقين ، وفي أموالهم ولا أولادهم ، وفي كمثل ريح ، وفي حرث قوم ظلموا أنفسهم ، وفي بذات الصدور.\rوالتشبيه : في مثل ما ينقون ، وفي بطانة ، وفي عضوا عليكم الأنامل من الغيظ على أحد التأويلين ، وفي تمسسكم حسنة وتصبكم سيئة.","part":16,"page":198},{"id":6760,"text":"شبه حصولهما بالمس والإصابة ، وهو من باب تشبيه المعقول بالمحسوس ، والصحيح أن هذه استعارة.\rوفي محيط شبه القدرة على الأشياء والعلم بها بالشيء المحدق بالشيء من جميع جهاته ، وهو من تشبيه المعقول بالمحسوس.\rوالتجنيس المماثل : في ظلمهم ويظلمون ، وفي تحبونهم ولا يحبونكم ، وفي تؤمنون وآمنا ، وفي من الغيظ وبغيظكم.\rوالالتفات : في وما تفعلوا من خير فلن تكفروه على قراءة من قرأ بالتاء ، وفي ما تعملون محيط على أحد الوجهين.\rوتسمية الشيء باسم محله : في من أفواههم عبر بها عن الألسنة لأنها محلها.\rوالحذف في مواضع. أ هـ {البحر المحيط حـ 3 صـ 46 ـ 47}","part":16,"page":199},{"id":6761,"text":"قوله تعالى { وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ تُبَوِّئُ الْمُؤْمِنِينَ مَقَاعِدَ لِلْقِتَالِ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (121)}\rمناسبة الآية لما قبلها\rقال البقاعى : \rولما كان ما تضمنته هذه الآية من الإخبار ومن الوعد ومن الوعيد منطوقاً ومفهوماً محتاجاً إلى الاجتلاء في صور الجزئيات ذكرهم سبحانه وتعالى بالوقائع التي شوهدت فيها أحوالهم من النصر عند العمل بمنطوق الوعد من الصبر والتقوى وعدمه عند العمل بالمفهوم ، وشوهدت فيها أحوال عدوهم من المساءة عند السرور والسرور عد المساءة ، وذلك غني عن دليل لكونه من المشاهدات ، مشيراً إلى ذلك بواو العطف على غير مذكور ، مخاطباً لأعظم عباده فطنة وأقربهم إليه رتبة ، تهييجاً لغيره إلى تدقيق النظر واتباع الدليل من غير أدنى وقوف مع المألوف فقال تعالى : {وإذ} أي اذكر ما يصدق ذلك من أحوالكم الماضية حين صبرتم واتقيتم فنصرتم ، وحين ساءهم نصركم في كل ذلك في سرية عبد الله بن جحش إلى نخلة ، ثم في بدر ، ثم في غزوة بني قينقاع ونحو ذلك ، واذكر إذ لم يصبر أصحابك فأصيبوا ، وإذ سرتهم مصيبتكم في وقعة أحد إذ {غدوت} أي يا خاتم الأنبياء وأكرم المرسلين! {من أهلك} أي بالمدينة الشريفة صبيحة يوم الجمعة إلى أصحابك في مسجدك لتستشيرهم في أمر المشركين.\rوقد نزلوا بأحد في أواخر يوم الأربعاء ، أو في يوم الخميس لقتالكم.\rوبنى من {غدوت} حالاً إعلاماً بأن الشروع في السبب شروع في مسببه فقال : {تبوىء} أي تنزل {المؤمنين} أي صبيحة يوم السبت وعبر بقوله : {مقاعد} إشارة إلى أنه صلى الله عليه وسلم تقدم إلى كل أحد بالثبات في مركزه ، وأوعز إليه في أن لا يفعل شيئاً إلا بأمره لا سيما الرماة ، ثم ذكر علة ذلك فقال : {للقتال }.","part":16,"page":200},{"id":6762,"text":"ولما كان التقدير : وتتقدم إليهم بأبلغ مقال في تشديد الأقوال والأفعال ، أشار تعالى إلى أنه وقع في غضون ذلك منه ومنهم كلام كثير خفي وجلي بقوله : {والله} أي والحال أن الملك الأعظم الذي أنتم في طاعته {سميع} أي لأقوالكم {عليم} أي بنياتكم في ذلك وغيره فاحذروه ، ولعله خص النبي صلى الله عليه وسلم بلذيذ الخطاب في التذكير تحريضاً لهم مع ما تقدمت الإشارة إليه على المراقبة تعريضاً لهم بأنهم خفوا مع الذين ذكرهم أمر بعاث حتى تواثبوا حين تغاضبوا إلى السلاح - كما ذكر في سبب نزول قوله تعالى : {يا أيها الذين آمنوا إن تطيعوا فريقاً من الذين أوتوا الكتاب} [ آل عمران : 100 ] ، فوقفوا عن نافذ الفهم وصافي الفكر خفة إلى ما أراد بهم عدوهم فاقتضى هذا التحذير كله ، ويؤيد ذلك إقباله في الخطاب عليهم عند نسبة الفشل إليها - كما يأتي قريباً ، ولعله إنما خص هذه الغزوة بالذكر دون ما ذكرت أن واو عطفها دلت عليه مما أيدوا فيه بالنصر لأن الشماتة بالمصيبة أدل على البغضاء والعداوة من الحزن بما يسر ، ودل ذكرها على المحذوف لأن المدعي فيما قبلها شيئان : المساءة بالحسنة ، والفرح والمسرة بالمصيبة ، فإذا برهن المتكلم على الثاني عليم ولا بد أنه حذف برهان الأول ، وأنه إنما حذفه - وهو حكيم - لنكتة ، وهي هنا عدم الاحتياج إلى ذكره لوضوحه بدلالة السياق مع واو العطف عليه ، وما تقدم من كونه غير صريح الدلالة في أمر البغض على أنه تعالى قد ذكر بدراً - كما ترى - بعد محكمة ستذكر ، وأطلق سبحانه وتعالى - كما عن الطبري وغيره - التبوء على ابتداء القتال بالاستشارة فإن الكفار لما نزلوا يوم الأربعاء ثاني عشر شوال سنة ثلاث من الهجرة في سفح أحد مكث رسول الله صلى الله عليه وسلم ينتظر فيهم ما يأتيه من الوحي بقية يوم الأربعاء ويوم الخميس وليلة","part":16,"page":201},{"id":6763,"text":"الجمعة وباتت وجوه الأنصار في المسجد بباب النبي صلى الله عليه وسلم يحرسونه صلى الله عليه وسلم وحرست المدينة الشريفة ، ثم دعا الناس صبيحة يوم الجمعة فاستشارهم في أمرهم وأخبرهم برؤياه تلك الليلة : البقر المذبوحة ، والثلم في سيفه ، وإدخال يده في الدرع الحصينة ، وكان رأيه مع رأي كثير من الصحابة المكث في المدينة ، فإن قاتلوهم فيها قاتلهم الرجال مواجهة والنساء والصبيان من فوق الأسطحة ، وكان عبد الله بن أبيّ المنافق على هذا الرأي ، فلم يزل ناس ممن أكرمهم الله بالشهادة - منهم أسد الله وأسد رسوله عمه حمزة بن عبد المطلب رضي الله عنه - يلحون عليه صلى الله عليه وسلم في الخروج إليهم حتى أجاب فدخل بيته ولبس لأمته بعد أن صلى الجمعة فندموا على استكراههم له صلى الله عليه وسلم وهو يأتيه الوحي ، فلما خرج إليهم أخبروه وسألوه في الإقامة إن شاء فقال : \" ما كان ينبغي لنبي إذا لبس لأمته أن يضعها حتى يحكم الله بينه وبين عدوه \".\r","part":16,"page":202},{"id":6764,"text":"وفي رواية \" حتى يلاقي \" فأتى الشيخين - وهما أطمان - فعرض بهما عسكره ففرغ مع غياب الشمس ، ورآه المشركون حين نزل بهما ، واستعمل تلك الليلة على حرسه محمد ابن مسلمة ، واستعمل المشركون على حرسهم عكرمة بن أبي جهل ، ثم أدلج من سحر ليلة السبت ، وندب الأدلاء ليسيروا أمامه ، وحانت صلاة الصبح في الشوط وهم بحيث يرون المشركين ، فأمر بلالاً رضي الله عنه فأذن وأقام ، وصلى بأصحابه صلى الله عليه وسلم الصبح صفوفاً ، فانخزل عبد الله بن أبيّ بثلث العسكر فرجع وقال : أطاع الولدان ، ومن لا رأي له وعصاني ، وما ندري علام نقتل أنفسنا! وتبعهم عبد الله بن عمرو بن حرام أبو جابر ابن عبد الله -أحد بني سلمة وأحد من استشهد في ذلك اليوم وكلمه الله قبلاً - يناشدهم الله في الرجوع ، فلم يرجعوا فقال : أبعدكم الله! سيغني الله نبيه صلى الله عليه وسلم عنكم ، ورجع فوافق النبي صلى الله عليه وسلم يصف أصحابه ، وكادت طائفتان من الباقين - وهما بنو سلمة عشيرة عبد الله بن عمرو وبنو حارثة - أن تفشلا لرجوع المنافقين ، ثم ثبتهم الله تعالى ؛ ونزل صلى الله عليه وسلم الشعب من أحد ، فجعل ظهره وعسكره إلى أحد وعبأ أصحابه وقال : \r","part":16,"page":203},{"id":6765,"text":"\" لا يقاتلن أحد حتى نأمره! \" وعين طائفة من الرماة وأنزلهم بعينين - جبيل هناك من ورائهم - وأوعز إليهم في أن لا يتغيروا منه حتى يأمرهم إن كانت له أو عليه ، حتى قال لهم : \" إن رأيتمونا تخطفنا الطير فلا تعينونا ، وإن رأيتمونا هزمناهم فلا تشركونا في الغنيمة ، وانضحوا الخيل عنا إذا أتت من ورائنا \" وبرز صاحب لواء المشركين وطلب المبارزة ، فبرز إليه رجل من المسلمين فقتله المسلم فحمله آخر وبرر فقتل ، وفعلوا ذلك واحداً بعد واحد حتى تموا عشرة كلهم يقتل ، فلما انكسرت قلوب المشركين بتوالي القتل في أصحاب اللواء أمر النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه فشدوا فهزموا المشركين وخلوا عسكرهم ونساءهم ، وكان الخيل كلما أتت من وراء المسلمين نضحهم الرماة بالنبل فرجعوا فلما وقع الصحابة رضي الله عنهم في نهب العسكر خلى الرماة ثغرهم ، فنهاهم أميرهم وحذرهم مخالفة أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم فلم يطعه منهم إلا نحو العشرة ، فأتى أصحاب الخيل فقتلوا من بقي من الرماة ، ثم أتوا الصحابة رضي الله عنهم من ورائهم وهم ينتهبون ، فأسرعوا فيهم القتل ونادى إبليس : إن محمداً قد قتل ، فانهزم الصحابة رضوان الله عليهم ، ولم يثبت مع النبي صلى الله عليه وسلم منهم إلا قليل ما بين العشرة إلى الثلاثين - على اختلاف الأقوال ، فاستمر يحاول بهم العدو ، والله تعالى يحفظه ويدافع عنه حتى دنت الشمس للمغرب ، وصرف الله العدو ، فدفن النبي صلى الله عليه وسلم الشهداء وصف أصحابه رضي الله عنهم فأثنى على الله عز وجل ثناء عظيماً ، ذكر فيه فضله سبحانه وعدله ، وأن الملك ملكه يتصرف فيه كيف يشاء ، ورجع إلى المدينة الشريفة وقد أصابته الجراحة في مواضع من وجهه بنفسي هو وأبي وأمي ووجهي وعيني. أ هـ {نظم الدرر حـ 2 صـ 142 ـ 145}","part":16,"page":204},{"id":6766,"text":"وقال الفخر : \rاعلم أنه تعالى لما قال : {وَإِن تَصْبِرُواْ وَتَتَّقُواْ لاَ يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئاً} [ آل عمران : 120 ] أتبعه بما يدلهم على سنة الله تعالى فيهم في باب النصرة والمعونة ودفع مضار العدو إذا هم صبروا واتقوا ، وخلاف ذلك فيهم إذا لم يصبروا فقال : {وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ} يعني أنهم يوم أحد كانوا كثيرين للقتال ، فلما خالفوا أمر الرسول انهزموا ، ويوم بدر كانوا قليلين غير مستعدين للقتال فلما أطاعوا أمر الرسول غلبوا واستولوا على خصومهم ، وذلك يؤكد قولنا ، وفيه وجه آخر وهو أن الانكسار يوم أحد إنما حصل بسبب تخلف عبد الله بن أُبي بن سلول المنافق ، وذلك يدل على أنه لا يجوز اتخاذ هؤلاء المنافقين بطانة. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 8 صـ 178 ـ 179}\rوقال ابن عاشور : \rوجود حرف العطف في قوله : { وإذ غدوت } مانع من تعليق الظرف ببعض الأفعال المتقدّمة مثل { ودوا ما عنتم } [ آل عمران : 118 ] ومثل { يفرحوا بها } [ آل عمران : 120 ] وعليه فهو آت كما أتَتْ نظائره في أوائل الآي والقِصص القرآنية ، وهو من عطف جملة على جملة وقصة على وذلك انتقال اقتضابي فالتقدير : واذكر إذ غدوت.\rولا يأتي في هذا تعلّق الظرف بفعل ممَّا بعده لأنّ قوله : { تبوىء } لاَ يستقيم أن يكون مبدأ الغرض ، وقوله : { همت } لا يصلح لتعليق { إذ غدوت } لأنَّه مدخول ( إذْ ) أخرى.\rومناسبة ذكر هذه الوقعة عقب ما تقدّم أنَّها من أوضح مظاهر كيد المخالفين في الدّين ، المنافقين ، ولمَّا كان شأن المنافقين من اليهود وأهل يثرب واحداً ، ودخيلتهما سواء ، وكانوا يعملون على ما تدبّره اليهود ، جمع الله مكائد الفريقين بذكر غزوة أحُد ، وكان نزول هذه السورة عقب غزوة أحُد كما تقدّم. أ هـ {التحرير والتنوير حـ 3 صـ 204 ـ 205}","part":16,"page":205},{"id":6767,"text":"فصل\rقال الفخر : \rقوله {وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ} فيه ثلاثة أوجه\rالأول : تقديره واذكر إذ غدوت\rوالثاني : قال أبو مسلم : هذا كلام معطوف بالواو على قوله {قَدْ كَانَ لَكُمْ ءايَةٌ فِي فِئَتَيْنِ التقتا فِئَةٌ تقاتل فِى سَبِيلِ الله وأخرى كَافِرَةٌ} [ آل عمران : 13 ] يقول : قد كان لكم في نصر الله تلك الطائفة القليلة من المؤمنين على الطائفة الكثيرة من الكافرين موضع اعتبار لتعرفوا به أن الله ناصر المؤمنين ، وكان لهم مثل ذلك من الآية إذ غدا الرسول صلى الله عليه وسلم يبوىء المؤمنين مقاعد للقتال\rوالثالث : العامل فيه محيط : تقديره والله بما يعملون محيط وإذ غدوت. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 8 صـ 179}\rفصل\rقال الفخر : \rاختلفوا في أن هذا اليوم أي يوم هو ؟ فالأكثرون : أنه يوم أحد : وهو قول ابن عباس والسدي وابن إسحاق والربيع والأصم وأبي مسلم ، وقيل : إنه يوم بدر ، وهو قول الحسن ، وقيل إنه يوم الأحزاب وهو قول مجاهد ومقاتل ، حجة من قال هذا اليوم هو يوم أحد وجوه\rالأول : أن أكثر العلماء بالمغازي زعموا أن هذه الآية نزلت في وقعة أُحد\rالثاني : أنه تعالى قال بعد هذه الآية {وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ الله بِبَدْرٍ} [ آل عمران : 123 ] والظاهر أنه معطوف على ما تقدم ، ومن حق المعطوف أن يكون غير المعطوف عليه ، وأما يوم الأحزاب ، فالقوم إنما خالفوا أمر الرسول صلى الله عليه وسلم يوم أحد لا يوم الأحزاب ، فكانت قصة أحد أليق بهذا الكلام لأن المقصود من ذكر هذه القصة تقرير قوله {وَإِن تَصْبِرُواْ وَتَتَّقُواْ لاَ يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئاً} فثبت أن هذا اليوم هو يوم أحد","part":16,"page":206},{"id":6768,"text":"الثالث : أن الانكسار واستيلاء العدو كان في يوم أحد أكثر منه في يوم الأحزاب لأن في يوم أحد قتلوا جمعاً كثيراً من أكابر الصحابة ولم يتفق ذلك يوم الأحزاب فكان حمل الآية على يوم أحد أولى. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 8 صـ 179}\rوقال أبو حيان : \rوقال الحسن : كان هذا الغدو في غزوة الأحزاب.\rوهو قول : مجاهد ، ومقاتل ، وهو ضعيف.\rلأن يوم الأحزاب كان فيه ظفر المؤمنين ، ولم يجر فيه شيء مما ذكر في هذه الآيات بل قصتاهما متباينتان. أ هـ {البحر المحيط حـ 3 صـ 48}\rفائدة\rقال ابن عطية : \rذهب الطبري رحمه الله إلى أن هذه الآية متصلة بمعنى ما تقدمها من الآيات والظاهر أنها استقبال أمر آخر ، لأن تلك مقاولة في شأن منافقي اليهود ، وهذا ابتداء عتب المؤمنين في أمر أحد ، فالعامل في { إذ } فعل مضمر تقديره واذكر ، وقال الحسن : هذا الغدو المذكور في هذه الآية \" لتبويء المؤمنين \" الذي كان في غزوة الأحزاب.\rقال القاضي أبو محمد : وخالفه الناس ، والجمهور على أن ذلك كان في غزوة أحد ، وفيها نزلت هذه الآيات كلها. أ هـ {المحرر الوجيز حـ 1 صـ 499}","part":16,"page":207},{"id":6769,"text":"فصل\rقال الفخر : \rروي أن المشركين نزلوا بأحد يوم الأربعاء فاستشار رسول الله صلى الله عليه وسلم أصحابه ودعا عبد الله بن أبي بن سلول ولم يدعه قط قبلها فاستشاره فقال عبد الله وأكثر الأنصار : يا رسول الله أقم بالمدينة ولا تخرج إليهم والله ما خرجنا منها إلى عدو قط إلا أصاب منا ولا دخل عدو علينا إلا أصبنا منه ، فكيف وأنت فينا ؟ فدعهم فإن أقاموا أقاموا بشر موضع وإن دخلوا قتلهم الرجال في وجوههم ، ورماهم النساء والصبيان بالحجارة ، وإن رجعوا رجعوا خائبين وقال آخرون : أخرج بنا إلى هؤلاء الأكلب لئلا يظنوا أنا قد خفناهم ، فقال عليه الصلاة والسلام : \" إني قد رأيت في منامي بقراً تذبح حولي فأولتها خيراً ورأيت في ذباب سيفي ثلماً فأوَّلته هزيمة ورأيت كأني أدخلت يدي في درع حصينة فأولتها المدينة فإن رأيتم أن تقيموا بالمدينة وتدعوهم \" فقال قوم من المسلمين من الذين فاتتهم ( بدر ) وأكرمهم الله بالشهادة يوم أحد أخرج بنا إلى أعدائنا فلم يزالوا به حتى دخل فلبس لأمته ، فلما لبس ندم القوم ، وقالوا : بئسما صنعنا نشير على رسول الله والوحي يأتيه ، فقالوا له اصنع يا رسول الله ما رأيت ، فقال : \" لا ينبغي لنبي أن يلبس لأمته فيضعها حتى يقاتل \" فخرج يوم الجمعة بعد صلاة الجمعة وأصبح بالشعب من أحد يوم السبت للنصف من شوال ، فمشى على رجليه وجعل يصف أصحابه للقتال كأنما يقوم بهم القدح إن رأى صدراً خارجاً قال له تأخر ، وكان نزوله في جانب الوادي ، وجعل ظهره وعسكره إلى أُحد وأمر عبد الله بن جبير على الرماة ، وقال : ادفعوا عنا بالنبل حتى لا يأتونا من ورائنا ، وقال عليه الصلاة والسلام لأصحابه : \" اثبتوا في هذا المقام ، فإذا عاينوكم ولوكم الأدبار ، فلا تطلبوا المدبرين ولا تخرجوا من هذا المقام \" ، ثم إن الرسول عليه الصلاة والسلام لما خالف","part":16,"page":208},{"id":6770,"text":"رأي عبد الله بن أُبَيّ شق عليه ذلك ، وقال : أطاع الولدان وعصاني ، ثم قال لأصحابه : إن محمداً إنما يظفر بعدوه بكم ، وقد وعد أصحابه أن أعداءهم إذا عاينوهم انهزموا ، فإذا رأيتم أعداءهم فانهزموا فيتبعوكم ، فيصير الأمر على خلاف ما قاله محمد عليه السلام ، فلما التقى الفريقان انهزم عبد الله بالمنافقين ، وكان جملة عسكر المسلمين ألفاً ، فانهزم عبد الله بن أُبي مع ثلثمائة ، فبقيت سبعمائة ، ثم قواهم الله مع ذلك حتى هزموا المشركين ، فلما رأى المؤمنون انهزام القوم ، وكان الله تعالى بشرهم بذلك ، طمعوا أن تكون هذه الواقعة كواقعة بدر ، فطلبوا المدبرين وتركوا ذلك الموضع ، وخالفوا أمر الرسول صلى الله عليه وسلم بعد أن أراهم ما يحبون ، فأراد الله تعالى أن يفطمهم عن هذا الفعل لئلا يقدموا على مخالفة الرسول عليه السلام وليعلموا أن ظفرهم إنما حصل يوم بدو ببركة طاعتهم لله ولرسوله ، ومتى تركهم الله مع عدوهم لم يقوموا لهم فنزع الله الرعب من قلوب المشركين ، فكثر عليهم المشركون وتفرق العسكر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، كما قال تعالى : {إِذَا تُصْعِدُونَ وَلاَ تَلْوُونَ على أحَدٍ والرسول يَدْعُوكُمْ فِى أُخْرَاكُمْ} [ آل عمران : 153 ] وشج وجه الرسول صلى الله عليه وسلم وكسرت رباعيته وشلت يد طلحة دونه ، ولم يبق معه إلا أبو بكر وعلي والعباس وسعد ، ووقعت الصيحة في العسكر أن محمداً قد قتل ، وكان رجل يكنى أبا سفيان من الأنصار نادى الأنصار وقال : هذا رسول الله ، فرجع إليه المهاجرون والأنصار ، وكان قتل منهم سبعون وكثر فيهم الجراح ، فقال صلى الله عليه وسلم : \" رحم الله رجلاً ذب عن إخوانه \" وشد على المشركين بمن معه حتى كشفهم عن القتلى والجرحى والله أعلم.","part":16,"page":209},{"id":6771,"text":"والمقصود من القصة أن الكفار كانوا ثلاثة آلاف والمسلمون كانوا ألفاً وأقل ، ثم رجع عبد الله بن أُبي مع ثلثمائة من أصحابه فبقي الرسول صلى الله عليه وسلم مع سبعمائة ، فأعانهم الله حتى هزموا الكفار ، ثم لما خالفوا أمر الرسول واشتغلوا بطلب الغنائم انقلب الأمر عليهم وانهزموا ووقع ما وقع ، وكل ذلك يؤكد قوله تعالى : {وَإِن تَصْبِرُواْ وَتَتَّقُواْ لاَ يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئاً} [ آل عمران : 120 ] وأن المقبل من أعانه الله ، والمدبر من خذله الله. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 8 صـ 179 ـ 180}\rفصل\rقال الفخر : \rيقال : بوأته منزلاً وبوأت له منزلاً أي أنزلته فيه ، والمباءة والباءة المنزل وقوله {مَقَاعِدَ لِلْقِتَالِ} أي مواطن ومواضع ، وقد اتسعوا في استعمال المقعد والمقام بمعنى المكان ، ومنه قوله تعالى : {فِى مَقْعَدِ صِدْقٍ} [ القمر : 55 ] وقال : {قَبْلَ أَن تَقُومَ مِن مَّقَامِكَ} [ النمل : 39 ] أي من مجلسك وموضع حكمك وإنما عبر عن الأمكنة ههنا بالمقاعد لوجهين\rالأول : وهو أنه عليه السلام أمرهم أن يثبتوا في مقاعدهم لا ينتقلوا عنها ، والقاعد في مكان لا ينتقل عنه فسمى تلك الأمكنة بالمقاعد ، تنبيهاً على أنهم مأمورون بأن يثبتوا فيها ولا ينتقلوا عنها ألبتة\rوالثاني : أن المقاتلين قد يقعدون في الأمكنة المعينة إلى أن يلاقيهم العدو فيقوموا عند الحاجة إلى المحاربة فسميت تلك الأمكنة بالمقاعد لهذا الوجه. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 8 صـ 180}\rفوائد لغوية\rقال أبو حيان : \rوظاهر قوله : وإذ غدوت ، خروجه غدوة من عند أهله.\rوفسر ذلك بخروجه من حجرة عائشة يوم الجمعة غدوة حين استشار الناس ، فمِنْ مشير بالإقامة وعدم الخروج إلى القتال.\rوأن المشركين إنْ جاؤوا قاتلوهم بالمدينة ، وكان ذلك رأيه صلى الله عليه وسلم.","part":16,"page":210},{"id":6772,"text":"ومن مشير بالخروج وهم : جماعة من صالحي المؤمنين فأتتهم وقعة بدر وتبوئة المؤمنين مقاعد للقتال ، على هذا القول هو أن يقسمَ أفطار المدينة على قبائل الأنصار.\rوقيل : غدوه هو نهوضه يوم الجمعة بعد الصلاة وتبوئته في وقت حضور القتال.\rوسماه غدواً إذ كان قد عزم عليه غدوة.\rوقيل : غدوه كان يوم السبت للقتال.\rولما لم تكن تلك الليلة موافقة للغدو وكأنه كان في أهله ، والعامل في إذا ذكر.\rوقيل : هو معطوف على قوله : { قد كان لكم آية في فئتين التقتا } أي وآية إذ غدوت ، وهذا في غاية البعد.\rولولا أنه مسطور في الكتب ما ذكرته.\rوكذلك قولُ مَنْ جعل من في معنى مع ، أي : وإذ غدوت مع أهلك.\rوهذه تخريجات يقولها وينقلها على سبيل التجويز من لا بصر له بلسان العرب.\rومعنى تبويّء تنزل ، من المباءة وهي المرجع ومنه { لنبوئنهم من الجنة غرفاً } فليتبوأ مقعده من النار ، وقال الشاعر : \rكم صاحب لي صالح . . .\rبوّأته بيديّ لحدا\rوقال الأعشى : \rوما بوّأ الرحمن بيتك منزلا . . .\rبشرقيّ أجياد الصفا والمحرم\rومقاعد : جمع مقعد ، وهو هناك مكان القعود.\rوالمعنى : مواطن ومواقف.\rوقد استعمل المقعد والمقام في معنى المكان.\rومنه : { في مقعد صدق } { قبل أن تقوم من مقامك }\rوقال الزمخشري : وقد اتسع في قعد وقام حتى أجريا مجرى صار انتهى.\rأمّا إجراء قعد مجرى صار فقال أصحابنا : إنما جاء في لفظة واحدة وهي شاذة لا تتعدى ، وهي في قولهم : شحذ شفرته حتى قعدت كأنها حربة ، أي صارت.\rوقد نقد على الزمخشري تخريج قوله تعالى : { فتقعد ملوماً } على أن معناه : فتصير ، لأن ذلك عند النحويين لا يطرد.\rوفي اليواقيت لأبي عمر الزاهد قال ابن الأعرابي : القعد الصيرورة ، والعرب تقول : قعد فلان أميراً بعدما كان مأموراً أي صار.","part":16,"page":211},{"id":6773,"text":"وأمّا إجراء قام مجرى صار فلا أعلم أحداً عدّها في أخوات كان ، ولا ذكر أنها تأتي بمعنى صار ، ولا ذكر لها خبراً إلا أبا عبد الله بن هشام الحضراوي فإنه قال في قول الشاعر : \rعلى ما قام يشتمني لئيم . . .\rإنها من أفعال المقاربة\rوقال ابن عطية : لفظة القعود أدل على الثبوت ، ولا سيما أنّ الرماة إنما كانوا قعوداً ، وكذلك كانت صفوف المسلمين أولاً ، والمبارزة والسرعان يجولون.\rوجمع المقاعد لأنه عيّن لهم مواقف يكونون فيها : كالميمنة والميسرة ، والقلب ، والشاقة.\rوبيّن لكل فريق منهم موضعهم الذي يقفون فيه.\rخرج صلى الله عليه وسلم بعد صلاة الجمعة ، وأصبح بالشعب يوم السبت للنصف من شوال ، فمشى على رجليه ، فجعل يصفّ أصحابه للقتال كأنما يقوم بهم القدح.\rإنْ رأى صدراً خارجاً قال : \" تأخر \" ، وكان نزوله في غدوة الوادي ، وجعل ظهره وعسكره إلى أحد.\rوأمر عبد الله بنَ جبير على الرماة وقال لهم : \" انصحوا عنا بالنبل \" لا يأتونا من ورائنا \".\rوتبوىء جملة حالية من ضمير المخاطب.\rفقيل : هي حال مقدرة ، أي خرجت قاصد التبوئة ، لأن وقت الغدوّ لم يكن وقت التبوئة.\rوقرأ الجمهور تبوىء من بوّأ.\rوقرأ عبد الله : تبوِّىء من أبوأ ، عداه الجمهور بالتضعيف ، وعبد الله بالهمزة.\rوقرأ يحيى بن وثاب : تبوى بوزن تحيا ، عداه بالهمزة ، وسهل لام الفعل بإبدال الهمزة ياء نحو : يقرى في يقرىء.\rوقرأ عبد الله : للمؤمنين بلام الجر على معنى : ترتب وتهيىء.\rويظهر أنَّ الأصل تعديته لواحد بنفسه ، وللآخر باللام لأن ثلاثيه لا يتعدى بنفسه ، إنما يتعدى بحرف جر.\rوقرأ الأشهب : مقاعد القتال على الإضافة ، وانتصاب مقاعد على أنه مفعول ثان لتبوى.\r","part":16,"page":212},{"id":6774,"text":"ومَنْ قرأ للمؤمنين كان مفعولاً لتبوىء ، وعداه باللام كما في قوله : { وإذ بوّأنا لإبراهيم مكان البيت } وقيل : اللام في لابراهيم زائدة ، واللام في للقتال لام العلة تتعلق بتبوىء.\rوقيل : في موضع الصفة لمقاعد.\rوفي الآية دليل على أن الأئمة هم الذين يتولون أمر العساكر ويختارون لهم المواضع للحرب ، وعلى الأجناد طاعتهم قاله : الماتريدي.\rوهو ظاهر. أ هـ {البحر المحيط حـ 3 صـ 48 ـ 50}\rفصل\rقال الفخر : \rقوله {وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ تُبَوّىء المؤمنين مَقَاعِدَ لِلْقِتَالِ} يروى أنه عليه السلام غدا من منزل عائشة رضي الله عنها فمشى على رجليه إلى أحد ، وهذا قول مجاهد والواقدي ، فدل هذا النص على أن عائشة رضي الله عنها كانت أهلاً للنبي صلى الله عليه وسلم وقال تعالى : {الطيبات لِلطَّيّبِينَ والطيبون للطيبات} [ النور : 26 ] فدل هذا النص على أنها مطهرة مبرأة عن كل قبيح ، ألا ترى أن ولد نوح لما كان كافراً قال : {إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ} [ هود : 46 ] وكذلك امرأة لوط. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 8 صـ 180 ـ 181}\rفوائد لغوية\rقال ابن عادل : \rالعامل في \" إذْ \" مضمَر ، تقديره : واذكر إذْ غدوت ، فينتصب المفعول به لا على الظرف ، وجوَّز أبو مسلم أن يكون معطوفاً على { فِئَتَيْنِ } في قوله : { قَدْ كَانَ لَكُمْ آيَةٌ فِي فِئَتَيْنِ } [ آل عمران : 13 ] أي : قد كان لكم آية في فئتين ، وفي إذْ غَدَوْتَ ، وهذا لا ينبغي أن يعرَّج عليه.\rوقال بعضهم : العامل في \" إذْ \" \" محيط \" تقديره : بما يعملون محيط إذْ غَدَوْتَ.\rقال بعضهم : وهذا لا يَصحّ ؛ لأن الواو في ( وَإِذْ ) يمنع في عمل ( مُحِيطٌ ) فيها.","part":16,"page":213},{"id":6775,"text":"والغُدوّ : الخروج أول النهار ، يقال : غدا يغدو ، أي : خرج غدوة ، وفي هذا دليل على جواز صلاة الجمعة قبل الزوال ؛ لأن المفسِّرين أجمعوا على أنه إنما خرج بعد أن صَلَّى الجمعة.\rويُسْتَعْمَل بمعنى : \" صار \" عند بعضهم ، فيكون ناقصاً ، يرفع الاسم ، وينصب الخبر ، وعليه قوله صلى الله عليه وسلم : \" لَوْ تَوَكَّلْتُمْ عَلَى اللهِ حَقَّ توكُّلِهِ لَرَزَقكُمْ كَمَا يَرْزُقُ الطَّيْرَ ، تَغْدُو خِمَاصاً ، وتَرُوحُ بِطَاناً \".\rقوله : \" من أهلك \" متعلق بـ \" غَدَوْتَ \" ، وفي \" مِنْ \" وجهان : \rأحدهما : أنها لابتداء الغاية ، أي : من بين أهلك.\rقال أبو البقاء : \" وموضعه نصب ، تقديره فارقت أهلَك \".\rقال شهابُ الدِّيْنِ : \" وهذا الذي قاله ليس تفسير إعراب ، ولا تفسير معنى ؛ فإن المعنى على غير ما ذكر \".\rالثاني : أنها بمعنى : \" مع \" أي : مع أهْلك ، وهذا لا يساعده لفظ ، ولا معنى.\rقوله : \" تبوئ \" يجوز أن تكون الجملة حالاً من فاعل : \" غَدَوْتَ \" ، وهي حال مقدرة ، أي : قاصداً تَبْوئةَ المؤمنين ؛ لأن وقت الغدو ليس وقتاً للتبوئة ، ويُحْتَمَل أن تكون حالاً مقارنة ؛ لأن الزمان متسع.\rو \" تبوئ \" أي تُنزل ، فهو يتعدى لمفعولين ، إلى أحدهما بنفسه ، وإلى الآخر بحرف الجر ، وقد يُحْذَف - كهذه الآية - ومن عدم الحذف قوله تعالى : { وَإِذْ بَوَّأْنَا لإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ البيت } [ الحج : 26 ] وأصله من المباءة - وهي المرجع-.\rقال الشاعر : [ الطويل ]\rوَمَا بَوَّأ الرَّحْمَنُ بَيْتَكَ مُنْزِلاً... بِشَرْقيٍّ أجْيَادِ الصَّفَا وَالْمُحَرَّمِ\rوقال آخر : [ مجزوء الكامل ]\rكَمْ صَاحِبٍ لِيَ صَالِحٍ... بَوَّأتُهُ بِيَدَيَّ لَحْدَا\rوقد تقدم اشتقاقه.\rوقيل : اللام في قوله \" لإبراهيم \" مزيدة ، فعلى هذا يكون متعدياً لاثنين بنفسه.","part":16,"page":214},{"id":6776,"text":"و \" مقَاعِدَ \" جمع مَقْعَد ، والمراد به - هنا - مكان القعود ، و\" قعد \" قد يكون بمعنى : \" صار \" في المثل خاصة.\rقال الزمخشري : \" وقد اتُّسِعَ في قَامَ ، وقَعَدَ ، حتى أجْرِيَا مُجْرَى صار \".\rقال أبو حيان : أما إجراء قَعَدَ مُجْرَى صار ، فقال بعض أصحابنا : إنما جاء ذلك في لفظة واحدة شاذة في المثل قولهم : شَحَذَ شَفْرَتَه حتَّى قَعَدَتْ كأنَّهَا حَرْبَةٌ ، ولذلك نُقِد على الزمخشري تخريجُه قوله تعالى : { فَتَقْعُدَ مَذْمُوماً } [ الإسراء : 22 ] بمعنى تصير ؛ لأنه لا يَطَّرِد إجراء قَعَدَ مُجْرَى صار.\rقال شهابُ الدين : \" وهذا - الذي ذكره الزمخشري - صحيح ، من كون قَعَد بمعنى : صار في غير ما أشار إليه هذا القائل ؛ حكى أبو عمر الزاهد - عن ابن الأعرابي - أن العرب تقول : قعد فلان أميراً بعد أن كان مأموراً ، أي : صار \".\rثم قال أبو حيان : وأما إجراء قام مُجْرَى صار ، فلا أعلم أحداً عدَّها في أخَوَاتِ \" كان \" ، ولا جعلها بمعنى \" صار \" إلا ابن هشام الخَضْراوي ، فإنه ذكر - في قول الشاعر : [ الوافر ]\rعَلَى مَا قَامَ يَشْتِمُنِي لَئِيمٌ... كَخِنْزِيرٍ تَمَرَّغَ فِي رَمَادِ\rأنها من أفعال المقاربة.\rقال شهابُ الدين : \" وغيرُه من النحويين من يجعلها زائدةً ، وهو شاذٌّ ، أيضاً \".\rوقرأ العامة : \" تبوّئ \" بعدَّوْه بالتضعيف ، وقرأ عبد الله : \" تُبْوِئ \" ، بسكون الباء فعدَّاه بالهمزة ، فهو مضارع أبْوَأ - كأكرم.\rوقرأ يحيى بن وثَّاب \" تُبْوِي \" كقراءة عبد الله ، إلا أنه سَهَّل بإبدالها ياءً ، فصار لفظه كلفظ : يُحيي.","part":16,"page":215},{"id":6777,"text":"وقرأ عبد الله : للمؤمنين - بلام الجر - كقوله : \" وإذ بوأنا لإبراهيم مكان البيت \" وقد تقدم أن في هذه اللام قولين ، والظاهر أنها معدية ؛ لأنه قبل التضعيف ، والهمزة غيرُ متعدٍّ بنفسه. ويحتمل أن يكون قد ضمَّنه - هنا - تهيِّئ ، وترتِّب.\rوقرأ الأشهب \" مقاعد القتال \" - بإضافتها للقتال - واللام في \" لِلْقِتَالِ \" - في قراءة الجمهور - فيها وجهان : \rأوّلهما : - وهو أظهر - : أنها متعلقة بـ \" تبوئ \" على أنها لام العلة.\rوالثاني : أنها متعلقة بمحذوف ؛ لأنها صفة لِ \" مَقَاعِدَ \" أي : مقاعد كائنة ، ومُهَيَّأة للقتال ، ولا يجوز تعلقها بـ \" مقاعد \" ، وإن كانت مشتقة ؛ لأنها مكان ، والأمكنة لا تعمل. أ هـ {تفسير ابن عادل حـ 5 صـ 505 ـ 507}.\rقوله تعالى : {والله سَمِيعٌ عَلِيمٌ}\rقال الفخر : \r{والله سَمِيعٌ عَلِيمٌ} أي سميع لأقوالكم عليم بضمائركم ونياتكم ، فإنا ذكرنا أنه عليه السلام شاور أصحابه في ذلك الحرب ، فمنهم من قال له : أقم بالمدينة ، ومنهم من قال : اخرج إليهم ، وكان لكل أحد غرض آخر فيما يقول ، فمن موافق ، ومن مخالف فقال تعالى : أنا سميع لما يقولون عليم بما يضمرون. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 8 صـ 181}","part":16,"page":216},{"id":6778,"text":"من فوائد العلامة أبى السعود فى الآية\rقال رحمه الله : \r{ وَإِذْ غَدَوْتَ } كلامٌ مستأنفٌ سيق للاستشهاد بما فيه من استتباع عدمِ الصبرِ والتقوى للضرر ، على أن وجودَهما مستتبِعٌ لما وُعِد من النجاة من مضرَّة كيدِ الأعداءِ وإذْ نُصبَ على المفعولية بمضمر خوطب به النبيُّ صلى الله عليه وسلم خاصة مع عموم الخطابِ فيما قبله وما بعده له وللمؤمنين لاختصاص مضمونِ الكلامِ به عليه السلام أي واذكر لهم وقت غُدُوِّك ليتذكروا ما وقع فيه من الأحوال الناشئةِ عن عدم الصبرِ فيعلموا أنهم إن لزِموا الصبرَ والتقوى لا يضرُهم كيدُ الكفرةِ ، وتوجيهُ الأمرِ بالذكر إلى الوقت دون ما وقع فيه من الحوادث مع أنها المقصودةُ بالذات للمبالغةِ في إيجابها كُرْهاً واستحضارِ الحادثةِ بتفاصيلها كما سلف بيانُه في تفسير قولِه تعالى : { وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ للملائكة } الخ والمرادُ به خروجُه عليه السلام إلى أُحد وكان ذلك من منزل عائشةَ رضي الله عنها وهو المرادُ بقوله تعالى : { مِنْ أَهْلِكَ } أي من عند أهلِك { تبوئ المؤمنين } أي تنْزِلُهم أو تهيِّيءُ وتسوّي لهم { مقاعد } ويؤيده قراءتُه من قرأ تبويءُ المؤمنين ، والجملة حالٌ من فاعل غدوتَ لكن لا على أنها حالٌ مقدرةٌ أي ناوياً وقاصداً للتبْوِئة كما قيل بل على أن المقصودَ تذكيرُ الزمانِ الممتدِّ المتسعِ لابتداء الخروجِ والتبْوِئة وما يترتب عليها إذْ هو المُذكِّرُ للقصة ، وإنما عُبّر عنه بالغدو الذي هو الخروجُ غُدوةً مع كون خروجِه عليه السلام بعد صلاةِ الجمعةِ كما ستعرفه ، إذْ حينئذٍ وقعت التبوئةُ التي هي العُمدةُ في الباب إذِ المقصودُ بتذكير الوقت تذكيرُ مخالفتِهم لأمر النبيِّ صلى الله عليه وسلم وتزايُلِهم عن أحيازهم المعيَّنةِ لهم عند التبوئة وعدمِ صبرِهم ، وبهذا يتبين خللُ رأي من احتج به على جواز أداءِ صلاةِ الجمعة قبل الزوال ، ","part":16,"page":217},{"id":6779,"text":"واللام في قوله تعالى : { لِلْقِتَالِ } إما متعلقةٌ بتبوِّيء أي لأجل القتالِ وإما بمحذوف وقع صفةً لمقاعدَ أي كائنةً.\rومقاعدُ القتالِ أماكنُه ومواقِفُه فإن استعمالَ المقعدِ والمقامِ بمعنى المكانِ اتساعاً شائعٌ ذائعٌ كما في قوله تعالى : { فِى مَقْعَدِ صِدْقٍ } وقوله تعالى : { قَبْلَ أَن تَقُومَ مِن مَّقَامِكَ }. أ هـ {تفسير أبى السعود حـ 2 صـ 77 ـ 78}\rومن فوائد الآلوسى فى الآية\rقال رحمه الله : \r{ وَإِذْ غَدَوْتَ } أي واذكر إذ خرجت غدوة { مِنْ } عند { أَهْلِكَ } والخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم خاصة والكلام مستأنف سيق للاستشهاد بما فيه من استتباع عدم الصبر والتقوى للضرر على أن وجودهما مستتبع لما وعد من النجاة عن مضرة كيد الأعداء وكان الخروج من حجرة عائشة رضي الله تعالى عنها { تُبَوّىء المؤمنين } أي توطنهم قاله ابن جبير وقيل : تنزلهم ، وقيل : تسوي وتهيء لهم ، ويؤيده قراءة للمؤمنين إذ ليس محل التقوية والزيادة غير فصيحة { مَقَاعِدَ لِلْقِتَالِ } أي مواطن ومواقف ومقامات له ، وأصل المقعد والمقام محل القعود والقيام ثم توسع فيه فأطلق بطريق المجاز على المكان مطلقاً وإن لم يكن فيه قيام وقعود ، وقد يطلق على من به كقولهم المجلس السامي والمقام الكريم وجملة { تُبَوّىء } حال من فاعل { غَدَوْتَ } ولكون المقصود تذكير الزمان الممتد المتسع لابتداء الخروج والتبوئة وما يترتب عليها إذ هو المذكر للقصة لم يحتج إلى القول بأنها حال مقدرة أي ناوياً وقاصداً للتبوئة ، ومقاعد مفعول ثان لتبوىء والجار والمجرور متعلق بالفعل قبله أو بمحذوف وقع صفة لمقاعد ، ولا يجوز كما قال أبو البقاء أن يتعلق به لأن المراد به المكان وهو لا يعمل. أ هـ {روح المعانى حـ 4 صـ 41}\rمن لطائف الإمام القشيرى فى الآية\r{ وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ تُبَوِّئُ الْمُؤْمِنِينَ مَقَاعِدَ لِلْقِتَالِ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (121)}\rأقامَه - صلى الله عليه وسلم - بتبوئه الأماكن للقتال ، فانْتُدِب لذلك بأمره ثم أظهر في ذلك الباب مكنونات سِرِّه ، فالمدار على قضائه وَقَدَرِه ، والاعتبار بإجرائه واختياره. أ هـ {لطائف الإشارات حـ 1 صـ 274}","part":16,"page":218},{"id":6818,"text":"قوله تعالى : { إِذْ هَمَّتْ طَائِفَتَانِ مِنْكُمْ أَنْ تَفْشَلَا وَاللَّهُ وَلِيُّهُمَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ (122)}\rمناسبة الآية لما قبلها\rقال البقاعى :\rولما كان رجوع عبد الله بن أبي المنافق - كما يأتي في صريح الذكر آخر القصة - من الأدلة على أن المنافقين فضلاً عن المصارحين بالمصارمة متصفون بما أخبر الله تعالى عنهم من العداوة والبغضاء مع أنه كان سبباً في هم الطائفتين من الأنصار بالفشل كان إيلاء هذه القصة للنهي عن اتخاذ بطانة السوء الذين لا يقصرون عن فساد في غاية المناسبة ، ولذلك افتتحها سبحانه وتعالى بقوله - مبدلاً من {إذ غدوت} دليلاً على ما قبله من أن بطانة السوء لا تألوهم خبالاً وغير ذلك - : {إذ همت طائفتان} وكانا جناحي العسكر {منكم} أي بنو سلمة من الخزرج وبنو حارثة من الأوس {أن تفشلا} أي تكسلاً وتراخياً وتضعفاً وتجبناً لرجوع المنافقين عن نصرهم وولايتهم فترجعا ، كما رجع المنافقون {والله} أي والحال أن ذا الجلال والإكرام {وليهما} وناصرهما لأنهما مؤمنتان فلا يتأتى وقوع الفشل وتحققه منهما لذلك ، فليتوكلا عليه وحده لإيمانهما ، أو يكون التقدير : فالعجب منهما كيف تعتمدان على غيره سبحانه وتعالى لتضعفا بخذلانه {و} الحال أنه {على الله} أي الذي له الكمال كله وحده {فليتوكل المؤمنون} أي الذين صار الإيمان صفة لهم ثابتة ، أجمعون لينصرهم ، لا على كثرة عدد ولا قوة جلد ، والأحسن تنزيل الآية على الاحتباك ويكون أصل نظمها : والله وليهما لتوكلهما وإيمانهما فلم يمكن الفشل منهما ، فتولوا الله وتوكلوا عليه ليصونكم من الوهن ، وعلى الله فليتوكل المؤمنون كلهم ليفعل بهم ذلك ، فالأمر بالتوكل ثانياً دال على وجوده أولاً ، وإثبات الولاية أولاً دال على الأمر بها ثانياً ، وفي البخاري في التفسير عن جابر رضي الله عنه قال : فينا نزلت {إذ همت طائفتان منكم أن تفشلا} قال : نحن الطائفتان : بنو حارثة وبنو سلمة ، وما نحب أنها لم تنزل لقول الله عز وجل : {والله وليهما}. أ هـ {نظم الدرر حـ 2 صـ 145 ـ 146}","part":16,"page":219},{"id":6819,"text":"فصل\rقال الفخر : \rالعامل في قوله {إِذْ هَمَّتْ طَّائِفَتَانِ مِنكُمْ} فيه وجوه\rالأول : قال الزجاج : العامل فيه التبوئة ، والمعنى كانت التبوئة في ذلك الوقت\rالثاني : العامل فيه قوله {سَمِيعٌ عَلِيمٌ}\rالثالث : يجوز أن يكون بدلاً من {إِذْ غَدَوْتَ }. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 8 صـ 181}\rفصل\rقال الفخر : \rالطائفتان حيان من الأنصار : بنو سلمة من الخزرج وبنو حارثة من الأوس لما انهزم عبد الله بن أُبي همت الطائفتان باتباعه ، فعصمهم الله ، فثبتوا مع الرسول صلى الله عليه وسلم ، ومن العلماء من قال : إن الله تعالى أبهم ذكرهما وستر عليهما ، فلا يجوز لنا أن نهتك ذلك الستر. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 8 صـ 181}\rفصل\rقال الفخر : \rالفشل : الجبن والخور ، فإن قيل : الهم بالشيء هو العزم ، فظاهر الآية يدل على أن الطائفتين عزمتا على الفشل والترك وذلك معصية فكيف بهما أن يقال والله وليهما ؟ .\rوالجواب : الهم قد يراد به العزم ، وقد يراد به الفكر ، وقد يراد به حديث النفس ، وقد يراد به ما يظهر من القول الدال على قوة العدو وكثرة عدده ووفور عدده ، لأن أي شيء ظهر من هذا الجنس صح أن يوصف من ظهر ذلك منه بأنه هم بأن يفشل من حيث ظهر منه ما يوجب ضعف القلب ، فكان قوله {إِذْ هَمَّتْ طَّائِفَتَانِ مِنكُمْ أَن تَفْشَلاَ} لا يدل على أن معصية وقعت منهما ، وأيضاً فبتقدير أن يقال : إن ذلك معصية لكنها من باب الصغائر لا من باب الكبائر ، بدليل قوله تعالى : {والله وَلِيُّهُمَا} فإن ذلك الهم لو كان من باب الكبائر لما بقيت ولاية الله لهما. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 8 صـ 181}","part":16,"page":220},{"id":6820,"text":"فائدة\rقال الماوردى : \rوفي سبب همّهم بالفشل قولان : \rأحدهما : أن عبد الله بن أبي سلول دعاهما إلى الرجوع عن لقاء المشركين يوم أحد ، فهمّا به ولم يفعلا ، وهذا قول السدي وابن جريج.\rوالثاني : أنهم اختلفوا في الخروج في الغدو والمقام حتى همّا بالفشل. أ هـ {النكت والعيون حـ 1 صـ 420}\rقوله تعالى : {والله وَلِيُّهُمَا}\rفصل\rقال الفخر : \rفي المعنى وجوه\rالأول : أن المراد منه بيان أن ذلك الهم ما أخرجهما عن ولاية الله تعالى\rالثاني : كأنه قيل : الله تعالى ناصرهما ومتولي أمرهما فكيف يليق بهما هذا الفشل وترك التوكل على الله تعالى ؟ \rالثالث : فيه تنبيه على أن ذلك الفشل إنما لم يدخل في الوجود لأن الله تعالى وليهما فأمدهما بالتوفيق والعصمة ، والغرض منه بيان أنه لولا توفيقه سبحانه وتسديده لما تخلص أحد عن ظلمات المعاصي ، ويدل على صحة هذا التأويل قوله تعالى بعده هذه الآية {وَعَلَى الله فَلْيَتَوَكَّلِ المؤمنون }. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 8 صـ 181}\rسؤال : فإن قيل : ما معنى ما روي عن بعضهم عند نزول هذه الآية أنه قال : والله ما يسرنا أنا لم نهم بما همت الطائفتان به ، وقد أخبرنا الله تعالى بأنه وليهما ؟ .\rقلنا : معنى ذلك فرط الاستبشار بما حصل لهم من الشرف بثناء الله تعالى ، وإنزاله فيهم آية ناطقة بصحة الولاية ، وأن تلك الهمة ما أخرجتهم عن ولاية الله تعالى. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 8 صـ 181 ـ 182}\rقوله : {وَعَلَى الله فَلْيَتَوَكَّلِ المؤمنون}\rقال الفخر : \rالتوكل : تفعل ، من وكل أمره إلى فلان إذا عتمد فيه كفايته عليه ولم يتوله بنفسه ، وفي الآية إشارة إلى أنه ينبغي أن يدفع الإنسان ما يعرض له من مكروه وآفة بالتوكل على الله ، وأن يصرف الجزع عن نفسه بذلك التوكل. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 8 صـ 182}","part":16,"page":221},{"id":6821,"text":"فائدة\rقال أبو السعود : \rوإظهارُ الاسمِ الجليلِ للتبرك والتأميل فإن الألوهيةَ من موجبات التوكلِ عليه تعالى ، واللامُ في المؤمنين للجنس فيدخلُ فيه الطائفتان دخولاً أولياً ، وفيه إشعارٌ بأن وصفَ الإيمان من دواعي التوكلِ وموجباتِه. أ هـ {تفسير أبى السعود حـ 2 صـ 79}\rفصل\rقال القرطبى : \rالتوكل في اللغة إظهار العجز والاعتماد على الغير.\rووَاكل فلان إذا ضَيّع أمرَه مُتّكلاً على غيره.\rواختلف العلماء في حقيقة التوكل ؛ فسئل عنه سهل ابن عبد الله فقال : قالت فرقة الرضا بالضّمان ، وقطع الطّمَع من المخلوقين.\rوقال قوم : التوَكّل ترك الأسباب والركون إلى مُسبِّب الأسباب ؛ فإذا شغله السبب عن المسبِّب زال عنه اسم التوكل.\rقال سَهْلٌ : من قال إن التوكل يكون بترك السبب فقد طعن في سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم ؛ لأن الله عز وجل يقول : { فَكُلُواْ مِمَّا غَنِمْتُمْ حَلاَلاً طَيِّباً } [ الأنفال : 69 ] فالغنيمة اكتساب.\rوقال تعالى : { فاضربوا فَوْقَ الأعناق واضربوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ } [ الأنفال : 12 ] فهذا عَمَلٌ.\rوقال النبي صلى الله عليه وسلم : \" إن الله يحب العبد المحترِف \" وكان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يُقْرضون على السِرية.\rوقال غيره : وهذا قول عامّة الفقهاء ، وأنّ التوكل على الله هو الثقة بالله والإيقان بأن قضاءه ماض ، واتباع سنة نبيه صلى الله عليه وسلم في السعي فيما لا بدّ منه من الأسباب من مَطعم ومَشرب وتحرّزٍ من عدوّ وإعدادِ الأسلحة واستعمال ما تقتضيه سنة الله تعالى المعتادة.","part":16,"page":222},{"id":6822,"text":"وإلى هذا ذهب محققو الصوفية ، لكنه لا يستحق اسم التوكل عندهم مع الطمأنينة إلى تلك الأسباب والالتفات إليها بالقلوب ؛ فإنها لا تجلب نفعاً ولا تدفع ضراً ، بل السبب والمسبَّب فعل الله تعالى ، والكل منه وبمشيئته ؛ ومتى وقع من المتوكِّل ركونٌ إلى تلك الأسباب فقد انسلخ عن ذلك الاسم.\rثم المتوكلون على حالين : الأوّل حال المتمَكِّن في التوكُّل فلا يلتفت إلى شيء من تلك الأسباب بقلبه ، ولا يتعاطاه إلا بحكم الأمر.\rالثاني حال غير المتَمكِّن وهو الذي يقع له الالتفات إلى تلك الأسباب أحياناً غير أنه يدفعها عن نفسه بالطرق العلمية ، والبراهين القطعية ، والأذواق الحالية ؛ فلا يزال كذلك إلى أن يُرَقِّيه الله بجوده إلى مقام المتوكلين المتمكنين ، ويلحقه بدرجات العارفين. أ هـ {تفسير القرطبى حـ 4 صـ 189 ـ 190}\rفوائد لغوية\rقال ابن عادل : \rقوله : { إِذْ هَمَّتْ } في هذا الظرف أوجه : \rأحدها : أنه ظَرْف لـ { غَدَوْتَ }.\rالثاني : أنه بدل من { وَإِذْ غَدَوْتَ } ، فالعامل ، فيه هو العامل في المُبْدَل منه.\rالثالث : أنه ظرف لـ { تُبَوِّىءُ }.\rوهذه الأوجه تحتاج إلى نقل تاريخي في اتحاد الزمانين.\rالرابع : أن الناصب له \" عَليمٌ \" وحده - ذكره أبو البقاء.\rالخامس : أن العامل فيه إما \" سَمِيعٌ \" ، وإما \" عَلِيمٌ \" على سبيل التنازع ، وتكون المسألة - حينئذ - من إعمال الثاني ، إذ لو أعمل الأول ، لأضمر في الثاني.\rقال الزمخشري : أو عمل فيه معنى : { سَمِيعٌ عَلِيمٌ }.\rقال أبو حيان : \" وهذا غير محرَّر ؛ لأن العامل لا يكون مركباً من وصفين ، فتحريره أن يقال : عمل فيه معنى سميع ، أو عليم ، وتكون المسألة من التنازع \".","part":16,"page":223},{"id":6823,"text":"قال شهاب الدين : \" لم يرد الزمخشري بذلك إلا ما ذكرناه من إرادة التنازع ، ويصدق أن يقول : عمل فيه هذا وهذا بالمعنى المذكور ؛ لا أنهما عملا فيه معاً ، على أنه لو قيل به لم يكن مبتدعاً قولاً ؛ إذ الفراء يرى ذلك ، ويقول - في نحو : ضربتُ وأكرمتُ زيداً : إن زيداً منصوب بهما ، وإنهما سُلِّطَا عليه معاً \".\rقوله : { أن تَفْشَلاَ } متعلق بـ \" هَمَّتْ \" ؛ لأنه يتعدى بالباء ، والأصل : بأن تفشلا ، فيجري في محل \" أن \" الوجهان المشهوران.\rوالفشل : الجبن والخَوَر.\rوقال بعضهم : الفشل في الرأي : العجز ، وفي البدن : الإعياء ، وعدم النهوض ، وفي الحرب الجُبْن والخَوَر ، والفعل منه فَشِل - بكسر العين - وتفاشل الماء - إذا سال .\rوقرأ عبد الله : والله وليهم ، كقوله : { وَإِن طَآئِفَتَانِ مِنَ المؤمنين اقتتلوا } [ الحجرات : 9 ].\rقوله : { وَعَلى الله } متعلق بقوله : { فَلْيَتَوَكَّلِ } ، قدم للاختصاص ، ولتناسب رؤوس الآي. وتقدم القول في نحو هذه الفاء. أ هـ {تفسير ابن عادل حـ 5 صـ 510 ـ 512}. بتصرف يسير.\rفصل\rقال القرطبى : \rقال الواقِدِيّ بإسناده عن نافع بن جبير قال : سمعت رجلاً من المهاجرين يقول : شهدت أحُداً فنظرت إلى النبل تأتي من كل ناحية ورسول الله صلى الله عليه وسلم وسطها كل ( ذلك ) يصرف عنه.\rولقد رأيت عبد الله ابن شِهاب الزّهْرِيّ يقول يومئذٍ : دَلُّونِي على محمد دلوني على محمد ، فلا نجوت إن نجا.\r( وإنّ ) رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى جنبه ما معه أحد ثم جاوزه ، فعاتبه في ذلك صفوان فقال : والله ما رأيته ، أحلِف بالله إنه مِنّا ممنوع خرجنا أربعةً فتعاهدنا وتعاقدنا على قتله ( فلم نخلص إلى ذلك ).","part":16,"page":224},{"id":6824,"text":"وأكَبّت الحجارة على رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى سقط في حفرة ، كان أبو عامر الرّاهب قد حفرها مكيدة للمسلمين ، فخرّ عليه السلام على جنبه واحتضنه طلحة حتى قام ، ومَصّ مالك بن سِنان والد أبي سعيد الخدرِيّ من جُرح رسول الله صلى الله عليه وسلم الدّم ، وتشبّثت حلقتان من دِرع المِغفَر في وجهه صلى الله عليه وسلم فانتزعهما أبو عبيدة بن الجرّاح وعَضّ عليهما بِثَنِيتيه فسقطتا ؛ فكان أهْتَم يزينه هَتَمُه رضي الله عنه.\rوفي هذه الغزاة قُتل حمزةُ رضي الله عنه ، قتله وحشِي ، وكان وَحْشِيّ مملوكاً لجبير بن مُطْعِم.\rوقد كان جبير قال له : إن قتلت محمداً جعلنا لك أعِنّة الخيل ، وإن أنت قتلت عليّ بن أبي طالب جعلنا لك مائة ناقة كلُّها سُود الحَدَق ، وإن أنت قتلت حمزة فأنت حُرٌّ.\rفقال وحشِيّ : أما محمد فعليه حافظٌ من الله لا يخلُص إليه أحدٌ.\rوأما عليّ ما برز إليه أحد إلاّ قتله.\rوأما حمزة فرجل شجاع ، وعسى أن أُصادفه فأقتله.\rوكانت هِنْد كلما تهيّأ وَحْشِيٌ أو مرّت به قالت : إيْهاً أبا دَسَمَة اشف واستشف.\rفكَمِن له خلف صَخْرة ، وكان حمزة حمل على القوم من المشركين ؛ فلما رجع من حملته ومرّ بوحشِيّ زَرَقه بالمِزْرَاق فأصابه فسقط مَيِّتاً ، رحمه الله ورضي عنه.\rقال ابن إسحاق : فبقرت هِنْدٌ عن كبد حمزة فلاكتها ولم تستطع أن تسيغها فلفظتها ثم علت على صخرة مُشْرفة فصرخت بأعلى صوتها فقالت : \rنحنُ جَزَيْناكم بيَوْم بَدْر . . .\rوالحربُ بعد الحرب ذاتُ سُعْرِ\rما كان عن عُتْبَة لي من صَبْرٍ . . .\rولا أخِي وعَمِّه وبَكْري\rشفَيْتُ نفسي وقضَيْتُ نَذْرِي . . .\rشفيتَ وَحْشِيُّ غلَيلَ صَدْرِي\rفشكْرُ وحْشِي عليّ عَمْرِي . . .\rحتى تَرِمّ أعْظُمِي في قَبْرِي\rفأجابتها هِنْدُ بنت أُثَاثة بن عَبّاد بن عبد المطلب فقالت : ","part":16,"page":225},{"id":6825,"text":"خَزِيتِ في بدْرٍ وبعد بدر . . .\rيا بنت وَقّاعٍ عظيم الكُفْرِ\rصبّحكِ اللَّهُ غَداةَ الفجرِ . . .\rمِلْهَاشِمِيِّين الطِّوَال الزُّهْرِ\rبكل قَطّاعٍ حُسَامٍ يَفْرِي . . .\rحمزةُ لَيْثي وعَليٌّ صَقْرِي\rإذْ رَامَ شَيْبَ وأبوكِ غَدْرِي . . .\rفَخَضَبَا منه ضَوَاحِي النَّحْرِ\rونَذْرِك السّوءَ فشرّ نَذْرِ . . .\rوقال عبد الله بن رواحة يبكي حمزة رضي الله عنه : \rبكت عيني وحق لها بُكاها . . .\rوما يغني البكاء ولا العَوِيل\rعلى أسَدِ الإله غَداة قالوا . . .\rأحَمْزَةُ ذاكم الرّجل القتِيل\rأُصيب المسلمون به جميعا . . .\rهناك ، وقد أُصيب به الرّسول\rأبا يَعْلَى لك الأركان هُدّت . . .\rوأنت الماجد البَرّ الوَصُول\rعليك سلام ربك في جِنانٍ . . .\rمخالِطها نعيم لا يزول\rألا يا هاشم الأخيارِ صبراً . . .\rفكل فعالِكم حسن جميل\rرسول اللَّه مصطبِر كرِيم . . .\rبأمر الله ينطِق إذ يقول\rألا من مُبْلِغ عنى لُؤَيّاً . . .\rفبعد اليومِ دَائِلَةٌ تَدُول\rوقبل اليوم ما عرفوا وذاقوا . . .\rوقائِعنا بها يُشْفى الغَلِيل\rنَسَبْتُم ضربَنا بِقَليبِ بَدْرٍ . . .\rغداةَ أتاكم الموتُ العَجِيل\rغَداةَ ثَوَى أبو جهل صريعاً . . .\rعليه الطَّيْر حَائِمَةً تَجُول\rوعُتْبَة وابنه خَرَّا جميعا . . .\rوشَيْبَة عَضّه السيفُ الصّقِيل\rومَتْرَكُنا أُمَيَّةَ مُجْلَعِبّاً . . .\rوفي حَيْزُومِه لَدْنٌ نبيل\rوهَامَ بنِي ربيعة سائِلوها . . .\rففي أسيافِنا منها فُلُول\rألا يا هِنْدُ لا تبدي شَمَاتا . . .\rبحمزةَ إن عِزّكم ذَليل\rألا يا هِنْدُ فابكي لا تَمَلِّي . . .\rفأنتِ الوَالِهِ العَبْرَى الهَبُول\rورَثَتْه أيضاً أُختُه صفية ، وذلك مذكور في السيرة ، رضي الله عنهم أجمعين. أ هـ {تفسير القرطبى حـ 4 صـ 187 ـ 189}\rمن لطائف الإمام القشيرى فى الآية\r{ إِذْ هَمَّتْ طَائِفَتَانِ مِنْكُمْ أَنْ تَفْشَلَا وَاللَّهُ وَلِيُّهُمَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ (122)}\rيُبْرِزُ الجميعَ في صدار الاختيار ؛ كأنَّ الأمر إليهم في نفيهم وإتيانهم ، وفعلهم وتركهم ، وفي الحقيقة لا يتقلبون إلا بتصريف القبضة ، وتقليب القدرة. أ هـ {لطائف الإشارات حـ 1 صـ 274}","part":16,"page":226},{"id":6826,"text":"فصل\rقال العلامة الفيروزابادى : \r( بصيرة فى التوكل )\rوهو يقال على وجهين : يقال : توكَّلت لفلان بمعنى تولَّيت له. يقال : وكَّلته توكيلاً ، فتوكَّل لى. وتوكَّلت عليه بمعنى اعتمدته.\rوقد أَمر الله تعالى بالتَّوكُّل فى خمسة عشر موضعاً من القرآن.\rالأَوّل : إِن طلبتم النَّصر والفرج فتوكَّلوا علىّ : {إِن يَنصُرْكُمُ اللَّهُ فَلاَ غَالِبَ لَكُمْ} إِلى قوله : {وَعَلَى اللهِ فَلْيَتَوَكَّلِ المُؤْمِنُونَ} ، {وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُواْ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ}.\rالثانى : إِذا أَعرضتَ عن أَعدائى فليكن رفيقك التَّوكُّل : {فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ}.\rالثَّالث : إِذا أَعرض عنك الخلْقُ اعْتَمِدْ على التَّوكُّل : {فَإِن تَوَلَّوْاْ فَقُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ لا اله إِلاَّ هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ}.\rالرابع : إِذا تُلِى القرآن عليك ، أَو تلوته ، فاستَنِدْ على التوكُّل : {وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَاناً وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ}.\rالخامس : إِذا طلبت الصّلح والإِصلاح بين قومٍ لا تتوسّل إِلى ذلك إِلاَّ بالتَّوكُّل : {وَإِن جَنَحُواْ لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ}.\rالسّادس : إِذا وصلت قوافل القضاءِ استقبِلْها بالتَّوكُّل : {قُل لَّن يُصِيبَنَآ إِلاَّ مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا هُوَ مَوْلاَنَا} الآية.\rالسّابع : إِذا نَصبتِ الأَعداءُ حِبالات المكر ادخُلْ أَنت فى أَرض التوكُّل {وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ نُوحٍ} إِلى قوله : {فَعَلَى اللهِ توكَّلْتُ}.\rالثامن : وإِذا عرفت أَنَّ مرجع الكلّ إِلينا ، وتقدير الكلّ منَّا ، وطِّنْ نفسك على فَرْش التوكُّل : {فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ}.","part":16,"page":227},{"id":6827,"text":"التاسع : إِذا علمت أَنى الواحدُ على الحقيقة ، فلا يكن اتِّكالك إِلاَّ علينا : {قُلْ هُوَ رَبِّي لا اله إِلاَّ هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ}.\rالعاشر : إِذا عرفت أَنَّ هذه الهداية من عندى ، لاقِها بالشُّكر ، والتَّوكُّل : {وَمَا لَنَآ أَلاَّ نَتَوَكَّلَ عَلَى اللَّهِ وَقَدْ هَدَانَا سُبُلَنَا} إِلى قوله : {وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ}.\rالحادى عشر : إِذا خشِيت بأْس أَعداءِ الله ، والشيطان الغدّار ، لا تلتجئ إِلاَّ إِلى بابنا : {إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطَانٌ عَلَى الَّذِينَ آمَنُواْ وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ}.\rالثانى عشر : إِن أَردتَ أَن أَكون أَنا وكيلك فى كلّ حال ، فتمسّك بالتَّوكُّل فى كلّ حالٍ : {وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلاً}.\rالثالث عشر : إِن أَردتَ أَن يكون الفردوس الأَعلى منزلك انزل فى مقام التوكُّل : {الَّذِينَ صَبَرُواْ وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ}.\rالرابع عشر : إِن شئت النزول محلّ المحبّة اقصد أَولاً طريق التوكُّل : {فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ}.\rالخامس عشر : إِن أَردتَ أَن أَكونَ لكَ ، وتكون لى ، فاستقرَّ على تَخْت التوكُّل : {وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ} ، {فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّكَ عَلَى الْحَقِّ الْمُبِينِ} ، {وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لاَ يَمُوتُ وَسَبِّحْ بِحَمْدِهِ}. ثمّ اعلم أَنَّ التَّوكُل نصف الدّين ، والنصف الثانى الإِنابة. فإِنَّ الدّين استعانة ، وعبادة. فالتَّوكُّل هو الاستعانة ، والإِنابة هى العبادة.. أ هـ {بصائر ذوى التمييز حـ 2 صـ 87 ـ 88}","part":16,"page":228},{"id":6828,"text":"من نفائس العلامة ابن القيم\rقال عليه الرحمة والرضوان : \rمنزلة التوكل\rفصل\" ومن منازل إياك نعبد وإياك نستعين منزلة التوكل\rقال الله تعالى : {وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ} [ المائده : 23 ] وقال : {وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ} [ إبراهيم : 11 ] وقال : {مَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ} [ الطلاق : 3 ] وقال عن أوليائه : {رَبَّنَا عَلَيْكَ تَوَكَّلْنَا وَإِلَيْكَ أَنَبْنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ} [ الممتحنة : 4 ] وقال لرسوله : {قُلْ هُوَ الرَّحْمَنُ آمَنَّا بِهِ وَعَلَيْهِ تَوَكَّلْنَا} [ الملك : 29 ] وقال لرسوله : {فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّكَ عَلَى الْحَقِّ الْمُبِينِ} [ النمل : 79 ] وقال له : {وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلاً} [ النساء : 81 ] وقال له : {وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لا يَمُوتُ وَسَبِّحْ بِحَمْدِهِ} [ الفرقان : 58 ] وقال له : {فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ} [ آل عمران : 159 ] وقال عن أنبيائه ورسله : {وَمَا لَنَا أَلَّا نَتَوَكَّلَ عَلَى اللَّهِ وَقَدْ هَدَانَا سُبُلَنَا} [ إبراهيم : 12 ] وقال عن أصحاب نبيه {الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَاناً وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ} [ آل عمران : 173 ] وقال : {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَاناً وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ} [ الأنفال : 2 ]","part":16,"page":229},{"id":6829,"text":"والقرآن مملوء من ذلك وفي الصحيحين في حديث السبعين ألفا الذين يدخلون الجنة بغير حساب هم الذين لا يسترقون ولا يتطيرون ولا يكتوون وعلى ربهم يتوكلون\rوفي صحيح البخاري عن ابن عباس رضي الله عنهما قال : \"حسبنا الله ونعم الوكيل قالها إبراهيم حين ألقي في النار وقالها محمد حين قالوا له : {إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَاناً وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ}\" [ آل عمران : 173 ]\rوفي الصحيحين : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقول : \" اللهم لك أسلمت وبك آمنت وعليك توكلت وإليك أنبت وبك خاصمت اللهم إني أعوذ بعزتك لا إله إلا أنت : أن تضلني أنت الحي الذي لا يموت والجن والإنس يموتون\"\rوفي الترمذي عن عمر رضي الله عنه مرفوعا : \"لو أنكم تتوكلون على الله حق توكله لرزقكم كما يرزق الطير تغدو خماصا وتروح بطانا\"\rوفي السنن عن أنس رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : \"من قال يعني إذا خرج من بيته بسم الله توكلت على الله ولا حول ولا قوة إلا بالله يقال له : هديت ووقيت وكفيت فيقول الشيطان لشيطان آخر : كيف لك برجل قد هدي وكفي ووقي\"\rالتوكل نصف الدين والنصف الثاني الإنابة فإن الدين استعانة وعبادة فالتوكل هو الاستعانة والإنابة هي العبادة ومنزلته : أوسع المنازل وأجمعها ولا تزال معمورة بالنازلين لسعة متعلق التوكل وكثرة حوائج العالمين وعموم التوكل ووقوعه من المؤمنين والكفار والأبرار والفجار والطير والوحش والبهائم فأهل السموات والأرض المكلفون وغيرهم في مقام التوكل وإن تباين متعلق توكلهم فأولياؤه وخاصته يتوكلون عليه في حصول ما عليه في الإيمان ونصرة دينه وإعلاء كلمته وجهاد أعدائه وفي محابه وتنفيذ أوامره\r","part":16,"page":230},{"id":6830,"text":"ودون هؤلاء من يتوكل عليه في استقامته في نفسه وحفظ حاله مع الله فارغا عن الناس\rودون هؤلاء من يتوكل عليه في معلوم يناله منه من رزق أو عافية أو نصر على عدو أو زوجة أو ولد ونحو ذلك\rودون هؤلاء من يتوكل عليه في حصول الإثم والفواحش فإن أصحاب\rهذه المطالب لا ينالونها غالبا إلا باستعانتهم بالله وتوكلهم عليه بل قد يكون توكلهم أقوى من توكل كثير من أصحاب الطاعات ولهذا يلقون أنفسهم في المتالف والمهالك معتمدين على الله أن يسلمهم ويظفرهم بمطالبهم فأفضل التوكل : التوكل في الواجب أعني واجب الحق وواجب الخلق وواجب النفس وأوسعه وأنفعه : التوكل في التأثير في الخارج فى مصلحة دينية أو في دفع مفسدة دينية وهو توكل الأنبياء في إقامة دين الله ودفع فساد المفسدين في الأرض وهذا توكل ورثتهم ثم الناس بعد في التوكل على حسب هممهم ومقاصدهم فمن متوكل على الله في حصول الملك ومن متوكل في حصول رغيف ومن صدق توكله على الله في حصول شيء ناله فإن كان محبوبا له مرضيا كانت له فيه العاقبة المحمودة وإن كان مسخوطا مبغوضا كان ما حصل له بتوكله مضرة عليه وإن كان مباحا حصلت له مصلحة التوكل دون مصلحة ما توكل فيه إن لم يستعن به على طاعاته والله أعلم\rفصل : فلنذكر معنى التوكل ودرجاته وما قيل فيه\rقال الإمام أحمد : التوكل عمل القلب ومعنى ذلك : أنه عمل قلبي ليس بقول اللسان ولا عمل الجوارح ولا هو من باب العلوم والإدراكات\rومن الناس : من يجعله من باب المعارف والعلوم فيقول : هو علم القلب بكفاية الرب للعبد ومنهم : من يفسره بالسكون وخمود حركة القلب فيقول : التوكل هو انطراح القلب بين يدي الرب كانطراح الميت بين يدي الغاسل يقلبه كيف يشاء وهو ترك الاختيار والاسترسال مع مجاري الأقدار\rقال سهل : التوكل الاسترسال مع الله مع ما يريد","part":16,"page":231},{"id":6831,"text":"ومنهم : من يفسره بالرضى فيقول : هو الرضى بالمقدور قال بشر الحافي : يقول أحدهم : توكلت على الله يكذب على الله لو توكل على الله رضي بما يفعل الله\rوسئل يحيى بن معاذ : متى يكون الرجل متوكلا فقال : إذا رضي بالله وكيلا ومنهم : من يفسره بالثقة بالله والطمأنينة إليه والسكون إليه\rقال ابن عطاء : التوكل أن لا يظهر فيك انزعاج إلى الأسباب مع شدة فاقتك إليها ولا تزول عن حقيقة السكون إلى الحق مع وقوفك عليها قال ذو النون : هو ترك تدبير النفس والانخلاع من الحول والقوة وإنما يقوي العبد على التوكل إذا علم أن الحق سبحانه يعلم ويرى ما هو فيه\rوقال بعضهم : التوكل التعلق بالله في كل حال وقيل : التوكل أن ترد عليك موارد الفاقات فلا تسمو إلا إلى من إليه الكفايات\rوقيل : نفي الشكوك والتفويض إلى مالك الملوك وقال ذو النون : خلع الأرباب وقطع الأسباب يريد قطعها من تعلق القلب بها لا من ملابسة الجوارح لها ومنهم : من جعله مركبا من أمرين أو أمور فقال أبو سعيد الخراز : التوكل اضطراب بلا سكون وسكون بلا اضطراب يريد : حركة ذاته في الأسباب بالظاهر والباطن وسكون إلى المسبب وركون إليه ولا يضطرب قلبه معه ولا تسكن حركته عن الأسباب الموصلة إلى رضاه\rوقال أبو تراب النخشبي : هو طرح البدن في العبودية وتعلق القلب بالربوبية والطمأنينة إلى الكفاية فإن أعطى شكر وإن منع صبر فجعله مركبا من خمسة أمور : القيام بحركات العبودية وتعلق القلب بتدبير\rالرب وسكونه إلى قضائه وقدره وطمأنينته وكفايته له وشكره إذا أعطى وصبره إذا منع قال أبو يعقوب النهرجوري : التوكل على الله بكمال الحقيقة كما وقع لإبراهيم الخليل عليه السلام في الوقت الذي قال لجبريل عليه السلام : أما إليك فلا لأنه غائب عن نفسه بالله فلم ير مع الله غير الله\r","part":16,"page":232},{"id":6832,"text":"وأجمع القوم على أن التوكل لا ينافي القيام بالأسباب فلا يصح التوكل إلا مع القيام بها وإلا فهو بطالة وتوكل فاسد\rقال سهل بن عبدالله : من طعن في الحركة فقد طعن في السنة ومن طعن في التوكل فقد طعن في الإيمان فالتوكل حال النبي صلى الله عليه وسلم والكسب سنته فمن عمل على حاله فلا يتركن سنته وهذا معنى قول أبي سعيد : هو اضطراب بلا سكون وسكون بلا اضطراب وقول سهل أبين وأرفع وقيل : التوكل قطع علائق القلب بغير الله وسئل سهل عن التوكل فقال : قلب عاش مع الله بلا علاقة وقيل : التوكل هجر العلائق ومواصلة الحقائق وقيل : التوكل أن يستوي عندك الإكثار والإقلال\rوهذا من موجباته وآثاره لأنه حقيقته وقيل : هو ترك كل سبب يوصلك إلى مسبب حتى يكون الحق هو المتولي لذلك وهذا صحيح من وجه باطل من وجه فترك الأسباب المأمور بها : قادح في التوكل وقد تولى الحق إيصال العبد بها وأما ترك الأسباب المباحة : فإن تركها لما هو أرجح منها مصلحة فممدوح وإلا فهو مذموم وقيل : هو إلقاء النفس في العبودية وإخراجها من الربوبية\rيريد : استرسالها مع الأمر وبراءتها من حولها وقوتها وشهود ذلك بها بل بالرب وحده ومنهم : من قال : التوكل هو التسليم لأمر الرب وقضائه ومنهم من قال : هو التفويض إليه في كل حال ومنهم : من جعل التوكل بداية والتسليم واسطة والتفويض نهاية\rقال أبو علي الدقاق : التوكل ثلاث درجات : التوكل ثم التسليم ثم التفويض فالمتوكل يسكن إلى وعده وصاحب التسليم يكتفي بعلمه وصاحب التفويض يرضى بحكمه فالتوكل بداية والتسليم واسطة والتفويض نهاية فالتوكل صفة المؤمنين والتسليم صفة الأولياء والتفويض صفة الموحدين\r","part":16,"page":233},{"id":6833,"text":"التوكل صفة العوام والتسليم صفة الخواص والتفويض صفة خاصة الخاصة التوكل صفة الأنبياء والتسليم صفة إبراهيم الخليل والتفويض صفة نبينا محمد وعليهم أجمعين هذا كله كلام الدقاق ومعنى هذا التوكل : اعتماد على الوكيل وقد يعتمد الرجل على وكيله مع نوع اقتراح عليه وإرادة وشائبة منازعة فإذا سلم إليه زال عنه ذلك ورضي بما يفعله وكيله وحال المفوض فوق هذا فإنه طالب مريد ممن فوض إليه ملتمس منه أن يتولى أموره فهو رضى واختيار وتسليم واعتماد فالتوكل يندرج في التسليم وهو والتسليم يندرجان في التفويض والله سبحانه وتعالى أعلم\rفصل وحقيقة الأمر : أن التوكل حال مركبة من مجموع أمور لا تتم حقيقة\rالتوكل إلا بها وكل أشار إلى واحد من هذه الأمور أو اثنين أو أكثر\rفأول ذلك : معرفة بالرب وصفاته : من قدرته وكفايته وقيوميته وانتهاء\rالأمور إلى علمه وصدورها عن مشيئته وقدرته وهذه المعرفة أول درجة يضع بها العبد قدمه في مقام التوكل قال شيخنا رضي الله عنه : ولذلك لا يصح التوكل ولا يتصور من فيلسوف ولا من القدرية النفاة القائلين : بأنه يكون في ملكه ما لا يشاء ولا يستقيم أيضا من الجهمية النفاة لصفات الرب جل جلاله ولا يستقيم التوكل إلا من أهل الإثبات\rفأي توكل لمن يعتقد أن الله لا يعلم جزئيات العالم سفليه وعلويه ولا هو فاعل باختياره ولا له إرادة ومشيئة ولا يقوم به صفة فكل من كان بالله وصفاته أعلم وأعرف : كان توكله أصح وأقوى والله سبحانه وتعالى أعلم\rفصل : الدرجة الثانية : إثبات في الأسباب والمسببات فإن من نفاها","part":16,"page":234},{"id":6834,"text":"فتوكله مدخول وهذا عكس ما يظهر في بدوات الرأي : أن إثبات الأسباب يقدح في التوكل وأن نفيها تمام التوكل فاعلم أن نفاة الأسباب لا يستقيم لهم توكل ألبتة لأن التوكل من أقوى الأسباب في حصول المتوكل فيه فهو كالدعاء الذي جعله الله سببا في حصول المدعو به فإذا اعتقد العبد أن توكله لم ينصبه الله سببا ولا جعل دعاءه سببا لنيل شيء فإن المتوكل فيه المدعو بحصوله : إن كان قد قدر حصل توكل أو لم يتوكل دعا أو لم يدع وإن لم يقدر لم يحصل توكل أيضا أو ترك التوكل\rوصرح هؤلاء : أن التوكل والدعاء عبودية محضة لا فائدة لهما إلا ذلك ولو ترك العبد التوكل والدعاء ما فاته شيء مما قدر له ومن غلاتهم من يجعل الدعاء بعدم المؤاخذة على الخطإ والنسيان عديم الفائدة إذ هو مضمون الحصول ورأيت بعض متعمقي هؤلاء في كتاب له لا يجوز الدعاء بهذا وإنما يجوزه تلاوة لا دعاء قال لأن الدعاء به يتضمن الشك في وقوعه لأن الداعي بين الخوف والرجاء والشك في وقوع ذلك شك في خبر الله فانظر إلى ما قاد إنكار","part":16,"page":235},{"id":6835,"text":"الأسباب من العظائم وتحريم الدعاء بما أثنى الله على عباده وأوليائه بالدعاء به وبطلبه ولم يزل المسلمون من عهد نبيهم وإلى الآن يدعون به في مقامات الدعاء وهو من أفضل الدعوات وجواب هذا الوهم الباطل أن يقال : بقي قسم ثالث غير ما ذكرتم من القسمين لم تذكروه وهو الواقع وهو أن يكون قضى بحصول الشيء عند حصول سببه من التوكل والدعاء فنصب الدعاء والتوكل سببين لحصول المطلوب وقضى بحصوله إذا فعل العبد سببه فإذا لم يأت بالسبب امتنع المسبب وهذا كما قضى بحصول الولد إذا جامع الرجل من يحبلها فإذا لم يجامع لم يخلق الولد وقضى بحصول الشبع إذا أكل والري إذا شرب فإذا لم يفعل لم يشبع ولم يرو وقضى بحصول الحج والوصول إلى مكة إذا سافر وركب الطريق فإذا جلس في بيته لم يصل إلى مكة وقضى بدخول الجنة إذا أسلم وأتى بالأعمال الصالحة فإذا ترك الإسلام ولم يعمل الصالحات : لم يدخلها أبدا وقضى بإنضاج الطعام بإيقاد النار تحته\rوقضى بطلوع الحبوب التي تزرع بشق الأرض وإلقاء البذر فيها فما لم يأت بذلك لم يحصل إلا الخيبة فوزان ما قاله منكرو الأسباب : أن يترك كل من هؤلاء السبب الموصل ويقول : إن كان قضى لى وسبق في الأزل حصول الولد والشبع والري والحج ونحوها فلا بد أن يصل إلي تحركت أو سكنت وتزوجت أو تركت سافرت أو قعدت وإن لم يكن قد قضى لي لم يحصل لي أيضا فعلت أو تركت\rفهل يعد أحد هذا من جملة العقلاء وهل البهائم إلا أفقه منه فإن البهيمة تسعى في السبب بالهداية العامة\rفالتوكل من أعظم الأسباب التي يحصل بها المطلوب ويندفع بها المكروه فمن أنكر الأسباب لم يستقم منه التوكل ولكن من تمام التوكل : عدم الركون إلى الأسباب وقطع علاقة القلب بها فيكون حال قلبه قيامه بالله لا بها وحال بدنه قيامه بها\r","part":16,"page":236},{"id":6836,"text":"فالأسباب محل حكمة الله وأمره ودينه والتوكل متعلق بربوبيته وقضائه وقدره فلا تقوم عبودية الأسباب إلا على ساق التوكل ولا يقوم ساق التوكل إلا على قدم العبودية والله سبحانه وتعالى أعلم\rفصل : الدرجة الثالثة : رسوخ القلب في مقام توحيد التوكل\rفإنه لا يستقيم توكل العبد حتى يصح له توحيده بل حقيقة التوكل : توحيد القلب فما دامت فيه علائق الشرك فتوكله معلول مدخول وعلى قدر تجريد التوحيد : تكون صحة التوكل فإن العبد متى التفت إلى غير الله أخذ ذلك الالتفات شعبة من شعب قلبه فنقص من توكله على الله بقدر ذهاب تلك الشعبة ومن ههنا ظن من ظن أن التوكل لا يصح إلا برفض الأسباب وهذا حق لكن رفضها عن القلب لا عن الجوارح فالتوكل لا يتم إلا برفض الأسباب عن القلب وتعلق الجوارح بها فيكون منقطعا منها متصلا بها والله سبحانه وتعالى أعلم\rفصل : الدرجة الرابعة : اعتماد القلب على الله واستناده إليه وسكونه\rإليه بحيث لا يبقى فيه اضطراب من تشويش الأسباب ولا سكون إليها بل يخلع السكون إليها من قلبه ويلبسه السكون إلى مسببها وعلامة هذا : أنه لا يبالي بإقبالها وإدبارها ولا يضطرب قلبه ويخفق","part":16,"page":237},{"id":6837,"text":"عند إدبار ما يحب منها وإقبال ما يكره لأن اعتماده على الله وسكونه إليه واستناده إليه قد حصنه من خوفها ورجائها فحاله حال من خرج عليه عدو عظيم لا طاقة له به فرأى حصنا مفتوحا فأدخله ربه إليه وأغلق عليه باب الحصن فهو يشاهد عدوه خارج الحصن فاضطراب قلبه وخوفه من عدوه في هذه الحال لا معنى له وكذلك من أعطاه ملك درهما فسرق منه فقال له الملك : عندي أضعافه فلا تهتم متى جئت إلي أعطيتك من خزائني أضعافه فإذا علم صحة قول الملك ووثق به واطمأن إليه وعلم أن خزائنه مليئة بذلك لم يحزنه فوته وقد مثل ذلك بحال الطفل الرضيع في اعتماده وسكونه وطمأنينته بثدي أمه لا يعرف غيره وليس في قلبه التفات إلى غيره كما قال بعض العارفين : المتوكل كالطفل لا يعرف شيئا يأوي إليه إلا ثدي أمه كذلك المتوكل لا يأوي إلا إلى ربه سبحانه\rفصل الدرجة الخامسة : حسن الظن بالله عز وجل فعلى قدر حسن ظنك\rبربك ورجائك له يكون توكلك عليه ولذلك فسر بعضهم التوكل بحسن الظن بالله والتحقيق : أن حسن الظن به يدعوه إلى التوكل عليه إذ لا يتصور التوكل على من ساء ظنك به ولا التوكل على من لا ترجوه والله أعلم\rفصل الدرجة السادسة : استسلام القلب له وانجذاب دواعيه كلها إليه\rوقطع منازعاته وبهذا فسره من قال : أن يكون العبد بين يدي الله كالميت بين يدي الغاسل يقلبه كيف أراد لا يكون له حركة ولا تدبير\rوهذا معنى قول بعضهم : التوكل إسقاط التدبير يعني الاستسلام لتدبير الرب لك وهذا في غير باب الأمر والنهي بل فيما يفعله بك لا فيما أمرك بفعله\rفالاستسلام كتسليم العبد الذليل نفسه لسيده وانقياده له وترك منازعات نفسه وإرادتها مع سيده والله سبحانه وتعالى أعلم\rفصل الدرجة السابعة : التفويض وهو روح التوكل ولبه وحقيقته وهو إلقاء","part":16,"page":238},{"id":6838,"text":"أموره كلها إلى الله وإنزالها به طلبا واختيارا لا كرها واضطرارا بل كتفويض الابن العاجز الضعيف المغلوب على أمره : كل أموره إلى أبيه العالم بشفقته عليه ورحمته وتمام كفايته وحسن ولايته له وتدبيره له فهو يرى أن تدبير أبيه له خير من تدبيره لنفسه وقيامه بمصالحه وتوليه لها خير من قيامه هو بمصالح نفسه وتوليه لها فلا يجد له أصلح ولا أرفق من تفويضه أموره كلها إلى أبيه وراحته من حمل كلفها وثقل حملها مع عجزه عنها وجهله بوجوه المصالح فيها وعلمه بكمال علم من فوض إليه وقدرته وشفقته\rفصل : فإذا وضع قدمه في هذه الدرجة انتقل منها إلى درجة الرضى وهي\rثمرة التوكل ومن فسر التوكل : بها فإنما فسره بأجلع ثمراته وأعظم فوائده فإنه إذا توكل حق التوكل رضي بما يفعله وكيله\rوكان شيخنا رضي الله عنه يقول : المقدور يكتنفه أمران : التوكل قبله والرضى بعده فمن توكل على الله قبل الفعل ورضي بالمقضي له بعد الفعل فقد قام بالعبودية أو معنى هذا\rقلت : وهذا معنى قول النبي صلى الله عليه وسلم فى دعاء الاستخارة : اللهم إني أستخيرك بعلمك وأستقدرك بقدرتك وأسألك من فضلك العظيم فهذا\rتوكل وتفويض ثم قال : فإنك تعلم ولا أعلم وتقدر ولا أقدر وأنت علام الغيوب فهذا تبرؤ إلى الله من العلم والحول والقوة وتوسل إليه سبحانه بصفاته التي هي أحب ما توسل إليه بها المتوسلون ثم سأل ربه أن يقضي له ذلك الأمر إن كان فيه مصلحته عاجلا أو آجلا وأن يصرفه عنه إن كان فيه مضرته عاجلا أو آجلا فهذا هو حاجته التي سألها فلم يبق عليه إلا الرضى بما يقضيه له فقال : واقدر لي الخير حيث كان ثم رضني به","part":16,"page":239},{"id":6839,"text":"فقد اشتمل هذا الدعاء على هذه المعارف الإلهية والحقائق الإيمانية التي من جملتها : التوكل والتفويض قبل وقوع المقدور والرضى بعده وهو ثمرة التوكل والتفويض علامة صحته فإن لم يرض بما قضى له فتفويضه معلول فاسد\rفباستكمال هذه الدرجات الثمان يستكمل العبد مقام التوكل وتثبت قدمه فيه وهذا معنى قول بشر الحافي : يقول أحدهم : توكلت على الله يكذب على الله لو توكل على الله لرضي بما يفعله الله به وقول يحيى بن معاذ وقد سئل : متى يكون الرجل متوكلا فقال : إذا رضي بالله وكيلا\rفصل وكثيرا ما يشتبه في هذا الباب المحمود الكامل بالمذموم الناقص\rفيشتبه التفويض بالإضاعة فيضيع العبد حظه ظنا منه أن ذلك تفويض وتوكل وإنما هو تضييع لا تفويض فالتضييع في حق الله والتفويض في حقك\rومنه : اشتباه التوكل بالراحة وإلقاء حمل الكل فيظن صاحبه أنه متوكل وإنما هو عامل على عدم الراحة\rوعلامة ذلك : أن المتوكل مجتهد في الأسباب المأمور بها غاية الاجتهاد مستريح من غيرها لتعبه بها والعامل على الراحة آخذ من الأمر مقدار ما تندفع به الضرورة وتسقط به عنه مطالبة الشرع فهذا لون وهذا لون\rومنه : اشتباه خلع الأسباب بتعطيلها فخلعها توحيد وتعطيلها إلحاد وزندقة فخلعها عدم اعتماد القلب عليها ووثوقه وركونه إليها مع قيامه بها وتعطيلها إلغاؤها عن الجوارح\rومنه : اشتباه الثقة بالله بالغرور والعجز والفرق بينهما : أن الواثق بالله قد فعل ما أمره الله به ووثق بالله في طلوع ثمرته وتنميتها وتزكيتها كغارس الشجرة وباذر الأرض والمغتر العاجز : قد فرط فيما أمر به وزعم أنه واثق بالله والثقة إنما تصح بعد بذل المجهود","part":16,"page":240},{"id":6840,"text":"ومنه : اشتباه الطمأنينة إلى الله والسكون إليه بالطمأنينة إلى المعلوم وسكون القلب إليه ولا يميز بينهما إلا صاحب البصيرة كما يذكر عن أبي سليمان الداراني : أنه رأى رجلا بمكة لا يتناول شيئاإلا شربة من ماء زمزم فمضى عليه أيام فقال له أبو سليمان يوما : أرأيت لو غارت زمزم أي شيء كنت تشرب فقام وقبل رأسه وقال : جزاك الله خيرا حيث أرشدتني فإني كنت أعبد زمزم منذ أيام ثم تركه ومضى\rوأكثر المتوكلين سكونهم وطمأنينتهم إلى المعلوم وهم يظنون أنه إلى الله وعلامة ذلك : أنه متى انقطع معلوم أحدهم حضره همه وبثه وخوفه فعلم أن طمأنينته وسكونه لم يكن إلى الله\rومنه : اشتباه الرضى عن الله بكل ما يفعل بعبده مما يحبه ويكرهه بالعزم على ذلك وحديث النفس به وذلك شيء والحقيقة شيء آخر كما يحكى عن أبي سليمان أنه قال : أرجو أن أكون أعطيت طرفا من الرضى لو أدخلني النار لكنت بذلك راضيا\rفسمعت شيخ الإسلام ابن تيمية يقول : هذا عزم منه على الرضى وحديث نفس به ولو أدخله النار لم يكن من ذلك شيء وفرق بين العزم على الشيء وبين حقيقته\rومنه : اشتباه علم التوكل بحال المتوكل فكثير من الناس يعرف التوكل وحقيقته وتفاصيله فيظن أنه متوكل وليس من أهل التوكل فحال التوكل : أمر آخر من وراء العلم به وهذا كمعرفة المحبة والعلم بها وأسبابها ودواعيها وحال المحب العاشق وراء ذلك وكمعرفة علم الخوف وحال الخائف وراء ذلك وهو شبيه بمعرفة المريض ماهية الصحة وحقيقتها وحاله بخلافها فهذا الباب يكثر اشتباه الدعاوى فيه بالحقائق والعوارض بالمطالب والآفات القاطعة بالأسباب الموصلة والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم\rفصل التوكل من أعم المقامات تعلقا بالأسماء الحسنى فإن له تعلقا","part":16,"page":241},{"id":6841,"text":"خاصا بعامة أسماء الأفعال وأسماء الصفات فله تعلق باسم الغفار والتواب والعفو والرؤوف والرحيم وتعلق باسم الفتاح والوهاب والرزاق والمعطي والمحسن وتعلق باسم المعز المذل الحافظ الرافع المانع من جهة توكله عليه في إذلال أعداء دينه وخفضهم ومنعهم أسباب النصر وتعلق بأسماء القدرة والإرادة وله تعلق عام بجميع الأسماء الحسنى ولهذا فسره من فسره من الأئمة بأنه المعرفة بالله وإنما أراد أنه بحسب معرفة العبد يصح له مقام التوكل وكلما كان بالله أعرف كان توكله عليه أقوى\rفصل وكثير من المتوكلين يكون مغبونا في توكله وقد توكل حقيقة\rالتوكل وهو مغبون كمن صرف توكله إلى حاجة جزئية استفرغ فيها قوة توكله ويمكنه نيلها بأيسر شيء وتفريغ قلبه للتوكل في زيادة الإيمان والعلم ونصرة الدين والتأثير في العالم خبرا فهذا توكل العاجز القاصر الهمة كما يصرف بعضهم همته وتوكله ودعاءه إلى وجع يمكن مداواته بأدنى شيء أو جوع يمكن زواله بنصف\rرغيف أو نصف درهم ويدع صرفه إلى نصرة الدين وقمع المبتدعين وزيادة الإيمان ومصالح المسلمين والله أعلم\rفصل : قال صاحب المنازل : التوكل : كلة الأمر إلى مالكه والتعويل على وكالته وهو من أصعب منازل العامة عليهم وأوهى السبل عند الخاصة لأن الحق تعالى قد وكل الأمور كلها إلى نفسه وأيأس العالم من ملك شيء منها\rقوله : كلة الأمر إلى مالكه أي تسليمه إلى من هو بيده والتعويل على وكالته أي الاعتماد على قيامه بالأمر والاستغناء بفعله عن فعلك وبإرادته عن إرادتك\rو الوكالة يراد بها أمران أحدهما : التوكيل وهو الاستنابة والتفويض والثاني : التوكل وهو التعرف بطريق النيابة عن الموكل وهذا من الجانبين فإن الله تبارك وتعالى يوكل العبد ويقيمه في حفظ ما وكله فيه والعبد يوكل الرب ويعتمد عليه","part":16,"page":242},{"id":6842,"text":"فأما وكالة الرب عبده ففي قوله : تعالى {فَإِنْ يَكْفُرْ بِهَا هَؤُلاءِ فَقَدْ وَكَّلْنَا بِهَا قَوْماً لَيْسُوا بِهَا بِكَافِرِينَ} [ الأنعام : ] قال قتادة : وكلنا بها الأنبياء الثمانية عشر الذين ذكرناهم يعني قبل هذه الآية وقال أبو رجاء العطاردي : معناه إن يكفر بها أهل الأرض فقد وكلنا بها أهل السماء وهم الملائكة وقال ابن عباس ومجاهد : هم الأنصار أهل المدينة والصواب : أن المراد من قام بها إيمانا ودعوة وجهادا ونصرة فهولاء هم الذين وكلهم الله بها فإن قلت : فهل يصح أن يقال : إن أحدا وكيل الله قلت : لا فإن الوكيل من يتصرف عن موكله بطريق النيابة والله عز وجل\rلا نائب له ولا يخلفه أحد بل هو الذي يخلف عبده كما قال النبي صلى الله عليه وسلم : اللهم أنت الصاحب في السفر والخليفة في الأهل على أنه لا يمتنع أن يطلق ذلك باعتبار أنه مأمور بحفظ ما وكله فيه ورعايته والقيام به وأما توكيل العبد ربه : فهو تفويضه إليه وعزل نفسه عن التصرف وإثباته لأهله ووليه ولهذا قيل في التوكل : إنه عزل النفس عن الربوبية وقيامها بالعبودية وهذا معنى كون الرب وكيل عبده أي كافيه والقائم بأموره ومصالحه لأنه نائبه في التصرف فوكالة الرب عبده أمر وتعبد وإحسان له وخلعة منه عليه لا عن حاجة منه وافتقار إليه كموالاته وأما توكيل العبد ربه : فتسليم لربوبيته وقيام بعبوديته","part":16,"page":243},{"id":6843,"text":"وقوله وهو : من أصعب منازل العامة عليهم لأن العامة لم يخرجوا عن نفوسهم ومألوفاتهم ولم يشاهدوا الحقيقة التي شهدها الخاصة وهي التي تشهد التوكيل فهم في رق الأسباب فيصعب عليهم الخروج عنها وخلو القلب منها والاشتغال بملاحظة المسبب وحده وأما كونه أو هي السبل عند الخاصة فليس على إطلاقه بل هو من أجل السبل عندهم وأفضلها وأعظمها قدرا وقد تقدم في صدر الباب : أمر الله رسوله بذلك وحضه عليه هو والمؤمنين ومن أسمائه المتوكل وتوكله أعظم توكل وقد قال الله له : {فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّكَ عَلَى الْحَقِّ الْمُبِينِ} [ النمل : 79 ] وفي ذكر أمره بالتوكل مع إخباره بأنه على الحق : دلالة على أن الدين بمجموعه في هذين الأمرين : أن يكون العبد على الحق في قوله وعمله واعتقاده ونيته وأن يكون متوكلا على الله واثقا به فالدين كله في هذين المقامين وقال رسل الله وأنبياؤه {وَمَا لَنَا أَلَّا نَتَوَكَّلَ عَلَى اللَّهِ وَقَدْ هَدَانَا سُبُلَنَا} [ إبراهيم : 12 ] فالعبد آفته : إما من عدم الهداية وإما من عدم التوكل فإذا جمع التوكل إلى الهداية فقد جمع الإيمان كله\rنعم التوكل على الله في معلوم الرزق المضمون والاشتغال به عن التوكل في نصرة الحق والدين : من أوهى منازل الخاصة أما التوكل عليه في حصول ما يحبه ويرضاه فيه وفي الخلق فهذا توكل الرسل والأنبياء عليهم السلام فكيف يكون من أوهى منازل الخاصة\rقوله : لأن الحق قد وكل الأمور إلى نفسه وأيأس العالم من ملك شيء منها\r","part":16,"page":244},{"id":6844,"text":"جوابه : أن الذي تولى ذلك أسند إلى عباده كسبا وفعلا وإقدارا واختيارا وأمرا ونهيا استعبدهم به وامتحن به من يطيعه ممن يعصيه ومن يؤثره ممن يؤثر عليه وأمر بتوكلهم عليه فيما أسنده إليهم وأمرهم به وتعبدهم به وأخبر : أنه يحب المتوكلين عليه كما يحب الشاكرين وكما يحب المحسنين وكما يحب الصابرين وكما يحب التوابين\rوأخبر : أن كفايته لهم مقرونة بتوكلهم عليه وأنه كاف من توكل عليه وحسبه وجعل لكل عمل من أعمال البر ومقام من مقاماته جزاء معلوما وجعل نفسه جزاء المتوكل عليه وكفايته فقال {وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً} {وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئَاتِهِ} {وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْراً} [ الطلاق : 4 ] {وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ} الآية [ النساء : 69 ] ثم قال في التوكل : {وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ} [ الطلاق : 3 ] فانظر إلى هذا الجزاء الذي حصل للمتوكل ولم يجعله لغيره وهذا يدل على أن التوكل أقوى السبل عنده وأحبها إليه وليس كونه وكل الأمور إلى نفسه بمناف لتوكل العبد عليه بل هذا تحقيق كون الأمور كلها موكولة إلى نفسه لأن العبد إذا علم ذلك وتحققه معرفة : صارت حاله التوكل قطعا على من هذا شأنه لعلمه بأن الأمور كلها موكولة إليه وأن العبد لا يملك شيئا منها فهو لا يجد بدا\rمن اعتماده عليه وتفويضه إليه وثقته به من الوجهين : من جهة فقره وعدم ملكه شيئا ألبتة ومن جهة كون الأمر كله بيده وإليه والتوكل ينشأ من هذين العلمين\r","part":16,"page":245},{"id":6845,"text":"فإن قيل : فإذا كان الأمر كله لله وليس للعبد من الأمر شيء فكيف يوكل المالك على ملكه وكيف يستنيبه فيما هو ملك له دون هذا الموكل فالخاصة لما تحققوا هذا نزلوا عن مقام التوكل وسلموه إلى العامة وبقي الخطاب بالتوكل لهم دون الخاصة\rقيل : لما كان الأمر كله لله عز وجل وليس للعبد فيه شيء ألبتة كان توكله على الله تسليم الأمر إلى من هو له وعزل نفسه عن منازعات مالكه واعتماده عليه فيه وخروجه عن تصرفه بنفسه وحوله وقوته وكونه به إلى تصرفه بربه وكونه به سبحانه دون نفسه وهذا مقصود التوكل\rوأما عزل العبد نفسه عن مقام التوكل : فهو عزل لها عن حقيقة العبودية\rوأما توجه الخطاب به إلى العامة : فسبحان الله هل خاطب الله بالتوكل في كتابه إلا خواص خلقه وأقربهم إليه وأكرمهم عليه وشرط في إيمانهم أن يكونوا متوكلين والمعلق على الشرط يعدم عند عدمه\rوهذا يدل على انتفاء الإيمان عند انتفاء التوكل فمن لا توكل له : لا إيمان له قال الله تعالى : {وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ} [ المائده : 23 ] وقال تعالى : {وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ} وقال تعالى : {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَاناً وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ} [ الأنفال : 2 ] وهذا يدل على انحصار المؤمنين فيمن كان بهذه الصفة\r","part":16,"page":246},{"id":6846,"text":"وأخبر تعالى عن رسله بأن التوكل ملجأهم ومعاذهم وأمر به رسوله في أربع مواضع من كتابه وقال : وقال موسى : {وَقَالَ مُوسَى يَا قَوْمِ إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُسْلِمِينَ فَقَالُوا عَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْنَا} [ يونس : 8485 ] فكيف يكون من أو هي السبل وهذا شأنه والله سبحانه وتعالى أعلم\rفصل قال : وهو على ثلاث درجات كلها تسير مسير العامة الدرجة الأولى\r : التوكل مع الطلب ومعاطاة السبب على نية شغل النفس بالسبب مخافة ونفع الخلق وترك الدعوى يقول : إن صاحب هذه الدرجة يتوكل على الله ولا يترك الأسباب بل يتعطاها على نية شغل النفس بالسبب مخافة أن تفرغ فتشتغل بالهوى والحظوظ فإن لم يشغل نفسه بما ينفعها شغلته بما يضره لا سيما إذا كان الفراغ مع حدة الشباب وملك الجدة وميل النفس إلى الهوى وتوالي الغفلات كما قيل : \rإن الشباب والفراغ والجدة ... مفسدة للمرء أي مفسدة\rويكون أيضا قيامه بالسبب على نية نفع النفس ونفع الناس بذلك فيحصل له نفع نفسه ونفع غيره\rوأما تضمن ذلك لترك الدعوى : فإنه إذا اشتغل بالسبب تخلص من إشارة الخلق إليه الموجبة لحسن ظنه بنفسه الموجب لدعواه فالسبب ستر لحاله ومقامه وحجاب مسبل عليه\rومن وجه آخر وهو أن يشهد به فقره وذله وامتهانه امتهان العبيد والفعلة فيتخلص من رعونة دعوى النفس فإنه إذا امتهن نفسه بمعاطاة الأسباب : سلم من هذه الأمراض فيقال : إذا كانت الأسباب مأمورا بها ففيها فائدة أجل من هذه الثلاث وهي المقصودة بالقصد الأول وهذه مقصودة قصد الوسائل وهي القيام بالعبودية والأمر الذي خلق له العبد وأرسلت به الرسل وأنزلت لأجله الكتب وبه قامت السموات والأرض وله وجدت الجنة والنار","part":16,"page":247},{"id":6847,"text":"فالقيام بالأسباب المأمور بها : محض العبودية وحق الله على عبده الذي توجهت به نحوه المطالب وترتب عليه الثواب والعقاب والله سبحانه أعلم\rفصل قال : الدرجة الثانية : التوكل مع إسقاط الطلب وغض العين عن\rالسبب اجتهادا لتصحيح التوكل وقمعا لشرف النفس وتفرغا إلى حفظ الواجبات قوله : مع إسقاط الطلب أي من الخلق لا من الحق فلا يطلب من أحد شيئا وهذا من أحسن الكلام وأنفعه للمريد فإن الطلب من الخلق فى الأصل محظور وغايته : أن يباح للضرورة كإباحة الميتة للمضطر ونص أحمد على أنه لا يجب وكذلك كان شيخنا يشير إلى أنه لا يجب الطلب والسؤال\rوسمعته يقول في السؤال : هو ظلم في حق الربوبية وظلم في حق الخلق وظلم في حق النفس أما في حق الربوبية : فلما فيه من الذل لغير الله وإراقة ماء الوجه لغير خالقه والتعوض عن سؤاله بسؤال المخلوقين والتعرض لمقته إذا سأل وعنده ما يكفيه يومه\rوأما في حق الناس : فبمنازعتهم ما في أيديهم بالسؤال واستخراجه منهم وأبغض ما إليهم : من يسألهم ما في أيديهم وأحب ما إليهم : من لا يسألهم فإن أموالهم محبوباتهم ومن سألك محبوبك فقد تعرض لمقتك وبغضك\rوأما ظلم السائل نفسه : فحيث امتهنها وأقامها في مقام ذل السؤال ورضي لها بذل الطلب ممن هو مثله أو لعل السائل خير منه وأعلى قدرا وترك سؤال من ليس كمثله شىء وهو السميع البصير فقد أقام السائل نفسه مقام الذل وأهانها بذلك ورضي أن يكون شحاذا من شحاذ مثله فإن من تشحذه فهو أيضا شحاذ مثلك والله وحده هو الغني الحميد\rفسؤال المخلوق للمخلوق سؤال الفقير للفقير والرب تعالى كلما سألته كرمت عليه ورضي عنك وأحبك والمخلوق كلما سألته هنت عليه وأبغضك ومقتك وقلاك كما قيل : \rالله يغضب إن تركت سؤاله ... وبني آدم حين يسأل يغضب","part":16,"page":248},{"id":6848,"text":"وقبيح بالعبد المريد : أن يتعرض لسؤال العبيد وهو يجد عند مولاه كل ما يريد وفي صحيح مسلم عن عوف بن مالك الأشجعي رضي الله عنه قال : كنا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم تسعة أو ثمانية أو سبعة فقال : ألا تبايعون رسول الله صلى الله عليه وسلم وكنا حديثي عهد ببيعة فقلنا قد بايعناك يا رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم قال ألا تبايعون رسول الله صلى الله عليه وسلم فبسطنا أيدينا وقلنا قد بايعناك يا رسول الله صلى الله عليه وسلم فعلام نبايعك فقال أن تعبدوا الله ولا تشركوا به شيئا والصلوات الخمس وأسر كلمة خفية ولا تسألوا الناس شيئا قال : ولقد رأيت بعض أولئك النفر يسقط سوط أحدهم فما يسأل أحدا أن يناوله إياه\rوفي الصحيحين عن ابن عمر رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : لا تزال المسألة بأحدكم حتى يلقى الله وليس في وجهه مزعة لحم\rوفيهما أيضا عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال وهو على المنبر وذكر الصدقة والتعفف عن المسألة : واليد العليا خير من اليد السفلى واليد العليا : هي المنفقة والسفلى : هي السائلة\rوفي صحيح مسلم عن أبي هريرة رضى الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : \"من سأل الناس تكثرا فإنما يسأل جمرا فليستقل أو ليستكثر\"\rوفي الترمذي عن سمرة بن جندب رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : \"إن المسألة كد يكد بها الرجل وجهه إلا أن يسأل الرجل سلطانا أو في الأمر الذي لا بد منه\" قال الترمذي : حديث صحيح\r","part":16,"page":249},{"id":6849,"text":"وفيه عن ابن مسعود رضي الله عنه مرفوعا : من أصابته فاقة فأنزلها بالناس لم تسد فاقته ومن أنزلها بالله فيوشك الله له برزق عاجل أو آجل وفي السنن والمسند عن ثوبان رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : \"من تكفل لي أن لا يسأل الناس شيئا أتكفل له بالجنة \" فقلت : أنا فكان لا يسأل أحدا شيئا\rوفي صحيح مسلم عن قبيصة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم : \"إن المسألة لا تحل إلا لأحد ثلاثة : رجل تحمل حمالة فحلت له المسألة حتى يصيبها ثم يمسك ورجل أصابته جائحة اجتاحت ماله فحلت له المسألة حتى يصيب قواما من عيش أو قال : سدادا من عيش ورجل أصابته فاقة حتى يقول ثلاثة من ذوي الحجى من قومه : لقد أصابت فلانا فاقة فحلت له المسألة حتى يصيب قواما من عيش أو قال سدادا من عيش فما سواهن من المسألة يا قبيصة فسحت يأكلها صاحبها سحتا\"\rفالتوكل مع إسقاط هذا الطلب والسؤال هو محض العبودية قوله : وغض العين عن التسبب اجتهادا في تصحيح التوكل معناه : أنه يعرض عن الاشتغال بالسبب لتصحيح التوكل بامتحان النفس لأن المتعاطي للسبب قد يظن أنه حصل التوكل ولم يحصله لثقته بمعلومه فإذا أعرض عن السبب صح له التوكل\rوهذا الذي أشار إليه : مذهب قوم من العباد والسالكين وكثير منهم كان يدخل البادية بلا زاد ويرى حمل الزاد قدحا في التوكل ولهم في ذلك حكايات مشهورة وهؤلاء في خفارة صدقهم وإلا فدرجتهم ناقصة عن العارفين ومع هذا فلا يمكن بشرا ألبتة ترك الأسباب جملة\rفهذا إبراهيم الخواص كان مجردا في التوكل يدقق فيه ويدخل البادية بغير زاد وكان لا تفارقه الإبرة والخيط والركوة والمقراض فقيل له : لم تحمل هذا وأنت تمنع من كل شيء فقال : مثل هذا لا ينقص من التوكل لأن لله علينا فرائض والفقير لا يكون عليه إلا ثوب واحد فربما تخرق ثوبه فإذا لم يكن","part":16,"page":250},{"id":6850,"text":"معه إبرة وخيوط تبدو عورته فتفسد عليه صلاته وإذا لم يكن معه ركوة فسدت عليه طهارته وإذا رأيت الفقير بلا ركوة ولا إبرة ولا خيوط فاتهمه في صلاته\rأفلا تراه لم يستقم له دينه إلا بالأسباب أو ليست حركة أقدامه ونقلها في الطريق والاستدلال على أعلامها إذا خفيت عليه من الأسباب\rفالتجرد من الأسباب جملة ممتنع عقلا وشرعا وحسا\rنعم قد تعرض للصادق أحيانا قوة ثقة بالله وحال مع الله تحمله على ترك كل سبب مفروض عليه كما تحمله على إلقاء نفسه في مواضع الهلكة ويكون ذلك الوقت بالله لا به فيأتيه مدد من الله على مقتضى حاله ولكن لا تدوم له هذه الحال وليست في مقتضى الطبيعة فإنها كانت هجمة هجمت عليه بلا استدعاء فحمل عليها فإذا استدعى مثلها وتكلفها لم يجب إلى ذلك وفي تلك الحال : إذا ترك السبب يكون معذورا لقوة الوارد وعجزه عن الاشتغال بالسبب فيكون في وارده عون له ويكون حاملا له فإذا أراد تعاطي تلك الحال بدون ذلك الوارد وقع في المحال وكل تلك الحكايات الصحيحة التي تحكي عن القوم فهي جزئية حصلت لهم أحيانا ليست طريقا مأمورا بسلوكها ولا مقدورة وصارت فتنة لطائفتين\rوطائفة ظنتها طريقا ومقاما فعملوا عليها فمنهم من انقطع ومنهم من رجع ولم يمكنه الاستمرار عليها بل انقلب على عقبيه وطائفة قدحوا في أربابها وجعلوهم مخالفين للشرع والعقل مدعين لأنفسهم حالا أكمل من حال رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه إذ لم يكن فيهم أحد قط يفعل ذلك ولا أخل بشيء من الأسباب وقد ظاهر بين درعين يوم أحد ولم يحضر الصف قط عريانا كما يفعله من لا علم","part":16,"page":251},{"id":6851,"text":"عنده ولا معرفة واستأجر دليلا مشركا على دين قومه يدله على طريق الهجرة وقد هدى الله به العالمين وعصمه من الناس أجمعين وكان يدخر لأهله قوت سنة وهو سيد المتوكلين وكان إذا سافر في جهاد أو حج أو عمرة حمل الزاد والمزاد وجميع أصحابه وهم أولو التوكل حقا وأكمل المتوكلين بعدهم : هو من اشتم رائحة توكلهم من مسيرة بعيدة أو لحق أثرا من غبارهم فحال النبي صلى الله عليه وسلم وحال أصحابه محك الأحوال وميزانها بها يعلم صحيحها من سقيمها فإن هممهم كانت في التوكل أعلى من همم من بعدهم فإن توكلهم كان في فتح بصائر القلوب وأن يعبد الله في جميع البلاد وأن يوحده جميع العباد وأن تشرق شموس الدين الحق على قلوب العباد فملؤا بذلك التوكل القلوب هدى وإيمانا وفتحوا بلاد الكفر وجعلوها دار إيمان وهبت رياح روح نسمات التوكل على قلوب أتباعهم فملأتها يقينا وإيمانا فكانت همم الصحابة رضى الله عنهم أعلى وأجل من أن يصرف أحدهم قوة توكله واعتماده على الله في شيء يحصل بأدنى حيلة وسعى فيجعله نصب عينيه ويحمل عليه قوى توكله قوله : وقمعا لشرف النفس يريد : أن المتسبب قد يكون متسببا بالولايات الشريفة في العبادة أو التجارات الرفيعة والأسباب التي له بها جاه وشرف في الناس فإذا تركها يكون تركها قمعا لشرف نفسه وإيثارا للتواضع\rوقوله : وتفرغا لحفظ الواجبات أي يتفرغ بتركها لحفظ واجباتها التي تزاحمها تلك الأسباب والله أعلم\rفصل قال : الدرجة الثالثة : التوكل مع معرفة التوكل النازعة إلى\rالخلاص من علة التوكل وهي أن يعلم أن ملكة الحق تعالى للأشياء هي ملكة عزة","part":16,"page":252},{"id":6852,"text":"لا يشاركه فيها مشارك فيكل شركته إليه فإن من ضرورة العبودية : أن يعلم العبد : أن الحق سبحانه هو مالك الأشياء وحده يريد أن صاحب هذه الدرجة متى قطع الأسباب والطلب وتعدى تينك الدرجتين فتوكله فوق توكل من قبله وهو إنما يكون بعد معرفته بحقيقة التوكل وأنه دون مقامه فتكون معرفته به وبحقيقته نازعة أي باعثة وداعية إلى تخلصه من علة التوكل أي لا يعرف علة التوكل حتى يعرف حقيقته فحينئذ يعرف التوكل المعرفة التي تدعوه إلى التخلص من علته ثم بين المعرفة التي يعلم بها علة التوكل فقال : أن يعلم أن ملكة الحق للأشياء ملكة عزة أي ملكة امتناع وقوة وقهر تمنع أن يشاركه في ملكه لشيء من الأشياء مشارك فهو العزيز في ملكه الذي لا يشاركه غيره في ذرة منه كما هو المنفرد بعزته التي لا يشاركه فيها مشارك فالمتوكل يرى أن له شيئا قد وكل الحق فيه وأنه سبحانه صار وكيله عليه وهذا مخالف لحقيقة الأمر إذ ليس لأحد من الأمر مع الله شيء فلهذا قال : لا يشاركه فيه مشارك فيكل شركته إليه فلسان الحال يقول لمن جعل الرب تعالى وكيله : فيماذا وكلت ربك أفيما هو له وحده أو لك وحدك أو بينكما فالثاني والثالث ممتنع بتفرده بالملك وحده والتوكيل في الأول ممتنع فكيف توكله فيما ليس لك منه شيء ألبتة فيقال ههنا أمران : توكل وتوكيل فالتوكل : محض الاعتماد والثقة والسكون إلى من له الأمر كله وعلم العبد بتفرد الحق تعالى وحده بملك الأشياء كلها وأنه ليس له مشارك في ذرة من ذرات الكون : من أقوى أسباب توكله وأعظم دواعيه\rفإذا تحقق ذلك علما ومعرفة وباشر قلبه حالا : لم يجد بدا من اعتماد قلبه على الحق وحده وثقته به وسكونه إليه وحده وطمأنينته به وحده لعلمه أن","part":16,"page":253},{"id":6853,"text":"حاجاته وفاقاته وضروراته وجميع مصالحه كلها بيده وحده لا بيد غيره فأين يجد قلبه مناصامن التوكل بعد هذا فعلة التوكل حينئذ : التفات قلبه إلى من ليس له شركة في ملك الحق ولا يملك مثقال ذرة في السموات ولا في الأرض هذه علة توكله فهو يعمل على تخليص توكله من هذه العلة نعم ومن علة أخرى وهي رؤية توكله فإنه التفات إلى عوالم نفسه وعلة ثالثة : وهي صرفه قوة توكله إلى شيء غيره أحب إلى الله منه فهذه العلل الثلاث : هي علل التوكيل وأما التوكل : فليس المراد منه إلا مجرد التفويض وهو من أخص مقامات العارفين كمان كان النبي صلى الله عليه وسلم يقول : اللهم إني أسلمت نفسي إليك وفوضت أمري إليك وقال تعالى عن مؤمن آل فرعون : {وَأُفَوِّضُ أَمْرِي إِلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ} [ غافر : 4445 ] فكان جزاء هذا التفويض قوله : {فَوَقَاهُ اللَّهُ سَيِّئَاتِ مَا مَكَرُوا} فإن كان التوكل معلولا بما ذكره فالتفويض أيضا كذلك وليس فليس ولولا أن الحق لله ورسوله وأن كل ما عدا الله ورسوله فمأخوذ من قوله ومتروك وهو عرضة الوهم والخطأ : لما اعترضنا على من لا نلحق غبارهم ولا نجري معهم في مضمارهم ونراهم فوقنا في مقامات الإيمان ومنازل السائرين كالنجوم الدراري ومن كان عنده علم فليرشدنا إليه ومن رأى في كلامنا زيغا أو نقصا وخطأ فليهد إلينا الصواب نشكر له سعيه ونقابله بالقبول والإذعان والانقياد والتسليم والله أعلم وهو الموفق. أ هـ {مدارج السالكين حـ 2 صـ 112 ـ 137}","part":16,"page":254},{"id":6854,"text":"قوله تعالى { وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ فَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (123)}\rمناسبة الآية لما قبلها\rقال البقاعى : \rولما كان ظاهر الحال فيما أصاب الكفار من المسلمين في هذه الغزوة ربما كان سبباً في شك من لم يحقق بواطن الأمور ولا له أهلية النفوذ في الدقائق من عجائب المقدور في قوله تعالى : {إن الذين كفروا لن تغني عنهم أموالهم ولا أولادهم من الله شيئاً} [ آل عمران : 10 ] {قل للذين كفروا ستغلبون} [ آل عمران : 12 ] ذكرهم الله تعالى نصره لهم في غزوة بدر ، وهم في القلة دون ما هم الآن بكثير ، مشيراً لهم إلى ما أثمره توكلهم من النصر ، وحالهم إذ ذاك حال الآيس منه ، ولذلك كانوا في غاية الكراهة للّقاء بخلاف ما كانوا عليه في هذه الكرة ، حثاً على ملازمة التوكل ، منبهاً على أنه لا يزال يريهم مثل ذلك النصر ويذيق الكفار أضعاف ذلك الهوان حتى يحق الحق ويبطل الباطل ويظهر دينه الإسلام على الدين كله فقال - عاطفاً على ما تقديره : فمن توكل عليه نصره وكفاه وإن كان قليلاً فلقد نصركم الله أول النهار في هذه الغزوة حيث صبرتم واتقيتم بطاعتكم للرسول صلى الله عليه وسلم في ملازمة التعب والإقبال على الحرب وغير ذلك بما أمركم به صلى الله عليه وسلم ولم تضركم قلتكم ولا ضعفكم بمن رجع عنكم شيئاً - : {ولقد نصركم الله} بما له من صفات الجلال والجمال {ببدر} المشار إليها أول السورة بقوله تعالى : {قد كان لكم آية في فئتين التقتا} [ آل عمران : 13 ] لما صبرتم واتقيتم.","part":16,"page":255},{"id":6855,"text":"ولما كانوا في عدد يسير أشار إليه بجمع القلة فقال : {وأنتم أذلة} أي فاذكروا ذلك واجعلوه نصب أعينكم لينفعكم ، وكان الإتيان بأمر بدر بعد آية الفشل المختتمة بالحث على التوكل في الغاية من حسن النظم ، وهو دليل أيضاً على منطوق قوله تعالى : {وإن تصبروا وتتقوا لا يضركم كيدهم شيئاً} [ آل عمران : 120 ] كما كان أمر أحد دليلاً على منطوقها ومفهومها معاً : دل على منطوقها بنصرهم أول النهار عند صبرهم ، وعلى مفهومها بإدالة العدو عليهم عند فشلهم آخره - والله الموفق ؛ على أنك إذا أنعمت التأمل في قصة أحد من السير وكتب الأخبار علمت أن الظفر فيها ما كان إلا للنبي صلى الله عليه وسلم كما سيأتي الخبر به في قوله تعالى : {ولقد صدقكم الله وعده إذ تحسونهم بإذنه} [ آل عمران : 52 ] ، فإن الصحابة رضي الله عنهم هزموهم - كما مضى - في أول النهار حتى لم يبق في عسكرهم أحد ولا بقي عند نسائهم حامٍ ، فلما خالف الرماة أمره صلى الله عليه وسلم وأقبلوا على الغنيمة أراد الله تأديبهم وتعريفهم أن نصرته لنبيه صلى الله عليه وسلم غير محتاجة في الحقيقة إليهم حين انهزموا حتى لم يبق مع النبي صلى الله عليه وسلم منهم غير نفر يسير ما يبلغون الخمسين ، والكفار ثلاثة آلاف وخيلهم مائتان ، فاستمر عليه الصلاة والسلام في نحورهم يحاولهم ويصاولهم ، يرامونه مرة ويطاعنون أخرى ، ويجتمعون عليه كرة ويفترقون عنه أخرى ، والله تعالى يمنعه منهم بأيده ويحفظه بقوته حتى تدلت الشمس للغروب ، وقتل بيده صلى الله عليه وسلم أُبي بن خلف مبارزة ، تصديقاً لما كان أوعده به قبل الهجرة ، وخالطوه غير مرة ولم يمكنهم الله منه ولا أقدرهم على أسر أحد من أصحابه ، ثم ردهم خائبين بعد أن تراجع إليه من أصحابه في أثناء النهار ، ولم يرجع صلى الله عليه وسلم من أحد إلا بعد","part":16,"page":256},{"id":6856,"text":"انصرافهم ودفن من استشهد من أصحابه ، وأما هم فاستمروا راجعين ولم يلووا على أحد ممن قتل منهم ، وهم اثنان وعشرون رجلاً من سرواتهم وحمال راياتهم ، وقال الجلال الخجندي في كتابه فردوس المجاهدين : إنه صح النقل عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال : ما نصر النبي صلى الله عليه وسلم في موطن من المواطن نصرته في يوم أحد - انتهى.\r","part":16,"page":257},{"id":6857,"text":"كفى على ذلك دليلاً ما نقل موسى بن عقبة - وسيرته أصح السير في غزوة الفتح - عن قائد الجيش بأحد أبي سفيان بن حرب أنه قال عندما عرض عليه النبي صلى الله عليه وسلم الإسلام : يا محمد! قد استنصرت إلهي واستنصرت إلهك ، فوالله ما لقيتك من مرة إلا ظهرت علي ، فلو كان إلهي محقاً وإلهك مبطلاً لقد ظهرت عليك ، وإنما كانت الهزيمة وقتل من قتل لحكم ومصالح لا تخفى على من له رسوخ في الشريعة وثبات قدم في السنن ، ويمكن أن تكون هذه القصة مندرجة في حكم النهي في القصة التي قبلها عن طاعة فريق من أهل الكتاب عطفاً على قوله تعالى : {نعمة} في قوله : {واذكروا نعمة الله عليكم إذ كنتم أعداء فألف بين قلوبكم} [ آل عمران : 103 ] لتشابه القصتين في الإصغاء إلى الكفار قولاً أو فعلاً ، المقتضي لهدم الدين من أصله ، لأن همّ الطائفتين بالفشل إنما كان من أجل رجوع عبد الله بن أبي المنافق حليف أهل الكتاب ومواليهم ومصادقهم ومصافيهم ، ويؤيد ذلك نهيه تعالى في أثناء هذه عن مثل ذلك بقوله تعالى : {يا أيها الذين آمنوا إن تطيعوا الذين كفروا يردوكم على أعقابكم فتنقلبوا خاسرين} [ آل عمران : 149 ] ، ويكون إسناد الفعل في {غدوت} ، وأمثاله إلى النبي صلى الله عليه وسلم ، والمراد الإسناد إلى الجمع ، لأنه الرئيس فخطابه خطابهم ، ولشرف هذا الفعل ، فكان الأليق إفراده به صلى الله عليه وسلم ، وأما الفشل ونحوه فأسند إليهم وقصر- كما هو الواقع - عليهم.","part":16,"page":258},{"id":6858,"text":"ولما امتن الله سبحانه عليهم بالنصرة في تلك الكرة سبب عن ذلك أمرهم بالتقوى إشارة إلى أنها السبب لدوام النعمة فقال : {فاتقوا الله} أي في جمع أوامره ونواهيه بأن التقوى التنزه عن المعاصي ، والشكر فعل ينبىء عن تعظيم المنعم ، وشكر الله صرف جميع ما أنعم به في طاعاته فحينئذ التقوى من الشكر فإن أريد العموم انحل الكلام إلى : اشكروا لعلكم تشكرون ، ولا يتحرر الجواب إلا بعد معرفة حقيقة التقوى لغة ؛ قال الإمام عبد الحق في كتابه الواعي : الواقية ما وقاك الشر ، وكل شيء وقيت به شيئاً فهو وقاء له ووقاية ، وقوله سبحانه وتعالى : {لعلكم تشكرون} قال ابن عرفة - أي لعلكم أن تجعلوا بقبول ما أمركم به وقاية بينكم وبين النار - انتهى.\rفاتضح أن حقيقة {واتقوا} : اجعلوا بينكم وبين عذابه وقاية ، وأن سبب اتخاذ الوقاية الخوف من ضاره فالظاهر - والله أعلم - أن اتقوا بمعنى : خافوا - مجازاً مرسلاً من إطلاق اسم المسبب على السبب ، فالمعنى : خافوا الله لتكونوا على رجاء من أن يحملكم خوفه على طاعته على سبيل التجديد والاستمرار ، ولئن سلمنا أن التقوى من الشكر فالمعنى : اشكروا هذا الشكر الخاص ليحملكم على جميع الشكر ، وغايته أنه نبه على أن هذا الفرد من الشكر هو أصل الباب الذي يثمر باقيه ، وهوالمراد بقول ابن هشام في السيرة : إن المعنى : فاتقوني ، فإنه شكر نعمتي ، ويجوز أن يكون : لعلكم تزدادون نعماً فتشكرون عليها - إقامة للمسبب مقام السبب - والله أعلم. أ هـ {نظم الدرر حـ 2 صـ 146 ـ 149}\rوقال الفخر : \rفي كيفية النظم وجهان\r","part":16,"page":259},{"id":6859,"text":"الأول : أنه تعالى لما ذكر قصة أحد أتبعها بذكر قصة بدر ، وذلك لأن المسلمين يوم بدر كانوا في غاية الفقر والعجز ، والكفار كانوا في غاية الشدة والقوة ، ثم إنه تعالى سلّط المسلمين على المشركين فصار ذلك من أقوى الدلائل على أن العاقل يجب أن لا يتوسل إلى تحصيل غرضه ومطلوبه إلا بالتوكل على الله والاستعانة به والمقصود من ذكر هذه القصة تأكيد قوله {وَإِن تَصْبِرُواْ وَتَتَّقُواْ لاَ يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئاً} [ آل عمران : 120 ] وتأكيد قوله {وَعَلَى الله فَلْيَتَوَكَّلِ المؤمنون} [ آل عمران : 122 ]\rالثاني : أنه تعالى حكى عن الطائفتين أنهما همتا بالفشل.\rثم قال : {والله وَلِيُّهُمَا وَعَلَى الله فَلْيَتَوَكَّلِ المؤمنون} يعني من كان الله ناصراً له ومعيناً له فكيف يليق به هذا الفشل والجبن والضعف ؟ ثم أكد ذلك بقصة بدر فإن المسلمين كانوا في غاية الضعف ولكن لما كان الله ناصراً لهم فازوا بمطلوبهم وقهروا خصومهم فكذا ههنا ، فهذا تقرير وجه النظم. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 8 صـ 182}\rوقال أبو السعود : \r{ وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ الله بِبَدْرٍ } جملةٌ مستأنفةٌ سيقت لإيجاب الصبرِ والتقوى بتذكير ما ترتب عليهما من النصر إثرَ تذكيرِ ما ترتب على عدمهما من الضرر ، وقيل : لإيجاب التوكلِ على الله تعالى بتذكير ما يوجبه. أ هـ {تفسير أبى السعود حـ 2 صـ 79}\rفائدة\rقال الفخر : \rفي بدر أقوال\rالأول : بدر اسم بئر لرجل يقال له بدر ؛ فسميت البئر باسم صاحبها هذا قول الشعبي\rالثاني : أنه اسم للبئر كما يسمى البلد باسم من غير أن ينقل إليه اسم صاحبه وهذا قول الواقدي وشيوخه ، وأنكروا قول الشعبي وهو ماء بين مكة والمدينة. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 8 صـ 182}","part":16,"page":260},{"id":6860,"text":"فصل\rقال الفخر : \r{أَذِلَّةٍ} جمع ذليل قال الواحديّ : الأصل في الفعيل إذا كان صفة أن يجمع على فعلاء كظريف وظرفاء وكثير وكثراء وشريك وشركاء إلا أن لفظ فعلاء اجتنبوه في التضعيف لأنهم لو قالوا : قليل وقللاء وخليل وخللاء لاجتمع حرفان من جنس واحد فعدل إلى أفعلة لأن من جموع الفعيل : الأفعلة ، كجريب وأجربة ، وقفيز وأقفزة فجعلوه جمع ذليل أذلة ، \rقال صاحب \"الكشاف\" : الأذلة جمع قلة ، وإنما ذكر جمع القلة ليدل على أنهم مع ذلهم كانوا قليلين. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 8 صـ 182}\rفائدة\rقال النسفى : \rوجاء بجمع القلة وهو \"أذلة\" ليدل على أنهم على ذلتهم كانوا قليلاً. أ هـ {تفسير النسفى حـ 1 صـ 176}\rفصل\rقال الفخر : \rقوله {وَأَنتُمْ أَذِلَّةٌ} في موضع الحال ، وإنما كانوا أذلة لوجوه\rالأول : أنه تعالى قال : {وَلِلَّهِ العزة وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ} [ المنافقون : 8 ] فلا بد من تفسير هذا الذل بمعنى لا ينافي مدلول هذه الآية ، وذلك هو تفسيره بقلة العدد وضعف الحال وقلة السلاح والمال وعدم القدرة على مقاومة العدو ومعنى الذل الضعف عن المقاومة ونقيضه العز وهو القوة والغلبة ، روي أن المسلمين كانوا ثلثمائة وبضعة عشر ، وما كان فيهم إلا فرس واحد ، وأكثرهم كانوا رجالة ، وربما كان الجمع منهم يركب جملاً واحداً ، والكفار قريبين من ألف مقاتل ومعهم مائة فرس مع الأسلحة الكثيرة والعدة الكاملة\rالثاني : لعل المراد أنهم كانوا أذلة في زعم المشركين واعتقادهم لأجل قلة عددهم وسلاحهم ، وهو مثل ما حكى الله عن الكفار أنهم قالوا {لَيُخْرِجَنَّ الأعز مِنْهَا الأذل} [ المنافقون : 8 ]","part":16,"page":261},{"id":6861,"text":"الثالث : أن الصحابة قد شاهدوا الكفار في مكة في القوة والثروة وإلى ذلك الوقت ما اتفق لهم استيلاء على أولئك الكفار ، فكانت هيبتهم باقية في قلوبهم واستعظامهم مقرراً في نفوسهم فكانوا لهذا السبب يهابونهم ويخافون منهم. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 8 صـ 182 ـ 183}\rوقال القرطبى : \rو \"أذِلة\" جمع ذليل.\rواسم الذل في هذا الموضع مستعار ، ولم يكونوا في أنفسهم إلاَّ أعِزّة ، ولكن نسبتهم إلى عدوّهم وإلى جميع الكفار في أقطار الأرض تقتضي عند التأمل ذِلّتهم وأنهم يُغلبون.\rوالنصر العون ؛ فنصرهم الله يوم بَدْرٍ ، وقتل فيه صنادِيد المشركين ، وعلى ذلك اليوم ابتني الإسلام ، وكان أوّل قتال قاتله النبيّ صلى الله عليه وسلم.\rوفي صحيح مسلم عن بُريدة قال : غزا رسول الله صلى الله عليه وسلم سبع عشرة غزوة ، قاتل في ثمان منهنّ.\rوفيه.\rعن أبي إسحاق قال : لقيت زيد بن أرْقَم فقلت له : كم غزا رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ قال تسع عشرة غزوة.\rفقلت : فكم غزوتَ أنت معه ؟ فقال : سبع عشرة غزوة.\rقال فقلت : فما أوّل غزوة غزاها ؟ قال : ذات العُسَير أو العشير.\rوهذا كله مخالف لما عليه أهل التواريخ والسير.\rقال محمد بن سعد في كتاب الطبقات له : إن غزواتِ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم سبع وعشرون غزوة ، وسراياه ست وخمسون ، وفي رواية ست وأربعون ، والتي قاتل فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم بَدْرٌ واحُد والمَريْسِيع والخَنْدَق وخَيْبَر وقُرَيْظَة والفتْحُ وحُنَيْن والطائف.\rقال ابن سعد : هذا الذي اجتمع لنا عليه.\rوفي بعض الروايات أنه قاتل في بني النضير وفي وادي القُرى مُنصرفه من خَيْبَر وفي الغَابَة.\rوإذا تقرّر هذا فنقول : زيد وبُريدة إنما أخبر كل واحد منهما بما في علمه أو شاهده.\r","part":16,"page":262},{"id":6862,"text":"وقول زيد : \"إن أوّل غزاة غزاها ذات العسيرة\" مخالف أيضاً لما قال أهل التواريخ والسير.\rقال محمد بن سعد : كان قبل غزوة العشيرة ثلاث غزوات ، يعني غزاها بنفسه.\rوقال ابن عبد البر في كتاب الدرر في المغازي والسير.\rأوّل غزاةٍ غزاها رسول الله صلى الله عليه وسلم غزوة وَدّان غزاها بنفسه في صَفَر ؛ وذلك أنه وصل إلى المدينة لاثنتي عشرة ليلة خلت من ربيع الأوّل ، أقام بها بقيةَ ربيع الأوّل ، وباقي العام كله إلى صفر من سنة اثنتين من الهجرة : ثم خرج في صفر المذكور واستعمل على المدينة سعد بن عبادة حتى بلغ وَدّان فوادع بني ضَمْرة ، ثم رجع إلى المدينة ولم يلق حَرْباً ، وهي المسماة بغزوة الأبْوَاء.\rثم أقام بالمدينة إلى ( شهر ) ربيع الآخر من السنة المذكورة ، ثم خرج فيها واستعمل على المدينة السائب بن عثمان بن مظعون حتى بلغ بَوَاط من ناحية رَضْوَى ، ثم رجع إلى المدينة ولم يلق حرباً ، ثم أقام بها بقية ربيع الآخر وبعض جمادى الأولى ، ثم خرج غازياً واستخلف على المدينة أبا سلمة بن عبد الأسد ، وأخذ على طريق مِلْكٍ إلى العُسَيرْة.\rقلت : ذكر ابن إسحاق \" عن عمّار بن ياسر قال : كنت أنا وعليّ بن أبي طالب رفيقين في غزوة العشيرة من بطن يَنْبُع فلما نزلها رسول الله صلى الله عليه وسلم أقام بها شهراً فصالح بها بني مُدْلِج وحلفاءَهم من بني ضَمْرة فوادعهم ، فقال لي علي بن أبي طالب : هل لك أبا اليقظان أن تأتي هؤلاء ؟ نفر من بني مُدْلِج يعملون في عين لهم ننظر كيف يعملون.\r","part":16,"page":263},{"id":6863,"text":"فأتيناهم فنظرنا إليهم ساعة ثم غشِينا النوم فعمدنا إلى صور من النخل في دَقْعَاء من الأرض فَنِمْنا فيه ؛ فوالله ماأهبنا إلاَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم بقدمه ؛ فجلسنا وقد تتربنا من تلك الدقعاء فيومئذ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لعلي : \"ما بالك يا أبا تراب\" ؛ فأخبرناه بما كان من أمرنا فقال : \"ألا أُخبركم بأشقى الناس رجيلن\" قلنا : بلى يا رسول الله ؛ فقال : \"أُحَيْمِر ثمود الذي عقرالناقة والذي يضربك يا عليّ على هذه ووضع رسول الله صلى الله عليه وسلم يده على رأسه حتى يَبَلّ منها هذه\" \" ووضع يده على لحيته.\rفقال أبو عمر : فأقام بها بقية جمادي الأولى وليالي من جمادي الآخرة ، ووادع فيها بني مُدْلِج ثم رجع ولم يلق حرباً.\rثم كانت بعد غزوة بدرٍ الأولى بأيام قلائل ، هذا الذي لا يشك فيه أهل التواريخ والسير ، فزيد بن أرقم إنما أخبر عما عنده. والله أعلم. أ هـ {تفسير القرطبى حـ 4 صـ 190 ـ 192}","part":16,"page":264},{"id":6864,"text":"فائدة\rقال الشيخ الشنقيطى :\rقوله تعالى : {ولقد نصركم الله ببدرٍ وأنتم أذلة} وصف الله المؤمنين في هذه الآية بكونهم أذلة حال نصره لهم ببدر, وقد جاء في آية أخرى وصفه تعالى لهم بأن لهم العزة, وهي قوله تعالى : {ولله العزة ولرسوله وللمؤمنين}, ولا يخفى ما بين العزة والذلة من التنافي والتضاد. والجواب ظاهر وهو أنّ معنى وصفهم بالذلة هو قلة عَددهم وعُددهم يوم بدر, وقوله تعالى : {ولله العزة ولرسوله وللمؤمنين}نزل في غزوة المريسيع, وهي غزوة بني المصطلق, وذلك بعد أن قويت شوكة المسلمين, وكثر عَددهم, مع أن العزة والذلة يمكن الجمع بينهما باعتبار آخر وهو أن الذلة باعتبار حال المسلمين من قلة العَدد والعُدد, والعزة باعتبار نصر الله وتأييده, كما يشير إلى هذا قوله تعالى : {واذكروا إذ أنتم قليل مستضعفون في الأرض تخافون أن يتخطفكم الناس فآواكم وأيّدكم بنصره ورزقكم من الطيبات}, وقوله : {ولقد نصركم الله ببدر وأنتم أذلة}, فإنّ زمن الحال هو زمن عاملها, فزمان النصر هو زمان كونهم أذلة, فظهر أنّ وصف الذلة باعتبار, ووصف العزة والنصر باعتبار آخر, فانفكت الجهة, والعلم عند الله. أ هـ {دفع إيهام الاضطراب صـ 68}","part":16,"page":265},{"id":6865,"text":"قوله تعالى : {فاتقوا الله لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ}\rقال الفخر : \r{فاتقوا الله} أي في الثبات مع رسوله {لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} بتقواكم ما أنعم به عليكم من نصرته أو لعلّ الله ينعم عليكم نعمة أخرى تشكرونها ، فوضع الشكر موضع الإنعام ، لأنه سبب له. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 8 صـ 183}\rوقال الآلوسى : \r{ فاتقوا الله } باجتناب معاصيه والصبر على طاعته ولم يصرح بالأمر بالصبر اكتفاءاً بما سبق وما لحق مع الإشعار على ما قيل بشرف التقوى وأصالتها وكون الصبر من مباديها اللازمة لها وفي ترتيب الأمر بها على الإخبار بالنصر إعلام بأن نصرهم المذكور كان بسبب تقواهم فمعنى قوله تعالى : { لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ } لعلكم تقومون بشكر ما أنعم به عليكم من النصر القريب بسبب تقواكم إياه ، ويحتمل أن يكون كناية أو مجازاً عن نيل نعمة أخرى توجب الشكر كأنه قيل : فاتقوا الله لعلكم تنالون نعمة من الله تعالى فتشكرونه عليها فوضع الشكر موضع الإنعام لأنه سبب له ومستعد إياه. أ هـ {روح المعانى حـ 4 صـ 44}\rفوائد لغوية\rقال ابن عادل : \rقوله : { بِبَدْرٍ } متعلق بـ { نَصَرَكُمُ } ، وفي الباء - حينئذ - قولان : \rأحدهما : - وهو الأظهر - : أنها ظرفية ، أي : في بدر ، كقولك : زيد بمكة ، أي : في مكة.\rالثاني : أن تتعلق بمحذوف على أنها باء المصاحبة ، فمحلُّها النصب على الحال ، أي : مصاحبين لبدر ، و\" بدر \" : اسم لماء بين مكة والمدينة ، سُمِّي بذلك لصفائه كالبدر.\rوقيل : لاستدارته وقيل : اسم بئر لرجل يقال له : بدر ، وهو بدر بن كلدة ، قاله الشعبي ، وأنكر عليه بذكر الله - تعالى - مِنَّتَه عليهم بالنُّصْرَةِ يوم بدر وقيل : إنه اسم للبئر كما يسمى البلد باسم من غير أن ينقل إليه اسم صاحبه. قاله الواقدي وشيوخه.\rوقيل : اسم وادٍ ، وكان يوم بدر السابع عشر من رمضان وكان يوم الجمعة ، لثمانية وعشرين شهراً من الهجرة.","part":16,"page":266},{"id":6866,"text":"قوله : { وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ } في محل نصب على الحال من مفعول : { نَصَرَكُمُ } و{ أَذِلَّةٌ } جمع ذليل وهو جمع قلة ؛ إشعاراً بقلتهم مع هذه الصفة ، و\" فعيل \" الوصف - قياس جمعه على فعلاء ، كظريف وظرفاء ، وشريف وشرفاء ، غلا أنه تُرِك في المضعَّف ؛ تخفيفاً ألا ترى إلى ما يؤدي إليه جمع ذليل وخليل على ذُللاء وخُللاء من الثقل ؟ أ هـ {تفسير ابن عادل حـ 5 صـ 514}.\rمن لطائف الإمام القشيرى فى الآية\r{وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ فَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (123)}\rتذكير ما سَلَفَ من الإنْعَام فتحٌ لباب التملق في اقتضاء أمثاله في المُسْتَأنَف. أ هـ {لطائف الإشارات حـ 1 صـ 274}","part":16,"page":267},{"id":6867,"text":"فصل\rقال الثعلبى : \rذكر مغازي رسول الله {صلى الله عليه وسلم}\rجميع ما غزا رسول الله {صلى الله عليه وسلم} بنفسه ستّ وعشرون غزوة ، \rفأول غزوة غزاها غزوة ودّان ، \rوهي عزوة الأبواء ، \rثم غزوة بواط إلى ناحية رضوى ، \rثم غزوة العشيرة من بطن ينبع ، \rثم غزوة بدر الأُولى بطلب كرز بن جابر ، \rثم غزوة بدر الكبرى التي قتل الله فيها صناديد قريش ، \rثم غزوة بني سليم حتى بلغ الكدر ماءً لبني سليم ، \rثم غزوة السويق يطلب أبا سفيان بن حرب حتى بلغ قرقرة الكدر ، \rثم غزوة ذي أمر وهي غزوة غطفان إلى نجد ، \rثم غزوة نجران : موضع بالحجاز فوق الفرع ، \rثم غزوة أُحد ثم غزوة الأسد ، \rثم غزوة بني النضير ، \rثم غزوة ذات الرقاع من نجد ، \rثم غزوة بدر الأخيرة ، \rثم غزوة دومة الجندل ، \rثم غزوة الخندق ، \rثم غزوة بني قريظة ، \rثم غزوة بني لحيان ، \rثم غزوة بني قردة ، \rثم غزوة بني المصطلق من بني خزاعة لقي فيها ، \rثم غزوة الحديبية لا يريد قتالا فصده المشركون ، \rثم غزوة خيبر ، \rثم غزوة الفتح : فتح مكة ، \rثم غزوة حنين لقي فيها ، \rثم غزوة الطائف حاصر فيها ، \rثم غزوة تبوك.\rقاتل منها في تسع غزوات : غزوة بدر الكبرى ، \rوهو يوم الجمعة السابع عشر من شهر رمضان سنة اثنتين من الهجرة ، \rوأُحد في شوال سنة ثلاث ، \rوالخندق ، \rوبني قريظة في شوال سنة أربع ، \rوبني المصطلق ، \rوبني لحيان في شعبان سنة خمس ، \rوخيبر سنة ست ، \rوالفتح في رمضان سنة ثمان ، \rوحنين في شوال سنة ثمان. فأوّل غزوة غزاها بنفسه وقاتل فيها بدر وآخرها تبوك.\rذكر سراياه {صلى الله عليه وسلم}\rروي عن مقسم قال : كانت السرايا ستّاً وثلاثين ، \rوهي غزوة عبيدة بن الحارث إلى حنا من أسفل ثنية المرة وهو ما بالحجارة ، ثم غزوة حمزة بن عبد المطلب إلى ساحل البحر من ناحية الفايض وبعض الناس يقدم غزوة حمزة على غزوة عبيدة وغزوة سعد بن أبي وقاص إلى الخرار من أرض الحجاز ، ","part":16,"page":268},{"id":6868,"text":"ثم غزوة عبد الله بن جحش إلى نخلة ، \rوغزوة زيد بن حارثة القردة ماء من مياه نجد ، \rوغزوة مرثد بن أبي مرثد الغنوي الرجيعَ لقوا فيها ، \rوغزوة منذر بن عمرو بئر معونة لقوا فيها ، \rوغزوة أبي عبيدة الجراح إلى ذي القصة من طريق العراق ، \rوغزوة عمر بن الخطاب تربة من أرض بني عامر ، \rوغزوة علي بن أبي طالب اليمن ، \rوغزوة غالب بن عبد الله الكلبي كلبِ ليث الكديدَ لقوا فيها الملوح ، \rوغزوة علي بن أبي طالب إلى أبي عبد الله بن سعد من أهل فدك ، \rوغزوة ابن أبي العوجاء السلمي أرض بني سليم أُصيب بها هو وأصحابه جميعاً ، \rوغزوة عكاشة بن محصن العمرة ، \rوغزوة أبي سلمة بن عبد الأسد قطن ماء من مياه بني أسد من ناحية نجد لقوا فيها فقتل فيها مسعود بن عروة ، \rوغزوة محمد بن مسلمة أخي بني حارثة إلى القرطاء موضع من هوزان ، \rوغزوة بشير بن سعد بن كعب بن مرة لفدك ، \rوغزوة بشير بن سعد أيضاً إلى حيان بلد من أرض خيبر ، \rوغزوة زيد بن حارثة الجموم من أرض بني سليم ، \rوغزوة زيد أيضاً جذام من أرض حسمي لقوا فيها ، \rوغزوة زيد أيضاً إلى طرف من ناحية نخل من طريق العراق ، \rوغزوة زيد أيضاً وادي القرى لقي بني فزارة ، \rوغزوة عبد الله بن رواحة خيبر مرتين\rإحداهما التي أصاب فيها بشراً اليهودي ، \rوغزوة عبد الله بن عتيك إلى حنين فأصاب بها أبا رافع بن أبي الحقيق.\r\rوكان رسول الله {صلى الله عليه وسلم} بعث محمد بن مسلمة وأصحابه فيها من أُحد وبدر إلى كعب بن الأشرف فقتلوه ، \rوبعث عبد الله بن أنيس إلى خالد بن سفيان الهذلي وهو بنخلة لرسول الله {صلى الله عليه وسلم} ليغزوه فقتله ، \rوغزوة الأُمراء : زيد بن حارثة ، \rوجعفر بن أبي طالب ، \rوعبد الله بن رواحة إلى مؤتة من أرض الشام فأُصيبوا بها ، \rوغزوة كعب بن عمرو الغفاري ذات الطلاح من أرض الشام فأُصيب بها هو وأصحابه جميعاً ، ","part":16,"page":269},{"id":6869,"text":"وغزوة عيينة بن حذيفة بن بدر الفزاري العنبر من بني تميم ، \rوغزوة غالب بن عبد الله الكلبي كلب ليث أرض بني مرة فأصاب بها مرداس بن نهيك وحليفاً لهم من جهينة ، \rقتله أُسامة بن زيد ، \rوهو الذي قال النبي {صلى الله عليه وسلم} لأسامة فيه : \"من لك ؟ \rمن لك لا إله إلاّ الله ؟ \r\".\rوغزوة عمرو بن العاص ذات السلاسل من أرض بُلَي وعذرة وغزوة ، \r(أبي قتادة) وأصحابه إلى بطن إضم قبل الفتح لقوا فيها ، \rوغزوة الخيط إلى سيف البحر وعليهم أبو عبيدة الجراح وغزوة عبد الرحمن بن عوف. أ هـ {الكشف والبيان حـ 3 صـ 140 ـ 141}","part":16,"page":270},{"id":6870,"text":"قوله تعالى : { إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ أَلَنْ يَكْفِيَكُمْ أَنْ يُمِدَّكُمْ رَبُّكُمْ بِثَلَاثَةِ آَلَافٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُنْزَلِينَ (124) بَلَى إِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا وَيَأْتُوكُمْ مِنْ فَوْرِهِمْ هَذَا يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ بِخَمْسَةِ آَلَافٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُسَوِّمِينَ (125)}\rمناسبة الآيتين لما قبلهما\rقال البقاعى : \rولما اشتملت هذه القصة على المصيبة التي سيقص الله كثيراً منها ، وهي مستوفاة في السير كان أنسب من قصها وبيان ما اتفق لها - لوعظ من يأتي - البداءةُ بتذكير من باشرها بما وعدهم الله به على لسان نبيه صلى الله عليه وسلم قبل وقوع القتال من النصر المشروط بالصبر والتقوى تنبيهاً لهم على أن الخلل من جهتهم أتى ، ثم وعظمهم بالنهي عما منعهم النصر ، والأمر بما يحصله لهم كما سيحثهم على ذلك بما يقص عليهم من نبأ من قاتل مع الأنبياء قبلهم بأنهم لما أصابهم القتل لم يهنوا وعلموا أن الخلل من أنفسهم ، فبادروا إلى إصلاحه بأفعال المتقين من الصبر والتضرع والإقرار بالذنب ، فقال - مبدلاً من {إذ غدوت} عوداً على بدء تعظيماً للأمر حثاً على النظر في موارده ومصادره والتدبر لأوائله وأواخره - : {إذ تقول للمؤمنين} أي الذين شاورتهم في أمر أحد - وفي غمارهم المنافقون - لما زلزلوا برجوع أكثر المنافقين به ، حتى كاد بعض الثابتين أن يرجع ضعفاً وجبناً ، مع ما كان النبي صلى الله عليه وسلم أخبرهم به من تلك الرؤيا التي أولها بذبح يكون في أصحابه ، ليكون إقدامهم على بصيرة ، أو يصدهم ذلك عن الخروج إلى العدو كما كان ميل النبي صلى الله عليه وسلم في أكثر أصحابه وإعلامهم إلى المكث في المدينة قال منكراً آتياً بأداة التأكيد للنفي : {ألن يكفيكم} أي أيها المؤمنون {أن يمدكم} إمداداً خفياً - بما أشار إليه الإدغام {ربكم} أي المتولي لتربيتكم ونصر دينكم {بثلاثة آلاف} ثم عظم أمرهم بقوله : {من الملائكة} ثم زاد في إعظامهم بأنهم من السماء بقوله : {منزلين} ثم تولى سبحانه وتعالى هو الجواب عنهم تحقيقاً للكفاية فقال : {بلى} أي يكفيكم ذلك ، ثم استأنف قوله : {إن تصبروا وتتقوا} أي توقعوا الصبر والتقوى لله ربكم ، فتفعلوا ما يرضيه وتنتهوا عما يسخطه","part":16,"page":271},{"id":6871,"text":"{ويأتوكم} أي الكفار {من فورهم} أي وقتهم ، استعير للسرعة التي لا تردد فيها ، من : فارت القدر - إذا غلت {هذا} أي في هذه الكرة {يمددكم} أي إمداداً جلياً - بما أشار إليه إشارة لفظية : الفك ، وإشارة معنوية : التسويم {ربكم} أي المحسن إليكم بأكثر من ذلك {بخمسة آلاف من الملائكة} ثم بين أنهم من أعيان الملائكة بقوله : {مسومين} أي معلمين بما يعرف به مقامهم في الحرب ، والظاهر من التعبير بالتسويم إفهام القتال ، ومن الاقتصار على الإنزال عدمه ، ويكون فائدة نزولهم البركة بهم وإرهاب الكفار بمن يرونه منهم.\rقال البغوي : قال ابن عباس ومجاهد : لم يقاتل الملائكة في المعركة إلا يوم بدر ، وفيما سوى ذلك يشهدون القتال ولا يقاتلون ، إنما يكونون عدداً ومدداً. أ هـ {نظم الدرر حـ 2 صـ 149}\rفصل نفيس\rقال الفخر : \rاختلف المفسرون في أن هذا الوعد حصل يوم بدر ، أو يوم أُحد ويتفرع على هذين القولين بيان العامل في {إِذْ} فإن قلنا هذا الوعد حصل يوم بدر كان العامل في {إِذْ} قوله {نَصَرَكُمُ الله} [ آل عمران : 123 ] والتقدير : إذ نصركم الله ببدر وأنتم أذلة تقول للمؤمنين ، وإن قلنا إنه حصل يوم أحد ، كان ذلك بدلاً ثانياً من قوله {وَإِذْ غَدَوْتَ }.\rإذا عرفت هذا فنقول : \rالقول الأول : أنه يوم أحد ، وهو مروي عن ابن عباس والكلبي والواقدي ومقاتل ومحمد بن إسحاق ، والحجة عليه من وجوه : \rالحجة الأولى : أن يوم بدر إنما أمد رسول الله صلى الله عليه وسلم بألف من الملائكة قال تعالى في سورة الأنفال : {إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فاستجاب لَكُمْ إِنّى مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مّنَ الملائكة} [ الأنفال : 9 ] فكيف يليق ما ذكر فيه ثلاثة آلاف وخمسة آلاف بيوم بدر ؟ .","part":16,"page":272},{"id":6872,"text":"الحجة الثانية : أن الكفار كانوا يوم بدر ألفاً أو ما يقرب منه والمسلمون كانوا على الثلث منهم لأنهم كانوا ثلثمائة وبضعة عشر ، فأنزل الله تعالى يوم بدر ألفاً من الملائكة ، فصار عدد الكفار مقابلاً بعدد الملائكة مع زيادة عدد المسلمين فلا جرم وقعت الهزيمة على الكفار فكذلك يوم أحد كان عدد المسلمين ألفاً ، وعدد الكفار ثلاثة آلاف ، فكان عدد المسلمين على الثلث من عدد الكفار في هذا اليوم ، كما في يوم بدر ، فوعدهم الله في هذا اليوم أن ينزل ثلاثة آلاف من الملائكة ليصير عدد الكفار مقابلاً بعدد الملائكة مع زيادة عدد المسلمين ، فيصير ذلك دليلاً على أن المسلمين يهزمونهم في هذا اليوم كما هزموهم يوم بدر ثم جعل الثلاثة آلاف خمسة آلاف لتزداد قوة قلوب المسلمين في هذا اليوم ويزول الخوف عن قلوبهم ، ومعلوم أن هذا المعنى إنما يحصل إذا قلنا إن هذا الوعد إنما حصل يوم أحد.\rالحجة الثالثة : أنه تعالى قال في هذه الآية {وَيَأْتُوكُمْ مّن فَوْرِهِمْ هذا يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ بِخَمْسَةِ آلاف من الملائكة مُسَومين} [ آل عمران : 125 ] والمراد ويأتوكم أعداؤكم من فورهم ، ويوم أحد هو اليوم الذي كان يأتيهم الأعداء ، فأما يوم بدر فالأعداء ما أتوهم ، بل هم ذهبوا إلى الأعداء.\rفإن قيل : لو جرى قوله تعالى : {أَلَنْ يَكْفِيكُمْ أَن يُمِدَّكُمْ رَبُّكُمْ بِثَلاَثَةِ آلافٍ مِنَ الملائكة} في يوم أحد ، ثم إنه ما حصل هذا الإمداد لزم الكذب.\rوالجواب عنه من وجهين","part":16,"page":273},{"id":6873,"text":"الأول : أن إنزاله خمسة آلاف من الملائكة كان مشروطاً بشرط أن يصبروا ويتقوا في المغانم ثم أنهم لم يصبروا ولم يتقوا في المغانم بل خالفوا أمر الرسول صلى الله عليه وسلم ، فلما فات الشرط لا جرم فات المشروط وأما إنزال ثلاثة آلاف من الملائكة فإنما وعد الرسول بذلك للمؤمنين الذين بوأهم مقاعد للقتال وأمرهم بالسكون والثبات في تلك المقاعد ، فهذا يدل على أنه صلى الله عليه وسلم إنما وعدهم بهذا الوعد بشرط أن يثبتوا في تلك المقاعد ، فلما أهملوا هذا الشرط لا جرم لم يحصل المشروط.\rالوجه الثاني : في الجواب : لا نسلم أن الملائكة ما نزلت ، روى الواقدي عن مجاهد أنه قال : حضرت الملائكة يوم أُحد ولكنهم لم يقاتلوا ، وروي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أعطى اللواء معصب بن عمير فقتل مصعب فأخذه ملك في صورة مصعب ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم تقدم يا مصعب فقال الملك لست بمصعب فعرف الرسول صلى الله عليه وسلم أنه ملك أمد به ، وعن سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه أنه قال : كنت أرمي السهم يومئذ فيرده على رجل أبيض حسن الوجه وما كنت أعرفه ، فظننت أنه ملك ، فهذا ما نقوله في تقرير هذا الوجه.\rإذا عرفت هذا فنقول : نظم الآية على هذا التأويل أنه تعالى ذكر قصة أحد ، ثم قال : {وَعَلَى الله فَلْيَتَوَكَّلِ المؤمنون} أي يجب أن يكون توكلهم على الله لا على كثرة عددهم وعددهم فلقد نصركم الله ببدر وأنتم أذلة فكذلك هو قادر على مثل هذه النصرة في سائر المواضع ، ثم بعد هذا أعاد الكلام إلى قصة أحد فقال : {إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ أَلَنْ يَكْفِيكُمْ أَن يُمِدَّكُمْ رَبُّكُمْ بِثَلاَثَةِ ءالاَفٍ مّنَ الملئكة }.\rالقول الثاني : أن هذا الوعد كان يوم بدر ، وهو قول أكثر المفسرين ، واحتجوا على صحته بوجوه.","part":16,"page":274},{"id":6874,"text":"الحجة الأولى : أن الله تعالى قال : {وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ الله بِبَدْرٍ وَأَنتُمْ أَذِلَّةٌ} [ آل عمران : 123 ] {إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ أَلَنْ يَكْفِيكُمْ} كذا وكذا ، فظاهر هذا الكلام يقتضي أن الله تعالى نصرهم ببدر حينما قال الرسول للمؤمنين هذا الكلام ، وهذا يقتضي أنه عليه الصلاة والسلام قال هذا الكلام يوم بدر.\rالحجة الثانية : أن قلة العدد والعدد كانت يوم بدر أكثر وكان الاحتياج إلى تقوية القلب ذلك اليوم أكثر ، فكان صرف هذا الكلام إلى ذلك اليوم أولى.\rالحجة الثالثة : أن الوعد بإنزال ثلاثة آلاف من الملائكة كان مطلقاً غير مشروط بشرط ، فوجب أن يحصل ، وهو إنما حصل يوم بدر لا يوم أُحد ، وليس لأحد أن يقول إنهم نزلوا لكنهم ما قاتلوا لأن الوعد كان بالإمداد بثلاثة آلاف من الملائكة ، وبمجرد الإنزال لا يحصل الإمداد بل لا بد من الإعانة ، والإعانة حصلت يوم بدر ولم تحصل يوم أحد ، ثم القائلون بهذا القول أجابوا عن دلائل الأولين فقالوا : \rأما الحجة الأولى : وهي قولكم : الرسول صلى الله عليه وسلم إنما أمد يوم بدر بألف من الملائكة.\rفالجواب عنها : من وجهين\rالأول : أنه تعالى أمد أصحاب الرسول صلى الله عليه وسلم بألف ثم زاد فيهم ألفين فصاروا ثلاثة آلاف ، ثم زاد ألفين آخرين فصاروا خمسة آلاف ، فكأنه عليه الصلاة والسلام قال لهم : ألن يكفيكم أن يمدكم ربكم بألف من الملائكة فقالوا بلى ، ثم قال : ألن يكفيكم أن يمدكم ربكم بثلاثة آلاف فقالوا بلى ، ثم قال لهم : إن تصبروا وتتقوا يمددكم ربكم بخمسة آلاف ، وهو كما روي أنه صلى الله عليه وسلم قال لأصحابه : \r\" أيسركم أن تكونوا ربع أهل الجنة قالوا نعم قال أيسركم أن تكونوا ثلث أهل الجنة قالوا نعم قال فإني أرجو أن تكونوا نصف أهل الجنة \".","part":16,"page":275},{"id":6875,"text":"الوجه الثاني في الجواب : أن أهل بدر إنما أمدوا بألف على ما هو مذكور في سورة الأنفال ، ثم بلغهم أن بعض المشركين يريد إمداد قريش بعدد كثير فخافوا وشق عليهم ذلك لقلة عددهم ، فوعدهم الله بأن الكفار إن جاءهم مدد فأنا أمدكم بخمسة آلاف من الملائكة ، ثم إنه لم يأت قريشاً ذلك المدد ، بل انصرفوا حين بلغهم هزيمة قريش ، فاستغنى عن إمداد المسلمين بالزيادة على الألف.\rوأما الحجة الثانية : وهي قولكم : إن الكفار كانوا يوم بدر ألفاً فأنزل الله ألفاً من الملائكة ويوم أحد ثلاثة آلاف فأنزل الله ثلاثة آلاف.\rفالجواب : إنه تقريب حسن ، ولكنه لا يوجب أن لا يكون الأمر كذلك ، بل الله تعالى قد يزيد وقد ينقص في العدد بحسب ما يريد.\rوأما الحجة الثالثة : وهي التمسك بقوله {وَيَأْتُوكُمْ مّن فَوْرِهِمْ} [ آل عمران : 125 ].\rفالجواب عنه : أن المشركين لما سمعوا أن الرسول صلى الله عليه وسلم وأصحابه قد تعرضوا للعير ثار الغضب في قلوبهم واجتمعوا وقصدوا النبي صلى الله عليه وسلم ، ثم إن الصحابة لما سمعوا ذلك خافوا فأخبرهم الله تعالى : أنهم إن يأتوكم من فورهم يمددكم ربكم بخمسة آلاف من الملائكة فهذا حاصل ما قيل في تقرير هذين القولين ، والله أعلم بمراده. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 8 صـ 183 ـ 185}\rفائدة\rقال أبو السعود : \r{ إِذْ تَقُولُ } تلوينٌ للخطاب بتخصيصه برسول الله صلى الله عليه وسلم لتشريفه والإيذانِ بأن وقوعَ النصرِ كان ببشارته عليه السلام { لَهُمْ } وإذ ظرفٌ لنصَرَكم قدِّم عليه الأمرُ بالتقوى لإظهار كمالِ العنايةِ به ، والمرادُ به الوقتُ الممتدُ الذي وقع فيه ما ذكر بعده وما طُويَ ذكرُه تعويلاً على شهادة الحالِ مما يتعلق به وجودُ النصرِ ، وصيغةُ المضارعِ لحكاية الحالِ الماضيةِ لاستحضار صورتِها أي نصركم وقت قولك : { لِلْمُؤْمِنِينَ } حين أظهروا العجزَ عن المقاتلة. أ هـ {تفسير أبى السعود حـ 2 صـ 79 ـ 80}","part":16,"page":276},{"id":6876,"text":"فائدة\rقال الشيخ الشنقيطى : \rقوله تعالى : {إذ تقول للمؤمنين ألن يكفيَكم أن يُمدَّكُم ربكم بثلاثة آلاف من الملائكة} الآية, هذه الآية تدل على أنّ المدد يوم بدر من الملائكة من ثلاثة آلاف إلى خمسة آلاف, وقد ذكر تعالى في سورة الأنفال أنّ هذا المدد ألف بقوله : {إذ تستغيثون ربكم فاستجاب لكم أنِّي ممدكم بألف من الملائكة} الآية.\rوالجواب عن هذا من وجهين : \rالأول : أنه وعدهم بألف ثم صارت ثلاثة آلاف ثم صارت خمسة كما في هذه الآية.\rالثاني : أن آية الأنفال لم تقتصر على الألف, بل أشارت إلى الزيادة المذكورة في آل عمران, ولا سيما في قراءة نافع : {بألف من الملائكة مردَفين} بفتح الدال على صيغة اسم المفعول, لأن معنى (مردفين) : متبوعين بغيرهم, وهذا هو الحق, وأما على قول من قال : \"إن المدد المذكور في آل عمران في يوم أحد, والمذكور في الأنفال في يوم بدر\" فلا إشكال على قوله, إلا أن غزوة أحد لم يأت فيها مدد الملائكة. والجواب : أن إتيان المدد فيها على القول به مشروط بالصبر والتقوى في قوله : {بلى إن تصبروا وتتقوا ويأتوكم من فورهم هذا يمددكم ربكم} الآية, ولمّا لم يصبروا ولم يتقوا لم يأت المدد, وهذا قول مجاهد وعكرمة والضحاك والزهري وموسى بن عقبة وغيرهم, قاله بن كثير. أ هـ {دفع إيهام الاضطراب صـ 68 ـ 69}","part":16,"page":277},{"id":6877,"text":"فصل\rقال ابن الجوزى : \rوفي عدد الملائكة يوم بدر خسمة أقوال.\rأحدها : خمسة آلاف ، قاله الحسن.\rوروى جبير بن مطعم عن علي رضي الله عنه ، قال : بينا أنا أمتح من قليب بدر ، جاءت ريح شديدة لم أر أشد منها ، ثم جاءت ريح شديدة لم أر أشد منها إلا التي كانت قبلها ، ثم جاءت ريح شديدة لم أر أشد منها ، فكانت الريح الأولى جبريل نزل في ألفين من الملائكة ، وكان مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وكانت الريح الثانية ميكائيل نزل في ألفين من الملائكة عن يمين رسول الله ، وكانت الريح الثالثة إسرافيل نزل في ألف من الملائكة عن يسار رسول الله ، وكنت عن يساره ، وهزم الله أعداءه.\rوالثاني : أربعة آلاف : قاله الشعبي.\rوالثالث : ألف ، قاله مجاهد.\rوالرابع : تسعة آلاف ، ذكره الزجاج.\rوالخامس : ثمانية آلاف ، ذكره بعض المفسرين. أ هـ {زاد المسير حـ 1 صـ 453}","part":16,"page":278},{"id":6878,"text":"وقال الفخر : \rاختلفوا في عدد الملائكة ، وضبط الأقوال فيها أن من الناس من ضم العدد الناقص إلى العدد الزائد ، فقالوا : لأن الوعد بإمداد الثلاثة لا شرط فيه ، والوعد بإمداد الخمسة مشروط بالصبر والتقوى ومجيء الكفار من فورهم ، فلا بد من التغاير وهو ضعيف ، لأنه لا يلزم من كون الخمسة مشروطة بشرط أن تكون الثلاثة التي هي جزؤها مشروطة بذلك الشرط ومنهم من أدخل العدد الناقص في العدد الزائد ، أما على تقدير الأول : فإن حملنا الآية على قصة بدر كان عدد الملائكة تسعة آلاف لأنه تعالى ذكر الألف ، وذكر ثلاثة آلاف ، وذكر خمسة آلاف ، والمجموع تسعة آلاف ، وإن حملناها على قصة أحد ، فليس فيها ذكر الألف ، بل فيها ذكر ثلاثة آلاف ، وخمسة آلاف ، والمجموع : ثمانية آلاف ، وأما على التقدير الثاني : وهو إدخال الناقص في الزائد فقالوا : عدد الملائكة خمسة آلاف ، ثم ضم إليها ألفان آخران ، فلا جرم وعدوا بالألف ثم ضم إليه ألفان فلا جرم وعدوا بثلاثة آلاف ، ثم ضم إليها ألفان آخران فلام جر وعدوا بخمسة آلاف ، وقد حكينا عن بعضهم أنه قال أمد أهل بدر بألف فقيل : إن كرز بن جابر المحاربي يريد أن يمد المشركين فشق ذلك على المسلمين ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم لهم : ألن يكفيكم يعني بتقدير أن يجيء المشركين مدد فالله تعالى يمدكم أيضاً بثلاثة آلاف وخمسة آلاف ، ثم إن المشركين ما جاءهم المدد ، فكذا ههنا الزائد على الألف ما جاء المسلمين فهذه وجوه كلها محتملة ، والله أعلم بمراده. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 8 صـ 185 ـ 186}","part":16,"page":279},{"id":6879,"text":"فصل\rقال القرطبى :\rنزول الملائكةِ سبب من أسباب النصر لا يحتاج إليه الرب تعالى ، وإنما يحتاج إليه المخلوق فلْيَعْلَق القلب بالله ولْيَثِق به ، فهو الناصر بسبب وبغير سبب ؛ { إِنَّمَآ أَمْرُهُ إِذَآ أَرَادَ شَيْئاً أَن يَقُولَ لَهُ كُن فَيَكُونُ } [ يس : 82 ].\rلكن أخبر بذلك ليمتثل الخلقُ ما أمرهم به من الأسباب التي قد خلت من قبل ، { وَلَن تَجِدَ لِسُنَّةِ الله تَبْدِيلاً } [ الفتح : 23 ] ، ولا يَقْدَح ذلك في التوَكُّل.\rوهو ردّ على من قال : إن الأسباب إنما سُنّت في حق الضعفاء لا للأقوياء ؛ فإنّ النبيّ صلى الله عليه وسلم وأصحابه كانوا الأقوياء وغيرهم هم الضعفاء ؛ وهذا واضِحٌ. أ هـ {تفسير القرطبى حـ 4 صـ 195}\rفصل\rقال الفخر :\rأجمع أهل التفسير والسير أن الله تعالى أنزل الملائكة يوم بدر وأنهم قاتلوا الكفار ، قال ابن عباس رضي الله عنهما : لم تقاتل الملائكة سوى يوم بدر وفيما سواه كانوا عدداً ومدداً لا يقاتلون ولا يضربون ، وهذا قول الأكثرين ، وأما أبو بكر الأصم ، فإنه أنكر ذلك أشد الإنكار ، واحتج عليه بوجوه :\rالحجة الأولى : إن الملك الواحد يكفي في إهلاك الأرض ، ومن المشهور أن جبريل عليه السلام أدخل جناحه تحت المدائن الأربع لقوم لوط وبلغ جناحه إلى الأرض السابعة ، ثم رفعها إلى السماء وقلب عاليها سافلها ، فإذا حضر هو يوم بدر ، فأي حاجة إلى مقاتلة الناس مع الكفار ؟ ثم بتقدير حضوره ، فأي فائدة في إرسال سائر الملائكة ؟ .\rالحجة الثانية : أن أكابر الكفار كانوا مشهورين وكل واحد منهم مقابله من الصحابة معلوم وإذا كان كذلك امتنع إسناد قتله إلى الملائكة.","part":16,"page":280},{"id":6880,"text":"الحجة الثالثة : الملائكة لو قاتلوا لكانوا إما أن يصيروا بحيث يراهم الناس أو لا يراهم الناس فإن رآهم الناس فإما أن يقال إنهم رأوهم في صورة الناس أو في غير صورة الناس ، فإن كان الأول فعلى هذا التقدير صار المشاهد من عسكر الرسول ثلاثة آلاف ، أو أكثر ، ولم يقل أحد بذلك ، ولأن هذا على خلاف قوله تعالى : {وَيُقَلّلُكُمْ فِى أَعْيُنِهِمْ} [ الأنفال : 44 ] وإن شاهدوهم في صورة غير صور الناس لزم وقوع الرعب الشديد في قلوب الخلق فإن من شاهد الجن لا شك أنه يشتد فزعه ولم ينقل ذلك ألبتة.\rوأما القسم الثاني : وهو أن الناس ما رأوا الملائكة فعلى هذا التقدير : إذا حاربوا وحزوا الرؤوس ، ومزقوا البطون وأسقطوا الكفار عن الأفراس ، فحينئذ الناس كانوا يشاهدون حصول هذه الأفعال مع أنهم ما كانوا شاهدوا أحداً من الفاعلين ، ومثل هذا يكون من أعظم المعجزات ، وحينئذ يجب أن يصير الجاحد لمثل هذه الحالة كافراً متمرداً ، ولما لم يوجد شيء من ذلك عرف فساد هذا القسم أيضاً.\rالحجة الرابعة : أن هؤلاء الملائكة الذين نزلوا ، إما أن يقال : إنهم كانوا أجساماً كثيفة أو لطيفة ، فإن كان الأول وجب أن يراهم الكل وأن تكون رؤيتهم كرؤية غيرهم ، ومعلوم أن الأمر ما كان كذلك ، وإن كانوا أجساماً لطيفة دقيقة مثل الهواء لم يكن فيهم صلابة وقوة ، ويمتنع كونهم راكبين على الخيول وكل ذلك مما ترونه.","part":16,"page":281},{"id":6881,"text":"واعلم أن هذه الشبهة إنما تليق بمن ينكر القرآن والنبوّة ، فأما من يقر بهما فلا يليق به شيء من هذه الكلمات ، فما كان يليق بأبي بكر الأصم إنكار هذه الأشياء مع أن نص القرآن ناطق بها وورودها في الأخبار قريب من التواتر ، روى عبد الله بن عمر قال لما رجعت قريش من أحد جعلوا يتحدثون في أنديتهم بما ظفروا ، ويقولون : لم نر الخيل البلق ولا الرجال البيض الذين كنا نراهم يوم بدر والشبهة المذكورة إذا قابلناها بكمال قدرة الله تعالى زالت وطاحت فإنه تعالى يفعل ما يشاء لكونه قادراً على جميع الممكنات ويحكم ما يريد لكونه منزّهاً عن الحاجات. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 8 صـ 186 ـ 187}\rوقال القرطبى : \rوتظاهرت الروايات بأنّ الملائكة حضرت يوم بَدر وقاتلت ؛ ومن ذلك قول أبي أُسيدٍ مالكِ بنِ ربيعة وكان شهيد بدر : لوكنتُ معكم الآن بِبَدْر وَمَعِي بصرى لأريتُكم الشِّعْب الذي خرجتْ منه الملائكةُ ، لا أشك ولا أمْتَرِي.\rرواه عقيل عن الزُّهريّ عن أبي حازم سلمَة بنِ دينار.\rقال ابن أبي حاتم : لا يُعرف للزّهريّ عن أبي حازم غيرُ هذا الحديث الواحد ، وأبو أُسَيدٍ يُقال إنه آخر من مات من أهل بدر ؛ ذكره أبو عمر في الاستيعاب وغيره.\r","part":16,"page":282},{"id":6882,"text":"وفي صحيح مسلم من حديث عمر بن الخطاب قال : لما كان يومِ بَدْر نظر رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المشركين وهم ألْفٌ ، وأصحابه ثلاثُ مائةٍ وتسعة عشر رجلاً ، فاستقبل نبيُّ الله صلى الله عليه وسلم القبلة ثم مدّ يدَيْه فجعل يَهْتِف بربِّه : \" اللَّهُمَّ أنجِزْ لي مَا وَعَدْتَنِي اللَّهُمَّ آتِ مَا وَعَدْتَنِي اللَّهُمَّ إن تَهْلِك هذه العَصَابَةُ مِن أهل الإسلام لاَ تُعْبَدُ فِي الأرْضِ \" فما زال يَهْتِف بربه مادّاً يديْه مُستقبلَ القِبلة حتى سقط رداؤُه عن مَنْكِبَيْه ، فأتاه أبو بكر أخذَ رداءَه فألقاه على مَنْكِبَيْه ، ثم الْتَزَمَه من وَرائه وقال : يا نبيّ اللَّهِ ، كفاك مناشَدَتُك رَبَّك ، فإنه سيُنْجِزُ لك ما وَعَدَك ؛ فأنزل الله عزّ وجلّ : { إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فاستجاب لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِّنَ الملائكة مُرْدِفِينَ } [ الأنفال : 9 ] فأمدّه الله تعالى بالملائكة.\rقال أبو زُمَيْل : فحدّثني ابن عباس قال : بيْنما رجلٌ من المسلمين يومئذ يَشْتَدّ في أثرَ رجل من المشركين أمامَه إذْ سمِع ضربةً بالسَّوْط فوقَه وصوتَ الفارِس يقول : أَقِدمْ حَيْزُومُ ، فنظر إلى المشرِك أمامه فَخرّ مستلقياً ، فنظر إليه فإذا هو قَدْ خُطِم أنفُه وشُقّ وجهُه ( كضربة السوط ) فاخْضَرّ ذلك أجْمَعُ.\rفجاء الأنصاريّ فحدّث بذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : \" صدقتَ ذلك من مَدَد السَّماء الثالثة \" فقتلوا يومئذ سبعين وأسروا سبعين.\rوذكر الحديث.\rوسيأتي تمامُه في آخر \"الأنفال\" إن شاء الله تعالى.\rفتظاهرت السنة والقرآن على ما قاله الجمهور ، والحمد لله.\r","part":16,"page":283},{"id":6883,"text":"وعن خارجة بن إبراهيم عن أبيه قال : \" قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لِجبْرَيل : \"مَنِ القائلُ يوم بدر من الملائكة أقدم حَيْزُوم\" ؟ فقال جبريل : \"يا محمد ما كل أهل السماء أعرف\" \" وعن عليّ رضي الله عنه أنه خطب الناس فقال : بينا أنا أمْتَح من قَلِيب بَدْر جاءت ريحٌ شديدة لم أرَ مثلها قَطّ ، ثم ذهبت ، ثم جاءت ريحٌ شديدة لم أرَ مثلها قط إلاَّ التي كانت قبلها.\rقال : وأظنه ذكر : ثم جاءت ريحٌ شديدة ، فكانت الرِّيح الأولى جبريل نزل في ألف من الملائكة مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وكانت الريح الثانية مِيكَائِيل نزل في ألف من الملائكة عن يمين رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وكان أبو بكر عن يمينه ، وكانت الريح الثالثة إسْرَافِيل نزل في ألف من الملائكة عن مَيْسَرة رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنا في الميسرة.\rوعن سَهل بن حُنَيف رضي الله عنه قال : لقد رأيتُنا يوم بَدْر وأنّ أحدنَا يُشِير بسيفه إلى رأس المشرك فيقع رأسُه عن جسده قبل أن يَصِل إليه.\rوعن الرّبيع بن أنس قال : كان الناس يوم بَدْر يعرفون قتلى الملائكة ممَّن قتلوهم بضربٍ فوقَ الأعْناق وعلى البَنَان مثل سِمَة النار قد أُحرِق به ؛ ذكر جميعه البَيْهَقِيّ رحمه الله.\rوقال بعضهم : إن الملائكة كانوا يقاتلون وكانت علامة ضربهم في الكفار ظاهرة ؛ لأن كلَّ موضع أصابتْ ضربتهم اشتعلت النار في ذلك الموضع ، حتى إن أبا جهل قال لابن مسعود : أنت قتلتني ؟ اإنما قتلني الذي لم يصل سِنَانِي إلى سُنْبُك فرسه وإن اجتهدت.\rوإنما كانت الفائدة في كثرة الملائكة لتسكين قلوب المؤمنين ؛ ولأنّ الله تعالى جعل أُولئك الملائكة مجاهدين إلى يوم القيامة ؛ فكل عسكر صَبَر واحتسب تأتيهم الملائكة ويقاتلون معهم.\r","part":16,"page":284},{"id":6884,"text":"وقال ابن عباس ومجاهد : لم تقاتل الملائكةُ إلاَّ يوم بَدْر ، وفيما سوى ذلك يشهدون ولا يقاتلون إنما يكونون عدداً أو مدداً.\rوقال بعضهم : إنما كانت الفائدة في كثرة الملائكة أنهم كانوا يَدْعُون ويسبِّحون ، ويكثرون الذين يقاتلون يومئذ ؛ فعلى هذا لم تقاتل الملائكةُ يوم بدر وإنما حضروا للدعاء بالتثّبِيت ، والأوّل أكثر.\rقال قتادة : كان هذا يوم بدر ، أمدّهم الله بألفٍ ثم صاروا ثلاثةَ آلاف ، ثم صاروا خمسة آلاف ؛ فذلك قوله تعالى : { إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فاستجاب لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِّنَ الملائكة مُرْدِفِينَ } [ الأنفال : 9 ] وقوله : { أَلَنْ يَكْفِيكُمْ أَن يُمِدَّكُمْ رَبُّكُمْ بِثَلاَثَةِ آلاَفٍ مِّنَ الملائكة مُنزَلِينَ } وقوله : { بلى إِن تَصْبِرُواْ وَتَتَّقُواْ وَيَأْتُوكُمْ مِّن فَوْرِهِمْ هذا يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ بِخَمْسَةِ آلاف مِّنَ الملائكة مُسَوِّمِينَ } فصبرَ المؤمنون يوم بَدْر واتقوا الله فأمدّهم الله بخمسة آلاف من الملائكة على ما وَعَدَهُم ؛ فهذا كله يوم بدر.\rوقال الحسن : فهؤلاء الخمسة آلاف رِدْءٌ للمؤمنين إلى يوم القيامة.\rقال الشعبيّ : بلغ النبيّ صلى الله عليه وسلم وأصحابه يوم بدر أن كُرْز بن جابر المُحارِبيّ يريد أن يُمدّ المشركين فشق ذلك على النبيّ صلى الله عليه وسلم وعلى المسلمين ؛ فأنزل الله تعالى { أَلَنْ يَكْفِيكُمْ } إلى قوله : { مُسَوِّمِينَ } فبلغ كُرْزاً الهزيمةُ فلم يُمدّهم ورجع ، فلم يمدهم الله أيضاً بالخمسة آلاف ، وكانوا قد مدّوا بألف.\rوقيل : إنما وعد الله المؤمنين يوم بدر إن صبروا على طاعته ، واتقوا محارمه أن يمدّهم أيضاً في حروبهم كلها ، فلم يصبروا ولم يتقوا محارمه إلاَّ في يوم الأحزاب ، فأمدّهم حين حاصروا قُرَيْظة.","part":16,"page":285},{"id":6885,"text":"وقيل : إنما كان هذا يوم أحُد ، وعدهم الله المدد إن صبروا ، فما صبروا فلم يُمدّهم بملَك واحد ، ولو أُمِدّوا لما هُزِمُوا ؛ قاله عكرمة والضحاك.\rفإن قيل : فقد ثبت عن سعد بن أبي وَقّاص أنه قال : رأيت عن يَمين رسول الله صلى الله عليه وسلم وعن يساره يومَ بَدْر رجلين عليهما ثياب بيض يقاتلان عنه أشدّ القتال ، ما رأيتهما قبلُ ولا بعدُ.\rقيل له : لعل هذا مختص بالنبيّ صلى الله عليه وسلم ، خصّه بملكين يقاتلان عنه ، ولا يكون هذا إمداداً للصحابة ، والله أعلم. أ هـ {تفسير القرطبى حـ 4 صـ 192 ـ 195}\rفائدة\rقال ابن عاشور : \rوإنَّما جيء في النَّفي بحرف لَن الَّذي يفيد تأكيد النَّفي للإشعَار بأنّهم كانوا يوم بدر لقلّتهم ، وضعفهم ، مع كثرة عدوّهم ، وشوكته ، كالآيسين من كفاية هذا المدد من الملائكة ، فأوقع الاستفهام التَّقريري على ذلك ليكون تلقيناً لِمن يخالج نفسَه اليأس من كفاية ذلك العدد من الملائكة ، بأن يصرّح بما في نفسه ، والمقصود من ذلك لازمهُ ، وهذا إثبات أنّ ذلك العدد كاف. أ هـ {التحرير والتنوير حـ 3 صـ 207}\rفصل\rقال الفخر : \rاختلفوا في كيفية نصرة الملائكة قال بعضهم : بالقتال مع المؤمنين ، وقال بعضهم : بل بتقوية نفوسهم وإشعارهم بأن النصرة لهم وبإلقاء الرعب في قلوب الكفار ، والظاهر في المدد أنهم يشركون الجيش في القتال إن وقعت الحاجة إليهم ، ويجوز أن لا تقع الحاجة إليهم في نفس القتال وأن يكون مجرد حضورهم كافياً في تقوية القلب ، وزعم كثير من المفسرين أنهم قاتلوا يوم بدر ولم يقاتلوا في سائر الأيام. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 8 صـ 187}","part":16,"page":286},{"id":6886,"text":"فصل\rقال الفخر : \rقوله تعالى : {أَلَنْ يَكْفِيكُمْ} معنى الكفاية هو سد الخلة والقيام بالأمر ، يقال كفاه أمر كذا إذا سد خلته ، ومعنى الإمداد إعطاء الشيء حالاً بعد حال قال المفضل : ما كان على جهة القوة والإعانة قيل فيه أمده يمده ، وما كان على جهة الزيادة قيل فيه : مده يمده ومنه قوله {والبحر يَمُدُّهُ} [ لقمان : 27 ]. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 8 صـ 187}\rفصل\rقال الفخر : \rقال صاحب \"الكشاف\" : إنما قدم لهم الوعد بنزول الملائكة لتقوى قلوبهم ويعزموا على الثبات ويثقوا بنصر الله ومعنى {أَلَنْ يَكْفِيكُمْ} إنكار أن لا يكفيكم الإمداد بثلاثة آلاف من الملائكة وإنما جيء بلن التي هي لتأكيد النفي للاشعار بأنهم كانوا لقلتهم وضعفهم وكثرة عددهم كالآيسين من النصر. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 8 صـ 187}\rفوائد لغوية\rقال ابن عادل : \rقوله : { إذْ تَقُولُ } فيه ثلاثة أوجه : \rأحدها : أنه منصوب بإضمار اذكر.\rالثاني : إن قلنا : إن هذا الوعد حصل يوم بَدْر ، فالعامل في \" إذْ \" قوله : { نَصَرَكُمُ الله } والتقدير : إذ نصركم الله ببدر ، وأنتم أذلة إذ تقول للمؤمنين.\rوإن قلنا : إن هذا الوعد حصل يوم أُحُد ، فيكون بَدَلاً من قوله : { إِذْ هَمَّتْ طَّآئِفَتَانِ } [ آل عمران : 122 ] ، فهذه ثلاثة أوجه.\rقوله : { أَلَنْ يَكْفِيكُمْ } معنى الكفاية : هو سَدُّ الخلة ، والقيام بالأمر.\rيقال : كَفَاهُ أمر كذا ، أي : سَدَّ خلته.\rوالإمداد : إعانة الجيش بالجيش ، وهو في الأصل إعطاء الشيء حالاً بعد حال.\rقال المفضَّل : ما كان على جهة القوة والإعانة ، قيل فيه : أمَدَّه يُمِدُّه ، وما كان على جهة الزيادة ، قيل فيه : مَدَّه يَمُدُّه مَدًّا ومنه : { والبحر يَمُدُّهُ مِن بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُر } [ لقمان : 27 ].","part":16,"page":287},{"id":6887,"text":"وقيل : المَدُّ في الشر ، والإمداد في الخير ؛ لقوله تعالى : { وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ } [ البقرة : 15 ] وقوله : { وَنَمُدُّ لَهُ مِنَ العذاب مَدّاً } [ مريم : 79 ] وقال في الخير : { أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْف } [ الأنفال : 9 ] وقال : { وَأَمْدَدْنَاكُم بِأَمْوَالٍ وَبَنِين } [ الإسراء : 6 ].\rقوله : { أَن يُمِدَّكُمْ } فاعل ، { أَلَنْ يَكْفِيكُمْ } أي : ألن يكفيكم إمدادُ ربكم ، والهمزة لما دخلت على النفي قررته على سبيل الإنكار ، وجيء بـ \" لن \" دون \" لا \" ؛ لأنها أبلغ في النفي ، وفي مصحف أبيّ \" ألا \" بدون \" لن \" وكأنه قصد تفسير المعنى.\rو \" بثلاثة \" متعلق بـ { يُمِدَّكُمْ }.\rوقرأ الحسن البصريّ \" ثلاثة آلافٍ \" - بهاء - ساكنة في الوصل - وكذلك \" بخمسة آلافٍ \" كأنه أجْرَى الوصل مُجْرَى الوقف ، وهي ضعيفة ؛ لأنها في متضايفين تقتضيان الاتصال.\rقال ابن عطية : ووجْه هذه القراءة ضعيف ؛ لأن المضاف والمضاف إليه كالشيء الواحد يقتضيان الاتصال إذْ هما كالاسم الواحد ، وإنما الثاني كمال الأول ، والهاء إنما هي أمارة وقف ، فيتعلق الوقف في موضع إنما هو للاتصال ، لكن قد جاء نحو هذا للعرب في مواضعَ ، من ذلك ما حكاه الفرَّاء من قولهم : أكلت لحما شاةٍ - يريدون لحم شاة - فَمَطلُوا الفتحةَ ، حتى نشأت عنها ألِفٌ ، كما قالوا في الوقف قالا - يريدون قال - ثم مَطَلُوا الفتحة في القوافي ، ونحوها من مواضع الرؤية والتثبيت.\rومن ذلك في الشعر قوله : [ الكامل ]\rيَنْبَاعُ مِنْ ذِفْرَى غَضُوبٍ جَسْرَةٍ... زَيَّافَةٍ مِثْلِ الْفَنِيقِ المُكْدَمِ\rيريد : \" ينبع \" ، فمطل ومثله قول الآخر : [ الرجز ]\rأقُولُ إذْ خَرَّتْ عَلَى الْكَلْكَالِ... يَا نَاقَتَا مَا جُلْتُ مِنْ مَجَالِ","part":16,"page":288},{"id":6888,"text":"يريد : \" الكلكل \" ، فمطل ومثله قول الشاعر : [ الوافر ]\rفَأنْتَ مِنَ الْغَوَائِلِ حِينَ تُرْمَى... وَمَنْ ذَمِّ الرِّجَالِ بِمُنْتَزَاحِ\rيريد : بمنتزح.\rقال أبو الفتح : \" فإذا جاز أن يعترض هذا [ الفتور ] والتمادي بين أثناء الكلمة الواحدة ، جاز التمادي بين المضاف والمضاف إليه ، إذ هما اثنان \".\rقال أبو حيان - بعد نقل كلام ابن عطية- : \" وهو تكثير وتنظير بغير ما يناسب ، والذي يناسب توجيه هذه القراءة الشاذة أنها من إجراء الوَصْل مُجْرَى الوَقْف ، وإجراء الوَقْف مُجْرَى الوصل والوصل مجرى الوقف موجود في كلامهم وأما قوله : لكن قد جاء نحو هذا للعرب في مواضع ، وجميع ما ذكر إنما هو من باب إشباع الحركة ، وإشباع الحركة ليس نحو إبدال التاء هاء في الوَصْل ، وإنما نظير هذا قولهم : ثلاثة اربعة ، أبدل التاء هاء ، ثم نقل حركة همزة أربعة إليها ، وحذف الهمزة ، فأجْرَى الوصل مُجْرَى الوقف في الإبدال ، ولأجل الوصل نقل فأجرى الوصل مُجْرى الوقف ؛ إذْ لا يكون هذا النقل إلا في الوَصْل \".\rوقرئ شاذًّا - أيضاً - : بثلاثةْ آلاف - بتاء ساكنة ، وهي أيضاً من إجراء الوصل مجرى الوقف من حيث السكون واختلفوا في هذه التاء الموقوف عليها الآن ، أهي تاء التأنيث التي كانت ، فسكنت فقط ، أو هي بدل من هاء التأنيث المبدلة من التاء ؟ ولا طائل تحته.\rقوله : { مِّنَ الملائكة } يجوز أن تكون \" مِنْ \" للبيان ، وأن تكون \" مِنْ \" ومجرورها في موضع الجر صفة لـ \" لَثَلاثَةِ \" أو لِ \" آلافٍ \".\r","part":16,"page":289},{"id":6889,"text":"قوله : { مُنْزَلِينَ } صفة لـ \" ثلاثة آلاف \" ، ويجوز أن يكون حالاً من \" الْمَلاَئِكَةِ \" والأول أظهر. وقرأ ابن عامر \" مُنزَّلين \" - بالتضعيف - وكذلك شدد قوله في سورة العنكبوت : { إِنَّا مُنزِلُونَ على أَهْلِ هذه القرية رِجْزاً مِّنَ السمآء } [ العنكبوت : 34 ] إلا أنه هنا - اسم مفعول ، وهناك اسم فاعل.\rوالباقون خفَّفوها وقرأها ابن أبي عَبْلَة - هنا - مُنَزَّلين - بالتشديد مكسور الزاي ، مبنياً للفاعل.\rوبعضهم قرأه كذلك ، إلا أنه خفف الزاي ، جعله من أنزل - كأكرم - والتضعيف والهمزة كلاهما للتعدية ، ففعَّل وأفْعل بمعنًى ، وقد تقدم أن الزمخشري جعل التشديد دالاًّ على التنجيم وتقدم البحث معه في ذلك وفي القراءتنين الأخيرتين يون المفعول محذوفاً ، أي : منزلين النصر على المؤمنين ، والعذاب على الكافرين. أ هـ {تفسير ابن عادل حـ 5 صـ 515 ـ 522}. بتصرف يسير.\rقوله تعالى : { بَلَى إِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا وَيَأْتُوكُمْ مِنْ فَوْرِهِمْ هَذَا يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ بِخَمْسَةِ آَلَافٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُسَوِّمِينَ (125)}\rفصل\rقال الفخر : \rبلى : إيجاب لما بعد ( لن ) يعني بل يكفيكم الإمداد فأوجب الكفاية ، ثم قال : {إِن تَصْبِرُواْ وَتَتَّقُواْ وَيَأْتُوكُمْ مّن فَوْرِهِمْ هذا} يعني والمشركون يأتوكم من فورهم هذا يمددكم ربكم بأكثر من ذلك العدد وهو خمسة آلاف ، فجعل مجيء خمسة آلاف من الملائكة مشروطة بثلاثة أشياء ، الصبر والتقوى ومجيء الكفار على الفور ، فلما لم توجد هذه الشرائط لا جرم لم يوجد المشروط. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 8 صـ 187}\rفصل\rقال الفخر : ","part":16,"page":290},{"id":6890,"text":"الفور مصدر من : فارت القدر إذا غلت ، قال تعالى : {حتى إِذَا جَاء أَمْرُنَا وَفَارَ التنور} [ هود : 40 ] قيل إنه أول ارتفاع الماء منه ثم جعلوا هذه اللفظة استعارة في السرعة ، يقال جاء فلان ورجع من فوره ، ومنه قول الأصوليين الأمر للفور أو التراخي ، والمعنى حدة مجيء العدو وحرارته وسرعته. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 8 صـ 187}\rفصل\rقال الفخر : \rقرأ ابن كثير وأبو عمرو وعاصم {مُسَوّمِينَ} بكسر الواو أي معلمين علموا أنفسهم بعلامات مخصوصة ، وأكثر الأخبار أنهم سوموا خيولهم بعلامات جعلوها عليها ، والباقون بفتح الواو ، أي سومهم الله أو بمعنى أنهم سوموا أنفسهم ، فكان في المراد من التسويم في قوله {مُسَوّمِينَ} قولان\rالأول : السومة العلامة التي يعرف بها الشيء من غيره ، ومضى شرح ذلك في قوله {والخيل المسومة} [ آل عمران : 14 ] وهذه العلامة يعلمها الفارس يوم اللقاء ليعرف بها ، وفي الخبر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال يوم بدر : \" سوموا فإن الملائكة قد سومت \" قال ابن عباس : كانت الملائكة قد سوموا أنفسهم بالعمائم الصفر ، وخيولهم وكانوا على خيل بلق ، بأن علقوا الصوف الأبيض في نواصيها وأذنابها ، وروي أن حمزة بن عبد المطلب كان يعلم بريشة نعامة ، وأن علياً كان يعلم بصوفة بيضاء وأن الزبير كان يتعصب بعصابة صفراء وأن أبا دجانة كان يعلم بعصابة حمراء.","part":16,"page":291},{"id":6891,"text":"القول الثاني : في تفسير المسومين إنه بمعنى المرسلين مأخوذاً من الإبل السائمة المرسلة في الرعي ، تقول أسمت الإبل إذا أرسلتها ، ويقال في التكثير سومت كما تقول أكرمت وكرمت ، فمن قرأ {مُسَوّمِينَ} بكسر الواو فالمعنى أن الملائكة أرسلت خيلها على الكفار لقتلهم وأسرهم ، ومن قرأ بفتح الواو فالمعنى أن الله تعالى أرسلهم على المشركين ليهلكوهم كما تهلك الماشية النبات والحشيش. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 8 صـ 188}\rفوائد لغوية\rقال ابن عادل : \rقوله : { بلى } حرف جواب ، وهو إيجاب للنفي في قوله : { أَلَنْ يَكْفِيَكُمْ } وقد تقدم الكلام عليه وجواب الشرط قوله : { يُمْدِدْكُمْ }.\rوالفوز : العجلة والسرعة ، ومنه : فارت القِدْرُ ، إذا اشتد غلبانها وسارع ما فيها إلى الخروج ، والفوز مصدر ، يقال : فَار يفُورُ فَوْراً ، قال تعالى : { حتى إِذَا جَآءَ أَمْرُنَا وَفَارَ التنور } [ هود : 40 ] ، ثم جعلوا هذه اللفظة استعارة في السرعة ، يقال : جاء فلان من فوره وفيه قول الأصوليين الأمر للفور ويعبّر به عن الغضب والحِدة ؛ لأن الغضبان يسارع إلى البطش بمن يغضب عليه ، فالفَوْز - في الأصل - : مصدر ، ثم يُعَبَّر به عن الحالة التي لا ريث فيها ولا تعريج على شيء سواها وقال ابن عباس والحسن وقتادة وأكثر المفسرين : معنى \" مِنْ فَورِهم هَذَا \" : من وجههم هذا.\rوقال مجاهد والضَّحَّاكُ : من غضبهم هذا ؛ لأنهم إنَّما رجعوا للحرب يوم أُحُد من غَضَبِهم ليوم بدر.","part":16,"page":292},{"id":6892,"text":"قوله : { مُسَوِّمِينَ } كقوله : { مُنزَلِينَ } ، وقرأ ابْنُ كَثيرٍ وأبُو عَمْروٍ وعَاصِمٌ بكسر الواو ، على اسم الفاعل ، والباقون بفتحها على اسم المفعول ، فأما القراءة الأولى ، فيحتمل أن تكون من السوم - وهو ترك الماشية ترعى - والمعنى : أنهم سَوَّموا خَيْلَهم ، أي أعطوها سَوْمَها من الجَرْي والجَوَلان ، وتركوها كذلك ، كما يفعل من يسيم ماشيته في المرعى.\rويحتمل أن تكون من السومة - وهي العلامة - على معنى أنهم سوموا أنفسهم ، أو خيلهم.\rروي أنهم كانوا على خَيْلٍ بُلْقٍ ، قال عروة بن الزبير : كانت الملائكة على خَيْل بُلْقٍ ، عليهم عمائمُ بِيضٌ ، قد أرسلوها بين أكتافهم.\rوقال هشام بن عروة : عمائم صفر.\rوروي أنهم كانوا بعمائم بيضٍ ، إلا جبريل فبعمامة صفراء ، على مثال الزبير بن العوام.\rقال قتادةُ والضَّحَّاكُ : كانوا قد علموا بالعهن في نواصي الخيل وأذنابها.\rورُوِيَ أنَّ النَّبي صلى الله عليه وسلم قال لأصحابه يوم بدر : \" تسوموا ، فإنَّ الملائكة قد تسومت بالصوف الأبيض في قلانسهم ومغافرهم \" وأما القراءة الثانية ، فواضحة بالمعنيين المذكورين ، فمعنى السوم فيها : أن الله أرسلهم ، إذ الملائكة كانوا مرسلين من عند الله لنُصْرة نبيه والمؤمنين.\rقال أبو زيد : سوم الرجل خَيْلَه ، أي أرسلها.\rوحكى بعضهم : سومت غلامي ، أي : أرسلته ، ولهذا قال الأخفش : معنى \" مُسَوَّمِينَ \" مُرْسَلِين.\rومعنى السومة فيها : أن الله - تعالى - سومهم ، أي جعل عليهم علامة ، وهي العمائم ، أو أن الملائكة جعلوا خيلهم نوعاً خاصاً - وهي البلق - فقد سوموا خيلهم. أ هـ {تفسير ابن عادل حـ 5 صـ 522 ـ 523}.\rمن فوائد القرطبى فى الآية\rقال رحمه الله : \rورُوي عن ابن عباس : تسوَّمَت الملائكة يوم بدر بالصّوف الأبيض في نَوَاصي الخيل وأذنابها.","part":16,"page":293},{"id":6893,"text":"وقال عَبّاد بن عبد الله بن الزبير وهِشام ابن عُروة والكلبي : نزلت الملائكة في سِيما الزُّبِير عليهم عمائم صُفْر مُرْخَاة على أكتافهم.\rوقال ذلك عبد الله وعروة ابنا الزبير.\rوقال عبد الله : كانت ملاءة صفراء اعتم بها الزبير رضي الله عنه.\rقلت : ودلت الآية على اتخاذ ( الشارة والعلامة للقبائل والكتائب يجعلها السلطان لهم ؛ لتتميّز كل قبيلة وكتِيبة من غيرها عند الحرب ، وعلى فضل الخيل البُلْق لنزول الملائكة عليها.\rقلت : ولعلها نزلت عليها مُوافَقة لفرس المِقْدَاد ، فإنه كان أبْلَق ولم يكن لهم فرس غيره ، فنزلت الملائكة على الخيل البُلْق إكراماً للمقداد ؛ كما نزل جبريل مُعْتَجِراً بعمامة صفراء على مِثال الزبير ، والله أعلم.\rودلّت الآية أيضاً.\rعلى لِباس الصّوف وقد لَبِسه الأنبياء والصالحون.\rورَوى أبو داود وابن ماجه واللفظ له عن أبي بُرْدة عن أبيه قال قال لي أبي : لو شهدتنا ونحن مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أصابتنا السماء لحسِبت أن رِيحنا ريح الضّأن.\rولبس صلى الله عليه وسلم جُبّة رُومِيّة من صوفٍ ضيِّقة الكُمّين ؛ رواه الأئمة.\rولبِسها يُونُس عليه السَّلام ؛ رواه مسلم.\rوسيأتي لهذا المعنى مزِيد بيان في \"النحل\" إن شاء الله تعالى.\rقلت : وأما ما ذكره مجاهد من أن خيلهم كانت مَجْزوزة الأذناب والأَعْراف فبعيدٌ ؛ فإن في مصنف أبي داود عن عُتْبة بن عبدٍ السُّلمي أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : \" لا تقُصّوا نواصي الخيل ولا معارفها ولا أذنابها فإن أذنابها مَذَابُّها ومعارفها دفاؤها ونواصيها معقود فيها الخير \" فقول مجاهد يحتاج إلى توقيف من أن خيل الملائكة كانت على تلك الصفة ، والله أعلم.","part":16,"page":294},{"id":6894,"text":"ودلّت الآية على حُسْن الأبيض والأصفر من الألوان لنزول الملائكة بذلك ، وقد قال ابن عباس : من لبس نَعلاً أصْفَر قضيت حاجته.\rوقال عليه السَّلام : \" البسوا من ثيابكم البياض فإنه من خير ثيابكم وكفِّنوا فيه موتاكم وأما العمائم فتيجَان العرب ولباسها \" ورَوى رُكَانة وكان صارع النبيَّ صلى الله عليه وسلم فَصرعه النبيُّ صلى الله عليه وسلم قال رُكَانَة : وسمعت النبيّ صلى الله عليه وسلم يقول : \" فرق ما بيننا وبين المشركين العمائم على القلانس \" أخرجه أبو داود.\rقال البخاري : إسناده مجهول لا يعرف سماع بعضه من بعض. أ هـ {تفسير القرطبى حـ 4 صـ 196 ـ 197}. بتصرف يسير.\rمن لطائف الإمام القشيرى فى الآية\rكان تسكينُ الحقِّ سبحانه لقلبِ المصطفى - صلى الله عليه وسلم - بلا واسطة من الله - سبحانه ، والربطُ على قلوب المؤمنين بواسطة الرسول صلى الله عليه وسلم - فلولا بقية بقيت عليهم ما ردَّهم في حديث النصرة إلى إنزال المَلَك ، وأنَّى بحديث المَلَك - والأمرُ كلُّه بِيَدِ المَلِك ؟ !. أ هـ {لطائف الإشارات حـ 1 صـ 274 ـ 275}","part":16,"page":295},{"id":6895,"text":"قوله تعالى { وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ إِلَّا بُشْرَى لَكُمْ وَلِتَطْمَئِنَّ قُلُوبُكُمْ بِهِ وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ (126) لِيَقْطَعَ طَرَفًا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَوْ يَكْبِتَهُمْ فَيَنْقَلِبُوا خَائِبِينَ (127)}\rمناسبة الآيتين لما قبلهما\rقال البقاعى : \rولما كان التقدير : وليس الإمداد بهم موجود للنصر ، وكان قد قدم في أول السورة قوله : {والله يؤيد بنصره من يشاء} [ آل عمران : 13 ] قال هنا قاصراً للأمر عليه : {وما جعله الله} أي الإمداد المذكور وذكره لكم على ما له من الإحاطة بصفات الكمال التي لا يحتاج مراقبها إلى شيء أصلاً {إلا بشرى }.\rوما كانت الهزيمة عليهم في هذه الكرة ، وكان المقتول منهم أكثر قال : {لكم} لئلا يتوهم أن ذلك بشرى لضدهم ، ولمثل هذا قدم القلوب فقال : {ولتطمئن} وعلم أن التقدير - لتكون الآية من الاحتباك : لتستبشر نفوسكم به وطمأنينة لكم لتطمئن {قلوبكم به} أي الإمداد ، فحكم هنا بأنه بشرى مقيداً بلكم ، فكانت العناية بضمير أشد حتى كأنه قيل : إلا وبشرى لكم وطمأنينتكم ، فوجب تأخير ضميره عنهم ، والمعنى أنهم كانوا أولاً خائفين ، فلما وردت البشرى اطمأنوا بها رجاء أن يفعل بهم مثل ما فعل في بدر ، فلما اطمأنوا بها وقع النصر كما وقع به الوعد ثم لما اطمأنت قلوبهم إلى شيء ألزّ قوتها لأنه قد سبق لها نصر وسرور بضرب وطعن في بدر وغيرها فلمحت نحو شيء من ذلك ؛ حصلت الهزيمة ليصيروا إلى حق اليقين بأنه لا حول لهم ولا قوة ، ولذلك قال تعالى : {وما النصر} أي في ذلك غيره {إلا من عند الله} أي المستجمع لصفات الكمال ، لا بمدد ولا غيره فلا تجدوا في أنفسكم من رجوع من رجع ولا تأخر من تأخر ولا هزيمة من انهزم.","part":16,"page":296},{"id":6896,"text":"ولما قدم أمر بدر هنا وأول السورة ، وتحقق بذلك ما له من العزة والحكمة قال : {العزيز} الذي لا يغالب ، فلا يحتاج إلى قتال أحد ولا يحتاج في نصره - إن قاتل - إلى معونة أحد {الحكيم} الذي يضع الأشياء في أتقن محالها من غير تأكيد أي الذي نصركم قبل هذه الغزوة وفي أول النهار فيها ، ليس لكم ولا لغيركم ناصر غيره ، فمتى التفت أحد إلى سواه وكله إليه فخذل ، فاحذروه لتطيعوه طاعة أولي الإحسان في كل أوان ، وهذا بخلاف ما في قصة بدر في الأنفال وسيأتي إن شاء الله ما يتعلق بها من المقال مما اقتضاه هناك الحال ، والحكيم رأس آية بإجماع أهل العلم - كما في الأنفال ، ولما قرر الوعد ذكر ثمرته فقال معلقاً الجار بيمددكم : {ليقطع} أي بالقتل {طرفاً} أي طائفة من كرامهم ، يهنون بهم {من الذين كفروا} أي ويهزم الباقين {أو يكبتهم} أي يكسرهم ويردهم بغيظهم مع الخزي أذلاء ، وأصل الكبت صرع الشيء على وجهه {فينقلبوا} أي كلهم مهزومين {خائبين} وذلك في كلتا الحالتين بقوتكم عليهم بالمد وضعفهم عنكم به ، ويجوز تعليق {ليقطع} بفعل التوكل ، أي فليتوكلوا عليه ليفعل بأعدائهم ما يشاءه من نصرهم عليهم ، فيقبل بهم إلى الإسلام رغبة أو رهبة ، أو يميتهم على كفرهم فيديم عذابهم مع عافيتهم منهم ؛ ورأيت في سير الإمام محمد بن عمر الواقدي ما يدل على تعليقه بجعل من قوله : {وما جعله الله إلا بشرى} أو بقوله : {ولتطمئن} وهو حسن أيضاً. أ هـ {نظم الدرر حـ 2 صـ 150 ـ 151}\rفصل\rقال الفخر : ","part":16,"page":297},{"id":6897,"text":"الكناية في قوله {وَمَا جَعَلَهُ الله} عائدة على المصدر ، كأنه قال : وما جعل الله المدد والإمداد إلا بشرى لكم بأنكم تنصرون فدل {يُمْدِدْكُمْ} على الإمداد فكنى عنه ، كما قال : {وَلاَ تَأْكُلُواْ مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسم الله عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ} [ الأنعام : 121 ] معناه : وإن أكله لفسق فدل {تَأْكُلُواْ} على الأكل فكنى عنه وقال الزجاج {وَمَا جَعَلَهُ الله} أي ذكر المدد {إِلاَّ بشرى} والبشرى اسم من الإبشار ومضى الكلام في معنى التبشير في سورة البقرة في قوله {وَبَشّرِ الذين ءَامَنُواْ} [ البقرة : 25 ]. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 8 صـ 188}\rقوله تعالى {وَلِتَطْمَئِنَّ قُلُوبُكُمْ بِهِ}\rسؤال : قوله {وَلِتَطْمَئِنَّ} فعل وقوله {إِلاَّ بشرى} اسم وعطف الفعل على الاسم مستنكر ، فكان الواجب أن يقال إلا بشرى لكم واطمئناناً ، أو يقال إلا ليبشركم ولتطمئن قلوبكم به فلم ترك ذلك وعدل عنه إلى عطف الفعل على الاسم.\rوالجواب عنه من وجهين\rالأول : في ذكر الإمداد مطلوبان ، وأحدهما أقوى في المطلوبية من الآخر ، فأحدهما إدخال السرور في قلوبهم ، وهو المراد بقوله {إِلاَّ بشرى}\rوالثاني : حصول الطمأنينة على أن إعانة الله ونصرته معهم فلا يجبنوا عن المحاربة ، وهذا هو المقصود الأصلي ففرق بين هاتين العبارتين تنبيهاً على حصول التفاوت بين هذين الأمرين في المطلوبية فكونه بشرى مطلوب ولكن المطلوب الأقوى حصول الطمأنينة ، فلهذا أدخل حرف التعليل على فعل الطمأنينة ، فقال : {وَلِتَطْمَئِنَّ} ونظيره قوله {والخيل والبغال والحمير لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً} [ النحل : 8 ] ولما كان المقصود الأصلي هو الركوب أدخل حرف التعليل عليها ، فكذا ههنا الثاني ؛ ","part":16,"page":298},{"id":6898,"text":"قال بعضهم في الجواب : الواو زائدة والتقدير وما جعله الله إلا بشرى لكم لتطمئن به قلوبكم. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 8 صـ 188 ـ 189}\rقال ابن عادل : \rقال أبو حيان : \" ويناقش في قوله : عطف الفعل على الاسم ؛ إذْ ليس من عطف الفعل على الاسم وفي قوله : أدخل حرف التعليل ، وليس ذلك كما ذكره \". انتهى.\rقال شهَابُ الدِّينِ : \" إن عنى الشيخ أنه لم يدخل حرف التعليل ألبتة ، فهذا لا يمكن إنكاره ألبتة ، وإن عنى أنه لم يدخله بالمعنى الذي قصده الإمام فسَهْل \".\rوقال الجُرْجَانِيُّ في نظمه : \" هذا على تأويل : وما جعله الله إلا ليبشركم ولتطمئن ، ومن أجاز إقحام الواو - وهو مذهب الكوفيين - جعلها مقحمة في { وَلِتَطْمَئِنَّ } فيكون التقدير : وما جعله الله إلا بشرى لكم ؛ لتطمئنَّ قلوبكم به \". أ هـ {تفسير ابن عادل حـ 5 صـ 525}. بتصرف يسير.\rقوله تعالى : {وَمَا النصر إِلاَّ مِنْ عِندِ الله}\rقال الفخر : \r{وَمَا النصر إِلاَّ مِنْ عِندِ الله} والغرض منه أن يكون توكلهم على الله لا على الملائكة وهذا تنبيه على أن إيمان العبد لا يكمل إلا عند الإعراض عن الأسباب والإقبال بالكلية على مسبب الأسباب\rوقوله {العزيز الحكيم} فالعزيز إشارة إلى كمال قدرته ، والحكيم إشارة إلى كمال علمه ، فلا يخفى عليه حاجات العباد ولا يعجز عن إجابة الدعوات ، وكل من كان كذلك لم يتوقع النصر إلا من رحمته ولا الإعانة إلا من فضله وكرمه. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 8 صـ 189}\rوقال ابن عاشور : \rوجملة { وما النصر إلا من عند الله } تذييل أي كلّ نصر هو من الله لا من الملائكة.\rوإجراء وصفي العزيز الحكيم هنا لأنَّهما أولى بالذكر في هذا المقام ، لأنّ العزيز ينصر من يريد نصره ، والحكيم يعلم من يستحق نصره وكيف يُعطاه. أ هـ {التحرير والتنوير حـ 3 صـ 212}","part":16,"page":299},{"id":6899,"text":"وقال العلامة أبو حيان : \r{ وما النصر إلا من عند الله العزيز الحكيم } حصر كينونة النصر في جهته ، لا أنَّ ذلك يكون من تكثير المقاتلة ، ولا من إمداد الملائكة.\rوذكر الإمداد بالملائكة تقوية لرجاء النصر لهم ، وتثبيتاً لقلوبهم.\rوذكر وصف العزة وهو الوصف الدال على الغلبة ، ووصف الحكمة وهو الوصف الدال على وضع الأشياء مواضعها من : نصرٍ وخذلان وغير ذلك. أ هـ {البحر المحيط حـ 3 صـ 55}\rفصل\rقال ابن عادل : \rقال في هذه الآية : \" لَكُمْ \" وتركها في سورة الأنفال ؛ لأن تيك مختصر هذه ، فكان الإطناب - هنا- أوْلَى ؛ لأن القصة مكملة هنا ، فناسب إيناسهم بالخطاب المواجه ، وأخر - هنا - \" به \" وقدمه في سورة الأنفال ؛ لأن الخطاب - هنا - موجود في \" لَكُمْ \" فأتبع الخطاب الخطاب ، وهنا جاء بالصفتين تابعتين في قوله : { العزيز الحكيم } وجاء بهما في جملة مستأنفة في سورة الأنفال ، في قوله : { إِنَّ الله عَزِيزٌ حَكِيمٌ } [ الأنفال : 10 ] ؛ لأنه لما خاطبهم - هنا - حسن تعجيل بشارتهم بأنه عزيز حكيم ، أي : لا يغالب ، وأن أفعاله كلها متقنة حكمة وصواب ، فالنصر من عنده فاستعينوا به ، وتوكلوا عليه ؛ لأن العز والحُكْم له. أ هـ {تفسير ابن عادل حـ 5 صـ 525 ـ 526}.\rفوائد لغوية\rقال ابن عادل : \rقوله : { وَمَا جَعَلَهُ الله إِلاَّ بشرى } الكناية في \" جَعَلَهُ \" عائدة على المصدر ، أي : ما جعل الإمداد إلا بشرى لكم بأنكم تُنصرون ، وهذا الاستثناء فيه ثلاثة أوجه : \rأحدها : أنه مفعول من أجله ، وهو استثناء مفرغ ؛ إذ التقدير : وما جعله لشيء من الأشياء إلا للبُشْرَى ، وشروط نصبه موجودة ، وهي اتحاد الفاعل ، والزمان ، وكونه مصدراً سبق للعلة.\rوالثاني : أنه مفعول ثانٍ لِ \" جَعَل \" على أنها تصييرية.","part":16,"page":300},{"id":6900,"text":"والثالث : أنه بدل من الهاء في \" جَعَلَهُ \" قاله الحوفيّ وجعل الهاء عائدةً على الوعد بالمدد.\rوالبشرى : مصدر على \" فُعْلَى \" كالرُّجْعَى.\rوقيل : اسم من الإبشار ، وتقدَّم الكلام في معنى البُشْرَى في قوله تعالى : { وَبَشِّرِ الذين آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصالحات } [ البقرة : 25 ].\rقوله : { وَلِتَطْمَئِنَّ } فيه وجهان : \rأحدهما : أنًّه معطوف على \" بُشْرَى \" هذا إذا جعلناها مفعولاً من أجله ، وإنما جُرَّ باللام ؛ لاختلال شرط من شروط النصب - وهو عدم اتحاد الفاعل - فإن فاعل الجَعْل هو الله - تعالى - وفاعل الاطمئنان القلوب ، فلذلك نصب المعطوف عليه لاستكمال الشروط ، وجر المعطوف باللام لاختلال شرطه ، وقد تقدم ، والتقدير : وما جعله إلا للبشرى وللطمأنينة.\rوالثاني : أنها متعلقة بمحذوف ، أي : ولتطمئن قلوبكم ، فعلى ذلك ، أو كان كيت وكيت.\rوقال أبو حيان : و\" تطمئن \" منصوب بإضمار \" أن \" بعد لام \" كي \" ، فهو من عطف الاسم على توهم موضع اسم آخر.\rثم نقل عن ابن عطية أنه قال : \" اللام في { وَلِتَطْمَئِنَّ } متعلقة بفعل مضمر يدل عليه \" جَعَلَهُ \" ومعنى الآية : وما كان هذا الإمداد إلا لتستبشروا به ، ولتطمئن به قلوبكم.\rقال أبو حيان : \" وكأنه رأى أنه لا يمكن - عنده - أن يُعطف { وَلِتَطْمَئِنَّ } على { بشرى } ، على الموضع ؛ لأن من شرط العطف على الموضع - عند أصحابنا - أن يكون ثَمَّ مُحْرِز للموضع ، ولا محرز هنا ؛ لأن عامل الجَرِّ مفقود ، ومَنْ لم يشترط المحرز ، فيجوز ذلك على مذهبه وسيكون من باب العطف على التوهُّم \".","part":16,"page":301},{"id":6901,"text":"قال شهاب الدين : \" وقد جعل بعضهم الواو في { وَلِتَطْمَئِنَّ } زائدة ، وهو لائق بمذهب الأخفش ، وعلى هذا فتتعلق اللام بالبشرى ، أي : أن البشرى عِلَّة للجَعْل ، والطمأنينة علة للبُشْرَى ، فهي علة العلة \".\rوالضميران في قوله { وَمَا جَعَلَهُ } ، و\" بِهِ \" يعودان على الإمداد المفهومِ من الفعل المتقدم ، وهو قوله : \" يمددكم \".\rوقيل : يعودان على النصر.\rوقيل : على التسويم.\rوقيل : على التنزيل.\rوقيل : على المدد.\rوقيل : على الوعد.أ هـ {تفسير ابن عادل حـ 5 صـ 524 ـ 525}.","part":16,"page":302},{"id":6902,"text":"من فوائد الآلوسى فى الآية\rقال رحمه الله : \r{ وَمَا جَعَلَهُ الله } أي الإمداد المفهوم من الفعل المقدر المدلول عليه بقوة الكلام كأنه قيل : فأمدكم الله تعالى بما ذكر وما جعل الله تعالى ذلك الإمداد { إِلاَّ بشرى لَكُمْ } وقيل : الضمير للوعد بالإمداد ، وقيل : للتسويم أو للتنزيل أو للنصر المفهوم من نصركم السابق ومتعلق البشارة غيره ، وقيل : للإمداد المدلول عليه بأحد الفعلين ، والكل ليس بشيء كما لا يخفى ، والبشرى إما مفعول له ، و( جعل ) متعدية لواحد أو مفعول لها إن جعلت متعدية لاثنين ، وعلى الأول : الاستثناء مفرغ من أعم العلل أي وما جعل إمدادكم بإنزال الملائكة لشيء من الأشياء إلا للبشارة لكم بأنكم تنصرون ، وعلى الثاني : مفرغ من أعم المفاعيل أي وما جعله الله تعالى شيئاً من الأشياء إلا بشرى لكم. والجملة ابتداء كلام غير داخل في حيز القول بل مسوق من جنابه تعالى لبيان أن الأسباب الظاهرة بمعزل عن التأثير بدون إذنه سبحانه وتعالى ، فإن حقيقة النصر مختص به عز اسمه ليثق به المؤمنون ولا يقنطوا منه عند فقدان أسبابه وأماراته وهي معطوفة على فعل مقدر كما أشرنا إليه ، ووجه الخطاب نحو المؤمنين تشريفاً لهم وإيذاناً بأنهم هم المحتاجون لما ذكر ، وأما رسوله صلى الله عليه وسلم فغني عنه بما منّ به عليه من التأييد الروحاني والعلم الرباني.","part":16,"page":303},{"id":6903,"text":"{ وَلِتَطْمَئِنَّ قُلُوبُكُمْ بِهِ } أي ولتسكن قلوبكم بالإمداد فلا تخافوا كثرة عدد العدو وقلة عددكم وهذا إما معطوف على { بُشْرىً } باعتبار الموضع وهو كالمعطوف عليه علة غائية للجعل إلا أنه نصب الأول لاجتماع شرائطه ولم ينصب الثاني لفقدانها ، وقيل : للإشارة أيضاً إلى أصالته في العلية وأهميته في نفسه كما في قوله تعالى : { لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً } [ النحل : 8 ] وإما متعلق بمحذوف معطوف على الكلام السابق أي ولتطمئن قلوبكم به ، فعل ذلك وهو أولى من تقدير بشركم كما فعل أبو البقاء ، والثاني متعين على الاحتمال الثاني في الأول.\r{ وَمَا النصر } أي على الإطلاق فيندرج فيه النصر المعهود دخولاً أولياً { إِلاَّ مِنْ عِندِ الله } المودع في الأسباب بمقتضى الحكمة قوة لا تأثر إلا به أو وما النصر المعهود إلا من عنده سبحانه وتعالى لا من الملائكة لأن قصارى أمرهم ما ذكر من البشارة وتقوية القلوب ولم يقاتلوا أو لأن قصارى أمرهم أنهم قاتلوا بتمكين الله تعالى لهم ولم يكن لهم فعل استقلالاً ولو شاء الله تعالى ما فعلوا على أن مجرد قتالهم لا يستدعي النصر بل لا بد من انضمام ضعف المقابلين المقاتلين ولو شاء الله تعالى لسلطهم عليهم فحيث أضعف وقوى ومكن وما مكن وبه حصل النصر كان ذلك منه سبحانه وتعالى.\rوالآية على هذا لا تكون دليلاً لمن زعم أن المسببات عند الأسباب لا بها وقد مر تحقيقه فتذكر ، وكذا لا دليل فيها على وقوع قتالهم ولا على عدمه لاحتمالها الأمرين ، وبكل قال بعض.","part":16,"page":304},{"id":6904,"text":"والمختار ما روي عن مجاهد أن الملائكة لم يقاتلوا في غزواته صلى الله عليه وسلم إلا في غزوة بدر وإنما حضروا في بعضها بمقتضى ما علم الله تعالى من المصلحة مثل حضورهم حلق أهل الذكر ، وربما أعانوا بغير القتال كما صنعوا في غزوة أحد على قول ، فعن ابن إسحاق أن سعد بن مالك كان يرمي في غزوة أحد وفتى شاب كان ينبل له كلما فني النبل أتاه به وقال له : ارم أبا إسحاق ارم أبا إسحاق ، فلما انجلت المعركة سأل عن ذلك الرجل فلم يعرف ، وأنكر أبو بكر الأصم الإمداد بالملائكة ، وقال : إن الملك الواحد يكفي في إهلاك سائر أهل الأرض كما فعل جبريل عليه السلام بمدائن قوم لوط فإذا حضر هو مأموراً بالقتال فأي حاجة إلى مقاتلة الناس مع الكفار ، وأيضاً أي فائدة في إرسال سائر الملائكة معه وهو القوي الأمين ، وأيضاً إن أكابر الكفار الموجودين في غزوة القتال قاتل كل منهم من الصحابة معلوم ولم يعلم أن أحداً من الملائكة قتل أحداً منهم ، وأيضاً لو قاتلوا فإما أن يكونوا بحيث يراهم الناس أو لا ، وعلى الأول : يكون المشاهد من عسكر الرسول صلى الله عليه وسلم في غزوة بدر ألوفاً عديدة ولم يقل بذلك أحد ، وهو أيضاً خلاف قوله تعالى : { وَيُقَلّلُكُمْ فِى أَعْيُنِهِمْ } [ الأنفال : 44 ] ولو كانوا في غير صورة ابن آدم لزم وقوع الرعب الشديد في قلوب الخلق ولم ينقل ذلك ولو كان لنقل ألبتة ، وعلى الثاني : يلزم حز الرؤوس وتمزيق البطون ونحو ذلك من الكفار من غير مشاهدة فاعل لهذه الأفعال ومثل هذا يكون من أعظم المعجزات وقد وقع بين جمعين سالم ومكسر فكان يجب أن يتواتر ويشتهر لدى الموافق والمخالف فحيث إنه لم يشتهر دلّ على أنه لم يكن ، وأيضاً أنهم لو كانوا أجساماً كثيفة وجب أن يراهم الكل وإن كانوا أجساماً لطيفة هوائية تعذر ثبوتهم على الخيل انتهى.","part":16,"page":305},{"id":6905,"text":"ولا يخفى أن هذه الشبه لا يليق إيرادها بقوانين الشريعة ولا بمن يعترف بأنه تعالى قادر على ما يشاء فعال لما يريد فما كان يليق بالأصم إلا أن يكون أخرس عن ذلك إذ نص القرآن ناطق بالإمداد ؛ ووروده في الأخبار قريب من المتواتر فكأن الأصم أصم عن سماعه أو أعمى عن رؤية رباعه ، وقد روى عبد بن عمير قال : لما رجعت قريش من أحد جعلوا يتحدثون في أنديتهم بما ظفروا ويقولون لم نر الخيل البلق ولا الرجال البيض الذين كنا نراهم يوم بدر ، والتحقيق في هذا المقام كما قال بعض المحققين : إن التكليف ينافي الإلجاء وأنه تعالى شأنه وإن كان قادراً على إهلاك جميع الكفار في لحظة واحدة بملك واحد بل بأدنى من ذلك بل بلا سبب ، وكذا هو قادر على أن يجبرهم على الإسلام ويقسرهم لكنه سبحانه أراد إظهار هذا الدين على مهل وتدريج وبواسطة الدعوة وبطريق الابتلاء والتكليف فلا جرم أجرى الأمور على ما أجرى فله الحمد على ما أولى وله الحكم في الآخرة والأولى ، وبهذا يندفع كثير من تلك الشبه ، وإهلاك قوم لوط عليه الصلاة والسلام كان بعد انقضاء تكليفهم وهو حين نزول البأس فلا جرم أظهر الله تعالى القدرة وجعل عاليها سافلها ، وفي غزوة أحد كان الزمان زمان تكليف فلا جرم أظهر الحكمة ليتميز الموافق عن المنافق والثابت عن المضطرب ولو أجري الأمر فيها كما أجري في بدر أشبه أن يفضي الأمر إلى حد الإلجاء ونافى التكليف ونوط الثواب والعقاب ، ثم لا يخفى أن الملائكة إما أجسام لطيفة نورانية وإما أرواح شريفة قدسية.","part":16,"page":306},{"id":6906,"text":"وعلى التقديرين لهم الظهور في صور بني آدم مثلاً من غير انقلاب العين وتبدل الماهية كما قال ذلك العارفون من المحققين في ظهور جبريل عليه السلام في صورة دحية الكلبي ومثل هذا من وجه ولله تعالى المثل الأعلى ما صح من تجلي الله تعالى لأهل الموقف بصورة فيقول لهم : أنا ربكم فينكرونه فإن الحكم في تلك القضية صادق مع أن الله تعالى وتقدس وراء ذلك وهو سبحانه في ذلك التجلي باق على إطلاقه حتى عن قيد الإطلاق ، ومن سلم هذا ولا يسلمه إلا ذو قلب سليم لم يشكل عليه الإمداد بالملائكة وظهورهم على خيول غيبية ثابتين عليهما حسبما تقتضيه الحكمة الإلهية والمصلحة الربانية ولا يلزم من ذلك رؤية كل ذي بصر لهم لجواز إحداث أمر مانع عنها إما في الرائي أو في المرئي ولا مانع من أنهم يرون أحياناً ويخفون أحياناً ويرى البعض ويخفى البعض ، وزمام ذلك بيد الحكيم العليم فما شاء كان وما لم يشأ لم يكن والشيء متى أمكن وورد به النص عن الصادق وجب قبوله ومجرد الاستبعاد لا يجدي نفعاً ولو ساغ التأويل لذلك لزم تأويل أكثر هذه الشريعة بل الشرائع بأسرها وربما أفضى ذلك إلى أمر عظيم ، فالواجب تسليم كل ممكن جاء به النبي صلى الله عليه وسلم وتفويض تفصيل ذلك وكيفيته إلى الله تعالى.\r{ العزيز } أي الغالب الذي لا يغالب فيما قضى به ، وقيل : القادر على انتقامه من الكفار بأيدي المؤمنين وفي إجراء هذا الوصف هنا عليه تعالى إيذان بعلة اختصاص النصر به سبحانه. { الحكيم } أي الذي يضع الأشياء مواضعها ويفعل على ما تقتضيه الحكمة في سائر أفعاله ومن ذلك نصره للمؤمنين بواسطة إنزال الملائكة ، وفي الاتيان بهذا الوصف رد على أمثال الأصم في إنكارهم ما نطقت به الظواهر فسبحانه من عليم حكيم وعزيز حليم. أ هـ {روح المعانى حـ 4 صـ 46 ـ 48}","part":16,"page":307},{"id":6907,"text":"فائدة\rقال فى ملاك التأويل : \rقوله تعالى : \"وما جعله الله إلا بشرى لكم ولتطمئن قلوبكم به وما النصر إلا من عند الله العزيز الحكيم\" وفى سورة الأنفال : \"وما جعله الله إلا بشرى ولتطمئن به قلوبكم وما النصر إلا من عند الله إن الله عزيز حكيم\". للسائل أن يسأل فيقول : مقصود الآيتين واحد فى الموضعين من حيث المعنى وهما لقوم بأعيانهم وهم أهل بدر رضى الله عنهم فما وجه زيادة\"لكم\" فى آية آل عمران ولم تزد فى الأخرى ؟ وتقديم القلوب على المجرور هنا وتأخيرها عنه فى آية الأنفال ؟ واستئناف تأكيد الإخبار بالصفتين العليتين فى سورة الأنفال بـ\"إن\" ولم تردا جاريتين على اسم الله سبحانه كما فى آل عمران ؟ فهذه ثلاث سؤالات.\rوالجواب عم الأول والثانى والله أعلم : أن آية آل عمران لما تقدم فيها قوله تعالى : \"ويأتوكم من فورهم\" والإخبار عن عدوهم فاختلط ذكر الطائفتين وضمهما كلام واحد فجردت البشارة لمن هدى منهما وأنها لأولياء الله المؤمنين فجيئ بضمير خطابهم متصلا بلام الجر المقتضية الاستحقاق فقيل\"بشرى لكم\" وبين أن قلوبهم هى المطمئنة بذلك فقيل\"ولتطمئن قلوبكم به\" ، فقدمت القلوب على المجرور اعتناء وبشارة ليمتاز أهلها ممن ليس لهم نصيب.\rأما آية الأنفال فلم يتقدم فيها ذكر لغير المؤمنين فلم يحتج إلى الضمير الخطابى فى {لكم} وأيضا فإن آية الأنفال قد تقدم قبلها قوله تعالى : \"وإذ يعدكم الله إحدى الطائفتين أنها لكم\" فأغنى عن عودته فيما بعده اكتفاء بما قد حصل مما تقدم من تخصيصهم بذلك.","part":16,"page":308},{"id":6908,"text":"والجواب عن السؤال الثالث : أن آية الأنفال تقدم فيها أوعاد جليلة كقوله تعالى : \"وإذ يعدكم الله إحدى الطائفتين أنها لكم\" ثم قال : \"ويريد الله أن يحق الحق بكلماته ويقطع دابر الكافرين\" ثم قال : \"ليحق الحق ويبطل الباطل ولو كره المجرمون\" فهذه أوعاد علية لم يتقدم إفصاح بمثلها فى آية آل عمران فناسبها تأكيد الوصفين العظيمين من قدرته جل وتعالى على كل شئ وحكمته فى أفعاله فقال : \"إن الله عزيز حكيم\" ، ولما لم يقع فى آية آل عمران إفصاح بما فى آية الأنفال وردت الصفتان تابعتين دون تأكيد وجاء كل على ما يناسب ولم يكن عكس الوارد فى تعقيب الآيتين ليناسب وذلك واضح والله أعلم. أ هـ { ملاك التأويل صـ 121}\rمن لطائف الإمام القشيرى فى الآية\rقوله جلّ ذكره : { وَمَا جَعَلَهُ اللهُ إِلاَّ بُشْرَى لَكُمْ وَلِتَطْمَئِنَّ قُلُوبُكُم بِهِ وَمَا النَّصْرُ إِلاَّ مِنْ عِندِ اللهِ العَزِيزِ الحَكِيمِ }.\rأجرى الله - سبحانه - سُنَّتَه مع أوليائه أنه إذا ضعفت نِيَّاتُهم ، أو تناقصت إرادتهم أو أشْرفت قلوبهم على بعض فترة - أراهم من الألطاف ، وفنون الكرامات ما يُقَوِّي به أسباب عِرْفانهم ، وتتأكد به حقائق يقينهم.\rفعلى هذه السُّنَّة أنزل هذا الخطاب. ثم قطع قلوبهم وأسرارهم عن الأغيار بالكلية فقال : { وَمَا النَّصْرُ إِلاَّ مِنْ عِنْدِ اللهِ }. أ هـ {لطائف الإشارات حـ 1 صـ 275}","part":16,"page":309},{"id":6909,"text":"قوله تعالى : { لِيَقْطَعَ طَرَفًا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَوْ يَكْبِتَهُمْ فَيَنْقَلِبُوا خَائِبِينَ (127)}\rفصل\rقال الفخر : \rاللام في {لِيَقْطَعَ طَرَفاً} متعلق بقوله {وَمَا النصر إِلاَّ مِنْ عِندِ الله العزيز الحكيم} والمعنى أن المقصود من نصركم بواسطة إمداد الملائكة هو أن يقطعوا طرفاً من الذين كفروا ، أي يهلكوا طائفة منهم ويقتلوا قطعة منهم ، قيل : إنه راجع إلى قوله {وَلِتَطْمَئِنَّ قُلُوبُكُمْ بِهِ} ، {لِيَقْطَعَ طَرَفاً} ولكنه ذكر بغير حرف العطف لأنه إذا كان البعض قريباً من البعض جاز حذف العاطف ، وهو كما يقول السيد لعبده : أكرمتك لتخدمني لتعينني لتقوم بخدمتي حذف العاطف ، لأن البعض يقرب من البعض ، فكذا ههنا ، وقوله {طَرَفاً} أي طائفة وقطعة وإنما حسن في هذا الموضع ذكر الطرف ولم يحسن ذكر الوسط لأنه لا وصول إلى الوسط إلا بعد الأخذ من الطرف ، وهذا يوافق قوله تعالى : {قَاتِلُواْ الذين يَلُونَكُمْ} [ التوبة : 123 ] وقوله {أَوَ لَمْ يَرَوْاْ أَنَّا نَأْتِى الأرض نَنقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا} [ الرعد : 41 ]. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 8 صـ 189}\rوقال أبو حيان : ","part":16,"page":310},{"id":6910,"text":"{ ليقطع طرفاً من الذين كفروا أو يكبتهم فينقلبوا خائبين } الطرف : من قتل ببدر هم سبعون من رؤساء قريش ، أو من قتل بأحد وهم اثنان وعشرون رجلاً على الصحيح.\rوقال السدي : ثمانية عشر ، أو مجموع المقتولين في الوقعتين ثلاثة أقوال.\rوكنى عن الجماعة بقوله : طرفاً ، لأن من قتله المسلمون في حرب هم طرف من الكفار ، إذ هم الذين يلون القاتلين ، فهم حاشية منهم.\rفكان جميع الكفار رفقة ، وهؤلاء المقتولون طرفاً منها.\rقيل : ويحتمل أن يراد بقوله : طرفاً دابراً أي آخراً ، وهو راجع لمعنى الطرف ، لأن آخر الشيء طرف منه { أو يكبتهم } : أي ليخزيهم ويغيظهم ، فيرجعوا غير ظافرين بشيء مما أملوه.\rومتى وقع النصر على الكفار ، فإما بقتل ، وإما بخيبة ، وإما بهما.\rوهو كقوله : { ورد الله الذين كفروا بغيظهم لم ينالوا خيراً }. أ هـ {البحر المحيط حـ 3 صـ 55}\rقوله تعالى : {أَوْ يَكْبِتَهُمْ فَيَنْقَلِبُوا خَائِبِينَ}\rقال الفخر : \rالكبت في اللغة صرع الشيء على وجهه ، يقال : كبته فانكبت هذا تفسيره ، ثم قد يذكر والمراد به الإخزاء والإهلاك واللعن والهزيمة والغيظ والإذلال ، فكل ذلك ذكره المفسرون في تفسير الكبت ، وقوله {خَائِبِينَ} الخيبة هي الحرمان والفرق بين الخيبة وبين اليأس أن الخيبة لا تكون إلا بعد التوقع ، وأما اليأس فإنه قد يكون بعد التوقع وقبله ، فنقيض اليأس الرجاء ، ونقيض الخيبة الظفر ، والله أعلم. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 8 صـ 189}\rفائدة\rقال ابن عاشور : \rوتنكير ( طرفاً ) للتفخيم ، ويقال : هو من أطراف العرب ، أي من أشرافها وأهل بيوتاتها.\rومَعنى { أو يكبتهم } يصيبهم بغمّ وكمد ، وأصل كبت كَبَد بالدال إذا أصابه في كَبده.","part":16,"page":311},{"id":6911,"text":"كقولهم : صُدرَ إذا أصيب في صدره ، وكُلِيَ إذا أصيب في كُلْيَتِه ، ومُتِنَ إذا أصيب في مَتْنه ، ورُئي إذا أصيب في رِئته ، فأبدلت الدال تاء وقد تبدل التاء دالاً كقولهم : سَبَد رأسَه وسبَته أي حلقه.\rوالعرب تتخيّل الغمّ والحزن مقرّه الكبد ، والغضب مقرّه الصّدر وأعضاء التنفّس.\rقال أبو الطيب يمدح سيف الدّولة حِين سفره عن أنطاكية :\rلأَكْبِتَ حَاسداً وأرِي عَدُواً...\rكأنَّهُمَا ودَاعُكَ والرّحيلُ\rوقد استقرى أحوال الهزيمة فإنّ فريقاً قتلوا فقطع بهم طرف من الكافرين ، وفريقاً كبتُوا وانقلبوا خائبين ، وفريقاً مَنَّ الله عليهم بالإسلام ، فأسلموا ، وفريقاً عُذّبوا بالموت على الكفر بعد ذلك ، أو عذبوا في الدنيا بالذلّ ، والصغار ، والأسر ، والمَنّ عليهم يوم الفتح ، بعد أخذ بلدهم و\"أو\" بين هذه الأفعال للتقسيم.\rوهذا القطع والكبت قد مضيا يوم بدر قبل نزول هذه الآية بنحو سنتين ، فالتَّعبير عنهما بصيغة المضارع لقصد استحضار الحالة العجيبة في ذلك النصر المبين العزيز النظير. أ هـ {التحرير والتنوير حـ 3 صـ 212}\rفوائد لغوية\rقال ابن عادل :\rقوله : { لِيَقْطَعَ } في متعلق هذه اللام سبعة أوجه :\rأحدها : أنها متعلقة بقوله : { وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ الله } قاله الحوفيّ ، وفيه بُعْدٌ ؛ لطول الفَصْل.\rالثاني : أنها متعلقة بالنصر في قوله : { وَمَا النصر إِلاَّ مِنْ عِندِ الله } والمعنى : أن المقصود من نصركم ، هو أن تقطعوا طرفاً من الذين كفروا ، أي : تملكوا طائفة منهم ، وتقتلوا قطعة منهم ، وفي هذا نظر من حيث إنه قد فصل بين المصدر ومتعلقه بأجنبيّ ، وهو الخبر.\rالثالث : أنها متعلقة بما تعلَّق به الخبر ، وهو قوله : { مِنْ عِندِ الله } ، والتقدير : وما النصر إلا كائن ، أو إلا مستقر من عند الله ليقطع.","part":16,"page":312},{"id":6912,"text":"والرابع : أنها متعلقة بمحذوف ، تقديره : أمَدَّكُم ، أو نَصَرَكُم ، ليقطَعَ.\rالخامس : أنها معطوفة على قوله : \" ولتطمئن \" حذف حرف لعطف لفهم المعنى ؛ لأنه إذا كان البعض قريباً من البعض جاز حذف العاطف ، كقوله : { ثلاثة رابعهم كلبهم } وقول السيد لعبده : أكرمتك لتخدمني ، لتعينني ، لتقوم بخدمتي ، فحذف العاطف لقُرْب البعض من البعض ، فكذا هنا وعلى هذا فتكون الجملة في قوله : { وما النصر إلا من عند الله } اعتراضية بين المعطوف والمعطوف عليه ، وهو ساقط الاعتبار.\rالسادس : أنها متعلقة بالجَعْل قاله ابن عطية.\rالسابع : أنها متعلقة بقوله : { يُمْدِدْكُمْ } وفيه بُعْدٌ ؛ للفواصل بينهما.\rوالطرف : المراد به : جماعة ، وطائفة ، وإنما حَسَُ ذِكْر الطرف - هنا- ولم يحسن ذكر الوسط ؛ لأنه لا وصول إلى الوَسَطِ إلا بعد الأخذ من الطرف ، وهذا يوافق قوله تعالى : { قَاتِلُواْ الذين يَلُونَكُمْ } [ التوبة : 123 ] وقوله : { أَوَلَمْ يَرَوْاْ أَنَّا نَأْتِي الأرض نَنقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا } [ الرعد : 41 ].\rقوله : { مِّنَ الذين } يجوز أن يكون متعلِّقاً بالقَطْع ، فتكون \" مِنْ \" لابتداء الغاية ، ويجوز أن يتعلق بمحذوف ، على أنه صفة لـ \" طَرَفاً \" وتكون \" مِنْ \" للتبعيض.\rقوله : { أَوْ يَكْبِتَهُمْ } عطف على \" لِيَقْطَعَ \".\rو \" أو \" ؛ قيل : على بابها من التفصيل ، أي : ليقطع طرفاً من البعض ، ويكبت بعضاً آخرين.\rوقيل : بل هي بمعنى الواو ، أي : يجمع عليهم الشيئين.\rوالكبت : الإصابة بمكروه.\rوقيل : هو الصَّرع للوجْه واليدين ، وعلى هذين فالتاء أصلية ، ليست بدلاً من شيء ، بل هي مادة مستقلة.","part":16,"page":313},{"id":6913,"text":"وقيل : أصله من كبده ، إذا أصابه بمكروه أثر في كبده وَجَعاً ، كقولك : رأسته ، أي : أصبت رأسه ، ويدل على ذلك قراءة لاحق بن حُمَيد : أو يكبدَهم - بالدال - والعرب تُبْدِل التاء من الدال ، قالوا : هَرَتَ الثوبَ ، وهردَه ، وسَبَتَ رأسَه ، وسَبَدَه - إذا حَلَقَه-.\rوقد قيل : إنّ قراءة لاحق أصلها التاء ، وإنما أُبدِلت دالاً ، كقولهم : سبد رأسه ، وهرد الثوب ، والأصل فيهما التاء.\rقوله : { فَيَنقَلِبُواْ خَآئِبِينَ } لن ينالوا خيراً مما كانوا يرجون من الظفر بكم.\rوالخيبة لا تكون إلا بعد التوقُّع ، وأما اليأس فإنه يكون بعد التوقُّع وقبلَه ، فنقيض اليأس الرجاء ، ونقيض الخيبة : الظفر يقال : خَابَ يَخِيبُ خَيْبَةً.\rو { خَآئِبِينَ } نُصِبَ على الحال. أ هـ {تفسير ابن عادل حـ 5 صـ 526 ـ 528}. بتصرف يسير.","part":16,"page":314},{"id":6914,"text":"من فوائد أبو السعود فى الآية\rقال رحمه الله : \r{ لِيَقْطَعَ } متعلقٌ بقوله تعالى : { وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ } ، وما بينهما تحقيقٌ لحقيقته وبيانٌ لكيفية وقوعِه والمقصورُ على التعليل بما ذُكر من البُشرى والاطمئنانِ إنما هو الإمدادُ بالملائكة على الوجه المذكورِ فلا يقدَح ذلك في تعليل أصلِ النصرِ بالقطع وما عُطف عليه أو بما تعلق به الخبرُ في قوله عز وعلا : { وَمَا النصر إِلاَّ مِنْ عِندِ الله } على تقدير كونِه عبارةً عن النصر المعهودِ ، وقد أُشير إلى أن المعلَّلَ بالبشارة والاطمئنانِ إنما هو الإمدادُ الصوريُّ لا ما في ضِمنه من النصر المعنويِّ الذي هو مَلاكُ الأمر ، وأما تعلقُه بنفس النصرِ كما قيل فمع ما فيه من الفصل بين المصدرِ ومعمولِه بأجنبي هو الخبرُ مُخلٌّ بسَداد المعنى ، كيف لا ومعناه قصرُ النصرِ المخصوصِ المعلَّلِ بعلل معيّنةٍ على الحصول من جهته تعالى ، وليس المرادُ إلا قصرَ حقيقةِ النصرِ أو النصرِ المعهودِ على ذلك ، والمعنى لقد نصركم الله يومئذ أو وما النصرُ الظاهرُ عند إمدادِ الملائكةِ إلا ثابتٌ من عند الله ليقطعَ أي يُهلِكَ ويَنْقُصَ { طَرَفاً مّنَ الذين كَفَرُواْ } أي طائفةٌ منهم بقتل وأسر وقد وقع ذلك حيث قُتل من رؤسائهم وصناديدِهم سبعون وأُسر سبعون { أَوْ يَكْبِتَهُمْ } أي يخزيَهم ويُغيظَهم بالهزيمة ، فإن الكبتَ شدةُ غيظٍ أو وهنٌ يقع في القلب من كَبتَه بمعنى كَبده إذا ضرب كِبدَه بالغيظ والحُرقة ، وقيل : الكبتُ الإصابةُ بمكروه ، وقيل : هو الصرعُ للوجه واليدين ، فالتاء حينئذ غيرُ مُبْدَلةٍ وأو للتنويع { فَيَنقَلِبُواْ خَائِبِينَ } أي فينهزموا منقطعي الآمالِ غيرَ فائزين من مبتغاهم بشيء كما في قوله تعالى : { وَرَدَّ الله الذين كَفَرُواْ بِغَيْظِهِمْ لَمْ يَنَالُواْ خَيْراً }. أ هـ {تفسير أبى السعود حـ 2 صـ 82}","part":16,"page":315},{"id":6915,"text":"فصل\rقال ابن كثير فى معنى الآيتين : \rوقوله : { وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ إِلا بُشْرَى لَكُمْ وَلِتَطْمَئِنَّ قُلُوبُكُمْ بِهِ } أي : وما أنزل الله الملائكة وأعلمكم بإنزالها إلا بشارةً لكم وتطييبا لقلوبكم وتطمينا ، وإلا فإنما النصر من عند الله ، الذي لو شاء لانتصر من أعدائه بدونكم ، ومن غير احتياج إلى قتالكم لهم ، كما قال تعالى بعد أمره المؤمنين بالقتال : { ذَلِكَ وَلَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لانْتَصَرَ مِنْهُمْ وَلَكِنْ لِيَبْلُوَ بَعْضَكُمْ بِبَعْضٍ وَالَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَلَنْ يُضِلَّ أَعْمَالَهُمْ. سَيَهْدِيهِمْ وَيُصْلِحُ بَالَهُمْ. وَيُدْخِلُهُمُ الْجَنَّةَ عَرَّفَهَا لَهُمْ. } [محمد : 4-6]. ولهذا قال هاهنا : { وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ إِلا بُشْرَى لَكُمْ وَلِتَطْمَئِنَّ قُلُوبُكُمْ بِهِ وَمَا النَّصْرُ إِلا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ } أي : هو ذو العزة التي لا تُرام ، والحكمة في قَدره والإحكام.\rثم قال تعالى : { لِيَقْطَعَ طَرَفًا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا } أي : أمركم بالجهاد والجلاد ، لما له في ذلك من الحكمة في كل تقدير ، ولهذا ذكر جميع الأقسام الممكنة في الكفار المجاهدين. فقال : { لِيَقْطَعَ طَرَفًا } أي : ليهلك أمة { مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَوْ يَكْبِتَهُمْ } أي : يخزيهم ويردهم بغيظهم لَمّا لم ينالوا منكم ما أرادوا ؛ ولهذا قال : { أَوْ يَكْبِتَهُمْ فَيَنْقَلِبُوا } أي : يرجعوا { خَائِبِينَ } أي : لم يحصلوا على ما أمَّلُوا. أ هـ {تفسير ابن كثير حـ 2 صـ 114}\rمن لطائف الإمام القشيرى فى الآية\r{لِيَقْطَعَ طَرَفًا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَوْ يَكْبِتَهُمْ فَيَنْقَلِبُوا خَائِبِينَ (127)}\rإنَّ الله لا يُشْمِتُ بأوليائه عدواً ؛ فالمؤمن وإن أصابته نكبة ، فعدوُّه لا محالة يكبه الله في الفتنة والعقوبة. أ هـ {لطائف الإشارات حـ 1 صـ 275}","part":16,"page":316},{"id":6916,"text":"قوله تعالى { لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ (128)}\rمناسبة الآية لما قبلها\rقال البقاعى : \rولما كان صلى الله عليه وسلم حريصاً على طلب الإدالة عليهم ليمثل بهم كما مثلوا بعمه حمزة وعدة من أصحابه رضي الله عنهم قال تعالى : {ليس لك من الأمر} أي فيهم ولا غيرهم {شيء} موسطاً له بين المتعاطفات ، يعني من الإدالة عليهم بقتل أو هزيمة تدرك بهما ما تريد ، بل الأمر له كله ، إن أراد فعل بهم ما تريد ، وإن أراد منعك منه بالتوبة عليهم أو إماتتهم على الكفر حتف الأنف فيتولى هو عذابهم ، وذلك معنى قوله : {أو يتوب عليهم} أي كلهم بما يكشف عن قلوبهم من حجاب الغفلة فيرجعوا عما هم عليه من الظلم {أو يعذبهم} كلهم بأيديكم بأن تستأصلوهم فلا يفلت منهم أحد ، أو يعذبهم هو من غير واسطتكم بما يستدرجهم به مما يوجب إصرارهم حتى يموتوا على الكفر مع النصر عليكم وغيره مما هو لهم في صورة النعم الموجب لزيادة عقابهم.\rثم علل الأقسام الأربعة بقوله : {فإنهم ظالمون} وفي المغازي من صحيح البخاري معلقاً عن حنظلة بن أبي سفيان قال : سمعت سالم بن عبد الله قال : \" كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يدعو على صفوان بن أمية وسهيل بن عمرو والحارث بن هشام فنزلت {ليس لك من الأمر شيء} - إلى قوله : {ظالمون} \" ورواه موصولاً في المغازي والتفسير والاعتصام عن سالم عن أبيه بغير هذا اللفظ ، وفيه \" اللهم العن فلاناً وفلاناً \". أ هـ {نظم الدرر حـ 2 صـ 151}\rفصل\rقال الفخر : \rفي سبب نزول هذه الآية قولان\rالأول : وهو المشهور : أنها نزلت في قصة أحد ، ثم القائلون بهذا القول اختلفوا على ثلاثة أوجه\rأحدها : أنه أراد أن يدعو على الكفار فنزلت هذه الآية والقائلون بهذا ذكروا احتمالات","part":16,"page":317},{"id":6917,"text":"أحدها : روي أن عتبة بن أبي وقاص شجه وكسر رباعيته فجعل يمسح الدم عن وجهه وسالم مولى أبي حذيفة يغسل عن وجهه الدم وهو يقول : \"كيف يفلح قوم خضبوا وجه نبيهم بالدم وهو يدعوهم إلى ربهم\" ثم أراد أن يدعو عليهم فنزلت هذه الآية\rوثانيها : ما روى سالم بن عبد الله عن أبيه عبد الله بن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم لعن أقواماً فقال : \" اللّهم العن أبا سفيان ، اللّهم العن الحرث بن هشام ، اللّهم العن صفوان بن أُمية \" فنزلت هذه الآية {أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ} فتاب الله على هؤلاء وحسن إسلامهم (1)\rوثالثها : أنها نزلت في حمزة بن عبد المطلب وذلك لأنه صلى الله عليه وسلم لما رآه ورأى ما فعلوا به من المثلة قال : \" لأمثلن منهم بثلاثين \" فنزلت هذه الآية ، قال القفال رحمه الله ، وكل هذه الأشياء حصلت يوم أحد ، فنزلت هذه الآية عند الكل فلا يمتنع حملها على كل الاحتمالات\rالثاني : في سبب نزول هذه الآية أنها نزلت بسبب أنه صلى الله عليه وسلم أراد أن يلعن المسلمين الذين خالفوا أمره والذين انهزموا فمنعه الله من ذلك وهذا القول مروي عن ابن عباس رضي الله عنهما.\rالوجه الثالث : أنه صلى الله عليه وسلم أراد أن يستغفر للمسلمين الذين انهزموا وخالفوا أمره ويدعو عليهم فنزلت الآية ، فهذه الاحتمالات والوجوه كلها مفرعة على قولنا إن هذه الآية نزلت في قصة أحد.\r_________\r(1) قال الحافظ ابن حجر رحمه الله :\rقَوْله : ( اِلْعَنْ فُلَانًا وَفُلَانًا وَفُلَانًا )\rسَمَّاهُمْ فِي الرِّوَايَةِ الَّتِي بَعْدَهَا .\rقَوْله : ( وَعَنْ حَنْظَلَةَ بْنِ أَبِي سُفْيَانَ )\rهُوَ مَعْطُوفٌ عَلَى قَوْله . \" أَخْبَرَنَا مَعْمَرُ إِلَخْ \" وَالرَّاوِي لَهُ عَنْ حَنْظَلَةَ هُوَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُبَارَكِ ، وَوَهَمَ مَنْ زَعَمَ أَنَّهُ مُعَلَّق . وَقَوْله : \" سَمِعْت سَالِمَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ يَقُولُ : كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَدْعُو إِلَخْ \" وَهُوَ مُرْسَلٌ ، وَالثَّلَاثَةُ الَّذِينَ سَمَّاهُمْ قَدْ أَسْلَمُوا يَوْمَ الْفَتْحِ ، وَلَعَلَّ هَذَا هُوَ السِّرُّ فِي نُزُولِ قَوْلِهِ تَعَالَى : ( لَيْسَ لَك مِنْ الْأَمْرِ شَيْءٌ ) وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ يُونُس عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ سَعِيد وَأَبِي سَلَمَةَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ نَحْوُ حَدِيثِ اِبْن عُمَر ، لَكِنْ فِيهِ \" اللَّهُمَّ اِلْعَنْ لِحْيَانَ وَرِعْلًا وَذَكْوَانَ وَعُصَيَّة \" قَالَ : \" ثُمَّ بَلَغَنَا أَنَّهُ تَرَكَ ذَلِكَ لَمَّا نَزَلَتْ : لَيْسَ لَك مِنْ الْأَمْرِ شَيْءٌ \" . قُلْت : وَهَذَا إِنْ كَانَ مَحْفُوظًا اِحْتَمَلَ أَنْ يَكُونَ نُزُول الْآيَة تَرَاخَى عَنْ قِصَّةِ أُحُدٍ ، لِأَنَّ قِصَّة رِعْلٍ وَذَكْوَانَ كَانَتْ بَعْدَهَا كَمَا سَيَأْتِي تِلْوَ هَذِهِ الْغَزْوَةِ وَفِيهِ بُعْدٌ ، وَالصَّوَابُ أَنَّهَا نَزَلَتْ فِي شَأْنِ الَّذِينَ دَعَا عَلَيْهِمْ بِسَبَبِ قِصَّةِ أُحُدٍ ، وَاَللَّه أَعْلَم . وَيُؤَيِّد ذَلِكَ ظَاهِر قَوْله فِي صَدْرِ الْآيَةِ ( لِيَقْطَعَ طَرَفًا مِنْ الَّذِينَ كَفَرُوا ) أَيْ يَقْتُلهُمْ ( أَوْ يَكْبِتَهُمْ ) أَيْ يُخْزِيَهُمْ ، ثُمَّ قَالَ : ( أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ ) أَيْ فَيُسْلِمُوا ( أَوْ يُعَذِّبَهُمْ ) أَيْ إِنْ مَاتُوا كُفَّارًا. أ هـ {فتح البارى حـ 7 صـ 366}","part":16,"page":318},{"id":6918,"text":"القول الثاني : أنها نزلت في واقعة أخرى وهي أن النبي صلى الله عليه وسلم بعث جمعاً من خيار أصحابه إلى أهل بئر معونة ليعلموهن القرآن فذهب إليهم عامر بن الطفيل مع عسكره وأخذهم وقتلهم فجزع من ذلك الرسول صلى الله عليه وسلم جزعاً شديداً ودعا على الكفار أربعين يوماً ، فنزلت هذه الآية ، هذا قول مقاتل وهو بعيد لأن أكثر العلماء اتفقوا على أن هذه الآية في قصة أحد ، وسياق الكلام يدل عليه وإلقاء قصة أجنبية عن أول الكلام وآخره غير لائق. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 8 صـ 189 ـ 190}\rوقال القرطبى :\rثبت في صحيح مسلم : أن النبيّ صلى الله عليه وسلم كُسِرت رَباعِيته يوم أُحُد ، وشُجّ في رأسه ، فجعل يسْلِتُ الدمَ عنه ويقول : \"كيف يُفلح قوم شَجّوا رأس نبِيهم وكسروا رباعِيته وهو يدعوهم إلى الله تعالى\".\rفأنزل الله تعالى { لَيْسَ لَكَ مِنَ الأمر شَيْءٌ }.\rالضحاك : هَمَّ النبيّ صلى الله عليه وسلم أن يدعوَ على المشركين فأنزل الله تعالى : { لَيْسَ لَكَ مِنَ الأمر شَيْءٌ }.\rوقيل : استأذن في أن يدعو في استئصالهم ، فلما نزلت هذه الآية علم أن منهم من سيُسلِم وقد آمن كثير منهم خالد بن الوليد وعمرو بن العاص وعِكرمة بن أبي جهل وغيرهم.\rوروى الترمذي عن ابن عمر قال : وكان النبيّ صلى الله عليه وسلم يدعو على أربعة نفر فأنزل الله عزّ وجلّ { لَيْسَ لَكَ مِنَ الأمر شَيْءٌ } فهداهم الله للإسلام.\rوقال : هذا حديث حسن غريب صحيح. أ هـ {تفسير القرطبى حـ 4 صـ 199}","part":16,"page":319},{"id":6919,"text":"إشكال وجوابه\rقال الفخر : \rظاهر هذه الآية يدل على أنها وردت في أمر كان النبي صلى الله عليه وسلم يفعل فيه فعلاً ، وكانت هذه الآية كالمنع منه ، وعند هذا يتوجه الإشكال ، وهو أن ذلك الفعل إن كان بأمر الله تعالى ، فكيف منعه الله منه ؟ وإن قلنا إنه ما كان بأمر الله تعالى وبإذنه ، فكيف يصح هذا مع قوله {وَمَا يَنطِقُ عَنِ الهوى} [ النجم : 3 ] وأيضاً دلت الآية على عصمة الأنبياء عليهم الصلاة والسلام فالأمر الممنوع عنه في هذه الآية إن كان حسناً فلم منعه الله ؟ وإن كان قبيحاً ، فكيف يكون فاعله معصوماً ؟ .\rوالجواب من وجوه\rالأول : أن المنع من الفعل لا يدل على أن الممنوع منه كان مشتغلاً به فإنه تعالى قال للنبي صلى الله عليه وسلم {لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ} [ الزمر : 65 ] وأنه عليه الصلاة والسلام ما أشرك قط وقال : {يا أيها النبى اتق الله} [ الأحزاب : 1 ] فهذا لا يدل على أنه ما كان يتقي الله ، ثم قال : {وَلاَ تُطِعِ الكافرين} وهذا لا يدل على أنه أطاعهم ، والفائدة في هذا المنع أنه لما حصل ما يوجب الغم الشديد ، والغضب العظيم ، وهو مثلة عمه حمزة ، وقتل المسلمين ، والظاهر أن الغضب يحمل الإنسان على ما لا ينبغي من القول والفعل ، فلأجل أن لا تؤدي مشاهدة تلك المكاره إلى ما لا يليق من القول والفعل نص الله تعالى على المنع تقوية لعصمته وتأكيداً لطهارته","part":16,"page":320},{"id":6920,"text":"والثاني : لعله عليه الصلاة والسلام إن فعل لكنه كان ذلك من باب ترك الأفضل والأولى ، فلا جرم أرشده الله إلى اختيار الأفضل والأولى ، ونظيره قوله تعالى : {وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُواْ بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ وَلَئِن صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ للصابرين واصبر وَمَا صَبْرُكَ إِلاَّ بالله} [ النحل : 126 ، 127 ] كأنه تعالى قال : إن كنت تعاقب ذلك الظالم فاكتف بالمثل ، ثم قال ثانياً : وإن تركته كان ذلك أولى ، ثم أمره أمراً جازماً بتركه ، فقال : {واصبر وَمَا صَبْرُكَ إِلاَّ بالله }.\rالوجه الثالث : في الجواب : لعلّه صلى الله عليه وسلم لما مال قلبه إلى اللعن عليهم استأذن ربه فيه ، فنص الله تعالى على المنع منه ، وعلى هذا التقدير لا يدل هذا النهي على القدح في العصمة. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 8 صـ 190 ـ 191}\rفصل\rقال الفخر : \rقوله {لَيْسَ لَكَ مِنَ الأمر شَىْء} فيه قولان\rالأول : أن معناه ليس لك من قصة هذه الواقعة ومن شأن هذه الحادثة شيء وعلى هذا فنقل عن المفسرين عبارات\rأحدهما : ليس لك من مصالح عبادي شيء إلا ما أوحي إليك\rوثانيها : ليس لك من مسألة إهلاكهم شيء ، لأنه تعالى أعلم بالمصالح فربما تاب عليهم\rوثالثها : ليس لك في أن يتوب الله عليهم ، ولا في أن يعذبهم شيء.","part":16,"page":321},{"id":6921,"text":"والقول الثاني : أن المراد هو الأمر الذي يضاد النهي ، والمعنى : ليس لك من أمر خلقي شيء إلا إذا كان على وفق أمري ، وهو كقوله {أَلاَ لَهُ الحكم} [ الأنعام : 62 ] وقوله {لِلَّهِ الأمر مِن قَبْلُ وَمِن بَعْدُ} [ الروم : 4 ] وعلى القولين فالمقصود من الآية منعه صلى الله عليه وسلم من كل فعل وقول إلا ما كان بإذنه وأمره وهذا هو الإرشاد إلى أكمل درجات العبودية ، ثم اختلفوا في أن المنع من اللعن لأي معنى كان ؟ منهم من قال الحكمة فيه أنه تعالى ربما علم من حال بعض الكفار أنه يتوب ، أو إن لم يتب لكنه علم أنه سيولد منه ولد يكون مسلماً براً تقياً ، وكل من كان كذلك ، فإن اللائق برحمة الله تعالى أن يمهله في الدنيا وأن يصرف عنه الآفات إلى أن يتوب أو إلى أن يحصل ذلك الولد فإذا حصل دعاء الرسول عليهم بالإهلاك ، فإن قبلت دعوته فات هذا المقصود ، وإن لم تقبل دعوته كان ذلك كالاستخفاف بالرسول صلى الله عليه وسلم ، فلأجل هذا المعنى منعه الله تعالى من اللعن وأمره بأن يفوض الكل إلى علم الله تعالى ، ومنهم من قال : المقصود منه إظهار عجز العبودية وأن لا يخوض العبد في أسرار الله تعالى في ملكه وملكوته ، هذا هو الأحسن عندي والأوفق لمعرفة الأصول الدالة على حقيقة الربوبية والعبودية. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 8 صـ 191}\rفصل\rقال القرطبى :\rقال علماؤنا : قوله عليه السَّلام : \" كيف يفلح قوم شجوا رأس نبيهم \" استبعاد لِتوفيق مَن فَعل ذلك به.","part":16,"page":322},{"id":6922,"text":"وقوله تعالى : { لَيْسَ لَكَ مِنَ الأمر شَيْءٌ } تقريب لما استبعده وإطماع في إسلامهم ، ولما أُطْمع في ذلك قال صلى الله عليه وسلم : \" اللَّهُمَّ اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون \" كما في صحيح مسلم عن ابن مسعود قال : كأني أنظر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يحكي نبِياً من الأنبياء ضربه قومه وهو يمسح الدم عن وجهه ويقول : \" رب اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون \" قال علماؤنا : فالحاكي في حديث ابن مسعود هو الرسول عليه الصَّلاة والسَّلام ، وهو المحكي عنه ؛ بدليل ما قد جاء صريحاً مبَيِّناً.\rأنه عليه الصَّلاة والسَّلام لما كُسرت رَباعيته وشُجّ وجهه يوم أحُد شقّ ذلك على أصحابه شقّاً شديداً وقالوا : لو دعوت عليهما فقال : \" إني لم أبعث لَعّاناً ولكني بعثت داعِياً ورحمة ، اللَّهم اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون \" فكأنه عليه السَّلام أوحي إليه بذلك قبل وقوع قضية أحُد ، ولم يعيّن له ذلك النّبيّ ؛ فلما وقع له ذلك تَعيَّن أنه المعنيُّ بذلك بدليل ما ذكرنا.\rويُبيِّنه أيضاً ما قاله عمر له في بعض كلامه : بأبي أنت وأمّي يا رسول الله! لقد دعا نوح على قومه فقال : { رَّبِّ لاَ تَذَرْ عَلَى الأرض مِنَ الكافرين دَيَّاراً } [ نوح : 26 ] الآية.\rولو دعوت علينا مثلها لهلكنا من عند آخرنا ؛ فقد وُطِيء ظهرك وأدْمي وجهك وكُسِرت ربَاعيتك فأبيت أن تقول إلاَّ خيراً ، فقلت : \"رب اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون\".\rوقوله : \" اشتد غضب الله على قوم كسروا رباعية نبيهم \" يعني بذلك المباشرَ لذلك ، وقد ذكرنا اسمه على اختلاف في ذلك ، وإنما قلنا إن خصوص في المباشر ؛ لأنه قد أسلم جماعة ممن شهد أحُداً وحسن إسلامهم. أ هـ {تفسير القرطبى حـ 4 صـ 199 ـ 200}\rفصل\rقال الفخر : \rذكر الفرّاء والزجاج وغيرهما في هذه الآية قولين","part":16,"page":323},{"id":6923,"text":"أحدهما : أن قوله {أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ} عطف على ما قبله ، والتقدير : ليقطع طرفاً من الذين كفروا ، أو يكبتهم ، أو يتوب عليهم ، أو يعذبهم ، ويكون قوله {لَيْسَ لَكَ مِنَ الأمر شَىْء} كالكلام الأجنبي الواقع بين المعطوف والمعطوف عليه ، كما تقول : ضربت زيداً ، فاعلم ذلك عمراً ، فعلى هذا القول هذه الآية متصلة بما قبلها.\rوالقول الثاني : أن معنى {أَوْ} ههنا معنى حتى ، أو إلا أن كقولك : لألزمنك أو تعطيني حقي والمعنى : إلا أن تعطيني أو حتى تعطيني ، ومعنى الآية ليس لك من أمرهم شيء إلا أن يتوب الله عليهم فتفرح بحالهم ، أو يعذبهم فتتشفى منهم. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 8 صـ 191}\rقوله تعالى : {أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ}\rفصل\rقال الفخر : \rقوله تعالى : {أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ} مفسر عند أصحابنا بخلق التوبة فيهم وذلك عبارة عن خلق الندم فيهم على ما مضى ، وخلق العزم فيهم على أن لا يفعلوا مثل ذلك في المستقبل قال أصحابنا : وهذا المعنى متأكد ببرهان العقل وذلك لأن الندم عبارة عن حصول إرادة في المضي متعلقة بترك فعل من الأفعال في المستقبل ، وحصول الإرادات والكراهات في القلب لا يكون بفعل العبد ، لأن فعل العبد مسبوق بالإرادة ، فلو كانت الإرادات فعلاً للعبد لافتقر العبد في فعل تلك الإرادة إلى إرادة أخرى ويلزم التسلسل وهو محال ، فعلمنا أن حصول الإرادة والكراهات في القلب ليس إلا بتخليق الله تعالى وتكوينه إبتداء ، ولما كانت التوبة عبارة عن الندم والعزم ، وكل ذلك من جنس الإرادات والكراهات ، علمنا أن التوبة لا تحصل للعبد إلا بخلق الله تعالى ، فصار هذا البرهان مطابقاً لما دل عليه ظاهر القرآن ، هو قوله {أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ}","part":16,"page":324},{"id":6924,"text":"وأما المعتزلة فإنهم فسروا قوله {أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ} إما بفعل الألطاف أو بقبول التوبة. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 8 صـ 191 ـ 192}\rفصل\rقال القرطبى :\rزعم بعض الكوفيين أن هذ الآية ناسخة للقُنُوت الذي كان النبي صلى الله عليه وسلم يفعله بعد الركوع في الركعة الأخيرة من الصبح ، واحتج.\rبحديث ابن عمر أنه سمع النبيّ صلى الله عليه وسلم يقول في صلاة الفجر بعد رفع رأسه من الركوع فقال : \" اللَّهُمَّ ربنا ولك الحمد في الآخرة ثم قال اللَّهُمَّ العن فلاناً وفلاناً \" فأنزل الله عزّ وجلّ : { لَيْسَ لَكَ مِنَ الأمر شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ } الآية.\rأخرجه البخاريّ ، وأخرجه مسلم أيضاً من حديث أبي هريرة أتمّ منه.\rوليس هذا موضع نسخ وإنما نَبّه الله تعالى نبيه على أن الأمر ليس إليه ، وأنه لا يعلم من الغيب شيئاً إلاَّ ما أعلمه ، وأن الأمر كله لله يتوب على من يشاء ويعجل العقوبة لمن يشاء.\rوالتقدير : ليس لك من الأمر شيء ولله ما في السموات وما في الأرض دونك ودونهم يغفر لمن يشاء ويتوب على من يشاء.\rفلا نسخ ، والله أعلم ، وبَيّن بقوله : { لَيْسَ لَكَ مِنَ الأمر شَيْءٌ } أن الأمور بقضاء الله وقدره رَدّاً على القدرية وغيرهم. أ هـ {تفسير القرطبى حـ 4 صـ 200}\rقوله تعالى : {فَإِنَّهُمْ ظالمون}\rفصل\rقال الفخر :\rإن كان الغرض من الآية منعه من الدعاء على الكفر صح الكلام وهو أنه تعالى سماهم ظالمين ، لأن الشرك ظلم قال تعالى : {إِنَّ الشرك لَظُلْمٌ عَظِيمٌ} [ لقمان : 13 ] وإن كان الغرض منها منعه من الدعاء على المسلمين الذين خالفوا أمره صح الكلام أيضاً ، لأن من عصى الله فقد ظلم نفسه. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 8 صـ 192}\rفائدة\rقال الفخر :","part":16,"page":325},{"id":6925,"text":"يحتمل أن يكون المراد من العذاب المذكور في هذه الآية عذاب الدنيا ، وهو القتل والأسر وأن يكون عذاب الآخرة ، وعلى التقديرين فعلم ذلك مفوض إلى الله. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 8 صـ 192}\rفائدة\rقال الفخر : \rقوله تعالى : {فَإِنَّهُمْ ظالمون} جملة مستقلة ، إلا أن المقصود من ذكرها تعليل حسن التعذيب ، والمعنى : أو يعذبهم فإنه إن عذبهم إنما يعذبهم لأنهم ظالمون. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 8 صـ 192}\rفوائد لغوية\rقال ابن عادل : \rقوله : { أَوْ يَتُوبَ } في نصبه أوجهٌ : \rأحدها : أنه معطوف على الأفعال المنصوبة قبلَه ، تقديره : لِيقطَعَ ، أو يتوبَ عليهم ، أو يكبتهم ، أو يعذبهم.\rوعلى هذا فيكون قوله : { لَيْسَ لَكَ مِنَ الأمر شَيْءٌ } جملة معترضة بين المتعاطِفَيْن ، والمعنى : إن الله تعالى هو المالك لأمرهم ، فإن شاء قطع طرفاً منهم ، أو هزمهم ، أو يتوب عليهم إن أسلموا ورجعوا ، أو يعذبهم إن تمادَوْا على كُفْرهم ، وإلى هذا التخريج ذهب جماعة من النحاة كالفراء ، والزجاج.\rالثاني : أن \" أو \" هنا بمعنى \" إلا أن \" كقولهم : لألزمنك أو تقضين حقي أي : إلا أن تقتضينه.\rالثالث : \" أوْ \" بمعنى : \" حتى \" ، أي : ليس لك من الأمر شيء حتى يتوب وعلى هذين القولين فالكلام متصل بقوله : { ليس لك من الأمر شيء } ، والمعنى : ليس لك من الأمر شيء إلا أن يتوب عليهم بالإسلام ، فيحصل لك سرور بهدايتهم إليه ، أو يعذبهم بقتل ، أو نار في الآخرة ، فتشقى بهم ، وممن ذهب إلى ذلك الفراء ، وأبو بكر بن الأنباري ، قال الفراء : ومثل هذا من الكلام : لألزمنك أو تعطيني ، على معنى إلا أن تُعطيني وحتى تعطيني وأنشدوا في ذلك قول امرئ القيس : [ الطويل ]\rفَقُلْتُ لَهُ : لاَ تَبْكِ عَيْنُكَ إنَّمَا... تُحَاوِلُ مُلْكاً ، أوْ تَمُوتَ ، فَُعْذَرَا","part":16,"page":326},{"id":6926,"text":"أراد : حتى تموت ، أو : إلا أن تموت.\rقال شهاب الدين : \" وفي تقدير بيت امرئ القيس بـ \" حتى \" نظر ؛ إذ ليس المعنى عليه ؛ لأنه لم يفعل ذلك لأجل هذه الغاية ، والنحويون لم يقدروه إلا بمعنى : إلا أنْ \".\rالثالث : منصوب بإضمار : \" أنْ \" عطفاً على قوله : \" الأمر \" ، كأنه قيل : ليس لك من الأمر أو من توبته عليهم ، أو تعذيبهم شيء ، فلما كان في تأويل الاسم عُطِفَ على الاسم قبلَه ، فهو من باب قوله : [ الطويل ]\rفَلَوْلاَ رِجَالٌ مِنْ رِزَامٍ أعِزَّةٌ... وَآلُ سُبَيْعٍ ، أوْ أسُوءَكَ عَلْقَمَا\rوقوله : [ الوافر ]\rلَلُبْسُ عَبَاءَةٍ ، وَتَقَرَّ عَيْنِي... أحَبُّ إليَّ مِنْ لُبْسِ الشُّفُوفِ\rالرابع : أنه معطوف - بالتأويل المذكور - على \" شَيءٌ \" ، والتقدير : ليس لك من الأمر شيء ، أو توبة الله عليهم ، أو تعذيبهم ، أي : ليس لك - أيضاً - توبتهم ولا تعذيبهم ، إنما ذلك راجع إلى الله عز وجل.\rوقرأ أبَيّ : أو يتوبُ ، أو يعذبهم ، برفعهما على الاستئناف في جملة اسمية ، أضْمِر مبتدؤُها ، أي : هو يتوبُ ، ويعذبُهم. أ هـ {تفسير ابن عادل حـ 5 صـ 530 ـ 531}\rمن فوائد ابن عاشور فى الآية\rقال رحمه الله : \rوجملة { ليس لك من الأمر شيء } معترضة بين المتعاطفات ، والخطاب للنَّبيء صلى الله عليه وسلم فيجوز أن تُحْمَل على صريح لفظها ، فيكون المعنى نفي أن يكون للنَّبيء ، أي لقتاله الكفارَ بجيشه من المسلمين ، تأثير في حصول النَّصر يوم بدر ، فإن المسلمين كانوا في قلّة من كُلّ جانب من جوانب القتال ، أي فالنصر حصل بمحض فضل الله على المسلمين ، وهذا من معنى قوله : { فلم تقتلوهم ولكن الله قتلهم وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى } [ الأنفال : 17 ].","part":16,"page":327},{"id":6927,"text":"ولفظ ( الأمر ) من قوله : { ليس لك من الأمر شيء } معناه الشأن ، و( أل ) فيه للعهد ، أي من الشأن الذي عرفتموه وهو النَّصر.\rويجوز أن تحمل الجملة على أنَّها كناية عن صرف النَّبيء عليْه الصلاة والسلام عن الاشتغال بشأن ما صنع الله بالَّذين كفروا ، من قطع طَرفهم ، وكبْتِهم أو توبة عليهم ، أو تعذيب لهم : أي فذلك موكول إلينا نحقّقُه متى أردنا ، ويتخلّف متى أردنا على حسب ما تقتضيه حكمتنا ، وذلك كالاعتذار عن تخلّف نصر المُسلمين يوم أحُد.\rفلفظ ( الأمر ) بمعنى شأن المشركين.\rوالتعريفُ فيه عوض عن المضاف إليه ، أي ليس لك من أمرهم اهتمام.\rوهذا تذكير بما كان للنَّبيء صلى الله عليه وسلم يوم بدر من تخوّف ظهور المشركين عليه ، وإلحاحه في الدّعاء بالنَّصر.\rولعلّ النَّبيء صلى الله عليه وسلم كان يوَدّ استئصال جميع المشركين يوم بدر حيث وجد مقتضى ذلك وهو نزول الملائكة لإهلاكهم ، فذكّره الله بذلك أنَّه لم يقدّر استيصالهم جميعاً بل جعل الانتقام منهم ألواناً فانتقم من طائفة بقطع طرَف منهم ، ومن بقيّتهم بالكَبْتتِ ، وهو الحزن على قتلاهم ، وذهاب رؤسائهم ، واختلال أمورهم ، واستبقى طائفة ليتوب عليهم ويهديهم ، فيكونوا قوّة للمسلمين فيؤمنوا بعد ذلك ، وهم من آمن من أهل مكَّة قبل الفتح ، ويوم الفتح : مثل أبي سفيان ، والحارث بن هشام أخي أبي جهل ، وعكرمة بن أبي جهل ، وصفوان بن أمية ، وخالد بن الوليد ، وعذّب طائفة عذاب الدنيا بالأسر ، أو بالقتل : مثل ابن خَطل ، والنضْر بن الحارث ، فلذلك قيل له : \"ليس لك من الأمر شيء\".","part":16,"page":328},{"id":6928,"text":"ووضعت هذه الجملة بين المتعاطفات ليظهر أنّ المراد من الأمر هو الأمر الدائر بين هذه الأحوال الأربعة من أحوال المشركين ، أي ليس لك من أمر هذه الأحوال الأربعة شيء ولكنّه موكول إلى الله ، هو أعلم بما سيصيرون إليه وجَعل هذه الجملة قبل قوله : { أو يتوب عليهم } استئناس للنَّبيء صلى الله عليه وسلم إذ قُدّم ما يدلّ على الانتقام منهم لأجله ، ثُمّ أردف بما يدلّ على العفو عنهم ، ثُمّ أردف بما يدلّ على عقابهم ، ففي بعض هذه الأحوال إرضاء له من جانب الانتصار له ، وفي بعضها إرضاء له من جانب تطويعهم له.\rولأجل هذا المقصد عاد الكلام إلى بقية عقوبات المشركين بقوله تعالى : { أو يعذبهم }.\rولكون التَّذكير بيوم بدر وقع في خلال الإشارة إلى وقعة أحُد ، كأنّ في هذا التَّقسيم إيماء إلى ما يصلح بياناً لِحكمة الهزيمة اللاحقة المسلمين يوم أحُد ، إذ كان في استبقاء كثير من المشركين ، لم يصبهم القتلُ يومئذ ، ادّخار فريق عظيم منهم للإسلام فيما بعد ، بَعْد أن حصل رعبهم من المسلمين بوقعة بدر ، وإن حسِبوا للمسلمين أي حساب بما شاهدوه من شجاعتهم يوم أحُد ، وإن لم ينتصروا.\rولا يستقيم أن يكون قوله : { ليس لك من الأمر شيء } متعلّقاً بأحوال يوم أحُد : لأنّ سياق الكلام ينبو عنه ، وحال المشركين يوم أحُد لا يناسبه قولُه : { ليقطع طرفاً من الذين كفروا } إلى قوله : { خائبين }.\rووقع في \"صَحِيح مسلم\" ، عن أنس بن مالك : أنّ النَّبيء صلى الله عليه وسلم شُجّ وجهه ، وكُسرت رباعيته يوم أحُد ، وجاء المسلمون يمسحون الدم عن وجه نبيّهم ، فقال النَّبيء عليْه السَّلام : \" كيف يفلح قوم فعلوا هذا بنبيّهم وهو يدعوهم إلى ربّهم \" أي في حال أنَّه يدعوهم إلى الخير عند ربّهم ، فنزلت الآية ، ومعناه : لا تستبْعِد فلاحهم.","part":16,"page":329},{"id":6929,"text":"ولا شكّ أن قوله فنزلت هذه الآية مُتأوّل على إرادة : : فذُكِّر النَّبيء صلى الله عليه وسلم بهذه الآية ، لظهور أن ما ذكروه غير صالح لأن يكون سبباً لأنّ النَّبيء تعجّب من فلاحهم أو استبعده ، ولم يدّع لنفسه شيئاً ، أو عملاً ، حتَّى يقال : \"ليس لك من الأمر شيء\".\rوروى الترمذي : أنّ النَّبيء صلى الله عليه وسلم دعا على أربعة من المشركين ، وسمّى أناساً ، فنزلت هذه الآية لنهيه عن ذلك ، ثُمّ أسلموا.\rوقيل : إنَّه همّ بالدعاء ، أو استأذن الله أن يدعو عليهم بالاستيصال ، فنهى.\rويردّ هذه الوجوه ما في \"صحيح مسلم\" ، عن ابن مسعود ، قال : كأنِّي أنظر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يحكي نبيئاً من الأنبياء ضربه قومه ، وهو يمسح الدم عن وجهه ، وهو يقول : ربّ اغفر لقومي فإنَّهم لا يعلمون.\rوورد أنَّه لمَّا شجّ وجهه يوم أحُد قال له أصحابه : لو دعوت عليهم ، فقال : إنِّي لم أبعث لَعَّاناً ، ولكِنِّي بعثت داعياً ورحمة ، اللَّهُمّ اهْدِ قومي فإنَّهم لا يعلمون.\rوما ثبت من خُلقه صلى الله عليه وسلم أنَّه كان لا ينتقم لنفسه.\rوأغرَبَ جماعة فقالوا نزل قوله : { ليس لك من الأمر شيء } نسخاً لما كان يدعو به النَّبيء صلى الله عليه وسلم في قنوته على رِعْل ، وذكْوان ، وعُصية ، ولِحْيان ، الَّذين قتلوا أصحاب بئر معونة ، وسندهم في ذلك ما وقع في \"البخاري\" أنّ النَّبيء صلى الله عليه وسلم لم يزل يدعو عليهم ، حتَّى أنزل الله : { ليس لك من الأمر شيء }.\rقال ابن عطية : وهذا كلام ضعيف كله وليس هذا من مواضع الناسخ والمنسوخ.\rوكيف يصحّ أن تكون نزلت لنسخ ذلك وهي متوسطة بين علل النَّصر الواقع يوم بدر.","part":16,"page":330},{"id":6930,"text":"وتفسيرُ ما وقع في \"صحيح البخاري\" من حديث أبي هريرة : أنّ النبي صلى الله عليه وسلم ترك الدعاء على المشركين بعد نزول هذه الآية أخذاً بكامل الأدب ، لأنّ الله لمَّا أعلمه في هذا بما يدلّ على أن الله أعلَمُ بما فيه نفع الإسلام ، ونقمة الكفر ، ترك الدعاء عليهم إذ لعلّهم أن يسلموا.\rوإذ جعلنا دعاءه صلى الله عليه وسلم على قبائل من المشركين في القنوت شرعاً تقررّ بالاجتهاد في موضع الإباحة لأن أصل الدعاء على العدوّ مباح ، فتركه لذلك بعد نزول هذه الآية ، من قبيل النسخ بالقياس ، نسخت حكم الإباحة التي هي استواء الفعل والترك بإثبات حكم أولوية الفعل.\rومنهم من أبعد المرمى ، وزعم أن قوله : { أو يتوب عليهم } منصوب بأن مضمرة وجوباً ، وأنّ ( أو ) بمعنى حتَّى : أي ليس لك من أمر إيمانهم شيء حتَّى يتوب الله عليهم ، أي لا يؤمنون إلاّ إذا تاب عليهم ، وهل يجهل هذا أحد حتَّى يحتاج إلى بيانه ، على أن الجملة وقعت بين علل النصر ، فكيف يشتّت الكلام ، وتنتثر المتعاطفات.\rومنهم من جعل { أو يتوب عليهم } عطفاً على قوله { الأمر } أو على قوله { شيء } ، من عطف الفعل على اسم خالص بإضمار أنْ على سبيل الجواز ، أي ليس لك من أمرهم أو توبتهم شيء ، أو ليس لك من الأمر شيء أو توبة عليهم.\rفإن قلت : هلاّ جمع العقوبات متوالية : فقال ليقطع طرفاً من الَّذين كفروا ، أو يكبتهم فينقلبوا خائبين ، أو يتوبَ عليهم ، أو يعذّبهم ، قلت : روعي قضاء حقّ جمع النظير أولاً ، وجمع الضدّين ثانياً ، بجمع القَطْع والكبْتتِ ، ثم جمع التوبة والعذاب ، على نحو ما أجاب به أبو الطيب عن نقد من نقد قوله في سيف الدّولة : \rوقفتَ وما في الموت شَكّ لواقف...\rكأنَّك في جفن الردى وهو نائم\rتَمُرّ بك الأبطال كَلْمى حزينة...\rووَجْهُك وَضّاح وثَغرك باسم","part":16,"page":331},{"id":6931,"text":"إذ قدّم من صفتيه تشبيهه بكونه في جفن الردى لمناسبة الموت ، وأخَّر الحال وهي ووجهك وضّاح لمضادّة قوله كلمى حزينة ، في قصة مذكورة في كتب الأدب.\rواللام الجارّة لام الملك ، وكاف الخطاب لمعيّن ، وهو الرسول عليه الصّلاة والسّلام.\rوهذه الجملة تجري مجرى المثل إذ ركبت تركيباً وجيزاً محذوفاً منه بعض الكلمات ، ولم أظفر ، فيما حفظت من غير القرآن ، بأنَّها كانت مستعملة عند العرب ، فلعلّها من مبتكرات القرآن ، وقريب منها قوله : { وما أملك لك من اللَّه من شيء } [ الممتحنة : 4 ] وسيجيء قريب منها في قوله الآتي : { يقولون هل لنا من الأمر من شيء } [ آل عمران : 154 ] و{ يقولون لو كان لنا من الأمر شيء ما قتلنا ههنا } [ آل عمران : 154 ] فإن كانت حكاية قولهم بلفظه ، فقد دلّ على أنّ هذه الكلمة مستعملة عند العرب ، وإن كان حكاية بالمعنى فلا.\rوقوله : { فإنهم ظالمون } إشارة إلى أنَّهم بالعقوبة أجدر ، وأنّ التّوبة عليهم إن وقعت فضل من الله تعالى. أ هـ {التحرير والتنوير حـ 3 صـ 213 ـ 216}","part":16,"page":332},{"id":6932,"text":"وقال العلامة أبو السعود : \r{ لَيْسَ لَكَ مِنَ الأمر شَىْء } اعتراضٌ وُسِّط بين المعطوف عليه المتعلّقِ بالعاجل والمعطوفِ المتعلّقِ بالآجل لتحقيق أن لا تأثيرَ للمنصورين إثرَ بيانِ أن لا تأثيرَ للناصرين ، وتخصيصُ النفيِ برسول الله صلى الله عليه وسلم على طريق تلوينِ الخطابِ للدلالة على الانتفاءِ من غيره بالطريق الأولى ، وإنما خُصّ الاعتراضُ بموقعه لأن ما قبله من القطع والكبْتِ من مظانِّ أن يكونَ فيه لرسول الله صلى الله عليه وسلم ولسائر مباشري القتالِ مدخَلٌ في الجملة { أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذّبَهُمْ } عطفٌ على يكبِتَهم والمعنى أن مالِكَ أمرِهم على الإطلاق هو الله عز وجل نصرَكم عليهم ليُهلِكَهم أو يكبتَهم أو يتوبَ عليهم إن أسلموا أو يعذبَهم إن أصرّوا ( على الكفر ) وليس لك من أمرهم شيءٌ إنما أنت عبدٌ مأمورٌ بإنذارهم وجهادِهم والمرادُ بتعذيبهم التعذيبُ الشديدُ الأخرويُّ المخصوصُ بأشد الكفَرةِ كُفراً ، وإلا فمطلقُ التعذيبِ الأخرويِّ متحققٌ في الفريقين الأولين أيضاً ، ونظمُ التوبةِ والتعذيبِ المذكورِ في سلك العلةِ الغائيةِ للنصر المترتبةِ عليه في الوجود من حيث إن قبولَ توبتِهم فرْعُ تحققِها الناشىءِ من علمهم بحقية الإسلامِ بسبب غلبةِ أهلِه المترتبةِ على النصر ، وأن تعذيبَهم بالعذاب المذكورِ مترتبٌ على إصرارهم على الكفر بعد تبيُّنِ الحقِّ على الوجه المذكورِ. أ هـ {تفسير أبى السعود حـ 2 صـ 82 ـ 83}","part":16,"page":333},{"id":6933,"text":"ومن فوائد الآلوسى فى الآية\rقال رحمه الله : \r{ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذّبَهُمْ } عطف إما على { الأمر } أو على { شَىْء } بإضمار أن أي ليس لك من أمرهم شيء أو من التوبة عليهم أو من تعذيبهم شيء ، أو ليس لك من أمرهم شيء أو التوبة عليهم أو تعذيبهم ، وفرقوا بين الوجهين بأنه على الأول : سلب ما يتبع التوبة والتعذيب منه صلى الله عليه وسلم بالكلية من القبول والرد والخلاص من العذاب والمنع من النجاة.\rوعلى الثاني : سلب نفس التوبة والتعذيب منه عليه الصلاة والسلام يعني لا يقدر أن يجبرهم على التوبة ولا يمنعهم عنها ولا يقدر أن يعذبهم ولا أن يعفو عنهم فإن الأمور كلها بيد الله تعالى ، وعلى التقديرين هو من عطف الخاص على العام كما قال العلامة الثاني لكن في مجيء مثل هذا العطف بكلمة { أَوْ } نظر ، وتعقبه بعضهم بأن هذا إذا كان الأمر بمعنى الشأن ولك أن تجعله بمعنى التكليف والإيجاب أي ليس ما تأمرهم به من عندك وليس الأمر بيدك ولا التوبة ولا التعذيب فليس هناك عطف الخاص على العام ، وفيه أن الحمل على التكليف تكلف ، والحمل على الشأن أرفع شأناً.","part":16,"page":334},{"id":6934,"text":"ونقل عن الفراء وابن الأنباري أن { أَوْ } بمعنى إلا أن ، والمعنى ليس لك من أمرهم شيء إلا أن يتوب الله تعالى عليهم بالإسلام فتفرح أو يعذبهم فتشتفي بهم وأياً مّا كان فالجملة كلام مستأنف سيق لبيان بعض الأمور المتعلقة بغزوة أحد أو ما يشبهها إثر بيان ما يتعلق بغزوة بدر لما بينهما من التناسب من حيث إن كلاً منهما مبني على اختصاص الأمر كله بالله تعالى ومبني على سلبه عمن سواه ، وقيل : إن كل ما في هذه الآيات في غزوة أحد على ما أشرنا إليه ، وقيل : إن قوله تعالى : { أَوْ يَتُوبَ } الخ عطف على { فَيَنقَلِبُواْ } [ آل عمران : 127 ] أي يكون ثمرة خزيهم انقلابهم خائبين أو التوب عليهم أو تعذيبهم ، أو عطف على { يَكْبِتَهُمْ } [ آل عمران : 127 ] و{ لَيْسَ لَكَ مِنَ الأمر شَىْء } اعتراض وسط بين المعطوف عليه المتعلق بالعاجل والمعطوف المتعلق بالآجل لتحقيق أن لا تأثير للمنصورين إثر بيان أن لا تأثير للناصرين وتخصيص النفي برسول الله صلى الله عليه وسلم على طريق تلوين الخطاب للدلالة على الانتفاء من غيره من باب أولى وإنما خص الاعتراض بموقعه لأن ما قبله من القطع والكبت من مظان أن يكون فيه لرسول الله صلى الله عليه وسلم ولسائر مباشري القتال مدخل في الجملة ، والمعنى إن مالك أمرهم على الإطلاق وهو الله تعالى نصركم عليهم ليهلكهم أو يكبتهم أو يتوب عليهم إن أسلموا أو يعذبهم إن أصروا ، وليس لك من أمرهم شيء إن أنت إلا عبد مأمور بإنذارهم وجهادهم.","part":16,"page":335},{"id":6935,"text":"والمراد بتعذيبهم التعذيب الشديد الأخروي المخصوص بأشد الكفرة كفراً وإلا فمطلق التعذيب الأخروي متحقق في الفريقين الأولين وحمله على التعذيب الدنيوي بالأسر واستيلاء المؤمنين عليهم خلاف المتبادر من التعذيب عند الإطلاق وكذا لا يلائم ظاهر قوله سبحانه : { فَإِنَّهُمْ ظالمون } فإنه في مقام التعليل لهذا التعذيب وأكثر ما يعلل به التعذيب الأخروي ، نعم حمله على التعذيب الدنيوي أوفق بالمعنى الذي ذكره الفراء وابن الأنباري لأن التشفي في الغالب إنما يكون في الدنيا ونظم التوبة والتعذيب الأخروي في سلك العلة الغائية للنصر المترتبة عليه في الوجود من حيث إن قبول توبتهم فرع تحققها الناشىء من علمهم بحقية الإسلام بسبب غلبة أهله المترتبة على النصر الذي هو من الآيات الغر المحجلة وأن تعذيبهم المذكور شيء مسبب على إصرارهم على الكفر بعد تبين الحق على الوجه المذكور كما ينبىء عن ذلك قوله تعالى : ","part":16,"page":336},{"id":6936,"text":"{ لّيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَن بَيّنَةٍ ويحيى مَنْ حَىَّ عَن بَيّنَةٍ } [ الأنفال : 42 ] وإن فسر بالأسر مثلاً كان أمر التسبب مكشوفاً لا مرية فيه ، واستشكلت هذه الآية بناءاً على أنها تدل على ما في بعض الروايات على أنه صلى الله عليه وسلم كان فعل فعلاً ومنع منه بأنه إن كان ذلك الفعل من الله تعالى فكيف منعه منه وإن لم يكن فهو قادح بالعصمة ومناف لقوله تعالى : { وَمَا يَنطِقُ عَنِ الهوى } [ النجم : 3 ] ، وأجيب بأن ما وقع كان من باب خلاف الأولى نظراً إلى منصبه صلى الله عليه وسلم ، والنهي المفهوم من الكلام من باب الإرشاد إلى اختيار الأفضل ولا يعد ذلك من الهوى في شيء بناءاً على القول بأنه يصح للنبي أن يجتهد ويعمل بما أدى إليه اجتهاده المأذون به. وجوز أن يكون ذلك الفعل نفسه عن وحي وإذن من الله تعالى له صلى الله عليه وسلم به وأن النهي عن ذلك كان نسخاً لذلك الإذن وأياً مّا كان لا ينافي العصمة الثابتة للأنبياء عليهم الصلاة والسلام فافهم. أ هـ {روح المعانى حـ 4 صـ 50 ـ 51}","part":16,"page":337},{"id":6937,"text":"ومن فوائد البيضاوى فى الآية\rقال رحمه الله : \r{ لَيْسَ لَكَ مِنَ الأمر شَيْء } اعتراض. { أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذّبَهُمْ } عطف على قوله أو يكبتهم ، والمعنى أن الله مالك أمرهم فإما أن يهلكهم أو يكبتهم أو يتوب عليهم إن أسلموا أو يعذبهم إن أصروا وليس لك من أمرهم شيء ، وإنما أنت عبد مأمور لإِنذارهم وجهادهم. ويحتمل أن يكون معطوفاً على الأمر أو شيء بإضمار أن ، أي ليس لك من أمرهم أو من التوبة عليهم أو من تعذيبهم شيء. أو ليس لك من أمرهم شيء ، أو التوبة عليهم أو تعذيبهم. وأن تكون أو بمعنى إلا أن. أي ليس لك من أمرهم شيء إلا أن يتوب الله عليهم فتسر به أو يعذبهم فتشفي منهم. روي ( أن عتبة بن أبي وقاص شجهُ يوم أحد وكسر رباعيته ، فجعل يمسح الدم عن وجهه ويقول \" كيف يفلح قوم خضبوا وجه نبيهم بالدم \" فنزلت. وقيل هم أن يدعوا عليهم فنهاه الله لعلمه بأن فيهم من يؤمن. { فَإِنَّهُمْ ظالمون } قد استحقوا التعذيب بظلمهم. أ هـ {تفسير البيضاوى حـ 2 صـ 90}","part":16,"page":338},{"id":6938,"text":"قوله تعالى { وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ يَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (129)}\rمناسبة الآية لما قبلها\rقال البقاعى :\rولما كان التقدير : بل الأمر له سبحانه وحده عطف عليه قوله - مبيناً لقدرته على ما قدم من فعله بهم على وجه أعم - : {ولله} أي الملك الأعظم وحده {ما في السماوات} أي كلها على عظمها من عاقل وغيره ، وعبر بـ \" ما \" لأن غير العاقل أكثر وهي به أجدر {وما في الأرض} كذلك مِلكاً ومُلكاً فهو يفعل في مِلكه ومُلكه ما يشاء ، وفي التعبير بـ \" ما \" أيضاً إشارة إلى أن الكفرة الذين السياق لهم في عداد ما لا يعقل.\rولما كانت الأقسام كلها راجعة إلى قسمين : عافية وعذاب ، قال - مترجماً لذلك مقرراً لقوله : {ليس لك من الأمر شيء} [ آل عمران : 128 ] : {يغفر لمن يشاء} أي منهم ومن غيرهم فيعطيه ما يشاء من خيري الدنيا والآخرة ويغنيه عن الربا وغيره {ويعذب من يشاء} بالمنع عما يريد من خيري الدارين ، لا اعتراض عليه ، فلو عذب الطائع ونعّم العاصي لحسن منه ذلك ، ولا يقبح منه شيء ، ولا اعتراض بوجه عليه ، هذا مدلول الآية وهو لا يقتضي أنه يفعل أو لا يفعل.\rولما كان صلى الله عليه وسلم لشدة غيظه عليهم في الله جديراً بالانتقام منهم بدعاء أو غيره أشار له سبحانه إلى العفو للحث على التخلق بأخلاق الله الذي سبقت رحمته غضبه بقوله : {والله} أي المختص بالجلال والإكرام {غفور رحيم} أي محاء للذنوب عيناً وأثراً ، مكرم بعد ذلك بأنواع الإكرام ، فانطبق ذلك على إيضاح {ليس لك} [ آل عمران : 128 ] وإفهامه الموجب لاعتقاد أن يكون له سبحانه وتعالى الأمر وحده.\rولما أنزل عليه ذلك وما في آخر النحل مما للصابرين والعافين حرم المثلة واشتد نهيه صلى الله عليه وسلم عنها ، فكان لا يخطب خطبة إلا منع منها. أ هـ {نظم الدرر حـ 2 صـ 151 ـ 152}\rوقال الفخر :\rإن المقصود من هذا تأكيد ما ذكره أولاً من قوله {لَيْسَ لَكَ مِنَ الأمر شَىْء} [ آل عمران : 28 ] والمعنى أن الأمر إنما يكون لمن له الملك ، وملك السموات والأرض وليس إلا لله تعالى فالأمر في السموات والأرض ليس إلا لله ، وهذا برهان قاطع. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 8 صـ 192}","part":16,"page":339},{"id":6939,"text":"وقال الآلوسى : \r{ وَللَّهِ مَا فِى السموات وَمَا فِي الأرض } كلام مستأنف سيق لبيان اختصاص ملكية جميع الكائنات به تعالى إثر بيان اختصاص طرف من ذلك به عز شأنه تقريراً لما سبق وتكملة له ؛ وتقديم الخبر للقصر ، و{ مَا } عامة للعقلاء وغيرهم تغليباً أي له سبحانه ما في هذين النوعين ، أو ما في هاتين الجهتين مُلكاً ومِلكاً وخلقاً واقتداراً لا مدخل لأحد معه في ذلك فالأمر كله له يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد. أ هـ {روح المعانى حـ 4 صـ 51}\rفائدة\rقال الفخر : \rإنما قال : {مَا فِي السموات وَمَا فِي الأرض} ولم يقل ( من ) لأن المراد الإشارة إلى الحقائق والماهيات ، فدخل فيه الكل. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 8 صـ 192}\rقوله تعالى {يَغْفِرُ لِمَن يَشَاء وَيُعَذّبُ مَن يَشَاء}\rقال السمرقندى : \r{ يَغْفِرُ لِمَن يَشَاء } وقال الضحاك : يغفر لمن يشاء الذنب العظيم ، { وَيُعَذّبُ مَن يَشَاء } على الذنب الصغير إذا أصرَّ على ذلك { والله غَفُورٌ رَّحِيمٌ }. أ هـ {بحر العلوم حـ 1 صـ 270}\rوقال أبو حيان : \r{ يغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء } لما تقدّم قوله : أو يتوب عليهم أو يعذبهم ، أتى بهذه الجملة موضحةً أن تصرفاته تعالى على وفق مشيئته ، وناسب البداءة بالغفران ، والإرداف بالعذاب ما تقدم من قوله : أو يتوب عليهم أو يعذبهم ، ولم يشرط في الغفران هنا التوبة.\rإذ يغفر تعالى لمن يشاء من تائب وغير تائب ، ما عدا ما استثناه تعالى من الشرك.\rوقال الزمخشري ما نصه عن الحسن رحمه الله : يغفر لمن يشاء بالتوبة ، ولا يشاء أن يغفر إلا للتائبين.\rويعذب من يشاء ، ولا يشاء أن يعذب إلا المستوجبين للعذاب.\rوعن عطاء : يغفر لمن يتوب إليه ، ويعذب من لقيه ظالماً وأتباعه قوله : أو يتوب عليهم أو يعذبهم فإنهم ظالمون ، تفسير بين لمن يشاء ، فإنهم المتوب عليهم أو الظالمون.","part":16,"page":340},{"id":6940,"text":"ولكن أهل الأهواء والبدع يتصامون ويتعامون عن آيات الله تعالى ، فيخبطون خبط عشواء ، ويطيبون أنفسهم بما يفترون.\rعن ابن عباس من قولهم : يهب الذنب الكبير لمن يشاء ، ويعذب من يشاء على الذنب الصغير.\rانتهى كلامه.\rوهو مذهب المعتزلة.\rوذلك أن من مات مصراً على كبيرة لا يغفر الله له.\rوما ذكره عن الحسن لا يصح ألبتّة.\rومذهب أهل السنة ؛ أنّ الله تعالى يغفر لمن يشاء وإنْ مات مصرًّا على كبيرة غير تائب منها. أ هـ {البحر المحيط حـ 3 صـ 57}\rفصل\rقال الفخر : \rاعلم أن أصحابنا يحتجون بهذه الآية على أنه سبحانه له أن يدخل الجنة بحكم إلهيته جميع الكفار والمردة ، وله أن يدخل النار بحكم إلهيته جميع المقربين والصدّيقين وأنه لا اعتراض عليه في فعل هذه الأشياء ودلالة الآية على هذا المعنى ظاهرة والبرهان العقلي يؤكد ذلك أيضاً ، وذلك أن فعل العبد يتوقف على الإرادة وتلك الإرادة مخلوقة لله تعالى ، فإذا خلق الله تلك الإرادة أطاع ، وإذا خلق النوع الآخر من الإرادة عصى ، فطاعة العبد من الله ومعصيته أيضاً من الله ، وفعل الله لا يوجب على الله شيئاً ألبتة ، فلا الطاعة توجب الثواب ، ولا المعصية توجب العقاب ، بل الكل من الله بحكم إلهيته وقهره وقدرته ، فصح ما ادعيناه أنه لو شاء يعذب جميع المقربين حسن منه ، ولو شاء يرحم جميع الفراعنة حسن منه ذلك ، وهذا البرهان هو الذي دل عليه ظاهر قوله تعالى : {يَغْفِرُ لِمَن يَشَاء وَيُعَذّبُ مَن يَشَاء }. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 8 صـ 192 ـ 193}","part":16,"page":341},{"id":6941,"text":"من فوائد الآلوسى فى الآية\rقال رحمه الله : \rوظاهر الآية يدل على أن مغفرة الله تعالى وتعذيبه غير مقيدين بشيء بل قد يدّعي أن التقييد مناف للسوق إذ هو لإثبات أنه سبحانه المالك على الإطلاق فله أن يفعل ما يشاء لا مانع له من مشيئته ولو كانت مغفرته مقيدة بالتوبة وتعذيبه بالظلم لم يكن فاعلاً لما يشاء بل لما تستدعيه التوبة أو الظلم ، فالآية ظاهرة في نفي الوجوب على الله تعالى وأنه يجوز أن يغفر سبحانه للمذنب ويعذب المصلح وهو مذهب الجماعة وذهب المعتزلة إلى أن المغفرة مشروطة بالتوبة فمن لم يتب لا يجوز أن يغفر له أصلاً ، وتمسكوا في ذلك بوجهين : الأول : الآيات والأحاديث الناطقة بوعيد العصاة ، ","part":16,"page":342},{"id":6942,"text":"الثاني : أن المذنب إذا علم أنه لا يعاقب على ذنبه كان ذلك تقريراً له وإغراءاً للغير عليه وهذا ينافي حكمة إرسال الرسل صلوات الله تعالى وسلامه عليهم ، وحملوا هذه الآية على التقييد وخصوا أمثالها من المطلقات بالصغائر أو الكبائر المقرونة بالتوبة ، وقالوا : إن المراد يغفر لمن يشاء إذا تاب وجعلوا القرينة على ذلك أنه تعالى عقب قوله سبحانه : { أَوْ يُعَذّبَهُمْ } [ آل عمران : 128 ] بقوله جل شأنه : { فَإِنَّهُمْ ظالمون } [ آل عمران : 128 ] وهو دليل على أن الظلم هو السبب الموجب فلا تعذيب بدونه ولا مغفرة مع وجوده فهو مفسر { لِمَن يَشَاء } وأيدوا كون المراد ذلك بما روي عن الحسن في الآية { يَغْفِرُ لِمَن يَشَاء } بالتوبة ولا يشاء أن يغفر إلا للتائبين { وَيُعَذّبُ مَن يَشَاء } ولا يشاء أن يعذب إلا للمستوجبين ، وبما روي عن عطاء { يَغْفِرُ لِمَن } يتوب عليه { وَيُعَذّبُ مَن } لقيه ظالماً ؛ والجماعة تمسكوا بإطلاق الآيات ، وأجابوا عن متمسك المخالف ، أما عن الأول : فبأن تلك الآيات والأحاديث على تقدير عمومها إنما تدل على الوقوع دون الوجوب ، والنزاع فيه على أن كثرة النصوص في العفو تخصص المذنب المغفور عن عمومات الوعيد ، وأما عن الثاني : فبأن مجرد جواز العفو لا يوجب ظن عدم العقاب فضلاً عن الجزم به ، وكيف يوجب جواز العفو العلم بعدم العقاب والعمومات الواردة في الوعيد المقرونة بغاية من التهديد ترجح جانب الوقوع بالنسبة إلى كل واحد وكفى به زاجراً فكيف يكون العلم بجواز العفو تقريراً وإغراءاً على الذنب مع هذا الزاجر.","part":16,"page":343},{"id":6943,"text":"وأيضاً إن الكثير من المعتزلة خصوا مثل قوله تعالى : { إِنَّ الله يَغْفِرُ الذنوب جَمِيعاً } [ الزمر : 53 ] بالصغائر فلو كان جواز العفو مستلزماً كما زعموا للعلم بعدم العقاب لزم اشتراك الإلزام بأن يقال : إن المرتكب للصغائر إذا علم أنه لا يعاقب على ذنبه كان ذلك تقريراً له وإغراءاً للغير عليه وفيه من الفساد ما فيه ، وما جعلوه قرينة على التقييد معارض بما يدل على الإطلاق أعني قوله : { وَللَّهِ مَا فِى السموات وَمَا فِي الأرض } فإنه معطوف معنى على قوله جل اسمه : { لَيْسَ لَكَ مِنَ الأمر شَىْء } [ آل عمران : 128 ] ويدل ذلك على أن له سبحانه التصرف المطلق وهو على خلاف ما يقولون حيث جعلوا تصرفه ومشيئته مقيداً بأن يكون على مقتضى الحكمة والحكمة تقتضي عدم غفران من لم يتب ولا يخفى أنه في حيز المنع لأن المشيئة والحكمة كلاهما من صفاته تعالى لا تتبع إحداهما الأخرى وبتقدير الاستتباع لا نسلم أن الحكمة تقتضي عدم غفران من لم يتب على أن تعقيب أو يعذبهم بقوله عز وجل : { فَإِنَّهُمْ ظالمون } [ آل عمران : 128 ] لا يدل على أكثر من أن الظلم مفض إلى التعذيب ومن يمنع الإفضاء إنما المنع على أن يكون تفسيراً { لِمَن يَشَاء } وأين الدلالة على أن كل ظلم كذلك ولا عموم للفظ ولا هو من قبيل مفهوم الصفة ليصلح متمسكاً في الجملة ، وما نقل عن الحسن وعطاء لا يعرف له سند أصلاً ومن ادعاه فليأت به إن كان من الصادقين ، ومما يدل على كذبه أن فيه حجراً على الرحمة الواسعة وتضييق مسالكها من غير دليل قطعي ولا يظن بمثل الحسن هذا القبيح سلمنا الصدق وعدم لزوم ما ذكر لكن قول الحسن ونحوه لا يترك له ظاهر الكتاب والحق أحق بالاتباع. فإن قال الخصم : نحن نتمسك في هذا المطلب بلزوم الخلف قلنا : يكون رجوعاً إلى الاستدلال بالمعقول ، وقد","part":16,"page":344},{"id":6944,"text":"أذقناكم الموت الأحمر فيه لا بالآيات فتبقى دلالة هذه الآية على عمومها ، وهو مطلوبنا هنا على أن هذه الآية واردة في الكفار على أكثر الروايات ، ومعتقد الجماعة أن المغفرة في حقهم مشروطة بالتوبة من الكفر والرجوع إلى الإيمان كما يفصح عنه قوله تعالى : { إِنَّ الله لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاء } [ النساء : 48 ] وليسوا محل خلاف بين الطائفتين فمن استدل بها من المعتزلة على غرضه الفاسد فقد ضل سواء السبيل. أ هـ {روح المعانى حـ 4 صـ 51 ـ 53}\rسؤال : فإن قيل : أليس أنه ثبت أنه لا يغفر للكفار ولا يعذب الملائكة والأنبياء ؟ .\rقلنا : مدلول الآية أنه لو أراد لفعل ولا اعتراض عليه ، وهذا القدر لا يقتضي أنه يفعل أو لا يفعل ، وهذا الكلام في غاية الظهور. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 8 صـ 193}\rفصل\rقال الطبرى فى معنى الآية : \rيعني بذلك تعالى ذكره : ليس لك يا محمد ، من الأمر شيء ، ولله جميع ما بين أقطار السموات والأرض من مشرق الشمس إلى مغربها ، دونك ودونهم ، يحكم فيهم بما يشاء ، ويقضي فيهم ما أحب ، فيتوب على من أحب من خلقه العاصين أمرَه ونهيه ، ثم يغفر له ، ويعاقب من شاء منهم على جرمه فينتقم منه ، وهو الغفور الذي يستر ذنوب من أحب أن يستر عليه ذنوبه من خلقه بفضله عليهم بالعفو والصفح ، والرحيم بهم في تركه عقوبتهم عاجلا على عظيم ما يأتون من المآثم. أ هـ {تفسير الطبرى حـ 7 صـ 203}\rقوله تعالى {والله غَفُورٌ رَّحِيمٌ}\rقال الفخر : \rالمقصود بيان أنه وإن حسن كل ذلك منه إلا أن جانب الرحمة والمغفرة غالب لا على سبيل الوجوب بل على سبيل الفضل والإحسان. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 8 صـ 193}","part":16,"page":345},{"id":6945,"text":"وقال الآلوسى : \r{ والله غَفُورٌ رَّحِيمٌ } تذييل مقرر لمضمون قوله تعالى : { يَغْفِرُ لِمَن يَشَاء } مع زيادة ، وفي تخصيص التذييل به إشارة إلى ترجيح جهة الإحسان والإنعام ، وفيه ما يؤيد مذهب الجماعة. أ هـ {روح المعانى حـ 4 صـ 53}\rفائدة\rقال أبو حيان : \r{ والله غفور رحيم } في هذه الجملة ترجيح لجهة الإحسان والإنعام. أ هـ {البحر المحيط حـ 3 صـ 57}\rفصل\rقال أبو السعود : \r{ وَللَّهِ مَا فِى السموات وَمَا فِي الأرض } كلامٌ مستأنفٌ سيق لبيان اختصاصِ ملكوتِ كلِّ الكائناتِ به عز وجل إثرَ بيانِ اختصاصِ طرَفٍ من ذلك به سبحانه تقريراً لما سبق وتكملةً له. وتقديمُ الجارِّ للقصر ، وكلمةُ { مَا } شاملةٌ للعقلاء أيضاً تغليباً أي له ما فيهما من الموجودات خلقاً ومُلكاً لا مدخَلَ فيه لأحد أصلاً فله الأمرُ كلُّه { يَغْفِرُ لِمَن يَشَاء } أن يغفرَ له مشيئةً مبنيةً على الحِكمة والمصلحة { وَيُعَذّبُ مَن يَشَاء } أن يعذِّبَه بعمله مشيئةً كذلك. وإيثارُ كلمة { مِنْ } في الموضعين لاختصاص المغفرةِ والتعذيبِ بالعقلاء ، وتقديمُ المغفرة على التعذيب للإيذان بسبق رحمتِه تعالى غضبَه وبأنها من مقتَضيات الذاتِ دونه فإنه من مقتضيات سيئاتِ العُصاة ، وهذا صريحٌ في نفي وجوبِ التعذيبِ ، والتقييدُ بالتوبة وعدمِها كالمنافي له { والله غَفُورٌ رَّحِيمٌ } تذييلٌ مقرر لمضمون قوله تعالى : { يَغْفِرُ لِمَن يَشَاء } مع زيادة ، وفي تخصيص التذييلِ به دون قرينةٍ من الاعتناء بشأن المغفرةِ والرحمةِ ما لا يخفى. أ هـ {تفسير أبى السعود حـ 2 صـ 84}","part":16,"page":346},{"id":6946,"text":"من لطائف الإمام القشيرى فى الآيتين\rقال عليه الرحمة : \r{ لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ (128) وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ يَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (129)}\rالإله من له الأمر والنهي ، فلمَّا لم يكن له في الإلهية نظير لم يكن له - ( صلى الله عليه وسلم ) - من الأمر والنهي شيء.\rويقال جرَّده - بما عرَّفه وخاطبه - عن كلِّ غيرٍ ونصيب ودعوى ، حيث أخبر أنه ليس له من الأمر شيء ، فإذا لم يَجُزْ أن يكون لسيِّد الأولين والآخرين شيء من الأمر فَمَنْ نزلت رتبتُه عن منزلته فمتى يكون له شيء من الأمر ؟ \rويقال استأثر ( بِسَتْرِ عباده في حكمه ) فقال أنا الذي أتوب على من أشاء من عبادي وأعذِّب من أشاء ، والعواقب عليك مستورة ، وإنك - يا محمد - لا تدري سرى فيهم.\rويقال أقامه في وقتٍ مقاماً فقالت : { وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللهَ رَمَى } [ الأنفال : 17 ] رمى بقبضة من التراب فأصاب جميع الوجوه ، وقال له في وقت آخر : { لَيْسَ لَكَ مِنَ الأَمْرِ شَيءٌ } ثم زاد في البيان فقال : { وَللهِ مَا فِى السَّمَواتِ وَمَا فِى الأَرْضِ }. فإذا كان المُلْك ملكه ، والأمر أمره ، والحكم حكمه - فَمَنْ شاء عذَّبه ، ومن شاء قرَّبه ، ومن شاء هداه ، ومن شاء أغواه. أ هـ {لطائف الإشارات حـ 1 صـ 276}","part":16,"page":347},{"id":6947,"text":"قوله تعالى : { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (130) وَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ (131) وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (132)}\rمناسبة الآيات لما قبلها\rقال البقاعى : \rولما كان الختم بهاتين الصفتين ربما أطمع في انتهاك الحرمات لاتباع الشهوات فكان مبعداً لمتعاطيه من الرحمة مدنياً من النقمة ، وكان أعظم المقتضيات للخذلان تضييعهم للثغر الذي أمرهم النبي صلى الله عليه وسلم بحفظه بسبب إقبالهم قبل إتمام هزيمة العدو على الغنائم للزيادة في الأعراض الدنيوية التي هي معنى الربا في اللغة إذ هو مطلق الزيادة أقبل تعالى عليهم بقوله : {يا أيها الذين آمنوا} أي أقروا بالإيمان ، صدقوا إيمانكم بأن {لا تأكلوا الربا} أي المقبح فيما تقدم أمره غاية التقبيح ، وهو كما ترى إقبال متلطف منادٍ لهم باسم الإيمان الناظر إلى الإنفاق المعرض عن التحصيل {ومما رزقناهم ينفقون} [ البقرة : 3 ] ؛ {والمنفقين والمستغفرين بالأسحار} [ آل عمران : 17 ] ؛ {لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون} [ آل عمران : 92 ] ناهٍ عن الالتفات إلى الدنيا بالإقبال على غنيمة أو غيرها بطريق الإشارة بدلالة التضمن ، إذ المطلق جزء المقيد ، ففي هذه العبارة التي صريحها ناهٍ عن الإقبال على الدنيا إقبالاً يوجب الإعراض عن الآخرة باستباحة أكل الربا المتقدم في البقرة من النهي عنه من المبالغة ما يردع من له أدنى تقوى ، ويوجب لمن لم يتركه وما يقاربه الضمان بالخذلان في كل زمان {فإن لم تفعلوا فأذنوا بحرب من الله ورسوله} [ البقرة : 278 ] ، {أولئك الذين اشتروا الحياة الدنيا بالآخرة فلا يخفف عنهم العذاب ولا هم ينصرون} [ البقرة : 86 ].","part":16,"page":348},{"id":6948,"text":"ولما كان في تركه الإثخان في العدو بعد زوال المانع منه بالهزيمة مع أن فيه من حلاوة الظفر ما يجل عن الوصف لأجل الغنيمة التي هي لمن غلب ، وليس في المبادرة إلى حوزها كبير فائدة ، دلالة على تناهي الحب للتكاثر ، ناسب المقام ربا التضعيف فقال : - أو يقال : لما كان سبب الهزيمة طلبهم الزيادة بالغنيمة ، وكان حب الزيادة حلالاً قد يجر إلى حبها حراماً ، فيجر إلى الربا المضاعف ، لأن من يرتع حول الحمى يوشك أن يواقعه قال - : {أضعافاً مضاعفة} أي لا تتهيؤوا لذلك بإقبالكم على مطلق الزيادة ، فإن المطلوب منكم بذل المال فضلاً عن الإعراض عنه فضلاً عن الإقبال عليه ، فالحاصل أنه دلت على الربا بمطابقتها ، وعلى مطلق الزيادة بتضمنها ، وهي من وادي قوله صلى الله عليه وسلم : \" من يرتع حول الحمى يوشك أن يواقعه \"","part":16,"page":349},{"id":6949,"text":"وختام الآية بقوله : {واتقوا الله} أي الملك الأعظم {لعلكم تفلحون} مشير إلى ذلك ، أي واجعلوا بينكم وبين مخالفة نهيه عن الربا وقاية بالإعراض عن مطلق محبة الدنيا والإقبال عليها ، لتكونوا على رجاء من الفوز بالمطالب ، فمن له ملك الوجود وملكه فإنه دير بأن يعطيكم من ملكه إن اتقيتم ، ويمنعكم إن تساهلتم ، فهو نهي عن الربا بصريح العبارة ، وتحذير من أن يعودوا إلى ما صدر منهم من الإقبال على الغنائم قبل انفصال الحرب فعلاً وقوة بطريق الإشارة ، وهي من أدلة إمامنا الشافعي على استعمال اللفظ في حقيقته ومجازه ، والذي دلنا على إرادة المعنى التضمني المجازي نظمها ، والناظم حكيم في سلك هذه القصة ووضعها في هذا الموضع ، فلا يقدح في ذلك أنه قد كان في هذه القصة أمر يصلح أن يكون سبباً لنزول هذه الآية ووضعها عنا ، لأن ذلك غير لازم ولا مطرد ، فقد كان حلفه صلى الله عليه وسلم أنه يمثل بسبعين منهم كما مثلوا بعمه حمزة رضي الله عنه سبباً لنزول آخر سورة النحل {وإن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به} [ النحل : 126 ] إلى آخرها ، ولم توضع هنا ، والأمر الصالح لأن يكون سبباً لها ما روى أبو داود في سننه بسند رجاله رجال الصحيح عن أبي هريرة أن عمروا بن أقيش رضي الله عنه كان له ربا في الجاهلية ، فكره أن يسلم حتى يأخذه ، فجاء يوم أحد فقال : أين بنو عمي ؟ قالوا : بأحد ، قال : أين فلان ؟ قالوا : بأحد ، قال : فأين فلان ؟ قالوا : بأحد ؛ فلبس لأمته وركب فرسه ثم توجه قبلهم ، فلما رآه المسلمون قالوا : إليك عنا يا عمرو! قال : إني قد آمنت ، فقاتل حتى جرح ، فحمل إلى أهله جريحاً ، فجاءه سعد بن معاذ رضي الله عنه فقال لأخته : سليه : حمية لقومك أو غضباً لهم ، أم غضباً لله عز وجل ؟ فقال : بل غضباً لله عز وجل ورسوله صلى الله عليه وسلم ، فمات","part":16,"page":350},{"id":6950,"text":"فدخل الجنة وما صلى لله عز وجل صلاة.\rوالقصة في جزء عبيد الله بن محمد بن حفص العيشي - بالمهملة ثم التحتانية ثم المعجمة - تخريج أبي القاسم عبد الله ابن محمد بن عبد العزيز البغوي ، والجزء السابع عشر من المجالسة للدينوري من طريق حماد بن سلمة شيخ أبي داود ، ولفظ العيشي : إن عمرو بن وقش - وقال الدينوري : أقيش - كان له ربا في الجاهلية ، وكان يمنعه ذلك الربا من الإسلام حتى يأخذه ثم يسلم ، فجاء ذات يوم ورسول الله صلى الله عليه وسلم - زاد الدينوري : وأصحابه بأحد فقال : أين سعد ابن معاذ ؟ وقال العيشي : فقال لقومه : أين سعد بن معاذ ؟ قالوا : هو بأحد ، قال الدينوري : فقال : أين بنو أخيه ؟ قالوا : بأحد ، فسأل عن قومه ، فقالوا : بأحد ، فأخذ سيفه ورمحه ولبس لأمته ، ثم أتى أحداً ؛ وقال الدينوري : ثم ذهب إلى أحد ، فلما رآه السملمون قالوا : إليك عنا يا عمرو! قال : إني قد آمنت! فقاتل فحمل إلى أهله جريحاً ، فدخل عليه سعد بن معاذ فقال - يعني لامرأته - : سليه! وقال العيشي : فقال لأخته : ناديه ، فقولي ؛ وقال الدينوري : فقالت : أجئت غضباً لله ورسوله أم حمية وغضباً لقومك ؟ فنادته ، فقال : جئت غضباً لله ورسوله! فمات فدخل الجنة ولم يصل لله قط ؛ وقال الدينوري : قال أبو هريرة : ودخل الجنة ، وما صلى لله صلاة.\r","part":16,"page":351},{"id":6951,"text":"ورواها ابن إسحاق والواقدي عن أبي هريرة رضي الله عنهم أنه كان يقول : حدثوني عن رجل دخل الجنة لم يصلِّ قط ؛ وقال الواقدي : أخبروني برجل يدخل الجنة لم يسجد لله قط ، فيسكت الناس ، فيقول أبو هريرة رضي الله عنه : هو أخو بني عبد الأشهل ؛ وقال ابن إسحاق : فإذا لم يعرفه الناس سألوا : من هو ؟ فيقول : أصيرم بني عبد الأشهل عمرو بن ثابت بن وقش رضي الله تعالى عنه ؛ زاد ابن إحساق : قال الحصين - يعني شيخه : فقلت لمحمود بن لبيد : كيف كان شأن الأصيرم ؟ قال : كان يأبى الإسلام على قومه ، فلما كان يوم خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أحد بدا له في الإسلام فأسلم ، ثم أخذ سيف فغدا حتى دخل في عرض الناس ، فقاتل حتى أثبتته الجراحة ، فبينما رجال من بني عبد الأشهل يلتمسون قتلاهم في المعركة إذا هم به ، فقالوا : والله إن هذا للأصيرم! ما جاء به ؟ لقد تركناه وإنه لمنكر بذا الحديث! فسألوه ما جاء به ، فقالوا : ما جاء بك يا عمرو ؟ أحدب على قومك أم رغبة في الإسلام ؟ فقال : بل رغبة في الإسلام ، آمنت بالله وبرسوله وأسلمت ، ثم أخذت سيفي فغدوت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ثم قاتلت حتى أصابني ما أصابني.\r","part":16,"page":352},{"id":6952,"text":"ثم لم يلبث أن مات في أيديهم ، فذكروه لرسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : \" إنه لمن أهل الجنة \" والمعنى على هذا : يا أيها الذين يريدون الإيمان! لا تفعلوا مثل فعل الأصيرم في تأخير إيمانه لأجل الربا ، بل سابقوا الموت لئلا يأتيكم بغتة فتهلكوا ، أو يا أيها الذين أخبروا عن أنفسهم بالإيمان ورسوخ الإذعان في أنفسهم والإيقان بمر الزمان! افعلوا مثل فعله ساعة أسلم في صدق الإيمان وإسلام نفسه إلى ربه بركوب الأهوال في غمرات القتال من غير خوف ولا توقف ولا التفات إلى أمر دنيوي وإن عظم ؛ فقد بان أنه نبه بالإشارة إلى قصة بدر ثم بهذه الآية على أن من أعرض عن الدنيا حصلت له بعز وإن كان قليلاً ، ومن أقبل عليها فاتته بذل وإن كان كثيراً جليلاً ، لأن مَن له ملك السماوات والأرض يفعل ما يشاء ، ولا تفيد الآية إباحة مطلق الفضل في الربا ما لم ينته إلى الأضعاف المضاعفة ، لأن إفهامها لذلك معارض لمنطوق آيات البقرة الناهية عن مطلق الربا ، والمفهوم لا يعمل به إذا عارض منطوق نص آخر ، وهذا من مزيد الاعتناء بشأن الربا إذ حرم كل نوع منه في آية تخصه ، فحرم ربا الفضل في آيات البقرة ، ويلزم من ترحيمه تحريم ربا الأضعاف ، ثم نص عليه في هذه الآية ، فصار محرمأً مرتين : مفهوماً ومنطوقاً ، مع ما أفاد ذكره من النكت التي تقدم التنبيه عليها.\rولما كان الفائز بالمطالب قد لا يوقي المعاطب قال تعالى : {واتقوا النار} أي إن لم تكونوا ممن يتقيه سبحانه لذاته {التي أعدت} أي هيئت {للكافرين} أي بالله باستحلال الربا وغيره بالذات ، وللكافرين بالنعمة عصياناً بالعرض.\r","part":16,"page":353},{"id":6953,"text":"ولما كان الفائز السالم قد لا يكون مقرباً قال اتباعاً للوعيد بالوعد : {وأطيعوا الله} ذا الجلال والإكرام {والرسول} أي الكامل في الرسلية كمالاً ليس لأحد مثله ، أي في امتثال الأوامر واجتناب النواهي بالإخلاص {لعلكم ترحمون} أي لتكونوا على رجاء وطمع في أن يفعل بكم فعل المرحوم بالتقريب والمحبة وإنجاز كل ما وعد على الطاعة من نصره وغيره. أ هـ {نظم الدرر حـ 2 صـ 152 ـ 156}\rفصل\rقال الفخر : \rاعلم أن من الناس من قال : إنه تعالى لما شرح عظيم نعمه على المؤمنين فيما يتعلق بارشادهم إلى الأصلح لهم في أمر الدين وفي أمر الجهاد ، أتبع ذلك بما يدخل في الأمر والنهي والترغيب والتحذير فقال : {يا أيها الذين ءامَنُواْ لاَ تَأْكُلُواْ الربا } وعلى هذا التقدير تكون هذه الآية ابتداء كلام ولا تعلق لها بما قبلها ، وقال القفال رحمه الله : يحتمل أن يكون ذلك متصلا بما تقدم من جهة أن المشركين إنما أنفقوا على تلك العساكر أموالا جمعوها بسبب الربا ، فلعل ذلك يصير داعياً للمسلمين إلى الاقدام على الربا حتى يجمعوا المال وينفقوه على العسكر فيتمكنون من الانتقام منهم ، فلا جرم نهاهم الله عن ذلك. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 9 صـ 3}","part":16,"page":354},{"id":6954,"text":"وقال أبو السعود : \r{ يا أيها الذين ءامَنُواْ لاَ تَأْكُلُواْ الربا } كلامٌ مبتدأٌ مشتمِلٌ على ما هو مَلاكُ الأمرِ في كل باب لا سيما في باب الجهادِ من التقوى والطاعةِ وما بعدهما من الأمور المذكورةِ على نهج الترغيبِ والترهيبِ جيء به في تضاعيفِ القصةِ مسارعةً إلى إرشاد المخاطَبين إلى ما فيه ، وإيذاناً بكمالِ وجوبِ المحافظةِ عليه فيما هم فيه من الجهاد ، فإن الأمورَ المذكورةَ فيه مع كونها مناطاً للفوز في الدارين على الإطلاق عُمدةٌ في أمر الجهادِ ، عليها يدورُ فلكُ النُّصرةِ والغلَبة ، كيف لا ولو حافظوا على الصبر والتقوى وطاعةِ الرسولِ صلى الله عليه وسلم لما لقُوا ما لقُوا ، ولعل إيرادَ النهي عن الربا في أثنائها لِما أن الترغيبَ في الإنفاق في السراء والضراءِ الذي عُمدتُه الإنفاقُ في سبيل الجهادِ متضمنٌ للترغيب في تحصيل المالِ فكان مظِنةَ مبادرةِ الناسِ طرق الاكتساب ومن جملتها الربا ، فنُهوا عن ذلك ، والمرادُ بأكله أخذُه ، وإنما عُبر عنه بالأكل لما أنه مُعظم ما يقصَد بالأخذ ، ولشيوعه في المأكولات مع ما فيه من زيادة تشنيعٍ. أ هـ {تفسير أبى السعود حـ 2 صـ 84}\rوقال ابن عاشور : \rقال ابن عطية : ولا أحفظ سبباً في ذلك مروياً.\rوقال الفخر : من النّاس من قال : لمّا أرشد الله المؤمنين إلى الأصلح لهم في أمر الدين والجهاد أتبع ذلك بما يدخل في الأمر والنَّهي فقال : { يا أيها الذين آمنوا لا تأكلوا الربوا } فلا تعلّق لها بما قبلها.\rوقال القفّال : لمّا أنفق المشركون على جيوشهم أموالاً جمعوها من الربا ، خيف أن يدعُو ذلك المسلمين إلى الإقدام على الرّبا.\rوهذه مناسبة مستبعدة.\rوقال ابن عرفة : لمّا ذكر الله وعيد الكفار عقّبه ببيان أن الوعيد لا يخصّهم بل يتناول العصاة ، وذكر أحد صور العصيان وهي أكل الربا.","part":16,"page":355},{"id":6955,"text":"وهو في ضعف ما قبله ، وعندي بادىء ذي بدء أن لا حاجة إلى اطّراد المناسبة ، فإن مدّة نزول السورة قابلة ، لأن تحدث في خلالها حوادث ينزل فيها قرآن فيكون من جملة تلك السورة ، كما بيّناه في المقدّمة الثَّامنة ، فتكون هاته الآية نزلت عقب ما نزل قبلها فكتبت هنا ولا تكون بَينهما مناسبة إذ هو ملحق إلحاقاً بالكلام. أ هـ {التحرير والتنوير حـ 3 صـ 216 ـ 217}\rفائدة\rقال القرطبى :\rوإنما خص الربا من بين سائر المعاصي ؛ لأنه الذي أذن الله فيه بالحرب في قوله : { فَإِن لَّمْ تَفْعَلُواْ فَأْذَنُواْ بِحَرْبٍ مِّنَ الله وَرَسُولِهِ } [ البقرة : 279 ] والحرب يؤذِن بالقتل ؛ فكأنه يقول : إِن لم تتقوا الربا هُزِمتم وقُتلتم.\rفأمرهم بترك الربا ؛ لأنه كان معمولاً به عندهم ، والله أعلم. أ هـ {تفسير القرطبى حـ 4 صـ 202}\rفائدة\rقال ابن عاشور :\rويتّجه أن يسأل سائل عن وجه إعادة النّهي عن الربا في هذه السورة بعد ما سبق من آيات سورة البقرة بما هو أوفى ممَّا في هذه السورة ، فالجواب : أنّ الظاهر أنّ هذه الآية نزلت قبل نزول آية سورة البقرة فكانت هذه تمهيداً لتلك ، ولم يكن النّهي فيها بالغاً ما في سورة البقرة وقد روي أن آية البقرة نزلت بعد أن حَرّم الله الربا وأن ثقيفاً قالوا : كيف ننهى عن الربا ، وهومثل البيع ، ويكون وصف الربا بـ { أضعافاً مضاعفة } نهياً عن الربا الفاحش وسَكت عمّا دون ذلك ممّا لا يبلغ مبلغ الأضعاف ، ثمّ نزلت الآية الَّتي في سورة البقرة ويحتمل أن يكون بعض المسلمين داين بعضاً بالمراباة عقب غزوة أحُد فنزل تحريم الرّبا في مدّة نزول قصّة تلك الغزوة. أ هـ {التحرير والتنوير حـ 3 صـ 217}","part":16,"page":356},{"id":6956,"text":"قوله تعالى {أضعافا مضاعفة }.\rفائدة\rقال الفخر : \rكان الرجل في الجاهلية إذا كان له على إنسان مائة درهم إلى أجل ، فإذا جاء الأجل ولم يكن المديون واجدا لذلك المال قال زد في المال حتى أزيد في الأجل فربما جعله مائتين ، ثم إذا حل الأجل الثاني فعل ذلك ، ثم إلى آجال كثيرة ، فيأخذ بسبب تلك المائة أضعافها فهذا هو المراد من قوله : {أضعافا مضاعفة }. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 9 صـ 3}\rفائدة\rقال الآلوسى : \rوقال بعض المحققين : الضعف اسم ما يضعف الشيء كالثنى اسم ما يثنيه من ضعفت الشيء بالتخفيف فهو مضعوف على ما نقله الراغب بمعنى ضعفته ، وهو اسم يقع على العدد بشرط أن يكون معه عدد آخر فأكثر ، والنظر فيه إلى فوق بخلاف الزوج فإن النظر فيه إلى ما دونه فإذا قيل : ضعف العشرة لزم أن تجعلها عشرين بلا خلاف لأنه أول مراتب تضعيفها ، ولو قال : له عندي ضعف درهم لزمه درهمان ضرورة الشرط المذكور كما إذا قيل : هو أخو زيد اقتضى أن يكون زيد أخاه وإذا لزم المزاوجة دخل في الإقرار ، وعلى هذا له ضعفا درهم منزل على ثلاثة دراهم وليس ذلك بناءاً على ما يتوهم أن ضعف الشيء موضوعه مثلاه وضعفيه ثلاثة أمثاله ، بل ذلك لأن موضوعه المثل بالشرط المذكور.\rوهذا مغزى الفقهاء في الأقارير والوصايا ، ومن البين أنهم ألزموا في ضعفي الشيء ثلاثة أمثاله ولو كان موضوع الضعف المثلين لكان الضعفان أربعة أمثال وليس مبناه العرف العامي بل الموضوع اللغوي كما قال الأزهري.","part":16,"page":357},{"id":6957,"text":"ومن هنا ظهر أنه لو قال : له عليَّ الضعفان درهم ودرهم أو الضعفان من الدراهم لم يلزم إلا درهمان كما لو قال الأخوان ، ثم قال والحاصل أن تضعيف الشيء ضم عدد آخر إليه وقد يزاد وقد ينظر إلى أول مراتبه لأنه المتيقن ، ثم إنه قد يكون الشيء المضاعف مأخوذاً معه فيكون ضعفاه ثلاثة وقد لا يكون فيكون اثنين وهذا كله موضوع له في اللغة لا العرف ، وليس هذه الحال لتقييد المنهي عنه ليكون أصل الربا غير منهي بل لمراعاة الواقع ، فقد روى غير واحد أنه كان الرجل يربي إلى أجل فإذا حل قال للمدين : زدني في المال حتى أزيدك بالأجل فيفعل وهكذا عند ( محل ) كل أجل فيستغرق بالشيء الطفيف ماله بالكلية فنهوا عن ذلك ونزلت الآية ، وقرىء مضعفة بلا ألف مع تشديد العين. أ هـ {روح المعانى حـ 4 صـ 55}\rوقال ابن عطية : \rوقوله { أضعافاً } نصب في موضع الحال ، ومعناه : الربا الذي كانت العرب تضعف فيه الدين ، فكان الطالب يقول : أتقضي أم تربي ؟ وقوله : { مضاعفة } إشارة إلى تكرار التضعيف عاماً بعد عام ، كما كانوا يصنعون ، فدلت هذه العبارة المؤكدة على شنعة فعلهم وقبحه ، ولذلك ذكرت حال التضعيف خاصة ، وقد حرم الله جميع أنواع الربا ، فهذا هو مفهوم الخطاب إذ المسكوت عنه من الربا في حكم المذكور ، وأيضاً فإن الربا يدخل جميع أنواعه التضعيف والزيادة على وجوه مختلفة من العين أو من التأخير ونحوه. أ هـ {المحرر الوجيز حـ 1 صـ 507}","part":16,"page":358},{"id":6958,"text":"فائدة\rقال ابن عاشور : \rوحكمة تحريم الرّبا هي قصد الشَّريعة حملَ الأمَّة على مواساة غنيِّها محتاجَها احْتياجاً عارضاً موقّتاً بالقرض ، فهو مرتبة دون الصدقة ، وهو ضرب من المواساة إلا أن المواساة منها فرض كالزكاة ، ومنها ندب كالصّدقة والسلفِ ، فإن انتدب لها المكلّف حرّم عليه طلب عوض عنها ، وكذلك المعروف كُلّه ، وذلك أن العادة الماضية في الأمم ، وخاصّة العرب ، أنّ المرء لا يتداين إلاّ لضرورة حياته ، فلذلك كان حقّ الأمَّة مواساته.\rوالمواساة يظهر أنَّها فرض كفاية على القادرين عليها ، فهو غير الَّذي جاء يريد المعاملة للربح كالمتبايعيْن والمتقارضين : للفرق الواضح في العرف بين التعامل وبين التداين إلاّ أن الشرع ميّز هاته الواهي بعضها عن بعض بحقائقها الذاتية ، لا باختلاف أحوال المتعاقدين ، فلذلك لم يسمح لصاحب المال في استثماره بطريقة الرّبا في السلف ، ولو كان المستسلف غير محتاج ، بل كان طالبَ سعة وإثراءٍ بتحريك المال الَّذي يتسلّفه في وجوه الربح والتجارة ونحو ذلك ، وسمَح لصاحب المال في استثماره بطريقة الشركة والتِّجارة ودين السَّلَم ، ولو كان الرّبح في ذلك أكثر من مقدار الرّبا تفرقة بين المواهي الشرعية.\rويمكن أن يكون مقصد الشريعة من تحريم الرّبا البعدَ بالمسلمين عن الكسل في استثمار المال ، وإلجاؤهم إلى التشارك والتعاون في شؤون الدنيا ، فيكون تحريم الرّبا ، ولو كان قليلاً ، مع تجويز الربح من التِّجارة والشركات ، ولو كان كثيراً تحقيقاً لهذا المقصد.","part":16,"page":359},{"id":6959,"text":"ولقد قضى المسلمون قروناً طويلة لم يروا أنفسهم فيها محتاجين إلى التعامل بالرّبا ، ولم تكن ثروتهم أيّامئذ قاصرة عن ثروة بقية الأمم في العالم ، أزمان كانت سيادة العالم بيدهم ، أو أزمان كانوا مستقلّين بإدارة شؤونهم ، فلمَّا صارت سيادة العالم بيد أمم غير إسلامية ، وارتبط المسلمون بغيرهم في التِّجارة والمعاملة ، وانتظمت سوق الثَّروة العالمية على قواعد القوانين الَّتي لا تتحاشى المراباة في المعاملات ، ولا تعْرف أساليب مواساة المسلمين ، دهش المسلمون ، وهم اليوم يتساءلون ، وتحريم الربا في الآية صريح ، وليس لما حرّمه الله مبيح.\rولا مخلص من هذا المضيق إلا أن تجعل الدول الإسلامية قوانين مالية تُبنى على أصول الشريعة في المصارف ، والبيوع ، وعقود المعاملات المركبة من رؤوس الأموال وعمل العمّال.\rوحوالات الديون ومقاصّتها وبيعها.\rوهذا يقضي بإعمال أنظار علماء الشريعة والتدارس بينهم في مجمع يحوي طائفة من كلّ فرقة كما أمر الله تعالى.\rوقد تقدّم ذكر الربا والبيوع الربوية عند تفسير قوله تعالى : { الذين يأكلون الربا لا يقومون إلا كما يقوم الذي يتخبطه الشيطان من المس الآيات الخمس } من سورة [ البقرة : 275 ]. أ هـ {التحرير والتنوير حـ 3 صـ 218 ـ 219}\rقوله تعالى {واتقوا الله لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ }\rفصل\rقال الفخر : \rاعلم أن اتقاء الله في هذا النهي واجب ، وأن الفلاح يتوقف عليه ، فلو أكل ولم يتق زال الفلاح وهذا تنصيص على أن الربا من الكبائر لا من الصغائر وتفسير قوله : {لَعَلَّكُمْ} تقدم في سورة البقرة في قوله : {اعبدوا رَبَّكُمُ الذى خَلَقَكُمْ والذين مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} [ البقرة : 21 ] وتمام الكلام في الربا أيضا مر في سورة البقرة. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 9 صـ 3}","part":16,"page":360},{"id":6960,"text":"وقال الآلوسى : \r{ واتقوا الله } أي فيما نهيتم عنه ومن جملته أكل الربا { لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ } أي لكي تفلحوا أو راجين الفلاح ، فالجملة حينئذٍ في موضع الحال قيل : ولا يخفى أن اقتران الرجاء بالتخويف يفيد أن العبد ينبغي أن يكون بين الرجاء والخوف فهما جناحاه اللذان يطير بهما إلى حضائر القدس. أ هـ {روح المعانى حـ 4 صـ 55}\rوقال ابن عاشور : \rوقوله : { واتقوا النار التي أعدت للكافرين } تحذير وتنفير من النَّار وما يوقع فيها ، بأنَّها معدودة للكافرين وإعدادها للكافرين.\rعَدل من الله تعالى وحكمة لأنّ ترتّب الأشياء على أمثالها من أكبر مظاهر الحكمة ، ومَن أشركوا بالله مخلوقاته ، فقد استحقّوا الحرمان من رحماته ، والمسلمون لا يرضَون بمشاركة الكافرين لأنّ الإسلام الحقّ يوجب كراهية ما ينشأ عن الكفر.\rوذاك تعريض واضح في الوعيد على أخذ الربا.\rومقابل هذا التنفير الترغيب الآتي في قوله : { وجنة عرضها السموات والأرض أُعدت للمتقين } [ آل عمران : 133 ] ، والتَّقوى أعلى درجات الإيمان.\rوتعريف النار بهذه الصّلة يُشعر بأنَّه قد شاع بين المسلمين هذا الوصف للنَّار بما في القرآن من نحو قوله تعالى : { يأيها الذين آمنوا قوا أنفسكم وأهليكم نارا وقودها الناس والحجارة } [ التحريم : 6 ] ، وقوله : { وبرزت الجحيم للغاوين } [ الشعراء : 91 ] الآية.","part":16,"page":361},{"id":6961,"text":"وقال ابن عطية : \rو { النار } في قوله : { واتقوا النار } هي اسم الجنس ، ويحتمل أن تكون للعهد ، ثم ذكر أنها { أعدت للكافرين } ، أي إنهم هم المقصود والمراد الأول ، وقد يدخلها سواهم من العصاة ، فشنع أمر النار بذكر الكفر ، وحسن للمؤمن أن يحذرها ويبعد بطاعة الله عنها وهذا كما قال في الجنة : أعدت للمتقين ، أي هم المقصود ، وإن كان يدخلها غيرهم من صبي ومجنون ونحوه ممن لا يكلف ولا يوصف بتقوى ، هذا مذهب أهل العلم في هذه الآية ، وحكى الماوردي وغيره ، عن قوم أنهم ذهبوا إلى أن أكلة الربا إنما توعدهم الله بنار الكفرة ، إذ النار سبع طبقات ، العليا منها وهي جهنم للعصاة ، والخمس للكفار والدرك الأسفل للمنافقين ، قالوا : فأكلة الربا إنما يعذبون يوم القيامة بنار الكفرة لا بنار العصاة ، وبذلك توعدوا ، فالألف واللام على هذا في قوله { واتقوا النار } إنما هي للعهد. أ هـ {المحرر الوجيز حـ 1 صـ 507}\rوقال أبو حيان : \r{ واتقوا الله لعلكم تفلحون } لما نهاهم عن أمر صعب عليهم فراقه وهو الربا ، أمر بتقوى الله إذ هي الحاملة على مخالفة ما تعوده المرء مما نهى الشرع عنه.\rثم ذكر أنّ التقوى سبب لرجاء الفلاح وهو الفوز ، وأمر بها مطلقاً لا مقيداً بفعل الربا ، لأنه لما نهى عن الربا كان المؤمنون أسرع شيء لطواعية الله تعالى ، فلم يأت واتقوا الله في أكل الربا بل أمروا بالتقوى ، لا بالنسبة إلى شيء خاص منعوه من جهة الشريعة. أ هـ {البحر المحيط حـ 3 صـ 58}\rفائدة لغوية\rقال ابن عادل : \rقوله : { أَضْعَافاً } جمع ضعف ، ولما كان جمع قلة - والمقصود : الكثرة - أتبعه بما يدل على الكثرة وهو الوصف بقوله : { مُّضَاعَفَةً }.","part":16,"page":362},{"id":6962,"text":"وقال أبو البقاء : { أَضْعَافاً } مصدر في موضع الحال من \" الرِّبا \" ، تقديره : مضاعفاً ، وتقدم الكلام على { أَضْعَافاً } ومفرده في البقرة.\rوقرأ ابنُ كثير وابنُ عامر : \" مضعَّفة \" - مشددة العين ، دون ألف.\rوالباقون بالألف والتخفيف ، وتقدم الكلام على ذلك في البقرة.\rأ هـ {تفسير ابن عادل حـ 5 صـ 532 ـ 533}\rقوله تعالى {واتقوا النار التى أُعِدَّتْ للكافرين}\rفصل\rقال القرطبى : \rقال كثير من المفسرين : وهذا وعيد لمن استحل الربا ، ومن استحل الربا فإنه يكْفُر ( ويُكَفّر ).\rوقيل : معناه اتقوا العمل الذي ينزع منكم الإيمان فتستوجبون النار ؛ لأن من الذنوب ما يستوجب به صاحبه نزع الإيمان ويخاف عليه ؛ من ذلك عقوق الوالدين.\rوقد جاء في ذلك أثر : أن رجلا كان عاقا لوالديه يقال له عَلْقَمَة ؛ فقيل له عند الموت : قل لا إله إلا الله ، فلم يقدر على ذلك حتى جاءته أمه فرضيت عنه.\rومن ذلك قطيعة الرحم وأكل الربا والخيانة في الأمانة.\rوذكر أبو بكر الورّاق عن أبي حنيفة أنه قال : أكثر ما ينزع الإيمان من العبد عند الموت.\rثم قال أبو بكر : فنظرنا في الذنوب التي تنزع الإيمان فلم نجد شيئاً أسرع نزعا للإيمان من ظلم العباد.\rوفي هذه الآية دليل على أن النار مخلوقة رداً على الجَهْمِية ؛ لأن المعدوم لا يكون مُعَداً. أ هـ {تفسير القرطبى حـ 4 صـ 202 ـ 203}","part":16,"page":363},{"id":6963,"text":"وقال الآلوسى : \r{ واتقوا النار } أي احترزوا عن متابعة المرابين وتعاطي ما يتعاطونه من أكل الربا المفضي إلى دخول النار { التى أُعِدَّتْ } أي هيئت { للكافرين } وهي الطبقة التي اشتد حرها وتضاعف عذابها وهي غير النار التي يدخلها عصاة أمة محمد صلى الله عليه وسلم فإنها دون ذلك ، وفيه إشارة إلى أن أكلة الربا على شفا حفرة الكفرة ، ويحتمل أن يقال : إن النار مطلقاً مخلوقة للكافرين معدّة لهم أوّلاً وبالذات ، وغيرهم يدخلها على وجه التبع فالصفة ليست للتخصيص ، وإلى هذا ذهب الجل من العلماء ، روي عن الإمام الأعظم رضي الله تعالى عنه أنه كان يقول : إن هذه الآية هي أخوف آية في القرآن حيث أوعد الله تعالى المؤمنين بالنار المعدّة للكافرين إن لم يتقوه في اجتناب محارمه وليس بنص في التخصيص. أ هـ {روح المعانى حـ 4 صـ 55 ـ 56}\rوقال ابن عاشور : \rوقوله : { واتقوا النار التي أعدت للكافرين } تحذير وتنفير من النَّار وما يوقع فيها ، بأنَّها معدودة للكافرين وإعدادها للكافرين.\rعَدل من الله تعالى وحكمة لأنّ ترتّب الأشياء على أمثالها من أكبر مظاهر الحكمة ، ومَن أشركوا بالله مخلوقاته ، فقد استحقّوا الحرمان من رحماته ، والمسلمون لا يرضَون بمشاركة الكافرين لأنّ الإسلام الحقّ يوجب كراهية ما ينشأ عن الكفر.\rوذاك تعريض واضح في الوعيد على أخذ الربا.\rومقابل هذا التنفير الترغيب الآتي في قوله : { وجنة عرضها السموات والأرض أُعدت للمتقين } [ آل عمران : 133 ] ، والتَّقوى أعلى درجات الإيمان.","part":16,"page":364},{"id":6964,"text":"وتعريف النار بهذه الصّلة يُشعر بأنَّه قد شاع بين المسلمين هذا الوصف للنَّار بما في القرآن من نحو قوله تعالى : { يأيها الذين آمنوا قوا أنفسكم وأهليكم نارا وقودها الناس والحجارة } [ التحريم : 6 ] ، وقوله : { وبرزت الجحيم للغاوين } [ الشعراء : 91 ] الآية. أ هـ {التحرير والتنوير حـ 3 صـ 219}\rفائدة\rقال الخازن : \rوقال الواحدي : في الآية تقوية لرجاء المؤمنين رحمة من الله تعالى لأنه قال أعدت للكافرين فجعلها معدة للكافرين دون المؤمنين. أ هـ {تفسير الخازن حـ 1 صـ 275}\rأسئلة وأجوبة\rالسؤال الأول : أن النار التي أعدت للكافرين تكون بقدر كفرهم وذلك أزيد مما يستحقه المسلم بفسقه ، فكيف قال : {واتقوا النار التى أُعِدَّتْ للكافرين }.\rوالجواب : تقدير الآية : اتقوا أن تجحدوا تحريم الربا فتصيروا كافرين.\rالسؤال الثاني : ظاهر قوله : {أُعِدَّتْ للكافرين} يقتضي أنها ما أعدت إلا للكافرين ، وهذا يقتضي القطع بأن أحدا من المؤمنين لا يدخل النار وهو على خلاف سائر الآيات.\rوالجواب من وجوه : الأول : أنه لا يبعد أن يكون في النار دركات أعد بعضها للكفار وبعضها للفساق فقوله : {النار التى أُعِدَّتْ للكافرين} إشارة إلى تلك الدركات المخصوصة التي أعدها الله للكافرين ، وهذا لا يمنع ثبوت دركات أخرى في النار أعدها الله لغير الكافرين.\rالثاني : أن كون النار معدة للكافرين ، لا يمنع دخول المؤمنين ، فيها لأنه لما كان أكثر أهل النار هم الكفار فلأجل الغلبة لا يبعد أن يقال : انها معدة لهم ، كما أن الرجل يقول : لدابة ركبها لحاجة من الحوائح ، إنما أعددت هذه الدابة للقاء المشركين ، فيكون صادقا في ذلك وان كان هو قد ركبها في تلك الساعة لغرض آخر فكذا ههنا.","part":16,"page":365},{"id":6965,"text":"الوجه الثالث : في الجواب : أن القرآن كالسورة الواحدة فهذه الآية دلت على أن النار معدة للكافرين وسائر الآيات دالة أيضا على أنها معدة لمن سرق وقتل وزنا وقذف ، ومثاله قوله تعالى : {كُلَّمَا أُلْقِىَ فِيهَا فَوْجٌ سَأَلَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ} [ الملك : 8 ] وليس لجميع الكفار يقال ذلك ، وأيضا قال تعالى : {فَكُبْكِبُواْ فِيهَا هُمْ والغاوون} [ الشعرا : 94 ] إلى قوله : {إِذْ نُسَوّيكُمْ بِرَبّ العالمين} [ الشعرا : 98 ] وليس هذا صفة جميعهم ولكن لما كانت هذه الشرائط مذكورة في سائر السور ، كانت كالمذكورة ههنا ، فكذا فيما ذكرناه والله أعلم.\rالوجه الرابع : أن قوله : {أُعِدَّتْ للكافرين} إثبات كونها معدة لهم ولا يدل على الحصر كما أن قوله : في الجنة {أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ} [ آل عمران : 133 ] لا يدل على أنه لا يدخلها سواهم من الصبيان والمجانين والحور العين.\rالوجه الخامس : أن المقصود من وصف النار بأنها أعدت للكافرين تعظيم الزجر ، وذلك لأن المؤمنين الذين خوطبوا باتقاء المعاصي اذا علموا بانهم متى فارقوا التقوى أدخلوا النار المعدة للكافرين ، وقد تقرر في عقولهم عظم عقوبة الكفار ، كان انزجارهم عن المعاصي أتم ، وهذا بمنزلة أن يخوف الوالد ولده بأنك إن عصيتني أدخلتك دار السباع ، ولا يدل ذلك على أن تلك الدار لا يدخلها غيرهم فكذا ههنا.\rالسؤال الثالث : هل تدل الآية على أن النار مخلوقة الآن أم لا ؟\rالجواب : نعم لأن قوله : {أُعِدَّتْ} إخبار عن الماضي فلا بد أن يكون قد دخل ذلك الشيء في الوجود. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 9 صـ 3 ـ 4}\rمن فوائد الزمخشرى فى الآية\rقال رحمه الله :\r{ لاَ تَأْكُلُواْ الربا أضعافا مضاعفة } نهي عن الربا مع توبيخ بما كانوا عليه من تضعيفه.","part":16,"page":366},{"id":6966,"text":"كان الرجل منهم إذا بلغ الدين محله زاد في الأجل فاستغرق بالشيء الطفيف مال المديون { واتقوا النار التى أُعِدَّتْ للكافرين ( 131 ) } كان أبو حنيفة رحمه الله يقول : هي أخوف آية في القرآن حيث أوعد الله المؤمنين بالنار المعدة للكافرين إن لم يتقوه في اجتناب محارمه.\rوقد أمدّ ذلك بما أتبعه من تعليق رجاء المؤمنين برحمته بتوفرهم على طاعته وطاعة رسوله.\rومن تأمّل هذه الآية وأمثالها لم يحدث نفسه بالأطماع الفارغة والتمني على الله تعالى ، وفي ذكره تعالى \"لعلّ\" و\"عسى\" في نحو هذه المواضع وإن قال الناس ما قالوا ما لا يخفى على العارف الفطن من دقة مسلك التقوى ، وصعوبة إصابة رضا الله ، وعزة التوصل إلى رحمته وثوابه. أ هـ {الكشاف حـ 1 صـ 442}\rوتعقبه أبو حيان بقوله :\rوهو جار على مذهبه من تقنيط العاصي غير التائب من رحمة ربه ، وولوعه بمذهبه يجعله يحمل ألفاظ القرآن ما لا يحتمله ، أو ما هو بعيد عنها. أ هـ {البحر المحيط حـ 3 صـ 58}\rمن لطائف الإمام القشيرى فى الآيتين\rقال عليه الرحمة :\r{ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (130) وَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ (131)}\rحرَّم الربا على العِباد ومنه إقراض الواحد باثنين تستردهما ، وسأل منك القرض الواحد بسبعمائة إلى ما لا نهاية له ، والإشارة فيه أن الكرم لا يليق بالخَلْق وإنما هو صفة الحق سبحانه.\r{ واتَّقُوا النَّارَ الَّتِى أُعِدَّتْ للكَافِرِينَ } : دليل الخطاب أنَّ المؤمن لا يُعذِّبُ بها ، وإن عُذِّب بها مُدَّةٌ فلا يُخَلَّدُ فيها. أ هـ {لطائف الإشارات حـ 1 صـ 276}","part":16,"page":367},{"id":6967,"text":"قوله تعالى : {وَأَطِيعُواْ الله والرسول لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ}\rقال الفخر : \rولما ذكر الوعيد ذكر الوعد بعده على ما هو العادة المستمرة في القرآن ، وقال : محمد بن إسحاق بن يسار هذه الآية معاتبة للذين عصوا الرسول صلى الله عليه وسلم حين أمرهم بما أمرهم يوم أحد ، وقالت المعتزلة هذه الآية دالة على أن حصول الرحمة موقوف على طاعة الله وطاعة الرسول صلى الله عليه وسلم ، وهذا عام فيدل الظاهر على أن من عصى الله ورسوله في شيء من الأشياء أنه ليس أهلا للرحمة وذلك يدل على قول أصحاب الوعيد. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 9 صـ 4}\rوقال أبو حيان : \r{ وأطيعوا الله والرسول لعلكم ترحمون } قيل : أطيعوا الله في الفرائض ، والرسول في السنن.\rوقيل : في تحريم الربا ، والرسول فيما بلغكم من التحريم.\rوقيل : وأطيعوا الله والرسول فيما يأمركم به وينهاكم عنه.\rفإن طاعة الرسول طاعة الله قال تعالى : { من يطع الرسول فقد أطاع الله } وقال المهدوي : ذكر الرسول زيادة في التبيين والتأكيد والتعريف بأن طاعته طاعة الله.\rوقال ابن إسحاق : هذه الآية هي ابتداء المعاتبة في أمر أحد ، وانهزام من فرَّ ، وزوال الرماة من مركزهم.\rوقيل : صيغتها الأمر ومعناها العتب على المؤمنين فيما جرى منهم من أكل الربا ، والمخالفة يوم أحد.\rوالرحمة من الله إرادة الخير لعبيده ، أو ثوابهم على أعمالهم. أ هـ {البحر المحيط حـ 3 صـ 58}\rلطيفة\rقال أبو السعود : \rوإيرادُ { لَعَلَّ } في الموضعين للإشعار بعزة منالِ الفلاحِ والرحمة. أ هـ {تفسير أبى السعود حـ 2 صـ 85}","part":16,"page":368},{"id":6968,"text":"من لطائف الإمام القشيرى فى الآية\rقال عليه الرحمة : \r{ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (132)}\rقَرَنَ طاعة الرسول صلوات الله عليه بطاعة نفسه تشريفاً لِقَدْرِه ، وتخفيفاً على الأمة حيث ردَّهم إلى صحبة شخص من أنفسهم ، فإنَّ الجنسَ إلى الجنسِ أسكنُ. أ هـ {لطائف الإشارات حـ 1 صـ 277}\rفوائد بلاغية\rقال أبو حيان : \rوقد تضمنت هذه الآيات ضروباً من الفصاحة والبديع.\rمن ذلك العام المراد به الخاص : في من أهلك ، قال الجمهور : أراد به بيت عائشة.\rفالاختصاص في : والله سميع عليم ، وفي : فليتوكل المؤمنون ، وفي : ما في السموات وما في الأرض ، وفي : يغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء خص نفسه بذلك كقوله : { ومن يغفر الذنوب إلا الله } { نبىء عبادي أني أنا الغفور الرحيم } وفي { العزيز الحكيم } لأن العز من ثمرات النصر ، والتدبير الحسن من ثمرات الحكمة.\rوالتشبيه : في ليقطع طرفاً ، شبه من قتل منهم وتفرّق بالشيء المقتطع الذي تفرقت أجزاؤه وانخرم نظامه ، وفي : ولتطمئن قلوبكم شبه زوال الخوف عن القلب وسكونه عن غليانه باطمئنان الرّجل الساكن الحركة.\rوفي : فينقلبوا خائبين شبه رجوعهم بلا ظفر ولا غنيمة بمن أمل خيراً من رجل فأمّه ، فأخفق أمله وقصده.\rوالطباق : في نصركم وأنتم أذلة ، النصر إعزاز وهو ضد الذل.\rوفي : يغفر ويعذب ، الغفران ترك المؤاخذة والتعذيب المؤاخذة بالذنب.\rوالتجوز بإطلاق التثنية على الجمع في : أن يفشلا.\rوبإقامة اللام مقام إلى في : ليس لك أي إليك ، أو مقام على : أي ليس عليك.\rوالحذف والاعتراض في مواضع اقتضت ذلك والتجنيس المماثل في : أضعافاً مضاعفة.\rوتسمية الشيء بما يؤول إليه في : لا تأكلوا سمَّى الأخذ أكلاً ، لأنه يؤول إليه. أ هـ {البحر المحيط حـ 3 صـ 58 ـ 59}","part":16,"page":369},{"id":6970,"text":"قوله تعالى {وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ (133)}\rمناسبة الآية لما قبلها\rقال البقاعى : \rولما نهى عما منع النصر بالنهي عن الربا ، المراد بالنهي عنه الصرف عن مطلق الإقبال على الدنيا ، المشار إلى ذمها في قوله تعالى : {زين للناس حب الشهوات من النساء والبنين} [ آل عمران : 14 ] ، وأمر بما تضمن الفوز والنجاة والقرب ، وكان ذلك قد يكون مع التواني أمر بالمسارعة فيه توصلاً إلى ما أعد للذين اتقوا الموعودين بالنصر المشروط بتقواهم وصبرهم في قوله : {بلى إن تصبروا وتتقوا ويأتوكم من فورهم هذا يمددكم} [ آل عمران : 125 ] ، {وإن تصبرو وتتقوا لا يضركم كيدهم شيئاً} [ آل عمران : 120 ] الموصوفين بما تقدم في قوله تعالى في المقصد الثالث من دعائم هذه السورة {قل أأنبئكم بخير من ذلك للذين اتقوا} [ آل عمران : 15 ] ، على وجه أبلغ من ذلك بالمسارعة إلى ما يوجب المغفرة من الرب اللطيف بعباده ، وإلى ما يبيح الجنة أعدت للمتقين الذين تقدمت الإشارة إليهم في قوله تعالى : {واتقوا الله لعلكم تفلحون} [ آل عمران : 130 ] الذين يتخلون عن الأموال وجميع مصانع الدنيا فلا تمتد أعينهم إلى الازدياد من شيء منها ويتحلون بالزهد فيها والإنفاق لها في سبيل الله في مرضاة رسول الله صلى الله عليه وسلم من الجهاد وغيره في السراء والضراء ، لا بالإقبال على الدنيا من غنيمة أو غيرها إقبالاً يخلّ ببعض الأوامر ، وبالصبر بكظم الغيظ عمن أصيب منهم بقتل او جراحة ، والعفو عمن يحسن العفو عنه في التمثيل بالقتل في أحد أو غير ذلك إرشاداً إلى أن لا يكون جهادهم إلا غضباً لله تعالى ، لا مدخل فيه لحظ من حظوظ النفس أصلاً ، وبالصبر أيضاً على حمل النفس على الإحسان إلى من أساء بذلك أو غيره كما فعل صلى الله عليه وسلم في فتح مكة بعد أن كان حلف ليمثلن بسبعين منهم مكان تمثيلهم بسيد الشهداء أسد الله وأسد رسوله عمه حمزة ابن ساقي الحجيج عبد المطلب ، ","part":16,"page":370},{"id":6971,"text":"فإنه وقف صلى الله عليه وسلم في ذلك اليوم الذي كان أعظم أيام الدنيا الذي أثبت فيه نور الإسلام عل مشرق الأرض ومغربها ، فهزم ظلام الكفر وضرب أوتاده في كل قطر على درج الكعبة وهم في قبضته فقال : \" ما تظنون إني فاعل بكم يا معشر قريش ؟ قالوا : خيراً! أخ وابن أخ كريم ، قال : اذهبوا فأنتم الطلقاء \" ، وبالاستغفار عنعمل الفاحشة من خذلان المؤمنين أو أكل الربا أو التولي عن قتال الأعداء ، وعن ظلم النفس من محبة الدنيا الموجب للإقبال على الغنائم التي كانت سبب الانهزام أو يغر ذلك مما أراد الله تعالى فقال تعالى : {وسارعوا} أي بأن تفعلوا في الطاعات فعل من يسابق خصماً {إلى مغفرة من ربكم} أي المحسن إليكم بإرسال الرسل وإنزال الكتب بعمل ما يوجبها من التوبة والإخلاص وكل ما يزيل العقاب {وجنة} أي عظيمة جداً بعمل كل ما يحصل الثواب ، ثم بين عظمها بقوله : {عرضها السماوات والأرض} أي كعرضهما ، فكيف بطولها ، ويحتمل أن يكون كطولهما ، فهي أبلغ من آية الحديد - كما يأتي لما يأتي ، وعلى قراءة {سارعوا} بحذف الواو يكون التقدير : سارعوا بفعل ما تقدم ، فهو في معناه ، لا مغائر له. أ هـ {نظم الدرر حـ 2 صـ 156 ـ 157}\rوقال الآلوسى : \r{ وَسَارِعُواْ } عطف على { أَطِيعُواْ } [ آل عمران : 132 ] أو { اتقوا } [ آل عمران : 131 ].","part":16,"page":371},{"id":6972,"text":"وقرأ نافع وابن عامر بغير واو على وجه الاستئناف وهي قراءة أهل المدينة والشام ، والقراءة المشهورة قراءة أهل مكة والعراق أي بادروا وسابقوا ، وقرىء بالأخير { إلى مَغْفِرَةٍ مّن رَّبّكُمْ وَجَنَّةٍ } أي أسبابهما من الأعمال الصالحة ، وعن علي كرم الله تعالى وجهه سارعوا إلى أداء الفرائض ، وعن ابن عباس إلى الإسلام ، وعن أبي العالية إلى الهجرة ، وعن أنس بن مالك إلى التكبيرة الأولى ، وعن سعيد بن جبير إلى أداء الطاعات ، وعن يمان إلى الصلوات الخمس ؛ وعن الضحاك إلى الجهاد ، وعن عكرمة إلى التوبة ، والظاهر العموم ويدخل فيه سائر الأنواع ، وتقديم المغفرة على الجنة لما أن التخلية مقدمة على التحلية ، وقيل : لأنها كالسبب لدخول الجنة ، و{ مِنْ } متعلقة بمحذوف وقع نعتاً لمغفرة والتعرض لعنوان الربوبية مع الإضافة إلى ضمير المخاطبين لإظهار مزيد اللطف بهم ووصف المغفرة بكونها من الرب دون الجنة تعظيماً لأمرها وتنويهاً بشأنها. أ هـ {روح المعانى حـ 4 صـ 56}\rفصل\rقال الفخر : \rقرأ نافع وابن عامر {سارعوا} بغير واو ، وكذلك هو في مصاحف أهل المدينة والشام ، والباقون بالواو ، وكذلك هو في مصاحف مكة والعراق ومصحف عثمان ، فمن قرأ بالواو عطفها على ما قبلها والتقدير أطيعوا الله والرسول وسارعوا ، ومن ترك الواو فلأنه جعل قوله : {سارعوا} وقوله : {أَطِيعُواْ الله} [ آل عمران : 132 ] كالشيء الواحد ، ولقرب كل واحد منها من الآخر في المعنى أسقط العاطف.\rوالتنوين في { مَغْفِرَةٍ } للتعظيم ويؤيده الوصف ، وكذا في { جَنَّةُ } ويؤيده أيضاً وصفها بقوله سبحانه : { عَرْضُهَا السماوات والأرض }. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 9 صـ 5}. بتصرف يسير.","part":16,"page":372},{"id":6973,"text":"فصل\rقال الفخر : \rقالوا : في الكلام حذف والمعنى : وسارعوا إلى ما يوجب مغفرة من ربكم ولا شك أن الموجب للمغفرة ليس إلا فعل المأمورات وترك المنهيات ، فكان هذا أمرا بالمسارعة إلى فعل المأمورات وترك المنهيات ، وتمسك كثير من الأصوليين بهذه الآية في أن ظاهر الأمر يوجب الفور ويمنع من التراخي ووجهه ظاهر ، وللمفسرين فيه كلمات : \rإحداها : قال ابن عباس : هو الإسلام أقول وجهه ظاهر ، لأنه ذكر المغفرة على سبيل التنكير ، والمراد منه المغفرة العظيمة المتناهية في العظم وذلك هو المغفرة الحاصلة بسبب الاسلام.\rالثاني : روي عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه أنه قال : هو أداء الفرائض ، ووجهه أن اللفظ مطلق فيجب أن يعم الكل.\rوالثالث : أنه الإخلاص وهو قول عثمان بن عفان رضي الله عنه : ووجهه أن المقصود من جميع العبادات الإخلاص ، كما قال : {وَمَا أُمِرُواْ إِلاَّ لِيَعْبُدُواْ الله مُخْلِصِينَ لَهُ الدين} [ البينة : 5 ]\rالرابع : قال أبو العالية : هو الهجرة.\rوالخامس : أنه الجهاد وهو قول الضحاك ومحمد بن اسحاق ، قال : لأن من قوله : {وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ} [ آل عمران : 121 ] إلى تمام ستين آية نزل في يوم أحد فكان كل هذه الأوامر والنواهي مختصة بما يتعلق بباب الجهاد.\rالسادس : قال سعيد بن جبير : انها التكبيرة الأولى.\rوالسابع : قال عثمان : انها الصلوات الخمس.\rوالثامن : قال عكرمة : إنها جميع الطاعات.\rلأن اللفظ عام فيتناول الكل.\rوالتاسع : قال الأصم : سارعوا ، أي بادروا إلى التوبة من الربا والذنوب ، والوجه فيه أنه تعالى نهى أولا عن الربا ، ثم قال : {وَسَارِعُواْ إلى مَغْفِرَةٍ مّن رَّبّكُمْ} فهذا يدل على أن المراد منه المسارعة في ترك ما تقدم النهي عنه ، ","part":16,"page":373},{"id":6974,"text":"والأولى ما تقدم من وجوب حمله على أداء الواجبات والتوبة عن جميع المحظورات ، لأن اللفظ عام فلا وجه في تخصيصه ، ثم أنه تعالى بين أنه كما تجب المسارعة إلى المغفرة فكذلك تجب المسارعة إلى الجنة ، وإنما فصل بينهما لأن الغفران معناه إزالة العقاب ، والجنة معناها إيصال الثواب ، فجمع بينهما للإشعار بأنه لا بد للمكلف من تحصيل الأمرين ، فأما وصف الجنة بأن عرضها السموات : فمعلوم أن ذلك ليس بحقيقة ؛ لأن نفس السموات لا تكون عرضا للجنة ، فالمراد كعرض السموات والأرض. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 9 صـ 5}\rفائدة\rقال القرطبى : \rقوله تعالى : { وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السماوات والأرض } تقديره كعرض فحذف المضاف ؛ كقوله : { مَّا خَلْقُكُمْ وَلاَ بَعْثُكُمْ إِلاَّ كَنَفْسٍ وَاحِدَةٍ } [ لقمان : 28 ] أي إِلا كخلق نفس واحدة وبعثها.\rقال الشاعر : \rحَسَبْتَ بُغَامَ رَاحِلَتي عَنَاقاً . . .\rوما هي وَيْبَ غَيْرِكَ بالعَنَاقِ\rيريد صوت عناق.\rنظيره في سورة الحديد { وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السمآء والأرض } [ الحديد : 21 ]. أ هـ {تفسير القرطبى حـ 4 صـ 203 ـ 204}","part":16,"page":374},{"id":6975,"text":"فصل\rقال الثعالبى :\rوقوله سبحانه : { وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السموات والأرض } ، أي : كعرض السموات والأرض ، قال ابنُ عبَّاس في تفسير الآية : تقرن السمواتُ والأرَضُونَ بعضها إلى بعض ؛ كما تبسطُ الثيابُ ، فذلك عَرْضُ الجَنَّة ؛ ولا يَعْلَمُ طولَهَا إلا اللَّه سبحانه ؛ وفي الحديثِ الصحيحِ عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم : \" إنَّ بَيْنَ المِصْرَاعَيْنِ مِنْ أَبْوابِ الجَنَّةِ مَسِيرَةَ أَرْبَعِينَ سَنَةً ، وَسَيَأْتِي عَلَيْهَا يَوْمٌ يَزْدَحِمُ النَّاسُ فِيهَا كَمَا تَزْدَحِمُ الإبِلُ ، إذَا وَرَدَتْ خُمُصاً ظِمَاءً \" وفي الصحيح : \" إنَّ فِي الجَنَّةِ شَجَرَةً يَسِيرُ الرَّاكِبُ المُجِدُّ فِي ظِلِّهَا مِائَةَ عَامٍ لاَ يَقْطَعُهَا \" فهذا كلُّه يقوِّي قولَ ابْنِ عَبَّاسِ ، وهو قولُ الجُمْهور : \"إنَّ الجنَّة أَكْبرُ من هذه المخلوقاتِ المذْكُورة ، وهي ممتدَّة على السَّماء ؛ حيْثُ شاء اللَّه تعالى ، وذلك لا يُنْكَرُ ، فإن في حديث النبيِّ صلى الله عليه وسلم : \" مَا السَّمَوَاتُ السَّبْعُ وَالأَرْضُونَ السَّبْعُ فِي الكُرْسِيِّ إلاَّ كَدَرَاهِمَ أُلْقِيَتْ فِي فَلاَةٍ مِنَ الأَرْضِ ، وَمَا الكُرْسِيُّ فِي العَرْشِ إلاَّ كَحَلْقَةٍ مِنْ حَدِيدٍ أُلْقِيَتْ فِي فَلاَةٍ مِنَ الأَرْضِ \". قال * ع * : فهذه مخلوقاتٌ أعظم بكثير جدًّا من السمواتِ والأرضِ ، وقدرةُ اللَّه أعْظَمُ مِنْ ذلك كلِّه ، قلتُ : قال الفَخْر وفي الآية وجْه ثانٍ ؛ أنَّ الجنَّة التي عرضُها مثْلُ عَرْضِ السمواتِ والأرضِ ، إنما تكونُ للرَّجُل الواحدِ ؛ لأن الإنسان يَرْغَبُ فيما يكون مِلْكاً له ، فلا بُدَّ أَنْ تصير الجَنَّة المملوكة لكلِّ أحد مقْدَارُها هكذا. اه.","part":16,"page":375},{"id":6976,"text":"وقُدْرَةُ اللَّه تعالى أوسع ، وفَضْلُه أعظم ، وفي \"صحيح مسلم\" ، والترمذيِّ ، مِنْ حديث المُغَيرة بْنِ شُعْبَة ( رضي اللَّه عنه ) : \" في سُؤَال موسى رَبَّهُ عَنْ أدنى أَهْلِ الجَنَّةِ مَنْزِلَةً ، وَأَنَّهُ رَجُلٌ يَأْتِي بَعْدَ مَا يَدْخُلُ أَهْلُ الجَنَّةِ الجَنَّةَ ، فَيُقَالُ لَهُ : أترضى أَنْ يَكُونَ لَكَ مَا كَانَ لِمَلِكٍ مِنْ مُلُوكِ الدُّنْيَا ؟ فَيَقُولُ : رَضِيتُ ، أَيْ رَبِّ ، فَيُقَالُ لَهُ : لَكَ ذَلِكَ وَمِثْلُهُ مَعَهُ ، وَمِثْلُهُ وَمِثْلُهُ وَمِثْلُهُ ، فَقَالَ فِي الخَامِسَةِ : رَضِيتُ ، أيْ رَبِّ ، فَيُقَالُ لَهُ : لَكَ ذَلِكَ ، وَعَشَرَةُ أَمْثَالِهِ ، فَيَقُولُ : رَضِيتُ ، أَيْ رَبِّ ، فَيُقَالُ لَهُ : فَإنَّ لَكَ مَعَ هَذَا مَا اشتهت نَفْسُكَ ، وَلَذَّتْ عَيْنُكَ \"\r ، قال أبو عيسى : هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ.\rوفي البخاريِّ من طريقِ ابْنِ مسعودٍ ( رَضِيَ اللَّه عَنه ) : \" إنَّ آخِرَ أَهْلِ الجَنَّةِ دُخُولاً الجَنَّة ، وَآخِرَ أَهْلِ النَّارِ خُرُوجاً مِنَ النَّارِ رَجُلٌ يَخْرُجُ حَبْواً ، فَيَقُولُ لَهُ رَبُّهُ : ادخل الجَنَّةَ ، فَيَقُولُ : رَبِّ ، الجَنَّةُ ملأى ، فَيَقُولُ لَهُ : إنَّ لَكَ مِثْلَ الدُّنْيَا عَشْرَ مَرَّاتٍ \" أ هـ .","part":16,"page":376},{"id":6977,"text":"وفي \"جامع التِّرمذيِّ\" ، عن ابنِ عُمَرَ ( رضي اللَّه عنهما ) ، قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم : \" إنَّ أدنى أَهْلِ الجَنَّةِ مَنْزِلَةً لَمَنْ يَنْظُرُ إلى جِنَانِهِ وَأَزْوَاجِهِ وَنَعِيمِهِ وَخَدَمِهِ وَسُرُرِهِ مَسِيرَةَ أَلْفِ سَنَةٍ ، وَأَكْرَمُهُمْ عَلَى اللَّهِ مَنْ يَنْظُرُ إلى وَجْهِهِ غُدْوَةً وَعَشِيَّةً \" الحديثَ ، قال أبو عيسى ، وقد رُوِيَ هذا الحديثُ مِنّ غير وَجْهٍ ، مرفوعًا وموقوفًا ، وفي الصَّحيحِ ما معناه : \" إذَا دَخَلَ أَهْلُ الجَنَّةِ الجَنَّةَ ، تبقى فِيهَا فَضْلَةٌ ، فَيُنْشِيءُ اللَّهُ لَهَا خَلْقاً \" ، أَوْ كما قال. أ هـ {الجواهر الحسان حـ 1 صـ 210 ـ 211}\rأسئلة وأجوبة : \rالسؤال الأول : ما معنى أن عرضها مثل عرض السموات والأرض وفيه وجوه : \rالأول : أن المراد لو جعلت السموات والأرضون طبقا طبقا بحيث يكون كل واحدة من تلك الطبقات سطحا مؤلفا من أجزاء لا تتجزأ ، ثم وصل البعض بالبعض طبقا واحدا لكان ذلك مثل عرض الجنة ، وهذا غاية في السعة لا يعلمها إلا الله.\rوالثاني : أن الجنة التي يكون عرضها مثل عرض السموات والأرض إنما تكون للرجل الواحد لأن الإنسان إنما يرغب فيما يصير ملكا ، فلا بد وأن تكون الجنة المملوكة لكل واحد مقدارها هذا.\rالثالث : قال أبو مسلم : وفيه وجه آخر وهو أن الجنة لو عرضت بالسموات والأرض على سبيل البيع لكانتا ثمنا للجنة ، تقول إذا بعت الشيء بالشيء الآخر : عرضته عليه وعارضته به ، فصار العرض يوضع موضع المساواة بين الشيئين في القدر ، وكذا أيضا معنى القيمة لأنها مأخوذة من مقاومة الشيء بالشيء حتى يكون كل واحد منهما مثلا للآخر.","part":16,"page":377},{"id":6978,"text":"الرابع : المقصود المبالغة في وصف سعة الجنة وذلك لأنه لا شيء عندنا أعرض منهما ونظيره قوله : {خالدين فِيهَا مَا دَامَتِ السموات والأرض} [ هود : 107 ] فان أطول الأشياء بقاء عندنا هو السموات والأرض ، فخوطبنا على وفق ما عرفناه ، فكذا ههنا. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 9 صـ 6}\rوقال القرطبى : \rواختلف العلماء في تأويله ؛ فقال ابن عباس : تُقرن السموات والأرض بعضها إلى بعض كما تبسط الثياب ويوصل بعضها ببعض ؛ فذلك عرض الجنة ، ولا يعلم طولها إلا الله.\rوهذا قول الجمهور ، وذلك لا ينكر ؛ فإن في حديث أبي ذرّ عن النبي صلى الله عليه وسلم : \" ما السموات السبع والأرضون السبع في الكرسي إلا كدراهم ألقيت في فلاةٍ من الأرض وما الكرسي في العرش إلا كحلقة ألقيت في فلاة من الأرض \" فهذه مخلوقات أعظم بكثير جداً من السموات والأرض ، وقدرة الله أعظم من ذلك كله.\rوقال الكلبي : الجِنَان أربعة : جنة عدن وجنة المأوى وجنة الفردوس وجنة النعيم ، وكل جنة منها كعرض السماء والأرض لو وصل بعضها ببعض.\rوقال إِسماعيل السدي : لو كسرت السموات والأرض وصرن خردلا ، فبِكل خردلة جنة عرضها كعرض السماء والأرض.\rوفي الصحيح : \" إن أدنى أهل الجنة منزلة من يتمنَّى ويتمنَّى حتى إذا انقطعت به الأماني قال الله تعالى : لك ذلك وعشرة أمثاله \" رواه أبو سعيد الخدري ، خرجه مسلم وغيره.\r","part":16,"page":378},{"id":6979,"text":"و \" قال يعلى بن أبي مُرّة : لقيتُ التَنُّوخي رسول هِرقْلَ إلى النبي صلى الله عليه وسلم بِحمْص شيخا كبيرا قال : قدِمت على رسول الله صلى الله عليه وسلم بكتاب هرقل ، فناول الصحيفة رجلا عن يساره ، قال : فقلت من صاحبكم الذي يقرأ ؟ قالوا : معاوية ؛ فإذا كتاب صاحبي : إنك كتبت تدعوني إلى جنة عرضها السموات والأرض فأين النار ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : \"سبحان الله فأين الليل إذا جاء النهار\" \"\rوبمثل هذه الحجة استدل الفاروق على اليهود حين قالوا له : أرأيت قولكم \"وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَوَاتُ وَالأَرْضُ\" فأين النار ؟ فقالوا له : لقد نزعت بما في التوراة.\rونَبَّه تعالى بالعرض على الطول لأن الغالب أن الطول يكون أكثر من العرض ، والطول إذا ذكر لا يدل على قدر العرض.\rقال الزُّهري : إنما وصف عرضها.\rفأما طولها فلا يعلمه إلا الله ؛ وهذا كقوله تعالى : { مُتَّكِئِينَ عَلَى فُرُشٍ بَطَآئِنُهَا مِنْ إِسْتَبْرَقٍ } فوصف البِطَانَة بأحسن ما يعلم من الزينة ، إذ معلوم أن الظواهر تكون أحسن وأَتقن من البطائن. أ هـ {تفسير القرطبى حـ 4 صـ 204 ـ 205}\rالسؤال الثاني : لم خص العرض بالذكر.\rوالجواب فيه وجهان :\rالأول : أنه لما كان العرض ذلك فالظاهر أن الطول يكون أعظم ونظيره قوله : {بَطَائِنُهَا مِنْ إِسْتَبْرَقٍ} [ الرحمن : 54 ] وإنما ذكر البطائن لأن من المعلوم أنها تكون أقل حالا من الظهارة ، فاذا كانت البطانة هكذا فكيف الظهارة ؟ فكذا ههنا اذا كان العرض هكذا فكيف الطول\rوالثاني : قال القفال : ليس المراد بالعرض ههنا ما هو خلاف الطول ، بل هو عبارة عن السعة كما تقول العرب : بلاد عريضة ، ويقال هذه دعوى عريضة ، أي واسعة عظيمة ، والأصل فيه أن ما اتسع عرضه لم يضق ، وما ضاق عرضه دق ، فجعل العرض كناية عن السعة.","part":16,"page":379},{"id":6980,"text":"السؤال الثالث : أنتم تقولون : الجنة في السماء فكيف يكون عرضها كعرض السماء ؟\rوالجواب من وجهين :\rالأول : أن المراد من قولنا انها فوق السموات وتحت العرش ، قال عليه السلام : في صفة الفردوس \" سقفها عرش الرحمن \" وروي أن رسول هرقل سأل النبي صلى الله عليه وسلم وقال : إنك تدعو إلى جنة عرضها السموات والأرض أعدت للمتقين فأين النار ؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم : \" سبحان الله فأين الليل إذا جاء النهار.\r\" والمعنى والله أعلم أنه إذا دار الفلك حصل النهار في جانب من العالم والليل في ضد ذلك الجانب ، فكذا الجنة في جهة العلو والنار في جهة السفل ، وسئل أنس بن مالك عن الجنة أفي الأرض أم في السماء ؟ فقال : وأي أرض وسماء تسع الجنة ، قيل فأين هي ؟ قال : فوق السموات السبع تحت العرش.\rوالوجه الثاني : أن الذين يقولون الجنة والنار غير مخلوقتين الآن ، بل الله تعالى يخلقهما بعد قيام القيامة ، فعلى هذا التقدير لا يبعد أن تكون الجنة مخلوقة في مكان السموات ، والنار في مكان الأرض ، والله أعلم. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 9 صـ 6}\rقوله تعالى : {أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ}\rقال الآلوسى :\r{ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ } أي هيئت للمطيعين لله تعالى ولرسوله صلى الله عليه وسلم وإنما أضيفت إليهم للإيذان بأنهم المقصودون بالذات وإن دخول غيرهم كعصاة المؤمنين والأطفال والمجانين بطريق التبع وإذا حملت التقوى في غير هذا الموضع ، وأما فيه فبعيد على التقوى عن الشرك لا ما يعمه وسائر المحرمات لم نستغن عن هذا القول أيضاً لأن المجانين مثلاً لا يتصفون بالتقوى حقيقة ولو كانت عن الشرك كما لا يخفى.","part":16,"page":380},{"id":6981,"text":"وجوز أن يكون هناك جنات متفاوتة وأن هذه الجنة للمتقين الموصوفين بهذه الصفات لا يشاركهم فيها غيرهم لا بالذات ولا بالتبع ولعلها الفردوس المصرح بها في قوله صلى الله عليه وسلم : \" إذا سألتم الله الجنة فاسألوه الفردوس \" وفيه تأمل. أ هـ {روح المعانى حـ 4 صـ 57}\rفائدة\rقال الفخر : \rقوله تعالى : {أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ}\rظاهره يدل على أن الجنة والنار مخلوقتان الآن وقد سبق تقرير ذلك. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 9 صـ 6}\rفوائد لغوية\rقال ابن عادل : \rقرأ نافعُ ، وابْنُ عَامِرٍ : سارعوا - بدون واو - وكذلك هي في مصاحف المدينة والشام.\rوالباقون بواو العطف ، وكذلك هي في مصاحف مكةَ والعراقِ ومصحف عثمانَ.\rفمن أسقطها استأنف الأمر بذلك ، أو أراد العطف ، لكنه حذف العاطفَ ؛ لقُرْب كل واحد منهما من الآخر في المعنى - كقوله تعالى : { ثَلاثَةٌ رَّابِعُهُمْ كَلْبُهُمْ } [ الكهف : 22 ] ، فإن قوله : { وسارعوا } ، وقوله : { وأطيعوا } كالشيء الواحد ، وقد تقدم ضعف هذا المذهب.\rومن أثبت الواو عطف جملة أمريةً على مثلها ، وبعد إتباع الأثر في التلاوة ، أتبع كل رسم مصحفه.\rورَوَى الكِسَائِيُّ : الإمالة في { وسارعوا } ، و{ أولئك يُسَارِعُونَ } [ المؤمنون : 61 ] ، و{ نُسَارِعُ لَهُمْ فِي الخيرات } [ المؤمنون : 56 ] وذلك لمكان الراء المكسورة.\rقوله : { مِّن رَّبِّكُمْ } صفة لِ \" مَغْفِرَةٍ \" ، و\" مِنْ \" للابتداء مجازاً.\rفصل\rقال بعضهم : في الكلام حذف ، والتقدير : وسارعوا إلى ما يوجب مغفرة من ربكم.\rوفيه نظر ؛ لأن الموجب للمغفرة ، ليس إلا أفعال المأمورات ، وترك المنهيات ، فكان هذا أمراً بالمسارعة إلى فعل المأمورات ، وترك المنهيات.","part":16,"page":381},{"id":6982,"text":"فصل\rقال فى ملاك التأويل : \rقوله تعالى : \"وسارعوا إلى مغفرة من ربكم وجنة عرضها السماوات والأرض..الآية\" ، وفى سورة الحديد : \"سابقوا إلى مغفرة من ربكم وجنة عرضها كعرض السماء والأرض..الآية\" ، والمراد فى الموضعين الحث على المبادرة إلى أفعال البر وجزيل الثواب للممتثل وقد اختلفت عبارة الأمر بذلك فى الموضعين فحذف المضاف فى الأولى وجئ فى الثانية بكاف التشبيه عوضا منه وقيل فى الأولى : \"عرضها السماوات\" على الجميع وأفرد فى الثانية فقيل : \"عرضها كعرض السماء والأرض\" فيها ثلاثة أسئلة.\rوالجواب عن الأول والله أعلم : أن المسارعة إلى الشئ قبل مسابقته قال تعالى : \"أولئك يسارعون فى الخيرات وهم لها سابقون\" وقد أوضحنا فى كتاب البرهان أن ترتيب السور بتوقيف على أصح المأخذين وأما ترتيب الآى فلا توقف فيه وأن ذلك كله معتمد على فيه غير ترتيب النزول ، وإذا ثبت هذا فوجه تقديم لفظ\"سارعوا\" تقديم المسارعة ووجه تأخير سابقوا بناء المسابقة على المسارعة ، ألا ترى أن المسارع إلى الشئ قد يحصل له ما سارع اليه وقد لا يحصل ولا يقال فى الغالب سبق إلا فيمن تحصل له مطلوبه هذا هو الأكثر والمسارعة متقدمة فى الرتبة قال تعالى : \"أولئك يسارعون فى الخيرات وهم لها سابقون\" وقال تعالى : \"إن الذين سبقت لهم منا الحسنى أولئك عنها مبعدون\" أى ثبتت وحقت لهم وعن على رضى الله عنه : سبق رسول الله صلى الله عليه وسلم وثنى أبو بكر وثلث عمر... ، وقيل فى قوله تعالى : \"فالسابقات سبقا\" أنها الملائكة تسبق الجن[إيصال الوحى إلى الأنبياء] فلما كانت المسارعة والمسابقة على ما ذكرنا ورد المتقدم فى الترتيب أولا والمتأخر ثانيا مراعاة للترتيب.","part":16,"page":382},{"id":6983,"text":"والجواب عن الثانى : أن آية آل عمران على حذف المضاف كما تقدم أى عرضها مثل عرض السماوات والأرض وقد أفصحت آية الحديد بما يقوم مقام هذا المضاف ويحصل معناه وهو كاف التشبيه إذ معناها معنى مثل وحذف المضاف مما يكون كثيرا عند قصد المبالغة وكذا جعل الشئ نفس الشئ وهو مما يتقدم فى آية آل عمران وهو نحو قول الشاعر[رؤبة] : \rإن الربيع الجود والخريفا يدا أبى العباس والصيوفا\rوهذا كثير واليه يرجع الوارد فى قولهم : نهارك صائم وليلك قائم وباب ذلك مما يقصد به المبالغة فيجعل نفس الشئ وأنشد سيبويه رحمه الله نحوا من ذلك.\rأما النهار ففى قيد وسلسلة والليل فى بطن منحوت من الساج\rفجعل النهار فى قيد وسلسلة وجعل الليل فى بطن منحوت من السج مبالغة وإنما المجعول الشخص وقوله تعالى : \"عرضها السماوات والأرض\" يمكن إلحاقه بهذا القبيل وإن ظن أنه يباينه.\rوالجامع قصد المبالغة كأن السماوات والأرض إذا أوصل بعضها ببعض مصطفا نفس عرض الجنة ومن أبيات الكتاب : \rلقد لمتنا يا أم غيلان فى السرى ونمت وما ليل المطي بنائم\rفنفى النوم عن الليل حين جعله نفس الشخص مبالغة كما فى البيت قبل ويمكن فى هذا كله حذف المضاف أى ذو ليل المطى وذو النهار وذو الليل.\rقال الإمام[سيبويه]رحمه الله لما أنشد هذا البيت جعله للاسم ومن هذا الضرب ما يتخرج على حذف المضاف ويمتنع ما سواه نحو قوله[النابغة الجعدى] : \rكأن غديرهم بجنوب سلى نعام قاق فى بلد قفار\rأى كأن غديرهم غدير نعام قاق ، والغدير الصوت","part":16,"page":383},{"id":6984,"text":"وتخريج آية آل عمران على هذا أوضح وكلا الضريبن يحرز المبالغة وبالجملة فقصد المبالغة فى مثل ما تقدم يستلزم فى الغالب الإيجاز إما بالحذف وإما بجعل الشئ نفس الشئ أو بتكرر لفظ يفهم بتكرره التهويل والتعظيم ويقوم مقام أوصاف وذكر أهوال كقوله تعالى : \"الحاقة ما الحاقة\" و\"القارعة ما القارعة\" ، وقد ذكر سيبويه رحمه الله هذه الضروب فى أبواب شتى لافتراقها فى أحكام تقتضى تفصيل التبويب مع اتفاقها فى ما ذكرنا وفى جرى الإيجاز فى جميعها ولما اتصل بقوله\"عرضها\" فى آية آل عمران وهو مبتدأ والخبر عنه مجموع فقيل\"السماوات\" فأفصح الجمع ما مهدناه من قصد المبالغة والتعظيم ثم أتبع ذلك ما يحرز مقصود ذلك من التعظيم والمبالغة أيضا وهو وصف من أعدت له الجنة الموصوفة ووسمهم بالمتقين وهو الذين وفوا بالإيمان وتوابعه التى بها يكمل مما ذكر فى آية\"ليس البر\" من لدن قوله تعالى : \"ولكن البر من آمن بالله واليوم الآخر\" إلى قوله\"أولئك الذين صدقوا وأولئك هم المتقون\" ، ولم يكن قوله تعالى : \"عرضها السماوات\" بالجمع كقوله فى آية الحديد\"كعرض السماء\" فأفرد ولا قوله\"أعدت للمتقين\" كقوله فى آية الحديد\"أعدت للذين آمنوا بالله ورسله\" فلما تضمنت آية آل عمران من قصد المبالغة من هذه الجهات والقرائن التى ذكرنا ما لم تتضمن آية الحديد ناسب ذلك جعل العرض نفس السماوات والأرض من غير إفصاح بالمضاف المقدر الذى لابد منه عند بيان المعنى على ما تقدم ولما لم يقصد فى آية الحديد ذلك أفصح فيها بما يعطى معنى مثل وهى كاف التشبيه وورد كل على ما يناسب ويلائم.","part":16,"page":384},{"id":6985,"text":"فإن قيل : لم خصت آية آل عمران بما تمهد من قصد المبالغة والتعظيم دون آية الحديد قلت : لبنائها على الحض على الجهاد وعظيم فضله وذكر قصة بدر واحد من لدن قوله\"وإذ غدوت من أهلك تبوئ المؤمنين مقاعد للقتال\" إلى ما بعد الآية المتكلم فيها ولما يكن فى آية الحديد شئ من ذلك ناسب كلا ما ورد فيه والله أعلم. أ هـ {ملاك التأويل حـ 1 صـ 122 ـ 125}","part":16,"page":385},{"id":6986,"text":"قوله : { عَرْضُهَا السماوات والأرض } [ لا بد فيه من حَذْف ؛ لأن نفس السموات ] لا تكون عرضاً للجنة ، فالتقدير : عرضها مثل عرض السموات والأرض ، يدل على ذلك قوله : \" كعرض \" ، والجملة في محل جر صفة لِ \" جَنَّةٍ \".\rقوله : { أُعِدَّتْ } يجوز أن يكون محلها الجَرّ ، صفة ثانية لِ \" جَنَّةٍ \" ، ويجوز أن يكون محلها النصب على الحال من \" جَنَّةٍ \" ؛ لأنها لما وُصِفَتْ تخصَّصت ، فقَرُبَت من المعارف.\rقال أبو حيان : \" ويجوز أن يكون مستأنفاً ، ولا يجوز أن يكون حالاً من المضاف إليه ؛ لثلاثة أشياء : \rأحدها : أنه لا عامل ، وما جاء من ذلك متأوَّل على ضَعْفه.\rوالثاني : أن العرض - هنا - لا يراد به : المصدر الحقيقي ، بل يراد به : المسافة.\rالثالث : أن ذلك يلزم منه الفصل بين الحال ، وصاحبه بالخبر \".\rيعني بالخبر : قوله : { السماوات } ، وهو رَدٌّ صحيح. أ هـ {تفسير ابن عادل حـ 5 صـ 534 ـ 539}. بتصرف يسير.","part":16,"page":386},{"id":6987,"text":"قوله تعالى : { الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (134)}\rمناسبة الآية لما قبلها\rقال البقاعى :\rولما وصف الجنة بين أهلها بقوله : {أعدت} أي الآن وفرغ منها {للمتقين} وهم الذين صارت التقوى شعارهم ، فاستقاموا واستمروا على الاستقامة ، ثم وصف المتقين بما تضمن تفصيل الطاعة المأمور بها قبل إجمالاً على وجه معرف بأسباب النصر إلى آخر ما قص من خبر الأنبياء الماضين ومن معهم من المؤمنين بادئاً بما هو أشق الأشياء ولا سيما في ذلك الزمان من التبر ومن المال الذي هو عديل الروح فقال : {الذين ينفقون} أي مما آتاهم الله ، وهو تعريض بمن أقبل على الغنيمة {في السراء والضراء} أي في مرضاة الله في حال الشدة والرخاء.\rولما ذكر أشق ما يترك ويبذل أتبعه أشق ما يحبس فقال : {والكاظمين} أي الحابسين {الغيظ} عن أن ينفذوه بعد أن امتلؤوا منه.\rولما كان الكاظم غيظه عن أن يتجاوز في العقوبة قد لا يعفو حثه على العفو بقوله : {والعافين} وعمم في الحكم بقوله : {عن الناس} أي ظلمهم لهم ولو كانوا قد قتلوا منهم أو جرحوهم.\rولما كان التقدير : فإن الله يحبهم لإحسانهم عطف عليه تنويهاً بدرجة الإحسان قوله : {والله} أي الذي له صفات الكمال {يحب المحسنين} أي يكرمهم بأنواع الإكرام على سبيل التجديد والاستمرار. أ هـ {نظم الدرر حـ 2 صـ 157}\rوقال الفخر :\rاعلم أنه تعالى لما بين أن الجنة معدة للمتقين ذكر صفات المتقين حتى يتمكن الإنسان من اكتساب الجنة بواسطة اكتساب تلك الصفات. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 9 صـ 7}\rقوله تعالى : {الذين يُنفِقُونَ فِى السَّرَّاء والضراء}\rفصل\rقال الفخر :\rفيه وجوه :\rالأول : أن المعنى أنهم في حال الرخاء واليسر والقدرة والعسر لا يتركون الإنفاق ، وبالجملة فالسراء هو الغنى ، والضراء هو الفقر.\rيحكى عن بعض السلف أنه ربما تصدق ببصلة ، وعن عائشة رضي الله عنها أنها تصدقت بحبة عنب ،\rوالثاني : أن المعنى أنهم سواء كانوا في سرور أو في حزن أو في عسر أو في يسر فإنهم لا يدعون الإحسان إلى الناس ،\rالثالث : المعنى أن ذلك الإحسان والإنفاق سواء سرهم بأن كان على وفق طبعهم ، أو ساءهم بأن كان على خلاف طبعهم فإنهم لا يتركونه ، وإنما افتتح الله بذكر الإنفاق لأنه طاعة شاقة ولأنه كان في ذلك الوقت أشرف الطاعات لأجل الحاجة اليه في مجاهدة العدو ومواساة فقراء المسلمين. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 9 صـ 7}","part":16,"page":387},{"id":6988,"text":"وقال الآلوسى : \r{ فِى السَّرَّاء والضراء } أي في اليسر والعسر قاله ابن عباس ؛ وقيل : في حال السرور والاغتمام ، وقيل : في الحياة وبعد الموت بأن يوصي ، وقيل : فيما يسر كالنفقة على الولد والقريب وفيما يضر كالنفقة على الأعداء ، وقيل : في ضيافة الغني والإهداء إليه وفيما ينفقه على أهل الضر ويتصدق به عليهم ، وأصل السراء الحالة التي تسر والضراء الحالة التي تضر ، والمتبادر ما قاله الحبر ، والمراد إما ظاهرهما أو التعميم كما عهد في أمثاله أي أنهم لا يخلون في حال مّا بإنفاق ما قدروا عليه من كثير أو قليل. أ هـ {روح المعانى حـ 4 صـ 58}\rوقال ابن الجوزى : \rومعنى الآية : أنهم رغبوا في معاملة الله ، فلم يبطرهم الرخاء ، فينسيهم ، ولم تمنعهم الضراء فيبخلوا. أ هـ {زاد المسير حـ 1 صـ 460}\rقوله تعالى : {والكاظمين الغيظ}\rقال الفخر : \rومعنى قوله : {والكاظمين الغيظ} الذين يكفون غيظهم عن الإمضاء ويردون غيظهم في أجوافهم ، وهذا الوصف من أقسام الصبر والحلم وهو كقوله : {وَإِذَا مَا غَضِبُواْ هُمْ يَغْفِرُونَ} [ الشورى : 37 ]. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 9 صـ 7}\rلطيفة\rقال القرطبى : \rالغيظ أصل الغضب ، وكثيرا ما يتلازمان لكن فُرْقَانُ ما بينهما.\rأنّ الغيظ لا يظهر على الجوارح ، بخلاف الغضب فإنه يظهر في الجوارح مع فعل مّا ولا بدّ ؛ ولهذا جاء إسناد الغضب إلى الله تعالى إذ هو عبارة عن أفعاله في المغضوب عليهم.\rوقد فسر بعض الناس الغيظ بالغضب ؛ وليس بجيد ، والله أعلم. أ هـ {تفسير القرطبى حـ 4 صـ 207}\rفائدة\rقال أبو السعود : \r{ والكاظمين الغيظ } عطفٌ على الموصول ، والعدولُ إلى صيغة الفاعلِ للدِلالة على الاستمرار ، وأما الإنفاقُ فحيث كان أمراً متجدداً عبّر عنه بما يفيد الحدثَ وهو التجدد. أ هـ {تفسير أبى السعود حـ 2 صـ 85}","part":16,"page":388},{"id":6989,"text":"فصل\rقال الفخر : \rقال النبي صلى الله عليه وسلم : \" من كظم غيظا وهو يقدر على إنفاذه ملأ الله قلبه أمنا وإيمانا \" وقال عليه السلام : لأصحابه \" تصدقوا \" فتصدقوا بالذهب والفضة والطعام ، وأتاه الرجل بقشور التمر فتصدق به ، وجاءه آخر فقال والله ما عندي ما أتصدق به ، ولكن أتصدق بعرضي فلا أعاقب أحدا بما يقوله في حديثه ، فوفد إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم من قوم ذلك الرجل وفد ، فقال عليه السلام : \" لقد تصدق منكم رجل بصدقة ولقد قبلها الله منه تصدق بعرضه \" وقال عليه السلام : \" من كظم غيظا وهو يستطيع أن ينفذه زوجه الله من الحور العين حيث يشاء \" وقال عليه السلام : \r\" ما من جرعتين أحب إلى الله من جرعة موجعة يجرعها صاحبها بصبر وحسن عزاء ومن جرعة غيظ كظمها \" وقال عليه السلام \" ليس الشديد بالصرعة لكنه الذي يملك نفسه عند الغضب \". أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 9 صـ 7}\rقوله تعالى : {والعافين عَنِ الناس}\rفصل\rقال الفخر : \rقال القفال رحمه الله : يحتمل أن يكون هذا راجعا إلى ما ذم من فعل المشركين في أكل الربا ، فنهي المؤمنون عن ذلك وندبوا إلى العفو عن المعسرين.","part":16,"page":389},{"id":6990,"text":"قال تعالى : عقيب قصة الربا والتداين {وَإِن كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إلى مَيْسَرَةٍ وَأَن تَصَدَّقُواْ خَيْرٌ لَّكُمْ} [ البقرة : 280 ] ويحتمل أن يكون كما قال في الدية : {فَمَنْ عُفِىَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَىْء} [ البقرة : 178 ] إلى قوله : {وَأَن تَصَدَّقُواْ خَيْرٌ لَّكُمْ} [ البقرة : 280 ] ويحتمل أن يكون هذا بسبب غضب رسول الله صلى الله عليه وسلم حين مثلوا بحمزة وقال : \" لأمثلن بهم \" فندب إلى كظم هذا الغيظ والصبر عليه والكف عن فعل ما ذكر أنه يفعله من المثلة ، فكان تركه فعل ذلك عفوا ، قال تعالى : في هذه القصة {وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُواْ بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ وَلَئِن صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ للصابرين} [ النحل : 126 ] قال صلى الله عليه وسلم : \" لا يكون العبد ذا فضل حتى يصل من قطعه ويعفو عمن ظلمه ويعطي من حرمه \" وروي عن عيسى بن مريم صلوات الله عليه : ليس الإحسان أن تحسن إلى من أحسن إليك ذلك مكافأة إنما الإحسان أن تحسن إلى من أساء اليك. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 9 صـ 8}\rوقال القرطبى : \rقوله تعالى : { والعافين عَنِ الناس } العفو عن الناس أَجلُّ ضُرُوب فعل الخير ؛ حيث يجوز للإنسان أن يعفو وحيث يتّجه حقه.\rوكل من استحق عقوبة فتُرِكت له فقد عُفي عنه.\rواختلف في معنى \"عَن النَّاسِ\" فقال أبو العالية والكلبي والزجاج : { والعافين عن الناس } يريد عن المماليك.\rقال ابن عطية : وهذا حسن على جهة المثال ؛ إذ هُم الخَدَمَة فهم يذنبون كثيرا والقدرة عليهم متيسرة ، وإنفاذ العقوبة سهل ؛ فلذلك مثل هذا المفسَّر به.","part":16,"page":390},{"id":6991,"text":"ورُوي عن ميمون بن مهران أن جاريته جاءت ذات يوم بصحفة فيها مَرَقَة حارّة ، وعنده أضياف فعثرت فصبت المرقة عليه ، فأراد ميمون أن يضربها ، فقالت الجارية : يا مولاي ، استعمل قول الله تعالى : { والكاظمين الغيظ }.\rقال لها : قد فعلت ، فقالت : اعمل بما بعده { والْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ }.\rفقال : قدَ عَفوتُ عنك.\rفقالت الجارية : { والله يُحِبُّ المحسنين }.\rقال ميمون : قد أحسنت إليكِ ، فأنت حرّة لوجه الله تعالى.\rورُوي عن الأحنف بن قيس مثله.\rوقال زيد ابن سلم : { والعافين عَنِ الناس } عن ظلمهم وإساءتهم.\rوهذا عام ، وهو ظاهر الآية.\rوقال مقاتل بن حيان في هذه الآَية : بلغنا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال عند ذلك : \" إنّ هؤلاء من أمتي قليل إلا من عصمه الله وقد كانوا كثيرًا في الأمم التي مضت \" فمدح الله تعالى الذين يغفرون عند الغضب وأثنى عليهم فقال : { وَإِذَا مَا غَضِبُواْ هُمْ يَغْفِرُون } [ الشورى : 37 ] وأثنى على الكاظمين الغيظ بقوله : { والعافين عَنِ الناس } ، وأخبر أنه يحبهم بإحسانهم في ذلك.\rووردت في كظم الغيظ والعفو عن الناس وملْك النفس عند الغضب أحاديثُ ؛ وذلك من أعظم العبادة وجِهادِ النفس ؛ فقال صلى الله عليه وسلم : \" ليس الشديد بالصُّرَعَةِ ولكن الشديد الذي يملك نفسه عند الغضب \" وقال عليه السلام : \" ما من جرعة يتجرّعها العبد خير له وأعظم أجراً من جرعةٍ غيظٍ في الله \" وروى أنس أن رجلا قال : يا رسول الله ، ما أشدّ من كل شيء ؟ قال : \"غضب الله\".\rقال فما ينجي من غضب الله ؟ قال : \"لا تغضب\" قال العرجي : \rوإذا غضبت فكن وَقُوراً كاظما . . .\rللغيظ تَبْصُر ما تقول وتسمع\rفكفى به شرفا تَصبُّر ساعة . . .\rيرضى بها عنك الإله وتُرفع\rوقال عروة بن الزبير في العفو : \rلن يبلغ المجدَ أقوامٌ وإن شرفوا . . .","part":16,"page":391},{"id":6992,"text":"حتى يُذِلُوا وإن عَزوا لأقوام\rويُشْتَموا فترى الألوانَ مُشرِقَة . . .\rلا عَفْو ذُلِّ ولكن عَفْو إكرامِ\rوروى أبو داود وأبو عيسى الترمذي عن سهل بن معاذ بن أنس الجهني عن أبيه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : \" من كظم غيظا وهو يستطيع أن ينفذه دعاه الله يوم القيامة على رؤوس الخلائق حتى يخيره في أي الحورِ شاء \" قال : هذا حديث حسن غريب.\rوروى أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : \" إذا كان يوم القيامة ناد منادٍ من كان أجره على الله فليدخل الجنة فيقال من ذا الذي أجره على الله فيقوم العافون عن الناس يدخلون الجنة بغير حساب \" ذكره الماوردي.\rوقال ابن المبارك : كنت عند المنصور جالسا فأمر بقتل رجل ؛ فقلت : يا أمير المؤمنين ، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : \" إذا كان يوم القيامة نادى منادٍ بين يدي الله عز وجل من كانت له يد عند الله فليتقدّم فلا يتقدّم إلا من عفا عن ذنب \" فأمر بإطلاقه. أ هـ {تفسير القرطبى حـ 4 صـ 207 ـ 208}\rقوله تعالى : {والله يُحِبُّ المحسنين}\rقال الفخر : \rأما قوله تعالى : {والله يُحِبُّ المحسنين} فاعلم أنه يجوز أن تكون اللام للجنس فيتناول كل محسن ويدخل تحته هؤلاء المذكورون ، وأن تكون للعهد فيكون إشارة إلى هؤلاء.\rواعلم أن الإحسان إلى الغير إما أن يكون بايصال النفع اليه أو بدفع الضرر عنه.","part":16,"page":392},{"id":6993,"text":"أما إيصال النفع اليه فهو المراد بقوله : {الذين يُنفِقُونَ فِى السَّرَّاء والضراء} ويدخل فيه انفاق العلم ، وذلك بأن يشتغل بتعليم الجاهلين وهداية الضالين ، ويدخل فيه إنفاق المال في وجوه الخيرات والعبادات وأما دفع الضرر عن الغير فهو إما في الدنيا وهو أن لا يشتغل بمقابلة تلك الاساءة باساءة أخرى ، وهو المراد بكظم الغيظ ، وإما في الآخرة وهو أن يبرىء ذمته عن التبعات والمطالبات في الآخرة ، وهو المراد بقوله تعالى : {والعافين عَنِ الناس} فصارت هذه الآية من هذا الوجه دالة على جميع جهات الإحسان إلى الغير ، ولما كانت هذه الأمور الثلاثة مشتركة في كونها إحسانا إلى الغير ذكر ثوابها فقال : {والله يُحِبُّ المحسنين} فان محبة الله للعبد أعم درجات الثواب. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 9 صـ 8}\rوقال القرطبى : \rقوله تعالى : { والله يُحِبُّ المحسنين } أي يثيبهم على إحسانهم.\rقال سَري السّقَطي : الإحسان أن تحسن وقت الإمكان ، فليس كل وقت يمكنك الإحسان ؛ قال الشاعر : \rبادِرْ بِخَيَرٍ إذا ما كنتَ مُقْتَدراً . . .\rفليس في كلَّ وقتٍ أنت مُقتِدرُ\rوقال أبو العباس الجُمَّاني فأحسن : \rليس في كُل ساعةٍ وأوَانٍ . . .\rتَتَهيّأُ صنائعُ الإحسان\rوإذا أَمْكَنتْ فبادِر إِليها . . .\rحذَراً من تَعَذُّر الإمكان. أ هـ {تفسير القرطبى حـ 4 صـ 208 ـ 209}","part":16,"page":393},{"id":6994,"text":"وقال الآلوسى : \r{ والله يُحِبُّ المحسنين } تذييل لمضمون ما قبله \"وأل\" إما للجنس والمذكورون داخلون فيه دخولاً أولياً وإما للعهد عبر عنهم بالمحسنين على ما قيل : إيذاناً بأن النعوت المعدودة من باب الإحسان الذي هو الإتيان بالأعمال على الوجه اللائق الذي هو حسنها الوصفي المستلزم لحسنها الذاتي وقد فسره النبي صلى الله عليه وسلم بأن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك ويمكن أن يقال : الإحسان هنا بمعنى الإنعام على الغير على وجه عار عن وجوه القبح ، وعبر عنهم بذلك للإشارة إلى أنهم في جميع تلك النعوت محسنون إلى الغير لا في الانفاق فقط.\rومما يؤيد كون الإحسان هنا بمعنى الإنعام ما أخرجه البيهقي أن جارية لعلي بن الحسين رضي الله تعالى عنهما جعلت تسكب عليه الماء ليتهيأ للصلاة فسقط الإبريق من يدها فشجه فرفع رأسه إليها فقالت : إن الله تعالى يقول : { والكاظمين الغيظ } فقال لها : قد كظمت غيظي قالت : { والعافين عَنِ الناس } قال : قد عفا الله تعالى عنك قالت : { والله يُحِبُّ المحسنين } قال : اذهبي فأنت حرة لوجه الله تعالى ، ورجح بعضهم العهد على الجنس بأنه أدخل في المدح وأنسب بذكره قبل. أ هـ {روح المعانى حـ 4 صـ 59}\rفوائد لغوية\rقال ابن عادل : \rقوله : { الذين يُنفِقُونَ } يجوز في محله الألقاب الثلاثة ، فالجر على النعت ، أو البدل ، أو البيان ، والنصب والرفع على القطع المشعر بالمدح ، ولما أخبر بأن الجنة مُعَدَّة للمتقين وصفهم بصفات ثلاث ، حتى يُقْتَدَى بهم في تلك الصفات.\rقوله : { والكاظمين الغيظ } يجوز فيه الجر والنَّصب على ما تقدم قبله.\rوالكَظْم : الحبس ، يقال : كظم غيظه ، أي : حبسه ، وكَظَم القربة والسقاء كذلك ، والكظم - في الأصل - مخرج النفَس ، يقال : أخذ بكظمه ، أي : أخذ بمجرى نفسه.","part":16,"page":394},{"id":6995,"text":"والكُظوم : احتباس النفس ، ويُعَبَّر به عن السكوت ، قال المبرد : تأويله أنه كتمه على امتلاء به منه ، يقال : كَظَمْتُ السِّقَاءَ ، إذا ملأته وسددت عليه ، وكل ما سددت من مجرى ماء ، أو باب ، أو طريق ، فهو كَظْم ، والذي يُسَدّ به يقال له : الكظامة والسدادة ، ويقال للقناة التي تجري في بطن الأرض : كظامة ، لامتلائها بالماء كامتلاء القربة المكظومة ، والمَكْظُوم : الممتلئ غيظاً ، وكأنه - لغيظه لا يستطيع أن يتكلم ، ولا يُخرج نفسه ، والكظيم : الممتلئ أسَفاً.\rقال أبو طالب : [ الكامل ]\rفَحَضَضْتُ قَوْمِي ، وَاحْتَسَبْتُ قِتَالَهُمْ... وَالْقَوْمُ مِنْ خَوْفِ المَنَايَا كُظَّزُ\rوكظم البعيرُ جِرَّتَه ، إذا رَدَّها في جَوْفه ، وترك الاجترار.\rومنه قول الراعي : [ الكامل ]\rفَأفَضْنَ بَعْدَ كُظُومِهِنَّ بِجِرَّةِ... مِنْ ذِي الأبَاطِحِ إذْ رَعَيْنَ حَقِيلا\rالحقيل ، قيل : نبت.\rوقيل : موضع ، فعلى الأول هو مفعول به ، وعلى الثاني هو ظرف ، ويكون قد شذ جره بـ \" في \" ؛ لأنه ظرف مكان مختص ، ويكون المفعول محذوفاً ، أي : إذْ رعين الكلأ في حقيل ، ولا تقطع الإبلُ جِرَّتَها إلا عند الجهد والفزع فلا تجترّ.\rومنه قول أعشى باهلة يصف رجلاً يكثر نحر الإبل : [ البسيط ]\rقَدْ تَكْظِمُ البُزْلُ مِنْهُ حِينَ تُبْصِرُهُ... حَتَّى تَقَطَّعَ فِي أجْوَافِهَا الْجِرَرُ\rوالجرر جمع جِرَّة. والكظامة : حلقة من حديد تكون في طرف الميزان تجمع فيها خيوطه ، وهي - أيضاً - السير الذي يُوصَل بوتر القَوْس.\rوالكظائم : خروق بين البئرين يجري منها الماء إلى الأخرى ، كل ذلك تشبيه بمجرى النفَس وتردّده فيه. أ هـ {تفسير ابن عادل حـ 5 صـ 539 ـ 541}. بتصرف يسير.","part":16,"page":395},{"id":6996,"text":"من فوائد ابن عاشور فى الآيتين\rقال رحمه الله : \rقرأ نافع وابن عامر وأبو جعفر { سارعوا } دون واو عطف.\rتتنزّل جملة { سارعوا} منزلة البيان ، أو بدل الاشتمال ، لِجملة { وأطيعوا الله والرسول } لأنّ طاعة الله والرّسول مسارعة إلى المغفرة والجنَّة فلذلك فُصلت.\rولكون الأمر بالمسارعة إلى المغفرة والجنّة يؤول إلى الأمر بالأعمال الصّالحة جاز عطف الجملة على الجملة الأمر بالطّاعة ، فلذلك قرأ بقية العشرة { وسارعوا }.\rبالعطف وفي هذه الآية ما ينبئنا بأنَّه يجوز الفصل والوصل في بعض الجمل باعتبارين.\rوالسرعة المشتقّ منها سارعوا مجاز في الحرص والمنافسة والفور إلى عمل الطاعات التي هي سبب المغفرة والجنة ، ويَجوز أن تكون السرعة حقيقة ، وهي سرعة الخروج إلى الجهاد عند النفير كقوله في الحديث : \" وإذا استُنْفِرْتُمْ فانفِرُوا \".\rوالمسارعة ، على التقادير كلّها تتعلّق بأسباب المغفرة وأسباب دخول الجنة ، فتعليقها بذات المغفرة والجنة من تعليق الأحكام بالذوات على إرادة أحوالها عند ظهور عدم الفائدة في التعلّق بالذات.\rوجيء بصيغة المفاعلة ، مجرّدة عن معنى حصول الفعل من جانبين ، قصد المبالغة في طلب الإسراع ، والعرب تأتي بما يدلّ في الوضع على تكرّر الفعل وهم يريدون التأكيد والمبالغة دون التكرير ، ونظيره التثنية في قولهم : لبيك وسعديك ، وقوله تعالى : { ثم ارجع البصر كرتين } [ الملك : 4 ].\rوتنكير ( مغفرة ] ووصلها بقوله : { من ربكم } مع تأتّي الإضافة بأن يقال إلى مغفرة ربّكم ، لقصد الدّلالة على التَّعظيم ، ووصف الجنة بأنّ عرضها السماوات والأرض على طريقة التشبيه البليغ ، بدليل التَّصريح بحرف التَّشبيه في نظيرتها في آية سورة الحديد.","part":16,"page":396},{"id":6997,"text":"والعَرض في كلام العرب يطلق على ما يقابل الطول ، وليس هو المراد هنا ، ويطلق على الاتِّساع لأنّ الشيء العريض هو الواسع في العرف بخلاف الطويل غير العريض فهو ضيق ، وهذا كقول العُديل : \rودونَ يدِ الحَجَّاج منْ أنْ تنالني\rبساط بأيدِي الناعِجاتتِ عرِيضُ...\rوذِكر السماوات والأرض جار على طريقة العرب في تمثيل شدّة الاتّساع.\rوليس المراد حقيقة عرض السماوات والأرض ليوافق قول الجمهور من علمائنا بأن الجنَّة مخلوقة الآن ، وأنَّها في السماء ، وقيل : هو عرضها حقيقة ، وهي مخلوقة الآن لكنّها أكبر من السماوات وهي فوق السماوات تحت العرش ، وقد رُوي : العرش سقف الجنة.\rوأما من قال : إن الجنّة لم تخلق الآن وستخلق يوم القيامة ، وهو قول المعتزلة وبعض أهل السنّة منهم مُنذر بن سعيد البَلُّوطي الأندلسي الظاهري ، فيجوز عندهم أن تكون كعرض السماوات والأرض بأن تخلق في سعة الفضاء الَّذي كان يملؤه السماوات والأرض أو في سعة فضاء أعظم من ذلك.\rوأدلّة الكتاب والسنّة ظاهرة في أنّ الجنَّة مخلوقة ، وفي حديث رؤيا رآها النَّبيء صلى الله عليه وسلم وهو الحديث الطويل الذي فيه قوله : \" إنّ جبريل وميكاييل قالا له : ارفع رأسك ، فرفع فإذا فوقه مثل السحاب ، قالا : هذا منزلك ، قال : فقلت : دَعاني أدخُل منزلي ، قالا : إنَّه بقي لك عُمُر لم تستكمله فلو استكملت أتيت منزلك \".\rأعقب وصف الجنَّة بذكر أهلها لأنّ ذلك ممَّا يزيد التَّنويه به ، ولم يزل العقلاء يتخيّرون حسن الجوار كما قال أبو تمام : \rمَنْ مُبْلِغُ أفْنَاءَ يعرُب كلّها\rأني بَنيت الجارَ قبل المنزلِ...","part":16,"page":397},{"id":6998,"text":"وجملةُ { أعدّت للمتّقين } استئناف بياني لأنّ ذكر الجنَّة عقب ذكر النَّار الموصوفة بأنَّها أعدّت للكافرين يثير في نفوس السامعين أن يتعرّفوا مَن الذين أعدّت لهم : فإن أريد بالمتَّقين أكمل ما يتحقّق فيه التَّقوى ، فإعدادها لهم لأنَّهم أهلها فضلاً من الله تعالى الّذين لا يلجون النار أصلاً عدلاً من الله تعالى فيكون مقابلَ قوله : { واتقوا النار التي أُعدت للكافرين } [ آل عمران : 131 ] ، ويكون عصاة المؤمنين غير التَّائبين قد أخذوا بحظّ من الدارين ، لمشابهة حالهم حالَ الفريقين عدلاً من الله وفضلاً ، وبمقدار الاقتراب من أحدهما يكون الأخذ بنصيب منه ، وأريد المتّقون في الجملة فالإعداد لهم باعتبار أنَّهم مقدّرون من أهلها في العاقبة.\rوقد أجرى على المتَّقين صفات ثناءٍ وتنويه ، هي ليست جماع التَّقوى ، ولكن اجتماعها في محلّها مؤذن بأنّ ذلك المحلّ الموصوف بها قد استكمل ما به التقوى ، وتلك هي مقاومة الشحّ المُطاع ، والهوَى المتَّبع.\rالصفة الأولى : الإنفاق في السَّراء والضّراء.\rوالإنفاق تقدّم غير مرّة وهو الصدقة وإعطاء المال والسلاح والعُدة في سبيل الله.\rوالسرّاء فَعْلاء ، اسم لمصدر سرّه سَرّاَ وسُروراً.\rوالضّراء كذلك من ضَرّه ، أي في حالي الاتّصاف بالفرح والحزن ، وكأنّ الجمعَ بينهما هنا لأنّ السرّاء فيها ملهاة عن الفكرة في شأن غيرهم ، والضرّاء فيها ملهاة وقلّة مَوجدة.\rفملازمة الإنفاق في هذين الحالين تَدلّ على أنّ محبَّة نفع الغير بالمال ، الَّذي هو عزيز على النَّفس ، قد صارت لهم خلقاً لا يحجبهم عنه حاجب ولا ينشأ ذلك إلاّ عن نفس طاهرة.\rالصفة الثَّانية : الكاظمين الغيظ.","part":16,"page":398},{"id":6999,"text":"وكظم الغيظ إمساكه وإخفاؤه حتَّى لا يظهر عليه ، وهو مأخوذ من كظم القربة إذا ملأها وأمسك فمها ، قال المبرّد : فهو تمثيل للإمساك مع الامتلاء ، ولا شكّ أن أقوى القوى تأثيراً على النَّفس القوّة الغاضبة فتشتهي إظهار آثار الغضب ، فإذا استطاع إمساكَ مظاهرها ، مع الامتلاء منها ، دلّ ذلك على عزيمة راسخة في النَّفس ، وقهرِ الإرادةِ للشهوة ، وهذا من أكبر قوى الأخلاق الفاضلة.\rالصفّة الثالثة : العفو عن النَّاس فيما أساؤوا به إليهم.\rوهي تكملة لصفة كظم الغيظ بمنزلة الاحتراس لأنّ كظم الغيظ قد تعترضه ندامة فيستعدي على من غاظه بالحقّ ، فلمَّا وصفوا بالعفو عمّن أساء إليهم دلّ ذلك على أنّ كظم الغيظ وصف متأصّل فيهم ، مستمرّ معهم.\rوإذا اجتمعت هذه الصفّات في نفسسٍ سهل ما دونها لديها.\rوبجماعها يجتمع كمال الإحسان ولذلك ذيل الله تعالى ذكرها بقوله : { والله يحب المحسنين } لأنه دال على تقدير أنهم بهذه الصفات محسنون والله يحبّ المحسنين. أ هـ {التحرير والتنوير حـ 3 صـ 220 ـ 222}\rمن لطائف الإمام القشيرى فى الآيتين\rقال عليه الرحمة : \rمعناه سارعوا إلى علم يوجب لكم المغفرة ، فتقسمت القلوب وتوهمت أن ذلك أمرٌ شديد فقال صلى الله عليه وسلم : \" الندم توبة \" وإنما توجب المغفرةَ التوبةُ لأن العاصي هو الذي يحتاج إلى الغفران.\rوالناس في المسارعة على أقسام : فالعابدون يسارعون بقَدَمِهم في الطاعات ، والعارفون يسارعون بهممهم في القربات ، والعاصون يسارعون بندمهم بتجرُّع الحسرات. فَمَنْ سارع بِقَدَمِه وجد مثوبته ، ومن سارع بهممه وجد قربته ، ومن سارع بندمه وجد رحمته.","part":16,"page":399},{"id":7000,"text":"ولمَّا ذكر الجنة وصفها بسعة العرض ، وفيه تنبيه على طولها لأن الطول في مقابلة العَرْض ، وحين ذكر المغفرة لم يذكر الطول والعرض ، فقومٌ قالوا : المغفرة من صفات الذات وهي بمعنى الرحمة فعلى هذا فمغفرته حُكْمُه بالتجاوز عن العبد وهو كلامه ، وصفة الذات تتقدس عن الطول والعرض.\rومن قال : مغفرته من صفات فِعْلِه قال لكثرة الذنوب لم يصف الغفران بالنهاية ، إشارةً إلى استغراقه جميع الذنوب.\rقوله جلّ ذكره : { الَّذِينَ يُنفِقُونَ فِى السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ }.\rلا يدَّخِرُونَ عن الله شيئاً ، ويؤثِرونه على جميع الأشياء ، ينفقون أبدانهم على الطاعات وفنون الأوراد والاجتهاد ، وأموالهم في إفشاء الخيرات وابتغاء القربات بوجوه الصدقات ، وقلوبهم في الطلب ثم دوام المراعاة ، وأرواحهم على صفاء المحبَّات والوفاء على عموم الحالات ، وينفقون أسرارهم على المشاهدات في جميع الأوقات ؛ ينتظرون إشارات المطالبات ، متشمرين للبدار إلى دقيق المطالعات.\rقوله : { وَالكَاظِمِينَ الغَيْظَ } : يتجاوزون عن الخَلْق لملاحظاتهم إياهم بعين النسبة ، وأقوام يَحْلُمون على الخلق علماً بأن ذلك بسبب جُرْمِهم فيشهدونهم بعين التسلط ، وآخرون يكظمون الغيظ تحققاً بأن الحق سبحانه يعلم ما يقاسون فيهون عليهم التحمل ، وآخرون فنوا عن أحكام البشرية فوجدوا صافِيَ الدرجات في الذُّلِّ لأن نفوسهم ساقطة فانية ، وآخرون لم يشهدوا ذرة من الأغيار في الإنشاء والإجراء ؛ فعلموا أنَّ المنشئ الله ؛ فزالت خصوماتهم ومنازعاتهم مع غير الله لأنهم لمَّا أفردوه بالإبداع انقادوا لحكمه ؛ فلم يروا معه وجهاً غير التسليم لحكمه ، فأكرمهم الحق سبحانه بِبَرْدِ الرضاء ، فقاموا له بشرط الموافقة.\rقوله : { والعَافِينَ عَنِ النَّاسِ } فرضاً رأوه على أنفسهم لا فضلاً منهم على الناس ، قال قائلهم : \rرُبَّ رام لي بأحجار الأذى... لم أجِدْ بُدَّاً من العطف عليه\r{ وَاللهُ يُحِبُّ المُحْسِنِينَ } والإحسان أن تعبد الله كأنك تراه.. هذا في معاملة الحق ، وأما في معاملة الخلق فالإحسان أن تَدَعَ جميع حقِّك بالكلية كم كان على من كان ، وتقبل (... ) منه ولا تقلده في ذلك مِنَّة. أ هـ {لطائف الإشارات حـ 1 صـ 277 ـ 278}","part":16,"page":400},{"id":7001,"text":"قوله تعالى : { وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ (135)}\rمناسبة الآية لما قبلها\rقال البقاعى : \rولما أخبر أنها للمحسنين إلى الغير ومن قاربهم أخبر أناه لمن دونهم في الرتبة من التائبين المحسنين إلى أنفسهم استجلاباً لمن رجع عن أحد من المنافقين ولغيرهم من العاصين فقال : {والذين إذا فعلوا} أي باشروا عن علم أوجهل فعله {فاحشة} أي من السيئات الكبار {أو ظلموا أنفسهم} أي بأي نوع كان من الذنوب ، لتصير الفاحشة موعوداً بغفرانها بالخصوص وبالعموم {ذكروا الله} أي بما له من كمال العظمة فاستحيوه وخافوه {فاستغفروا} الله ، أي فطلبوا المغفرة بالتوبة بشرطها {لذنوبهم} أي فإنه يغفر لهم لأنه غفار لمن تاب.\rولما كان هذا مفهماً لأنه تعالى يغفر كل ذنب أتبعه تحقيق ذلك ونفي القدرة عليه عن غيره ، لأن المخلوق لا يمضي غفرانه لذنب إلا إذا كان مما شرع الله غفرانه ، فكان لا غافر في الحقيقة إلا الله قال مرغباً في الإقبال عليه بالاعتراض بين المتعاطفين : {ومن يغفر الذنوب} أي يمحو آثارها حتى لا تذكر ولا يجازى عليها {إلا الله} أي الملك الأعلى.","part":16,"page":401},{"id":7002,"text":"ولما كان سبحانه وتعالى قد تفضل برفع القلم عن الغافل قال : {ولم يصروا على ما فعلوا وهم يعلمون} أي إنهم على ذنب. أ هـ {نظم الدرر حـ 2 صـ 158}\rوقال الفخر : \rاعلم أن وجه النظم من وجهين : \rالأول : أنه تعالى لما وصف الجنة بأنها معدة للمتقين بين أن المتقين قسمان : \rأحدهما : الذين أقبلوا على الطاعات والعبادات ، وهم الذين وصفهم الله بالانفاق في السراء والضراء ، وكظم الغيظ ، والعفو عن الناس.\rوثانيهما : الذين أذنبوا ثم تابوا وهو المراد بقوله : {والذين إِذَا فَعَلُواْ فاحشة} وبين تعالى أن هذه الفرقة كالفرقة الأولى في كونها متقية ، وذلك لأن المذنب إذا تاب عن الذنب صار حاله كحال من لم يذنب قط في استحقاق المنزلة والكرامة عند الله.\rوالوجه الثاني : أنه تعالى ندب في الآية الأولى إلى الإحسان إلى الغير ، وندب في هذه الآية إلى الإحسان إلى النفس ، فان المذنب العاصي إذا تاب كانت تلك التوبة إحساناً منه إلى نفسه. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 9 صـ 8 ـ 9}\rفصل فى سبب نزول الآية\rقال الفخر : \rروى ابن عباس : أن هذه الآية نزلت في رجلين ، أنصاري وثقفي ، والرسول صلى الله عليه وسلم كان قد آخى بينهما ، وكانا لا يفترقان في أحوالهما ، فخرج الثقفي مع الرسول صلى الله عليه وسلم بالقرعة في السفر ، وخلف الأنصاري على أهله ليتعاهدهم ، فكان يفعل ذلك.\rثم قام إلى امرأته ليقبلها فوضعت كفها على وجهها ، فندم الرجل ، فلما وافى الثقفي مع الرسول صلى الله عليه وسلم لم ير الأنصاري ، وكان قد هام في الجبال للتوبة ، فلما عرف الرسول صلى الله عليه وسلم سكت حتى نزلت هذه الآية.","part":16,"page":402},{"id":7003,"text":"وقال ابن مسعود : قال المؤمنون للنبي صلى الله عليه وسلم : كانت بنو إسرائيل أكرم على الله منا ، فكان أحدهم إذا أذنب ذنباً أصبحت كفارة ذنبه مكتوبة على عتبة داره : اجدع أنفك ، افعل كذا ، فأنزل الله تعالى هذه الآية وبين أنهم أكرم على الله منهم حيث جعل كفارة ذنبهم الاستغفار. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 9 صـ 9}\rوقال القرطبى : \rقال ابن عباس في رواية عطاء : نزلت هذه الآية في نَبْهَان التَّمار وكنيته أبو مُقْبِل أتَتْه امرأة حَسْنَاء باع منها تمراً ، فضمّها إلى نفسه وقبلها فندم على ذلك ، فأتى النبي صلى الله عليه وسلم فذكر ذلك له ، فنزلت هذه الآية.\rوذكر أبو داود الطيالسي في مسنده عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال : حدّثني أبو بكر وصَدَق أبو بكر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : \" ما مِن عبد يذنب ذنبا ثم يتوضأ ويصلي ركعتين ثم يستغفر الله إلا غفر له ثم تلا هذه الآية { والذين إذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبَهُم } الآية ، والآية الأخرى { وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءاً أَو يَظْلِمْ نَفْسَهُ } \" وخرّجه الترمذي وقال : حديث حسن. وهذا عامُّ.\rوقد تنزل الآية بسبب خاص ثم تتناول جميع مَن فعل ذلك أو أكثر منه. أ هـ {تفسير القرطبى حـ 4 صـ 209}\rفصل\rقال الفخر : \rالفاحشة ههنا نعت محذوف والتقدير : فعلوا فعلة فاحشة ، وذكروا في الفرق بين الفاحشة وبين ظلم النفس وجوها : \rالأول : قال صاحب \"الكشاف\" : الفاحشة ما يكون فعله كاملا في القبح ، وظلم النفس : هو أي ذنب كان مما يؤاخذ الإنسان به.\rوالثاني : أن الفاحشة هي الكبيرة ، وظلم النفس.","part":16,"page":403},{"id":7004,"text":"هي الصغيرة ، والصغيرة يجب الاستغفار منها ، بدليل أن النبي صلى الله عليه وسلم كان مأموراً بالاستغفار وهو قوله : {واستغفر لِذَنبِكَ} [ محمد : 19 ] وما كان استغفاره دالا على الصغائر بل على ترك الأفضل.\rالثالث : الفاحشة : هي الزنا ، وظلم النفس : هي القبلة واللمسة والنظرة ، وهذا على قول من حمل الآية على السبب الذي رويناه ، ولأنه تعالى سمى الزنا فاحشة ، فقال تعالى : {وَلاَ تَقْرَبُواْ الزنى إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً} [ الإسراء : 32 ]. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 9 صـ 9}\rوقال أبو حيان : \rقال ابن عباس : الفاحشة الزنا ، وظلم النفس ما دونه من النظر واللمسة.\rوقال مقاتل : الفاحشة الزنا ، وظلم النفس سائر المعاصي.\rوقال النخعي : الفاحشة القبائح ، وظلم النفس من الفاحشة وهو لزيادة البيان.\rوقيل : جميع المعاصي وظلم النفس العمل بغير علم ولا حجة.\rوقال الباقر : الفاحشة النظر إلى الأفعال ، وظلم النفس رؤية النجاة بالأعمال.\rوقيل : الفاحشة الكبيرة ، وظلم النفس الصغيرة.\rوقيل : الفاحشة ما تظوهر به من المعاصي ، وقيل : ما أخفى منها.\rوقال مقاتل والكلبي : الفاحشة ما دون الزنا من قبله أو لمسة أو نظرة فيما لا يحل ، وظلم النفس بالمعصية ، وقيل : الفاحشة الذنب الذي فيه تبعة للمخلوقين ، وظلم النفس ما بين العبد وبين ربه.\rوهذه تخصيصات تحتاج إلى دليل.\rوكثر استعمال الفاحشة في الزنا ، ولذلك قال جابر حين سمع الآية : زنوا ورب الكعبة. أ هـ {البحر المحيط حـ 3 صـ 64}\rقوله تعالى : {ذَكَرُواْ الله}\rفصل\rقال الفخر : \rأما قوله : {ذَكَرُواْ الله} ففيه وجهان : ","part":16,"page":404},{"id":7005,"text":"أحدهما : أن المعنى ذكروا وعيد الله أو عقابه أو جلاله الموجب للخشية والحياء منه ، فيكون من باب حذف المضاف ، والذكر ههنا هو الذي ضد النسيان وهذا معنى قول الضحاك ، ومقاتل ، والواقدي ، فان الضحاك قال : ذكروا العرض الأكبر على الله ، ومقاتل ، والواقدي.\rقال : تفكروا أن الله سائلهم ، وذلك لأنه قال : بعد هذه الآية {فاستغفروا لِذُنُوبِهِمْ} وهذا يدل على أن الاستغفار كالأثر ، والنتيجة لذلك : الذكر ، ومعلوم أن الذكر الذي يوجب الاستغفار ليس إلا ذكر عقاب الله ، ونهيه ووعيده ، ونظير هذه الآية قوله : {إِنَّ الذين اتقوا إِذَا مَسَّهُمْ طَئِفٌ مّنَ الشيطان تَذَكَّرُواْ فَإِذَا هُم مُّبْصِرُونَ} [ الأعراف : 201 ]\rوالقول الثاني : أن المراد بهذا الذكر ذكر الله بالثناء والتعظيم والاجلال ، وذلك لأن من أراد أن يسأل الله مسألة ، فالواجب أن يقدم على تلك المسألة الثناء على الله ، فهنا لما كان المراد الاستغفار من الذنوب قدموا عليه الثناء على الله تعالى ، ثم اشتغلوا بالاستغفار عن الذنوب. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 9 صـ 9}\rوقال الماوردى : \r{ ذَكَرُواْ اللهَ فَاسْتَغْفَرُواْ لِذُنُوبِهِم } فيه قولان : \rأحدهما : أنهم ذكروه بقلوبهم فلم ينسوه ، ليعينهم ذكره على التوبة والاستغفار.\rوالثاني : ذكروا الله قولاً بأن قالوا : اللهم اغفر لنا ذنوبنا ، فإن الله قد سهل على هذه الأمة ما شدد على بني إسرائيل ، إذ كانوا إذا أذنب الواحد منهم أصبح مكتوباً على بابه من كفارة ذنبه : اجدع أنفك ، اجدع أذنك ونحو ذلك ، فجعل الاستغفار ، وهذا قول ابن مسعود وعطاء بن أبي رباح. أ هـ {النكت والعيون حـ 1 صـ 424}","part":16,"page":405},{"id":7006,"text":"قوله تعالى : {فاستغفروا لِذُنُوبِهِمْ}\rقال الفخر : \rالمراد منه الإتيان بالتوبة على الوجه الصحيح ، وهو الندم على فعل ما مضى مع العزم على ترك مثله في المستقبل ، فهذا هو حقيقة التوبة ، فأما الاستغفار باللسان ، فذاك لا أثر له في إزالة الذنب ، بل يجب إظهار هذا الاستغفار لإزالة التهمة ، ولإظهار كونه منقطعاً إلى الله تعالى ، وقوله : {لِذُنُوبِهِمْ} أي لأجل ذنوبهم. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 9 صـ 9 ـ 10}\rوقال القرطبى : \rوقد تقدم في صدر هذه السورة سيد الاستغفار ، وأن وقته الأسحار.\rفالاستغفار عظيم وثوابه جسيم ، حتى لقد روَى الترمذي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : \" من قال أستغفر الله الذي لا إله إلا هو الحي القيوم وأتوب إليه غفر له وإن كان قد فرّ من الزحف \" ورَوى مَكْحُول عن أبي هريرة قال : ما رأيت أكثر استغفار من رسول الله صلى الله عليه وسلم.\rوقال مكحول : ما رأيت أكثر استغفارا من أبي هريرة.\rوكان مكحول كثير الاستغفار.\rقال علماؤنا : الاستغفار المطلوب هو الذي يَحُلّ عَقْدَ الإصرار ويثبت معناه في الجنان ، لا التلفظ باللسان.\rفأما من قال بلسانه : آستغفر الله ، وقلبه مِصرّ على معصيته فاستغفاره ذلك يحتاج إلى استغفار ، وصغيرته لاحقة بالكبائر.\rوروي عن الحسن البِصَري أنه قال : استغفارنا يحتاج إلى استغفار.\rقلت : هذا يقوله في زمانه ، فكيف في زماننا هذا الذي يُرى فيه الإنسانُ مُكِبّاً على الظلم! حريصاً عليه لا يُقلِع ، والسُّبْحَة في يده زاعماً أنه يستغفر الله من ذنبه وذلك استهزاء منه واستخفاف.\rوفي التنزيل { وَلاَ تتخذوا آيَاتِ الله هُزُواً } [ البقرة : 231 ]. أ هـ {تفسير القرطبى حـ 4 صـ 210 ـ 211}\rقوله تعالى {وَمَن يَغْفِرُ الذنوب إِلاَّ الله}\rقال الفخر : ","part":16,"page":406},{"id":7007,"text":"المقصود منه أن لا يطلب العبد المغفرة إلا منه ، وذلك لأنه تعالى هو القادر على عقاب العبد في الدنيا والآخرة ، فكان هو القادر على إزالة ذلك العقاب عنه ، فصح أنه لا يجوز طلب الاستغفار إلا منه. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 9 صـ 10}\rوقال الخازن : \r{ ومن يغفر الذنوب إلاّ الله } وصف نفسه بسعة الرحمة وقرب المغفرة وأن التائب من الذنب عنده كمن لا ذنب له ، وأنه لا مفزع للمذنبين إلاّ إلى فضله وكرمه وإحسانه وعفوه ورحمته وفيه تنبيه على أن العبد لا يطلب المغفرة إلاّ منه وأنه القادر على عقاب المذنب وكذلك هو القادر على إزالة ذلك العقاب عنه فثبت أنه لا يجوز طلب المغفرة إلاّ منه. أ هـ {تفسير الخازن حـ 1 صـ 278}\rوقال النسفى : \r{ وَمَن يَغْفِرُ الذنوب إِلاَّ الله } \"من\" مبتدأ و\"يغفر\" خبره ، وفيه ضمير يعود إلى \"من\" و\"إلا الله\" بدل من الضمير في \"يغفر\" والتقدير : ولا أحد يغفر الذنوب إلا الله ، وهذه جملة معترضة بين المعطوف والمعطوف عليه ، وفيه تطييب لنفوس العباد ، وتنشيط للتوبة ، وبعث عليها ، وردع عن اليأس والقنوط ، وبيان لسعة رحمته وقرب مغفرته من التائب ، وإشعار بأن الذنوب وإن جلّت فإن عفوه أجل وكرمه أعظم. أ هـ {تفسير النسفى حـ 1 صـ 180}\rوقال أبو حيان : \rقال الزمخشري : وصف ذاته بسعة الرحمة وقرب المغفرة ، وأنَّ التائب من الذنب عنده كمن لا ذنب له ، وأنّه لا مفزع للمذنبين إلا فضله وكرمه ، وأنّ عدله يوجب المغفرة للتائب ، لأنّ العبد إذا جاء في الاعتذار والتنصل بأقصى ما يقدر عليه وجب العفو والتجاوز.\rوفيه تطييب لنفوس العباد ، وتنشيط للتوبة وبعث عليها ، وردع عن اليأس والقنوط.\rوأنّ الذنوب وإنْ جلت فإنَّ عفوه أجل ، وكرمه أعظم.\rوالمعنى : أنه وحده معه مصححات المغفرة انتهى.","part":16,"page":407},{"id":7008,"text":"وهو كلام حسن ، غير أنه لم يخرج عن ألفاظ المعتزلة في قوله : وإنّ عدله يوجب المغفرة للتائب.\rوفي قوله : وجب العفو والتجاوز ، ولو لم نعلم أن مذهبه الاعتزال لتأولنا كلامه بأن هذا الوجوب هو بالوعد الصادق ، فهو من جهة السمع لا من جهة العقل فقط. أ هـ {البحر المحيط حـ 3 صـ 64 ـ 65}\rقوله تعالى {وَلَمْ يُصِرُّواْ على مَا فَعَلُواْ}\rقال القرطبى : \r{ وَلَمْ يُصِرُّواْ على مَا فَعَلُواْ وَهُمْ يَعْلَمُونَ }.\rالإصرار هو العزم بالقلب على الأمر وترك الإقلاع عنه.\rومنه صَرّ الدنانيرِ أي الرّبط عليها ؛ قال الحطيئة يصف الخيل : \rعوابس بالشُّعْثِ الكُماة إذا ابتغوا . . .\rعُلاَلَتها بالمُحْصَدَات أصَرَّتِ\rأي ثبتت على عَدْوِها.\rوقال قتادة : الإصرار الثبوت على المعاصي ؛ قال الشاعر : \rيُصِرّ بالليل ما تُخْفِي شَوَاكِلُه . . .\rيا ويحَ كلِّ مُصِرّ القلبِ خَتّار\rقال سهل بن عبد الله : الجاهل ميّتٌ ، والناسي نائمٌ ، والعاصي سَكْران ، والمصِرّ هالك ، والإصرار هو التسويف ، والتسويف أن يقول : أتوب غداً ؛ وهذا دعوى النفس ، كيف يتوب غداً وغداً لا يملِكه!.\rوقال غير سهل : الإصرار هو أن ينوي ألا يتوب فإذا نوى التوبة ( النصوح ) خرج عن الإصرار.\rوقول سهلٍ أحسن.\rوروي عن النبيّ صلى الله عليه وسلم أنه قال : \" لا توبة مع إصرار \". أ هـ {تفسير القرطبى حـ 4 صـ 211}\rقال الطبرى : ","part":16,"page":408},{"id":7009,"text":"وأولى الأقوال في ذلك بالصواب عندنا ، قول من قال : \"الإصرار\" ، الإقامة على الذنب عامدًا ، وترك التوبة منه.\rولا معنى لقول من قال : \"الإصرار على الذنب هو مواقعته\" ، لأن الله عز وجل مدح بترك الإصرار على الذنب مُواقع الذنب ، فقال : \"والذين إذا فعلوا فاحشة أو ظلموا أنفسهم ذكروا الله فاستغفروا لذنوبهم ومن يغفرُ الذنوب إلا الله ولم يصروا على ما فعلوا وهم يعلمون\" ، ولو كان المواقع الذنب مصرًّا بمواقعته إياه ، لم يكن للاستغفار وجه مفهوم. لأن الاستغفار من الذنب إنما هو التوبة منه والندم ، ولا يعرف للاستغفار من ذنب لم يواقعه صاحبه ، وجهٌ.\rوقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : \"ما أصرَّ من استغفر ، وإن عاد في اليوم سبعين مرة\".\rفلو كان مواقع الذنب مصرًّا ، لم يكن لقوله\"ما أصرَّ من استغفر ، وإن عاد في اليوم سبعين مرة\" ، معنى لأن مواقعةَ الذنب إذا كانت هي الإصرار ، فلا يزيل الاسمَ الذي لزمه معنى غيره ، كما لا يزيل عن الزاني اسم\"زان\" وعن القاتل اسم\"قاتل\" ، توبته منه ، ولا معنى غيرها. وقد أبان هذا الخبر أن المستغفر من ذنبه غير مصرٍّ عليه ، فمعلوم بذلك أن\"الإصرار\" غير المواقعة ، وأنه المقام عليه ، على ما قلنا قبل. أ هـ {تفسير الطبرى حـ 7 صـ 225 ـ 226}. بتصرف يسير.\rفائدة\rقال الفخر : \rاعلم أن قوله : {وَمَن يَغْفِرُ الذنوب إِلاَّ الله} جملة معترضة بين المعطوف والمعطوف عليه ، والتقدير : فاستغفروا لذنوبهم ولم يصروا على ما فعلوا. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 9 صـ 10}","part":16,"page":409},{"id":7010,"text":"فصل\rقال القرطبى : \rقال علماؤنا : الباعث على التّوبة وحلّ الإصرار إدامةُ الفكر في كتاب الله العزيز الغفّار ، وما ذكره الله سبحانه من تفاصيل الجنة ووعد به المطِيعين ، وما وصفه من عذاب النار وتهدّد به العاصِين ، ودام على ذلك حتى قوِي خوفه ورجاؤه فدعا الله رَغَبا ورَهَبا ؛ والرّغْبَة والرّهبة ثمرة الخوف والرجاء ، يخاف من العِقاب ويرجو الثواب ، والله الموفق للصواب.\rوقد قيل : إن الباعث على ذلك تنبيه إلهِيٌّ ينَبّه به من أراد سعادته ؛ لِقبح الذنوب وضررها إذ هي سُموم مهلكة.\rقلت : وهذا خلاف في اللفظ لا في المعنى ، فإن الإنسان لا يتفكر في وعد الله ووعِيده إلا بتَنْبيهه ؛ فإذا نظر العبد بتوفيق الله تعالى إلى نفسه فوجدها مشْحُونة بذنوبٍ اكتسبها وسيئات اقترفها ، وانبعث منه الندمُ على ما فرّط ، وترك مثلَ ما سبق مخافةَ عقوبة الله تعالى صَدَق عليه أنه تائب ، فإن لم يكن كذلك كان مِصرّاً على المعصية وملازِماً لأسباب الهلكة.\rقال سهل بن عبد الله : علامة التائب أن يشغله الذنب على الطعام والشراب : كالثلاثة الذين خُلِّفوا. أ هـ {تفسير القرطبى حـ 4 صـ 211 ـ 212}\rفصل\rقال القرطبى : \rفي قوله تعالى : { وَلَمْ يُصِرُّواْ } حُجَّةٌ واضحة ودلالة قاطعة لما قاله سيف السنة ، ولسان الأمة القاضي أبو بكر بن الطيب : أن الإنسان يؤاخذ بما وطَّنَ عليه بضميره ، وعزم عليه بقلبه من المعصية.\rقلت : وفي التنزيل { وَمَن يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُّذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ } وقال { فَأَصْبَحَتْ كالصريم }.\rفعوقبوا قبل فعلهم بعزمهم وسيأتي بيانه.\rوفي البخاري.","part":16,"page":410},{"id":7011,"text":"\" \"إذا التقى المسلمان بسيفهما فالقاتل والمقتول في النار\" قالوا : يا رسول الله هذا القاتل ، فما بال المقتول ؟ قال : \"إنه كان حريصاً على قتل صاحبه\" \" فعلق الوعيد على الحرص وهو العزم وألغى إظهار السِّلاح ، وأنَصُّ من هذا ما خرّجه الترمذيّ من حديث أبي كبشة الأنماريّ وصححه مرفوعاً.\r\" إنما الدنيا لأربعةِ نفرٍ رجل أعطاه الله مالاً وعِلماً فهو يتّقي فيه ربّه ويصِلُ فيه رحمه ويعلم لله فيه حقاً فهذا بأفضل المنازل ، ورجل آتاه الله علماً ولم يؤته مالاً فهو ( صادق النية ) يقول لو أن لي مالاً لعملت فيه بعمل فلان فهو نيته فأجرهما سواء ، ورجل آتاه الله مالاً ولم يؤته عِلماً فهو ( يخبط في ماله بغير علم ) لا يتقي فيه ربه ولا يصِل به رحمه ولا يعلم لله فيه حقاً فهذا بأخبث المنازل ، ورجل لم يؤته الله مالاً ولا علماً فهو يقول لو أن لي مالاً لعملت فيه بعمل فلان فهو نيته فوِزرهما سواء \" وهذا الذي صار إليه القاضي هو الذي عليه عامّة السلف وأهل العلم من الفقهاء والمحدِّثين والمتكلِّمين ، ولا يُلتفت إلى خلاف من زعم أن ما يَهُمُّ الإنسانُ به وإن وَطَّن عليه لا يؤاخذ به.\rولا حجة ( له ) في قوله عليه السلام : \" من همّ بسيئة فلم يعملها لم تكتب عليه فإن عمِلها كتبت سيئة واحدة \" لأن معنى \"فلم يعملها\" فلم يعزم على عملها بدليل ما ذكرنا ، ومعنى \"فإن عملها\" أي أظهرها أو عزم عليها بدليل ما وصفنا. وبالله توفيقنا. أ هـ {تفسير القرطبى حـ 4 صـ 215}\rقوله تعالى : {وَهُمْ يَعْلَمُونَ}\rقال الفخر : \rوقوله : {وَهُمْ يَعْلَمُونَ} فيه وجهان : ","part":16,"page":411},{"id":7012,"text":"الأول : أنه حال من فعل الإصرار ، والتقدير : ولم يصروا على ما فعلوا من الذنوب حال ما كانوا عالمين بكونها محظورة محرمة لأنه قد يعذر من لا يعلم حرمة الفعل ، أما العالم بحرمته فإنه لا يعذر في فعله ألبتة.\rالثاني : أن يكون المراد منه العقل والتمييز والتمكين من الاحتراز من الفواحش فيجري مجرى قوله صلى الله عليه وسلم : \" رفع القلم عن ثلاث \". أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 9 صـ 10}\rوقال القرطبى :\rقوله تعالى : { وَهُمْ يَعْلَمُونَ } فيه أقوال.\rفقيل : أي يذكرون ذنوبهم فيتوبون منها.\rقال النحاس : وهذا قول حسن.\rوقيل : { وَهُمْ يَعْلَمُون } أني أُعاقب على الإصرار.\rوقال عبد الله بن عبيد ابن عُمير { وَهُمْ يَعْلَمُونَ } أنهم إن تابوا تاب الله عليهم.\rوقيل : { يَعْلَمُونَ } أنهم إن استغفروا غفر لهم.\rوقيل : { يَعْلَمُونَ } بما حرّمتُ عليهم ؛ قاله ابن إسحاق.\rوقال ابن عباس والحسن ومقاتل والكلبِي : { وَهُمْ يَعْلَمُونَ } أن الإصرار ضار ، وأن تركه خير من التمادِي.\rوقال الحسن بن الفضل : { وَهُمْ يَعلْمَوُنَ } أن لهم رباً يغفر الذنب.\rقلت : وهذا أخذه من حديث أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم فيما يَحكِي عن ربه عز وجل قال : \" أذنبَ عبدٌ ذنباً فقال اللّهم اغفر لي ذنبي فقال تبارك وتعالى أذنب عبدي ذنباً فعَلِم أن له ربّاً يغفِر الذنب ويأخذ بالذنب ثم عاد فأذنب فقال أيْ ربِّ اغفر لي ذنبي فذكر مثله مرتين ، وفي آخره : اعمل ما شئتَ فقد غفرتُ لك \" أخرجه مسلم.","part":16,"page":412},{"id":7013,"text":"وفيه دليلٌ على صحة التوبة بعد نَقْضها بمُعاوَدة الذّنب ؛ لأن التوبة الأُولى طاعةٌ وقد انقضت وصحَّتْ ، وهو محتاج بعد مواقعة الذنب الثاني إلى توبة أُخرى مستأنفة ، والعود إلى الذنب وإن كان أقبح من ابتدائه ؛ لأنه أضاف إلى الذنب نقض التوبة ، فالعود إلى التوبة أحسن من ابتدائها ؛ لأنه أضاف إليها ملازمة الإلْحَاح بباب الكريم ، وأنه لا غافر للذنوب سواه.\rوقوله في آخر الحديث \"اعمل ما شئت\" أمرٌ معناه الإكرام في أحد الأقوال ؛ فيكون من باب قوله : { ادخلوها بِسَلامٍ } [ الحجر : 46 ].\rوآخر الكلام خَبرٌ عن حال المخاطب بأنه مغفور له ما سلف من ذنبه ، ومحفوظ إن شاء الله تعالى فيما يستقبل من شأنه.\rودلّت الآية والحديثُ على عظيم فائدة الاعتراف بالذنب والاستغفار منه ، قال صلى الله عليه وسلم : \" إن العبد إذا اعترف بذنبه ثم تاب إلى الله تاب الله عليه \" أخرجاه في الصحيحين.\rوقال : \rيستوجبُ العفوَ الفتى إذَا اعتَرفْ . . .\rبما جَنَى من الذنوب واقترفْ\rوقال آخر : \rأقرِرْ بذنبك ثم اطلُبْ تجاوُزَه . . .\rإن الجُحُودَ جُحُودَ الذّنْب ذنبان\rوفي صحيح مسلم عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : \" والذي نفسي بيده لو لم تُذْنِبُوا لذهب الله بكم ولَجَاء بقوم يُذنبون ويستغفرون فيغفر لهم \" وهذه فائدة اسم الله تعالى الغفّار والتوّاب ، على ما بيناه في الكتاب الأسنى في شرح أسماء الله الحسنى. أ هـ {تفسير القرطبى حـ 4 صـ 212 ـ 213}\rفائدة\rقال أبو حيان نقلا عن الزمخشرى : \rوفي هذه الآيات بيان قاطع أن الذين آمنوا على ثلاث طبقات : متقون ، وتائبون ، ومصرّون.\rوأن الجنة للمتقين والتائبين منهم دون المصرين ، ومن خالف في ذلك فقد كابر عقله وعاند ربه انتهى كلامه.","part":16,"page":413},{"id":7014,"text":"وآخره على طريقته الاعتزالية من : أن من مات مصرًّا دخل النار ولا يخرج منها أبداً. أ هـ {البحر المحيط حـ 3 صـ 65}\rفائدة\rقال الخطيب الشربينى : \rتنبيه : لا يلزم من إعداد الجنة للمتقين والتائبين جزاء لهم أن لا يدخلها المصرون كما لا يلزم من إعداد النار للكافرين جزاء لهم أن لا يدخلها غيرهم ، فقول الزمخشري في \"الكشاف\" وفي هذه الآيات بيان قاطع على أنّ الذين آمنوا على ثلاث طبقات : متقون وتائبون ومصرون وأنّ الجنة للمتقين والتائبين منهم دون المصرين ومن خلف في ذلك فقد كابر عقله وعاند ربه جار على طريق الاعتزال من أن مرتكب الكبيرة إذا مات مصرّاً لا يدخل الجنة ونعوذ بالله من ذلك بل كل من مات على الإسلام يدخل الجنة وهو تحت المشيئة إن شاء الله عذبه ، وإن شاء عفا عنه. أ هـ {السراج المنير حـ 1 صـ 389}\rفوائد لغوية\rقال ابن عادل : \rقوله تعالى {والذين إذا فعلوا فاحشة}\rيجوز أن يكون معطوفاً على الموصول قبله ، ففيه ما فيه من الأوجه السابقة ، وتكون الجملةُ من قوله : { والله يُحِبُّ المحسنين } [ آل عمران : 134 ] جملة اعتراض بين المتعاطفين.\rويجوز أن يكون \" والذين \" مرفوعاً بالابتداء ، و\" أولَئِكَ \" مبتدأ ثانٍ ، و\" جَزَاؤهُمْ \" مبتدأ ثالث ، و\" مَغْفِرَةٌ \" خبر الثالث ، والثالث وخبره خبر الثاني ، والثاني وخبره خبر الأول.\rوقوله : { إِذَا فَعَلُواْ } شرط ، وجوابه : { ذَكَرُواْ }.\rقوله : { فاستغفروا } عطف على الجواب ، والجملة الشرطية وجوابها صلة الموصول ، والمفعول الأول لـ \" اسْتَغْفَرُوا \" محذوف ، أي : استغفروا الله لذنوبهم ، وقد تقدم الكلام على \" استغفر \" ، وأنه تعدى لاثنين ، ثانيهما بحرف الجر ، وليس هو هذه اللام ، بل \" من \" وقد يُحْذَف.\rالفاحشة - هنا - نعت محذوف ، تقديره : فعلوا فِعْلَةً فاحشةً.\rوأصل الفُحْش : القُبْح الخارج عن الحد ، فقوله : { فَاحِشَةً } يعني : قبيحة ، خارجة عما أذن الله فيه.\rقال جَابِر : الفاحشة : الزنا ؛ لقوله تعالى : { واللاتي يَأْتِينَ الفاحشة مِن نِّسَآئِكُمْ } [ النساء : 15 ] ، وقوله : { وَلاَ تَقْرَبُواْ الزنى إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً } [ الإسراء : 32 ].\rقوله : { وَمَنْ يَغْفِرُ } استفهام بمعنى : النفي ، ولذلك وقع بعده الاستثناء.","part":16,"page":414},{"id":7015,"text":"قوله : { إلاَّ الله } بدل من الضمير المستكن في \" يَغْفِرُ \" ، والتقدير : لا يغفر أحد الذنوب إلا الله تعالى ، والمختار - هنا - الرفع على البدل ، لكَوْن الكلام غيرَ إيجاب. وقد تقدم تحقيقه عند قوله تعالى : { وَمَن يَرْغَبُ عَن مِّلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلاَّ مَن سَفِهَ نَفْسَهُ } [ البقرة : 130 ].\rوقال أبو البقاء \" مَنْ \" مبتدأ ، \" يَغْفِرُ \" خبره ، و{ إلاَّ الله } فاعل \" يَغْفِرُ \" ، أو بدل من المضمر فيه ، وهو الوجه ؛ لأنك إذا جعلت \" اللهُ \" فاعلاً ، احتجْتَ إلى تقدير ضمير ، أي : ومَنْ يغفر الذنوب له غير الله.\rقال شهَابُ الدين : \" وهذا الذي قاله - أعني : جعله الجلالة فاعلاً - يقرب من الغلط ؛ فإن الاستفهام - هنا - لا يُراد به حقيقته ، إنما يرادُ \" النفي \" ، والوجه ما تقدم من كون الجلالة بدلاً من ذلك الضمير المستتر ، والعائد على \" من \" الاستفهامية \".\rومعنى الكلام أن المغفرة لا تُطْلب إلا من الله ؛ لأنه القادر على عقاب العبد في الدنيا والآخرة ، فكان هو القادر على إزالة العقاب عنه.\rقوله : { وَلَمْ يُصِرُّواْ } يجوز أن تكون جملة حالية من فاعل { فاستغفروا } أي : ترتب على فعلهم الفاحش ذكر الله تعالى ، والاستغفار لذنوبهم ، وعدم إصرارهم عليها ، وتكون الجملة من قوله : { وَمَن يَغْفِرُ الذنوب إِلاَّ الله } - على هذين الوجهين معترضة بين المتعاطفين على الوجه الثاني ، وبين الحال وذي الحال على الوجه الأول.\rفصل\rوأصْل الإصرار : الثبات على الشيء.\rقال الحسن : إتيان العبد ذَنْباً عَمْداً إصرار ، حتى يتوب.\rوقال السُّدِّي : الإصرار : السكوت وتَرْك الاستغفار.\rوعن أبي نُصيرة قال : لقيت مولّى لأبي بكر ، فقلتُ له : أسَمِعْتَ من أبي بكر شيئاً ؟ ","part":16,"page":415},{"id":7016,"text":"قال : نعم ، سمعته يقول : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : \" مَا أصَرَّ مَنِ اسْتَغْفَرَ ، وَإنْ عَادَ فِي الْيَوْمِ سَبِعِين مَرَّةً \". وقيل : الإصرار : المداومة على الشيء ، وتَرْك الإقلاع عنه ، وتأكيد العزم على ألا يتركه ، من قولهم : صر الدنانير ، إذا ربط عليها ، ومنه : صُرَّة الدراهم - لما يربط منها-.\rقال الحُطََيْئة : يصف خيلاً : [ الطويل ]\rعَوَابِسُ بِالشُّعْثِ الْكُمَاةِ إذَا ابْتَغَوْا... عُلاَلَتَها بِالْخُحْصَدَاتِ أصَرَّتِ\rأي : ثبتت ، وأقامت ، مداغومة على ما حملت عليه.\rوقال الشاعر : [ البسيط ]\rيُصِرُّ بِاللَّيْلِ مَا تُخْفِي شَوِاكِلُهُ... يَا وَيْحَ كُلِّ مُصِرِّ القَلْبِ خَتَّارِ\rو \" ما \" في قوله : { على مَا فَعَلُواْ } يجوز أن تكون اسمية بمعنى : الذي ، ويجوز أن تكون مصدرية.\rقوله : { وَهُمْ يَعْلَمُونَ } يجوز أن يكون حالاً ثانية من فاعل { فاستغفروا } ، وأن يكون حالاً من فاعل { يُصِرُّوا } ، والتقدير : ولم يُصِرُّوا على ما فعلوا من الذنوب بحال ما كانوا عالمين بكونها محرمة ؛ لأنه قد يُعْذَر مَنْ لا يعلم حرمة الفعل ، أما العالم بالحرمة ، فإنه لا يعذر.\rومفعول { يَعْلَمُونَ } محذوف للعلم به.\rفقيل : تقديره : يعلمون أن الله يتوب على مَنْ تاب ، قاله مجاهد.\rوقيل : يعلمون أن تَرْكه أوْلَى ، قاله ابنُ عباس والحسن.\rوقيل : يعلمون المؤاخذة بها ، أو عفو الله عنها.\rوقال ابْنُ عَبَّاسِ ، ومُقَاتِلٍ ، والحَسَنُ ، والكَلْبِيُّ : وهم يعلمون أنها معصية.\rوقيل : وهم يعلمون أن الإصرارَ ضار.\rوقال الضَّحَّاكُ : وهم يعلمون أن الله يملك مغفرةَ الذنوب ، وقال الحسن بن الفضل : وهم يعلمون أن لهم رباً يغفر الذنوب.\rوقيل : وهم يعلمون أن الله تعالى ، لا يتعاظمه الْعَفْو عن الذنوب - وإن كثرت-.","part":16,"page":416},{"id":7017,"text":"وقيل : وهم يعلمون أنهم إن استغفروا غُفِرَ لهم. أ هـ {تفسير ابن عادل حـ 5 صـ 543 ـ 547}. بتصرف يسير.\rفصل\rقال القرطبى : \rالذنوب التي يُتاب منها إمّا كُفْرٌ أو غيره ، فتوبة الكافر إيمانُه مع ندمِه على ما سلف من كفره ، وليس مجرّدُ الإيمان نفسَ توبة ، وغير الكفر إمّا حقٌّ لله تعالى ، وإمّا حقٌّ لغيره ، فحق الله تعالى يكفي في التوبة منه التَّركُ ؛ غير أن منها ما لم يكتف الشرع فيها بمجرّد الترك بل أضاف إلى ذلك في بعضها قضاءً كالصلاة والصوم ، ومنها ما أضاف إليها كفارة كالْحِنث في الأيْمانِ والظِّهار وغير ذلك ، وأمّا حقوقُ الآدميّين فلا بدّ من إيصالها إلى مستحقيها ، فإن لم يوجَدوا تُصدّق عنهم ، ومن لم يجد السبيل لخروج ما عليه لإعسارٍ فعفو الله مأمولٌ ، وفضله مبذولٌ ؛ فكم ضمِن من التبِعات وبدّل من السيئات بالحسنات.\rوستأتي زيادة بيان لهذا المعنى. أ هـ\rوقال رحمه الله أيضا : \rليس على الإنسان إذا لم يذكر ذَنْبه ويعلمْه أن يتوب منه بعينه ، ولكن يلزمه إذا ذكر ذنباً تاب منه.\rوقد تأوّل كثير من الناس فيما ذكر شيخنا أبو محمد عبد المعطي الأسكندرانيّ رضي الله عنه أن الإمام المحاسبيّ رحمه الله يرى أن التوبة من أجناس المعاصي لا تصح ، وأن الندم على جملتها لا يكفي ، بل لا بدّ أن يتوب من كل فعلٍ بجارحته وكل عقد بقلبه على التعيين.","part":16,"page":417},{"id":7018,"text":"ظنوا ذلك من قوله ، وليس هذا مراده ، ولا يقتضيه كلامه ، بل حكم المكلَّف إذا عرف أفعاله ، وعرف المعصية من غيرها ، صحّتْ منه التوبة من جملة ما عرف ؛ فإنه إن لم يعرف كون فعله الماضي معصية لا يمكنه أن يتوب منه لا على الجملة ولا على التفصيل ؛ ومثاله رجل كان يتعاطى باباً من أبواب الربا ولا يعرف أنه رِبا فإذا سمع كلام الله عز وجل : { ياأيها الذين آمَنُواْ اتقوا الله وَذَرُواْ مَا بَقِيَ مِنَ الربا إِن كُنْتُمْ مُّؤْمِنِينَ فَإِن لَّمْ تَفْعَلُواْ فَأْذَنُواْ بِحَرْبٍ مِّنَ الله وَرَسُولِهِ } [ البقرة : 279-278 ] عظم عليه هذا التهديد ، وظن أنه سالم من الربا ، فإذا علم حقيقة الربا الآن ، ثم تفكر فيما مضى من أيامه وعلم أنه لابَسَ منه شيئاً كثيراً في أوقات متقدّمة ، صحّ أن يندم عليه الآن جملة ، ولا يلزمه تعيينُ أوقاته ، وهكذا كل ما واقع من الذنوب والسيئات كالغيبة والنَّميمة وغيرِ ذلك من المحرّمات التي لم يعرف كونها محرّمة ، فإذا فَقُه العبد وتفقَّد ما مضى من كلامه تاب من ذلك جملةً ، ونَدِم على ما فرّط فيه من حق الله تعالى ، وإذا استحلّ مَن كان ظلمه فحالَلَهُ على الجملة وطابت نفسه بترك حقه جاز ؛ لأنه من باب هبة المجهول ، هذا مع شُحِّ العبد وحرصه على طلب حقه ، فكيف بأكرم الأكرمين المتفضل بالطاعات وأسبابها والعفوِّ عن المعاصي صغارها وكبارها.","part":16,"page":418},{"id":7019,"text":"قال شيخنا رحمه الله تعالى : هذا مراد الإمام ، والذي يدل عليه كلامه لمن تفقَّده ، وما ظنه به الظّانّ من أنه لا يصح الندم إلا على فِعلٍ فِعلٍ وحركةٍ حركةٍ وسكنةٍ سكنةٍ على التعيين هو من باب تكْلِيف ما لا يُطاق ، الذي لم يقع شرعاً وإن جاز عقلاً ، ويلزم عنه أن يعرف كم جرعة جرعها في شرب الخمر ، وكم حركة تحركها في الزنا ، وكم خطوة مَشاها إلى محرّم ، وهذا ما لا يطيقه أَحدٌ ، ولا تتأتّى منه توبة على التفصيل.\rوسيأتي لهذا الباب مزيدُ بيان من أحكام التوبة وشروطها في \"النساء\" وغيرها إن شاء الله تعالى. أ هـ {تفسير القرطبى حـ 4 صـ 213 ـ 214}. بتصرف يسير.\rمن فوائد ابن عاشور فى الآية\rقال رحمه الله : \rإن كان عطفَ فريقٍ آخر ، فهم غيرُ المتّقين الكاملين ، بل هم فريق من المتّقين خلطوا عملاً صالحاً وآخر سيّئاً ، وإن كان عطفَ صفات ، فهو تفضيل آخر لحال المتَّقين بأن ذُكر أوّلاً حال كمالهم ، وذكر بعده حال تداركهم نقائصهم.\rوالفاحشة الفَعلة المتجاوزة الحدّ في الفساد ، ولذلك جمعت في قوله تعالى : { الذين يجتنبون كبائر الإثم والفواحش } [ النجم : 32 ] واشتقاقها من فَحُش بمعنى قال قولاً ذميماً ، كما في قول عائشة : \"لم يكن رسول الله صلى الله عليه وسلم فاحشاً ولا متفحّشاً\" ، أو فعلَ فعلاً ذميماً ، ومنه { قل إن الله لا يأمر بالفحشاء } [ الأعراف : 28 ].\rولا شك أنّ التَّعريف هنا تعريف الجنس ، أي فعلوا الفواحش ، وظلمُ النفس هو الذنوب الكبائر ، وعطفها هنا على الفواحش كعطف الفواحش عليها في قوله : { الذين يجتنبون كبائر الإثم والفواحش } [ النجم : 32 ].","part":16,"page":419},{"id":7020,"text":"فقيل : الفاحشة المعصية الكبيرة ، وظلم النَّفس الكبيرة مطلقاً ، وقيل : الفاحشة هي الكبيرة المتعدية إلى الغير ، وظلم النَّفس الكبيرة القاصرة على النَّفس ، وقيل : الفاحشة الزنا ، وهذا تفسير على معنى المثال.\rوالذكر في قوله : { ذكروا الله } ذكر القلب وهو ذِكر ما يجب لله على عبده ، وما أوصاه به ، وهو الَّذي يتفرّع عنه طلب المغفرة ؛ وأمّا ذكر اللّسان فلا يترتّب عليه ذلك.\rومعنى ذكر الله هنا ذكر أمره ونهيه ووعده ووعيده.\rوالاستغفار : طلب الغَفْر أي الستر للذنوب ، وهو مجاز في عدم المؤاخذة على الذنب ، ولذلك صار يعدّي إلى الذنب باللام الدالة على التَّعليل كما هنا ، وقوله تعالى : { واستغفر لذنبك } [ غافر : 55 ].\rولمَّا كان طلب الصفح عن المؤاخذة بالذنب لا يصدر إلا عن ندامة ، ونية إقلاع عن الذنب ، وعدم العودة إليه ، كان الاستغفار في لسان الشارع بمعنى التوبة ، إذ كيف يطلب العفو عن الذنب من هو مستمرّ عليه ، أو عازم على معاودته ، ولو طلب ذلك في تلك الحالة لكان أكثر إساءة من الذنب ، فلذلك عدّ الاستغفار هنا رتبة من مراتب التَّقوى.\rوليس الاستغفار مجرّد قول ( أستغفر الله ) باللّسان والقائلُ ملتبس بالذنوب.\rوعن رابعة العدوية أنَّها قالت : \"استغفارنا يحتاج إلى الاستغفار\" وفي كلامها مبالغة فإنّ الاستغفار بالقول مأمور به في الدّين لأنَّه وسيلة لتذكّر الذنب والحيلة للإقلاع عنه.\rوجملة { ومن يغفر الذنوب إلاّ الله } معترضة بين جملة { فاستغفروا } وجملة { ولم يُصِرُّوا على ما فعلوا }.","part":16,"page":420},{"id":7021,"text":"والاستفهام مستعمل في معنى النَّفي ، بقرينة الاستثناء منه ، والمقصود تسديد مبادرتهم إلى استغفار الله عقب الذنب ، والتعريض بالمشركين الَّذين اتّخذوا أصنامهم شفعاء لهم عند الله ، وبالنَّصارى في زعمهم أنّ عيسى رفع الخطايا عن بني آدم ببلية صَلبه.\rوقوله : { ولم يصروا } إتمام لركْني التَّوبة لأنّ قوله : { فاستغفروا لذنوبهم } يشير إلى الندم ، وقوله : { ولم يصروا } تصريح بنفي الإصرار ، وهذان ركنا التَّوبة.\rوفي الحديث : \" النَّدم توبة \" ، وأما تدارك ما فرّط فيه بسبب الذنب فإنَّما يكون مع الإمكان ، وفيه تفصيل إذا تعذّر أو تعسّر ، وكيف يؤخذ بأقصى ما يمكن من التدارك.\rوقوله : { ولم يصروا على ما فعلوا } حال من الضّمير المرفوع في \"ذكروا\" أي : ذكروا الله في حال عدم الإصرار.\rوالإصرار : المُقام على الذنب ، ونفيُه هو معنى الإقلاع.\rوقوله : { وهم يعلمون } حال ثانية ، وحذف مفعول يعلمون لظهوره من المقام أي يعلمون سوء فعلهم ، وعظم غضب الربّ ، ووجوبَ التوبة إليه ، وأنَّه تفضّل بقبول التَّوبة فمحا بها الذنوب الواقعة.\rوقد انتظم من قوله : { ذكروا الله فاستغفروا } وقوله : { ولم يصروا } وقوله : { وهم يعلمون } الأركان الثلاثة الَّتي ينتظم منها معنى التَّوبة في كلام أبي حامد الغزالي في كتاب التَّوبة من \"إحياء علوم الدّين\" إذ قال : \"وهي عِلْم ، وحال ، وفعل.","part":16,"page":421},{"id":7022,"text":"فالعلم هو معرفة ضرّ الذنوب ، وكونها حجاباً بين العبد وبين ربِّه ، فإذا علم ذلك بيقين ثار من هذه المعرفة تألّم للقلب بسبب فوات ما يحبّه من القرب من ربِّه ، ورضاه عنه ، وذلك الألم يسمّى ندماً ، فإذا غلب هذا الألم على القلب انبعثت منه في القلب حالة تسمّى إرادة وقصداً إلى فعل له تعلّق بالحال والماضي والمستقبل ، فتعلّقه بالحال هو ترك الذنب ( الإقلاع ) ، وتعلّقه بالمستقبل هو العزم على ترك الذنب في المستقبل ( نفي الإصرار ) ، وتعلّقه بالماضي بتلافي ما فات\".\rفقوله تعالى : { ذكروا الله } إشارة إلى انفعال القلب.\rوقوله : { ولم يصروا } إشارة إلى الفعل وهو الإقلاع ونفي العزم على العودة.\rوقوله : { وهم يعلمون } إشارة إلى العلم المثير للانفعال النفساني.\rوقد رتّبت هاته الأركان في الآية بحسب شدّة تعلّقها بالمقصود : لأنّ ذكر الله يحصل بعد الذنب ، فيبعث على التَّوبة ، ولذلك رتّب الاستغفار عليه بالفاء ، وأمَّا العلم بأنَّه ذنب ، فهو حاصل من قبل حصول المعصية ، ولولا حصوله لما كانت الفعلة معصية.\rفلذلك جيء به بعد الذكر ونفي الإصرار ، على أنّ جملة الحال لا تدلّ على ترتيب حصول مضمونها بعد حصول مضمون ما جيء به قبلَها في الأخبار والصّفات.\rثُمّ إن كان الإصرار ، وهو الاستمرار على الذنب ، كما فُسِّر به كان نفيه بمعنى الإقلاع لأجل خَشية الله تعالى ، فلم يدلّ على أنَّه عازم على عدم العود إليه ، ولكنَّه بحسب الظاهر لا يرجع إلى ذنب ندِمَ على فعله ، وإن أريد بالإصرار اعتقاد العود إلى الذنب فنفيه هو التَّوبة الخالصة ، وهو يستلزم حصول الإقلاع معه إذ التلبّس بالذنب لا يجتمع مع العزم على عدم العود إليه ، فإنَّه متلبّس به من الآن. أ هـ {التحرير والتنوير حـ 3 صـ 222 ـ 225}","part":16,"page":422},{"id":7023,"text":"من لطائف الإمام القشيرى فى الآية\rأوحى الله تعالى إلى موسى عليه السلام \" قل للظلمة حتى لا يذكروني فإني أوجبت أن أذكر من ذكرني وذكري للظلمة باللعنة \". (1)\rوقال لظَلَمَةِ هذه الأمة.\r{ أَوْ ظَلَمُوا أنفُسَهُمْ ذِكَرُوا اللهَ } ثم قال في آخر الآية : { وََمن يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلاَّ اللهُ }.\rويقال فاحشةُ كلِّ أحد على حسب حاله ومقامه ، وكذلك ظلمهم وإن خطور المخالفات ببال الأكابر كفِعْلها من الأغيار ، قال قائلهم : \rأنت عيني وليس من حق عيني... غضُّ أجفانها على الأقذاء\rفليس الجُرْم على البساط كالذَّنب على الباب.\rويقال فعلوا فاحشة بركونهم إلى أفعالهم ، أو ظلموا أنفسهم بملاحظة أحوالهم ، فاستغفروا لذنوبهم بالتبري عن حركاتهم وسكناتهم علماً منهم بأنه لا وسيلة إليه إلا به ، فخلصهم من ظلمات نفوسهم. وإن رؤية الأحوال والأفعال لَظُلُمَاتٌ عند ظهور الحقائق ، ومَنْ طَهَّره الله بنور العناية صانه عن التورط في المغاليط البشرية. أ هـ {لطائف الإشارات حـ 1 صـ 279}\r_________________\r(1) هذا الكلام يحتاج إلى سند. والله أعلم.","part":16,"page":423},{"id":7024,"text":"قوله تعالى : {أُولَئِكَ جَزَاؤُهُمْ مَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَجَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ (136)}\rمناسبة الآية لما قبلها\rقال البقاعى :\rولما أتم وصف السابقين وهم المتقون واللاحقين وهم التائبون قال - معلماً بجزائهم الذين سارعوا إليه من المغفرة والجنة مشيراً إليهم بأداة البعد تعظيماً لشأنهم على وجه معلم بأن أحدأً لا يقدر الله حق قدره - : {أولئك} أي العالو الرتبة {جزآؤهم مغفرة} أي لتقصيرهم أو لهفواتهم أو لذنوبهم ، وعظمها بقوله : {من ربهم} أي المسحن إليهم بكل إحسان ، وأتبع ذلك للإكرام فقال : {وجنات} أيّ جنات ، ثم بين عظمها بقوله : {تجري من تحتها الأنهار} حال كونكم {خالدين فيها} هي أجرهم على عملهم {ونعم أجر العاملين} هي ، هذا على تقدير أن تكون الإشارة لجميع الموصوفين ، وإن كانت للمستغفرين خاصة فالأمر واضح في نزول رتبتهم عمن قبلهم. أ هـ {نظم الدرر حـ 2 صـ 158}\rقوله تعالى : {أولئك جَزَاؤُهُمْ مَّغْفِرَةٌ مّن رَّبّهِمْ وجنات تَجْرِى مِن تَحْتِهَا الأنهار}\rقال الفخر :\rوالمعنى أن المطلوب أمران :\rالأول : الأمن من العقاب وإليه الاشارة بقوله : {مَّغْفِرَةٌ مّن رَّبّهِمْ}\rوالثاني : إيصال الثواب اليه وهو المراد بقوله : {جنات تَجْرِى مِن تَحْتِهَا الأنهار خاالدين فِيهَا} ثم بين تعالى أن الذي يحصل لهم من ذلك وهو الغفران والجنات يكون أجراً لعملهم وجزاء عليه بقوله : {وَنِعْمَ أَجْرُ العاملين} قال القاضي : وهذا يبطل قول من قال إن الثواب تفضل من الله وليس بجزاء على عملهم. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 9 صـ 10}","part":16,"page":424},{"id":7026,"text":"فائدة\rقال ابن عاشور : \rوجيء باسم الإشارة لإفادة أنّ المشار إليهم صاروا أحرياء بالحكم الوارد بعد اسم الإشارة ، لأجل تلك الأوصاف الَّتي استوجبوا الإشارة لأجلها.\rوهذا الجزاء وهو المغفرة وعد من الله تعالى ، تفضّلا منه : بأن جعل الإقلاع عن المعاصي سبباً في غفران ما سلف منها.\rوأمَّا الجنّات فإنَّما خلصت لهم لأجل المغفرة ، ولو أخذوا بسالف ذنوبهم لما استحقّوا الجنَّات فالكلّ فضل منه تعالى.\rوقوله : { ونعم أجر العالمين } تذييل لإنشاء مدح الجزاء.\rوالمخصوص بالمدح محذوف تقديره هو.\rوالواو للعطف على جملة { جزاؤهم مغفرة } فهو من عطف الإنشاء على الإخبار ، وهو كثير في فصيح الكلام ، وسمِّي الجزاء أجراً لأنَّه كان عن وعد للعامل بما عمل.\rوالتَّعريف في ( العاملين ) للعهد أي : ونعم أجر العاملين هذا الجزاء ، وهذا تفضيل له والعمل المجازي عليه أي إذا كان لأصناف العاملين أجور ، كما هو المتعارف ، فهذا نعم الأجر لعامل. أ هـ {التحرير والتنوير حـ 3 صـ 225}","part":16,"page":425},{"id":7027,"text":"فائدة\rقال أبو حيان : \rوقال الزمخشري : قال أجر العاملين بعد قوله جزاؤهم ، لأنهما في معنى واحد ، وإنما خالف بين اللفظين لزيادة التنبيه على أن ذلك جزاء واجب على عمل ، وأجر مستحق عليه ، لا كما يقول المبطلون.\rوروي أن الله عزّ وجل أوحى إلى موسى عليه السلام : ما أقلَّ حياء من يطمعُ في جنتي بغير عمل ، كيف أجود برحمتي على من يبخل بطاعتي ؟ وعن شهر بن حوشب : طلب الجنة بلا عمل ذنب من الذنوب ، وانتظار الشفاعة بلا سبب نوع من الغرور ، وارتجاء الرحمة ممن لا يطاع حمق وجهالة.\rوعن الحسن يقول الله يوم القيامة : جوزوا الصراط بعفوي ، وادخلوا الجنة برحمتي ، واقتسموها بأعمالكم.\rوعن رابعة البصرية أنها كانت تنشد : \rترجو النجاة ولم تسلك مسالكها . . .\rإن السفينة لا تجري على اليبس\rانتهى ما ذكره ، والبيت الذي كانت رابعة تنشده هو لعبد الله بن المبارك.\rوكلام الزمخشري جار على مذهبه الاعتزال من أن الإيمان دون عمل لا ينفع في الآخرة. أ هـ {البحر المحيط حـ 3 صـ 66}\rفصل\rقال الآلوسى : \r{ وَنِعْمَ أَجْرُ العاملين } المخصوص بالمدح محذوف أي وَنِعمَ أجر العاملين الجنة ، وعلى ذلك اقتصر مقاتل ، وذهب غير واحد أنه ذلك أي ما ذكر من المغفرة والجنات.\rوفي الجملة على ما نص عليه بعض المحققين وجوه من المحسنات : \rأحدها : أنها كالتذييل للكلام السابق فيفيد مزيد تأكيد للاستلذاذ بذكر الوعد ، \rوثانيها : في إقامة الأجر موضع ضمير الجزاء لأن الأصل ونعم هو أي جزاؤهم إيجاب إنجاز هذا الوعد وتصوير صورة العمل في العمالة تنشيطاً للعامل ، \rوثالثها : في تعميم العاملين وإقامته مقام الضمير الدلالة على حصول المطلوب للمذكورين بطريق برهاني.","part":16,"page":426},{"id":7028,"text":"والمراد من الكلام السابق الذي جعل هذا كالتذييل له إما الكلام الذي في شأن التائبين ، أو جميع الكلام السابق على الخلاف الذي ذكرناه آنفاً ، ومن ذهب إلى الأول قال : وكفاك في الفرق بين القبيلين وهما المتقون الذين أتوا بالواجبات بأسرها واجتنبوا المعاصي برمتها ، والمستغفرون لذنوبهم بعدما أذنبوا وارتكبوا الفواحش والظلم أنه تعالى فصل آية الأولين بقوله سبحانه وتعالى : { والله يُحِبُّ المحسنين } [ آل عمران : 134 ] المشعر بأنهم محسنون محبوبون عند الله تعالى ، وفصل آية الآخرين بقوله جلَّ وعلا : { وَنِعْمَ أَجْرُ العاملين } المشعر بأن هؤلاء أجراء وأن ما أعطوا من الأجر جزاء لتداركهم بعض ما فوتوه على أنفسهم ، وأين هذا من ذاك ؟ وبعيد ما بين السمك والسماك ، ولا يخفى أنه على تقدير كون النعتين نعت رجل واحد كما حكي عن الحسن يمكن أن يقال : إن ذكر هذه الجملة عقيب تلك لما ذكره بعض المحققين وأي مانع من الإخبار بأنهم محبوبون عند الله تعالى وأن الله تعالى منجز ما وعدهم به ولا بدّ ، وكونهم إذا أذنبوا استغفروا وتابوا لا ينافي كونهم محسنين أما إذا أريد من الإحسان الإنعام على الغير فظاهر ، وأما إذا أريد به الإتيان بالأعمال على الوجه اللائق أو أن تعبد الله تعالى كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك كما صرح به في الصحيح فلأن ذلك لو نافى لزم أن لا يصدق المحسن إلا على نحو المعصوم ولا يصدق على من عبد الله تعالى وأطاعه مدة مديدة على أليق وجه وأحسنه ثم عصاه لحظة فندم أشد الندم واستغفر سيد الاستغفار ؛ ولا أظن أحداً يقول بذلك فتدبر.","part":16,"page":427},{"id":7029,"text":"ثم إن في هذه الآيات على ما ذهب إليه المعظم دلالة على أن المؤمنين ثلاث طبقات ، متقين وتائبين ومصرين ، وعلى أن غير المصرين تغفر ذنوبهم ويدخلون الجنة ، وأما أنها تدل على أن المصرين لا تغفر ذنوبهم ولا يدخلون الجنة كما زعمه البعض فلا ؟ لأن السكوت عن الحكم ليس بياناً لحكمهم عند بعض ودالّ على المخالفة عند آخرين وكفى في تحققها أنهم مترددون بين الخوف والرجاء وأنهم لا يخلون عن تعنيف أقله تعييرهم بما أذنبوه مفصلا ويا له من فضيحة وهذا ما لا بد منه على ما دلت عليه نصوص الكتاب والسنة وحينئذ لم يتم لهم المغفرة الكاملة كما للتائبين على أن مقتضى ما في الآيات أن الجنة لا تكون جزاء للمصر ؛ وكذلك المغفرة أما نفي التفضل بهما فلا ، وهذا على أصل المعتزلة واضح للفرق بين الجزاء والتفضل وجوباً وعدم وجوب ، وأما على أصل أهل السنة فكذلك لأن التفضل قسمان : قسم مترتب على العمل ترتب الشبع على الأكل يسمى أجراً وجزاءاً وقسم لا يترتب على العمل فمنه ما هو تتميم للأجر كماً أو كيفاً كما وعده من الاضعاف وغير ذلك ، ومنه ما هو محض التفضل حقيقة واسماً كالعفو عن أصحاب الكبائر ورؤية الله تعالى في دار القرار وغير ذلك مما لا يعلمه إلا الله تعالى قاله بعض المحققين ، وذكر العلامة الطيبي أن قوله تعالى : { واتقوا النار التى أُعِدَّتْ للكافرين } [ آل عمران : 131 ] وردت خطاباً لآكلي الربا من المؤمنين وردعاً لهم عن الإصرار على ما يؤديهم إلى دركات الهالكين من الكافرين وتحريضاً على التوبة والمسارعة إلى نيل الدرجات مع الفائزين من المتقين والتائبين ، فإدراج المصرين في هذا المقام بعيد المرمى لأنه إغراء وتشجيع على الذنب لا زجر ولا ترهيب فبين بالآيات معنى المتقين للترغيب والترهيب ومزيد تصوير مقامات الأولياء ومراتبهم ليكون حثاً لهم على","part":16,"page":428},{"id":7030,"text":"الانخراط في سلكهم ولا بدّ من ذكر التائبين واستغفارهم وعدم الإصرار ليكون لطفاً لهؤلاء وجميع الفوائد التي ذكرت في قوله سبحانه وتعالى : { وَمَن يَغْفِرُ الذنوب إِلاَّ الله } [ آل عمران : 135 ] تدخل في المعنى ، فعلم من هذا أن دلالة { وَلَمْ يُصِرُّواْ على مَا فَعَلُواْ } [ آل عمران : 135 ] مهجورة لأن مقام التحريض والحث أخرج المصرين ، والحاصل أن شرط دلالة المفهوم هنا منتف فلا يصح الاحتجاج بذلك للمعتزلة أصلاً. أ هـ {روح المعانى حـ 4 صـ 63 ـ 65}\rفوائد لغوية\rقال ابن عادل :\rقوله : { مِن رَّبِّهِمْ } في محل رفع ؛ نعتاً لِ \" مَغْفِرَةٌ \" ، و\" مِنْ \" للتبعيض ، أي : من مغفرات ربهم.\rقوله : { خَالِدِينَ فِيهَا } حال من الضمير في { جَزَآؤُهُمْ } ؛ لأنه مفعول به في المعنى ؛ لأن المعنى : يجزيهم الله جنات في حال خلودهم ويكون حالاً مقدراً ، ولا يجوز أن تكون حالاً من \" جَنَّاتٌ \" في اللفظ ، وهي لأصحابها في المعنى ؛ إذْ لو كان ذلك لبرز الضمير ، لجَرَيان الصفة على غير مَنْ هي له ، والجملة من قوله : { تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأنهار } في محل رفع ؛ نعتاً لِ \" جَنَّاتٌ \". وتقدم إعراب نظير هذه الجمل.\rقوله : { وَنِعْمَ أَجْرُ العاملين } المخصوص بالمدح محذوف ، تقديره : ونِعْمَ أجر العاملين الجنة. أ هـ {تفسير ابن عادل حـ 5 صـ 547}.","part":16,"page":429},{"id":7031,"text":"من فوائد العلامة أبى السعود فى الآية\rقال عليه الرحمة :\r{ أولئك } إشارةٌ إلى المذكورين آخِراً باعتبار اتصافِهم بما مرَّ من الصفات الحميدةِ ، وما فيه من معنى البُعد للإشعار ببعيد منزلتِهم وعلوِّ طبقتِهم في الفضل ، وهو مبتدأٌ وقوله تعالى : { جَزَآؤُهُمْ } بدلُ اشتمالٍ منه وقوله تعالى : { مَغْفِرَةٌ } خبرٌ له أو جزاؤهم مبتدأٌ ثانٍ ومغفرةٌ خبر له ، والجملةُ خبرٌ لأولئك ، وهذه الجملةُ خبر لقوله تعالى { والذين إِذَا فَعَلُواْ } الخ على الوجه الأولِ وهو الأظهرُ الأنسبُ بنظم المغفرةِ المنبئةِ عن سابقة الذنبِ في سلك الجزاءِ ، إذ على الوجهين يكون قولُه تعالى : { أولئك } الخ جملةً مستأنفةً مبينةً لما قبلها كاشفةً عن حال كلا الفريقين المحسنين والتائبين ، ولم يُذكَرْ من أوصاف الأولين ما فيه شائبةُ الذنبِ حتى يُذكَرَ في مطلَع الجزاءِ الشاملِ لهما المغفرةُ ، وتخصيصُ الإشارةِ بالآخِرين مع اشتراكهما في حكم إعدادِ الجنةِ لهما تعسُّفٌ ظاهر { مّن رَّبّهِمُ } متعلقٌ بمحذوف وقع صفةً لمغفرةٌ مؤكدةً لما أفاده التنوينُ من الفخامة الذاتيةِ بالفخامة الإضافيةِ أي كائنةٌ من جهته تعالى. والتعرضُ لعنوان الربوبيةِ مع الإضافة إلى ضميرهم للإشعار بعلة الحُكمِ والتشريفِ { وجنات تَجْرِى مِن تَحْتِهَا الانهار } عطفٌ على مغفرةٌ ، والتنكيرُ المُشعِرُ بكونها أدنى من الجنة السابقةِ مما يؤيد رُجحانَ الوجهِ الأول { خالدين فِيهَا } حالٌ مقدّرةٌ من الضمير في جزاؤهم لأنه مفعولٌ به في المعنى لأنه في قوة يجزيهم الله جناتٌ خالدين فيها ، ولا مَساغَ لأن يكون حالاً من جناتٌ في اللفظ وهي لأصحابها في المعنى إذ لو كان كذلك لبرز الضمير.","part":16,"page":430},{"id":7032,"text":"{ وَنِعْمَ أَجْرُ العاملين } المخصوصُ بالمدح محذوفٌ أي ونعم أجرُ العاملين ذلك ، أي ما ذُكر من المغفرة والجناتِ ، والتعبيرُ عنهما بالأجر المشعرِ بأنهما يُستحقان بمقابلة العمل وإن كان بطريق التفضُّل لمزيد الترغيبِ في الطاعات والزجرِ عن المعاصي ، والجملةُ تذييلٌ مختصٌّ بالتائبين حسبَ اختصاصِ التذييلِ السابقِ بالأولين وناهيك مضمونُهما دليلاً على ما بين الفريقين من التفاوت النيِّرِ والتبايُنِ البيِّن ، شتانَ بين المحسنين الفائزين بمحبة الله عز وجل وبين العاملين الحائزين لأُجرتهم وعمالتِهم. أ هـ {تفسير أبى السعود حـ 2 صـ 87}.\rلطيفة\rقال فى ملاك التأويل :\rقوله تعالى : \"أولئك جزاؤهم مغفرة من ربهم وجنات تجرى من تحتها الأنهار خالدين فيها ونعم أجر العاملين\" ، وفى سورة العنكبوت : \"لنبوئنهم من الجنة غرفا تجرى من تحتها الأنهار خالدين فيها نعم أجر العاملين\".\rللسائل أن يسأل عن وجه العطف فى الأولى وقوله فى الثانية : \"نعم أجر العاملين\" غير معطوف على ما قبله.\rووجه ذلك والله أعلم أن الآية الأولى لما وقع فيها ذكر الجزاء مفصلا معطوفا فقيل : \" أولئك جزاؤهم مغفرة من ربهم وجنات تجرى من تحتها الأنهار خالدين فيها\" ناسبه أن عطفت الجملة الممدوح بها الجزاء فقيل : \"ونعم أجر العاملين\" ولما لم يفصل الجزاء فى سورة العنكبوت ولا وقع فيه عطف جاءت جملة المدح غير معطوفة ليتناسب النظم والله أعلم. أ هـ {ملاك التأويل حـ 1 صـ 125}.\rتم الجزء السادس عشر من كتاب {جامع لطائف التفسير} ولله الحمد والمنة\rويليه إن شاء الله تعالى الجزء السابع عشر وأوله قوله تعالى\r{ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ سُنَنٌ فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ (137) }","part":16,"page":431},{"id":7033,"text":"بسم الله الرحمن الرحيم\rاسم الكتاب / جامع لطائف التفسير\rالعاجز الفقير\rعبد الرحمن بن محمد القماش\rإمام وخطيب بدولة الإمارات العربية\rعفا الله عنه وغفر له\rالجزء السابع عشر\rحقوق النسخ والطبع والنشر مسموح بها لكل مسلم\r{يا قوم لا أسألكم عليه أجرا}","part":17,"page":3},{"id":7034,"text":"الجزء السابع عشر\rمن الآية {137} من سورة آل عمران\rوحتى الآية {160} من نفس السورة","part":17,"page":4},{"id":7035,"text":"قوله تعالى {قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ سُنَنٌ فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ (137)}\rمناسبة الآية لما قبلها\rقال البقاعى :\rولما فرغ من بيان الزلل الذي وقع لهم به الخلل ، والترهيب مما يوقع فيه ، والترغيب فيما ينجى منه في تلك الأساليب التي هي أحلى من رائق الزلال ولذيذ الوصال بعد طول المطال أخذ يشجعهم على الجهاد لذوي الفساد ، فبدأ بالسبب الأقوى ، وهو الأمر بمشاهدة مصارع من مضى من المكذبين برؤية ديارهم وتتبع آثارهم مع أنهم كانوا أشد خلقاً وأقوى همماً وأكثر عدداً وأحكم عدداً ، فقال تعالى معللاً للأمر بالمسارعة إلى المغفرة : {قد خلت} ولما كان العلم بالقريب في الزمان والمكان أتم ، وكان الذين وقعت فيهم السنن جميع أهل الأرض ، ولا في جميع الزمان ، أثبت الجار فقال : {من قبلكم} اي فلا تظنوا بما أملى لهم بهذه الإدالة أن نعمته انقطعت عنهم {سنن} أي وقائع سنها الله في القرون الماضية والأمم الخالية في المؤمنين والمكذبين ، وأحوال وطرائق كانت للفريقين ، فتأسوا بالمؤمنين وتوقعوا لأعدائكم مثل ما للمكذبين ، فانظروا وأنعموا التأمل في أحوال الفريقين وإن لم يحصل ذلك إلا بالسير في الكد والتعب الشديد {فسيروا في الأرض} أي للاتعاظ بأحوال تلك الأمم برؤية آثارهم لتضموا الخير إلى الخير ، وتعتبروا من العين بالأثر ، وتقرنوا بين النقل والنظر ، ولما كان الرجوع عن الهفوة واجباً على الفور عقب بالفاء قوله : {فانظروا} أي نظر اعتبار ، ونبه على عظمة المنظور فيه بأنه أهل لأن يستفهم عنه لأنه خرج عن العوائد فتعاظم إشكاله فقال : {كيف كان عاقبة} أي آخر أمر {المكذبين }. أ هـ {نظم الدرر حـ 2 صـ 158 ـ 159}","part":17,"page":5},{"id":7036,"text":"وقال الفخر :\rاعلم أن الله تعالى لما وعد على الطاعة والتوبة من المعصية الغفران والجنات ، أتبعه بذكر ما يحملهم على فعل الطاعة وعلى التوبة من المعصية وهو تأمل أحوال القرون الخالية من المطيعين والعاصين فقال : {قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِكُمْ سُنَنٌ}. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 9 صـ 10}\rفائدة\rقال ابن عاشور :\rابتدئت هاته المقدّمة بحقيقة تاريخية : وهي الاعتبار بأحوال الأمم الماضية.\rوجيء ب ( قد ) ، الدّالة على تأكيد الخبر ، تنزيلاً لهم منزلة من ينكر ذلك لما ظهر عليهم من انكسار الخواطر من جراء الهزيمة الحاصلة لهم من المشركين ، مع أنّهم يقاتلون لنصر دين الله ، وبعد أن ذاقوا حلاوة النَّصر يوم بدر ، فبيّن الله لهم أنّ الله جعل سنّة هذا العامل أن تكون الأحوال فيه سجالاً ومداولة ، وذكّرهم بأحوال الأمم الماضية ، فقال : { قد خلت من قبلكم سنن }.\rوالله قادر على نصرهم ، ولكن الحكمة اقتضت ذلك لئلاّ يغترّ من يأتي بعدهم من المسلمين ، فيحسب أنّ النَّصر حليفهم. أ هـ {التحرير والتنوير حـ 3 صـ 225 ـ 226}\rفصل\rقال الفخر :\rقال الواحدي : أصل الخلو في اللغة الانفراد والمكان الخالي هو المنفرد عمن يسكن فيه ويستعمل أيضا في الزمان بمعنى المضي لأن ما مضى انفرد عن الوجود وخلا عنه ، وكذا الأمم الخالية ، وأما السنة فهي الطريقة المستقيمة والمثال المتبع ، وفي اشتقاق هذه اللفظة وجوه :\rالأول : أنها فعلة من سن الماء يسنه اذا والى صبه ، والسن الصب للماء ، والعرب شبهت الطريقة المستقيمة بالماء المصبوب فإنه لتوالي أجزاء الماء فيه على نهج واحد يكون كالشيء الواحد ، والسنة فعلة بمعنى مفعول ، \rوثانيها : أن تكون من : سننت النصل والسنان أسنه سنا فهو مسنون إذا حددته على المسن ، فالفعل المنسوب إلى النبي صلى الله عليه وسلم سمي سنة على معنى أنه مسنون ، ","part":17,"page":6},{"id":7037,"text":"وثالثها : أن يكون من قولهم : سن الابل اذا أحسن الرعي ، والفعل الذي داوم عليه النبي صلى الله عليه وسلم سمي سنة بمعنى أنه عليه الصلاة والسلام أحسن رعايته وإدامته. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 9 صـ 10 ـ 11}\rفصل\rقال القرطبى :\rهذا تسلية من الله تعالى للمؤمنين ، والسُّنَن جمع سُنَّة وهي الطريق المستقيم.\rوفلان على السنة أي على طريق الاسْتِوَاء لا يَميل إلى شيء من الأَهْواء ، قال الهذلِيّ :\rفلا تَجْزَعَن مِنْ سُنَّة أنت سِرْتَها . . .\rفأوّلُ راضٍ سُنَّةً مَن يَسيرها\rوالسنة : الإمام المتّبع المؤتَمُّ به ، يقال : سنّ فلانٌ سنة حسنة وسيئةً إذا عمل عملاً اقتُدِي به فيه من خيرٍ أو شر ، قال لبيد :\rمِن مَعشرٍ سَنَّت لهم آباؤهم . . .\rولكلِّ قومٍ سنةٌ وإمامُها\rوالسنة الأُمّة ، والسنن الأُمَمُ ؛ عن المفضل.\rوأنشد :\rما عايَنَ الناسُ من فَضْلٍ كفضلِهم . . .\rولا رَأُوا مِثَلهم في سالِفِ السُّننِ\rوقال الزجاج : والمعنى أهل سنن ، فحذف المضاف.\rوقال أبو زيد : أمثال.\rعطاء : شرائع.\rمجاهد : المعنى { قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِكُمْ سُنَنٌ } يعني بالهلاك فيمن كذّب قبلكم كعادِ وثمود.\rوالعاقبة : آخر الأمر ، وهذا في يوم أُحد.\rيقول فأنا أمهلهم وأمْلِي لهم وأستَدْرجهُم حتى يبلغ الكتاب أجله ، يعني بنصرة النبيّ صلى الله عليه وسلم والمؤمنين وهلاك أعدائهم الكافرين. أ هـ {تفسير القرطبى حـ 4 صـ 216}\rوقال الآلوسى\r{ قَدْ خَلَتْ } أي مضت { مِن قَبْلِكُمْ سُنَنٌ } أي وقائع في الأمم المكذبة أجراها الله تعالى حسب عادته ، وقال المفضل : إن المراد بها الأمم ، وقد جاءت السنة بمعنى الأمة في كلامهم ، ومنه قوله :\rما عاين الناس من فضل كفضلكم...\rولا رأوا مثلكم في سالف السنن","part":17,"page":7},{"id":7038,"text":"وقال عطاء : المراد بها الشرائع والأديان ، فالمعنى قد مضت من قبلكم سنن وأديان نسخت ، ولا يخفى أن الأول أنسب بالمقام لأن هذا إما مساق لحمل المكلفين أو آكلي الربا على فعل الطاعة أو على التوبة من المعصية أو على كليهما بنوع غير ما سبق كما قيل وإما عود إلى تفصيل بقية القصة بعد تمهيد مبادي الرشد والصلاح وترتيب مقدمات الفوز والفلاح على رأي ، وذكر مضي الأديان ليس له كثير ارتباط بذلك ، وإن زعم بعضهم أن فيه تثبيتاً للمؤمنين على دين النبي صلى الله عليه وسلم لئلا يهنوا بقول اليهود أن دين موسى عليه السلام لا ينسخ ولا يجوز النسخ على الله تعالى لأنه بداء وتحريضاً لليهود وحثاً على قبول دين الإسلام وإنذاراً لهم من أن يقع عليهم مثل ما وقع على المكذبين وتقوية لقلوب المؤمنين بأنه سينصرهم على المكذبين ، نعم إطلاق السنة على الشريعة أقرب من إطلاقها على الوقعة لأنها في الأصل الطريقة والعادة ، ومنه قولهم : سنة النبي صلى الله عليه وسلم ، والجار والمجرور إما متعلق بخلت أو بمحذوف وقع حالاً من { سُنَنَ } أي سنن كائنة من قبلكم. أ هـ {روح المعانى حـ 4 صـ 65}\rفصل\rقال الفخر :\rالمراد من الآية : قد انقضت من قبلكم سنن الله تعالى في الأمم السالفة ، واختلفوا في ذلك ، فالاكثرون من المفسرين على أن المراد سنن الهلاك والاستئصال بدليل قوله تعالى : {فانظروا كَيْفَ كَانَ عاقبة المكذبين} وذلك لأنهم خالفوا الأنبياء والرسل للحرص على الدنيا وطلب لذاتها ، ثم انقرضوا ولم يبق من دنياهم أثر وبقي اللعن في الدنيا والعقاب في الآخرة عليهم ، فرغب الله تعالى أمة محمد صلى الله عليه وسلم في تأمل أحوال هؤلاء الماضين ليصير ذلك داعيا لهم الى الايمان بالله ورسله والاعراض عن الرياسة في الدنيا وطلب الجاه ، ","part":17,"page":8},{"id":7039,"text":"وقال مجاهد : بل المراد سنن الله تعالى في الكافرين والمؤمنين ؛ فإن الدنيا ما بقيت لا مع المؤمن ولا مع الكافر ، ولكن المؤمن يبقى له بعد موته الثناء الجميل في الدنيا والثواب الجزيل في العقبى ، والكافر بقي عليه اللعنة في الدنيا والعقاب في العقبى ثم إنه تعالى قال : {فانظروا كَيْفَ كَانَ عاقبة المكذبين} لأن التأمل في حال أحد القسمين يكفي في معرفة حال القسم الآخر ، وأيضاً يقال الغرض منه زجر الكفار عن كفرهم وذلك إنما يعرف بتأمل أحوال المكذبين والمعاندين ، ونظير هذه الآية قوله تعالى : {وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا المرسلين * إِنَّهُمْ لَهُمُ المنصورون * وَإِنَّ جُندَنَا لَهُمُ الغالبون} [ الصافات : 171 173 ] وقوله : {والعاقبة لِلْمُتَّقِينَ} [ الأعراف : 128 ، القصص : 83 ] وقوله : {أَنَّ الأرض يَرِثُهَا عِبَادِىَ الصالحون} [ الأنبياء : 105 ]. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 9 صـ 11}\rوقال ابن عاشور :\rوالمعنى : قد مضت من قبلكم أحوال للأمم ، جارية على طريقة واحدة ، هى عادة الله في الخلق ، وهي أنّ قوّة الظالمين وعتّوهم على الضعفاء أمر زائل ، والعاقبة للمتّقين المحقّين ، ولذلك قال : { فسيروا في الأرض فانظروا كيف كان عاقبة المكذبين } أي المكذّبين بِرسل ربّهم وأريد النظر في آثارهم ليحصل منه تحقّق ما بلغ من أخبارهم ، أو السؤال عن أسباب هلاكهم ، وكيف كانوا أولي قوة ، وكيف طغوا على المستضعفين ، فاستأصلهم الله أو لتطمئنّ نفوس المؤمنين بمشاهدة المخبر عنهم مشاهدةَ عيان ، فإنّ للعيان بديع معنى لأنّ بَلَغتهم أخبار المكذّبين ، ومن المكذّبين عاد وثمود وأصحاب الأيكة وأصحاب الرسّ ، وكلّهم في بلاد العرب يستطيعون مشاهدة آثارهم ، وقد شهدها كثير منهم في أسفارهم. أ هـ {التحرير والتنوير حـ 3 صـ 226 ـ 227}","part":17,"page":9},{"id":7040,"text":"فصل\rقال الفخر :\rليس المراد بقوله {فَسِيرُواْ فِى الأرض فانظروا} الأمر بذلك لا محالة ، بل المقصود تعرف أحوالهم ، فإن حصلت هذه المعرفة بغير المسير في الأرض كان المقصود حاصلا ، ولا يمتنع أن يقال أيضا : إن لمشاهدة آثار المتقدمين أثراً أقوى من أثر السماع كما قال الشاعر :\rإن آثارنا تدل علينا.. فانظروا بعدنا إلى الآثار. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 9 صـ 11}\rوقال الآلوسى :\r{ كَيْفَ كَانَ عاقبة المكذبين } أي آخر أمرهم الذي أدى إليه تكذيبهم لأنبيائهم ، والفاء للإيذان بسببية الخلو للسير والنظر أو الأمر بهما ، وقيل : المعنى على الشرط أي إن شككتم فسيروا الخ ، والخطاب على كل تقدير مساق للمؤمنين ، وقال النقاش : للكفار وفيه بعد و{ كَيْفَ } خبر مقدم لكان معلق لفعل النظر ، والجملة في محل النصب بعد نزع الخافض لأن الأصل استعماله بالجار وتجريد الفعل عن تاء التأنيث لأن المرفوع مجازي التأنيث. أ هـ {روح المعانى حـ 4 صـ 65}\rفصل\rقال ابن عاشور :\rوفي الآية دلالة على أهميِّة علم التَّاريخ لأنّ فيه فائدة السير في الأرض ، وهي معرفة أخبار الأوائل ، وأسباب صلاح الأمم وفسادها.\rقال ابن عرفة : \"السير في الأرض حسّي ومعنوي ، والمعنوي هو النظر في كتب التَّاريخ بحيث يحصل للنَّاظر العلم بأحوال الأمم ، وما يقرب من العلم ، وقد يحصل به من العلم ما لا يحصل بالسير في الأرض لِعجز الإنسان وقصوره\".\rوإنَّما أمر الله بالسير في الأرض دون مطالعة الكتب لأنّ في المخاطبين مَن كانوا أمِّيين ، ولأنّ المشاهدة تفيد من لم يقرأ علماً وتقوّي عِلْم من قرأ التَّاريخ أو قصّ عليه. أ هـ {التحرير والتنوير حـ 3 صـ 227}","part":17,"page":10},{"id":7041,"text":"قوله تعالى {هذا بَيَانٌ لّلنَّاسِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةٌ لّلْمُتَّقِينَ (138)}\rمناسبة الآية لما قبلها\rقال البقاعى :\rولما تكفلت هذه الجمل بالهداية إلى سعادة الدارين نبه على ذلك سبحانه وتعالى بقوله على طريق الاستفتاح : {هذا بيان} أي يفيد إزالة الشبه {للناس} أي المصدقين والمكذبين {وهدى} أي إرشاد بالفعل {وموعظة} أي ترقيق {للمتقين}. أ هـ {نظم الدرر حـ 2 صـ 159}\rفصل\rقال الفخر :\rقوله تعالى : {هذا بَيَانٌ لّلنَّاسِ}\rويعني بقوله : {هذا} ما تقدم من أمره ونهيه ووعده ووعيده وذكره لأنواع البينات والآيات ، ولا بد من الفرق بين البيان وبين الهدى وبين الموعظة ، لأن العطف يقتضي المغايرة فنقول فيه وجهان :\rالأول : أن البيان هو الدلالة التي تفيد إزالة الشبهة بعد أن كانت الشبهة حاصلة ، فالفرق أن البيان عام في أي معنى كان ، وأما الهدى فهو بيان لطريق الرشد ليسلك دون طريق الغي.\rوأما الموعظة فهي الكلام الذي يفيد الزجر عما لا ينبغي في طريق الدين ، فالحاصل أن البيان جنس تحته نوعان : أحدهما : الكلام الهادي إلى ما ينبغي في الدين وهو الهدى.\rالثاني : الكلام الزاجر عما لا ينبغي في الدين وهو الموعظة.\rالوجه الثاني : أن البيان هو الدلالة ، وأما الهدى فهو الدلالة بشرط كونها مفضية إلى الاهتداء ، وقد تقدم هذا البحث في تفسير قوله : {هُدًى لّلْمُتَّقِينَ} [ البقرة : 2 ] في سورة البقرة. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 9 صـ 11}\rفصل\rقال الفخر :\rفي تخصيص هذا البيان والهدى والموعظة للمتقين وجهان.\rأحدهما : أنهم هم المنتفعون به ، فكانت هذه الأشياء في حق غير المتقين كالمعدومة ونظيره قوله تعالى : {إِنَّمَا أَنتَ مُنذِرُ مَن يخشاها} [ النازعات : 45 ] {إِنَّمَا تُنذِرُ مَّعَ مَنِ اتبع الذكر} [ يس : 11 ] {إِنَّمَا يَخْشَى الله مِنْ عِبَادِهِ العلماء} [ فاطر : 28 ] وقد تقدم تقريره في تفسير قوله : {هُدًى لّلْمُتَّقِينَ}","part":17,"page":11},{"id":7042,"text":"الثاني : أن قوله : {هذا بَيَانٌ لّلنَّاسِ} كلام عام ثم قوله : {وَهُدًى وَمَوْعِظَةٌ} للمتقين مخصوص بالمتقين ، لأن الهدى اسم للدلالة بشرط كونها موصلة إلى البغية ، ولا شك أن هذا المعنى لا يحصل إلا في حق المتقين ، والله أعلم بالصواب. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 9 صـ 11 ـ 12}\rوقال الطبرى :\rاختلف أهل التأويل في المعنى الذي أشير إليه بـ\"هذا\".\rفقال بعضهم : عنى بقوله\"هذا\" ، القرآن.\rوقال آخرون : إنما أشير بقوله\"هذا\" ، إلى قوله : \"قد خلت من قبلكم سُنن فسيروا في الأرض فانظرُوا كيف كان عاقبه المكذبين\" ، ثم قال : هذا الذي عرَّفتكم ، يا معشر أصحاب محمد ، بيان للناس.\rوأولى القولين في ذلك عندي بالصواب ، قولُ من قال : قوله : \"هذا\" ، إشارةٌ إلى ما تقدم هذه الآية من تذكير الله جل ثناؤه المؤمنين ، وتعريفهم حدوده ، وحضِّهم على لزوم طاعته والصبر على جهاد أعدائه وأعدائهم. لأن قوله : \"هذا\" ، إشارة إلى حاضر : إما مرئيّ وإما مسموع ، وهو في هذا الموضع إلى حاضر مسموع من الآيات المتقدمة.\rفمعنى الكلام : هذا الذي أوضحتُ لكم وعرفتكموه ، بيانٌ للناس يعني بـ\"البيان\" ، الشرح والتفسير. أ هـ {تفسير الطبرى حـ 7 صـ 231 ـ 232}. بتصرف يسير.\rوقال العلامة ابن عطية :\rكونه بياناً للناس ظاهر ، وهو في ذاته أيضاً هدى منصوب وموعظة ، لكن من عمي بالكفر وضل وقسا قلبه لا يحسن أن يضاف إليه القرآن ، وتحسن إضافته إلى \" المتقين \" الذين فيهم نفع وإياهم هدى ، وقال ابن إسحاق والطبري وجماعة : الإشارة ب { هذا } إلى قوله تعالى : { قد خلت من قبلكم سنن } الآية ، قال ابن إسحاق : المعنى هذا تفسير للناس إن قبلوه ، قال الشعبي : المعنى ، هذا بيان للناس من العمى. أ هـ {المحرر الوجيز حـ 1 صـ 512}","part":17,"page":12},{"id":7043,"text":"من فوائد العلامة أبى السعود فى الآية\rقال رحمه الله :\r{ هذا } إشارةٌ إلى ما سلف من قوله تعالى : { قَدْ خَلَتْ } إلى آخره { بَيَانٌ لّلنَّاسِ } أي تبيينٌ لهم ، على أن اللامَ متعلقةٌ بالمصدر أو كائنٌ لهم على أنها متعلقةٌ بمحذوف وقع صفةً له ، وتعريفُ الناس للعهد وهم المكذبون أي هذا إيضاحٌ لسوء عاقبةِ ما هم عليه من التكذيب فإن الأمرَ بالسير والنظرِ وإن كان خاصاً بالمؤمنين لكن العملَ بموجبه غيرُ مختصَ بواحد دون واحدٍ ففيه حملٌ للمكذبين أيضاً على أن ينظُروا في عواقب مَنْ قبلَهم من أهل التكذيبِ ويعتبروا بما يعانون من آثار دمارِهم وإن لم يكن الكلامُ مَسوقاً لهم { وَهُدًى وَمَوْعِظَةٌ } أي وزيادةُ بصيرةٍ وموعظةٍ لكم وإنما قيل : { لّلْمُتَّقِينَ } للإيذان بعلة الحُكمِ فإن مدارَ كونِه هدىً وموعظةً لهم إنما هو تقواهم. ويجوز أن يُرادَ بالمتقين الصائرين إلى التقوى والهدى والموعظة على ظاهرهما ، أي هذا بيانٌ لمآل أمرِ الناسِ وسوءِ مَغبّتِه ، وهدايةٌ لمن اتقى منهم وزجرٌ لهم عما هم عليه من التكذيب ، وأن يُراد به ما يعُمّهم ويعُم غيرَهم من المتقين بالفعل ، ويُرادَ بالهدى والموعظةِ أيضاً ما يعُم ابتداءَهما والزيادةَ فيهما ، وإنما قُدّم كونُه بياناً للمكذبين مع أنه غيرُ مَسوق له على كونه هدىً وموعظةً للمتقين ، مع أنه المقصودُ بالسياق لأن أولَ ما يترتب على مشاهدة آثارِ هلاكِ أسلافِهم ظهورُ حالِ أخلافِهم ، وأما زيادةُ الهدى أو أصلِه فأمرٌ مترتبٌ عليه ، وتخصيصُ البيانِ للناس مع شموله للمتقين أيضاً لما أن المرادَ به مجردُ البيانِ العاري عن الهدى والعظةِ ، والاقتصار عليهما في جانب المتقين مع ترتّبهما على البيان لما أنهما المقصِدُ الأصليُّ ، ويجوز أن يكون تعريفُ الناسِ للجنس أي هذا بيانٌ للناس كافةً ، وهدى وموعظةٌ للمتقين منهم خاصة. وقيل : كلمةُ هذا","part":17,"page":13},{"id":7044,"text":"إشارةٌ إلى ما لُخِّص من أمر المتقين والتائبين والمُصِرِّين. وقوله تعالى : { قَدْ خَلَتْ } الآية ، اعتراضٌ للحث على الإيمان وما يُستحَقّ به ما ذُكر من أجر العاملين. وأنت خبيرٌ بأن الاعتراضَ لا بد أن يكون مقرِّراً لمضمون ما وقع في خلاله ، ومعاينةُ آثارِ هلاكِ المكذبين مما لا تعلقَ له بحال أحدِ الأصنافِ الثلاثةِ للمؤمنين وإن كان باعثاً على الإيمان زاجراً عن التكذيب ، وقيل : إشارةٌ إلى القرآن ولا يخفى بُعدُه. أ هـ {تفسير أبى السعود حـ 2 صـ 88 }\rومن فوائد الآلوسى فى الآية\rقال رحمه الله :\rالإشارة إما إلى القرآن وهو المروي عن الحسن وقتادة وخدش بأنه بعيد عن السياق وإما إلى ما لخص من أمر الكفار والمتقين والتائبين ، وقوله سبحانه : { قَدْ خَلَتْ } [ آل عمران : 137 ] الآية اعتراض للبعث على الإيمان والتقوى والتوبة كما قيل ووجه الاعتراض لدفع الاعتراض بأن المعترضة مؤكدة للمعترض فيه وهنا ليس كذلك بأن تلك الآيات واردة على سبيل الترغيب والترهيب لآكلي الربا وهذه الآية دلت على الترهيب ومعناه راجع إلى الترغيب بحسب التضاد كما أن بعض الآيات الواردة في الرحمن للوعيد تعدّ من الآلاء بحسب الزجر عن المعاصي فيتأتى التوكيد دون نقص ، واعترض عليه بأنه تعسف ، وإما إلى ما سلف من قوله سبحانه : { قَدْ خَلَتْ } الخ ، وهو المروي عن أبي إسحاق ، واختاره الطبري والبلخي وكثير من المتأخرين.","part":17,"page":14},{"id":7045,"text":"وأل في الناس للعهد ، والمراد بهم المكذبون ، والظرف إما متعلق ببيان أو بمحذوف وقع صفة لهم أي هذا إيضاح لسوء عاقبة ما هم عليه من التكذيب فإن الأمر ( بالسير والنظر ) السابق وإن كان خاصاً بالمؤمنين على المختار لكن العمل بموجبه غير مختص بهم ففيه حمل للمكذبين أيضاً على أن ينظروا في عاقبة أسلافهم ليعتبروا بذلك ، والموعظة ما يلين القلب ويدعو إلى التمسك بما فيه طاعة ، والهدى بيان طريق الرشد ليسلك دون طريق الغي ، والفرق بينه وبين البيان أن الثاني إظهار المعنى كائناً ما كان ولكون المراد به هنا ما كان عارياً عن الهدى والعظة خصه بالناس مع أن ظاهره شامل للمتقين.\rوالمراد بهم مقابل المكذبين وكأنه وضع موضع الضمير بناءاً على أن المعنى وزيادة بصيرة وموعظة لكم للإيذان بعلة الحكم فإن مدار ذلك كونه هدى وموعظة لهم إنما هو تقواهم وعدم تكذيبهم ، وقدم بيان كونه بياناً للمكذبين مع أنه غير مسوق له على بيان كونه هدى للمتقين مع أنه المقصود بالسياق لأن أول ما يترتب على مشاهدة آثار هلاك أسلافهم ظهور حال أخلافهم ، وأما الهدى فأمر مترتب عليه والاقتصار على الأمرين في جانب المتقين مع ترتبهما على البيان لما أنهما المقصد الأصلي.\rوقيل : أل في الناس للجنس.","part":17,"page":15},{"id":7046,"text":"والمراد بيان لجميع الناس لكن المنتفع به المتقون لأنهم يهتدون به وينتجعون بوعظه وليس بالبعيد وجوز بعضهم أن يراد من المتقين الصائرون إلى التقوى فيبقى الهدى والموعظة بلا زيادة ، وإن يراد بهم ما يعمهم وغيرهم من المتقين بالفعل فيحتاج الهدى وما عطف عليه إلى اعتبار ما يعم الابتداء والزيادة فيه ، ولا يخفى ما في الثاني من زيادة البعد لارتكاب خلاف الظاهر في موضعين وأما الأول : ففيه بعد من جهة الارتكاب في موضع واحد وهو وإن شارك ما قلناه من هذه الحيثية إلا أن ما ارتكبناه يهدي إليه في الجملة التنوين الذي في الكلمة ولا كذلك ما ارتكبوه بل اعتبار الكمال المشعر به الإطلاق ربما يأباه ولعله لمجموع الأمرين هان أمر نزع الخف. أ هـ {روح المعانى حـ 4 صـ 65 ـ 66}\rوقال ابن عاشور :\rالإشارة إمَّا إلى ما تقدّم بتأويل المذكور ، وإمَّا إلى حاضر في الذهن عند تلاوة الآية وهو القُرآن.\rوالبيانُ : الإيضاح وكشف الحقائق الواقعة.\rوالهدى : الإرشاد إلى ما فيه خير النَّاس في الحال والاستقبال.\rوالموعظة : التحذير والتخويف.\rفإن جعلت الإشارة إلى مضمون قوله : { قد خلت من قبلكم سنن } [ آل عمران : 137 ] الآية فإنَّها بيان لما غفلوا عنه من عدم التَّلازم بين النَّصر وحسن العاقبة ، ولا بين الهزيمة وسوء العاقبة ، وهي هدى لهم لينتزعوا المسببات من أسبابها ، فإن سبب النجاح حقاً هو الصلاح والاستقامة ، وهي موعظة لهم ليحذروا الفساد ولا يغترّوا كما اغترّت عاد إذ قالوا : \"مَنْ أشَدّ مِنَّا قوّة\". أ هـ {التحرير والتنوير حـ 3 صـ 227}\rفوائد لغوية\rقال ابن عادل :\rقوله : { مِن قَبْلِكُمْ } يجوز أن يتعلق بـ \" خَلَتْ \" ، ويجوز أن يتعلق بمحذوف على أنه حال من { سُنَنٌ } ؛ لأنه - في الأصل - يجوز أن يكون وَصْفاً ، فلما قُدِّمَ نُصبَ حالاً.","part":17,"page":16},{"id":7047,"text":"والسُّنَن : جمع سُنَّة ، وهي الطريقة التي يكون عليها الإنسان ويلازمها ، ومنه سُنَّة الأنبياء.\rقال خالد الهُذَلِي لخاله أبي ذُؤيب : [ الطويل ]\rفَلاَ تَجْزَعَنْ مِنْ سُنَّةِ أنْتَ سِرْتَهَا... فَأوَّلُ رَاضٍ سُنَّةً مَنْ يَسِيرُهَا\rوقال آخر : [ الطويل ]\rوَإنَّ الأُلَى بِالطَّفِّ مِنْ آلِ هَاشِمٍ... تَأسَّوْا ، فَسَنُّوا لِلْكِرَامِ التَّآسِيَا\rوقال لبيد : [ الكامل ]\rمِنْ أمَّةٍ سَنَّتْ لَهُمْ آبَاؤُهُمْ... وَلِكُلِّ قَوْمٍ سُنَّةٌ وَإمامُهَا\rوقال المفضَّل : السُّنَّة : الأمة ، وأنشد : [ البسيط ]\rمَا عَايَنَ النَّاسُ مِنْ فَضْلٍ كَفَضْلِكُمُ... وَلاَ رَأوْا مِثْلَكم فِي سَالِفِ السُّنَنِ\rولا دليل فيه ؛ لاحتمال أن يكون معناه : أهل السنن.\rوقال الخليل : سَنَّ الشيء بمعنى : صوره ، ومنه : { مِّنْ حَمَإٍ مَّسْنُونٍ } [ الحجر : 28 ] أي : مُصَوَّر وقيل : سن الماء والدرع إذا صبهما ، وقوله : { مِّنْ حَمَإٍ مَّسْنُونٍ } يجوز أن يكون منه ، ولكن نسبة الصب إلى الطين بعيدة.\rوقيل : مسنون ، أي : متغير.\rوقال بعض أهل اللغة : هي فُعْلة من سَنَّ الماء ، يسنه ، إذا والى صَبَّه ، والسَّنُّ : صَبُّ الماء والعرق نحوهما.\rوأنشد لزهير : [ الوافر ]\rنُعَوِّدُهَا الطراد كُلَّ يَوْمٍ... تُسَنُّ عَلَى سَنَابِكِهَا الْقُرُونُ\rأي : يُصب عليها من العرق ، شبَّه الطريقة بالماء المصبوب ، فإنه يتوالى جرْيُ الماء فيه على نَهْج واحد ، فالسُّنَّة بمعنى : مفعول ، كالغُرْفَةِ.\rوقيل : اشتقاقها من سننت النَّصْل ، أسنّه ، سنًّا ، إذا حددته [ على المِسَن ] ، والمعنى : أن الطريقةَ الحسنةَ ، يُعْتَنَى بها ، كما يُعْتَنَى بالنَّصْل ونحوه.\r","part":17,"page":17},{"id":7048,"text":"وقيل : من سَنَّ الإبل ، إذا أحسن رعايتها ، والمعنى : أن صاحب السنة يقوم على أصحابه ، كما يقوم الراعي على إبله ، والفعل الذي سَنَّه النبي سُمِّيَ سُنَّةً بمعنى : أنه صلى الله عليه وسلم أحسن رعايته وإدامته. وقد مضى من ذلك جملة صالحة في البقرة.\rقوله : { فَسِيرُواْ } جملة معطوفة على ما قبلها ، والتسبُّب في هذه الفاء ظاهر ، أي : سبب الأمر بالسير لتنظروا - نَظَرَ اعتبار - خُلُوَّ مَنْ قبلكم من الأمم وطرائقهم.\rوقال أبو البقاء : \" ودخلت الفاء في \" فَسِيرُوا \" ؛ لأن المعنى على الشرط ، أي : إن شككتم فسيروا \".\rوقوله : { كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ المكذبين } \" كيف \" خبر مقدم ، واجب التقديم ، لتضمُّنه معنى \" الاستفهام \" ، وهو معلق لـ \" انْظُرُوا \" قبله ، فالجملة في محل نصب بعد إسقاط الخافض ؛ إذ الأصل : انظروا في كذا.\rقوله : \" للناس \" يجوز أن يتعلقَ بالمصدر قبلَه ، ويجوز أن يتعلق بمحذوف على أنه وَصْف له.\rقوله : { لِّلْمُتَّقِينَ } يجوز أن يكون وَصْفاً - أيضاً - ويجوز أن يتعلق بما قبله ، وهو محتمل لأن يكونَ من التنازع ، وهو على إعمال الثاني للمحذوف من الأول. أ هـ {تفسير ابن عادل حـ 5 صـ 548 ـ 550}. بتصرف يسير.","part":17,"page":18},{"id":7049,"text":"قوله تعالى : { وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (139)}\rمناسبة الآية لما قبلها\rقال البقاعى :\rولما أمرهم بالمسارعة وأتبعها علتها ونتيجتها نهاهم عما يعوق عنها من قبل الوهن الذي عرض لهم عند رؤيتهم الموت فقال - ويجوز أن يعطف على ما تقديره : فتبينوا واهتدوا واتعظوا إن كنتم متقين ، وانظروا أخذنا لمن كان قبلكم من أهل الباطل وإن كان لهم دول وصولات ومكر وحيل - : {ولا تهنوا} أي في جهاد أعدائكم الذين هم أعداء الله ، فالله معكم عليهم ، وإن ظهروا يوم أحد نوع ظهور فسترون إلى من يؤول الأمر {ولا تحزنوا} أي على ما أصابكم منهم ولا على غيره مما عساه ينوبكم {و} الحال أنكم {أنتم الأعلون} أي في الدارين {إن كنتم مؤمنين} أي إن كان الإيمان - وهو التصديق بكل ما يأتي عن الله - لكم صفة راسخة ، فإنهم لا يهنون ؛ لأنكم بين إحدى الحسنيين - كما لم يهن من سيقص عليكم نبأهم ممن كانوا مع الأنبياء قبلكم لعلوكم عدوكم ، أما في الدنيا فلأن دينكم حق ودينهم باطل ، ومولاكم العزيز الحكيم الذي قد وعدكم الحق الملكَ الكبير لمن قتل ، والنصر والتوزر لمن بقي ، وهو حي قيوم ، ولا يخفى عليه شيء من أحوالكم ، فهو ناصركم وخاذلكم ، وأما في الآخرة فلأنكم في مقعد صدق عند مليك مقتدر ، وهم في النار عند ملائكة العذاب الغلاظ الشداد أبداً. أ هـ {نظم الدرر حـ 2 صـ 159 ـ 160}\rوقال الفخر :","part":17,"page":19},{"id":7050,"text":"اعلم أن الذي قدمه من قوله : {قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِكُمْ سُنَنٌ} [ آل عمران : 137 ] وقوله : {هذا بيان للناس} [ آل عمران : 138 ] كالمقدمة لقوله : {وَلاَ تَهِنُوا وَلاَ تَحْزَنُوا} كأنه قال إذا بحثتم عن أحوال القرون الماضية علمتم أن أهل الباطل وإن اتفقت لهم الصولة ، لكن كان مآل الأمر إلى الضعف والفتور ، وصارت دولة أهل الحق عالية ، وصولة أهل الباطل مندرسة ، فلا ينبغي أن تصير صولة الكفار عليكم يوم أحد سبباً لضعف قلبكم ولجبنكم وعجزكم ، بل يجب أن يقوى قلبكم فإن الاستعلاء سيحصل لكم والقوة والدولة راجعة إليكم. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 9 صـ 12}\rفصل\rقال الآلوسى :\r{ وَلاَ تَهِنُوا وَلاَ تَحْزَنُوا } أخرج الواحدي عن ابن عباس أنه قال : \"انهزم أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم أحد فبينما هم كذلك إذ أقبل خالد بن الوليد بخيل المشركين يريدون أن يعلوا عليهم الجبل فقال النبي صلى الله عليه وسلم : \"اللهم لا قوة لنا إلا بك اللهم ليس يعبدك بهذه البلدة غير هؤلاء النفر فأنزل الله تعالى هذه الآية : وثاب نفر من المسلمين فصعدوا الجبل ورموا خيل المشركين حتى هزموهم\" وعن الزهري وقتادة أنها نزلت تسلية للمسلمين لما نالهم يوم أحد من القتل والجراح.","part":17,"page":20},{"id":7051,"text":"وعن الكلبي أنها نزلت بعد يوم أحد حين أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أصحابه رضي الله تعالى عنهم بطلب القوم وقد أصابهم من الجراح ما أصابهم وقال صلى الله عليه وسلم : \"لا يخرج إلا من شهد معنا بالأمس فاشتد ذلك على المسلمين فأنزل الله هذه الآية\" ، وأياً ما كان فهي معطوفة على قوله تعالى : { فَسِيرُواْ فِى الأرض } [ آل عمران : 137 ] بحسب اللفظ ومرتبطة به بحسب المعنى إن قلنا إنه عود إلى التفصيل ، وبما تقدم من قصة أحد إن لم نقل ذلك وبه قال جمع ، وجعلوا توسيط حديث الربا استطراداً أو إشارة إلى نوع آخر من عداوة الدين ومحاربة المسلمين ، وبه يظهر الربط وقد مر توجيهه بغير ذلك أيضاً.\rومن الناس من جعل ارتباط هذه الآية لفظاً بمحذوف أي كونوا مجدين ولا تهنوا ، ومضى على الخلاف وهو تكلف مستغنى عنه ، والوهن الضعف أي لا تضعفوا عن قتال أعدائكم والجهاد في سبيل الله تعالى بما نالكم من الجراح ولا تحزنوا على ما أصبتم به من قتل الأعزة وقد قتل في تلك الغزوة خمسة من المهاجرين حمزة بن عبد المطلب ، ومصعب بن عمير صاحب راية رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وعبد الله بن جحش ابن عمة النبي صلى الله عليه وسلم وعثمان بن شماس ، وسعد مولى عتبة رضي الله تعالى عنهم ، وسبعون من الأنصار ، وقيل : لا تحزنوا على ما فاتكم من الغنيمة ولا يخفى بعده والظاهر أن حقيقة النهي غير مرادة هنا بل المراد التسلية والتشجيع وإن أريدت الحقيقة فلعل ذلك بالنسبة إلى ما يترتب على الوهن والحزن من الآثار الاختيارية أي لا تفعلوا ما يترتب على ذلك. أ هـ {روح المعانى حـ 4 صـ 66 ـ 67}","part":17,"page":21},{"id":7052,"text":"فصل\rقال الفخر :\rقوله : {وَلاَ تَهِنُواْ} أي لا تضعفوا عن الجهاد ، والوهن الضعف قال تعالى : حكاية عن زكريا عليه السلام {إِنّى وَهَنَ العظم مِنّى} [ مريم : 4 ] وقوله : {وَلاَ تَحْزَنُواْ} أي على من قتل منكم أو جرح\rوقوله : {وَأَنتُمُ الأَعْلَوْنَ} فيه وجوه :\rالأول : أن حالكم أعلى من حالهم في القتل لأنكم أصبتم منهم يوم بدر أكثر مما أصابوا منكم يوم أحد ، وهو كقوله تعالى : {أَوَ لَمَّا أصابتكم مُّصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مّثْلَيْهَا قُلْتُمْ أنى هذا} [ آل عمران : 165 ] أو لأن قتالكم لله وقتالهم للشيطان ، أو لأن قتالهم للدين الباطل وقتالكم للدين الحق ، وكل ذلك يوجب كونكم أعلى حالا منهم.\rالثاني : أن يكون المراد وأنتم الأعلون بالحجة والتمسك بالدين والعاقبة الحميدة.\rالثالث : أن يكون المعنى وأنتم الأعلون من حيث إنكم في العاقبة تظفرون بهم وتستولون عليهم وهذا شديد المناسبة لما قبله ، لأن القوم انكسرت قلوبهم بسبب ذلك الوهن فهم كانوا محتاجين الى ما يفيدهم قوة في القلب ، وفرحا في النفس ، فبشرهم الله تعالى بذلك ، فأما قوله : {إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ} ففيه وجوه :\rالأول : وأنتم الأعلون إن بقيتم على إيمانكم ، والمقصود بيان أن الله تعالى إنما تكفل باعلاء درجتهم لأجل تمسكهم بدين الاسلام.\rالثاني : وأنتم الأعلون فكونوا مصدقين لهذه البشارة إن كنتم مصدقين بما يعدكم الله ويبشركم به من الغلبة.\rوالثالث : التقدير : ولا تهنوا ولا تحزنوا وأنتم الأعلون إن كنتم مؤمنين ، فإن الله تعالى وعد بنصرة هذا الدين ، فإن كنتم من المؤمنين علمتم أن هذه الواقعة لا تبقى بحالها ، وأن الدولة تصير للمسلمين والاستيلاء على العدو يحصل لهم. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 9 صـ 12}","part":17,"page":22},{"id":7053,"text":"وقال الثعالبى :\rوقوله سبحانه : { إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ } : المقصدُ هزُّ النفوسِ ، وإقامتها ، ويترتَّب من ذلك الطَّعْنُ على من نجم في ذلك اليَوْم نِفَاقُهُ أو اضطرب يقينه ، أي : لا يتحصَّل الوعد إلاَّ بالإيمان ، فالزموه. أ هـ {الجواهر الحسان حـ 1 صـ 314}\rفصل\rقال القرطبى :\rعزّاهم وسَلاّهم بما نالهم يوم أحد من القتل والجراح ، وحثّهم على قتال عدوّهم ونهاهم عن العجز والفشل فقال { وَلاَ تَهِنُوا } أي لا تضعفوا ولا تجبنُوا يا أصحاب محمد عن جهاد أعدائكم لما أصابكم.\r{ وَلاَ تَحْزَنُوا } على ظهورهم ، ولا على ما أصابكم من الهزيمة والمصيبة.\r{ وأَنْتُم الاٌّعْلَوْنَ } أي لكم تكون العاقبة بالنصر والظفر { إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ } أي بصدق وَعْدِي.\rوقيل : \"إن\" بمعنى \"إذ\".\rقال ابن عباس : \" انهزم أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم أُحد فبينا هم كذلك إذ أقبل خالد بن الوليد بخيل من المشركين ، يريد أن يعلُوا عليهم الجبل ؛ فقال النبيّ صلى الله عليه وسلم : \"اللّهم لا يعلُنّ علينا اللّهم لا قوة لنا إلا بك اللّهم ليس يعبدك بهذه البلدة غير هؤلاء النفر\" \" فأنزل الله هذه الآيات.\rوثاب نفر من المسلمين رماة فصعِدوا الجبل ورموا خيل المشركين حتى هزموهم ؛ فذلك قوله تعالى : { وَأَنْتُمُ الأَعْلَوْنَ } يعني الغالبين على الأعداء بعد أُحد.\rفلم يُخرِجوا بعد ذلك عسكراً إلاّ ظفِروا في كل عسكر كان في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وفي كل عسكر كان بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم وكان فيه واحدٌ من الصحابة كان الظفر لهم ، وهذه البلدان كلها إنما افتتِحت على عهد أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ؛ ثم بعد انقراضهم ما افتتِحت بلدة على الوجه كما كانوا يفتتحون في ذلك الوقت.","part":17,"page":23},{"id":7054,"text":"وفي هذه الآية بيان فضلِ هذه الأُمة ؛ لأنه خاطبهم بما خاطب به أنبياءه ؛ لأنه قال لموسى : { إِنَّكَ أَنتَ الأعلى } [ طاه : 68 ] وقال لهذه الأُمة : { وَأَنْتُمُ الأَعْلَوْنَ }.\rوهذه اللفظة مشتقة من اسمه الأعلى فهو سبحانه العلي ، وقال للمؤمنين : { وَأَنْتُمُ الأَعْلَوْنَ }. أ هـ {تفسير القرطبى حـ 4 صـ 216 ـ 217}\rمن فوائد ابن عاشور فى الآية\rقال رحمه الله :\rقوله : { ولا تهنوا ولا تحزنوا } نهي للمسلمين عن أسباب الفشل.\rوالوهن : الضعف ، وأصله ضعف الذات : كالجسم في قوله تعالى : { ربِّ إنِّي وهَن العظم منِّي } [ مريم : 4 ] ، والحبْل في قول زهير\rفأصبح الحَبْل منها خَلَقا...\rوهو هنا مجاز في خور العزيمة وضعف الإرادة وانقلاب الرجاء يأساً ، والشَّجاعة جبناً ، واليقين شكّاً ، ولذلك نهوا عنه.\rوأمَّا الحزن فهو شدّة الأسف البالغة حدّ الكآبة والانكسار.\rوالوهنُ والحزن حالتان للنفس تنشآن عن اعتقاد الخيبة والرزء فيترتّب عليهما الاستسلام وترك المقاومة.\rفالنهي عن الوهن والحزن في الحقيقة نهي عن سببهما وهو الاعتقاد ، كما يُنهى عن النسيان ، وكما يُنهى أحد عن فعل غيره في نحو لا أرَيَنّ فلاناً في موضع كذا أي لا تَتْركْه يحلّ فيه ، ولذلك قدّم على هذا النَّهي قوله : { قد خلت من قبلكم سنن } [ آل عمران : 137 ] إلخ...\rوعقب بقوله : { وأنتم الأعلون إن كنتم مؤمنين }.\rوقوله : { وأنتم الأعلون إن كنتم مؤمنين } ، الواو للعطف وهذه بشارة لهم بالنَّصر المستقبل ، فالعلوّ هنا علوّ مجازيّ وهو علوّ المنزلة.","part":17,"page":24},{"id":7055,"text":"والتَّعليق بالشرط في قوله : { إن كنتم مؤمنين } قصد به تهييج غيرتهم على الإيمان إذ قد علِم الله أنَّهم مؤمنون ولكنَّهم لمّا لاح عليهم الوهن والحزن من الغلبة ، كانوا بمنزلة من ضعف يقينه فقيل لهم : إن علمتم من أنفسكم الإيمان ، وجيء بإن الشرطية الَّتي من شأنها عدم تحقيق شرطها ، إتماماً لِهذا المقصد. أ هـ {التحرير والتنوير حـ 3 صـ 227 ـ 228}\rفوائد لغوية\rقال ابن عادل :\rقوله {ولا تهنوا}\rالأصل : تُوْهِنوا ، فحُذِفت الواو ؛ لوقوعها بين تاء وكسرة في الأصل ، ثم أجْريت حروف المضارعة مُجْراها في ذلك ، ويقال : وَهَنَ - بالفتح في الماضي - يَهِنُ - بالكسر في المضارع.\rونُقِلَ أنه يُقال : وَهُن ، ووَهِنَ - بضم الهاء وكسر في الماضي - و\" وَهَنَ \" يُستعمل لازماً ومتعدياً ، تقول : وَهَنَ زيدٌ ، أي : ضَعُفَ ، قال تعالى : { وَهَنَ العظم مِنِّي } [ مريم : 4 ] ، ووَهَنْتُه وأضعفته ، ومنه الحديث : \" وَهَنْتُهُمْ حُمَّى يَثْرِبَ \" ، والمصدر على الوهَن - بفتح الهاء وسكونها.\rوقال زهير : [ البسيط ]\r................... فَأصْبَحَ الْحَبْلُ مِنْهَا وَاهِناً خَلَقَا\rأي : ضعيفاً.\rقوله : { وَأَنْتُمُ الأَعْلَوْنَ } جملة حالية من فاعل { تَهِنُوا } ، أو { تَحْزَنُوا } ، والاستئناف فيها غير ظاهر ، و{ الأَعْلَوْنَ } جمع أعْلَى ، والأصل : أعْلَيَوْنَ ، فتحرَّكت الياء ، وانفتح ما قبلها ، فقُلبَت ألفاً فحُذِفت لالتقاء الساكنين ، وبقيَت الفتحةُ لتدلَّ عليها.\rوإن شئت قُلْتَ : استثقلت الضمةُ على الياء ، فحُذِفت ، فالتقى ساكنان أيضاً - الياء والواو - فحُذِفتَ الياء ؛ لالتقاء الساكنين ، وإنَّما احتجنا إلى ذلك ؛ لأن واو الجمع لا يكون ما قبلها إلا مضموماً ، لفظاً ، أو تقديراً. وهذا من مثال التقدير. أ هـ {تفسير ابن عادل حـ 5 صـ 551 }","part":17,"page":25},{"id":7056,"text":"من لطائف الإمام القشيرى فى الآية\rقوله تعالى { وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (139)}\rيعني إذا قلتم بالله ( ووصلتم ) بالله فلا ينبغي أن تخافوا من غير الله ، ولا تَهِنوا ولا تضعفوا فإن النصرة من عند الله ، والغالب الله ، وما سوى الله فليس منهم ذرة ولا منهم سينة.\rقوله : { إن كُنتُم مُّؤمِنِينَ } أي ينبغي للمؤمن ألا تظله مهابةٌ من غير الله. أ هـ {لطائف الإشارات حـ 1 صـ 280}\rفصل فى ذكر قصة غزوة أحد\rقال السمرقندى عليه الرحمة :\rوكانت القصة في ذلك أنهم لما غَلَبُوا المشركين يوم بدر ، وأصابوا منهم ما أصابوا وسنذكر قصة بدر في سورة الأنفال إن شاء الله تعالى فرجع أبو سفيان بن حرب إلى مكة بالعير ، وانهزم المشركون ، وذهب عكرمة بن أبي جهل ، ورجال أُصِيب أبناؤهم وآباؤهم وإخوانهم ببدر إلى أبي سفيان بن حرب وهو رئيس مكة فكلموه ، وأتاه كل من كان له في ذلك العير مال ، فقالوا : إن محمداً قد قتل خياركم ، فاستعينوا بهذه الأموال على حربه ففعلوا.\rقال الضحاك : فأعانهم أبو سفيان بمائة راحلة وما يصلحها من الزاد والسلاح ، فسارت قريش وهم ثلاثة آلاف رجل ، وعليهم أبو سفيان بن حرب ، وكان في القوم خالد بن الوليد ، وعمرو بن العاص ، وعكرمة بن أبي جهل ، وذلك قبل دخولهم في الإسلام ، فلم يبقَ أحد من قريش إلا وخرج أهله معه وولده يجعلهم خلف ظهره ليقاتل عنهم.","part":17,"page":26},{"id":7057,"text":"فلما سمع بهم رسول الله صلى الله عليه وسلم خطب الناس ، وقال في خطبته : \" إِنِّي رَأَيْتُ فِيمَا يَرَى النَّائِمُ كَأَنَّ فِي سَيْفِي ثلمَةُ فَأَوَّلْتُهَا مصِيبَةً فِي نَفْسِي ، وَرَأَيْتُ بُقُوراً قَدْ ذُبِحَتْ ، فَأَوَّلْتُهَا قَتْلَى فِي أَصْحَابِي ، وَرَأَيْتُ كَأَنِّي أَدْخَلْتُ يَدِي فِي دِرْعٍ حَصِينَةٍ ، فَأَوَّلْتُهَا المَدِينَةَ فَأَشِيرُوا عَلَيَّ \" وكره الخروج إليهم ، فكان رأي عبد الله بن أبي ابن سلول مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بأن لا يخرج إليهم ، ولكنه كان منافقاً فقال : يا رسول الله لا تخرج إليهم فأنا ما خرجنا إلى عدوّ قط إلا أصاب منا ، ولا دخل علينا إلا أصبنا منه.\rفقال رجال من المسلمين ممن أكرمهم الله بالشهادة وغيرهم ممن فاتته بدر : اخرج لهم يا رسول الله ، لكي لا يرى أعداء الله أنا قد جَبُنَّا عنهم وضعفنا عن قتالهم.\rفلم يزالوا به حتى دخل ولبس لأمته ، ثم خرج النبيّ صلى الله عليه وسلم إليهم وقد خرج الناس فقالوا : استكرهنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ؛ فقالوا : يا رسول الله : قد استكرهناك وما كان لنا ذلك ، فإن شئت فاخرج ، وإن شئت فاقعد.\rفقال النبيّ صلى الله عليه وسلم : \" مَا يَنْبَغِي لِلنَّبِيِّ أَنْ يَضَعَ سِلاَحَهُ إِذَا لَبِسَهُ حَتَّى يُقَاتِلَ \" فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وسار إلى أُحدٍ ، فانخذل عبد الله بن أبي ابن سلول.\rقال في رواية الكلبي : فرجع معه ثلاثمائة من الناس ، وبقي مع رسول الله صلى الله عليه وسلم نحو سبعمائة رجل.\rوقال في رواية الضحاك : فانخذل في ستمائة رجل من اليهود ، وبقي مع النبيّ صلى الله عليه وسلم ألف رجل من المؤمنين الطيبين.\r","part":17,"page":27},{"id":7058,"text":"ثم خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى نزل بالشِّعب من أحد ، وأمر عبد الله بن جبير على الرُّمَاة وقال لهم : \" لاَ تَبْرَحُوا مِنْ هَذَا المَوْضِعِ ، وَاثْبُتُوا هاهنا إِنْ كَانَ الأَمْرُ عَلَيْنَا أَوْ لَنَا \" وقال في رواية الكلبي : كان الرماةُ خمسين رجلاً.\rوقَال في رواية الضحاك : كانوا سبعين رجلاً.\rفجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم ظهره إلى أُحد ، ودنا المشركون وأخذوا في الحرب ، فقامت هند امرأة أبي سفيان وصواحبتها حين حميت الحرب ، يضربن بالدُّفوف خلف قريش ويقلن : \rنَحْنُ بَنَاتُ طَارِق.\r.. نَمْشِي على النَّمَارق\rإِن تُقْبِلُوا نُعَانِق.\r.. أَو تُدْبِرُوا نفارق\rفِرَاقَ غَيْرَ وَامِق.\r.. فقاتل أبو دجانة في نفر من المسلمين قتالاً شديداً ، وقاتل علي بن أبي طالب حتى انكسر سيفه ، وقاتل سعد بن أبي وقاص ، وكان النبيّ صلى الله عليه وسلم يقول لسعد : \" ارْمِ فَداكَ أَبِي وَأُمِّي \" فقتلوا جماعة من المشركين ، وَصَدَقَهم الله وعده وأنزل نصره ، حتى كانت هزيمة القوم لا شكّ.\rفكشفوهم عن عسكرهم قال الزبير : رأيت هنداً وصواحبتها هوارب ، فلما نظر الرماة إلى القوم وانهزموا ، أقبلوا على النهب فقال لهم عبد الله بن جُبَيْر : لا تَبْرحوا عن هذا الموضع ، فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد عَهِدَ إليكم.\rفلم يلتفتوا إلى قوله ، وظنوا أن المشركين قد انهزموا ؛ فبقي عبد الله بن جبير مع ثمانية نفر ، فخرج خالد بن الوليد مع خمسين ومائتي فارس من قِبَل الشِّعب ، فقتلوا من بقي من الرماة ، ودخلوا خلف أقفية المسلمين ، وتفرق المسلمون ورجع المشركون ، وحملوا حملةً واحدة ، فصار المسلمون ثلاثة أنواع : بعضهم جريح ، وبعضهم قتيل ، وبعضهم منهزم.\r","part":17,"page":28},{"id":7059,"text":"وكان مصعب بن عمير يَذُبُّ عن رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى قُتِلَ دونه ، ثم قاد زياد بن السكن فقاتل بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى قُتِلَ ، وخلص الحرب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وقذف بالحجارة حتى وقع بشفتيه ، وأصيبت رباعيَتُه ، وكُلِمَتْ شفته ، وأدمي ساقه.\rفقال سفيان بن عيينة : لقد أصيب مع رسول الله صلى الله عليه وسلم نحو ثلاثين رجلاً ، كلهم جثوا بين يديه.\rأو قال : كلهم يتقدم بين يديه.\rثم يقول : وجهي لوجهك الوفاء ، ونفسي لنفسك الفداء ، وعليك سلام الله غير مودع.\rفرجع الذي قتل مصعب بن عمير ، فظن أنه قتل رسول الله صلى الله عليه وسلم.\rفقال للمشركين : قتلت محمداً.\rفصرخ صارخ : ألا إن محمداً قد قُتل.\rويقال : كان ذلك إبليس لعنه الله ، فولى المسلمون هاربين متحيّرين ، وجاء إبليس لعنه الله ونادى بأعلى صوته في المدينة : ألا إن محمداً قد قتل وأَخَذَت النسوة في البكاء في البيوت ، فأقبل أَنَس بن النضر عم أنس بن مالك إلى عمر بن الخطاب ، وطلحة بن عبيد الله في رِجَالٍ من المهاجرين والأنصار ، فقال : ما يُجْلسكم ؟ قالوا : قتل محمد.\rفقال : ما تصنعون بالحياة بعده ؟ موتوا كراماً على ما مات عليه نبيُّكم.\rثم أقبل نحو العدو ، فقاتل حتى قتل.\rقال كعب بن مالك : فأوّل من كنت عرفت رسول الله صلى الله عليه وسلم من المسلمين ، عرفت عينيه من تحت المغفر تزهران ، فناديت بأعلى صوتي : يا معشر المسلمين أبشروا ، هذا رسول الله صلى الله عليه وسلم.\rفأشار إليَّ أَن اسكت.\rوقال أنس بن مالك : قد شجّ وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فجعل الدم يسيل على وجهه وهو يمسح الدم ويقول : \" كَيْفَ يُفْلِحُ قَوْمٌ خَضَّبُوا وَجْهَ رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم بِالدَّمِ \" وهو يدعوهم إلى ربهم.","part":17,"page":29},{"id":7060,"text":"ويقال : إن أصحابه لما اجتمعوا قالوا : يا رسول الله ، لو دعوت الله على هؤلاء الذين صنعوا بك ؟ فقال النبيّ صلى الله عليه وسلم : \" لَمْ أُبْعَثْ طَعَّاناً وَلاَ لَعَّاناً ، وَلَكِن بُعِثْتُ دَاعِياً وَرَحْمَةً اللَّهُمَّ اهْدِ قَوْمِي فَإنَّهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ \"\rفجاءه أُبَيّ بن خلف الجمحي ، فقال : يا محمد لا نَجوتُ إن نجوتَ مني.\rفهمَّ المسلمون بقتله ، فقال لهم.\r\"دَعُوهُ\" حتى دنا منه ، فتناول رسول الله صلى الله عليه وسلم الحربة من الحارث بن الصمة ورماه بها ، فخدشه في عنقه خدشاً غير كبير ، وقد كان ذلك لقي رسول الله صلى الله عليه وسلم بمكة وقال : عندي فرس أعلفه كل يوم فرق ذرة ، أقتلك عليه.\rفقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم : \" بَلْ أَنَا أَقْتُلُكَ إِنْ شَاءَ الله \" فلما خدشه رسول الله صلى الله عليه وسلم في عنقه رجع إلى قريش وهو يقول : قتلني محمد.\rفقالوا له : ما بك من طعن.\rفقال : بلى ، لقد قال لي أنا أقتلك ، والله لو بصق علي بعد تلك المقالة لقتلني.\rفمات قبل أن يصل إلى مكة في طريقها.\rوكان رسول الله صلى الله عليه وسلم واقفاً عند أحد ، وقد اجتمع عليه بعض أصحابه ، فعلت عليه فرقة من قريش في الجبل فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : \" لاَ يَنْبَغِي لَهُمْ أَنْ يَعْلُونَا \" فأقبل عمر ورهط من المهاجرين ، فقاتلوهم حتى أهبطوهم من الجبل.\rوقد كان جبير بن مطعم قال لمملوك له يقال له وحشي : إن أنت قتلت محمداً جعلت لك أعنة الخيل ، وإن أنت قتلت علي بن أبي طالب جعلت لك مائة ناقة كلها سود الحدقة ، وإن أنت قتلت حمزة فأنت حرٌّ.\rفقال وَحْشي : أما محمد فعليه حافظ من الله تعالى لا يخلص إليه أحد ، وأما عَلَيُّ فما برز إليه رجل إلا قتله ؛ وأما حمزة فرجل شجاع ، فعسى أن أُصَادفه في غِرَّته فاقتله مكانه.","part":17,"page":30},{"id":7061,"text":"وكانت هند كلما مرّ بها وَحْشي أو مرّت به هند قالت له : إيهاً أبا دسمة اشف واستشف.\rفكمن وحشي خلف صخرة ، وكان حمزة حمل على قوم من المشركين ، فلما رجع من حملته مرّ بوحشي وهو خلف الصخرة ، فزرقه بمزراق فأصابه فسقط ، فذهبت هند ابنة عتبة والنسوة اللاتي معها يمثلن بالقتلى ، يجدعن الآذان والأنوف ، وشَقَّت هند بطن حمزة وأخذت كبده ومضغته ، ثم صعدت هند على صخرة وهي تنادي بأعلى صوتها : نَحْنُ جَزَيْنَاكم بيوم بَدْر.\rوأقبل أبو سفيان وهو يصرخ بأعلى صوته : اعلُ هبل يوماً بيوم بدر.\rفقال النبيّ صلى الله عليه وسلم لعمر : \" أَجِبْهُ يَا عُمَرَ \" فأجابه عمر : الله أعلى وأجل لا سواه ، قتلانا في الجنة وقتلاكم في النار.\rثم ركب النبيّ صلى الله عليه وسلم بغلته ، وظاهر بين درعيه ، وأخرج يده من جيب الدرع ، وسلّ سيفه ذا الفقار ، وباشر القتال بنفسه ، وحمل على المشركين والتأم إليه المسلمون فأعانوه ، وهزم الله جمع المشركين ، وقُتل يومئذ من المسلمين سبعون رجلاً : أربعة نفر من المهاجرين ، وستة وستون من الأنصار.\rوقتل يومئذ من المشركين تسعة عشر رجلاً أو أكثر ، وكثرت القروح في أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فعزَّاهم الله تعالى : في ذلك بقوله تعالى : { إِن يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ }. أ هـ {بحر العلوم حـ 1 صـ 274 ـ 277}","part":17,"page":31},{"id":7062,"text":"قوله تعالى : { إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَدَاءَ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ (140)}\rمناسبة الآية لما قبلها\rقال البقاعى :\rولما نهاهم عما تقدم وبشرهم سلاهم وبصرهم بقوله : {إن يمسسكم قرح} أي مصيبة بإدالتهم عليكم اليوم {فقد مس القوم} أي الذين لهم من قوة المحاولة ما قد علمتم ، أي في يوم أحد نفسه وفي يوم بدر {قرح مثله} أي في مطلق كونه قرحاً وإن كان أقل من قرحكم في يوم أحد وأكثر منه في يوم بدر ، على أنه كما أنه ظفرهم - بعدما أصابهم وأنكأهم يوم بدر بالزهد الذي ليس بعده وهن - بقتل مثل من قتل منكم وأسر مثلكم ، ويوم أحد بالقتل والهزيمة أول النهار وهم أعداؤه ، فهو جدير بأن يظفركم بعد وهنكم وأنتم أولياؤه ، فكما لم يضعفهم وهنهم وهم على الباطل فلا تضعفوا أنتم وأنتم على الحق ، ترجون من الله ما لا يرجون ، فقد أدلناكم عليهم يوماً وأدلناهم عليكم آخر {وتلك الأيام} ولما نبه على تعظيمها بأداة البعد ، وكانت إنما تعظم بعظم أحوالها ذكر الحال المنبه عليها بقوله : {نداولها بين الناس} أي بأن نرفع من نشاء تارة ونرفع عليه أخرى.","part":17,"page":32},{"id":7063,"text":"ولما كان التقدير : ليدال على من كانت له الدولة ، فيعلم كل أحد أن الأمر لنا بلا شريك ولا منازع عطف عليه قوله : {وليعلم الله} أي المحيط بجميع الكمال {الذين آمنوا} أي بتصديق دعوى الإيمان بنية الجهاد فيكرمهم ، ومعنى {ليعلم} أنه يفعل فعل من يريد علم ذلك بأن يبرز ما يعلمه غيباً إلى عالم الشهادة ليقيم الحجة على الفاعلين على ما يتعارفه الناس بينهم {ويتخذ منكم شهداء} أي بأن يجعل قتلهم عين الحياة التي هي الشهادة ، لا غيبة فيها ، فهو سبحانه وتعالى يزيد في إكرامهم بما صدقوا في إيمانهم بأن لا يكونوا مشهوداً عليهم أصلاً بفتنة في قبورهم ولا غيرها ولا يغفلوا بخوف ولا صعق ولا غيره ، فإن الله يحب المؤمنين ، وليعلم الذين ظلموا ويمحق منهم أهل الجحد والاعتداء {والله} أي الملك الأعلى {لا يحب الظالمين} أي الذين يخالف فعلهم قولهم ، فهو لا يستشهدهم ، وإنما يجعل قتلهم أول خيبتهم وعذابهم ، وفيه بشارة في ترغيب بأنه لا يفعل مع الكفرة فعل المحب ، لئلا يحزنوا على ما أصابهم ، ونذارة في تأديب بأنهم ما أخذوا إلا بتضييعهم الثغر الذي أمرهم به من التزموا طاعته وأمر الله بها في المنشط والمكره بحفظه ، وأقبلوا على الغنائم قبل أن يفرغوا من العدو ، والآية من الاحتباك : إثبات الاتخاذ أولاً دال على نفيه ثانياً ، وإثبات الكراهة ثانياً دال على المحبة أولاً. أ هـ {نظم الدرر حـ 2 صـ 160}","part":17,"page":33},{"id":7064,"text":"وقال الفخر :\rواعلم أن هذا من تمام قوله : {وَلاَ تَهِنُوا وَلاَ تَحْزَنُوا وَأَنتُمُ الأَعْلَوْنَ} [ آل عمران : 139 ] فبين تعالى أن الذي يصيبهم من القرح لا يجب أن يزيل جدهم واجتهادهم في جهاد العدو ، وذلك لأنه كما أصابهم ذلك فقد أصاب عدوهم مثله قبل ذلك ، فاذا كانوا مع باطلهم ، وسوء عاقبتهم لم يفتروا لأجل ذلك في الحرب ، فبأن لا يلحقكم الفتور مع حسن العاقبة والتمسك بالحق أولى. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 9 صـ 13}\rلطيفة\rقال الماوردى :\rالفرق بيت المس واللمس فهو أن اللمس مباشرة بإحساس ، والمس مباشرة بغير إحساس. أ هـ {النكت والعيون حـ 1 صـ 426}\rفصل\rقال الفخر :\rقرأ حمزة والكسائي وأبو بكر عن عاصم {قُرْحٌ} بضم القاف وكذلك قوله : {مِن بَعْدِ مَا أصابهم القرح} [ آل عمران : 172 ] والباقون بفتح القاف فيهما واختلفوا على وجوه :\rفالأول : معناهما واحد ، وهما لغتان : كالجهد والجهد ، والوجد والوجد ، والضعف والضعف.\rوالثاني : أن الفتح لغة تهامة والحجاز والضم لغة نجد.\rوالثالث : أنه بالفتح مصدر وبالضم اسم.\rوالرابع : وهو قول الفرّاء أنه بالفتح الجراحة بعينها وبالضم ألم الجراحة.\rوالخامس : قال ابن مقسم : هما لغتان إلا أن المفتوحة توهم أنها جمع قرحة. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 9 صـ 13}\rقال الطبرى :\rوأولى القراءتين بالصواب قراءة من قرأ : \"إن يمسسكم قَرح فقد مس القوم قَرْح مثله\" ، بفتح\"القاف\" في الحرفين ، لإجماع أهل التأويل على أن معناه : القتل والجراح ، فذلك يدل على أن القراءة هي الفتح.\rوكان بعض أهل العربية يزعُمُ أن\"القَرح\" و\"القُرح\" لغتان بمعنى واحد. والمعروف عند أهل العلم بكلام العرب ما قلنا. أ هـ {تفسير الطبرى حـ 7 صـ 237}","part":17,"page":34},{"id":7065,"text":"قال ابن عطية ولله دره :\rهذه القراءات لا يظن إلا أنها مروية عن النبي عليه السلام : وبجميعها عارض جبريل عليه السلام مع طول السنين توسعة على هذه الأمة ، وتكملة للسبعة الأحرف حسب ما بيناه في صدر هذا التعليق ، وعلى هذا لا يقال : هذه أولى من جهة نزول القرآن بها ، وإن رجحت قراءة فبوجه غير وجه النزول ، قال أبو الحسن الأخفش : \" القَرح \" و\" القُرح \" مصدران بمعنى واحد ، ومن قال القَرح بالفتح الجراحات بأعيانها ، والقُرح بضم القاف ألم الجراحات قبل منه إذا أتى برواية ، لأن هذا مما لا يعلم بقياس ، وقال بهذا التفسير الطبري ، وقرأ الأعمش \" إن تمسسكم \" : بالتاء من فوق ، \" قروح \" بالجمع ، \" فقد مس القوم قرح مثله \" ، وقرأ محمد بن السميفع اليماني \" قَرَح \" بفتح القاف والراء ، قال أبو الفتح : هي لغة في القرح كالشل والشلل والطرد والطرد. هذا مذهب البصريين ، وليس هذا عندهم من تأثير حرف الحلق ، وأنا أميل في هذا إلى قول أصحابنا البغداديين ، في أن لحرف الحلق في مثل هذا أثراً معتمداً ، وقد سمعت بعض بني عقيل يقول : نحوه بفتح الحاء ، يريد نحوه ، ولو كانت الكلمة مبنية على فتح الحاء لأعلت الواو وكعصاة وفتاة ، وسمعت غيره يقول : أنا محموم بفتح الحاء قال ابن جني : ولا قرابة بيني وبين البصريين ولكنها بيني وبين الحق ، والحمد الله. أ هـ {المحرر الوجيز حـ 1 صـ 512}\rفصل\rقال الفخر :\rفي الآية قولان :\rأحدهما : إن يمسسكم قرح يوم أحد فقد مسهم يوم بدر ، وهو كقوله تعالى : {أَوَ لَمَّا أصابتكم مُّصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مّثْلَيْهَا قُلْتُمْ أنى هذا} [ آل عمران : 165 ]","part":17,"page":35},{"id":7066,"text":"والثاني : أن الكفار قد نالهم يوم أحد مثل ما نالكم من الجرح والقتل ، لأنه قتل منهم نيف وعشرون رجلا ، وقتل صاحب لوائهم والجراحات كثرت فيهم وعقر عامة خيلهم بالنبل ، وقد كانت الهزيمة عليهم في أول النهار. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 9 صـ 13}\rفائدة\rقال ابن عاشور :\rإِن يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ القوم قَرْحٌ مِّثْلُهُ وَتِلْكَ الايام نُدَاوِلُهَا بَيْنَ الناس }.\rتسلية عمَّا أصاب المسلمين يوم أُحُد من الهزيمة بأن ذلك غير عجيب في الحرب ، إذ لا يخلو جيش من أن يغلب في بعض مواقع الحرب ، وقد سبق أنّ العدوّ غُلب.\rوالمسّ هنا الإصابة كقوله في سورة [ البقرة : 214 ] { مستهم البأساء والضراء } والقَرح بفتح القاف في لغة قريش الجرح ، وبضمِّها في لغة غيرهم ، وقرأه الجمهور : بفتح القاف ، وقرأه حمزة والكسائي ، وأبو بكر عن عاصم ، وخلف : بضمّ القاف ، وهو هنا مستعمل في غير حقيقته ، بل هو استعارة للهزيمة الَّتي أصابتهم ، فإنّ الهزيمة تشبّه بالثلمة وبالانكسار ، فشبّهت هنا بالقرح حين يصيب الجسد ، ولا يصحّ أن يراد به الحقيقة لأنّ الجراح الَّتي تصيب الجيش لا يعبأ بها إذا كان معها النصر ، فلا شكّ أنّ التسلية وقعت عمّا أصابهم من الهزيمة.\rوالقوم هم مشركو مكة ومن معهم.\rوالمعنى إن هُزِمتم يوم أُحُد فقد هزم المشركون يوم بدر وكنتم كفافاً.\rولذلك أعقبه بقوله : وتلك الأيام نداولها بين الناس }.\rوالتَّعبير عمَّا أصاب المسلمين بصيغة المضارع في { يمسسكم } لقُربه من زمن الحال ، وعمّا أصاب المشركين بصيغة الماضِي لبعده لأنَّه حصل يوم بدر.","part":17,"page":36},{"id":7067,"text":"فقوله : { فقد مس القوم قرح } ليس هو جواب الشرط في المعنى ولكنّه دليل عليه أغنى عنه على طريقة الإيجاز ، والمعنى : إن يمسكم قرح فلا تحْزنوا أو فلا تهنوا وهَناً بالشكّ في وعد الله بنصر دينه إذ قد مسّ القومَ قرح مثله فلم تكونوا مهزومين ولكنّكم كنتم كفافاً ، وذلك بالنِّسبة لقلّة المؤمنين نصر مبين.\rوهذه المقابلة بما أصاب العدوّ يوم بدر تعيِّن أن يكون الكلام تسلية وليس إعلاماً بالعقوبة كما قاله جمع من المفسّرين.\rوقد سأل هرقل أبا سفيان : كيف كان قتالكم له قال \"الحرب بيننا سِجَال يَنَالُ مِنَّا وننال منه ، فقال هرقل : وكذلك الرسل تبتلَى وتكون لهم العاقبة\". أ هـ {التحرير والتنوير حـ 3 صـ 228 ـ 229}\rسؤال : فإن قيل كيف قال : {قَرْحٌ مّثْلُهُ} وما كان قرحهم يوم أحد مثل قرح المشركين ؟\rقلنا : يجب أن يفسر القرح في هذا التأويل بمجرد الانهزام لا بكثرة القتلى. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 9 صـ 13}\rقوله تعالى : {وَتِلْكَ الأيام نُدَاوِلُهَا بَيْنَ الناس}\rفصل\rقال الفخر :\rقال القفال : المداولة نقل الشيء من واحد إلى آخر ، يقال : تداولته الأيدي إذا تناقلته ومنه قوله تعالى : {كَى لاَ يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الأغنياء مِنكُمْ} [ الحشر : 7 ] أي تتداولونها ولا تجعلون للفقراء منها نصيباً ، ويقال : الدنيا دول ، أي تنتقل من قوم الى آخرين ، ثم عنهم إلى غيرهم ، ويقال : دال له الدهر بكذا إذا انتقل اليه ، والمعنى أن أيام الدنيا هي دول بين الناس لا يدوم مسارها ولا مضارها ، فيوم يحصل فيه السرور له والغم لعدوه ، ويوم آخر بالعكس من ذلك ، ولا يبقى شيء من أحوالها ولا يستقر أثر من آثارها.","part":17,"page":37},{"id":7068,"text":"واعلم أنه ليس المراد من هذه المداولة أن الله تعالى تارة ينصر المؤمنين وأخرى ينصر الكافرين وذلك لأن نصرة الله منصب شريف وإعزاز عظيم ، فلا يليق بالكافر ، بل المراد من هذه المداولة أنه تارة يشدد المحنة على الكفار وأخرى على المؤمنين والفائدة فيه من وجوه : الأول : أنه تعالى لو شدد المحنة على الكفار في جميع الأوقات وأزالها عن المؤمنين في جميع الأوقات لحصل العلم الاضطراري بأن الايمان حق وما سواه باطل ، ولو كان كذلك لبطل التكليف والثواب والعقاب فلهذا المعنى تارة يسلط الله المحنة على أهل الايمان ، وأخرى على أهل الكفر لتكون الشبهات باقية والمكلف يدفعها بواسطة النظر في الدلائل الدالة على صحة الاسلام فيعظم ثوابه عند الله.\rوالثاني : أن المؤمن قد يقدم على بعض المعاصي ، فيكون عند الله تشديد المحنة عليه في الدنيا أدباً له وأما تشديد المحنة على الكافر فإنه يكون غضبا من الله عليه.\rوالثالث : وهو أن لذات الدنيا وآلامها غير باقية وأحوالها غير مستمرة ، وإنما تحصل السعادات المستمرة في دار الآخرة ، ولذلك فإنه تعالى يميت بعد الاحياء ، ويسقم بعد الصحة ، فاذا حسن ذلك فلم لا يحسن أن يبدل السراء بالضراء ، والقدرة بالعجز ، وروي أن أبا سفيان صعد الجبل يوم أحد ثم قال : أين ابن أبي كبشة أين ابن أبي قحافة أين ابن الخطاب ، فقال عمر : هذا رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وهذا أبو بكر ، وها أنا عمر ، فقال أبو سفيان : يوم بيوم والأيام دول والحرب سجال ، فقال عمر رضي الله عنه لا سواء ، قتلانا في الجنة وقتلاكم في النار ، فقال : إن كان كما تزعمون ، فقد خبنا إذن وخسرنا. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 9 صـ 13 ـ 14}","part":17,"page":38},{"id":7069,"text":"وقال ابن عاشور :\rوقوله : { وتلك الأيام نداولها بين الناس } الواو اعتراضية ، والإشارة بتلك إلى ما سيُذكر بعدُ ، فالإشارة هنا بمنزلة ضمير الشأن لقصد الاهتمام بالخبر وهذا الخبر مكنّى به عن تعليل للجواب المحذوف المدلول عليه بجملة : { فقد مس القوم قرح مثله }.\rو { الأيَّام } يجوز أن تكون جمع يوم مراد به يوم الحرب ، كقولهم : يوم بدر ويوم بُعاث ويوم الشَّعْثَمَيْن ، ومنه أيّام العرب ، ويجوز أن يكون أطلق على الزّمان كقول طرفة :\rوما تَنْقُصصِ الأيَّامُ والدهرُ يَنْفَدِ...\rأي الأزمان. أ هـ {التحرير والتنوير حـ 3 صـ 229}\rفصل\rقال القرطبى :\rقوله تعالى : { إِن يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ } القرح الجرح.\rوالضم والفتح فيه لغتان عن الكسائي والأخفش ؛ مثل عَقْر وعُقْر.\rالفراء : هو بالفتح الجُرح ، وبالضم ألَمُه.\rوالمعنى : إن يمسسكم يوم أُحُدٍ قَرْح فقد مَسّ القوم يوم بَدْرٍ قَرْح مثله.\rوقرأ محمد بن السَّمَيْقَع \"قرح\" بفتح القاف والراء على المصدر.\r{ وَتِلْكَ الأيام نُدَاوِلُهَا بَيْنَ الناس } قيل : هذا في الحرب ، تكون مرة للمؤمنين لينصر الله عز وجل دينه ، ومرة للكافرين إذا عصى المؤمنون ليبتليَهم ويُمَحِّصَ ذنوبهم ؛ فأما إذا لم يَعْصوا فإنّ حزب الله هم الغالبون.\rوقيل : { نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النّاسِ } من فَرَح وَغمّ وصحّةِ وسُقْم وغِنًى وفقْرٍ.\rوالدُّولَةُ الكَرَّة ؛ قال الشاعر :\rفيومٌ لنا ويومٌ علينا . . .\rويومٌ نُسَاءُ ويَوْمٌ نُسَرّ\rقوله تعالى : { وَلِيَعْلَمَ الله الذين آمَنُواْ } معناه ، وإنما كانت هذه المدَاولَةُ ليُرَى المؤمنُ من المنافق فيُمَيَّز بعضُهم من بعض ؛ كما قال : { وَمَا أَصَابَكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجمعَانِ فَبِإذْنِ اللَّهِ وَلِيَعْلَم المُؤْمِنِينَ.\rولِيَعْلَم الّذينَ نَافَقُوا }.","part":17,"page":39},{"id":7070,"text":"وقيل : ليعلَم صبر المؤمنين ، العلمَ الذي يقع عليه الجزاء كما علمه غَيْباً قبل أن كَلّفَهم.\rوقد تقدّم في \"البقرة\" هذا المعنى. أ هـ {تفسير القرطبى حـ 4 صـ 217 ـ 218}\rقوله تعالى {وَلِيَعْلَمَ الله الذين ءامَنُواْ}\rفصل\rقال الفخر :\rالواو في قوله : {وليعلم الله الذين آمنوا} نظائره كثيرة في القرآن ، قال تعالى : {وَلِيَكُونَ مِنَ الموقنين} [ الأنعام : 75 ] وقال تعالى : {وَلِتَصْغَى إِلَيْهِ أَفْئِدَةُ الذين لاَ يُؤْمِنُونَ} [ الأنعام : 113 ] والتقدير : وتلك الأيام نداولها بين الناس ليكون كيت وكيت وليعلم الله ، وإنما حذف المعطوف عليه للإيذان بأن المصلحة في هذه المداولة ليست بواحدة ، ليسليهم عما جرى ، وليعرفهم أن تلك الواقعة وأن شأنهم فيها ، فيه من وجوه المصالح ما لو عرفوه لسرهم. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 9 صـ 14}\rفائدة\rقال السمرقندى :\r{ وَلِيَعْلَمَ الله الذين ءامَنُواْ } يعني يتبين المؤمن من المنافق أنهم يشكون في دينهم أم لا ، لأن المؤمن المخلص يتبين حالُه عند الشدة والبلايا.\rوهذا كما روي عن لقمان الحكيم أنه قال لابنه : إن الذهب والفضة يختبران بالنار ، والمؤمن يختبر بالبلايا ، والاختبار من الله تعالى إظهار ما علم منه من قبل فذلك قوله تعالى : { وَلِيَعْلَمَ الله الذين ءامَنُواْ } يعني ليبين لهم الله الذي يعلم إيمانه ، لأنه يعطى الثواب بما يظهر منه لا بما يعلم منه ، وكذلك العقوبة.\rأَلاَ ترى أنه عَلِم من إبليس المعصية في المستقبل ثم لم يلعنه ما لم يظهر منه. أ هـ {بحر العلوم حـ 1 صـ 277 ـ 278}","part":17,"page":40},{"id":7071,"text":"وقال أبو السعود :\r: { وَلِيَعْلَمَ الله الذين ءامَنُواْ } إما من باب التمثيلِ أي ليعامِلَكم معاملةَ من يريد أن يَعلمَ المخلِصين الثابتين على الإيمان من غيرهم ، أو العلمُ فيه مجازٌ عن التمييز بطريق إطلاقِ اسمِ السببِ على المسبَّب أي ليُميِّزَ الثابتين على الإيمان من غيرهم كما في قوله تعالى : { مَّا كَانَ الله لِيَذَرَ المؤمنين على مَا أَنتُمْ عَلَيْهِ حتى يَمِيزَ الخبيث مِنَ الطيب } أو هو على حقيقته معتبَرٌ من حيث تعلُّقُه بالمعلوم من حيث إنه موجودٌ بالفعل إذ هو الذي يدور عليه فلكُ الجزاءِ لا من حيث أنه موجودٌ بالقوة.\rوإطلاقُ الإيمانِ مع أن المرادَ هو الرسوخُ والإخلاصُ فيه للإيذان بأن اسمَ الإيمانِ لا ينطلق على غيره ، والالتفاتُ إلى الغَيبة بإسناده إلى اسم الذاتِ المستجمِعِ للصفات لتربية المهابةِ والإشعارِ بأن صدورَ كلِّ واحدٍ مما يُذكر بصدد التعليلِ من أفعاله تعالى باعتبار منشإٍ معيّنٍ من صفاته تعالى مغايرٌ لمنشإ الآخَر ، والجملةُ علةٌ لما هو فردٌ من أفراد مُطلقِ المداولةِ التي نطقَ بها قولُه تعالى : { نُدَاوِلُهَا بَيْنَ الناس }. أ هـ {تفسير أبى السعود حـ 2 صـ 89 ـ 90}","part":17,"page":41},{"id":7072,"text":"فصل\rقال الفخر :\rظاهر قوله تعالى : {وَلِيَعْلَمَ الله الذين ءامَنُواْ} مشعر بأنه تعالى إنما فعل تلك المداولة ليكتسب هذا العلم ، ومعلوم أن ذلك محال على الله تعالى ، ونظير هذه الآية في الإشكال قوله تعالى : {أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُواْ الجنة وَلَمَّا يَعْلَمِ الله الذين جاهدوا مِنكُمْ وَيَعْلَمَ الصابرين} [ آل عمران : 142 ] وقوله : {وَلَقَدْ فَتَنَّا الذين مِن قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ الله الذين صَدَقُواْ وَلَيَعْلَمَنَّ الكاذبين} [ العنكبوت : 3 ] وقوله : {لِنَعْلَمَ أَيُّ الحِزْبَيْنِ أحصى لِمَا لَبِثُواْ أَمَدًا} [ الكهف : 12 ] وقوله : {وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حتى نَعْلَمَ المجاهدين مِنكُمْ والصابرين} [ محمد : 31 ] وقوله : {إِلاَّ لِنَعْلَمَ مَن يَتَّبِعُ الرسول} [ البقرة : 143 ] وقوله {لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً} [ هود : 7 ، الملك : 2 ] وقد احتج هشام بن الحكم بظواهر هذه الآيات على أن الله تعالى لا يعلم حدوث الحوادث إلا عند وقوعها ، فقال : كل هذه الآيات دالة على أنه تعالى إنما صار عالما بحدوث هذه الأشياء عند حدوثها.\rأجاب المتكلمون عنه : بأن الدلائل العقلية دلت على أنه تعالى يعلم الحوادث قبل وقوعها ، فثبت أن التغيير في العلم محالا إلا أن اطلاق لفظ العلم على المعلوم والقدرة على المقدور مجاز مشهور ، يقال : هذا علم فلان والمراد معلومه ، وهذه قدرة فلان والمراد مقدوره ، فكل آية يشعر ظاهرها بتجدد العلم ، فالمراد تجدد المعلوم. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 9 صـ 14 ـ 15}\rوقال ابن عاشور :\r{ وَلِيَعْلَمَ الله الذين ءَامَنُواْ وَيَتَّخِذَ مِنكُمْ شُهَدَآءَ والله لاَ يُحِبُّ الظالمين } { وَلِيُمَحِّصَ الله الذين ءَامَنُواْ وَيَمْحَقَ الكافرين }.","part":17,"page":42},{"id":7073,"text":"عطف على جملة { وتلك الأيام نداولها بين الناس } ، فمضمون هذه علّة ثانية لجواب الشرط المحذوف المدلول عليه بقوله : { فقد مس القوم قرح مثله } وعلم الله بأنّهم مؤمنون متحقق من قبل أن يمسهم القرح.\rفإن كان المراد من { الَّذين آمنوا } هنا معنى الَّذين آمنوا إيماناً راسخاً كاملاً فقد صار المعنى : أنّ علم الله برسوخ إيمانهم يحصل بعد مَسِّ القرح إيّاهم ، وهو معنى غير مستقيم ، فلذلك اختلف المفسّرون في المراد من هذا التَّعليل على اختلاف مذاهبهم في صفة العِلم ، وقد تقرّر في أصول الدّين أن الفلاسفة قالوا : إنّ الله عالم بالكلّيات بأسرها ، أي حقائق الأشياء على ما هي عليه ، علماً كالعِلم المبحوث عنه في الفلسفة لأنّ ذلك العلم صفة كمال ، وأنَّه يعلم الجزئيات من الجواهر والأعراض علماً بوجه كلّي.\rومعنى ذلك أنَّه يعلمها من حيث إنَّها غير متعلّقة بزمان ، مِثالُه : أن يعلم أنّ القمر جسم يوجد في وقت تكوينه ، وأنّ صفته تكون كذا وكذا ، وأنّ عوارضه النورانية المكتسبة من الشَّمس والخسوف والسَّير في أمد كذا.\rأمَّا حصوله في زمانه عندما يقع تكوينه ، وكذلك حصول عوارضه ، فغير معلوم لله تعالى ، قالوا : لأنّ الله لو علم الجزئيات عند حصولها في أزمنتها للزم تغيّر علمه فيقتضي ذلك تغيّر القديم ، أو لزم جهل العالِم ، مثاله : أنَّه إذا علم أنّ القمر سيخسف ساعة كذا علماً أزلياً ، فإذا خسف بالفعل فلا يخلو إمّا أن يزول ذلك العلم فيلزم تغيّر العلم السابق فيلزم من ذلك تغيّر الذات الموصوفةِ به من صفة إلى صفة ، وهذا يستلزم الحدوث إذ حدوث الصّفة يستلزم حدوث الموصوف ، وإمّا أن لا يزول العلم الأول فينقلب العلمُ جهلاً ، لأنّ الله إنَّما علم أنّ القمر سيخسف في المستقبل والقمر الآن قد خسف بالفعل.","part":17,"page":43},{"id":7074,"text":"ولأجل هذا قالوا : إنّ علم الله تعالى غير زماني.\rوقال المسلمون كلّهم : إنّ الله يعلم الكلّيات والجزئيات قبل حصولها ، وعند حصولها.\rوأجابوا عن شبهة الفلاسفة بأن العلم صفة من قبيل الإضافة أي نسبة بين العالِم والمعلوم ، والإضافات اعتباريات ، والاعتباريات عدميات ، أو هو من قبيل الصّفة ذات الإضافة : أي صفة وجودية لها تعلّق ، أي نسبة بينها وبين معلومها.\rفإن كان العلم إضافة فتغيّرها لا يستلزم تغيّر موصوفها وهو العالم ، ونظَّروا ذلك بالقديم يوصف بأنَّه قبل الحادث ومعه وبعده ، من غير تغيّر في ذات القديم ، وإن كان العلم صفة ذات إضافة أي ذات تعلّق ، فالتغيّر يعتري تعلّقها ولا تتغيّر الصّفة فضلاً عن تغيّر الموصوف ، فعلمُ اللَّهِ بأن القمر سيخسف ، وعلمُه بأنَّه خاسف الآن ، وعلمُه بأنَّه كان خاسفاً بالأمس ، علم واحد لا يتغيّر موصوفة ، وإن تغيّرت الصّفة ، أو تغيّر متعلّقها على الوجهين ، إلاّ أن سلف أهل السنّة والمعتزلة أبوا التَّصريح بتغيّر التعلُّق ولذلك لم يقع في كلامهم ذكر تعلقين للعلم الإلهي أحدهما قديم والآخر حادث ، كما ذكروا ذلك في الإرادة والقدرة ، نظراً لكون صفة العلم لا تتجاوز غيرَ ذات العالم تجاوزاً محسوساً.\rفلذلك قال سلفهم : إنّ الله يعلم في الأزل أنّ القمر سيخسف في سنتنا هذه في بلد كذا ساعة كذا ، فعند خسوف القمر كذلك عَلِم اللَّه أنَّه خسف بذلك العلم الأوّل لأنّ ذلك العلم مجموع من كون الفعل لم يحصل في الأزل ، ومن كونه يحصل في وقته فيما لا يزال ، قالوا : ولا يقاس ذلك على علمنا حين نعلم أنّ القمر سيخسف بمقتضى الحساب ثمّ عند خسوفه نعلم أنَّه تحقّق خسوفه بعلم جديد ، لأنّ احتياجنا لعلم متجدّد إنَّما هو لطريان الغفلة عن الأول.","part":17,"page":44},{"id":7075,"text":"وقال بعض المعتزلة مثل جَهْم بن صَفْوَان وهِشام بن الحَكم : إنّ الله عالم في الأزل بالكلّيات والحقائق ، وأمَّا علمه بالجزئيات والأشخاص والأحوال فحاصل بعد حدوثها لأنّ هذا العلم من التصديقات ، ويلزمه عَدم سبق العلم.\rوقال أبو الحُسين البصري من المعتزلة ، رادّاً على السلف : لا يجوز أن يكون علم الله بأنّ القمر سيخسف عين علمه بعد ذلك بأنَّه خسف لأمور ثلاثة : الأوّل التغايُر بينهما في الحقيقة لأنّ حقيقة كونه سيقع غيرُ حقيقة كونه وقع ، فالعلمُ بأحدهما يغاير العلم بالآخر ، لأنّ اختلاف المتعلّقين يستدعي اختلاف العالم بهما.\rالثَّاني التغاير بينهما في الشرط فإنّ شرط العلم بكون الشيء سيقع هو عدم الوقوع ، وشرط العلم بكونه وقَع الوقوعُ ، فلو كان العلمان شيئاً واحداً لم يختلف شرطاهُما.\rالثَّالث أنّه يمكن العلم بأنَّه وقع الجهل بأنَّه سيقع وبالعكس وغير المعلوم غير المعلوم ( هكذا عبّر أبو الحسين أي الأمر الغير المعلوم مغاير للمعلوم ) ولذلك قال أبو الحسين بالتزام وقوع التَّغير في علم الله تعالى بالمتغيِّرات ، وأنّ ذاته تعالى تقتضي اتّصافه بكونه عالماً بالمعلومات الَّتي ستقع ، بشرط وقوعها ، فيحدث العلم بأنَّها وجدت عند وجودها ، ويزول عند زوالها ، ويحصل علم آخر ، وهذا عين مذهب جهم وهشام.\rورُدّ عليه بأنَّه يلزم أن لا يكون الله تعالى في الأزل عالماً بأحوال الحوادث ، وهذا تجهيل.","part":17,"page":45},{"id":7076,"text":"وأجاب عنه عبد الحكيم في \"حاشية المواقف\" بأنّ أبا الحسين ذهب إلى أنَّه تعالى يعلم في الأزل أنّ الحادث سيقع على الوصف الفلاني ، فلا جهل فيه ، وأنّ عدم شهوده تعالى للحوادث قبل حدوثها ليس بجهل ، إذ هي معدومة في الواقع ، بل لو علمها تعالى شهودياً حينَ عدمها لكان ذلك العلم هو الجهل ، لأنّ شهود المعدوم مخالف للواقع ، فالعلم المتغيّر الحادث هو العلم الشهودي.\rفالحاصل أنّ ثمة علمين : أحدهما قديم وهو العلم المشروط بالشروط ، والآخر حادث وهو المعلوم الحاصلة عند حصول الشروط وليست بصفة مستقلّة ، وإنَّما هي تعلّقات وإضافات ، ولذلك جرى في كلام المتأخّرين ، من علمائنا وعلماء المعتزلة ، إطلاق إثباتتِ تعلّقٍ حادثثٍ لعلم الله تعالى بالحوادث.\rوقد ذكر ذلك الشَّيخ عبد الحكيم في \"الرسالة الخاقانية\" الَّتي جعلها لِتحقيق علم الله تعالى غير منسوب لقائل ، بل عبّر عنه بقيل ، وقد رأيت التفتزاني جرى على ذلك في \"حاشية الكشّاف\" في هذه الآية فلعل الشَّيخ عبد الحكيم نسي أن ينسبه.\rوتأويل الآية على اختلاف المذاهب : فأمَّا الّذين أبو إطلاق الحدوث على تعلّق العلم فقالوا في قوله : { وليعلم الله الذين آمنوا } أطلق العلم على لازمه وهو ثبوت المعلوم أي تميّزه على طريقة الكناية لأنَّها كإثبات الشيء بالبرهان ، وهذا كقول إياس بن قبيصة الطائي : \rوأقبلت والخطيّ يخطِر بينا...\rلأَعْلَمَ مَن جَبَانَها مِنْ شجاعها\rأي ليظهر الجبان والشُّجاع فأطلق العلم وأريد ملزومه.\rومنهم من جعل قوله : { وليعلم الله } تمثيلاً أي فعل ذلك فِعْلَ من يريد أن يعلم وإليه مال في \"الكشاف\" ، ومنهم من قال : العلّة هي تعلّق علم الله بالحادث وهو تعلّق حادث ، أي ليعلم الله الَّذين آمنوا موجودين.\rقاله البيضاوي والتفتزاني في \"حاشية الكشّاف\".","part":17,"page":46},{"id":7077,"text":"وإن كان المراد من قوله : { الذين آمنوا } ظاهرَهُ أي ليعلم من اتَّصف بالإيمان ، تعيّن التأويل في هذه الآية لاَ لأجل لزوم حدوث علم الله تعالى ، بل لأنّ علم الله بالمؤمنين من أهل أُحُد حاصل من قبلِ أن يمسّهم القرح ، فقال الزجاج : أراد العِلمَ الَّذي يترتّب عليه الجزاء وهو ثباتهم على الإيمان ، وعدم تزلزلهم في حال الشدّة ، وأشار التفتزاني إلى أنّ تأويل صاحب \"الكشاف\" ذلك بأنَّه وارد مورد التمثيل ، ناظر إلى كون العلم بالمؤمنين حاصلاً من قبل ، لا لأجل التحرّز عن لزوم حدوث العلم. أ هـ {التحرير والتنوير حـ 3 صـ 230 ـ 232}\rفصل\rقال الفخر :\rفي هذه الآية وجوه :\rأحدها : ليظهر الإخلاص من النفاق والمؤمن من الكافر.\rوالثاني : ليعلم أولياء الله ، فأضاف الى نفسه تفخيما.\rوثالثها : ليحكم بالامتياز ، فوضع العلم مكان الحكم بالامتياز ، لأن الحكم بالامتياز لا يحصل إلا بعد العلم.\rورابعها : ليعلم ذلك واقعاً منهم كما كان يعلم أنه سيقع ، لأن المجازاة تقع على الواقع دون المعلوم الذي لم يوجد. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 9 صـ 15}","part":17,"page":47},{"id":7078,"text":"فصل\rقال الفخر :\rالعلم قد يكون بحيث يكتفى فيه بمفعول واحد ، كما يقال : علمت زيداً ، أي علمت ذاته وعرفته ، وقد يفتقر إلى مفعولين ، كما يقال : علمت زيداً كريما ، والمراد منه في هذه الآية هذا القسم الثاني ، إلا أن المفعول الثاني محذوف والتقدير : وليعلم الله الذين آمنوا متميزين بالإيمان من غيرهم ، أي الحكمة في هذه المداولة أن يصير الذين آمنوا متميزين عمن يدعي الإيمان بسبب صبرهم وثباتهم على الإسلام ، ويحتمل أن يكون العلم ههنا من القسم الأول ، بمعنى معرفة الذات ، والمعنى وليعلم الله الذين آمنوا لما يظهر من صبرهم على جهاد عدوهم ، أي ليعرفهم بأعيانهم إلا أن سبب حدوث هذا العلم ، وهو ظهور الصبر حذف ههنا. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 9 صـ 15}\rقوله تعالى : {وَيَتَّخِذَ مِنكُمْ شُهَدَاء}\rقال الفخر :\rالمراد منه ذكر الحكمة الثانية في تلك المداولة. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 9 صـ 15}\rفي هذه الآية قولان :\rالأول : يتخذ منكم شهداء على الناس بما صدر منهم من الذنوب والمعاصي ، فإن كونهم شهداء على الناس منصب عال ودرجة عالية.\rوالثاني : المراد منه وليكرم قوماً بالشهادة ، وذلك لأن قوما من المسلمين فاتهم يوم بدر ، وكانوا يتمنون لقاء العدو وأن يكون لهم يوم كيوم بدر يقاتلون فيه العدو ويلتمسون فيه الشهادة ، وأيضا القرآن مملوء من تعظيم حال الشهداء قال تعالى :","part":17,"page":48},{"id":7079,"text":"{وَلاَ تَحْسَبَنَّ الذين قُتِلُواْ فِى سَبِيلِ الله أمواتا بَلْ أَحْيَاء عِندَ رَبّهِمْ يُرْزَقُونَ} [ آل عمران : 169 ] وقال : {وَجِىء بالنبيين والشهداء} [ الزمر : 69 ] وقال : {فأولئك مَعَ الذين أَنْعَمَ الله عَلَيْهِم مّنَ النبيين والصديقين والشهداء والصالحين} [ النساء : 69 ] فكانت هذه المنزلة هي المنزلة الثالثة للنبوة ، وإذا كان كذلك فكان من جملة الفوائد المطلوبة من تلك المداولة حصول هذا المنصب العظيم لبعض المؤمنين. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 9 صـ 15}\rفصل\rقال القرطبى :\rقوله تعالى : { وَيَتَّخِذَ مِنكُمْ شُهَدَآءَ } أي يكرمكم بالشهادة ؛ أي لِيُقتلَ قومٌ فيكونوا شهداء على الناس بأعمالهم.\rوقيل : لهذا قيل شهيد : وقيل : سمي شهيداً لأنه مشهود له بالجنة وقيل : سمى شهيداً لأن أرواحهم احتضرت دار السلام ، لأنهم أحياء عند ربهم ، وأرواح غيرهم لا تصل إلى الجنة ؛ فالشهيد بمعنى الشاهد أي الحاضر للجنة ، وهذا هو الصحيح على ما يأتي والشهادة فضلها عظيم ، ويكفيك في فضلها قوله تعالى : { إِنَّ الله اشترى مِنَ المؤمنين أَنفُسَهُمْ } [ التوبة : 111 ] الآية.\rوقوله : { ياأيها الذين آمَنُواْ هَلْ أَدُلُّكمْ على تِجَارَةٍ تُنجِيكُم مِّنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ.\rتُؤْمِنُونَ بالله وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ الله بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ } [ الصف : 10 ] إلى قوله تعالى : { ذَلِكَ الفوز العظيم } [ الصَّف : 12 ].","part":17,"page":49},{"id":7080,"text":"وفي صحيح البُسْتيّ عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : \" ما يجِد الشهيد من القتل إلا كما يجد أحدُكم من القُرْحة \" وروى النسائي عن راشد بن سعد عن رجل من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم أن رجلاً قال : يا رسول الله ، ما بال المؤمنين يُفتنون في قبورهم إلا الشهيد ؟ قال : \" كفى ببارقة السيوف على رأسه فتنة \" وفي البخاري : \"من قُتل من المسلمين يوم أُحد\" منهم حمزةُ واليَمَان والنضر بن أنس ومصعب بن عُمير.\rحدّثني عمرو بن عليّ أن معاذ بن هشام قال حدّثني أبي عن قتادة قال : \"ما نعلم حيّاً من أحياء العرب أكثر شهيداً أعزّ يوم القيامة من الأنصار قال قتادة : وحدّثنا أنس بن مالك أنه قُتل منهم يوم أُحُد سبعون ، ويوم بِئْر مَعُونَة سبعون ، ويوم اليَمَامَة سبعون.\rقال : وكان بئر معونة على عهد النبيّ صلى الله عليه وسلم ، ويوم اليَمَامةَ على عهد أبي بكر يوم مُسَيْلِمة الكذّاب\" وقال أنس : \" أتي النبي صلى الله عليه وسلم بعليّ بن أبي طالب وبه نيف وسِتون جراحة من طعنةٍ وضربةٍ ورمْيَةٍ ، فجعل النبي صلى الله عليه وسلم يمسحها وهي تَلْتَئم بإذن الله تعالى كأن لم تكن \". أ هـ {تفسير القرطبى حـ 4 صـ 218 ـ 219}\rفصل\rقال الفخر :","part":17,"page":50},{"id":7081,"text":"احتج أصحابنا بهذه الآية على أن جميع الحوادث بإرادة الله تعالى فقالوا : منصب الشهادة على ما ذكرتم ، فإن كان يمكن تحصيلها بدون تسليط الكفار على المؤمنين لم يبق لحسن التعليل وجه ، وإن كان لا يمكن فحينئذ يكون قتل الكفار للمؤمنين من لوازم تلك الشهادة ، فاذا كان تحصيل تلك الشهادة للعبد مطلوباً لله تعالى وجب أن يكون ذلك القتل مطلوباً لله تعالى ، وأيضاً فقوله : {وَيَتَّخِذَ مِنكُمْ شُهَدَاء} تنصيص على أن ما به حصلت تلك الشهادة هو من الله تعالى ، وذلك يدل على أن فعل العبد خلق الله تعالى. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 9 صـ 15}\rوقال القرطبى :\rفي قوله تعالى : { وَيَتَّخِذَ مِنكُمْ شُهَدَآءَ } دليل على أن الإرادة غير الأمر كما يقوله أهل السنة ؛ فإن الله تعالى نهى الكفار عن قتل المؤمنين : حمزةَ وأصحابِه وأراد قتلهم ، ونهى آدم عن أكل الشجرة وأراده فواقَعه آدم ، وعكسه أنه أمر إبليس بالسجود ولم يرِده فامتنع منه ؛ وعنه وقعت الإشارة بقوله الحق : { ولكن كَرِهَ الله انبعاثهم فَثَبَّطَهُمْ } [ التوبة : 46 ].\rوإِن كان قد أمر جميعهم بالجهاد ، ولكنه خلق الكَسَل والأسباب القاطعة عن المسِير فقعدوا. أ هـ {تفسير القرطبى حـ 4 صـ 219}\rفصل\rقال الفخر :\rالشهداء جمع شهيد كالكرماء والظرفاء ، والمقتول من المسلمين بسيف الكفار شهيداً ، وفي تعليل هذا الاسم وجوه :\rالأول : قال النضر بن شميل : الشهداء أحياء لقوله : {بَلْ أَحْيَاء عِندَ رَبّهِمْ يُرْزَقُونَ} [ آل عمران : 169 ] فأرواحهم حية وقد حضرت دار السلام ، وأرواح غيرهم لا تشهدها ، \rالثاني : قال ابن الانباري : لأن الله تعالى وملائكته شهدوا له بالجنة ، فالشهيد فعيل بمعنى مفعول ، ","part":17,"page":51},{"id":7082,"text":"الثالث : سموا شهداء لأنهم يشهدون يوم القيامة مع الأنبياء والصديقين ، كما قال تعالى : {لّتَكُونُواْ شُهَدَاء عَلَى الناس} [ البقرة : 143 ]\rالرابع : سموا شهداء لأنهم كما قتلوا أدخلوا الجنة ، بدليل أن الكفار كما ماتوا أدخلوا النار بدليل قوله : {أُغْرِقُواْ فَأُدْخِلُواْ نَاراً} [ نوح : 25 ] فكذا ههنا يجب أن يقال : هؤلاء الذين قتلوا في سبيل الله ، كما ماتوا دخلوا الجنة. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 9 صـ 15 ـ 16}\rفائدة\rقال القرطبى :\rرُوي عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال : \" جاء جبريل إلى النبي صلى الله عليه وسلم يوم بدر فقال له : \"خَيِّر أصحابك في الأسارى إن شاءوا القتل وإن شاءوا الفِداء على أن يقتل منهم عام المقبِل مثلهم فقالوا الفداء ويقتل منا\" \" أخرجه الترمذي وقال : حديث حسن.\rفأنجز الله وعده بشهادة أوليائه بعد أن خَيَّرهم فاختاروا القتل. أ هـ {تفسير القرطبى حـ 4 صـ 219}\rقوله تعالى : {والله لاَ يُحِبُّ الظالمين}\rقال الفخر :\r{والله لاَ يُحِبُّ الظالمين} قال ابن عباس رضي الله عنهما : أي المشركين ، لقوله تعالى : {إِنَّ الشرك لَظُلْمٌ عَظِيمٌ} [ لقمان : 13 ] وهو اعتراض بين بعض التعليل وبعض ، وفيه وجوه : الأول : والله لا يحب من لا يكون ثابتاً على الايمان صابراً على الجهاد.\rالثاني : فيه إشارة إلى أنه تعالى إنما يؤيد الكافرين على المؤمنين لما ذكر من الفوائد ، لا لأنه يحبهم. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 9 صـ 15 ـ 16}","part":17,"page":52},{"id":7083,"text":"وقال الآلوسى :\r{ والله لاَ يُحِبُّ الظالمين } أي يبغضهم ، والمراد من الظالمين إما المنافقون كابن أبيّ وأتباعه الذين فارقوا جيش الإسلام على ما نقلناه فيما قبل فهم في مقابلة المؤمنين فيما تقدم المفسر بالثابتين على الإيمان الراسخين فيه الذين توافق ظواهرهم بواطنهم ، وإما بمعنى الكافرين المجاهرين بالكفر ، وأياً ما كان فالجملة معترضة لتقرير مضمون ما قبلها ، وفيها تنبيه على أنه تعالى لا ينصر الكافر على الحقيقة وإنما يغله أحياناً استدراجاً له وابتلاءاً للمؤمن ، وأيضاً لو كانت النصرة دائماً للمؤمنين لكان الناس يدخلون في الإيمان على سبيل اليمن والفأل ، والمقصود غير ذلك. أ هـ {روح المعانى حـ 4 صـ 69}\rفصل\rقال الشيخ الشنفيطى :\rقوله تعالى : { إِن يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ القوم قَرْحٌ مِّثْلُهُ }.\rالمراد بالقرح الذي مس المسلمين هو ما أصابهم يوم أحد من القتل والجراح ، كما أشار له تعالى في هذه السورة الكريمة في مواضع متعددة كقوله : { وَلَقَدْ كُنْتُمْ تَمَنَّوْنَ الموت مِن قَبْلِ أَن تَلْقَوْهُ فَقَدْ رَأَيْتُمُوهُ وَأَنْتُمْ تَنظُرُونَ } [ آل عمران : 143 ] وقوله : { وَيَتَّخِذَ مِنكُمْ شُهَدَآءَ } [ آل عمران : 140 ] الآية وقوله : { حتى إِذَا فَشِلْتُمْ وَتَنَازَعْتُمْ فِي الأمر وَعَصَيْتُمْ مِّن بَعْدِ مَآ أَرَاكُمْ مَّا تُحِبُّونَ مِنكُم مَّن يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنكُم مَّن يُرِيدُ الآخرة ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ لِيَبْتَلِيَكُمْ } [ آل عمران : 152 ] وقوله : { إِذْ تُصْعِدُونَ وَلاَ تَلْوُونَ على أحَدٍ والرسول يَدْعُوكُمْ في أُخْرَاكُمْ } [ آل عمران : 153 ] ٍ ونحو ذلك من الآيات.","part":17,"page":53},{"id":7084,"text":"وأما المراد بالقرح الذي مس القوم المشركين فيحتمل أنه هو ما أصابهم يوم بدر من القتل والأسر ، وعليه فإليه الإشارة بقوله : { إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الملائكة أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُواْ الذين آمَنُواْ سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الذين كَفَرُواْ الرعب فاضربوا فَوْقَ الأعناق واضربوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ ذلك بِأَنَّهُمْ شَآقُّواْ الله وَرَسُولَهُ وَمَن يُشَاقِقِ الله وَرَسُولَهُ فَإِنَّ الله شَدِيدُ العقاب } [ الأنفال : 12-13 ]\rويحتمل أيضاً أنه هزيمة المشركين أولاً يوم أُحد كما سيأتي قريباً إن شاء الله تعالى ، وقد أشار إلى القرحين معاً بقوله : { أَوَ لَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُّصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِّثْلَيْهَا } [ آل عمران : 165 ] فالمراد بمصيبة المسلمين القرح الذي مسهم يوم أُحُد ، والمراد بمصيبة الكفار بمثليها قبل القرح الذي مسهم يوم بدر. لأن المسلمين يوم أحد قتل منهم سبعون والكفار يوم بدر قتل منهم سبعون ، وأسر سبعون.\rوهذا قول الجمهور وذكر بعض العلماء أن المصيبة التي أصابت المشركين هي ما أصابهم يوم أحد من قتل وهزيمة ، حيث قتل حملة اللواء من بني عبد الدار ، وانهزم المشركون في أول الأمر هزيمة منكرة وبقي لواؤهم ساقطاً حتى رفعته عمرة بنت علقمة الحارثية وفي ذلك يقول حسان :\rفلولا لواء الحارثية أصبحوا... يباعون في الأسواق بيع الجلائب\rوعلى هذا الوجه : فالقرح الذي أصاب القوم المشركين يشير إليه قوله تعالى : { وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ الله وَعْدَهُ إِذْ تَحُسُّونَهُمْ بِإِذْنِهِ } [ آل عمران : 152 ] الآية. ومعنى تحسونهم : تقتلونهم وتستأصلونهم وأصله من الحس الذي هو الإدراك بالحاسة فمعنى حسه أذهب حسه بالقتل ومنه قول جرير :\rتحسهم السيوف كما تسامى... حريق النار في أجم الحصيد\rوقول الآخر :","part":17,"page":54},{"id":7085,"text":"حسناهم بالسيف حساً فأصبحت... بقيتهم قد شردوا وتبددوا\rوقول رؤبة :\rإذا شكونا سنة حسوسا... تأكل بعد الأخضر اليبيسا\rيعني بالسنة الحسوس : السنة المجدبة التي تأكل كل شيء ، وقد قدمنا في ترجمة هذا الكتاب أن الآية قد يكون فيها احتمالان وكل منهما يشهد له قرآن ، وكلاهما حق فنذكرهما معاً ، وما يشهد لكل واحد منهما.\rقال بعض العلماء : وقرينة السياق تدل على أن القرح الذي أصاب المشركين ما وقع بهم يوم أحد.\rلأن الكلام في وقعة أحد ولكن التثنية في قوله مثليها تدل على أن القرح الذي أصاب المشركين ما وقع بهم يوم بدر. لأنه لم ينقل أحد أن الكفار يوم أحد أصيبوا بمثلي ما أصيب به المسلمون ، ولا حجة في قوله : { تَحُسُّونَهُمْ } [ آل عمران : 152 ]. لأن ذلك الحس والاستئصال في خصوص الذين قتلوا من المشركين ، وهم أقل ممن قتل من المسلمين يوم أحد ، كما هو معلوم.\rفإن قيل : ما وجه الجمع بين الإفراد في قوله : { قَرْحٌ مِّثْلُهُ } [ آل عمران : 140 ] وبين التثنية في قوله : { قَدْ أَصَبْتُمْ مِّثْلَيْهَا } [ آل عمران : 165 ] فالجواب والله تعالى أعلم أن المراد بالتثنية قتل سبعين وأسر سبعين يوم بدر ، في مقابلة سبعين يوم أحد ، كما عليه جمهور العلماء.\rوالمراد بإفراد المثل : تشبيه القرح بالقرح في مطلق النكاية والألم ، والقراءتان السبعيتان في قوله : { إِن يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ القوم قَرْحٌ } [ آل عمران : 140 ] بفتح القاف وضمها في الحرفين معناهما واحد فهما لغتان كالضعف والضعف.\rوقال الفراء : القرح بالفتح الجرح وبالضم ألمه اه. ومن إطلاق العرب القرح على الجرح قول متمم بن نويرة التميمي :\rقعيدك ألا تسمعيني ملامة... ولا تنكثي قرح الفؤاد فييجعا. أ هـ {أضواء البيان حـ 1 صـ 244 ـ 245}\rفوائد لغوية\rقال ابن عادل :","part":17,"page":55},{"id":7086,"text":"قرأ الأخوان ، وأبو بكر : قُرْح - بضم القاف - وكذلك \" القُرْحُ \" معرَّفاً.\rوالباقون بالفتح فيهما.\rفقيل : هما بمعنى واحد ، ثم اختلف القائلون بهذا.\rفقال بعضهم : المراد بهما : الجُرْح نفسه ، وقال بعضهم- منهم الأخفش - المراد بهما المصدر ، يقال : قَرِحَ الجُرح ، يَقْرحُ ، قَرْحاً ، وقُرْحاً.\rقال امرؤ القيس : [ الطويل ]\rوَبُدِّلْتُ قَرْحاً دَامِياً بَعْدَ صِحَّةٍ... لَعَلَّ مَنَايَانَا تَحَوَّلْنَ أبْؤُسَا\rوالفتح لغة الحجاز ، والضم لغة تميم ، فهما كالضَّعْف والضُّعْف ، والكَرْه والكُرْه ، والوَجْد والوُجْد.\rوقال بعضهم : المفتوح : الجُرْح ، والمضموم : ألَمُه ، وهو قول الفراء.\rوقرأ ابن السميفع بفتح القاف والراء ، كالطرْد والطرَد.\rوقال أبو البقاءِ : \" وهو مصدر قَرِحَ يَقْرح ، إذا صار له قُرْحَة ، وهو بمعنى : دَمِيَ \".\rوقُرِئَ قُرُح - بضمهما-.\rقيل : وذلك على الإتباع كاليُسْر واليُسُر ، والطُّنْب والطُّنُب.\rوقرأ الأعمش : \" إن تمسسكم قروح \" - بالتاء من فوق ، [ وصيغة الجمع في الفاعل ] ، وأصل المادة : الدلالة على الخُلُوص ، ومنه الماء القَرَاح ، الذي لا كُدُورةَ فيه.\rقال الشاعر : [ الوافر ]\rفَسَاغَ لِيَ الشَّرَابُ ، وَكُنْتُ قَبْلاً... أكَادُ أغَصُّ بِالْمَاءِ الْقَرَاح\rوأرض قرحة - أى : خالصة الطين - ومنه قريحة الرجل - أى : خالص طَبْعه-.\rوقال الراغب : \" القَرْح الأثر من الجراحة من شيء يُصيبه من خارج ، والقُرْح - يعني : بالضم - أثرها من شيء داخل - كالبشرة ونحوها- يقال : قَرَحْته ، نحو جَرَحْته.\rقال الشاعر : [ البسيط ]\rلا يُسْلِمُونَ قَرِيحاً حَلَّ وَسَطَهُمُ... يَوْمَ اللِّقَاءِ ، ولا يُشْوُونَ مَنْ قَرَحُوا\rأي : جرحوا. وقرح : خرج به قرح.\r","part":17,"page":56},{"id":7087,"text":"ويقال : قَرَحَ قلبُه ، وأقرحه الله - يعني : فَعَل وأفْعَل فيه بمعنًى - والاقتراح : الابتداع والابتكار ومنه : اقترح عليَّ فلانٌ كذا ، واقترحْتُ بِئراً : استخرجت منها ماءً قَرَاحاً. والقريحة - في الأصل - المكان الذي يجمتع فيه الماء المستنبط - ومنه استُعِيرت قريحةُ الإنسان - وفرس قارح ، إذا أصابه أثَرٌ من ظُهور نَابِهِ ، والأنْثَى قارحة ، وروضة قرحاء ، إذا كان في وسطها نَوْر ؛ وذلك لتشبيهها بالفرس القرحاء \".\rقوله : { فَقَدْ مَسَّ القوم قَرْحٌ } للنحويين - في مثل هذا - تأويل ، وهو أن يُقَدِّرُوا شيئاً مستقبلاً ؛ لأنه لا يكون التعليق إلا في المستقبل - وقوله : { فَقَدْ مَسَّ القوم قَرْحٌ مِثْلُهُ } ماضٍ مُحَقَّق - وذلك التأويل هو التبيين ، أي : فقد تَبَيَّن مَسُّ القرح للقوم وسيأتي له نظائر ، نحو : { إِن كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِن قُبُلٍ فَصَدَقَتْ } [ يوسف : 26 ] و{ وَإِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِن دُبُرٍ فَكَذَبَتْ } [ يوسف : 27 ].\rوقال بعضهم : جواب الشرط محذوف ، تقديره : فتأسَّوا ، ونحو ذلك.\rوقال أبو حيان : \" ومَنْ زعم أن جواب الشرط هو \" فَقَدْ مَسَّ \" ، فهو ذاهل \".\rقال شهابُ الدين : \" غالب النحويين جعلوه جواباً ، متأولين له بما ذكرت \".\r","part":17,"page":57},{"id":7088,"text":"قوله : { وَتِلْكَ الأيام نُدَاوِلُهَا بَيْنَ الناس } يجوز في \" الأيَّامُ \" أن تكون خبراً لِـ \" تِلْكَ \" و\" نُدَاوِلُهَا \" جملة حالية ، العامل فيها معنى اسم الإشارة ، أي : إشيرُ إليها حال كونها مداوَلةً ، ويجوز أن تكون \" الأيَّامُ \" بدلاً ، أو عَطْفَ بيان ، أو نَعْتاً لاسم الإشارة ، والخبر هو الجملة من قوله : { نُدَاوِلُهَا } وقد مر نحوه في قوله : { تِلْكَ آيَاتُ الله نَتْلُوهَا } [ أل عمران : 108 ] إلا أن هناك لا يجيء القول بالنعت ؛ لما عرفت أنَّ اسم الإشارة لا ينعت إلا بذي أل و\" بَيْنَ \" متعلق بـ \" نُدَاوِلُهَا \" ، وجَوَّزَ أبُو البقاءِ أن يكون حالاً من مفعول \" نُدَاوِلُهَا \" ولَيْسَ بِشَيءٍ.\rوالمداوَلة : المناوَبة على الشيء ، والمُعَاودة ، وتعهَّده مرةَ بعد أخْرَى ، يقال : دَاوَلْتُ بينهم الشيء فتداولوه ، كأن \" فَاعَل \" بمعنى : \" فَعَل \".\rقال الشاعر : [ الكامل ]\rتَرِدُ الْمِيَاهَ ، فَلاَ تَزَالُ تَدَاوُلاً... في النَّاسِ بَيْنَ تَمَثُّل وَسَمَاعِ\rوأدال فلانٌ فلاناً : جعل له دولة.\rوقال الفقَّال : المداولة : نَقْل الشيء من واحد إلى آخر ، يقال : تداولته الأيدي - إذا تناولته ومنه قوله تعالى : { كَيْ لاَ يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الأغنيآء مِنكُمْ } [ الحشر : 7 ] أي : تتداولونها ، ولا تجعلون للفقراء منها نصيباً ، ويقال : الدُّنيا دول ، أي : تنتقل من قوم إلى آخرين.\rويقال دال له الدهرُ بكذا - إذا انتقل إليه.\rويقال : دُولة ، ودَوْلة - بفتح الفاء وضمها - وقد قُرِئَ بهما في سورة الحشر كما سيأتي إن شاء الله تعالى.\rواختلفوا ، هل اللفظتان بمعنًى ، أو بينهما فَرْقٌ.\rفقال الراغب : \" إنهما سِيَّانِ ، فيكون في المصدر لغتان \".\rوفرَّق بعضُهم بينهما ، واختلف هؤلاء في الفرق.","part":17,"page":58},{"id":7089,"text":"فقال بعضُهم : الدَّوْلَة - بالفتح - في الحرب والجاه ، وبالضم : في المال ، وهذا تردُّه القراءتان في سورة الحشر.\rوقيل : بالضم اسم الشيء المتداوَل ، وبالفتح نفس المصدر ، وهذا قريب.\rوقيل : بالضم هي المصدر ، وبالفتح الفَعْلة الواحدة ، فلذلك يقال : في دَوْلة فلان ؛ لأنها مرة في الدهر.\rوالدَّوْر والدَّوْل متقاربان في المعنى ، ولكن بينهما عموم وخصوص ؛ فإن الدولة لا تقال إلا في الحظ الدنيويّ.\rوالدَّؤلُولُ : الداهية ، والجمع الدآليل والدُّؤلات.\rوقرئ شاذًّا : \" يُدَاوِلَهَا \" - بياء الغيبة - وهو موافق لما قبله ، ولما بعده.\rوقرأ العامةُ على الالتفات المفيد للتعظيم.\rقوله : \" وليعلم الله \" ذكر أبو بكر بن الأنباري في تعلُّق هذه اللام وجهين : \rأحدهما : أن اللام صلة لفعل مُضْمَر ، يدل عليه أول الكلم ، تقديره : وليعلم الله الذين آمنوا نُدَاوِلها.\rالثاني : أن العامل فيها ( نُدَاوِلُهَا ) المذكور ، بتقدير : نداولها بين الناس ليظهر أمرهم ، ولنبين أعمالهم ، وليعلم الله الذين آمنوا ، فلما ظهر معنى اللام المضمر في \" ليظهر \" ، و\" لتتبين \" جرت مجرى الظاهرة ، فجاز العطف عليها.\rوَجَوَّز أبو البقاء أن تكون الواو زائدة ، وعلى هذا ، فاللام متعلقة بـ ( نُدَاوِلُهَا ) من غير تقدير شيء ، ولكن هذا لا حاجة إليه.\rولم يَجْنَحْ إلى زيادة الواو إلا الأخفش في مواضع - ليس هذا منها - ووافقه بعض الكوفيين على ذلك.\rوقدَّرَه الزَّمَخْشَرِيُّ : \" فعلنا ذلك ليكون كيت وكيت ، وليعلم \". فقدر عاملاً ، وعلق به علة محذوفة ، عطف عليها هذه العلة.\r","part":17,"page":59},{"id":7090,"text":"قال أبو حيان : \" ولم يُعَيِّن فاعل العلة المحذوفة ، إنما كَنَّى عنه بـ \" كيت وكيت \" ، ولا يُكَنَّى عن الشيء حتى يُعْرَف ، ففي هذا الوجه حذف العلة ، وحذف عاملها ، وإبهام فاعلها ، فالوجه الأول أظهر ؛ إذْ ليس فيه غير حذف العامل \". ويعني بالوجه الأول أنه قَدَّره : وليعلم الله فعلنا ذلك - وهو المداولة ، أو نَيْل الكفار منكم-.\rوقال بعضهم : \" اللام المتعلقة بفعل مُضْمَر ، إما بعده ، أو قبلَه ، أما الإضمار بعده فبتقدير : وليعلمَ الله الذين آمنوا فعلنا هذه المداولةَ ، وأما الإضمار قبلَه فعلى تقدير : وتلك الأيام نداولها بين الناس لأمور : منها : ليعلم الله الذين آمنوا ، ومنها : ليتخذ منكم شهداء ، ومنها : ليمحص الله الذي آمنوا ، ومنها : ليمحق الكافرين. فكل ذلك كالسبب والعِلَّةِ في تلك المداولة \". والعلم هنا - يجوز أن يتعدَّى لواحد ، قالوا : لأنه بمعنى : عَرَفَ - وهو مشكل ؛ لأنه لا يجوز وَصْف الله تعالى بذلك لما تقدم أن المعرفة تستدعي جَهْلاً بالشيء - أو أنَّها متعلقة بالذات دون الأحوال.\rويجوز أن يكون متعدياً لاثنين ، فالثاني محذوف ، تقديره : وليعلم الله الذين آمنوا مميزين بالإيمان من غيرهم.\rوالواو في قوله : { وَلِيَعْلَمَ الله } لها نظائر كثيرة في القرآن ، كقوله : { وَلِيَكُونَ مِنَ الموقنين } [ الأنعام : 75 ] وقوله : { ولتصغى إِلَيْهِ أَفْئِدَةُ الذين لاَ يُؤْمِنُونَ } [ الأنعام : 113 ].\rقوله : { وَيَتَّخِذَ مِنكُمْ شُهَدَآءَ } الظاهر أن \" مِنْكُمْ \" متعلِّق بالاتخاذ ، وجوزوا فيه أن يتعلق بمحذوف ، على أنه حال من \" شُهَدَاءَ \" ؛ لأنه - في الأصل - صفة له. أ هـ {تفسير ابن عادل حـ 5 صـ 553 ـ 559}. بتصرف.\rمن لطائف الإمام القشيرى فى الآية\r{ إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَدَاءَ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ (140)}\rإن نالكم فينا مشقة فالذين تقدموكم لقوا مثل ما لقيتم ، ومُنوا بمثل ما به مُنيتم ، فمن صبر منهم ظفر ، ومَنْ ضجر مِنْ حَمْلِ ما لقي خَسِر ، والأيام نُوَبٌ والحالات دُوَلٌ ، ولا يخفى على الحق شيء. أ هـ {لطائف الإشارات حـ 1 صـ 280}","part":17,"page":60},{"id":7091,"text":"فصل فى عدد شهداء أحد\rقال الإمام الذهبى رحمه الله :\rعدد الشهداء\rقد مر أن البخاري أخرج من حديث البراء أن المشركين أصابوا منا سبعين\rوقال حماد بن سملة عن ثابت عن أنس قال : يا رب السبعين من الأنصار سبعين يوم أحد وسبعين يوم بئر معونة وسبعين يوم مؤتة وسبعين يوم اليمامة\rوقال عبد الرحمن بن حرملة عن سعيد بن المسيب قال : قتل من الأنصار في ثلاثة مواطن سبعون سبعون : يوم أحد ويوم اليمامة ويوم جسر أبي عبيد\rوقال ابن جريج : أخبرني عمر بن عطاء عن عكرمة عن ابن عباس في قوله تعالى : \" قد أصبتم مثليها \" قال : قتل المسلمون من المشركين يوم بدر سبعين وأسروا سبعين وقتل المشركون يوم أحد من المسلمين سبعين\rوأما ابن لهيعة عن أبي الأسود عن عروة فقال : جميع من قتل مع رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم أحد من قريش والأنصار : أربعة وأربعون أو قال : سبعة وأربعون رجلا\rوجميع من قتل يوم أحد يعني من المشركين تسعة عشر رجلا\rوقال موسى بن عقبة : جميع من استشهد من المسلمين من قريش والأنصار تسعة أو سبعة وأربعون رجلا\rوقال ابن إسحاق : جميع من استشهد من المسلمين من المهاجرين والأنصار يوم أحد خمسة وستون رجلا . وجميع قتلى المشركين اثنان وعشرون\rقلت : قول من قال سبعين أصح . ويحمل قول أصحاب المغازي هذا عدد من عرف اسمه من الشهداء فإنهم عدوا أسماء الشهداء وأنسابهم\rقال ابن إسحاق : استشهد من المهاجرين : حمزة وعبد الله بن جحش بن رئاب الأسدي حليف بني عبد شمس وهو ابن عمة رسول لله صلى الله عليه وسلم وقد دفن مع حمزة في قبر واحد\rومصعب بن عمير وعثمان بن عثمان ولقبه شماس وهو عثمان ابن عثمان بن الشريد بن سويد بن هرمي بن عامر بن مخزوم القرشي المخزومي ابن أخت عتبة بن ربيعة هاجر إلى الحبشة وشهد بدرا . ولقب شماسا لملاحته","part":17,"page":61},{"id":7092,"text":"ومن الأنصار : عمرو بن معاذ بن النعمان الأوسي أخو سعد وابن أخيه الحارث بن أوس بن معاذ والحارث بن أنس بن رافع وعمارة بن زياد بن السكن وسلمة وعمرو ابنا ثابت بن وقش\rوعمهما : رفاعة بن وقش وصيفي بن قيظي وأخوه : حباب وعباد بن سهل وعبيد بن التيهان وحبيب بن زيد وإياس بن أوس الأشهيلون . واليمان أبو حذيفة حليف لهم . ويزيد بن حاطب بن أمية الظفري وأبو سفيان بن الحراث بن قيس وغسيل الملائكة حنظلة بن أبي عامر الراهب ومالك بن أمية ؛ وعوف بن عمرو وأبو حية بن عمرو ابن ثابت وعبد الله بن جبير بن النعمان أمير الرماة وأنس بن قتادة وخيثمة والد سعد بن خيثمة وحليفه : عبد الله بن سلمة العجلاني وسبيع بن حاطب بن الحارث وحليفه : مالك بن أوس وعمير بن عدي الخطمي\rوكلهم من الأوس\rواستشهد من الخزرج : عمرو بن قيس النجاري وابنه : قيس وثابت بن عمرو بن زيد وعامر بن مخلد وأبو هبيرة بن الحارث بن علقمة وعمرو بن مطرف وإياس بن عيد وأوس أخو حسان بن ثابت . وهو والد شداد بن أوس وأنس بن النضر بن ضمضم وقيس بن مخلد\rوعشرتهم من بني النجار\rوعبد لهم اسمه : كيسان وسلمة بن الحارث ونعمان بن عبد عمرو وهما من بني دينار بن النجار\rومن بني الحارث بن الخزرج : خارجة بن زيد بن أبي زهير وسعد بن الربيع بن عمرو بن أبي زهير وأوس بن أرقم بن زيد أخو زيد بن أرقم\rومن بني خدرة : مالك بن سنان وسعيد بن سويد وعتبة بن ربيع\rومن بني ساعدة : ثعلبة بن سعد بن مالك . وثقف بن فروة وعبد الله بن عمرو بن وهب . وضمرة حليف لهم من جهينة\rومن بني عوف بن الخزرج ثم من بني سالم : عمرو بن إياس ونوفل بن عبد الله وعبادة بن الخشخاش والعباس بن عبادة بن نضلة . والنعمان بن مالك . والمجذر ابن ذياد البلوي حليف لهم\rومن بني الحبلي : رفاعة بن عمرو","part":17,"page":62},{"id":7093,"text":"ومن بني سواد بن مالك : مالك بن إياس\rومن بني سلمة : عبد الله بن عمرو بن حرام وعمرو بن الجموح بن زيد بن حرام . وكنا متآخيين وصهرين فدفنا في قبر واحد\rوخلاد بن عمرو بن الجموح\rومولاه أسير أبو أيمن مولى عمرو\rومن بني سواد بن غنم : سليم بن عمرو بن حديدة\rومولاه عنترة وسهيل بن قيس\rومن بني زريق : ذكوان بن عبد قيس وعبيد بن المعلى بن لوذان\rقال ابن إسحاق : وزعم عاصم بن عمر بن قتادة أن ثابت بن وقش قتل يومئذ مع ابنيه\rوذكر الواقدي جماعة قتلوا سوى من ذكرنا. أ هـ {تاريخ الإسلام حـ 2 صـ 199 ـ 204}","part":17,"page":63},{"id":7094,"text":"قوله تعالى : { وَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا وَيَمْحَقَ الْكَافِرِينَ (141)}\rمناسبة الآية لما قبلها\rقال البقاعى :\rولما قدم التنفير من الظلم دلالة على الاهتمام به أكمل ثمرات المداولة بقوله : {وليمحص} أي وليطهر {الله} أي ذو الجلال والإكرام {الذين أمنوا} أي إن أصيبوا ، ويجعل مصيبتهم سبباً لقوتهم {ويمحق الكافرين} أي شيئاً فشيئاً في تلك الحالتين بما يلحقهم من الرجس ، أما إذا كانت لهم فبالنقص بالقوة بالبطر الموجب للعكس ، وأما إذا كانت عليهم فبالنقص بالفعل الموجب للقطع بالنار. أ هـ {نظم الدرر حـ 2 صـ 160 ـ 161}\rقال الفخر :\r{وَلِيُمَحّصَ الله الذين ءَامَنُواْ} أي ليطهرهم من ذنوبهم ويزيلها عنهم ، والمحص : في اللغة التنقية ، والمحق في اللغة النقصان ، وقال المفضل : هو أن يذهب الشيء كله حتى لا يرى منه شيء ، ومنه قوله تعالى : {يَمْحَقُ الله الربا} [ البقرة : 276 ] أي يستأصله.","part":17,"page":64},{"id":7095,"text":"قال الزجاج : معنى الآية أن الله تعالى جعل الأيام مداولة بين المسلمين والكافرين ، فإن حصلت الغلبة للكافرين على المؤمنين كان المراد تمحيص ذنوب المؤمنين ، وإن كانت الغلبة للمؤمنين على هؤلاء الكافرين كان المراد محق آثار الكافرين ومحوهم ، فقابل تمحيص المؤمنين بمحق الكافرين ، لأن تمحيص هؤلاء بإهلاك ذنوبهم نظير محق أولئك بإهلاك أنفسهم ، وهذه مقابلة لطيفة في المعنى.\rوالأقرب أن المراد بالكافرين ههنا طائفة مخصوصة منهم وهم الذين حاربوا الرسول صلى الله عليه وسلم يوم أحد ، وإنما قلنا ذلك لعلمنا بأنه تعالى لم يمحق كل الكفار ، بل كثير منهم بقي على كفره ، والله أعلم. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 9 صـ 16}\rوقال العلامة أبو حيان :\r{ وليمحص الله الذين آمنوا } أي يطهرهم من الذنوب ، ويخلصهم من العيوب ، ويصفيهم.\rقال ابن عباس والحسن ومجاهد والسدي ومقاتل وابن قتيبة في آخرين : التمحيص الابتلاء والاختبار.\rقال الشاعر :\rرأيت فضيلاً كان شيئاً ملففا . . .\rفكشفه التمحيص حتى بداليا\rوقال الزجاج : التنقية والتخليص ، وذكره عن : المبرد ، وعن الخليل.\rوقيل : التطهير.\rوقال الفراء : هو على حذف مضاف ، أي وليمحص الله ذنوب الذين آمنوا.\r{ ويمحق الكافرين } أي يهلكهم شيئاً فشيئاً.\rوالمعنى : أن الدولة إن كانت للكافرين على المؤمنين كانت سبباً لتمييز المؤمن من غيره ، وسبباً لاستشهاد من قتل منهم ، وسبباً لتطهير المؤمن من الذنب.\rفقد جمعت فوائد كثيرة للمؤمنين ، وإن كان النصر للمؤمنين على الكافرين كان سبباً لمحقهم بالكلية واستئصالهم قاله : ابن عباس.\rوقال ابن عباس أيضاً : ينقصهم ويقللهم ، وقاله : الفراء.\rوقال مقاتل : يذهب دعوتهم.\rوقيل : يحبط أعمالهم ، ذكره الزجاج ، فيكون على حذف مضاف.","part":17,"page":65},{"id":7096,"text":"والظاهر أن المراد بالكافرين هنا طائفة مخصوصة ، وهم الذين حاربوا رسول الله صلى الله عليه وسلم.\rلأنه تعالى لم يمحق كل كافر ، بل كثير منهم باق على كفره.\rفلفظة الكافرين عام أريد به الخصوص.\rقيل : وقابل تمحيص المؤمن بمحق الكافر ، لأن التمحيص إهلاك الذنوب ، والمحق إهلاك النفوس ، وهي مقابلة لطيفة في المعنى انتهى.\rوفي ذكر ما يلحق المؤمن عند إدالة الكفار تسلية لهم وتبشير بهذه الفوائد الجليلة ، وأن تلك الإدالة لم تكن لهوانٍ بهم ، ولا تحط من أقدارهم ، بل لما ذكر تعالى. أ هـ {البحر المحيط حـ 3 صـ 69}\rفوائد لغوية\rقال ابن عادل :\rقوله : { وَلِيُمَحِّصَ الله الذين آمَنُواْ } التمحيص : التخليص من الشيء.\rوقيل : المَحْص كالفَحْص ، لكن الفَحْص يقال في إبراز الشيء من أثناء ما يختلط به وهو منفصل ، والمَحْص : يقال في إبرازه عما هو متصل به ، يقال : مَحَصْتُ الذهب ، ومحَّصته - إذا أزلْت عنه ما يشوبه من خَبَث ، ومَحَص الثوب : إذا زال عنه زئبره ومَحَصَ الحَبْل - إذا أخلق حتى ذهب عنه زئبره ، ومحص الظَّبْيُ : عدا. ف \" محص \" - بالتخفيف - يكون قاصراً ومتعدياً ، هكذا روى الزجاج هذه اللفظةَ - الحبل - ورواها النقاش : مَحَص الجمل - إذا ذهب وَبَرُه وامَّلَسَ - والمعنيان واضحان.\rوقال الخليل : التمحيص : التخليصُ من الشيء المعيب.\rوقيل : هو الابتلاء والاختبار.\rقال الشاعر : [ الطويل ]\rرَأيْتُ فُضَيْلاً كَانَ شَيْئاً مُلَفَّفاً... فَكَشَّفَهُ التَّمْحِيصُ حَتَّى بَدَا لِيَا\rوروى الواحِديُّ عن المبرد بسند متصل : مَحَصَ الحبلُ يمحص مَحْصاً - إذا ذهب زئبره حتى يتملص ، وحبل محيص ومليص بمعنًى واحدٍ ، قال : ويستحب في الفرس أن تُمَحَّصَ قوائمُه أي : تُخَلَّص من الرَّهَل.","part":17,"page":66},{"id":7097,"text":"[ وأنشد ابن الأنباريّ على ذلك ] - يصف فرساً- : [ البسيط ]\rصُمُّ النُّسُورِ ، صِحَاحٌ ، غَيْرُ عَاثِرَةٍ... رُكِّبْنَ فِي مَحِصَاتٍ مُلْتَقَى العَصَبِ\rأي : في قوائم متجرِّدات من اللحم ، ليس فيها إلا العظم والجلد.\rقال المبرد : ومعنى قول الناس مَحِّصْ عنا ذُنوبَنَا : أذهِب عنا ما تعلَّق من الذنوب.\rقال الواحديُّ : \" وهذا - الذي قاله المبردُ - تأويل المحَص - بفتح الحاء - وهو واقع ، والمَحْص - بسكون الحاء - \" مصنوع \" - وقال الخليل : يقال : مَحَصْت الشيء أمحصه مَحْصاً - إذا أخلصته من كل عيب \".\rوفي جعله محْصاً - بتسكين الحاء - مصنوعاً نظر ؛ لأن أهل اللغة نقلوه ساكنها ، وهو قياس مصدر الثلاثي. ومَحَصْت السيف والسنان : جَلَوتُهما حتى ذهب صدأهما.\rقال أسامة الهذليّ : [ الطويل ]\rوَشَقُّوا بِمَمْحُوصِ السِّفَانِ فُؤادَهُ... لَهُمْ قُتُرَاتٌ قَدْ بُنِيْنَ مَحَاتِد\rأي : بمجلُوٍّ ، ومنه استُعِير ذلك في وَصْف الحبل بالملاسة والبريق.\rقال العجاج : [ الرجز ]\rشَدِيدُ جَلْزِ الصُّلْبِ مَمْحُوصُ الشَّوَى... كَالْكَرِّ ، لا شَخْتٌ وَلاَ فِيهِ لَوَى\rوالشوى : الظهر ، قَصَره ضرورةً ، سُمِع : فعلتُه حتى انقطع شَوَاي ، أي : ظَهْري. والمحق - في اللغة - النقصان.\rوقال المفضَّل : هو أن يذهب الشيءُ كلُّه ، حتَّى لا يُرَى منه شيء ، ومنه قوله تعالى : { يَمْحَقُ الله الربا } [ البقرة : 276 ] أي : يستأصله ، وقد تقدم الكلام عليه في البقرة. أ هـ {تفسير ابن عادل حـ 5 صـ 560 ـ 561}.","part":17,"page":67},{"id":7098,"text":"من فوائد العلامة أبى السعود فى الآية\rقال رحمه الله :\rوقوله تعالى : { وَلِيُمَحّصَ الله الذين ءامَنُواْ } أي ليُصَفِّيَهم ويُطهرَهم من الذنوب ، عطفٌ على يتخذ ، وتكريرُ اللامِ لتذكير التعليلِ لوقوع الفصلِ بينهما بالاعتراض ، وإظهارُ الاسمِ الجليلِ في موقع الإضمارِ لإبراز مزيدِ الاعتناءِ بشأن التمحيصِ ، وهذه الأمورُ الثلاثة عللٌ للمداولة المعهودةِ باعتبار كونِها على المؤمنين قُدِّمت في الذكر لأنها المحتاجةُ إلى البيان. ولعل تأخيرَ العلةِ الأخيرةِ عن الاعتراض لئلا يُتوَهَّمَ اندراجُ المذنبين في الظالمين ، أو ليقترِنَ بقوله عز وجل : { وَيَمْحَقَ الكافرين } فإن التمحيصَ فيه محوُ الآثارِ وإزالةُ الأوضارِ كما أن المَحْقَ عبارةٌ عن النقض والإذهابِ. قال المفضِّلُ : هو أن يذهبَ الشيءُ بالكلية حتى لا يرى منه شيءٌ ومنه قولُه تعالى : { يَمْحَقُ الله الربا } أي يستأصله وهذه علة للمداولة باعتبار كونها على الكافرين والمرادُ بهم الذين حاربوا رسولَ الله صلى الله عليه وسلم يومَ أحُدٍ وأصرّوا على الكفر وقد محقَهم الله عز وجل جميعاً. أ هـ {تفسير أبى السعود حـ 2 صـ 90 ـ 91}\rفوائد بلاغية\rقال أبو حيان :\rوقد تضمنت هذه الآيات فنوناً من الفصاحة والبديع والبيان : من ذلك الاعتراض في : والله يحب المحسنين ، وفي : ومن يغفر الذنوب إلا الله ، وفي : والله لا يحب الظالمين.\rوتسمية الشيء باسم سببه في : إلى مغفرة من ربكم.\rوالتشبيه في : عرضها السموات والأرض.\rوقيل : هذه استعارة وإضافة الحكم إلى الأكثر في أعدّت للمتقين ، وهي معدة لهم ولغيرهم من العصاة.\rوالطباق في : السرّاء والضرّاء ، وفي : ولا تهنوا والأعلون ، لأن الوهن والعلو ضدان.\rوفي آمنوا والظالمين ، لأن الظالمين هنا هم الكافرون ، وفي : آمنوا ويمحق الكافرين.","part":17,"page":68},{"id":7099,"text":"والعام يراد به الخاص في : والعافين عن الناس يعني من ظلمهم أو المماليك.\rوالتكرار في : واتقوا الله ، واتقوا النار ، وفي لفظ الجلالة ، وفي والله يحب ، وذكروا الله ، وفي وليعلم الله ، والله لا يحب ، وليمحص الله ، وفي الذين ينفقون ، والذين إذا فعلوا.\rوالاختصاص في : يحب المحسنين ، وفي : وهم يعلمون ، وفي : عاقبة المكذبين ، وفي : موعظة للمتقين ، وفي : إن كنتم مؤمنين ، وفي : لا يحب الظالمين ، وفي : وليمحص الله الذين آمنوا ، وفي : ويمحق الكافرين.\rوالاستعارة في : فسيروا ، على أنه من سير الفكر لا القدم ، وفي : وأنتم الأعلون ، إذا لم تكن من علو المكان ، وفي : تلك الأيام نداولها ، وفي : وليمحص ويمحق ، والإشارة في هذا بيان.\rوفي : وتلك الأيام.\rوإدخال حرف الشرط في الأمر المحقق في : إن كنتم مؤمنين ، إذا علق عليه النهي والحذف في عدة مواضع. أ هـ {البحر المحيط حـ 3 صـ 69 ـ 70}\rمن لطائف الإمام القشيرى فى الآية\r{ وَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا وَيَمْحَقَ الْكَافِرِينَ (141)}\rاختبارات الغيب سبك للعبد فباختلاف الأطوار يخلصه من المشائب فيصير كالذهب الخالص لا خَبَثَ فيه ، كذلك يصفو عن العلل فيتخلص لله.\r{ وَيَمْحَقَ الكَافِرِينَ } في أودية التفرقة. { فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً } [ الرعد : 17 ]. أ هـ {لطائف الإشارات حـ 1 صـ 281}","part":17,"page":69},{"id":7100,"text":"قوله تعالى { أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ (142)}\rمناسبة الآية لما قبلها\rقال البقاعى :\rولما كان السياق يرشد إلى أن المعنى : أحسبتم أنه لا يفعل ذلك ، عادله بقوله : {أم حسبتم} أي يا من استكره نبينا على الخروج في هذا الوجه {أن تدخلوا الجنة} أي التي أعدت للمتقين {ولما يعلم الله} أي يفعل المحيط علماً وقدرة بالامتحان فعل من يريد أن يعلم {الذين جاهدوا منكم} أي أوقعوا الجهاد بصدق العزيمة ، ثم أمضوه بالفعل تصديقاً للدعوى {ويعلم الصابرين} أي الذين شأنهم الصبر عند الهزاهز والثبات عند جلائل المصائب تصديقاً لظاهر الغرائز ، فإن ذلك أعظم دليل على الوثوق بالله ووعده الذي هو صريح الإيمان. أ هـ {نظم الدرر حـ 2 صـ 161}\rوقال الفخر :\rاعلم أنه تعالى لما بين في الآية الأولى الوجوه التي هي الموجبات والمؤثرات في مداولة الأيام ذكر في هذه الآية ما هو السبب الأصلي لذلك ، فقال {أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُواْ الجنة} بدون تحمل المشاق. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 9 صـ 16}\rفصل\rقال الفخر :\rأم : منقطعة ، وتفسير كونها منقطعة تقدم في سورة البقرة.","part":17,"page":70},{"id":7101,"text":"قال أبو مسلم : في {أَمْ حَسِبْتُمْ} إنه نهي وقع بحرف الاستفهام الذي يأتي للتبكيت ، وتلخيصه : لا تحسبوا أن تدخلوا الجنة ولم يقع منكم الجهاد ، وهو كقوله : {الم * أَحَسِبَ الناس أَن يُتْرَكُواْ أَن يَقُولُواْ ءامَنَّا وَهُمْ لاَ يُفْتَنُونَ} [ العنكبوت : 1 2 ] وافتتح الكلام بذكر \"أم\" التي هي أكثر ما تأتي في كلامهم واقعة بين ضربين يشك في أحدهما لا بعينه ، يقولون : أزيداً ضربت أم عمرواً ، مع تيقن وقوع الضرب بأحدهما ، قال : وعادة العرب يأتون بهذا الجنس من الاستفهام توكيداً ، فلما قال : {وَلاَ تَهِنُوا وَلاَ تَحْزَنُوا} [ آل عمران : 139 ] كأنه قال : أفتعلمون أن ذلك كما تؤمرون به ، أم تحسبون أن تدخلوا الجنة من غير مجاهدة وصبر ، وإنما استبعد هذا لأن الله تعالى أوجب الجهاد قبل هذه الواقعة ، وأوجب الصبر على تحمل متاعبها ، وبين وجوه المصالح فيها في الدين وفي الدنيا ، فلما كان كذلك ، فمن البعيد أن يصل الإنسان إلى السعادة والجنة مع إهمال هذه الطاعة. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 9 صـ 16 ـ 17}\rوقال القرطبى : \r\"أم\" بمعنى بل.\rوقيل : الميم زائدة ، والمعنى أحسبتم يا من انهزم يوم أحد أن تدخلوا الجنة كما دخل الّذين قُتلوا وصبروا على ألَمِ الجِراح والقتل من غير أن تَسْلُكوا طريقهم وتصبروا صبرهم لا ؛ حتى { يَعْلَمِ الله الذين جَاهَدُواْ مِنكُمْ } أي عِلْم شهادة حتى يقع عليه الجزاء.\rوالمعنى : ولم تجاهدوا فيعلم ذلك منكم ؛ فلما بمعنى لم.\rوفرق سيبويه بين \"لم\" و\"لما\" ، فزعم أن \"لم يَفعلْ\" نفى فَعَل ، وأن \"لَمّا يفعلْ\". نفى قد فَعَل. أ هـ {تفسير القرطبى حـ 4 صـ 220}","part":17,"page":71},{"id":7102,"text":"وقال ابن عاشور : \r{ أم } هنا منقطعة ، هي بمعنى ( بل ) الانتقالية ، لأنّ هذا الكلام انتقال من غرض إلى آخر ، وهي إذا استعملت منقطعة تؤذن بأنّ ما بعدها استفهام ، لملازمتها للاستفهام ، حتَّى قال الزمخشري والمحقّقون : إنَّها لا تفارق الدلالة على الاستفهام بعدها ، وقال غيره : ذلك هو الغالب وقد تفارقه ، واستشهدوا على مفارقتها للاستفهام بشواهد تقبل التَّأويل.\rفقوله : { أم حسبتم } عطف على جملة { ولا تهنوا } [ آل عمران : 139 ] وذلك أنَّهم لمّا مسّهم القرح فحزنوا واعتراهم الوهن حيث لم يشاهدوا مثل النَّصر الَّذي شاهدوه يوم بدر ، بيّن الله أنّ لا وجه للوهن للعلل الَّتي تقدّمت ، ثُمّ بيّن لهم هنا : أن دخول الجنَّة الَّذي هو مرغوبهم لا يحصل إذا لم يبذلوا نفوسهم في نصر الدّين فإذا حسبوا دخول الجنَّة يحصل دون ذلك ، فقد أخطأوا.\rوالاستفهام المقدّر بعد ( أم ) مستعمل في التَّغليط والنَّهي ، ولذلك جاء ب ( أم ) للدلالة على التغليط : أي لا تحسبوا أن تدخلوا الجنَّة دون أن تجاهدوا وتصبروا على عواقب الجهاد. أ هـ {التحرير والتنوير حـ 3 صـ 233 ـ 234}\rوقال الآلوسى : \r{ أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُواْ الجنة } خطاب للمنهزمين يوم أحد وهو كلام مستأنف ( سيق ) لبيان ما هي الغاية القصوى من المداولة والنتيجة لما ذكر من العلل الثلاث الأول ، و{ أَمْ } منقطعة مقدرة ببل وهمزة الاستفهام الإنكاري ، وكونها متصلة وعديلها مقدر تكلف ، والإضراب عن التسلية ببيان العلل فيما لقوا من الشدة إلى تحقيق أنها من مبادىء الفوز بالمطلب الأسنى والمقام الأعلى ، والمعنى بل لا ينبغي منكم أن تظنوا أنكم تدخلون الجنة وتفوزون بنعيمها وما أعد الله تعالى لعباده فيها. أ هـ {روح المعانى حـ 4 صـ 70}","part":17,"page":72},{"id":7103,"text":"فصل\rقال الفخر :\rظاهر الآية يدل على وقوع النفي على العلم ، والمراد وقوعه على نفي المعلوم ، والتقدير : أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يصدر الجهاد عنكم ، وتقريره أن العلم متعلق بالمعلوم ، كما هو عليه ، فلما حصلت هذه المطابقة لا جرم.\rحسن إقامة كل واحد منهما مقام الآخر ، وتمام الكلام فيه قد تقدم. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 9 صـ 17}\rفصل\rقال الآلوسى :\r{ وَلَمَّا يَعْلَمِ الله الذين جاهدوا مِنكُمْ } حال من ضمير { تَدْخُلُواْ } مؤكدة للإنكار فإن رجاء الأجر من غير عمل ممن يعلم أنه منوط به مستبعد عن العقول ، ولهذا قيل :\rترجو النجاة ولم تسلك مسالكها...\rإن السفينة لا تجري على اليبس\rوورد عن شهر بن حوشب طلب الجنة من غير عمل ذنب من الذنوب ، وانتظار الشفاعة بلا سبب نوع من الغرور ، وارتجاء الرحمة ممن لا يطاع حمق وجهالة ، ونفي العلم باعتبار تعلقه التنجيزي كما مر في الإثبات على رأي.","part":17,"page":73},{"id":7104,"text":"ويجوز أن يكون الكلام كناية عن نفي تحقق ذلك لأن نفي العلم من لوازم نفي التحقق إذ التحقق ملزوم علم الله تعالى ، ونفي اللازم لازم نفي الملزوم وكثيراً ما يقال : ما علم الله تعالى في فلان خيراً ويراد ما فيه خير حتى يعلمه ، وهل يجري ذلك في نفي علمنا أم لا ؟ فيه تردد والذي قطع به صاحب \"الانتصاف\" الثاني ، وإيثار الكناية على التصريح للمبالغة في تحقيق المعنى المراد وهو عدم تحقق الجهاد الذي هو سبب للفوز الأعظم منهم لما أن الكلام عليها كدعوى الشيء ببينة ، وفي ذلك رمز أيضاً إلى ترك الرياء ، وأن المقصود علم الله تعالى لا الناس ، وإنما وجه النفي إلى الموصوفين مع أن المنفي هو الوصف الذي هو الجهاد للمبالغة في بيان انتقاء ذلك ، وعدم تحققه أصلاً وكيف تحقق صفة بدون موصوف ، وفي اختيار { لَّمّاً } على لم إشارة إلى أن الجهاد متوقع منهم فيما يستقبل بناءاً على ما يفهم من كلام سيبويه أن ( لما ) تدل على توقع الفعل المنفي بها ، وقد ذكر الزجاج أنه إذا قيل : قد فعل فلان فجوابه لما يفعل ، وإذا قيل : فعل ؟ فجوابه لم يفعل ، فإذا قيل : لقد فعل ، فجوابه ما فعل كأنه قال : والله لقد فعل فقال المجيب : والله ما فعل ، وإذا قيل : هو يفعل يريد ما يستقبل ، فجوابه لا يفعل ، وإذا قيل : سيفعل ، فجوابه لن يفعل ، فقول أبي حيان : \"إن القول بأن لما تدل على توقع الفعل المنفي بها فيما يستقبل لا أعلم أحداً من النحويين ذكره\" غير متعدّ به ، نعم هذا التوقع هنا غير معتبر في تأكيد الإنكار ، وقرىء ، { وَيَعْلَمَ } بفتح الميم على أن أصله يعلمن بنون خفيفة فحذفت في الدرج ، وقد أجازوا حذفها إما بشرط ملاقاة ساكن بعدها أومطلقاً ، ومن ذلك قوله : \rإذا قلت قدني قال بالله حلفة...\rلتغني عني ذا أنائك أجمعا","part":17,"page":74},{"id":7105,"text":"على رواية فتح اللام ؛ وقيل : إن فتح الميم لاتباع اللام ليبقى تفخيم اسم الله عز اسمه ، و{ مّنكُمْ } حال من { الذين } و( من ) فيه للتبعيض ، فيؤذن بأن الجهاد فرض كفاية. أ هـ {روح المعانى حـ 4 صـ 70 ـ 71}\rفائدة\rقال ابن عاشور :\rو ( لَمَّا ) حرف نفي أختُ ( لم ) إلاّ أنَّها أشدّ نفياً من ( لم ) ، لأنّ ( لم ) لِنفي قول القائل فَعَل فلان ، و( لمّا ) لنفي قوله قد فعل فلان.\rقاله سيبويه ، كما قال : إنّ ( لا ) لنفي يفعل و( لن ) لنفي سيفعل و( ما ) لنفي لقد فعل و( لا ) لنفي هو يفعل.\rفتدلّ ( لَمَّا ) على اتِّصال النَّفي بها إلى زمن التكلّم ، بخلاف ( لم ) ، ومن هذه الدلالة استفيدت دلالة أخرى وهي أنّها تؤذن بأنّ المنفي بها مترقّب الثبوت فيما يستقبل ، لأنَّها قائمة مقام قولك استمرّ النَّفي إلى الآن ، وإلى هذا ذهب الزمخشري هنا فقال : و( لمّا ) بمعنى ( لم ) إلاّ أنّ فيها ضرباً من التوقُّع وقال في قوله تعالى : { ولما يدخل الإيمان في قلوبكم } سورة [ الحجرَات : 14 ] : فيه دلالة على أنّ الأَعراب آمنوا فيما بعد.\rوالقول في علم الله تقدّم آنفاً في الآية قبل هذه.\rوأريد بحالة نفي علم الله بالَّذين جاهدوا والصَّابرين الكناية عن حالة نفي الجهاد والصّبر عنهم ، لأنّ الله إذا علم شيئاً فذلك المعلوم محقّق الوقوع فكما كنّى بعلم الله عن التّحقق في قوله : { وليعلم الله الذين آمنوا } [ آل عمران : 140 ] كنّى بنفي العلم عن نفي الوقوع.\rوشرط الكناية هنا متوفّر وهو جواز إرادة المعنى الملزوم مع المعنى اللازم لِجواز إرادة انتفاء علم الله بجهادهم مع إرادة انتفاء جهادهم.","part":17,"page":75},{"id":7106,"text":"ولا يرد ما أورده التفتزاني ، وأجاب عنه بأنّ الكناية في النفي بنيت على الكناية في الإثبات ، وهو تكلّف ، إذ شأن التراكيب استقلالها في مفادها ولوازمها. أ هـ {التحرير والتنوير حـ 3 صـ 234 ـ 235}\rقوله تعالى : {وَيَعْلَمَ الصابرين}\rقال الفخر :\rأما قوله : {وَيَعْلَمَ الصابرين} فاعلم أنه قرأ الحسن {وَيَعْلَمَ الصابرين} بالجزم عطفاً على {وَلَمَّا يَعْلَمِ الله} وأما النصب فبإضمار أن ، وهذه الواو تسمى واو الصرف ، كقولك : لا تأكل السمك وتشرب اللبن ، أي لا تجمع بينهما ، وكذا ههنا المراد أن دخول الجنة وترك المصابرة على الجهاد مما لا يجتمعان ، وقرأ أبو عمرو {وَيَعْلَمَ} بالرفع على تقدير أن الواو للحال.\rكأنه قيل : ولما تجاهدوا وأنتم صابرون.\rواعلم أن حاصل الكلام أن حب الدنيا لا يجتمع مع سعادة الآخرة ، فبقدر ما يزداد أحدهما ينتقص الآخر ، وذلك لأن سعادة الدنيا لا تحصل إلا باشتغال القلب بطلب الدنيا ، والسعادة في الآخرة لا تحصل إلا بفراغ القلب من كل ما سوى الله وامتلائه من حب الله ، وهذان الأمران مما لا يجتمعان ، فلهذا السر وقع الاستبعاد الشديد في هذه الآية من اجتماعهما ، وأيضاً حب الله وحب الآخرة لا يتم بالدعوى ، فليس كل من أقر بدين الله كان صادقا ، ولكن الفصل فيه تسليط المكروهات والمحبوبات ، فإن الحب هو الذي لا ينقص بالجفاء ولا يزداد بالوفاء ، فإن بقي الحب عند تسليط أسباب البلاء ظهر أن ذلك الحب كان حقيقياً ، فلهذه الحكمة قال : {أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُواْ الجنة} بمجرد تصديقكم الرسول قبل أن يبتليكم الله بالجهاد وتشديد المحنة ، والله أعلم. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 9 صـ 17}","part":17,"page":76},{"id":7107,"text":"وقال الآلوسى :\r{ وَيَعْلَمَ الصابرين } نصب بإضمار أن ، وقيل : بواو الصرف ، والكلام على طرز لا تأكل السمك وتشرب اللبن أي أم حسبتم أن تدخلوا الجنة والحال أنه لم يتحقق منكم الجهاد والصبر أي الجمع بينهما ، وإيثار الصابرين على الذين صبروا للإيذان بأن المعتبر هو الاستمرار على الصبر وللمحافظة على رؤوس الآي ، وقيل : الفعل مجزوم بالعطف على المجزوم قبله وحرك لالتقاء الساكنين بالفتحة للخفة والاتباع ، ويؤيد ذلك قراءة الحسن { وَيَعْلَمَ الصابرين } بكسر الميم ، وقرىء { وَيَعْلَمَ } بالرفع على أن الواو للاستئناف أو للحال بتقدير وهو يعلم ، وصاحب الحال الموصول كأنه قيل : ولما تجاهدوا وأنتم صابرون. أ هـ {روح المعانى حـ 4 صـ 71}\rفصل\rقال الشيخ الشنقيطى :\rأنكر الله في هذه الآية على من ظن أنه يدخل الجنة دون أن يبتلى بشدائد التكاليف التي يحصل بها الفرق بين الصابر المخلص في دينه ، وبين غيره وأوضح هذا المعنى في آيات متعددة كقوله : { أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُواْ الجنة وَلَمَّا يَأْتِكُم مَّثَلُ الذين خَلَوْاْ مِن قَبْلِكُم مَّسَّتْهُمُ البأسآء والضرآء وَزُلْزِلُواْ حتى يَقُولَ الرسول والذين آمَنُواْ مَعَهُ متى نَصْرُ الله ألا إِنَّ نَصْرَ الله قَرِيب } [ البقرة : 214 ] وقوله : { أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تُتْرَكُواْ وَلَمَّا يَعْلَمِ الله الذين جَاهَدُواْ مِنكُمْ وَلَمْ يَتَّخِذُواْ مِن دُونِ الله وَلاَ رَسُولِهِ وَلاَ المؤمنين وَلِيجَةً والله خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ } [ التوبة : 16 ] وقوله : { الم أَحَسِبَ الناس أَن يتركوا أَن يقولوا آمَنَّا وَهُمْ لاَ يُفْتَنُونَ وَلَقَدْ فَتَنَّا الذين مِن قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ الله الذين صَدَقُواْ وَلَيَعْلَمَنَّ الكاذبين } [ العنكبوت : 1-3 ].","part":17,"page":77},{"id":7108,"text":"وفي هذه الآيات سر لطيف وعبرة وحكمة ، وذلك أن أبانا آدم كان في الجنة يأكل منها رغداً حيث شاء في أتم نعمة وأكمل سرور ، وأرغد عيش. كما قال له ربه : { إِنَّ لَكَ أَلاَّ تَجُوعَ فِيهَا وَلاَ تعرى وَأَنَّكَ لاَ تَظْمَأُ فِيهَا وَلاَ تضحى } [ طه : 118-119 ] ولو تناسلنا فيها لكنا في أرغد عيش وأتم نعمة ، ولكن إبليس عليه لعائن الله احتال بمكره وخداعه على أبوينا حتى أخرجهما من الجنة ، إلى دار الشقاء والتعب.\rوحينئذ حكم الله تعالى أن جنته لا يدخلها أحد إلا بعد الابتلاء بالشدائد وصعوبة التكاليف. فعلى العاقل منا - معاشر بني آدم - أن يتصور الواقع ويعلم أننا في الحقيقة سبي سباه إبليس بمكره وخداعه من وطنه الكريم إلى دار الشقاء والبلاء ، فيجاهد عدوه إبليس ونفسه الأمارة بالسوء حتى يرجع إلى الوطن الأول الكريم ، كما قال العلامة ابن القيم تغمده الله برحمته :\rولكننا سبي العدو فهل ترى... نرد إلى أوطاننا ونسلم\rولهذه الحكمة أكثر الله تعالى في كتابه من ذكر قصة إبليس مع آدم لتكون نصب أعيننا دائماً. أ هـ {أضواء البيان حـ 1 صـ 246}\rفوائد لغوية\rقال ابن عادل :\rقوله تعالى {أم حسبتم}\rوفي \" أم \" - هذه - أوجه :\rأظهرها : أنها منقطعة ، مقدَّرة بـ \" بل \" ، وهمزة الاستفهام ويكون معناه الإنكار عليهم.\rوقيل : \" أمْ \" بمعنى الهمزة وحدها ، ومعناه كما تقدم التوبيخ والإنكار.\rوقيل : هذا الاستفهام معناه النهي.","part":17,"page":78},{"id":7109,"text":"قال أبو مسلم : \" إنه نهي وقع بحرف الاستفهام الذي يأتي للتبكيت ، وتلخيصه : لا تحسبوا أن تدخلوا الجنة ، ولم يقع منكم الجهاد ، وهو كقوله : { أَحَسِبَ الناس أَن يتركوا أَن يقولوا آمَنَّا وَهُمْ لاَ يُفْتَنُونَ } [ العنكبوت : 2 ] وافتتح الكلام بذكر \" أم \" التي هي أكثر ما تأتي في كلامهم واقعة بين ضربين يشك في أحدهما ، لا يعينه ، يقولون : أزيد ضربت أم عمراً ؟ مع تيقُّن وقوع الضرب بأحدهما ، قال : وعادة العرب أن يأتوا بهذا الجنس من الاستفهام توكيداً ، فلما قال : { وَلاَ تَهِنُوا وَلاَ تَحْزَنُوا } [ آل عمران : 139 ] كأنه قال : أفتعلمون أن ذلك كما تُؤمَرون به أم تحسبون أن تدخلوا الجنة من غير مجاهدةٍ وَصَبْر ؟ \".\rوقيل : هي متصلة.\rقال ابنُ بَحْر : \" هي عديلة همزة تقدر من معنى ما تقدم ، وذلك أن قوله : { إِن يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ } [ آل عمران : 140 ] و{ وَتِلْكَ الأيام نُدَاوِلُهَا بَيْنَ الناس } [ آل عمران : 140 ] إلى آخر القصة يقتضي أن نتبع ذلك أتعلمون أن التكليف يوجب ذلك أم حسبتم أن تدخلوا الجنة من غير اختبار وتحمُّل مشقة ، وأن تجاهدوا ، فيعلم الله ذلك منكم واقعاً \".\rو \" أحسب \" - هنا - على بابها من ترجيح أحد الطرفين ، و{ أَن تَدْخُلُواْ } ساد مسد المفعولين - على رأي سيبويه - ومسد الأول ، والثاني : محذوف - على رأي الأخفش.\rقوله : { وَلَمَّا يَعْلَمِ الله } جملة حالية.\rقال الزَّمَخْشَرِي : \" و\" لما \" بمعنى \" لم \" ، إلا أنَّ فيه ضرباً من التوقُّع ، فدلَّ على نفي الجهاد فيما مضى ، وعلى توقُّعه فيما يستقبل ، وتقول : وعدتني أن تفعل كذا ولمَّا ، تريد : ولم تفعل ، وأنا أتوقَّع فِعْلَه \".\r","part":17,"page":79},{"id":7110,"text":"قال أبو حيان : \" وهذا الذي قاله في \" لما \" - من أنها تدل على توقُّع الفعل المنفي بها فيما يستقبل - لا أعلم أحداً من النحويين ذكره ، بل ذكروا أنك إذا قلت : لما يخرج زيد ، دل ذلك على انتفاء الخروج فيما مضى ، متصلاً نفيه إلى وقت الإخبار ، أما أنها تدل على توقُّعه في المستقبل فلا ، لكنني وجدت في كلام الفراء شيئاً يُقارب ما قاله الزمخشري ، قال : \" لما \" لتعريض الوجود بخلاف \" لم \".\rقال شِهَابُ الدين : والنحاة إنما فرَّقوا بينهما من جهة أن المنفي بـ \" لَمْ \" هو فعل غير مقرون بـ \" قد \" ، والمنفي بـ \" لما \" فعل مقرون بها ، و\" قد \" تدل على التوقُّع ، فيكون كلام الزمخشري صحيحاً من هذه الجهة ، ويدل على ما قلته - من كون \" لم \" لنفي فعل فلان ، و\" لما \" لنفي قد فعل - نصُّ سيبويه فمن دونه.\rقال الزجاج إذا قيل فعل فلان ، فجوابه : لم يفعل ، وإذا قيل : قد فعل فلان ، فجوابه لما يفعل ؛ لأنه لما أُكِّد في جانب الثبوت بـ \" قد \" لا جرم أنه أكد في جانب النفي بكلمة \" لما \" ، وقد تقدم نظير هذه الآية في \" البقرة \" وظاهر الآية يدل على وقوع النفي على العلم ، والمراد : وقوعه على نفي المعلوم ، والتقدير : أم حسبتم أن تدخلوا الجنةَ ، ولمَّا يصدر الجهادُ عنكم ؟\rوتقريره : أن العلم متعلق بالمعلوم ، كما هو عليه ، فلما حَصَلَتْ هذه المطابقة - لا جرم - حَسُن إقامة كلِّ واحدٍ منهما مقامَ الآخر.\rقوله : \" مِنْكُمْ \" حال من \" الَّذِينَ \".\rوقرأ العامة { وَلَمَّا يَعْلَمِ الله } بكسر الميم- على أصل التقاء الساكنين.\rوقرأ النخعي وابن وثاب بفتحها ، وفيها وجهان : \rالأول : أن الفتحة فتحة إتباع الميم لـ \" اللام \" قبلها.\r","part":17,"page":80},{"id":7111,"text":"الثاني : أنه على إرادة النون الخفيفة ، والأًصل : ولما يعلمن ، والمنفي بـ \" لما \" قد جاء مؤكداً بها ، كقول الشاعر : [ الرجز ]\rيَحْسَبُهُ الْجَاهِلُ مَا لَمْ يَعْلَمَا... شَيْخاً عَلَى كُرْسِيِّهِ مُعَمَّمَا\rفلما حذفت النون بقي آخر الفعل مفتوحاً ، كقول الشاعر : [ الخفيف ]\rلا تُهِينَ الْفَقِيرَ عَلَّكَ أن تَرْ... كَعَ يَوْماً وَالدَّهْرُ قَدْ رَفَعَهْ\rوعليه تُخَرَّج قراءةُ : { أَلَم نَشْرَحَ } [ الشرح : 1 ] - بفتح الحاء-.\rوقول الآخر : [ الرجز ]\rمِنْ أيِّ يَوْمَيَّ مِنَ الْمَوْتِ أفْر... مِنْ يَوْمِ لَمْ يُقْدَرَ أوْ يَوْم قُدِرْ\rقوله : \" ويَعْلَمَ \" العامة على فتح الميم ، وفيها تخريجان : \rأحدهما : وهو الأشهر - أن الفعل منصوب ، ثم هل نصبه بـ \" أن \" مقدَّرة بعد الواو المقتضية للجمع كهي في قولك : لا تأكل السمك وتشرب اللبن ، أي : لا تجمع بينهما - وهو مذهب البصريين - أو بواو الصرف - وهو مذهب الكوفيين - يعنون أنه كان من حق الفعل أن يُعْرَب بإعراب ما قبله ، فلما جاءت الواو صرفته إلى وجهٍ آخرَ من الإعراب.\rالثاني : أن الفتحةَ فتحةُ التقاء الساكنين ، والفعل مجزوم ، فلما وقع بعده ساكنٌ آخر ، احتيج إلى تحريك آخرهِ ، فكانت الفتحة أوْلَى ؛ لأنها أخف ، وللإتباع لحركة اللام ، كما قيل ذلك في أحد التخريجين في قراءة \" وَلَمَّا يَعْلَمَ اللهُ \" بفتح الميم - والأول هو الوجه.\rوقرأ الحسنُ وأبو حيوةَ وابنُ يَعْمُرَ : بكسر الميم ؛ عطفاً على \" يَعْلَم \" المجزوم بـ \" لَمَّا \".\rوقرأ عَبْدُ الوَارِثِ - عن أبي عَمْرو بْنِ العَلاَءِ - \" وَيعْلَمُ \" بالرفع ، وفيها وجهان : \rأظهرهما : أنه مستأنف ، أخبر - تعالى - بذلك.\rوقال الزَّمَخْشَرِيُّ : \" على أن الواو للحال ، كأنه قيل : ولما تجاهدوا وأنتم صابرون \".\r","part":17,"page":81},{"id":7112,"text":"قال أبُو حَيَّانَ : \" ولا يصح ما قال ؛ لأن واو الحال لا تدخل على المضارع ، لا يجوز : جاء زيد ويضحك - تريد : جاء زيد يضحك ، لأن المضارع واقع موقع اسم الفاعل ، فكما لا يجوز : جاء زيد وضاحكاً ، كذلك لا يجوز : جاء زيد ويضحك فإن أولَ على أن المضارع خبر لمبتدأ محذوف ، أمكن ذلك ، التقدير : وهو يعلم الصابرين.\rكما أولوا قول الشاعر : [ المتقارب ]\r................... نَجَوْتُ وَأرْهَنُهُمْ مَالِكا\rأي : وأنا أرهنهم \".\rقال شهابُ الدين : \" قوله : لا تدخل على المضارع ، هذا ليس على إطلاقه ، بل ينبغي أن يقول : على المضارع المثبت ، أو المنفي بـ \" لا \" ؛ لأنها تدخل على المضارع المنفي بـ \" لم ولمَّا \". وقد عُرِف ذلك مراراً \".\rومعنى الآية : أن دخول الجنة ، وترك المصابرة على الجهاد مما لا يجتمعان. أ هـ {تفسير ابن عادل حـ 5 صـ 562 ـ 565}. بتصرف يسير.\rمن لطائف الإمام القشيرى فى الآية\r{ أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ (142)}\rمن ظنَّ أنه يصل إلى محل عظيم من دون مقاساة الشدائد ألقته أمانيه في مهواة الهلاك ، وإنَّ من عرف قَدْر مطلوبه سَهُلَ عليه بَذْلُ مجهوده : (.... ) وهو بلذاته على من يظن يخلع العذار وقال قائلهم :\rإذا شام الفتى برق المعاني... فأهونُ فائتٍ طِيبُ الرُّقاد. أ هـ {لطائف الإشارات حـ 1 صـ 281}","part":17,"page":82},{"id":7113,"text":"قوله تعالى : { وَلَقَدْ كُنْتُمْ تَمَنَّوْنَ الْمَوْتَ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَلْقَوْهُ فَقَدْ رَأَيْتُمُوهُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ (143)}\rمناسبة الآية لما قبلها\rقال البقاعى :\rولما أرشد السياق إلى أن التقدير : فلقد كنتم تقولون : لئن خرجت بنا ليبتلين الله بلاء حسناً ، عطف عليه قوله : {ولقد} ويجوز أن يكون حالاً من فاعل {حسبتم} {كنتم تمنون الموت} أي الحرب ، عبر عنها به لأنها سببه ، ولقد تمنى بعضهم الموت نفسه بتمني الشهادة {من قبل أن تلقوه} أي رغبة فيما أعد الله للشهداء {فقد رأيتموه} أي برؤية قتل إخوانكم ، والضمير يصلح أن يكون للموت المعبر به عن الحرب ، وللموت نفسه برؤية أسبابه القريبة ، وقوله : {وأنتم تنظرون} بمعنى رؤية العين ، فهو تحقيق لإرادة الحقيقة. أ هـ {نظم الدرر حـ 2 صـ 161}\rفصل\rقال القرطبى :\rقوله تعالى : { وَلَقَدْ كُنْتُمْ تَمَنَّوْنَ الموت } أي الشهادة من قبل أن تلقوه.\rوقرأ الأعمش { مِنْ قَبْلِ أَنْ تُلاَقُوهُ } أي من قبل القتل.\rوقيل : من قبل أن تلقوا أسباب الموت ؛ وذلك أن كثيراً ممن لم يحضروا بدراً كانوا يتَمنَّون يوماً يكون فيه قِتال ، فلما كان يوم أُحُد انهزموا ، وكان منهم من تجلّد حتى قُتل ، ومنهم أنس بن النضر عم أنس بن مالك ، فإنه قال لما انكشف المسلمون : اللّهم إني أبرأ إليك مما جاء به هؤلاء ، وباشر القتال وقال : إِيْهاً إنها ريح الجنةا إني لأجدها ، ومضى حتى استشهد.\rقال أنس : فما عرفناه إلا ببنانه ووجدنا فيه بِضعاً وثمانين جراحة.\rوفيه وفي أمثاله نزل { رِجَالٌ صَدَقُواْ مَا عَاهَدُواْ الله عَلَيْهِ } [ الأحزاب : 23 ].\rفالآية عِتاب في حق من انهزم ، لا سِيّما وكان منهم حَمْلٌ للنبيّ صلى الله عليه وسلم على الخروج من المدينة ، وسيأتي.","part":17,"page":83},{"id":7114,"text":"وتَمنِّي الموت يرجع من المسلمين إلى تَمنِّي الشهادة المبنية على الثبات والصبر على الجهاد ، لا إلى قتل الكفار لهم ؛ لأنه معصيةٌ وكفرٌ ولا يجوز إرادة المعصية ، وعلى هذا يحمل سؤال المسلمين من الله أن يرزقهم الشهادة ، فيسألون الصبر على الجهاد وإن أدّى إلى القتل.\rقوله تعالى : { وَأَنْتُمْ تَنظُرُونَ } قال الأخفش : هو تكرير بمعنى التأكيد لقوله : { فَقَدْ رَأَيْتُمُوهُ } مثل { وَلاَ طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ } [ الأنعام : 38 ].\rوقيل : معناه وأنتم بُصَرَاء ليس في أعينكم عِلَلٌ ؛ ( كما ) تقول : قد رأيت كذا وكذا وليس في عينيك عِلّة ، أي فقد رأيته رؤية حقيقة ؛ وهذا راجع إلى معنى التوكيد.\rوقال بعضهم : { وَأَنْتُمْ تَنظُرُونَ } إلى محمد صلى الله عليه وسلم.\rوفي الآية إضمار ، أي فقد رأيتموه وأنتم تنظرون فلِمَ انهزمتم ؟. أ هـ {تفسير القرطبى حـ 4 صـ 220 ـ 221}\rوقال الآلوسى :\r{ وَلَقَدْ كُنتُمْ تَمَنَّوْنَ الموت } خطاب لطائفة من المؤمنين لم يشهدوا غزوة بدر لعدم ظنهم الحرب حين خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم إليها فلما وقع ما وقع ندموا فكانوا يقولون : ليتنا نقتل كما قتل أصحاب بدر ونستشهد كما استشهدوا فلما أشهدهم الله تعالى أحداً لم يلبث إلا من شاء الله تعالى منهم.","part":17,"page":84},{"id":7115,"text":"فالمراد بالموت هنا الموت في سبيل الله تعالى وهي الشهادة ولا بأس بتمنيها ولا يرد أن في تمني ذلك تمني غلبة الكفار لأن قصد المتمني الوصول إلى نيل كرامة الشهداء لا غير ، ولا يذهب إلى ذلك وهمه كما أن من يشرب دواء النصراني مثلاً يقصد الشفاء لا نفعه ولا ترويج صناعته ، وقد وقع هذا التمني من عبد الله بن رواحة من كبار الصحابة ولم ينكر عليه ، ويجوز أن يراد بالموت الحرب فإنها من أسبابه ، وبه يشعر كلام الربيع وقتادة فحينئذ المتمنى الحرب لا الموت.\r{ مِن قَبْلِ أَن تَلْقَوْهُ } متعلق بتمنون } مبين لسبب إقدامهم على التمني أي من قبل أن تشاهدوا وتعرفوا هوله ، وقرىء بضم اللام على حذف المضاف إليه ونية معناه وأن تلقوه حينئذ بدل من الموت بدل اشتمال أي كنتم تمنون الموت أن تلقوه من قبل ذلك ، وقرىء ( تلاقوه ) من المفاعلة التي تكون بين اثنين وما لقيك فقد لقيته ، ويجوز أن يكون من باب سافرت والضمير عائد إلى ( الموت ) ، وقيل : إلى العدو المفهوم من الكلام وليس بشيء.","part":17,"page":85},{"id":7116,"text":"{ فَقَدْ رَأَيْتُمُوهُ } أي ما تمنيتموه من الموت بمشاهدة أسبابه أو أسبابه ، والفاء فصيحة كأنه قيل : إن كنتم صادقين في تمنيكم ذلك فقد رأيتموه ، وإيثار الرؤية على الملاقاة إما للإشارة إلى انهزامهم أو للمبالغة في مشاهدتهم له كتقييد ذلك بقوله سبحانه : { وَأَنتُمْ تَنظُرُونَ } لأنه في موضع الحال من ضمير المخاطبين أي رأيتموه معاينين له ، وهذا على حد قولك : رأيته وليس في عيني علة أي رأيته رؤية حقيقية لا خفاء فيها ولا شبهة ، وقيل : تنظرون بمعنى تتأملون وتتفكرون أي وأنتم تتأملون الحال كيف هي ، وقيل : معناه وأنتم تنظرون إلى محمد صلى الله عليه وسلم ، وعلى كل حال فالمقصود من هذا الكلام عتاب المنهزمين على تمنيهم الشهادة وهم لم يثبتوا حتى يستشهدوا ، أو على تمنيهم الحرب وتسببهم لها ثم جبنهم وانهزامهم لا على تمني الشهادة نفسها لأن ذلك مما لا عتاب عليه كما وهم. أ هـ {روح المعانى حـ 4 صـ 71 ـ 72}\rومن فوائد ابن عاشور فى الآية\rقال عليه الرحمة :\rكلام ألقي إليهم بإجمال بالغ غاية الإيجاز ، ليكون جامعاً بين الموعظة ، والمعذرة ، والملام ، والواو عاطفة أو حالية.","part":17,"page":86},{"id":7117,"text":"والخطاب للأحياء ، لا محالة ، الَّذين لم يذوقوا الموت ، ولم ينالوا الشهادة ، والَّذين كان حظّهم في ذلك اليوم هو الهزيمة ، فقوله : { كنتم تمنّون الموت } أريد به تمنّي لقاء العدوّ يوم أُحُد ، وعدم رضاهم بأن يتحصّنوا بالمدينة ، ويقفوا موقف الدّفاع ، كما أشار به الرسول عليه الصلاة والسلام ولكنّهم أظهروا الشجاعة وحبّ اللِّقاء ، ولو كان فيه الموت ، نظراً لقوة العدوّ وكثرته ، فالتمنّي هو تمنّي اللِّقاء ونصر الدّين بأقصى جهدهم ، ولمَّا كان ذلك يقتضي عدم اكتراث كُلّ واحد منهم بتلف نفسه في الدّفاع ، رجاء أن يكون قبل هلاكه قد أبلى في العدوّ ، وهيّأ النَّصر لمن بقي بعده ، جعل تمنّيهم اللِّقاء كأنَّه تمنّي الموت من أوّل الأمر ، تنزيلاً لِغاية التمنّي منزلة مبدئه.\rوقوله : { من قبل أن تلقوه } تعريض بأنَّهم تمنّوا أمراً مع الإغضاء عن شدّته عليهم ، فتمنّيهم إيّاه كتمنّي شيء قد جهلوا ما فيه من المصائب.\rوقوله : { فقد رأيتموه } أي رأيتم الموت ، ومعنى رؤيته مشاهدة أسبابه المحقّقة ، الَّتي رؤيتها كمشاهدة الموت ، فيجوز أن يكون قوله : { فقد رأيتموه } تمثيلاً ، ويجوز أن تطلق الرؤية على شدّة التوقّع ، كإطلاق الشمّ على ذلك في قول الحارث بن هشام المخزومي : \rوشممتُ ريح الموت من تلقائهم...\rفي مأزق والخيل لم تتبدّد\rوكإطلاقه في قول ابن معد يكرب يوم القادسية : فضمّني ضمّة وَجَدْت منها ريحَ الموت.\rوالفاء في قوله : { فقد رأيتموه } فاء الفصيحة عن قوله : { كنتم تمنون } والتقدير : وأجبتم إلى ما تمنّيتم فقد رأيتموه ، أو التقدير : فإن كان تمنّيكم حقّاً فقد رأيتموه ، والمعنى : فأين بلاء من يتمنّى الموت ، كقول عباس بن الأحنف : \rقالُوا خُراسانُ أقصى ما يُراد بنا...\rثُمّ القُفول فقدْ جِئْنا خُراسانا","part":17,"page":87},{"id":7118,"text":"ومنه قوله تعالى : { فقد كذّبوكم بما تقولون } [ الفرقان : 19 ] وقوله في سورة الروم ( 56 ) : { فهذا يوم البعث }\r{ وجملة وأنتم تنظرون } حال مؤكّدة لمعنى { رأيتُموه } ، أو هو تفريع أي : رأيتم الموت وكان حظّكم من ذلك النظر ، دون الغَناء في وقت الخطر ، فأنتم مبهوتون.\rومحلّ الموعظة من الآية : أنّ المرء لا يطلب أمراً حَتَّى يفكِّر في عواقبه ، ويسبر مقدار تحمّله لمصائبه.\rومحلّ المعذرة في قوله : { من قبل أن تلقوه } وقوله : { فقد رأيتموه } ومحلّ الملام في قوله : { وأنتم تنظرون }.\rويحتمل أن يكون قوله : { تمنون الموت } بمعنى تتمنَّوْن موت الشهادة في سبيل الله فقد رأيتم مشارفة الموت إياكم ، وأنتم تنظرون من مات من إخوانكم ، أي فكيف وجدتم أنفسكم حين رأيتم الموت ، وكأنَّه تعريض بهم بأنَّهم ليسوا بمقام من يتمنّى الشهادة.\rإذ قد جبنوا وقت الحاجة ، وخفّوا إلى الغنيمة ، فالكلام ملام محض على هذا ، وليس تمنّي الشهادة بملوم عليه ، ولكن اللَّوم على تمنّي ما لا يستطيع كما قيل : ( إذا لم تستطع شيئاً فدعه ).\rكيف وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم \" ولوددت أنّي أقتل في سبيل الله ، ثُمّ أُحيا ثُمّ أقتل ثمّ أحيا ، ثمّ أقْتل \" وقال عمر : \" اللَّهم إنّي أسألك شهادة في سبيلك\" وقال ابن رواحة :\rلكنّني أسأل الرّحمانَ مغفرة...\rوضربةً ذات فرغ تقذِف الزبدا\rحتَّى يقولوا إذا مَرّوا على جَدثي...\rأرشدَك الله من غازٍ وقد رشدا\rوعلى هذا الاحتمال فالضّمير راجع إلى الموت ، بمعنى أسبابه ، تنزيلاً لرؤية أسبابه منزلة رؤيته ، وهو كالاستخدام ، وعندي أنَّه أقرب من الاستخدام لأنَّه عاد إلى أسباب الموت باعتبار تنزيلها منزلة الموت. أ هـ {التحرير والتنوير حـ 3 صـ 235 ـ 237}","part":17,"page":88},{"id":7119,"text":"وقال ابن كثير :\rوقوله : { وَلَقَدْ كُنْتُمْ تَمَنَّوْنَ الْمَوْتَ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَلْقَوْهُ فَقَدْ رَأَيْتُمُوهُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ } أي : قد كنتم -أيها المؤمنون-قبل هذا اليوم تتمنون لقاء العدو وتتحرقون عليهم ، وتودون مناجزتهم ومصابرتهم ، فها قد حصل لكم الذي تمنيتموه وطلبتموه ، فدونَكم فقاتلوا وصابروا.\rوقد ثبت في الصحيحين أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : \"لا تَمَنَّوْا لِقَاءَ الْعَدُوِّ ، وَسَلُوا الله الْعَافِيَةَ ، فَإذَا لقيتموهم فَاصْبِرُوا ، وَاعْلَمُوا أنَّ الْجَنَّةَ تَحْتَ ظِلالِ السُّيُوفِ\". (1)\rولهذا قال : { فَقَدْ رَأَيْتُمُوهُ } يعني : الموت شاهدتموه في لَمَعان السيوف وحدّ الأسِنّة واشتباك الرِّماح ، وصفوف الرجال للقتال.\rوالمتكلمون يعبرون عن هذا بالتخْييل ، وهو مشاهدة ما ليس بمحسوس كالمحسوس كما تَتَخَيل الشاة صداقة الكبش وعداوة الذئب. أ هـ {تفسير ابن كثير حـ 2 صـ 127}\rسؤال : فإن قلت : كيف يجوز تمني الشهادة وفي تمنيها تمني غلبة الكافر المسلم ؟\rقلت : قصد متمني الشهادة إلى نيل كرامة الشهداء لا غير ، ولا يذهب وهمه إلى ذلك المتضمن ، كما أن من يشرب دواء الطبيب النصراني قاصد إلى حصول المأمول من الشفاء ، ولا يخطر بباله أنّ فيه جرّ منفعة وإحسان إلى عدوّ الله وتنفيقا لصناعته.\rولقد قال عبد الله بن رواحة رضي الله عنه حين نهض إلى مؤتة وقيل له ردكم الله :\rلكِنَّني أَسْألُ الرَّحْمنَ مَغْفِرَةً...\rوَضَرْبَةً ذَاتَ فَرْغٍ تَقْذِفُ الزَّبَدَا\rأو طَعْنَةً بِيَدي حَرَّانَ مُجْهِزَةً...\rبِحَرْبَةَ تَنفُذُ الأَحْشَاءَ وَالكَبِدَا\rحَتَّى يَقُولُوا إذَا مَرُّوا عَلَى جَدَثي...\r______________\r(1) صحيح البخاري معلقا برقم (3021) وصحيح مسلم برقم (1741)","part":17,"page":89},{"id":7120,"text":"أرشدَكَ اللَّهُ مِنْ غَازٍ وَقَد رَشَدا. أ هـ {الكشاف حـ 1 صـ 449}\rفوائد لغوية\rقال ابن عادل :\rقوله تعالى : { وَلَقَدْ كُنْتُمْ تَمَنَّوْنَ الموت } قرأ البزي : بتشديد تاء \" تَمَنَّوْنَ \" ، ولا يمكن ذلك إلا في الوصل ، وقاعدته : أنه يصل ميم الجمع بواو ، وقد تقدم تحرير هذا عند قوله تعالى : { وَلاَ تَيَمَّمُواْ الخبيث مِنْهُ تُنْفِقُونَ } [ البقرة : 267 ].\rقوله : \" مِن قَبْلِ \" الجمهور على كسر اللام ؛ لأنها مُعْربة ؛ لإضافتها إلى \" أنْ \" وصلتها.\rوقرأ مجاهد وابنُ جبير : { مِنْ قَبْلُ } بضم اللام ، وقطعها عن الإضافة ، كقوله تعالى : { لِلَّهِ الأمر مِن قَبْلُ وَمِن بَعْدُ } [ الروم : 4 ] وعلى هذا فَـ \" أنْ \" وَصِلَتُها بدل اشتمال من \" الْمَوْتَ \" في محل نصب ، أي : تَمَنَّوْنَ لقاء الموت ، كقولك : رَهِبْتُ العَجُوَّ لقاءَه ، والضمير في \" تَلْقَوْهُ \" فيه وجهان :\rأظهرهما : عوده على \" الْمَوْتَ \".\rوالثاني : عوده على العدو ، وإن لم يجر له ذِكْر - لدلالة الحال عليه.\rوقرأ الزُّهَرِيُّ ، والنخعيّ \" تُلاَقُوه \" ، ومعناه معنى \" تَلْقَوْه \" ؛ لأن \" لقي \" يستدعي أن يكون بين اثنين - بمادته - وإن لم يكن على المفاعلة.\rقوله : { فَقَدْ رَأَيْتُمُوهُ } الظاهر أن الرؤية بصرية ، فيكتفى بمفعول واحد.\rوجوَّزوا أن تكون علمية ، فتحتاج إلى مفعولٍ ثانٍ ، هو محذوف ، أي : فقد علمتموه حاضراً - أي : الموت-.\rإلا أن حَذْف أحد المفعولين في باب \" ظن \" ليس بالسَّهْل ، حتى إن بعضهم يَخُصُّه بالضرورة ، كقول عنترة : [ الكامل ]\rوَلَقَدْ نَزَلْتِ ، فَلاَ تَظُنِّي غَيْرَهُ... مِنِّي بِمَنْزِلَةِ الْمُحَبِّ الْمُكْرَمِ\rأي : فلا تظني غيره واقعاً مني.","part":17,"page":90},{"id":7121,"text":"قوله : { وَأَنْتُمْ تَنظُرُونَ } يجوز أن تكون جملة حالية - وهي حال مؤكِّدة - رفعت ما تحتمله الرؤية من المجاز ، أو الاشتراك بينها وبين رؤية القلب ، ويجوز أن تكون مستأنفة ، بمعنى : وأنتم تنظرون في فعلكم - الآن - بعد انقضاء الحرب ، هل وَفَّيْتُمْ ، أو خالفتم ؟\rوقال ابنُ الأنْبَارِي : \" رَأيْتُمُوهُ \" ، أي : قابلتموه { وَأَنْتُمْ تَنظُرُونَ } بعيونكم ، ولهذه العلة ذكر النظر بعد الرؤية حيث اختلف معناهما ؛ لأن الأول بمعنى : المقابلة والمواجهة ، والثاني بمعنى : رؤية العين.\rوهذا - أعني : إطلاق الرؤية على المقابلة والمواجهة - غير معروف عند أهل اللسان ، وعلى تقدير صحته ، فتكون الجملة من قوله : { وَأَنْتُمْ تَنظُرُونَ } جملة حالية مبيِّنة - لا مؤكِّدة - لأنها أفادت معنًى زائداً على معنى عاملها.\rويجوز أن يقدَّر لِـ \" تَنْظُرُونَ \" مفعولاً ، ويجوز أن لا يُقَدَّر ؛ إذ المعنى : وأنتم من أهل النظر. أ هـ {تفسير ابن عادل حـ 5 صـ 565 ـ 566}\rفصل\rقال الثعالبى :","part":17,"page":91},{"id":7122,"text":"فائدة\rقال ابن عطية :\rقوله { ولقد كنتم تمنون الموت } والسبب في ذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج في غزوة بدر يريد عير قريش مبادراً فلم يوعب الناس معه ، إذ كان الظن أنه لا يلقى حرباً ، فلما قضى الله ببدر ما قضى وفاز حاضروها بالمنزلة الرفيعة ، كان المتخلفون من المؤمنين عنها يتمنون حضور قتال الكفار مع النبي صلى الله عليه وسلم ليكون منهم في ذلك غناء يلحقهم عند ربهم ونبيهم بمنزلة أهل بدر ، ولأنس بن النضر في ذلك كلام محفوظ ، فلما جاء أمر أحد -وحضر القتال لم يصدق كل المؤمنين ، فعاتبهم الله بهذه الآية وألزمهم تعالى تمني الموت من حيث تمنوا لقاء الرجال بالحديد ومضاربتهم به ، وهي حال في ضمنها في الأغلب الموت ، ولا يتمناها إلا من طابت نفسه بالموت ، فصار الموت كأنه المتمنى ، وإلا فنفس قتل المشرك للمسلم لا يجوز أن يتمنى من حيث هو قتل ، وإنما تتمنى لواحقه من الشهادة والتنعيم. أ هـ {المحرر الوجيز حـ 1 صـ 515}\rقال الثعالبى :\rوفي كلام * ع * (1) : بعضُ إجمالٍ ، وقد ترجم البخاريُّ تَمَنِّيَ الشهادةِ ، ثم أسند عن أبي هريرة ، قال : سَمِعْتُ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ : \" وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ ، لَوْلاَ أَنَّ رِجَالاً مِنَ المُؤْمِنِينَ لاَ تَطِيبُ أَنْفُسُهُمْ ؛ أنْ يَتَخَلَّفُوا عَنِّي ، وَلاَ أَجِدُ مَا أَحْمِلُهُمْ عَلَيْهِ ، مَا تَخَلَّفْتُ عَنْ سَرِيَّةٍ تَغْزُو فِي سَبِيلِ اللَّهِ ، وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ ، لَوَدِدتُّ أَنِّي أُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ، ثُمَّ أَحْيَا ثُمَّ أُقْتَلُ ، ثُمَّ أَحْيَا ثُمَّ أُقْتَلُ ، ثُمَّ أَحْيَا ثُمَّ أُقْتَلُ \" وخرَّجه أيضًا مسلمٌ ، وخرَّج البخاريُّ ومسلمٌ مِنْ حديث أنسٍ ، عنِ النبيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ : \" مَا مِنْ عَبْدٍ يَمُوتُ ، لَهُ عِنْدَ اللَّهِ ( عَزَّ وجَلَّ ) خَيْرٌ ، يَسُرُّهُ أَنْ يَرْجِعَ إلَى الدُّنْيَا ، وأَنَّ الدُّنْيَا لَهُ وَمَا فِيهَا ، إلاَّ الشَّهِيدَ ، لِمَا يرى مِنْ فَضْلِ الشَّهَادَةِ ، فَإنَّهُ يَسُرُّهُ أَنْ يَرْجِعَ إلَى الدُّنْيَا ، فَيُقْتَلُ عَشْرَ مَرَّاتٍ ؛ لِمَا يرى مِنَ الكَرَامَةِ \" اه.\rفقد تبيَّن لك تمنِّي القَتْلِ في سبيل اللَّه بهذه النُّصُوصِ ؛ لما فيه من الكرامة.\rوصَوَابُ كلام * ع * : أنْ يقول : وإِنما يتمنَّى القتلُ ؛ للواحقه ؛ من الشَّهادةِ والتنْعِيمِ. أ هـ {الجواهر الحسان حـ 1 صـ 316}","part":17,"page":92},{"id":7123,"text":"من لطائف الإمام القشيرى فى الآية\r{ وَلَقَدْ كُنْتُمْ تَمَنَّوْنَ الْمَوْتَ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَلْقَوْهُ فَقَدْ رَأَيْتُمُوهُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ (143)}\rطوارق التمني بعد الصبر على احتمال المشاق ولكن :\rإذا انسكبت دموعٌ في خُدُودٍ... تبيَّن من بكى ممن تباكى. أ هـ {لطائف الإشارات حـ 1 صـ 281}","part":17,"page":93},{"id":7124,"text":"بحث نفيس\rقال فى الميزان :\rكلام في الامتحان وحقيقته\rلا ريب أن القرآن الكريم يخص أمر الهداية بالله سبحانه غير أن الهداية فيه لا تنحصر في الهداية الاختيارية إلى سعادة الآخرة أو الدنيا فقد قال تعالى فيما قال { \"الذى أعطى كل شئ خلقه ثم هدى\" : طه - 50 }\rفعمم الهداية لكل شئ من ذوى الشعور والعقل وغيرهم وأطلقها أيضا من جهة الغاية وقال أيضا {الذى خلق فسوى والذى قدر فهدى : الأعلى - 3} والآية من جهة الإطلاق كسابقتها.\rومن هنا يظهر أن هذه الهداية غير الهداية الخاصة التى تقابل الإضلال فإن الله سبحانه نفاها وأثبت مكانها الضلال في طوائف والهداية العامة لا تنفى عن شئ من خلقه قال تعالى {والله لا يهدى القوم الظالمين : الجمعة - 5} وقال {والله لا يهدى القوم الفاسقين : الصف - 5} إلى غير ذلك من الآيات الكثيرة.\rوكذا يظهر أيضا أن الهداية المذكورة غير الهداية بمعنى إراءة الطريق العامة للمؤمن والكافر كما في قوله تعالى {إنا هديناه السبيل إما شاكرا وإما كفورا : الدهر - 3} وقوله {وأما ثمود فهديناهم فاستحبوا العمى على الهدى : حم السجدة - 17} فإن ما في هاتين الآيتين ونظائرهما من الهداية لا يعم غير أرباب الشعور والعقل وقد عرفت أن ما في قوله {ثم هدى} وقوله {والذى قدر فهدى} عام من حيث المورد والغاية جميعا\rعلى أن الآية الثانية تفرع الهداية على التقدير والهداية الخاصة لا تلائم التقدير الذى هو تهيئة الأسباب والعلل لسوق الشئ إلى غاية خلقته وإن كانت تلك الهداية أيضا من جهة النظام العام في العالم داخلة في حيطة التقدير لكن النظر غير النظر فافهم ذلك.","part":17,"page":94},{"id":7125,"text":"وكيف كان فهذه الهداية العامة هي هدايته تعالى كل شئ إلى كمال وجوده وإيصاله إلى غاية خلقته وهى التى بها نزوع كل شئ إلى ما يقتضيه قوام ذاته من نشوء واستكمال وأفعال وحركات وغير ذلك وللكلام ذيل طويل سنشرحه إن ساعدنا التوفيق إن شاء الله العزيز.\rوالغرض أن كلامه تعالى يدل على أن الأشياء إنما تنساق إلى غاياتها وآجالها بهداية عامة إلهية لا يشذ عنها شاذ وقد جعلها الله تعالى حقا لها على نفسه وهو لا يخلف الميعاد كما قال تعالى {إن علينا للهدى وإن لنا للآخرة والأولى : الليل - 13} والآية كما ترى تعم بإطلاقها الهداية الاجتماعية للمجتمعات والهداية الفردية مضافة إلى ما تدل عليه الآيتان السابقتان.\rفمن حق الأشياء على الله تعالى هدايتها تكوينا إلى كمالها المقدر لها وهدايتها إلى كمالها المشرع لها وقد عرفت فيما مر من مباحث النبوة أن التشريع كيف يدخل في التكوين وكيف يحيط به القضاء والقدر فإن النوع الإنساني له نوع وجود لا يتم أمره إلا بسلسلة من الأفعال الاختيارية الإرادية التى لا تقع إلا عن اعتقادات نظرية وعملية فلا بد أن يعيش تحت قوانين حقة أو باطلة جيدة أو ردية فلابد لسائق التكوين أن يهيئ له سلسلة من الأوامر والنواهي الشريعة وسلسلة أخرى من الحوادث الاجتماعية والفردية حتى يخرج بتلاقيه معهما ما في قوته إلى الفعل فيسعد أو يشقى ويظهر ما في مكمن وجوده وعند ذلك ينطبق على هذه الحوادث وهذا التشريع اسم المحنة والبلاء ونحوهما.","part":17,"page":95},{"id":7126,"text":"توضيح ذلك أن من لم يتبع الدعوة الإلهية واستوجب لنفسه الشقاء فقد حقت عليه كلمة العذاب إن بقى على تلك الحال فكل ما يستقبله من الحوادث المتعلقة بها الأوامر والنواهي الإلهية ويخرج بها من القوة إلى الفعل تتم له بذلك فعلية جديدة من الشقاء وإن كان راضيا بما عنده مغرورا بما يجده فليس ذلك إلا مكرا إلهيا فإنه يشقيهم بعين ما يحسبونه سعادة لأنفسهم ويخيب سعيهم في ما يظنونه فوزا لأنفسهم قال تعالى {ومكروا ومكر الله والله خير الماكرين : آل عمران - 54} وقال {ولا يحيق المكر السئ إلا بأهله : فاطر - }43 وقال {ليمكروا فيها وما يمكرون إلا بأنفسهم وما يشعرون : الأنعام - 123} وقال {سنستدرجهم من حيث لا يعلمون وأملى لهم إن كيدى متين : الاعراف - 183} فما يتبجح به المغرور الجأهل بأمر الله أنه سبق ربه في ما أراده منه بالمخالفة والتمرد فإنه يعينه على نفسه فيما أراده قال تعالى {أم حسب الذين يعملون السيئات أن يسبقونا ساء ما يحكمون : العنكبوت - 4} ومن أعجب الآيات في هذا الباب قوله تعالى {فلله المكر جميعا : الرعد - 42}.\rفجميع هذه المماكرات والمخالفات والمظالم والتعديات التى تظهر من هؤلاء بالنسبة إلى الوظائف الدينية وكل ما يستقبلهم من حوادث الأيام ويظهر بها منهم ما أضمروه في قلوبهم ودعتهم إلى ذلك أهواؤهم مكر إلهي وإملاء واستدراج فإن من حقهم على الله أن يهديهم إلى عاقبة أمرهم وخاتمته وقد فعل والله غالب على أمره.\rوهذه الأمور بعينها إذا نسبت إلى الشيطان كانت أقسام الكفر والمعاصي إغواء منه لهم والنزوع إليها دعوة ووسوسة ونزعة ووحيا وإضلالا والحوادث الداعية وما يجرى مجراها زينة له ووسائل وحبائل وشبكات منه على ما سيجئ بيانه في سورة الأعراف إن شاء الله تعالى.","part":17,"page":96},{"id":7127,"text":"وأما المؤمن الذى رسخ في قلبه الإيمان فما تظهر منه من الطاعات والعبادات وكذا الحوادث التى تستقبله فيظهر منه عندها ذلك ينطبق عليها مفهوم التوفيق والولاية الإلهية والهداية بالمعنى الأخص نوع انطباق قال تعالى {والله يؤيد بنصره من يشاء : آل عمران - 13} وقال {والله ولى المؤمنين : آل عمران - 68} وقال {الله ولى الذين آمنوا يخرجهم من الظلمات إلى النور : البقرة - }257 وقال {يهديهم ربهم بإيمانهم : يونس - 9} وقال {أو من كان ميتا فأحييناه وجعلنا له نورا يمشى به في الناس : الأنعام - 122} هذا إذا نسبت هذه الأمور إلى الله سبحانه ، وأما إذا نسبت إلى الملائكة فتسمى تأييدا وتسديدا منهم قال تعالى {أولئك كتب في قلوبهم الإيمان وأيدهم بروح منه : المجادلة - 22}.\rثم إنه كما أن الهداية العامة تصاحب الأشياء من بدء كونها إلى آخر أحيان وجودها ما دامت سالكة سبيل الرجوع إلى الله سبحانه كذلك المقادير تدفعها من ورائها كما هو ظاهر قوله تعالى {والذى قدر فهدى : الأعلى - 3} فإن المقادير التى تحملها العلل والأسباب المحتفة بوجود الشئ هي التى تحول الشئ من حال أولى إلي حال ثانية وهلم جرا فهى لا تزال تدفع الأشياء من ورائها.\rوكما أن المقادير تدفعها من ورائها كذلك الآجال وهى آخر ما ينتهى إليه وجود الأشياء تجذبها من أمامها كما يدل عليه قوله تعالى {ما خلقنا السموات والأرض وما بينهما إلا بالحق وأجل مسمى والذين كفروا عما أنذروا معرضون : الاحقاف - 3} فإن الآية تربط الأشياء بغاياتها وهى الآجال والشيئان المرتبطان إذا قوى أحدهما على الآخر كان حاله بالنسبة إلى قرينه هو المسمى جذبا والآجال المسماة امور ثابتة غير متغيرة فهى تجذب الأشياء من أمامها وهو ظاهر.","part":17,"page":97},{"id":7128,"text":"فالأشياء محاطة بقوى إلهية قوة تدفعها وقوة تجذبها وقوة تصاحبها وتربيها وهى القوى الأصلية التى تثبتها القرآن الكريم غير القوى الحافظة والرقباء والقرناء كالملائكة والشياطين وغير ذلك.\rثم إنا نسمى نوع التصرفات في الشئ إذا قصد به مقصد لا يظهر حاله بالنسبة إليه هل له صلوحه أو ليس له بالامتحان والاختبار فإنك إذا جهلت حال الشئ أنه هل يصلح لأمر كذا أو لا يصلح أو علمت باطن أمره ولكن أردت أن يظهر منه ذلك أوردت عليه أشياء مما يلائم المقصد المذكور حتى يظهر حاله بذلك هل يقبلها لنفسه أو يدفعها عن نفسه وتسمى ذلك امتحانا واختبارا واستعلاما لحاله أو ما يقاربها من الألفاظ.\rوهذا المعنى بعينه ينطبق على التصرف الإلهي بما يورده من الشرائع والحوادث الجارية على أولي الشعور والعقل من الأشياء كالإنسان فإن هذه الأمور يظهر بها حال الإنسان بالنسبة إلى المقصد الذى يدعى إليه الإنسان بالدعوة الدينية فهى امتحانات إلهية.\rوإنما الفرق بين الامتحان الإلهي وما عندنا من الامتحان أنا لا نخلو غالبا عن الجهل بما في باطن الأشياء فنريد بالامتحان استعلام حالها المجهول لنا والله سبحانه يمتنع عليه الجهل وعنده مفاتح الغيب فالتربية العامة الإلهية للإنسان من جهة دعوته إلى حسن العاقبة والسعادة امتحان لأنه يظهر ويتعين بها حال الشئ أنه من أهل أي الدارين دار الثواب أو دار العقاب.","part":17,"page":98},{"id":7129,"text":"ولذلك سمى الله تعالى هذا التصرف الإلهى من نفسه أعنى التشريع وتوجيه الحوادث بلاء وابتلاء وفتنة فقال بوجه عام {إنا جعلنا ما على الأرض زينة لها لنبلوهم أيهم أحسن عملا : الكهف - 7} وقال {إنا خلقنا الإنسان من نطفة أمشاج نبتليه فجعلناه سميعا بصيرا : الدهر - 2} وقال {ونبلوكم بالشر والخير فتنة : الأنبياء - 35} وكأنه يريد به ما يفصله قوله {فأما الإنسان إذا ما ابتلاه ربه فأكرمه ونعمه فيقول ربى أكرمن وأما إذا ما ابتلاه فقدر عليه رزقه فيقول ربى أهانن : الفجر - 16} وقال {إنما أموالكم وأولادكم فتنة : التغابن - 15} وقال {ولكن ليبلو بعضكم ببعض : محمد - 4} وقال {كذلك نبلوهم بما كانوا يفسقون : الأعراف - 163} وقال {وليبلى المؤمنين منه بلاء حسنا : الأنفال - 17} وقال {أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا آمنا وهم لا يفتنون ولقد فتنا الذين من قبلهم فليعلمن الله الذين صدقوا وليعلمن الكاذبين : العنكبوت - 3} وقال في مثل إبراهيم {وإذ ابتلى إبراهيم ربه بكلمات : البقرة - 124} وقال في قصة ذبح إسماعيل {إن هذا لهو البلاء المبين : الصافات - 106} وقال في موسى {وفتناك فتونا : طه - 40} إلى غير ذلك من الآيات.\rوالآيات كما ترى تعمم المحنة والبلاء لجميع ما يرتبط به الإنسان من وجوده وأجزاء وجوده كالسمع والبصر والحياة والخارج من وجوده المرتبط به بنحو كالأولاد والأزواج والعشيرة والأصدقاء والمال والجاه وجميع ما ينتفع به نوع انتفاع وكذا مقابلات هذه الأمور كالموت وسائر المصائب المتوجهة إليه وبالجملة الآيات تعد كل ما يرتبط به الإنسان من أجزاء العالم وأحوالها فتنة وبلاءا من الله سبحانه بالنسبة إليه.","part":17,"page":99},{"id":7130,"text":"وفيها تعميم آخر من حيث الأفراد فالكل مفتنون مبتلون من مؤمن أو كافر وصالح أو طالح ونبى أو من دونه فهى سنة جارية لا يستثنى منها أحد.\rفقد بان أن سنة الامتحان سنة إلهية جارية وهى سنة عملية متكئة على سنة أخرى تكوينية وهى سنة الهداية العامة الإلهية من حيث تعلقها بالمكلفين كالإنسان وما يتقدمها وما يتأخر عنها أعنى القدر والأجل كما مر بيانه.\rومن هنا يظهر أنها غير قابلة للنسخ فإن انتساخها عين فساد التكوين وهو محال ويشير إلى ذلك ما يدل من الآيات على كون الخلقة على الحق وما يدل على كون البعث حقا كقوله تعالى {ما خلقنا السموات والأرض وما بينهما إلا بالحق وأجل مسمى : الاحقاف - 3} وقوله تعالى {أفحسبتم أنما خلقناكم عبثا وأنكم إلينا لا ترجعون : المؤمنون - 115} وقوله تعالى {وما خلقنا السموات والأرض وما بينهما لاعبين ما خلقناهما إلا بالحق ولكن أكثرهم لا يعلمون : الدخان - 39} وقوله تعالى {من كان يرجو لقاء الله فإن أجل الله لآت : العنكبوت - 5} إلى غيرها فإن جميعها تدل على أن الخلقة بالحق وليست باطلة مقطوعة عن الغاية وإذا كانت أمام الأشياء غايات وآجال حقة ومن ورائها مقادير حقة ومعها هداية حقة فلا مناص عن تصادمها عامة وابتلاء أرباب التكليف منها خاصة بأمور يخرج بالاتصال بها ما في قوتها من الكمال والنقص والسعادة والشقاء إلى الفعل وهذا المعنى في الإنسان المكلف بتكليف الدين امتحان وابتلاء فافهم ذلك.\rويظهر مما ذكرناه معنى المحق والتمحيص أيضا فإن الامتحان إذا ورد على المؤمن فأوجب امتياز فضائله الكامنة من الرذائل أو ورد على الجماعة فاقتضى امتياز المؤمنين من المنافقين والذين في قلوبهم مرض صدق عليه اسم التمحيص وهو التمييز.","part":17,"page":100},{"id":7131,"text":"وكذا إذا توالت الامتحانات الإلهية على الكافر والمنافق وفي ظاهرهما صفات وأحوال حسنة مغبوطة فأوجبت تدريجا ظهور ما في باطنهما من الخبائث وكلما ظهرت خبيثة أزالت فضيلة ظاهرية كان ذلك محقا له أي إنفادا تدريجيا لمحاسنها قال تعالى {وتلك الأيام نداولها بين الناس وليعلم الله الذين آمنوا ويتخذ منكم شهداء والله لا يحب الظالمين وليمحص الله الذين آمنوا ويمحق الكافرين : آل عمران - }141.\rوللكافرين محق آخر من جهة ما يخبره تعالى أن الكون ينساق إلى صلاح البشر وخلوص الدين لله قال تعالى {والعاقبة للتقوى : طه - 132} وقال {أن الأرض يرثها عبادي الصالحون : الأنبياء - 105}. أ هـ {الميزان حـ 4 صـ 31 ـ 36}","part":17,"page":101},{"id":7132,"text":"قوله تعالى { وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ (144)}\rمناسبة الآية لما قبلها\rقال البقاعى :\rولما كان التقدير : فانهزمتم عندما صرخ الشيطان كذباً : ألا إن محمداً قد قتل! ولم يكن لكم ذلك فإنكم إنما تعبدون رب محمد الحي القيوم وتقاتلون له ، وأما محمد فما هو بخالد لكم في الدنيا قال : {وما محمد إلا رسول} أي من شأنه الموت ، لا إله ، ثم قرر المراد من السياق بقوله : {قد خلت} أي بمفارقة أممهم ، إما بالموت أو الرفع إلى السماء ، ولما كان المراد أن الخلو منهم إنما كان في بعض الزمان الماضي لما مضى أثبت الجار فقال : {من قبله الرسل} أي فيسلك سبيلهم ، فاسلكوا أنتم سبيل من نصح نفسه من أتباعهم فاستمسك بنورهم.","part":17,"page":102},{"id":7133,"text":"ولما سبب عن ذلك إنكار انهزامهم ودعتهم على تقدير فقده أنكر عليهم بقوله : {أفإن} ولما كان الملك القادر على ما يريد لا يقول شيئاً وإن كان فرضاً إلا فعله ولو على أقل وجوهه ، وكان في علمه سبحانه أنه صلى الله عليه وسلم يموت موتاً - لكونه على فراشه ، وقتلاً - لكونه بالسم ، قال : {مات} أي موتاً على الفراش {أو قتل} أي قتلاً {انقلبتم} أي عن الحال التي فارقكم عليها فأضعتم مشاعر الدين وتركتم مشاريع المرسلين! ثم قرر المعنى بقوله : {على أعقابكم} لئلا يظن أن المراد مطلق الانتقال وإن كان على الاستواء والانتقال إلى أحسن {ومن} أي انتقلتم والحال أنه من {ينقلب على عقبيه} أي بترك ما شرعه له نبيه أو التقصير فيه {فلن يضر الله} أي المحيط بجميع العظمة {شيئاً} لأنه متعالٍ عن ذلك بأن الخلق كلهم طوع أمره ، لا يتحركون حركة إلا على وفق مراده ، فلو أراد لهداهم أجمعين ، ولو أراد أضلهم أجمعين ، وإنما يضر ذلك المنقلب نفسه لكفره بالله ، وسيجزي الله الشاكرين ، ومن سار ثابتاً على المنهج السوي فإنما ينفع نفسه لشكره لله {وسيجزي الله} أي الذي له جميع صفات الكمال {الشاكرين} أي كلهم ، فالآية من الاحتباك : أثبت الانقلاب وعدم الضر أولاً دليلاً على حذف ضده ثانياً ، والجزاء ثانياً دليلاً على حذف مثله أولاً. أ هـ {نظم الدرر حـ 2 صـ 161 ـ 162}","part":17,"page":103},{"id":7134,"text":"وقال ابن عطية :\rهذا استمرار في عتبهم ، وإقامة لحجة الله عليهم ، المعنى : أن محمداً صلى الله عليه وسلم رسول كسائر الرسل ، قد بلغ كما بلغوا ، ولزمكم أيها المؤمنون العمل بمضمن الرسالة وليست حياة الرسول وبقاؤه بين أظهركم شرطاً في ذلك ، لأن الرسول يموت كما مات الرسل قبله ، و{ خلت } معناه مضت وسفلت ، وصارت إلى الخلاء من الأرض. وقرأ جمهور الناس \" الرسل \" بالتعريف ، وفي مصحف ابن مسعود \" رسل \" دون تعريف ، وهي قراءة حطان بن عبد الله ، فوجه الأولى تفخيم ذكر الرسل ، والتنويه ، بهم على مقتضى حالهم من الله تعالى ، ووجه الثانية ، أنه موضع تيسير لأمر النبي عليه السلام في معنى الحياة ، ومكان تسوية بينه وبين البشر في ذلك ، فجي تنكير \" الرسل \" جارياً في مضمار هذا الاقتصاد به صلى الله عليه وسلم ، وهكذا يفعل في مواضع الاقتصاد بالشي ، فمنه قوله تعالى : { وقليل من عبادي الشكور } [ سبأ : 13 ] وقوله تعالى : { وما آمن معه إلا قليل } [ هود : 40 ] إلى غير ذلك من الأمثلة ، ذكر ذلك أبو الفتح ، والقراءة بتعريف \" الرسل \" أوجه في الكلام. أ هـ {المحرر الوجيز حـ 1 صـ 516}","part":17,"page":104},{"id":7135,"text":"فصل\rقال الفخر :\rقال ابن عباس ومجاهد والضحاك : لما نزل النبي صلى الله عليه وسلم بأحد أمر الرماة أن يلزموا أصل الجبل ، وأن لا ينتقلوا عن ذلك سواء كان الأمر لهم أو عليهم ، فلما وقفوا وحملوا على الكفار وهزموهم وقتل علي طلحة بن أبي طلحة صاحب لوائهم ، والزبير والمقداد شدا على المشركين ثم حمل الرسول مع أصحابه فهزموا أبا سفيان ، ثم إن بعض القوم لما أن رأوا انهزام الكفار بادر قوم من الرماة إلى الغنيمة وكان خالد بن الوليد صاحب ميمنة الكفار ، فلما رأى تفرق الرماة حمل على المسلمين فهزمهم وفرق جمعهم وكثر القتل في المسملين ، ورمى عبدالله بن قميئة الحارثي رسول الله صلى الله عليه وسلم بحجر فكسر رباعيته وشج وجهه ، وأقبل يريد قتله ، فذب عنه مصعب بن عمير وهو صاحب الراية يوم بدر ويوم أحد حتى قتله ابن قميئة ، فظن أنه قتل رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقال قد قتلت محمدا ، وصرخ صارخ ألا إنَّ محمدا قد قتل ، وكان الصارخ الشيطان ، ففشا في الناس خبر قتله ، فهنالك قال بعض المسلمين : ليت عبدالله بن أبي يأخذ لنا أمانا من أبي سفيان.","part":17,"page":105},{"id":7136,"text":"وقال قوم من المنافقين : لو كان نبيا لما قتل ، ارجعوا إلى إخوانكم والى دينكم ، فقال أنس بن النضر عم أنس بن مالك : يا قوم إن كان قد قتل محمد فإن رب محمد حي لا يموت وما تصنعون بالحياة بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ قاتلوا على ما قاتل عليه وموتوا على ما مات عليه ، ثم قال : اللهم اني أعتذر إليك مما يقول هؤلاء ، ثم سل سيفه فقاتل حتى قتل رحمه الله تعالى ، ومر بعض المهاجرين بأنصاري يتشحط في دمه ، فقال : يا فلان أشعرت أن محمدا قد قتل ، فقال : إن كان قد قتل فقد بلغ ، قاتلوا على دينكم ، ولما شج ذلك الكافر وجه الرسول صلى الله عليه وسلم وكسر رباعيته ، احتمله طلحة بن عبيدالله ، ودافع عنه أبو بكر وعلي رضي الله عنهم ونفر آخرون معهم ، ثم إن الرسول صلى الله عليه وسلم جعل ينادي ويقول : إلى عباد الله حتى انحازت اليه طائفة من أصحابه فلامهم على هزيمتهم ، فقالوا يا رسول الله فديناك بآبائنا وأمهاتنا ، أتانا خبر قتلك فاستولى الرعب على قلوبنا فولينا مدبرين ، ومعنى الآية {وَمَا مُحَمَّدٌ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرسل} فسيخلو كما خلوا ، وكما أن أتباعهم بقوا متمسكين بدينهم بعد خلوهم ، فعليكم أن تتمسكوا بدينه بعد خلوه ، لأن الغرض من بعثة الرسل تبليغ الرسالة والزام الحجة ، لا وجودهم بين أظهر قومهم أبدا. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 9 صـ 17 ـ 18}\rلطيفة\rقال القرطبى :\rأكرم الله نبيه صلى الله عليه وسلم ( وصفيّه ) باسمين مشتقّيْن من اسمه : محمَّد وأحْمَدُ ، تقول العرب : رجل مَحْمُودٌ ومُحَمَّد إذا كثُرت خصاله المحمودة ، قال الشاعر :\rإلى الماجِد القَرْمِ الجَوَاد المحَمّدِ . . .\rوقد مضى هذا في الفاتحة.\rوقال عباس بن مِرداس :\rيا خاتِم النُّبَاءِ إنّك مُرْسَلٌ . . .","part":17,"page":106},{"id":7137,"text":"بالخَيْر كلُّ هُدَى السَّبِيلِ هُداكا\rإن الإله بنَى عليك مَحبَّةً . . .\rفي خَلْقِه ومُحَمّداً سَمّاكا. أ هـ {تفسير القرطبى حـ 4 صـ 222}. بتصرف يسير.\rوقال الآلوسى :\rومحمد علم لنبينا صلى الله عليه وسلم منقول من اسم المفعول من حمد المضاعف لغة سماه به جده عبد المطلب لسابع ولادته لموت أبيه قبلها ولما سئل عن ذلك قال لرؤية رآها : رجوت أن يحمد في السماء والأرض ، ومعناه قبل النقل من يحمد كثيراً وضده المذمم ، وفي الخبر أنه صلى الله عليه وسلم قال : \"ألم تروا كيف صرف الله تعالى عني لعن قريش وشتمهم يشتمون مذمماً وأنا محمد\".\rوقد جمع هذا الاسم الكريم من الأسرار ما لا يحصى حتى قيل : إنه يشير إلى عدة الأنبياء كإشارته إلى المرسلين منهم عليهم الصلاة والسلام وعبر عنه صلى الله عليه وسلم بهذا الاسم هنا لأنه أول أسمائه وأشهرها وبه صرخ الصارخ. أ هـ {روح المعانى حـ 4 صـ 73}\rوقال ابن عاشور :\rومحمد اسم رسول الله محمد بن عبد الله بن عبد المطلب صلى الله عليه وسلم سمَّاه به جدّه عبد المطلب وقيل له : لِمَ سَمّيتَه محمّداً وليس من أسماء آبائك ؟ فقال : رجوت أن يحمده النَّاس.\rوقد قيل : لم يسمّ أحد من العرب محمداً قبل رسول الله.\rذكر السهيلي في \"الروض\" أنّه لم يُسمّ به من العرب قبل ولادة رسول الله إلاّ ثلاثة : محمد بن سفيان بن مجاشع ، جدّ جدّ الفرزدق ، ومحمد بن أحَيْحَةَ بن الجُلاَح الأوسي.\rومحمد بن حمران مِن ربيعة.\rوهذا الاسم منقول من اسم مفعول حَمَّده تحميداً إذا أكثر من حمده ، والرسول فَعول بمعنى مَفعول مثل قولهم : حَلُوب ورَكوب وجَزور. أ هـ {التحرير والتنوير حـ 3 صـ 237}\rفصل\rقال الفخر :\rقال أبو علي : الرسول جاء على ضربين :\rأحدهما : يراد به المرسل ، والآخر الرسالة ، وههنا المراد به المرسل بدليل قوله : {إِنَّكَ لَمِنَ المرسلين} [ البقرة : 252 ] وقوله : {يا أيها الرسول بَلّغْ} [ المائدة : 67 ] وفعول قد يراد به المفعول ، كالركوب والحلوب لما يركب ويحلب والرسول بمعنى الرسالة كقوله :\rلقد كذب الواشون ما فهت عندهم.. بسر ولا أرسلتهم برسول\rأي برسالة ، قال : ومن هذا قوله تعالى : {إِنَّا رَسُولاَ رَبّكَ} [ طه : 47 ] ونذكره في موضعه إن شاء الله تعالى. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 9 صـ 18}","part":17,"page":107},{"id":7138,"text":"كلام نفيس لابن القيم\rقال عليه الرحمة :\rفَصْل فِي شَرْحِ مَعَانِي أَسْمَائِهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ\rاسْمُ مَفْعُولٍ مِنْ حَمِدَ فَهُوَ مُحَمّدٌ إذَا كَانَ كَثِيرَ الْخِصَالِ الّتِي يُحْمَدُ عَلَيْهَا وَلِذَلِكَ كَانَ أَبْلَغ مِنْ مَحْمُودٍ فَإِنّ مَحْمُودًا مِنْ الثّلَاثِيّ الْمُجَرّدِ وَمُحَمّدٌ مِنْ الْمُضَاعَفِ لِلْمُبَالَغَةِ فَهُوَ الّذِي يُحْمَدُ أَكْثَرَ مِمّا يُحْمَدُ غَيْرُهُ مِنْ الْبَشَرِ وَلِهَذَا - وَاَللّهُ أَعْلَمُ - سُمّيَ بِهِ فِي التّوْرَاةِ لِكَثْرَةِ الْخِصَالِ الْمَحْمُودَةِ الّتِي وُصِفَ بِهَا هُوَ وَدِينُهُ وَأُمّتُهُ فِي التّوْرَاةِ حَتّى تَمَنّى مُوسَى عَلَيْهِ الصّلَاةُ وَالسّلَامُ أَنْ يَكُونَ مِنْهُمْ وَقَدْ أَتَيْنَا عَلَى هَذَا الْمَعْنَى بِشَوَاهِدِهِ هُنَاكَ وَبَيّنّا غَلَطَ أَبِي الْقَاسِم السّهَيْلِيّ حَيْثُ جَعَلَ الْأَمْرَ بِالْعَكْسِ وَأَنّ اسْمَهُ فِي التّوْرَاةِ أَحْمَد.\r[ هَلْ أَحْمَدُ تَفْضِيلٌ بِمَعْنَى فَاعِلٍ أَوْ مَفْعُولٌ ]","part":17,"page":108},{"id":7139,"text":"وَأَمّا أَحْمَدُ فَهُوَ اسْمٌ عَلَى زِنَةِ أَفْعَلِ التّفْضِيلِ مُشْتَقّ أَيْضًا مِنْ الْحَمْدِ . وَقَدْ اخْتَلَفَ النّاسُ فِيهِ هَلْ هُوَ بِمَعْنَى فَاعِلٍ أَوْ مَفْعُولٍ ؟ فَقَالَتْ طَائِفَةٌ هُوَ بِمَعْنَى الْفَاعِلِ أَيْ حَمْدُهُ لِلّهِ أَكْثَرُ مِنْ حَمْدِ غَيْرِهِ لَهُ فَمَعْنَاهُ أَحْمَدُ الْحَامِدِينَ لِرَبّهِ وَرَجّحُوا هَذَا الْقَوْلَ بِأَنّ قِيَاسَ أَفْعَلَ التّفْضِيلِ أَنْ يُصَاغَ مِنْ فِعْلِ الْفَاعِلِ لَا مِنْ الْفِعْلِ الْوَاقِعِ عَلَى الْمَفْعُولِ قَالُوا : وَلِهَذَا لَا يُقَالُ مَا أَضْرَبَ زَيْدًا وَلَا زَيْدُ أَضْرَبَ مِنْ عَمْرٍو بِاعْتِبَارِ الضّرْبِ الْوَاقِعِ عَلَيْهِ وَلَا : مَا أَشْرَبَهُ لِلْمَاءِ وَآكَلَهُ وَنَازَعَهُمْ فِي ذَلِكَ آخَرُونَ وَقَالُوا : يَجُوزُ صَوْغُهُمَا مِنْ فِعْلِ الْفَاعِلِ وَمِنْ الْوَاقِعِ عَلَى الْمَفْعُولِ وَكَثْرَةُ السّمَاعِ بِهِ مِنْ أَبْيَنِ الْأَدِلّةِ عَلَى جَوَازِهِ تَقُولُ الْعَرَبُ : مَا أَشْغَلَهُ بِالشّيْءِ وَهُوَ مِنْ شَغَلَ فَهُوَ مَشْغُولٌ وَكَذَلِكَ يَقُولُونَ مَا أَوْلَعَهُ بِكَذَا وَهُوَ مِنْ أَوْلَعَ بِالشّيْءِ فَهُوَ مُولِعٌ بِهِ مَبْنِيّ لِلْمَفْعُولِ لَيْسَ إلّا وَكَذَلِكَ قَوْلُهُمْ مَا أَعْجَبَهُ بِكَذَا فَهُوَ مِنْ أُعْجِبَ بِهِ وَيَقُولُونَ مَا أَحَبّهُ إلَيّ فَهُوَ تَعَجّبٌ مِنْ فِعْلِ الْمَفْعُولِ وَكَوْنُهُ مَحْبُوبًا لَكُ وَكَذَا : مَا أَبْغَضَهُ إلَيّ وَأَمْقَتَهُ إلَيّ . وَهَاهُنَا مَسْأَلَةٌ مَشْهُورَةٌ ذَكَرَهَا سِيبَوَيْهِ وَهِيَ أَنّك تَقُولُ مَا أَبْغَضَنِي لَهُ وَمَا أَحَبّنِي لَهُ وَمَا أَمْقَتَنِي لَهُ إذَا كُنْتَ أَنْتَ الْمُبْغِضَ الْكَارِهَ وَالْمُحِبّ الْمَاقِتَ فَتَكُونُ","part":17,"page":109},{"id":7140,"text":"مُتَعَجّبًا مِنْ فِعْلِ الْفَاعِلِ وَتَقُولُ مَا أَبْغَضنِي إلَيْهِ وَمَا أَمْقَتَنِي إلَيْهِ وَمَا أَحَبّنِي إلَيْهِ إذَا كُنْت أَنْتَ الْبَغِيضُ الْمَمْقُوتُ أَوْ الْمَحْبُوبُ فَتَكُونُ مُتَعَجّبًا مِنْ الْفِعْلِ الْوَاقِعِ عَلَى الْمَفْعُولِ فَمَا كَانَ بِاللّامِ فَهُوَ لِلْفَاعِلِ وَمَا كَانَ ب إلَى فَهُوَ لِلْمَفْعُولِ . وَأَكْثَرُ النّحَاةِ لَا يُعَلّلُونَ بِهَذَا . وَاَلّذِي يُقَالُ فِي عِلّتِهِ وَاَللّهُ أَعْلَمُ إنّ اللّامَ فَيُقَالُ لِزَيْدٍ فَيُؤْتَى بِاللّامِ . وَأَمّا إلَى فَتَكُونُ لِلْمَفْعُولِ فِي الْمَعْنَى فَتَقُولُ إلَى مَنْ يَصِلُ هَذَا الْكِتَابَ ؟ فَتَقُولُ إلَى عَبْدِ اللّهِ وَسِرّ ذَلِكَ أَنّ اللّامَ فِي الْأَصْلِ لِلْمِلْكِ وَالِاخْتِصَاصِ وَالِاسْتِحْقَاقِ إنّمَا يَكُونُ لِلْفَاعِلِ الّذِي يَمْلِكُ وَيَسْتَحِقّ وَ إلَى لِانْتِهَاءِ الْغَايَةِ وَالْغَايَةُ مُنْتَهَى مَا يَقْتَضِيهِ الْفِعْلُ فَهِيَ بِالْمَفْعُولِ أَلْيَقُ لِأَنّهَا تَمَامُ مُقْتَضَى الْفِعْلِ وَمِنْ التّعَجّبِ مِنْ فِعْلِ الْمَفْعُولِ قَوْلُ كَعْبِ بْنِ زُهَيْرٍ فِي النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّم فَلَهُوَ أَخْوَفُ عِنْدِي إذْ أُكَلّمُه وَقِيلَ إنّكَ مَحْبُوسٌ وَمَقْتُولٌ\rمِنْ خَادِرٍ مِنْ لُيُوثِ الْأُسْدِ مَسْكَنُهُ بِبَطْنِ عَثّرَ غِيلٌ دُونَهُ غِيلُ","part":17,"page":110},{"id":7141,"text":"فَأَخْوَفُ هَاهُنَا مِنْ خِيفَ فَهُوَ مَخُوفٌ لَا مِنْ خَافَ وَكَذَلِكَ قَوْلُهُمْ مَا أَجَنّ زَيْدًا مِنْ جُنّ فَهُوَ مَجْنُونٌ هَذَا مَذْهَبُ الْكُوفِيّينَ وَمَنْ وَافَقَهُمْ . قَالَ الْبَصْرِيّونَ : كُلّ هَذَا شَاذّ لَا يُعَوّلُ عَلَيْهِ فَلَا نُشَوّشُ بِهِ الْقَوَاعِدُ وَيَجِبُ الِاقْتِصَارُ مِنْهُ عَلَى الْمَسْمُوعِ قَالَ الْكُوفِيّونَ : كَثْرَةُ هَذَا فِي كَلَامِهِمْ نَثْرًا وَنَظْمًا يَمْنَعُ حَمْلَهُ عَلَى الشّذُوذِ لِأَنّ الشّاذّ مَا خَالَفَ اسْتِعْمَالَهُمْ وَمُطّرِدَ كَلَامِهِمْ وَهَذَا غَيْرُ مُخَالِفٍ لِذَلِكَ قَالُوا : وَأَمّا تَقْدِيرُكُمْ لُزُومَ الْفِعْلِ وَنَقْلَهُ إلَى فَعُلَ فَتَحَكّمٌ لَا دَلِيلَ عَلَيْهِ وَمَا تَمَسّكْتُمْ بِهِ مِنْ التّعْدِيَةِ بِالْهَمْزَةِ إلَى آخِرِهِ فَلَيْسَ الْأَمْرُ فِيهَا كَمَا ذَهَبْتُمْ إلَيْهِ وَالْهَمْزَةُ فِي هَذَا الْبِنَاءِ لَيْسَتْ لِلتّعْدِيَةِ وَإِنّمَا هِيَ لِلدّلَالَةِ عَلَى مَعْنَى التّعَجّبِ وَالتّفْضِيلِ فَقَطْ كَأَلِفِ فَاعِلٍ وَمِيمِ مَفْعُولٍ وَوَاوهُ وَتَاءِ الِافْتِعَالِ وَالْمُطَاوَعَةِ وَنَحْوِهَا مِنْ الزّوَائِدِ الّتِي تَلْحَقُ الْفِعْلَ الثّلَاثِيّ لِبَيَانِ مَا لَحِقَهُ مِنْ الزّيَادَةِ عَلَى مُجَرّدِهِ فَهَذَا هُوَ السّبَبُ الْجَالِبُ لِهَذِهِ الْهَمْزَةُ لَا تَعْدِيَةِ الْفِعْلِ . قَالُوا : وَاَلّذِي يَدُلّ عَلَى هَذَا أَنّ الْفِعْلَ الّذِي يُعَدّى بِالْهَمْزَةِ يَجُوزُ أَنْ يُعَدّى بَاءَ التّعْدِيَةِ نَحْوُ أَكْرِمْ بِهِ وَأَحْسِنْ بِهِ وَلَا يُجْمَعُ عَلَى الْفِعْلِ بَيْنَ تَعْدِيَتَيْنِ . وَأَيْضًا فَإِنّهُمْ يَقُولُونَ مَا أَعْطَاهُ لِلدّرَاهِمِ وَأَكْسَاهُ لِلثّيَابِ وَهَذَا مِنْ أَعْطَى وَكَسَا","part":17,"page":111},{"id":7142,"text":"الْمُتَعَدّي وَلَا يَصِحّ تَقْدِيرُ نَقْلِهِ إلَى عطو : إذَا تَنَاوَلَ ثُمّ أُدْخِلَتْ عَلَيْهِ هَمْزَةُ التّعْدِيَةِ لِفَسَادِ الْمَعْنَى فَإِنّ التّعَجّبَ إنّمَا وَقَعَ مِنْ إعْطَائِهِ لَا مِنْ عَطْوِهِ وَهُوَ تَنَاوُلُهُ وَالْهَمْزَةُ الّتِي فِيهِ هَمْزَةُ التّعَجّبِ وَالتّفْضِيلِ وَحُذِفَتْ هَمْزَتُهُ الّتِي فِي فِعْلِهِ فَلَا يَصِحّ أَنْ يُقَالَ هِيَ لِلتّعْدِيَةِ . قَالُوا : وَأَمّا قَوْلُكُمْ إنّهُ عُدّيَ بِاللّامِ فِي نَحْوِ مَا أَضْرَبَهُ لِزَيْدٍ . . . إلَى آخِرِهِ فَالْإِتْيَانِ بِاللّامِ هَاهُنَا لَيْسَ لِمَا ذَكَرْتُمْ مِنْ لُزُومِ الْفِعْلِ وَإِنّمَا أُتِيَ بِهَا تَقْوِيَةً لَهُ لَمّا ضَعُفَ بِمَنْعِهِ مِنْ التّصَرّفِ وَأُلْزِمَ طَرِيقَةً وَاحِدَةً خَرَجَ بِهَا عَنْ سُنَنِ الْأَفْعَالِ فَضَعُفَ عَنْ اقْتِضَائِهِ وَعَمَلِهِ فَقَوِيَ بِاللّامِ كَمَا يَقْوَى بِهَا عِنْدَ تَقَدّمِ مَعْمُولِهِ عَلَيْهِ وَعِنْدَ فَرْعِيّتِهِ وَهَذَا الْمَذْهَبُ هُوَ الرّاجِحُ كَمَا تَرَاهُ . فَلْنَرْجِعْ إلَى الْمَقْصُودِ فَنَقُولُ تَقْدِيرُ أَحْمَدَ عَلَى قَوْلِ الْأَوّلِينَ أَحْمَدُ النّاسِ لِرَبّهِ وَعَلَى قَوْلِ هَؤُلَاءِ أَحَقّ النّاسِ وَأَوْلَاهُمْ بِأَنْ يَحْمَدَ فَيَكُونُ كَمُحَمّدٍ فِي الْمَعْنَى إلّا أَنّ الْفَرْقَ بَيْنَهُمَا أَنّ مُحَمّدًا هُوَ كَثِيرُ الْخِصَالِ الّتِي يُحْمَدُ عَلَيْهَا وَأَحْمَدُ هُوَ الّذِي يَحْمَدُ أَفْضَلَ مِمّا يَحْمَدُ غَيْرُهُ فَمُحَمّدٌ فِي الْكَثْرَةِ وَالْكَمّيّةِ وَأَحْمَدُ فِي الصّفَةِ وَالْكَيْفِيّةِ فَيَسْتَحِقّ مِنْ الْحَمْدِ أَكْثَرَ مِمّا يَسْتَحِقّ غَيْرُهُ وَأَفْضَلَ مِمّا يَسْتَحِقّ غَيْرُهُ فَيُحْمَدُ أَكْثَرَ حَمْدٍ وَأَفْضَلَ","part":17,"page":112},{"id":7143,"text":"حَمْدٍ حَمِدَهُ الْبَشَرُ . فَالِاسْمَانِ وَاقِعَانِ عَلَى الْمَفْعُولِ وَهَذَا أَبْلَغُ فِي مَدْحِهِ وَأَكْمَلُ مَعْنَى . وَلَوْ أُرِيدَ مَعْنَى الْفَاعِل لَسُمّيَ الْحَمّادَ أَيْ كَثِيرُ الْحَمْدِ فَإِنّهُ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ كَانَ أَكْثَرَ الْخَلْقِ حَمْدًا لِرَبّهِ فَلَوْ كَانَ اسْمُهُ أَحْمَدَ بِاعْتِبَارِ حَمْدِهِ لِرَبّهِ لَكَانَ الْأَوْلَى بِهِ الْحَمّادُ كَمَا سُمّيَتْ بِذَلِكَ أَمَتُهُ . وَأَيْضًا : فَإِنّ هَذَيْنِ الِاسْمَيْنِ إنّمَا اُشْتُقّا مِنْ أَخْلَاقِهِ وَخَصَائِصِهِ لِأَجْلِهَا اسْتَحَقّ أَنْ يُسَمّى مُحَمّدًا صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ وَأَحْمَدُ وَهُوَ الّذِي يَحْمَدُهُ أَهْلُ السّمَاءِ وَأَهْلُ الْأَرْضِ وَأَهْلُ الدّنْيَا وَأَهْلُ الْآخِرَةُ لِكَثْرَةِ خَصَائِلِهِ الْمَحْمُودَةِ الّتِي تَفُوقُ عَدّ الْعَادّينَ وَإِحْصَاءَ الْمُحْصِينَ وَقَدْ أَشْبَعْنَا هَذَا الْمَعْنَى فِي كِتَابِ الصّلَاةُ وَالسّلَامُ عَلَيْهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ وَإِنّمَا ذَكَرْنَا هَاهُنَا كَلِمَاتٍ يَسِيرَةً اقْتَضَتْهَا حَالُ الْمُسَافِرِ وَتَشَتّتُ قَلْبِهِ وَتَفَرّقُ هِمّتِهِ وَبِاَللّهِ الْمُسْتَعَانُ وَعَلَيْهِ التّكْلَانُ .\r[ تفسير معنى المتوكل ]","part":17,"page":113},{"id":7144,"text":"وَأَمّا اسْمُهُ الْمُتَوَكّلُ فَفِي صَحِيحِ الْبُخَارِيّ عَنْ عَبْدِ اللّهِ بْنِ عَمْرٍو قَالَ قَرَأْت فِي التّوْرَاةِ صِفَةَ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ مُحَمّدٌ رَسُولُ اللّهِ عَبْدِي وَرَسُولِيُ سَمّيْتُهُ الْمُتَوَكّلَ لَيْسَ بِفَظّ وَلَا غَلِيظٍ وَلَا سَخّابٍ فِي الْأَسْوَاقِ وَلَا يَجْزِي بِالسّيّئَةِ السّيّئَةَ بَلْ يَعْفُو وَيَصْفَحُ وَلَنْ أَقْبِضَهُ حَتّى أُقِيمَ بِهِ الْمِلّةَ الْعَوْجَاءَ بِأَنْ يَقُولُوا : لَا إلَهَ إلّا اللّهُ وَهُوَ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ أَحَقّ النّاسِ بِهَذَا الِاسْمِ لِأَنّهُ تَوَكّلَ عَلَى اللّهِ فِي إقَامَةِ الدّينِ تَوَكّلًا لَمْ يُشْرِكْهُ فِيهِ غَيْرُهُ .\r[ تَفْسِيرُ الْمَاحِي ]\rوَأَمّا الْمَاحِي وَالْحَاشِرُ وَالْمُقَفّي وَالْعَاقِبُ فَقَدْ فُسّرَتْ فِي حَدِيثِ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعَمٍ فَالْمَاحِي : هُوَ الّذِي مَحَا اللّهُ بِهِ الْكُفْرَ وَلَمْ يَمْحُ الْكُفْرَ بِأَحَدٍ مِنْ الْخَلْقِ مَا مُحِيَ بِالنّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ فَإِنّهُ بُعِثَ وَأَهْلُ الْأَرْضِ كُلّهُمْ كَفّارٌ إلّا بَقَايَا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَهُمْ مَا بَيْنَ عُبّادِ أَوْثَانٍ وَيَهُودَ مَغْضُوبٍ عَلَيْهِمْ وَنَصَارَى ضَالّينَ وَصَابِئَةٍ دَهْرِيّةٍ لَا يَعْرِفُونَ رَبّا وَلَا مَعَادًا وَبَيْنَ عُبّادِ الْكَوَاكِبِ وَعُبّادِ النّارِ وَفَلَاسِفَةٍ لَا يَعْرِفُونَ شَرَائِعَ الْأَنْبِيَاءِ وَلَا يُقِرّونَ بِهَا فَمَحَا اللّهُ سُبْحَانَهُ ظَهَرَ دِينُ اللّهِ عَلَى كُلّ دِينٍ وَبَلَغَ دِينُهُ مَا بَلَغَ اللّيْلُ وَالنّهَارُ وَسَارَتْ دَعْوَتُهُ مَسِيرَ الشّمْسِ فِي الْأَقْطَار .\r[ تَفْسِيرُ الْحَاشِرِ ]","part":17,"page":114},{"id":7145,"text":"وَأَمّا الْحَاشِرُ فَالْحَشْرُ هُوَ الضّمّ وَالْجَمْعُ فَهُوَ الّذِي يُحْشَرُ النّاسُ عَلَى قَدَمِهِ فَكَأَنّهُ بُعِثَ لِيُحْشَرَ النّاس .\r[ تَفْسِيرُ الْعَاقِبِ ]\rوَالْعَاقِبُ الّذِي جَاءَ عَقِبَ الْأَنْبِيَاءِ فَلَيْسَ بَعْدَهُ نَبِيّ فَإِنّ الْعَاقِبَ هُوَ الْآخِرُ فَهُوَ بِمَنْزِلَةِ الْخَاتَمِ وَلِهَذَا سُمّيَ الْعَاقِبَ عَلَى الْإِطْلَاقِ أَيْ عَقِبَ الْأَنْبِيَاءِ جَاءَ بِعَقِبِهِمْ .\r[ تَفْسِيرُ الْمُقَفّي ]\rوَأَمّا الْمُقَفّي فَكَذَلِكَ وَهُوَ الّذِي قَفّى عَلَى آثَارٍ مَنْ تَقَدّمِهِ فَقَفّى اللّهُ بِهِ عَلَى آثَارِ مَنْ سَبَقَهُ مِنْ الرّسُلِ وَهَذِهِ اللّفْظَةُ مُشْتَقّةٌ مِنْ الْقَفْوِ يُقَالُ قَفَاهُ يَقْفُوهُ إذَا تَأَخّرَ عَنْهُ وَمِنْهُ قَافِيَةُ الرّأْسِ وَقَافِيَةُ الْبَيْتِ فَالْمُقَفّي : الّذِي قَفّى مَنْ قَبْلَهُ مِنْ الرّسُلِ فَكَانَ خَاتَمَهُمْ وَآخِرَهُمْ .\r[ نَبِيّ التّوْبَة ]","part":17,"page":115},{"id":7146,"text":"وَأَمّا نَبِيّ التّوْبَةِ فَهُوَ الّذِي فَتَحَ اللّهُ بِهِ بَابَ التّوْبَةِ عَلَى أَهْلِ الْأَرْضِ فَتَابَ اللّهُ عَلَيْهِمْ تَوْبَةً لَمْ يَحْصُلْ مِثْلُهَا لِأَهْلِ الْأَرْضِ قَبْلَهُ . وَكَانَ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ أَكْثَرُ النّاسِ اسْتِغْفَارًا وَتَوْبَةً حَتّى كَانُوا يَعُدّونَ لَهُ فِي الْمَجْلِسِ الْوَاحِدِ مِائَةَ مَرّة ٍ رَبّ اغْفِرْ لِي وَتُبْ عَلَيّ إنّكَ أَنْتَ التّوّابُ الْغَفُورُ وَكَانَ يَقُولُ يَا أَيّهَا النّاسُ تُوبُوا إلَى اللّهِ رَبّكُمْ فَإِنّي أَتُوبُ إلَى اللّهِ فِي الْيَوْمِ مِائَةَ مَرّةٍ وَكَذَلِكَ تَوْبَةُ أُمّتِهِ أَكْمَلُ مِنْ تَوْبَةِ سَائِرِ الْأُمَمِ وَأَسْرَعُ وَكَانَتْ تَوْبَةُ مَنْ قَبْلَهُمْ مِنْ أَصْعَبِ الْأَشْيَاءِ حَتّى كَانَ مِنْ تَوْبَةِ بَنِي إسْرَائِيلَ مِنْ عِبَادَةِ الْعِجْلِ قَتْلُ أَنْفُسِهِمْ وَأَمّا هَذِهِ الْأُمّةُ فَلِكَرَامَتِهَا عَلَى اللّهِ تَعَالَى جَعَلَ تَوْبَتَهَا النّدَمَ وَالْإِقْلَاعَ .\r[ نَبِيّ الْمَلْحَمَة ]\rوَأَمّا نَبِيّ الْمَلْحَمَةِ فَهُوَ الّذِي بُعِثَ بِجِهَادِ أَعْدَاءِ اللّهِ فَلَمْ يُجَاهِدْ نَبِيّ وَأُمّتَهُ قَطّ مَا جَاهَدَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ وَأُمّتُهُ وَالْمَلَاحِمُ الْكِبَارُ الّتِي وَقَعَتْ وَتَقَعُ بَيْنَ أُمّتِهِ وَبَيْنَ الْكُفّارِ لَمْ يُعْهَدْ مِثْلُهَا قَبْلَهُ فَإِنّ أُمّتَهُ يَقْتُلُونَ الْكُفّارَ فِي أَقْطَارِ الْأَرْضِ عَلَى تَعَاقُبِ الْأَعْصَارِ وَقَدْ أَوْقَعُوا بِهِمْ مِنْ الْمَلَاحِمِ مَا لَمْ تَفْعَلْهُ أُمّةٌ سِوَاهُمْ .\r[ نَبِيّ الرّحْمَة ]","part":17,"page":116},{"id":7147,"text":"وَأَمّا نَبِيُ الرّحْمَةِ فَهُوَ الّذِي أَرْسَلَهُ اللّهُ رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ فَرُحِمَ بِهِ أَهْلُ الْأَرْضِ كُلّهُمْ مُؤْمِنُهُمْ وَكَافِرُهُمْ أَمّا الْمُؤْمِنُونَ فَنَالُوا النّصِيبَ الْأَوْفَرَ مِنْ الرّحْمَةِ وَأَمّا الْكُفّارُ فَأَهْلُ الْكِتَابِ مِنْهُمْ عَاشُوا فِي ظِلّهِ وَتَحْتَ حَبْلِهِ وَعَهْدِهِ وَأَمّا مَنْ قَتَلَهُ مِنْهُمْ هُوَ وَأُمّتُهُ فَإِنّهُمْ عَجّلُوا بِهِ إلَى النّارِ وَأَرَاحُوهُ مِنْ الْحَيَاةِ الطّوِيلَةِ الّتِي لَا يَزْدَادُ بِهَا إلّا شِدّةَ الْعَذَابِ فِي الْآخِرَةِ .\r[ الْفَاتِح ]\rوَأَمّا الْفَاتِحُ فَهُوَ الّذِي فَتَحَ اللّهُ بِهِ بَابَ الْهُدَى بَعْدَ أَنْ كَانَ مُرْتَجًا وَفَتَحَ بِهِ الْأَعْيُنَ الْعُمْيَ وَالْآذَانَ الصّمّ وَالْقُلُوبَ الْغُلْفَ وَفَتَحَ اللّهُ بِهِ أَمْصَارَ الْكُفّارِ وَفَتَحَ بِهِ أَبْوَابَ الْجَنّةِ وَفَتَحَ بِهِ طُرُقَ الْعِلْمِ النّافِعِ وَالْعَمَلِ الصّالِحِ فَفَتَحَ بِهِ الدّنْيَا وَالْآخِرَةَ وَالْقُلُوبَ وَالْأَسْمَاعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَمْصَارَ .\r[ الْأَمِين ]\rوَأَمّا الْأَمِينُ فَهُوَ أَحَقّ الْعَالَمِينَ بِهَذَا الِاسْمِ فَهُوَ أَمِينُ اللّهِ عَلَى وَحْيِهِ وَدِينِهِ وَهُوَ أَمِينُ مَنْ فِي السّمَاءِ وَأَمِينُ مَنْ فِي الْأَرْضِ وَلِهَذَا كَانُوا يُسَمّونَهُ قَبْلَ النّبُوّةِ الْأَمِينَ .\r[ الضّحُوكَ الْقَتّال ]\rوَأَمّا الضّحُوكُ الْقَتّالُ فَاسْمَانِ مُزْدَوَجَانِ لَا يُفْرَدُ أَحَدُهُمَا عَنْ الْآخَرِ اللّهِ لَا تَأْخُذُهُ فِيهِمْ لَوْمَةُ لَائِمٍ .\r[ الْبَشِيرُ ]","part":17,"page":117},{"id":7148,"text":"وَأَمّا الْبَشِيرُ فَهُوَ الْمُبَشّرُ لِمَنْ أَطَاعَهُ بِالثّوَابِ وَالنّذِيرُ الْمُنْذِرُ لِمَنْ عَصَاهُ بِالْعِقَابِ وَقَدْ سَمّاهُ اللّهُ عَبْدَهُ فِي مَوَاضِعَ مِنْ كِتَابِهِ مِنْهَا قَوْلُه : { وَأَنّهُ لَمّا قَامَ عَبْدُ اللّهِ يَدْعُوهُ } [ الْجِنّ : 20 ] وَقَوْلُهُ { تَبَارَكَ الّذِي نَزّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ } [ الْفُرْقَانُ : 1 ] وَقَوْلُهُ { فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى } [ النّجْمُ 10 ] وَقَوْلُهُ { وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمّا نَزّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا } [ الْبَقَرَةُ 23 ] وَثَبَتَ عَنْهُ فِي الصّحِيحِ أَنّهُ قَالَ أَنَا سَيّدُ وَلَدِ آدَمَ [ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ] وَلَا فَخْرَ وَسَمّاهُ اللّهُ سِرَاجًا مُنِيرًا وَسَمّى الشّمْسَ سِرَاجًا وَهّاجًا .\r[ الْمُنِير ]\rوَالْمُنِيرُ هُوَ الّذِي يُنِيرُ مِنْ غَيْرِ إحْرَاقٍ بِخِلَافِ الْوَهّاجِ فَإِنّ فِيهِ نَوْعُ إحْرَاقٍ وَتَوَهّجٍ. أ هـ {زاد المعاد حـ 1 صـ 87 ـ 94}","part":17,"page":118},{"id":7149,"text":"فصل\rقال ابن عاشور :\rومعنى { خلت } مضت وانقرضت كقوله : { قد خلت من قبلكم سنن } [ آل عمران : 137 ] وقول امرىء القيس : ( مَن كان في العصر الخالي ) وقَصر محمداً على وصف الرسالة قَصْرَ موصوف على الصفة.\rقصراً إضافياً ، لردّ ما يخالف ذلك ردّ إنكار ، سواء كان قصر قلب أو قصر إفراد.\rوالظاهر أنّ جملة { قد خلت من قبله الرسل } صفة \"لرسول\" ، فتكون هي محطّ القصر : أي ما هو إلاّ رسول موصوف بخلوّ الرسل قبله أي انقراضهم.\rوهذا الكلام مسوق لردّ اعتقاد من يعتقد انتفاء خلوّ الرسلِ مِن قبله ، وهذا الاعتقاد وإن لم يكن حاصلاً لأحد من المخاطبين ، إلاّ أنَّهم لمّا صدر عنهم ما من شأنه أن يكون أثراً لهذا الاعتقاد ، وهو عزمهم على ترك نصرة الدّين والاستسلام للعدوّ كانوا أحرياء بأن ينزلوا منزلة من يعتقد انتفاء خلوّ الرسل مِن قبله ، حيث يجدون أتباعهم ثابتين على مللهم حتّى الآن فكان حال المخاطبين حال من يتوهّم التلازم بين بقاء الملّة وبقاء رسولها ، فيستدلّ بدوام الملّة على دوام رسولها ، فإذا هلك رسول ملّة ظنّوا انتهاء شرعه وإبطال اتّباعه.","part":17,"page":119},{"id":7150,"text":"فالقصر على هذا الوجه قصر قلب ، وهو قلب اعتقادهم لوازم ضدّ الصّفة المقصور عليها ، وهي خلوّ الرسل قبله ، وتلك اللوازم هي الوهَن والتردّد في الاستمرار على نشر دعوة الإسلام ، وبهذا يشعر كلام صاحب \"الكشّاف\".\rوجعَل السكاكي المقصور عليه هو وصف الرسالة فيكون محطّ القصر هو قوله : \"رسول\" دون قوله : { قد خلت من قبله الرسل } ويكون القصر قصرَ إفْراد بتنزيل المخاطبين منزلة من اعتقد وصفه بالرسالة مع التنزّه عن الهلاك ، حين رتَّبوا على ظنّ موته ظنوناً لا يفرضها إلاّ من يعتقد عصمته من الموت ، ويكون قوله : { قد خلت من قبله الرسل } على هذا الوجه استئنافاً لا صفة ، وهو بعيد ، لأنّ المخاطبين لم يصدر منهم ما يقتضي استبعاد خبر موته ، بل هم ظنّوه صدقاً.\rوعلى كلا الوجهين فقد نُزّل المخاطبون منزلَة من يَجهل قصر الموصوف على هذه الصفة وينكره ، فلذلك خوطبوا بطريق النَّفي والاستثناء ، الَّذي كثر استعماله في خطاب من يجهل الحكم المقصورَ عليه وينكره دون طريق ، إنَّما كما بيّنه صاحب \"المفتاح\". أ هـ {التحرير والتنوير حـ 3 صـ 237 ـ 238}\rقوله تعالى : {أفإن مات أو قتل انقلبتم على أعقابكم}\rفصل\rقال الفخر :\rحرف الاستفهام دخل على الشرط وهو في الحقيقة داخل على الجزاء ، والمعنى أتنقلبون على أعقابكم إن مات محمد أو قتل ، ونظيره قوله : هل زيد قائم ، فأنت إنما تستخبر عن قيامه ، إلا أنك أدخلت هل على الاسم والله أعلم. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 9 صـ 18}","part":17,"page":120},{"id":7151,"text":"فصل\rقال الفخر :\rإنه تعالى بين في آيات كثيرة أنه عليه السلام لا يقتل قال : {إِنَّكَ مَيّتٌ وَإِنَّهُمْ مَّيّتُونَ} [ الزمر : 30 ] وقال : {والله يَعْصِمُكَ مِنَ الناس} [ المائدة : 67 ] وقال : {لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدين كُلّهِ} [ الصف : 9 ] فليس لقائل أن يقول : لما علم أنه لا يقتل فلم قال {أو قتل} ؟\rفإن الجواب عنه من وجوه :\rالأول : أن صدق القضية الشرطية لا يقتضي صدق جزأيها ، فإنك تقول : إن كانت الخمسة زوجا كانت منقسمة بمتساويين ، فالشرطية صادقة وجزآها كاذبان ، وقال تعالى : {لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلاَّ الله لَفَسَدَتَا} [ الأنبياء : 22 ] فهذا حق مع أنه ليس فيهما آلهة ، وليس فيهما فساد ، فكذا ههنا.\rوالثاني : أن هذا ورد على سبيل الإلزام ، فإن موسى عليه السلام مات ولم ترجع أمته عن ذلك ، والنصارى زعموا أن عيسى عليه السلام قتل وهم لا يرجعون عن دينه ، فكذا ههنا ، \rوالثالث : أن الموت لا يوجب رجوع الأمة عن دينه ، فكذا القتل وجب أن لا يوجب الرجوع عن دينه ، لأنه فارق بين الأمرين ، فلما رجع إلى هذا المعنى كان المقصود منه الرد على أولئك الذين شكوا في صحة الدين وهموا بالارتداد. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 9 صـ 18 ـ 19}\rفصل\rقال الفخر :\rقوله : {انقلبتم على أعقابكم} أي صرتم كفارا بعد إيمانكم ، يقال لكل من عاد إلى ما كان عليه رجع وراءه وانقلب على عقبه ونكص على عقبيه ، وذلك أن المنافقين قالوا لضعفة المسلمين : إن كان محمد قتل فالحقوا بدينكم ، فقال بعض الأنصار : إن كان محمد قتل فإن رب محمد لم يقتل ، فقاتلوا على ما قاتل عليه محمد.\rوحاصل الكلام أنه تعالى بين أن قلته لا يوجب ضعفا في دينه بدليلين :\rالأول : بالقياس على موت سائر الأنبياء وقتلهم ، ","part":17,"page":121},{"id":7152,"text":"والثاني : أن الحاجة إلى الرسول لتبليغ الدين وبعد ذلك فلا حاجة اليه ، فلم يلزم من قتله فساد الدين ، والله أعلم. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 9 صـ 19}\rفائدة\rقال الفخر :\rليس لقائل أن يقول : إن قوله : {أفإن مات أو قتل} شك وهو على الله تعالى لا يجوز ، فإنا نقول : المراد أنه سواء وقع هذا أو ذاك فلا تأثير له في ضعف الدين ووجوب الارتداد. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 9 صـ 19}\rفصل\rقال القرطبى :\rهذه الآية أدلّ دليل على شجاعة الصديق وجراءته ، فإن الشجاعة والجرأة حدّهما ثبوت القلب عند حلول المصائب ، ولا مصيبة أعظم من موت النبيّ صلى الله عليه وسلم كما تقدّم بيانه في \"البقرة\" فظهرت عنده شجاعته وعلمه.\rقال الناس : لم يمت رسول الله صلى الله عليه وسلم ، منهم عمر ، وخرس عثمان ، واستخفى عليّ ، واضطرب الأمر فكشفه الصديق بهذه الآية حين قدومه من مسكنه بالسُّنْح ، الحديث ؛ كذا في البخاري.\rوفي سنن ابن ماجه عن عائشة قالت : \"لما قبض رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر عند امرأته ابنة خارجة بالعَوالي ، فجعلوا يقولون : لم يمت النبيّ صلى الله عليه وسلم إنما هو بعض ما كان يأخذه عند الوحي.\rفجاء أبو بكر فكشف عن وجهه وقبَّل بين عينيه وقال : أنت أكرم على الله من أن يميتك! مرتين ، قد والله مات رسول الله صلى الله عليه وسلم وعمر في ناحية المسجد يقول : والله ما مات رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ولا يموت حتى يقطع أيدي أُناس من المنافقين كثيرٍ وأرجلهم.","part":17,"page":122},{"id":7153,"text":"فقام أبو بكر فصعِد المنبر فقال : من كان يعبد الله فإن الله حيٌّ لم يمت ، ومن كان يعبد محمداً فإن محمداً قد مات ، { وَمَا مُحَمَّدٌ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرسل أَفإِنْ مَّاتَ أَوْ قُتِلَ انقلبتم على أَعْقَابِكُمْ وَمَن يَنقَلِبْ على عَقِبَيْهِ فَلَن يَضُرَّ الله شَيْئاً وَسَيَجْزِي الله الشاكرين }.\rقال عمر : \"فلكأنِّي لم أقرأها إلا يومئذ\".\rورجع عن مقالته التي قالها فيما ذكر الوَائِلي أبو نصر عبيد الله في كتابه الإبانة : عن أنس بن مالك أنه سمع عمر بن الخطاب حين بويع أبو بكر في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم واستوى على مِنبر رسول الله صلى الله عليه وسلم تشهد قبل أبي بكر فقال : أمّا بعد فإني قلت لكم أمس مقالة وأَنها لم تكن كما قلتُ ، وإِني والله ما وجدت المقالة التي قلت لكم في كتاب أنزله الله ولا في عهد عهِده إليّ رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ولكني كنت أرجو أن يعيش رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى يَدْبُرَنا يريد أن يقول حتى يكون آخرنا موتا فاختار الله عز وجل لرسوله الذي عنده على الذي عندكم ، وهذا الكتاب الذي هدى الله به رسوله فخذوا به تهتدوا لما هدى له رسول الله صلى الله عليه وسلم.\rقال الوَائلي أبو نصر : المقالة التي قالها ثم رجع عنها هي \"أن النبيّ صلى الله عليه وسلم لم يمت ولن يموت حتى يقطع أيدي رجال وأرجلهم\" وكان قال ذلك لعظيم ما ورد عليه ، وخشِي الفتنة وظهور المنافقين ، فلما شاهد قوّة يقينِ الصدّيقِ الأكبرِ أبي بكر ، وتفوّهه بقول الله عز وجل : { كُلُّ نَفْسٍ ذَآئِقَةُ الموت } [ آل عمران : 85 ] وقوله : { إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَّيِّتُونَ } [ الزمر : 30 ] وما قاله ذلك اليوم تَنَبّهَ وتثبّتَ وقال : كأني لم أسمع بالآية إلا من أبي بكر.\r","part":17,"page":123},{"id":7154,"text":"وخرج الناس يتلونها في سِكك المدينة ، كأنها لم تنزل قط إلا ذلك اليوم.\rومات صلى الله عليه وسلم يوم الاثنين بلا اختلاف ، في وقت دخوله المدينة في هجرته حين اشتدّ الضحاء ، ودفن يوم الثلاثاء ، وقيل ليلة الأربعاء.\rوقالت صفية بنت عبد المطلب ترثي رسول الله صلى الله عليه وسلم : \rألا يا رسول الله كنت رجاءنا . . .\rوكنت بِنا بَرّاً ولم تك جافِياً\rوكنت رحيماً هادياً ومُعلِّما . . .\rليَبْكِ عليك اليومَ من كان باكِيا\rلعمرك ما أبكِي النبيَّ لِفقده . . .\rولكن لما أخشى من الهَرْجِ آتيا\rكأنّ على قلبي لِذِكرِ محمدٍ . . .\rوما خِفت من بعد النبي المكاوِيا\rأفاطم صلى اللَّه رب محمدٍ . . .\rعلى جَدَثٍ أمسى بيَثْرب ثَاوِيا\rفِدًى لرسول اللَّه أُمِّي وخالتي . . .\rوعمى وآبائي ونفسي وما لِيا\rصدَقْتَ وبلّغتَ الرسالة صادقا . . .\rومتّ صَلِيبَ العودِ أبْلَجَ صافِيا\rفلو أن رب الناس أبقى نبينا . . .\rسعِدنا ، ولكن أمره كان ماضِيا\rعليك من اللَّه السلام تحيةً . . .\rوأُدْخِلت جناتٍ من العَدْن راضِيا\rأرى حسنا أيتَمته وتركتَه . . .\rيُبَكِّي ويدعو جده اليوم ناعِيا\rفإن قيل : فلِم أُخِر دفن رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد قال لأهل بيت أخَّروا دفن ميتهم : \" عجلوا دفن جيفتكم ولا تؤخروها \"\rفالجواب من ثلاثة أوجه : الأوّل ما ذكرناه من عدم اتفاقهم على موته.\rالثاني لأنهم لا يعلمون حيث يدفنونه.\rقال قوم في البَقِيع ، وقال آخرون في المسجد ، وقال قوم : يحبس حتى يحمل إلى أبيه إبراهيم.\rحتى قال العالم الأكبر : سمعته يقول : \"ما دفن نبيّ إلا حيث يموت\" ذكره ابن ماجه والموطأ وغيرهما.\r","part":17,"page":124},{"id":7155,"text":"الثالث أنهم اشتغلوا بالخلاف الذي وقع بين المهاجرين والأنصار في البيعة ، فنظروا فيها حتى استتب الأمر وانتظم الشمل واستوثقت الحال ، واستقرّت الخلافة في نصابها فبايعوا أبا بكر ، ثم بايعوه من الغد بيعة أُخرى عن ملأ منهم ورِضا ؛ فكشف الله به الكُرْبة من أهل الردّة ، وقام به الدّين ، والحمد لله رب العالمين.\rثم رجعوا بعد ذلك إلى النبيّ صلى الله عليه وسلم فنظروا في دفنه وغسّلوه وكفّنوه ، والله أعلم. أ هـ {تفسير القرطبى حـ 4 صـ 222 ـ 224}. بتصرف يسير.\rبحث نفيس\rقال الآلوسى\rوظاهر الآية يؤيد مذهب أهل السنة القائلين أن المقتول ميت بأجله أي بوقته المقدر له وأنه لو لم يقتل لجاز أن يموت في ذلك الوقت وأن لا يموت من غير قطع بامتداد العمر ولا بالموت بدل القتل إذ على تقدير عدم القتل لا قطع بوجود الأجل وعدمه فلا قطع بالموت ولا بالحياة ، وخالف في ذلك المعتزلة فذهب الكعبي منهم إلى أن المقتول ليس بميت لأن القتل فعل العبد والموت فعل الله سبحانه أي مفعوله وأثر صفته ، وأن للمقتول أجلين : أحدهما : القتل والآخر : الموت وأنه لو لم يقتل لعاش إلى أجله الذي هو الموت ، وذهب أبو الهذيل إلى أن المقتول لو لم يقتل لمات ألبتة في ذلك الوقت.","part":17,"page":125},{"id":7156,"text":"وذهب الجمهور منهم إلى أن القاتل قد قطع على المقتول أجله وأنه لو لم يقتل لعاش إلى أمد هو أجله الذي علم الله تعالى موته فيه لولا القتل ، وليس النزاع بين الأصحاب والجمهور لفظياً كما رآه الأستاذ وكثير من المحققين حيث قالوا : إنه إذا كان الأجل زمان بطلان الحياة في علم الله تعالى لكان المقتول ميتاً بأجله بلا خلاف من المعتزلة في ذلك إذ هم لا ينكرون كون المقتول ميتاً بالأجل الذي علمه الله تعالى وهو الأجل بسبب القتل ، وإن قيد بطلان الحياة بأن لا يترتب على فعل من العبد لم يكن كذلك بلا خلاف من الأصحاب فيه إذ هم يقولون بعدم كون المقتول ميتاً بالأجل غير المرتب على فعل العبد لأنا نقول حاصل النزاع أن المراد بأجل المقتول المضاف إليه زمان بطلان حياته بحيث لا محيص عنه ولا تقدم ولا تأخر على ما يشير إليه قوله تعالى : { أَجَلٌ فَإِذَا جَاء أَجَلُهُمْ لاَ يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلاَ يَسْتَقْدِمُونَ } [ الأعراف : 34 ] ويرجع الخلاف إلى أنه هل تحقق ذلك في حق المقتول أم المعلوم في حقه أنه إن قتل مات وإن لم يقتل يعش كذا في \"شرح المقاصد\" ، ولعله جواب باختيار الشق الأول ، وهو أن المراد زمان بطلان الحياة في علم الله تعالى لكنه لا مطلقاً بل على ما علمه تعالى وقدره بطريق القطع وحينئذٍ يصلح محلاً للخلاف لأنه لا يلزم من عدم تحقق ذلك في المقتول كما يقوله المعتزلة تخلف العلم عن المعلوم لجواز أن يعلم تقدم موته بالقتل مع تأخر الأجل الذي لا يمكن تخلفه عنه ، وقد يقال : إنه يمكن أن يكون جواباً باختيار شق ثالث وهو المقدر بطريق القطع إذ لا تعرض في تقرير الجواب للعلم والمقدر أخص من الأجل المعلوم مطلقاً والفرق بينه وبين كونه جواباً باختيار الأول لكن لا مطلقاً اعتبار قيد العلم في الأجل الذي هو محل النزاع على تقدير","part":17,"page":126},{"id":7157,"text":"اختيار الأول وعدم اعتباره فيه على اختيار الثالث وإن كان معلوماً في الواقع أيضاً فافهم ، ثم إن أبا الحسين ومن تابعه يدعون الضرورة في هذه المسألة وكذا الجمهور في رأي البعض ، وعند البعض الآخر هي عندهم استدلالية.\rواحتجوا على مذهبهم بالأحاديث الواردة في أن بعض الطاعات تزيد في العمر وبأنه لو كان المقتول ميتاً بأجله لم يستحق القاتل ذماً ولا عقاباً ولم يتوجه عليه قصاص ولا غرم دية ولا قيمة في ذبح شاة الغير لأنه لم يقطع أجلاً ولم يحدث بفعله موتاً ، وبأنه ربما يقتل في الملحمة والحرب ألوف تقضي العادة بامتناع اتفاق موتهم في ذلك الوقت بآجالهم ، وتمسك أبو الهذيل بأنه لو لم يمت المقتول لكان القاتل قاطعاً لأجل قدره الله تعالى ومغيراً لأمر علمه وهو محال ، والكعبي بقوله تعالى : { أَفإِيْن مَّاتَ أَوْ قُتِلَ } [ آل عمران : 144 ] حيث جعل القتل قسيماً للموت بناءاً على أن المراد بالقتل المقتولية وأنها نفس بطلان الحياة وأن الموت خاص بما لا يكون على وجه القتل ومتى كان الموت غير القتل كان للمقتول أجلان : أحدهما : القتل ، والآخر : الموت.","part":17,"page":127},{"id":7158,"text":"وأجيب عن متمسك الأولين : الأول : بأن تلك الأحاديث أخبار آحاد فلا تعارض الآيات القطعية كقوله تعالى : { فَإِذَا جَاء أَجَلُهُمْ لاَ يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلاَ يَسْتَقْدِمُونَ } [ الأعراف : 34 ] أو بأن المراد من أن الطاعة تزيد في العمر أنها تزيد فيما هو المقصود الأهم منه وهو اكتساب الكمالات والخيرات والبركات التي بها تستكمل النفوس الإنسانية وتفوز بالسعادة الأبدية ، أو بأن العمر غير الأجل لأنه لغة الوقت ، وأجل الشيء يقال لجميع مدته ولآخرها كما يقال أجل الدين شهران أو آخر شهر كذا ، ثم شاع استعماله في آخر مدة الحياة ، ومن هنا يفسر بالوقت الذي علم الله تعالى بطلان حياة الحيوان عنده على ما قررناه.\rوالعمر لغة مدة الحياة كعمر زيد كذا ومدة البقاء كعمر الدنيا وكثيراً ما يتجوز به عن مدة بقاء ذكر الناس الشخص للخير بعد موته ، ومنه قولهم : ذكر الفتى عمره الثاني ؛ ومن هنا يقال لمن مات وأعقب ذكراً حسناً وأثراً جميلاً : ما مات ، فلعله أراد صلى الله عليه وسلم أن تلك الطاعات تزيد في هذا العمر لما أنها تكون سبباً للذكر الجميل ، وأكثر ما ورد ذلك في الصدقة وصلة الرحم وكونهما مما يترتب عليهما ثناء الناس مما لا شبهة فيه قيل : ولهذا لم يقل صلى الله عليه وسلم في ذلك إنه يزيد في الأجل ، أو بأن الله تعالى كان يعلم أن هذا المطيع لو لم يفعل هذه الطاعة لكان عمره أربعين مثلاً لكنه علم أنه يفعلها ويكون عمره سبعين سنة فنسبة هذه الزيادة إلى تلك الطاعة بناءاً على علم الله تعالى أنه لولاها لما كانت هذه الزيادة.","part":17,"page":128},{"id":7159,"text":"ومحصل هذا أنه سبحانه قدر عمره سبعين بحيث لا يتصور التقدم والتأخر عنه لعلمه بأن طاعته تصير سبباً لثلاثين فتصير مع أربعين من غير الطاعة سبعين ، وليس محصل ذلك أنه تعالى قدره سبعين على تقدير وأربعين على تقدير حتى يلزم تعدد الأجل والأصحاب لا يقولون به.\rوالثاني : بأن استحقاق الذم والعقاب وتوجه القصاص أو غرم الدية مثلاً على القاتل ليس بما يثبت في المحل من الموت بل هو بما اكتسبه وارتكبه من الإقدام على الفعل المنهي عنه الذي يخلق الله تعالى به الموت كما في سائر الأسباب والمسببات لا سيما عند ظهور أمارات البقاء وعدم ما يظن معه حضور الأجل حتى لو علم موت شاة بإخبار صادق معصوم ، أو ظهرت الإمارات المفيدة لليقين لم يضمن عند بعض الفقهاء ، والثالث : بأن العادة منقوضة أيضاً بحصول موت ألوف في وقت واحد من غير قتال ولا محاربة كما في أيام الوباء مثلاً على أن التمسك بمثل هذا الدليل في مثل هذا المطلب في غاية السقوط.","part":17,"page":129},{"id":7160,"text":"وأجيب عن متمسك أبي الهذيل بأن عدم القتل إنما يتصور على تقدير علم الله تعالى بأنه لا يقتل وحينئذٍ لا نسلم لزوم المحال وبأنه لا استحالة في قطع الأجل المقدر الثابت لولا القتل لأنه تقرير للمعلوم لا تغيير له ، وعن متمسك الكعبي المخالف للمعتزلة والأشاعرة في إثبات الأجلين بأن القتل قائم بالقاتل وحال له لا للمقتول وإنما حاله الموت وانزهاق الروح الذي هو بإيجاد الله تعالى وإذنه ومشيئته وإرادة المقتولية المتولدة عن قتل القاتل بالقتل وهي حال المقتول إذ هي بطلان الحياة والتخصيص بما لا يكون على وجه القتل على ما يشعر به { أَفإِيْن مَّاتَ أَوْ قُتِلَ } [ آل عمران : 144 ] خلاف مذهبه من إنكار القضاء والقدر في أفعال العباد إذ بطلان الحياة المتولد من قتل القاتل أجل قدره الله تعالى وعينه وحدده ، ومعنى الآية كما أشرنا إليه أفئن مات حتف أنفه بلا سبب ، أو مات بسبب القتل ، فتدل على أن مجرد بطلان الحياة موت ومن هنا قيل : إن في المقتول معنيين قتلاً هو من فعل الفاعل وموتاً هو من الله تعالى وحده.\rوذهبت الفلاسفة إلى مثل ما ذهب إليه الكعبي من تعدد الأجل فقالوا : إن للحيوان أجلاً طبيعياً بتحلل رطوبته وانطفاء حرارته الغريزيتين وآجالاً اخترامية تتعدد بتعدد أسباب لا تحصى من الأمراض والآفات ، وبيانه أن الجواهر التي غلبت عليها الأجزاء الرطبة ركبت مع الحرارة الغريزية فصارت لها بمنزلة الدهن للفتيلة المشعلة وكلما انتقصت تلك الرطوبات تبعتها الحرارة الغريزية في ذلك حتى إذا انتهت في الانتقاص وتزايد الجفاف انطفأت الحرارة كانطفاء السراج عند نفاد دهنه فحصل الموت الطبيعي وهو مختلف بحسب اختلاف الأمزجة وهو في الإنسان في الأغلب تمام مائة وعشرين سنة.","part":17,"page":130},{"id":7161,"text":"وقد يعرض من الآفات مثل البرد المجمد والحرب المذوب وأنواع السموم وأنواع تفرق الاتصال وسوء المزاج ما يفسد البدن ويخرجه عن صلاحه لقبول الحياة إذ شرطها اعتدال المزاج فيهلك بسببه وهذا هو الأجل الاحترامي ، ويرد ذلك أنه مبني على قواعدهم من تأثير الطبيعة والمزاج وهو باطل عندنا إذ لا تأثير إلا له سبحانه وتلك الأمور عندنا أسباب عادية لا عقلية كما زعموا.\rوادعى بعض المحققين أن النزاع بيننا وبين الفلاسفة كالنزاع بيننا وبين المعتزلة على رأي الأستاذ لفظي إذ هم لا ينكرون القضاء والقدر فالوقت الذي علم الله تعالى بطلان الحياة فيه بأي سبب كان واحد عندهم أيضاً ، وما ذكروه من الأجل الطبيعي نحن لا ننكره أيضاً لكنهم يجعلون اعتدال المزاج واستقامة الحرارة والرطوبة ونحو ذلك شروطاً حقيقة عقلية لبقاء الحياة ونحن نجعلها أسباباً عادية وذلك بحث آخر وسيأتي تتمة الكلام على هذه المسألة إذ الأمور مرهونة لأوقاتها ولكل أجل كتاب. أ هـ {روح المعانى حـ 4 صـ 76 ـ 78}\rقوله تعالى : {وَمَن يَنقَلِبْ على عَقِبَيْهِ فَلَن يَضُرَّ الله شَيْئاً}\rقال الفخر :\r{وَمَن يَنقَلِبْ على عَقِبَيْهِ فَلَن يَضُرَّ الله شَيْئاً} والغرض منه تأكيد الوعيد ، لأن كل عاقل يعلم أن الله تعالى لا يضره كفر الكافرين ، بل المراد أنه لا يضر إلا نفسه ، وهذا كما إذا قال الرجل لولده عند العتاب : إن هذا الذي تأتي به من الأفعال لا يضر السماء والأرض ، ويريد به أنه يعود ضرره عليه فكذا ههنا. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 9 صـ 19}","part":17,"page":131},{"id":7162,"text":"قوله تعالى : {وَسَيَجْزِى الله الشاكرين}\rقال الفخر :\rالمراد أنه لما وقعت الشبهة في قلوب بعضهم بسبب تلك الهزيمة ولم تقع الشبهة في قلوب العلماء الأقوياء من المؤمنين ، فهم شكروا الله على ثباتهم على الإيمان وشدة تمسكهم به ، فلا جرم مدحهم الله تعالى بقوله : {وَسَيَجْزِى الله الشاكرين}\rوروى محمد ابن جرير الطبري عن علي رضي الله عنه أنه قال : المراد بقوله : {وَسَيَجْزِى الله الشاكرين} أبو بكر وأصحابه ، وروي عنه أنه قال أبو بكر من الشاكرين وهو من أحباء الله ، والله أعلم بالصواب. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 9 صـ 19}\rوقال ابن عطية :\rوعد الشاكرين وهم الذين صدقوا وصبروا ولم ينقلب منهم أحد على عقبيه بل مضى على دينه قدماً حتى مات ، فمنهم سعد بن الربيع وتقضي بذلك وصيته إلى الأنصار ، ومنهم أنس بن النضر ، ومنهم الأنصاري الذي ذكر الطبري عنه بسند أنه مر عليه رجل من المهاجرين ، والأنصاريّ يتشحط في دمه ، فقال : يا فلان أشعرت أن محمداً قد قتل : فقال الأنصاري : إن كان محمد قد قتل فإنه قد بلغ ، فقاتلوا عن دينكم.","part":17,"page":132},{"id":7163,"text":"قال الفقيه أبو محمد : فهؤلاء أصحاب النازلة يومئذ صدق فعلهم قولهم : ثم يدخل في الآية الشاكرون إلى يوم القيامة : قال ابن إسحاق معنى { وسيجزي الله الشاكرين } أي من أطاعه وعمل بأمره ، وذكر الطبري بسند عن علي بن أبي طالب وذكر غيره : أنه قال في تفسير هذه الآية : \" الشاكرون \" : الثابتون على دينهم ، أبو بكر وأصحابه وكان يقول : أبو بكر أمير الشاكرين ، وهذه عبارة من علي بن أبي طالب رضي الله عنه إنما هي إلى صدع أبي بكر رضي الله عنه بهذه الآية في يوم موت النبي عليه السلام وثبوته في ذلك الموطن ، وثبوته في أمر الردة ، وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما قبض وشاع موته ، هاج المنافقون وتكلموا ، وهموا بالاجتماع والمكاشفة ، أوقع الله تعالى في نفس عمر رضي الله عنه أن النبي لم يقبض فقام بخطبته المشهورة المخوفة للمنافقين برجوع النبي عليه السلام ، ففت ذلك في أعضاد المنافقين وتفرقت كلمتهم ثم جاء أبو بكر بعد أن نظر إلى النبي عليه السلام فسمع كلام عمر فقال له : اسكت ، فاستمر عمر في كلامه فتشهد أبو بكر فأصغى الناس إليه ، فقال : أما بعد فإنه من كان يعبد الله تعالى ، فإن الله حي لا يموت ومن كان يعبد محمداً فإن محمداً قد مات ، { وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل } ، وتلا الآية كلها ، فبكى الناس ولم يبق أحد إلا قرأ الآية كأن الناس ما سمعوها قبل ذلك اليوم ، قالت عائشة رضي الله عنها في البخاري : فنفع الله بخطبة عمر ، ثم بخطبة أبي بكر.\rقال الفقيه الإمام أبو محمد : فهذا من المواطن التي ظهر فيها شكر أبي بكر وشكر الناس بسببه. أ هـ {المحرر الوجيز حـ 1 صـ 517}\rلطيفة\rقال أبو حيان :\r{ وسيجزي الله الشاكرين } وعد عظيم بالجزاء.","part":17,"page":133},{"id":7164,"text":"وجاء بالسين التي هي في قول بعضهم : قرينة التفسير في الاستقبال ، أي : لا يتأخر جزاء الله إياهم عنهم. أ هـ {البحر المحيط حـ 3 صـ 75}\rفصل\rقال القرطبى :\rفي تغيير الحال بعد موت النبي صلى الله عليه وسلم ، عن أنس قال : لما كان اليوم الذي دخل فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة أضاء منها كلّ شيء ، فلما كان اليوم الذي مات فيه أظلم منها كلّ شيء ، وما نَفَضْنا عن النبيّ صلى الله عليه وسلم الأيدي حتى أنكرنا قلوبنا.\rأخرجه ابن ماجه ، وقال : حدّثنا محمد بن بشّار أخبرنا عبد الرحمن بن مهديّ حدّثنا سفيان عن عبد الله بن دينار عن ابن عمر قال : كنا نتّقِي الكلام والانبساط إلى نسائنا على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم مخافةَ أن ينزل فينا القرآن ، فلما مات رسول الله صلى الله عليه وسلم تَكلّمنا.\rوأسند عن أُم سلمَة بنت أبي أُمية زوج النبيّ صلى الله عليه وسلم ( أنها قالت ) : كان الناس في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا قام المُصَلِّي ( يصلي ) لم يَعْدُ بصرُ أحدهم موضع قدميْه ، فلما تُوفّي رسول الله صلى الله عليه وسلم وكان أبو بكر ، فكان الناس إذا قام أحدهُم يصلي لم يَعْدُ بصر أحدهم موضع جبينه ، فتوفى أبو بكر وكان عمر ، فكان الناس إذا قام أحدهم يصلي لم يعْدُ بصر أحدهم موضع القبلة ، فكان عثمان بن عفان فكانت الفتنة فتلفت الناس في الصلاة يميناً وشمالاً. أ هـ {تفسير القرطبى حـ 4 صـ 225 ـ 226}","part":17,"page":134},{"id":7165,"text":"فوائد لغوية\rقال ابن عادل :\r\" ما \" نافية ، ولا عمل لها هنا مطلقاً - أعني : على لغة الحجازيين والتميميِّين ؛ لأن التميميين لا يعملونها - ألبتة - والحجازيين يُعْملونها بشروط ، منها : ألا يَنْتَقضَ النفي بـ \" إلا \" إذْ يزول السبب الذي عَمِلَتْ لأجله - وهو شبهها بـ \" ليس \" في نفي الحال - فيكون \" مُحَمَّدٌ \" مبتدأ ، و\" رَسُولٌ \" خبر.\rهذا - [ أعني : إهمالها إذا نُقِضَ نفيُها ] - مذهب الجمهور ، وقد أجاز يونس إعمالها مُنْتَقَضَةَ النَّفْيِ بـ \" إلا \".\rوأنشد : [ الطويل ]\rوَمَا الدَّهْرُ إلاَّ مَنْجَنُوناً بِأهْلِهِ... وَمَا صَاحِبُ الْحَاجَاتِ إلاَّ مُعَذَّبا\rفنصب \" منجنوناً \" ، و\" مُعَذَّباً \" على خبر \" ما \" - وهما بعد \" إلا \" -.\rومثله قول الآخر : [ الوافر ]\rوَمَا حَقُّ الَّذِي يَعْثُو نَهَاراً... وَيَسْرِقُ لَيْلَهُ إلاَّ نَكَالا\rف \" حق \" اسم \" ما \" و\" نكالا \" خبرها.\rوتأول الجمهورُ هذه الشواهدَ على أنَّ الخبر محذوف ، وهذا المنصوب مَعْمُولٌ لذلك الخبر المحذوفِ ، والتقدير : وما الدَّهر إلا يدور دورانَ منجنونٍ ، فحُذف الفعلُ الناصبُ لِ \" دَوَرَانَ \" ثم حُذِفَ المضافُ ، وأقيمَ المضافُ إليه مقامه في الإعراب ، وكذا : \" إلا مُعَذَّباً \" تقديره : يُعَذَّبُ تعذيباً ، فحُذِف الفعلُ ، وأقيم \" معذَّباً \" مقام \" تَعْذِيب \" ، كقوله تعالى : { وَمَزَّقْنَاهُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ } [ سبأ : 19 ] أي : كل تمزيق. وكذا : \" إلا نَكَالاً \" ، وفيه من التكلُّف ما ترى.\rو \" مُحَمَّدٌ \" هو المستغرق لجميع المحامد ؛ لأن الحَمْد لا يستوجبه إلا الكامل ، والتحميد فوق الحمد ، فلا يستحقه إلا المُسْتَوْلي على الأمَد في الكمال. وأكرم الله نبيه باسمين مشتقَّيْن من اسمه - جل جلاله - وهما محمد وأحمد.","part":17,"page":135},{"id":7166,"text":"قال أهل اللغة : كل جامع لصفات الخير يُسَمَّى \" محمدا \".\rقوله : { قَدْ خَلَتْ } في هذه الجملة وجهان : \rأظهرهما : أنها في محل رفع ؛ صفة لِ \" رَسُولٌ \".\rالثاني : أنها في محل نصب على الحال من الضمي رالمستكن في \" رَسُولٌ \" ، وفيه نظر ؛ لجريان هذه الصفة مجرى الجوامد ، فلا تتحمل ضميراً.\rقوله : \" من قبله \" فيه وجهان - أيضاً - : \rأظهرهما : أنه معلق بـ \" خلت \".\rوالثاني : أنه متعلق بمحذوفٍ ؛ حال من \" الرُّسُلُ \" مقدَّماً عليها ، وهي - حينئذ - حال مؤكِّدة ؛ لأن ذِكْرَ الخُلُوِّ مُشْعِرٌ بالقَبْلِيَّة.\rوقرأ ابنُ عَبَّاسٍ \" رُسُلٌ \" - بالتنكير -.\rقال أبُو الفَتْحِ : ووجها أنَّه موضع تيسير لأمر النبي صلى الله عليه وسلم في أمر الحياة ومكان تسوية بينه وبين البشر في ذلك ، وكذلك يفعل في أماكن الاقتصاد ، كقوله : { وَقَلِيلٌ مِّنْ عِبَادِيَ الشكور } [ سبأ : 13 ].\rوقوله : { وَمَآ آمَنَ مَعَهُ إِلاَّ قَلِيلٌ } [ هود : 40 ].\rوقال أبُو البَقَاءِ : \" وهو قريب من معنى \" المعرفة. كأنه يريد أن المراد بالرسل \" الجنس \" ، فالنكرة قريب منه بهذه الحيثية \".\rوقراءة الجمهور أولى ؛ لأنها تدل على تفخيم الرسل وتعظيمهم.\rقوله : { أَفإِنْ مَّاتَ } الهمزة لاستفهام الإنكار ، والفاء للعطف ، ورتبتها التقديم ؛ لأنها حرف عطف ، وإنما قُدِّمت الهمزة ؛ لأن لها صَدر الكلام ، وقد تقدم تحقيقه وأن الزمخشري يقدِّر بينهما فعلاً محذوفاً تعطف الفاء عليه ما بعدها.\rقال ابن الخطيب كَمَالُ الدِّينِ الزَّمَلْكَانِيُّ : \" الأوجه : أن يقدر محذوف بعد الهمزة ، وقبل الفاء ، تكون الفاء عاطفة عليه ، ولو صُرِّحَ به لقيل : أتؤمنون به مدة حياته فإن مات ارتددتم ، فتخالفوا سُنَنَ أتباع الأنبياء قبلكم في ثباتهم على مِلَلِ أنبيائهم بعد وفاتهم.\r","part":17,"page":136},{"id":7167,"text":"وهذا هو مذهب الزَّمَخْشَرِيِّ ، إلا أنَّ الزمخشريَّ - هنا - عبر بعبارة لا تقتضي مذهبه الذي هو حذف جملة بعد الهمزة ؛ فإنه قال : الفاء معلقة للجملة الشرطية بالجملة قَبْلَها على معنى \" التسبيب \" ، والهمزة لإنكار أن يجعلوا خُلُوَّ الرُّسُلِ قبله سبباً لانقلابهم على أعقابهم بعد هلاكه - بموتٍ أو قَتْل - مع علمهم أن خُلُوَّ الرُّسُلِ قبله ، وبقاء دينهم متمسكاً به يجب أن يجعل سبباً للتمسُّك بدين محمد صلى الله عليه وسلم لا للانقلاب عنه \".\rفظاهر هذا الكلام أن الفاء عطفت هذه الجملة المشتملة على الإنكار على ما قبلها من قوله : { قَدْ خَلَتْ } من غير تقدير جملة أخرى.\rوقال أبو البقاء قريباً من هذا ؛ فإنه قال : \" الهمزة عند سيبويه في موضعها ، والفاء تدل على تعلُّق الشرطِ بما قبله \".\rلا يقال : إنه جعل الهمزة في موضعها ، فيوهم هذا أن الفاء ليست مقدمة عليها ؛ لأنه جعل هذا مقابلاً لمذهب يونس ؛ فإن يونس يزعم أن هذه الهمزة - في مثل هذا التركيب - داخلة على جواب الشرط ، فهي في مذهبه في غير موضعها وسيأتي تحريره.\rو \" إن \" شرطية ، و\" مَاتَ \" و\" انْقَلَبْتُمْ \" شرط وجزاء ، ودخول الهمزة على أداة الشرط لا يُغَيِّر سبباً من حكمها.\r","part":17,"page":137},{"id":7168,"text":"وزعم يونس أن الفعل الثاني - الذي هو جزاء الشرط - ليس هو جزاء للشرط ، وإنما هو المستفْهَم عنه ، وأن الهمزة داخلة عليه تقديراً ، فينوى به التقرير ، وحينئذ لا يكون جواباً ، بل الجواب محذوف ، ولا بد - إذ ذاك - من أن يكون فعل الشرط ماضياً ، إذْ لا يُحْذَف الجواب إلا والشرط ماضٍ ، ولا اعتبار بالشعر ؛ فإنه ضرورة ، فلا يجوز عنده أن تقول : إن تكرمني أكرمك ولا يجزنهما ، ولا بجزم الأول ورفع الثاني ، لأن الشرط مضارع. ولا أإن أكرمتني أكرمك - بجزم أكرمك ؛ لأنه ليس الجواب ، بل دال عليه ، والنية به التقديم ، فإن رفعت \" أكرمك \" وقلت : أإن أكرمتني أكرمك ، صح عنده.\rفالتقدير عند يونس : أنقلبتم على أعقابكم إن مات محمد صلى الله عليه وسلم ؛ لأن الغرض إنكار انقلابهم على أعقابهم بعد موته ، وبقول يونس قال كثير من المفسِّرين ؛ فإنهم يقولون : ألف الاستفهام دخلت في غير موضعها ؛ لأن الغرض إنما هو أتنقلبون إن مات محمد ؟\rوقال أبو البقاء : \" وقال يونس : الهمزة في مثل هذا حقها أن تدخل على جواب الشرط ، تقديره : أتنقلبون إن مات ؟ لأن الغرض التنبيه ، أو التنبيخ على هذا الفعل المشروط \".\rومذهب سيبويه الحقُّ ؛ لوجهَيْن : \rأحدهما : أنك لو قدمتَ الدجواب ، لم يكن للفاء وجه ؛ إذ لا يصح أن تقول : أتزوروني فإن زرتك. ومنه قوله : { أَفَإِنْ مِّتَّ فَهُمُ الخالدون } [ الأنبياء : 34 ].\rوالثاني : أنَّ الهمزة لها صدر الكلام ، و\" إنْ \" لها صدر الكلام ، وقد وقعا في موضعهما ، والمعنى يتم بدخول الهمزة على جملة الشرط والجوابِ ؛ لأنهما كالشيء الواحد.","part":17,"page":138},{"id":7169,"text":"وقد رد النحويون على يونس بقوله : { أَفَإِنْ مِّتَّ فَهُمُ الخالدون } ، فإنَّ الفاء في قوله : \" فَهُمْ \" تعين أن يكون جواباً للشرط ، وأتى - هنا - بـ \" إن \" التي تقتضي الشك ، والموت أمر محقق ، إلاَّ أنه أورده مورد المشكوك فيه ؛ للتردد بين الموت والقتل.\rقوله : { على أَعْقَابِكُمْ } فيه وجهان :\rأظهرهما : أنه متعلق بـ \" انْقَلَبْتُمْ \".\rوالثاني : أنه حال من فاعل \" انْقَلَبْتُمْ \" ، كأنه قيل : انقلبتم راجعين.\rقوله : { وَمَن يَنقَلِبْ على عَقِبَيْهِ }.\rقرأ ابنُ أبي إسحاق \" على عقبه \" - بالإفراد ، و\" شَيْئاً \" نصب على المصدر أي : شيئاً من الضرر ، لا قليلاً ولا كثيراً. والمراد منه : تأكيد الوعيد ، وأن المنقلب بارتداده لا يضر الله شيئاً ، وإنما يضر نفسه. أ هـ {تفسير ابن عادل حـ 5 صـ 567 ـ 574}. بتصرف.\rمن لطائف الإمام القشيرى فى الآية\rقال رحمه الله :\r{ وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ (144)}\rإن الرسل موقوفون حيثما وُقِفُوا ، ومخبرون عمَّا عُرِّفوا بمقدار ما عَرفُوا ؛ فإذا أُيِّدُوا بأنوار البصائر اطَّلعوا على مكنونات السرائر بلطائف التلويح بمقدار ما أُعْطُوا من الإشراق بوظائف البلوغ.","part":17,"page":139},{"id":7170,"text":"{ أَفَإِيْن مَّاتَ أَوْ قُتِلَ انقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ } لما تُوُفّى المصطفى - صلى الله عليه وسلم - سقمت البصائر إلا بصيرة الصديق رضي الله عنه فأمدَّه الله بقوة السكينة ، وأفرغ عليه قوة التولي فقال : \" من كان يعبد محمداً فإنَّ محمداً قد مات \" فصار الكل مقهورين تحت سلطان قالته لِمَا انبسط عليهم من نور حالته ، كالشمس بطلوعها تندرج في شعاعها أنوارُ الكواكب فيستتر فيها مقادير مطارح شعاع كل نجم.\rوإنما قال : { أَفَإِيْن مَّاتَ أَوْ قُتِلَ } لأنه صلى الله عليه وسلم مات. وقيل أيضاً لأنه قال : \" ما زالت أكلة خيبر تعاودني فهذا أوان قطعت أبهري \". أ هـ {لطائف الإشارات حـ 1 صـ 282}","part":17,"page":140},{"id":7171,"text":"قوله تعالى : { وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ كِتَابًا مُؤَجَّلًا وَمَنْ يُرِدْ ثَوَابَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَنْ يُرِدْ ثَوَابَ الْآَخِرَةِ نُؤْتِهِ مِنْهَا وَسَنَجْزِي الشَّاكِرِينَ (145)}\rمناسبة الآية لما قبلها\rقال البقاعى :\rولما كان موت الرأس من أنصار الدين لا يصلح أن يكون سبباً للفرار إلا إذا كان موته بغير إذن صاحب الدين ، وكان الفرار لا يصلح إلا أذا كان يمكن أن يكون سبباً للنجاة ، وأما إذا كان موته لا يكون إلا بإرادة رب الدين ، والفرار لا يكون سبباً في زيادة الأجل ولا نقصه ؛ أشار إلى ذلك بقوله : {وما كان لنفس} أي من الأنفس كائنة من كانت {أن تموت} أي بشيء من الأشياء {إلا بإذن الله} أي بعلم الملك الأعلى الذي له الإحاطة التامة وإرادته وتمكينه من قبضها \" كتب لكل نفس عمرها \" {كتاباً مؤجلاً} أي أجلاً لا يتقدم عنه بثبات ، ولا يتأخر عنه بفرار أصلاً.\rولما كان المعنى : فمن أقدم شكرته ولم يضره الإقدام ، ومن أحجم ذممته ولم ينفعه الإحجام ، وكان الحامل على الإقدام إيثار ما عند الله ، والحامل على الإحجام إيثار الدنيا ؛ عطف على ذلك قوله : {ومن يرد ثواب الدنيا} أي بعمله - كما افهمه التعبير بالثواب ، وهم المقبلون على الغنائم بالنهب والفارون كفراً لنعمة الله {نؤته منها} أي ما أراد ، وختام الآية يدل على أن التقدير هنا : وسنردي الكافرين ولكنه طواه رفقاً لهم {ومن يرد ثواب الآخرة} أي وهم الثابتون شكراً على إحسانه إليهم من غير أن يشغلهم شاغل عن الجهاد ، ولما كان قصد الجزاء غير قادح في الإخلاص منه من الله تعالى علينا قال : {نؤته} ونبه على أن العمل لذات الله من غير نظر إلى ثواب ولا عقاب أعلى فقال : {منها} أي وسنجزيه لشكره ، وهو معنى قوله : {وسنجزي الشاكرين} لكنه أظهر لتعليق الحكم بالوصف وعمم. أ هـ {نظم الدرر حـ 2 صـ 162 ـ 163}\rفصل\rقال الفخر :\rفي كيفية تعلق هذه الآية بما قبله وجوه :\rالأول : أن المنافقين أرجفوا أن محمد صلى الله عليه وسلم قد قتل ، فالله تعالى يقول : إنه لا تموت نفس إلا بإذن الله وقضائه وقدره ، فكان قتله مثل موته في أنه لا يحصل إلا في الوقت المقدر المعين ، فكما أنه لو مات في داره لم يدل ذلك على فساد دينه ، فكذا إذا قتل وجب أن لا يؤثر ذلك في فساد دينه ، والمقصود منه إبطال قول المنافقين لضعفة المسلمين أنه لما قتل محمد فارجعوا إلى ما كنتم عليه من الأديان.\rالثاني : أن يكون المراد تحريض المسلمين على الجهاد بإعلامهم أن الحذر لا يدفع القدر ، وأن أحداً لا يموت قبل الأجل وإذا جاء الأجل لا يندفع الموت بشيء ، فلا فائدة في الجبن والخوف.","part":17,"page":141},{"id":7172,"text":"والثالث : أن يكون المراد حفظ الله للرسول صلى الله عليه وسلم وتخليصه من تلك المعركة المخوفة ، فإن تلك الواقعة ما بقي سبب من أسباب الهلاك إلا وقد حصل فيها ، ولكن لما كان الله تعالى حافظاً وناصراً ما ضره شيء من ذلك وفيه تنبيه على أن أصحابه قصروا في الذب عنه.\rوالرابع : وما كان لنفس أن تموت إلا بإذن الله ، فليس في إرجاف من أرجف بموت النبي صلى الله عليه وسلم ما يحقق ذلك فيه أو يعين في تقوية الكفر ، بل يبقيه الله إلى أن يظهر على الدين كله.\rالخامس : أن المقصود منه الجواب عما قاله المنافقون ، فإن الصحابة لما رجعوا وقد قتل منهم من قتل قالوا : لو كانوا عندنا ما ماتوا وما قتلوا ، فاخبر الله تعالى أن الموت والقتل كلاهما لا يكونان إلا بإذن الله وحضور الأجل والله أعلم بالصواب. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 9 صـ 19 ـ 20}\rفصل\rقال الفخر :\rاختلفوا في تفسير الإذن على أقوال :\rالأول : أن يكون الإذن هو الأمر وهو قول أبي مسلم ، والمعنى أن الله تعالى يأمر ملك الموت بقبض الأرواح فلا يموت أحد إلا بهذا الأمر.\rالثاني : أن المراد من هذا الإذن ما هو المراد بقوله : {إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَىْء إِذَا أَرَدْنَاهُ أَن نَّقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ} [ النحل : 40 ] والمراد من هذا الأمر إنما هو التكوين والتخليق والإيجاد ، لأنه لا يقدر على الموت والحياة أحد إلا الله تعالى ، فإذن المراد : أن نفساً لن تموت إلا بما أماتها الله تعالى.","part":17,"page":142},{"id":7173,"text":"الثالث : أن يكون الإذن هو التخلية والإطلاق وترك المنع بالقهر والإجبار ، وبه فسر قوله تعالى : {وَمَا هُم بِضَارّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلاَّ بِإِذْنِ الله} [ البقرة : 102 ] أي بتخليته فإنه تعالى قادر على المنع من ذلك بالقهر ، فيكون المعنى : ما كان لنفس أن تموت إلا بإذن الله بتخلي الله بين القاتل والمقتول ، ولكنه تعالى يحفظ نبيه ويجعل من بين يديه ومن خلفه رصداً ليتم على يديه بلاغ ما أرسله به ، ولا يخلي بين أحد وبين قتله حتى ينتهي إلى الاجل الذي كتبه الله له ، فلا تنكسروا بعد ذلك في غزواتكم بأن يرجف مرجف أن محمداً قد قتل.\rالرابع : أن يكون الإذن بمعنى العلم ومعناه أن نفسا لن تموت إلا في الوقت الذي علم الله موتها فيه ، وإذا جاء ذلك الوقت لزم الموت ، كما قال {فَإِذَا جَاء أَجَلُهُمْ لاَ يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلاَ يَسْتَقْدِمُونَ} [ النحل : 61 ] الخامس : قال ابن عباس : الإذن هو قضاء الله وقدره ، فإنه لا يحدث شيء إلا بمشيئته وارادته فيجعل ذلك على سبيل التمثيل ، كأنه فعل لا ينبغي لأحد أن يقدم عليه إلا بإذن الله. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 9 صـ20}\rفائدة\rقال الفخر :\rقال الأخفش والزجاج : اللام في {وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ} معناها النفي ، والتقدير وما كانت نفس لتموت إلا بإذن الله. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 9 صـ 20}\rفصل\rقال ابن عاشور :\r{ ومَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلاَّ بِإِذْنِ الله كتابا مُّؤَجَّلاً }.\rجملة معترضة ، والواو اعتراضية.\rفإن كانت من تتمة الإنكار على هلعهم عند ظنّ موت الرسول ، فالمقصود عموم الأنفس لا خصوص نفس الرسول عليه السلام ، وتكون الآية لوماً للمسلمين على ذهولهم عن حفظ الله رسولَه من أن يسلّط عليه أعداؤُه ، ومن أن يخترم عمره قبل تبليغ الرسالة.","part":17,"page":143},{"id":7174,"text":"وفي قوله : { والله يعصمك عن الناس } [ المائدة : 67 ] عقب قوله : { بلغ ما أنزل إليك من ربك } [ المائدة : 67 ] الدالّ على أنّ عصمته من النَّاس لأجل تبليغ الشَّريعة.\rفقد ضمن الله له الحياة حتَّى يبلّغ شرعه ، ويتمّ مراده ، فكيف يظنّون قتله بيد أعدائه ، على أنَّه قبل الإعلان بإتمام شرعه ، ألا ترى أنَّه لمّا أنزل قوله تعالى : { اليوم أكملت لكم دينكم } [ المائدة : 3 ] الآية.\rبكى أبو بكر وعلم أنّ أجل النَّبيء صلى الله عليه وسلم قد قرب ، وقال : ما كمُل شيء إلاّ نقص.\rفالجملة ، على هذا ، في موضع الحال ، والواو واو الحال.\rوإن كان هذا إنكاراً مستأنفاً على الَّذين فزعوا عند الهزيمة وخافوا الموت ، فالعموم في النفس مقصود أي ما كان ينبغي لكم الخوف وقد علمتم أنّ لكلّ نفس أجلاً.\rوجيء في هذا الحكم بصيغة الجحود للمبالغة في انتفاء أن يكون موت قبل الأجل ، فالجملة ، على هذا ، معترضة ، والواو اعتراضية ، ومثل هذه الحقائق تلقى في المقامات الَّتي يقصد فيها مداواة النُّفوس من عاهات ذميمة ، وإلاّ فإنّ انتهاء الأجل منوط بعلم الله لا يعلم أحد وقته ، { وما تدري نفس بأي أرض تموت } [ لقمان : 34 ] ، والمؤمن مأمور بحفظ حياته ، إلاّ في سبيل الله ، فتعيّن عليه في وقت الجهاد أن يرجع إلى الحقيقة وهي أنّ الموت بالأجل ، والمراد { بإذن الله } تقديره وقت الموت ، ووضعه العلامات الدالة على بلوغ ذلك الوقت المقدّر ، وهو ما عبّر عنه مرّة ب ( كن ) ، ومرة بقدر مقدُور ، ومرّة بالقلم ، ومرّة بالكتاب.","part":17,"page":144},{"id":7175,"text":"والكتاب في قوله : { كتاباً مؤجلاً } يجوز أن يكون اسماً بمعنى الشيء المكتوب ، فيكون حالاً من الإذن ، أو من الموت ، كقوله : { لكل أجل كتاب } [ الرعد : 38 ] و\"مؤجّلاً\" حالاً ثانية ، ويجوز أن يكون { كتاباً } مصدر كاتب المستعمل في كتب للمبالغة. أ هـ {التحرير والتنوير حـ 3 صـ 240 ـ 241}\rفائدة\rقال الفخر :\rدلت الآية على أن المقتول ميت بأجله ، وأن تغيير الآجال ممتنع. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 9 صـ 20}\rقوله تعالى : {كتابا مُّؤَجَّلاً}\rفائدة\rقال الفخر :\rقوله : {كتابا مُّؤَجَّلاً} منصوب بفعل دل عليه ما قبله فإن قوله : {وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلاَّ بِإِذْنِ الله} قام مقام أن يقال : كتب الله ، فالتقدير كتب الله كتابا مؤجلا ونظيره قوله : {كتاب الله عَلَيْكُمْ} [ النساء : 24 ] لأن في قوله {حُرّمَتْ عَلَيْكُمْ أمهاتكم} [ النساء : 23 ] دلالة على أنه كتب هذا التحريم عليكم ومثله : {صنع الله} [ النمل : 88 ] و{وعد الله} [ الزمر : 20 ] و{فطرة الله} [ الروم : 30 ] ، و{صبغة الله} [ البقرة : 138 ]. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 9 صـ 20 ـ 21}\rفصل\rقال الفخر :\rالمراد بالكتاب المؤجل الكتاب المشتمل على الآجال ، ويقال : إنه هو اللوح المحفوظ ، كما ورد في الأحاديث أنه تعالى قال للقلم \" اكتب فكتب ما هو كائن إلى يوم القيامة \". أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 9 صـ 21}\rفصل\rقال الفخر :\rاعلم أن جميع الحوادث لا بد أن تكون معلومة لله تعالى ، وجميع حوادث هذا العالم من الخلق والرزق والأجل والسعادة والشقاوة لا بد وأن تكون مكتوبة في اللوح المحفوظ ، فلو وقعت بخلاف علم الله لانقلب علمه جهلا ، ولانقلب ذلك الكتاب كذبا ، وكل ذلك محال ، وإذا كان الأمر كذلك ثبت أن الكل بقضاء الله وقدره.","part":17,"page":145},{"id":7176,"text":"وقد ذكر بعض العلماء هذا المعنى في تفسير هذه الآية وأكده بحديث الصادق المصدوق ، وبالحديث المشهور من قوله عليه السلام \" فحج آدم موسى \" قال القاضي : أما الأجل والرزق فهما مضافان إلى الله ، وأما الكفر والفسق والإيمان والطاعة فكل ذلك مضاف إلى العبد ، فإذا كتب تعالى ذلك فإنما يكتب بعلمه من اختيار العبد ، وذلك لا يخرج العبد من أن يكون هو المذموم أو الممدوح.\rواعلم أنه ما كان من حق القاضي أن يتغافل عن موضع الإشكال ، وذلك لأنا نقول : إذا علم الله من العبد الكفر وكتب في اللوح المحفوظ منه الكفر ، فلو أتى بالإيمان لكان ذلك جمعا بين المتناقضين ، لأن العلم بالكفر والخبر الصدق عن الكفر مع عدم الكفر جمع بين النقيضين وهو محال ، وإذا كان موضع الإلزام هو هذا فأنى ينفعه الفرار من ذلك إلى الكلمات الأجنبية عن هذا الإلزام. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 9 صـ 21}\rفائدة\rقال الجصاص :\rقَوْله تَعَالَى : { وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ كِتَابًا مُؤَجَّلًا } فِيهِ حَضٌّ عَلَى الْجِهَادِ مِنْ حَيْثُ لَا يَمُوتُ أَحَدٌ فِيهِ إلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ تَعَالَى ، وَفِيهِ التَّسْلِيَةُ عَمَّا يَلْحَقُ النَّفْسَ بِمَوْتِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ؛ لِأَنَّهُ بِإِذْنِ اللَّهِ تَعَالَى ؛ لِأَنَّهُ قَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُ مَوْتِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي قَوْلِهِ : { وَمَا مُحَمَّدٌ إلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ} الْآيَةَ. أ هـ {أحكام القرآن للجصاص حـ 2 صـ 325}\rقوله تعالى : {وَمَن يُرِدْ ثَوَابَ الدنيا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَن يُرِدْ ثَوَابَ الآخرة نُؤْتِهِ مِنْهَا وَسَنَجْزِى الشاكرين }\rفصل\rقال الفخر :\rاعلم أن الذين حضروا يوم أحد كانوا فريقين ، منهم من يريد الدنيا ، ومنهم من يريد الآخرة كما ذكره الله تعالى فيما بعد من هذه السورة ، فالذين حضروا القتال للدنيا ، هم الذين حضروا لطلب الغنائم والذكر والثناء ، وهؤلاء لا بد وأن ينهزموا ، والذين حضروا للدين ، فلا بد وأن لا ينهزموا ثم أخبر الله تعالى في هذه الآية أن من طلب الدنيا لا بد وأن يصل إلى بعض مقصوده ومن طلب الآخرة فكذلك ، وتقريره قوله عليه السلام : \" إنما الأعمال بالنيات \" إلى آخر الحديث.","part":17,"page":146},{"id":7177,"text":"واعلم أن هذه الآية وإن وردت في الجهاد خاصة ، لكنها عامة في جميع الأعمال ، وذلك لأن المؤثر في جلب الثواب ، والعقاب المقصود والدواعي لا ظواهر الأعمال ، فإن من وضع الجبهة على الأرض في صلاة الظهر والشمس قدامه ، فإن قصد بذلك السجود عبادة الله تعالى كان ذلك من أعظم دعائم الإسلام ، وإن قصد به عبادة الشمس كان ذلك من أعظم دعائم الكفر.\rوروى أبو هريرة عنه عليه السلام أن الله تعالى يقول يوم القيامة لمقاتل في سبيل الله \" في ماذا قتلت فيقول أمرت بالجهاد في سبيلك فقاتلت حتى قتلت فيقول تعالى : كذبت بل أردت أن يقال فلان محارب وقد قيل ذلك \" ثم إن الله تعالى يأمر به إلى النار. (1) أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 9 صـ 21}\rوقال السمرقندى :\r{ وَمَن يُرِدْ ثَوَابَ الدنيا نُؤْتِهِ مِنْهَا } قال الكلبي : يعني يرد ثواب الدنيا بالعمل الذي افترض الله عليه { نُؤْتِهِ مِنْهَا } يعني أعطاه الله ما يحب ، وما له في الآخرة من نصيب { وَمَن يُرِدْ ثَوَابَ الآخرة نُؤْتِهِ مِنْهَا وَسَنَجْزِى الشاكرين } في الآخرة.\rومن الناس من قال : إن الرياء يدخل في النوافل ، ولا يدخل في الفرائض ، لأن الفرائض واجبة على جميع الناس.\rوقال بعضهم : يدخل في الفرائض ولا يدخل في النوافل ، لأنه لو لم يأتِ بها لا يؤاخذ بها ، فإذا أتى بهذا القدر ليس عليه غير ذلك.\rوقال بعضهم : كلاهما سواء ، فالرياء يدخل في الفرائض والنوافل جميعاً.\rوهذا القول أصح لقوله تعالى : { إِنَّ المنافقين يخادعون الله وَهُوَ خَادِعُهُمْ وَإِذَا قاموا إِلَى الصلاة قَامُواْ كسالى يُرَآءُونَ الناس وَلاَ يَذْكُرُونَ الله إِلاَّ قَلِيلاً } [ النساء : 142 ]. أ هـ {بحر العلوم حـ 1 صـ 279}\r____________\r(1) نص الحديث ( إن أول الناس يقضى يوم القيامة عليه رجل استشهد فأتى به فعرفه نعمه فعرفها قال فما عملت فيها ؟ قال قاتلت فيك حتى استشهدت قال كذبت ولكنك قاتلت لأن يقال جريء فقد قيل ثم أمر به فسحب على وجهه حتى ألقي في النار ورجل تعلم العلم وعلمه وقرأ القرآن فأتي به فعرفه نعمه فعرفها قال فما عملت فيها ؟ قال تعلمت العلم وعلمته وقرأت فيك القرآن قال كذبت ولكنك تعلمت العلم ليقال عالم وقرأت القرآن ليقال هو قارئ فقد قيل ثم أمر به فسحب على وجهه حتى ألقي في النار ورجل وسع الله عليه وأعطاه من أصناف المال كله فأتى به فعرفه نعمه فعرفها قال فما عملت فيها ؟ قال ما تركت من سبيل تحب أن ينفق فيها إلا أنفقت فيها لك قال كذبت ولكنك فعلت ليقال هو جواد فقد قيل ثم أمر به فسحب على وجهه ثم ألقي في النار. {صحيح مسلم برقم 1905 - باب من قاتل للرياء والسمعة استحق النار}","part":17,"page":147},{"id":7178,"text":"وقال الماوردى :\r{ وَمَن يُرِدْ ثَوَابَ الْدُّنيا نُؤْتِهِ مِنهَا } فيه ثلاثة أقاويل :\rأحدها : من أراد بجهاده ثواب الدنيا أي ما يصيبه من الغنيمة ، وهذا قول بعض البصريين.\rوالثاني : من عمل للدنيا لم نحرمه ما قسمنا له فيها من غير حظ في الآخرة ، وهذا قول ابن إسحاق.\rوالثالث : من أراد ثواب الدنيا بالنهوض لها بعمل النوافل مع مواقعة الكبائر جوزي عليها في الدنيا دون الآخرة. أ هـ {النكت والعيون حـ 1 صـ 427 ـ 428}\rوقال الطبرى :\rيعني بذلك جل ثناؤه : من يرد منكم ، أيها المؤمنون ، بعمله جزاءً منه بعضَ أعراض الدنيا ، دون ما عند الله من الكرامة لمن ابتغى بعمله ما عنده \"نؤته منها\" ، يقول : نعطه منها ، يعني من الدنيا ، يعني أنه يعطيه منها ما قُسم له فيها من رزق أيام حياته ، ثم لا نصيب له في كرامة الله التي أعدها لمن أطاعه وطلب ما عنده في الآخرة \"ومن يرد ثوابَ الآخرة\" ، يقول : ومن يرد منكم بعمله جزاءً منه ثواب الآخرة ، يعني : ما عند الله من كرامته التي أعدها للعاملين له في الآخرة \"نؤته منها\" ، يقول : نعطه منها ، يعني من الآخرة. والمعنى : من كرامة ألله التي خصَّ بها أهلَ طاعته في الآخرة. فخرج الكلامُ على الدنيا والآخرة ، والمعنىُّ ما فيهما. أ هـ {تفسير الطبرى حـ 7 صـ 262}\rقوله تعالى { وسنجزي الشاكرين }\rقال ابن عاشور :\r{ وسنجزي الشاكرين } تذييل يعمّ الشاكرين ممّن يريد ثواب الدنيا ومن يريد ثواب الآخرة.\rويعمّ الجزاء كلّ بحسبه ، أي يجزي الشاكرين جزاء الدنيا والآخرة أو جزاء الدنيا فقط. أ هـ {التحرير والتنوير حـ 3 صـ 241}","part":17,"page":148},{"id":7179,"text":"فوائد لغوية\rقال ابن عادل :\rقوله تعالى { أَنْ تَمُوتَ } في محل رفع ؛ اسماً لـ \" كان \" ، و\" لِنَفْسٍ \" خبر مقدَّم فيتعلق بمحذوف ، و{ إِلاَّ بِإِذْنِ الله } حال من الضمير في \" تَمُوتَ \" ، فيتعلق بمحذوف ، وهو استثناء مفرَّغ ، والتقدير : وما كان لها أن تموتَ إلا مأذوناً لها ، والباء للمصاحبة.\rوقال أبُو البَقَاءِ : { إِلاَّ بِإِذْنِ الله } الخبر ، واللام للتبيين ، متعلِّقة بـ \" كان \".\rوقيل : هي متعلقة بمحذوف ، تقديره : الموت لنفس ، و\" أنْ تَمُوتَ \" تبيين للمحذوف ، ولا يجوز أن تتعلق اللام بـ \" تَمُوتَ \" لما فيه من تقديم الصلة على الموصول.\rوقال بعضهم : إن \" كَانَ \" زائدة ، فيكون \" أن تموت \" مبتدأ ، و\" لنفس \" خبره.\rوقال الزجاج : اللام منقولة ، تقديره وما كانت نفس لتموتَ ثم قدمت اللام ، فجعل ما كان اسماً لـ \" كان \" - وهو ( أن تَموتَ ) - خبراً لها ، وما كان خبراً - وهو \" لِنَفْسٍ \" - اسماً لها ، فهذه خمسة أقوال ، أظهرها : الأول.\rأما قول أبي البقاء : واللام للتبيين ، فتتعلق بمحذوف ، ففيه نظر من وجهين :\rأحدهما : أنَّ \" كان \" الناقصة لا تعمل في غير اسمها وخبرها ، ولئن سُلِّم ذلك ، فاللام التي للتبيين إنما تتعلق بمحذوف ، وقد نَصُّوا على ذلك في نحو : سَقْياً لك.\rوقيل : إن فيه حذف المصدر وإبقاء معموله ، وهو لا يجوز.\rأما مَنْ جعل \" لِنَفْسٍ \" متعلقة بمحذوف - تقديره : الموت لنفس ، ففاسدٌ ، لأنه ادَّعَى حذف شيء لا يجوز ؛ لأنه إن جعل \" كَانَ \" تامة ، أو ناقصة ، امتنع حذفُ مرفوعها ، لأن الفاعل لا يُحْذَف. وكذلك قول مَنْ جعل \" كان \" زائدة.\rأما على قول الزجاج فإنه تفسير معنًى ، لا تفسير إعراب.\rقوله : { كِتَاباً مُّؤَجَّلاً } في نصبه ثلاثة أوجه :","part":17,"page":149},{"id":7180,"text":"أظهرها : أنه مصدر مؤكِّد لمضمون الجملة التي قبله ، فعامله مُضْمَر ، تقديره : كتب الله ذلك كتاباً ، نحو قوله تعالى : { صُنْعَ الله } [ النمل : 88 ] وقوله : { وَعَدَ الله } [ الروم : 6 ] ، وقوله : { كِتَابَ الله عَلَيْكُمْ } [ النساء : 24 ].\rالثاني : أنه منصوب على التمييز ، ذكره ابنُ عطية ، وهذا غير مستقيم ؛ لأن التمييز منقول وغير منقول ، وأقسامه محصورة ، وليس هذا شيئاً منها ، وأيضاً فأين الذات المُبْهَمة التي تحتاج إلى تفسير ؟\rوالثالث : أنه منصوب على الإغراء ، والتقدير : الزموا كتاباً مؤجَّلاً ، وآمنوا بالقدر ، وليس المعنى على ذلك.\rوقرأ ورش : \" مُوجَّلاً \" بالواو بدل الهمزة ، وهو قياس تخفيفها.\rقوله : { وَمَن يُرِدْ ثَوَابَ الدنيا } مبتدأ ، وهي شرطية. وفي خبر هذا المبتدأ الخلاف المشهور. وأدغم أبو عمرو وحمزة والكسائي وابن عامر بخلاف عنه - دال \" يُرِد \" في الثاء.\rوالباقون بالإظهار.\rوقرأ أبو عمرو بالإسكان في هاء \" نُؤتِهِ \" في الموضعين وَصْلاً ووقفاً.\rوهشام - بخلاف عنه - بالاختلاس وصلاً.\rوالباقون بالإشباع وَصْلاً.\rفأما السكون فقالوا : إن الهاء لما حلت محلّ ذلك المحذوف أعطيت ما كان يستحقه من السكون ، وأما الاختلاس ، فلاستصحاب ما كانت عليه الهاء قبل حَذْف لام الكلمة ؛ فإن الأصل : نؤتيه ، فحُذِفَت الياء للجزم ، ولم يُعْتَدّ بهذا العارض ، فبقيت الهاء على ما كانت عليه.\rوأما الإشباع فنظراً إلى اللفظ ؛ لأن الهاء بعد متحرِّكٍ في اللفظ ، وإن كانت في الأصل بعد ساكن - وهو الياء التي حُذِفَت للجزم - والأوْلى أنْ يقال : إنَّ الاختلاس والإسكان بعد المتحرك لغة ثابتة عن بني عقيل وبني كلاب.","part":17,"page":150},{"id":7181,"text":"حكى الكسائي : لَهْ مالٌ ، وبِهْ داء - بسكون الهاء ، واختلاس حركتها - وبهذا يَتَبَيَّن أن مَنْ قال : إسكان الهاء واختلاسها - في هذا النحو - لا يجوز إلا ضرورةً ، ليس بشيءٍ ، أمَّا غير بني عقيل ، وبني كلاب ، فنعم لا يوجد ذلك عندهم ، إلا في ضرورة.\rكقوله : [ الوافر ]\rلَهُ زَجَلٌ كَأنَّهُ صَوْتُ حَادٍ إذَا طَلَبَ الوَسِيقَةَ أوْ زَمِيرُ\rباختلاس هاء ( كأنه ).\rومثله قول الآخر : [ البسيط ]\rوَأشْرَبُ الْمَاءَ مَا بِي نَحْوَهُ عَطَشٌ... إلاَّ لأنَّ عُيُونَهْ سَيل وَادِيهَا\rبسكونها. وجعل ابن عصفور الضرورة في \" البيت الثاني \" أحسن منها في \" البيت الأول \" ، قال : لأنه إذهاب للحركة وصِلَتِها ، فهي جَرْي على الضرورة [ إجراءً ] كاملاً ، وإنما ذكرنا هذه التعليلات لكثرة ورود هذه المسالة ، نحو : { يَرْضَهُ لَكُمْ } [ الزمر : 7 ] ، ونحو : { فَبِهُدَاهُمُ اقتده } [ الأنعام : 90 ].\rوقُرِئ : يُؤتِه - بياء الغيبة - والضمير لله تعالى ، وكذلك : \" وسنجزي الشاكرين \" بالنون والياء. أ هـ {تفسير ابن عادل حـ 5 صـ 574 ـ 579}. بتصرف.\rمن لطائف الإمام القشيرى فى الآية\rقال رحمه الله :\r{وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ كِتَابًا مُؤَجَّلًا وَمَنْ يُرِدْ ثَوَابَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَنْ يُرِدْ ثَوَابَ الْآَخِرَةِ نُؤْتِهِ مِنْهَا وَسَنَجْزِي الشَّاكِرِينَ (145)}\rالأنفاس محصورة ؛ لا زيادة فيها ، ولا نقصان منها.\r{ وَمَن يُرِدْ ثَوَابَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا } : للصالحين العاقبة وللآخرين الغفلة.\r{ وَمَن يُرِدْ ثَوَابَ الآخِرَةِ نُؤْتِهِ مِنْهَا } : وثواب الآخرة أوله الغفران ثم الجِنان ثم الرضوان.\r{ وَسَيَجْزِى اللهُ الشَّاكِرِينَ } : وجزاء الشكرِ الشكرُ. أ هـ {لطائف الإشارات حـ 1 صـ 282 ـ 283}","part":17,"page":151},{"id":7182,"text":"فصل نفيس\rقال صاحب حقائق التأويل :\rقوله تعالى : (ومن يرد ثواب الدنيا نؤته منها)\rالآية مخصوصة ومعناها التبعيض - رجوع هاء التأنيث إلى الثواب - لا تنافي بين ثوابي الدنيا والآخرة - نكتة قرآنية - تعلق بعضهم بآية (كلوا واشربوا) ومن سأل عن معنى قوله تعالى : (ومن يرد ثواب الدنيا نؤته منها ومن يرد ثواب الآخرة نؤته منها وسنجزي الشاكرين - 145) ، فقال : كيف أطلق تعالى هذا القول على العموم ، ونحن نرى كثيرا ممن يريد ثواب الدنيا ويتمناه ويقرع الأبواب توصلا إليه وحرصا عليه ، فلا ينال منه نصيبا ولا يبلغ منه مأمولا !\rفالجواب : أن في ذلك أقوالا :\r1 - أحدها ، أن يكون المعنى أن من أراد ثواب الدنيا منفردا عن ثواب الآخرة آتيناه ما أراده أو بعضه ، وحرمناه ثواب الآخرة الذي هو الدائم الباقي ، والخالص الصافي ، والمراد بثواب الدنيا ههنا منافع الدنيا ولذاتها ، وإنما سميت ثوابا على طريق المجاز وتشبيها بالثواب ، لما كانت في حكم المستحق عند أمور جعلت أسبابا لذلك.","part":17,"page":152},{"id":7183,"text":"وتلخيص ما ذكرناه : أن من أقبل على الدنيا بوجهه ونأى عن الآخرة بعطفه وكدح للدنيا جاهدا ولم يعمل للآخرة صالحا ، جاز أن تقول فيه : إنه يريد عاجل الدنيا ومنافعها دون نعيم الآخرة ومنازلها ، لا أنه أراد الدنيا على قصد ، ولم يرد ثواب الآخرة على عمد ، بل لو جمع له الأمران لكان أحب إليه وأجل موقعا عنده ، ولكنه لما تشاغل بعمل الدنيا دون عمل الآخرة ساغ أن نصفه - على طريق الاتساع - بأنه يريد عاجل الدنيا دون آجل الآخرة ، وهذا كقوله تعالى : (من كان يريد العاجلة عجلنا له فيها ما نشاء لمن نريد ثم جعلنا له جهنم يصلاها مذموما مدحورا. ومن أراد الآخرة وسعى لها سعيها وهو مؤمن فأولئك كان سعيهم مشكورا) [ 1 ] ، وكقوله تعالى : (من كان يريد ثواب الدنيا فعند الله ثواب الدنيا والآخرة...) [ 2 ] ، فظاهر ذلك يدل على أن من أراد ثواب الدنيا أي منافعها فقط ، بعمل يعمله وجهاد يمارسه ، لا نصيب له في الآخرة ، وإنما يفوز بثواب الآخرة من جعل عمله خالصا طلبا للزلفة لديه والقربة إليه.","part":17,"page":153},{"id":7184,"text":"2 - وقال أبو علي : معنى ذلك : من أراد بجهاده الغنيمة نؤته منها ، ومن أراد ثواب الآخرة وهو النعيم الدائم نؤته منه ، وجعل سبحانه ذلك ترغيبا في طلب ثواب الآخرة وتزهيدا في طلب نعيم الدنيا. قال : وذلك لطف في المحافظة على الجهاد ، لأن من قصد بجهاده طلب نعيم الآخرة لم يزل مقدما على الأعداء ، صابرا على اللواء ، ومن كان مراده الغنيمة العاجلة ضعف صبره ، ولم يؤمن فشله ، وكان ثباته قليلا ، فشله مدخولا. 3 - وقال أبو القاسم البلخي : يجوز أن يكون ذلك خالصا في المنافقين يوم أحد ، فخبر سبحانه أنه ينيلهم بعض ما يريدونه من عرض الدنيا ، امتحانا لهم لا رضا عنهم ، ومما يقوي أن ذلك مخصوص أنا نرى كثيرا من الكفار يريدون عرض الدنيا ، ولا ينالونه ، ويريدون منها الكثير فينالون القليل ، فدل ذلك على كونه مخصوصا.\rويحتمل أيضا - لما قال سبحانه : (نؤته منها) ، ولم يقل نؤته إياها - أن يكون المراد بذلك إيتاء القليل والبعض ، لا إيتاء الكثير والكل ، لأن (من) للتبعيض ههنا ، وقل أحد إلا وقد أوتي من منافع الدنيا شيئا : كثر أو قل ، ودق أو جل. وليس لقائل أن يقول : (فقد قال سبحانه : (ومن يرد ثواب الآخرة نؤته منها) ، وهذا أيضا يلزمكم أن يكون المؤتى قليلا) ، لأن (من) إذا كانت ههنا للتبعيض ، فهي دالة على الإعطاء من الجنس المذكور ، ويحتمل ذلك الكثرة والقلة ، فيتميز ذلك باستحقاق المعطى ، فإن كان عمله جزيلا كان ثوابه جزيلا ، وإن كان قليلا كان قليلا ، وعلى أنه لابد من ذكر (من) ههنا للدلالة على التبعيض ، لأنه سبحانه على الحقيقة يعطي كل عامل على قدر عمله من ثواب الآخرة ، ولو لم يقل (نؤته منها) وقال : نؤته إياها ، لأوهم أنه يؤتي من يريد","part":17,"page":154},{"id":7185,"text":"ثواب الآخرة (جميع ثوابها) [ 1 ] ، وهذا غير صحيح. والهاء في قوله تعالى : (نؤته منها) في الموضعين راجعة إلى الدنيا والآخرة ، وهي في المعنى راجعة إلى الثواب ، لأنه معروف في كلام العرب أن يقول القائل : اللهم ارزقني الآخرة ، وهو يريد ثواب الآخرة ، فلما كان ذلك كذلك كان رجوع الهاء على الآخرة كرجوعها على ثواب الآخرة ، ألا ترى أنهم قد يؤنثون فعل الاسم المذكر متقدما عليه لأنه مضاف إلى المؤنث ، وقد جاء ذلك في أشعارهم كثيرا ، فلئن يؤنثوا الضمير الراجع إلى المؤنث الذي أضيف إليه المذكر متأخرا عنه ، أحرى ، فمما أنثوا فيه فعل المذكر المضاف إلى المؤنث متأخرا عنه قول الشاعر : مر الليالي أسرعت في نقضي [ 2 ] وإنما ساغ له ذلك لأن مر الليالي في الحقيقة من جملة الليالي ، وهي مؤنثة ، فأنث الفعل حملا على المعنى ، ومما أنثوا فيه فعل المذكر المضاف إلى المؤنث متأخرا عنه (وهو أكثر من الباب الأول) قول ذي الرمة [ 3 ] : وتشرق بالقول الذي قد أذعته * كما شرقت صدر القناة من الدم وقول جرير : لما أتى خبر الزبير تواضعت * سور المدينة والجبال الخشع\r4 - وقال بعضهم : معنى ذلك أن من طلب بعمله الدنيا أعطي منها ، وكل نعمة على العبد فهي تفضل من الله سبحانه ، وعطاء منه ، ومن كان قصده بعمله الآخر آتاه الله منها مستحقه ، وليس في هذا دليل على أنه يحرمه خير الدنيا مع أعطائه من نعيم الآخرة ، لأنه سبحانه لم يقل : ومن يرد ثواب الآخرة لم نؤته إلا منها.\r5 - وقال بعضهم : معنى ذلك ومن يرد ثواب الدنيا متعرضا له بعمل النوافل مع مواقعة الكبائر يجز بها في الدنيا من غير حظ في الآخرة ، لإحباط عمله بفسقه.","part":17,"page":155},{"id":7186,"text":"6 - وقال بعضهم : معنى ذلك أن من كان يقصد طلب الدنيا فقد أعطاه الله من الدنيا ما إن طلب به ثواب الآخرة آتاه ذلك ، وإن لم يطلب ثواب الآخرة فقد أعطاه تعالى من الدنيا ما امتحنه به وابتلاه فيه ، وكل مكلف فقد أعطي من الدنيا حظا ، إن صرفه إلى معاده نال ما عند الله به ، وإن لم يفعل ذلك فقد نال ما طلب من الدنيا ، وكان وبالا عليه. وقال قاضي القضاة أبو الحسن : الأقرب في ذلك أن يكون معناه : أن من أراد بجهاده طريقة الدنيا نؤته من الدنيا ما هو صلاح له ، لا أن المراد بذلك أن نفس ما يطلبه المرء بعينه يفعله الله تعالى به ، لأن ذلك لا يكاد يتم : لا في الجهاد ولا في غيره ، إذ كان قدر ما يطلبه العبد من غنيمة أو غيرها لا يكاد يجده ، حتى يصير مطلوبه وفقا لمراده غير فاضل عنه ولا قاصر دونه ، وهذه طريقة أبناء الدنيا فيما يريدونه منها.\rوقوله تعالى : (ومن يرد ثواب الآخرة نؤته منها) أي : من نعيم الآخرة والثواب المعد لأهلها ، وهذا أيضا لا يدل على أن كل مطلوبه يناله لأنه لو طلب أزيد من مستحقه لم يكن لينال ذلك إلا قدرا ما من التفضل.\rفإن قال قائل : فهل يتنافى حصول ثواب الدنيا مع ثواب الآخرة ؟ قيل له : إن ذلك لا يتنافى ، لأن من يريد الآخرة بجهاده قد تحصل له الغنيمة في الدنيا ، فيكون الله سبحانه جامعا له بين الأمرين ، ويدل على ذلك قوله تعالى من بعد : (فآتاهم الله ثواب الدنيا وحسن ثواب الآخرة والله يحب المحسنين) ، ","part":17,"page":156},{"id":7187,"text":"فأما قوله تعالى : (من كان يريد حرث الآخرة نزد له في حرثه ومن كان يريد حرث الدنيا نؤته منها وما له في الآخرة من نصيب) [ 1 ] ، فلا يعترض به على صحة اجتماع ثواب الآخرة ومنافع الدنيا لبعض العباد ، لأن معنى هذه الآية أن من كان يريد حرث الدنيا غير عامل للآخرة نؤته من الدنيا شيئا ونحرمه ثواب الآخرة ، وما ذكرناه في ذلك أولا يدل على أن من أراد الآخرة بجهاده يؤتيه الله سبحانه ثواب منها ، ويرزقه أيضا من فوائد الدنيا ومنافعها ما يكون فضلا على مراده ونيفا على استحقاقه. وقوله تعالى : (من كان يريد حرث الآخرة نزد له في حرثه)","part":17,"page":157},{"id":7188,"text":"نظير قوله سبحانه : (من ذا الذي يقرض الله قرضا حسنا فيضاعفه له...) [ 1 ] وقوله تعالى : (من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها...) [ 2 ] ، وإنما قال سبحانه ذلك ، ترغيبا في العمل للآخرة ، إذا كان يضاعف الاستحقاق عليه ويتكفل في الزيادة فيه ، تعظيما لقدر ثواب الآخرة ، ألا تراه تعالى كيف وصفه بالحسن ولم يصف ثواب الدنيا بذلك ! لأن حاليهما مختلفان ، فقال سبحانه : (فآتاهم الله ثواب الدنيا وحسن ثواب الآخرة) ، وهذا من غوامض القرآن فاستيقظ له !. ومما ينظر إلى هذا المعنى ويرمي إلى هذا المغزى قوله تعالى لأهل الجنة : (كلوا واشربوا هنيئا بما أسلفتم في الأيام الخالية) [ 3 ] ، فأمرهم بالأكل والشرب مطلقا ، من غير استثناء للإسراف فيه أو الوقوف على حد لا يجوز التجاوز له ، وقال لأهل الدنيا : (يا بني آدم خذوا زينتكم عند كل مسجد وكلوا واشربوا ولا تسرفوا... الآية) [ 4 ] ، فاستثنى سبحانه عليهم الإسراف في الأكل والشرب ، علما منه تعالى بأن ذلك مفسدة لهم ومقطعة عن عبادة ربهم ، إلى كثير من مضار الإسراف العائدة عليهم ، ولما كانت هذه الأمور منتفية عن أهل الجنة أطلقهم سبحانه في الأكل والشرب إطلاقا غير مقيد ، وأمرهم به أمرا غير متعقب ، وهذا أيضا من خبايا القرآن وخفايا هذا الكلام. أ هـ {حقائق التأويل فى متشابه التنزيل / للشريف الرضى حـ 1 صـ 258 ـ 265}","part":17,"page":158},{"id":7190,"text":"قوله تعالى : { وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَمَا وَهَنُوا لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَمَا ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكَانُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ (146)}\rمناسبة الآية لما قبلها\rقال البقاعى :\rولما ذكر سبحانه وتعالى هذه الجمل على هذا الوجه الذي بين فيه العلل ، وأوضح بحال الزلل ، وكان التقدير بعد انقضائها : فكأين من قوم أمرناهم بالجهاد ، فكانوا على هذين القسمين ، فأثبنا الطائع وعذبنا العاصي ، ولم يضرنا ذلك شيئاً ، ولا جرى شيء منه على غير مرادنا ، عطف عليه يؤسيهم بطريق الصالحين من قبلهم ويسيلهم بأحوالهم قوله : {وكأين} وهي بمعنى كم ، وفيها لغات كثيرة ، قرىء منها في العشر بثنتين : الجمهور بفتح الهمزة بعد الكاف وتشديد الياء المكسورة ، وابن كثير وأبو جعفر بألف ممدودة بعد الكاف وهمزة مكسورة ، ولعلها أبلغ - لأنه عوض عن الحرف المحذوف - من المشهورة بالمد ، والمد أوقع في النفس وأوقر في القلب ؛ وفيها كلام كثير - في لغاتها ومعناها وقراءاتها المتواترة والشاذة وصلاً ووقفاً ، ورسمها في مصحف الإمام عثمان بن عفان رضي الله عنه الذي وقع إجماع الصحابة عليه ليكون المرجع عند الاختلاف إليه ، وهل هي بسيطة أو مركبة ومشتقة أو جامدة وفي كيفية التصرف في لغاتها - استوعبته في كتابي الجامع المبين لما قيل في {كأين} ، وقال سبحانه : {من نبي} لتكون التسلية أعظم بذكر ما هو طبق ما وقع في هذه الغزوة من قتل أصحابه ، واحتمال العبارة لقتله نفسه بقوله : {قتل} أي ذلك النبي حال كونه {معه} لكن الأرجح إسناد {قتل} إلى {ربيون} لموافقته قراءة الجماعة - سوى الحرميين وأبي عمرو - : قاتل معه {ربيون} أي علماؤهم ورثة الأنبياء ، وعلى منهاجهم {كثير فما} أي فما تسبب عن قتل نبيهم وهنهم ، أو يكون المعنى ويؤيده الوصف بالكثرة - : قتل الربيون ، فما تسبب عن قتلهم أن الباقين بعدهم {وهنوا} أي ضعفوا عن عملهم {لما أصابهم في سبيل الله} أي الملك الأعظم من القتل لنبيهم الذي هو عمادهم ، أو لإخوانهم الذين هم أعضادهم لكونه من الله {وما","part":17,"page":159},{"id":7191,"text":"ضعفوا} أي مطلقاً في العمل ولا في غيره {وما استكانوا} أي وما خضعوا لأعدائهم فطلبوا أن يكونوا تحت أيديهم - تعريضاً بمن قال : اذهبَوا إلى أبي عامر الراهب ليأخذ لنا أماناً من أبي سفيان ، بل صبروا ، فأحبهم الله لصبرهم {والله} أي الذي له صفات الكمال {يحب الصابرين} أي فليفعلن بهم من النصر وإعلاء القدر وجميع أنواع الإكرام فعل من يحبه. أ هـ {نظم الدرر حـ 2 صـ 163}\rفصل\rقال الفخر :\rقرأ ابن كثير \"وكائن\" على وزن كاعن ممدوداً مهموزاً مخففا ، وقرأ الباقون \"كأين\" مشدوداً بوزن كعين وهي لغة قريش ، ومن اللغة الأولى قول جرير :\rوكائن بالأباطح من صديق.. يراني لو أصيب هو المصاب\rوأنشد المفضل :\rوكائن ترى في الحي من ذي قرابة... أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 9 صـ 22}\rفائدة\rقال ابن عاشور :\rوالتكثير المستفاد من { كأيّن } واقع على تمييزها وهو لفظ ( نبيء ) فيحتمل أن يكون تكثيراً بمعنى مطلق العدد ، فلا يتجاوز جمع القلّة ، ويحتمل أن يكون تكثيراً في معنى جمع الكثرة ، فمنهم من علمناه ومنهم من لم نعلمه ، كما قال تعالى : { ومنهم من لم نقصص عليك } ، ويحضرني أسماء ستة مِمَّن قتل من الأنبياء : أرمياء قتلته بنو إسرائيل ، وحزقيال قتلوه أيضاً لأنَّه وبّخهم على سوء أعمالهم ، وأشعياء قتله منسا بن حزقيال ملك إسرائيل لأنَّه وبّخه ووعظه على سوء فعله فنشره بمنشار ، وزكرياء ، ويحيى ، قتلتهما بنو إسرائيل لإيمانهما بالمسيح ، وقتل أهلُ الرسّ من العرب نبيئهم حنظلة بن صفوان في مدّة عدنان ، والحواريّون اعتقدوا أنّ المسيح قُتل ولم يهنوا في إقامة دينه بعده ، وليس مراداً هنا وإنَّما العبرة بثبات أتباعه على دينه مع مفارقته لهم إذ العبرة في خلوّ الرسول وبقاء أتباعه ، سواء كان بقتل أو غيره.","part":17,"page":160},{"id":7192,"text":"وليس في هؤلاء رسول إلاّ حنظلة بن صفوان ، وليس فيهم أيضاً من قُتِل في جِهادٍ ، قال سعيد بن جبير : ما سمعنا بنبيء قتل في القتال. أ هـ {التحرير والتنوير حـ 3 صـ 243}\rفصل\rقال الفخر :\rقرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو {قتل معه} والباقون {قاتل معه} فعلى القراءة الأولى يكون المعنى أن كثيرا من الأنبياء قتلوا والذين بقوا بعدهم ما وهنوا في دينهم ، بل استمروا على جهاد عدوهم ونصرة دينهم ، فكان ينبغي أن يكون حالكم يا أمة محمد هكذا.\rقال القفال رحمه الله : والوقف على هذا التأويل على قوله : ( قتل ) وقوله : ( معه ربيون ) حال بمعنى قتل حال ما كان معه ربيون ، أو يكون على معنى التقديم والتأخير ، أي وكأين من نبي معه ربيون كثير قتل فما وهن الربيون على كثرتهم ، وفيه وجه آخر ، وهو أن يكون المعنى وكأين من نبي قتل ممن كان معه وعلى دينه ربيون كثير فما ضعف الباقون ولا استكانو لقتل من قتل من إخوانهم ، بل مضوا على جهاد عدوهم ، فقد كان ينبغي أن يكون حالكم كذلك ، وحجة هذه القراءة أن المقصود من هذه الآية حكاية ما جرى لسائر الأنبياء لتقتدي هذه الأمة بهم ، وقد قال تعالى : {أفإن مات أو قتل انقلبتم على أعقابكم} [ آل عمران : 144 ] فيجب أن يكون المذكور قتل سائر الأنبياء لا قتالهم ، ومن قرأ {قاتل معه} فالمعنى : وكم من نبي قاتل معه العدد الكثير من أصحابه فأصابهم من عدوهم قرح فما وهنوا ، لأن الذي أصابهم إنما هو في سبيل الله وطاعته وإقامة دينه ونصرة رسوله ، فكذلك كان ينبغي أن تفعلوا مثل ذلك يا أمة محمد.\rوحجة هذه القراءة أن المراد من هذه الآية ترغيب الذين كانوا مع النبي صلى الله عليه وسلم في القتال ، فوجب أن يكون المذكور هو القتال.","part":17,"page":161},{"id":7193,"text":"وأيضاً روي عن سعيد بن جبير أنه قال : ما سمعنا بنبي قتل في القتال. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 9 صـ 22}\rقال الطبرى :\rوأولى القراءتين في ذلك عندنا بالصواب ، (1) قراءة من قرأ بضم\"القاف\" : ( \" قُتِلَ مَعَهُ رِبِّيُونَ كَثِيرٌ \" ) ، لأن الله عز وجل إنما عاتب بهذه الآية والآيات التي قبلها من قوله : ( أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ ) الذين انهزموا يوم أحُد ، وتركوا القتال ، أو سمعوا الصائح يصيح : \"إن محمدًا قد قتل\". فعذلهم الله عز وجل على فرارهم وتركهم القتال فقال : أفائن مات محمد أو قتل ، أيها المؤمنون ، ارتددتم عن دينكم وانقلبتم على أعقابكم ؟ ثم أخبرهم عما كان من فعل كثير من أتباع الأنبياء قبلهم ، وقال لهم : هلا فعلتم كما كان أهل الفضل والعلم من أتباع الأنبياء قبلكم يفعلونه إذا قتل نبيهم من المضي على منهاج نبيهم ، والقتال على دينه أعداءَ دين الله ، على نحو ما كانوا يقاتلون مع نبيهم ولم تهنوا ولم تضعفوا ، كما لم يضعف الذين كانوا قبلكم من أهل العلم والبصائر من أتباع الأنبياء إذا قتل نبيهم ، ولكنهم صَبروا لأعدائهم حتى حكم الله بينهم وبينهم ؟ وبذلك من التأويل جاء تأويل المتأوِّلين. أ هـ {تفسير الطبرى حـ 7 صـ 264 ـ 265}\r_____________\r(1) القراءتان متواترتان ومن ثم فلا وجه للترجيح بينهما فقد قرأ بهما رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ والله أعلم.","part":17,"page":162},{"id":7194,"text":"فصل\rقال الفخر :\rقال الواحدي رحمه الله : أجمعوا على أن معنى \"كأين\" كم ، وتأويلها التكثير لعدد الأنبياء الذين هذه صفتهم ، ونظيره قوله : {فَكَأَيّن مّن قَرْيَةٍ أهلكناها} [ الحج : 45 ] {وَكَأَيّن مّن قَرْيَةٍ أَمْلَيْتُ لَهَا} [ الحج : 48 ] والكافي في \"كأين\" كاف التشبيه دخلت على \"أي\" التي هي للاستفهام كما دخلت على \"ذا\" من \"كذا\" و\"أن\" من كأن ، ولا معنى للتشبيه فيه كما لا معنى للتشبيه في كذا ، تقول : لي عليه كذا وكذا : معناه لي عليه عدد ما ، فلا معنى للتشبيه ، إلا أنها زيادة لازمة لا يجوز حذفها ، واعلم أنه لم يقع للتنوين صورة في الخط إلا في هذا الحرف خاصة ، وكذا استعمال هذه الكلمة فصارت كلمة واحدة موضوعة للتكثير. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 9 صـ 22}\rفصل\rقال الفخر :\rواعلم أنه تعالى مدح هؤلاء الربيين بنوعين :\rأولا بصفات النفي ، وثانيا بصفات الإثبات ، أما المدح بصفات النفي فهو قوله تعالى : {فَمَا وَهَنُواْ لِمَا أَصَابَهُمْ فِى سَبِيلِ الله وَمَا ضَعُفُواْ وَمَا استكانوا} ولا بد من الفرق بين هذه الأمور الثلاثة ، قال صاحب \"الكشاف\" : ما وهنوا عند قتل النبي وما ضعفوا عن الجهاد بعده وما استكانوا للعدو ، وهذا تعريض بما أصابهم من الوهن والانكسار ، عند الإرجاف بقتل رسولهم ، وبضعفهم عند ذلك عن مجاهدة المشركين ، واستكانتهم للكفار حتى أرادوا أن يعتضدوا بالمنافق عبدالله بن أُبَيّ ، وطلب الأمان من أبي سفيان ، ويحتمل أيضا أن يفسر الوهن باستيلاء الخوف عليهم ، ويفسر الضعف بأن يضعف إيمانهم ، وتقع الشكوك والشبهات في قلوبهم ، والاستكانة هي الانتقال من دينهم إلى دين عدوهم ، وفيه وجه ثالث وهو أن الوهن ضعف يلحق القلب.","part":17,"page":163},{"id":7195,"text":"والضعف المطلق هو اختلال القوة والقدرة بالجسم ، والاستكانة هي إظهار ذلك العجز وذلك الضعف ، وكل هذه الوجوه حسنة محتملة ، قال الواحدي : الاستكانة الخضوع ، وهو أن يسكن لصاحبه ليفعل به ما يريد. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 9 صـ 23}\rفصل\rقال القرطبى :\rومعنى الآية تشجيع المؤمنين ، والأمر بالاقتداء بمن تقدّم من خِيار أتباع الأنبياء ؛ أي كثير من الأنبياء قُتِل معه رِبِّيُّون كثير ، أو كثير من الأنبياء قتِلوا فما ارتد أممهم ؛ قولان : الأوّل للحسن وسعيد بن جبير.\rقال الحسن : ما قُتِل نبي في حرب قط.\rوقال ابن جبير : ما سمعنا أن نبياً قتل في القتال. أ هـ {تفسير القرطبى حـ 4 صـ 229}\rوقال ابن عاشور :\rوقوله : { فما وهنوا } أي الربّيّون إذ من المعلوم أنّ الأنبياء لا يهنون فالقدوة المقصودة هنا ، هي الاقتداء بأتباع الأنبياء ، أي لا ينبغي أن يكون أتباع من مضى من الأنبياء ، أجدر بالعزم من أتباع محمد صلى الله عليه وسلم\rوجمع بين الوهن والضّعف ، وهما متقاربان تقارباً قريباً من الترادف ؛ فالوهن قلَّة القدرة على العمل ، وعلى النُّهوض في الأمر ، وفعله كوعَد وورِث وكرُم.\rوالضّعف بضم الضّاد وفتحها ضدّ القوّة في البدن ، وهما هنا مجازان ، فالأوّل أقرب إلى خور العزيمة ، ودبيب اليأس في النُّفوس والفكر ، والثَّاني أقرب إلى الاستسلام والفشل في المقاومة.\rوأمّا الاستكانة فهي الخضوع والمذلّة للعدوّ.\rومن اللطائف ترتيبها في الذّكر على حسب ترتيبها في الحصول : فإنَّه إذا خارت العزيمة فَشِلت الأعضاء ، وجاء الاستسلام ، فتبعته المذلّة والخضوع للعدوّ.","part":17,"page":164},{"id":7196,"text":"واعلموا أنَّه إذا كان هذا شأن أتباع الأنبياء ، وكانت النُّبوءة هدياً وتعليماً ، فلا بدع أن يكون هذا شأن أهل العلم ، وأتباع الحقّ ، أن لا يوهنهم ، ولا يضعفهم ، ولا يخضعهم ، مقاومة مقاوم ، ولا أذى حاسد ، أو جاهل ، وفي الحديث الصّحيح ، في \"البخاري\" : أن خَبَّاباً قال للنَّبيء صلى الله عليه وسلم \" لقد لقينا من المشركين شدّة ألاَ تدعُو الله \" فقعد وهو محمّر وجهه فقال : \" لقد كان مَن قبلكم لَيُمشَط بِمِشاط الحديد ما دون عظامه من لحم أو عصب ، ما يصرفه ذلك عن دينه ، ويوضَع المنشار على مَفْرِق رأسه فيُشَقّ باثنين ما يصرفه ذلك عن دينه \" الحديث. أ هـ {التحرير والتنوير حـ 3 صـ 244 ـ 245}\rقوله تعالى : {والله يُحِبُّ الصابرين}\rقال الفخر :\rالمعنى أن من صبر على تحمل الشدائد في طريق الله ولم يظهر الجزع والعجز والهلع فإن الله يحبه ، ومحبة الله تعالى للعبد عبارة عن إرادة إكرامه واعزازه وتعظيمه ، والحكم له بالثواب والجنة ، وذلك نهاية المطلوب. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 9 صـ 23}\rوقال الآلوسى :\r{ والله يُحِبُّ الصابرين } على مقاساة الشدائد ومعاناة المكاره في سبيله فينصرهم ويعظم قدرهم.\rوالمراد بالصابرين إما الربيون ، والإظهار في موضع الإضمار للتصريح بالثناء عليهم بالصبر الذي هو ملاك الأمر مع الإشعار بعلة الحكم ، وإما ما يعمهم وغيرهم وهم داخلون في ذلك دخولاً أولياً.\rوالجلمة على التقديرين تذييل لما قبلها. أ هـ {روح المعانى حـ 4 صـ 84}","part":17,"page":165},{"id":7197,"text":"موعظة\rقال الثعالبى :\rاعلم ( رحمك اللَّه ) أنَّ أصْلَ الوَهَنِ والضَّعْفِ عن الجِهَادِ ، ومكافحةِ العَدُوِّ هو حُبُّ الدنيا ، وكراهيةُ بَذْلِ النفُوسِ للَّه ، وبَذْلِ مُهَجِهَا لِلقَتْلِ في سَبيلِ اللَّهِ ؛ ألا ترى إلى حال الصَّحابة ( رضي اللَّه عنهم ) ، وقلَّتِهِمْ في صَدْرِ الإسلامِ ، وكيف فتح اللَّه بهم البلاد ، ودان لدِينِهِمُ العباد ، لما بَذَلُوا للَّه أنفسَهُمْ في الجهاد ، وحالِنا اليَوْمَ ، كما ترى ؛ عددُ أهْل الإسلام كثيرٌ ، ونكايتهم في الكُفَّار نَزْرٌ يسيرٌ ، وقد روى أبو داود في \"سننه\" عن ثَوْبَانَ ، قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم : \" يُوشِكُ الأُمَمُ أَنْ تتداعى عَلَيْكُمْ ؛ كَمَا تَدَاعَى الأَكَلَةُ إلى قَصْعَتِهَا ، فَقَالَ قَائِلٌ : ومِنْ قِلَّةٍ نَحْنُ يَوْمَئِذٍ ؟ قَالَ : بَلْ أَنْتُمْ كَثِيرٌ ، ولَكِنَّكُمْ غُثَاءٌ كَغُثَاءِ السَّيْلِ ، وَلَيَنْزِعَنَّ اللَّهُ مِنْ صُدُورِ عَدُوِّكُمُ المَهَابَةَ مِنْكُمْ وَلَيَقْذِفَنَّ فِي قُلُوبِكُمُ الوَهَنَ ، فَقَالَ قَائِلٌ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، وَمَا الوَهَنُ ؟ قَالَ : حُبُّ الدُّنْيَا ، وَكَرَاهِيَةُ المَوْتِ \" اه ، فانظر ( رحمك اللَّه ) ، فهل هذا الزمانُ إلا زماننا بعَيْنه ، وتأمَّل حال ملوكنا ، إنما هِمَّتهم جمْعُ المالِ مِنْ حرامٍ وحلالٍ ، وإعراضُهم عَنْ أمْر الجهاد ، فإنا للَّه وإنا إليه راجعُونَ على مُصَاب الإسلام. أ هـ {الجواهر الحسان حـ 1 صـ 318}\rمن فوائد الشيخ الشنقيطى فى الآية\rقال رحمه الله :\rقوله تعالى : { وَكَأَيِّن مِّن نَّبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ } الآية.","part":17,"page":166},{"id":7198,"text":"هذه الآية الكريمة على قراءة من قرأ { قَاتَلَ } بالبناء للمفعول يحتمل نائب الفاعل فيها أن يكون لفظة ربيون وعليه فليس في قتل ضمير أصلاً ويحتمل أن يكون نائب الفاعل ضميراً عائداً إلى النَّبي ، وعليه فمعه خبر مقدم وربيون مبتدأ مؤخر سوغ الابتداء به اعتماده على الظرف قبله ووصفه بما بعده والجملة حالية والرابط الضمير وسوغ إتيان الحال من النكرة التي هي نبي وصفه بالقتل ظلماً وهذا هو أجود الأعاريب المذكورة في الآية على هذا القول ، وبهذين الاحتمالين في نائب الفاعل المذكور يظهر أن في الآية إجمالاً. والآيات القرآنية مبينة أن النَّبي المقاتل غير مغلوب بل هو غالب كما صرح تعالى بذلك في قوله : { كَتَبَ الله لأَغْلِبَنَّ أَنَاْ ورسلي } [ المجادلة : 21 ]. وقال قبل هذا : { أولئك فِي الأذلين } [ المجادلة : 20 ] وقال بعده : { إِنَّ اللهَ قَوِىٌّ عَزِيزٌ } [ المجادلة : 21 ].\rوأغلب معاني الغلبة في القرآن الغلبة بالسيف والسنان كقوله : { إِن يَكُن مِّنكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُواْ مِئَتَيْنِ وَإِن يَكُنْ مِّنكُمْ مِّئَةٌ يغلبوا أَلْفاً مِّنَ الذين كَفَرُواْ } [ الأنفال : 65 ] الآية. وقوله : { فَإِن يَكُنْ مِّنكُمْ مِّئَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُواْ مِئَتَيْنِ وَإِن يَكُن مِّنكُمْ أَلْفٌ يغلبوا أَلْفَيْنِ } [ الأنفال : 66 ] وقوله : { الم غُلِبَتِ الروم في أَدْنَى الأرض وَهُم مِّن بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ فِي بِضْعِ سِنِينَ } [ الروم : 1-4 ] وقوله : { كَم مِّن فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةٍ كَثِيرَةً } [ البقرة : 249 ] وقوله : { قُلْ لِّلَّذِينَ كَفَرُواْ سَتُغْلَبُونَ } [ آل عمران : 12 ] إلى غير ذلك من الآيات.\r","part":17,"page":167},{"id":7199,"text":"وبين تعالى أن المقتول ليس بغالب بل هو قسم مقابل للغالب بقوله : { وَمَن يُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ الله فَيُقْتَلْ أَو يَغْلِبْ } [ النساء : 74 ] فاتضح من هذه الآيات أن القتل ليس واقعاً على النَّبي المقاتل. لأن الله كتب وقضى له في أزله أنه غالب وصرح بأن المقتول غير غالب.\rوقد حقق العلماء أن غلبة الأنبياء على قسمين ، غلبة بالحجة والبيان ، وهي ثابتة لجميعهم ، وغلبة بالسيف والسنان ، وهي ثابتة لخصوص الذين أمروا منهم بالقتال في سبيل الله. لأن من لم يؤمر بالقتال ليس بغالب ولا مغلوب. لأنه لم يغالب في شيء وتصريحه تعالى ، بأنه كتب أن رسله غالبون شامل لغلبتهم من غالبهم بالسيف ، كما بينا أن ذلك هو معنى الغلبة في القرآن ، وشامل أيضاً لغلبتهم بالحجة والبيان ، فهو مبين أن نصر الرسل المذكور في قوله : { إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا } [ غافر : 51 ] الآية وفي قوله : { وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا المرسلين إِنَّهُمْ لَهُمُ المنصورون } [ الصافات : 171-172 ] أنه نصر غلبة بالسيف والسنان للذين أمروا منهم بالجهاد. لأن الغلبة التي بين أنها كتبها لهم أخص من مطلق النصر. لأنها نصر خاص ، والغلبة لغة القهر والنصر لغة إعانة المظلوم ، فيجب بيان هذا الأعم بذلك الأخص.\rوبهذا تعلم أن ما قاله الإمام الكبير ابن جرير - رحمه الله - ومن تبعه في تفسير قوله : { إِنَّا لَنَنصُرُ } الآية.\rمن أنه لا مانع من قتل الرسول المأمور بالجهاد ، وأن نصره المنصوص في الآية ، حينئذ يحمل على أحد أمرين : \rأحدهما : أن الله ينصره بعد الموت ، بأن يسلط على من قتله من ينتقم منه ، كما فعل بالذين قتلوا يحيى وزكريا وشعيا من تسليط بختنصر عليهم ، ونحو ذلك.\r","part":17,"page":168},{"id":7200,"text":"الثاني : حمل الرسل في قوله : { إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا } [ غافر : 51 ] على خصوص نبينا صلى الله عليه وسلم وحده ، أنه لا يجوز حمل القرآن عليه لأمرين : \rأحدهما : أنه خروج بكتاب الله عن ظاهره المتبادر منه بغير دليل من كتاب ، ولا سنة ولا إجماع ، والحكم بأن المقتول من المتقاتلين هو المنصور بعيد جداً ، غير معروف في لسان العرب ، فحمل القرآن عليه بلا دليل غلط ظاهر ، وكذلك حمل الرسل على نبينا وحده صلى الله عليه وسلم فهو بعيد جداً أيضاً ، والآيات الدالة على عموم الوعد بالنصر لجميع الرسل كثيرة ، لا نزاع فيها.\r","part":17,"page":169},{"id":7201,"text":"الثاني : أن الله لم يقتصر في كتابه على مطلق النصر الذي هو في اللغة إعانة المظلوم ، بل صرح بأن ذلك النصر المذكور للرسل نصر غلبة بقوله : { كَتَبَ الله لأَغْلِبَنَّ أَنَاْ ورسلي } [ المجادلة : 21 ] الآية ، وقد رأيت معنى الغلبة في القرآن ومر عليك أن الله جعل المقتول قسماً مقابلاً للغالب في قوله : { وَمَن يُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ الله فَيُقْتَلْ أَو يَغْلِبْ } [ النساء : 74 ] وصرح تعالى : بأن ما وعد به رسله لا يمكن تبديله بقوله جل وعلا : { وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِّن قَبْلِكَ فَصَبَرُواْ على مَا كُذِّبُواْ وَأُوذُواْ حتى أَتَاهُمْ نَصْرُنَا وَلاَ مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِ الله وَلَقدْ جَآءَكَ مِن نَّبَإِ المرسلين } [ الأنعام : 34 ] ولا شك أن قوله تعالى : { كَتَبَ الله لأَغْلِبَنَّ أَنَاْ ورسلي } [ المجادلة : 21 ] من كلماته التي صرح بأنها لا مبدل لها وقد نفى جل وعلا : عن المنصور أن يكون مغلوباً نفياً باتاً بقوله : { إِن يَنصُرْكُمُ الله فَلاَ غَالِبَ لَكُمْ } [ آل عمران : 160 ] وذكر مقاتل أن سبب نزول قوله تعالى : { كَتَبَ الله لأَغْلِبَنَّ } الآية أن بعض الناس قال : أيظن محمد وأصحابه أن يغلبوا الروم ، وفارس ، كما غلبوا العرب زاعماً أن الروم وفارس لا يغلبهم النَّبي صلى الله عليه وسلم لكثرتهم وقوتهم فأنزل الله الآية ، وهو يدل على أن الغلبة المذكورة فيها غلبة بالسيف والسنان. لأن صورة السبب لا يمكن إخراجها ، ويدل له قوله قبله : { أولئك فِي الأذلين } [ المجادلة : 20 ] وقوله بعده : { إِنَّ الله قَوِيٌّ عَزِيزٌ } [ المجادلة : 21 ].","part":17,"page":170},{"id":7202,"text":"وقد قدمنا في ترجمة هذا الكتاب ، أننا نستشهد للبيان بالقراءة السبعية بقراءة شاذة ، فيشهد للبيان الذي بيَّنَّا به ، أن نائب الفاعل { رِبِّيُّونَ } [ آل عمران : 146 ] وأن بعض القراء غير السبعة قرأ { قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ } [ آل عمران : 146 ] بالتشديد. لأن التكثير المدلول عليه بالتشديد يقتضي أن القتل واقع على الربيين.\rولهذه القراءة رجح الزمخشري ، والبيضاوي ، وابن جنى.\rأن نائب الفاعل { رِبِّيُّونَ } [ آل عمران : 146 ] ومال إلى ذلك الألوسي في تفسيره مبيناً أن دعوى كون التشديد لا ينافي وقوع القتل على النَّبي. لأن { وَكَأَيِّنْ } [ آل عمران : 146 ] إخبار بعدد كثير أي : كثير من أفراد النَّبي قتل خلاف الظاهر ، وهو كما قال ، فإن قيل قد عرفنا أن نائب الفاعل المذكور محتمل لأمرين ، وقد ادعيتم أن القرآن دل على أنه { رِبِّيُّونَ } [ آل عمران : 146 ] لا ضمير النَّبي لتصريحه بأن الرسل غالبون ، والمقتول غير غالب ، ونحن نقول دل القرآن في آيات أخر ، على أن نائب الفاعل ضمير النَّبي ، لتصريحه في آيات كثيرة بقتل بعض الرسل كقوله : { فَفَرِيقاً كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقاً تَقْتُلُونَ } [ البقرة : 87 ] وقوله : { قُلْ قَدْ جَآءَكُمْ رُسُلٌ مِّن قَبْلِي بالبينات وبالذي قُلْتُمْ فَلِمَ قَتَلْتُمُوهُمْ } [ آل عمران : 183 ] الآية ، فما وجه ترجيح ما استدللتم به على أن النائب { رِبِّيُّونَ } على ما استدللنا به على أن النائب ضمير النَّبي فالجواب من ثلاثة أوجه : \r","part":17,"page":171},{"id":7203,"text":"الأول : أن ما استدللنا به أخص مما استدللتم به ، والأخص مقدم على الأعم ، ولا يتعارض عام وخاص ، كما تقرر في الأصول ، وإيضاحه أن دليلنا في خصوص نبي أمر بالمغالبة في شيء ، فنحن نجزم بأنه غالب فيه تصديقاً لربنا في قوله : { كَتَبَ الله لأَغْلِبَنَّ أَنَاْ ورسلي } [ المجادلة : 21 ] سواء أكانت تلك المغالبة في الحجة والبيان ، أم بالسيف والسنان ، ودليلكم فيما هو أعم من هذا. لأن الآيات التي دلت على قتل بعض الرسل ، لم تدل على أنه في خصوص جهاد ، بل ظاهرها أنه في غير حهاد ، كما يوضحه.\rالوجه الثاني : وهو أن جميع الآيات الدالة على أن بعض الرسل قتلهم أعداء الله كلها في قتل بني إسرائيل أنبياءهم ، في غير جهاد ، ومقاتله إلا موضع النزاع وحده.\r","part":17,"page":172},{"id":7204,"text":"الوجه الثالث : أن ما رجحناه من أن نائب الفاعل { رِبِّيُّونَ } تتفق عليه آيات القرآن اتفاقاً واضحاً ، لا لبس فيه على مقتضى اللسان العربي في أفصح لغاته ، ولم تتصادم منه آيتان ، حيث حملنا الرسول المقتول على الذي لم يؤمر بالجهاد ، فقتله إذن لا غشكال فيه ، ولا يؤدي إلى معارضة آية واحدة من كتاب الله. لأن الله حكم للرسل بالغلبة ، والغلبة لا تكون إلا مع مغالبة ، وهذا لم يؤمر بالمغالبة في شيء ، ولو أمر بها في شيء لغلب فيه ، ولو قلنا بأن نائب الفاعل ضمير النَّبي لصار المعنى أن كثيراً من الأنبياء المقاتلين قتلوا في ميدان الحرب ، كما تدل عليه صيغة { وَكَأَيِّن } [ آل عمران : 146 ] المميزة بقوله : { من نبي } [ المجادلة : 21 ] وقتل الأعداء هذا العدد الكثير من الأنبياء المقاتلين في ميدان الحرب مناقض مناقضة صريحة لقوله : { كَتَبَ الله لأَغْلِبَنَّ أَنَاْ ورسلي } [ المجادلة : 21 ] وقد عرفت معنى الغلبة في القرآن ، وعرفت أنه تعالى ، بين أن المقتول غير الغالب ، كما تقدم ، وهذا الكتاب العزيز ما أنزل ليضرب بعضه بعضاً ، ولكن أنزل ليصدق بعضه بعضاً ، فاتضح أن القرآن دل دلالة واضحة على أن نائب الفاعل { رِبِّيُّونَ } [ آل عمران : 146 ] وأنه لم يقتل رسول في جهاد ، كما جزم به الحسن البصري وسعيد بن جبير ، والزجاج ، والفراء ، وغير واحد ، وقصدنا في هذا الكتاب البيان بالقرآن ، لا بأقوال العلماء ، ولذا لم ننقل أقوال من رجح ما ذكرنا.\r","part":17,"page":173},{"id":7205,"text":"وما رجح به بعض العلماء كون نائب الفاعل ضمير النَّبي من أن سبب النزول يدل على ذلك. لأن سبب نزولها \" أن الصائح صاح قتل محمد صلى الله عليه وسلم \" وأن قوله : { أَفإِنْ مَّاتَ أَوْ قُتِلَ } [ آل عمران : 144 ] يدل على ذلك وأن قوله : { فَمَا وَهَنُواْ لِمَآ أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ الله } [ آل عمران : 146 ] يدل على أن الربيين لم يقتلوا لأنهم لو قتلوا لما قال عنهم { فَمَا وَهَنُواْ لِمَآ أَصَابَهُمْ } [ آل عمران : 146 ] الآية. فهو كلام كله ساقط وترجيحات لا معول عليها فالترجيح بسبب النزول فيه أن سبب النزول لو كان يقتضي تعيين ذكر قتل النَّبي لكانت قراءة الجمهور قاتل بصيغة الماضي من المفاعلة جارية على خلاف المتعين وهو ظاهر السقوط كما ترى والترجيح بقوله : { أَفإِنْ مَّاتَ أَوْ قُتِلَ } [ آل عمران : 144 ] ظاهر السقوط. لأنهما معلقان بأداة الشرط والمعلق بها لا يدل على وقوع نسبة أصلاً لا إيجاباً ولا سلباً حتى يرجح بها غيرها.\r","part":17,"page":174},{"id":7206,"text":"وإذا نظرنا إلى الواقع في نفس الأمر وجدنا نبيهم صلى الله عليه وسلم في ذلك الوقت لم يقتل ولم يمت والترجيح بقوله : { فَمَا وَهَنُواْ } [ آل عمران : 146 ] سقوطه كالشمس في رابعة النهار وأعظم دليل قطعي على سقوطه قراءة حمزة والكسائي { وَلاَ تُقَاتِلُوهُمْ عِنْدَ المسجد الحرام حتى يُقَاتِلُوكُمْ فِيهِ فَإِن قَاتَلُوكُمْ فاقتلوهم } [ البقرة : 191 ] كل الأفعال من القتل لا من القتال وهذه القراءة السبعية المتواترة فيها. { فَإِن قَاتَلُوكُمْ } [ البقرة : 191 ] بلا ألف بعد القاف فعل ماض من القتل { فاقتلوهم } [ البقرة : 191 ] أفتقولون هذا لا يصح لأن المقتول لا يمكن أن يؤمر بقتل قاتله. بل المعنى قتلوا بعضكم وهو معنى مشهور في اللغة العربية يقولون قتلونا وقتلناهم يعنون وقوع القتل على البعض كما لا يخفى. أ هـ {أضواء البيان حـ 1 صـ 247 ـ 250}\rفوائد لغوية\rقال ابن عادل :\rقوله تعالى {وكأين} هذه اللفظة ، قيل : هي مركبة من كاف التشبيه ، ومن \" أيِّ \" ، وقد حدث فيهما بعد التركيب معنى التكثير ، المفهوم من \" كَمْ \" الخبرية ، ومثلُها في التركيب وإفهام التكثير : \" كذا \" في قولهم : له عندي كذا درهماً ، والأصل : كاف التشبيه و\" ذا \" الذي هو اسم إشارة ، فلما رُكَِّبَا حدَثَ فيهما معنى التكثير ، ف \" كم \" الخبرية وكأيِّن وكذا كلها بمعنًى واحد ، وقد عهدنا في التركيب إحداث معنى آخر ؛ ألا ترى أن \" لولا \" حدث لها معنًى جديدٌ ، وكان من حقها - على هذا - أو يُوقَفَ عليها بغير نون ؛ لأن التنوين يُحْذَف وقفاً ، إلا أن الصحابة كتبتها \" كَأيِّنْ \" - بثبوت النون- ، فمن ثم وقف عليها جمهور القراء بالنون ؛ اتِّبَاعاً لرسم المصحف.\rووقف أبو عمرو وسورة بن المبارك عن الكسائي \" كأي \" - من غير نون - على القياس.","part":17,"page":175},{"id":7207,"text":"واعتل الفارسيُّ لوقف النون بأشياء ، منها : أن الكلمة لما رُكِّبَتْ خرجت عن نظائرها ، فجعل التنوين كأنه حرف أصلي من بنية الكلمة.\rوفيها لغات خمس.\rأحدها : \" كَيِّنْ \" - وهي الأصل - وبها قرأ الجماعة ، إلاَّ ابن كثير.\rوقال الشاعر : [ الوافر ]\rكَأيِّنْ فِي الْمَعَاشِرِ مِنْ أنَاسٍ... أخُوهُمْ فَوْقَهُمْ ، وَهُمُ كِرَامُ\rالثانية : \" كائِنْ \" - بزنة كاعِن - وبها قرأ ابن كثير وجماعة ، وهي أكثر استعمالاً من \" كأيِّنْ \" وإن كانت تلك الأصل-.\rقال الشاعر : [ الوافر ]\rوَكَائنْ بِالأبَاطِحِ مِنْ صَدِيقٍ... يَرَانِي لَوْ أصِبْتُ هُوَ المُصَابَا\rوقال الآخر : [ الطويل ]\rوَكَائِنْ رَدَدْنَا عَنْكُمُ مِنْ مُدَجَّجٍ...............\rوقال آخر : [ الطويل ]\rوَكَائِنْ تَرَى فِي الْحَيِّ مِنْ ذِي قَرَابَةٍ\r.................. أنشده المفضل ممدوداً ، مهموزاً ، مخففاً.\rواختلفوا في توجيه هذه القراءة ، فنُقِل عن المبرد أنها اسم فاعل من كان ، يكون ، فهو كائن ، واستبعده مكِّيّ ، قال : لإتيان \" مِنْ \" بعده ، ولبنائه على السكون. وكذلك أبو البقاء ، قال : \" وهو بعيد الصحة ؛ لأنه لو كان كذلك لكان معرباً ، ولم يكن فيه معنى التكثير \".\rلا يقال : هذا تحامُل على المبرد ؛ فإن هذا لازم له - أيضاً - فإن البناء ، ومعنى التكثير عارضان - أيضاً - لأن التركيب عُهِد فيه مثل ذلك - كما تقدم في \" كذا \" ، و\" لولا \" ، ونحوهما ، وأما لفظٌ مفردٌ يُنقل غلى معنى ، ويُبْنَى من غير سبب ، فلم يُوجد له نظير.\rوقيل : هذه القراءة أصلها \" كَأيِّنْ \" - كقراءة الجماعة - إلا أن الكلمة دخلها القلب ، فصارت \" كائن \" مثل كاعن - واختلفوا في تصييرها بالقلب كذلك على أربعة أوجه : \r","part":17,"page":176},{"id":7208,"text":"أحدها : أنه قُدِّمت الياءُ المشددةُ على الهمزة ، فصار وزنها كَعَلف ، إلا أنك قدمتَ العينَ والسلام ، وهما الياء المشددة - ثم حذفت الياء الثانية لثقلها بالحركة والتضعيف ، كما قالوا في : \" أيُّها \" ، ثم قلبت الياء الساكنة ألفاً ، كما قلبوها في نحو آية - والأصل : أيَّة - وكما قالوا : طائِيّ - والأصل : طَيئ - فصار اللفظ \" كَأيِنْ \" ووزنه كَعْف ، لأن الفاء أخرت إلى موضع اللام ، واللام قد حُذفَتْ.\rالوجه الثاني : أنه حذفت الياء الساكنة - التي هي عين- وقُدِّمَت المتحركة - التي هي لام - فتأخرت الهمزة - التي هي فاء - وقلبت الياء ألفاً ؛ لتحركها وانفتاح ما قبلها ، فصار \" كائن \" ووزنه كلف.\rالوجه الثالث : ويُعْزَى للخليل - أنه قُدِّمَت إحدى الياءين في موضع الهمزة ، فتحركت بحركة الهمزة - وهي الفتحة - وصارت الهمزة ساكنة في موضع الياء ، فتحركت الياءُ ، وانفتح ما قبلها ، فقُلِبَتْ ألفاً ، فالتقى الساكنان - الألف المنقلبة عن الياء ، والهمزة بعدها ساكنة - فكُسِرَت الهمزة على أصل التقاء الساكنين ، وبقيت إحدى الياءين متطرفة ، فأذهبها التنوين - بعد سلب حركتها - كياء قاضٍ وغازٍ.\rالوجه الرابع : أنه قُدِّمَت الياء المتحركةُ ، فانقلبت ألفاً ، وبقيت الأخرى ساكنة ، فحذفها التنوين - مثل قاضٍ - ووزنه على هذين الوجهين أيضاً كلف ؛ لما تقدم من حذف العين ، وتأخير الفاء ، وإنما الأعمال تختلف.\r","part":17,"page":177},{"id":7209,"text":"اللغة الثالثة : \" كَأْيِنْ \" - بياء خفيفة بعد الهمزة - على مثال كَعْيِن ، وبها قرأ ابنُ مُحَيْصِن ، والأشهبُ العقيلي ، ووجهها أن الأصل : \" كَأيِّنْ \" - كقراءة الجماعة - فحُذِفَت الياءُ الثانية ، استثقالاً ، فالتقى ساكنان - الياء والتنوين - فكُسِر الياء ؛ لالتقاء الساكنين ، ثم سكنت الهمزة تخفيفاً لثقل الكلمة بالتركيب ، فصارت كالكلمة الواحدة كما سكنوا \" فهو \" و\" فهي \".\rاللغة الرابعة : \" كَيْإن \" بياء ساكنة ، بعدها همزة مكسورة ، وهذه مقلوب القراءة التي قبلها ، وقرأ بها بعضهم.\rاللغة الخامسة : \" كإنْ \" - على مثال كَعٍ - ونقلها الداني قراءة عن ابن مُحَيْصِن أيضاً.\rوقال الشاعر : [ الطويل ]\rكَئِنْ مِنْ صَدِيقٍ خِلْتُهُ صَادِقَ الإخَا... ءِ أبَانَ اخْتِبَاري أنَّهُ لِي مُدَاهِنُ\rوفيها وجهان : \rأحدهما : أنه حذف الياءين دُفعَةً واحدةً لامتزاج الكلمتين بالتركيب.\rوالثاني : أنه حذف إحدى الياءين - على ما تقدم تقريره - ، ثم حذف الأخرى لالتقائها ساكنةً مع التنوين ووزنه - على هذا - كَفٍ ؛ لحذف العين واللام منه.\rواختلفوا في \" أي \" هل هي مصدر في الأصل ، أم لا ؟\rفذهب جماعة إلى أنها ليست مصدراً ، وهو قول أبي البقاء ؛ فإنه قال \" كَأيِّنْ \" الأصل فيه : \" أيٌّ \" ، التي هي بعض من كل ، أدخلت عليها كافُ التشبيه.\rوفي عبارته عن \" أيّ \" بأنها بعض من كل ، نظر لأنها ليست بمعنى : بعض من كل ، نعم إذا أضيفت إلى معرفة فحُكْمها حُكم \" بعض \" في مطابقة الجُزْء ، وعود الضمير ، نحو : أيُّ الرجلين قائم ولا نقول : قاما ، فليست هي التي \" بعض \" أصلاً.\r","part":17,"page":178},{"id":7210,"text":"وذهب ابنُ جني إلى أنها - في الأصل - مصدر أوَى يأوِي - إذا انضم ، واجتمع - والأصل : أوْيٌ ، نحو طَوَى يَطْوي طيًّا - فاجتمعت الياء والواو ، وسبقت إحداهما بالسكون ، فقلبت الواو ياء ، وأدغمت في الياء ، وكأن ابن جنِّي ينظر إلى أن معنى المادة من الاجتماع الذي يدل عليه \" أي \" فإنها للعموم ، والعموم يستلزم الاجتماع.\rوهل هذه الكاف الداخلة على \" أي \" تتعلق بغيرها من حروف الجر ، أم لا ؟\rوالصحيح أنها لا تتعلق بشيء ؛ لأنها مع \" أي \" صارتا بمنزلة كلمة واحدة - وهي \" كم \" - فلم تتعلق بشيء ، ولذلك هُجِر معناه الأصلي - وهو التشبيه-.\rوزعم الحوفيّّ أنها تتعلق بعامل ، فقال : \" أما العامل في الكاف ، فإن جعلناها على حكم الأصل ، فمحمول على المعنى ، والمعنى : إصابتكم كإصابة من تقدَّم من الأنبياء وأصحابهم ، وإن حملنا الحكم على الانتقال إلى معنى \" كم \" ، كان العامل بتقدير الابتداء ، وكانت في موضع رفع ، و\" قاتل \" الخبر ، و\" مِنْ \" متعلقة بمعنى \" الاستقرار \" ، والتقدير الأول أوضح ؛ لحمل الكلام على اللفظ دون المعنى ، بما يجب من الخفض في \" أي \" ، وإذا كانت \" أي \" على بابها من معاملة اللفظ ، ف \" من \" متعلقة بما تعلقت به الكاف من الممعنى المدلول عليه \" اه. وهو كلام غريب.\rواختار أبو حيان أن \" كأين \" كلمة بسيطة - غير مركبة - وأن آخرها نون - هي من نفس الكلمة - لا تنوين ؛ لأن هذه الدعاوى المتقدمة لا يقوم عليها دليل ، وهذه طريق سهلة ، والنحويون ذكروا هذه الأشياء ؛ محافظةً على أصولهم ، مع ما ينضم إلى ذلك من الفوائد ، وتمرين الذهن. هذا ما يتعلق بها من حيث التركيب ، فموضعها رفع بالابتداء ، وفي خبرها أربعة أوجه : \rأحدها : أنه \" قاتل \" فإن فيه ضميراً مرفوعاً به ، يعود على المبتدأ ، والتقدير : كثير من الأنبياء قاتل.\r","part":17,"page":179},{"id":7211,"text":"قال أبو البقاء : والجيد أن يعود الضمير على لفظ \" كأين \" ، كما تقول : مائة نبي قُتِل ، فالضمير للمائة ؛ إذ هي المبتدأ.\rفإن قيل : لو كان كذلك لأنثت ، فقلت : قُتِلَتْ ؟\rقيل : هذا محمول على المعنى ؛ لأن التقدير : كثير من الرجال قُتِل.\rكأنه يعني بغير الجيد عوده على لفظ \" نَبِيّ \" ، فعلى هذا جملة { مَعَهُ رِبِّيُّونَ } جملة في محل نصب على الحال من الضمير في \" قُتِل \".\rويجوز أن يرتفع \" ربيون \" على الفاعلية بالظرف ، ويكون الظرف هو الواقع حالاً ، التقدير : استقر معه ربيون.\rوهو أولى ؛ لأنه من قبيل المفردات ، وأصل الحال والخبر والصفة أن تكون مفردة.\rويجوز أن يكون \" مَعَهُ \" - وحده - هو الحال ، و\" رِبِّيُّونَ \" فاعل به ، ولا يحتاج - هنا - إلى واو الحال ؛ لأن الضمير هو الرابط - أعني : الضمير في \" مَعَهُ \".\rويجوز أن يكون حالاً من \" نَبِيّ \" - وإن كان نكرة - لتخصيصه بالصفة حينئذ ؛ ذكره مكي. وعمل الظرف - هنا - لاعتماده على ذي الحال.\rقال أبو حيان : وهي حال محكية ، فلذلك ارتفع \" ربيون \" بالظرف - وإن كان العامل ماضياً ، لأنه حكى الحال الماضية ، كقوله : { وَكَلْبُهُمْ بَاسِطٌ ذِرَاعَيْهِ بالوصيد } [ الكهف : 18 ] ، وذلك على مذهب البصريين ، وأما الكسائي فيعمل اسم الفاعل العاري من \" أل \" مطلقاً.\rوفيه نظر ؛ لأنا لا نسلم أن الظرف يتعلق باسم فاعل ، حتى يلزم عليه ما قال من تأويله اسم الفاعل بحال ماضية ، بل يدعى تعلُّقه بفعل ، تقديره : استقر معه ربيون.\r","part":17,"page":180},{"id":7212,"text":"الوجه الثاني : أن يكون \" قَاتَلَ \" جملة في محل جر ؛ صفة لِ \" نَبِيّ \" ، و{ مَعَهُ رِبِّيُّونَ } هو الخبر ، لكن الوجهان المتقدمان في جعله حالاً - أعني : إن شئت أن تجعل \" مَعَهُ \" خبراً مقدماً ، و\" ربِّيُّونَ \" مبتدأ مرخراً ، والجملة خبر \" كَأيِّنْ \" ، وأن تجعل \" مَعَهُ \" - وحده - هو الخبر ، و\" ربِّيُّونَ \" فاعل به ؛ لاعتماد الظرف على ذي خبر.\rالوجه الثالث : أن يكون الخبر محذوفاً ، تقديره : في الدنيا ، أو مضى ، أو : صابر ، وعلى هذا ، فقوله : \" قَاتَلَ \" في محل جر ؛ صفة لِ \" نَبِيٍّ \" ، و\" مَعَهُ ربِّيُّونَ \" حال من الضمير في \" قَاتَلَ \" - على ما تقدم تقريره - ويجوز أن يكون \" مَعَهُ ربِّيُّونَ \" صفة ثانية لـ \" نَبِيٍّ \" ، وُصِف بصفتين : بكونه قاتل ، وبكونه معه ربيون.\rالوجه الرابع : أن يكون \" قَاتَلَ \" فارغاً من الضمير ، مسنداً إلى \" رِبِّيُّونَ \" وفي هذه الجملة - حينئذ - احتمالان :\rأحدهما : أن تكون خبراً لـ \" كأيِّنْ \".\rالثاني : أن تكون في محل جر لـ \" نَبِيٍّ \" والخبر محذوف - على ما تقدم - وادِّعَاء حذف الخبر ضعيف لاستقلال الكلام بدونه.\rوقال أبو البقاء : ويجوز أن يكون \" قَاتَلَ \" مسنداً لِ \" رِبِّيُّونَ \" ، فلا ضمير فيه على هذا ، والجملة صفة \" نَبِيٍّ \".\rويجوز أن يكون خبراً ، فيصير في الخبر أربعة أوجه ، ويجوز أن يكون صفةً لِ \" نَبِيٍّ \" والخبر محذوف على ما ذكرنا.\rوقوله : صفة لـ \" رَبِّيُّونَ \" يعني : أن القتل من صفتهم في المعنى ، وقوله : \" فيصير في الخبر أربعة أوجه \" يعني : ما تقدم له من أوجه ذكرها ، وقوله : فلا ضمير فيه - على هذا - والجملة صفة \" نبي \" غلط ؛ لأنه يبقى المبتدأ بلا خبرٍ.\rفإن قلتَ : إنما يزعم هذا لأنه يقدر خبراً محذوفاً ؟","part":17,"page":181},{"id":7213,"text":"قلت : قد ذكر أوجهاً أخَر ؛ حيثُ قال : \" ويجوز أن تكون صفة لـ \" نَبِيٍّ \" والخبرُ محذوفٌ - على ما ذكرنا \".\rورجَّح كونَ قَاتَلَ مسنداً إلى ضمير النبي أن القصة بسبب غزوةِ أحُدٍ ، وتخاذل المؤمنين حين قيل : إن محمداً قد ماتَ مقتولاً ؛ ويؤيدُ هذا الترجيح قوله : { أَفإِنْ مَّاتَ أَوْ قُتِلَ } [ آل عمران : 144 ] وإليه ذهب ابنُ عباسٍ والطبريُّ وجماعة. وعن ابن عباسٍ - في قوله : { وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ } [ آل عمران : 161 ] - قال : النبي يُقتل فكيف لا يُخَان ؟\rوذهب الحسنُ وابن جُبَيرٍ وجماعة إلى أن القتلَ للرِّبِّيِّينَ ، قالوا : لأنه لم يُقْتَل نبيٌّ في حَرْب قط ونصر الزمخشري هذا بقراءة قُتِّل - بالتشديد - يعني أنّ التكثيرَ لا يتأتى في الواحد - وهو النبي - وهذا - الذي ذكره الزمخشريُّ - سبقه إليه ابنُ جني - وسيأتي تأويله-.\rوقرأ ابن كثيرٍ ، ونافع ، وأبو عمرو : قُتِل - مبنياً للمفعول - وقتادة كذلك ، إلا أنه شدد التاء ، وباقي السبعة : قاتل ، وكل من هذه الأفعال يصلح أن يرفع ضمير \" نَبِيّ \" وأن يرفع \" رِبِّيُّونَ \" - كما تقدم تفصيلُهُ-.\rوقال ابنُ جني : إنَّ قراءة : قُتّل - بالتَّشْديد - يتعين أن يسند الفعل فيها إلى الظاهر - أعني : \" رِبِّيُّونَ \" - قال : لأنَّ الواحدَ لا تكثير فيه.\rقال أبو البقاء : \" ولا يمتنع أنْ يكونَ فيه ضمير الأول ؛ لأنه في معنى الجماعةِ \".\rيعني أن \" مِنْ نَبِيٍّ \" المراد به الجنس ، فالتكثير بالنسبة لكثرة الأشخاص ؛ لا بالنسبة إلى كل فَرْد ؛ إذ القتل لا يتكثر في كلِّ فردٍ.\rوهذا الجوابُ - الذي أجابَ به أبو البقاءِ- استشعر به أبو الفتحِ ، وأجاب عنه ، قَالَ : فإن قيل : فهلاَّ جاز فُعِّل ؛ حَمْلاً على معنى \" كَمْ \" ؟\r","part":17,"page":182},{"id":7214,"text":"فالجواب : أن اللفظ قد مشى على جهة الإفراد في قوله : \" مِنْ نَبِيٍّ } ودلَّ الضمير المفرد \" مَعَهُ \" على أن المراد إنما هو التمثيلُ بواحدٍ واحدٍ ، فخرج الكلامُ على معنى \" كم \". قال : في هذه القراءةِ دلالةٌ على أنَّ من قرأ من السَّبْعَةِ \" قُتِلَ \" أو \" قَاتَل مَعَهُ رِبِّيُّونَ \" فإن \" ربِّيُّونَ \" مرفوعٌ في قراءته بـ \" قُتِل \" أو \" قَاتَل \" وليس مرفوعاً بالابتداء ، ولا بالظرف ، الذي هو \" مَعَه \".\rقال أبو حيّان : \" وليس بظاهر ؛ لأن \" كأين \" مثل \" كَمْ \" وأنتَ خبيرٌ إذا قلتَ : كم من عانٍ فككته ، فأفردت ، راعيت لفظ \" كم \" ومعناها جمع ، فإذا قلت : فككتهم ، راعيت المعنى ، وليس معنى مراعاة اللفظ إلا أنك أفردت الضمير ، والمراد به الجمع. فلا فرق من حيثُ المعنى - بين فككته وفككتهم ، كذلك لا فرق بين قتل معه ربيون ، وقتل معهم ربيون ، وإنما جاز مراعاة اللفظ تارةً ، ومراعاة المعنى تارة ؛ لأن مدلول \" كم \" و\" كأين \" كثير ، والمعنى : جمع كثير ، وإذا أخبرت عن جمع كثيرٍ فتارةً تفرد ؛ مراعاةً للفظ ، وتارة تجمع ؛ مراعاة للمعنى ، كما قال تعالى : { أَمْ يَقُولُونَ نَحْنُ جَمِيعٌ مُّنتَصِرٌ سَيُهْزَمُ الجمع وَيُوَلُّونَ الدبر } [ القمر : 44 و45 ] ، فقال : \" مُنْتَصِر \" وقال : \" وَيُوَلُّونَ \" فأفرد في \" مُنْتَصِرٌ \" وجمع في \" يُوَلُّونَ \".\rورجح بعضهم قراءة \" قَاتَلَ \" لقوله - بعد ذلك - : { فَمَا وَهَنُواْ } قال : وإذا قتلوا ، فكيف يوصفون بذلك ؟ إنما يوصف بهذا الأحياء ؟\rوالجوابُ : أن معناه : قتل بعضهم ، كما تقول : قُتِلَ بنو فلانٍ في وقعة كذا ، ثم انصرفوا.\r","part":17,"page":183},{"id":7215,"text":"وقال ابن عطية : قراءة من قَرَأ \" قَاتَلَ \" أعم في المدْحِ ؛ لأنه يدخل فيها من قتل ومن بقي ، ويحسن عندي - على هذه القراءة - إسنادُ الفعل إلى الربيين ، وعلى قراءة : قتل - إسناده إلى \" نبي \".\rقال أبو حيّان : \" قتل \" يظهر أنها مدح ، وهي أبلغ في مقصود الخطاب ؛ لأنها نَصٌّ في وقوع القتل ، ويستلزم المقاتلة. و\" قَاتَل \" لا تدلُّ على القتل ؛ إذ لا يلزم من المقاتلة وجود القتل ؛ فقد تكون مقاتلة ولا يقع قتل.\rقوله : { مِّن نَّبِيٍّ } تمييز لـ \" كَأيِّنْ \" لأنها مثل \" كم \" الخبرية.\rوزعم بعضهم أنه يلزم جره بـ \" من \" ولهذا لم يجئ في التنزيل إلا كذلك ، وهذا هو الأكثرُ الغالب. قال وقد جاء تمييزُها منصوباً ، قال الشاعرُ : [ الخفيف ]\rأطْرُدِ الْيَأسَ بِالرَّجَاءِ فَكَائِن... آلِماً حُمَّ يُسْرُهُ بَعْدَ عُسْرِ\rوقال آخر : [ الطويل ]\rفَكَائِنْ لَنَا فَضْلاً عَلَيْكُمْ وَرَحْمَةً... قَدِيماً ، وَلاَ تَدْرُونَ مَا مَنُّ مُنْعِمِ\rوأما جره فممتنع ؛ لأن آخرَها تنوين ، وهو لا يثبت مع الإضافة.\rو \" ربيون \" : جمع رِبِّيّ ، وهو العالم ، منسوب إلى الرَّبّ ، وإنما كُسِرت راؤه ؛ تغييراً في النسب ، نحو : إمْسِيّ - في النسبة إلى أمس - وقيل : كُسِر للإتباع.\rوقيل : لا تغيير فيه ، وهو منسوب إلى الرُّبة - وهي الجماعة - وقرأ الجمهور بكسر الرَّاءِ ، وقرأ عليّ ، وابنُ مسعودٍ ، وابن عبّاسٍ ، والحسنُ \" رُبِّيُّونَ \" - بضم الراء - وهو من تغيير النسبِ ، إذا قلنا : هو منسوب إلى الربِّ ، وقيل : لا تغيير ، وهو منسوب إلى الربة ، وهي الجماعة.\rقال القرطبيُّ \" واحدهم ربِّيّ - بكسر الراء وضمها \".\r","part":17,"page":184},{"id":7216,"text":"وقرأ ابنُ عباسٍ - في رواية قتادة - رَبِّيُّونَ ، بفتحها على الأصل ، إن قلنا : منسوب إلى الرَّبِّ ، وإلا فمن تغيير النسب ، إن قلنا : إنه منسوب إلى الربة.\rقال ابن جني : والفتح لغة تميم.\rوقال النقاشُ : \" هم المكثرون العلم \" من قولهم : رَبَ الشيء يربو - إذا كَثر - وهذا سَهْوٌ منه ؛ لاختلاف المادتين ؛ لأن تلك من راء وياء وواو ، وهذه من راء وباء مكررة. قال ابن عبَّاسٍ ومجاهدٌ وقتادةُ : الجماعات الكثيرة وقال ابنُ مسعودٍ : والربيون : الألوف.\rوقال الكلبيّ : الرِّبِّيَّة الواحدة : عشرة آلاف.\rوقال الضَّحَّاك : الرَّبِّيَّة الواحدة ألف ، وقال الحسنُ : رِبِّيُّون : فُقَهاء وعُلَماء.\rوقيل : هم الأتباع ، فالربانيون : الولاة ، والربانيون : الرعية. وحكى الواحديُّ - عن الفرّاءِ - الربانيون : الألوف.\rقوله : \" كَثِيرٌ \" صفة لِ \" رِبِّيُّونَ وإن كان بلفظ الإفرادِ ؛ لأن معناه الجمع.\rوالجمهورُ على \" وَهَنُوا \" - بفتح الهاء - والأعمش وأبو السَّمَّال بكسرها ، وهما لغتانِ : وَهَنَ يَهِنُ - كَوَعَدَ يَعِدُ - وَوَهَنَ يَوْهَنُ - كوَجَلَ يَوْجَلُ - وروي عن أبي السَّمَّال - أيضاً - وعِكْرمة : وهْنوا - بسكون الهاء - وهو من تخفيف فَعَل ؛ لأنه حرف حلق ، نحو نعم وشَهْد - في نَعِم وشَهِد-.\rقال القرطبيُّ : - عن أبي زيد - : \" وَهِنَ الشيء يَهِنُ وَهْناً ، وأوْهنته أنا ووهَّنْتُه : ضعَّفته ، والواهنة : أسفل الأضلاع وقصارَاها ، والوَهْن من الإبل : الكثيف ، والوَهْن : ساعة تمضي من الليل ، وكذلك المَوْهِن ، وأوهَنَّا : صِرْنا في تلك الساعة \".\rو { لِمَآ أَصَابَهُمْ } متعلق بـ \" وَهَنُوا \" و\" ما \" يجوز أن تكون موصولة اسمية ، أو مصدرية ، أو نكرة موصوفة.\r","part":17,"page":185},{"id":7217,"text":"وقرأ الجمهور { وَمَا ضَعُفُواْ } - بضم العين - وقرئ : ضَعَفُوا - بفتحها - وحكاها الكسائي لغة.\rقوله : { وَمَا استكانوا } فيه ثلاثةُ أقوالٍ : \rأحدها : أنه \" استفعل \" من الكَوْن - والكَوْن : الذُّلّ - وأصله : استكون ، فنُقِلَتْ حركة الواو على الكافِ ، ثم قُلِبَت الواو ألفاً.\rوقال الأزهريُّ وأبو علي : هو من قول العربِ : بَاتَ فُلان بكَيْنَةِ سوء - على وزن جَفْنَة - أي : بحالة سوء ، فألفه - على هذا من ياء ، والأصل : استكْيَن ، ففُعِل بالياء ما فُعِل بأختها. [ وهو القول الثاني ].\rالثالث : قال الفرّاء : وزنة \" افتعل \" من السكون ، وإنما أُشْبِعَت الفتحة ، فتولَّد منها ألف.\rكقول الشاعر : [ الرجز ]\rأعُوذُ باللهِ مِنَ الْعَقْرَابِ... الشَّائِلاَتِ عُقَدِ الأذْنَابِ\rيريد : العقرب الشائلة.\rورُدَّ على الفرّاء بأن هذه الألف ثابتة في جميع تصاريف الكلمةِ ، نحو : استكان ، يستكين ، فهو مستكينٌ ومُستكان إليه استكانةً. وبأنَّ الإشباعَ لا يكون إلا في ضرورةٍ.\rوكلاهما لا يلزمه ؛ أما الإشباع فواقع في القراءات - السبع - كما سيأتي-.\rوأما ثبوت الألف في تصاريف الكلمةِ فلا يدلُّ - أيضاً - لأن الزائدَ قد يَلْزَم ؛ ألا ترى أنَّ الميم - في تَمَنْدَل وتَمَدْرَع - زائدة ، ومع ذلك ثابتة في جميع تصاريفِ الكلمة ، قالوا : تَمَنْدَلَ ، يَتَمَنْدَلُ ، تَمَنْدُلاً ، فهو مُتَمَنْدِل ، ومُتَمَنْدَل به. وكذلك تَمَدْرَع ، وهما من الندل والدرع.\rوعبارة أبي البقاءِ أحسن في الرَّدِّ ؛ فإنه قال : \" لأن الكلمة ثبتت عينها في جميع تصاريفها تقول : استكان ، يستكين ، استكانة ، فهو مستكين ، ومُسْتكان له والإشباع لا يكون على هذا الحد \".\r","part":17,"page":186},{"id":7218,"text":"ولم يذكر متعلق الاستكانة والضعف - فلم يَقُلْ : فما ضَعُفُوا عن كذا ، وما استكانوا لكذا - للعلم ، أو للاقتصار على الفعلين - نحو { كُلُواْ واشربوا } [ الحاقة : 24 ] ليعم كُلَّ ما يصلح لهما.\rوقال الزمخشري : ما وَهَنُوا عند قَتْل النبيّ.\rوقيل : ما وَهَنُوا لقتل من قتل منهم.أ هـ {تفسير ابن عادل حـ 5 صـ 579 ـ 590}. بتصرف.\rمن لطائف الإمام القشيرى فى الآية\rقال رحمه الله :\r{ وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَمَا وَهَنُوا لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَمَا ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكَانُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ (146)}\rإنَّ الذين درجوا على الوفاء ، وقاموا بحق الصفاء ، ولم يرجعوا عن الطريق ، وطالبوا نفوسهم بالتحقيق ، وأخذوا عليها بالتضييق والتدقيق - وجدوا محبةَ الحقِّ سبحانه ميراثَ صبرِهم ، وكان الخَلَف عنهم الحقُّ عند نهاية أمرهم ، فما زاغوا عن شرط الجهد ، ولا زاغوا في حفظ العهد ، وسلّموا تسليماً ، وخرجوا عن الدنيا وكان كلٌّ منهم للعهد مقيماً مستديماً ، وعلى شرط الخدمة والوداد مستقيماً. أ هـ {لطائف الإشارات حـ 1 صـ 283}","part":17,"page":187},{"id":7219,"text":"قوله تعالى : { وَمَا كَانَ قَوْلَهُمْ إِلَّا أَنْ قَالُوا رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسْرَافَنَا فِي أَمْرِنَا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ (147)}\rمناسبة الآية لما قبلها\rقال البقاعى :\rولما أثنى سبحانه وتعالى على فعلهم أتبعه قولهم فقال : {وما كان} أي شيء من القول {قولهم} أي بسبب ذلك الأمر الذي دهمهم {إلا أن قالوا} أي وهم يجتهدون في نصر دين الله ناسبين الخذلان إلى أنفسهم بتعاطي أسبابه {ربنا اغفر لنا ذنوبنا} أي التي استوجبنا بها الخذلان {وإسرافنا في أمرنا} هضماً لأنفسهم ، فمع كونهم ربانيين مجتهدين نسبوا ما أصابهم إلى ذنوبهم ، فافعلو أنتم فعلهم لتنالوا من الكرامة ما نالوا ، كما أشار لكم سبحانه وتعالى إلى ذلك قبل الأخذ في قص القصة عندما وصف به المتقين من قوله : {أو ظلموا أنفسهم ذكروا الله فاستغفروا لذنوبهم} [ آل عمران : 135 ].\rولما دعوا بمحو ما أوجب الخذلان دعوا بثمرة المحو فقالوا : {وثبت أقدامنا} إشارة إلى أن الرعب من نتائج الذنب ، والثبات من ثمرات الطاعة - إنما تقاتلون الناس بأعمالكم - ثم أشاروا إلى أن قتالهم لهم إنما هو لله ، لا لحظ من حظوظ النفس أصلاً بقوله : {وانصرنا على القوم الكافرين }. أ هـ {نظم الدرر حـ 2 صـ 164}\rوقال الآلوسى :\rوقوله تعالى : { وَمَا كَانَ قَوْلَهُمْ } كالتتميم والمبالغة في صلابتهم في الدين وعدم تطرق الوهن والضعف إليهم بالكلية ، وهو معطوف على ما قبله ، وقيل : كلام مبين لمحاسنهم القولية إثر بيان محاسنهم الفعلية. أ هـ {روح المعانى حـ 4 صـ 84}\rفصل\rقال الفخر :\rقوله : {وَثَبّتْ أَقْدَامَنَا} يدل على أن فعل العبد خلق الله تعالى ، والمعتزلة يحملونه على فعل الألطاف. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 9 صـ 24}","part":17,"page":188},{"id":7220,"text":"فائدة\rقال الفخر :\rبين تعالى أنهم كانوا مستعدين عند ذلك التصبر والتجلد بالدعاء والتضرع بطلب الأمداد والإعانة من الله ، والغرض منه أن يقتدي بهم في هذه الطريقة أمة محمد صلى الله عليه وسلم ، فإن من عول في تحصيل مهماته على نفسه ذل ، ومن اعتصم بالله فاز بالمطلوب. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 9 صـ 24}\rفصل\rقال ابن عاشور :\rوقوله تعالى : { وما كان قولهم إلا أن قالوا ربنا اغفر لنا ذنوبنا } الآية عطف على { فما وهنوا } لأنَّه لمّا وصفهم برباطة الجأش ، وثبات القلب ، وصفهم بعد ذلك بما يدلّ على الثبات من أقوال اللِّسان الَّتي تجري عليه عند الاضطراب والجزع ، أي أنّ ما أصابهم لم يخالجهم بسببه تردّد في صدق وعد الله ، ولا بَدَر منهم تذمّر ، بل علموا أنّ ذلك لحكمة يعلمها سبحانه ، أو لعلَّه كان جزاء على تقصير منهم في القيام بواجب نصر دينه ، أو في الوفاء بأمانة التكليف ، فلذلك ابتهلوا إليه عند نزول المصيبة بقولهم : { ربنا اغفر لنا ذنوبنا وإسرافنا في أمرنا } خشية أن يكون ما أصابهم جزاء على ما فرط منهم ، ثُمّ سألوه النصر وأسبابه ثانياً فقالوا : { وثبت أقدامنا وانصرنا على القوم الكافرين } فلم يصُدّهم ما لحقهم من الهزيمة عن رجاء النَّصر ، وفي \"الموطأ\" ، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم \" يستجاب لأحدكم ما لم يعجّل يقول : دعوت فلم يُستجب لي \" فقصر قولهم في تلك الحالة الَّتي يندر فيها صدور مثل هذا القول ، على قولهم : { ربنا اغفر لنا } إلى آخره ، فصيغة القصر في قوله : { وما كان قولهم إلا أن قالوا } قصر إضافي لردّ اعتقاد من قد يتوهمّ أنَّهم قالوا أقوالاً تنبىء عن الجزع ، أو الهلع ، أو الشكّ في النَّصر ، أو الاستسلام للكفار.","part":17,"page":189},{"id":7221,"text":"وفي هذا القصر تعريض بالَّذين جزِعوا من ضعفاء المسلمين أو المنافقين فقال قائلهم : لو كلّمنا عبد الله بن أبي يأخذ لنا أماناً من أبي سفيان.\rوقدّم خبر ( كان ) على اسمها في قوله : { وما كان قولهم إلا أن قالوا } لأنَّه خبر عن مبتدأ محصور ، لأنّ المقصود حصر أقوالهم حينئذ في مقالة { ربنا اغفر لنا ذنوبنا } فالقصر حقيقي لأنَّه قصر لقولهم الصّادر منهم ، حين حصول ما أصابهم في سبيل الله ، فذلك القيد ملاحظ من المقام ، نظير القصر في قوله تعالى : { إنما كان قول المؤمنين إذا دعوا إلى الله ورسوله ليحكم بينهم أن يقولوا سمعنا وأطعنا } [ النور : 51 ] فهو قصر حقيقي مقيّد بزمان خاص ، تقييداً منطوقاً به ، وهذا أحسن من توجيه تقديم الخبر في الآية بأنّ المصدر المنسبك المؤوّل أعرف من المصدر الصّريح لدلالة المؤوّل على النسبة وزمان الحدث ، بخلاف إضافة المصدر الصّريح ، وذلك جائز في باب ( كان ) في غير صيغ القصر ، وأمَّا في الحصر فمتعيّن تقديم المحصور.\rوالمراد من الذنوب جميعها ، وعطف عليه بعض الذنوب وهو المعبّر عنه هنا بالإسراف في الأمر ، والإسراف هو الإفراط وتجاوز الحدّ ، فلعلّه أريد به الكبائر من الذنوب كما نقل عن ابن عبَّاس وجماعة ، وعليه فالمراد بقوله : أمرْنا ، أي ديننا وتكليفنا ، فيكون عطف خاص للاهتمام بطلب غفرانه ، وتمحّض المعطوف عليه حينئذ لبقية الذنوب وهي الصّغائر.","part":17,"page":190},{"id":7222,"text":"ويجوز عندي أن يكون المراد بالإسْراف في الأمر التقصير في شأنهم ونظامهم فيما يرجع إلى أهبة القتال ، والاستعداد له ، أو الحذر من العدوّ ، وهذا الظاهر من كلمة أمْر ، بأن يكونوا شكُّوا أن يكون ما أصابهم من هزيمتهم في الحرب مع عدوّهم ناشئاً عن سببين : باطننٍ وظاهر ، فالباطن هو غضب الله عليهم من جهة الذنوب ، والظاهرُ هو تقصيرهم في الاستعداد والحذر ، وهذا أولى من الوجه الأول. أ هـ {التحرير والتنوير حـ 3 صـ 245 ـ 246}\rفصل\rقال الفخر :\rقال القاضي : إنما قدموا قولهم : {ربَّنَا اغفر لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسْرَافَنَا فِى أَمْرِنَا} لأنه تعالى لما ضمن النصرة للمؤمنين ، فإذا لم تحصل النصرة وظهر أمارات استيلاء العدو ، دل ذلك ظاهراً","part":17,"page":191},{"id":7223,"text":"على صدور ذنب وتقصير من المؤمنين ؛ فلهذا المعنى يجب عليهم تقديم التوبة والاستغفار على طلب النصرة ، فبين تعالى أنهم بدأوا بالتوبة عن كل المعاصي وهو المراد بقوله : {ربَّنَا اغفر لَنَا ذُنُوبَنَا} فدخل فيه كل الذنوب ، سواء كانت من الصغائر أو من الكبائر ، ثم إنهم خصوا الذنوب العظيمة الكبيرة منها بالذكر بعد ذلك لعظمها وعظم عقابها وهو المراد من قوله : {وَإِسْرَافَنَا فِى أَمْرِنَا} لأن الإسراف في كل شيء هو الإفراط فيه ، قال تعالى : {قُلْ ياعبادى الذين أَسْرَفُواْ على أَنفُسِهِمْ} [ الزمر : 53 ] وقال : {فَلاَ يُسْرِف فّى القتل} [ الإسراء : 33 ] وقال : {كُلُواْ واشربوا وَلاَ تُسْرِفُواْ} [ الأعراف : 31 ] ويقال : فلان مسرف إذا كان مكثرا في النفقة وغيرها ، ثم إنهم لما فرغوا من ذلك سألوا ربهم أن يثبت أقدامهم ، وذلك بإزالة الخوف عن قلوبهم ، وإزالة الخواطر الفاسدة عن صدورهم ، ثم سألوا بعد ذلك أن ينصرهم على القوم الكافرين ، لأن هذه النصرة لا بد فيها من أمور زائدة على ثبات أقدامهم ، وهو كالرعب الذي يلقيه في قلوبهم ، وأحداث أحوال سماوية أو أرضية توجب انهزامهم ، مثل هبوب رياح تثير الغبار في وجوههم ، ومثل جريان سيل في موضع وقوفهم ، \rثم قال القاضي : وهذا تأديب من الله تعالى في كيفية الطلب بالأدعية عند النوائب والمحن سواء كان في الجهاد أو غيره. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 9 صـ 24}","part":17,"page":192},{"id":7224,"text":"من فوائد الآلوسى فى الآية\rقال رحمه الله :\r{ ربَّنَا اغفر لَنَا ذُنُوبَنَا } أي صغائرنا { وَإِسْرَافَنَا فِى أَمْرِنَا } أي تجاوزنا عن الحد ، والمراد كبائرنا وروي ذلك عن الضحاك ، وقيل : الإسراف تجاوز في فعل ما يجب ، والذنب عام فيه وفي التقصير ، وقيل : إنه يقابل الإسراف وكلاهما مذموم ، وسيأتي في هذه السورة إن شاء الله تعالى إطلاق الذنوب على الكبائر فافهم.\rوالظرف متعلق بما عنده أو حال منه وإنما أضافوا ذلك إلى أنفسهم مع أن الظاهر أنهم برآء من التفريط في جنب الله تعالى هضماً لأنفسهم واستقصاراً لهمهم وإسناداً لما أصابهم إلى أعمالهم ، على أنه لا يبعد أن يراد بتلك الذنوب وذلك الإسراف ما كان ذنباً وإسرافاً على الحقيقة لكن بالنسبة إليهم ، وحسنات الأبرار سيئات المقربين ، وقيل : أرادوا من طلب المغفرة طلب قبول أعمالهم حيث إنه لا يجب على الله تعالى شيء ، وفيه ما لا يخفى ، وقدموا الدعاء بالمغفرة على ما هو الأهم بحسب الحال من الدعاء بقوله سبحانه : { وَثَبّتْ أَقْدَامَنَا } أي عند جهاد أعدائك بتقوية قلوبنا وإمدادنا بالمدد الروحاني من عندك { وانصرنا عَلَى القوم الكافرين } تقريباً له إلى حيز القبول فإن الدعاء المقرون بالخضوع الصادر عن زكاء وطهارة أقرب إلى الاستجابة.","part":17,"page":193},{"id":7225,"text":"ومن الناس من قال : المراد من ثبت أقدامنا ثبتنا على دينك الحق فيكون تقديم طلب المغفرة على هذا التثبيت من باب تقديم التخلية على التحلية وتقديمهما على طلب النصرة لما تقدم ، وقيل : إنهم طلبوا الغفران أولاً ليستحقوا طلب النصر على الكافرين بترجحهم بطهارتهم عن الذنوب عليهم وهم محاطون بالذنوب ، وفي طلبهم النصر مع كثرتهم المفرطة التي دل عليها ما سبق إيذان بأنهم لا ينظرون إلى كثرتهم ولا يعوّلون عليها بل يسندون ثبات أقدامهم إلى الله تعالى ويعتقدون أن النصر منه سبحانه وتعالى ، وفي الإخبار عنهم بأنه ما كان قولهم إلا هذا دون ما فيه شائبة جزع وخور وتزلزل من التعريض بالمنهزمين ما لا يخفى. أ هـ {روح المعانى حـ 4 صـ 84 ـ 85}\rفائدة\rقال ابن عطية :\rوقولهم : { وثبت أقدامنا } يحتمل أن يجري مع ما قبله من معنى الاستغفار ، فيكون المعنى : اجعلنا دائبين على طاعتك والإيمان بك ، وتثبيت القدم على هذا : استعارة ، ويحتمل أن يكون في معنى ما بعده من قوله :\r{ وانصرنا على القوم الكافرين } فيراد ثبوت القدم حقيقة في مواقف الحرب ، \rقال ابن فورك : في هذا الدعاء رد على القدرية ، لقولهم : إن الله لا يخلق أفعال العبد ، ولو كان ذلك لم يسغ أن يدعي فيما لا يفعله. أ هـ {المحرر الوجيز حـ 1 صـ 522}","part":17,"page":194},{"id":7226,"text":"فصل\rقال البيضاوى :\r{ وَمَا كَانَ قَوْلَهُمْ إِلاَّ أَن قَالُواْ ربَّنَا اغفر لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسْرَافَنَا فِي أَمْرِنَا وَثَبّتْ أَقْدَامَنَا وانصرنا عَلَى القوم الكافرين } أي وما كان قولهم مع ثباتهم وقوتهم في الدين وكونهم ربانيين إلا هذا القول ، وهو إضافة الذنوب والإِسراف إلى أنفسهم هضماً لها وإضافة لما أصابهم إلى سوء أعمالها والاستغفار عنها ، ثم طلب التثبيت في مواطن الحرب والنصر على العدو ليكون عن خضوع وطهارة. أ هـ {تفسير البيضاوى حـ 2 صـ 101}\rفوائد لغوية\rقال ابن عادل :\rالجمهور على نصب { قَوْلِهِمْ } خبراً مقدَّماً ، والاسم \" أنْ \" وما في حيزها ، تقديره : وما كان قولهم [ إلا هذا الدعاء ، أي : هو دأبهم وديدنهم ].\rوقرأ ابن كثيرٍ وعاصم - في رواية عنهما - برفع \" قولُهم \" على أنه اسم \" كان \" والخبر \" أن \" وما في حيزها. وقراءة الجمهور أوْلَى ؛ لأنه إذا اجتمع معرفتانِ فالأولى أن تَجْعَل الأعرف اسماً ، و\" أن \" وما في حيزها أعْر أعْرَف ؛ قالوا : لأنها تُشْبِه المُضْمَر من حيثُ إنها لا تُضْمَر ، ولا تُوصَف ، ولا يُوصَف بها ، و\" قولهم \" مضافٌ لمُضْمَرٍ ، فَهُوَ في رُتْبَةِ العَلَمِ ، فهو أقلُّ تعريفاً.\rورَجَّحَ أبو البقاء قراءة الجمهور بوجهين :\rأحدهما : هذا ، والآخر : أن ما بعد \" إلاَّ \" مُثبَت ، والمعنى : كان قولَهُمْ : ربَّنَا اغْفِرْ لَنَا دَأبَهم في الدعاء ، وهو حَسَنٌ.\rوالمعنى : وما كان قولهم شيئاً من الأقوالِ إلا هذا القول الخاصّ.\rقوله : { في أَمْرِنَا } يَجُوز فيه وجهانِ :\rالأول : أنه متعلق بالمصدر قبله ، يقال : أسرفتُ في كذا.\rالثاني : أن يتعلق بمحذوف على أنَّه حَالٌ منه ، أي : حال كونه مستقراً في أمرنا. والأول أوجهُ. أ هـ {تفسير ابن عادل حـ 5 صـ 590 ـ 591}. بتصرف يسير.","part":17,"page":195},{"id":7227,"text":"وقال الآلوسى\rوقرأ ابن كثير وعاصم في رواية عنهما برفع { قَوْلُهُمْ } على أنه الاسم والخبر { إن } وما في حيزها أي ما كان قولهم شيئاً من الأشياء إلا هذا القول المنبىء عن أحاسن المحاسن ، قال مولانا شيخ الإسلام : \"وهذا كما ترى أقعد بحسب المعنى وأوفق بمقتضى المقام لما أن الإخبار بكون قولهم المطلق خصوصية قولهم المحكي عنهم مفصلاً كما تفيده قراءتهما أكثر إفادة للسامع من الإخبار بكون خصوصية قولهم المذكور قولهم لما أن مصب الفائدة وموقع البيان في الجمل الخبرية هو الخبر ، فالأحق بالخبرية ما هو أكثر إفادة وأظهر دلالة على الحدث وأوفر اشتمالاً على نسب خاصة بعيدة من الوقوع في الخارج وفي ذهن السامع ، ولا يخفى أن ذلك ههنا في أن مع ما في حيزها أتم وأكمل ، وأما ما تفيده الإضافة من النسبة المطلقة الإجمالية فحيث كانت سهلة الحصول خارجاً وذهناً كان حقها أن تلاحظ ملاحظة إجمالية وتجعل عنواناً للموضوع لا مقصوداً بالذات في باب البيان ، وإنما اختار الجمهور ما اختار والقاعدة صناعية هي أنه إذا اجتمع معرفتان فالأعرف منهما أحق بالإسمية ، ولا ريب في أعرفية أن قالوا لدلالته على جهة النسبة وزمان الحدث ولأنه يشبه المضمر من حيث إنه لا يوصف ولا يوصف به ، وقولهم مضاف إلى مضمر وهو بمنزلة العلم فتأمل\" انتهى.","part":17,"page":196},{"id":7228,"text":"وقال أبو البقاء : جعل ما بعد { إِلا } اسماً لكان ، والمصدر الصريح خبراً لها أقوى من العكس لوجهين : أحدهما : أن { أَن قَالُواْ } يشبه المضمر في أنه لا يوصف وهو أعرف ، والثاني : أن ما بعد { إِلا } مثبت ، والمعنى كان قولهم ربنا اغفر لنا ذنوبنا الخ دأبهم في الدعاء ، وقال العلامة الطيبي : كأن المعنى ما صح ولا استقام من الربانيين في ذلك المقام إلا هذا القول وكأن غير هذا القول مناف لحالهم ، وهذه الخاصية يفيدها إيقاع { إن } مع الفعل اسما لكان ، وتحقيقه ما ذكره صاحب \"الانتصاف\" من أن فائدة دخول { كَانَ } المبالغة في نفي الفعل الداخل عليه بتعديد جهة فعله عموماً باعتبار الكون وخصوصاً باعتبار خصوصية المقال فهو نفى مرتين ، ثم قال : فعلى هذا لو جعلت رب الجملة أن قالوا واعتمدت عليه وجعلت قولهم كالفضلة حصل لك ما قصدته ولو عكست ركبت التعسف ، ألا ترى إلى أبي البقاء كيف جعل الخبر نسياً منسياً في الوجه الثاني واعتمد على ما بعد إلا انتهى.\rومنه يعلم ما في كلام مولانا شيخ الإسلام فإنه متى أمكن اعتبار جزالة المعنى مع مراعاة القاعدة الصناعية لا يعدل عن ذلك إلى غيره لا سيما وقد صرحوا بأن جعل الاسم غير الاعرف ضعيف ، قال في \"المغني\" : واعلم أنهم حكموا لأن وإن المقدرتين بمصدر معرف بحكم الضمير لأنه لا يوصف كما أن الضمير أيضاً كذلك فلهذا قرأت السبعة { مَّا كَانَ حُجَّتَهُمْ إِلاَّ أَن قَالُواْ } [ الجاثية : 25 ] { فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلاَّ أَن قَالُواْ } [ النمل : 56 ] والرفع ضعيف كضعف الأخبار بالضمير عما دونه في التعريف انتهى ، وعلل بعضهم أعرفية المصدر المؤل بأنه لا ينكر.","part":17,"page":197},{"id":7229,"text":"وقد اعترضوا على كل من تعليلي ابن هشام والبعض ، أما الاعتراض على الأول فبأن كونه لا يوصف لا يقتضي تنزيله منزلة الضمير فكم اسم لا يوصف بل ولا يوصف به وليس بتلك المنزلة ؟ وأجيب بأنه جاز أن يكون في ذلك الإسم مانع من جعله بمنزلة الضمير لأن عدم المانع ليس جزءاً من المقتضى ولا شرطاً في وجوده ، وأما الاعتراض على الثاني فبأنه غير مسلم لأنه قد ينكر كما في { وَمَا كَانَ هذا القرءان أَن يفترى } [ يونس : 37 ] أي افتراءاً قاله الشهاب.","part":17,"page":198},{"id":7230,"text":"وأجيب بأن مراد من قال : إن المصدر المؤل لا ينكر أنه في مثل هذا الموضع لا ينكر لا أن الحرف المصدري لا يؤل بمصدر منكر أصلاً ، ويستأنس لذلك بتقييد المصدر بالمعرف في عبارة \"المغني\" حيث يفهم منها أن أن وإن تارة يقدران بمصدر معرف وتارة بمصدر منكر وأنهما إذا قدرا بمصدر معرف كان له حكم الضمير ، ومن هنا قال صاحب \"المطلع\" في معنى ذلك التعليل : إن قول المؤمنين إن اختزل عن الإضافة يبقى منكراً بخلاف { أَن قَالُواْ } بقي في كلام \"المغني\" أمور ، الأول : أن التقييد بأن وإن هل هو اتفاقي أم احترازي ؟ الذي ذهب إليه بعض المحققين الأول : احتجاجاً بأنه أطلق في الجهة السادسة من الباب الخامس أن الحرف المصدري وصلته في نحو ذلك معرفة فلا يقع صفة للنكرة ولم يخص بأن وإن وللذاهب إلى الثاني أن يقول فرق بين مطلق التعريف وكونه في حكم الضمير كما لا يخفى ، وابن هشام قد أخذ المطلق في المطلق وقيد المقيد بالمقيد فلا بأس بإبقاء كلا العبارتين على ما يتراءى منهما الثاني : أنه يفهم من ظاهره أن الاداتين لو قدرتا بمصدر منكر لا يكون في حكم الضمير وظاهر هذا أنه يجوز الوصف حينئذ وفيه تردد لأنه قد يقال : لا يلزم من عدم ثبوت مرتبة الضمير لذلك جواز الوصف لأن امتناع الوصف أعم من مرتبة الضمير ، ونفي الأخص لا يستلزم نفي الأعم.","part":17,"page":199},{"id":7231,"text":"الثالث : أنه يفهم من كلامه أن المصدر المقدر المعرف بالإضافة سواء أضيف إلى ضمير أو غيره بمثابة الضمير ولم يصرح أحد من الأئمة بذلك لكن حيث إن ابن هشام ثقة وإمام في الفن ولم ينقل عن أئمته ما يخالفه يقبل منه ما يقول ، الرابع : أن ما حكم به من أن الرفع ضعيف كضعف الإخبار بالضمير عما دونه في التعريف بينه وبين ما ذهب إليه ابن مالك من جواز الإخبار بالمعرفة عن النكرة المحضة في باب النواسخ بون عظيم ، ويؤيد كلام ابن مالك قوله تعالى : { فَإِنَّ حَسْبَكَ الله } [ الأنفال : 62 ] وكأنه لتحقيق هذا المقام ولما أشرنا إليه أولاً في تحقيق معنى الآية قال المولى قدس سره : فتأمل فتأمل. أ هـ {روح المعانى حـ 4 صـ 85 ـ 86}\rفائدة\rقال الجصاص :\rوقَوْله تَعَالَى : { وَمَا كَانَ قَوْلُهُمْ إلَّا أَنْ قَالُوا رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا } الْآيَةَ.\rفِيهِ حِكَايَةُ دُعَاءِ الرِّبِّيِّينَ مِنْ أَتْبَاعِ الْأَنْبِيَاءِ الْمُتَقَدِّمِينَ وَتَعْلِيمٌ لَنَا لَأَنْ نَقُولَ مِثْلَ قَوْلِهِمْ عِنْدَ حُضُورِ الْقِتَالِ ، فَيَنْبَغِي لِلْمُسْلِمِينَ أَنْ يَدْعُوا بِمِثْلِهِ عِنْدَ مُعَايَنَةِ الْعَدُوِّ ؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى حَكَى ذَلِكَ عَنْهُمْ عَلَى وَجْهِ الْمَدْحِ لَهُمْ وَالرِّضَا بِقَوْلِهِمْ لِنَفْعَلَ مِثْلَ فِعْلِهِمْ وَنَسْتَحِقَّ مِنْ الْمَدْحِ كَاسْتِحْقَاقِهِمْ. أ هـ {أحكام القرآن للجصاص حـ 2 صـ 326}\rمن لطائف الإمام القشيرى فى الآية\rقال عليه الرحمة :\r{ وَمَا كَانَ قَوْلَهُمْ إِلَّا أَنْ قَالُوا رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسْرَافَنَا فِي أَمْرِنَا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ (147)}\rتحققوا بحقائق المعنى فَخَرِسُوا عن إظهار الدعوى ، ثم نطقوا بلسان الاستغفار ، ووقفوا في موقف الاستحياء ، كما قيل :\rيتجنَّبُ الآثامَ ثم يخافها... فكأنَّما حسناتُه آثامُ. أ هـ {لطائف الإشارات حـ 1 صـ 283}","part":17,"page":200},{"id":7232,"text":"قوله تعالى : { فَآَتَاهُمُ اللَّهُ ثَوَابَ الدُّنْيَا وَحُسْنَ ثَوَابِ الْآَخِرَةِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (148)}\rمناسبة الآية لما قبلها\rقال البقاعى :\rفلما تم الثناء على فعلهم وقولهم ذكر ما سببه لهم ذلك من الجزاء فقال {فأتاهم الله} المحيط علماً وقدرةً {ثواب الدنيا} أي بأن قبل دعاءهم بالنصر والغنى بالغنائم وغيرها وحسن الذكر وانشراح الصدر وزوال شبهات الشر.\rولما كان ثواب الدنيا كيف ما كان لا بد أن يكون بالكدر مشوباً وبالبلاء مصحوباً ، لأنها دار الأكدار ؛ أعراه من وصف الحسن ، وخص الآخرة به فقال : {وحسن ثواب الآخرة} أي مجازاً بتوفيقهم إلى الأسباب في الدنيا ، وحقيقة في الآخرة ، فإنهم أحسنوا في هذا الفعال والمقال ، لكونهم لم يطلبوا بعبادتهم غير وجه الله ، فأحبهم لإحسانهم {والله} المحيط بصفات الكمال {يحب المحسنين} كلهم ، فهو جدير بأن يفعل بهم كل جميل ولذلك رفع منزلتهم ولم يجعل ثوابهم بعضاً ، كما فعل بمن عبد لإرادة الثواب فقال : {نؤته منها} [ آل عمران : 145 ] فقد بان أن هذه الآية منعطفة على ما أمر به الصحابة رضي الله عنهم على طريقة اللف والنشر المشوش ، فنفي الوهن تعريض بمن أشير إليه في آية {ولقد كنتم تمنون الموت} [ آل عمران : 143 ] ونحو ذلك والثناء لعى قولهم حث عل مثل ما ندبهم إليه في قولهم {ذكروا الله فاستغفروا لذنوبهم} [ آل عمران : 135 ] وثبات الإقدام إشارة إلى {وأنتم الأعلون إن كنتم مؤمنين} [ آل عمران : 139 ] وإلى أن ثبات القدم للنصر على أعداء الله كان شاغلاً لهم عن الالتفات إلى غيره ، وتعريض بمن أقبل على الغنائم وترك طلب العدو لتمام النصر المشار إليهم بآية {ومن يرد ثواب الدنيا نؤته منها} [ آل عمران : 145 ] وإيتاء الثواب ناظر إلى النهي عن الربا وما انتظم في سلكه وداناه ، وإلى الأمر بالمسارعة إلى الجنة وما والاه ، وإيماء إلى أن من فعل فعلهم نال ما نالوا ، ومن ترك شيئاً لله عوضه الله خيراً منه ، لأن علمه محيط ، وكرمه لا يحد ، وخزائنه لا تنفد ، بل لا تنقص ، ثم ختمها بما ختم به للحث على التخلق بأوصاف المتقين ؛ فقد اتضح بغير لبس أن المراد بهذه الآية - وهي الإخبار عن إيتائهم الثواب - التنبيه على أن أهم الأمور وأحقها بالبداءة التخلق بما","part":17,"page":201},{"id":7233,"text":"وعظوا به قبل قص القصة ، ولا ريب أن في مدح من سواهم تهييجاً زائداً لانبعاث نفوسهم وتحرك هممهم وتنبيه نشاطهم وثوران عزائمهم غيرة منهم أن يكون أحد - وهم خير أمة أخرجت للناس - أعلى همة وأقوى عزيمة وأشد شكيمة وأصلب عوداً واثبت عموداً وأربط جأشاً وأذكر لله وأرغب فيما عنده وأزهد فيما أعرض عنه منهم. أ هـ {نظم الدرر حـ 2 صـ 164 ـ 165}\rوقال الفخر :\rاعلم أنه تعالى لما شرح طريقة الربيين في الصبر ، وطريقتهم في الدعاء ذكر أيضا ما ضمن لهم في مقابلة ذلك في الدنيا والآخرة فقال : {فآتاهم الله ثَوَابَ الدنيا وَحُسْنَ ثَوَابِ الآخرة}. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 9 صـ 24}\rفصل\rقال الفخر :\rقوله : {فآتاهم الله} يقتضي أنه تعالى أعطاهم الأمرين ، \rأما ثواب الدنيا فهو النصرة والغنيمة وقهر العدو والثناء الجميل ، وانشراح الصدر بنور الإيمان وزوال ظلمات الشبهات وكفارة المعاصي والسيئات ، \rوأما ثواب الآخرة فلا شك أنه هو الجنة وما فيها من المنافع واللذات وأنواع السرور والتعظيم ، وذلك غير حاصل في الحال ، فيكون المراد أنه تعالى حكم لهم بحصولها في الآخرة ، فأقام حكم الله بذلك مقام نفس الحصول ، كما أن الكذب في وعد الله والظلم في عدله محال ، أو يحمل قوله : {فآتاهم} على أنه سيؤتيهم على قياس قوله : {أتى أَمْر الله} [ النحل : 1 ] أي سيأتي أمر الله.\rقال القاضي : ولا يمتنع أن تكون هذه الآية مختصة بالشهداء ، وقد أخبر الله تعالى عن بعضهم أنهم أحياء عند ربهم يرزقون ، فيكون حال هؤلاء الربيين أيضاً كذلك ، فإنه تعالى في حال إنزال هذه الآية كان قد آتاهم حسن ثواب الآخرة في جنان السماء. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 9 صـ 24}","part":17,"page":202},{"id":7234,"text":"لطيفة\rقال الفخر :\rخص تعالى ثواب الآخرة بالحسن تنبيها على جلالة ثوابهم ، وذلك لأن ثواب الآخرة كله في غاية الحسن ، فما خصه الله بأنه حسن من هذا الجنس فانظر كيف يكون حسنه ، ولم يصف ثواب الدنيا بذلك لقلتها وامتزاجها بالمضار وكونها ، منقطعة زائلة ، \rقال القفال رحمه الله : يحتمل أن يكون الحسن هو الحسن كقوله : {وَقُولُواْ لِلنَّاسِ حُسْنًا} [ البقرة : 83 ] أي حسنا ، والغرض منه المبالغة كأن تلك الأشياء الحسنة لكونها عظيمة في الحسن صارت نفس الحسن ، كما يقال : فلان جود وكرم ، إذا كان في غاية الجود والكرم ، والله أعلم. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 9 صـ 24 ـ 25}\rلطيفة\rقال الفخر :\rقال فيما تقدم : {وَمَن يُرِدْ ثَوَابَ الدنيا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَن يُرِدْ ثَوَابَ الآخرة نُؤْتِهِ مِنْهَا} [ آل عمران : 145 ] فذكر لفظة \"من\" الدالة على التبعيض فقال في الآية : {فآتاهم الله ثَوَابَ الدنيا وَحُسْنَ ثَوَابِ الآخرة} ولم يذكر كلمة \"من\" والفرق : أن الذين يريدون ثواب الآخرة إنما اشتغلوا بالعبودية لطلب الثواب ، فكانت مرتبتهم في العبودية نازلة ، وأما المذكورون في هذه الآية فإنهم لم يذكروا في أنفسهم إلا الذنب والقصور ، وهو المراد من قوله : {اغفر لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسْرَافَنَا فِى أَمْرِنَا} [ آل عمران : 147 ] ولم يروا التدبير والنصرة والإعانة إلا من ربهم ، وهو المراد بقوله : {وَثَبّتْ أَقْدَامَنَا وانصرنا عَلَى القوم الكافرين} [ آل عمران : 147 ] فكان مقام هؤلاء في العبودية في غاية الكمال ، فلا جرم أولئك فازوا ببعض الثواب ، وهؤلاء فازوا بالكل ، وأيضاً أولئك أرادوا الثواب ، وهؤلاء ما أرادوا الثواب.","part":17,"page":203},{"id":7235,"text":"وإنما أرادوا خدمة مولاهم فلا جرم أولئك حرموا وهؤلاء أعطوا ، ليعلم أن كل من أقبل على خدمة الله أقبل على خدمته كل ما سوى الله. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 9 صـ 25}\rلطيفة\rقال أبو حيان :\rقال علي : من عمل لدنياه أضرّ بآخرته ، ومن عمل لآخرته أضرّ بدنياه ، وقد يجمعهما الله تعالى لأقوام. أ هـ {البحر المحيط حـ 3 صـ 82}\rقوله تعالى : {والله يُحِبُّ المحسنين}\rلطيفة\rقال الفخر :\r{والله يُحِبُّ المحسنين} وفيه دقيقة لطيفة وهي أن هؤلاء اعترفوا بكونهم مسيئين حيث قالوا : {ربَّنَا اغفر لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسْرَافَنَا فِى أَمْرِنَا} فلما اعترفوا بذلك سماهم الله محسنين ، كأن الله تعالى يقول لهم :\rإذا اعترفت بإساءتك وعجزك فأنا أصفك بالإحسان وأجعلك حبيبا لنفسي ، حتى تعلم أنه لا سبيل للعبد إلى الوصول إلى حضرة الله إلا بإظهار الذلة والمسكنة والعجز.\rوأيضاً : إنهم لما أرادوا الإقدام على الجهاد طلبوا تثبيت أقدامهم في دينه ونصرتهم على العدو من الله تعالى ، فعند ذلك سماهم بالمحسنين ، وهذا يدل على أن العبد لا يمكنه الإتيان بالفعل الحسن ، إلا إذا أعطاه الله ذلك الفعل الحسن وأعانه عليه ، ثم إنه تعالى قال : {هَلْ جَزَاء الإحسان إِلاَّ الإحسان} [ الرحمن : 60 ] وقال : {لّلَّذِينَ أَحْسَنُواْ الحسنى وَزِيَادَةٌ} [ يونس : 26 ] وكل ذلك يدل على أنه سبحانه هو الذي يعطي الفعل الحسن للعبد ، ثم أنه يثيبه عليه ليعلم العبد أن الكل من الله وبإعانة الله. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 9 صـ 25}","part":17,"page":204},{"id":7236,"text":"من فوائد الآلوسى فى الآية\rقال رحمه الله :\r{ فآتاهم الله } أي بسبب قولهم ذلك كما تؤذن به الفاء { ثَوَابَ الدنيا } أي النصر والغنيمة قاله ابن جريج وقال قتادة : الفتح والظهور والتمكن والنصر على عدوهم ، قيل : وتسمية ذلك ثواباً لأنه مترتب على طاعتهم ، وفيه إجلال لهم وتعظيم ، وقيل : تسمية ذلك ثواباً مجاز لأنه يحاكيه.\rواستشكل تفسير ابن جريج بأن الغنائم لم تحل لأحد قبل الإسلام بل كانت الأنبياء إذا غنموا مالاً جاءت نار من السماء فأخذته فكيف تكون الغنيمة ثواباً دنيوياً ولم يصل للغانمين منها شيء ؟ا وأجيب بأن المال الذي تأخذه النار غير الحيوان ، وأما الحيوان فكان يبقى للغانمين دون الأنبياء عليهم الصلاة والسلام فكان ذلك هو الثواب الدنيوي { وَحُسْنَ ثَوَابِ الآخرة } أي وثواب الآخرة الحسن ، وهو عند ابن جريج رضوان الله تعالى ورحمته ، وعند قتادة هي الجنة ، وتخصيص الحسن بهذا الثواب للإيذان بفضله ومزيته وأنه المعتد به عنده تعالى ، ولعل تقديم ثواب الدنيا عليه مراعاة للترتيب الوقوعي ، أو لأنه أنسب بما قبله من الدعاء بالنصر على الكافرين.\r{ والله يُحِبُّ المحسنين } تذييل مقرر لما قبله فإن محبة الله سبحانه للعبد مبدأ كل خير وسعادة ، واللام إما للعهد ووضع الظاهر موضع المضمر إيذاناً بأن ما حكى عنهم من باب الإحسان ، وإما للجنس وهم داخلون فيه دخولاً أولياً وفيه على كلا التقديرين ترغيب للمؤمنين في تحصيل ما حكى من المناقب الجليلة. أ هـ {روح المعانى حـ 4 صـ 86}\rمن لطائف الإمام القشيرى فى الآية\rقال عليه الرحمة :\r{ فَآَتَاهُمُ اللَّهُ ثَوَابَ الدُّنْيَا وَحُسْنَ ثَوَابِ الْآَخِرَةِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (148)}\rقوله جلّ ذكره : { فَآتَاهُمُ اللهُ ثَوَابَ الدُّنْيَا }.","part":17,"page":205},{"id":7237,"text":"وأقل ذلك القناعة ثم الرضا ثم العيش معه ثم الأُنس في الجلوس بين يديه ثم كمال الفرح بلقائه ، ثم استقلال السرِّ بوجوده.\r{ وَحُسْنَ ثَوَابِ الآخِرَةِ وَاللهُ يُحِبُّ المُحْسِنِينَ }.\rيعني دخولهم الجنة محررون عنها ، غير داخلين في أسرها.\rويقال ثوابُ الدنيا والآخرة الغيبةُ عن الدارين برؤية خالقهما.\rولمّا قال { ثَوَابَ الدُّنْيَا } قال في الآخرة { وَحُسْنَ ثَوَابِ الآخِرَةِ } فوجب أن يكون لثواب الآخرة مزية على ثواب الدنيا حيث خصَّه بوصف الحسن ، وتلك المزية دوامها وتمامها وثمارها ، وأنها لا يشوبها ما ينافيها ، ويوقع آفةً فيها. أ هـ {لطائف الإشارات حـ 1 صـ 283 ـ 284}","part":17,"page":206},{"id":7238,"text":"قوله تعالى { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا الَّذِينَ كَفَرُوا يَرُدُّوكُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خَاسِرِينَ (149) بَلِ اللَّهُ مَوْلَاكُمْ وَهُوَ خَيْرُ النَّاصِرِينَ (150)}\rمناسبة الآيتين لما قبلهما\rقال البقاعى :\rولما أمر سبحانه وتعالى بطاعته الموجبة للنصر والأجر وختم بمحبته للمحسنين ، حذر من طاعة الكافرين المقتضية للخذلان رغبة في موالاتهم ومنا صرتهم فقال تعالى واصلاً بالنداء في آية الربا : {يا أيها الذين آمنوا} أي أقروا بالإيمان {إن تطيعوا} بخضوع واستئمان أو غيره {الذين كفروا} أي هذا الفريق منهم أو غيره {يردوكم على أعاقبكم} بتعكيس أحوالكم إلى أن تصيروا مثلهم ظالمين كافرين {فتنقلبوا خاسرين} في جميع أموركم في الدارين ، فتكونوا في غاية البعد من أحوال المحسنين ، فتكونوا بمحل السخط من الله صغرة تحت أيدي الأعداء في الدنيا خالدين في العذاب في الأخرى ، وذلك ناظر إلى قوله تعالى أول ما حذر من مكر الكفار\r{يا أيها الذين آمنوا إن تطيعوا فريقاً من الذين أوتوا الكتاب} [ آل عمران : 100 ] ، وموضح أن جميع هذه الآيات شديد اتصال بعضها ببعض - والله الموفق.\rولما كان التقدير : فلا تطيعوهم ، إنهم ليسوا صالحين للولاية مطلقاً ما دمتم مؤمنين ، عطف عليه قوله : {بل الله} أي الملك الأعظم {مولاكم} مخبراً بأنه ناصرهم وأن نصره لا يساويه نصر أحد سواه بقوله : {وهو خير الناصرين} أي لأن من نصره سبب له جميع أسباب النصر وأزال عنه كل أسباب الخذلان فمنع غيره - كائناً من كان - من إذلاله. أ هـ {نظم الدرر حـ 2 صـ 165 ـ 166}\rوقال الفخر :","part":17,"page":207},{"id":7239,"text":"اعلم أن هذه الآية من تمام الكلام الأول ، وذلك لأن الكفار لما أرجفوا أن النبي صلى الله عليه وسلم قد قتل ، ودعا المنافقون بعض ضعفة المسلمين إلى الكفر ، منع الله المسلمين بهذه الآية عن الالتفات إلى كلام أولئك المنافقين.\rفقال : {يا أيها الذين ءامَنُواْ إِن تُطِيعُواْ الذين كَفَرُواْ}. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 9 صـ 25}\rفصل\rقال الفخر :\rقيل : {إِن تُطِيعُواْ الذين كَفَرُواْ} المراد أبو سفيان ، فإنه كان كبير القوم في ذلك اليوم ، قال السدي : المراد أبو سفيان لأنه كان شجرة الفتن ، وقال آخرون : المراد عبدالله بن أبي وأتباعه من المنافقين ، وهم الذين ألقوا الشبهات في قلوب الضعفة وقالوا لو كان محمد رسول الله ما وقعت له هذه الواقعة ، وإنما هو رجل كسائر الناس ، يوما له ويوما عليه ، فارجعوا إلى دينكم الذي كنتم فيه ، وقال آخرون : المراد اليهود لأنه كان بالمدينة قوم من اليهود ، وكانوا يلقون الشبهة في قلوب المسلمين ، ولا سيما عند وقوع هذه الواقعة ، والأقرب أنه يتناول كل الكفار ، لأن اللفظ عام وخصوص السبب لا يمنع من عموم اللفظ. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 9 صـ 25 ـ 26}\rقوله : {إِن تُطِيعُواْ الذين كَفَرُواْ فَتَنقَلِبُواْ خاسرين}\rقال الفخر :\rقوله : {إِن تُطِيعُواْ الذين كَفَرُواْ} لا يمكن حمله على طاعتهم في كل ما يقولونه بل لا بد من التخصيص فقيل : إن تطيعوهم فيما أمروكم به يوم أحد من ترك الإسلام ، وقيل : إن تطيعوهم في كل ما يأمرونكم من الضلال ، وقيل في المشورة ، وقيل في ترك المحاربة وهو قولهم : {لو كانوا عندنا ما ماتوا وما قتلوا} [ آل عمران : 156 ].\rثم قال : {يَرُدُّوكُمْ على أعقابكم} يعني يردوكم إلى الكفر بعد الإيمان ، لأن قبول قولهم في الدعوة إلى الكفر كفر.\rثم قال : {فَتَنقَلِبُواْ خاسرين }.","part":17,"page":208},{"id":7240,"text":"واعلم أن اللفظ لما كان عاما وجب أن يدخل فيه خسران الدنيا والآخرة ، أما خسران الدنيا فلأن أشق الأشياء على العقلاء في الدنيا الانقياد للعدو والتذلل له وإظهار الحاجة اليه ، وأما خسران الآخرة فالحرمان عن الثواب المؤبد والوقوع في العقاب المخلد. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 9 صـ 26}\rفصل\rقال أبو حيان :\r{ يا أيها الذين آمنوا إن تطيعوا الذين كفروا يردوكم على أعقابكم فتنقلبوا خاسرين } الخطاب عامّ يتناول أهل أحد وغيرهم.\rوما زال الكفار مثابرين على رجوع المؤمنين عن دينهم ، ودّوا لو تكفرون كما كفروا فتكونون سواء.\rوودُّوا لو تكفرون ، لن تنفعكم { ودّ كثير من أهل الكتاب لو يردُّونكم من بعد إيمانكم كفاراً } { ودت طائفة من أهل الكتاب لو يضلونكم } وقيل : الخطاب خاص بمن كان مع رسول الله صلى الله عليه وسلم من المؤمنين يوم أحد.\rفعلى الأول علق على مطلق طاعتهم الرد على العقب والانقلاب بالخسران وهذا غاية في التحرز منهم والمجانبة لهم ، فلا يطاعون في شيء ولا يشاورون ، لأن ذلك يستجر إلى موافقتهم ، ويكون الذين كفروا عاماً.\rوعلى القول الثاني : يكون الذين كفروا خاصاً.\rفقال عليّ وابن عباس : هم المنافقون قالوا للمؤمنين لما رجعوا من أحد : لو كان نبياً ما أصابه الذي أصابه فارجعوا إلى إخوانكم.\rوقال ابن جريج : هم اليهود والنصارى وقاله : الحسن.\rوعنه : إن تستنصحوا اليهود والنصارى وتقبلوا منهم لأنهم كانوا يستغوونهم ، ويوقعون لهم الشبه ، ويقولون : لو كان لكم نبياً حقاً لما غلب ولما أصابه وأصحابه ما أصابهم ، وإنما هو رجل حاله كحال غيره من الناس ، يوماً له ويوماً عليه.\rوقال السدي : هم أبو سفيان وأصحابه من عباد الأوثان.\rوقال الحسن أيضاً : هو كعب وأصحابه.","part":17,"page":209},{"id":7241,"text":"وقال أبو بكر الرّازي : فيها دلالة على النهي عن طاعة الكفار مطلقاً ، لكن أجمع المسلمون على أنه لا يندرج تحته من وثقنا بنصحه منهم ، كالجاسوس والخرّيت الذي يهدي إلى الطريق ، وصاحب الرأي ذي المصلحة الظاهرة ، والزوجة تشير بصواب. أ هـ {البحر المحيط حـ 3 صـ 82}\rوقال ابن عجيبة عن هذا الخطاب : \rوقيل : عام في مطاوعة الكفرة والنزول على حكمهم ؛ فإنه يجر إلى موافقتهم على دينهم ، لا سيما إن طالت مدة الاستئمان.\rقلت : وهذا هو السبب في ارتداد من بقي من المسلمين بالأندلس حتى رجعوا نصارى ، هم وأولادهم ، والعياذ بالله من سوء القضاء. أ هـ {البحر المديد حـ 1 صـ 345}","part":17,"page":210},{"id":7242,"text":"من فوائد الآلوسى فى الآية\rقال رحمه الله :\r{ يا أيها الذين ءامَنُواْ إِن تُطِيعُواْ الذين كَفَرُواْ } شروع في زجر المؤمنين عن متابعة الكفار ببيان مضارها إثر ترغيبهم في الاقتداء بأنصار الأنبياء عليهم السلام ببيان فضائله ، وتصدير الخطاب بالنداء والتنبيه لإظهار الإعتناء بما في حيزه ، ووصفهم بالإيمان لتذكيرهم بحال ينافي تلك الطاعة فيكون الزجر على أكمل وجه والمراد من الذين كفروا إما المنافقون لأن الآية نزلت كما روي عن علي كرم الله تعالى وجهه حين قالوا للمؤمنين عند الهزيمة : ارجعوا إلى إخوانكم وادخلوا في دينهم والتعبير عنهم بذلك قصداً إلى مزيد التنفير عنهم والتحذير عن طاعتهم ، وإما أبو سفيان وأصحابه وحينئذ فالمراد بإطاعتهم الإستكانة لهم وطلب الأمان منهم وإلى ذلك ذهب السدي ، وإما اليهود والنصارى فالمراد حينئذ لا تنتصحوا اليهود والنصارى على دينكم ولا تصدقوهم بشيء في ذلك ، وإليه ذهب ابن جريج ، وحكي أنهم كانوا يلقون إليهم الشبه في الدين ويقولون : لو كان محمد صلى الله عليه وسلم نبياً حقاً لما غلب وَلمَا أصابه وأصحابه ما أصابهم وإنما هو رجل حاله كحال غيره من الناس يوماً عليه ويوماً له فنهوا عن الإلتفات إليها ، وإما سائر الكفار.\rوذهب إلى جواز ذلك بعض المتأخرين ، وأتى بإن للإيذان بأن الإطاعة بعيدة الوقوع من المؤمنين.\r{ يَرُدُّوكُمْ على أعقابكم } أي يرجعوكم إلى أول أمركم وهو الشرك بالله تعالى والفعل جواب الشرط.","part":17,"page":211},{"id":7243,"text":"وصح ذلك بناءاً على المأثور عن علي كرم الله تعالى وجهه من أن الكلام معه في قوة { إِن تُطِيعُواْ الذين كَفَرُواْ } في قولهم : ارجعوا إلى إخوانكم وادخلوا في دينهم يدخلوكم في دينهم ، ويؤول إلى قولك : إن تدخلوا في دينهم تدخلوا في دينهم وفيه اتحاد الشرط والجزاء بناءاً على أن الإرتداد على العقب علم في انتكاس الأمر ومثل في الحور بعد الكور ، وقيل : إن المراد بالإطاعة الهمّ بها والتصميم عليها أي إن تصمموا على إطاعتهم في ذلك تردوا وترجعوا إلى ما كنتم عليه من الكفر وهذا أبلغ في الزجر إلا أنه بعيد عن اللفظ ، وجوز أن تكون جوابيته باعتبار كونه تمهيداً لقوله تعالى : { فَتَنقَلِبُواْ خاسرين } أي فترجعوا خاسرين لخير الدنيا وسعادة الآخرة وذلك أعظم الخسران. أ هـ {روح المعانى حـ 4 صـ 87}\rوقال ابن عاشور : \rو { الَّذين كفروا } شائع في اصطلاح القرآن أن يراد به المشركون ، واللفظ صالح بالوضع لكلّ كافر من مشرك وكتابي ، مظهر أو منافق.\rوالردّ على الأعقاب : الارتداد ، والانقلاب : الرجوع ، وقد تقدّم القول فيهما عند قوله : { أفأين مات أو قتل انقلبتم على أعقابكم } [ آل عمران : 144 ] فالظاهر أنَّه أراد من هذا الكلام تحذير المؤمنين من أن يُخامرهم خاطر الدخول في صلح المشركين وأمانهم ، لأنّ في ذلك إظهار الضّعف أمامهم ، والحاجة إليهم ، فإذا مالوا إليهم استدرجوهم رويداً رويداً ، بإظهار عدم كراهية دينهم المخالف لهم ، حتَّى يردّوهم عن دينهم لأنَّهم لن يرضوا عنهم حتَّى يرجعوا إلى ملّتهم ، فالردّ على الأعقاب على هذا يحصل بالإخارة والمآل ، وقد وقعت هذه العبرة في طاعة مسلمي الأندلس لطاغية الجلالقة.","part":17,"page":212},{"id":7244,"text":"وعلى هذا الوجه تكون الآية مشيرة إلى تسفيهِ رأي من قال : \"لو كلّمنا عبد الله بن أبي يأخذ لنا أماناً من أبي سفيان\" كما يدلّ عليه قوله : { بل الله مولاكم }.\rويحتمل أن يراد من الطاعة طاعة القول والإشارة ، أي الامتثال ، وذلك قول المنافقين لهم : لو كان محمد نبيئاً ما قُتل فارجعوا إلى إخوانكم وملّتكم.\rومعنى الردّ على الأعقاب في هذا الوجه أنَّه يحصل مباشرة في حال طاعتهم إيّاهم. أ هـ {التحرير والتنوير حـ 3 صـ 247}\rقوله تعالى : {بَلِ الله مولاكم وَهُوَ خَيْرُ الناصرين}\rقال الفخر :\rوالمعنى أنكم إنما تطيعون الكفار لينصروكم ويعينوكم على مطالبكم وهذا جهل ، لأنهم عاجزون متحيرون ، والعاقل يطلب النصرة من الله تعالى ، لأنه هو الذي ينصركم على العدو ويدفع عنكم كيده ، ثم بين أنه خير الناصرين ، ولو لم يكن المراد بقوله : {مولاكم وَهُوَ خَيْرُ الناصرين} النصرة ، لم يصح أن يتبعه بهذا القول. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 9 صـ 26}.\rوقال الآلوسى :\r{ بَلِ الله مولاكم } إضراب وترك للكلام الأول من غير إبطال والمعنى ليس الكفار أولياء فيطاعوا في شيء ولا ينصرونكم بل الله ناصركم لا غيره.\r{ وَهُوَ خَيْرُ الناصرين } لأنه القوي الذي لا يغلب والناصر في الحقيقة فينبغي أن يخص بالطاعة والاستعانة ، والجملة معطوفة على ما قلبها. أ هـ {روح المعانى حـ 4 صـ 87}. بتصرف يسير.\rفائدة\rقال ابن عاشور :\rو { خير النَّاصرين } هو أفضل الموصوفين بالوصف ، فيما يراد منه ، وفي موقعه ، وفائدته ، فالنصر يقصد منه دفع الغلب عن المغلوب ، فمتى كان الدفع أقطع للغالب كان النصر أفضل ، ويقصد منه دفع الظلم فمتى كان النصر قاطعاً لظلم الظالم كان موقعه أفضل ، وفائدته أكمل ، فالنصر لا يخلو من مدحة لأنّ فيه ظهور الشَّجاعة وإباء الضيم والنجدة.","part":17,"page":213},{"id":7245,"text":"قال ودّاك بنُ ثمَيْل المازني :\rإذا استنجدوا لمْ يسْألوا من دعاهم\rلأية حرب أم بأي مكان...\rولكنّه إذا كان تأييداً لظالم أو قاطع طريق ، كان فيه دَخَل ومذمّة ، فإذا كان إظهاراً لحقِّ المحقّ وإبطالِ الباطل ، استكمل المحمدة ، ولذلك فَسّر النَّبيء صلى الله عليه وسلم نصر الظالم بما يناسب خُلُق الإسلام لمّا قال : \" انصر أخاك ظالماً ومظلوماً \" فقال بعض القوم : هذا أنصره إذا كان مظلوماً فكيف أنصره إذا كان ظالماً ؟ فقال : \" أنْ تنصره على نفسه فتكفّه عن ظلمه \". أ هـ {التحرير والتنوير حـ 3 صـ 247 ـ 248}\rوقال أبو حيان :\r{ وهو خير الناصرين } لما ذكر أنه مولاهم ، أي ناصرهم ذكر أنّه خير ناصر لا يحتاج معه إلى نصرة أحد ، ولا ولايته.\rوفي هذا دلالة على أن من قاتل لنصر دين الله لا يخذل ولا يغلب لأن الله مولاه.\rوقال تعالى : { إن تنصروا الله ينصركم } { إن ينصركم الله فلا غالب لكم }. أ هـ {البحر المحيط حـ 3 صـ 82 ـ 83}.\rفائدة\rقال الفخر :\rوإنما كان تعالى خير الناصرين لوجوه :\rالأول : أنه تعالى هو القادر على نصرتك في كل ما تريد ، والعالم الذي لا يخفى عليه دعاؤك وتضرعك ، والكريم الذي لا يبخل في جوده ، ونصرة العبيد بعضهم لبعض بخلاف ذلك في كل هذه الوجوه ، \rوالثاني : أنه ينصرك في الدنيا والآخرة ، وغيره ليس كذلك ، \rوالثالث : أنه ينصرك قبل سؤالك ومعرفتك بالحاجة ، كما قال : {قُلْ مَن يَكْلَؤُكُم باليل والنهار} [ الأنبياء : 42 ] وغيره ليس كذلك.\rواعلم أن قوله : {وَهُوَ خَيْرُ الناصرين} ظاهره يقتضي أن يكون من جنس سائر الناصرين وهو منزه عن ذلك ، لكنه ورد الكلام على حسب تعارفهم كقوله : {وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ} [ الروم : 27 ]. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 9 صـ 26}","part":17,"page":214},{"id":7246,"text":"فصل\rقال الطبرى :\rوإنما قيل : \"بل الله مولاكم\" ، لأن في قوله : \"إن تطيعوا الذين كفروا يردُّوكم على أعقابكم\" ، نهيًا لهم عن طاعتهم ، فكأنه قال : يا أيها الذين آمنوا لا تُطيعوا الذين كفروا فيردُّوكم على أعقابكم ، ثم ابتدأ الخبر فقال : \"بل الله مولاكم\" ، فأطيعوه ، دون الذين كفروا ، فهو خيرُ من نَصَر.\rولذلك رفع اسم\"الله\" ، ولو كان منصوبًا على معنى : بل أطيعوا الله مولاكم ، دون الذين كفروا كان وجهًا صحيحًا.\rويعني بقوله : \"بل الله مولاكم\" ، وليّكم وناصركم على أعدائكم الذين كفروا ، \"وهو خير الناصرين\" ، لا من فررتم إليه من اليهود وأهل الكفر بالله. فبالله الذي هو ناصركم ومولاكم فاعتصموا ، وإياه فاستنصروا ، دون غيره ممن يبغيكم الغوائل ، ويرصدكم بالمكاره. أ هـ {تفسير الطبرى حـ 7 صـ 278}\rفوائد لغوية\rقال ابن عادل :\rقوله : { بَلِ الله مَوْلاَكُمْ } مبتدأ وخبر ، وقرأ الحسنُ بنصب الجلالةِ ؛ على إضمار فِعْل يدل عليه الشرط الأول ، والتقدير : لا تطيعوا الذين كفروا ، بل أطيعوا الله ، و\" مَوْلاَكُمْ \" صفة.\rوقال مَكِّي : \" وأجاز الفرَّاء : بل الله - بالنصب - \" كأنه لم يطلع على أنها قراءة. أ هـ {تفسير ابن عادل حـ 5 صـ 593}.\rمن لطائف الإمام القشيرى فى الآية\rبل الله مولاكم : ناصركم ومعينكم وسيدكم ومصلح أموركم ، { وَهُوَ خَيْرُ النَّاصِرِينَ } : لأنه يعينكم على أنفسكم ليكفيكم شرَّها ، ومَنْ سواه يزيد في بلائكم إذا ناصروكم لأنهم يعينون أنفسكم عليكم.\r{ وَهُوَ خَيْرُ النَّاصِرِينَ } لأن مَنْ سواه يمن عليك بنصرته إياك ، وهو يجازيك على استنصارك به.\rويقال كل من استنصرت به احتجتَ إلى أن تُعْطِيَه شيئاً من كرائمك ثم قد ينصرك وقد لا ينصرك ، فإذا استنصرته - سبحانه - يعطيك كلّ لطيفة ، ولا يرضى بألا ينصرك. أ هـ {لطائف الإشارات حـ 1 صـ 284}","part":17,"page":215},{"id":7247,"text":"قوله تعالى : {سَنُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ بِمَا أَشْرَكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَمَأْوَاهُمُ النَّارُ وَبِئْسَ مَثْوَى الظَّالِمِينَ (151)}\rقال البقاعى :\r{سنلقي} أي بعظمتنا {في قلوب الذين كفروا الرعب} أي المقتضي لامتثال ما أمر به من الجرأة عليهم وعدم الوهن في أمرهم ، كما افتتح القصة بالإيماء إلى ذلك بالأمر بالسير في الأرض والنظر في عاقبة المكذبين ، ثم بين سبب ذلك فقال : {بما أشركوا بالله} أي ليعلموا قطعاً أنه لا ولي لعدوه لأنه لا كفوء له ، وبين بقوله : {ما لم ينزل} أي في وقت من الأوقات {به سلطاناً} أنه لا حجة لهم في الإشراك ، وما لم ينزل به سلطاناً فلا سلطان له ، ومادة سلط ترجع إلى القوة ، ولما كان التقدير : فعليهم الذل في الدنيا لاتباعهم ما لا قوة به ، عطف عليه : {ومأواهم النار} ثم هوّل أمرها بقوله : {وبئس مثوى الظالمين} أي هي ، وأظهر في موضع الإضمار للتعميم وتعليق الحكم بالوصف. أ هـ {نظم الدرر حـ 2 صـ 166}\rوقال الفخر :\rاعلم أن هذه الآية من تمام ما تقدم ذكره ، فإنه تعالى ذكر وجوها كثيرة في الترغيب في الجهاد وعدم المبالاة بالكفار ، ومن جملتها ما ذكر في هذه الآية أنه تعالى يلقي الخوف في قلوب الكفار ، ولا شك أن ذلك مما يوجب استيلاء المسلمين عليهم. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 9 صـ 27}","part":17,"page":216},{"id":7248,"text":"وقال الآلوسى :\r{ سَنُلْقِى فِى قُلُوبِ الذين كَفَرُواْ الرعب } كالبيان لما قبل ، وعبر بنون العظمة على طريق الالتفات جرياً على سنن الكبرياء لتربية المهابة ، والسين لتأكيد الإلقاء ، و( الرعب ) بسكون العين الخوف والفزع أي سنقذف ذلك في قلوبهم ، والمراد من الموصول أبو سفيان وأصحابه ، فقد أخرج ابن جرير عن السدي قال : \"لما ارتحل أبو سفيان والمشركون يوم أحد متوجهين نحو مكة انطلق أبو سفيان حتى بلغ بعض الطريق ثم إنهم ندموا فقالوا : بئس ما صنعتم إنكم قتلتموهم حتى إذا لم يبق إلا الشريد تركتموهم ارجعوا فاستأصلوا فقذف الله تعالى في قلوبهم الرعب فانهزموا فلقوا أعرابياً فجعلوا له جُعْلاً فقالوا له إن لقيت محمداً صلى الله عليه وسلم وأصحابه فأخبرهم بما قد جمعنا لهم فأخبر الله تعالى رسول الله صلى الله عليه وسلم فطلبهم حتى بلغ حمراء الأسد فأنزل الله تعالى في ذلك هذه الآية يذكر فيها أمر أبي سفيان وأصحابه ، وقيل : إن الآية نزلت في يوم الأحزاب ، وفي \"صحيح مسلم\" عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : \" نصرت بالرعب على العدو \" ، وأخرج أحمد وغيره من حديث أبي أمامة \" نصرت بالرعب مسيرة شهر يقذف في قلوب أعدائي \" ، وقرىء { سيلقى } بالياء ، وقرأ أبو جعفر وابن عامر والكسائي { كَفَرُواْ الرعب } بضم العين وهي لغة فيه ، وقيل : الضم هو الأصل والسكون للتخفيف ، وقيل : الأصل السكون والضم للإتباع. أ هـ {روح المعانى حـ 4 صـ 87 ـ 88}\rفصل\rقال الفخر :\rاختلفوا في أن هذا الوعد هل هو مختص بيوم أحد ، أو هو عام في جميع الأوقات ؟\rقال كثير من المفسرين : إنه مختص بهذا اليوم ، وذلك لأن جميع الآيات المتقدمة إنما وردت في هذه الواقعة ، ثم القائلون بهذا القول ذكروا في كيفية إلقاء الرعب في قلوب المشركين في هذا اليوم وجهين :","part":17,"page":217},{"id":7249,"text":"الأول : أن الكفار لما استولوا على المسلمين وهزموهم أوقع الله الرعب في قلوبهم ، فتركوهم وفروا منهم من غير سبب ، حتى روي أن أبا سفيان صعد الجبل ، وقال : أين ابن أبي كبشة ، وأين ابن أبي قحافة ، وأين ابن الخطاب ، فأجابه عمر ، ودارت بينهما كلمات ، وما تجاسر أبو سفيان على النزول من الجبل والذهاب إليهم ، \rوالثاني : أن الكفار لما ذهبوا إلى مكة ، فلما كانوا في بعض الطريق قالوا : ما صنعنا شيئاً ، قتلنا الأكثرين منهم ، ثم تركناهم ونحن قاهرون ، ارجعوا حتى نستأصلهم بالكلية ، فلما عزموا على ذلك ألقى الله الرعب في قلوبهم.\rوالقول الثاني : أن هذا الوعد غير مختص بيوم أحد ، بل هو عام.\rقال القفال رحمه الله : كأنه قيل إنه وإن وقعت لكم هذه الواقعة في يوم أحد إلا أن الله تعالى سيلقي الرعب منكم بعد ذلك في قلوب الكافرين حتى يقهر الكفار ، ويظهر دينكم على سائر الأديان.\rوقد فعل الله ذلك حتى صار دين الإسلام قاهراً لجميع الأديان والملل ، ونظير هذه الآية قوله عليه السلام \" نصرت بالرعب مسيرة شهر \". أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 9 صـ 27}\rلطيفة\rقال القرطبى :\rوالإلقاء يستعمل حقيقة في الأجسام ؛ قال الله تعالى : { وَأَلْقَى الألواح } [ الأعراف : 150 ] { فَأَلْقَوْاْ حِبَالَهُمْ وَعِصِيَّهُمْ } [ الشعراء : 44 ] { فألقى موسى عَصَاهُ } [ الشعراء : 45 ].\rقال الشاعر :\rفألقَتْ عصاها واستقر بها النَّوَى . . .\rثم قد يستعمل مجازاً كما في هذه الآية ، وقوله : { وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِنِّي }.\rوألقى عليك مسألة. أ هـ {تفسير القرطبى حـ 4 صـ 232 ـ 233}","part":17,"page":218},{"id":7250,"text":"وقال ابن عاشور :\rوالإلقاءُ حقيقته رمي شيء على الأرض { فألقوا حبالهم وعصيّهم } [ الشعراء : 44 ] ، أو في الماء { فألقِيه في اليمّ } [ القصص : 7 ] ويطلق على الإفضاء بالكلام { يُلقُون السمع } [ الشعراء : 223 ] وعلى حصول الشيء في النفس كأنّ ملقياً ألقاه أي من غير سبق تهيّؤ { وألقينا بينهم العداوة والبغضاء } [ المائدة : 64 ] وهو هنا مجاز في الجعل والتَّكوين كقوله : { وقذف في قلوبهم الرعب } [ الأحزاب : 26 ]. أ هـ {التحرير والتنوير حـ 3 صـ 248}\rفصل\rقال الفخر :\rقرأ ابن عامر والكسائي {الرعب} بضم العين ، والباقون بتخفيفها في كل القرآن ، قال الواحدي : هما لغتان ، يقال : رعبته رعبا ورعبا وهو مرعوب ، ويجوز أن يكون الرعب مصدرا ، والرعب اسم منه. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 9 صـ 27}\rفائدة\rقال الفخر :\rالرعب : الخوف الذي يحصل في القلب ، وأصل الرعب الملء ، يقال سيل راعب إذا ملأ الأودية والأنهار ، وإنما سمي الفزع رعبا لأنه يملأ القلب خوفا. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 9 صـ 27}\rفصل\rقال الفخر :\rظاهر قوله : {سَنُلْقِى فِى قُلُوبِ الذين كَفَرُواْ الرعب} يقتضي وقوع الرعب في جميع الكفار ، فذهب بعض العلماء إلى اجراء هذا العموم على ظاهره ، لأنه لا أحد يخالف دين الإسلام إلا وفي قلبه ضرب من الرعب من المسلمين ، إما في الحرب ، وإما عند المحاجة.\rوقوله تعالى : {سَنُلْقِى فِى قُلُوبِ الذين كَفَرُواْ الرعب} لا يقتضي وقوع جميع أنواع الرعب في قلوب الكفار ، إنما يقتضي وقوع هذه الحقيقة في قلوبهم من بعض الوجوه ، وذهب جمع من المفسرين إلى أنه مخصوص بأولئك الكفار. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 9 صـ 27}","part":17,"page":219},{"id":7251,"text":"فصل\rقال ابن عاشور :\rوالرعب : الفزع من شدّة خوف ، وفيه لغتان الرعْب بسكون العين والرعُب بضم العين وقرأه الجمهور بسكون العين وقرأه ابن عامر ، والكسائي بضم العين.\rوالبَاء في قوله : { بما أشركوا بالله } للعِوض وتسمّى باء المقابلة مثل قولهم : هذه بتلك ، وقوله تعالى : { جزاء بما كسبا } [ المائدة : 38 ] ، وهذا جزاء دنيوي رتّبهُ الله تعالى على الإشراك به ، ومن حكمته تعالى أن رتّب على الأمور الخبيثة آثاراً خبيثة ، فإنّ الشرك لمّا كان اعتقاد تأثير من لا تأثير له ، وكان ذلك الاعتقاد يرتكز في نفوس معتقديه على غير دليل ، كان من شأن معتقده أن يكون مضطرِب النَّفس متحيّراً في العاقبة في تغلّب بعض الآلهة على بعض ، فيكون لكلّ قوم صَنم هم أخصّ به ، وهم في تلك الحالة يعتقدون أنّ لغيره من الأصنام مثل ما له من القدرة والغيرة.\rفلا تزال آلهتهم في مغالبة ومنافرة.\rكمَا لا يزال أتباعهم كذلك ، والَّذين حالهم كما وصفنا لا يستقرّ لهم قرار في الثِّقة بالنَّصر في حروبهم ، إذ هم لا يدرون هل الربح مع آلهتهم أم مع أضدادها ، وعليه فقوله : { ما لم ينزل به سلطاناً } صلة أجريت على المشرك به ليس القصد بها تعريف الشركاء ، ولكن قصد بها الإيماء إلى أنَّه من أسباببِ إلقاء الرعب في قلوبهم ، إذ هم على غير يَقين فيما أشركوا واعتقدوا ، فقلوبهم وَجِلة متزلزلة ، إذ قد علم كلّ أحد أن الشركاء يَستحيل أن ينزل بهم سلطان.","part":17,"page":220},{"id":7252,"text":"فإن قلتَ : ما ذكرتَه يقتضي أنّ الشرك سبب في إلقاء الرعب في قلوب أهله ، فيتعيّن أن يكون الرعب نازلاً في قلوبهم من قبل هذه الوقعة ، والله يقول { سنلقي } \" أي في المستقبل ، قلت : هو كذلك إلاّ أنّ هذه الصّفات تستكنّ في النفوس حتَّى يدعو داعي ظهورها ، فالرعب والشجاعة صفتان لا تظهران إلا عند القتال ، وتقويان وتضعفان ، فالشجاع تزيد شجاعته بتكرّر الانتصار ، وقد ينزوي قليلاً إذا انهزم ثُمّ تعود له صفته سرعَى.\rكما وصفه عمرو بن الإطْنابَةِ في قوله : \rوقَوْلي كُلَّمَا جَشَأتْ وجَاشَتْ...\rمَكَانَككِ تُحْمَدِي أوْ تَسْتَرِيحِي\rوقول الحُصَيْنِ بن الحُمَام : \rتَأخَّرْتُ أسْتَبْقِي الحياة فلم أجدْ...\rلِنَفْسِي حَيَاة مثلَ أنْ أتَقدّمَا\rوكذلك الرعب والجبن قد يضعف عند حصول بارقة انتصار ، فالمشركون لما انهزموا بادِىء الأمر يومَ أُحُد ، فُلَّت عزيمتهم ، ثُمّ لمّا ابتلَى الله المؤمنين بالهزيمة راجعَهم شيء من الشجاعة والازدهاء ، ولكنّهم بعد انصرافِهم عَاوَدَتْهم صفاتهم ، ( وتأبَى الطِبَاعُ عَلى الناقل ).\rفقوله : { سنُلقي } أي إلقاءَ إعادةِ الصفة إلى النُّفوس ، ولك أن تجعل السين فيه لمجرّد التَّأكيد أي ألقينا ونُلقي ، ويندفع الإشكال.","part":17,"page":221},{"id":7253,"text":"وكثير من المفسِّرين ذكروا أنّ هذا الرعب كانت له مظاهر : منها أنّ المشركين لمَّا انتصروا على المسلمين كان في مكنتهم أن يوغلوا في استئصالهم إلاّ أنّ الرعب صدّهم عن ذلك ، لأنَّهم خافوا أن تعود عليهم الهزيمة ، وتدور عليهم الدائرة ، ومنها أنَّهم لمَّا انصرفوا قاصدين الرجوع إلى مكَّة عنّ لهم في الطريق ندم ، وقالوا : لو رجعنا فاقتفينا آثار محمد وأصحابه ، فإنّا قتلناهم ولم يبق إلاّ الفَلّ والطَّريد ، فلْنرجع إليهم حتَّى نستأصلهم ، وبلغ ذلك النَّبيء صلى الله عليه وسلم فندب المسلمين إلى لقائهم ، فانتدبوا ، وكانوا في غاية الضعف ومثقّلين بالجراحة ، حتَّى قيل : إنّ الواحد منهم كان يحمل الآخر ثمّ ينزل المحمول فيحمل الَّذي كان حامله ، فقيّض الله مَعْبَد بنَ أبي مَعْبَد الخُزَاعي وهو كافر فجاء إلى رسول الله فقال : \"إنّ خزاعة قد ساءها ما أصابك ولوَدِدْنا أنَّك لم تُرزأ في أصحابك\" ثُمّ لحق معبد بقريش فأدركهم بالرّوْحَاء قد أجمعوا الرجعة إلى قتال المسلمين فقال له أبو سفيان : ما وراءَك يا معبد ، قال : محمد وأصحابه قد خرجوا يطلبونكم في جمع لم أر مثله قط ، يتحرّقون عليكم ، قد اجتمع معه من كان تخلّف عنه ، فقال : ويلك ، ما تقول ؟ قال : ما أرى أنَّك ترتحلُ حتَّى ترى نواصي الخيل ولقد حملني ما رأيت منه على أن قلتُ فيه : \rكَادَت تُهَدّ من الأصوات راحلتي...\rإذْ سالت الأرض بالجُرْد الأبابيلِ\rتَرْدِي بأسْدٍ كراممٍ لا تَنابِلَةٍ...\rعند اللِّقاء ولا مِيللٍ مَعَازِيلِ\rفَظَلْتُ أعْدُو وأظُنّ الأرض مائلة...\rلمّا سَمَوا برَئيس غير مخذولِ\rفوقع الرّعب في قلوب المشركين وقال صفوان بن أميَّة : لا ترجعوا فإنِّي أرى أنَّه سيكون للقوم قتال غير الَّذي كان. أ هـ {التحرير والتنوير حـ 3 صـ 248 ـ 250}","part":17,"page":222},{"id":7254,"text":"قوله تعالى : {بِمَا أَشْرَكُواْ بالله}\rقال الفخر :\rاعلم أن \"ما\" مصدرية ، والمعنى : بسبب إشراكهم بالله.\rواعلم أن تقدير هذا بالوجه المعقول هو أن الدعاء إنما يصير في محل الاجابة عند الاضطرار كما قال : {أَمَّن يُجِيبُ المضطر إِذَا دَعَاهُ} [ النحل : 62 ] ومن اعتقد أن لله شريكا لم يحصل له الاضطرار ، لأنه يقول : إن كان هذا المعبود لا ينصرني ، فذاك الآخر ينصرني ، وإن لم يحصل في قلبه الاضطرار لم تحصل الاجابة ولا النصرة ، وإذا لم يحصل ذلك وجب أن يحصل الرعب والخوف في قلبه ، فثبت أن الإشراك بالله يوجب الرعب. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 9 صـ 27 ـ 28}\rقوله : {مَا لَمْ يُنَزّلْ بِهِ سلطانا}\rفصل\rقال الفخر :\rالسلطان ههنا هو الحجة والبرهان ، وفي اشتقاقه وجوه : الأول : قال الزجاج : إنه من السليط وهو الذي يضاء به السراج ، وقيل للأمراء سلاطين لأنهم الذين بهم يتوصل الناس إلى تحصيل الحقوق.\rالثاني : أن السلطان في اللغة هو الحجة ، وإنما قيل للأمير سلطان ، لأن معناه أنه ذو الحجة.\rالثالث : قال الليث : السلطان القدرة ، لأن أصل بنائه من التسليط وعلى هذا سلطان الملك : قوته وقدرته ، ويسمى البرهان سلطاناً لقوته على دفع الباطل.\rالرابع : قال ابن دريد : سلطان كل شيء حدته ، وهو مأخوذ من اللسان السليط ، والسلاطة بمعنى الحدة. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 9 صـ 28}\rوقال القرطبى :\rقوله تعالى : { مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَاناً } حجّةً وبياناً ، وعُذْراً وبرهاناً ؛ ومن هذا قيل للوالي سلطان ؛ لأنه حجة الله عزّ وجلّ في الأرض.\rويُقال : إنه مأخوذ من السَّلِيط وهو ما يُضاء به السِّراج ، وهو دُهْنُ السّمْسِم ؛ قال امرؤ القيس :\rأَمَالَ السَّلِيطَ بالذُّبَالِ المُفَتَّلِ . . .\rفالسلطان يُستضاء به في إظهار الحق وقمع الباطل.","part":17,"page":223},{"id":7255,"text":"وقيل السَّلِيط الحديد.\rوالسَّلاطَة الحدّة.\rوالسلاطة من التسليط وهو القهر ؛ والسلطان من ذلك ، فالنون زائدة.\rفأصل السلطان القوّة ، فإنّه يُقهر بها كما يُقهر بالسلطان.\rوالسَّلِيطَة المرأة الصَّخَّابَةِ.\rوالسَّلِيط الرجل الفصيح اللسان.\rومعنى هذا أنه لم تثبت عبادة الأوثان في شيء من المِلَل ، ولم يَدلّ عقلٌ على جواز ذلك. أ هـ {تفسير القرطبى حـ 4 صـ 233}\rفصل\rقال الفخر :\rقوله : {مَا لَمْ يُنَزّلْ بِهِ سلطانا} يوهم أن فيه سلطانا إلا أن الله تعالى ما أنزله وما أظهره ، إلا أن الجواب عنه أنه لو كان لأنزل الله به سلطانا ، فلما لم ينزل به سلطاناً وجب عدمه ، وحاصل الكلام فيه ما يقوله المتكلمون : أن هذا مما لا دليل عليه فلم يجز إثباته ، ومنهم من يبالغ فيقول : لا دليل عليه فيجب نفيه ، ومنهم من احتج بهذا الحرف على وحدانية الصانع ، فقال : لا سبيل إلى إثبات الصانع إلا باحتياج المحدثات اليه ، ويكفي في دفع هذه الحاجة إثبات الصانع الواحد ، فما زاد عليه لا سبيل إلى إثباته فلم يجز إثباته. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 9 صـ 28}","part":17,"page":224},{"id":7256,"text":"وقال الآلوسى : \r{ بِمَا أَشْرَكُواْ بالله } أي بسبب إشراكهم بالذات الواجب الوجود المستجمع لجميع صفات الكمال ولإشعار هذا الاسم بالعظمة المنافية للشركة أتى به ، والجار الأول متعلق ، ب سنلقي دون الرعب ولا يمنع من ذلك تعلق في به لاختلاف المعنى والثاني متعلق بما عنده وكان الاشراك سبباً لالقاء الرعب لأنه من موجبات خذلانهم ونصر المؤمنين عليهم وكلاهما من دواعي الرعب { مَا لَمْ يُنَزّلْ بِهِ } أي بإشراكه ، وقيل : بعبادته ، وما نكرة موصوفة أو موصولة اسمية وليست مصدرية { سلطانا } أي حجة ، والإتيان بها للإشارة بأن المتبع في باب التوحيد هو البرهان السماوي دون الآراء والأهواء الباطلة ، وسميت بذلك لأنه بها يتقوى على الخصم ويتسلط عليه ، والنون زائدة ، وقيل : أصلية ، وذكر عدم إنزال الحجة مع استحالة تحققها من باب انتفاء المقيد لانتفاء قيده اللازم أي لا حجة حتى ينزلها ، فهو على حد قوله في وصف مفازة : \rلا يفزع الأرنب أهوالها...\rولا ترى الضب بها ينجحر\rإذ المراد لا ضب بها حتى ينجحر فالمراد نفيهما جميعاً وهذا كقولهم : السالبة لا تقتضي وجود الموضوع ، وما ذكرنا من استحالة تحقق الحجة على الإشراك يكاد يكون معلوماً من الدين بالضرورة","part":17,"page":225},{"id":7257,"text":"أما في الإشراك بالربوبية فظاهر إذ كيف يأمر الله سبحانه باعتقاد أن خالق العالم اثنان مشتركان في وجوب الوجود والاتصاف بكل كمال ، وأما الإشراك في الألوهية الذي عليه أكثر المشركين في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فلأنه يفضي إلى الأمر باعتقاد أشياء خلاف الواقع مما كان المشركون يعتقدونه في أصنامهم وقد ردّه عليهم ، فقول عصام الملة : ونحن نقول الحجة على الإشراك تحت قدرته تعالى لو شاء أنزلها إذ لو أمر بإشراك الأصنام به في العبادة لوجبت العبادة لا أراه إلا حلا لعصام الدين لأن لا إله إلا الله المخاطب بها الثنوية والوثنية تأبى إمكان ذلك كما لا يخفى على من اطلع على معنى هذه الكلمة الطيبة رزقنا الله تعالى الموت عليها ولا جعلنا ممن أشركوا بالله تعالى ما لم ينزل به سلطاناً. أ هـ {روح المعانى حـ 4 صـ 88}\rفائدة\rقال الفخر :\rهذه الآية دالة على فساد التقليد ، وذلك لأن الآية دالة على أن الشرك لا دليل عليه ، فوجب أن يكون القول به باطلا ، وهذا إنما يصح إذا كان القول باثبات ما لا دليل على ثبوته يكون باطلا ، فيلزم فساد القول بالتقليد. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 9 صـ 28}\rقوله تعالى : {وَمَأْوَاهُمُ النار }\rقال الفخر :\rواعلم أنه تعالى بين أن أحوال هؤلاء المشركين في الدنيا هو وقوع الخوف في قلوبهم ، وبين أحوالهم في الآخرة ، وهي أن مأواهم ومسكنهم النار. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 9 صـ 28}\rقوله تعالى {وَبِئْسَ مثوى الظالمين}\rقال الفخر :\rالمثوى : المكان الذي يكون مقر الأنسان ومأواه ، من قولهم : ثوى يثوي ثويا ، وجمع المثوى مثاوي. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 9 صـ 28}","part":17,"page":226},{"id":7258,"text":"وقال الآلوسى :\r{ وَبِئْسَ مثوى الظالمين } أي مثواهم وإنما وضع الظاهر موضع الضمير للتغليظ والتعليل والإشعار بأنهم في إشراكهم ظالمون واضعون للشيء في غير موضعه. أ هـ {روح المعانى حـ 4 صـ 88}\rلطيفة\rقال أبو حيان :\rونبه على الوصف الذي استحقوا به النار وهو الظلم ، ومجاوزة الحد إذ أشركوا بالله غيره.\rكما قال : { إن الشرك لظلم عظيم }. أ هـ {البحر المحيط حـ 3 صـ 84}\rفوائد لغوية\rقال ابن عادل :\rقوله : { سَنُلْقِي } الجمهور بنون العظمة ، وهو التفات من الغيبة - في قوله : { وَهُوَ خَيْرُ الناصرين } وذلك للتنبيه على عظم ما يلقيه - تعالى -.\rوقرأ أيوب السَّخْتِيانيّ \" سَيُلْقِي \" بالغيبة ؛ جَرْياً على الأصل. وقدم المجرور على المفعول به ؛ اهتماماً بذكر المحلّ قبل ذكر الحَال : والإلقاء - هنا - مجاز ؛ لأن أصلَه في الأجرام ، فاستُعِيرَ هنا ، كقول الشَّاعر : [ الطويل ]\rهُمَا نَفَثَا فِي فِيء مِنْ فَمَويْهِمَا... عَلَى النَّابِحِ الْعَاوِي أشَدَّ رِجَامِ\rوقرأ ابنُ عامرٍ والكسائيُّ ، وأبو جعفرٍ ، ويعقوبُ : \" الرُّعْب \" و\" رُعْباً \" - بضم العين - والباقون بالإسكان فقيل : هما لغتان.\rوقيل : الأصل الضم ، وخُفِّف ، وهذا قياس مطردٌ.\rوقيل : الأصلُ السكون ، وضُمَّ إتباعاً كالصبْح والصبُح ، وهذا عكس المعهود من لغة العربِ.\rوالرُّعْب : الخوف ، يقال : رعبته ، فهو مرعوب ، وأصله من الامتلاء ، يقال : رَعَبْتُ الحوض ، أي : ملأته وسَيْل راعب ، أي : ملأ الوادي.","part":17,"page":227},{"id":7259,"text":"قوله : { فِي قُلُوبِهِمْ } [ آل عمران : 156 ] متعلق بالإلقاء ، وكذلك { بِمَآ أَشْرَكُواْ } ولا يضر تعلُّق الحرفين ؛ لاختلاف معناهما ، فإن \" في \" للظرفية ؛ الباء للسببية. و\" ما \" مصدرية ، و\" ما \" الثانية مفعول به لِ \" أشْرَكُوا \" وهي موصولة بمعنى الذي ، أو نكرة موصوفة ، والراجع : الهاء في \" به \" ولا يجوز أن تكون مصدرية - عند الجمهورِ - لعود الضمير عليها ، وتسلط النفي على الإنزال - لفظاً - والمقصود نفي السلطان - أي : الحجة - كأنه قيل : لا سُلطان على الإشراك فينزل.\rكقول الشاعر : [ السريع ]\r................... وَلاَ تَرَى الضَّبَّ بِهَا يَنْجَحِرْ\rأي لا ينجحر الضَّبُّ بها ، فيُرَى.\rومثله قول الشاعر : [ الطويل ]\rعَلَى لاَحِبٍ لا يُهْتَدَى بِمَنَارِهِ...................\rأي : لا منار فيهتدى به ، فالمعنى على نَفْي السلطان والإنزال معاً. و\" سُلْطَاناً \" مفعول به لِ \" يُنَزِّلُ \".\rقوله : { بِمَآ أَشْرَكُواْ } \" ما \" مصدرية ، والمعنى : بسبب إشراكهم باللهِ ، وتقريره : أن الدعاء إنما يصير في محل الإجابة عند الاضطرار ، كقوله : { أَمَّن يُجِيبُ المضطر إِذَا دَعَاهُ } [ النمل : 62 ] ومن اعتقد أن لله شريكاً لم يحصل له الاضطرار ؛ لأنه يقول : إذا كان هذا المعبودُ لا ينصرني ، فالآخر ينصرني ، وإذا لم يحصل في قلبه الاضطرارُ لم تحصل له الإجابةُ ولا النصرة وإذا لم يحصل ذلك وجب أن يحصل الرعبُ والخوفُ في قلبه فثبت أن الشركَ باللهِ يوجب الرعبَ.\rقوله : { وَبِئْسَ مثوى الظالمين } المخصوصُ بالذَّمِّ محذوفٌ ، أي : مثواهم ، أو النار.\rالمثوى : مَفْعَل ، من ثَوَيْتُ - أي : أقمت - فلامه ياء وقدم المأوى - وهو المكان الذي يأوي إليه الإنسان - على المَثْوَى - وهو مكان الإقامةِ - لأن الترتيبَ الوجوديَّ أن يأوي ، ثم يئوي ، ولا يلزم المأوى الإقامة ، بخلاف عكسه. أ هـ {تفسير ابن عادل حـ 5 صـ 594 ـ 596}. بتصرف يسير.","part":17,"page":228},{"id":7260,"text":"قوله تعالى : { وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ إِذْ تَحُسُّونَهُمْ بِإِذْنِهِ حَتَّى إِذَا فَشِلْتُمْ وَتَنَازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ وَعَصَيْتُمْ مِنْ بَعْدِ مَا أَرَاكُمْ مَا تُحِبُّونَ مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الْآَخِرَةَ ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ لِيَبْتَلِيَكُمْ وَلَقَدْ عَفَا عَنْكُمْ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ (152)}\rمناسبة الآية لما قبلها\rقال البقاعى :\rولما كانت السين في {سنلقي} مفهمة للاستقبال كان ذلك ربما أوهم أنه لم يرغبهم فيما مضى ، فنفى هذا الوهم محققاً لهم ذلك بتذكيرهم بما أنجز لهم من وعده في أول هذه الوقعة مدة تلبسهم بما شرط عليهم من الصبر والتقوى بقوله تعالى - عطفاً على قوله : {بلى إن تصبروا وتتقوا} [ آل عمران : 125 ] ، مصرحاً بما لوح إليه تقديراً قبل {ولقد نصركم الله ببدر} [ آل عمران : 123 ] كما مضى - : {ولقد صدقكم الله وعده} أي في قوله {وإن تصبروا وتتقوا لا يضركم كيدهم} [ آل عمران : 120 ] {إذ تحسونهم} أي تقتلونهم بعضهم بالفعل والباقين بالقوة التي هيأها لكم {بإذنه} فإن الحسن بالفتح : القتل والاستئصال - قاله في القاموس.","part":17,"page":229},{"id":7261,"text":"ثم بين لهم سبب هزيمتهم بعد تمكينه منهم ليكون رادعاً لهم عن المعاودة إلى مثله فقال مبيناً لغاية الحسن : {حتى إذا فشلتم} أي ضعفتم وتراخيتم بالميل إلى الغنيمة خلاف ما تدعو إليه الهمم العوالي ، فكيف بهم إذا كانوا من حزب مولى الموالي! فلو كانت العرب على حال جاهليتها تتفاخر بالإقبال على الطعن والضرب في مواطن الحرب والإعراض عن الغنائم - كما قال عنترة بن شداد العبسي يفتخر : \rهلا سألت الخيل يا ابنة مالك . . .\rإن كنت جاهلة بما لم تعلمي\rإذ لا أزال على رحالة سابح . . .\rنهد تعاوره الكماة مكلم\rطوراً يعرض للطعان وتارة . . .\rيأوي إلى حصد القسي عرموم\rيخبرك من شهد الوقيعة أنني . . .\rأغشى الوغى وأعفّ عند المغنم\rوقال يفاخر بقومه كلهم : \rإنا إذا حمس الوغى نروي القنا . . .\rونعف عند مقاسم الأنفال\rولما ذكر الفشل عطف عليه ما هو سببه في الغالب فقال : {وتنازعتم} أي بالاختلاف ، وأصله من نزع بعض شيئاً من يد بعض {في الأمر} أي أمر الثغر المأمور بحفظه {وعصيتم} أي وقع العصيان بينكم بتضييع الثغر.\rوأثبت الجار تصويراً للمخالفة بأنها كانت عقب رؤية النصر سواء ، وتبشيراً بزوالها فقال : {من بعد ما أراكم ما تحبون} أي من حسهم بالسيوف وهزيمتهم.\rولما كان ذلك ربما أفهم أن الجميع عصوا نفي ذلك معللاً للعصيان بقوله : {منكم من يريد الدنيا} أي قد أغضى عن معايبها التي أجلاها فناؤها.\rولما كان حكم الباقين غير معين للفهم من هذه الجملة قال : {ومنكم من يريد الآخرة} وهم الثابتون في مراكزهم ، لما يعرجوا على الدنيا.","part":17,"page":230},{"id":7262,"text":"ولما كان التقدير جواباً لإذا : سلطهم عليكم ، عطف عليه قوله : {ثم صرفكم عنهم} أي لاندهاشكم إتيانهم إليكم من ورائكم ، وعطفه بثم لاستبعادهم للهزيمة بعد ما رأوا من النصرة {ليبتليكم} أي يفعل في ذلك فعل من يريد الاختبار في ثباتكم على الدين في حالي السراء والضراء.\rولما كان اختباره تعالى بعصيانهم شديد الإزعاج للقلوب عطف على قوله {صرفكم} {ولقد عفا عنكم} أي تفضلاً عليكم لإيمانكم {والله} الذي له الكمال كله {ذو فضل على المؤمنين} أي كافة ، وهو من الإظهار في موضع الإضمار للتعميم وتعليق الحكم بالوصف. أ هـ {نظم الدرر حـ 2 صـ 166 ـ 167}\rفصل\rقال الفخر :\rاعلم أن اتصال هذه الآية بما قبلها من وجوه :\rالأول : أنه لما رجع رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه إلى المدينة وقد أصابهم ما أصابهم بأحد ، قال ناس من أصحابه : من أين أصابنا هذا وقد وعدنا الله النصر! فأنزل الله تعالى هذه الآية.\rالثاني : قال بعضهم كان النبي صلى الله عليه وسلم رأى في المنام أنه يذبح كبشا فصدق الله رؤياه بقتل طلحة بن عثمان صاحب لواء المشركين يوم أحد ، وقتل بعده تسعة نفر على اللواء فذاك قوله : {وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ الله وَعْدَهُ} يريد تصديق رؤيا الرسول صلى الله عليه وسلم.\rالثالث : يجوز أن يكون هذا الوعد ما ذكره في قوله تعالى : {بَلَى إِن تَصْبِرُواْ وَتَتَّقُواْ وَيَأْتُوكُمْ مّن فَوْرِهِمْ هذا يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ} [ آل عمران : 125 ] إلا أن هذا كان مشروطاً بشرط الصبر والتقوى.\rوالرابع : يجوز أن يكون هذا الوعد هو قوله : {وَلَيَنصُرَنَّ الله مَن يَنصُرُهُ} [ الحج : 40 ] إلا أن هذا أيضاً مشروط بشرط.\rوالخامس : يجوز أن يكون هذا الوعد هو قوله : {سَنُلْقِى فِى قُلُوبِ الذين كَفَرُواْ الرعب} [ آل عمران : 151 ]","part":17,"page":231},{"id":7263,"text":"والسادس : قيل : الوعد هو أن النبي صلى الله عليه وسلم قال للرماة : \" لا تبرحوا من هذا المكان ، فإنا لا نزال غالبين ما دمتم في هذا المكان \"\rالسابع : قال أبو مسلم : لما وعدهم الله في الآية المتقدمة إلقاء الرعب في قلوبهم أكد ذلك بأن ذكرهم ما أنجزهم من الوعد بالنصر في واقعة أحد ، فإنه لما وعدهم بالنصرة بشرط أن يتقوا ويصبروا فحين أتوا بذلك الشرط لا جرم ، وفى الله تعالى بالمشروط وأعطاهم النصرة ، فلما تركوا الشرط لا جرم فاتهم المشروط. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 9 صـ 29}\rوقال ابن عاشور :\r{ ولقد صدقكم } عطف على قوله : { سنلقى في قلوب الذين كفروا الرعب } [ آل عمران : 151 ] وهذا عود إلى التَّسلية على ما أصابهم ، وإظهار لاستمرار عناية الله تعالى بالمؤمنين ، ورمز إلى الثقة بوعدهم بإلقاء الرعب في قلوب المشركين ، وتبيين لسبب هزيمة المسلمين : تطميناً لهم بذكر نظيره ومماثله السابقِ ، فإنّ لذلك موقعاً عظيماً في الكلام على حدّ قولهم ( التَّاريخ يعيد نفسه ) وليتوسّل بذلك إلى إلقاء تَبِعة الهزيمة عليهم ، وأنّ الله لم يُخلفهم وعده ، ولكن سوء صنيعهم أوقعهم في المصيبة كقوله : { وما أصابك من سيئة فمن نفسك } [ النساء : 79 ]. أ هـ {التحرير والتنوير حـ 3 صـ 251}\rفصل\rقال القرطبى :\rقال محمد بن كعب القرظي : لما رجع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة بعد أحُد وقد أصيبوا قال بعضهم لبعض : من أين أصابنا هذا وقد وعدنا الله النصر! فنزلت هذه الآية.\rوذلك أنهم قتلوا صاحبَ لِوَاء المشركين وسبعةَ نفر منهم بعدَه على اللواء ، وكان الظفر ابتداءً للمسلمين غير أنهم اشتغلوا بالغنيمة ، وترك بعضُ الرّماة أيضاً مركزَهم طلباً للغنيمة فكان ذلك سبب الهزيمة.","part":17,"page":232},{"id":7264,"text":"روى البخاري \" عن البَرَاء بن عازب قال : لما كان يوم أحُدٍ ولقينا المشركين أجلس رسول الله صلى الله عليه وسلم أناساً من الرُّماة وأمَّر عليهم عبد الله بن جبير وقال لهم : \"لا تبرحوا من مكانكم ( إن رأيتمونا ظهرنا عليهم فلا تبرحوا ) وإن رأيتموهم قد ظهروا علينا فلا تُعينونا عليهم\" \" قال : فلمّا التقى القوم وهزمهم المسلمون حتى نظرنا إلى النساء يَشّتَدِدْن في الجبل ، وقد رفعن عن سُوقِهن قد بدت خلاخِلُهن فجعلوا يقولون : الغنيمةَ الغنيمةَ.\rفقال لهم عبد الله : أمهلوا أما عَهِد إليكم رسول الله صلى الله عليه وسلم ألاّ تبرحوا ، فانطلقوا فلما أتوهم صرف الله وجوههم وقُتِل من المسلمين سبعون رجلاً.\rثم إنّ أبا سفيان بن حرب أشرف علينا وهو في نَشَزٍ فقال : أفي القوم محمدٌ ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : \"لا تُجيبوه\" حتى قالها ثلاثاً.\rثم قال : أفي القوم ابن أبي قُحافة ؟ ثلاثاً ، فقال النبيّ ؛ \"لا تُجيبوه\" ثم قال : أفي القوم عمر ( بن الخطاب ) ؟ ثلاثاً ، فقال النبيّ : \"لا تُجيبوه\" ثم التفت إلى أصحابه فقال : أمّا هؤلاء فقد قتِلوا.\rفلم يملك عمر رضي الله عنه نفسه دون أن قال : كذبتَ يا عدوّ اللها قد أبقى الله لك من يُخزِيك به.\rفقال : أُعْلُ هُبَل ؛ مرتين.\rفقال النبيّ صلى الله عليه وسلم : \"أجيبوه\" فقالوا : ما نقول يا رسول الله ؟ قال \"قولوا اللَّهُ أعلى وأجَلّ\".\rقال أبو سفيان : لنا العُزَّى ولا عُزّى لكم.\rفقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : \"أجيبوه\".\rما نقول يا رسول الله ؟ قال : قولوا \"الله مولانا ولا مَوْلَى لكم\".\rقال أبو سفيان : يومٌ بِيَوْم بَدْرٍ ، والحرب سِجَال ، أمَا إنكم ستجدون في القوم مُثْلة لم آمر بها ولم تسؤْني.","part":17,"page":233},{"id":7265,"text":"وفي البخاري ومسلم عن سعد بن أبي وقاصٍ قال : رأيت عن يمين رسول الله صلى الله عليه وسلم وعن شماله يوم أحُد رجلين عليهما ثياب بيض يقاتلان عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أشدّ القتال.\rوفي رواية عن سعد : عليهما ثياب بيض ما رأيتهما قبلُ ولا بعدُ.\rيعني جِبريل ومِيكائيل.\rوفي رواية أخرى : يقاتلان عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أشدّ القتال ما رأيتهما قبل ذلك اليوم ولا بعده.\rوعن مجاهد قال : لم تقاتل الملائكة معهم يومئذ ، ولا قبله ولا بعده إلاَّ يوم بدر.\rقال البيهقُي ؛ إنما أراد مجاهد أنهم لم يقاتلوا يوم أُحُد عن القوم حين عصوا الرسول ولم يصبروا على ما أمرهم به.\rوعن عروة بن الزبير قال : وكان الله عزّ وجلّ وعدهم على الصبر والتقوى أن يُمِدَّهم بخمسة آلافٍ من الملائكة مسوّمين : وكان قد فعل : فلما عَصَوْا أمر الرسول وتركوا مَصَافَّهُم وترك الرماةُ عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم إليهم ألاّ يبرحوا من منازلهم ، وأرادوا الدنيا ، رُفع عنهم مددُ الملائكة ، وأنزل الله تعالى : { وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ الله وَعْدَهُ إِذْ تَحُسُّونَهُمْ بِإِذْنِهِ } فصدق الله وعده وأراهم الفتح ، فلما عَصَوْا أعقبهم البلاء.\rوعن عمير بن إسحاق قال : لما كان يوم أحُد انكشفوا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وسعْدٌ يَرِمي بين يديه ، وفَتًى يُنَبِّل له ، كلما ذهبت نَبْلَةٌ أتاه بها.\rقال : \"ارْمِ أبا إسحاق\".\rفلما فرغوا نظروا مَن الشابّ ؟ فلم يروه ولم يعرفوه.\rوقال محمد بن كعب : ولما قُتِل صاحب لواءِ المشركين وسقط لواؤهم ، رفعته عَمْرَة بنت علقمة الحارِثية ؛ وفي ذلك يقول حَسّان : \rفَلولاَ لِواءُ الحارِثِية أصبحوا . . .\rيباعُون في الأسواق بَيْعَ الجلائب. أ هـ {تفسير القرطبى حـ 4 صـ 234 ـ 235}","part":17,"page":234},{"id":7266,"text":"وقال ابن عطية : \rوسبب هذه الآية : أنه لما ارتحل أبو سفيان بالكفار بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم علي بن أبي طالب وقال : انظر القوم ، فإن كانوا قد جنبوا الخيل وركبوا الإبل فهم متشمرون إلى مكة ، وإن كانوا على الخيل فهم عائدون إلى المدينة ، فمضى علي فرآهم قد جنبوا الخيل فأخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فسر وسر المسلمون ، ثم رجع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة فتجهز واتبع المشركين يريهم الجلد ، فبلغ حمراء الأسد وأن أبا سفيان قال له كفار قريش : أحين قتلناهم وهزمناهم ولم يبق إلا الفل والطريد ننصرف عنهم ؟ ارجع بنا إليهم حتى نستأصلهم فعزموا على ذلك ، وكان معبد بن أبي معبد الخزاعي قد جاء إلى رسول الله عليه السلام وهو على كفره ، إلا أن خزاعة كلها كانت تميل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقال له ، والله يا محمد لقد ساءنا ما أصابك ، ولوددنا أنك لم ترزأ في أصحابك ، فلما سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم والناس بما عزمت عليه قريش من الانصراف ، اشتد ذلك عليهم ، فسخر الله ذلك الرجل معبد بن أبي معبد ، وألقى بسببه الرعب في قلوب الكفار ، وذلك أنه لما سمع الخبر ، ركب حتى لحق بأبي سفيان بالروحاء ، وقريش قد أجمعوا الرجعة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه ، فلما رأى أبو سفيان معبداً قال : ما وراءك يا معبد ؟ قال : محمد قد خرج في أصحابه يطلبكم في جمع لم أرى مثله قط ، يتحرقون عليكم ، قد اجتمع إليه من كان تخلف عنه ، وندموا على ما صنعوا ، قال : ويلك ما تقول ؟ قال والله ما أرى أن ترتحل حتى ترى نواصي الخيل ، قال : فوالله لقد أجمعنا الكرة عليهم لنستأصل بقيتهم ، قال : فإني أنهاك عن ذلك ، والله لقد حملني ما رأيت على أن قلت فيه شعراً قال وما قلت ؟ قال قلت : [ البسيط ]","part":17,"page":235},{"id":7267,"text":"كادت تُهَدُّ مِنَ الأَصْواتِ رَاحلتي... إذ سالتِ الأرضُ بالجُرْدِ الأَبابيلِ\rترْدِي بِأُسْدٍ كِرامٍ لا تنابلةٍ... عندَ اللقاءِ لا ميلٍ معازيلِ\rفَظلْتُ عَدْواً أَظُنُّ الأَرْضَ مائلة... لمّا سَمَوْا برئيسٍ غَيْرِ مَخْذُولِ\rإلى آخر الشعر ، فوقع الرعب في قلوب الكفار ، وقال صفوان بن أمية : لا ترجعوا فإني أرى أنه سيكون للقوم قتال غير الذي كان ، فنزلت هذه الآية في هذا الإلقاء ، وهي بعد متناولة كل كافر ، ويجري معها قول النبي عليه السلام : نصرت بالرعب مسيرة شهر ، ويظهر أن هذه الفضيلة إنما أعلم عليه السلام بها بعد هذه الأحوال كلها حين امتد ظل الإسلام ، قال بعض أهل العلم : إنه لما أمر الله المؤمن بالصبر ، ووعده النصر ، وأخبره أن الرعب ملقى في قلوب الكفار ، نقص الرعب من كل كافر جزءاً مع زيادة شجاعة المؤمن ، إذ قد وعد النصر فلذلك كلف المؤمن الوقوف للكافرين. أ هـ {المحرر الوجيز حـ 1 صـ 523}\rوقال الفخر : \rقد ذكرنا في قصة أحد أن النبي صلى الله عليه وسلم جعل أحدا خلف ظهره واستقبل المدينة وأقام الرماة عند الجبل ، وأمرهم أن يثبتوا هناك ولا يبرحوا ، سواء كانت النصرة للمسلمين أو عليهم ، فلما أقبل المشركون جعل الرماة يرشقون نبلهم والباقون يضربونهم بالسيوف حتى انهزموا ، والمسلمون على آثارهم يحسونهم ، قال الليث : الحس : القتل الذريع ، تحسونهم : أي تقتلونهم قتلا كثيرا ، \rقال أبو عبيد ، والزجاج ، وابن قتيبة : الحس : الاستئصال بالقتل ، يقال : جراد محسوس.\rإذا قتله البرد.\rوسنة حسوس : إذا أتت على كل شيء ، ومعنى \"تحسونهم\" أي تستأصلونهم قتلا ، قال أصحاب الاشتقاق : \"حسه\" إذا قتله لأنه أبطل حسه بالقتل ، كما يقال : بطنه إذا أصاب بطنه ، ورأسه ، إذا أصاب رأسه ، وقوله : {بِإِذْنِهِ} أي بعلمه ، ومعنى الكلام أنه تعالى لما وعدكم النصر بشرط التقوى والصبر على الطاعة فما دمتم وافين بهذا الشرط أنجز وعده ونصركم على أعدائكم ، فلما تركتم الشرط وعصيتم أمر ربكم لا جرم زالت تلك النصرة. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 9 صـ 29}","part":17,"page":236},{"id":7268,"text":"( بصيرة فى الإحساس )\rقال العلامة الفيروزابادى : \rوقد ورد فى القرآن على أَربعة أَوجه : \rالأَول : بمعنى الرُّؤية : {فَلَمَّآ أَحَسَّ عِيسَى مِنْهُمُ الْكُفْرَ} أَى أَبصر ورأَى ، {فَلَمَّآ أَحَسُّواْ بَأْسَنَآ} ، {هَلْ تُحِسُّ مِنْهُمْ مِّنْ أَحَدٍ}.\rالثانى : بمعنى القتل والاستئصال : {إِذْ تَحُسُّونَهُمْ بِإِذْنِهِ} أَى تستأْصلونهم قتلاً.\rالثالث : بمعنى البحث وطلب العلم : {فَتَحَسَّسُواْ مِن يُوسُفَ وَأَخِيهِ}.\rالرّابع : بمعنى الصّوت : {لاَ يَسْمَعُونَ حَسِيَسَهَا} أَى صوتها.\rوالأَصل فيه راجع إِلى الحاسّة ، وهى القوّة الَّتى بها يدرك الأَعراض الجِسمِيّة.\rوالحواسّ : المشاعر الخمس.\rيقال : حَسَسْت ، وحَسِسْت ، وحسِيت.\rوأَحْسَسْت ، وأَحَسْت.\rفحَسسْت على وجهين.\rأَحدهما : أَصبته بِحِسِّى ؛ نحو عِنْته.\rوالثانى : أَصبت حاسّته ؛ نحو كَبَدْته.\rولمّا كان ذلك قد يتولَّد منه القتلُ (عُبر به عن القتل) فقيل : حَسَسْتُه : أَى قتلته : كقَوله تعالى : {إِذْ تَحُسُّونَهُمْ بإِذْنِهِ} والحَسِيس : القتيل.\rومنه جَرَاد محسوس : إِذا طُبخ ، وقولهم : البَرْد مَحَسّة للنَّبت.\rوانحس أَسنانه : انفعال منه (وأَما حسِست فنحو علمت وفهمت ، ولكن لا يقال ذلك إِلاَّ فيما كان من جهة الحاسّة) وأَمّا حسِيت فتقلب إِحدى السّينين ياءً.\rوأَمّا أَحسسته فحقيقته : أَدركته.\rوأَحَسْتُ مثله ؛ لكن حُذف إِحدى السّينين تخفيفاً ؛ نحو ظَلْت.\rوقوله تعالى : {هَلْ تُحِسُّ مِنْهُمْ مِنْ أَحَدٍ} أى هل تجد بحاسَّتك أَحداً منهم.\rوقوله : {فَلَمَّا أَحَسَّ عِيسَى مِنْهُمُ الكُفْرَ} تنبيه أَنه ظهر منهم الكفر ظهورا بان للحسّ ، فضلاً عن التفهّم.\rوالحُساس : عبارة عن سُوءِ الخُلُق ، على بناءِ زُكام وسعال. أ هـ {بصائر ذوى التمييز حـ 6 صـ 169}","part":17,"page":237},{"id":7269,"text":"قوله تعالى : {حتى إِذَا فَشِلْتُمْ وتنازعتم فِى الأمر وَعَصَيْتُمْ مّن بَعْدَمَا أَرَاكُمْ مَّا تُحِبُّونَ}\rفصل\rقال الفخر :\rلقائل أن يقول ظاهر قوله : {حتى إِذَا فَشِلْتُمْ} بمنزلة الشرط ، ولا بد له من الجواب فأين جوابه ؟\rواعلم أن للعلماء ههنا طريقين :\rالأول : أن هذا ليس بشرط ، بل المعنى ، ولقد صدقكم الله وعده حتى إذا فشلتم ، أي قد نصركم إلى أن كان منكم الفشل والتنازع ، لأنه تعالى كان إنما وعدهم بالنصرة بشرط التقوى والصبر على الطاعة ، فلما فشلوا وعصوا انتهى النصر ، وعلى هذا القول تكون كلمة \"حتى\" غاية بمعنى \"إلى\" فيكون معنى قوله : {حتى إِذَا} إلى أن ، أو إلى حين.\rالطريق الثاني : أن يساعد على أن قوله : {حتى إِذَا فَشِلْتُمْ} شرط ، وعلى هذا القول اختلفوا في الجواب على وجوه :","part":17,"page":238},{"id":7270,"text":"الأول : وهو قول البصريين أن جوابه محذوف ، والتقدير : حتى إذا فشلتم وتنازعتم في الأمر وعصيتم من بعد ما أراكم ما تحبون منعكم الله نصره ، وإنما حسن حذف هذا الجواب لدلالة قوله : {وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ الله وَعْدَهُ} عليه ، ونظائره في القرآن كثيرة ، قال تعالى : {فَإِن استطعت أَن تَبْتَغِىَ نَفَقاً فِى الأرض أَوْ سُلَمَاً في السماء فتأتيهم بِآية} [ الأنعام : 35 ] والتقدير : فافعل ، ثم أسقط هذا الجواب لدلالة هذا الكلام عليه ، وقال : {أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ ءَانَاء الليل} [ الزمر : 9 ] والتقدير : أم من هو قانت كمن لا يكون كذلك ؟\rالوجه الثاني : وهو مذهب الكوفيين واختيار الفراء : أن جوابه هو قوله : {وَعَصَيْتُمْ} والواو زائدة كما قال : {فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ * وناديناه} [ الصافات : 103 104 ] والمعنى ناديناه ، كذا ههنا ، الفشل والتنازع صار موجباً للعصيان ، فكان التقدير حتى إذا فشلتم وتنازعتم في الأمر عصيتم ، فالواو زائدة ، وبعض من نصر هذا القول زعم أن من مذهب العرب إدخال الواو في جواب \"حتى إذا\" بدليل قوله تعالى : {حتى إِذَا جَاءوهَا وَفُتِحَتْ أبوابها وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا} [ الزمر : 71 ] والتقدير حتى إذا جاؤها فتحت لهم أبوابها.\rفإن قيل : إن فشلتم وتنازعتم معصية ، فلو جعلنا الفشل والتنازع علة للمعصية لزم كون الشيء علة لنفسه وذلك فاسد.\rقلنا : المراد من العصيان ههنا خروجهم عن ذلك المكان ، ولا شك أن الفشل والتنازع هو الذي أوجب خروجهم عن ذلك المكان ، فلم يلزم تعليل الشيء بنفسه.\rواعلم أن البصريين إنما لم يقبلوا هذا الجواب لأن مذهبهم أنه لا يجوز جعل الواو زائدة.","part":17,"page":239},{"id":7271,"text":"الوجه الثالث في الجواب : أن يقال تقدير الآية : حتى إذا فشلتم وتنازعتم في الأمر وعصيتم من بعدما أراكم ما تحبون ، صرتم فريقين ، منكم من يريد الدنيا ، ومنكم من يريد الآخرة.\rفالجواب : هو قوله : صرتم فريقين ، إلا أنه أسقط لأن قوله : {مِنكُم مَّن يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنكُم مَّن يُرِيدُ الاخرة} يفيد فائدته ويؤدي معناه ، لأن كلمة \"من\" للتبعيض فهي تفيد هذا الانقسام ، وهذا احتمال خطر ببالي.\rالوجه الرابع : قال أبو مسلم : جواب قوله : {حتى إِذَا فَشِلْتُمْ} هو قوله : {صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ} والتقدير حتى إذا فشلتم وكذا وكذا صرفكم عنهم ليبتليكم وكلمة \"ثم\" ههنا كالساقطة وهذا الوجه في غاية البعد. والله أعلم. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 9 صـ 29 ـ 30}\rفصل\rقال الفخر :\rإنه تعالى ذكر أمورا ثلاثة :\rأولها : الفشل وهو الضعف ، وقيل الفشل هو الجبن ، وهذا باطل بدليل قوله تعالى : {وَلاَ تنازعوا فَتَفْشَلُواْ} [ الأنفال : 46 ] أي فتضعفوا ، لأنه لا يليق به أن يكون المعنى فتجبنوا.\rثانيها : التنازع في الأمر وفيه بحثان.\rالبحث الأول : المراد من التنازع أنه عليه الصلاة والسلام أمر الرماة بأن لا يبرحوا عن مكانهم ألبتة ، وجعل أميرهم عبدالله بن جبير ؛ فلما ظهر المشركون أقبل الرماة عليهم بالرمي الكثير حتى انهزم المشركون ، ثم إن الرماة رأوا نساء المشركين صعدن الجبل وكشفن عن سوقهن بحيث بدت خلاخيلهن ، فقالوا الغنيمة الغنيمة ، فقال عبدالله : عهد الرسول إلينا أن لا نبرح عن هذا المكان فأبوا عليه وذهبوا إلى طلب الغنيمة ، وبقي عبدالله مع طائفة قليلة دون العشرة إلى أن قتلهم المشركون فهذا هو التنازع.\rالبحث الثاني : قوله : {فِى الأمر} فيه وجهان :\rالأول : أن الأمر ههنا بمعنى الشأن والقصة ، أي تنازعتم فيما كنتم فيه من الشأن.","part":17,"page":240},{"id":7272,"text":"والثاني : أنه الأمر الذي يضاده النهي.\rوالمعنى : وتنازعتم فيما أمركم الرسول به من ملازمة ذلك المكان.\rوثالثها : وعصيتم من بعد ما أراكم ما تحبون ، والمراد عصيتم بترك ملازمة ذلك المكان. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 9 صـ 30 ـ 31}\rفائدة\rقال القرطبى :\rوألفاظ الآية تقتضي التوبيخ لهم ، ووجه التوبيخ لهم أنهم رأوا مبادىء النصر ، فكان الواجب أن يعلموا أن تمام النصر في الثبات لا في الانهِزام. أ هـ {تفسير القرطبى حـ 4 صـ 237}\rأسئلة وأجوبة\rالسؤال الأول : لم قدم ذكر الفشل على ذكر التنازع والمعصية ؟\rوالجواب : أن القوم لما رأوا هزيمة الكفار وطمعوا في الغنيمة فشلوا في أنفسهم عن الثبات طمعا في الغنيمة ، ثم تنازعوا بطريق القول في أنا : هل نذهب لطلب الغنيمة أم لا ؟ ثم اشتغلوا بطلب الغنيمة.\rالسؤال الثاني : لما كانت المعصية بمفارقة تلك المواضع خاصة بالبعض فلم جاء هذا العتاب باللفظ العام ؟\rوالجواب : هذا اللفظ وان كان عاماً إلا أنه جاء المخصص بعده ، وهو قوله : {مِنكُم مَّن يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنكُم مَّن يُرِيدُ الآخرة }.\rالسؤال الثالث : ما الفائدة في قوله : {مّن بَعْدِ مَا أَرَاكُمْ مَّا تُحِبُّونَ }.\rوالجواب عنه : أن المقصود منه التنبيه على عظم المعصية ، لأنهم لما شاهدوا أن الله تعالى أكرمهم بانجاز الوعد كان من حقهم أن يمتنعوا عن المعصية ، فلما أقدموا عليها لا جرم سلبهم الله ذلك الاكرام وأذاقهم وبال أمرهم. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 9 صـ 31}\rفائدة\rقال القرطبى :\rوالعِتاب مع مَن انهزم لا مع مَن ثبت ، فإن من ثبت فاز بالثواب ، وهذا كما أنه إذا حل بقوم عقوبة عامة فأهل الصلاح والصبيان يهلكون ؛ ولكن لا يكون ماحل بهم عقوبة ، بل هو سبب المثوبة ، والله أعلم. أ هـ {تفسير القرطبى حـ 4 صـ 237}","part":17,"page":241},{"id":7273,"text":"موعظة\rقال الثعالبى :\rواعلم ( رحمك اللَّه ) أنَّ تيسير أسْبَابِ الدُّنْيا مع إعراضك عن أمر آخرتك ، ليس ذلك من علاماتِ الفَلاَحِ ؛ وقد روى ابنُ المُبَارك في \"رقائقه\" ، قال : أخبرنا ابْنُ لَهِيعَةَ ، قال : حدَّثني سعيدُ بنُ أَبِي سَعِيدٍ ؛ أنَّ رجُلاً قَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، كَيْفَ لِي أَنْ أَعْلَمَ كَيْفَ أَنَا ؟ قَالَ : \" إذَا رَأَيْتَ كُلَّمَا طَلَبْتَ شَيْئاً مِنْ أَمْرِ الآخِرَةِ ، وابتغيته ، يُسِّرَ لَكَ ، وَإذَا أَرَدتَّ شَيْئاً مِنَ الدُّنْيَا ، وابتغيته ، عُسِّرَ عَلَيْكَ ، فَأَنْتَ على حَالٍ حَسَنَةٍ ، وَإذَا رَأَيْتَ كُلَّمَا طَلَبْتَ شَيْئاً مِنْ أَمْرِ الآخِرَةِ ، وابتغيته ، عُسِّرَ عَلَيْكَ ، وَإذَا أَرَدتَّ شَيْئاً مِنْ أَمْرِ الدُّنْيَا ، وابتغيته ، يُسِّرَ لَكَ ، فَأَنْتَ على حَالٍ قَبِيحَةٍ \" انتهى ، فتأمَّله راشداً. أ هـ {الجواهر الحسان حـ 1 صـ 322}\rقوله تعالى : {ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ لِيَبْتَلِيَكُمْ}\rفصل\rقال القرطبى :\rقوله تعالى : { ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ لِيَبْتَلِيَكُمْ } أي بعد أن استوليتم عليهم ردّكم عنهم بالانهزام.\rودَلّ هذا على أن المعصية مخلوقة لله تعالى.\rوقالت المعتزلة : المعنى ثم انصرفتم ؛ فإضافته إلى الله تعالى بإخراجه الرّعب من قلوب الكافرين من المسلمين إبتلاءً لهم.\rقال القشيرِي : وهذا لا يغنيهم ؛ لأن إخراج الرّعب من قلوب الكافرين حتى يستخفّوا بالمسلمين قبيحٌ ولا يجوز عندهم ، أن يقع من الله قبيحٌ ، فلا يبقى لقوله : { ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ } معنًى.\rوقيل : معنى { صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ } أي لم يكلفكم طلبهم. أ هـ {تفسير القرطبى حـ 4 صـ 237}\rوقال الفخر :\rوقد اختلف قول أصحابنا وقول المعتزلة في تفسير هذه الآية ، وذلك لأن صرفهم عن الكفار معصية ، فكيف أضافه إلى نفسه ؟","part":17,"page":242},{"id":7274,"text":"أما أصحابنا فهذا الإشكال غير وارد عليهم ، لأن مذهبهم أن الخير والشر بإرادة الله وتخليقه ، فعلى هذا قالوا معنى هذا الصرف أن الله تعالى رد المسلمين عن الكفار ، وألقى الهزيمة عليهم وسلط الكفار عليهم ، وهذا قول جمهور المفسرين.\rقالت المعتزلة : هذا التأويل غير جائز ويدل عليه القرآن والعقل ، أما القرآن فهو قوله تعالى : {إِنَّ الذين تَوَلَّوْاْ مِنكُمْ يَوْمَ التقى الجمعان إِنَّمَا استزلهم الشيطان بِبَعْضِ مَا كَسَبُواْ} [ آل عمران : 155 ] فأضاف ما كان منهم إلى فعل الشيطان ، فكيف يضيفه بعد هذا إلى نفسه ؟\rوأما المعقول فهو أنه تعالى عاتبهم على ذلك الانصراف ، ولو كان ذلك بفعل الله لم يجز معاتبة القوم عليه ، كما لا يجوز معاتبتهم على طولهم وقصرهم وصحتهم ومرضهم ، ثم عند هذا ذكروا وجوها من التأويل :\rالأول : قال الجبائي : إن الرماة كانوا فريقين ، بعضهم فارقوا المكان أولا لطلب الغنائم ، وبعضهم بقوا هناك ، ثم هؤلاء الذين بقوا أحاط بهم العدو ، فلو استمروا على المكث هناك لقتلهم العدو من غير فائدة أصلا ، فلهذا السبب جاز لهم أن يتنحوا عن ذلك الموضع إلى موضع يتحرزون فيه عن العدو ، ألا ترى أن النبي صلى الله عليه وسلم ذهب إلى الجبل في جماعة من أصحابه وتحصنوا به ولم يكونوا عصاة بذلك ، فلما كان ذلك الانصراف جائزا أضافه إلى نفسه بمعنى أنه كان بأمره وإذنه ، ثم قال : {لِيَبْتَلِيَكُمْ} والمراد أنه تعالى لما صرفهم إلى ذلك المكان وتحصنوا به أمرهم هناك بالجهاد والذب عن بقية المسلمين ، ولا شك أن الإقدام على الجهاد بعد الانهزام ، وبعد أن شاهدوا في تلك المعركة قتل أقربائهم وأحبائهم هو من أعظم أنواع الابتلاء.","part":17,"page":243},{"id":7275,"text":"فإن قيل : فعلى هذا التأويل هؤلاء الذين صرفهم الله عن الكفار ما كانوا مذنبين ، فلم قال : {وَلَقَدْ عَفَا عَنْكُمْ }.\rقلنا : الآية مشتملة على ذكر من كان معذورا في الانصراف ومن لم يكن ، وهم الذين بدؤا بالهزيمة فمضوا وعصوا فقوله : {ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ} راجع إلى المعذورين ، لأن الآية لما اشتملت على قسمين وعلى حكمين رجع كل حكم إلى القسم الذي يليق به ، ونظيره قوله تعالى : {ثَانِيَ اثنين إِذْ هُمَا فِى الغار إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لاَ تَحْزَنْ إِنَّ الله مَعَنَا فَأَنزَلَ الله سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ} [ التوبة : 40 ] والمراد الذي قال له : {لاَ تَحْزَنْ} وهو أبو بكر ، لأنه كان خائفاً قبل هذا القول ، فلما سمع هذا سكن ، ثم قال : {وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَّمْ تَرَوْهَا} [ التوبة : 40 ] وعنى بذلك الرسول دون أبي بكر ، لأنه كان قد جرى ذكرهما جميعا ، فهذا جملة ما ذكره الجبائي في هذا المقام.\rوالوجه الثاني : ما ذكره أبو مسلم الأصفهاني ، وهو أن المراد من قوله : {ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ} أنه تعالى أزال ما كان في قلوب الكفار من الرعب من المسلمين عقوبة منه على عصيانهم وفشلهم ، ثم قال : {لِيَبْتَلِيَكُمْ} أي ليجعل ذلك الصرف محنة عليكم لتتوبوا إلى الله وترجعوا اليه وتستغفروه فيما خالفتم فيه أمره وملتم فيه إلى الغنيمة ، ثم أعلمهم أنه تعالى قد عفا عنهم.\rوالوجه الثالث : قال الكعبي : {ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ} بأن لم يأمركم بمعاودتهم من فورهم {لِيَبْتَلِيَكُمْ} بكثرة الانعام عليكم والتخفيف عنكم ، فهذا ما قيل في هذا الموضع ، والله أعلم. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 9 صـ 31 ـ 32}\rقوله تعالى : {وَلَقَدْ عَفَا عَنْكُمْ}\rفصل\rقال الفخر :\rظاهره يقتضي تقدم ذنب منهم.","part":17,"page":244},{"id":7276,"text":"قال القاضي : إن كان ذلك الذنب من الصغائر صح أن يصف نفسه بأنه عفا عنهم من غير توبة ، وإن كان من باب الكبائر ، فلا بد من إضمار توبتهم لقيام الدلالة على أن صاحب الكبيرة إذا لم يتب لم يكن من أهل العفو والمغفرة.\rواعلم أن الذنب لا شك أنه كان كبيرة ، لأنهم خالفوا صريح نص الرسول ، وصارت تلك المخالفة سبباً لانهزام المسلمين ، وقتل جمع عظيم من أكابرهم ، ومعلوم أن كل ذلك من باب الكبائر وأيضا : ظاهر قوله تعالى : {وَمَن يُوَلّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ} [ الأنفال : 16 ] يدل على كونه كبيرة ، وقول من قال : إنه خاص في بدر ضعيف ، لأن اللفظ عام ، ولا تفاوت في المقصود ، فكان التخصيص ممتنعا ، ثم إن ظاهر هذه الآية يدل على أنه تعالى عفا عنهم من غير توبة ، لأن التوبة غير مذكورة ، فصار هذا دليلا على أنه تعالى قد يعفو عن أصحاب الكبائر ، وأما دليل المعتزلة في المنع عن ذلك ، فقد تقدم الجواب عنه في سورة البقرة. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 9 صـ 32}\rوقال الآلوسى :\r{ وَلَقَدْ عَفَا عَنْكُمْ } بمحض التفضل أو لما علم من عظيم ندمكم على المخالفة ، وقيل : والمراد بذلك العفو عن الذنب وهو عام لسائر المنصرفين.","part":17,"page":245},{"id":7277,"text":"ويؤيد ذلك ما أخرجه البخاري عن عثمان بن موهب قال : جاء رجل إلى ابن عمر رضي الله تعالى عنهما فقال : إني سائلك عن شيء فحدثني به أنشدك بحرمة هذا البيت أتعلم أن عثمان بن عفان فرّ يوم أحد ؟ قال : نعم قال : فتعلمه تغيب عن بدر فلم يشهدها ؟ قال : نعم ، قال : فتعلم أنه تخلف عن بيعة الرضوان فلم يشهدها ؟ قال : نعم فكبر فقال ابن عمر : تعال لأخبرك ولأبين لك عما سألتني عنه ، أما فراره يوم أحد فأشهد أن الله تعالى عفا عنه ، وأما تغيبه عن بدر فإنه كان تحته بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم وكانت مريضة فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم : إن لك أجر رجل ممن شهد بدراً وسهمه.\rوأما تغيبه عن بيعة الرضوان فلو كان أحد أعز ببطن مكة من عثمان لبعثه مكانه فبعث عثمان فكانت بيعة الرضوان بعد ما ذهب عثمان إلى مكة فقال النبي صلى الله عليه وسلم بيده اليمنى وضرب بها على يده فقال : هذه يد عثمان اذهب بها الآن معك ، وقال البلخي : إنه عفو عن الاستئصال ، وروي ذلك عن ابن جريج ، وزعم أبو علي الجبائي أنه خاص بمن لم يعص الله تعالى بانصرافه والكل خلاف الظاهر.\rوقد يقال : الداعي لقول البلخي : إن العفو عن الذنب سيأتي ما يدل عليه بأصرح وجه ، والتأسيس خير من التأكيد ، وكلام ابن عمر رضي الله تعالى عنه ليس فيه أكثر من أن تعالى عفا عن ذنب الفارّين وهو صريح الآية الآتية ، وأما أنه يفهم منه ولو بالإشعار أن المراد من العفو هنا العفو عن الذنب فلا أظن منصفاً يدعيه. أ هـ {روح المعانى حـ 4 صـ 90}","part":17,"page":246},{"id":7278,"text":"وقال ابن عطية :\rوقوله تعالى : { ولقد عفا عنكم } إعلام بأن الذنب كان يستحق أكثر مما نزل ، وهذا تحذير ، والمعنى \" ولقد عفا عنكم \" بأن لم يستأصلوكم ، فهو بمنزلة : ولقد أبقى عليكم ، ويحتمل أن يكون إخباراً بأنه عفا عن ذنوبهم في قصة أحد ، فيكون بمنزلة العفو المذكور بعد ، وبالتفسير الأول قال ابن جريج وابن إسحاق وجماعة من المفسرين ، وقال الحسن بن أبي الحسن : قتل منهم سبعون ، وقتل عم النبي عليه السلام وشج في وجهه وكسرت رباعيته وإنما العفو أن لم يستأصلهم ، هؤلاء مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وفي سبيل الله غضاب لله ، يقاتلون أعداء الله ، نهوا عن شيء فضيعوه ، فوالله ما تركوا حتى غموا بهذا الغم ، فأفسق الفاسقين اليوم يجترم كل كبيرة ، ويركب كل داهية ، ويسحب عليها ثيابه ، ويزعم أن لا بأس عليه فسوف يعلم. أ هـ {المحرر الوجيز حـ 1 صـ 525}\rقوله تعالى : {والله ذُو فَضْلٍ عَلَى المؤمنين}\rقال الفخر :\r{والله ذُو فَضْلٍ عَلَى المؤمنين} وهو راجع إلى ما تقدم من ذكر نعمه سبحانه وتعالى بالنصر أولا ، ثم بالعفو عن المذنبين ثانياً. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 9 صـ 32}\rوقال الآلوسى :\r{ والله ذُو فَضْلٍ عَلَى المؤمنين } تذييل مقرر لمضمون ما قبله وفيه إيذان بأن ذلك العفو ولو كان بعد التوبة بطريق التفضل لا الوجوب أي شأنه أن يتفضل عليهم بالعفو أو في جميع الأحوال أديل لهم أو أديل عليهم إذ الابتلاء أيضاً رحمة ، والتنوين للتفخيم ، والمراد بالمؤمنين إما المخاطبون ، والإظهار في مقام الإضمار للتشريف والإشعار بعلة الحكم ، وإما الجنس ويدخلون فيه دخولاً أولياً ولعل التعميم هنا وفيما قبله أولى من التخصيص ، وتخصيص الفضل بالعفو أولى من تخصيصه بعدم الاستئصال كما زعمه البعض. أ هـ {روح المعانى حـ 4 صـ 90}","part":17,"page":247},{"id":7279,"text":"فصل\rقال القرطبى :\rوعن ابن عباس قال : ما نُصِر النبيّ صلى الله عليه وسلم في موطن كما نُصِر يوم أُحُد ، قال : وأنكرنا ذلك ، فقال ابن عباس : بيني وبين من أنكر ذلك كتاب الله عز وجلّ ، إن الله عزّ وجلّ يقول في يوم أُحُد : { وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ الله وَعْدَهُ إِذْ تَحُسُّونَهُمْ بِإِذْنِهِ } يقول ابن عباس : والحَسّ القتل { حتى إِذَا فَشِلْتُمْ وَتَنَازَعْتُمْ فِي الأمر وَعَصَيْتُمْ مِّن بَعْدِ مَآ أَرَاكُمْ مَّا تُحِبُّونَ مِنكُم مَّن يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنكُم مَّن يُرِيدُ الآخرة ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ لِيَبْتَلِيَكُمْ وَلَقَدْ عَفَا عَنْكُمْ والله ذُو فَضْلٍ عَلَى المؤمنين } وإنما عنى بهذا الرماة.\rوذلك أن النبيّ صلى الله عليه وسلم أقامهم في موضع ثم قال : \" احموا ظهورنا فإن رأيتمونا نقتل فلا تنصرونا وإن رأيتمونا قد غنِمنا فلا تشركونا \" فلما غنمِ رسول الله صلى الله عليه وسلم وأباحوا عسكر المشركين انكفأت الرماةُ جميعاً فدخلوا في العسكر ينتهبون ، وقد التقت صفوف أصحابِ النبيّ صلى الله عليه وسلم ، فهم هكذا وشبّك أصابع يديه والتبسوا.\rفلما أخَل الرماةُ تلك الخَلّة التي كانوا فيها دخلت الخيل من ذلك الموضع على أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فضرب بعضهم بعضاً والتبسوا ، وقتل من المسلمين ناس كثير ، وقد كان لرسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابِه أوّلُ النهار حتى قتل من أصحاب لواء المشركين سبعة أو تسعة ، وجال المسلمون نحو الجبل ، ولم يبلغوا حيث يقول الناس : الغار ، إنما كانوا تحت المِهراس وصاح الشيطان : قتل محمد.\rفلم يُشَك فيه أنه حق ، فما زلنا كذلك ما نشك أنه قتِل حتى طلع علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم بين السَعْدَيْن ، نعرفه بتكفّئِهِ إذا مشى.\rقال : ففرحنا حتى كأنّا لم يصبنا ما أصابنا.","part":17,"page":248},{"id":7280,"text":"قال : فرقى نحونا وهو يقول : \" اشتدّ غضب الله على قوم دَمَّوا وجهَ نَبِيهم \" وقال كعب بن مالك : أنا كنت أوّل من عرف رسول الله صلى الله عليه وسلم من المسلمين ؛ عرفته بعينيه من تحت المِغْفَر تزهران فناديت بأعلى صوتي : يا معشر المسلمين! ابشِروا ، هذا رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أقبل : فأشار إليّ أن أسكت. أ هـ {تفسير القرطبى حـ 4 صـ 237 ـ 238}\rقال ابن كثير :\rهذا حديث غريب ، وسياق عجيب ، وهو من مرسلات ابن عباس ، فإنه لم يشهد أحُدًا ولا أبوه.\rوقد أخرجه الحاكم في مستدركه عن أبي النَّضْر الفقيه ، عن عثمان بن سعيد ، عن سليمان بن داود بن علي بن عبد الله بن عباس ، به. وهكذا رواه ابن أبي حاتم والبيهقي في دلائل النبوة ، من حديث سليمان بن داود الهاشمي ، به (1) ولبعضه شواهد في الصحاح وغيرها ، فقال الإمام أحمد :\rحدثنا عفان ، حدثنا حماد ، حدثنا عطاء بن السائب عن الشعبي ، عن ابن مسعود قال : إن النساء كن يوم أحد ، خلْف المسلمين ، يُجْهزْن على جَرْحى المشركين ، فلو حَلَفت يومئذ رجوت أن أبَر : أنه ليس أحد منا يريد الدنيا ، حتى أنزل الله عز وجل : { مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الآخِرَةَ ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ لِيَبْتَلِيَكُمْ } فلما خالف أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وعَصَوا ما أمروا به ، أفرد رسول الله صلى الله عليه وسلم في تسعة : سبعة من الأنصار ، ورجلين من قريش ، وهو عاشرهم ، فلما رهقُوه [قال : \"رَحِمَ اللهُ رجلا رَدَّهُمْ عَنَّا\". قال : فقام رجل من الأنصار فقاتل ساعة حتى قتل ، فلما رَهقُوه] أيضا قال : \"رَحِمَ اللهُ رَجُلا رَدَّهُمْ عَنَّا\". فلم يزل يقول ذا حتى قُتِل السبعة ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لصاحبه : \"مَا أَنْصَفْنَا أَصْحَابَنَا\".\r________________\r(1) (1) المسند (1/287 ، 288) والمستدرك (2/296) ودلائل النبوة للبيهقي (3/269 ، 270).","part":17,"page":249},{"id":7281,"text":"فجاء أبو سفيان فقال : اعْلُ هُبَلُ. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : \"قُولُوا : اللهُ أعْلَى وأجَلُّ\". فقالوا : الله أعلى وأجل. فقال أبو سفيان : لنا العُزَّى ولا عُزَّى لكم. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : قُولُوا : \"اللهُ مَوْلانَا ، وَالْكَافِرُونَ لا مَوْلَى لَهُم\". ثم قال أبو سفيان : يومٌ بيوْم بَدْر ، يومٌ علينا ويوم لنا ويوم نُسَاءُ ويوم نُسَر. حَنْظَلَةَ بِحَنْظَلَةَ ، وفلان بفلان ، وفلان بفلان ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : \"لا سَوَاء. أمَّا قَتْلانَا فَأْحَيْاءٌ يُرْزَقُونَ ، وَقْتَلاكُمْ فِي النَّارِ يُعَذَّبُونَ\". قال أبو سفيان : قد كان في القوم مَثُلَةٌ ، وإنْ كانَتْ لَعَنْ غير مَلأ منَّا ، ما أمرتُ ولا نَهَيْتُ ، ولا أحْبَبْتُ ولا كَرِهتُ ، ولا ساءني ولا سرَّني. قال : فنظروا فإذا حمزةُ قد بُقِرَ بَطْنُه ، وأخذتْ هنْد كَبده فلاكَتْها فلم تستطع أن تأكلها ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : \"أكَلَتْ شَيْئًا ؟\" قالوا : لا. قال : \"مَا كَانَ اللهُ ليُدْخِلَ شَيْئًا مِنْ حَمْزَةَ فِي النَّارِ\".\rقال : فوضع رسول الله صلى الله عليه وسلم حمزة فَصَلَّى عليه ، وَجِيء برجل من الأنصار فَوُضِع إلى جنبه فصلَّى عليه ، فَرُفِعَ الأنصاري وتُرِكَ حمزة ، ثم جيء بآخر فوضعَه إلى جنب حمزة فصلى [عليه] ثم رُفِعَ وتُرِكَ حمزة ، حتى صلَّى عليه يومئذ سبعين صلاة. (1)\rتفرد به أحمد أيضًا. أ هـ {تفسير ابن كثير حـ 2 صـ 134 ـ 135}\r__________\r(1) المسند (1/462).","part":17,"page":250},{"id":7282,"text":"فائدة\rقال الفخر :\rوهذه الآية دالة على أن صاحب الكبيرة مؤمن ، لأنا بيّنا أن هذا الذنب كان من الكبائر ، ثم إنه تعالى سماهم المؤمنين ، فهذا يقتضي أن صاحب الكبيرة مؤمن بخلاف ما تقوله المعتزلة ، والله أعلم. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 9 صـ 32 ـ 33}\rفوائد لغوية\rقال ابن عادل :\rصَدَقَ يتعدى لاثنين ، أحدهما بنفسه ، والآخر بالحرفِ ، وقد يُحْذَف ، كهذه الآية.\rوالتقدير : صدقكم في وعده ، كقولهم : صَدقتُه في الحديث وصدقته الحديث و{ إِذْ تَحُسُّونَهُمْ } معمول لِـ \" صَدَقَكُمْ \" أي : صدقكم في ذلك الوقتِ ، وهو وقتُ حَسِّهِم ، أي : قَتْلهم.\rوأجاز أبو البقاء أن يكون معمولاً للوعد في قوله : \" وَعْدَه \" - وفيه نظرٌ ؛ لأن الوعد متقدِّمٌ على هذا الوقت.\rيقال : حَسَسْتُه ، أحَسُّه ، وقرأ عُبَيْد بن عُمَير : تُحِسُّونَهُم - رباعياً - أي : أذهبتم حِسَّهم بالقتل.\rقال أبو عبيدةَ ، والزَّجَّاجُ : الحَسُّ : الاستئصال بالقَتْل.\rقال الشاعر : [ الطويل ]\rحَسَنَاهُمُ بِالسَّيْفِ حَسًّا فأصْبَحَتْ... بَقِيَّتُهُمْ قَدْ شُرِّدُوا وَتَبَدَّدُوا\rوقال جرير : [ الوافر ]\rتَحُسُّهُمُ السُّيُوفُ كَمَا تَسَامَى... حَرِيقُ النَّارِ فِي الأجَم الْحَصِيدِ\rويقال : جراد محسوس - إذ قتله البردُ - والبرد محسة للنبت : - أي : محرقة له ، ذاهبته. وسنة حَسُوسٌ : أي : جدبة ، تأكل كلَّ شيءٍ.\rقال رؤية : [ الرجز ]\rإذَا شَكَوْنَا سَنَةً حَسُوسَا... تَأكُلُ بَعْدَ الأخْضَرِ الْيَبِيسَا\rوأصله من الحِسّ - الذي هو الإدراك بالحاسة-.\rقال أبو عبيدٍ : الحَسُّ : الاستئصال بالقتل واشتقاقه من الحِسّ ، حَسَّه - إذا قتله - لأنه يُبْطل حِسَّه بالقتل ، كما يقال : بَطَنَهُ - إذا أصاب بطنه ، وَرَأسَهُ ، إذا أصاب رأسه.","part":17,"page":251},{"id":7283,"text":"و \" بإذْنِهِ \" متعلق بمحذوف ؛ لأنه حالٌ من فاعل \" تَحُسُّونَهُمْ \" ، أي : تقتلونهم مأذوناً لكم في ذلك.\rقال القرطبيُّ : \" ومعنى قوله : \" بإذْنه \" أي : بعلمه ، أو بقضائه وأمره \".\rوقوله : { حتى إِذَا فَشِلْتُمْ } في \" حَتَّى \" قولان : \rأحدهما : أنها حرف جر بمعنى \" إلى \" وفي متعلقها - حينئذ - ثلاثةُ أوجهٍ : \rأحدها : أنها متعلقة بـ \" تَحسُّونَهُمْ \" أى : تقتلونهم إلى هذا الوقت.\rالثاني : أنها متعلقة بـ \" صَدَقَكُمْ \" وهو ظاهر قول الزمخشريّ ، قال : \" ويجوز أن يكونَ المعنى : صدقكم اللهُ وَعْدَه إلى وقت فَشَلِكم \".\rالثالث : أنّها متعلقة بمحذوف ، دَلَّ عليه السياقُ.\rقال أبو البقاء : \" تقديره : دام لكم ذلك إلى وقتِ فَشَلِكُم \".\rالقول الثاني : أنَّها حرف ابتداءٍ داخلة على الجملة الشرطية ، و\" إذَا \" على بابها - من كونها شرطية - وفي جوابها - حينئذٍ - ثلاثةُ أوجهٍ : \rأحدها : قال الفرّاء : جوابها \" وَتَنَازَعْتُمْ \" وتكون الواو زائدة ، كقوله : { فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ وَنَادَيْنَاهُ } [ الصافات : 103-104 ] والمعنى ناديناه ، كذا - هنا - الفشل والتنازع صار موجباً للعصيان ، فكأنَّ التقدير : حتى إذا فَشِلْتُم ، وتنازعتم في الأمر عصيتم.\rقال : ومذهب العرب إدخال الواو في جواب \" حَتَّى \" كقوله : { حتى إِذَا جَآءُوهَا وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا } { الزمر : 73 ] فإن قيل : قوله : { فَشِلْتُمْ وَتَنَازَعْتُمْ } معصية ، فلو جعلنا الفشل والتنازُع علةً للمعصية لزم كونُ الشيء علةً لنفسه ، وذلك فاسدٌ.\rفالجواب : أن المراد من العصيان - هنا - خروجهم عن ذلك المكانِ ، فلم يلزم تعليلُ الشيء بنفسه. ولم يَقْبَل البصريون هذا الجوابَ ؛ لأن مذهَبهمْ أنه لا يجوزُ جَعْلَ الواو زائدة.","part":17,"page":252},{"id":7284,"text":"قوله : { ثُمَّ صَرَفَكُمْ } و\" ثم \" زائدة.\rقال أبو علي : ويجوز أن يكون الجواب { صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ } و\" ثُمَّ \" زائدة ، والتقدير : حتى إذا فشلتم وتنازعتم وعصيتم صرفكم عنهم. وقد أنشد بعضُ النحويين في زيادتها قول الشاعر : [ الطويل ]\rأرَانِي إذَا مَا بِتُّ بِتُّ عَلَى هَوًى... فَثُمَّ إذَا أصْبَحْتُ أصْبَحْتُ غَادِيَا\rوجوز الأخفشُ أن تكون زائدةً في قوله تعالى : { حتى إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الأرض بِمَا رَحُبَتْ وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنفُسُهُمْ وظنوا أَن لاَّ مَلْجَأَ مِنَ الله إِلاَّ إِلَيْهِ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ } [ التوبة : 118 ] وهذان القولان ضعيفانِ جداً.\rوالثالث - وهو الصحيحُ - أنه محذوف ، واختلفت عبارتهم في تقديره ، فقدَّرَه ابنُ عطيةَ : انهزمتم وقدَّره الزمخشريُّ : منعكم نصرَه.\rوقدَّره أبو البقاء : بأن أمركم. ودلّ على ذلك قوله تعالى : { مَّن يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنكُم مَّن يُرِيدُ الآخرة } [ آل عمران : 152 ].\rوقدره غيره : امتحنتم.\rوقيل فيه تقديمٌ وتأخيرٌ ، وتقديره : حتّى إذا تنازعتم في الأمر وعصيتم فشلتم.\rوقدَّره أبو حيان : انقسمتم إلى قسمَيْن ، ويدلُّ عليه ما بعده ، وهو نظيرُ قوله : { فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى البر فَمِنْهُمْ مُّقْتَصِدٌ } [ لقمان : 32 ]\rقال أبو حيان : لا يقال : كيف يقالُ : انقسمتم إلى مريدِ الدُّنْيَا ، وإلى مريدِ الآخرةِ فيمن فشل وتنازع وعصى ؛ لأن هذه الأفعالَ لم تصدر من كُلِّهم ، بل من بعضِهِمْ.\rواختلفوا في \" إذا \" - هذه - هل هي على بابها أم بمعنى \" إذْ \" ؟ والصحيح الأول ، سواء قلنا إنها شرطية أم لا.","part":17,"page":253},{"id":7285,"text":"قوله : { ثُمَّ صَرَفَكُمْ } عطفٌ على ما قبله ، والجملتان من قوله : { مِنكُم مَّن يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنكُم مَّن يُرِيدُ الآخرة } اعتراض بين المتعاطفين ، وقال أبو البقاء : { ثُمَّ صَرَفَكُمْ } معطوف على الفعل المحذوف.\rيعني الذي قدره جواباً للشرط ، ولا حاجة إليه ، و\" لِيَبْتَلِيَكُمْ \" متعلق بـ \" صَرَفَكُمْ \" و\" أن \" مضمرة بعد اللام. أ هـ {تفسير ابن عادل حـ 5 صـ 597 ـ 601}. بتصرف.\rلطيفة\rوإنَّما سمّيت مخالفة من خالف أمر الرسول عصياناً ، مع أن تلك المخالفة كانت عن اجتهاد لا عن استخفاف ، إذ كانوا قالوا : إنّ رسول الله أمرنا بالثبات هنا لحماية ظهور المسلمين ، فلمَّا نصر الله المسلمين فما لنا وللوقوف هنا حتَّى تفوتنا الغنائم ، فكانوا متأوَّلين ، فإنَّما سمّيت هنا عصياناً لأنّ المقام ليس مقام اجتهاد ، فإنّ شأن الحرب الطاعة للقائد من دون تأويل ، أو لأنّ التأويل كان بعيداً فلم يعذروا فيه ، أو لأنَّه كان تأويلاً لإرضاء حبّ المال ، فلم يكن مكافئاً لدليل وجوب طاعة الرّسول.أ هـ {التحرير والتنوير حـ 3 صـ 253}\rمن فوائد ابن عاشور فى الآية\rقال رحمه الله :\rوإنَّما قال : { ثم صرفكم عنهم ليبتليكم } ليدلّ على أنّ ذلك الصرف بإذن الله وتقديره ، كما كان القتل بإذن الله وأنّ حكمته الابتلاء ، ليظهر للرسول وللنَّاس مَن ثبت على الإيمان من غيره ، ولأنّ في الابتلاء أسراراً عظيمة في المحاسبة بين العبد وربِّه سبحانه وقد أجمل هذا الابتلاء هنا وسيبيّنه.","part":17,"page":254},{"id":7286,"text":"وعُقب هذا الملام بقوله : { ولقد عفا عنكم } تسكيناً لخواطرهم ، وفي ذلك تلطّف معهم على عادة القرآن في تقريع المؤمنين ، وأعظم من ذلك تقديم العفو على الملام في ملام الرسول عليه السلام في قوله تعالى : { عفا اللَّه عنك لم أذنت لهم } [ التوبة : 43 ] ، فتلك رتبة أشرف من رتبة تعقيب الملام بذكر العفو ، وفيه أيضاً دلالة على صدق إيمانهم إذ عجل لهم الإعلام بالعفو لكيلا تطير نفوسهم رهبة وخوفاً من غضب الله تعالى.\rوفي تذييله بقوله : { والله ذو فضل على المؤمنين } تأكيد ما اقتضاه قوله : { ولقد عفا عنكموالظاهر أنَّه عفو لأجل التأويل ، فلا يحتاج إلى التَّوبة ، ويجوز أن يكون عفواً بعدما ظهر منهم من الندم والتَّوبة ، ولأجل هذا الاحتمال لم تكن الآية صالحة للاستدلال على الخوارج والمعتزلة القائلين بأنّ المعصية تسلب الإيمان. أ هـ {التحرير والتنوير حـ 3 صـ 253 ـ 254}\rفوائد بلاغية\rقال أبو حيان :\rوتضمنت هذه الآيات من البيان والبديع ضروباً : من ذلك الاستفهام الذي معناه الإنكار في : أم حسبتم.\rوالتجنيس المماثل في : انقلبتم ومن ينقلب ، وفي ثواب الدنيا وحسن ثواب.\rوالمغاير في قولهم : إلا أن قالوا.\rوتسمية الشيء باسم سببه في : تمنون الموت أي الجهاد في سبيل الله ، وفي قوله : وثبت أقدامنا فيمن فسر ذلك بالقلوب ، لأن ثبات الأقدام متسبب عن ثبات القلوب.\rوالالتفات في : وسنجزي الشاكرين.\rوالتكرار في : ولما يعلم ويعلم لاختلاف المتعلق.\rأو للتنبيه على فضل الصابر.\rوفي : أفإن مات أو قتل لأن العرف في الموت خلاف العرف في القتل ، والمعنى : مفارقة الروح الجسد فهو واحد.\rومن في ومن يرد ثواب الجملتين ، وفي : ذنوبنا وإسرافنا في قول من سوى بينهما ، وفي : ثواب وحسن ثواب.\rوفي : لفظ الجلالة ، وفي : منكم من يريد الجملتين.","part":17,"page":255},{"id":7287,"text":"والتقسيم في : ومن يرد وفي منكم من يريد.\rوالاختصاص في : الشاكرين ، والصابرين ، والمؤمنين.\rوالطباق : في آمنوا أن تطيعوا الذين كفروا.\rوالتشبيه في : يردّوكم على أعقابكم ، شبه الرجوع عن الدين بالراجع القهقري ، والذي حبط عمله بالكفر بالخاسر الذي ضاع ربحه ورأس ماله وبالمنقلب الذي يروح في طريق ويغدو في أخرى ، وفي قوله : سنلقى.\rوقيل : هذا كله استعارة.\rوالحذف في عدة مواضع. أ هـ {البحر المحيط حـ 3 صـ 86}\rمن لطائف الإمام القشيرى فى الآية\rقوله جلّ ذكره : { مِنكُم مَّن يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنكُم مَّن يُرِيدُ الآخِرَةَ ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ لِيَبْتَلِيَكُمْ وَلَقَدْ عَفَا عَنكُمْ وَاللهُ ذُو فَضْلٍ عَلَى المُؤمِنِينَ }.\rقيمة كل أحدٍ إرادته ؛ فَمَنْ كانت همتُه الدنيا فقيمتُه خسيسةٌ حقيرة كالدنيا ، ومن كانت همتُه الآخرة فشريفٌ خطره ، ومن كانت همتُه ربانية فهو سيد وقته.\rويقال مَنْ صفا عن إرادته وصل إليه ، ومن وصل إليه أقبل - بلطفه - عليه ، وأزلفه بمحل الخصوصية لديه.\rقوله : { ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ } : الإشارة منه أنه صرف قوماً عنه فشغلهم بغيره عنه ، وآخرون صرفهم عن كل غير فأفردهم له ؛ فالزاهدون صرفهم عن الدنيا ، والعابدون صرفهم عن اتباع الهوى ، والمريدون صرفهم عن المنى ، والموحِّدون صرفهم عما هو غيرٌ وسوى. أ هـ {لطائف الإشارات حـ 1 صـ 286}","part":17,"page":256},{"id":7288,"text":"من فوائد العلامة الجصاص فى الآية\rقال عليه الرحمة :\rقَوْله تَعَالَى : { وَلَقَدْ صَدَقَكُمْ اللَّهُ وَعْدَهُ إذْ تَحُسُّونَهُمْ بِإِذْنِهِ } فِيهِ إخْبَارٌ بِتَقَدُّمِ وَعْدِ اللَّهِ تَعَالَى لَهُمْ بِالنَّصْرِ عَلَى عَدُوِّهِمْ مَا لَمْ يَتَنَازَعُوا وَيَخْتَلِفُوا ، فَكَانَ كَمَا أَخْبَرَ بِهِ يَوْمَ أُحُدٍ ظَهَرُوا عَلَى عَدُوِّهِمْ وَهَزَمُوهُمْ وَقَتَلُوا مِنْهُمْ ، وَقَدْ كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَمَرَ الرُّمَاةَ بِالْمُقَامِ فِي مَوْضِعٍ وَأَنْ لَا يَبْرَحُوا ، فَعَصَوْا وَخَلَّوْا مَوَاضِعَهُمْ حِينَ رَأَوْا هَزِيمَةَ الْمُشْرِكِينَ وَظَنُّوا أَنَّهُ لَمْ يَبْقَ لَهُمْ بَاقِيَةٌ وَاخْتَلَفُوا وَتَنَازَعُوا ، فَحَمَلَ عَلَيْهِمْ خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ مِنْ وَرَائِهِمْ فَقَتَلُوا مِنْ الْمُسْلِمِينَ مَنْ قَتَلُوا بِتَرْكِهِمْ أَمْرَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَعِصْيَانِهِمْ.\rوَفِي ذَلِكَ دَلِيلٌ عَلَى صِحَّةِ نُبُوَّةِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ؛ لِأَنَّهُمْ وَجَدُوا مَوْعُودَ اللَّهِ كَمَا وَعَدَ قَبْلَ الْعِصْيَانِ ، فَلَمَّا عَصَوْا وُكِلُوا إلَى أَنْفُسِهِمْ.\rوَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ النَّصْرَ مِنْ اللَّهِ فِي جِهَادِ الْعَدُوِّ مَضْمُونٌ بِاتِّبَاعِ أَمْرِهِ وَالِاجْتِهَادِ فِي طَاعَتِهِ ، وَعَلَى هَذَا جَرَتْ عَادَةُ اللَّهِ تَعَالَى لِلْمُسْلِمِينَ فِي نَصْرِهِمْ عَلَى أَعْدَائِهِمْ.","part":17,"page":257},{"id":7289,"text":"وَقَدْ كَانَ الْمُسْلِمُونَ مِنْ الصَّدْرِ الْأَوَّلِ إنَّمَا يُقَاتِلُونَ الْمُشْرِكِينَ بِالدِّينِ وَيَرْجُونَ النَّصْرَ عَلَيْهِمْ وَغَلَبَتَهُمْ بِهِ لَا بِكَثْرَةِ الْعَدَدِ ؛ وَلِذَلِكَ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : { إنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنْكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ إنَّمَا اسْتَزَلَّهُمْ الشَّيْطَانُ بِبَعْضِ مَا كَسَبُوا }.\rفَأَخْبَرَ أَنَّ هَزِيمَتَهُمْ إنَّمَا كَانَتْ لِتَرْكِهِمْ أَمْرَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْإِخْلَالِ بِمَرَاكِزِهِمْ الَّتِي رُتِّبُوا فِيهَا.\rوَقَالَ تَعَالَى : { مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الْآخِرَةَ }.\rوَإِنَّمَا أُتُوا مِنْ قَبْلُ مَنْ كَانَ يُرِيدُ الدُّنْيَا مِنْهُمْ ؛ قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ : مَا ظَنَنْت أَنَّ أَحَدًا مِمَّنْ قَاتَلَ مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُرِيدُ الدُّنْيَا حَتَّى أَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى : { مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيَا }.","part":17,"page":258},{"id":7290,"text":"وَعَلَى هَذَا الْمَعْنَى كَانَ اللَّهُ قَدْ فَرَضَ عَلَى الْعِشْرِينَ أَنْ لَا يَفِرُّوا مِنْ مِائَتَيْنِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى : { إنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ } لِأَنَّهُ فِي ابْتِدَاءِ الْإِسْلَامِ كَانُوا مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُخْلِصِينَ لِنِيَّةِ الْجِهَادِ لِلَّهِ تَعَالَى وَلَمْ يَكُنْ فِيهِمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيَا ، وَكَانُوا يَوْمَ بَدْرٍ ثَلَاثَمِائَةٍ وَبِضْعَةَ عَشَرَ رَجُلًا رَجَّالَةً قَلِيلِي الْعُدَّةِ وَالسِّلَاحِ وَعَدُوُّهُمْ أَلْفٌ فُرْسَانٌ وَرَجَّالَةٌ بِالسِّلَاحِ الشَّاكِّ ، فَمَنَحَهُمْ اللَّهُ أَكْتَافَهُمْ وَنَصَرَهُمْ عَلَيْهِمْ حَتَّى قَتَلُوا كَيْفَ شَاءُوا وَأَسَرُوا كَيْفَ شَاءُوا.","part":17,"page":259},{"id":7291,"text":"ثُمَّ لَمَّا خَالَطَهُمْ بَعْدَ ذَلِكَ مَنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ مِثْلُ بَصَائِرِهِمْ وَخُلُوصُ ضَمَائِرِهِمْ خَفَّفَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْ الْجَمِيعِ فَقَالَ : { الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ أَلْفٌ يَغْلِبُوا أَلْفَيْنِ بِإِذْنِ اللَّهِ } وَمَعْلُومٌ أَنَّهُ لَمْ يُرِدْ ضَعْفَ قُوَى الْأَبْدَانِ وَلَا عَدَمَ السِّلَاحِ ؛ لِأَنَّ قُوَى أَبْدَانِهِمْ كَانَتْ بَاقِيَةً وَعَدَدُهُمْ أَكْثَرُ وَسِلَاحُهُمْ أَوْفَرُ ؛ وَإِنَّمَا أَرَادَ بِهِ أَنَّهُ خَالَطَهُمْ مَنْ لَيْسَ لَهُ قُوَّةُ الْبَصِيرَةِ مِثْلُ مَا لِلْأَوَّلِينَ ؛ فَالْمُرَادُ بِالضَّعْفِ هَهُنَا ضَعْفُ النِّيَّةِ ؛ وَأَجْرَى الْجَمِيعَ مَجْرًى وَاحِدًا فِي التَّخْفِيفِ ؛ إذْ لَمْ يَكُنْ مِنْ الْمَصْلَحَةِ تَمْيِيزُ ذَوِي الْبَصَائِرِ مِنْهُمْ بِأَعْيَانِهِمْ وَأَسْمَائِهِمْ مِنْ أَهْلِ ضَعْفِ الْيَقِينِ وَقِلَّةِ الْبَصِيرَةِ ، وَلِذَلِكَ قَالَ أَصْحَابُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي قَوْمِ الْيَمَامَةِ حِينَ انْهَزَمَ النَّاسُ : \" أَخْلِصُونَا أَخْلِصُونَا \" يَعْنُونَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارَ. أ هـ {أحكام القرآن للجصاص حـ 2 صـ 326 ـ 327}","part":17,"page":260},{"id":7292,"text":"قوله تعالى : {إِذْ تُصْعِدُونَ وَلَا تَلْوُونَ عَلَى أَحَدٍ وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ فِي أُخْرَاكُمْ فَأَثَابَكُمْ غَمًّا بِغَمٍّ لِكَيْلَا تَحْزَنُوا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلَا مَا أَصَابَكُمْ وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ (153)}\rمناسبة الآية لما قبلها\rقال البقاعى :\rولما ذكر علة الصرف والعفو عنه صوّره فقال : {إذ} أي صرفكم وعفا عنكم حين {تصعدون} أي تزيلون الصعود فتنحدرون نحو المدينة ، أو تذهبون في الأرض لتبعدوا عن محل الوقعة خوفاً من القتل {ولا تلوون} أي تعطفون {على أحد} أي من قريب ولا بعيد {والرسول} أي الذي أرسل إليكم لتجيبوه إلى كل ما يدعوكم إليه وهو الكامل في الرسلية {يدعوكم في أخراكم} أي ساقتكم وجماعتكم الأخرى ، وأنتم مدبرون وهو ثابت في مكانه في نحر العدو في نفر يسير لا يبلغون أربعين نفساً على اختلاف الروايات - وثوقاً بوعد الله ومراقبة له يقول كلما مرت عليه جماعة منهزمة : \" إليّ عباد الله! أنا رسول الله! إليّ إليّ عباد الله \" كما هو اللائق بمنصبه الشريف من الاعتماد على الله والوثوق بما عنده وعد من دونه من ولي وعدو عدماً ؛ وإنما قلت : إن معنى ذلك الانهزام ، لأن الدعاء يراد منه الإقبال على الداعي بعد الانصراف عما يريده ليأمر وينهى ، فعلم بذلك أنهم مولون عن المقصود وهو القتال ، وفي التفسير من البخاري عن البراء رضي الله تعالى عنه قال : جعل النبي صلى الله عليه وسلم على الرجالة يوم أحد عبد الله بن جبير رضي الله تعالى عنه وأقبلوا منهزمين ، فذاك إذ يدعوهم الرسول في أخراهم ، ولم يبق مع النبي صلى الله عليه وسلم غير اثني عشر رجلاً.\rولما تسبب عن العفو ردهم عن الهزيمة إلى القتال قال تعالى : {فأثابكم} أي جعل لكم ربكم ثواباً {غماً} أي باعتقادكم قتل الرسول صلى الله عليه وسلم.","part":17,"page":261},{"id":7293,"text":"وكان اعتقاداً كاذباً مُلتئم به رعباً {بغم} أي كان حصل لكم من القتل والجراح والهزيمة ، وسماه - وإن كان في صورة العقاب - باسم الثواب لأنه كان سبباً للسرور حين تبين أنه خبر كاذب ، وأن النبي صلى الله عليه وسلم سالم حتى كأنهم - كما قال بعضهم - لم تصبهم مصيبة ، فهو من الدواء بالداء ، ثم علله بقوله : {لكيلا تحزنوا على ما فاتكم} أي من النصر والغنيمة {ولا ما أصابكم} أي من القتل والجراح والهزيمة لاشتغالكم عن ذلك بالسرور بحياة الرسول صلى الله عليه وسلم.\rولما قص سبحانه وتعالى عليهم ما فعلوه ظاهراً وما قصدوه باطناً وما داواهم به قال - عاطفاً على ما تقديره : فالله سبحانه وتعالى خبير بما يصلح أعمالكم ويبرىء أدواءكم - : {والله} أي المحيط علماً وقدرة {خبير بما تعملون} أي من خير وشر في هذه الحال وغيرها ، وبما يصلح من جزائه ودوائه ، فتارة يداوي الداء بالداء وتارة بالدواء ، لأنه الفاعل القادر المختار. أ هـ {نظم الدرر حـ 2 صـ 167 ـ 168}\rفصل\rقال الفخر :\rقوله تعالى {إذ تصعدون}\rفيه قولان :\rأحدهما : أنه متعلق بما قبله ، وعلى هذا التقدير ففيه وجوه : أحدها : كأنه قال وعفا عنكم إذ تصعدون ، لأن عفوه عنهم لابد وأن يتعلق بأمر اقترفوه ، وذلك الأمر هو ما بينه بقوله : {إِذْ تُصْعِدُونَ} والمراد به ما صدر عنهم من مفارقة ذلك المكان والأخذ في الوادي كالمنهزمين لا يلوون على أحد\rوثانيها : التقدير : ثم صرفكم عنهم إذ تصعدون.\rوثالثها : التقدير : ليبتليكم إذ تصعدون.\rوالقول الثاني : أنه ابتداء كلام لا تعلق له بما قبله ، والتقدير : اذكر إذ تصعدون. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 9 صـ 33}","part":17,"page":262},{"id":7294,"text":"وقال الآلوسى : \r{ إِذْ تُصْعِدُونَ } متعلق بصرفكم أو بيبتليكم وتعلقه بعفا كما قال الطبرسي : ليس بشيء ، ومثله تعلقه كما قال أبو البقاء ، بعصيتم ؛ أو تنازعتم أو فشلتم ، وقيل : متعلق بمقدر كاذكر ، واستشكل بأنه يصير المعنى اذكر يا محمد إذ تصعدون وفيه خطابان بدون عطف ، فالصواب اذكروا.\rوأجيب بأن المراد باذكر جنس هذا الفعل فيقدر اذكروا لا اذكر ، ويحتمل أنه من قبيل {يأيُّهَا النبى إِذَا طَلَّقْتُمُ النساء } [ الطلاق : 1 ] ولا يخفى أنه خلاف الظاهر ، وأجاب الشهاب بأن أذكر متضمن لمعنى القول ، والمعنى قل لهم يا محمد حين يصعدون الخ ومثله لا منع فيه كما تقول لزيد : أتقول كذا فإن الخطاب المحكي مقصود لفظه فلا ينافي القاعدة المذكورة وهم غفلوا عنه فتأمل ، ولا يخفى أن هذا خلاف الظاهر أيضاً ، والإصعاد الذهاب والإبعاد في الأرض ، وفرق بعضهم بين الإصعاد والصعود بأن الإصعاد في مستوى الأرض والصعود في ارتفاع ، وقيل : لا فرق بين أصعد وصعد سوى أن الهمزة في الأول للدخول نحو أصبح إذا دخل في الصباح والأكثرون على الأول ، وقرأ الحسن فيما أخرجه ابن جرير عنه { تُصْعِدُونَ } بفتح التاء والعين ، وحمله بعضهم على صعود الجبل ، وقرأ أبو حيوة { تُصْعِدُونَ } بفتح التاء وتشديد العين وهو إما من تصعد في السلم إذا رقى أو من صعد في الوادي تصعيداً إذا انحدر فيه ، فقد قال الأخفش : أصعد في الأرض إذا مضى وسار وأصعد في الوادي وصعد فيه إذا انحدر ، وأنشد : \rفإما تريني اليوم مزجي ظعينتي...\r( أصعد ) طوراً في البلاد وأفرع\rوقال الشماخ : \rفإن كرهت هجائي فاجتنب سخطي...\rلا يدهمنك إفراعي ( وتصعيدي )","part":17,"page":263},{"id":7295,"text":"وورد عن غير واحد أن القوم لما امتحنوا ذهبوا فراراً في وادي أحد ، وقال أبو زيد : يقال : صعد في السلم صعوداً وصعد في الجبل أو على الجبل تصعيداً ولم يعرفوا فيه صعد ، وقرأ أبيّ { إِذْ تُصْعِدُونَ } في الوادي وهي تؤيد قول من قال : إن الإصعاد الذهاب في مستوى الأرض دون الارتفاع ، وقرىء يصعدون بالياء التحتية وأمر تعلق إذ باذكر عليه ظاهر. أ هـ {روح المعانى حـ 4 صـ 90 ـ 91}\rفصل\rقال الفخر :\rولا تلوون على أحد : أي لا تلتفتون إلى أحد من شدة الهرب ، وأصله أن المعرج على الشيء يلوي إليه عنقه أو عنان دابته ، فإذا مضى ولم يعرج قيل لم يلوه ، ثم استعمل اللي في ترك التعريج على الشيء وترك الالتفات إلى الشيء ، يقال : فلان لا يلوي على شيء ، أي لا يعطف عليه ولا يبالي به. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 9 صـ 33}\rوقال الآلوسى :\r{ وَلاَ تَلْوُونَ على أحَدٍ } أي لا تقيمون على أحد ولا تعرجون وهو من لوى بمعنى عطف وكثيراً ما يستعمل بمعنى وقف وانتظر لأن من شأن المنتظر أن يلوي عنقه ، وفسر أيضاً بلا ترجعون وهو قريب من ذلك ، وذكر الطبرسي أن هذا الفعل لا يذكر إلا في النفي فلا يقال لويت على كذا ، وقرأ الحسن ( تلون ) بواو واحدة بقلب الواو المضمومة همزة وحذفها تخفيفاً.\rوقرىء { تَلْوُونَ } بضم التاء على أنه من ألوى لغة في لوى ، ويلوون بالياء كيصعدون ، قال أبو البقاء ويقرأ { على أَحَدٍ } بضمتين وهو الجبل والتوبيخ عليه غير ظاهر ، ووجهه بعضهم بأن المراد أصحاب أحد أو مكان الوقعة ، وفيه إشارة إلى إبعادهم في استشعار الخوف وجدهم في الهزيمة حتى لا يلتفتون إلى نفس المكان. أ هـ {روح المعانى حـ 4 صـ 91}","part":17,"page":264},{"id":7296,"text":"وقال ابن عاشور :\rواللَّيُّ مجاز بمعنى الرّحمة والرفق مثل العطف في حقيقته ومجازه ، فالمعنى ولا يلوي أحد عن أحد فأوجز بالحذف ، والمراد على أحد منكم ، يعني : فررتم لا يرحم أحد أحداً ولا يرفق به ، وهذا تمثيل للجدّ في الهروب حتَّى إنّ الواحد ليدوس الآخر لو تعرّض في طريقه. أ هـ {التحرير والتنوير حـ 3 صـ 254}\rقوله تعالى : {والرسول يَدْعُوكُمْ}\rقال الفخر :\r{والرسول يَدْعُوكُمْ} كان يقول : \" إليَّ عباد الله أنا رسول الله من كر فله الجنة \" فيحتمل أن يكون المراد أنه عليه الصلاة والسلام كان يدعوهم إلى نفسه حتى يجتمعوا عنده ، ولا يتفرقوا ، ويحتمل أن يكون المراد أنه كان يدعوهم إلى المحاربة مع العدو.\rثم قال : {فِى أُخْرَاكُمْ} أي آخركم ، يقال : جئت في آخر الناس وأخراهم ، كما يقال : في أولهم وأولاهم ، ويقال : جاء فلان في أخريات الناس ، أي آخرهم ، والمعنى أنه عليه الصلاة والسلام كان يدعوهم وهو واقف في آخرهم ، لأن القوم بسبب الهزيمة قد تقدموه. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 9 صـ 33 ـ 34}\rوقال العلامة ابن عطية ولله دره :\rقوله تعالى : { في أخراكم } مدح للنبي عليه السلام فإن ذلك هو موقف الأبطال في أعقاب الناس ، ومنه قول الزبير بن باطا ما فعل مقدمتنا إذ حملنا وحاميتنا إذ فررنا ، وكذلك كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أشجع الناس ، ومنه قول سلمة بن الأكوع كنا إذا احمر البأس اتقينا برسول الله صلى الله عليه وسلم. أ هـ {المحرر الوجيز حـ 1 صـ 526}","part":17,"page":265},{"id":7297,"text":"فائدة\rقال الآلوسى :\rوإيراده عليه الصلاة والسلام بعنوان الرسالة للإيذان بأن دعوته صلى الله عليه وسلم كانت بطريق الرسالة من جهته تعالى مبالغة في توبيخ المنهزمين ، روي أنه صلى الله عليه وسلم كان ينادي إليّ عباد الله إليّ عباد الله أنا رسول الله من يكر فله الجنة وكان ذلك حين انهزم القوم وجدوا في الفرار قبل أن يصلوا إلى مدى لا يسمع فيه الصوت فلا ينافي ما تقدم عن كعب بن مالك أنه لما عرف رسول الله صلى الله عليه وسلم ونادى بأعلى صوته يا معشر المسلمين أبشروا هذا رسول الله صلى الله عليه وسلم أشار إليه رسول الله عليه الصلاة والسلام أن أنصت لأن ذلك كان آخر الأمر حيث أبعد المنهزمون. أ هـ {روح المعانى حـ 4 صـ 91 ـ 92}\rقوله تعالى : {فأثابكم غَمّاً بِغَمّ}\rفصل\rقال الفخر :\rلفظ الثواب لا يستعمل في الأغلب إلا في الخير ، ويجوز أيضا استعماله في الشر ، لأنه مأخوذ من قولهم : ثاب إليه عقله ، أي رجع اليه ، قال تعالى : {وَإِذْ جَعَلْنَا البيت مَثَابَةً لّلنَّاسِ} [ البقرة : 125 ] والمرأة تسمى ثيباً لأن الواطىء عائد اليها ، وأصل الثواب كل ما يعود إلى الفاعل من جزاء فعله سواء كان خيراً أو شراً ، إلا أنه بحسب العرف اختص لفظ الثواب بالخير ، فإن حملنا لفظ الثواب ههنا على أصل اللغة استقام الكلام ، وإن حملناه على مقتضى العرف كان ذلك وارداً على سبيل التهكم ، كما يقال : تحيتك الضرب ، وعتابك السيف ، أي جعل الغم مكان ما يرجون من الثواب قال تعالى :\r{فَبَشّرْهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٍ} [ التوبة : 34 ]. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 9 صـ 34}\rفصل\rقال الفخر :\rالباء في قوله : {غَمّاً بِغَمّ} يحتمل أن تكون بمعنى المعارضة ، كما يقال : هذا بهذا أي هذا عوض عن ذاك ، ويحتمل أن تكون بمعنى \"مع\" والتقدير : أثابهم غماً مع غم ، أما على التقدير الأول ففيه وجوه :","part":17,"page":266},{"id":7298,"text":"الأول : وهو قول الزجاج أنكم لما أذقتم الرسول غماً بسبب أن عصيتم أمره ، فالله تعالى أذاقكم هذا الغم ، وهو الغم الذي حصل لهم بسبب الانهزام وقتل الأحباب ، والمعنى جازاكم من ذلك الغم بهذا الغم.\rالثاني : قال الحسن : يريد غم يوم أحد للمسلمين بغم يوم بدر للمشركين ، والمقصود منه أن لا يبقى في قلبكم التفات إلى الدنيا ، فلا تفرحوا بإقبالها ولا تحزنوا بإدبارها ، وهو المعنى بقوله : {لّكَيْلاَ تَأْسَوْاْ على مَا فَاتَكُمْ} في واقعة أحد {وَلاَ تَفْرَحُواْ بِمَا ءاتاكم} [ الحديد : 23 ] في واقعة بدر ، \rطعن القاضي في هذا الوجه وقال : إن غمهم يوم أحد إنما كان من جهة استيلاء الكفار ، وذلك كفر ومعصية ، فكيف يضيفه الله إلى نفسه ؟\rويمكن أن يجاب عنه بأنه لا يبعد أن يعلم الله تعالى أن في تسليط الكفار على المسلمين نوع مصلحة ، وهو أن لا يفرحوا بإقبال الدنيا ولا يحزنوا بإدبارها ، فلا يبقى في قلوبهم اشتغال بغير الله.\rالثالث : يجوز أن يكون الضمير في قوله {فأثابكم} يعود للرسول ، والمعنى أن الصحابة لما رأوا أن النبي صلى الله عليه وسلم شج وجهه وكسرت رباعيته وقتل عمه ، اغتموا لأجله ، والرسول عليه السلام لما رأى أنهم عصوا ربهم لطلب الغنيمة ثم بقوا محرومين من الغنيمة ، وقتل أقاربهم اغتم لأجلهم ، فكان المراد من قوله {فأثابكم غَمّاً بِغَمّ} هو هذا ، أما على التقدير الثاني وهو أن تكون الباء في قوله : {غَمّاً بِغَمّ} بمعنى \"مع\" أي غما مع غم ، أو غما على غم ، فهذا جائز لأن حروف الجر يقام بعضها مقام بعض ، تقول : ما زلت به حتى فعل ، وما زلت معه حتى فعل ، وتقول : نزلت ببني فلان ، وعلى بني فلان. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 9 صـ 34}","part":17,"page":267},{"id":7299,"text":"وقال ابن عاشور : \rوقوله : { فأثابكم غما } إن كان ضمير { فأثابكم } ضميرَ اسم الجلالةَ ، وهو الأظهر والموافق لقوله بعده : { ثم أنزل عليكم من بعد الغم } [ آل عمران : 154 ] فهو عطف على { صَرَفكم } [ آل عمران : 152 ] أي ترتّب على الصرف إثابتكم.\rوأصلُ الإثابة إعطاء الثَّواب وهو شيء يكون جزاء على عطاء أو فعل.\rوالغمّ ليس بخير ، فيكونُ أثابكم إمّا استعارة تهكمية كقول عمرو بن كلثوم : \rقَرَينَاكُم فَعَجَّلْنَا قِراكم\rقبيلَ الصبح مِرداة طحونا...\rأي جازاكم الله على ذلك الإصعاد المقارن للصرف أن أثابكم غمّاً أي قلقَا لكم في نفوسكم ، والمراد أن عاقبكم بغمّ كقوله : { فبشّرهم بعذاب أليم } [ آل عمران : 21 ] وفي هذا الوجه بعد : لأنّ المقام مقام ملام لا توبيخ ، ومقام معذرة لا تنديم.\rوإمّا مشاكلةً تقديرية لأنَّهم لما خرجوا للحرب خرجوا طالبين الثَّواب ، فسلكوا مسالك باءوا معها بعقاب فيكون كقول الفرزدق : \rأخاف زياداً أن يكون عطاؤُه\rأدَاهِم سوداً أو مُحَدْرَجَةً سُمرا...\rوقول الآخر : \rقلتُ : اطبُخوا لي جُبَّةً قميصاً.\rونكتة هذه المشاكلة أن يتوصّل بها إلى الكلام على ما نشأ عن هذا الغمّ من عبرة ، ومن توجّه عناية الله تعالى إليهم بعده.\rوالباء في قوله : { بغمّ } للمصاحبة أي غمّاً مع غمّ ، وهو جملة الغموم الَّتي دخلت عليهم من خيبة الأمل في النَّصر بعد ظهور بَوارقه ، ومن الانهزام ، ومن قتل من قُتل ، وجرح من جرح ، ويجوز كون الباء للعوض ، أي : جازاكم الله غمّاً في نفوسكم عوضاً عن الغمّ الَّذي نسبتم فيه للرسول وإن كان الضّمير في قوله : { فأثابكم } عائداً إلى الرسول في قوله : { والرسول يدعوكم } ، وفيه بعد ، فالإثابة مجاز في مقابلة فعل الجميل بمثله أي جازاكم بغمّ.\rوالباء في قوله : { بغمّ } باء العوض.","part":17,"page":268},{"id":7300,"text":"والغمّ الأوّل غمّ نفس الرسول ، والغمّ الثَّاني غمّ المسلمين ، والمعنى أنّ الرسول اغتمّ وحزن لما أصابكم ، كما اغتممتم لما شاع من قتله فكان غمّه لأجلكم جزاءاً على غمّكم لأجله. أ هـ {التحرير والتنوير حـ 3 صـ 254 ـ 255}\rفصل\rقال الفخر :\rواعلم أن الغموم هناك كانت كثيرة :\rفأحدها : غمهم بما نالهم من العدو في الأنفس والأموال.\rوثانيها : غمهم بما لحق سائر المؤمنين من ذلك ،\rوثالثها : غمهم بما وصل إلى الرسول من الشجة وكسر الرباعية ،\rورابعها : ما أرجف به من قتل الرسول صلى الله عليه وسلم ،\rوخامسها : بما وقع منهم من المعصية وما يخافون من عقابها ،\rوسادسها : غمهم بسبب التوبة التي صارت واجبة عليهم ، وذلك لأنهم إذا تابوا عن تلك المعصية لم تتم توبتهم إلا بترك الهزيمة والعود إلى المحاربة بعد الانهزام ، وذلك من أشق الأشياء ، لأن الأنسان بعد صيرورته منهزما يصير ضعيف القلب جباناً ، فإذا أمر بالمعاودة ، فإن فعل خاف القتل ، وإن لم يفعل خاف الكفر أو عقاب الآخرة ، وهذا الغم لا شك أنه أعظم الغموم والأحزان ، وإذا عرفت هذه الجملة فكل واحد من المفسرين فسر هذه الآية بواحد من هذه الوجوه ونحن نعدها :\rالوجه الأول : أن الغم الأول ما أصابهم عند الفشل والتنازع ، والغم الثاني ما حصل عند الهزيمة.\rالوجه الثاني : أن الغم الأول ما حصل بسبب فوت الغنائم ، والغم الثاني ما حصل بسبب أن أبا سفيان وخالد بن الوليد اطلعا على المسلمين فحملوا عليهم وقتلوا منهم جمعاً عظيما.\rالوجه الثالث : أن الغم الأول ما كان عند توجه أبي سفيان وخالد بن الوليد عليهم بالقتل والغم الثاني هو أن المشركين لما رجعوا خاف الباقون من المسلمين من أنهم لو رجعوا لقتلوا الكل فصار هذا الغم بحيث أذهلهم عن الغم الأول.","part":17,"page":269},{"id":7301,"text":"والوجه الرابع : أن الغم الأول ما وصل إليهم بسبب أنفسهم وأموالهم ، والغم الثاني ما وصل إليهم بسبب الإرجاف بقتل النبي صلى الله عليه وسلم ، وفي الآية قول ثالث اختاره القفال رحمه الله تعالى قال : وعندنا أن الله تعالى ما أراد بقوله : {غَمّاً بِغَمّ} اثنين ، وإنما أراد مواصلة الغموم وطولها ، أي أن الله عاقبكم بغموم كثيرة ، مثل قتل إخوانكم وأقاربكم ، ونزول المشركين من فوق الجبل عليكم بحيث لم تأمنوا أن يهلك أكثركم ، ومثل إقدامكم على المعصية ، فكأنه تعالى قال : أثابكم هذه الغموم المتعاقبة ليصير ذلك زاجرا لكم عن الاقدام على المعصية والاشتغال بما يخالف أمر الله تعالى. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 9 صـ 34 ـ 35}\rفصل\rقال الفخر :\rمعنى أن الله أثابهم غم بغم : أنه خلق الغم فيهم ، وأما المعتزلة فهذا لا يليق بأصولهم ، فذكروا في علة هذه الإضافة وجوها :\rالأول : قال الكعبي : إن المنافقين لما أرجفوا أن محمداً عليه الصلاة والسلام قد قتل ولم يبين الله تعالى كذب ذلك القائل ، صار كأنه تعالى هو الذي فعل ذلك الغم ، وهذا كالرجل الذي يبلغه الخبر الذي يغمه ويكون معه من يعلم أن ذلك الخبر كذب ، فإذا لم يكشفه له سريعا وتركه يتفكر فيه ثم أعلمه فإنه يقول له : لقد غممتني وأطلت حزني وهو لم يفعل شيئاً من ذلك ، بل سكت وكف عن إعلامه ، فكذا ههنا.\rالثاني : أن الغم وان كان من فعل البعد فسببه فعل الله تعالى ، لأن الله طبع العباد طبعا يغتمون بالمصائب التي تنالهم وهم لا يحمدون على ذلك ولا يذمون.\rالثالث : أنه لا يبعد أن يخلق الله تعالى الغم في قلب بعض المكلفين لرعاية بعض المصالح. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 9 صـ 35}\rقوله تعالى : {لّكَيْلاَ تَحْزَنُواْ}\rقال الفخر :\rوفيه وجهان :\rالأول : أنها متصلة بقوله :","part":17,"page":270},{"id":7302,"text":"{وَلَقَدْ عَفَا عَنْكُمْ} [ آل عمران : 152 ] كأنه قال : ولقد عفا عنكم لكيلا تحزنوا ، لأن في عفوه تعالى ما يزيل كل غم وحزن ، \rوالثاني : أن اللام متصلة بقوله : {فأثابكم} ثم على هذا القول ذكروا وجوها : \rالأول : قال الزجاج : المعنى أثابكم غم الهزيمة من غمكم النبي صلى الله عليه وسلم بسبب مخالفته ، ليكون غمكم بأن خالفتموه فقط ، لا بأن فاتتكم الغنيمة وأصابتكم الهزيمة ، وذلك لأن الغم الحاصل بسبب الإقدام على المعصية ينسي الغم الحاصل بسبب مصائب الدنيا.\rالثاني : قال الحسن : جعلكم مغمومين يوم أحد في مقابلة ما جعلتموهم مغمومين يوم بدر ، لأجل أن يسهل أمر الدنيا في أعينكم فلا تحزنوا بفواتها ولا تفرحوا باقبالها ، وهذان الوجهان مفرعان على قولنا الباء في قوله : {غَمّاً بِغَمّ} للمجازاة ، أما إذا قلنا انها بمعنى \"مع\" فالمعنى أنكم قلتم لو بقينا في هذا المكان وامتثلنا أمر الرسول لوقعنا في غم فوات الغنيمة ، فاعلموا أنكم لما خالفتم أمر الرسول وطلبتم الغنيمة وقعتم في هذه الغموم العظيمة التي كل واحد منها أعظم من ذلك الغم أضعافا مضاعفة ، والعاقل إذا تعارض عنده الضرران ، وجب أن يخص أعظمهما بالدفع ، فصارت إثابة الغم على الغم مانعاً لكم من أن تحزنوا بسبب فوات الغنيمة ، وزاجراً لكم عن ذلك. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 9 صـ 35 ـ 36}\rوقال الآلوسى : \r{ لّكَيْلاَ تَحْزَنُواْ على مَا فَاتَكُمْ وَلاَ مَا أصابكم } ظاهر إذ المعنى أساءكم بذلك لكيلا تحزنوا على ما فاتكم من النصر ولا ما أصابكم من الشدائد ، وكذا على ما ذهب إليه المغربي ، وأما على الأوجه الأخر فالمعنى لتتمرنوا على الصبر في الشدائد فلا تحزنوا على نفع ما فات أو ضر آت ، وإنما احتيج إلى هذا التأويل لأن المجازاة بالغم إنما تكون سبباً للحزن لا لعدمه.","part":17,"page":271},{"id":7303,"text":"وقيل : ( لا ) زائدة والمعنى لكي تأسفوا على ما فاتكم من الظفر والغنيمة وعلى ما أصابكم من الجراح والهزيمة عقوبة لكم ، فالتعليل حينئذ ظاهر ولا يخفى أن تأكيد ( لا ) وتكريرها يبعد القول بزيادتها ، وقيل : التعليل على ظاهره و( لا ) ليست زائدة والكلام متعلق بقوله تعالى : { وَلَقَدْ عَفَا عَنْكُمْ } [ آل عمران : 152 ] أي ولقد عفا الله تعالى عنكم لئلا تحزنوا الخ فإن عفو الله تعالى يذهب كل حزن ، ولا يخفى ما فيه ، وربما يقال : إن أمر التعليل ظاهر أيضاً على ما حكي عن السدي من غير حاجة إلى التأويل ولا القول بزيادة لا ويوضح ذلك ما أخرجه ابن جرير عن مجاهد قال : أصاب الناس غم وحزن على ما أصابهم في أصحابهم الذين قتلوا فلما اجتمعوا في الشعب وقف أبو سفيان وأصحابه بباب الشعب فظن المؤمنون أنهم سوف يميلون عليهم فيقتلونهم أيضاً فأصابهم حزن أنساهم حزنهم في أصحابهم فذلك قوله تعالى : { فأثابكم غَمّاً بِغَمّ } الخ ، وحديث إن المجازاة بالغم إنما تكون سبباً للحزن لا لعدمه غير مسلم على الإطلاق ، وأي مانع من أن يكون غم مخصوص سبباً لزوال غم آخر مخصوص أيضاً بأن يعظم الثاني فينسى الأول فتدبر. أ هـ {روح المعانى حـ 4 صـ 92 ـ 93}\rقوله تعالى {والله خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ}\rقال الفخر :\r{والله خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ} أي هو عالم بجميع أعمالكم وقصودكم ودواعيكم ، قادر على مجازاتها ، إن خيراً فخير وإن شراً فشر ، وذلك من أعظم الزواجر للعبد عن الاقدام على المعصية ، والله أعلم. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 9 صـ 36}\rوقال الآلوسى :\r{ والله خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ } عليم بأعمالكم وبما قصدتم بها ، وفي \"المقصد الأسني\" الخبير بمعنى العليم لكن العلم إذا أضيف إلى الخفايا الباطنة سمي خبرة وسمي صاحبها خبيراً ، وفي ترغيب في الطاعة وترهيب عن المعصية. أ هـ {روح المعانى حـ 4 صـ 93}","part":17,"page":272},{"id":7304,"text":"فائدة\rقال الشيخ الشنقيطى :\rقوله تعالى: {فأثابكم غمّاً بغمّ لكيلا تحزنوا على ما فاتكم ولا ما أصابكم }الآية قوله تعالى: {فأثابكم غمّاً بغمّ} أي غمّا على غمّ, أي حزنا على حزن, أو أثابكم غما بسبب غمكم لرسول الله صلى الله عليه وسلم بعصيان أمره, والمناسب لهذا الغم بحسب ما يسبق إلى الذهن أن يقول: لكي تحزنوا, أما قوله: {لكيلا تحزنوا} فهو مشكل؛ لأن الغم سبب للحزن لا لعدمه.\rوالجواب عن هذا من أوجه:\rالأول: أنّ قوله: {لكيلا تحزنوا} متعلق بقوله تعالى: {ولقد عفا عنكم} فالمعنى: أنّ الله تعالى عفا عنكم لتكون حلاوة عفوه تزيل عنكم ما نالكم من غم القتل, والجرح.,وفوت الغنيمة, والظفر, والجزع من إشاعة أن النبي صلى الله عليه وسلم قتله المشركون.\rالوجه الثاني: أن معنى الآية: أنه تعالى غمّكم هذا الغم لكي تتمرنوا على نوائب الدهر, فلا يحصل لكم الحزن في المستقبل؛ لأن من اعتاد الحوادث لا تؤثّر عليه .\rالوجه الثالث: أنّ (لا) صلة, وسيأتي الكلام على زيادتها بشواهده العربية إن شاء الله تعالى في الجمع بين قوله تعالى: {لا أقسم بهذا البلد}, وقوله: {وهذا البلد الأمين}. أ هـ {دفع إيهام الاضطراب صـ 69 ـ 70}","part":17,"page":273},{"id":7305,"text":"فوائد لغوية\rقال ابن عادل :\rالعامل في \" إذْ \" قيل : مُضْمَر ، أي : اذكروا.\rوقال الزمخشريُّ : \" صَرَفَكُمْ \" أوْ \" لِيَبْتَلِيَكُمْ \".\rوقال أبو البقاء : ويجوز أن يكون ظرفاً لِـ \" عَصَيْتُمْ \" أوْ \" تَنَازَعْتُمْ \" أو فَشِلْتُمْ.\rوقيل : هو ظرف لِـ \" عَفَا عَنْكُمْ \" أي : عفا عنكم إذْ تُصْعِدُون هاربين.\rوكل هذه الوجوهِ سائغةٌ ، وكونه ظرفاً لِـ \" صَرَفَكُمْ \" جيدٌ من جهةِ المعنى ، ولِ \" عَفَا \" جيدٌ من جهة القُرْبِ ، وعلى بعض هذه الأقوالِ تكون المسألةُ من باب التنازعِ ، ويكون على إعمال الأخيرِ منها ، لعدم الإضمارِ في الأول ، ويكون التنازعُ في أكثرِ من عاملينِ.\rوالجمهور على { تُصْعِدُونَ } - بضم التاء وكسر العين - من : أصْعَدَ في الأرض ، إذا ذهب فيها. والهمزةُ فيه للدخول ، نحو أصبح زيدٌ ، أي : دخل في الصباح ، فالمعنى : إذ تدخلون في الصعود ، ويُبيِّن ذلك قراءة أبيٍّ \" تصعدون في الوادي \".\rوقرأ الحسنُ ، والسُّلمي ، وقتادةُ : \" تَصْعَدُونَ \" بفتح التاء والعين - من : صعد في الجبل ، أي : رقي ، والجمع بين القراءتين أنهم - أولاً - أصعدوا في الوادي ، ثم لما هزمهم العدو - صعدوا في الجبل ، وهذا على رَأى مَنْ يُفَرِّق بين صعد وأصْعد ، وقرأ أبو حَيْوَةَ : \" تَصَعَّدُون \" بالتشديد - وأصله : تَتَصَعَّدُونَ ، حذفت إحدى التاءين ، إما تاء المضارعة ، أو تاء \" تَفَعَّل \" والجمع بين قراءتِهِ وقراءة غيره كما تقدم.","part":17,"page":274},{"id":7306,"text":"والجمهورُ { تُصْعِدُونَ } بتاء الخطاب ، وابن مُحَيْصن - ويُرْوَى عن ابن كثيرٍ - بياء الغيبة ، على الالتفاتِ ، وهو حسنٌ.\rويجوز أن يعودَ الضمير على المؤمنين ، أي : { والله ذُو فَضْلٍ عَلَى المؤمنين إِذْ تُصْعِدُونَ } فالعاملُ في \" إذْ \" \" فَضْلٍ \" ويقال : أصْعَدَ : أبعد في الذهاب ، قال القُتَبِيُّ أصعد : إذا أبْعَد في الذهاب ، وأمعن فيه ، فكأن الإصعادَ إبعادٌ في الأرض كإبعاد الارتفاعِ.\rقال الشاعرُ : [ الطويل ]\rألاَ أيُّهَذَا السَّائِلِي ، أيْنَ أصْعَدَتْ ؟... فَإنَّ لَهَا مِنْ بَطْنِ يَثْرِبَ مِوْعِدا\rوقال آخرُ : [ الرجز ]\rقَدْ كُنْتِ تَبْكِينَ عَلَى الإضعَادِ... فَالْيَوْمَ سُرِّحْتِ ، وَصَاحَ الْحَادِي\rوقال الفرَّاءُ وأبو حاتم : الإصعاد : في ابتداء السفر والمخارج ، والصعود : مصدر صَعَدَ : رقي من سُفْلٍ إلى عُلُو ، ففرَّق هؤلاء بين صَعَد وأصْعَد.\rوقال المفضَّلُك صعد وأصعد بمعنًى واحدٍ ، والصعيد : وجْهُ الأرضِ.\rقال بعضُ المفسّرين : \" وكلتا القراءتين صوابٌ ، فقد كان يومئذ من المهزمين مُصْعِد وصاعد \".\rقوله : { وَلاَ تَلْوُونَ } الجمهور على { تَلْوُونَ } - بواوين - وقُرِئَ بإبدال الأولى همزة ؛ كراهية اجتماع واوين ، وليس بقياسٍ ؛ لكون الضمة عارضة ، والواو المضمومة تُبْدَل همزة بشروط تقدمت في \" البقرة \".\rمنها : ألا تكون الضمة عارضة ، كهذه ، وأن لا تكون مزيدة ، نحو ترهوك.\rوألا يمكن تخفيفها ، نحو سُور ونور - جمع سوار ونوار - لأنه يمكن تبكينُها فتقول : سور ونور ، فيخف اللفظ بها.\rوألا يُدْغم فيها ، نحو تعوَّذ - مصدر تعوذ.\rومعنى { وَلاَ تَلْوُونَ } ولا ترجعون ، يقال : لَوَى به : ذهب به ، ولَوَى عليه : عطف.\rقَالَ الشاعرُ : [ الطويل ]\r","part":17,"page":275},{"id":7307,"text":"...................... أخُو الْجَهْدِ لا يَلْوِي عَلَى مَنْ تَعَذَّرَا\rوأصله أن المعرِّجَ على الشيءِ يلوي عليه عنقه ، أو عنان دابته ، فإذا مضى - ولم يعرِّج - قيل : لن يلوي ، ثم استعمل في ترك التعريجِ على الشيء وترك الالتفاتِ إليه ، يقال : فلانٌ لا يلوي على كذا أي : لا يلتف إليه ، وأصل { تَلْوُونَ } تلويون ، فَأعِلَّ بحذفِ اللام ، وقد تقدم في قوله : { يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُمْ } [ آل عمران : 78 ] وقرأ الأعمشُ ، وأبو بكر بنُ عَيَّاشٍ - ورويت عن عاصم \" تُلوون \" بضم التاء - من ألوى وهي لغةٌ في لوى.\rوقرأ الحسن \" تَلُون \" بضم التاء - من ألوى وهي لغةٌ في لوى.\rوقرأ الحسن \" تَلُون \" - بواو واحدة - وخرجوها على أنه أبدل الواو همزةً ، ثم نقل حركة الهمزة على اللام ، ثم حذف الهمزة ، على القاعدة ، فلم يبق من الكلمة إلا الفاء - وهي اللام - وقال ابنُ عطيةَ : \" وحذفت إحدى الواوين للساكنين ، وكان قد تقدم أن هذه القراءة هي قراءة مركبةٌ على لغة من يهمز الواوَ ، وينقل الحركة \".\rوهذا عجيبٌ ، بعد أن يجعلها من باب نقل حركةِ الهمزةِ ، كيف يعودُ ويقول : حذفت إحدى الواوين للساكنين ؟ ويُمكن تخريجُ هذه القراءة على وجعين آخرينِ : \rأحدهما : أن يقالَ : استُثقلت الضمةُ على الواو ؛ لأنها أختها ، فكأنه اجتمع ثلاثُ واواتٍ ، فنُقِلت الضمةُ إلى اللامِ ، فالتقى ساكنانِ - الواو التي هي عينُ الكلمةِ ، والواو التي هي ضميرٌ - فحُذفت الأولى ؛ لالتقاء الساكنين ، ولو قال ابن عطيةَ هكذا لكان أولى.\r","part":17,"page":276},{"id":7308,"text":"الثاني : أن يكون \" تَلُونَ \" مضارع وَلِي - من الولاية - وإنما عُدِّي بـ \" على \" لأنه ضُمِّن معنى العطف. وقرأ حُميد بن قيس : \" على أُحُدٍ \" - بضمتين - يريد الجَبَل ، والمعنى : ولا تلوون على مَنْ فِي جبل أُحُد ، وهو النبي صلى الله عليه وسلم قال ابن عطية : والقراءة الشهيرة أقْوى ؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يكن على الجبل إلا بعدما فَرَّ الناسُ عنه ، وهذه الحالُ - من إصعادهم - إنما كانت وهو يدعوهم.\rومعنى الآيةِ : تعرجون ، ولا يلتفت بعضٌ إلى بعضٍ.\rقوله : \" والرسول يدعوكم \" ، مبتدأ وخبر في محل نصب على الحالِ ، العامل فيها \" تلوون \".\rأي : والرسول يدعوكم في أخراكم ومن ورائكم ، يقول : \" إليَّ عِبَاد َالله ؛ فأنا رسولُ اللهِ ، من يكر فله الجنَّةُ \".\rويحتمل أنه كان يدعوكم إلى نفسه ، حتى تجتمعوا عنده ، ولا تتفرقوا. و\" أخراهم \" آخر الناس كما يقال في أولهم ، ويقال : جاء فلانٌ في أخريات الناس.\rقوله : { فَأَثَابَكُمْ } فيه وجهان : \rأحدهما : أنه معطوف على \" تصعدون \" و\" تلوون \" ، ولا يضر كونهما مضارعين ؛ لأنهما ماضيان في المعنى ؛ لأن \" إذ \" المضافة إليهما صيرتهما ماضيين ، فكأن المعنى إذا صعدتم ، وألويتم.\rالثاني : أنه معطوفٌ على \" صرفكم \".\rقال الزمخشريُّ { فَأَثَابَكُمْ } عطف على صرفكم ، وفيه بُعْدٌ ؛ لطول الفصل وفي فاعله قولان : \rأحدهما : أنه الباري تعالى.\rوالثاني : أنه معطوف على \" صرفكم \".\rقال الزمخشريُّ { فَأَثَابَكُمْ } عطف على صرفكم ، وفيه بُعْدٌ ؛ لطول الفصل وفي فاعله قولان : \rأحدهما : أنه الباري تعالى.\rوالثاني : أنه النبيُّ صلى الله عليه وسلم.\r","part":17,"page":277},{"id":7309,"text":"قال الزَّمَخْشَرِيُّ : ويجوز أن يكون الضمير في { فَأَثَابَكُمْ } للرسول أي : فآساكم من الاغتمام ، وكما غمكم ما نزل به من كسر رباعيته غمه ما نزل بكم من فوت الغنيمة.\rو \" غماً \" مفعول ثانٍ.\rوقوله : { فَأَثَابَكُمْ } هل هو حقيقة أو مجاز فقيل : مجاز كأنه جعل الغم قائماً مقام الثواب الَّذِي كان يحصل لولا الفرارُ فهو كقوله : [ الطويل ]\rأخَافُ زِيَاداً أنْ يَكُونَ عَطَاؤُهُ... أدَاهِم سُوداً أوْ مُحَدْرَجَة سُمْرَا\rوقول الآخر : \rتحية بينهم ضرب وجميع... جعل القيود والسياط بمنزلة العطاء ، والضرب بمنزلة التحية.\rوقال الفرّاءُ : \" الإثابة - هاهنا - بمعنى المعاقبة \" وهو يرجع إلى المجاز ؛ لأن الإثابة أصلها في الحسنات.\rقوله : { بِغَمٍّ } يجوز في الباء أوجهٌ : \rأحدها : أن تكون للسببيةِ ، على معنى أن متعلِّق الغَمْ الأول الصحابة ، ومتعلق الغَمِّ الثاني قيل المشركين يوم بدرٍ.\rقال الحَسَنُ : يريد غَم يوم أحدٍ للمسلمين بغمّ يوم بدرٍ للمشركينَ ، والمعنى : فأثابكم غماً بالغم الذي أوقعه على أيديكم بالكفار يوم بدرٍ.\rوقيل متعلَّق الغَمِّ الرسول ، والمعنى : أذاقكم الله غمًّا بسبب الغَمِّ الذي أدخلتموه على الرسول والمؤمنين بفشلكم ومخالفتكم أمره ، أو فأثابكم الرسول غماً بسبب غفم اغتممتموه لأجله ، والمعنى أن الصحابة لما رأوا النبي صلى الله عليه وسلم شُجَّ وكُسِرت رَبَاعِيَتُه ، وقُتِل عَمه ، اغتممتموه لأجله ، والنبيُّ صلى الله عليه وسلم لما رآهم قَد عَصَوْا رَبَّهُم لأجل الغنيمة - ثم بَقَوْا محرومينَ من الغنيمةِ - وقتِلَ أقاربُهم ، اغتم لأجلهم.\r","part":17,"page":278},{"id":7310,"text":"الثاني : أن تكون الباء للمصاحبة ، أي : غماً مصاحِباً لغم ، ويكون الغمَّان للصحابة ، بمعنى غَمًّا مع غم أو غماً على غم ، فالغم الأولُ : الهزيمة والقتل ، والثاني إشراف خالد بخيل الكفار ، أو بإرجافهم : قتل الرسول صلى الله عليه وسلم فعلى الأول تتعلق الباء بـ { فَأَثَابَكُمْ }.\rقال أبو البقاء وقيل : المعنى بسبب غم ، فيكون مفعولاً به.\rوعلى الثاني يتعلقُ بمحذوفٍ ؛ لأنه صفة لِـ \" غَمّ \" أي : غماً مصاحباً لغم ، أو ملتبساً بغَمٍّ ، وأجاز أبو البقاء أن تكون الباءُ بمعنى \" بعد \" أو بمعنى \" بدل \" وجعلها - في هذين الوجهين - صفة لـ \" غماً \".\rوكونها بمعنى \" بعد \" و\" بدل \" بعيدٌ ، وكأنه يريدُ تفسير المعنى ، وكذا قَالَ الزمخشريُّ غماً بَعْدَ غَمٍّ.\rقوله : { لِّكَيْلاَ تَحْزَنُواْ } هذه لام \" كي \" وهي لام جرٍّ ، والنصب - هنا - بـ \" كي \" لئلاَّ يلزم دخول حرفِ جرٍّ على مثله ، وفي متعلَّق هذه اللام قولانِ : \rأحدهما : أنه { فَأَثَابَكُمْ } وفي \" لا \" على هذا وجهانِ : \rالأول : أنها زائدةٌ ؛ لأنه لا يترتب على الاغتمام انتفاء الحُزْن ، والمعنى : أنه غمهم ليُحْزِنهم ؛ عقوبةً لهم على تركهم مواقفهم ، قاله أبو البقاء.\rالثاني : أنها ليست زائدة ، فقال الزمخشريُّ : معنى { لِّكَيْلاَ تَحْزَنُواْ } لتتمرَّنوا على تجرُّع الغمومِ ، وتتضرروا باحتمال الشدائد ، فلا تحزنوا فيما بعدُ على فائتٍ من المنافع ، ولا على مُصِيبٍ من المضارّ.\rوقال ابن عطية : \" المعنى : لتعلَمُوا أن ما وقع بكم إنما هو بجنايتكم ، فأنتم ورَّطتم أنفسكم ، وعادة البشر أن جاني الذنب يصبر للعقوبة ، وأكثر قلق المعاقب وحزنه إذا ظن البراءة من نفسه \".\r","part":17,"page":279},{"id":7311,"text":"ثانيهما : أن اللام تتعلق بـ \" عَفَا \" لأن عَفْوه يُذْهِب كُلَّ حُزْن ، وفيه بُعْدٌ ؛ لطول الفَصْلِ. أ هـ {تفسير ابن عادل حـ 5 صـ 603 ـ 608}. بتصرف يسير.\rمن لطائف الإمام القشيرى فى الآية\rقوله : { إِذْ تُصْعِدُونَ } الإشارة من هذه الآية لأقوام تقع لهم فترة ، ودواعي الحق سبحانه - من أنفسهم ، ومن جميع الأقطار حتى كأنّ الأحجارَ من الشوارع واللَّبِنَ من الجدران - تناديه : لا تفعل يا عبد الله! وهو مُصِرٌّ في ليِّه ، مقيمٌ على غيِّه ، جاحد لِمَا يعلم أنه هو الأحقُّ والأولى من حاله ، فإذا قضى وطره واستوفى بهمته ، فلا محالة يمسك من إرسال عنانه ، ويقف عن ركضه في ميدانه ، فلا يحصل إلا على أنفاس متصاعدة ، وحسراتٍ متواترة ؛ فأورثه الحقُّ - سبحانه - وحشةً على وحشة. حتى إذا طال في التحسُّر مقامه تداركه الحق - سبحانه - بجميل لطفه ، وأقبل عليه بحسن عطفه ، وأنقذه من ضيق أسره ، ونقله إلى سعة عفوه وفضله ، وكثيرٌ مِنْ هؤلاء يصلون إلى محل الأكابر ثم يقفون بالله لله (.... ) ويقومون بالله لله بلا انتظار تقريب ولا ملاحظة ترحيب. أ هـ {لطائف الإشارات حـ 1 صـ 287}","part":17,"page":280},{"id":7313,"text":"قوله تعالى : { ثُمَّ أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ بَعْدِ الْغَمِّ أَمَنَةً نُعَاسًا يَغْشَى طَائِفَةً مِنْكُمْ وَطَائِفَةٌ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنْفُسُهُمْ يَظُنُّونَ بِاللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ ظَنَّ الْجَاهِلِيَّةِ يَقُولُونَ هَلْ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ مِنْ شَيْءٍ قُلْ إِنَّ الْأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ يُخْفُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ مَا لَا يُبْدُونَ لَكَ يَقُولُونَ لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ مَا قُتِلْنَا هَاهُنَا قُلْ لَوْ كُنْتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ إِلَى مَضَاجِعِهِمْ وَلِيَبْتَلِيَ اللَّهُ مَا فِي صُدُورِكُمْ وَلِيُمَحِّصَ مَا فِي قُلُوبِكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ (154)}\rمناسبة الآية لما قبلها\rقال البقاعى :\rولما كان أمانهم بعد انخلاع قلوبهم بعيداً ، ولا سيما بكونه بالنعاس الذي هو أبعد شيء عن ذلك المقام الوعر والمحل الضنك عطف بأداة البعد في قوله : {ثم أنزل عليكم} ولما أفاد بأداة الاستعلاء عظمة الأمن ، وكان متصلاً بالغم ولم يستغرق زمن ما بعده أثبت الجار فقال : {من بعد الغم} أي المذكور وأنتم في نحر العدو {أمنة} أي أمناً عظيماً ، ثم ابدل منها تنبيهاً على ما فيها من الغرابة قوله : {نعاساً} دليلاً قطعياً فإنه لا يكون إلا من أمن ؛ روي البخاري في التفسير عن أنس رضي الله عنه أن أبا طلحة رضي الله عنه قال : \" غشينا النعاس ونحن في مصافنا يوم أحد ، فجعل سيفي يسقط من يدي وآخذه ويسقط وآخذه \" ولما كان لبعضهم فقط استأنف وصفه بقوله : {يغشى طائفة منكم} وهم المؤمنون ، وابتدأ الإخبار عن الباقين بقوله : {وطائفة} أي أخرى من المنافقين {قد أهمتهم أنفسهم} لا المدافعة عن الدين فهم إنما يطلبون خلاصها ، ولا يجدون إلى ذلك فيما يظنون سبيلاً لاتصال رعبهم وشدة جزعهم ، فعوقبوا على ذلك بأنه لم يحصل لهم الأمن المذكور ، ثم فسر همهم فقال : {يظنون بالله} المحيط بصفات الكمال {غير الحق} أي من أن نصره بعده هذا لا يمكن ، أو أنهم لو قعدوا في المدينة لم يقتل أحد ، ونحو ذلك من سفساف الكلام وفاسد الظنون التي فتحتها لو والأوهام {ظن الجاهلية} أي الذين لا يعلمون - من عظمة الله سبحانه وتعالى بأن ما أراده كان ولا يكون غيره - ما يعلم أتباع الرسل.","part":17,"page":281},{"id":7314,"text":"ثم فسر الظن بقوله : {يقولون} أي منكرين لأنه لم يجعل الرأي رايهم ويعمل بمقتضاه غشباً وتاسفاً على خروجهم في هذا الوجه وعدم رجوعهم مع ابن أبيّ بعد أن خرجوا {هل لنا من الأمر} أي المسموع ، ولكون الاستفهام بمعنى النفي ثبتت أداة الاستغراق في قوله : {من شيء} فكأنه قيل : فماذا يقال لهم ؟ فقيل : {قل} أي لهم رداً عليهم احتقاراً بهم {إن الأمر} أي الحكم الذي لا يكون سواه {كله لله} أي الذي لا كفوء له ، وليس لكم ولا لغيركم منه شيء ، شئتم أو أبيتم ، غزوتم أو قعدتم ، ثبتم أو فررتم.\rولما قص سبحانه وتعالى عليهم بعض أمرهم في هذه الحرب ، وبين لهم شيئاً من فوائد ما فعل بهم بقوله : {إن يمسسكم قرح} [ آل عمران : 140 ] وكان من جملة ذلك ما أظهر من أسرار المنافقين بهذه الوقعة في اتهامهم الله ورسوله ، حتى وصل إلى هنا ، وكان قولهم هذا غير صريح في الاتهام لإمكان حمله على مساق الاستفهام أخبر سبحانه وتعالى بتدليسهم بقوله : {يخفون} أي يقولون ذلك مخفين {في أنفسهم ما لا يبدون لك} لكونه لا يرضاه اللهز ثم بين ذلك بعد إجماله فقال : {يقولون لو كان لنا من الأمر} أي المسموع {شيء ما قتلنا ههنا} لأنا كنا نمكث في المدينة ولا نخرج إلى العدو.","part":17,"page":282},{"id":7315,"text":"ولما أخبر سبحانه وتعالى عنهم بما أخفوه جهلاً منهم ظناً أن الحذر يغني من القدر أمره سبحانه وتعالى بالرد عليهم بقوله : {قل لو كنتم في بيوتكم} أي بعد أن أجمع رأيكم على أن لا يخرج منكم أحد {لبرز الذين كتب عليهم القتل} أي في هذه الغزوة {إلى مضاجعهم} أي التي هي مضاجعهم بالحقيقة وهي التي قتلوا بها ، لأن ما قدرناه لا يمكن أحداً دفعه بوجه من الوجوه ، ثم عطف على ما علم تقديره ودل عليه السياق قوله : {ليبتلي} أي لبرز المذكورون لينفذ قضاؤه ويصدق قوله لكم في غزوة بدر : إن فاديتم الأسارة ولم تقتلوهم قتل منكم في العام المقبل مثلهم {وليبتلي الله} أي المحيط بصفات الكمال بهذا الأمر التقديري {ما في صدوركم} أي من الإيمان والنفاق بأن يفعل في إظهاره من عالم الغيب إلى عالم الشهادة فعل المختبر كما فعل بما وجد في هذه الغزوة من الأمور التحقيقية {وليمحص ما في قلوبكم} اي يطهره ويصفيه من جميع الوساوس الصارفة عن المراقبة من محبة الدنيا من الغنائم التي كانت سبب الهزيمة وغيرها.\rوختم بقوله : {والله} أي الذي له الإحاطة بكل شيء {عليم بذات الصدور} مرغباً ومرهباً ودافعاً لما قد يتوهم من ذكر الابتلاء من عدم العلم بالخفايا.\rولما كانوا في هذه الغزوة قد حصل لهم ضرر عظيم ، لكنه كان بما وقع من بعضهم من الخلل الظاهر فأدبهم بذلك ، عفا عنهم سبحانه وتعالى بعد ذلك التأديب ورحمهم وطيب قلوبهم بهذه الآية بما فيها من التأمين صريحاً ، وبما فيها من الإشارة بجمع جميع حروف المعجم فيها تلويحاً إلى أن أمرهم لا بد أن يتم كما تمت الحروف في هذه الآية.\r","part":17,"page":283},{"id":7316,"text":"لكنه افتتحها بأداة التراخي إشارة إلى أنه لا يكون إلا بعد مدة مديدة حتى تصقل مرائي الصدور التي ختمها بها بخلاف ما في الآية الأخرى الجامعة للحروف في آخر سورة الفتح التي نزلت في الحديبية التي ساءهم رجوعهم منها دون وصولهم إلى قصدهم - كما يأتي إن شاء الله سبحانه وتعالى. أ هـ {نظم الدرر حـ 2 صـ 168 ـ 170}\rفصل\rقال الفخر :\rفي كيفية النظم وجهان :\rالأول : أنه تعالى لما وعد نصر المؤمنين على الكافرين ، وهذا النصر لا بد وأن يكون مسبوقا بازالة الخوف عن المؤمنين ، بين في هذه الآية أنه تعالى أزال الخوف عنهم ليصير ذلك كالدلالة على أنه تعالى ينجز وعده في نصر المؤمنين.\rالثاني : أنه تعالى بين أنه نصر المؤمنين أولا ، فلما عصى بعضهم سلط الخوف عليهم ، ثم ذكر أنه أزال ذلك الخوف عن قلب من كان صادقا في إيمانه مستقرا على دينه بحيث غلب النعاس عليه.","part":17,"page":284},{"id":7317,"text":"واعلم أن الذين كانوا مع الرسول صلى الله عليه وسلم يوم أحد فريقان : أحدهما : الذين كانوا جازمين بأن محمداً عليه الصلاة والسلام نبي حق من عند الله وأنه لا ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى ، وكانوا قد سمعوا من النبي صلى الله عليه وسلم أن الله تعالى ينصر هذا الدين ويظهره على سائر الأديان ، فكانوا قاطعين بأن هذه الواقعة لا تؤدي إلى الاستئصال ، فلا جرم كانوا آمنين ، وبلغ ذلك الأمن إلى حيث غشيهم النعاس ، فإن النوم لا يجيء مع الخوف ، فمجيء النوم يدل على زوال الخوف بالكلية ، فقال ههنا في قصة أحد في هؤلاء {ثُمَّ أَنزَلَ عَلَيْكُمْ مّن بَعْدِ الغم أَمَنَةً نُّعَاساً} وقال في قصة بدر {إِذْ يُغَشّيكُمُ النعاس أَمَنَةً مّنْهُ} [ الأنفال : 11 ] ففي قصة أحد قدم الأمنة على النعاس ، وفي قصة بدر قدم النعاس على الأمنة ، وأما الطائفة الثانية وهم المنافقون الذين كانوا شاكين في نبوته عليه الصلاة والسلام ، وما حضروا إلا لطلب الغنيمة ، فهؤلاء اشتد جزعهم وعظم خوفهم ، ثم إنه تعالى وصف حال كل واحدة من هاتين الطائفتين ، فقال في صفة المؤمنين : {ثُمَّ أَنزَلَ عَلَيْكُمْ مّن بَعْدِ الغم أَمَنَةً نُّعَاساً}. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 9 صـ 36 ـ 37}\rقال الآلوسى :\r{ ثُمَّ أَنزَلَ عَلَيْكُمْ } عطف على { فأثابكم } [ آل عمران : 153 ] والخطاب للمؤمنين حقاً ، والمعنى ثم وهب لكم أيها المؤمنون { مّن بَعْدِ الغم } الذي اعتراكم والتصريح بتأخر الإنزال عنه مع دلالة ثم عليه وعلى تراخيه عنه لزيادة البيان ، وتذكير عظم المنة. أ هـ {روح المعانى حـ 4 صـ 93}\rفائدة\rقال أبو حيان :\rواختلفوا في الوقت الذي غشيهم فيه النعاس.","part":17,"page":285},{"id":7318,"text":"فقال الجمهور : حين ارتحل أبو سفيان من موضع الحرب ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لعلي وكان من المتحيزين إليه : \" اذهب فانظر إلى القوم فإنْ كانوا جنبوا الخيل فهم ناهضون إلى مكة ، وإن كانوا على خيلهم فهم عائدون إلى المدينة فاتقوا الله واصبروا \" ووطنهم على القتال ، فمضى علي ثم رجع فأخبر : أنهم جنبوا الخيل ، وقعدوا على أثقالهم عجالاً ، فأمن المؤمنون المصدقون رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وألقى الله تعالى عليهم النعاس.\rوبقي المنافقون الذين في قلوبهم مرض لا يصدقون ، بل كان ظنهم أنّ أبا سفيان يؤم المدينة ، فلم يقع على أحد منهم نوم ، وإنما كان همهم في أحوالهم الدنيوية.\rوثبت في البخاري من حديث أبي طلحة قال : غشينا النعاس ونحن في مصافنا يوم أحد ، فجعل يسقط من يدي وآخذه ، ويسقط وآخذه ، وفي طريق رفعت رأسي فجعلت ما أرى أحداً من القوم إلا وهو يميل تحت جحفته.\rوهذا يدل على أنهم غشيهم النعاس وهم في المصاف وسياق الآية والحديث الأول يدلان على خلاف ذلك.\rقال تعالى { فأثابكم غماً بغم }.\rوالغم كان بعد أن كسروا وتفرقوا عن مصافهم ورحل المشركون عنهم.\rوالجمع بين هذين القولين : أن المصاف الذي أخبر عنه أبو طلحة كان في الجبل بعد الكسرة ، أشرف عليهم أبو سفيان من علو في الخيل الكثيرة ، فرماهم من كان انحاز إلى الجبل من الصحابة بالحجارة ، وأغنى هناك عمر حتى أنزلوهم ، وما زالوا صافين حتى جاءهم خبر قريش أنهم عزموا على الرّحيل إلى مكة ، فأنزل الله عليهم النعاس في ذلك الموطن ، فأمنوا ولم يأمن المنافقون.\rوالفاعل بأنزل ضمير يعود على الله تعالى ، وهو معطوف على فأثابكم.\rوعليكم يدل على تجلل النعاس واستعلائه وغلبته ، ونسبة الإنزال مجاز لأن حقيقته في الأجرام. أ هـ {البحر المحيط حـ 3 صـ 92}\r","part":17,"page":286},{"id":7319,"text":"قوله تعالى : {يغشى طَائِفَةً مّنْكُمْ}\rقال الآلوسى :\r{ يغشى طَائِفَةً مّنْكُمْ } قال ابن عباس : هم المهاجرون وعامة الأنصار ، وفيه إشعار بأنه لم يغش الكل ولا يقدح ذلك في عموم الإنزال للكل. أ هـ {روح المعانى حـ 4 صـ 94}\rفصل\rقال الفخر :\rقد ذكرنا أن هذه الطائفة هم المؤمنون الذين كانوا على البصيرة في إيمانهم قال أبو طلحة ، غشينا النعاس ونحن في مصافنا ، فكان السيف يسقط من يد أحدنا فيأخذه.\rثم يسقط فيأخذه ، وعن الزبير قال : كنت مع النبي صلى الله عليه وسلم حين اشتد الخوف ، فأرسل الله علينا النوم ، وإني لأسمع قول معتب بن قشير : والنعاس يغشاني يقول : لو كان لنا من الأمر شيء ما قتلنا ههنا.\rوقال عبد الرحمن بن عوف : ألقى النوم علينا يوم أحد ، وعن ابن مسعود : النعاس في القتال أمنة ، والنعاس في الصلاة من الشيطان ، وذلك لأنه في القتال لا يكون إلا من غاية الوثوق بالله والفراغ عن الدنيا ، ولا يكون في الصلاة إلا من غاية البعد عن الله.\rواعلم أن ذلك النعاس فيه فوائد :\rأحدها : أنه وقع على كافة المؤمنين لا على الحد المعتاد ، فكان ذلك معجزة ظاهرة للنبي صلى الله عليه وسلم ، ولا شك أن المؤمنين متى شاهدوا تلك المعجزة الجديدة ازدادوا إيماناً مع إيمانهم ، ومتى صاروا كذلك ازداد جدهم في محاربة العدو ووثوقهم بأن الله منجز وعده ، \rوثانيها : أن الأرق والسهر يوجبان الضعف والكلال ، والنوم يفيد عود القوة والنشاط واشتداد القوة والقدرة ، \rوثالثها : أن الكفار لما اشتغلوا بقتل المسلمين ألقى الله النوم على عين من بقي منهم لئلا يشاهدوا قتل أعزتهم ، فيشتد الخوف والجبن في قلوبهم ، ","part":17,"page":287},{"id":7320,"text":"ورابعها : أن الأعداء كانوا في غاية الحرص على قتلهم ، فبقاؤهم في النوم مع السلامة في مثل تلك المعركة من أدل الدلائل على أن حفظ الله وعصمته معهم ، وذلك مما يزيل الخوف عن قلوبهم ويورثهم مزيد الوثوق بوعد الله تعالى ، ومن الناس من قال : ذكر النعاس في هذا الموضع كناية عن غاية الامن ، وهذا ضعيف لأن صرف اللفظ عن الحقيقة إلى المجاز لا يجوز إلا عند قيام الدليل المعارض ، فكيف يجوز ترك حقيقة اللفظ مع اشتمالها على هذه الفوائد والحكم. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 9 صـ 37}\rلطيفة\rقال ابن عاشور :\rوسمّي الإغشاء إنزالاً لأنّه لمّا كان نعاساً مقدّراً من الله لحكمة خاصّة ، كان كالنازل من العوالم المشرّفة كما يقال : نزلت السكينة. أ هـ {التحرير والتنوير حـ 3 صـ 256}\rفصل\rقال الفخر :\rقرأ حمزة والكسائي {تغشى} بالتاء رداً إلى الأمنة ، والباقون بالياء رداً ، إلى النعاس ، وهو اختيار أبي حاتم وخلف وأبي عبيد.","part":17,"page":288},{"id":7321,"text":"واعلم أن الأمنة والنعاس كل واحد منهما يدل على الآخر ، فلا جرم يحسن رد الكناية إلى أيهما شئت ، كقوله تعالى : {إِنَّ شَجَرَةَ الزقوم * طَعَامُ الأثيم * كالمهل يَغْلِى فِى البطون} [ الدخان : 43 45 ] وتغلي ، إذا عرفت جوازهما فنقول : مما يقوي القراءة بالتاء أن الأصل الأمنة ، والنعاس بدل ، ورد الكناية إلى الأصل أحسن ، وأيضاً الأمنة هي المقصود ، وإذا حصلت الأمنة حصل النعاس لأنها سببه ، فإن الخائف لا يكاد ينعس ، وأما من قرأ بالياء فحجته أن النعاس هو الغاشي ، فإن العرب يقولون غشينا النعاس ، وقلما يقولون غشيني من النعاس أمنة ، وأيضاً فإن النعاس مذكور بالغشيان في قوله : {إِذْ يُغَشّيكُمُ النعاس أَمَنَةً مّنْهُ} [ الأنفال : 11 ] وأيضاً : النعاس يلي الفعل ، وهو أقرب في اللفظ إلى ذكر الغشيان من الأمنة فالتذكير أولى. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 9 صـ 37 ـ 38}\rفائدة\rقال الطبرى :\rوالصواب من القول في ذلك عندي ، أنهما قراءتان معروفتان مستفيضتان في قرأة الأمصار ، غير مختلفتين في معنى ولا غيره. لأن\"الأمنة\" في هذا الموضع هي النعاس ، والنعاس هو الأمنة. فسواء ذلك ، وبأيتهما قرأ القارئ فهو مصيبٌ الحقَّ في قراءته. (1)\rوكذلك جميع ما في القرآن من نظائره من نحو قوله : ( إِنَّ شَجَرَةَ الزَّقُّومِ طَعَامُ الأثِيمِ كَالْمُهْلِ تَغْلِي فِي الْبُطُونِ ) [سورة الدخان : 43-45] و( أَلَمْ يَكُ نُطْفَةً مِنْ مَنِيٍّ تُمْنَى ) [سورة القيامة : 37] ، ( وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تُسَاقِطْ ) [سورة مريم : 25]. أ هـ {تفسير الطبرى حـ 7 صـ 316}\r_____________\r(1) هذا أصل عظيم فكل قراءة متواترة لا يجوز تضعيفها وليته التزم بهذا الأصل الذى أشار إليه ، فكثيرا ما يرجح بين القراءات المتواترة. والله أعلم.","part":17,"page":289},{"id":7322,"text":"قوله تعالى : {وَطَائِفَةٌ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنْفُسُهُمْ}\rهؤلاء هم المنافقون عبد الله بن أبي ومعتب بن قشير وأصحابهما ، كان همهم خلاص أنفسهم ، يقال : همني الشيء أي كان من همي وقصدي ، قال أبو مسلم : من عادة العرب أن يقولوا لمن خاف ، قد أهمته نفسه ، فهؤلاء المنافقون لشدة خوفهم من القتل طار النوم عنهم ، وقيل المؤمنون ، كان همهم النبي صلى الله عليه وسلم وإخوانهم من المؤمنين ، والمنافقون كان همهم أنفسهم وتحقيق القول فيه : أن الأنسان إذا اشتد اشتغاله بالشيء واستغراقه فيه ، صار غافلا عما سواه ، فلما كان أحب الأشياء إلى الأنسان نفسه ، فعند الخوف على النفس يصير ذاهلا عن كل ما سواها ، فهذا هو المراد من قوله : {أَهَمَّتْهُمْ أَنْفُسُهُمْ} وذلك لأن أسباب الخوف وهي قصد الأعداء كانت حاصلة والدافع لذلك وهو الوثوق بوعد الله ووعد رسوله ما كان معتبراً عندهم ، لأنهم كانوا مكذبين بالرسول في قلوبهم ، فلا جرم عظم الخوف في قلوبهم. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 9 صـ 38}\rقوله تعالى : {يَظُنُّونَ بالله غَيْرَ الحق ظَنَّ الجاهلية}\rفصل\rقال الفخر :\rفي هذا الظن احتمالان :","part":17,"page":290},{"id":7323,"text":"أحدهما : وهو الأظهر : هو أن ذلك الظن أنهم كانوا يقولون في أنفسهم لو كان محمد محقا في دعواه لما سلط الكفار عليه وهذا ظن فاسد ، أما على قول أهل السنة والجماعة ، فلأنه سبحانه يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد لا اعتراض لأحد عليه ، فإن النبوة خلعة من الله سبحانه يشرف عبده بها ، وليس يجب في العقل أن المولى إذا شرف عبده بخلعة أن يشرفه بخلعة أخرى ، بل له الأمر والنهي كيف شاء بحكم الالهية ، وأما على قول من يعتبر المصالح في أفعال الله وأحكامه ، فلا يبعد أن يكون لله تعالى في التخلية بين الكافر والمسلم ، بحيث يقهر الكافر المسلم ، حكم خفية وألطاف مرعية ، فإن الدنيا دار الامتحان والابتلاء ، ووجوه المصالح مستورة عن العقول ، فربما كانت المصلحة في التخلية بين الكافر والمؤمن حتى يقهر الكافر المؤمن ، وربما كانت المصلحة في تسليط الفقر والزمانة على المؤمنين.\rقال القفال : لو كان كون المؤمن محقاً يوجب زوال هذه المعاني لوجب أن يضطر الناس إلى معرفة المحق بالجبر ، وذلك ينافي التكليف واستحقاق الثواب والعقاب ، بل الأنسان إنما يعرف كونه محقاً بما معه من الدلائل والبينات ، فأما القهر فقد يكون من المبطل للمحق ، ومن المحق للمبطل ، وهذه جملة كافية في بيان أنه لا يجوز الاستدلال بالدولة والشوكة ووفور القوة على أن صاحبها على الحق.\rالثاني : أن ذلك الظن هو أنهم كانوا ينكرون إله العالم بكل المعلومات القادر على كل المقدورات ، وينكرون النبوة والبعث ، فلا جرم ما وثقوا بقول النبي صلى الله عليه وسلم في أن الله يقويهم وينصرهم. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 9 صـ 38 ـ 39}\rفصل\rقال الفخر :","part":17,"page":291},{"id":7324,"text":"{غَيْرِ الحق} في حكم المصدر ، ومعناه : يظنون بالله غير الظن الحق الذي يجب أن يظن به ( وظن الجاهلية ) بدل منه ، والفائدة في هذا الترتيب أن غير الحق : أديان كثيرة ، وأقبحها مقالات أهل الجاهلية ، فذكر أولا أنهم يظنون بالله غير الظن الحق ، ثم بين أنهم اختاروا من أقسام الأديان التي غير حقة أركها وأكثرها بطلانا ، وهو ظن أهل الجاهلية ، كما يقال : فلان دينه ليس بحق ، دينه دين الملاحدة. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 9 صـ 39}\rفائدة\rقال ابن عاشور :\rوإنَّما كان هذا الظنّ غيرَ الحقّ لأنَّه تخليط في معرفة صفات الله وصفات رسوله وما يجوز وما يستحيل ، فإنّ لله أمراً وهدياً وله قدَر وتيسير ، وكذلك لرسوله الدعوة والتشريع وبذل الجهد في تأييد الدّين وهو في ذلك معصوم ، وليس معصوماً من جريان الأسباب الدنيوية عليه ، ومن أن يكون الحرب بينه وبين عدوّه سجالاً ، قال أبو سفيان لهرقل وقد سأله : كيف كان قتالكم له ؟ فقال أبو سفيان : ينال منّا وننال منه ، فقال هرقل : وكذلك الإيمان حتَّى يتمّ.\rفظنّهم ذلك ليس بحقّ.\rوقد بيّن الله تعالى أنَّه ظنّ الجاهلية الَّذين لم يعرفوا الإيمان أصلاً فهؤلاء المتظاهرون بالإيمان لم يدخل الإيمان في قلوبهم فبقيت معارفهم كما هي من عهد الجاهلية ، والجاهلية صفة جرت على موصوف محذوف يقدّر بالفئة أو الجماعة ، وربما أريد به حالة الجاهلية في قولهم أهل الجاهلية ، وقوله تعالى : { تبرّج الجاهلية الأولى } ، والظاهر أنَّه نسبة إلى الجاهل أي الَّذي لا يعلم الدين والتَّوحيد ، فإنّ العرب أطلقت الجهل على ما قابل الحلم ، قال ابن الرومي\rبجهل كجهل السيف والسيف منتضى\rوحلم كحلم السيف والسيف مغمد...\rوأطلقت الجهل على عدم العلم قال السموأل....\rفليسَ سواء عالم وجَهول\rوقال النابغة :\rوليس جَاهل شيءٍ مثلَ مَن علما","part":17,"page":292},{"id":7325,"text":"وأحسب أن لفظ الجاهلية من مبتكرات القرآن ، وصف به أهل الشرك تنفيراً من الجهل ، وترغيباً في العلم ، ولذلك يذكره القرآن في مقامات الذمّ في نحو قوله : { أفحكم الجاهلية يبغون } [ المائدة : 50 ] { ولاَ تَبَرّجْنَ تَبَرّجَ الجاهليّة الأولى } [ الأحزاب : 33 ] { إذ جعل الَّذين كفروا في قلوبهم الحَمِيَّة حَمِيَّة الجَاهلية } [ الفتح : 26 ].\rوقال ابن عبَّاس : سمعت أبي في الجاهلية يقول : اسقنا كأساً دِهاقاً ، وفي حديث حكيم بن حِزام : أنَّه سأل النَّبيء صلى الله عليه وسلم عن أشياء كان يتحنّث بها في الجاهلية من صدقة وعتاقة وصلة رحم.\rوقالوا : شعر الجاهلية ، وأيَّامُ الجاهلية.\rولم يسمع ذلك كُلّه إلاّ بعد نزول القرآن وفي كلام المسلمين. أ هـ {التحرير والتنوير حـ 3 صـ 258 ـ 259}\rفصل\rقال الفخر :\rفي قوله : {ظَنَّ الجاهلية} قولان :\rأحدهما : أنه كقولك : حاتم الجود ، وعمر العدل ، يريد الظن المختص بالملة الجاهلية ، \rوالثاني : المراد ظن أهل الجاهلية. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 9 صـ 39}\rفصل\rقال الثعالبى :\rوقد وردَتْ أحاديثُ صِحَاحٌ في الترغيبِ في حُسْن الظَّنِّ باللَّه عزَّ وجلَّ ، ففي \"صحيح مُسْلِم\" ، وغيره ، عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم حاكِياً عن اللَّه عزَّ وجلَّ يقولُ سبْحَانه : \" أَنَا عِنْدَ ظَنِّ عَبْدِي بِي... \" الحديثَ ، وقال ابْنُ مَسْعود : واللَّه الَّذِي لاَ إله غيره ، لا يُحْسِنُ أحَدٌ الظنَّ باللَّه عزَّ وجلَّ إلا أعطاه اللَّهُ ظنَّه ، وذلك أنَّ الخَيْر بيده ، وخرَّج أبو بَكْرِ بْنُ الخَطِيب بسنده ، عن أنَسِ ؛ أنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم قَالَ : \" مِنْ حُسْنِ عِبَادَةِ المَرْءِ حُسْنُ ظَنِّهِ \". أ هـ {الجواهر الحسان حـ 1 صـ 324}","part":17,"page":293},{"id":7326,"text":"قوله تعالى : {يَقُولُونَ هَل لَّنَا مِنَ الأمر مِن شَىْء قُلْ إِنَّ الأمر كُلَّهُ للَّهِ }\rفصل\rقال الفخر :\rاعلم أن قوله {هَل لَّنَا مِنَ الأمر مِن شَىْء} حكاية للشبهة التي تمسك أهل النفاق بها ، وهو يحتمل وجوها :\rالأول : أن عبد الله بن أبي لما شاوره النبي صلى الله عليه وسلم في هذه الواقعة أشار عليه بأن لا يخرج من المدينة ، ثم إن الصحابة ألحوا على النبي صلى الله عليه وسلم في أن يخرج إليهم ، فغضب عبد الله بن أبي من ذلك ، فقال عصاني وأطاع الولدان ، ثم لما كثر القتل في بني الخزرج ورجع عبد الله بن أبي قيل له : قتل بنو الخزرج ، فقال : هل لنا من الأمر من شيء ، يعني أن محمداً لم يقبل قولي حين أمرته بأن يسكن في المدينة ولا يخرج منها ، ونظيره ما حكاه الله عنهم أنهم قالوا : {لَوْ أَطَاعُونَا مَا قُتِلُوا} [ آل عمران : 168 ] والمعنى : هل لنا من أمر يطاع وهو استفهام على سبيل الانكار.\rالوجه الثاني في التأويل : أن من عادة العرب أنه إذا كانت الدولة لعدوه قالوا : عليه الأمر ، فقوله : {هَل لَّنَا مِنَ الأمر مِن شَىْء} أي هل لنا من الشيء الذي كان يعدنا به محمد ، وهو النصرة والقوة شيء وهذا استفهام على سبيل الانكار ، وكان غرضهم منه الاستدلال بذلك على أن محمداً صلى الله عليه وسلم كان كاذباً في ادعاء النصرة والعصمة من الله تعالى لأمته ، وهذا استفهام على سبيل الإنكار.\rالثالث : أن يكون التقدير : أنطمع أن تكون لنا الغلبة على هؤلاء ، والغرض منه تصبير المسلمين في التشديد في الجهاد والحرب مع الكفار ، ثم إن الله سبحانه أجاب عن هذه الشبهة بقوله : {قُلْ إِنَّ الأمر كُلَّهُ للَّهِ}. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 9 صـ 39}","part":17,"page":294},{"id":7327,"text":"قال الآلوسى :\r{ يَقُولُونَ هَل لَّنَا مِنَ الأمر مِن شَىْء } أي يقول بعضهم لبعض على سبيل الإنكار : هل لنا من النصر والفتح والظفر نصيب أي ليس لنا من ذلك شيء لأن الله سبحانه وتعالى لا ينصر محمداً صلى الله عليه وسلم ، أو يقول الحاضرون منهم لرسول الله صلى الله عليه وسلم على صورة الاسترشاد : هل لنا من أمر الله تعالى ووعده بالنصر شيء ، واختاره بعض المحققين. أ هـ {روح المعانى حـ 4 صـ 94 ـ 95}\rفصل\rقال الفخر :\rقرأ أبو عمرو ( كله ) برفع اللام ، والباقون بالنصب ، أما وجه الرفع فهو أن قوله : ( كله ) مبتدأ وقوله : ( لله ) خبره ، ثم صارت هذه الجملة خبراً لإن ، وأما النصب فلأن لفظة \"كل\" للتأكيد ، فكانت كلفظة أجمع ، ولو قيل : إن الأمر أجمع ، لم يكن إلا النصب ، فكذا إذا قال \"كله\". أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 9 صـ 39}\rوقال الطبرى :\rواختلفت القراء في قراءة ذلك.\rفقرأته عامة قرأة الحجاز والعراق : ( قُلْ إِنَّ الأمْرَ كُلَّهُ ) ، بنصب\"الكل\" على وجه النعت لـ\"الأمر\" والصفة له.\rوقرأه بعض قرأة أهل البصرة : ( قُلْ إِنَّ الأمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ ) برفع\"الكل\" ، على توجيه\"الكل\" إلى أنه اسم ، وقوله\"لله\" خبره ، كقول القائل : \"إن الأمر بعضه لعبد الله.\rوقد يجوز أن يكون\"الكل\" في قراءة من قرأه بالنصب ، منصوبًا على البدل.\rقال أبو جعفر : والقراءة التي هي القراءة عندنا ، النصبُ في\"الكل\" لإجماع أكثر القرأة عليه ، من غير أن تكون القراءة الأخرى خطأ في معنى أو عربية. ولو كانت القراءة بالرفع في ذلك مستفيضة في القرأة ، لكانت سواءً عندي القراءةُ بأيِّ ذلك قرئ ، لاتفاق معاني ذلك بأيَ وجهيه قرئ. أ هـ {تفسير الطبرى حـ 7 صـ 323 ـ 324}\rقال أبو حيان :\rقال ابن عطية : ورجح الناس قراءة الجمهور ، لأن التأكيد أملك بلفظة كلّ انتهى.","part":17,"page":295},{"id":7328,"text":"ولا ترجيح ، إذ كل من القراءتين متواتر ، والابتداء بكل كثير في لسان العرب. أ هـ {البحر المحيط حـ 3 صـ 95 ـ 96}\rفصل\rقال الفخر :\rالوجه في تقرير هذا الجواب ما بينا : أنا إذا قلنا بمذهب أهل السنة لم يكن على الله اعتراض في شيء من أفعاله في الإماتة والإحياء ، والفقر والإغناء والسراء والضراء ، وإن قلنا بمذهب القائلين برعاية المصالح ، فوجوه المصالح مخفية لا يعلمها إلا الله تعالى ، فربما كانت المصلحة في إيصال السرور واللذة ، وربما كانت في تسليط الأحزان والآلام ، فقد اندفعت شبهة المنافقين من هذا الوجه. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 9 صـ 39}\rفصل\rقال الفخر :\rاحتج أصحابنا بهذه الآية على أن جميع المحدثات بقضاء الله وقدره ، وذلك لأن المنافقين قالوا : إن محمدا لو قبل منا رأينا ونصحنا ، لما وقع في هذه المحنة ، فأجاب الله عنه بأن الأمر كله لله ، وهذا الجواب : إنما ينتظم لو كانت أفعال العباد بقضاء الله وقدره ومشيئته إذ لو كانت خارجة عن مشيئته لم يكن هذا الجواب دافعا لشبهة المنافقين ، فثبت أن هذه الآية دالة على ما ذكرنا.\rوأيضا فظاهر هذه الآية مطابق للبرهان العقلي ، وذلك لأن الموجود ، إما واجب لذاته أو ممكن لذاته ، والممكن لذاته لا يترجح وجوده على عدمه إلا عند الانتهاء إلى الواجب لذاته ، فثبت أن كل ما سوى الله تعالى مستند إلى إيجاده وتكوينه ، وهذه القاعدة لا اختصاص لها بمحدث دون محدث ، أو ممكن دون ممكن ، فتدخل فيه أفعال العباد وحركاتهم وسكناتهم ، وذلك هو المراد بقوله : {قُلْ إِنَّ الأمر كُلَّهُ للَّهِ} وهذا كلام في غاية الظهور لمن وفقه الله للإنصاف. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 9 صـ 39 ـ 40}\rقوله تعالى : {يُخْفُونَ فِى أَنْفُسِهِم مَّا لاَ يُبْدُونَ لَكَ }\rقال الفخر :","part":17,"page":296},{"id":7329,"text":"اعلم أنه تعالى حكى عنهم أنهم قالوا : {هل لنا من الأمر من شيء} ، وهذا الكلام محتمل ، فلعل قائله كان من المؤمنين المحقين ، وكان غرضه منه إظهار الشفقة ، وأنه متى يكون الفرج ؟ ومن أين تحصل النصرة ؟ ولعله كان من المنافقين ، وإنما قاله طعنا في نبوة محمد صلى الله عليه وسلم وفي الإسلام فبين تعالى في هذه الآية أن غرض هؤلاء من هذا الكلام هذا القسم الثاني ، والفائدة في هذا التنبيه أن يكون النبي صلى الله عليه وسلم متحرزا عن مكرهم وكيدهم. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 9 صـ 40}\rقوله تعالى {لو كان لنا من الأمر شيء ما قتلنا ههنا}\rإشكال وجوابه\rقال الفخر :\rقولهم : لو كان لنا من الأمر شيء ما قتلنا ههنا.\rوفيه إشكال ، وهو أن لقائل أن يقول : ما الفرق بين هذا الكلام وبين ما تقدم من قوله : {هَل لَّنَا مِنَ الأمر مِن شَىْء} ويمكن أن يجاب عنه من وجهين :\rالأول : أنه تعالى لما حكى عنهم قولهم : {هَل لَّنَا مِنَ الأمر مِن شَىْء} فأجاب عنه بقوله : {الأمر كُلَّهُ للَّهِ}\rواحتج المنافقون على الطعن في هذا الجواب بقولهم : لو كان لنا من الأمر شيء لما خرجنا من المدينة وما قتلنا ههنا ، فهذا يدل على أنه ليس الأمر كما قلتم من أن الأمر كله لله ، وهذا هو بعينه المناظرة الدائرة بين أهل السنة وأهل الاعتزال فإن السني يقول : الأمر كله في الطاعة والمعصية والإيمان والكفر بيد الله ، فيقول المعتزلي : ليس الأمر كذلك ، فإن الإنسان مختار مستقل بالفعل ، إن شاء آمن ، وإن شاء كفر ، فعلى هذا الوجه لا يكون هذا الكلام شبهة مستقلة بنفسها ، بل يكون الغرض منه الطعن فيما جعله الله تعالى جوابا عن الشبهة الأولى.","part":17,"page":297},{"id":7330,"text":"والوجه الثاني : أن يكون المراد من قوله {هَل لَّنَا مِنَ الاْمْرِ مِن شَىء} هو أنه هل لنا من النصرة التي وعدنا بها محمد شيء ويكون المراد من قوله {لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ الاْمْرِ شَىء مَّا قُتِلْنَا هَاهُنَا} هو ما كان يقوله عبد الله بن أبي من أن محمدا لو أطاعني وما خرج من المدينة ما قتلنا ههنا\rواعلم أنه تعالى أجاب عن هذه الشبهة من ثلاثة أوجه\rالوجه الأول من الجواب قوله قُل لَّوْ كُنتُمْ فِى بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ إِلَى مَضَاجِعِهِمْ والمعنى أن الحذر لا يدفع القدر والتدبير لا يقاوم التقدير فالذين قدر الله عليهم القتل لا بد وأن يقتلوا على جميع التقديرات لأن الله تعالى لما أخبر أنه يقتل فلو لم يقتل لانقلب علمه جهلا وقد بينا أيضا أنه ممكن فلا بد من انتهائه الى إيجاد الله تعالى فلو لم يجد لانقلبت قدرته عجزا وكل ذلك محال ومما يدل على تحقيق الوجوب كما قررنا قول الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ وهذه الكلمة تفيد الوجوب فان هذه الكلمة في قوله {كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصّيَامُ} {كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ} ( البقرة 178 ) تفيد وجوب الفعل وههنا لا يمكن حملها على وجوب الفعل فوجب حملها على وجوب الوجود وهذا كلام في غاية الظهور لمن أيده الله بالتوفيق ثم نقول للمفسرين فيه قولان\rالأول لو جلستم في بيوتكم لخرج منكم من كتب الله عليهم القتل الى مضاجعهم ومصارعهم حتى يوجد ما علم الله أنه يوجد والثاني كأنه قيل للمنافقين لو جلستم في بيوتكم وتخلفتم عن الجهاد لخرج المؤمنون الذين كتب عليهم قتال الكفار الى مضاجعهم ولم يتخلفوا عن هذه الطاعة بسبب تخلفكم","part":17,"page":298},{"id":7331,"text":"الوجه الثاني في الجواب عن تلك الشبهة قوله {وَلِيَبْتَلِىَ اللَّهُ مَا فِى صُدُورِكُمْ} وذلك لأن القوم زعموا أن الخروج إلى تلك المقاتلة كان مفسدة ولو كان الأمر إليهم لما خرجوا إليها فقال تعالى بل هذه المقاتلة مشتملة على نوعين من المصلحة أن يتميز الموافق من المنافق وفي المثل المشهور لا تكرهوا الفتن فانها حصاد المنافقين ومعنى الابتلاء في حق الله تعالى قد مر تفسيره مرارا كثيرة\rفإن قيل لم ذكر الابتلاء وقد سبق ذكره في قوله {ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ لِيَبْتَلِيَكُمْ ( آل عمران 152 )} ؟\rقلنا لما طال الكلام أعاد ذكره وقيل الابتلاء الأول هزيمة المؤمنين والثاني سائر الأحوال\rوالوجه الثالث في الجواب قوله {وَلِيُمَحّصَ مَا فِى قُلُوبِكُمْ}\rوفيه وجهان\rأحدهما أن هذه الواقعة تمحص قلوبكم عن الوساوس والشبهات\rوالثاني أنها تصير كفارة لذنوبكم فتمحصكم عن تبعات المعاصي والسيئات وذكر في الابتلاء الصدور وفي التمحيص القلوب. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 9 صـ 40 ـ 41}\rوقال الآلوسى : \r{ وَلِيَبْتَلِىَ الله مَا فِى صُدُورِكُمْ } أي ليختبر الله تعالى ما في صدوركم بأعمالكم فإنه قد علمه غيباً ويريد أن يعلمه شهادة لتقع المجازاة عليه قاله الزجاج ، أو ليعاملكم معاملة المبتلي الممتحن قاله غير واحد ، وهو خطاب للمؤمنين واللام للتعليل ومدخولها علة لفعل مقدر قبل مطوف على علل أخرى مطوية للإيذان بكثرتها كأنه قيل فعل ما فعل لمصالح جمة وليبتلي الخ أو لفعل مقدر بعد أي وللابتلاء المذكور فعل ما فعل لا لعدم العناية بشأن أوليائه وأنصار نبيه صلى الله عليه وسلم مثلاً.","part":17,"page":299},{"id":7332,"text":"والعطف على هذا عند بعض المحققين على قوله تعالى : { أَنزَلَ عَلَيْكُم } والفصل بينهما مغتفر لأن الفاصل من متعلقات المعطوف عليه لفظاً أو معنى ، وقيل : إنه لا حذف في الكلام وإنما هو معطوف على قوله تعالى : { لّكَيْلاَ تَحْزَنُواْ } [ آل عمران : 153 ] أي أثابكم بالغم لأمرين عدم الحزن والابتلاء ، واستبعد بأن توسط تلك الأمور محتاج إلى نكتة حينئذٍ ، وهي غير ظاهرة ، وأبعد منه بل لا يكاد يقبل العطف على قوله تعالى : { لِيَبْتَلِيَكُمْ } [ آل عمران : 152 ] أي صرفكم عنهم ليبتليكم وليبتلي ما في صدوركم ، وجعله بعضهم معطوفاً على علة محذوفة وكلتا العلتين { لَبَرَزَ الذين } كأنه قيل لبرز الذين كتب عليهم القتل إلى مضاجعهم لنفاذ القضاء أو لمصالح جمة وللابتلاء.\rواعترض بأن الذوق السليم يأباه فإن مقتضى المقام بيان حكمة ما وقع يومئذٍ من الشدة والهول لا بيان حكمة البروز المفروض ، وإنما جعل الخطاب للمؤمنين لأنهم المعتدّ بهم ولأن إظهار حالهم مظهر لغيرهم.\rوقيل : إنه لهم وللمنافقين أي ليبتلي ما في سرائركم من الإخلاص والنفاق ، وقيل : للمنافقين خاصة لأن سوق الآية لهم.","part":17,"page":300},{"id":7333,"text":"وظاهر قوله تعالى : { وَلِيُمَحّصَ مَا فِى قُلُوبِكُمْ } أي ليخلص ما فيها من الاعتقاد من الوسواس ، يرجح الأول : لأن المنافقين لا اعتقاد لهم ليمحص من الوساوس ويخلص منها ، ولعل القائلين بكون الخطاب للمنافقين فقط أو مع المؤمنين يفسرون التمحيص بالكشف والتمييز أي ليكشف ما في قلوبكم من مخفيات الأمور أو النفاق ويميزها ، إلا أن حمل التمحيص على هذا المعنى يجعل هذه الجملة كالتأكيد لما قبلها وإنما عبر بالقلوب هنا كما قيل : لأن التمحيص متعلق بالاعتقاد على ما أشرنا إليه وقد شاع استعمال القلب مع ذلك فيقال : اعتقد بقلبه ولا تكاد تسمعهم يقولون اعتقد بصدره أو آمن بصدره ، وفي القرآن { أُوْلَئِكَ كَتَبَ فِى قُلُوبِهِمُ الإيمان } [ المجادلة : 22 ] وليس فيه كتب في صدورهم الإيمان ، نعم يذكر الصدر مع الإسلام كما في قوله تعالى : { أَفَمَن شَرَحَ الله صَدْرَهُ للإسلام } [ الزمر : 22 ] ومن هنا قال بعض السادات : القلب مقر الإيمان ، والصدر محل الإسلام ، والفؤاد مشرق المشاهدة ، واللب مقام التوحيد الحقيقي ، ولعل الآية على هذا تؤول إلى قولنا ليبتلي إسلامكم وليمحص إيمانكم ، وربما يقال عبر بذلك مع التعبير فيما قبل بالصدور للتفنن بناءاً على أن المراد بالجمعين واحد. أ هـ {روح المعانى حـ 4 صـ 97 ـ 98}\rفائدة\rقال القرطبى :\r{ الذين كُتِبَ } أي فرض.\r{ عَلَيْهِمُ القتل } يعني في اللوح المحفوظ.\r{ إلى مَضَاجِعِهِمْ } أي مصارعهم.\rوقيل : { كُتِبَ عَلَيْهُم الْقَتْلُ } أي فرض عليهم القتال ، فعبّر عنه بالقتل ؛ لأنه قد يؤول إليه. أ هـ {تفسير القرطبى حـ 4 صـ 243}\rفصل\rقال ابن عاشور :\r{ قُل لَّوْ كُنتُمْ فِى بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ الذين كُتِبَ عَلَيْهِمُ القتل إلى مَضَاجِعِهِمْ }.","part":17,"page":301},{"id":7334,"text":"لقن الله رسوله الجواب عن قولهم : لو كان لنا من الأمر شيء ما قتلنا ههنا.\rوالجواب إبطال لقولهم ، وتعليم للمؤمنين لدفع ما عسى أن يقع في نفوسهم من الريب ، إذا سمعوا كلام المنافقين ، أو هو جواب للمنافقين ويحصل به علم للمؤمنين.\rوفُصلت الجملة جرياً على حكاية المقاولة كما قرّرنا غير مرّة.\rوهذا الجواب جار على الحقيقة وهي جريان الأشياء على قَدر من الله والتسليمِ لذلك بعد استفراغ الجهد في مصادفة المأمول ، فليس هذا الجواب ونظائره بمقتض ترك الأسباب ، لأنّ قدر الله تعالى وقضاءه غير معلومَين لنا إلاّ بعد الوقوع ، فنحن مأمورون بالسعي فيما عساه أن يكون كاشفاً عن مصادفة قدر الله لمأمولنا ، فإن استفرغنا جهودنا وحُرمنا المأمول ، علمنا أنّ قدر الله جرى من قبل على خلاف مرادنا.\rفأمَّا ترك الأسباب فليس من شأننا ، وهو مخالف لما أراد الله منّا ، وإعراض عمّا أقامنا الله فيه في هذا العالم وهو تحريف لمعنى القدَر.\rوالمعنى : لو لم تكونوا ههنا وكنتم في بيوتكم لخرج الَّذين كتب الله عليهم أن يموتوا مقتولين فقتلوا في مضاجعهم الَّتي اضطجعوا فيها يوم أُحُد أي مصارعهم فالمراد بقوله : { كتب } قدّر ، ومعنى { برز } خرج إلى البراز وهو الأرض. أ هـ {التحرير والتنوير حـ 3 صـ 260}\rوقال أبو حيان : \r{ قل لو كنتم في بيوتكم لبرز الذين كتب عليهم القتل إلى مضاجعهم } هذا النوع عند علماء البيان يسمى الاحتجاج النظري : وهو أن يذكر المتكلم معنى يستدلّ عليه بضروب من المعقول نحو : { لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا } { قل يحييها الذي أنشأها أول مرة } { أو ليس الذي خلق السموات والأرض بقادر } وبعضهم يسميه : المذهب الكلامي.\rومنه قول الشاعر : \rجرى القضاء بما فيه فإن تلم . . .\rفلا ملام على ما خط بالقلم","part":17,"page":302},{"id":7335,"text":"وكتب : بمعنى فرض ، أو قضى وحتم ، أو خط في اللوح ، أو كتب ذلك الملك عليهم وهم أجنة ، أقوال.\rومعنى الآية : أنه لو تخلفتم في البيوت لخرج من حتم عليه القتل إلى مكان مصرعه فقتل فيه ، وهذا رد على قول معتب ، ودليل على أن كل امرىء له أجل واحد لا يتعداه.\rفإنْ قيل : فهو الأجل الذي سبق له في الأزل وإلاّ مات لذلك الأجل ، ولا فرق بين موته وخروج روحه بالقتل ، أو بأي أسباب المرض ، أو فجأه من غير مرض هو أجل واحد لكل امرىء وإن تعددت الأسباب.\rوقد تكلم الزمخشري هنا بألفاظ مسهبة على عادته.\rفقال : لو كنتم في بيوتكم يعني من علم الله أنه يقتل ويصرع في هذه المصارع وكتب ذلك في اللوح المحفوظ ، لم يكن بد من وجوده.\rفلو قعدتم في بيوتكم لبرز من بينكم الذين علم الله أنهم يقتلون إلى مضاجعهم وهي مصارعهم ، ليكون ما علم أنه يكون.\rوالمعنى : أن الله كتب في اللوح قتل من يقتل من المؤمنين ، وكتب مع ذلك أنهم الغالبون لعلمه أن العاقبة في الغلبة لهم ، وأن دين الإسلام يظهر على الدين كله.\rوإنما ينكبون به في بعض الأوقات.\rتمحيص لهم ، وترغيب في الشهادة ، وحرصهم على الشهادة مما يحرضهم على الجهاد فتحصل الغلبة.\rانتهى كلامه.\rوهو نوع من الخطابة والمعنى في الآية واضح جداً لا يحتاج إلى هذا التطويل. أ هـ {البحر المحيط حـ 3 صـ 96 ـ 97}\rسؤال : فإن قيل : قد سبق ذِكْرُ الابتلاء في قوله : { ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ لِيَبْتَلِيَكُمْ } [ آل عمران : 152 ] فلم أعادَه ؟\rفالجواب : أنه أعادهُ ؛ لطول الكلام بينهما ، ولأن الابتلاء الأول هزيمة المؤمنين ، والابتلاء الثاني سائر الأحوال.","part":17,"page":303},{"id":7336,"text":"فإن قيل : قوله : { وَلِيَبْتَلِيَ الله مَا فِي صُدُورِكُمْ } المرادُ منه القلب ؛ لقوله : { القلوب التي فِي الصدور } [ الحج : 46 ] فجعل متعلق الابتلاء ما انطوى عليه الصَّدْرُ - وهو ما في القلب من النِّيَّةِ - وجعل متعلق التمحيص ما في القلب - وهو النيات والعقائد - فلم خالف بين اللفظين في المتعلِّق ؟\rفالجوابُ : أنه لما اختلف المتعلَّقان حسنَ اختلافُ لفظَيْهما. أ هـ {تفسير ابن عادل حـ 6 صـ 619}.\rلطيفة\rقال ابن عاشور :\rوالتمحيص تخليص الشيء ممَّا يخالطه ممَّا فيه عيب له فهو كالتزكية.\rوالقلوب هنا بمعنى العقائد ، ومعنى تمحيص ما فيه قلوبهم تطهيرها ممَّا يخامرها من الريب حين سماع شُبه المنافقين الّتي يبثُّونها بينهم.\rوأطلق الصدور على الضّمائر لأنّ الصدر في كلام العرب يطلق على الإحساس الباطني ، وفي الحديث : \" الإثم ما حاك في الصّدر \" وأطلق القلب على الاعتقاد لأنّ القلب في لسان العرب هو ما به يحصّل التفكّر والاعتقاد.\rوعُدّي إلى الصّدور فعل الابتلاء لأنَّه اختبار الأخلاق والضّمائر : ما فيها من خير وشَرّ ، وليتميّز ما في النفس.\rوَعُدِّيَ إلى القلوب فعل التمحيص لأنّ الظنون والعقائد محتاجة إلى التمحيص لتكون مصدر كلّ خير. أ هـ {التحرير والتنوير حـ 3 صـ 261}\rقوله تعالى {وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ}\rقال الفخر :\rواعلم أن ذات الصدور هي الأشياء الموجودة في الصدور وهي الأسرار والضمائر وهي ذات الصدور لأنها حالة فيها مصاحبة لها وصاحب الشيء ذوه وصاحبته ذاته وإنما ذكر ذلك ليدل به على أن ابتلاءه لم يكن لأنه يخفي عليه ما في الصدور أو غير ذلك لأنه عالم بجميع المعلومات وإنما ابتلاهم اما لمحض الالهية أو للاستصلاح. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 9 صـ 41}","part":17,"page":304},{"id":7337,"text":"وقال الآلوسى : \r{ والله عَلِيمٌ بِذَاتِ الصدور } أي بما في القلوب التي في الصدور من الضمائر الخفية ووصفت بذلك لأنها لتمكنها من الصدور جعلت كأنها مالكة لها فذات بمعنى صاحبة لا بمعنى ذات الشيء ونفسه ، وفي الآية وعد ووعيد أو أحدهما فقط على الخلاف في الخطاب وفيها تنبيه على أن الله تعالى غني عن الابتلاء وإنما يبرز صورة الابتلاء لحكم يعلمها كتمرين المؤمنين أو إظهار حال المنافقين ، واختار الصدور ههنا لأن الابتلاء الغني عنه سبحانه كان متعلقاً بما فيها والتمحيص على المعنى الأول تصفية وتطهير وليس ذلك مما تشعر به هذه الجملة بأنه سبحانه غني عنه وإنما فعله لحكمة ، نعم إذا أريد به الكشف والتمييز يصح أن يقال : إن هذه الجملة مشعرة بأنه تعالى غني أيضاً.\rومن هنا جوّز بعض المحققين كونها حالاً من متعلق الفعلين أي فعل ما فعل للابتلاء والكشف ، والحال أنه تعالى غني عنهما محيط بخفيات الأمور إلا أنه لا يظهر حينئذٍ سر التعبير عن الأسرار والخفيات بذات الصدور دون ذات القلوب مع أن التعبير الثاني أولى بها لأن القلوب محلها بلا واسطة ومحلية الصدور لها بحسب الظاهر بواسطة القلوب اللهم إلا أن يقال : إن ذات الصدور بمعنى الأشياء التي لا تكاد تفارق الصدور لكونها حالة فيها بل تلازمها وتصاحبها أشمل من ذات القلوب لصدق الأولى على الأسرار التي في القلوب وعلى القلوب أنفسها لأن كلاً من هذين الأمرين ملازم للصدور باعتبار كونه حالاً فيها دون الثانية لأنك لا تصدق إلا على الأسرار لأنها الحالة فيها دون الصدور فحينئذٍ يمكن أن يراد من ذات الصدور هذا المعنى الشامل ويكون التعبير بها لذلك. أ هـ {روح المعانى حـ 4 صـ 98}\rوقال البيضاوى : \r{ والله عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُور } بخفياتها قبل إظهارها ، وفيه وعد ووعيد وتنبيه على أنه غني عن الابتلاء وإنما فعل ذلك لتمرين المؤمنين وإظهار حال المنافقين. أ هـ {تفسير البيضاوى حـ 2 صـ 106}","part":17,"page":305},{"id":7339,"text":"من فوائد أبى السعود فى الآية\rقال رحمه الله :\rوقوله تعالى : { قُلْ إِنَّ الأمر كُلَّهُ للَّهِ } أي إن الغلبةَ بالآخرة لله تعالى ولأوليائه فإن حزبَ الله هم الغالبون أو إن التدبيرَ كلَّه لله فإنه تعالى قد دبر الأمرَ كما جرى في سابق قضائِه فلا مردَّ له وقرىء كلُّه بالرفع على الابتداء وقوله تعالى : { يُخْفُونَ فِى أَنْفُسِهِم } أي يُضمرون فيها أو يقولون فيما بينهم بطريق الخُفية { مَّا لاَ يُبْدُونَ لَكَ } استئنافٌ أو حال من ضمير يقولون وقوله تعالى : { قُلْ إِنَّ الأمر } الخ ، اعتراضٌ بين الحال وصاحبِها أي يقولون ما يقولون مُظْهِرين أنهم مسترشِدون طالبون للنصر مُبْطنين الإنكارَ والتكذيبَ ، وقوله تعالى : { يَقُولُونَ } استئنافٌ وقع جواباً عن سؤال نشأ مما قبله كأنه قيل : أيَّ شيء يخفون ؟ فقيل : يحدثون أنفسَهم أو يقول بعضُهم لبعض فيما بينهم خُفيةً : { لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ الأمر شَىْء } كما وعد محمد عليه الصلاة والسلام من أن الغلبةَ لله تعالى ولأوليائه وأن الأمرَ كلَّه لله أو لو كان لنا من التدبير والرأيِّ شيءٌ { مَّا قُتِلْنَا هاهنا } أي ما غُلبنا أو ما قُتل مَنْ قُتل منا في هذه المعركةِ على أن النفيَ راجعٌ إلى نفس القتلِ لا إلا وقوعه فيها فقط ، ولما برحنا من منازلنا كما رآه ابنُ أُبي ويؤيده تعيينُ مكانِ القتلِ وكذا قوله تعالى : { قُل لَّوْ كُنتُمْ فِى بُيُوتِكُمْ } أي لو لم تخرُجوا إلى أُحُد وقعدتم بالمدينة كما تقولون { لَبَرَزَ الذين كُتِبَ عَلَيْهِمُ القتل } أي في اللوح المحفوظِ بسبب من الأسباب الداعيةِ إلى البروز { إلى مَضَاجِعِهِمْ } إلى مصارعهم التي قدَّر الله تعالى قتلَهم فيها وقُتلوا هنالك ألبتةَ ولم تنفَعِ العزيمةُ على الإقامة بالمدينة قطعاً ، فإن قضاءَ الله تعالى لا يُرَدّ وحكمُه لا يُعقَّب ، وفيه مبالغةٌ في رد","part":17,"page":306},{"id":7340,"text":"مقالتِهم الباطلةِ حيث لم يُقتَصرْ على تحقيق نفسِ القتلِ كما في قوله عز وجل : { أَيْنَمَا تَكُونُواْ يُدْرِككُّمُ الموت } بل عُيِّن مكانُه أيضاً ، ولا ريب في تعيُّن زمانِه أيضاً لقوله تعالى : { فَإِذَا جَاء أَجَلُهُمْ لاَ يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلاَ يَسْتَقْدِمُونَ }\rرُوي أن ملك الموتِ حضر مجلسَ سليمانَ عليه الصلاة والسلام فنظر إلى رجل من أهل المجلسِ نَظرةً هائلة فلما قام قال الرجلُ : من هذا ؟ فقال سليمانُ عليه السلام : ملكُ الموتِ ، قال : أرسِلْني مع الريح إلى عالم آخَرَ فإني رأيتُ منه مرأىً هائلاً فأمرها عليه السلام فألقتْه في قُطر سحيقٍ من أقطار العالم فما لبث أن عاد ملكُ الموتِ إلى سليمانَ عليه السلام فقال : كنت أُمِرْتُ بقبض روحِ ذلك الرجلِ في هذه الساعةِ في أرض كذا فلما وجدتُه في مجلسك قلت : متى يصِلُ هذا إليها وقد أرسلتَه بالريح إلى ذلك المكانِ فوجدتُه هناك (1)\r_______________\r(1) نص الحديث عن شهر بن حوشب قال دخل ملك الموت على سليمان ـ عليهما السلام ـ فجعل ينظر إلى رجل من جلسائه يديم إليه النظر فلما خرج قال الرجل من هذا ؟\rقال : هذا ملك الموت ـ عليه السلام ـ قال لقد رأيته ينظر إلي فكأنه يريدني قال فما تريد ؟ قال أريد أن تحملني على الريح فتلقيني بالهند قال فدعا بالريح فحمله عليها فألقته بالهند ثم أتى ملك الموت سليمان ـ عليه السلام ـ فقال : إنك كنت تديم النظر إلى رجل من جلسائي قال كنت أعجب منه إني أمرت أن أقبض روحه بالهند وهو عندك. أ هـ {حلية الأولياء حـ 4 صـ 118}","part":17,"page":307},{"id":7341,"text":"فقُضي أمرُ الله عز وجل في زمانه ومكانِه من غير إخلالٍ بشيء من ذلك ، وقرىء كَتَبَ على البناء للفاعل ونصبِ القتلُ ، وقرىء كُتب عليهم القتالُ وقرىء لبُرِّز بالتشديد على البناء للمفعول { وَلِيَبْتَلِىَ الله مَا فِى صُدُورِكُمْ } أي ليعاملَكم معاملةَ مَنْ يبتلي ما في صدوركم من الإخلاص والنفاقِ ويُظهرَ ما فيها من السرائر ، وهو علةٌ لفعل مقدرٍ قبلها معطوفةٌ على علل لها أخرى مطويةٍ للإيذان بكثرتها ، كأنه قيل : فعلَ ما فعل لمصالحَ جمةٍ وليبتليَ الخ ، وجعلُها عِللاً لبَرَز يأباه الذوقُ السليمُ فإن مقتضى المقامِ بيانُ حكمةِ ما وقع يومئذ من الشدة والهولِ لا بيانُ حِكمةِ البروزِ المفروضِ ، أو لفعلٍ مقدرٍ بعدها أي وللابتلاء المذكورِ فعلَ ما فعل ، لا لعدم العنايةِ بأمر المؤمنين ونحو ذلك ، وتقديرُ الفعل مقدماً خالٍ عن هذه المزية.\r{ وَلِيُمَحّصَ مَا فِى قُلُوبِكُمْ } من مخفيات الأمورِ ويكشِفَها أو يُخلِّصَها من الوساوس { والله عَلِيمٌ بِذَاتِ الصدور } أي السرائر والضمائرِ الخفيةِ التي لا تكاد تفارقُ الصدورَ بل تلازمها وتصاحبُها ، والجملةُ إما اعتراضٌ للتنبيه على أن الله تعالى غنيٌ عن الابتلاء ، وإنما يُبرِز صورةَ الابتلاءِ لتمرين المؤمنين وإظهارِ حالِ المنافقين ، أو حالٌ من متعلَّق الفعلين أي فَعل ما فَعل للابتلاء والتمحيصِ والحال أنه تعالى غنيٌ عنهما مُحيطٌ بخفيات الأمورِ ، وفيه وعدٌ ووعيد. أ هـ {تفسير أبى السعود حـ 2 صـ 101 ـ 102}\r\rفوائد لغوية\rقال ابن عادل :\rفى نصب أمنةً أربعة أوجه :\rالأول : أنها مفعول \" أنْزَلَ \".\rالثاني : أها حال من \" نُعَاساً \" لأنها في الأصل - صفةٌ ، فلما قُدِّمَتْ نُصِبت حالاً.","part":17,"page":308},{"id":7342,"text":"الثالث : أنها مفعولٌ من أجْله ، وهو فاسدٌ ؛ لاختلال شَرْطِهِ - وهو اتحادُ الفاعلِ - فإنّ فاعل \" أنْزَلَ \" غير فاعلِ الأمَنَةِ.\rالرابع : أنه حالٌ من المخاطبين في \" عَلَيْكُمْ \" وفيه حينئذٍ - تأويلانِ : \rإما على حَذْف مضافٍ - أى ذوى أمَنَةٍ - وإما أن يكون \" أمَنَةً \" جمع آمن ، نحو بار وبَرَرَة ، وكافر وكَفَرَة.\rوأما \" نُعَاساً \" فإن أعْرَبْنا \" أمَنَةً \" مفعولاً به كان بدلاً ، وهو بدل اشتمالٍ ؛ لأن كُلاًّ من الأمَنَةِ والنُّعَاسِ يشتملُ على الآخر ، أو عطف بيان عند غير الجمهورِ ؛ فإنهم لا يشترطون جريانه في المعارِفِ ، أو مفعولاً من أجلِهِ ، وهو فاسدٌ ؛ لما تقدم وإن أعربنا \" أمَنَةً \" حالاً ، كان \" نُعَاساً \" مفعولاً بـ \" أنزَلَ \" و\" أنْزَلَ \" عطف على \" فأثَابَكُمْ \" وفاعله ضمير اللهِ تَعَالى ، و\" أل \" في \" الْغَمِّ \" للعهد ؛ لتقدُّم ذِكْره ورد أبو حيان على الزمخشريِّ كون \" أمَنَةً \" مفعولاً به بما تقدم ، وفيه نظرٌ ، فإن الزمخشريَّ قال أو مفعولاً له بمعنى نعستم أمنة. فقدر له عاملاً يتحد فاعله مع فاعل \" أمَنَةً \" فكأنه استشعر السؤال ، فلذلك قدرَ عاملاً على أنه قد يُقال : إن الأمَنَةَ من اللهِ تَعَالَى ، بمعنى أنهُ أوقعها بهم ، كأنه قيل : أنزلَ عليكم النعاس ليُؤمِّنَكُمْ به.\rو \" أمَنَةً \" كما يكون مصدراً لمن وقع به الأمن يكون مصدراً لمن أُوقِع به.\rوقرأ لجمهور : أمَنَةً - بفتح الميم - إما مصدراً بمعنى الأمن ، أو جمع آمن ، على ما تقدم تفصيله. والنَّخَعِيُّ وابن محيصن - بسكون الميم وهو مصدرٌ فقط ، والأمْن والأمَنة بمعنًى واحدٍ ، وقيل الأمْنُ يكون مع زوالِ سببِ الخَوفِ ، والأمَنة مع بقاء سببِ الخوفِ.\r","part":17,"page":309},{"id":7343,"text":"قوله : { يغشى } قراءة حمزة والكسائي بالتاء من فوق ، والباقون بالباء ؛ ردًّا إلى النُّعَاسِ ، وخرَّجوا قراءة حمزة والكسائي على أنها صفة لـ \" امَنَةً \" ؛ مراعاة لها ، ولا بُدّ من تفصيل ، وهو إن أعربوا \" نُعَاساً \" بدلاً ، أو عَطْفَ بيانٍ ، أشكل قولهم من وَجْهَيْن : \rالأول : أن النُّحاة نَصُّوا على أنه إذا اجتمع الصفةُ والبدلُ أو عَطْفُ البيانِ ، قدِّمت الصفة ، وأخر غيرها ، وهنا قد قدَّموا البدلَ ، أو عطف البيانِ عليها.\rالثاني : أن المعروفَ في لغة العرب أن يُحَدَّث عن البدل ، لا عن المبدَل منه ، تقول : هِنْد حُسْنُها فاتِنٌ ، ولا يجوز فاتنة - إلا قليلاً - فَجَعْلُهم \" نُعَاساً \" بدلاً من \" أمَنَةً \" يضعف لهذا.\rفإن قيل : قد جاء مراعاة المبدَل منه في قول الشاعر : [ الكامل ]\rوَكَأنَّهُ لَهِقُ السَّرِاةِ كَأَنَّهُ... مَا حَاجِبَيْنهِ مُعَيَّنٌ بِسَوَادِ\rفقال : \" مُعَيَّنٌ \" ؛ مراعة للهاء في \" كأنه \" ولم يُرَاعِ البدل - حاجبيه - ومثله قول الآخر : [ الكامل ]\rإنَّ السُّيُوفَ غُدُوَّها وَرَواحَهَا... تَرَكَتْ هَوَازِنَ مِثْلَ قَرْنِ الأعضَبِ\rفقال : تركت ؛ مراعاة للسيوف ، ولو راعَى البدل لقال : تركا.\rفالجوابُ : أنَّ هذا - وإن كان قد قَالَ به بعضُ النحويينَ ؛ مستنداً إلى هذين البيتين - مُؤوَّلٌ بأن \" معين \" خبر لِـ \" حاجبيه \" لجريانهما مَجْرَى الشيء الواحدِ في كلام الْعَرَبِ ، وأنَّ نصب \" غُدُوَّهَا وَرَوَاحَهَا \" على الظرف ، لا على البدل. وقد تقدم شيء من هذا عند قوله : { عَلَى الملكين بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ } [ البقرة : 102 ].\r","part":17,"page":310},{"id":7344,"text":"وإن أعربوا \" نُعَاساً \" مفعولاً به و\" أمَنَةً \" حالٌ يلزم الفصل - أيضاً - وفي جوازه نظر ، والأحسنُ - حينئذٍ - أن تكون هذه جملة استئنافية جواباً لسؤال مقدَّر ، كأنه قيل : ما حكم هذه الأمَنَة ؟ فأخبر بقوله : \" تغشى \".\rومن قرأ بالياء أعاد الضمير على \" نُعَاساً \" وتكون الجملة صفة له ، و\" مِنْكُمْ \" متعلق بمحذوف ، صفة لِـ \" طَائِفَةً \".\rقوله : { وَطَآئِفَةٌ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنْفُسُهُمْ } في هذه الواو ثلاثة أوجهٍ : \rالأول : أنها واو الحالِ ، وما بعدها في محل نَصْبٍ على الحال ، والعامل فيها \" يَغْشَى \".\rالثاني : أنها واو الاستئناف ، وهي التي عبر عناه مَكيٌّ بواو الابتداء.\rالثالث : أنها بمعنى \" إذْ \" ذكره مَكي ، وأبو البقاءِ ، وهو ضعيفٌ.\rو \" طائفة \" مبتدأ ، والخبر { قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنْفُسُهُمْ } وجاز الابتداء بالنكرة لأحدِ شيئين : إما للاعتمادِ على واو الحالِ ، وقد عده بعضهم مسوغاً - وإن كان الأكثرُ لم يذكره-.\rوأنشدوا : [ الطويل ]\rسَرَيْنَا وَنَجْمٌ قَدْ أضَاءَ فَمُذْ بَدَا... مُحَيَّاكِ أخْفَى ضَوْءهُ كُلَّ شَارِقِ\rوإما لأن الموضعَ تفصيلٌ ؛ فإن المعنى : يغشى طائفةً ، وطائفة لم يغشهم.\rفهو كقوله : \rإذَا مَا بَكَى مِنْ خَلْفِهَا انْصَرَفَتْ لَهُ... بِشِقٍّ وَشِقٌّ عِنْدَنَا لَمْ يُحَولِ\rولو قُرِئ بنصب \" طَائِفَة \" - على أن تكون المسألةُ من باب الاشتغالِ - لم يكن ممتنعاً إلا من جهة النقلِ ؛ فإنه لم يُحْفظ قراءة ، وفي خبر هذا المبتدأ أربعة أوجهٍ : \rأحدها : أنه { أَهَمَّتْهُمْ أَنْفُسُهُمْ } كما تقدم.\rالثاني : أنه \" يَظُنُّونَ \" والجملة قبله صفة لِـ \" طَائِفَة \".\r","part":17,"page":311},{"id":7345,"text":"الثالث : أنه محذوفٌ ، أي : ومنكم طائفة وهذا يُقَوِّي أنَّ معناه التفصيل ، والجملتان صفة لِـ \" طَائِفَةٌ \" أو يكون \" يَظُنُّونَ \" حالاً من مفعول \" أهَمَّتْهُمْ \" أو من \" طَائِفَةٌ \" لتخصُّصه بالوَصْف ، أو خبراً بعد خبر إن قلنا : { قَدْ أَهَمَّتْهُمْ } خر أول. وفيه من الخلاف ما تقدم.\rالرابع : أن الخبر { يَقُولُونَ } والجملتان قبله على ما تقدّم من كونهما صفتين ، أو خبرين ، أو إحداهما خبر ، والأخْرَى حالٌ.\rويجوز أن يكون { يَقُولُونَ } صفة أو حالاً - أيضاً - إن قلنا : إن الخبرَ هو الجملة التي قبله ، أو قلنا : إن الخبر مُضْمَرٌ.\rقوله : { يَظُنُّونَ } له مفعولان ، فقال أبو البقاءِ : { غَيْرَ الحق } المفعولُ الأولُ ، أي أمراً غير الحق ، و\" باللهِ \" هو المفعول الثاني.\rوقال الزمخشريُّ : { غَيْرَ الحق } في حكم المصدر ، ومعناه : يظنون باللهِ غير الظن الحق الذي يجب أي يُظَنَّ به. و{ ظَنَّ الجاهلية } بدل منه.\rويجوز أن يكون المعنى : يظنون بالله ظن الجاهلية و{ غَيْرَ الحق } تأكيداً لِـ { يَظُنُّونَ } كقولك : هذا القول غير ما يقول.\rفعلى ما قال لا يتعدى \" ظن \" إلى مفعولين ، بل تكون الباء ظرفية ، كقولك : ظننت بزيد ، أي : جعلته مكان ظني ، وعلى هذا المعنى حمل النحويون قولَ الشاعر : [ الطويل ]\rفَقُلْتُ لَهُمْ : ظُنُّوا بِألْفَيْ مُدَجَّجٍ... سَرَاتُهُمُ فِي الْفَارِسِيِّ الْمُسَرَّدِ\rأي قلتُ لهم : اجعلوا ظنكم في الفي مُدَجَّجٍ.\rويحصل في نصب { غَيْرَ الحق } وجهان : \rأحدهما : أنه مفعول أول لِـ \" يَظُنُّونَ \".\rوالثاني : أنه مصدرٌ مؤكِّدٌ للجملة التي قبله بالمعنيين اللذين ذكرهما الزمخشريُّ.\rوفي نصب { ظَنَّ الجاهلية } وجهان - أيضاً - : البدل من { غَيْرَ الحق } أو أنه مصدر مؤكِّد لِـ { يَظُنُّونَ }.\r","part":17,"page":312},{"id":7346,"text":"و \" بالله \" إما متعلِّق بمحذوف على جَعله مفعولاً ثانياً ، وإما بفعل الظنِّ - على ما تقدم - وإضافة الظنِّ إلى الجاهلية ، قال الزمخشريُّ : \" كقولك : حاتم الجود ، ورجل صدقٍ ، يريد : الظنَّ المختص بالملة الجاهلية ، ويجوز أن يراد ظن أهل الجاهلية \".\rوقال غيره : المعنى : المدة الجاهلية ، أي : القديمة قبل الإسلامِ ، نحو { حَمِيَّةَ الجاهلية } [ الفتح : 26 ]\rقوله : { يَقُولُونَ هَل لَّنَا مِنَ الأمر مِن شَيْءٍ } \" من \" - في { مِن شَيْءٍ } - زائدة في المبتدأ ، وفي الخبر وجهانِ : \rأحدهما - وهو الأصحُّ- : أنه \" لَنَا \" فيكون { مِنَ الأمر } في محل نصبٍ على الحالِ من \" شَيءٍ \" لأنه نعتُ نكرة ، قدم عليها ، فنصب حالاً ، وتعلق بمحذوفٍ.\rالثاني : - أجازه أبو البقاء - أن يكون { مِنَ الأمر } هو الخبر ، و\" لنا \" تبيين ، وبه تتم الفائدةُ كقوله : { وَلَمْ يَكُنْ لَّهُ كُفُواً أَحَدٌ } [ الإخلاص : 4 ].\rوهذا ليس بشيء ؛ لأنه إذا جعله للتبيين فحينئذٍ يتعلق بمحذوفٍ ، وإذا كان كذلك فيصير \" لَنَا \" من جملة أخرى ، فتبقى الجملةُ من المبتدأ والخبر غير مستقلةٍ بالفائدةِ ، وليس نظيراً لقوله : { وَلَمْ يَكُنْ لَّهُ كُفُواً أَحَدٌ } فإن \" لَهُ \" فيها متعلق بنفس \" كُفُواً \" لا بمحذوفٍ ، وهو نظيرُ قولكَ : لم يكن أحدٌ قاتلاً لبكرٍ. ف \" لبكر \" متعلق بنفس الخبر. وهل هنا الاستفهام عن حقيقته ، أم لا ؟ فيه وجهانِ : \rأظهرهما : نَعَمْ ، ويعنون بالأمر : النصر والغلبة.\rوالثاني : أنه بمعنى النفي ، كأنهم قالوا : ليس لنا من الأمر - أي النصر - شيء ، وإليه ذَهَبَ قتادةُ وابنُ جُرَيْجٍ.\r","part":17,"page":313},{"id":7347,"text":"ولكن يضعف هذا بقوله : { قُلْ إِنَّ الأمر كُلَّهُ للَّهِ } فإن من نَفَى عن نفسه شيئاً لا يجاب بأنه ثبت لغيره ؛ لأنه يُقِرُّ بذلك ، اللهم إلاَّ أن يقدر جملة أخرى ثبوتية مع هذه الجملة ، فكأنَّهم قالوا : ليس لنا من الأمر شيءٌ ، بَلْ لمن أكرهنا على الخروج وحَمَلَنا عليه ، فحينئذ يحْسُن الجوابُ بقوله : { قُلْ إِنَّ الأمر كُلَّهُ للَّهِ } لقولهم هذا ، وهذه الجملةُ الجوابيةُ اعتراض بين الجُمَل التي جاءت بعد قوله : \" وطائفة \" فإن قوله : { يُخْفُونَ في أَنْفُسِهِم } وكذا { يَقُولُونَ } - الثانية - إما خبر عن \" طَائِفَةٌ \" أو حال مما قبلها.\rوقوله : { قُلْ إِنَّ الأمر كُلَّهُ للَّهِ } قرأ أبو عمرو \" كُلُّهُ \" - رفعاً - وفيه وجهان : \rالأول : - وهو الأظهر - أنه رفع بالابتداء ، و\" لله \" خبره والجملة خبر \" إنَّ \" نحو : إن مال زيد كله عنده.\rالثاني : أنه توكيد على المحل ، فإن اسمها - في الأصل - مرفوعٌ بالابتداء ، وهذا مذهبُ الزَّجَّاجِ والجَرْمي ، يُجْرُون التوابعَ كلَّها مُجْرَى عطف النسق ، فيكون \" للهِ \" خبراً لِـ \" إنَّ \" أيضاً.\rوقرأ الباقون بالنصب ، فيكون تأكيداً لاسم \" إنَّ \" وحَكَى مكي عن الأخفش أنه بدل منه - وليس بواضح - و\" للهِ \" خبر \" إنَّ \".\rوقيل على النعت ؛ لأنَّ لفظة \" كُلّ \" للتأكيد ، فكانت كلفظة \" أجمع \".\rقوله : { يُخْفُونَ } إما خبر لِـ { طَآئِفَةً } وإما حال مما قبله - كما تقدم - وقوله : { يَقُولُونَ } يحتمل هذينِ الوجهينِ ، ويحتمل أن يكون تفسيراً لقوله : { يُخْفُونَ } فلا محلَّ له حينئذٍ.\rقوله : { لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ الأمر شَيْءٌ } كقوله : { هَل لَّنَا مِنَ الأمر مِن شَيْءٍ } وقد عرف الصحيح من الوجهين.","part":17,"page":314},{"id":7348,"text":"وقوله : \" ما قُتِلْنا ههنا \" جواب \" لَوْ \" وجاء على الأفصح ، فإن جوابها إذا كان منفياً بـ \" ما \" فالأكثر عدم اللام ، وفي الإيجاب بالعكس ، وقد أعرب الزمخشريُّ هذه الجُمَلَ الواقعة بعد قوله : \" وطائفة \" إعراباً أفْضى إلى خروج المبتدأ بلا خبر فقال : \" فإن قُلتَ : كيف مواقعُ هذه الجُمَلِ الواقعة بعد قوله : \" وطائفة \".\rقُلْتُ : { قَدْ أَهَمَّتْهُمْ } صفة لـ { َطَآئِفَةٌ } و{ يَظُنُّونَ } صفة أخرى ، أو حالٌ ، بمعنى : قد أهمتهم أنفسهم ظَانِّين ، أو استئنافٌ على وجه البيانِ للجملة قبلها و{ يَقُولُونَ } بدلٌ من { يَظُنُّونَ }. أ هـ {تفسير ابن عادل حـ 5 صـ 609 ـ 617}. بتصرف.\rمن لطائف الإمام القشيرى فى الآية\rقال تعالى : { ثُمَّ أَنزَلَ عَلَيْكُم مِّن بَعْدِ الغَمِّ أَمَنَةً نُّعَاسًا يَغْشَى طَائِفَةً مِّنْكُمْ وَطَائِفَةٌ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنفُسُهُمْ يَظُنُّونَ بِاللهِ غَيْرَ الحَقِّ ظَنَّ الجَاهِلِيَّةِ } : فأهل التحقيق والتوحيد يصلون بعد فتراتهم إلى القول بتَرْكِ أنفسهم ، وغَسلِ أيديهم منهم ، ورفع قلوبهم عنهم فيعيشون بالله لله ، بلا ملاحظة طمع وطلبة ، بل على عقيدة اليأس عن كل شيء. عليه أكّدُوا العهد ، وبدَّلُوا اللحظ ، وتركوا كل نصيب وحظ ، وهذه صفة مَنْ أنزل عليه الأمَنةَ.\rفأمَّا الطائفة التي أهمتهم أنفسهم - فبقوا في وحشة نفوسهم ، ومِنْ عاجل عقوبتهم سوءُ عقيدتهم في الطريقة بعد إيمانهم بها ؛ قال تعالى : { وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ } [ الأنعام : 110 ].","part":17,"page":315},{"id":7349,"text":"والإشارة في قوله تعالى : { هَل لَّنَا مِنَ الأَمْرِ شَىءٍ } لهؤلاء أنهم يتحيَّرون في أمرهم فلا إقبال لهم على الصواب بالحقيقة ، ولا إعراض بالكلية ، يحيلون فترتهم على سوء اختيارهم ، ويضيفون صفوة - لو كانت لقلوبهم - إلى اجتهادهم ، وينسَوْن ربَّهم في الحالين ، فلا يبصرون تقدير الحق سبحانه. قال تعالى :\r{ قُلْ إِنَّ الأَمْرَ كُلَّهُ للهِ } : فَمَنْ عَرَفَ أن المنشئ الله انسلخ عن اختياره وأحواله كانسلاخ الشَّعْرِ عن العجين ، وسَلَّمَ أموره إلى الله بالكلية. وأمارة مَنْ تحقق بذلك أن يستريح من كدِّ تدبيره ، ويعيش في سعة شهود تقديره.\rوقوله : { يُخْفُونَ فِى أَنفُسِهِم مَّا لاَ يُبْدُونَ لَكَ } : لم يُخْلِصُوا في عقائدهم ، وأضمروا خلاف ما أظهروا وأعلنوا غير ما ستروا ، وأحالوا الكائنات على أسبابٍ توهموها.\rقال تعالى : { قُلْ لَّوْ كُنتُم فِى بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ القَتْلُ إِلَى مَضَاجِعِهِمْ }.\rأخبر أن التقدير لا يُزَاحَم ، والقَدَر لا يُكابَرَ ، وأن الكائناتِ محتومة ، وأن الله غالب على أمره.\rوقوله : { وَلِيَبْتَلِىَ اللهُ مَا فِى صُدُورِكُمْ } : فأمّا أهل الحقائق فإنه تعالى ينتزع من قلوبهم كل آفةٍ وحجبة ، ويستخلص أسرارهم بالإقبال والزلفة ، فتصبح قلوبهم خالصةً من الشوائب ، صافيةً عن العلائق ، منفردةً للحق ، مجرَّدَةً عن الخلق ، مُحَرَّرة عن الحظِّ والنَّفْس ، ظاهرةً عليها آثارُ الإقبال ، غالباً عليها حُسْنُ التَوَلِّي ، باديةً فيها أنوارُ التجلي. أ هـ {لطائف الإشارات حـ 1 صـ 278 ـ 279}","part":17,"page":316},{"id":7350,"text":"فائدة\rقال الجصاص :\rقَوْله تَعَالَى : { ثُمَّ أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ بَعْدِ الْغَمِّ أَمَنَةً نُعَاسًا يَغْشَى طَائِفَةً مِنْكُمْ }.\rقَالَ طَلْحَةُ وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ وَالزُّبَيْرُ بْنُ الْعَوَامّ وَقَتَادَةُ وَالرَّبِيعُ بْنُ أَنَسٍ : كَانَ ذَلِكَ يَوْمَ أُحُدٍ بَعْدَ هَزِيمَةِ مَنْ انْهَزَمَ مِنْ الْمُسْلِمِينَ وَتَوَعَّدَهُمْ الْمُشْرِكُونَ بِالرُّجُوعِ ، فَكَانَ مَنْ ثَبَتَ مِنْ الْمُسْلِمِينَ تَحْتَ الْحُجُفِ مُتَأَهِّبِينَ لِلْقِتَالِ ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى الْأَمَنَةَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ ، فَنَامُوا دُونَ الْمُنَافِقِينَ الَّذِينَ أَرْعَبْهُمْ الْخَوْفُ لِسُوءِ الظَّنِّ ؛ قَالَ أَصْحَابُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : فَنِمْنَا حَتَّى اصْطَفَقَتْ الْحُجُفُ مِنْ النُّعَاسِ ، وَلَمْ يُصِبْ الْمُنَافِقِينَ ذَلِكَ بَلْ أَهَمَّتْهُمْ أَنْفُسُهُمْ ، فَقَالَ بَعْضُ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : سَمِعْت وَأَنَا بَيْنَ النَّائِمِ وَالْيَقْظَانِ مُعَتِّبَ بْنَ قُشَيْرٍ وَنَاسًا مِنْ الْمُنَافِقِينَ يَقُولُونَ : هَلْ لَنَا مِنْ الْأَمْرِ مِنْ شَيْءٍ ؛ وَهَذَا مِنْ لُطْفِ اللَّهِ تَعَالَى لِلْمُؤْمِنِينَ وَإِظْهَارِ أَعْلَامِ النُّبُوَّةِ فِي مِثْلِ تِلْكَ الْحَالِ الَّتِي الْعَدُوُّ فِيهَا مُطِلٌّ عَلَيْهِمْ.","part":17,"page":317},{"id":7351,"text":"وَقَدْ انْهَزَمَ عَنْهُمْ كَثِيرٌ مِنْ أَعْوَانِهِمْ وَقَدْ قَتَلُوا مَنْ قَتَلُوا مِنْ الْمُسْلِمِينَ فَيَنَامُونَ وَهُمْ مُوَاجِهُونَ الْعَدُوَّ فِي الْوَقْتِ الَّذِي يَطِيرُ فِيهِ النُّعَاسُ عَمَّنْ شَاهَدَهُ مِمَّنْ لَا يُقَاتِلُ فَكَيْفَ بِمَنْ حَضَرَ الْقِتَالَ وَالْعَدُوُّ قَدْ أَشَرَعُوا فِيهِمْ الْأَسِنَّةَ وَشَهَرُوا سُيُوفَهُمْ لِقَتْلِهِمْ وَاسْتِيصَالِهِمْ.\rوَفِي ذَلِكَ أَعْظَمُ الدَّلَائِلِ وَأَكْبَرُ الْحِجَجِ فِي صِحَّةِ نُبُوَّةِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ وُجُوهٍ : أَحَدُهَا : وُقُوعُ الْأَمَنَةِ مَعَ اسْتِعْلَاءِ الْعَدُوِّ مِنْ غَيْرِ مَدَدٍ آتَاهُمْ وَلَا نِكَايَةٍ فِي الْعَدُوِّ وَلَا انْصِرَافِهِمْ عَنْهُمْ وَلَا قِلَّةِ عَدَدِهِمْ ، فَيُنَزِّلُ اللَّهُ تَعَالَى عَلَى قُلُوبِهِمْ الْأَمَنَةَ ، وَذَلِكَ فِي أَهْلِ الْإِيمَانِ وَالْيَقِينِ خَاصَّةً.\rوَالثَّانِي : وُقُوعُ\rالنُّعَاسِ عَلَيْهِمْ فِي مِثْلِ تِلْكَ الْحَالِ الَّتِي يَطِيرُ فِي مِثْلِهَا النُّعَاسُ عَمَّنْ شَاهَدَهَا بَعْدَ الِانْصِرَافِ وَالرُّجُوعِ ، فَكَيْفَ يَكُونُ حَالُ الْمُشَاهَدَةِ وَقَصْدُ الْعَدُوِّ نَحْوَهُمْ لِاسْتِيصَالِهِمْ وَقَتْلِهِمْ.\rوَالثَّالِثُ : تَمْيِيزُ الْمُؤْمِنِينَ مِنْ الْمُنَافِقِينَ حَتَّى خَصَّ الْمُؤْمِنِينَ بِتِلْكَ الْأَمَنَةِ وَالنُّعَاسِ دُونَ الْمُنَافِقِينَ ، فَكَانَ الْمُؤْمِنُونَ فِي غَايَةِ الْأَمْنِ وَالطُّمَأْنِينَةِ وَالْمُنَافِقُونَ فِي غَايَةِ الْهَلَعِ وَالْخَوْفِ وَالْقَلَقِ وَالِاضْطِرَابِ ؛ فَسُبْحَانَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ الَّذِي لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ. أ هـ {أحكام القرآن للجصاص حـ 2 صـ 328}","part":17,"page":318},{"id":7352,"text":"قوله تعالى : { إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنْكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطَانُ بِبَعْضِ مَا كَسَبُوا وَلَقَدْ عَفَا اللَّهُ عَنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ (155)}\rمناسبة الآية لما قبلها\rقال البقاعى :\rولما كان فيه مع ذلك معنى التعليل والتنبيه على أنه غني عن الاختبار ، خبير بدقائق الأسرار أتبعه قوله مستأنفاً لبيان ما هو من ثمرات العلم : {إن الذين تولوا منكم} أي عن القتال ومقارعة الأبطال {يوم التقى الجمعان} أي من المؤمنين والكفار {إنما استزلّهم} أي طلب زللهم عن ذلك المقام العالي {الشيطان} أي عدوهم البعيد من الرحمة المحترق باللعنة {ببعض ما كسبوا} أي من الذنوب التي لا تليق بمن طلب الدنو إلى حضرات القدس ومواطن الأنس من ترك المركز والإقبال على الغنيمة وغير ذلك ، فإن القتال في الجهاد إنما هو بالأعمال ، فمن كان أصبر في أعمال الطاعة كان أجلد على قتال الكفار ، ولم يكن توليهم عن ضعف في نفس الأمر.\rولما كان ذلك مفهماً أن الذين تولوا صاروا من حزب الشيطان فاستحقوا ما استحق ألصق به قوله : {ولقد عفا الله} أي الذي له صفات الكمال {عنهم} لئلا تطير أفئدة المؤمنين منهم ، وختم ذلك ببيان علته مما هو أهله من الغفران والحلم فقال معيداً للاسم الأعظم تنبيهاً على أن الذنب عظيم والخطر بسببه جسيم ، فلولا الاشتمال على جميع صفات الكمال لعوجلوا بأعظم النكال : {إن الله غفور} أي محاء للذنوب عيناً وأثراً.\rولما كان الغفر قد يكون مع تحمل نفاه بقوله : {حليم} أي حيث لم يعامل المتولين حذر الموت معاملة الذين خرجوا من ديارهم - كما تقدم - حذر الموت ، فقال لهم الله : موتوا. أ هـ {نظم الدرر حـ 2 صـ 170 ـ 171}","part":17,"page":319},{"id":7353,"text":"وقال ابن عاشور :\rومناسبةُ ذكر هذه الآية عقب الَّتي قبلها أنَّه تعالى بعد أن بيَّن لهم مرتبة حقّ اليقين بقوله : { قل لو كنتم في بيوتكم } انتقل بهم إلى مرتبة الأسباب الظاهرة ، فبيّن لهم أنَّه إن كان للأسباب تأثير فسبب مصيبتهم هي أفعالهم الَّتي أملاها الشيطان عليهم وأضلّهم ، فلم يتفطّنوا إلى السبب ، والتبس عليهم بالمقارن ، ومن شأن هذا الضلال أن يحول بين المخطىء وبين تدارك خطئه ولا يخفى ما في الجمع بين هذه الأغراض من العلم الصّحيح ، وتزكية النفوس ، وتحبيب الله ورسوله للمؤمنين ، وتعظيمه عندهم ، وتنفيرهم من الشيطان ، والأفعاللِ الذميمة ، ومعصية الرسول ، وتسفيه أحلام المشركين والمنافقين.\rوعلى هذا فالمراد من الذين تولّوا نفس المخاطبين بقوله : { ثم صرفكم عنهم...\r} [ آل عمران : 152 ] الآيات.\rوضمير { منكم } راجع إلى عامّة جيش أُحُد فشمل الذين ثبتوا ولم يفرّوا.\rوعن السديّ أنّ الذين تولّوا جماعة هربوا إلى المدينة. أ هـ {التحرير والتنوير حـ 3 صـ 262}\rفائدة\rقال الفخر :\rاعلم أن المراد : أن القوم الذين تولوا يوم أحد عند التقاء الجمعين وفارقوا المكان وانهزموا قد عفا الله عنهم. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 9 صـ 41}\rفصل\rقال الفخر :\rاختلفت الأخبار فيمن ثبت ذلك اليوم وفيمن تولى ، فذكر محمد بن إسحاق أن ثلث الناس كانوا مجروحين ، وثلثهم انهزموا ، وثلثهم ثبتوا ، واختلفوا في المنهزمين ، فقيل : إن بعضهم ورد المدينة وأخبر أن النبي صلى الله عليه وسلم قتل ، وهو سعد بن عثمان ، ثم ورد بعده رجال دخلوا على نسائهم ، وجعل النساء يقلن : عن رسول الله صلى الله عليه وسلم تفرون! وكن يحثين التراب في وجوههم ويقلن : هاك المغزل اغزل به ، ومنهم قال : إن المسلمين لم يعدوا الجبل.","part":17,"page":320},{"id":7354,"text":"قال القفال : والذي تدل عليه الأخبار في الجملة أن نفرا منهم تولوا وأبعدوا ، فمنهم من دخل المدينة ، ومنهم من ذهب إلى سائر الجوانب ، وأما الأكثرون فإنهم نزلوا عند الجبل واجتمعوا هناك.\rومن المنهزمين عمر ، إلا أنه لم يكن في أوائل المنهزمين ولم يبعد ، بل ثبت على الجبل إلى أن صعد النبي صلى الله عليه وسلم ، ومنهم أيضا عثمان انهزم مع رجلين من الأنصار يقال لهما سعد وعقبة ، انهزموا حتى بلغوا موضعا بعيدا ثم رجعوا بعد ثلاثة أيام ، فقال لهم النبي صلى الله عليه وسلم \" لقد ذهبتم فيها عريضة \" وقالت فاطمة لعلي : ما فعل عثمان ؟ فنقصه ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : \" يا علي أعياني أزواج الأخوات أن يتحابوا \" (1)\rوأما الذين ثبتوا مع الرسول صلى الله عليه وسلم فكانوا أربعة عشر رجلا ، سبعة من المهاجرين ، وسبعة من الأنصار ، فمن المهاجرين أبو بكر ، وعلي وعبد الرحمن بن عوف وسعد بن أبي وقاص وطلحة بن عبيدالله وأبو عبيدة بن الجراح والزبير بن العوام ، ومن الأنصار الخباب بن المنذر وأبو دجانة وعاصم بن ثابت والحرث بن الصمة وسهل بن حنيف وأسيد بن حضير وسعد بن معاذ ، وذكر أن ثمانية من هؤلاء كانوا بايعوه يومئذ على الموت ثلاثة من المهاجرين : علي وطلحة والزبير ، وخمسة من الأنصار : أبو دجانة والحرث بن الصمة وخباب بن المنذر وعاصم بن ثابت وسهل ابن حنيف ، ثم لم يقتل منهم أحد.\rوروى ابن عيينة أنه أصيب مع رسول الله صلى الله عليه وسلم نحو من ثلاثين كلهم يجيء ويجثو بين يديه ويقول : وجهي لوجهك الفداء ، ونفسي لنفسك الفداء ، وعليك السلام غير مودع. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 9 صـ 42}\r______________\r(1) هذا القول فيه نظر ولم أجد له أصلا ومن ثم فلا يعول عليه. والله أعلم.","part":17,"page":321},{"id":7355,"text":"فصل\rقال السمرقندى :\rحدّثنا الخليل بن أحمد ، قال : حدّثنا السراج ، قال : حدّثنا قتيبة ، قال : حدّثنا أبو بكر عن غيلان بن جرير ، أن عثمان كان بينه وبين عبد الرحمن بن عوف كلام ، فقال له عبد الرحمن : أتسبُّني وقد شهدت بدراً ولم تشهدها ؟ وبايعتُ تحت الشجرة ولم تُبَايع ؟ وقد كنت توليت فيمن تولى يوم الجمع أي يوم أحد فردّ عليه عثمان وقال : أما قولك إنك شهدت بدراً ولم أشهدها ، فإني لم أغب عن شيء شهده رسول الله صلى الله عليه وسلم ، إلا أن ابنة رسول الله صلى الله عليه وسلم كانت مريضة فكنت معها أُمرِّضها ، وضرب لي رسول الله صلى الله عليه وسلم بسهم في سهام المسلمين.\rوأما بيعة الشجرة ، فبعثني رسول الله صلى الله عليه وسلم رداً على المشركين بمكة ؛ فضرب رسول الله صلى الله عليه وسلم يمينه على شماله قال : \" هَذِهِ لِعُثْمَانَ \" فيمين رسول الله صلى الله عليه وسلم إليّ خير من يميني وشمالي.\rوأما يوم الجمع فقال الله تعالى : { إِنَّ الذين تَوَلَّوْاْ مِنكُمْ يَوْمَ التقى الجمعان إِنَّمَا استزلهم الشيطان بِبَعْضِ مَا كَسَبُواْ وَلَقَدْ عَفَا الله عَنْهُمْ } فكنت فيمن عفى الله عنهم.\rفخصم عثمان عبد الرحمن بن عوف. أ هـ {بحر العلوم حـ 1 صـ 284}\rقال القرطبى :\rوهذا المعنى صحيحٌ أيضا عن ابن عمر.\rكما في صحيح البخاري قال : حدّثنا عَبْدانَ أَخْبرنَا أبو حمزة عن عثمان بن مَوْهَب قال : جاء رجلٌ حجّ البيت فرأى قوما جلوسا فقال : مَنْ هؤلاء العقود قالوا : هؤلاء قريش.\rقال : من الشيخ ؟ قالوا : ابن عمر ؛ فأتاه فقال : إني سائلك عن شيء أَتُحدُثني ؟ قال : أنْشُدكَ بحُرْمة هذا البيت ، أتعلم أن عثمانَ بنَ عفّان فرَّ يوم أُحُد ؟ قال : نعم.\rقال : فتعْلَمهُ تغّيب عن بَدْرٍ فلم يشهدها ؟ قال : نعم.","part":17,"page":322},{"id":7356,"text":"قال : فتعلم أنه تخلّف عن بيعة الرَّضوان فلم يشهدها ؟ قال : نعم.\rفكَبّر.\rقال ابن عمر : تعالَ لأخبرك ولأبيِّن لك عما سألتني عنه ؛ أمّا فِراره يوم أحَد فأشهد أن الله عفا عنه.\rوأما تغيُّبهُ عن بَدْرٍ فإنه كان تحته بنتُ رسول الله صلى الله عليه وسلم وكانت مريضةً فقال له النبي صلى الله عليه وسلم : \" إن لكَ أجر رجل ممن شَهِد بَدْراً وسهْمَه \" وأما تغيُّبهُ عن بيعة الرِّضوان فإنه لو كان أحَدٌ أعز ببطن مكة من عثمان بن عفان لبعثه مكانه ، فبعث عثمانَ وكانت بيعةُ الرِّضوان بعد ما ذهب عثمانُ إلى مكة ؛ فقال النبي صلى الله عليه وسلم بيده اليمنى : \" هذه يد عثمان \" فضرب بها على يده فقال : \"هذه لعثمان\".\rاذهب بهذا الآن معك.\rقلت : ونظير هذه الآية توبةُ الله على آدم عليه السلام.\rوقوله عليه السلام : \"فحجّ آدمُ موسى\" أي غلبه بالحُجّة.\rوذلك أن موسى عليه السلام أراد توبيخ آدمَ ولومَه في إخراج نفسه وذرّيتّه من الجنة بسبب أكله من الشجرة ؛ فقال له آدم : \"أفتلُومُني على أمر قدّره الله تعالى علي قبل أن أخَلقَ بأربعين سنة تاب علي منه ومن تاب عليه فلا ذنب له ومن لا ذنب له لا يتوجّه عليه لومٌ\".\rوكذلك من عفا الله عنه.\rوإنما كان هذا لإخباره تعالى بذلك ، وخبرُه صِدْقٌ.\rوغيرهما من المذنبين التائبين يرجون رحمته ويخافون عذابه ، فهم على وَجَل وخوف ألاَّ تُقبل توبتهم ، وإن قُبلت فالخوف أغلبُ عليهم إذ لا عِلْمَ لهم بذلك. فاعلم. أ هـ {تفسير القرطبى حـ 4 صـ 245}\rفصل\rقال الفخر :\rقوله : {إِنَّ الذين تَوَلَّوْاْ مِنكُمْ يَوْمَ التقى الجمعان} هذا خطاب للمؤمنين خاصة يعني الذين انهزموا يوم أحد {إِنَّمَا استزلهم الشيطان} أي حملهم على الزلة.","part":17,"page":323},{"id":7357,"text":"وأزل واستزل بمعنى واحد ، قال تعالى : {فَأَزَلَّهُمَا الشيطان عَنْهَا } [ البقرة : 36 ] وقال ابن قتيبة : استزلهم طلب زلتهم ، كما يقال استعجلته أي طلبت عجلته ، واستعملته طلبت عمله. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 9 صـ 42}\rفصل\rقال الفخر :\rقال الكعبي : الآية تدل على أن المعاصي لا تنسب إلى الله ، فإنه تعالى نسبها في هذه الآية إلى الشيطان وهو كقوله تعالى عن موسى : {هذا مِنْ عَمَلِ الشيطان} [ القصص : 15 ] وكقول يوسف.\r{من بعد أن نزغ الشيطان بيني وبين إخوتي} [ يوسف : 100 ] وكقول صاحب موسى : {وما أنسانيه إلا الشيطان} [ الكهف : 63 ]. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 9 صـ 42}\rفصل\rقال الفخر :\rإنه تعالى لم يبين أن الشيطان في أي شيء استزلهم ، وذلك لأن مع العفو لا حاجة إلى تعيين المعصية ، لكن العلماء جوزوا أن يكون المراد بذلك تحولهم عن ذلك الموضع ، بأن يكون رغبتهم في الغنيمة ، وأن يكون فشلهم في الجهاد وعدو لهم عن الإخلاص ، وأي ذلك كان ، فقد صح أن الله تعالى عفا عنهم.\rوروي أن عثمان عوتب في هزيمته يوم أحد ، فقال إن ذلك وإن كان خطأ لكن الله عفا عنه ، وقرأ هذه الآية. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 9 صـ 42}\rقوله تعالى : {بِبَعْضِ مَا كَسَبُواْ}\rفصل\rقال الفخر :\rأما قوله تعالى : {بِبَعْضِ مَا كَسَبُواْ} ففيه وجهان :\rأحدهما : أن الباء للإلصاق كقولك : كتبت بالقلم ، وقطعت بالسكين ، والمعنى أنه كان قد صدرت عنهم جنايات ، فبواسطة تلك الجنايات قدر الشيطان على استزلالهم ، وعلى هذا التقدير ففيه وجوه ، ","part":17,"page":324},{"id":7358,"text":"الأول : قال الزجاج : أنهم لم يتولوا على جهة المعاندة ولا على جهة الفرار من الزحف رغبة منهم في الدنيا ، وإنما ذكرهم الشيطان ذنوبا كانت لهم ، فكرهوا لقاء الله إلا على حال يرضونها ، وإلا بعد الإخلاص في التوبة ، فهذا خاطر خطر ببالهم وكانوا مخطئين فيه.\rالثاني : أنهم لما أذنبوا بسبب مفارقة ذلك المكان أزلهم الشيطان بشؤم هذه المعصية وأوقعهم في الهزيمة ، لأن الذنب يجر إلى الذنب ، كما أن الطاعة تجر إلى الطاعة.\rويكون لطفا فيها.\rالثالث : لما أذنبوا بسبب الفشل ومنازعة بعضهم مع بعض وقعوا في ذلك الذنب.\rوالوجه الثاني : أن يكون المعنى : استزلهم الشيطان في بعض ما كسبوا ، لا في كل ما كسبوا ، والمراد منه بيان أنهم ما كفروا وما تركوا دينهم ، بل هذه زلة وقعت لهم في بعض أعمالهم. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 9 صـ 42 ـ 43}\rقوله تعالى : {وَلَقَدْ عَفَا الله عَنْهُمْ }\rفصل\rقال الفخر :\rاعلم أن هذه الآية دلت على أن تلك الزلة ما كانت بسبب الكفر ، فإن العفو عن الكفر لا يجوز لقوله تعالى : {إِنَّ الله لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاء} [ النساء : 48 ] ثم قالت المعتزلة : ذلك الذنب إن كان من الصغائر جاز العفو عنه من غير توبة ، وإن كان من الكبائر لم يجز إلا مع التوبة ، فههنا لا بد من تقدم التوبة منهم ، وإن كان ذلك غير مذكور في الآية ، قال القاضي : والأقرب أن ذلك الذنب كان من الصغائر ويدل عليه وجهان : الأول : أنه لا يكاد في الكبائر يقال إنها زلة ، إنما يقال ذلك في الصغائر.","part":17,"page":325},{"id":7359,"text":"الثاني : أن القوم ظنوا أن الهزيمة لما وقعت على المشركين لم يبق إلى ثباتهم في ذلك المكان حاجة ، فلا جرم انتقلوا عنه وتحولوا لطلب الغنيمة ، ومثل هذا لا يبعد أن يكون من باب الصغائر لأن للاجتهاد في مثله مدخلا ، وأما على قول أصحابنا فالعفو عن الصغائر والكبائر جائز ، فلا حاجة إلى هذه التكلفات. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 9 صـ 43}\rقال أبو حيان :\rقال ابن عطية : والفرار من الزحف كبيرة من الكبائر بإجماع فيما علمت ، وعدها رسول الله صلى الله عليه وسلم \" في الموبقات مع الشرك وقتل النفس وغيرهما \" انتهى ولما كان مذهب الزمخشري أن العفو والغفران عن الذنب لا يكون إلا لمن تاب ، وأنَّ الذنب إذا لم يتب منه لا يكون معه العفو ، دسّ مذهبه في هذه الجملة ، فقال : ولقد عفا الله عنهم لتوبتهم واعتذارهم انتهى. أ هـ {البحر المحيط حـ 3 صـ 98 ـ 99}\rقوله تعالى : {إنَّ الله غَفُورٌ حَلِيمٌ}\rقال الفخر :\r{إنَّ الله غَفُورٌ حَلِيمٌ} أي غفور لمن تاب وأناب ، حليم لا يعجل بالعقوبة. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 9 صـ 43}\rفائدة\rقال أبو حيان :\rوجاءت هذه الجملة كالتعليل لعفوه تعالى عن هؤلاء الذين تولوا يوم أحد ، لأنَّ الله تعالى واسع المغفرة ، واسع الحلم. أ هـ {البحر المحيط حـ 3 صـ 99}\rفصل\rقال الفخر :\rوقد احتج أصحابنا بهذه الآية على أن ذلك الذنب كان من الكبائر ، لأنه لو كان من الصغائر لوجب على قول المعتزلة أن يعفو عنه ، ولو كان العفو عنه واجبا لما حسن التمدح به ، لأن من يظلم إنسانا فإنه لا يحسن أن يتمدح بأنه عفا عنه وغفر له ، فلما ذكر هذا التمدح علمنا أن ذلك الذنب كان من الكبائر ، ولما عفا عنه علمنا أن العفو عن الكبائر واقع ، والله أعلم. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 9 صـ 43}\rفوائد لغوية\rقال ابن عادل :","part":17,"page":326},{"id":7360,"text":"إنما ثُنّي \" الْجَمْعَان \" -وإن كان اسم جمع- وقد نَصًّ النُّحَاةُ على أنه لا يُثَنَّى ولا يُجْمَع إلا شذوذاً- لأنه أريد به النوع ؛ فإن المعنى جَمْع المؤمنين وجَمْع المشركين ، فلما أريد به ذلك ثُنِّي ، كقوله : [ الطويل ]\rوَكُلُّ رَفِيقَيْ كُلِّ رَحْلٍ وَإنْ هُمَا... تَعَاطَى الْقَنَا قَوْماً هُمَا أخَوَانِ\rقوله : { إِنَّمَا استزلهم الشيطان } السين في { استزلهم } للطلب ، والظاهر أن استفعل ها هنا -بمعنى أفْعَل ؛ لأن القصة تدلُّ عليه ، فالمعنى : حَمَلَة على الزلة ، فيكون كـ \" اسْتَلَّ \" و\" أبَلَّ \" واستزلَّ بمعنى وَاحِدٍ ، قال تعالى : { فَأَزَلَّهُمَا الشيطان } [ البقرة : 36 ].\rوقال ابن قتيبةَ : { استزلهم } طلب زلَّتَهُمْ ، كما يقال : استعجلته : أي : طلبت عجلته ، واستعملته طلبت عمله.\rقوله : { بِبَعْضِ مَا كَسَبُواْ } فيه وجهانِ : \rالأول : أن الباء للإلصاق ، كقولك : كتبت بالقَلَم ، وقطعت بالسِّكِّين ، والمعنى : أنه قد صدرت عنهم جنايات ، فبواسطتها قدر الشَّيطان على لستزلالهم ، وعلى هذا التقدير اختلفوا : \rفقال الزَّجَّاجُ : إنهم لم يتولَّوْا عناداً ، ولا فراراً من الزَّحْف ، رغبة منهم في الدنيا ، وإنما ذكَّرهم الشيطانُ ذنوباً -كانت لهم- فكرهوا البقاء إللا على حالٍ يَرْضَوْنَهَا.\rوقيل : لما أذنبوا -بمفارقة المركز ، أو برغبتهم في الغنيمة ، أو بفشلهم عن الجهاد- أزلهم الشيطانُ بهذه المعصيةِ ، وأوقعهم في الهزيمة.\rالثاني : أن تكونَ الباء للتبعيض ، والمعنى : أنَّ هذه الزَّلَّةَ وقعت لهم في بعض أعمالهم. أ هـ {تفسير ابن عادل حـ 6 صـ 3 ـ 4}. بتصرف يسير.","part":17,"page":327},{"id":7361,"text":"من فوائد الآلوسى فى الآية\rقال رحمه الله :\r{ إِنَّ الذين تَوَلَّوْاْ } الدبر عن المشركين بأحد { مّنكُمْ } أيها المسلمون ، أو إن الذين هربوا منكم إلى المدينة { يَوْمَ التقى الجمعان } وهما جمع رسول الله صلى الله عليه وسلم وجمع أبي سفيان.\r{ إِنَّمَا استزلهم الشيطان } أي طلب منهم الزلل ودعاهم إليه { بِبَعْضِ مَا كَسَبُواْ } من ذنوبهم يعني إن الذين تولوا كان السبب في توليتهم أنهم كانوا أطاعوا الشيطان فاقترفوا ذنوباً فمنعوا من التأييد وتقوية القلوب حتى تولوا ، وعلى هذا لا يكون الزلل هو التولي بل الذنوب المفضية إليه ، وجوز أن يكون الزلل الذي أوقعهم الشيطان فيه ودعاهم إليه هو التولي نفسه ، وحينئذٍ يراد ببعض ما كسبوا إما الذنوب السابقة ومعنى السببية انجرارها إليه لأن الذنب يجرّ الذنب كما أن الطاعة تجرّ الطاعة ، وإما قبول ما زين لهم الشيطان من الهزيمة وهو المروي عن الحسن ، وإما مخالفة أمره صلى الله عليه وسلم بالثبات في المركز فجرّهم ذلك إلى الهزيمة ، وإما الذنوب السابقة لا بطريق الانجرار بل لكراهة الجهاد معها فقد قال الزجاج : إن الشيطان ذكرهم خطايا لهم كرهوا لقاء الله تعالى معها فأخروا الجهاد وتولوا حتى يصلحوا أمرهم ويجاهدوا على حال مرضية ، والتركيب على الوجهين من باب تحقيق الخبر كقوله :\rإن التي ضربت بيتاً مهاجرة...\rبكوفة الجند غالت ودها غول\rوليس من باب أن الصفة علة للخبر كقوله تعالى : { إِنَّ الذين ءامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصالحات لَهُمْ جنات النعيم } [ لقمان : 8 ] لأن ببعض ما كسبوا يأباه ويحقق التحقيق ، وهو أيضاً من باب الترديد للتعليق كقوله :\rصفراء لا تنزل الأحزان ساحتها...\rلو مسها حجر مسته سراء","part":17,"page":328},{"id":7362,"text":"لأن إنما استزلهم الخ خبر إن وزيد إن للتوكيد وطول الكلام ، وما لتكفها عن العمل ، وأصل التركيب إن الذين تولوا منكم يوم التقى الجمعان إنما تولوا لأن الشيطان استزلهم ببعض الخ فهو كقولك : إن الذي أكرمك إنما أكرمك لأنك تستحقه ، وذكر بعض للإشارة إلى أن في كسبهم ما هو طاعة لا يوجب الاستزلال ، أو لأن هذه العقوبة ليست بكل ما كسبوا لأن الكل يستدعي زيادة عليها لكنه تعالى منّ بالعفو عن كثير { وَلَوْ يُؤَاخِذُ الله الناس بِمَا كَسَبُواْ مَا تَرَكَ على ظَهْرِهَا مِن دَابَّةٍ } [ فاطر : 45 ].\r{ وَلَقَدْ عَفَا الله عَنْهُمْ }.","part":17,"page":329},{"id":7363,"text":"أعاد سبحانه ذكر العفو تأكيداً لطمع المذنبين فيه ومنعاً لهم عن اليأس وتحسيناً للظنون بأتم وجه ، وقد يقال : هذا تأسيس لا تأكيد فتذكر { إنَّ الله غَفُورٌ } للذنوب صغائرها وكبائرها { حَلِيمٌ } لا يعاجل بعقوبة المذنب ، وقد جاءت هذه الجملة كالتعليل للعفو عن هؤلاء المتولين وكانوا أكثر القوم ، فقد ذكر أبو القاسم البلخي أنه لم يبق مع النبي صلى الله عليه وسلم يوم أحد إلا ثلاثة عشر نفساً خمسة من المهاجرين أبو بكر وعلي وطلحة وعبد الرحمن بن عوف وسعد بن أبي وقاص ، والباقون من الأنصار رضي الله تعالى عنهم أجمعين ؛ ومن مشاهير المنهزمين عثمان ورافع بن المعلى وخارجة بن زيد وأبو حذيفة بن عتبة والوليد بن عقبة وسعد وعقبة ابنا عثمان من الأنصار من بني زريق ، وروي عن ابن عباس أن الآية نزلت في الثلاثة الأول ، وعن غيره غير ذلك ولم يوجد في الآثار تصريح بأكثر من هؤلاء ، ولعل الاقتصار عليهم لأنهم بالغوا في الفرار ولم يرجعوا إلا بعد مضي وقت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى أن منهم من لم يرجع إلا بعد ثلاث ، فزعموا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : لقد ذهبتم بها عريضة ، وأما سائر المنهزمين فقد اجتمعوا في ذلك اليوم على الجبل ، وعمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه كان من هذا الصنف كما في خبر ابن جرير خلافاً للشيعة وبفرض التسليم لا تعيير بعد عفو الله تعالى عن الجميع ، ونحن لا ندعي العصمة في الصحابة رضي الله تعالى عنهم ولا نشترطها في الخلافة. أ هـ {روح المعانى حـ 4 صـ 98 ـ 99}","part":17,"page":330},{"id":7364,"text":"بحث فى معنى العفو والمغفرة في القرآن\rقال فى الميزان :\rالعفو على ما ذكره الراغب وهو المعنى المتحصل من موارد استعمالاته هو القصد لتناول الشئ يقال عفاه واعتفاه أي قصده متناولا ما عنده وعفت الريح الدار قصدتها متناولة آثارها انتهى ، وكأن قولهم عفت الدار إذ بلت مبنى على عناية لطيفة وهى أن الدار كأنها قصدت آثار نفسها وظواهر زينتها فأخذته فغابت عن أعين الناظرين وبهذه العناية ينسب العفو إليه تعالى كأنه تعالى يعنى بالعبد فيأخذ ما عنده من الذنب ويتركه بلا ذنب.\rومن هنا يظهر أن المغفرة وهو الستر متفرع عليه بحسب الاعتبار فإن الشئ كالذنب مثلا يؤخذ ويتناول أولا ثم يستر عليه فلا يظهر ذنب المذنب لا عند نفسه ولا عند غيره قال تعالى {واعف عنا واغفر لنا : البقرة - 286}وقال {وكان الله عفوا غفورا : النساء - 99}.\rوقد تبين بذلك أن العفو والمغفرة وإن كانا مختلفين متفرعا أحدهما على الآخر بحسب العناية الذهنية لكنهما بحسب المصداق واحد وأن معناهما ليس من المعاني المختصة به تعالى بل يصح إطلاقهما على غيره تعالى بما لهما من المعنى كما قال تعالى {إلا أن يعفون أو يعفوا الذى بيده عقدة النكاح : البقرة - 237} وقال تعالى {قل للذين آمنوا يغفروا للذين لا يرجون أيام الله : الجاثية - 14} وقال تعالى {فاعف عنهم واستغفر لهم وشاورهم في الأمر} الآية فأمر نبيه (صلى الله عليه وآله وسلم) أن يعفوا عنهم فلا يرتب الأثر على معصيتهم من المؤاخذة والعتاب والإعراض ونحو ذلك وأن يستغفر فيسأل الله أن يغفر لهم وهو تعالى فاعله لا محالة فيما يرجع إليه من آثار الذنب.","part":17,"page":331},{"id":7365,"text":"وقد تبين أيضا أن معنى العفو والمغفرة يمكن أن يتعلق بالآثار التكوينية والتشريعية والدنيوية والأخروية جميعا قال تعالى {وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم ويعفوا عن كثير : الشورى - 30} والآية شاملة للآثار والعواقب الدنيوية قطعا ومثله قوله تعالى {والملائكة يسبحون بحمد ربهم ويستغفرون لمن في الأرض : الشورى - 5 } على ظاهر معناه وكذا قول آدم وزوجته فيما حكاه الله عنهما {ربنا ظلمنا أنفسنا وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين : الاعراف - 23 } بناء على أن ظلمهما كان معصية لنهى إرشادى لا مولوى.\rوالآيات الكثيرة القرآنية دالة على أن القرب والزلفى من الله والتنعم بنعم الجنة يتوقف على سبق المغفرة الإلهية وإزالة رين الشرك والذنوب بتوبة ونحوها كما قال تعالى {كلا بل ران على قلوبهم ما كانوا يكسبون : المطففين - 14} وقال تعالى {ومن يؤمن بالله يهد قلبه : التغابن - 11}.\rوبالجملة العفو والمغفرة من قبيل إزالة المانع ورفع المنافى المضاد وقد عد الله سبحانه الإيمان والدار الآخرة حياة وآثار الإيمان وأفعال أهل الآخرة وسيرهم الحيوى نورا كما قال {أو من كان ميتا فأحييناه وجعلنا له نورا يمشى به في الناس كمن مثله في الظلمات ليس بخارج منها : الأنعام - 122 } وقال تعالى {وإن الدار الآخرة لهى الحيوان : العنكبوت - 64 } فالشرك موت والمعاصي ظلمات قال تعالى {أو كظلمات في بحر لجي يغشاه موج من فوقه موج من فوقه سحاب ظلمات بعضها فوق بعض إذا أخرج يده لم يكد يراها ومن لم يجعل الله له نورا فما له من نور : النور - 40} فالمغفرة إزالة الموت والظلمة وإنما تكون بحياة وهو الإيمان ونور وهو الرحمة الإلهية.","part":17,"page":332},{"id":7366,"text":"فالكافر لا حياة له ولا نور والمؤمن المغفور له له حياة ونور والمؤمن إذا كان معه سيئات حي لم يتم له نوره وإنما يتم بالمغفرة قال تعالى {نورهم يسعى بين أيديهم وبأيمانهم يقولون ربنا أتمم لنا نورنا واغفر لنا : التحريم - 8}.\rفظهر من جميع ما تقدم أن مصداق العفو والمغفرة إذا نسب إليه تعالى في الأمور التكوينية كان إزالة المانع بإيراد سبب يدفعه وفي الأمور التشريعية إزالة السبب المانع عن الإرفاق ونحوه وفي مورد السعادة والشقاوة إزالة المانع عن السعادة. أ هـ {الميزان حـ 4 صـ 51 ـ 53}","part":17,"page":333},{"id":7367,"text":"قوله تعالى : { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ كَفَرُوا وَقَالُوا لِإِخْوَانِهِمْ إِذَا ضَرَبُوا فِي الْأَرْضِ أَوْ كَانُوا غُزًّى لَوْ كَانُوا عِنْدَنَا مَا مَاتُوا وَمَا قُتِلُوا لِيَجْعَلَ اللَّهُ ذَلِكَ حَسْرَةً فِي قُلُوبِهِمْ وَاللَّهُ يُحْيِي وَيُمِيتُ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (156)}\rمناسبة الآية لما قبلها\rقال البقاعى :\rولما كان قولهم : إنا لو ثبتنا في المدينة الممثلة بالدرع الحصينة - كما \" كان رأي رسول الله صلى الله عليه وسلم والأكابر من أصحابه \" لسلمنا ، إلى غير ذلك مما أشار سبحانه وتعالى إليه قولاً موجباً لغيظ رسول الله صلى الله عليه وسلم.\rلما فيه من الاتهام وسوء العقيدة ، وكان مع ذلك مظنة لأن يخدع كثيراً من أهل الطاعة لشدة حبهم لمن قتل منهم وتعاظم أسفهم عليهم.\rكان أنسب الأشياء المبادرة إلى الوعظ بما يزيل هذا الأثر ، ولما كان الرسول صلى الله عليه وسلم مؤيداً بأعظم الثبات لما طبع عليه من الشيم الطاهرة والمحاسن الظاهرة كان الأنسب البداءة بغيره ، فنهى الذين آمنوا عن الانخداع بأقوالهم فقال تعالى : {يا أيها الذين آمنوا} أي أظهروا الإقرار بالإيمان! صدقوا قولكم بأن {لا تكونوا كالذين كفروا} أي بقلوبهم على وجه الستر {وقالوا} أي ما فضحهم {لإخوانهم} أي لأجل إخوانهم الأعزة عليهم نسباً أو مذهباً {إذا ضربوا} أي سافروا مطلق سفر {في الأرض} أي لمتجر أو غيره {أو كانوا غزّى} أي غزاة مبالغين في الغزو في سبيل الله بسفر أو غيره جمع غازٍ ، فماتوا أو قتلوا {لو كانوا عندنا} أي لم يفارقونا {ما ماتوا وما قتلوا} وهذا في غاية التهكم بهم ، لأن إطلاق هذا القول منهم - لا سيما على هذا التأكيد - يلزم منه ادعاء أنه لا يموت أحد في المدينة ، وهو لا يقوله عاقل","part":17,"page":334},{"id":7368,"text":"ولما كان هذا القول محزناً اعتقاده وكتمانه علق سبحانه وتعالى بقوله : \" قالوا \" وبانتفاء الكون كالذين قالوا قوله : {ليجعل الله} أي الذي لا كفوء له {ذلك} أي القول أو الانفراد به عن مشارك {حسرة في قلوبهم} أي باعتقاده وعدم المواسي فيه وعلى تقدير التعليق ب \" قالوا \" يكون من باب التهكم بهم لأنهم لو لم يقولوه لهذا الغرض الذي لا يقصده عاقل لكانوا قد قالوه لا لغرض أصلاً وذلك أعرق في كونه ليس من أفعال العقلاء {والله} أي لا تكونوا مثلهم والحال.\rأو قالوا ذلك والحال أن الذي له الإحاطة الكاملة {يحيي} أي من أراد في الوقت الذي يريد {ويميت} أي من أراد إذا أراد لا يغني حذره من قدره {والله} أي المحيط بكل شيء قدره وعلماً {بما تعملون} أي بعملكم وبكل شيء منه {بصير} وعلى كل شيء منه قدير لا يكون شيء منه بغير إذنه ومتى كان على خلاف أمره عاقب عليه. أ هـ {نظم الدرر حـ 2 صـ 171 ـ 172}\rوقال الفخر : \r","part":17,"page":335},{"id":7369,"text":"اعلم أن المنافقين كانوا يعيرون المؤمنين في الجهاد مع الكفار بقولهم : لو كانوا عندنا ما ماتوا وما قتلوا ، ثم إنه لما ظهر عن بعض المؤمنين فتور وفشل في الجهاد حتى وقع يوم أحد ما وقع وعفا الله بفضله عنهم ، ذكر في هذه الآية ما يدل على النهي عن أن يقول أحد من المؤمنين مثل مقالتهم فقال : يا أيها الذين آمنوا لا تقولوا لمن يريد الخروج إلى الجهاد : لو لم تخرجوا لما متم وما قتلتم فإن الله هو المحيي والمميت ، فمن قدر له البقاء لم يقتل في الجهاد ، ومن قدر له الموت لم يبق وإن لم يجاهد ، وهو المراد من قوله : {والله يُحْيىِ وَيُمِيتُ} وأيضا الذي قتل في الجهاد ، لو أنه ما خرج إلى الجهاد لكان يموت لا محالة ، فإذا كان لا بد من الموت فلأن يقتل في الجهاد حتى يستوجب الثواب العظيم ، كان ذلك خيرا له من أن يموت من غير فائدة ، وهو المراد من قوله : {وَلَئِنْ قُتِلْتُمْ فِى سَبِيلِ الله أَوْ مُتُّمْ لَمَغْفِرَةٌ مّنَ الله وَرَحْمَةٌ خَيْرٌ مّمَّا يَجْمَعُونَ} فهذا هو المقصود من الكلام. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 9 صـ 44}\rفصل\rقال الفخر :\rاختلفوا في المراد بقوله : {كالذين كَفَرُواْ} فقال بعضهم : هو على إطلاقه ، فيدخل فيه كل كافر يقول مثل هذا القول سواء كان منافقا أو لم يكن ، وقال آخرون : إنه مخصوص بالمنافقين لأن هذه الآيات من أولها إلى آخرها مختصة بشرح أحوالهم ، وقال آخرون : هذا مختص بعبدالله بن أبي بن سلول ، ومعتب بن قشير ، وسائر أصحابه ، وعلى هذين القولين فالآية تدل على أن الإيمان ليس عبارة عن الإقرار باللسان ، كما تقول الكرامية إذ لو كان كذلك لكان المنافق مؤمناً ، ولو كان مؤمناً لما سماه الله كافراً. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 9 صـ 44}","part":17,"page":336},{"id":7370,"text":"وقال الآلوسى :\r{ يا أَيُّهَا الذين ءامَنُواْ لاَ تَكُونُواْ كالذين كَفَرُواْ } وهم المنافقون كعبد الله بن أبيّ وأصحابه قاله السدي ومجاهد وإنما ذكر في صدر الجملة كفرهم تصريحاً بمباينة حالهم لحال المؤمنين وتنفيراً عن مماثلتهم وهم هم ، وفيه دليل على أن الإيمان ليس عبارة عن مجرد الإقرار باللسان كما يقوله الكرامية وإلا لما سمي المنافق كافراً ، وقيل : المراد بالذين كفروا سائر الكفار على العموم أي لا تكونوا كالكفرة في نفس الأمر. أ هـ {روح المعانى حـ 4 صـ 99}\rفصل\rقال الفخر :\rقال صاحب \"الكشاف\" : قوله : {وَقَالُواْ لإخوانهم} أي لأجل إخراجهم كقوله : {وَقَالَ الذين كَفَرُواْ لِلَّذِينَ ءامَنُواْ لَوْ كَانَ خَيْراً مَّا سَبَقُونَا إِلَيْهِ} [ الأحقاف : 11 ] وأقول : تقرير هذا الوجه أنهم لما قالوا لو كانوا عندنا ما ماتوا وما قتلوا ، فهذا يدل على أن أولئك الإخوان كانوا ميتين ومقتولين عند هذا القول ، فوجب أن يكون المراد من قوله : {وَقَالُواْ لإخوانهم} هو أنهم قالوا ذلك لأجل إخوانهم ، ولا يكون المراد هو أنهم ذكروا هذا القول مع إخوانهم. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 9 صـ 44}\rفصل\rقال الفخر :\rقوله : {إخوانهم} يحتمل أن يكون المراد منه الأخوة في النسب وإن كانوا مسلمين ، كقوله تعالى : {وإلى عَادٍ أَخَاهُمْ هُودًا} [ الأعراف : 65 ] {وإلى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صالحا} [ الأعراف : 73 ] فإن الأخوّة في هذه الآيات أخوة النسب لا أخوّة الدين ، فلعل أولئك المقتولين من المسلمين كانوا من أقارب المنافقين ، فالمنافقون ذكروا هذا الكلام ، ويحتمل أن يكون المراد من هذه الأخوة المشاكلة في الدين ، واتفق إلى أن صار بعض المنافقين مقتولا في بعض الغزوات فالذين بقوا من المنافقين قالوا ذلك. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 9 صـ 44}","part":17,"page":337},{"id":7371,"text":"فصل\rقال الفخر :\rالمنافقون كانوا يظنون أن الخارج منهم لسفر بعيد ، وهو المراد بقوله : {إِذَا ضَرَبُواْ فِى الأرض} والخارج إلى الغزو ، وهو المراد بقوله : {أَوْ كَانُواْ غُزًّى} إذا نالهم موت أو قتل فذلك إنما نالهم بسبب السفر والغزو ، وجعلوا ذلك سببا لتنفير الناس عن الجهاد ، وذلك لأن في الطباع محبة الحياة وكراهية الموت والقتل ، فإذا قيل للمرء : إن تحرزت من السفر والجهاد فأنت سليم طيب العيش ، وان تقحمت أحدهما وصلت إلى الموت أو القتل ، فالغالب أنه ينفر طبعه عن ذلك ويرغب في ملازمة البيت ، وكان ذلك من مكايد المنافقين في تنفير المؤمنين عن الجهاد. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 9 صـ 44 ـ 45}\rقوله تعالى { إِذَا ضَرَبُواْ فِى الأرض }\rقال الآلوسى :\r{ إِذَا ضَرَبُواْ فِى الأرض } أي سافروا فيها لتجارة ، أو طلب معاش فماتوا قاله السدي","part":17,"page":338},{"id":7372,"text":"وأصل الضرب إيقاع شيء على شيء ، واستعمل في السير لما فيه من ضرب الأرض بالرجل ، ثم صار حقيقة فيه ، وقيل : أصل الضرب في الأرض الإبعاد في السير وهو ممنوع وخص الأرض بالذكر لأن أكثر أسفارهم كان في البر ، وقيل : اكتفى بذكر الأرض مراداً بها البر عن ذكر البحر ، وقيل : المراد من الأرض ما يشمل البر والبحر وليس بالبعيد ، وجىء بإذا وحق الكلام إذ كما قالوا لقالوا الدال بهيئته على الزمان المنافي للزمان الدالة عليه { إِذَا } مراعاة لحكاية الحال الماضية ، ومعنى ذلك أن تقدر نفسك كأنك موجود في ذلك الزمان الماضي أو تقدر ذلك الزمان كأنه موجود الآن وهذا كقولك : قالوا ذلك حين يضربون والمعنى حين ضربوا إلا أنك جئت بلفظ المضارع استحضاراً لصورة ضربهم في الأرض ، واعترض بوجهين : الأول : أن حكاية الحال إنما تكون حيث يؤتى بصيغة الحال وهذه صيغة استقبال لأن معنى { إِذَا ضَرَبُواْ } حين يضربون فيما يستقبل ، الثاني : أن قولهم : لو كانوا عندنا إنما هو بعد موتهم فكيف يتقيد بالضرب في الأرض.","part":17,"page":339},{"id":7373,"text":"وأجيب عن الأول : بأن { إِذَا ضَرَبُواْ } في معنى الاستمرار كما في { وَإِذَا لَقُواْ الذين ءامَنُواْ } [ البقرة : 14 ] فيفسد الاستحضار نظراً للحال ، وعن الثاني : بأن { قَالُواْ لإخوانهم } في موقع جزاء الشرط من جهة المعنى فيكون المعنى لا تكونوا كالذين كفروا ، وإذا ضرب إخوانهم فماتوا أو كانوا غزا فقتلوا قالوا لو كانوا عندنا ما ماتوا وما قتلوا فالضرب والقتل كلاهما في معنى الاستقبال ، وتقييد القول بالضرب إنما هو باعتبار الجزء الأخير وهو الموت ، والقتل فإنه وإن لم يذكر لفظاً لدلالة ما في القول عليه فهو مراد معنى والمعتبر المقارنة عرفاً كما في قوله تعالى : { فَإِذَا أَفَضْتُم مّنْ عرفات فاذكروا الله عِندَ المشعر الحرام } [ البقرة : 198 ] وكقولك إذا طلع هلال المحرم : أتيتك في منتصفه.","part":17,"page":340},{"id":7374,"text":"وقال الزجاج : { إِذَا } هنا تنوب عما مضى من الزمان وما يستقبل يعني أنها لمجرد الوقت أو لقصد الاستمرار والذي يقتضيه النظر الصائب أن لا يجعل { إِذَا ضَرَبُواْ } ظرفاً لقالوا بل ظرف لما يحصل للأخوان حين يقال لأجلهم وفي حقهم ذلك كأنه قيل : قالوا لأجل الأحوال العارضة للأخوان إذا ضربوا بمعنى حين كانوا يضربون قاله العلامة الثاني ، وأنت تعلم أن تجريد { إِذَا } عن معنى الاستقبال وجعلها بمعنى الوقت مطلقاً كاف في توجيه الآية مزيل لإشكالها ، وقصد الاستمرار منها لا يدفع الاعتراض عن ذلك التوجيه لأنها إذا كانت للاستمرار تشمل الماضي فلا تكون لحكاية الحال وكذا إذا كان قالوا جواباً إذ يصير مستقبلاً فلا تتأتى فيه الحكاية المذكورة أيضاً ويرد على ما اقتضاه النظر الصائب أن دون إثبات صحة مثله في العربية خرط القتاد ، وأقعد منه وإن كان بعيداً ما قاله أبو حيان من أنه \"يمكن إقرار { إِذَا } على ( ما استقر لها من ) الاستقبال بأن يقدر العامل فيها مضاف مستقبل ( محذوف ) على أن ضمير { لَّوْ كَانُواْ } عائداً على إخوانهم لفظاً ( لا ) معنى على حد عندي درهم ونصفه ، والتقدير وقالوا مخافة هلاك إخوانهم إذا ضربوا أو كانوا غزاً لو كانوا أي إخواننا الآخرون الذين تقدم موتهم وقتلهم عندنا ما ماتوا وما قتلوا فتكون هذه المقالة تثبيطاً لإخوانهم الباقين عن السفر والغزو لئلا يصيبهم ما أصاب الأولين\" وإنما لم يحملوا { إِذَا } هنا على الحال كما قيل بحملها عليه بعد القسم نحو { والليل إِذَا يغشى } [ الليل : 1 ] لتصفو لهم دعوى حكاية الحال عن الكدر لأن ذلك غير مسلم عند المحققين هناك فقد صححوا فيه بقاءها على الاستقبال من غير محذور ، وجوز في الآية كون قالوا بمعنى يقولون ؛ وقد جاء في كلامهم استعمال الماضي بمعنى المستقبل ومنه قوله : ","part":17,"page":341},{"id":7375,"text":"وإني لآتيكم تشكر ما مضى...\rمن الأمر واستيجاب ما كان في غد\rوكذا جوز بقاؤه على معناه وحمل { إِذَا } على الماضي فإنها تجىء له كما جاءت إذ للمستقبل في قول البعض وذلك كقوله تعالى : { وَإِذَا رَأَوْاْ تجارة أَوْ لَهْواً انفضوا إِلَيْهَا } [ الجمعة : 11 ] ، وقوله :\rوندمان يزيد الكاس طيبا...\rسقيت إذا تغورت النجوم\rوحينئذٍ لا منافاة بين زماني القيد والمقيد فتدبر ذلك كله. أ هـ {روح المعانى حـ 4 صـ 99 ـ 100}\rسؤال : فإن قيل : فلماذا ذكر بعض الضرب في الأرض الغزو وهو داخل فيه ؟\rقلنا : لأن الضرب في الأرض يراد به الابعاد في السفر ، لا ما يقرب منه ، وفي الغزو لا فرق بين بعيده وقريبه ، إذ الخارج من المدينة إلى جبل أحد لا يوصف بأنه ضارب في الأرض مع قرب المسافة وإن كان غازيا ، فهذا فائدة إفراد الغزو عن الضرب في الأرض. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 9 صـ 45}\rفصل\rقال الفخر :\rفي الآية إشكال وهو أن قوله : {وَقَالُواْ لإخوانهم} يدل على الماضي ، وقوله : {إِذَا ضَرَبُواْ} يدل على المستقبل فكيف الجمع بينهما ؟ بل لو قال : وقالوا لإخوانهم إذ ضربوا في الأرض ، أي حين ضربوا لم يكن فيه إشكال.","part":17,"page":342},{"id":7376,"text":"والجواب عنه من وجوه : الأول : أن قوله : {قَالُواْ} تقديره : يقولون فكأنه قيل : لا تكونوا كالذين كفروا ويقولون لإخوانهم كذا وكذا ، وإنما عبر عن المستقبل بلفظ الماضي لفائدتين : أحدهما : أن الشيء الذي يكون لازم الحصول في المستقبل فقد يعبر عنه بأنه حدث أو هو حادث قال تعالى : {أتى أَمْرُ الله} [ النحل : 1 ] وقال : {إِنَّكَ مَيّتٌ} [ الزمر : 30 ] فهنا لو وقع التعبير عنه بلفظ المستقل لم يكن فيه مبالغة أما لما وقع التعبير عنه بلفظ الماضي ، دل ذلك على أن جدهم واجتهادهم في تقرير الشبهة قد بلغ الغاية ، وصار بسبب ذلك الجد هذا المستقبل كالكائن الواقع.\rالفائدة الثانية : إنه تعالى لما عبر عن المستقبل بلفظ الماضي دل ذلك على أنه ليس المقصود الإخبار عن صدور هذا الكلام ، بل المقصود الإخبار عن جدهم واجتهادهم في تقرير هذه الشبهة ، فهذا هو الجواب المعتمد عندي ، والله أعلم.\rالوجه الثاني في الجواب : أن الكلام خرج على سبيل حكاية الحال الماضية ، والمعنى أن إخوانهم إذا ضربوا في الارض ، فالكافرون يقولون لو كانوا عندنا ما ماتوا وما قتلوا ، فمن أخبر عنهم بعد ذلك لا بد وان يقول : قالوا ، فهذا هو المراد بقولنا : خرج هذا الكلام على سبيل حكاية الحال الماضية.\r","part":17,"page":343},{"id":7377,"text":"الوجه الثالث : قال قطرب : كلمة \"إذ\" وإذا ، يجوز إقامة كل واحدة منهما مقام الأخرى ، وأقول : هذا الذي قاله قطرب كلام حسن ، وذلك لأنا إذا جوزنا إثبات اللغة بشعر مجهول منقول عن قائل مجهول ، فلأن يجوز إثباتها بالقرآن العظيم ، كان ذلك أولى ، أقصى ما في الباب أن يقال \"إذ\" حقيقة في المستقبل ، ولكن لم لا يجوز استعماله في الماضي على سبيل المجاز لما بينه وبين كلمة \"إذ\" من المشابهة الشديدة ؟ وكثيرا أرى النحويين يتحيرون في تقرير الألفاظ الواردة في القرآن ، فإذا استشهدوا في تقريره ببيت مجهول فرحوا به ، وأنا شديد التعجب منهم ، فإنهم إذا جعلوا ورود ذلك البيت المجهول على وفقه دليلا على صحته ، فلأن يجعلوا ورود القرآن به دليلا على صحته كان أولى. (1) أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 9 صـ 45}\r\rفصل\rقال الفخر :\rقال الواحدي : في الآية محذوف يدل عليه الكلام ، والتقدير : إذا ضربوا في الأرض فماتوا أو كانوا غزاة فقتلوا ، لو كانوا عندنا ما ماتوا وما قتلوا ، فقوله : {مَا مَاتُواْ وَمَا قُتِلُواْ} يدل على موتهم وقتلهم. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 9 صـ 46}\rقوله تعالى : {لِيَجْعَلَ الله ذلك حَسْرَةً فِى قُلُوبِهِمْ}\rفصل\rقال ابن عطية :\rوقوله تعالى : { ليجعل الله ذلك } قال مجاهد : معناه يحزنهم قوله ولا ينفعهم.\r____________\r(1) سيأتى تفصيل هذه المسألة من خلال كلام ابن عادل إن شاء الله.","part":17,"page":344},{"id":7378,"text":"قال القاضي : فالإشارة في ذلك إلى هذا المعتقد الذي لهم ، جعل الله ذلك حسرة ، لأن الذي يتقين أن كل موت وقتل فبأجل سابق ، يجد برد اليأس والتسليم لله تعالى على قلبه ، والذي يعتقد أن حميمه لو قعد في بيته لم يمت ، يتحسر ويتلهف ، وعلى هذا التأويل مشى المتأولون ، وهو أظهر ما في الآية ، وقال قوم : الإشارة بذلك إلى انتهاء المؤمنين ومخالفتهم الكافرين في هذا المعتقد ، فيكون خلافهم لهم حسرة في قلوبهم ، وقال قوم : الإشارة بذلك إلى نفس نهي الله تعالى عن الكون مثل الكافرين في هذا المعتقد لأنهم إذا رأوا أن الله تعالى قد وسمهم بمعتقد وأمر بخلافهم كان ذلك حسرة في قلوبهم ، ويحتمل عندي أن تكون الإشارة إلى النهي والانتهاء معاً ، فتأمله. أ هـ {المحرر الوجيز حـ 1 صـ 531 ـ 532}\rوقال الفخر :\rفيه وجهان :\rالأول : أن التقدير أنهم قالوا ذلك الكلام ليجعل الله ذلك الكلام حسرة في قلوبهم ، مثل ما يقال : ربيته ليؤذيني ونصرته ليقهرني ومثله قوله تعالى : {فالتقطه ءَالُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوّاً وَحَزَناً} [ القصص : 8 ] إذا عرفت هذا فنقول : ذكروا في بيان أن ذلك القول كيف استعقب حصول الحسرة في قلوبهم وجوها :","part":17,"page":345},{"id":7379,"text":"الأول : أن أقارب ذلك المقتول إذا سمعوا هذا الكلام ازدادت الحسرة في قلوبهم ، لأن أحدهم يعتقد أنه لو بالغ في منعه عن ذلك السفر وعن ذلك الغزو لبقي ، فذلك الشخص إنما مات أو قتل بسبب أن هذا الإنسان قصر في منعه ، فيعتقد السامع لهذا الكلام أنه هو الذي تسبب إلى موت ذلك الشخص العزيز عليه أو قتله ، ومتى اعتقد في نفسه ذلك فلا شك أنه تزداد حسرته وتلهفه ، أما المسلم المعتقد في أن الحياة والموت لا يكون إلا بتقدير الله وقضائه ، لم يحصل ألبتة في قلبه شيء من هذا النوع من الحسرة ، فثبت أن تلك الشبهة التي ذكرها المنافقون لا تفيدهم إلا زيادة الحسرة.\rالوجه الثاني : أن المنافقين إذا ألقوا هذه الشبهة إلى إخوانهم تثبطوا عن الغزو والجهاد وتخلفوا عنه ، فإذا اشتغل المسلمون بالجهاد والغزو ، ووصلوا بسببه إلى الغنائم العظيمة والاستيلاء على الاعداء.\rوالفوز بالأماني ، بقي ذلك المتخلف عند ذلك في الخيبة والحسرة.\rالوجه الثالث : أن هذه الحسرة إنما تحصل يوم القيامة في قلوب المنافقين إذا رأوا تخصيص الله المجاهدين بمزيد الكرامات واعلاء الدرجات ، وتخصيص هؤلاء المنافقين بمزيد الخزي واللعن والعقاب.\rالوجه الرابع : أن المنافقين إذا أوردوا هذه الشبهة على ضعفة المسلمين ووجدوا منهم قبولا لها ، فرحوا بذلك ، من حيث إنه راج كيدهم ومكرهم على أولئك الضعفة ، فالله تعالى يقول : إنه سيصير ذلك حسرة في قلوبهم إذا علموا أنهم كانوا على الباطل في تقرير هذه الشبهة.\rالوجه الخامس : أن جدهم واجتهادهم في تكثير الشبهات وإلقاء الضلالات يعمي قلوبهم فيقعون عند ذلك في الحيرة والخيبة وضيق الصدر ، وهو المراد بالحسرة ، كقوله : {وَمَن يُرِدْ أَن يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيّقاً حَرَجاً} [ الأنعام : 125 ].\r","part":17,"page":346},{"id":7380,"text":"الوجه السادس : أنهم متى ألقوا هذه الشبهة على أقوياء المسلمين لم يلتفتوا إليهم فيضيع سعيهم ويبطل كيدهم فتحصل الحسرة في قلوبهم.\rوالقول الثاني في تفسير الآية : أن اللام في قوله : {لِيَجْعَلَ الله} متعلقة بما دل عليه النهي ، والتقدير : لا تكونوا مثلهم حتى يجعل الله انتفاء كونكم مثلهم حسرة في قلوبهم ، لأن مخالفتهم فيما يقولون ويعتقدون ومضادتهم مما يغيظهم. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 9 صـ 46}\rلطيفة\rقال الآلوسى :\rوذكر القلوب مع أن الحسرة لا تكون إلا فيها لإرادة التمكن والإيذان بعدم الزوال. أ هـ {روح المعانى حـ 4 صـ 102}\rقوله تعالى : {والله يُحْيىِ وَيُمِيتُ}\rفصل\rقال الفخر :\rفيه وجهان :\rالأول : أن المقصود منه بيان الجواب عن هذه الشبهة ، وتقريره أن المحيي والمميت هو الله ، ولا تأثير لشيء آخر في الحياة والموت ، وأن علم الله لا يتغير ، وأن حكمه لا ينقلب ، وأن قضاءه لا يتبدل ، فكيف ينفع الجلوس في البيت من الموت ؟\rفإن قيل : إن كان القول بأن قضاء الله لا يتبدل يمنع من كون الجد والاجتهاد مفيدا في الحذر عن القتل والموت ، فكذا القول بأن قضاء الله لا يتبدل وجب أن يمنع من كون العمل مفيدا في الاحتراز عن عقاب الآخرة ، وهذا يمنع من لزوم التكليف ، والمقصود من هذه الآيات تقرير الأمر بالجهاد والتكليف ، وإذا كان الجواب يفضي بالآخرة إلى سقوط التكليف كان هذا الكلام يفضي ثبوته إلى نفيه فيكون باطلا.\rالجواب : أن حسن التكليف عندنا غير معلل بعلة ورعاية مصلحة ، بل عندنا أنه يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد.","part":17,"page":347},{"id":7381,"text":"والوجه الثاني : في تأويل الآية : أنه ليس الغرض من هذا الكلام الجواب عن تلك الشبهة بل المقصود أنه تعالى لما نهى المؤمنين عن أن يقولوا مثل قول المنافقين ، قال : {والله يُحْيىِ وَيُمِيتُ} يريد : يحيي قلوب أوليائه وأهل طاعته بالنور والفرقان ، ويميت قلوب أعدائه من المنافقين. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 9 صـ 47}\rوقال الطبرى : \rيعني جل ثناؤه بقوله : (والله يحيي ويميت) والله المعجِّل الموتَ لمن يشاء من حيث يشاء ، والمميت من يشاء كلما شاء ، دون غيره من سائر خلقه.\rوهذا من الله عز وجل ترغيبٌ لعباده المؤمنين على جهاد عدوه والصبر على قتالهم ، وإخراج هيبتهم من صدورهم ، وإن قل عددهم وكثر عدد أعدائهم وأعداء الله وإعلامٌ منه لهم أن الإماتة والإحياء بيده ، وأنه لن يموت أحدٌ ولا يقتل إلا بعد فناء أجله الذي كتب له ونهيٌ منه لهم ، إذ كان كذلك ، أن يجزعوا لموت من مات منهم أو قتل من قتل منهم في حرب المشركين. أ هـ {تفسير الطبرى حـ 7 صـ 336}\rوقال الآلوسى : \r{ والله يُحْيىِ وَيُمِيتُ } ردّ لقولهم الباطل إثر بيان غائلته أي والله هو المؤثر الحقيقي في الحياة والممات وحده لا الإقامة أو السفر فإنه تعالى قد يحيي المسافر والغازي مع اقتحامهما موارد الحتوف ويميت المقيم والقاعد وإن كانا تحت ظلال النعيم ، وليس المراد أنه تعالى يوجد الحياة والممات وإن كان هو الظاهر لأن الكلام ليس فيه ولا يحصل به الرد وإنما الكلام في إحداث ما يؤثرهما ، وقيل : المراد أنه تعالى يحيي ويميت في السفر والحضر عند حضور الأجل ولا مؤخر لما قدم ولا مقدم لما أخر ، ولا راد لما قضى ولا محيص عما قدر ، وفيه منع المؤمنين عن التخلف في الجهاد لخشية القتل والواو للحال فلا يرد أنه لا يصح عطف الإخبار على الإنشاء. أ هـ {روح المعانى حـ 4 صـ 102}","part":17,"page":348},{"id":7382,"text":"قوله تعالى : {والله بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ}\rقال الفخر :\rالمقصود منه الترغيب والترهيب فيما تقدم ذكره من طريقة المؤمنين وطريقة المنافقين. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 9 صـ 47}\rوقال الآلوسى :\r{ والله بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ } ترغيب في الطاعة وترهيب عن المعصية أو تهديد للمؤمنين على أن يماثلوا الكفار لأن رؤية الله تعالى كعلمه تستعمل في القرآن للمجازاة على المرئي كالمعلوم ، والمؤمنون وإن لم يماثلوهم فيما ذكر لكن ندمهم على الخروج من المدينة يقتضيه ، وقرأ ابن كثير وأهل الكوفة غير عاصم يعملون بالياء ، وضمير الجمع حينئذٍ للكفار ، والعمل عام متناول للقول المذكور ولمنشئه الذي هو الاعتقاد الفاسد ولما ترتب على ذلك من الأعمال ولذلك تعرض لعنوان البصر لا لعنوان السمع ؛ وإظهار الاسم الجليل لما مر غير مرة وكذا تقديم الظرف. أ هـ {روح المعانى حـ 4 صـ 102}\rسؤال : فإن قيل : الصادر منهم كان قولاً مسموعاً ، لا فعلاً مَرْئِيًّا ، فلِمَ علَّقه بالبصر دون السمع ؟\rفالجوابُ : قال الراغبُ : لما كان ذلك القول من الكفار قصداً منهم إلى عمل يحاولونه ، خص البصر بذلك ، كقولك -لمن يقول شيئاً ، وهو يقصد فعلاً يحاوله- : أنا أرى ما تفعله. أ هـ {تفسير ابن عادل حـ 6 صـ 12}\rفوائد لغوية\rقال ابن عادل :\rقوله : { إِذَا ضَرَبُواْ } \" إذا \" ظرف مستقبل ، فلذلك اضطربت أقوالُ المعربين -هنا- من حيثُ إن العامل فيها { قَالُواْ } -وهو ماضٍ- فقال الزمخشريُّ : \" فإن قُلْتَ : كيف قيل : { إِذَا ضَرَبُواْ } مع \" قالوا \" ؟ قلت : هو حكاية حال ماضية ، كقولك : حين يضربون في الأرض \".","part":17,"page":349},{"id":7383,"text":"وقال أبو البقاء بعد قول قريب من قول الزمخشريِّ : \" ويجوز أن يكون { كَفَرُواْ } و{ قَالُواْ } ماضيين ، يُراد بهما المستقبل المحكي به الحال فعلى هذا يكون التقدير : يكفرون ، ويقولون لإخوانهم \". انتهى.\rففي كلا الوجهين حكاية حال ، لكن في الأول حكاية حال ماضية ، وفي الثاني مستقبلة ، وهو -من هذه الحيثية- كقوله تعالى : { حتى يَقُولَ الرسول والذين آمَنُواْ مَعَهُ } [ البقرة : 214 ]. ويجوز أن يراد بها الاستقبال ، لا على سبيل الحكاية ، بل لوقوعه صلة لموصول ، وقد نصَّ بعضهم على أن الماضي -إذا وقع صلة لموصول- صلح للاستقبال ، كقوله : { إِلاَّ الذين تَابُواْ مِن قَبْلِ أَن تَقْدِرُواْ عَلَيْهِمْ } [ المائدة : 34 ]. وإلى هذا نحا ابنُ عطيةَ ، وقال : \" دخلت \" إذا \" وهي حرفُ استقبالٍ -من حيثُ \" الذين \" اسم فيه إبهام ، يعم مَنْ قال في الماضي ، ومَنْ يقول في الاستقبال ، ومن حيثُ هذه النازلة تتصور في مستقبل الزمان \" يعني : فتكون حكاية حالٍ مستقبلة.\rقال ابن الخَطِيبِ : إنما عَبَّرَ عن المستقبل بلفظ الماضي لفائدتين : \rإحداهما : أن الشيء الذي يكون لازم الحصول في المستقبل ، قد يُعَبَّر عنه بأنه حَدَث ، أو هو حادث ، قال تعالى : { أتى أَمْرُ الله } [ النحل : 1 ] وقال : { إِنَّكَ مَيِّتٌ } [ الزمر : 30 ] فهنا لو وقع التعبير عنه بلفظ المستقبل لم يكن فيه ذلك المعنى ، فلما وقع التعبير عنه بلفظ الماضي ، دلَّ على أن جِدَّهم واجتهادهم في تقرير الشبهة قد بلغ الغاية ، فصار بسبب ذلك الجد ، هذا المستقبل كالواقع.\rالثانية : أنه -تعالى- لما عبر عن المستقبل بلفظ الماضي ، دلَّ ذلك على أنه ليس المقصود الإخبار عن صدور هذا الكلام ، بل المقصود الإخبار عن جِدِّهم واجتهادهم في تقرير هذه الشُّبْهَةِ \".\r","part":17,"page":350},{"id":7384,"text":"وقدَّر أبو حيّان : مضافاً محذوفاً وهو عامل في \" إذا \" تقديره : وقالوا لهلاك إخوانهم ، أي : مخافة أن يهلك إخوانهم إذا سافروا ، أو غَزَوْا ، فقدَّر العامل مصدراً مُنْحَلاًّ لِـ \" أن \" والمضارع ، حتى يكون مستقبلاً ، قال : لكن يكون الضمير في قوله : { لَّوْ كَانُواْ عِنْدَنَا } عائداً على { لإِخْوَانِهِمْ } لفظاً ، وعلى غيرهم معنى -أي : يعود على إخوان آخرين ، وهم الذين تَقَدَّمَ موتُهم بسبب سفرٍ ، أو غزو ، وقَصْدُهُمْ بذلك تثبيطُ الباقين- وهو مثل قوله تعالى : { وَمَا يُعَمَّرُ مِن مُّعَمَّرٍ وَلاَ يُنقَصُ مِنْ عُمُرِهِ } [ فاطر : 11 ] وقول العربِ : عندي درهم ونِصْفُه.\rوقول الشاعرِ : [ البسيط ]\rقَالَتْ : ألاَ لَيْتَما هَذَا الحَمَامُ لَنَا... إلَى حَمَامَتِنَا ، أو نِصْفُهُ فَقَدِ\rالمعنى : من معمر آخر ، ونصف درهم آخر ، ونصف حمام آخرَ.\rوقال قُطربٌ : كلمة \" إذْ \" و\" إذا \" يجوز إقامة كل واحد منهما مُقَامَ الأخْرَى ، فيكون \" إذا \" هنا بمعنى \" إذْ \".\rقال بعضهم : وهذا ليس بشيء.\rقال ابن الخَطِيبِ : \" أقول : هذا -الذي قاله قُطْرُبٌ- كلامٌ حسنٌ ، وذلك لأنا جوَّزْنا إثبات اللغة بشعرٍ مجهولٍ ، فنقول عن قائل مجهول ، فلأنْ يُجَوَّزَ إثباتها بالقرآن العظيم كان ذلك أولى ، أقصى ما في الباب أن يقال : \" إذا \" حقيقة في المستقبل ، ولكن لم لا يجوز استعماله في الماضي على سبيل المجازِ ، لما بينه وبين كلمة \" إذْ \" من المشابهة الشديدة ، وكثيراً أرى النحويين يتحيَّرون في تقرير الألفاظ الواردة في القرآن ، فإذا استشهدوا في تقريره ببيت مجهولٍ فَرِحوا به ، وأنا شديدُ التعجُّب منهم ؛ فإنهم إذا جعلوا ورودَ القرآنِ به دليلاً على صحته كان أولى \".","part":17,"page":351},{"id":7385,"text":"قوله : { أَوْ كَانُواْ غُزًّى } -بالتشديد- جمع غازٍ -كالرُّكَّع والسُّجَّد- جمع راكع وساجد- وقياسه : غُزَاة كرام ورُمَاة- ولكنهم جملوا المعتل على الصحيح ، في نحو ضارب وضُرَّب ، وصائم وصُوَّم.\rوقال الزَّهريُّ والحسنُ \" غُزًى \" -بالتخفيف- وفيها وجهانِ : \rالأول : أنه خفف الزاي ، كراهية التثقيل في الجمع.\rالثاني : أن أصله : غُزاة -كقُضاة ورُماة- ولكنه حذف تاء التأنيث ؛ لأن نفس الصيغة دالَةٌ على الجمع فالتاء مُستغنًى عنها.\rقال ابنُ عَطِيَّةَ : \" وهذا الحذفُ كثيرٌ في كلامهم.\rومنه قول الشاعر يمدح الكسائِي : [ الطويل ]\rأبَى الذَّمَّ أخْلاَقُ الْكِسَائِيِّ ، وَانْتَحَى... بِهِ المَجْدُ أخْلاَقَ الأبُوِّ السَّوابِقِ\rيريد : الأبُوَّة -جمع أب- كما أن العمومة جمع عم ، والبُنُوَّة جمع ابن وقد قالوا : ابن ، وبنو \".\rورد عليه أبو حيّان بأن الحذف ليس بكثير ، وأن قوله : حذف التاء من عمومة ، ليس كذلك ، بل الأصل : عموم -من غير تاء- ثم أدخلوا عليها التاء لتأكيد الجمع ، فما جاء على \" فعول \" -من غير تاء- هو الأصل ، نحو : عموم وفحول ، وما جاء فيه التاء ، فهو الذي يحتاج إلى تأويله بالجمع ، والجمع لم يُبْنَ على هذه التاء ، حتى يُدَّعَى حَذْفُها ، وهذا بخلاف قُضَاة وبابه ؛ فإنه بني عليها ، فيمكن ادعاء الحذف فيه ، وأما أبوة وبُنوة فليسا جَمْعَيْن ، بل مصدرين ، وأما أبُوّ -في البيت- فهو شاذّ عند النحاة من جهة أنه من حقِّهِ أن يُعلَّه ، فيقول : \" أبَيّ \" بقلب الواوين ياءين ، نحو : عُصِيّ ، ويقال غُزَّاء بالمد أيضاً ، وهو شاذ.\rفتحصَّل في غازٍ ثلاثة جموع في التكسير : غُزَاة كقُضاة ، وغُزًى كصوَّم ، وغُزَّاء كصُوَّام ، وجمع رابع ، وهو جمع سلامة ، والجملة كلُّها في محل نصب بالقول.\r","part":17,"page":352},{"id":7386,"text":"قال القرطبيُّ : \" والمغزية : المرأة التي غزا زوجها ، وأتانٌ مُغْزِية : متأخِّرةُ النِّتَاجِ ، ثم تنتج وأغْزَت الناقة إذا عسر لِقَاحُها ، والغَزْو : قصد الشيء ، والمَغْزَى : المَقْصِد ، ويقال : -في النسب إلى الغزو : غَزَوِيّ \".\rقوله : { لِيَجْعَلَ الله } في هذه اللام قولان : \rقيل : إنها لام \" كَيْ \".\rوقيل : إنها لام العاقبة والصيرورة ، فعلى القول الأول في تعلُّق هذه اللام وجهانِ : \rفقيل : التقدير : أوقع ذلك -أي : القول ، أو المعتقد- ليجعله حَسْرَةً ، أو ندمَهم ، كذا قدره أبو البقاء وأجاز الزمخشريُّ أن تتعلق بجملة النفي ، وذلك على معنيين- باعتبار ما يراد باسم الإشارة.\rأما الاعتبار الأول ، فإنه قال : \" يعني لا تكونوا مثلهم في النطق بذلك القول واعتقاده ليجعله اللهُ حَسْرةً في قلوبكم خاصَّةً ، ويصون منها قلوبكم \" ، فجعل ذلك إشارة إلى القول والاعتقاد.\rوأما الاعتبار الثاني فإنه قال : \" ويجوز أن يكون ذلك إشارة إلى ما دلَّ عليه النَّهْيُّ ، أي : لا تكونوا مثلهم ؛ ليجعلَ اللهُ انتفاء كونكم مثلهم حسرة في قلوبهم ؛ لأن مخالفتهم فيما يقولون ويعتقدون مما يغمُّهم ويغيظهم \".\rوردّ عليه أبو حيان المعنى الأول بالمعنى الثاني الذي ذكره هو ، فقال -بعد ما حكى عنه المعنى الأول : - \" وهو كلام شيخ لا تحقيق فيه ؛ لأن جَعْلَ الحسرة لا يكون سبباً للنهي ، إنما يكون سبباً لحصول امتثال النهي ، وهو انتفاء المماثلة ، فحصول ذلك الانتفاء والمخالفة فيما يقولون ويعتقدون ، يحصل عنه ما يغيظهم ويغمهم ، إذ لم توافقهم فيما قالوه واعتقدوه ، لا تضربوا في الأرض ولا تغزو ، فالتبسَ على الزمخشريِّ استدعاء انتفاء المماثلة لحصول الانتفاء ، وفَهْم هذا فيه خفاءٌ ودقةٌ \".\r","part":17,"page":353},{"id":7387,"text":"قال شهاب الدين : ولا أدري ما وجه تفنيد كلام أبي القاسم ، وكيف رد عليه على زعمه بكلامه ؟\rوقال أبو حَيَّانَ -أيضاً- : \" وقال ابنُ عِيسَى وغيره ، اللامُ متعلِّقة بالكون ، أي : لا تكونوا كهؤلاء ، ليجعل الله ذلك حَسْرَةً في قلوبهم دونكم ، ومنه اخذ الزمخشريُّ قوله ، لكن ابن عيسى نَصَّ على ما تتعلق به اللام ، وذاك لم ينص ، وقد بينَّا فساد هذا القول \".\rوقوله : وذاك لم ينص ، بل قد نَصَّ ، فإنه قال : فإن قُلْتَ : ما متعلق { لِيَجْعَلَ } ؟ قلت : { َقَالُواْ } أو { لاَ تَكُونُواْ }. وأيُّ نَصٍّ أظهرُ من هذا ؟ ولا يجوز تعلق اللام -ومعناها التعليل- بـ { قَالُواْ } لفساد المعنى ؛ لأنهم لم يقولوه لذلك ، بل لتثبيط المؤمنين عن الجهاد.\rوعلى القول الثاني -أعني : كونها للعاقبة تتعلق بـ { قَالُواْ } والمعنى : أنهم قالوا ذلك لغرض من أغراضهم ، فكان عاقبة قولهم ، ومصيره إلى الحسرة ، والندامة ، كقوله تعالى : { فالتقطه آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوّاً وَحَزَناً } [ القصص : 8 ] وهم لم يلتقطوه لذلك ، ولكن كان مآله لذلك. ولكن كونها للصيرورة لم يعرفه أكثر النحويين ، وإنما هو شيءُ ينسبونه للأخفش ، وما ورد من ذلك يؤولونه على العكس من الكلام ، نحو : { فَبَشِّرْهُم } [ آل عمران : 21 ] وهذا رأي الزمخشري ؛ فإنه شبه هذه اللام باللام في { لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوّاً وَحَزَناً } [ القصص : 8 ] ومذهبه في تلك أنها للعلة -بالتأويل المذكور والجَعْلُ -هنا- بمعنى التَّصْييرِ.\rقوله : { والله بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ } قرأ ابن كثير وحمزة والكسائي \" يعملون \" بالغيبة ؛ رَدَّا على { الذين كَفَرُواْ } والباقون بالخطاب ؛ ردَّا على قوله : و{ لاَ تَكُونُواْ } وهو خطابٌ للمؤمنينَ.\rأ هـ {تفسير ابن عادل حـ 6 صـ 6 ـ 12}. بتصرف يسير.\r","part":17,"page":354},{"id":7388,"text":"من لطائف الإمام القشيرى فى الآية\rقوله تعالى { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ كَفَرُوا وَقَالُوا لِإِخْوَانِهِمْ إِذَا ضَرَبُوا فِي الْأَرْضِ أَوْ كَانُوا غُزًّى لَوْ كَانُوا عِنْدَنَا مَا مَاتُوا وَمَا قُتِلُوا لِيَجْعَلَ اللَّهُ ذَلِكَ حَسْرَةً فِي قُلُوبِهِمْ وَاللَّهُ يُحْيِي وَيُمِيتُ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (156)}\rمَنْ تعوَّد أن يتلهف على ماضيه وسالفه ، أو يتدبر في مستقبله وآنِفِه ، فأقلُّ عقوبة له ضيق قلبه في تفرقة الهموم ، وامتحاء نعت الحياة عن قلبه لغفلته وقالته ليت كذا ولعلَّ كذا ، وثمرةُ الفكرة في ليت ولعلَّ - الوحشةُ والحسرةُ وضيق القلبِ والتفرقة. أ هـ {لطائف الإشارات حـ 1 صـ 289}","part":17,"page":355},{"id":7389,"text":"قوله تعالى : {وَلَئِنْ قُتِلْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوْ مُتُّمْ لَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَحْمَةٌ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ (157) وَلَئِنْ مُتُّمْ أَوْ قُتِلْتُمْ لَإِلَى اللَّهِ تُحْشَرُونَ (158)}\rمناسبة الآيتين لما قبلهما\rقال البقاعى :\rولما نهاهم عن قول المنافقين الدائر على تمني المحال من دوام البقاء وكراهة الموت بيّن لهم ثمرة فوات أنفسهم في الجهاد بالموت أو القتل ليكون ذلك مبعداً لهم مما قال المنافقون موجباً لتسليم الأمر للخالق بل محبباً فيه وداعياً إليه فقال : {ولئن} وهو حال أخرى من لا \" تكونوا \" {قتلتم} أي من أية قاتل كان {في سبيل الله} أي الملك الأعظم قتلاً {او متم} أي فيه موتاً على أية حالة كانت.\rولما كان للنفوس غاية الجموح عن الموت زاد في التأكيد فقال : {لمغفرة} أي لذنوبكم تنالكم فهذا تعبد بالخوف من العقاب {من الله} أي الذي له نهاية الكمال بما كنتم عليه من طاعة {ورحمة} أي لأجل ذلك وهو تعبد لطلب الثواب {خير مما يجمعون} أي مما هو ثمرة البقاء في الدنيا عند أهل الشقاء مع أنه ما فاتكم شيء من أعماركم.\rولما ذكر أشرف الموت بادئاً بأشرفه ذكر ما دونه بادئاً بأدناه فقال : {ولئن متم أو قتلتم} أي في أي وجه كان على حسب ما قدر عليكم في الأزل {لإلى الله} أي الذي هو متوفيكم لا غيره ، وهو ذو الجلال والإكرام الذي ينبغي أن يعبد لذاته.\rودل على عظمته بعد الدلالة بالاسم الأعظم بالبناء للمجهول فقال : {تحشرون} فإن كان ذلك الموت أو القتل على طاعته أثابكم وإلا عاقبكم ، والحاصل أنه لا حيلة في دفع الموت على حالة من الحالات : قتل أو غيره ، ولا في الحشر إليه سبحانه وتعالى ، وأما الخلاص من هول ذلك اليوم ففيه حيلة بالطاعة.\rوالله سبحانه وتعالى الموفق.","part":17,"page":356},{"id":7390,"text":"وما أحسن ما قال عنترة في نحوه وهو جاهلي ، فالمؤمن أولى منه بمثل ذلك :\rبكرت تخوفني الحتوف كأنني . . .\rأصبحت عن غرض الحتوف بمعزل\rفأجبتها إن المنية منهل . . .\rلا بد أن أسقى بكأس المنهل\rفاقني حياءك لا أبا لك واعلمي . . .\rأني امرؤ سأموت إن لم أقتل. أ هـ {نظم الدرر حـ 2 صـ 172 ـ 173}\rوقال أبو السعود :\r{ وَلَئِنْ قُتِلْتُمْ فِى سَبِيلِ الله أَوْ مُتُّمْ } شروعٌ في تحقيق أن ما يحذرون ترتُّبَه على الغزو والسفر من القتل والموتِ في سبيل الله تعالى ليس مما ينبغي أن يُحذر ، بل مما يجب أن يتنافسَ فيه المتنافسون إثرَ إبطالِ ترتُّبِه عليهما. أ هـ {تفسير أبى السعود حـ 2 صـ 104}\rفصل\rقال الفخر :\rقوله تعالى : {وَلَئِنْ قُتِلْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوْ مُتُّمْ لَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَحْمَةٌ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ}\rاعلم أن هذا هو الجواب الثاني عن شبهة المنافقين ، وتقريره أن هذا الموت لا بد واقع ولا محيص للإنسان من أن يقتل أو يموت ، فإذا وقع هذا الموت أو القتل في سبيل الله وفي طلب رضوانه ، فهو خير من أن يجعل ذلك في طلب الدنيا ولذاتها التي لا ينتفع الإنسان بها بعد الموت ألبتة ، وهذا جواب في غاية الحسن والقوة ، وذلك لأن الإنسان إذا توجه إلى الجهاد أعرض قلبه عن الدنيا وأقبل على الآخرة ، فإذا مات فكأنه تخلص عن العدو ووصل إلى المحبوب ، وإذا جلس في بيته خائفا من الموت حريصاً على جمع الدنيا ، فإذا مات فكأنه حجب عن المعشوق وألقي في دار الغربة ، ولا شك في كمال سعادة الأول ، وكمال شقاوة الثاني. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 9 صـ 47}","part":17,"page":357},{"id":7391,"text":"فصل\rقال الفخر :\rقال الواحدي رحمه الله : اللام في قوله : {وَلَئِنْ قُتِلْتُمْ} لام القسم ، بتقدير الله لئن قتلتم في سبيل الله ، واللام في قوله : {لَمَغْفِرَةٌ مّنَ الله وَرَحْمَةٌ} جواب القسم ، ودال على أن ما هو داخل عليه جزاء ، والأصوب عندي أن يقال : هذه اللام للتأكيد ، فيكون المعنى إن وجب أن تموتوا وتقتلوا في سفركم وغزوكم ، فكذلك يجب أن تفوزوا بالمغفرة أيضا ، فلماذا تحترزون عنه كأنه قيل : إن الموت والقتل غير لازم الحصول ، ثم بتقدير أن يكون لازماً فإنه يستعقب لزوم المغفرة ، فكيف يليق بالعاقل أن يحترز عنه ؟. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 9 صـ 48}\rقال أبو السعود :\rواللام في قوله تعالى : { لَمَغْفِرَةٌ مّنَ الله وَرَحْمَةٌ } لامُ الابتداء ، والتنوينُ في الموضعين للتقليل ، ومِنْ متعلقةٌ بمحذوف وقع صفةً للمبتدأ ، وقد حُذفت صفةُ رحمةٌ لدِلالة المذكورِ عليها ، والجملةُ جوابٌ للقسم سادٌّ مسدَّ جوابِ الشرطِ والمعنى أن السفرَ والغزوَ ليس مما يجلُب الموتَ ويقدّم الأجلَ أصلاً ولئن وقع ذلك بأمر الله تعالى لنفحةٌ يسيرةٌ من مغفرة ورحمةً كائنتين من الله تعالى بمقابلة ذلك { خَيْرٌ مّمَّا يَجْمَعُونَ } أي الكفرةُ من منافعِ الدنيا وطيّباتها مدةَ أعمارِهم.\rوعن ابن عباس رضي الله عنهما خيرٌ من طِلاع الأرضِ ذَهَبةً حمراءَ. أ هـ {تفسير أبى السعود حـ 2 صـ 104}","part":17,"page":358},{"id":7392,"text":"فصل\rقال الطبرى فى معنى الآية :\rيخاطب جل ثناؤه عباده المؤمنين ، يقول لهم : لا تكونوا ، أيها المؤمنون ، في شك من أن الأمور كلها بيد الله ، وأن إليه الإحياء والإماتة ، كما شك المنافقون في ذلك ، ولكن جاهدوا في سبيل الله وقاتِلوا أعداء الله ، على يقين منكم بأنه لا يقتل في حرب ولا يموت في سفر إلا من بلغ أجله وحانت وفاته. ثم وعدهم على جهادهم في سبيله المغفرة والرحمةَ ، وأخبرهم أن موتًا في سبيل الله وقتلا في الله ، خير لهم مما يجمعون في الدنيا من حُطامها ورغيد عيشها الذي من أجله يتثاقلون عن الجهاد في سبيل الله ، ويتأخرون عن لقاء العدو. أ هـ {تفسير الطبرى حـ 7 صـ 337}\rفصل\rقال الفخر :\rقرأ حفص عن عاصم ( يجمعون ) بالياء على سبيل الغيبة ، والباقون بالتاء على وجه الخطاب ، أما وجه الغيبة فالمعنى أن مغفرة الله خير مما يجمعه هؤلاء المنافقون من الحطام الفاني ، وأما وجه الخطاب فالمعنى أنه تعالى كأنه يخاطب المؤمنين فيقول لهم مغفرة الله خير لكم من الأموال التي تجمعونها في الدنيا. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 9 صـ 48}\rفائدة\rقال الشيخ الشنقيطى :","part":17,"page":359},{"id":7393,"text":"ذكر في هذه الآية الكريمة أن المقتول في الجهاد والميت كلاهما ينال مغفرة من الله ورحمة خيراً له مما يجمعه من حطام الدنيا وأوضح وجه ذلك في آية أخرى بين فيها أن الله اشترى منه حياة قصيرة فانية منغصة بالمصائب والآلام بحياة أبدية لذيذة لا تنقطع ولا يتأذى صاحبها بشيء واشترى منه مالاً قليلاً فانياً بملك لا ينفد ولا ينقضي أبداً وهي قوله : { إِنَّ الله اشترى مِنَ المؤمنين أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الجنة يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ الله فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْداً عَلَيْهِ حَقّاً فِي التوراة والإنجيل والقرآن وَمَنْ أوفى بِعَهْدِهِ مِنَ الله فاستبشروا بِبَيْعِكُمُ الذي بَايَعْتُمْ بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الفوز العظيم } [ التوبة : 111 ] وقال تعالى : { وَإِذَا رَأَيْتَ ثَمَّ رَأَيْتَ نَعِيماً وَمُلْكاً كَبِيراً } [ الإنسان : 20 ] وبين في آية أخرى أن فضل الله ورحمته خير مما يجمعه أهل الدنيا من حطامها وزاد فيها الأمر بالفرح بفضل الله ورحمته دون حطام الدنيا وهي قوله تعالى : { قُلْ بِفَضْلِ الله وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُواْ هُوَ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُون } [ يونس : 58 ] وتقديم المعمول يؤذن بالحصر أعني قوله : { فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُواْ } أي : دون غيره فلا يفرحوا بحطام الدنيا الذي يجمعونه.\rوقال تعالى : { نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَّعِيشَتَهُمْ فِي الحياة الدنيا وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِّيَتَّخِذَ بَعْضُهُم بَعْضاً سُخْرِيّاً وَرَحْمَةُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُون } [ الزخرف : 32 ]. أ هـ {أضواء البيان حـ 1 صـ 252}\rفصل\rقال الفخر :\rإنما قلنا : إن رحمة الله ومغفرته خير من نعيم الدنيا لوجوه :","part":17,"page":360},{"id":7394,"text":"أحدها : أن من يطلب المال فهو في تعب من ذلك الطلب في الحال ، ولعله لا ينتفع به غدا لأنه يموت قبل الغد وأما طلب الرحمة والمغفرة فإنه لا بد وأن ينتفع به لأن الله لا يخلف وعده ، وقد قال : {فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ} [ الزلزلة : 7 ]\rوثانيها : هب أنه بقي إلى الغد لكن لعل ذلك المال لا يبقى إلى الغد ، فكم من انسان أصبح أميرا وأمسى أسيرا ، وخيرات الآخرة لا تزول لقوله : {والباقيات الصالحات خَيْرٌ عِندَ رَبّكَ} [ الكهف : 46 ] ولقوله : {مَا عِندَكُمْ يَنفَدُ وَمَا عِندَ الله بَاقٍ} [ النحل : 96 ]\rوثالثها : بتقدير أن يبقى إلى الغد ويبقى المال إلى الغد ، لكن لعله يحدث حادث يمنعك عن الانتفاع به مثل مرض وألم وغيرهما ، ومنافع الآخرة ليست كذلك.\rورابعها : بتقدير أنه في الغد يمكنك الانتفاع بذلك المال ، ولكن لذات الدنيا مشوبة بالآلام ومنافعها مخلوطة بالمضار ، وذلك مما لا يخفى ، وأما منافع الآخرة فليست كذلك.\rوخامسها : هب أن تلك المنافع تحصل في الغد خالصة عن الشوائب ولكنها لا تدوم ولا تستمر ، بل تنقطع وتفنى ، وكلما كانت اللذة أقوى وأكمل ، كان التأسف والتحسر عند فواتها أشد وأعظم ، ومنافع الآخرة مصونة عن الانقطاع والزوال.\rوسادسها : أن منافع الدنيا حسية ومنافع الآخرة عقلية ، والحسية خسيسة ، والعقلية شريفة ، أترى أن انتفاع الحمار بلذة بطنه وفرجه يساوي ابتهاج الملائكة المقربين عند إشراقها بالأنوار الإلهية ، فهذه المعاقد الستة تنبهك على ما لانهاية لها من الوجوه الدالة على صحة قوله سبحانه وتعالى : {لَمَغْفِرَةٌ مّنَ الله وَرَحْمَةٌ خَيْرٌ مّمَّا يَجْمَعُونَ }. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 9 صـ 48}","part":17,"page":361},{"id":7395,"text":"من فوائد ابن عطية فى الآية\rقال رحمه الله :\r{ وَلَئِن قُتِلْتُمْ فِى سَبِيلِ اللَّهِ أَوْ مُتُّمْ لَمَغْفِرَةٌ مِّنَ اللَّهِ وَرَحْمَةٌ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ}\rاللام في قوله تعالى : { ولئن قتلتم } هي المؤذنة بمجيء القسم ، واللام في قوله : { لمغفرة } هي المتلقية للقسم ، والتقدير : والله لمغفرة ، وترتب الموت قبل القتل في قوله { ما ماتوا وما قتلوا } [ آل عمران : 156 ] مراعاة لرتبة الضرب في الأرض والغزو فقدم الموت الذي هو بإزاء المتقدم الذكر وهو الضرب ، وقدم القتل في قوله تعالى : { ولئن قتلتم } لأنه ابتداء إخبار ، فقدم الأشرف الأهم ، والمعنى : أو متم في سبيل الله ، فوقع أجركم على الله ، ثم قدم الموت في قوله تعالى : { ولئن متم أو قتلتم } لأنها آية وعظ بالآخرة والحشر ، وآية تزهيد في الدنيا والحياة ، والموت المذكور فيها هو موت على الإطلاق في السبيل وفي المنزل وكيف كان ، فقدم لعمومه وأنه الأغلب في الناس من القتل ، وقرأ نافع وحمزة والكسائي \" مِتم \" بكسر الميم و\" متنا \" و\" مت \" بالكسر في جميع القرآن وقرأ ابن كثير وأبو عمرو وابن عامر : بضم الميم في جميع القرآن ، وروى أبو بكر عن عاصم ضم الميم في جميع القرآن ، وروى عنه حفص ضم الميم في هذين الموضعين \" أو مُتم ولئن مُتم \" فقط ، وكسر الميم حيث ما وقعت في جميع القرآن ، قال أبو علي : ضم الميم هو الأشهر والأقيس ، مت تموت مثل : قلت تقول وطفت تطوف ، والكسر شاذ في القياس وإن كان قد استعمل كثيراً ، وليس كما شذ قياساً واستعمالاً كشذوذ اليجدع ونحوه ، ونظير مت تموت بكسر الميم فضل بكسر الضاد يفضل في الصحيح وأنشدوا :\rذكرت ابن عباس بباب ابن عامر... وما مر من عمري ذكرت وما فضل","part":17,"page":362},{"id":7396,"text":"وقوله تعالى : { لمغفرة } رفع بالابتداء { ورحمة } ، عطف على المغفرة و{ خير } خبر الابتداء ، والمعنى : المغفرة والرحمة اللاحقة عن القتل أو الموت في سبيل الله خير ، فجاء لفظ المغفرة غير معرف إشارة بليغة إلى أن أيسر جزء منها خير من الدنيا ، وأنه كاف في فوز العبد المؤمن ، وتحتمل الآية أن يكون قوله { لمغفرة } إشارة إلى القتل أو الموت في سبيل الله ، سمى ذلك مغفرة ورحمة إذ هما مقترنان به ويجيء التقدير : لذلك مغفرة ورحمة وترتفع المغفرة على خبر الابتداء المقدر ، وقوله { خير } صفة لخبر الابتداء ، وقرأ جمهور الناس \" تجمعون \" بالتاء على المخاطبة وهي أشكل بالكلام ، وقرأ قوم منهم عاصم فيما روى عن حفص \" يجمعون \" بالياء ، والمعنى مما يجمعه المنافقون وغيرهم. أ هـ {المحرر الوجيز حـ 1 صـ 532 ـ 533}\rسؤال : فإن قيل : كيف تكون المغفرة موصوفة بأنها خير مما تجمعون ، ولا خير فيما تجمعون أصلا ؟.\rقلنا : إن الذي تجمعونه في الدنيا قد يكون من باب الحلال الذي يعد خيرا ، وأيضا هذا وارد على حسب قولهم ومعتقدهم أن تلك الأموال خيرات ، فقيل : المغفرة خير من هذه الأشياء التي تظنونها خيرات. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 9 صـ 48}\rقوله تعالى {وَلَئِنْ مُّتُّمْ أَوْ قُتِلْتُمْ لإِلَى الله تُحْشَرُونَ }\rفصل\rقال الفخر :\rاعلم أنه سبحانه وتعالى رغب المجاهدين في الآية الأولى بالحشر إلى مغفرة الله ، وفي هذه الآية زاد في إعلاء الدرجات فرغبهم ههنا بالحشر إلى الله ، ","part":17,"page":363},{"id":7397,"text":"يروى أن عيسى بن مريم صلوات الله عليه وسلامه مر بأقوام نحفت أبدانهم واصفرت وجوههم ، ورأى عليهم آثار العبادة ، فقال ماذا تطلبون ؟ فقالوا : نخشى عذاب الله ، فقال : هو أكرم من أن لا يخلصكم من عذابه ، ثم مر بأقوام آخرين فرأى عليهم تلك الآثار فسألهم ، فقالوا : نطلب الجنة والرحمة ، فقال : هو أكرم من أن يمنحكم رحمته ثم مر بقوم ثالث ورأى آثار العبودية عليهم أكثر ، فسألهم فقالوا : نعبده لأنه إلهنا ، ونحن عبيده لا لرغبة ولا لرهبة ، فقال : أنتم العبيد المخلصون والمتعبدون المحقون (1) ، فانظر في ترتيب هذه الآيات فإنه قال في الآية الأولى : {لَمَغْفِرَةٌ مّنَ الله} وهو إشارة إلى من يعبده خوفا من عقابه ، ثم قال {وَرَحْمَةً} وهو إشارة إلى من يعبده لطلب ثوابه ، ثم قال في خاتمة الآية : {لإِلَى الله تُحْشَرُونَ} وهو إشارة إلى من يعبد الله لمجرد الربوبية والعبودية ، وهذا أعلى المقامات وأبعد النهايات في العبودية في علو الدرجة ، ألا ترى أنه لما شرف الملائكة قال : {وَمَنْ عِنْدَهُ لاَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ} [ الأنبياء : 19 ] وقال للمقربين من أهل الثواب : {عِندَ مَلِيكٍ مُّقْتَدِرِ} [ القمر : 55 ] فبين أن هؤلاء الذين بذلوا أنفسهم وأبدانهم في طاعته ومجاهدة عدوه يكون حشرهم إليه ، واستئناسهم بكرمه ، وتمتعهم بشروق نور ربوبيته ، وهذا مقام فيه إطناب ، والمستبصر يرشده القدر الذي أوردناه.\r____________\r(1) هذه الرواية تفتقر إلى سند.","part":17,"page":364},{"id":7398,"text":"ولنرجع إلى التفسير : كأنه قيل إن تركتم الجهاد واحترزتم عن القتل والموت بقيتم أياما قليلة في الدنيا مع تلك اللذات الخسيسة ، ثم تتركونها لا محالة ، فتكون لذاتها لغيركم وتبعاتها عليكم ، أما لو أعرضتم عن لذات الدنيا وطيباتها ، وبذلتم النفس والمال للمولى يكون حشركم إلى الله ، ووقوفكم على عتبة رحمة الله ، وتلذذكم بذكر الله ، فشتان ما بين هاتين الدرجتين والمنزلتين. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 9 صـ 48 ـ 49}\r\rوقال ابن عطية :\rذكر تعالى الحشر إليه ، وأنه غاية لكل أحد قتل أو مات ، وفي الآية تحقير لأمر الدنيا وحض على طلب الشهادة ، أي إذا كان الحشر في كلا الأمرين فالمضي إليه في حال الشهادة أولى. أ هـ {المحرر الوجيز حـ 1 صـ 533}\rفائدة\rقال أبو حيان :\rوقدّم الموت هنا على القتل لأنها آية وعظ بالآخرة والحشر ، وتزهيد في الدنيا والحياة ، والموت فيها مطلق لم يقيد بشيء.\rفإما أنْ يكونَ الخطاب مختصاً بمن خوطب قبلُ أو عاماً واندرج أولئك فيه ، فقدِّم لعمومه ، ولأنه أغلب في الناس من القتل ، فهذه ثلاثة مواضع.\rما ماتوا وما قتلوا : فقدم الموت على القتل لمناسبة ما قبله من قوله : { إذا ضربوا في الأرض أو كانوا غزاً } وتقدّم القتل على الموت بعد ، لأنه محل تحريض على الجهاد ، فقدم الأهم والأشرف.\rوقدم الموت هنا لأنه الأغلب ، ولم يؤكد الفعل الواقع جواباً للقسم المحذوف لأنه فصل بين اللام المتلقى بها القسم وبينه بالجار والمجرور.\rولو تأخر لكان : لتحشرن إليه كقوله : ليقولن ما يحبسه.\rوسواء كان الفصل بمعمول الفعل كهذا ، أو بسوف.\rكقوله : { فلسوف تعلمون } أو بقد كقول الشاعر :\rكذبت لقد أصبى على المرء عرسه . . .\rوأمنع عرسي أن يزن بها الخالي","part":17,"page":365},{"id":7399,"text":"قال أبو علي : الأصل دخول النون فرقاً بين لام اليمين ولام الابتداء ، ولام الابتداء لا تدخل على الفضلات ، فبدخول لام اليمين على الفضلة وقع الفصل ، فلم يحتج إلى النون.\rوبدخولها على سوف وقع الفرق ، فلم يحتج إلى النون ، لأن لام الابتداء لا تدخل على الفعل إلا إذا كان حالاً ، أمّا إذا كان مستقبلاً فلا. أ هـ {البحر المحيط حـ 3 صـ 103}\rفصل\rقال الفخر :\rاعلم أن في قوله : {لإِلَى الله تُحْشَرُونَ} دقائق :\rأحدها : أنه لم يقل : تحشرون إلى الله بل قال : {لإلى الله تحشرون} ، وهذا يفيد الحصر ، معناه إلى الله يحشر العالمون لا إلى غيره ، وهذا يدل على أنه لا حاكم في ذلك اليوم ولا ضار ولا نافع إلا هو ، قال تعالى : {لّمَنِ الملك اليوم لِلَّهِ الواحد القهار} [ غافر : 16 ] وقال تعالى : {والأمر يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ} [ الإنفطار : 19 ]\rوثانيها : أنه ذكر من أسماء الله هذا الاسم ، وهذا الاسم أعظم الأسماء وهو دال على كمال الرحمة وكمال القهر ، فهو لدلالته على كمال الرحمة أعظم أنواع الوعد ، ولدلالته على كمال القهر أشد أنواع الوعيد.\rوثالثها : إدخال لام التأكيد في اسم الله حيث قال : {لإِلَى الله} وهذا ينبهك على أن الإلهية تقتضي هذا الحشر والنشر ، كما قال : {إِنَّ الساعة ءاتِيَةٌ أَكَادُ أُخْفِيهَا لتجزى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا تسعى} [ طه : 15 ]\rورابعها : أن قوله : {تُحْشَرُونَ} فعل ما لم يسم فاعله ، مع أن فاعل ذلك الحشر هو الله ، وإنما لم يقع التصريح به لأنه تعالى هو العظيم الكبير الذي ، شهدت العقول بأنه هو الله الذي يبدىء ويعيد ، ومنه الانشاء والإعادة ، فترك التصريح في مثل هذا الموضع أدل على العظمة ، ونظيره قوله تعالى : {وَقِيلَ يا أرض ابلعى مَاءكِ} [ هود : 44 ]","part":17,"page":366},{"id":7400,"text":"وخامسها : أنه أضاف حشرهم إلى غيرهم ، وذلك ينبه العقل على أن جميع الخلق مضطرون في قبضة القدرة ونفاذ المشيئة ، فهم سواء كانوا أحياء أم أمواتا لا يخرجون عن قهر الربوبية وكبرياء الإلهية.\rوسادسها : أن قوله : {تُحْشَرُونَ} خطاب مع الكل ، فهو يدل على أن جميع العالمين يحشرون ويوقفون في عرصة القيامة وبساط العدل ، فيجتمع المظلوم مع الظالم ، والمقتول مع القاتل ، والحق سبحانه وتعالى يحكم بين عبيده بالعدل المبرأ عن الجور ، كما قال : {وَنَضَعُ الموازين القسط لِيَوْمِ القيامة} [ الأنبياء : 47 ] فمن تأمل في قوله تعالى : {لإِلَى الله تُحْشَرُونَ} وساعده التوفيق علم أن هذه الفوائد التي ذكرناها كالقطرة من بحار الأسرار المودعة في هذه الآية. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 9 صـ 49}\rلطيفة\rقال الخازن :\rوقد قسم بعض مقامات العبودية ثلاثة أقسام فمن عبد الله خوفاً من ناره أمنه الله مما يخاف وإليه الإشارة بقوله تعالى لمغفرة من الله ومن عبد الله تعالى شوقاً إلى جنته أناله ما يرجو.\rوإليه الإشارة بقوله تعالى لمغفرة من الله ومن عبد الله تعالى شوقاً إلى جنته أناله ما يرجو وإليه الإشارة بقوله تعالى ورحمة لأن الرحمة من أسماء الجنة ومن عبد الله شوقاً إلى وجهه الكريم لا يريد غيره فهذا هو العبد المخلص الذي يتجلى له الحق سبحانه وتعالى في دار كرامته.\rوإليه الإشارة بقوله لإلى الله تحشرون. أ هـ {تفسير الخازن حـ 1 صـ 289}\rفائدة\rقال أبو حيان :\rقال الراغب : تضمنت هاتان الآيتان إلزاماً هو جار مجرى قياسين شرطيين اقتضيا الحرص على القتل في سبيل الله تمثيله : إنْ قتلتم في سبيل الله ، أو متّم ، حصلت لكم المغفرة والرحمة ، وهما خير مما تجمعون.\rفإذاً الموت والقتل في سبيل الله خير مما تجمعون.\rولئن متم أو قتلتم فالحشر لكم حاصل.","part":17,"page":367},{"id":7401,"text":"وإذا كان الموت والقتل لا بد منه والحشر فنتيجة ذلك أن القتل والموت اللذين يوجبان المغرفة والرحمة خير من القتل والموت اللذين لا يوجبانهما انتهى. أ هـ {البحر المحيط حـ 3 صـ 102}\rفوائد لغوية\rقال ابن عادل :\rقوله : { وَلَئِنْ قُتِلْتُمْ } اللام هي الموطئة لقسم محذوف ، وجوابه قوله : { لَمَغْفِرَةٌ مِّنَ الله وَرَحْمَةٌ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ } وحُذِفَ جوابُ الشرط ؛ لسَدِّ جواب القسم مسده ؛ لكونه دالاً عليه وهذا ما عناه الزمخشريُّ بقوله : وهو ساد مسدَّ جواب الشرط. ولا يعني بذلك أنه من غير حذف.\rقوله : { أَوْ مُتُّمْ } قرأ نافع وحمزة والكسائي \" مِتُّمْ \" -بكسر الميم- والباقون بضمها ، فالضَّمُّ مِنْ مَاتَ يَمُوتُ مُتُّ -مثل : قَالَ يَقُولُ قُلْتُ ، ومن كسر ، فهو من مَاتَ يَمَاتُ مِتُّ ، مثل : هَابَ يَهَابُ هِبْتُ ، وخَاَفَ يَخَافُ خِفْتُ. روى المبرِّدُ هذه اللغة.\rقال شهابُ الدينِ : وهو الصحيحُ من قول أهل العربية ، والأصل : مَوْتَ -بكسر العين- كخَوِفَ ، فجاء مضارعه على يَفْعَل -بفتح العين-.\rقال الشاعر : [ الرجز ]\rبُنَيَّتِي يَا أسْعَدَ الْبَنَاتِ... عِيشي ، وَلاَ نأمَنُ انْ تَمَاتِي\rفجاء بمضارعِهِ على يَفْعَل -بالفتح- فعلى هذه اللغة يلزم أن يقال في الماضي المسند إلى التاء ، أو إحدى أخواتها : مِتُّ -بالكسر ليس إلا- وهو انا نقلنا حركة الواو غلى الفاء بعد سلب حركتها ، دلالة على بنية الكلمة في الأصل ، هذا أوْلَى من قول من يقول : إن مِتُّ -بالكسر- مأخوذة من لغة من يقول يموت -بالضم في المضارع- وجعلوا ذلك شاذاً في القياس كثيراً في الاستعمال ، كالمازني وأبي علي الفارسي ، ونقله بعضُهُمْ عن سيبويه صريحاً ، وإذا ثبت ذلك لغةً ، فلا معنى إلى ادَّعاء الشذوذ فيه.","part":17,"page":368},{"id":7402,"text":"قوله : { لَمَغْفِرَةٌ } اللام لامُ الابتداءِ ، وهي ما بعدها جواب القسم -كما تقدم- وفيها وجهان : \rالأول : وهو الأظهر- : انها مرفوعة بالابتداء ، والمسوِّغات -هنا- كثيرة : لام الابتداء ، والعطف عليها في قوله : { وَرَحْمَةٌ } ووصفها ، فإن قوله { مِّنَ الله } صفة لها ، ويتعلق -حينئذٍ- و\" خيرٌ \" خبر عنها.\rوالثاني : أن تكون مرفوعةً على خبر ابتداءٍ مُضْمَرٍ -إذا أُرِيدَ بالمغفرة والرحمة القتل ، أو الموت في سبيل الله ؛ لأنهما مقترنان بالموت في سبيل الله- فيكون التقدير : فلذلك ، أي : الموت أو القتل في سبيل الله -مغفرة ورحمة خير ، ويكون \" خيرٌ \" صفة لا خبراً ، وإلى هذا نحا ابنُ عطيةَ ؛ فإنه قال : وتحتمل الآية أن يكون قوله : { لَمَغْفِرَةٌ } إشارة إلى الموت ، أوالقتل في سبيل الله ، فسمى ذلك مغفرة ورحمة ؛ إذ هما مقترنان به ، ويجيء التقديرُ : لذك مغفرةٌ ورحمةٌ ، وترتفع المغفرةُ على خبر الابتداء المقدر ، وقوله : \" خير \" صفة لا خبر ابتداء انتهى ، والأول أظهر.\rو \" خير \" -هنا- على بابها من كونها للتفضيل وعن ابن عباسٍ : خير من طلاع الأرض ذهبة حمراء.\rقوله : \" مما يجمعون \" \" ما \" موصولة اسمية ، والعائدُ محذوفٌ ، يوجوز أن تكون مصدرية.\rوعلى هذا فالمفعول به محذوف ، أي : من جمعكم المال ونحو.\rوقراءة الجماعة \" تجمعون \" -بالخطاب- جَرياً على قوله : \" ولئن قتلتم \" وحفص -بالغيبة- إما على الرجوع على الكفار المتقدمين ، وإما على الالتفات من خطاب المؤمنين.\r","part":17,"page":369},{"id":7403,"text":"قوله : { لإِلَى الله } اللام جواب القسم ، فهي داخلة على { تُحْشَرُونَ } و{ وَإِلَى الله } متعلقٌ به ، وإنما قُدِّم للاختصاص ، أي : إلى الله -لا إلى غيره- يكون حشركم ، أو للاهتمام به ، وحسًّنه كونُه فاصلة ، ولولا الفصل لوجب توكيد الفعل بالنون ؛ لأن المضارع المثبت إذا كان مستقبلاً وجب توكيده [ بالنون ] ، مع اللام ، خلافاً للكوفيين ؛ حيث يُجيزون التعاقُبَ بينهما.\rكقول الشاعر : [ الكامل ]\rوَقَتِيلِ مُرَّةَ أثأرَنَّ...................................\rفجاء بالنون دون اللام.\rوقول الآخر : [ الطويل ]\rلَئِنْ قَدْ ضَاقََتْ عَلَيْكُمْ بُيُوتُكُمْ... لَيَعْلَمُ رَبِّي أنَّ بَيْتِيَ وَاسِعُ\rفجاء باللام دون النون ، والبصريون يجعلونه ضرورة.\rفإن فُصِلَ بين اللام بالمعمول -كهذه الآية- أو بقَدْ ، نحو : والله لقد أقومُ.\rوقوله : [ الطويل ]\rكَذَبْتِ لَقَدْ أُصْبِي عَلَى المرْءِ عِرْسَهُ..................................\rأو بحرف التنفيس ، كقوله تعالى : { وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فترضى } [ الضحى : 5 ] فلا يجوز توكيده -حينئذ- بالنون ، قال الفارسيُّ : \" الأصل دخولُ النُّونِ ، فَرْقاً بين لام اليمينِ ، ولام الابتداءِ ، ولام الابتداء لا تدخل على الفضلاتِ ، فبدخول لام اليمين على الفضلة حصل الفرقُ ، فلم يُحْتَجْ إلى النون وبدخولها على \" سوف \" حصل الفرق -أيضاً- فلا حاجةَ إلى النُّونِ ولام الابتداء لا تدخل على الفعل إلا إذا كان حالاً ، أما مستقبلاً فلا \".\rوأتى بالفعل مبنيًّا لما لم يسم فاعله -مع أن فاعل الحشرِ هُوَ اللهُ- وإنما لم يصرح به ، تعظيماً. أ هـ {تفسير ابن عادل حـ 6 صـ 12 ـ 15}. بتصرف.","part":17,"page":370},{"id":7404,"text":"من لطائف الإمام القشيرى فى الآيتين\r{ وَلَئِنْ قُتِلْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوْ مُتُّمْ لَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَحْمَةٌ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ (157) وَلَئِنْ مُتُّمْ أَوْ قُتِلْتُمْ لَإِلَى اللَّهِ تُحْشَرُونَ (158)}\rقال عليه الرحمة :\rبذل الروح في الله خير من الحياة بغير الله ، والرجوع إلى الله خير لمن عرف الله من البقاء مع غير الله ، وما يؤثره العبدُ على الله فغير مبارك ، إنْ شِئتَ : والدنيا ، وإنْ شِئْتَ : والعقبى.\rقوله : { وَلَئِن مُتُّمْ أَوْ قُتِلْتُمْ لإِلَى اللهِ تُحْشَرُونَ } : إذا كان المصير إلى الله طاب المسيرُ إلى الله : وإنَّ سَفْرةً إليه بعدها نَحُطُّ رِحَالَنا لَمُقَاسَاتُها أحلى من العسل!. أ هـ {لطائف الإشارات حـ 1 صـ 289 ـ 290}","part":17,"page":371},{"id":7405,"text":"قوله تعالى : { فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ (159)}\rمناسبة الآية لما قبلها\rقال البقاعى :\rولما فرغ من وعظ الصحابة رضي الله تعالى عنهم أتبعه تحبيب النبي صلى الله عليه وسلم فيما فعل بهم من الرفق واللين مع ما سبب الغضب الموجب للعنف والسطوة من اعتراض من اعترض على ما أشار به ، ثم مخالفتهم لأمره في حفظ المركز والصبر والتقوى ، ثم خذلانهم له وتقديم أنفسهم على نفسه الشريفة ، ثم عدم العطف عليه وهو يدعوهم إليه ويأمر بإقبالهم عليه ، ثم اتهام من اتهمه.\rإلى غير ذلك من الأمور التي توجب لرؤساء الجيوش وقادة الجنود اتهام أتباعهم وسوء الظن بهم الموجب للغضب والإيقاع ببعضهم ليكون ذلك زاجراً لهم عن العود إلى مثله فقال تعالى : {فبما رحمة من الله} أي الذي له الكمال كله {لنت لهم} أي ما لنت لهم هذا اللين الخارق للعادة ورفقت بهم هذا الرفق بعدما فعلوا بك إلا بسبب رحمة عظيمة من الله الحائز لجميع الكمال ، فقابلتهم بالجميل ولم تعنفهم بانهزامهم عنك بعد إذ خالفوا رأيك ، وهم كانوا سبباً لاستخراجك ؛ والذي اقتضى هذا الحصر هو ما لأنها نافية في سياق الإثبات فلم يمكن أن توجه إلا إلى ضد ما أثبته السياق ، ودلت زيادتها على أن تنوين \" رحمة \" للتعظيم ، أي فبالرحمة العظيمة لا بغيرها لنت.\rولما بين سبحانه وتعالى سبب هذا اللين المتين بين ثمرته ببيان ما في ضده من الضرر فقال : {ولو كنت فظّاً} أي سيىء الخلق جافياً في القول {غليظ القلب} أي قاسية لا تتأثر بشيء ، تعاملهم بالعنف والجفاء {لانفضّوا} أي تفرقوا تفرقاً قبيحاً لا اجتماع معه {من حولك} أي ففات المقصود من البعثة.\rولما أخبره سبحانه وتعالى أنه هو عفا عنهم ما فرطوا في حقه أمره بالعفو عنهم فيما يتعلق به صلى الله عليه وسلم ، وبالاستمرار على مشاورتهم عند النوائب لئلا يكون خطؤهم في الرأي - أولاً في الخروج من المدينة.","part":17,"page":372},{"id":7406,"text":"وثانياً في تضييع المركز ، وثالثاً في إعراضهم عن الإثخان في العدو بعد الهزيمة الذي ما شرع القتال إلا لأجله بإقبالهم عن النهب ، ورابعاً في وهنهم عند كر العدو إلى غير ذلك - موجباً لترك مشاورتهم ، فيفوت ما فيها من المنافع في نفسها وفيما تثمره من التألف والتسنن وغير ذلك فقال سبحانه وتعالى : {فاعف عنهم} أي ما فرطوا في هذه الكره في حقك {واستغفر لهم} أي الله سبحانه وتعالى لما فرطوا في حقه {وشاورهم} أي استخرج آراءهم {في الأمر} أي الذي تريده من أمور الحرب تألفاً لهم وتطييباً لنفوسهم ليستن بك من بعدك {فإذا عزمت} أي بعد ذلك على أمر فمضيت فيه ، وقراءة من ضم التاء للمتكلم بمعناها ، أي فإذا فعلت أنت أمراً بعد المشاورة لأني فعلت فيه - بأن أردته - فعل العازم.\rولما أمر بالمشاورة التي هي النظر في الأسباب أمر بالاعتصام بمسببها من غير التفات إليها ليكمل جهاد الإنسان بالملابسة ثم التجرد فقال : {فتوكل} أي فيه {على الله} أي الذي له الأمر كله ، ولا يردك عنه خوف عاقبة - كما فعلت بتوفيق الله في هذه الغزوة ، ثم علل ذلك بقوله : {إن الله} أي الذي لا كفوء له {يحب المتوكلين} أي فلا يفعل بهم إلا ما فيه إكرامهم وإن رُئي غير ذلك. أ هـ {نظم الدرر حـ 2 صـ 173 ـ 174}\rوقال الفخر : \r","part":17,"page":373},{"id":7407,"text":"اعلم أن القوم لما انهزموا عن النبي صلى الله عليه وسلم يوم أحد ثم عادوا لم يخاطبهم الرسول صلى الله عليه وسلم بالتغليط والتشديد ، وإنما خاطبهم بالكلام اللين ، ثم إنه سبحانه وتعالى لما أرشدهم في الآيات المتقدمة إلى ما ينفعهم في معاشهم ومعادهم ، وكان من جملة ذلك أن عفا عنهم ، زاد في الفضل والاحسان بأن مدح الرسول صلى الله عليه وسلم على عفوه عنهم ، وتركه التغليظ عليهم فقال : {فَبِمَا رَحْمَةٍ مّنَ الله لِنتَ لَهُمْ} ومن أنصف علم أن هذا ترتيب حسن في الكلام. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 9 صـ 50}\rفصل\rقال الفخر :\rاعلم أن لينه صلى الله عليه وسلم مع القوم عبارة عن حسن خلقه مع القوم قال تعالى : {واخفض جَنَاحَكَ لِمَنِ اتبعك مِنَ المؤمنين} [ الشعراء : 215 ] وقال : {خُذِ العفو وَأْمُرْ بالعرف وَأَعْرِض عَنِ الجاهلين} ، وقال : {وَإِنَّكَ لعلى خُلُقٍ عَظِيمٍ} [ القلم : 4 ] وقال : {لَقَدْ جَاءكُمْ رَسُولٌ مّنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بالمؤمنين َرَؤوفٌ رَّحِيمٌ} [ التوبة : 128 ] وقال عليه الصلاة والسلام : \" لا حلم أحب إلى الله تعالى من حلم إمام ورفقه ولا جهل أبغض إلى الله من جهل إمام وخرقه \" فلما كان عليه الصلاة والسلام إمام العالمين ، وجب أن يكون أكثرهم حلما وأحسنهم خلقاً.","part":17,"page":374},{"id":7408,"text":"وروي أن امرأة عثمان دخلت عليه صلى الله عليه وسلم ، وكان النبي وعلي يغسلان السلاح ، فقالت : ما فعل ابن عفان ؟ أما والله لا تجدونه إمام القوم ، فقال لها علي : ألا إن عثمان فضح الزمان اليوم ، فقال عليه الصلاة والسلام \"مه\" وروي أنه قال حيئنذ : أعياني أزواج الأخوات أن يتحابوا ، ولما دخل عليه عثمان مع صاحبيه ما زاد على أن قال : \" لقد ذهبتم فيها عريضة \" وروي عن بعض الصحابة أنه قال : لقد أحسن الله إلينا كل الإحسان ، كنا مشركين ، فلو جاءنا رسول الله بهذا الدين جملة ، وبالقرآن دفعة لثقلت هذه التكاليف علينا ، فما كنا ندخل في الإسلام ، ولكنه دعانا إلى كلمة واحدة ، فلما قبلناها وعرفنا حلاوة الإيمان ، قبلنا ما وراءها كلمة بعد كلمة على سبيل الرفق إلى أن تم الدين وكملت الشريعة.\rوروي أنه عليه الصلاة والسلام قال : \" إنما أنا لكم مثل الوالد فإذا ذهب أحدكم إلى الغائط فلا يستقبل القبلة ولا يستدبرها \"\r","part":17,"page":375},{"id":7409,"text":"واعلم أن سر الأمر في حسن الخلق أمران : اعتبار حال القائل ، واعتبار حال الفاعل ، أما اعتبار حال القائل فلأن جواهر النفوس مختلفة بالماهية ، كما قال عليه الصلاة والسلام : \" الأرواح جنود مجندة \" وقال : \" الناس معادن كمعادن الذهب والفضة \" وكما أنها في جانب النقصان تنتهي إلى غاية البلادة والمهانة والنذالة ، واستيلاء الشهوة والغضب عليها واستيلاء حب المال واللذات ، فكذلك في جانب الكمال قد تنتهي إلى غاية القوة والجلالة ، أما في القوة النظرية فيكون كما وصفه الله تعالى بقوله : {نُّورٌ على نُورٍ} [ النور : 35 ] وقوله : {وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ الله عَلَيْكَ عَظِيماً} [ النساء : 113 ] وأما في القوة العملية ، فكما وصفه الله بقوله : {وَإِنَّكَ لعلى خُلُقٍ عَظِيمٍ} كأنها من جنس أرواح الملائكة ، فلا تنقاد للشهوة ولا تميل لدواعي الغضب ، ولا تتأثر من حب المال والجاه ، فإن من تأثر عن شيء كان المتأثر أضعف من المؤثر ، فالنفس إذا مالت إلى هذه المحسوسات كانت روحانياتها أضعف من الجسمانيات ، وإذا لم تمل إليها ولم تلتفت إليها كانت روحانياتها مستعلية على الجسمانيات ، وهذه الخواص نظرية ، وكانت نفسه المقدسة في غاية الجلالة والكمال في هذه الخصال.\r","part":17,"page":376},{"id":7410,"text":"وأما اعتبار حال الفاعل فقوله عليه الصلاة والسلام : \" من عرف سر الله في القدر هانت عليه المصائب \" فإنه يعلم أن الحوادث الأرضية مستندة إلى الأسباب الإلهية ، فيعلم أن الحذر لا يدفع القدر ، فلا جرم إذا فاته مطلوب لم يغضب ، وإذا حصل له محبوب لم يأنس به ، لأنه مطلع على الروحانيات التي هي أشرف من هذه الجسمانيات ، فلا ينازع أحداً من هذا العالم في طلب شيء من لذاتها وطيباتها ، ولا يغضب على أحد بسبب فوت شيء من مطالبها ، ومتى كان الإنسان كذلك كان حسن الخلق ، طيب العشرة مع الخلق ، ولما كان صلوات الله وسلامه عليه أكمل البشر في هذه الصفات الموجبة لحسن الخلق ، لا جرم كان أكمل الخلق في حسن الخلق. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 9 صـ 50 ـ 51}\rفصل\rقال الفخر :\rاحتج أصحابنا في مسألة القضاء والقدر بقوله : {فَبِمَا رَحْمَةٍ مّنَ الله لِنتَ لَهُمْ}","part":17,"page":377},{"id":7411,"text":"وجه الاستدلال أنه تعالى بين أن حسن خلقه مع الخلق ، إنما كان بسبب رحمة الله تعالى ، فنقول : رحمة الله عند المعتزلة عامة في حق المكلفين ، فكل ما فعله مع محمد عليه الصلاة والسلام من الهداية والدعوة والبيان والارشاد ، فقد فعل مثل ذلك مع إبليس وفرعون وهامان وأبي جهل وأبي لهب ، فإذا كان على هذا القول كل ما فعله الله تعالى مع المكلفين في هذا الباب مشتركا فيه بين أصفى الأصفياء ، وبين أشقى الأشقياء لم يكن اختصاص بعضهم بحسن الخلق وكمال الطريقة مستفاداً من رحمة الله ، فكان على هذا القول تعليل حسن خلق الرسول عليه الصلاة والسلام برحمة الله باطلا ، ولما كان هذا باطلا علمنا أن جميع أفعال العباد بقضاء الله وبقدره ، والمعتزلة يحملون هذا على زيادة الألطاف وهذا في غاية البعد ، لأن كل ما كان ممكناً من الألطاف ، فقد فعله في حق المكلفين ، والذي يستحقه المكلف بناء على طاعته من مزيد الألطاف ، فذاك في الحقيقة إنما اكتسبه من نفسه لا من الله ، لأنه متى فعل الطاعة استحق ذلك المزيد من اللطف ، ووجب إيصاله إليه ، ومتى لم يفعل امتنع إيصاله ، فكان ذلك للعبد من نفسه لا من الله. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 9 صـ 51}","part":17,"page":378},{"id":7412,"text":"فصل\rقال ابن عطية :\rوقوله تعالى : { فبما رحمة من الله } ، معناه : فبرحمة من الله \" وما \" قد جرد عنها معنى النفي ودخلت للتأكيد وليست بزائدة على الإطلاق لا معنى لها ، وأطلق عليها سيبويه اسم الزيادة من حيث زال عملها ، وهذه بمنزلة قوله تعالى : { فبما نقضهم ميثاقهم } [ النساء : 155 ] قال الزجاج : الباء بإجماع من النحويين صلة وفيه معنى التأكيد ، ومعنى الآية : التقريع لجميع من أخل يوم - أحد - بمركزه ، أي كانوا يستحقون الملام منك ، وأن لا تلين لهم ، ولكن رحم الله جميعكم ، أنت يا محمد بأن جعلك الله على خلق عظيم ، وبعثك لتتمم محاسن الأخلاق ، وهم بأن لينك لهم وجعلت بهذه الصفات لما علم تعالى في ذلك من صلاحهم وأنك { لو كنت فظاً غليظ القلب لانفضوا من حولك } ، وتفرقوا عنك. أ هـ {المحرر الوجيز حـ 1 صـ 533}","part":17,"page":379},{"id":7413,"text":"وقال الفخر :\rذهب الأكثرون إلى أن ( ما ) في قوله : {فَبِمَا رَحْمَةٍ مّنَ الله} صلة زائدة ومثله في القرآن كثير ، كقوله : {عَمَّا قَلِيلٍ} و{جُندٌ مَّا هُنَالِكَ} [ ص : 11 ] {فَبِمَا نَقْضِهِم} [ النساء : 155 ، المائدة : 13 ] {مما خطيئاتهم} [ نوح : 25 ] قالوا : والعرب قد تزيد في الكلام للتأكيد على ما يستغنى عنه ، قال تعالى : {فَلَمَّا أَن جَاء البشير} [ يوسف : 96 ] أراد فلما جاء ، فأكد بأن ، وقال المحققون : دخول اللفظ المهمل الضائع في كلام أحكم الحاكمين غير جائر ، وههنا يجوز أن تكون ( ما ) استفهاما للتعجب تقديره : فبأي رحمة من الله لنت لهم ، وذلك لأن جنايتهم لما كانت عظيمة ثم إنه ما أظهر ألبتة ، تغليظا في القول ، ولا خشونة في الكلام ، علموا أن هذا لا يتأتى إلا بتأييد رباني وتسديد إلهي ، فكان ذلك موضع التعجب من كمال ذلك التأييد والتسديد ، فقيل : فبأي رحمة من الله لنت لهم ، وهذا هو الأصوب عندي. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 9 صـ 51}\rوعقب أبو حيان على كلام الفخر قائلا :\rوما ذهب إليه خطأ من وجهين : أحدهما : أنه لا تضاف ما الاستفهامية ، ولا أسماء الاستفهام غير أي بلا خلاف ، وكم على مذهب أبي إسحاق.\rوالثاني : إذا لم تصح الإضافة فيكون إعرابه بدلاً ، وإذا كان بدلاً من اسم الاستفهام فلا بدّ من إعادة همزة الاستفهام في البدل ، وهذا الرجل لحظ المعنى ولم يلتفت إلى ما تقرر في علم النحو من أحكام الألفاظ ، وكان يغنيه عن هذا الارتباك والتسلق إلى ما لا يحسنه والتسور عليه.\rقول الزجاج في ما هذه ؟ إنها صلة فيها معنى التوكيد بإجماع النحويين. أ هـ {البحر المحيط حـ 3 صـ 104}\rوقال القرطبى :\rوقيل : \"ما\" اسْتِفْهَامٌ.\rوالمعنى : فَبِأي رَحْمَةٍ مِنَ الله لِنْتَ لَهُم ؛ فهو تعجب.","part":17,"page":380},{"id":7414,"text":"وفيه بُعْدٌ ؛ لأنه لو كان كذلك لكان \"فبم\" بغير ألف. أ هـ {تفسير القرطبى حـ 4 صـ 248}\rمن بدائع ابن القيم\rقال عليه الرحمة :\r{فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ} أي ما لنت لهم إلا برحمة من الله ولا تسمع قول من يقول من النحاة أن ما زائدة في هذه المواضع فإنه صادر عن عدم تأمل فإن قيل: فمن أين لكم أفادت ما هذه المعنيين المذكورين من النفي والإيجاب وهي لو كانت على حقيقتها من النفي الصريح لم تفد إلا معنى واحد وهو النفي فإذا لم يكن النفي صريحا فيها كيف تفيد معنيين قيل: نحن لم ندع أنها أفادت النفي والإيجاب بمجردها ولكن حصل ذلك منها ومن القرائن المحتفة بها في الكلام أما قولهم شر ما جاء بها فلما انتظمت مع الاسم النكرة والنكرة لا يبتدأ بها فلما قصد إلى تقديمها علم أن فائدة الخبر مخصوصة بها وأكد ذلك التخصيص ب ما فانتفى الأمر عن غير هذا الاسم المبتدأ ولم يكن إلا له حتى صار المخاطب يفهم من هذا ما يفهم من قوله ما جاء به إلا شر واستغنوا هنا ب ما هذه عن ما النافية وبالابتداء بالنكرة عن إلا وأما قولك إنما زيد قائم فقد انتظمت ب أن وامتزجت معها وصارتا كلمة واحدة وأن تعطى الإيجاب الذي تعطيه إلا وما تعطي النفي ولذلك جاز إنما يقوم أنا ولا تكون أنا فاعله إلا إذا فصلت من الفعل ب إلا تقول ما يقوم إلا أنا ولا تقول يقوم أنا فإذا قلت: إنما قام أنا صرت كأنك لفظت ما مع إلا قال:\rأدافع عن أعراض قومي وإنما ... يدافع عن أعراضهم أنا أو مثلي\rفإذا عرفت أن زيادتها مع أن واتصالها بها اقتضى هذا النفي والإيجاب فانقل هذا المعنى إلى اتصالها بحرف الجر من قوله: {فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ} و{فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ} وتأمل كيف تجد الفرق بين هذا التركيب وبين أن يقال فبرحمة من الله وفبنقضهم ميثاقهم وإنك تفهم من تركيب الآية ما لنت لهم إلا برحمة من الله وما لعناهم إلا بنقضهم ميثاقهم وكذلك قوله: {فَقَلِيلاً مَا يُؤْمِنُونَ} دلت على النفي بلفظها وعلى الإيجاب بتقديم ما حقه التأخير من المعمول وارتباط ما به مع تقديم كما قرر في قولهم شر ما جاء به وقد بسطنا هذا في كتاب الفتح المكي وبينا هناك أنه ليس في القرآن حرف زائد وتكلمنا على كل ما ذكر في ذلك وبينا أن كل لفظة لها فائدة متجددة زائدة على أصل التركيب ولا ينكر جريان القلم إلى هذه الغاية وإن لم يكن من غرضنا فإنها أهم من بعض ما نحن فيه وبصدده. أ هـ {بدائع الفوائد حـ 2 صـ 151 ـ 152}","part":17,"page":381},{"id":7415,"text":"وقال صاحب سر الفصاحة :\rأما زيادة: {ما} في قول الله تعالى \" فبما رحمة من الله لنت لهم وقوله تعالى \" فبما نقضهم ميثاقهم \" فإن لها هنا تأثيراً في حسن النظم وتمكيناً للكلام في النفس وبعداً به عن الألفاظ المبتذلة، فعلى هذا لا يكون حشوا لا يفيد. وأهل النحو يقولون إن ما في هذا الموضع صلة مؤكدة للكلام، وقد يكون التوكيد عندهم بالتكرار كما يكون بالعلامة الموضوعة له، وإذا أفاد الكلام شيئاً فليس من الحشو المذموم لأن حقيقة الحشو هو الذي يكون دخوله في الكلام وخروجه على سواء. وإنما الغرض به إقامة الوزن في الشعر أو ما يجرى مجرى ذلك في النثر، وقد جاءت أيضاً: ما في الشعر أيضاً على معنى ما وردت في الآية قال الشاعر:\rفاذهبي ما إليك أدركني الح ... لم عداني عن هيجكم اشغالي\rومن هذا القبيل أيضاً دخولها في: ابنما. قال المتلمس:\rوهل لي أم غيرها إن تركتها ... أبى الله ألا أن أكون لها ابنما\rوقال الآخر:\rلقيم بن لقمان من أخته ... فكان ابن أخت له وابنما\rوورودها في هذا الموضع خاصة كثير، فهذا مبلغ ما نقوله في الحشو ليكون دليلا على غيره ومنبها على مثله. أ هـ { سر الفصاحة / لابن سنان الخفاجى صـ 156 ـ 157}","part":17,"page":382},{"id":7416,"text":"لطيفة لغوية\rقال العلامة ابن الجوزى ـ رحمه الله ـ :\rباب {ما}\r{ما} في الكلام على ضربين اسم وحرف فإذا كانت اسما فهي على خمسة أقسام -\rأحدها أن تكون خبرا في التعجب لا صلة لها كقولك ما أحسن زيدا وما أعلم بكرا وقد وقعت خبرا لا صلة في قوله تعالى ( فنعما هي )\rوالثاني أن تكون خبرا بمعنى الذي موصولة كقوله تعالى ( ما عندكم ينفد وما عند الله باق )\rوالثالث أن تكون استفهاما نحو ما عندك\rوالرابع أن تكون للشرط والجزاء كقولك ما تفعل أفعل\rوالخامس أن تكون نكرة موصوفة نحو قوله تعالى ( إن الله لا يستحيي أن يضرب مثلا ما بعوضة ) ويجوز أن تكون ما في هذا الموضع زائدة ويجوز أن تكون بمعنى الذي في قراءة من رفع بعوضة وكذلك {ما} في قوله تعالى ( هذا ما لدي عتيد ) أي هذا شيء عتيد لدي\rوإذا كانت حرفا فهي على أربعة أقسام -\rأحدها أن تكون زائدة\rوالثاني أن تكون نافية\rوالثالث أن تكون مصدرية نحو قوله تعالى ( بما كانوا\rيكذبون ) ( 121 ب ) أي بكذبهم ( ومما رزقناهم ينفقون )\rوالرابع أن تكون كافة عن العمل نحو ( إنما الله إله واحد ) ( ربما يود الذين كفروا ) فقد كفت أن ورب عن العمل وقال ابن قتيبة ما ومن أصلها واحد فجعلت من للناس وما لغير الناس تقول من مر بك من القوم وما مر بك من الإبل\rوذكر بعض المفسرين أن ما في القرآن على سبعة أوجه -\rأحدها أن تكون صلة ومنه قوله تعالى في البقرة ( إن الله لا يستحيي أن يضرب مثلا ما بعوضة فما فوقها ) وفي آل عمران ( فبما رحمة من الله لنت لهم ) وفي سورة النساء ( فبما نقضهم ميثاقهم )\rيكذبون ) ( 121 ب ) أي بكذبهم (ومما رزقناهم ينفقون)\rوالرابع أن تكون كافة عن العمل نحو ( إنما الله إله واحد ) ( ربما يود الذين كفروا ) فقد كفت أن ورب عن العمل","part":17,"page":383},{"id":7417,"text":"وقال ابن قتيبة ما ومن أصلها واحد فجعلت من للناس وما لغير الناس تقول من مر بك من القوم وما مر بك من الإبل\rوذكر بعض المفسرين أن ما في القرآن على سبعة أوجه - أحدها أن تكون صلة ومنه قوله تعالى في البقرة ( إن الله لا يستحيي أن يضرب مثلا ما بعوضة فما فوقها ) وفي آل عمران ( فبما رحمة من الله لنت لهم ) وفي سورة النساء ( فبما نقضهم ميثاقهم )\rوالثاني بمعنى النفي ومنه قوله تعالى في البقرة ( وما ظلمونا ) وفي الأنعام ( ما كنا مشركين ) وفي الأعراف ( وما كنا غائبين ) وفي يوسف ( ما كان ليأخذ أخاه في دين الملك ) وفي المؤمنين ( ما اتخذ الله من ولد وما كان معه من إله ) وفي النمل ( ما كان لكم أن تنبتوا شجرها ) وفي حم السجدة ( وما ربك بظلام للعبيد ) وفي ق ( وما أنت عليهم بجبار )\rوالثالث بمعنى التعجب وتقديره أي شيء ومنه قوله تعالى في البقرة ( فما اصبرهم على النار ) وفي عبس ( قتل الإنسان ما أكفره )\rوالرابع بمعنى الذي ومنه قوله تعالى في البقرة ( إن الذين يكتمون ما أنزلنا من البينات والهدى ) وفي المؤمنين ( أم جاءهم ما لم يأت آباءهم الأولين ) وفي سبأ ( قل ما سألتكم من أجر فهو لكم ) وفي حم السجدة ( ما يقال لك إلا ما قد قيل للرسل من قبلك ) وفي الزخرف ( وجعل لكم من الفلك والأنعام ما تركبون )","part":17,"page":384},{"id":7418,"text":"والخامس بمعنى كما ومنه قوله تعالى ( 122 أ ) تعالى في يس ( لتنذر قوما ما أنذر آباؤهم ) والحقه قوم بقسم الذي والسادس بمعنى الاستفهام ومنه قوله تعالى في البقرة ( ما تعبدون من بعدي ) والسابع بمعنى من ومنه قوله تعالى في الشمس ( والسماء وما بناها والأرض وما طحاها ونفس وما سواها ) وفي الليل ( وما خلق الذكر والأنثى ) وقد جعله قوم بقسم ( الذي ) أيضا فذكر ابن قتيبة عن أبي عمرو أنه قال هي بمعنى الذي قال وأهل مكة يقولون إذا سمعوا الرعد سبحان ما سبحت له. أ هـ { نزهة الأعين النواظر فى علم الوجوه والنظائر / لابن الجوزى صـ 563 ـ 567}","part":17,"page":385},{"id":7419,"text":"فصل\rقال الفخر :\rاعلم أن هذه الآية دلت على أن رحمة الله هي المؤثرة في صيرورة محمد عليه الصلاة والسلام رحيما بالأمة ، فإذا تأملت حقيقة هذه الآية عرفت دلالتها على أنه لا رحمة إلا لله سبحانه ، والذي يقرر ذلك وجوه :\rأحدها : أنه لولا أن الله ألقى في قلب عبده داعية الخير والرحمة واللطف لم يفعل شيئاً من ذلك ، وإذا ألقى في قلبه هذه الداعية فعل هذه الأفعال لا محالة ، وعلى هذا التقدير فلا رحمة إلا لله :\rوثانيها : أن كل رحيم سوى الله تعالى فإنه يستفيد برحمته عوضا ، إما هربا من العقاب ، أو طلبا للثواب ، أو طلبا للذكر الجميل ، فإذا فرضنا صورة خالية عن هذه الأمور كان السبب هو الرقة الجنسية ، فإن من رأى حيوانا في الألم رق قلبه ، وتألم بسبب مشاهدته إياه في الألم ، فيخلصه عن ذلك الألم دفعا لتلك الرقة عن قلبه ، فلو لم يوجد شيء من هذه الأعراض لم يرحم ألبتة ، أما الحق سبحانه وتعالى فهو الذي يرحم لا لغرض من الأغراض ، فلا رحمة إلا لله ،\rوثالثها : أن كل من رحم غيره فإنه إنما يرحمه بأن يعطيه مالا ، أو يبعد عنه سببا من أسباب المكروه والبلاء ، إلا أن المرحوم لا ينتفع بذلك المال إلا مع سلامة الأعضاء ، وهي ليست إلا من الله تعالى ، فلا رحمة في الحقيقة إلا لله ، وأما في الظاهر فكل من أعانه الله على الرحمة سمي رحيما ، قال عليه السلام : \" الراحمون يرحمهم الرحمن \" وقال في صفة محمد عليه السلام : {بالمؤمنين رؤوفٌ رَّحِيمٌ} [ التوبة : 128 ] ثم قال تعالى : {وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ القلب لاَنْفَضُّواْ مِنْ حَوْلِكَ }.","part":17,"page":386},{"id":7420,"text":"واعلم أن كمال رحمة الله في حق محمد صلى الله عليه وسلم أنه عرفه مفاسد الفظاظة والغلظة. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 9 صـ 51 ـ 52}\rفائدة\rقال ابن عاشور :\rالفاء للتفريع على ما اشتمل عليه الكلام السابق الَّذي حُكي فيه مخالفة طوائف لأمر الرسول من مؤمنين ومنافقين ، وما حكي من عفو الله عنهم فيما صنعوا.\rولأنّ في تلك الواقعة المحكية بالآيات السابقة مظاهر كثيرة من لين النَّبيء صلى الله عليه وسلم للمسلمين ، حيث استشارهم في الخروج ، وحيث لم يثرِّبهم على ما صنعوا من مغادرة مراكزهم ، ولمَّا كان عفو الله عنهم يعرف في معاملة الرّسول إيّاهم ، ألاَن الله لهم الرسول تحقيقاً لرحمته وعفوه ، فكان المعنى : ولقد عفا الله عنهم برحمته فَلاَن لهم الرسول بإذن الله وتكوينه إيّاه راحماً ، قال تعالى : { وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين } [ الأنبياء : 107 ].\rوالباء للمصاحبة ، أي لنتَ مع رحمة الله : إذ كان لينه في ذلك كلّه ليناً لا تفريط معه لشيء من مصالحهم ، ولا مجاراةً لهم في التساهل في أمر الدّين ، فلذلك كان حقيقاً باسم الرحمة.\rوتقديم المجرور مفيد للحصر الإضافي ، أي : برحمة من الله لا بغير ذلك من أحوالهم ، وهذا القصر مفيد التعريض بأنّ أحوالهم كانت مستوجبة الغلظ عليهم ، ولكن الله ألاَن خلق رسوله رحمة بهم ، لحكمة علمها الله في سياسة هذه الأمَّة.\rوزيدت ( ما ) بعد باء الجرّ لتأكيد الجملة بما فيه من القصر ، فتعيّنَ بزيادتها كون التَّقديم للحصر ، لا لمجرد الاهتمام ، ونبّه عليه في \"الكشاف\".\rواللِينُ هنا مجاز في سعة الخلق مع أمّة الدعوة والمسلمين ، وفي الصفح عن جَفاء المشركين ، وإقالة العثرات.","part":17,"page":387},{"id":7421,"text":"ودلّ فعل المضيّ في قوله : { لنت } على أنّ ذلك وصف تقرّر وعرف من خُلقه ، وأنّ فطرته على ذلك برحمة من الله إذ خلقَه كذلك { واللَّه أعلم حيث يجعل رسالاته } [ الأنعام : 124 ] ، فخلق الرسول مُناسب لتحقيق حصول مراد الله تعالى من إرساله ، لأنّ الرسول يجيء بشريعة يبلّغها عن الله تعالى ، فالتبليغ متعيّن لا مصانعة فيه ، ولا يتأثّر بخلق الرسول ، وهو أيضاً مأمور بسياسة أمَّته بتلك الشريعة ، وتنفيذها فيهم ، وهذا عمل له ارتباط قوي بمناسبة خُلق الرسول لطباع أمّته حتَّى يلائم خلقه الوسائل المتوسَّل بها لحمل أمَّته على الشَّريعة الناجحة في البلوغ بهم إلى مراد الله تعالى منهم.\rأرسل محمَّد صلى الله عليه وسلم مفطوراً على الرحمة ، فكان لِينه رحمة من الله بالأمَّة في تنفيذ شريعته بدون تساهل وبرفق وإعانة على تحصيلها ، فلذلك جعل لينه مصاحباً لرحمةٍ من الله أودعها الله فِيه ، إذ هو قد بعث للنَّاس كافّة ، ولكن اختار الله أن تكون دعوته بين العرب أولَ شيء لحكمةٍ أرادها الله تعالى في أن يكون العرب هم مبلغي الشَّريعة للعالم.\rوالعرب أمَّة عُرفت بالأنفة ، وإباء الضيم ، وسلامةِ الفطرة.\rوسرعةِ الفهم.\rوهم المتلقُّون الأوّلون للدين فلم تكن تليق بهم الشّدة والغلظة ، ولكنّهم محتاجون إلى استنزال طائرهم في تبليغ الشريعة لهم ، ليتجنّبوا بذلك المكابرةَ الَّتي هي الحائل الوحيد بينهم وبين الإذعان إلى الحقّ.\rوورد أن صفح النَّبيء صلى الله عليه وسلم وعفوه ورحمته كان سبباً في دخول كثير في الإسلام ، كما ذكر بعض ذلك عياض في كتاب الشفاء.","part":17,"page":388},{"id":7422,"text":"فضمير { لهم } عائد على جميع الأمَّة كما هو مقتضى مقام التَّشريع وسياسة الأمَّة ، وليس عائداً على المسلمين الَّذين عصوا أمر الرسول يوم أُحُد ، لأنَّه لا يناسب قوله بعده : { لانفضوا من حولك } إذ لا يُظنّ ذلك بالمسلمين ، ولأنَّه لا يناسب قوله بعده : { وشاورهم في الأمر } إذا كان المراد المشاورة للاستعانة بآرائهم ، بل المعنى : لو كنت فظّاً لنفرك كثير ممّن استجاب لك فهلكوا ، أو يكون الضّمير عائداً على المنافقين المعبّر عنهم بقوله : { وطائفة قد أهمتهم أنفسهم } [ آل عمران : 154 ] فالمعنى : ولو كنت فظّاً لأعلنوا الكفر وتفرّقوا عنك ، وليس المراد أنَّك لنت لهم في وقعة أُحُد خاصّة ، لأنّ قوله بعده : { ولو كنت فظاً غليظ القلب لانفضوا من حولك } إلخ ينافي ذلك المحمل.\rوالفَظّ : السيء الخلق ، الجافي الطبع. أ هـ {التحرير والتنوير حـ 3 صـ 265 ـ 266}\rفصل\rقال الفخر :\rقال الواحدي ـ رحمه الله تعالى ـ : الفظ ، الغليظ الجانب السيء الخلق ، يقال : فظظت تفظ فظاظة فأنت فظ ، وأصله فظظ ، كقوله : حذر من حذرت ، وفرق من فرقت ، إلا أن ما كان من المضاعف على هذا الوزن يدغم نحن رجل صب ، وأصله صبب ، وأما \"الفض\" بالضاد فهو تفريق الشيء ، وانفض القوم تفرقوا ، قال تعالى : {وَإِذَا رَأَوْاْ تجارة أَوْ لَهْواً انفضوا إِلَيْهَا} [ الجمعة : 11 ] ومنه : فضضت الكتاب ، ومنه يقال : لا يفضض الله فاك.\rفإن قيل : ما الفرق بين الفظ وبين غليظ القلب ؟\rقلنا : الفظ الذي يكون سيء الخلق ، وغليظ القلب هو الذي لا يتأثر قلبه عن شيء ، فقد لا يكون الإنسان سيء الخلق ولا يؤذي أحدا ولكنه لا يرق لهم ولا يرحمهم ، فظهر الفرق من هذا الوجه. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 9 صـ 52}","part":17,"page":389},{"id":7423,"text":"قال القرطبى :\rوفي صفة النبيّ عليه السلام ليس بفَظٍّ ولا غَلِيظٍ ولا صَخَّابٍ في الأسواق ؛ وأَنشَدَ المُفَضّل في المذكر :\rوليس بفَظٍّ في الأَدَاني والأَولى . . .\rيَؤُمُّون جَدْوَاهُ ولكنّه سَهْلُ\rوفَظٌّ على أعدائِهِ يَحْذَرُنَهُ . . .\rفَسَطْوَتُهُ حَتْفٌ ونائِلهُ جَزْلُ\rوقال آخرُ في المُؤنَّثِ :\rأَموتُ مِن الضُّرِّ في منزلي . . .\rوغيري يموتُ من الكِظَّهْ\rودُنْيَا تَجودُ على الجاهلي . . .\rن وهْي على ذي النُّهىَ فَظَّه\rوغِلَظُ القلب عِبارةٌ عن تَجَهُّم الوجه ، وقِلّةِ الانْفِعَالَ في الرَّغائِبِ ، وقِلّة الإشْفَاقِ والرّحمة ، ومن ذلك قولُ الشّاعر :\rيُبْكى عَلَيْنَا ولا نَبْكي على أَحدٍ ؟ . . .\rلَنَحْنُ أغْلَظُ أكْبَاداً من الإبلِ. أ هـ {تفسير القرطبى حـ 4 صـ 248}\rفصل\rقال الفخر :\rإن المقصود من البعثة أن يبلغ الرسول تكاليف الله إلى الخلق ، وهذا المقصود لا يتم إلا إذا مالت قلوبهم إليه وسكنت نفوسهم لديه ، وهذا المقصود لا يتم إلا إذا كان رحيما كريما ، يتجاوز عن ذنبهم ، ويعفو عن إساءتهم ، ويخصهم بوجوه البر والمكرمة والشفقة ، فلهذه الأسباب وجب أن يكون الرسول مبرأ عن سوء الخلق ، وكما يكون كذلك وجب أن يكون غير غليظ القلب ، بل يكون كثير الميل إلى إعانة الضعفاء ، كثير القيام بإعانة الفقراء ، كثير التجاوز عن سيآتهم ، كثير الصفح عن زلاتهم ، فلهذا المعنى قال : {وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً القلب لاَنْفَضُّواْ مِنْ حَوْلِكَ} ولو انفضوا من حولك فات المقصود من البعثة والرسالة.","part":17,"page":390},{"id":7424,"text":"وحمل القفال رحمه الله هذه الآية على واقعة أحد قال : {فَبِمَا رَحْمَةٍ مّنَ الله لِنتَ لَهُمْ} يوم أحد حين عادوا إليك بعد الانهزام {وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ القلب} وشافهتهم بالملامة على ذلك الانهزام لانفضوا من حولك ، هيبة منك وحياء بسبب ما كان منهم من الانهزام ، فكان ذلك مما لا يطمع العدو فيك وفيهم. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 9 صـ 52}\rفصل\rقال الفخر :\rاللين والرفق إنما يجوز إذا لم يفض إلى إهمال حق من حقوق الله ، فأما إذا أدى إلى ذلك لم يجز ، قال تعالى : {يا أيها النبى جاهد الكفار والمنافقين واغلظ عَلَيْهِمْ} [ التوبة : 73 ] وقال للمؤمنين في إقامة حد الزنا : {وَلاَ تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِى دِينِ الله} [ النور : 2 ].\rوههنا دقيقة أخرى : وهي أنه تعالى منعه من الغلظة في هذه الآية ، وأمره بالغلظة في قوله : {واغلظ عَلَيْهِمْ} فههنا نهاه عن الغلظة على المؤمنين ، وهناك أمره بالغلظة مع الكافرين ، فهو كقوله : {أَذِلَّةٍ عَلَى المؤمنين أَعِزَّةٍ عَلَى الكافرين} [ المائدة : 54 ] وقوله : {أَشِدَّاء عَلَى الكفار رُحَمَاء بَيْنَهُمْ} [ الفتح : 29 ] وتحقيق القول فيه أن طرفي الإفراط والتفريط مذمومان ، والفضيلة في الوسط ، فورود الأمر بالتغليظ تارة ، وأخرى بالنهي عنه ، إنما كان لأجل أن يتباعد عن الإفراط والتفريط ، فيبقى على الوسط الذي هو الصراط المستقيم ، فلهذا السر مدح الله الوسط فقال : {وكذلك جعلناكم أُمَّةً وَسَطًا} [ البقرة : 143 ]. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 9 صـ 53}\rقوله تعالى : {فاعف عَنْهُمْ واستغفر لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِى الأمر}\rفائدة\rقال الفخر :","part":17,"page":391},{"id":7425,"text":"إن كمال حال العبد ليس إلا في أن يتخلق بأخلاق الله تعالى ، قال عليه السلام : \" تخلقوا بأخلاق الله \" ثم إنه تعالى لما عفا عنهم في الآية المتقدمة أمر الرسول أيضا أن يعفو عنهم ليحصل للرسول عليه السلام فضيلة التخلق بأخلاق الله. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 9 صـ 53}\rفصل\rقال صاحب \"الكشاف\" :\r{ فاعف عَنْهُمْ } فيما يختص بك { واستغفر لَهُمْ } فيما يختص بحق الله إتماماً للشفقة عليهم. أ هـ {الكشاف حـ 1 صـ 459}\rفصل\rقال الفخر :\rظاهر الأمر للوجوب ، والفاء في قوله تعالى : {فاعف عَنْهُمْ} يدل على التعقيب ، فهذا يدل على أنه تعالى أوجب عليه أن يعفو عنهم في الحال ، وهذا يدل على كمال الرحمة الإلهية حيث عفا هو عنهم ، ثم أوجب على رسوله أن يعفو في الحال عنهم.\rواعلم أن قوله : {فاعف عَنْهُمْ} إيجاب للعفو على الرسول عليه السلام ، ولما آل الأمر إلى الأمة لم يوجبه عليهم ، بل ندبهم إليه فقال تعالى : {والعافين عَنِ الناس} [ آل عمران : 134 ] ليعلم أن حسنات الأبرار سيئات المقربين. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 9 صـ 53}\rقوله تعالى : {واستغفر لَهُمُ}\rفي هذه الآية دلالة قوية على أنه تعالى يعفو عن أصحاب الكبائر ، وذلك لأن الانهزام في وقت المحاربة كبيرة لقوله تعالى : {وَمَن يُوَلّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ} إلى قوله : {فَقَدْ بَاء بِغَضَبٍ مّنَ الله} [ الأنفال : 16 ] فثبت أن انهزام أهل أحد كان من الكبائر ، ثم إنه تعالى نص في الآية المتقدمة على أنه عفا عنهم وأمر رسوله صلى الله عليه وسلم في هذه الآية بالعفو عنهم ، ثم أمره بالاستغفار لهم ، وذلك من أدل الدلائل على ما ذكرنا. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 9 صـ 53}","part":17,"page":392},{"id":7426,"text":"لطيفة ونفيسة\rقال الفخر :\rقوله تعالى : {واستغفر لَهُمُ} أمر له بالاستغفار لأصحاب الكبائر ، وإذا أمره بطلب المغفرة لا يجوز أن لا يجيبه إليه ، لأن ذلك لا يليق بالكريم ، فدلت هذه الآية على أنه تعالى يشفع محمداً صلى الله عليه وسلم في الدنيا في حق أصحاب الكبائر ، فبأن يشفعه في حقهم في القيامة كان أولى. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 9 صـ 53}\rلطيفة ونفيسة أخرى\rقال الإمام الفخر ولله دره :\rإنه سبحانه وتعالى عفا عنهم أولا بقوله : {وَلَقَدْ عَفَا الله عَنْهُمْ} [ آل عمران : 155 ] ثم أمر محمداً صلى الله عليه وسلم في هذه الآية بالاستغفار لهم ولأجلهم ، كأنه قيل له : يا محمد استغفر لهم فإني قد غفرت لهم قبل أن تستغفر لهم ، واعف عنهم فإني قد عفوت عنهم قبل عفوك عنهم ، وهذا يدل على كمال رحمة الله لهذه الأمة ، وثالثها : قوله تعالى : {وَشَاوِرْهُمْ فِى الأمر}. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 9 صـ 54}\rقوله تعالى : {وَشَاوِرْهُمْ فِى الأمر}.\rفصل نفيس\rقال الفخر :\rالفائدة في أنه تعالى أمر الرسول بمشاورتهم وجوه :\rالأول : أن مشاورة الرسول صلى الله عليه وسلم إياهم توجب علو شأنهم ورفعة درجتهم ، وذلك يقتضي شدة محبتهم له وخلوصهم في طاعته ، ولو لم يفعل ذلك لكان ذلك إهانة بهم فيحصل سوء الخلق والفظاظة.\rالثاني : أنه عليه السلام وإن كان أكمل الناس عقلا إلا أن علوم الخلق متناهية ، فلا يبعد أن يخطر ببال إنسان من وجوه المصالح ما لا يخطر بباله ، لا سيما فيما يفعل من أمور الدنيا فإنه عليه السلام قال : \" أنتم أعرف بأمور دنياكم وأنا أعرف بأمور دينكم \" ولهذا السبب قال عليه السلام : \" ما تشاور قوم قط إلا هدوا لأرشد أمرهم \"\rالثالث : قال الحسن وسفيان بن عيينة إنما أمر بذلك ليقتدي به غيره في المشاورة ويصير سنة في أمته.","part":17,"page":393},{"id":7427,"text":"الرابع : أنه عليه السلام شاورهم في واقعة أحد فأشاروا عليه بالخروج ، وكان ميله إلى أن يخرج ، فلما خرج وقع ما وقع ، فلو ترك مشاورتهم بعد ذلك لكان ذلك يدل على أنه بقي في قلبه منهم بسبب مشاورتهم بقية أثر.\rفأمره الله تعالى بعد تلك الواقعة بأن يشاورهم ليدل على أنه لم يبق في قلبه أثر من تلك الواقعة.\rالخامس : وشاورهم في الأمر ، لا لتستفيد منهم رأياً وعلما ، لكن لكي تعلم مقادير عقولهم وأفهامهم ومقادير حبهم لك وإخلاصهم في طاعتك فحينئذ يتميز عندك الفاضل من المفضول فبين لهم على قدر منازلهم.\rالسادس : وشاورهم في الأمر لا لأنك محتاج إليهم ، ولكن لأجل أنك إذا شاورتهم في الأمر اجتهد كل واحد منهم في استخراج الوجه الأصلح في تلك الواقعة ، فتصير الأرواح متطابقة متوافقة على تحصيل أصلح الوجوه فيها ، وتطابق الأرواح الطاهرة على الشيء الواحد مما يعين على حصوله ، وهذا هو السر عند الاجتماع في الصلوات.\rوهو السر في أن صلاة الجماعة أفضل من صلاة المنفرد.\rالسابع : لما أمر الله محمدا عليه السلام بمشاورتهم دلَّ ذلك على أن لهم عند الله قدراً وقيمة ، فهذا يفيد أن لهم قدرا عند الله وقدرا عند الرسول وقدرا عند الخلق.","part":17,"page":394},{"id":7428,"text":"الثامن : الملك العظيم لا يشاور في المهمات العظيمة إلا خواصه والمقربين عنده ، فهؤلاء لما أذنبوا عفا الله عنهم ، فربما خطر ببالهم أن الله تعالى وإن عفا عنا بفضله إلا أنه ما بقيت لنا تلك الدرجة العظيمة ، فبين الله تعالى أن تلك الدرجة ما انتقصت بعد التوبة ، بل أنا أزيد فيها ، وذلك أن قبل هذه الواقعة ما أمرت رسولي بمشاورتكم ، وبعد هذه الواقعة أمرته بمشاورتكم ، لتعلموا أنكم الآن أعظم حالا مما كنتم قبل ذلك ، والسبب فيه أنكم قبل هذه الواقعة كنتم تعولون على أعمالكم وطاعتكم ، والآن تعولون على فضلي وعفوي ، فيجب أن تصير درجتكم ومنزلتكم الآن أعظم مما كان قبل ذلك ، لتعلموا أن عفوي أعظم من عملكم وكرمي أكثر من طاعتكم.\rوالوجوه الثلاثة الأول مذكورة ، والبقية مما خطر ببالي عند هذا الموضع ، والله أعلم بمراده وأسرار كتابه. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 9 صـ 54}\rفصل\rقال القرطبى :\rقوله تعالى : { فاعف عَنْهُمْ واستغفر لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الأمر }\rقال العلماء : أمرَ الله تعالى نبيَّهُ صلى الله عليه وسلم بهذه الأوامر التي هي بتدريج بليغ ؛ وذلك أنه أمره بأن يَعفُوا عنهم ما له في خاصّته عليهم من تَبِعةٍ ؛ فلما صاروا في هذه الدرجة أمره أن يستغفر فيما لله عليهم من تَبِعَة أيضا ، فإذا صاروا في هذه الدرجة صاروا أَهْلاً للاستشارة في الأمور.\rقال أهل اللغة.\rالاستشارة مأخوذة من قول العرب : شُرْتُ الدابة وشوّرتُها إذا علمت خبرها بجري أو غيره.\rويقال للموضع الذي تركُضُ فيه : مِشوَار.\rوقد يكون من قولهم : شُرْت العسَل واشْتَرْتهُ فهو مَشوُر وَمُشْتار إذا أخذته من موضعه ، قال عَدي بنُ زَيد :\rفي سَمَاع يأذَنُ الشَّيْخُ له . . .\rوحَديثٍ مْثلِ مَاذِيٍّ مُشَار","part":17,"page":395},{"id":7429,"text":"قال ابنُ عَطِية : والشُّورَى من قواعد الشريعة وعزائم الأحكام ؛ من لا يَسْتشِيرُ أهلَ العِلم والدِّين فَعزْلُهُ واجبٌ.\rهذا ما لاَ خلاف فيه.\rوقد مَدَح الله المُؤمنين بقوله : { وَأَمْرُهُمْ شورى بَيْنَهُمْ } [ الشورى : 38 ] قال أَعْرَابيٌ : ما غُبِنْتُ قَطٌّ حتى يُغْبَنَ قومي ؛ قيل : وكيف ذلك ؟ قال لا أَفْعَل شيئا حتى أُشَاوِرهُم.\rوقال ابنُ خُوَيْزٍ مَنْدَاد : واجب على الوُلاَةِ مشاورَةُ العلماء فيما لا يَعْلَمُونِ ، وفيما أَشْكَل عليهم من أُمور الدِّين ، ووُجوه الجَيش فيما يتعَلَّقُ بالحرب ، ووجوه الناس فيما يَتَعَلَّقُ بالمصالح ، ووُجُوهِ الكُتَّابِ والوزراءِ والعُمَالِ فيما يتعلّقُ بِمصالح البلاد وعِمَارتها.\rوكان يقال : ما ندم من استشار.\rوكان يُقال : من أُعْجِبَ برأيهِ ضَلّ.\rقوله تعالى : { وَشَاوِرْهُمْ فِي الأمر } يَدُلُّ على جواز الاجتهاد في الأمُور والأخذ بالظُّنونِ مع إمكان الوَحْي ؛ فإن الله أَذِن لرسوله صلى الله عليه وسلم في ذلك.\rواختَلَف أهل التأويل في المعنى الذي أمَرَ الله نبيَّهُ عليه السلام أن يُشَاورَ فيه أَصحابَه ؛ فقالت طائفة : ذلك في مكائد الحُروب ، وعند لِقَاء العَدُوه ، وتطييبا لِنُفُوسهم ، ورَفُعاً لأَقدارِهم ، وتأَلُّفاً على دينهم ، وإنْ كان الله تعالى قد أغناه عن رأيهم بوَحيْه.\rرُوي هذا عن قتادة والربيع وابن إسحاق والشافعي.\rقال الشافعي : هو كقوله : \"والبِكر تُسْتَأَمَرُ\" تطيبا لقلبها ؛ لا أَنَّه واجبٌّ.\rوقال مُقَاتِلُ وقَتَادةُ والربيع : كانت سَاداتُ العرب إذا لم يُشَاوَرُوا في الأمْر شَقّ عليهم : فأمر الله تعالى ؛ نبيّه عليه السلام أن يُشَاوِرَهم في الأمر : فإن ذلك أَعْطَفُ لهم عليه وأذهَبُ لأضغانهم ، وأَطيبُ لنفوسهم.\rفإذا شاورَهم عَرَفُوا إكرامَة لهم.","part":17,"page":396},{"id":7430,"text":"وقال اخرون : ذلك فيما لم يأته فيه وَحْيٌّ.\rرُوي ذلك عن الحسن البصري والضحاك قالا : ما أمَرَ الله تعالى نبيه بالمُشَاوِرة لحاجةٍ منه إلى رأيهم ، وإنما أراد أن يُعلَّمَهُم ما في المُشَاوَرةِ من الفضل ، ولِتَقْتدي به أُمته من بعده ، وفي قراءة ابن عباس : \"وَشَاوِرْهُمْ في بعضِ الأمْرِ\" ولقد أحسن القائل :\rشَاوِر صديقَكَ في الخفَي المُشْكل . . .\rواقبَل نصيحَةَ ناصِح مُتَفضِّلِ\rفاللهُ قد أَوْصَى بذاكَ نَبَّيهُ . . .\rفي قوله : شاوِرْهُمُ و( تَوكّلِ )\rجاء في مصنّف أبي داود عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : \" المُسْتَشَارُ مُؤْتَمَن \" قال العلماء : وِصفةُ المُستشار إن كان في الأَحْكامِ أن يكون عالِماً دَيِّناً ، وقلّما يكونُ ذلك إلاّ في عاقل.\rقال الحسن : ما كَمُل دِينُ امرىءٍ ما لم يكمل عقُله.\rفإذا استُشيِر مَن هذه صِفتُهُ واجتهد في الصَّلاحِ وبَذَل جُهدَه فوقعت الإشارةُ خَطَأً فلا غَرَامةَ عليه ؛ قاله الخَطّابيُّ وغيرهُ.\rالخامسة : وصفةُ المُستشارِ في أُمورِ الدنيا أن يكون عاقلاً مُجرباً وادّاً في المُستَشير.\rقال :\rشاورْ صديقَك في الخفِي المُشْكِل . . .\rوقد تقدّم.\rوقال آخر :\rوإنْ بَابُ أمرٍ عليك الْتَوَى . . .\rفَشَاوِر لبيباً ولا تَعْصِهِ\rفي أبيات.\rوالشُّورى بَرَكَةٌ.\rوقال عليه السلام : \" ما نَدِمَ مَن اسْتَشَار ولا خَابَ مِن اسْتَخَار \" وروى سهلُ بنُ سعد السّاعِدي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.\r\" ما شَقى قَطُّ عبدٌ بمشورة وما سَعِد باستغناء رأي \" وقال بعضهم : شَاوِرْ من جَرّبَ الأُمورَ ؛ فإنه يُعطيك من رأيه ما وقع عليه غالياً وأنت تأخذه مجانا.\rوقد جعل عمر بن الخطاب رضِي الله عنه الخِلافة وهي أعظم النّوازِلِ شورى.","part":17,"page":397},{"id":7431,"text":"قال البخاريّ : وكانت الأئمة بعد النبي صلى الله عليه وسلم يستَشِيرون الأمناء من أهل العلم في الأُمور المباحة ليأخذوا بأسهلها.\rوقال سفيان الثورِيّ : ليكن أهل مشورتك أهل التقوى والأمانة ، ومن يخشى الله تعالى.\rوقال الحسن : والله ما تشاوَرَ قوم بينهم إلا هداهم لأفضل ما يحضر بهم.\rورُوي عن عليّ بن أبي طالب رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : \" ما من قوم كانت لهم مشورةٌ فحضر معهم من اسمه أحمد أو محمد فأدخلوه في مشورتهم إلا خِيرَ لهم \".\rوالشُّورى مبنيّة على اختلاف الآراء ، والمستشير ينظر في ذلك الخلاف ، وينظر أقرَبها قولاً إلى الكتاب والسنة إن أمكنه ، فإذا أرشده الله تعالى إلى ما شاء منه عزَم عليه وأنفذه متوكّلاً عليه ، إذْ هذه غاية الاجتهاد المطلوب ؛ وبهذا أمر الله تعالى نبيّه في هذه الآية. أ هـ {تفسير القرطبى حـ 4 صـ 249 ـ 252}\rقال الطبرى :\rوأولى الأقوال بالصواب في ذلك أن يقال : إن الله عز وجل أمرَ نبيه صلى الله عليه وسلم بمشاورة أصحابه فيما حزبه من أمر عدوه ومكايد حربه ، تألُّفًا منه بذلك من لم تكن بصيرته بالإسلام البصيرةَ التي يُؤْمَنُ عليه معها فتنة الشيطان وتعريفًا منه أمته مأتى الأمور التي تحزُبهم من بعده ومطلبها ، ليقتدوا به في ذلك عند النوازل التي تنزل بهم ، فيتشاوروا فيما بينهم ، كما كانوا يرونه في حياته صلى الله عليه وسلم يفعله. فأما النبي صلى الله عليه وسلم ، فإن الله كان يعرِّفه مطالب وجوه ما حزبه من الأمور بوحيه أو إلهامه إياه صوابَ ذلك. وأما أمته ، فإنهم إذا تشاوروا مستنِّين بفعله في ذلك ، على تصادُقٍ وتأخٍّ للحق ، وإرادةِ جميعهم للصواب ، من غير ميل إلى هوى ، ولا حَيْد عن هدى ، فالله مسدِّدهم وموفِّقهم. أ هـ {تفسير الطبرى حـ 7 صـ 345 ـ 346}","part":17,"page":398},{"id":7432,"text":"فصل\rقال الفخر :\rاتفقوا على أن كل ما نزل فيه وحي من عند الله لم يجز للرسول أن يشاور فيه الأمة ، لأنه إذا جاء النص بطل الرأي والقياس ، فأما ما لا نص فيه فهل تجوز المشاورة فيه في جميع الأشياء أم لا ؟ قال الكلبي وكثير من العلماء : هذا الأمر مخصوص بالمشاورة في الحروب وحجته أن الألف واللام في لفظ \"الأمر\" ليسا للاستغراق ، لما بين أن الذي نزل فيه الوحي لا تجوز المشاورة فيه ، فوجب حمل الألف واللام ههنا على المعهود السابق ، والمعهود السابق في هذه الآية إنما هو ما يتعلق بالحرب ولقاء العدو ، فكان قوله : {وَشَاوِرْهُمْ فِى الأمر} مختصا بذلك ، ثم قال القائلون بهذا القول : قد أشار الحباب بن المنذر يوم بدر على النبي صلى الله عليه وسلم بالنزول على الماء فقبل منه ، فأشار عليه السعدان : سعد بن معاذ وسعد بن عبادة ، يوم الخندق بترك مصالحة غطفان على بعض ثمار المدينة لينصرفوا ، فقبل منهما وخرق الصحيفة ، ومنهم من قال : اللفظ عام خص عنه ما نزل فيه وحي فتبقى حجته في الباقي ، والتحقيق في القول أنه تعالى أمر أولي الأبصار بالاعتبار فقال : {فاعتبروا يا أولى الأبصار} [ الحشر : 2 ] وكان عليه السلام سيد أولي الأبصار ، ومدح المستنبطين فقال : {لَعَلِمَهُ الذين يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ} [ النساء : 83 ] وكان أكثر الناس عقلا وذكاء ، وهذا يدل على أنه كان مأمورا بالاجتهاد إذا لم ينزل عليه الوحي ، والاجتهاد يتقوى بالمناظرة والمباحثة فلهذا كان مأمورا بالمشاورة.","part":17,"page":399},{"id":7433,"text":"وقد شاورهم يوم بدر في الأساري وكان من أمور الدين ، والدليل على أنه لا يجوز تخصيص النص بالقياس أن النص كان لعامة الملائكة في سجود آدم ، ثم إن إبليس خص نفسه بالقياس وهو قوله : {خَلَقْتَنِي مِن نَّارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ} [ الأعراف : 12 ] فصار ملعونا ، فلو كان تخصيص النص بالقياس جائزا لما استحق اللعن بهذا السبب. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 9 صـ 55}\rوقال ابن الجوزى :\rواختلف العلماء لأي معنى أمر الله نبيه بمشاورة أصحابه مع كونه كامل الرأي ، تام التدبير ، على ثلاثة أقوال.\rأحدها : ليستن به من بعده ، وهذا قول الحسن ، وسفيان بن عيينة.\rوالثاني : لتطيب قلوبهم ، وهو قول قتادة ، والربيع ، وابن إسحاق.\rومقاتل.\rقال الشافعي رضي الله عنه : نظير هذا قوله صلى الله عليه وسلم \" البكر تُستأمر في نفسها \" إنما أراد استطابة نفسها ، فإنها لو كرهت ، كان للأب أن يزوجها ، وكذلك مشاورة إبراهيم عليه السلام لابنه حين أُمر بذبحه.\rوالثالث : للإعلام ببركة المشاورة ، وهو قول الضحاك.\rومن فوائد المشاورة أن المشاور إذا لم ينجح أمره.\rعلم أن امتناع النجاح محض قدر ، فلم يلم نفسه ، ومنها أنه قد يعزم على أمر ، فيبين له الصواب في قول غيره ، فيعلم عجز نفسه عن الإحاطة بفنون المصالح.\rقال علي رضي الله عنه : الاستشارة عين الهداية ، وقد خاطر من استغنى برأيه ، والتدبير قبل العمل يؤمنك من الندم.\rوقال بعض الحكماء : ما استُنْبِطَ الصواب بمثل المشاورة ، ولا حُصِّنتِ النعم بمثل المواساة ، ولا اكتسبت البغضاء بمثل الكبر.\rواعلم أنه إنما أُمر النبي صلى الله عليه وسلم بمشاورة أصحابه فيما لم يأته فيه وحي ، وعمهم بالذكر ، والمقصود أرباب الفضل والتجارِب منهم.\rوفي الذي أُمر بمشاورتهم فيه قولان : حكاهما القاضي أبو يعلى.","part":17,"page":400},{"id":7434,"text":"أحدهما : أنه أمر الدنيا خاصة.\rوالثاني : أمر الدين والدنيا ، وهو أصح. أ هـ {زاد المسير حـ 1 صـ 488 ـ 489}\rفصل\rقال ابن عطية :\rوالشورى من قواعد الشريعة وعزائم الأحكام ، ومن لا يستشير أهل العلم والدين فعزله واجب ، هذا ما لا خلاف فيه ، وقد مدح الله المؤمنين بقوله : { وأمرهم شورى بينهم } [ الشورى : 38 ] وقال النبي صلى الله عليه وسلم : ما خاب من استخار ولا ندم من استشار ، وقال عليه السلام : المستشار مؤتمن ، وصفة المستشار في الأحكام أن يكون عالماً ديناً ، وقل ما يكون ذلك إلا في عاقل ، فقد قال الحسن بن أبي الحسن : ما كمل دين امرىء لم يكمل عقله ، وصفة المستشار في أمور الدنيا أن يكون عاقلاً مجرباً واداً في المستشير ، والشورى بركة ، وقد جعل عمر بن الخطاب الخلافة - وهي أعظم النوازل - شورى ، وقال الحسن : والله ما تشاور قوم بينهم إلا هداهم الله لأفضل ما بحضرتهم ، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يشاور أصحابه ، وقد قال في غزوة بدر : أشيروا عليّ أيها الناس ، في اليوم الذي تكلم فيه المقداد ، ثم سعد بن عبادة ، ومشاورته عليه السلام إنما هي في أمور الحرب والبعوث ونحوه من أشخاص النوازل ، وأما في حلال أو حرام أو حد فتلك قوانين شرع.","part":17,"page":401},{"id":7435,"text":"{ ما فرطنا في الكتاب من شيء } [ الأنعام : 38 ] وكأن الآية نزلت مؤنسة للمؤمنين ، إذ كان تغلبهم على الرأي في قصة - أحد - يقتضي أن يعاقبوا بأن لا يشاوروا في المستأنف ، وقرأ ابن عباس \" وشاورهم في بعض الأمر \" وقراءة الجمهور إنما هي باسم الجنس الذي يقع للبعض وللكل ، ولا محالة أن اللفظ خاص بما ليس من تحليل وتحريم ، والشورى مبينة على اختلاف الآراء ، والمستشير ينظر في ذلك الخلاف ويتخير ، فإذا أرشده الله تعالى إلى ما شاء منه ، عزم عليه وأنفذه متوكلاً على الله ، إذ هي غاية الاجتهاد المطلوب منه ، وبهذا أمر تعالى نبيه في هذه الآية. أ هـ {المحرر الوجيز حـ 1 صـ 534}\rقال أبو حيان :\rوقال ابن عطية : أمر بتدريج بليغ ، أمر بالعفو عنهم فيما يخصه ، فإذا صاروا في هذه الدرجة أمر باستغفار فيما لله ، فإذا صاروا في هذه الدرجة صاروا أهلاً للاستشارة في الأمور انتهى.\rوفيه بعض تلخيص ، ولا يظهر هذا التدريج من اللفظ ، ولكنْ هذه حكمة تقديم هذه الأوامر بعضها على بعض.\rأمر أولاً بالعفو عنهم ، إذ عفوه عنهم مسقط لحقه ، ودليل على رضاه صلى الله عليه وسلم عليهم ، وعدم مؤاخذته.\rولما سقط حقه بعفوه استغفر لهم الله ليكمل لهم صفحه وصفح الله عنهم ، ويحصل لهم رضاه صلى الله عليه وسلم ورضا الله تعالى.\rولما زالت عنهم التبعات من الجانبين شاورهم إيذاناً بأنهم أهل للمحبة الصادقة والخلة الناصحة ، إذ لا يستشير الإنسان إلا من كان معتقداً فيه المودة والعقل والتجربة.\rوالظاهر أن قوله : فاعف عنهم أمرٌ له بالعفو.\rوقيل : معناه سلني العفو عنهم لأعفو عنهم ، والمعفو عنه والمسؤول الاستغفار لأجله.\rقيل : فرارهم يوم أحد ، وترك إجابته ، وزوال الرّماة عن مراكزهم.","part":17,"page":402},{"id":7436,"text":"وقيل : ما يبدون من هفواتهم وألسنتهم من السقطات التي لا يعتقدونها ، كمناداتهم من وراء الحجرات.\rوقول بعضهم : إنْ كان ابن عمتك وجر رداءه حتى أثر في عنقه ، وغير ذلك مما وقع منهم على سبيل الهفوة.\rومن غريب النقول والمقول وضعيفه الذي ينزه عنه القرآن قول بعضهم : أن قوله تعالى : { وشاورهم في الأمر } ، أنه من المقلوب ، والمعنى : وليشاوروك في الأمر. أ هـ {البحر المحيط حـ 3 صـ 104}\rفصل\rقال الفخر :\rظاهر الأمر للوجوب فقوله : {وَشَاوِرْهُمْ} يقتضي الوجوب ، وحمل الشافعي رحمه الله ذلك على الندب فقال هذا كقوله عليه الصلاة والسلام : \" البكر تستأمر في نفسها \" ولو أكرهها الأب على النكاح جاز ، لكن الأولى ذلك تطييبا لنفسها فكذا ههنا. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 9 صـ 55}\rفصل\rقال الفخر :\rروى الواحدي في الوسيط عن عمرو بن دينار عن ابن عباس أنه قال : الذي أمر النبي صلى الله عليه وسلم بمشاورته في هذه الآية أبو بكر وعمر رضي الله عنهما ، وعندي فيه إشكال ، لأن الذين أمر الله رسوله بمشاورتهم في هذه الآية هم الذين أمره بأن يعفو عنهم ويستغفر لهم وهم المنهزمون ، فهب أن عمر كان من المنهزمين فدخل تحت الآية ، إلا أن أبا بكر ما كان منهم فكيف يدخل تحت هذه الآية ، والله أعلم. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 9 صـ 55}","part":17,"page":403},{"id":7437,"text":"كلام نفيس للعلامة الجصاص\rقال عليه الرحمة :\rقَوْله تَعَالَى : { وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ }.\rاخْتَلَفَ النَّاسُ فِي مَعْنَى أَمْرِ اللَّهِ تَعَالَى إيَّاهُ بِالْمُشَاوَرَةِ مَعَ اسْتِغْنَائِهِ بِالْوَحْيِ عَنْ تَعَرُّفِ صَوَابِ الرَّأْيِ ، مِنْ الصَّحَابَةِ ، فَقَالَ قَتَادَةُ وَالرَّبِيعُ بْنُ أَنَسٍ وَمُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ : \" إنَّمَا أَمَرَهُ بِهَا تَطْيِيبًا لِنُفُوسِهِمْ وَرَفْعًا مِنْ أَقْدَارِهِمْ إذْ كَانُوا مِمَّنْ يُوثَقُ بِقَوْلِهِ وَيُرْجَعُ إلَى رَأْيِهِ \".\rوَقَالَ سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ : \" أَمَرَهُ بِالْمُشَاوَرَةِ لِتَقْتَدِي بِهِ أُمَّتُهُ فِيهَا وَلَا تَرَاهَا مُنْقِصَةً كَمَا مَدَحَهُمْ اللَّهُ تَعَالَى بِأَنَّ أَمْرَهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ \" وَقَالَ الْحَسَنُ وَالضَّحَّاكُ : \" جَمَعَ لَهُمْ بِذَلِكَ الْأَمْرَيْنِ جَمِيعًا ، فِي الْمُشَاوَرَةِ لِيَكُونَ لِإِجْلَالِ الصَّحَابَةِ وَلِتَقْتَدِيَ الْأُمَّةُ بِهِ فِي الْمُشَاوَرَةِ \".","part":17,"page":404},{"id":7438,"text":"وَقَالَ بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ : \" إنَّمَا أَمَرَهُ بِالْمُشَاوَرَةِ فِيمَا لَمْ يَنُصَّ لَهُ فِيهِ عَلَى شَيْءٍ بِعَيْنِهِ \" فَمِنْ الْقَائِلِينَ بِذَلِكَ مَنْ يَقُولُ : إنَّمَا هُوَ فِي أُمُورِ الدُّنْيَا خَاصَّةً وَهُمْ الَّذِينَ يَأْبَوْنَ أَنْ يَكُونَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ شَيْئًا مِنْ أُمُورِ الدِّينِ مِنْ طَرِيقِ الِاجْتِهَادِ ، وَإِنَّمَا هُوَ فِي أُمُورِ الدُّنْيَا خَاصَّةً ، فَجَائِزٌ أَنْ يَكُونَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَسْتَعِينُ بِآرَائِهِمْ فِي ذَلِكَ وَيَتَنَبَّهَ بِهَا عَلَى أَشْيَاءَ مِنْ وُجُوهِ التَّدْبِيرِ مَا جَائِزٌ أَنْ يَفْعَلَهَا لَوْلَا الْمُشَاوَرَةُ وَاسْتِشَارَةُ آرَاءِ الصَّحَابَةِ ؛ وَقَدْ أَشَارَ الْحُبَابُ بْنُ الْمُنْذِرِ يَوْمَ بَدْرٍ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالنُّزُولِ عَلَى الْمَاءِ فَقَبِلَ مِنْهُ ، وَأَشَارَ عَلَيْهِ السَّعْدَانُ سَعْدُ بْنُ مُعَاذٍ وَسَعْدُ بْنُ عِبَادَةَ يَوْمَ الْخَنْدَقِ بِتَرْكِ مُصَالَحَةِ غَطَفَانَ عَلَى بَعْضِ ثِمَارِ الْمَدِينَةِ لِيَنْصَرِفُوا فَقَبِلَ مِنْهُمْ ، وَخَرَقَ الصَّحِيفَةَ ، فِي أَشْيَاءَ مِنْ نَحْوِ هَذَا مِنْ أُمُورِ الدُّنْيَا.\rوَقَالَ آخَرُونَ : كَانَ مَأْمُورًا بِمُشَاوَرَتِهِمْ فِي أُمُورِ","part":17,"page":405},{"id":7439,"text":"الدِّينِ وَالْحَوَادِثِ الَّتِي لَا تَوْقِيفَ فِيهَا عَنْ اللَّهِ تَعَالَى ، وَفِي أُمُورِ الدُّنْيَا أَيْضًا مِمَّا طَرِيقُهُ الرَّأْيُ وَغَالِبُ الظَّنِّ ؛ وَقَدْ شَاوَرَهُمْ يَوْمَ بَدْرٍ فِي الْأُسَارَى وَكَانَ ذَلِكَ مِنْ أُمُورِ الدِّينِ ، وَكَانَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إذَا شَاوَرَهُمْ فَأَظْهَرُوا آرَاءَهُمْ ارْتَأَى مَعَهُمْ وَعَمِلَ بِمَا أَدَّاهُ إلَيْهِ اجْتِهَادُهُ ، وَكَانَ فِي ذَلِكَ ضُرُوبٌ مِنْ الْفَوَائِدِ : أَحَدُهَا : إعْلَامُ النَّاسِ أَنَّ مَا لَا نَصَّ فِيهِ مِنْ الْحَوَادِثِ فَسَبِيلُ اسْتِدْرَاكِ حُكْمِهِ الِاجْتِهَادُ وَغَالِبُ الظَّنِّ.\rوَالثَّانِي : إشْعَارُهُمْ بِمَنْزِلَةِ الصَّحَابَةِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَأَنَّهُمْ أَهْلُ الِاجْتِهَادِ وَجَائِزٌ اتِّبَاعُ آرَائِهِمْ ؛ إذْ رَفَعَهُمْ اللَّهُ إلَى الْمَنْزِلَةِ الَّتِي يُشَاوِرُهُمْ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَيَرْضَى اجْتِهَادَهُمْ وَتَحَرِّيَهُمْ لِمُوَافَقَةِ النُّصُوصِ مِنْ أَحْكَامِ اللَّهِ تَعَالَى.\rوَالثَّالِثُ : أَنَّ بَاطِنَ ضَمَائِرِهِمْ مَرْضِيٌّ عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى لَوْلَا ذَلِكَ لَمْ يَأْمُرْهُ بِمُشَاوَرَتِهِمْ ، فَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى يَقِينِهِمْ وَصِحَّةِ إيمَانِهِمْ وَعَلَى مَنْزِلَتِهِمْ مَعَ ذَلِكَ مِنْ الْعِلْمِ وَعَلَى تَسْوِيغِ الِاجْتِهَادِ فِي أَحْكَامِ الْحَوَادِثِ الَّتِي لَا نُصُوصَ فِيهَا لِتَقْتَدِي بِهِ الْأُمَّةُ بَعْدَهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي مِثْلِهِ.","part":17,"page":406},{"id":7440,"text":"وَغَيْرُ جَائِزٍ أَنْ يَكُونَ الْأَمْرُ بِالْمُشَاوَرَةِ عَلَى جِهَةِ تَطْيِيبِ نُفُوسِهِمْ وَرَفْعِ أَقْدَارِهِمْ وَلِتَقْتَدِيَ الْأُمَّةُ بِهِ فِي مِثْلِهِ ؛ لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ مَعْلُومًا عِنْدَهُمْ أَنَّهُمْ إذَا اسْتَفْرَغُوا مَجْهُودَهُمْ فِي اسْتِنْبَاطِ مَا شُووِرُوا فِيهِ وَصَوَابِ الرَّأْيِ فِيمَا سُئِلُوا عَنْهُ ، ثُمَّ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ مَعْمُولًا عَلَيْهِ وَلَا مُتَلَقَّى مِنْهُ بِالْقَبُولِ بِوَجْهٍ ، لَمْ يَكُنْ فِي ذَلِكَ تَطْيِيبُ نُفُوسِهِمْ وَلَا رَفْعٌ لِأَقْدَارِهِمْ بَلْ فِيهِ إيحَاشُهُمْ فِي إعْلَامِهِمْ بِأَنَّ آرَاءَهُمْ غَيْرُ مَقْبُولَةٍ وَلَا مَعْمُولٌ عَلَيْهَا.\rفَهَذَا تَأْوِيلٌ سَاقِطٌ لَا مَعْنَى لَهُ ، فَكَيْفَ","part":17,"page":407},{"id":7441,"text":"يَسُوغُ تَأْوِيلُ مَنْ تَأَوَّلَهُ لِتَقْتَدِي بِهِ الْأُمَّةُ مَعَ عِلْمِ الْأُمَّةِ عِنْدَ هَذَا الْقَائِلِ بِأَنَّ هَذِهِ الْمَشُورَةَ لَمْ تُفِدْ شَيْئًا وَلَمْ يُعْمَلْ فِيهَا بِشَيْءٍ أَشَارُوا بِهِ فَإِنْ كَانَ عَلَى الْأُمَّةِ الِاقْتِدَاءُ بِهِ فِيهَا فَوَاجِبٌ عَلَى الْأُمَّةِ أَيْضًا أَنْ يَكُونَ تَشَاوُرُهُمْ فِيمَا بَيْنَهُمْ عَلَى هَذَا السَّبِيلِ وَأَنْ لَا تُنْتِجَ الْمَشُورَةُ رَأْيًا صَحِيحًا وَلَا قَوْلًا مَعْمُولًا ؛ لِأَنَّ مُشَاوَرَتَهُمْ عِنْدَ الْقَائِلِينَ بِهَذِهِ الْمَقَالَةِ كَانَتْ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ ، فَإِنْ كَانَتْ مَشُورَةُ الْأُمَّةِ فِيمَا بَيْنَهَا تُنْتِجُ رَأْيًا صَرِيحًا وَقَوْلًا مَعْمُولًا عَلَيْهِ فَلَيْسَ فِي ذَلِكَ اقْتِدَاءٌ بِالصَّحَابَةِ عِنْدَ مُشَاوَرَةِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إيَّاهُمْ ، وَإِذْ قَدْ بَطَلَ هَذَا فَلَا بُدَّ مِنْ أَنْ تَكُونَ لِمُشَاوَرَتِهِ إيَّاهُمْ فَائِدَةٌ تُسْتَفَادُ بِهَا وَأَنْ يَكُونَ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَعَهُمْ طَرِيقٌ مِنْ الِارْتِئَاءِ وَالِاجْتِهَادِ ، فَجَائِزٌ حِينَئِذٍ أَنْ تُوَافِقَ آرَاؤُهُمْ رَأْيَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَجَائِزٌ أَنْ يُوَافِقَ رَأْيُ بَعْضِهِمْ رَأْيَهُ وَجَائِزٌ أَنْ يُخَالِفَ رَأْيَ جَمِيعِهِمْ فَيَعْمَلَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حِينَئِذٍ بِرَأْيِهِ ، وَيَكُونُ فِيهِ دَلَالَةٌ عَلَى أَنَّهُمْ لَمْ يَكُونُوا مُعَنِّفِينَ فِي اجْتِهَادِهِمْ بَلْ كَانُوا مَأْجُورِينَ فِيهِ لِفِعْلِهِمْ مَا أُمِرُوا بِهِ ، وَيَكُونُ عَلَيْهِمْ حِينَئِذٍ تَرْكُ آرَائِهِمْ وَاتِّبَاعُ رَأْيِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.","part":17,"page":408},{"id":7442,"text":"وَلَا بُدَّ مِنْ أَنْ تَكُونَ مُشَاوَرَةُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إيَّاهُمْ فِيمَا لَا نَصَّ فِيهِ ؛ إذْ غَيْرُ جَائِزٍ أَنْ يُشَاوِرَهُمْ فِي الْمَنْصُوصَاتِ ، وَلَا يَقُولُ لَهُمْ مَا رَأْيُكُمْ فِي الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ وَالزَّكَاةِ وَصِيَامِ رَمَضَانَ ؟ وَلَمَّا لَمْ يَخُصَّ اللَّهُ تَعَالَى أَمْرَ الدِّينِ مِنْ أُمُورِ الدُّنْيَا فِي أَمْرِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالْمُشَاوَرَةِ وَجَبَ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ فِيهِمَا جَمِيعًا\rوَلِأَنَّهُ مَعْلُومٌ أَنَّ مُشَاوَرَةَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي أَمْرِ الدُّنْيَا إنَّمَا كَانَتْ تَكُونُ فِي مُحَارَبَةِ الْكُفَّارِ وَمُكَابَدَةِ الْعَدُوِّ ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَدْبِيرٌ فِي أَمْرِ دُنْيَاهُ وَمَعَاشِهِ يَحْتَاجُ فِيهِ إلَى مُشَاوَرَةِ غَيْرِهِ لِاقْتِصَارِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ الدُّنْيَا عَلَى الْقُوتِ وَالْكَفَافِ الَّذِي لَا فَضْلَ فِيهِ ، وَإِذَا كَانَتْ مُشَاوَرَتُهُ لَهُمْ فِي مُحَارَبَةِ الْعَدُوِّ وَمُكَابَدَةِ الْحُرُوبِ فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ أَمْرِ الدِّينِ ، وَلَا فَرْقَ بَيْنَ اجْتِهَادِ الرَّأْيِ فِيهِ وَبَيْنَهُ فِي أَحْكَامِ سَائِرِ الْحَوَادِثِ الَّتِي لَا نُصُوصَ فِيهَا ؛ وَفِي ذَلِكَ دَلِيلٌ عَلَى صِحَّةِ الْقَوْلِ بِاجْتِهَادِ الرَّأْيِ فِي أَحْكَامِ الْحَوَادِثِ وَعَلَى أَنَّ كُلَّ مُجْتَهِدٍ مُصِيبٍ وَعَلَى أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدْ كَانَ يَجْتَهِدُ رَأْيَهُ فِيمَا لَا نَصَّ فِيهِ.","part":17,"page":409},{"id":7443,"text":"وَيَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ قَدْ كَانَ يَجْتَهِدُ رَأْيَهُ مَعَهُمْ وَيَعْمَلُ بِمَا يَغْلِبُ فِي رَأْيِهِ فِيمَا لَا نَصَّ فِيهِ قَوْله تَعَالَى فِي نَسَقِ ذِكْرِ الْمُشَاوَرَةِ : { فَإِذَا عَزَمْت فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ } وَلَوْ كَانَ فِيمَا شَاوَرَ فِيهِ شَيْءٌ مَنْصُوصٌ قَدْ وَرَدَ التَّوْقِيفُ بِهِ مِنْ اللَّهِ لَكَانَتْ الْعَزِيمَةُ فِيهِ مُتَقَدِّمَةً لِلْمُشَاوَرَةِ ؛ إذْ كَانَ وُرُودُ النَّصِّ مُوجِبًا لِصِحَّةِ الْعَزِيمَةِ قَبْلَ الْمُشَاوَرَةِ ، وَفِي ذِكْرِ الْعَزِيمَةِ عَقِيبَ الْمُشَاوَرَةِ دَلَالَةٌ عَلَى أَنَّهَا صَدَرَتْ عَنْ الْمَشُورَةِ وَأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ فِيهَا نَصٌّ قَبْلَهَا. أ هـ {أحكام القرآن للجصاص حـ 2 صـ 329 ـ 331}","part":17,"page":410},{"id":7444,"text":"بحث نفيس\rقال صاحب سراج الملوك :\rفي معرفة خصال ورد الشرع بها فيها نظام الملك والدول\rوهي ثلاثة: اللين وترك الفظاظة والمشاورة، وأن لا يستعمل على الأعمال والولايات راغب فيها ولا طالب لها.\rولما علم الله تعالى ما فيها من انتظام الملة واستقامة الأمر نص عليها الله سبحانه ورسوله.\rاعلم أن هذه الخصال من أساس الممالك وقل من يعمل بها من الملوك، اثنتان نزلتا من السماء وواحدة قالها الرسول صلى الله عليه وسلم: أما الإلهية فقال تعالى: \" فبما رحمة من الله لنت لهم ولو كنت فظاً غليظ القلب لانفضوا من حولك فاعف عنهم واستغفر لهم وشاورهم في الأمر \" آل عمران: 159.\rوفي الآية إشارتان: إحداهما أن الفظاظة تنفر الأصحاب والجلساء وتفرق الجموع والحشم، وإنما الملك ملك بجلسائه وأصحابه وأتباعه وحشمه.\rوأخلق بخصلة تنفر الأولياء وتطمع الأعداء، فقمن بكل سلطان رفضها والاحتراز من سوء مغبتها، ولتكن كما قال الله: \" واخفض جناحك لمن اتبعك من المؤمنين \" الشعراء: 215. وروي أن النبي صلى الله عليه وسلم كان جالساً مع أصحابه، فجاء رجل فقال: أيكم ابن عبد المطلب؟ فقالوا: هذا الأبيض المتكئ. فقال الرجل: يا ابن عبد المطلب، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: قد أجبتك! دل الأثر على أنه ما استأثر بشرف المجلس ولا باينهم بزي ولا مقعد.\rوقد يبلغ باللين ما يبلغ بالغلظة. ألا ترى أن الرياح تهول أصواتها فيتداخل لها الشجر وتنعطف الأفنان والأغصان، وفي الفرط تنكسر الأغصان، والماء بلينه في أصول الشجر يقلعها من أصلها. وإذا كانت الحية مع صعوبتها وسمها وتغيبها في حجرها ترقى بالكلام حتى تستعطف فتخرج، فالإنسان أحرى أن يستمال بلين القول وحسن المنطق، فإذا أردت أن تنتقم ممن يسيء إليك فكافئه بكل كلمة سوء قالها كلمة جميلة وحسن ثناء عليه.","part":17,"page":411},{"id":7445,"text":"والإشارة الثانية أنه قال: \" وشاورهم في الأمر \" آل عمران: 159.\rفإذا قيل لنا: كيف يشاورهم وهو نبيهم وإمامهم، وواجب عليهم مشاورته وأن لا يفصلوا أمراً دونه؟ قلنا: هذا أدب أدب الله به نبيه عليه السلام، وجعله مأدبة لسائر الملوك والأمراء والسلاطين.\rلما علم الله تعالى ما في المشاورة من حسن الأدب مع الجليس ومساهمته في الأمور، فإن نفوس الجلساء والنصحاء والوزراء تصلح عليه وتميل إليه وتخضع عنوة بين يديه، شرعه لنبيه صلى الله عليه وسلم ولذي الإمرة من أهل ملته. ألا ترى أن النبي صلى الله عليه وسلم كان في غزوة، فأمرهم بالنزول فقال له سعد: يا رسول الله إن كان هذا بأمرك فسمعاً وطاعة، وإن يكن غير ذلك فليس بمنزل. فسمع منه النبي صلى الله عليه وسلم وقال: ارتحلوا! ومن أقبح ما يوصف به الرجال، ملوكاً كانوا أو سوقة، الاستبداد بالرأي وترك المشاورة، وسنعقد للمشاورة باباً إن شاء الله تعالى.\rوالخصلة الثالثة ما روى البخاري ومسلم أن رجلاً قال: يا رسول الله استعملني. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: إنا لا نستعمل على عملنا من أراده.\rوالسر فيه أن الولايات أمانات وتصريف في أرواح الخلائق وأموالهم، والتسرع إلى الأمانة دليل على الخيانة، وإنما يخطبها من يريد أكلها، فإذا أؤتمن خائن على موضع الأمانات كان كمن استرعى الذئب على الغنم. ومن هذه الخصلة تفسد قلوب الرعايا على ملوكها، لأنه إذا اهتضمت حقوقهم وأكلت أموالهم فسدت نياتهم، وأطلقوا ألسنتهم بالدعاء والتشكي، وذكروا سائر الملوك بالعدل والإحسان فكانوا كالبيت السائر الذي أنشدناه أولاً.\rوراعي الشاء يحمي الذئب عنها ... فكيف إذا الذئاب لها رعاء؟\rوإذا خان أهل الأمانات وفسد أهل الولايات، كان الأمر كما قال الأول:\rبالملح يصلح ما يخشى تغيره ... فكيف بالملح أن حلت به الغير؟","part":17,"page":412},{"id":7446,"text":"ولغيره في مثل ذلك:\rذئب تراه مصلياً ... فإذا مررت به ركع!\rيدعو وجل دعائه: ... ما للفريسة لا تقع؟\rعجل بها يا ذا العلا ... إن الفؤاد قد انقطع!\rومن أشراط الساعة التصدي للأمانة وخطبة الولاية. وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: من أشراط الساعة أن تكون الزكاة مغرماً والأمانة مغنماً، فحينئذ يدعو عليه الضعيف وأهل الصلاح ويقعد له الشرير بالمراصد ويخامر عليه القوي، ويقبح ثناؤه عند الجماعة ويتمنوا الراحة منه، وينتظرون من يصلح لها سواه. أ هـ { سراج الملوك / للطرطوشي صـ 40 ـ 41}","part":17,"page":413},{"id":7447,"text":"فائدة\rقال الشيخ الشنقيطى :\rقوله تعالى : { فاعف عَنْهُمْ واستغفر لَهُمْ } الآية.\rقد قدمنا في سورة الفاتحة في الكلام على قوله تعالى : { صِرَاطَ الذين أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ } [ الفاتحة : 7 ] أن الجموع المذكرة ونحوها مما يختص بجماعة العقلاء من الذكور إذا وردت في كتاب الله تعالى أو سنة نبيه صلى الله عليه وسلم اختلف العلماء فيها هل يدخل فيها النساء أو لا يدخلن ؟ إلا بدليل على دخولهن وبذلك تعلم أن قوله تعالى : { واستغفر لَهُمْ } يحتمل دخول النساء فيه وعدم دخولهن بناء على الاختلاف المذكور ولكنه تعالى بين في موضع آخر أنهن داخلات في جملة مَنْ أَمَرَ صلى الله عليه وسلم بالاستغفار لهم وهو قوله تعالى : { فاعلم أَنَّهُ لاَ إله إِلأ الله واستغفر لِذَنبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ والمؤمنات } [ محمد : 19 ]. أ هـ {أضواء البيان حـ 1 صـ 253}\rقوله تعالى {فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى الله}\rقال الفخر :\rالمعنى أنه إذا حصل الرأي المتأكد بالمشورة فلا يجب أن يقع الاعتماد عليه بل يجب أن يكون الاعتماد على إعانة الله وتسديده وعصمته ، والمقصود أن لا يكون للعبد اعتماد على شيء إلا على الله في جميع الأمور. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 9 صـ 55}\rقال القرطبى :\rقوله تعالى : { فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى الله } قال قتادة : أمر الله تعالى نبيّه عليه السلام إذا عزم على أمر أن يَمضِيَ فيه ويتوكّل على الله ، لا على مشاورتهم.\rوالعزم هو الأمر المُرَوَّى المنقّح ، وليس ركوب الرأي دون رَوِية عزماً ، إلا على مقْطع المُشِيحين من فُتّاك العرب ؛ كما قال :\rإذا همَّ ألقَى بين عينَيْهِ عزمَهُ . . .\rونَكّب عن ذِكر العواقِب جانِبَا\rولم يستشِر في رأيه غيرَ نفسِه . . .\rولم يَرض إلا قائمَ السّيفِ صاحِبَا\rوقال النّقاش : العزم والحزم واحد ، والحاء مُبْدلة من العين.","part":17,"page":414},{"id":7448,"text":"قال ابن عطية : وهذا خطأ ؛ فالحزم جودة النّظر في الأمر وتنقيحُه والحذرُ من الخطأ فيه.\rوالعزمُ قصدُ الإمضاء ؛ والله تعالى يقول : { وَشَاوِرْهُمْ فِي الأمر فَإِذَا عَزَمْتَ }.\rفالمشاورة وما كان في معناها هو الحزم.\rوالعرب تقول : قد أَحْزُم لو أعْزِم.\rوقرأ جعفر الصادق وجابر بن زيد : \"فَإذَا عَزَمْتُ\" بضم التاء.\rنسب العزم إلى نفسه سبحانه إذ هو بهدايته وتوفيقه ؛ كما قال : { وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ ولكن الله رمى } [ الأنفال : 17 ].\rومعنى الكلام أي عزمتُ لك ووفّقتك وأرشدتك \"فتوكل على اللَّهِ\".\rوالباقون بفتح التاء.\rقال المُهَلَّب.\rوامتثل هذا النبيُّ صلى الله عليه وسلم من أمر ربِّه فقال : \" لا ينبغي لنبيّ يلبَس لأُمَتَه أن يضعها حتى يحكم الله \" أي ليس ينبغي له إذا عزم أن ينصرف ؛ لأنه نقضٌ للتوكُّل الذي شرطه الله عز وجل مع العزيمة.\rفلُبْسه لأُمَتهُ صلى الله عليه وسلم حين أشار عليه بالخروج يوم أُحُد مَن أكرمه الله بالشهادة فيه ، وهم صلحاء المؤمنين ممن كان فاتته بَدْرٌ : يا رسول الله اخرج بنا إلى عدوّنا ؛ دالّ على العزيمة.\rوكان صلى الله عليه وسلم أشار بالقعود ، وكذلك عبد الله بن أُبَيّ أشار بذلك وقال : أقم يا رسول الله ولا تخرج إليهم بالناس ، فإنْ هم أقاموا أقاموا بشرّ مجلس ، وإن جاءونا إلى المدينة قاتلناهم في الأفنية وأفواه السِّكك ، ورماهم النساء والصبيان بالحجارة من الآطام ، فوالله ما حار بنَا قطٌ عدوٌّ في هذه المدينة إلا غلبناه ، ولا خرجنا منها إلى عدوّ إلا غَلَبنا.\rوأبَى هذا الرأيَ من ذكرنا ، وشجّعوا الناس ودَعَوْا إلى الحرب.\r","part":17,"page":415},{"id":7449,"text":"فصلى رسول الله صلى الله عليه وسلم الجمعة ، ودخل إثر صلاته بيتَه ولبِس سلاحه ، فندم أُولئك القوم وقالوا : أكرهْنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ؛ فلما خرج عليهم في سلاحه قالوا : يا رسول الله ، أقِم إن شئت فإنا لا نريد أن نُكرهَك ، فقال النبيّ صلى الله عليه وسلم : \" لا ينبغي لنبيّ إذا لبِس سلاحه أن يضعها حتى يقاتل \". أ هـ {تفسير القرطبى حـ 4 صـ 252 ـ 253}. بتصرف.\rوقال العلامة ابن عاشور :\rوقد دلّت الآية على أن الشُّورى مأمور بها الرسُول صلى الله عليه وسلم فيما عبّر عنه بـ ( الأمر ) وهو مُهمّات اللأمّة ومصالحها في الحرب وغيره ، وذلك في غير أمر التَّشريع لأنّ أمر التَّشريع إن كان فيه وحي فلا محيد عنه ، وإن لم يكن فيه وحي وقلنا بجواز الاجتهاد للنَّبيء صلى الله عليه وسلم في التَّشريع فلا تدخل فيه الشورى لأنّ شأن الاجتهاد أن يستند إلى الأدلّة لا للآراء ، والمجتهد لا يستشير غيره إلاّ عند القضاء باجتهاده.\rكما فعل عُمر وعُثمان.\rفتعيّن أنّ المشاورة المأمور بها هنا هي المشاورة في شؤون الأمَّة ومصالحها ، وقد أمر الله بها هنا ومدحها في ذكر الأنصار في قوله تعالى : { وأمرهم شورى بينهم } [ الشورى : 38 ] واشترطها في أمر العائلة فقال : { فإن أرادا فصالا عن تراض منهما وتشاور فلا جناح عليهما } [ البقرة : 233 ].\rفشرع بهاته الآيات المشاورة في مراتب المصالح كلّها : وهي مصالح العائلة ومصالح القبيلة أو البلد ، ومصالح الأمَّة.\rواختلف العلماء في مدلول قوله : { وشاورهم } هل هو للوجوب أو للندب ، وهل هو خاصّ بالرسول عليه الصلاة السَّلام ، أو عامّ له ولولاة أمور الأمَّة كلّهم.","part":17,"page":416},{"id":7450,"text":"فَذهب المالكية إلى الوجوب والعموم ، قال ابن خُوَيْز منداد : واجب على الولاة المشاورة ، فيُشاورون العلماء فيما يشكل من أمور الدّين ، ويشاورون وجوه الجيش فيما يتعلّق بالحرب ، ويشاورون وجوه النَّاس فيما يتعلَّق بمصالحهم ويشاورون وجوه الكتّاب والعمّال والوزراء فيما يتعلّق بمصالح البلاد وعمارتها.\rوأشار ابن العربي إلى وجوبها بأنَّها سبب للصّواب فقالَ : والشورى مِسبار العقل وسبب الصّواب.\rيشير إلى أنَّنا مأمورون بتحرّي الصّواب في مصالح الأمَّة ، وما يتوقّف عليه الواجب فهو واجب.\rوقال ابن عطية : الشورى من قواعد الشَّريعة وعزائم الأحكام ، ومن لا يستشير أهل العلم والدين فعزله واجب ، وهذا ما لا اختلاف فيه.\rواعتراض عليه ابن عرفة قوله : فعزله واجب ولم يعترض كونَها واجبة ، إلاّ أنّ ابن عطية ذكر ذلك جازماً به وابن عرفة اعترضه بالقياس على قول علماء الكلام بعدم عزل الأمير إذا ظهر فسقه ، يعني ولا يزيد تركُ الشورى على كونه تركَ واجب فهو فسق.\rوقلت : من حفظ حجَّة على من لم يحفظ ، وإنّ القياس فيه فارق معتبر فإنّ الفسق مضرّته قاصرة على النفس وترك التشاور تعريض بمصالح المسلمين للخطر والفوات ، ومحمل الأمر عند المالكية للوجوب والأصل عندهم عدم الخصوصية في التَّشريع إلاّ لدليل.\rوعن الشافعي أنّ هذا الأمر للاستحباب ، ولتقتدي به الأمّة ، وهو عامّ للرسول وغيره ، تطييباً لنفوس أصحابه ورفعاً لأقدارهم ، وروى مثله عن قتادة ، والرّبيع ، وابن إسحاق.","part":17,"page":417},{"id":7451,"text":"وردّ هذا أبو بكر أحمدُ بن عليّ الرازي الحنفي المشهور بالجَصّاص بقوله : لو كان معلوماً عندهم أنَّهم إذا استَفرغوا جهدهم في استنباط الصّواب عمَّا سُئِلُوا عنه ، ثُمّ لم يكن معمولاً به ، لم يكن في ذلك تطييب لنفوسهم ولا رفع لأقدارهم ، بل فيه إيحاشُهم فالمشاورة لم تفد شيئاً فهذا تأويل ساقط.\rوقال النووي ، في صدر كتاب الصلاة من \"شرح مسلم\" : الصحيح عندهم وجوبها وهو المختار.\rوقال الفخر : ظاهر الأمر أنَّه للوجوب.\rولم ينسب العلماء للحنفية قولاً في هذا الأمر إلا أنّ الجَصّاص قال في كتابه أحكام القرآن عند قوله تعالى : { وأمرهم شورى بينهم } ) : هذا يدلّ على جلالة وقع المَشُورة لذكرها مع الإيمان وإقامة الصّلاة ويدلّ على أنَّنا مأمورون بها.\rومجموع كلامي الجصّاص يدلّ أن مذهب أبي حنيفة وجوبها.\rومن السلف من ذهب إلى اختصاص الوجوب بالنَّبيء صلى الله عليه وسلم قاله الحسن وسفيان ، قالا : وإنَّما أمر بها ليقتدى به غيره وتشيع في أمَّته وذلك فيما لا وحي فيه.\rوقد استشار النَّبيء صلى الله عليه وسلم أصحابه في الخروج لبدر ، وفي الخروج إلى أحُد ، وفي شأن الأسرى يوم بدر ، واستشار عموم الجيش في رَدِّ سبي هوازن.\rوالظاهر أنَّها لا تكون في الأحكام الشرعية لأنّ الأحكام إن كانت بوحي فظاهر ، وإن كانت اجتهادية ، بناء على جواز الاجتهاد للنَّبيء صلى الله عليه وسلم في الأمور الشرعية ، فالاجتهاد إنَّما يستند للأدلَّة لا للآراء وإذا كان المجتهد من أمَّته لا يستشير في اجتهاده ، فكيف تجب الاستشارة على النَّبيء صلى الله عليه وسلم مع أنَّه لو اجتهد وقلنا بجواز الخطأ عليه فإنَّه لا يُقرّ على خطأ باتّفاق العلماء.","part":17,"page":418},{"id":7452,"text":"ولم يزل من سنّة خلفاء العدل استشارة أهل الرأي في مصالح المسلمين ، قال البخاري في كتاب الاعتصام من \"صحيحه\" : \"وكانت الأئمة بعد النَّبيء صلى الله عليه وسلم يستشيرون الأمناء من أهل العلم ، وكان القُرّاء أصحابَ مشُورة عمَرَ : كُهولاً كانوا أو شُبَّاناً ، وكان وقّافاً عند كتاب الله\".\rوأخرج الخطيب عن عليّ قال : \"قلت : يا رسول الله الأمر ينزل بعدَك لم يَنزل فيه قرآن ولم يسْمع منك فيه شيء قال : اجمعوا له العابِد من أمّتي واجعلوه بينكم شُورى ولا تقضوه برأي واحد\" واستشار أبو بكر في قتال أهل الردّة ، وتشاور الصّحابةُ في أمر الخليفة بعد وفاة النَّبيء صلى الله عليه وسلم وجعل عمر رضي الله عنه الأمر شورى بعده في ستَّة عيّنهم ، وجعل مراقبة الشورى لِخمسين من الأنصار ، وكان عمر يكتب لعمّاله يأمرهم بالتَّشاور ، ويتمثّل لهم في كتابه بقول الشاعر ( لم أقف على اسمه ) : \rخَلِيلَيّ ليسَ الرأيُ في صَدرِ واحد...\rأشِيرا عَلَيّ بالَّذِي تَرَيَانِ\rهذا والشورى ممَّا جبل لله عليه الإنسان في فطرته السليمة أي فطره على محبّة الصلاح وتطلّب النجاح في المساعي ، ولذلك قرن الله تعالى خلق أصل البشر بالتَّشاور في شأنه إذ قال للملائكة : { إني جاعل في الأرض خليفة } [ البقرة : 30 ] ، إذ قد غَنِي الله عن إعانة المخلوقات في الرأي ولكنَّه عرض على الملائكة مراده ليكون التَّشاور سنّة في البشر ضرورة أنّه مقترن بتكوينه ، فإنّ مقارنة الشيء للشيء في أصل التكوين يوجب إلفه وتعارفه ، ولمَّا كانت الشورى معنى من المعاني لا ذات لها في الوجود جعل الله إلفها للبشر بطريقة المقارنة في وقت التكوين.","part":17,"page":419},{"id":7453,"text":"ولم تزل الشورى في أطوار التاريخ رائجة في البشر فقد استشار فرعون في شأن موسى عليه السَّلام فيما حكى الله عنه بقوله : { فماذا تأمرون } [ الأعراف : 110 ].\rواستشارت بلقيس في شأن سليمان عليه السلام فيما حكى الله عنها بقوله : { قالت يأيها الملأ أفتوني في أمري ما كنت قاطعة أمرا حتى تشهدون وإنَّما يلهي النَّاس عنها حبّ الاستبداد ، وكراهية سماع ما يخالف الهوى ، وذلك من انحراف الطبائع وليس من أصل الفطرة ، ولذلك يهرع المستبدّ إلى الشورى عند المضائق.\rقال ابن عبد البرّ في بهجة المجالس : الشورى محمودة عند عامّة العلماء ولا أعلم أحداً رضِي الاستبداد إلاّ رجل مفتون مخادع لمن يطلب عنده فائدة ، أو رجل فاتك يحاول حين الغفلة ، وكلا الرجلين فاسق.\rومثَل أوّلهما قول عمر بن أبي ربيعة :\rواستَبَدّت مَرّة واحِدة...\rإنَّمَا العَاجِز مَن لا يستبدّ\rومَثل ثانيهما قول سَعْد بن نَاشِب :\rإذا هَمّ ألقَى بين عينيه عزمه...\rونَكَّب عن ذِكْر العواقب جانباً\rولم يستَشِرْ في أمره غَير نفسه...\rولم يَرْضَ إلا قَائم السيف صاحباً\rومن أحسن ما قيل في الشورى قول بشار بن برد :\rإذا بَلغ الرأيُ المَشُورة فاستَعن...\rبحزم نصيح أو نصيحة حازم\rولا تحسب الشُورى عليك غضاضة...\rمَكانُ الخَوافي قُوّة للقَوادِم\rوهي أبيات كثيرة مثبتة في كتب الأدب. أ هـ {التحرير والتنوير حـ 3 صـ 267 ـ 270}\rفصل\rقال الفخر :\rدلت الآية على أنه ليس التوكل أن يهمل الإنسان نفسه ، كما يقوله بعض الجهال ، وإلا لكان الأمر بالمشاورة منافياً للأمر بالتوكل ، بل التوكل هو أن يراعي الإنسان الأسباب الظاهرة ، ولكن لا يعول بقلبه عليها ، بل يعول على عصمة الحق. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 9 صـ 55}","part":17,"page":420},{"id":7454,"text":"فصل\rقال القرطبى :\rقوله تعالى : { فَتَوَكَّلْ عَلَى الله إِنَّ الله يُحِبُّ المتوكلين } التوكّل : الاعتماد على الله مع إظهار العجز ، والاسم التُّكْلان.\rيقال منه : اتكلت عليه في أمري ، وأصله : \"أوْ تَكَلْت\" قلبت الواو ياء لانكسار ما قبلها ، ثم أبدلت منها التاء وأدغمت في تاء الافتعال.\rويقال : وكّلته بأمري توكيلاً ، والاسم الوِكَالة بكسر الواو وفتحها.\rواختلف العلماء في التوكل ؛ فقالت طائفة من المتصوّفة : لا يستحقه إلا من لم يخالط قلبَه خوفُ غير الله من سَبُع أو غيره ، وحتى يترك السعي في طلب الرزق لضمان الله تعالى.\rوقال عامّة الفقهاء.\rما تقدّم ذكره عند قوله تعالى : { وَعَلَى الله فَلْيَتَوَكَّلِ المؤمنون }.\rوهو الصحيح كما بيناه.\rوقد خاف موسى وهارون بإخبار الله تعالى عنهما في قوله { لاَ تَخَافَا }.\rوقال : { فَأَوْجَسَ فِي نَفْسِهِ خِيفَةً موسى * قُلْنَا لاَ تَخَفْ } [ طاه : 69 ].\rوأخبر عن إبراهيم بقوله : { فَلَمَّا رَأَى أَيْدِيَهُمْ لاَ تَصِلُ إِلَيْهِ نَكِرَهُمْ وَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً قَالُواْ لاَ تَخَفْ } [ هود : 70 ].\rفإذا كان الخليل وموسى والكليم قد خافا وحسبك بهما فغيرهما أولى. أ هـ {تفسير القرطبى حـ 4 صـ 253}\rوقال العلامة ابن عطية :\rوالتوكُّل على اللَّه سبحانه وتعالى مِنْ فروض الإيمانِ وفصولِهِ ، ولكنَّه مقترنٌ بالجِدِّ في الطاعاتِ ، والتَّشْميرِ والحَزَامَةِ بغايةِ الجُهْدِ ، وليس الإلقاء باليدِ وما أشبهه بتوكُّل ، وإنما هو كما قال عليه السلام : \" قَيِّدْهَا وَتَوَكَّلْ \". أ هـ {المحرر الوجيز حـ 1 صـ 534}","part":17,"page":421},{"id":7455,"text":"فصل\rقال الفخر :\rحكي عن جابر بن زيد أنه قرأ {فَإِذَا عَزَمْتَ} بضم التاء ، كأن الله تعالى قال للرسول إذا عزمت أنا فتوكل ، وهذا ضعيف من وجهين : الأول : وصف الله بالعزم غير جائز ، ويمكن أن يقال : هذا العزم بمعنى الايجاب والالزام ، والمعنى وشاورهم في الأمر ، فإذا عزمت لك على شيء وأرشدتك إليه.\rفتوكل علي ، ولا تشاور بعد ذلك أحدا.\rوالثاني : أن القراءة التي لم يقرأ بها أحد من الصحابة لا يجوز إلحاقها بالقرآن ، والله أعلم. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 9 صـ 56}\rقوله تعالى : {إِنَّ الله يُحِبُّ المتوكلين}\rقال الفخر :\r{إِنَّ الله يُحِبُّ المتوكلين} والغرض منه ترغيب المكلفين في الرجوع إلى الله تعالى والإعراض عن كل ما سوى الله. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 9 صـ 56}\rفوائد لغوية\rقال ابن عادل :\rفي \" ما \" وجهان : أحدهما : أنها زائدة للتوكيد ، والدلالة على أن لِينَهُ لَهُمْ ما كان إلا برحمة من اللهِ ، نظيره قوله : { فَبِمَا نَقْضِهِم مِّيثَاقَهُمْ } [ المائدة : 13 ] وقوله : { عَمَّا قَلِيلٍ } [ المؤمنون : 40 ] وقوله : { جُندٌ مَّا هُنَالِكَ } [ ص : 11 ] وقوله : { مِّمَّا خطيائاتهم أُغْرِقُواْ } [ نوح : 25 ]. والعربُ قد تريد في الكلام -للتأكيد- ما يستغنى عنه ، قال تعالى : { فَلَمَّآ أَن جَآءَ البشير أَلْقَاهُ على وَجْهِهِ } [ يوسف : 96 ] فزاد \" أن \" للتأكيد.\rوقال المحققون : دخول اللفظ المهمل الوضع في كلام أحكم الحاكمين -غيرُ جائزٍ ، بل تكون غير مزيدة ، وإنما هي نكرة ، وفيها وجهان :\rالأول : أنها موصوفة بـ \" رَحْمَةٍ \" أي : فبشيء رحمة.\rالثاني : أنها غير موصوفة ، و\" رَحْمَةٍ \" بدل منها ، نقله مكيٌّ عن ابن كَيْسَان.\rونقل أبو البقاءِ عن الأخفش وغيره : أنها نكرة موصوفة ، \" رَحْمَةٍ \" بدل منها ، كأنه أبهم ، ثم بين بالإبدال.","part":17,"page":422},{"id":7456,"text":"وقال ابن الخطيب : \" يجوز أن تكون \" مَا \" استفهاماً للتعجب ، تقديره : فبأي رَحْمَةٍ مِنَ اللهِ لِنْتَ لَهُمْ ، وذلك ؛ لأن جنايتهم لما كانت عظيمة -ثم إنه ما أظهر -ألبتة- تغليظاً في القول ، ولا خشونة في الكلام -علموا أن هذا لا يتأتى إلا بتأييد ربانيٍّ وتسديدٍ إلهيٍّ فكان ذلك موضع التعجب \".\rورد عليه أبو حيّان بأنه لا يخلو إما أن يجعل \" ما \" مضافة إلى \" رَحْمَةٍ \" -وهو ظاهر تقديره- فيلزم إضافة \" ما \" الاستفهامية ، وقد نصوا على أنه لا يضاف من أسماء الاستفهام إلا \" أي \" اتفاقاً و\" كم \" عند الزَّجَّاج- وإما أن لا يجعلها مضافة ، فتكون \" رَحْمَةٍ \" بدلاً منها ، وحينئذٍ يلزم إعادة حرف الاستفهام في البدل ، كما قرره النحويون. ثم قال : \" وهذا الرجلُ لاحظ المعنى ، ولم يلتفت إلى ما تقرر في علم النحو من أحكام الألفاظ ، وكان يغنيه عن هذا الارتباك ، والتسلق إلى ما لا يحسنه والتصوُّر عليه قول الزجاج -في \" ما \" هذه : إنها صلة ، فيها معنى التأكيدِ بإجماع النحويينَ.\rوليس لقائل أن يقولَ : له أن يجعلها غير مضافةٍ ، ولا يجعل \" رَحْمَةٍ \" بدلاً - حالا يلزم إعادة حرف الاستفهام- بل يجعلها صفة ، لأن \" ما \" الاستفهامية لا توصف وكأن من يدعي فيها أنها غير مزيدة يفر من هذه العبارة في كلام الله تعالى ، وإليه ذهب أبو بكر الزبيديُّ ، فكان لا يُجَوِّزُ أن يقال -في القرآن- : هذا زائد أصلاً.\rوهذا فيه نظرٌ ؛ لأن القائلين يكون هذا زائداً لا يَعْنون أنه يجوز سقوطه ، ولا أنه مُهْمَلٌ لا معنى له بل يقولون : زائد للتوكيدِ ، فله أسوةٌ بشائرِ ألفاظِ التوكيدِ الواقعة في القرآن. و\" ما \" كما تُزاد بين الباء ومجرورها ، تزاد أيضاً بين \" من \" و\" عَنْ \" والكاف ومجرورها.\r","part":17,"page":423},{"id":7457,"text":"قال مكيٌّ : \" ويجوز رفع \" رحمة \" على أن تجعل \" ما \" بمعنى الذي ، وتضمر \" هُوَ \" في الصلة وتحذفها ، كما قرئ : { تَمَاماً عَلَى الذي أَحْسَنَ } [ الأنعام : 154 ]. فقوله : ويجوزُ يعني من حيث الصناعةِ ، وأما كونها قراءة ، فلا نحفظها.\rقوله : { وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ القلب لاَنْفَضُّواْ مِنْ حَوْلِكَ } الفظاظةُ : الجفوة في المعاشرة قولاً وفعلاً ، قال الشَّاعرُ : [ البسيط ]\rأخشَى فَظَاظَةَ عَمٍّ ، أوْ جَفَاءَ أخ... وَكُنْتُ أخْشَى عَلَيْهَا مِنْ أذَى الْكَلم\rوالغلظُ : كبر الإجرام ، ثم تجوز به في عدم الشفقة ، وكثرة القسوةِ في القلب.\rقال الشاعرُ : [ البسيط ]\rيُبْكَى عَلَيْنَا وَلاَ نَبْكِي عَلَى أحَدٍ... ونَحْنُ أغْلَظُ أكْبَاداً مِنَ الإبِلِ\rوقال الراغبُ : الفَظَّ : هو الكريه الخُلُق ، وقال الواحديُّ : الفَظُّ : الغليظُ الجانبِ ، السيِّء الخُلُق وهو مستعارٌ من الفَظِّ ، وهو ماء الكرش ، وهو مكروه شُربه إلا في ضرورة.\rوقال الراغبُ : الغَلِظ : ضد الرِّقَّةِ ، ويقال : غلظ بالكسر والضم وعن الغِلْظة تنشأ الفظاظة.\rفإن قيل : إذا كانت الفظاظةُ تنشأُ عن الغلظة ، فلم قُدَِّمَتْ عَلِيْهَا ؟\rفالجوابُ : قُدِّم ما هو ظاهر للحس على ما خافٍ في القلب ؛ لأن الفظاظة : الجفوة في العِشْرَة قولاً وفعلاً -كما تقدم- والغلظة : قساوة القلب ، وهذا أحسن من قول من جعلهما بمعنى ، وجمع بينهما تأكيداً. وأما الانفضاض والغضّ فهو تفرُّق الأجزاء وانتشارها. ومنه فضَّ ختم الكتاب ، ثم استُعِير منه انفضاض الناس ، قال تعالى : { وَإِذَا رَأَوْاْ تِجَارَةً أَوْ لَهْواً انفضوا إِلَيْهَا } [ الجمعة : 11 ] ومنه يقال : لا يفضض اللهُ فاك.\r","part":17,"page":424},{"id":7458,"text":"قوله : { وَشَاوِرْهُمْ فِي الأمر } يقال شاورهم مشاورة وشِوَاراً وَمَشورة ، والقوم شورى ، وهي مصدر ، سمي القوم بها ، كقوله : { وَإِذْ هُمْ نجوى } [ الإسراء : 47 ] قيل : المشاورة : مأخوذة من قولهم : شُرتُ العسل ، أشورُه : إذا أخذته من موضعه واستخرجته.\rوقيل : مأخوذة من قولهم : شربت الدابّة ، شوراً -إذا عرضتها والمكان الذي يعرض فيه الدوابّ يسمى مشواراً ، كأنه بالعرض- يعلم خيره وشرهن فكذلك بالمشاورة يعلم خير الأمور وشرها.\rقوله : { فَإِذَا عَزَمْتَ } الجمهورُ على فتح التاءِ ؛ خطاباً له صلى الله عليه وسلم وقرأ عكرمة وجعفر الصادق -ورُويت عن جابر بن زيد- بضَمِّها. على أنها لله تعالى ، على معنى : فإذا أرشدتك إليه ، وجعلتك تقصده.\rوجاء قوله : من الالتفات ؛ إذ لو جاء على نسقِ هذا الكلام لقيل : فتوكل عليَّ.\rفقد نُسِب العزمُ إليه تعالى في قول أم سلمة : \" ثم عزم الله لي \" وذلك على سبيل المجاز. أ هـ {تفسير ابن عادل حـ 6 صـ 15 ـ 20}. بتصرف.","part":17,"page":425},{"id":7459,"text":"من فوائد الآلوسى فى الآية\rقال رحمه الله :\r{ فَبِمَا رَحْمَةٍ مّنَ الله لِنتَ لَهُمْ } خطاب للنبي صلى الله عليه وسلم والفاء لترتيب مضمون الكلام على ما ينبىء عنه السياق من استحقاق الفارّين الملامة والتعنيف منه صلى الله عليه وسلم بمقتضى الجبلة البشرية حيث صدروا عنه وحياض الأهوال مترعة وشمروا للهزيمة والحرب قائمة على ساق ، أو من سعة فضاء مغفرته ورحمته والباء متعلقة بلنت والتقديم للقصر ، وما مزيدة للتأكيد وعليه أجلة المفسرين وهو المأثور عن قتادة ، وحكى الزجاج الإجماع عليه وفيه نظر ، فقد قال الأخفش وغيره يجوز أن تكون نكرة بمعنى شيء ، ورحمة بدل منها ، وجوز أن تكون صفة لها ، وقيل : إنها استفهامية للتعجب والتقدير فبأي رحمة لنت لهم ، والتنوين في رحمة على كل تقدير للتفخيم ، و{ مِنْ } متعلقة بمحذوف وقع صفة لها أي : فبما رحمة عظيمة كائنة من الله تعالى كنت لين الجانب لهم ولم تعنفهم ، ولعل المراد بهذه الرحمة ربطه سبحانه وتعالى على جأشه صلى الله عليه وسلم وتخصيصه له بمكارم الأخلاق ، وجعل الرفق ولين الجانب مسبباً عن ربط الجأش لأن من ملك نفسه عند الغضب كان كامل الشجاعة.\rقيل : وأفاد الكلام في هذا المقام فائدتين : إحداهما : ما يدل على شجاعته صلى الله عليه وسلم ، والثانية : ما يدل على رفقه فهو من باب التكميل ، وقد اجتمعت فيه صلى الله عليه وسلم هاتان الصفتان يوم أحد حيث ثبت حتى كر عليه أصحابه مع أنه عراه ما عراه ثم ما زجرهم ولا عنفهم على الفرار بل آساهم في الغم.\r{ وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً } أي خشن الجانب شرس الأخلاق جافياً في المعاشرة قولاً وفعلاً { غَلِيظَ القلب } أي قاسيه ، وقال الكلبي : فظاً في الأقوال غليظ القلب في الأفعال.","part":17,"page":426},{"id":7460,"text":"وذكر بعضهم أن الفظ سيء الخلق في الأمور الظاهرة من الأقوال والأفعال ، وغليظ القلب السيء في الأمور الباطنة ، والثاني : سبب للأول وقدم المسبب لظهوره إذ هو الذي يطلع عليه ويمكن أن يقال المراد لو كنت على خلاف تينك الصفتين المعبر عنهما بالرحمة وهو التهور المشار إليه بالفظاظة وسوء الأخلاق المرموز إليه بغلظ القلب فإن قساوة القلب وعدم تأثره يتبعها كل صفة ذميمة ، ولهذا ورد أبعد القلوب عن الله تعالى القلوب القاسية وكأنه لبعده صدّر بيمكن وعلى كل تقدير في الكلام حذف أي ولو كنت فظاً غليظ القلب فلم تلن لهم وأغلظت عليهم { لاَنْفَضُّواْ مِنْ حَوْلِكَ } أي لتفرقوا عنك ونفروا منك ولم يسكنوا إليك وتردّوا في مهاوي الردى ولم ينتظم أمر ما بعثت به من هدايتهم وإرشادهم إلى الصراط.","part":17,"page":427},{"id":7461,"text":"{ فاعف عَنْهُمْ } مترتب على ما قبله أي إذا كان الأمر كذلك فاعف عنهم فيما يتعلق بحقوقك { واستغفر لَهُمُ } الله تعالى فيما يتعلق بحقوقه سبحانه وتعالى إتماماً للشفقة وإكمالاً للتربية { وَشَاوِرْهُمْ فِى الأمر } أي في الحرب أخرجه ابن أبي حاتم من طريق ابن سيرين عن عبيدة وهو المناسب للمقام ، أو فيه وفي أمثاله مما تجري فيه المشاورة عادة ، وإليه ذهب جماعة ، واختلف في مشاورته صلى الله عليه وسلم لأصحابه رضي الله تعالى عنهم في أمر الدين إذا لم يكن هناك وحي فمن أبى الاجتهاد له صلى الله عليه وسلم ذهب إلى عدم جوازها ومن لا يأباه وهو الأصح ذهب إلى جوازها ، وفائدتها الاستظهار برأيهم ، ويؤيد ذلك ما أخرجه الإمام أحمد عن عبد الرحمن بن غنم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لأبي بكر وعمر : \"لو اجتمعتما في مشورة ما خالفتكما\" أو التطييب لأنفسهم ، وإليه ذهب قتادة ، فقد أخرج ابن جرير عنه أنه قال : أمر الله تعالى نبيه صلى الله عليه وسلم أن يشاور أصحابه في الأمور وهو يأتيه وحي السماء لأنه أطيب لأنفس القوم ، أو أن تكون سنة بعده لأمته وإليه ذهب الحسن ، فقد أخرج البيهقي عنه أنه قال في الآية : قد علم الله تعالى ما به إليهم حاجة ولكن أراد أن يستن به من بعده ، ويؤيده ما أخرجه ابن عدي والبيهقي في \"الشعب\" بسند حسن عن ابن عباس قال : لما نزلت { وَشَاوِرْهُمْ فِى الأمر } قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : \" أما إن الله ورسوله لغنيان عنها ولكن جعلها الله تعالى رحمة لأمتي فمن استشار منهم لم يعدم رشداً ومن تركها لم يعدم غياً \" ؛ وقيل : فائدة ذلك أن يمتحنهم فيتميز الناصح من الغاش وليس بشيء ، وادعى الجصاص \"أن كون الأمر بالمشاورة على جهة تطييب النفوس مثلاً غير جائز لأنه لو كان معلوماً عندهم أنهم إذا استفرغوا مجهودهم","part":17,"page":428},{"id":7462,"text":"في استنباط الصواب عما سئلوا عنه ثم لم يكن معمولاً به لم يكن في ذلك تطييب نفوسهم بل فيه إيحاشهم بأن آراءهم غير مقبولة ولا معوّل عليها ؛ وجزم بأنه لا بد أن يكون لمشاورته صلى الله عليه وسلم إياهم فائدة هي الاستظهار بما عندهم وأن يكون للنبي صلى الله عليه وسلم معهم ضرب من الاجتهاد فما وافق رأيه عمل به وما خالفه ترك من غير لوم ، وفيه إرشاد للاجتهاد وجوازه بحضرته صلى الله عليه وسلم وإشعار بمنزلة الصحابة وأنهم كلهم أهل اجتهاد وأن باطنهم مرضي عند الله تعالى\" انتهى ، وفيه نظر إذ لا خفاء على من راجع وجدانه أن في قول الكبير للصغير ماذا ترى في أمر كذا وماذا عندك فيه تطييباً لنفسه وتنشيطاً لها لاكتساب الآراء وإعمال الفكر لا سيما إذا صادف رأيه رأي الكبير أحياناً وإن لم يكن العمل برأيه الموافق بل العمل بالرأي الموافق ، وما ادعاه من أن الرأي إذا لم يكن معمولاً به كان فيه إيحاش غير مسلم لا سيما فيما نحن فيه لعلم الصحابة رضي الله تعالى عنهم بعلو شأن رسول الله صلى الله عليه وسلم وأن عقولهم بالنسبة إلى عقله الشريف كالسها بالنسبة إلى شمس الضحى ، على أن من قال : إن فادة المشاورة تطييب النفس أشار إلى أن الوحي يأتيه فهو غني عنها ، وحينئذٍ يكون قصد التطييب أتم وأظهر لما في المشاورة إذ ذاك من تعريضهم لما يمكن أن يوافق الوحي والإيحاش بعدم العمل هنا أبعد لأن مستنده اتباع الوحي ومعلوم لديهم أنه أولى بالاتباع لأنه من قبل الله تعالى اللطيف الخبير كما لا يخفى ، ثم ما ذكر من أن في ذلك إشعاراً بأن الصحابة كلهم أهل اجتهاد في حيز المنع لأن أمر السلطان مثلاً لعامله أن يشاور أهل بلده في أموره لا يستدعي أن يشاور كل واحد واحد منهم في ذلك بل لا يكاد أن يكون ذلك مراداً أصلاً بل المراد أن يشاور أهل الآراء منهم","part":17,"page":429},{"id":7463,"text":"والمتدربين فيهم ، وكون الصحابة كلهم كذلك أول المدعى ، ودون إثباته وقعة الجمل وحرب صفين.\rويؤيد كون المراد من الصحابة المأمور صلى الله عليه وسلم بمشاورتهم أهل الرأي والتدبير لا مطلقاً بما أخرجه الحاكم وصححه والبيهقي في \"سننه\" عن ابن عباس أنه قال في { وَشَاوِرْهُمْ فِى الأمر } : أبو بكر وعمر ، ومن طريق الكلبي عن أبي صالح عن الحبر أن الآية نزلت فيهما ، نعم لو كانت المشاورة لمجرد تطييب النفوس دون الاستظهار كان لمشاورة أي واحد منهم وإن لم يكن من أرباب الرأي وجه لكن الجصاص لم يبن كلامه على ذلك.\rبقي أن بين ما أخرجه الإمام أحمد من قوله صلى الله عليه وسلم للعمرين رضي الله تعالى عنهما : \"لو اجتمعتما على مشورة ما خالفتكما\" وأما أخرجه ابن عدي والبيهقي من قوله عليه الصلاة والسلام عند نزول الآية \"أما إن الله ورسوله لغنيان عنها ولكن جعلها الله تعالى رحمة لأمتي\" تنافياً إلا أن يحمل خبر عدم مخالفتهما لو اجتمعا على الإشارة إلى رفعة قدرهما وعلو شأنهما وأن اجتماعهما على أمر لا يكون إلا موافقاً لما عند الله تعالى وهو الذي عليه المعول وبه العمل ، وكأن في قوله صلى الله عليه وسلم : \"ما خالفتكما\" دون لعملت بقولكما مثلاً نوع إشعار بما قلنا فتدبر ، وقرأ ابن عباس كما أخرج البخاري في \"الأدب المفرد\" عنه { وَشَاوِرْهُمْ فِى بَعْضِ الأمر }.\r{ فَإِذَا عَزَمْتَ } أي إذا عقدت قلبك على الفعل وإمضائه بعد المشاورة كما تؤذن به الفاء.","part":17,"page":430},{"id":7464,"text":"{ فَتَوَكَّلْ عَلَى الله } أي فاعتمد عليه وثق به وفوض أمرك إليه فإنه الأعلم بما هو الأصلح ، وأصل التوكل إظهار العجز والاعتماد على الغير والاكتفاء به في فعل ما يحتاج إليه ، وهو عندنا على الله سبحانه لا ينافي مراعاة الأسباب بل يكون بمراعاتها مع تفويض الأمر إليه تعالى شأنه و\"اعقلها وتوكل\" يرشد إلى ذلك ، وعند ساداتنا الصوفية هو إهمال التدبير بالكلية ، وعن جابر بن زيد أنه قرأ { فَإِذَا عَزَمْتَ } بصيغة المتكلم ، والمعنى فإذا قطعت لك بشيء وعينته لك فتوكل علي ولا تشاور به أحداً ، والالتفات لتربية المهابة وتعليل التوكل والأمر به فإن عنوان الألوهية الجامعة لجميع صفات الكلام مستدعي للتوكل عليه سبحانه والأمر به.\r{ إِنَّ الله يُحِبُّ المتوكلين } عليه الواثقين به المنقطعين إليه فينصرهم ويرشدهم إلى ما هو خير لهم كما تقتضيه المحبة ، والجملة تعليل للتوكل عليه سبحانه ، وقد روعي في الآية حسن الترتيب وذلك لأنه صلى الله عليه وسلم أمر أولاً بالعفو عنهم فيما يتعلق بخاصة نفسه فإذا انتهوا إلى هذا المقام أمر أن يستغفر لهم ما بينهم وبين الله تعالى لتنزاح عنهم التبعتان فلما صاروا إلى هنا أمر بأن يشاورهم في الأمر إذ صاروا خالصين من التبعتين مصفين منهما ، ثم أمر صلى الله عليه وسلم بعد ذلك بالتوكل على الله تعالى والانقطاع إليه لأنه سبحانه السند الأقوم والملجأ الأعظم الذي لا تؤثر الأسباب إلا به ولا تنقضي الحاجة إلا عند بابه. أ هـ {روح المعانى حـ 4 صـ 105 ـ 108}","part":17,"page":431},{"id":7465,"text":"وقال ابن عاشور :\rوقوله : { فتوكل على الله } التوكُّل حقيقته الاعتماد ، وهو هنا مجاز في الشروع في الفعل مع رجاء السداد فيه من الله ، وهو شأن أهل الإيمان ، فالتوكّل انفعال قلبي عقلي يتوجّه به الفاعل إلى الله راجياً الإعانة ومستعيذاً من الخيبة والعوائق ، وربَّما رافقه قول لساني وهو الدعاء بذلك.\rوبذلك يَظهر أن قوله : { فتوكل على الله } دليل على جواب إذَا ، وفَرع عنه ، والتقدير : فإذَا عزمت فَبَادر ولا تتأخّر وتَوكَّل على الله ، لأنّ للتأخّر آفاتٍ ، والتردّد يضيّع الأوقات ، ولو كان التَّوكل هو جواب إذا لما كان للشورى فائدة لأنّ الشورى كما علمت لقصد استظهار أنفع الوسائل لحصول الفعل المرغوب على أحسن وجه وأقربه ، فإنّ القصد منها العمل بما يتضّح منها ، ولو كان المراد حصول التوكّل من أوّل خطور الخاطر ، لما كان للأمر بالشورى من فائدة.\rوهذه الآية أوضح آية في الإرشاد إلى معنى التَّوكل الَّذي حرَف القاصرون ومن كان على شاكلتهم معناه ، فأفسدوا هذا الدين من مبناه.\rوقوله : { إن الله يحب المتوكلين } لأنّ التوكّل علامة صدق الإيمان ، وفيه ملاحظة عظمة الله وقدرته ، واعتقادُ الحاجة إليه ، وعدم الاستغناء عنه وهذا ، أدب عظيم مع الخالق يدلّ على محبّة العبد ربّه فلذلك أحبَّه الله. أ هـ {التحرير والتنوير حـ 3 صـ 271}\rفوائد بلاغية\rقال أبو حيان :\rوقد تضمنت هذه الآيات فنوناً من البيان والبديع والإبهام في : ولا تلوون على أحد ، فمن قال : هو الرسول أبهمه تعظيماً لشأنه ، ولأن التصريح فيه هضم لقدره.\rوالتجنيس المماثل في : غما بغمّ ، ثم أنزل عليكم من بعد الغمّ.\rوالطباق : في يخفون ويبدون ، وفي فاتكم وأصابكم.\rوالتجنيس المغاير في : تظنون وظن ، وفي فتوكل والمتوكلين.","part":17,"page":432},{"id":7466,"text":"وذكر بعضهم ذلك في فظاً ولا تفضوا ، وليس منه ، لأنه قد اختلفت المادّتان والتفسير بعد الإبهام في ما لا يبدون يقولون.\rوالاحتجاج النظري في : لو كنتم في بيوتكم والاعتراض في : قل إن الأمر كله لله.\rوالاختصاص في : بذات الصدور ، وفي بما تعملون بصير ، وفي يحب المتوكلين.\rوالإشارة في قوله : ليجعل الله ذلك حسرة.\rوالاستعارة في : إذا ضربوا في الأرض ، وفي لنت ، وفي غليظ القلب ، والتكرار في : ما ماتوا ، وما قتلوا ، وما بعدهما ، وفي : على الله إن الله.\rوزيادة الحرف للتأكيد في : فبما رحمة.\rوالالتفات والحذف في عدة مواضع. أ هـ {البحر المحيط حـ 3 صـ 105}\rمن لطائف الإمام القشيرى فى الآية\rقال عليه الرحمة :\rفَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ (159)}\rويقال إن من خصائص رحمته - سبحانه - عليه أنْ قَوّاه حتى صَحِبَهُم ، وصبر على تبليغ الرسالة إليهم ، وعلى ما كان يقاسيه من اختلافهم - مع سلطان ما كان مستغرقاً له ولجميع أوقاته من استيلاء الحق عليه ، فلولا قوة إلهية لستأثره الحق بها وإلا متى أطلق صحبتهم ؟!\rألا ترى إلى موسى عليه السلام لما كان قريب العهد بسماع كلامه كيف لم يصبر على مخاطبة أخيه فأخذ برأس أخيه يجرُّه إليه ؟\rويقال لولا أنه صلى الله عليه وسلم شاهدهم محواً فيما كان يَجْرِي عليهم من أحكام التصريف ، وتحقَّق أن منشئها الله - لما أطاق صحبتهم.","part":17,"page":433},{"id":7467,"text":"قوله تعالى : { وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ القَلْبِ لاَنفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ } : لو سَقْيتَهم صِرْفَ شراب التوحيدِ غيرَ ممزوجٍ بما فيه لهم حظٌّ لتفرقوا عنك ، هائمين على وجوههم ، غير مطيقين للوقوف لحظةً ، { فَاعْفُ عَنْهُمْ } فيما يكون تقصيراً منهم في حقك وتوقيرك ، وما عثرت عليه مِنْ تفريطهم في خدمتنا وطاعتنا - فانتصِبْ لهم شفيعاً إلينا.\rويقال : { فَاعْفُ عَنْهُمْ } فاعف - أنت - عنهم فإن حكمك حكمُنا ، فأنت لا تعفو إلا وقد عَفَوْنا ، ثم ردَّه عن هذه الصفة بما أثبته في مقام العبودية ، ونقله إلى وصف التفرقة فقال : ثم قِفْ في محل التذلل مبتهلاً إلينا في استغفارهم. وكذا سُنَّتُه - سبحانه - مع أنبيائه عليهم السلام وأوليائه ، يردُّهم مِنْ جمعٍ إلى فرقٍ ومن فَرْقٍ إلى جمع ، فقوله : { فَاعْفُ عَنْهُمْ } جمع ، وقوله : { وَاسْتَغْفِرْ لهُمْ } فرق.\rويقال : { فَاعْفُ عَنْهُمْ } وتجاوز عنهم في حقوقك ، ولا تكتفِ بذلك ما لم تستغفِرْ لهم إكمالاً للكرم ؛ ولهذا كان يقول : \" اللهم اهد قومي فإنهم لا يعلمون \".\rويقال ما يُقصِّرون في حقِّك تعلَّق به حقَّان : حقك وحقي ، فإذا عفوتَ أنت فلا يكفي هذا القَدْرُ بل إنْ لَمْ أتجاوز عنهم في حقي كانوا مستوجبين للعقوبة ؛ فمن أرضى خصمَه لا يَنْجَبِر حالُه ما لم يغفر الله له فيما ترك من أمره.\rوقوله : { وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِى الأَمْرِ } أي أثْبِتْ لهم محلاً ؛ فإنَّ المعفوَ عنه في صدار الخجلة لا يرى لنفسه مقام الكَرامة ، فإذا شاورتَهم أزَلْت عنهم انكسارهم ، وطيَّبْتَ لهم قلوبهم.\rويقال تجَنَّسوا في أحوالهم : فَمِنْ مُقَصِّر في حقه أُمِرَ بالعفو عنه ، ومن مرتكب لذنوبه أُمِرَ بالاستغفار له ، ومن مطيعٍ غير مقصرٍ أُمِرَ بمشاورته.","part":17,"page":434},{"id":7468,"text":"ثم قال : { فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللهِ } أي لا تتكل على رأي مخلوق وكِلْ الأمور إليّ ، فإنا لا نخليك عن تصريف القبض بحالٍ.\rوحقيقة التوكل شهود التقدير ، واستراحة القلوب عن كد التدبير.\r{ إِنَّ اللهَ يُحِبُّ المُتَوَكِّلِينَ } يذيقهم بَرْدَ الكفاية ليزول عنهم كل لغبٍ ونَصَبٍ ، وإنه يعامل كلاً بما يستوجبه ؛ فقومٌ يغنيهم - عند توكلهم - بعطائه ، وآخرون يكفيهم - عند توكلهم - بلقائه ، وقوم يرضيهم في عموم أحوالهم حتى يكتفون ببقائه ، ويقفون معه به له - على تلوينات قَدَرِه وقضائه. أ هـ {لطائف الإشارات حـ 1 صـ 290 ـ 291}. بتصرف يسير.","part":17,"page":435},{"id":7469,"text":"قوله تعالى : {إِنْ يَنْصُرْكُمُ اللَّهُ فَلَا غَالِبَ لَكُمْ وَإِنْ يَخْذُلْكُمْ فَمَنْ ذَا الَّذِي يَنْصُرُكُمْ مِنْ بَعْدِهِ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ (160)}\rمناسبة الآية لما قبلها\rقال البقاعى :\rولما كان التقدير ؛ فإذا فعلوا ما يحبه أعطاهم مُناهم مما عزموا عليه لأجله ؛ استأنف الإخبار بما يقبل بقلوبهم إليه ويقصر هممهم عليه ، بأن من نصره هو المنصور ، ومن خذله هو المخذول ، فقال تعالى : {إن ينصركم الله} أي الذي له جميع العظمة {فلا غالب لكم} أي إن كان نبيكم صلى الله عليه وسلم بينكم أو لا ، فما بالكم وهنتم لما صاح إبليس أن محمداً قد قتل! وهلا فعلتم كما فعل سعد بن الربيع رضي الله تعالى عنه وكما فعل أنس بن النضير رضي الله تعالى عنه حين قال : \" موتوا على ما مات عليه نبيكم صلى الله عليه وسلم ! فهو أعذر لكم عند ربكم \" {وإن يخذلكم} أي بإمكان العدو منكم {فمن ذا الذي ينصركم من بعده} أي من نبي أو غيره ، ولما كان التقدير : فعلى الله فتوكلوا إن كنتم مؤمنين ، عطف عليه قوله : {وعلى الله} أي الملك الأعظم وحده ، لا على نبي ولا على قوة بعد ولا بمال من غنيمة ولا غيرها {فليتوكل المؤمنون} أي كلهم فيكون ذلك أمارة صحة إيمانهم. أ هـ {نظم الدرر حـ 2 صـ 174}\rوقال ابن عاشور :\rقوله تعالى : { إِنْ يَنْصُرْكُمُ اللَّهُ فَلَا غَالِبَ لَكُمْ}\rاستئناف نشأ عن قوله : { ولئن قتلتم في سبيل الله أو مِتُّم } [ آل عمران : 157 ] أو عن قوله : { لا تكونوا كالذين كفروا وقالوا لإخوانهم } [ آل عمران : 156 ] الآية.","part":17,"page":436},{"id":7470,"text":"ولو حُمل هذا الخبر على ظاهر الإخبار لكان إخبَاراً بأمر معلوم عند المخاطبين إذ هم مؤمنون ، ولا يجهل مؤمن أنّ الله إذا قَدّر نَصر أحَدٍ فلا رادّ لنصره ، وأنَّه إذا قدّر خَذْلَه فلا ملجأ له من الهزيمة ، فإنّ مثل هذا المعنى محقّق في جانب الله لا يجهله معترف بإلهيته ، مؤمن بوحدانيته ، وهل بعد اعتقاد نفي الشريك عن الله في ملكه مجال لاعتقاد وجود ممانع له في إرادته ، فيتعيّن أن يكون هذا الخبر مراداً به غيرُ ظاهر الإخبار ، وأحسن ما يحمل عليه أن يكون تقريراً لتسلية المؤمنين على ما أصابهم من الهزيمة ، حتَّى لا يحزنوا على ما فات لأنّ ردّ الأمور إلى الله تعالى عند العجز عن تداركها مسلاة للنفس ، وعزاء على المصيبة ، وفي ضمن ذلك تنبيه إلى أنّ نصر الله قوماً في بعض الأيَّام ، وخَذْله إيّاهم في بعضها ، لا يكون إلاّ لحِكَم وأسباب ، فعليهم السعي في أسباب الرضا الموجب للنصر ، وتجنّب أسباب السخط الموجب للخَذل كما أشار إليه قوله : { يأيُّها الَّذين آمنوا إن تنصروا الله ينصركم } [ محمد : 7 ] وقوله : { فأثابكم غماً بغم } [ آل عمران : 153 ] وقوله الآتي : { أو لما أصابتكم مصيبة قد أصبتم مثليْها قلتم أنى هذا } [ آل عمران : 165 ] وعليهم التطلّب للأسباب الَّتي قُدر لهم النَّصر لأجلها في مثل يوم بَدر ، وأضدادها الَّتي كان بها الخَذل في يَوم أحُد ، وفي التفكير في ذلك مجال واسع لمكاشفات الحقائق والعلل والأسباب والحكم والمنافع والمضارّ على قدر سعة التفكير الجائل في ذلك ، ففي هذا الخبر العظيم إطلاق للأفكار من عقالها ، وزجّ بها في مسارح العبر ، ومراكض العظات ، والسابقون الجيادُ ، فالخبر مستعمل في لازم معناه وهو الحضّ على تحصيل ذلك.","part":17,"page":437},{"id":7471,"text":"وعلى هذا الوجه تظهر مناسبة موقع هذا الاستئناف عقب ما تقدّمه : لأنَّه بعد أن خاطبهم بفنون الملام والمعذرة والتسلية من قوله : { قد خلت من قبلكم سنن } [ آل عمران : 137 ] إلى هنا ، جمع لهم كُلّ ذلك في كلام جامع نافعٍ في تلقِّي الماضي ، وصالححٍ للعمل به في المستقبل ، ويجوز أن يكون الإخبار مبنيّاً على تنزيل العالم منزلة الجاهل ، حيث أظهروا من الحرص على الغنيمة ومن التأوّل في أمر الرسول لهم في الثبات ، ومن التلهّف على ما أصابهم من الهزيمة والقتل والجرح ، ما جعل حالهم كحال من يجهل أنّ النصر والخذل بيد الله تعالى.\rفالخبر مستعمل في معناه على خلاف مقتضى الظاهر.\rوالنَّصر : الإعانة على الخلاص من غلب العَدوّ ومُريد الإضرار. أ هـ {التحرير والتنوير حـ 3 صـ 271 ـ 272}\rفصل\rقال الفخر :\rقيل المقصود من الآية الترغيب في الطاعة ، والتحذير عن المعصية ، وذلك لأنه تعالى بين فيما تقدم أن من اتقى معاصي الله تعالى نصره الله ، وهو قوله : {بَلَى إِن تَصْبِرُواْ وَتَتَّقُواْ وَيَأْتُوكُمْ مّن فَوْرِهِمْ هذا يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ بِخَمْسَةِ ءالافٍ مّنَ الملائكة} [ آل عمران : 125 ] ثم بين في هذه الآية أن من نصره الله فلا غالب له ، فيحصل من مجموع هاتين المقدمتين ، أن من اتقى الله فقد فاز بسعادة الدنيا والآخرة فإنه يفوز بسعادة لا شقاوة معها وبعز لا ذل معه ، ويصير غالبا لا يغلبه أحد ، وأما من أتى بالمعصية فإن الله يخذله ، ومن خذله الله فقد وقع في شقاوة لا سعادة معها ، وذل لا عز معه. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 9 صـ 56}","part":17,"page":438},{"id":7472,"text":"قال الآلوسى :\r{ إِن يَنصُرْكُمُ الله فَلاَ غَالِبَ لَكُمْ } جملة مستأنفة سيقت بطريق تلوين الخطاب تشريفاً للمؤمنين لإيجاب التوكل عليه والترغيب في طاعته التي يستحق بها النصرة والتحذير عن معصيته التي يستحق بها الخذلان أي إن يرد نصركم كما أراده يوم بدر فلا أحد يغلبكم على طريق نفي الجنس المنتظم بجميع أفراد الغالب ذاتاً وصفة فهو أبلغ من لا يغلبكم أحد لدلالته على نفي الصفة فقط.\rثم المفهوم من ظاهر النظم الكريم كما قال شيخ الإسلام وإن كان نفي مغلوبيتهم من غير تعرض لنفي المساواة أيضاً وهو الذي يقتضيه المقام لكن المفهوم منه فهماً قطعياً هو نفي المساواة وإثبات الغالبية للمخاطبين ، فإذا قلت : لا أكرم من فلان ولا أفضل منه فالمفهوم منه حتماً أنه أكرم من كل كريم وأفضل من كل فاضل وهذا أمر مطرد في جميع اللغات ولا اختصاص ( له ) بالنفي الصريح بل هو مطرد فيما ورد على طريق الاستفهام الإنكاري كما في قوله تعالى : { فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افترى عَلَى الله كَذِبًا } [ الأنعام : 144 ] في مواقع كثيرة من التنزيل. أ هـ {روح المعانى حـ 4 صـ 108}\rفائدة\rقال ابن عاشور :\rومعنى { إن ينصركم } { وإن يخذلكم } إنْ يُرد هَذا لَكم ، وإلاّ لما استقام جواب الشرط الأوّل ، وهو \" { فلا غالب لكم } إذ لا فائدة في ترتيب عدم الغلب على حصول النصر بالفِعل ، ولا سيما مع نفي الجنس في قوله : { فلا غالب لكم } ، لأنَّه يصير من الإخبار بالمعلوم ، كما تقول : إن قمتَ فأنتَ لست بقَاعد.\rوأمَّا فعل الشرط الثَّاني وهو : { وإن يخذلكم } فيقدّر كذلك حَمْلاً على نظيره ، وإن كان يستقيم المعنى بدون تأويل فيه.\rوهذا من استعمال الفعل في معنى إرادة الفعل كقوله تعالى : { إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم } [ المائدة : 6 ] الآية.","part":17,"page":439},{"id":7473,"text":"وجَعْل الجواب بقوله : { فلا غالب لكم } دون أن يقول : لا تغلبوا ، للتنصيص على التَّعميم في الجواب ، لأنّ عموم ترتّب الجزاء على الشرط أغلبي وقد يكون جزئياً أي لا تغلبوا من بعض المغالبين ، فأريد بإفادة التعميم دفع التّوهم.\rوالاستفهام في قوله : { فمن ذا الذي ينصركم من بعده } إنكاري أي فلا ينصركم أحد غيره.\rوكلمة { من بَعده } هنا مستعملة في لازم معناها وهو المغايرة والمجاوزة : أي فمن الَّذي ينصركم دونَه أو غيرَه أي دون اللَّه ، فالضّمير ضمير اسم الجلالة لا محالة ، واستعمال ( بعد ) في مثل هذا شائع في القرآن قال تعالى : { فمن يهديه من بعد الله } [ الجاثية : 23 ] وأصل هذا الاستعمال أنه كالتمثيلية المكنية : بأن مثلت الحالة الحاصلة من تقدير الانكسار بحالة من أسلم الذي استنصر به وخذله فتركه وانصرف عنه لأن المقاتل معك إذا ولى عنك فقد خذللك فحذف ما يدل على الحالة المشبه بها ورمز إليه بلازمه وهو لفظ { من بعده }. أ هـ {التحرير والتنوير حـ 3 صـ 272 ـ 273}\rفصل\rقال الفخر :\rاحتج الأصحاب بهذه الآية على أن الإيمان لا يحصل إلا بإعانة الله ، والكفر لا يحصل إلا بخذلانه ، والوجه فيه ظاهر لأنها دالة على أن الأمر كله لله. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 9 صـ 56}\rفصل\rقال الفخر :\rقوله : {مِن بَعْدِهِ} فيه وجهان :\rالأول : يعني من بعد خذلانه ، والثاني : أنه مثل قولك : ليس لك من يحسن إليك من بعد فلان. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 9 صـ 56}","part":17,"page":440},{"id":7474,"text":"قوله تعالى {وَعَلَى الله فَلْيَتَوَكَّلِ المؤمنون}\rقال الفخر :\rيعني لما ثبت أن الأمر كله بيد الله ، وأنه لا راد لقضائه ولا دافع لحكمه ، وجب أن لا يتوكل المؤمن إلا عليه ، وقوله : {وَعَلَى الله فَلْيَتَوَكَّلِ المؤمنون} يفيد الحصر ، أي على الله فليتوكل المؤمنون لا على غيره. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 9 صـ 56}\rوقال البغوى :\r{ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ } قيل : التوكل أن لا تعصي الله من أجل رزقك وقيل : أن لا تطلب لنفسك ناصرًا غير الله ولا لرزقك خازنًا غيره ولا لعملك شاهدا غيره.\rأخبرنا أبو القاسم عبد الكريم بن هوازن القشيري ، أخبرنا أبو عبد الله الحسين بن شجاع البزَّار ببغداد ، أخبرنا أبو بكر محمد بن جعفر بن محمد الهيثم الأنباري ، أخبرنا محمد بن أبي العوام أخبرنا وهب بن جرير ، أخبرنا هشام بن حسان عن الحسن عن عمران بن حصين رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : \"يدخل سبعون ألفًا من أمتي الجنة بغير حساب\" قيل : يا رسول الله مَنْ هم ؟ قال : \"هم الذين لا يكتوون ولا يسَتْرقُون ولا يتطيرّون وعلى ربهم يتوكلون\" فقال عكاشة بن محصن : يا رسول الله أدعُ الله أن يجعلني منهم قال : \"أنت منهم\" ثم قام آخر فقال : يا رسول الله أدعُ الله أن يجعلني منهم فقال : \"سبقك بها عكاشة\" (1) .\r__________\r(1) أخرجه مسلم في الإيمان باب الدليل على دخول طوائف من المسلمين الجنة بغير حساب ولا عذاب برقم (371) : 1 / 198 وبلفظ مقارب أخرجه البخاري في الطب باب من اكتوى أو كوى غيره : 10 / 155. وأخرجه عن ابن عباس في الرقاق. وأخرجه البغوى في شرح السنة : 14 / 300.","part":17,"page":441},{"id":7475,"text":"أخبرنا أبو بكر محمد بن عبد الله بن أبي توبة ، أخبرنا محمد بن أحمد بن الحارث ، أخبرنا محمد بن يعقوب الكسائي ، أخبرنا عبد الله بن محمود ، أخبرنا إبراهيم بن عبد الله الخلال ، أنا عبد الله بن المبارك ، عن حياة بن شريح ، حدثني بكر بن عمرو ، عن عبد الله بن هبيرة ، أنه سمع أبا تميم الجيشاني يقول : سمعت عمر بن الخطاب رضي الله عنه يقول : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : \"لو أنكم تتوكّلوُن على الله حق توكله لرزقكم كما يرزق الطير تغدو خِماصًا وتروح بطانا\" (1) . أ هـ {تفسيرالبغوى حـ 2 صـ 125}\rوقال ابن عاشور :\rوجملة { وعلى الله فليتوكل المؤمنون } تذييل قصد به الأمر بالتَّوكل المستند إلى ارتكاب أسباب نصر الله تعالى : من أسبابٍ عادية وهي الاستعداد ، وأسبابٍ نفسانية وهي تزكية النفس واتّباع رضَى الله تعالى. أ هـ {التحرير والتنوير حـ 3 صـ 273}\r___________\r(1) أخرجه الترمذي في الزهد - باب ما جاء في الزهادة في الدنيا : 7 / 8 وقال : هذا حديث حسن صحيح لا نعرفه إلا من هذا الوجه. وابن ماجه في الزهد - باب التوكل واليقين برقم (4164) : 2 / 1394 وابن حبان في الزهد باب ما جاء في التوكل ص (632) من موارد الظمآن. وأحمد في المسند : 1 / 30 ، 52 والبغوى في شرح السنة : 14 / 301 وصححه الحاكم : 4 / 318 ووافقه الذهبي. وانظر : النهج السديد في تخريج أحاديث تيسير العزيز الحميد ص 190 - 191.","part":17,"page":442},{"id":7476,"text":"وقال الآلوسى :\r{ وَعَلَى الله } لا على غيره كما يؤذن بذلك تقديم المعمول.\r{ فَلْيَتَوَكَّلِ المؤمنون } المراد بهم إما جنس المؤمنين والمخاطبون داخلون فيه دخولاً أولياً ، وإما المخاطبون خاصة بطريق الالتفات وعلى التقديرين لا يخفى ما في ذلك من تشريف المخاطبين مع الإيماء إلى تعليل تحتم التوكل عليه تعالى ، والفاء كما قالوا : لترتيب ما بعدها أو الأمر به على ما مرّ من غلبة المؤمنين ومغلوبيتهم على تقدير نصر الله تعالى لهم وخذلانه إياهم فإن العلم بذلك مما يستدعي قصر التوكل عليه سبحانه لا محالة. أ هـ {روح المعانى حـ 4 صـ 108}\rفوائد لغوية\rقال ابن عادل :\rقوله : { إِن يَنصُرْكُمُ الله فَلاَ غَالِبَ لَكُمْ } شرطٌ وجوابه ، وكذلك قوله : { وَإِن يَخْذُلْكُمْ فَمَن ذَا الذي } وهذا التفات من الغيبة إلى الخطاب- كذا قوله أبو حيان. يعني من الغيبة في قوله : { لِنتَ لَهُمْ } وقوله : { لاَنْفَضُّواْ مِنْ حَوْلِكَ } وقوله : { فاعف عَنْهُمْ واستغفر لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الأمر }\rقال شهاب الدين : وفيه نظر. وجاء قوله : { فَلاَ غَالِبَ لَكُمْ } جواباً للشرطِ ، وهو نفيٌ صريحٌ ، وقوله : { فَمَن ذَا الذي } -وهو متضمن للنفي- جوابٌ للشرط الثاني ، تلطفاً بالمؤمنين ، حيث صرح لهم بعدم الغلبة في الأول ، ولم يصرح لهم بأنه لا ناصر لهم في الثاني بل أتى به في صورة الاستفهام -وإن كان معناه نفياً.\rوقرا عمرو بن عبيد : \" يُخْذِلْكُم \" -بضم الياء- من أخْذَلَ -رباعياً- والهمزة فيه لجعل الشيء ، أي : إن يجعلكم مخذولين ، والخّذْل والخُذلان -ضد النصر- وهو ترك من يظن به النُّصرة ، وأصله من خَذَلَت الظبيةُ ولدَها -إذا تركته منفرداً- ولهذا قيل لها : خاذل ويقال للولدِ المتروك -أيضاً- : خاذل ، وهذا النَّسَبِ ، والمعنى : أنَّها مخذولة.\rقال الشاعرُ : [ البسيط ]","part":17,"page":443},{"id":7477,"text":"بِجِيدِ مُغْزِلَةٍ أدْمَاءَ خَاذِلَةٍ... مِنَ الظِّبَاءِ تُرَاعِي شَادِناً خَرِقاً\rويقال له -أيضاً- : خذول ، فعول بمعنى مفعول.\rقال الشاعر : [ الطويل ]\rخَذُولٌ تُرَاعِي رَبْرَباً بِخَمِيلَةٍ... تَنَاوَلُ اطْرَافَ الْبريرِ وتَرْتَدِي\rومنه يقال : تخاذلَتْ رجلا فلان.\rقال الأعشى : [ الرمل ]\rبَيْنَ مَغْلوبٍ كَريمٍ جَدُّهُ... وخَذُولِ الرَجْلِ مِنْ غَيْرِ كَسَحْ. أ هـ {تفسير ابن عادل حـ 6 صـ 21 ـ 22}. بتصرف.\rمن فوائد أبى حيان فى الآية\rقال رحمه الله :\r{ إن ينصركم الله فلا غالب لكم وإن يخذلكم فمن ذا الذي ينصركم من بعده } هذا التفات ، إذْ هو خروج من غيبة إلى الخطاب.\rولما أمره بمشاورتهم وبالتوكل عليه ، أوضح أنَّ ما صدر من النصر أو الخذلان إنما هو راجع لما يشاء.\rوأنَّه متى نصركم لا يمكن أن يغلبكم أحد ، ومتى خذلكم فلا ناصر لكم فيما وقع لكم من النصر ، أو بكم من الخذلان كيومي : بدر وأحد ، فبمشيئته.\rوفي هذا تسلية لهم عما وقع لهم من الفرار.\rثم أمرهم بالتوكل ، وناط الأمر بالمؤمنين ، فنبه على الوصف الذي يناسب معه التوكل وهو الإيمان ، لأن المؤمن مصدق بأن الله هو الفاعل المختار بيده النصر والخذلان.\rوأشركهم مع نبيهم في مطلوبية التوكل ، وهو إضافة الأمور إلى الله تعالى وتفويضها إليه.\rوالتوكل على الله من فروض الإيمان ، ولكنه يقترن بالتشمير في الطاعة والجزامة بغاية الجهد ، ومعاطاة أسباب التحرز ، وليس الإلقاء باليد والإهمال لما يجب مراعاته بتوكل ، وإنما هو كما قال صلى الله عليه وسلم : \" قيدها وتوكل \" ونظير هذه الآية : { ما يفتح الله للناس من رحمة فلا ممسك لها وما يمسك فلا مرسل له من بعده } والضمير في من بعده عائد على الله تعالى ، إمّا على حذف مضاف أي : من بعد خذلانه ، أي من بعد ما يخذل من الذي ينصر.","part":17,"page":444},{"id":7478,"text":"وإما أنْ لا يحتاج إلى تقدير هذا المحذوف ، بل يكون المعنى : إذا جاوزته إلى غيره وقد خذلك فمن ذا الذي تجاوزه إليه فينصرك ؟ ويحتمل أن يكون الضمير عائداً على المصدر المفهوم من قوله : وإن يخذلكم ، أي : من بعد الخذلان.\rوجاء جواب : إن ينصركم الله بصريح النفي العام ، وجواب وإن يخذلكم يتضمن النفي وهو الاستفهام ، وهو من تنويع الكلام في الفصاحة والتلطف بالمؤمنين حتى لا يصرّح لهم بأنه لا ناصر لهم ، بل أبرز ذلك في صورة الاستفهام الذي يقتضي السؤال عن الناصر ، وإن كان المعنى على نفي الناصر.\rلكنْ فرَّقَ بين الصريح والمتضمن ، فلم يجر المؤمنين في ذلك مجرى الكفار الذي نص عليه بالصريح أنه لا ناصر لهم كقوله : { أهلكناهم فلا ناصر لهم } وظاهره النصرة أنها في لقاء العدو ، والإعانة على مكافحته ، والاستيلاء عليه.\rوأكثر المفسرين جعلوا النصرة بالحجة القاهرة ، وبالعاقبة في الآخرة.\rفقالوا : المعنى إنْ حصلت لكم النصرة فلا تعدوا ما يعرض من العوارض الدنيوية في بعض الأحوال غلبة ، وإن خذلكم في ذلك فلا تعدوا ما يحصل لكم من القهر في الدنيا نصرة ، فالنصرة والخذلان معتبران بالمآل.\rوفي قوله : إن ينصركم الله إشارة إلى الترغيب في طاعة الله ، لأنه بين فيما تقدم أنّ من اتقى الله نصره.\rوقال الزمخشري في قوله : وعلى الله ، وليخص المؤمنون ربهم بالتوكل والتفويض إليه ، لعلمهم أنّه لا ناصر سواه ، ولأن إيمانكم يوجب ذلك ويقتضيه انتهى كلامه.\rوأخذ الاختصاص من تقديم الجار والمجرور وذلك على طريقته ، بأن تقديم المفعول يوجب الحصر والاختصاص. أ هـ {البحر المحيط حـ 3 صـ 105 ـ 106}\rفصل\rقال ابن جزى :","part":17,"page":445},{"id":7479,"text":"التوكل هو الاعتماد على الله في تحصيل المنافع أو حفظها بعد حصولها وفي دفع المضرات ورفعها بعد وقوعها وهو من أعلى المقامات لوجهين أحدهما قوله إن الله يحب المتوكلين والآخر الضمان الذي في قوله ومن يتوكل على الله فهو حسبه وقد يكون واجبا لقوله تعالى وعلى الله فتوكلوا إن كنتم مؤمنين فجعله شرطا في الإيمان والظاهر قوله جل جلاله وعلى الله فليتوكل المؤمنون فإن الأمر محمول على الوجوب\rواعلم أن الناس في التوكل على ثلاثة مراتب\rالأولى أن يعتمد العبد على ربه كاعتماد الإنسان على وكيله المأمون عنده الذي لا يشك في نصيحته له وقيامه بمصالحه\rوالثانية أن يكون العبد مع ربه كالطفل مع أمه فإنه لا يعرف سواها ولا يلجأ إلا إليها\rوالثالثة أن يكون العبد مع ربه كالميت بين يدي الغاسل قد أسلم نفسه إليه بالكلية فصاحب الدرجة الأولى له حظ من النظر لنفسه بخلاف صاحب الثانية وصاحب الثانية له حظ من المراد والاختبار\rبخلاف صاحب الثالثة وهذه الدرجات مبنية على التوحيد الخاص الذي تكلمنا عليه في قوله وإلهكم إله واحد فهي تقوى بقوته وتضعف بضعفه\rفإن قيل هل يشترط في التوكل ترك الأسباب أم لا فالجواب أن الأساب على ثلاثة أقسام\rأحدهما سبب معلوم قطعا قد أجراه الله تعالى فهذا لا يجوز تركه كالأكل لدفع الجوع واللباس لدفع البرد\rوالثاني سبب مظنون كالتجارة وطلب المعاش وشبه ذلك فهذا لا يقدم فعله في التوكل لأن التوكل من أعمال القلب لا من أعمال البدن ويجوز تركه لمن قوي عليه\r\rوالثالث سبب موهوم بعيد فهذا يقدم فعله في التوكل ثم إن فوق التوكل التفويض وهو الاستسلام لأمر الله تعالى بالكلية فإن المتوكل له مراد واختيار وهو يطلب مراده باعتماده على ربه وأما المفوض فليس له مراد ولا اختيار بل أسند المراد والاختيار إلى الله تعالى فهو أكمل أدبا مع الله تعالى. أ هـ { التسهيل لعلوم التزيل حـ صـ 122}","part":17,"page":446},{"id":7480,"text":"وقال الثعلبى :\rاختلفت عبارات العلماء في معنى التوكل وحقيقة المتوكل\rفقال سهل بن عبد الله رحمة الله عليه : أول مقام التوكل ،\rأن يكون العبد بين يدي الله كالميت بين يدي الغاسل ،\rيقلّبه كيف أراد لا يكون له حركة ولا تدبير ،\rوالمتوكل لا يسأل ولا يرد ولا يحبس.\rأبو تراب النخشبي : التوكل الطمأنينة إلى الله عزّ وجلّ. بشر الحافي : الرضا ،\rوعن ذي النون وقد قال له رجل : يا أبا الفيض ما التوكّل؟\rقال : خلع الأرباب وقطع الأسباب. فقال : زدني فيه حالة أخرى.فقال : إلقاء النفس في العبودية وإخراجها من الربوبية.\rوقال إبراهيم الحواص : حقيقة التوكل إسقاط الخوف والرجاء ممّا سوى الله ،\rابن الفرجي : ردَّ العيش لما يوم واحد وإسقاط غم غد ،\rوعن علي الروذباري قال : مراعاة التوكل ثلاث درجات :\rالأولى منها : إذا أعطى شكر وإذا مُنع صبر.\rوالثانية : المنع والإعطاء واحد.\rوالثالثة : المنع مع الشكر أحب إليه ،\rلعلمه باختيار الله ذلك له.\rوروى عن إبراهيم الخواص أنه قال : كنت في طريق مكة ،\rفرأيت شخصاً حسناً فقلت : أجنيٌ أم إنسيٌ؟\rفقال : بل جنيٌّ. فقلت : إلى أين؟\rفقال : إلى مكة. قلت : بلا زاد؟\rقال : نعم ،\rفينا أيضاً من يُسافر على التوكل. فقلت له : ما التوكل؟\rقال : الأخذ من الله.\rذو النون أيضاً : هو انقطاع المطامع.\rسهل أيضاً : معرفة معطي أرزاق المخلوقين ولا يصح لأحد التوكل حتى تكون السماء عنده كالصِفر والأرض عنده كالحديد ،\rلا ينزل من السماء مطر ولا يخرج من الأرض نبات ،\rويعلم أن الله لا ينسى ما ضمن له من رزقه بين هذين.\rوعن بعضهم : هو أن لا يعصي الله من أجل رزقه.\rوقال آخر : حسبك من التوكل أن لا تطلب لنفسك ناصراً غير الله ولا لرزقك خازناً غيره ولا لعملك شاهداً غيره.\rالجنيد (رحمه الله) : التوكل أن تقبل بالكلية على ربّك ،","part":17,"page":447},{"id":7481,"text":"وتعرض ممّن دونه.\rالنوري : هو أن يفني تدبيرك في تدبيره ،\rوترضى بالله وكيلا ومدبراً ،\rقال الله عزّ وجلّ : {وَكَفَى بِاللَّهِ وكيلا} وقيل : هو اكتفاء العبد الذليل بالربّ الجليل ،\rكاكتفاء الخليل بالخليل حين لم ينظر إلى عناية جبرئيل.\rوقيل : هو السكون عن الحركات اعتماداً على خالق الأرض والسماوات.\rوقيل لبهلول المجنون : متى يكون العبد متوكلاً؟\rقال : إذا كان النفس غريباً بين الخلق ،\rوالقلب قريباً إلى الحق.\rوعن محمد بن عمران قال : قيل لحاتم الأصم : على ما بنيت أمرك هذا من التوكل؟\rقال : أربع خلال : علمت أن رزقي ليس يأكله غيري فلست أُشغل به ،\rوعلمت أن عملي لا يعمله غيري فأنا مشغول به ،\rوعلمت أن الموت يأتيني بغتة فأنا أُبادره ،\rوعلمت أني بعين الله في كل حال فأنا مستحي منه.\rوعن أبي موسى (الوبيلي) قال : سألت عبد الرحمن بن يحيى عن التوكل فقال لي : لو أدخلت يدك في فم التنين حتى تبلغ الرسغ ، لم تخف مع الله شيئاً.\rقال أبو موسى : (ذهبت) إلى أبي يزيد البسطامي : أسأله عن التوكل ،\rفدخلت بسطام ودفعت عليه الباب فقال لي : يا أبا موسى ما كان لك في جواب عبد الرحمن من القناعة حتى تجيء وتسألني؟\rفقلت : افتح الباب ،\rفقال : لو زرتني لفتحت لك الباب ،\r(وإذا) جاء الجواب من الباب فانصرف : لو أن الحيّة المطوقة بالعرش همّت بك لم تخف مع الله شيئاً.\rقال أبو موسى : فانصرفت حتى جئت إلى دبيل فأقمت بها سنة ،\rثم أعتقدت الزيارة فخرجت إلى أبي يزيد فقال : زرتني مرحباً بالزائرين لاأخرجك ،\rقال : فأقمت عنده شهراً لا يقع لي شيء إلاّ أخبرني قبل أن أسأله فقلت له : يا أبا يزيد أخرج وأريد فائدة منك أخرج بها من عندك.\rقال لي : اعلم أن فائدة المخلوقين ليست بفائدة ،\rحدثتني أُمّي أنها كانت حاملة بي وكانت إذا قدمت لها القصعة من حلال امتدت يدها وأكلت ،\rوإذا قدمت من حرام جفت فلم تأكل ،\rاجعلها فائدة وانصرف. فجعلتها فائدة وانصرفت.\rوكان عمر (رضي الله عنه) يتمثل بهذين البيتين :\rهوّن عليك فإن الأمور\rبأمر الإله مقاديرها\rنفس ليأتيك مصروفها\rولا عادك عنك مقدورها. أ هـ {الكشف والبيان حـ 3 صـ 192 ـ 195}. بتصرف يسير","part":17,"page":448},{"id":7482,"text":"فصل نفيس للعلامة ابن القيم\rقال عليه الرحمة:\rقوله تعالى {إن ينصركم الله فلا غالب لكم وإن يخذلكم فمن ذا الذي ينصركم من بعده}\rأصل الخذلان الترك والتخلية ويقال للبقرة والشاة إذا تخلفت مع ولدها في المرعى وتركت صواحباتها خذول\rقال محمد بن إسحاق في هذه الآية {إن ينصرك الله فلا غالب لك من الناس ولن يضرك خذلان من خذلك وإن يخذلك فلن ينصرك الناس أي لا تترك أمري للناس وارفض الناس لأمري\rوالخذلان أن يخلي الله تعالى بين العبد وبين نفسه ويكله إليها والتوفيق ضده أن لا يدعه ونفسه ولا يكله إليها بل يصنع له ويلطف به ويعينه ويدفع عنه ويكلأه كلاءة الوالد الشفيق للولد العاجز عن نفسه فمن خلى بينه وبين نفسه هلك كل الهلاك ولهذا كان من دعائه صلى الله عليه وسلم يا حي يا قيوم يا بديع السماوات والأرض يا ذا الجلال والإكرام لا إله إلا أنت برحمتك أستغيث أصلح لي شأني كله ولا تكلني إلى نفسسي طرفة عين ولا إلى أحد من خلقك فالعبد مطروح بين الله وبين عدوه إبليس فإن تولاه الله لم ظفر به عدوه وإن خذله وأعرض عنه افترسه الشيطان كما يفترس الذئب الشاة\rفإن قيل فما ذنب الشاة إذا خلى الراعي بين الذئب وبينها وهل يمكنها أن تقوى على الذئب وتنجو منه ؟","part":17,"page":449},{"id":7483,"text":"قيل لعمر الله إن الشيطان ذئب الإنسان كما قاله الصادق المصدوق ولكن لم يجعل الله لهذا الذئب اللعين على هذه الشاة سلطانا مع ضعفها فإذا أعطت بيدها وسالمت الذئب ودعاها فلبت دعوته وأجابت أمره ولم تتخلف بل أقبلت نحوه سريعة مطيعة وفارقت حمى الراعي الذي ليس للذئاب عليه سبيل ودخلت في محل الذئاب الذي من دخله كان صيدا لهم فهل الذئب كل الذئب إلا الشاة فكيف والراعي يحذرها ويخوفها وينذرها وقد رآها مصارع الشاة التي انفردت عن الراعي ودخلت وادي الذئاب قال أحمد بن مروان المالكي في كتاب المجالسة سمعت ابن أبي الدنيا يقول أن لله سبحانه من العلوم ما لا يحصى يعطي كل واحد من ذلك ما لا يعطي غيره","part":17,"page":450},{"id":7484,"text":"لقد حدثنا أبو عبد الله أحمد بن حمد بن سعيد القطان ثنا عبيد الله بن بكر السهمي عن أبيه أن قوما كانوا في سفر فكان فهم رجل يمر بالطائر فيقول أتدرون ما تقول هؤلاء فيقولون لا فيقول تقول كذا وكذا فيحيلنا على شيء لا ندري أصادق فيه هو أم كاذب إلى أن مروا على غنم وفيها شاة قد تخلفت على سخلة لها فجعلت تحنو عنقها إليها وتثغو فقال أتدرون ما تقول هذه الشاة قلنا لا قال تقول للسخلة الحقي لا يأكلك الذئب كما أكل أخاك عام أول في هذا المكان قال فانتهينا إلى الراعي فقلنا له ولدت هذه الشاة قبل عامك هذا قال نعم ولدت سخلة عام أول فأكلها الذئب بهذا المكان ثم أتينا على قوم فيهم ظعينة على جمل لها وهو يرغو ويحنو عنقه إليها فقال أتدرون ما يقول هذا البعير قلنا لا قال فإنه يلعن راكبته ويزعم أنها رحلته على مخيط وهو في سنامه قال فانتهينا إليهم فقلنا يا هؤلاء إن صاحبنا هذا يزعم أن هذا البعير يلعن راكبته ويزعم أنها رحلته على مخيط وأنه في سنامه قال فأناخوا البعير وحطوا عنه فإذا هو كما قال فهذه شاة قد حذرت سخلتها من الذئب مرة فحذرت وقد حذر الله سبحانه آدم من ذئبه مرة بعد مره وهو يأبى إلا أن يستجيب له إذا دعاه ويبيت معه ويصبح وقال الشيطان لما قضى الأمر آن الله عدوكم وعد الحق ووعدتكم فأخلفتكم وما كان لي عليكم من سلطان إلا أن دعوتكم لي فلا تلوموني ولوموا أنفسكم ما أنا بمصرخكم وما أنتم بمصرخي أني كفرت بما أشركتموني من قبل أن الظالمين لهم عذاب أليم. أهـ { شفاء العليل صـ 100 ـ صـ 101 }","part":17,"page":451},{"id":7487,"text":"من لطائف الإمام القشيرى فى الآية\r{ إِنْ يَنْصُرْكُمُ اللَّهُ فَلَا غَالِبَ لَكُمْ وَإِنْ يَخْذُلْكُمْ فَمَنْ ذَا الَّذِي يَنْصُرُكُمْ مِنْ بَعْدِهِ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ (160)}\rقال عليه الرحمة :\rالمؤمنون نصرته لهم بالتوفيق للأشباح ثم بالتحقيق للأرواح.\rويقال ينصركم الله بتأييد الظواهر وتسديد السرائر.\rويقال للنصرة إنما تكون على العدو ، وأعدى عدوك نَفْسُكَ التي بين جنبيك. والنصرة على النَّفْس بأن تهزم دواعي مُنَّتِها بعواصم رحمته حتى تَنْفَضَّ جنود الشهوات بهجوم وفود المنازلات فتبقى الولاية لله خالصةً من شبهات الدواعي التي هي أوصاف البشرية ، وشهوات النفوس وأمانيها ، التي هي آثارالحجبة وموانع القربة.\r{ وَإِن يَخْذُلْكُمْ } الخذلان التخلية مع المعاصي ، فَمَنْ نَصَرَه قبض على يديه عن تعاطي المكروه ، ومن خَذَلَه أَلقى حَبْله على غاربه ، وَوَكَلَه إلى سوء اختياره ، فيفترق عليه الحال في أودية الشهوات ، فمرة يُشَرِّق غير محتشِم ، وتارة يُغَرِّب غير مُحترِم ، ألا ومن سبَّبه الحق فلا آخذ بيده ، ومن أسلمه فلا مجيرَ له.\r{ وَعَلَى اللهِ فَلْيَتَوَكَّلِ المُؤْمِنُونَ } :\rفي وجدان الأمان عند صدق الابتهال ، وإسبال ثوب العفو على هناة الجُرْم عند خلوص الالتجاء ، بالتبري من المنَّة والحول.\rويقال لما كان حديث النصرة قال : { فَلاَ غَالِبَ لَكُمْ } ، ولما كان حديث الخذلان لم يقل \" فلا ناصر لكم \" بل قال بالتلويح والرمز : { فَمَن ذَا الَّذِى يَنصُرُكُمْ مِّن بَعْدِهِ } : وفي هذا لطيفةٌ في مراعاة دقائق أحكام الخطاب. أ هـ {لطائف الإشارات حـ 1 صـ 292}.\rتم الجزء السابع عشر من كتاب {جامع لطائف التفسير} ولله الحمد والمنة\rويليه إن شاء الله تعالى الجزء الثامن عشر وأوله قوله تعالى\r{ وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ (161) }","part":17,"page":452},{"id":7488,"text":"بسم الله الرحمن الرحيم\rاسم الكتاب / جامع لطائف التفسير\rالعاجز الفقير\rعبد الرحمن بن محمد القماش\rإمام وخطيب بدولة الإمارات العربية\rعفا الله عنه وغفر له\rالجزء الثامن عشر\rحقوق النسخ والطبع والنشر مسموح بها لكل مسلم\r{يا قوم لا أسألكم عليه أجرا}","part":18,"page":3},{"id":7489,"text":"الجزء الثامن عشر\rمن الآية {161} من سورة آل عمران\rوحتى الآية {185} من نفس السورة","part":18,"page":4},{"id":7491,"text":"قوله تعالى : {وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ (161)}\rمناسبة الآية لما قبلها\rقال البقاعى :\rولما كان الغلول من أعظم موجبات الخذلان أو أعظمها.\rوالنزاهة عن من أعظم موجبات النصر ، كان أنسب الأشياء تعقيب هذه الآية بآية الغلول بياناً ، لأنه كان سبب هزيمتهم في هذه الغزوة ، فإنه لا يخذل إلا بالذنوب ، ومن أعظم الذنوب الموجبة للخذلان الغلول فيكون المراد بتنزيهه صلى الله عليه وسلم عنه - والله أعلم - أن إقبالهم عن نهب الغنائم قبل وقته إما أن يكون لقصد أن يغلو بإخفاء ما انتهبوه أو بعضه ، وإما أن يكون للخوف من أن يغل رئيسهم وحاشاه! وإما أن يكون للخوف من مطلق الخيانة بأن لا يقسمه صلى الله عليه وسلم بينهم على السواء ، وحاشاه من كل من ذلك! وأما المبادرة إلى النهب لغير هذا القصد فخفة وطيش وعبث ، لا يصوب عاقل إليه ؛ إذا تقرر هذا فيمكن أن يكون التقدير : فليتوكلوا في كبت العدو وتحصيل ما معه من الغنائم ، فلا يقبلوا على ذلك إقبالاً يتطرق منه احتمال لظن السوء بهاديهم في أن يغل ، وهو الذي أخبرهم بتحريم الغلول وبأنه سبب للخذلان ، وما نهى صلى الله عليه وسلم قط عن شيء إلا كان أول تارك له وبعيد منه وما كان ينبغي لهم أن يفتحوا طريقاً إلى هذا الاحتمال فعبر عن ذلك بقوله عطفاً على {وكأين من نبي} [ آل عمران : 146 ] {وما كان} أي ما تأتى وما صح في وقت من الأوقات ولا على حالة من الحالات {لنبي} أي أي نبي كان فضلاً عن سيد الأنبياء وإمام الرسل {أن يغل} تبشيعاً لفعل ما يؤدي إلى هذا الاحتمال زجراً من معاودة مثل ذلك الفعل المؤدي إلى تجويز شيء مما ذكر ، وعلى قراءة الجماعة غير ابن كثير وأبي عمرو - بضم الياء وفتح العين مجهولاً من : أغل - المعنى : وما كان له وما صح أن يوجد غالاً ، أو ينسب إلى الغلول ، أو يظن به ما يؤدي إلأى ذلك ؛ ويجوز أن يكون التقدير بعد الأمر بالتوكل على الله سبحانه وتعالى وحده : فلا تأتوا إن كنتم مؤمنين بما يقدح في التوكل كالغلول وما يدانيه","part":18,"page":5},{"id":7492,"text":"فتخذلوا ، فإنه ما كان لكم أن تغلوا ، وما كان أي ما حل لنبي أي من الأنبياء قط أن يغل ، أي لم أخصكم بهذه الشريعة بل ما كان في شرع نبي قط إباحة الغلول ، فلا تفعلوه ولا تقاربوه بنحو الاستباق إلى النهب ، فإن ذلك يسلب كمال التوكل ، فإنه من يرتع حول الحمى يوشك أن يواقعه ، فيوجب له الخذلان ، روى الطبراني في الكبير- قال الهيثمي : ورجاله ثقات - عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال : \" بعث النبي صلى الله عليه وسلم جيشاً فردت رايته.\rثم بعث فردت ، ثم بعث فردت بغلول رأس غزال من ذهب ، فنزلت {وما كان لنبي أن يغل} \".\rولما كان فعلهم ذلك محتملاً لقصدهم الغلول ولخوفهم من غلول غيرهم عمم في التهديد بقوله : {ومن يغلل} أي يقع منه ذلك كائناً من كان {يأت بما غل يوم القيامة} ومن عرف كلام أهل اللغة في الغلول عرف صحة قولي : إنه لمطلق الخيانة ، وإنه يجوز أن يكون التقدير : وما كان لأحد أن يفعل ما يؤدي - ولو وعلى بعد - إلى نسبة نبي إلى غلول ، قال صاحب القاموس : أغل فلاناً : نسبه إلى الغلول والخيانة ، وغل غلولاً : خان - كأغل ، أو خاص بالفيء ، وقال الإمام عبد الحق الإشبيلي في كتابه الواعي : أغل الرجل أغلالاً - إذا خان ، فهو مغل وغل في المغنم يغل غلولاً ، وقرىء : أن يَغُل ، وأن يُغَل ، فمن قرأ : يَغُل - أراد : يخون ، ومن قرأ : يُغَل - أراد : يخان ، ويجوز أن يريد : لا ينسب إلى الخيانة وكل من خان شيئاً في خفاء فقد غل يغل غلولاً ، ويسمى الخائن غالاً ، وفي الحديث\r","part":18,"page":6},{"id":7493,"text":"\" لا إغلال ولا إسلال \" الإغلال : الخيانة في كل شيء ، وغللت الشيء أغله غلاًّ - إذا سترته ، قالوا : ومنه الغلول في المغنم ، إنما أصله أن الرجل كان إذا أخذ منه شيئاً ستره في متاعه ، فقيل للخائن : غال ومغل ، ويقال : غللت الشيء في الشيء - إذا أدخلته فيه ، وقد انغل - إذا دخل في الشيء ، وقد انغل في الشجر.\rدخل - انتهى.\rفهذه الآية نهي للمؤمنين عن الاستباق إلى المغنم على طريق الإشارة ، فتم بها الوعظ الذي في أواخره القصة ، كما أن آية الربا نهي عنه على طريق الإشارة ، فتم بها الوعظ الذي في أوائل القصة ، فقد اكتنف التنفير من الغلول - الذي هو سبب الخذلان في هذه الغزوة بخصوصها لمباشرة ما هو مظنة له وفي الغزو مطلقاً - طرفي الوعظ فيها ، ليكون من أوائل ما يقرع السمع وأواخره.\rولما كان ثمرة الإتيان به الجزاء عليه عمم الحكم تنبيهاً على أن ذلك اليوم يوم الدين ، فلا بد من الجزاء فيه وتصويراً له تبشيعاً للفضيحة فيه بحضرة الخلق أجمعين ، وزاد في تعظيمه وتعظيم الجزاء فيه بأداة التراخي وتضعيف الفعل فقال معمماً الحكم ليدخل الغلول من باب الأولى : {ثم توفى} أي في ذلك اليوم العظيم ، وبناه للمجهول إظهاراًَ لعظمته على طريق كلام القادرين {كل نفس} أي غالة وغير غالة {ما كسبت} أي ما لها فيه فعل ما من خير أو شر وافياً مبالغاً في تحريز وفائه {وهم لا يظلمون} أي لا يقع عليهم ظلم في شيء منه بزيادة ولا نقص. أ هـ {نظم الدرر حـ 2 صـ 174 ـ 176}\rوقال ابن عاشور :\rقوله تعالى : {وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ}\rالأظهر أنَّه عطف على مجموع الكلام عطف الغرض رعلى الغرض وموقعه عقب جملة : { إن ينصركم الله فلا غالب لكم } [ آل عمران : 160 ].","part":18,"page":7},{"id":7494,"text":"الآية لأنها أفادت أن النصر بيد الله والخذْل بيده ، وذلك يستلزم التَّحريض على طلب مرضاته ليكون لطيفاً بمن يُرضونه.\rوإذ قد كانت هذه النَّصائح والمواعظ موجهة إليهم ليعملوا بها فيما يستقبل من غزواتهم ، نبّهوا إلى شيء يستخفّ به الجيش في الغزوات ، وهو الغُلول ليعلموا أنّ ذلك لا يُرضي الله تعالى فيحذَروه ويكونوا ممّا هو أدعى لغضب الله أشدّ حذراً فهذه مناسبة التَّحذير من الغلول ويعضّد ذلك أنّ سبب هزيمتهم يوم أُحُد هو تعجلهم إلى أخذ الغنائم.\rوالغلُول : تعجّل بأخذ شيء من غال الغنيمة.\rولا تجد غير هذا يصلح لأن يكون مناسباً لتعقيب آية النصر بآية الغلول ، فإنّ غزوة أحُد الَّتي أتت السورة على قصّتها لم يقع فيها غُلول ولا كائن للمسلمين فيها غنيمة وما ذكره بعض المفسِّرين من قضية غلولٍ وقعت يومَ بدر في قطيفة حمراء أو في سيف لا يستقيم هنا لبعد ما بين غزوة بدر وغزوة أُحُد فضلاً على ما ذكره بعضهم من نزول هذه الآية في حرص الأعراب على قسمة الغنائم يوم حُنين الواقعِ بعد غزوة أحُد بخمس سنين. أ هـ {التحرير والتنوير حـ 3 صـ 273 ـ 274}\rفصل\rقال الفخر :\rالغلول هو الخيانة ، وأصله أخذ الشيء في الخفية ، يقال أغل الجازر والسالخ إذا أبقى في الجلد شيئا من اللحم على طريق الخيانة ، والغل الحقد الكامن في الصدر.","part":18,"page":8},{"id":7495,"text":"والغلالة الثوب الذي يلبس تحت الثياب ، والغلل الماء الذي يجري في أصول الشجرة لأنه مستتر بالأشجار وتغلل الشيء إذا تخلل وخفى ، وقال عليه الصلاة والسلام : \" من بعثناه على عمل فغل شيئا جاء يوم القيامة يحمله على عنقه \" وقال : \" هدايا الولاة غلول \" وقال : \" ليس على المستعير غير المغل ضمان \" وقال : \" لا إغلال ولا إسلال \" وأيضا يقال : أغله إذا وجده غالا ، كقولك : أبخلته وأفحمته. أي وجدته كذلك. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 9 صـ 57}\rفصل\rقال الفخر :\rقرأ ابن كثير وعاصم وأبو عمرو ( يغل ) بفتح الياء وضم الغين ، أي ما كان للنبي أن يخون ، وقرأ الباقون من السبعة \"يغل\" بضم الياء وفتح الغين ، أي ما كان للنبي أن يخان.\rواختلفوا في أسباب النزول ، فبعضها يوافق القراءة الأولى.\rوبعضها يوافق القراءة الثانية.\rأما النوع الأول : ففيه روايات :\rالأولى : أنه عليه الصلاة والسلام غنم في بعض الغزوات وجمع الغنائم ، وتأخرت القسمة لبعض الموانع ، فجاء قوم وقالوا : ألا تقسم غنائمنا ؟ فقال عليه الصلاة والسلام : \" لو كان لكم مثل أحد ذهبا ما حبست عنكم منه درهما أتحسبون أني أغلكم مغنمكم \" فأنزل الله هذه الآية.\rالثاني : أن هذه الآية نزلت في أداء الوحي ، كان عليه الصلاة والسلام يقرأ القرآن وفيه عيب دينهم وسب آلهتم ، فسألوه أن يترك ذلك فنزلت هذه الآية.\rالثالث : روى عكرمة وسعيد بن جبير : أن الآية نزلت في قطيفة حمراء فقدت يوم بدر ، فقال بعض الجهال لعل النبي صلى الله عليه وسلم أخذها فنزلت هذه الآية.\rالرابع : روي عن ابن عباس رضي الله عنهما من طريق آخر أن أشراف الناس طمعوا أن يخصهم النبي عليه الصلاة والسلام من الغنائم بشيء زائد فنزلت هذه الآية.","part":18,"page":9},{"id":7496,"text":"الخامس : روي أنه عليه الصلاة والسلام بعث طلائع فغنموا غنائم فقسمها ولم يقسم للطلائع فنزلت هذه الآية. (1)\rالسادس : قال الكلبي ومقاتل : نزلت هذه الآية حين ترك الرماة المركز يوم أحد طلبا للغنيمة وقالوا : نخشى أن يقول النبي صلى الله عليه وسلم : من أخذ شيئا فهو له وأن لا يقسم الغنائم كما لم يقسمها يوم بدر ، فقال عليه الصلاة والسلام : \" ظننتم أنا نغل فلا نقسم لكم \" فنزلت هذه الآية.\rواعلم أن على الرواية الأولى المراد من الآية النهي عن أن يكتم الرسول شيئا من الغنيمة عن أصحابه لنفسه ، وعلى الروايات الثلاثة يكون المقصود نهيه عن الغلول ، بأن يعطى للبعض دون البعض.\rوأما ما يوافق القراءة الثانية : فروي أن النبي صلى الله عليه وسلم لما وقعت غنائم هوازن في يده يوم حنين ، غل رجل بمخيط فنزلت هذه الآية. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 9 صـ 57 ـ 58}\rوقال العلامة ابن عطية :\rوروي نحو هذا القول عن ابن عباس ، ويتجه على هذا أن تكون الآية إعلاماً بعدل رسول الله صلى الله عليه وسلم وقسمه للغنائم ، ورداً على الأعراب الذين صاحوا به : اقسم علينا غنائمنا يا محمد ، وازدحموا حتى اضطروه إلى السمرة التي أخذت رداءه ، ونحا إليه الزجّاج. أ هـ {المحرر الوجيز حـ 1 صـ 535}\r____________\r(1) قال القرطبى : فقسم للناس ولم يقسم للطلائع ؛ فأنزل الله عليه عِتاباً : { وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ وَمَن يَغْلُلْ } أي يقسم لبعض ويترك بعضاً. أ هـ {تفسير القرطبى حـ 4 صـ 254}\rولاشك أن هذا القول ظاهر البطلان وقد استبعده الآلوسى.","part":18,"page":10},{"id":7497,"text":"قال الطبرى :\rوأولى القراءتين بالصواب (1) في ذلك عندي، قراءة من قرأ : ( وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ ) بمعنى : ما الغلول من صفات الأنبياء، ولا يكون نبيًّا من غلَّ.\rوإنما اخترنا ذلك، لأن الله عز وجل أوعد عقيب قوله : \"وما كان لنبي أن يغل\" أهلَ الغلول فقال : \"ومن يغلل يأت بما غل يوم القيامة\"، الآية والتي بعدها. فكان في وعيده عقيب ذلك أهلَ الغلول، الدليلُ الواضح على أنه إنما نهى بذلك عن الغلول، وأخبر عباده أن الغلول ليس من صفات أنبيائه بقوله : \"وما كان لنبيّ أن يغلّ\". لأنه لو كان إنما نهى بذلك أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يتهموا رسول الله صلى الله عليه وسلم بالغلول، لعقَّب ذلك بالوعيد على التُّهَمة وسوء الظن برسول الله صلى الله عليه وسلم، لا بالوعيد على الغلول. وفي تعقيبه ذلك بالوعيد على الغلول، بيانٌ بيِّنٌ، أنه إنما عرّف المؤمنين وغيرهم من عباده أن الغلول منتفٍ من صفة الأنبياء وأخلاقهم، لأنّ ذلك جرم عظيم، والأنبياء لا تأتي مثله.\rفإن قال قائل ممن قرأ ذلك كذلك : فأولى منه \"وما كان لنبي أن يخونه أصحابه\"، إن كان ذلك كما ذكرت، ولم يعقّب الله قوله : \"وما كان لنبي أن يغل\" إلا بالوعيد على الغلول، ولكنه إنما وجب الحكمُ بالصحة لقراءة من قرأ : \"يغل\" بضم\"الياء\" وفتح\"الغين\"، لأن معنى ذلك : وما كان للنبي أن يغله أصحابه، فيخونوه في الغنائم ؟\rقيل له : أفكان لهم أن يغلوا غير النبي صلى الله عليه وسلم فيخونوه، حتى خُصوا بالنهي عن خيانة النبي صلى الله عليه وسلم ؟\rفإن قالوا : \"نعم\"، خرجوا من قول أهل الإسلام. لأن الله لم يبح خيانة أحد في قول أحد من أهل الإسلام قط.\rوإن قال قائل : لم يكن ذلك لهم في نبيّ ولا غيره.\rقيل : فما وجه خصوصهم إذًا بالنهي عن خيانة النبي صلى الله عليه وسلم، وغُلوله وغُلول بعض اليهود بمنزلةٍ فيما حرم الله على الغالِّ من أموالهما، وما يلزم المؤتمن من أداء الأمانة إليهما ؟\r_________\r(1) تقدم الرد على مثل هذا الكلام والقراءتان متواترتان فلا وجه للحكم على إحداهما بالصواب دون الأخرى. والله أعلم.","part":18,"page":11},{"id":7498,"text":"وإذا كان ذلك كذلك، فمعلوم أن معنى ذلك هو ما قلنا، من أن الله عز وجل نفى بذلك أن يكون الغلول والخيانة من صفات أنبيائه، ناهيًا بذلك عبادَه عن الغلول، وآمرًا لهم بالاستنان بمنهاج نبيهم، كما قال ابن عباس في الرواية التي ذكرناها من رواية عطية. أ هـ {تفسير الطبرى حـ 7 صـ 354 ـ 355}\rفائدة\rقال ابن عاشور :\rوصيغة { وما كان لنبي أن يُغلّ } صيغة جحود تفيد مبالغة النَّفي.\rوقد تقدّم القول فيها عند قوله تعالى : { ما كان لبشر أن يؤتيه الله الكتاب والحكم والنُّبَوة } [ آل عمران : 79 ] في هذه السورة فإذا استعملت في الإنشاء كما هنا أفادت المبالغة في النَّهي. أ هـ {التحرير والتنوير حـ 3 صـ 274}","part":18,"page":12},{"id":7499,"text":"فصل\rقال الفخر :\rاعلم أن النبي صلى الله عليه وسلم عظم أمر الغلول وجعله من الكبائر ، عن ثوبان عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال : \" من فارق روحه جسده وهو بريء من ثلاث دخل الجنة الكبر والغلول والدين \" وعن عبد الله بن عمرو : أن رجلا كان على ثقل النبي صلى الله عليه وسلم ، يقال له : كركرة فمات ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : \" هو في النار ، \" فذهبوا ينظرون فوجدوا عليه كساء وعباءة قد غلهما ، وقال عليه الصلاة والسلام : \" أدوا الخيط والمخيط فإنه عار ونار وشنار يوم القيامة \" وروي رويفع بن ثابت الأنصاري عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : \" لا يحل لأحد يؤمن بالله واليوم الآخر أن يركب دابة من فيء المسلمين حتى إذا أعجفها ردها ولا يحل لامرىء يؤمن بالله واليوم الآخر أن يلبس ثوبا حتى إذا أخلقه رده \" وروي أنه صلى الله عليه وسلم جعل سلمان علي الغنيمة فجاءه رجل وقال يا سلمان كان في ثوبي خرق فأخذت خيطا من هذا المتاع فخطته به ، فهل علي جناح ؟ فقال سلمان : كل شيء بقدره فسل الرجل الخيط من ثوبه ثم ألقاه في المتاع ، وروي أن رجلا جاء النبي صلى الله عليه وسلم بشراك أو شراكين من المغنم ، فقال أصبت هذا يوم خيبر ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم \" شراك أو شراكان من نار \" ورمى رجل بسهم في خيبر ، فقال القوم لما مات : هنيئا له الشهادة فقال عليه الصلاة والسلام : \" كلا والذي نفس محمد بيده إن الشملة التي أخذها من الغنائم قبل قسمتها لتلتهب عليه نارا \". أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 9 صـ 58}","part":18,"page":13},{"id":7500,"text":"فصل\rقال الآلوسى :\r{ وَمَا كَانَ لِنَبِىّ أَنْ يَغُلَّ } أي ما صح ولا استقام لنبي من الأنبياء أن يخون في المغنم لأن الخيانة تنافي النبوة وأصل الغل الأخذ بخفية ولذا استعمل في السرقة ثم خص في اللغة بالسرقة من المغنم قبل القسمة وتسمى غلولاً أيضاً ، قيل : وسميت بذلك لأن الأيدي فيها مغلولة أي ممنوعة مجعول فيها غل وهي الحديدة التي تجمع يد الأسير إلى عنقه ، ويقال لها : جامعة أيضاً ، وقال الرماني وغيره أصل الغلول من الغلل وهو دخول الماء في خلل الشجر ، وسميت الخيانة غلولاً لأنها تجري في الملك على خفاء من غير الوجه الذي يحل ، ومن ذلك الغل للحقد والغليل لحرارة العطش والغلالة للشغار ، والمراد تنزيه ساحة النبي صلى الله عليه وسلم على أبلغ وجه عما ظن به الرماة يوم أحد فقد حكى الواحدي عن الكلبي ومقاتل أن الرماة حين تركوا المركز يومئذٍ طلباً للغنيمة قالوا : نخشى أن يقول النبي صلى الله عليه وسلم من أخذ شيئاً فهو له وأن لا يقسم الغنائم كما لم يقسم يوم بدر فقال النبي صلى الله عليه وسلم : \"ظننتم أنا نغلّ ولا نقسم لكم\" ولهذا نزلت الآية ، أو تنزيهه صلى الله عليه وسلم عما اتهمه به بعض المنافقين يوم بدر ، فقد أخرج أبو داود والترمذي وابن جرير وحسناه عن ابن عباس رضي الله تعالى عنه أنه قال : نزلت هذه الآية في قطيفة حمراء فقدت يوم بدر فقال بعض الناس لعل رسول الله صلى الله عليه وسلم أخذها ، والرواية الأولى : أوفق بالمقام ، وارتباط الآية بما قبلها عليها أتم لأن القصة أحدية إلا أن فيها إشعاراً بأن غنائم بدر لم تقسم وهو مخالف لما سيأتي في الأنفال وسيأتي إن شاء الله تعالى تحقيقه ، والرواية الثانية : أولى بالقبول عند أرباب هذا الشأن ، ويحتمل أن يكون المراد المبالغة في النهي عن الغلول ، فقد أخرج ابن أبي شيبة في \"المصنف\" وابن","part":18,"page":14},{"id":7501,"text":"جرير مرسلاً عن الضحاك قال بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم طلائع فغنم النبي صلى الله عليه وسلم غنيمة فقسم بين الناس ولم يقسم للطلائع شيئاً فلما قدمت الطلائع قالوا قسم النبي صلى الله عليه وسلم ولم يقسم لنا فأنزل الله تعالى الآية ، فالمعنى ما كان لنبي أن يعطي قوماً من العسكر ويمنع آخرين بل عليه أن يقسم بين الكل بالسوية ، وعبر سبحانه عن حرمان بعض الغزاة بالغلول فطماً عن هذا الفعل بالكلية ، أو تعظيماً لشأنه صلى الله عليه وسلم ، وجعل بعضهم الكلام على هذا الاحتمال على حدّ { لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ } [ الزمر : 65 ] خوطب به صلى الله عليه وسلم وأريد غيره ممن يفعل مثل هذا بعد النهي عنه ولا يخفى بعده والصيغة على الاحتمال الأول : إخبار لفظاً ومعنى لكنها لا تخلو عن رمز إلى نهي عن اعتقاد ذلك في تلك الحضرة المقدسة وعلى الاحتمال الأخير : خبر أجري مجرى الطلب ، وقد وردت هذه الصيغة نهياً في مواضع من التنزيل كقوله تعالى : { مَا كَانَ لِنَبِىٍّ أَن يَكُونَ لَهُ أسرى } [ الأنفال : 67 ] و{ مَا كَانَ لِلنَّبِىّ والذين ءامَنُواْ أَن يَسْتَغْفِرُواْ لِلْمُشْرِكِينَ } [ التوبة : 113 ] [ الأحزاب : 53 ] { وَمَا كَانَ لَكُمْ أَن تؤْذُواْ رَسُولَ الله } وكذا للامتناع العقلي كقوله تعالى : { مَا كَانَ للَّهِ أَن يَتَّخِذَ مِن وَلَدٍ } [ مريم : 35 ] و{ مَّا كَانَ لَكُمْ أَن تُنبِتُواْ شَجَرَهَا } [ النحل : 60 ] وقرأ نافع وابن عامر وحمزة والكسائي ويعقوب أن يغل على صيغة البناء للمفعول ، وفي توجيهها ثلاثة أوجه ، أحدها : أن يكون ماضيه أغللته أي نسبته إلى الغلول كما تقول أكفرته أي نسبته إلى الكفر قال الكميت : \rوطائفة قد ( أكفرتني ) بحبكم...\rوطائفة قالت مسىء ومذنب","part":18,"page":15},{"id":7502,"text":"والمعنى ما صح لنبي أن ينسبه أحد إلى الغلول ، وثانيها : أن يكون من أغللته إذا وجدته غالاً كقولهم أحمدته وأبخلته وأجبنته بمعنى وجدته كذلك والمعنى ما صح لنبي أن يوجد غالاً ، وثالثها : أنه من غل إلى أن المعنى ما كان لنبي أن يغله غيره أو يخونه ويسرق من غنيمته ، ولعل تخصيص النبي بذلك وإن كان لا يجوز أن يغل غيره من إمام أو أمير إما لعظم خيانته أو لأنه القائم بأمر الغنائم فإذا حرمت الخيانة عليه وهو صاحب الأمر فحرمتها على غيره أولى كذا قيل ، وأنت تعلم أنه لا حاجة إلى توجيه التخصيص بما ذكر بعد الالتفات إلى سبب النزول والنظر إلى ما سيأتي بعد.\rومن الناس من زعم أن الآية نزلت في أداء الوحي قال : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرأ القرآن وفيه عيب دينهم وسبّ آلهتهم فسألوه أن يطوي ذلك فأنزل الله تعالى الآية ، ولا يخفى أنه بعيد جداً ولا أدري كيف سند هذه الرواية ولا أظن الخبر إلا موضوعاً ، ويزيده بعداً بل لا يكاد يجوزه قوله تعالى : { وَمَن يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ القيامة }. أ هـ {روح المعانى حـ 4 صـ 108 ـ 110}\rفصل\rقال الفخر :\rاعلم أنه يستثنى عن هذا النهي حالتان.\rالحالة الأولى : أخذ الطعام وأخذ علف الدابة بقدر الحاجة ، قال عبد الله بن أبي أوفى : أصبنا طعاما يوم حنين ، فكان الرجل يأتي فيأخذ منه قدر الكفاية ثم ينصرف ، وعن سلمان أنه أصاب يوم المدائن أرغفة وجبنا وسكينا ، فجعل يقطع من الجبن ويقول : كلوا على اسم الله.\rالحالة الثانية : إذا احتاج إليه ، روي عن البراء بن مالك أنه ضرب رجلا من المشركين يوم اليمامة فوقع على قفاه فأخذ سيفه وقتله به. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 9 صـ 58}","part":18,"page":16},{"id":7503,"text":"فصل\rقال الفخر :\rأما القراءة بفتح الياء وضم الغين ، بمعنى : ما كان لنبي أن يخون ، فله تأويلان : الأول : أن يكون المراد أن النبوة والخيانة لا يجتمعان ، وذلك لأن الخيانة سبب للعار في الدنيا والنار في الآخرة ، فالنفس الراغبة فيها تكون في نهاية الدناءة ، والنبوة أعلى المناصب الانسانية فلا تليق إلا بالنفس التي تكون في غاية الجلالة والشرف ، والجمع بين الصفتين في النفس الواحدة ممتنع ، فثبت أن النبوة والخيانة لا تجتمعان ، فنظير هذه الآية قوله : {مَا كَانَ للَّهِ أَن يَتَّخِذَ مِن وَلَدٍ} [ مريم : 35 ] يعني : الالهية واتخاذ الولد لا يجتمعان ، وقيل : اللام منقولة ، والتقدير : وما كان النبي ليغل ، كقوله : {مَا كَانَ للَّهِ أَن يَتَّخِذَ مِن وَلَدٍ} أي ما كان الله ليتخذ ولدا.\rالوجه الثاني : في تأويل هذه الآية على هذه القراءة أن يقال : إن القوم قد التمسوا منه أن يخصهم بحصة زائدة من الغنائم ، ولا شك أنه لو فعل ذلك لكان ذلك غلولا ، فأنزل الله تعالى هذه الآية مبالغة في النهي له عن ذلك ، ونظيره قوله : {لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ} [ الزمر : 65 ] وقوله : {وَلَوْ تَّقُولُ عَلَيْنَا بَعْضَ الأقاويل لأَخَذْنَا مِنْهُ باليمين} [ الحاقة : 44 ، 45 ] فقوله : {وَمَا كَانَ لِنَبِىّ أَنْ يَغُلَّ} أي ما كان يحل له ذلك ، واذا لم يحل له لم يفعله ، ونظيره قوله : {وَلَوْلا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ قُلْتُمْ مَّا يَكُونُ لَنَا أَن نَّتَكَلَّمَ بهذا} [ النور : 16 ] أي ما يحل لنا.\rوإذا عرفت تأويل الآية على هذه القراءة فنقول : حجة هذه القراءة وجوه :\rأحدها : أن أكثر الروايات في سبب نزول هذه الآية أنهم نسبوا الرسول صلى الله عليه وسلم إلى الغلول ، فبين الله بهذه الآية أن هذه الخصلة لا تليق به.","part":18,"page":17},{"id":7504,"text":"وثانيها : أن ما هو من هذا القبيل في التنزيل أسند الفعل فيه إلى الفاعل كقوله : {مَا كَانَ لَنَا أَن نُّشْرِكَ بالله} [ يوسف : 38 ] و{مَا كَانَ لِيَأْخُذَ أَخَاهُ} [ يوسف : 76 ] {وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلاَّ بِإِذْنِ الله} [ آل عمران : 145 ] {وَمَا كَانَ الله لِيُضِلَّ قَوْماً بَعْدَ إِذْ هَدَاهُمْ} [ التوبة : 115 ] {وَمَا كَانَ الله لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الغيب} [ آل عمران : 179 ] وقل أن يقال : ما كان زيد ليضرب ، وإذا كان كذلك وجب إلحاق هذه الآية بالأعم الأغلب ، ويؤكده ما حكى أبو عبيدة عن يونس أنه كان يختار هذه القراءة ، وقال : ليس في الكلام ما كان لك أن تضرب ، بضم التاء.\rوثالثها : أن هذه القراءة اختيار ابن عباس : فقيل له إن ابن مسعود يقرأ ( يغل ) فقال ابن عباس : كان النبي يقصدون قتله ، فكيف لا ينسبونه إلى الخيانة ؟ وأما القراءة الثانية وهي ( يغل ) بضم الياء وفتح الغين ففي تأويلها وجهان : الأول : أن يكون المعنى : ما كان للنبي أن يخان.\rواعلم أن الخيانة مع كل أحد محرمة ، وتخصيص النبي بهذه الحرمة فيه فوائد :\rأحدها : أن المجني عليه كلما كان أشرف وأعظم درجة كانت الخيانة في حقه أفحش ، والرسول أفضل البشر فكانت الخيانة في حقه أفحش.\rوثانيها : أن الوحي كان يأتيه حالا فحالا ، فمن خانه فربما نزل الوحي فيه فيحصل له مع عذاب الآخرة فضيحة الدنيا.\rوثالثها : أن المسلمين كانوا في غاية الفقر في ذلك الوقت فكانت تلك الخيانة هناك أفحش.","part":18,"page":18},{"id":7505,"text":"الوجه الثاني : في التأويل : أن يكون من الإغلال : أن يخون ، أي ينسب إلى الخيانة ، قال المبرد تقول العرب : أكفرت الرجل جعلته كافرا ونسبته إلى الكفر ، قال العتبي : لو كان هذا هو المراد لقيل : يعلل ، كما قيل : يفسق ويفجر ويكفر ، والأولى : أن يقال : إنه من أغللته ، أي وجدته غالا ، كما يقال أبخلته وأفحمته ، أي وجدته كذلك.\rقال صاحب \"الكشاف\" : وهذه القراءة بهذا التأويل يقرب معناها من معنى القراءة الأولى ، لأن هذا المعنى لهذه القراءة هو أنه لا يصح أن يوجد النبي غالا ، لأنه يوجد غالا إلا إذا كان غالا. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 9 صـ 58 ـ 59}\rفائدة\rقال القرطبى :\rالآية في معنى نَهيْ الناس عن الغلول في الغنائم ، والتَّوَعُّد عليه.\rوكما لا يجوز أن يُخان النبيّ صلى الله عليه وسلم لا يجوز أن يُخان غيرُه ، ولكن خصّه بالذكر لأن الخيانة معه أشدُّ وقْعاً وأعظمُ وِزْراً ؛ لأن المعاصي تعظم بحضرته لِتعيُّن توقيره.\rوالوُلاة إنما هم على أمر النبيّ صلى الله عليه وسلم فلهم حظّهم من التّوقير. أ هـ {تفسير القرطبى حـ 4 صـ 256}\rفائدة\rقال الفخر :\rقد ذكرنا أن الغلول هو الخيانة ، إلا أنه في عرف الاستعمال صار مخصوصا بالخيانة في الغنيمة ، وقد جاء هذا أيضا في غير الغنيمة ، قال صلى الله عليه وسلم : \" ألا أنبئكم بأكبر الغلول الرجلان يكون بينهما الدار والأرض فإن اقتطع أحدهما من صاحبه موضع حصاة طوقها من الأرضين السبع \" وعلى هذا التأويل يكون المعنى كونه صلوات الله وسلامه عليه مبرأ عن جميع الخيانات ، وكيف لا نقول ذلك والكفار كانوا يبذلون له الأموال العظيمة لترك ادعاء الرسالة فكيف يليق بمن كان كذلك وكان أمينا لله في الوحي النازل اليه من فوق سبع سموات أن يخون الناس!. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 9 صـ 59}","part":18,"page":19},{"id":7506,"text":"لطيفة\rقال ابن الجوزى :\rوهذه الآية من ألطف التعريض ، إذ قد ثبتت براءة ساحة النبي صلى الله عليه وسلم ، من الغُلول فدل على أن الغلول في غيره.\rومثله : { وإِنا أو إِياكم لعلى هدى أو في ضلال مبين } [ سبأ : 25 ] وقد ذكر عن السدي نحو هذا. أ هـ {زاد المسير حـ 1 صـ 491}\rقوله تعالى {وَمَن يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ القيامة}\rقال الفخر :\rفيه وجهان :\rالأول : وهو قول أكثر المفسرين إجراء هذه الآية على ظاهرها ، قالوا : وهي نظير قوله في مانع الزكاة {يَوْمَ يحمى عَلَيْهَا فِى نَارِ جَهَنَّمَ فتكوى بِهَا جِبَاهُهُمْ وَجُنوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ هذا مَا كَنَزْتُمْ لانفُسِكُمْ فَذُوقُواْ} [ التوبة : 35 ] ويدل عليه قوله : \" لا ألفين أحدكم يجىء يوم القيامة على رقبته بعير له رغاء أو بقرة لها خوار أو شاة لها ثغاء فينادي يا محمد يا محمد فأقول لا أملك لك من الله شيئاً قد بلغتك \" وعن ابن عباس أنه قال : يمثل له ذلك الشيء في قعر جهنم ، ثم يقال له : انزل اليه فخذه فينزل إليه ، فإذا انتهى اليه حمله على ظهره فلا يقبل منه.\rقال المحققون : والفائدة فيه أنه إذا جاء يوم القيامة وعلى رقبته ذلك الغلول ازدادت فضيحته.\rالوجه الثاني : أن يقال : ليس المقصود منه ظاهره ، بل المقصود تشديد الوعيد على سبيل التمثيل والتصوير ، ونظيره قوله تعالى : {إِنَّهَا إِن تَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مّنْ خَرْدَلٍ فَتَكُنْ فِى صَخْرَةٍ أَوْ فِى السموات أَوْ فِى الأرض يَأْتِ بِهَا الله} [ لقمان : 16 ] فإنه ليس المقصود نفس هذا الظاهر : بل المقصود إثبات أن الله تعالى لا يعزب عن علمه وعن حفظه مثقال ذرة في الأرض ولا في السماء ، فكذا ههنا المقصود تشديد الوعيد ،\rثم القائلون بهذا القول ذكروا وجهين :","part":18,"page":20},{"id":7507,"text":"الأول : قال أبو مسلم : المراد أن الله تعالى يحفظ عليه هذا الغلول ويعزره عليه يوم القيامة ويجازيه ، لأنه لا يخفى عليه خافية.\rالثاني : قال أبو القاسم الكعبي : المراد أنه يشتهر بذلك مثل اشتهار من يحمل ذلك الشيء ،\rواعلم أن هذا التأويل يحتمل إلا أن الأصل المعتبر في علم القرآن أنه يجب إجراء اللفظ على الحقيقة ، إلا إذا قام دليل يمنع منه ، وههنا لا مانع من هذا الظاهر ، فوجب إثباته. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 9 صـ 59 ـ 60}\rوقال الآلوسى : \rوظاهر الآثار يدل على أن الإتيان على ظاهره\rوالاستبعاد غير مفيد وقد وقع ما يشعر بالاستبعاد قديماً فقد أخرج ابن أبي حاتم عن أبي هريرة أن رجلاً قال له : أرأيت قول الله تعالى : { وَمَن يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ القيامة } هذا يغل ألف درهم وألفي درهم يأتي بها أرأيت من يغل مائة بعير أو مائتي بعير كيف يصنع بها ؟ ا قال : أريت من كان ضرسه مثل أحد وفخذه مثل ورقان وساقه مثل بيضاء ومجلسه ما بين الربذة إلى المدينة ألا يحمل مثل هذا ، وورد في بعض الأخبار أن الإتيان بالغلول من النار فحينئذٍ يكون في الآية حذف أي يأت بما غل من النار ، فقد أخرج ابن مردويه والبيهقي عن بريدة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : إن الحجر ليزن سبع خلفات فيلقى في جهنم فيهوي فيها سبعين خريفاً ويؤتى بالغلول فيلقى معه ثم يكلف صاحبه أن يأتي به وهو قول الله عز وجل : { وَمَن يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ القيامة }.","part":18,"page":21},{"id":7508,"text":"وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عمر رضي الله تعالى عنه قال لو كنت مستحلاً من الغلول القليل لاستحللت منه الكثير ما من أحد يغل إلا كلف أن يأتي به من أسفل درك جهنم ، وقيل : الإتيان به مجاز عن الإتيان بإثمه تعبيراً بما عمل عما لزمه من الإثم أي يأت بما احتمل من وباله وإثمه واختاره البلخي وقال : يجوز أن يكون ما تضمنته الأخبار جاء على وجه المثل كأن الله تعالى إذ فضح الغال وعاقبه العقوبة الشديدة جرى مجرى أن يكون آتياً به وحاملاً له وله صوت ، ولا يخفى أن جواب أبي هريرة للرجل يأبى هذا التأويل.\rوقيل : إن المعاني تظهر في صور جسمانية يوم القيامة كما يؤذن بذلك خبر مجىء الموت في صورة كبش وتلقى القرآن صاحبه في صورة الرجل الشاحب حين ينشق عنه القبر إلى غير ذلك.\rوقد ذكر غير واحد أنه لا يبعد ظهور الأعمال من الطاعات والمعاصي بصور تناسبها فحينئذٍ يمكن أن يقال : إن معصية كل غال تظهر يوم القيامة في صورة غلوله فيأتي بها هناك ، وعليه تكون الأخبار على ظاهرها من غير حاجة إلى ارتكاب التمثيل ، وجواب أبي هريرة لا يأباه ، وإلقاؤه في النار أيضاً غير مشكل وأهل الظاهر لعلهم يقولون : إنه يلقى من غير تعذيب ، وبتقديره لا محذور أيضاً فيه لأن الله تعالى لا يجب عليه شيء ، وقد ورد في بعض الأخبار أنه تعالى يخلق خلقاً حين قول جهنم : { هَلْ مِن مَّزِيدٍ } [ ق : 30 ] فيضعهم فيها ومع هذا وتسليم صحة الخبر لا بد من القول باستثناء بعض الغلول عن الإلقاء إذ قد يكون الغلول مصحفاً ولا أظن أحداً يتجاسر على القول بإلقائه. أ هـ {روح المعانى حـ 4 صـ 110}","part":18,"page":22},{"id":7509,"text":"لطيفة\rقال ابن عاشور :\rومن اللَّطائف ما في البيان والتبيين للجاحظ : أنّ مَزْيَداً رجلاً من الأعراب سرق نافجة مسك فقيل له : كيفَ تسرقها وقد قال الله تعالى : { ومن يغلل يأت بما غل يوم القيامة } ؟ فقال : إذَنْ أحمِلُها طيّبةَ الريح خفيفة المحمل.\rوهذا تلميح وتلقي المخاطب بغير ما يترقّب.\rوقريب منه ما حكي عن عبد الله بن مسعود والدرك على مَن حكاه قالوا : لمّا بعث إليه عثمان ليسلم مصحفه ليحرقه بعد أن اتَّفق المسلمون على المصحف الَّذي كُتب في عهد أبي بكر قال ابن مسعود : إنّ الله قال : { ومن يغلل يأت بما غل يوم القيامة } وإنِّي غالّ مصحفي فمن استطاع منكم أن يَغُلّ مصحفه فليفعل.\rولا أثق بصحَّة هذا الخبر لأنّ ابْن مسعود يعلم أنّ هذا ليس من الغلول. أ هـ {التحرير والتنوير حـ 3 صـ 174}\rمن فوائد القرطبى فى الآية\rقال رحمه الله :\rقوله تعالى : { وَمَن يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ القيامة } أي يأتي به حاملاً له على ظهره ورقبته ، مُعذّباً بحمله وثِقَله ، ومَرعُوباً بصوته ، ومُوَبَّخاً بإظهار خيانته على رؤوس الأشهاد ؛ على ما يأتي.\rوهذه الفضيحة التي يُوقعها الله تعالى بالغالّ نظيرُ الفضيحة التي توقع بالغادر ، في أن يُنصب له لِواء عند استه بقدر غَدْرَته.\rوجعل الله تعالى هذه المعاقبَات حَسْبَما يَعْهَدَهُ البَشرَ ويَفْهَمُونه ؛ ألا ترى إلى قول الشاعر :\rأَسُمَيّ ويْحَكِ هَلْ سَمِعتِ بِغَدْرَةٍ . . .\rرُفِعَ اللوَاءُ لنا بها في المَجْمَعِ\rوكانت العرب ترفع للغادِرِ لِواءً ، وكذلك يُطافُ بالجاني مع جِنايته.","part":18,"page":23},{"id":7510,"text":"وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة قال : قام فينا رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات يوم فذكر الغُلُول فعظّمه وعظّم أمره ثم قال : \" لا أُلفِيّن أحَدكم يجيء يوم القيامة على رقبته بَعِيرٌ له رُغاء يقول يا رسول الله أغِثْني فأقول لا أملك لك شيئاً قد أبلغتك لا ألفِيّن أحدكم يجيء يوم القيامةِ على رقبته فرس له حَمْحَمَة فيقول يا رسول الله أغِثنِي فأقول لا أملك لك شيئاً قد أبلغتك لا ألفِيّن أحدكم يجيء يوم القيامة على رقبته شاة لها ثُغاء يقول يا رسول الله أغِثنِي فأقول لا أملك لك شيئاً قد أبلغتك لا ألفِين أحدكم يجيء يوم القيامة على رقبته نَفسٌ لها صِياح فيقول يا رسول الله أغثنِي فأقول لا أملك لك شيئاً قد أبلغتك لا ألفِيّن أحدكم يجيء يوم القيامة على رقبته رِقاع تخفِق فيقول يا رسول الله أغثني فأقول لا أملك لك شيئاً قد أبلغتك لا ألفِيّن أحدكم يجيء يوم القيامة على رقبته صامِت فيقول يا رسول الله أغِثنِي فأقول لا أملك لك شيئاً قد أبلغتك \"\rوروى أبو داود عن سَمرُة بن جُنْدُب قال : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أصاب غنِيمة أمر بِلالاً فنادى في الناس فيجيئون بغنائمهم فيخْمُسُه ويقسمه ، فجاء رجل يوماً بعد النداء بزِمام من الشّعَر فقال : يا رسول الله هذا كان فيما أصبناه من الغنيمة.\rفقال : \"أسمعت بِلالاً ينادي ثلاثاً\" ؟ قال : نعم.\rقال : \"فما منعك أن تجيء به\" ؟ فاعتذر إليه.\rفقال : \"كلا أنت تجيء به يوم القيامة فلن أقْبَلَه منك\".\rقال بعض العلماء : أراد يُوافَى بوزر ذلك يوم القيامة ، كما قال في آية أُخرى : { وَهُمْ يَحْمِلُونَ أَوْزَارَهُمْ على ظُهُورِهِمْ أَلاَ سَآءَ مَا يَزِرُونَ } [ الأنعام : 31 ].\r","part":18,"page":24},{"id":7511,"text":"وقيل : الخبر محمول على شهرة الأمر ؛ أي يأتي يوم القيامة قد شَهّر الله أمره كما يُشهّر لو حَمل بعِيراً له رُغاء أو فرساً له حَمْحَمَةٌ.\rقلت : وهذا عُدولٌ عن الحقيقة إلى المجاز والتّشبيه ، وإذا دَار الكلامُ بين الحقيقة والمجاز فالحقيقة الأصل كما في كُتُب الأُصول.\rوقد أخبر النبيّ صلى الله عليه وسلم بالحقيقة ، ولا عِطْرَ بعد عَرُوس.\rويُقال : إنّ مَن غَلّ شيئاً في الدنيا يُمَثَّلُ له يومَ القيامة في النار ، ثم يُقَالُ له : انزل إليه فَخُذْه ، فيَهبِطُ إليه ، فإذا انتهى إليه حَمَلَه ، حتى إذا انتهى إلى الباب سَقَط عنه إلى أسفل جَهَنّم ، فَيرجِعُ إليه فيأخُذُه ؛ لا يَزالُ هكذا إلَى ما شَاءَ الله.\rويقال { يأْتِ بِما غَلّ } يعني تَشْهدُ عليه يَومَ القِيامَة تِلْك الخِيَانَةُ والغُلولُ.\rقال العلماء : والغُلولُ كبيرةٌ من الكبَائر ؛ بِدليل هذه الآية وما ذَكَرْنَاهُ من حديث أبي هُرَيْرَةَ : أَنَّه يَحْمِلُه عَلَى عُنُقِه.\rوقد قال صلى الله عليه وسلم في مُدْعِم : \" والذي نفسي بيده أن الشَّمْلة التي أخذ يوم خَيْبَرَ من المغانم لم تُصبها المقَاسم لتشتعل عليه ناراً\" قال : فلما سمع الناس ذلك جاء رجل بِشراك أو شِراكين إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ؛ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : \"شِراكٌ أو شِراكان من نار\" \" أخرجه الموطّأ.\rفقوله عليه السلام : \" والذي نفسي بيده \" وامتناعه من الصلاة على من غَلّ دليلٌ على تعظيم الغُلول وتعظيم الذنب فيه وأنه من الكبائر ، وهو من حقوق الآدميّين ولا بدّ فيه من القصاص بالحسنات والسيئات ، ثم صاحبه في المشيئة.\rوقوله : \"شِراكٌ أو شِراكان من نار\" مثل قوله : \"أدُّوا الخِياط والمِخْيَط\".\r","part":18,"page":25},{"id":7512,"text":"وهذا يدل على أن القليل والكثير لا يحلّ أخذُه في الغَزْوِ قبل المقَاسم ، إلا ما أجمعوا عليه من أكل المطاعم في أرض الغَزْو ومن والاصطياد والاحتطاب.\rوقد رُوي عن الزُّهْرِيّ أنه قال : لا يؤخذ الطعام في أرض العدوّ إلا بإذن الإمام.\rوهذا لا أصل له ؛ لأن الآثار تخالفه ، على ما يأتي.\rقال الحسن : كان أصحابُ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم إذا افتتحوا المدينةَ أو الحِصْن أكلوا من السَّوِيق والدقيق والسّمن والعسل.\rوقال إبراهيم : كانوا يأكلون من أرض العدوّ الطعامَ في أرض الحرب ويعلِفون قبل أن يَخْمسُوا.\rوقال عطاء : في الغزاة يكونون في السّرِيّة فيصيبون أَنْحاء السمن والعسل والطعام فيأكلون ، وما بَقِي ردُّوه إلى إمامهم ؛ وعلى هذا جماعة العلماء.\rوفي هذا الحديث دليلٌ على أن الغالّ لا يُحرق متاعه ؛ لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يُحْرِق متاع الرجل الذي أخذ الشّملة.\rولا أحْرَقَ متاع صاحبِ الخَرَزات الذي ترك الصلاةَ عليه ، ولو كانت حرق متاعه واجباً لفعله صلى الله عليه وسلم ، ولو فعله لنُقل ذلك في الحديث.\rوأما ما رُوي عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه عن النبيّ صلى الله عليه وسلم قال : \" إذا وجدتم الرجل قد غَلّ فأحرقوا متاعَه واضربوه \" فرواه أبو داود والترمذيُّ من حديث صالح بن محمد بن زائدة ، وهو ضعيف لا يُحتجّ به.\rقال التِّرمذيّ : سألت محمداً يعني البخاريّ عن هذا الحديث فقال : إنما رَوى هذا صالح بن محمد وهو أبو واقد الليثي وهو منكَر الحديث.\rوروى أبو داود أيضاً عنه قال : غزونا مع الوليد بن هِشام ومعنا سالم بن عبد الله بن عمر وعمر بن عبد العزيز ، فغَلّ رجل متاعاً فأمر الوليد بمتاعه فأحرق ، وطِيف به ولم يُعطِه سهمه.\rقال أبو داود : وهذا أصح الحديثين.\r","part":18,"page":26},{"id":7513,"text":"وروى من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جدّه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبا بكر وعمر حَرّقوا متاع الغالّ وضربوه.\rقال أبو داود : وزاد فيه عليّ بن بحر عن الوليد ولم أَسْمعْهُ منه : ومَنَعُوه سهمه.\rقال أبو عمر : قال بعض رواة هذا الحديث : واضرِبوا عنقه وأحرِقوا متاعه.\rوهذا الحديث يدور على صالح ابن محمد وليس ممن يُحتجّ به.\rوقد ثبت عن النبيّ صلى الله عليه وسلم أنه قال : \" لا يَحِلّ دَمُ امرىء مسلم إلا بإحدى ثلاث \" وهو ينْفِي القتل في الغلول.\rوروي ابن جُريج عن أبي الزبير عن جابر عن النبيُّ صلى الله عليه وسلم قال : \" ليس على الخائن ولا على المُنْتَهِب ولا على المختلس قَطْعٌ \" وهذا يعارض حديثَ صالح بن محمد وهو أقوى من جهة الإسناد.\rوالغالّ المختلس قَطْعٌ\".\rوهذا يعارض حديثَ صالح بن محمد وهو أقوى من جهة الإسناد.\rوالغالّ خائن في اللغة والشريعة وإذا انتفى عنه القطع فأحرى القتل.\rوقال الطّحاويّ : لو صحّ حديثُ صالح المذكور احتمل أن يكون حين كانت العقوبات في الأموال ؛ كما قال في مانع الزكاة : \"إنا آخذوها وشَطْرَ مالِه ، عَزْمةً من عزَماتِ الله تعالى\".\rوكما قال أبو هريرة في ضالّة الإبل المَكْتُوبة : فيها غرامتُها ومِثلُها معها.\rوكما رَوى عبد الله ابن عمرو بن العاص في الثّمر المعلَّق غَرامةُ مِثلَيْه وجَلداتُ نَكالٍ.\rوهذا كلّه منْسوخ ، والله أعلم.\rفإذا غلّ الرجل في المَغْنَم ووُجِد أخِذ منه ، وأُدِّب وعُوقب بالتعزير.\rوعند مالك والشافعيّ وأبي حنيفة وأصحابهم واللّيث : لا يُحرق متاعه.\rوقال الشافعيّ واللّيث وداود : إن كان عالماً بالنَّهي عُوقب.\rوقال الأَوْزاعيّ : يحرق متاع الغالّ كلَّه إلا سلاحه وثيابه التي عليه وسَرْجه ، ولا تُنزع منه دابته ، ولا يُحرق الشيء الذي غُلّ.\r","part":18,"page":27},{"id":7514,"text":"وهذا قول أحمد وإسحاق ، وقاله الحسن ؛ إلا أن يكون حيواناً أو مصْحَفاً.\rوقال ابن خُوَيْزِمَنْدَاد : ورُوي أنا أبا بكر وعمر رضي الله عنهما ضرباً الغالّ وأحرقا متاعه.\rقال ابن عبد البر : وممن قال يُحرق رَحْل الغالّ وأحرقا متاعه.\rقال ابن عبد البر : وممن قال يُحرق رَحْل الغالّ ومتاعُه مَكْحُولٌ وسعيدٌ بن عبد العزيز.\rوحجة من ذهب إلى هذا حديثُ صالح المذكُور.\rوهو عندنا حديث لا يجب به انتهاك حُرْمة ، ولا إنفاذ حُكْم ؛ لما يعارضه من الآثار التي هي أقوى منه.\rوما ذهب إليه مالك ومن تابعه في هذه المسألة أصحُّ من جهة النظر وصحيح الأثر ، والله أعلم.\rثم قال رحمه الله : \rوفي تحريم الغُلُول دليل على اشتراك الغانمين في الغنيمة ، فلا يحل لأحد أن يستأثر بشيء منها دون الآخر ؛ فمن غَصَب شيئاً منها أُدِّبَ اتفاقا ، على ما تقدّم.\rومن الغُلُول هدايا العمال ، وحُكْمه في الفضيحة في الآخرة حُكْم الغالّ.\rروى أَبُو داود في سُننه ومُسْلمٌ في صحيحه عن أبي حُميد الساعِدِيّ : أن النبي صلى الله عليه وسلم استعمل رجلاً من الأزْد يُقال له ابن اللُّتْبِيّة ( قال ابن السرح ابن الأُتْبِية ) على الصدقة ، فجاء فقال : هذا لكم وهذا أهدى لي.\r","part":18,"page":28},{"id":7515,"text":"فقام النبيّ صلى الله عليه وسلم على المِنْبر فحمِد الله وأثنى عليه وقال : \" ما بالُ العامل نَبعثهُ فيجيء فيقول هذا لكم وهذا أهْدِيَ لِي ألاَ جَلس في بيت أُمّه أو أبيه فينظر أيُهدَى إليه أم لا ، لا يأتي أحد منكم بشيء من ذلك إلا جاء به يوم القيامة إن كان بعيراً فله رُغاء وإن كانت بقرة فلها خُوار أو شاةً تُيْعِرَ\" ثم رفع يديه حتى رأينا عُفْرَتَيْ إبطيْه ثم قال : \"اللَّهُمَّ هل بَلّغتُ اللَّهُمَّ هل بلّغْتُ\" \" ورَوى أبو داود عن بُريدةَ عن النبيّ صلى الله عليه وسلم قال : \" من استعملناه على عمل فرزقناه رِزْقاً فما أخَذ بعد ذلك فهو غُلول \" ورَوى أيضاً \" عن أبى مسعود الأنصارى قال : بَعثني رسول الله صلى الله عليه وسلم ساعِياً ثم قال : \"انطلق أبا مسعود ولا ألْفِينَّك يوم القيامة تأتي على ظهرك بعيرٌ من إبل الصّدقة له رُغاءٌ قد غَلَلْتَه\".\rقال : إِذا لا أنطلق.\rقال : \"إذاً لا أكرهك\" \" وقد قيّد هذه الأحاديث ما رواه أبو داود أيضاً عن المُسْتَوْرِد ابن شداد قال : سمعت النبيّ صلى الله عليه وسلم يقول : \" من كان لنا عاملاً فلْيَكْتَسِب زوجةً فإن لم يكن له خادم فلْيَكْتَسِبَ خادِماً فإن لم يكن له مسكن فليكتسِب مسكناً \" قال فقال أبو بكر : أُخبرت أن النبيّ صلى الله عليه وسلم قال : \" من اتخذ غير ذلك فهو غالٌّ سارق \" والله أعلم.\rومن الغُلُول حبس الكُتُب عن أصحابها ، ويدخل غيرها في معناها.\rقال الزُّهِريّ : إيّاك وغلولَ الكتب.\rفقيل له ؛ وما غُلُول الكتب ؟ قال ؛ حبسها عن أصحابها.\rوقد قيل في تأويل قوله تعالى : { وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ } أن يكتم شيئاً من الوَحْي رَغْبةً أو رَهْبةً أو مُداهنة.\r","part":18,"page":29},{"id":7516,"text":"وذلك أنهم كانوا يكرهون ما في القرآن من عَيْب دينهم وسَبّ آلهتهم ، فسألوه أن يطوِي ذلك ؛ فأنزل الله هذه الآية ؛ قاله محمد بن بشار.\rوما بدأنا به قول الجمهور. أ هـ {تفسير القرطبى حـ 4 صـ 261 ـ 262}. بتصرف.\rفصل\rقال ابن كثير :\rعن عدِيّ بن عُميرَة الكندي قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : \"يَأَيُّهَا النَّاسُ، مَنْ عَمِلَ لَنَا [مِنْكُمْ] عملا فكَتَمَنَا مِنْهُ مِخْيَطا فَمَا فَوْقَهُ فَهُوَ غُلُّ يَأْتِي بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ\" قال : فقال رجل من الأنصار أسود -قال مُجَالد : هو سعيد بن عبادة -كأني أنظر إليه، فقال : يا رسول الله، اقبل عني عملك. قال : \"وَمَا ذَاك ؟ \" قال : سمعتك تقول كذا وكذا. قال : \"وَأَنا أقُولُ ذَاكَ الآن : مَنِ اسْتَعْمَلْنَاهُ عَلَى عَمَلٍ فَلْيَجِئ بِقَليلِهِ وَكَثِيرِه، فَمَا أُوتِيَ مِنْهُ أَخَذَهُ. وَمَا نُهِيَ عَنْهُ انْتَهَى\". وكذا رواه مسلم، وأبو داود، من طرق عن إسماعيل بن أبي خالد، به (1).\r_______________\r(1) المسند (4/192) وصحيح مسلم برقم (1833)","part":18,"page":30},{"id":7517,"text":"حديث آخر : قال الإمام أحمد : حدثنا أبو معاوية، حدثنا أبو إسحاق الفَزَاري، عن ابن جُرَيج، حدثني منبوذ، رجل من آل أبي رافع، عن الفضل بن عبيد الله بن أبي رافع، عن أبي رافع قال : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا صلّى العصر رُبَّما ذهب إلى بني عبد الأشهل فيتحدث معهم حتى ينحدر المغرب قال أبو رافع : فبينا رسولُ الله صلى الله عليه وسلم مسرعًا إلى المغرب إذ مر بالبقيع فقال : \"أُفٍّ لَكَ.. أُفٍّ لَكَ\" مرتين، فكبر في [ذرعي] وتأخرت وظننت أنه يريدني، فقال : \"مَا لَكَ ؟ امش\" قال : قلتُ : أحدثت حدثا يا رسول الله ؟ قال : \"وَمَا ذَاكَ ؟ \" قلت : أفَّفْتَ بي قال : \"لا وَلَكِنْ هَذَا قَبْرُ فُلانٍ، بَعَثْتُهُ سَاعِيًا عَلَى آلِ فُلانٍ، فَغَلَّ نَمِرَة فَدُرِعَ الآنَ مِثْلَهُ مِنْ نَارٍ\" (1).\rحديث آخر : قال عبد الله بن الإمام أحمد : حدثنا عبد الله بن سالم الكوفي المفلوج - وكان بمكة -\rحدثنا عُبَيْدة بن الأسود، عن القاسم بن الوليد، عن أبي صادق، عن ربيعة بن ناجد، عن عبادة بن الصامت، أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يأخذ الوبرة من جنب البعير من المغنم، ثم يقول : \"مَا لِيَ فِيهِ إلا مِثْلَ مَا لأحَدِكُمْ، إيَّاكُمْ والْغُلُولَ، فَإنَّ الْغُلُولَ خزْي عَلَى صَاحِبِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، أدُّوا الخَيْطَ والمِخْيَطَ وَمَا فَوْقَ ذَلِكَ، وَجَاهِدُوا فِي سبيل الله الْقَرِيب والْبَعِيدَ، في الْحَضَرِ والسَّفَرِ، فإنَّ الجِهَادَ بَابٌ مِنْ أبْوَابِ الْجَنَّةِ، إنَّهُ لَيُنْجِي اللهُ بِهِ مِنَ الْهَمِّ والْغَمِّ ؛ وأقِيمُوا حُدُودَ اللهِ فِي الْقَرِيبِ والْبَعِيدِ، وَلا تَأْخُذُكُمْ فِي اللهِ لَوْمَةُ لائمٍ\". وقد روى ابنُ ماجة بَعْضَه عن المفلوج، به (2).\r______________\r(1) المسند (6/392)\r(2) المسند (5/330) وهذا الحديث من زيادات عبد الله بن أحمد على مسند أبيه، وسنن ابن ماجة برقم (2540)","part":18,"page":31},{"id":7518,"text":"حديث آخر : عن عَمْرو بن شُعَيب، عن أبيه، عن جدِّه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : \"رُدُّوا الْخِيَاط وَالْمِخْيَطَ، فَإنَّ الْغُلُولَ عَارٌ وَنارٌ وَشَنَارٌ عَلَى أهْلِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ\" (1).\rحديث آخر : قال أبو داود : حدثنا عثمان بن أبي شيبة، حدثنا جرير، عن مُطَرِّف، عن أبي الجَهْم، عن أبي مسعود الأنصاري قال : بعثني رسول الله صلى الله عليه وسلم ساعيًا ثم قال : \"انْطَلِقْ -أَبَا مَسْعُودٍ-لا أُلْفِيَنَّكَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ تَجِيءُ عَلَى ظَهْرِكَ بَعِيرٌ مِنْ إِبِلِ الصَّدَقَةِ لَهُ رُغَاءٌ قَدْ غَلَلْتَهُ\". قال : إِذًا لا أَنْطَلِقُ. قال : إِذًا لا أُكْرِهُكَ\". تفرد به أبو داود (2).\rحديث آخر : قال أبو بكر بن مَرْدُويَه : أنبأنا محمد بن أحمد بن إبراهيم، أنبأنا محمد بن عثمان بن أبي شيبة، أنبأنا عبد الحميد بن صالح أنبأنا أحمد بن أبان، عن علقمة بن مَرْثَد، عن ابن بُرَيدة، عن أبيه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : إنَّ الْحَجَرَ لَيُرْمَى بِهِ [فِي] جَهَنَّمَ فَيَهْوِي سَبْعِينَ خَرَيِفًا مَا يَبْلُغُ قَعْرَهَا، وَيُؤْتَى بِالْغُلُولِ فَيُقْذَفُ مَعَهُ\"، ثم يُقَالُ لَمَنْ غَلَّ ائْتِ بِهِ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ : { وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ } (3).\r___________\r(1) سنن أبي داود برقم (2947)\r(2) المسند (2/184)\r(3) ورواه الطبراني في المعجم الكبير (2/21) والبيهقي في شعب الإيمان برقم (4334) من طريق محمد بن أبان عن علقمة بن مرثد به، وفي إسناده محمد بن أبان الجعفي ضعيف","part":18,"page":32},{"id":7519,"text":"حديث آخر : قال الإمام أحمد : حدثنا هاشم بن القاسم، حدثنا عِكْرِمة بن عمار، حدثني سماك الحَنفي أبو زُميل، حدثني عبد الله بن عباس، حدثني عُمَر بن الخطاب قال : لما كان يومُ خَيْبَر أقبل نَفَر من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم فقالوا : فلان شهيد، وفلان شهيد. حتى أَتوْا على رجل فقالوا : فلان شهيد ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : \"كَلا إنِّي رَأَيْتُهُ فِي النَّارِ فِي بُرْدَةٍ غَلَّهَا -أو عَبَاءَةٍ\". ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : \"يَا ابْنَ الْخَطَّابِ اذْهَبْ فَنَادِ فِي النَّاسِ : إنَّه لا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ إلا الْمُؤْمِنُونَ\". قال : فخرجت فناديت : ألا إنه لا يدخل الجنة إلا المؤمنون.\rوكذا رواه مسلم، والترمذي من حديث عكرمة بن عمار به. وقال الترمذي : حسن صحيح (1). أ هـ {تفسير ابن كثير حـ 2 صـ 154 ـ 156}\r___________\r(1) المسند (1/30) وصحيح مسلم برقم (114) وسنن الترمذي برقم (1574)","part":18,"page":33},{"id":7520,"text":"قوله تعالى : {ثُمَّ توفى كُلُّ نَفْسٍ مَّا كَسَبَتْ}\rقال الآلوسى :\r{ ثُمَّ توفى كُلُّ نَفْسٍ مَّا كَسَبَتْ } أي تعطى كل نفس مكلفة جزاء ما عملت من خير أو شر تاماً وافياً ، ففي الكلام مضاف محذوف أو أنه أقيم المكسوب مقام جزائه ، وفي تعليق التوفية بكل مكسوب مع أن المقصود بيان حال الغال عند إتيانه بما غل يوم القيامة من الدلالة على فخامة شأن اليوم والمبالغة في بيان فظاعة حال الغال ما لا يخفى فإنه إذا كان كل كاسب مجزياً بعمله لا ينقص منه شيء وإن كان جرمه في غاية القلة والحقارة ، فالغال مع عظم جرمه بذلك أولى وهذا سبب العدول عما يقتضيه الظاهر من نحو ثم يوفى ما كسب لأنه اللائق بما قبله ؛ وقيل : يحتمل أن يكون المراد إثم توفى منه كل نفس لها حق في تلك الغنيمة ما كسبت من نقصان حقها من غله فحينئذٍ يكون النظم على مقتضى الظاهر وكلمة { ثُمَّ } للتفاوت بين حمله ما غل وبين جزائه ، أو للتراخي الزماني أي بعد حمله ما غله بمدة مديدة وجعله منتظراً فيما بين الناس مفتضحاً حاملاً ما غله توفى منه كل نفس ، ولا يخفى أن مثل هذا الاحتمال مما يصان عنه كلام الملك المتعال ، فالحق الذي لا ينبغي العدول عنه هو القول الأول المتضمن لنكتة العدول وأمر { ثُمَّ } عليه ظاهر سواء جعلت للتراخي الزماني ، أو للتراخي الرتبي.\rأما الأول : فلأن الإتيان بما غل عند قيامه من القبر على ما هو الظاهر والجزاء بعد ذلك بكثير.\rوأما الثاني : فلأن جزاء الغال وعقوبته أشدّ فظاعة من حمل ما غله والفضيحة به بل لا يبعد أن يكون ذلك الحمل كالعلاوة على الحمل بل يكاد أن يكون نعيماً بالنسبة إلى ما يلقى بعد ، والجملة على كل تقدير معطوفة على الجملة الشرطية. أ هـ {روح المعانى حـ 4 صـ 111}","part":18,"page":34},{"id":7521,"text":"وقال البيضاوى :\r{ ثُمَّ توفى كُلُّ نَفْسٍ مَّا كَسَبَتْ } يعني تعطي جزاء ما كسبت وافياً ، وكان اللائق بما قبله أن يقال ثم يوفى ما كسبت لكنه عمم الحكم ليكون كالبرهان على المقصود والمبالغة فيه ، فإنه إذا كان كل كاسب مجزياً بعمله فالغال مع عظم جرمه بذلك أولى. أ هـ {تفسير البيضاوى حـ 2 صـ 110}\rوقال ابن عاشور :\rوقوله : { ثم توفى كل نفس ما كسبت } تنبيه على العقوبة بعد التفضيح ، إذ قد علم أنّ الكلام السابق مسوق مساق النَّهي ، وجيء بـ ( ثمّ ) للدّلالة على طول مهلة التفضيح ، ومن جملة النُّفوس الَّتي توفَّى ما كسبت نفس من يغلل ، فقد دخل في العموم. أ هـ {التحرير والتنوير حـ 3 صـ 275}\rلطيفة\rقال أبو السعود :\rووضعُ المكسوبِ موضعَ جزائِه تحقيقاً للعدْل ببيان ما بينهما من تمام التناسُبِ كمّاً وكيفاً كأنهما شيءٌ واحد. أ هـ {تفسير أبى السعود حـ 2 صـ 107}\rسؤالان :\rالسؤال الأول : هلا قيل ثم يوفى ما كسب ليتصل بما قبله ؟\rوالجواب : الفائدة في ذكر هذا العموم أن صاحب الغلول إذا علم أن ههنا مجازيا يجازي كل أحد على عمله سواء كان خيراً أو شرا ، علم أنه غير متخلص من بينهم مع عظم ما اكتسب.\rالسؤال الثاني : المعتزلة يتمسكون بهذا في إثبات كون العبد فاعلا ، وفي إثبات وعيد الفساق.\rأما الأول : فلأنه تعالى أثبت الجزاء على كسبه ، فلو كان كسبه خلقا لله لكان الله تعالى يجازيه على ما خلقه فيه.\rوأما الثاني : فلأنه تعالى قال في القاتل المتعمد : {فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ} [ النساء : 93 ] وأثبت في هذه الآية أن كل عامل يصل اليه جزاؤه فيحصل من مجموع الآيتين القطع بوعيد الفساق.","part":18,"page":35},{"id":7522,"text":"والجواب : أما سؤال الفعل فجوابه المعارضة بالعلم ، وأما سؤال الوعيد فهذا العموم مخصوص في صورة التوبة ، فكذلك يجب أن يكون مخصوصا في صورة العفو للدلائل الدالة على العفو. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 9 صـ 60}\rلطيفة\rقال أبو حيان :\rذكر أن ذلك الجزاء ليس مختصاً بمن غلّ ، بل كل نفس توفى جزاء ما كسبت من غير ظلم ، فصار الغال مذكوراً مرتين : مرّة بخصوصه ، ومرّة باندراجه في هذا العام ليعلم أنه غير متخلص من تبعة ما غل ، ومن تبعة ما كسبت من غير الغلول. أ هـ {البحر المحيط حـ 3 صـ 107}\rقوله تعالى : {وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ}\rقال الآلوسى :\r{ وَهُمْ } : أي كل الناس المدلول عليهم بكل نفس { لاَ يُظْلَمُونَ } أي لا ينقص بمقتضى الحكمة والعدل ثواب مطيعهم ولا يزاد عقاب عاصيهم. أ هـ {روح المعانى حـ 4 صـ 111}\rفصل\rقال الفخر :\rقال القاضي : هذا يدل على أن الظلم ممكن في أفعال الله وذلك بأن ينقص من الثواب أو يزيد في العقاب ، قال : ولا يتأتى ذلك إلا على قولنا دون قول من يقول من المجبرة : إن أي شيء فعله تعالى فهو عدل وحكمة لأنه المالك.\rالجواب : نفي الظلم عنه لا يدل على صحته عليه ، كما أن قوله : {لاَ تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلاَ نَوْمٌ} [ البقرة : 255 ] لا يدل على صحتهما عليه. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 9 صـ 60}","part":18,"page":36},{"id":7523,"text":"فائدة\rقال ابن عاشور :\rوالآية دلّت على تحريم الغلول وهو أخذ شيء من المغنم بغير إذن أمير الجيش ، وهو من الكبائر لأنَّه مِثل السرقة ، وأصحّ ما في الغلول حديث \"الموطأ\" : أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم حين رجع من خيبر قاصداً وادي القُرى وكان له عبد أسود يدعى مِدْعَما ، فبينما هو يحطّ رحل رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ جاءه سهم عائر فقتله ، فقال النَّاس : هنيئاً له الجنَّةُ ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم \" كلاّ والَّذي نفسي بيده إن الشَّملة التي أخذها يومَ خيبر من الغنائم لم تصبها المقاسم لتشتعل عليه ناراً \"\rومن غلّ في المغنم يؤخذ منه مَا غَلَّه ويؤدّب بالاجتهاد ، ولا قطع فيه باتِّفاق ، هذا قول الجمهور ، وقال الأوزاعي ، وإسحاق ، وأحمد بن حنبل ، وجماعة : يحرق متاع الغالّ كُلّه عدَا سِلاحَه وسرجه ، ويردّ ما غلّه إلى بيت المال ، واستدلّوا بحديث رواه صالح بن محمد بن زائدة أبو واقد الليثي ، عن عمر بن الخطاب : أنّ النَّبيء صلى الله عليه وسلم قال : \" إذا وجدتم الرجل قد غلّ فأحرقوا متاعه واضربوه \" وهو حديث ضعيف ، قال الترمذي سألت محمداً يعني البخاري عنه فقال : \"إنَّما رواه صالح بن محمد ، وهو منكر الحديث.\rعلى أنَّه لو صَحّ لوجَبَ تأويله لأنّ قواعد الشَّريعة تدلّ على وجوب تأويله فالأخذ به إغراق في التعلّق بالظواهر وليس من التفقّه في شيء. أ هـ {التحرير والتنوير حـ 3 صـ 275}\rفوائد لغوية\rقال ابن عادل :\r{ أَنْ يَغُلَّ } في محل رفع ، اسم كان و\" لنبيّ \" خبرٌ مقدَّمٌ ، أي : ما كان له غلول أو إغلال على حسب القراءتينِ.\rوقرا ابنُ كثيرٍ ، وأبو عمرو ، وعاصم ، بفتح الياء وضم الغين -من غل- مبنياً للفاعل ، ومعناه : أنه لا يصح أن يقع من النبي غلول ؛ لتنافيهما ، فلا يجوز أن يتوهَّمَ ذلك فيه ألبتة.","part":18,"page":37},{"id":7524,"text":"وقرأ الباقون \" يُغَلَّ \" مبنياً للمفعول ، وهذه القراءة فيها احتمالانِ : \rأحدهما : أن يكون من \" غَلَّ \" ثلاثياً ، والمعنى : ما صح لنبيٍّ أن يخونه غيره ويَغُلَّهُ ، فهو نفيٌ في معنى النهي ، أي : لا يَغُلَّهُ أحدٌ.\rثانيهما : أن يكون من \" أغَلَّ \" رباعياً ، وفيها وجهانِ : \rأحدهما : أن يكون من \" أغَلَّهُ \" أي : نسبه إلى الغُلُولِ ، كقولهم : أكذبته إذا نسبته إلى الكذب- وهذا في المعنى كالذي قبله ، أي : نفي في معنى النهي ، أي : لا يَنْسبه أحدٌ إلى الغلولِ.\rقال ابن قتيبة : ولو كان الرمادُ هذا المعنى لقيل : يُغَلَّلُ كما يقال : يُفَسَّق ، ويُخَوَّن ، ويُفَجَّر ، والأولى أن يقال : إنه من \" أغللته \" أي : وجدته غالاً ، كما يقال : \" أبخَلْتُهُ \".\rالثاني : أن يكون من \" أغلَّهُ \" أي : وَجَدتهُ محموداً وبخيلاً.\rوالظاهر أن قراءة \" يَغُلَّ \" بالبناء للفاعل -لا يُقَدَّر فيها مفعول محذوف ؛ لأن الغرض نفي هذه الصفةِ عن النبيِّ من غير نظر إلى تعلق بمفعول ، كقولك : وهو يُعْطِي ويمنع- تريد إثبات هاتين الصفتين ، وقدر له أبو البقاء مفعولاً ، فقال : تقديره أن يغل المال أو الغنيمة.\r","part":18,"page":38},{"id":7525,"text":"واختار أبو عبيدة والفارسي قراءة البناء للفاعل قالا : \" لأن الفعل الوارد بعد \" ما كان لكذا أن يفعل \" أكثر ما يجيء منسوباً إلى الفاعل نحو : { وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ } [ آل عمران : 145 ] ، { مَّا كَانَ الله لِيَذَرَ } [ آل عمران : 179 ] و{ مَا كَانَ لَنَآ أَن نُّشْرِكَ بالله } [ يوسف : 38 ] { مَا كَانَ لِيَأْخُذَ أَخَاهُ } [ يوسف : 76 ] { وَمَا كَانَ الله لِيُضِلَّ قَوْماً } [ التوبة : 115 ] { وَمَا كَانَ الله لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الغيب } [ آل عمران : 179 ] ويقال : ما كان ليضرب ، فوجب إلحاق هذه الآية بالأعم الأغلب ويأكده ما حكى أبو عبيدة عن يونس أنه كان يختار هذه القراءة ، وقال : ليس في الكلام ما كان لكَ أن تُقرب -بضم التاء ، وأيضاً فهذه القرءة اختيار ابن عباسٍ ، فقيل له : إن ابن مسعودٍ يقرأ : يُغل فقال ابنُ عباس : كان النبيُّ يقصدون قتله فكيف لا ينسبونه إلى الخيانة.\rقال شهاب الدين ، ورجحها بعضهم بقوله : { وَمَن يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ } فهذا يوافق هذه القراءة ، ولا حجة في ذلك ؛ لأنها موافقة للأخرى.\rو \" الغلول \" في الأصل تدرع الخيانة وتوسطها و\" الغلل \" تَدْرُّع الشيء وتوسطه ، قال : [ الوافر ]\rتَغَلْغَلَ حَيْثُ لَمْ يَبْلُغْ سَرَابٌ... وَلاَ حُزْنٌ وَلَمْ يَبْلُغْ سُرُورُ\rقيل : تَغَلْغَلَ الشيء إذا تخلل بخفية.\rقال : [ الوافر ]\rتَغَلْغَلَ حُبُّ مَيَّةَ فِي فُؤادِي... والغلالة : الثوب الذي يلبس تحت الثياب ، والغلول الذي هو الأخذُ في خفية مأخوذةٌ من هذا المعنى.\r","part":18,"page":39},{"id":7526,"text":"ومنه : أغل الجازر -إذا سرق وترك في الإهاب شيئاً من اللحم. وفرَّقت العرب بين الأفعال والمصادر ، فقالوا : غَلَّ يَغَلُّ غلولاً -بالضم في المصدر والمضارع- إذا خان. وغَلَّ يَغِلُّ غِلاًّ -بالكسر فيهما- الحقد قال تعالى : { وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِم مِّنْ غِلٍّ } [ الأعراف : 43 ] أي : حِقْد.\rقال القرطبيُّ : \" والغالّ : أرض مطمئنة ، ذات شجرٍ ، ومنابت الساج والطلح ، يقال لها : غال. والغال : -أيضاً : نبت ، والجمع : غُلاَّن- بالضم \".\rقوله : { وَمَن يَغْلُلْ } الظاهر أن هذه الجملة الشرطية مستأنفةٌ لا محل لها من الإعرابِ ، وإنما هي للردع عن الإغلالِ ، وزعم أبو البقاء أنها يجوز أن تكون حالاً ، ويكون التقدير : في حال علم الغالِّ بعقوبة الغلول.\rوهذا - وإن كان محتملاً - بعيدٌ.\rو \" ما \" موصولة بمعنى الذي ، فالعائد محذوف أي : غَلَّه ، ويدل على ذلك الحديث ، أنّ أحدهم يأتي بالشيء الذي أخذه على رقبته.\rويجوز أن تكون مصدرية ، ويكون على حذف مضاف ، أي : بإثم غُلوله.\rقوله : { ثُمَّ توفى } هذه الجملة معطوفة على الجملة الشرطية ، وفيها إعلامٌ أن الغالَّ وغيره من جميع الكاسبين لا بد وأن يُجَازوا ، فيندرج الغالُّ تحت هذا العموم -أيضاً- فكأنه ذُكِرَ مرتَيْن.\rقال الزمخشريُّ : فإن قلتَ : هلاَّ قِيلَ : ثم يُوَفَّى ما كسب ؛ ليتصل به ؟ \rقلت : جيء بعامٍّ دخل تحته كلُّ كاسب من الغالِّ وغيره ، فاتصل به من حيث المعنى ، وهو أثبتُ وأبلغ. أ هـ {تفسير ابن عادل حـ 6 صـ 22 ـ 28}. بتصرف.","part":18,"page":40},{"id":7527,"text":"من لطائف الإمام القشيرى فى الآية\rقال عليه الرحمة :\r{ وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ (161)}\rنزَّه أحوال الأنبياء عن الدَّنَس بالخيانات ، فمن حَمَّلْنَاه من الرسالة إلى عبادنا يوصلها إلى مستحقيها واجباً ، ولا يعتني بشأنِ حميمٍ له مِنْ دون أمرنا ، ولا يمنع نصيب أحدٍ أمرناه بإيصاله إليه ، بحقدٍ ينطوي عليه. ألا ترى كيف قال : \" اذْهب فوارِه \" لأبي طالب لمَّا قال له أمير المؤمنين عليٌّ رضي الله عنه : مات عمُّك الضال. وكيف قَبِلَ الوحشي قاتِلَ حمزة لمَّا أسلم ؟ . أ هـ {لطائف الإشارات حـ 1 صـ 293}","part":18,"page":41},{"id":7528,"text":"قوله تعالى {أَفَمَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَ اللَّهِ كَمَنْ بَاءَ بِسَخَطٍ مِنَ اللَّهِ وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (162)}\rمناسبة الآية لما قبلها\rقال البقاعى :\rولما أخبر تعالى أنه لا يقع في ذلك اليوم ظلم أصلاً تسبب عنه الإنكار على من حدثته نفسه بالأماني الكاذبة ، فظن غير ذلك من استواء حال المحسن وغيره ، أو فعل فعلاً وقال قولاً يؤدي إلأى ذلك كالمنافقين وكالمقبلين على الغنيمة فقال تعالى : {أفمن اتبع} أي طلب بجد واجتهاد {رضوان الله} أي ذي الجلال والإكرام بالإقبال على ما أمر به الصادق ، فصار إلى الجنة ونعم الصبر {كمن بآء} أي رجع من تصرفه الذي يريد به الربح ، أو حل وأقام {بسخط من الله} أي من الملك الأعظم بأن فعل ما يقتضي السخط بالمخالفة ثم الإدبار لولا العفو {ومأواه جهنم} أي جزاء بما جعل أسباب السخط مأواه {وبئس المصير} أي هي. أ هـ {نظم الدرر حـ 2 صـ 177}\rوقال الفخر :\rاعلم أنه تعالى لما قال : {ثُمَّ توفى كُلُّ نَفْسٍ مَّا كَسَبَتْ} [ آل عمران : 161 ] أتبعه بتفصيل هذه الجملة ، وبين أن جزاء المطيعين ما هو ، وجزاء المسيئين ما هو ، فقال : {أَفَمَنِ اتبع رضوان الله}. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 9 صـ 60 ـ 61}\rفائدة\rقال ابن عاشور :\rوالاتِّباع هنا بمعنى التطلّب : شبه حَال المتوّخي بأفعاله رضَى الله بحال المتطلِّب لطِلْبَة فهو يتبعها حيث حلّ ليقتنصها ، وفي هذا التَّشبيه حسن التنبيه على أنّ التحصيل على رضوان الله تعالى محتاج إلى فرط اهتمام ، وفي فعل ( باء ) من قوله : { كمن بآء بسخط من الله } تمثيل لحال صاحب المعاصي بالَّذي خرج يطلب ما ينفعه فرجع بما يضرّه ، أو رجع بالخيبة كما تقدّم في معنى قوله تعالى : { فما ربحت تجارتهم } في سورة البقرة ( 16 ).","part":18,"page":42},{"id":7529,"text":"وقد علم من هذه المقابلة حال أهل الطاعة وأهل المعصية ، أوْ أهلِ الإيمان وأهلِ الكفر. أ هـ {التحرير والتنوير حـ 3 صـ 276}\rفصل\rقال الفخر :\rللمفسرين فيه وجوه :\rالأول : {أَفَمَنِ اتبع رضوان الله} في ترك الغلول {كَمَن بَاء بِسَخطٍ مّنَ الله} في فعل الغلول ، وهو قول الكلبي والضحاك.\rالثاني : {أفمن اتبع رضوان الله} بالإيمان به والعمل بطاعته ، {كمن باء بسخط من الله} بالكفر به والاشتغال بمعصيته ،\rالثالث : {أَفَمَنِ اتبع رضوان الله} وهم المهاجرون ، {كَمَن بَاء بِسَخطٍ مّنَ الله} وهم المنافقون ،\rالرابع : قال الزجاج : لما حمل المشركون على المسلمين دعا النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه إلى أن يحملوا على المشركين ، ففعله بعضهم وتركه آخرون.\rفقال : {أَفَمَنِ اتبع رضوان الله} وهم الذين امتثلوا أمره {كَمَن بَاء بِسَخطٍ مّنَ الله} وهم الذين لم يقبلوا قوله ، وقال القاضي : كل واحد من هذه الوجوه صحيح ، ولكن لا يجوز قصر اللفظ عليه لأن اللفظ عام ، فوجب أن يتناول الكل ، لأن كل من أقدم على الطاعة فهو داخل تحت قوله {أَفَمَنِ اتبع رضوان الله} وكل من أخلد إلى متابعة النفس والشهوة فهو داخل تحت قوله : {كَمَن بَاء بِسَخطٍ مّنَ الله} أقصى ما في الباب أن الآية نازلة في واقعة معينة ، لكنك تعلم أن عموم اللفظ لا يبطل لأجل خصوص السبب. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 9 صـ 61}\rمن فوائد الآلوسى فى الآية\rقال رحمه الله :\r{ أَفَمَنِ اتبع رضوان الله } أي سعى في تحصيله وانتحى نحوه { كَمَن بَاء } أي رجع { بِسَخْطٍ } أي غضب عظيم جداً وهو بفتحتين مصدر قياسي ، ويقال : بضم فسكون وهو غير مقيس والجار متعلق بالفعل قبله ، وجوز أن يكون حالاً فيتعلق بمحذوف أي رجع مصاحباً لسخط.\r{ مِنَ الله } أي كائن منه تعالى.","part":18,"page":43},{"id":7530,"text":"وفي المراد من الآية أقوال : أحدها : أن المعنى أفمن اتبع رضوان الله تعالى في العمل بالطاعة كمن باء بسخط منه سبحانه في العمل بالمعصية وهو المروي عن ابن إسحاق ثانيها : أن معناه أفمن اتبع رضوان الله في ترك الغلول كالنبي ومن يسير بسيرته كمن باء بسخط من الله تعالى بفعل الغلول ، وروي ذلك عن الحسن والضحاك واختاره الطبري لأنه أوفق بالمقام ، ثالثها : أن المراد أفمن اتبع رضوان الله تعالى بالجهاد في سبيله كمن باء بسخط منه جل جلاله في الفرار عنه ، ونقل ذلك عن الجبائي والزجاج ، قيل : وهو المطابق لما حكي في سبب النزول أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما أمر بالخروج إلى أحد قعد عنه جماعة من المنافقين واتبعه المؤمنون فأنزل الله تعالى هذه الآية وفيه بعد وإظهار الاسم الجليل في موضع الإضمار لما مر غير مرة.","part":18,"page":44},{"id":7531,"text":"{ ومأواه جَهَنَّمَ } أي مصيره ذلك ، وفي الجملة احتمالان ، الأول : أن تكون مستأنفة مسوقة لبيان حال من باء بسخط ويفهم من مقابله أن من اتبع الرضوان كان مأواه الجنة ولم يذكر ذلك ليكون أبلغ في الزجر ، وقيل : لم يذكر مع الرضوان الجنة لأن رضوان الله تعالى أكبر وهو مستلزم لكل نعيم وكون السخط مستلزماً لكل عقاب فيقتضي أن تذكر معه جهنم في حيز المنع لسبق الجمال الجلال فافهم ، والثاني : أنها داخلة في حيز الموصول فتكون معطوفة على { بَاء بِسَخْطٍ } عطف الصلة الاسمية على الصلة الفعلية ، وعلى كلا الاحتمالين لا محل لها من الإعراب { وَبِئْسَ المصير } إما تذييل أو اعتراض ، أو معطوف على الصلة بتقدير ويقال في حقهم ذلك ، وأياً مّا كان فالمخصوص بالذم محذوف أي ( وبئس المصير ) جهنم ، والمصير اسم مكان ، ويحتمل المصدرية وفرقوا بينه وبين المرجع بأن المصير يقتضي مخالفة ما صار إليه من جهنم لما كان عليه في الدنيا لأن الصيرورة تقتضي الانتقال من حال إلى حال أخرى كصار الطين خزفاً ، والمرجع انقلاب الشيء إلى حال قد كان عليها كقولك : مرجع ابن آدم إلى التراب ، وأما قولهم : مرجع العباد إلى الله تعالى فباعتبار أنهم ينقلبون إلى حال لا يملكون فيها لأنفسهم شيئاً كما كان قبل ما ملكوا. أ هـ {روح المعانى حـ 4 صـ 111 ـ 112}","part":18,"page":45},{"id":7533,"text":"فصل\rقال الفخر :\rنظير هذه الآية قوله تعالى : {أَمْ حَسِبَ الذين اجترحوا السيئات أَن نَّجْعَلهُمْ كالذين آمنُواْ وَعَمِلُواْ الصالحات سَوَآءً مَّحْيَاهُمْ ومماتُهُمْ} [ الجاثية : 21 ] وقوله : {أَفَمَن كَانَ مُؤْمِناً كَمَن كَانَ فَاسِقاً لاَّ يَسْتَوُونَ} [ السجدة : 18 ] وقوله : {أَمْ نَجْعَلُ الذين ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصالحات كالمفسدين فِى الأرض أَمْ نَجْعَلُ المتقين كالفجار} [ ص : 28 ] واحتج القوم بهذه الآية على أنه لا يجوز من الله تعالى أن يدخل المطيعين في النار ، وأن يدخل المذنبين الجنة ، وقالوا : إنه تعالى ذكر ذلك على سبيل الاستبعاد ، ولولا أنه ممتنع في العقول ، وإلا لما حسن هذا الاستبعاد ، وأكد القفال ذلك فقال : لا يجوز في الحكمة أن يسوى المسيء بالمحسن ، فإن فيه إغراء بالمعاصي وإباحة لها وإهمالا للطاعات. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 9 صـ 61}\rفوائد لغوية\rقال ابن عادل :\r{ أَفَمَنِ اتبع رِضْوَانَ الله } والكلام [ في ] مثله قد تقدم من أن الفاء النية بها التقديم على الهمزة ، وأن مذهب الزمخشريِّ تقدير فعل بينهما.\rقال أبو حيّان : وتقديره -في هذا التركيب- متكلِّف جدًّا.\rوالذي يظهر من التقديرات : أجعل لكم تمييزاً بين الضالِّ والمهتدي ، فمن اتبع رضوان الله واهتدَى ليس كَمَنْ باء بسخَطِه ؛ وغل ؛ لأن الاستفهام هنا- للنفي.\rو \" مَنْ \" -هنا- موصولة بمعنى الذي في محل بالابتداء ، والجار والمجرور الخبر ، قال أبو البقاء : \" ولا يجوز أن يكون شَرْطاً ؛ لأن \" كَمَنْ \" لا يصلح أن يكون جواباً \". يعني : لأنه كان يجب اقترانه بالفاء ؛ لأن المعنى يأباه. و\" بِسَخَطٍ \" يجوز أن يتعلق بنفس الفعل ، أي : رجع بسخطه ، ويجوز أن يكون حالاً ، فيتعلق بمحذوف ، أي رجع مصاحباً لسخطه ، أو ملتبساً به ، و{ مِّنَ الله } صفته.","part":18,"page":46},{"id":7534,"text":"والسَّخَط : الغضبُ الشديدُ ، ويقال : سَخَط -بفتحتين- وهو مصدر قياسي ، ويقالأ : سُخْط- بضم السين ، وسكون الخاء- وهو غير مقيس. ويقال : هو سُخْطةُ الملك -بالتاء- أي في كرهه منه له.\rوقرأ عاصم -في إحدى الروايتين عنه- رُضْوان- بضم الراء- والباقون بكسرها ، وهما مصدران ، فالضم كالكُفْران ، والكسر كالحِسْبان.\rفصل الهمزة فيه للإنكارِ ، والفاء ، للعطف على محذوف ، والتقدير : أفمن اتقى فاتبع رضوان الله وقوله : \" بَاءَ \" أي : رجع ، وقد تقدم.\rوقوله : { وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ } في هذه الجملة احتمالان :\rأحدهما : أن تكون مستأنفة ، أخبر أن مَنْ بَاءَ بِسَخَطه أوَى إلى جهنمَ ، وتفهم منه مقابله ، وهو أن من اتّبع الرضوانَ كان مأواه الجنة ، وإنما سكت عن هذا ، ونص على ذلك ليكون أبلغ في الزَّجْر ، ولا بد من حذف في هذه الجُمَلِ ، تقديره : أفمن أتبع ما يؤول به إلى رضا الله فباء برضاه كمن أتبع ما يؤول به إلى سخطه ؟\rالثاني : أنها داخلة في حَيِّز الموصول ، فتكون معطوفة على \" بَاءَ بِسَخَطٍ مِنَ الله \" فيكون قد وصل الموصول بجملتين : اسمية وفعلية ، وعلى الاحتمالين ، لا محلَّ لها من الإعراب.\rقوله : { وَبِئْسَ المصير } المخصوص بالذم محذوف ، أي وبئس المصيرُ جهنمُ.\rواشتملت الآية على الطباق في قوله : { يَنصُرْكُمُ } و{ يَخْذُلْكُمْ } وقوله : { رِضْوَانَ الله } و\" بسخطه \" والتجنيس المماثل في قوله : { يَغُلَّ } و{ بِمَا غَلَّ }. أ هـ {تفسير ابن عادل حـ 6 صـ 29 ـ 30}. بتصرف يسير.\rمن لطائف الإمام القشيرى فى الآية\rقال عليه الرحمة :\r{ أَفَمَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَ اللَّهِ كَمَنْ بَاءَ بِسَخَطٍ مِنَ اللَّهِ وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (162)}\rلا يستوي مَنْ رضي عنه في آزاله ومَنْ سخط عليه فخذله في أحواله ، وجعله متكلاً على أعماله ، ناسياً لشهود أفضاله ، واتباع الرضوان بمفارقة زُجِر عنه ، ومعانقة ما أُمِرَ به ، فَمَنْ تجرَّد عن المزجور ، وتجلَّد في اعتناق المأمور فقد اتبع الرضوان ، واستوجب الجنان. أ هـ {لطائف الإشارات حـ 1 صـ 293}","part":18,"page":47},{"id":7535,"text":"قوله تعالى : { هُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ اللَّهِ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ (163)}\rمناسبة الآية لما قبلها\rقال البقاعى :\rولما أفهم الإنكار على من سوّى بين الناس أنهم متمايزون صرح بذلك في قوله : {هم درجات} أي متباينون تباين الدرجات.\rولما كان اعتبار التفاوت ليس بما عند الخلق قال : {عند الله} أي الملك الأعلى في حكمه وعلمه وإن خفي ذلك عليكم ، لأن الله سبحانه وتعالى خلقهم فهو عالم بهم حين خلقهم {والله} أي الذي له جميع صفات الكمال {بصير} أي بالبصر والعلم {بما يعملون} أي بعد إيجادهم ، لأن ذلك أيضاً خلقه وتقديره ، ولس لهم فيه إلا نسبته إليهم بالكسب ، فهو يجازيهم بحسب تلك الأعمال ، فكيف يتخيل أنه يساوي بينهم في المآل وقد فاوت بينهم في الحال وهو الحكم العدل! فعلم بما في هذا الختام من إحاطته بتفاصيل الأعمال صحة ما ابتدىء به الكلام من التوفية. أ هـ {نظم الدرر حـ 2 صـ 177}\rفصل\rقال الفخر :\rتقدير الكلام : لهم درجات عند الله ، إلا أنه حسن هذا الحذف ، لأن اختلاف أعمالهم قد صيرتهم بمنزلة الأشياء المختلفة في ذواتها.","part":18,"page":48},{"id":7536,"text":"فكان هذا المجاز أبلغ من الحقيقة والحكماء يقولون : إن النفوس الإنسانية مختلفة بالماهية والحقيقة ، فبعضها ذكية وبعضها بليدة ، وبعضها مشرقة نورانية ، وبعضها كدرة ظلمانية ، وبعضها خيرة وبعضها نذلة ، واختلاف هذه الصفات ليس لاختلاف الامزجة البدنية ، بل لاختلاف ماهيات النفوس ، ولذلك قال عليه الصلاة والسلام : \" الناس معادن كمعادن الذهب والفضة \" وقال : \" الأرواح جنود مجندة \" واذا كان كذلك ثبت أن الناس في أنفسهم درجات ، لا أن لهم درجات. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 9 صـ 61 ـ 62}\rوقال القرطبى :\rقيل : \"هُمْ دَرَجَاتٌ\" مُتفاوِتةٌ ، أي هم مُختلفُوا المنازِل عند الله ؛ فَلِمن اتّبع رضوانه الكَرامةُ والثّوابُ العظيمُ ، ولِمن بَاءَ بِسَخَطٍ منه المَهانةُ والعذابُ الأليمُ.\rومعنى \"هُمْ دَرَجَاتٌ\".\rأي ذَوُو دَرَجاتٍ.\rأو على دَرَجات ، أو في دَرجاتٍ ، أو لهم دَرَجاتٌ.\rوأهل النار أيضاً ذوو دَرَجات ؛ كما قال : \" وجدته في غَمَرات من النار فأخرجته إلى ضَحْضَاح \" فالمؤمن والكافر لا يستويان في الدّرجة ؛ ثم المؤمنون يختلفون أيضاً ، فبعضهم أرفع درجة من بعض ، وكذلك الكفار.\rوالدّرجةُ الرّتبةُ ، ومنه الدَّرَج : لأنه يُطوَى رُتْبةً بعد رُتْبةٍ.\rوالأشهر في منازل جهنم دَرَكات ؛ كما قال : { إِنَّ المنافقين فِي الدرك الأسفل مِنَ النار } [ النساء : 145 ] فلمن لم يَغُلّ درجات في الجنة ، ولمن غَلّ دَركاتٌ في النار.\rقال أبو عبيدة : جهنَّمُ أَدْرَاكٌ ، أي منازل ؛ يُقال لكل منزل منها : دَرَك ودَرْك.\rوالدّرَكُ إلى أسفل ، والدّرجُ إلى أعلى. أ هـ {تفسير القرطبى حـ 4 صـ 263}\rفصل\rقال الفخر :","part":18,"page":49},{"id":7537,"text":"{هم} ضمير عائد إلى شيء قد تقدم ذكره ، وقد تقدم ذكر من اتبع رضوان الله وذكر من باء بسخط من الله ، فهذا الضمير يحتمل أن يكون عائداً إلى الأول ، أو إلى الثاني ، أو إليهما معاً ، والاحتمالات ليست إلا هذه الثلاثة.\rالوجه الأول : أن يكون عائدا إلى {مَنِ اتبع رِضْوَانَ الله} وتقديره : أفمن اتبع رضوان الله سواء ، لا بل هم درجات عند الله على حسب أعمالهم ، والذي يدل على أن هذا الضمير عائد إلى من اتبع الرضوان وأنه أولى ، وجوه : \rالأول : أن الغالب في العرف استعمال الدرجات في أهل الثواب ، والدركات في أهل العقاب.\rالثاني : أنه تعالى وصف من باء بسخط من الله ، وهو أن مأواهم جهنم وبئس المصير ، فوجب أن يكون قوله : {هُمْ درجات} وصفا لمن اتبع رضوان الله.\rالثالث : أن عادة القرآن في الأكثر جارية بأن ما كان من الثواب والرحمة فإن الله يضيفه إلى نفسه ، وما كان من العقاب لا يضيفه إلى نفسه ، قال تعالى : {كَتَبَ رَبُّكُمْ على نَفْسِهِ الرحمة} وقال : {كُتِبَ عَلَيْكُمُ القصاص} [ البقرة : 178 ] {كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصيام} [ البقرة : 183 ] فما أضاف هذه الدرجات إلى نفسه حيث قال : {هُمْ درجات عِندَ الله} علمنا أن ذلك صفة أهل الثواب.\rورابعها : أنه متأكد بقوله تعالى : {انظر كَيْفَ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ على بَعْضٍ وَلَلأَخِرَةُ أَكْبَرُ درجات وَأَكْبَرُ تَفْضِيلاً} [ الإسراء : 21 ].\r","part":18,"page":50},{"id":7538,"text":"والوجه الثاني : أن يكون قوله : {هُمْ درجات} عائدا على {مِّن بَاءَ بِسَخَطٍ مّنَ الله} والحجة أن الضمير عائد إلى الأقرب وهو قول الحسن ، قال : والمراد أن أهل النار متفاوتون في مراتب العذاب ، وهو كقوله : {وَلِكُلّ درجات مّمَّا عَمِلُواْ} [ الأحقاف : 19 ] وعن رسول الله صلى الله عليه وسلم : \" أن أهون أهل النار عذاباً يوم القيامة رجل يحذى له نعلان من نار يغلي من حرهما دماغه ينادي يا رب وهل أحد يعذب عذابي \".\rالوجه الثالث : أن يكون قوله : {هُمْ} عائدا إلى الكل ، وذلك لأن درجات أهل الثواب متفاوتة ، ودرجات أهل العقاب أيضا متفاوتة على حسب تفاوت أعمال الخلق ، لأنه تعالى قال : {فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ * وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرّاً يَرَه} [ الزلزلة : 7 ، 8 ] فلما تفاوتت مراتب الخلق في أعمال المعاصي والطاعات وجب أن تتفاوت مراتبهم في درجات العقاب والثواب. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 9 صـ 62}\rفصل\rقال الفخر :\rقوله : {عَندَ الله} أي في حكم الله وعلمه ، فهو كما يقال : هذه المسألة عند الشافعي كذا ، وعند أبي حنيفة كذا ، وبهذا يظهر فساد استدلال المشبهة بقوله : {وَمَنْ عِنْدَهُ لاَ يَسْتَكْبِرُونَ} [ الأنبياء : 19 ] وقوله : {عِندَ مَلِيكٍ مُّقْتَدِرِ} [ القمر : 55 ]. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 9 صـ 63}\rقوله تعالى : {والله بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ}\rقال الفخر :\rالمقصود أنه تعالى لما ذكر أنه يوفي لكل أحد بقدر عمله جزاء ، وهذا لا يتم إلا إذا كان عالما بجميع أفعال العباد على التفصيل الخالي عن الظن والريب والحسبان ، أتبعه ببيان كونه عالما بالكل تأكيدا لذلك المعنى ، وهو قوله : {والله بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ}. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 9 صـ 63}\rفصل\rقال الفخر :","part":18,"page":51},{"id":7539,"text":"وذكر محمد بن إسحاق صاحب المغازي في تأويل قوله : {وَمَا كَانَ لِنَبِىّ أَنْ يَغُلَّ} [ آل عمران : 161 ] وجها آخر فقال : ما كان لنبي أن يغل أي ما كان لنبي أن يكتم الناس ما بعثه الله به إليهم رغبة في الناس أو رهبة عنهم ثم قال : {أَفَمَنِ اتبع رضوان الله} يعني رجح رضوان الله على رضوان الخلق ، وسخط الله على سخط الخلق ، {كَمَن بَاء بِسَخَطٍ مّنَ الله} فرجح سخط الخلق على سخط الله ، ورضوان الخلق على رضوان الله ، ووجه النظم على هذا التقرير أنه تعالى لما قال : {فاعف عَنْهُمْ واستغفر لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِى الأمر} [ آل عمران : 159 ] بين أن ذلك إنما يكون معتبرا إذا كان على وفق الدين ، فأما إذا كان على خلاف الدين فإنه غير جائز ، فكيف يمكن التسوية بين من اتبع رضوان الله وطاعته ، وبين من اتبع رضوان الخلق ، وهذا الذي ذكره محتمل ، لأنا بينا أن الغلول عبارة عن الخيانة على سبيل الخفية ، وأما أن اختصاص هذا اللفظ بالخيانة في الغنيمة فهو عرف حادث. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 9 صـ 63}\rفوائد بلاغية\rقال أبو حيان :\rوتضمنت هذه الآيات الطباق في : ينصركم ويخذلكم ، وفي رضوان الله وبسخط.\rوالتكرار في : ينصركم وينصركم ، وفي الجلالة في مواضع.\rوالتجنيس المماثل : في يغل وما غل.\rوالاستفهام الذي معناه في : أفمن اتبع الآية.\rوالاختصاص في : فليتوكل المؤمنون ، وفي : وما كان لنبي ، وفي : بما يعملون خص العمل دون القول لأن العمل جل ما يترتب عليه الجزاء.\rوالحذف في عدة مواضع. أ هـ {البحر المحيط حـ 3 صـ 108}\rفوائد لغوية\rقال ابن عادل :","part":18,"page":52},{"id":7540,"text":"{ هُمْ دَرَجَاتٌ } مبتدأ وخبر ، ولا بد من تأويل [ بالإخبار ] بالدرجات عن \" هم \" لأنها ليست إياهم ، فيجوز أن يكون جُعُلوا نَفْسَ الدرجات مبالغةً ، والمعنى : أنهم متفاوتون في الجزاء على كَسْبهم ، كما أن الدرجات متفاوتة والأصل على التشبيه ، أي : هم مثل الدرجات في التفاوت.\rومنه قوله : [ الوافر ]\rأنصْبٌ لِلْمَنِيَّةِ تَعْتَريهم... رِجَالِي أمْ هُمُ دَرَجُ السُّيُولِ\rويجوز أن يكون على حَذْف مضاف ، أي : هم ذوو درجات ، أي : أصحاب منازل ورُتَب في الثواب والعقاب وأجاز ابنُ الخطيب أن يكون في الأصل : لهم درجاتٌ -فحُذِفت اللامُ- وعلى هذا يكون \" درجات \" مبتدأ ، وما قبلها الخبرُ ، وردَّه بعضهم ، وقال : هذا من جهله وجهل متبوعيه -من المفسرين- بلسان العرب ، وقَالَ : لا مساغ لحذف اللام ألبتة ؛ لأنها إنما تُحَذَف في مواضع يضطر إليها ، وهنا المعنى واضحٌ ، مستقيم من غير تقدير حَذْف.\rقال شهابُ الدينِ : \" وادِّعاء حذف اللام خَطَأٌ ، والمخطئ معذورٌ ؛ وقد نُقِلَ عن المفسرين هذا ، ونقل عن ابن عبَّاسٍ والحسنِ لكل درجات من الجنة والنار ، فإن كان هذا القائل أخذ من هذا الكلام بأن اللام محذوفة فهو مخطئ ؛ لأن هؤلاء -رضي الله عنهم- يفسَِّرون المعنى لا الإعراب اللفظي \".\rوقرأ النخعي \" هم درجة \" بالإفراد على الجنس.\rقوله : { عِندَ الله } فيه وجهان :\rأحدهما : أن يتعلق بـ \" درجات \" فيكون في محل رفع.\rفصل\r\" هم \" عائد إلى لفظ \" من \" في قوله : { أَفَمَنِ اتبع رِضْوَانَ الله } ولفظ \" كم \" معناه الجمع. ونظيره قوله تعالى : { أَفَمَن كَانَ مُؤْمِناً كَمَن كَانَ فَاسِقاً } [ السجدة : 18 ]. ثم قال : \" لا يستوون \" بصيغة الجمع ، وهو عائد إلى \" من \". أ هـ {تفسير ابن عادل حـ 6 صـ 30 ـ 31}.\rسؤال : فإن قيل : كيف جعل لكل درجات ؛ وأحد الفريقين لهم دركات لا درجات ؟\rقلنا : الدرجات تستعمل فى الفريقين بديل قوله تعالى فى سورة الأحقاف { وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِمَّا عَمِلُوا }\rوتحقيقه : أن بعض أهل النار أخف عذابا ، فمكانه فيها أعلى ، وبعضهم أشد عذابا فمكانه فيها أسفل.\rولو سلم اختصاص الدرجات بأهل الجنة كان قوله {هم درجات} راجعا إليهم خاصة ؛ تقديره : أفمن اتبع رضوان الله ، وهم درجات عند الله كمن باء بسخط من الله وهم دركات ؟ إلا أنه حذف البعض لدلالة المذكور عليه. أ هـ {تفسير الرازى صـ 70}\r.","part":18,"page":53},{"id":7541,"text":"من فوائد الآلوسى فى الآية\rقال رحمه الله :\r{ هُمْ } عائد على الموصولين باعتبار المعنى وهو مبتدأ ، وقوله تعالى : { درجات } خبره والمراد هم متفاوتون إطلاقاً للملزوم على اللازم ، أو شبههم بالدرج في تفاوتهم علواً وسفلاً على سبيل الاستعارة أو جعلهم نفس الدرجات مبالغة في التفاوت فيكون تشبيهاً بليغاً بحذف الأداة ، وقيل : إن الكلام على حذف مضاف ولا تشبيه أي هم ذوو درجات أي منازل أو أحوال متفاوتة ، وهذا معنى قول مجاهد والسدي : لهم درجات ، وذهب بعضهم أن في الآية حينئذٍ تغليب الدرجات على الدركات إذ الأول للأول ، والثاني للثاني { عَندَ الله } أي في علمه وحكمه ، والظرف متعلق بدرجات على المعنى ، أو بمحذوف وقع صفة لها.\r{ والله بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ } من الأعمال ودرجاتها فيجازيهم بحسبها والبصير كما قال حجة الإسلام هو الذي يشاهد ويرى حتى لا يعزب عنه ما تحت الثرى وإبصاره أيضاً منزه عن أن يكون بحدقة وأجفان ، ومقدس عن أن يرجع إلى انطباع الصور والألوان في ذاته كما ينطبع في حدقة الإنسان ، فإن ذلك من التغيير والتأثر المقتضي للحدثان وإذا نزه عن ذلك كان البصر في حقه تعالى عبارة عن الصفة ينكشف بها كمال نعوت المبصرات وذلك أوضح وأجلى مما نفهمه من إدراك البصر القاصر على ظواهر المرئيات انتهى ، ويفهم منه أن البصر صفة زائدة على العلم وهو الذي ذهب إليه الجمهور منا ومن المعتزلة.\rوالكرامية قالوا : لأنا إذا علمنا شيئاً علماً جلياً ثم أبصرناه نجد فرقاً بين الحالتين بالبديهة ، وإن في الحالة الثانية حالة زائدة هي الإبصار.","part":18,"page":54},{"id":7542,"text":"وقال الفلاسفة والكعبي وأبو الحسين البصري والغزالي عند بعض وادعى أن كلامه هذا مشير إليه أن بصره تعالى عبارة عن علمه تعالى بالمبصرات ، ومثل هذا الخلاف في السمع ، والحق أنهما زائدان على صفة العلم وأنهما لا يكيفان ولا يحدّان والإقرار بهما واجب كما وصف بهما سبحانه نفسه ، وإلى ذلك ذهب السلف الصالح وإليه ينشرح الصدر. أ هـ {روح المعانى حـ 4 صـ 112}","part":18,"page":55},{"id":7543,"text":"قوله تعالى : { لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آَيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (164)}\rمناسبة الآية لما قبلها\rقال البقاعى :\rولما أرشدهم إلى هذه المراشد ، وبين لهم بعض ما اشتملت عليه من الفوائد ، وبان بهذه القصة قدر من أسدى إليهم ذلك على لسانه صلى الله عليه وسلم بما له من الفضائل التي من أعظمها كونه من جنسهم ، يميل إليهم ويرحمهم ويعطف عليهم ، فيألفونه فيعلمهم ؛ نبه على ذلك سبحانه وتعالى ليستمسكوا بغرزه ، ولا يلتفتوا لحظة عن لزوم هدية فقال سبحانه وتعالى - مؤكداً لما اقتضاه الحال من فعل يلزم منه النسبة إلى الغلول - : {لقد من الله} أي ذو الجلال والإكرام {على المؤمنين} خصهم لأنهم المجتبون لهذه النعمة {إذا بعث فيهم} أي فيما بينهم أو بسببهم {رسولاً} وزادهم رغبة فيه بقوله : {من أنفسهم} أي نوعاً وصنفاً ، يعلمون أمانته وصيانته وشرفه ومعاليه وطهارته قبل النبوة وبعدها {يتلوا عليهم آياته} أي فيمحو ببركة نفس التلاوة كبيراً من شر الجان وغيرها مما ورد في منافع القرآن مما عرفناه ، وما لم نعرفه أكثر {ويزكيهم} أي يطهرهم من أوضار الدنيا والأوزار بما يفهمه بفهمه الثاقب من دقائق الإشارات وبواطن العبارات ، وقدم التزكية لاقتضاء مقام المعاتبة على الإقبال على الغنيمة ذلك ، كما مضى في سورة البقرة {ويعلمهم الكتاب} أي تلاوة بكونه من نوعهم يلذ لهم التلقي منه {والحكمة} تفسيراً وإبانة وتحريراً {وإن} أي والحال أنهم {كانوا} ولما كانوا قد مرت لهم أزمان وهم على دين أبيهم إسماعيل عليه الصلاة والسلام نبه على ذلك بإدخال الجار فقال {من قبل} أي من قبل ذلك {لفي ضلال مبين} أي ظاهر ، وهو من شدة ظهوره كالذي ينادي على نفسه بإيضاح لبسه ، وفي ذلك إشارة إلى أنه عليه السلام علمهم من الحكمة في هذه الوقعة ما أوجب نصرتهم في أول النهار ، فلما خالفوه حصل الخذلان. أ هـ {نظم الدرر حـ 2 صـ 177 ـ 178}\rفصل\rقال الفخر :\rاعلم أن في وجه النظم وجوها :","part":18,"page":56},{"id":7544,"text":"الأول : أنه تعالى لما بين خطأ من نسبه إلى الغلول والخيانة أكد ذلك بهذه الآية ، وذلك لأن هذا الرسول ولد في بلدهم ونشأ فيما بينهم ، ولم يظهر منه طول عمره إلا الصدق والأمانة والدعوة إلى الله والإعراض عن الدنيا ، فكيف يليق بمن هذا حاله الخيانة.\rالوجه الثاني : أنه لما بين خطأهم في نسبته إلى الخيانة والغلول قال : لا أقنع بذلك ولا أكتفي في حقه بأن أبين براءته عن الخيانة والغلول ، ولكني أقول : إن وجوده فيكم من أعظم نعمتي عليكم فإنه يزكيكم عن الطريق الباطلة ، ويعلمكم العلوم النافعة لكم في دنياكم وفي دينكم ، فأي عاقل يخطر بباله أن ينسب مثل هذا الإنسان إلى الخيانة.\rالوجه الثالث : كأنه تعالى يقول : إنه منكم ومن أهل بلدكم ومن أقاربكم ، وأنتم أرباب الخمول والدناءة ، فإذا شرفه الله تعالى وخصه بمزايا الفضل والاحسان من جميع العالمين ، حصل لكم شرف عظيم بسبب كونه فيكم ، فطعنكم فيه واجتهادكم في نسبة القبائح إليه على خلاف العقل.\rالوجه الرابع : أنه لما كان في الشرف والمنقبة بحيث يمن الله به على عباده وجب على كل عاقل أن يعينه بأقصى ما يقدر عليه ، فوجب عليكم أن تحاربوا أعداءه وأن تكونوا معه باليد واللسان والسيف والسنان ، والمقصود منه العود إلى ترغيب المسلمين في مجاهدة الكفار. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 9 صـ 63 ـ 64}\rقال السمرقندى :\rوقد كانت له فضيلة في ثلاثة أشياء : أحدها : أنه كان من نسب شريف لأنهم اتفقوا أن العرب أفضل ، ثم من العرب قريش ، ثم من قريش بنو هاشم ، فجعله من بني هاشم.\rوالثاني : أنه كان أميناً فيهم قبل الوحي.\rوالثالث : أنه كان أمياً لكي لا يرتاب فيه الافتعال. أ هـ {بحر العلوم حـ 1 صـ 287}","part":18,"page":57},{"id":7545,"text":"وقال الخازن :\rوفي كونه من أنفسهم شرف لهم وكان فيما خطب به أبو طالب حين زوج رسول الله صلى الله عليه وسلم خديجة بنت خويلد رضي الله تعالى عنها وقد حضر ذلك بنو هاشم ورؤساء مضر قوله الحمد لله الذي جعلنا من ذرية إبراهيم وزرع إسماعيل وضئضئ معد وعنصر مضر وجعلنا سدنة بيته وسواس حرمه وجعل لنا بيتاً محجوباً وحرماً آمنا وجعلنا الحكام على الناس وإن ابني هذا محمد بن عبد الله لا يوزن به فتى إلا رجح وهو الله بعد هذا له نبأ عظيم وخطب جليل. أ هـ {تفسير الخازن حـ 1 صـ 293}\rفائدة\rقال الفخر :\rقال الواحدي رحمه الله : للمن في كلام العرب معان : أحدها : الذي يسقط من السماء وهو قوله : {وَأَنزَلْنَا عَلَيْكُمُ المن والسلوى} [ البقرة : 57 ]\rوثانيها : أن تمن بما أعطيت وهو قوله : {لاَ تُبْطِلُواْ صدقاتكم بالمن والأذى} [ البقرة : 264 ]\rوثالثها : القطع وهو قوله : {لَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ ممنون} [ فصلت : 8 ] {وَإِنَّ لَكَ لأَجْراً غَيْرَ مَمْنُونٍ} ورابعها : الإنعام والإحسان إلى من لا تطلب الجزاء منه ، ومنه قوله : {هذا عَطَاؤُنَا فامنن أَوْ أَمْسِكْ} [ ص : 39 ] وقوله : {وَلاَ تَمْنُن تَسْتَكْثِرُ} والمنان في صفة الله تعالى : المعطي ابتداء من غير أن يطلب منه عوضا وقوله : {لَقَدْ مَنَّ الله عَلَى المؤمنين} أي أنعم عليهم وأحسن إليهم ببعثه هذا الرسول. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 9 صـ 64}\rوقال ابن عاشور :\rوالمنّ هنا : إسداء المِنّة أي النِّعمة ، وليس هو تعداد النعمة على المنعم عليه مثل الَّذي في قوله : { لا تبطلوا صدقاتكم بالمَن والأذى } في سورة [ البقرة : 264 ] ، وإن كان ذكرُ هذا المنّ مَنّاً بالمعنى الآخر.","part":18,"page":58},{"id":7546,"text":"والكلّ محمود من الله تعالى لأنّ المنّ إنَّما كان مذموماً لما فيه من إبداء التطاول على المنعم عليه ، وطوْل الله ليس بمجحود. أ هـ {التحرير والتنوير حـ 3 صـ 276}\rفصل\rقال الفخر :\rإن بعثة الرسول إحسان إلى كل العالمين ، وذلك لأن وجه الإحسان في بعثته كونه داعيا لهم إلى ما يخلصهم من عقاب الله ويوصلهم إلى ثواب الله ، وهذا عام في حق العالمين ، لأنه مبعوث إلى كل العالمين ، كما قال تعالى : {وَمَا أرسلناك إِلاَّ كَافَّةً لّلنَّاسِ} [ سبأ : 28 ] إلا أنه لما لم ينتفع بهذا الإنعام إلا أهل الإسلام ، فلهذا التأويل خص تعالى هذه المنة بالمؤمنين ، ونظيره قوله تعالى : {هُدًى لّلْمُتَّقِينَ} [ البقرة : 2 ] مع أنه هدى للكل ، كما قال : {هُدًى لّلنَّاسِ} [ البقرة : 185 ] وقوله : {إِنَّمَا أَنتَ مُنذِرُ مَن يخشاها} [ النازعات : 45 ]. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 9 صـ 64}\rلطيفة\rقال الآلوسى :\rوفي قراءة رسول الله وفاطمة صلى الله تعالى عليه وعليها وسلم { مّنْ أَنفُسِهِمْ } بفتح الفاء أي من أشرفهم لأنه صلى الله عليه وسلم من أشرف القبائل وبطونها وهو أمر معلوم غني عن البيان ينبغي اعتقاده لكل مؤمن.","part":18,"page":59},{"id":7547,"text":"وقد سئل الشيخ ولي الدين العراقي هل العلم بكونه صلى الله عليه وسلم بشراً ومن العرب شرط في صحة الإيمان أو من فروض الكفاية ؟ فأجاب بأنه شرط في صحة الإيمان ، ثم قال : فلو قال شخص : أومن برسالة محمد صلى الله عليه وسلم إلى جميع الخلق لكن لا أدري هل هو من البشر أو من الملائكة أو من الجن ، أو لا أدري هل هو من العرب أو العجم ؟ فلا شك في كفره لتكذيبه القرآن وجحده ما تلقته قرون الإسلام خلفاً عن سلف وصار معلوماً بالضرورة عند الخاص والعام ولا أعلم في ذلك خلافاً فلو كان غبياً لا يعرف ذلك وجب تعليمه إياه فإن جحده بعد ذلك حكمنا بكفره انتهى ، وهل يقاس اعتقاد أنه صلى الله عليه وسلم من أشرف القبائل والبطون على ذلك فيجب ذلك في صحة الإسلام أو لا يقاس فحينئذ يصح إيمان من لم يعرف ذلك لكنه منزه تلك الساحة العلية عن كل وصمة ؟ فيه تأمل ، والظاهر الثاني وهو الأوفق بعوام المؤمنين. أ هـ {روح المعانى حـ 4 صـ 113 ـ 114}\rلطيفة\rقال أبو حيان :\rوقال ابن عباس : ما خلق الله نفساً هي أكرم على الله من محمد رسوله صلى الله عليه وسلم ، وما أقسم بحياة أحد غيره فقال : لعمرك. أ هـ {البحر المحيط حـ 3 صـ 110}\rفصل\rقال الفخر :\rاعلم أن بعثة الرسول إحسان من الله إلى الخلق ثم إنه لما كان الانتفاع بالرسول أكثر كان وجه الإنعام في بعثة الرسل أكثر ، وبعثة محمد صلى الله عليه وسلم كانت مشتملة على الأمرين :\rأحدهما : المنافع الحاصلة من أصل البعثة ،\rوالثاني : المنافع الحاصلة بسب ما فيه من الخصال التي ما كانت موجودة في غيره.","part":18,"page":60},{"id":7548,"text":"أما المنفعة بسبب أصل البعثة فهي التي ذكرها الله تعالى في قوله : {رُّسُلاً مُّبَشّرِينَ وَمُنذِرِينَ لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى الله حُجَّةٌ بَعْدَ الرسل} [ النساء : 165 ] قال أبو عبد الله الحليمي : وجه الانتفاع ببعثة الرسل ليس إلا في طريق الدين وهو من وجوه :\rالأول : أن الخلق جبلوا على النقصان وقلة الفهم وعدم الدراية ، فهو صلوات الله عليه أورد عليهم وجوه الدلائل ونقحها ، وكلما خطر ببالهم شك أو شبهة أزالها وأجاب عنها.\rوالثاني : أن الخلق وإن كانوا يعلمون أنه لا بد لهم من خدمة مولاهم ، ولكنهم ما كانوا عارفين بكيفية تلك الخدمة ، فهو شرح تلك الكيفية لهم حتى يقدموا على الخدمة آمنين من الغلط ومن الإقدام على ما لا ينبغي.\rوالثالث : أن الخلق جبلوا على الكسل والغفلة والتواني والملالة فهو يورد عليهم أنواع الترغيبات والترهيبات حتى إنه كلما عرض لهم كسل أو فتور نشطهم للطاعة ورغبهم فيها.\rالرابع : أن أنوار عقول الخلق تجري مجرى أنوار البصر ، ومعلوم أن الانتفاع بنور البصر لا يكمل إلا عند سطوع نور الشمس ، ونوره عقلي إلهي يجري مجرى طلوع الشمس ، فيقوي العقول بنور عقله ، ويظهر لهم من لوائح الغيب ما كان مستترا عنهم قبل ظهوره ، فهذا إشارة حقيقية إلى فوائد أصل البعثة.\rوأما المنافع الحاصلة بسبب ما كان في محمد صلى الله عليه وسلم من الصفات ، فأمور ذكرها الله تعالى في هذه الآية أولها قوله : {مّنْ أَنفُسِهِمْ }.\rواعلم أن وجه الانتفاع بهذا من وجوه :","part":18,"page":61},{"id":7549,"text":"الأول : أنه عليه السلام ولد في بلدهم ونشأ فيما بينهم وهم كانوا عارفين بأحواله مطلعين على جميع أفعاله وأقواله ، فما شاهدوا منه من أول عمره إلى آخره إلا الصدق والعفاف ، وعدم الالتفات إلى الدنيا والبعد عن الكذب ، والملازمة على الصدق ، ومن عرف من أحواله من أول العمر إلى آخره ملازمته الصدق والأمانة ، وبعده عن الخيانة والكذب ، ثم ادعى النبوة والرسالة التي يكون الكذب في مثل هذه الدعوى أقبح أنواع الكذب ، يغلب على ظن كل أحد أنه صادق في هذه الدعوى.\rالثاني : أنهم كانوا عالمين بأنه لم يتلمذ لأحد ولم يقرأ كتابا ولم يمارس درسا ولا تكرارا ، وأنه إلى تمام الأربعين لم ينطق ألبتة بحديث النبوة والرسالة ، ثم إنه بعد الأربعين ادعى الرسالة وظهر على لسانه من العلوم ما لم يظهر على أحد من العالمين ، ثم إنه يذكر قصص المتقدمين وأحوال الأنبياء الماضين على الوجه الذي كان موجودا في كتبهم ، فكل من له عقل سليم علم أن هذا لا يتأتى إلا بالوحي السماوي والإلهام الإلهي.\rالثالث : أنه بعد ادعاء النبوة عرضوا عليه الأموال الكثيرة والأزواج ليترك هذه الدعوى فلم يلتفت إلى شيء من ذلك ، بل قنع بالفقر وصبر على المشقة ، ولما علا أمره وعظم شأنه وأخذ البلاد وعظمت الغنائم لم يغير طريقه في البعد عن الدنيا والدعوة إلى الله ، والكاذب إنما يقدم على الكذب ليجد الدنيا ، فإذا وجدها تمتع بها وتوسع فيها ، فلما لم يفعل شيئاً من ذلك علم أنه كان صادقا.\rالرابع : أن الكتاب الذي جاء به ليس فيه إلا تقرير التوحيد والتنزيه والعدل والنبوة وإثبات المعاد وشرح العبادات وتقرير الطاعات ، ومعلوم أن كمال الإنسان في أن يعرف الحق لذاته ، والخير لأجل العمل به ، ولما كان كتابه ليس إلا في تقرير هذين الأمرين علم كل عاقل أنه صادق فيما يقوله.","part":18,"page":62},{"id":7550,"text":"الخامس : أن قبل مجيئه كان دين العرب أرذل الأديان وهو عبادة الأوثان ، وأخلاقهم أرذل الأخلاق وهو الغارة والنهب والقتل وأكل الأطعمة الرديئة.\rثم لما بعث الله محمداً صلى الله عليه وسلم نقلهم الله ببركة مقدمة من تلك الدرجة التي هي أخس الدرجات إلى أن صاروا أفضل الأمم في العلم والزهد والعبادة وعدم الالتفات إلى الدنيا وطياتها.\rولا شك أن فيه أعظم المنة.\rإذا عرفت هذه الوجوه فنقول :\rإن محمدا عليه الصلاة والسلام ولد فيهم ونشأ فيما بينهم وكانوا مشاهدين لهذه الأحوال ، مطلعين على هذه الدلائل ، فكان إيمانهم مع مشاهدة هذه الأحوال أسهل مما إذا لم يكونوا مطلعين على هذه الأحوال.\rفلهذه المعاني من الله عليهم بكونه مبعوثا منهم فقال : {إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولاً مّنْ أَنفُسِهِمْ} وفيه وجه آخر من المنة وذلك لأنه صار شرفا للعرب وفخرا لهم ، كما قال : {وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَّكَ وَلِقَوْمِكَ} [ الزخرف : 44 ] وذلك لأن الافتخار بإبراهيم عليه السلام كان مشتركا فيه بين اليهود والنصارى والعرب.\rثم إن اليهود والنصارى كانوا يفتخرون بموسى وعيسى والتوراة والإنجيل ، فما كان للعرب ما يقابل ذلك ، فلما بعث الله محمدا عليه السلام وأنزل القرآن صار شرف العرب بذلك زائدا على شرف جميع الأمم ، فهذا هو وجه الفائدة في قوله : {مّنْ أَنفُسِهِمْ }. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 9 صـ 64 ـ 65}\rفائدة\rقال القرطبى :\rوالمعنى في المِنّة فيه أقوال : منها أن يكون معنى { مِّنْ أَنْفُسِهِمْ } أي بشرٌ مِثلُهم.\rفلما أظهر البراهين وهو بشر مثلهم عُلِم أن ذلك من عند الله.\rوقيل ؛ \"مِنْ أنْفُسِهِمْ\" منهم.\rفشَرفُوا به صلى الله عليه وسلم ، فكانت تلك المنّة.\rوقيل : \"مِن أنْفُسِهِم\" ليعرفوا حاله ولا تخفى عليهم طريقته.","part":18,"page":63},{"id":7551,"text":"وإذا كان محله فيهم هذا كانوا أحقَّ بأن يقاتلوا عنه ولا ينهزموا دونه.\rوقرِىء في الشّواذ \"من أنْفَسِهِم\" ( بفتح الفاء ) يعني من أشرفهم ؛ لأنه من بني هاشم ، وبنو هاشم أفضلُ من قريش ، وقريشٌ أفضل من العرب ، والعربُ أفضل من غيرهم.\rثم قيل : لفظ المؤمنين عامّ ومعناه خاص في العرب ؛ لأنه ليس حيّ من أحياء العرب إلا وقد ولَده صلى الله عليه وسلم ، ولهم فيه نسب ؛ إلا بني تَغْلِب فإنهم كانوا نصارى فطهّره الله من دَنَس النّصرانية.\rوبيان هذا التأويل قولُه تعالى : { هُوَ الذي بَعَثَ فِي الأميين رَسُولاً مِّنْهُمْ } [ الجمعة : 2 ].\rوذكر أبو محمد عبد الغني قال : حدّثنا أبو أحمد البصريّ حدّثنا أحمد بن عليّ بن سعيدالقاضي أبو بكر المَرْوَزِي حدّثنا يحيى بن مَعِين حدّثنا هشام بنُ يوسفَ عن عبد الله بن سُلَيمان النّوفَلِي عن الزُّهري عن عُرْوةَ عن عائشة رضي الله عنها : { لَقَدْ مَنَّ الله عَلَى المؤمنين إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولاً مِّنْ أَنْفُسِهِمْ } قالت : هذه للعرب خاصّةً : وقال آخرون : أرادَ به المؤمنين كلّهم.\rومعنى \"مِنْ أَنْفُسِهِمْ\" أنّه واحدٌ منهم وَبَشَرٌ مِثْلُهُم ، وإنما أمتاز عنهم بالوحي ؛ وهو معنى قولِه { لَقَدْ جَآءَكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ } وخَصّ المؤمنين بالذّكْر لأنهم المُنْتَفِعون به ، فالمِنَّةُ عليهم أعْظَم. أ هـ {تفسير القرطبى حـ 4 صـ 263 ـ 264}","part":18,"page":64},{"id":7552,"text":"وقال الآلوسى : \r{ لَقَدْ مَنَّ الله } أي أنعم وتفضل ، وأصل المنّ القطع وسميت النعمة منة لأنه يقطع بها عن البلية وكذا الاعتداد بالصنيعة مناً لأنه قطع لها عن وجوب الشكر عليها ، والجملة جواب قسم محذوف أي والله لقد منّ الله { عَلَى المؤمنين } أي من قومه أو من العرب مطلقاً أو من الإنس وخير الثلاثة الوسط وإليه ذهبت عائشة رضي الله تعالى عنها ، فقد أخرج البيهقي وغيره عنها أنها قالت هذه للعرب خاصة والأول خير من الثالث وأياً مّا كان فالمراد بهم على ما قال الأجهوري : المؤمنون من هؤلاء في علم الله تعالى أو الذين آل أمرهم إلى الإيمان.\r{ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ } أي بينهم { رَسُولاً } عظيم القدر جليل الشأن { مّنْ أَنفُسِهِمْ } أي من نسبهم ، أو من جنسهم عربياً مثلهم أو من بني آدم لا ملكاً ولا جنياً. أ هـ {روح المعانى حـ 4 صـ 112}\rقوله تعالى {يَتْلُو عَلَيْهِمْ ءاياته وَيُزَكّيهِمْ وَيُعَلّمُهُمُ الكتاب والحكمة }\rقال الآلوسى : \r{ يَتْلُواْ عَلَيْهِمْ ءاياته } إما صفة أو حال أو مستأنفة ، وفيه بعد أي يتلو عليهم ما يوحى إليه من القرآن بعدما كانوا أهل جاهلية لم يطرق أسماعهم شيء من الوحي أو بعد ما كان بعضهم كذلك وبعضهم متشوفاً متشوقاً إليه حيث أخبر كتابه الذي بيده بنزوله وبشر به { وَيُزَكّيهِمْ } أي يدعوهم إلى ما يكونون به زاكين طاهرين مما كان فيهم من دنس الجاهلية أو من خبائث الاعتقادات الفاسدة كالاعتقادات التي كان عليها مشركو العرب وأهل الكتابين ، أو يشهد بأنهم أزكياء في الدين ، أو يأخذ منهم الزكاة التي يطهرهم بها قاله الفراء ولا يخفى بعده ومثله القريب إليه.\r{ وَيُعَلّمُهُمُ الكتاب والحكمة } قد تقدم الكلام في ذلك.","part":18,"page":65},{"id":7553,"text":"وهذا التعليم معطوف على ما قبله مترتب على التلاوة وإنما وسط بينهما التزكية التي هي عبارة عن تكميل النفس بحسب القوة العملية وتهذيبها المتفرع على تكميلها بحسب القوة النظرية الحاصل بالتعليم المترتب على التلاوة للإيذان بأن كل واحد من الأمور المترتبة نعمة جليلة على حيالها مستوجبة للشكر ولو روعي ترتيب الوجود كما في قوله تعالى : { رَبَّنَا وابعث فِيهِمْ رَسُولاً مّنْهُمْ يَتْلُواْ عَلَيْهِمْ آياتك وَيُعَلّمُهُمُ الكتاب والحكمة وَيُزَكّيهِمْ } [ البقرة : 129 ] لتبادر إلى الفهم عدّ الجميع نعمة واحدة وهو السر في التعبير عن القرآن بالآيات تارة وبالكتاب والحكمة أخرى رمزاً إلى أنه باعتبار كل عنوان نعمة على حدة قاله مولانا شيخ الإسلام ، وقد يقال : المراد من تلاوة الآيات تلاوة ما يوحى إليه صلى الله عليه وسلم من الآيات الدالة على التوحيد والنبوة ، ومن التزكية الدعاء إلى الكلمة الطيبة المتضمنة للشهادة لله تعالى بالتوحيد ولنبيه عليه الصلاة والسلام بالرسالة ، وبتعليم الكتاب تعليم ألفاظ القرآن وكيفية أدائه ليتهيأ لهم بذلك إقامة عماد الدين ، وبتعليم الحكمة الإيقاف على الأسرار المخبوءة في خزائن كلام الله تعالى ، وحينئذ أمر ترتيب هذه المتعاطفات ظاهر إذ حاصل ذلك أنه صلى الله عليه وسلم يمهد سبل التوحيد ويدعو إليه ويعلم ما يلزم بعد التلبس به ويزيد على الزبد شهداً فتقديم التلاوة لأنها من باب التمهيد ثم التزكية لأنها بعده وهي أول أمر يحصل منه صفة يتلبس بها المؤمنون وهي من قبيل التخلية المقدمة على التحلية لأن درء المفاسد أولى من جلب المصالح ، ثم التعليم لأنه إنما يحتاج إليه بعد الإيمان ، بقي أمر تقديم التعليم على التزكية في آية البقرة ولعله كان إيذاناً بشرافة التحلية كما أشرنا إليه هناك فتأمل. أ هـ {روح المعانى حـ 4 صـ 114}","part":18,"page":66},{"id":7554,"text":"وقال ابن عاشور : \rوقوله : { يتلوا عليهم آياته } أي يقرأ عليهم القرآن ، وسمّيت جمل القرآن آيات لأنّ كلّ واحدة منها دليل على صدق الرسول من حيث بلاغة اللفظ وكمال المعنى ، كما تقدّم في المقدمة الثامنة من مقدمات هذا التفسير ، فكانوا صالحين لفهم ما يتلى عليهم من غير حاجة لترجمان.\rوالتزكية : التطهير ، أي يطهر النفوس بهدي الإسلام.\rوتعليم الكتاب هو تبيين مقاصد القرآن وأمرُهم بحفظ ألفاظه ، لتكون معانيه حاضرة عندهم.\rوالمراد بالحكمة ما اشتملت عليه الشريعة من تهذيب الأخلاق وتقنين الأحكام لأنّ ذلك كلّه مانع للأنفس من سوء الحال واختلال النظام ، وذلك من معنى الحكمة ، وتقدّم القول في ذلك عند قوله تعالى : { يؤتي الحكمة من يشاء } [ البقرة : 269 ].\rوعطفُ الحكمة على الكتاب عطف الأخصّ من وجه على الأعمّ من وجه ، فمن الحكمة ما هو في الكتاب نحو : { ومن يوق شح نفسه فأولئك هم المفلحون } [ الحشر : 9 ] ومنها ما ليس في الكتاب مثل قوله عليه السلام : \" لا يُلدَغُ المؤمن من جحر مرّتين \" وفي الكتاب ما هو علم وليس حكمة مثل فَرْض الصلاة والحجّ. أ هـ {التحرير والتنوير حـ 3 صـ 277}","part":18,"page":67},{"id":7555,"text":"فصل\rقال الفخر :\rاعلم أن كمال حال الإنسان في أمرين : في أن يعرف الحق لذاته ، والخير لأجل العمل به ، وبعبارة أخرى : للنفس الإنسانية قوتان ، نظرية وعملية ، والله تعالى أنزل الكتاب على محمد عليه السلام ليكون سببا لتكميل الخلق في هاتين القوتين ، فقوله : {يَتْلُو عَلَيْهِمْ ءاياته} إشارة إلى كونه مبلغا لذلك الوحي من عند الله إلى الخلق ، وقوله : {وَيُزَكّيهِمْ} اشارة إلى تكميل القوة النظرية بحصول المعارف الإلهية {والكتاب} إشارة إلى معرفة التأويل ، وبعبارة أخرى {الكتاب} إشارة إلى ظواهر الشريعة {والحكمة} إشارة إلى محاسن الشريعة وأسرارها وعللها ومنافعها ، ثم بين تعالى ما تتكمل به هذه النعمة.\rوهو أنهم كانوا من قبل في ضلال مبين ، لأن النعمة إذا وردت بعد المحنة كان توقعها أعظم ، فإذا كان وجه النعمة العلم والاعلام ، ووردا عقيب الجهل والذهاب عن الدين ، كان أعظم ونظيره قوله : {وَوَجَدَكَ ضَالاًّ فهدى} [ الضحى : 7 ]. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 9 صـ 66}\rفائدة\rقال ابن عاشور :\rووصف الضلال بالمبين لأنّه لشدّته لا يلتبس على أحد بشائبة هُدى ، أو شبهة ، فكان حاله مبيّناً كونَه ضلالاً كقوله : { وقالوا هذا سحر مبين } [ النمل : 13 ].\rوالمراد به ضلال الشرك والجهالة والتقاتل وأحكام الجاهلية. أ هـ {التحرير والتنوير حـ 3 صـ 278}\rفوائد لغوية\rقال ابن عادل :\r\" لقد من الله \" جوابٌ لقسم نحذوفٌ ، وقُرِئ : لَمِنْ مَنَّ الله - بـ \" من \" الجارة ، و\" منِّ \" - بالتشديد مجرورها- وخرَّجه الزمخشريُّ على وجهينِ :\rأحدهما : أن يكون هذا الجارُّ خبراً مقدماً والمبتدأ محذوفٌ ، تقديره : لمن من الله على المؤمنين مَنُّهُ ، أو بعثه إذ بَعَثَ فيهم ، فحذف لقيامِ الدَّلالةِ.","part":18,"page":68},{"id":7556,"text":"الثاني : أنه جعل المبتدأ نفس \" إذ \" بمعنى : وقتٍ : وخبرها الجارُّ قبلها ، وتقديره : لمن من الله على المؤمنين وقت بَعْثِهِ ، ونظره بقولهم : أخطب ما يكون الأميرُ إذا كان قائماً.\rوهذان وجهانِ -في هذه القراءة- مما يدلان على رسوخ قدمِهِ في هذا العلمِ.\rقال شهابُ الدينِ : إلا أن أبا حيان قد ردَّ عليه الوجه الثاني بأن \" إذ \" غيرُ متصرفةٍ ، لا تكون إلا ظرفاً ، أو مضافاً إليها اسم زمان أو مفعولة بـ \" اذكر \" -على قول- ونقل قول أبي علي- فيها وفي \" إذا \" أنهما لم يردا في كلام العربِ إلا ظرفين ، ولا يكونان فاعلين ، ولا مفعولين ، ولا مبتدأين.\rقال : ولا يحفظ من كلامهم : إذْ قام زيد طويل -يريد : وقت قيامه طويل- وبأن تنظيره القراءة بقولهم : أخطب ما يكون الأمير إذا كان قائماً ، خطأ ؛ من حيث أن المشبه مبتدأ ، والمشبهُ به ظرف في موضعِ الخبرِ -عند من يُعْرِب هذا الإعرابَ - ومن حيثُ إنَّ هذا الخبرَ -الذي قد أبرزه ظاهراً واجب الحذف ؛ لسَدِّ الحال مَسَدَّه ، نص عليه النحويونَ الذين يعربونه هكذا ، فكيف يبرزه في اللفظ ؟ \rقال شهابُ الدين : \" وجواب هذا الردِّ واضحٌ وليت أبا القاسم لم يذكر تخريج هذه القراءة ؛ لكي نسمع ما يقول هو \".\rوالجمهورُ على ضم الفاء - من أنفسهم - أي : من جملتهم وجنسهم ، وقرأت عائشةُ ، وفاطمةُ والضّحّاكُ ، ورواها أنس عنه صلى الله عليه وسلم بفتح الفاء ، من النَّفاسة - وهي الشرف - أي : من أشرفهم نسباً وخَلْقاً ، وخُلُقاً.\rوعن علي عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : \" أنا أنفسكم نسباً ، وحسباً ، وصهراً \" وهذا الجارُّ يحتمل وجهين : \rالأول : أن يتعلق بنفس \" بعث \".\rالثاني : أن يتعلق بمحذوف ، على أنه وصف لـ \" رسولاً \" فيكون منصوب المحل ، ويقوي هذا الوجه قراءة فتح الفاء.","part":18,"page":69},{"id":7557,"text":"قوله : { وَإِن كَانُواْ مِن قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُّبِينٍ } هي \" إن \" المخففة ، واللام فارقة -وقد تقدم تحقيقه- إلا أن الزمخشري ومكيًّا -هنا- حين جعلاها مخففة قدَّرَا لها اسماً محذوفاً.\rفقال الزمخشري : \" وتقديره : إن الشأن ، وإن الحديث كانوا من قبل \". وقال مكي : \" وأما سيبويه فإنه قال \" إن \" مخففة من الثقيلة ، واسمها مضمر ، والتقدير -على قوله- : وإنهم كانوا من قبل لفي ضلال مبين \" وهذا ليس بجيّد ؛ لأن \" إن \" المخففة إنما تعمل في الظاهر -على غير الأفصح- ولا عمل لها في المضمر ولا يقَدَّر لها اسمٌ محذوفٌ ألبتة ، بل تُهْمَل ، أو تعمل -على ما تقدم- مع أن الزمخشريَّ لم يُصَرِّحْ بأن اسمها محذوف ، بل قال : \" إن \" هي المخففة من الثَّقِيلَةِ ، واللام فارقة بينها وبين النافية ، وتقديره : وإن الشأن والحديث كانوا ؛ وهذا تفسيرُ معنى لا إعراب.\rوفي هذه الجملة وجهان :\rأحدهما : أنها استئنافية ، لا محلَّ لَهَا مِنَ الأعْرَاب.\rوالثاني أنها محل نَصْب على الحال من المفعول به- في : \" يعلمهم \" وهو الأظهر. أ هـ {تفسير ابن عادل حـ 6 صـ 32 ـ 35}. بتصرف يسير.\rمن لطائف الإمام القشيرى فى الآية\rقال عليه الرحمة :\r{ لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آَيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (164)}","part":18,"page":70},{"id":7558,"text":"أجزل لديهم العارفة ، وأحسن إليهم النعم حيث أرسل إليهم مثل المصطفى سيد الورى صلوات الله عليه وعلى آله ، وعرَّفهم دينهم ، وأوضح لهم براهينهم ، وكان لهم بكل وجه فلا نِعَمَهُ شكروا ، ولا حَقَّه وقَروا ، ولا بما أرشدهم استبصروا ، ولا عن ضلالتهم أقصروا.. هذا وصف أعدائه الذين جحدوا واستكبروا. وأمَّا المؤمنون فتقلدوا المِنَّة في الاختيار ، وقابلوا الأمر بالسمع والطاعة عن كنه الاقتدار ، فسَعِدُوا في الدنيا والعُقْبَى ، واستوجبوا من الله الكرامة والزُّلفى. أ هـ {لطائف الإشارات حـ 1 صـ 294}","part":18,"page":71},{"id":7559,"text":"فائدة\rقال فى ملاك التأويل :\rقوله تعالى : \"لقد من الله على المؤمنين إذ بعث فيهم رسولا من أنفسهم\" وفى الجمعة : \"هو الذى بعث فى الأميين رسولا منهم\".للسائل أن يقول : إن مقصد الآيتين الإخبار بامتنانه تعالى على العرب بأن بعث فيهم رسولا منهم ولم يكن من غيرهم ثم اختلفت العبارة فى البيان فقيل فى الأولى\"من أنفسهم\" وفى الثانية\"منهم\" فيسأل عن وجه ذلك ؟\rوالجواب عن ذلك : أن قولك فلان من أنفس القوم أوقع فى القرب من قولك فلان منهم فإن هذا قد يراد للنوعية فلا يتخلص لتقريب المنزلة والشرف إلا بقرينة\rأما \"من أنفسهم\" فأخص فلا يفتقر إلى قرينة ولذلك وردت حيث قصد النعريف بعظيم النعمة به ـ صلى الله عليه وسلم ـ على أمته وجليل إشفاقه وحرصه على نجاتهم ورأفته ورحمته بهم فقال تعالى : \"لقد جاءكم رسول من أنفسكم\" وقال تعالى فيمن كان على الضد من حال المؤمنين المستجيبين\"ولقد جاءهم رسول منهم فكذبوه\" فتأمل موقع قوله هنا\"منهم\" لما قصد أنه إنعام عليهم لم يوفقوا لمعرفة قدره ولا للاستجابة المثمرة النجاة فقيل هنا\"منهم\" فأما قوله صلى الله عليه وسلم : \"سلمان منا أهل البيت\" بأنه لما لم يكن رضى الله عنه من قريش وأراد عليه السلام تقريبه وتشريفه عبر بما يعطى ذلك ولا يخص خصوص قوله : من أنفسنا وإنما تخلص لحرف الخصوصية بقرينة قوله عليه السلام\"سلمان منا أهل البيت\" وأما قوله عليه السلام فى فاطمة\" إنما هى بضعة منى\"فقد تحصل فيه أتم خصوص من وجهين :\rأحدهما قوله عليه السلام\"منى\" وهذا أخص من قوله عليه السلام\"منا\" فتأمله فهو مناف للشياع الداخل فى قوله\"منا\" والثانى قوله\"بضعة\" فجعلها عليه السلام جزءا منه وذلك أعلى خصوص.","part":18,"page":72},{"id":7560,"text":"وأما قوله عليه السلام \"مولى القوم منهم\" فالمراد منه تقريب الولاء من النسب وليس من أنفسهم وقد تقدم أن قوله \"من أنفسهم\" فى مقابلة\"منهم\" وأن\"منا\" دونه فى الشياع و\"منى\"أخص وأبعد فى الشياع فتأمل هذا ولما كان لفظ الآيتين يتناول قريشا وغيرهم من العرب ممن ليس من أهل الكتاب قيل\"منهم\" فناسب هذه الكناية بما فيها من الشياع الذى مهدناه عموم المؤمنين من العرب ممن أسلم ومن لم يسلم ولما قال فى آية آل عمران : \"لقد من الله على المؤمنين\" فخص من أسلم ناسب ذلك قوله\"من أنفسهم\" لخصوصه كما تقدم ولم يكن العكس ليناسب والله أعلم. أ هـ {ملاك التأويل حـ 1 صـ 125 ـ 126}","part":18,"page":73},{"id":7561,"text":"قوله تعالى : { أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (165)}\rمناسبة الآية لما قبلها\rقال البقاعى :\rولما أزال شبهة النسبة إلى الغلول بحذافيرها.\rوأثبت ما له من أضدادها من معالي الشيم وشمائل الكرم صوب إلى شبهة قولهم : لو كان رسولاً ما انهزم أصحابه عنه ، فقال تعالى : {أولما} أي أتركتم ما أرشدكم إليه الرسول الكريم الحليم العليم الحكيم ولما {أصابتكم} أي في هذا اليوم {مصيبة} لمخالفتكم لأمره وإعراضكم عن إرشاده {قد أصبتم مثليها} أي في بدر وأنتم في لقاء العدو وكأنما تساقون إلى الموت على الضد مما كنتم فيه في هذه الغزوة ، وما كان ذلك إلا بامتثالكم لأمره وقبولكم لنصحه {قلتم أنّى} من أين وكيف أصابنا {هذا} أي بعد وعدنا النصر {قل هو من عند أنفسكم} أي لأن الوعد كان مقيداً بالصبر والتقوى ، وقد تركتم المركز وأقبلتم على الغنائم قبل الأمر به ، وعن علي رضي الله تعالى عنه أن ذلك باختيارهم الفداء يوم بدر الذي نزل فيه {لولا كتاب من الله سبق لمسكم فيما أخذتم عذاب عظيم} [ الأنفال : 68 ] وأباح لهم سبحانه وتعالى الفداء بعد أن عاتبهم وشرط عليهم إن اختاروه أن يقتل منهم في العام المقبل بعدّ الأسرى ، فرضوا وقالوا : نستعين بما نأخذه منهم عليهم ثم نرزق الشهادة.\rثم علل ذلك بقوله : {إن الله} أي الذي لا كفوء له {على كل شيء} أي من النصر والخذلان ونصب أسباب كل منهما {قدير} وقد وعدكم بذلك سبحانه وتعالى في العام الماضي حين خيركم فاخترتم الفداء ، وخالف من خالف منكم الآن ، فكان ذكر المصيبة التي كان سببها مخالفة ما رتبه صلى الله عليه وسلم بعد ختم الآية التي قبلها بالتذكير بما كانوا عليه من الضلال على ما ترى من البلاغة. أ هـ {نظم الدرر حـ 2 صـ 178}\rوقال الفخر :","part":18,"page":74},{"id":7562,"text":"اعلم أنه تعالى لما أخبر عن المنافقين أنهم طعنوا في الرسول صلى الله عليه وسلم بأن نسبوه إلى الغلول والخيانة ، حكى عنهم شبهة أخرى في هذه الآية وهي قولهم : لو كان رسولا من عند الله لما انهزم عسكره من الكفار في يوم أحد : وهو المراد من قولهم : {أنى هذا} ، وأجاب الله عنه بقوله : {قُلْ هُوَ مِنْ عِندِ أَنْفُسِكُمْ} أي هذا الانهزام إنما حصل بشؤم عصيانكم فهذا بيان وجه النظم. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 9 صـ 66}\rفصل\rقال الفخر :\rتقرير الآية : {أَوَ لَمَّا أصابتكم مُّصِيبَةٌ} المراد منها واقعة أحد ، وفي قوله : {قَدْ أَصَبْتُمْ مّثْلَيْهَا} قولان :\rالأول : وهو قول الأكثرين أن معناه قد أصبتم يوم بدر ، وذلك لأن المشركين قتلوا من المسلمين يوم أحد سبعين ، وقتل المسلمون منهم يوم بدر سبعين وأسروا سبعين.\rوالثاني : أن المسلمين هزموا الكفار يوم بدر ، وهزموهم أيضاً في الأول يوم أحد ، ثم لما عصوا هزمهم المشركون ، فانهزام المشركين حصل مرتين ، وانهزام المسلمين حصل مرة واحدة ، وهذا اختيار الزجاج : وطعن الواحدي في هذا الوجه فقال : كما أن المسلمين نالوا من المشركين يوم بدر ، فكذلك المشركون نالوا من المسلمين يوم أحد ، ولكنهم ما هزموا المسلمين ألبتة ، أما يوم أحد فالمسلمون هزموا المشركين أولا ثم انقلب الأمر. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 9 صـ 66}\rفائدة\rقال الفخر :\rالفائدة في قوله : {قَدْ أَصَبْتُمْ مّثْلَيْهَا} هو التنبيه على أن أمور الدنيا لا تبقى على نهج واحد ، فلما هزمتموهم مرتين فأي استبعاد في أن يهزموكم مرة واحدة. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 9 صـ 66}\rقوله تعالى {قُلْتُمْ أنى هذا}\rفصل\rقال الفخر :","part":18,"page":75},{"id":7563,"text":"سبب تعجبهم أنهم قالوا نحن ننصر الإسلام الذي هو دين الحق ، ومعنا الرسول ، وهم ينصرون دين الشرك بالله والكفر ، فكيف صاروا منصورين علينا!\rواعلم أنه تعالى أجاب عن هذه الشبهة من وجهين : الأول : ما أدرجه عند حكاية السؤال وهو قوله {قَدْ أَصَبْتُمْ مّثْلَيْهَا} يعني أن أحوال الدنيا لا تبقى على نهج واحد ، فإذا أصبتم منهم مثل هذه الواقعة.\rفكيف تستبعدون هذه الواقعة ؟\rوالثاني : قوله قل : {هُوَ مِنْ عِندِ أَنْفُسِكُمْ}. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 9 صـ 66 ـ 67}\rقوله تعالى {هُوَ مِنْ عِندِ أَنْفُسِكُمْ}\rفصل\rقال الفخر :\rتقرير هذا الجواب من وجهين :\rالأول : أنكم إنما وقعتم في هذه المصيبة بشؤم معصيتكم وذلك لأنهم عصوا الرسول في أمور :\rأولها : أن الرسول عليه السلام قال : المصلحة في أن لا نخرج من المدينة بل نبقى ههنا ، وهم أبوا إلا الخروج ، فلما خالفوه توجه إلى أحد.\rوثانيها : ما حكى الله عنهم من فشلهم.\rوثالثها : ما وقع بينهم من المنازعة.\rورابعها : أنهم فارقوا المكان وفرقوا الجمع.\rوخامسها : اشتغالهم بطلب الغنيمة وإعراضهم عن طاعة الرسول عليه السلام في محاربة العدو ، فهذه الوجوه كلها ذنوب ومعاصي ، والله تعالى إنما وعدهم النصر بشرط ترك المعصية ، كما قال : {إِن تَصْبِرُواْ وَتَتَّقُواْ وَيَأْتُوكُمْ مّن فَوْرِهِمْ هذا يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ} [ آل عمران : 125 ] فلما فات الشرط لا جرم فات المشروط.","part":18,"page":76},{"id":7564,"text":"الوجه الثاني : في التأويل : ما روي عن علي رضي الله عنه أنه قال : جاء جبريل عليه السلام إلى النبي صلى الله عليه وسلم يوم بدر ، فقال : يا محمد إن الله قد كره ما صنع قومك في أخذهم الفداء من الأسارى ، وقد أمرك أن تخيرهم بين أن يقدموا الأسارى فيضربوا أعناقهم ، وبين أن يأخذوا الفداء على أن تقتل منهم عدتهم ، فذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم ذلك لقومه ، فقالوا : يا رسول الله عشائرنا وإخواننا نأخذ الفداء منهم ، فنتقوى به على قتال العدو ، ونرضى أن يستشهد منا بعددهم ، فقتل يوم أحد سبعون رجلا عدد أسارى أهل بدر ، فهو معنى قوله : {قُلْ هُوَ مِنْ عِندِ أَنْفُسِكُمْ} أي بأخذ الفداء واختياركم القتل. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 9 صـ 67}\rفصل\rقال الفخر :\rاستدلت المعتزلة على أن أفعال العبد غير مخلوقة لله تعالى بقوله : {قُلْ هُوَ مِنْ عِندِ أَنْفُسِكُمْ} من وجوه :\rأحدها : أن بتقدير أن يكون ذلك حاصلا بخلق الله ولا تأثير لقدرة العبد فيه ، كان قوله : {مِنْ عِندِ أَنْفُسِكُمْ} كذباً ،\rوثانيها : أن القوم تعجبوا أن الله كيف يسلط الكافر على المؤمن ، فالله تعالى أزال التعجب بأن ذكر أنكم إنما وقعتم في هذا المكروه بسبب شؤم فعلكم ، فلو كان فعلهم خلقاً لله لم يصح هذا الجواب.\rوثالثها : أن القوم قالوا : {أنى هذا} ، أي من أين هذا فهذا طلب لسبب الحدوث ، فلو لم يكن المحدث لها هو العبد لم يكن الجواب مطابقا للسؤال.\rوالجواب : أنه معارض بالآيات الدالة على كون أفعال العبد بإيجاد الله تعالى. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 9 صـ 67}\rقوله تعالى : {إِنَّ الله على كُلِّ شَىْء}\rقال الفخر :","part":18,"page":77},{"id":7565,"text":"{إِنَّ الله على كُلِّ شَىْء} أي إنه قادر على نصركم لو ثبتم وصبرتم ، كما أنه قادر على التخلية إذا خالفتم وعصيتم ، واحتج أصحابنا بهذا على أن فعل العبد مخلوق لله تعالى قالوا : إن فعل العبد شيء فيكون مخلوقا لله تعالى قادرا عليه ، وإذا كان الله قادرا على إيجاده ، فلو أوجده العبد امتنع كونه تعالى قادرا على إيجاده لأنه لما أوجده العبد امتنع من الله إيجاده ، لأن إيجاد الموجود محال فلما كان كون العبد موجوداً له يفضي إلى هذا المحال ، وجب أن لا يكون العبد موجدا له ، والله أعلم. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 9 صـ 67}\rوقال أبو حيان :\r{ إن الله على كل شيء قدير } أي قادر على النصر ، وعلى منعه ، وعلى أن يصيب بكم تارة ، ويصيب منكم أخرى.\rونبه بذلك على أن ما أصابهم كان لوهن في دينهم ، لا لضعف في قدرة الله ، لأن من هو قادر على كل شيء هو قادر على دفاعهم على كل حال. أ هـ {البحر المحيط حـ 3 صـ 112 ـ 113}\rفوائد لغوية\rقال ابن عادل :\rقوله تعالى { أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ}\rالهمزة للإنكار ، وجعلها ابنُ عطية للتقرير ، والواو عاطفة ، والنية بها التقديم على الهمزة.\rوقال الزمخشري : و\" لما \" نصب بـ \" قلتم \" و\" أصابتكم \" في محل الجر ، بإضافة \" لما \" إليه ، وتقديره : أقلتم حين أصابتكم. و\" أنى هذا \" نصب ؛ لأنه مقول ، والهمزة للتقرير والتقريع.\rفإن قلتَ : علامَ عطفت الواو هذه الجملة ؟ قلتُ : على ما مضى من قصة أحُد -من قوله : { وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ الله وَعْدَهُ } - [ آل عمران : 152 ] ويجوز أن تكونَ معطوفة على محذوف ، [ كأنه قيل ] : أفعلتم كذا ، وقلتم حينئذ كذا ؟ انتهى.","part":18,"page":78},{"id":7566,"text":"أمّا جعله \" لما \" بمعنى \" حين \" -أي ظرفاً- فهو مذهب الفارسيِّ وقد تقدم تقرير المذهبين وأما قوله : \" عطف على قصة أحد \" فهذا غير مذهبه ، لأن الجاري من مذهبه إنما هو تقديرُ جملة ، يعطف ما بعد الواو عليها -أو الفاء ، أو \" ثم \" - كما قرره هو في الوجه الثاني.\rو \" أنى هذا \" \" أنى \" بمعنى من أين -كما تقدم في قوله : { أنى لَكِ هذا } [ آل عمران : 37 ] - ويدل عليه قوله : { مِنْ عِندِ أَنْفُسِكُمْ } وقوله : { مِنْ عِنْدِ الله } قاله الزمخشري.\rورد عليه أبو حيّان بأن الظرف إذا وقع خبراً للمبتدأ لا يقدَّر داخلاً عليه حرف جر ، غير \" في \". أما أن يقدر داخلاً عليه \" من \" فلا ؛ لأنه إنما انتصب على إسقاط \" في \" ولذلك إذا أضمِر الظرف تعدى إليه الفعل بواسطة \" في \" إلا أن يتسع في الفعل فينصبه نصب التشبيه بالمفعول به ، فتقدير الزمخشريُّ غيرُ سائغٍ ، واستدلاله بقوله تعالى : { مِنْ عِندِ أَنْفُسِكُمْ } وقوله : { مِنْ عِنْدِ الله } وقوف مع مطابقة الجواب للسؤال في اللفظ ، وذهول عن هذه القاعدة التي ذكرناها.\r","part":18,"page":79},{"id":7567,"text":"واختار أبو حيان أن \" أنى \" بمعنى \" كيف \" قال : و\" أنى \" سؤالٌ عن الحال -هنا- ولا يناسب أن يكون -هنا- بمعنى \" أين \" أو \" متى \" لأن الاستفهام لم يقع عن المكان ، ولا عن الزمان ، إنما وقع عن الحال التي اقتضت لهم ذلك ، سألوا عنها على سبيل التعجُّب -وجاء الجواب من حيث المعنى لا من حيثُ اللفظ- في قوله : { مِنْ عِندِ أَنْفُسِكُمْ } -والسؤال بـ \" أنى \" سؤال عن تعيين كيفية حصول هذا الأمرِ ، والجواب كقوله : { مِنْ عِندِ أَنْفُسِكُمْ } يتضمن تعيين الكيفية ؛ لأنه بتعيين السبب تتعين الكيفيةُ من حيثُ المعنى لو قيل -على سبيل التعجُّبِ والإنكارِ- : كيف لا يحج زيد الصَّالحُ ؟ وأجيب ذلك بأن يقال : لعدم استطاعته ، لحصل الجوابُ ، وانتظم من المعنى أنه لا يحج وهو غير مستطيعٍ.\rقال شهابُ الدينِ : \" أما قوله : لا يقدِّر الظرف بحرف جَرّ غير \" في \" فالزمخشريُّ لم يقدر \" في \" مع \" أن \" حتى يلزمه ما قال ، إنما جعل \" أنى \" بمنزلة \" من أين \" في المعنى. وأما عدوله عن الجواب المطابق لفظاً فالعكسُ أولى \".\rقوله : { قَدْ أَصَبْتُمْ } في محل رفع ؛ صفة لـ \" مصيبة \". و\" قلتم \" -على مذهب سيبوبه- جواب \" لما \" وعلى مذهب الفارسيّ ناصب لها على حسب ما تقدم من مذهبيهما.\rقوله : { قُلْ هُوَ } هذا الضمير راجع على \" المصيبة \" من حيثُ المعنى ، ويجوز أن يكونَ حذفُ مضافٍ مراعى -أي : سببها- وكذلك الإشارة لقوله : { أنى هذا } لأن المراد المصيبة. أ هـ {تفسير ابن عادل حـ 6 صـ 35 ـ 37}.","part":18,"page":80},{"id":7568,"text":"من فوائد الآلوسى فى الآية\rقال رحمه الله :\rوقوله تعالى : {أو لَمَّا أصابتكم مُّصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مّثْلَيْهَا قُلْتُمْ أنى هذا } كلام مبتدأ مسوق لإبطال بعض ما نشأ من الظنون الفاسدة إثر إبطال بعض آخر ، والهمزة للتقريع والتقرير ، والواو عاطفة لمدخولها على محذوف قبلها ، ولما ظرف بمعنى حين مضافة إلى مابعدها مستعملة في الشرط كما ذهب إليه الفارسي وهو الصحيح عند جمع من المحققين وناصبها قلتم وهو الجزاء وقد أصبتم في محل الرفع على أنه صفة لمصيبة وجعله في محل نصب على الحال يحتاج إلى تكلف مستغنى عنه ، والمراد بالمصيبة ما أصابهم يوم أحد من قتل سبعين منهم وبمثليها ما أصاب المشركين يوم بدر من قتل سبعين منهم وأسر سبعين ، وجعل ذلك مثلين بجعل الأسر كالقتل أو لأنهم كانوا قادرين على القتل وكان مرضي الله تعالى فعدمه كان من عندهم فتركه مع القدرة لا ينافي الإصابة.","part":18,"page":81},{"id":7569,"text":"وقيل : المراد بالمثلين المثلان في الهزيمة لا في عدد القتلى وذلك لأن المسلمين هزموا الكفار يوم بدر وهزموهم أيضاً يوم أحد أول الأمر ، وعليه يكون المراد بالمصيبة هزيمة الكفار للمسلمين بعد أن فارقوا المركز ، و{ أنى هذا } جملة اسمية مقدمة الخبر ، والمعنى من أين هذا لا كيف هذا لدلالة الجواب مفعول القول ، وقيل : أنى منصوبة على الظرفية لأصابنا المقدر ، وهذا فاعل له ، والجملة مقول قلتم ، وتوسيط الظرف وما يتعلق به بينه وبين الهمزة مع أنه المقصود إنكاره والمعطوف بالواو حقيقة لتأكيد النكير وتشديد التقريع فإن فعل القبيح في غير وقته أقبح والإنكار على فاعله أدخل ، والمعنى أحين نالكم من المشركين نصف ما قد نالهم منكم قبل ذلك جزعتم وقلتم من أين هذا ونحن مسلمون نقاتل غضباً لله تعالى وفينا رسوله ، وهؤلاء مشركون أعداء الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم أوَ قد وعدنا الله تعالى النصر ؟ وإليه ذهب الجبائي وهذا على تقدير توجيه الإنكار والتقريع إلى صدور ذلك القول عنهم في ذلك الوقت خاصة بناءاً على عدم كونه مظنة له داعياً إليه بل على كونه داعياً إلى عدمه فإن كون مصيبة عدوهم مثلي مصيبتهم ما يهوّن الخطب ويورث السلوة ، أو أفعلتم ما فعلتم من الفشل والتنازع أو الخروج من المدينة والإلحاح على النبي صلى الله عليه وسلم ، ولما أصابتكم غائلة ذلك قلتم أنى هذا وهذا على تقدير توجيه الإنكار لاستبعادهم الحادثة مع مباشرتهم لسببها ، وجوز أن يكون المعطوف عليه القول إشارة إلى أن قولهم كان غير واحد بل قالوا أقوالاً لا ينبغي أن يقولوها.","part":18,"page":82},{"id":7570,"text":"وذهب جماعة إلى أن المعطوف عليه ما مضى من قوله تعالى : { لَقَدِ صَدَقَكُمُ الله وَعْدَهُ } [ آل عمران : 152 ] إلى هنا وللتعلق بقصة واحدة لم يتخلل بينهما أجنبي ليكون القول بذلك بعيداً كما ادعاه أبو حيان ، والهمزة حينئذ متخللة بين المتعاطفين للتقرير بمعنى التثبيت أو الحمل على الإقرار والتقريع على مضمون المعطوف والمعنى أكان من الله تعالى الوعد بالنصر بشرط الصبر والتقوى فحين فشلتم وتنازعتم وعصيتم وأصابكم الله تعالى بما أصابكم قلتم أنى هذا.\rوالجمهور على أن الهمزة مقدمة من تأخير ، والواو أصلها التقديم ، وهو مذهب سيبويه وغيره ، والجملة الاستفهامية معطوفة على ما قبلها واختار هذا في \"البحر\" ، وإسناد الإصابة إلى المصيبة مجاز وإلى المخاطبين حقيقة ولم يؤت بالإسنادين من باب واحد زيادة في التقريع ، وتذكير اسم الإشارة في { أنى هذا } مراعاة لمعنى المصيبة المشار إليها وهو المشهور أو لما أن إشارتهم ليست إلا لما شاهدوه في المعركة من حيث هو هو من غير أن يخطر ببالهم تسميته باسم مّا فضلاً عن تسميته باسم المصيبة ، وإنما هي عند الحكاية وفي الآية على ما قيل : جواب ضمني عن استبعادهم تلك الإصابة ، يعني أن أحوال الدنيا لا تدوم على حالة واحدة فإذا أصبتم منهم مثل ما أصابوا منكم وزيادة فما وجه الاستبعاد ، لكن صرح بجواب آخر يبري العليل ويشفي الغليل وتطأطىء منه الرؤوس فقال سبحانه : ","part":18,"page":83},{"id":7571,"text":"{ قُلْ } يا محمد في جواب سؤالهم الفاسد { هُوَ } أي هذا الذي أصابكم كائن { مِنْ عِندِ أَنْفُسِكُمْ } أي أنها السبب له حيث خالف الرماة أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بتركهم المركز وحرصوا على الغنيمة فعاقبهم الله تعالى بذلك قاله عكرمة أو حيث أنكم قد اخترتم قبل أن يقتل منكم سبعون في مقابلة الفداء الذي أخذتموه من أسارى بدر ، وعزي هذا إلى الحسن ، ويدل عليه ما أخرجه ابن أبي شيبة والترمذي وحسنه ، والنسائي وآخرون عن علي كرم الله تعالى وجهه قال : جاء جبريل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال : يا محمد إن الله تعالى قد كره ما فعل قومك في أخذهم الأسارى وقد أمرك أن تخيرهم بين أمرين : إما أن يقدموا فتضرب أعناقهم ، وإما أن يأخذوا الفداء على أن يقتل منهم عدتهم فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم الناس فذكر لهم ذلك فقالوا : يا رسول الله عشائرنا وإخواننا نأخذ فداءهم نتقوى به على قتال عدونا ويستشهد منا عدتهم فليس ذلك ما نكره فقتل منهم يوم أحد سبعون رجلاً عدة أسارى أهل بدر ، أو حيث اخترتم الخروج من المدينة ولم تبقوا حتى تقاتلوا المشركين فيها قاله الربيع وغيره.","part":18,"page":84},{"id":7572,"text":"وأخرج ابن جرير عن قتادة أنه قال : ذكر لنا أن نبي الله صلى الله عليه وسلم قال لأصحابه يوم أحد حين قدم أبو سفيان والمشركون : \"إنا في جنة حصينة يعني بذلك المدينة فدعوا القوم يدخلوا علينا نقاتلهم فقال له ناس من الأنصار : إنا نكره أن نقتل في طرق المدينة وقد كنا نمتنع من ذلك في الجاهلية فبالإسلام أحق أن نمتنع فابرز بنا إلى القوم فانطلق فلبس لأمَته فتلاوم القوم فقالوا : عرض نبي الله صلى الله عليه وسلم بأمر وعرضتم بغيره اذهب يا حمزة فقل له أمرنا لأمرك تبع فأتى حمزة فقال له إنه ليس لنبي إذا لبس لأمَتَهُ أن يضعها حتى يناجز وأنه سيكون فيكم مصيبة قالوا : يا نبي الله خاصة أو عامة ؟ قال : سترونها\" واعترض هذا القول بأنه يأباه أن الوعد بالنصر كان بعد اختيار الخروج وأن عمل النبي صلى الله عليه وسلم بموجبه قد رفع الخطر عنه وخفف جنايتهم فيه على أن اختيار الخروج والإصرار عليه كان ممن أكرمهم الله تعالى بالشهادة يومئذ ، وأين هم من التفوه بمثل هذه الكلمة ؟ وأجيب بأن الإباء المذكور في حيز المنع كيف والنصر الموعود كان مشروطاً بما يعلم الله تعالى عدم حصوله ، وبأن النبي صلى الله عليه وسلم وإن كان قد عمل بموجبه لكن لم تكن نفسه الكريمة صلى الله عليه وسلم منبسطة لذلك ولا قلبه الشريف مائلاً إليه وكأن سهام الأقدار نفذت حين خالفوا رأيه السامي وعدلوا عن الورود من عذب بحر عقله الطامي كما يرشدك إلى ذلك قوله عليه الصلاة والسلام بعد أن لبس لامَتَهُ : \"وإنه سيكون فيكم مصيبة\" وقوله في جواب الاستفهام عنها : \"خاصة أو عامة\" ؟ \"سترونها\" فإن ذلك كالصريح في عدم الرضا والفصيح في استيجاب ذلك الاختيار نزول القضاء ، وبأن الخطاب في قوله تعالى : { قُلْ هُوَ مِنْ عِندِ أَنْفُسِكُمْ } ليس نصاً في أن المتسببين هم المتفوهون بتلك","part":18,"page":85},{"id":7573,"text":"الكلمة ليضر استشهاد المختارين للخروج في المقصود لجواز أن يكون من قبيل قولك لقبيلة : أنتم قتلتم فلاناً والقاتل منهم أناس مخصوصون لم يوجدوا وقت الخطاب ، ومثل ذلك كثير في المحاورات على أن كون مصيبة المتفوهين هي قتل أولئك المستشهدين نص في التأسف عليهم فيناسبه التعريض بهم بنسبة القصور إليهم ليهون هذا التأسف وليعلموا أن شؤم الانحراف عن سمت إرادة رسول الله صلى الله عليه وسلم يعم الكبير والصغير بل ربما يقال : إن استشهاد أولئك المصرين شاهد على أنهم هم الذين كانوا سبباً في تلك المصيبة ولهذا استشهدوا ليذهبوا إلى ربهم على أحسن حال.\rهذا ولا يخفى أن هذا الجواب لا يخلو عن تكلف وكأن الداعي إليه أن الذاهبين إلى تفسير { مِنْ عِندِ أَنْفُسِكُمْ } بالخروج من المدينة وتبعية أبي سفيان وقومه جماعة أجلاء يبعد نسبة الغلط إليهم ، فقد أخرجه ابن جرير وابن أبي حاتم عن الحسن وابن جريج ، وأخرجه ابن المنذر من طريق ابن جريج عن ابن عباس فتدبر.\r{ إِنَّ الله على كُلِّ شَىْء قَدِيرٌ } ومن جملته النصر عند الموافقة والخذلان عند المخالفة ، وحيث خالفتم أصابكم سبحانه بما أصابكم ، والجملة تذييل مقرر لمضمون ما قبلها داخل تحت الأمر ، وقيل : المراد منها تطييب أنفسهم ومزج مرارة التقريع بحلاوة الوعد أي أنه سبحانه قادر على نصرتكم بَعْدُ لأنه على كل شيء قدير فلا تيأسوا من روح الله واعتناءاً بشأن التطييب وإرشاداً لهم إلى حقيقة الحال فيما سألوا عنه وبياناً لبعض ما فيه من الحكم. أ هـ {روح المعانى حـ 4 صـ 115 ـ 117}","part":18,"page":86},{"id":7574,"text":"ومن فوائد ابن عاشور الآية\rقال رحمه الله :\rعُطف الاستفهام الإنكاري التعجيبي على ما تقدّم ، فإنّ قولهم : { أنى هذا } ممَّا ينكر وَيَتَعجَّب السامع من صدوره منهم بعد ما عَلِموا ما أتَوا من أسباب المصيبة ، إذ لا ينبغي أن يخفى على ذي فطْنَةٍ ، وقد جاء موقع هذا الاستفهام بعد ما تكرّر : من تسجيل تبعة الهزيمة عليهم بما ارتكبوا من عصيان أمر الرسول ، ومن العجلة إلى الغنيمة ، وبعد أن أمرهم بالرضا بما وقع ، وَذكَّرَهم النصر الواقع يوم بدر ، عطف على ذلك هنا إنكارُ تعجّبهم من إصابة الهزيمة إيّاهم.\r( ولَمَّا ) اسم زمان مضمّن معنى الشرط فيدلّ على وجود جوابه لوُجود شرطه ، وهو ملازم الإضافة إلى جملة شرطه ، فالمعنى : قلتم لمَّا أصابتكم مصيبة : أنَّى هذا ،.\rوجملة { قد أصبتم مثليها } صفة \"لمصيبة\" ، ومعنى أصبتم غَلبتم العدوّ ونلتم منه مِثْلَيْ ما أصابكم به ، يقال : أصاب إذا غلب ، وأصيب إذا غُلِب ، قال قَطَرِيُّ بنُ الفُجَاءةَ :\rثم انصرفت وقد أصَبْتُ ولم أُصَب\rجَذَعَ البصيرة قارِحَ الإقدام...\rوالمراد بمثليها المساويان في الجنس أو القيمة باعتبار جهة المماثلة أي : أنَّكم قد نلتم مثلي ما أصابكم ، والمماثلة هنا مماثلة في القدر والقيمة ، لا في الجنس ، فإنّ رزايا الحرب أجناس : قَتل ، وأسر ، وغَنيمة ، وأسلاب ، فالمسلمون أصابهم يوم أحُد القتل : إذا قُتِل منهم سبعون ، وكانوا قد قَتَلوا من المشركين يومَ بدر سبعين ، فهذا أحد المثلين ، ثم إنّهم أصابوا من المشركين أسرى يوم بدر فذلك مثل آخر في المقدار إذ الإسير كالقتيل ، أو أريد أنّهم يومَ أحُد أصابوا قتلَى إلاّ أنّ عددهم أقلّ فهو مثل في الجنس لا في المقدار والقيمة.","part":18,"page":87},{"id":7575,"text":"و ( أنّى ) استفهام بمعنى من أين قصدوا به التعجّب والإنكار ، وجملة { قلتم أنى هذا } جواب ( لمّا ) ، والاستفهام بأنَّى هنا مستعمل في التعجّب.\rثم ذُيّل الإنكار والتعجّب بقوله : { قل هو من عند أنفسكم إن الله على كل شيء قدير } أي إنّ الله قدير على نصركم وعلى خذلانكم ، فلمّا عصيتم وجررتم لأنفسكم الغضب قدّر الله لكم الخِذلان. أ هـ {التحرير والتنوير حـ 3 صـ 278 ـ 279}\rموعظة\rقال ابن عجيبة :\rإذا أصاب المريد شيء من المصائب والبلايا ، فلا يستغرب وقوع ذلك به ، ولا يتبرم منه ، فإنه في دار المصائب والفجائع ، \" لا تستغرب وقوع الأكدار ما دُمتَ في هذه الدار ، فإنما أبرزت ما هو مستحق وصفها وواجب نعتها \". وإذا كان أصابته مصيبة في وقت ، فقد أصابته نعمٌ جمة في أوقات عديدة ، فليشكر الله على ما أولاه ، وليصبر على ما ابتلاه ، ليكون صباراً شكوراً.\rقال الشيخ أبو الحسن - رضي الله عنه - : ( العارف هو الذي عرف إساءاته في إحسان الله إليه ، وعرف شدائد الزمان في الألطاف الجارية من الله عليه ، فاذكروا آلاء الله لعلكم تفلحون ). وأيضاً : كل ما يصيب المؤمن فمن كسب يده ، ويعفو عن كثير.\rوإن كان المريد وعد بالحفظ والنصر ، فقد يكون ذلك بشروط خفيت عليه ، فلم تحقق فيه ، فيخلف حفظه لينفذ قدر الله فيه ، { وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ قَدَراً مَّقْدُوراً } [ الأحزاب : 38 ].\rوليتميز الصادق من الكاذب والمخلص من المنافق. أ هـ {البحر المديد حـ 1 صـ 360}\rمن لطائف الإمام القشيرى فى الآية\rقال عليه الرحمة :\r{ أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (165)\rعادة الخلق نسيان ما منهم من الخطأ والعصيان ، والرجوع إلى الله بالتهمة فيما يتصل بهم من المحن والخسران ، وفنون المكاره والافتتان ، وإنَّ مَنْ تَعاطى (.... ) الإجرام فحقيق بألا ينسى حلول الانتقام. أ هـ {لطائف الإشارات حـ 1 صـ 294}","part":18,"page":88},{"id":7576,"text":"قوله تعالى : { وَمَا أَصَابَكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ فَبِإِذْنِ اللَّهِ وَلِيَعْلَمَ الْمُؤْمِنِينَ (166)}\rمناسبة الآية لما قبلها\rقال البقاعى :\rولما كانت نسبة المصيبة إليهم ربما أوهمت من لم ترسخ قدمه في المعارف الإلهية أن بعض الأفعال خارج عما مراده تعالى قال : {وما أصابكم} ولما استغرقت الحرب ذلك اليوم نزع الجار فقال : {يوم التقى الجمعان} أي حزب الله وحزب الشيطان في أحد {فبإذن الله} أي بتمكين من له العظمة الكاملة وقضائه ، وإثبات أن ذلك بإذنه نحو ما ذكر عند التولية يوم التقى الجمعان من نسبة الإحياء والإماتة إليه.\rولما كان التقدير : ليؤدبكم به ، عطف عليه قوله : {وليعلم المؤمنين} أي الصادقين في إيمانهم. أ هـ {نظم الدرر حـ 2 صـ 178 ـ 179}\rوقال الفخر :\rاعلم أن هذا متعلق بما تقدم من قوله : {أَوَ لَمَّا أصابتكم مُّصِيبَةٌ} [ آل عمران : 165 ] فذكر في هذه الآية الأولى أنها أصابتهم بذنبهم ومن عند أنفسهم ، وذكر في هذه الآية أنها أصابتهم لوجه آخر ، وهو أن يتميز المؤمن عن المنافق. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 9 صـ 68}\rفائدة\rقال الفخر :\rقوله : {يَوْمَ التقى الجمعان} المراد يوم أحد ، والجمعان : أحدهما جمع المسلمين أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم ، والثاني : جمع المشركين الذين كانوا مع أبي سفيان. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 9 صـ 68}\rفصل\rقال الفخر :\rفي قوله : {فَبِإِذْنِ الله} وجوه :","part":18,"page":89},{"id":7577,"text":"الأول : أن إذن الله عبارة عن التخلية وترك المدافعة ، استعار الإذن لتخلية الكفار فإنه لم يمنعهم منهم ليبتليهم ، لأن الإذن في الشيء لا يدفع المأذون عن مراده ، فلما كان ترك المدافعة من لوازم الإذن أطلق لفظ الإذن على ترك المدافعة على سبيل المجاز.\rالوجه الثاني : فباذن الله : أي بعلمه كقوله : {وَأَذَانٌ مّنَ الله} [ التوبة : 3 ] أي إعلام ، وكقوله : {آذناكَ مَا مِنَّا مِن شَهِيدٍ} [ فصلت : 47 ] وقوله : {فَأْذَنُواْ بِحَرْبٍ مّنَ الله} [ البقرة : 279 ] وكل ذلك بمعنى العلم.\rطعن الواحدي فيه فقال : الآية تسلية للمؤمنين مما أصابهم ولا تقع التسلية إلا إذا كان واقعا بعلمه ، لأن علمه عام في جميع المعلومات بدليل قوله تعالى : {وَمَا تَحْمِلُ مِنْ أنثى وَلاَ تَضَعُ إِلاَّ بِعِلْمِهِ} [ فاطر : 11 ].\rالوجه الثالث : أن المراد من الإذن الأمر ، بدليل قوله : {ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ لِيَبْتَلِيَكُمْ} [ آل عمران : 152 ] والمعنى أنه تعالى لما أمر بالمحاربة ، ثم صارت تلك المحاربة مؤدية إلى ذلك الانهزام ، صح على سبيل المجاز أن يقال حصل ذلك بأمره.\rالوجه الرابع : وهو المنقول عن ابن عباس : أن المراد من الإذن قضاء الله بذلك وحكمه به وهذا أولى لأن الآية تسلية للمؤمنين مما أصابهم ، والتسلية إنما تحصل إذا قيل إن ذلك وقع بقضاء الله وقدره ، فحينئذ يرضون بما قضى الله. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 9 صـ 68}\rقوله تعالى {وَلِيَعْلَمَ المؤمنين}","part":18,"page":90},{"id":7578,"text":"فصل\rقال الفخر :\rقوله : {وَلِيَعْلَمَ المؤمنين} ظاهره يشعر بأنه لأجل أن يحصل له هذا العلم أذن في تلك المصيبة ، وهذا يشعر بتجدد علم الله ، وهذا محال في حق علم الله تعالى ، فالمراد ههنا من العلم المعلوم ، والتقدير : ليتبين المؤمن من المنافق ، وليتميز أحدهما عن الآخر حصل الإذن في تلك المصيبة ، وقد تقدم تقرير هذا المعنى في الآيات المتقدمة والله أعلم. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 9 صـ 69}\rفوائد لغوية\rقال ابن عادل :\rقوله تعالى { وَمَا أَصَابَكُمْ}\r\" ما \" موصولة بمعنى الذي ، في محل رفع بالابتداء ، و\" بإذن الله \" الخبر ، وهو على إضمار مبتدأ ، تقديره : فهو بإذن الله ، ودخلت الفاء في الخبر ؛ لشِبْه المبتدأ بالشرط ، نحو : الذي يأتيني فله درهم ، وهذا - على ما قرره الجمهورُ - مُشْكِل ؛ وذلك أنهم قرروا أنه لا يجوز دخول هذه الفاءِ زائدةً في الخبر إلا بشروط.\rمنها : أن تكون الصلةُ مستقبلةً في المعنى ؛ وذلك لأن الفاءَ إنما دخلت للشِّبْه بالشَّرط ، والشّرط إنما يكون في الاستقبال ، لا في الماضي ، لو قلت : الذي أتاني أمس فله درهم ، لم يصحّ ، \" وأصابكم \" - هنا - ماضٍ في المعنى ؛ لأن القصة ماضية ، فكيف جاز دخول هذه الفاءِ زائدةً في الخبر إلا بشروط.\rمنها : أن تكون الصلةُ مستقبلةً في المعنى ؛ وذلك لأن الفاءَ إنما دخلت للشِّبْه بالشَّرط ، والشّرط إنما يكون في الاستقبال ، لا في الماضي ، لو قلت : الذي أتاني أمس فله درهم ، لم يصحّ ، \" وأصابكم \" - هنا - ماضٍ في المعنى ؛ لأن القصة ماضية ، فكيف جاز دخول هذه الفاء ؟","part":18,"page":91},{"id":7579,"text":"أجابوا عنه بأنه يُحْمل على التبيُّن - أي : وما تبين إصابته إياكم - كما تأولوا قوله : { وَإِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِن دُبُرٍ } [ يوسف : 26 ] - أي تبين - وهذا شرطٌ صريحٌ ، وإذا صحَّ هذا التأويل فلْنَجْعَل \" ما \" - هنا - شرطاً صريحاً ، وتكون الفاء داخلة وجوباً ؛ لكونها واقعة جواباً للشرط.\rوقال ابنُ عطية : \" يحسن دخولُ الفاء إذا كان سببَ الإعطاء ، وكذلك ترتيبُ هذه ، فالمعنى إنما هو : وما أذن الله فيه فهو الذي أصابكم ، لكن قدم الأهم في نفوسهم ، والأقرب إلى حسّهم. والإذن : التمكينُ من الشيء مع العلم به \".\rوهذا حسنٌ من حيثُ المعنى ؛ فإن الإصابة مرتبة على الإذْن من حيث المعنى ، وأشار بقوله : الأهم والأقرب ، إلى ما أصابهم يوم التقى الجَمْعَانِ.\rقوله : { وَلِيَعْلَمَ المؤمنين } في هذه اللام قولان : \rأحدهما : أنها معطوفة على معنى قوله : { فَبِإِذْنِ الله } عطف سبب على سبب ، فتتعلق بما تتعلق به الباء.\rالثاني : أنها متعلقة بمحذوف ، أي : وليعلم فعل ذلك - أي : أصابكم - والأول أولى - وقد تقدم أن معنى : وليعلم الله كذا : أي يُبَيِّن ، أو يظهر للناس ما كان في علمه ، وزعم بعضهم أن ثَمَّ مضافاً ، أي : ليعلم إيمان المؤمنين ، ونفاق المنافقين ، ولا حاجة إليه. أ هـ {تفسير ابن عادل حـ 6 صـ 38 ـ 39}. بتصرف يسير.","part":18,"page":92},{"id":7580,"text":"قوله تعالى : { وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ نَافَقُوا وَقِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا قَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوِ ادْفَعُوا قَالُوا لَوْ نَعْلَمُ قِتَالًا لَاتَّبَعْنَاكُمْ هُمْ لِلْكُفْرِ يَوْمَئِذٍ أَقْرَبُ مِنْهُمْ لِلْإِيمَانِ يَقُولُونَ بِأَفْواهِهِمْ مَا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يَكْتُمُونَ (167)}\rمناسبة الآية لما قبلها\rقال البقاعى :\rولما كان تعليق العلم بالشيء على حدته أتم وآكد من تعليقه به مع غيره أعاد العامل لذلك ، وإشعاراً بأن أهل النفاق أسفل رتبة من أن اجتمعوا مع المؤمنين في شيء فقال : {وليعلم الذين نافقوا} أي علماً تقوم به الحجة في مجاري عاداتكم ، وهذا مثل قوله هناك {وليبتلي الله ما في صدوركم} [ آل عمران : 154 ].\rوعطف على قوله {نافقوا} ما أظهر نفاقهم ، أو يكون حالاً من فاعل {نافقوا} فقال : {وقيل لهم تعالوا قاتلوا} أي أوجدوا القتال {في سبيل الله} أي الذي له الكمال كله بسبب تسهيل طريق الرب الذي شرعه {أو ادفعوا} أي عن أنفسكم وأحبائكم على عادة الناس لا سيما العرب {قالوا لو نعلم} أي نتيقن {قتالاً} أي أنه يقع قتال {لاتبعناكم} أي لكنه لا يقع فيما نظن قتال ورجعوا.\rولما كان هذا الفعل المسند إلى هذا القول ظاهراً في نفاقهم ترجمة بقوله : {هم للكفر يومئذ} أي يوم إذ كان هذا حالهم {أقرب منهم للإيمان} عند كل من سمع قولهم أو رأى فعلهم ، ثم علل ذلك أو استأنف بقوله - معبراً بالأفواه التي منها ما هو أبعد من اللسان لكونهم منافقين ، فقولهم إلى أصوات الحيوان أقرب منه إلى كلام الإنسان ذي العقل واللسان لأنهم - : {يقولون بأفواههم} ولما أفهم هذا أنه لا يجاوز ألسنتهم فلا حقيقة له ولا ثبات عندهم ؛ صرح به في قوله {ما ليس في قلوبهم} بل لا شك عندهم في وقوع القتال ، علم الله هذا منهم كما علموه من أنفسهم {والله} أي الذي له الإحاطة الكاملة {أعلم} أي منهم {بما يكتمون} أي كله لأنه يعلمه قبل كونه وهم لا يعلمونه إلا بعد كونه ، وإذا كان نسوه بتطاول الزمان والله سبحانه وتعالى لا ينساه. أ هـ {نظم الدرر حـ 2 صـ 179}","part":18,"page":93},{"id":7581,"text":"قال الآلوسى :\r{ وَلِيَعْلَمَ الذين نَافَقُواْ } كعبد الله بن أبيّ وأصحابه ، وهذا عطف على ما قبله من مثله ، وإعادة الفعل إما للاعتناء بهذه العلة ، أو لتشريف المؤمنين وتنزيههم عن الانتظام في قرن المنافقين وللإيذان باختلاف حال العلم بحسب التعلق بالفريقين فإنه متعلق بالمؤمنين على نهج تعلقه السابق ، وبالمنافقين على نهج جديد وهو السر كما قال شيخ الإسلام في إيراد الأولين بصيغة اسم الفاعل المنبئة عن الاستمرار والآخرين بموصول صلته فعل دال على الحدوث. أ هـ {روح المعانى حـ 4 صـ 118}\rقوله تعالى : {وَقِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْاْ قَاتِلُواْ فِى سَبِيلِ الله أَوِ ادفعوا}\rفصل\rقال الفخر :\rفي أن هذا القائل من هو ؟ وجهان :\rالأول : قال الأصم : إنه الرسول عليه الصلاة والسلام كان يدعوهم إلى القتال.\rالثاني : روي أن عبد الله بن أبي بن سلول لما خرج بعسكره إلى أحد قالوا : لم نلقي أنفسنا في القتل ، فرجعوا وكانوا ثلثمائة من جملة الألف الذين خرج بهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقال لهم عبد الله بن عمرو بن حرام أبو جابر بن عبد الله الأنصاري : أذكركم الله أن تخذلوا نبيكم وقومكم عند حضور العدو ، فهذا هو المراد من قوله تعالى : {وَقِيلَ لَهُمْ} يعني قول عبد الله هذا. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 9 صـ 69}\rفصل\rقال الفخر :\rقوله : {قَاتِلُواْ فِى سَبِيلِ الله أَوِ ادفعوا} يعني إن كان في قلبكم حب الدين والاسلام فقاتلوا للدين والاسلام ، وإن لم تكونوا كذلك ، فقاتلوا دفعاً عن أنفسكم وأهليكم وأموالكم ، يعني كونوا إما من رجال الدين ، أو من رجال الدنيا.\rقال السدي وابن جريج : ادفعوا عنا العدو بتكثير سوادنا إن لم تقاتلوا معنا ، قالوا : لأن الكثرة أحد أسباب الهيبة والعظمة ، والأول هو الوجه. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 9 صـ 69}","part":18,"page":94},{"id":7582,"text":"فائدة\rقال الفخر :\rقوله تعالى : {قَاتِلُواْ فِى سَبِيلِ الله أَوِ ادفعوا} تصريح بأنهم قدموا طلب الدين على طلب الدنيا ، وذلك يدل على أن المسلم لا بد وأن يقدم الدين على الدنيا في كل المهمات. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 9 صـ 69}\rقوله تعالى : {قَالُواْ لَوْ نَعْلَمُ قِتَالاً لاتبعناكم هُمْ لِلْكُفْرِ يَوْمَئِذٍ أَقْرَبُ مِنْهُمْ للإيمان}\rهذا هو الجواب الذي ذكره المنافقون وفيه وجهان :\rالأول : أن يكون المراد أن الفريقين لا يقتتلان ألبتة ، فلهذا رجعنا.\rالثاني : أن يكون المعنى لو نعلم ما يصلح أن يسمى قتالا لاتبعناكم ، يعني أن الذي يقدمون عليه لا يقال له قتال ، وإنما هو إلقاء النفس في التهلكة لأن رأي عبد الله كان في الإقامة بالمدينة ، وما كان يستصوب الخروج.\rواعلم أنه إن كان المراد من هذا الكلام هو الوجه الأول فهو فاسد ، وذلك لأن الظن في أحوال الدنيا قائم مقام العلم ، وأمارات حصول القتال كانت ظاهرة في ذلك اليوم ، ولو قيل لهذا المنافق الذي ذكر هذا الجواب : فينبغي لك لو شاهدت من شهر سيفه في الحرب أن لا تقدم على مقاتلته لأنك لا تعلم منه قتالا ، وكذا القول في سائر التصرفات في أمور الدنيا ، بل الحق أن الجهاد واجب عند ظهور أمارات المحاربة ، ولا أمارات أقوى من قربهم من المدينة عند جبل أحد ، فدل ذكر هذا الجواب على غاية الخزي والنفاق ، وإنه كان غرضهم من ذكر هذا الجواب إما التلبيس ، وإما الاستهزاء.\rوأما إن كان مراد المنافق هو الوجه الثاني فهو أيضاً باطل ، لأن الله تعالى لما وعدهم بالنصرة والإعانة لم يكن الخروج إلى ذلك القتال إلقاء للنفس في التهلكة. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 9 صـ 69 ـ 70}\rقوله تعالى {هُمْ لِلْكُفْرِ يَوْمَئِذٍ أَقْرَبُ مِنْهُمْ للإيمان}","part":18,"page":95},{"id":7583,"text":"فصل\rقال الفخر :\rفي التأويل وجهان :\rالأول : أنهم كانوا قبل هذه الواقعة يظهرون الإيمان من أنفسهم وما ظهرت منهم أمارة تدل على كفرهم ، فلما رجعوا عن عسكر المؤمنين تباعدوا بذلك عن أن يظن بهم كونهم مؤمنين.\rواعلم أن رجوعهم عن معاونة المسلمين دل على أنهم ليسوا من المسلمين ، وأيضاً قولهم : {لَوْ نَعْلَمُ قِتَالاً لاتبعناكم} يدل على أنهم ليسوا من المسلمين ، وذلك لأنا بينا أن هذا الكلام يدل إما على السخرية بالمسلمين ، وإما على عدم الوثوق بقول النبي صلى الله عليه وسلم وكل واحد منهما كفر.\rالوجه الثاني : في التأويل أن يكون المراد أنهم لأهل الكفر أقرب نصرة منهم لأهل الإيمان ، لأن تقليلهم سواد المسلمين بالانعزال يجر إلى تقوية المشركين. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 9 صـ 70}\rوقال ابن عاشور :\rومعنى { هم للكفر يومئذٍ أقرب منهم للإيمان } أنّ ما يُشاهد من حالهم يومئذ أقرب دلالة على أنهم يُبطنون الكفر مِن دلالة أقوالهم : إنَّا مسلمون ، واعتذارِهم بقولهم : لو نعلم قتالاً لاتّبعناكم.\rأي إنّ عذرهم ظاهر الكذب ، وإرادة تفشيل المسلمين ، والقرب مجاز في ظهور الكفر عليهم. أ هـ {التحرير والتنوير حـ 3 صـ 281}\rفصل\rقال الفخر :\rقال أكثر العلماء : إن هذا تنصيص من الله تعالى على أنهم كفار ، قال الحسن إذا قال الله تعالى : {أَقْرَبُ} فهو اليقين بأنهم مشركون ، وهو مثل قوله : {مِاْئَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ} فهذه الزيادة لا شك فيها ، وأيضا المكلف لا يمكن أن ينفك عن الإيمان والكفر ، فلما دلت الآية على القرب لزم حصول الكفر.\rوقال الواحدي في \"البسيط\" : هذه الآية دليل على أن من أتى بكلمة التوحيد لم يكفر ولم يطلق القول بتكفيره ، لأنه تعالى لم يطلق القول بكفرهم مع أنهم كانوا كافرين ، لاظهارهم القول بلا إله إلا الله محمد رسول الله. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 9 صـ 70}","part":18,"page":96},{"id":7584,"text":"لطيفة\rقال أبو حيان :\rقال الماتريدي : أقرب أي ألزم على الكفر ، وأقبل له مع وجود الكفر منهم حقيقة ، لا على القرب إليه قبل الوقوع والوجود لقوله : { إن رحمت الله قريب من المحسنين } أي هي لهم لا على القرب قبل الوجود ، لكنهم لما كانوا أهل نفاق والكفر لم يفارق قلوبهم وما كان من إيمانهم ، كان بظاهر اللسان قد يفارقها في أكثر أوقاتهم ، وصفوا به.\rويحتمل أن يحمل على القرب من حيث كانوا شاكين في الأمر ، والشاك في أمر الكفر والإيمان تارك للإيمان ، فهو أقرب إلى الكفر.\rأو من حيث قالوا للمؤمنين : { ألم نكن معكم } وللكافرين : { ألم نستحوذ عليكم ونمنعكم من المؤمنين } أو من حيث ما أظهروا من الإيمان كذب ، والكفر نفسه كذب.\rفما أظهروا من الإيمان فهو كذب إلى الكذب الذي هم أقرب إليه وهو الكفر ، أو من حيث أنهم أحق به أن يعرفوا.\rكما جعل الله لهم أعلاماً يعرفون بها ، أو من حيث لا يعبدون الله ولا يعرفونه ، بل هم عباد الأصنام لاتخاذهم لها أرباباً ، أو لتقرّبهم بها إلى الله ، فإذا أصابتهم شدّة فرعوا إلى الله ، والمؤمنون يرجعون إلى الله في الشدّة والرخاء. أ هـ {البحر المحيط حـ 3 صـ 115 ـ 116}","part":18,"page":97},{"id":7585,"text":"قوله تعالى {يَقُولُونَ بأفواههم مَّا لَيْسَ فِى قُلُوبِهِمْ}\rقال الآلوسى : \r{ يَقُولُونَ بأفواههم مَّا لَيْسَ فِى قُلُوبِهِمْ } جملة مستأنفة مبينة لحالهم مطلقاً لا في ذلك اليوم فقط ولذا فصلت ، وقيل : حال من ضمير أقرب وتقييد القول بالأفواه إما بيان لأنه كلام لفظي لا نفسي ، وإما تأكيد على حدّ { وَلاَ طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ } [ الأنعام : 38 ] والمراد أنهم يظهرون خلاف ما يضمرون ؛ وقال شيخ الإسلام : \"إن ذكر الأفواه والقلوب تصوير لنفاقهم وتوضيح لمخالفة ظاهرهم لباطنهم وإن ما عبارة عن القول والمراد به إما نفس الكلام الظاهر في اللسان تارة وفي القلب أخرى ، فالمثبت والمنفي متحدان ذاتاً وصفة وإن اختلفا مظهراً ، وإما القول الملفوظ فقط فالمنفي حينئذ منشؤه الذي لا ينفك عنه القول أصلاً ، وإنما عبر عنه به إبانة لما بينهما من شدة الاتصال ، والمعنى يتفوهون بقول لا وجود له أو لمنشئه في قلوبهم أصلاً من الأباطيل التي من جملتها ما حكى عنهم آنفاً فإنهم أظهروا فيه أمرين ليس في قلوبهم شيء منهما ، أحدهما : عدم العلم بالقتال والآخر : الاتباع على تقدير العلم به وقد كذبوا فيهما كذباً بيّناً حيث كانوا عالمين به ( غير ناوين للاتباع بل كانوا ) مصرين مع ذلك على الانخذال عازمين على الارتداد\" ، واختار بعضهم كون { مَا } عبارة عن القول الملفوظ ، ومعنى كونه ليس في قلوبهم أنه غير معتقد لهم ولا متصور عندهم إلا كتصور زوجية الثلاثة مثلاً والحكم عام ؛ ويدخل فيه حكم ما تفوهوا به من مجموع القضية الشرطية لا خصوص المقدم فقط ولا خصوص التالي فقط ولا الأمران معاً دون الهيئة الاجتماعية المعتبرة في القضية ولعل ما ذكره الشيخ أولى. أ هـ {روح المعانى حـ 4 صـ 119 ـ 120}","part":18,"page":98},{"id":7586,"text":"وقال الفخر :\rالمراد أن لسانهم مخالف لقلبهم ، فهم وإن كانوا يظهرون الإيمان باللسان لكنهم يضمرون في قلوبهم الكفر. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 9 صـ 70}\rلطيفة\rقال الزمخشرى :\rوذكر الأفواه مع القلوب تصوير لنفاقهم ، وأنّ إيمانهم موجود في أفواههم معدوم في قلوبهم ، خلاف صفة المؤمنين في مواطأة قلوبهم لأفواههم. أ هـ {الكشاف حـ 1 صـ 465}\rفائدة\rقال أبو حيان :\rقال ابن عطية : بأفواههم توكيد مثل : يطير بجناحيه انتهى.\rولا يظهر أنه توكيد ، إذِ القولُ ينطلق على اللساني والنفساني ، فهو مخصص لأحد الانطلاقين إلا إنْ قلنا : إنّ إطلاقه على النفساني مجاز ، فيكون إذ ذاك توكيداً لحقيقة القول. أ هـ {البحر المحيط حـ 3 صـ 116}\rقوله تعالى {والله أَعْلَمُ بِمَا يَكْتُمُونَ }\rقال الآلوسى :\r{ والله أَعْلَمُ بِمَا يَكْتُمُونَ } زيادة تحقيق لكفرهم ونفاقهم ببيان اشتغال قلوبهم بما يخالف أقوالهم من فنون الشر والفساد إثر بيان خلوهم عما يوافقها ، والمراد أعلم من المؤمنين لأنه تعالى يعلمه مفصلاً بعلم واجب ، والمؤمنون يعلمونه مجملاً بأمارات ، ويجوز أن تكون الجملة حالية للتنبيه على أنهم لا ينفعهم النفاق ، وأن المراد أعلم منهم لأن الله تعالى يعلم نتيجة أسرارهم وآمالهم. أ هـ {روح المعانى حـ 4 صـ 120}\rلطيفة\rقال أبو السعود :\rوصيغةُ التفضيلِ لما أن بعضَ ما يكتُمونه من أحكام النفاقِ وذمِّ المؤمنين وتخطئةِ آرائِهم والشماتةِ بهم وغيرِ ذلك يعلمه المؤمنون على وجه الإجمال ، وأن تفاصيلَ ذلك وكيفياتِه مختصةٌ بالعلم الإلهي. أ هـ {تفسير أبى السعود حـ 2 صـ 110}\rسؤال : فإن قيل : إن المعلوم إذا علمه عالمان لا يكون أحدهما أعلم به من الآخر ، فما معنى قوله : {والله أَعْلَمُ بِمَا يَكْتُمُونَ } ؟.\rقلنا : المراد أن الله تعالى يعلم من تفاصيل تلك الأحوال ما لا يعلمه غيره. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 9 صـ 71}","part":18,"page":99},{"id":7588,"text":"فائدة\rقال فى ملاك التأويل :\rقوله تعالى : \"يقولون بأفواههم ما ليس فى قلوبهم\" وفى سورة الفتح : \"يقولون بألسنتهم ما ليس فى قلوبهم\"، للسائل أن يسأل فيقول : إن مقصود الآيتين قد اتحد لأن حاصله التعريف بأن كلا من المذكورين فى الآيتين أظهر خلاف ما أبطن فلم قيل فى الأولى\"بأفواههم\" وفى الثانية\"بألسنتهم\" مع اتحاد المعنى ؟\rوالجواب عن ذلك والله أعلم أن قوله فى الأولى \"بأفواههم\" ينبئ عن مبالغة واستحكام وتمكن فى اعتقاد أو قصد لا يحصل من قوله \"بألسنتهم\" ألا ترى قولهم : تكلم بملء فيه حين يريدون المبالغة وقال تعالى : \"اليوم نختم على أفواههم\" والمراد المبالغة فى منعهم من الكلام وإذا ختم على الأفواه امتنعت الألسنة عن النطق وكان أحكم فى المنع ولما كان المراد بالآية الأولى الإخبار عن المنافقين كعبد الله بن أبى وأصحابه ممن استحكم نفاقه وتقرر فقال يوم أحد ما حكى الله تعالى من قولهم فى المخالفين لهم من الأنصار ممن أكرمه الله بالشهادة فى ذلك اليوم : \"لو أطاعونا ما قتلوا\" إلى ما قالوه من هذا ثم وروا عنه بقولهم لصالحى المؤمنين : \"لو نعلم قتالا لاتبعناكم\" فأخبر تعالى عنهم بما أكنوه من الكفر فقال تعالى : \"هم للكفر يومئذ أقرب منهم للإيمان يقولون بأفواههم ما ليس فى قلوبهم\" فناسب الإبلاغ فى قوله تعالى : \"بأفواههم\" ما انطووا عليه واستحكم فى قلوبهم من الكفر وأما آية الفتح فإخبار عن أعراب ممن قال تعالى فيهم : \"قالت الأعراب آمنا قل لم تؤمنوا ولكن قولوا أسلمنا\" وهؤلاء لم يستقر نفاقهم كالآخرين وإنما أخل بهم قرب عهدهم بالكفر وإن لم يتقرر الإيمان فى قلوبهم لكن لا عن نفاق كنفاق الآخرين قال تعالى مخبرا عن هؤلاء الأعراب : \"سيقول لك المخلفون من الأعراب شغلتنا أموالنا وأهلونا فاستغفر لنا\" فعن هؤلاء قال تعالى : \"يقولون بألسنتهم ما ليس فى قلوبهم\"، فعبر بالألسنة إشعارا بأن حال هؤلاء ليس كحال المنافقين المقصودين فى آية آل عمران. فلاختلاف الطائفتين اختلفت العبارة عما صدر منهم وورد كل على ما يناسب ولم يكن عكس الوارد ليناسب والله أعلم. أ هـ {ملاك التأويل حـ 1 صـ 127 ـ 128}","part":18,"page":100},{"id":7589,"text":"فوائد لغوية\rقال ابن عادل :\rقوله : { وَلْيَعْلَمَ الذين نَافَقُواْ } قال الواحدي : \" يقال : نَافَقَ الرَّجُلُ - فهو منافقٌ - إذا أظهر كلمة الإيمان ، وأضمَر خلافَها ، والنفاق اسم إسلامي ، اختلِف في اشتقاقه على وجوهٍ :\rأحدها : قال أبو عبيد : من نافقاء اليربوع ؛ لأن حجر اليربوع لها بابان : القاصعاء ، والنافقاء ، فإذا طلب من أيهما خرج من الآخر ، فقيل للمنافق : إنه منافق لأنه وضع لنفسه طريقين : إظهار الإسلام ، وإضمار الكُفْرِ ، فمن أيهما طُلِب خرج من الآخر.\rالثاني : قال ابنُ الأنباري : المنافق من النَّفَق ، وهو السربُ ، ومعناه : أنه يتستّر بالإسْلامِ كما يتستَّر الرجُلُ في السِّرْبِ.\rالثالث : أنه مأخوذٌ من النافقاء ، ولكن على غير الوجه الذي ذكره أبو عبيدٍ ، وهو أن النافقاء جثحْر يحفره اليربوعُ في داخل الأرضِ ، ثم إنه يُرقِّق ما فوقَ الجُحر ، حتى إذا رابه رَيْبٌ ، رفع التراب برأسه وخرج ، فقيل للمنافق : منافق ؛ لأنه أضمر الكُفْرَ في باطنه ، فإذا فتشته رمى عنه ذلك الكفر ، وتمسَّك بالإسلام \".\rقوله : { وَقِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْاْ قَاتِلُواْ } هذه الجملة تحتمل وجهين :\rالأول : أنْ تكونَ استئنافية ، أخبر الله أنهم مأمورونَ إما بالقتال ، وإما بالدَّفْع ، أي : تكثير سواد المسلمين.","part":18,"page":101},{"id":7590,"text":"الثاني : أن تكون معطوفة على \" نافقوا \" فتكون داخلة في صلة الموصول ، أي : ليعلم الذين حصل منهم النفاقُ والقول بكذا و\" تعالوا \" و\" قاتلوا \" كلاهما قام مقام الفاعل لـ \" قيل \" لأنه هو المقول. قال أبو البقاء : إنما لم يأتي بحرف العطف - يعني بين \" تعالوا \" و\" قاتلوا \" - لأنه أراد أن يجعل كل واحدةٍ من الجملتين مقصودة بنفسها ، ويجوز أن يقال : إن المقصودَ هو الأمر بالقتال ، و\" تعالوا \" ذكر ما لو سكت عنه لكان في الكلام دليل عليه.\rوقيل : الأمر الثاني حال.\rيعني بقوله : \" تعالوا \" ذكر ما لو سكت ، أن المقصود إنما أمرهم بالقتال ، لا مجيئهم وحده ، وجعله \" قاتلوا \" حالاً من \" تعالوا \" فاسد ؛ لأن الجملة الحالية يُشْتَرط أن تكونَ خبرية ، وهذه طلبية.\rقوله : \" أو ادفعوا \" \" أو \" - هنا - على بابها من التخيير والإباحة.\rوقيل : بمعنى الواو ؛ لأنه طلب منهم القتال والدفع ، والأول أصح.\rوقوله : { قَالُواْ لَوْ نَعْلَمُ قِتَالاً } إنما لم يَأتِ - في هذه الجُمْلة - بحرف عطف ؛ لأنها جواب لسؤال سائل كأنه قيل : فما قالوا - لما قيل لهم ذلك - ؟ فأجيب بأنهم قالوا ذلك. و\" نعلم \" - وإن كان مضارعاً - معناه المُضِيّ ؛ لأن \" لو \" تخص المضارع ، إذا كانت لما سيقع لوقوع غيره ، ونكَّر \" قتالاً \" للتقليل ، أي : لو علمنا بعض قتال ما. وهذا جواب المنافقين حين قيل لهم : { تَعَالَوْاْ قَاتِلُواْ فِي سَبِيلِ الله أَوِ ادفعوا } فقال تعالى : { هُمْ لِلْكُفْرِ يَوْمَئِذٍ أَقْرَبُ مِنْهُمْ لِلإِيمَانِ }.\r\" هم \" مبتدأ ، و\" أقرب \" خبره ، وهو أفعل تفضيل ، و\" للكفر \" متعلق به ، وكذلك \" للإيمان \".\rفإن قيل : لا يتعلق حرفا جر - متحدان لفظاً ومعنىً - بعامل واحد ، إلا أن يكونَ أحدهما معطوفاً على الآخر ، أو بدلاً منه ، فكيف تعلقا بـ \" أقرب \" ؟ ","part":18,"page":102},{"id":7591,"text":"فالجوابُ : أن هذا خاصٌّ بأفعل التفضيل ، قالوا : لأنه في قوة عاملين ، فإنّ قوة قولك زيدٌ أفضلُ مِنْ عَمْرو ، معناه : يزيد فضله على فضل عمرو.\rوقال أبو البقاء : \" وجاز أن يعمل \" أقرب \" فيهما ؛ لأنهما يشبهان الظرف ، وكما عمل \" أطيب \" في قولهم : هذا بسراً أطيب منه رُطباً ، في الظرفين المقدرين لأن \" أفعل \" يدل على معنيين - على أصل الفعلِ وزيادتهِ - فيعمل في كل واحد منهما بمعنى غير الأخر ، فتقديره : يزيد قُرْبهم إلى الكفر على قربهم إلى الإيمان \".\rولا حاجة إلى تشبيه الجارين بالظرفين ؛ لأن ظاهره أن المسوغ لتعلقهما بعامل واحد تشبيههما بالظرفين وليس كذلك ، وقوله : الظرفين المقدَّرين ، يعني أن المعنى : هذا في أوانِ بُسْرَيته أطيب منه.\rو \" أقرب \" - هنا - من القُرْب - الذي هو ضد البعدِ - ويتعدى بثلاثة حروف : اللام ، و\" إلى \" و\" من \". تقول : قربت لك ومنك إليك ، فإذا قلت : زيد أقرب من العلم من عمرو ، ف \" من \" الولى المعدية لأصل معنى القرب ، والثانية هي الجارة للمفضول ، وإذا تقرر هذا فلا حاجة إلى ادعاء أن اللام بمعنى \" إلى \".\rو \" يومئذ \" متعلق بـ \" أقرب \" ومذا \" منهم \" و\" من \" هذه هي الجارةُ للمفضول بعد \" أفعل \" وليست هي المعدية لأصل الفعل.\rو \" إذ \" مضافةٌ لجملةٍ محذوفةٍ ، عُوِّضَ منها التنوين ، وتقدير هذه الجملة : هم للكفر يوم إذ قالوا : لو نَعْلَم قتالاً لاتبعناكم.\rوقيل : المعنى على حذف مضاف ، أي : هم لأهل الكفر أقرب منهم لأهل الإيمان ، وفُضِّلُوا - هنا - على أنفسهم باعتبار حالين ووقتين ، ولولا ذلك لم يَجُزْ ، تقول : زيدٌ قاعداً أفضل منه قائماً ، أو زيد قاعداً اليوم أفضل منه قاعداً غداً. ولو قلت : زيد اليوم قاعداً أفضل منه اليوم قاعداً. لم يَجُزْ.","part":18,"page":103},{"id":7592,"text":"وحكى النقاش - عن بعض المفسّرين - أن \" أقرب \" - هنا - ليست من معنى القُرب - الذي هو ضد البُعْدِ - وإنما هي من القَرَب - بفتح القاف والراء - وهو طلبُ الماءِ ، ومنه قارب الماء ، وليلةُ القُرْب : ليلة الورود ، فالمعنى : هم أطلب للكفر ، وعلى هذا تتعين التعدية باللام - على حَدِّ قولك : زيد أضربُ لعمرو.\rقوله : { يَقُولُونَ بِأَفْوَاهِهِم } في هذه الجملة وجهانِ :\rأحدهما : أنها مستأنفةٌ ، لا محلَّ لها من الإعرابِ.\rالثاني : أنها في محل نَصْب على الحال من الضمير في \" أقرب \" أي : قربوا للكفر قائلين هذه المقالة - وقوله : { بِأَفْوَاهِهِم } قيل : تأكيد ، كقوله : { وَلاَ طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ } [ الأنعام : 38 ]. والظاهرُ أن القولَ يُطْلق على اللساني والنفساني ، فتقييده بقوله : { بِأَفْوَاهِهِم } تقييد لأحد مُحْتَمَلَيْه ، اللهم إلا أن يُقَال : إن إطلاقه على النفسانيّ مجاز ، قال الزمخشري : \" وذكر الأفواه مع القلوب ؛ تصويراً لنفاقهم ، وأن إيمانهم موجود في أفواههم ، معدوم في قلوبهم \".\rوبهذا - الذي قاله الزمخشريُّ - ينتفي كونُه للتأكيد ؛ لتحصيله هذه الفائدة - ومعنى الآية : أن لسانهم مُخَالِفٌ لقلوبهم ، فهم وإن كانوا يُظْهرون الإيمانَ باللسانِ ، لكنهم يُضْمِرون في قلوبهم الكُفْرَ. أ هـ {تفسير ابن عادل حـ 6 صـ 39 ـ 43}. بتصرف.","part":18,"page":104},{"id":7593,"text":"فائدة\rقال الجصاص :\rقَوْله تَعَالَى : { وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ نَافَقُوا وَقِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا قَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوْ ادْفَعُوا } قَالَ السُّدِّيُّ وَابْنُ جُرَيْجٍ فِي قَوْلِهِ : { أَوْ ادْفَعُوا } : \" إنَّ مَعْنَاهُ بِتَكْثِيرِ سَوَادِنَا إنْ لَمْ تُقَاتِلُوا مَعَنَا \" وَقَالَ أَبُو عَوْنٍ الْأَنْصَارِيُّ : \" مَعْنَاهُ وَرَابِطُوا بِالْقِيَامِ عَلَى الْخَيْلِ إنْ لَمْ تُقَاتِلُوا \".\rقَالَ أَبُو بَكْرٍ : وَفِي هَذَا دَلَالَةٌ عَلَى أَنَّ فَرْضَ الْحُضُورِ لَازِمٌ لِمَنْ كَانَ فِي حُضُورِهِ نَفْعٌ فِي تَكْثِيرِ السَّوَادِ وَالدَّفْعِ وَفِي الْقِيَامِ عَلَى الْخَيْلِ إذَا اُحْتِيجَ إلَيْهِمْ. أ هـ {أحكام القرآن للجصاص حـ 2 صـ 332}","part":18,"page":105},{"id":7594,"text":"من لطائف الإمام القشيرى فى الآيتين\rقال عليه الرحمة :\r{ وَمَا أَصَابَكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ فَبِإِذْنِ اللَّهِ وَلِيَعْلَمَ الْمُؤْمِنِينَ (166) وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ نَافَقُوا وَقِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا قَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوِ ادْفَعُوا قَالُوا لَوْ نَعْلَمُ قِتَالًا لَاتَّبَعْنَاكُمْ هُمْ لِلْكُفْرِ يَوْمَئِذٍ أَقْرَبُ مِنْهُمْ لِلْإِيمَانِ يَقُولُونَ بِأَفْواهِهِمْ مَا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يَكْتُمُونَ (167)}\rهوَّن على المؤمنين وأصحاب البصائر ما لقوا من عظيم الفتنة يوم أُحُد ، بأن قال إن ذلك أجمع كان بإذن الله ، وإنَّ بلاءً يصيب بإذن الله لِمَن العسلِ أحلى ، ومِنْ كل نعيم أشهى. ثم أخبر أن الذين لم يكن لهم في الصحبة خلوص كيف تعللوا وكيف تكاسلوا :\rوكذا المَلُولُ إذا أراد قطيعةً... ملَّ الوصال وقال كان وكانا\rقوله تعالى : { يقولون بأفواههم ما ليس في قلوبهم } فلا جَرَم ( سَقَوْا العَسَل ودَسُّوا له فيه الحنظل ) ، ومكروا ومكر الله والله خير الماكرين. أ هـ {لطائف الإشارات حـ 1 صـ 295}","part":18,"page":106},{"id":7595,"text":"قوله تعالى : {الَّذِينَ قَالُوا لِإِخْوَانِهِمْ وَقَعَدُوا لَوْ أَطَاعُونَا مَا قُتِلُوا قُلْ فَادْرَءُوا عَنْ أَنْفُسِكُمُ الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (168)}\rمناسبة الآية لما قبلها\rقال البقاعى :\rولما حكى عنهم ما لا يقوله ذو إيمان أتبعه ما لا يتخيله ذو مروة ولا عرفان فقال مبيناً للذين نافقوا : {الذين قالوا لإخوانهم} أي لأجل إخوانهم والحال أنهم قد أسلموهم {وقعدوا} أي عنهم خذلاناً لهم {لو أطاعونا} أي في الرجوع {ما قتلوا} ولما كان هذا موجباً للغضب أشار إليه بإعراضه في قوله : {قل} أي لهؤلاء الأجانب الذين هم بمنزلة الغيبة عن حضرتي لما تسبب عن قولهم هذا من ادعاء القدرة على دفع الموت {فادرءوا} أي ادفعوا بعز ومنعة وميّلوا {عن أنفسكم الموت} أي حتى لا يصل إليكم أصلاً {إن كنتم صادقين} أي في أن الموت يغني منه حذر.\rفقد انتظم الكلام بما قبل الجملة الواعظة أتم انتظام على أنه قد لاح لك أن ملائمة الجمل الواعظة لما قبلها وما بعدها ليس بدون ملاءمة ما قبلها من صلب القصة لما بعدها منه. أ هـ {نظم الدرر حـ 2 صـ 179 ـ 180}\rوقال الفخر :\rاعلم أن الذين حكى الله عنهم أنهم قالوا : {لَوْ نَعْلَمُ قِتَالاً لاتبعناكم} [ آل عمران : 167 ] وصفهم الله تعالى بأنهم كما قعدوا واحتجوا لقعودهم ، فكذلك ثبطوا غيرهم واحتجوا لذلك ، فحكى الله تعالى عنهم أنهم قالوا لإخوانهم إن الخارجين لو أطاعونا ما قتلوا ، فخوفوا من مراده موافقة الرسول صلى الله عليه وسلم في محاربة الكفار بالقتل لما عرفوا ما جرى يوم أحد من الكفار على المسلمين من القتل ، لأن المعلوم من الطباع محبة الحياة فكان وقوع هذه الشبهة في القلوب يجري مجرى ما يورده الشيطان من الوسواس. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 9 صـ 71}","part":18,"page":107},{"id":7596,"text":"فصل\rقال الفخر :\rقال المفسرون : المراد ( بالذين قَالُواْ ) عبد الله بن أبي وأصحابه ، وقال الأصم : هذا لا يجوز لأن عبد الله بن أبي خرج مع النبي صلى الله عليه وسلم في الجهاد يوم أحد ، وهذا القول فهو واقع فيمن قد تخلف لأنه قال : {الذين قَالُواْ لإخوانهم وَقَعَدُواْ لَوْ أَطَاعُونَا} أي في القعود ما قتلوا فهو كلام متأخر عن الجهاد ، قاله لمن خرج إلى الجهاد ولمن هو قوي النية في ذلك ليجعله شبهة فيما بعده صارفاً لهم عن الجهاد. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 9 صـ 71}\rفائدة\rقال الفخر :\rقالوا لإخوانهم : أي قالوا لأجل إخوانهم ، وقد سبق بيان المراد من هذه الأخوة ، الأخوة في النسب ، أو الأخوة بسبب المشاركة في الدار ، أو في عداوة الرسول صلى الله عليه وسلم أو في عبادة الأوثان ؟ والله أعلم. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 9 صـ 71}\rقال الآلوسى","part":18,"page":108},{"id":7597,"text":"فائدة\rقال الآلوسى :\rقوله تعالى : { لَوْ أَطَاعُونَا } أي في ترك القتال { مَا قُتِلُوا } كما لم نقتل وفيه إيذان بأنهم أمروهم بالانخذال حين انخذلوا ، ويؤيد ذلك ما أخرجه ابن جرير عن السدي قال : خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم في ألف رجل وقد وعدهم الفتح إن صبروا فلما خرجوا رجع عبد الله بن أبيّ في ثلثمائة فتبعهم أبو جابر السلمي يدعوهم فلما غلبوه وقالوا له : { لَوْ نَعْلَمُ قِتَالاً لاتبعناكم } [ آل عمران : 167 ] قالوا له : ولئن أطعتنا لترجعن معنا فذكر الله تعالى نعي قولهم لئن أطعتنا لترجعن معنا بقوله سبحانه : { الذين قَالُواْ } الخ ، وبعضهم حمل القعود على ما استصوبه ابن أبيّ عند المشاورة من المقاومة بالمدينة ابتداءاً وجعل الإطاعة عبارة عن قبول رأيه والعمل به ولا يخلو عن شيء بل قال مولانا شيخ الإسلام : يرده كون الجملة حالية فإنها لتعيين ما فيه العصيان والمخالفة مع أن ابن أبيّ ليس من القاعدين فيها بذلك المعنى على أن تخصيص عدم الطاعة بإخوانهم ينادي باختصاص الأمر أيضاً بهم فيستحيل أن يحمل على ما خوطب به النبي صلى الله عليه وسلم عند المشاورة. أ هـ {روح المعانى حـ 4 صـ 120}\rفصل\rقال الفخر :\rقال الواحدي : الواو في قوله : {وَقَعَدُواْ} للحال ومعنى هذا القعود القعود عن الجهاد يعني من قتل بأحد لو قعدوا كما قعدنا وفعلوا كما فعلنا لسلموا ولم يقتلوا ، ثم أجاب الله عن ذلك بقوله : {قل فادرؤا عن أنفسكم الموت إن كنتم صادقين }.\rفإن قيل : ما وجه الاستدلال بذلك مع أن الفرق ظاهر فإن التحرز عن القتل ممكن ، أما التحرز عن الموت فهو غير ممكن ألبتة ؟","part":18,"page":109},{"id":7598,"text":"والجواب : هذا الدليل الذي ذكره الله تعالى لا يتمشى إلا إذا اعترفنا بالقضاء والقدر ، وذلك لأنا إذا قلنا لا يدخل الشيء في الوجود إلا بقضاء الله وقدره ، اعترفنا بأن الكافر لا يقتل المسلم إلا بقضاء الله ، وحينئذ لا يبقى بين القتل وبين الموت فرق ، فيصح الاستدلال.\rأما إذا قلنا بأن فعل العبد ليس بتقدير الله وقضائه ، كان الفرق بين الموت والقتل ظاهراً من الوجه الذي ذكرتم ، فتفضي إلى فساد الدليل الذي ذكره الله تعالى ، ومعلوم أن المفضي إلى ذلك يكون باطلا ، فثبت أن هذه الآية دالة على أن الكل بقضاء الله. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 9 صـ 71 ـ 72}\rقوله تعالى {إن كنتم صادقين}\rقال الفخر : \rوقوله : {إن كنتم صادقين} يعني : إن كنتم صادقين في كونكم مشتغلين بالحذر عن المكاره ، والوصول إلى المطالب. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 9 صـ 72}","part":18,"page":110},{"id":7599,"text":"وقال الآلوسى :\r{ فَادْرَءوا عَنْ أَنفُسِكُمُ الْمَوْتَ } أي فادفعوا عنها ذلك وهو جواب لشرط قد حذف لدلالة قوله تعالى : { إِن كُنتُمْ صادقين } عليه كما أنه شرط حذف جوابه لدلالة { فَادْرَءوا } عليه ، ومن جوز تقدم الجواب لم يحتج لما ذكر ؛ ومتعلق الصدق هو ما تضمنه قولهم من أن سبب نجاتهم القعود عن القتال ، والمراد أن ما ادعيتموه سبب النجاة ليس بمستقيم ولو فرض استقامته فليس بمفيد ، أما الأول : فلأن أسباب النجاة كثيرة غايته أن القعود والنجاة وجدا معاً وهو لا يدل على السببية ، وأما الثاني : فلأن المهروب عنه بالذات هو الموت الذي القتل أحد أسبابه فإن صح ما ذكرتم فادفعوا سائر أسبابه فإن أسباب الموت في إمكان المدافعة بالحيل وامتناعها سواء ، وأنفسكم أعز عليكم وأمرها أهمّ لديكم ، وقيل : متعلق الصدق ما صرح به من قولهم : { لَوْ أَطَاعُونَا مَا قُتِلُوا } والمعنى أنهم لو أطاعوكم وقعدوا لقتلوا قاعدين كما قتلوا مقاتلين ، وحينئذ يكون { فَادْرَءوا } الخ استهزاءاً بهم أي إن كنتم رجالاً دفاعين لأسباب الموت فادرءوا جميع أسبابه حتى لا تموتوا كما درأتم بزعمكم هذا السبب الخاص ، وفي \"الكشاف\" \"روي أنه مات يوم قالوا هذه المقالة منهم سبعون منافقاً\" بعدد من قتل بأحد. أ هـ {روح المعانى حـ 4 صـ 120 ـ 121}\rمن فوائد القرطبى فى الآية\rقال رحمه الله :\rقوله تعالى { الذين قَالُواْ لإِخْوَانِهِمْ } معناه لأجل إخوانهم ، وهم الشهداء المقتولون من الخَزْرَج ؛ وهم إخوة نسب ومجاورة ، لا إخوة الدِّين.\rأي قالوا لهؤلاء الشهداء : لو قعدوا ، أي بالمدينة ما قتِلوا.\rوقيل : قال عبد الله بن أبيّ وأصحابُه لإخوانهم ، أي لأشكالهم من المنافقين : لو أطاعونا ، هؤلاء الذين قُتِلوا ، لمَا قتِلوا.\rوقوله : { لَوْ أَطَاعُونَا } يريد في ألاّ يخرجوا إلى قريش.","part":18,"page":111},{"id":7600,"text":"وقوله : { وَقَعَدُواْ } أي قالوا هذا القول وقعدوا بأنفسهم عن الجهاد ؛ فردّ الله عليهم بقوله : { قُلْ فَادْرَءُوا } أي قل لهم يا محمد : إن صدقتم فادفعوا الموت عن أنفسكم.\rوالدَّرْء الدفعُ.\rبيّن بهذا أن الحَذَر لا ينفع من القَدَر ، وأن المقتولَ يقتل بأجله ، وما عَلِم الله وأخبر به كائنٌ لا محالَة.\rوقيل : مات يومَ قيل هذا ، سبعون منافقاً.\rوقال أبو الليث السَّمْرَقَنْدِيّ : سمعت بعض المفسّرين بسَمْرَقَنْد يقول : لما نزلت الآية { قُلْ فَادْرَءُوا عَنْ أَنْفُسِكُمُ الْمَوْتَ } مات يومئذ سبعون نفساً من المنافقين. أ هـ {تفسير القرطبى حـ 4 صـ 267}\rوقال البيضاوى :\r{ قُلْ فَادْرَءوا عَنْ أَنفُسِكُمُ الْمَوْتَ إِن كُنتُمْ صادقين } أي إن كنتم صادقين إنكم تقدرون على دفع القتل عمن كتب عليه فادفعوا عن أنفسكم الموت وأسبابه ، فإنه أحرى بكم ، والمعنى أن القعود غير مغن عن الموت ، فإن أسباب الموت كثيرة كما أن القتال يكون سبباً للهلاك والقعود سبباً للنجاة قد يكون الأمر بالعكس. أ هـ {تفسير البيضاوى حـ 2 صـ 113}\rفوائد لغوية\rقال ابن عادل :\rجوَّزوا في موضع \" الذين \" الألقاب الثلاثة : الرفع والنصب والجر ، فالرفعُ من ثلاثةِ أوجهٍ :\rأحدهما : أن يكون مرفوعاً على خبر مبتدأ محذوفٍ ، تقديره : هم الذين.\rثانيها : أنه بدل من واو \" يكتمون \".\rثالثها : أنه مبتدأ ، والخبر قوله : \" قل فادْرءوا \" ولا بُدَّ من حذف عائدٍ ، تقديره : قُلْ لَهُمْ.\rوالنصبُ من ثلاثة أوجه - أيضاً - :\rأحدها : النصبُ على الذَّم ، أي : أذم الذين قالوا.\rثانيها : أنه بدل من \" الذين نافقوا \".\rثالثها : أنه صفة.\rوالجر من وجهينِ : البدل من الضمير في \" بأفواهم \" أو من الضمير في \" قلوبهم \" كقول الفرزدق : [ الطويل ]","part":18,"page":112},{"id":7601,"text":"عَلَى حَالَةٍ لَوْ أنَّ فِي الْقَوْمِ حَاتِماً... عَلَى جُودِهِ لَضَنَّ بِالْمَاءِ حَاتِمِ\rبجر \" حاتم \" على أنه بدل من الهاء في \" جوده \" - وقد تقدم الخلافُ في هذه المسألةِ وقال أبو حيان : وجوَّزوا في إعراب \" الذين \" وُجُوهاً :\rالرفع ، على النعت لـ \" الذين نافقوا \" أو على أنه خبر لمبتدأ محذوف والنصب... فذكره إلى آخره.\rقال شهابُ الدينِ : وهذا عجيبٌ منه ؛ لأنَّ \" الذين نافقوا \" منصوب بقوله : \" وليعلم \" وهم - في الحقيقة - عطف على \" المؤمنين \" وإنَّمَا كرر العاملَ توكيداً ، والشيخُ لا يخفَى عليه ما هو أشكلُ من هذا فيحتمل أن يكون تبع غيرَه في هذا السهو - وهو الظاهر من كلامه - ولم ينظر في الآية ، اتكالاً على ما رآه منقولاً ، وكثيراً ما يقع الناس فيه ، وأن يُعْتَقَدَ أنّ \" الذين \" فاعل بقوله : \" وليعلم \" أي : فعل الله ذلك ليعلم هو المؤمنين ، وليعلم المنافقون ، ولكن مثل هذا لا ينبغي أن يجوز ألبتة.\rقوله : \" وقعدوا \" يجوز في هذه الجملة وجهانِ :\rأحدهما : أن تكون حالية من فاعل \" قالوا \" و\" قد \" مرادة أي : وقد قعدوا ، ومجيء الماضي حالاً بالواو و\" قد \" أو بأحدهما ، أو بدونهما ، ثابتٌ من لسان العربِ.\rالثاني : أنها معطوفة على الصلة ، فتكون معترضة بين \" قالوا \" ومعمولها ، وهو \" لو أطاعونا \".\rأ هـ {تفسير ابن عادل حـ 6 صـ 43 ـ 44}\rمن لطائف الإمام القشيرى فى الآية\rقال عليه الرحمة :\rالَّذِينَ قَالُوا لِإِخْوَانِهِمْ وَقَعَدُوا لَوْ أَطَاعُونَا مَا قُتِلُوا قُلْ فَادْرَءُوا عَنْ أَنْفُسِكُمُ الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (168)}\rالذين ركنوا إلى ما سوَّلت لهم نفوسهم من إيثار الهوى ، ثم اعترضوا على من يصرف أحكام القضاء وقالوا لو تَحَرَّزُوا عن البروز للقتال لم يسقطوا عن درجة السلامة.. لمَذْمُومةٌ تلك الظنون ، ولَذَاهِبَةٌ عن شهود التحقيق تلك القلوب.\rقُلْ لهم - يا محمد - استديموا لأنفسكم الحياة ، وادفعوا عنها هجوم الوفاة!\rومتى تقدرون على ذلك ؟ ! هيهات هيهات!. أ هـ {لطائف الإشارات حـ 1 صـ 295 ـ 296}","part":18,"page":113},{"id":7602,"text":"بحث قيم للعلامة ابن القيم\rقال عليه الرحمة :\rفَصْلٌ فِي ذِكْرِ بَعْضِ الْحِكَمِ وَالْغَايَاتِ الْمَحْمُودَةِ الّتِي كَانَتْ فِي وَقْعَةِ أُحُدٍ\rوَقَدْ أَشَارَ اللّهُ - سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى - إلَى أُمّهَاتِهَا وَأُصُولِهَا فِي سُورَةِ ( آل عِمْرَانَ حَيْثُ افْتَتَحَ الْقِصّةَ بِقَوْلِهِ { وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ تُبَوّئُ الْمُؤْمِنِينَ مَقَاعِدَ لِلْقِتَالِ } [ آل عِمْرَانَ 121 ] إلَى تَمَامِ سِتّينَ آيَةً .\r[ تَعْرِيفُهُمْ سُوءَ عَاقِبَةِ الْمَعْصِيَةِ ]\rفَمِنْهَا : تَعْرِيفُهُمْ سُوءَ عَاقِبَةِ الْمَعْصِيَةِ وَالْفَشَلِ وَالتّنَازُعِ وَأَنّ الّذِي أَصَابَهُمْ إنّمَا هُوَ بِشُؤْمِ ذَلِكَ كَمَا قَالَ تَعَالَى : { وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللّهُ وَعْدَهُ إِذْ تَحُسّونَهُمْ بِإِذْنِهِ حَتّى إِذَا فَشِلْتُمْ وَتَنَازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ وَعَصَيْتُمْ مِنْ بَعْدِ مَا أَرَاكُمْ مَا تُحِبّونَ مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدّنْيَا وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الْآخِرَةَ ثُمّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ لِيَبْتَلِيَكُمْ وَلَقَدْ عَفَا عَنْكُمْ } [ آلُ عِمْرَانَ 152 ] . فَلَمّا ذَاقُوا عَاقِبَةَ مَعْصِيَتِهِمْ لِلرّسُولِ وَتَنَازُعِهِمْ وَفَشَلِهِمْ كَانُوا بَعْدَ ذَلِكَ أَشَدّ حَذَرًا وَيَقَظَةً وَتَحَرّزًا مِنْ أَسْبَابِ الْخِذْلَانِ .\r[ وَتِلْكَ الْأَيّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النّاسِ ]","part":18,"page":114},{"id":7603,"text":"وَمِنْهَا : أَنّ حِكْمَةَ اللّهِ وَسُنّتَهُ فِي رُسُلِهِ وَأَتْبَاعِهِمْ جَرَتْ بِأَنْ يُدَالُوا مَرّةً وَيُدَالَ عَلَيْهِمْ أُخْرَى لَكِنْ تَكُونُ لَهُمْ الْعَاقِبَةُ فَإِنّهُمْ لَوْ انْتَصَرُوا دَائِمًا دَخَلَ مَعَهُمْ الْمُؤْمِنُونَ وَغَيْرُهُمْ وَلَمْ يَتَمَيّزْ الصّادِقُ مِنْ غَيْرِهِ وَلَوْ اُنْتُصِرَ عَلَيْهِمْ دَائِمًا لَمْ جَمَعَ لَهُمْ بَيْنَ الْأَمْرَيْنِ لِيَتَمَيّزَ مَنْ يَتّبِعُهُمْ وَيُطِيعُهُمْ لِلْحَقّ وَمَا جَاءُوا بِهِ مِمّنْ يَتّبِعُهُمْ عَلَى الظّهُورِ وَالْغَلَبَةِ خَاصّةً .\r[ الرّسُلُ تُبْتَلَى ثُمّ تَكُونُ لَهُمْ الْعَاقِبَةُ ]\rوَمِنْهَا : أَنّ هَذَا مِنْ أَعْلَامِ الرّسُلِ كَمَا قَالَ هِرَقْلُ لِأَبِي سُفْيَانَ هَلْ قَاتَلْتُمُوهُ ؟ قَالَ نَعَمْ قَالَ كَيْفَ الْحَرْبُ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُ ؟ قَالَ سِجَالٌ يُدَالُ عَلَيْنَا الْمَرّةَ وَنُدَالُ عَلَيْهِ الْأُخْرَى قَالَ كَذَلِكَ الرّسُلُ تُبْتَلَى ثُمّ تَكُونُ لَهُمْ الْعَاقِبَة\r[ تَمَيّزُ الْمُؤْمِنِ الصّادِقِ مِنْ الْمُنَافِقِ الْكَاذِبِ ]\r","part":18,"page":115},{"id":7604,"text":"وَمِنْهَا : أَنْ يَتَمَيّزَ الْمُؤْمِنُ الصّادِقُ مِنْ الْمُنَافِقِ الْكَاذِبِ فَإِنّ الْمُسْلِمِينَ لَمّا أَظْهَرَهُمْ اللّهُ عَلَى أَعْدَائِهِمْ يَوْمَ بَدْرٍ وَطَارَ لَهُمْ الصّيتُ دَخَلَ مَعَهُمْ فِي الْإِسْلَامِ ظَاهِرًا مَنْ لَيْسَ مَعَهُمْ فِيهِ بَاطِنًا فَاقْتَضَتْ حِكْمَةُ اللّهِ عَزّ وَجَلّ أَنْ سَبّبَ لِعِبَادِهِ مِحْنَةً مَيّزَتْ بَيْنَ الْمُؤْمِنِ وَالْمُنَافِقِ فَأَطْلَعَ الْمُنَافِقُونَ رُءُوسَهُمْ فِي هَذِهِ الْغَزْوَةِ وَتَكَلّمُوا بِمَا كَانُوا يَكْتُمُونَهُ وَظَهَرَتْ مُخَبّآتُهُمْ وَعَادَ تَلْوِيحُهُمْ تَصْرِيحًا وَانْقَسَمَ النّاسُ إلَى كَافِرٍ وَمُؤْمِنٍ وَمُنَافِقٍ انْقِسَامًا ظَاهِرًا وَعَرَفَ الْمُؤْمِنُونَ أَنّ لَهُمْ عَدُوّا فِي نَفْسِ دُورِهِمْ وَهُمْ مَعَهُمْ لَا يُفَارِقُونَهُمْ فَاسْتَعَدّوا لَهُمْ وَتَحَرّزُوا مِنْهُمْ . قَالَ اللّهُ تَعَالَى : { مَا كَانَ اللّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ حَتّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطّيّبِ وَمَا كَانَ اللّهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الْغَيْبِ وَلَكِنّ اللّهَ يَجْتَبِي مِنْ رُسُلِهِ مَنْ يَشَاءُ } [ آل عِمْرَانَ 179 ] أَيْ مَا كَانَ اللّهُ لِيَذَرَكُمْ عَلَى مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ الْتِبَاسِ الْمُؤْمِنِينَ بِالْمُنَافِقِينَ حَتّى يَمِيزَ أَهْلَ الْإِيمَانِ مِنْ أَهْلِ النّفَاقِ كَمَا مَيّزَهُمْ بِالْمِحْنَةِ يَوْمَ أُحُدٍ { وَمَا كَانَ اللّهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الْغَيْبِ } الّذِي يَمِيزُ بِهِ بَيْنَ هَؤُلَاءِ وَهَؤُلَاءِ فَإِنّهُمْ مُتَمَيّزُونَ فِي غَيْبِهِ وَعِلْمِهِ وَهُوَ سُبْحَانَهُ يُرِيدُ أَنْ يَمِيزَهُمْ تَمْيِيزًا مَشْهُودًا فَيَقَعُ مَعْلُومُهُ الّذِي هُوَ غَيْبٌ\r","part":18,"page":116},{"id":7605,"text":"شَهَادَةً . وَقَوْلُهُ { وَلَكِنّ اللّهَ يَجْتَبِي مِنْ رُسُلِهِ مَنْ يَشَاءُ } اسْتِدْرَاكٌ لِمَا نَفَاهُ مِنْ اطّلَاعِ خَلْقِهِ عَلَى الْغَيْبِ سِوَى الرّسُلِ فَإِنّهُ يُطْلِعُهُمْ عَلَى مَا يَشَاءُ مِنْ غَيْبِهِ كَمَا قَالَ { عَالِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا إِلّا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ } [ الْجِنّ : 27 ] فَحَظّكُمْ أَنْتُمْ وَسَعَادَتُكُمْ فِي الْإِيمَانِ بِالْغَيْبِ الّذِي يُطْلِعُ عَلَيْهِ\r[ اسْتِخْرَاجُ عُبُودِيّةِ أَوْلِيَائِهِ فِي السّرّاءِ وَالضّرّاءِ ]\rوَمِنْهَا : اسْتِخْرَاجُ عُبُودِيّةِ أَوْلِيَائِهِ وَحِزْبِهِ فِي السّرّاءِ وَالضّرّاءِ وَفِيمَا يُحِبّونَ وَمَا يَكْرَهُونَ وَفِي حَالِ ظَفَرِهِمْ وَظَفَرِ أَعْدَائِهِمْ بِهِمْ فَإِذَا ثَبَتُوا عَلَى الطّاعَةِ وَالْعُبُودِيّةِ فِيمَا يُحِبّونَ وَمَا يَكْرَهُونَ فَهُمْ عَبِيدُهُ حَقّا وَلَيْسُوا كَمَنْ يَعْبُدُ اللّهَ عَلَى حَرْفٍ وَاحِدٍ مِنْ السّرّاءِ وَالنّعْمَةِ وَالْعَافِيَةِ .\r[ حِكْمَةُ تَبَدّلِ الْأَحْوَالِ ]\rوَمِنْهَا : أَنّهُ سُبْحَانَهُ لَوْ نَصَرَهُمْ دَائِمًا وَأَظْفَرَهُمْ بِعَدُوّهِمْ فِي كُلّ مَوْطِنٍ وَجَعَلَ لَهُمْ التّمْكِينَ وَالْقَهْرَ لِأَعْدَائِهِمْ أَبَدًا لَطَغَتْ نُفُوسُهُمْ وَشَمَخَتْ وَارْتَفَعَتْ فَلَوْ بَسَطَ لَهُمْ النّصْرَ وَالظّفَرَ لَكَانُوا فِي الْحَالِ الّتِي يَكُونُونَ فِيهَا لَوْ بَسَطَ لَهُمْ الرّزْقَ فَلَا يُصْلِحُ عِبَادَهُ إلّا السّرّاءُ وَالضّرّاءُ وَالشّدّةُ وَالرّخَاءُ وَالْقَبْضُ وَالْبَسْطُ فَهُوَ الْمُدَبّرُ لِأَمْرِ عِبَادِهِ كَمَا يَلِيقُ بِحِكْمَتِهِ إنّهُ بِهِمْ خَبِيرٌ بَصِيرٌ .\r[ الْخُضُوعُ لِجَبَرُوتِهِ تَعَالَى ]\r","part":18,"page":117},{"id":7606,"text":"وَمِنْهَا : أَنّهُ إذَا امْتَحَنَهُمْ بِالْغَلَبَةِ وَالْكَسْرَةِ وَالْهَزِيمَةِ ذَلّوا وَانْكَسَرُوا وَخَضَعُوا فَاسْتَوْجَبُوا مِنْهُ الْعِزّ وَالنّصْرَ فَإِنّ خُلْعَةَ النّصْرِ إنّمَا تَكُونُ مَعَ وِلَايَةِ الذّلّ وَالِانْكِسَارِ قَالَ تَعَالَى : { وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلّةٌ } [ آل عِمْرَانَ 123 ] وَقَالَ { وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئًا } [ التّوْبَةُ 25 ] فَهُوَ - سُبْحَانَهُ - إذَا أَرَادَ أَنْ يُعِزّ عَبْدَهُ وَيَجْبُرَهُ وَيَنْصُرَهُ كَسَرَهُ أَوّلًا وَيَكُونُ جَبْرُهُ لَهُ وَنَصْرُهُ عَلَى مِقْدَارِ ذُلّهِ وَانْكِسَارِهِ .\r[ رَفْعُ مَنَازِلِهِمْ ]\rوَمِنْهَا : أَنّهُ سُبْحَانَهُ هَيّأَ لِعِبَادِهِ الْمُؤْمِنِينَ مَنَازِلَ فِي دَارِ كَرَامَتِهِ لَمْ تَبْلُغْهَا أَعْمَالُهُمْ وَلَمْ يَكُونُوا بَالِغِيهَا إلّا بِالْبَلَاءِ وَالْمِحْنَةِ فَقَيّضَ لَهُمْ الْأَسْبَابَ الّتِي تُوصِلُهُمْ إلَيْهَا مِنْ ابْتِلَائِهِ وَامْتِحَانِهِ كَمَا وَفّقَهُمْ لِلْأَعْمَالِ الصّالِحَةِ الّتِي هِيَ مِنْ جُمْلَةِ أَسْبَابِ وُصُولِهِمْ إلَيْهَا .\r[ تَحْرِيضُهُمْ عَلَى الْجِدّ فِي الْعُبُودِيّةِ لِلّهِ ]\r","part":18,"page":118},{"id":7607,"text":"وَمِنْهَا : أَنّ النّفُوسَ تَكْتَسِبُ مِنْ الْعَافِيَةِ الدّائِمَةِ وَالنّصْرِ وَالْغِنَى طُغْيَانًا وَرُكُونًا إلَى الْعَاجِلَةِ وَذَلِكَ مَرَضٌ يَعُوقُهَا عَنْ جِدّهَا فِي سَيْرِهَا إلَى اللّهِ وَالدّارِ الْآخِرَةِ فَإِذَا أَرَادَ بِهَا رَبّهَا وَمَالِكُهَا وَرَاحِمُهَا كَرَامَتَهُ قَيّضَ لَهَا مِنْ الِابْتِلَاءِ وَالِامْتِحَانِ مَا يَكُونُ دَوَاءً لِذَلِكَ الْمَرَضِ الْعَائِقِ عَنْ السّيْرِ الْحَثِيثِ إلَيْهِ فَيَكُونُ ذَلِكَ الْبَلَاءُ وَالْمِحْنَةُ تَرَكَهُ لَغَلَبَتْهُ الْأَدْوَاءُ حَتّى يَكُونَ فِيهَا هَلَاكُهُ . وَمِنْهَا : أَنّ الشّهَادَةَ عِنْدَهُ مِنْ أَعْلَى مَرَاتِبِ أَوْلِيَائِهِ وَالشّهَدَاءُ هُمْ خَوَاصّهُ وَالْمُقَرّبُونَ مِنْ عِبَادِهِ وَلَيْسَ بَعْدَ دَرَجَةِ الصّدّيقِيّةِ إلّا الشّهَادَةُ وَهُوَ سُبْحَانَهُ يُحِبّ أَنْ يَتّخِذَ مِنْ عِبَادِهِ شُهَدَاءَ تُرَاقُ دِمَاؤُهُمْ فِي مَحَبّتِهِ وَمَرْضَاتِهِ وَيُؤْثِرُونَ رِضَاهُ وَمَحَابّهُ عَلَى نُفُوسِهِمْ وَلَا سَبِيلَ إلَى نَيْلِ هَذِهِ الدّرَجَةِ إلّا بِتَقْدِيرِ الْأَسْبَابِ الْمُفْضِيَةِ إلَيْهَا مِنْ تَسْلِيطِ الْعَدُوّ .\r[ إهْلَاكُ الْأَعْدَاءِ بَعْدَ ازْدِيَادِ بَغْيِهِمْ ]\r[ بَسْطُ الْآيَاتِ وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا ]\r","part":18,"page":119},{"id":7608,"text":"وَمِنْهَا : أَنّ اللّهَ سُبْحَانَهُ إذَا أَرَادَ أَنْ يُهْلِكَ أَعْدَاءَهُ وَيَمْحَقَهُمْ قَيّضَ لَهُمْ الْأَسْبَابَ الّتِي يَسْتَوْجِبُونَ بِهَا هَلَاكَهُمْ وَمَحْقَهُمْ وَمِنْ أَعْظَمِهَا بَعْدَ كُفْرِهِمْ بَغْيُهُمْ وَطُغْيَانُهُمْ وَمُبَالَغَتُهُمْ فِي أَذَى أَوْلِيَائِهِ وَمُحَارَبَتِهِمْ وَقِتَالِهِمْ وَالتّسَلّطِ عَلَيْهِمْ فَيَتَمَحّصُ بِذَلِكَ أَوْلِيَاؤُهُ مِنْ ذُنُوبِهِمْ وَعُيُوبِهِمْ وَيَزْدَادُ بِذَلِكَ أَعْدَاؤُهُ مِنْ أَسْبَابِ مَحْقِهِمْ وَهَلَاكِهِمْ وَقَدْ ذَكَرَ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى ذَلِكَ فِي قَوْلِهِ { وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ وَتِلْكَ الْأَيّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللّهُ الّذِينَ آمَنُوا وَيَتّخِذَ مِنْكُمْ شُهَدَاءَ وَاللّهُ لَا يُحِبّ الظّالِمِينَ وَلِيُمَحّصَ اللّهُ الّذِينَ آمَنُوا وَيَمْحَقَ الْكَافِرِينَ } [ آل عِمْرَانَ 139 140 ] فَجَمَعَ لَهُمْ فِي هَذَا الْخِطَابِ بَيْنَ تَشْجِيعِهِمْ وَتَقْوِيَةِ نُفُوسِهِمْ وَإِحْيَاءِ عَزَائِمِهِمْ وَهِمَمِهِمْ وَبَيْنَ حُسْنِ التّسْلِيَةِ وَذِكْرِ الْحِكَمِ الْبَاهِرَةِ الّتِي اقْتَضَتْ إدَالَةَ الْكُفّارِ عَلَيْهِمْ فَقَالَ { إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ } [ آل عِمْرَانَ 140 ] فَقَدَ اسْتَوَيْتُمْ فِي الْقَرْحِ وَالْأَلَمِ وَتَبَايَنْتُمْ فِي الرّجَاءِ وَالثّوَابِ كَمَا قَالَ { إِنْ تَكُونُوا تَأْلَمُونَ فَإِنّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمُونَ وَتَرْجُونَ مِنَ اللّهِ مَا لَا يَرْجُونَ } [ النّسَاءُ 104 ] فَمَا بَالُكُمْ\r","part":18,"page":120},{"id":7609,"text":"تَهِنُونَ وَتَضْعُفُونَ عِنْدَ الْقَرْحِ وَالْأَلَمِ فَقَدْ أَصَابَهُمْ ذَلِكَ فِي سَبِيلِ الشّيْطَانِ وَأَنْتُمْ أُصِبْتُمْ فِي سَبِيلِي وَابْتِغَاءِ مَرْضَاتِي .\r[ وَتِلْكَ الْأَيّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النّاسِ ]\rثُمّ أَخْبَرَ أَنّهُ يُدَاوِلُ أَيّامَ هَذِهِ الْحَيَاةِ الدّنْيَا بَيْنَ النّاسِ وَأَنّهَا عَرَضٌ حَاضِرٌ\r[ وَلِيَعْلَمَ اللّهُ الّذِينَ آمَنُوا ]\rثُمّ ذَكَرَ حِكْمَةً أُخْرَى وَهِيَ أَنْ يَتَمَيّزَ الْمُؤْمِنُونَ مِنْ الْمُنَافِقِينَ فَيَعْلَمُهُمْ عِلْمَ رُؤْيَةٍ وَمُشَاهَدَةٍ بَعْدَ أَنْ كَانُوا مَعْلُومِينَ فِي غَيْبِهِ وَذَلِكَ الْعِلْمُ الْغَيْبِيّ لَا يَتَرَتّبُ عَلَيْهِ ثَوَابٌ وَلَا عِقَابٌ وَإِنّمَا يَتَرَتّبُ الثّوَابُ وَالْعِقَابُ عَلَى الْمَعْلُومِ إذَا صَارَ مُشَاهَدًا وَاقِعًا فِي الْحِسّ .\r[ حُبّ اللّهِ لِلشّهَدَاءِ ]\r","part":18,"page":121},{"id":7610,"text":"ثُمّ ذَكَرَ حِكْمَةً أُخْرَى وَهِيَ اتّخَاذُهُ سُبْحَانَهُ مِنْهُمْ شُهَدَاءَ فَإِنّهُ يُحِبّ الشّهَدَاءَ مِنْ عِبَادِهِ وَقَدْ أَعَدّ لَهُمْ أَعْلَى الْمَنَازِلِ وَأَفْضَلَهَا وَقَدْ اتّخَذَهُمْ لِنَفْسِهِ فَلَا بُدّ أَنْ يُنِيلَهُمْ دَرَجَةَ الشّهَادَةِ . وَقَوْلُهُ { وَاللّهُ لَا يُحِبّ الظّالِمِينَ } [ آل عِمْرَانَ 140 ] تَنْبِيهٌ لَطِيفُ الْمَوْقِعِ جِدّا عَلَى كَرَاهَتِهِ وَبُغْضِهِ لِلْمُنَافِقِينَ الّذِينَ اِنْخَذَلُوا عَنْ نَبِيّهِ يَوْمَ أُحُدٍ فَلَمْ يَشْهَدُوهُ وَلَمْ يَتّخِذْ مِنْهُمْ شُهَدَاءَ لِأَنّهُ لَمْ يُحِبّهُمْ فَأَرْكَسَهُمْ وَرَدّهُمْ لِيَحْرِمَهُمْ مَا خَصّ بِهِ الْمُؤْمِنِينَ فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ وَمَا أَعْطَاهُ مَنْ اُسْتُشْهِدَ مِنْهُمْ فَثَبّطَ هَؤُلَاءِ الظّالِمِينَ عَنْ الْأَسْبَابِ الّتِي وَفّقَ لَهَا أَوْلِيَاءَهُ وَحِزْبَهُ .\r[ وَلِيُمَحّصَ اللّهُ الّذِينَ آمَنُوا ]\rثُمّ ذَكَرَ حِكْمَةً أُخْرَى فِيمَا أَصَابَهُمْ ذَلِكَ الْيَوْمَ وَهُوَ تَمْحِيصُ الّذِينَ آمَنُوا وَهُوَ تَنْقِيَتُهُمْ وَتَخْلِيصُهُمْ مِنْ الذّنُوبِ وَمِنْ آفَاتِ النّفُوسِ وَأَيْضًا فَإِنّهُ خَلّصَهُمْ وَمَحّصَهُمْ مِنْ الْمُنَافِقِينَ فَتَمَيّزُوا مِنْهُمْ فَحَصَلَ لَهُمْ تَمْحِيصَانِ تَمْحِيصٌ مِنْ نُفُوسِهِمْ وَتَمْحِيصٌ مِمّنْ كَانَ يُظْهِرُ أَنّهُ مِنْهُمْ وَهُوَ عَدُوّهُمْ .\r[ وَيَمْحَقُ الْكَافِرِينَ ]\r[ أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنّةَ وَلَمّا . ...]\r[ ولَقَدْ كُنْتُمْ تَمَنّوْنَ الْمَوْتَ . ..... ]\r","part":18,"page":122},{"id":7611,"text":"ثُمّ ذَكَرَ حِكْمَةً أُخْرَى وَهِيَ مَحْقُ الْكَافِرِينَ بِطُغْيَانِهِمْ وَبَغْيِهِمْ وَعُدْوَانِهِمْ ثُمّ أَنْكَرَ عَلَيْهِمْ حُسْبَانَهُمْ وَظَنّهُمْ أَنْ يَدْخُلُوا الْجَنّةَ بِدُونِ الْجِهَادِ فِي سَبِيلِهِ وَالصّبْرِ عَلَى أَذَى أَعْدَائِهِ وَإِنّ هَذَا مُمْتَنِعٌ بِحَيْثُ يُنْكَرُ عَلَى مَنْ ظَنّهُ وَحَسِبَهُ . فَقَالَ { أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنّةَ وَلَمّا يَعْلَمِ اللّهُ الّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصّابِرِينَ } [ آل عِمْرَانَ 142 ] أَيْ وَلَمّا يَقَعْ ذَلِكَ مِنْكُمْ فَيَعْلَمُهُ فَإِنّهُ لَوْ وَقَعَ لَعَلِمَهُ فَجَازَاكُمْ عَلَيْهِ بِالْجَنّةِ فَيَكُونُ الْجَزَاءُ عَلَى الْوَاقِعِ الْمَعْلُومِ لَا عَلَى مُجَرّدِ الْعِلْمِ فَإِنّ اللّهَ لَا يَجْزِي الْعَبْدَ عَلَى مُجَرّدِ عِلْمِهِ فِيهِ دُونَ أَنْ يَقَعَ مَعْلُومُهُ ثُمّ وَبّخَهُمْ عَلَى هَزِيمَتِهِمْ مِنْ أَمْرٍ كَانُوا يَتَمَنّوْنَهُ وَيَوَدّونَ لِقَاءَهُ فَقَالَ { وَلَقَدْ كُنْتُمْ تَمَنّوْنَ الْمَوْتَ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَلْقَوْهُ فَقَدْ رَأَيْتُمُوهُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ } [ آل عِمْرَانَ 143 ] . قَالَ ابْنُ عَبّاسٍ : وَلَمّا أَخْبَرَهُمْ اللّهُ تَعَالَى عَلَى لِسَانِ نَبِيّهِ بِمَا فَعَلَ بِشُهَدَاءِ بَدْرٍ مِنْ الْكَرَامَةِ رَغِبُوا فِي الشّهَادَةِ فَتَمَنّوْا قِتَالًا يَسْتَشْهِدُونَ فِيهِ فَيَلْحَقُونَ إخْوَانَهُمْ فَأَرَاهُمْ اللّهُ ذَلِكَ يَوْمَ أُحُدٍ وَسَبّبَهُ لَهُمْ فَلَمْ يَلْبَثُوا أَنْ انْهَزَمُوا إلّا مَنْ شَاءَ اللّهُ مِنْهُمْ فَأَنْزَلَ اللّهُ تَعَالَى : { وَلَقَدْ كُنْتُمْ تَمَنّوْنَ الْمَوْتَ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَلْقَوْهُ فَقَدْ رَأَيْتُمُوهُ وَأَنْتُمْ\rتَنْظُرُونَ }\r","part":18,"page":123},{"id":7612,"text":"[ وَمَا مُحَمّدٌ إلّا رَسُولٌ ...... أَفَإِنْ مَاتَ ]\r[ وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إلّا بِإِذْنِ اللّهِ . ...]\r[ وَكَأَيّنْ مِنْ نَبِيّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبّيّونَ كَثِيرٌ . ....]\r","part":18,"page":124},{"id":7613,"text":"وَمِنْهَا : أَنّ وَقْعَةَ أُحُدٍ كَانَتْ مُقَدّمَةً وَإِرْهَاصًا بَيْنَ يَدَيْ مَوْتِ رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ فَثَبّتَهُمْ وَوَبّخَهُمْ عَلَى انْقِلَابِهِمْ عَلَى أَعْقَابِهِمْ إنْ مَاتَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ أَوْ قُتِلَ بَلْ الْوَاجِبُ لَهُ عَلَيْهِمْ أَنْ يَثْبُتُوا عَلَى دِينِهِ وَتَوْحِيدِهِ وَيَمُوتُوا عَلَيْهِ أَوْ يُقْتَلُوا فَإِنّهُمْ إنّمَا يَعْبُدُونَ رَبّ مُحَمّدٍ وَهُوَ حَيّ لَا يَمُوتُ فَلَوْ مَاتَ مُحَمّدٌ أَوْ قُتِلَ لَا يَنْبَغِي لَهُمْ أَنْ يَصْرِفَهُمْ ذَلِكَ عَنْ دِينِهِ وَمَا جَاءَ بِهِ فَكُلّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَمَا بُعِثَ مُحَمّدٌ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ لِيُخَلّدَ لَا هُوَ وَلَا هُمْ بَلْ لِيَمُوتُوا عَلَى الْإِسْلَامِ وَالتّوْحِيدِ فَإِنّ الْمَوْتَ لَا بُدّ مِنْهُ سَوَاءٌ مَاتَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ أَوْ بَقِيَ وَلِهَذَا وَبّخَهُمْ عَلَى رُجُوعِ مَنْ رَجَعَ مِنْهُمْ عَنْ دِينِهِ لَمّا صَرَخَ الشّيْطَانُ إنّ مُحَمّدًا قَدْ قُتِلَ فَقَالَ { وَمَا مُحَمّدٌ إِلّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرّ اللّهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِي اللّهُ الشّاكِرِينَ } [ آل عِمْرَانَ 144 ] وَالشّاكِرُونَ هُمْ الّذِينَ عَرَفُوا قَدْرَ النّعْمَةِ فَثَبَتُوا عَلَيْهَا حَتّى مَاتُوا أَوْ قُتِلُوا فَظَهَرَ أَثَرُ هَذَا الْعِتَابِ وَحُكْمُ هَذَا الْخِطَابِ يَوْمَ مَاتَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ وَارْتَدّ مَنْ ارْتَدّ عَلَى عَقِبَيْهِ وَثَبَتَ الشّاكِرُونَ عَلَى\r","part":18,"page":125},{"id":7614,"text":"دِينِهِمْ فَنَصَرَهُمْ اللّهُ وَأَعَزّهُمْ وَظَفّرَهُمْ بِأَعْدَائِهِمْ وَجَعَلَ الْعَاقِبَةَ لَهُمْ ثُمّ أَخْبَرَ سُبْحَانَهُ أَنّهُ جَعَلَ لِكُلّ نَفْسٍ أَجَلًا لَا بُدّ أَنْ تَسْتَوْفِيَهُ ثُمّ تَلْحَقَ بِهِ فَيَرِدُ النّاسُ كُلّهُمْ حَوْضَ الْمَنَايَا مَوْرِدًا وَاحِدًا وَإِنْ تَنَوّعَتْ أَسْبَابُهُ وَيَصْدُرُونَ عَنْ مَوْقِفِ الْقِيَامَةِ مَصَادِرَ شَتّى فَرِيقٌ فِي الْجَنّةِ وَفَرِيقٌ فِي السّعِيرِ ثُمّ أَخْبَرَ سُبْحَانَهُ أَنّ جَمَاعَةً كَثِيرَةً مِنْ أَنْبِيَائِهِ قُتِلُوا وَقُتِلَ مَعَهُمْ أَتْبَاعٌ لَهُمْ وَهَنَ مَنْ بَقِيَ مِنْهُمْ لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِهِ وَمَا ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكَانُوا وَمَا وَهَنُوا عِنْدَ الْقَتْلِ وَلَا ضَعُفُوا وَلَا اسْتَكَانُوا بَلْ تَلَقّوْا الشّهَادَةَ بِالْقُوّةِ وَالْعَزِيمَةِ وَالْإِقْدَامِ فَلَمْ يَسْتَشْهِدُوا مُدْبِرِينَ مُسْتَكِينِينَ أَذِلّةً بَلْ اُسْتُشْهِدُوا أَعِزّةً كِرَامًا مُقْبِلِينَ غَيْرَ مُدْبِرِينَ وَالصّحِيحُ أَنّ الْآيَةَ تَتَنَاوَلُ الْفَرِيقَيْنِ كِلَيْهِمَا . ثُمّ أَخْبَرَ سُبْحَانَهُ عَمّا اسْتَنْصَرَتْ بِهِ الْأَنْبِيَاءُ وَأُمَمُهُمْ عَلَى قَوْمِهِمْ مِنْ اعْتِرَافِهِمْ وَتَوْبَتِهِمْ وَاسْتِغْفَارِهِمْ وَسُؤَالِهِمْ رَبّهُمْ أَنْ يُثَبّتَ أَقْدَامَهُمْ وَأَنْ يَنْصُرَهُمْ عَلَى أَعْدَائِهِمْ فَقَالَ { وَمَا كَانَ قَوْلَهُمْ إِلّا أَنْ قَالُوا رَبّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسْرَافَنَا فِي أَمْرِنَا وَثَبّتْ أَقْدَامَنَا وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ فَآتَاهُمُ اللّهُ ثَوَابَ الدّنْيَا وَحُسْنَ ثَوَابِ الْآخِرَةِ وَاللّهُ يُحِبّ الْمُحْسِنِينَ } [ آل عِمْرَانَ 147 ] لَمّا\r","part":18,"page":126},{"id":7615,"text":"عَلِمَ الْقَوْمُ أَنّ الْعَدُوّ إنّمَا يُدَالُ عَلَيْهِمْ بِذُنُوبِهِمْ وَأَنّ الشّيْطَانَ إنّمَا يَسْتَزِلّهُمْ وَيَهْزِمُهُمْ بِهَا وَأَنّهَا نَوْعَانِ تَقْصِيرٌ فِي حَقّ أَوْ تَجَاوُزٌ لِحَدّ وَأَنّ النّصْرَةَ مَنُوطَةٌ بِالطّاعَةِ قَالُوا : رَبّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسْرَافَنَا فِي أَمْرِنَا ثُمّ عَلِمُوا أَنّ رَبّهُمْ تَبَارَكَ وَتَعَالَى إنْ لَمْ يُثَبّتْ أَقْدَامَهُمْ وَيَنْصُرْهُمْ لَمْ يَقْدِرُوا هُمْ عَلَى تَثْبِيتِ أَقْدَامِ أَنْفُسِهِمْ وَنَصْرِهَا عَلَى أَعْدَائِهِمْ فَسَأَلُوهُ مَا يَعْلَمُونَ أَنّهُ بِيَدِهِ دُونَهُمْ وَأَنّهُ إنْ لَمْ يُثَبّتْ أَقْدَامَهُمْ وَيَنْصُرْهُمْ لَمْ يَثْبُتُوا وَلَمْ يَنْتَصِرُوا فَوَفّوْا الْمَقَامَيْنِ حَقّهُمَا : مَقَامَ الْمُقْتَضِي وَهُوَ التّوْحِيدُ وَالِالْتِجَاءُ إلَيْهِ سُبْحَانَهُ وَمَقَامَ إزَالَةِ الْمَانِعِ مِنْ النّصْرَةِ وَهُوَ الذّنُوبُ وَالْإِسْرَافُ ثُمّ حَذّرَهُمْ سُبْحَانَهُ مِنْ طَاعَةِ عَدُوّهِمْ وَأَخْبَرَ أَنّهُمْ إنْ أَطَاعُوهُمْ خَسِرُوا الدّنْيَا وَالْآخِرَةَ وَفِي ذَلِكَ تَعْرِيضٌ بِالْمُنَافِقِينَ الّذِينَ أَطَاعُوا الْمُشْرِكِينَ لَمّا انْتَصَرُوا وَظَفِرُوا يَوْمَ أُحُدٍ . ثُمّ أَخْبَرَ سُبْحَانَهُ أَنّهُ مَوْلَى الْمُؤْمِنِينَ وَهُوَ خَيْرُ النّاصِرِينَ فَمَنْ وَالَاهُ فَهُوَ الْمَنْصُورُ .\r[ سَنُلْقِي فِي قُلُوبِ الّذِينَ كَفَرُوا الرّعْبَ . .. ]\r","part":18,"page":127},{"id":7616,"text":"ثُمّ أَخْبَرَهُمْ أَنّهُ سَيُلْقِي فِي قُلُوبِ أَعْدَائِهِمْ الرّعْبَ الّذِي يَمْنَعُهُمْ مِنْ الْهُجُومِ عَلَيْهِمْ وَالْإِقْدَامِ عَلَى حَرْبِهِمْ وَأَنّهُ يُؤَيّدُ حِزْبَهُ بِجُنْدٍ مِنْ الرّعْبِ يَنْتَصِرُونَ بِهِ عَلَى أَشَدّ شَيْءٍ خَوْفًا وَرُعْبًا وَاَلّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إيمَانَهُمْ بِالشّرْكِ لَهُمْ الْأَمْنُ وَالْهُدَى وَالْفَلَاحُ وَالْمُشْرِكُ لَهُ الْخَوْفُ وَالضّلَالُ وَالشّقَاءُ .\r[ وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللّهُ وَعْدَهُ ]\rثُمّ أَخْبَرَهُمْ أَنّهُ صَدَقَهُمْ وَعْدَهُ فِي نُصْرَتِهِمْ عَلَى عَدُوّهِمْ وَهُوَ الصّادِقُ الْوَعْدِ وَأَنّهُمْ لَوْ اسْتَمَرّوا عَلَى الطّاعَةِ وَلُزُومِ أَمْرِ الرّسُولِ لَاسْتَمَرّتْ نُصْرَتُهُمْ وَلَكِنْ انْخَلَعُوا عَنْ الطّاعَةِ وَفَارَقُوا مَرْكَزَهُمْ فَانْخَلَعُوا عَنْ عِصْمَةِ الطّاعَةِ فَفَارَقَتْهُمْ النّصْرَةُ فَصَرَفَهُمْ عَنْ عَدُوّهِمْ عُقُوبَةً وَابْتِلَاءً وَتَعْرِيفًا لَهُمْ بِسُوءِ عَوَاقِبِ الْمَعْصِيَةِ وَحُسْنِ عَاقِبَةِ الطّاعَةِ . ثُمّ أَخْبَرَ أَنّهُ عَفَا عَنْهُمْ بَعْدَ ذَلِكَ كُلّهِ وَأَنّهُ ذُو فَضْلٍ عَلَى عِبَادِهِ الْمُؤْمِنِينَ . قِيلَ لِلْحَسَنِ كَيْفَ يَعْفُو عَنْهُمْ وَقَدْ سَلّطَ عَلَيْهِمْ أَعْدَاءَهُمْ حَتّى قَتَلُوا مِنْهُمْ مَنْ قَتَلُوا وَمَثّلُوا بِهِمْ وَنَالُوا مِنْهُمْ مَا نَالُوهُ ؟ فَقَالَ لَوْلَا عَفْوُهُ عَنْهُمْ لَاسْتَأْصَلَهُمْ وَلَكِنْ بِعَفْوِهِ عَنْهُمْ دَفَعَ عَنْهُمْ عَدُوّهُمْ بَعْدَ أَنْ كَانُوا مُجْمِعِينَ عَلَى اسْتِئْصَالِهِم\r[ إذْ تُصْعِدُونَ وَلَا تَلْوُونَ عَلَى أَحَدٍ . ...]\r[ شَرْحُ فَأَثَابَكُمْ غَمّا بِغَمّ ]\r","part":18,"page":128},{"id":7617,"text":"ثُمّ ذَكّرَهُمْ بِحَالِهِمْ وَقْتَ الْفِرَارِ مُصْعِدِينَ أَيْ جَادّينَ فِي الْهَرَبِ وَالذّهَابِ فِي الْأَرْضِ أَوْ صَاعِدِينَ فِي الْجَبَلِ لَا يَلْوُونَ عَلَى أَحَدٍ مِنْ نَبِيّهِمْ وَلَا أَصْحَابِهِمْ وَالرّسُولُ يَدْعُوهُمْ فِي أُخْرَاهُمْ إلَى عِبَادِ اللّهِ أَنَا رَسُولُ اللّهِ فَأَثَابَهُمْ بِهَذَا الْهَرَبِ وَالْفِرَارِ غَمّا بَعْدَ غَمّ غَمّ الْهَزِيمَةِ وَالْكَسْرَةِ وَغَمّ صَرْخَةِ الشّيْطَانِ فِيهِمْ بِأَنّ مُحَمّدًا قَدْ قُتِلَ . وَقِيلَ جَازَاكُمْ غَمّا بِمَا غَمَمْتُمْ رَسُولَهُ بِفِرَارِكُمْ عَنْهُ وَأَسْلَمْتُمُوهُ إلَى عَدُوّهِ فَالْغَمّ الّذِي حَصَلَ لَكُمْ جَزَاءً عَلَى الْغَمّ الّذِي أَوْقَعْتُمُوهُ بِنَبِيّهِ وَالْقَوْلُ الْأَوّلُ أَظْهَرُ لِوُجُوهٍ أَحَدُهَا : أَنّ قَوْلَهُ { لِكَيْلَا تَحْزَنُوا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلَا مَا أَصَابَكُمْ } تَنْبِيهٌ عَلَى حِكْمَةِ هَذَا الْغَمّ بَعْدَ الْغَمّ وَهُوَ أَنْ يُنْسِيَهُمْ الْحُزْنَ عَلَى مَا فَاتَهُمْ مِنْ أَصَابَهُمْ مِنْ الْهَزِيمَةِ وَالْجِرَاحِ فَنَسُوا بِذَلِكَ السّبَبَ وَهَذَا إنّمَا يَحْصُلُ بِالْغَمّ الّذِي يَعْقُبُهُ غَمّ آخَرُ . الثّانِي : أَنّهُ مُطَابِقٌ لِلْوَاقِعِ فَإِنّهُ حَصَلَ لَهُمْ غَمّ فَوَاتِ الْغَنِيمَةِ ثُمّ أَعْقَبَهُ غَمّ الْهَزِيمَةِ ثُمّ غَمّ الْجِرَاحِ الّتِي أَصَابَتْهُمْ ثُمّ غَمّ الْقَتْلِ ثُمّ غَمّ سَمَاعِهِمْ أَنّ رَسُولَ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ قَدْ قُتِلَ ثُمّ غَمّ ظُهُورِ أَعْدَائِهِمْ عَلَى الْجَبَلِ فَوْقَهُمْ وَلَيْسَ الْمُرَادُ غَمّيْنَ اثْنَيْنِ خَاصّةً بَلْ غَمّا مُتَتَابِعًا لِتَمَامِ الِابْتِلَاءِ وَالِامْتِحَانِ . الثّالِثُ أَنّ قَوْلَهُ\r","part":18,"page":129},{"id":7618,"text":"\" بِغَمّ \" مِنْ تَمَامِ الثّوَابِ لَا أَنّهُ سَبَبُ جَزَاءِ الثّوَابِ وَالْمَعْنَى : أَثَابَكُمْ غَمّا مُتّصِلًا بِغَمّ جَزَاءً عَلَى مَا وَقَعَ مِنْهُمْ مَنْ الْهُرُوبِ وَإِسْلَامِهِمْ نَبِيّهُمْ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ وَأَصْحَابَهُ وَتَرْكِ اسْتِجَابَتِهِمْ لَهُ وَهُوَ يَدْعُوهُمْ وَمُخَالَفَتِهِمْ لَهُ فِي لُزُومِ مَرْكَزِهِمْ وَتَنَازُعِهِمْ فِي الْأَمْرِ وَفَشَلِهِمْ وَكُلّ وَاحِدٍ مِنْ هَذِهِ الْأُمُورِ يُوجِبُ غَمّا يَخُصّهُ فَتَرَادَفَتْ عَلَيْهِمْ الْغُمُومُ كَمَا تَرَادَفَتْ مِنْهُمْ أَسْبَابُهَا وَمُوجِبَاتُهَا وَلَوْلَا أَنْ تَدَارَكَهُمْ بِعَفْوِهِ لَكَانَ أَمْرًا آخَرَ . وَمِنْ لُطْفِهِ بِهِمْ وَرَأْفَتِهِ وَرَحْمَتِهِ أَنّ هَذِهِ الْأُمُورَ الّتِي صَدَرَتْ مِنْهُمْ كَانَتْ مِنْ مُوجِبَاتِ الطّبَاعِ وَهِيَ مِنْ بَقَايَا النّفُوسِ الّتِي تَمْنَعُ مِنْ النّصْرَةِ الْمُسْتَقِرّةِ فَقَيّضَ لَهُمْ بِلُطْفِهِ أَسْبَابًا أَخْرَجَهَا مِنْ الْقُوّةِ إلَى الْفِعْلِ فَتَرَتّبَ عَلَيْهَا آثَارُهَا الْمَكْرُوهَةُ فَعَلِمُوا حِينَئِذٍ أَنّ التّوْبَةَ مِنْهَا وَالِاحْتِرَازَ مِنْ أَمْثَالِهَا وَدَفْعَهَا بِأَضْدَادِهَا أَمْرٌ مُتَعَيّنٌ لَا يَتِمّ لَهُمْ الْفَلَاحُ وَالنّصْرَةُ الدّائِمَةُ الْمُسْتَقِرّةُ إلّا بِهِ فَكَانُوا أَشَدّ حَذَرًا بَعْدَهَا وَمَعْرِفَةً بِالْأَبْوَابِ الّتِي دَخَلَ عَلَيْهِمْ مِنْهَا .\rوَرُبّمَا صَحّتْ الْأَجْسَامُ بِالْعِلَلِ\r[ ثُمّ أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ بَعْدِ الْغَمّ أَمَنَةً نُعَاسًا]\r[ مَعْنَى ظَنّ الْجَاهِلِيّةِ ]\r","part":18,"page":130},{"id":7619,"text":"ثُمّ إنّهُ تَدَارَكَهُمْ سُبْحَانَهُ بِرَحْمَتِهِ وَخَفّفَ عَنْهُمْ ذَلِكَ الْغَمّ وَغَيّبَهُ عَنْهُمْ بِالنّعَاسِ الّذِي أَنْزَلَهُ عَلَيْهِمْ أَمْنًا مِنْهُ وَرَحْمَةً وَالنّعَاسُ فِي الْحَرْبِ عَلَامَةُ النّصْرَةِ وَالْأَمْنِ كَمَا أَنْزَلَهُ عَلَيْهِمْ يَوْمَ بَدْر ٍ وَأَخْبَرَ أَنّ مَنْ لَمْ يُصِبْهُ ذَلِكَ النّعَاسُ فَهُوَ مِمّنْ أَهَمّتْهُ نَفْسُهُ لَا دِينُهُ وَلَا نَبِيّهُ وَلَا أَصْحَابُهُ وَأَنّهُمْ يَظُنّونَ بِاَللّهِ غَيْرَ الْحَقّ ظَنّ الْجَاهِلِيّةِ وَقَدْ فُسّرَ هَذَا الظّنّ الّذِي لَا يَلِيقُ بِاَللّهِ بِأَنّهُ سُبْحَانَهُ لَا يَنْصُرُ رَسُولَهُ وَأَنّ أَمْرَهُ سَيَضْمَحِلّ وَأَنّهُ يُسْلِمُهُ لِلْقَتْلِ وَقَدْ فُسّرَ بِظَنّهِمْ أَنّ مَا أَصَابَهُمْ لَمْ يَكُنْ بِقَضَائِهِ وَقَدَرِهِ وَلَا حِكْمَةَ لَهُ فِيهِ فَفُسّرَ بِإِنْكَارِ الْحِكْمَةِ وَإِنْكَارِ الْقَدَرِ وَإِنْكَارِ أَنْ يُتِمّ أَمْرَ رَسُولِهِ وَيُظْهِرَهُ عَلَى الدّينِ كُلّهِ وَهَذَا هُوَ ظَنّ السّوْءِ الّذِي ظَنّهُ الْمُنَافِقُونَ وَالْمُشْرِكُونَ بِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى فِي ( سُورَةِ الْفَتْحِ حَيْثُ يَقُولُ { وَيُعَذّبَ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكَاتِ الظّانّينَ بِاللّهِ ظَنّ السّوْءِ عَلَيْهِمْ دَائِرَةُ السّوْءِ وَغَضِبَ اللّهُ عَلَيْهِمْ وَلَعَنَهُمْ وَأَعَدّ لَهُمْ جَهَنّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا } [ الْفَتْحُ 6 ] وَإِنّمَا كَانَ هَذَا ظَنّ السّوْءِ وَظَنّ الْجَاهِلِيّةِ الْمَنْسُوبَ إلَى أَهْلِ الْجَهْلِ وَظَنّ غَيْرِ الْحَقّ لِأَنّهُ ظَنّ غَيْرِ مَا يَلِيقُ بِأَسْمَائِهِ الْحُسْنَى وَصِفَاتِهِ الْعُلْيَا وَذَاتِهِ الْمُبَرّأَةِ مِنْ كُلّ\r","part":18,"page":131},{"id":7620,"text":"عَيْبٍ وَسُوءٍ بِخِلَافِ مَا يَلِيقُ بِحِكْمَتِهِ وَحَمْدِهِ وَتَفَرّدِهِ بِالرّبُوبِيّةِ وَالْإِلَهِيّهِ وَمَا يَلِيقُ بِوَعْدِهِ الصّادِقِ الّذِي لَا يُخْلِفُهُ وَبِكَلِمَتِهِ الّتِي سَبَقَتْ لِرُسُلِهِ أَنّهُ يَنْصُرُهُمْ وَلَا يَخْذُلُهُمْ وَلِجُنْدِهِ بِأَنّهُمْ هُمْ الْغَالِبُونَ فَمَنْ ظَنّ بِأَنّهُ لَا يَنْصُرُ رَسُولَهُ وَلَا يُتِمّ أَمْرَهُ وَلَا يُؤَيّدُهُ وَيُؤَيّدُ حِزْبَهُ وَيُعْلِيهِمْ وَيُظْفِرُهُمْ بِأَعْدَائِهِ وَيُظْهِرُهُمْ عَلَيْهِمْ وَأَنّهُ لَا يَنْصُرُ دِينَهُ وَكِتَابَهُ وَأَنّهُ يُدِيلُ الشّرْكَ عَلَى التّوْحِيدِ وَالْبَاطِلَ عَلَى الْحَقّ إدَالَةً مُسْتَقِرّةً يَضْمَحِلّ مَعَهَا التّوْحِيدُ وَالْحَقّ اضْمِحْلَالًا لَا يَقُومُ بَعْدَهُ أَبَدًا فَقَدْ ظَنّ بِاَللّهِ ظَنّ السّوْءِ وَنَسَبَهُ إلَى خِلَافِ مَا يَلِيقُ بِكَمَالِهِ وَجَلَالِهِ وَصِفَاتِهِ وَنُعُوتِهِ فَإِنّ حَمْدَهُ وَعِزّتَهُ وَحِكْمَتَهُ وَإِلَهِيّتَهُ تَأْبَى ذَلِكَ وَتَأْبَى أَنْ يُذَلّ حِزْبُهُ وَجُنْدُهُ وَأَنْ تَكُونَ النّصْرَةُ الْمُسْتَقِرّةُ وَالظّفَرُ الدّائِمُ لِأَعْدَائِهِ الْمُشْرِكِينَ بِهِ الْعَادِلِينَ بِهِ فَمَنْ ظَنّ بِهِ ذَلِكَ فَمَا عَرَفَهُ وَلَا عَرَفَ أَسَمَاءَهُ وَلَا عَرَفَ صِفَاتِهِ وَكَمَالَهُ وَكَذَلِكَ مَنْ أَنْكَرَ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ بِقَضَائِهِ وَقَدَرِهِ فَمَا عَرَفَهُ وَلَا عَرَفَ رُبُوبِيّتَهُ وَمُلْكَهُ وَعَظَمَتَهُ وَكَذَلِكَ مَنْ أَنْكَرَ أَنْ يَكُونَ قَدّرَ مَا قَدّرَهُ مِنْ ذَلِكَ وَغَيْرِهِ لِحِكْمَةٍ صَدَرَ عَنْ مَشِيئَةٍ مُجَرّدَةٍ عَنْ حِكْمَةٍ وَغَايَةٍ مَطْلُوبَةٍ هِيَ أَحَبّ إلَيْهِ مِنْ فَوْتِهَا وَأَنّ تِلْكَ الْأَسْبَابَ\r","part":18,"page":132},{"id":7621,"text":"الْمَكْرُوهَةَ الْمُفْضِيَةَ إلَيْهَا لَا يَخْرُجُ تَقْدِيرُهَا عَنْ الْحِكْمَةِ لِإِفْضَائِهَا إلَى مَا يُحِبّ وَإِنْ كَانَتْ مَكْرُوهَةً لَهُ فَمَا قَدّرَهَا سُدًى وَلَا أَنْشَأَهَا عَبَثًا وَلَا خَلَقَهَا بَاطِلًا { ذَلِكَ ظَنّ الّذِينَ كَفَرُوا فَوَيْلٌ لِلّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النّارِ } وَأَكْثَرُ النّاسِ يَظُنّونَ بِاَللّهِ غَيْرَ الْحَقّ ظَنّ السّوْءِ فِيمَا يَخْتَصّ بِهِمْ وَفِيمَا يَفْعَلُهُ بِغَيْرِهِمْ وَلَا يَسْلَمُ عَنْ ذَلِكَ إلّا مَنْ عَرَفَ اللّهَ وَعَرَفَ أَسْمَاءَهُ وَصِفَاتِهِ وَعَرَفَ مُوجِبَ حَمْدِهِ وَحِكْمَتِهِ فَمَنْ قَنَطَ مِنْ رَحْمَتِهِ وَأَيِسَ مِنْ رُوحِهِ فَقَدْ ظَنّ بِهِ ظَنّ السّوْءِ . وَمَنْ جَوّزَ عَلَيْهِ أَنْ يُعَذّبَ أَوْلِيَاءَهُ مَعَ إحْسَانِهِمْ وَإِخْلَاصِهِمْ وَيُسَوّيَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ أَعْدَائِهِ فَقَدْ ظَنّ بِهِ ظَنّ السّوْءِ . وَمَنْ ظَنّ بِهِ أَنْ يَتْرُكَ خَلْقَهُ سُدًى مُعَطّلِينَ عَنْ الْأَمْرِ وَالنّهْيِ وَلَا يُرْسِلَ إلَيْهِمْ رُسُلَهُ وَلَا يُنْزِلَ عَلَيْهِمْ كُتُبَهُ بَلْ يَتْرُكُهُمْ هَمَلًا كَالْأَنْعَامِ فَقَدْ ظَنّ بِهِ ظَنّ السّوْءِ . وَمَنْ ظَنّ أَنّهُ لَنْ يَجْمَعَ عَبِيدَهُ بَعْدَ مَوْتِهِمْ لِلثّوَابِ وَالْعِقَابِ فِي دَارٍ يُجَازِي الْمُحْسِنَ فِيهَا بِإِحْسَانِهِ وَالْمُسِيءَ بِإِسَاءَتِهِ وَيُبَيّنَ لِخَلْقِهِ حَقِيقَةَ مَا اخْتَلَفُوا فِيهِ وَيُظْهِرَ لِلْعَالَمِينَ كُلّهِمْ صِدْقَهُ وَصِدْقَ رُسُلِهِ وَأَنّ أَعْدَاءَهُ كَانُوا هُمْ الْكَاذِبِينَ فَقَدْ ظَنّ بِهِ ظَنّ السّوْءِ . وَمَنْ ظَنّ أَنّهُ يُضِيعُ عَلَيْهِ عَمَلَهُ الصّالِحَ الّذِي عَمِلَهُ خَالِصًا لِوَجْهِهِ الْكَرِيمِ عَلَى\r","part":18,"page":133},{"id":7622,"text":"امْتِثَالِ أَمْرِهِ وَيُبْطِلُهُ عَلَيْهِ بِلَا سَبَبٍ مِنْ الْعَبْدِ أَوْ أَنّهُ يُعَاقِبُهُ بِمَا لَا صُنْعَ فِيهِ وَلَا اخْتِيَارَ لَهُ وَلَا قُدْرَةَ وَلَا إرَادَةَ فِي حُصُولِهِ بَلْ يُعَاقِبُهُ عَلَى فِعْلِهِ هُوَ سُبْحَانَهُ بِهِ أَوْ ظَنّ بِهِ أَنّهُ يَجُوزُ عَلَيْهِ أَنْ يُؤَيّدَ أَعْدَاءَهُ الْكَاذِبِينَ عَلَيْهِ بِالْمُعْجِزَاتِ الّتِي يُؤَيّدُ بِهَا أَنْبِيَاءَهُ وَرُسُلَهُ وَيُجْرِيهَا عَلَى أَيْدِيهِمْ يُضِلّونَ بِهَا عِبَادَهُ وَأَنّهُ يَحْسُنُ مِنْهُ كُلّ شَيْءٍ حَتّى تَعْذِيبُ مَنْ أَفْنَى عُمْرَهُ فِي طَاعَتِهِ فَيُخَلّدُهُ فِي أَسْفَلَ السّافِلِينَ وَيُنَعّمُ مَنْ اسْتَنْفَدَ عُمُرَهُ فِي عَدَاوَتِهِ وَعَدَاوَةِ رُسُلِهِ وَدِينِهِ فَيَرْفَعُهُ إلَى أَعْلَى عِلّيّينَ وَكِلَا الْأَمْرَيْنِ عِنْدَهُ فِي الْحُسْنِ سَوَاءٌ وَلَا يُعْرَفُ امْتِنَاعُ أَحَدِهِمَا وَوُقُوعُ الْآخَرِ إلّا بِخَبَرٍ صَادِقٍ وَإِلّا فَالْعَقْلُ لَا يَقْضِي بِقُبْحِ أَحَدِهِمَا وَحُسْنِ الْآخَرِ فَقَدْ ظَنّ بِهِ ظَنّ السّوْءِ . وَمَنْ ظَنّ بِهِ أَنّهُ أَخْبَرَ عَنْ نَفْسِهِ وَصِفَاتِهِ وَأَفْعَالِهِ بِمَا ظَاهِرُهُ بَاطِلٌ وَتَشْبِيهٌ وَتَمْثِيلٌ وَتَرْكُ الْحَقّ لَمْ يُخْبِرْ بِهِ وَإِنّمَا رَمَزَ إلَيْهِ رُمُوزًا بَعِيدَةً وَأَشَارَ إلَيْهِ إشَارَاتٍ مُلْغِزَةً لَمْ يُصَرّحْ بِهِ وَصَرّحَ دَائِمًا بِالتّشْبِيهِ وَالتّمْثِيلِ وَالْبَاطِلِ وَأَرَادَ مِنْ خَلْقِهِ أن يُتْعِبُوا أَذْهَانَهُمْ وَقُوَاهُمْ وَأَفْكَارَهُمْ فِي تَحْرِيفِ كَلَامِهِ عَنْ مَوَاضِعِهِ وَتَأْوِيلِهِ عَلَى غَيْرِ تَأْوِيلِهِ وَيَتَطّلَبُوا لَهُ وُجُوهَ الِاحْتِمَالَاتِ الْمُسْتَكْرَهَةِ وَالتّأْوِيلَاتِ","part":18,"page":134},{"id":7623,"text":"الّتِي هِيَ بِالْأَلْغَازِ وَالْأَحَاجِي أَشْبَهُ مِنْهَا بِالْكَشْفِ وَالْبَيَانِ وَأَحَالَهُمْ فِي مَعْرِفَةِ أَسْمَائِهِ وَصِفَاتِهِ عَلَى عُقُولِهِمْ وَآرَائِهِمْ لَا عَلَى كِتَابِهِ بَلْ أَرَادَ مِنْهُمْ أَنْ لَا يَحْمِلُوا كَلَامَهُ عَلَى مَا يَعْرِفُونَ مِنْ خِطَابِهِمْ وَلُغَتِهِمْ مَعَ قُدْرَتِهِ عَلَى أَنْ يُصَرّحَ لَهُمْ بِالْحَقّ الّذِي يَنْبَغِي التّصْرِيحُ بِهِ وَيُرِيحَهُمْ مِنْ الْأَلْفَاظِ الّتِي تُوقِعُهُمْ فِي اعْتِقَادِ الْبَاطِلِ فَلَمْ يَفْعَلْ بَلْ سَلَكَ بِهِمْ خِلَافَ طَرِيقِ الْهُدَى وَالْبَيَانِ فَقَدْ ظَنّ بِهِ ظَنّ السّوْءِ فَإِنّهُ إنْ قَالَ إنّهُ غَيْرُ قَادِرٍ عَلَى التّعْبِيرِ عَنْ الْحَقّ بِاللّفْظِ الصّرِيحَ الّذِي عَبّرَ بِهِ هُوَ وَسَلَفُهُ فَقَدْ ظَنّ بِقُدْرَتِهِ الْعَجْزَ وَإِنْ قَالَ إنّهُ قَادِرٌ وَلَمْ يُبَيّنْ وَعَدَلَ عَنْ الْبَيَانِ وَعَنْ التّصْرِيحِ بِالْحَقّ إلَى مَا يُوهِمُ بَلْ يُوقِعُ فِي الْبَاطِلِ الْمُحَالِ وَالِاعْتِقَادِ الْفَاسِدِ فَقَدْ ظَنّ بِحِكْمَتِهِ وَرَحْمَتِهِ ظَنّ السّوْءِ وَظَنّ أَنّهُ هُوَ وَسَلَفُهُ عَبّرُوا عَنْ الْحَقّ بِصَرِيحِهِ دُونَ اللّهِ وَرَسُولِهِ وَأَنّ الْهُدَى وَالْحَقّ فِي كَلَامِهِمْ وَعِبَارَاتِهِمْ . وَأَمّا كَلَامُ اللّهِ فَإِنّمَا يُؤْخَذُ مِنْ ظَاهِرِهِ التّشْبِيهُ وَالتّمْثِيلُ وَالضّلَالُ وَظَاهِرُ كَلَامِ الْمُتَهَوّكِينَ ظَنّ السّوْءِ وَمِنْ الظّانّينَ بِهِ غَيْرَ الْحَقّ ظَنّ الْجَاهِلِيّةِ . وَمَنْ ظَنّ بِهِ أَنْ يَكُونَ فِي مُلْكِهِ مَا لَا يَشَاءُ وَلَا يَقْدِرُ عَلَى إيجَادِهِ وَتَكْوِينِهِ فَقَدْ ظَنّ بِهِ ظَنّ السّوْءِ . وَمَنْ ظَنّ بِهِ أَنّهُ كَانَ مُعَطّلًا مِنْ\r","part":18,"page":135},{"id":7624,"text":"الْأَزَلِ إلَى الْأَبَدِ عَنْ أَنْ يَفْعَلَ وَلَا يُوصَفُ حِينَئِذٍ بِالْقُدْرَةِ عَلَى الْفِعْلِ ثُمّ صَارَ قَادِرًا عَلَيْهِ بَعْدَ أَنْ لَمْ يَكُنْ قَادِرًا فَقَدْ ظَنّ بِهِ ظَنّ السّوْءِ . وَمَنْ ظَنّ بِهِ أَنّهُ لَا يَسْمَعُ وَلَا يُبْصِرُ وَلَا يَعْلَمُ الْمَوْجُودَاتِ وَلَا عَدَدَ السّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَا النّجُومِ وَلَا بَنِي آدَمَ وَحَرَكَاتِهِمْ وَأَفْعَالَهُمْ وَلَا يَعْلَمُ شَيْئًا مِنْ الْمَوْجُودَاتِ فِي الْأَعْيَانِ فَقَدْ ظَنّ بِهِ ظَنّ السّوْءِ . وَمَنْ ظَنّ أَنّهُ لَا سَمْعَ لَهُ وَلَا بَصَرَ وَلَا عِلْمَ لَهُ وَلَا إرَادَةَ وَلَا كَلَامَ يَقُولُ بِهِ وَأَنّهُ لَمْ يُكَلّمْ أَحَدًا مِنْ الْخَلْقِ وَلَا يَتَكَلّمُ أَبَدًا وَلَا قَالَ وَلَا يَقُولُ وَلَا لَهُ أَمْرٌ وَلَا نَهْيٌ يَقُومُ بِهِ فَقَدْ ظَنّ بِهِ ظَنّ السّوْءِ . وَمَنْ ظَنّ بِهِ أَنّهُ فَوْقَ سَمَاوَاتِهِ عَلَى عَرْشِهِ بَائِنًا مِنْ خَلْقِهِ وَأَنّ نِسْبَةَ ذَاتِهِ تَعَالَى إلَى عَرْشِهِ كَنِسْبَتِهَا إلَى أَسْفَلِ السّافِلِينَ وَإِلَى الْأَمْكِنَةِ الّتِي يُرْغَبُ عَنْ ذِكْرِهَا وَأَنّهُ أَسْفَلُ كَمَا أَنّهُ أَعْلَى فَقَدْ ظَنّ بِهِ أَقْبَحَ الظّنّ وَأَسْوَأَهُ . وَمَنْ ظَنّ بِهِ أَنّهُ لَيْسَ يُحِبّ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ وَيُحِبّ الْفَسَادَ كَمَا يُحِبّ الْإِيمَانَ وَالْبِرّ وَالطّاعَةَ وَالْإِصْلَاحَ فَقَدْ ظَنّ بِهِ ظَنّ السّوْءِ . وَمَنْ ظَنّ بِهِ أَنّهُ لَا يُحِبّ وَلَا يَرْضَى وَلَا يَغْضَبُ وَلَا يَسْخَطُ وَلَا يُوَالِي أَحَدٍ مِنْ خَلْقِهِ وَلَا يَقْرُبُ مِنْهُ أَحَدٌ وَأَنّ ذَوَاتَ الشّيَاطِينِ فِي الْقُرْبِ مِنْ ذَاتِهِ كَذَوَاتِ الْمَلَائِكَةِ\r","part":18,"page":136},{"id":7625,"text":"الْمُقَرّبِينَ وَأَوْلِيَائِهِ الْمُفْلِحِينَ فَقَدْ ظَنّ بِهِ ظَنّ السّوْءِ . وَمَنْ ظَنّ أَنّهُ يُسَوّي بَيْنَ الْمُتَضَادّيْنِ أَوْ يُفَرّقُ بَيْنَ الْمُتَسَاوِيَيْنِ مِنْ كُلّ وَجْهٍ أَوْ يُحْبِطُ طَاعَاتِ الْعُمْرِ الْمَدِيدِ الْخَالِصَةِ الصّوَابِ بِكَبِيرَةٍ وَاحِدَةٍ تَكُونُ بَعْدَهَا فَيَخْلُدُ فَاعِلُ تِلْكَ الطّاعَاتِ فِي النّارِ أَبَدَ الْآبِدِينَ بِتِلْكَ الْكَبِيرَةِ وَيُحْبِطُ بِهَا جَمِيعَ طَاعَاتِهِ وَيُخَلّدُهُ فِي الْعَذَابِ كَمَا يُخَلّدُ مَنْ لَا يُؤْمِنُ بِهِ طَرْفَةَ عَيْنٍ وَقَدْ اسْتَنْفَدَ سَاعَاتِ عُمْرِهِ فِي مَسَاخِطِهِ وَمُعَادَاةِ رُسُلِهِ وَدِينِهِ فَقَدْ ظَنّ بِهِ ظَنّ السّوْءِ . وَبِالْجُمْلَةِ فَمَنْ ظَنّ بِهِ خِلَافَ مَا وَصَفَ بِهِ نَفْسَهُ وَوَصَفَهُ بِهِ رُسُلُهُ أَوْ عَطّلَ حَقَائِقَ مَا وَصَفَ بِهِ نَفْسَهُ وَوَصَفَتْهُ بِهِ رُسُلُهُ فَقَدْ ظَنّ بِهِ ظَنّ السّوْءِ . وَمَنْ ظَنّ أَنّ لَهُ وَلَدًا أَوْ شَرِيكًا أَوْ أَنّ أَحَدًا يَشْفَعُ عِنْدَهُ بِدُونِ إذْنِهِ أَوْ أَنّ بَيْنَهُ وَبَيْنَ خَلْقِهِ وَسَائِطَ يَرْفَعُونَ حَوَائِجَهُمْ إلَيْهِ أَوْ أَنّهُ نَصَبَ لِعِبَادِهِ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِهِ يَتَقَرّبُونَ بِهِمْ إلَيْهِ وَيَتَوَسّلُونَ بِهِمْ إلَيْهِ وَيَجْعَلُونَهُمْ وَسَائِطَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَهُ فَيَدْعُونَهُمْ وَيُحِبّونَهُمْ كَحُبّهِ وَيَخَافُونَهُمْ وَيَرْجُونَهُمْ فَقَدْ ظَنّ بِهِ أَقْبَحَ الظّنّ وَأَسْوَأَهُ . وَمَنْ ظَنّ بِهِ أَنّهُ يَنَالُ مَا عِنْدَهُ بِمَعْصِيَتِهِ وَمُخَالَفَتِهِ كَمَا يَنَالُهُ بِطَاعَتِهِ وَالتّقَرّبِ إلَيْهِ فَقَدْ ظَنّ بِهِ خِلَافَ حِكْمَتِهِ وَخِلَافَ مُوجَبِ أَسْمَائِهِ وَصِفَاتِهِ وَهُوَ مِنْ\r","part":18,"page":137},{"id":7626,"text":"ظَنّ السّوْءِ . وَمَنْ ظَنّ بِهِ أَنّهُ إذَا تَرَكَ لِأَجْلِهِ شَيْئًا لَمْ يُعَوّضْهُ خَيْرًا مِنْهُ أَوْ مَنْ فَعَلَ لِأَجْلِهِ شَيْئًا لَمْ يُعْطِهِ أَفْضَلَ مِنْهُ فَقَدْ ظَنّ بِهِ ظَنّ السّوْءِ . وَمَنْ ظَنّ بِهِ أَنّهُ يَغْضَبُ عَلَى عَبْدِهِ وَيُعَاقِبُهُ وَيَحْرِمُهُ بِغَيْرِ جُرْمٍ وَلَا الْمَشِيئَةِ وَمَحْضِ الْإِرَادَةِ فَقَدْ ظَنّ بِهِ ظَنّ السّوْءِ . وَمَنْ ظَنّ بِهِ أَنّهُ إذَا صَدَقَهُ فِي الرّغْبَةِ وَالرّهْبَةِ وَتَضَرّعَ إلَيْهِ وَسَأَلَهُ وَاسْتَعَانَ بِهِ وَتَوَكّلَ عَلَيْهِ أَنّهُ يُخَيّبُهُ وَلَا يُعْطِيهِ مَا سَأَلَهُ فَقَدْ ظَنّ بِهِ ظَنّ السّوْءِ وَظَنّ بِهِ خِلَافَ مَا هُوَ أَهْلُهُ . وَمَنْ ظَنّ بِهِ أَنّهُ يُثِيبُهُ إذَا عَصَاهُ بِمَا يُثِيبُهُ بِهِ إذَا أَطَاعَهُ وَسَأَلَهُ ذَلِكَ فِي دُعَائِهِ فَقَدْ ظَنّ بِهِ خِلَافَ مَا تَقْتَضِيهِ حِكْمَتُهُ وَحَمْدُهُ وَخِلَافَ مَا هُوَ أَهْلُهُ وَمَا لَا يَفْعَلُهُ . وَمَنْ ظَنّ بِهِ أَنّهُ إذَا أَغْضَبَهُ وَأَسْخَطَهُ وَأَوْضَعَ فِي مَعَاصِيهِ ثُمّ اتّخَذَ مِنْ دُونِهِ وَلِيّا وَدَعَا مَنْ دُونِهِ مَلَكًا أَوْ بَشَرًا حَيّا أَوْ مَيّتًا يَرْجُو بِذَلِكَ أَنْ يَنْفَعَهُ عِنْدَ رَبّهِ وَيُخَلّصَهُ مِنْ عَذَابِهِ فَقَدْ ظَنّ بِهِ ظَنّ السّوْءِ وَذَلِكَ زِيَادَةٌ فِي بُعْدِهِ مِنْ اللّهِ وَفِي عَذَابِهِ . وَمَنْ ظَنّ بِهِ أَنّهُ يُسَلّطُ عَلَى رَسُولِهِ مُحَمّدٍ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ أَعْدَاءَهُ تَسْلِيطًا مُسْتَقِرّا دَائِمًا فِي حَيَاتِهِ وَفِي مَمَاتِهِ وَابْتَلَاهُ بِهِمْ لَا يُفَارِقُونَهُ فَلَمّا مَاتَ اسْتَبَدّوا بِالْأَمْرِ دُونَ وَصِيّةٍ وَظَلَمُوا أَهْلَ بَيْتِهِ وَسَلَبُوهُمْ\r","part":18,"page":138},{"id":7627,"text":"حَقّهُمْ وَأَذَلّوهُمْ وَكَانَتْ الْعِزّةُ وَالْغَلَبَةُ وَالْقَهْرُ لِأَعْدَائِهِ وَأَعْدَائِهِمْ دَائِمًا مِنْ غَيْرِ جُرْمٍ وَلَا ذَنْبٍ لِأَوْلِيَائِهِ وَأَهْلِ الْحَقّ وَهُوَ يَرَى قَهْرَهُمْ لَهُمْ وَغَصْبَهُمْ إيّاهُمْ حَقّهُمْ وَتَبْدِيلَهُمْ دِينَ نَبِيّهِمْ وَهُوَ يَقْدِرُ عَلَى نُصْرَةِ أَوْلِيَائِهِ وَحِزْبِهِ وَجُنْدِهِ وَلَا يَنْصُرُهُمْ وَلَا يُدِيلُهُمْ بَلْ يُدِيلُ أَعْدَاءَهُمْ عَلَيْهِمْ أَبَدًا أَوْ أَنّهُ لَا يَقْدِرُ عَلَى ذَلِكَ بَلْ حَصَلَ هَذَا بِغَيْرِ قُدْرَتِهِ وَلَا مَشِيئَتِهِ ثُمّ جَعَلَ الْمُبَدّلِينَ لِدِينِهِ مُضَاجِعِيهِ فِي حُفْرَتِهِ تُسَلّمُ أُمّتُهُ عَلَيْهِ وَعَلَيْهِمْ كُلّ وَقْتٍ كَمَا تَظُنّهُ الرّافِضَةُ فَقَدْ ظَنّ بِهِ أَقْبَحَ الظّنّ وَأَسْوَأَهُ سَوَاءٌ قَالُوا : إنّهُ قَادِرٌ عَلَى أَنْ يَنْصُرَهُمْ وَيَجْعَلَ لَهُمْ الدّوْلَةَ وَالظّفَرَ أَوْ أَنّهُ غَيْرُ قَادِرٍ عَلَى ذَلِكَ فَهُمْ قَادِحُونَ فِي قُدْرَتِهِ أَوْ فِي حِكْمَتِهِ وَحَمْدِهِ وَذَلِكَ مِنْ ظَنّ السّوْءِ بِهِ وَلَا رَيْبَ أَنّ الرّبّ الّذِي فَعَلَ هَذَا بَغِيضٌ إلَى مَنْ ظَنّ بِهِ وَكَانَ الْوَاجِبُ أَنْ يَفْعَلَ خِلَافَ ذَلِكَ لَكِنْ رَفَوْا هَذَا الظّنّ الْفَاسِدَ بِخَرْقٍ أَعْظَمَ مِنْهُ وَاسْتَجَارُوا مِنْ الرّمْضَاءِ بِالنّارِ فَقَالُوا : لَمْ يَكُنْ هَذَا بِمَشِيئَةِ اللّهِ وَلَا لَهُ قُدْرَةٌ عَلَى دَفْعِهِ وَنَصْرِ أَوْلِيَائِهِ فَإِنّهُ لَا يَقْدِرُ عَلَى أَفْعَالِ عِبَادِهِ وَلَا هِيَ دَاخِلَةٌ تَحْتَ قُدْرَتِهِ فَظَنّوا بِهِ ظَنّ إخْوَانِهِمْ الْمَجُوسِ وَالثّنَوِيّةِ بِرَبّهِمْ وَكُلّ مُبْطِلٍ وَكَافِرٍ وَمُبْتَدِعٍ مَقْهُورٍ مُسْتَذَلّ\r","part":18,"page":139},{"id":7628,"text":"فَهُوَ يَظُنّ بِرَبّهِ هَذَا الظّنّ وَأَنّهُ أَوْلَى بِالنّصْرِ وَالظّفَرِ وَالْعُلُوّ مِنْ خُصُومِهِ فَأَكْثَرُ الْخَلْقِ بَلْ كُلّهُمْ إلّا مَنْ شَاءَ اللّهُ يَظُنّونَ بِاَللّهِ غَيْرَ الْحَقّ ظَنّ السّوْءِ فَإِنّ غَالِبَ بَنِي آدَمَ يَعْتَقِدُ أَنّهُ مَبْخُوسُ الْحَقّ نَاقِصُ الْحَظّ وَأَنّهُ يَسْتَحِقّ فَوْقَ مَا أَعْطَاهُ اللّهُ وَلِسَانُ حَالِهِ يَقُولُ ظَلَمَنِي رَبّي وَمَنَعَنِي مَا أَسْتَحِقّهُ وَنَفْسُهُ تَشْهَدُ عَلَيْهِ بِذَلِكَ وَهُوَ بِلِسَانِهِ يُنْكِرُهُ وَلَا يَتَجَاسَرُ عَلَى التّصْرِيحِ بِهِ وَمَنْ فَتّشَ نَفْسَهُ وَتَغَلْغَلَ فِي مَعْرِفَةِ دَفَائِنِهَا وَطَوَايَاهَا رَأَى ذَلِكَ فِيهَا كَامِنًا كُمُونَ النّارِ فِي الزّنَادِ فَاقْدَحْ زِنَادَ مَنْ شِئْت يُنْبِئْك شَرَارُهُ عَمّا فِي زِنَادِهِ وَلَوْ فَتّشْت مَنْ فَتّشْته لَرَأَيْت عِنْدَهُ تَعَتّبًا عَلَى الْقَدَرِ وَمَلَامَةً لَهُ وَاقْتِرَاحًا عَلَيْهِ خِلَافَ مَا جَرَى بِهِ وَأَنّهُ كَانَ يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ كَذَا وَكَذَا فَمُسْتَقِلّ وَمُسْتَكْثِرٌ وَفَتّشْ نَفْسَك هَلْ أَنْتَ سَالِمٌ مِنْ ذَلِكَ .\rفَإِنْ تَنْجُ مِنْهَا تَنْجُ مِنْ ذِي عَظِيمَةٍ\rوَإِلّا فَإِنّي لَا إِخَالُك نَاجِيًا\r","part":18,"page":140},{"id":7629,"text":"فَلْيَعْتَنِ اللّبِيبُ النّاصِحُ لِنَفْسِهِ بِهَذَا الْمَوْضِعِ وَلْيَتُبْ إلَى اللّهِ تَعَالَى وَلِيَسْتَغْفِرْهُ كُلّ وَقْتٍ مِنْ ظَنّهِ بِرَبّهِ ظَنّ السّوْءِ وَلْيَظُنّ السّوءَ بِنَفْسِهِ الّتِي هِيَ مَأْوَى كُلّ سُوءٍ وَمَنْبَعُ كُلّ شَرّ الْمُرَكّبَةُ عَلَى الْجَهْلِ وَالظّلْمِ فَهِيَ أَوْلَى بِظَنّ السّوءِ مِنْ أَحْكَمِ الْحَاكِمِينَ وَأَعْدَلِ الْعَادِلِينَ وَأَرْحَمِ الرّاحِمِينَ الْغَنِيّ الْحَمِيدِ الّذِي لَهُ الْغِنَى التّامّ وَالْحَمْدُ التّامّ وَالْحِكْمَةُ التّامّةُ الْمُنَزّهُ عَنْ كُلّ سُوءٍ فِي ذَاتِهِ وَصِفَاتِهِ وَأَفْعَالِهِ وَأَسْمَائِهِ فَذَاتُهُ لَهَا الْكَمَالُ الْمُطْلَقُ مِنْ كُلّ وَجْهٍ وَصِفَاتُهُ كَذَلِكَ وَأَفْعَالُهُ كَذَلِكَ كُلّهَا حِكْمَةٌ وَمَصْلَحَةٌ وَرَحْمَةٌ وَعَدْلٌ وَأَسْمَاؤُهُ كُلّهَا حُسْنَى\rفَلَا تَظُنّنّ بِرَبّك ظَنّ سَوْءٍ فَإِنّ اللّهَ أَوْلَى بِالْجَمِيلِ\rوَلَا تَظُنّنّ بِنَفْسِكَ قَطّ خَيْرًا وَكَيْفَ بِظَالِمٍ جَانٍ جَهُولِ\rوَقُلْ يَا نَفْسُ مَأْوَى كُلّ سُوءٍ أَيُرْجَى الْخَيْرُ مِنْ مَيْتٍ بَخِيلِ\rوَظُنّ بِنَفْسِكَ السّوآى تَجِدْهَا كَذَاكَ وَخَيْرُهَا كَالْمُسْتَحِيلِ\rوَمَا بِكَ مِنْ تُقًى فِيهَا وَخَيْرٍ فَتِلْكَ مَوَاهِبُ الرّبّ الْجَلِيلِ\rوَلَيْسَ بِهَا وَلَا مِنْهَا وَلَكِنْ مِنْ الرّحْمَنِ فَاشْكُرْ لِلدّلِيلِ\r","part":18,"page":141},{"id":7630,"text":"وَالْمَقْصُودِ مَا سَاقَنَا إلَى هَذَا الْكَلَامِ مِنْ قَوْلِهِ { وَطَائِفَةٌ قَدْ أَهَمّتْهُمْ أَنْفُسُهُمْ يَظُنّونَ بِاللّهِ غَيْرَ الْحَقّ ظَنّ الْجَاهِلِيّةِ } [ آل عِمْرَانَ 154 ] ثُمّ أَخْبَرَ عَنْ الْكَلَامِ الّذِي صَدَرَ عَنْ ظَنّهِمْ الْبَاطِلِ وَهُوَ قَوْلُهُمْ { هَلْ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ مِنْ شَيْءٍ } [ آل عِمْرَانَ 154 ] وَقَوْلُهُمْ { لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ مَا قُتِلْنَا هَاهُنَا } [ آل عِمْرَانَ 154 ] فَلَيْسَ مَقْصُودُهُمْ بِالْكَلِمَةِ الْأُولَى وَالثّانِيَةِ إثْبَاتَ الْقَدَرِ وَرَدّ الْأَمْرِ كُلّهِ إلَى اللّهِ وَلَوْ كَانَ ذَلِكَ مَقْصُودَهُمْ بِالْكَلِمَةِ الْأُولَى لَمَا ذُمّوا عَلَيْهِ وَلَمَا حَسُنَ الرّدّ عَلَيْهِ بِقَوْلِهِ { قُلْ إِنّ الْأَمْرَ كُلّهُ لِلّهِ } [ سُورَةُ آلُ عِمْرَانَ ] وَلَا كَانَ مَصْدَرَ هَذَا الْكَلَامِ ظَنّ الْجَاهِلِيّةِ وَلِهَذَا قَالَ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنْ الْمُفَسّرِينَ إنّ ظَنّهُمْ الْبَاطِلَ هَا هُنَا : هُوَ التّكْذِيبُ بِالْقَدَرِ وَظَنّهُمْ أَنّ الْأَمْرَ لَوْ كَانَ إلَيْهِمْ وَكَانَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ وَأَصْحَابُهُ تَبَعًا لَهُمْ يَسْمَعُونَ مِنْهُمْ لَمَا أَصَابَهُمْ الْقَتْلُ وَلَكَانَ النّصْرُ وَالظّفَرُ لَهُمْ فَأَكْذَبَهُمْ اللّهُ عَزّ وَجَلّ فِي هَذَا الظّنّ الْبَاطِلِ الّذِي هُوَ ظَنّ الْجَاهِلِيّةِ وَهُوَ الظّنّ الْمَنْسُوبُ إلَى أَهْلِ الْجَهْلِ الّذِينَ يَزْعُمُونَ بَعْدَ نَفَاذِ الْقَضَاءِ وَالْقَدَرِ الّذِي لَمْ يَكُنْ بُدّ مِنْ نَفَاذِهِ أَنّهُمْ كَانُوا قَادِرِينَ عَلَى دَفْعِهِ وَأَنّ الْأَمْرَ لَوْ كَانَ إلَيْهِمْ لَمَا نَفَذَ الْقَضَاءُ فَأَكْذَبَهُمْ اللّهُ\r","part":18,"page":142},{"id":7631,"text":"بِقَوْلِهِ { قُلْ إِنّ الْأَمْرَ كُلّهُ لِلّهِ } فَلَا يَكُونُ إلّا مَا سَبَقَ بِهِ قَضَاؤُهُ وَقَدَرُهُ وَجَرَى بِهِ عِلْمُهُ وَكِتَابُهُ السّابِقُ وَمَا شَاءَ اللّهُ كَانَ وَلَا بُدّ شَاءَ النّاسُ أَمْ أَبَوْا وَمَا لَمْ يَشَأْ لَمْ يَكُنْ شَاءَهُ النّاسُ أَمْ لَمْ يَشَاءُوهُ وَمَا جَرَى عَلَيْكُمْ مِنْ الْهَزِيمَةِ وَالْقَتْلِ فَبِأَمْرِهِ الْكَوْنِيّ الّذِي لَا سَبِيلَ إلَى دَفْعِهِ سَوَاءٌ كَانَ لَكُمْ مِنْ الْأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ لَمْ يَكُنْ لَكُمْ وَأَنّكُمْ لَوْ كُنْتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ وَقَدْ كُتِبَ الْقَتْلُ عَلَى بَعْضِكُمْ لَخَرَجَ الّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمْ الْقَتْلُ مِنْ بُيُوتِهِمْ إلَى مَضَاجِعِهِمْ وَلَا بُدّ سَوَاءٌ كَانَ لَهُمْ مِنْ الْأَمْرِ أَظْهَرِ الْأَشْيَاءِ إبْطَالًا لِقَوْلِ الْقَدَرِيّةِ النّفَاةِ الّذِينَ يُجَوّزُونَ أَنْ يَقَعَ مَا لَا يَشَاؤُهُ اللّهُ وَأَنْ يَشَاءَ مَا لَا يَقَعُ .\rفَصْلٌ [ وَلِيَبْتَلِيَ اللّهُ مَا فِي صُدُورِكُمْ ]\rثُمّ أَخْبَرَ سُبْحَانَهُ عَنْ حِكْمَةٍ أُخْرَى فِي هَذَا التّقْدِيرِ هِيَ ابْتِلَاءُ مَا فِي صُدُورِهِمْ وَهُوَ اخْتِبَارُ مَا فِيهَا مِنْ الْإِيمَانِ وَالنّفَاقِ فَالْمُؤْمِنُ لَا يَزْدَادُ بِذَلِكَ إلّا إيمَانًا وَتَسْلِيمًا وَالْمُنَافِقُ وَمَنْ فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ لَا بُدّ أَنْ يَظْهَرَ مَا فِي قَلْبِهِ عَلَى جَوَارِحِهِ وَلِسَانِهِ .\r[ وَلِيُمَحّصَ مَا فِي قُلُوبِكُمْ ]","part":18,"page":143},{"id":7632,"text":"ثُمّ ذَكَرَ حِكْمَةً أُخْرَى : وَهُوَ تَمْحِيصُ مَا فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ وَهُوَ تَخْلِيصُهُ وَتَنْقِيَتُهُ وَتَهْذِيبُهُ فَإِنّ الْقُلُوبَ يُخَالِطُهَا بِغَلَبَاتِ الطّبَائِعِ ؟ وَمَيْلِ النّفُوسِ وَحُكْمِ الْعَادَةِ وَتَزْيِينِ الشّيْطَانِ وَاسْتِيلَاءِ الْغَفْلَةِ مَا يُضَادّ مَا أُودِعَ فِيهَا مِنْ الْإِيمَانِ وَالْإِسْلَامِ وَالْبِرّ وَالتّقْوَى فَلَوْ تُرِكَتْ فِي عَافِيَةٍ دَائِمَةٍ مُسْتَمِرّةٍ لَمْ تَتَخَلّصْ مِنْ هَذِهِ الْمُخَالَطَةِ وَلَمْ تَتَمَحّصْ مِنْهُ فَاقْتَضَتْ حِكْمَةُ الْعَزِيزِ أَنْ قَيّضَ لَهَا مِنْ الْمِحَنِ وَالْبَلَايَا مَا يَكُونُ كَالدّوَاءِ الْكَرِيهِ لِمَنْ عَرَضَ لَهُ دَاءٌ إنْ لَمْ يَتَدَارَكْهُ طَبِيبُهُ بِإِزَالَتِهِ وَتَنْقِيَتِهِ مِنْ جَسَدِهِ وَإِلّا خِيفَ عَلَيْهِ مِنْهُ الْفَسَادُ وَالْهَلَاكُ فَكَانَتْ نِعْمَتُهُ سُبْحَانَهُ عَلَيْهِمْ بِهَذِهِ الْكَسْرَةِ وَالْهَزِيمَةِ وَقَتْلِ مَنْ قُتِلَ مِنْهُمْ تُعَادِلُ نِعْمَتُهُ عَلَيْهِمْ بِنَصْرِهِمْ وَتَأْيِيدِهِمْ وَظَفَرِهِمْ بِعَدُوّهِمْ فَلَهُ عَلَيْهِمْ النّعْمَةُ التّامّةُ فِي هَذَا وَهَذَا .\r[ إنّ الّذِينَ تَوَلّوْا مِنْكُمْ ]\r","part":18,"page":144},{"id":7633,"text":"ثُمّ أَخْبَرَ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَنْ تَوَلّي مَنْ تَوَلّى مِنْ الْمُؤْمِنِينَ الصّادِقِينَ فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ وَأَنّهُ بِسَبَبِ كَسْبِهِمْ وَذُنُوبِهِمْ فَاسْتَزَلّهُمْ الشّيْطَانُ بِتِلْكَ الْأَعْمَالِ حَتّى تَوَلّوْا فَكَانَتْ أَعْمَالُهُمْ جُنْدًا عَلَيْهِمْ ازْدَادَ بِهَا عَدُوّهُمْ قُوّةً فَإِنّ الْأَعْمَالَ جُنْدٌ لِلْعَبْدِ وَجُنْدٌ عَلَيْهِ وَلَا بُدّ فَلِلْعَبْدِ كُلّ وَقْتٍ سَرِيّةٌ مِنْ نَفْسِهِ تَهْزِمُهُ أَوْ تَنْصُرُهُ فَهُوَ يَمُدّ عَدُوّهُ بِأَعْمَالِهِ مِنْ حَيْثُ يَظُنّ أَنّهُ يُقَاتِلُهُ بِهَا وَيَبْعَثُ إلَيْهِ سَرِيّةً تَغْزُوهُ مَعَ عَدُوّهِ مِنْ حَيْثُ يَظُنّ أَنّهُ يَغْزُو عَدُوّهُ فَأَعْمَالُ الْعَبْدِ تَسُوقُهُ قَسْرًا إلَى مُقْتَضَاهَا مِنْ الْخَيْرِ وَالشّرّ وَالْعَبْدُ لَا يَشْعُرُ أَوْ يَشْعُرُ وَيَتَعَامَى فَفِرَارُ الْإِنْسَانِ مِنْ عَدُوّهِ وَهُوَ يُطِيقُهُ إنّمَا هُوَ بِجُنْدٍ مِنْ عَمَلِهِ بَعَثَهُ لَهُ الشّيْطَانُ وَاسْتَزَلّهُ بِهِ\r[ وَلَقَدْ عَفَا اللّهُ عَنْهُمْ ]\r[ أَوَلَمّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ ]\r[ إثْبَاتُ الْقَدَرِ وَالسّبَبِ ]\r","part":18,"page":145},{"id":7634,"text":"ثُمّ أَخْبَرَ سُبْحَانَهُ أَنّهُ عَفَا عَنْهُمْ لِأَنّ هَذَا الْفِرَارَ لَمْ يَكُنْ عَنْ نِفَاقٍ وَلَا شَكّ وَإِنّمَا كَانَ عَارِضًا عَفَا اللّهُ عَنْهُ فَعَادَتْ شَجَاعَةُ الْإِيمَانِ وَثَبَاتُهُ إلَى مَرْكَزِهَا وَنِصَابِهَا ثُمّ كَرّرَ عَلَيْهِمْ سُبْحَانَهُ أَنّ هَذَا الّذِي أَصَابَهُمْ إنّمَا أُتُوا فِيهِ مِنْ قِبَلِ أَنْفُسِهِمْ وَبِسَبَبِ أَعْمَالِهِمْ فَقَالَ { أَوَلَمّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنّى هَذَا ؟ قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ إِنّ اللّهَ عَلَى كُلّ شَيْءٍ قَدِيرٌ } [ آل عِمْرَانَ 165 ] وَذَكَرَ هَذَا بِعَيْنِهِ فِيمَا هُوَ أَعَمّ مِنْ ذَلِكَ فِي السّوَرِ الْمَكّيّةِ فَقَالَ { وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ } [ الشّورَى : 30 ] وَقَالَ { مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللّهِ وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ } [ النّسَاءُ 79 ] فَالْحَسَنَةُ وَالسّيّئَةُ هَا هُنَا : النّعْمَةُ وَالْمُصِيبَةُ فَالنّعْمَةُ مِنْ اللّهِ مَنّ بِهَا عَلَيْك وَالْمُصِيبَةُ إنّمَا نَشَأَتْ مِنْ قِبَلِ نَفْسِك وَعَمَلِك فَالْأَوّلُ فَضْلُهُ وَالثّانِي عَدْلُهُ وَالْعَبْدُ يَتَقَلّبُ بَيْنَ فَضْلِهِ وَعَدْلِهِ جَارٍ عَلَيْهِ فَضْلُهُ مَاضٍ فِيهِ حُكْمُهُ عَدْلٌ فِيهِ قَضَاؤُهُ . وَخَتَمَ الْآيَةَ الْأُولَى بِقَوْلِهِ { إِنّ اللّهَ عَلَى كُلّ شَيْءٍ قَدِيرٌ } بَعْدَ قَوْلِهِ { قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ } إعْلَامًا لَهُمْ بِعُمُومِ قُدْرَتِهِ مَعَ عَدْلِهِ وَأَنّهُ عَادِلٌ قَادِرٌ وَفِي ذَلِكَ إثْبَاتُ الْقَدَرِ وَالسّبَبِ فَذَكَرَ السّبَبَ وَأَضَافَهُ إلَى\r","part":18,"page":146},{"id":7635,"text":"نُفُوسِهِمْ وَذَكَرَ عُمُومَ الْقُدْرَةِ وَأَضَافَهَا إلَى نَفْسِهِ فَالْأَوّلُ يَنْفِي الْجَبْرَ وَالثّانِي يَنْفِي الْقَوْلَ بِإِبْطَالِ الْقَدَرِ فَهُوَ يُشَاكِلُ قَوْلَهُ { لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ وَمَا تَشَاءُونَ إِلّا أَنْ يَشَاءَ اللّهُ رَبّ الْعَالَمِينَ } [ التّكْوِيرُ 30 ] .\r[ وَمَا أَصَابَكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ فَبِإِذْنِ اللّهِ ]\r[ وَلِيَعْلَمَ الّذِينَ نَافَقُوا ]\r","part":18,"page":147},{"id":7636,"text":"وَفِي ذِكْرِ قُدْرَتِهِ هَا هُنَا نُكْتَةٌ لَطِيفَةٌ وَهِيَ أَنّ هَذَا الْأَمْرَ بِيَدِهِ وَتَحْتَ قُدْرَتِهِ وَأَنّهُ هُوَ الّذِي لَوْ شَاءَ لَصَرَفَهُ عَنْكُمْ فَلَا تَطْلُبُوا كَشْفَ أَمْثَالِهِ مِنْ غَيْرِهِ وَلَا تَتّكِلُوا عَلَى سِوَاهُ وَكَشَفَ هَذَا الْمَعْنَى وَأَوْضَحَهُ كُلّ الْإِيضَاحِ بِقَوْلِهِ { وَمَا أَصَابَكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ فَبِإِذْنِ اللّهِ } وَهُوَ الْإِذْنُ الْكَوْنِيّ الْقَدَرِيّ لَا الشّرْعِيّ الدّينِيّ كَقَوْلِهِ فِي السّحْرِ { وَمَا هُمْ بِضَارّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلّا بِإِذْنِ اللّهِ } [ الْبَقَرَةُ 102 ] ثُمّ أَخْبَرَ عَنْ حِكْمَةِ هَذَا التّقْدِيرِ وَهِيَ أَنْ يَعْلَمَ الْمُؤْمِنِينَ مِنْ الْمُنَافِقِينَ عِلْمَ عِيَانٍ وَرُؤْيَةٍ يَتَمَيّزُ فِيهِ أَحَدُ الْفَرِيقَيْنِ مِنْ الْآخَرِ تَمْيِيزًا ظَاهِرًا وَكَانَ مِنْ حِكْمَةِ هَذَا التّقْدِيرِ رَدّ اللّهِ عَلَيْهِمْ وَجَوَابَهُ لَهُمْ وَعَرَفُوا مُؤَدّى النّفَاقِ وَمَا يَئُولُ إلَيْهِ وَكَيْفَ يُحْرَمُ صَاحِبُهُ سَعَادَةَ الدّنْيَا وَالْآخِرَةِ فَيَعُودُ عَلَيْهِ بِفَسَادِ الدّنْيَا وَالْآخِرَةِ فَلَلّهِ كَمْ مِنْ حِكْمَةٍ فِي ضِمْنِ هَذِهِ الْقِصّةِ بَالِغَةٍ وَنِعْمَةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَابِغَةٍ وَكَمْ فِيهَا مِنْ تَحْذِيرٍ وَتَخْوِيفٍ وَإِرْشَادٍ وَتَنْبِيهٍ وَتَعْرِيفٍ بِأَسْبَابِ الْخَيْرِ وَالشّرّ وَمَا لَهُمَا وَعَاقِبَتُهُمَا .\r[ وَلَا تَحْسَبَنّ الّذِينَ قُتِلُوا ]\r[ يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ مِنْ اللّهِ ]\r[ لَقَدْ مَنّ اللّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ ]","part":18,"page":148},{"id":7637,"text":"ثُمّ عَزّى نَبِيّهُ وَأَوْلِيَاءَهُ عَمّنْ قُتِلَ مِنْهُمْ فِي سَبِيلِهِ أَحْسَنَ تَعْزِيَةٍ وَأَلْطَفَهَا وَأَدْعَاهَا إلَى الرّضَى بِمَا قَضَاهُ لَهَا فَقَالَ { وَلَا تَحْسَبَنّ الّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبّهِمْ يُرْزَقُونَ فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِنْ خَلْفِهِمْ أَلّا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ } [ آل عِمْرَانَ 169 - 170 ] فَجَمَعَ لَهُمْ إلَى الْحَيَاةِ الدّائِمَةِ مَنْزِلَةَ الْقُرْبِ مِنْهُ وَأَنّهُمْ عِنْدَهُ وَجَرَيَانَ الرّزْقِ الْمُسْتَمِرّ عَلَيْهِمْ وَفَرَحِهِمْ بِمَا آتَاهُمْ مِنْ فَضْلِهِ وَهُوَ فَوْقَ الرّضَى بَلْ هُوَ كَمَالُ الرّضَى وَاسْتِبْشَارُهُمْ بِإِخْوَانِهِمْ الّذِينَ بِاجْتِمَاعِهِمْ بِهِمْ يَتِمّ سُرُورُهُمْ وَنَعِيمُهُمْ وَاسْتِبْشَارُهُمْ بِمَا يُجَدّدُ لَهُمْ كُلّ وَقْتٍ مَنْ نِعْمَتِهِ وَكَرَامَتِهِ وَذَكّرَهُمْ سُبْحَانَهُ فِي أَثْنَاءِ هَذِهِ الْمِحْنَةِ بِمَا هُوَ مِنْ أَعْظَمِ مِنَنِهِ وَنِعَمِهِ عَلَيْهِمْ الّتِي إنْ قَابَلُوا بِهَا كُلّ مِحْنَةٍ تَنَالهُمْ وَبَلِيّةٍ تَلَاشَتْ فِي جَنْبِ هَذِهِ الْمِنّةِ وَالنّعْمَةِ وَلَمْ يَبْقَ لَهَا أَثَرٌ الْبَتّةَ وَهِيَ مِنّتُهُ عَلَيْهِمْ بِإِرْسَالِ رَسُولٍ مِنْ أَنْفُسِهِمْ إلَيْهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكّيهِمْ وَيُعَلّمُهُمْ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُنْقِذُهُمْ مِنْ الضّلَالِ الّذِي كَانُوا فِيهِ قَبْلَ إرْسَالِهِ إلَى الْهُدَى وَمِنْ الشّقَاءِ إلَى الْفَلَاحِ وَمِنْ الظّلْمَةِ إلَى النّورِ وَمِنْ الْجَهْلِ إلَى الْعِلْمِ فَكُلّ بَلِيّةٍ\r","part":18,"page":149},{"id":7638,"text":"وَمِحْنَةٍ تَنَالُ الْعَبْدَ بَعْدَ حُصُولِ هَذَا الْخَيْرِ الْعَظِيمِ لَهُ أَمْرٌ يَسِيرٌ جِدّا فِي جَنْبِ الْخَيْرِ الْكَثِيرِ كَمَا يَنَالُ النّاسَ بِأَذَى الْمَطَرِ فِي جَنْبِ مَا يَحْصُلُ لَهُمْ بِهِ مِنْ الْخَيْرِ فَأَعْلَمَهُمْ أَنّ سَبَبَ الْمُصِيبَةِ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ لِيَحْذَرُوا وَأَنّهَا بِقَضَائِهِ وَقَدَرِهِ لِيُوَحّدُوا وَيَتّكِلُوا وَلَا يَخَافُوا غَيْرَهُ وَأَخْبَرَهُمْ بِمَا لَهُمْ فِيهَا مِنْ الْحِكَمِ لِئَلّا يَتّهِمُوهُ فِي قَضَائِهِ وَقَدَرِهِ وَلِيَتَعَرّفَ إلَيْهِمْ بِأَنْوَاعِ أَسْمَائِهِ وَصِفَاتِهِ وَسَلّاهُمْ بِمَا أَعْطَاهُمْ مِمّا هُوَ أَجَلّ قَدْرًا وَأَعْظَمُ خَطَرًا مِمّا فَاتَهُمْ مِنْ النّصْرِ وَالْغَنِيمَةِ وَعَزّاهُمْ نَالُوهُ مِنْ ثَوَابِهِ وَكَرَامَتِهِ لِيُنَافِسُوهُمْ فِيهِ وَلَا يَحْزَنُوا عَلَيْهِمْ فَلَهُ الْحَمْدُ كَمَا هُوَ أَهْلُهُ وَكَمَا يَنْبَغِي لِكَرَمِ وَجْهِهِ وَعِزّ جَلَالِهِ. أ هـ {زاد المعاد حـ 3 صـ 196 ـ 216}","part":18,"page":150},{"id":7640,"text":"قوله تعالى : { وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ (169) فَرِحِينَ بِمَا آَتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِنْ خَلْفِهِمْ أَلَّا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (170) يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ وَأَنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُؤْمِنِينَ (171)}\rمناسبة الآيات لما قبلها\rقال البقاعى :\rولما أزاح سبحانه وتعالى العلل وشفى الغلل وختم بأنه لا مفر من القدر ، فلم يبق عند أهل الإيمان إلا ما طبع عليه الإنسان من الأسف على فقد الإخوان ، وكان سرور المفقود يبرد غلة الموجود بشرهم بحياتهم وما نالوه من لذاتهم ؛ ولما كان العرب بعيدين قبل الإسلام من اعتقاد الحياة بعد الموت خاطب الذي لا ريب في علمه بذلك إشارة إلى أنه لا يفهمه حق فهمه سواه ، كما أشار إليه قوله في البقرة {ولكن لا تشعرون} [ البقرة : 153 ] فقال تعالى عاطفاً على قل محبباً في الجهاد ، إزالة لما بغضه به المنافقون من أنه سبب الموت : {ولا تحسبن الذين قتلوا} أي وقع لهم القتل في هذه الغزوة أو غيرها {في سبيل الله} أي الملك الأعظم ، والله أعلم بمن يقتل في سبيله {أمواتاً} أي الآن {بل} هم {أحياء} وبين زيادة شرفهم معبراً عن تقربهم بقوله : {عند ربهم} أي المحسن إليهم في كل حال ، فكيف في حال قتلهم فيه حياة ليست كالحياة الدنيوية! فحقق حياتهم بقوله {يرزقون} أي رزقاً يليق بحياتهم {فرحين بما آتاهم الله} أي الحاوي لجميع الكمال من ذلك الفوز الكبير {من فضله} لأنه لو حاسبهم على أقل نعمة من نعمة لم توف جميع أعمالهم بها لأن أعمالهم من نعمه ، فأعلمنا سبحانه وتعالى بهذا تسلية وحسن تعزية أن لم يفت منهم إلا حياة الكدر التي لا مطمع لأحد في بقائها وإن طال المدى ، وبقيت لهم حياة الصفاء التي لا انفكاك لها ولا آخر لنعيمها بغم يلحقهم ولا فتنة تنالهم ولا حزن يعتريهم ولا دهش يلم بهم في وقت الحشر ولا غيره ، فلا غفلة لهم ، فكان ذلك مذهباً لحزن من خلفوه ومرغباً لهم في الأسباب الموصلة إلى مثل حالهم ، وهذا - والله سبحانه وتعالى أعلم - معنى الشهادة ، أي أنهم ليست لهم حال غيبة ، لأن دائم الحياة بلا كدر أصلاً كذلك.","part":18,"page":151},{"id":7641,"text":"ولما ذكر سرورهم بما نالوه ذكر سرورهم بما علموه لمن هو على دينهم فقال : {ويستبشرون} أي توجد لهم البشرى وجوداً عظيم الثبات حتى كأنهم يوجدونها كلما أرادوا {بالذين لم يلحقوا بهم} أي في الشهادة في هذه الغزوة.\rثم بين ذلك بقوله : {من خلفهم} أي في الدنيا.\rثم يبن المبشر به فقال : {ألاّ خوف عليهم} أي على إخوانهم في آخرتهم {ولا هم يحزنون} أي أصلاً ، لأنه لا يفقد منه شيء ، بل هم كل لحظة في زيادة ، وهذا أعظم البشرى لمن تركوا على مثل حالهم من المؤمنين ، لأنهم يلحقونهم في مثل ذلك ، لأن السبب واحد ، وهو منحة الله لهم بالقتل فيه ، أو مطلق الإيمان لمطلق ما هم فيه من السعادة بغير قيد الشهادة.\rولما ذكر سرورهم لأنفسهم تارة ولإخوانهم أخرى كرره تعظيماً له وإعلاماً بأنه في الحقيقة عن غير استحقاق.\rوإنما هو مجرد مَنّ فقال : {يستبشرون بنعمة من الله} أي ذي الجلال والإكرام ، كبيرة {وفضل} أي منه عظيم {وأن الله} أي الملك الأعظم الذي لا يقدره أحد حق قدره {لا يضيع أجر المؤمنين} أي منهم ومن غيرهم ، بل يوفيهم أجرهم على أعمالهم ويفضل عليهم ، ولو شاء لحاسبهم على سبيل العدل ، ولو فعل ذلك لم يكن لهم شيء. أ هـ {نظم الدرر حـ 2 صـ 180 ـ 181}\rوقال الفخر : \r","part":18,"page":152},{"id":7642,"text":"اعلم أن القول لما ثبطوا الراغبين في الجهاد بأن قالوا : الجهاد يفضي إلى القتل ، كما قالوا في حق من خرج إلى الجهاد يوم أحد ، والقتل شيء مكروه ، فوجب الحذر عن الجهاد ، ثم إن الله تعالى بين أن قولهم : الجهاد يفضي إلى القتل باطل ، بأن القتل إنما يحصل بقضاء الله وقدره كما أن الموت يحصل بقضاء الله وقدره ، فمن قدر الله له القتل لا يمكنه الاحتراز عنه ، ومن لم يقدر له القتل لا خوف عليه من القتل ، ثم أجاب عن تلك الشبهة في هذه الآية بجواب آخر وهو أنا لا نسلم أن القتل في سبيل الله شيء مكروه ، وكيف يقال ذلك والمقتول في سبيل الله أحياه الله بعد القتل وخصه بدرجات القربة والكرامة ، وأعطاه أفضل أنواع الرزق وأوصله إلى أجل مراتب الفرح والسرور ؟ فأي عاقل يقول إن مثل هذا القتل يكون مكروها ، فهذا وجه النظم. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 9 صـ 72}\rوقال ابن عاشور : \rقوله : { ولا تحسبن } عطف على { قل فادرءوا عن أنفسكم الموت } [ آل عمران : 168 ] ، فلمّا أمر الله نبيئه أن يجيبهم بما فيه تبكيتهم على طريقة إرخاء العِنان لهم في ظنّهم أنّ الذين قتلوا من إخوانهم قد ذهبوا سُدًى ، فقيل لهم : إنّ الموت لا مفرّ منه على كل حال ، أعرض بعد ذلك عن خطابهم لقلّة أهليتهم ، وأقبل على خطاب من يستأهل المعرفة ، فقال : { ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتاً } وهو إبطال لما تلهّف منه المنافقون على إضاعة قتلاهم.\rوالخطاب يجوز أن يكون للنبيء صلى الله عليه وسلم تعليماً له ، وليُعلِّم المسلمين ، ويجوز أن يكون جارياً على طريقة العرب في عدم إرادة مخاطب معيّن. أ هـ {التحرير والتنوير حـ 3 صـ 282}","part":18,"page":153},{"id":7643,"text":"فصل\rقال القرطبى :\rلمّا بيّن الله تعالى أنّ ما جرى يوم أُحُد كان امتحانا يُميّز المنافق من الصَّادق ، بيّن أن من لم ينْهَزِم فقُتل له الكرامةُ والحياةُ عنده.\rوالآية في شُهَداء أُحُد.\rوقيل : نزلت في شهداء بئر مَعُونة.\rوقيل : بل هي عامّة في جميع الشهداء.\rوفي مصنف أبي داود بإسناد صحيح عن ابن عباس قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : \" \"لمّا أُصيب إخوانكم بأُحُد جعل الله أرواحهم في جَوْف طَير خضر تَرِد أنهار الجنة تأكُل من ثمارها وتأوِي إلى قناديلَ من ذهب معلَّقةٍ في ظِلّ العَرْش فلما وجدوا طِيب مأْكَلِهم ومَشْرَبهم ومَقِيلهم قالوا مَن يُبلِّغ إخوانَنَا عنّا أنّا أحياءٌ في الجنة نُرْزَق لئلا يَزْهَدوا في الجهاد ولا يَنْكُلوا عند الحرب فقال الله سبحانه أنا أبلغهم عنكم\" قال فأنزل الله { وَلاَ تَحْسَبَنَّ الذين قُتِلُواْ فِي سَبِيلِ الله أَمْوَاتاً } إلى آخر الآيات \" وروى بقِيّ بن مَخْلَد \" عن جابر قال : لقِيني رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : \"يا جابر ما لي أراك مُنَكِّساً مُهْتَمّاً\" ؟ قلت : يا رسول الله ، اسْتُشْهِد أبِي وترك عِيالاً وعليه دَيْنٌ ؛ فقال : \"ألاَ أُبَشِّرك بما لقي اللَّهُ عزّ وجلّ به أباك\" ؟ قلت : بلى يا رسول الله.\rقال : \"إن الله أحْيَا أباك وكلمه كِفاحاً وما كلّم أحد قطُّ إلاَّ من وراء حجاب فقال له يا عبدي تَمنّ أُعْطِك قال يا رب فرُدّني إلى الدنيا فأُقْتَل فيك ثانيةً فقال الربّ تبارك وتعالى إنه قد سبق مِني أنهم ( إليها ) لا يرجعون قال يا ربّ فأبلغ مَن ورائي\" فأنزل الله عزّ وجلّ { وَلاَ تَحْسَبَنَّ الذين قُتِلُواْ فِي سَبِيلِ الله } الآية \" أخرجه ابن ماجه في سُنَنه ، والتَّرمذِيّ في جامعه وقال : هذا حديث حسن غرِيب.","part":18,"page":154},{"id":7644,"text":"وروى وكيع عن سالم بن الأفْطَس عن سعيد بن جبير { وَلاَ تَحْسَبَنَّ الذين قُتِلُواْ فِي سَبِيلِ الله أَمْوَاتاً بَلْ أَحْيَاءٌ } قال : لما أُصيب حمزة بن عبد المطّلب ومُصْعَب بن عُمير ورأوا ما رُزقوا من الخير قالوا : ليت إخواننا يعلمون ما أصابنا من الخير كي يزدادوا في الجهاد رَغْبَةً ؛ فقال الله تعالى أنا أبلغهم عنكم ، فأنزل الله تعالى : { وَلاَ تَحْسَبَنَّ الذين قُتِلُواْ فِي سَبِيلِ الله أَمْوَاتاً } إلى قوله : { لاَ يُضِيعُ أَجْرَ المؤمنين }.\rوقال أبو الضحى : نزلت هذه الآية في أهل أُحُد خاصّةً.\rوالحديثُ الأوّل يقتضي صحةَ هذا القول.\rوقال بعضهم : نزلت في شهداء بَدْر وكانوا أربعة عشر رجلاً ؛ ثمانيةٌ من الأنصار ، وستة من المهاجرين.\rوقيل : نزلت في شهداء بئر مَعُونة ، وقصتهم مشهورة ذكرها محمد بن إسحاق وغيره.\rوقال آخرون : إن أولياء الشهداء كانوا إذا أصابتهم نعمة وسرور تحسّروا وقالوا : نحن في النعمة والسرور ، وآباؤنا وأبناؤنا وإخواننا في القبور.\rفأنزل الله تعالى هذه الآية تَنْفِيساً عنهم وإخباراً عن حال قتلاهم.\rقلت : وبالجملة وإن كان يحتمل أن يكون النّزول بسبب المجموع فقد أخبر الله تعالى فيها عن الشهداء أنهم أحياءٌ في الجنة يُرزقون ، ولا مَحالَة أنهم ماتوا وأن أجسادهم في التراب ، وأرواحهم حيّة كأرواح سائر المؤمنين ، وفُضّلوا بالرزق في الجنّة من وقت القَتْل حتى كأن حياة الدنيا دائمة لهم. أ هـ {تفسير القرطبى حـ 4 صـ 268 ـ 269}","part":18,"page":155},{"id":7645,"text":"فائدة\rقال فى روح البيان :\rقال القاشانى الأفصح الأبلغ أن يجعل الخطاب فى { ولا تحسبن } لكل أحد لأنه أمر خطير يجب أن يبشر به كل واحد لتتوفر دواعيهم إلى الجهاد وليتيقنوا بحسن الجزاء وإن كان للرسول صلى الله عليه وسلم فالمراد به نهى الأمة وتنبيهم على حالهم وإلا فرسول الله أجل مرتبة من ذلك الحسبان. أ هـ {روح البيان حـ 2 صـ 153}\rفصل\rقال الفخر :\rهذه الآية واردة في شهداء بدر وأحد ، لأن في وقت نزول هذه الآية لم يكن أحد من الشهداء إلا من قتل في هذين اليومين المشهورين ، والمنافقون إنما ينفرون المجاهدين عن الجهاد لئلا يصيروا مقتولين مثل من قتل في هذين اليومين من المسلمين ، والله تعالى بين فضائل من قتل في هذين اليومين ليصير ذلك داعيا للمسلمين إلى التشبه بمن جاهد في هذين اليومين وقتل ، وتحقيق الكلام أن من ترك الجهاد فربما وصل إلى نعيم الدنيا وربما لم يصل ، وبتقدير أن يصل إليه فهو حقير وقليل ، ومن أقبل على الجهاد فاز بنعيم الآخرة قطعا وهو نعيم عظيم ، ومع كونه عظيما فهو دائم مقيم ، واذا كان الأمر كذلك ظهر أن الإقبال على الجهاد أفضل من تركه. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 9 صـ 72}","part":18,"page":156},{"id":7646,"text":"فائدة\rقال أبو السعود :\rقال الإمام الواحدي : الأصحُ في حياة الشهداءِ ما رُوي عن النبي صلى الله عليه وسلم من أن أرواحَهم في أجواف طيورٍ خُضْرٍ وأنهم يُرزقون ويأكْلون ويتنعمون. ورُوي عنه عليه السلام أنه قال : \" لما أصيب إخوانُكم بأحُدٍ جعل الله أرواحَهم في أجواف طيورٍ خضْرٍ تدور في أنهار الجنة \" وروي : \" ترِدُ أنهارَ الجنةِ وتأكُل من ثمارها وتسرَح من الجنة حيث شاءت وتأوي إلى قناديلَ من ذهب معلقةٍ في ظل العرشِ \" وفيه دَلالةٌ على أن روحَ الإنسانِ جسمٌ لطيفٌ لا يفنى بخراب البَدَن ولا يتوقف عليه إدراكُه وتألُّمه والتذاذُه ، ومن قال بتجريد النفوسِ البشريةِ يقول : المرادُ أن نفوسَ الشهداءِ تتمثل طيوراً خُضْراً أو تتعلق بها فتلتذّ بما ذكر. وقيل : المرادُ أنها تتعلق بالأفلاك والكواكبِ فتلتذ بذلك وتكتسب زيادةَ كمالٍ. أ هـ {تفسير أبى السعود حـ 2 صـ 112}\rوقال الآلوسى :\rوالقول بأن أرواحهم تتعلق بالأفلاك والكواكب فتلتذ بذلك وتكتسب زيادة كمال قول هابط إلى الثرى ، ولا أظن القائل به قرع سمعه الروايات الصحيحة والأخبار الصريحة بل لم يذق طعم الشريعة الغراء ولا تراءى له منهج المحجة البيضاء وخبر القناديل لا ينور كلامه ولا يزيل ظلامه (1) فلعمري إن حال الشهداء وحياتهم وراء ذلك. أ هـ {روح المعانى حـ 4 صـ 122 ـ 123}\r________________\r(1) الحديث موجود فى صحيح مسلم برقم (1887) وسيأتى لاحقا إن شاء الله.","part":18,"page":157},{"id":7647,"text":"بحث نفيس للعلامة الإمام فخر الدين الرازى\rقال عليه الرحمة :\rاعلم أن ظاهر الآية يدل على كون هؤلاء المقتولين أحياء ، فإما أن يكون المراد منه حقيقة أو مجازا ، فإن كان المراد منه هو الحقيقة ، فإما أن يكون المراد أنهم سيصيرون في الآخرة أحياء ، أو المراد أنهم أحياء في الحال ، وبتقدير أن يكون هذا هو المراد ، فاما أن يكون المراد إثبات الحياة الروحانية أو إثبات الحياة الجسمانية ، فهذا ضبط الوجوه التي يمكن ذكرها في هذه الآية.\rالاحتمال الأول : أن تفسير الآية بأنهم سيصيرون في الآخرة أحياء ، قد ذهب إليه جماعة من متكلمي المعتزلة ، منهم أبو القاسم الكعبي قال : وذلك لأن المنافقين الذين حكى الله عنهم ما حكى ، كانوا يقولون : أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم يعرضون أنفسهم للقتل فيقتلون ويخسرون الحياة ولا يصلون إلى خير ، وإنما كانوا يقولون ذلك لجحدهم البعث والميعاد ، فكذبهم الله تعالى وبين بهذه الآية أنهم يبعثون ويرزقون ويوصل إليهم أنواع الفرح والسرور والبشارة.\rواعلم أن هذا القول عندنا باطل ، ويدل عليه وجوه :\rالحجة الأولى : أن قوله : {بَلْ أَحْيَاء} ظاهره يدل على كونهم أحياء عند نزول الآية ، فحمله على أنهم سيصيرون أحياء بعد ذلك عدول عن الظاهر.\rالحجة الثانية : إنه لا شك أن جانب الرحمة والفضل والإحسان أرجح من جانب العذاب والعقوبة ، ثم إنه تعالى ذكر في أهل العذاب أنه أحياهم قبل القيامة لأجل التعذيب فإنه تعالى قال : {أُغْرِقُواْ فَأُدْخِلُواْ نَاراً} [ نوح : 25 ] والفاء للتعقيب ، والتعذيب مشروط بالحياة ، وأيضا قال تعالى : {النار يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوّاً وَعَشِيّاً} [ غافر : 46 ] واذا جعل الله أهل العذاب أحياء قبل قيام القيامة لأجل التعذيب ، فلأن يجعل أهل الثواب أحياء قبل القيامة لأجل الإحسان والاثابة كان ذلك أولى.","part":18,"page":158},{"id":7648,"text":"الحجة الثالثة : أنه لو أراد أنه سيجعلهم أحياء عند البعث في الجنة لما قال للرسول عليه الصلاة والسلام : {وَلاَ تَحْسَبَنَّ} مع علمه بأن جميع المؤمنين كذلك ، أما إذا حملناه على ثواب القبر حسن قوله : {وَلاَ تَحْسَبَنَّ} لأنه عليه الصلاة والسلام لعله ما كان يعلم أنه تعالى يشرف المطيعين والمخلصين بهذا التشريف ، وهو أنه يحييهم قبل قيام القيامة لأجل إيصال الثواب اليهم.\rفإن قيل : إنه عليه الصلاة والسلام وإن كان عالما بأنهم سيصيرون أحياء عند ربهم عند البعث ولكنه غير عالم بأنهم من أهل الجنة ، فجاز أن يبشره الله بأنهم سيصيرون أحياء ويصلون إلى الثواب والسرور.\rقلنا : قوله : {وَلاَ تَحْسَبَنَّ} إنما يتناول الموت لأنه قال : {وَلاَ تَحْسَبَنَّ الذين قُتِلُواْ فِى سَبِيلِ الله أمواتا} فالذي يزيل هذا الحسبان هو كونهم أحياء في الحال لأنه لا حسبان هناك في صيرورتهم أحياء يوم القيامة ، وقوله : {يُرْزَقُونَ * فَرِحِينَ} فهو خبر مبتدأ ولا تعلق له بذلك الحسبان فزال هذا السؤال.\rالحجة الرابعة : قوله تعالى : {وَيَسْتَبْشِرُونَ بالذين لَمْ يَلْحَقُواْ بِهِم مّنْ خَلْفِهِمْ} والقوم الذين لم يلحقوا بهم لا بد وأن يكونوا في الدنيا ، فاستبشارهم بمن يكون في الدنيا لا بد وأن يكون قبل قيام القيامة ، والاستبشار لا بد وأن يكون مع الحياة ، فدل هذا على كونهم أحياء قبل يوم القيامة ، وفي هذا الاستدلال بحث سيأتي ذكره.","part":18,"page":159},{"id":7649,"text":"الحجة الخامسة : ما روي عن ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال في صفة الشهداء : \" أن أرواحهم في أجواف طير خضر وإنها ترد أنهار الجنة وتأكل من ثمارها وتسرح حيث شاءت وتأوي إلى قناديل من ذهب تحت العرش فلما رأوا طيب مسكنهم ومطعمهم ومشربهم قالوا : يا ليت قومنا يعلمون ما نحن فيه من النعيم وما صنع الله تعالى بنا كي يرغبوا في الجهاد فقال الله تعالى : أنا مخبر عنكم ومبلغ إخوانكم ففرحوا بذلك واستبشروا فأنزل الله تعالى هذه الآية \"\rوسئل ابن مسعود رضي الله عنه عن هذه الآية ، فقال : سألنا عنها فقيل لنا إن الشهداء على نهر بباب الجنة في قبة خضراء ، وفي رواية في روضة خضراء ، وعن جابر بن عبد الله قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : \" ألا أبشرك أن أباك حيث أصيب بأحد أحياه الله ثم قال : ما تريد يا عبد الله بن عمرو أن فعل بك فقال يا رب أحب أن تردني إلى الدنيا فأقتل فيها مرة أخرى \" والروايات في هذا الباب كأنها بلغت حد التوتر ، فكيف يمكن إنكارها ؟ طعن الكعبي في هذه الروايات وقال : إنها غير جائزة لأن الأرواح لا تتنعم ، وإنما يتنعم الجسم إذا كان فيه روح لا الروح ، ومنزلة الروح من البدن منزلة القوة ، وأيضا : الخبر المروي ظاهره يقتضي أن هذه الارواح في حواصل الطير ، وأيضا ظاهره يقتضي أنها ترد أنهار الجنة وتأكل من ثمارها وتسرح ، وهذا يناقض كونها في حواصل الطير.\rوالجواب : أما الطعن الأول : فهو مبني على أن الروح عرض قائم بالجسم ، وسنبين أن الأمر ليس كذلك ، وأما الطعن الثاني : فهو مدفوع لأن القصد من أمثال هذه الكلمات الكنايات عن حصول الراحات والمسرات وزوال المخافات والآفات ، فهذا جملة الكلام في هذا الاحتمال.","part":18,"page":160},{"id":7650,"text":"وأما الوجه الثاني : من الوجوه المحتملة في هذه الآية هو أن المراد أن الشهداء أحياء في الحال ، والقائلون بهذا القول منهم من أثبت هذه الحياة للروح ، ومنهم من أثبتها للبدن ، وقبل الخوض في هذا الباب يجب تقديم مقدمة ، وهي أن الإنسان ليس عبارة عن مجموع هذه البنية ، ويدل عليه أمران : أحدهما : أن أجزاء هذه البنية في الذوبان والانحلال ، والتبدل ، والانسان المخصوص شيء باق من أول عمره إلى آخره ، والباقي مغاير للمتبدل ، والذي يؤكد ما قلناه : أنه تارة يصير سمينا وأخرى هزيلا ، وأنه يكون في أول الأمر صغير الجثة ، ثم إنه يكبر وينمو ، ولا شك أن كل إنسان يجد من نفسه أنه شيء واحد من أول عمره إلى آخره فصح ما قلناه.\rالثاني : أن الإنسان قد يكون عالما بنفسه حال ما يكون غافلا عن جميع أعضائه وأجزائه ، والمعلوم مغاير لما ليس بمعلوم ، فثبت بهذين الوجهين أنه شيء مغاير لهذا البدن المحسوس ، ثم بعد ذلك يحتمل أن يكون جسما مخصوصا ساريا في هذه الجثة سريان النار في الفحم.\rوالدهن في السمسم ، وماء الورد في الورد.\rويحتمل أن يكون جوهراً قائما بنفسه ليس بجسم ولا حال في الجسم ، وعلى كلا المذهبين فإنه لا يبعد أنه لما مات البدن انفصل ذلك الشيء حيا ، وان قلنا إنه أماته الله إلا أنه تعالى يعيد الحياة إليه ، وعلى هذا التقدير تزول الشبهات بالكلية عن ثواب القبر ، كما في هذه الآية ، وعن عذاب القبر كما في قوله : {أُغْرِقُواْ فَأُدْخِلُواْ نَاراً} [ نوح : 25 ] فثبت بما ذكرناه أنه لا امتناع في ذلك ، فظاهر الآية دال عليه ، فوجب المصير إليه ، والذي يؤكد ما ذكرناه القرآن والحديث والعقل.\rأما القرآن فآيات :","part":18,"page":161},{"id":7651,"text":"إحداها : {يا أَيَّتُهَا النفس المطمئنة * ارجعى إلى رَبّكِ رَاضِيَةً مَّرْضِيَّةً * فادخلى فِى عِبَادِى * وادخلى جَنَّتِى} [ الفجر : 27 30 ] ولا شك أن المراد من قوله : {ارجعى إلى رَبّكِ} الموت.\rثم قال : {فادخلى فِى عِبَادِى} وفاء التعقيب تدل على أن حصول هذه الحالة يكون عقيب الموت ، وهذا يدل على ما ذكرناه ، وثانيها : {حتى إِذَا جَاء أَحَدَكُمُ الموت تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا وَهُمْ لاَ يُفَرّطُونَ} [ الأنعام : 61 ] وهذا عبارة عن موت البدن.\rثم قال : {ثُمَّ رُدُّواْ إلى الله مولاهم الحق} [ الأنعام : 62 ] فقوله : {رُدُّواْ} ضمير عنه.\rوإنما هو بحياته وذاته المخصوصة ، فدل على أن ذلك باق بعد موت البدن ، وثالثها : قوله : {فَأَمَّا إِن كَانَ مِنَ المقربين * فَرَوْحٌ وَرَيْحَانٌ * وَجَنَّةٍ نَعِيمٍ} [ الواقعة : 88 89 ] وفاء التعقيب تدل على أن هذا الروح والريحان والجنة حاصل عقيب الموت ، وأما الخبر فقوله عليه الصلاة والسلام : \" من مات فقد قامت قيامته \" والفاء فاء التعقيب تدل على أن قيامة كل أحد حاصلة بعد موته ، وأما القيامة الكبرى فهي حاصلة في الوقت المعلوم عند الله ، وأيضا قوله عليه الصلاة والسلام : \" القبر روضة من رياض الجنة أو حفرة من حفر النار \" وأيضا روي أنه عليه الصلاة والسلام يوم بدر كان ينادي المقتولين ويقول : \" هل وجدتم ما وعد ربكم حقا \" فقيل له : يا رسول الله إنهم أموات ، فكيف تناديهم ، فقال عليه الصلاة والسلام : \" إنهم أسمع منكم \" أو لفظاً هذا معناه ، وأيضاً قال عليه الصلاة والسلام : \" أولياء الله لا يموتون ولكن ينقلون من دار إلى دار \" وكل ذلك يدل على أن النفوس باقية بعد موت الجسد.\rوأما المعقول فمن وجوه : \r","part":18,"page":162},{"id":7652,"text":"الأول : وهو أن وقت النوم يضعف البدن ، وضعفه لا يقتضي ضعف النفس ، بل النفس تقوى وقت النوم فتشاهد الأحوال وتطلع على المغيبات ، فإذا كان ضعف البدن لا يوجب ضعف النفس ، فهذا يقوي الظن في أن موت البدن لا يستعقب موت النفس.\rالثاني : وهو أن كثرة الأفكار سبب لجفاف الدماغ ، وجفافه يؤدي إلى الموت ، وهذه الأفكار سبب لاستكمال النفس بالمعارف الالهية ، وهو غاية كمال النفس ، فما هو سبب في كمال النفس فهو سبب لنقصان البدن ، وهذا يقوي الظن في أن النفس لا تموت بموت البدن.\rالثالث : أن أحوال النفس على ضد أحوال البدن ، وذلك لأن النفس إنما تفرح وتبتهج بالمعارف الالهية ، والدليل عليه قوله تعالى : {أَلاَ بِذِكْرِ الله تَطْمَئِنُّ القلوب} [ الرعد : 28 ] وقال عليه الصلاة والسلام : \" أبيت عند ربي يطعمني ويسقيني \"\rولا شك أن ذلك الطعام والشراب ليس إلا عبارة عن المعرفة والمحبة والاستنارة بأنوار عالم الغيب وأيضا ، فإنا نرى أن الإنسان إذا غلب عليه الاستبشار بخدمة سلطان ، أو بالفوز بمنصب ، أو بالوصول إلى معشوقه ، قد ينسى الطعام والشراب ، بل يصير بحيث لو دعي إلى الأكل والشرب لوجد من قلبه نفرة شديدة منه ، والعارفون المتوغلون في معرفة الله تعالى قد يجدون من أنفسهم أنهم إذا لاح لهم شيء من تلك الأنوار ، وانكشف لهم شيء من تلك الأسرار ، لم يحسوا ألبتة بالجوع والعطش وبالجملة فالسعادة النفسانية كالمضادة للسعادة الجسمانية ، وكل ذلك يغلب على الظن أن النفس مستقلة بذاتها ولا تعلق لها بالبدن ، وإذا كان كذلك وجب أن لا تموت النفس بموت البدن ، ولتكن هذه الاقناعيات كافية في هذا المقام.","part":18,"page":163},{"id":7653,"text":"واعلم أنه متى تقررت هذه القاعدة زالت الإشكالات والشبهات عن كل ما ورد في القرآن من ثواب القبر وعذابه ، وإذا عرفت هذه القاعدة فنقول : قال بعض المفسرين : أرواح الشهداء أحياء وهي تركع وتسجد كل ليلة تحت العرش إلى يوم القيامة ، والدليل عليه ما روي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : \" إذا نام العبد في سجوده باهى الله تعالى به ملائكته ويقول انظروا إلى عبدي روحه عندي وجسده في خدمتي\" \".\rواعلم أن الآية دالة على ذلك وهي قوله : {أَحْيَاء عِندَ رَبّهِمْ} ولفظ \"عند\" فكما أنه مذكور ههنا فكذا في صفة الملائكة مذكور وهو قوله : {وَمَنْ عِنْدَهُ لاَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ} [ الأنبياء : 19 ] فإذا فهمت السعادة الحاصلة للملائكة بكونهم عند الله ، فهمت السعادة الحاصلة للشهداء بكونهم عند الله ، وهذه كلمات تفتح على العقل أبواب معارف الآخرة.\rالوجه الثالث : في تفسير هذه الآية عند من يثبت هذه الحياة للأجساد ، والقائلون بهذا القول اختلفوا ، فقال بعضهم : إنه تعالى يصعد أجساد هؤلاء الشهداء إلى السموات والى قناديل تحت العرش ويوصل أنواع السعادة والكرامات اليها ، ومنهم من قال : يتركها في الارض ويحييها ويوصل هذه السعادات اليها ، ومن الناس من طعن فيه وقال : إنا نرى أجساد هؤلاء الشهداء قد تأكلها السباع ، فاما أن يقال إن الله تعالى يحييها حال كونها في بطون هذه السباع ويوصل الثواب اليها ، أو يقال : إن تلك الأجزاء بعد انفصالها من بطون السباع يركبها الله تعالى ، ويؤلفها ويرد الحياة اليها ويوصل الثواب اليها ، وكل ذلك مستبعد ، ولأنا قد نرى الميت المقتول باقيا أياما إلى أن تنفسخ أعضاؤه وينفصل القيح والصديد ، فإن جوزنا كونها حية متنعمة عاقلة عارفة لزم القول بالسفسطة.\r","part":18,"page":164},{"id":7654,"text":"الوجه الرابع : في تفسير هذه الآية أن نقول : ليس المراد من كونها أحياء حصول الحياة فيهم ، بل المراد بعض المجازات وبيانه من وجوه : \rالأول : قال الأصم البلخي : إن الميت إذا كان عظيم المنزلة في الدين ، وكانت عاقبته يوم القيامة البهجة والسعادة والكرامة ، صح أن يقال : إنه حي وليس بميت ، كما يقال في الجاهل الذي لا ينفع نفسه ولا ينتقع به أحد : إنه ميت وليس بحي ، وكما يقال للبليد : إنه حمار ، وللمؤذي إنه سبع ، وروي أن عبد الملك بن مروان لما رأى الزهري وعلم فقهه وتحقيقه قال له : ما مات من خلف مثلك ، وبالجملة فلا شك أن الإنسان إذا مات وخلف ثناء جميلا وذكرا حسنا ، فإنه يقال على سبيل المجاز إنه ما مات بل هو حي.\rالثاني : قال بعضهم مجاز هذه الحياة أن أجسادهم باقية في قبورهم ، وانها لا تبلى تحت الأرض ألبتة.\rواحتج هؤلاء بما روي أنه لما أراد معاوية أن يجري العين على قبور الشهداء ، أمر بأن ينادى : من كان له قتيل فليخرجه من هذا الموضع ، قال جابر : فخرجنا إليهم فأخرجناهم رطاب الأبدان ، فأصابت المسحاة أصبع رجل منهم فقطرت دما.\rوالثالث : أن المراد بكونهم أحياء أنهم لا يغسلون كما تغسل الأموات ، فهذا مجموع ما قيل في هذه الآية والله أعلم بأسرار المخلوقات. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 9 صـ 72 ـ 76}","part":18,"page":165},{"id":7655,"text":"من فوائد العلامة الجصاص فى الآية\rقال عليه الرحمة :\rوقَوْله تَعَالَى : { وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ }.\rزَعَمَ قَوْمٌ أَنَّ الْمُرَادَ أَنَّهُمْ يَكُونُونَ أَحْيَاءً فِي الْجَنَّةِ ، قَالُوا : لِأَنَّهُ لَوْ جَازَ أَنْ تُرَدَّ عَلَيْهِمْ أَرْوَاحُهُمْ بَعْدَ الْمَوْتِ لَجَازَ الْقَوْلُ بِالرَّجْعَةِ وَمَذْهَبِ أَهْلِ التَّنَاسُخِ.\rقَالَ أَبُو بَكْرٍ : وَقَالَ الْجُمْهُورُ : \" إنَّ اللَّهَ تَعَالَى يُحْيِيهِمْ بَعْدَ الْمَوْتِ فَيُنِيلُهُمْ مِنْ النَّعِيمِ بِقَدْرِ اسْتِحْقَاقِهِمْ إلَى أَنْ يُفْنِيَهُمْ اللَّهُ تَعَالَى عِنْدَ فِنَاءِ الْخَلْقِ ، ثُمَّ يُعِيدُهُمْ فِي الْآخِرَةِ وَيُدْخِلُهُمْ الْجَنَّةَ \" ؛ لِأَنَّهُ أَخْبَرَ أَنَّهُمْ أَحْيَاءٌ ، وَذَلِكَ يَقْتَضِي أَنَّهُمْ أَحْيَاءٌ فِي هَذَا الْوَقْتِ وَلِأَنَّ تَأْوِيلَ مَنْ تَأَوَّلَهُ عَلَى أَنَّهُمْ أَحْيَاءٌ فِي الْجَنَّةِ يُؤَدِّي إلَى إبْطَالِ فَائِدَتِهِ ؛ لِأَنَّ أَحَدًا مِنْ الْمُسْلِمِينَ لَا يَشُكُّ أَنَّهُمْ سَيَكُونُونَ أَحْيَاءً مَعَ سَائِرِ أَهْلِ الْجَنَّةِ ، إذْ الْجَنَّةُ لَا يَكُونُ فِيهَا مَيِّتٌ.\rوَيَدُلُّ عَلَيْهِ أَيْضًا وَصْفُهُ تَعَالَى لَهُمْ بِأَنَّهُمْ فَرِحُونَ عَلَى الْحَالِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى : { فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمْ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ }.\rوَيَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْله تَعَالَى : { وَيَسْتَبْشِرُونَ بِاَلَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِنْ خَلْفِهِمْ } وَهُمْ فِي الْآخِرَةِ قَدْ لَحِقُوا بِهِمْ.","part":18,"page":166},{"id":7656,"text":"وَرَوَى ابْنُ عَبَّاسٍ وَابْنُ مَسْعُودٍ وَجَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ : { لَمَّا أُصِيبَ إخْوَانُكُمْ بِأُحُدٍ جَعَلَ اللَّهُ أَرْوَاحَهُمْ فِي حَوَاصِلِ طُيُورٍ خُضْرٍ تَحْتَ الْعَرْشِ تَرِدُ أَنْهَارَ الْجَنَّةِ وَتَأْكُلُ مِنْ ثِمَارِهَا وَتَأْوِي إلَى قَنَادِيلَ مُعَلَّقَةٍ تَحْتَ الْعَرْشِ } ؛ وَهُوَ مَذْهَبُ الْحَسَنِ وَعَمْرِو بْنِ عُبَيْدٍ وَأَبِي حُذَيْفَةَ وَوَاصِلِ بْنِ عَطَاءٍ ، وَلَيْسَ ذَلِكَ مِنْ مَذْهَبِ أَصْحَابِ التَّنَاسُخِ فِي شَيْءٍ ؛ لِأَنَّ الْمُنْكَرَ فِي ذَلِكَ رُجُوعُهُمْ إلَى دَارِ الدُّنْيَا فِي خِلَقٍ مُخْتَلِفَةٍ ، وَقَدْ أَخْبَرَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْ قَوْمٍ أَنَّهُ أَمَاتَهُمْ ثُمَّ أَحْيَاهُمْ فِي قَوْلِهِ : { أَلَمْ تَرَ إلَى الَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ حَذَرَ الْمَوْتِ فَقَالَ لَهُمْ اللَّهُ مُوتُوا ثُمَّ أَحْيَاهُمْ } وَأَخْبَرَ أَنَّ إحْيَاءَ الْمَوْتَى مُعْجِزَةٌ لِعِيسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ فَكَذَلِكَ يُحْيِيهِمْ بَعْدَ الْمَوْتِ وَيَجْعَلُهُمْ حَيْثُ يَشَاءُ.\rوقَوْله تَعَالَى : { عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ } مَعْنَاهُ : حَيْثُ لَا يَقْدِرُ لَهُمْ أَحَدٌ عَلَى ضُرٍّ وَلَا نَفْعٍ إلَّا رَبُّهُمْ عَزَّ وَجَلَّ.\rوَلَيْسَ يَعْنِي بِهِ قُرْبَ الْمَسَافَةِ ؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَا يَجُوزُ عَلَيْهِ الْقُرْبُ وَالْبُعْدُ بِالْمَسَافَةِ ؛ إذْ هُوَ مِنْ صِفَةِ الْأَجْسَامِ.\rوَقِيلَ : عِنْدَ رَبِّهِمْ مِنْ حَيْثُ يَعْلَمُهُمْ هُوَ دُونَ النَّاسِ. أ هـ {أحكام القرآن للجصاص حـ 2 صـ 332 ـ 333}","part":18,"page":167},{"id":7657,"text":"فصل\rقال الفخر :\rقال صاحب \"الكشاف\" : {وَلاَ تَحْسَبَنَّ} الخطاب لرسول الله صلى الله عليه وسلم أو لكل أحد وقرىء بالياء ، وفيه وجوه :\rأحدها : ولا يحسبن رسول الله.\rوالثاني : ولا يحسبن حاسب ، والثالث : ولا يحسبن الذين قتلوا أنفسهم أمواتاً قال : وقرىء {تَحْسَبَنَّ} بفتح السين ، وقرأ ابن عامر {قُتِلُواْ} بالتشديد والباقون بالتخفيف. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 9 صـ 76}\rفصل\rقال القرطبى :\rإذا كان الشَّهيد حيّاً حُكماً فلا يصلى عليه ، كالحيّ حِسّاً.\rوقد اختلف العلماء في غُسل الشهداء والصّلاة عليهم ؛ فذهب مالك والشافعيّ وأبو حنيفة والثّوْريّ إلى غُسل جميع الشّهداء والصَّلاة عليهم ؛ إلاَّ قتيلَ المُعتَرك في قتال العدوّ خاصة ؛ لحديث جابر قال قال النبيّ صلى الله عليه وسلم : \" \"ادفنوهم بدمائهم\" يعني يوم أُحُد ولم يُغسِّلهم \" ، رواه البخاريّ.\rوروى أبو داود عن ابن عباس قال : \" أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بقتلى أُحُد أن يُنزَع عنهم الحديدُ والجلودُ وأن يُدفَنُوا بِدمائهم وثيابهم \" وبهذا قال أحمدُ وإسحاقُ والأوزاعيّ وداود بن عليّ وجماعةُ فُقَهاء الأمصار وأهل الحديث وابنُ عُلَيَّة.\rوقال سعيد بن المُسَيّب والحَسَن : يُغسّلون.\rقال أحدهما : إنما لن تُغَسِّل شهداء أُحُد لكثرتهم والشُّغل عن ذلك.\rقال أبو عُمَر : ولم يقل بقول سعيد والحسن هذا أحد من فقهاء الأمصار إلاَّ عبيد الله بن الحسن العَنْبَري ، وليس ما ذكروا من الشُّغل عن غُسل شهداء أُحُد علّة ؛ لأن كل واحد منهم كان له وليٌّ يشتَغل به ويقوم بأمره.\rوالعلّة في ذلك والله أعلم.\rما جاء في الحديث في دمائهم \" أنها تأتي يوم القيامة كريح الْمِسك \" فَبَانَ أن العلّة ليست الشُّغل كما قال من قال في ذلك ، وليس لهذه المسألة مدخل في القياس والنظر ، وإنما هي مسألة اتباع للأثر الذي نقله الكافّة في قتلى أُحُد لم يُغسّلوا.\rوقد احتج بعض المتأخرين ممن ذهب مذهب الحسن.\rبقوله عليه السَّلام في شهداء أُحُد : \" أنا شهيد على هؤلاء يوم القيامة \" قال : وهذا يدل على خصوصهم وأنه لا يَشْرَكهم في ذلك غيرهم.\rقال أبو عمر : وهذا يشبه الشذوذ ، والقول بترك غُسلهم أولى ؛ لثبوت ذلك عن النبيّ صلى الله عليه وسلم في قَتلى أُحُد وغيرهم.","part":18,"page":168},{"id":7658,"text":"ورَوى أبو داود عن جابر قال : رُمِيَ رجل بسهم في صدره أو في حلقه فمات فأدرِج في ثيابه كما هو.\rقال : ونحن مع رسول صلى الله عليه وسلم.\rوأما الصلاة عليهم فاختلف العلماء في ذلك أيضاً ؛ فذهب مالك واللّيث والشافعيّ وأحمد وداود إلى أنه لا يُصلّى عليهم ؛ لحديث جابر قال : \" كان النبي صلى الله عليه وسلم يجمع بين الرجلين من قتلى أحد في ثوب واحد ثم يقول : \"أيُّهما أكثر أخْداً للقرآن\" ؟ فإذا أُشير له إلى أحدِهما قدّمه في اللَّحد وقال : \"أنا شهيدٌ على هؤلاء يوم القيامة\" وأمر بدفنهم بدمائهم ولم يُغسّلوا ولم يُصل عليهم \" وقال فقهاء الكوفة والبصرة والشام : يصلى عليهم.\rوروَوْا آثاراً كثيرة أكثرها مراسيل.\rأن النبيّ صلى الله عليه وسلم صلّى على حمزة وعلى سائر شهداء أُحد.\rوأجمع العلماء على أن الشّهيد إذا حُمل حَيّاً ولم يَمت في الْمعتَرَك وعاش وأكلَ فإنه يصلى عليه ؛ كما قد صُنع بعمر رضي الله عنه.\rواختلفوا فيمن قُتل مظلوماً كقتيل الخوارج وقُطّاع الطريق وشبه ذلك ؛ فقال أبو حنيفة والثّوري : كل من قتل مظلوماً لم يُغسّل ، ولكنه يصلى عليه وعلى كل شهيد ؛ وهو قول سائر أهلِ العِراق.\rورَوَوْا من طُرِق كثيرةٍ صحاح عن زيد بن صُوحان ، وكان قتل يوم الجَمَل : لا تَنزِعوا عنّي ثوباً ولا تَغسِلوا عني دَماً.\rوثبت عن عمار بن ياسر أنه قال مثلَ قول زيد ابن صُوحان.\rوقُتل عمار بن ياسِر بِصفّين ولم يغسّله عليّ.\rوللشافعي قولان : أحدهما يُغسّل كجميع الموتى إلا من قتله أهل الحرب ؛ وهذا قول مالك.\rقال مالك : لا يُغسّل من قتله الكفار ومات في المُعترك.\rوكل مقتول غيرِ قتيلِ المُعتَرك قتيل الكفار فإنه يُغسّل ويُصلَّى عليه.\rوهذا قول أحمد ابن حنبل رضي الله عنه.\rوالقول الآخر للشافعيّ لا يُغسّل قتيل البُغاة.\r","part":18,"page":169},{"id":7659,"text":"وقول مالك أصحّ ؛ فإنّ غُسل الموتى قد ثبت بالإجماع ونَقْلِ الكافّة.\rفَواجبٌ غُسلُ كلِّ ميت إلا من أخرجه إجماعٌ أو سُنّةٌ ثابتة.\rوبالله التوفيق.\rالعدوّ إذا صبّح قوماً في منزلهم ولم يَعلموا به فقتَلَ منهم فهل يكون حكمه حكم قتيل المعتَرك ، أو حكم سائر الموتى ؛ وهذه المسألة نزلت عندنا بقُرطُبَة أعادها الله : أغَارَ العدوّ قَصَمه الله صَبيحَةَ الثّالثِ من رَمضانَ المُعظّم سنةَ سَبعٍ وعشرين وسِتّمائة والناس في أجْرانهم على غَفلة ، فقتَل وأسَر ، وكان من جُملة من قُتل والدي رحمه الله ؛ فسألت شيخنا المقرىء الأُستاذ أبا جعفر أحمد المعروف بأبي حجة فقال ؛ غَسّله وصلّ عليه ، فإن أباك لم يُقتَل في المُعتَرك بين الصَّفين.\rثم سألت شيخنا ربيعَ بن عبد الرحمن بن أحمد بن ربيع بن أُبيّ فقال : إن حكمه حكم القتلى في المعترك.\rثم سألت قاضي الجماعة أبا الحسن عليّ بن قطرال وحوله جماعة من الفقهاء فقالوا : غسّله وكفّنه وصلّ عليه ؛ ففعلت.\rثم بعد ذلك وقَفتُ على المسألة في \"التّبصرة\" لأبي الحسن اللّخميّ وغيرها ، ولو كان ذلك قبل ذلك ما غسّلته ، وكنت دفنته بدمه في ثيابه. أ هـ {تفسير القرطبى حـ 4 صـ 270 ـ 272}. بتصرف يسير.\rقوله تعالى {بَلْ أَحْيَاء}\rفصل\rقال الفخر :\rقوله : {بَلْ أَحْيَاء} قال الواحدي : التقدير : بل هم أحياء ، قال صاحب \"الكشاف\" : قرىء {أَحْيَاء} بالنصب على معنى بل أحسبهم أحياء.","part":18,"page":170},{"id":7660,"text":"وأقول : إن الزجاج قال : ولو قرىء {أَحْيَاء} بالنصب لجاز على معنى بل أحسبهم أحياء ، وطعن أبو علي الفارسي فيه فقال : لا يجوز ذلك لأنه أمر بالشك والأمر بالشك غير جائز على الله ، ولا يجوز تفسير الحسبان بالعلم لأن ذلك لم يذهب إليه أحد من علماء أهل اللغة ، وللزجاج أن يجيب فيقول : الحسبان ظن لا شك ، فلم قلتم إنه لا يجوز أن يأمر الله بالظن ، أليس أن تكليفه في جميع المجتهدات ليس إلا بالظن.\rوأقول : هذه المناظرة من الزجاج وأبي علي الفارسي تدل على أنه ما قرىء {أَحْيَاء} بالنصب بل الزجاج كان يدعي أن لها وجها في اللغة ، والفارسي نازعه فيه ، وليس كل ما له وجه في الإعراب جازت القراءة به. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 9 صـ 76 ـ 77}\rقوله تعالى : {عِندَ رَبّهِمْ}\rفصل\rقال الفخر :\rفيه وجوه :\rأحدها : بحيث لا يملك لهم أحد نفعا ولا ضرا إلا الله تعالى.\rوالثاني : هم أحياء عند ربهم ، أي هم أحياء في علمه وحكمه ، كما يقال : هذا عند الشافعي كذا ، وعند أبي حنيفة بخلافه.\rوالثالث : أن {عِندَ} معناه القرب والإكرام ، كقوله : {وَمَنْ عِنْدَهُ لاَ يَسْتَكْبِرُونَ} [ الأنبياء : 19 ] وقوله : {الذين عِندَ رَبّكَ} [ الأعراف : 206 ]. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 9 صـ 77}","part":18,"page":171},{"id":7661,"text":"وقال ابن عاشور :\rونفي عنهم الموت الحقيقي بقوله : { بل أحياء عند ربهم يرزقون } فعلِمنا أنّهم وإن كانوا أموات الأجسام فهم أحياء الأرواح ، حياة زائدة على حقيقة بقاء الأرواح ، غير مضمحلّة ، بل هي حياة بمعنى تحقّق آثار الحياة لأرواحهم من حصول اللذات والمدركات السارّة لأنفسهم ، ومسرّتهم بإخوانهم ، ولذلك كان قوله : { عند ربهم } دليلاً على أنّ حياتهم حياة خاصّة بهم ، ليست هي الحياة المتعارفة في هذا العالم ، أعني حياة الأجسام وجريان الدم في العروق ، ونبضات القلب ، ولا هي حياة الأرواح الثابتة لأرواح جميع الناس ، وكذلك الرزق يجب أن يكون ملائماً لحياة الأرواح وهو رزق النعيم في الجنّة.\rفإن علّقنا { عند ربهم } بقوله : أحياء كما هو الظاهر ، فالأمر ظاهر ، وإن علقناه بقوله : { يرزقون } فكذلك ، لأنّ هذه الحياة لمّا كان الرزق الناشىء عنها كائناً عند الله ، كانت حياة غير مادّية ولا دنيويَّة ، وحينئذ فتقديم الظرف للاهتمام بكينونة هذا الرزق. أ هـ {التحرير والتنوير حـ 3 صـ 282 ـ 283}\rفصل\rقال القرطبى :\rهذه الآية تدل على عظيم ثواب القتل في سبيل الله والشهادة فيه حتى أنه يكفر الذنوب ؛ كما قال صلى الله عليه وسلم : \" القتل في سبيل الله يكفّر كل شيء إلا الدّين كذلك قال لي جبريل عليه السلام آنفاً \" قال علماؤنا ذِكر الدَّين تنبيه على ما في معناه من الحقوق المتعلقة بالذمم ، كالغصب وأخذ المال بالباطل وقتل العمد وجِراحه وغير ذلك من التَّبِعات ، فإن كل هذا أوْلى ألاّ يُغفَر بالجهاد من الدَّين فإنه أشد ، والقصاص في هذا كله بالحسنات والسيئات حسبما وردت به السنَّة الثابتة.\rروى عبد الله بن أُنَيْس قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : \" يحشر الله العباد أو قال الناس ، شكَّ همّام ، وأوْمَأَ بيده إلى الشام عُراة غُرْلا بُهْماً.","part":18,"page":172},{"id":7662,"text":"قلنا : ما بُهْمٌ ؟ قال : ليس معهم شيء فيناديهم بصوت يسمعه مَن قَرُب وَمَن بَعُد أنا الملِك أنا الديان لا ينبغي لأحد من أهل الجنة أن يدخل الجنة وأحد من أهل النار يطلبه بمظلِمة ولا ينبغي لأحد من أهل النار أن يدخل النار وأحد من أهل الجنة يطلبه بمظلِمة حتّى اللطْمة.\rقال قلنا : كيف وإنما نأتي الله حفاة عراة غرلا.\rقال : بالحسنات والسيئات \"\rأخرجه الحارث بن أبي أسامة.\rوفي صحيح مسلم عن أبي هريرة.\rأن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : \" \"أتدرون من المفلِس\" ؟ .\rقالوا : المفلِس فِينا من لا دِرهم له ولا متاع.\rفقال : \"إن المفْلِس من أُمتي من يأتي يوم القيامة بصلاة وصيام وزكاة ويأتي قد شَتَم هذا وقَذَف هذا وأكلَ مالَ هذا وسفكَ دَمَ هذا وضرب هذا فيُعطى هذا من حسناته وهذا من حسناته فإن فنِيت حسناته قبل أن يُقْضى ما عليه أخِذ من خطاياهم فطرحت عليه ثم طرح في النار\" \" وقال صلى الله عليه وسلم : \" والذي نفسي بيده لو أن رجلاً قُتل في سبيل الله ثم أُحْيَي ثم قتل ثم أُحيي ثم قُتل وعليه دَيْن ما دخل الجنة حتى يُقْضى عنه \" وروى أبو هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : \" نفس المؤمن معلَّقة ما كان عليه دَيْن \" وقال أحمد بن زُهَير : سئل يحيى بن مَعِين عن هذا الحديث فقال : هو صحيح.\rفإن قيل : فهذا يدل على أن بعض الشهداء لا يدخلون الجنة من حين القتل ، ولا تكون أرواحهم في جَوف طيرٍ كما ذكرتم ، ولا يكونون في قبورهم ، فأيْنَ يكونون ؟ قلنا : قد ورد عن النبيّ صلى الله عليه وسلم أنه قال : \" أرواح الشهداء على نهر بباب الجنة يقال له بَارِقٌ يخرج عليهم رزقهم من الجنة بُكْرَةً وعَشِيّاً \" فلعلهم هؤلاء.\rوالله أعلم.\rولهذا قال الإمام أبو محمد بن عطية : وهؤلاء طبقات وأحوال مختلفة يجمعها أنهم { يُرْزَقُونَ }.\r","part":18,"page":173},{"id":7663,"text":"وقد أخرج الإمام أبو عبد الله محمد بن يزيد بن ماجه القزويني في سننه عن سليم بن عامر قال سمعت أبا أمامة يقول سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : \" شهيد البحر مثلُ شهِيدَيْ البَرِّ والمائدُ في البحر كالمُتَشَحِّط في دَمِه في البر وما بين المَوْجَتين كقاطع الدنيا في طاعة الله وإن الله عزّ وجلّ وكّل ملك الموت بقبض الأرواح إلا شهداء البحر فإنه سبحانه يتولّى قَبضَ أرواحهم ويَغْفِر لشهيد البرّ الذنوبَ كلَّها إلا الدَّين ويغفر لشهيد البحر الذنوب كلها والديْن \".\rالدَّين الذي يُحْبس به صاحبه عن الجنة والله أعلم هو الذي قد ترك وفاء ولم يُوص به.\rأو قَدر على الأداء فلم يؤدّه ، أو ادانه في سَرَف أو في سفهٍ ومات ولم يوفّه.\rوأما من ادان في حق واجب لِفافةٍ وعُسْر ومات ولم يَتْرُك وفاء فإن الله لا يحبسه عن الجنة إن شاء الله ؛ لأن على السلطان فرضاً أن يؤدّيَ عنه دينه ، إما من جملة الصدقات ، أو من سهم الغارمين ، أو من الفَيْء الراجع على المسلمين.\rقال صلى الله عليه وسلم : \" من ترك دَيْناً أو ضَياعاً فعلى الله ورسوله ومن ترك مالاً فلورثته \" أ هـ {تفسير القرطبى حـ 4 صـ 272 ـ 274}. بتصرف يسير.\rفائدة\rقال الشيخ الشنقيطى :\rقوله تعالى : { وَلاَ تَحْسَبَنَّ الذين قُتِلُواْ فِي سَبِيلِ الله أَمْوَاتاً } الآية.","part":18,"page":174},{"id":7664,"text":"نهى الله تبارك وتعالى في هذه الآية عن ظن الموت بالشهداء ، وصرح بأنهم أحياء عند ربهم يرزقون ، وأنهم فرحون بما آتاهم الله من فضله ، يستبشرون بالذين لم يلحقوا بهم من خلفهم ألا خوف عليهم ولا هم يحزنون. ولم يبين هنا هل حياتهم هذه في البرزخ يدرك أهل الدنيا حقيقتها أو لا ؟ ولكنه بين في سورة البقرة أنهم لا يدركونها بقوله : { وَلاَ تَقُولُواْ لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبيلِ الله أَمْوَاتٌ بَلْ أَحْيَاءٌ وَلَكِن لاَّ تَشْعُرُون } [ البقرة : 154 ] لأن نفي الشعور يدل على نفي الإدراك من باب أولى كما هو ظاهر. أ هـ {أضواء البيان حـ 1 صـ 256}\rقوله : {يُرْزَقُونَ * فَرِحِينَ بِمَا ءاتاهم الله}\rفصل\rقال الفخر :\rاعلم أن المتكلمين قالوا الثواب منفعة خالصة دائمة مقرونة بالتعظيم ، فقوله : {يُرْزَقُونَ} إشارة إلى المنفعة ، وقوله : {فَرِحِينَ} إشارة إلى الفرح الحاصل بسبب ذلك التعظيم ، وأما الحكماء فإنهم قالوا : إذا أشرقت جواهر الأرواح القدسية بالأنوار الإلهية كانت مبتهجة من وجهين : أحدهما : أن تكون ذواتها منيرة مشرقة متلألئة بتلك الجلايا القدسية والمعارف الالهية.\rوالثاني : بكونها ناظرة إلى ينبوع النور ومصدر الرحمة والجلالة ، قالوا : وابتهاجها بهذا القسم الثاني أتم من ابتهاجها بالأول ، فقوله : {يُرْزَقُونَ} إشارة إلى الدرجة الأولى وقوله : {فَرِحِينَ} إشارة إلى الدرجة الثانية ، ولهذا قال : {فَرِحِينَ بِمَا ءاتاهم الله مِن فَضْلِهِ} يعني أن فرحهم ليس بالرزق ، بل بايتاء الرزق لأن المشغول بالرزق مشغول بنفسه ، والناظر إلى إيتاء الرزق مشغول بالرازق ، ومن طلب الحق لغيره فهو محجوب. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 9 صـ 77}\rوقال ابن عاشور :\rوقولُه : { فرحين } حال من ضمير { يرزقون }.","part":18,"page":175},{"id":7665,"text":"والاستبشار : حصول البشارة ، فالسين والتاء فيه كما هما في قوله تعالى : { واستغنى اللَّه } [ التغابن : 6 ] وقد جمع اللَّهُ لهم بين المسرّة بأنفسهم والمسرّة بمن بقي من إخوانهم ، لأنّ في بقائهم نكاية لأعدائهم ، وهم مع حصول فضل الشهادة لهم على أيدي الأعداء يتمنّون هلاك أعدائهم ، لأنّ في هلاكهم تحقيق أمنية أخرى لهم وهي أمنية نصر الدين. أ هـ {التحرير والتنوير حـ 3 صـ 283}\rقوله تعالى : {وَيَسْتَبْشِرُونَ بالذين لَمْ يَلْحَقُواْ بِهِم مّنْ خَلْفِهِمْ أَلاَّ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ }\rقال القرطبى : \rقوله تعالى : { وَيَسْتَبْشِرُونَ بالذين لَمْ يَلْحَقُواْ بِهِم مِّنْ خَلْفِهِمْ } المعنى لم يلحقوا بهم في الفضل ، وإن كان لهم فضل.\rوأصله من البَشرة ؛ لأن الإنسان إذا فَرِح ظهر أثر السّرور في وجهه.\rوقال السّدّي : يؤتى الشهيد بِكتابٍ فيه ذكرُ من يَقْدَمُ عليه من إخوانه ، فيستبشر كما يستبشر أهل الغائب بقُدومِه في الدنيا.\rوقال قَتادةُ وابن جُريْج والرّبيعُ وغيرُهم : استبشارهم بأنهم يقولون : إخواننا الذين تركنا خلفنا في الدنيا يقاتلون في سبيل الله مع نبيّهم ، فيستشهدون فينالون من الكرامة مثلَ ما نحن فيه ؛ فيسرّون ويفرحون لهم بذلك.\rوقيل : إن الإشارة بالاستبشار للذين لم يَلحقوا بهم إلى جميع المؤمنين وإن لم يُقتَلوا ، ولكنهم لما عاينوا ثواب الله وقع اليقين بأن دِين الإسلام هو الحق الذي يثيب الله عليه ؛ فهم فَرِحون لأنفسهم بما آتاهم الله من فضله ، مستبشرون للمؤمنين بأن لا خوفٌ عليهم ولا هم يحزنون.\rذهب إلى هذا المعنى الزجّاج وابن فُورَك. أ هـ {تفسير القرطبى حـ 4 صـ 275}","part":18,"page":176},{"id":7666,"text":"وقال ابن عاشور :\rالمراد { بالذين لم يلحقوا بهم } رفقاؤهم الذين كانوا يجاهدون معهم ، ومعنى لم يلحقوا بهم لم يستشهدوا فيصيروا إلى الحياة الآخرة.\rو { من خلفهم } تمثيل بمعنى من بعدهم ، والتقدير : ويستبشرون بالذين لم يصيروا إلى الدار الآخرة مِن رفاقهم بأَمْنِهم وانتفاءِ ما يُحْزنهم. أ هـ {التحرير والتنوير حـ 3 صـ 283}\rفصل\rقال الفخر :\rاعلم أن الذين سلموا كون الشهداء أحياء قبل قيام القيامة ذكروا لهذه الآية تأويلات أخر.\rأما الأول : فهو أن يقال : إن الشهداء يقول بعضهم لبعض : تركنا إخواننا فلانا وفلانا في صف المقاتلة مع الكفار فيقتلون إن شاء الله فيصيبون من الرزق والكرامة ما أصبنا ، فهو قوله : {وَيَسْتَبْشِرُونَ بالذين لَمْ يَلْحَقُواْ بِهِم }.\rوأما الثاني : فهو أن يقال : إن الشهداء إذا دخلوا الجنة بعد قيام القيامة يرزقون فرحين بما آتاهم الله من فضله ، والمراد بقوله : {لَمْ يَلْحَقُواْ بِهِم مّنْ خَلْفِهِمْ} هم إخوانهم من المؤمنين الذين ليس لهم مثل درجة الشهداء ، لأن الشهداء يدخلون الجنة قبلهم ، دليله قوله تعالى : {وَفَضَّلَ الله المجاهدين عَلَى القاعدين أَجْراً عَظِيماً * درجات مّنْهُ وَمَغْفِرَةً وَرَحْمَةً} [ النساء : 95 96 ] فيفرحون بما يرون من مأوى المؤمنين والنعيم المعد لهم ، وبما يرجونه من الاجتماع بهم وتقر بذلك أعينهم ، هذا اختيار أبي مسلم الأصفهاني والزجاج.","part":18,"page":177},{"id":7667,"text":"واعلم أن التأويل الأول أقوى من الثاني ، وذلك لأن حاصل الثاني يرجع إلى استبشار بعض المؤمنين ببعض بسبب اجتماعهم في الجنة ، وهذا أمر عام في حق كل المؤمنين ، فلا معنى لتخصيص الشهداء بذلك ، وأيضا : فهم كما يستبشرون بالذين لم يلحقوا بهم من خلفهم ، فكذلك يستبشرون بمن تقدمهم في الدخول ، لأن منازل الأنبياء والصديقين فوق منازل الشهداء ، قال تعالى : {فأولئك مَعَ الذين أَنْعَمَ الله عَلَيْهِم مّنَ النبيين والصديقين والشهداء والصالحين} [ النساء : 69 ] وعلى هذا التقدير لا يبقى فائدة في التخصيص.\rأما إذا فسرنا الآية بالوجه الأول ففي تخصيص المجاهدين بهذه الخاصية أعظم الفوائد فكان ذلك أولى والله أعلم. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 9 صـ 77 ـ 78}\rقال الآلوسى :\r{ أَلاَّ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ } بدل من الذين بدل اشتمال مبين لكون استبشارهم بحال إخوانهم لا بذواتهم أي يستبشرون بما تبين لهم من حسن حال إخوانهم الذين تركوهم أحياء وهو أنهم عند قتلهم في سبيل الله تعالى يفوزون كما فازوا ويحوزون من النعيم كما حازوا ، وإلى هذا ذهب ابن جريج وقتادة ، وقيل : إنه منصوب بنزع الخافض أي لئلا ، أو بأن لا وهو معمول ليستبشرون واقع موقع المفعول من أجله أي يستبشرون بقدوم إخوانهم الباقين بعدهم إليهم لأنهم لا خوف عليهم الخ ، فالاستبشار حينئذ ليس بالأحوال.","part":18,"page":178},{"id":7668,"text":"ويؤيد هذا ما روي عن السدي أنه يؤتى الشهيد بكتاب فيه ذكر من يقدم عليه من إخوانه يبشر بذلك فيستبشر كما يستبشر أهل الغائب بقدومه في الدنيا ، فضمير ، عليهم وما بعده على هذا راجع إلى الذين الأول ، وعلى الأول إلى الثاني ، ومن الناس من فسر الذين لم يلحقوا بالمتخلفين في الفضل عن رتبة الشهداء وهم الغزاة الذين جاهدوا في سبيل الله تعالى ولم يقتلوا بل بقوا حتى ماتوا في مضاجعهم ، فإنهم وإن لم ينالوا مراتب الشهداء إلا أن لهم أيضاً فضلاً عظيماً بحيث لا خوف عليهم ولا هم يحزنون لمزيد فضل الجهاد ، ولا يخفى أنه خلاف الظاهر من الآية وإن كان فضل الغزاة وإن لم يقتلوا مما لا يتناطح فيه كبشان ، وأن على كل تقدير هي المخففة واسمها ضمير الشأن وخبرها الجملة المنفية ، والمعنى لا خوف عليهم فيمن خلفوه من ذريتهم فإن الله تعالى يتولاهم ولا هم يحزنون على ما خلفوا من أموالهم لأن الله تعالى قد أجزل لهم العوض ، أو لا خوف عليهم فيما يقدمون عليه لأن الله تعالى محص ذنوبهم بالشهادة ولا هم يحزنون على مفارقة الدنيا فرحاً بالآخرة ، أو لا خوف عليهم في الدنيا من القتل فإنه عين الحياة التي يجب أن يرغب فيها فضلاً عن أن يخاف ويحذر ولا هم يحزنون على المفارقة ، وقيل : إن كلا هذين المنفيين فيما يتعلق بالآخرة ، والمعنى أنهم لا يخافون وقوع مكروه من أهوالها ، ولا يحزنون من فوات محبوب من نعيمها ، وهو وجه وجيه.\rوالمراد بيان دوام انتفاء ذلك لا بيان انتفاء دوامه كما يوهمه كون الخبر في الجملة الثانية مضارعاً فإن النفي وإن دخل على نفس المضارع يفيد الدوام والاستمرار بحسب المقام ؛ وقد تقدمت الإشارة إليه. أ هـ {روح المعانى حـ 4 صـ 123 ـ 124}","part":18,"page":179},{"id":7669,"text":"وقال ابن عاشور :\rوقوله : { ألا خوف عليهم } بدل اشتمال ، و( لا ) عاملة عمل ليس ومفيدة معناها ، ولم يُبن اسم ( لا ) على الفتح هنا لظهور أنّ المقصود نفي الجنس ولا احتمال لنفي الوحدة فلا حاجة لبناء النكرة على الفتح ، وهو كقول إحدى نساء حديث أمّ زرع : \" زوجي كلَيْلِ نِهَامَة ، لا حرٌّ ولا قرّ ولا مخافة ولا سَآمَهْ \" برفع الأسماء النكرات الثلاثة.\rوفي هذا دلالة على أنّ أرواح هؤلاء الشهداء مُنحت الكشفَ على ما يسرّها من أحوال الذين يهمّهم شأنهم في الدنيا.\rوأنّ هذا الكشف ثابت لجميع الشهداء في سبيل الله ، وقد يكون خاصّاً الأحوال السارّة لأنّها لذّة لها.\rوقد يكون عامّاً لِجميع الأحوال لأنّ لذّة الأرواح تحصل بالمعرفة ، على أنّ الإمام الرازي حَصَر اللذّة الحقيقية في المعارف.\rوهي لذّة الحكماء بمعرفة حقائق الأشياء ، ولو كانت سيئة.\rوفي الآية بشارة لأصحاب أُحُد بأنّهم لا تلحقهم نكبة بعد ذلك اليوم. أ هـ {التحرير والتنوير حـ 3 صـ 283 ـ 284}\rفائدة\rقال الفخر :\rالخوف يكون بسبب توقع المكروه النازل في المستقبل ، والحزن يكون بسبب فوات المنافع التي كانت موجودة في الماضي ، فبين سبحانه أنه لا خوف عليهم فيما سيأتيهم من أحوال القيامة ، ولا حزن لهم فيما فاتهم من نعيم الدنيا. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 9 صـ 78}\rفائدة\rقال ابن الجوزى :\rوفي ماذا يرتفع \"الخوف\" و\"الحزن\" عنهم ؟ فيه قولان.\rأحدهما : لا خوف عليهم فيمن خلفوه من ذريتهم ، ولا يحزنون على ما خلفوا من أموالهم.\rوالثاني : لا خوف عليهم فيما يقدمون عليه ، ولا يحزنون على مفارقة الدنيا فرحاً بالآخرة. أ هـ {زاد المسير حـ 1 صـ 502}","part":18,"page":180},{"id":7670,"text":"فصل\rقال الفخر :\rإنه تعالى بين أنهم كما يستبشرون بالذين لم يلحقوا بهم على ما ذكر فهم يستبشرون لأنفسهم بما رزقوا من النعيم ، وإنما أعاد لفظ {يَسْتَبْشِرُونَ} لأن الاستبشار الأول كان بأحوال الذين لم يلحقوا بهم من خلفهم ، والاستبشار الثاني كان بأحوال أنفسهم خاصة.\rفإن قيل : أليس أنه ذكر فرحهم بأحوال أنفسهم والفرح عين الاستبشار ؟\rقلنا : الجواب من وجهين :\rالأول : أن الاستبشار هو الفرح التام فلا يلزم التكرار.\rوالثاني : لعل المراد حصول الفرح بما حصل في الحال ، وحصول الاستبشار بما عرفوا أن النعمة العظيمة تحصل لهم في الآخرة. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 9 صـ 78}\rوقال الآلوسى :\r{ يَسْتَبْشِرُونَ } مكرر للتأكيد وليتعلق به قوله تعالى : { بِنِعْمَةٍ مّنَ الله وَفَضْلٍ وَأَنَّ الله لاَ يُضِيعُ أَجْرَ المؤمنين }","part":18,"page":181},{"id":7671,"text":"فحينئذ يكون بياناً وتفسيراً لقوله سبحانه : { أَلاَّ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ } [ آل عمران : 170 ] لأن الخوف غم يلحق الإنسان مما يتوقعه من السوء ، والحزن غم يلحقه من فوات نافع أو حصول ضار فمن كان متقلباً في نعمة من الله تعالى وفضل منه سبحانه فلا يحزن أبداً ، ومن جعلت أعماله مشكورة غير مضيعة فلا يخاف العاقبة ، ويجوز أن يكون بيان ذلك النفي بمجرد قوله جل وعلا : { بِنِعْمَةٍ مّنَ الله وَفَضْلٍ } من غير ضم ما بعده إليه ، وقيل : الاستبشار الأول : بدفع المضار ولذا قدم ، والثاني : بوجود المسار أو الأول : لإخوانهم ، والثاني : لهم أنفسهم ، ومن الناس من أعرب يستبشرون بدلاً من الأول ولذا لم تدخل واو العطف عليه ، ومن الله متعلق بمحذوف وقع صفة لنعمة مؤكدة لما أفاده التنكير من الفخامة الذاتية بالفخامة الإضافية ، وجمع الفضل والنعمة مع أنهما كثيراً ما يعبر بهما عن معنى واحد إما للتأكيد وإما للإيذان بأن ما خصهم به سبحانه ليس نعمة على قدر الكفاية من غير مضاعفة سرور ولذة ، بل زائد عليها مضاعف فيها ذلك ، ونظيره قوله تعالى : { لّلَّذِينَ أَحْسَنُواْ الحسنى وَزِيَادَةٌ } [ يونس : 26 ] وعطف { وَأَنْ } على فضل أو على نعمة وعلى التقديرين مضمون ما بعدها داخل في المستبشر به. أ هـ {روح المعانى حـ 4 صـ 124}\rقوله تعالى {بِنِعْمَةٍ مّنَ الله وَفَضْلٍ}\rقال ابن عاشور : \rوالنعمة : هي ما يكون به صلاح ، والفضل : الزيادة في النعمة. أ هـ {التحرير والتنوير حـ 3 صـ 284}","part":18,"page":182},{"id":7672,"text":"قال الفخر :\rالآية تدل على أن استبشارهم بسعادة إخوانهم أتم من استبشارهم بسعادة أنفسهم ، لأن الاستبشار الأول في الذكر هو بأحوال الإخوان ، وهذا ، تنبيه من الله تعالى على أن فرح الإنسان بصلاح أحوال إخوانه ومتعلقيه ، يجب أن يكون أتم وأكمل من فرحه بصلاح أحوال نفسه. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 9 صـ 78}\rفصل\rقال القرطبى :\rقوله تعالى { يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ}\rأي بجنة من الله.\rويقال : بمغفرة من الله.\r{ وَفَضْلٍ } هذا لزيادة البيان.\rوالفضل داخل في النعمة ، وفيه دليل على اتساعها ، وأنها ليست كنِعَم الدنيا.\rوقيل : جاء الفضل بعد النعمة على وجه التأكيد ؛ روى التِّرمذيّ عن المِقْدام بن مَعْدِيكرِب قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : \" للشَّهيد عند الله ستُّ خِصال كذا في الترمذيّ وابن ماجه \"سِتّ\" ، وهي في العدد سبع يغفر له في أوّل دُفعة ويرى مَقعده من الجنة ويُجار من عذاب القبر ويأمن من الفزع الأكبر ويوضع على رأسه تاجُ الوَقار الياقوتة منها خير من الدنيا وما فيها ويُزوّج اثنتين وسبعين زوجة من الحور العِين ويُشَفَّع في سبعين من أقاربه \" قال : هذا حديث حسن صحيح غريب.\rوهذا تفسير للنّعمة والفضل.\rوالآثار في هذا المعنى كثيرة.\rورُوي عن مجاهد أنه قال : السيوف مفاتيح الجنة.","part":18,"page":183},{"id":7673,"text":"ورُوي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال : \" أكرم الله تعالى الشهداء بخمس كرامات لم يُكرم بها أحداً من الأنبياء ولا أنا أحدها أن جميع الأنبياء قبض أرواحَهم مَلَكُ الموت وهو الذي سيقبض رُوحي وأما الشهداء فالله هو الذي يقبض أرواحهم بقدرته كيف يشاء ولا يُسلّط على أرواحهم مَلَكُ الموت ، والثاني أن جميع الأنبياء قد غُسِّلوا بعد الموت وأنا أُغَسَّل بعد الموت والشهداء لا يُغَسَّلُون ولا حاجة لهم إلى ماء الدنيا ، والثالث أن جميع الأنبياء قد كُفِّنوا وأنا أُكَفَّن والشهداء لا يُكَفَّنون بل يُدفنون في ثيابهم ، والرابع أن الأنبياء لما ماتوا سُمُّوا أمواتا وإذا مِت يقال قد مات والشهداء لا يُسَمَّون مَوْتَى ، والخامس أن الأنبياء تُعطَى لهم الشفاعةُ يوم القيامة وشفاعتي أيضاً يوم القيامة وأما الشهداء فإنهم يشفعون في كل يوم فيمن يشفعون \". أ هـ {تفسير القرطبى حـ 4 صـ 275 ـ 276}\rقوله تعالى {وَأَنَّ الله لاَ يُضِيعُ أَجْرَ المؤمنين}\rفصل\rقال الفخر :\rالمقصود من الآية بيان أن الذي تقدم من إيصال الثواب والسرور العظيم إلى الشهداء ليس حكما مخصوصاً بهم ، بل كل مؤمن يستحق شيئا من الأجر والثواب ، فإن الله سبحانه يوصل إليه ذلك الأجر والثواب ولا يضيعه ألبتة. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 9 صـ 78 ـ 79}\rفصل\rقال الفخر :\rالآية عندنا دالة على العفو عن فساق أهل الصلاة لأنه بإيمانه استحق الجنة فلو بقي بسبب فسقه في النار مؤبداً مخلداً لما وصل إليه أجر إيمانه ، فحينئذ يضيع أجر المؤمنين على إيمانهم وذلك خلاف الآية. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 9 صـ 79}","part":18,"page":184},{"id":7674,"text":"بحث نفيس للإمام القرطبى\rقال عليه الرحمة :\rباب ما جاء أن أرواح الشهداء في الجنة دون أرواح غيرهم\rيدل على ذلك قوله عليه الصلاة والسلام في حديث ابن عمر : هذا مقعدك حتى يبعثك الله إليه يوم القيامة وهذه حالة مختصة بغير الشهداء .\rو في صحيح مسلم عن مسروق قال : سألنا عبد الله بن مسعود عن هذه الآية : ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتاً بل أحياء عند ربهم يرزقون فقال : [ أرواحهم في جوف طير خضر لها قناديل معلقة بالعرش تسرح من الجنة حيث شاءت ، ثم تأوي إلى تلك القناديل فاطلع إليهم ربهم اطلاعة فقال : هل تشتهون شيئاً ؟ قالوا : أي شيء نشتهي ونحن نسرح في الجنة حيث نشاء ؟ ففعل بهم ذلك ثلاث مرات ، فلما رأوا أنهم لن يتركوا من أن يسألوا قالوا : يا رب نريد أن ترد أرواحنا في أجسادنا حتى نقتل في سبيلك مرة أخرى فلما رأى أن ليس لهم حاجة تركوا ] .\rفصل : قلت : وهنا اعتراضات خمسة :\rالأول : إن قيل : ما قولكم في الحديث الذي ذكرتم ما من أحد يمر بقبر أخيه المؤمن كان يعرفه في الدنيا فيسلم عليه إلا عرفه ورد عليه السلام ؟ قلنا : هو عموم يخصصه ما ذكرناه ، فهو محمول على غير الشهداء .","part":18,"page":185},{"id":7675,"text":"الثاني : فإن قيل : فقد روى مالك عن ابن شهاب ، عن عبد الرحمن بن كعب بن مالك الأنصاري أنه أخبره أن أباه كعب بن مالك كان يحدث أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : إن نسمة المؤمن طائر يعلق في شجر الجنة حتى يرجعه الله إلى جسده يوم يبعثه ؟ قلنا : قال أهل اللغة تعلق بضم اللام تأكل . يقال علقت تعلق علوقاً . ويروى يعلق بفتح اللام وهو الأكثر ومعناه : تسرح وهذه حالة الشهداء لا غيرهم بدليل الحديث المتقدم . وقوله تعالى : بل أحياء عند ربهم يرزقون ولا يرزق إلا حي فلا يتعجل الأكل والنعيم لأحد إلا للشهيد في سبيل الله بإجماع من الأمة . حكاه القاضي أبو بكر بن العربي في سراج المريدين ، وغير الشهيد بخلاف هذا الوصف إنما يملأ عليه قبره خضراً ويفسح له فيه . وقوله : \rنسمة المؤمن . أي روح المؤمن الشهيد . يدل عليه قوله في نفس الحديث حتى يرجعه الله تعالى إلى جسده يبعثه .\rالثالث : فإن قيل : فقد جاء أنه الأرواح تتلاقى في السماء والجنة في السماء يدل على قوله عليه السلام : إذا دخل رمصان فتحت أبواب السماء وفي رواية أبواب الجنة ؟ قلنا : لا يلزم من تلاقي الأرواح في السماء أن يكون تلاقيها في الجنة ، بل أرواح المؤمنين غير الشهداء تارة تكون في الأرض على أفنية القبور ، وتارة في السماء لا في الجنة . وقد قيل إنها تزور قبورها كل يوم جمعة على الدوام ، ولذلك تستحب زيارة القبور ليلة الجمعة ويوم الجمعة وبكرة السبت فيما ذكر العلماء . والله أعلم .","part":18,"page":186},{"id":7676,"text":"قال ابن العربي : وبحديث الجرائد يستدل الناس على أن الأرواح في القبور تعذب أو تنعم ، وهو أبين في ذلك من حديث ابن عمر في الصحيح إذا مات أحدكم عرض عليه مقعده بالغداة والعشي لأن عرض مقعده ليس فيه بيان عن موضعه الذي يراه منه ، وحديث الجرائد نص على أن أولئك يعذبون في قبورهم . وكذلك حديث اليهود .\rقلت : ويحتمل على ما ذكرناه والله أعلم : أن يكون قوله عليه السلام : ما من أحد يمر بقبر أخيه المسلم كان يعرفه في الدنيا وروحه في قبره إلا عرفه ورد عليه السلام حتى لا تتناقض الأخبار . والله أعلم .\rالرابع : فإن قيل فقد قال صلى الله عليه وسلم : والذي نفسي بيده لو أن رجلاً قتل في سبيل الله ثم أحيي ثم قتل ثم أحيي وعليه دين ما دخل الجنة حتى يقضي عنه .\rو هذا يدل على أن ببعض الشهداء لا يدخلون الجنة ، من حين القتل ولا تكون أرواحهم في جوف طير ، ولا تكون في قبورهم فأين تكون ؟ قلنا : قد خرج ابن وهب بإسناده عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : الشهداء على بارق نهر بباب الجنة يخرج عليهم رزقهم من الجنة بكرة وعشياً فلعلهم هؤلاء أو من منعه من دخول الجنة حقوق الآدميين إذ الدين ليس مختصاً بالمال على ما يأتي .\rو لهذا قال علماؤنا أحوال الشهداء طبقات مختلفة ومنازل متباينة يجمعها أنهم يرزقون ، وقد تقدم قوله عليه السلام : من مات مريضاً مات شهيداً وغدى وريح برزقه من الجنة وهذا نص في أن الشهداء مختلفو الحال وسيأتي : كم الشهداء ؟ إن شاء الله تعالى .","part":18,"page":187},{"id":7677,"text":"الخامس : فإن قيل : فقد روي ابن ماجه عن أبي أمامة قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : لشهيد البحر مثل شهيدي البر والمائد في البحر كالمتشحط في دمه في البر ، وما بين الموجتين كقاطع الدنيا في طاعة الله عز وجل ، وإن الله وكل ملك الموت بقبض الأرواح إلا شهيد البحر فإنه يتولى قبض أرواحهم ويغفر لشهيد البر الذنوب كلها إلا لدين ، ولشهيد البحر الذنوب كلها والدين ؟ قلنا : الدين إذا أخذه المرء في حق واجب لفاقة أو عسر ومات ولم يترك وفاء فإن الله تعالى لا يحيسه عن الجنة إن شاء الله شهيداً كان أو غيره ، لأن على السلطان فرضاً أن يؤدي عنه دينه . قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : من ترك ديناً أو ضياعاً فعلى الله ورسوله ، ومن ترك مالاً فلورثته فإن لم يؤد عنه السلطان فإن الله تعالى يقضي عنه ويرضى خصمه .\rوالدليل على ذلك ما رواه ابن ماجه في سننه عن عبد الله بن عمر قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : إن الدين يقتص أو مقتص من صاحبه يوم القيامة إذا مات إلا من تدين في ثلاث خلال : الرجل تضعف قوته في سبيل الله فيستدين ليتقوى به لعدو الله وعدوه ، ورجل يموت عنده رجل مسلم لا يجد ما يكفنه فيه ويواريه إلا بدين ، ورجل خاف على نفسه العزبة فينكح خشية على دينه . فإن الله يقضي عن هؤلاء يوم القيامة ، وأما من دان في سفه أو سرف فمات ولم يوفه أو ترك له وفاء ولم يوص به أو قدر على الأداء فلم يوفه ، فهذا الذي يجس به صاحبه عن الجنة حتى يقع القصاص بالحسنات والسيئات على ما يأتي فيحتمل أن يكون قوله عليه السلام في شهيد البحر عاماً في الجميع","part":18,"page":188},{"id":7678,"text":"وهو الأظهر لأنه لم يفرق بين دين ودين ويحتمل أن يكون قوله فيمن أدان ولم يفرط في الأداء وكان عزمه ونيته الأداء لا إتلاف المال على صاحبه ، وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : من أخذ أموال الناس يريد أداءها أدى الله عنه . ومن أخذها يريد إتلافها أتلفه الله خرجه البخاري .\rعلى أن حديث أبي أمامة في إسناده لين ، وأعلى منه إسناداً وأقوى ما رواه مسلم عن عبد الله بن عمرو أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : القتل في سبيل الله يكفر كل شيء إلا الدين ولم يخص براً من بحر . وكذلك ما رواه أبو قتادة : أن رجلاً قال : يا رسول الله أرأيت إن قتلت في سبيل الله أيكفر الله عني خطاياي ؟ فقال له رسول الله : نعم إن قتلت في سبيل الله وأنت صابر محتسب مقبل غير مدبر ، ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : كيف قلت ؟ فقال : أرأيت إن قتلت في سبيل الله أيكفر الله عني خططاياي ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : نعم وأنت صابر محتبل ومقبل غي مدبر إلا الدين فإن جبريل قال لي ذلك .\rوخرج أبو نعيم الحافظ بإسناده عن قاضي البصريين شريح عن عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : إن الله يدعو صاحب الدين يوم القيامة فيقول يا ابن آدم فيم أضعت حقوق الآدميين ؟ فيم أذهبت أموالهم ؟ فيقول : يا رب لم أفسده ولكن أصبت إما غرقاً أو حرقاً فيقول الله عز وجل : أنا أحق من قضى عنك اليوم فترجح حسناته على سيئاته فيؤمر به إلى الجنة . رواه من طرق . وقال يزيد بن هارون في حديثه [ فيدعو الله تعالى بشيء فيضعه في ميزانه فيثقل ] . غريب من حديث شريح تفرد به صدقة بن أبي موسى عن أبي عمران الجوني .","part":18,"page":189},{"id":7679,"text":"قلت : هذا نص في قضاء الله سبحانه الدين إذا لم يؤخذ على سبيل الفساد والحمد لله الموفق للسداد ، والمبين على لسان رسوله صلى الله عليه وسلم ما أبهم واستغلق من مشكل على العباد ، وقد قال بعض العلماء : إن أرواح المؤمنين كلهم في جنة المأوى وإنما قيل لها : المأوى لأنها تأوي إليها أرواح المؤمنين وهي تحت العرش فيتنعمون بنعيمها ، ويتنسمون من طيب ريحها ، وهي تسرح في الجنة وتأوي إلى قناديل من نور تحت العرش وما ذكرناه أولاً أصح والله أعلم.\rوقد روى ابن المبارك : أخبرنا ثور بن يزيد ، عن خالد بن معدان قال : حدث عبد الله بن عمرو بن العاص قال : أرواح المؤمنين في طير كحالزرازير يتعارفون ، يرزقون من الجنة . أخبرنا ابن لهيعة قال : حدثني يززيد بن أبي حبيب أن منصور بن أبي منصور ، حدثه قال سألت عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنه ، فقلت أخبرني عن أرواح المسلمين أين هي حين يتوفون ؟ قال : ما تقولون أنتم يا أهل العراق ؟ قلت : لا أدري . قال : فإنها صور طير بيض فيظل العرش وأرواح الكافرين في الأرض السابعة . وذكر الحديث .\rقلت : فهذه حجة من قال : إن أرواح المؤمنين كلهم في الجنة والله أعلم . على أنه يحتمل أن يدخله من التأويل ما تقدم والله أعلم فيكون بالمعنى : أرواح المؤمنين الشهداء وكذا فقلت : أخبرني عن أرواح المؤمنين الشهداء . والله أعلم .\rوروى ابن عيينة عن عبد الله بن أبي يزيد أنه سمعه ابن عباس رضي الله عنهما يقول : إن أرواح الشهداء تجول في طير خضر .","part":18,"page":190},{"id":7680,"text":"فصل : وقع في حديث ابن مسعود : أرواحهم في جوف طير خضر وفي حديث مالك : نسمة المؤمن طائر وروى الأعمش عن عبد الله بن مرة قال : سئل عبد الله بن مسعود عن أرواح الشهداء ؟ فقال : أرواح الشهداء عند الله كطير خضر في قناديل تحتة العرش تسرح من الجنة حيث شاءت ، ثم ترجع إلى قناديلها . وذكر الحديث .\rوروى ابن شهاب عن ابن كعب بن مالك عن أبيه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : أرواح الشهداء طير خضر تعلق في شجر الجنة وهذا كله مطابق لحديث مالك فهو أصح من رواية من روى أن أرواحهم في جوف طير خضر . قاله أبو عمر في الاستذكار.\rوقال أبو الحسن القابسي : أنكر العلماء قول من قال في حواصل طير لأنها رواية غير صحيحة ، لأنها إذا كانت كذلك فهي محصورة مضيق عليها .\rقلت : الرواية صحيحة لأنها في صحيح مسلم بنقل العدل عن العدل فيحتمل أن تكون الفاء بمعنى على فيكون المعنى أرواحهم على جوف طير خضر كما قال تعالى : ولأصلبنكم في جذوع النخل أي على جذوع النخل وجائز أن يسمى الظهر : جوفاً : إذا هو محيط به ومشتمل عليه . قال أبو محمد عبد الحق : وهو حسن جداً .","part":18,"page":191},{"id":7681,"text":"وذكر شبيب بن إبراهيم في كتاب الإفصاح المنعم على جهات مختلفة . منها ما هو طائر يعلق من شجر الجنة . ومنها ما هو في حواصل طير خضر . ومنها ما يأوي في قناديل تحت العرش . ومنها ما هو في حواصل طير بيض . ومنها ما هو في حواصل طير كالزرازير . ومنها ما هو في أشخاص صور من صور الجنة . ومنها ما هو في صور تخلق لهم من ثواب أعمالهم . ومنها ما تسرح وتعود إلى جثتها تزورها . ومنها ما تتلقى أرواح المقبوضين . وممن سوى ذلك ما هو في كفالة ميكائيل . ومنها ما هو في كفالة آدم . ومنها ما هو في كفالة إبراهيم عليه السلام . وهذا قول حسن فإنه يجمع الأخبار حتى لا تتدافع ، والله بغيبه أعلم وأحكم. أ هـ {التذكرة فى أحوال الموتى حـ 1 صـ 175 ـ 180}","part":18,"page":192},{"id":7682,"text":"فوائد بلاغية\rقال أبو حيان :\rقيل : وتضمنت هذه الآيات من ضروب البديع ، الطباق في قوله : لقد منّ الله الآية ، إذ التقدير منّ الله عليهم بالهداية ، فيكون في هذا المقدّر.\rوفي قوله : في ضلال مبين ، وفي : يقولون بأفواههم ، والقول ظاهر ويكتمون.\rوفي قالوا لإخوانهم وقعدوا ، إذ التقدير حين خرجوا وقعدوا هم.\rوفي : أمواتاً بل أحياء وفي : فرحين ويحزنون.\rوالتكرار في : وليعلم المؤمنين ، وليعلم الذين نافقوا الاختلاف متعلق العلم.\rوفي فرحين ويستبشرون.\rوالتجنيس المغاير في : أصابتكم مصيبة ، والمماثل في : أصابتكم قد أصبتم.\rوالاستفهام الذي يراد به الإنكار في : أو لما أصابتكم.\rوالاحتجاج النظري في : قل فادرأوا عن أنفسكم.\rوالتأكيد في : ولا هم يحزنون.\rوالحذف في عدة مواضع لا يتم المعنى إلا بتقديرها. أ هـ {البحر المحيط حـ 3 صـ 120}\rفوائد لغوية\rقال ابن عادل :\r\" الذين \" مفعول أول ، و\" أمواتاً \" مفعول ثانٍ ، والفاعلُ إما ضمير كل مخاطب ، أو ضمير الرسول صلى الله عليه وسلم كما تقدم في نظائره وقرأ حُمَيْد بن قَيْس وهشام - بخلاف عنه - \" يحسبن \" بياء الغيبة ، وفي الفاعل وجهان :\rأحدهما : أنه مُضْمَر ، إما ضمير الرسول صلى الله عليه وسلم أو ضمير مَنْ يَصْلح للحسبان - أي : حاسب.\rالثاني : قاله الزمخشري : وهو أن يكون \" الذين قتلوا \" قال : ويجوز أن يكون \" الذين قتلوا \" فاعلاً والتقديرُ : ولا يحسبنهم الذين قتلوا أمواتاً ، أي : ولا يحسبن الذين قتلوا أنفسهم أمواتاً.\rفإن قلت : كيف جاز حذف المفعول الأول ؟ قلتُ : هو - في الأصلِ - مبتدأ ، فحذف كما حذف المبتدأ في قوله : \" بل أحياء \" أي : هم أحياءٌ ؛ لدلالة الكلام عليهما.","part":18,"page":193},{"id":7683,"text":"وردَّ عليه أبو حيان بأن هذا التقديرَ يؤدي إلى تقديم الضمير على مفسره ، وذلك لا يجوز إلا في أبواب محصورةٍ ، وعَدَّ منه باب رُبُّهُ رَجُلاً ، نعم رجلاً زيد ، والتنازع عند إعمال الثاني في رأيه سيبويه ، والبدل على خلاف فيه ، وضمير الأمرِ ، قال : \" وزاد بعضُ أصحابِنَا أن يكون المفَسِّرُ خبراً للضمير \" وبأن حذف أحد مفعولي \" ظن \" اختصاراً إنما يتمشى له عند الجمهور مع أنه قليل جِداً ، نص عليه الفارسيُّ ، ومنعه ابنُ ملكون ألبتة.\rقال شهابُ الدينِ : \" وهذا من تحملاته عليه ، أما قوله : يؤدي إلى تقديم المضمر... إلى آخره ، فالزمخشريُّ لم يقدره صناعةً ، بل إيراداً للمعنى المقصود ، ولذلك لَمّا أراد أن يقدر الصناعة النحوية قدَّره بلفظ \" أنفسهم \" المنصوبة وهي المفعول الأول ، وأظن الشيخ يتوهم أنها مرفوعة ، تأكيداً للضمير في \" قتلوا \" ولم ينتبه أنه إنما قدرها مفعولاً أول منصوبة ، وأما تَمْشِية قوله على مذهب الجمهور فيكفيه ذلك وما عليه من ابن ملكون ، وستأتي مواضعُ يضطر هو وغيره إلى حَذْف أحدِ المفعولينِ ، كما ستقف عليه قريباً.\rوتقدم الكلامُ على مادة \" حسب \" ولغاتها ، وقراءاتها ، وقُرِئَ \" تحسبن \" - بفتح السين - قاله الزمخشريُّ وقرأ ابن عامر \" قتّلوا \" - بالتشديد - وهشام وحده في \" ما \" ماتوا وما قتلوا \" والباقون بالتخفيف ، فالتشديد للتكثير ، والتخفيفُ صالح لذلك ، وقرأ الجمهورُ \" أحياءٌ \" رفعاً ، على تقدير : بل هُمْ أحياءٌ ، وقرأ ابنُ ابي عَبْلَة \" أحياءً \" وخرَّجها أبو البقاء على وجهين : \rأحدهماك أن يكون عطفاً على \" أمواتاً \" قال : \" أمواتاً \" قال : \" كما تقول : ما ظننت زيداً قائماً بل قاعداً \".\r","part":18,"page":194},{"id":7684,"text":"الثاني : - وإليه ذهب الزمخشري - أيضاً - أن يكون بإضمار فعل ، تقديره : بَلِ أحسبهم أحياءً ، وهذا الوجهُ سبق إليه أبة إسحاق ، الزجاجِ ، إلا أن الفارسيَّ ردَّه عليه - في الإغفال - وقال ، لأن الأمر يقينٌ ، فلا يجوز أن يؤمر فيه بمحسبة ، ولا يصح أن يُضمرَ فيه إلا فعلُ المحسبة ، فوجه قراءة ابن أبي عبلة أن يضمر فعلاً غير المحسبة ، اعتقدهم ، أو اجعلهم ، وذلك ضعيفٌ ؛ إذ لا دَلاَلَةَ في الكلامِ على ما يُضْمَر.\rقال شهابُ الدينِ : وهذا تحامُل من أبي عليٍّ أما قوله : إن الأمر يقينٌ ، يعني أن كونهم أحياء أمر متيقن ، فكيف يقال فيه : أحسبهم - بفعل يقتضي الشك - وهذا غير لازم ؛ لأن \" حسب \" قد تأتي لليقين.\rقال الشاعر : [ الطويل ]\rحَسِبْتُ التُّقَى وَالمَجْدَ خَيْرَ تِجَارَةٍ... رَبَاحاً إذَا ما المَرْءُ أصبَحَ ثَاقِلا\rوقال آخر : [ الطويل ]\rشَهِدْت وَفَاتُونِي وَكُنْتُ حَسِبْتُنِي... فَقيراً إلى أن يَشْهَدوُا وَتَغِيبي\rف \" حسب \" - في هذين البيتين - لليقين ؛ لأن المعنى على ذلك. وقوله : لذلك ضعيف ، يعني من حيث عدم الدلالة اللفظية ، وليس كذلك ، بل إذا أرشَدَ المعنى إلى شيء يُقَدَّر ذلك الشيءُ - لدلالة المعنى عليه - من غير ضَعْفٍ - وإن كانَ دلالةُ اللَّفظِ أحسنَ - وأما تقديره هو : اعتقدهم أو جعلهم ، قال الشيخ : هذا لا يصح ألبتة سواءٌ جعلت : اجعلهم بمعنى اخلقهم ، أو صيِّرهم أو سمِّهم ، أو الْقهم.\rقوله : { عِندَ رَبِّهِمْ } فيه خمسةُ أوجهٍ : \rأحدها : أن يكون خبراً ثانياً لـ \" أحياء \" على قراءة الجمهورِ.\rالثاني : أن يكون ظرفاً لـ \" أحياء \" لأن المعنى : يحيون عند ربهم.\rالثالث : أن يكون ظرفاً لـ \" يرزقون \" أي : يقع رزقهم في هذا المكانِ الشريفِ.\r","part":18,"page":195},{"id":7685,"text":"الراع : أن يون صفة لـ \" أحياء \" فيكون في محل رفع على قراءة الجمهور ، ونصب على قراءة ابن أبي عبلة.\rالخامس : أن يكون حالاً من الضمير المستكن في \" أحياء \". أي : يحيون مرزوقين. والمراد بالعندية : المجاز عن قربهم بالتكرمة.\rوقيل : { عِندَ رَبِّهِمْ } أي : في حكمه ، كما تقول : هذه المسألةُ عند الشافعي كذا ، وعنده غيره كذا.\rقال ابنُ عطية \" وهو على حَذف مضاف ، أي : عند كرامة ربهم \". ولا حاجةَ إليه ؛ لأن الأولَ أليق.\rقوله : { يُرْزَقُونَ } فيه أربعةُ وجهٍ :\rأحدها : أن يكون خبراً ثالثاً لـ \" أحياء \" أو ثانياً - إذا لم نجعل الظرفَ خبراً.\rالثاني : أنها صفة لـ \" أحياء : \" - بالاعتبارين المتقدمين - فإن أعربنا الظرف وصفاً - أيضاً - فيكون هذا جاء على وعديله ؛ لأنه أقرب إلى المفرد.\rالثالث : أنه حال من الضمير في \" أحياء \" أي : يحيون مرزوقين.\rالرابع : أن يكون حالاً من الضمير المستكن في الظرف ، إذا جعلته صفة. وليس ذلك مختصاً بجعله صفة فقط ، بل لو جعلته حالاً جاز ذلك - أيضاً - وهذه تُسمى الحالَ المتداخلة ، ولو جعلته خبراً كان كذلك \".\rقوله : { فَرِحِينَ } فيه خمسة أوجهٍ :\rأحدها : أن يكون حالاً من الضمير في \" أحياء \".\rثانيها : أن يكون حالاً من الضمير في الظرف.\rثالثها : أن يكون حالاً من الضمير في { يُرْزَقُونَ }.\rرابعها : أنه منصوبٌ على المَدْح.\rخامسها : أنه صفة لـ \" أحياء \".\rوهذا مختص بقراءة ابن أبي عبلة و\" بما \" يتعلق بـ \" فرحين \".\rقوله : { مِن فَضْلِهِ } في \" من \" ثلاثة أوجهٍ :\rأحدها : أن معناها السببية ، أي بسببب فضله ، أي : الذي آتاهم الله متسبب عن فضله.\rالثاني : أنها لابتداء الغايةِ ، وعلى هذين الوجهين تتعلق بـ \" آتاهم \".","part":18,"page":196},{"id":7686,"text":"الثالث : أنها للتبعيض ، أي : بعض فضله ، وعلى هذا فتتعلق بمحذوف ، على أنه حال من الضمير العائدِ على الموصول ولكنه حُذِف ، والتقدير : بما آتاهموه كائناً من فَضْلهِ.\rقوله : \" ويستبشرون \" فيه أربعة أوجهٍ :\rأحدها : أن يكون من باب عطفِ الفعلِ على الاسم ؛ لكون الفعل في تأويله ، فيكون عطفاً على \" فرحين \" كأنه قيل : فرحين ومُسْتَبْشِرِين ، ونظَّروه بقوله تعالى : { فَوْقَهُمْ صَافَّاتٍ وَيَقْبِضْنَ } [ الملك : 19 ].\rالثاني : أنه - أيضاً - يكون من باب عطف الفعل على الاسم ، ولكن لا لأن الاسم في تأويل الفعل ، قال أبو البقاء هو معطوف على \" فرحين \" لأن اسم الفاعل - هنا - يُشْبه الفعل المضارع يعني أن \" فرحين \" بمنزلة يفرحون ، وكأنه جعله من باب قوله : { إِنَّ المصدقين والمصدقات وَأَقْرَضُواْ الله } [ الحديد : 18 ] والتقديرُ الأولُ أولى ، لأن الاسم - وهو \" فرحين \" لا ضرورة بنا إلى أن نجعله في محل رفع فعل مضارع - حتى يتأول الاسم به - والفعل فَرْع فينبغي أن يُرَدَّ إليه.\rوإنما فعلنا ذلك في الآية ؛ لأن \" أل \" الموصولة بمعنى : الذي و\" الذي \" لا يُوصَل إلا بجملة أو شبهها ، وذلك الشبهُ - في الحقيقة - يتأول بجملة.\rالثالث : أن يكون مُستأنفاً ، والواو للعطف ، عطفت فعلية على اسمية.\rالرابع : أن يكون خبراً لمبتدأ محذوفٍ ، أي : وهم يستبشرون ، وحينئذٍ يجوز وجهان :\rأحدهما : أن تكون الجملة حاليةً من الضمير المستكن في \" فرحين \" أو من العائد المحذوف من \" آتاهم \" وإنما احتجنا إلى تقدير مبتدأ عند جعلنا إياها حالاً ؛ لأن المضارعَ المثبت لا يجوز اقترانه بواو الحال لما تقدم مراراً.\rالثاني من هذين الوجهين : أن تكون استئنافية ، عطف جملة اسمية على مثلها.","part":18,"page":197},{"id":7687,"text":"و \" استفعل \" - هنا - ليست للطلب ، بل تكون بمعنى المجرد ، نحو : استغنى الله - بمعنى : غَنِيَ ، وقد سُمِع بَشِر الرجل - بكسر العين - فيكون استبشر بمعناه ، قاله ابنُ عطية. ويجوز أن يكون مطاوع أبشَرَ ، نحو : أكانَهُ فاستكان ، وأراحه فاستراح ، وأشلاه فاستشلى ، وأحكمَه فاستحكم - وهو كثيرٌ - وجعله أبو حيّان أظهر ؛ من حيث إن المطاوعَة تدل على الاستفعال عن الغيرِ ، فحصلت لهم البُشرى بإبشار الله تعالى ، وهذا لا يلزم إذَا كان بمعنى المجردِ.\rقوله : { مِّنْ خَلْفِهِمْ } في هذا الجارّ وجهان : \rأحدهما : أنه متعلق بـ \" لم يلحقوا \" على معنى أنهم قد بَقُوا بَعْدَهم ، وهم قد تقدموهم.\rالثاني : أن يكون متعلقاً بمحذوفٍ على أنه حال من فعل \" لم يلحقوا \" على معنى أنهم قد بَقُوا بَعْدَهم ، وهم قد تقدموهم.\rالثاني : أن يكون متعلقاً بمحذوفٍ على أنه حال من فاعل \" يلحقوا بهم \" ، أي : لم يلحقوا بهم حال كونهم متخلِّفين عنهم - أي : في الحياة.\rقوله : { أَلاَّ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ } فيه وجهان : \rأحدهما : أن \" أن \" وما في حيِّزِها في محل جَرّ ، بدلاً من \" بالذين \" بدل اشتمال ، أي : يستبشرون بعد خوفهم وحُزْنهم ، فهو المستبشَر به في الحقيقة ، لأن الذواتَ لا يُسْتَبْشَرُ بها.\rالثاني : أنها في محل نَصْبٍ ؛ على أنها مفعول من أجله ، أي : لأنهم لا خوف عليهم.\rو \" أن \" - هذه - هي المخفَّفة ، واسمها ضمير الشأن ، وجملة النفي بعدها في محل الخبر.\rفإن قيل : الذوات لا يُسْتبشر بها - كما تقدم - فكيف قال : { وَيَسْتَبْشِرُونَ بالذين لَمْ يَلْحَقُواْ }.\rفالجوابُ أن ذلك على حَذْفِ مُضَافٍ مناسبٍ ، تقديره : ويَسْتبشرون بسلامةِ الذين ، أو لحوقهم بهم في الدرجة.\r","part":18,"page":198},{"id":7688,"text":"وقال مكيٌّ - بعد أن حكى أنها بدلُ اشتمالٍ - : ويجوز أن يكون في موضع نَصْب ، على معنى : بأن لا وهذا - هو بعينه - وجه البدل المتقدّم ، غاية ما في الباب أنه أعاد مع البدل العامل في تقديره اللهُمّ إلا أن يعني أنها - وإن كانت بدلاً من \" الذين \" - ليست في محل جَرٍّ ، بل في محل نَصْبٍ ، لأنها سقطت منها الباء ؛ فإن الأصل : بان لا ، وإذا حُذِف منها حرفُ الجرِ كانت في محل نصبٍ على رأي سيبويه والفرَّاء - وهو بعيدٌ.\rقوله : { وَأَنَّ الله لاَ يُضِيعُ } قرأ الكِسائيُّ بِكَسْرِ \" أن \" على الاستئنافِ.\rوقال الزمخشري : إن قراءة الكسرِ اعتراضٌ.\rواستشكلَ كونها اعتراضاً ؛ لأنها لم تقع بين شيئن متلازمين.\rويمكن أن يُجاب عنه بأن \" الذين استجابوا \" يجوز أن يكون تابعاً لـ \" الذين لم يلحقوا \" - نعتاً ، أو بدلاً ، على ما سيأتي - فعلى هذا لا يتصور الاعتراض.\rويؤيدُ كونها الاستئناف قراءةُ عبد الله ومصحفُه : والله لا يضيع ، وقرأ باقي السبعةِ بالفتحِ ؛ عَطْفاً على قوله : \" بنعمة \" لأنها بتأويل مصدر ، أي : يستبشرون بنعمةٍ من الله وفضل منه وعدم إضاعةِ الله أجْرَ المؤمنين.\rفإن قيل : لم قال : \" يستبشرون \" من غير عطف ؟\rفالجوابُ فيه أوجهٌ :\rأحدها : أنه استئنافٌ متعلِّقٌ بهم أنفسهم ، دون \" الذين لم يلحقوا بهم \" لاختلافِ متعلِّقٍ البشارتين.\rالثاني : أنه تأكيدٌ الأولِ ؛ لأنه قصد بالنعمة والفضل مُتَعَلِّقِ الاستبشارِ الأولِ ، وإليهِ ذَهَبَ الزمخشري.\rالثالثُ : أنه بدلٌ من الفعل الأول ، ومعنى كونه بدلاً : أنه لما كان متعلقه بياناً لمتعلق الأول حَسُن أن يقال : بدل منه ، وإلا فكيف يبدل فعلٌ من فعل موافقٍ له لفظاً ومعنًى ؟ وهذا في المعنى يئول إلى وجه التأكيد.","part":18,"page":199},{"id":7689,"text":"الرابعُ : أنه حال من فاعل \" يحزنون \" و\" يحزنون \" عاملٌ فيه ، أي : ولا هم يحزنون حال كونهم مستبشرين بنعمة. وهو بعيدٌ ، لوجهين :\rأحدهما : أن الظاهر اختلافُ مَنْ نفي عنه الحُزْن ومن استبشرَ.\rالثاني : أن نفي الحزن ليس مقيَّداً ليكون أبلغ في البشارة ، والحال قَيْدٌ فيه ، فيفوت هذا المعنى. أ هـ {تفسير ابن عادل حـ 6 صـ 45 ـ 54}. بتصرف.\rفصل في فضل الجهاد في سبيل الله\r( ق ) عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : \" تضمن الله لمن خرج في سبيله لا يخرجه إلاّ جهاد في سبيل وإيمان بي وتصديق برسلي فهو على ضامن أن أدخله الجنة أو أرجعه إلى مسكنه الذي خرج منه نائلاً ما نال من أجر أو غنيمة.\rوالذي نفس محمد بيده ما من كلم يكلم في سبيل الله إلاّ جاء يوم القيامة كهيئته حين يكلم لونه لون دم وريحه ريح مسك.\rوالذي نفس محمد بيده لولا أن يشق على المسلمين ما قعدت خلاف سرية تغزو في سبيل الله أبداً ولكن لا أجد سعة فأحملهم ولا يجدون سعة ويشق عليهم أن يتخلفوا عني.","part":18,"page":200},{"id":7690,"text":"والذي نفس محمد بيده لوددت أني أغزو في سبيل الله فأقتل ثم اغزوا فأقتل \" لفظ ( ق ) عن أنس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال \" لغدوة في سبيل الله أو روحة خير من الدنيا وما فيها \" ( ق ) عن سهل بن سعد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : \" رباط يوم في سبيل الله خير من الدنيا وما عليها وموضع سوط أحدكم في الجنة خير من الدنيا وما عليها \" عن فضالة بن عبيد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : \" كل ميت يختم على عمله إلاّ المرابط في سبيل الله فإنه ينمى له عمله إلى يوم القيامة ويأمن من فتنة القبر \" أخرجه أبو داود والترمذي عن معاذ بن جبل أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول \" من قاتل في سبيل الله فواق ناقة وجبت له الجنة ومن سأل الله القتل في سبيل الله صادقاً من نفسه ثم مات أو قتل كان له أجر شهيد ، ومن جرح جرحاً في سبيل الله أو نكب نكبة فإنها تجيء يوم القيامة كأغزر ما كانت لونها لون الزعفران وريحها ريح المسك ومن خرج به خراج في سبيل الله فإن عليه طابع الشهداء \" أخرجه أبو داود والنسائي وأخرجه الترمذي مفرقاً في موضعين ( ق ) عن أبي سعيد قال : أتى رجل رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : \" أي الناس أفضل ؟ قال : مؤمن مجاهد بنفسه وماله في سبيل الله قال ثم من قال رجل في شعب من الشعاب يعبد الله \"","part":18,"page":201},{"id":7691,"text":"وفي رواية يتقي الله ويدع الناس من شره ( خ ) عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : \" من احتبس فرساً في سبيل الله إيماناً واحتساباً وتصديقاً فإن شعبه وريه وروثه وبوله في ميزانة يوم القيامة يعني حسنات \" ( ق ) عن أنس بن مالك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : \" ما أحد يدخل الجنة فيحب أن يرجع إلى الدنيا وله ما على الأرض من شيء إلاّ الشهيد يتمنى أن يرجع إلى الدنيا فيقتل عشر مرات لما يرى من الكرامة وفي رواية لما يرى من فضل الشهادة \" ( م ) عن عبد الله بن عمرو بن العاص أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال يغفر للشهيد كل ذنب إلى الدين عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : \" ما يجد الشهيد من مس القتل إلاّ كما يجد أحدكم من القرصة \" أخرجه الترمذي ؛ وللنسائي نحوه عن أبي الدرداء قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم \" يشفع الشهيد في سبعين من أهل بيته \" أخرجه أبو داود. أ هـ {تفسير الخازن حـ 1 صـ 297 ـ 298}\rوقال الثعالبى : \rعن مَسْرُوقٍ قال ، سَأَلْنَا ابْنَ مَسْعُودٍ عن هذه الآية : { وَلاَ تَحْسَبَنَّ الذين قُتِلُواْ فِي سَبِيلِ الله أمواتا بَلْ أَحْيَاءٌ عِندَ رَبّهِمْ يُرْزَقُونَ } ، فقال : أَمَّا أَنَا ، فَقَدْ سَأَلْتُ عَنْ ذَلِكَ ، فَقَالَ ، يَعْنِي النبيَّ صلى الله عليه وسلم : \" أَرْوَاحُهُمْ فِي جَوْفِ طَيْرٍ خُضْرٍ ، لَهَا قَنَادِيلُ مُعَلَّقةٌ بِالعَرْشِ ، تَسْرَحُ مِنَ الجَنَّةِ حَيْثُ شَاءَتْ ، ثُمَّ تَأْوِي إلى تِلْكَ القَنَادِيلِ... \" الحديثَ إلى آخره أ هـ .","part":18,"page":202},{"id":7692,"text":"ومن الآثار الصحيحةِ الدالَّة على فَضْلِ الشُّهداءِ ما رواه مالكٌ في \"الموطَّإ\" ؛ أنه بلَغَهُ أنَّ عمرو بْنَ الجَمُوحِ ، وعبْدَ اللَّهِ بْنَ عَمْرٍو الأنصارِيَّيْنِ ثُمَّ السُّلَمِيَّيْنِ كَانَا قَدْ حَفَرَ السَّيْلُ قبرهما ، وكان قَبْرُهما ممَّا يَلِي السَّيْلَ ، وكانا في قَبْرٍ واحدٍ ، وهما مِمَّن استشهد يَوْمَ أُحُدٍ ، فحفر عنهما ليغيَّرَا مِنْ مَكَانِهِمَا ، فَوُجِدَا لم يُغَيَّرا ، كأنما ماتا بالأمْسِ ، وكان أحدُهُما قَدْ جُرِحَ فَوَضَعَ يَدَهُ على جُرْحِهِ ، فَدُفِنَ ، وهو كذلك ، فَأُمِيطَتْ يده عَنْ جُرْحِهِ ، ثم أرْسِلَتْ ، فَرَجَعَتْ ، كما كانَتْ ، وكان بَيْنَ أُحُدٍ ، وبَيْنَ يَوْمَ حُفِرَ عَنْهُمَا سِتٌّ وأربعون سنَةً ، قال أبو عمر في \"التمهيد\" : حديثُ مالكٍ هذا يتَّصلُ من وجوهٍ صحاحٍ بمعنى واحدٍ متقاربٍ ، وعبد اللَّه بن عمرو هذا هو والدُ جابرِ بنِ عبدِ اللَّهِ ، وعَمْرُو بْنُ الجَمُوحِ هو ابنُ عَمِّه ، ثم أسند أبو عمر ، عن جابرِ بنِ عبْدِ اللَّهِ ، قال : لما أراد معاويةُ أنْ يُجْرِيَ العَيْنَ بأُحُدٍ ، نُودِيَ بالمدينةِ : مَنْ كان له قتيلٌ ، فليأت قتيله ، قال جابرٌ : فأتيناهم ، فأخرجْنَاهم رطَاباً يَتَثَنَّوْنَ ، فأصابَتِ المِسْحَاةُ أُصْبُعَ رَجُلٍ مِنْهُمْ ، فانفطرت دَماً ، قال أبو سعيدٍ الخُدْرِيُّ : \"لاَ يُنْكِرُ بَعْدَ هَذَا مُنْكَرٌ أَبداً\" وفي رواية : \"فاستخرجهم يعني : معاويةَ ، بعد سِتٍّ وأربعين سنَةً لَيِّنَةً أجسادُهم ، تتثنى أطرافهم\" ، قال أبو عمر : الذي أصابَتِ المِسْحَاةُ أصبُعَهُ هو حمزةُ ( رضي اللَّه عنه ).","part":18,"page":203},{"id":7693,"text":"ثم أسند عَنْ جابِرٍ قال : رأَيْتُ الشهداءَ يَخْرجُونَ على رِقَابِ الرجَالِ ؛ كأنهم رجَالٌ نُوَّمٌ ؛ حتى إذا أَصَابَتِ المِسْحَاةُ قَدَمَ حمزةَ ( رضي اللَّه عنه ) : \"فانثعبت دَماً\" انتهى. أ هـ {الجواهر الحسان حـ 1 صـ 332 ـ 333}\rوقال ابن كثير :\rعن مسروق قال : سألنا عبد الله عن هذه الآية : { وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ } فقال : أما إنَّا قد سألنا عن ذلك فقال : \"أَرْوَاحُهُمْ فِي جَوْفِ طَيْرٍ خُضْرٍ لَهَا قَنَادِيلُ مُعَلَّقَةٌ بِالْعَرْشِ، تَسْرَحُ مِنَ الْجَنَّةِ حَيْثُ شَاءَتْ، ثُمَّ تَأْوِي إِلَى تِلْكَ الْقَنَادِيلِ، فَاطَّلَعَ إِلَيْهِمْ رَبُّهُمْ اطِّلاعَةً فَقَالَ : هَلْ تَشْتَهُونَ شَيْئًا ؟ فَقَالُوا : أَيَّ شَيْءٍ نَشْتَهِي وَنَحْنُ نَسْرَحُ مِنَ الْجَنَّةِ حَيْثُ شِئْنَا ؟ فَفَعَلَ ذَلِكَ بِهِمْ ثَلاثَ مَرَّاتٍ، فَلَمَّا رَأَوْا أَنَّهُمْ لَنْ يُتْرَكُوا مِنْ أَنْ يُسْأَلُوا قَالُوا : يَا رَبِّ، نُرِيدُ أَنْ تَرُدَّ أَرْوَاحَنَا فِي أَجْسَادِنَا حَتَّى نُقْتَلَ فِي سَبِيلِكَ مَرَّةً أُخْرَى، فَلَمَّا رَأَى أَنْ لَيْسَ لَهُمْ حَاجَةٌ تُرِكُوا\" (1). وقد روي نحوه عن أنس وأبي سعيد.\rحديث آخر : قال الإمام أحمد : حدثنا عبد الصمد، حدثنا حَمَّاد، حدثنا ثابت عن أنس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : \"مَا مِنْ نَفْسٍ تَمُوتُ، لَهَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ، يَسُرُّهَا أَنْ تَرْجِعَ إِلَى الدُّنْيَا إِلا الشَّهِيدُ فَإِنَّهُ يَسُرُّهُ أَنْ يَرْجِعَ إِلَى الدُّنْيَا فَيُقْتَلَ مَرَّةً أُخْرَى لِمَا يَرَى مِنْ فَضْلِ الشَّهَادَةِ\".\rانفرد به مسلم من طريق حماد (2).\r____________\r(1) صحيح مسلم برقم (1887)\r(2) المسند (3/126) وصحيح مسلم برقم (1877) لكن من طريق حميد وقتادة عن أنس به.","part":18,"page":204},{"id":7694,"text":"حديث آخر : قال الإمام أحمد : حدثنا علي بن عبد الله المديني، حدثنا سفيان، عَن محمد بن علي بن رَبيعة السلمي، عن عبد الله بن محمد بن عقيل، عن جابر قال : قال لي رسولُ الله صلى الله عليه وسلم : \"أما عَلِمْتَ أَنَّ اللَّهَ أَحْيَا أَبَاكَ فَقَالَ لَهُ : تَمَنَّ عَلَيَّ ، فَقَالَ لَهُ : أُرَدُّ إِلَى الدُّنْيَا، فَأُقْتَلُ مَرَّةً أُخْرَى، فَقَالَ : إِنِّي قَضَيْتُ الْحُكْمَ أَنَّهُمْ إِلَيْهَا لا يُرْجَعُونَ\".\rانفرد به أحمد من هذا الوجه (1)\rوقد ثبت في الصحيحين وغيرهما أن أبا جابر -وهو عبد الله بن عَمْرو بن حَرام الأنصاري رضي الله عنه-قتل يوم أحد شهيدا. قال البخاري : وقال أبو الوليد، عن شعبة عن ابن المُنْكَدِر قال : سمعت جابرا قال : لما قُتِل أبي جعلتُ أبكي وأكشفُ الثوب عن وجهه، فجعل أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ينْهَوني والنبي صلى الله عليه وسلم لم يَنْه، وقال النبي صلى الله عليه وسلم : \"لا تَبْكِهِ - أو : مَا تَبْكِيهِ - ما زَالَتِ الْملائِكَةُ تُظِلُّهُ بِأجْنِحَتِها حَتَّى رُفِعَ\". وقد أسنده هو ومسلم والنسائي من طريق آخر عن شعبة عن محمد بن المنكدر عن جابر قال : لما قتلَ أبي يوم أحد، جعلت أكشف الثوب عن وجهه وأبكي... وذكر تمامة بنحوه (2).\r_____________\r(1) المسند (3/361)\r(2) صحيح البخاري برقم (4080) وصحيح مسلم برقم (2471) وسنن النسائي (4/13)","part":18,"page":205},{"id":7695,"text":"حديث آخر : قال الإمام أحمد : حدثنا يعقوب، حدثنا أبي، عن ابن إسحاق، حدثنا إسماعيل بن أمية بن عَمْرو بن سعيد، عن أبي الزبير المكي، عن ابن عباس، رضي الله عنهما، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : \"لَمَّا أُصِيبَ إخْوَانُكُمْ بِأُحُدٍ جَعَلَ اللهُ أَرْوَاحَهُمْ فِي أَجْوَافِ طَيْرٍ خُضْرٍ، تَرِدُ أَنْهَارَ الْجَنَّةِ، وتَأْكُلُ مِنْ ثِمَارِهَا وَتَأْوِي إِلَى قَنَادِيلَ مِنْ ذَهَبٍ فِي ظِلِّ الْعَرْشِ،\rفَلَمَّا وَجَدُوا طِيبَ مَشْرَبِهِمْ ، وَمَأْكَلِهِمْ، وَحُسْنَ مُنْقَلَبِهِم قَالُوا : يَا لَيْتَ إِخْوَانَنَا يَعْلَمُونَ مَا صَنَعَ اللَّهُ لَنَا، لِئَلا يَزْهَدُوا فِي الْجِهَادِ، وَلا يَنْكُلُوا عَنْ الْحَرْبِ\" فَقَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ : أَنَا أُبَلِّغُهُمْ عَنْكُمْ. فَأَنزلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ هَؤُلاءِ الآيَاتِ : { وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ } وما بعدها\".\rهكذا رواه [الإمام] أحمد، وكذا رواه ابن جرير عن يونس، عن ابن وَهْب، عن إسماعيل بن عَيَّاش عن محمد بن إسحاق به (1) ورواه أبو داود والحاكم في مستدركه من حديث عبد الله بن إدريس عن محمد بن إسحاق، عن إسماعيل بن أمية، عن أبي الزبير، عن سعيد بن جُبَير، عن ابن عباس فذكره، وهذا أثبت (2). وكذا رواه سفيان الثوري، عن سالم الأفطس، عن سعيد بن جُبَير عن ابن عباس.\r_____________\r(1) المسند (1/265) وتفسير الطبري (7/385)\r(2) سنن أبي داود برقم (2520) والمستدرك (2/297) وقال : \"هذا حديث صحيح على شرط مسلم\" ووافقه الذهبي.","part":18,"page":206},{"id":7696,"text":"وروى الحاكم في مستدركه من حديث أبي إسحاق الفزاري، عن سفيان عن إسماعيل بن أبي خالد، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال : نزلت هذه الآية في حمزة وأصحابه : { وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ } ثم قال : صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه (1).\rوكذا قال قتادة، والربيع، والضحاك : إنها نزلت في قتلى أحد.\rحديث آخر : قال أبو بكر بن مَرْدُويَه : حدثنا عبد الله بن جعفر، حدثنا هارون بن سليمان أنبأنا علي بن عبد الله المديني، أنبأنا موسى بن إبراهيم بن كثير بن بشير بن الفاكه الأنصاري، سمعت طلحة بن خِرَاش بن عبد الرحمن بن خراش بن الصمة الأنصاري، قال : سمعت جابر بن عبد الله قال : نظر إليّ رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات يوم فقال : \"يا جابر، مَا لِي أراك مُهْتَما ؟ \" قال : قلت : يا رسول الله، استشهد أبي وترك دَينا وعيالا. قال : فقال : \"ألا أُخْبِرُكَ ؟ مَا كَلَّمَ اللهُ أَحَدًا قَطُّ إلا مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ، وَإنَّهُ كَلَّمَ أَبَاكَ كِفَاحًا -قال علي : الكفَاح : المواجهة -فَقَالَ : سَلْني أعْطكَ. قَالَ : أَسْأَلُكَ أنْ أُرَدَّ إلَى الدُّنْيَا فَأُقْتَلَ فِيْكَ ثَانِيَةً فَقَالَ الرَّبُّ عَزَّ وَجَلَّ : إنَّهُ سَبَقَ مِنِّي القول أنَّهُمْ إلَيْهَا لا يُرْجَعُونَ. قَالَ : أيْ رَبِّ : فَأَبْلِغْ مَنْ وَرَائِي. فَأَنزلَ اللهُ [عَزَّ وجَلَّ] { وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا } الآية.\rثم رواه من طريق أخرى عن محمد بن سليمان بن سبيط الأنصاري، عن أبيه، عن جابر، به نحوه. وكذا رواه البيهقي في \"دلائل النبوة\" من طريق علي بن المديني، به (2).\r______________\r(1) المستدرك (2/387)\r(2) دلائل النبوة للبيهقي (3/299)","part":18,"page":207},{"id":7697,"text":"وقد رواه البيهقي أيضا من حديث أبي عبادة الأنصاري، وهو عيسى بن عبد الرحمن، إن شاء الله، عن الزهري، عن عروة، عن عائشة [رضي الله عنها] قالت : قال النبي صلى الله عليه وسلم لجابر : \"يَا جَابِرُ، ألا أُبَشِّرُكَ ؟ قال : بلى. بشّرك الله بالخير. قال شَعَرْتُ أنَّ اللهَ أحْيَا أَبَاكَ فَقَالَ : تَمَنَّ عَلَيَّ عَبْدِي مَا شِئْتَ أُعْطِكَه. قَالَ : يَا رَبِّ، مَا عَبَدْتُكَ حَقَّ عِبَادَتِكَ. أتَمَنَّى عَلَيْكَ أنْ تَرُدَّنِي إلَى الدُّنْيَا فَأُقَاتِلَ مَعَ نَبِيَّكَ، وأُقْتَلَ فِيْكَ مَرَّةً أُخْرَى. قَالَ : إنَّهُ سَلَفَ مِنِّي أنَّهُ إلَيْهَا [لا] يَرْجعُ\" (1).\rحديث آخر : قال الإمام أحمد : حدثنا يعقوب، حدثنا أبي، عن ابن إسحاق، حدثنا الحارث بن فُضَيْل الأنصاري، عن محمود بن لبيد، عن ابن عباس، رضي الله عنهما، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : \"الشُّهَدَاءُ عَلَى بَارِقِ نَهَرٍ بِبَابِ الْجَنَّةِ، فِي قُبَّةٍ خَضْرَاءَ، يَخْرُجُ عَلَيْهِمْ رِزْقُهُمْ مِنْ الْجَنَّةِ بُكْرَةً وَعَشِيًّا\".\rتفرد به أحمد، وقد رواه ابن جرير عن أبي كُرَيْب حدثنا عبد الرحيم بن سليمان، وعَبَدة عن محمد بن إسحاق، به. وهو إسناد جيد (2).\rوكان الشهداء أقسام : منهم من تسرح أرواحهم في الجنة، ومنهم من يكون على هذا النهر بباب الجنة، وقد يحتمل أن يكون منتهى سيرهم إلى هذا النهر فيجتمعون هنالك، ويغدى عليهم برزقهم هناك ويراح، والله أعلم.\r_______________\r(1) دلائل النبوة للبيهقي (3/298)\r(2) المسند (1/266) وتفسير الطبري (7/387)","part":18,"page":208},{"id":7698,"text":"وقد روينا في مسند الإمام أحمد حديثا فيه البشارة لكل مؤمن بأن روحه تكون في الجنة تسرح أيضا فيها، وتأكل من ثمارها، وترى ما فيها من النضرة والسرور، وتشاهد ما أعده الله لها من الكرامة، وهو بإسناد صحيح عزيز عظيم، اجتمع فيه ثلاثة من الأئمة الأربعة أصحاب المذاهب المتبعة ؛ فإن الإمام أحمد، رحمه الله، رواه عن [الإمام] محمد بن إدريس الشافعي، رحمه الله، عن مالك بن أنس الأصبحي، رحمه الله، عن الزهري عن عبد الرحمن بن كعب بن مالك، عن أبيه، رضي الله عنه، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : \"نَسَمةُ الْمؤْمِنِ طَائِرٌ يَعْلق في شَجِر الجَنَّةِ، حتى يُرْجِعَهُ اللهُ إلَى جَسَدِهِ يَوْمَ يَبْعَثُهُ\" (1).\rقوله : \"يعلق\" أي : يأكل.\rوفي هذا الحديث : \"إنَّ روحَ الْمؤْمنِ تَكُونُ عَلَى شَكْلِ طَائِرٍ فِي الْجَنَّةِ\".\rوأما أرواح الشهداء، فكما تقدم في حواصل طير خضر، فهي كالكواكب بالنسبة إلى أرواح عموم المؤمنين فإنها تطير بأنفسها، فنسأل الله الكريم المنان أن يثبتنا على الإيمان. أ هـ {تفسير ابن كثير حـ 2 صـ 161 ـ 164}\rمن لطائف الإمام القشيرى فى الآيات\rقال عليه الرحمة :\rوَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ (169) فَرِحِينَ بِمَا آَتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِنْ خَلْفِهِمْ أَلَّا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (170)}\rالحياة بذكر الحق بعد ما تتلف النفوس في رضاء الحق أتَمُّ من البقاء بنعمة الخلق مع الحجبة عن الحق.\r______________\r(1) المسند (3/455)","part":18,"page":209},{"id":7699,"text":"ويقال إن الذي وارثُه الحي الذي لم يزل فليس بميت - وإن قُتِل : وإن كانت العبدان للموت أُنْشِئَتْ... فقتل امرئ في الله - لا شكَّ - أفضلُ\rقوله : { وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِم مِّنْ خَلْفِهِمْ } : مَنْ علم أن أحباءه ينتظرونه وهم في الرَّفَه والنعمة لا يهنأ بعيش دون التأهب والإلمام بهم والنزول عليهم.\rقوله تعالى { يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ وَأَنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُؤْمِنِينَ (171)}\rعِلَّةُ استبشارهم وموجبه فضلٌ من الله ونعمة منه ، أي لولا فضله ونعمته بهم وإلا متى استبشروا ؟ فليس استبشارهم بالنعمة إنما استبشارهم بأنهم عبادُه وأنه مولاهم ، ولولا فضله ونعمته عليهم لما كانت لهم هذه الحالة. أ هـ {لطائف الإشارات حـ 1 صـ 296}","part":18,"page":210},{"id":7700,"text":"قوله تعالى : { الَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِلَّهِ وَالرَّسُولِ مِنْ بَعْدِ مَا أَصَابَهُمُ الْقَرْحُ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا مِنْهُمْ وَاتَّقَوْا أَجْرٌ عَظِيمٌ (172)}\rمناسبة الآية لما قبلها\rقال البقاعى :\rولما ذم المنافقين برجوعهم من غير أن يصيبهم قرح ، ومدح أحوال الشهداء ترغيباً في الشهادة ، وأحوال من كان على مثل حالهم ترغيباً في النسج على منوالهم ، وختم بتعليق السعادة بوصف الإيمان ، أخذ يذكر ما أثمر لهم إيمانهم من المبادرة إلى الإجابة إلى ما يهديهم إليه صلى الله عليه وسلم إشارة إلى أنه لم يحمل على التخلف عن أمره من غير عذر إلا صريح النفاق فقال : {الذين استجابوا} أي أوجدوا الإجابة في الجهاد إيجاداً مؤكداً محققاً ثابتاً ما عندهم من خالص الإيمان {لله والرسول} أي لا لغرض مغنم ولا غيره ، ثم عظم صدقهم بقوله - مثبتاً الجار لإرادة ما يأتي من إحدى الغزوتين إلا استغراق ما بعد الزمان - : {من بعد ما أصابهم القرح }.\rولما كان تعليق الأحكام بالأوصاف حاملاً على التحلي بها عند المدح قال سبحانه وتعالى : {للذين أحسنوا} وعبر بما يصلح للبيان والبعض ليدوم رغبهم ورهبهم فقال : {منهم واتقوا أجر عظيم} وهذه الآيات من تتمة هذه القصة سواء قلنا : إنها إشارة إلى غزوة حمراء الأسد ، أو غزوة بدر الموعد ، فإن الوعد كان يوم أحد - والله الهادي. أ هـ {نظم الدرر حـ 2 صـ 181}\rفصل في سبب نزول الآية\rقال الفخر :\rفي سبب نزول هذه الآية قولان :\rالأول : وهو الأصح أن أبا سفيان وأصحابه لما انصرفوا من أحد وبلغوا الروحاء ندموا ، وقالوا إنا قتلنا أكثرهم ولم يبق منهم إلا القليل فلم تركناهم ؟ بل الواجب أن نرجع ونستأصلهم ، فهموا بالرجوع فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فأراد أن يرهب الكفار ويريهم من نفسه ومن أصحابه قوة ، فندب أصحابه إلى الخروج في طلب أبي سفيان وقال : لا أريد أن يخرج الآن معي إلا من كان معي في القتال ، فخرج الرسول صلى الله عليه وسلم مع قوم من أصحابه ، قيل كانوا سبعين رجلا حتى بلغوا حمراء الأسد وهو من المدينة على ثلاثة أميال ، فألقى الله الرعب في قلوب المشركين فانهزموا ، وروي أنه كان فيهم من يحمل صاحبه على عنقه ساعة ، ثم كان المحمول يحمل الحامل ساعة أخرى ، وكان كل ذلك لإثخان الجراحات فيهم ، وكان فيهم من يتوكأ على صاحبه ساعة ، ويتوكأ عليه صاحبه ساعة.","part":18,"page":211},{"id":7701,"text":"والثاني : قال أبو بكر الأصم : نزلت هذه الآية في يوم أحد لما رجع الناس إليه صلى الله عليه وسلم بعد الهزيمة فشد بهم على المشركين حتى كشفهم ، وكانوا قد هموا بالمثلة فدفعهم عنها بعد أن مثلوا بحمزة ، فقذف الله في قلوبهم الرعب فانهزموا ، وصلى عليهم ، صلى الله عليه وسلم ودفنهم بدمائهم ، وذكروا أن صفية جاءت لتنظر إلى أخيها حمزة فقال عليه الصلاة والسلام للزبير : ردها لئلا تجزع من مثلة أخيها ، فقالت : قد بلغني ما فعل به وذلك يسير في جنب طاعة الله تعالى ، فقال للزبير : فدعها تنظر إليه ، فقالت خيرا واستغفرت له.\rوجاءت امرأة قد قتل زوجها وأبوها وأخوها وابنها فلما رأت النبي صلى الله عليه وسلم وهو حي قالت : إن كل مصيبة بعدك هدر ، فهذا ما قيل في سبب نزول هذه الآية ، وأكثر الروايات على الوجه الأول. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 9 صـ 79 ـ 80}\rفصل\rقال الفخر :\rاستجاب : بمعنى أجاب ، ومنه قوله : {فَلْيَسْتَجِيبُواْ إلى} [ البقرة : 186 ] وقيل : أجاب ، فعل الاجابة واستجاب طلب أن يفعل الإجابة ، لأن الأصل في الاستفعال طلب الفعل ، والمعنى أجابوا وأطاعوا الله في أوامره وأطاعوا الرسول من بعد ما أصابهم الجراحات القوية. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 9 صـ 80}\rقوله تعالى : {لِلَّذِينَ أَحْسَنُواْ مِنْهُمْ واتقوا أَجْرٌ عَظِيمٌ}\rفصل\rقال الفخر :\rفي قوله : {لِلَّذِينَ أَحْسَنُواْ مِنْهُمْ واتقوا أَجْرٌ عَظِيمٌ} وجوه :\rالأول : {أَحْسَنُواْ} دخل تحته الائتمار بجميع المأمورات ، وقوله : {واتقوا} دخل تحته الانتهاء عن جميع المنهيات ، والمكلف عند هذين الأمرين يستحق الثواب العظيم.","part":18,"page":212},{"id":7702,"text":"الثاني : أحسنوا في طاعة الرسول في ذلك الوقت ، واتقوا الله في التخلف عن الرسول ، وذلك يدل على أنه يلزمهم الاستجابة للرسول وإن بلغ الأمر بهم في الجراحات ما بلغ من بعد أن يتمكنوا معه من النهوض.\rالثالث : أحسنوا : فيما أتوا به من طاعة الرسول صلى الله عليه وسلم ، واتقوا ارتكاب شيء من المنهيات بعد ذلك. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 9 صـ 80}\rفوائد لغوية\rقال ابن عادل :\rقوله : \" الذين استجابوا \" فيه ستة أوْجُهٍ :\rأحدها : أنه مبتدأ ، وخبره قوله : { لِلَّذِينَ أَحْسَنُواْ مِنْهُمْ واتقوا أَجْرٌ عَظِيمٌ }.\rوقال مَكيٌّ : ابتداء وخبره \" من بعدما أصابهم القرح \" وهذا غلطٌ ؛ لأن هذا ليس بمفيد ألبتة ، بل \" من بعد \" متعلقٌ بـ \" استجابوا \".\rالثاني : أنه خبر مبتدأ مُضْمَر ، أي : هم الذين.\rالثالث : أنه منصوب بإضمار \" أعني \" وهذانِ الوجهانِ يشملهما قولك : القطع.\rالرابع : أنه بدل من \" المؤمنين \".\rالخامس : أنه بدلٌ من \" الذين لم يلحقوا \" قَالَه مَكّيٌّ.\rالسادسُ : أنه نعتٌ لـ \" المؤمنين \" ويجوزُ فيه وجهٌ سابعٌ ، وهو أن يكون نعتاً لقوله : \" الذين لم يلحقوا \" قياساً على جَعْلِهِ بدلاً منهم عند مكيٍّ.\rو \" ما \" في قوله : { مِن بَعْدِ مَآ أَصَابَهُمُ } مصدرية ، و\" الذين أحسنوا \" خَبَرٌ مقدَّمٌ ، و\" منهم \" فِيهِ وَجْهَان :\rأحدهما : أنه حالٌ من الضمير في \" أحسنوا \" وعلى هذا ف \" من \" تكون تبعيضية.\rالثاني : أنها لبيان الجنسِ.","part":18,"page":213},{"id":7703,"text":"قال الزمخشري : \" مثلها في قوله تعالى : { وَعَدَ الله الذين آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصالحات مِنْهُم مَّغْفِرَةً } [ الفتح : 29 ] لأن الذين استجابوا لله والرسولِ قد أحسنوا كلهم لا بعضهم \". و\" أجر \" مبتدأ مؤخَّر ، والجملة من هذا المبتدأ وخبره ، إما مُستأنفة ، أو حالٌ - إن لم يُعْرَب \" الذين استجابوا \" مبتدأ - وإما خبرٌ - إنْ أعربناه مبتدأ - كما تقدم تقريره.\rوالمرادُ : أحسنوا فما أتوا به من طاعة الرسول صلى الله واتقوا ارتكابَ شيءٍ من المنهيات. أ هـ {تفسير ابن عادل حـ 6 صـ 54 ـ 55}\rمن لطائف الإمام القشيرى فى الآية\rقال عليه الرحمة :\r{ الَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِلَّهِ وَالرَّسُولِ مِنْ بَعْدِ مَا أَصَابَهُمُ الْقَرْحُ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا مِنْهُمْ وَاتَّقَوْا أَجْرٌ عَظِيمٌ (172)}\rللاستجابة مزية وفضيلة على الإجابة من حيث الإشارة لا من مقتضى العربية وهو أنه يستجيب طوعاً لا كرهاً ، فهم استجابوا لله من غير انطواء على تحمل مشقة بل بإشارة القلب ومحبة الفؤاد واختيار الروح واستحلاء تحمُّل الحُكْم. فالاستجابة للحق بوجوده ، والاستجابة للرسول - عليه السلام - بالتخلُّق بما شرع من حدوده.\rاستجابة الحق بالتحقق بالصفاء في حق الربوبية ، واستجابة الرسول عليه السلام بالوفاء في إقامة العبودية.\r{ مِن بَعْدِ مَا أَصَابَهُمُ القَرْحُ } : في ابتداء معاملاتهم قبل ظهور أنوار التجلي على قلوبهم ، وابتسام الحقائق في أسرارهم.\r{ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا مِنْهُمْ } : \" الإحسان أن تعبد الله كأنَّك تراه... \" - وهو المشاهدة والتقوى -... \" فإن لم تكن تراه فإنه يراك \" - وهو المراقبة في حال المجاهدة.\r{ أَجْرٌ عَظِيمٌ } لأهل البداية مؤجَّلاً ، ولأهل النهاية مُعجَّلاً. أ هـ {لطائف الإشارات حـ 1 صـ 297}","part":18,"page":214},{"id":7704,"text":"قوله تعالى : { الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ (173) فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ وَاتَّبَعُوا رِضْوَانَ اللَّهِ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ (174)}\rمناسبة الآيتين لما قبلهما\rقال البقاعى :\rولما كان قول نعيم بن مسعود أو ركب عبد القيس عند الصحابة رضي الله عنهم صدقاً لا شك فيه لما قام عندهم من القرائن ، فكان بمنزلة المتواتر الذي تمالأ عليه الخلائق ، وكانت قريش أعلى الناس شجاعة وأوفاهم قوة وأعرقهم أصالة فكانوا كأنهم جميع الناس ، كان التعبير - بصيغة في قوله : {الذين قال لهم الناس} أي نعيم أو ركب عبد القيس {إن الناس} يعني قريشاً {قد جمعوا لكم فاخشوهم} أمدح للصحابة رضي الله عنهم من التعبير عمن أخبرهم ومن جمع لهم بخاص اسمه أو وصفه.\rولما كان الموجب لأقدامهم على اللقاء بعد هذا القول الذي لم يشكوا في صدقه ثبات الإيمان وقوة الإيقان قال تعالى : {فزادهم} أي هذا القول {إيماناً} لأنه ما ثناهم عن طاعة الله ورسوله {وقالوا} ازدراء بالخلائق اعتماداً على الخالق {حسبنا} أي كافينا {الله} أي الملك الأعلى في القيام بمصالحنا.\rولما كان ذلك هو شأن الوكيل وكان في الوكلاء من يذم قال : {ونعم الوكيل} أي الموكول إليه المفوض إليه جميع الأمور ؛ روى البخاري في التفسير عن ابن عباس رضي الله عنهما قال : \" هذه الكلمة قالها إبراهيم عليه السلام حين ألقي في النار ، وقالها محمد صلى الله عليه وسلم حين قالوا : إن الناس قد جمعوا لكم.\rوقال : كان آخر كلمة قالها إبراهيم عليه السلام حين ألقي في النار : حسبي الله ونعم الوكيل \".","part":18,"page":215},{"id":7705,"text":"ولما كان اعتمادهم على الله سبباً لفلاحهم قال {فانقلبوا} أي فكان ذلك سبباً لأنهم انقلبوا ، أي من الوجه الذي ذهبوا فيه مع النبي صلى الله عليه وسلم {بنعمة} وعظمها بإضافتها إلى الاسم الأعظم فقال : {من الله} أي الذي له الكمال كله {وفضل} أي من الدنيا ما طاب لهم من طيب الثناء بصدق الوعد ومضاء العزم وعظيم الفناء والجرأة إلى ما نالوه.\rعند ربهم حال كونهم {لم يمسسهم سوء} أي من العدو خوفوه ولا غيره {واتبعوا} أي مع ذلك بطاعتهم لرسول الله صلى الله عليه وسلم بغاية جهدهم {رضوان الله} أي الذي له الجلال والجمال فحازوا أعظم فضله {والله} أي الذي لا كفوء له {ذو عظيم} أي في الدارين على من يرضيه ، فستنظرون فوق ما تؤملون ، فليبشر المجيب ويغتم ويحزن المتخلف ، ولعظم الأمر كرر الاسم الأعظم كثيراً. أ هـ {نظم الدرر حـ 2 صـ 184 ـ 185}\rفصل\rقال الفخر :\rالمراد بقوله : {الذين} من تقدم ذكرهم ، وهم الذين استجابوا لله والرسول ، وفي المراد بقوله : {قَالَ لَهُمُ الناس} وجوه : الأول : أن هذا القائل هو نعيم بن مسعود كما ذكرناه في سبب نزول هذه الآية ، وإنما جاز إطلاق لفظ الناس على الإنسان الواحد ، لأنه إذا قال الواحد قولا وله أتباع يقولون مثل قوله أو يرضون بقوله ، حسن حينئذ إضافة ذلك الفعل إلى الكل ، قال الله تعالى : {وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْسًا فادرأتم فِيهَا} [ البقرة : 72 ] {وَإِذْ قُلْتُمْ ياموسى لَن نُّؤْمِنَ لَكَ حتى نَرَى الله جَهْرَةً } [ البقرة : 55 ] وهم لم يفعلوا ذلك وإنما فعله أسلافهم ، إلا أنه أضيف إليهم لمتابعتهم لهم على تصويبهم في تلك الأفعال فكذا ههنا يجوز أن يضاف القول إلى الجماعة الراضين بقول ذلك الواحد.","part":18,"page":216},{"id":7706,"text":"الثاني : وهو قول ابن عباس ، ومحمد بن إسحاق : أن ركبا من عبد القيس مروا بأبي سفيان ، فدسهم إلى المسلمين ليجبنوهم وضمن لهم عليه جعلا.\rالثالث : قال السدي : هم المنافقون ، قالوا للمسلمين حين تجهزوا للمسير إلى بعد لميعاد أبي سفيان : القوم قد أتوكم في دياركم ، فقتلوا الأكثرين منكم ، فإن ذهبتهم إليهم لم يبق منكم أحد. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 9 صـ 81}\rفائدة\rقال الجصاص :\rقَوْله تَعَالَى : { الَّذِينَ قَالَ لَهُمْ النَّاسُ إنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ } الْآيَةَ.\rرُوِيَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ وَقَتَادَةَ وَابْنِ إِسْحَاقَ : \" إنَّ الَّذِينَ قَالُوا كَانُوا رَكْبًا وَبَيْنَهُمْ أَبُو سُفْيَانَ لِيَحْبِسُوهُمْ عِنْدَ مُنْصَرِفِهِمْ مِنْ أُحُدٍ لَمَّا أَرَادُوا الرُّجُوعَ إلَيْهِمْ \".\rوَقَالَ السُّدِّيُّ : \" هُوَ أَعْرَابِيٌّ ضَمِنَ لَهُ جُعْلًا عَلَى ذَلِكَ \" ؛ فَأَطْلَقَ اللَّهُ تَعَالَى اسْمِ النَّاسِ عَلَى الْوَاحِدِ عَلَى قَوْلِ مَنْ تَأَوَّلَهُ عَلَى أَنَّهُ كَانَ رَجُلًا وَاحِدًا ، فَهَذَا عَلَى أَنَّهُ أَطْلَقَ لَفْظَ الْعُمُومِ وَأَرَادَ بِهِ الْخُصُوصَ.\rقَالَ أَبُو بَكْرٍ : لَمَّا كَانَ النَّاسُ اسْمًا لِلْجِنْسِ وَكَانَ مِنْ الْمَعْلُومِ أَنَّ النَّاسَ كُلَّهُمْ لَمْ يَقُولُوا ذَلِكَ ، تَنَاوَلَ ذَلِكَ أَقَلَّهُمْ وَهُوَ الْوَاحِدُ مِنْهُمْ ؛ لِأَنَّهُ لَفْظُ الْجِنْسِ ، وَعَلَى هَذَا قَالَ أَصْحَابُنَا فِيمَنْ قَالَ : إنْ كَلَّمْت النَّاسَ فَعَبْدِي حَرٌّ : إنَّهُ عَلَى كَلَامِ الْوَاحِدِ مِنْهُمْ ؛ لِأَنَّهُ لَفْظُ الْجِنْسِ ، وَمَعْلُومٌ أَنَّهُ لَمْ يُرِدْ بِهِ اسْتِغْرَاقَ الْجِنْسِ فَيَتَنَاوَلُ الْوَاحِدَ مِنْهُمْ. أ هـ {أحكام القرآن للجصاص حـ 2 صـ 333}\rفصل\rقال البقاعى\rومما يجب التنبيه له أن البيضاوي قال تبعاً للزمخشري : إن النبي صلى الله عليه وسلم خرج إلى بدر الموعد في سبعين راكباً ، وفي تفسير البغوي أن ذلك كان في حمراء الأسد ، فإن حمل على أن الركبان من الجيش كان ذلك عددهم وأن الباقين كانوا مشاة فلعله ، وإلا فليس كذلك ، وأما في حمراء الأسد فإن النبي صلى الله عليه وسلم بلغه أن المشركين هموا بعد انفصالهم من أحد بالرجوع ، فأراد أن يرهبهم وأن يريهم من نفسه وأصحابه قوة ، فنادى مناديه يوم الأحد - الغد من يوم أُحد - بطلب العدو وأن لا يخرج معه إلا من كان حاضراً معه بالأمس ، فأجابوا بالسمع والطاعة ، فخرج في أثرهم واستعمل على المدينة ابن أم مكتوم ، ولا يشك في أنهم أجابوا كلهم ، ولم يتخلف منهم أحد ، وقد كانوا في أحد نحو سبعمائة ولم يأذن رسول الله صلى الله عليه وسلم في الخروج معه لأحد لم يشهد القتال يوم أحد ، واستأذنه رجال لم يشهدوها فمنعهم إلا ما كان من جابر بن عبد الله رضي الله عنهما فإنه أذن له لعلة ذكرها في التخلف عن أحد محمودة.","part":18,"page":217},{"id":7707,"text":"قال الواقدي : ودعا رسول الله صلى الله عليه وسلم بلوائه وهو معقود لم يحل من الأمس ، فدفعه إلى علي رضي الله عنه ، ويقال : إلى أبي بكر رضي الله عنه ، وخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم ورأسه مشجوج وهو مجروح ، في وجهه أثر الحلقتين ، ومشجوج في جبهته في أصول الشعر ، ورباعيته قد سقطت ، وشفته قد كلمت من باطنها وهو متوهن منكبه الأيمن بضربة ابن قميئة ، وركبتاه مجحوشتان بأبي هو وأمي ووجهي وعيني! فدخل رسول الله صلى الله عليه وسلم المسجد فركع ركعتين والناس قد حشدوا ، ونزل أهل العوالي حيث جاءهم الصريخ ، ثم ركع رسول الله صلى الله عليه وسلم ركعتين ، فدعا بفرسه على باب المسجد ، وتلقاه طلحة رضي الله عنه وقد سمع المنادي فخرج ينظر متى يسير ، فإذا رسول الله صلى الله عليه وسلم عليه الدرع والمغفر وما يرى منه إلا عيناه فقال : يا طلحة سلاحك! قال : قلت : قريب ، قال : فأخرج ، أعدو فألبس درعي ولأنا أهم بجراح رسول الله صلى الله عليه وسلم مني بجراحي ، ثم أقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم على طلحة فقال : \" أين ترى القوم الآن ؟ قال : هم بالسيالة ، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ذلك الذي ظننت! أما إنهم يا طلحة لن ينالوا منا مثل أمس حتى يفتح الله مكة علينا! \" ومضى رسول الله صلى الله عليه وسلم في أصحابه حتى عسكر بحمراء الأسد ، قال جابر رضي الله عنه : وكان عامة زادنا التمر ، وحمل سعد بن عبادة رضي الله عنه ثلاثين بعيراً حتى وافت الحمراء ، وساق جزوراً فنحروا في يوم اثنين وفي يوم ثلاثاء ، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يأمرهم في النهار بجمع الحطب ، فإذا أمسوا أمر أن توقد النيران ، فيوقد كل رجل ناراً ، فلقد كنا تلك الليالي نوقد خمسمائة نار حتى نرى من المكان البعيد ، وذهب ذكر معسكرنا ونيراننا في كل وجه حتى كان","part":18,"page":218},{"id":7708,"text":"ما كبت الله به عدونا فهنا ظاهر في أنهم كانوا خمسمائة رجل - والله أعلم - ويؤيده ذلك ما نقل من أخبار المثقلين بالجراح - قال الواقدي : جاء سعد بن معاذ رضي الله عنه والجراح في الناس فاشية ، عامة بني عبد الأشهل جريح ، بل كلهم - رضي الله عنهم! فقال : إن رسول الله صلى الله عليه وسلم يأمركم أن تطلبوا عدوكم ، قال : يقول أسيد بن حضير رضي الله عنه وبه سبع جراحات وهو يريد أن يداويها : سمعاً وطاعة لله ولرسوله! فأخذ سلاحه ولم يعرج على دواء جراحه ولحق برسول الله صلى الله عليه وسلم ؛ وجاء سعد بن عبادة رضي الله عنه قومه بني ساعده فآمرهم بالمسير ، فلبسوا ولحقوا ، وجاء أبو قتادة رضي الله عنه أهل خربى وهم يداوون الجراح فقال : هذا منادي رسول الله صلى الله عليه وسلم يأمركم بطلب العدو ، فوثبوا إلى سلاحهم وما عرجوا على جراحاتهم - رضي الله عنهم! فخرج من بني سلمة رضي الله عنهم أربعون جريحاً ، وبالطفيل بن النعمان رضي الله عنه ثلاثة عشر جرحاً ، وبقطبه بن عامر بن حديدة رضي الله عنه تسع جراحات حتى وافوا النبي صلى الله عليه وسلم ببئر أبي عتبة إلى رأس الثنية عليهم السلاح ، قد صفوا لرسول الله صلى الله عليه وسلم ، فلما نظر إليهم والجراح فيهم فاشية قال : ","part":18,"page":219},{"id":7709,"text":"\" اللهم ارحم بني سلمة! \" وحدث ابن إسحاق والواقدي أن عبد الله بن سهل ورافع بن سهل رضي الله عنهما كان بهما جراح كثيرة ، فلما بلغهما النداء قال أحدهما لصاحبه : والله إن تركنا غزوة مع رسول الله صلى الله عليه وسلم لغَبنا والله ما عندنا دابة نركبها وما ندري كيف نصنع! قال عبد الله : انطلق بن ، قال رافع : لا والله ما بي مشي! قال أخوه : انطلق بنا نتجارّ ، فخرجا يزحفان فضعف رافع فكان عبد الله يحمله على ظهره عقبة ويمشي الآخر عقبة حتى أتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم عند العشاء وهو يوقدون النيران ، فأتى بهما رسول الله صلى الله عليه وسلم وعلى حرسه تلك الليلة عباد بن بشر فقال : \" ما حبسكما ؟ فأخبراه بعلتهما ، فدعا لهما بخير وقال : إن طالت بكم مدة كانت لكم مراكب من خيل وبغال وإبل ، وليس ذلك بخير لكم \" وأما غزوة بدر الموعد فروى الواقدي - ومن طريقه الحاكم في الإكليل - كما حكاه ابن سيد الناس قال : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد خرج في هذه الغزوة في ألف وخمسمائة من أصحابه رضي الله عنهم ، وكان الخيل عشرة قال الواقدي : وأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أكثر أهل الموسم : يا محمد! لقد أخبرنا أنه لم يبق منكم أحد ، فما أعلمكم إلا أهل الموسم! فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم - \" ليرفع ذلك إلى عدوه : ما أخرجنا إلا موعد أبي سفيان وقتال عدونا ، وإن شئت مع ذلك نبذنا إليك وإلى قومك العهد ثم جالدناكم قبل أن نبرح من منزلنا هذا ، فقال الضمري : بل نكف أيدينا عنكم ونتمسك بحلفك \". أ هـ {نظم الدرر حـ 2 صـ 181 ـ 183}\rوقال الفخر : \r","part":18,"page":220},{"id":7710,"text":"واعلم أن أهل المغازي اختلفوا ، فذهب الواقدي إلى تخصيص الآية الأولى بواقعة حمراء الأسد ، والآية الثانية ببدر الصغرى ، ومنهم من يجعل الآيتين في وقعة بدر الصغرى ، والأول أولى لأن قوله تعالى : {مِن بَعْدِ مَا أصابهم القرح} كأنه يدل على قرب عهد بالقرح ، فالمدح فيه أكثر من المدح على الخروج على العدو من وقت إصابة القرح لمسه ، والقول الآخر أيضا محتمل.\rوالقرح على هذا القول يجب أن يفسر بالهزيمة ، فكأنه قيل : إن الذين انهزموا ثم أحسنوا الأعمال بالتوبة واتقوا الله في سائر أمورهم ، ثم استجابوا لله وللرسول عازمين على الثواب موطنين أنفسهم على لقاء العدو ، بحيث لما بلغهم كثرة جموعهم لم يفتروا ولم يفشلوا ، وتوكلوا على الله ورضوا به كافياً ومعيناً فلهم أجر عظيم لا يحجبهم عنه ما كان منهم من الهزيمة إذ كانوا قد تابوا عنها والله أعلم. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 9 صـ 83}\rقوله تعالى {إِنَّ الناس قَدْ جَمَعُواْ لَكُمْ فاخشوهم فَزَادَهُمْ إيمانا}\rفصل\rقال الفخر :\rالمراد بالناس هو أبو سفيان وأصحابه ورؤساء عسكره ، وقوله : {قَدْ جَمَعُواْ لَكُمْ} أي جمعوا لكم الجموع ، فحذف المفعول لأن العرب تسمي الجيش جمعا ويجمعونه جموعا ، وقوله : {فاخشوهم} أي فكونوا خائفين منهم ، ثم إنه تعالى أخبر أن المسلمين لما سمعوا هذا الكلام لم يلتفتوا إليه ولم يقيموا له وزنا ، فقال تعالى : {فَزَادَهُمْ إيمانا}. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 9 صـ 81}\rفائدة\rقال الفخر :\rالضمير في قوله : {فَزَادَهُمْ} إلى ماذا يعود ؟ فيه قولان : الأول : عائد إلى الذين ذكروا هذه التخويفات.","part":18,"page":221},{"id":7711,"text":"والثاني : أنه عائد إلى نفس قولهم ، والتقدير : فزادهم ذلك القول إيمانا ، وإنما حسنت هذه الإضافة لأن هذه الزيادة في الإيمان لما حصلت عند سماع هذا القول حسنت إضافتها إلى هذا القول وإلى هذا القائل ، ونظيره قوله تعالى : {فَلَمْ يَزِدْهُمْ دُعَائِى إِلاَّ فِرَاراً} [ نوح : 6 ] وقوله تعالى : {فَلَمَّا جَاءهُمْ نَذِيرٌ مَّا زَادَهُمْ إِلاَّ نُفُوراً} [ فاطر : 42 ]. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 9 صـ 81}\rفصل\rقال الفخر :\rالمراد بالزيادة في الإيمان أنهم لما سمعوا هذا الكلام المخوف لم يلتفتوا إليه ، بل حدث في قلوبهم عزم متأكد على محاربة الكفار ، وعلى طاعة الرسول صلى الله عليه وسلم في كل ما يأمر به وينهى عنه ثقل ذلك أو خف ، لأنه قد كان فيهم من به جراحات عظيمة ، وكانوا محتاجين إلى المداواة ، وحدث في قلوبهم وثوق بأن الله ينصرهم على أعدائهم ويؤيدهم في هذه المحاربة ، فهذا هو المراد من قوله تعالى : {فَزَادَهُمْ إيمانا }. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 9 صـ 81 ـ 82}\rفصل\rقال القرطبى :\rوقد اختلف العلماء في زيادة الإيمان ونقصانه على أقوال.\rوالعقيدة في هذا على أن نفس الإيمان الذي هو تاجٌ واحدٌ ، وتصديق واحد بشيء مّا ، إنما هو معنًى فَرْدٌ ، لا يدخل معه زيادة إذا حصل ، ولا يبقى منه شيء إذا زال ؛ فلم يبق إلا أن تكون الزيادة والنقصان في متعلَّقاته دون ذاته.","part":18,"page":222},{"id":7712,"text":"فذهب جمع من العلماء إلى أنه يزيد وينقص من حيث الأعمال الصادرة عنه ، لا سيما أن كثير من العلماء يوقعون اسم الإيمان على الطاعات ؛ لقوله صلى الله عليه وسلم : \" الإيمان بضع وسبعون باباً فأعلاها قول لا إله إلا اللَّهُ وأدناها إماطة الأذى عن الطريق \" أخرجه الترمذيّ ، وزاد مسلم \" والحياء شُعْبَةٌ من الإيمان \" وفي حديث عليّ رضي الله عنه : \" إن الإيمان ليبدو لُمَظَةً بيضاء في القلب ، كلما ازداد الإيمان ازدادت اللُّمَظَة \" وقوله \"لمظة\" قال الأصمعيّ : اللمظة مثل النُّكْتة ونحوها من البياض ؛ ومنه قيل : فرس ألْمَظ ، إذا كان بجَحْفَلته شيء من بياض.\rوالمحدّثون يقولون \"لمظة\" بالفتح.\rوأما كلام العرب فبالضم ؛ مثل شُبهة ودهمة وخُمرة.\rوفيه حُجّةٌ على من أنكر أن يكون الإيمان يزيد وينقص.\rألا تراه يقول ؛ كلما ازداد النفاق اسود القلب حتى يسودّ القلب كلّه.\rومنهم من قال : إن الإيمان عَرَض ، وهو لا يَثْبُتُ زمانين ؛ فهو للنبيّ صلى الله عليه وسلم وللصُّلحاء متعاقب ، فيزيد باعتبار توالي أمثاله على قلب المؤمن ، وباعتبار دوام حضوره.\rوينقص بتوالي الغَفَلات على قلب المؤمن.\rأشار إلى هذا أبو المعالي.\rوهذا المعنى موجود في حديث الشفاعة ، حديثِ أبي سعيد الخُدْرِيّ أخرجه مسلم.","part":18,"page":223},{"id":7713,"text":"وفيه : \" فيقول المؤمنون يا ربَّنا إخواننا كانوا يصومون ويُصلّون ويَحجُّون فيُقال لهم أخرجوا من عرفتم فتُحَرَّم صُورهُم على النار فيُخرجون خلقاً كثيراً قد أخذت النار إلى نِصفِ ساقَيْه وإلى رُكبتيه ثم يقولون رَبَّنا ما بَقِيَ فيها أحدٌ ممن أمرتنا به فيقول ارجعوا فمن وجدتم في قلبه مِثقالَ دينار من خير فأخرجوه فيُخرِجون خلقاً كثيراً ثم يقولون رَبَّنا لم نَذَرْ فيها أحداً ممن أمرتنا ثم يقول ارجعوا فمن وجدتم في قلبه مِثقَال نِصفِ دِينار من خير فأخرجوه فيُخرجون خلقاً كثيراً ثم يقولون رَبَّنا لم نَذَرْ فيها ممن أمرتنا أحداً ثم يقول ارجعوا فمن وجدتم في قلبه مِثقَال ذَرَّةٍ من خير فأخرجوه \" وذكر الحديث.\rوقد قيل : إن المراد بالإيمان في هذا الحديث أعمالُ القلوب ؛ كالنّية والإخلاص والخوف والنصيحة وشبه ذلك.\rوسمّاها إيماناً لكونها في محل الإيمان أو عنى بالإيمان ، على عادة العرب في تسمية الشيء باسم الشيء إذا جاوره ، أو كان منه بسبب.\rدليل هذا التأويل قولُ الشافعين بعد إخراج من كان في قلبه مثقالُ ذرّة من خير : \"لم نَذَرْ فيها خيراً\" مع أنه تعالى يُخرج بعد ذلك جموعاً كثيرة ممن يقول لا إله إلا الله ، وهم مؤمنون قطعاً ؛ ولو لم يكونوا مؤمنين لما أخرجهم.\rثم إن عُدِم الوجود الأوّل الذي يُرَكَّب عليه المِثْل لم تكن زيادةٌ ولا نقصان.\rوقُدّر ذلك في الحركة.\rفإن الله سبحانه إذا خَلق علْماً فَرْداً وخلق معه مِثْلَه أو أمثالَه بمعلومات فقد زاد علمه ؛ فإن أعدم الله الأمثال فقد نقص ، أي زالت الزيادة.\rوكذلك إذا خلق حركة وخلق معها مثلها أو أمثالها.","part":18,"page":224},{"id":7714,"text":"وذهب قوم من العلماء إلى أن زيادة الإيمان ونقصَه إنما هو من طريق الأدلة ، فتزيد الأدلّة عند واحد فيقال في ذلك : إنها زيادة في الإيمان ؛ وبهذا المعنى على أحد الأقوال فُضّل الأنبياء على الخلق ، فإنهم عَلِموه من وجوه كثيرة ، أكثر من الوجوه التي علمه الخلق بها.\rوهذا القول خارج عن مقتضى الآية ؛ إذ لا يُتصوّر أن تكون الزيادة فيها من جهة الأدلة.\rوذهب قوم : إلى أن الزيادة في الإيمان إنما هي بنزول الفرائض والأخبار في مدّة النبيّ صلى الله عليه وسلم ، وفي المعرفة بها بعد الجهل غابرَ الدّهر.\rوهذا إنما هو زيادة إيمان ؛ فالقول فيه إنّ الإيمان يزيد قول مَجازِيّ ، ولا يُتصوّر فيه النقص على هذا الحدّ ، وإنما يتصوّر بالإضافة إلى من عُلِم. فاعلم. أ هـ {تفسير القرطبى حـ 4 صـ 280 ـ 282}\rوقال الآلوسى\r{ فَزَادَهُمْ إيمانا } الضمير المستكن للمقول أو لمصدر قال أو لفاعله إن أريد به نعيم وحده ، أو لله تعالى ، وتعقب أبو حيان \"الأول بأنه ضعيف من حيث إنه لا يزيد إيماناً إلا النطق به لا هو في نفسه ، وكذا الثالث بأنه إذا أطلق على المفرد لفظ الجمع مجازاً فإن الضمائر تجري على ذلك الجمع لا على المفرد فيقال : مفارقه شابت باعتبار الإخبار عن الجمع ، ولا يجوز مفارقه شاب باعتبار مفرقه شاب\" ، وفي كلا التعقيبين نظر ، أما الأول : فقد نظر فيه الحلبي بأن المقول هو الذي في الحقيقة حصل به زيادة الإيمان ، وأما الثاني : فقد نظر فيه السفاقسي بأنه لا يبعد جوازه بناءاً على ما علم من استقراء كلامهم فيما له لفظ وله معنى من اعتبار اللفظ تارة والمعنى أخرى.\rوالمراد أنهم لم يلتفتوا إلى ذلك بل ثبت به يقينهم بالله تعالى وازدادوا طمأنينة واظهروا حمية الإسلام.","part":18,"page":225},{"id":7715,"text":"واستدل بذلك من قال : إن الإيمان يتفاوت زيادة ونقصاناً وهذا ظاهر إن جعلت الطاعة من جملة الإيمان وأما إن جعل الإيمان نفس التصديق والاعتقاد فقد قالوا في ذلك : إن اليقين مما يزداد بالألف وكثرة التأمل وتناصر الحجج بلا ريب ، ويعضد ذلك أخبار كثيرة ، ومن جعل الإيمان نفس التصديق وأنكر أن يكون قابلاً للزيادة والنقصان يؤول ما ورد في ذلك باعتبار المتعلق ، ومنهم من يقول : إن زيادته مجاز عن زيادة ثمرته وظهور آثاره وإشراق نوره وضيائه في القلب ونقصانه على عكس ذلك ، وكأن الزيادة هنا مجاز عن ظهور الحمية وعدم المبالاة بما يثبطهم ، وأنت تعلم أن التأويل الأول هنا خفي جداً لأنه لم يتجدد للقوم بحسب الظاهر عند ذلك القول شيء يجب الإيمان به كوجوب صلاة أو صوم مثلاً ليقال : إن زيادة إيمانهم باعتبار ذلك المتعلق وكذا التزام التأويل الثاني في الآيات والآثار التي لم تكد تتمنطق بمنطقة الحصر بعيد غاية البعد.\rفالأولى القول بقبول الإيمان الزيادة والنقصان من غير تأويل ، وإن قلنا : إنه نفس التصديق وكونه إذا نقص يكون ظناً أو شكاً ويخرج عن كونه إيماناً وتصديقاً مما لا ظن ولا شك في أنه على إطلاقه ممنوع.\rنعم قد يكون التصديق بمرتبة إذا نزل عنها يخرج عن كونه تصديقاً وذاك مما لا نزاع لأحد في أنه لا يقبل النقصان مع بقاء كونه تصديقاً ، وإلى هذا أشار بعض المحققين. أ هـ {روح المعانى حـ 4 صـ 126 ـ 127}\rوقال ابن عاشور : \rالظاهر أنّ الإيمان أطلق هنا على العمل ، أي العزم على النصر والجهاد ، وهو بهذا المعنى يزيد وينقص.\rومسألة زيادة الإيمان ونقصه مسألة قديمة ، والخلاف فيها مبنيّ على أنّ الأعمال يطلق عليها اسم الإيمان ، كما قال تعالى : { وما كان اللَّه ليضيع إيمانكم } [ البقرة : 143 ] يعني صَلاتكم.","part":18,"page":226},{"id":7716,"text":"أمّا التَّصديق القلبي وهو عقد القلب على إثبات وجود الله وصفاته وبعثة الرسل وصدق الرسول ، فلا يقبل النقص ، ولا يقبل الزيادة ، ولذلك لا خلاف بين المسلمين في هذا المعنى ، وإنّما هو خلاف مبني على اللفظ ، غير أنّه قد تقرّر في علم الأخلاق أنّ الاعتقاد الجازم إذا تكررت أدلّته ، أو طال زمانه ، أو قارنته التجارب ، يزداد جلاء وانكشافاً ، وهو المعبّر عنه بالمَلَكة ، فلعلّ هذا المعنى ممّا يراد بالزيادة ، بقرينة أنّ القرآن لم يطلق وصف النقص في الإيمان بل ما ذكر إلا الزيادة ، وقد قال إبراهيمُ عليه السلام : { بلى ولكن ليطمئنّ قلبي } [ البقرة : 260 ]. أ هـ {التحرير والتنوير حـ 3 صـ 286 }\rفصل\rقال الفخر :\rالذين يقولون إن الإيمان عبارة لا عن التصديق بل عن الطاعات ، وإنه يقبل الزيادة والنقصان ، احتجوا بهذه الآية ، فإنه تعالى نص على وقوع الزيادة ، والذين لا يقولون بهذا القول قالوا : الزيادة إنما وقعت في مراتب الإيمان وفي شعائره ، فصح القول بوقوع الزيادة في الإيمان مجازا. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 9 صـ 82}\rفصل\rقال الفخر :\rهذه الواقعة تدل دلالة ظاهرة على أن الكل بقضاء الله وقدره ، وذلك لأن المسلمين كانوا قد انهزموا من المشركين يوم أحد ، والعادة جارية بأنه إذا انهزم أحد الخصمين عن الآخر فإنه يحصل في قلب الغالب قوة وشدة استيلاء ، وفي قلب المغلوب انكسار وضعف ، ثم إنه سبحانه قلب القضية ههنا ، فأودع قلوب الغالبين وهم المشركون الخوف والرعب ، وأودع قلوب المغلوبين القوة والحمية والصلابة ، وذلك يدل على أن الدواعي والصوارف من الله تعالى ، وإنها متى حدثت في القلوب وقعت الأفعال على وفقها. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 9 صـ 82}","part":18,"page":227},{"id":7717,"text":"فائدة\rقال الجصاص :\rوقَوْله تَعَالَى : { فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إيمَانًا } فِيهِ إخْبَارٌ بِزِيَادَةِ يَقِينِهِمْ عِنْدَ زِيَادَةِ الْخَوْفِ وَالْمِحْنَةِ ؛ إذْ لَمْ يَبْقَوْا عَلَى الْحَالِ الْأُولَى بَلْ ازْدَادُوا عِنْدَ ذَلِكَ يَقِينًا وَبَصِيرَةً فِي دِينِهِمْ ، وَهُوَ كَمَا قَالَ تَعَالَى فِي الْأَحْزَابِ : { وَلَمَّا رَأَى الْمُؤْمِنُونَ الْأَحْزَابَ قَالُوا هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَمَا زَادَهُمْ إلَّا إيمَانًا وَتَسْلِيمًا } فَازْدَادُوا عِنْدَ مُعَايَنَةِ الْعَدُوِّ إيمَانًا وَتَسْلِيمًا لِأَمْرِ اللَّهِ تَعَالَى وَالصَّبْرِ عَلَى جِهَادِهِمْ.\rوَفِي ذَلِكَ أَتَمُّ ثَنَاءً عَلَى الصَّحَابَةِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَأَكْمَلُ فَضِيلَةً ، وَفِيهِ تَعْلِيمٌ لَنَا أَنْ نَقْتَدِيَ بِهِمْ وَنَرْجِعَ إلَى أَمْرِ اللَّهِ وَالصَّبْرِ عَلَيْهِ وَالِاتِّكَالِ عَلَيْهِ ، وَأَنْ نَقُولَ : حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ ، وَأَنَّا مَتَى فَعَلْنَا ذَلِكَ أَعْقَبَنَا ذَلِكَ مِنْ اللَّهِ النَّصْرُ وَالتَّأْيِيدُ وَصَرْفُ كَيَدِ الْعَدُوِّ وَشَرِّهِمْ مَعَ حِيَازَةِ رِضْوَانِ اللَّهِ وَثَوَابِهِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى : { فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنْ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ وَاتَّبَعُوا رِضْوَانَ اللَّهِ }. أ هـ {أحكام القرآن للجصاص حـ 2 صـ 333}","part":18,"page":228},{"id":7718,"text":"قوله تعالى {وَقَالُواْ حَسْبُنَا الله وَنِعْمَ الوكيل}\rفصل\rقال الفخر :\rالمراد أنهم كلما ازدادوا إيمانا في قلوبهم أظهروا ما يطابقه فقالوا : حسبنا الله ونعم الوكيل.\rقال ابن الانباري : {حَسْبُنَا الله} أي كافينا الله ، ومثله قول امرىء القيس :\rوحسبك من غنى شبع وري.. أي يكفيك الشبع والري ، وأما ( الوكيل ) ففيه أقوال : أحدها : أنه الكفيل.\rقال الشاعر :\rذكرت أبا أروى فبت كأنني.. بَرِدِّ الأمور الماضيات وكيل\rاراد كأنني برد الأمور كفيل.\rالثاني : قال الفراء : الوكيل : الكافي ، والذي يدل على صحة هذا القول أن \"نعم\" سبيلها أن يكون الذي بعدها موافقاً للذي قبلها ، تقول : رازقنا الله ونعم الرازق ، وخالقنا الله ونعم الخالق ، وهذا أحسن من قول من يقول : خالقنا الله ونعم الرازق ، فكذا ههنا تقدير الآية : يكفينا الله ونعم الكافي.\rالثالث : الوكيل ، فعيل بمعنى مفعول ، وهو الموكول إليه ، والكافي والكفيل يجوز أن يسمى وكيلا ، لأن الكافي يكون الأمر موكولا إليه ، وكذا الكفيل يكون الأمر موكولا إليه. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 9 صـ 82}\rوقال القرطبى :\rقوله تعالى : { وَقَالُواْ حَسْبُنَا الله وَنِعْمَ الوكيل } أي كافينا الله.\rوحسب مأخوذ من الإحساب ، وهو الكفاية.\rقال الشاعر :\rفتملأ بيتنا إقْطاً وَسَمْناً . . .\rوَحَسْبُكَ من غِنًى شِبَعٌ ورِيُّ\rروى البخاريّ عن ابن عباس قال في قوله تعالى : { الذين قَالَ لَهُمُ الناس إِنَّ الناس قَدْ جَمَعُواْ لَكُمْ } إلى قوله : { وَقَالُواْ حَسْبُنَا الله وَنِعْمَ الوكيل } قالها إبراهيم الخليل عليه السَّلام حين ألْقِيَ في النَار.\rوقالها محمد صلى الله عليه وسلم حين قال لهم الناس : إن الناس قد جمعوا لكم. والله أعلم. أ هـ {تفسير القرطبى حـ 4 صـ 282}","part":18,"page":229},{"id":7719,"text":"فصل\rقال ابن عاشور :\rوقولهم : { حسبنا الله ونعم الوكيل } كلمة لعلّهمُ ألهموها أو تلقّوها عن النبي صلى الله عليه وسلم وحسب أي كاف ، وهو اسم جامد بمعنى الوصف ليس له فعل ، قالوا : ومنه اسمه تعالى الحَسيب ، فهو فعيل بمعنى مُفعل.\rوقيل : الإحساب هو الإكفاء ، وقيل : هو اسم فعل بمعنى كفى ، وهو ظاهر القاموس.\rوردّه ابن هشام في توضيحه بأنّ دخول العوامل عليه نحو { فإنّ حسبك الله } ، وقولهم : بحسبك درهم ، ينافي دعوى كونه اسم فعل لأنّ أسماء الأفعال لا تدخل عليها العوامل ، وقيل : هو مصدر ، وهو ظاهر كلام سيبويه.\rوهو من الأسماء اللازمة للإضافة لفظاً دون معنى ، فيبنى على الضمّ مثل : قبلُ وبعدُ ، كقولهم : اعطه درهيمن فَحَسْبُ ، ويتجدّد له معنى حينئذ فيكون بمعنى لا غير.\rوإضافته لا تفيده تعريفاً لأنّه في قوة المشتقّ ولذلك توصف به النكرة ، وهو ملازم الإفراد والتذكير فلا يثنّى ولا يجمعُ ولا يؤنّث لأنّه لجموده شابَه المصدر ، أو لأنّه لمّا كان اسم فعل فهو كالمصدر ، أو لأنّه مصدر ، ، وهو شأن المصادر ، ومَعناها : إنّهم اكتفوا بالله ناصراً وإن كانوا في قِلّة وضعف.\rوجملة { ونعم الوكيل } معطوفة على { حسبنا الله } في كلام القائلين ، فالواو من المحكي لا من الحكاية ، وهو من عطف الإنشاء على الخبر الذي لا تطلب فيه إلا المناسبة.\rوالمخصوص بالمدح محذوف لتقدّم دليله.\rو { الوكيل } فعيل بمعنى مفعول أي موكول إليه.","part":18,"page":230},{"id":7720,"text":"يقال : وكل حاجته إلى فلان إذا اعتمد عليه في قضائها وفوّض إليه تحصيلها ، ويقال للذي لا يستطيع القيام بشؤونه بنفسه : رَجل وَكَل بفتحتين أي كثير الاعتماد على غيره ، فالوكيل هو القائم بشأن من وكّله ، وهذا القيام بشأن الموكِّل يختلف باختلاف الأحوال الموكّل فيها ، وبذلك الاختلاف يختلف معنى الوكيل ، فإن كان القيام في دفع العداء والجور فالوكيل الناصر والمدافع { قل لست عليكم بوكيل } [ الأنعام : 66 ] ، ومنه { فمن يجادل اللَّه عنهم يوم القيامة أمَّن يكون عليهم وكيلاً } [ النساء : 109 ].\rومنه الوكيل في الخصومة ، وإن كان في شؤون الحياة فالوكيل الكافل والكافي منه : { أن لا تتخذوا من دوني وكيلاً } [ الإسراء : 2 ] كما قال : { قد جعلتم الله عليكم كفيلاً } [ النحل : 91 ] ولذلك كان من أسمائه تعالى : الوكيل ، وقولُه : { وقالوا حسبنا الله ونعم الوكيل } ومنه الوكيل على المال ، ولذلك أطلق على هذا المعنى أيضاً اسم الكفيل في قوله تعالى : { وقد جعلتم اللَّه عليكم كفيلاً }.\rوقد حمل الزمخشري الوكيل على ما يشمل هذا عند قوله تعالى : { وهو على كل شيء وكيل } في سورة [ الأنعام : 102 ] ، فقال : وهو مالك لكلّ شيء من الأرزاق والآجال رقيب على الأعمال.\rوذلك يدل على أنّ الوكيل اسم جامع للرقيب والحافظ في الأمور التي يُعني الناس بحفظها ورقابتها وادّخارها ، ولذلك يتقيّد ويتعمّم بحسب المقامات. أ هـ {التحرير والتنوير حـ 3 صـ 286 ـ 287}","part":18,"page":231},{"id":7721,"text":"وقال الآلوسى : \r{ وَقَالُواْ حَسْبُنَا الله } أي محسبنا وكافينا من أحسبه إذا كفاه ، والدليل على أن حسب بمعنى محسب اسم فاعل وقوعه صفة للنكرة في هذا رجل حسبك مع إضافته إلى ضمير المخاطب فلولا أنه اسم فاعل وإضافته لفظية لا تفيده تعريفاً كإضافة المصدر ما صح كونه صفة لرجل كذا قالوا ، ومنه يعلم أن المصدر المؤل باسم الفاعل له حكمه في الإضافة ، والجملة الفعلية معطوفة على الجملة التي قبلها.\r{ وَنِعْمَ الوكيل } أي الموكول إليه ففعيل بمعنى مفعول والمخصوص بالمدح محذوف هو ضميره تعالى ، والظاهر عطف هذه الجملة الإنشائية على الجملة الخبرية التي قبلها ، والواو إما من الحكاية أو من المحكي فإن كان الأول وقلنا بجواز عطف الإنشاء على الإخبار فيما له محل من الإعراب لكونهما حينئذٍ في حكم المفردين فأمر العطف ظاهر من غير تكلف التأويل لأن الجملة المعطوف عليها في محل نصب مفعول قالوا لكن القول بجواز هذا العطف بدون التأويل عند الجمهور ممنوع لا بد له من شاهد ولم يثبت.\rوإن كان الثاني وقلنا بجواز عطف الإنشاء على الإخبار مطلقاً كما ذهب إليه الصفار أو قلنا : بجواز عطف القصة على القصة أعني عطف حاصل مضمون إحدى الجملتين على حاصل مضمون الأخرى من غير نظر إلى اللفظ كما أشار إلى ذلك العلامة الثاني فالأمر أيضاً ظاهر ، وإن قلنا : بعدم جواز ذلك كما ذهب إليه الجمهور فلا بد من التأويل إما في جانب المعطوف عليه أو في جانب المعطوف ، والذاهبون إلى الأول قالوا : إن الجملة الأولى وإن كانت خبرية صورة لكن المقصود منها إنشاء التوكل أو الكفاية لا الإخبار بأنه تعالى كاف في نفس الأمر ، والذاهبون إلى الثاني اختلفوا فمنهم من قدر قلنا أي وقلنا نعم الوكيل.","part":18,"page":232},{"id":7722,"text":"واعترض بأنه تقدير لا ينساق الذهن إليه ولا دلالة للقرينة عليه مع أنه لا يوجد بين الإخبار بأن الله تعالى كافيهم والإخبار بأنهم قالوا نعم الوكيل مناسبة معتد بها يحسن بسببها العطف بينهما ، ومنهم من جعل مدخول الواو معطوفاً على ما قبله بتقدير المبتدأ إما مؤخراً لتناسب المعطوف عليه فإن حسبنا خبر ، والله مبتدأ بقرينة ذكره في المعطوف عليه ومجىء حذفه في الاستعمال وانتقال الذهن إليه ، وإما مقدماً رعاية لقرب المرجع مع ما سبق.","part":18,"page":233},{"id":7723,"text":"واعترض بأنه لا يخفى أنه بعد تقدير المبتدأ لو لم يؤل نعم الوكيل بمقول في حقه ذلك تكون الجملة أيضاً إنشائية إذ الجملة الإسمية التي خبرها إنشاء إنشائية كما أن التي خبرها فعل فعلية بحسب المعنى كيف لا ولا فرق بين نعم الرجل زيد ، وزيد نعم الرجل في أن مدلول كل منهما نسبة غير محتملة للصدق والكذب ، وبعد التأويل لا يكون المعطوف جملة نعم الوكيل بل جملة متعلق خبرها نعم الوكيل والإشكال إنما هو في عطف نعم الوكيل إلا أن يقال يختار هدّا ، ويقال : الجواب عن شيء قد يكون بتقرير ذلك الشيء وإبداء شيء آخر وقد يكون بتغيير ذلك الشيء ، وما ههنا من الثاني فمن حيث الظاهر المعطوف هو جملة نعم الوكيل فيعود الإشكال ، ومن حيث الحقيقة هو جملة هو مقول فلا إشكال لكن يرد أنه بعد التأويل يفوت إنشاء المدح العام الذي وضع أفعال المدح له بل يصير للإخبار بالمدح الخاص ، وهو أنه مقول في حقه نعم الوكيل وأيضاً مقولية المقول المذكور فيه إنما تكون بطريق الحمل والإخبار عنه بنعم الوكيل فلا بدّ من تقدير مقول في حقه مرة أخرى ، ويلزم تقديرات غير متناهية وكأنه لهذا لم يؤل الجمهور الإنشاء الواقع خبراً بذلك وإنما هو مختار السعد رحمه الله تعالى ، وقد جوز بعضهم على تقدير كون الواو من المحكي عطف نعم الوكيل على حسبنا باعتبار كونه في معنى الفعل كما عطف { جَعَلَ } على { فَالِقُ } في قوله تعالى : { فَالِقُ الإصباح وَجَعَلَ الليل سَكَناً } [ الأنعام : 96 ] على رأي فحينئذٍ يكون من عطف الجملة التي لها محل من الإعراب على المفرد لأنه إذ ذاك خبر عن المفرد ، وبعض المحققين يجوزون ذلك لا من عطف الإنشاء على الإخبار وهذا وإن كان في الحقيقة لا غبار عليه إلا أن أمر العطف على الخبر بناءاً على ما ذكره الشيخ الرضي من أن نعم الرجل بمعنى المفرد وتقديره","part":18,"page":234},{"id":7724,"text":"أي رجل جيد أظهر كما لا يخفى ، ومن الناس من ادعى أن الآية شاهد على جواز عطف الإنشاء على الإخبار فيما له محل من الإعراب بناءاً على أن الواو من الحكاية لا غير.\rولا يخفى عليك أنه بعد تسليم كون الواو كذلك فيها لا تصلح شاهداً على ما ذكر لجواز أن يكون قالوا مقدراً في المعطوف بقرينة ذكره في المعطوف عليه فيكون من عطف الجملة الفعلية الخبرية ، على الجملة الفعلية الخبرية ، ثم إن الظاهر كما يقتضي أن يكون في الآية عطف على الإخبار وفيه الخلاف الذي عرفت كذلك يقتضي عطف الفعلية على الاسمية وفيه أيضاً خلاف مشهور كعكسه ومما ذكرنا في أمر الإنشاء والإخبار يستخرج الجواب عن ذلك ، وقد أطال العلماء الكلام في هذا المقام وما ذكرناه قليل من كثير ووشل من غدير ، ثم إن هذه الكلمة كانت آخر قول إبراهيم عليه السلام حين ألقي في النار كما أخرجه البخاري في \"الأسماء والصفات\" عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما وعبد الرزاق وغيره عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما.\rوأخرج ابن مردويه عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : \" إذا وقعتم في الأمر العظيم فقولوا : ( حسبنا الله ونعم الوكيل ) \" ، وأخرج ابن أبي الدنيا عن عائشة رضي الله تعالى عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا اشتد غمه مسح بيده على رأسه ولحيته ثم تنفس الصعداء وقال : حسبي الله ونعم الوكيل.\rوأخرج أبو نعيم عن شداد بن أوس قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : \" حسبي الله ونعم الوكيل أمان كل خائف \". أ هـ {روح المعانى حـ 4 صـ 127 ـ 128}","part":18,"page":235},{"id":7725,"text":"قوله تعالى : {فانقلبوا بِنِعْمَةٍ مّنَ الله وَفَضْلٍ}\rفصل\rقال الفخر :\rوذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم خرج والمعنى : وخرجوا فانقلبوا ، فحذف الخروج لأن الانقلاب يدل عليه ، كقوله : {أَنِ اضرب بّعَصَاكَ البحر فانفلق} [ الشعراء : 63 ] أي فضرب فانفلق ، وقوله : {بِنِعْمَةٍ مّنَ الله وَفَضْلٍ} قال مجاهد والسدي : النعمة ههنا العافية ، والفضل التجارة ، وقيل : النعمة منافع الدنيا ، والفضل ثواب الآخرة ، وقوله : {لَّمْ يَمْسَسْهُمْ سُوء} لم يصبهم قتل ولا جراح في قول الجميع {واتبعوا رضوان الله} في طاعة رسوله {والله ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ} قد تفضل عليهم بالتوفيق فيما فعلوا ، وفي ذلك إلقاء الحسرة في قلوب المتخلفين عنهم وإظهار لخطأ رأيهم حيث حرموا أنفسهم مما فاز به هؤلاء ، وروي أنهم قالوا : هل يكون هذا غزوا ، فأعطاهم الله ثواب الغزو ورضي عنهم. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 9 صـ 82}\rوقال ابن عاشور :\rوقوله : { فانقلبوا بنعمة من الله } تعقيب للإخبار عن ثبات إيمانهم وقولِهم : حسبنا الله ونعم الوكيل ، وهو تعقيب لمحذوف يدلّ عليه فعل { فانقلبوا } ، لأنّ الانقلاب يقتضي أنَّهم خرجوا للقاء العدوّ الذي بلغ عنهم أنّهم جمعوا لَهم ولم يَعبأوا بخويف الشيطان ، والتقدير : فخرجوا فانقلبوا بنعمة من الله.\rوالباء للملابسة أي ملابسين لِنعمة وفضل من الله.\rفالنعمة هي ما أخذوه من الأموال ، والفضلُ فضل الجهاد.\rومعنى لم يمسسهم سوء لم يلاقوا حرباً مع المشركين. أ هـ {التحرير والتنوير حـ 3 صـ 287}\rوقال أبو حيان :\rوختمها بقوله : {والله ذو فضل عظيم} ، مناسب لقوله : { بنعمة من الله وفضل } تفضل عليهم بالتيسير والتوفيق في ما فعلوه ، وفي ذلك تحسير لمن تخلف عن الخروج حيث حرموا أنفسهم ما فاز به هؤلاء من الثواب في الآخرة والثناء الجميل في الدنيا.","part":18,"page":236},{"id":7726,"text":"وروي أنهم قالوا : هل يكون هذا غزواً ؟ فأعطاهم الله تعالى ثواب الغزو ، ورضي عنهم.\rوهذه عاقبة تفويض أمرهم إليه تعالى ، جازاهم بنعمته ، وفضله ، وسلامتهم واتباعهم رضاه. أ هـ {البحر المحيط حـ 3 صـ 125}\rوقال الآلوسى :\r{ والله ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ } حيث تفضل عليهم بما تفضل ، وفيما تقدم مع تذييله بهذه الآية المشتملة على الاسم الكريم الجامع وإسناد { ذُو فَضْلٍ } إليه ووصف الفضل بالعظم إيذان بأن المتخلفين فوتوا على أنفسهم أمراً عظيماً لا يكتنه كنهه وهم أحقاء بأن يتحسروا عليه تحسراً ليس بعده. أ هـ {روح المعانى حـ 4 صـ 129}\rفوائد لغوية\rقال ابن عادل :\rقوله : { فَزَادَهُمْ إِيمَاناً } في فاعل \" فزادهم \" ثلاثة أوجهٍ :\rالأول - وهو الأظهرُ - : أنه ضميرٌ يعود على المصدر المفهوم من \" قال \" أي فزادهم القول بكيتَ وكيتَ إيماناً ، كقوله : { اعدلوا هُوَ أَقْرَبُ للتقوى } [ المائدة : 8 ].\rالثاني : أنه يعود على المقول - الذي هو { إِنَّ الناس قَدْ جَمَعُواْ لَكُمْ فاخشوهم } كأنه قيل : قالوا لهم هذا الكلام فزادهم إيماناً.\rالثالث : أنه يعود على \" الناس \" إذا أريد به فَرْدٌ واحد - كما نُقِلَ في سبب النزول - وهو نعيم بن مسعود الأشْجَعِيّ.\rواستضعف أبو حيّان الوجهين الأخيرَيْنِ ، قال : \" وهما ضعيفانِ ؛ من حيثُ إنّ الأولَ لا يزيد إيماناً إلا النطقُ به ، لا هو في نفسه ، ومن حيثُ إنّ الثاني إذا أطلقَ على المفرد لفظ الجمع مجازاً فإن الضمائر تجري على ذلك الجمع ، لا على المفرد. تقول : مفارقة شابت - باعتبار الإخبار عن الجمع - ولا يجوز : مفارقة شاب - باعتبار : مَفْرِقُهُ شَابَ \".","part":18,"page":237},{"id":7727,"text":"قال شهابُ الدّين : \" وفيما قاله نَظَر ؛ لأن المقولَ هو الذي في الحقيقة حصل به زيادة الإيمان - وأما قولُهُ : تجري على الجمع ، لا على المفرد ، فغير مُسَلَّم ، ويعضده أنهم نَصُّوا على أنه يجوز اعتبار لفظ الجمع الواقع موقع المُثَنَّى تارةً ، ومعناه تارةً أخْرَى ، فأجازوا : رؤوس الكبشينِ قطعتهن ، وقطعتهما ، وإذا ثبت ذلك في الجمع الواقع موقع المثنى ، فليَجز في الواقع موقع المفرد. ولقائلٍ أن يفرق بينهما ، وهو أنه إنما جاز أن يراعى معنى التثنية - المعبر عنها بلفظ الجمع - لقربها منه ؛ من حيثُ إنّ كلاً منهما فيه ضم شيء إلى مثله. بخلاف المفرد ، فإنه بعيدٌ من الجمع ؛ لعدم الضمِّ ، فلا يلزمُ من مراعاة معنى التثنية في ذلك مراعاة معنى المفردِ.\rقوله : { فانقلبوا بِنِعْمَةٍ } في متعلق باء \" بنعمة \" وجهانِ : \rأحدهما : أنها متعلقة بنفس الفعل على أنها باء التعدية ؟ \rالثاني : أنها تتعلَّق بمحذوف ، على أنَّها حال من الضمير في \" انقلبوا \" والباء على هذه المصاحبة ، كأنه قيل : فانقلبوا ملتبسين بنعمة ومصاحبين لها. والتقدير : وخرجوا فانقلبوا ، وحذف الخروجُ ؛ لأن الانقلابَ يدل عليه ، كقول : { أَنِ اضرب بِّعَصَاكَ البحر فانفلق } [ الشعراء : 63 ] أي : فضرب فتنفلق ومعنى الآية : \" فانقلبوا \" بعافية ، لم يلقوا عدواً \" وفضل \" تجارة وربح ، وهو ما أصابوا من السوق.\rقوله : { لَّمْ يَمْسَسْهُمْ سواء } هذه الجملة في محل نصب على الحال - أيضاً - وفي ذي الحال وجهان : \rأحدهما : أنه فاعل \" انقلبوا \" أي : انقلبوا سالمين من السوء.","part":18,"page":238},{"id":7728,"text":"الثاني : أنه الضمير المستكن في \" بنعمة \" إذا كانت حالاً ، والتقدير : فانقلبوا منعَّمينَ بريئينَ من السوء. والعاملُ فيها : العامل في بنعمة فهما حالان متداخلان ، والحال إذا وقعت مضارعاً منفياً بـ \" لم \" وفيها ضمير ذي الحال جاز دخول الواو وعدمه فمن الأول قوله تعالى : { أَوْ قَالَ أُوْحِيَ إِلَيَّ وَلَمْ يُوحَ إِلَيْهِ شَيْءٌ } [ الأنعام : 93 ] وقول كعب : [ البسيط ]\rلا تَأخُذَنِّي بِأقْوالِ الوُشَاةِ وَلَمْ... أذْنِبْ وَلَوْ كَثُرَتْ فِيَّ الأقَاوِيلُ\rومن الثَّاني هذه الآية ، وقوله : { وَرَدَّ الله الذين كَفَرُواْ بِغَيْظِهِمْ لَمْ يَنَالُواْ خَيْراً } [ الأحزاب : 25 ] وقول [ قيس ] بن الأسلت : \rوَأضْرِبُ الْقَوْنَسَ يَوْمَ الْوَغَى... بِالسَّيْفِ لَمْ يَقْصُرْ بِهِ بَاعِي\rوبهذا يُعْرَف غَلَط الأستاذ ابن خروف ؛ حيث زعم أنّ الواوَ لازَمةٌ في مِثْلِ هَذَا ، سواء كان في الجملة ضمير ، أو لَمْ يَكُنْ.\rقوله : { واتبعوا } يجوز في هذه الجملة وجهانِ : \rالأول : أنا عطف على \" انقلبوا \".\rالثاني : أنها حال من فاعل \" انقلبوا \" - أيضاً - ويكون على إضمار \" قد \" أي : وقد اتبعوا. أ هـ {تفسير ابن عادل حـ 6 صـ 58 ـ 60}. بتصرف.","part":18,"page":239},{"id":7729,"text":"من لطائف الإمام القشيرى فى الآيتين\rقال عليه الرحمة :\r{الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ (173)}\rلم يلتَبِسْ على ظواهرهم شيءٌ مِنْ أحوال الدنيا إلا انفتحت لهم - في أسرارهم - طوالع من الكشوفات ، فازدادوا يقيناً على يقين.\rومن أمارات اليقين استقلالُ القلوب بالله عند انقطاع المُنَى مِن الخَلْق في توهم الإنجاد والإعانة.\rقوله تعالى { فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ وَاتَّبَعُوا رِضْوَانَ اللَّهِ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ (174)}\rكذا سُنَّة الحق - سبحانه - مع مَنْ صَدَق في التجائه إليه أن يمهد مقيله في ظل كفايته ؛ فلا البلاء يمسه ، ولا العناء يصيبه ، ولا النَّصَبَ يُظِلُّه. أ هـ {لطائف الإشارات حـ 1 صـ 297 ـ 298}","part":18,"page":240},{"id":7730,"text":"قوله تعالى : { إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ فَلَا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (175)}\rمناسبة الآية لما قبلها\rقال البقاعى :\rولما جزاهم سبحانه على أمثال ذلك بما وقع لهم من فوزهم بالسلامة والغنيمة بفضل من حاز أوصاف الكمال وتنزه عن كل نقص بما له من رداء الكبرياء والجلال ، ورغبهم فيما لديه لتوليهم إياه ، أتبع ذلك بما يزيدهم بصيرة من أن المخوف لهم مَن كيده ضعيف وأمره هين خفيف واهٍ سخيف وهو الشيطان ، وساق ذلك مساق التعليل لما قبله من حيازتهم للفضل وبعدهم عن السوء بأن وليهم الله وعدوهم الشيطان فقال التفاتاً إليهم بزيادة في تنشيطهم أو تشجيعهم وتثبيتهم : {إنما ذلكم} أي القائل الذي تقدم أنه الناس {الشيطان} أي الطريد البعيد المحترق.\rولما نسب القول إلأيه لأنه الذي زينه لهم حتى أشربته القلوب وامتلأت به الصدور ، كان كأنه قيل : فماذا عساه يصنع ؟ فقال : {يخوف} أي يخوفكم {أولياءه} لكنه أسقط المفعول الأول إشارة إلى أن تخويفه يؤول إلى خوف أوليائه ، لأنه أولياء الرحمن إذا ثبتوا لأجله أنجز لهم ما وعدهم من النصرة على أولياء الشيطان ، وإلى أن من خاف من تخويفه وعمل بموجب خوفه ففيه ولاية له تصحح إضافته إليه قلت أو كثرت.\rولما كان المعنى أنه يشوش بالخوف من أوليائه ، تسبب عنه النهي عن خوفهم فقال : {فلا تخافوهم} أي لأن وليهم الشيطان {وخافون} أي فلا تعصوا أمري ولا تتخلفوا أبداً عن رسولي {إن كنتم مؤمنين} أي مباعدين لأولياء الشيطان بوصف الإيمان. أ هـ {نظم الدرر حـ 2 صـ 185}","part":18,"page":241},{"id":7731,"text":"فصل\rقال الفخر :\rاعلم أن قوله : {الشيطان} خبر {ذلكم} بمعنى : إنما ذلكم المثبط هو الشيطان {يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءهُ} جملة مستأنفة بيان لتثبيطه ، أو {الشيطان} صفة لاسم الاشارة و{يُخَوّفُ} الخبر ، والمراد بالشيطان الركب ، وقيل : نعيم بن مسعود ، وسمي شيطاناً لعتوه وتمرده في الكفر ، كقوله : {شياطين الإنس والجن} [ الأنعام : 112 ] وقيل : هو الشيطان يخوف بالوسوسة. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 9 صـ 83}\rوقال الآلوسى :\r{ إِنَّمَا ذلكم } الإشارة إلى المثبط بالذات أو بالواسطة ، والخطاب للمؤمنين وهو مبتدأ ، وقوله : { الشيطان } بمعنى إبليس لأنه علم له بالغلبة خبره على التشبيه البليغ ، وقوله تعالى : { يُخَوّفُ أَوْلِيَاءهُ } جملة مستأنفة مبينة لشيطنته ، أو حال كما في قوله تعالى : { فَتِلْكَ بُيُوتُهُمْ خَاوِيَةً } [ النمل : 52 ].\rويجوز أن يكون الشيطان صفة لاسم الإشارة على التشبيه أيضاً ، ويحتمل أن يكون مجازاً حيث جعله هو ويخوف هو الخبر ، وجوز أن يكون ذا إشارة إلى قول المثبط فلا بدّ حينئذ من تقدير مضاف أي قول الشيطان ، والمراد به إبليس أيضاً ولا تجوز فيه على الصحيح ، وإنما التجوز في الإضافة إليه لأنه لما كان القول بوسوسته وسببه جعل كأنه قوله. أ هـ {روح المعانى حـ 4 صـ 132}\rقوله تعالى : {يُخَوّفُ أَوْلِيَاءهُ}\rفصل\rقال القرطبى :\rقال ابن عباس وغيره : المعنى يخوفكم أولياءه ؛ أي بأوليائه ، أو من أوليائه ؛ فحذف حرف الجر ووصل الفعل إلى الاسم فنصب.\rكما قال تعالى : { لِّيُنْذِرَ بَأْساً شَدِيداً } أي لينذركم ببأس شديد ؛ أي يخوّف المؤمن بالكافر.\rوقال الحسن والسُّدِّي : المعنى يخوّف أولياءه المنافقين ؛ ليقعدوا عن قتال المشركين.\rفأما أولياء الله فإنهم لا يخافونه إذا خوّفهم.","part":18,"page":242},{"id":7732,"text":"وقد قيل : إن المراد هذا الذي يخوّفكم بجمع الكفار شيطانٌ من شياطين الإنس ؛ إمّا نُعيم بن مسعود أو غيره ، على الخلاف في ذلك كما تقدّم. أ هـ {تفسير القرطبى حـ 4 صـ 282 ـ 283}\rوقال الفخر :\rأما قوله تعالى : {يُخَوّفُ أَوْلِيَاءهُ} ففيه سؤال : وهو أن الذين سماهم الله بالشيطان إنما خوفوا المؤمنين ، فما معنى قوله : {الشيطان يُخَوّفُ أَوْلِيَاءهُ} والمفسرون ذكروا فيه ثلاثة أوجه :\rالأول : تقدير الكلام : ذلكم الشيطان يخوفكم بأوليائه ، فحذف المفعول الثاني وحذف الجار ، ومثال حذف المفعول الثاني قوله تعالى : {فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِى اليم} [ القصص : 7 ] أي فإذا خفت عليه فرعون ، ومثال حذف الجار قوله تعالى : {لِّيُنْذِرَ بَأْسًا شَدِيدًا} [ الكهف : 2 ] معناه : لينذركم ببأس وقوله : {لِيُنذِرَ يَوْمَ التلاق} [ غافر : 15 ] أي لينذركم بيوم التلاق ، وهذا قول الفراء ، والزجاج ، وأبي علي.\rقالوا : ويدل عليه قراءة أبي بن كعب {يخوفكم بأوليائه }.\rالقول الثاني : أن هذا على قول القائل : خوفت زيدا عمرا ، وتقدير الآية : يخوفكم أولياءه ، فحذف المفعول الأول ، كما تقول : أعطيت الأموال ، أي أعطيت القوم الأموال ، قال ابن الأنباري : وهذا أولى من ادعاء جار لا دليل عليه وقوله : {لِّيُنْذِرَ بَأْسًا} أي لينذركم بأساً وقوله : {لِيُنذِرَ يَوْمَ التلاق} أي لينذركم يوم التلاق والتخويف يتعدى إلى مفعولين من غير حرف جر تقول : خاف زيد القتال ، وخوفته القتال وهذا الوجه يدل عليه قراءة ابن مسعود {يخوفكم أَوْلِيَاءهُ }.","part":18,"page":243},{"id":7733,"text":"القول الثالث : أن معنى الآية : يخوف أولياءه المنافقين ليقعدوا عن قتال المشركين ، والمعنى الشيطان يخوف أولياءه الذين يطيعونه ويؤثرون أمره ، فأما أولياء الله ، فإنهم لا يخافونه إذا خوفهم ولا ينقادون لأمره ومراده منهم ، وهذا قول الحسن والسدي ، فالقول الأول فيه محذوفان ، والثاني فيه محذوف واحد ، والثالث لا حذف فيه.\rوأما الأولياء فهم المشركون والكفار ، وقوله : {فَلاَ تَخَافُوهُمْ} الكناية في القولين الأولين عائدة إلى الأولياء.\rوفي القول الثالث عائدة إلى {الناس} في قوله : {إِنَّ الناس قَدْ جَمَعُواْ لَكُمْ} [ آل عمران : 173 ] {فَلاَ تَخَافُوهُمْ} فتقعدوا عن القتال وتجنبوا {وَخَافُونِ} فجاهدوا مع رسولي وسارعوا إلى ما يأمركم به {إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ} يعني أن الإيمان يقتضي أن تؤثروا خوف الله على خوف الناس. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 9 صـ 83 ـ 84}\rوقال القرطبى : \r{ فَلاَ تَخَافُوهُمْ } أي لا تخافوا الكافرين المذكورين في قوله : { إِنَّ الناس قَدْ جَمَعُواْ لَكُمْ }.\rأو يرجع إلى الأولياء إن قلت : إن المعنى يخوّف بأوليائه أي يخوّفكم أولياءه.\rقوله تعالى : { وَخَافُونِ } أي خافون في ترك أمري إن كنتم مصدّقين بوعدي.\rوالخوف في كلام العرب الذُّعْر.\rوخَاوَفَنى فلان فَخُفْتُه ، أي كنتُ أشدّ خوفاً منه.\rوالخَوفاءُ المَفَازَة لا ماء بها.\rويُقال : ناقةٌ خَوْفَاء وهي الجُرْبَاء.\rوالخافة كالخريطة من الأَدَم يُشْتَارُ فيها العَسَل.\rقال سَهلُ بنُ عبد الله : اجتمع بعض الصدّيقين إلى إبراهيم الخَلِيلِ فقالوا : ما الخوفُ ؟ فقال : لا تأمن حتى تبلغ المأمن.\rقال سهل : وكان الربيع بن خيثم إذا مرَّ بِكِيرٍ يُغْشَى عليه ؛ فقيل لعليّ بن أبي طالب ذلك ؛ فقال : إذا أصابه ذلك فأعلموني.\r","part":18,"page":244},{"id":7734,"text":"فأصابه فأعلموه ، فجاءه فأدخل يده في قميصه فوجد حركته عالية فقال : أشهد أنّ هذا أخوف ( أهل ) زمانِكم.\rفالخائف من الله تعالى هو أن يخَافَ أن يُعاقبَه إمّا في الدنيا وإمّا في الآخرة ؛ ولهذا قيل : ليس الخائف الذي يبكي ويمسح عينيه ، بل الخائفُ الذي يترك ما يخَافُ أن يُعذَّب عليه.\rففرض الله تعالى على العباد أن يخافوه فقال : { وَخَافُونِ إِن كُنتُمْ مُّؤْمِنِينَ } وقال : { وَإِيَّايَ فارهبون }.\rومدح المؤمنين بالخوف فقال : { يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِّن فَوْقِهِمْ }.\rولأرباب الإشارات في الخوف عبارات مرجعها إلى ما ذكرنا.\rقال الأستاذ أبو عليّ الدَّقاق : دخلت على أبي بكر بن فُورَك رحمه الله عائداً ، فلما رآني دَمعتْ عيناه ، فقلت له : إنّ الله يعافيك ويَشفِيك.\rفقال لي : أترى أنِّي أخاف من الموت ؟ إنما أخاف مما وراء الموت.\rوفي سُنن ابن ماجه عن أبي ذَرٍّ قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : \" إنّي أرى ما لا تَرَوْن وأسمع ما لا تسمعون أطّت السماء وحُقّ لها أن تَئِط ما فيها موضع أربِع أصابع إلاَّ وَمَلَكٌ واضعٌ جبهتَه ساجداً لله واللَّهِ لو تعلمون ما أعلم لضَحِكتم قليلاً ولبكيَتَمْ كثيراً وما تلذّذتم بالنساء على الفُرُشَات ولخرجتم إلى الصُّعُدات تَجْأَرُون إلى الله واللَّهِ لَودِدْت أني كنت شجرة تُعْضَد \" خرّجه الترمذيّ وقال : حديث حسَن غريب.\rويُروى من غير هذا الوجه أن أبا ذَرٍّ قال : \"لوَدِدْت أنّي كنت شجرة تُعْضَد\". والله أعلم. أ هـ {تفسير القرطبى حـ 4 صـ 283 ـ 284}","part":18,"page":245},{"id":7735,"text":"قوله تعالى { إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ }\rقال الآلوسى :\rوقوله تعالى : { إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ } إن كان الخطاب للمتخلفين فالأمر فيه واضح ، وإن كان للخارجين كان مساقاً للإلهاب والتهييج لهم لتحقق إيمانهم ، وإن كان للجميع ففيه تغليب ، وأيّاً مّا كان فالجزاء محذوف ، وقيل : إن كان الخطاب فيما تقدم للمؤمنين الخلص لم يفتقر إلى الجزاء لكونه في معنى التعليل ، وإن كان للآخرين افتقر إليه وكأن المعنى إن كنتم مؤمنين فخافوني وجاهدوا مع رسولي لأن الإيمان يقتضي أن تؤثروا خوف الله تعالى على خوف الناس. أ هـ {روح المعانى حـ 4 صـ 132}\rسؤال : فإن قال قائل : وكيف قيل : \"يخوف أولياءه\" ؟ وهل يخوف الشيطان أولياءه ؟ [وكيف] ؟\rقيل إن كان معناه يخوّفكم بأوليائه\"يخوف أولياءه\" ؟ قيل : ذلك نظير قوله : ( لِيُنْذِرَ بَأْسًا شَدِيدًا ) [سورة الكهف : 2] بمعنى : لينذركم بأسه الشديد، وذلك أن البأس لا يُنذر، وإنما ينذر به.\rوقد كان بعض أهل العربية من أهل البصرة يقول : معنى ذلك : يخوف الناسَ أولياءه، كقول القائل : \"هو يُعطي الدراهم، ويكسو الثياب\"، بمعنى : هو يعطي الناس الدراهم ويكسوهم الثياب، فحذف ذلك للاستغناء عنه.\rقال الطبرى :\rوليس الذي شبه [من] ذلك بمشتبه، لأن\"الدراهم\" في قول القائل : \"هو يعطي الدراهم\"، معلوم أن المعطَى هي\"الدراهم\"، وليس كذلك\"الأولياء\" -في قوله : \"يخوف أولياءه\"- مخوَّفين، بل التخويف من الأولياء لغيرهم، فلذلك افترقا. أ هـ {تفسير الطبرى حـ 7 صـ 417}\rفوائد لغوية\rقال ابن عادل :\r\" إنما \" حرف مكفوف بـ \" ما \" عن العمل وقد تقدم الكلام فيها أول الكتاب. وفي إعراب هذه الجملة خمسةُ أوجهٍ :","part":18,"page":246},{"id":7736,"text":"الأول : أن يكون \" ذلكم \" مبتدأ ، \" والشيطان \" خبره ، و\" يخوف أولياءه \" حال ؛ بدليل وقوع الحالِ الصريحةِ في مثل هذا التركيب ، نحو قوله : { وهذا بَعْلِي شَيْخاً } [ هود : 72 ] وقوله : { فَتِلْكَ بُيُوتُهُمْ خَاوِيَةً } [ النمل : 52 ].\rالثاني : أن يكون \" الشيطان \" بدلاً ، أو عطف بيان ، و\" يخوف \" الخبر ، ذكره أبو البقاء.\rالثالث : أن يكون \" الشيطان \" نعتاً لاسم الإشارة ، و\" يخوف \" على أن يرادَ بـ \" الشيطان \" نعيم ، أو أبو سفيان - ذكره الزمخشري قال أبو حيّان : \" وإنما قال : والمراد بـ \" الشيطان \" نعيم ، أو أبو سفيان ؛ لأنه لا يكون نعتاً - والمراد به إبليس - لأنه إذ ذاك - يكون علماً بالغلبة ، إذ أصله صفة - كالعيُّوق - ثم غلب على إبليس كما غلب العيُّوق على النَّجْمِ الَّذِي ينطلق عليه \" وفيه نظرٌ.\rالرابع : أن يكون \" ذلكم \" مبتدأ ، و\" الشيطان \" خبر ، و\" يخوف \" جملةٌ مستأنفةٌ ، بيان لشيطنته ، والمراد بالشَّيْطانِ هو المثبط للمؤمنين.\rالخامس : أن يكون \" ذلكم \" مبتدأ ، و\" الشيطان \" مبتدأ ثانٍ ، و\" يخوف \" خبر الثاني ، والثاني وخبره خبرُ الأول ؛ قاله ابنُ عطيةَ ، وقال : \" وهذا الإعرابُ خير - في تناسق المعنى - من أن يكون \" الشيطان \" خبر \" ذلكم \" لأنه يجيء في المعنى استعارة بعيدة \".\r","part":18,"page":247},{"id":7737,"text":"ورَدَّ عليه أبو حيّان هذا الإعراب - إن كان الضمير في \" أولياءه \" عائداً على \" الشيطان \" لخُلُوِّ الجملة الواقعة خبراً عن رابط يربطها بالمبتدأ - وليست نفس المبتدأ في المعنى ، نحو : هِجِّيرى أبِي بكر لا إلَه إلا الله وإن كان عائداً على \" ذلكم \" - ويراد بـ \" ذلكم \" غير الشيطان جاز ، وصار نظير : إنما هند زيد [ يضرب غلامها ] ، والمعنى : إنما ذلكم الركب ، أو أبو سفيان الشيطان يخوفكم أنتم أولياؤه ، أي : أولياء الركب ، أو أولياء أبي سفيان - والمشار إليه بـ \" ذلكم \" هل هو عين أو معنى ؟ فيه احتمالان : \rأحدهما : أنه إشارةٌ إلى ناسٍِ مخصوصين - كَنُعَيْم وأبيب سفيانَ وأشياعهما - على ما تقدم.\rالثاني : إشارة إلى جميع ما جرى من أخبارِ الركبِ وإرسال أبي سفيان وجزع من جزع - وعلى هذا التقدير فلا بُدَّ من حذف مضافٍ ، أي : فعل الشيطان ، وقدَّره الزمخشري : قول الشيطانِ ، أي : قوله السابق ، وهو : { إِنَّ الناس قَدْ جَمَعُواْ لَكُمْ فاخشوهم } [ آل عمران : 173 ] وعلى كلا التقديرين - أعني كون الإشارة لأعيان أو معان - فالإخبار بـ \" الشيطان \" عن \" ذلكم \" مجاز ؛ لأن الأعيان المذكورين والمعاني من الأقوال والأفعال الصادرة من الكفار - ليست نفس الشيطان ، وإنما لما كانت بسببه ووسوسته جَازَ ذلك.\rقوله : { يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ } قد تقدم ما محله من الإعراب. والتضعيفُ فيه للتعدية ، فإنه قَبْلَ التَّضْعيف متعدٍّ إلى واحدٍ ، وبالتضعيف يكتسب ثانياً ، وهو من باب \" أعطى \" ، فيجوز حذف مفعوليه ، أو أحدهما اقتصاراً واختصاراً ، وهو في الآية الكريمة يحتمل أوجُهاً : \r","part":18,"page":248},{"id":7738,"text":"أحدها : أنْ يكون المفعولُ الأولُ محذوفاً ، تقديره : يخوفكم أولياءه ، ويقوِّي هذا التقديرَ قراءة ابن عبَّاسٍ وابن مسعود هذه الآية كذلك ، والمراد بـ \" أولياءه \" - هنا - الكفارُ ، ولا بُدَّ من حذف مضافٍ ، أي : شر أوليائه ؛ لأن الذوات لا يخاف منها.\rالثاني : أن يكون المفعول الثاني هو المحذوف ، و\" أولياءه \" هو الأول ، والتقدير : يخوف أولياءه شَرَّ الكفار ، ويكون المراد بـ \" أولياءه \" - على هذا الوجه - المنافقين ومَنْ في قلبه مرضٌ ممن تخلف عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في الخروج.\rوالمعنى : أن تخويفه بالكفار إنما يحصل للمنافقين الذين هم أولياؤه ، وأما أنتم فلا يصل إليكم تخويفه قاله الحسنُ والسُّدِّي.\rالثالث : أن المفعولين محذوفان ، و\" أولياءه \" نعتٌ - على إسقاط حرف الجر - والتقدير : يخوفكم الشر بأوليائه. والباء للسبب ، أي : بسبب أوليائه فيكونون هم كآلةِ التخويف لكم.\rقالوا : ومثل حذف المفعول الثاني قوله تعالى : { فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي اليم } [ القصص : 7 ] أي : فإذا خِفْتِ عليه فرعونَ. ومثال حذف الجارّ قوله تعالى : { لِّيُنْذِرَ بَأْساً شَدِيداً مِّن لَّدُنْهُ } [ الكهف : 2 ] معناه لينذركم ببأسٍ ، وقوله : { لِيُنذِرَ يَوْمَ التلاق } [ غافر : 15 ]. وهذا قول الفرّاء والزّجّاج وأبي عليّ ، قالوا : ويدل عليه قراءة أبَيٍّ والنَّخَعِيِّ : يخوفكم بأوليائه.\rقال شهابُ الدّينِ : فكأن هذا القائل رأى قراءة أبَيّ والنخعيّ \" يخوف بأوليائه \" فظن أنَّ قراءة الجمهورِ مثلها في الأصل ، ثم حُذِفتَ الباء ، وليس كذلك ، بل تُخَرَّج قراءةُ الجمهورِ على ما تقدم ؛ إذ لا حاجةَ إلى ادِّعاء ما لا ضرورة له.\rوأما قراءة أبَيّ فيحتمل أن تكون الباء زائدة ، كقوله : [ البسيط ]\r","part":18,"page":249},{"id":7739,"text":"...................................... سُودُ الْمَحَاجِرِ لا يَقْرَانَ بِالسُّوَرِ\rفتكون كقراءة الجمهور في المعنى.\rويحتمل أن تكون للسبب ، والمفعولان محذوفان - كما تقدم.\rقوله : { فَلاَ تَخَافُوهُمْ } في الضمير المنصوب ثلاثةُ أوجهٍ :\rالأول - وهو الأظهر - : أنه يعود على \" أولياءه \" أي : فلا تخافوا أولياءَ الشيطان ، هذا إن أريد بالأولياء كفار قريش.\rالثاني : أنه يعود على \" الناس \" من قوله : { إِنَّ الناس قَدْ جَمَعُواْ لَكُمْ } [ آل عمران : 173 ] إن كان المراد بـ \" أولياءه \" المنافقين.\rالثالث : أنه يعود على \" الشيطان \" قال أبو البقاء : \" إنما جمع الضمير ؛ لأن الشيطان جنس \" والياء في قوله : \" وخافوني \" من الزوائد ، فإثبتها أبو عمرو وصلاً ، وحَذَفَها وقفاً - على قاعدته - والباقون يحذفونها مطلقاً.\rوقوله : { إِن كُنتُمْ مُّؤْمِنِينَ } جوابه محذوف ، أو متقدم - عند مَنْ يرى ذلك - وهذا من باب الإلهاب والتهييج. إلا فهم ملتبسون بالإيمان. أ هـ {تفسير ابن عادل حـ 6 صـ 62 ـ 65}. بتصرف.\rلطيفة\rقال ابن عادل :\rفصل في ورود الخوف في القرآن الكريم\rورد الخوف على ثلاثةِ أوجهٍ :\rالأول : الخوفُ بعينه ، كهذه الآية.\rالثاني : الخوف : القتال ، قال تعالى : { فَإِذَا ذَهَبَ الخوف سَلَقُوكُمْ بِأَلْسِنَةٍ حِدَادٍ } [ الأحزاب : 19 ] أي : إذا ذهب القتال.\rالثالث : الخوف : العِلْم ، قال تعالى : { فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ يُقِيمَا حُدُودَ الله } [ البقرة : 229 ] وقوله : { وَأَنذِرْ بِهِ الذين يَخَافُونَ أَن يحشروا إلى رَبِّهِمْ } [ الأنعام : 51 ]. أي : يعلمون وقوله : { وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا } [ النساء : 35 ] أي : علمتم. أ هـ {تفسير ابن عادل حـ 6 صـ 65}","part":18,"page":250},{"id":7740,"text":"ومن لطائف العلامة الفيروزابادى\rقال عليه الرحمة : \r( بصيرة فى الخوف )\rوهو توقُّع مكروه عن أَمارة مظنونة أَو معلومة، كما أَن الرجاءَ والطمع توقع محبوب عن أَمارة مظنونة أَو معلومة، ويضادّ الخوف الأَمن.\rويستعمل ذلك فى الأُمور الأَخروية والدّنيويّة.\rوقوله تعالى : {وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا} قد فسّر بعرفتم.\rوحقيقته : وإِن وقع لكم خوف من ذلك لمعرفتكم.\rوالخوف من الله لا يراد به ما يخطِر بالبال من الرّعب كاستشعار الخوف، بل إِنَّما يراد به الكفّ عن المعاصى وتحرّى الطَّاعات.\rولذلك قيل : لا يعدُّ خائفاً من لم يكن للذُّنوب تاركاً.\rوالخوف أَجلّ منازل السّالكين وأَنفعها للقلب.\rوهو فرض على كلِّ أَحد.\rقال تعالى : {وَخَافُونِ إِن كُنتُمْ مُّؤْمِنِينَ} وقال : {وَإِيَّايَ فَاتَّقُونِ} ومدح الله تعالى أَهله فى كتابه وأَثنى عليهم فقال : {إِنَّ الَّذِينَ هُم مِّنْ خَشْيةِ رَبِّهِمْ مُّشْفِقُونَ * وَالَّذِينَ هُم بِآيَاتِ رَبَّهِمْ يُؤْمِنُونَ * وَالَّذِينَ هُم بِرَبِّهِمْ لاَ يُشْرِكُونَ * وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَآ آتَواْ وَّقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ * أُوْلَائِكَ يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ} فى مسند الإِمام أَحمد وجامع التِّرمذى \"عن عائشة رضى الله عنها قال قلت يا رسول الله صلى الله عليه وسلَّم : \"الذين يؤتون ما آتَوْا وقلوبهم وجلة\" أَهو الَّذى يسرق ويشرب الخمر ويزنى ؟ قال : لا يا ابنة الصّديق : ولكنَّه الرّجل يصوم ويصلِّى ويتصدّق ويخاف أَن لا يقبل منه\" وقال الحسن : عملوا والله الصَّالحات واجتهدوا فيها، وخافوا أَن تُردّ عليهم.\rوقال الجنيد : الخوف توقع العقوبة على مجرى الأَنفاس.\rوقيل : الخوف : اضطراب القلب وحركته من تذكُّر المَخُوف.","part":18,"page":251},{"id":7741,"text":"وقيل الخوف : هرب القلب من حلول المكروه وعند استشعاره.\rوقيل : الخوف العلم بمجارى الأَحكام.\rوهذا سبب الخوف لا نفسه.\rوقال أَبو حفص : الخوف سوط الله يقوِّم به الشاردين عن بابه.\rوقال : الخوف سراج فى القلب يبصر به ما فيه من الخير والشرّ.\rوكلّ واحد إِذا خِفْته هربت منه إِلاَّ الله فإِنَّك إِذا خفته هربت إِليه.\rوقال إِبراهيم بن سفيان : إِذا سكن الخوفُ القلب أَحرق مواضع الشَّهوات منه وطرد الدّنيا عنه.\rوقال ذو النُّون : الناس على الطَّريق ما لم يَزلْ عنهم الخوف، فإِذا زال عنهم الخوف ضَلُّوا عن الطَّريق.\rوالخوف ليس مقصوداً لذاته بل مقصود لغيره.\rوالخوف المحمود الصَّادق : ما حال بين صاحبه ومحارم الله، فإِذا تجاوز ذلك خيف منه اليأْس والقنوط.\rوقال أَبو عثمان : صِدْق الخوف هو الورع عن الآثام ظاهراً وباطناً.\rوقال الأَنصارى : الخوف هو الانخلاع عن طمأْنينة الأَمن بمطالعة الخَبر يعنى الخروج من سكون الأَمن باستحضار ما أَخبر اللهُ به من الوعد والوعيد.\rوأَمّا التخويف من الله فهو الحَثُّ على التحرُّز.\rوعلى ذلك قوله تعالى : {ذَلِكَ يُخَوِّفُ اللَّهُ بِهِ عِبَادَهُ} ونهى الله تعالى عن مخافة الشيطان والمبالاة بتخويفه، فقال {إِنَّمَا ذالِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ فَلاَ تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ} أَى لا تأْتمروا للشيطان وأْتمروا لله تعالى.\rويقال تخوّفناهم أَى تنقَّضاهم تنقُّصا اقتضاه الخوف منهم.\rوقوله : {وَإِنِّي خِفْتُ الْمَوَالِيَ مِن وَرَآئِي} فخوفه منهم أَلاَّ يراعوا الشريعة ولا يحفظوا نظام الدّين، لا أَن يرثوا ماله كما ظنَّه بعض الجهلة.\rفالقُنْيات الدّنيويّة أَخسُّ عند الأَنبياءِ من أَن يُشفقوا عليها.\rوالخيفة : الحالة الَّتى عليها الإِنسان من الخوف.","part":18,"page":252},{"id":7742,"text":"قال تعالى : {فَأَوْجَسَ فِي نَفْسِهِ خِيفَةً مُّوسَى} واستعمل استعمال الخوف.\rقال تعالى {وَالْمَلاَئِكَةُ مِنْ خِيفَتِهِ} وتخصيصُ لفظِ الخيفة تنبيه أَنَّ الخوف منهم حالة لازمة لا تفارقهم.\rوالتخوّف : ظهور الخوف من الإِنسان.\rقال تعالى : {أَوْ يَأْخُذَهُمْ عَلَى تَخَوُّفٍ}.\rوقد ورد فى القرآن الخوف على خمسة وجوه : \rالأَوّل : بمعنى القتل والهزيمة {وَإِذَا جَآءَهُمْ أَمْرٌ مِّنَ الأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ} {وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِّنَ الْخَوْفِ} أَى القتل.\rالثَّانى : بمعنى الحرب والقتال {فَإِذَا ذَهَبَ الْخَوْفُ سَلَقُوكُمْ بِأَلْسِنَةٍ حِدَادٍ} أَى إِذا انجلى الحرب {فَإِذَا جَآءَ الْخَوْفُ رَأَيْتَهُمْ يَنظُرُونَ إِلَيْكَ} أَى الحرب.\rالثالث : بمعنى العلم والدّراية {فَمَنْ خَافَ مِن مُّوصٍ جَنَفاً} أَى عِلم {إِلاَّ أَن يَخَافَآ أَلاَّ يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ} أَى يعلما {وَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تُقْسِطُواْ فِي الْيَتَامَى} أَى علمتم.\rالرّابع : بمعنى النقص {أَوْ يَأْخُذَهُمْ عَلَى تَخَوُّفٍ} أَى تنقُّص.\rالخامس : بعنى الرُّعب والخشية من العذاب والعقوبة {يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفاً وَطَمَعاً}.","part":18,"page":253},{"id":7743,"text":"وفى مواضع كثيرة قُرِن الخوف فى القرآن بـ \"لا\" النَّافية وبـ \"لا\" النَّاهية، نحو {لاَ تَخَفْ وَلاَ تَحْزَنْ إِنَّا مُنَجُّوكَ وَأَهْلَكَ} {لاَ تَخَافَآ إِنَّنِي مَعَكُمَآ} {لاَ تَخَفْ إِنَّكَ أَنتَ الأَعْلَى} {وَلاَ تَخَافِي وَلاَ تَحْزَنِي إِنَّا رَآدُّوهُ إِلَيْكِ} {لاَ تَخَفْ إِنِّي لاَ يَخَافُ لَدَيَّ الْمُرْسَلُونَ} {أَقْبِلْ وَلاَ تَخَفْ إِنَّكَ مِنَ الآمِنِينَ} {لاَّ تَخَافُ دَرَكاً وَلاَ تَخْشَى} {وَلاَ يَخَافُونَ لَوْمَةَ لائِمٍ} {فَلاَ يَخَافُ بَخْساً وَلاَ رَهَقاً} {فَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ} {أَلاَّ تَخَافُواْ وَلاَ تَحْزَنُواْ}. أ هـ {بصائر ذوى التمييز حـ 3 صـ 140 ـ 142}","part":18,"page":254},{"id":7744,"text":"من لطائف الإمام القشيرى فى الآية\rقال عليه الرحمة :\r{ إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ فَلَا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (175)}\rالإشارة في تسليط دواعي الشيطان على قلوب الأولياء صدق فرارهم إلى الله ؛ كالصبيِّ الذي يُخوَّف بشيء يفزع الصبيان ، فإذا خاف لم يهتدِ إلى غير أمه ، فإذا أتى إليها آوَتْه إلى نفسها ، وضمَّتهُ إلى نَحْرِها ، وألصقَتْ بِخَدِّه خدَّها.\rكذلك العبد إذا صدق في ابتهاله إلى الله ، ورجوعه إليه عن مخالفته ، آواه إلى كنف قربته ، وتداركه بحسن لطفه. أ هـ {لطائف الإشارات حـ 1 صـ 298}","part":18,"page":255},{"id":7745,"text":"قوله تعالى : { وَلَا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ إِنَّهُمْ لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئًا يُرِيدُ اللَّهُ أَلَّا يَجْعَلَ لَهُمْ حَظًّا فِي الْآَخِرَةِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (176)}\rمناسبة الآية لما قبلها\rقال البقاعى :\rولما مدح سبحانه وتعالى المسارعين في طاعته وطاعة رسوله صلى الله عليه وسلم وختم ذلك بالنهي عن الخوف من أولياء الشيطان ، أعقبه بذم المسارعين في الكفر والنهي عن الحزن من أجلهم.\rولما كان أكثر الناس - كالمنافقين الراجعين عن أحد ، ثم المقاتلين القائلين : هل لنا من الأمر من شيء - أرجفوا إلى أبي عامر وعبد الله بن أبيّ لأخذ الأمان من أبي سفيان ، ثم ركب عبد القيس أو نعيم بن مسعود ، ثم من استجاب من أهل المدينة وأرجف بما قالوا في ثبط المؤمنين ، وكان ذلك مما يخطر بالبال تمادي أيام الكفر وأهله غالبِين ، ويقدح في رجاء قصر مدته ، ويوجب الحزن على ذلك ، قال تعالى قاصراً الخطاب على أعظم الخلق وأشفقهم وأحبهم في صلاحهم {ولا يحزنك الذين يسارعون} أي يسرعون إسراع من يسابق خصماً {في الكفر} ثم علل ذلك بقوله : {إنهم لن يضروا الله} أي الذي له جميع العظمة {شيئاً} أي دينه بإذلال أنصاره والقائمين به ، وحذف المضاف تفخيماً له وترغيباً فيه حيث جعله هو المضاف إليه.\rولما نفى ما خيف من أمرهم كان مظنة السؤال عن الحاكم لهم على المسارعة فقيل جواباً : {يريد الله} أي الذي له الأمر كله {ألاّ يجعل لهم حظاً} أي نصيباً {في الآخرة} ولما كانت المسارعة في ذلك عظيمة ختمت الآية بقوله : {ولهم عذاب عظيم} قد عم جميع ذواتهم ، لأن المسارعة دلت على أن الكفر قد ملأ أبدانهم ونفوسهم وأرواحهم. أ هـ {نظم الدرر حـ 2 صـ 185 ـ 186}\rفصل\rقال الفخر :\rاختلفوا في سبب نزول الآية على وجوه :","part":18,"page":256},{"id":7746,"text":"الأول : أنها نزلت في كفار قريش ، والله تعالى جعل رسوله آمنا من شرهم ، والمعنى : لا يحزنك من يسارع في الكفر بأن يقصد جمع العساكر لمحاربتك ، فإنهم بهذا الصنيع إنما يضرون أنفسهم ولا يضرون الله ، ولا بد من حمل ذلك على أنهم لن يضروا النبي وأصحابه من المؤمنين شيئا ، وإذا حمل على ذلك فلا بد من حمله على ضرر مخصوص ، لأن من المشهور أنهم بعد ذلك ألحقوا أنواعا من الضرر بالنبي عليه الصلاة والسلام ، والأولى أن يكون ذلك محمولا على أن مقصودهم من جمع العساكر إبطال هذا الدين وإزالة هذه الشريعة ، وهذا المقصود لا يحصل لهم ، بل يضمحل أمرهم وتزول شوكتهم ، ويعظم أمرك ويعلو شأنك.\rالثاني : أنها نزلت في المنافقين ، ومسارعتهم هي أنهم كانوا يخوفون المؤمنين بسبب وقعة أحد ويؤيسونهم من النصرة والظفر ، أو بسبب أنهم كانوا يقولون إن محمداً طالب ملك ، فتارة يكون الأمر له ، وتارة عليه ، ولو كان رسولا من عند الله ما غلب ، وهذا كان ينفر المسلمين عن الإسلام ، فكان الرسول يحزن بسببه.\rقال بعضهم : إن قوما من الكفار أسلموا ثم ارتدوا خوفا من قريش فوقع الغم في قلب الرسول صلى الله عليه وسلم بذلك السبب ، فإنه عليه السلام ظن أنهم بسبب تلك الردة يلحقون به مضرة.\rفبين الله أن ردتهم لا تؤثر في لحوق ضرر بك قال القاضي : ويمكن أن يقوي هذا الوجه بأمور : الأول : أن المستمر على الكفر لا يوصف بانه يسارع في الكفر ، وإنما يوصف بذلك من يكفر بعد الايمان.\rالثاني : أن إرادته تعالى أن لا يجعل لهم حظاً في الآخرة لا يليق إلا بمن قد آمن ، فاستوجب ذلك ، ثم أحبط.","part":18,"page":257},{"id":7747,"text":"الثالث : أن الحزن إنما يكون على فوات أمر مقصود ، فلما قدر النبي صلى الله عليه وسلم الانتفاع بايمانهم ، ثم كفروا حزن صلى الله عليه وسلم عند ذلك لفوات التكثير بهم ، فآمنه الله من ذلك وعرفه أن وجود إيمانهم كعدمه في أن أحواله لا تتغير.\rالقول الرابع : أن المراد رؤساء اليهود : كعب بن الأشرف وأصحابه الذين كتموا صفة محمد صلى الله عليه وسلم لمتاع الدنيا.\rقال القفال رحمه الله : ولا يبعد حمل الآية على جميع أصناف الكفار بدليل قوله تعالى : {يأَيُّهَا الرسول لاَ يَحْزُنكَ الذين يُسَارِعُونَ فِى الكفر} [ المائدة : 41 ] إلى قوله : {وَمِنَ الذين هِادُواْ} [ المائدة : 41 ] فدلت هذه الآية على أن حزنه كان حاصلا من كل هؤلاء الكفار. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 9 صـ 84 ـ 85}\rفصل\rقال القرطبى :\rقراءة نافع بضم الياء وكسر الزاي حيث وقع إلاَّ في الأنبياء { لاَ يَحْزُنُهُمُ الفزع الأكبر } [ الأنبياء : 103 ] فإنه بفتح الياء وبضم الزاي.\rوضِده أبو جعفر.\rوقرأ ابن مُحَيْصِن كلّها بضم الياء و( كسر ) الزاي.\rوالباقون كلّها بفتح الياء وضمّ الزاي.\rوهما لغتان : حَزَنَني الأمر يَحْزُنُنِي ، وأحْزَنَنِي أيضاً وهي ( لغة ) قليلة ؛ والأولى أفصح اللّغتين ؛ قاله النحاس.\rوقال الشاعر في \"أحزن\" :\rمضى صُحْبِي وأحْزَنَنِي الدِّيارُ . . .\rوقراءة العامة \"يُسَارِعُونَ\".\rوقرأ طلحة \"يُسْرِعون في الكفر\".\rقال الضحّاك : هم كفار قريش.\rوقال غيره : هم المنافقون.\rوقيل : هو ما ذكرناه قبلُ.\rوقيل : هو عامّ في جميع الكفار.\rومُسارعتهم في الكفر المظاهرةُ على محمد صلى الله عليه وسلم.","part":18,"page":258},{"id":7748,"text":"قال القُشَيريّ : والحُزْن على كُفرِ الكافر طاعة ؛ ولكنّ النبيّ صلى الله عليه وسلم كان يُفرِط في الحُزن على كفر قومه ، فنُهي عن ذلك ؛ كما قال : { فَلاَ تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ } وقال : { فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَّفْسَكَ على آثَارِهِمْ إِن لَّمْ يُؤْمِنُواْ بهذا الحديث أَسَفاً }. أ هـ {تفسير القرطبى حـ 4 صـ 284 ـ 285}\rفائدة\rقال الآلوسى :\r{ وَلاَ يَحْزُنكَ الذين يسارعون فِى الكفر } خطاب للنبي صلى الله عليه وسلم وتوجيهه إليه تشريفاً له بالتسلية مع الإيذان بأنه الرئيس المعتنى بشؤونه. أ هـ {روح المعانى حـ 4 صـ 132}\rسؤال : فإن قيل : كيف لا يحزنه المسارعة في الكفر ؟\rفالجواب لا يحزنك فعلهم ، فإنك منصور عليهم. أ هـ {زاد المسير حـ 1 صـ 508}\rفصل\rقال الفخر :\rفي الآية سؤال : وهو أن الحزن على كفر الكافر ومعصية العاصي طاعة ، فكيف نهى الله عن الطاعة ؟\rوالجواب من وجهين :\rالأول : أنه كان يفرط ويسرف في الحزن على كفر قومه حتى كاد يؤدي ذلك إلى لحوق الضرر به ، فنهاه الله تعالى عن الإسراف فيه ألا ترى إلى قوله تعالى : {فَلاَ تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حسرات} [ فاطر : 8 ]\rالثاني : أن المعنى لا يحزنوك بخوف أن يضروك ويعينوا عليك ، ألا ترى إلى قوله : {إِنَّهُمْ لَن يَضُرُّواْ الله شَيْئاً} يعني أنهم لا يضرون بمسارعتهم في الكفر غير أنفسهم ، ولا يعود وبال ذلك على غيرهم ألبتة. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 9 صـ 85}","part":18,"page":259},{"id":7749,"text":"فصل\rقال الآلوسى :\rومعنى : { يسارعون فِى الكفر } يقعون فيه سريعاً لغاية حرصهم عليه وشدة رغبتهم فيه ، ولتضمن المسارعة معنى الوقوع تعدت بفي دون إلى الشائع تعديتها بها كما في { سَارِعُواْ إلى مَغْفِرَةٍ مّن رَّبّكُمْ وَجَنَّةٍ } [ آل عمران : 133 ] وغيره ، وأوثر ذلك قيل : للإشعار باستقرارهم في الكفر ودوام ملابستهم له في مبدأ المسارعة ومنتهاها كما في قوله سبحانه : { يسارعون فِى الخيرات } [ الأنبياء : 90 ] في حق المؤمنين ، وأما إيثار كلمة إلى في آيتها فلأن المغفرة والجنة منتهى المسارعة وغايتها والموصول فاعل { يَحْزُنكَ } وليست الصلة علة لعدم الحزن كما هو المعهود في مثله لأن الحزن من الوقوع في الكفر هو الأمر اللائق لأنه قبيح عند الله تعالى يجب أن يحزن من مشاهدته فلا يصح النهي عن الحزن من ذلك ، بل العلة هنا ما يترتب على تلك المسارعة من مراغمة المؤمنين وإيصال المضرة إليهم إلا أنه عبر بذلك مبالغة في النهي.\rوالمراد لا يحزنك خوف أن يضروك ويعينوا عليك. أ هـ {روح المعانى حـ 4 صـ 132}","part":18,"page":260},{"id":7750,"text":"وقال ابن عاشور : \rومعنى { يسارعون في الكفر } يتوغّلون فيه ويَعجَلون إلى إظهاره وتأييده والعمل به عند سنوح الفرص ، ويحرصون على إلقائه في نفوس الناس ، فعبّر عن هذا المعنى بقوله : { يسارعون } ، فقيل : ذلك من التضمين ضمّن يسارعون معنى يقعون ، فعدّي بفي ، وهي طريقة \"الكشاف\" وشروحه ، وعندي أنّ هذا استعارة تمثيلية : شبّه حال حرصهم وجدّهم في تفكير الناس وإدخال الشكّ على المؤمنين وتربّصهم الدوائر وانتهازهم الفرص بحال الطالب المسارع الى تحصيل شيء يخشى أن يَفوته وهو متوغّل فيه متلبس به ، فلذلك عدّي بفي الدالة على سرعتهم سرعة طالب التمكين ، لا طالب الحصول ، إذ هو حاصل عندهم ولو عدّي بإلى لفهم منه أنّهم لم يكفروا عند المسارعة. أ هـ {التحرير والتنوير حـ 3 صـ 288}\rقوله تعالى {إِنَّهُمْ لَن يَضُرُّواْ الله شَيْئاً}\rقال الفخر : \rوالمعنى أنهم لن يضروا النبي وأصحابه شيئاً ، وقال عطاء : يريد : لن يضروا أولياء الله شيئاً. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 9 صـ 85}\rوقال الآلوسى : \rالمراد لا يحزنك خوف أن يضروك ويعينوا عليك ، ويدل على ذلك إيلاء قوله تعالى : \r{ إِنَّهُمْ لَن يَضُرُّواْ الله شَيْئاً } رداً وإنكاراً لظن الخوف ، والكلام على حذف مضاف ، والمراد أولياء الله مثلاً للقرينة العقلية عليه ، وفي حذف ذلك وتعليق نفي الضرر به تعالى تشريف للمؤمنين وإيذان بأن مضارتهم بمنزلة مضارته سبحانه وتعالى ، وفي ذلك مزيد مبالغة في التسلية ، و{ شَيْئاً } في موضع المصدر أي لن يضروه ضرراً ما ، وقيل : مفعول بواسطة حرف الجر أي لن يضروه بشيء ما أصلاً ، وتأويل يضروا بما يتعدى بنفسه إلى مفعولين مما لا داعي إليه ، ولعل المقام يدعو إلى خلافه. أ هـ {روح المعانى حـ 4 صـ 133}","part":18,"page":261},{"id":7751,"text":"وقال ابن عاشور : \rوجملة { إنهم لن يضروا الله شيئاً } تعليل للنهي عن أن يحزنه تسارعهم الى الكفر بعلّة يوقن بها الرسول عليه الصلاة والسلام.\rوموقع إنّ في مثل هذا المقام إفادة التعليل ، وإنّ تُغني غناء فاء التسبّب ، كما تقدّم غير مرّة.\rونفي { لن يضروا الله } مراد به نفي أن يعطّلوا ما أراده إذ قد كان الله وعد الرسول إظهار دينه على الدّين كلّه ، وكان سعي المنافقين في تعطيل ذلك ، نهي الله رسوله أن يحزن لما يبدو له من اشتداد المنافقين في معاكسة الدعوة ، وبيّن له أنّهم لن يستطيعوا إبطال مراد الله ، تذكيراً له بأنه وعده بأنّه متمّ نوره.\rووجه الحاجة إلى هذا النهي : هو أنّ نفس الرسول ، وإن بلغت مرتقى الكمال ، لا تعدو أن تعتريها في بعض أوقات الشدّة أحوال النفوس البشرية : من تأثير مظاهر الأسباب ، وتوقّع حصول المسبّبات العادية عندها ، كما وقع للرسول صلى الله عليه وسلم يوم بدر.\rوهو في العريش ، وإذا انتفى إضرارهم الله انتفى إضرارهم المؤمنين فيما وعدهم الله. أ هـ {التحرير والتنوير حـ 3 صـ 289}\rوقال القرطبى : \r{ إِنَّهُمْ لَن يَضُرُّواْ الله شَيْئاً } أي لا ينقصون من مَلْك الله وسلطانه شيئاً ؛ يعني لا ينقص بكفرهم.\rوكما رُوي عن أبي ذَرٍّ \" عن النبيّ صلى الله عليه وسلم فيما رَوى عن الله تبارك وتعالى أنه قال : \"يا عبادِي إني حرّمت الظُّلَم على نفسي وجعلته بينكم مُحرَّماً فلا تَظَالَموا.\rيا عبادِي كلُّكم ضالٌّ إلاَّ من هَدَيْتُه فاستهدوني أهْدِكم.\rيا عبادي كلُّكم جائعٌ إلاَّ من أطعمته فاستطعمُوني أُطْعِمْكم.\rيا عبادي كلكم عارٍ إلاَّ من كَسْوتُه فاسْتكْسُوني أَكْسُكم.\rيا عبادي إنكم تُخطِئون بالليل والنهار وأنا أغفر الذنوب جميعاً فاستغفروني أغفر لكم.","part":18,"page":262},{"id":7752,"text":"يا عبادي إنكم لن تَبلغوا ضَرِّي فَتُضرُّوني ولن تَبلْغُوا نفعي فَتَنْفَعُوني.\rيا عبادي لو أن أوّلَكم وآخرَكم وإنْسَكم وجِنَّكم كانوا على أَتْقَى قلبِ رجُلٍ واحدٍ منكم ما زاد ذلك في مُلْكي شيئاً.\rيا عبادي لو أن أوّلَكُمْ وآخركُم وإنْسَكُم وجِنَّكُم كانوا على أفْجَر قلبِ رجُلٍ واحدٍ ما نَقَصَ ذلك من مُلْكِي شيئاً.\rيا عبادي لو أن أوّلَكُم وآخرَكُمْ وإنْسَكُم وجِنَّكم قاموا في صَعيدٍ واحدٍ فَسألُوني فأعطيتُ كُلّ إنسان مَسْألَتَه ما نَقَصَ ذلك مما عندي إلاَّ كما يَنْقُضُ المِخْيَطُ إذا أدْخِلَ البحر.\rيا عبادي إنما هي أعمالُكُم أُحْصِيها لكم ثم أُوَفِّيكُم إياها فمن وَجَد خَيْراً فليَحْمَدِ الله ومن وَجَد غيرَ ذلك فلا يَلُوَمَنَّ إلاَّ نَفْسَه\" \" خَرّجَهُ مسلم في صحيحه والترمذي وغيرهما ، وهو حديث عظيم فيه طول يكتب كله.\rوقيل : معنى { لَن يَضُرُّواْ الله شَيْئاً } أي لن يَضُرُّوا أولياء الله حين تركوا نصرهم إذ كان الله عزّ وجلّ ناصِرهم. أ هـ {تفسير القرطبى حـ 4 صـ 285 ـ 286}\rقوله تعالى {يُرِيدُ الله أَلاَّ يَجْعَلَ لَهُمْ حَظّاً فِى الآخرة}\rقال القرطبى : \rقوله تعالى : { يُرِيدُ الله أَلاَّ يَجْعَلَ لَهُمْ حَظّاً فِي الآخرة وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ } أي نصيباً.\rوالحظّ النصيب والجَدّ.\rيُقال : فلان أحظّ من فلان ، وهو محظوظ.\rوجمع الحَظ أحاظٍ على غير قياس.\rقال أبو زيد : يُقال رجل حَظِيظ ، أي جديدٌ إذا كان ذا حظّ من الرزق.\rوحَظِظْت في الأمر أحَظّ.\rوربما جُمع الحظ أحُظّاً.\rأي لا يَجعل لهم نصيباً في الجنة.\rوهو نَصّ في أن الخير والشر بإرادة الله تعالى. أ هـ {تفسير القرطبى حـ 4 صـ 286}","part":18,"page":263},{"id":7753,"text":"وقال الآلوسى :\r{ يُرِيدُ الله أَلاَّ يَجْعَلَ لَهُمْ حَظّاً فِى الآخرة } استئناف لبيان الموجب لمسارعتهم كأنه قيل : لِمَ يسارعون في الكفر مع أنهم لا ينتفعون به ؟ فأجيب بأنه تعالى يريد أن لا يجعل لهم نصيباً مّا من الثواب في الآخرة فهو يريد ذلك منهم فكيف لا يسارعون ، وفيه دليل على أن الكفر بإرادة الله تعالى وإن عاقب فاعله وذمه لأن ذلك لسوء استعداده المقتضي إفاضة ذلك عليه ، وذكر بعض المحققين أن في ذكر الإرادة إيذاناً بكمال خلوص الداعي إلى حرمانهم وتعذبيهم حيث تعلقت بهما إرادة أرحم الراحمين ، وزعم بعضهم أنه مبني على مذهب الاعتزال وليس كذلك كما لا يخفى لأنه لم يقل لم يرد كفرهم ولا رمز إليه ، وصيغة المضارع للدلالة على دوام الإرادة واستمرارها ، ويرجع إلى دوام واستمرار منشأ هذا المراد وهو الكفر ففيه إشارة إلى بقائهم على الكفر حتى يهلكوا فيه. أ هـ {روح المعانى حـ 4 صـ 133}\rوقال ابن عاشور :\rوجملة { يريد الله } استئناف لبيان جزائهم على كفرهم في الآخرة ، بعد أن بيّن السلامة من كيدهم في الدنيا والمعنى : أنّ الله خذلهم وسلبهم التوفيق فكانوا مسارعين في الكفر لأنّه أراد أن لا يكون لهم حظّ في الآخرة. أ هـ {التحرير والتنوير حـ 3 صـ 289}\rفصل\rقال الفخر :\rإنه رد على المعتزلة ، وتنصيص على أن الخير والشر بإرادة الله تعالى ، قال القاضي : المراد أنه يريد الإخبار بذلك والحكم به.\rواعلم أن هذا الجواب ضعيف من وجهين :\rالأول : أنه عدول عن الظاهر ،\rوالثاني : بتقدير أن يكون الأمر كما قال ، لكن الاتيان بضد ما أخبر الله عنه وحكم به محال فيعود الإشكال. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 9 صـ 85}","part":18,"page":264},{"id":7754,"text":"فائدة\rقال الشيخ الشنقيطى :\rذكر في هذه الآية الكريمة أنه يملي للكافرين ويمهلهم لزيادة الإثم عليهم وشدة العذاب. وبين في موضع آخر : أنه لا يمهلمهم متنعمين هذا الإمهال إلا بعد أن يبتليهم بالبأساء والضراء ، فإذا لم يتضرعوا أفاض عليهم النعم وأمهلهم حتى يأخذهم بغتة ، كقوله : { وَمَآ أَرْسَلْنَا فِي قَرْيَةٍ مِّن نَّبِيٍّ إِلاَّ أَخَذْنَا أَهْلَهَا بالبأسآء والضرآء لَعَلَّهُمْ يَضَّرِّعُونَ ثُمَّ بَدَّلْنَا مَكَانَ السيئة الحسنة حتى عَفَوْاْ وَّقَالُواْ قَدْ مَسَّ آبَاءَنَا الضرآء والسرآء فَأَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً وَهُمْ لاَ يَشْعُرُون } [ الأعراف : 94-95 ] وقوله : { وَلَقَدْ أَرْسَلنَآ إلى أُمَمٍ مِّن قَبْلِكَ فَأَخَذْنَاهُمْ بالبأسآء والضرآء لَعَلَّهُمْ يَتَضَرَّعُونَ فلولا إِذْ جَآءَهُمْ بَأْسُنَا تَضَرَّعُواْ } [ الأنعام : 42-43 ] إلى قوله : { أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُّبْلِسُون } [ الأنعام : 44 ].\rوبين في موضع آخر : أن ذلك الاستدراج من كيده المتين ، وهو قوله : { سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِّنْ حَيْثُ لاَ يَعْلَمُونَ وَأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِين } [ القلم : 44-45 ].","part":18,"page":265},{"id":7755,"text":"وبين في موضع آخر : أن الكفار يغترون بذلك الاستدراج فيظنون أنه من المسارعة لهم في الخيرات ، وأنهم يوم القيامة يؤتون خيراً من ذلك الذي أوتوه في الدنيا ، كقوله تعالى : { أَيَحْسَبُونَ أَنَّمَا نُمِدُّهُمْ بِهِ مِن مَّالٍ وَبَنِينَ نُسَارِعُ لَهُمْ فِي الخيرات بَل لاَّ يَشْعُرُونَ } [ المؤمنون : 55-56 ] وقوله : { أَفَرَأَيْتَ الذي كَفَرَ بِآيَاتِنَا وَقَالَ لأُوتَيَنَّ مَالاً وَوَلَدا } [ مريم : 77 ] وقوله : { وَلَئِن رُّدِدتُّ إلى رَبِّي لأَجِدَنَّ خَيْراً مِّنْهَا مُنْقَلَباً } [ الكهف : 36 ] وقوله : { وَلَئِن رُّجِّعْتُ إلى ربي إِنَّ لِي عِندَهُ للحسنى } [ فصلت : 50 ] وقوله : { وَقَالُواْ نَحْنُ أَكْثَرُ أَمْوَالاً وَأَوْلاَداً } [ سبأ : 35 ] الآية. كما تقدم ، والبأساء : الفقر والفاقة ، والضراء : المرض على قول الجمهور ، وهما مصدران مؤنثان لفظاً بألف التأنيث الممدودة. أ هـ {أضواء البيان حـ 1 صـ 258}\rفصل\rقال الفخر :\rقالت المعتزلة : الإرادة لا تتعلق بالعدم ، وقال أصحابنا ذلك جائز ، والآية دالة على قول أصحابنا لأنه قال : {يُرِيدُ الله أَلاَّ يَجْعَلَ لَهُمْ حَظّاً فِى الأخرة} فبين أن إرادته متعلقة بهذا العدم.\rقالت المعتزلة : المعنى أنه تعالى ما أراد ذلك كما قال : {وَلاَ يُرِيدُ بِكُمُ العسر} [ البقرة : 185 ] قلنا : هذا عدول عن الظاهر. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 9 صـ 85}","part":18,"page":266},{"id":7756,"text":"فائدة\rقال أبو حيان :\rقال الزمخشري : ( فإن قلت ) : هل قيل : لا يجعل الله لهم حظاً في الآخرة ، وأي فائدة في ذكر الإرادة ؟ ( قلت ) : فائدته الإشعار بأن الداعي إلى حرمانهم وتعذيبهم قد خلص خلوصاً لم يبق معه صارف قط ، حين يسارعون في الكفر تنبيهاً على تماديهم في الطغيان وبلوغهم الغاية فيه ، حتى أن أرحم الراحمين يريد أن لا يرحمهم انتهى.\rوفيه دسيسة اعتزال لأنه استشعر أن إرادته تعالى أن لا يجعل لهم حظاً في الآخرة موجبة ، أن سبب ذلك هو مريد له تعالى وهو : الكفر.\rومن مذهبه أنه تعالى لا يريد الكفر ولا يشاؤه ، فتأول تعلق إرادته بانتفاء حظهم من الآخرة بتعلقها بانتفاء رحمته لهم لفرط كفرهم.\rونقل الماوردي في يريد ثلاثة أقوال : أحدها : أنه يحكم بذلك.\rوالثاني : يريد في الآخرة أن يحرمهم ثوابهم لإحباط أعمالهم بكفرهم.\rوالثالث : يريد يحبط أعمالهم بما استحقوه من ذنوبهم قاله : ابن إسحاق. أ هـ {البحر المحيط حـ 3 صـ 127}\rفائدة\rقال الفخر :\rالآية تدل على أن النكرة في موضع النفي تعم ، إذ لو لم يحصل العموم لم يحصل تهديد الكفار بهذه الآية ثم قال : {وَلَهُمْ عَذَابٌ عظِيمٌ} وهذا كلام مبتدأ والمعنى أنه كما لاحظ لهم ألبتة من منافع الآخرة فلهم الحظ العظيم من مضار الآخرة. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 9 صـ 85}","part":18,"page":267},{"id":7757,"text":"وقال الآلوسى : \r{ وَلَهُمْ } مع هذا الحرمان من الثواب بالكلية { عَذَابٌ عظِيمٌ } لا يقدر قدره ، نقل عن بعضهم أنه لما دلت المسارعة في الشيء على عظم شأنه وجلالة قدره عند المسارع وصف عذابه بالعظم رعاية للمناسبة وتنبيهاً على حقارة ما سارعوا فيه وخساسته في نفسه ، وقيل : إنه لما دل قوله تعالى : { إِنَّهُمْ لَن يَضُرُّواْ الله شَيْئاً } على عظم قدر من قصدوا إضراره وصف العذاب بالعظم إيذاناً بأن قصد إضرار العظيم أمر عظيم يترتب عليه العذاب العظيم ، والجملة إما حال من الضمير في لهم أي يريد الله تعالى حرمانهم من الثواب معداً لهم عذاب عظيم ، وإما مبتدأة مبينة لحظهم من العذاب إثر بيان أن لا شيء لهم من الثواب.\rوزعم بعضهم أن هاتين الجملتين في موضع التعليل للنهي السابق ، وأن المعنى ولا يحزنك أنهم يسارعون في إعلاء الكفر وهدم الإسلام لا خوفاً على الإسلام ولا ترحماً عليهم أما الأول : لن يضروا الله شيئاً فلا يقدرون على هدم دينه الذي يريد إعلاءه ، وحينئذ لا حاجة إلى إرادة أولياء الله ، وأما الثاني : فلأنه يريد الله أن لا يجعل لهم حظاً في الآخرة ولهم عذاب عظيم.\rواستأنس له بأنه كثيراً ما وقع نهي النبي صلى الله عليه وسلم عن إيقاعه نفسه الكريمة في المشقة لهدايتهم وعن كونه ضيق الصدر لكفرهم وخوطب بأنه ما عليك إلا البلاغ ولست عليهم بمسيطر ولا يخلو عن بعد. أ هـ {روح المعانى حـ 4 صـ 133 ـ 134}\rوقال أبو السعود : \r{ وَلَهُمْ } مع ذلك الحِرمانِ الكلي { عَذَابٌ عظِيمٌ } لا يقادَرُ قدرُه ، قيل : لمّا دلت المسارعةُ في الشيء على عِظَم شأنِه وجلالةِ قدرِه عند المسارِعِ وُصف عذابُه بالعِظَم رعايةً للمناسبة وتنبيهاً على حقارة ما سارعوا فيه وخساستِه في نفسه. أ هـ {تفسير أبى السعود حـ 2 صـ 116}","part":18,"page":268},{"id":7758,"text":"فوائد لغوية\rقال ابن عادل :\rقوله : { وَلاَ يَحْزُنكَ الذين } قرأ نافع \" يُحزنك \" - بضم حرف المضارعة - من \" أحزن \" - رباعياً - في سائر القرآن إلا التي في قوله : { لاَ يَحْزُنُهُمُ الفزع الأكبر } [ الأنبياء : 103 ] فإنه كالجماعة. والباقون بفتح الباء - من \" حزنه \" ثلاثياً - فقيل : هما من باب ما جاء فيه فَعَل وأفْعَل بمعنى.\rوقيل : باختلاف معنى ، فَحَزَنَه : جَعَل فيه حُزْناَ - نحو : دهنه وكحله ، أي : جعل فيه دهناً وكحلاً - وأحزنته : إذا جعلته حزيناً. ومثل حَزَنَه وأحْزَنَه فَتَنَه وأفتَنَه ، قال سيبويه : \" وقال بعضُ العربِ : أحزنت له الحُزْن ، وأحزنته : عرَّضته للحُزْن. قاله أبو البقاء وقد تقدم اشتقاق هذه اللفظة في \" البقرة \".\rقال شهابُ الدينِ : \" والحق أن حزنه لغتان فاشيتان ، لثبوتهما متواترتين - وإن كان أبو البقاء قال : إن أحزن لغة قليلة ، ومن عجيب ما اتفق أن نافعاً - رحمه الله - يقرأ هذه المادة من \" أحزن \" إلا التي في الأنبياء - كما تقدم - وأن شيخه أبا جعفر يزيد بن القعقاع يقرأها من \" حزنه \" - ثلاثياً - إلا التي في الأنبياء ، وهذا من الجمع بين اللغتين ، والقراءة سنة مُتَّبَعَة \".\rوقرأ الجماعة : \" يسارعون \" بالفتح والإمالة ، وقرأ النحوي \" يسرعون \" - من أسرع - في جميع القرآن ، قال ابن عطيةَ : \" وقراءة الجماعة أبلغ ؛ لأن مَنْ يسارع غيرَه أشد اجتهاداً من الذي يُسرع وحده \".\rقوله : { إِنَّهُمْ لَن يَضُرُّواْ الله شَيْئاً } في نصب \" شيئاً \" وَجْهَانِ :\rأحدهما : أنه مصدر ، أي : لا يضرونه شيئاً من الضرر.\rالثاني : أنه منصوب على إسقاط الخافض ، أي : لن يضروه بشيء. وهكذا كل موضع أشبهه ففيه الوجهان. أ هـ {تفسير ابن عادل حـ 6 صـ 65 ـ 66}\rمن لطائف الإمام القشيرى فى الآية\rقال عليه الرحمة :\r{ وَلَا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ إِنَّهُمْ لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئًا يُرِيدُ اللَّهُ أَلَّا يَجْعَلَ لَهُمْ حَظًّا فِي الْآَخِرَةِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (176)}\rزاد في قوة قلبه بما جدَّدَ من تأكيد العهد ، بأنه لا يشْمِتُ به عدوًّا ، ولا يُوَصِّل إليه من قِبَلِهم سوءاً. أ هـ {لطائف الإشارات حـ 1 صـ 298}","part":18,"page":269},{"id":7759,"text":"قوله تعالى : { إِنَّ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الْكُفْرَ بِالْإِيمَانِ لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئًا وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (177)}\rمناسبة الآية لما قبلها\rقال البقاعى :\rولما كان قبول نعيم وركب عبد القيس لذلك الجعل الذي هو من أسباب الكفر شرى الكفر بالإيمان عقب بقوله : {إن الذين اشتروا الكفر} أي فأخذوه {بالإيمان} أي فتركوه ، وأكد نفي الضرر وأبده فقال : {لن يضروا الله} أي الذي لا كفوء له {شيئاً} لما يريد سبحانه وتعالى من الإعلاء للإسلام وأهله ، وختمها بقوله : {ولهم عذاب أليم} لما نالوه من لذة العوض في ذلك الشرى كما هي العادة في كل متجدد من الأرباح والفوائد. أ هـ {نظم الدرر حـ 2 صـ 186}\rفصل\rقال الفخر :\rاعلم أنا لو حملنا الآية الأولى على المنافقين واليهود ، وحملنا هذه الآية على المرتدين لا يبعد أيضا حمل الآية الأولى","part":18,"page":270},{"id":7760,"text":"على المرتدين ، وحمل هذه الآية على اليهود ، ومعنى اشتراء الكفر بالإيمان منهم ، أنهم كانوا يعرفون النبي صلى الله عليه وسلم ويؤمنون به قبل مبعثه ويستنصرون به على أعدائهم ، فلما بعث كفروا به وتركوا ما كانوا عليه ، فكأنهم أعطوا الإيمان وأخذوا الكفر بدلا عنه كما يفعل المشتري من إعطاء شيء وأخذ غيره بدلا عنه ، ولا يبعد أيضا حمل هذه الآية على المنافقين ، وذلك لأنهم متى كانوا مع المؤمنين أظهروا الإيمان ، فإذا خلوا إلى شياطينهم كفروا وتركوا الإيمان ، فكان ذلك كأنهم اشتروا الكفر بالايمان. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 9 صـ 85 ـ 86}\rفصل\rقال الفخر :\rاعلم أنه تعالى.\rقال في الآية الأولى : {الذين يسارعون فِى الكفر إنَّهُمْ لَن يَضُرُّواْ الله شَيْئاً} [ آل عمران : 176 ] وقال في هذه الآية : {إِنَّ الذين اشتروا الكفر بالإيمان لَن يَضُرُّواْ الله شَيْئاً} والفائدة في هذا التكرار أمور :\rأحدها : أن الذين اشتروا الكفر بالإيمان لا شك أنهم كانوا كافرين أولا ، ثم آمنوا ثم كفروا بعد ذلك ، وهذا يدل على شدة الاضطراب وضعف الرأي وقلة الثبات ، ومثل هذا الإنسان لا خوف منه ولا هيبة له ولا قدرة له ألبتة على إلحاق الضرر بالغير.\rوثانيها : أن أمر الدين أهم الأمور وأعظمها ، ومثل هذا مما لا يقدم الإنسان فيه على الفعل أو على الترك إلا بعد إمعان النظر وكثرة الفكر ، وهؤلاء يقدمون على الفعل أو على الترك في مثل هذا المهم العظيم بأهون الأسباب وأضعف الموجبات ، وذلك يدل على قلة عقلهم وشدة حماقتهم ، فأمثال هؤلاء لا يلتفت العاقل اليهم.","part":18,"page":271},{"id":7761,"text":"وثالثها : أن أكثرهم إنما ينازعونك في الدين ، لا بناء على الشبهات ، بل بناء على الحسد والمنازعة في منصب الدنيا ، ومن كان عقله هذا القدر ، وهو أنه يبيع بالقليل من الدنيا السعادة العظيمة في الآخرة كان في غاية الحماقة ، ومثله لا يقدر في إلحاق الضرر بالغير ، فهذا هو الفائدة في إعادة هذه الآية ، والله أعلم بمراده. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 9 صـ 86}\rلطيفة\rقال القرطبى :\r{ لَن يَضُرُّواْ الله شَيْئاً } كرّر للتأكيد.\rوقيل : أي من سوء تدبيره استبدال الإيمان بالكفر وبيعه به ؛ فلا يخاف جانبَه ولا تدبيره. أ هـ {تفسير القرطبى حـ 4 صـ 286}\rوقال ابن عاشور :\rتكرير لجملة { إنهم لن يضروا الله شيئاً } قصد به ، مع التأكيد ، إفادةُ هذا الخبر استقلالاً للاهتمام به بعد أن ذكر على وجه التعليل لتسلية الرسول.\rوفي اختلاف الصلتين إيماء إلى أنّ مضمون كل صلة منهما هو سبب الخبر الثابت لمَوصُولها ، وتأكيد لقوله : { إنهم لن يضروا الله شيئاً } المتقدّم ، كقول لبيد :\rكدُخان نارٍ سَاطِع أسْنَامُها\rبعد قوله :\rكدُخان مُشْعَلَةٍ يُشَبّ ضِرامُها\rمع زيادة بيان اشتهارهم هم بمضمون الصلة. أ هـ {التحرير والتنوير حـ 3 صـ 289 ـ 290}","part":18,"page":272},{"id":7762,"text":"من فوائد الآلوسى فى الآية\rقال رحمه الله :\r{ إِنَّ الذين اشتروا الكفر بالإيمان } أي أخذوا الكفر بدلاً من الإيمان رغبة فيما أخذوا وإعراضاً عما تركوا ولهذا وضع { اشتروا } موضع بدلوا فإن الأول أظهر في الرغبة وأدل على سوء الاختيار ، وقوله تعالى : { لَن يَضُرُّواْ الله شَيْئاً } تقدم الكلام فيه ، وفيه هنا تعريض ظاهر باقتصار الضرر عليهم كأنه قيل : وإنما يضرون أنفسهم ، والمراد من الموصول هنا ما أريد منه هناك والتكرير لتقرير الحكم وتأكيده ببيان علته بتغيير عنوان الموضوع فإن ما ذكر في حيز الصلة لكونه علماً في الخسران الكلي والحرمان الأبدي صريح في لحوق ضرره بأنفسهم وعدم تعديه إلى غيرهم أصلاً ، ودال على كمال سخافة عقولهم وركاكة آرائهم فكيف يتأتى منهم ما يتوقف على قوة الحزم ورزانة الرأي ورصانة التدبير من مضارة أولياء الله تعالى الذين تكفل سبحانه لهم بالنصر وهي أعز من جليمة وأمنع من لهاة الليث ، وجوز أن يراد بالموصول هنا عام ، ويراد به هناك خاص وهو ما عدا ما ذهب إليه الحسن فيه ، والجملة مقررة لمضمون ما قبلها تقرير القواعد الكلية لما اندرج تحتها من جزئيات الأحكام ، وجوز الزمخشري أن يكون الأول عاماً للكفار وهذا خاصاً بالمنافقين وأفردوا بالذكر لأنهم أشدّ منهم في الضرر والكيد ، واعترض بأن إرادة العام هناك مما لا يليق بفخامة شأن التنزيل لما أن صدور المسارعة في الكفر بالمعنى المذكور وكونها مظنة لإيراث الحزن لرسول الله صلى الله عليه وسلم كما يفهم من النهي عنه إنما يتصور ممن علم اتصافه بها وأما من لا يعرف حاله من الكفرة الكائنين في الأماكن البعيدة فإسناد المسارعة المذكورة إليهم واعتبار كونها من مبادىء حزنه عليه الصلاة والسلام مما لا وجه له ، ويمكن أن يقال : إن القائل بالعموم في الأول لم يرد بالكفار مقابل المؤمنين حيث كانوا وعلى أي حال","part":18,"page":273},{"id":7763,"text":"وجدوا بل ما يشمل المتخلفين والمرتدين مثلاً ممن يتوقع إضرارهم له صلى الله عليه وسلم وحينئذ لا يرد هذا الاعتراض.\rوقيل : المراد من الأول المنافقون أو من ارتدوا مما هنا اليهود ، والمراد من الإيمان إما الإيمان الحاصل بالفعل كما هو حال المرتدين أو بالقوة القريبة منه الحاصلة بمشاهدة دلائله في التوراة كما هو شأن اليهود مثلاً ، وإما الإيمان الاستعدادي الحاصل بمشاهدة الوحي الناطق والدلائل المنصوبة في الآفاق والأنفس كما هو دأب جميع الكفرة ما عدا ذلك وإما القدر المشترك بين الجميع كما هو دأب الجميع فتفطن.\r{ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ } أي مؤلم والجملة مبتدأة مبينة لكمال فظاعة عذابهم بذكر غاية إيلامه بعد ذكر نهاية عظمه ، أو مقررة للضرر الذي آذنت به الجملة الأولى قيل : لما جرت العادة باغتباط المشتري بما اشتراه وسروره بتحصيله عند كون الصفقة رابحة وبتألمه عند كونها خاسرة وصف عذابهم بالإيلام مراعاة لذلك ، نقله مولانا شيخ الإسلام. أ هـ {روح المعانى حـ 4 صـ 134}\rمن لطائف الإمام القشيرى فى الآية\rقال عليه الرحمة :\r{ إِنَّ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الْكُفْرَ بِالْإِيمَانِ لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئًا وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (177)}\rإنْ أضَرُّوا فما أضروا إلا بأنفسهم ، وإنْ أصَرُّوا فما أصَرُّوا إلا على خسرانهم :\rفما نحن عذِّبْنَا بِبُعْدِ ديارهم... ولا نحن ساقتنا إليهم نوازعُ. أ هـ {لطائف الإشارات حـ 1 صـ 299}","part":18,"page":274},{"id":7764,"text":"قوله تعالى : { وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لِأَنْفُسِهِمْ إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوا إِثْمًا وَلَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ (178)}\rمناسبة الآية لما قبلها\rقال البقاعى :\rولما كان مما اشترى به الكفر رجوع المنافقين عن أحد الذي كان سبباً للإملاء لهم قال سبحانه وتعالى : {ولا يحسبن الذين كفروا} أي بالله ورسوله {إنما نملي} أي أن إملاءنا أي إمهالنا وإطالتنا {لهم خير لأنفسهم} ولما نفى عنهم الخير بهذا النهي تشوفت النفس إلى ما لهم فقال : {إنما نملي لهم} أي استدراجاً {ليزدادوا إثماً} وهو جميع ما سبق العلم الأزلي بأنهم يفعلونه ، فإذا بلغ النهاية أوجب الأخذ.\rولما كان الرجوع المسفر عن السلامة مظنة لعزهم في هذه الدار الفانية عند من ظن حسن ذلك الرأي ؛ عوضوا عنه الإهانة الدائمة فقال سبحانه وتعالى : {ولهم عذاب مهين }. أ هـ {نظم الدرر حـ 2 صـ 186}\rوقال ابن عاشور :\r{وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لِأَنْفُسِهِمْ}\rعطف على قوله : { ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتاً } [ آل عمران : 169 ] والمقصود مقابلة الإعلام بخلاف الحسبان في حالتين : إحداهما تلوح للناظر حالة ضرّ ، والأخرى تلوح حالة خير ، فأعلم الله أن كلتا الحالتين على خلاف ما يتراءى للناظرين.\rويجوز كونه معطوفا على قوله : { ولا يحزنك الذين يسارعون في الكفر } [ آل عمران : 176 ] إذ نهاه عن أن يكون ذلك موجباً لحزنه ، لأنهم لا يضرّون الله شيئاً ، ثم ألقى إليه خبراً لقصد إبلاغه إلى المشركين وإخوانهم المنافقين : أن لا يحسبوا أن بقاءهم نفع لهم بل هو إملاء لهم يزدادون به آثاماً ، ليكون أخذُهم بعد ذلك أشدّ. أ هـ {التحرير والتنوير حـ 3 صـ 290}","part":18,"page":275},{"id":7765,"text":"فصل\rقال الفخر :\rاعلم أنه تعالى حكى عن الذين ذهبوا إلى المدينة لتثبيط أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم أنهم إنما ثبطوهم لأنهم خوفوهم بأن يقتلوا كما قتل المسلمون يوم أحد ، والله تعالى بين أن أقوال هؤلاء الشياطين لا يقبلها المؤمن ولا يلتفت اليها ، وإنما الواجب على المؤمن أن يعتمد على فضل الله ، ثم بين في هذه الآية أن بقاء هؤلاء المتخلفين ليس خيرا من قتل أولئك الذين قتلوا بأحد ، لأن هذا البقاء صار وسيلة إلى الخزي في الدنيا والعقاب الدائم في القيامة ، وقتل أولئك الذين قتلوا يوم أحد صار وسيلة إلى الثناء الجميل في الدنيا والثواب الجزيل في الآخرة ، فترغيب أولئك المثبطين في مثل هذه الحياة وتنفيرهم عن مثل ذلك القتل لا يقبله إلا جاهل.\rفهذا بيان وجه النظم. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 9 صـ 86}\rفائدة\rقال ابن عاشور :\rوقرأه الجمهور { ولا يَحسبنّ الذين كفروا } بياء الغيبة وفاعلُ الفعل ( الذين كفروا ) ، وقرأه حمزة وحده بتاء الخطاب.\rفالخطاب إما للرسول عليه السلام وهو نهي عن حسبان لم يقع ، فالنهي للتحذير منه أو عن حسبان هو خاطر خطر للرسول صلى الله عليه وسلم غير أنّه حسبان تعجّب ، لأنّ الرسول يعلم أنّ الإملاء ليس خيراً لهم ، أو المخاطب الرسول والمقصود غيره ، ممّن يظنّ ذلك من المؤمنين على طريقة التعريض مثل { لئن أشركت ليحبطنّ عملك } [ الزمر : 65 ] ، أو المراد من الخطاب كلّ مخاطب يصلح لذلك.\rوعلى قراءة الياء التحتية فالنهي مقصود به بلوغه إليهم ليعلموا سوء عاقبتهم ، ويُمِرَّ عيشهم بهذا الوعيد ، لأنّ المسلمين لا يحسبون ذلك من قبل. أ هـ {التحرير والتنوير حـ 3 صـ 290}\rفصل\rقال الفخر :\r\"ما\" في قوله : {أَنَّمَا} يحتمل وجهين :","part":18,"page":276},{"id":7766,"text":"أحدهما : أن يكون بمعنى الذي فيكون التقدير : لا تحسبن الذين كفروا أن الذين نمليه خير لأنفسهم ، وحذف الهاء من \"نملي\" لأنه يجوز حذف الهاء من صلة الذي كقولك : الذي رأيت زيد ، والآخر : أن يقال : \"ما\" مع ما بعدها في تقدير المصدر ، والتقدير : لا تحسبن الذين كفروا أن إملائي لهم خير. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 9 صـ 87}\rوقال ابن عاشور :\rوقوله : { أنما نملي لهم خير لأنفسهم } ( أَنّ ) أخت ( إنّ ) المكسورة الهمزة ، و( ما ) موصولة وليست الزائدة ، وقد كتبت في المصحف كلمة واحدة كما تكتب إنّما المركبة من ( إن ) أخت ( أنّ ) و( ما ) الزائدةِ الكافّةِ ، التي هي حرف حصر بمعنى ( مَا ) و( إلاّ ) ، وكان القياس أن تكتب مفصولة وهو اصطلاح حدث بعد كتابة المصاحف لم يكن مطّرداً في الرسم القديم ، على هذا اجتمعت كلمات المفسّرين من المتقدّمين والمتأخّرين.\rوأنا أرى أنّه يجوز أن يكون ( أنّما ) من قوله : { أنما نملي خير لأنفسهم } هي أنّما أخت إنّما المكسورة وأنّها مركّبة من ( أنّ ) و( ما ) الكافّة الزائدة وأنها طريق من طرق القصر عند المحقّقين ، وأنّ المعنى : ولا يحسبنّ الذين كفروا انحصار إمهالنا لهم في أنّه خير لهم لأنّهم لمّا فرحوا بالسلامة من القتل وبالبقاء بقيد الحياة قد أضمروا في أنفسهم اعتقاد أنّ بقاءهم ما هو إلاّ خير لهم لأنّهم يحسبون القتل شرّاً لهم ، إذ لا يؤمنون بجزاء الشهادة في الآخرة لكفرهم بالبعث.\rفهو قصر حقيقي في ظنّهم.\rولهذا يكون رسمهم كلمة ( أنَّما ) المفتوحة الهمزة في المصحف جارياً على ما يقتضيه اصطلاح الرسم.","part":18,"page":277},{"id":7767,"text":"و { أنّما نملي لهم خير لأنفسهم } هو بدل اشتمال من { الذين كفروا } ، فيكون سادّاً مسدّ المفعولين ، لأنّ المبدل منه صار كالمتروك ، وسلكت طريقة الإبدال لما فيه من الإجمال ، ثمّ التفصيل ، لأنّ تعلّق الظنّ بالمفعول الأول يستدعي تشوّف السامع للجهة التي تعلَّق بها الظنّ ، وهي مدلول المفعول الثاني ، فإذا سمع ما يسدّ مسدّ المفعولين بعد ذلك تمكّن من نفسه فضْل تمكّن وزاد تقريراً. أ هـ {التحرير والتنوير حـ 3 صـ 291}\rفائدة\rقال الفخر :\rقال صاحب \"الكشاف\" : \"ما\" مصدرية وإذا كان كذلك فكان حقها في قياس علم الخط أن تكتب مفصولة ولكنها وقعت في مصحف عثمان متصلة ، واتباع خط المصاحف لذلك المصحف واجب ، وأما في قوله : {أَنَّمَا نُمْلِى لَهُمْ} فههنا يجب أن تكون متصلة لأنها كافة بخلاف الأولى. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 9 صـ 87}\rفائدة\rقال ابن عاشور :\rوالإملاء : الإمهال في الحياة ، والمراد به هنا تأخير حياتهم ، وعدمُ استئصالهم في الحرب ، حيث فرحوا بالنصر يوم أُحُد ، وبأنّ قتلى المسلمين بوم أحُد كانوا أكثر من قتلاهم.","part":18,"page":278},{"id":7768,"text":"ويجوز أن يراد بالإملاء التخلية بينهم وبين أعمالهم في كيد المسلمين وحربهم وعدم الأخذ على أيديهم بالهزيمة والقتل كما كان يوم بدر ، يقال : أملى لفرسه إذا أرخى له الطِّوَل في المرعى ، وهو مأخوذ من الملْو بالواو وهو سيرُ البعير الشديدُ ، ثم قالوا : أمليت للبعير والفرس إذا وسَّعت له في القيد لأنّه يتمكّن بذلك من الخَبَب والركض ، فشُبِّه فعله بشدّة السير ، وقالوا : أمليت لزيد في غيّه أى تركته : على وجه الاستعارة ، وأملى الله لفلان أخّر عقابه ، قال تعالى : { وأملي لهم إن كيدي متين } [ الأعراف : 183 ] واستعير التملّي لطول المدّة تشبيهاً للمعقول بالمحسوس فقالوا : ملأَّك الله حبيبَك تمليئة ، أي أطال عمرك معه. أ هـ {التحرير والتنوير حـ 3 صـ 290 ـ 291}\rفصل\rقال القرطبى :\rالمعنى : لا يحسبن هؤلاء الذين يُخَوّفون المسلمين ؛ فإن الله قادر على إهلاكهم.\rوإنما يُطوِّل أعمارهم ليعملوا بالمعاصي ، لا لأنه خير لهم.\rويُقال : \"أنما نملِي لهم\" بما أصابوا من الظَّفَر يومَ أُحُد لم يكن ذلك خيراً لأنفسهم ؛ وإنما كان ذلك ليزدادوا عقوبة.\rورُوي عن ابن مسعود أنه قال : ما من أحد بَرّ ولا فاجر إلاَّ والموتُ خير له ، لأنه إِنْ كان بَرّاً فقد قال الله تعالى : { وَمَا عِندَ الله خَيْرٌ لِّلأَبْرَارِ } وإن كان فاجراً فقد قال الله : { إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ ليزدادوا إِثْمَاً }. أ هـ {تفسير القرطبى حـ 4 صـ 286 ـ 287}\rفائدة\rقال أبو حيان :\rقال الزمخشرى :\r( فإن قلت ) : كيف جاز أن يكون ازدياد الإثم غرضاً لله تعالى في إملائه لهم ؟ ( قلت ) : هو علة الإملاء ، وما كلّ علة بغرض.\rألا تراك تقول : قعدت عن الغزو للعجز والفاقة ، وخرجت من البلد لمخافة الشرّ ، وليس شيء منها بغرض لك ، وإنما هي علل وأسباب.","part":18,"page":279},{"id":7769,"text":"فكذلك ازدياد الإثم جعل علة للإملاء ، وسبباً فيه.\r( فإن قلت ) : كيف يكون ازدياد الإثم علة للإملاء ، كما كان العجز علة للقعود عن الحرب ؟ ( قلت ) : لمّا كان في علم الله المحيط بكلّ شيء أنَّهم مزدادون إثماً ، فكان الإملاء وقع لأجله وبسببه على طريق المجاز انتهى كلامه.\rوكله جار على طريقة المعتزلة.\rوقال الماتريدي : المعتزلة تناولوها على وجهين : أحدهما : على التقديم والتأخير.\rأي : ولا يحسبن الذين كفروا إنما نملي لهم ليزدادو إثماً ، إنما نملي لهم خير لأنفسهم.\rالثاني : أنّ هذا إخبار منه سبحانه وتعالى عن حسبانهم فيما يؤول إليه أمرهم في العاقبة ، بمعنى أنهم حسبوا أن إمهالهم في الدّنيا وإصابتهم الصحة والسلامة والأموال خير لأنفسهم في العاقبة ، بل عاقبة ذلك شرٌّ.\rوفي التأويل إفساد النظم ، وفي الثاني تنبيه على من لايجوز تنبيهه.\rفإنّ الأخبار عن العاقبة يكون لسهو في الابتداء أو غفله ، والعالم في الابتداء لا ينبه نفسه انتهى كلامه.\rوكتبوا ما متصلة بأن في الموضعين.\rقيل : وكان القياس الأولى في علم الخط أن تكتب مفصوله ، ولكنها وقعت في الإمام متصلة فلا تخالف ، ونتبع سنة الإمام في المصاحف.\rوأما الثانية ، فحقها أن تكتب متصلة لأنها كافة دون العمل ، ولا يجوز أن تكون موصولة بمعنى الذي.\rولا مصدرية ، لأن لازم كي لا يصحّ وقوعها خبر للمبتدأ ولا لنواسخه.\rوقيل : اللام في ليزدادوا للصيرورة. أ هـ {البحر المحيط حـ 3 صـ 129}. بتصرف يسير.\rفصل\rقال الفخر :\rاحتج أصحابنا بهذه الآية في مسألة القضاء والقدر من وجوه :\rالأول : أن هذا الاملاء عبارة عن اطالة المدة ، وهي لا شك أنها من فعل الله تعالى ، والآية نص في بيان أن هذا الاملاء ليس بخير ، وهذا يدل على أنه سبحانه فاعل الخير والشر.","part":18,"page":280},{"id":7770,"text":"الثاني : أنه تعالى نص على أن المقصود من هذا الاملاء هو أن يزدادوا الاثم والبغي والعدوان ، وذلك يدل على أن الكفر والمعاصي بإرادة الله ، ثم إنه تعالى أكد ذلك بقوله : {وَلَهُمْ عَذَابٌ مُّهِينٌ} أي إنما نملي لهم ليزدادوا إثما وليكون لهم عذاب مهين.\rالثالث : أنه تعالى أخبر عنهم أنهم لا خير لهم في هذا الإملاء ، أنهم لا يحصلون إلا على ازدياد البغي والطغيان ، والاتيان بخلاف مخبر الله تعالى مع بقاء ذلك الخير جمع بين النقيضين وهو محال ، وإذا لم يكونوا قادرين مع ذلك الاملاء على الخير والطاعة مع أنهم مكلفون بذلك لزم في نفسه بطلان مذهب القوم.\rقالت المعتزلة : \rأما الوجه الأول : فليس المراد من هذه الآية أن هذا الاملاء ليس بخير ، إنما المراد أن هذا الاملاء ليس خيرا لهم من أن يموتوا كما مات الشهداء يوم أحد ، لأن كل هذه الآيات في شأن أحد وفي تثبيط المنافقين المؤمنين عن الجهاد على ما تقدم شرحه في الآيات المتقدمة ، فبين تعالى أن إبقاء الكافرين في الدنيا وإملاءه لهم ليس بخير لهم من أن يموتوا كموت الشهداء ، ولا يلزم من نفي كون هذا الاملاء أكثر خيرية من ذلك القتل ، أن لا يكون هذا الاملاء في نفسه خيرا.\r","part":18,"page":281},{"id":7771,"text":"وأما الوجه الثاني : فقد قالوا : ليس المراد من الآية أن الغرض من الاملاء إقدامهم على الكفر والفسق بدليل قوله تعالى : {وَمَا خَلَقْتُ الجن والإنس إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ} [ الذاريات : 56 ] وقوله : {وَمَا أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إلاَّ لِيُطَاعَ بِإِذْنِ الله} [ النساء : 64 ] بل الآية تحتمل وجوها من التأويل : أحدها : أن تحمل هذه اللام على لام العاقبة كقوله تعالى : {فالتقطه ءَالُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوّاً وَحَزَناً} [ القصص : 8 ] وقوله : {وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ} [ الأعراف : 179 ] وقوله : {وَجَعَلُواْ للَّهِ أَندَادًا لّيُضِلُّواْ عَن سَبِيلِهِ} [ إبراهيم : 30 ] وهم ما فعلوا ذلك لطلب الإضلال ، بل لطلب الاهتداء ، ويقال : ما كانت موعظتي لك إلا لزيادة في تماديك في الفسق إذا كانت عاقبة الموعظة ذلك ، وثانيها : أن يكون الكلام على التقديم والتأخير ، والتقدير : ولا يحسبن الذين كفروا أنما نملي لهم ليزدادوا إثما إنما نملي لهم خير لأنفسهم وثالثها : أنه تعالى لما أمهلهم مع علمه بأنهم لا يزدادون عند هذا الامهال إلا تماديا في الغي والطغيان ، أشبه هذا حال من فعل الاملاء لهذا الغرض والمشابهة أحد أسباب حسن المجاز.\r","part":18,"page":282},{"id":7772,"text":"ورابعها : وهو السؤال الذي ذكرته للقوم وهو أن اللام في قوله : {لِيَزْدَادُواْ إِثْمَاً} غير محمول على الغرض باجماع الأمة ، أما على قول أهل السنة فلأنهم يحيلون تعليل أفعال الله بالأغراض ، وأما على قولنا فلأنا لا نقول بأن فعل الله معلل بغرض التعب والايلام ، بل عندنا أنه تعالى لم يفعل فعلا إلا لغرض الإحسان ، وإذا كان كذلك فقد حصل الاجماع على أن هذه اللام غير محمولة على التعليل والغرض ، وعند هذا يسقط ما ذكرتم من الاستدلال ، ثم بعد هذا : قول القائل : ما المراد من هذه اللام غير ملتفت إليه ، لأن المستدل إنما بنى استدلاله على أن هذه اللام للتعليل ، فإذا بطل ذلك سقط استدلاله.\rوأما الوجه الثالث : وهو الإخبار والعلم فهو معارض بأن هذا لو منع العبد من الفعل لمنع الله منه ، ويلزم أن يكون الله موجباً لا مختارا ، وهو بالاجماع باطل.\rوالجواب عن الأول : أن قوله : {وَلاَ يَحْسَبَنَّ الذين كَفَرُواْ أَنَّمَا نُمْلِى لَهُمْ خَيْرٌ} معناه نفي الخيرية في نفس الأمر ، وليس معناه أنه ليس خيرا من شيء آخر ، لأن بناء المبالغة لا يجوز ذكره إلا عند ذكر الراجح والمرجوح ، فلما لم يذكر الله ههنا إلا أحد الأمرين عرفنا أنه لنفي الخيرية لا لنفي كونه خيرا من شيء آخر.\rوأما السؤال الثاني : وهو تمسكهم بقوله : {وَمَا خَلَقْتُ الجن والإنس إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ} [ الذاريات : 56 ] وبقوله تعالى : {وَمَا أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إلاَّ لِيُطَاعَ} [ النساء : 64 ].\rفجوابه : أن الآية التي تمسكنا بها خاص ، والآية التي ذكرتموها عام ، والخاص مقدم على العام.\r","part":18,"page":283},{"id":7773,"text":"وأما السؤال الثالث : وهو حمل اللام على لام العاقبة فهو عدول عن الظاهر ، وأيضاً فإن البرهان العقلي يبطله ؛ لأنه تعالى لما علم أنهم لا بد وأن يصيروا موصوفين بازدياد الغي والطغيان ، كان ذلك واجب الحصول لأن حصول معلوم الله واجب ، وعدم حصوله محال ، وإرادة المحال محال ، فيمتنع أن يريد منهم الإيمان ، ويجب أن يريد منهم ازدياد الغي والطغيان ، وحينئذ ثبت أن المقصود هو التعليل وأنه لا يجوز المصير إلى لام العاقبة.\rوأما السؤال الرابع : وهو التقديم والتأخير.\rفالجواب عنه من ثلاثة أوجه : أحدها : أن التقديم والتأخير ترك للظاهر.\rوثانيها : قال الواحدي رحمه الله : هذا إنما يحسن لو جازت قراءة {أَنَّمَا نُمْلِى لَهُمْ خَيْرٌ لأنفُسِهِمْ} بكسر \"إنما\" وقراءة {إِنَّمَا نُمْلِى لَهُمْ لِيَزْدَادُواْ إِثْمَاً} بالفتح.\rولم توجد هذه القراءة ألبتة.\rوثالثها : أنا بينا بالبرهان القاطع العقلي أنه يجب أن يكون مراد الله من هذا الإملاء حصول الطغيان لا حصول الإيمان ، فالقول بالتقديم والتأخير ترك للظاهر والتزام لما هو على خلاف البرهان القاطع.\rوأما السؤال الخامس : وهو قوله : هذه اللام لا يمكن حملها على التعليل.\rفجوابه أن عندنا يمتنع تعليل أفعال الله لغرض يصدر من العباد ، فأما أن يفعل تعالى فعلا ليحصل منه شيء آخر فهذا غير ممتنع ، وأيضاً قوله : {إِنَّمَا نُمْلِى لَهُمْ لِيَزْدَادُواْ إِثْمَاً} تنصيص على أنه ليس المقصود من هذا الاملاء إيصال الخير لهم والاحسان إليهم ، والقوم لا يقولون بذلك ، فتصير الآية حجة عليهم من هذا الوجه.\rوأما السؤال السادس : وهو المعارضة بفعل الله تعالى.\rفالجواب : أن تأثير قدرة الله في إيجاد المحدثات متقدم على تعلق علمه بعدمه ، فلم يمكن أن يكون العلم مانعاً عن القدرة.\r","part":18,"page":284},{"id":7774,"text":"أما في حق العبد فتأثير قدرته في إيجاد الفعل متأخر عن تعلق علم الله بعدمه ، فصلح أن يكون هذا العلم مانعاً للعبد عن الفعل ، فهذا تمام المناظرة في هذه الآية. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 9 صـ 87 ـ 89}\rفائدة\rقال ابن عاشور :\rوقوله : { إنما نملي لهم ليزدادوا إثماً } استئناف واقع موقع التعليل للنهي عن حسبان الإملاء خيراً ، أي ما هو بخير لأنّهم يزدادون في تلك المدّة إثماً.\rو ( إنما ) هذه كلمة مركّبة من ( إِنّ ) حرف التوكيد و( ما ) الزائدة الكافّة وهي أداة حصر أي : ما نملي لهم إلاّ ليزدادوا إثماً ، أي فيكون أخذهم به أشدّ فهو قصر قلب.\rومعناه أنّه يملي لهم ويؤخّرهم وهم على كفرهم فيزدادون إثماً في تلك المدّة ، فيشتدّ عقابهم على ذلك ، وبذلك لا يكون الإملاء لهم خيراً لهم ، بل هو شرّ لهم.\rواللام في { ليزدادوا إثماً } لام العاقبة كما هي في قوله تعالى : { ليكون لهم عدواً وحزناً } [ القصص : 8 ] أي : إنما نملي لهم فيزدادون إثماً ، فلمّا كان ازدياد الإثم ناشئاً عن الإملاء ، كان كالعلّة له ، لا سيما وازدياد الإثم يعلمه الله فهو حين أملَى لهم علم أنّهم يزدادون به إثماً ، فكان الازدياد من الإثم شديد الشبه بالعلّة ، أمّا علّة الإملاء في الحقيقة ونفس الأمر فهي شيء آخر يعلمه الله ، وهو داخل في جملة حكمة خلق أسباب الضلال وأهله والشياطين والأشياء الضارّة.\rوهي مسألة مفروغ منها في علم الكلام ، وهي ممّا استأثر الله بعلم الحكمة في شأنه.\rوتعليلُ النهي على حسبان الإملاء لهم خيراً لأنفسهم حاصل ، لأنّ مداره على التلازم بين الإملاء لهم وبين ازديادهم من الإثم في مدّة الإملاء. أ هـ {التحرير والتنوير حـ 3 صـ 291 ـ 292}","part":18,"page":285},{"id":7775,"text":"فائدة\rقال القرطبى :\rوالآية نصٌّ في بطلان مذهب القدرية ؛ لأنه أخبر أنه يطيل أعمارهم ليزدادوا الكفر بعمل المعاصي ، وتوالي أمثاله على القلب.\rكما تقدم بيانه في ضده وهو الإيمان.\rوعن ابن عباس قال : ما من بَرّ ولا فاجر إلاَّ والموت خير له ثم تلا : { إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ ليزدادوا إِثْمَاً } وتلا { وَمَا عِندَ الله خَيْرٌ لِّلأَبْرَارِ } أخرجه رزِين. أ هـ {تفسير القرطبى حـ 4 صـ 288}\rفصل\rقال الفخر :\rاتفق أصحابنا أنه ليس لله تعالى في حق الكافر شيء من النعم الدينية ، وهل له في حقه شيء من النعم الدنيوية ، اختلف فيه قول أصحابنا ، فالذين قالوا ليس له في حقه شيء من النعم الدنيوية تمسكوا بهذه الآية ، وقالوا هذه الآية دالة على أن إطالة العمر وإيصاله إلى مراداته في الدنيا ليس شيء منها نعمة ، لأنه تعالى نص على أن شيئاً من ذلك ليس بخير ، والعقل أيضا يقرره وذلك لأن من أطعم إنسانا خبيصا مسموما فإنه لا يعد ذلك إلا طعام إنعاما ، فإذا كان المقصود من إعطاء نعم الدنيا عقاب الآخرة لم يكن شيء منها نعمة حقيقة ، وأما الآيات الواردة في تكثير النعم في حق الكفار فهي محمولة على ما يكون نعما في الظاهر ، وانه لا طريق إلى التوفيق بين هذه الآية وبين تلك الآيات إلا أن نقول : تلك النعم نعم في الظاهر ولكنها نقم وآفات في الحقيقة ، والله أعلم. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 9 صـ 89}\rقوله تعالى {ولهم عذاب مهين}","part":18,"page":286},{"id":7776,"text":"لطيفة\rقال الآلوسى :\rوإنما وصف عذابهم بالإهانة لأنه كما قال شيخ الإسلام لما تضمن الإملاء التمتع بطيبات الدنيا وزينتها وذلك مما يستدعي التعزز والتجبر وصفه به ليكون جزاؤهم جزاءاً وفاقاً قاله شيخ الإسلام ويمكن أن يقال إن ذلك إشارة إلى رد ما يمكن أن يكون منشأ لحسبانهم وهم أنهم أعزة لديه عز وجل إثر الإشارة إلى ردّه بنوع آخر. أ هـ {روح المعانى حـ 4 صـ 136}\rلطيفة\rقال السمرقندى :\rروي عن عبد الله بن مسعود أنه قال : ما من بر وفاجر إلا والموت خير له ، لأنه إن كان براً فقد قال الله تعالى : { لَكِنِ الذين اتقوا رَبَّهُمْ لَهُمْ جنات تَجْرِى مِن تَحْتِهَا الأنهار خالدين فِيهَا نُزُلاٍ مِّنْ عِندِ الله وَمَا عِندَ الله خَيْرٌ لِّلأَبْرَارِ } [ آل عمران : 198 ] وإن كان فاجراً فقد قال الله تعالى : { إِنَّمَا نُمْلِى لَهُمْ لِيَزْدَادُواْ إِثْمَاً }. أ هـ {بحر العلوم حـ 1 صـ 292}\rلطيفة\rقال أبو حيان :\rووصف تعالى عذابه في مقاطع هذه الآيات الثلاث : بعظيم ، وأليم ، ومهين.\rولكل من هذه الصفات مناسبة تقتضي ختم الآية بها.\rأما الأولى فإن المسارعة في الشيء والمبادرة في تحصيله والتحلي به يقتضي جلالة ما سورع فيه ، وأنه من النفاسة والعظم بحيث يتسابق فيه ، فختمت الآية بعظم الثواب وهو جزاؤهم على المسارعة في الكفر إشعاراً بخساسة ما سابقوا فيه.\rوأما الثانية فإنه ذكر فيها اشتراء الكفر بالإيمان ، ومن عادة المشتري الاغتباط بما اشتراه والسرور به والفرح ، فختمت الآية لأن صفقته خسرت بألم العذاب ، كما يجده المشتري المغبون في تجارته.\rوأما الثالثة فإنه ذكر الإملاء وهو الإمتاع بالمال والبنين والصحة وكان هذا الإمتاع سبباً للتعزز والتمتع والاستطاعة فختمت الآية بإهانة العذاب لهم.","part":18,"page":287},{"id":7777,"text":"وأن ذلك الإملاء المنتج عنه في الدنيا التعزز والاستطالة مآله في الآخرة إلى إهانتهم بالعذاب الذي يهين الجبابرة. أ هـ {البحر المحيط حـ 3 صـ 129 ـ 130}\rفوائد لغوية\rقال ابن عادل :\rقرأ الجمهور \" يحسبن \" بالغيبة ، وحمزة بالخطاب ، وحكى الزّجّاج عن خلق كثير كقراءة حمزة إلا أنهم كسروا \" أنما \" ونصبوا \" خير \" وأنكرها ابن مجاهدٍ - وسيأتي إيضاح ذلك - وقرأ يحيى بن وثاب بالغيبة وكسر \" إنما \". وحكى عنه الزمخشري - أيضاً - أنه قرأ بكسر \" أنما \" الأولى وفتح الثانية مع الغيبة ، فهذه خَمْسُ قراءاتٍ.\rفأما قراءة الجمهور ، فتخريجها واضح ، وهو أنه يجوز أن يكون الفعل مسنداً إلى \" الذين \" و\" أن \" وما اتصل بها سادَّة مسد المفعولين - عند سيبويه - أو مسدَّ أحدهما ، والآخر محذوف عند الأخفش - ويجوز أن يكون مسنداً إلى ضمير غائب ، يراد به النبي صلى الله عليه وسلم أي لا يحسبن النبي صلى الله عليه وسلم. فعلى هذا أن يكون \" الذين كفروا \" مفعولاً أول ، وأما الثاني فسيأتي الكلام عليه في قراءة حمزة ، لتتحد هذه القراءة - على هذا الوجه - مع قراءة حمزة رحمه الله ، وسيأتي تخريجها.\rو \" ما \" يجوز أن تكون موصولة اسمية ، فيكون العائد محذوفاً ، لاستكمال الشروط ، أي : الذي نمليه ويجوز أن تكون مصدرية - أي : إملاءنا - وهي اسم \" إن \" و\" خير \" خبرها.\rقال أبو البقاء : \" ولا يجوز أن تكون كافةً ، وزائدة ؛ إذ لو كان كذلك لانتصب \" خير \" بـ \" نملي \" واحتاجت \" أن \" إلى خبر ، إذا كانت \" ما \" زائدة ، أو قدر الفعل يليها ، وكلاهما ممتنع \" انتهى. وهي من الواضحات. وكتبوا \" أنماط - في الموضعين - متصلة ، وكان من حق الأولى الفصل ؛ لأنها موصولة.\rوأما قراءة حمزة فاضطربت فيها أقوال الناس وتخاريجهم ، حتى أنه نُقل عن ابن أبي حاتم أنها لحن.","part":18,"page":288},{"id":7778,"text":"قال النحاس : وتابَعَهُ على ذلك [ جماعة ] وهذا لا يُلتفت إليه ، لتواترها ، وفي هنا تخريجها ستة أوجُهٍ : \rأحدها : أن يكون فاعل \" تحسبن \" ضمير النبي صلى الله عليه وسلم و\" الذين كفروا \" مفعول أول ، و\" أنما نملي لهم خير \" مفعول ثان ، ولا بُدَّ - على هذا التخريج - من حَذْفِ مضافٍ ، إما من الأول ، تقديره : ولا تحسبن شأنَ الذين ، وإما من الثَّاني ، تقديره : أصحاب أن إملاءنا خير لهم.\rوإنما احتجْنَا إلى هذا التأويل ؛ لأن \" أنما نملي \" بتأويل مصدر ، والمصدر معنى من المعاني لا يَصْدُقُ على \" الذين كفروا \" والمفعول الثاني في هذا البابِ هُوَ الأولُ في المعنى.\rالثاني : أن يكون \" أنما نملي لهم \" بدلاً من \" الذين كفروا \". وإلى هذا ذهب الكسائي ، والفرّاء ، وتبعهما جماعة ، منهم الزَّجَّاج والزمخشري ، وابنُ الباذش ، قال الكسائي والفرّاء : وجه هذه القراءة التكرير والتأكيد ، والتقدير : ولا تحسبن الذين كفروا ، ولا تحسبن أنما نملي.\rقال الفرّاءُ : ومثله : { هَلْ يَنظُرُونَ إِلاَّ الساعة أَن تَأْتِيَهُمْ } [ الزخرف : 66 ] أي \" ما ينظرون إلا أن تأتيهم. انتهى.\rورد بعضهم قولَ الكسائيِّ والفرَاءِ ، بأن حَذْفَ المفعولِ الثاني - في هذه الأفعالِ - لا يجوز عند أحد. وهذا الردُّ ليس بشيءٍ ؛ لأن الممنوعَ إنما هو حذف الاقتصارِ - وقد تقدم تحقيق ذلك.\rوقال ابنُ الباذش : ويكون المفعول الثاني قد حُذِف ؛ لدلالة الكلامِ عليه ، ويكون التقدير : ولا تحسبن الذين كفروا خَيْريَّةَ إملاءنا لهم ثابتة ، أو واقعة.\rقال الزمخشريُّ : فإن قلت : كيف صح مَجِيءُ البدلِ ، ولم يذكر إلا أحد المفعولين ، ولا يجوز الاقتصارُ بفعل الحسبانِ على مفعولٍ واحدٍ ؟ \r","part":18,"page":289},{"id":7779,"text":"قلتُ : صحَّ ذلك من حيثُ إنّ التعويلَ على البدل والمبدل منه في حكم المُنَحَّى ، ألا تراك تقول : جَعَلْتُ متاعَك بعضَه فوقَ بَعْضٍ ، مع امتناع سكوتك على : متاعك.\rوهذا البدلُ بدلُ اشتكالٍ - وهو الظاهرُ - أو يدل كُلٍّ من كُلٍّ ، ويكون على حَذْف مضافٍ ، تقديره : ولا تحسبن إملاء الذين ، فحذف \" إملاء \" وأبدل منه : \" أنما نملي \" قولان مشهوران.\rالثالثُ : وهو أغربها - : أن يكون \" الذين كفروا \" فاعلاً بـ \" تحسبن \" على تأويل أن تكون التاء في الفعل للتأنيث ، كقوله : { كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ المرسلين } [ الشعراء : 105 ] أي : ولا تحسبن القوم الذين كفروا ، و\" الذين \" وضصْف للقوم ، كقوله تعالى : { وَأَوْرَثْنَا القوم الذين كَانُواْ } [ الأعراف : 137 ]. فعلى هذا تتحدد هذه القراءة مع قراءة الغيبة ، وتخريجها كتخريجها ، ذك ذلك أبو القاسم الكرماني في تفسيره المُسمَّى بـ \" اللُّباب \". وفيه نظر ؛ من حيث إن \" الذين \" جارٍ مَجْرَى جمع المذكر السالم ، والجمع المذكر السالم لا يجوز تأنيث فعله - عند البصريين - لا يجوزُ : قامت الزيدون ، ولا : تقوم الزيدون. وأما اعتذاره عن ذلك بأن \" الذين \" صفة للقوم - الجائز تأنيث فِعلهم - وإنما حذف ، فلا ينفعه ؛ لأن الاعتبارَ إنما هو بالملفوظ لا بالمقدَّر ، لا يجيز أحدٌ من البصريين : قامت المسلمون - على إرادة : القوم المسلمون - ألبتة.\rوقال أبو الحسن الحوفيُّ : \" أن \" وما عملت فيه من موضع نصب على البدل ، و\" الذين \" المفعول الأول ، والثاني محذوف.\rوهو معنى قول الزمخشريَّ المتقدم.\r","part":18,"page":290},{"id":7780,"text":"الرابع : أن يكون : \" أنما نملي لهم \" بدلاً من : \" الذين كفروا \" بدل اشتمال - أي : إملاءنا - و\" خير \" بالرفع - خبر مبتدأ محذوف ، أي : هو خير لأنفسهم ، والجملة هي المفعول الثاني ، نقل ذلك أبو شامة عن بعضهم ، ثم وقال : قُلْتُ : ومثل هذه القراءة بيت الحماسةِ.\rفِينَا الأنَاةُ ، وَلبَعْضُ الْقَوْمِ يَحْسَبُنَا... أَنَّا بِطَاءٌ ، وَفِي إبْطَائِنَا سَرَعُ\rكذا جاءت الرواية بفتح \" أنا \" بعد ذكر المفعول الأول ، فعلى هذا يجوز أن تقول : حسبت زيداً أنه قائم ، أي : حسبته ذا قيام.\rفوجه الفتح أنها وقعت مفعولاً ، وهي ما عملت فيه من موضع مفرد ، وهو المفعول الثاني لـ \" حسبت \" انتهى.\rوفيما قاله نظرٌ ؛ لأن النحاة نصُّوا على وجوب كسر \" إن \" إذا وقعت مفعولاً ثانياً ، والأول اسم عين ، وأنشدوا البيتَ المذكورَ على ذلك ، وعلَّلوا وجوب الكسر بأنا لو فتحنا لكانت في محل مصدر ، فيلزم منه الأخبار بالمعنى عن العين.\rالخامس : أن يكون \" الذين كفروا \" مفعولاً به ، و{ إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ ليزدادوا إِثْمَاً } في موضع المفعول الثاني ، و{ أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ } مبتدأ وخبر اعترض به بين مفعولي \" تحسبن \" ففي الكلام تقديم وتأخير ، نُقِل ذلك عن الأخفشِ.\rقال أبو حاتم : وسمعتُ الأخفشَ يذكر فتح \" أن \" - يحتج به لأهل القَدَر لنه كان منهم - ويجعله على التقديم والتأخير ، [ أي ] : ولا تحسبنَّ الذين كفروا أنما نثمْلي لهم ليزدادوا إثماً ، إنما نملي لهم إلا ما هو خير لأنفسهم. انتهى.","part":18,"page":291},{"id":7781,"text":"وإنما جاز أن تكون \" أن \" المفتوحة مبتدأ بها أول الكلام ؛ لأن مذهبَ الأخفش ذلك ، وغيره يمنع ذلك ، فإن تقدم خبرها عليها - نحو : ظني أنك منطلق ، أو \" أما \" التفصيلية ، نحو أما أنك منطلق فعندي ، جاز ذلك إجماعاً. وقول أبي حاتم : يذكر فتح \" أن \" يعني بها التي في قوله : \" أنما نملي لهم خير \". ووجه تمسُّك القدرية أن الله تعالى لا يجوز أن يُمْلِي لهم إلا ما هو خير لأنفسهم ، لأنه يجب - عندهم - رعاية الأصلح.\rالسادس : قال المهدويّ : وقال قوم : قدم \" الذين كفروا \" توكيداً ، ثم حالهم ، من قوله : \" أنما نملي لهم \" رداً عليهم ، والتقديرُ : ولا تحسبن أن إملاءنا للذين كفروا خيرٌ لأنفسهم.\rوأما قراءة يحيى - بكسر \" إنَّما \" مع الغيبة - فلا تخلو إما أن يُجْعَلَ الفعلُ مسنداً إلى \" الذين \" أو إلى ضميرٍ غائبٍ ، فإن كانت الأولى كانت \" أنما \" وما في حيِّزها معلقة لـ \" تحسبن \" وإن لم تكن اللام في خبرها لفظاً ، فهي مقدرة ، فيكون \" إنّما \" - بالكسر - في موضع نَصْبٍ ؛ لأنها معلقة لفعل الحسبان من نية اللام ، ونظير ذلك تعليق أفعال القلوبِ عن المفعولينِ الصريحين - بتقدير لام الابتداء - في قوله [ البسيط ] : \rكَذَاكَ أدَّبتُ حَتَّى صَارَ مِنْ خُلُقِي... أَنِّي وَجَدْتُ مِلاَكُ الشَّيْمَةِ الأدَبُ\rفلولا تقدير اللاتم لوجب نصب \" ملاك \" و\" الأدب \". وكذلك في الآية لولا تقدير اللام لوجب فتح \" إنما \".\rويجوز أن يكون المفعول الأول قد حُذِف - وهو ضمير الأمرِ والشأنِ - وقد قيل بذلك في البيت ، وهو الأحسنُ فيه.\rوالأصلُ : لا تحسبنه - أي الأمر - و\" إنما نملي لهم \" في موضع المفعول الثاني ، وهي المفسرة للضمير وإن كان الثاني كان \" الذين \" مفعولاً أول ، و\" أنما نملي \" في موضع المفعول الثاني.\r","part":18,"page":292},{"id":7782,"text":"وأما قراءته التي حكاها عنه الزمخشريُّ ، فقد خرَّجَها هو ، فقال : على معنى : ولا تحسبن الذين كفروا أن إملاءنا لازدياد الإثم - كما يفعلون - وإنما هو ليتوبوا ، ويدخلوا في الإيمان ، وقوله : { أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لأَنْفُسِهِمْ } اعتراض بين الفعل ومعموله ، ومعناه : إن إملاءنا خيرٌ لأنفسهم إن عملوا فيه ، وعرفوا إنعام الله عليهم ، بتفسيح المُدَّةِ ، وترك المعاجلةِ بالعقوبة. انتهى.\rفعلى هذا يكون \" الذين \" فاعلاً ، و\" أنما \" - المفتوحة - سادة مسد المفعولين ، أحدهما - على الخلاف - واعترض بهذه الجملة بين الفعل ومعموله. قال النَّحَّاسُ : قراءة يحيى بن وَثَّابٍ - بكسر \" إن \" فيهما جميعاً - حسنة ، كما تقول : حسبت عمراً أبوه خارجٌ.\rوأما ما حكاه الزّجّاج - قراءةً - عن خلق كثير ، وهو نصب \" خير \" على الظاهر من كلامه ، فقد ذكر نخريجها ، على أن { أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لأَنْفُسِهِمْ } بدل من \" الذين كفروا \" و\" خيراً \" مفعول ثانٍ ، ولا بد من إيراد نَصِّه ، قال - رحمه الله - : مَنْ قرأ : \" ولا يحسبن \" بالياء ، لم يَجُزْ عند البصريين إلا كسر \" إن \" والمعنى : لا يجسبن الذين كفروا إملاءنا خير لهم ، ودخلت \" إن \" مؤكِّدةً ، فإذا فتحت صار المعنى : وزلا يبسحبن الذين كفروا إملاءنا خير لهم ، قال : وهو عندي يجوز في هذا الموضع على البدل من \" الذين \" والمعنى : ولا يحسبن إملاءنا للذين كفروا خيراً لهم ، وقد قرأ بها خلقٌ كثير ، ومثل هذه القراءة من الشعر قول الشاعر : [ الطويل ]\rفَمَا كَانَ قَيْسٌ هُلْكَ وَاحِدٍ... وَلَكِنَّهُ بُنْيَانُ قَوْمٍ تَهَدَّمَا\rجعل \" هلكه \" بدلاً من \" قيس \" والمعنى : فما كان هلك قيس هلك واحدٍ ، 1ه.\r","part":18,"page":293},{"id":7783,"text":"يعني : \" هلك \" - الأول - بدل من المرفوع ، فبقي \" هلك واحد \" منصوباً ، خبراً لـ \" ما كان \" كذلك : \" أنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ \" \" أن \" واسمها - وهي \" ما \" الموصولة - وصلتها ، والخبر - وهو \" لَهُم \" في محل نصب ، بدلاً من \" الَّذِينَ كَفَرُوا \" فبقي \" خَيْراً \" منصوباً على أنه مفعول ثانٍ لـ \" تضحْسَبَنَّ \". إلا أن الفارسي قد رد هذا على أبي إسحاقَ بان هذه القراءة لم يقرأ بها أحد - أعني نصب \" خَيْراً \" - قال أبو علي الفارسي : لا يصح البدل ، إلا بنصب \" خَيْرٌ \" من حيثُ كان المفعول الثاني لـ \" حسبت \" فكما انتصب \" هلكَ واحدٍ \" في البيت - لما أبدل الأول من \" قيس \" - بأنه خبر لـ \" كان \" كذلك ينتصب \" خَيْرٌ لَهُمْ \" إذا أُبْدِل الاملاء من \" الَّذِينَ كَفَرُوا \" بأنه مفعول ثانٍ لـ \" تَحْسَبَنَّ \".\rقال : وسألت أحمد بن مُوسَى عنها ، فزعم أن أحداً لم يقرأ بها يعني بـ \" أحمد \" هذا أبا بكر بن مجاهد الإمام المشهور ، وقال - في الحجة - : \" الَّذِينَ كَفَرُوا \" في موضع نصب ؛ بأنها المفعول الأول ، والمفعول الثاني هو الأول - في هذا الباب - في المعنى ، فلا يجوزُ - إذَنْ - فتح \" إن \" في قوله : { إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ } لأن إملاءهم لا يكون إياهم. فإن قُلْتَ : لِمَ لا يجوز الفتح في \" أن \" وجعلها بدلاً من \" الَّذِينَ كَفَرُوا \" كقوله تعالى : { وَمَآ أَنْسَانِيهُ إِلاَّ الشيطان أَنْ أَذْكُرَهُ } [ الكهف : 63 ] وكما كان \" أن \" من قوله تعالى : { وَإِذْ يَعِدُكُمُ الله إِحْدَى الطائفتين أَنَّهَا لَكُمْ } [ الأنفال : 7 ] ؟ \r","part":18,"page":294},{"id":7784,"text":"قيل : لا يجوز ذلك ؛ لأنك إذا أبدلت \" أن \" من \" الذين كفروا \" كما أبدلت \" أنَّ \" من \" إحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ \" لزمك أن تنصب \" خَيْراً \" على تقدير : لاَ تَحْسَبَنَّ إملاء الذين كفروا خيراً لأنفسهم ، من حيثُ كان المفعولُ لـ \" تَحْسَبَنَّ \".\rانتهى ما رد به عليه ، فلم يَبْقَ إلا الترجيح بين نَقْل الزجَّاج وابنِ مجاهد.\rقال شهاب الدين : ولا شك أن ابنَ مجاهدٍ أَعْنَى بالقراءات ، إلا أن الزَّجَّاجَ ثقةٌ ، ويقول : قرأ به خلقٌ كثيرٌ وهذا يبعد غلطه فيه ، والإثبات مقدم على النفي ، وما ذكره أبو علي - من قوله : وإذا لم يجز لا كسر \" إن \".... الخ - هذا - أيضاً مما لم يقرأ به أحد \".\rقال مَكِّي : \" وجه القراءة لمن قرأ بالتاء - يعني بتاء الخطاب - أن يكسر \" إنَّما \" فتكون الجملة في موضع المفعول الثاني ، ولم يقرأ به أحدٌ علمته \". وقد نقل أبو البقاء أن نصب \" خَيْراً \" قراءة شاذة قال : وقد قرئَ شَاذَّاً بالنصب ، على أن يكون \" لأَنْفُسِهِمْ \" خبر \" أن \" و\" لَهُمْ \" تبيين ، أو حال من \" خَيْر \".\rيعني : أنه لما جعل \" لأَنْفُسِهِم \" الخبر ، جعل \" لَهُمط إما تبييناً ، تقديره : أعني لهم وإما حالاً من النكرة المتأخرة ، لأنه كان في الأصل صفة لها. والظاهر - على هذه القراءة - ما تقدم من كون \" لَهُمْ \" هو الخبر ، ويكون \" لأَنْفُسِهِمْ \" في محل نصب ؛ صفة لـ \" خَيْرٌ \" - كما كان صفة له في قراءة الجمهور.\rونقل - أيضاً - قراءة كسر \" أن \" وهي قراءة يحيى ، وخرجها على أنها جواب قسم محذوف ، والقسم وجوابه يسد مَسَدَّ المفعولينِ ، ولا حاجة إلى ذلك ، بل تخريجها على ما تقدم أَوْلَى ؛ لأن الأصل عدم الحذفِ.\r","part":18,"page":295},{"id":7785,"text":"والإملاء : الأمهالُ والمَدُّ في العمرِ ومنه مَلاَوَةُ الدهر - للمدة الطويلة - يقال : مَلَوْتُ من الدهر مَلْوَةً ومِلْوَةً ومُلْوَةً ومَلاوةً ومِلاَوَةً ومُلاَوَةً بمعنىً واحد.\rقال الأصمعيُّ : يقال أملى عليه الزمان - أي : طال - وأملى له - أي : طوَّل له وأمهله - قال أبو عبيدة : ومه : الملا - للأرض الواسعة - والمَلَوَان : الليل والنهار ، وقولهم : مَلاَّكَ الله بِنعَمِه أي : مَنَحَكَها عُمْراً طَوِيلاً - .\rوقيل : المَلَوَانِ : تكرُّر الليل والنهار وامتدادُهما ، بدليلِ إضافتهما إليهما في قول الشّاعرِ : [ الطويل ]\rنَهَارٌ وَلَيْلٌ دَائِمٌ مَلَوَاهُمَا... عَلَى كُلِّ حَلِ المَرْءِ يَخْتَلِفَانِ\rفلو كانا الليلَ والنَّهارِ لما أُضِيف إليهما ؛ إذ الشيءُ لا يُضاف إلى نفسه. فقوله : \" أنما نملي لهم \" أصل الياء واوٌ ، ثم قُلِبَت لوقوعها رابعة.\rقوله : { إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ ليزدادوا إِثْمَاً } قد تقدم أن يحيى بن وثَّاب قرأ بكسر الأولى وفتح هذا فيما نقله الزمخشريُّ وتقدم تخريجُها ، إلا أن أبا حيّان قال : إنه لم يَحْكِها عنه غير الزمخشريِّ بل الَّذِينَ نقلوا قراءةَ يحيى إنما نقلوا كسر الأولى فقط ، قال : وإنما الزمخشريُّ - لولوعه بنْصرة مذهبه - يروم رد كل شيء إليه.\rقل شهابُ الدِّينِ : وهذا تحامُلٌ عليه ؛ لأنه ثقةٌ ، لا ينقل ما لم يُرْوَ. وأما على قراءة كسرها ففيها وجهان : \rالأول : أنها جملة مستأنفة ، تعليلٌ للجملة قبلها ، كأنه قيل : ما بالُهُمْ يحسبون الإملاء خيراً ؟ فقيل \" { إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ ليزدادوا إِثْمَاً } و\" إنّ \" - هنا مكفوفة بـ \" ما \" ولذلك كُتِبَتْ متصلة - على الأصل ولا يجوز أن تكون موصولة - اسمية ولا حرفية - لأن لام \" كي \" لا يصح وقوعها خبراً للمبتدأ ولا لنواسخه.\r","part":18,"page":296},{"id":7786,"text":"الثاني : أنّ هذه الجملة تكريرٌ للأولى.\rقال أبو البقاء : وقيل : \" إنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ \" تكريرٌ لَهُمْ \" تكريرٌ للأول ، و\" لِيَزْدَادوا \" هو المفعول الثاني لـ \" تَحْسَبَنَّ \" على قراءة التاء ، والتقدير : ولا تحسبنّ يا محمد إملاء الذين كفروا ليزدادوا إيماناً ، بل ليزدادوا إثماً. ويُرْوَى عن بعض الصحابة أنه قرأها كذلك.\rقال شِهَابُ الدينِ : وفي هذا نظر ، من حيث إنه جعل \" لِيَزْدَادوا \" هو المفعول الثاني ، وقد تقدم أن لام \" كي \" لا تقع خبراً للمبتدأ ولا لنواسخه ، ولأن هذا إنما يتم له على تقدير فتح الثانيةِ ، وقد تقدم أنّ أحداً لم ينقلها عن يحيى إلا الزمخشريّ والذي يقرأ \" تَحْسَبَنَّ \" - بتاء الخطاب - لا يفتحها ألبتة.\rواللام في \" ليزدادوا \" فيها وجهان : \rأحدهما : أنها لام \" كي \".\rوالثاني : أنها لامُ الصَّيْرُورَةِ.\rقوله : \" وَلَهُم عَذَابٌ مُهِينٌ \" في هذه الواو قولان : \rأحدهما : أنها للعطف ؟ \rوالثاني : أنها للحالِ ، وظاهرُ قول الزمخشريُّ أنها للحالِ في قراءة يَحْيى بن وثَّاب فقط ؛ فإنه قال : فإن قلت : ما معنى القراءة - يعني : قراءة يحيى التي نقلها هو عنه ؟ \rقلتُ : معناه : ولا تحسبوا أن إملاءه لزيادة الإثم والتعذيب ، والواو للحال ، كأنه قيل : ليزدادوا إثْماً مُعَدًّا لهم عذابٌ مهينٌ.\rقال أبو حيَّان : بعد ما ذكر من إنكاره عليه نَقْل فَتْح الثانية عن يحيى كما تقدم - : \" ولما قَرَّرَ في هذه القراءة أن المعنى على نَهْي الكافر أن يحسب أنما يُملي اللهُ لزيادة الإثم ، وأنه إنما يملي [ لزيادة ] الخير ، كان قوله : { وَلَهْمُ عَذَابٌ مُّهِينٌ } يدفع هذا التفسير ، فخرج ذلك على أن الواو للحالِ ، حتى يزول هذا التدافعُ الذي بين هذه القراءة ، وبين ظاهر آخر الآية. أ هـ {تفسير ابن عادل حـ 6 صـ 68 ـ 75}\r","part":18,"page":297},{"id":7787,"text":"من لطائف الإمام القشيرى فى الآية\rقال عليه الرحمة :\r{ وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لِأَنْفُسِهِمْ إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوا إِثْمًا وَلَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ (178)}\rومن تمام المكر بهم ، والمبالغة في عقوبتهم أَنَّا نعذِّبهم وهم لا يشعرون ؛ { سِنَسْتَدْرِجُهُم مِّنْ حَيْثُ لاَ يَعْلَمُونَ } [ الأعراف : 182 ] نملي لهم فيظنون ذلك إنعاماً ، ولا يحسبونه انتقاماً ، فإذا برزت لهم كوامنُ التقدير عند مغاراتهاعلموا أنهم لفي خسران ، وقد اتَّضح لكلِّ ذي بصيرة أن ما يكون سببَ العصيان وموجبَ النسيان غيرُ معدودٍ من جملة الإنعام. أ هـ {لطائف الإشارات حـ 1 صـ 299}","part":18,"page":298},{"id":7788,"text":"قوله تعالى : { مَا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الْغَيْبِ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَجْتَبِي مِنْ رُسُلِهِ مَنْ يَشَاءُ فَآَمِنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَإِنْ تُؤْمِنُوا وَتَتَّقُوا فَلَكُمْ أَجْرٌ عَظِيمٌ (179)}\rمناسبة الآية لما قبلها\rقال البقاعى :\rولما كان مطلق المسارعة أعم مما بالعوض ، وهو أعم مما بالرجوع ، جاء نظم الآيات على ذاك ؛ ولما كشفت هذه الوقعة جملة من المغيبات من أعظمها تمييز المخلص فعلاً أو قولاً من غيره ، أخبر تعالى أن ذلك من أسرارها على وجه يشير إلى النعي على المنافقين بتأخيرهم أنفسهم بالرجوع وغيره فقال مشيراً بخطاب الأتباع إلى مزيد علمه صلى الله عليه وسلم وعلو درجته لديه وعظيم قربه منه سبحانه وتعالى : {ما كان الله} أي مع ما له من صفات الكمال.\rولما كان ترك التمييز غير محمود ، عبر بفعل الوذر ، وأظهر موضع الإضمار لإظهار شرف الوصف تعظيماً لأهله فقال : {ليذر المؤمنين} أي الثابتين في وصف الإيمان {على ما أنتم عليه} من الاختلاط بالمنافقين ومن قاربهم من الذين آمنوا على حال الإشكال للاقتناع بدعوى اللسان دليلاً على الإيمان {حتى يميز الخبيث من الطيب} بأن يفضح المبطل وإن طال ستره بتكاليف شاقة وأحوال شيديدة ، لا يصبر عليها إلا المخلص من العباد ، المخلصون في الاعتقاد {وما كان الله} لاختصاصه بعلم الغيب {ليطلعكم على الغيب} أي وهو الذي لم يبرز إلى عالم الشهادة بوجه لتعلموا به الذي في قلوبهم مع احتمال أن يكون الرجوع للعلة التي ذكروها في الظاهر والقول لشدة الأسف على إخوانهم {ولكن الله} أي الذي له الأمر كله {يجتبي} أي يختار اختياراً بليغاً {من رسله من يشاء} أي فيخبر على ألسنتهم بما يريد من المغيبات كما أخبر أنهم برجوعهم للكفر أقرب منهم للإيمان ، وأنهم يقولون بأفواههم ما ليس في قلوبهم.\rولما تسبب عن هذا وجوب الإيمان به قال : {فآمنوا بالله} أي في عالم الغيب والشهادة ، له الأسماء الحسنى {ورسله} في أنه أرسلهم وفي أنهم صادقون في كل ما يخبرون به عنه.\rولما كان التقدير : فإنكم إن لم تؤمنوا كان لكم ما تقدم من العذاب العظيم الأليم المهين ، عطف عليه قوله : {وإن تؤمنوا} أي بالله ورسله {وتتقوا} أي بالمداومة على الإيمان وما يقتضيه من العمل الصالح {فلكم أجر عظيم} أي منه أنه لا يضركم كيد أعدائكم شيئاً كما تقدم وعدكم به. أ هـ {نظم الدرر حـ 2 صـ 187}","part":18,"page":299},{"id":7789,"text":"فصل\rقال الفخر :\rاعلم أن هذه الآية من بقية الكلام في قصة أحد ، فأخبر تعالى أن الأحوال التي وقعت في تلك الحادثة من القتل والهزيمة ، ثم دعاء النبي صلى الله عليه وسلم اياهم مع ما كان بهم من الجراحات إلى الخروج لطلب العدو ، ثم دعائه اياهم مرة أخرى إلى بدر الصغرى لموعد أبي سفيان ، فأخبر تعالى أن كل هذه الأحوال صار دليلا على امتياز المؤمن من المنافق ، لأن المنافقين خافوا ورجعوا وشمتوا بكثرة القتلى منكم ، ثم ثبطوا وزهدوا المؤمنين عن العود إلى الجهاد ، فأخبر سبحانه وتعالى أنه لا يجوز في حكمته أن يذركم على ما أنتم عليه من اختلاط المنافقين بكم وإظهارهم أنهم منكم ومن أهل الإيمان بل كان يجب في حكمته إلقاء هذه الحوادث والوقائع حتى يحصل هذا الامتياز ، فهذا وجه النظم. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 9 صـ 89 ـ 90}\rوقال الآلوسى :\r{ مَّا كَانَ الله لِيَذَرَ المؤمنين على مَا أَنتُمْ عَلَيْهِ } كلام مستأنف مسوق لوعد المؤمنين ووعيد المنافقين بالعقوبة الدنيوية وهي الفضيحة والخزي إثر بيان عقوبتهم الأخروية ، وقدم بيان ذلك لأنه أمس بالإملاء لازدياد الآثام ، وفي هذا الوعد والوعيد أيضاً ما لا يخفى من التسلية له صلى الله عليه وسلم كما في الكلام السابق ، وقيل : الآية مسوقة لبيان الحكمة في إملائه تعالى للكفرة إثر بيان شريته لهم ، ولا يخفى أنه بعيد فضلاً عن كونه أقرب ، والمراد من المؤمنين المخلصون والخطاب على ما يقتضيه الذوق لعامة المخلصين والمنافقين ففيه التفات في ضمن التلوين ، والمراد بما هم عليه اختلاط بعضهم ببعض واستواؤهم في إجراء أحكام الإسلام عليهم ، وإلى هذا جنح المحققون من أهل التفسير ، وقال أكثرهم : إن الخطاب للمنافقين ليس إلا ففيه تلوين فقط ، وذهب أكثر أهل المعاني إلى أنه للمؤمنين خاصة ففيه تلوين والتفات أيضاً.","part":18,"page":300},{"id":7790,"text":"وأخرج ابن أبي حاتم من طريق علي عن ابن عباس وابن جرير وغيره عن قتادة أنه للكفار ، ولعل المراد بهم المنافقون وإلا فهو بعيد جداً. أ هـ {روح المعانى حـ 4 صـ 236}\rوقال ابن عاشور :\rقوله تعالى : { مَا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ}\rاستئناف ابتدائي ، وهو رجوع إلى بيان ما في مصيبة المسلمين من الهزيمة يوم أُحُد من الحِكم النافعة دُنيا وأخرى ، فهو عود إلى الغرض المذكور في قوله تعالى : { وما أصابكم يوم التقى الجمعان فبإذن الله وليعلم المؤمنين } [ آل عمران : 166 ] بيّن هنا أنّ الله لم يرد دوام اللبس في حال المؤمنين والمنافقين واختلاطهم ، فقدّر ذلك زماناً كانت الحكمة في مثله تقتضي بقاءه وذلك أيّام ضعف المؤمنين عقب هجرتهم وشدّة حاجتهم إلى الاقتناع من الناس بحسن الظاهر حتّى لا يبدأ الانشقاق من أوّل أيّام الهجرة ، فلمّا استقرّ الإيمان في النفوس ، وقرّ للمؤمنين الخالصين المُقام في أمْن ، أراد الله تعالى تنهية الاختلاط وأن يميز الخبيث من الطيّب وكان المنافقون يكتمون نفاقهم لمَّا رأوا أمر المؤمنين في إقبال ، ورأوا انتصارهم يوم بدر ، فأراد الله أن يفضحهم ويظهر نفاقهم ، بأن أصاب المؤمنين بقَرح الهزيمة حتّى أظهر المنافقون فرحهم بنصرة المشركين ، وسجّل الله عليهم نفاقهم بادياً للعيان كما قال :\rجَزَى الله المصائبَ كلّ خير\rعرفتُ بها عدوّي من صديقي... أ هـ {التحرير والتنوير حـ 3 صـ 292}\rفصل\rقال القرطبى :\rقال أبو العالية : سأل المؤمنون أن يعطوا علامة يفرّقون بها بين المؤمن والمنافق ؛ فأنزل الله عزّ وجلّ : { مَّا كَانَ الله لِيَذَرَ المؤمنين على مَآ أَنْتُمْ عَلَيْهِ } الآية.\rواختلفوا مَن المخاطب بالآية على أقوال.","part":18,"page":301},{"id":7791,"text":"فقال ابن عباس والضحاك ومقاتِل والكلبيّ وأكثر المفسرين : الخطاب للكفار والمنافقين.\rأي ما كان الله ليذر المؤمنين على ما أنتم عليه من الكفر والنفاق وعداوة النبيّ صلى الله عليه وسلم.\rقال الكلبيّ : إن قريشاً من أهل مكة قالوا للنبيّ صلى الله عليه وسلم : الرجلُ منا تزعم أنه في النار ، وأنه إذا ترك دِيننا واتبع دينكَ قلتَ هو من أهل الجنةا فأخبرنا عن هذا من أين هو ؟ وأخبرنا مَن يأتيك منا ؟ ومَن لم يأتك ؟ .\rفأنزل الله عزّ وجلّ { مَّا كَانَ الله لِيَذَرَ المؤمنين على مَآ أَنْتُمْ عَلَيْهِ } من الكفر والنفاق \"حتى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ\".\rوقيل : هو خطاب للمشركين.\rوالمراد بالمؤمنين في قوله : { لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ } من في الأصلاب والأرحام ممن يؤمن.\rأي ما كان الله ليذر أولادكم الذين حكم لهم بالإيمان على ما أنتم عليه من الشرك ، حتى يفرق بينكم وبينهم ؛ وعلى هذا { وَمَا كَانَ الله لِيُطْلِعَكُمْ } كلام مستأنف.\rوهو قول ابن عباس وأكثر المفسرين.\rوقيل : الخطاب للمؤمنين.\rأي وما كان الله ليذركم يا معشر المؤمنين على ما أنتم عليه من اختلاط المؤمن بالمنافق ، حتى يميِّز بينكم بالمحنة والتكليف ؛ فتعرفوا المنافق الخبيث ، والمؤمن الطيب.\rوقد مَيَّزَ يوم أُحُد بين الفريقين.\rوهذا قول أكثر أهل المعاني. أ هـ {تفسير القرطبى حـ 4 صـ 288 ـ 289}\rفصل\rقال الفخر :\rقد ذكرنا أن معنى الآية : ما كان الله ليذركم يا معشر المؤمنين على ما أنتم عليه من اختلاط المؤمن بالمنافق واشباهه حتى يميز الخبيث من الطيب ، أي المنافق من المؤمن.\rواختلفوا بأي شيء ميز بينهم وذكروا وجوها :","part":18,"page":302},{"id":7792,"text":"أحدها : بإلقاء المحن والمصائب والقتل والهزيمة ، فمن كان مؤمنا ثبت على إيمانه وعلى تصديق الرسول صلى الله عليه وسلم ، ومن كان منافقا ظهر نفاقه وكفره.\rوثانيها : أن الله وعد بنصرة المؤمنين وإذلال الكافرين ، فلما قوي الإسلام عظمت دولته وذل الكفر وأهله ، وعند ذلك حصل هذا الامتياز.\rوثالثها : القرائن الدالة على ذلك ، مثل إن المسلمين كانوا يفرحون بنصرة الإسلام وقوته ، والمنافقين كانوا يغتمون بسبب ذلك. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 9 صـ 90}\rفائدة\rقال ابن عاشور :\rومعنى { ما كان الله ليذر المؤمنين } نفي هذا عن أن يكون مراداً لله نفياً مؤكَّداً بلام الجُحود ، وقد تقدّم نظيره في قوله تعالى : { ما كان لبشر أن يؤتيه الله الكتاب } [ آل عمران : 79 ] إلخ...\rفقوله : { على ما أنتم عليه } أي من اختلاط المؤمن الخالص والمنافق ، فالضمير في قوله : { أنتم عليه } مخاطب به المسلمون كلّهم باعتبار من فيهم من المنافقين.\rوالمراد بالمؤمنين المؤمنون الخُلَّص من النفاق ، ولذلك عبّر عنهم بالمؤمنين ، وغيّر الأسلوب لأجل ذلك ، فلم يقل : ليذركم على ما أنتم عليه تنبيهاً على أنّ المراد بضمير الخطاب أكثر من المراد بلفظ المؤمنين ، ولذلك لم يقل على ما هم عليه.\rوقوله : { حتى يميز الخبيث من الطيب } غاية للجحود المستفاد من قوله : { ما كان الله ليذر } المفيد أنّ هذا الوَذْر لا تتعلّق به إرادة الله بعد وقت الإخبار ولا واقعاً منه تعالى إلى أن يحصل تمييز الخبيث من الطيّب ، فإذا حصل تمييز الخبيث من الطّيب صار هذا الوذر ممكناً ، فقد تتعلّق الإرادة بحصوله وبعدم حصوله ، ومعناه رجوع إلى حال الاختيار بعد الإعلام بحالة الاستحالة.","part":18,"page":303},{"id":7793,"text":"ولحتّى استعمال خاصّ بعد نفي الجحود ، فمعناها تنهية الاستحالة : ذلك أنّ الجحود أخصّ من النفي لأنّ أصل وضع الصيغة الدلالة على أنّ ما بعد لام الجحود مناف لحقيقة اسم كان المنفية ، فيكون حصوله كالمستحيل ، فإذا غيّاه المتكلّم بغاية كانت تلك الغاية غاية للاستحالة المستفادة من الجحود ، وليست غاية للنفي حتّى يكون مفهومها أنّه بعد حصول الغاية يثبت ما كان منفياً ، وهذا كلّه لمح لأصل وضع صيغة الجحود من الدلالة على مبالغة النفي لا لغلبة استعمالها في معنى مطلق النفي ، وقد أهمل التنبيه على إشكال الغاية هنا صاحب \"الكشاف\" ومتابعوه ، وتنّبه لها أبو حيّان ، فاستشكلها حتّى اضطرّ إلى تأوّل النفي بالإثبات ، فجعل التقدير : إنّ الله يخلّص بينكم بالامتحان ، حتّى يميز.\rوأخذ هذا التأويل من كلام ابنِ عطية ، ولا حاجة إليه على أنّه يمكن أن يتأوّل تأويلاً أحسن ، وهو أن يجعل مفهوم الغاية معطّلاً لوجود قرينة على عدم إرادة المفهوم ، ولكن فيما ذكرته وضوح وتوقيف على استعمال عربيّ رشيق.\rو ( مِنْ ) في قوله : { من الطيب } معناها الفصْل أي فصل أحد الضدين من الآخر ، وهو معنى أثبته ابن مالك وبحث فيه صاحب \"مغني اللبيب\" ، ومنه قوله تعالى : { واللَّه يعلم المفسد من المصلح } وقد تقدّم القول فيه عند قوله تعالى : { واللَّه يعلم المفسد من المصلح } في سورة [ البقرة : 220 ].\rوقيل : الخطاب بضمير ما أنتم } للكفار ، أي : لا يترك الله المؤمنين جاهلين بأحوالكم من النفاق. أ هـ {التحرير والتنوير حـ 3 صـ 293 ـ 294}","part":18,"page":304},{"id":7794,"text":"لطيفة\rقال الآلوسى :\rوعبر عن المؤمن والمنافق بالطيب والخبيث تسجيلاً على كل منهما بما يليق به وإشعاراً بعلة الحكم ، وأفرد الخبيث والطيب مع تعدد ما أريد بكل إيذاناً بأن مدار إفراز أحد الفريقين من الآخر هو اتصافهما بوصفهما لا خصوصية ذاتهما وتعدد آحادهما ، وتعليق الميز بالخبيث مع أن المتبادر مما سبق من عدم ترك المؤمنين على الاختلاط تعليقه بهم وإفرازهم عن المنافقين لما أن الميز الواقع بين الفريقين إنما هو بالتصرف في المنافقين وتغييرهم من حال إلى حال أخرى مع بقاء المؤمنين على ما كانوا عليه من أصل الإيمان وإن ظهر مزيد إخلاصهم لا بالتصرف فيهم وتغييرهم من حال إلى حال مع بقاء المنافقين على ما هم عليه من الاستتار وإنما لم ينسب عدم الترك إليهم لما أنه مشعر بالاعتناء بشأن من نسب إليه فإن المتبادر منه عدم الترك على حالة غير ملائمة كما يشهد به الذوق السليم قاله بعض المحققين ، وقيل : إنما قدم الخبيث على الطيب وعلق به فعل الميز إشعاراً بمزيد رداءة ذلك الجنس فإن الملقى من الشيئين هو الأدون. أ هـ {روح المعانى حـ 4 صـ 136 ـ 137}\rفصل\rقال الفخر :\rههنا سؤال ، وهو أن هذا التمييز إن ظهر وانكشف فقد ظهر كفر المنافقين ، وظهور الكفر منهم ينفي كونهم منافقين ، وإن لم يظهر لم يحصل موعود الله.\rوجوابه : أنه ظهر بحيث يفيد الامتياز الظني ، لا الامتياز القطعي. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 9 صـ 90}\rقوله تعالى {وَمَا كَانَ الله لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الغيب}\rقال القرطبى :\r{ وَمَا كَانَ الله لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الغيب } يا معشر المؤمنين.","part":18,"page":305},{"id":7795,"text":"أي ما كان الله ليعيِّن لكم المنافقين حتى تعرفوهم ، ولكن يظهر ذلك لكم بالتكليف والمحنة ، وقد ظهر ذلك في يوم أُحُد ؛ فإن المنافقين تخلفوا وأظهروا الشماتة ، فما كنتم تعرفون هذا الغيب قبل هذا ، فالآن قد أطلع الله محمداً عليه السَّلام وصحبه على ذلك.\rوقيل : معنى { ليطلعكم } أي وما كان ( الله ) ليعلمكم ما يكون منهم.\rفقوله : { وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُطْلِعَكُمْ ( عَلَى الْغَيْبِ ) } على هذا متصل ، وعلى القولين الأوّلين منقطع.\rوذلك أن الكفار لما قالوا : لِمَ لَمْ يوح إلينا ؟ قال : { وَمَا كَانَ الله لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الغيب } أي على من يستحق النبوّة ، حتى يكون الوحي باختياركم. أ هـ {تفسير القرطبى حـ 4 صـ 289}\rوقال ابن عاشور : \rوقوله : { وما كان الله ليطلعكم } عطف على قوله : { ما كان الله ليذر } يعني أنّه أراد أن يميز لكم الخبيث فتعرفوا أعداءكم ، ولم يكن من شأن الله إطلاعكم على الغيب ، فلذلك جعل أسباباً من شأنها أن تستفزّ أعداءكم فيظهروا لكم العداوة فتطلّعوا عليهم ، وإنّما قال : { وما كان الله ليطلعكم على الغيب } لأنّه تعالى جعل نظام هذا العالم مؤسّساً على استفادة المسبّبات من أسبابها ، والنتائج من مقدّماتها. أ هـ {التحرير والتنوير حـ 3 صـ 294}","part":18,"page":306},{"id":7796,"text":"وقال الفخر : \rمعناه أنه سبحانه حكم بأن يظهر هذا التمييز ، ثم بين بهذه الآية أنه لا يجوز أن يحصل ذلك التمييز بأن يطلعكم الله على غيبه فيقول : إن فلانا منافق وفلانا مؤمن ، وفلانا من أهل الجنة وفلانا من أهل النار ، فإن سنة الله جارية بأنه لا يطلع عوام الناس على غيبه ، بل لا سبيل لكم إلى معرفة ذلك الامتياز إلا بالامتحانات مثل ما ذكرنا من وقوع المحن والآفات ، حتى يتميز عندها الموافق من المنافق ، فأما معرفة ذلك على سبيل الاطلاع من الغيب فهو من خواص الأنبياء ، فلهذا قال : {وَلَكِنَّ الله يَجْتَبِى مِن رُّسُلِهِ مَن يَشَاء} أي ولكن الله يصطفي من رسله من يشاء فخصهم بإعلامهم أن هذا مؤمن وهذا منافق.\rويحتمل ولكن الله يجتبي من رسله من يشاء فيمتحن خلقه بالشرائع على أيديهم حتى يتميز الفريقان بالامتحان ، ويحتمل أيضا أن يكون المعنى : وما كان الله ليجعلكم كلكم عالمين بالغيب من حيث يعلم الرسول حتى تصيروا مستغنين عن الرسول ، بل الله يخص من يشاء من عباده بالرسالة ، ثم يكلف الباقين طاعة هؤلاء الرسل. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 9 صـ 90 ـ 91}\rقال ابن عاشور : \rوقوله : { ولكن الله يجتبي من رسله من يشاء } يجوز أنّه استدراك على ما أفاده قوله : { وما كان الله ليطلعكم على الغيب } حتّى لا يجعله المنافقون حجّة على المؤمنين.\rفي نفي الوحي والرسالة ، فيكون المعنى : وما كان الله ليطلعكم على الغيب إلاّ ما أطلع عليه رسوله ومن شأن الرسول أن لا يفشي ما أسرّه الله إليه كقوله : { عالم الغيب فلا يظهر على غيبة أحد إلا من ارتضى من رسول } [ الجن : 26 ، 27 ] الآية ، فيكون كاستثناء من عموم { ليطلعكم }.","part":18,"page":307},{"id":7797,"text":"ويجوز أنّه استدراك على ما يفيده { وما كان الله ليطلعكم على الغيب } من انتفاء اطّلاع أحد على علم الله تعالى فيكون كاستثناء من مفاد الغيب أي : إلاّ الغيب الراجع الى إبلاغ الشريعة ، وأمّا ما عداه فلم يضمن الله لرسله إطلاعهم عليه بل قد يطلعهم ، وقد لا يطلعهم ، قال تعالى : { وآخرين من دونهم لا تعلمونهم الله يعملهم } [ الأنفال : 60 ]. أ هـ {التحرير والتنوير حـ 3 صـ 294}\rوقال النسفى : \r{ وَلَكِنَّ الله يَجْتَبِى مِن رُّسُلِهِ مَن يَشَاء } أي ولكن الله يرسل الرسول فيوحي إليه ويخبره بأن في الغيب كذا وأن فلاناً في قلبه النفاق وفلاناً في قلبه الإخلاص ، فيعلم ذلك من جهة إخبار الله لا من جهة نفسه. والآية حجة على الباطنية فإنهم يدعون ذلك العلم لإمامهم فإن لم يثبتوا النبوة له صاروا مخالفين للنص حيث أثبتوا علم الغيب لغير الرسول ، وإن أثبتوا النبوة له صاروا مخالفين لنص آخر وهو قوله { وَخَاتَمَ النبيين } [ الأحزاب : 40 ]. أ هـ {تفسير النسفى حـ 1 صـ 194}","part":18,"page":308},{"id":7798,"text":"وقال الآلوسى : \r{ وَمَا كَانَ الله لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الغيب وَلَكِنَّ الله يَجْتَبِى مِن رُّسُلِهِ مَن يَشَاء } ومن هنا جعل مولانا شيخ الإسلام ما قبل الاستدراك تمهيداً لبيان الميز الموعود به على طريق تجريد الخطاب للمخلصين تشريفاً لهم ، والاستدراك إشارة إلى كيفية وقوعه على سبيل الإجمال وأن المعنى ما كان الله ليترك المخلصين على الاختلاط بالمنافقين بل يرتب المبادي حتى يخرج المنافقين من بينهم ، وما يفعل ذلك بإطلاعكم على ما في قلوبهم من الكفر والنفاق ولكنه تعالى يوحي إلى رسوله صلى الله عليه وسلم فيخبره بذلك وبما ظهر منهم من الأقوال والأفعال حسبما حكي عنهم بعضه فيما سلف فيفضحهم على رؤوس الأشهاد ويخلصكم مما تكرهون ، وذكر أنه قد جوز أن يكون المعنى لا يترككم مختلطين حتى يميز الخبيث من الطيب بأن يكلفكم التكاليف الصعبة التي لا يصبر عليها إلا الخلص الذين امتحن الله تعالى قلوبهم كبذل الأرواح في الجهاد ، وإنفاق الأموال في سبيل الله تعالى ، فيجعل ذلك عياراً على عقائدكم وشاهداً بضمائركم حتى يعلم بعضكم بما في قلب بعض بطريق الاستدلال لا من جهة الوقوف على ذات الصدور ، فإن ذلك مما استأثر الله تعالى به ، وتعقبه بأن الاستدراك باجتباء الرسل المنبىء عن مزيد مزيتهم وفضل معرفتهم على الخلق إثر بيان قصور رتبتهم عن الوقوف على خفايا السرائر صريح في أن المراد إظهار تلك السرائر بطريق الوحي لا بطريق التكليف بما يؤدي إلى خروج أسرارهم عن رتبة الخفاء.","part":18,"page":309},{"id":7799,"text":"وأنت تعلم أن دعوى أن الاستدراك صريح فيما ادعاه من المراد مما لا يكاد يثبته الدليل ، ولهذا قيل : إن حاصل المعنى ليس لكم رتبة الاطلاع على الغيب وإنما لكم رتبة العلم الاستدلالي الحاصل من نصب العلامات والأدلة ، والله تعالى سيمنحكم بذلك فلا تطمعوا في غيره فإن رتبة الاطلاع على الغيب لمن شاء من رسله ، وأين أنتم من أولئك المصطفين الأخيار ؟ نعم ما ذكره هذا المولى أظهر وأولى ، وقد سبقه إليه أبو حيان ، والمراد من قوله سبحانه : { لِيُطْلِعَكُمْ } إما ليؤتي أحدكم علم الغيب فيطلع على ما في القلوب أو ليطلع جميعكم أي أنه تعالى لا يطلع جميعكم على ذلك بل يختص به من أراد ، وأيد الأول بأن سبب النزول أكثر ملاءمة له.\rفقد أخرج ابن جرير عن السدي أن الكفرة قالوا إن كان محمد صادقاً فليخبرنا من يؤمن منا ومن يكفر فنزلت.","part":18,"page":310},{"id":7800,"text":"ونقل الواحدي عن السدي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : عرضت على أمتي في صورها كما عرضت عليَّ آدم وأعلمت من يؤمن بي ومن يكفر فبلغ ذلك المنافقين فاستهزءوا قالوا : يزعم محمد أنه يعلم من يؤمن به ومن يكفر ونحن معه ولا يعرفنا فأنزل الله تعالى هذه الآية\" وقال الكلبي : قالت قريش : \"تزعم يا محمد أن من خالفك فهو في النار والله تعالى عليه غضبان وأن من تبعك على دينك فهو من أهل الجنة والله تعالى عنه راض فأخبرنا بمن يؤمن بك ومن لا يؤمن فأنزل الله تعالى هذه الآية ، وأيد الثاني بأن ظاهر السوق يقتضيه قيل : والحق اتباع السوق ويكفي أدنى مناسبة بالقصة في كونها سبباً للنزول على أن في سند هذه الآثار مقالاً حتى قال بعض الحفاظ في بعضها : إني لم أقف عليه ، وقد روي عن أبي العالية ما يخالفها وهو أن المؤمنين سئلوا أن يعطوا علامة يفرقون بها بين المؤمن والمنافق فنزلت ، والاجتباء الاستخلاص كما روي عن أبي مالك ويؤول إلى الاصطفاء والاختيار وهو المشهور في تفسيره ، ويقال جبوت المال وجبيته بالواو والياء فياء يجتبي هنا إما على أصلها أو منقلبة من واو لانكسار ما قبلها ، وعبر به للإيذان بأن الوقوف على الأسرار الغيبية لا يتأتى إلا ممن رشحه الله تعالى لمنصب جليل تقاصرت عنه همم الأمم واصطفاه على الجماهير لارشادهم.\rو { مِنْ } لابتداء الغاية وتعميم الاجتباء لسائر الرسل عليهم السلام للدلالة على أن شأنه عليه الصلاة والسلام في هذا الباب أمر متين له أصل أصيل جار على سنة الله تعالى المسلوكة فيما بين الرسل صلوات الله تعالى وسلامه عليهم.","part":18,"page":311},{"id":7801,"text":"وقيل : إنها للتبعيض فإن الاطلاع على المغيبات مختص ببعض الرسل ، وفي بعض الأوقات حسبما تقتضيه مشيئته تعالى ولا يخفى أن كون ذلك في بعض الأوقات مسلم ، وأما كونه مختصاً ببعض الرسل ففي القلب منه شيء.\rولعل الصواب خلافه ولا يشكل على هذا أن الله تعالى قد يطلع على الغيب بعض أهل الكشف ذوي الأنفس القدسية لأن ذلك بطريق الوراثة لا استقلالاً وهم يقولون : إن المختص بالرسل عليهم السلام هو الثاني على أنه إذا كان المراد ما أيده السوق بعد هذا الاستشكال وإظهار الاسم الجليل في الموضعين لتربية المهابة. أ هـ {روح المعانى حـ 4 صـ 137 ـ 138}\rقوله تعالى {فآمنوا بالله ورسله}\rقال الفخر :\rالمقصود أن المنافقين طعنوا في نبوة محمد صلى الله عليه وسلم بوقوع الحوادث المكروهة في قصة أحد ، فبين الله تعالى أنه كان فيها مصالح.\rمنها تمييز الخبيث من الطيب ، فلما أجاب عن هذه الشبهة التي ذكرتموها قال : {فآمنوا بالله ورسله} يعني لما دلت الدلائل على نبوته وهذه الشبهة التي ذكرتموها في الطعن في نبوته فقد أجبنا عنها ، فلم يبق إلا أن تؤمنوا بالله ورسله ، وإنما قال : {وَرُسُلِهِ} ولم يقل : ورسوله لدقيقة ، وهي أن الطريق الذي به يتوصل إلى الاقرار بنبوة أحد من الأنبياء عليهم السلام ليس إلا المعجز وهو حاصل في حق محمد صلى الله عليه وسلم ، فوجب الاقرار بنبوة كل واحد من الأنبياء ، فلهذه الدقيقة قال : {وَرُسُلِهِ} والمقصود التنبيه على أن طريق إثبات نبوة جميع الأنبياء واحد ، فمن أقر بنبوة واحد منهم لزمه الاقرار بنبوة الكل ، ولما أمرهم بذلك قرن به الوعد بالثواب فقال : {وَإِن تُؤْمِنُواْ وَتَتَّقُواْ فَلَكُمْ أَجْرٌ عَظِيمٌ} ، وهو ظاهر. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 9 صـ 91}","part":18,"page":312},{"id":7802,"text":"وقال ابن عاشور : \rوقوله : { فآمنوا بالله ورسله } إن كان خطاباً للمؤمنين فالمقصود منه الإيمان الخاصّ ، وهو التصديق بأنّهم لا ينطقون عن الهوى ، وبأنّ وعد الله لا يخلف ، فعليهم الطاعة في الحرب وغيره أو أريد الدوام على الإيمان ، لأنّ الحالة المتحدّث عنها قد يتوقع منها تزلزل إيمان الضعفاء ورواج شبه المنافقين ، وموقع { وإن تؤمنوا وتتقوا } ظاهر على الوجهين ، وإن كان قوله : { فآمنوا } خطاباً للكفار من المنافقين بناء على أنّ الخطاب في قوله : { على ما أنتم عليه } وقوله : { ليطلعكم على الغيب } للكفّار فالأمر بالإيمان ظاهر ، ومناسبة تفريعه عمّا تقدّم انتهاز فرص الدعوة حيثما تأتّت. أ هـ {التحرير والتنوير حـ 3 صـ 294}\rقال العلامة الآلوسى : \rوتعميم الأمر مع أن سوق النظم الكريم للإيمان بالنبي صلى الله عليه وسلم لإيجاب الإيمان به بالطريق البرهاني والإشعار بأن ذلك مستلزم للإيمان بالكل لأنه صلى الله عليه وسلم مصدق لما بين يديه من الرسل وهم شهداء بصحة نبوته ، والمأمور به الإيمان بكل ما جاء به عليه الصلاة والسلام فيدخل فيه تصديقه فيما أخبر به من أحوال المنافقين دخولاً أولياً ، وقد يقال : إن المراد من الإيمان بالله تعالى أن يعلموه وحده مطلعاً على الغيب.\rومن الإيمان برسله أن يعلموهم عباداً مجتبين لا يعلمون إلا ما علمهم الله تعالى ولا يقولون إلا ما يوحي إليهم في أمر الشرائع ، وكون المراد من الإيمان بالله تعالى الإيمان بأنه سبحانه وتعالى لا يترك المخلصين على الاختلاط حتى يميز الخبيث من الطيب بنصب العلامات وتحصيل العلم الاستدلالي بمعرفة المؤمن والمنافق.\rومن الإيمان برسله الإيمان بأنهم المترشحون للاطلاع على الغيب لا غيرهم بعيد كما لا يخفى. أ هـ {روح المعانى حـ 4 صـ 138}","part":18,"page":313},{"id":7803,"text":"لطيفة\rقال القرطبى :\r{ وَإِن تُؤْمِنُواْ وَتَتَّقُواْ فَلَكُمْ أَجْرٌ عَظِيمٌ } أي الجنة.\rويذكر أن رجلاً كان عند الحجّاج بن يوسفَ الثَّقَفِيّ مِنَجِّماً ؛ فأخذ الحجاج حَصَياتٍ بِيده قد عَرف عددها فقال للمُنَجِّم : كم في يدي ؟ فحسَب فأصاب المنَجِّم.\rفأغفله الحجّاج وأخذ حَصَياتٍ لم يُعدّهنّ فقال للمنجم ؛ كم في يدي ؟ فحسَب فأخطأ ، ثم حسَب أيضاً فأخطأ ؛ فقال : أيها الأمير ، أظنك لا تعرف عدد ما في يدك ؟ قال لا.\rقال : فما الفرق بينهما ؟ فقال : إن ذاك أحْصيتَه فخرج عن حدّ الغيب ، فحسَبتُ فأصبتُ ، وإنّ هذا لم تَعرف عددَها فصار غَيْباً ، ولا يعلم الغيب إلاَّ الله تعالى. أ هـ {تفسير القرطبى حـ 4 صـ 290}\rوقال الآلوسى :\r{ وَإِن تُؤْمِنُواْ } أي بالله تعالى ورسله حق الإيمان { وَتَتَّقُواْ } المخالفة في الأمر والنهي أو تتقوا النفاق { فَلَكُمْ } بمقابلة ذلك فضلاً من الله تعالى { أَجْرٌ عَظِيمٌ } لا يكتنه ولا يحد في الدنيا والآخرة. أ هـ {روح المعانى حـ 4 صـ 138 ـ 139}\rفوائد لغوية\rقال ابن عادل :\rاللام في \" ليذر \" تُسمَّى لامَ الجحودِ ، ويُنْصَب بعدها المضارع بإضمار \" أن \" ولا يجوز إظهارها. والفرق بين لام \" كي \" أن هذه - على المشهور - شرطها أن تكون بعد كون منفي ، ومنهم من يشترط مضي الكونِ ، ومنهم من لم يشترط الكون.\rوفي خبر \" كان \" - هنا - وما أشبه قولان :\rأحدهما : قولُ البصريينَ - أنه محذوفٌ ، وأن اللامَ مقوية لتعدية ذلك الخبرِ المقدَّر لِضَعْفه ، والتقدير : ما كان الله مُريداً لأن يَذَر ، و\" أن يذر \" هو مفعول \" مريداً \" والتقديرُ : ما كان اللهُ مُريداً ترك المؤمنين.","part":18,"page":314},{"id":7804,"text":"الثاني : قول الكوفيين - أن اللامَ زائدةٌ لتأكيدِ النفي ، وأن الفعل بعدها هو خبرُ كانَ واللامُ عندهم هي العاملةُ النصْبَ في الفعل بنفسها ، لا بإضمار \" أن \" والتقدير عندهم : ما كان الله ليذرَ المؤمنين.\rوضعَّف أبو البقاء مذهبَ الكوفيين بأنّ النصب قد وُجِد بعد هذه اللامِ ، فإن كان النصبُ بها نفسها فليست زائدةً ، وإن كان النصبُ بإضمار \" أن \" فسَد من جهة المعنى لأن \" أن \" وما في حيزها بتأويل مصدر ، والخبر في باب \" كان \" هو الاسم في المعنى ، فيلزم أن يكون المصدر - الذي هو معنى من المعاني - صادقاً على اسمها ، وهو مُحَالٌ.\rوجوابه : أما قوله : إن كان النصبُ بها فليست زائدةً ممنوع ؛ لأن العملَ لا يمنع الزيادةَ ، ألا ترى انَّ حروف الجَرِّ تُزاد ، وهي عاملة وكذلك \" أن \" عند الأخفشِ ، و\" كان \" في قول الشاعر : [ الوافر ]\r............................ وَجِيرَان لَنَا كَانُوا كِرَام\rكما تقدم تحقيقه و\" يذر \" فعل لا يتصرف - كَيَدَعُ - استغناء عنه بتصرُّف [ مرادفه ] - وحُذِفت الواو من \" يذر \" من غير موجب تصريفي ، وإنما حُمِلَت على \" يدع \" لأنها بمعناها ، و\" يدع \" حُذِفت منه الواوُ لموجب ، وهو وقوع الواو بين ياءٍ وكسرةٍ مقدرة وأما الواو في \" يذر \" فوقعت بين ياء وفتحةٍ أصليةٍ. وقد تقدم تحقيقه عند قوله تعالى : { وَذَرُواْ مَا بَقِيَ مِنَ الربا } [ البقرة : 278 ].\rقوله : { حتى يَمِيزَ } حتى - هنا - قيل : هي الغائية المجرَّدة ، بمعنى \" إلى \" والفعل بعدها منصوب بإضمار \" أن \" وقد تقدم تحقيقه في \" البقرة \".\r","part":18,"page":315},{"id":7805,"text":"فإن قيل الغاية - هنا - مشكلة - على ظاهر اللفظ - لأنه يصير المعنى : أنه تعالى لا يترك المؤمنين على ما أنتم عليه إلى هذه الغاية - وهي التمييز بين الخبيثِ والطَّيِّبِ - ومفهومه أنه إذا وُجِدَت الغاية ترك المؤمنين على ما أنتم عليه.\rهذا ظاهرُ ما قالوه من كونها للغاية ، وليس المعنى على ذلك قَطْعاً ، ويصيرُ هذا نظيرُ قولكَ : لا أكَلِّم زيداً حتى يقدم عمرو ، فالكلام منتفٍ إلى قدوم عمرو.\rفالجوابُ عنه : \" حَتّى \" غاية لمن يفهم من معنى هذا الكلام ، ومعناه : أنه - تعالى - يخلص ما بينكم بالابتلاء والامتحان إلى أن يميز الخبيثَ من الطيبِ.\rوقرأ حمزة [ والكسائي ] - هنا وفي الأنفال - \" يُمَيِّزَ \" بالتشديد - والباقون بالتخفيف ، وعن ابن كثيرٍ - أيضاً - \" يُميز \" من \" أماز \" فهذه ثلاث لغاتٍ ، يقال : مَازَه وميَّزه وأمازه. والتشديد والهمزة ليسا للنقل ؛ لأنّ الفِعْلَ - قبلهما - مُتَعَد ، وإنما \" \" فعّل \" - بالتشديد - و\" أفعل \" بمعنى : المجرد. وهل \" ماز \" و\" مَيَّز \" بمعنًى واحدٍ ، أو بمعنيين مختلفين ؟ قولان. ثم القائلونَ بالفرق اختلفوا ، فقال بعضهم : لا يقال : ماز ، إلا في كثير ، فأما واحدٌ من واحدٍ فميَّزت ، ولذلك قال أبو مُعاذٍ : يقال ميَّزتُ بين الشيئين تَمْييزاً ، ومِزْت بين الأشياء مَيْزاً.\rوقال بعضُهُمْ عكس هذا - مزت بين الشيئين مَيْزاً ، وميَّزت بين الأشياء تمييزاً - وهذا هو القياس ، فإنَّ التضعيفَ يؤذن بالتكثير ، وهو لائقٌ بالمتعددات ، وكذلك إذا جعلتَ الواحد شيئين قلت : فَرَقْت : - بالتخفيف - ومنه : فرق الشعر ، وإن جعلته أشياء ، قلت : فرَّقْتها تَفْرِيقاً.\r","part":18,"page":316},{"id":7806,"text":"ورجَّح بعضُهم \" مَيَّز \" - بالتشديد - بأنه أكثر استعمالاً ، ولذلك لم يستعملوا المصدر إلا منه ، قالوا : التمييز ، ولم يقولوا : المَيْز - يعني لم يقولوه سماعاً ، وإلا فهو جائز قياساً.\rقوله : \" وَلكِنَّ \" هذا استدراكٌ من معنى الكلامِ المتقدمِ ؛ لأنه تعالى - لما قال : { وَمَا كَانَ الله لِيُطْلِعَكُمْ } أَوْهَمَ ذلك أنه لا يُطْلِعُ أحداً على غيبه ؛ لعموم الخطابِ - فاستدرك الرُّسُلَ. والمعنى : { وَلَكِنَّ الله يَجْتَبِي } أي يصطفي { مِن رُّسُلِهِ مَن يَشَآءُ } فَيَطْلِعُهُ على الغيبِ ، فهو ضِدٌّ لما قبله في المعنى ، وقد تقدم أنها بين ضِدَّيْنِ ونقيضَيْن ، وفي الخلافين خلافٌ.\rيَجْتَبِي : يصطفي ويختار ، من : جَبَوْت المال والماء ، وجبيتهما - لغتان - فالياء في يجتبي يُحْتَمَل أن تكون على أصلها ، ويُحْتَمل أن تكون منقلبةً عن واوٍ ؛ لانكسارِ ما قبلها.\rومفعول \" يَشَاءُ \" محذوفٌ ، وينبغي أن يقدر ما يليق بالمعنى ، والتقدير : يشاءُ إطلاعه على الغيب. أ هـ {تفسير ابن عادل حـ 6 صـ 77 ـ 83}. بتصرف.\rمن لطائف الإمام القشيرى فى الآية\rقال عليه الرحمة :\r{ مَا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الْغَيْبِ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَجْتَبِي مِنْ رُسُلِهِ مَنْ يَشَاءُ فَآَمِنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَإِنْ تُؤْمِنُوا وَتَتَّقُوا فَلَكُمْ أَجْرٌ عَظِيمٌ (179)}\rجمعهم اليومَ من حيث الأشخاص والمباني ، ولكنه فرَّقهم في الحقائق والمعاني ؛ فَمِنْ طيِّبةٍ سجيته ، وزمن خبيئةٍ طِينَتُه. وهم وإن كانوا مشائب ففي بصيرة الخواص هم ممتازون.\r{ وَمَا كَانَ اللهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الغَيْبِ } : فإنَّ أسرار الغيب لا تظهر للمتلوثين بأدناس البشرية ، وإن الحق سبحانه مستأثر بعلم ما جلَّ وقلَّ ، فيختص من يشاء من أنبيائه بمعرفة بعض أسراره. أ هـ {لطائف الإشارات حـ 1 صـ 299 ـ 300}","part":18,"page":317},{"id":7808,"text":"قوله تعالى : { وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَا آَتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ هُوَ خَيْرًا لَهُمْ بَلْ هُوَ شَرٌّ لَهُمْ سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلِلَّهِ مِيرَاثُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (180)}\rمناسبة الآية لما قبلها\rقال البقاعى :\rولما كان من جملة مباني السورة الإنفاق ، وتقدم في غير آية مدح المتقين به وحثهم عليه ، وتقدم أن الكفار سارعوا في الكفر : أبو سفيان بالإنفاق في سبيل الشيطان على من يخذل الصحابة ، ونعيم أو عبد القيس بالسعي في ذلك.\rوكان المبادرون إلى الجهاد قد تضمن فعلهم السماح بما آتاهم الله من الأنفس والأموال ، وكان الله سبحانه وتعالى قد أخبر لما لهم عنده من الحياة التي هي خير من حياتهم التي أذهبوها في حبه ، والرزق الذي هو أفضل مما أنفقوا في سبيله ، ذم الله سبحانه وتعالى الباخلين بالأنفس والأموال في سبيل الله فقال راداً الخطاب إليه صلى الله عليه وسلم لأنه أمكن لسروره وأوثق في إنجاز الوعد : {ولا تحسبن} أي أنت يا خير البرية - هذا على قراءة حمزة ، وعند الباقين الفاعل الموصول في قوله : {الذين يبخلون} أي عن الحقوق الشرعية {بما آتاهم الله} أي بجلاله وعز كماله {من فضله} أي لا لاستحاقهم له ببخلهم {هو خيراً لهم} أي لتثمير المال بذلك {بل هو} أي البخل {شر لهم} لأنهم مع جعل الله البخل مَتلفة لأموالهم {سيطوقون} أي يفعل من يأمره بذلك كائناً من كان بغاية السهولة عليه {ما يخلوا به} أي يجعل لهم بوعد صادق لا خلف فيه بعد الإملاء لهم طوقاً بأن يجعله شجاعاً أي حية عظيمة مهولة ، تلزم الإنسان منهم ، محيطة بعنقه ، تضربه في جانبي وجهه {يوم القيامة} لأن الله سبحانه وتعالى يرثه منهم بعد أن كان خوّلهم فيه ، فيجعله بسبب ذلك التخويل عذاباً عليهم ، روى البخاري رضي الله تعالى عنه في التفسير عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : \" من آتاه الله مالاً فلم يؤد زكاته مثل له ماله شجاعاً أقرع ، له زبيبتان ، يطوقه يوم القيامة ، يأخذ بلهزمتيه - يعني بشدقيه - يقول : أنا مالك! أنا كنزك! - ثم تلا هذه الآية \".","part":18,"page":318},{"id":7809,"text":"ولما كان هذا طلباً منهم للإنفاق ، وكان الطالب منا محتاجاً إلى ما يطلبه ، وكان ذو المال إذا علم أنه ذاهب وأن ماله موروث عنه تصرف فيه ؛ أخبر تعالى بغناه على وجه يجرئهم على الإنفاق فقال عاطفاً على ما تقديره : لأنه ثمرة كونه من فضله فلله كل ما في أيديهم : {ولله} أي الذي له الكمال كله {ميراث السماوات والأرض} أي اللذين هذا مما فيهما ، بأن يعيد سبحانه وتعالى جميع الأحياء وإن أملى لهم ، ويفنى سائر ما وهبهم من الأعراض ، ويكون هو الوارث لذلك كله.\rولما كانت هذه الجمل في الإخبار عن المغيبات دنيا وأخرى ، وكان البخل من الأفعال الباطنة التي يستطاع إخفاؤها ودعوى الاتصاف بضدها كان الختم بقوله : {والله} أي الملك الأعظم.\rولما كان منصب النبي صلى الله عليه وسلم الشريف في غاية النزاهة صرف الخطاب إلى الأتباع في قراءة غير ابن كثير وأبي عمرو ، وهو أبلغ في الوعيد من تركه على مقتضى السياق من الغيبة في قراءتهما ، وقدم الجار إشارة إلى أن علمه بأعمالهم بالغ إلى حد لا تدرك عظمته لأن ذلك أبلغ في الوعيد الذي اقتضاه السياق : {بما تعملون خبير }. أ هـ {نظم الدرر حـ 2 صـ 188 ـ 189}\rوقال الفخر : \rاعلم أنه تعالى لما بالغ في التحريض على بذل النفس في الجهاد في الآيات المتقدمة شرع ههنا في التحريض على بذل المال في الجهاد ، وبين الوعيد الشديد لمن يبخل ببذل المال في سبيل الله. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 9 صـ 91}","part":18,"page":319},{"id":7810,"text":"فائدة\rقال ابن عاشور :\rالظاهر أنّ هذا أنزل في شأن أحوال المنافقين ، فإنّهم كانوا يبخلون ويأمرون الناس بالبخل ، كما حكى الله عنهم في سورة النساء ( 37 ) بقوله : { الذين يبخلون ويأمرون الناس بالبخل } وكانوا يقولون : لا تنفقوا على من عند رسول الله حتّى ينفضُّوا ، وغير ذلك ، ولا يجوز بحال أن يكون نازلاً في شأن بعض المسلمين لأنّ المسلمين يومئذ مبرّؤون من هذا الفعل ومن هذا الحسبان ، ولذلك قال معظم المفسّرين : إنّ الآية نزلت في منع الزكاة ، أي فيمن منعوا الزكاة ، وهل يمنعها يومئذ إلاّ منافق.\rولعلّ مناسبة ذكر نزول هذه الآية هنا أنّ بعضهم منع النفقة في سبيل الله في غزوة أُحُد.\rومعنى حسبانه خيراً أنّهم حسبوا أن قد استبقوا مالهم وتنصّلوا عن دفعه بمعاذير قُبلت منهم.\rأمّا شمولها لِمنع الزكاة ، فإن لم يكن بعموم صلة الموصول إن كان الموصول للعهد لا للجنس ، فبدلالة فحوى الخطاب. أ هـ {التحرير والتنوير حـ 3 صـ 295}\rفصل\rقال القرطبى :\rوهذه الآية نزلت في البخل بالمال والإنفاق في سبيل الله ، وأداء الزكاة المفروضة.\rوهذه كقوله : { وَلاَ يُنفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ الله } الآية.\rذهب إلى هذا جماعةٌ من المتأوّلين ، منهم ابن مسعود وابن عباس وأبو وائل وأبو مالك والسّدِّي والشَّعْبِيّ قالوا : ومعنى { سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُواْ بِهِ } هو الذي ورد في الحديث عن أبي هريرة عن النبيّ صلى الله عليه وسلم قال : \" \"من آتاه الله مالاً فلم يُؤَدّ زكاته مُثِّل له يوم القيامة شُجاعاً أقْرَعَ له زَبِيبتان يُطَوّقه يوم القيامة ثم يأخذ بِلهزمتيه ثم يقول أنا مالُك أنا كنزك ثم تلا هذه الآية { وَلاَ يَحْسَبَنَّ الذين يَبْخَلُونَ } الآية \" أخرجه النسائي.","part":18,"page":320},{"id":7811,"text":"وخرّجه ابن ماجه \" عن ابن مسعود عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : \"ما مِن أحدٍ لا يُؤدِّي زكاةَ مالِهِ إِلاَّ مُثِّل له يومَ القيامة شُجاع أقْرَعُ حتى يُطَوَّقَ به في عنقه\" ثم قرأ علينا النبيّ صلى الله عليه وسلم مِصداقه من كتاب الله تعالى : { وَلاَ يَحْسَبَنَّ الذين يَبْخَلُونَ بِمَآ آتَاهُمُ الله مِن فَضْلِهِ } الآية \" وجاء عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال \" ما من ذي رَحِمٍ يأتي ذَا رَحِمه فيسأله من فضل ما عنده فيبخل به عليه إلاَّ أخرج له يوم القيامة شُجاعٌ من النار يتلمظّ حتى يُطَوِّقه \" وقال ابن عباس أيضاً : إنما نزلت في أهل الكتاب وبخلهم ببيان ما علموه من أمر محمد صلى الله عليه وسلم.\rوقال ذلك مُجاهد وجماعة من أهل العلم.\rومعنى { سَيُطَوَّقُونَ } على هذا التأويل سيحملون عقاب ما بخلوا به ؛ فهو من الطاقة كما قال تعالى : { وَعَلَى الذين يُطِيقُونَهُ } [ البقرة : 184 ] وليس من التّطويق.\rوقال إبراهيم النَّخَعِيّ : معنى { سَيُطَوَّقون } سيُجعل لهم يوم القيامة طَوْقٌ من النار.\rوهذا يجري مع التأويل الأوّل ( أي ) قول السدي.\rوقيل : يُلزَمون أعمالهم كما يلزم الطّوق العنق ؛ يقال : طُوِّق فلان عملَه طَوْقَ الحمامة ، أي ألزِم عمله.\rوقد قال تعالى : { وَكُلَّ إِنْسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَآئِرَهُ فِي عُنُقِهِ } [ الإسراء : 13 ].\rومن هذا المعنى قولُ عبد الله بن جَحْش لأبي سفيان : \rأبلِغْ أبا سفيان عن . . .\rأمْرٍ عواقبُه ندامه\rدارَ ابن عمِّك بِعتَها . . .\rتقضي بها عنك الغرامهْ\rوَحَلِيفكُم باللَّه ربِّ . . .\rالناسِ مجتهِدُ القَسَامهْ\rاذهب بها اذهب بها . . .\rطُوِّقتَها طوقَ الحمامهْ\rوهذا يجري مع التأويل الثاني.\rوالبُخْل والبَخَل في اللغة أن يَمنع الإنسانُ الحقَّ الواجبَ عليه.","part":18,"page":321},{"id":7812,"text":"فأما من منَع ما لاَ يجب عليه فليس ببخيل ؛ لأنه لا يُذَمّ بذلك.\rوأهل الحجاز يقولون : يَبْخَلُون وقد بَخلُوا.\rوسائر العرب يقولون : بَخِلُوا يَبْخَلُون ؛ حكاه النحاس.\rوبَخِل يَبْخَل بُخْلاً وَبَخَلاً ؛ عن ابن فارس. أ هـ {تفسير القرطبى حـ 4 صـ 291 ـ 293}\rفصل\rقال الفخر :\rقرأ حمزة {وَلاَ تَحْسَبَنَّ} بالتاء والباقون بالياء ، أما قراءة حمزة بالتاء المنقطة من فوق فقال الزجاج : معناه ولا تحسبن بخل الذين يبخلون خيرا لهم ، فحذف المضاف لدلالة يبخلون عليه ، وأما من قرأ بالياء المنقطة من تحت ففيه وجهان : الأول : أن يكون فاعل {يَحْسَبَنَّ} ضمير رسول الله صلى الله عليه وسلم ، أو ضمير أحد ، والتقدير : ولا يحسبن رسول الله أو لا يحسبن أحد بخل الذين يبخلون خيراً لهم.\rالثاني : أن يكون فاعل {يَحْسَبَنَّ} هم الذين يبخلون ، وعلى هذا التقدير يكون المفعول محذوفا ، وتقديره : ولا يحسبن الذين يبخلون بخلهم هو خيراً لهم ، وإنما جاز حذفه لدلالة يبخلون عليه ، كقوله : من كذب كان شراً له ، أي الكذب ، ومثله :\rإذا نهى السفيه جرى إليه.. أي السفه ، وأنشد الفراء\rهم الملوك وأبناء الملوك هم.. والآخذون به والسادة الأول\rفقوله به : يريد بالملك ولكنه اكتفى عنه بذكر الملوك. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 9 صـ 91}\rقال الطبرى :\rوأولى القراءتين بالصواب في ذلك عندي (1) ، قراءة من قرأ : ( \" وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ \" ) بالتاء، بتأويل : ولا تحسبن، أنت يا محمد، بخل الذين يبخلون بما آتاهم الله من فضله هو خيرًا لهم ثم ترك ذكر\"البخل\"، إذ كان في قوله : \"هو خيرًا لهم\" دلالة على أنه مراد في الكلام، إذ كان قد تقدمه قوله : \"الذين يبخلون بما آتاهم الله من فضله\".\r_______________\r(1) تقدم الرد مرارا على مثل هذا الكلام.","part":18,"page":322},{"id":7813,"text":"وإنما قلنا : قراءة ذلك بالتاء أولى بالصواب من قراءته بالياء، لأن\"المحسبة\" من شأنها طلب اسم وخبر، فإذا قرئ قوله : \"ولا يحسبن الذين يبخلون\" بالياء : لم يكن للمحسبة اسم يكون قوله : \"هو خيرًا لهم\" خبرًا عنه. وإذا قرئ ذلك بالتاء، كان قوله : \"الذين يبخلون\" اسمًا له قد أدّى عن معنى\"البخل\" الذي هو اسم المحسبة المتروك، وكان قوله : \"هو خيرًا لهم\" خبرًا لها، فكان جاريًا مجرى المعروف من كلام العرب الفصيح. فلذلك اخترنا القراءة بـ\"التاء\" في ذلك على ما بيناه، وإن كانت القراءة بـ\"الياء\" غير خطأ، ولكنه ليس بالأفصح ولا الأشهر من كلام العرب.\rقال أبو جعفر : وأما تأويل الآية الذي هو تأويلها على ما اخترنا من القراءة في ذلك : ولا تحسبن، يا محمد، بخل الذين يبخلون بما أعطاهم الله في الدنيا من الأموال، فلا يخرجون منه حق الله الذي فرضه عليهم فيه من الزكوات، هو خيرًا لهم عند الله يوم القيامة، بل هو شر لهم عنده في الآخرة. أ هـ {تفسير الطبرى حـ 7 صـ 431}\rفصل\rقال الفخر :\rهو في قوله : {هُوَ خَيْراً لَّهُمْ} تسميه البصريون فصلا ، والكوفيون عماداً ، وذلك لأنه لما ذكر \"يبخلون\" فهو بمنزلة ما إذا ذكر البخل ، فكأنه قيل : ولا يحسبن الذين يبخلون البخل خيرا لهم ، وتحقيق القول فيه أن للمبتدأ حقيقة ، وللخبر حقيقة ، وكون حقيقة المبتدأ موصوفا بحقيقة الخبر أمر زائد على حقيقة المبتدأ وحقيقة الخبر ، فإذا كانت هذه الموصوفية أمرا زائدا على الذاتين فلا بد من صيغة ثالثة دالة على هذه الموصوفية وهي كلمة \"هو\". أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 9 صـ 92}\rفصل\rقال الفخر :\rاعلم أن الآية دالة على ذم البخل بشيء من الخيرات والمنافع ، وذلك الخير يحتمل أن يكون مالا ، وأن يكون علما.","part":18,"page":323},{"id":7814,"text":"فالقول الأول : إن هذا الوعيد ورد على البخل بالمال ، والمعنى : لا يتوهمن هؤلاء البخلاء أن بخلهم هو خير لهم ، بل هو شر لهم ، وذلك لأنه يبقى عقاب بخلهم عليهم ، وهو المراد من قوله : {سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُواْ بِهِ يَوْمَ القيامة} مع أنه لا تبقى تلك الأموال عليهم وهذا هو المراد بقوله : {وَلِلَّهِ مِيرَاثُ السموات والأرض }.\rوالقول الثاني : أن المراد من هذا البخل : البخل بالعلم ، وذلك لأن اليهود كانوا يكتمون نعت محمد صلى الله عليه وسلم وصفته ، فكان ذلك الكتمان بخلا ، يقال فلان يبخل بعلمه ، ولا شك أن العلم فضل من الله تعالى قال الله تعالى : {وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ الله عَلَيْكَ عَظِيماً} [ النساء : 113 ] ثم إنه تعالى علم اليهود والنصارى ما في التوراة والأنجيل ، فإذا كتموا ما في هذين الكتابين من البشارة بمبعث محمد صلى الله عليه وسلم كان ذلك بخلا.\rواعلم أن القول الأول أولى ، ويدل عليه وجهان :\rالأول : أنه تعالى قال : {سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُواْ بِهِ} ولو فسرنا الآية بالعلم احتجنا إلى تحمل المجاز في تفسير هذه الآية ، ولو فسرناها بالمال لم نحتج إلى المجاز فكان هذا أولى.\rالثاني : أنا لو حملنا هذه الآية على المال كان ذلك ترغيبا في بذل المال في الجهاد فحينئذ يحصل لهذه الآية مع ما قبلها نظم حسن ، ولو حملناها على أن اليهود كتموا ما عرفوه من التوراة انقطع النظم ، إلا على سبيل التكلف ، فكان الأول أولى. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 9 صـ 92}\rفصل\rقال الفخر :\rأكثر العلماء على أن البخل عبارة عن منع الواجب ، وان منع التطوع لا يكون بخلا ، واحتجوا عليه بوجوه :\rأحدها : أن الآية دالة على الوعيد الشديد في البخل ، والوعيد لا يليق إلا الواجب.","part":18,"page":324},{"id":7815,"text":"وثانيها : أنه تعالى ذم البخل وعابه ، ومنع التطوع لا يجوز أن يذم فاعله وأن يعاب به.\rوثالثها : وهو أنه تعالى لا ينفك عن ترك التفضل لأنه لا نهاية لمقدوراته في التفضل ، وكل ما يدخل في الوجود فهو متناه ، فيكون لا محالة تاركا التفضل ، فلو كان ترك التفضل بخلا لزم أن يكون الله تعالى موصوفا بالبخل لا محالة ، تعالى الله عز وجل عنه علوا كبيرا.\rورابعها : قال عليه الصلاة والسلام : \" وأي داء أدوأ من البخل \" ومعلوم أن تارك التطوع لا يليق به هذا الوصف.\rوخامسها : أنه كان لو تارك التفضل بخيلا لوجب فيمن يملك المال كله العظيم أن لا يتخلص من البخل إلا باخراج الكل.\rوسادسها : أنه تعالى قال : {وَمِمَّا رزقناهم يُنفِقُونَ} [ البقرة : 3 ] وكلمة \"من\" للتبعيض ، فكان المراد من هذه الآية : الذين ينفقون بعض ما رزقهم الله ، ثم إنه تعالى قال في صفتهم : {أولئك على هُدًى مّن رَّبّهِمْ وأولئك هُمُ المفلحون} [ البقرة : 5 ] فوصفهم بالهدى والفلاح ، ولو كان تارك التطوع بخيلا مذموما لما صح ذلك.\rفثبت بهذه الآية أن البخل عبارة عن ترك الواجب ، إلا أن الإنفاق الواجب أقسام كثيرة ، منها انفاقه على نفسه وعلى أقاربه الذين يلزمه مؤنتهم ، ومنها ما يتصل بأبواب الزكاة ، ومنها ما إذا احتاج المسلمون إلى دفع عدو يقصد قتلهم ومالهم ، فههنا يجب عليهم انفاق الأموال على من يدفعه عنهم ، لأن ذلك يجري مجرى دفع الضرر عن النفس ، ومنها إذا صار أحد من المسلمين مضطراً فإنه يجب عليه أن يدفع إليه مقدار ما يستبقي به رمقه ، فكل هذه الاتفاقات من الواجبات وتركه من باب البخل ، والله أعلم. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 9 صـ 92 ـ 93}","part":18,"page":325},{"id":7816,"text":"فائدة\rقال ابن العربى :\rقَالَ عُلَمَاؤُنَا : الْبُخْلُ مَنْعُ الْوَاجِبِ ، وَالشُّحُّ مَنْعُ الْمُسْتَحَبِّ.\rوَالدَّلِيلُ عَلَيْهِ الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ ؛ أَمَّا الْكِتَابُ فَقَوْلُهُ تَعَالَى : { وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمْ الْمُفْلِحُونَ } وَالْإِيثَارُ مُسْتَحَبٌّ ، وَسُمِّيَ مَنْعُهُ شُحًّا.\rوَأَمَّا السُّنَّةُ فَثَبَتَ بِرِوَايَةِ الْأَئِمَّةِ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ : { مَثَلُ الْبَخِيلِ وَالْمُنْفِقِ كَمَثَلِ رَجُلَيْنِ عَلَيْهِمَا جُبَّتَانِ مِنْ حَدِيدٍ ؛ فَإِذَا أَرَادَ الْمُتَصَدِّقُ أَنْ يَتَصَدَّقَ سَبَغَتْ وَوَفَرَتْ حَتَّى تُجِنَّ بَنَانَهُ وَتُعَفِّيَ أَثَرَهُ ، وَإِذَا أَرَادَ الْبَخِيلُ أَنْ يَتَصَدَّقَ تَقَلَّصَتْ وَلَزِمَتْ كُلُّ حَلْقَةٍ مَكَانَهَا ، فَهُوَ يُوَسِّعُ وَلَا تُوَسَّعُ }.\rوَهَذَا مِنْ الْأَمْثَالِ الْبَدِيعَةِ ، بَيَانُهُ فِي شَرْحِ الْحَدِيثِ. أ هـ {أحكام القرآن لابن العربى حـ 1 صـ 396 ـ 397 }","part":18,"page":326},{"id":7817,"text":"فائدة\rقال ابن عاشور عن البخل :\rوهو ضدّ الجود ، فهو الانقباض عن إعطاء المال بدون عوض ، هذا حقيقته ، ولا يطلق على منع صاحب شيء غير مال أن ينتفع غيره بشيئه بدون مضرّة عليه إلاَّ مجازاً ، وقد ورد في أثر عن النبي صلى الله عليه وسلم \" البخيل الذي أُذكُر عنده فلا يصلّي عليّ \" ويقولون : بخِلت العين بالدموع ، ويرادف البخلَ الشحّ ، كما يرادف الجودَ السخاء والسماح. أ هـ {التحرير والتنوير حـ 3 صـ 296}\rفصل في ثمرة البخل وفائدته.\rقال القرطبى :\rوهو ما رُوي \" أن النبيّ صلى الله عليه وسلم قال للأنصار : \"من سَيدكم\" قالوا الجَدّ ابن قيس على بُخْلٍ فيه.\rفقال صلى الله عليه وسلم : \"وأيُّ داء أَدْوَى من البخل\" قالوا : كيف ذاك يا رسول الله ؟ قال : \"إن قوماً نزلوا بساحل البحر فكَرِهوا لبخلهم نزول الأضياف بهم فقالوا : ليبعد الرجال منّا عن النساء حتى يعتذر الرجال إلى الأضياف بِبُعْد النساء ؛ وتعتذر النساء ببُعْد الرجال ؛ ففعلوا وطال ذلك بهم فاشتغل الرجال بالرجال والنساء بالنساء\" \" ذكره الماوردي في كتاب \"أدب الدنيا والدين\". والله أعلم. أ هـ {تفسير القرطبى حـ 4 صـ 293}\rفصل\rقال القرطبى :\rواختلف في البُخْل والشُّحّ ؛ هل هما بمعنى واحد أو بمعنين.\rفقيل : البخل الامتناع من إخراج ما حصل عندك.\rوالشُّح : الحِرصُ على تحصيل ما ليس عندك.\rوقيل : إن الشُّح هو مع حِرص.\rوهو الصحيح لما رواه مسلم عن جابر بن عبد الله أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : \" اتقوا الظلم فإن الظلم ظُلماتٌ يوم القيامة واتقوا الشُّحَّ فإن الشُّح أهلك من كان قبلكم على أن سفكوا دماءهم واستحلوا محارمهم \" وهذا يردّ قول من قال : إن البخلَ منعُ الواجب ، والشحَّ منعُ المستحبّ.\rإذ لو كان الشح منع المستحب لما دخل تحت هذا الوعيد العظيم ، والذم الشديد الذي فيه هلاك الدنيا والآخرة.","part":18,"page":327},{"id":7818,"text":"ويؤيد هذا المعنى ما رواه النسائي عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم \" لا يجتمع غُبارٌ في سبيل الله ودخان جهنم في مِنِخَرىْ رجلٍ مُسلمٍ أبداً ولا يجتمع شحُّ وإيمانٌ في قلب رجل مسلم أبداً \" وهذا يدل على أن الشُّحَ أشدّ في الذم من البخل ؛ إلا أنه قد جاء ما يدل على مساواتهما وهو قوله وقد سئل : أيكون المؤمن بخيلا ؟ قال : \"لا\" وذكر المارودي في كتاب \"أدب الدنيا والدين\" أن النبي صلى الله عليه وسلم قال للأنصار : \"من سيدّكم\" قالوا : الجدّ بن قيس على بُخْل فيه ؛ الحديث. وقد تقدم. أ هـ {تفسير القرطبى حـ 4 صـ 293}\rقوله تعالى {سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُواْ بِهِ يَوْمَ القيامة}\rفصل\rقال الفخر :\rفي تفسير هذا الوعيد وجوه :\rالأول : أن يحمل هذا على ظاهره وهو أنه تعالى يطوقهم بطوق يكون سببا لعذابهم.\rقيل : إنه تعالى يصير تلك الأموال في أعناقهم حياة تكون لهم كالأطواق تلتوي في أعناقهم ، ويجوز أيضا أن تلتوي تلك الحيات في سائر أبدانهم ، فأما ما يصير من ذلك في أعناقهم فعلى جهة أنهم كانوا التزموا أداء الزكاة ثم امتنعوا عنها ، وأما ما يلتوي منها في سائر أبدانهم فعلى جهة أنهم كانوا يضمون تلك الأموال إلى أنفسهم ، فعوضوا منها بأن جعلت حيات التوت عليهم كأنهم قد التزموها وضموها إلى أنفسهم.\rويمكن أن يكون الطوق طوقا من نار يجعل في أعناقهم ، ونظيره قوله تعالى : {يَوْمَ يحمى عَلَيْهَا فِى نَارِ جَهَنَّمَ فتكوى بِهَا جِبَاهُهُمْ وَجُنوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ} [ التوبة : 35 ] وعن ابن عباس رضي الله عنهما : تجعل تلك الزكاة الممنوعة في عنقهم كهيئة الطوق شجاعا ذا زبيبتين يلدغ بهما خديه ويقول : أنا الزكاة التي بخلت في الدنيا بي.","part":18,"page":328},{"id":7819,"text":"القول الثاني : في تفسير قوله : {سَيُطَوَّقُونَ} قال مجاهد : سيكلفون أن يأتوا بما بخلوا به يوم القيامة ونظيره ما روي عن ابن عباس أنه كان يقرأ {وَعَلَى الذين يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ} [ البقرة : 184 ] قال المفسرون : يكلفونه ولا يطيقونه ، فكذا قوله : {سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُواْ بِهِ يَوْمَ القيامة} أي يؤمرون بأداء ما منعوا حين لا يمكنهم الاتيان به ، فيكون ذلك توبيخا على معنى : هلا فعلتم ذلك حين كان ممكنا.\rوالقول الثالث : أن قوله : {سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُواْ بِهِ} أي سيلزمون إثمه في الآخرة ، وهذا على طريق التمثيل لا على أن ثم أطواقا ، يقال منه : فلان كالطوق في رقبة فلان ، والعرب يعبرون عن تأكيد الزام الشيء بتصييره في العنق ، ومنه يقال : قلدتك هذا الأمر ، وجعلت هذا الأمر في عنقك قال تعالى : {وَكُلَّ إنسان ألزمناه طائره فِى عُنُقِهِ} [ الإسراء : 13 ].\rالقول الرابع : إذا فسرنا هذا البخل بالبخل بالعلم كان معنى {سَيُطَوَّقُونَ} أن الله تعالى يجعل في رقابهم طوقا من نار ، قال عليه الصلاة والسلام : \" من سئل عن علم يعلمه فكتمه ألجمه الله بلجام من النار يوم القيامة \" والمعنى أنهم عوقبوا في أفواههم وألسنتهم بهذا اللجام لأنهم لم ينطقوا بأفواههم وألسنتهم بما يدل على الحق.\rواعلم أن تفسير هذا البخل بكتمان دلائل نبوة محمد صلى الله عليه وسلم غير بعيد ، وذلك لأن اليهود والنصارى موصوفون بالبخل في القرآن مذمومون به.\r","part":18,"page":329},{"id":7820,"text":"قال تعالى في صفتهم : {أَمْ لَهُمْ نَصِيبٌ مّنَ الملك فَإِذاً لاَّ يُؤْتُونَ الناس نَقِيراً} [ النساء : 53 ] وقال أيضا فيهم : {الذين يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ الناس بالبخل} [ النساء : 37 ] وأيضا ذكر عقيب هذه الآية قوله : {لَّقَدْ سَمِعَ الله قَوْلَ الذين قَالُواْ إِنَّ الله فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاء} [ آل عمران : 181 ] وذلك من أقوال اليهود ، ولا يبعد أيضاً أن تكون الآية عامة في البخل بالعلم ، وفي البخل بالمال ، ويكون الوعيد حاصلا عليهما معا. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 9 صـ 93 ـ 94}\rوقال الآلوسى : \r{ سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُواْ بِهِ يَوْمَ القيامة } بيان لكيفية شريته لهم ، والسين مزيدة للتأكيد ، والكلام عند الأكثرين إما محمول على ظاهره ، فقد أخرج البخاري عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : \" من آتاه الله تعالى مالا فلم يؤد زكاته مُثّلَ له شجاع أقرع له زبيبتان يطوّقه يوم القيامة فيأخذ بلهزمتيه يقول : أنا مالك أنا كنزك ثم تلا هذه الآية \" وأخرج غير واحد عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : \" ما من ذي رحم يأتي ذا رحمه فيسأله من فضل ما أعطاه الله تعالى إياه فيبخل عليه إلا خرج له يوم القيامة من جهنم شجاع يتلمظ حتى يطوّقه \" ثم قرأ الآية.\rوأخرج عبد الرزاق وغيره عن إبراهيم النخعي أنه قال : يجعل ما بخلوا به طوقاً من نار في أعناقهم.","part":18,"page":330},{"id":7821,"text":"وذهب بعضهم إلى أن الظاهر غير مراد ، والمعنى كما قال مجاهد : سيكلفون أن يأتوا بمثل ما بخلوا به من أموالهم يوم القيامة عقوبة لهم فلا يأتون ، وقال أبو مسلم : سيلزمون وبال ما بخلوا به إلزام الطوق على أنه حذف المضاف ، وأقيم المضاف إليه مقامه للإيذان بكمال المناسبة بينهما ، ومن أمثالهم تقلدها طوق الحمامة ، وكيفما كان فالآية نزلت في مانعي الزكاة كما روي ذلك عن الصادق وابن مسعود والشعبي والسدي وخلق آخرين وهو الظاهر ، وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس أنها نزلت في أهل الكتاب الذين كتموا صفة رسول الله صلى الله عليه وسلم ونبوته التي نطقت بها التوراة ، فالمراد بالبخل كتمان العلم وبالفضل التوراة التي أوتوها ، ومعنى سيطوقون ما قاله أبو مسلم ، أو المراد أنهم يطوّقون طوقاً من النار جزاء هذا الكتمان.\rفالآية حينئذ نظير قوله صلى الله عليه وسلم : \" من سئل عن علم فكتمه ألجم بلجام من نار \" وعليه يكون هذا عوداً إلى ما انجرّ منه الكلام إلى قصة أحد ، وذلك هو شرح أحوال أهل الكتاب قيل : ويعضده أن كثيراً من آيات بقية السورة فيهم. أ هـ {روح المعانى حـ 4 صـ 139 ـ 140}\rفصل\rقال الفخر :\rقالت المعتزلة : هذه الآية دالة على القطع بوعيد الفساق ، وذلك لأن من يلزمه هذه الحقوق ولا تسقط عنه هو المصدق بالرسول وبالشريعة ، أما قوله : {بَلْ هُوَ شَرٌّ لَّهُمْ} فلأنه يؤدي إلى حرمان الثواب وحصول النار ، وأما قوله : {سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُواْ بِهِ يَوْمَ القيامة} فهو صريح بالوعيد. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 9 صـ 94}\rقوله تعالى {وَلِلَّهِ مِيرَاثُ السموات والأرض}\rفصل\rقال الفخر :\rفيه وجهان :\rالأول : وله ما فيها مما يتوارثه أهلهما من مال وغيره.","part":18,"page":331},{"id":7822,"text":"فما لهم يبخلون عليه بملكه ولا ينفقونه في سبيله ، ونظيره قوله تعالى : {وَأَنفِقُواْ مِمَّا جَعَلَكُم مُّسْتَخْلَفِينَ فِيهِ} [ الحديد : 7 ]\rوالثاني : وهو قول الأكثرين : المراد أنه يفنى أهل السموات والأرض وتبقى الأملاك ولا مالك لها إلا الله ، فجرى هذا مجرى الوراثة إذ كان الخلق يدعون الأملاك ، فلما ماتوا عنها ولم يخلفوا أحدا كان هو الوارث لها ، والمقصود من الآية أنه يبطل ملك جمع المالكين إلا ملك الله سبحانه وتعالى ، فيصير كالميراث. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 9 صـ 94}\rوقال القرطبى : \rقوله تعالى : { وَللَّهِ مِيرَاثُ السماوات والأرض } أخبر تعالى ببقائه ودوام مُلكه.\rوأنه في الأبد كهو في الأزل غنيٌّ عن العالمين ، فيرث الأرض بعد فناء خلقه وزوال أملاكهم ؛ فتبقى الأملاك والأَموال لا مُدَّعى فيها.\rفجرى هذا مجرى الوراثة في عادة الخلق ، وليس هذا بميراث في الحقيقة ؛ لأن الوارث في الحقيقة هو الذي يرث شيئا لم يكن مَلكَهُ من قبل ، والله سبحانه وتعالى مالكُ السمواتِ والأرضِ وما بينهما ، وكانت السموات وما فيها ، والأرض وما فيها له ، وأن الأموال كانت عارية عند أربابها ؛ فإذا ماتوا رُدَّت العارية إلى صاحبها الذي كانت له في الأصل.\rونظير هذه الآية قوله تعالى : { إِنَّا نَحْنُ نَرِثُ الأرض وَمَنْ عَلَيْهَا } [ مريم : 40 ] الآية.\rوالمعنى في الآيتين أن الله تعالى أمر عباده بأن يُنفقوا ولا يَبْخَلُوا قبل أن يموتوا ويتركوا ذلك ميراثا لله تعالى ، ولا ينفعهم إلا ما أنفقوا. أ هـ {تفسير القرطبى حـ 4 صـ 293}","part":18,"page":332},{"id":7823,"text":"وقال أبو السعود : \r{ وَللَّهِ } وحده لا لأحد غيرِه استقلالاً أو اشتراكاً { مِيرَاثُ السموات والأرض } أي ما يتوارثه أهلُهما من مال وغيرِه من الرسالات التي يتوارثها أهلُ السمواتِ والأرض فما لهم يبخلون عليه بمُلكه ولا يُنفقونه في سبيله ؟ أو أنه يرث منهم ما يُمسِكونه ولا ينفقونه في سبيله تعالى عند هلاكِهم وتدوم عليهم الحسرةُ والندامة. أ هـ {تفسير أبى السعود حـ 2 صـ 120}\rوقال الآلوسى : \r{ وَلِلَّهِ مِيرَاثُ السموات والأرض } أي لله تعالى وحده لا لأحد غيره استقلالا أو اشتراكاً ما في السموات والأرض مما يتوارث من مال وغيره كالأحوال التي تنتقل من واحد إلى آخر كالرسالات التي يتوارثها أهل السماء مثلاً فما لهؤلاء القوم يبخلون عليه بملكه ولا ينفقونه في سبيله وابتغاء مرضاته ، فالميراث مصدر كالميعاد وأصله موراث فقلبت الواو ياءاً لانكسار ما قبلها ، والمراد به ما يتوارث ، والكلام جار على حقيقته ولا مجاز فيه ، ويجوز أنه تعالى يرث من هؤلاء ما في أيديهم مما بخلوا به وينتقل منهم إليه حين يهلكهم ويفنيهم وتبقى الحسرة والندامة عليهم ، ففي الكلام على هذا مجاز قال الزجاج : أي إن الله تعالى يفني أهلهما فيبقيان بما فيهما ليس لأحد فيهما ملك فخوطبوا بما يعلمون لأنهم يجعلون ما يرجع إلى الإنسان ميراثاً ملكاً له. أ هـ {روح المعانى حـ 4 صـ 140}\rوقال ابن عاشور : \rوقوله : { ولله ميراث السموات والأرض } تذييل لموعظة البَاخلين وغيرهم : بأنّ المال مال الله ، وما من بخيل إلاّ سيذهب ويترك ماله ، والمتصرّف في ذلك كلّه هو الله ، فهو يرث السماوات والأرض ، أي يستمرّ ملكه عليهما بعد زوال البشر كلّهم المنتفعين ببعض ذلك ، وهو يملك ما في ضمنهما تبعاً لهما. أ هـ {التحرير والتنوير حـ 3 صـ 296 ـ 297}","part":18,"page":333},{"id":7824,"text":"وقال الفقيه السمرقندى ـ رحمه الله ـ :\rقوله تعالى : { وَلِلَّهِ مِيرَاثُ السموات والأرض } يعني إذا هلك الخلق كلهم أهل السموات من الملائكة ، وأهل الأرض من الإنس والجن وسائر الخلق ، ويبقى رب العالمين ثم يقول : { يَوْمَ هُم بارزون لاَ يخفى عَلَى الله مِنْهُمْ شَىْءٌ لِّمَنِ الملك اليوم لِلَّهِ الواحد القهار } [ غافر : 16 ].\rفلا يجيب أحد فيرد على نفسه فيقول : {لله الواحد القهار } [ غافر : 16 ] فذلك قوله تعالى : { وَلِلَّهِ مِيرَاثُ السموات والأرض } يعني يهلك أهل السموات والأرض ولم يبق لأحد ملك.\rوإنما سمي ميراثاً على وجه المجاز ، لأن القرآن بلغة العرب ، وكانوا يعرفون أن من رجع الملك إليه يكون ميراثاً على وجه المجاز ، وأما في الحقيقة فليس بميراث ، لأن الوارث في الحقيقة هو الذي يرث شيئاً لم يكن يملكه من قبل ، والله عز وجل مالكهما ، وكانت السموات وما فيها والأرض وما فيها له ، وإنما كانت الأموال عارية عند أربابها ، فإذا ماتوا رجعت العارية إلى صاحبها الذي كانت له في الأصل.\rومعنى الآية أن الله تعالى أمر عباده أن ينفقوا ولا يبخلوا ، قبل أن يموتوا ويتركوا المال ميراث الله لله تعالى ، ولا ينفعهم إلا ما أنفقوا. أ هـ {بحر العلوم حـ 1 صـ 294}\rوقال ابن عطية :\rوقوله تعالى : { ولله ميراث السماوات } خطاب على ما يفعله البشر دال على فناء الجميع وأنه لا يبقى مالك إلى الله تعالى وإن كان ملكه تعالى على كل شيء لم يزل. أ هـ {المحرر الوجيز حـ 1 صـ 547}\rسؤال : فإن قال قائل : فما معنى قوله : \"له ميراث السموات والأرض\"، و\"الميراث\" المعروف، هو ما انتقل من ملك مالك إلى وارثه بموته، ولله الدنيا قبل فناء خلقه وبعده ؟","part":18,"page":334},{"id":7825,"text":"قيل : إن معنى ذلك ما وصفنا، من وصفه نفسه بالبقاء، وإعلام خلقه أنه كتِب عليهم الفناء. وذلك أنّ ملك المالك إنما يصير ميراثًا بعد وفاته، فإنما قال جل ثناؤه : \"ولله ميراث السموات والأرض\"، إعلامًا بذلك منه عبادَه أن أملاك جميع خلقه منتقلة عنهم بموتهم، وأنه لا أحد إلا وهو فانٍ سواه، فإنه الذي إذا أهلك جميع خلقه فزالت أملاكهم عنهم، لم يبق أحدٌ يكون له ما كانوا يملكونه غيره. أ هـ {تفسير الطبرى حـ 7 صـ 440 ـ 441}\rقوله تعالى {والله بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ}\rقال الفخر :\rقرأ ابن كثير وأبو عمرو {بِمَا يَعْمَلُونَ} بالياء على المغايبة كناية عن الذين يبخلون ، والمعنى والله بما يعملون خبير من منعهم الحقوق فيجازيهم عليه ، والباقون قرؤا بالتاء على الخطاب ، وذلك لأن ما قبل هذه الآية خطاب وهو قوله : {وَإِن تُؤْمِنُواْ وَتَتَّقُواْ فَلَكُمْ أَجْرٌ عَظِيمٌ} [ آل عمران : 179 ] والله بما تعملون خبير فيجازيكم عليه ، والغيبة أقرب إليه من الخطاب قال صاحب الكشاف : الياء على طريقة الالتفات ، وهي أبلغ في الوعيد. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 9 صـ 94}\rوقال أبو السعود :\r{ والله بِمَا تَعْمَلُونَ } من المنع والبخلِ { خَبِيرٌ } فيجازيكم على ذلك. وإظهارُ الاسمِ الجليلِ في موضع الإضمارِ لتربية المهابةِ ، والالتفاتُ للمبالغة في الوعيد ، والإشعارِ باشتداد غضبِ الرحمن الناشىءِ من ذكر قبائحِهم. أ هـ {تفسير أبى السعود حـ 2 صـ 121}\rفوائد بلاغية\rقال أبو حيان :\rوتضمنت هذه الآيات فنوناً من البلاغة والبديع.\rالاختصاص في : أجر المؤمنين.\rوالتكرار في : يستبشرون ، وفي : لن يضروا الله شيئاً ، وفي : اسمه في عدة مواضع ، وفي : لا يحسبن الذين كفروا ، وفي ذكر الإملاء.\rوالطباق في : اشتروا الكفر بالإيمان ، وفي : ليطلعكم على الغيب.","part":18,"page":335},{"id":7826,"text":"والاستعارة في : يسارعون ، وفي : اشتروا ، وفي : نملي وفي : ليزدادوا إثماً ، وفي : الخبيث والطيب.\rوالتجنيس المماثل في : فآمنوا وإن تؤمنوا.\rوالالتفات في : أنتم إن كان خطاباً للمؤمنين ، إذ لو جرى على لفظ المؤمنين لكان على ما هم عليه ، وإن كان خطاباً لغيرهم كان من تلوين الخطاب ، وفي : تعملون خبير فيمن قرأ بتاء الخطاب.\rوالحذف في مواضع. أ هـ {البحر المحيط حـ 3 صـ 134}\rفوائد لغوية\rقال ابن عادل :\rقرأ حمزة بالخطاب في \" تَحْسَبَنَّ \" والباقون بالغيبة فأما قراءة حمزة فـ \" الّذِينَ \" مفعول أول ، و\" خَيْراً \" هو المفعول الثّاني ، ولا بد من حَذْف مضَاف ؛ ليصدقَ الخبرُ على \" المبتدأ ، وتقديره : ولا تحسبن بُخْل الّذين يبخلون.\rقال أبو البقاء : \" وهو ضَعِيفٌ ؛ لأن فيه إضمار البخلِ قبل ذِكْر ما يدل عليه \".\rوفيه نظر ؛ لأن دلالة المحذوفِ قد تكون متقدمةً ، وقد تكون متأخرة ، وليس هذا من بابِ الإضمارِ في شيءٍ ، حتَّى يشترطَ فيه تقدُّم ما يدل على ذلك الضمير.\rو \" هو \" فيه وجهان :\rالأول : أنه فَصل بين مفعولي \" يَحْسَبَنَّ \".\rوالثاني - قاله أبو البقاء - : أنه توكيدٌ ، وهو خطأٌ ؛ لأنَّ المضمَرَ لا يؤكِّد المظهر. والمفعولُ الأولُ اسم مظهرٌ ، ولكنه حُذِف - كما تقدم - وبعضُهم يُعَبِّر عنه ، فيقول : أُضْمِر المفعولُ الأولُ - يعني حذف فلا يعبر عنه بهذه العبارة.\rو \" هو \" - في هذه المسألة - تتعينُ فصيلتُه لأنه لا يخلو إمّا أن يكونَ مبتدأً ، أو بدلاً ، أو توكيداً ، والأول مُنْتَفٍ ؛ لنَصْب ما بعده - وهو خير - وكذلك الثاني ؛ لأنه كان يلزمُ أن يوافقَ ما قبله في الإعراب ، فكان ينبغي أن يقال : إياه ، لا \" هُوَ \" وكذلك الثالثُ - كما تقدم.","part":18,"page":336},{"id":7827,"text":"أما قراءة الجماعة ، فيجوز أن يكونَ الفعلُ مُسْنَداً إلى ضميرِ غائبٍ - إما الرسولُ ، أو حاسب ما - ويجوز أن يكونَ مسنداً إلى الذين فإن كان مسنداً إلى ضمير غائب ، ف \" الذِينَ \" مفعول أولٌ ، على حذف مضافٍ ، ما تقدّم في قراءة حمزة ، أي : بُخْل الذين ، والتقدير : ولا يحسبنَّ الرسولُ - أو أحد - بُخْلَ الذين يبخلون خيراً لأنفسهم. و\" هُوَ \" فَصْل - كما تقدم - فتتحد القراءتان معنى وتخريجاً. وإن كان مسنداً إلى \" الذِينَ \" ففي المفعول الأول وجهان :\rأحدهما : أنه محذوف ؛ لدلالة \" يَبْخَلُونَ \" عليه ، كأنه قيل : ولا يحسبن الباخلون بُخْلَهم هو خيراً لهم و\" هو \" فَصْل.\rقال ابن عطية : \" ودل على هذا البخل \" يَبْخَلون \" كما دَلَّ \" السَّفيه \" على السَّفهِ في قول الشاعر :\rإذَا نُهِيَ السَّفِيهُ جَرَى إلَيْهِ... وَخَالَفَ وَالسَّفِيهُ إلى خِلاَفِ\rأي : جرى إلى السفه.\rقال أبو حيّان : وليست الدلالةُ فيهما سواء ، لوجهين :\rأحدهما : أن الدالَّ في الآية هو الفعلُ ، وفي البيتِ هُوَ اسم الفاعِل ، ودلالةُ الفعلِ على المصدرِ أقوى من دلالة اسم الفاعل ، ولذلك كَثر إضمار المصدرِ ؛ لدلالة الفعل عليه - في القرآن وكلام العربِ - ولم يؤثر دلالةُ اسم الفاعل على المصدر ، إنما جاء في هذا البيتِ ، أو في غيره أن وُجد أن في الآية حَذفاً لظاهرٍ ؛ إذ قدَّروا المحذوف \" بخلهم \" وأما فهو إضمارٌ لا حذفٌ.","part":18,"page":337},{"id":7828,"text":"الوجه الثاني : أن المفعول نفس \" هُوَ \" وهو ضمير البخل الذي دلَّ عليه \" يَبْخَلُونَ \" - كقوله : { اعدلوا هُوَ أَقْرَبُ للتقوى } [ المائدة : 8 ] - قاله أبو البقاء. وهو غلطٌ أيضاً ، لأنه كان ينبغي أن يأتي به بصيغة المنصوب ، فيقول : \" إياه \" لكونه منصوباً بـ \" يَحْسَبَن \" ولا ضرورة بنا إلى أن نَدَّعِيَ أنه من باب استعارة الرفع مكان النصب كقولهم : ما أنا كأنت ، ولا أنتَ كأنا.\rوفي الآية وجهٌ غريبٌ ، خرَّجه أبو حيَّان ، قال : \" وهو أن تكون المسألة من باب الإعمال ، إذا جعلنا الفعل مسنداً لِـ \" الذِينَ \" وذلك أن \" يَحْسَبْنَّ \" يطلب مفعولين ، و\" يَبْخَلُونَ \" يطلب مفعولاً بحرف جَر فقوله \" ما أتاهم \" يَطْلبه \" يَحْسَبَنَّ \" على أن يكون المفعول الأول ، ويكون \" هُوَ \" فَصْلاً ، و\" خَيْراً \" المفعول الثاني ، ويطلبه \" يَبْخَلونَ \" بتوسُّط حرف الجَر ، فأعمل الثانيَ - على الفصح في لسان العرب ، وعلى ما جاء في القرآن - وهو \" يَبْخَلونَ \" فعدي بحرف الجر ، وأخذ معمواه ، وحذف معمول \" يَحْسَبَنَّ \" الأول ، وبقي معموله الثاني ؛ لأنه لم يتنازع فيه ، إنما جاء التنازع بالنسبة إلى المفعول الأولِ ، وساغ حذفه - وحده - كما ساغ حذف المفعولين في مسألة سيبويه : متى رأيت أو قلت : زيد منطلقٌ ؟ لأن رأيت وقلت - في هذه المسألة - تنازعا في زيدٌ منطلقٌ ، وفي الآية لم يتنازعا إلاَ في الأولِ ، وتقدير المعنى : ولا يحسبن ما آتاهم اللهُ من فَضْلِه هو خيراً لهم الناس الذين يبخلون به ، فَعَلَى هذا التقدير يكون \" هُوَ \" فصلاً لـ \" ما آتاهم \" المحذوف ، لا لبخلهم المقدَّر في قول الجماعة.","part":18,"page":338},{"id":7829,"text":"ونظير هذا التركيبِ \" ظَنَّ الذي مَرَّ بهند هي المنطلقة ، المعنى : ظن هند الشخص الذي مر بها هي المنطلقة ، فالذي تنازعه الفعلان هو المفعول الأولُ ، فأعمل الفعل الثانيَ فيه ، وبقي الأول يطلب محذوفاً ، ويطلب الثاني مثبتاً ، إذ لم يقعْ فيه التنازعُ.\rومع غرابة هذا التخريج ، وتطويله بالتنظير والتقدير ، فيه نظر ؛ وذلك أن النحويين نصوا على أنه إذا أعملنا الفعل الثانيَ ، واحتاج الأول إلى ضمير المتنازع فيه ، فإن كان يطلبه مرفوعاً أضمر فيه ، وإن كان يطلبه غيرَ مرفوع حُذِف ، إلا أن يكون أحد مفعولي \" ظن \" فلا يحذف ، بل يُضْمَر ويُؤخر وعللوا ذلك بأنه لو حذف لبقي خبر دون مخبر عنه - أو بالعكس - وهذا مذهبُ البصريين ، وفيه بحثٌ ، لأن لقائلٍ أن يقول : حُذِف اختصاراً ، لا اقتصاراً ، وأنتم تجيزون حذف أحدهما اختصاراً في غير التنازع ، فليَجُزْ في التنازع ؛ إذْ لا فارق ، وحينئذ يَقْوَى تَخْرِيجُ الشَّيْخِ بهذا البحثِ ، أو يلتزم القول بمذهب الكوفيين ، فإنهم يُجِيزون الحّذْف فيما نحن فيه.","part":18,"page":339},{"id":7830,"text":"وذكر مكيٌّ ترجيحَ كُلٍّ من القراءتين ، فقال : \" فأما القراءة بالتاء - وهي قراءة حمزة - فإنه جعل المخاطب هو الفاعل ، وهو النبي صلى الله عليه وسلم و\" الذِينَ \" مفعول أول - على تقدير حَذْف مضاف ، وإقامة المضاف إليه - الذين - مُقامه - و\" هو \" فصل ، و\" خَيْراً \" مفعول ثانٍ ، تقديره : ةلا تحسبن يا محمد بُخلل الذين يَبْخَلُون خَيْراً لهم ، ولا بد من هذا الإضمار ، ليكون المفعول الثاني هو الأول في المعنى ، وفيها نظرٌ ؛ لجواز ما في الصلة تفسير ما قبل الصلة ، على أن في هذه مزية على القراءة بالياء ؛ لأمك إذا حذفْتَ المفعول أبقيتَ المضافَ إليه يقوم مقامه ، ولو حذفت المفعولَ في قراءة الياء لم يَبْقَ ما يقوم مقامه. وفي القراءة بالياء - أيضاً - مزية على القراءة بالتاء ، وذلك أنك حذفت البُخْلَ بعد تقدُّم \" يَبْخَلُونَ \" وفي القراءة بالتاء حذفتَ البُخْلَ قبل إتيان \" يَبْخَلونَ \" وجعلْتَ ما في صلة \" الذِينَ \" تفسيرَ من قبل الصلة ، فالقراءتان متوازيتان في القوة والضَّعف \".\rوالميراثُ : مصدر كالميعاد ، وياؤه منقلبة عن واو ، لانكسار ما قبلها - وهي ساكنةٌ - لأنها من الوراثة كالميقات والميزان - من الوقت والوزن - وقرأ أبو عمرو وابن كثير \" يَعْمَلُونَ \" بالغيبةِ ، جَرْياً على قوله : { الذين يَبْخَلُونَ } - والباقون بالخطابِ ، وفيها وجهانِ :\rأحدهما : أنه التفات ، فالمراد : الذين يبخلون.\rالثاني : أنه رَدَّ على قوله : { وَإِن تُؤْمِنُواْ وَتَتَّقُواْ }. أ هـ {تفسير ابن عادل حـ 6 صـ 82 ـ 85}. بتصرف يسير.","part":18,"page":340},{"id":7831,"text":"موعظة : قل للذين شغلهم في الدنيا غرورهم إنما في غد ثبورهم ما نفعهم ما جمعوا إذا جاء محذورهم يوم يحمي عليها في نار جهنم فتكوى بها جباههم وجنوبهم وظهورهم فكيف غابت عن قلوبهم وعقولهم يوم يحمي عليها في نار جهنم فتكوى بها جباههم وجنوبهم وظهورهم أخذ المال إلى دار ضرب العقاب فجعل في بودقة ليحمي ليقوي العذاب فصفح صفائح كي يعم الكي الإهاب ثم جيء بمن عن الهدى قد غاب يسعى إلى مكان لا مع قوم يسعى نورهم ثم يحمي عليها في نار جهنم فتكوى بها جباههم وجنوبهم وظهورهم إذا لقيهم الفقير لقي الأذى فإن طلب منهم شيئا طار منهم لهب الغضب كالجذا فإن لطفوا به قالوا أعنتكم ذا وسؤال هذا لذا ولو شاء ربك لأغنى المحتاج وأعوز ذا ونسوا حكمة الخالق في غنى ذا وفقر ذا واعجبا كم يلقاهم من غم إذا ضمتهم قبورهم يوم يحمي عليها في نار جهنم فتكوى بها جباههم وجنوبهم وظهورهم سيأخذها الوارث منهم غير تعب ويسأل عنها الجامع من أين اكتسب ما اكتسب ألا إن الشوك له وللوارث الرطب أين حرص الجامعين أين عقولهم يوم يحمي عليها في نار جهنم فتكوى بها جباههم وجنوبهم وظهورهم لو رأيتهم في طبقات النار يتقلبون على جمرات الدرهم والدينار وقد غلت اليمين مع اليسار لما بخلوا مع الإيسار لو رأيتهم في الجحيم يسقون من الحميم وقد ضج صبورهم يوم يحمي عليها في نار جهنم فتكوى بها جباههم وجنوبهم وظهورهم كم كانوا يوعظون في الدنيا وما فيهم من يسمع كم خوفوا من عقاب الله وما فيهم من يفزع كم أنبئوا بمنع الزكاة وما فيهم من يدفع فكأنهم بالأموال وقد انقلبت شجاعا أقرع فما هي عصا موسى ولا طورهم يوم يحمي عليها في نار جهنم فتكوى بها جباههم وجنوبهم وظهورهم","part":18,"page":341},{"id":7832,"text":"( حكاية ) : روي عن محمد بن يوسف الفريابي قال : خرجت أنا وجماعة من أصحابي في زيارة أبي سنان رحمه الله فلما دخلنا عليه وجلسنا عنده قال : قوموا بنا نزور جارا لنا مات أخوه ونعزيه فيه فقمنا معه ودخلنا على ذلك الرجل فوجدناه كثير البكاء والجزع على أخيه فجلسنا نسليه ونعزيه وهو لا يقبل تسلية ولا تعزية فقلنا : أما تعلم أن الموت سبيل لا بد منه ! قال : بلى ولكن أبكي على ما أصبح وأمسى فيه أخي من العذاب فقلنا له : هل أطلعك الله على الغيب ؟ قال : لا ولكن لما دفنته وسويت التراب عليه وانصرف الناس جلست عند قبره إذ صوت من قبره يقول : آه أقعدوني وحيدا أقاسي العذاب قد كنت أصلي قد كنت أصوم قال : فأبكاني كلامه فنبشت عنه التراب لأنظر حاله وإذا القبر يشتعل عليه نارا وفي عنقه طوق من نار فحملتني شفقة الأخوة ومددت يدي لأرفع الطوق عن رقبته فاحترقت أصابعي ويدي ثم أخرج إلينا يده فإذا هي سوداء محترقة قال فرددت عليه التراب وانصرفت فكيف لا أبكي على حاله وأحزن عليه ؟ فقلنا : فما كان أخوك يعمل في الدنيا ؟ قال : كان لا يؤدي الزكاة من ماله قال فقلنا هذا تصديق قول الله تعالى : \r{ ولا يحسبن الذين يبخلون بما آتاهم الله من فضله هو خيرا لهم بل هو شر لهم سيطوقون ما بخلوا به يوم القيامة }\rو أخوك عجل له العذاب في قبره إلى يوم القيامة قال : ثم خرجنا من عنده وأتينا أبا ذر صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم وذكرنا له قصة الرجل وقلنا له : يموت اليهودي والنصراني ولا نرى فيهم ذلك ! فقال : أولئك لا شك أنهم في النار وإنما يريكم الله في أهل الإيمان لتعتبروا قال الله تعالى : { من عمل صالحا فلنفسه ومن أساء فعليها وما ربك بظلام للعبيد }","part":18,"page":342},{"id":7833,"text":"فنسأل الله العفو والعافية إنه جواد كريم. أ هـ {الكبائر / للذهبى صـ 35 ـ 36}\rفصل\rقال حجة الإسلام الغزالى عليه الرحمة :\rقال ابن عباس رضي الله عنهما : لما خلق الله جنة عدن قال لها تزيني فتزينت ثم قال لها أظهري أنهارك فأظهرت عين السلسبيل وعين الكافور وعين التسنيم فتفجر منها في الجنان أنهار الخمر وأنهار العسل واللبن ثم قال لها أظهري سررك وحجالك وكراسيك وحليك وحللك وحور عينك فأظهرت فنظر إليها فقال تكلمي فقالت طوبى لمن دخلني فقال الله تعالى وعزتي لا أسكنك بخيلا\rوقالت أم البنين أخت عمر بن عبد العزيز أف للبخيل لو كان البخل قميصا ما لبسته ولو كان طريقا ما سلكته\rوقال طلحة بن عبيد الله رضي الله عنه إنا لنجد بأموالنا ما يجد البخلاء لكننا نتصبر\rوقال محمد بن المنكدر كان يقال إذا أراد الله بقوم شرا أمر الله عليهم شرارهم وجعل أرزاقهم بأيدي بخلائهم\rوقال علي كرم الله وجهه في خطبته إنه سيأتي على الناس زمان عضوض يعض الموسر على ما في يده ولم يؤمر بذلك قال الله تعالى ولا تنسوا الفضل بينكم وقال عبد اللهبن عمرو الشح أشد من البخل لأن الشحيح هو الذي يشح على ما في يد غيره حتى يأخذه ويشح بما في يده فيحبسه والبخيل هو الذي يبخل بما في يده\rوقال الشعبي لا أدري أيهما أبعد غورا في نار جهنم البخل أو الكذب وقيل ورد على أنوشروان حكيم الهند وفيلسوف الروم فقال للهندي تكلم فقال خير الناس من ألفى سخيا وعند الغضب وقورا وفي القول متأنيا وفي الرفعة متواضعا وعلى كل ذي رحم مشفقا\rوقام الرومي فقال من كان بخيلا ورث عدوه ماله ومن قل شكره لم ينل النجح وأهل الكذب مذمومون وأهل النميمة يموتون فقراء ومن لم يرحم سلط عليه من لا يرحمه","part":18,"page":343},{"id":7834,"text":"وقال الضحاك في قوله تعالى إنا جعلنا في أعناقهم أغلالا قال البخل أمسك الله تعالى أيديهم عن النفقة في سبيل الله فهم لا يبصرون الهدى\rوقال كعب ما من صباح إلا وقد وكل به ملكان يناديان اللهم عجل لممسك تلفا\rوعجل لمنفق خلفا\rوقال الأصمعي سمعت أعرابيا وقد وصف رجلا فقال لقد صغر فلان في عيني لعظم الدنيا في عينه وكأنما يرى السائل ملك الموت إذا أتاه\rوقال أبو حنيفة رحمه الله لا أرى أن أعدل بخيلا لأن البخل يحمله على الاستقصاء فيأخذ فوق حقه خيفة من أن يغبن فمن كان هكذا لا يكون مأمون الأمانة\rوقال علي كرم الله وجهه والله ما استقصى كريم قط حقه\rقال الله تعلى عرف بعضه وأعرض عن بعض وقال الجاحظ ما بقي من اللذات إلا ثلاث دم البخلاء وأكل القديد وحك الجرب\rوقال بشر بن الحارث البخيل لا غيبة له قال النبي صلى الله عليه وسلم إنك إذا لبخيل ومدحت امرأة عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا صوامة قوامة إلا أن فيها بخلا قال فما خيرها إذن\rوقال بشر النظر إلى البخيل يقسي القلب ولقاء البخلاء كرب على قلوب المؤمنين\rوقال يحيى بن معاذ ما في القلب للأسخياء إلا حب ولو كانوا فجارا وللبخلاء إلا بغض ولو كانوا أبرارا\rوقال ابن المعتز أبخل الناس بماله أجودهم بعرضه\rولقي يحيى بن زكريا عليهما السلام\rإبليس في صورته فقال له يا إبليس أخبرني بأحب الناس إليك وأبغض الناس إليك قال أحب الناس إلي المؤمن البخيل وأبغض الناس إلي الفاسق السخي قال له لم قال لأن البخيل قد كفاني بخله والفاسق السخي الخوف أن يطلع الله عليه في سخائه فيقبله ثم ولى وهو يقول لولا أنك يحيى لما أخبرتك حكايات البخلاء","part":18,"page":344},{"id":7835,"text":"قيل كان بالبصرة رجل موسر بخيل فدعاه بعض جيرانه وقدم إليه طباهجة ببيض فأكل منه فأكثر وجعل يشرب الماء فانتفخ بطنه ونزل به الكرب والموت فجعل يتلوى فلما جهده الأمر وصف حاله للطبيب فقال لا بأس عليك تقيأ ما أكلت فقال هاه أتقيأ طباهجة ببيض الموت ولا ذلك\rوقيل أقبل أعرابي يطلب رجلا وبين يديه تين فغطى التين بكسائه فجلس الأعرابي فقال له الرجل هل تحسن من القرآن شيئا قال نعم فقرأ والزيتون وطور سينين فقال وأين التين قال هو تحت كسائك\rودعا بعضهم أخا له ولم يطعمه شيئا فحبسه إلى العصر حتى اشتد جوعه وأخذه مثل الجنون فأخذ صاحب البيت العود وقال له بحياتي أي صوت تشتهي أن أسمعك قال صوت المقلى\rويحكى أن محمد بن يحيى بن خالد بن برمك كان بخيلا قبيح البخل فسئل نسيب له كان يعرفه عنه فقال له قائل صف لي مائدته فقال هي فتر في فتر وصحافه منقورة من حب الخشخاش قيل فمن يحضرها قال الكرام الكاتبون قال فما يأكل معه أحد قال بلى الذباب فقال سوأتك بدت وأنت خاص به وثوبك مخرق قال أنا والله ما أقدر على إبرة أخيطه بها ولو ملك محمد بيتا من بغداد إلى النوبة مملوءا إبرا ثم جاءه جبريل وميكائيل ومعهما يعقوب النبي عليه السلام يطلبون منه إبرة ويسألونه إعارتهم إياها ليخيط بها قميص يوسف الذي قد من دبر ما فعل ويقال كان مروان بن أبي حفصة لا يأكل اللحم بخلا حتى يقرم إليه فإذا قرم إليه أرسل غلامه فاشترى له رأسا فأكله فقيل له","part":18,"page":345},{"id":7836,"text":"نراك لا تأكل إلا الرءوس في الصيف والشتاء فلم تختار ذلك قال نعم الرأس أعرف سعره فآمن خيانة الغلام ولا يستطيع أن يغبنني فيه وليس بلحم يطبخه الغلام فيقدر أن يأكل منه إن مس عينا أو أذنا أو خدا وقفت على ذلك وآكل منه ألوانا عينه لونا وأذنه لونا ولسانه لونا وغلصمته لونا ودماغه لونا وأكفى مؤونة طبخه فقد اجتمعت لي فيه مرافق\rوخرج يوما يريد الخليفة المهدي فقالت له امرأة من أهله مالي عليك إن رجعت بالجائزة فقال إن أعطيت مائة ألف أعطيتك درهما فأعطي ستين ألف فأعطاها أربعة دوانق\rواشترى مرة لحما بدرهم فدعاه صديق له فرد اللحم إلى القصاب بنقصان دانق وقال أكره الإسراف\rوكان للأعمش جار وكان لا يزال يعرض عليه المنزل ويقول لو دخلت فأكلت كسرة وملحا فيأبى عليه الأعمش فعرض عليه ذات يوم فوافق جوع الأعمش فقال سر بنا فدخل منزله فقرب إليه كسرة وملحا فجاء سائل فقال له رب المنزل بورك فيك فأعاد عليه المسألة فقال له بورك فيك فلما سأل الثالثة قال له اذهب والله وإلا خرجت إليك بالعصا قال فناداه الأعمش وقال اذهب ويحك فلا والله ما رأيت أحدا أصدق مواعيد منه هو منذ مدة يدعوني على كسرة وملح فوالله ما زادني عليهما. أ هـ {الإحياء حـ 3 صـ 255 ـ 257}\rمن لطائف الإمام القشيرى فى الآية\rقال عليه الرحمة :\rوَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَا آَتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ هُوَ خَيْرًا لَهُمْ بَلْ هُوَ شَرٌّ لَهُمْ سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلِلَّهِ مِيرَاثُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (180)}\rمَن آثرَ شيئاً على الله لم يبارِك له فيه ؛ فلا يدوم له - في الدنيا - بذلك استمتاع ، ولا للعقوبة عليه - في الآخرة - عنه دفاع. أ هـ {لطائف الإشارات حـ 1 صـ 300}","part":18,"page":346},{"id":7837,"text":"قوله تعالى : { لَقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ سَنَكْتُبُ مَا قَالُوا وَقَتْلَهُمُ الْأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَنَقُولُ ذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ (181) ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ (182)}\rمناسبة الآيتين لما قبلهما\rقال البقاعى :\rولما كان العمل شاملاً لتصرفات الجوارح كلها من القلب واللسان وسائر الأركان قال - دالاًّ على خبره بسماع ما قالوه متجاوزين وهدة البخل إلى حضيض القبح مريدين التشكيك لأهل الإسلام بما يوردونه من الشبه قياساً على ما يعرفونه من أنفسهم من أنه - كما تقدم - لا يطلب إلا محتاج - : {لقد سمع الله} أي الذي له جميع الكمال {قول الذين قالوا} أي من اليهود {إن الله} أي الملك الأعظم {فقير} أي لطلبه القرض {ونحن أغنياء} لكونه يطلب منا ، وهذا رجوع منه سبحانه وتعالى إلى إتمام ما نبه عليه قبل هذه القصة من بغض أهل الكتاب لأهل هذا الدين وحسدهم لهم وإرادة تشكيكهم فيه للرجوع عنه على أسنى المناهج وأعلى الأساليب.\rولما تشوفت النفوس إلى جزائهم على هذه العظيمة ، وكانت الملوك إذا علمت انتقاص أحدها وهي قادرة عاجلته لما عندها من نقص الأذى بالغيظ قال سبحانه وتعالى مهدداً لهم مشيراً إلى أنه على غير ذلك : {سنكتب} أي على عظمتنا لإقامة الحجة عليهم على ما يتعارفونه في الدنيا {ما قالوا} أي من هذا الكفر وأمثاله ، والسين للتأكيد ، ويجوز أن تكون على بابها من المهلة للحث على التوبة قبل ختم رتب الشهادة ، وسيأتي في الزخرف له مزيد بيان.","part":18,"page":347},{"id":7838,"text":"ولما كان هذا اجتراء على الخالق أتبعه اجتراءهم على أشرف الخلائق فقال - مشيراً بإضافة المصدر إلى ضميرهم ، وبجمع التكسير الدال على الكثير إلى أنهم أشد الناس تمرداً تمرناً على ارتكاب العظائم ، وأن الاجتراء على أعظم أنواع الكفر قد صار لهم خلقاً - : {وقتلهم الأنبياء} أي الذي أقمناهم فيهم لتجديد ما أوهوه من بنيان دينهم ، ولما لم يكن في قتلهم شبهة أصلاً يقال : {بغير حق} فهو أعظم ذمّاً مما قبله من التعبير بالفعل المضارع في قوله {ويقتلون الأنبياء بغير حق} [ آل عمران : 112 ].\rثم عطف على قوله {سنكتب} قوله : {ونقول} أي بما لنا من الجلال {ذوقوا} أي بما نمسكم به من المصائب في الدنيا والعقاب في الأخرى كما كنتم تذوقون الأطعمة التي كنتم تبخلون بها فلا تؤدون حقوقها {عذاب الحريق} جزاء على ما أحرقتم به قلوب عبادنا ، ثم بين السبب فيه بقوله : {ذلك} أي العذاب العظيم {بما قدمت أيديكم} أي من الكفر بقتلهم وبغيره {وأن} أي وبسبب أن {الله} أي الذي له جميع صفات الكمال {ليس بظلام} أي بذي ظلم {للعبيد} ولو لم يعذبكم لكان ترككم على صورة الظلم لمن عادوكم فيه واشتد أذاكم لهم. أ هـ {نظم الدرر حـ 2 صـ 189 ـ 190}\rفصل\rقال الفخر :\rاعلم أن في كيفية النظم وجهين :\rالأول : أنه تعالى لما أمر المكلفين في هذه الآيات ببذل النفس وبذل المال في سبيل الله وبالغ في تقرير ذلك ، شرع بعد ذلك في حكاية شبهات القوم في الطعن في نبوته.","part":18,"page":348},{"id":7839,"text":"فالشبهة الأولى : أنه تعالى لما أمر بإنفاق الأموال في سبيله قالت الكفار : أنه تعالى لو طلب الإنفاق في تحصيل مطلوبه لكان فقيرا عاجزا ، لأن الذي يطلب المال من غيره يكون فقيرا ، ولما كان الفقر على الله تعالى محالا ، كان كونه طالبا للمال من عبيده محالا ، وذلك يدل على أن محمدا كاذب في إسناد هذا الطلب إلى الله تعالى.\rالوجه الثاني : في طريق النظم أن أمة موسى عليه السلام كانوا إذا أرادوا التقرب بأموالهم إلى الله تعالى ، فكانت تجيء نار من السماء فتحرقها ، فالنبي صلى الله عليه وسلم لما طلب منهم بذل الأموال في سبيل الله قالوا له لو كنت نبياً لما طلبت الأموال لهذا الغرض ، فإنه تعالى ليس بفقير حتى يحتاج في إصلاح دينه إلى أموالنا ، بل لو كنت نبياً لكنت تطلب أموالنا لأجل أن تجيئها نار من السماء فتحرقها ، فلما لم تفعل ذلك عرفنا أنك لست بنبي ، فهذا هو وجه النظم. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 9 صـ 94 ـ 95}\rفصل\rقال الفخر :\rاعلم أنه يبعد من العاقل أن يقول إن الله فقير ونحن أغنياء ، بل الإنسان إنما يذكر ذلك إما على سبيل الاستهزاء أو على سبيل الإلزام ، وأكثر الروايات أن هذا القول إنما صدر عن اليهود ، روي أنه صلى الله عليه وسلم كتب مع أبي بكر إلى يهود بني قينقاع يدعوهم إلى الإسلام وإلى إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة وأن يقرضوا الله قرضاً حسنا ، فقال فنحاص اليهودي : إن الله فقير حتى سألنا القرض ، فلطمه أبو بكر في وجهه وقال : لولا الذي بيننا وبينكم من العهد لضربت عنقك ، فشكاه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وجحد ما قاله ، فنزلت هذه الآية تصديقاً لأبي بكر رضي الله عنه.","part":18,"page":349},{"id":7840,"text":"وقال آخرون : لما أنزل الله تعالى {مَّن ذَا الذى يُقْرِضُ الله قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافًا كَثِيرَةً} [ البقرة : 245 ] قالت اليهود : نرى إله محمد يستقرض منا ، فنحن إذن أغنياء وهو فقير ، وهو ينهانا عن الربا ثم يعطينا الربا ، وأرادوا قوله : {فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافًا كَثِيرَةً }.\rواعلم أنه ليس في الآية تعيين هذا القائل ، إلا أن العلماء نسبوا هذا القول إلى اليهود واحتجوا عليه بوجوه : \rأحدها : أن الله تعالى حكى عنهم أنهم قالوا : إن يد الله مغلولة : يعنون أنه بخيل بالعطاء وذلك الجهل مناسب للجهل المذكور في هذه الآية.\rوثانيها : ما روي في الخبر أنهم تكلموا بذلك على ما رويناه في قصة أبي بكر.\rوثالثها : أن القول بالتشبيه غالب على اليهود ، ومن قال بالتشبيه لا يمكنه إثبات كونه تعالى قادرا على كل المقدورات ، وإذا عجز عن إثبات هذا الأصل عجز عن بيان أنه غني وليس بفقير.\rوالوجه الرابع : أن موسى عليه الصلاة والسلام لما طلب منهم أن يوافقوه في مجاهدة الأعداء قالوا : اذهب أنت وربك فقاتلا إنا ههنا قاعدون.\rفموسى عليه السلام لما طلب منهم الجهاد بالنفس قالوا : لما كان الاله قادرا فأي حاجة به إلى جهادنا ، وكذا ههنا أن محمدا عليه الصلاة والسلام لما طلب منهم الجهاد ببذل المال قالوا : لما كان الإله غنيا فأي حاجة به إلى أموالنا.\rفكان إسنادهم هذه الشبهة إلى اليهود لائقا من هذا الوجه ، وإن كان لا يمتنع أن يكون غيرهم من الجهال قد قال ذلك.\r","part":18,"page":350},{"id":7841,"text":"والأظهر أنهم قالوه على سبيل الطعن في نبوة محمد صلى الله عليه وسلم ، يعني لو صدق محمد في أن الاله يطلب المال من عبيده لكان فقيرا ، ولما كان ذلك محالا ثبت أنه كاذب في هذا الإخبار ، أو ذكروه على سبيل الاستهزاء والسخرية ، فأما أن يقول العاقل مثل هذا الكلام عن اعتقاد فهو بعيد. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 9 صـ 95 ـ 96}\rوقال الآلوسى : \r{ لَّقَدْ سَمِعَ الله قَوْلَ الذين قَالُواْ إِنَّ الله فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاء } أخرج ابن إسحاق وابن جرير وابن أبي حاتم من طريق عكرمة عن ابن عباس قال : دخل أبو بكر رضي الله تعالى عنه بيت المدراس","part":18,"page":351},{"id":7842,"text":"فوجد يهود قد اجتمعوا إلى رجل منهم يقال له فنحاص وكان من علمائهم وأحبارهم فقال أبو بكر : ويحك يا فنحاص اتق الله تعالى وأسلم فوالله إنك لتعلم أن محمداً رسول الله تجدونه مكتوباً عندكم في التوراة فقال فنحاص : والله يا أبا بكر ما بنا إلى الله تعالى من فقر وإنه إلينا لفقير وما نتضرع إليه كما تضرع إلينا وإنا عنه لأغنياء ولو كان غنياً عنا ما استقرض منا كما يزعم صاحبكم وأنه ينهاكم عن الربا ويعطينا ولو كان غنياً عنا ما أعطانا الربا فغضب أبو بكر رضي الله تعالى عنه فضرب وجه فنحاص ضربة شديدة وقال : والذي نفسي بيده لولا العهد الذي بيننا وبينك لضربت عنقك يا عدو الله تعالى فذهب فنحاص إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : يا محمد انظر ما صنع صاحبك بي فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأبي بكر رضي الله تعالى عنه : ما حملك على ما صنعت ؟ قال : يا رسول الله قال قولاً عظيماً يزعم أن الله تعالى شأنه فقير وهم عنه أغنياء فلما قال ذلك غضبت لله تعالى مما قال فضربت وجهه فجحد فنحاص فقال : ما قلت ذلك فأنزل الله تعالى فيما قال فنحاص تصديقاً لأبي بكر رضي الله تعالى عنه هذه الآية ، وأنزل في أبي بكر وما بلغه في ذلك من الغضب { وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الذين أُوتُواْ الكتاب مِن قَبْلِكُمْ وَمِنَ الذين أَشْرَكُواْ أَذًى كَثِيراً } [ آل عمران : 186 ] الآية.","part":18,"page":352},{"id":7843,"text":"وأخرج ابن المنذر عن قتادة أنه قال : ذكر لنا أنها نزلت في حيي بن أخطب لما أنزل الله تعالى : { مَّن ذَا الذى يُقْرِضُ الله قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافًا كَثِيرَةً } [ البقرة : 245 ] قال : يستقرضنا ربنا إنما يستقرض الفقير الغني.\rوأخرج الضياء وغيره من طريق سعيد بن جبير عن ابن عباس قال : أتت اليهود رسول الله صلى الله عليه وسلم حين أنزل الله تعالى : { مَّن ذَا الذى يُقْرِضُ الله قَرْضًا حَسَنًا } فقالوا : يا محمد فقير ربك يسأل عباده القرض ؟ فأنزل الله تعالى الآية ، والجمع على الروايتين الأوليين مع كون القائل واحداً لرضا الباقين بذلك ، وتخصيص هذا القول بالسماع مع أنه تعالى سميع لجميع المسموعات كناية تلويحية عن الوعيد لأن السماع لازم العلم بالمسموع وهو لازم الوعيد في هذا المقام فهو سماع ظهور وتهديد لا سماع قبول ورضا كما في سمع الله لمن حمده وإنما عبر عن ذلك بالسماع للإيذان بأنه من الشناعة والسماجة بحيث لا يرضى قائله بأن يسمعه سامع ولهذا أنكروه ، ولكون إنكارهم القول بمنزلة إنكار السمع أكده تعالى بالتأكيد القسمي ، وفيه أيضاً من التشديد في التهديد والمبالغة في الوعيد ما لا يخفى. أ هـ {روح المعانى حـ 4 صـ 140 ـ 141}\rفائدة\rقال الفخر :\rظاهر الآية يدل على أن قائل هذا القول كانوا جماعة ، لأنه تعالى قال : {الذين قَالُواْ} وظاهر هذا القول يفيد الجميع.\rوأما ما روي أن قائل هذا القول هو فنحاص اليهودي ، فهذا يدل على أن غيره لم يقل ذلك ، فلما شهد الكتاب أن القائلين كانوا جماعة وجب القطع بذلك. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 9 صـ 96}","part":18,"page":353},{"id":7844,"text":"فائدة\rقال ابن عاشور :\rوقوله : { لقد سمع الله } تهديد ، وهو يؤذن بأنّ هذا القول جراءة عظيمة ، وإن كان القصد منها التعريض ببطلان كلام القرآن ، لأنهم أتوا بهاته العبارة بدون محاشاة ، ولأنّ الاستخفاف بالرسول وقرآنه إثم عظيم وكفر على كفر ، ولذلك قال تعالى : { لقد سمع } المستعمل في لازم معناه ، وهو التهديد على كلام فاحش ، إذ قد علم أهل الأديان أنّ الله يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور ، فليس المقصود إعلامهم بأنّ الله علم ذلك بل لازمه وهو مقتضى قوله : { سنكتب ما قالوا }. أ هـ {التحرير والتنوير حـ 3 صـ 297}\rقوله تعالى : {سَنَكْتُبُ مَا قَالُواْ}\rفصل\rقال الفخر :\rقرأ حمزة {سيكتب} بالياء وضمها على ما لم يسم فاعله {الله وَقَتْلِهِمُ الأنبياء} برفع اللام على معنى سيكتب قتلهم ، والباقون بالنون وفتح اللام إضافة إليه تعالى.\rقال صاحب \"الكشاف\" : وقرأ الحسن والأعرج {سيكتب} بالياء وتسمية الفاعل. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 9 صـ 96}\rقال الطبرى :\rوقرأ ذلك بعض قرأة الكوفيين : ( \" سَيُكْتَبُ مَا قَالُوا وَقَتْلُهُمُ الأنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ \" ) بالياء من\"سيكتب\" وبضمها، ورفع\"القتل\"، على مذهب ما لم يسمّ فاعله، اعتبارًا بقراءة يذكر أنها من قراءة عبد الله في قوله : \"ونقول ذوقوا\"، يذكر أنها في قراءة عبد الله : \"ويُقَالُ\".","part":18,"page":354},{"id":7845,"text":"فأغفل قارئ ذلك وجه الصواب فيما قصد إليه من تأويل القراءة التي تُنسب إلى عبد الله، وخالف الحجة من قرأة الإسلام. وذلك أن الذي ينبغي لمن قرأ : \"سيكتب ما قالوا وقتلهم الأنبياء\" على وجه ما لم يسم فاعله، أن يقرأ : \"ويقال\"، لأن قوله : \"ونقول\" عطف على قوله : \"سنكتب\". فالصواب من القراءة أن يوفق بينهما في المعنى بأن يقرآ جميعًا على مذهب ما لم يسم فاعله، أو على مذهب ما يسمى فاعله. فأما أن يقرأ أحدهما على مذهب ما لم يسم فاعله، والآخر على وجه ما قد سُمِّي فاعله، من غير معنى ألجأه على ذلك، فاختيار خارج عن الفصيح من كلام العرب. (1)\rقال أبو جعفر : والصواب من القراءة في ذلك عندنا : \"سَنَكْتُب\" بالنون\"وقَتْلَهُمْ\" بالنصب، لقوله : \"وَنَقُول\"، ولو كانت القراءة في\"سيكتب\"\rبالياء وضمها، لقيل : \"ويقال\"، على ما قد بيّنا. أ هـ {تفسير الطبرى حـ 7 صـ 445 ـ 446}\rفصل\rقال الفخر :\rهذا وعيد على ذلك القول وهو يحتمل وجوها :\rأحدها : أن يكون المراد من كتبه عليهم إثبات ذلك عليهم وأن لا يلغى ولا يطرح ، وذلك لأن الناس إذا أرادوا إثبات الشيء على وجه لا يزول ولا ينسى ولا يتغير كتبوه ، والله تعالى جعل الكتبة مجازا عن إثبات حكم ذلك عليهم.\rالثاني : سنكتب ما قالوا في الكتب التي تكتب فيها أعمالهم ليقرؤا ذلك في جرائد أعمالهم يوم القيامة ، والثالث : عندي فيه احتمال آخر ، وهو أن المراد : سنكتب عنهم هذا الجهل في القرآن حتى يعلم الخلق إلى يوم القيامة شدة تعنت هؤلاء وجهلهم وجهدهم في الطعن في نبوة محمد صلى الله عليه وسلم بكل ما قدروا عليه. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 9 صـ 96}\r_________________\r(1) اعتراض فى غير موضعه فالقراءة متواترة ومن ثم فلا قيمة لهذا الاعتراض ، فكيف تخطأ قراءة قرأ بها رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ ؟ ؟ !!! والله أعلم.","part":18,"page":355},{"id":7846,"text":"وقال الآلوسى :\r{ سَنَكْتُبُ مَا قَالُواْ } أي سنكتبه في صحائف الكتبة ، فالإسناد مجازي والكتابة حقيقة ، أو سنحفظه في علمنا ولا نهمله فالإسناد حقيقة والكتابة مجاز ، والسين للتأكيد أي لن يفوتنا أبداً تدوينه وإثباته لكونه في غاية العظم والهول ، كيف لا وهو كفر بالله تعالى سواء كان عن اعتقاد أو استهزاء بالقرآن وهو الظاهر. أ هـ {روح المعانى حـ 4 صـ 141}\rقوله تعالى {وَقَتْلِهِمُ الأنبياء بِغَيْرِ حَقّ}\rفائدة\rقال الفخر :\rالفائدة في ضم أنهم قتلوا الأنبياء إلى أنهم وصفوا الله تعالى بالفقر ، هي بيان أن جهل هؤلاء ليس مخصوصاً بهذا الوقت ، بل هم منذ كانوا ، مصرون على الجهالات والحماقات. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 9 صـ 96}\rفصل\rقال الفخر :\rفي إضافة قتل الأنبياء إلى هؤلاء وجهان :\rأحدهما : سنكتب ما قال هؤلاء ونكتب ما فعله أسلافهم فنجازي الفريقين بما هو أهله ، كقوله تعالى : {وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْسًا} أي قتلها أسلافكم {وَإِذْ نجيناكم مّنْ ءالِ فِرْعَوْنَ} [ البقرة : 49 ] {وَإِذْ فَرَقْنَا بِكُمُ البحر} [ البقرة : 50 ] والفاعل لهذه الأشياء هو أسلافهم ، والمعنى أنه سيحفظ على الفريقين معاً أقوالهم وأفعالهم.\rوالوجه الثاني : سنكتب على هؤلاء ما قالوا بأنفسهم ، ونكتب عليهم رضاهم بقتل آبائهم الأنبياء صلوات الله عليهم أجمعين.\rوعن الشعبي أن رجلا ذكر عنده عثمان رضي الله عنه وحسن قتله ، فقال الشعبي : صرت شريكا في دمه ، ثم قرأ الشعبي {قُلْ قَدْ جَاءكُمْ رُسُلٌ مِّن قَبْلِى بالبينات وبالذى قُلْتُمْ فَلِمَ قَتَلْتُمُوهُمْ} [ آل عمران : 183 ] فنسب لهؤلاء قتلهم وكان بينهما قريب من سبعمائة سنة. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 9 صـ 96}\rقال القرطبى :\rجعل الرضا بالقتل قتْلا ؛ رضي الله عنه.","part":18,"page":356},{"id":7847,"text":"قلت : وهذه مسألة عُظْمَى ، حيث يكون الرضا بالمعصية معصيةً.\rوقد روى أبو داود عن العُرْس بن عميرة الكندي عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : \" إذا عملت الخطيئة في الأرض كان من شهِدَها فكرِهها وقال مرة فأنكرها كمن غاب عنها ومن غاب عنها فَرِضِيها كان كمن شهِدَها \" وهذا نص. أ هـ {تفسير القرطبى حـ 4 صـ 294 ـ 295}\rقوله تعالى : {وَنَقُولُ ذُوقُواْ عَذَابَ الحريق}\rقال الفخر : \rالمراد أنه تعالى ينتقم من هذا القائل بأن يقول له ذق عذاب الحريق ، كما أذقت المسلمين الغصص ، والحريق هو المحرق كالأليم بمعنى المؤلم. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 9 صـ 97}\rوقال الآلوسى : \r{ وَنَقُولُ ذُوقُواْ عَذَابَ الحريق } أي وننتقم منهم بواسطة هذا القول الذي لا يقال إلا وقد وجد العذاب.\rوالحريق بمعنى المحرق وإضافة العذاب إليه من الإضافة البيانية أي العذاب الذي هو المحرق لأن المعذب هو الله تعالى لا الحريق ، أو الإفاضة للسبب لتنزيله منزلة الفاعل كما قاله بعض المحققين \"والذوق كما قال الراغب وجود الطعم في الفم ؛ وأصله فيما يقل تناوله دون ما يكثر فإنه يقال له : أكل\" ، ثم اتسع فيه فاستعمل لإدراك سائر المحسوسات والحالات ، وذكره هنا كما قال ناصر الدين لأن العذاب مرتب على قولهم الناشىء عن البخل والتهالك على المال وغالب حاجة الإنسان إليه لتحصيل المطاعم ومعظم بخله للخوف من فقدانه ، ولذلك كثر ذكر الأكل مع المال ، ولك أن تقول : إن اليهود لما قالوا ما قالوا وقتلوا من قتلوا فقد أذاقوا المسلمين وأتباع الأنبياء غصصاً وشبوا في أفئدتهم نار الغيرة والأسف وأحرقوا قلوبهم بلهب الإيذاء والكرب فعوضوا هذا العذاب الشديد ، وقيل : لهم ذوقوا عذاب الحريق كما أذقتم أولياء الله تعالى في الدنيا ما يكرهون.","part":18,"page":357},{"id":7848,"text":"والقائل لهم ذلك كما قال الضحاك خزنة جهنم ، فالإسناد حينئذ مجازي ، وفي هذه الآية مبالغات في الوعيد حيث ذكر فيها العذاب والحريق والذوق المنبىء عن اليأس فقد قال الزجاج : ذق كلمة تقال لمن أيس عن العفو أي ذق ما أنت فيه فلست بمتخلص منه والمؤذن بأن ما هم فيه من العذاب والهوان يعقبه ما هو أشد منه وأدهى ، والقول للتشفي المنبىء عن كمال الغيظ والغضب وفيما قبلها ما لا يخفى أيضاً من المبالغات ، وقرأ حمزة { سيكتب } بالياء والبناء للمفعول {وَقَتْلِهِمُ} بالرفع ، ويقول بصيغة الغيبة. أ هـ {روح المعانى حـ 4 صـ 141 ـ 142}\rوقال ابن عاشور :\rوقوله : { ونقول ذوقوا عذاب الحريق } عُطف أثرُ الكتب عَلى الكتب أي سيجازون عن ذلك بدون صفح ، { ونقول ذوقوا } وهْو أمر الله بأن يَدخلوا النار.\rوالذوق حقيقته إدراك الطُّعوم ، واستعمل هنا مجازاً مرسلاً في الإحساس بالعذاب فعلاقته الإطلاق ، ونكتته أنّ الذوق في العرف يستتبع تكرّر ذلك الإحساس لأنّ الذوق يتبعه الأكل ، وبهذا الاعتبار يصحّ أن يكون \"ذوقوا\" استعارة.\rوقد شاع في كلام العرب إطلاق الذوق على الإحساس بالخير أو بالشرّ ، وورد في القرآن كثيراً. أ هـ {التحرير والتنوير حـ 3 صـ 298}\rفائدة\rقال الفخر :\rيحتمل أن يقال له هذا القول عند الموت أو عند الحشر أو عند قراءة الكتاب ويحتمل أن يكون هذا كناية عن حصول الوعيد ، وإن لم يكن هناك قول. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 9 صـ 97}\rفائدة\rقال ابن عطية :\r{ ذوقوا عذاب الحريق } وخلطت الآية الآباء مع الأبناء في الضمائر ، إذ الآباء هم الذين طوقوا لأبنائهم الكفر وإذ الأبناء راضون بأفعال الآباء متبعون لهم ، والذوق مع العذاب مستعار ، عبارة عن المباشرة ، إذ الذوق من أبلغ أنواعها وحاسته مميزة جداً. أ هـ {المحرر الوجيز حـ 1 صـ 548}","part":18,"page":358},{"id":7849,"text":"لطيفة\rقال أبو حيان :\rولما كان الصادر منهم قولاً وفعلاً ناسب أن يكون الجزاء قولاً وفعلاً ، فتضمن القول والفعل قوله تعالى : { ونقول ذوقوا عذاب الحريق }.\rوفي الجمع بين القول والفعل أعظم انتقام ، ويقال للمنتقم منه : أحس وذق.\rوقال أبو سفيان لحمزة رضي الله عنه لما طعنه وحشي : ذق عقق ، واستعير لمباشرة العذاب الذوق ، لأن الذوق من أبلغ أنواع المباشرة ، وحاستها متميزة جداً.\rوالحريق : المحرق فعيل بمعنى مفعل ، كأليم بمعنى مؤلم.\rوقيل : الحريق طبقة من طباق جهنم.\rوقيل : الحريق الملتهب من النار ، والنار تشمل الملتهبة وغير الملتهبة ، والملتهبة أشدها.\rوالظاهر أنَّ هذا القول يكون عند دخولهم جهنم.\rوقيل : قد يكون عند الحساب ، أو عند الموت.\rأ هـ {البحر المحيط حـ 3 صـ 136}\rفصل\rقال الفخر :\rلقائل أن يقول : إنهم أوردوا سؤالا وهو أن من يطلب المال من غيره كان فقيرا محتاجا ، فلو طلب الله المال من عبيده لكان فقيرا وذلك محال ، فوجب أن يقال : إنه لم يطلب المال من عبيده ، وذلك يقدح في كون محمد عليه الصلاة والسلام صادقا في ادعاء النبوة فهو هو شبهة القوم فأين الجواب عنها ؟ وكيف يحسن ذكر الوعيد على ذكرها قبل ذكر الجواب عنها ؟\rفنقول : إذا فرعنا على قول أصحابنا من أهل السنة والجماعة قلنا : يفعل الله ما يشاء ويحكم ما يريد ، فلا يبعد أن يأمر الله تعالى عبيده ببذل الأموال مع كونه تعالى أغنى الأغنياء.","part":18,"page":359},{"id":7850,"text":"وإن فرعنا على قول المعتزلة في أنه تعالى يراعي المصالح لم يبعد أن يكون في هذا التكليف أنواع من المصالح العائدة إلى العباد : منها : أن إنفاق المال يوجب زوال حب المال عن القلب ، وذلك من أعظم المنافع ، فإنه إذا مات فلو بقي في قلبه حب المال مع أنه ترك المال لكان ذلك سببا لتألم روحه بتلك المفارقة ، ومنها : أن يتوسل بذلك الإنفاق إلى الثواب المخلد المؤبد ، ومنها : أن بسبب الإنفاق يصير القلب فارغا عن حب ما سوى الله ، وبقدر ما يزول عن القلب حب غير الله فإنه يقوى في حب الله ، وذلك رأس السعادات ، وكل هذه الوجوه قد ذكرها الله في القرآن وبينها مراراً وأطوارا ، كما قال : {والباقيات الصالحات خَيْرٌ عِندَ رَبّكَ ثَوَابًا} [ الكهف : 46 ] وقال : {والآخرة خَيْرٌ وأبقى} [ الأعلى : 17 ] وقال : {ورضوان مّنَ الله أَكْبَرُ} [ التوبة : 72 ] وقال : {فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُواْ هُوَ خَيْرٌ مّمَّا يَجْمَعُونَ} [ يونس : 58 ] فلما تقدم ذكر هذه الوجوه على الاستقصاء كان إيراد هذه الشبهة بعد تقدم هذه البينات محض التعنت ، فلهذا اقتصر الله تعالى عند ذكرها على مجرد الوعيد. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 9 صـ 97}\rقوله تعالى : {ذلك بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ وَأَنَّ الله لَيْسَ بظلام لّلْعَبِيدِ}\rفائدة\rقال الفخر :\rإنه تعالى لما ذكر الوعيد الشديد ذكر سببه فقال : {ذلك بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ} أي هذا العذاب المحرق جزاء فعلكم حيث وصفتم الله وأقدمتم على قتل الأنبياء ، فيكون هذا العقاب عدلا لا جورا. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 9 صـ 97}\rفائدة\rقال القرطبى :","part":18,"page":360},{"id":7851,"text":"وخصّ الأيْدِي بالذكر ليدلّ على تولّى الفعل ومباشرته ؛ إذ قد يُضاف الفعل إلى الإنسان بمعنى أنه أمر به ؛ كقوله : { يُذَبِّحُ أَبْنَآءَهُمْ } [ القصص : 4 ] وأصل { أَيْدِيكُمْ } أيديكم فحذفت الضمة لثقلها. والله أعلم. أ هـ {تفسير القرطبى حـ 4 صـ 295}\rفصل\rقال الفخر :\rقال الجبائي : الآية تدل على أن فعل العقاب بهم كان يكون ظلما بتقدير أن لا يقع منهم تلك الذنوب ، وفيه بطلان قول المجبرة : إن الله يعذب الأطفال بغير جرم ، ويجوز أن يعذب البالغين بغير ذنب ، ويدل على كون العبد فاعلا ، وإلا لكان الظلم حاصلا.\rوالجواب : أن ما ذكرتم معارض بمسألة الداعي ومسألة العلم على ما شرحناه مراراً وأطوارا. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 9 صـ 97}\rفصل\rقال الفخر :\rلقائل أن يقول : {وَمَا رَبُّكَ بظلام لّلْعَبِيدِ} [ فصلت : 46 ] يفيد نفي كونه ظلاما ، ونفي الصفة يوهم بقاء الأصل ، فهذا يقتضي ثبوت أصل الظلم.\rأجاب القاضي عنه بأن العذاب الذي توعد بأن يفعله بهم لو كان ظلما لكان عظيما ، فنفاه على حد عظمه لو كان ثابتا ، وهذا يؤكد ما ذكرنا أن إيصال العقاب إليهم يكون ظلما لو لم يكونوا مذنبين. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 9 صـ 98}\rوقال الثعالبى :\rقيل : المراد هنا نفْيُ القليلِ والكثيرِ مِنَ الظُّلْم ؛ كقول طَرَفَةَ : [ الطويل ].\rوَلَسْتُ بِحَلاَّلِ التِّلاَعِ مَخَافَةً... وَلَكِنْ متى يَسْتَرْفِدِ القَوْمُ أَرْفِدِ\rولا يريدُ : أنه قدْ يحلُّ التلاعَ قليلاً.\rوزاد أبو البقاءِ وجْهاً آخر ، وهو أنْ يكون على النَّسَبِ ، أي : لا ينسب سبحانه إلى ظُلْمٍ ، فيكون من باب بَزَّاز وعَطَّار. انتهى ، قلتُ : وهذا القولُ أحْسَنُ ما قيل هنا ، فمعنى وما ربُّكَ بظَلاَّم ، أي : بذي ظُلْم. أ هـ {الجواهر الحسان حـ 1 صـ 337}","part":18,"page":361},{"id":7852,"text":"وقال أبو حيان : \rوجاء لفظ ظلام الموضوع للتكثير ، وهذا تكثير بسبب المتعلق.\rوذهب بعضهم إلى أن فعالاً قد يجيء لا يراد به الكثرة ، كقول طرفة : \rولست بحلال التلاع مخافة . . .\rولكن متى يسترقد القوم أرفد\rلا يريد أنه قد يحل التلاع قليلاً ، لأن عجز البيت يدفعه ، فدلّ على نفي البخل في كل حال ، وتمام المدح لا يحصل بإرادة الكثرة ، وقيل : إذا نفى الظلم الكثير اتبع القليل ضرورة ، لأن الذي يظلم إنما يظلم لانتفاعه بالظلم ، فإذا ترك الكثير مع زيادة نفعه في حق من يجوز عليه النفع والضرر كان للظلم القليل المنفعة أترك.\rوقال القاضي : العذاب الذي توعد أن يفعله بهم : لو كان ظالماً لكان عظيماً ، فنفاه على جد عظمه لو كان ثابتاً والعبيد جمع عبد ، كالكليب.\rوقد جاء اسم الجمع على هذا الوزن نحو الضيفن وغيره من جمع التكسير ، جواز الإخبار عنه إخبار الواحد كأسماء الجموع ، وناسب لفظ هذا الجمع دون لفظ العباد ، لمناسبة الفواصل التي قبله مما جاءت على هذا الوزن ، كما ناسب ذلك في سورة فصلت ، وكما ناسب لفظ العباد في سورة غافر ما قبله وما بعده.\rقال ابن عطية : وجمع عبداً في هذه الآية على عبيد لأنه مكان تشقيق وتنجية من ظلم انتهى كلامه.\rولا تظهر لي هذه العلة التي ذكرها في هذا الجمع.\rوقال الزمخشري : ( فإن قلت ) : فلم عطف قوله : وأن الله ليس بظلام للعبيد ، { على ما قدمت أيديكم } وكيف جعل كونه غير ظلام للعبيد شريكاً لاجتراحهم السيئات في استحقاقهم العذاب ؟ ( قلت ) : معنى كونه غير ظلام للعبيد : أنه عادل عليهم ، ومن العدل أن يعاقب المسيء منهم ويثب المحسن انتهى.\rوفيه رائحة الاعتزال. أ هـ {البحر المحيط حـ 3 صـ 137}","part":18,"page":362},{"id":7853,"text":"لطيفة\rقال ابن عاشور :\rوعطف قوله : { وأن الله ليس بظلام للعبيد } على مجرور الباء ، ليكون لهذا العذاب سببان : ما قدّمتْه أيديهم ، وعَدْل الله تعالى ، فما قدّمت أيديهم أوجب حصول العذاب ، وعدْل الله أوجب كون هذا العذاب في مقداره المشاهد من الشدّة حتّى لا يظنّوا أن في شدّته إفراطاً عليهم في التعذيب. أ هـ {التحرير والتنوير حـ 3 صـ 298}\rفصل نفيس\rقال الآلوسى\r{ ذلك } إشارة إلى العذاب المحقق المنزل منزلة المحسوس المشاهد ، وللإشارة إلى عظم شأنه وبعد منزلته في الهول والفظاعة أتى باسم الإشارة مقروناً باللام والكاف وهو مبتدأ خبره قوله تعالى : { بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ } أي بسبب أعمالكم التي قدمتموها كقتل الأنبياء وهذا القول الذي تكاد السموات يتفطرن منه ، والمراد من الأيدي الأنفس والتعبير بها عنها من قبيل التعبير عن الكل بالجزء الذي مدار جل العمل عليه ، يجوز أن لا يتجوز في الأيدي بل يجعل تقديمها الذي هو عملها عبارة عن جميع الأعمال التي أكثرها أو الكثير منها يزاول باليد على طريق التغليب.\r{ وَأَنَّ الله لَيْسَ بظلام لّلْعَبِيدِ } عطف على ما { قَدَّمْتُ } فهو داخل تحت حكم باء السببية وسببيته للعذاب من حيث إن نفي الظلم يستلزم العدل المقتضي إثابة المحسن ومعاقبة المسيء وإليه ذهب الفحول من المفسرين وتعقبه مولانا شيخ الإسلام بقوله : وفساده ظاهر فإن ترك التعذيب من مستحقه ليس بظلم شرعاً ولا عقلاً حتى ينتهض نفي الظلم سبباً للتعذيب.","part":18,"page":363},{"id":7854,"text":"وخلاصته المعارضة بطريق القياس الاستثنائي بأنه لو كان ترك التعذيب ظلماً لكان نفي الظلم سبباً للتعذيب لكن ترك التعذيب ليس بظلم فنفي الظلم لا يكون سبباً له ، وأجيب بأن منشأ هذا الاعتراض عدم الفرق بين السبب والعلم الموجبة ، والفرق مثل الصبح ظاهر فإن السبب وسيلة محضة لا يوجب حصول المسبب كما أن القلم سبب الكتابة غير موجب إياها ، والعدل اللازم من نفي الظلم سبب لعذاب المستحق وإن لم يوجبه.\rفالاستدلال بعدم الإيجاب على عدم السببية فاسد جداً ، وأما قولهم في العدل المقتضي الخ فهو بيان لمقتضاه إذا خلى وطبعه ، وتقرير لكونه وسيلة ولا يلزم منه إيجاب الاثابة والمعاقبة على ما ينبىء عنه قوله سبحانه في الحديث القدسي : \" سبقت رحمتي غضبي \" ، وخلاصة هذا أن الملازمة بين المقدم والتالي في القياس الاستثنائي ممنوعة بأنه لم لا يجوز أن لا يكون ترك التعذيب ظلماً ويكون نفي الظلم سبباً بأن يكون السبب سبباً غير موجب ولا محذور حينئذ.","part":18,"page":364},{"id":7855,"text":"لا يقال يحتمل أن يكون مبنى ذلك الاعتراض على المفهوم المعتبر عند الشافعي لا على كون السبب موجباً لأنا نقول : إن أريد بالمفهوم مفهوم قوله سبحانه : { وَأَنَّ الله } الخ فنقول : حاصله أن العدل سبب لعذاب المستحقين ، والمفهوم منه أن العدل لا يكون سبباً لعذاب غير المستحقين وهو معنى متفق عليه لا نزاع فيه ، وإن أريد أن المفهوم من قولنا سبب تعذيبهم كونه تعالى غير ظالم أنه تعالى لو لم يعذبهم لكان ظالماً فنقول هو مع بعده عن سياق كلام المعترض من قبيل الاستدلال بانتفاء السبب على انتفاء المسبب فيكون مبنياً على كون المراد بالسبب السبب الموجب كما قلنا ويرد عليه ما أوردناه ولا يكون من باب المفهوم في شيء وإن أريد غير هذا وذاك فليبين حتى نتكلم عليه ، ومن الناس من دفع الاعتراض بأن حاصل معنى الآية وقع العذاب عليكم ولم يترك بسبب أن الله تعالى ليس بظلام للعبيد وهو بمنطوقه يدل على أن نفي الظلم لا يكون سبباً لترك التعذيب من مستحقه ولا يدل على كون الظلم سبباً لترك التعذيب بل له سبب آخر وهو لطفه تعالى فلا يرد الاعتراض ، وأنت تعلم بأن هذا ذهول عن مقصود المعترض أيضاً فإنّ دلالة الكلام على كون الظلم سبباً لترك التعذيب وعدمها خارج عن مطمح نظره على ما عرفت من تقرير كلامه على أنه إذا كان المراد بالسبب السبب الموجب على ما هو مبنى كلام ذلك المولى فدلالته عليه ظاهرة فإن وجود السبب الموجب كما يكون سبباً لوجود المسبب يكون عدمه سبباً لعدمه كما في طلوع الشمس ووجود النهار فالعدل أعني نفي الظلم إذا كان سبباً لتعذيب المستحق يكون عدمه أعني الظلم سبباً لعدم التعذيب ، وقيل : إنه عطف على ما قدمت للدلالة على أن سببية ذنوبهم لعذابهم مقيِّدة بانتفاء ظلمه تعالى إذ لولاه لأمكن أن يعذبهم بغير ذنوبهم لا أن لا يعذبهم بذنوبهم.","part":18,"page":365},{"id":7856,"text":"وتعقبه أيضاً مولانا شيخ الإسلام بقوله : وأنت خبير بأن إمكان تعذيبه تعالى لعبيده بغير ذنب بل وقوعه لا ينافي كون تعذيب هؤلاء الكفرة بسبب ذنوبهم حتى يحتاج إلى اعتبار عدمه معه ، وإنما يحتاج إلى ذلك إن كان المدعي أن جميع تعذيباته تعالى بسبب ذنوب المعذبين انتهى ، ولا يخفى عليك أن أن لا يعذبهم بذنوبهم في كلام القيل معطوف على قوله : أن يعذبهم ، والمعنى أن ذكر هذا القيد رفع احتمال أن يعذبهم بغير ذنوبهم لاحتمال أن لا يعذبهم بذنوبهم فإنه أمر حسن شرعاً وعقلاً.\rوقوله : للدلالة على أن سببية ذنوبهم لعذابهم مقيدة الخ أراد به أن تعينه للسببية إنما يحصل بهذا القيد إذ بإمكان تعذيبه بغير ذنب يحتمل أن يكون سبب التعذيب إرادة العذاب بلا ذنب فيكون حاصل معنى الآية إن عذابكم هذا إنما نشأ من ذنوبكم لا من شيء آخر ، فإذا علمت هذا ظهر لك أن تزييف المولى كلام صاحب القيل بأن إمكان تعذيبه تعالى الخ ناشىء عن الغفلة عن مراده ، فإن كلامه ليس في منافاة هذين الأمرين بحسب ذاتهما بل في منافاة احتمال التعذيب بلا ذنب لتعين سببية الذنوب له وكذا قوله عقيب ذلك ، وإنما يحتاج إلى ذلك إن كان المدعي الخ ناشىء عن الغفلة أيضاً لأن الاحتياج إلى ذلك القيد في كل من الصورتين إنما هو لتقريع المخاطبين وتبكيتهم في الاعتراف بتقصيراتهم بأنه لا سبب للعذاب إلا من قبلهم.","part":18,"page":366},{"id":7857,"text":"فالقول بالاحتياج في صورة وعدمه في صورة ركيك جداً ، ثم إنه لا تدافع بين هذا القيل وبين ما نقل أولاً عن فحول المفسرين حيث جعل المعطوف هناك سبباً وههنا قيداً للسبب لأن المراد بالسبب الوسيلة المحضة كما أشرنا إليه فيما سبق فهو وسيلة سواء اعتبر سبباً مستقلاً أو قيداً للسبب ، نعم بينهما على ما سيأتي إن شاء الله تعالى تدافع يتراءى من وجه آخر لكنه أيضاً غير وارد كما سنحققه بحوله تعالى.","part":18,"page":367},{"id":7858,"text":"والحاصل أن العطف هنا مما لا بأس به وهو الظاهر وإليه ذهب من ذهب ويجوز أن يجعل وإليه ذهب شيخ الإسلام أن وما بعدها في محل الرفع على أنه خبر لمبتدأ محذوف ، والجملة اعتراض تذييلي مقرر لمضمون ما قبلها أي والأمر أنه تعالى ليس بمعذب لعبيده بغير ذنب من قبلهم ، والتعبير عن ذلك بنفي الظلم مع أن تعذيبهم بغير ذنب ليس بظلم على ما تقرر من قاعدة أهل السنة فضلاً عن كونه ظالماً بالغاً لبيان كمال نزاهته تعالى عن ذلك بتصويره بصورة ما يستحيل صدوره عنه تعالى من الظلم كما يعبر عن ترك الإثابة على الأعمال بإضاعتها مع أن الأعمال غير موجبة للثواب حتى يلزم من تخلفه عنها إضاعتها ، وصيغة المبالغة لتأكيد هذا المعنى بإبراز ما ذكر من التعذيب بغير ذنب في صورة المبالغة في الظلم ، ومن هنا يعلم الجواب عما قيل : إن نفي نفس الظلم أبلغ من نفي كثرته ونفي الكثرة لا ينفي أصله بل ربما يشعر بوجوده ، وأجيب عن ذلك أيضاً بأنه نفي لأصل الظلم وكثرته باعتبار آحاد من ظلم فالمبالغة في ظلام باعتبار الكمية لا الكيفية ، وبأنه إذا انتفى الظلم الكثير انتفى القليل لأن من يظلم يظلم للانتفاع بالظلم فإذا ترك كثيره مع زيادته نفعه في حق من يجوز عليه النفع والضر كان لقليله مع قلة نفعه أكثر تركاً ، وبأن ظلام للنسب كعطار أي لا ينسب إليه الظلم أصلاً وبأن كل صفة له تعالى في أكمل المراتب فلو كان تعالى ظالماً سبحانه لكان ظلاماً فنفى اللازم لنفي الملزوم ، واعترض بأنه لا يلزم من كون صفاته تعالى في أقصى مراتب الكمال كون المفروض ثبوته كذلك بل الأصل في صفات النقص على تقدير ثبوتها أن تكون ناقصة ، وأجيب بأنه إذا فرض ثبوت صفة له تعالى تفرض بما يلزمها من الكمال ، والقول بأن هذا في صفات الكمال دون صفات النقص إنما يوجب عدم ثبوتها لا ثبوتها ناقصة ، وسيأتي\rإن شاء الله تعالى تتمة الكلام في هذا المقام. أ هـ {روح المعانى حـ 4 صـ 142 ـ 144}","part":18,"page":368},{"id":7859,"text":"فائدة\rقال الفخر :\rاعلم أن ذكر الأيدي على سبيل المجاز ، لأن الفاعل هو الإنسان لا اليد ، إلا أن اليد لما كانت آلة الفعل حسن إسناد الفعل اليها على سبيل المجاز ، ثم في هذه الآية ذكر اليد بلفظ الجمع فقال : {بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ} وفي آية أخرى ذكر بلفظ التثنية فقال : {ذلك بِمَا قَدَّمَتْ يَدَاكَ} [ الحج : 10 ] والكل حسن متعارف في اللغة. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 9 صـ 98}\rفصل\rقال ابن عطية :\rوقوله تعالى : { ذلك بما قدمت أيديكم } توبيخ وتوقيف داخل فيما يقال لهم يوم القيامة ، ويحتمل أن يكون خطاباً لمعاصري النبي عليه السلام يوم نزول الآية ، ونسب هذا التقديم إلى اليد إذ هي الكاسبة للأعمال في غالب أمر الإنسان ، فأضيف كل كسب إليها ، ثم بين تعالى : أنه يفعل هذا بعدل منه فيهم ووضع الشيء موضعه ، والتقدير : وبأن الله { ليس بظلام للعبيد } وجمع \" عبداً \" في هذه الآية على عبيد ، لأنه مكان تشفيق وتنجية من ظلم. أ هـ {المحرر الوجيز حـ 1 صـ 548 ـ 549}\rسؤال : فإن قيل : كيف قال : {وأن الله ليس بظلام للعبيد} و{ظلام} صيغة مبالغة من الظلم . ولا يلزم من نفى الظلام نفى الظالم ؛ وعلى العكس يلزم . فهلا قيل : ليس بظالم ليكون أبلغ فى نفى الظلم عن ذاته المقدسة ؟\rقلنا : صيغة المبالغة جىء بها لكثرة العبيد لا لكثرة الظلم ، كما فى قوله تعالى { ولا يظلم ربك أحدا} وقال {علام الغيب} و{علام الغيوب} لما أفرد المفعول لم يأت بصيغة المبالغة ، ولما جمعه أتى بصيغة المبالغة .\rونظيره قولهم : زيد ظالم لعبده ، وعمرو ظلام لعبيده ؛ فهما فى الظلم سيان . وكذا قوله تعالى {محلقين رؤوسكم} ، فشدد لكثرة الفاعلين لا لتكرر الفعل.\rالثانى : أن العذاب من العظيم القدر وكثير العدل لولا سبق الجناية يكون أفحش وأقبح من الظلم ممن ليس عظيم القدر كثير العدل . فيطلق عليه اسم الظلام باعتبار زيادة قبح الفعل منه لا باعتبار تكرره.\rفحاصله زيادة صيغته . فأصل الظلم ـ لو وجد من الله تعالى وتقدس ـ لكان أعظم من ألف ظلم يوجد من عبيده باعتبار زيادة وصف القبح. أ هـ {تفسير الرازى صـ 70 ـ 71}\rنظيره قوله تعالى {وحملها الإنسان إنه كان ظلوما جهولا} .\r\rفوائد لغوية\rقال ابن عادل :\rقوله : { قالوا إِنَّ } العامل في \" إنَّ هو \" قاَلُوا \" ف \" إنَّ \" وما في حيِّزها منصوب المحل بـ \" قَالُوا \" لا بالقول ، وأجاز أبو البقاء أن تكون المسألة من باب التنازع ، أعني بين المصدر ، وهو \" قَوْلَ \" وبين الفعلِ وهو \" قَالُوا \" تَنَازعَا في \" إنَّ \" لأنه مصدر ، وهذا يُخَرَّج على قول الكوفيين في إعمال الأول ، وهو قولٌ ضعيفٌ ، ويزداد هنا ضَعفاً بأنَّ الثاني فِعْل ، والأول مصدرٌ ، وإعمال الفعل أَقْوَى \".","part":18,"page":369},{"id":7860,"text":"وظاهر كلامه أن المسألة من التنازع ، و'نما الضعف عنده من جهة إعمالِ الأولِ ، فلو قدَّرْنا إعمال الثاني لكان ينبغي أن يجوز عنده ، لكنه منع من ذلك مانع آخر ، وهو أنه إذا احتاج الثاني إلى ضمير المتنازع فيه أخذه ، ولا يجوز حذفه ، وهو - هنا - غير مذكور ، فدلَّ على أنها ليستْ عنده من التنازع على قول الكوفيين ، وهو ضعيفٌ كما ذكر.\rوانظر كيف أكَّدوا الجملةَ المشتملة على ما أسندوه إليه - تعالى - وإلى عدم ذلك فيما أسندوه لأنفسهم كأنه عند الناس أمر معروف.\rقوله : { سَنَكْتُبُ } قرأ حمزة بالياء ، مبنياً لما لم يُسَمَّ فاعله ، و\" ما \" وصلتها قائم مقام الفاعل ، و\" قَتْلُهم \" - بالرفع - عَطْفاً على الموصول ، و\" يَقُولُ \" - بياء الغيبة - والمعنى : سيحفظ عليهم. والباقون بالنون للمتكلم العظيم ، ف \" ما \" منصوبة المحل ، و\" قَتْلَهُمْ \" بالنصب عَطْفاً عليها ، و\" نَقُولُ \" بالنون - والمعنى : سنأمر الحفظةَ بالكتابةِ.\rوقرأ طلحة بن مُصَرَِّف \" سَتُكْتَبُ \" - بتاء التأنيث - على تأويل \" مَا قَالُوا \" بـ \" مَقَالَتُهُمْ \". وقرأ ابن مسعود - وكذلك هي في مصحفه - سنكتب ما يقولون ويقال. والحسنُ والعرج \" سَيَكْتُب \" - بالغيبة - مبنياً للفاعل ، أي : الله تعالى : أو الملك.\rو \" ما \" - في جميع ذلك - يجوز أن تكون موصولة اسمية - وهو الظاهر - وحذف العائدُ لاستكمال شروطِ الْحَذْفِ ، تقديره : سنكتب الذي يقولونه - ويجوز أن تكون مصدرية ، أي : قولهم - ويراد به - إذ ذاك - المفعول به ، أي : مقولتهم ، كقولهم : ضَرْب الأمير.\r","part":18,"page":370},{"id":7861,"text":"قوله : { ذلك بِمَا قَدَّمَتْ } مبتدأ وخبر ، تقديره : ذلك مستحق بما قدمت ، كذا قدره أبو البقاء ، وفيه نظر. و\" ما \" يجوز أن تكون موصولة ، وموصوفة ، و\" ذلك \" إشارةٌ إلى ما قدَّم من عقابهم ، وهذه الجملة تحتملُ وجهينِ : \rأحدهما : أن تكون في محلِّ نَصْبٍ بالقول ؛ عَطْفاً على \" ذُوقُوا \" كأنه قيل : ونقول لهم - أيضاً - ذلك بما قدمت أيديكم ، وُبِّخُوا بذلك ، وذكر لهم السبب الذي أوجب العقاب.\rالثاني : أن لا تكونَ داخلةً في حكاية القولِ ، بل تكون خطاباً لمعاصري رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم نزولِ الآيةِ. وذكرت الأيدي ؛ لأن أكثرَ الأعمال تُزاوَل بها ، قال القرطبيُّ : \" وخص الأيدي بالذكر ؛ ليدل على تَوَلي الفعل ومباشرته ؛ إذ قد يضاف الفعلُ إلى الإنسان بمعنى أنه أمر به ، كقوله : { يُذَبِّحُ أَبْنَآءَهُمْ } [ القصص : 4 ] وأصل \" أيْدِيكُمْ \" أيْدِيُكُم ، فحُذِفت الضمةُ ؛ لثقلها.\rقوله : { وَأَنَّ الله لَيْسَ بِظَلاَّمٍ لِّلْعَبِيدِ } عطف على \" ما \" المجرورة بالباء ، أي : ذلك العقاب حاصل بسبب كَسْبكم ، وعدم ظُلْمه لكم.\rفإن قيل : إن \" ظلاماً \" صيغة مبالغة ، تقتضي التكثير ، فهي أخص من \" ظالم \" ، ولا يلزم من نفي الأخص نفي الأعم ، فإذا قلت : زيد ليس بظلامٍ ، أي : ليس كثير الظُّلم - مع جواز أن يكون ظالماً وإذا قُلْتَ : ليس بظالم ، انتفى الظلم من أصله فكيف قال تعالى : { لَيْسَ بِظَلاَّمٍ لِّلْعَبِيدِ } ؟ فالجوابُ من وجوهٍ : \rالأول : أن \" فَعَّالاً \" قد لا يُراد به [ التكثير ] ، كقول طرَفة : [ الطويل ]\rوَلَسْتُ بِحَلاَّلِ التِّلاَعِ مَخَافَةً... وَلكِنْ مَتَى يَسْتَرْفِدِ الْقَوْمَ أرْفِدِ\r","part":18,"page":371},{"id":7862,"text":"لا يريد - هنا - أنه قد يحل التلاع قليلاً ؛ لأن ذلك يدفعه آخر البيت الذي يدل على نَفْي البخل على كل حالٍ ، وأيضاً تمام المدح لا يحصل بإرادة الكثرة.\rالثاني : أنه للكثرة ، ولكنه لما كان مقابلاً بالعباد - وهم كثيرون - ناسب أن يقابلَ الكثيرَ بالكثيرِ.\rالثالث : أنه إذا نفي الظلم الكثير انتفى الظلم القليلُ ضرورة ؛ لأن الذي يظلم إنما يظلم إنما يظلم لانتفاعه بالظلم فإذا ترك الظلم الكثير مع زيادة نفعه في حق مَنْ يجوز عليه النفع والضر - كان للظلم القليل المنفعة أترك.\rالرابع : أن يكون على النسب ، أي : لا يُنسَب إليه ظُلم ، فيكون من باب بَزَّازٍ وعَطَّارٍ ، كأنه قيل : ليس بذي ظلم ألبتة. ذكر هذه الأربعة أبو البقاء.\rوقال القاضي أبو بكرٍ : العذاب الذي توعد أن يفعلَه بهم ، لو كان ظُلْماً لكان عظيماً ، فنفاه على حَدِّ عِظْمِه لو كان ثابتاً.\rوقال الراغبُ : \" العبيد - إذا أُضيف إلى الله تَعَالَى - أعم من العباد ، ولهذا قال : { وَمَآ أَنَاْ بِظَلاَّمٍ لِّلْعَبِيدِ } [ ق : 29 ] فنبَّه على أنه لا يظلم من تخصص بعبادته ، ومن انتسب إلى غيره من الذين يُسَمَّون بعبد الشمس وعبد اللات ونحو ذلك \".\rوكأن الراغبَ قد قدّم الفرق بين \" عبيد \" و\" عباد \" فقال : وجمع العَبْد - الذي هو مسترق - عبيد وقيل : عِبِدَّى وجمع العبَدْ - الذي هو العابد - عباد ، وقد تقدم اشتقاقُ هذه اللَّفْظَةِ وجموعها وبقية الوجوه مذكورة في سورة \" ق \". أ هـ {تفسير ابن عادل حـ 6 صـ 88 ـ 92}. بتصرف.","part":18,"page":372},{"id":7863,"text":"من لطائف الإمام القشيرى فى الآيتين\rقال عليه الرحمة :\r{ لَقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ سَنَكْتُبُ مَا قَالُوا وَقَتْلَهُمُ الْأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَنَقُولُ ذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ (181) ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ (182)}\rهذا الخطاب لو كان بين المخلوقين لكان شكوى. والشكوى إلى الأولياء من الأعداء سُنَّةُ الأحباب.\rويقال علم أن في المؤمنين مَنْ يغتاب الناس ، وذلك قبيح من قالتهم ، فَأَظْهَرَ قُبْحاً فوق ذلك ليتصاغر قبح قول المؤمنين بالإضافة إلى قبح قول الكفار ، فكأنه قال : لئن قبحت قالتهم في الاغتياب فأقبحُ من قولهم قولُ الكفار حيث قالوا في وصفنا ما لا يليق بنعمتنا.\rوفيه أيضاً إشارة إلى الدعاء إلى الخَلْق ، والتجاوز عن الخَصْم ، فإن الله - سبحانه - لم يسلبهم ما أولاهم مع قبيح ما ارتكبوه من التقصير في حقوقه.\rقوله : { سَنَكْتُبُ مَا قَالُوا } : هذه الكلمة من موجبات الخجلة لأهل التقصير بأدقّ إشارة ؛ يعني أنهم وإنْ نَسُوا أحوالهم وأقوالَهم فإنا ننشر لهم ما كتبنا عليهم قال قائلهم :\rصحائفُ عِنْدِي للعِتاب طويتها... سَتُنْشَرُ يوماً والعتابُ يطولُ\rسأصبر حتى يجمع الله بيننا... فإنْ نلتقِ يوماً فسوف أقول\rقوله : { ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ وَأَنَّ اللهَ لَيْسَ بِظَلاَّمٍ للعَبِيدِ } هذا لو كان من مخلوقٍ مع مخلوق لأشبه العذر مما عمله به ، فكأنه - سبحانه - يقول : \" عبدي : هذا الذي تلقاه - اليوم - من العقوبة لأن الذنب لك ، ولو لم تفعله لما عذَّبنُك \". أ هـ {لطائف الإشارات حـ 1 صـ 300 ـ 301}","part":18,"page":373},{"id":7864,"text":"قوله تعالى { الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ عَهِدَ إِلَيْنَا أَلَّا نُؤْمِنَ لِرَسُولٍ حَتَّى يَأْتِيَنَا بِقُرْبَانٍ تَأْكُلُهُ النَّارُ قُلْ قَدْ جَاءَكُمْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِي بِالْبَيِّنَاتِ وَبِالَّذِي قُلْتُمْ فَلِمَ قَتَلْتُمُوهُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (183)}\rمناسبة الآية لما قبلها\rقال البقاعى :\rولما كان القربان من جنس النفقات ومما يتبين به سماح النفوس وشحها حسن نظم آية القربان هنا بقوله - رادّاً شبة لهم أخرى ومبيناً قتلهم الأنبياء : {الذين قالوا} تقاعداً عما يجب عليهم من المسارعة بالإيمان {إن الله} أي الذي لا أمر لأحد معه {عهد إلينا} وقد كذبوا في ذلك {ألا نؤمن لرسول} أي كائن من كان {حتى يأتينا بقربان} أي عظيم نقربه لله تعالى ، فيكون متصفاً بأن {تأكله النار} عند تقريبه له وفي ذلك أعظم بيان لأنهم ما أرادوا - بقولهم {إن الله فقير} حيث طلب الصدقة - إلا التشكيك حيث كان التقرب إلى الله بالمال من دينهم لاذي يتقربون إلى الله به ، بل وادعوا أنه لا يصح دين بغيره.\rولما افتروا هذا التشكيك أمر سبحانه بنقضه بقوله : {قل قد جاءكم رسل} فضلاً عن رسول.","part":18,"page":374},{"id":7865,"text":"ولما كانت مدتهم لم تستغرق الزمان الماضي أثبت الجار فقال {من قبلي} كزكريا وابنه يحيى وعيسى عليه السلام {بالبينات} أي من المعجزات {وبالذي قلتم} أي من القربان فإن الغنائم لم تحل - كما في الصحيح - لأحد كان قبلنا ، فلم تحل لعيسى عليه السلام فلم تكن مما نسخه من أحكام التوراة ، وقد كانت تجمع فتنزل نار من السماء فتأكلها إلا إن وقع فيها غلول {فلم قتلتموهم} أي قتَلَهم أسلافكم ورضيتم أنتم بذلك فشاركتموهم فيه {إن كنتم صادقين} أي في أنكم تؤمنون لمن أتاكم على الوجه الذي ذكرتموه ، وفي ذلك رد على الفريقين : اليهود المدعين أنهم قتلوه الزاعمين أنه عهد إليهم في الإيمان بمن أتاهم بذلك ، والنصارى المسلمين لما ادعى اليهود من قتله المستلزم لكونه ليس بإله. أ هـ {نظم الدرر حـ 2 صـ 190}\rوقال الفخر :\rاعلم أن هذه هي الشبهة الثانية للكفار في الطعن في نبوته صلى الله عليه وسلم ، وتقريرها أنهم قالوا : إن الله عهد إلينا أن لا نؤمن لرسول حتى يأتينا بقربان تأكله النار ، وأنت يا محمد ما فعلت ذلك فوجب أن لا تكون من الأنبياء ، فهذا بيان وجه النظم. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 9 صـ 98}\rفصل\rقال الفخر :\rقال ابن عباس : نزلت هذه الآية في كعب بن الأشرف ، وكعب بن أسد ومالك بن الصيف ، ووهب بن يهوذا ، وزيد بن التابوب ، وفنحاص بن عازوراء وغيرهم ، أتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقالوا : يا محمد تزعم أنك رسول الله وأنه تعالى أنزل عليك كتاباً ، وقد عهد إلينا في التوراة أن لا نؤمن لرسول حتى يأتينا بقربان تأكله النار ، ويكون لها دوي خفيف ، تنزل من السماء ، فإن جئتنا بهذا صدقناك ، فنزلت هذه الآية.","part":18,"page":375},{"id":7866,"text":"قال عطاء : كانت بنو اسرائيل يذبحون لله ، فيأخذون الثروب وأطايب اللحم فيضعونها في وسط بيت ، والسقف مكشوف فيقوم النبي في البيت ويناجي ربه ، وبنو اسرائيل خارجون واقفون حول البيت فتنزل نار بيضاء لها دوي خفيف ولا دخان لها فتأكل كل ذلك القربان.\rواعلم أن للعلماء فيما ادعاه اليهود قولين :\rالأول وهو قول السدى : أن هذا الشرط جاء في التوراة ولكنه مع شرط ، وذلك أنه تعالى قال في التوراة : من جاءكم يزعم أنه نبي فلا تصدقوه حتى يأتيكم بقربان تأكله النار إلا المسيح ومحمدا عليهما السلام.\rفإنهما إذا أتيا فآمنوا بهما فإنهما يأتيان بغير قربان تأكله النار.\rقال : وكانت هذه العادة باقية إلى مبعث المسيح عليه السلام ، فلما بعث الله المسيح ارتفعت وزالت.\rالقول الثاني : إن ادعاء هذا الشرط كذب على التوراة ، ويدل عليه وجوه :\rأحدها : أنه لو كان ذلك حقاً لكانت معجزات كل الأنبياء هذا القربان ، ومعلوم أنه ما كان الأمر كذلك ، فإن معجزات موسى عليه السلام عند فرعون كانت أشياء سوى هذا القربان.\rوثانيها : أن نزول هذه النار وأكلها للقربان معجزة فكانت هي وسائر المعجزات على السواء ، فلم يكن في تعيين هذه المعجزة وتخصيصها فائدة ، بل لما ظهرت المعجزة القاهرة على يد محمد عليه الصلاة والسلام وجب القطع بنبوته سواء ظهرت هذه المعجزة أو لم تظهر.\rوثالثها : أنه إما أن يقال إنه جاء في التوراة أن مدعي النبوة وإن جاء بجميع المعجزات فلا تقبلوا قوله إلا أن يجيء بهذه المعجزة المعينة ، أو يقال جاء في التوراة أن مدعي النبوة يطالب بالمعجزة سواء كانت المعجزة هي مجيء النار ، أو شيء آخر ، والأول باطل ، لأن على هذا التقدير لم يكن الاتيان بسائر المعجزات دالا على الصدق ، وإذا جاز الطعن في سائر المعجزات جاز الطعن أيضاً في هذه المعجزة المعينة.","part":18,"page":376},{"id":7867,"text":"وأما الثاني : فإنه يقتضي توقيت الصدق على ظهور مطلق المعجزة ، لا على ظهور هذه المعجزة المعينة ، فكان اعتبار هذه المعجزة عبثا ولغوا ، فظهر بما ذكرنا سقوط هذه الشبهة بالكلية ، والله أعلم. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 9 صـ 98 ـ 99}\rفصل\rقال الفخر :\rقال الواحدي رحمه الله : القربان البر الذي يتقرب به إلى الله ، وأصله المصدر من قولك قرب قربانا ، كالكفران والرجحان والخسران ، ثم سمى به نفس المتقرب به ، ومنه قوله عليه الصلاة والسلام لكعب بن عجرة \" يا كعب الصوم جُنَّةٌ والصلاة قربان \" أي بها يتقرب إلى الله ويستشفع في الحاجة لديه.\rواعلم أنه تعالى أجاب عن هذه الشبهة فقال : {قُلْ قَدْ جَاءكُمْ رُسُلٌ مِّن قَبْلِى بالبينات وبالذى قُلْتُمْ فَلِمَ قَتَلْتُمُوهُمْ إِن كُنتُمْ صادقين}. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 9 صـ 99}\rفصل\rقال الفخر :","part":18,"page":377},{"id":7868,"text":"اعلم أنه تعالى بين بهذه الدلائل أنهم يطلبون هذه المعجزة لا على سبيل الاسترشاد ، بل على سبيل التعنت ، وذلك لأن أسلاف هؤلاء اليهود طلبوا هذا المعجز من الأنبياء المتقدمين مثل زكريا وعيسى ويحيى عليهم السلام ، وهم أظهروا هذا المعجز ، ثم إن اليهود سعوا في قتل زكرياء ويحيى ، ويزعمون أنهم قتلوا عيسى عليه السلام أيضاً ، وذلك يدل على أن أولئك القوم إنما طلبوا هذا المعجز من أولئك الأنبياء على سبيل التعنت ، إذ لو لم يكن كذلك لما سعوا في قتلهم ، ثم إن المتأخرين راضون بأفعال أولئك المتقدمين ومصوبون لهم في كل ما فعلوه ، وهذا يقتضي كون هؤلاء في طلب هذا المعجز من محمد عليه الصلاة والسلام متعنتين ، وإذا ثبت أن طلبهم لهذا المعجز وقع على سبيل التعنت لا على سبيل الاسترشاد ، لم يجب في حكمة الله إسعافهم بذلك ، لا سيما وقد تقدمت المعجزات الكثيرة لمحمد صلى الله عليه وسلم ، وهذا الجواب شاف عن هذه الشبهة. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 9 صـ 99}\rفائدة\rقال الفخر :\rالمراد بقوله : {وبالذى قُلْتُمْ} هو ما طلبوه منه ، وهو القربان الذي تأكله النار.","part":18,"page":378},{"id":7869,"text":"واعلم أنه تعالى لم يقل : قد جاءكم رسل من قبلي بالذي قلتم ، بل قال : {قَدْ جَاءكُمْ رُسُلٌ مِّن قَبْلِى بالبينات وبالذى قُلْتُمْ} والفائدة : أن القوم قالوا : إن الله تعالى وقف التصديق بالنبوة على ظهور القربان الذي تأكله النار ، فلو أن النبي عليه الصلاة والسلام قال لهم : إن الأنبياء المتقدمين أتوا بهذا القربان ، لم يلزم من هذا القدر وجوب الاعتراف بنبوتهم ، لاحتمال أن الإتيان بهذا القربان شرط للنبوة لا موجب لها ، والشرط هو الذي يلزم عند عدمه عدم المشروط ، لكن لا يلزم عند وجوده وجود المشروط ، فثبت أنه لو اكتفى بهذا القدر لما كان الإلزام واردا ، أما لما قال : {قَدْ جَاءكُمْ رُسُلٌ مِّن قَبْلِى بالبينات وبالذى قُلْتُمْ} كان الإلزام واردا ، لأنهم لما أتوا بالبينات فقد أتوا بالموجب للتصديق ، ولما أتوا بهذا القربان فقد أتوا بالشرط ، وعند الإتيان بهما كان الإقرار بالنبوة واجبا ، فثبت أنه لولا قوله : {جَاءكُمْ. ..\rبالبينات} لم يكن الإلزام واردا على القوم ، والله أعلم. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 9 صـ 100}\rمن فوائد ابن عاشور فى الآية\rقال رحمه الله :\rأبدل { الذين قالوا إن الله عهد } من { الذين قالوا إن الله فقير } [ آل عمران : 181 ] لذكر قولة أخرى شنيعة منهم ، وهي كذبهم على الله في أنّه عهد إليهم على ألسنة أنبيائهم أنّ لا يؤمنوا لرسول حتّى يأتيهم بقربان ، أي حتّى يذبح قرباناً فتأكله نار تنزل من السماء ، فتلك علامة القبول ، وقد كان هذا حصل في زمن موسى عليه السلام حين ذُبح أوّل قربان على النحو الذي شَرعه الله لبني إسرائيل فخرجت نار من عند الرّب فأحرقتْه.\rكما في سفر اللاويين.\rإلاّ أنه معجزة لا تطّرد لسائر الأنبياء كما زعمه اليهود لأنّ معجزات الرسل تجيء على ما يناسب تصديق الأمّة.","part":18,"page":379},{"id":7870,"text":"وفي الحديث : \" ما من الأنبياء نبيء إلاّ أوتي من الآيات ما مثله آمَن عليه البشر ، وإنّما كان الذي أوتيتُ وحْياً أوحى الله إليّ ، فأرجو أن أكون أكثرَهم تابعاً يوم القيامة \" فقال الله تعالى لنبيّه : { قل قد جاءكم رسل من قبلي بالبينات وبالذي قلتم فلم قتلتموهم }.\rوهذا الضرب من الجدل مبنيّ على التسليم ، أي إذا سلّمنا ذلك فليس امتناعكم من اتّباع الإسلام لأجل انتظار هذه المعجزة فإنّكم قد كذّبتم الرسل الذين جاؤوكم بها وقتلتموهم ، ولا يخفي أنّ التسليم يأتي على مذهب الخصم إذ لا شكّ أنّ بني إسرائيل قتلوا أنبياء منهم بعد أن آمنوا بهم ، مثل زكرياء ويحيى وأشعياء وأرمياء ، فالإيمان بهم أوّل الأمر يستلزم أنهم جاؤوا بالقُربان تأكله النار على قولهم ، وقتلهم آخراً يستلزم أنّ عدم الثبات على الإيمان بالأنبياء شنشنة قديمة في اليهود وأنّهم إنّما يتّبعون أهواءهم ، فلا عجب أن يأتي خلَفُهم بمثل ما أتى به سلفهم.\rوقوله : { إن كنتم صادقين } ظاهر في أنّ ما زعموه من العهد لهم بذلك كذب ومعاذير باطلة.\rوإنّما قال : { وبالذي قلتم } عُدل إلى الموصول للاختصار وتسجيلاً عليهم في نسبة ذلك لهم ونظيره قوله تعالى : { وقال لأوتينّ مالاً وولَداً إلى قوله : ونرثه ما يقول } [ مريم : 77 ، 80 ] أي نرث ماله وولده. أ هـ {التحرير والتنوير حـ 3 صـ 299}\rفوائد لغوية\rقال ابن عادل :\rيجوز في محل \" الذِينَ \" الألقاب الثلاثة ، فالجَرّ من ثلاثة أوجهٍ :\rالأول : أنه صفة للفريق المخصوصين بإضافة \" قَوْلَ \" إليه - في قوله : \" قول الذين قالوا \".\rالثاني : أنه بدل منه.\rالثالث : أنه صفة لـ \" الْعَبِيد \" أي : ليس بظلاَّم للعبيد الذين قالوا كيتَ وكيتَ ، قاله الزَّجَّاجُ قال ابنُ عطيَّة : \" وهذا مفسد للمعنى والوصف \".","part":18,"page":380},{"id":7871,"text":"والرفعُ على القطع - بإضمار مبتدأ - أي : هم الذين ، وكذلك النصب على القطع - أيضاً - بإضمار فعلٍ لائقٍ ، أي : أذم الذين.\rقوله : \" أن لا نؤمن \" في \" أنْ \" وجهان : \rأحدهما : أنها عَلَى حَذْف حرف الجرِّ ، والأصل : في أن لا نؤمنَ ، وحينئذ يجيء فيها المذهبانِ المشهورانِ أهي في محلِّ جَرٍّ ، أو نَصْبٍ.\rالثاني : أنها مفعول بها ، على تَضْمين \" عَهِدَ \" معنى ألزم ، تقول : عهدت إليه كذا - أي : ألزمته إياه - فهي - على هذا - في محل نصب فقط.\rو \" أن \" تُكْتَب متصلة ، ومنفصلة ، اعتباراً بالأصل ، أو بالإدغام. ونقل أبو البقاء أن منهم من يَحذفُها في الخط ، اكتفاءً بالتشديد ، وحكى مكي - عن المبرد - أنَّها إن أدُغِمَتْ بغير غنة كتبت متصلة ، إلا فمنفصلة. ونُقِل عن بعضهم أنها كانت مخففة كتبت منفصلة وإن كانت ناصبة كتبت متصلة.\rوالفرق أن المخففةَ مَعَهَا ضمير مقدر ، فكأنه فاصل بينهما ، بخلاف الناصبة ، وقول أهل الخط - في مثل هذا - : تكتب متصلة ، عبارة عن حَذْفها في الخط بالكلية ؛ اعتباراً بلفظ الإدغام ، لا أنهم يكتبون [ متصلة ] ، ويثبتون لها بعضَ صورتها ، فيكتبون : أنْلاَ ، والدليل على ذلك أنهم لما قالوا في \" أم من \" و\" أم ما \" ونحوه بالاتصال ، إنما يعنون به كتابة حرف واحدٍ ، فيكتبون أمَّن ، وأما ، وفَهم أبو البقاء أن الاتصالَ في ذلك عبارة عن كتابتهم لها في بعض صورتها ملتصقة بـ \" لا \" ، والدليل على أنه فهم ذلك أنه قال : ومنهم مَنْ يحذفها في الخط ؛ اكتفاءً بالتشديد.\rفجعل الحذف قسيماً للفصل والوصل ، ولا يقول أحَدٌ بهذا.\rوتعدى \" نؤمن \" باللام ؛ لتضمُّنه معنى الاعتراف. وقد تقدم في أول \" البقرة \".\rوقرأ عيسى بن عمر \" بقُرُبان \" - بضمتين - .\rقال القرطبيُّ : \" كما قيل - في جمع ظُلْمة - ظلمات وفي حجرة - حجرات \".\r","part":18,"page":381},{"id":7872,"text":"قال ابن عطيةَ : إتباعاً لضمة القاف ، وليس بِلُغَةٍ ؛ لأنه ليس في الكلام فعلان - بضم الفاء والعين - .\rوحكى سيبويه : السُّلُطان - بضمِّ اللمِ - وقال : إنّ ذلك على الإتباع.\rقال أبو حيان : \" ولم يَقل سيبويه : إن ذلك على الإتباع ، بل قال : ولا نعلم في الكلامِ فِعِلان ولا فِعُلان ، ولا شيئاً من هذا النحو ، ولكنه جاء فُعُلاَن - وهو قليل - قالوا : السلطان ، وهو اسم ، وقتل الشَّارحُ لكلام سيبويه : صاحبُ هذه اللغةِ لا يسكن ولا يُتبع ، وكذا ذَكَر التصرفيونَ أنه بناء مُسْتقل ، قالوا : فيما لحقه زيادتانِ بعد اللامِ ، وعلى فعلان - ولم يجيء فُعُلان إلا اسماً ، وهو قليلٌ ، نحو سُلُطان \".\rقال شهاب الدِّينِ : \" أما ابن عَطِيّةَ فمسلم أنه وَهِم في النقل عن سيبويه في \" سلطان \" خاصةٌ ، ولكن قوله في \" قُربَانٍ \" صحيح ولأن أهل التصريف لم يستثنوا إلا السُّلُطان \".\rوالقُرْبان - في الأصل - مصدر ، ثم سُمِّي به المفعول ، كالرَّهْن ، فإنه في الأصل مصدر ، ولا حاجة إلى حذف مضاف ، وزعم أبو البقاء أنه على حَذْف مضاف - أي : تقريب قُرْبان - قال : \" أي : يُشْرَع لنا ذلك \".\rوقوله : { تَأْكُلُهُ النار } صفة لِـ \" قُرْبَانٌ \" وإسناد الأكل إليها مجاز ، عبَّرَ عَنْ إفنائها الأشياء بالأكل.\rقوله : { مِّن قَبْلِي بالبينات } كلاهما متعلق بـ \" جَاءَكُم \" والباءُ تحتمل المعية والتعدية ، أي : مصاحبين للآيات. أ هـ {تفسير ابن عادل حـ 6 صـ 92 ـ 94}","part":18,"page":382},{"id":7873,"text":"من لطائف الإمام القشيرى فى الآية\rقال عليه الرحمة :\r{ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ عَهِدَ إِلَيْنَا أَلَّا نُؤْمِنَ لِرَسُولٍ حَتَّى يَأْتِيَنَا بِقُرْبَانٍ تَأْكُلُهُ النَّارُ قُلْ قَدْ جَاءَكُمْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِي بِالْبَيِّنَاتِ وَبِالَّذِي قُلْتُمْ فَلِمَ قَتَلْتُمُوهُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (183)}\rتقوَّلوا على الله - سبحانه - فيما تعللوا به من تَرْكِ الإيمان ، فقالوا : لقد أُمِرْنَا ألا نصدِّق أحداً إلا لو أتانا بقربان يتقرب به إلى السماء ، وتنزل نار من السماء ، فتأخذ القربان عياناً ببصر ، فقال تعالى قلْ لهم إن من تقدَّمني من الأنبياء عليهم السلام أَتَوْكم بما اقترحتم عليّ من القربان ، ثم لم تؤمنوا ، فلو أجبتكم إليه لن تؤمنوا بي أيضاً ؛ فإن مَنْ أقصته السوابق - فلو خاطَبَتْه الشمسُ بلسان فصيح ، أو سجدت له الجبالُ رآها بلحظٍ صحيح - لم يَلِجْ العرفان في قلبه ، وما ازداد إلا شكاً على شك. أ هـ {لطائف الإشارات حـ 1 صـ 301}","part":18,"page":383},{"id":7874,"text":"قوله تعالى : { فَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقَدْ كُذِّبَ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ جَاءُوا بِالْبَيِّنَاتِ وَالزُّبُرِ وَالْكِتَابِ الْمُنِيرِ (184)}\rمناسبة الآية لما قبلها\rقال البقاعى :\rولما كانت هذه السورة متضمنة لكثير من الدقائق التي أخفوها من كتابهم الذي جعلوه قراطيس ، يبدونها ويخفون كثيراً ، وفي هذه الآية بخصوصها من ذلك ما يقتضي تصديقه صلى الله عليه وسلم وكان سبحانه عالماً بأن أكثرهم يعاندون سبب عن ذلك أن سلاه في تكذيب المكذبين منهم بقوله : {فإن كذبوك} فكان كأنه قيل : هذا الذي أعلمتك به يوجب تصديقك ، فإن لم يفعلوا بل كذبوا {فقد} ولما كان السياق لإثبات مبالغتهم في الغلظة والجفاء والكفر وعدم الوفاء وكانت السورة سورة التوحيد ، والرسل متفقون عليه ، وقد أتى كل منهم فيه بأنهى البيان وأزال كل لبس أسقط تاء التأنيث لأنها ربما دلت على نوع ضعف فقال : {كذب رسل} ولما كانت تسلية الإنسان بمن قاربه في الزمان أشد أثبث الجار فقال {من قبلك} أي فلك فيهم مسلاة وبهم أسوة {جآءو بالبينات} أي من المعجزات {والزبر} أي من الصحف المضمنة للمواعظ والحكم الزواجر والرقائق التي يزبر العالم بها عن المساوي {والكتاب المنير} أي الجامع للأحكام وغيرها.\rالموضح لأنه الصراط المستقيم. أ هـ {نظم الدرر حـ 2 صـ 191}\rفصل\rقال الفخر :\rفي قوله : {فَإِن كَذَّبُوكَ} وجوه :\rأحدها : فإن كذبوك في قولك أن الأنبياء المتقدمين جاؤا إلى هؤلاء اليهود بالقربان الذي تأكله النار فكذبوهم وقتلوهم ، فقد كذب رسل من قبلك : نوح وهود وصالح وابراهيم وشعيب وغيرهم.\rوالثاني : أن المراد : فإن كذبوك في أصل النبوة والشريعة فقد كذب رسل من قبلك ، ولعل هذا الوجه أوجه ، لأنه تعالى لم يخصص ، ولأن تكذيبهم في أصل النبوة أعظم ، ولأنه يدخل تحته التكذيب في ذلك الحجاج.","part":18,"page":384},{"id":7875,"text":"والمقصود من هذا الكلام تسلية رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وبيان أن هذا التكذيب ليس أمرا مختصا به من بين سائر الأنبياء ، بل شأن جميع الكفار تكذيب جميع الأنبياء والطعن فيهم ، مع أن حالهم في ظهور المعجزات عليهم وفي نزول الكتب إليهم كحالك ، ومع هذا فإنهم صبروا على ما نالهم من أولئك الأمم واحتملوا إيذاءهم في جنب تأدية الرسالة ، فكن متأسيا بهم سالكا مثل طريقتهم في هذا المعنى ، وإنما صار ذلك تسلية لأن المصيبة إذا عمت طابت وخفت ، فأما البينات فهي الحجج والمعجزات ، وأما الزبر فهي الكتب ، وهي جمع زبور ، والزبور الكتاب ، بمعنى المزبور أي المكتوب ، يقال : زبرت الكتاب أي كتبته ، وكل كتاب زبور.\rقال الزجاج : الزبور كل كتاب ذي حكمة ، وعلى هذا : الأشبه أن يكون معنى الزبور من الزبر الذي هو الزجر ، يقال : زبرت الرجل إذا زجرته عن الباطل ، وسمي الكتاب زبوراً لما فيه من الزبر عن خلاف الحق ، وبه سمي زبور داود لكثرة ما فيه من الزواجر والمواعظ.\rوقرأ ابن عباس {وبالزبر} أعاد الباء للتأكيد وأما \"المنير\" فهو من قولك أنرت الشيء أي أوضحته. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 9 صـ 100 ـ 101}\rفائدة\rقال الفخر :\rالمراد من البينات المعجزات ثم عطف عليها الزبر والكتاب ، وهذا يقتضي أن يقال إن معجزاتهم كانت مغايرة لكتبهم ، وذلك يدل على أن أحدا من الأنبياء ما كانت كتبهم معجزة لهم ، فالتوراة والإنجيل والزبور والصحف ما كان شيء منها معجزة ، وأما القرآن فهو وحده كتاب ومعجزة ، وهذا أحد خواص الرسول عليه الصلاة والسلام. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 9 صـ 101}","part":18,"page":385},{"id":7876,"text":"فصل\rقال الفخر :\rعطف \"الكتاب المنير\" على \"الزبر\" مع أن الكتاب المنير لا بد وأن يكون من الزبر ، وإنما حسن هذا العطف لأن الكتاب المنير أشرف الكتب وأحسن الزبر ، فحسن العطف كما في قوله : {وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النبيين مِيثَاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِن نُّوحٍ} [ الأحزاب : 7 ] وقال : {مَن كَانَ عَدُوّا لّلَّهِ وملائكته وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وميكال} [ البقرة : 98 ] ووجه زيادة الشرف فيه إما كونه مشتملا على جميع الشريعة ، أو كونه باقياً على وجه الدهر ، ويحتمل أن يكون المراد بالزبر : الصحف ، وبالكتاب المنير التوراة والإنجيل والزبور. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 9 صـ 101}\rمن فوائد الآلوسى فى الآية\rقال رحمه الله :\r{ فَإِن كَذَّبُوكَ } فيما جئتهم به.\r{ فَقَدْ كُذّبَ رُسُلٌ مّن قَبْلِكَ } جاءوا بمثل ما جئت به ، والجملة جواب للشرط لكن باعتبار لازمها الذي دل عليه المقام فإنه لتسليته صلى الله عليه وسلم من تكذيب قومه واليهود له ، واقتصر مجاهد على الثاني كأنه قيل فإن كذبوك فلا تحزن وتسل ، وجعل بعضهم الجواب محذوفاً وهذا تعليلاً له ومثله كثير في الكلام.","part":18,"page":386},{"id":7877,"text":"وقال عصام الملة : لا حاجة إلى التأويل ، والقول بالحذف إذ المعنى إن يكذبوك فتكذيبك تكذيب رسل من قبلك حيث أخبروا ببعثتك ، وفي ذلك كمال توبيخهم وتوضيح صدقه صلى الله عليه وسلم وتسلية له ليس فوقها تسلية ، ونظر فيه بأن التسلية على ما ذهب إليه الجمهور أتم إذ عليه تكون المشاركة بينه صلى الله عليه وسلم وبين إخوانه المرسلين عليهم الصلاة والسلام في تكذيب المكذبين شفاهاً وصريحاً وعلى الثاني لا شركة إلا في التكذيب لكنه بالنسبة إليه صلى الله عليه وسلم شفاهي وصريح ، وبالنسبة إلى المرسلين ليس كذلك ، ولا شك لذي ذوق أن الأول أبلغ في التسلية ، وعليه يجوز في { مِنْ } أن تتعلق بكذب وأن تتعلق بمحذوف وقع صفة لرسل أي كائنة من قبلك.\rوعلى الثاني : يتعين الثاني ويشعر بالأول الذي عليه الجمهور وصف الرسل بقوله سبحانه : { جَاءوا بالبينات } أي المعجزات الواضحات الباهرات { والزبر } جمع زبور كالرسول والرسل وهو الكتاب المقصور على الحكم من زبرته بمعنى حسنته قاله الزجاج ، وقيل : الزبر المواعظ والزواجر من زبرته إذا زجرته { والكتاب المنير } أي الموضح أو الواضح المستنير.","part":18,"page":387},{"id":7878,"text":"أخرج ابن أبي حاتم عن السدي أنه القرآن ، ومعنى مجيء الرسل به مجيئهم بما اشتمل عليه من أصول الدين على ما يشير إليه قوله تعالى فيه : { وَإِنَّهُ لَفِى زُبُرِ الاولين } [ الشعراء : 196 ] على وجه ، وعن قتادة أن المراد به الزبر والشيء يضاعف بالاعتبار وهو واحد ، وقيل : المراد به التوراة والإنجيل والزبور وهو في عرف القرآن ما يتضمن الشرائع والأحكام ولذلك جاء هو والحكمة متعاطفين في عامة المواقع ، ووجه إفراد الكتاب بناءاً على القول الأول ظاهر ، ولعل وجه إفراده بناءاً على القول الثاني والثالث ، وإن أريد منه الجنس الصادق بالواحد والمتعدد الرمز إلى أن الكتب السماوية وإن تعدّدت فهي من بعض الحيثيات كشيء واحد.\rوقرأ ابن عامر وبالزبر بإعادة الجار للدلالة على أنها مغايرة للبينات بالذات بأن يراد بها المعجزات غير الكتب لأن إعادة العامل تقتضي المغايرة ولولاها لجاز أن يكون من عطف الخاص على العام.\rومن الغريب القول بأن المراد بالبينات الحروف باعتبار أسمائها كألف ولام ، وبالزبر الحروف باعتبار مسمياتها ورسمها كأب ، وبالكتاب الحروف المجتمعة المتلفظ بها كلمة وكلاماً.\rوادعى أهل هذا القول : أن لكل من ذلك معاني وأسراراً لا يعقلها إلا العالمون فهم يبحثون عن الكلمة باعتبار لفظها وباعتبار كل حرف من حروفها المرسومة وباعتبار اسم كل حرف منها الذي هو عبارة عن ثلاثة حروف ، ولا يخفى أن هذا اصطلاح لا ينبغي تخريج كلام الله تعالى عليه.\rوالظاهر من تتبع الآثار الصحيحة أنه لم يثبت فيه عن الشارع الأعظم صلى الله عليه وسلم شيء ودون إثبات ذلك الموت الأحمر. أ هـ {روح المعانى حـ 4 صـ 144 ـ 145}","part":18,"page":388},{"id":7879,"text":"فوائد لغوية\rقال ابن عادل :\rقوله : { فَقَدْ كُذِّبَ رُسُلٌ } ليس جواباً ، بل الجوابُ محذوف ، أي : فقل ، ونحوه ؛ لأن هذا قد مضَى وتحقَّق ، والجملة من \" جَاءُوا \" في محل رفع ، صفة لِـ \" رُسُلٌ \" و\" مِنْ قَبْلِكَ \" متعلق بـ \" كُذِّبَ \" والباء في \" بِالبَيِّنَاتِ \" تحتمل الوجهين ، كنظيرتها.\rومعنى الآية : فإن كذبوك في قولك : إنَّ الأنبياء المتقدمين أتَوْا بالقُرْبان.\rويحتمل أن يكون المعنى : فإن كذبوك في أصل النبوة - وهو أولى - والمرادُ بالبيناتِ المعجزاتِ.\rوقرأ الجمهورُ : \" وَالزبر والكتاب \" - من غير باء الجر - وقرأ ابنُ عامر \" وَبِالزُّبُرِ \" - بإعادتها - وهشام وحده عنه \" وَبِالكِتَابِ \" - بإعادتها أيضاً - وهي في مصاحف الشاميين كقراءة ابنِ عامر ، فَمَنْ لم يأتِ بها اكتفى بالعطفِ ، ومن أتى بها كان ذلك تأكيداً.\rوالزُّبر : جمع زَبُور - بالفتح - ويقال : بالضم أيضاً - وهل هما بمعنىً واحد أو مختلفان ؟ سيأتي الكلام عليهما - إن شاء الله تعالى - في النساء في قوله : { وَآتَيْنَا دَاوُودَ زَبُوراً } [ النساء : 163 ]. واشتقاقه من زَبَرْتُ : أي : كتبتُ وزَبَرْته : قرأتهُ ، وَزَبرْته : حسَّنت كتابتَه ، وزَبَرْته : زَجَرته. فزبور - بالفتح - فَعُول بمعنى مفعول - كالركوب بمعنى : المركوب - والحلوب - بمعنى المحلوب - والمعنى : الكُتُب المزبورة ، أي : المكتوبة ، والزُّبُر : جمع زبور ، وهو الكتاب.\rقال امرؤ القيس : [ الطويل ]\rلمَنْ طَلَلٌ أبصَرْتُهُ فَشَجانِي... كَخَطِّ زَبُورٍ في عَسِيبِ يَمَانِي\rوقيل : اشتقاق من الزَّبْر - بمعنى : الزجر : تقول : زبرت الرجل : أي : نهرته. وزبرت البئر : أي : طويتها بالحجارة.\rفإن قيل : لِمَ عطف \" الْكِتَابِ المُنِيرِ \" على \" الزُّبُرِ \" مع أن الكتاب المنير من الزُّبُر ؟","part":18,"page":389},{"id":7880,"text":"فالجوابُ : لأن الكتاب المنير أشرف الكتب ، وأحسن الزبر ، فحسُن العطف ، كقوله : { وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النبيين مِيثَاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِن نُّوحٍ وَإِبْرَاهِيمَ وموسى وَعِيسَى ابن مَرْيَمَ } [ الأحزاب : 7 ]. وقوله : { وملاائكته وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ } [ البقرة : 98 ]. ووجه شرفه : كونه مشتملاً على جميع الشريعة ، أو كونه باقياً على وَجْه الدَّهْر.\rوقيل : المراد بـ \" الزُّبُر \" الصُّحُف ، والمراد بـ \" الْكِتَابِ الْمُنِيرِ \" التوراة والإنجيل والزبور.\rو \" الْمُنِير \" اسم فاعل من أنار ، أي : أضاء ، وهو الواضح. أ هـ {تفسير ابن عادل حـ 6 صـ 95 ـ 96}\rمن لطائف الإمام القشيرى فى الآية\rقال عليه الرحمة :\r{ فَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقَدْ كُذِّبَ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ جَاءُوا بِالْبَيِّنَاتِ وَالزُّبُرِ وَالْكِتَابِ الْمُنِيرِ (184)}\rأي عادة الكفار تكذيب الرسل : وعلى هذا النحو درج سَلَفُهمْ ، وبهديهم اقتدى خَلَفُهم. أ هـ {لطائف الإشارات حـ 1 صـ 302}","part":18,"page":390},{"id":7881,"text":"فائدة\rقال فى ملاك التأويل :\rقوله تعالى : \"فإن كذبوك فقد كذب رسل من قبلك جاؤوا بالبينات والزبر والكتاب المنير\" وفى سورة الملائكة[فاطر] : \"وإن يكذبوك فقد كذبت رسل من قبلك وإلى الله ترجع الأمور\"، ورد فى هاتين الآيتين المفعول المقام مقام الفاعل وهو رسل مكسر والاسم المجموع جمع تكسير يجوز فيه التذكير والتأنيث فورد فى الآية الأولى\"فقد كذب\" على رعى التذكير ولم يقرأ بغيره وفى الآية الثانية \"فقد كذبت\" على معنى التأنيث لزوما أيضا مع وحدة اللفظ فى المرفوع المفعول وما يجوز فيه من التذكير والتأنيث فيسأل عن ذلك.\rوالجواب عن ذلك والله أعلم أن كلا الآيتين مراعى فيه ما يلى تابعا للمرفوع من الوصف فى الأولى وما عطف فى الثانية. أما الأولى فقال تعالى\"جاؤوا بالبينات\". ولا يمكن هنا إلا هذا فجرى على ما هو الأصل فى جمع المذكر المكسر من التذكير فلم تلحق الفعل علامة التأنيث ، وأما آية الملائكة فلحقت التاء الفعل رعيا لما عطف على الآية من قوله تعالى : \"وإلى الله ترجع الأمور\" فليس فى هذا إلا التأنيث سواء بنى الفعل للفاعل أو للمفعول فنوسب بين الآيتين فقيل\"كذبت\" على الجائز الفصيح فى تأنيث المجموع المكسر ليحصل التناسب ولا يمكن عكس الوارد فى الآيتين والله أعلم. أ هـ {ملاك التأويل حـ 1 صـ 128}","part":18,"page":391},{"id":7882,"text":"قوله تعالى : { كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ (185)}\rمناسبة الآية لما قبلها\rقال البقاعى :\rولما تقدم في قصة أحد رجوع المنافقين وهزمية بعض المؤمنين مما كان سبب ظفر الكافرين ، وعاب سبحانه ذلك عليهم بأنهم هربوا من موجبات السعادة والحياة الأبدية إلى ما لا بد منه ، وإلى ذلك أشار بقوله : {قل لو كنتم في بيوتكم} [ آل عمران : 154 ] {ولئن قتلتم في سبيل الله} [ آل عمران : 157 ] {قل فادرءوا عن أنفسكم الموت} [ آل عمران : 168 ] {ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله} [ آل عمران : 169 ] وغير ذلك مما بكتهم به في رجوعهم حذر الموت وطلب امتداد العمر ، مع ما افتتح به من أن موت هذا النبي الكريم وقتله ممكن كما كان من قبله من إخوانه من الرسل على جميعهم أفضل الصلاة والسلام والتحية والإكرام! وختم بالإخبار بأنه وقع قتل كثير من الرسل ، فكان ذلك محققاً لأنه لا يصان من الموت خاص ولا عام ، مضموماً إلى ما نشاهد من ذلك في كل لحظة ؛ صوَّر ذلك الموت بعد أن صار مستحضراً للعيان تصويراً أوجب التصريح به إشارة إلى أن حالهم في هربهم ورجوعهم وما تبع ذلك من قولهم حال من هو في شك منه فقال تعالى : {كل نفس} أي منفوسة من عيسى وغيره من أهل الجنة والنار {ذآئقة الموت} أي وهو المعنى الذي يبطل معه تصرف الروح في البدن وتكون هي باقية بعد موته لأن الذائق لا بد أن يكون حال ذوقه حيّاَ حساساً ، ومن يجوز عليه ذوق الموت يجوز عليه ذوق النار ، وهو عبد محتاج ، فالعاقل من سعى في النجاة منها والإنجاء كما فعل الخلص الذين منهم عيسى ومحمد عليهما أفضل الصلاة وأزكى السلام ، وكان نظمها بعد الآيات المقتضية لتوفية الأجور بالإثابة عليها وأنه ليس بظلام للعبيد شديد الحسن ، وذلك مناسب أيضاً لختم الآية بالتصريح لتوفية الأجور يوم الدين ، وأن الزحزحة عن النار ودخول الجنة لهو الفوز ، لا الشح في الدنيا بالنفس والمال الذي ربما كان سبباً لامتداد","part":18,"page":392},{"id":7883,"text":"العمر وسعة المال بقوله : {وإنما توفون} أي تعطون {أجوركم} على التمام جزاء على ما عملتموه من خير وشر {يوم القيامة} وأما ما يكون قبل ذلك من نعيم القبر ونحوه فبعض لا وفاء {فمن زحزح} أي أبعد في ذلك اليوم إبعاداً عظيماً سريعاً {عن النار وأدخل الجنة فقد فاز} أي بالحياة الدائمة والنعيم الباقي.\rوالمعنى أن كل نفس توفى ما عملت ، فتوفى أنت أجرك على صبرك على أذاهم ، وكذا من أطاعك ، ويجازون هم على ما فرطوا في حقك فيقذفون في غمرة النار ، وكان الحصر إشارة إلى تقبيح إقبالهم على الغنيمة وغيرها من التوسع العاجل ، أي إنما مقتضى الدين الذي دخلتم فيه هذا ، وذلك ترهيباً من الالتفات إلى تعجل شيء من الأجر في الدنيا - كما قال أبو بكر رضي الله عنه في أول إسلامه : وجدت بضاعة بنسيئة ، ما وقعت على بضاعة قط أنفس منها ، وهي لا إله إلا الله.","part":18,"page":393},{"id":7884,"text":"فالحاصل أن \" كل نفس \" أي حذرة من الموت ومستسلمة {ذائقة الموت} أي فعلام الاحتراس منه بقعود عن الغزو أو هرب من العدو! {وإنما توفون أجوركم} أي يا أهل الإسلام التي وعدتموها على الأعمال الصالحة {يوم القيامة} أي فما لكم تريدون تعجلها بإسراعكم إلى الغنائم أو غيرها مما يزيد في أعراض الدنيا فتكونوا ممن تعجل طيباته في الحياة الدنيا {فمن} أي فحيث علم أنه لا فوز في الدنيا إلا بما يقرب إلى الله سبحانه وتعالى تسبب عن ذلك أنه من {زحزح عن النار} أي بكونه وفي أجره ولم يتعجل طيباته {وأدخل الجنة} أي بما عمل من الصالحات فحاز الحياة الدائمة مع الطيبات الباقية {فقد فاز} أي كل الفوز ، ولما صح أنه لا فوز إلا ذلك صح قوله : {وما الحياة الدنيا} أي التي أملي لهم فيها وأزيلت عن الشهداء {إلا متاع الغرور} أي المتاع الذي يدلس الشيطان أمره على الناس حتى يغتروا به فيغبنوا بترك الباقي وأخذ الأشياء الزائلة بانقضاء لذاتها والندم على شهواتها بالخوف من تبعاتها.\rوفي ذلك أيضاً مناسبة من وجه آخر ، وهو أنه لما سلاه سبحانه وتعالى بالرسل - الذين لازموا الصبر والاجتهاد في الطاعة حتى ماتوا - وأممهم.","part":18,"page":394},{"id":7885,"text":"وتركوا ما كان بأيديهم عاجزين عن المدافعة ، ولم يبق إلا ملكه سبحانه وتعالى ، وأن الفريقين ينتظرون الجزاء ، فالرسل لتمام الفوز ، والكفار لتمام الهلاك ؛ أخبر أن كل نفس كذلك ، ليجتهد الطائع ويقتصر العاصي ، وفي ذلك تعريض بالمنافقين الذين رجعوا عن أحد خوف القتل وقالوا عن الشهداء : {لو أطاعونا ما قتلوا} أي إن الذي فررتم منه لا بد منه ، والحياة التي آثرتموها متاع يندم عليه من محضه للتمتع كما يندم المغرور بالمتاع الذي غر به ، فالسعيد من سعى في أن يكون موته في رضى مولاه الذي لا محيص له عن الرجوع إليه والوقوف بين يديه. أ هـ {نظم الدرر حـ 2 صـ 191 ـ 193}\rوقال ابن عاشور :\rهذه الآية مرتبطة بأصل الغرض المسوق له الكلام ، وهو تسلية المؤمنين على ما أصابهم يوم أُحُد ، وتفنيد المنافقين في مزَاعمهم أنّ الناس لو استشاروهم في القتال لأشاروا بما فيه سلامتهم فلا يهلكوا ، فبعد أنّ بيّن لهم ما يدفع توهّمهم أنّ الانهزام كان خذلاناً من الله وتعجّبهم منه كيف يلحق قوماً خرجوا لنصر الدين وأن لا سبب للهزيمة بقوله : { إنما استزلهم الشيطان } [ آل عمران : 155 ] ثم بيّن لهم أنّ في تلك الرزّية فوائد بقول الله تعالى : { لكيلا تحزنوا على ما فاتكم } [ آل عمران : 153 ] وقوله : { وليعلم المؤمنين } [ آل عمران : 166 ] ، ثم أمرهم بالتسليم لله في كلّ حال فقال : { وما أصابكم يوم التقى الجمعان فبإذن الله } [ آل عمران : 166 ] وقال : { يا أيها الذين آمنوا لا تكونوا كالذين كفروا وقالوا لإخوانهم } [ آل عمران : 156 ] الآية.","part":18,"page":395},{"id":7886,"text":"وبيّن لهم أنّ قتلى المؤمنين الذين حزِنوا لهم إنّما هم أحياء ، وأنّ المؤمنين الذين لم يلحقوا بهم لا يضيع الله أجرهم ولا فَضْلَ ثباتهم ، وبيّن لهم أنّ سلامة الكفّار لا ينبغي أن تُحزن المؤمنين ولا أن تسرّ الكافرين ، وأبطل في خلال ذلك مقال المنافقين بقوله : { قل لو كنتم في بيوتكم لبرز الذين كتب عليهم القتل إلى مضاجعهم } [ آل عمران : 154 ] وبقوله : { الذين قالوا لإخوانهم وقعدوا } [ آل عمران : 168 ] إلى قوله : { قل فادرءوا عن أنفسكم الموت إن كنتم صادقين } [ آل عمران : 168 ] ختم ذلك كلّه بما هو جامع للغرضين في قوله تعالى : { كل نفس ذائقة الموت وإنما توفون أجوركم يوم القيامة } لأنّ المصيبة والحزن إنّما نشآ على موت من استشهد من خيرة المؤمنين ، يعني أنّ الموت لمّا كان غاية كلّ حيّ فلو لم يموتوا اليوم لماتوا بعدَ ذلك فلا تأسفوا على موت قتلاكم في سبيل الله ، ولا يفتنكم المنافقون بذلك ، ويكون قوله بعده : { وإنما توفون أجوركم يوم القيامة } قصر قلب لتنزيل المؤمنين فيما أصابهم من الحزن على قتلاهم وعلى هزيمتهم ، منزلة من لا يترقّب من عمله إلاّ منافع الدنيا وهو النصر والغنيمة ، مع أنّ نهاية الأجر في نعيم الآخرة ، ولذلك قال : { توفون أجوركم } أي تكمل لكم ، وفيه تعريض ، بأنّهم قد حصلت لهم أجور عظيمة في الدنيا على تأييدهم للدين : منها النصر يوم بدر ، ومنها كفّ أيدي المشركين عنهم في أيام مقامهم بمكّة إلى أن تمكّنوا من الهجرة. أ هـ {التحرير والتنوير حـ 3 صـ 200 ـ 201}\rفصل\rقال الفخر :\rقوله تعالى : {كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الموت }.\rاعلم أن المقصود من هذه الآية تأكيد تسلية الرسول عليه الصلاة والسلام والمبالغة في إزالة الحزن من قلبه وذلك من وجهين :","part":18,"page":396},{"id":7887,"text":"أحدهما : أن عاقبة الكل الموت ، وهذه الغموم والأحزان تذهب وتزول ولا يبقى شيء منها ، والحزن متى كان كذلك لم يلتفت العاقل إليه.\rوالثاني : أن بعد هذه الدار دار يتميز فيها المحسن عن المسيء ، ويتوفر على عمل كل واحد ما يليق به من الجزاء ، وكل واحد من هذين الوجهين في غاية القوة في إزالة الحزن والغم عن قلوب العقلاء. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 9 صـ 101}\rفائدة\rقال القرطبى :\r{ ذَآئِقَةُ الموت } من الذّوق ، وهذا مما لا مَحِيص عنه للإنسان ، ولا محيد عنه لحيوان.\rوقد قال أميّة بن أبي الصلت :\rمن لم يمت عَبْطَةً يُمت هَرَماً . . .\rلِلموت كأسٌ والمرء ذائِقُها\rوقال آخر :\rالموتُ بابٌ وكُّل الناس داخِلهُ . . .\rفليتَ شِعْرِىَ بعد الباب ما الدَّار. أ هـ {تفسير القرطبى حـ 4 صـ 297}\rوقال الآلوسى\r{ كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الموت } أي نازل بها لا محالة فكأنها ذائقته وهو وعد ووعيد للمصدق والمكذب وفيه تأكيد للتسلية له صلى الله عليه وسلم لأن تذكر الموت واستحضاره مما يزيل الهموم والأشجان الدنيوية.\rوفي الخبر \"أكثروا ذكر هاذم اللذات فإنه ما ذكر في كثير إلا وقلله ولا في قليل إلا وكثره\" وكذا العلم بأن وراء هذه الدار داراً أخرى يتميز فيها المحسن عن المسيء ويرى كل منهما جزاء عمله ، وهذه القضية الكلية لا يمكن إجراؤها على عمومها لظاهر قوله تعالى : { فَصَعِقَ مَن فِى السموات وَمَن فِى الأرض إِلاَّ مَن شَاء الله } [ الزمر : 68 ] وإذا أريد بالنفس الذات كثرت المستثنيات جداً ، وهل تدخل الملائكة في هذا العموم ؟ قولان ، والجمهور على دخولهم.","part":18,"page":397},{"id":7888,"text":"فعن ابن عباس أنه قال : لما نزل قوله تعالى : { كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ } [ الرحمن : 26 ] قالت الملائكة : مات أهل الأرض فلما نزل { كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الموت } قالت الملائكة : متنا ، ووقوع الموت للأنفس في هذه النشأة الحيوانية الجسمانية مما لا ريب فيه إلا أن الحكماء بنوا ذلك على أن هذه الحياة لا تحصل إلا بالرطوبة والحرارة الغريزيتين.\rثم إن الحرارة تؤثر في تحليل الرطوبة ، فإذا قَلت الرطوبة ضعفت الحرارة ولا تزال هذه الحال مستمرة إلى أن تفنى الرطوبة الأصلية فتنطفىء الحرارة الغريزية ويحصل الموت ، ومن هنا قالوا : إن الأرواح المجردة لا تموت ولا يتصور موتها إذ لا حرارة هناك ولا رطوبة ، وقد ناقشهم المسلمون في ذلك والمدار عندهم على حرارة الكاف ورطوبة النون ، ولعلهم يفرقون بين موت وموت ، وقد استدل بالآية على أن المقتول ميت وعلى أن النفس باقية بعد البدن لأن الذائق لا بد أن يكون باقياً حال حصول المذوق فتدبر ، وقرأ اليزيدي { ذَائِقَةُ الموت } بالتنوين ونصب الموت على الأصل ؛ وقرأ الأعمش { ذَائِقَةُ الموت } بطرح التنوين مع النصب كما في قوله :\rفألفيته غير مستعتب...\rولا ذاكراً لله إلا قليلاً\rوعلى القراءات الثلاث { كُلُّ نَفْسٍ } مبتدأ وجاز ذلك وإن كان نكرة لما فيه من العموم ، و{ ذَائِقَةُ } الخبر ، وأنث على معنى { كُلٌّ } لأن { كُلُّ نَفْسٍ } نفوس ولو ذكر في غير القرآن على لفظ { كُلٌّ } جاز. أ هـ {روح المعانى حـ 4 صـ 145 ـ 146}\rفائدة\rقال أبو حيان :\r{ كل نفس ذائقة الموت } تضمنت هذه الجملة وما بعدها الوعظ والتسلية لرسول الله صلى الله عليه وسلم عن الدنيا وأهلها ، والوعد بالنجاة في الآخرة بذكر الموت ، والفكرة فيه تهون ما يصدر من الكفار من تكذيب وغيره.","part":18,"page":398},{"id":7889,"text":"ولمّا تقدّم ذكر المكذبين الكاذبين على الله من اليهود والمنافقين وذكرهم المؤمنين ، نبهوا كلهم على أنهم ميتون ومآلهم إلى الآخرة ، ففيها يظهر الناجي والهالك ، وأنَّ ما تعلقوا به في الدنيا من مال وأهل وعشيرة إنما هو على سبيل التمتع المغرور به ، كلها تضمحل وتزول ولا يبقى إلا ما عمله الإنسان ، وهو يوفاه في الآخرة ، يوفى على طاعته ومعصيته.\rوقال محمد بن عمر الرازي : في هذه الآية دلالة على أن النفس لا تموت بموت البدن ، وعلى أن النفس.\rغير البدن انتهى.\rوهذه مكابرة في الدلالة ، فإنّ ظاهر الآية يدل على أن النفس تموت.\rقال أيضاً : لفظ النفس مختص بالأجسام انتهى.\rوقرأ اليزيدي : ذائقة بالتنوين ، الموت بالنصب ، وذلك فيما نقله عنه الزمخشري.\rونقلها ابن عطية عن أبي حيوة ، ونقلها غيرهما عن الأعمش ، ويحيى ، وابن أبي إسحاق.\rوقرأ الأعمش فيما نقله الزمخشري ذائقة بغير تنوين الموت بالنصب ومثله : \rفألفيته غر مستعتب . . .\rولا ذاكر الله إلا قليلا\rحذف التنوين لالتقاء الساكنين ، كقراءة من قرأ { قل هو الله أحد.\rالله الصمد } بحذف التنوين من أحد { وإنما توفون أجوركم يوم القيامة } لفظ التوفية يدل على التكميل يوم القيامة ، فما قبله من كون القبر روضة من رياض الجنة ، أو حفرة من حفر النار ، هو بعض الأجور.\rوما لم يدخل الجنة أو النار فهو غير موفى.\rوالذي يدل عليه السياق أنّ الأجور هي ما يترتب على الطاعة والمعصية ، وإن كان الغالب في الاستعمال أنّ الأجر هو ما يترتب على عمل الطاعة.\rولهذا قال ابن عطية : وخص تعالى ذكر الأجور لشرفها ، وإشارة إلى مغفرته لمحمد صلى الله عليه وسلم وأمّته.\rولا محالة أنّ يوم القيامة يقع فيه توفية الأجور ، وتوفية العقوبات انتهى. أ هـ {البحر المحيط حـ 3 صـ 138 ـ 139}","part":18,"page":399},{"id":7890,"text":"موعظة\rقال الإمام ابن عطية ـ رحمه الله ـ : \rإن الموت أمر كبار لمن أنجد وأغار وكأس تدار فيمن أقام أو سار وباب تسوقك إليه يد الأقدار ويزعجك فيه حكم الاضطرار ويخرج بك إما إلى الجنة وإما إلى النار\rخبر - علم الله - يصم الأسماع ويغير الطباع ويكثر من الآلام والأوجاع\rواعلموا أنه لو لم يكن في الموت إلا الإعدام وانحلال الأجسام ونسيانك أخرى الليالي والأيام لكان والله لأهل اللذات مكدرا ولأصحاب النعيم مغيرا ولأرباب العقول عن الرغبة في هذه الدار زاجرا ومنفرا كما قال مطرف بن عبد الله بن الشخير\rإن هذا الموت نغص على أهل النعيم نعيمهم فاطلبوا نعيما لا موت فيه فكيف ووراءه يوم يعدم فيه الجواب وتدهش فيه الألباب وتفنى في شرحه الأقلام والكتاب ويترك النظر فيه والاهتمام به الأولياء والأحباب\rواعلموا رحمكم الله أن الناس في ذكر الموت على ضروب فمنهم المنهمك في لذاته المثابر على شهواته المضيع فيها مالا يرجع من أوقاته لا يخطر الموت له على بال ولا يحدث نفسه بزوال قد أطرح أخراه واكب على دنياه واتخذ إلهه هواه فأصمه ذلك وأعماه وأهلكه وأرداه\rفإن ذكر له الموت نفر وشرد وإن وعظ أنف وبعد وقام في أمره الأول وقعد قد حاد عن سواء نهجه ونكب عن طريق فلجه وأقبل على بطنه وفرجه تبت يداه وخاب مسعاه وكأنه لم يسمع قول الله عز وجل ( كل نفس ذائقة الموت ) ولا سمع قول القائل فيه وفي أمثاله حيث قال\r( يا راكب الروع للذاته ... كأنه في أتن عير )\r( وآكلا كل الذي يشتهي ... كأنه في كلأ ثور )\r( وناهضا إن يدع داعي الهوى ... كأنه من خفة طير )\r( وكل ما يسمع أو ما يرى ... كأنما يعنى به الغير )\r( إن كؤوس الموت بين الورى ... دائرة قد حثها السير )\r( وقد تيقنت وإن أبطأت ... أن سوف يأتيك بها الدور )\r","part":18,"page":400},{"id":7891,"text":"( ومن يكن في سيره جائرا ... تالله ما في سيرها جور )\rثم ربما أخطر الموت بخاطره وجعله من بعض خواطره فلا يهيج منه إلا غما ولا يثير من قلبه إلا حزنا مخافة أن يقطعه عما يؤمل أو يفطمه عن لذة في المستقبل وربما فر بفكره منه ودفع ذلك الخاطر عنه ويا ويحه كأنه لم يسمع قول الله عز وجل ( قل إن الموت الذي تفرون منه فإنه ملاقيكم ) ولا قول القائل\r( فر من الموت أو اثبت له ... لا بد من أنك تلقاه )\r( واكتب بهذي الدار ما شئته ... فإن في تلك ستقراه )\rوكذلك من كان قلبه متعلقا بالدنيا وهمه فيها ونظره مصروفا إليها وسعيه كله لها وهو مع ذلك من طلابها المحرومين وأبنائها المكدودين لم ينل منها حظا ولا رقى منها مرقى ولا نجح له فيها مسعى إن ذكر له الموت تصامم عن ذكره ولم يمكنه من فكره وتمادى على أول أمره رجاء أن يبلغ ما أمل أو يدرك بعض ما تخيل فعمره ينقص وحرصه يزيد وجسمه يخلق وأمله جديد وحتفه قريب ومطلبه بعيد\rيحرص حرص مقيم ويسير إلى الآخرة سير مجد كأن الدنيا حق اليقين والآخرة ظن من الظنون وفي مثل هذا قيل\r( أتحرص يا ابن آدم حرص باق ... وأنت تمر ويحك كل حين )\r( وتعمل طول دهرك في ظنون ... وأنت من المنون على يقين )\rوهذا إذا ذكر الموت أو ذكر به لم يخف أن يقطع عليه مهما من الأغراض قد كان حصله ولا عظيما من الآمال في نفسه قد كان أدركه لأنه لم يصل إليه ولا قدر عليه لكنه يخاف أن يقطعه في المستقبل عن بلوغ أمل يحدث به نفسه ويخدع به حسه وهو يرى فيه يومه كما قد رأى فيه أمسه\rقد ملأ قلبه بتلك الأحاديث المشغلة والأماني المرذلة والوساوس المتلفة قد جعلها ديدنه ودينه وإيمانه ويقينه\rوربما ضاق ذرعه بالدنيا وطال همه فيها من تعذر مراده عليه وقلة تأتيه له فتمنى الموت إذ ذاك ليستريح بزعمه وهذا من جهله بالموت وبما بعد الموت والذي يستريح بالموت غيره والذي يفرح به سواه إنما الفرح من وراء الصراط والراحة بعد المغفرة. أ هـ { العاقبة في ذكر الموت حـ 1 صـ 26 ـ 28}","part":18,"page":401},{"id":7892,"text":"وقال ابن الجوزى : \rمجلس في قوله تبارك وتعالى { كل نفس ذائقة الموت }\rقيل لما نزلت هذه الآية قالت الملائكة متنا وعزة الله فعند ذلك أيقن كل ذي عقل وروح أنه هالك\rوأنشدوا\rأيضحك من للموت فيه نصيب\rوينعم عيشا إن ذا لعجيب\rويأكل والأيام تأكل عمره\rوليس له جسم لذاك يذوب\rومن عرف الرحمن لم يهن قلبه\rنعيم ولم ينفك عنه نحيب\rبعدت عن الورد الرضي بزلة\rوبي قطعت دون الوصول ذنوب\rقال الله تعالى { كل نفس ذائقة الموت } آل عمران 185 يموت كل صغير وكبير يموت كل أمير ووزير يموت كل عزيز وحقير يموت كل غني وفقير يموت كل نبي وولي يموت كل نجي وتقي يموت كل زاهد وعابد يموت كل مقر وجاحد يموت كل صحيح وسقيم يموت كل مريض وسليم كل نفس تموت غير ذي العزة والجبروت\rوأنشدوا\rألا كل مولود فللموت يولد\rولست أرى حيا عليها يخلد\rتجرد من الدنيا فإنك إنما\rخرجت من الدنيا وأنت مجرد\rوأنت وإن خولت مالا وكثرة\rفإنك في الدنيا على ذاك أوحد\rوأفضل شيء نلت منها فإنه\rمتاع قليل يضمحل وينفد\rفكم من عزيز أعقب الذل عزه\rفأصبح مذموما وقد كان يحمد\r} فلا تحمد الدنيا ولكن فذمها\rوما بال شيء ذمه الله يحمد\r49 ذكر الموت\rروي عن النبي {صلى الله عليه وسلم} أنه قال أكثروا ذكر هازم اللذات ومفرق الجماعات\rوتوسدوه إذا نمتم واجعلوه نصب أعينكم إذا قمتم واعمروا به مجالسكم فإنه معقود بنواصيكم يعني بما وكل به منكم ويفسد نعيمكم ويخرب مصانعكم ويفنيكم كما أفنى من كان قبلكم فلا تنسوه فإنه لا ينساكم ولا تغفلوا عنه فإنه ليس بغافل عنكم\rوأنشدوا\rيا جار أحبابه شهورا\rوجار أمواته دهورا\rليس سرورا يعود حزنا\rإذا تأملته سرورا\rوروي عن عيسى عليه السلام أنه قال ما من مولود يولد إلا وفي سرته من تراب الأرض التي يموت فيها\rوأنشدوا\rأمر على المقابر كل حين\rولا أدري بأي الأرض قبري","part":18,"page":402},{"id":7893,"text":"وأفرح بالغني إن زاد مالي\rولا ابكي على نقصان عمري\rما أحسن حال من ذكر الموت فعمل لخلاصه قبل الفوت وأشغل نفسه بخدمة مولاه وقدم من دنياه لأخراه ورغب في دار لا يزول نعيمها ولا يهان كريمها\rوأنشدوا\rالموت لا شك آت فاستعد له\rإن اللبيب بذكر الموت مشغول\rفكيف يلهو بعيش أو يلذ به\rمن التراب على عينيه مجعول\rروي عن أبي ذر رضي الله عنه أنه قال يا رسول الله أي المؤمنين أكيس قال أكثرهم للموت ذكرا وأحسنهم له استعدادا\r50 حكاية عن الربيع\rوقيل للربيع رحمه الله ألا تجلس معنا نتحدث فقال إن ذكر الموت إذا فارق قلبي ساعة فسد على قلبي\rوأنشدوا\rما أغفل الناس عن وعيد\rقربه الليل والنهار\rوالعار ما جرت المعاصي\rوليس في النائبات عار\rويحك ما تصنع المنايا\rتأتي فتخلى لها الديار\rفلا قلوب لها عيون\rولا عيون لها اعتبار\rعباد الله اسعوا في فكاك رقابكم وأجهدوا أنفسكم في خلاصها قبل أن تزهق فوالله ما بين أحدكم وبين الندم والعلم بأنه قد زلت به القدم إلا أن يحوم عقاب المنية عليه ويفوق سهامها إليه فإذا الندم لا ينفع وإذا العذر لا يصنع وإذا النصير لا يدفع وإذا الشفيع لا يشفع وإذا الذي فات لا يسترجع وإذا البائس المحابي به في النجاة لا يطمع\rفكأني بك يا أخي وقد صرخ عليك النسوان وبكى عليك الأهل والإخوان وفقدك الولدان ونفخ لفرقتك الجيران ونادى عليك المنادي قد مات فلان بن فلان\rثم نقلت عن الأحباب وحملت إلى أرماس التراب وأضجعوك في محل ضنك قصير السمك مهول منظره كثير وعره مغشى بالوحشة\rعرفته مهول الصريح مطبق الصفيح على غير مهاد ولا وداد ولا مقدمة زاد ولا استعداد\rوأنشدوا\rالمرء يخدعه مناه\rوالدهر يسرع في بلاه\rيا ذا الشبية لا تكن\rممن تعبده هواه\rواعلم بأن المرء مرتهن\rبما كسبت يداه\rوالناس في غفلاتهم\rوالموت دائرة رحاه\r} الحمد لله الذي\rيبقى ويهلك ما سواه. أ هـ {بستان الواعظين صـ 143 ـ 145}","part":18,"page":403},{"id":7896,"text":"فصل\rقال الفخر :\rفي قوله : {كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الموت} سؤال : وهو أن الله تعالى يسمى بالنفس قال : {تَعْلَمُ مَا فِى نَفْسِى وَلاَ أَعْلَمُ مَا فِى نَفْسِكَ} [ المائدة : 116 ] وأيضاً النفس والذات واحد فعلى هذا يدخل الجمادات تحت اسم النفس ، ويلزم على هذا عموم الموت في الجمادات ، وأيضاً قال تعالى : {فَصَعِقَ مَن فِى السموات وَمَن فِى الأرض إِلاَّ مَن شَاء الله} [ الزمر : 68 ] وذلك يقتضي أن لا يموت الداخلون في هذا الاستثناء ، وهذا العموم يقتضي موت الكل ، وأيضاً يقتضي وقوع الموت لأهل الجنة ولأهل النار لأن كلهم نفوس.\rوجوابه : أن المراد بالآية المكلفون الحاضرون في دار التكليف بدليل أنه تعالى قال بعد هذه الآية : {فَمَن زُحْزِحَ عَنِ النار وَأُدْخِلَ الجنة فَقَدْ فَازَ} فإن هذا المعنى لا يتأتى إلا فيهم ، وأيضا العام بعد التخصيص يبقى حجة. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 9 صـ 101}\rوقال الخازن :\rفإن قلت الحور والولدان نفوس مخلوقة في الجنة لا تذوق الموت فما حكم لفظ كل في قوله كل نفس ذائقة الموت ؟ قلت لفظة كل لا تقتضي الشمول والإحاطة بدليل قوله تعالى وأوتيت من كل شي ولم تؤت ملك سليمان فتكون الآية من العام المخصوص ويحتمل أن يكون المراد بهم المكلفين بدليل سياق الآية. أ هـ {تفسير الخازن حـ 1 صـ 305}\rفصل\rقال الفخر :\rزعمت الفلاسفة أن الموت واجب الحصول عند هذه الحياة الجسمانية ، وذلك لأن هذه الحياة الجسمانية لا تحصل إلا بالرطوبة الغريزية والحرارة الغريزية ، ثم إن الحرارة الغريزية تؤثر في تحليل الرطوبة الغريزية ، ولا تزال تستمر هذه الحالة إلى أن تفنى الرطوبة الأصلية فتنطفىء الحرارة الغريزية ويحصل الموت ، فبهذا الطريق كان الموت ضروريا في هذه الحياة.","part":18,"page":404},{"id":7897,"text":"قالوا وقوله : {كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الموت} يدل على أن النفوس لا تموت بموت البدن ، لأنه جعل النفس ذائقة الموت ، والذائق لا بد وأن يكون باقيا حال حصول الذوق ، والمعنى أن كل نفس ذائقة موت البدن ، وهذا يدل على أن النفس غير البدن ، وعلى أن النفس لا تموت بموت البدن ، وأيضا : لفظ النفس مختص بالأجسام ، وفيه تنبيه على أن ضرورة الموت مختصة بالحياة الجسمانية ، فأما الأرواح المجردة فلا ، وقد جاء في الروايات ما هو خلاف ذلك ، فإنه روي عن ابن عباس أنه قال : لما نزل قوله تعالى : {كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ} [ الرحمن : 26 ] قالت الملائكة مات أهل الأرض ، ولما نزل قوله تعالى : {كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الموت} قالت الملائكة متنا. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 9 صـ 102}\rفائدة\rقال ابن الجوزى :\rوفي ذكر الموت تهديد للمكذبين بالمصير ، وتزهيد في الدنيا ، وتنبيه على اغتنام الأجل. أ هـ {زاد المسير حـ 1 صـ 517}\rفصل نفيس وجامع فى أحكام الموتى للإمام القرطبى\rقال عليه الرحمة :\rاعلم أن للموت أسباباً وأماراتٍ ؛ فمن علامات موت المؤمن عَرَقُ الجبين.\rأخرجه النَّسائي من حديث بُريدة قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : \" المؤمن يموت بِعَرَق الجَبِين \" وقد بيّناه في \"التذكرة\" فإذا احتُضِر لُقِن الشهادة ؛ لقوله عليه السلام : \" لَقِنوا موتاكم لا إله إلا الله \" لتكون آخر كلامه فيُختَم له بالشهادة ؛ ولا يعاد عليه منها لئلا يضجَر.\rويستحبّ قراءة \"يسا\" ذلك الوقت ؛ لقوله عليه السلام : \" اقرءوا يس على موْتاكم \" أخرجه أبو داود.","part":18,"page":405},{"id":7898,"text":"وذكر الآجُرِّي في كتاب النصيحة من حديث أم الدرداء عن النبيّ صلى الله عليه وسلم قال : \" ما من ميتٌ يُقرأ عنده سورة يس إِلا هُوِّن عليه الموت \" فإذا قُضي وتَبِع البصرُ الروح كما أخبر صلى الله عليه وسلم في صحيح مسلم وارتفعت العبادات : وزال التكليف ، توجّهت على الأحياء أحكام ؛ منها تغميضُه ، وإعلامُ إخوانه الصُلحَاء بموته ؛ وكَرِهه قوم وقالوا : هو من النعى.\rوالأول أصحّ ، وقد بيّناه في غير هذا الموضع.\rومنها الأخذ في تجهيزه بالغسل والدّفن لِئَلا يُسرع إليه التغيرّ ؛ قال صلى الله عليه وسلم لقوم أخَّروا دفن ميتهم : \" عّجلوا بدفن جيفتكم \" وقال : \" أسرعوا بالجنازة \" الحديث ، وسيأتي.\rالثالثة فأما غسله فهو سُنّة لجميع المسلمين حاشا الشَّهيد على ما تقدم.\rوقيل : غسله واجب.\rقاله القاضي عبد الوهاب.\rوالأول : مذهب الكتاب ، وعلى هذين القولين العلماءُ.\rوسبب الخلاف قوله عليه السلام لأم عطية في غسلها ابنته زينب ، على مافي كتاب مسلم.\rوقيل : هي أم كلثوم ، على ما في كتاب أبي داود : \" اغسلنها ثلاثا أو خمسا أو أكثر من ذلك إن رَأَيْتُنّ ذلك \" الحديث.\rوهو الأصل عند العلماء في غسل الموتى.\rفقيل : المراد بهذا الأمر بيانُ حكم الغسل فيكون واجبا.\rوقيل : المقصود منه تعليم كيفية الغسل فلا يكون فيه ما يدل على الوجوب.\rقالوا ويدّل عليه قوله : \"إن رَأَيْتُن ذلك\" وهذا يقتضي إخراج ظاهر الأمر عن الوجوب ؛ لأنه فوّضه إلى نظرهن.\rقيل لهم : هذا فيه بُعدٌ ؛ لأن ردّك \"إن رأيتن \" إلى الأمر ، ليس السابق إلى الفهم بل السابق رجوع هذا الشرط إلى أقرب مذكور ، وهو \"أكثر من ذلك\" أو إلى التخيير في الأعداد.\rوعلى الجملة فلا خلاف في أن غسل الميت مشروع معمول به في الشريعة لا يُترك.\rوصفته كصفة غسل الجنابة على ما هو معروف.","part":18,"page":406},{"id":7899,"text":"ولا يجاوز السبع غسلات في غُسل الميت بإجماع ؛ على ما حكاه أبو عمر.\rفإن خرج منه شيء بعد السبع غِسل الموضع وحده ، وحكمه ، وحكمه حكم الجُنب إذا أحدث بعد غسله.\rفإذا فرغ من غسله كفّنه في ثيابه وهي : \rوالتكفين واجب عند عامة العلماء ، فإن كان له مال فمن رأس ماله عند عامّة العلماء ، إلا ما حكى عن طاوس أنه قال : من الثلث كان المال قليلا أو كثيرا.\rفإن كان الميت ممن تلزم غيره نفقته في حياته من سيّد إن كان عبداً أو أب أو زوج أو ابن فعلى السيد باتفاق ، وعلى الزوج والأب والابن باختلاف.\rثم على بيت المال أو على جماعة المسلمين على الكفاية.\rوالذي يتعيّن منه بتعيين الفرض سَتْرُ العورة ؛ فإن كان فيه فضل غير أنه لا يعم جميع الجسد غطى رأسه ووجهه ؛ إكراما لوجهه وسترا لما يظهر من تغيّر محاسنه.\rوالأصل في هذا قصّة مُصعب بن عُمير ، فإنه ترك يوم أحد نَمِرة كان إذا غُطِّي رأسه خرجت رجلاه ، وإذا غُطِّي رجلاه خرج رأسه ؛ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : \" ضَعوها مما يلي رأسَه واجعلوا على رجليه من الإذخر \" أخرج الحديث مسلم.\rوالوتر مستحب ؛ عند كافة العلماء في الكَفن ، وكلهم مجمعون على أنه ليس فيه حَدّ.\rوالمستحب منه البياض ؛ قال صلى الله عليه وسلم : \" البسوا من ثيابكم البياض فإنها من خير ثيابكم وكفّنوا فيها موتاكم \" أخرجه أبو داود.\rوكُفّن صلى الله عليه وسلم في ثلاثة أثواب بيض سَحُولية من كُرْسُف.\rوالكفن في غير البياض جائز إلا أن يكون حريرا أو خَزَّا.\rفإن تشاحّ الورثة في الكفن قضي عليهم في مثل لباسه في جُمعته وأعياده ؛ قال صلى الله عليه وسلم : \" إذا كَفّن أحدكُم أخاه فَلْيُحسِّن كفنه \" أخرجه مسلم.\rإلا أن يوصي بأقل من ذلك.\rفإن أوصى بسَرفٍ قيل : يبطل الزائد.\rوقيل : يكون في الثلث.","part":18,"page":407},{"id":7900,"text":"والأول أصح ؛ لقوله تعالى : { وَلاَ تُسْرِفُوا }.\rوقال أبو بكر : إنه للمهلة.\rفإذا فرغ من غسله وتكفينه ووُضع على سريره واحتمله الرجال على أعناقهم وهي : \rفالحكم الإسراع في المشي ؛ لقوله عليه السلام : \" أسرعوا بالجنازة فإن تَكُ صالحةً فخيرٌ تُقدِّمونها إليه وإن تكن غير ذلك فشرّ تضعونه عن رقابكم \" لا كما يفعله اليوم الجهّال في المشي رُويدا ، والوقوف بها المرّةَ بعد المرّة ، وقراءة القرآن بالألحان إلى ما لا يحل ولا يجوز حسب ما يفعله أهل الديار المصرية بموتاهم.\rروى النَّسائي : أخبرنا محمد بن عبدالأعلى قال حدّثنا خالد قال أنبأنا عُيينة بن عبد الرحمن قال حدّثني أبي قال : شَهدت جنازة عبد الرحمن بن سَمُرة وخرج زياد يمشي بين يدي السرير ، فجعل رجال من أهل عبد الرحمن ومواليهم يستقبلون السرير ويمشون على أعقابهم ويقولون : رُويدا رُويدا ، بارك الله فيكم! فكانوا يَدِبُونَ دبيبا ، حتى إذا كنا ببعض طريق المِرْبَد لحقنا أبو بكرة رضي الله عنه على بغلة فلما رأى الذين يصنعون حمل عليهم ببغلته وأهوى إليهم بالسَّوْط فقال : خلوا! فوالذي أكرم وجه أبي القاسم صلى الله عليه وسلم لقد رأيتُنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وإنها لنكاد نرمُل بها رَمْلاً ، فانبسط القومُ.\rوروى أبو ماجدة \" عن ابن مسعود قال : سألنا نبينا صلى الله عليه وسلم عن المشي مع الجنازة فقال : \"دون الخبَبَ إن يكن خيرا يَعجّل إليه وإن يكن غير ذلك فبعداً لأهل النار\" \" الحديث.\rقال أبو عمر : والذي عليه جماعة العلماء في ذلك الإسراع فوق السجيّة قليلا ، والعجلة أحبّ إليهم من الإبطاء.\rو يكره الإسراع الذي يَشقّ على ضعَفة الناس ممن يتبعها.\rوقال إبراهيم النَّخَعي : بَطِّئوا بها قليلا ولا تَدِبُّوا دبيب اليهود والنصارى.","part":18,"page":408},{"id":7901,"text":"وقد تأوّل قوم الإسراع في حديث أبي هريرة تعجيل الدفن لا المشي ، وليس بشيء لما ذكرنا.\rوبالله التوفيق.\rوأما الصلاة عليه فهي واجبَة على الكفاية كالجهاد.\rوهذا هو المشهور من مذاهب العلماء.\rمالك وغيره.\r\" لقوله صلى الله عليه وسلم في النجاشي : \"قوموا فصلّوا عليه\" \"\rوقال أصْبغ : إنها سُنة.\rورُوي عن مالك.\rوسيأتي لهذا المعنى زيادة بيان في \"براءة\".\rوأمّا دفنه في التراب ودسه وسَتره فذلك واجب ؛ لقوله تعالى : { فَبَعَثَ الله غُرَاباً يَبْحَثُ فِي الأرض لِيُرِيَهُ كَيْفَ يُوَارِي سَوْءَةَ أَخِيهِ } [ المائدة : 31 ].\rوهناك يذكر حكم بنيان القبر وما يستحب منه ، وكيفية جعل الميت فيه.\rويأتي في \"الكهف\" حكم بناء المسجد عليه ، إن شاء الله تعالى.\rفهذه جملة من أحكام الموتى وما يجب لهم على الأحياء.\rوعن عائشة قالت قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : \" لا تسبّوا الأموات فإنهم قد أفضوا إلى ما قدّموا \" أخرجه مسلم.\rوفي سُنن النسَّائي عنها أيضاً قالت : ذُكر عند النبي صلى الله عليه وسلم هالكٌ بسوء فقال : \" لا تذكروا هَلْكاكم إلا بخير \". أ هـ {تفسير القرطبى حـ 4 صـ 289 ـ 301}. بتصرف يسير.\rفائدة\rقال الفخر :\rقوله تعالى : {كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الموت} يدل على أن المقتول يسمى بالميت وإنما لا يسمى المذكى بالميت بسبب التخصيص بالعرف. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 9 صـ 102}","part":18,"page":409},{"id":7902,"text":"فوائد ولطائف لغوية\rقال العلامة ابن الجوزى :\rباب الموت\rالموت حادث تزول معه الحياة والموتة الواحدة من الموت والموتان الموت أيضا يقال وقع في الإبل موتان شديد والموتة شبه الجنون يعتري الإنسان ومؤته - بالهمز أرض بها قتل جعفربن أبي طالب عليه السلام والموتان الأرض لم تحي بعد بزرع ولا إصلاح وكذلك الموات وذكر بعض المفسرين أن الموت في القرآن على سبعة أوجه - أحدها الموت نفسه ومنه قوله تعالى في آل عمران ( كل نفس ذائقة الموت ) وفي الزمر ( إنك ميت وإنهم ميتون ) وفي الجمعة ( قل إن الموت الذي تفرون منه فإنه ملاقيكم )\rوالثاني النطفة ومنه قوله تعالى في البقرة ( وكنتم أمواتا فأحياكم ) وفي المؤمن ( ربنا أمتنا اثنتين ( وأحييتنا اثنتين ) فالموتة الأولى كونهم نطفا والثالث الضلال ومنه قوله تعالى في الأنعام ( أو من كان ميتا فأحييناه ) وفي النمل ( فإنك لا تسمع الموتى ) وفي الملائكة ( وما يستوي الأحياء ولا الأموات ) والرابع الجدب ومنه قوله تعالى في الأعراف ( فسقناه لبلد ميت فأنزلنا به الماء ) وفي فاطر ( فسقناه إلى بلد ميت فأحيينا به الأرض بعد موتها ) وفي يس ( وآية لهم الأرض الميتة أحييناها ) وفي الزخرف ( فأنشرنا به بلدة ميتا ) كل بلد ميت في القرآن فالمراد به الأرض المجدبة والخامسة الحرب ومنه قوله تعالى في آل عمران ( ولقد كنتم تمنون الموت من قبل أن تلقوه ) والسادس الجماد - ومنه قوله تعالى في النحل ( أموات غير أحياء ) يعني الأوثان والسابع الكفر ومنه قوله تعالى في آل عمران ( وتخرج الحي من الميت وتخرج الميت من الحي ) فالميت ها هنا\rالكافر وبعضهم يلحقه بقسم النطفة وقد ألحق بعضهم وجها ثامنا فقالوا والموت الطاعون ومنه قوله تعالى ( في البقرة ) ( ألم تر إلى الذين خرجوا من ديارهم وهم ألوف حذر الموت ) وليس كما قال وإنما معناه حذر الموت بالطاعون لأنه كان قد نزل بهم وهذا قول ابن عباس. أ هـ {نزهة الأعين النواظر صـ 569 ـ 571}","part":18,"page":410},{"id":7904,"text":"قوله تعالى : {وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ القيامة}\rفصل\rقال الفخر :\rبين تعالى أن تمام الأجر والثواب لا يصل إلى المكلف إلا يوم القيامة ، لأن كل منفعة تصل إلى المكلف في الدنيا فهي مكدرة بالغموم والهموم وبخوف الانقطاع والزوال ، والأجر التام والثواب الكامل إنما يصل إلى المكلف يوم القيامة لأن هناك يحصل السرور بلا غم ، والأمن بلا خوف ، واللذة بلا ألم.\rوالسعادة بلا خوف الانقطاع ، وكذا القول في جانب العقاب فإنه لا يحصل في الدنيا ألم خالص عن شوائب اللذة ، بل يمتزج به راحات وتخفيفات ، وإنما الألم التام الخالص الباقي هو الذي يكون يوم القيامة ، نعوذ بالله منه. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 9 صـ 102}\rوقال القرطبى :\rقوله تعالى : { وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ القيامة } فأجْرُ المؤمن ثواب ، وأجر الكافر عقاب ، ولم يعتدّ بالنعمة والبلية في الدنيا أجراً وجزاء ؛ لأنها عرصةَ الفناء. أ هـ {تفسير القرطبى حـ 4 صـ 302}\rوقال الآلوسى\r{ وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ } أي تعطون أجزية أعمالكم وافية تامة { يَوْمُ القيامة } أي وقت قيامكم من القبور ، فالقيامة مصدر والوحدة لقيامهم دفعة واحدة ، وفي لفظ التوفية إشارة إلى أن بعض أجورهم من خير أو شر تصل إليهم قبل ذلك اليوم ، ويؤيده ما أخرجه الترمذي عن أبي سعيد الخدري والطبراني في \"الأوسط\" عن أبي هريرة مرفوعاً \" القبر روضة من رياض الجنة أو حفرة من حفر النيران \"\r، وقيل : النكتة في ذلك أنه قد يقع الجزاء ببعض الأعمال في الدنيا ، ولعل من ينكر عذاب القبر تتعين عنده هذه النكتة. أ هـ {روح المعانى حـ 4 صـ 146}","part":18,"page":411},{"id":7905,"text":"لطيفة\rقال ابن عطية :\r{ وإنما } حاصرة على التوفية التي هي على الكمال ، لأن من قضي له بالجنة فهو ما لم يدخلها غير موفى ، وخص تعالى ذكر \" الأجور \" لشرفها وإشارة مغفرته لمحمد صلى الله عليه وسلم وأمته ، ولا محالة أن المعنى : أن يوم القيامة تقع توفية الأجور وتوفية العقاب. أ هـ {المحرر الوجيز حـ 1 صـ 550}\rقوله تعالى : {فَمَن زُحْزِحَ عَنِ النار وَأُدْخِلَ الجنة فَقَدْ فَازَ}\rفصل\rقال الفخر :\rالزحزحة التنحية والإبعاد ، وهو تكرير الزح ، والزح هو الجذب بعجلة ، وهذا تنبيه على أن الإنسان حينما كان في الدنيا كأنه كان في النار ، وما ذاك إلا لكثرة آفاتها وشدة بلياتها ، ولهذا قال عليه الصلاة والسلام : \" الدنيا سجن المؤمن \".\rواعلم أنه لا مقصود للإنسان وراء هذين الأمرين ، الخلاص عن العذاب ، والوصول إلى الثواب ، فبين تعالى أن من وصل إلى هذين المطلوبين فقد فاز بالمقصد الأقصى والغاية التي لا مطلوب بعدها.\rوروي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال : \" موضع سوط في الجنة خير من الدنيا وما فيها \" وقرأ قوله تعالى : {فَمَن زُحْزِحَ عَنِ النار وَأُدْخِلَ الجنة فَقَدْ فاز} وقال عليه الصلاة والسلام : \" من أحب أن يزحزح عن النار ويدخل الجنة فلتدركه منيته وهو يؤمن بالله واليوم الآخر وليؤت إلى الناس ما يحب أن يؤتى إليه \". أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 9 صـ 102 ـ 103}\rوقال القرطبى :\r{ وَأُدْخِلَ الجنة فَقَدْ فَازَ } ظَفِر بما يرجو ، ونجا مما يخاف.","part":18,"page":412},{"id":7906,"text":"وروى الأعمش عن زيد بن وهب عن عبدالرحمن بن عبد رب الكعبة عن عبد الله بن عمرو عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : \" من سَرّه أن يُزَحزَح عن النار وأن يدخل الجنة فلتأته منيّته وهو يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله ويأتي إلى الناس الذي يُحب أن يُؤتى إليه \" عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم \" موضع سوط في الجنة خير من الدنيا وما فيها اقرءوا إن شئتم { فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةِ فَقَدْ فَازَ } \". أ هـ {تفسير القرطبى حـ 4 صـ 302}\rلطيفة\rقال ابن عاشور :\rوإنّما جُمع بين { زُحزح عن النار وأدخل الجنة } ، مع أنّ في الثاني غنية عن الأوّل ، للدلالة على أنّ دخول الجنة يشتمل على نعمتين عظيمتين : النجاة من النار ، ونعيم الجنّة.\rومعنى { فقد فاز } نال مبتغاه من الخير لأنّ ترتّب الفوز على دخول الجنّة والزحزحة عن النار معلوم فلا فائدة في ذكر الشرط إلاّ لهذا.\rوالعرب تعتمد في هذا على القرائن ، فقد يكون الجواب عين الشرط لبيان التحقّق ، نحو قول القائل : من عرفني فقد عرفني ، وقد يكون عينه بزيادة قيد نحو قوله تعالى : { وإذا مروا باللغو مروا كراما } وقد يكون على معنى بلوغ أقصى غايات نوع الجواب والشرط كما في هذه الآية وقوله : { ربنا إنك من تدخل النار فقد أخزيته } على أحد وجهين ، وقول العرب : \"مَنْ أدرك مَرْعَى الصَّمَّان فقَدْ أدرك\" وجميع ما قرّر في الجواب يأتي مثله في الصفة ونحوها كقوله : { ربنا هؤلاء الذين أغوينا أغويناهم كما غوينا } [ القصص : 63 ]. أ هـ {التحرير والتنوير حـ 3 صـ 201 ـ 202}","part":18,"page":413},{"id":7907,"text":"قوله تعالى {وَما الحياة الدنيا إِلاَّ متاع الغرور}\rقال الفخر :\rالغرور مصدر من قولك : غررت فلاناً غروراً شبه الله الدنيا بالمتاع الذي يدلس به على المستام ويغر عليه حتى يشتريه ثم يظهر له فساده ورداءته والشيطان هو المدلس الغرور ، وعن سعيد بن جبير : أن هذا في حق من آثر الدنيا على الآخرة ، وأما من طلب الآخرة بها فإنها نعم المتاع ، والله أعلم. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 9 صـ 103}\rوقال القرطبى :\r{ وَما الحياة الدنيا إِلاَّ مَتَاعُ الغرور } أي تَغرّ المؤمنَ وتَخدَعُه فَيظُن طول البقاء وهي فانية.\rوالمتاع ما يُتمتع به وينتفع ؛ كالفأس والقِدْر والقَصعة ثم يزول ولا يبقى ملكه ؛ قاله أكثر المفسرين.\rقال الحسن : كخضرة النبات ، ولعب البنات لا حاصل له.\rوقال قَتادة : هي متاع متروك توشك أن تضمحل بأهلها ؛ فينبغي للإنسان أن يأخذ من هذا المتاع بطاعة الله سبحانه ما استطاع.\rولقد أحسن من قال :\rهي الدارُ دار الأذى والقَذَى . . .\rودارُ الفناء ودارُ الغِيرَ\rفلو نلتَها بحذافيرها . . .\rلمُتّ ولم تَقْض منها الوَطَرْ\rأيَا مَن يؤمّل طولَ الخلود . . .\rوطُولُ الخلود عليه ضَرَرْ\rإذا أنت شِبْت وبان الشَباب . . .\rفلا خير في العيش بعد الكِبَر\rوالغَرور ( بفتح الغين ) الشيطان ؛ يَغُر الناس بالتّمنية والمواعيد الكاذبة.\rقال ابن عرفة : الغرور ما رأيتَ له ظاهراً تّحبه ، وفيه بَاطِن مكروه أو مجهول.\rوالشيطان غَرور ؛ لأنه يحمل على محاب النفس ، ووراء ذلك ما يسوء.\rقال : ومن هذا بيع الغَرَر ، وهو ما كان له ظاهرُ بيع يَغُرّ وباطنٌ مجهول. أ هـ {تفسير القرطبى حـ 4 صـ 302}\rفصل\rقال الفخر :\rاعلم أن فساد الدنيا من وجوه :\rأولها : أنه لو حصل للإنسان جميع مراداته لكان غمه وهمه أزيد من سروره ، لأجل قصر وقته وقلة الوثوق به وعدم علمه بأنه هل ينتفع به أم لا ،","part":18,"page":414},{"id":7908,"text":"وثانيها : أن الإنسان كلما كان وجدانه بمرادات الدنيا أكثر كان حرصه في طلبها أكثر ، ولكما كان الحرص أكثر كان تألم القلب بسبب ذلك الحرص أشد ، فإن الإنسان يتوهم أنه إذا فاز بمقصوده سكنت نفسه وليس كذلك ، بل يزداد طلبه وحرصه ورغبته ،\rوثالثها : أن الإنسان بقدر ما يجد من الدنيا يبقى محروما عن الآخرة التي هي أعظم السعادات والخيرات ، ومتى عرفت هذه الوجوه الثلاثة علمت أن الدنيا متاع الغرور ، وأنها كما وصفها أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه حيث قال : لين مسها قاتل سمها.\rوقال بعضهم : الدنيا ظاهرها مطية السرور ، وباطنها مطية الشرور. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 9 صـ 103}\rلطيفة\rقال فى روح البيان :\rقال بعض المشايخ :\rالعباد على قسمين فى أعمارهم فرب عمر اتسعت آماده وقلت أمداده كأعمار بنى إسرائيل إذ كان الواحد منهم يعيش الألف ونحوها ولم يحصل على شىء مما تحصل لهذه الأمة مع قصر أعمارها ورب عمر قليلة آماده كثيرة أمداده كعمر من فتح عليه من هذه الأمة فوصل إلى عناية الله بلمحة. أ هـ {روح البيان حـ 2 صـ 168}\rفصل\rقال ابن كثير\rيخبر تعالى إخبارًا عامًا يعم جميع الخليقة بأن كل نفس ذائقة الموت، كقوله : { كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ. وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالإكْرَامِ } فهو تعالى وحده هو الحي الذي لا يموت والإنس والجن يموتون، وكذلك الملائكة وحملة العرش، وينفرد الواحد الأحد القهار بالديمومة والبقاء، فيكون آخرًا كما كان أولا.","part":18,"page":415},{"id":7909,"text":"وهذه الآية فيها تعزية لجميع الناس، فإنه لا يبقى أحد على وجه الأرض حتى يموت، فإذا انقضت المدة وفَرَغَت النطفة التي قدر الله وجودها من صلب آدم وانتهت البرية -أقام الله القيامة وجازى الخلائق بأعمالها جليلها وحقيرها، كثيرها وقليلها، كبيرها وصغيرها، فلا يظلم أحدا مثقال ذرة ؛ ولهذا قال : { وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ }\rقال ابن أبي حاتم : حدثنا أبي، حدثنا عبد العزيز الأويسي، حدثنا علي بن أبي علي اللِّهْبِيّ عن جعفر بن محمد بن علي بن الحسين، عن أبيه، عن علي بن أبى طالب، رضي الله عنه، قال : لما تُوفي النبي صلى الله عليه وسلم وجاءت التعزية، جاءهم آت يسمعون حسّه ولا يرون شخصه فقال : السلام عليكم أهل البيت ورحمة الله وبركاته { كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ } إن في الله عَزَاءً من كل مُصِيبة، وخَلَفًا من كل هالك، ودركًا من كل فائت، فبالله فثقوا، وإياه فارجوا، فإن المصاب من حرم الثواب، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته. قال جعفر بن محمد : فأخبرني أبي أن علي بن أبي طالب قال : أتدرون من هذا ؟ هذا الخضر، عليه السلام (1).\rوقوله : { فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ } أي : من جنب النار ونجا منها وأدخل الجنة، فقد فاز كل الفوز.\r___________\r(1) ذكره السيوطي في الدر (2/399) وإسناده ضعيف ومتنه منكر.","part":18,"page":416},{"id":7910,"text":"قال ابن أبي حاتم : حدثنا أبي، حدثنا محمد بن عبد الله الأنصاري، حدثنا محمد بن عَمْرو بن علقمة، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة [رضي الله عنه] قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : \"مَوْضع سوط في الجنة خيرٌ من الدنيا وما فيها، اقرؤوا إن شئم : { فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ } (2).\r__________\r(2) ورواه أحمد في مسنده (2/438) والترمذي في السنن برقم (3292)، والحاكم في المستدرك (2/299) وقال : \"على شرط مسلم\" ووافقه الذهبي، كلهم من طريق محمد بن عمرو عن أبي سلمة به. وللحديث طرق أخرى عن أبي هريرة وله شواهد من حديث سهل بن سعد في الصحيحين كما سيأتي، ومن حديث أنس بن مالك عند أحمد في المسند (3/141) انظر الكلام عليه موسعا في : السلسلة الصحيحة للألباني برقم (1978).\rهذا حديث ثابت في الصحيحين من غير هذا الوجه (3) بدون هذه الزيادة، وقد رواه بدون\r____________\r(3) أخرجه البخاري في صحيحه برقم (6415)، ومسلم في صحيحه برقم (1881).\rهذه الزيادة أبو حاتم، وابن حبان في صحيحه، والحاكم في مستدركه، من حديث محمد بن عمرو هذا. ورواه ابن مردويه [أيضا] من وجه آخر فقال : \rحدثنا محمد بن أحمد بن إبراهيم، حدثنا محمد بن يحيى، أنبأنا حُمَيْد بن مسعدة، أنبأنا عمرو بن علي، عن أبي حازم، عن سهل بن سعد قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : \"لموضع سَوط أحَدكم في الجنة خير من الدنيا وما فيها\". قال : ثم تلا هذه الآية : { فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ }\r","part":18,"page":417},{"id":7911,"text":"وتقدّم عند قوله تعالى : { وَلا تَمُوتُنَّ إِلا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ } ما رواه الإمام أحمد، عن وَكيع عن الأعمش، عن زيد بن وهب، عن عبد الرحمن بن عبد رب الكعبة، عن عبد الله بن عَمرو بن العاص قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : \"من أحَبَّ أن يزحزح عن النار وأن يدخل الجنة، فلتدركه مَنِيَّتُه وهو يؤمن بالله واليوم الآخر، ولْيَأْتِ إلى الناس ما يُحِبُّ أن يؤتى إليه\" (4).\r____________\r(4) المسند (2/191)\rوقوله : { وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلا مَتَاعُ الْغُرُورِ } تصغيرًا لشأن الدنيا، وتحقيرًا لأمرها، وأنها دنيئة فانية قليلة زائلة، كما قال تعالى : { بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا. وَالآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى } [الأعلى : 16، 17] [وقال تعالى : { وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا فِي الآخِرَةِ إِلا مَتَاعٌ } [الرعد : 26] وقال تعالى : { مَا عِنْدَكُمْ يَنْفَدُ وَمَا عِنْدَ اللَّهِ بَاقٍ ] } [النحل : 96]. وقال تعالى : { وَمَا أُوتِيتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَمَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَزِينَتُهَا وَمَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ وَأَبْقَى } [القصص : 60] وفي الحديث : \"واللهِ ما الدنيا في الآخرة إلا كما يَغْمِسُ أحدُكُم إصبعه في اليَمِّ، فلينظر بِمَ تَرْجِع إليه ؟ \" (1).\rوقال قتادة في قوله : { وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلا مَتَاعُ الْغُرُورِ } هي متاع، هي متاع، متروكة، أوشكت -والله الذي لا إله إلا هو-أن تَضْمَحِلَّ عن أهلها، فخذوا من هذا المتاع طاعة الله إن استطعتم، ولا قوة إلا بالله. أ هـ {تفسير ابن كثير حـ 2 صـ 177 ـ 179}\r________\r(1) رواه مسلم في صحيحه برقم (2858) والترمذي برقم (2323) وابن ماجة في السنن برقم (4108) من حديث المستورد ابن شداد رضي الله عنه.","part":18,"page":418},{"id":7912,"text":"فوائد لغوية\rقال ابن عادل :\rقوله : { كُلُّ نَفْسٍ ذَآئِقَةُ الموت } مبتدأ وخبر ، وسوَّغَ الابتداء بالنكرة العموم والإضافة.\rوالجمهور على \" ذَائِقَةٌ المَوْتَ \" بالتنوين والنَّصْب في \" الْمَوْتِ \" على الأصل.\rوقرأ الأعمشُ بعدم التنوين ونَصْب \" الْمَوْت \" وذلك على حَذْف التنوين ؛ لالتقاء الساكنين وإرادته وهو كقول الشاعرِ : [ المتقارب ]\rفأَلْقَيْتُهُ غَيْرَ مُسْتَعْتَبٍ... وَلاَ ذَاكِرَ اللهَ إلاَّ قَلِيلا\r- بنصب الجلالة - وقراءة مَنْ قرأ { قُلْ هُوَ الله أَحَدٌ الله } [ الإخلاص : 1 ، 2 ] - بحذف التنوين من \" أحَدٌ \" لالتقاء الساكنين.\r[ ونقل ] أبو البقاء - فيها - قراءةً غريبةً ، وتخريجاً غريباً ، قال : \" وتقرأ شاذاً - أيضاً - ذَائِقُهُ الْمَوْتُ على جعل الهاء ضمير \" كل \" على اللفظ ، وهو مبتدأ وخبرٌ ، وإذا صحت هذه قراءةٌ فتكون \" كل \" مبتدأ ، و\" ذَائِقُهُ \" خبر مقدَّم ، و\" الْمَوْتُ \" مبتدأ مؤخرٌ ، والجملة خبر \" كُلّ \" وأضيف \" ذائق \" إلى ضمير \" كل \" باعتبار لفظها ، ويكون هذا من باب القلب في الكلام ؛ لأن النفس هي التي تذوق الموت وليس الموت يذوقها ، وهنا جعل الموت هو الذي يذوق النفس ، قَلْباً للكلامِ ؛ لفهم المعنى ، كقولهم : عَرَضْتُ الناقة على الحوض ، ومنه قوله : { وَيَوْمَ يُعْرَضُ الذين كَفَرُواْ على النار } [ الأحقاف : 34 ] وقولك : أدخلت القلنسوة في رأسي.\rوقول الشَّاعرِ : [ البسيط ]\rمِثْلُ القَنَافِذِ هَدَّاجُونَ قَدْ بَلَغَتْ... نَجْرَانَ ، أوْ بَلَغَتْ سَوْآتِهِمْ هَجَرُ\rالأصل : عرضت الحوض على الناقة ، ويوم تُعْرَض النار على الذين كفروا ، وأدخلت رأسي في القلنسوة ، وبلغت سوآتهم هَجَرَ ، فقلبت. وسيأتي خلافُ النّاسِ في القلب في موضعه إن شاء الله - تعالى - .","part":18,"page":419},{"id":7913,"text":"وكان أبو البقاء قد قَدَّم قبل هذا التأنيث في \" ذائقة \" إنما هو باعتبار معنى \" كلٍّ \" قال : \" لأن كل نفس نفوس ، فلو ذكر على لفظ \" كل \" جاز ، يعني أنه لو قيل : { كُلُّ نَفْسٍ ذَآئِقَةُ } جاز ، وقد تَقَدَّمَ أول البقرة أنه يجب [ اعتبار ] لفظ ما يُضافُ إليه إذا كان نكرة ولا يجوز أن يعتبر \" كل \" وتحقيق هذه المسألةِ هناك.\rقوله : { وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ } \" ما \" كافة لِـ \" إن \" عن العمل ، قال مكيٌّ : \" ولا يحسبن أن تكون \" ما \" بمعنى الذي ، لأنه يلزم رفع \" أجورُكم \" ولم يقرأ به أحَدٌ ، ولأنه يصير التقدير : وأن الذي توفَّوْنَهُ أجوركم ، كقولك : إنّ الذي أكرمته عمرو ، وأيضاً فإنك تفرق بين الصلة والموصول بخبر الابتداء \".\rيعني لو كانت \" ما \" موصولة لكانت اسم \" إن \" فيلزم - حينئذٍ - رفع \" أجوركم \" على أنه خبرها ، كقوله تعالى : { إِنَّمَا صَنَعُواْ كَيْدُ سَاحِرٍ } [ طه : 69 ] ف \" ما \" - هنا - يجوز أن تكون بمعنى الذي ، أو مصدرية ، تقديره : إنَّ الذي صنعوه ، أو إن صُنْعَهم ، ولذلك رفع \" كِيْدُ \" ، خبرها. وقوله : وأيضاً فإنك تفرق... ، يعني أن \" يَوْمَ الْقِيَامَة \" متعلق بـ \" تُوَفَّوْنَ \" فهو من تمام الصلة - التي هي الفعل ومعموله - ولا يُخْبَر عن موصول إلا بعد تمام صلته ، وهذا وإن كان من الواضحات ، إلا أن فيه تنبيهاً على أصول العلم.\r","part":18,"page":420},{"id":7914,"text":"قوله : { فَمَن زُحْزِحَ عَنِ النار } أدغم أبو عمرو الحاء في العين ، قالوا : لطول الكلمة ، وتكرير الحاء ، دون قوله : { ذُبِحَ عَلَى النصب } [ المائدة : 3 ] وقوله : { المسيح عِيسَى } [ آل عمران : 45 ] ونُقِل عنه الإدغامُ مطلقاً ، وعدمه مطلقاً والنحويون يمنعون ذلك ، ولا يُجيزونه إلا بعد أن يقلبوا العين حاء ويُدْغِموا الحاء فيها ، قالوا : لأن الأقوى لا يُدْغَم في الأضْعَف ، وهذا عكس الإدغامِ ، أن تقلب فيه الأول للثاني إلا في مسألتين : إحداهما : هذه ، والثانية : الحاء في الهاء ، نحو : امدح حلالاً - بقلب الهاء حاء أيضاً - ولذلك طعن بعضهم على قراءةِ أبي عمرو ، ولا يُلْتَفَت إليه.. ومعنى الكلام ، { فَمَن زُحْزِحَ } أي : نُحِّي وأزيل عن النار وأدخل الجنة فقد فاز.\rقوله : { وَما الحياة الدنيا إِلاَّ مَتَاعُ الغرور } المتاع : ما يتَمَتَّع به ، وينتفع [ به الناسُ - [ كالقِدْرِ ] والقصعة - ثم يزول ولا يبقى قاله أكثرُ المفسّرين.\rوقال الحَسَن : هو كخضرة النبات ، ولعب البنات ، ولا حاصل له.\rوقال قتادة : هي متاع متروك : يوشك أن يضمحِلَّ ، فينبغي للإنسان أن يأخذ من هذا المتاع بطاعة الله - تعالى - ما استطاع.\rوقوله : \" الْغُرور \" يجوز أن يكون مصدراً من قولك : غَرَرْتَ فلاناً غُرُوراً ، شبه بالمتاع الذي يُدَلس به على المستام ، ويغر عليه حتى يشتريه ، ثم يظهر فَسَادُهُ لَهُ ، ومنه الحديث : \" نهى عن بيع الغرر \" ويجوز أن يكون جَمْعاً.\rوقرأ عبد الله لفتح الغين وفسرها بالشيطان أن يكون فَعُولاً بمعنى مفعول ، أي : متاع الغُرُور ، أي : المخدوع : وأصل الغَرَر : الخدع.","part":18,"page":421},{"id":7915,"text":"قال سعيدُ بن جُبَيْرٍ : هذا في حق من آثر الدنيا على الآخرة ، وأما مَنْ طلب الآخرة بها فإنها متاع بلاغ. أ هـ {تفسير ابن عادل حـ 6 صـ 97 ـ 100}. بتصرف.\rفوائد بلاغية\rقال أبو حيان :\rوتضمنت هذه الآيات التجنيس المغاير في قوله : الذين قالوا : والمماثل في : قالوا ، وسنكتب ما قالوا ، وفي : كذبوك فقد كذب.\rوالطباق في : فقير وأغنياء ، وفي : الموت والحياة ، وفي : زحزح عن النار وأدخل الجنة.\rوالالتفات في : سنكتب ونقول ، وفي : أجوركم ، إذ تقدمه كل نفس.\rوالتكرار في : لفظ الجلالة ، وفي البينات.\rوالاستعارة في : سنكتب على قول من لم يجعل الكتابة حقيقة ، وفي : قدّمت أيديكم ، وفي : تأكله النار ، وفي : ذوقوا وذائقة.\rوالمذهب الكلامي في فلم قتلتموهم.\rوالاختصاص في : أيديكم.\rوالإشارة في : ذلك ، والشرط المتجوز فيه.\rوالزيادة للتوكيد في : وبالزبر وبالكتاب في قراءة من قرأ كذلك.\rوالحذف في مواضع. أ هـ {البحر المحيط حـ 3 صـ 140}\rمن لطائف الإمام القشيرى فى الآية\rقال عليه الرحمة :\r{ كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ (185)}\rأي كأسُ الموت توضع على كفِّ كلِّ حيٍّ فمن تحلاَّها طيِّبَةً نفُسه أوْرَثَتْهُ سُكْرَ الوَجْد ، ومن تجرَّعَها على وجه التعبس ، وقع في وهْدَةِ الرّدِّ ، وَوُسِمَ بِكَيِّ الصَّدّ ، ثم يوم القيامة : فمن أُجِير من النار وصل إلى الراحة الكبرى ، ومن صُلِّيَ بالسعير وقع في المحنة الكبرى.\r{ وَمَا الحَيَاةُ الدُّنْيَا إلآَّ مَتَاعُ الغُرُورِ } : لأن ما هو آتِ فقريبٌ. أ هـ {لطائف الإشارات حـ 1 صـ 302}.\rتم الجزء الثامن عشر من كتاب {جامع لطائف التفسير} ولله الحمد والمنة\rويليه إن شاء الله تعالى الجزء التاسع عشر وأوله قوله تعالى\r{ لَتُبْلَوُنَّ فِي أَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا أَذًى كَثِيرًا وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ (186) }","part":18,"page":422},{"id":7916,"text":"بسم الله الرحمن الرحيم\rاسم الكتاب / جامع لطائف التفسير\rالعاجز الفقير\rعبد الرحمن بن محمد القماش\rإمام وخطيب بدولة الإمارات العربية\rعفا الله عنه وغفر له\rالجزء التاسع عشر\rحقوق النسخ والطبع والنشر مسموح بها لكل مسلم\r{يا قوم لا أسألكم عليه أجرا}","part":19,"page":3},{"id":7917,"text":"الجزء التاسع عشر\rمن الآية {186} من سورة آل عمران\rوحتى الآية { 3 } من سورة النساء","part":19,"page":4},{"id":7919,"text":"قوله تعالى { لَتُبْلَوُنَّ فِي أَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا أَذًى كَثِيرًا وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ (186)}\rمناسبة الآية لما قبلها\rقال البقاعى :\rولما سلى الله سبحانه وتعالى نبيه صلى الله عليه وسلم عن تكذيبهم لما بما لقي إخوانه من الرسل وبأنه لا بد من الانقلاب إليه ، فيفوز من كان من أهل حزبه ، ويشقى من والى أعداءه وذوي حزبه ؛ أعاد التسلية على وجه يشمل المؤمنين ، وساقها مساق الإخبار بحلول المصائب الكبار التي هي من شعائر الأخيار في دار الأكدار المعلية لهم في دار القرار فقال - مؤكداً لأن الواقف في الخدمة ينكر أن يصيبه معبوده بسوء ، هذا طبع البشر وإن تطبّع بخلافه ، وأفاد ذكره قبل وقوعه تهوينه بتوطين النفس عليه ، وأفاد بناؤه للمفعول أن المنكى البلاء لا كونه من جهة معينة - : {لتبلون} أي تعاملون معاملة المختبر لتبيين المؤمن من المنافق {في أموالكم} أي بأنواع الإنفاق {وأنفسكم} أي بالإصابة في الجهاد وغيره ، فكما نالكم ما نالكم من الأذى بإذني ليلحقنكم بعده من الأذى ما أمضيت به سنتي في خلص عبادي وذوي محبتي ، وكان إيلاء ذلك للآية التي فيها الإشارة إلى أن توفية الأجور للأعمال الصالحة مما ينيل الفوز مناسباً من حيث الترغيب في كل ما يكون سبباً لذلك من الصبر على ما يبتلي به سبحانه وتعالى من كل ما يأمر به من التكاليف ، أو يأذن فيه من المصائب ، وقدم المال لأنه - كما قيل - عديل الروح ، وربما هان على الإنسان الموت دون الفقر المؤدي إلى الذل بالشماتة والعار بما تقصر عنه يده بفقده من أفعال المكارم ، وما أحسن ذكر هذه الآية إثر قصة أحد التي وقع فيها القتل بسبب الإقبال على المال ، وكان ذكرها تعليلاً لبغضة أهل الكتاب وغيرهم من الكفار.","part":19,"page":5},{"id":7920,"text":"ولما كان يومها يوم بلاء وتمحيص ، وكان ربما أطمع في العافية بعده ، فتوطنت النفس على ذلك فاشتد انزعاجها بما يأتي من أمثاله ، وليس ذلك من أخلاق المشمرين أراد سبحانه وتعالى توطين النفوس على ما طبعت عليه الدار من الأثقال والآصار ، فأخبر أن البلاء لم ينقص به ، بل لا بد بعده من بلايا وسماع أذى من سائر الكفار ، ورغب في شعار المتقين : الصبر الذي قدمه في أول السورة ثم قبل قصة أحد ، وبناها عليه معلماً أنه مما يستحق أن يعزم عليه ولا يتردد فيه فقال : {ولتسمعن} أي بعد هذا اليوم {من الذين} ولما كان المراد تسوية العالم بالجاهل في الذم نزه المعلم عن الذكر فبنى للمفعول قوله : {أوتوا الكتاب} ولما كان إيتاؤهم له لم يستغرق الزمن الماضي أدخل الجار فقال : {من قبلكم} أي من اليهود والنصارى {ومن الذين أشركوا} أي من الأميين {أذى كثيراً} أي من الطعن في الدين وغيره بسبب هذه الوقعة أو غيرها {وإن تصبروا} أي تتخلقوا بالصبر على ذلك وغيره {وتتقوا} أي وتجعلوا بينكم وبين ما يسخط الله سبحانه وتعالى وقاية بأن تغضوا عن كثير من أجوبتهم اعتماداً على ردهم بالسيوف وإنزال الحتوف {فإن ذلك} أي الأمر العالي الرتبة {من عزم الأمور} أي الأشياء التي هي أهل لأن يعزم على فعلها ، ولا يتردد فيه ، ولا يعوق عنه عائق ، فقد ختمت قصة أحد بمثل ما سبقت دليلاً عليه من قوله : {قد بدت البغضاء من أفواههم} [ آل عمران : 118 ] إلى أن ختم بقوله : {وإن تصبروا وتتقوا لا يضركم كيدهم شيئاً} [ آل عمران : 120 ] ما أخبر به هنا بأنه من عزم الأمور. أ هـ {نظم الدرر حـ 2 صـ 193 ـ 194}","part":19,"page":6},{"id":7921,"text":"وقال أبو السعود :\r{ لَتُبْلَوُنَّ } شروعٌ في تسلية رسولِ الله صلى الله عليه وسلم وممن معه من المؤمنين عما سيلقَوْنه من جهة الكفرةِ من المكاره إثرَ تسليتِهم عما قد وقع منهم ليوطِّنوا أنفسَهم على احتماله عند وقوعِه ويستعدوا للقائه ويقابلوه بحسن الصبرِ والثباتِ ، فإن هجومَ الأوجالِ مما يزلزل أقدامَ الرجالِ وللاستعدادِ للكروب مما يهوِّن الخطوبَ. أ هـ {تفسير أبى السعود حـ 2 صـ 123}\rفصل\rقال الفخر :\rاعلم أنه تعالى لما سلى الرسول صلى الله عليه وسلم بقوله : {كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الموت} [ آل عمران : 185 ] زاد في تسليته بهذه الآية ، فبين أن الكفار بعد أن آذوا الرسول والمسلمين يوم أحد ، فسيؤذونهم أيضا في المستقبل بكل طريق يمكنهم ، من الايذاء بالنفس والايذاء بالمال ، والغرض من هذا الإعلام أن يوطنوا أنفسهم على الصبر وترك الجزع ، وذلك لأن الإنسان إذا لم يعلم نزول البلاء عليه فإذا انزل البلاء عليه شق ذلك عليه ، أما إذا كان عالما بأنه سينزل ، فإذا نزل لم يعظم وقعه عليه. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 9 صـ 103}\rفائدة\rقال القرطبى :\rهذا الخطاب للنبيّ صلى الله عليه وسلم وأُمته والمعنى : لتُختبرنّ ولتُمتحنن في أموالكم بالمصائب والأرزاء بالإنفاق في سبيل الله وسائر تكاليف الشرع.\rوالابتلاء في الأنفس بالموت والأمراض وفقد الأحباب.\rوبدأ بذكر الأموال لكثرة المصائب بها. أ هـ {تفسير القرطبى حـ 4 صـ 303}\rفصل\rقال الفخر :\r{لَتُبْلَوُنَّ} لتختبرن ، ومعلوم أنه لا يجوز في وصف الله تعالى الاختبار لأنه طلب المعرفة ليعرف الجيد من الردىء ، ولكن معناه في وصف الله تعالى أنه يعامل العبد معاملة المختبر. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 9 صـ 104}","part":19,"page":7},{"id":7922,"text":"وقال أبو السعود :\rوأصلُ البلاء الاختبارُ أي تُطلب الخِبرةُ بحال المُختَبِر بتعريضه لأمر يشُقُّ عليه غالباً ملابستُه ومفارقتُه ، وذلك إنما يُتصورُ حقيقةً مما لا وقوفَ له على عواقب الأمورِ ، وأما من جهة العليم الخبيرِ فلا يكونُ إلا مجازاً من تمكينه للعبدِ من اختيار أحدِ الأمرين أو الأمورِ قبل أن يرتب عليه شيئاً هو من مباديه العاديةِ كما مر. أ هـ {تفسير أبى السعود حـ 2 صـ 123}\rفائدة\rقال الآلوسى\r{ لَتُبْلَوُنَّ } جواب قسم محذوف أي والله لتختبرن ، والمراد لتعاملن معاملة المختبر ليظهر ما عندكم من الثبات على الحق والأفعال الحسنة ولا يصح حمل الابتلاء على حقيقته لأنه محال على علام الغيوب كما مر ، والخطاب للمؤمنين أو لهم معه صلى الله عليه وسلم ، وإنما أخبرهم سبحانه بما سيقع ليوطنوا أنفسهم على احتماله عند وقوعه ويستعدوا للقائه ويقابلوه بحسن الصبر والثبات فإن هجوم البلاء مما يزيد في اللأواء والاستعداد للكرب مما يهون الخطب ولتحقيق معنى الابتلاء لهذا التهوين أتى بالتأكيد ، وقد يقال : أتى به لتحقيق وقوع المبتلى به مبالغة في الحث على ما أريد منهم من التهيؤ والاستعداد ، وعلى أي وجه فالجملة مسوقة لتسلية أولياء الله تعالى عما سيلقونه من جهة أعدائه سبحانه إثر تسليتهم عما وقع منهم ، وقيل : إنما سيقت لبيان أن الدنيا دار محنة وابتلاء ، وأنها إنما زويت عن المؤمنين ليصبروا فيؤجروا إثر بيان أنها متاع الغرور ، ولعل الأول أولى كما لا يخفى. أ هـ {روح المعانى حـ 4 صـ 147}\rفصل\rقال الفخر :\rاختلفوا في معنى هذا الابتلاء فقال بعضهم : المراد ما ينالهم من الشدة والفقر وما ينالهم من القتل والجرح والهزيمة من جهة الكفار ، ومن حيث ألزموا الصبر في الجهاد.","part":19,"page":8},{"id":7923,"text":"وقال الحسن : المراد به التكاليف الشديدة المتعلقة بالبدن والمال ، وهي الصلاة والزكاة والجهاد.\rقال القاضي : والظاهر يحتمل كل واحد من الأمرين فلا يمتنع حمله عليهما. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 9 صـ 104}\rفصل\rقال البغوى :\r{ لَتُبْلَوُنَّ فِي أَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ } الآية قال عكرمة ومقاتل والكلبي وابن جريج : نزلت الآية في أبي بكر وفنحاص بن عازوراء. وذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم بعث أبا بكر إلى فنحاص بن عازوراء سيد بني قينقاع ليستمدّه ، وكتب إليه كتابًا وقال لأبي بكر رضي الله عنه \"لا تفتاتَنَّ عليّ بشيء حتى ترجع\" فجاء أبو بكر رضي الله عنه وهو متوشح بالسيف فأعطاه الكتاب فلما قرأه قال : قد احتاج ربُّك إلى أن نمده ، فهم أبو بكر رضي الله عنه أن يضربه بالسيف ثم ذكر قول النبي صلى الله عليه وسلم : \"لا تفتاتَنَّ علي بشيء حتى ترجع\" فكف فنزلت هذه الآية.\rوقال الزهري : نزلت في كعب بن الأشرف فإنه كان يهجو رسولَ الله صلى الله عليه وسلم ويسبُّ المسلمين ، ويحرض المشركين على النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه في شعره ويشبب بنساء المسلمين ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : \"من لي بابن الأشرف فإنه قد آذى الله ورسوله\" ؟ .\rفقال محمد بن مسلمة الأنصاري : أنا لك يا رسول الله ، أنا أقتله قال : \"فافعل إن قدرت على ذلك\".\rفرجع محمد بن مسلمة فمكث ثلاثًا لا يأكل ولا يشرب إلا ما تعلق نفسه ، فذُكر ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم فدعاه وقال له : لم تركتَ الطعامَ والشرابَ ؟ قال : يا رسول الله قلت قولا ولا أدري هل أفي به أم لا فقال : إنما عليك الجهد.","part":19,"page":9},{"id":7924,"text":"فقال : يا رسول الله إنه لا بد لنا من أن نقول قال : قولوا ما بدا لكم فأنتم في حل من ذلك ، فاجتمع في قتله محمد بن مسلمة وسَلْكانُ بن سلام وأبو نائلة ، وكان أخا كعب من الرضاعة ، وعباد بن بشر والحارث بن أوس وأبو عيسى بن جُبير فمشى معهم رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى بقيع الغرقد ثم وجّههم ، وقال : \"انطلقوا على اسم الله اللهم أعنهم\" ثم رجع رسول الله صلى الله عليه وسلم وذلك في ليلة مقمرة.\rفأقبلوا حتى انتهوا إلى حصنه فقدّموا أبا نائلة فجاءه فتحدث معه ساعة وتناشدا الشعر ، وكان أبو نائلة يقول الشعر ، ثم قال : ويحك يا ابن الأشرف إني قد جئتك لحاجة أريد ذكرها لك فاكْتُمْ عليّ قال أفعل قال : كان قدوم هذا الرجل بلادنا بلاءً عادتنا العربُ ورمونا عن قوس واحدة ، وانقطعت عنا السبل حتى ضاعت العيال وجهدت الأنفس ، فقال كعب : أنا ابن الأشرف أمَا والله لقد كنت أخبرتك يا بن سلامة أن الأمر سيصير إلى هذا ، فقال أبو نائلة : إن معي أصحابا أردنا أن تبيعنا طعامَك ونرهنك ونوثّق لك وتحسن في ذلك قال : أترهنوني أبناءكم قال : إنا نستحي إن يعير أبناؤنا فيقال هذا رهينةُ وَسْقٍ وهذا رهينة وسْقَينْ قال : ترهنوني نساءكم قالوا : كيف نرهُنك نساءنا وأنت أجمل العرب ولا نأمنك وأية امرأة تمتنع منك لجمالك ؟ ولكنا نرهنك الحلقة يعني : السلاح وقد علمت حاجتنا إلى السلاح ، قال : نعم وأراد أبو نائلة أن لا ينكر السلاح إذا رآه فوعده أن يأتيه فرجع أبو نائلة إلى أصحابه فأخبرهم خبره.\r","part":19,"page":10},{"id":7925,"text":"فأقبلوا حتى انتهوا إلى حصنه ليلا فهتف به أبو نائلة وكان حديث عهد بعرس ، فوثب من ملحفته فقالت امرأته : أسمع صوتا يقطر منه الدم ، وإنك رجل محارب وإن صاحب الحرب لا ينزل في مثل هذه الساعة فكلِّمْهم من فوق الحصن فقال : إنما هو أخي محمد بن مسلمة ورضيعي أبو نائلة وإن هؤلاء لو وجدوني نائمًا ما أيقظوني ، وإن الكريم إذا دعي إلى طعنة بليل أجاب ، فنزل إليهم فتحدث معهم ساعة ثم قالوا : يا بن الأشرف هل لك إلى أن نتماشى إلى شعب العجوز نتحدث فيه بقية ليلتنا هذه ؟ قال : إن شئتم ؟ فخرجوا يتماشون وكان أبو نائلة قال : لأصحابه إني فاتل شعره فأشّمه فإذا رأيتموني استمكنت من رأسه فدونكم فاضربوه ، ثم إنه شامَ يدَه في فودِ رأسه ثم شَمَّ يدَه فقال : ما رأيت كالليلة طيبَ عروس قط ، قال : إنه طيب أم فلان يعني امرأته ، ثم مشى ساعة ثم عاد لمثلها حتى اطمأن ثم مشى ساعة فعاد لمثلها ثم أخذ بفودي رأسه حتى استمكن ثم قال : اضربوا عدو الله فاختلفت عليه أسيافهم فلم تغن شيئا قال محمد بن مسلمة فذكرت مغولا في سيفي فأخذته وقد صاح عدو الله صيحةً لم يبق حولَنَا حصن إلا أوقدت عليه نار ، قال فوضعته في ثندوته ثم تحاملت عليه حتى بلغت عانته ووقع عدو الله ، وقد أُصيب الحارث بن أوس بجرح في رأسه أصابه بعض أسيافنا ، فخرجنا وقد أبطأ علينا صاحبنا الحارث ونزفه الدم ، فوقفنا له ساعة ثم أتانا يتبع آثارَنا فاحتملناه فجئنا به رسول الله آخر الليل وهو قائم يصلي فسلمنا عليه فخرج إلينا فأخبرناه بقتل كعب وجئنا برأسه إليه وتفل على جُرح صاحبنا.\r","part":19,"page":11},{"id":7926,"text":"فرجعنا إلى أهلنا فأصبحنا وقد خافت يهود وقعتنا بعدو الله فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : \"من ظفرتم به من رجال يهود فاقتلوه\" فوثب مُحَيَّصَةُ بن مسعود على سُنَيْنَة رجل من تجار اليهود كان يلابسهم ويبايعهم فقتله وكان حُوَيِّصَة بن مسعود إذْ ذَاك لم يُسْلم وكان أسنَّ من محيصة فلما قتله جعل حويصة يضربه ويقول : أيْ عدو الله قتلته أما والله لرُبّ شحم في بطنك من ماله.\rقال محيصة : والله لو أمرني بقتلك من أمرني بقتله لضربت عنقك ، قال : لو أمركَ محمد بقتلي لقتلتني ؟ قال : نعم قال والله إن دينا بلغ بك هذا لعجب ؟ ! فأسلم حويصة وأنزل الله تعالى في شأن كعب : { لَتُبْلَوُنّ }. أ هـ {تفسيرالبغوى حـ 2 صـ 146 ـ 148}\rفائدة\rقال الآلوسى\r{ فِى أموالكم } بالفرائض فيها والجوائح ، واقتصر بعض على الثاني مدعياً أن الأول الممثل في كلامهم بالإنفاق المأمور به في سبيل الله تعالى ، والزكاة لا يليق نظمه في سلك الابتلاء لما أنه من باب الإضعاف لا من قبيل الإتلاف ، وفيه نظر تقدم في البقرة الإشارة إليه ، وعن الحسن الاقتصار على الأول.\rوالأولى القول بالعموم { وَ } في { أَنفُسَكُمْ } بالقتل والجراح والأسر والأمراض وفقد الأقارب وسائر ما يرد عليها من أصناف المتاعب والمخاوف والشدائد ، وقدم الأموال على الأنفس للترقي إلى الأشرف.\rأو لأن الرزايا في الأموال أكثر من الرزايا في الأنفس. أ هـ {روح المعانى حـ 4 صـ 147}\rفصل\rقال الفخر :\rقوله تعالى {وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الذين أُوتُواْ الكتاب مِن قَبْلِكُمْ وَمِنَ الذين أَشْرَكُواْ أَذًى كَثِيراً}","part":19,"page":12},{"id":7927,"text":"فصل\rقال الفخر :\rالمراد منه أنواع الإيذاء الحاصلة من اليهود والنصارى والمشركين للمسلمين ، وذلك لأنهم كانوا يقولون عزير ابن الله ، والمسيح ابن الله ، وثالث ثلاثة ، وكانوا يطعنون في الرسول عليه الصلاة والسلام بكل ما يقدرون عليه ، ولقد هجاه كعب بن الأشرف ، وكانوا يحرضون الناس على مخالفة الرسول صلى الله عليه وسلم.\rوأما المشركون فهم كانوا يحرضون الناس على مخالفة الرسول صلى الله عليه وسلم ويجمعون العساكر على محاربة الرسول صلى الله عليه وسلم ويثبطون المسلمين عن نصرته ، فيجب أن يكون الكلام محمولا على الكل إذ ليس حمله على البعض أولى من حمله على الثاني. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 9 صـ 104}\rوقال الآلوسى :\r{ وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الذين أُوتُواْ الكتاب مِن قَبْلِكُمْ } أي من قبل إيتائكم القرآن وهم اليهود والنصارى.\rوالتعبير عنهم بذلك إما للإشعار بمدار الشقاق والإيذان بأن ( بعض ) ما يسمعونه منهم مستند على زعمهم إلى الكتاب.\rوإما للإشارة إلى عظم صدور ذلك المسموع منهم.\rوشدة وقعه على الأسماع حيث إنه كلام صدر ممن لا يتوقع صدوره منه لوجود زاجر عنه معه وهو إيتاؤه الكتاب كما قيل : والتصريح بالقبلية إما لتأكيد الإشعار وتقوية المدار وإما للمبالغة في أمر الزاجر عن صدور ذلك المسموع من أولئك المسمعين { وَمِنَ الذين أَشْرَكُواْ } وهم كفار العرب { أَذًى كَثِيراً } كالطعن في الدين وتخطئة من آمن والافتراء على الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم والتشبيب بنساء المؤمنين. أ هـ {روح المعانى حـ 4 صـ 147}\rفصل\rقال القرطبى :\rوكان صلى الله عليه وسلم لما قدم المدينة كان بها اليهود والمشركون ، فكان هو وأصحابه يسمعون أذًى كثيراً.","part":19,"page":13},{"id":7928,"text":"وفي الصحيحين أنه عليه السلام مرّ بابن أُبَيّ وهو عليه السلام على حمار فدعاه إلى الله تعالى فقال ابن أُبَيّ : إن كان ما تقول حقّاً فلا تؤذنَا به في مجالسنا! ارجع إلى رحلك ، فمن جاءك فاقصص عليه.\rوقبض على أنفه لئلا يصيبه غبار الحمار ، فقال ابن رَوَاحة نعم يا رسول الله ، فاغْشنَا في مجالسنا فإنا نحبّ ذلك.\rواستب المشركون الذين كانوا حول ابن أُبَيّ والمسلمون ، وما زال النبيّ صلى الله عليه وسلم يسكّنهم حتى سَكنوا.\rثم دخل على سعد بن عُبادة يعوده وهو مريض ، فقال : \"ألم تسمع ما قال فلان\" فقال سعد : أعف عنه واصفح ، فوالذي أنزل عليك الكتاب لقد جاءك الله بالحق الذي نَزل ، وقد اصطلح أهل هذه البُحَيْرة على أن يتوِّجوه ويعصبوه بالعصابة ؛ فلما ردّ الله ذلك بالحق الذي أعطاكَهُ شَرِقَ به ، فذلك فعل به ما رأيت.\rفعفا عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ونزلت هذه الآية.\rقيل : هذا كان قبل نزول القتال ، ونَدَب الله عبادَه إلى الصبر والتقوى وأخبر أنه من عزم الأمور.\rوكذا في البخاريّ في سياق الحديث ، أن ذلك كان قبل نزول القتال.\rوالأظهر أنه ليس بمنسوخ ؛ فإن الجدال بالأحسن والمداراة أبداً مندوب إليها ، وكان عليه السلام مع الأمر بالقتال يوادع اليهود ويُدَاريهم ، ويصفح عن المنافقين ، وهذا بيِّن. أ هـ {تفسير القرطبى حـ 4 صـ 303 ـ 304}\rقوله تعالى {وَإِن تَصْبِرُواْ وَتَتَّقُواْ فَإِنَّ ذلك مِنْ عَزْمِ الأمور}","part":19,"page":14},{"id":7929,"text":"فصل\rقال الفخر :\rقال المفسرون : بعث الرسول صلى الله عليه وسلم أبا بكر إلى فنحاص اليهودي يستمده ، فقال فنحاص قد احتاج ربك إلى أن نمده ، فهم أبو بكر رضي الله عنه أن يضربه بالسيف ، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم قال له حين بعثه : لا تغلبن على شيء حتى ترجع إلي ، فتذكر أبو بكر رضي الله عنه ذلك وكف عن الضرب ونزلت هذه الآية. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 9 صـ 104}\rفصل\rقال الفخر :\rللآية تأويلان :\rالأول : أن المراد منه أمر الرسول صلى الله عليه وسلم بالمصابرة على الابتلاء في النفس والمال ، والمصابرة على تحمل الأذى وترك المعارضة والمقابلة ، وإنما أوجب الله تعالى ذلك لأنه أقرب إلى دخول المخالف في الدين ، كما قال : {فَقُولاَ لَهُ قَوْلاً لَّيّناً لَّعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يخشى} [ طه : 44 ] وقال : {قُل لّلَّذِينَ ءَامَنُواْ يَغْفِرُواْ لِلَّذِينَ لاَ يَرْجُونَ أَيَّامَ الله} [ الجاثية : 14 ] والمراد بهذا الغفران الصبر وترك الانتقام وقال تعالى : {وَإِذَا مَرُّواْ بِاللَّغْوِ مَرُّواْ كِراماً} [ الفرقان : 72 ] وقال : {فاصبر كَمَا صَبَرَ أُوْلُواْ العزم مِنَ الرسل} [ الأحقاف : 35 ] وقال : {ادفع بالتى هِىَ أَحْسَنُ فَإِذَا الذى بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِىٌّ حَمِيمٌ} [ فصلت : 34 ] قال الواحدي رحمه الله : كان هذا قبل نزول آية السيف.\rقال القفال رحمه الله : الذي عندي أن هذا ليس بمنسوخ والظاهر أنها نزلت عقيب قصة أحد ، والمعنى أنهم أمروا بالصبر على ما يؤذون به الرسول صلى الله عليه وسلم على طريق الأقوال الجارية فيما بينهم ، واستعمال مداراتهم في كثير من الأحوال.\rوالأمر بالقتال لا ينافي الأمر بالمصابرة على هذا الوجه ، واعلم أن قول الواحدي ضعيف ، والقول ما قاله القفَّال.","part":19,"page":15},{"id":7930,"text":"الوجه الثاني في التأويل : أن يكون المراد من الصبر والتقوى : الصبر على مجاهدة الكفار ومنابذتهم والانكار عليهم ، فأمروا بالصبر على مشاق الجهاد ، والجري على نهج أبي بكر الصديق رضي الله عنه في الإنكار على اليهود والاتقاء عن المداهنة مع الكفار ، والسكوت عن إظهار الإنكار. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 9 صـ 104 ـ 105}\rقال الآلوسى :\r{ وَإن تَصْبِرُواْ } على تلك الشدائد عند ورودها { وَتَتَّقُواْ } أي تتمسكوا بتقوى الله تعالى وطاعته والتبتل إليه بالكلية والإعراض عما سواه بالمرة بحيث يستوي عندكم وصول المحبوب ولقاء المكروه { فَإِنَّ ذلك } إشارة إلى المذكور ضمناً من الصبر والتقوى.\rوما فيه من معنى البعد إما لكونه غير مذكور صريحاً على ما قيل ، أو للإيذان بعلو درجة هذين الأمرين وبعد منزلتهما.\rوتوحيد حرف الخطاب إما باعتبار كل واحد من المخاطبين اعتناءاً بشأن المخاطب به ، وإما لأن المراد بالخطاب مجرد التنبيه من غير ( ملاحظة ) خصوصية أحوال المخاطبين. أ هـ {روح المعانى حـ 4 صـ 148}\rفصل\rقال الفخر :\rالصبر عبارة عن احتمال المكروه ، والتقوى عبارة عن الاحتراز عما لا ينبغي فقدم ذكر الصبر ثم ذكر عقبه التقوى ، لأن الإنسان إنما يقدم على الصبر لأجل أنه يريد الاتقاء عما لا ينبغي ، وفيه وجه آخر : وهو أن المراد من الصبر هو أن مقابلة الاساءة بالاساءة تفضي إلى ازدياد الإساءة ، فأمر بالصبر تقليلا لمضار الدنيا ، وأمر بالتقوى تقليلا لمضار الآخرة ، فكانت الآية على هذا التأويل جامعة لآداب الدنيا والآخرة. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 9 صـ 105}","part":19,"page":16},{"id":7931,"text":"قوله تعالى {مِنْ عَزْمِ الأمور}\rقال الفخر : \rقوله : {مِنْ عَزْمِ الأمور} أي من صواب التدبير الذي لا شك في ظهور الرشد فيه ، وهو مما ينبغي لكل عاقل أن يعزم عليه ، فتأخذ نفسه لا محالة به ، والعزم كأنه من جملة الحزم وأصله من قول الرجل : عزمت عليك أن تفعل كذا ، أي ألزمته إياك لا محالة على وجه لا يجوز ذلك الترخص في تركه ، فما كان من الأمور حميد العاقبة معروفاً بالرشد والصواب فهو من عزم الأمور لأنه مما لا يجوز لعاقل أن يترخص في تركه ، ويحتمل وجها آخر ، وهو أن يكون معناه : فإن ذلك مما قد عزم عليكم فيه أي ألزمتم الأخذ به ، والله أعلم. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 9 صـ 105}\rوقال الآلوسى : \r{ مِنْ عَزْمِ الأمور } أي الأمور التي ينبغي أن يعزمها كل أحد لما فيه من كمال المزية والشرف والعز ، أو مما عزمه","part":19,"page":17},{"id":7932,"text":"الله تعالى وأوجبه على عباده ، وعلى كلا التقديرين فالعزم مصدر بمعنى المعزوم وهو مأخوذ من قولهم عزمت الأمر كما نقله الراغب والأشهر عزمت على الأمر ، ودعوى أنه لم يسمع سواه غير مسموعة كدعوى عدم صحة نسبة العزم إليه تعالى لأنه توطين النفس وعقد القلب على ما يرى فعله وهو محال عليه تعالى ، ومما يؤيد صحة النسبة أنه قرىء { فَإِذَا عَزَمْتَ } [ آل عمران : 159 ] بضم التاء وهو حينئذٍ بمعنى الإرادة والإيجاب ، ومنه قول أم عطية رضي الله تعالى عنها : \"نهينا عن اتباع الجنائز ولم يعزم علينا\" وما في حديث آخر يرغبنا في قيام رمضان من غير عزيمة ، وقولهم : عزمات الله تعالى كما نقله الأزهري ومن هذا الباب قول الفقهاء : ترك الصلاة زمن الحيض عزيمة ، والجملة تعليل لجواب ( الشرط ) ( 1 ) واقع موقعه كأنه قيل : وإن تصبروا وتتقوا فهو خير لكم أو فقد أحسنتم أو نحوهما فإن ذلك الخ ، وجوز أن يكون { ذلك } إشارة إلى صبر المخاطبين وتقواهم فحينئذٍ تكون الجملة بنفسها جواب الشرط ، وفي إبراز الأمر بالصبر والتقوى في صورة الشرطية من إظهار كمال اللطف بالعباد ما لا يخفى ، وزعم بعضهم أن هذا الأمر الذي أشارت إليه الآية كان قبل نزول آية القتال وبنزولها نسخ ذلك ، وصحح عدم النسخ وأن الأمر بما ذكر كان من باب المداراة التي لا تنافي الأمر بالقتال ، وسبب نزول هذه الآية في قول ما تقدمت الإشارة إليه ، وأخرج الواحدي عن عروة بن الزبير أن أسامة بن زيد أخبره أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ركب على حمار على قطيفة فدكية وأردف أسامة بن زيد وسار يعود سعد بن عبادة في بني الحرث بن الخزرج قبل وقعة بدر حتى مر بمجلس فيه عبد الله بن أبيّ","part":19,"page":18},{"id":7933,"text":"وذلك قبل أن يسلم عبد الله فإذا في المجلس أخلاط من المسلمين والمشركين عبدة الأوثان واليهود ، وفي المجلس عبد الله بن رواحة فلما غشي المجلس عجاجة الدابة خمر عبد الله بن أبيّ أنفه بردائه ثم قال : لا تغبروا علينا فسلم رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم وقف فنزل ودعاهم إلى الله تعالى ، وقرأ عليهم القرآن فقال عبد الله بن أبيّ : أيها المرء إنه لا أحسن مما تقول إن كان حقاً فلا تؤذنا به في مجالسنا ارجع إلى رحلك فمن جاءك فاقصص عليه ، وقال عبد الله بن رواحة : بلى يا رسول الله فاغشنا به في مجالسنا فإنا نحب ذلك واستب المسلمون والمشركون واليهود حتى كادوا يتساورون فلم يزل النبي صلى الله عليه وسلم يخفضهم حتى سكنوا ، ثم ركب رسول الله صلى الله عليه وسلم دابته فسار حتى دخل على سعد بن عبادة فقال له : يا سعد ألم تسمع ما قال أبو حباب يريد عبد الله بن أبيّ قال : كذا وكذا فقال سعد : يا رسول الله اعف عنه واصفح فوالذي أنزل عليك الكتاب لقد جاء الله تعالى بالحق الذي نزل عليك ، وقد اصطلح أهل هذه البحيرة على أن يتوّجوه ويعصبوه بالعصابة فلما ردّ الله تعالى ذلك بالحق الذي أعطاكه شرق فغص بذلك فعفا عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم فأنزل الله تعالى الآية. أ هـ {روح المعانى حـ 4 صـ 148}\rفائدة\rقال الشيخ الشنقيطى :\rذكر في هذه الآية الكريمة أن المؤمنين سيبتلون في أموالهم وأنفسهم ، وسيسمعون الأذى الكثير من أهل الكتاب والمشركين ، وأنهم إن صبروا على ذلك البلاء والأذى واتقوا الله ، فإن صبرهم وتقاهم من عزم الأمور ، أي من الأمور التي ينبغي العزم والتصميم عليها لوجوبها.","part":19,"page":19},{"id":7934,"text":"وقد بين في موضع آخر أن من جملة هذا البلاء : الخوف والجوع وأن البلاء في الأنفس والأموال هو النقص فيها ، وأوضح فيه نتيجة الصبر المشار إليها هنا بقوله : { فَإِنَّ ذلك مِنْ عَزْمِ الأمور } وذلك الموضع هو قوله تعالى : { وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِّنَ الخوف والجوع وَنَقْصٍ مِّنَ الأموال والأنفس والثمرات وَبَشِّرِ الصابرين الذين إِذَآ أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ قَالُواْ إِنَّا للَّهِ وَإِنَّآ إِلَيْهِ رَاجِعونَ أولئك عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وأولئك هُمُ المهتدون } [ البقرة : 155-157 ] وبقوله : { مَآ أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ إِلاَّ بِإِذْنِ الله وَمَن يُؤْمِن بالله يَهْدِ قَلْبَهُ } [ التغابن : 11 ] ويدخل في قوله : { وَمَنْ يُؤْمِنُ بِاللهِ } الصبر عند الصدمة الأولى ، بل فسره بخصوص ذلك بعض العلماء ، ويدل على دخوله فيه قوله قبله : { مَآ أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ إِلاَّ بِإِذْنِ الله } [ التغابن : 11 ].\rوبين في موضع آخر : أن خصلة الصبر لا يعطاها إلا صاحب حظ عظيم وبخت كبير ، وهو قوله : { وَمَا يُلَقَّاهَا إِلاَّ الذين صَبَرُواْ وَمَا يُلَقَّاهَآ إِلاَّ ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ } [ فصلت : 35 ] وبين في موضع آخر : أن جزاء الصبر لا حساب له ، وهو قوله : { إِنَّمَا يُوَفَّى الصابرون أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَاب } [ الزمر : 10 ]. أ هـ {أضواء البيان حـ 1 صـ 259}","part":19,"page":20},{"id":7935,"text":"فوائد لغوية\rقال ابن عادل :\rقوله : { لَتُبْلَوُنَّ } هذا جوابُ قَسَم محذوف ، تقديره : والله لَتُبْلَوُنّ ، وهذه الواو هي واو الضمير ، والواو التي هي لام الكلمة حُذَفَتْ لأمر تصريفيِّ ، وذلك أن أصله : لَتُبْلَوُّنَنَّ ، فالنون الأولى للرفع ، حُذِفَتْ لأجل نونِ التوكيد ، وتحرَّكت الواوُ [ الأولى ] - التي هي لامُ الكلمةِ - وانفتح ما قبلَهَا فقُلِبَتْ ألفاً ، فالتقى ساكنان - الألف وواو الضمير - فحُذَفَتْ الألف ؛ لئلا يلتقيا ، وضُمَّتْ الواو ؛ دلالةً على المحذوف.\rوإنْ شئتَ قلت : استُقْبِلَتْ الضمةُ على الواو الأولى ، فحُذِفَت ، فالتقى ساكنان ، فحُذِفَتْ الواوُ الأولى وحُرِّكت الثانية بحركة مجانسةٍ ، دلالةً على المحذوف. ولا يجوز قَلْبُ مثل هذه الواوِ همزةً ؛ [ لأن حركتها عارضةٌ ] ولذلك لم [ تُقلَب ] ألِفاً ، وإن تحرَّكَتْ وانفتح ما قبلَها.\rويقال للواحدِ من المذكَّر : لتُبْلَوَنَّ يا رجلُ وللاثنين : لتبليانِّ يا رجلانِ ، ولجماعة الرجال : لتبلوُنَّ. وأصل \" لَتسْمعنَّ \" : لَتَسْمَعُونَنَّ ، ففعل فيه ما تقدم ، إلا أن هنا حُذِفَتْ واوُ الضمير ؛ لأن قَبْلَهَا حَرْفاً صحيحاً. أ هـ {تفسير ابن عادل حـ 6 صـ 100}\rمن فوائد ابن عاشور فى الآية\rقال رحمه الله :\r{ لَتُبْلَوُنّ َ}\rاستئناف لإيقاظ المؤمنين إلى ما يعترض أهل الحقّ وأنصار الرسل من البلوى ، وتنبيه لهم على أنّهم إن كانوا ممّن توهنهم الهزيمة فليسوا أحرياء بنصر الحقّ ، وأكّد الفعل بلام القسم وبنون التوكيد الشديدة لإفادة تحقيق الابتلاء ، إذ نون التوكيد الشديدة أقوى في الدلالة على التوكيد من الخفيفة.","part":19,"page":21},{"id":7936,"text":"فأصل { لتبلونّ } لتبلووننّ فلمّا توالى ثلاث نونات ثقل في النطق فحذفت نون الرفع فالتقى ساكنان : واو الرفع ونون التوكيد الشديدة ، فحذفت واو الرفع لأنّها ليست أصلاً في الكلمة فصار لتبْلَوُنّ.\rوكذلك القول في تصريف قوله تعالى : { ولتسمعنّ } وفي توكيده.\rوالابتلاء : الاختبار ، ويراد به هنا لازمه وهو المصيبة ، لأنّ في المصائب اختباراً لمقدار الثبات.\rوالابتلاء في الأموال هو نفقات الجهاد ، وتلاشي أموالهم التي تركوها بمكّة.\rوالابتلاء في الأنفس هو القتل والجراح.\rوجمع مع ذلك سماع المكروه من أهل الكتاب والمشركين في يوم أُحُد وبعده.\rوالأذى هو الضرّ بالقول كقوله تعالى : { لن يضروكم إلا أذى } [ آل عمران : 111 ] كما تقدّم آنفاً ، ولذلك وصفه هنا بالكثير ، أي الخارج عن الحدّ الذي تحتمله النفوس غالباً ، وكلّ ذلك ممّا يفضي إلى الفشل ، فأمَرَهم الله بالصبر على ذلك حتّى يحصل لهم النصر ، وأمرهم بالتقوى أي الدوام على أمور الإيمان والإقبال على بثّه وتأييده ، فأمّا الصبر على الابتلاء في الأموال والأنفس فيشمل الجهاد ، وأمّا الصبر على الأذى ففي وقتى الحرب والسلم ، فليست الآية مقتضية عدم الإذن بالقتال من حيث إنه أمرهم بالصبر على أذى الكفّار حتّى تكون منسوخة بآيات السيف ، لأنّ الظاهر أنّ الآية نزلت بعد وقعة أُحُد ، وهي بعد الأمر بالقتال.\rقاله القفّال.\rوقوله : { فإن ذلك } الإشارة إلى ما تقدّم من الصبر والتقوى بتأويل : فإنّ المذكور.\rو ( عزم الأمور ) من إضافة الصفة إلى الموصوف أي الأمور العَزم ، ووصفَ الأمور وهو جمع بعزم وهو مفرد لأنّ أصل عزم أنه مصدر فيلزم لفظه حالة واحدة ، وهو هنا مصدر بمعنى المفعول ، أي من الأمور المعزوم عليها.\rوالعزم إمضاء الرأي وعدم التردّد بعد تبيين السداد.","part":19,"page":22},{"id":7937,"text":"فائدة\rقال فى ملاك التأويل :\rقوله تعالى:\"وإن تصبروا وتتقوا فإن ذلك من عزم الأمور\" وفى سورة لقمان:\"واصبر على ما أصابك إن ذلك من عزم الأمور\" بغير لام فى خبر إن فى الآيتين وفى سورة الشورى:\"ولمن صبر وغفر إن ذلك لمن عزم الأمور\" فزيد فى هذه الآية اللام المذكورة فى الخبر فقيل:\"لمن عزم الأمور\" فللسائل أن يسأل عن الفرق.","part":19,"page":23},{"id":7938,"text":"والجواب والله أعلم اختلاف ما وقع الحض على الصبر عليه فى هذه الآيات وأشير اليه بذلك وأنه من عزم الأمور أما الأولى فإن قبلها:\"لتبلون فى أموالكم وأنفسكم ولتسمعن من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم ومن الذين أشركوا أذى كثيرا\" فوقع الأخبار بالابتلاء فى الأموال والأنفس وسماع الأذى ممن ذكر فعرفوا بثلاث ضروب وأمروا بالصبر عليها وهو أربعة أشياء بالتفت التفصيل فى المسموع منه الأذى واعلموا أن الصبر عليها من عزم الأمور وأما آية لقمان فأشير فيها بذلك إلى أربع خصال أمر بها لقمان لبنه وذلك قوله:\"يا بنى أقم الصلاة وأمر بالمعروف وانه عن المنكر واصبر على ما أصابك\" وأتبعت بقوله تعالى:\"إن ذلك من عزم الأمور\" والأربعة فى الآيتين من العدد القليل وأما آية الشورى فالاشارة فيها بقوله\"إن ذلك\" إلى اثنى عشر مطلوبا من لدن قوله تعالى:\"فما أوتيتم من شئ فمتاع الحياة الدنيا\" وهذه اشارة إلى التنزه عن ذلك ثم قيل للذين آمنوا:\"وعلى ربهم يتوكلون\" فالاشارة إلى الايمان والتوكل والتزام ذلك ثم قال تعالى:\"والذين يجتنبون كبائر الإثم والفواحش وإذا ما غضبوا هم يغفرون\" فهذه التزامات ثلاثة ثم قال:\"والذين استجابوا لربهم وأقاموا الصلاة وأمرهم شورى بينهم ومما رزقناهم ينفقون\" فهذه التزامات أربع ثم قال:\"والذين إذا أصابهم البغى هم ينتصرون\" فأشار إلى أن هؤلاء لا يظلمون أحدا وان أقصى ما يقع منهم الانتصار ممن يظلمهم وذلك مباح لهم غير قبيح وقد قيل بقوله بعد:\"وجزاء سيئة سيئة مثلها\" ثم عرف بحال أجل من ذلك وأعلى عملا فقال:\"فمن عفا وأصلح فأجره على الله\" وأعلم مع علو هذا الملتزم أن المنتصر من ظلمه ما عليه من سبيل وإنما السبيل إنما هو على ظالمى الناس والباغين، وبعد هذه الخصال النيفة على العشر قال تعالى فى التزام جميعها:\"إن ذلك لمن عزم الأمور\"","part":19,"page":24},{"id":7939,"text":"فناسب كثرة هذه الخصال الجليلة زيادة اللام المؤكدة فى قوله\"إن ذلك لمن عزم الأمور\" ولم يكن فى الآيتين\rقبلها كثرة فناسبها عدم زيادة اللام على أن ما ختمت به آية الشورى من قوله:\"فمن عفا وأصلح فأجره على الله\" وهى الخصلة الشاهدة بكمال الإيمان للمتصف بها فلو لم يكن قبل قوله:\"إن ذلك لمن عزم الأمور\" غيرها لكانت بمعناها أعم من الخصال المذكورة فى آية آل عمران إذ تلك الخصال داخلة تحت هذه الخصلة الجليلة ومن منطوياتها فناسب ذلك أتم المناسبة ولم يكن العكس ليناسب والله سبحانه أعلم. أ هـ {ملاك التأويل حـ 1 صـ 128 ـ 129}","part":19,"page":25},{"id":7940,"text":"قال تعالى : { وشاورهم في الأمر فإذا عزمت فتوكل على الله } [ آل عمران : 159 ] والمراد هنا العزم في الخيرات ، قال تعالى : { فاصبر كما صبر أولو العزم من الرسل } [ الأحقاف : 35 ] وقال : { ولم نجد له عزما } [ طه : 115 ].\rووقع قوله : { فإن ذلك من عزم الأمور } دليلاً على جواب الشرط ، والتقدير : وإن تصبروا وتتّقوا تنالوا ثواب أهل العزم فإنّ ذلك من عزم الأمور. أ هـ {التحرير والتنوير حـ 3 صـ 302 ـ 303}\rمن لطائف الإمام القشيرى فى الآية\rقال عليه الرحمة :\r{ لَتُبْلَوُنَّ فِي أَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا أَذًى كَثِيرًا وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ (186)}\rكفاهم أكثر أسباب الضر بما أخبرهم عن حلولها بهم قبل الهجوم ، وعرّفهم أن خير الأمْرَيْن لهم إيثار الصبر واختيار السكون تحت مجاري الأقدار. أ هـ {لطائف الإشارات حـ 1 صـ 302}","part":19,"page":26},{"id":7941,"text":"قوله تعالى { وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُ فَنَبَذُوهُ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ وَاشْتَرَوْا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَبِئْسَ مَا يَشْتَرُونَ (187)}\rمناسبة الآية لما قبلها\rقال البقاعى :\rولما قدم سبحانه وتعالى في أوائل قصص اليهود أنه أخذ على النبيين الميثاق بما أخذ ، وأخبرهم أنه من تولى بعد ذلك فهو الفاسق ، ثم أخبر بقوله : {قد جائكم رسل من قبلي} [ آل عمران : 183 ] {فإن كذبوك فقد كذب رسل من قبلك} [ آل عمران : 184 ] أن النبيين وفوا بالعهد ، وأن كثيراً من أتباعهم خان ؛ ثنى هنا بالتذكير بذلك العهد على وجه يشمل العلماء بعد الإخبار بسماع الأذى المتضمن لنقضهم للعهد ، فكان التذكير بهذا الميثاق كالدليل على مضمون الآية التي قبلها ، وكأنه قيل : فاذكروا قولي لكم {لتبلون} واجعلوه نصب أعينكم لتوطنوا أنفسكم عليه ، فلا يشتد جزعكم بحلول ما يحل منه {و} اذكروا {إذ أخذ الله} الذي لا عظيم إلا هو {ميثاق الذين }.\rولما كانت الخيانة من العالم أشنع ، وكان ذكر العلم دون تعيين المعلم كافياً في ذلك بنى للمجهول قوله : {أوتوا الكتاب} أي في البيان ، فخافوا فما آذوا إلا أنفسهم ، وإذا آذوا أنفسهم بخيانة عهد الله سبحانه وتعالى كانوا في أذاكم اشد وإليه أسرع ، أو يكون التقدير : واذكروا ما أخبرتكم به عند ما أنزله بكم ، واصبروا لتفوزوا ، واذكروا إذ اخذ الله ميثاق من قبلكم فضيعوه كيلا تفعلوا فعلهم ، فيحل بكم ما حل بهم من الذل والصغار في الدنيا مع ما يدخر في الآخرة من عذاب النار.","part":19,"page":27},{"id":7942,"text":"هذا ما كان ظهر لي أولاً ، ثم بان أن الذي لا معدل عنه أنه لما انقضت قصة أحد وما تبعها إلى أن ختمت بعد الوعظ بتحتم الموت الذي فر من فر منهم منه وخوّف الباقين أمره بمثل ما تقدم أن جعلها دليلاً عليه من بغض أهل الكتاب وما تبعه ؛ عطف على \" إذا \" المقدرة لعطف {وإذ غدوت} [ آل عمران : 121 ] عليها - قوله : {وإذ أخذ الله} أي اذكروا ذلك يدلكم على عداوتهم ، واذكروا ما صح عندكم من إخبار الله تعالى المشاهد بإخبار من أسلم من الأحبار والقسيسين أن الله أخذ {ميثاق الذين أوتوا الكتاب} أي من اليهود والنصارى بما أكد في كتبه وعلى ألسنة رسله : {ليبيننه} أي الكتاب {للناس ولا يكتمونه} أي نصيحة منهم لله سبحانه وتعالى ولرسوله صلى الله عليه وسلم ولأئمة المؤمنين وعامتهم ليؤمنوا بالنبي المبشر به {فنبذوه} أي الميثاق بنبذ الكتاب {ورآء ظهورهم} حسداً لكم وبغضاً ، وهو تمثيل لتركهم العمل به ، لأن من ترك شيئاً وراءه نسيه {واشتروا به} ولما كان الثمن الذي اشتروه خسارة لا ربح فيه أصلاً على العكس مما بذلوه على أنه ثمن ، وكان الثمن إذا نض زالت مظنة الربح منه عبر عنه بقوله : {ثمناً} وزاد في بيان سفههم بقوله : {قليلاً} أي بالاستكثار من المال والاستئمار للرئاسة ، قكتموا ما عندهم من العلم بهذا النبي الكريم {فبئس ما يشترون} أي لأنه مع فنائه أورثهم العار الدائم والنار الباقية ، وعبر عن هذا الأخذ بالشراء إعلاماً بلجاجهم فيه ، ونبه بصيغة الافتعال على مبالغتهم في اللجاج. أ هـ {نظم الدرر حـ 2 صـ 194 ـ 195}\rفصل\rقال الفخر :\rاعلم أن في كيفية النظم وجهين :","part":19,"page":28},{"id":7943,"text":"الأول : أنه تعالى لما حكى عن اليهود شبها طاعنة في نبوة محمد عليه الصلاة والسلام وأجاب عنه أتبعه بهذه الآية ، وذلك لأنه تعالى أوجب عليهم في التوراة والإنجيل على أمة موسى وعيسى عليهما السلام ، أن يشرحوا ما في هذين الكتابين من الدلائل الدالة على صحة دينه وصدق نبوته ورسالته ، والمراد منه التعجب من حالهم كأنه قيل : كيف يليق بكم إيراد الطعن في نبوته ودينه مع أن كتبكم ناطقة ودالة على أنه يجب عليكم ذكر الدلائل الدالة على صدق نبوته ودينه.\rالثاني : أنه تعالى لما أوجب في الآية المتقدمة على محمد صلى الله عليه وسلم احتمال الأذى من أهل الكتاب ، وكان من جملة ايذائهم للرسول صلى الله عليه وسلم أنهم كانوا يكتمون ما في التوراة والإنجيل من الدلائل الدالة على نبوته ، فكانوا يحرفونها ويذكرون لها تأويلات فاسدة ، فبين أن هذا من تلك الجملة التي يجب فيها الصبر. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 9 صـ 105}\rوقال القرطبى :\rقوله تعالى : { وَإِذَ أَخَذَ الله مِيثَاقَ الذين أُوتُواْ الكتاب } هذا متّصل بذكر اليهود ؛ فإنهم أمِروا بالإيمان بمحمد عليه السلام وبيانِ أمره ، فكتموا نعته.\rفالآية توبيخ لهم ، ثم مع ذلك هو خبر عام لهم ولغيرهم.\rقال الحسن وقتادة : هي في كل من أُوتي عِلم شيء من الكتاب.\rفمن عَلم شيئاً فليُعلِّمه ، وإيّاكم وكتمانَ العلم فإنه هَلكة.\rوقال محمد بن كعب : لا يحلّ لعالم أن يسكت على علمه ، ولا للجاهل أن يسكت على جهله ؛ قال الله تعالى { وَإِذَ أَخَذَ الله مِيثَاقَ الذين أُوتُواْ الكتاب } الآية.\rوقال : { فاسئلوا أَهْلَ الذكر إِن كُنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ } [ الأنبياء : 7 ].\rوقال أبو هريرة : لولا ما أخذ الله على أهل الكتاب ما حدّثتكم بشيء ؛ ثم تلا هذه الآية { وَإِذَ أَخَذَ الله مِيثَاقَ الذين أُوتُواْ الكتاب }.","part":19,"page":29},{"id":7944,"text":"وقال الحسن بن عمارة : أتيت الزُّهرِي بعد ما ترك الحديث ، فألفيتُه على بابه فقلت : إن رأيتَ أن تحدثني.\rفقال : أمَا علمتَ أني تركتُ الحديث ؟ فقلت : إمّا أن تُحدّثني وإمّا أن أُحدّثك.\rقال حدّثني.\rقلت : حدّثني الحَكَم ابن عُتَيبة عن يحيى بن الجزار قال سمعت عليّ بن أبي طالب يقول : ما أخذ الله على الجاهلين أن يتعلّموا حتى أخذ على العلماء أن يُعلِّموا.\rقال : فحدّثني أربعين حديثاً. أ هـ {تفسير القرطبى حـ 4 صـ 304 ـ 305}\rفصل\rقال الفخر :\rقرأ ابن كثير وأبو بكر وعاصم وأبو عمرو {ليبيننه ولا يكتمونه} بالياء فيهما كناية عن أهل الكتاب ، وقرأ الباقون بالتاء فيهما على الخطاب الذي كان حاصلا في وقت أخذ الميثاق ، أي فقال لهم : لتبيننه ، ونظير هذه الآية قوله : {وَإِذْ أَخَذْنَا ميثاق بَنِى إسراءيل لاَ تَعْبُدُونَ إِلاَّ الله} [ البقرة : 83 ] بالتاء والياء وأيضا قوله : {وَقَضَيْنَا إلى بَنِى إسراءيل فِى الكتاب لَتُفْسِدُنَّ فِى الأرض} [ الإسراء : 4 ]. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 9 صـ 105 ـ 106}\rقال الطبرى :\rوالقول في ذلك عندنا أنهما قراءتان ، صحيحةٌ وجوههما ، مستفيضتان في قرأة الإسلام ، غير مختلفتي المعاني ، فبأيتهما قرأ القارئ فقد أصاب الحق والصواب في ذلك. غير أن الأمر في ذلك وإن كان كذلك ، فإن أحب القراءتين إليّ أن أقرأ بها : (\" لَيُبَيِّنَنَّهُ لِلنَّاسِ وَلا يَكْتُمُونَهُ \" ) ، بالياء جميعًا ، استدلالا بقوله : \"فنبذوه\" ، إذ كان قد خرج مخرج الخبر عن الغائب على سبيل قوله : \"فنبذوه\" حتى يكون متَّسقًا كله على معنى واحد ومثال واحد. ولو كان الأول بمعنى الخطاب ، لكان أن يقال : \"فنبذتموه وراء ظهوركم\" أولى ، من أن يقال : \"فنبذوه وراء ظهورهم\". أ هـ {تفسير الطبرى حـ 7 صـ 463}","part":19,"page":30},{"id":7945,"text":"فائدة\rقال الآلوسى\r{ وَإِذْ أَخَذَ الله ميثاق الذين أُوتُواْ الكتاب } والمراد بهم إما أحبار اليهود خاصة وإليه ذهب ابن جبير وهو المروي عن ابن عباس من طريق عكرمة ، وإما ما يشملهم وأحبار النصارى وهو المروي عنه من طريق علقمة وإنما ذكروا بعنوان إيتاء الكتاب مبالغة في تقبيح حالهم ، وقيل : رمزاً إلى أن أخذ الميثاق كان في كتابهم الذي أوتوه ، وروى سعيد بن جبير أن أصحاب عبد الله يقرءون وإذ أخذ ربك من الذين أوتوا الكتاب ميثاقهم. أ هـ {روح المعانى حـ 4 صـ 149}\rفصل\rقال الفخر :\rالكلام في كيفية أخذ الميثاق قد تقدم في الآية المتقدمة ، وذلك لأن الأنبياء عليهم الصلاة والسلام أوردوا الدلائل في جميع أبواب التكاليف وألزموهم قبولها ، فالله سبحانه وتعالى إنما أخذ الميثاق منهم على لسان الأنبياء عليهم الصلاة والسلام فذلك التوكيد والالزام هو المراد بأخذ الميثاق.\rوعن سعيد بن جبير : قلت لابن عباس : إن أصحاب عبد الله يقرؤن {وَإِذْ أَخَذَ الله ميثاق النبيين} [ آل عمران : 81 ] فقال أخذ الله ميثاق النبيين على قومهم.\rواعلم أن إلزام هذا الإظهار لا شك أنه مخصوص بعلماء القوم الذين يعرفون ما في الكتاب ، والله أعلم. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 9 صـ 106}\rفائدة\rقال الفخر :\rالضمير في قوله : {لَتُبَيّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلاَ تَكْتُمُونَهُ} إلى ماذا يعود ؟ فيه قولان : قال سعيد بن جبير والسدي : هو عائد إلى محمد عليه السلام ، وعلى هذا التقدير يكون الضمير عائدا إلى معلوم غير مذكور ، وقال الحسن وقتادة : يعود إلى الكتاب في قوله : {أُوتُواْ الكتاب} أي أخذنا ميثاقهم بأن يبينوا للناس ما في التوراة والإنجيل من الدلالة على صدق نبوة محمد صلى الله عليه وسلم. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 9 صـ 106}","part":19,"page":31},{"id":7946,"text":"فائدة\rقال الفخر :\rإنما قال : ولا تكتمونه ولم يقل : ولا تكتمنه ، لأن الواو واو الحال دون واو العطف ، والمعنى لتبيننه للناس غير كاتمين. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 9 صـ 106}\rسؤال : فإن قيل : البيان يضاد الكتمان ، فلما أمر بالبيان كان الأمر به نهيا عن الكتمان ، فما الفائدة في ذكر النهي عن الكتمان ؟\rقلنا : المراد من البيان ذكر تلك الآيات الدالة على نبوة محمد صلى الله عليه وسلم من التوراة والإنجيل ، والمراد من النهي عن الكتمان أن لا يلقوا فيها التأويلات الفاسدة والشبهات المعطلة. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 9 صـ 106}\rفصل\rقال الفخر :\rاعلم أن ظاهر هذه الآية وإن كان مختصا باليهود والنصارى فإنه لا يبعد أيضاً دخول المسلمين فيه ، لأنه أهل القرآن وهو أشرف الكتب.\rحكي أن الحجاج أرسل إلى الحسن وقال : ما الذي بلغني عنك ؟ فقال : ما كل الذي بلغك عني قلته : ولا كل ما قلته بلغك ، قال : أنت الذي قلت : إن النفاق كان مقموعا فأصبح قد تعمم وتقلد سيفاً ، فقال : نعم ، فقال : وما الذي حملك على هذا ونحن نكرهه ، قال : لأن الله أخذ ميثاق الذين أوتوا الكتاب ليبيننه للناس ولا يكتمونه.\rوقال قتادة : مثل علم لا يقال به كمثل كنز لا ينفق منه ، ومثل حكمة لا تخرج كمثل صنم قائم لا يأكل ولا يشرب ، وكان يقول : طوبى لعالم ناطق ، ولمستمع واع ، هذا علم علما فبذله ، وهذا سمع خيرا فوعاه ، قال عليه الصلاة والسلام : \" من كتم علماً عن أهله ألجم بلجام من نار \" وعن علي رضي الله عنه : ما أخذ الله على أهل الجهل أن يتعلموا حتى أخذ على أهل العلم أن يعلموا. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 9 صـ 106}\rقوله تعالى : {فَنَبَذُوهُ وَرَاء ظُهُورِهِمْ واشتروا بِهِ ثَمَناً قَلِيلاً فَبِئْسَ مَا يَشْتَرُونَ}\rفصل\rقال الفخر :","part":19,"page":32},{"id":7947,"text":"المراد أنهم لم يراعوه ولم يلتفتوا إليه ، والنبذ وراء الظهر مثل الطرح وترك الاعتداد ، ونقيضه : جعله نصب عينه وإلقاؤه بين عينيه وقوله : {واشتروا بِهِ ثَمَناً قَلِيلاً} معناه أنهم أخفوا الحق ليتوسلوا به إلى وجدان شيء من الدنيا ، فكل من لم يبين الحق للناس وكتم شيئاً منه لغرض فاسد ، من تسهيل على الظلمة وتطييب لقلوبهم ، أو لجر منفعة ، أو لتقية وخوف ، أو لبخل بالعلم دخل تحت هذا الوعيد. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 9 صـ 106 ـ 107}\rوقال الآلوسى : \r{ فَنَبَذُوهُ } أي طرحوا ما أخذ منهم من الميثاق { وَرَاء ظُهُورِهِمْ } ولم يراعوه ولم يلتفتوا إليه أصلاً فإن النبذ وراء الظهر تمثيل واستعارة لترك الاعتداد وعدم الالتفات وعكسه جعل الشيء نصب العين ومقابلها { واشتروا بِهِ } أي بالكتاب الذي أمروا ببيانه ونهوا عن كتمانه ، وقيل : الضمير للعهد والأول أولى ، والمعنى أخذوا بدله { ثَمَناً قَلِيلاً } من حطام الدنيا الفانية وأعراضها الفاسدة { فَبِئْسَ مَا يَشْتَرُونَ } أي بئس شيئاً يشترونه ذلك الثمن فما نكرة منصوبة مفسرة لفاعل بئس وجملة يشترونه صفته ، والمخصوص بالذم محذوف ، وقيل : { مَا } مصدرية فاعل بئس والمخصوص محذوف أي بئس شراؤهم هذا الشراء لاستحقاقهم به العذاب الأليم. أ هـ {روح المعانى حـ 4 صـ 149 ـ 150}","part":19,"page":33},{"id":7948,"text":"فائدة\rقال ابن عاشور :\rوقوله : { فنبذوه } عُطف بالفاء الدالّة على التعقيب للإشارة إلى مسارعتهم إلى ذلك ، والذين نبذوه هم علماء اليهود في عصورهم الأخيرة القريبة من عهد الرسالة المحمّدية ، فالتعقيب الذي بين أخذ الميثاق عليهم وبين نبذهم إيّاه منظور فيه إلى مبادرتهم بالنبذ عقب الوقت الذي تحقّق فيه أثر أخذِ الميثاق ، وهو وقت تأهّل كلّ واحد من علمائهم لتبيين الكتاب وإعلانه فهو إذا أنس من نفسه المقدرة على فهم الكتاب والتصرّف في معانيه بادر باتّخاذ تلك المقدرة وسيلة لسوء التأويل والتحريف والكتمان.\rويجوز أن تكون الفاء مستعملة في لازم التعقيب ، وهو شدّة المسارعة لذلك عند اقتضاء الحال إيّاه والاهتمام به وصرف الفكرة فيه.\rويجوز أن يكون التعقيب بحسب الحوادث التي أساؤوا فيها التأويل واشتروا بها الثمن القليل ، لأنّ الميثاق لمّا كان عامّاً كانت كلّ جزئية مأخوذاً عليها الميثاق ، فالجزئية التي لم يعملوا فيها بالميثاق يكون فيها تعقيب ميثاقها بالنبذ والاشتراء.\rوالنبذ : الطرح والإلقاء ، وهو هنا مستعار لعدم العمل بالعهد تشبيهاً للعهد بالشيء المنبوذ في عدم الانتفاع به.\rووراء الظُّهور هنا تمثيل للإضاعة والإهمال ، لأنّ شأن الشيء المهتمّ به المتنافس فيه أن يجعل نصب العين ويحرس ويشاهد.\rقال تعالى : { فإنك بأعيننا } [ الطور : 48 ].\rوشأن الشيء المرغوب عنه أن يستدبر ولا يلتفت إليه ، وفي هذا التمثيل ترشيح لاستعارة النبذ لإخلاف العهد.","part":19,"page":34},{"id":7949,"text":"والضميران : المنصوب والمجرور ، يجوز عودهما إلى الميثاق أي استخفّوا بعهد الله وعوّضوه بثمن قليل ، وذلك يتضمّن أنّهم أهملوا ما واثقوا عليه من تبيين الكتاب وعدم كتمانه ، ويجوز عودهما إلى الكتاب أي أهملوا الكتاب ولم يعتنوا به ، والمراد إهمال أحكامه وتعويض إقامتها بنفع قليل ، وذلك يدلّ على نوعي الإهمال ، وهما إهمال آياته وإهمال معانيه.\rوالاشتراء هنا مجاز في المبادلة والثمن القليل ، وهو ما يأخذونه من الرُّشَى والجوائز من أهل الأهواء والظلم من الرؤساء والعامّة على تأييد المظالم والمفاسد بالتأويلات الباطلة ، وتأويل كلّ حكم فيه ضرب على أيْدي الجبابرة والظلمة بما يُطلق أيديهم في ظلم الرعيّة من ضروب التأويلات الباطلة ، وتحذيرات الذين يصدعون بتغيير المنكر.\rوهذه الآية وإن كانت في أهل الكتاب إلاّ أنّ حكمها يشمل من يرتكب مثل صنيعهم من المسلمين لاتّحَاد جنس الحكم والعلّة فيه. أ هـ {التحرير والتنوير حـ 3 صـ 304 ـ 305}\rفصل\rقال الآلوسى\rواستدل بالآية على وجوب إظهار العلم وحرمة كتمان","part":19,"page":35},{"id":7950,"text":"شيء من أمور الدين لغرض فاسد من تسهيل على الظلمة وتطييب لنفوسهم واستجلاب لمسارهم واستجذاب لمبارهم ونحو ذلك ، وفي الخبر \" من سئل عن علم فكتمه ألجم بلجام من نار \" ، وروى شالثعلبي بإسناده عن الحسن بن عمارة قال : أتيت الزهري بعد أن ترك الحديث فألفيته على بابه فقلت : إن رأيت أن تحدثني ؟ فقال : أما علمت أني تركت الحديث ؟ فقلت : إما أن تحدثني وإما أن أحدثك ؟ فقال : حدثني فقلت : حدثني الحكم ابن عيينة عن نجم الخراز قال : سمعت علي بن أبي طالب كرم الله تعالى وجهه يقول : ما أخذ الله تعالى على أهل الجهل أن يتعلموا حتى أخذ على أهل العلم أن يعلموا ، قال : فحدثني أربعين حديثاً ، وأخرج عبد بن حميد عن أبي هريرة لولا ما أخذ الله تعالى على أهل الكتاب ما حدثتكم وتلا هذه الآية.\rوأخرج ابن سعد عن الحسن لولا الميثاق الذي أخذه الله تعالى على أهل العلم ما حدثكم بكثير مما تسألون عنه ، ويؤيد الاستدلال بالآية على ما ذكر ما أخرجه ابن جرير عن أبي عبيدة قال : جاء رجل إلى قوم من المسجد وفيهم عبد الله بن مسعود فقال : إن كعباً يقرئكم السلام ويبشركم أن هذه الآية { وَإِذْ أَخَذَ الله ميثاق الذين أُوتُواْ الكتاب } الخ ليست فيكم ، فقال له عبد الله : وأنت فاقرئه السلام أنها نزلت وهو يهودي وأراد ابن مسعود رضي الله تعالى عنه أن كعباً لم يعرف ما أشارت إليه وإن نزلت في أهل الكتاب. أ هـ {روح المعانى حـ 4 صـ 150}","part":19,"page":36},{"id":7951,"text":"فوائد لغوية\rقال ابن عادل :\rقوله : { لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ } هذا جواب لما تضمنه الميثاق من القسم. وقرأ أبو عمرو ، وابن كثيرٍ ، وأبو بكر بالياء ، جرياً على الاسم الظاهر - وهو كالغائب - وحَسَّن ذلك قوله - بعده - : \" فَنَبَذُوهُ \" والباقون بالتاء ؛ خطاباً على الحكاية ، تقديره : وقلنا لهم ، وهذا كقوله : { وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بني إِسْرَائِيلَ لاَ تَعْبُدُونَ } [ البقرة : 83 ] بالتاء والياء كما تقدم تحريره.\rقوله : { وَلاَ تَكْتُمُونَهُ } يحتمل وجهين :\rأحدهما : واو الحال ، والجملة بعدها نصب على الحال ، أي : لتبينُنَّه غيرَ كاتمين. الثاني : أنها للعَطْف ، والفعل بعدها مُقْسَم عليه - أيضاً - وإنما لم يُؤَكِّدْ بالنون ؛ لأنه منفيّ ، كما تقول : واللهِ لا يقومُ زيدٌ - من غير نون - وقال أبو البقاء : \" ولم يأتِ بها في \" تَكْتُمُونَ \" اكتفاءً بالتوكيد في الأول ؛ \" تَكْتُمُونَهُ \" توكيد \".\rوظاهر عبارته أنه لو لم يكنْ بعد مؤكَّد بالنون لزم توكيده ، وليس كذبك ؛ لما تقدم. وقوله : لأنه توكيدٌ ، يعني أن نفي الكتمان فُهمَ من قوله : { لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ } فجاء قوله : { وَلاَ تَكْتُمُونَهُ } توكيداً في المعنى.\rواستحسن أبو حيَّان هذا الوجه - أعني : جَعْل الواو عاطفةً لا حاليةً - قال : \" وهذا الوجه - عندي - أعْربَ وأفصح ؛ لأن الأول يحتاج إلى إضمار مبتدأ قبل \" لا \" لا تدخل عليه واوُ الحال \".\rوغيره يقول : إنه يمتنع إذا كانَ مضارعاً مُثْبَتاً ، فيُفهم من هذا أن المضارعَ المنفيَّ بكُلِّ نافٍ لا يمتنع دخولُها عليه.\rوقرأ عبد الله : لَيُبَينونَه - من غير توكيد - قال ابنُ عطيَّة : \" وقد لا تلزم هذه النونُ لامَ التوكيد قال سيبويه \".\rوالمعروفُ - من مذهب البصريين - لزومهما معاً ، والكوفيون يجيزون تعاقُبَهما في سعةَ الكلامَ.","part":19,"page":37},{"id":7952,"text":"وأنشدوا : [ الطويل ]\rوَعَيْشِكِ - يا سَلْمَى - لأوقِنُ أنَّني... لِمَا شِئْتِ مُسْتْلٍ ، وَلَوْ أنَّهُ الْقَتْلُ\rوقال الآخرُ : [ المتقارب ]\rيَمِيناً لأبْغَضُ كُلَّ امْرِئٍ... يُزَخْرِفُ قَوْلاً وَلاَ يَفْعَلُ\rفأتى باللام وحدها. وقد تقدم تحقيقُ هذا.\rوقرأ ابنُ عباس : ميثاق النبيين لتبيننه للناس ، فالضمير في قوله : { فَنَبَذُوهُ } يعود على { الناس } المبيَّن لهم ؛ لاستحالة عَوْدِهِ على النبيين ، وكان قد تقدم في قوله تعالى : { وَإِذْ أَخَذَ الله مِيثَاقَ النبيين لَمَآ آتَيْتُكُم مِّن كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ } [ آل عمران : 81 ] أنه - في أحد الأوجه - على حذف مضاف ، أي : أولاد النبيين ، فلا بُعْدَ في تقديره هنا - أعني : قراءة ابن عباس - . أ هـ {تفسير ابن عادل حـ 6 صـ 102 ـ 103}.\rمن لطائف الإمام القشيرى فى الآية\rقال عليه الرحمة :\r{ وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُ فَنَبَذُوهُ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ وَاشْتَرَوْا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَبِئْسَ مَا يَشْتَرُونَ (187)}\rأخبر أنهم أبرموا عهودهم أن لا يزولوا عن وفائه ، ولكنهم نقضوا أسباب الذِّمام بما صاروا إليه من الكفران ، ثم تبيَّن أنَّ ما اعتاضوا من ذهاب الدين من أعراض يسيرة لم يُبارَكْ لهم فيه. أ هـ {لطائف الإشارات حـ 1 صـ 303}","part":19,"page":38},{"id":7953,"text":"قوله تعالى { لَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَا أَتَوْا وَيُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُوا بِمَا لَمْ يَفْعَلُوا فَلَا تَحْسَبَنَّهُمْ بِمَفَازَةٍ مِنَ الْعَذَابِ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (188)}\rمناسبة الآية لما قبلها\rقال البقاعى :\rولما أخبر سبحانه وتعالى بأنهم احتووا على المال والجاه بما كتموا من العلم وأظهروا من خلافه المتضمن لمحبة أهل دينهم فيهم وثنائهم عليهم بأنهم على الدين الصحيح وأنهم أهل العلم ، فهم أهل الاقتداء بهم ؛ قال سبحانه وتعالى مخبراً عن مآلهم تحذيراً من مثل حالهم على وجه يعم كل امرىء : {لا تحسبن} على قراءة الجماعة بالغيب {الذين يفرحون بما آتوا} أي مما يخالف ظاهره باطنه.\rوتوصلوا به إلى الأغراض الدنيوية من الأموال والرئاسة وغير ذلك ، أي لا يحسبن أنفسهم ، وفي قراءة الكوفيين ويعقوب بالخطاب المعنى : لا تحسبنهم أيها الناظر لمكرهم ورواجهم بسببه في الدنيا واصلين إلى خير {ويحبون أن يحمدوا} أي ويجد الثناء بالوصف الجميل عليهم {بما لم يفعلوا} أي بذلك الباطن الذي لم يفعلوه ، قال ابن هشام في السيرة : أن يقول الناس : علماء ، وليسوا بأهل علم ، لم يتحملوهم على هدى ولا حق.\rولما تسبب عن ذلك العلمُ بهلاكهم قال : {فلا تحسبنهم} أي تحسبن أنفسهم ، على قراءة ابن كثير وأبي عمرو بالغيب وضم الباء وعلى قراءة الجماعة المعنى : لا تحسبنهم أيها الناظر {بمفازة من العذاب} بل هم بمهلكة منه {ولهم عذاب أليم }. أ هـ {نظم الدرر حـ 2 صـ 195}\rوقال ابن عاشور :\r{ لَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَا أَتَوْا }\rتكملة لأحوال أهل الكتاب المتحدّث عنهم ببيان حالة خُلقهم بعد أن بيّن اختلال أمانتهم في تبليغ الدين ، وهذا ضرب آخر جاء به فريق آخر من أهل الكتاب فلذلك عبّر عنهم بالمَوصول للتوصّل إلى ذكر صلته العجيبة من حال من يفعل الشرّ والخسّة ثم لا يقف عند حدّ الانكسار لما فعل أو تطَلُّب الستر على شنعته ، بل يرتقي فيترقّب ثناء الناس على سوء صنعه ، ويتطلّب المحمدة عليه.","part":19,"page":39},{"id":7954,"text":"وقيل : نزلت في المنافقين ، والخطاب لكلّ من يصلح له الخطاب ، والموصول هنا بمعنى المعرّف بلام العهد لأنّ أريد به قوم معيَّنون من اليهود أو المنافقين ، فمعنى { يفرحون بما أتوا } أنّهم يفرحون بما فعلوا ممّا تقدّم ذكره ، وهو نبذ الكتاب والاشتراء به ثمناً قليلاً وإنّما فرحهم بما نالوا بفعلهم من نفع في الدنيا. أ هـ {التحرير والتنوير حـ 3 صـ 305}\rفصل\rقال الفخر :\rاعلم أن هذا من جملة ما دخل تحت قوله : {وَمِنَ الذين أَشْرَكُواْ أَذًى كَثِيراً} [ آل عمران : 186 ] فبين تعالى أن من جملة أنواع هذا الأذى أنهم يفرحون بما أتوا به من أنواع الخبث والتلبيس على ضعفة المسلمين ، ويحبون أن يحمدوا بأنهم أهل البر والتقوى والصدق والديانة ، ولا شك أن الإنسان يتأذى بمشاهدة مثل هذه الأحوال ، فأمر النبي عليه الصلاة والسلام بالمصابرة عليها ، وبين ما لهم من الوعيد الشديد. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 9 صـ 107}\rفصل\rقال القرطبى :\rثبت في الصحيحين عن أبي سعيد الخُدْرِي أن رجالاً من المنافقين في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا خرج النبيّ صلى الله عليه وسلم إلى الغزو تخلّفوا عنه وفرحوا بمَقْعدهم خِلافَ رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فإذا قدم النبيّ صلى الله عليه وسلم اعتذروا إليه وحَلفوا ، وأحبّوا أن يُحمدوا بما لم يفعلوا ؛ فنزلت { لاَ تَحْسَبَنَّ الذين يَفْرَحُونَ بِمَآ أَتَوْاْ وَّيُحِبُّونَ أَن يُحْمَدُواْ بِمَا لَمْ يَفْعَلُواْ } الآية.\rوفي الصحيحين أيضاً أن مَرْوان قال لبوّابه : اذهب يا رافع إلى ابن عباس فقل له : لئن كان كل امرىء منّا فرح بما أُوتِيَ وأحبّ أن يُحمد بما لم يفعل معذَّباً لنعذّبن أجمعون.\rفقال ابن عباس : ما لَكم ولهذه الآية! إنما أنزلت هذه الآية في أهل الكتاب.","part":19,"page":40},{"id":7955,"text":"ثم تلا ابن عباس { وَإِذَ أَخَذَ الله مِيثَاقَ الذين أُوتُواْ الكتاب لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلاَ تَكْتُمُونَهُ } و{ لاَ تَحْسَبَنَّ الذين يَفْرَحُونَ بِمَآ أَتَوْاْ وَّيُحِبُّونَ أَن يُحْمَدُواْ بِمَا لَمْ يَفْعَلُواْ }.\rوقال ابن عباس : سألهم النبيّ صلى الله عليه وسلم عن شيء فكتموه إياه ، وأخبروه بغيره ؛ فخرجوا وقد أروه أن قد أخبروه بما سألهم عنه واستَحمدوا بذلك إليه ، وفرحوا بما أتَوْا من كتمانهم إياه ، وما سألهم عنه.\rوقال محمد بن كعب القُرَظِي : نزلت في علماء بني إسرائيل الذين كتموا الحق ، وأتوا ملوكهم من العلم ما يوافقهم في باطلهم ، { واشتروا بِهِ ثَمَناً قَلِيلاً } أي بما أعطاهم الملوك من الدنيا ؛ فقال الله لنبيه صلى الله عليه وسلم : { لاَ تَحْسَبَنَّ الذين يَفْرَحُونَ بِمَآ أَتَوْاْ وَّيُحِبُّونَ أَن يُحْمَدُواْ بِمَا لَمْ يَفْعَلُواْ فَلاَ تَحْسَبَنَّهُمْ بِمَفَازَةٍ مِّنَ العذاب وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ }.\rفأخبر أن لهم عذاباً أليماً بما أفسدوا من الدِّين على عباد الله.\rوقال الضحاك : إن اليهود كانوا يقولون للملوك إنا نجد في كتابنا أن الله يبعث نبيّاً في آخر الزمان يَخْتم به النبوّة ؛ فلما بعثه الله سألهم الملوك أهو هذا الذي تجدونه في كتابكم ؟ فقال اليهود طمعاً في أموال الملوك : هو غير هذا ، فأعطاهم الملوك الخزائن ؛ فقال الله تعالى : { لاَ تَحْسَبَنَّ الذين يَفْرَحُونَ بِمَآ أَتَوْاْ } الملوكَ من الكذب حتى يأخذوا عَرَض الدنيا.\rوالحديث الأوّل خلاف مقتضى الحديث الثاني.\rويحتمل أن يكون نزولها على السببين لاجتماعهما في زمن واحد ، فكانت جواباً للفريقين ، والله أعلم.\rوقوله : واستحمدوا بذلك إليه ، أي طلبوا أن يحمدوا.\r","part":19,"page":41},{"id":7956,"text":"وقول مَرْوان : لئن كان كلّ امرىء منا الخ دليلٌ على أن العموم صِيَغاً مخصوصة.\rوأن \"الذين\" منها.\rوهذا مقطوع به من تفهّم ذلك من القرآن والسُّنّة. أ هـ {تفسير القرطبى حـ 4 صـ 306 ـ 307}\rقال الطبرى :\rوأولى هذه الأقوال بالصواب في تأويل قوله : \"لا تحسبن الذين يفرحون بما أتوا\" الآية ، قول من قال : \"عني بذلك أهل الكتاب الذين أخبر الله جل وعز أنه أخذ ميثاقهم ، ليبين للناس أمر محمد صلى الله عليه وسلم ، ولا يكتمونه ، لأن قوله : \"لا تحسبن الذين يفرحون بما أتوا\" الآية ، في سياق الخبر عنهم ، وهو شبيه بقصتهم مع اتفاق أهل التأويل على أنهم المعنيون بذلك.\rفإذْ كان ذلك كذلك ، فتأويل الآية : لا تحسبن ، يا محمد ، الذين يفرحون بما أتوا من كتمانهم الناسَ أمرك ، وأنك لي رسول مرسل بالحق ، وهم يجدونك مكتوبًا عندهم في كتبهم ، وقد أخذت عليهم الميثاق بالإقرار بنبوتك ، وبيان أمرك للناس ، وأن لا يكتموهم ذلك ، وهم مع نقضهم ميثاقي الذي أخذت عليهم بذلك ، يفرحون بمعصيتهم إياي في ذلك ، ومخالفتهم أمري ، ويحبون أن يحمدهم الناس بأنهم أهل طاعة لله وعبادة وصلاة وصوم ، واتباع لوحيه وتنزيله الذي أنزله على أنبيائه ، وهم من ذلك أبرياء أخلياء ، لتكذيبهم رسوله ، ونقضهم ميثاقه الذي أخذ عليهم ، لم يفعلوا شيئًا مما يحبون أن يحمدهم الناس عليه\"فلا تحسبنهم بمفازة من العذاب ولهم عذاب أليم\". أ هـ {تفسير الطبرى حـ 7 صـ 471 ـ 472}\rفصل\rقال الفخر :\rقرأ حمزة وعاصم والكسائي بالتاء المنقطة من فوق ، وقرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو وابن عامر بالياء المنقطة من تحت ، وكذا في قوله : {فَلاَ تَحْسَبَنَّهُمْ} أما القراءة الأولى ففيها وجهان : أحدهما : أن يقرأ كلاهما بفتح الباء.","part":19,"page":42},{"id":7957,"text":"والثاني : أن يقرأ كلاهما بضم الباء ، فمن قرأ بالتاء وفتح الباء فيهما جعل التقدير : لا تحسبن يا محمد ، أو أيها السامع ، ومن ضم الباء فيهما جعل الخطاب للمؤمنين : وجعل أحد المفعولين الذين يفرحون ، والثاني : بمفازة وقوله : {فَلاَ تَحْسَبَنَّهُمْ بِمَفَازَةٍ} تأكيد للأول وحسنت إعادته لطول الكلام ، كقولك : لا تظن زيدا إذا جاءك وكلمك في كذا وكذا فلا تظنه صادقا ، وأما القراءة الثانية وهي بالياء المنقطة من تحت في قوله : {لا تَحْسَبَنَّ} ففيها أيضا وجهان : الأول : بفتح الباء وبضمها فيهما جعل الفعل للرسول صلى الله عليه وسلم والباقي كما علمت.\rوالوجه الثاني : بفتح الباء في الأول وضمها في الثاني وهو قراءة أبي عمرو ، ووجهه أنه جعل الفعل للذين يفرحون ولم يذكر واحدا من مفعوليه ، ثم أعاد قوله : {فَلاَ تَحْسَبَنَّ} بضم الباء وقوله : {هُمْ} رفع باسناد الفعل إليه ، والمفعول الأول محذوف والتقدير : ولا تحسبن هؤلاء الذين يفرحون أنفسهم بمفازة من العذاب. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 9 صـ 107}\rفصل\rقال الفخر :\rاعلم أنه تعالى وصف هؤلاء القوم بأنهم يفرحون بفعلهم ويحبون أيضا أن يحمدوا بما لم يفعلوا ، والمفسرون ذكروا فيه وجوها :\rالأول : أن هؤلاء اليهود يحرفون نصوص التوراة ويفسرونها بتفسيرات باطلة ويروجونها على الاغمار من الناس ، ويفرحون بهذا الصنع ثم يحبون أن يحمدوا بأنهم أهل الدين والديانة والعفاف والصدق والبعد عن الكذب ، وهو قول ابن عباس ، وأنت إذا أنصفت عرفت أن أحوال أكثر الخلق كذلك ، فإنهم يأتون بجميع وجوه الحيل في تحصيل الدنيا ويفرحون بوجدان مطلوبهم ، ثم يحبون أن يحمدوا بأنهم أهل العفاف والصدق والدين","part":19,"page":43},{"id":7958,"text":"والثاني : روي أنه عليه الصلاة والسلام سأل اليهود عن شيء مما في التوراة فكتموا الحق وأخبروا بخلافه ، وأروه أنهم قد صدقوه وفرحوا بذلك التلبيس ، وطلبوا من الرسول عليه الصلاة والسلام أن يثني عليهم بذلك ، فأطلع الله رسوله على هذا السر.\rوالمعنى أن هؤلاء اليهود فرحوا بما فعلوا من التلبيس وتوقعوا منك أن تثني عليهم بالصدق والوفاء.\rوالثالث : يفرحون بما فعلوا من كتمان النصوص الدالة على مبعث محمد صلى الله عليه وسلم ، ويحبون أن يحمدوا بما لم يفعلوا من إتباع دين إبراهيم ، حيث ادعوا أن إبراهيم عليه السلام كان على اليهودية وأنهم على دينه.\rالرابع : أنه نزل في المنافقين فإنهم يفرحون بما أتوا من إظهار الإيمان للمسلمين على سبيل النفاق من حيث أنهم كانوا يتوصلون بذلك إلى تحصيل مصالحهم في الدنيا ، ثم كانوا يتوقعون من النبي عليه الصلاة والسلام أن يحمدهم على الإيمان الذي ما كان موجودا في قلوبهم.\rالخامس : قال أبو سعيد الخدري نزلت في رجال من المنافقين كانوا يتخلفون عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في الغزو ، ويفرحون بقعودهم عنه فإذا قدم اعتذروا إليه فيقبل عذرهم ، ثم طمعوا أن يثني عليهم كما كان يثني عن المسلمين المجاهدين.\rالسادس : المراد منه كتمانهم ما في التوراة من أخذ الميثاق عليهم بالاعتراف بمحمد صلى الله عليه وسلم ، وبالإقرار بنبوته ودينه ، ثم إنهم فرحوا بكتمانهم لذلك وإعراضهم عن نصوص الله تعالى ، ثم زعموا أنهم أبناء الله وأحباؤه ، وقالوا : لن تمسنا النار إلا أياما معدودة.\r","part":19,"page":44},{"id":7959,"text":"واعلم أن الأولى أن يحمل على الكل ، لأن جميع هذه الأمور مشتركة في قدر واحد ، وهو أن الإنسان يأتي بالفعل الذي لا ينبغي ويفرح به ، ثم يتوقع من الناس أن يصفوه بسداد السيرة واستقامة الطريقة والزهد والاقبال على طاعة الله. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 9 صـ 107 ـ 108}\rفصل\rقال الفخر :\rفي قوله : {بِمَا أَتَوْاْ} بحثان :\rالأول : قال الفراء : قوله : {بِمَا أَتَوْاْ} يريد فعلوه كقوله : {واللذان يأتيانها مِنكُمْ} [ النساء : 16 ] وقوله : {لَقَدْ جِئْتِ شَيْئاً فَرِيّاً} [ مريم : 27 ] أي فعلت.\rقال صاحب \"الكشاف\" : أتى وجاء ، يستعملان بمعنى فعل ، قال تعالى : {إِنَّهُ كَانَ وَعْدُهُ مَأْتِيّاً} [ مريم : 61 ] {لَقَدْ جِئْتِ شَيْئاً فَرِيّاً} ويدل عليه قراءة أبي {يَفْرَحُونَ بِمَا فَعَلُواْ }.\rالبحث الثاني : قرىء آتوا بمعنى أعطوا ، وعن علي رضي الله عنه {بِمَا أُوتُواْ }. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 9 صـ 108}\rقوله تعالى {بِمَفَازَةٍ مّنَ العذاب}\rقال الفخر :\rقوله : {بِمَفَازَةٍ مّنَ العذاب} أي بمنجاة منه ، من قولهم : فاز فلان إذا نجا ، وقال الفراء : أي ببعد من العذاب ، لأن الفوز معناه التباعد من المكروه ، وذكر ذلك في قوله : {فَقَدْ فَازَ} ثم حقق ذلك بقوله : {وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} ولا شبهة أن الآية ، واردة في الكفار والمنافقين الذين أمر الله رسوله صلى الله عليه وسلم بالصبر على أذاهم.\rثم قال : {وَللَّهِ مُلْكُ السموات والأرض والله على كُلّ شَيْء قَدِيرٌ} أي لهم عذاب أليم ممن له ملك السموات والأرض ، فكيف يرجو النجاة من كان معذبه هذا القادر الغالب. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 9 صـ 108}","part":19,"page":45},{"id":7960,"text":"لطيفة\rقال ابن عاشور :\rوقد جاء تركيب الآية على نظم بديع إذ حُذف المفعول الثاني لفعل الحسبان الأوّل لدلالة ما يدلّ عليه وهو مفعول { فلا تحسبنّهم } ، والتقدير : لا يحسبنّ الذين يفرحون إلخ أنْفسَهم.\rوأعيد فعل الحسبان في قوله : { فلا تحسبنهم } [ آل عمران : 188 ] مسنداً إلى المخاطب على طريقة الاعتراض بالفاء وأتي بعده بالمفعول الثاني : وهو { بمفازة من العذاب } [ آل عمران : 188 ] فتنازعه كلا الفعلين.\rوعلى قراءة الجمهور : { لا تَحسبنّ الذين يفرحون } [ آل عمران : 188 ] بتاء الخطاب يكون خطاباً لغير معيّن ليعمّ كلّ مخاطب ، ويكون قوله : { فلا تحسبنهم } اعتراضاً بالفاء أيضاً والخطاب للنبيء صلى الله عليه وسلم مع ما في حذف المفعول الثاني لفعل الحسبان الأول ، وهو محلّ الفائدة ، من تشويق السامع إلى سماع المنهي عن حسبانه.\rوقرأ الجمهور فلا تحسبنّهم : بفتح الباء الموحدة على أنّ الفعل لخطاب الواحد ؛ وقرأه ابن كثير ، وأبو عمرو ، ويعقوب بضم الباء الموحدة على أنّه لخطاب الجمع ، وحيث إنّهما قرءا أوّله بياء الغيبة فضمّ الباء يجعل فاعل ( يحسبنّ ) ومفعوله متّحدين أي لا يحسبون أنفسهم ، واتّحاد الفاعل والمفعول للفعل الواحد من خصائص أفعال الظنّ كما هنا وألحقت بها أفعال قليلة ، وهي : ( وَجد ) و( عَدِم ) و( فَقَدَ ).\rوأمّا سين \"تحسبنّهم\" فالقراءات مماثلة لما في سين { يحسبنّ }. أ هـ {التحرير والتنوير حـ 3 صـ 306}","part":19,"page":46},{"id":7961,"text":"فوائد لغوية\rقال ابن عادل :\rقوله : { لاَ تَحْسَبَنَّ } قرأ ابنُ كثير وأبو عمر \" يَحْسَبَنَّ \" و\" فَلاَ يَحْسَبَنَّهُمْ \" - بالياء فيهما ، ورفع ياء \" تَحْسَبَنَّهُم \" وقرأ الكوفيونَ بتاءِ الخطابِ ، وفتح الباء فيهما معاً ، ونافع وابن عامر بياء الغيبة في الأول ، وتاء الخطاب في الثاني ، وفتح الباء فيهما معاً ، وقُرِئَ شاذاً بتاء الخطاب وضَمِّ الباء فيهما معاً ، وقرئ فيه أيضاً بياء الغيبة فيهما ، وفتح الباء فيهما أيضاً فهذه خَمْس قراءاتٍ ، فأما قراءة ابن كثيرٍ وأبي عمرو ففيهما خمسةُ أوجهٍ ، وذلك : لأنه لا يخلو إما أن يُجْعَلَ الفعل الأول مسنداً إلى ضميرٍ غائبٍ ، أو إلى الموصولِ ، فإنْ جعلناه مسنداً إلى ضميرٍ غائبٍ ، الرسول صلى الله عليه وسلم أو غيره - ففي المسألة وجهان : ِ\rأحدهما : أنَّ \" الَّذِينَ \" مفعول أوّل ، والثاني محذوفٌ ؛ لدلالة المفعول الثاني للفعل الذي بعده عليه ، وهو \" بِمَفَازَةٍ \" والتقدير : لا يحسبن الرسول - أو حاسب - الذين يفرحون بمفازة ، فأسند الفعل الثاني لضميرِ \" الَّذِينَ \" ومفعولاه الضمير المنصوب ، و\" بِمَفاَزَةٍ \".\rالثاني : أن \" الَّذِينَ \" مفعول أول - أيضاً - ومفعوله الثاني هو \" بِمَفَازَةٍ \" الملفوظ به بعد الفعل الثاني ، ومفعول الفعل الثاني محذوف ؛ لدلالة مفعول الأول عليه ، والتقدير : لا يحسبن الرسول الذين يفرحون بمفازة فلا يحسبنهم كذلك ، والعمل كما تقدم ، وهذا بعيد جِداً ، للفصل بين المفعول الثاني للفعل الأول لكلامٍ طويلٍ من غير حاجةٍ ، والفاء - على هذين الوجهين - عاطفة ؛ والسببية فيها ظاهرة.\rوإن جعلناه مسنداً إلى الموصول ففيه ثلاثة أوجهٍ :\rأولها : أن الفعل الأول حُذِفَ مفعولاه ، اختصاراً ؛ لدلالة مفعولي الفعل الثاني عليهما ، تقديره : ولا يحسبن الفارحون أنفسَهم فائزين فلا يحسبنهم فائزين.","part":19,"page":47},{"id":7962,"text":"كقول الآخر : [ الطويل ]\rبأيِّ كِتَابٍ ، أمّ بِأيَّةِ سُنَّةٍ... تَرَى حُبَّهُمْ عَاراً عَلَيَّ وَتحْسَبُ\rأي : وتحسب حبهم عاراً ، فحذفت مفعولي الفعل الثاني ؛ لدلالة مفعولي الأول عليهما ، وهو عكس الآيةِ الكريمةِ ، حيث حذف فيها من الفعلِ الأولِ.\rثانيها : أن الفعل الأول لم يحتج إلى مفعولين هنا.\rقال أبو علي \" تَحْسَبَنَّ \" لم يقع على شيء و\" الَّذيِنَ \" رفع به ، وقد تجيء هذه الأفعال لَغْواً ، لا في حُكْمِ الجُمَل المفيدة ، نحو قوله : [ الطويل ]\rوَمَا خِلْتُ أبْقَى بِيْنَنَا مِنْ مَوَدَّةٍ... عِرَاضُ الْمَذَاكِي المُسْنِفَاتِ الْقَلائِصا\rالمذاكي : الخيل التي قد أتى عليها بعد قروحها سنة أو سنتان ، الواحد : مُذَك مثل المُخَلف من الإبل وفي المثل : جريُ المذكيات غِلاب.\rوالمُسْنفات : اسم مفعول ، يقال : سنفت البعير أسنفه ، سنفاً ، إذا كففته بزمامه وأنت راكبه وأسنف البعير لغة في سنفه وأسنف البعير بنفسه إذا رفع رأسه ، يتعدى ولا يتعدى وكانت العربُ تركب الإبلَ ، وتجنب الخيل ، تقول : الحرب لا تبقى مودة وقال الخليلُ : العربُ تقول : ما رأيته يقول ذلك إلا زيدٌ ، وما ظننته يقول ذلك إلا زيدٌ.\rيعني أبو علي أنها في هذه الأماكن مُلْغَاة ، لا مفعول لها.\rثالثها : أن يكون المفعول الأول للفعل الأول محذوفاً ، والثاني هو نفس \" بِمَفَازَةٍ \" ويكون \" فَلاَ يَحْسَبَنهُمْ \" توكيداً للفعل الأول ، وهذا رأي الزمخشريِّ ؛ فإنه قال بعد ما حكى هذه القراءة - : \" على أن الفعل لِـ { الذين يَفْرَحُونَ } والمفعول الأول محذوف ، على معنى : لا يحسبنهم الذين يفرحون بمفازة بمعنى : لا يحسبنهم أنفسهم الذين يفرحون فائزين ، و\" فلا يحسبنهم \" تأكيد \".\r","part":19,"page":48},{"id":7963,"text":"قال أبو حيّان : \" وتقدم لنا الرَّدُّ على الزمخشريّ في تقديره : لا يحسبنهم الذين في قوله تعالى : { وَلاَ يَحْسَبَنَّ الذين كَفَرُواْ أَنَّمَا نُمْلِي } [ آل عمران : 178 ] وأن هذا التقدير لا يصح \".\rقال شهابُ الدِّينِ : قد تقدَّم ذلك والجواب عنه ، لكن ليس هو في قوله : { وَلاَ يَحْسَبَنَّ الذين كَفَرُواْ أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لأَنْفُسِهِمْ إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ ليزدادوا إِثْمَاً وَلَهْمُ عَذَابٌ مُّهِينٌ } [ آل عمران : 178 ] بل في قوله : { ولا يَحسبنّ الذين قتلوا في سبيل الله } من قراءة من قرأ بياء الغيبة ، فهناك ردَّ عليه بما قال ، وقد أجيب عنه والحمد لله ، وإنما نبهت على ذلك لئلا يطلب هذا البحث من المكان الذي ذكره فلم يوجد.\rويجوز أن يقالَ : في تقرير هذا الوجه الثالث - : أنه حذف من إحدى الفعلين ما أثبت نظيره في الآخر وذلك أن \" بِمَفَازَةٍ \" مفعول ثانٍ للفعل الأول ، حذفت من الفعل الثاني ، و\" هُمْ \" في \" فلا يحسبنهم \" مفعول أول للفعل الثاني ، وهو محذوفٌ من الأولِ.\rوإذا عرفت ذلك فالفعلُ الثاني - على هذه الأوجه الثلاثة - تأكيدٌ للأول.\rوقال مكِّيٌّ : إن الفعل الثاني بدلٌ من الأولِ.\rوفي تسمية مثل هذا بدلاً نظر لا يخفى ، وكأنه يريد أنه في حكم المكرر ، فهو يرجع إلى معنى التأكيد. وكذلك قال بعضهم : والثاني مُعَاد على طريق البدل ، مشوباً بمعنى التأكيدِ.\rوعلى هذين القولين - أعني كونه تأكيداً ، أو بدلاً - فالفاء زائدة ، ليست عاطفة ولا جواباً.\r","part":19,"page":49},{"id":7964,"text":"قوله : { فَلاَ تَحْسَبَنَّهُمْ } أصله : تحسبونَنَّهم ، بنونين - الأولى نون الرفع ، والثانية للتوكيد - وكتصريفه لا يخفى من القواعد المتقدمة. وتعدى هنا فعل المضمر المنفصل إلى ضميره المتصل ، وهو خاص بباب الظن ، وبعدم وفقد دون سائر الأفعال. لو قلت : \" أكرمتُني \" ، أي : \" أكرمت أنا نفسي \" لم يجز.\rوأما قراءة الكوفيين فالفعلانِ فيها مسندان إلى ضمير المخاطب إما الرسول صلى الله عليه وسلم أو كل من يصلح للخطاب - والكلام في المفعولين للفعلين كالكلام فيهما في قراءة أبي عمرو وابن كثيرٍ ، على قولنا إن الفعلَ الأولَ مسندٌ لضميرٍ غائبٍ ، والفعل الثاني تأكيدٌ للأولِ ، أو بدلٌ منه ، والفاء زائدة ، كما تقدم في توجيه قراءة أبي عمرو وابن كثير ، على قولنا : إن الفعلين مسندان للموصول ؛ لأن الفاعل فيهما واحد ، واستدلوا على أن الفاء زائدة بقول الشاعر : [ الكامل ]\rلا تَجْزَعِي إنْ مُنْفِساً أهْلَكْتُهُ... فَإذَا هَلَكْتُ فَعِنْدَ ذلِكَ فَاجْزَعِي\rوقول الآخر : [ الكامل ]\rلَمَّا اتَّقَى بِيَدٍ عَظِيمٍ جِرْمُهَا... فَتَرَكْتُ ضَاحِيَ جِلْدِهَا يَتَذَبْذَبُ\rوقول الآخر : [ الكامل ]\rحَتَّى تَرَكْتُ العَائِدَاتِ يَعُدْنَهُ... فَيَقُلْنَ : لا تَبْعَدْ ، وَقُلْتُ لَهُ : ابْعَدِ\rإلا أنَّ زيادةَ الفاءِ ليس رأي الجمهورِ ، إنما قال به الأخفش.\r","part":19,"page":50},{"id":7965,"text":"وأما قراءة نافع وابن عامرٍ - بالغيبة في الأولِ ، والخطاب في الثاني - فوجهها أنهما غايرا بين الفاعلين ، والكلام فيهما يؤخذ مما تقدم ، فيؤخذ الكلام في الفعل الأول من الكلام على قراءة أبي عمرو وابن كثير ، وفي الثاني من الكلام على قراءة الكوفيين بما يليق به ، إلا أنه ممتنع - هنا - أن يكون الفعل الثاني تأكيداً للأول ، أو بدلاً منه ؛ لاختلاف فاعليهما ، فتكون الفاء - هنا - عاطفةً ليس إلا ، وقال أبو علي في الحُجة - : إن الفاءَ زائدة ، والثاني بدلٌ من الأولِ ، قال : \" وليس هذا موضع العطف لأن الكلامَ لم يتم ، ألا ترى أن المفعول الثاني لم يُذْكَر بَعْدُ \".\rوفيه نظرٌ ؛ لاختلاف الفعلين باختلاف فاعليهما.\rوأما قراءة الخطاب فيهما مع ضم الباء فيهما فالفعلان مسندان لضمير المؤمنين المخاطبين ، والكلام في المفعولين كالكلام فيهما في قراءة الكوفيينَ.\rوأما قراءةُ الغيبةِ وفتح الباء فيهما فالفعلان مسندانِ إلى ضميرٍ غائبٍ ، أي : لا يحسبن الرسولُ ، أو حاسبٌ.\rوالكلامُ في المفعولينِ للفعلينِ ، كالكلام في القراءة التي قبلها ، والثاني من الفعلين تأكيدٌ ، أو بدلٌ ، والفاءُ زائدةٌ - على هاتينِ القرائتينِ - لاتحادِ الفاعلِ.\rوقرأ النَّخعِيُّ ، ومروان بن الحكمِ \" بما آتوا \" ممدوداً ، أي : أعْطُوا ، وقرأ علي بن أبي طالبٍ \" أوتوا \" مبنياً للمفعول.\rقوله : { مِّنَ العذاب } فيه وجهانِ : \rأحدهما : أنه متعلق بمحذوف ، على أنه صفة لِـ \" مَفَازَةٍ \" أي : بمفازة كائنةٍ من العذاب على جَعْلِنَا \" مَفَازَةٍ \" مكاناً ، أي بموضع فَوْز.\rقال أبو البقاء : \" لأن المفازةَ مكان ، والمكانُ لا يعملُ \".\r","part":19,"page":51},{"id":7966,"text":"يعني فلا يكون متعلقاً بها ، بل محذوف ، على أنه صفة لها ، إلا أن جعله صفة مشكل ؛ لأن المفازة لا تتصف بكونها { مِّنَ العذاب } اللهم إلا أن يُقَدَّر ذلك المحذوف الذي يتعلق به الجارُّ شيئاً خاصاً حتى يُصبح المعنى تقديره : بمفازة منجيةٍ من العذابِ ، وفيه الإشكالُ المعروفُ ، وهو أنه لا يُقَدَّر المحذوف - في مثله - إلا كَوْناً مطلقاً.\rالثاني : أن يتعلق بنفس \" مفازة \" على أنها مصدر بمعنى الفَوْز ، تقول : فزت منه أي : نَجَوْت ، ولا يضر كونها مؤنثة بالتاء ؛ لأنها مبنيةٌ عليها ، وليست الدالة على التوحيد.\rكقوله : [ الطويل ]\rفَلَوْلاَ رَجَاءُ النَّصْرِ مِنكَ وَرَهْبَةٌ... عِقَابَكَ قَدْ كَانُوا لَنَا كَالمَوَارِدِ\rفأعمل \" رهبة \" في \" عقابك \" وهو مفعول صريح ، فهذا أولى.\rقال أبو البقاء : \" ويكون التقدير : فلا تحسبنهم فائزين ، فالمصدر في موضع اسم الفاعلِ \".\rفإن أراد تفسير المعنى فذاك ، وإن أراد أنه بهذا التقدير - يصح التعلُّق ، فلا حاجة إليه ؛ إذ المصدر مستقل بذلك لفظاً ومعنىً.\rأ هـ {تفسير ابن عادل حـ 6 صـ 104 ـ 109}. بتصرف.\rمن فوائد الآلوسى فى الآية\rقال رحمه الله :\r{ لاَ تَحْسَبَنَّ } خطاب لرسول الله صلى الله عليه وسلم أو لكل أحد ممن يصلح للخطاب أي لا تظنن.","part":19,"page":52},{"id":7967,"text":"{ الذين يَفْرَحُونَ بِمَا أَتَوْاْ } أي بما فعلوا وبه قرأ أبيّ ، وقرىء { بِمَا أَتَوْاْ } و{ بِمَا أُوتُواْ } وروى الثاني عن عليّ كرم الله تعالى وجهه { وَّيُحِبُّونَ أَن يُحْمَدُواْ } أي أن يحمدهم الناس ؛ وقيل : المسلمون ، وقيل : رسول الله صلى الله عليه وسلم { بِمَا لَمْ يَفْعَلُواْ } قال ابن عباس فيما أخرجه عنه ابن أبي حاتم من طريق العوفي : هم أهل الكتاب أنزل عليهم الكتاب فحكموا بغير الحق وحرفوا الكلام عن مواضعه وفرحوا بذلك وأحبوا أن يحمدوا بما لم يفعلوا من الصلاة والصيام ، وفي رواية البخاري وغيره عنه \"أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سألهم عن شيء فكتموه إياه وأخبروه بغيره فخرجوا وقد أروه أن قد أخبروه بما سألهم عنه واستحمدوا بذلك إليه وفرحوا بما أتوا من كتمان ما سألهم عنه\" ، وأخرج ابن جرير عن سعيد بن جبير أنهم يفرحون بكتمانهم صفة رسول الله صلى الله عليه وسلم التي نطق بها كتابهم ويحبون أن يحمدوا بأنهم متبعون دين إبراهيم عليه السلام ، فعلى هذا يكون الموصول عبارة عن المذكورين سابقاً الذين أخذ ميثاقكم ، وقد وضع موضع ضميرهم ، وسبقت الجملة لبيان ما يستتبع أعمالهم المحكية من العذاب إثر بيان قباحتها ، وفي ذلك من التسلية أيضاً ما لا يخفى ، وقد أدمج فيها بيان بعض آخر من شنائعهم وفضائحهم وهو إصرارهم على القبيح وفرحهم بذلك ومحبتهم لأن يوصفوا بما ليس فيهم من الأوصاف الجميلة ، وأخرج سبحانه ذلك مخرج المعلوم إيذاناً بشهرة اتصافهم به.","part":19,"page":53},{"id":7968,"text":"وقيل : إن الموصول عبارة عن أناس منافقين وهم طائفة معهودون من المذكورين وغيرهم ، وأيد ذلك بما أخرجه الشيخان والبيهقي في \"شعب الإيمان\" عن أبي سعيد الخدري رضي الله تعالى عنه أن رجالاً من المنافقين كانوا إذا خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الغزو تخلفوا عنه وفرحوا بمقعدهم خلاف رسول الله صلى الله عليه وسلم فإذا قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم من الغزو اعتذروا إليه وحلفوا وأحبوا أن يحمدوا بما لم يفعلوا فنزلت هذه الآية ؛ وروي مثل ذلك عن رافع بن خديج وزيد بن ثابت وغيرهما ، وقيل : المراد بهؤلاء المنافقون كافة ، وقد كان أكثرهم من اليهود.","part":19,"page":54},{"id":7969,"text":"وادعى بعضهم أنه الأنسب بما في حيز الصلة لشهرة أنهم كانوا يفرحون بما فعلوا من إظهار الإيمان وقلوبهم مطمئنة بالكفر ويستحمدون إلى المسلمين بالإيمان وهم عن فعله بألف منزل ، وكانوا يظهرون محبة المؤمنين وهم في الغاية القاصية من العداوة ، ولا يخفى عليك أنه وإن سلم كونه أنسب إلا أنه لم يوجد فيما نعلم من الآثار الصحيحة ما يؤيده ، ومن هنا يعلم بعد القول بأن الأولى إجراء الموصول على عمومه شاملاً لكل من يأتي بشيء من الحسنات فيفرح به فرح إعجاب ، ويود أن يمدحه الناس بما هو عار منه من الفضائل منتظماً للمعهودين انتظاماً أولياً على أنه قد اعترض بأن انتظام المعهودين مطلقاً فضلاً عن كونه أولياً غير مسلم إلا إذا عمم ما في بما أتوا بحيث يشمل الحسنات الحقيقية وغيرها أما إذا خص بالحسنات كما يوهمه ظاهر هذا القول فلا يسلم الانتظام لأن أولئك الفرحين لم يأتوا بحسنة في نفس الأمر ليفرحوا بها فرح إعجاب كما لا يخفى ، ولعل الأمر في هذا سهل ، نعم يزيده بعداً ما أخرجه الإمام أحمد والبخاري ومسلم والترمذي والنسائي والبيهقي في \"الشعب\" من طريق حميد بن عبد الرحمن أن مروان قال لبوابه : اذهب يا رافع إلى ابن عباس فقل : لئن كان كل امرىء منا فرح بما أوتي وأحب أن يحمد بما لم يفعل معذباً لنعذبن أجمعون ، فقال ابن عباس : ما لكم ولهذه الآية إنما أنزلت هذه الآية في أهل الكتاب ، ثم تلا","part":19,"page":55},{"id":7970,"text":"{ وَإِذْ أَخَذَ الله ميثاق الذين أُوتُواْ الكتاب } [ آل عمران : 187 ] إلى آخر الآيتين فإن لو كان الأولى إجراء الموصول على عمومه لأجراه حبر الأمة وترجمان القرآن ، وأزال الإشكال بتقييد الفرح بفرح الإعجاب كما فعل صاحب هذا القول ولا يلزم من كلام الحبر على هذا عدم حرمة الفرح فرح إعجاب وحب الحمد بما لم يفعل بالمرة بل قصارى ما يلزم منه عدم كون ذلك مفاد الآية كما قيل وهو لا يستلزم عدم كونه مفاد شيء أصلاً ليكون ذلك قولاً بعدم الحرمة ، كيف وكثير من النصوص ناطق بحرمة ذلك حتى عده البعض من الكبائر فليفهم\rو{ بِمَفَازَةٍ } وتصدير الوعيد بنهيهم عن الحسبان المذكور على ما قال شيخ الإسلام للتنبيه على بطلان آرائهم الركيكة وقطع أطماعهم الفارغة حيث كانوا يزعمون أنهم ينجون بما صنعوا من عذاب الآخرة كما نجوا به من المؤاخذة الدنيوية وعليه كان مبنى فرحهم ، وأما نهيه صلى الله عليه وسلم فللتعريض بحسبانهم المذكور لا لاحتمال وقوع الحسبان من جهته صلى الله عليه وسلم.\rوأنت تعلم أن تعليل التصدير بما ذكر على تقدير إجراء الموصول على عمومه على ما مر غير ظاهر إلا أن يقال بالتغليب.\r{ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ } بيان لثبوت فرد من العذاب لا غاية له في المدة والشدة إثر ما أشير إليه من عدم نجاتهم من مطلق العذاب ويلوح بذلك الجملة الإسمية والتنكير التفخيمي والوصف وجوز أن يكون هذا إشارة إلى العذاب الأخروي ويحمل نفي النجاة من العذاب فيما تقدم على نفي العذاب العاجل وهو كونهم مذمومين مردودين فيما بين الناس لأن لباس الزور لا يبقى وينكشف حال صاحبه ويفتضح. أ هـ {روح المعانى حـ 4 صـ 150 ـ 152}. بتصرف يسير.\rومن فوائد ابن الجوزى فى الآية\rقال رحمه الله :\rقوله تعالى : { لا تحسبن الذين يفرحون بما أتوا } وقرأ أهل الكوفة : لا تحسبنَّ بالتاء.","part":19,"page":56},{"id":7971,"text":"وفي سبب نزولها ثمانية أقوال.\rأحدها : أن النبي صلى الله عليه وسلم ، سأل اليهود عن شيء ، فكتموه ، وأخبروه بغيره ، وأروه أنهم قد أخبروه به ، واستحمدوا بذلك إِليه ، وفرحوا بما أتوا من كتمانهم إياه ، فنزلت هذه الآية.\rوالثاني : أنها نزلت في قوم من اليهود ، فرحوا بما يصيبون من الدنيا ، وأحبّوا أن يقول الناس : إنهم علماء ، وهذا القول ، والذي قبله عن ابن عباس.\rوالثالث : أن اليهود قالوا : نحن على دين إبراهيم ، وكتموا ذكر محمد صلى الله عليه وسلم ، فنزلت هذه الآية ، قاله سعيد بن جبير.\rوالرابع : أن يهود المدينة كتبت إلى يهود العراق واليمن ، ومن بلغهم كتابهم من اليهود في الأرض كلها : أن محمداً ليس بنبي ، فاثبتوا على دينكم ، فاجتمعت كلمتهم على الكفر به ، ففرحوا بذلك ، وقالوا : نحن أهل الصوم والصلاة ، وأولياء الله.\rفنزلت هذه الآية ، هذا قول الضحاك ، والسدي.\rوالخامس : أن يهود خيبر أتوا النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه ، فقالوا : نحن على رأيكم ، ونحن لكم ردء ، وهم مستمسكون بضلالتهم ، فأرادوا أن يحمدهم نبي لله بما لم يفعلوا ، فنزلت هذه الآية ، قاله قتادة.\rوالسادس : أن ناساً من اليهود جهزوا جيشاً إلى النبي صلى الله عليه وسلم ، واتفقوا عليهم ، فنزلت هذه الآية ، قاله إبراهيم النخعي.\rوالسابع : أن قوماً من أهل الكتاب دخلوا على النبي صلى الله عليه وسلم ، ثم خرجوا من عنده فذكروا للمسلمين أنهم قد أخبروا بأشياء قد عرفوها ، فحمدوهم ، وأبطنوا خلاف ما أظهروا ، فنزلت هذه الآية ، ذكره الزجاج.\rوالثامن : أن رجالاً من المنافقين كانوا يتخلفون عن الغزو مع النبي صلى الله عليه وسلم ، فإذا قدم ، اعتذروا إليه ، وحلفوا ، وأحبوا أن يحمدوا بما لم يفعلوا.","part":19,"page":57},{"id":7972,"text":"فنزلت هذه الآية ، قاله أبو سعيد الخدري ، وهذا القول يدل على أنها نزلت في المنافقين ، وما قبله من الأقوال يدل على أنها في اليهود.\rوفي الذي أتوا ثمانية أقوال.\rأحدها : أنه كتمانهم ما عرفوا من الحق.\rوالثاني : تبديلهم التوراة.\rوالثالث : إيثارهم الفاني من الدنيا على الثواب.\rوالرابع : إضلالهم الناس.\rوالخامس : اجتماعهم على تكذيب النبي.\rوالسادس : نفاقهم بإظهار ما في قلوبهم ضده.\rوالسابع : اتفاقهم على محاربة النبي صلى الله عليه وسلم ، وهذه أقوال من قال : هم اليهود.\rوالثامن : تخلُّفهم في الغزوات ، وهذا قول من قال : هم المنافقون.\rوفي قوله تعالى : { ويحبُّون أن يحمدوا بما لم يفعلوا } ستة أقوال.\rأحدها : أحبوا أن يُحمدوا على إجابة النبي صلى الله عليه وسلم ، عن شيء سألهم عنه وما أجابوه.\rوالثاني : أحبوا أن يقول الناس : هم علماء ، وليسوا كذلك.\rوالثالث : أحبوا أن يحمدوا بما لم يفعلوا من الصلاة ، والصيام ، وهذه الأقوال الثلاثة عن ابن عباس.\rوالرابع : أحبوا أن يحمدوا على قولهم : نحن على دين إبراهيم ، وليسوا عليه ، قاله سعيد بن جبير.\rوالخامس : أحبوا أن يحمدوا على قولهم : إنا راضون بما جاء به النبي ، وليسوا كذلك ، قاله قتادة.\rوهذه أقوال من قال : هم اليهود.\rوالسادس : أنهم كانوا يحلفون للمسلمين ، إذا نصروا : إنا قد سررنا بنصركم ، وليسوا كذلك ، قاله أبو سعيد الخدري ، وهو قول من قال : هم المنافقون.\rقوله تعالى : { فلا يحسبُنهم } قرأ ابن كثير ، وأبو عمرو ، فلا يحسبُنهم ، بالياء وضم الباء.\rوقرأ نافع ، وابن عامر ، وعاصم ، وحمزة ، والكسائي ، بالتاء ، وفتح الباء.","part":19,"page":58},{"id":7973,"text":"قال الزجاج : إنما كررت \"تحسبنهم\" لطول القصة ، والعرب تعيد إذا طالت القصة \"حسبت\" ، وما أشبهها ، إعلاماً أن الذي يجرى متصل بالأول ، وتوكيداً له ، فتقول : لا تظننَّ زيداً إذا جاء وكلمك بكذا وكذا ، فلا تظننَّه صادقاً.\rقوله تعالى : { بمفازة } قال ابن زيد ، وابن قتيبة ، بمنجاة. أ هـ {زاد المسير حـ 1 صـ 522 ـ 525}\rمن لطائف الإمام القشيرى فى الآية\rقال عليه الرحمة :\r{ لَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَا أَتَوْا وَيُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُوا بِمَا لَمْ يَفْعَلُوا فَلَا تَحْسَبَنَّهُمْ بِمَفَازَةٍ مِنَ الْعَذَابِ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (188)}\rإن مَنْ باشر رؤيةَ الخلْق قلبُه ، ولاَحَظَهم بِسِرِّه فلا تظننَّ أنَّ عقوبتَهم مؤخرةٌ إلى يوم القيامة ، بل ليسوا من العذاب - في الحال - بمفازة ، وأيُّ عذابِ أشدُّ من الردِّ إلى الخلْق والحجاب عن الحق ؟ . أ هـ {لطائف الإشارات حـ 1 صـ 303}","part":19,"page":59},{"id":7974,"text":"قوله تعالى { وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (189)}\rمناسبة الآية لما قبلها\rقال البقاعى : \rولما أخبر بهلاكهم دل عليه بحال من فاعل \" يحسب \" فقال تعالى : {ولله} أي الذي له جميع صفات الكمال وحده {ملك السماوات والأرض} أي لا يقع في فكرهم ذلك والحال أن ملكه محيط بهم ، وله جميع ما يمكنهم الانحياز إليه ، وله ما لا تبلغه قُدَرُهم من ملك الخافقين فهو بكل شيء محيط {والله} أي الذي له جميع العظمة {على كل شيء قدير} وهو شامل القدرة ، فمن كان في ملكه كان في قبضته ، ومن كان في قبضته كان عاجزاً عن التفصي عما يريد به ، لأنه الحي القيوم الذي لا إله إلا هو - كما افتتح به السورة. أ هـ {نظم الدرر حـ 2 صـ 196}\rقال القرطبى : \r{ وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (189) }\rهذا احتجاج على الذين قالوا إن الله فقير ونحن أغنياء ، وتكذيب لهم.\rوقيل : المعنى لا تظُنّن الفرحين ينجون من العذاب ؛ فإن لله كلّ شيء ، وهم في قبضة القدِير ؛ فيكون معطوفاً على الكلام الأوّل ، أي إنهم لا ينجون من عذابه ، يأخذهم متى شاء.\r{ والله على كُلِّ شَيْءٍ } أي مُمْكن { قَدِيرٌ } وقد مضى في \"البقرة\". أ هـ {تفسير القرطبى حـ 4 صـ 308}","part":19,"page":60},{"id":7975,"text":"وقال أبو السعود : \r{ وَللَّهِ } أي خاصةً { مُلْكُ السموات والأرض } أي السلطانُ القاهرُ فيهما بحيث يتصرف فيهما وفيما فيهما كيفما يشاء ويريد ، إيجاداً وإعداماً إحياءً وإماتةً تعذيباً وإثابةً من غير أن يكون لغيره شائبةُ دخلٍ في شيء من ذلك بوجه من الوجوه ، فالجملةُ مقرِّرة لما قبلها ، وقوله تعالى : { والله على كُلّ شَيْء قَدِيرٌ } تقريرٌ لاختصاص مُلكِ العالَمِ الجُسماني المعبَّر عنه بقُطريه به سبحانه وتعالى قادراً على الكل بحيث لا يشِذ من ملكوته شيءٌ من الأشياء يستدعي كونَ ما سواه كائناً ما كان مقدوراً له ومن ضرورته اختصاصُ القدرةِ به تعالى واستحالةُ أن يشاركه شيءٌ من الأشياء في القُدرة على شيء من الأشياء فضلاً عن المشاركة في ملك السمواتِ والأرضِ ، وفيه تقريرٌ لما مر من ثبوت العذابِ الأليمِ لهم وعدمِ نجاتِهم منه. وإظهارُ الاسمِ الجليلِ في موقع الإضمارِ لتربية المهابةِ والإشعارِ بمناطِ الحكمِ ، فإن شمولَ القدرةِ لجميع الأشياءِ من أحكام الألوهيةِ مع ما فيه من الإشعار باستقلال كلَ من الجملتين بالتقرير. أ هـ {تفسير أبى السعود حـ 2 صـ 127}","part":19,"page":61},{"id":7976,"text":"وقال الآلوسى :\r{ وَللَّهِ مُلْكُ السماوات والأرض } تقرير لما قبله حيث أفاد أن لله وحده السلطان القاهر في جميع العالم يتصرف فيه كيفما يشاء ويختار إيجاداً وإعداماً إحياءاً وإماتة تعذيباً وإثابة ، ومن هو كذلك فهو مالك أمرهم لا راد له عما أراد بهم { والله على كُلّ شَيْء قَدِيرٌ } تقرير إثر تقرير والإظهار في مقام الإضمار لتربية المهابة مع الإشعار بمناط الحكم فإن شمول القدرة لجميع الأشياء من أحكام الألوهية والرمز إلى استقلال كل من الجملتين بالتقرير ، وقيل : مجموع الجملتين مسوق لرد قول اليهود السابق { إِنَّ الله فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاء } [ آل عمران : 181 ] وضعف بالبعد ولو قيل وفيه ردّ لهان الأمر. أ هـ {روح المعانى حـ 4 صـ 152 ـ 153}\rمن لطائف الإمام القشيرى فى الآية\rقال عليه الرحمة :\r{ وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (189)}\rالإشارة من هذا الآية ها هنا إلى غناه - سبحانه - عمَّا في الكون ، وكيف يحتاج إليهم ؟ ! ولكنهم لا يجدون عنه خَلَفاً ، ولا عليه بَدَلاً. أ هـ {لطائف الإشارات حـ 1 صـ 303}","part":19,"page":62},{"id":7977,"text":"قوله تعالى { إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآَيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ (190)}\rمناسبة الآية لما قبلها\rقال البقاعى : \rولما ذكر هذا الملك العظيم وختم بشمول القدرة دل على ذلك بالتنبيه على التفكر فيه الموجب للتوحيد الذي هو المقصد الأعظم من هذه السورة الداعي إلى الإيمان الموجب للمفازة من العذاب ، لأن المقصود الأعظم من إنزال القرآن تنوير القلوب بالمعرفة ، وذلك لا يكون إلا بغاية التسليم ، وذلك هو اتباع الملة الحنيفية ، وهو متوقف على صدق النبي صلى الله عليه وسلم ، فبدأ سبحانه وتعالى السورة بدلائل صدقه بإعجاز القرآن بكشفه - مع الإعجاز بنظمه على لسان النبي الأمي - للشبهات وبيانه للخفيات ، وأظهر مكابرة أهل الكتاب ، وفضحهم أتم فضيحة ، فلما تم ذلك على أحسن وجه منظماً ببدائع الحكم من الترغيب والترهيب شرع في بث أنوار المعرفة بنصب دلائلها القريبة وكشف أستارها العجيبة فقال : {إن في خلق السماوات والأرض} أي على كبرهما وما فيهما من المنافع ، ونبه على التغير الدال على المغير بقوله : {واختلاف الليل والنهار} أي اختلافاً هو - كما ترون - على غاية الإحكام بكونه على منهاج قويم وسير لا يكون إلا بتقدير العزيز العليم {لآيات} أي على جميع ما جاءت به الرسل عن الخالق ، وزاد الحث على التفكر والتهييج إليه والإلهاب من أجله بقوله : {لأولي الألباب} وذكر سبحانه وتعالى في أخت هذه الآية في سورة البقرة ثمانية أنواع من الأدلة واقتصر هنا على ثلاثة ، لأن السالك يفتقر في ابتداء السلوك إلى كثرة الأدلة.","part":19,"page":63},{"id":7978,"text":"فإذا استنار قلت حاجته إلى ذلك ، وكان الإكثار من الأدلة كالحجاب الشاغل له عن استغراق القلب في لجج المعرفة ، واقتصر هنا من آثار الخلق على السماوية لأناه أقهر وأبهر والعجائب فيها أكثر ، وانتقال القلب منها إلى عظمته سبحانه وتعالى وكبريائه أشد وأسرع ، وختم تلك بما هو لأول السلوك : العقل ، وختم هذه بلبه لأنها لمن تخلص من وساوس الشيطان وشوائب هواجس الوهم المانعة من الوصول إلى حق اليقين بل علم اليقين. أ هـ {نظم الدرر حـ 2 صـ 196 ـ 197}\rوقال ابن عاشور :\rهذا غرض أُنف بالنسبة لما تتابع من أغراض السورة ، انتُقل به من المقدّمات والمقصد والمتخلِّلات بالمناسبات ، إلى غرض جديد هو الاعتبار بخلق العوالم وأعراضها والتنويه بالذين يعتبرون بما فيها من آيات.\rومِثْل هذا الانتقال يكون إيذاناً بانتهاء الكلام على أغراض السورة ، على تفنّنها ، فقد كان التنقّل فيها من الغرض إلى مشاكله وقد وقع الانتقال الآن إلى غرض عامّ : وهو الاعتبار بخلق السماوات والأرض وحال المؤمنين في الاتّعاظ بذلك ، وهذا النحو في الانتقال يعرض للخطيب ونحوه من أغراضه عقب إيفائها حقّها إلى غرض آخر إيذاناً بأنّه أشرف على الانتهاء ، وشأن القرآن أن يختم بالموعظة لأنّها أهمّ أغراض الرسالة ، كما وقع في ختام سورة البقرة. أ هـ {التحرير والتنوير حـ 3 صـ 307}\rفصل\rقال الفخر :\rاعلم أن المقصود من هذا الكتاب الكريم جذب القلوب والأرواح عن الاشتغال بالخلق إلى الاستغراق في معرفة الحق ، فلما طال الكلام في تقرير الأحكام والجواب عن شبهات المبطلين عاد إلى إنارة القلوب بذكر ما يدل على التوحيد والإلهية والكبرياء والجلال ، فذكر هذه الآية.","part":19,"page":64},{"id":7979,"text":"قال ابن عمر : قلت لعائشة : أخبريني بأعجب ما رأيت من رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فبكت وأطالت ثم قالت : كل أمره عجب ، أتاني في ليلتي فدخل في لحافي حتى ألصق جلده بجلدي ، ثم قال لي : يا عائشة هل لك أن تأذني لي الليلة في عبادة ربي ، فقلت : يا رسول الله إني لأحب قربك وأحب مرادك قد أذنت لك.\rفقام إلى قربة من ماء في البيت فتوضأ ولم يكثر من صب الماء ، ثم قام يصلي ، فقرأ من القرآن وجعل يبكي ، ثم رفع يديه فجعل يبكي حتى رأيت دموعه قد بلت الأرض ، فأتاه بلال يؤذنه بصلاة الغداة فرآه يبكي ، فقال له : يا رسول الله أتبكي وقد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر ، فقال : \" يا بلال أفلا أكون عبدا شكورا \" ، ثم قال : \" ما لي لا أبكي وقد أنزل الله في هذه الليلة : {إِنَّ فِي خَلْقِ السموات والأرض} \" ثم قال : \" ويل لمن قرأها ولم يتفكر فيها \" وروي : ويل لمن لاكها بين فكيه ولم يتأمل فيها.\rوعن علي رضي الله عنه : أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا قام من الليل يتسوك ثم ينظر إلى السماء ويقول : إن في خلق السموات والأرض.\rوحكى أن الرجل من بني إسرائيل كان إذا عبد الله ثلاثين سنة أظلته سحابة.\rفعبدها فتى من فتيانهم فما أظلته السحابة ، فقالت له أمه : لعل فرطة صدرت منك في مدتك ، قال : ما أذكر ، قالت : لعلك نظرة مرة إلى السماء ولم تعتبر قال نعم ، قالت : فما أتيت إلا من ذلك.\r","part":19,"page":65},{"id":7980,"text":"واعلم أنه تعالى ذكر هذه الآية في سورة البقرة ، وذكرها هنا أيضا ، وختم هذه الآية في سورة البقرة بقوله : {لآيات لّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ} [ البقرة : 164 ] وختمها ههنا بقوله : {لأيات لأُوْلِى الألباب} وذكر في سورة البقرة مع هذه الدلائل الثلاثة خمسة أنواع أخرى ، حتى كان المجموع ثمانية أنواع من الدلائل ، وههنا اكتفى بذكر هذه الأنواع الثلاثة : وهي السموات والأرض ، والليل والنهار ، فهذه أسئلة ثلاثة : \rالسؤال الأول : ما الفائدة في إعادة الآية الواحدة باللفظ الواحد في سورتين ؟ \rوالسؤال الثاني : لم اكتفى ههنا باعادة ثلاثة أنواع من الدلائل وحذف الخمسة الباقية ؟ \rوالسؤال الثالث : لم قال هناك : {لّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ} [ البقرة : 164 ] وقال ههنا : {لأُوْلِى الألباب }.\r","part":19,"page":66},{"id":7981,"text":"فأقول والله أعلم بأسرار كتابه : إن سويداء البصيرة تجري مجرى سواد البصر فكما أن سواد البصر لا يقدر أن يستقصي في النظر إلى شيئين ، بل إذا حدق بصره نحو شيء تعذر عليه في تلك الحالة تحديق البصر نحو شيء آخر ، فكذلك ههنا إذا حدق الإنسان حدقة عقله نحو ملاحظة معقول امتنع عليه في تلك الحالة تحديق حدقة العقل نحو معقول آخر ، فعلى هذا كلما كان اشتغال العقل بالالتفات إلى المعقولات المختلفة أكثر ، كان حرمانه عن الاستقصاء في تلك التعقلات والادراكات أكثر ، فعلى هذا : السالك إلى الله لا بد له في أول الأمر من تكثير الدلائل ، فإذا استنار القلب بنور معرفة الله صار اشتغاله بتلك الدلائل كالحجاب له عن استغراق القلب في معرفة الله ، فالسالك في أول أمره كان طالباً لتكثير الدلائل ، فعند وقوع هذا النور في القلب يصير طالباً لتقليل الدلائل ، حتى إذا زالت الظلمة المتولدة من اشتغال القلب بغير الله كمل فيه تجلى أنوار معرفة الله ، وإليه الإشارة بقوله : {فاخلع نَعْلَيْكَ إِنَّكَ بالواد المقدس طُوًى} [ طه : 12 ] والنعلان هما المقدمتان اللتان بهما يتوصل العقل إلى المعرفة فلما وصل إلى المعرفة أمر بخلعهما ، وقيل له : إنك تريد أن تضع قدميك في وادي قدس الوحدانية فاترك الاشتغال بالدلائل.\r","part":19,"page":67},{"id":7982,"text":"إذا عرفت هذه القاعدة ، فذكر في سورة البقرة ثمانية أنواع من الدلائل ، ثم أعاد في هذه السورة ثلاثة أنواع منها ، تنبيها على أن العارف بعد صيرورته عارفا لا بد له من تقليل الالتفات إلى الدلائل ليكمل له الاستغراق في معرفة المدلول ، فكان الغرض من إعادة ثلاثة أنواع من الدلائل وحذف البقية ، التنبيه على ما ذكرناه ، ثم إنه تعالى استقصى في هذه الآية الدلائل السماوية وحذف الدلائل الخمسة الباقية ، التي هي الدلائل الأرضية ، وذلك لأن الدلائل السماوية أقهر وأبهر ، والعجائب فيها أكثر ، وانتقال القلب منها إلى عظمة الله وكبريائه أشد ، ثم ختم تلك الآية بقوله : {لّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ} وختم هذه الآية بقوله : {لأُوْلِى الألباب} لأن العقل له ظاهر وله لب ، ففي أول الأمر يكون عقلا ، وفي كمال الحال يكون لبا ، وهذا أيضا يقوي ما ذكرناه ، فهذا ما خطر بالبال ، والله أعلم بأسرار كلامه العظيم الكريم الحكيم. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 9 صـ 109 ـ 110}\rقال رحمه الله : \rقوله تعالى : { إِنَّ فِي خَلْقِ السماوات والأرض } تقدّم معنى هذه الآية في \"البقرة\" في غير موضع.\rفختم تعالى هذه السورة بالأمر بالنظر والاستدلال في آياته ؛ إذ لا تصدر إلا عن حَيّ قيّوم قدير قُدّوس سلامٍ غنيٍّ عن العالمين ؛ حتى يكون إيمانُهم مستنداً إلى اليقين لا إلى التقليد.\r{ لآيَاتٍ لأُوْلِي الألباب } الذين يستعملون عقولهم في تأمّل الدلائل.\r","part":19,"page":68},{"id":7983,"text":"ورُوي عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت : لما نزلت هذه الآية على النبيّ صلى الله عليه وسلم قام يُصلي ، فأتاه بِلالٌ يُؤْذِنُه بالصلاة ، فرآه يَبْكي فقال : يا رسول الله ، أتبكي وقد غفر الله لك ما تقدّم من ذنبك وما تأخر! فقال : \" \"يا بلالُ ، أفلا أكون عبداً شكوراً ولقد أنزل الله عليّ الليلة آية { إِنَّ فِي خَلْقِ السماوات والأرض واختلاف الليل والنهار لآيَاتٍ لأُوْلِي الألباب } ثم قال : \" وَيْلٌ لمن قرأها ولم يتفكّر فيها\" \".\rقال العلماء : يستحبّ لمن انتبه من نومه أن يمسح على وجهه ، ويستفتح قيامه بقراءة هذه العشر الآيات اقتداءً بالنبيّ صلى الله عليه وسلم ، ثبت ذلك في الصحيحين وغيرهما وسيأتي ؛ ثم يصلّي ما كُتب له ، فيجمع بين التفكّر والعمل ، وهو أفضل العمل على ما يأتي بيانه في هذه الآية بعد هذا.\rورُوي عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقرأ عشر آيات من آخر سورة \"آل عمران\" كل ليلة ، خرّجه أبو نصر الوائلي السِّجِسْتانِيّ الحافظ في كتاب \"الإبانة\" من حديث سليمان بن موسى عن مظاهر بن أسلم المخزوميّ عن المَقْبُريّ عن أبي هريرة.\rوقد تقدّم أوّل السورة عن عثمان قال : من قرأ آخر آل عمران في ليلة كُتب له قيام ليلة. أ هـ {تفسير القرطبى حـ 4 صـ 310}. بتصرف يسير.","part":19,"page":69},{"id":7984,"text":"من فوائد أبى السعود فى الآية\rقال عليه الرحمة :\r{ إِنَّ فِي خَلْقِ السموات } جملةٌ مستأنفة سيقت لتقرير ما سبق من اختصاصه تعالى بالسلطان القاهرِ والقُدرة التامةِ صُدِّرت بكلمة التأكيدِ اعتناءً بتحقيق مضمونِها أي في إنشائها على ما هي عليه في ذواتها وصفاتِها من الأمور التي يَحار في فهم أجلاها العقولُ { والأرض } على ما هي عليه ذاتاً وصفةً { واختلاف اليل والنهار } أي في تعاقُبهما في وجه الأرضِ وكونِ كلَ منهما خِلْفةً للآخر بحسَب طلوعِ الشمسِ وغروبِها التابعَين لحركات السمواتِ وسكونِ الأرض ، أو في تفاوتهما بازدياد كلَ منهما بانتقاص الآخرِ وانتقاصِه بازدياده ، باختلاف حالِ الشمسِ بالنسبة إلينا قُرباً وبُعداً بحسب الأزمنةِ أو في اختلافهما وتفاوتِهما بحسب الأمكنةِ ، أما في الطول والقِصَر فإن البلادَ القريبةَ من القُطب الشماليِّ أيامُها الصيفيةُ أطولُ ولياليها الصيفيةُ أقصرُ من أيام البلادِ البعيدةِ منه ولياليها ، وأما في أنفسها فإن كرويةَ الأرضِ تقتضي أن يكون بعضُ الأماكنِ ليلاً وفي مقابله نهاراً وفي بعضها صباحاً وفي بعضها ظهراً أو عصراً أو غيرَ ذلك.","part":19,"page":70},{"id":7985,"text":"والليلُ قيل : إنه اسمُ جنسٍ يُفرَّق بين واحدِه وجمعِه بالتاء كتمْر وتمرةٍ ، والليالي جمعُ جمعٍ والصحيحُ أنه مفردٌ ولا يُحفظ له جمعٌ ، والليالي جمعُ ليلةٍ وهو جمعٌ غريبٌ كأنهم توهموا أنها ليلاةٌ كما في كَيْكة وكياكي كأنها جمعُ كيكاة ، والنهارُ اسمٌ لما بين طلوعِ الفجرِ وغروبِ الشمسِ قاله الراغب ، وقال ابن فارس : هو ضياءُ ما بينهما ، وتقديمُ الليلِ على النهار إما لأنه الأصل فإن غُررَ الشهورِ تظهر في الليالي ، وإما لتقدمه في الخلفية حسبما ينبىء عنه قوله تعالى : { وَءايَةٌ لَّهُمُ اليل نَسْلَخُ مِنْهُ النهار } أي نزيلُه منه فيخلُفه { لاَيَاتٍ } اسمُ إن دخلته اللامُ لتأخُّره عن خبرها ، والتنكيرُ للتفخيم كماً وكيفاً أي لآياتٍ كثيرةً عظيمةً لا يُقادر قدرُها دالةٌ على تعاجيب شؤونِه التي من جُملتها ما مر من اختصاص المُلكِ العظيمِ والقدرةُ التامةُ به سبحانه.\rوعدمُ التعرضِ لما ذُكر في سورة البقرة من الفُلك والمطرِ وتصريفِ الرياحِ والسحابِ لما أن المقصودَ هاهنا بيانُ استبدادِه تعالى بما ذُكر من المُلك والقدرةِ فاكتُفي بمعظم الشواهدِ الدالةِ على ذلك ، وأما هناك فقد قُصِد في ضمن بيانِ اختصاصِه تعالى بالألوهية بيانُ اتصافِه تعالى بالرحمة الواسعةِ فنُظمت دلائلُ الفضلِ والرحمةِ في سلك دلائلِ التوحيدِ فإن ما فصل هناك ( هو ) من آيات رحمتِه تعالى كما أنه من آيات ألوهيتِه ووحدتِه.","part":19,"page":71},{"id":7986,"text":"{ لأِوْلِى الألباب } أي لذوي العقول المجلُوَّة الخالصةِ عن شوائب الحسِّ والوهمِ المتجرِّدَين عن العلائق النفسانيةِ المتخلّصين من العوائق الظُلمانيةِ ، المتأملين في أحوال الحقائقِ وأحكامِ النعوتِ ، المراقبين في أطوار الملكِ وأسرارِ الملكوتِ ، المتفكرين في بدائع صنائعِ الملِكِ الخلاق ، المتدبرين في روائع حُكمِه المودَعةِ في الأنفس والآفاق ، الناظرين إلى العالم بعين الاعتبارِ والشهودِ ، المتفحّصين عن حقيقة سرِّ الحقِّ في كل موجود ، المثابرين على مراقبته وذِكراه غيرَ ملتفتين إلى شيء مما سواه إلا من حيث إنه مرآةٌ لمشاهدة جمالِه وآلةٌ لملاحظة صفاتِ كمالِه ، فإن كلَّ ما ظهر في مظاهر الإبداعِ وحضر محاضِرَ التكوينِ والاختراع سبيلٌ سوِيّ إلى عالم التوحيد ودليلٌ قوي على الصانع المجيدِ ناطقٌ بآيات قدرتِه ، فهل من سامع واعٍ ومخبِرٍ بأنباء علمِه وحكمتِه فهل له من داعٍ يكلم الناسَ على قدر عقولِهم ويرُدّ جوابَهم بحسب مقولِهم ، يحاور تارة بأوضح عبارةٍ ويلوّح أخرى بألطفِ إشارةٍ مراعياً في الحوار إبهامَهم وتصريحَهم : { وَإِن مّن شَىْء إِلاَّ يُسَبّحُ بِحَمْدَهِ ولكن لاَّ تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ } فتأمل في هذه الشؤونِ والأسرارِ إن في ذلك لعبرةً لأولي الأبصار. عن عائشة رضي الله عنها أن رسولَ الله صلى الله عليه وسلم قال : \" هل لك يا عائشةُ أن تأذني لي الليلةَ في عبادة ربي ؟ \" فقلت : يا رسولَ الله إني لأُحِبُّ قُربَك وأحِبُّ هواك قد أذِنت لك ، فقام إلى قِربة من ماء في البيت فتوضأ ولم يُكثر من صب الماءِ ثم قام يصلي فقرأ من القرآن وجعل يبكي حتى بلغ الدموعُ حِقْوَيه ثم جلس فحمِد الله تعالى وأثنى عليه وجعل يبكي ثم رفع يديه فجعل يبكي حتى رأيت دموعَه قد بلت الأرضَ فأتاه بلالٌ يؤْذِنه بصلاة الغداةِ فرآه","part":19,"page":72},{"id":7987,"text":"يبكي فقال له : يا رسولَ الله أتبكي وقد غفَر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر ؟ فقال : \" يا بلال أفلا أكونُ عبداً شكوراً ؟ \" ثم قال : \" ومالي لا أبكي وقد أنزل الله تعالى علي هذه الليلةِ إن في خلق السموات والأرض ؟ \" الخ ، ثم قال : \" ويل لمن قرأها ولم يتفكر فيها \" وروي : \" ويلٌ لمن لاكها بين فكّيه ولم يتأملْها \" وعن علي رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا قام من الليل يتسوّك ثم ينظر إلى السماء ثم يقول : \" إن في خلق السموات والأرض \" الخ. أ هـ {تفسير أبى السعود حـ 2 صـ 127 ـ 128}","part":19,"page":73},{"id":7988,"text":"فائدة\rقال الجصاص :\rقَوْله تَعَالَى : { إنَّ فِي خَلْقِ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ }.\rالْآيَاتُ الَّتِي فِيهَا مِنْ جِهَاتٍ : أَحَدُهَا : تَعَاقُبُ الْأَعْرَاضِ الْمُتَضَادَّةِ عَلَيْهَا مَعَ اسْتِحَالَةِ وُجُودِهَا عَارِيَّةً مِنْهَا ، وَالْأَعْرَاضُ مُحْدَثَةٌ ، وَمَا لَمْ يَسْبِقْ الْمُحْدَثَ فَهُوَ مُحْدَثٌ.\rوَقَدْ دَلَّتْ أَيْضًا عَلَى أَنَّ خَالِقَ الْأَجْسَامِ لَا يُشْبِهُهَا ؛ لِأَنَّ الْفَاعِلَ لَا يُشْبِهُ فِعْلَهُ.\rوَفِيهِ الدَّلَالَةُ عَلَى أَنَّ خَالِقَهَا قَادِرٌ لَا يُعْجِزُهُ شَيْءٌ ؛ إذْ كَانَ خَالِقُهَا وَخَالِقُ الْأَعْرَاضِ الْمُضَمَّنَةِ بِهَا وَهُوَ قَادِرٌ عَلَى أَضْدَادِهَا ؛ إذْ مَا لَيْسَ بِقَادِرٍ يَسْتَحِيلُ مِنْهُ الْفِعْلُ.\rوَيَدُلُّ عَلَى أَنَّ فَاعِلَهَا قَدِيمٌ لَمْ يَزَلْ ؛ لِأَنَّ صِحَّةَ وُجُودِهَا مُتَعَلِّقَةٌ بِصَانِعٍ قَدِيمٍ ، لَوْلَا ذَلِكَ لَاحْتَاجَ الْفَاعِلُ إلَى فَاعِلٍ آخَرَ إلَى مَا لَا نِهَايَةَ لَهُ.\rوَيَدُلُّ عَلَى أَنَّ صَانِعَهَا عَالِمٌ مِنْ حَيْثُ اسْتَحَالَ وُجُودُ الْفِعْلِ الْمُتْقَنِ الْمُحْكَمِ إلَّا مِنْ عَالِمٍ بِهِ قَبْلَ أَنْ يَفْعَلَهُ.\rوَيَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ حَكِيمٌ عَدْلٌ ؛ لِأَنَّهُ مُسْتَغْنٍ عَنْ فِعْلِ الْقَبِيحِ عَالِمٌ بِقُبْحِهِ فَلَا تَكُونُ أَفْعَالُهُ إلَّا عَدْلًا وَصَوَابًا.","part":19,"page":74},{"id":7989,"text":"وَيَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لَا يُشْبِهُهَا ؛ لِأَنَّهُ لَوْ أَشْبَهَهَا لَمْ يَخْلُ مِنْ أَنْ يُشْبِهَهَا مِنْ جَمِيعِ الْوُجُوهِ أَوْ مِنْ بَعْضِهَا ، فَإِنْ أَشْبَهَهَا مِنْ جَمِيعِ الْوُجُوهِ فَهُوَ مُحْدَثٌ مِثْلُهَا ، وَإِنْ أَشْبَهَهَا مِنْ بَعْضِ الْوُجُوهِ فَوَاجِبٌ أَنْ يَكُونَ مُحْدَثًا مِنْ ذَلِكَ الْوَجْهِ ؛ لِأَنَّ حُكْمَ الْمُشَبَّهِينَ وَاحِدٌ مِنْ حَيْثُ اشْتَبَهَا فَوَجَبَ أَنْ يَتَسَاوَيَا فِي حُكْمِ الْحُدُوثِ مِنْ ذَلِكَ الْوَجْهِ.\rوَيَدُلُّ وُقُوفُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ مِنْ غَيْرِ عَمَدٍ أَنَّ مُمْسِكَهَا لَا يُشْبِهُهَا ، لِاسْتِحَالَةِ وُقُوفِهَا مِنْ غَيْرِ عَمَدٍ مِنْ جِسْمٍ مِثْلِهَا.\rإلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنْ الدَّلَائِلِ الْمُضَمَّنَةِ بِهَا.\rوَدَلَالَةُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى أَنَّ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ مُحْدَثَانِ لِوُجُودِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بَعْدَ أَنْ لَمْ يَكُنْ مَوْجُودًا ، وَمَعْلُومٌ أَنَّ الْأَجْسَامَ لَا تَقْدِرُ عَلَى إيجَادِهَا وَلَا عَلَى الزِّيَادَةِ وَالنُّقْصَانِ فِيهَا ، وَقَدْ اقْتَضَيَا مُحْدَثًا مِنْ حَيْثُ كَانَا مُحْدَثَيْنِ لِاسْتِحَالَةِ وُجُودِ حَادِثٍ لَا مُحْدِثَ لَهُ ، فَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ مُحْدِثُهُمَا لَيْسَ بِجِسْمٍ وَلَا مُشْبِهٌ لِلْأَجْسَامِ لِوَجْهَيْنِ : أَحَدُهُمَا : أَنَّ الْأَجْسَامَ لَا تَقْدِرُ عَلَى إحْدَاثِ مِثْلِهَا.\rوَالثَّانِي : أَنَّ الْمُشْبِهَ لِلْجِسْمِ يَجْرِي عَلَيْهِ مَا يَجْرِي عَلَيْهِ مِنْ حُكْمِ الْحُدُوثِ ، فَلَوْ كَانَ فَاعِلُهُمَا حَادِثًا لَاحْتَاجَ إلَى مُحْدِثٍ ، ثُمَّ كَذَلِكَ يَحْتَاجُ الثَّانِي إلَى الثَّالِثِ إلَى مَا لَا نِهَايَةَ لَهُ ، وَذَلِكَ مُحَالٌ ، فَلَا بُدَّ مِنْ إثْبَاتِ صَانِعٍ قَدِيمٍ لَا يُشْبِهُ الْأَجْسَامَ ؛ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. أ هـ {أحكام القرآن للجصاص حـ 2 صـ 334 ـ 335}","part":19,"page":75},{"id":7991,"text":"قوله تعالى { الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ (191) رَبَّنَا إِنَّكَ مَنْ تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ (192)}\rمناسبة الآيتين لما قبلهما\rقال البقاعى : \rولما كان كل مميز يدعي أنه في الذروة من الرشاد نعتهم بما بين من يعتد بعقله فقال : {الذين يذكرون الله} أي الذي ليس في خلقه لهما ولا لغيرهما شك ، وله جميع أوصاف الكمال.\rولما كان المقصود الدوام وكان قد يتجوز به عن الأكثر ، عبر عنه لهذا التفصيل نفياً لاحتمال التجوز ودفعاً لدعوى العذر فقال : {قياماً وقعوداً} ولما كان أكثر الاضطجاع على الجنب قال : {وعلى جنوبهم} أي في اشتغالهم بأشغالهم وفي وقت استراحتهم وعند منامهم ، فهم في غاية المراقبة.\rولما بدأ من أوصافهم بما يجلو أصداء القلوب ويسكنها وينفي عنها الوساوس حتى استعدت لتجليات الحق وقبول الفيض بالفكر لانتفاء قوة الشهوة وسورة الغضب وقهرهما وضعف داعية الهوى ، فزالت نزغات الشيطان ووساوسه وخطرات النفس ومغالطات الوهم قال : {ويتفكرون} أي على الأحوال.\rولما كانت آيات المعرفة إما في الآفاق وإما في الأنفس ، وكانت آيات الآفاق أعظم {لخلق السماوات والأرض أكبر من خلق الناس} [ غافر : 57 ].\rقال : {في خلق السماوات والأرض} على كبرهما واتساعهما وقوة ما فيهما من النافع لحصر الخلائق فيعلمون - بما في ذلك من الأحكام مع جري ما فيهما من الحيوان الذي خلقا لأجله على غير انتظام - أن وراء هذه الدار داراً يثبت فيها الحق وينفى الباطل ويظهر العدل ويضمحل الجور ، فيقولون تضرعاً إليه وإقبالاً عليه : {ربنا} أي أيها المحسن إلينا {ما خلقت هذا} أي الخلق العظيم المحكم {باطلاً} أي لأجل هذه الدار التي لا تفصل فيها على ما شرعت القضايا ، ولا تنصف فيها الرعاة الرعايا ، بل إنما خلقته لأجل دار أخرى ، يكون فيها محض العدل ، ويظهر فيها الفصل.","part":19,"page":76},{"id":7992,"text":"ولما كان الاقتصار على هذه الدار مع ما يشاهده من ظهور الأشرار نقصاً ظاهراً وخللاً بيناً نزهوه عنه فقالوا : {سبحانك} وفي ذلك تعليم العباد أدب الدعاء بتقديم الثناء قبله ، وتنبيه على أن العبد كلما غزرت معرفتة زاد خوفه فزاد تضرعه ، فإنه يحسن منه كل شيء من تعذيب الطائع وغيره ، ولولا أن ذلك كذلك لكان الدعاء بدفعه عبثاً ، وما أحسن ختمها حين تسبب عما مضي تيقنهم أن أمامنا داراً يظهر فيها العدل مما هو شأن كل أحد في عبيده ، فيعذب فيها العاصي وينعم فيها الطائع ، كما هو دأب كل ملك في رعيته بقولهم رغبة في الخلاص في تلك الدار : {فقنا عذاب النار} على وجه جمع بين ذكر العذاب المختتم به آية محبّي المحمدة بالباطل ، والنار المحذر منها في {فمن زحزح عن النار} [ آل عمران : 185 ] ثم تعقبها بقولهم معظمين ما سألوا دفعه من العذاب ليكون موضع السؤال أعظم ، فيدل على أن الداعية في ذلك الدعاء أكمل وإخلاصه أتم ، مكررين الوصف المقتضي للإحسان مبالغة في إظهار الرغبة استمطاراً للإجابة : {ربنآ} وأكدوا مع علمهم بإحاطة علم المخاطب إعلاماًَ بأن حالهم في تقصيرهم حال من أمن النار حثاً لأنفسهم على الاجتهاد في العمل فقالوا : {إنك من تدخل النار} أي للعذاب {فقد أخزيته} أي أذللته وأهنته إهانة عظيمة بكونه ظالماً.\rوختمها بقوله : {وما للظالمين من أنصار} الحاسم لطمع من يظن منهم أنه بمفازة من العذاب ، وأظهر موضع الإضمار لتعليق الحكم بالوصف والتعميم. أ هـ {نظم الدرر حـ 2 صـ 197 ـ 198}","part":19,"page":77},{"id":7993,"text":"فصل\rقال الفخر :\rاعلم أنه تعالى لما ذكر دلائل الإلهية والقدرة والحكمة وهو ما يتصل بتقرير الربوبية ذكر بعدها ما يتصل بالعبودية ، وأصناف العبودية ثلاثة أقسام : التصديق بالقلب ، والإقرار باللسان ، والعمل بالجوارح ، فقوله تعالى : {يَذْكُرُونَ الله} إشارة إلى عبودية اللسان ، وقوله : {قياما وَقُعُوداً وعلى جُنُوبِهِمْ} إشارة إلى عبودية الجوارح والأعضاء ، وقوله : {وَيَتَفَكَّرُونَ فِى خَلْقِ السموات والأرض} إشارة إلى عبودية القلب والفكر والروح ، والانسان ليس إلى هذا المجموع ، فإذا كان اللسان مستغرقا في الذكر ، والأركان في الشكر ، والجنان في الفكر ، كان هذا العبد مستغرقا بجميع أجزائه في العبودية ، فالآية الأولى دالة على كمال الربوبية ، وهذه الآية دالة على كمال العبودية ، فما أحسن هذا الترتيب في جذب الأرواح من الخلق إلى الحق ، وفي نقل الأسرار من جانب عالم الغرور إلى جناب الملك الغفور. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 9 صـ 110}\rفائدة\rقال القرطبى :\rقوله تعالى : { الذين يَذْكُرُونَ الله قِيَاماً وَقُعُوداً وعلى جُنُوبِهِمْ } ذكر تعالى ثلاث هيئات لا يخلوا ابن آدم منها في غالب أمره ، فكأنها تحصُر زَمانه.\rومن هذا المعنى قولُ عائشة رضي الله عنها : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يذكر الله على كل أحيانه.\rأخرجه مسلم.\rفدخل في ذلك كونه على الخلاء وغيرُ ذلك.\rوقد اختلف العلماء في هذا ؛ فأجاز ذلك عبد الله بن عمرو وابن سِيرين والنَّخعِيّ ، وكره ذلك ابن عباس وعطاء والشعبيّ.\rوالأوّل أصح لعموم الآية والحديث.\rقال النَّخعيّ : لا بأس بذكر الله في الخلاء فإنه يَصعد.\rالمعنى : تَصعد به الملائكة مكتوباً في صحفهم ؛ فحذف المضاف.\rدليله قوله تعالى : { مَّا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلاَّ لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ } [ ق : 18 ].","part":19,"page":78},{"id":7994,"text":"وقال : { وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ كِرَاماً كَاتِبِينَ } [ الإنفطار : 10-11 ] ولأن الله عز وجل أمر عباده بالذكر على كل حال ولم يستثن فقال : { اذكروا الله ذِكْراً كَثِيراً } [ الأحزاب : 41 ] وقال : { فاذكروني أَذْكُرْكُمْ } [ البقرة : 152 ] وقال : { إِنَّا لاَ نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلاً } [ الكهف : 30 ] فعمّ.\rفذاكر الله تعالى على كل حالاته مُثابٌ مَأجُور إن شاء الله تعالى.\rوذكر أبو نعيم قال : حدّثنا أبو بكر بن مالك حدّثنا عبد الله بن أحمد بن حنبل قال حدّثني أبي قال حدّثنا وكِيع قال حدّثنا سفيان عن عطاء بن أبي مَرْوان عن أبيه عن كَعب الأحبار قال : قال موسى عليه السلام : \"يا ربّ أقريبٌ أنت فأُناجِيك أم بعيد فأُنَادِيك قال : يا موسى أنا جليسُ مَن ذكرني قال : يا ربّ فإنا نكون من الحال على حال نُجِلّك ونُعظّمك أن نَذْكُرك قال : وما هي ؟ قال : الجنابة والغائط قال : يا موسى اذكرني على كل حال\".\rوكراهية من كَرِه ذلك إمّا لتنزيه ذِكر الله تعالى في المواضع المرغوب عن ذكره فيه ككراهية قراءة القرآن في الحمّام ، وإما إبقاء على الكِرام الكاتبين على أن يحلّهم موضع الأقذار والأنجاس لكتابة ما يلفِظ به ، والله أعلم. أ هـ {تفسير القرطبى حـ 4 صـ 310 ـ 311}","part":19,"page":79},{"id":7995,"text":"وقال الآلوسى : \r{ الذين يَذْكُرُونَ الله قياما وَقُعُوداً وعلى جُنُوبِهِمْ } في موضع جرّ على أنه نعت { لأولي } [ آل عمران : 190 ] ويجوز أن يكون في موضع رفع أو نصب على المدح ، وجعله مبتدأ والخبر محذوف تقديره يقولون : ربنا آمنا بعيد لما فيه من تفكيك النظم ، ويزيده بعداً ما أخرجه الأصبهاني في \"الترغيب\" عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : \" ينادي مناد يوم القيامة أين أولو الألباب ؟ قالوا : أي أولي الألباب تريد ؟ قال : { الذين يَذْكُرُونَ الله قياما وَقُعُوداً } الخ عقد لهم لواء فاتبع القوم لواءهم وقال لهم ادخلوها خالدين \" والظاهر أن المراد من الذكر الذكر باللسان لكن مع حضور القلب إذ لا تمدح بالذكر بدونه بل أجمعوا على أنه لا ثواب لذاكر غافل ، وإليه ذهب كثير ، وعدّ ابن جريج قراءة القرآن ذكراً فلا تكره للمضطجع القادر ، نعم نص بعض الشافعية على كراهتها له إذا غطى رأسه للنوم ، وقال بعض المحققين : المراد به ذكره تعالى مطلقاً سواء كان ذلك من حيث الذات أو من حيث الصفات والأفعال ، وسواء قارنه ذكر اللسان أو لا ، والمعنى عليه الذين لا يغفلون عنه تعالى في عامة أوقاتهم باطمئنان قلوبهم بذكره واستغراق سرائرهم في مراقبته ، وعليه فيحمل ما حكي عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما وعروة بن الزبير ، وجماعة رضي الله تعالى عنهم من أنهم خرجوا يوم العيد إلى المصلى فجعلوا يذكرون الله تعالى فقال بعضهم : أما قال الله تعالى : { يَذْكُرُونَ الله قياما وَقُعُوداً } فقاموا يذكرون الله تعالى على أقدامهم على أن مرادهم بذلك التبرك بنوع موافقة للآية في ضمن فرد من أفراد مدلولها وليس مرادهم به تفسيرها وتحقيق مصداقها على التعيين وإلا لاضطجعوا وذكروا أيضاً ليتم التفسير وتحقيق المصداق.","part":19,"page":80},{"id":7996,"text":"وأخرج ابن أبي حاتم والطبراني من طريق جويبر عن الضحاك عن ابن مسعود في الآية أنه قال : إنما هذا في الصلاة إذا لم تستطع قائماً فقاعداً وإن لم تستطع قاعداً فعلى جنب ، وكذلك أمر صلى الله عليه وسلم عمران بن حصين ، وكانت به بواسير كما أخرجه البخاري عنه وبهذا الخبر احتج الإمام الشافعي رضي الله تعالى عنه على أن المريض يصلي مضطجعاً على جنبه الأيمن مستقبلاً بمقادم بدنه ولا يجوز له أن يستلقي على ظهره على ما ذهب إليه الإمام أبو حنيفة رضي الله تعالى عنه ، وجعل الآية حجة على ذلك بناءاً على أنه لما حصر أمر الذاكر في الهيئات المذكورة دل على أن غيرها ليس من هيئته والصلاة مشتملة على الذكر فلا ينبغي أن تكون على غير هيئته محل تأمل ، وتخصيص ابن مسعود الذكر بالصلاة لا ينتهض حجة على أنه بعيد من سياق النظم الجليل وسباقه. أ هـ {روح المعانى حـ 4 صـ 157 ـ 158}\rفصل\rقال الفخر :\rللمفسرين في هذه الآية قولان :\rالأول : أن يكون المراد منه كون الإنسان دائم الذكر لربه ، فإن الأحوال ليست إلا هذه الثلاثة ، ثم لما وصفهم بكونهم ذاكرين فيها كان ذلك دليلا على كونهم مواظبين على الذكر غير فاترين عنه ألبتة.\rوالقول الثاني : أن المراد من الذكر الصلاة ، والمعنى أنهم يصلون في حال القيام ، فإن عجزوا ففي حال القعود ، فإن عجزوا ففي حال الاضطجاع ، والمعنى أنهم لا يتركون الصلاة في شيء من الأحوال ، والحمل على الأول أولى لأن الآيات الكثيرة ناطقة بفضيلة الذكر ، وقال عليه الصلاة والسلام : \" من أحب أن يرتع في رياض الجنة فليكثر ذكر الله \". أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 9 صـ 110 ـ 111}\rقال ابن عاشور :\rوقيل : أراد أحوال المصلّين : من قادر ، وعاجز ، وشديد العجز.\rوسياق الآية بعيد عن هذا المعنى. أ هـ {التحرير والتنوير حـ 3 صـ 308}","part":19,"page":81},{"id":7997,"text":"فصل\rقال القرطبى :\rوإذا كانت الآية في الصلاة ففقهها أن الإنسان يصلّي قائماً ، فإن لم يستطع فقاعداً ، فإن لم يستطع فعلى جَنبه ؛ كما ثبت \" عن عِمران بن حُصين قال : كان بي البَواسِير فسألت النبيّ صلى الله عليه وسلم عن الصلاة فقال : \"صلِّ قائماً ، فإن لم تستطع فقاعداً ، فإن لم تستطع فعلى جُنْب\" \" رواه الأئمة : وقد كان صلى الله عليه وسلم يصلِّي قاعداً قبل موته بعام في النافلة ؛ على ما في صحيح مسلم.\rوروى النَّسائيّ عن عائشة رضي الله عنها قالت : رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلِّي متربّعاً.\rقال أبو عبد الرحمن : لا أعلم أحداً روى هذا الحديث غير أبي داود الحَفَرِيّ وهو ثقة ، ولا أحسَب هذا الحديث إلا خطأ ، والله أعلم.\rواختلف العلماء في كيفية صلاة المريض والقاعد وهيئتها ؛ فذكر ابن عبد الحكم عن مالك أنه يتربّع في قيامه ، وقاله البُوَيْطِيّ عن الشافعيّ.\rفإذا أراد السجود تهيّأ للسجود على قدر ما يطيق ، قال : وكذلك المتنفل.\rونحوه قول الثوري ، وكذلك قال الليث وأحمد وإسحاق وأبو يوسف ومحمد.\rوقال الشافعيّ في رواية المُزَنيّ : يجلس في صلاته كلها كجلوس التشهد.\rوُروي هذا عن مالك وأصحابِه ؛ والأوّل المشهور وهو ظاهر المدوّنة.\rوقال أبو حنيفة وزفر : يجلس كجلوس التشهد ، وكذلك يركع ويسجد.\rقال : فإن لم يستطع القعود صلَّى على جنبه أو ظهره على التخيير ؛ هذا مذهب المدوّنة وحكى ابن حبيب عن ابن القاسم يصلِّي على ظهره ، فإن لم يستطع فعلى جنبه الأيمن ثم على جنبه الأيسر.\rوفي كتاب ابن الموّاز عكسه ، يصلِّي على جنبه الأيمن ، وإلا فعلى الأيسر ، وإلا فعلى الظهر.\rوقال سحنون : يصلِّي على الأيمن كما يجعل في لحده ، وإلا فعلى ظهره وإلا فعلى الأيسر.\rوقال مالك وأبو حنيفة : إذا صلَّى مضطجعاً تكون رجلاه مما يلي القِبلة.","part":19,"page":82},{"id":7998,"text":"والشافعيّ والثوريّ : يصلي على جنبه ووجهه إلى القِبلة.\rفإن قوِي لخفة المرض وهو في الصلاة ؛ قال ابن القاسم : إنه يقوم فيما بقي من صلاته ويبنِي على ما مضى ؛ وهو قول الشافعيّ وزفر والطبريّ.\rوقال أبو حنيفة وصاحباه يعقوب ومحمد فيمن صلَّى مضطجعاً ركعة ثم صحّ : إنه يستقبل الصلاة من أوّلها ، ولو كان قاعداً يركع ويسجد ثم صحّ بنى في قول أبي حنيفة ولم يَبْنِ في قول محمد.\rوقال أبو حنيفة وأصحابه : إذا افتتح الصلاة قائماً ثم صار إلى حدّ الإيماء فليَبْن ؛ وروى عن أبي يوسف.\rوقال مالك في المريض الذي لا يستطيع الركوع ولا السجود وهو يستطيع القيام والجلوس : إنه يصلِّي قائماً ويومىء إلى الركوع ، فإذا أراد السجود جلس وأومأ إلى السجود ؛ وهو قول أبي يوسف وقياس قول الشافعيّ.\rوقال أبو حنيفة وأصحابه : يصلِّي قاعداً.\rوأما صلاة الراقد الصحيح فروي من حديث عِمران بن حصين زيادة ليست موجودة في غيره ، وهي : \"صلاة الراقد مثل نصف صلاة القاعد\".\rقال أبو عمر : وجمهور أهل العلم لا يُجيزُون النافلَة مضطجعاً ؛ وهو حديث لم يروه إلا حسين المعلِّم وهو حسين ابن ذَكْوان عن عبد الله بن برَيْدة عن عِمران بن حصين ، وقد اختلف على حسين في إسناده ومتنه اختلافا يوجب التوقف عنه ، وإن صحّ فلا أدري ما وجهه ؛ فإن كان أحد من أهل العلم قد أجاز النافلة مضطجعاً لمن قدر على القعود أو على القيام فوجهه هذه الزيادة في هذا الخبر ، وهي حجة لمن ذهب إلى ذلك.\rوإن أجمعوا على كراهة النافلة راقداً لمن قدر على القعود أو القيام ، فحديث حسين هذا إمّا غلط وإما منسوخ.\r","part":19,"page":83},{"id":7999,"text":"وقيل : المراد بالآية الذين يستدلون بخلق السموات والأرض على أن المتغيِّر لا بدّ له من مُغيِّر ، وذلك المغير يجب أن يكون قادراً على الكمال ، وله أن يبعث الرسل ، فإن بعث رسولاً ودل على صدقه بمعجزة واحدة لم يبق لأحد عذر ؛ فهؤلاء هم الذين يذكرون الله على كل حال ، والله أعلم. أ هـ {تفسير القرطبى حـ 4 صـ 311 ـ 311}. بتصرف يسير.\rفائدة\rقال الفخر :\rيحتمل أن يكون المراد بهذا الذكر هو الذكر باللسان ، وأن يكون المراد منه الذكر بالقلب ، والأكمل أن يكون المراد الجمع بين الأمرين. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 9 صـ 111}\rلطيفة\rقال أبو حيان :\rوعلى الظاهر من تفسير الذكر فتقديم القيام ، لأن الذكر فيه أخف على الإنسان ، ثم انتقل إلى حالة القعود والذكر فيه أشق منه في حالة القيام ، لأن الإنسان لا يقعد غالباً إلا لشغل يشتغل به من صناعة أو غيرها.\rثم انتقل إلى هيئة الاضطجاع والذكر فيها أشق منه في هيئة القعود ، لأن الاضطجاع هو هيئة استراحة وفراغ عن الشواغل.\rويمكن في هذه الهيئات أن يكون التقديم لما هو أقصر زماناً ، فبدىء بالقيام لأنها هيئة زمانها في الغالب أقصر من زمان القعود ، ثم بالقعود إذ زمانه أطول ، وبالاضطجاع إذ زمانه أطول من زمان القعود.\rألا ترى أنَّ الليل جميعه هو زمان الاضطجاع ، وهو مقابل لزمان القعود والقيام ، وهو النهار ؟ وأما إذا كان الذكر يراد به الصلاة المفروضة ، فالهيئات جاءت على سبيل الندرة.\rفمن قدر على القيام لا يصلي قاعداً ، ومن قدر على القعود لا يصلي مضطجعاً ، وأما إذا كان يراد به صلاة النفل فالهيئات على سبيل الأفضلية ، إذ الأفضل التنفل قائماً ثم قاعداً ثم مضطجعاً.\rوأبعد في التفسير من ذهب إلى أن المعنى : يذكرون الله قياماً بأوامره ، وقعوداً عن زواجره ، وعلى جنوبهم أي تجانبهم مخالفة أمره ونهيه.","part":19,"page":84},{"id":8000,"text":"وهذا شبيه بكلام أرباب القلوب ، وقريب من الباطنية. أ هـ {البحر المحيط حـ 3 صـ 145 ـ 146}\rفصل\rقال الفخر :\rقال الشافعي رضي الله عنه : إذا صلى المريض مضطجعاً وجب أن يصلي على جنبه ، وقال أبو حنيفة رضي الله عنه : بل يصلى مستلقياً حتى إذا وجد خفة قعد ، وحجة الشافعي رضي الله عنه ظاهر هذه الآية ، وهو أنه تعالى مدح من ذكره على حال الاضطجاع على الجنب ، فكان هذا الوضع أولى.\rواعلم أن فيه دقيقة طبية وهو أنه ثبت في المباحث الطبية أن كون الإنسان مستلقياً على قفاه يمنع من استكمال الفكر والتدبر ، وأما كونه مضطجعاً على الجنب فإنه غير مانع منه ، وهذا المقام يراد فيه التدبر والتفكر ، ولأن الاضطجاع على الجنب يمنع من النوم المغرق ، فكان هذا الوضع أولى ، لكونه أقرب إلى اليقظة ، وإلى الاشتغال بالذكر. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 9 صـ 111}\rقوله تعالى {وَيَتَفَكَّرُونَ فِى خَلْقِ السموات والأرض}\rفصل\rقال الفخر :","part":19,"page":85},{"id":8001,"text":"اعلم أنه تعالى رغب في ذكر الله ، ولما آل الأمر إلى الفكر لم يرغب في الفكر في الله ، بل رغب في الفكر في أحوال السموات والأرض ، وعلى وفق هذه الآية قال عليه الصلاة والسلام : \" تفكروا في الخلق ولا تتفكروا في الخالق \" والسبب في ذلك أن الاستدلال بالخلق على الخالق لا يمكن وقوعه على نعت المماثلة ، إنما يمكن وقوعه على نعت المخالفة ، فإذن نستدل بحدوث هذه المحسوسات على قدم خالقها ، وبكميتها وكيفيتها وشكلها على براءة خالقها عن الكمية والكيفية والشكل ، وقوله عليه الصلاة والسلام : \" من عرف نفسه عرف ربه \" معناه من عرف نفسه بالحدوث عرف ربه بالقدم ، ومن عرف نفسه بالامكان عرف ربه بالوجوب ، ومن عرف نفسه بالحاجة عرف ربه بالاستغناء ، فكان التفكر في الخلق ممكنا من هذا الوجه ، أما التفكر في الخالق فهو غير ممكن ألبتة ، فإذن لا يتصور حقيقته إلا بالسلوب فنقول : إنه ليس بجوهر ولا عرض ، ولا مركب ولا مؤلف ، ولا في الجهة ، ولا شك أن حقيقته المخصوصة مغايرة لهذه السلوب ، وتلك الحقيقة المخصوصة لا سبيل للعقل إلى معرفتها فيصير العقل كالواله المدهوش المتحير في هذا الموقف فلهذا السبب نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن التفكر في الله ، وأمر بالتفكر في المخلوقات ، فلهذه الدقيقة أمر الله في هذه الآيات بذكره ، ولما ذكر الفكر لم يأمر بالتفكر فيه ، بل أمر بالفكر في مخلوقاته. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 9 صـ 111}","part":19,"page":86},{"id":8002,"text":"قال الآلوسى : \r{ وَيَتَفَكَّرُونَ فِى خَلْقِ السموات والأرض } عطف على { يَذَّكَّرُونَ } وعطفه على الأحوال السابقة غير ظاهر وتقديم الذكر في تلك الحالات على التفكر لما أن فيهما الاعتراف بالعبودية ، والعبد مركب من النفس الباطنة والبدن الظاهر ، وفي الأول : إشارة إلى عبودية الثاني ، وفي الثاني : إشارة إلى عبودية الأول لأن التفكر إنما يكون بالقلب والروح ، وفي بيان العبودية بعد الفراغ من آيات الربوبية ما لا يخفى من اللطف ، وقيل : قدم الأول لأنه إشارة إلى النظر في الأنفس وأخر الثاني لأنه إشارة إلى النظر في الآفاق ولا شبهة في تقدم الأول على الثاني ، وصرح مولانا شيخ الإسلام بأن هذا بيان للتفكر في أفعاله تعالى ، وما تقدم بيان للتفكر في ذاته تعالى على الإطلاق ، والذي عليه أئمة التفسير أنه سبحانه إنما خصص التفكر بالخلق للنهي عن التفكر في الخالق لعدم الوصول إلى كنه ذاته وصفاته جل شأنه وعز سلطانه ، وقد ورد هذا النهي في غير ما حديث ، فقد أخرج أبو الشيخ والأصبهاني عن عبد الله بن سلام قال : خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم على أصحابه وهم يتفكرون فقال : \" لا تفكروا في الله تعالى ولكن تفكروا فيما خلق \" وعن عمرو بن مرة قال : مر رسول الله صلى الله عليه وسلم على قوم يتفكرون فقال : \" تفكروا في الخلق ولا تفكروا في الخالق \" وعن ابن عمر قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : \" تفكروا في آلاء الله تعالى ولا تفكروا في الله تعالى \" ، وعن ابن عباس تفكروا في كل شيء ولا تفكروا في ذات الله تعالى إلى غير ذلك ففي كون الأول بياناً للتفكر في ذاته سبحانه على الإطلاق نظر على أن بعض الفضلاء ذكر في تفسيره أن التفكر في الله سبحانه محال لما أنه يستدعي الإحاطة بمن هو بكل شيء محيط فتدبر ، وقيل : قدم الذكر على الدوام على التفكر للتنبيه على","part":19,"page":87},{"id":8003,"text":"أن العقل لا يفي بالهداية ما لم يتنور بنور ذكر الله تعالى وهدايته فلا بد للمتفكر من الرجوع إلى الله تعالى ورعاية ما شرع له ، وأن العقل المخالف للشرع لبس الضلال ولا نتيجة لفكره إلا الضلال ، والخلق إما بمعنى المخلوق على أن الإضافة بمعنى في أي يتفكرون فيما خلق في السموات والأرض أعم من أن يكون بطريق الجزئية منهما أو بطريق الحلول فيهما ، أو على أنها بيانية أي في المخلوق الذي هو السموات والأرض ، وإما باق على مصدريته أي يتفكرون في إنشائهما وإبداعهما بما فيهما من عجائب المصنوعات ودقائق الأسرار ولطائف الحكم ويستدلون بذلك على الصانع ووحدته الذاتية وأنه الملك القاهر والعالم القادر والحكيم المتقن إلى غير ذلك من صفات الكمال ، ويجرّهم ذلك إلى معرفة صدق الرسل وحقية الكتب الناطقة بتفاصيل الأحكام الشرعية وتحقيق المعاد وثبوت الجزاء ، ولشرافة هذه الثمرة الحاصلة من التفكر مع كونه من الأعمال المخصوصة بالقلب البعيدة عن مظان الرياء كان من أفضل العبادات ، وقد أخرج أبو الشيخ في \"العظمة\" عن ابن عباس قال : تفكر ساعة خير من قيام ليلة ، وأخرج ابن سعد عن أبي الدرداء مثله ، وأخرج الديلمي عن أنس مرفوعاً مثله ، وعن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : \" فكرة ساعة خير من عبادة ستين سنة \" ، وعنه أيضاً مرفوعاً بينما رجل مستلق ينظر إلى النجوم وإلى السماء فقال والله إني لأعلم أن لك رباً وخالقاً اللهم اغفر لي فنظر الله تعالى له فغفر له ، وأخرج ابن المنذر عن عون قال : سألت أم الدرداء ما كان أفضل عبادة أبي الدرداء ؟ قالت : التفكر والاعتبار.","part":19,"page":88},{"id":8004,"text":"وأخرج ابن أبي الدنيا عن عامر بن قيس قال : سمعت غير واحد لا اثنين ولا ثلاثة من أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم يقولون : إن ضياء الإيمان أو نور الإيمان التفكر ، واقتصر سبحانه على ذكر التفكر في خلق السموات والأرض ولم يتعرض جل شأنه لإدراج اختلاف الليل والنهار في ذلك السلك مع ذكره فيما سلف وشرف التفكر فيه أيضاً كما يقتضيه التعليل ، وظاهر ما أخرجه الديلمي عن أنس مرفوعاً \" تفكر ساعة في اختلاف الليل والنهار خير من عبادة ثمانين سنة \" إما للإيذان بظهور اندراج ذلك فيما ذكر لما أن الاختلاف من الأحوال التابعة لأحوال السموات والأرض على ما أشير إليه ، وإما للإشعار بمسارعة المذكورين إلى الحكم بالنتيجة لمجرد تفكرهم في بعض الآيات من غير حاجة إلى بعض آخر منها في إثبات المطلوب. أ هـ {روح المعانى حـ 4 صـ 158 ـ 159}\rوقال أبو السعود : \r{ وَيَتَفَكَّرُونَ فِى خَلْقِ السموات والأرض } عطفٌ على { يَذَّكَّرُونَ } منتظمٌ معه في حيِّز الصلةِ","part":19,"page":89},{"id":8005,"text":"فلا محلَّ له من الإعراب ، وقيل : محلُّه النصبُ على أنه معطوفٌ على الأحوال السابقةِ وليس بظاهر ، وهو بيانٌ لتفكرهم في أفعاله سبحانه إثرَ بيانِ تفكرِهم في ذاته تعالى على الإطلاق وأشار إلى نتيجته التي يؤدّي إليها من معرفة أحوالِ المعادِ حسبما نطقت به ألسنةُ الرسلِ وآياتُ الكتبِ ، فكما أنها آياتٌ تشريعيةٌ هاديةٌ للخلق إلى معرفته تعالى ووجوبِ طاعتِه كذلك المخلوقاتُ آياتٌ تكوينيةٌ مرشدةٌ لهم إلى ذلك ، فالأُولى منبِّهاتٌ لهم على الثانية ودواعٍ إلى الاستشهاد بها كهذه الآيةِ الكريمةِ ونحوِها مما ورد في مواضعَ غيرِ محصورةٍ من التنزيل ، والثانيةُ مؤيِّداتٌ للأولى وشواهدُ دالةٌ على صحة مضمونِها وحقّيةِ مكنونِها ، فإن من تأمل في تضاعيف خلقِ العالَمِ على هذا النمطِ البديعِ قضى باتصاف خالقِه تعالى بجميع من نطقت به الرسلُ والكتبُ من الوجوب الذاتيِّ والوَحدةِ الذاتيةِ والمُلك القاهِرِ والقُدرةِ التامةِ والعلمِ الشاملِ والحِكمةِ البالغةِ وغيرِ ذلك من صفات الكمالِ ، وحكمَ بأن مَن قدَر على إنشائه بلا مثال يِحتذيه أو قانونٍ ينتحيه فهو على إعادته بالبعث أقدرُ ، وحكمَ بأن ذلك ليس إلا لحكمة باهرةٍ هي جزاءُ المكلَّفين بحسب استحقاقِهم المنوطِ بأعمالهم أي علومِهم واعتقاداتِهم التابعةِ لأنظارهم فيما نُصب لهم من الحُجج والدلائلِ والأَماراتِ والمَخايلِ وسائرِ أعمالِهم المتفرّعةِ على ذلك ، فإن العملَ غيرُ مختصَ بعمل الجوارحِ بل متناولٌ للعمل القلبيِّ ، وهو أشرفُ أفراده لما أن لكلٍ من القلب والقالَب عملاً خاصاً.","part":19,"page":90},{"id":8006,"text":"ومن قضية كونِ الأولِ أشرفَ من الثاني كونُ عملِه أيضاً أشرفَ من عملِه ، كيف لا ، ولا عملَ بدون معرفتِه تعالى التي هي أولُ الواجباتِ على العباد ، والغايةُ القُصوى من الخلق على ما نطَق به عز وجل : { وَمَا خَلَقْتُ الجن والإنس إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ } أي ليعرفونِ كما أَعرَب عنه قولُه عليه الصلاة والسلام : \" يقول الله تعالى : \"كُنتُ كنزاً مخفياً فأحببتُ أن أُعْرَفَ فخلقتُ الخلقَ لأُعرف \" وإنما طريقُها النظرُ والتفكرُ فيما ذُكر من شؤونه تعالى. وقد روي عنه عليه السلام أنه قال : \" لا تُفضِّلوني على يونسَ بنِ متى فإنه كان يُرفع له كلَّ يومٍ مثلُ عملِ أهلِ الأرض \"\rقالوا : وإنما كان ذلك التفكّرَ في أمر الله تعالى ولذلك قال عليه السلام : \" لا عبادةَ مثلُ التفكر \" وقد عرفت أنه مستتبِعٌ لتحقيق ما جاءت به الشريعةُ الحقةُ ، وإلا لما فسَّر النبي صلى الله عليه وسلم قوله تعالى : { وَهُوَ الذى خَلَقَ السموات والأرض فِى سِتَّةِ أَيَّامٍ وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الماء لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً } بقوله عليه الصلاة والسلام : \" أيُكم أحسنُ عقلاً وأورَعُ عن محارم الله تعالى \" فإن التورعَ عن محارمه سبحانه موقوفٌ على معرفة الحلالِ والحرامِ المنوطةِ بالكتاب والسنة ، فحينئذ تتصادقُ الآياتُ التكوينيةُ وتتوافق الأدلةُ السمعيةُ والعقليةُ وهو السرُّ في نظم ما حُكي عن المتفكرين من الأمور المستدعِيةِ للإيمان بالشريعة في سلك نتيجةِ تفكُّرِهم كما ستقف عليه.","part":19,"page":91},{"id":8007,"text":"وإظهارُ خلقِ السمواتِ والأرضِ مع كفاية الإضمارِ لإبراز كمالِ العنايةِ ببيان حالِهم ، والإيذانِ بكون تفكرِهم على وجه التحقيقِ والتفصيلِ وعدمِ التعرضِ لإدراج اختلافِ المَلَوْينِ في سلك التفكر مع ذكره فيما سلف إما للإيذان بظهور اندراجِه فيه لما أن ذلك من الأحوال التابعةِ لأحوال السمواتِ والأرضِ كما أشير إليه ، وإما للإشعار بمسارعتهم إلى الحُكم بالنتيجة بمجرد تفكرِهم في بعض الآياتِ من غير حاجةٍ إلى بعض آخَرَ منها في إثبات المطلوب. أ هـ {تفسير أبى السعود حـ 2 صـ 129 ـ 130}\rفصل\rقال الثعالبى :\rوَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السموات والأرض } ، قال ابنُ رُشْدٍ : والتفكُّر مِنَ الأعمال ؛ كما قاله مالك ( رحمه اللَّه ) ، وهو مِنْ أشرف الأعمال ؛ لأنه مِنْ أعمال القُلُوب التي هي أشْرَفُ الجوارحِ ؛ أَلاَ ترى أنه لا يُثَابُ أحدٌ على عملٍ مِنْ أعمال الجَوَارح مِنْ سائر الطَّاعات ، إلاَّ مع مشارَكَةِ القُلُوبِ لها بإخلاص النِّيَّة للَّه ( عَزَّ وجَلَّ ) في فعلها. انتهى من \"الَبَيانِ والتحصيل\".\rقال ابنُ بَطَّال : إن الإنسان إذا كَمُل إيمانه ، وكَثُر تفكُّره ، كان الغالِبُ علَيْه الإشفاقَ والخَوْف. انتهى.\rقال ابنُ عطاءِ اللَّهِ : الفِكْرَةُ سَيْر القَلْب في ميادين الاعتبار ، والفَكْرَةِ سِرَاجُ القَلْب ، فإذا ذَهَبَتْ ، فلا إضاءة له.\rقُلْتُ : قال بعض المحقِّقين : وذلك أن الإنسان إذا تفكَّر ، عَلِم ، وإذا عَلِمَ ، عَمِلَ.","part":19,"page":92},{"id":8008,"text":"قال ابنُ عَبَّاد : قال الإمام أبو القاسم القُشَيْريُّ ( رحمه اللَّه ) : التفكُّر نعتُ كلِّ طالب ، وثمرتُهُ الوصولُ بشرط العِلْمِ ، ثم فِكْرُ الزاهدين : في فناءِ الدنيا ، وقلَّةِ وفائها لطلاَّبها ؛ فيزدادُونَ بالفِكْرِ زهْداً ، وفِكْرُ العابدين : في جَميلِ الثوابِ ، فيزدادُونَ نَشَاطاً ورغبةً فيه ، وفِكْرُ العارفين : في الآلاء والنعماء ؛ فيزدادُونَ محبَّةً للحَقِّ سبحانه. انتهى. أ هـ {الجواهر الحسان حـ 1 صـ 341 ـ 342}\rفائدة\rقال القرطبى :\rوحكي أن سفيان الثوريّ رضي الله عنه صلَّى خلف المقام ركعتين ، ثم رفع رأسه إلى السماء ، فلما رأى الكواكب غشي عليه ، وكان يبول الدّم من طول حزنه وفكرته.\rوروي عن أبي هريرة رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : \" بينما رجل مستلقٍ على فراشه إذ رفع رأسه فنظر إلى النجوم وإلى السماء فقال أشهد أن لكِ رباً وخالقاً اللهم اغفر لي فنظر الله إليه فغفر له \" وقال صلى الله عليه وسلم : \" لا عبادة كتفكر \" ورُوي عنه عليه السلام قال : \" تفكر ساعةٍ خير من عبادة سنة \" وروى ابن القاسم عن مالك قال : قيل لأم الدرداء : ما كان أكثر شأن أبي الدرداء ؟ قالت : كان أكثر شأنه التفكر.\rقيل له : أفترى التفكر عمل من الأعمال ؟ قال : نعم ، هو اليقين.\rوقيل لابن المسيّب في الصلاة بين الظهر والعصر ، قال : ليست هذه عبادة ، إنما العبادة الورع عما حرم الله والتفكر في أمر الله.\rوقال الحسن : تفكر ساعة خير من قيام ليلة ؛ وقاله ابن عباس وأبو الدرداء.\rوقال الحسن : الفكرة مرآة المؤمن ينظر فيها إلى حسناته وسيئاته.\rومما يتفكر فيه مخاوف الآخرة من الحشر والنشر والجنة ونعيمها والنار وعذابها.","part":19,"page":93},{"id":8009,"text":"ويروى أن أبا سليمان الدارانيّ رضي الله عنه أخذ قدح الماء ليتوضأ لصلاة الليل وعنده ضيف ، فرآه لما أدخل أصبعه في أذن القدح أقام لذلك متفكراً حتى طلع الفجر ؛ فقال له : ما هذا يا أبا سليمان ؟ قال : إني لما طرحت أصبعي في أذن القدح تفكرت في قول الله تعالى { إِذِ الأَغْلاَلُ فِي أَعْنَاقِهِمْ والسَّلاَسِلُ يُسْحَبُونَ } تفكرت في حالي وكيف أتلقى الغل إن طرح في عنقي يوم القيامة ، فما زلت في ذلك حتى أصبحت.\rقال ابن عطية : \"وهذا نهاية الخوف ، وخير الأُمور أوساطها ، وليس علماء الأمة الذين هم الحجة على هذا المنهاج ، وقراءة علم كتاب الله تعالى ومعاني سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم لمن يفهَم ويُرجى نفعه أفضل من هذا\". أ هـ {تفسير القرطبى حـ 4 صـ 114 ـ 115}\rوقال ابن كثير : \rوقال الشيخ أبو سليمان الداراني : إني لأخرجُ من منزلي ، فما يقع بصري على شيء إلا رأيت لله عَلَي فيه نِعْمَة ، أوْ لِي فيه عِبْرَة. رواه ابن أبي الدنيا في كتاب \"التفكر والاعتبار\".\rوعن الحسن البصري أنه قال : تَفَكُّر سَاعَة خير من قيام ليلة. وقال الفُضَيل : قال الحسن : الفكرة مِرْآة تريك حَسنَاتك وسيئاتك. وقال سفيان بن عيينة : الفكرة نور يدخل قلبك. وربما تمثل بهذا البيت : \rإذا المرء كانت له فكْرَةٌ... ففي كل شيء له عبرَة...\rوعن عيسى ، عليه السلام ، أنه قال : طُوبَى لمن كان قِيلُه تذكّرًا ، وصَمْته تَفكُّرًا ، ونَظَره عبرًا.\rوقال لقمان الحكيم : إن طول الوحدة ألْهَمُ للفكرة ، وطولَ الفكْرة دليل على طَرْق باب الجنة.\rوقال وهب بن مُنَبِّه : ما طالت فكرة امرِئ قط إلا فهم ، وما فهم امرؤ قط إلا علم ، وما علم امرؤ قط إلا عمل.\rوقال عمر بن عبد العزيز : الكلام بذكر الله ، عز وجل ، حَسَن ، والفكرة في نعم الله أفضل العبادة.\r","part":19,"page":94},{"id":8010,"text":"وقال مغيث الأسود : زوروا القبور كل يوم تفكركم ، وشاهدوا الموقف بقلوبكم ، وانظروا إلى المنصرف بالفريقين إلى الجنة أو النار ، وأشعروا قلوبكم وأبدانكم ذكر النار ومقامعها وأطباقها ، وكان يبكي عند ذلك حتى يُرْفع صَريعا من بين أصحابه ، قد ذهب عقله.\rوقال عبد الله بن المبارك : مَرَّ رجل برَاهبٍ عند مَقْبَرة ومَزْبَلَة ، فناداه فقال : يا راهب ، إن عندك كَنزين من كنوز الدنيا لك فيهما مُعْتَبَر ، كنز الرجال وكنز الأموال.\rوعن ابن عمر : أنه كان إذا أراد أن يتعاهد قلبه ، يأتي الخَرِبة فيقف على بابها ، فينادي بصوت حزين فيقول : أين أهْلُك ؟ ثم يرجع إلى نفسه فيقول : { كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلا وَجْهَهُ } [القصص : 88].\rوعن ابن عباس أنه قال : ركعتان مقتصدتان في تَفكُّر ، خير من قيام ليلة والقلب ساه.\rوقال الحسن : يا ابن آدم ، كُلْ في ثلث بطنك ، واشرب في ثلثه ، ودع ثلثه الآخر تتنفَّس للفكرة.\rوقال بعض الحكماء : من نظر إلى الدنيا بغير العبرة انطَمَسَ مِنْ بَصَرِ قلبه بقدر تلك الغَفْلَة.\rوقال بِشْر بن الحارث الحافي : لو تفكر الناس في عظمة الله تعالى لما عصوه.\rوقال الحسن ، عن عامر بن عبد قيس قال : سمعت غير واحد ولا اثنين ولا ثلاثة من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم يقولون : إن ضياء الإيمان ، أو نور الإيمان ، التفكر.\rوعن عيسى ، عليه السلام ، أنه قال : يا ابن آدم الضعيف ، اتق الله حيثما كنت ، وكُنْ في الدنيا ضَيْفًا ، واتَّخِذِ المساجدَ بيتا ، وعَلِّم عينيك البكاء ، وجَسَدك الصَّبْر ، وقلبك الفِكْر ، ولا تهتم برزق غد.\r","part":19,"page":95},{"id":8011,"text":"وعن أمير المؤمنين عُمَرَ بن عبد العزيز ، رضي الله عنه ، أنه بكى يوما بين أصحابه ، فسُئل عن ذلك ، فقال : فَكَّرت في الدنيا ولذاتها وشهواتها ، فاعتبرت منها بها ، ما تكاد شهواتها تَنْقَضي حتى تكدرها مرارتُها ، ولئن لم يكن فيها عبرة لمن اعتبر إن فيها مواعظ لمن ادّكر.\rوقال ابن أبي الدنيا : أنشدني الحُسَين بن عبد الرحمن : نزهَة المؤمن الفكَرْ... لذّة المؤمن العِبرْ...\rنحمدُ اللهَ وَحْدَه... نحْنُ كل عَلَى خَطَرْ...\rرُبّ لاهٍ وعُمْرُه... قد تَقَضّى وما شَعَرْ...\rرُبّ عيش قَدْ كَانَ فو... ق المُنَى مُونقَ الزَهَرْ...\rفي خَرير من العيُو... ن وَظل من الشَّجَرْ...\rوسُرُور من النَّبا... ت وَطيب منَ الثَمَرْ...\rغَيَّرَتْه وَأهْلَهُ سرعةُ الدّهْر بالغَيرْ ...\rنَحْمَد الله وحده... إنّ في ذا لمعتبر...\rإن في ذَا لَعبرةً... للبيب إن اعْتَبَرْ...\r","part":19,"page":96},{"id":8012,"text":"وقد ذمّ الله تعالى مَنْ لا يعتبر بمخلوقاته الدالة على ذاته وصفاته وشرعه وقدره وآياته ، فقال : { وَكَأَيِّنْ مِنْ آيَةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ يَمُرُّونَ عَلَيْهَا وَهُمْ عَنْهَا مُعْرِضُونَ. وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلا وَهُمْ مُشْرِكُونَ } [يوسف : 105 ، 106] ومدح عباده المؤمنين : { الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ } قائلين { رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلا } أي : ما خلقت هذا الخلق عَبَثًا ، بل بالحق لتجزي الذين أساؤوا بما عملوا ، وتجزي الذين أحسنوا بالحسنى. ثم نزهوه عن العبث وخلق الباطل فقالوا : { سُبْحَانَكَ } أي : عَنْ أن تخلق شيئا باطلا { فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ } أي : يا من خَلَق الخلق بالحق والعدل يا من هو مُنزه عن النقائص والعيب والعبث ، قنا من عذاب النار بحولك وقوتك وَقيضْنَا لأعمال ترضى بها عنا ، ووفقنا لعمل صالح تهدينا به إلى جنات النعيم ، وتجيرنا به من عذابك الأليم. أ هـ {تفسير ابن كثير حـ 2 صـ 184 ـ 186}\rفصل\rقال الفخر :\rاعلم أن الشيء الذي لا يمكن معرفته بحقيقته المخصوصة إنما يمكن معرفته بآثاره وأفعاله ، فكلما كانت أفعاله أشرف وأعلى كان وقوف العقل على كمال ذلك الفاعل أكمل ، ولذلك إن العامي يعظم اعتقاده في القرآن ولكنه يكون اعتقادا تقليديا إجمالياً ، أما المفسر المحقق الذي لا يزال يطلع في كل آية على أسرار عجيبة ، ودقائق لطيفة ، فإنه يكون اعتقاده في عظمة القرآن أكمل.","part":19,"page":97},{"id":8013,"text":"إذا عرفت هذا فنقول : دلائل التوحيد محصورة في قسمين : دلائل الآفاق ، ودلائل الأنفس ولا شك أن دلائل الآفاق أجل وأعظم كما قال تعالى : {لَخَلْقُ السموات والأرض أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ الناس} [ غافر : 57 ] ولما كان الأمر كذلك لا جرم أمر في هذه الآية بالفكر في خلق السموات والأرض لأن دلالتها أعجب وشواهدها أعظم ، وكيف لا نقول ذلك ولو أن الإنسان نظر إلى ورقة صغيرة من أوراق شجرة ، رأى في تلك الورقة عرقا واحداً ممتدا في وسطها ، ثم يتشعب من ذلك العرق عروق كثيرة إلى الجانبين ، ثم يتشعب منها عروق دقيقة.\r","part":19,"page":98},{"id":8014,"text":"ولا يزال يتشعب من كل عرق عروق أخر حتى تصير في الدقة بحيث لا يراها البصر ، وعند هذا يعلم أن للخالق في تدبير تلك الورقة على هذه الخلقة حكما بالغة وأسراراً عجيبة ، وأن الله تعالى أودع فيها قوى جاذبة لغذائها من قعر الأرض ثم إن ذلك الغذاء يجري في تلك العروق حتى يتوزع على كل جزء من أجزاء تلك الورقة جزء من أجزاء ذلك الغذاء بتقدير العزيز العليم ، ولو أراد الإنسان أن يعرف كيفية خلقة تلك الورقة وكيفية التدبير في إيجادها وإيداع القوى الغاذية والنامية فيها لعجز عنه ، فإذا عرف أن عقله قاصر عن الوقوف على كيفية خلقة تلك الورقة الصغيرة ، فحينئذ يقيس تلك الورقة إلى السموات مع ما فيها من الشمس والقمر والنجوم ، وإلى الأرض مع ما فيها من البحار والجبال والمعادن والنبات والحيوان ، عرف أن تلك الورقة بالنسبة إلى هذه الأشياء كالعدم ، فإذا عرف قصور عقله عن معرفة ذلك الشيء الحقير عرف أنه لا سبيل له ألبتة إلى الاطلاع على عجائب حكمة الله في خلق السموات والأرض ، وإذا عرف بهذا البرهان النير قصور عقله وفهمه عن الإحاطة بهذا المقام لم يبق معه إلا الاعتراف بأن الخالق أجل وأعظم من أن يحيط به وصف الواصفين ومعارف العارفين ، بل يسلم أن كل ما خلقه ففيه حكم بالغة وأسرار عظيمة وإن كان لا سبيل له إلى معرفتها ، فعند هذا يقول : سبحانك! والمراد منه اشتغاله بالتسبيح والتهليل والتحميد والتعظيم ، ثم عند ذلك يشتغل بالدعاء فيقول : فقنا عذاب النار.\r","part":19,"page":99},{"id":8015,"text":"وعن النبي صلى الله عليه وسلم : \" بينما رجل مستلق على فراشه إذ رفع رأسه فنظر إلى النجوم وإلى السماء وقال : أشهد أن لك ربا وخالقا ، اللهم اغفر لي فنظر الله إليه فغفر له \" وقال النبي صلى الله عليه وسلم : \" لا عبادة كالتفكر \" وقيل : الفكرة تذهب الغفلة وتجذب للقلب الخشية كما ينبت الماء الزرع.\rوعن النبي صلى الله عليه وسلم : \" لا تفضلوني على يونس بن متى فإنه كان يرفع له كل يوم مثل عمل أهل الأرض \" قالوا : وكان ذلك العمل هو التفكر في معرفة الله ، لأن أحدا لا يقدر أن يعمل بجوارحه مثل عمل أهل الأرض. (1) أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 9 صـ 112}\rفائدة\rقال الفخر :\rدلت الآية على أن أعلى مراتب الصديقين التفكر في دلائل الذات والصفات وأن التقليد أمر باطل لا عبرة به ولا التفات إليه. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 9 صـ 112}\rفصل\rقال القرطبى :\rقال ابن العربيّ : اختلف الناس أي العملين أفضل : التفكر أم الصلاة ؛ فذهب الصوفية إلى أن التفكر أفضل ؛ فإنه يثمر المعرفة وهو أفضل المقامات الشرعية.\rوذهب الفقهاء إلى أن الصلاة أفضل ؛ لما ورد في الحديث من الحث عليها والدعاء إليها والترغيب فيها.\rوفي الصحيحين عن ابن عباس أنه بات عند خالته مَيْمُونَة ، وفيه : فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم فمسح النوم عن وجهه ثم قرأ الآيات العشر الخواتم من سورة آل عمران ، وقام إلى شَنّ معلَّق فتوضأ وضوءاً خفيفاً ثم صلى ثلاث عشر ركعة ؛ الحديث.\rفانظروا رحمكم الله إلى جمعه بين التفكر في المخلوقات ثم إقباله على صلاته بعده ؛ وهذه السنة هي التي يعتمد عليها.\rفأما طريقة الصوفية أن يكون الشيخ منهم يوماً وليلة وشهراً مفكراً لا يفتر ؛ فطريقة بعيدة عن الصواب غير لائقة بالبشر ، ولا مستمرّة على السنن.\r______________\r(1) بعض هذه الأخبار يحتاج إلى سند. والله أعلم.\rفائدة","part":19,"page":100},{"id":8016,"text":"قال ابن عطية : وحدّثني أبي عن بعض علماء المشرق قال : كنت بائتاً في مسجد الأقْدَام بمصر فصلّيت العتمة فرأيت رجلاً قد اضطجع في كساء له مسجًّى بكسائه حتى أصبح ، وصلينا نحن تلك الليلة ؛ فلما أقيمت صلاة الصبح قام ذلك الرجل فاستقبل القبلة وصلى مع الناس ، فاستعظمت جراءته في الصَّلاة بغير وضوء ؛ فلما فرغت الصَّلاة خرج فتبِعته لأعِظه ، فلما دنوت منه سمعته ينشد شعراً :\rمُسجّى الجسِم غائبٌ حاضر . . .\rمُنْتَبِه القلبِ صامِتٌ ذاكِر\rمنقبض في الغُيوب منبسِط . . .\rكذاك من كان عارفاً ذاكِر\rيَبيتُ في ليلهِ أخا فِكَرٍ . . .\rفهو مَدَى الليلِ نائمٌ ساهر\rقال : فعلمت أنه ممن يعبد بالفكرة ، فانصرفتُ عنه. أ هـ {تفسير القرطبى حـ 4 صـ 115}\rقوله : {رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذا باطلا سبحانك فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ}\rفصل\rقال الفخر :\rفي الآية إضمار وفيه وجهان ، قال الواحدي رحمه الله : التقدير : يقولون ربنا ما خلقت هذا باطلا ، وقال صاحب \"الكشاف\" : أنه في محال الحال بمعنى يتفكرون قائلين. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 9 صـ 113}\rفائدة\rقال الفخر :\rهذا : في قوله : {مَا خَلَقْتَ هَذا} كناية عن المخلوق ، يعني ما خلقت هذا المخلوق العجيب باطلا ، وفي كلمة {هذا} ضرب من التعظيم كقوله : {إِنَّ هذا القرءان يِهْدِى لِلَّتِى هِىَ أَقْوَمُ} [ الإسراء : 9 ]. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 9 صـ 113}\rوقال الآلوسى :\rوالعدول عن الضمير إلى اسم الإشارة للإشارة إلى أنها مخلوقات عجيبة يجب أن يعتنى بكمال تمييزها استعظاماً لها.","part":19,"page":101},{"id":8017,"text":"والمعنى ربنا ما خلقت هذا المخلوق أو المتفكر فيه العظيم الشأن عارياً عن الحكمة خالياً عن المصلحة كما ينبىء عنه أوضاع الغافلين عن ذلك المعرضين عن التفكر فيه العادمين من جناح النظر قداماه وخوافيه ، بل خلقته مشتملاً على حكم جليلة منتظماً لمصالح عظيمة تقف الأفكار حسرى دون الإحاطة بها وتكل أقدام الأذهان دون الوقوف عليها بأسرها ، ومن جملتها أن يكون مداراً لمعايش العباد ومناراً يرشدهم إلى معرفة أحوال المبدأ والمعاد حسبما نطقت به كتبك وجاءت به رسلك. أ هـ {روح المعانى حـ 4 صـ 160}. بتصرف يسير.\rفصل\rقال الفخر :\rقالت المعتزلة : إن كل ما يفعله الله تعالى فهو إنما يفعله لغرض الإحسان إلى العبيد ولأجل الحكمة ، والمراد منها رعاية مصالح العباد ، واحتجوا عليه بهذه الآية لأنه تعالى لو لم يخلق السموات والأرض لغرض لكان قد خلقها باطلا ، وذلك ضد هذه الآية قالوا : وظهر بهذه الآية أن الذي تقوله المجبرة : إن الله تعالى أراد بخلق السموات والأرض صدور الظلم والباطل من أكثر عباده وليكفروا بخالقها ، وذلك رد لهذه الآية ، قالوا : وقوله : {سبحانك} تنزيه له عن خلقه لهما باطلا ، وعن كل قبيح ، وذكر الواحدي كلاما يصلح أن يكون جوابا عن هذه الشبهة فقال : الباطل عبارة عن الزائل الذاهب الذي لا يكون له قوة ولا صلابة ولا بقاء ، وخلق السموات والأرض خلق متقن محكم ، ألا ترى إلى قوله : {مَّا ترى فِى خَلْقِ الرحمن مِن تفاوت فارجع البصر هَلْ ترى مِن فُطُورٍ} [ الملك : 3 ] وقال : {وَبَنَيْنَا فَوْقَكُمْ سَبْعاً شِدَاداً} [ النبأ : 12 ] فكان المراد من قوله : {رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذا باطلا} هذا المعنى ، لا ما ذكره المعتزلة.\rفإن قيل : هذا الوجه مدفوع بوجوه :","part":19,"page":102},{"id":8018,"text":"الأول : لو كان المراد بالباطل الرخو المتلاشي لكان قوله : {سبحانك} تنزيها له عن أن يخلق مثل هذا الخلق ، ومعلوم أن ذلك باطل.\rالثاني : أنه إنما يحسن وصل قوله : {فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ} به إذا حملناه على المعنى الذي ذكرناه لأن التقدير : ما خلقته باطلا بغير حكمة بل خلقته بحكمة عظيمة ، وهي أن تجعلها مساكن للمكلفين الذين اشتغلوا بطاعتك وتحرزوا عن معصيتك ، فقنا عذاب النار ، لأنه جزاء من عصى ولم يطع ، فثبت أنا إذا فسرنا قوله : {وَمَا خَلَقْتُ هَذا باطلا} بما ذكرنا حسن هذا النظم ، أما إذا فسرناه بأنك خلقته محكما شديد التركيب لم يحسن هذا النظم.\rالثالث : أنه تعالى ذكر هذا في آية أخرى فقال : {وَمَا خَلَقْنَا السماء والأرض وَمَا بَيْنَهُمَا باطلا ذلك ظَنُّ الذين كَفَرُواْ} [ ص : 27 ] وقال في آية أخرى : {وَمَا خَلَقْنَا السموات والأرض وَمَا بَيْنَهُمَا لاَعِبِينَ * مَا خلقناهما إِلاَّ بالحق} [ الدخان : 38 ، 39 ] وقال في آية أخرى : {أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خلقناكم عَبَثاً} [ المؤمنون : 115 ] إلى قوله : {فتعالى الله الملك الحق} [ المؤمنون : 116 ] أي فتعالى الملك الحق عن أن يكون فعله عبثا ، وإذا امتنع أن يكون عبثا فبأن يمتنع كونه باطلا أولى.\rوالجواب : اعلم أن بديهة العقل شاهدة بأن الموجود إما واجب لذاته ، وإما ممكن لذاته ، وشاهده أن كل ممكن لذاته فإنه لا بد وأن ينتهي في رجحانه إلى الواجب لذاته ، وليس في هذه القضية تخصيص بكون ذلك الممكن مغايرا لأفعال العباد ، بل هذه القضية على عمومها قضية يشهد العقل بصحتها ، وإذا كان كذلك وجب أن يكون الخير والشر بقضاء الله.\r","part":19,"page":103},{"id":8019,"text":"وإذا كان كذلك امتنع يكون المراد من هذه الآية تعليل أفعال الله تعالى بالمصالح ، إذا عرفت هذا فنقول : لم لا يجوز أن يكون تأويل الآية ما حكيناه عن الواحدي : قوله : ولو كان كذلك لكان قوله : {سبحانك} تنزيها له عن فعل ما لا شدة فيه ولا صلابة وذلك باطل.\rقلنا : لم لا يجوز أن يكون المراد : ربنا ما خلقت هذا رخوا فاسد التركيب بل خلقته صلبا محكما ، وقوله : {سبحانك} معناه أنك وإن خلقت السموات والأرض صلبة شديدة باقية فأنت منزه عن الاحتياج إليه والانتفاع به فيكون قوله : {سبحانك} معناه هذا.\rقوله ثانيا : إنما حسن وصل قوله : {فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ} به إذا فسرناه بقولنا ، قلنا لا نسلم بل وجه النظم أنه لما قال : {سبحانك} اعترف بكونه غنياً عن كل ما سواه ، فعندما وصفه بالغنى أقر لنفسه بالعجز والحاجة إليه في الدنيا والآخرة فقال : {فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ} وهذا الوجه في حسن النظم إن لم يكن أحسن مما ذكرتم لم يكن أقل منه ، وأما سائر الآيات التي ذكرتموها فهي دالة على أن أفعاله منزهة عن أن تكون موصوفة بكونها عبثا ولعبا وباطلا ، ونحن نقول بموجبه ، وإن أفعال الله كلها حكمة وصواب ، لأنه تعالى لا يتصرف إلا في ملكه وملكه ، فكان حكمه صوابا على الإطلاق فهذا ما في هذه المناظرة والله أعلم. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 9 صـ 113 ـ 114}\rفصل\rقال الفخر :\rاحتج حكماء الإسلام بهذه الآية على أنه سبحانه خلق هذه الأفلاك والكواكب وأودع في كل واحد منها قوى مخصوصة ، وجعلها بحيث يحصل من حركاتها واتصال بعضها ببعض مصالح هذا العالم ومنافع سكان هذه البقعة الارضية ، قالوا : لأنها لو لم تكن كذلك لكانت باطلة ، وذلك رد للآية.","part":19,"page":104},{"id":8020,"text":"قالوا : وليس لقائل أن يقول الفائدة فيها الاستدلال بها على وجود الصانع المختار ، وذلك لأن كل واحد من كرات الهواء والماء يشارك الافلاك والكواكب في هذا المعنى ، فحينئذ لا يبقى لخصوص كونه فلكا وشمسا وقمرا فائدة ، فيكون باطلا وهو خلاف هذا النص.\rأجاب المتكلمون عنه : بأن قالوا : لم لا يكفي في هذا المعنى كونها أسباباً على مجرى العادة لا على سبيل الحقيقة. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 9 صـ 114}\rقال الآلوسى :\rوأنت تعلم أن القول بإيداع القوى في الفلكيات بل وفي جميع الأسباب مع القول بأنها مؤثرة بإذن الله تعالى مما لا بأس به بل هو المذهب المنصور الذي درج عليه سلف الأمة وحققناه فيما قبل وهو لا ينافي استناد الكل إلى مسبب الأسباب ولا يزاحم جريان الأمور كلها بقضائه وقدره تعالى شأنه ، نعم القول بأن الفلكيات ونحوها مؤثرة بنفسها ولو لم يأذن الله تعالى ضلال واعتقاده كفر ، وعلى ذلك يخرج ما وقع في الخبر \" من قال : أمطرنا بنوء كذا فهو كافر بالله تعالى مؤمن بالكوكب ومن قال : أمطرنا بفضل الله تعالى فهو مؤمن بالله تعالى كافر بالكوكب \" فليحفظ. أ هـ {روح المعانى حـ 4 صـ 162}\rقوله تعالى : {سبحانك}\rفصل\rقال الفخر :\rهذا إقرار بعجز العقول عن الإحاطة بآثار حكمة الله في خلق السموات والأرض ، يعني : أن الخلق إذا تفكروا في هذه الأجسام العظيمة لم يعرفوا منها إلا هذا القدر ، وهو أن خالقها ما خلقها باطلا ، بل خلقها لحكم عجيبة ، وأسرار عظيمة ، وإن كانت العقول قاصرة عن معرفتها. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 9 صـ 114}\rفائدة\rقال الفخر :\rالمقصود منه تعليم الله عباده كيفية الدعاء ، وذلك أن من أراد الدعاء فلا بد وأن يقدم الثناء ثم يذكر بعده الدعاء كما في هذه الآية. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 9 صـ 114}","part":19,"page":105},{"id":8021,"text":"قوله تعالى : {فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ}\rقال الفخر : \rاعلم أنه تعالى لما حكى عن هؤلاء العباد المخلصين أن ألسنتهم مستغرقة بذكر الله تعالى ، وأبدانهم في طاعة الله ، وقلوبهم في التفكر في دلائل عظمة الله ، ذكر أنهم مع هذه الطاعات يطلبون من الله أن يقيهم عذاب النار ، ولولا أنه يحسن من الله تعذيبهم وإلا لكان هذا الدعاء عبثاً ، فإن كان المعتزلة ظنوا أن أول الآية حجة لهم ، فليعلموا أن آخر هذه الآية حجة لنا في أنه لا يقبح من الله شيء أصلا ، ومثل هذا التضرع ما حكاه الله تعالى عن إبراهيم في قوله : {والذى أَطْمَعُ أَن يَغْفِرَ لِى خَطِيئَتِى يَوْمَ الدين} [ الشعراء : 82 ]. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 9 صـ 114 ـ 115}\rوقال الآلوسى : \r{ سبحانك } أي تنزيهاً لك مما لا يليق بك ، ثم لما استغرقوا في بحار العظمة والجلال وبلغوا هذا المبلغ الأعظم وتحققوا أن من قدر على ما ذكر من الإنشاء بلا مثال يحتذيه أو قانون ينتحيه واتصف بالقدرة الشاملة والحكمة الكاملة كان على إعادة من نطقت الكتب السماوية بإعادته أقدر ، وإن ذلك ليس إلا لحكمة باهرة هي جزاء المكلفين بحسب استحقاقهم المنوط بأعمالهم القلبية والقالبية طلبوا النجاة مما يحيق بالمقصرين ويليق بالمخلين فقالوا : \r{ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ } أي فوفقنا للعمل بما فهمنا من الدلالة ، ومن هنا قيل : إن الفاء لترتب الدعاء بالاستعاذة من النار على ما دل عليه ربنا ما خلقت هذا باطلاً من وجوب الطاعة واجتناب المعصية كأنه قيل : فنحن نطيعك فقنا عذاب النار التي هي جزاء من عصاك ، وسبحانك مصدر منصوب بفعل محذوف ، والجملة معترضة لتقوية الكلام وتأكيده ، ولا ينافي ذلك كونها مؤكدة لنفي العبث عن خلقه.","part":19,"page":106},{"id":8022,"text":"وبعضهم قال : بهذا التأكيد ولم يقل بالاعتراض ، وجعل ما بعد الفاء مترتباً على التنزيه المدلول عليه بسبحانك وادعى أنه الأظهر لاندراج تنزهه تعالى عن ردّ سؤال الخاضعين الملتجئين إليه فيه ، ولا يخفى تفرع المسألة على التنزيه عن خيبة رجاء الراجين ، وقيل : إنه جواب شرط مقدر وأن التقدير إذا نزهناك أو وحدناك فقنا عذاب النار الذي هو جزاء الذين لم ينزهوا أو لم يوحدوا. أ هـ {روح المعانى حـ 4 صـ 160 ـ 161}\rفائدة\rقال ابن عاشور :\rفإن قلت : كيف تواطأ الجمع من أولي الألباب على قول هذا التنزيه والدعاء عند التفكّر مع اختلاف تفكيرهم وتأثّرهم ومقاصدهم.\rقلت : يحتمل أنّهم تلقَّوه من رسول الله صلى الله عليه وسلم فكانوا يلازمونه عند التفكّر وعقبَه ، ويحتمل أنّ الله ألهمهم إيّاه فصار هجيراهم مثلَ قوله تعالى : { وقالوا سمعنا وأطعنا غفرانك ربنا } [ البقرة : 285 ] الآيات.\rويدلّ لذلك حديث ابن عباس في \"الصحيح\" قال : \" بتّ عند خالتي ميمونة فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم فمسح النوم عن وجهه ثم قرأ العشر الآيات من سورة آل عمران \" إلى آخر الحديث.\rويجوز عندي أن يكون قوله : { ربنا ما خلقت هذا باطلاً } حكاية لتفكّرهم في نفوسهم ، فهو كلام النفس يشترك فيه جميع المتفكّرين لاستوائهم في صحّة التفكّر لأنّه تنقل من معنى إلى متفرّع عنه ، وقد استوى أولو الألباب المتحدّث عنهم هنا في إدراك هذه المعاني ، فأوّل التفكّر أنتج لهم أنّ المخلوقات لم تخلق باطلاً ، ثم تفرّع عنه تنزيه الله وسؤاله أن يقيهم عذاب النار ، لأنّهم رأوا في المخلوقات طائعاً وعاصياً ، فعلموا أنّ وراء هذا العالم ثَواباً وعقاباً ، فاستعاذوا أن يكونوا ممّن حقّت عليه كلمة العذاب.","part":19,"page":107},{"id":8023,"text":"وتوسّلوا إلى ذلك بأنّهم بذَلوا غاية مقدورهم في طلب النجاة إذ استجابوا لمنادي الإيمان وهو الرسول عليه الصلاة والسلام ، وسألوا غفران الذنوب ، وتكفير السيئات ، والموتَ على البر إلى آخره...\rفلا يكاد أحد من أولي الألباب يخلو من هذه التفكّرات وربّما زاد عليها ، ولمّا نزلت هذه الآية وشاعت بينهم ، اهتدى لهذا التفكير من لم يكن انتبه له من قبل فصار شائعاً بين المسلمين بمعانيه وألفاظه.\rومعنى { ما خلقتَ هذا باطلاً } أي خلقاً باطلاً ، أو ما خلقت هذا في حال أنّه باطل ، فهي حال لازمة الذكر في النفي وإن كانت فضلة في الإثبات ، كقوله : { وما خلقنا السموات والأرض وما بينهما لاعبين } [ الدخان : 38 ] فالمقصود نفي عقائد من يفضي اعتقادهم إلى أنّ هذا الخلق باطل أو خلي عن الحكمة ، والعرب تبني صيغة النفي على اعتبار سبق الإثبات كثيراً.\rوجيء بفاء التعقيب في حكاية قولهم : { فقنا عذاب النار } لأنّه ترتّبَ على العلم بأنّ هذا الخلق حقّ ، ومن جملة الحقّ أن لا يستوي الصالح والطالح ، والمطيع والعاصي ، فعلموا أنّ لكلّ مستقرّاً مناسباً فسألوا أن يكونوا من أهل الخير المجنّبين عذاب النار. أ هـ {التحرير والتنوير حـ 3 صـ 308 ـ 309}","part":19,"page":108},{"id":8024,"text":"فائدة\rقال الآلوسى :\rواستدل الطبرسي بالآية \"على أن الكفر والضلال والقبائح ليست خلقاً لله تعالى لأن هذه الأشياء كلها باطلة بالإجماع وقد نفى الله سبحانه ذلك حكاية عن أولي الألباب الذين رضي قولهم بأنه لا باطل فيما خلقه سبحانه فيجب بذلك القطع بأن القبائح كلها ليست مضافة إليه عز شأنه ومنفية عنه\" خلقاً وإيجاداً وفيه نظر لأن الأشياء كلها سواء من حيث إنها خلق الله تعالى ومشتملة على المصالح والحكم كما ينبىء عن ذلك قوله تعالى : { أعطى كُلَّ شَىء خَلْقَهُ ثُمَّ هدى } [ طه : 50 ] وتفاوتها إنما هو باعتبار نسبة بعضها إلى بعض وكون بعضها متعلق الأمر والبعض الآخر متعلق النهي مثلاً لا باعتبار كون البعض مشتملاً على الحكمة والبعض الآخر عارياً عنها ، فالقبائح من حيث إنها خلق الله تعالى ليست باطلة لأ الباطل كما علمت هو ما لا فائدة فيه مطلقاً ، أو ما لا فائدة فيه يعتدّ بها أو ما لا يقصد به فائدة وهي ليست كذلك لاشتمالها في أنفسها على الحكم والفوائد الجمة التي لا يبعد قصد الله تعالى لها مع غناه الذاتي عنها ولا يشترط كون تلك الفوائد لمن صدرت على يده وإلا لزم خلو كثير من مخلوقاته تعالى عن الفوائد ، وتسميتها قبائح إنما هي باعتبار كونها متعلق النهي لحكمة أيضاً وهو لا يستدعي كونها خالية عن الحكمة بل قصارى ذلك أنه يستلزم عدم رضاه سبحانه بها شرعاً المستدعي ذلك للعقاب عليها بسبب أن إفاضتها كانت حسب الاستعداد الأزلي فدعوى أن هذه الأشياء كلها باطلة باطلة كدعوى الإجماع على ذلك وكأن القائل لم يفهم معنى الباطل فقال ما قال.\rواستدل بها بعضهم أيضاً على أن أفعال الله تعالى معللة بالأغراض وهو مبني ظاهراً على أن الباطل العبث بالمعنى الثالث وقد علمت أن معنى العبث ليس محصوراً فيه وبفرض الحصر لا بأس بهذا القول على ما ذهب كثير من المحققين لكن مع القول بالغنى الذاتي وعدم الاستكمال بالغير كما أشرنا إليه في البقرة. أ هـ {روح المعانى حـ 4 صـ 161}","part":19,"page":109},{"id":8025,"text":"فصل فى بيان حقيقة الفكر وثمرته\rقال حجة الإسلام الغزالى رحمه الله :\rبيان حقيقة الفكر وثمرته\rاعلم أن معنى الفكر هو إحضار معرفتين في القلب ليستثمر منهما معرفة ثالثة\rومثاله أن من مال إلى العاجلة وآثر الحياة الدنيا وإراد أن يعرف أن الآخرة أولى بالإيثار من العاجلة فله طريقان أحدهما أن يسمع من غيره أن الآخرة أولى بالإيثار من الدنيا فيقلده ويصدقه من غير بصيرة بحقيقة الأمر فيميل بعمله إلى إيثار الآخرة اعتمادا على مجرد قوله وهذا يسمى تقليدا ولا يسمى معرفة\rوالطريق الثاني أن يعرف أن الأبقى أولى بالإيثار ثم يعرف أن الآخرة أبقى\rفيحصل له من هاتين المعرفتين معرفة ثالثة وهو أن الآخرة أولى بالإيثار ولا يمكن تحقق المعرفة بأن الآخرة أولى بالإيثار إلا بالمعرفتين السابقتين\rفإحضار المعرفتين السابقتين في القلب للتوصل به إلى المعرفة الثالثة يسمى تفكرا واعتبارا وتذكرا ونظرا وتأملا وتدبرا\rأما التدبر والتأمل والتفكر فعبارات مترادفة على معنى واحد ليس تحتها معان مختلفة\rوأما اسم التذكر والاعتبار والنظر فهى مختلفة المعانى وإن كان أصل المسمى واحد كما أن اسم الصارم والمهند والسيف يتوارد على شيء واحد ولكن باعتبارات مختلفة\rفالصارم يدل على السيف من حيث هو قاطع والمهند يدل عليه من حيث نسبته إلى موضعه والسيف يدل دلالة مطلقة من غير إشعار بهذه الزوائد\rفكذلك الاعتبار ينطلق على إحضار المعرفتين من حيث إنه يعبر منهما إلى معرفة ثالثة وإن لم يقع العبور ولم يمكن إلا الوقوف على المعرفتين فينطلق عليه اسم التذكر لا اسم الاعتبار وأما النظر والتفكر فيقع عليه من حيث إن فيه طلب معرفة ثالثة فمن ليس يطلب المعرفة الثالثة لا يسمى ناظرا فكل متفكر فهو متذكر وليس كل متذكر متفكرا","part":19,"page":110},{"id":8026,"text":"وفائدة التذكار تكرار المعارف على القلب لترسخ ولا تنمحى عن القلب\rوفائدة التفكر تكثير العلم واستجلاب معرفة ليست حاصلة\rفهذا هو الفرق بين التذكر والتفكر\rوالمعارف إذا اجتمعت في القلب وازدوجت في القلب على ترتيب مخصوص أثمرت معرفة أخرى فالمعرفة نتاج المعرفة\rفإذا حصلت معرفة أخرى وازدوجت مع معرفة أخرى حصل من ذلك نتاج آخر\rوهكذا يتمادى النتاج وتتمادى العلوم ويتمادى الفكر إلى غير نهاية وإنما تنسد طريق زيادة المعارف بالموت\rأو بالعوائق وهذا لمن يقدر على استثمار العلوم ويهتدى إلى طريق التفكير\rوأما أكثر الناس فإنما منعوا الزيادة في العلوم لفقدهم رأس المال وهو المعارف التى بها تستثمر العلوم كالذى لا بضاعة له فإنه لا يقدر على الربح وقد يملك البضاعة ولكن لا يحسن صناعة التجارة فلا يربح شيئا فكذلك قد يكون معه من المعارف ما هو رأس مال العلوم ولكن ليس يحسن استعمالها وتأليفها وإيقاع الازدواج المفضى إلى النتاج فيها\rومعرفة طريق الاستعمال والاستثمار تارة تكون بنور إلهى في القلب يحصل بالفطرة كما كان للأنبياء صلوات الله عليهم أجمعين وذلك عزيز جدا وقد تكون بالتعلم والممارسة وهو الأكثر\rثم المتفكر قد تحضره هذه المعارف وتحصل له الثمرة وهو لا يشعر بكيفية حصولها ولا يقدر على التعبير عنها لقلة ممارسته لصناعة التعبير في الإيراد\rفكم من إنسان يعلم أن الآخرة أولى بالإيثار علما حقيقيا ولو سئل عن سبب معرفته لم يقدر على إيراده والتعبير عنه مع أنه لم تحصل معرفته إلا عن المعرفتين السابقتين وهو أن الأبقى أولى بالإيثار وأن الآخرة أبقى من الدنيا فتحصل له معرفة ثالثة وهو أن الآخرة أولى بالإيثار فرجع حاصل حقيقة التفكر إلى إحضار معرفتين للتوصل بهما إلى معرفة ثالثة\rوأما ثمرة الفكر فهى العلوم والأحوال والأعمال ولكن ثمرته الخاصة","part":19,"page":111},{"id":8027,"text":"العلم لا غير نعم إذا حصل العلم في القلب تغير حال القلب وإذا تغير حال القلب تغيرت أعمال الجوارح\rفالعمل تابع الحال والحال تابع العلم والعلم تابع الفكر\rفالفكر إذن هو المبدأ والمفتاح للخيرات كلها وهذا هو الذى يكشف لك فضيلة التفكر وأنه خير من الذكر والتذكر لأن الفكر ذكر وزيادة\rوذكر القلب خير من عمل الجوارح بل شرف العمل لما فيه من الذكر\rفإذن التفكر أفضل من جملة الأعمال ولذلك قيل تفكر ساعة خير من عبادة سنة فقيل هو الذى ينقل من المكاره إلى المحاب ومن الرغبة والحرص إلى الزهد والقناعة وقيل هو الذى يحدث مشاهدة وتقوى ولذلك قال تعالى لعلهم يتقون أو يحدث لهم ذكرا وإن أردت أن تفهم كيفية تغير الحال بالفكر فمثاله ما ذكرناه من أمر الآخرة فإن الفكر يعرفنا أن الآخرة أولى بالإيثار فإذا رسخت هذه المعرفة يقينا في قلوبنا تغيرت القلوب إلى الرغبة في الآخرة والزهد في الدنيا\rوهذا ما عنيناه بالحال إذ كان حال القلب قبل هذه المعرفة حب العاجلة والميل إليها والنفرة عن الآخرة وقلة الرغبة فيها\rوبهذه المعرفة تغير حال القلب وتبدلت إرادته ورغبته ثم أثمر تغير الإرادة أعمال الجوارح في إطراح الدنيا والإقبال على أعمال الآخرة\rفههنا خمس درجات أولاها التذكر وهو إحضار المعرفتين في القلب وثانيتها التفكر وهو طلب المعرفة المقصودة منهما والثالثة حصول المعرفة المطلوبة واستنارة القلب بها\rوالرابعة تغير حال القلب عما كان بسبب حصول نور المعرفة\rوالخامسة خدمة الجوارح للقلب بحسب ما يتجدد له من الحال","part":19,"page":112},{"id":8028,"text":"فكما يضرب الحجر على الحديد فيخرج منه نار يستضىء بها الموضع فتصير العين مبصرة بعد أن لم تكن مبصرة وتنتهض الأعضاء للعمل فكذلك زناد نور المعرفة هو الفكر فيجمع بين المعرفتين كما يجمع بين الحجر والحديد ويؤلف بينهما تأليفا مخصوصا كما يضرب الحجر على الحديد ضربا مخصوصا فينبعث نور المعرفة كما تنبعث النار من الحديد ويتغير القلب بسبب هذا النور حتى يميل إلى ما لم يكن يميل إليه كما يتغير البصر بنور النار فيرى ما لم يكن يراه\rثم تنتهض الأعضاء للعمل بمقتضى حال القلب كما ينتهض العاجز عن العمل بسبب الظلمة للعمل عند إدراك البصر ما لم يكن يبصره\rفإذن ثمرة الفكر العلوم والأحوال والعلوم لا نهاية لها والأحوال التى تتصور أن تتقلب على القلب لا يمكن حصرها\rولهذا لو أراد مريد أن يحصر فنون الفكر ومجاريه وأنه فيماذا يتفكر لم يقدر عليه لأن مجارى الفكر غير محصورة وثمراته غير متناهية. أ هـ {الإحياء حـ 4 صـ 425 ـ 427}","part":19,"page":113},{"id":8029,"text":"قوله تعالى {رَبَّنَا إِنَّكَ مَن تُدْخِلِ النار فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ وَمَا للظالمين مِنْ أنصار}\rفصل\rقال الفخر :\rاعلم أنهم لما سألوا ربهم أن يقيهم عذاب النار أتبعوا ذلك بما يدل على عظم ذلك العقاب وشدته وهو الخزي ، ليكون موقع السؤال أعظم ، لأن من سأل ربه أن يفعل شيئاً أو أن لا يفعله ، إذا شرح عظم ذلك المطلوب وقوته كانت داعيته في ذلك الدعاء أكمل وإخلاصه في طلبه أشد ، والدعاء لا يتصل بالإجابة إلا إذا كان مقروناً بالإخلاص ، فهذا تعليم من الله عباده في كيفية إيراد الدعاء. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 9 صـ 115}\rفصل\rقال الفخر :\rقال الواحدي : الإخزاء في اللغة يرد على معان يقرب بعضها من بعض.\rقال الزجاج : أخزى الله العدو ، أي أبعده وقال غيره : أخزاه الله أي أهانه ، وقال شمر بن حمدويه أخزاه الله أي فضحه الله ، وفي القرآن {وَلاَ تُخْزُونِ فِى ضَيْفِى} [ هود : 78 ] وقال المفضل : أخزاه الله أي أهلكه وقال ابن الانباري : الخزي في اللغة الهلاك بتلف أو انقطاع حجة أو بوقوع في بلاء ، وكل هذه الوجوه متقاربة.\rثم قال صاحب \"الكشاف\" : {فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ} أي قد أبلغت في إخزائه وهو نظير ما يقال : من سبق فلاناً فقد سبق ، ومن تعلم من فلان فقد تعلم. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 9 صـ 115}","part":19,"page":114},{"id":8030,"text":"فصل\rقال الفخر :\rقالت المعتزلة هذه الآية دالة على أن صاحب الكبيرة من أهل الصلاة ليس بمؤمن ، وذلك لأن صاحب الكبيرة إذا دخل النار فقد أخزاه الله لدلالة هذه الآية ، والمؤمن لا يخزى لقوله تعالى : {يَوْمَ لا يخزي الله النبي والذين آمنوا معه} فوجب من مجموع هاتين الآيتين أن لا يكون صاحب الكبيرة مؤمنا.\rوالجواب : أن قوله {يَوْم لا يخزي الله النبي والذين آمنوا معه} [ التحريم : 8 ] لا يقتضي نفي الإخزاء مطلقا ، وإنما يقتضي أن لا يحصل الإخزاء حال ما يكون مع النبي ، وهذا النفي لا يناقضه إثبات الإخزاء في الجملة لاحتمال أن يحصل ذلك الإثبات في وقت آخر ، هذا هو الذي صح عندي في الجواب ، وذكر الواحدي في البسيط أجوبة ثلاثة سوى ما ذكرناه : أحدها : أنه نقل عن سعيد بن المسيب والثوري وقتادة أن قوله : {إِنَّكَ مَن تُدْخِلِ النار فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ} مخصوص بمن يدخل النار للخلود ، وهذا الجواب عندي ضعيف ، لأن مذهب المعتزلة أن كل فاسق دخل النار فإنما دخلها للخلود ، فهذا لا يكون سؤالا عنهم.\rثانيها : قال : المدخل في النار مخزي في حال دخوله وإن كانت عاقبته أن يخرج منها ، وهذا ضعيف أيضا لأن موضع الاستدلال أن قوله : {يَوْم لا يخزي الله النبي والذين آمنوا معه} [ التحريم : 8 ] يدل على نفي الخزي عن المؤمنين على الإطلاق ، وهذه الآية دلت على حصول الخزي لكل من دخل النار ، فحصل بحكم هاتين الآيتين بين كونه مؤمنا وبين كونه كافرا ممن يدخل النار منافاة ، وثالثها : قال : الإخزاء يحتمل وجهين :\rأحدهما : الإهانة والإهلاك ،\rوالثاني : التخجيل ، يقال : خزي خزاية إذا استحيا ، وأخزاه غيره إذا عمل به عملا يخجله ويستحيى منه.","part":19,"page":115},{"id":8031,"text":"واعلم أن حاصل هذا الجواب : أن لفظ الإخزاء لفظ مشترك بين التخجيل وبين الإهلاك ، واللفظ المشترك لا يمكن حمله في طرفي النفي والإثبات على معنييه جميعا ، وإذا كان كذلك جاز أن يكون المنفى بقوله : {يَوْم لا يخزي الله النبي والذين آمنوا معه} غير المثبت في قوله : {إِنَّكَ مَن تُدْخِلِ النار فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ} وعلى هذا يسقط الاستدلال ، إلا أن هذا الجواب إنما يتمشى إذا كان لفظ الإخزاء مشتركا بين هذين المفهومين ، أما إذا كان لفظا متواطئا مفيدا لمعنى واحد ، وكان المعنيان اللذان ذكرهما الواحدي نوعين تحت جنس واحد ، سقط هذا الجواب لأن قوله : {لا يخزي الله النبي والذين آمنوا معه} لنفي الجنس وقوله : {فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ} لإثبات النوع ، وحينئذ يحصل بينهما منافاة. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 9 صـ 115 ـ 116}\rوقال العلامة ابن عطية :\rإنه خزي دون خزي وليس خزي من يخرج منها بفضيحة هادمة لقدره ، وإنما الخزي التام للكفار. أ هـ {المحرر الوجيز حـ 1 صـ 556}\rوقال محمد بن أبى بكر الرازى :\rفإن قيل : كيف قال : {ربنا إِنَّكَ مَن تُدْخِلِ النار فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ} وقال فى موضع آخر {يوم لا يخزي الله النبي والذين آمنوا معه} ويلزم من هذا أن لا يدخل المؤمنين النار كما قالت المعتزلة والخارجية ؟\rقلنا : {أخزيته} بمعنى أذللته وأهنته من الخزى وهو الذل والهوان ، وقوله {يوم لا يخزي الله النبي والذين آمنوا معه} من الخزاية وهو النكال والفضيحة ، فكل من يدخل النار يذل ، وليس كل من يدخلها ينكل به ويفضح.\rأو المراد بالآية الأولى إدخال الإقامة والخلود لا إدخال تحلة القسم المدلول عليها بقوله تعالى {وإن منكم إلا واردها} أراد إدخال التطهير الذى يكون لبعض المؤمنين بقدر ذنوبهم.\rوقيل : إن قوله تعالى {يوم لا يخزي الله النبي} كلام تام ، وقوله تعالى {والذين آمنوا معه} كلام مبتدأ غير معطوف على ما قبله. أ هـ {تفسير الرازى صـ 72 ـ 73}\rفائدة\rقال ابن عاشور :\rوقولهم : { ربنا إنك من تدخل النار فقد أخزيته } مسوق مساق التعليل لسؤال الوقاية من النار ، كما توذن به ( إنّ ) المستعملة لإرادة الاهتمام إذ لا مقام للتأكيد هنا.\rوالخزي مصدر خزِيَ يَخْزَى بمعنى ذلّ وهان بمرأى من الناس ، وأخزاه أذلّه على رؤوس الأشهاد ، ووجه تعليل طلب الوقاية من النار بأنّ دخولها خزي بعد الإشارة إلى موجب ذلك الطلب بقولهم : { عذاب النار } أنّ النار مع ما فيها من العذاب الأليم فيها قهر للمعذَّب وإهانة علنية ، وذلك معنى مستقرّ في نفوس الناس ، ومنه قول إبراهيم عليه السلام : { ولا تخزني يومَ يبعثون } [ بالشعراء : 87 ] وذلك لظهور وجه الربط بين الشرط والجزاء ، أي من يدخل النار فقد أخزيته.","part":19,"page":116},{"id":8032,"text":"والخزي لا تطيقه الأنفس ، فلا حاجة إلى تأويل تأوّلوه على معنى فقَد أخزيته خزياً عظيماً.\rونظّره صاحب \"الكشاف\" بقول رُعاة العرب : \"من أدْرَكَ مَرْعَى الصَّمَّان فقد أدرك\" أي فقد أدرك مرعى مخصباً لئلاّ يكون معنى الجزاء ضروري الحصول من الشرط فلا تظهر فائدة للتعليق بالشرط ، لأنّه يخلي الكلام عن الفائدة حينئذ.\rوقد تقدّم شيء من هذا عند قوله تعالى : { فمن زحزح عن النار وأُدخل الجنة فقد فاز } [ آل عمران : 185 ].\rولأجل هذا أعقبوه بما في الطباع التفادي به عن الخزي والمذلّة بالهرع إلى أحلافهم وأنصارهم ، فعلموا أن لا نصير في الآخرة للظالم فزادوا بذلك تأكيداً للحرص على الاستعاذة من عذاب النار إذ قالوا : { وما للظالمين من أنصار } أي لأهل النار من أنصار تدفع عنهم الخزي. أ هـ {التحرير والتنوير حـ 3 صـ 309}\rفصل\rقال الفخر :\rاحتجت المرجئة بهذه الآية في القطع على أن صاحب الكبيرة لا يخزي وكل من دخل النار فإنه يخزى ، فيلزم القطع بأن صاحب الكبيرة لا يدخل النار ، إنما قلنا صاحب الكبيرة لا يخزى لأن صاحب الكبيرة مؤمن ، والمؤمن لا يخزى.","part":19,"page":117},{"id":8033,"text":"إنما قلنا إنه مؤمن لقوله تعالى : {وَإِن طَائِفَتَانِ مِنَ المؤمنين اقتتلوا فَأَصْلِحُواْ بَيْنَهُمَا فَإِن بَغَتْ إِحْدَاهُمَا على الأخرى فقاتلوا التى تَبْغِى حتى تَفِىء إلى أَمْرِ} [ الحجرات : 9 ] سمي الباغي حال كونه باغياً مؤمناً ، والبغي من الكبائر بالاجماع ، وأيضا قال تعالى : {يا أيها الذين ءَامَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ القصاص فِي القتلى} [ البقرة : 178 ] سمي القاتل بالعمد العدوان مؤمناً ، فثبت أن صاحب الكبيرة مؤمن ، وإنما قلنا إن المؤمن لا يخزى لقوله : {يَوْم لا يخزي الله النبي والذين آمنوا معه } [ التحريم : 8 ] ولقوله : {وَلاَ تُخْزِنَا يَوْمَ القيامة} [ آل عمران : 194 ].\rثم قال تعالى : {فاستجاب لَهُمْ رَبُّهُمْ} [ آل عمران : 195 ] وهذه الاستجابة تدل على أنه تعالى لا يخزي المؤمنين ، فثبت بما ذكرنا أن صاحب الكبيرة لا يخزى بالنار ، وإنما قلنا إن كل من دخل النار فإنه يخزى لقوله تعالى : {إِنَّكَ مَن تُدْخِلِ النار فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ} وحينئذ يتولد من هاتين المقدمتين القطع بأن صاحب الكبيرة لا يدخل النار.\rوالجواب عنه ما تقدم : أن قوله : {يَوْم لا يخزي الله النبي والذين آمنوا معه} [ التحريم : 8 ] لا يدل على نفي الإخزاء مطلقاً ، بل يدل على نفي الإخزاء حال كونهم مع النبي ، وذلك لا ينافي حصول الإخزاء في وقت آخر. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 9 صـ 116}\rقوله تعالى {إِنَّكَ مَن تُدْخِلِ النار فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ}\rفصل\rقال الفخر :","part":19,"page":118},{"id":8034,"text":"قوله : {إِنَّكَ مَن تُدْخِلِ النار فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ} عام دخله الخصوص في مواضع منها : أن قوله تعالى : {وَإِن مّنكُمْ إِلاَّ وَارِدُهَا كَانَ على رَبِّكَ حَتْماً مَّقْضِيّاً * ثُمَّ نُنَجّى الذين اتقوا} [ مريم : 71 72 ] يدل على أن كل المؤمنين يدخلون النار ، وأهل الثواب يصانون عن الخزي.\rوثانيها : أن الملائكة الذين هم خزنة جهنم يكونون في النار ، وهم أيضا يصانون عن الخزي.\rقال تعالى : {عَلَيْهَا ملائكة غِلاَظٌ شِدَادٌ} [ التحريم : 6 ]. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 9 صـ 116}\rفصل\rقال الفخر :\rاحتج حكماء الإسلام بهذه الآية على أن العذاب الروحاني أشد وأقوى من العذاب الجسماني ، قالوا : لأن الآية دالة على التهديد بعد عذاب النار بالخزي ، والخزي عبارة عن التخجيل وهو عذاب روحاني ، فلولا أن العذاب الروحاني أقوى من العذاب الجسماني وإلا لما حسن تهديد من عذب بالنار بعذاب الخزي والخجالة. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 9 صـ 116}\rفصل\rقال الفخر :\rاحتجت المعتزلة بهذه الآية على أن الفساق الذين دخلوا النار لا يخرجون منها بل يبقون هناك مخلدين ، وقالوا : الخزي هو الهلاك ، فقوله : {إِنَّكَ مَن تُدْخِلِ النار فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ} معناه فقد أهلكته ، ولو كانوا يخرجون من النار إلى الجنة لما صح أن كل من دخل النار فقد هلك.\rوالجواب : أنا لا نفسر الخزي بالإهلاك بل نفسره بالإهانة والتخجيل ، وعند هذا يزول كلامكم. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 9 صـ 117}","part":19,"page":119},{"id":8035,"text":"قوله تعالى {وَمَا للظالمين مِنْ أَنصَارٍ}\rقال البيضاوى :\r{ وَمَا للظالمين مِنْ أَنصَارٍ } أراد بهم المدخلين ، ووضع المظهر موضع المضمر للدلالة على أن ظلمهم سبب لإِدخالهم النار وانقطاع النصرة عنهم في الخلاص منها ، ولا يلزم من نفي النصرة نفي الشفاعة لأن النصر دفع بقهر. أ هـ {تفسير البيضاوى حـ 2 صـ 132}\rفصل\rقال الفخر :\rالمعتزلة تمسكوا به في نفي الشفاعة للفساق ، وذلك لأن الشفاعة نوع نصرة ، ونفي الجنس يقتضي نفي النوع.\rوالجواب من وجوه :\rالأول : أن القرآن دل على أن الظالم بالإطلاق هو الكافر ، قال تعالى : {والكافرون هُمُ الظالمون} [ البقرة : 254 ] ومما يؤكد هذا أنه تعالى حكى عن الكفار أنهم خصصوا أنفسهم بنفي الشفعاء والأنصار حيث قالوا : {فَمَا لَنَا مِن شافعين وَلاَ صَدِيقٍ حَمِيمٍ} [ الشعراء : 101 ]\rوثانيها : أن الشفيع لا يمكنه أن يشفع إلا بإذن الله ، قال تعالى : {مَن ذَا الذى يَشْفَعُ عِندَهُ إِلاَّ بِإِذْنِهِ} [ البقرة : 255 ] وإذا كان كذلك لم يكن الشفيع قادراً على النصرة إلا بعد الإذن ، وإذا حصل الإذن لم يكن في شفاعته فائدة في الحقيقة ، وعند ذلك يظهر أن العفو إنما حصل من الله تعالى ، وتلك الشفاعة ما كان لها تأثير في نفس الأمر ، وليس الحكم إلا لله ، فقوله : {وَمَا للظالمين مِنْ أَنصَارٍ} يفيد أنه لا حكم إلا الله كما قال : {أَلاَ لَهُ الحكم} [ الأنعام : 62 ] وقال : {والأمر يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ} [ الإنفطار : 19 ] لا يقال : فعلى هذا التقدير لا يبقى لتخصيص الظالمين بهذا الحكم فائدة ، لأنا نقول : بل فيه فائدة لأنه وعد المؤمنين المتقين في الدنيا بالفوز بالثواب والنجاة من العقاب ، فلهم يوم القيامة هذه الحجة.\rاما الفساق فليس لهم ذلك ، فصح تخصيصهم بنفي الأنصار على الإطلاق.","part":19,"page":120},{"id":8036,"text":"الثالث : أن هذه الآية عامة وواردة بثبوت الشفاعة خاصة والخاص مقدم على العام ، والله أعلم. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 9 صـ 117}\rفصل\rقال الفخر :\rالمعتزلة تمسكوا في أن الفاسق لا يخرج من النار ، قالوا : لو خرج من النار لكان من أخرجه منها ناصرا له ، والآية دالة على أنه لا ناصر له ألبتة.\rوالجواب : المعارضة بالآيات الدالة على العفو كما ذكرناه في سورة البقرة. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 9 صـ 117}\rمن فوائد أبى السعود فى الآية\rقال عليه الرحمة :\r{ رَبَّنَا إِنَّكَ مَن تُدْخِلِ النار فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ } مبالغةٌ في","part":19,"page":121},{"id":8037,"text":"استدعاء الوقايةِ وبيانٌ لسببه. وتصديرُ الجملةِ بالنداء للمبالغةِ في التضرع والجُؤار ، وتأكيدُها لإظهار كمالِ اليقينِ بمضمونها والإيذانِ بشدة الخوفِ ، وإظهارُ النارِ في موضع الإضمارِ لتهويلِ أمرِها ، وذكرُ الإدخالِ في مورد العذابِ لتعيين كيفيتِه وتبيينِ غاية فظاعتِه. قال الواحدي : للإخزاء معانٍ متقاربةٌ يقال : أخزاه الله أي أبعده ، وقيل : أهانه ، وقيل : أهلكه ، وقيل : فضحه. قال ابن الأنباري : الخزيُ لغةً الهلاكُ بتلف أو بانقطاع حجةٍ أو بوقوع في بلاء ، والمعنى فقد أخزيته خِزياً لا غايةَ وراءَه كقولهم : من أدرك مَرْعى الصمّانِ فقد أدرك ، أي المرعى الذي لا مرعى بعدَه ، وفيه من الإشعار بفظاعة العذابِ الروحاني ما لا يخفى. وقولُه تعالى : { وَمَا للظالمين مِنْ أَنصَارٍ } تذييلٌ لإظهار نهايةِ فظاعةِ حالِهم ببيان خلودِ عذابِهم بفُقدان من ينصُرهم ويقوم بتخليصهم ، وغرضُهم تأكيدُ الاستدعاءِ ووضعُ الظالمين موضعَ ضميرِ المُدخَلين لذمهم والإشعارِ بتعليل دخولِهم النارَ بظلمهم ووضعِهم الأشياء في غير مواضعِها ، وجمعُ الأنصارِ بالنظر إلى جمع الظالمين أي ما لظالم من الظالمين نصيرٌ من الأنصار ، والمرادُ به من ينصُر بالمدافعة والقهر فليس في الآية دِلالةٌ على نفي الشفاعةِ ، على أن المرادَ بالظالمين هم الكفارُ. أ هـ {تفسير أبى السعود حـ 2 صـ 131}","part":19,"page":122},{"id":8038,"text":"ومن فوائد الآلوسى فى الآية\rقال رحمه الله :\r{ رَبَّنَا إِنَّكَ مَن تُدْخِلِ النار فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ } مبالغة في استدعاء الوقاية من النار وبيان لسببه ، وصدرت الجملة بالنداء مبالغة في التضرع إلى معود الإحسان كما يشعر به لفظ الرب ، وعن ابن عباس أنه كان يقول : اسم الله تعالى الأكبر رب رب ، والتأكيد بأن الإظهار كمال اليقين بمضمون الجملة ، والإيذان بشدّة الخوف ووضع الظاهر موضع الضمير للتهويل ، وذكر الإدخال في موارد العذاب لتعيين كيفيته وتبيين غاية فظاعته والإخزاء كما قال الواحدي جاء لمعان متقاربة فعن الزجاج يقال : أخرى الله تعالى العدو أي أبعده ، وقيل : أهانه ، وقيل : فضحه ، وقيل : أهلكه ، ونقل هذا عن المفضل ، وقيل : أحله محلاً وأوقفه موقفاً يستحى منه.\rوقال ابن الأنباري : الخزي في اللغة الهلاك بتلف أو بانقطاع حجة أو بوقوع في بلاء ؛ والمراد فقد أخزيته خزياً لا غاية وراءه ، ومن القواعد المقررة أنه إذا جعل الجزاء أمراً ظاهر اللزوم للشرط سواء كان اللزوم بالعموم والخصوص كما في قولهم : من أدرك مرعى الصمان فقد أدرك ، أو بالاستلزام كما في هذه الآية يحمل على أعظم أفراده وأخصها لتربية الفائدة ، ولهذا قيد الخزي بما قيد.","part":19,"page":123},{"id":8039,"text":"واحتج حكماء الإسلام بهذه الآية على أن العذاب الروحاني أقوى من العذاب الجسماني وذلك لأنه رتب فيها العذاب الروحاني وهو الإخزاء بناءاً على أنه الإهانة والتخجيل على الجسماني الذي هو إدخال النار ، وجعل الثاني شرطاً والأول جزاءاً ، والمراد من الجملة الشرطية الجزاء والشرط قيد له فيشعر بأنه أقوى وأفظع وإلا لعكس كما قال الإمام الرازي وأيضاً المفهوم من قوله تعالى : { فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ } [ آل عمران : 191 ] طلب الوقاية منه ، وقوله سبحانه : { رَبَّنَا } الخ دليل عليه فكأنه طلب الوقاية من المذكور لترتب الخزي عليه فيدل على أنه غاية يخاف منه كما قاله بعض المحققين واحتج بها المعتزلة على أن صاحب الكبيرة ليس بمؤمن لأنه إذا أدخله الله تعالى النار فقد أخزاه والمؤمن لا يخزى لقوله تعالى : { يَوْمٌ لاَّ إِلَى الله تَوْبَةً نَّصُوحاً عسى رَبُّكُمْ } [ التحريم : 8 ] ، وأجيب بأنه لا يلزم من أن لا يكون من آمن مع النبي صلى الله عليه وسلم مخزياً أن لا يكون غيره وهو مؤمن كذلك ، وأيضاً الآية ليست عامة لقوله تعالى : { وَإِن مّنكُمْ إِلاَّ وَارِدُهَا كَانَ على رَبِّكَ حَتْماً مَّقْضِيّاً ثُمَّ نُنَجّى الذين اتقوا } [ مريم : 71 ، 72 ] فتحمل على من أدخل النار للخلود وهم الكفار ، وهو المروي عن أنس وسعيد بن المسيب وقتادة وابن جريج.\rوأيضاً يمكن أن يقال : إن كل من يدخلها مخزي حال دخوله وإن كانت عاقبة أهل الكبائر منهم الخروج ، وقوله تعالى : { يَوْمٌ لاَّ } [ التحريم : 8 ] الخ نفي الخزي فيه على الإطلاق والمطلق يكفي في صدقه صورة واحدة وهو نفس الخزي المخلد ، وأيضاً يحتمل أن يقال : الإخزاء مشترك بين التخجيل والإهلاك والمثبت هو الأول والمنفي هو الثاني ، وحينئذ لا يلزم التنافي.","part":19,"page":124},{"id":8040,"text":"واحتجت المرجئة بها على أن صاحب الكبيرة لا يدخل النار لأنه مؤمن لقوله تعالى : { المتقون يأَيُّهَا الذين ءامَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ القصاص فِي القتلى } [ البقرة : 178 ] وقوله سبحانه : { وَإِن طَائِفَتَانِ مِنَ المؤمنين اقتتلوا } [ الحجرات : 9 ] والمؤمن لا يخزى لقوله تعالى : { يَوْمٌ لاَّ يُخْزِى الله النبى } [ التحريم : 8 ] الخ والمدخل في النار مخزي لهذه الآية ، وأجيب بمنع المقدمات بأسرها أما الأولى فباحتمال أن لا يسمى بعد القتل مؤمناً وإن كان قبل مؤمناً ، وأما الأخريان فبخصوص المحمول وجزئية الموضوع كما تقرر آنفاً.\r{ وَمَا للظالمين مِنْ أَنصَارٍ } أي ليس لكل منهم ناصر ينصره ويخلصه مما هو فيه ، والجملة تذييل لإظهار فظاعة حالهم ، وفيه تأكيد للاستدعاء ووضع الظالمين موضع ضمير المدخلين لذمهم والإشعار بتعليل دخولهم النار بظلمهم ، وتمسكت المعتزلة بنفي الأنصار على نفي الشفاعة لسائر المدخلين ، وأجيب بأن الظالم على الإطلاق هو الكافر لقوله تعالى : { والكافرون هُمُ الظالمون } [ البقرة : 254 ] ، وقيل : نفي الناصر لا يمنع نفي الشفيع لأن النصر دفع بقوة والشفاعة تخليص بخضوع وتضرع وله وجه ، والقول بأن العرف لا يساعده غير متجه.","part":19,"page":125},{"id":8041,"text":"وقال في \"الكشف\" : الظاهر من الآية أن من دخل النار لا ناصر له من دخولها أما إنه لا ناصر له من الخروج بعد الدخول فلا ، وذلك لأنه عام في نفي الافراد مهمل بحسب الأوقات ، والظاهر التقييد بما يطلب النصر أولا لأجله كمن أخذ يعاقب فقلت : ما له من ناصر لم يفهم منه أن العقاب لا ينتهي بنفسه وأنه بعد العقاب لم يشفع بل فهم منه لم يمنعه أحد مما حل به ، ثم إن سلم التساوي لم يدل على النفي ، وأجاب غير واحد على تقدير عموم الظالم وعدم الفرق بين النصر والشفاعة بأن الأدلة الدالة على الشفاعة وهي أكثر من أن تحصى مخصصة للعموم ، وقد تقدم ما ينفعك هنا. أ هـ {روح المعانى حـ 4 صـ 162 ـ 163}\rفوائد لغوية\rقال ابن عادل :\rقوله : { الذين يَذْكُرُونَ الله } فيه خمسة أوجهٍ :\rأحدهما : أنه نعت لِـ { لأُوْلِي الألباب } فهو مجرور.\rثانيها : أنه خبر مبتدأ محذوف ، أي : هم الذين.\rثالثها : أنه منصوب بإضمار أعني. وهذان الوجهان يُسَمَّيان بالقطع كما تقدم.\rرابعها : أنه مبتدأ ، وخبره محذوف ، تقديره : يقولون : ربنا. قاله أبو البقاء.\rخامسها : أنه بدل من { لأُوْلِي الألباب } ذكره مكِّيٌّ ، والأول أحسنها.\rو { قِيَاماً وَقُعُوداً } حالانِ من فاعلٍ { يَذْكُرُونَ } و{ وعلى جُنُوبِهِمْ } حال - أيضاً - فيتعلق بمحذوف ، والمعنى : يذكرونه قياماً وقعوداً ومضطجعين ، فعطف الحال المؤوَّلة على الصريحة ، عكس الآية الأخْرَى - وهي قوله تعالى : { دَعَانَا لِجَنبِهِ أَوْ قَاعِداً أَوْ قَآئِماً } [ يونس : 12 ] - حيث عطفَ الصريحةَ على المؤولة.\rو { قِيَاماً وَقُعُوداً } جَمْعان لقائمٍ وقاعدٍ ، وأجِيز أن يكونا مصدرَيْن ، وحينئذ يتأوَّلان على معنى : ذوي قيام وقعود ، ولا حاجة إلى هذا.\rقوله : { وَيَتَفَكَّرُونَ } فيه وجهان :","part":19,"page":126},{"id":8042,"text":"أظهرهما : أنها عطف على الصلة ، فلا محلَّ لها.\rوالثاني : أنها في محل نصبٍ على الحالِ ، عطفاً على { قِيَاماً } أي : يذكرونه متفكِّرين.\rفإن قيل : هذا مضارع مثبت ، فكيف دخلت عليه الواو ؟ .\rفالجوابُ : أن هذه واو العطف ، والممنوع إنما هو واو الحال.\rو \" خَلْق \" فيه وجهان : \rأحدهما : أنه مصدر على أصْله ، أي يتفكرون في صفة هذه المخلوقات العجيبة ، ويكون مصدراً مضافاً لمفعوله.\rالثاني : أنه بمعنى المفعول ، أي : في مخلوق السموات والأرض وتكون إضافته في المعنى إلى الظرف ، أي : يتفكرون فيما أودع اللهُ هذين الظرفين من الكواكب وغيرها.\rوقال أبو البقاء : \" وأن يكون بمعنى المخلوق ، ويكون من إضافة الشيء إلى ما هو في المعنى \".\rقال شِهَابُ الدّينِ : \" وهذا كلامٌ متهافتٌ ؛ إذ لا يُضاف الشيء إلى نفسه ، وما أوهم بذلك يُؤَوَّل \".\rقوله : { رَبَّنَآ } هذه الجملة في محل نصب بقول محذوف ، تقديره : يقولون ، والجملة القولية فيها وجهان : \rأظهرهما : أنها حال من فاعل \" يَتَفَكَّرُونَ \" أي : يتفكرون قائلين قائلين ربنا ، وإذا أعربنا \" يَتَفَكَّرُونَ \" حالاً - كما تقدم - فيكون الحالان متداخلين.\rوالوجه الثاني : \" هَذَا \" إشارة إلى الخلق ، إن أريد به المخلوق ، وأجاز أبو البقاء - حال الإشارة إليه بـ \" هذا \" - أن يكون مصدراً على حاله ، لا بمعنى المخلوق ، وفيه نظرٌ.\rأو إلى السّموات والأرض - وإن كانا شيئين ، كل منهما جمع - لأنهما بتأويلِ هذا المخلوق العجيب ، أو لأنهما في معنى الجَمْعِ ، فأشير إليهما كما يُشار إلى لفظِ الجمعِ.\rقوله : \" بَاطِلاً \" في نصبه خمسةُ أوجهٍ : \rأحدها : أنه نعت لمصدر محذوف ، أي : خَلْقاً باطلاً ، وقد تقدم أن سيبويه يجعل مثل هذا حالاً من ضمير ذلك المصدر.\rالثاني : أنه حالٌ من المفعولِ به ، وهو \" هَذَا \".\r","part":19,"page":127},{"id":8043,"text":"الثالث : أنه على إسقاطِ حرفٍ خافضٍ - وهو الباء - والمعنى : ما خلقتهما بباطلٍ ، بل بحَقٍّ وقُدْرَةٍ.\rالرابع : أنه مفعول من أجله ، و\" فاعل \" قد يجيء مصدراً ، كالعاقبة ، والعافية.\rالخامس : أنه مفعولٌ ثانٍ لـ \" خلق \" قالوا : و\" خلق \" إذا كانت بمعنى \" جَعَلَ \" التي تتعدى لاثنين ، تعدّت لاثنين. وهذا غيرُ معروفٍ عند أهلِ العربيةِ ، بل المعروف أن \" جعل \" إذا كانت بمعنى \" خلق \" تعدت لواحدٍ فقط.\rوأحسن هذه الأعاريب أن تكون حالاً مِنْ \" هَذَا \" وهي حالٌ لا يُسْتَغنَى عَنْهَا ؛ لأنها لو حُذِفَتْ لاختلَّ الكلامُ ، وهي كقوله تعالى : { وَمَا خَلَقْنَا السماوات والأرض وَمَا بَيْنَهُمَا لاَعِبِينَ } [ الدخان : 38 ].\rقوله : { سُبْحَانَكَ } تقدم إعرابه ، وهو معترض بين قوله : { رَبَّنَآ } وبين قوله : { فَقِنَا }.\rوقال أبو البقاء : \" دخلت الفاء لمعنى الجزاءِ ، والتقدير : إذا نَزهناك ، أو وحَّدْناك فقنا \".\rوهذا لا حاجةَ إليه ، بل التسبب فيها ظاهرٌ ؛ تسبب عن قولهم : { رَبَّنَآ مَا خَلَقْتَ هَذا بَاطِلاً سُبْحَانَكَ } طلبهم وقاية النار.\rوقيل : هي لترتيب السؤالِ على ما تضمنه { سُبْحَانَكَ } من معنى الفعل ، أي : سبحانك فقنا. وأبْعَد مَنْ ذَهَب إلى أنها للترتيب على ما تضمنه النداء.\rقوله : { رَبَّنَآ إِنَّكَ مَن تُدْخِلِ النار } \" من \" شرطية ، مفعول مقدم ، واجب التقديم ، لأن له صدرَ الكلام ، و\" تُدْخِل \" مجزوم بها ، و{ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ } جوابٌ لها.\rوحكى أبو البقاءِ عن بعضهم قولين غريبين : \rالأول : أن تكون \" من \" منصوبة بفعل مقدَّر ، يُفَسِّره قوله : { فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ }. وهذا غلطٌ ؛ لأن مَنْ شرط الاشتغال صحة تسلط ما يفسَّر على ما هو منصوب ، والجوابُ لا يعمل فيما قبل فعل الشرط ؛ لأنه لا يتقدم على الشرط.\r","part":19,"page":128},{"id":8044,"text":"الثاني : أن تكون \" مَنْ \" مبتدأ ، والشرطُ وجوابُهُ خبر هذا المبتدأ. وهذان الوجهان غلط ، والله أعلم. وعلى الأقوالِ كُلِّها فهذه الجملةُ الشرطيةُ في محل رفع ؛ خبراً لِـ \" إنَّ \". ويقال : خزيته وأخزيته ثلاثياً ورباعياً - والأكثر الرباعي ، وخَزِيَ الرجلُ يَخْزَى خِزْياً - إذا افتضح - وخزايةً - إذا استحيا - فالفعلُ واحدٌ ، وإنما يتميز بالمصدرِ.\rقال الواحديُّ : الإخزاء - في اللغو - يَرِدُ على معانٍ يقرب بعضُها من بعض.\rقال الزَّجَّاجُ : أخْزَى الله العدُوَّ : أي : أبعده.\rوقال غيره : أخزاه اللهُ : أي : أهانه.\rوقال شمر : أخزاه اللهُ : أي : فضحه ، وفي القرآن : { وَلاَ تُخْزُونِ فِي ضَيْفِي } [ هود : 78 ].\rوقال المفضَّلُ : أخزاه الله : أي : أهلكه.\rوقال ابنُ الأنباري : الخِزْي - في اللغة - الهلاك بتلف أو انقطاع حجة ، أو وقوع في بلاء ، وكل هذه الوجوه متقاربة.\rوقال الزمخشريُّ : \" فَقَدْ أخْزَيْتَهُ \" أي : أبلغت في إخزائه.\rقوله : { وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ } \" مِنْ \" زائدة ، لوجودِ الشَّرْطَيْنِ ، وفي مجرورها وجهانِ :\rأحدهما : أنه مبتدأ ، وخبره في الجارّ قبله ، وتقديمه - هنا - جائزٌ لا واجبٌ ؛ لأنَّ النفي مسوَّغٌ وحَسَّن تقديمه كونُ مبتدئه فاصلةً.\rالثاني : أنه فاعل بالجارِّ قبله ، لاعتماده على النفي ، وهذا جائزٌ عند الجميعِ. أ هـ {تفسير ابن عادل حـ 6 صـ 111 ـ 118}. بتصرف يسير.","part":19,"page":129},{"id":8045,"text":"من لطائف الإمام القشيرى فى الآيتين\rقال عليه الرحمة :\rقوله تعالى : { لأُوْلِى الأَلْبَابِ } : أولو الألباب هم الذين صَحَتْ عقولُهم من سِكْر الغفلة. وأمارة مَنْ كان كذلك أن يكون نظرُه بالحق ؛ فإذا نظر من الحقِّ إلى الحقِّ استقام نظره ، وإذا نظر من الخَلْق إلى الحق انتكست نعمته ، وانقلبت أفكاره مُورِّثَةً للشبهة.\rقوله تعالى : { الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللهَ قِيَامًا وَقُعُودًا } الآية.\rاستغرق الذكرُ جميعَ أوقاتهم ؛ فإن قاموا فبذكره ، وإن قعدوا أو ناموا أو سجدوا فجملة أحوالهم مستهلكة في حقائق الذكر ، فيقومون بحق ذكره ويقعدون عن إخلاف أمره ، ويقومون بصفاء الأحوال ويقعدون عن ملاحظتها والدعوى فيها.\rويذكرون الله قياماً على بساط الخدمة ثم يقعدون على بساط القربة.\rومَنْ لم يَسْلَمْ في بداية قيامه عن التقصير لم يسلم له قعودٌ في نهايته بوصف الحضور.\rوالذكر طريق الحق - سبحانه - فما سلك المريدون طريقاً أصحَّ وأوضح من طريق الذكر ، وإن لم يكن فيه سوى قوله : \" أنا جليس من ذكرني \" لكان ذلك كافياً.\rوالذكر عنوان الولاية ، وبيان الوصلة ، وتحقيق الإرادة ، وعلامة صحة البداية ، ودلالة صفاء النهاية ، فليس وراء الذكر شيء ، وجميع الخصال المحمودة راجعة إلى الذكر ، ومُنْشَأَةٌ عن الذكر.\rقوله جلّ ذكره : { وَيَتَفَكَّرُونَ فِى خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ }.\rالتفكر نعمة كل طالب ، وثمرته الوصال بشرط العلم ، فإذا سلم الذكر عن الشوائب ورد صاحبه على مناهل التحقيق ، وإذا حصل الشهود والحضور سما صاحبه عن الفكر إلى حدود الذكر ، فالذكر سرمد.\rثم فكر الزاهدين في فناء الدنيا وقلة وفائها لطلابها فيزدادون بالفكرة زهداً فيها.\rوفكر العابدين في جميل الثواب فيزدادون نشاطاً عليه ورغبةً فيه.\rوفكر العارفين في الآلاء والنعم فيزدادون محبةً للحق سبحانه.\rقوله جلّ ذكره : { سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ }.\rالتسبيح يشير إلى سبح الأسرار في بحار التعظيم.\rقوله تعالى {رَبَّنَا إِنَّكَ مَنْ تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ (192)}\rمن ابتليته في الآجل بالحرقة فقد أخزيته ، ومن ابتليته بالفرقة في العاجل فقد أشقيته ، ومن أوليته بِيُمْنِ الوصلة فقد آويته وأدنيته.\rأ هـ {لطائف الإشارات حـ 1 صـ 304 ـ 306}. بتصرف يسير.","part":19,"page":130},{"id":8046,"text":"قوله تعالى { رَبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِيًا يُنَادِي لِلْإِيمَانِ أَنْ آَمِنُوا بِرَبِّكُمْ فَآَمَنَّا رَبَّنَا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئَاتِنَا وَتَوَفَّنَا مَعَ الْأَبْرَارِ (193)}\rمناسبة الآية لما قبلها\rقال البقاعى : \rولما ابتهلوا بهاتين الآيتين في الإنجاء عن النار توسلوا بذكر مسارعتهم إلى إجابة الداعي بقولهم {ربنآ} ولما كانت حالهم - لمعرفتهم بأنهم لا ينفكون عن تقصير وإن بالغوا في الاجتهاد ، لأنه لا يستطيع أحد أن يقدر الله حق قدره - شبيهة بحال من لم يؤمن ؛ اقتضى المقام التأكيد إشارة إلى هضم أنفسهم بالاعتراف بذنوبهم فقالوا مع علمهم بأن المخاطب عالم بكل شيء : {إننا} فأظهروا النون إبلاغاً في التأكيد {سمعنا منادياً} أي من قبلك ، وزاد في تفخيمه بذكر ما منه النداء مقيداً بعد الإطلاق بقوله : {ينادي} قال محمد بن كعب القرظي : هو القرآن ، ليس كلهم رأى النبي صلى الله عليه وسلم.\rولما كانت اللام تصلح للتعليل ومعنى \" إلى \" عبر بها فقيل : {للإيمان} ثم فسروه تفخيماً له بقولهم : {أن آمنوا بربكم} ثم أخبر بمسارعتهم إلى الإجابة بقولهم : {فآمنا} أي عقب السماع.","part":19,"page":131},{"id":8047,"text":"ثم أزالوا ما ربما يظن من ميلهم إلى ربوة الإعجاب بقولهم تصريحاً بما أفهمه التأكيد لمن علمه محيط : {ربنا فاغفر لنا ذنوبنا} أي التي أسلفناها قبل الإيمان بأن تقبل منا الإيمان فلا تزيغ قلوبنا ، فيكون جابّاً لما قبله عندك كما كان جابّاً له في ظاهر الشرع ، وكذا ما فرط منا بعد الإيمان ولو كان بغير توبة ، وإليه الإشارة بقولهم : {وكفر عنا سيآتنا} أي بأن توفقنا بعد تشريفك لنا بالإيمان لاجتناب الكبائر بفعل الطاعات المكفرة للصغائر {وتوفنا مع الأبرار} أي ليس لنا سيئات. أ هـ {نظم الدرر حـ 2 صـ 198 ـ 199}\rوقال الآلوسى :\r{ رَّبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِياً يُنَادِى للإيمان } على معنى القول أيضاً ، وهو كما قال شيخ الإسلام : حكاية لدعاء آخر مبني على تأملهم في الدليل السمعي بعد حكاية دعائهم السابق المبني على تفكرهم في الأدلة القطعية ، ولا يخفى أن ذلك التفكر مستدع في الجملة لهذا القول ، وفي تصدير مقدمة الدعاء بالنداء إشارة إلى كمال توجههم إلى مولاهم وعدم غفلتهم عنه مع إظهار كمال الضراعة والابتهال إلى معوّد الإحسان والإفضال ، وفي التأكيد إيذان بصدور ذلك عنهم بوفور الرغبة ومزيد العناية وكمال النشاط. أ هـ {روح المعانى حـ 4 صـ 163}\rفصل\rقال الفخر :\rفي المنادي قولان :\rأحدهما : أنه محمد عليه الصلاة والسلام وهو قول الأكثرين ، والدليل عليه قوله تعالى : {ادع إلى سَبِيلِ رَبّكَ} [ النحل : 125 ] {وَدَاعِياً إِلَى الله بِإِذْنِهِ} [ الأحزاب : 46 ] {أَدْعُو إلى الله} [ يوسف : 108 ]","part":19,"page":132},{"id":8048,"text":"والثاني : أنه هو القرآن ، قالوا إنه تعالى حكى عن مؤمني الإنس ذلك كما حكى عن مؤمني الجن قوله : {إنَّا سمعنا قرآناً عجباً يَهْدِى إِلَى الرشد فَئَامَنَّا بِهِ} [ الجن : 1 ، 2 ] قالوا : والدليل على أن تفسير الآية بهذا الوجه أولى لأنه ليس كل أحد لقي النبي صلى الله عليه وسلم ، أما القرآن فكل أحد سمعه وفهمه ، قالوا : وهذا وان كان مجازا إلا أنه مجاز متعارف ، لأن القرآن لما كان مشتملا على الرشد ، وكان كل من تأمله وصل به إلى الهدى إذا وفقه الله تعالى لذلك ، فصار كأنه يدعو إلى نفسه وينادي بما فيه من أنواع الدلائل ، كما قيل في جهنم : {تَدْعُواْ مَنْ أَدْبَرَ وتولى} [ المعارج : 17 ] إذ كان مصيرهم اليها ، والفصحاء والشعراء يصفون الدهر بأنه ينادي ويعظ ، ومرادهم منها دلالة تصاريف الزمان ، قال الشاعر :\rيا واضع الميت في قبره.. خاطبك الدهر فلم تسمع. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 9 صـ 117 ـ 118}\rفائدة\rقال الآلوسى\rوالتنوين في المنادى للتفخيم وإيثاره على الداعي للإشارة إلى كمال اعتنائه بشأن الدعوة وتبليغها إلى القريب والبعيد لما فيه من الإيذان برفع الصوت ، وقد كان شأنه الرفيع صلى الله عليه وسلم في الخطب ذلك الرفع حقيقة ، ففي الخبر كان صلى الله عليه وسلم إذا خطب احمرت عيناه وعلا صوته واشتد غضبه كأنه منذر جيش يقول : صبحكم ومساكم.. أ هـ {روح المعانى حـ 4 صـ 163}\rفصل\rقال الفخر :\rفي قوله : {يُنَادِى للإيمان} وجوه :","part":19,"page":133},{"id":8049,"text":"الأول : أن اللام بمعنى \"إلى\" كقوله : {ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا نُهُواْ عَنْهُ} [ المجادلة : 8 ] {ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُواْ} [ المجادلة : 3 ] {بِأَنَّ رَبَّكَ أوحى لَهَا} [ الزلزلة : 5 ] {الحمد لِلَّهِ الذى هَدَانَا لهذا} [ الأعراف : 43 ] ويقال : دعاه لكذا والى كذا ، وندبه له واليه ، وناداه له وإليه ، وهداه للطريق وإليه ، والسبب في إقامة كل واحدة من هاتين اللفظتين مقام الأخرى : أن معنى انتهاء الغاية ومعنى الاختصاص حاصلان جميعا.\rالثاني : قال أبو عبيدة : هذا على التقديم والتأخير ، أي سمعنا مناديا للإيمان ينادي بأن آمنوا ، كما يقال : جاءنا منادي الأمير ينادي بكذا وكذا.\rوالثالث : أن هذه اللام لام الأجل والمعنى : سمعنا مناديا كان نداؤه ليؤمن الناس ، أي كان المنادي ينادي لهذا الغرض ، ألا تراه قال : {أن آمنوا بربكم} أي لتؤمن الناس ، وهو كقوله : {وَمَا أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إلاَّ لِيُطَاعَ بِإِذْنِ الله} [ النساء : 64 ]. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 9 صـ 118}\rلطيفة\rقال الآلوسى :\rوفي إطلاق المنادى أولاً حيث قال سبحانه : { مُنَادِياً } ولم يذكر ما دعي له ، ثم قوله عز شأنه بعد : { يُنَادِى للإيمان } ما لا يخفى من التعظيم لشأن المنادى والمنادى له ، ولو قيل من أول الأمر { مُنَادِياً للإيمان } لم يكن بهذه المثابة ، وحذف المفعول الصريح لينادي إيذاناً بالعموم أي ينادي كل واحد. أ هـ {روح المعانى حـ 4 صـ 164}\rسؤال وجوابه\rقال الفخر :\rههنا سؤال وهو أن يقال : ما الفائدة في الجمع بين المنادي وينادي ؟","part":19,"page":134},{"id":8050,"text":"وجوابه : ذكر النداء مطلقا ثم مقيدا بالإيمان تفخيما لشأن المنادي ، لأنه لا منادي أعظم من مناد ينادي للإيمان ، ونظيره قولك : مررت بهاد يهدي للاسلام ، وذلك لأن المنادي إذا أطلق ذهب الوهم إلى مناد للحرب ، أو لاطفاء النائرة ، أو لاغاثة المكروب ، أو الكفاية لبعض النوازل ، وكذلك الهادي ، وقد يطلق على من يهدي للطريق ، ويهدي لسداد الرأي ، فإذا قلت ينادي للإيمان ويهدي للإسلام فقد رفعت من شأن المنادي والهادي وفخمته. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 9 صـ 118}\rقوله تعالى {ربنا فاغفر لَنَا ذُنُوبَنَا وَكَفّرْ عَنَّا سيئاتنا وَتَوَفَّنَا مَعَ الأبرار}\rفصل\rقال الفخر :\rاعلم أنهم طلبوا من الله تعالى في هذا الدعاء ثلاثة أشياء : أولها : غفران الذنوب ، وثانيها : تكفير السيئات ، وثالثها : أن تكون وفاتهم مع الأبرار.\rأما الغفران فهو الستر والتغطية ، والتكفير أيضا هو التغطية ، يقال : رجل مكفر بالسلاح ، أي مغطى به ، والكفر منه أيضا ، وقال لبيد :\rفي ليلة كفر النجوم ظلامها.. إذا عرفت هذا : فالمغفرة والتكفير بحسب اللغة معناهما شيء واحد.\rأما المفسرون فذكروا فيه وجوها :\rأحدها : أن المراد بهما شيء واحد وإنما أعيد ذلك للتأكيد لأن الالحاح في الدعاء والمبالغة فيه مندوب ،\rوثانيها : المراد بالأول ما تقدم من الذنوب ، وبالثاني المستأنف ،\rوثالثها : أن يريد بالغفران ما يزول بالتوبة ، وبالكفران ما تكفره الطاعة العظيمة ،\rورابعها : أن يكون المراد بالاول ما أتى به الإنسان مع العلم بكونه معصية وذنبا ، وبالثاني : ما أتى به الإنسان مع جهله بكونه معصية وذنبا. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 9 صـ 118 ـ 119}","part":19,"page":135},{"id":8051,"text":"وقال الآلوسى : \r{ رَبَّنَا } تكرير كما قيل للتضرع وإظهار لكمال الخضوع وعرض للاعتراف بربوبيته تعالى مع الإيمان به { فاغفر لَنَا } مرتب على الإيمان به تعالى والإقرار بربوبيته كما تدل عليه الفاء أي فاستر لنا { ذُنُوبَنَا } أي كبائرنا { وَكَفّرْ عَنَّا سيئاتنا } أي صغائرنا ، وقيل : المراد من الذنوب ما تقدم من المعاصي ، ومن السيئآت ما تأخر منها ، وقيل : الأول ما أتى به الإنسان مع العلم بكونه معصية ، والثاني ما أتى به من الجهل بذلك ، والأول هو التفسير المؤثور عن ابن عباس.\rوأيد بأنه المناسب للغة لأن الذنب مأخوذ من الذنب بمعنى الذيل ، فاستعمل فيما تستوخم عاقبته وهو الكبيرة لما يعقبها من الإثم العظيم ، ولذلك تسمى تبعة اعتباراً بما يتبعها من العقاب كما صرح به الراغب ، وأما السيئة فمن السوء وهو المستقبح ولذلك تقابل بالحسنة فتكون أخف ، وتأييده بأن الغفران مختص بفعل الله تعالى والتكفير قد يستعمل في فعل العبد كما يقال : كفّر عن يمينه وهو يقتضي أن يكون الثاني أخف من الأول على تحمل ما فيه إنما يقتضي مجرد الأخفية.\rوأما كون الأول الكبائر والثاني الصغائر بالمعنى المراد فلا يجوز يراد بالأول والثاني ما ذكر في القول الثالث ، فإن الأخفية وعدمها فيه مما لا سترة عليه كما لا يخفى ، ثم المفهوم من كثير من عبارات اللغويين عدم الفرق بين الغفران والتكفير بل صرح بعضهم بأن معناهما واحد.","part":19,"page":136},{"id":8052,"text":"وقيل : في التكفير معنى زائد وهو التغطية للأمن من الفضيحة ، وقيل : إنه كثيراً ما يعتبر فيه معنى الإذهاب والإزالة ولهذا يعدى بعن والغفران ليس كذلك ، وفي ذكر { لَنَا } و{ عَنَّا } في الأية مع أنه لو قيل : فاغفر ذنوبنا وكفر سيئآتنا لأفاد المقصود إيماء إلى وفور الرغبة في هذين الأمرين ، وادعى بعضهم أن الدعاء الأول متضمن للدعاء بتوفيق الله تعالى للتوبة لأنه السبب لمغفرة الكبائر وأن الدعاء الثاني متضمن لطلب التوفيق منه سبحانه للاجتناب عن الكبائر لأنه السبب لتكفير الصغائر ، وأنت تعلم المغفرة غير مشروطة بالتوبة عند الأشاعرة.\rوأن بعضهم احتج بهذه الآية على ذلك حيث إنهم طلبوا المغفرة بدون ذكر التوبة بل بدون التوبة بدلالة فاء التعقيب كذا قيل ، وسيأتي تحقيق ما فيه فتدبر. أ هـ {روح المعانى حـ 4 صـ 164 ـ 165}\rسؤال : فإن قيل : ما فائدة قوله {ربنا فاغفر لَنَا ذُنُوبَنَا وَكَفّرْ عَنَّا سيئاتنا} وتكفير السيئات داخل فى غفران الذنوب ؟\rقلنا الغفران مجرد فضل ، والتكفير محو السيئات بالحسنات. أ هـ {تفسير الرازى صـ 73}\rقوله تعالى {وَتَوَفَّنَا مَعَ الأبرار}\rفصل\rقال الفخر :\rوأما قوله : {وَتَوَفَّنَا مَعَ الأبرار} ففيه بحثان : الأول : أن الأبرار جمع بر أو بار ، كرب وأرباب ، وصاحب وأصحاب ،\rالثاني : ذكر القفال في تفسير هذه المعية وجهين :\rالأول : أن وفاتهم معهم هي أن يموتوا على مثل أعمالهم حتى يكونوا في درجاتهم يوم القيامة ، قد يقول الرجل أنا مع الشافعي في هذه المسألة ، ويريد به كونه مساويا له في ذلك الاعتقاد ،\rوالثاني : يقال فلان في العطاء مع أصحاب الألوف ، أي هو مشارك لهم في أنه يعطي ألفا.\rوالثالث : أن يكون المراد منه كونهم في جملة أتباع الأبرار وأشياعهم ، ومنه قوله : {فأولئك مَعَ الذين أَنْعَمَ الله عَلَيْهِم مّنَ النبيين والصديقين} [ النساء : 69 ]. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 9 صـ 119}","part":19,"page":137},{"id":8053,"text":"وقال الآلوسى :\r{ وَتَوَفَّنَا مَعَ الأبرار } أي مخصوصين بالانخراط في سلكهم والعدّ من زمرتهم ولا مجال لكون المعية زمانية إذ منهم من مات قبل ، ومن يموت بَعْدُ ، وفي طلبهم التوفي وإسنادهم له إلى الله تعالى إشعار بأنهم يحبون لقاء الله تعالى ومن أحب لقاء الله تعالى أحب الله تعالى لقاءه.\rونكتة قولهم { مَعَ الأبرار } دون أبراراً التذلل ، وأن المراد لسنا بأبرار فاسلكنا معهم واجعلنا من أتباعهم ، وفي \"الكشف\" إن في ذلك هضماً للنفس وحسن أدب مع إدماج مبالغة لأنه من باب وهو من العلماء بدل عالم. أ هـ {روح المعانى حـ 4 صـ 165}. بتصرف يسير.\rفصل\rقال الفخر :\rاحتج أصحابنا على حصول العفو بدون التوبة بهذه الآية أعني قوله تعالى حكاية عنهم : {فاغفر لَنَا ذُنُوبَنَا} والاستدلال به من وجهين :\rالأول : أنهم طلبوا غفران الذنوب ولم يكن للتوبة فيه ذكر ، فدل على أنهم طلبوا المغفرة مطلقا ، ثم إن الله تعالى أجابهم إليه لأنه قال في آخر الآية : {فاستجاب لَهُمْ رَبُّهُمْ} [ آل عمران : 195 ] وهذا صريح في أنه تعالى قد يعفو عن الذنب وان لم توجد التوبة.\rوالثاني : وهو أنه تعالى حكى عنهم أنهم لما أخبروا عن أنفسهم بأنهم آمنوا ، فعند هذا قالوا : فاغفر لنا ذنوبنا ، والفاء في قوله : {فاغفر} فاء الجزاء وهذا يدل على أن مجرد الإيمان سبب لحسن طلب المغفرة من الله ، ثم إن الله تعالى أجابهم إليه بقوله : {فاستجاب لَهُمْ رَبُّهُمْ} فدلت هذه الآية على أن مجرد الإيمان سبب لحصول الغفران ، إما من الابتداء وهو بأن يعفو عنهم ولا يدخلهم النار أو بأن يدخلهم النار ويعذبهم مدة ثم يعفو عنهم ويخرجهم من النار ، فثبت دلالة هذه الآية من هذين الوجهين على حصول العفو. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 9 صـ 119}","part":19,"page":138},{"id":8054,"text":"فصل\rقال الفخر :\rاحتج أصحابنا بهذه الآية على أن شفاعة محمد صلى الله عليه وسلم في حق أصحاب الكبائر مقبولة يوم القيامة ، وذلك لأن هذه الآية دلت على أن هؤلاء المؤمنين طلبوا من الله غفران الذنوب مطلقا من غير أن قيدوا ذلك بالتوبة ، فأجاب الله قولهم وأعطاهم مطلوبهم فإذا قبل شفاعة المؤمنين في العفو عن الذنب ، فلأن يقبل شفاعة محمد صلى الله عليه وسلم فيه كان أولى. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 9 صـ 119}\rفوائد لغوية\rقال ابن عادل :\r\" سمع \" إن دخلت على ما يصح أن يُسْمَعَ - نحو : سمعتُ كلامكَ وقراءتك - تَعَدَّتْ لواحدٍ ، فإن دخلت على ما يصح سماعهُ - بأن كان ذاتاً - فلا يصحُّ الاقتصارُ عليه وَحْدَه ، بل لا بد من الدلالة على شيء يُسْمَع ، نحو سمعتُ رجلاً يقول كذا ، وسمعت زيداً يتكلم ، وللنحويين - في هذه المسألة - قولانِ :\rأحدهما : أنها تتعدى فيه - أيضاً - إلى مفعولٍِ واحدٍ ، والجملة الواقعة بعد المنصوب صفة إن كان قبلها نكرة ، أو حالاً ، إن كان معرفة.\rوالثاني : - قول الفارسيُّ وجماعة - : أنها تتعدى لاثنين ، والجملة في محلِّ الثاني منهما ، فعلى قول الجمهورِ يكون \" يُنَادِي \" في محل نَصْبٍ ، لأنهُ صفةٌ لمنصوبٍ قبلهُ ، وعلى قول الفارسيِّ يكون في محل نصْبٍ على أنه مفعولٌ ثانٍ.\rوقال الزمخشريُّ : \" تقول : سمعت رجلاً يقولُ كذا ، وسمعت زيداً يتكلمُ ، فتوقع الفعل على الرجل ، وتحذف المسموع ؛ لأنك وصفته بما يسمع ، أو جعلته حالاً منه ، فأغناك عن ذِكْره ، ولولا الوصف أو الحالُ لم يكن منه بُدٌّ ، وأن تقول : سمعتُ كلامَ فلانٍ أو قَوْلَهُ \".\rوهذا قولُ الجمهورِ المتقدم ذِكره.","part":19,"page":139},{"id":8055,"text":"إلا أن أبا حيّان اعترض عليه ، فقال \" وقوله : ولولا الوصفُ أو الحالُ... إلى آخره ، ليس كذلك ، بل لا يكونُ وَصْفٌ ولا حالٌ ، ويدخل \" سَمِعَ \" على ذات على مسموع ، وذلك إذا كان في الكلام ما يُشْعِر بالمسموع - وإن لم يكن وَصْفاً ولا حالاً - ومنه قوله تعالى : { قَالَ هَلْ يَسْمَعُونَكُمْ إِذْ تَدْعُونَ } [ الشعراء : 72 ] فأغنى ذكر طرف الدعاء عن ذكر المسموع \".\rوأجاز أبو البقاء في \" يُنَادِي \" أن تكون في محل نَصْبٍ على الحال من الضمير المستكن في \" مُنَادِياً \". فإن قيل : ما الفائدة في الجمع بين \" مُنَادِياً \" و\" يُنَادِي \" ؟ \rفأجاب الزمخشريُّ بأنه ذَكَر النداء مطلقاً ، ثم مقيَّداً بالإيمانِ ، تفخيماً لشأن المُنَادِي ؛ لأنه لا مناديَ أعظمُ من منادٍ ينادي للإيمان ، ونحوه قولك : مررت بهادٍ يهدي للإسلام ، وذلك أن المنادِيَ إذا أطلق ذهب الوَهم إلى منادٍ للحرب ، أو لإطفاء الثائرة ، أو لإغاثة المكروبِ ، أو لكفاية بعض النوازلِ ، أو لبعض المنافعِ وكذلكَ الهادي يُطلق على مَنْ يهدي للطريق ، ويهدي لسدادِ الرأي ، وغير ذلك فإذا قُلْتَ : ينادي للإيمان ، ويهدي للإسلام فقد رَفَعْتَ من شأن المنادِي والهادي وفخّمته.\rوأجاب أبو البقاء بثلاثة أجوبةٍ : \rأحدها : التوكيد ، نحو : قُم قَائِماً.\rالثاني : أنه وصل به ما حسَّن التكرير ، وهو الإيمان.\rالثالث : أنه لو اقتصر على الاسم لجاز أن يكون \" سَمِعَ \" مقروناً بالنداء بذكر ما ليس بنداءٍ ، فلمَّا قال : \" يُنَادي \" محذوفٌ ، أي : ينادي في الناس ، وبجوز ألا يُرادَ مفعول ، نحو : أمات وأحيا.\rونادى ودعا يتعديان باللام تارةٌ ، وب \" إلى \" أخرى ، وكذلك نَدَبَ.\r","part":19,"page":140},{"id":8056,"text":"قال الزمخشريُّ : وذلك أن معنى انتهاءِ الغايةِ ومعنى الاختصاص واقعان جميعاً ، فاللام في موضعها ولا حاجةَ إلى أن يقالَ : إنها بمعنى \" إلى \" ولا أنها بمعنى الباء ، ولا أنها لام العلة - أي : لأجل الإيمان - كما ذهب إليه بعضهم ووجه المجاز فيه أنه لما كان مشتملاً على الرشد وكان كل مَنْ تأمَّلَه وَصَلَ به إلى الهدى - إذا وفَّقه الله لذلك - صار كأن يدعو إلى الهُدَى ، وينادي يما فيه من أنواعِ الدلائلِ ، كما قيل - في جهنم - : { تَدْعُو مَنْ أَدْبَرَ وتولى } [ المعارج : 17 ] إذْ كان مصيرهم إليها.\rقوله : \" أَنْ آمَنُوا \" في \" أن \" قولان : \rأحدهما : أنها تفسيرية ؛ لأنها وقعت بعد فعل بمعنى القول لا حروفه ، وعلى هذا فلا موضع لها من الإعرابِ.\rثانيهما : أنها مصدرية ، وصلت بفعل الأمرِ ، وفي وَصْلِها به نظرٌ ، من حيثُ إنها إذا انسبك منها وما بعدها مصدر تفوت الدلالة على الأمرية ، واستدلوا على وَصْلِها بالأمر بقولهم. كتبت إليه بأن قُمْ فهي - هنا - مصدرية [ ليس إلا ، وإلا يلزم عدم تعلُّق حرف الجر ، وإذا قيل بأنها مصدرية ] فالأصل التعدي إليها بالباء ، أي : بأن آمنوا ، فيكون فيها المذهبانِ المشهورانِ - الجرُّ والنصبُ.\rقوله : \" فآمَنَّا \" عطف على ما \" سَمِعْنَا \" والعطف بالفاء مؤذن بتعجيل القبولِ وتسبب الإيمانِ على السَّماع من غير مُهْلَة ، والمعنى : فآمنا بربنا.\rقوله : { رَبَّنَا فاغفر لَنَا ذُنُوبَنَا وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئَاتِنَا وَتَوَفَّنَا مَعَ الأبرار } اعلم أنهم قد طلبوا من الله في هذا الدعاءِ ثلاثةَ أشياءٍ : \rأحدهَا : غفران الذنوب ، والغفران : هو الستر والتغطية.\rثانيها : التكفير ، وهو التغطية - أيضاً - يقال : رجل مُكَفَّرٌ بالسِّلاح - أي : مُغَطَّى - ومنه الكُفْر - أيضاً -\r","part":19,"page":141},{"id":8057,"text":"قال الشاعرُ : [ الكامل ]\r....................... فِي لَيْلَةٍ كَفَرَ النُّجُومَ ظَلاَمُهَا\rفالمغفرة والتكفير - بحسب اللغة - معناهما شيء واحد ، وأما المفسرون فقال بعضهم : المرادُ بهما شيءٌ واحدٌ ، وإنما أعيد ذلك للتأكيد ؛ لأن الإلحاحَ والمبالغة في الدعاء أمرٌ مطلوبٌ.\rوقيل : المرادُ بالأول ما تقدم من الذنوب ، وبالثاني المستأنفُ.\rوقيل : المرادُ بالغُفْران ما يزول بالتوبة ، وبالتكفير ما تكفِّره الطاعةُ العظيمةُ.\rوقيل : المرادُ بالأولِ : ما أتى به الإنسانُ مع العلمِ بكونهِ معصية ، وبالثاني ما أتى به مع الجَهْل.\rثالثها : قوله : { وَتَوَفَّنَا مَعَ الأبرار } أي : توفَّنا معدودين في صُحْبَتِهم ، فيكون الظرفُ متعلِّقاً بما قَبْلهُ ، وقيل : تُجَوَّزَ به عن الزمان ويجوز أن يكون حالاً من المفعول ، فيتعلق بمحذوف.\rوأجازَ مَكِّيٍّ ، وأبو البقاءِ : أن يكون صفة لموصوف محذوف ، أي : أبراراً مع الأبرارِ ، كقوله : [ الوافر ]\rكأنَّكَ مِنْ جِمَالِ بَنِي أقَيْشٍ... يُقَعْقَعُ خَلْفَ رِجْلَيْهِ بِشَنّ\rأي : كأنك جمل من جمال.\rقال أبو البقاء : \" [ تقديره ] أبراراً مع الأبرار ، وأبراراً - على هذا - حالٌ \". والأبرار يجوز أن يكونَ جمع بارّ - كصاحب وأصحاب ، ويجوز أن يكون جمع بَرٍّ ، بزنة : كَتِف وأكتاف ، ورَبّ وأرْبَاب.أ هـ {تفسير ابن عادل حـ 6 صـ 119 ـ 121}. بتصرف.\rمن لطائف الإمام القشيرى فى الآية\rقال عليه الرحمة :\r{ رَبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِيًا يُنَادِي لِلْإِيمَانِ أَنْ آَمِنُوا بِرَبِّكُمْ فَآَمَنَّا رَبَّنَا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئَاتِنَا وَتَوَفَّنَا مَعَ الْأَبْرَارِ (193)}\rيعني أَجَبْنَا الداعي ولكن أنت الهادي ، فلا تَكِلْنَا إلينا ، ولا ترفع ظلَّ عنايتك عَنَّا.\rوالإيمان الدخول في مُوجِبات الأَمَان ، وإنما يؤمِن بالحق من أَمَّنَه الحق ، فأَمَانُ الحق للعبد - الذي هو إجارته - يوجِب إيمانَ العبدِ بالحق الذي هو تصديقه ومعرفته.\r{ وَتَوَفَّنَا مَعَ الأَبْرَارِ } : وهم المختصون بحقائق التوحيد ، القائمون لله بشرائط التفريد ، والواقفون مع الله بخصائص التجريد. أ هـ {لطائف الإشارات حـ 1 صـ 306 ـ 307}","part":19,"page":142},{"id":8058,"text":"قوله تعالى { رَبَّنَا وَآَتِنَا مَا وَعَدْتَنَا عَلَى رُسُلِكَ وَلَا تُخْزِنَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّكَ لَا تُخْلِفُ الْمِيعَادَ (194)}\rمناسبة الآية لما قبلها\rقال البقاعى :\rولما كان الله سبحانه وتعالى هو المالك التام الملك ، فهو ذو التصرف المطلق الذي لا يجب عليه شيء ، ولا يقبح منه شيء ؛ أشار إلى ذلك بقوله ملقناً لهم مكرراً صفة الإحسان تنبيهاً على مزيد الابتهال والتضرع والتخضع والتخشع : {ربنا وآتنا ما وعدتنا} ثم أشار إلى صدق هذا الوعد بحرف الاستعلاء الدال على الالتزام والوجوب فقال : {على رسلك} أي من إظهار الدين والنصر على الأعداء وحسن العاقبة وإيراث الجنة في مثل قوله تعالى : {وبشر الذين آمنوا وعملوا الصالحات أن لهم جنات} [ البقرة : 25 ] وفي الدعاء بذلك إشارة إلى أنه لا يجب على الله سبحانه وتعالى شيء ولو تقدم به وعده الصادق وإن كنا نعتقد أنه لا يبدل القوة لديه {ولا تخزنا يوم القيامة} أي بالمؤاخذة بالسيئاتن ثم أرشدهم إلى الإلهاب والتهييج مع التنبيه على ما نبه عليه أولاً من أنه لا يجب عليه شيء بقوله باسطاً لهم بلذة المنادمة بالمخاطبة : {إنك لا تخلف الميعاد }. أ هـ {نظم الدرر حـ 2 صـ 199}\rفصل\rقال الفخر :\rقوله : {رَبَّنَا وَءاتِنَا مَا وَعَدتَّنَا على} فيه حذف المضاف ثم فيه وجوه :\rأحدها : وآتنا ما وعدتنا على ألسنة رسلك.","part":19,"page":143},{"id":8059,"text":"وثانيها : وآتنا ما وعدتنا على تصديق رسلك ، والدليل عليه أن هذه الآية مذكورة عقيب ذكر المنادي للإيمان وهو ، الرسول وعقيب قوله : {آمنا} وهو التصديق. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 9 صـ 120}\rفائدة\rقال ابن عاشور :\rوالمراد بالرسل في قوله : { على رسلك } خصوص محمد صلى الله عليه وسلم أطلق عليه وصف \"رسل\" تعظيماً لقوله تعالى : { فلا تحسبن اللَّه مخلف وعده رسله } [ إبراهيم : 47 ].\rومنه قوله تعالى : { وقوم نوح لما كذبوا الرسل أغرقناهم } [ الفرقان : 37 ]. أ هـ {التحرير والتنوير حـ 3 صـ 311}\rسؤال وجوابه\rقال الفخر :\rههنا سؤال : وهو أن الخلف في وعد الله محال ، فكيف طلبوا بالدعاء ما علموا أنه لا محالة واقع ؟\rوالجواب عنه من وجوه :\rالأول : أنه ليس المقصود من الدعاء طلب الفعل ، بل المقصود منه إظهار الخضوع والذلة والعبودية ، وقد أمرنا بالدعاء في أشياء نعلم قطعا أنها توجد لا محالة ، كقوله : {قُل رَّبّ احكم بالحق} [ الأنبياء : 112 ] وقوله : {فاغفر لِلَّذِينَ تَابُواْ واتبعوا سَبِيلَكَ} [ غافر : 7 ].\rوالوجه الثاني في الجواب : أن وعد الله لا يتناول آحاد الأمة بأعيانهم ، بل إنما يتناولهم بحسب أوصافهم ، فإنه تعالى وعد المتقين بالثواب ، ووعد الفساق بالعقاب ، فقوله : {وَءاتِنَا مَا وعدتنا} معناه : وفقنا للاعمال التي بها نصير أهلا لوعدك ، واعصمنا من الأعمال التي نصير بها أهلا للعقاب والخزي ، وعلى هذا التقدير يكون المقصود من هذه الآية طلب التوفيق للطاعة والعصمة عن المعصية.\rالوجه الثالث : أن الله تعالى وعد المؤمنين بأن ينصرهم في الدنيا ويقهر عدوهم ، فهم طلبوا تعجيل ذلك ، وعلى هذا التقدير يزول الإشكال. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 9 صـ 120}","part":19,"page":144},{"id":8060,"text":"وقال القرطبى : \rإن قيل : ما وجه قولهم { رَبَّنَا وَآتِنَا مَا وَعَدتَّنَا على رُسُلِكَ } وقد علموا أنه لا يخلف الميعاد ؛ فالجواب من ثلاثة أوجه : \rالأوّل : أن الله سبحانه وعد من آمن بالجنة ، فسألوا أن يكونوا ممن وُعِد بذلك دون الْخزِي والعِقاب.\rالثاني : أنهم دعوا بهذا الدعاء على جهة العبادة والخضوع ؛ والدعاء مُخّ العبادة.\rوهذا كقوله : { قَالَ رَبِّ احكم بالحق } [ الأنبياء : 112 ] وإن كان هو لا يقضِي إلاَّ بالحق.\rالثالث : سألوا أن يُعطوا ما وعِدوا به من النصر على عدوّهم معجَّلا ؛ لأنها حكاية عن أصحاب النبيّ صلى الله عليه وسلم ، فسألوه ذلك إعزازاً للدّين. والله أعلم.\rوروى أنس بن مالك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : \" من وعده الله عزّ وجلّ على عمل ثواباً فهو مُنْجِزٌ له رحمة وَمن وعده على عمل عقاباً فهو فيه بالخيار \" والعرب تذمّ بالمخالفة في الوعد وتمدح بذلك في الوعيد ؛ حتى قال قائلهم : \rولا يرهَبُ ابن العمّ ما عِشتُ صَوْلَتِي . . .\rولا أخْتَفِي من خَشْيَة المتَهَدِّدِ\rوإنِّي متى أوْعدتُه أو وعدته . . .\rلَمْخلِفُ إيْعادِي وَمُنْجِزُ مَوْعِدِي. أ هـ {تفسير القرطبى حـ 4 صـ 318}","part":19,"page":145},{"id":8061,"text":"وقال الآلوسى :\rفإن قلت : إن وعد الله تعالى واجب الوقوع لاستحالة الخلف في وعده سبحانه إجماعاً فكيف طلب القوم ما هو واقع لا محالة ؟\rقلت أجيب بأن وعد الله تعالى لهم ليس بحسب ذواتهم بل بحسب أعمالهم ، فالمقصود من الدعاء التوفيق للأعمال التي يصيرون بها أهلا لحصول الموعود ، أو المقصود مجرد الاستكانة والتذلل لله تعالى بدليل قولهم : { إِنَّكَ لاَ تُخْلِفُ الميعاد } وبهذا يلتئم التذييل أتم التئام ، واختار هذا الجبائي وعلي بن عيسى ، أو الدعاء تعبدي لقوله سبحانه : { ادعونى } [ غافر : 60 ] فلا يضر كونه متعلقاً بواجب الوقوع ، وما يستحيل خلافه ، ومن ذلك { رَبّ احكم بالحق } [ الأنبياء : 112 ] ، وقيل : إن الموعود به هو النصر لا غير ، والقوم قد علموا ذلك لكنهم لم يوقت لهم في الوعد ليعلموه فرغبوا إلى الله تعالى في تعجيل ذلك لما فيه من السرور بالظفر ، فالموعود غير مسؤول والمسؤول غير موعود ، فلا إشكال وإلى هذا ذهب الطبري وقال : إن الآية مختصة بمن هاجر من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم واستبطأوا النصر على أعدائهم بعد أن وعدوا به وقالوا : لا صبر لنا على أناتك وحلمك ، وقوى بما بعد من الآيات وكلام أبي القاسم البلخي يشير إلى هذا أيضاً وفيه كلام يعلم مما قدمنا ، وقيل : ليس هناك دعاء حقيقة بل الكلام مخرّج مخرج المسألة والمراد منه الخبر ولا يخفى أنه بمعزل عن التحقيق ، ويزيده وهناً على وهن قوله سبحانه. أ هـ {روح المعانى حـ 4 صـ 167}\rوقال ابن عاشور :\rأجاب القرافي في الفرق بأنّهم سألوا ذلك لأنّ حصوله مشروط بالوفاة على الإيمان ، وقد يؤيّد هذا بأنّهم قدّموا قبله قولهم : { وتوقنا مع الأبرار } لكن هذا الجواب يقتضي قصر الموعود به على ثواب الآخرة ، وأعادوا سؤال النجاة من خزي يوم القيامة لشدّته عليهم.","part":19,"page":146},{"id":8062,"text":"وقيل : إنّ الموعود الذي سألوه هو النصر على العدوّ خاصّة ، فالدعاء بقولهم : { وآتنا ما وعدتنا على رسلك } مقصود منه تعجيل ذلك لهم ، يعني أنّ الوعد كان لمجموع الأمّة ، فكلّ واحد إذا دعا بهذا فإنّما يعني أن يجعله الله ممَّن يرى مصداق وعد الله تعالى خشية أن يفوتهم.\rوهذا كقول خبّاب بن الأرتّ : هاجرنا مع النبي نلتمس وجه الله فوقع أجرنا على الله فمِنَّا مَن أيْنَعَتْ له ثمرته فهو يهدبُها ، ومنَّا من مات لم يأكُل من أجره شيئاً ، منهم مصعب بن عمير ، قتل يوم أحُد ، فلم نجد له ما نكفّنه إلاّ بُردة\" إلخ.\rوقد ابتدأوا دعاءهم وخلّلوه بندائه تعالى : خمس مرات إظهار للحاجة إلى إقبال الله عليهم. أ هـ {التحرير والتنوير حـ 3 صـ 312}. بتصرف.\rفصل\rقال الفخر :\rالآية دلت على أنهم إنما طلبوا منافع الآخرة بحكم الوعد لا بحكم الاستحقاق لأنهم قالوا : ربنا وآتنا ما وعدتنا على رسلك ، وفي آخر الكلام قالوا : {إِنَّكَ لاَ تُخْلِفُ الميعاد} وهذا يدل على أن المقتضي لحصول منافع الآخرة هو الوعد لا الاستحقاق. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 9 صـ 120}\rسؤال وجوابه\rقال الفخر :\rههنا سؤال آخر : وهو أنه متى حصل الثواب كان اندفاع العقاب لازما لا محالة ، فقوله : {آتَِنَا مَا وَعَدتَّنَا على رُسُلِكَ} طلب للثواب ، فبعد طلب الثواب كيف طلب ترك العقاب ؟ وهو قوله : {وَلاَ تُخْزِنَا يَوْمَ القيامة} بل لو طلب ترك العقاب أولا ثم طلب إيصال الثواب كان الكلام مستقيما.\rوالجواب من وجهين :\rالأول : أن الثواب شرطه أن يكون منفعة مقرونة بالتعظيم والسرور فقوله : {أَتَِنَا مَا وَعَدتَّنَا على رُسُلِكَ} المراد منه المنافع ، وقوله : {وَلاَ تُخْزِنَا} المراد منه التعظيم ،","part":19,"page":147},{"id":8063,"text":"الثاني : أنا قد بينا أن المقصود من هذه الآية طلب التوفيق على الطاعة والعصمة عن المعصية ، وعلى هذا التقدير يحسن النظم كأنه قيل : وفقتنا للطاعات ، وإذا وفقنا لها فاعصمنا عما يبطلها ويزيلها ويوقعنا في الخزي والهلاك ، والحاصل كأنه قيل : وفقنا لطاعتك فإنا لا نقدر على شيء من الطاعات إلا بتوفيقك ، وإذا وفقت لفعلها فوفقنا لاستبقائها فإنا لا نقدر على استبقائها واستدامتها إلا بتوفيقك ، وهو إشارة إلى أن العبد لا يمكنه عمل من الأعمال ، ولا فعل من الأفعال ، ولا لمحة ولا حركة إلا بإعانة الله وتوفيقه. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 9 صـ 120 ـ 121}\rقوله : {وَلاَ تُخْزِنَا يَوْمَ القيامة}\rقال الفخر :\rقوله : {وَلاَ تُخْزِنَا يَوْمَ القيامة} شبيه بقوله : {وَبَدَا لَهُمْ مّنَ الله مَا لَمْ يَكُونُواْ يَحْتَسِبُونَ} [ الزمر : 47 ] فإنه ربما ظن الإنسان أنه على الاعتقاد الحق والعمل الصالح ، ثم إنه يوم القيامة يظهر له أن اعتقاده كان ضلالا وعمله كان ذنبا ، فهناك تحصل الخجالة العظيمة والحسرة الكاملة والأسف الشديد ، ثم قال حكماء الإسلام : وذلك هو العذاب الروحاني.\rقالوا : وهذا العذاب أشد من العذاب الجسماني ، ومما يدل على هذا أنه سبحانه حكى عن هؤلاء العباد المؤمنين أنهم طلبوا في هذا الدعاء أشياء فأول مطالبهم الاحتراز عن العذاب الجسماني وهو قوله : {فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ} [ آل عمران : 191 ] وآخرها الاحتراز عن العذاب الروحاني وهو قوله : {وَلاَ تُخْزِنَا يَوْمَ القيامة} وذلك يدل على أن العذاب الروحاني أشد من العذاب الجسماني. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 9 صـ 121}\rقوله تعالى { إنك لا تخلف الميعاد }\rقال أبو حيان :\r{ إنك لا تخلف الميعاد } ظاهره أنه تعليل لقوله : { وآتنا ما وعدتنا }.","part":19,"page":148},{"id":8064,"text":"وقال ابن عطية : إشارة إلى قوله تعالى : { يوم لا يخزي الله النبي والذين آمنوا معه } فهذا وعده تعالى ، وهو دال على أنّ الخزي إنما هو مع الخلود انتهى.\rوانظر إلى حسن محاورة هؤلاء الذاكرين المتفكرين ، فإنهم خاطبوا الله تعالى بلفظة ربنا ، وهي إشارة إلى أنه ربهم أصلحهم وهيأهم للعباد ، فأخبروا أولاً بنتيجة الفكر وهو قولهم : { ربنا ما خلقت هذا باطلاً } ثم سألوه أن يقيهم النار بعد تنزيهه عن النقائص.\rوأخبروا عن حال من يدخل النار وهم الظالمون الذين لا يذكرون الله ، ولا يتفكرون في مصنوعاته.\rثم ذكروا أيضاً ما أنتج لهم الفكر من إجابة الداعي إلى الإيمان ، إذ ذاك مترتب على أنه تعالى ما خلق هذا الخلق العجيب باطلاً.\rثم سألوا غفران ذنوبهم ووفاتهم على الإيمان الذي أخبروا به في قولهم : فآمنا.\rثم سألوا الله الجنة وأنْ لا يفضحهم يوم القيامة ، وذلك هو غاية ما سألوه.\rوتكرر لفظ ربنا خمس مرات ، كلّ ذلك على سبيل الاستعطاف وتطلب رحمة الله تعالى بندائه بهذا الاسم الشريف الدال على التربية والملك والإصلاح.\rوكذلك تكرر هذا الاسم في قصة آدم ونوح وغيرهما.\rوفي تكرار ربنا ربنا دلالة على جواز الإلحاح في المسألة ، واعتماد كثرة الطلب من الله تعالى.\rوفي الحديث : \" ألظوا بيا ذا الجلال والإكرام \" وقال الحسن : ما زالوا يقولون ربنا ربنا حتى استجاب لهم.\rوهذه مسألة أجمع عليها علماء الأمصار. أ هـ {البحر المحيط حـ 3 صـ 149 ـ 150}\rفوائد لغوية\rقال ابن عادل :\rقوله تعالى : { رَبَّنَا وَآتِنَا مَا وَعَدتَّنَا على رُسُلِكَ } في هذا الجارّ ثلاثة أوجهٍ :\rأحدها : أنه متعلق بـ \" وعدتنا \".","part":19,"page":149},{"id":8065,"text":"قال الزمخشريُّ : \" على - هذه - صلة للوعد ، كما في قولك : وعد الله الْجَنَّةَ على الطَّاعَةِ ، والمعنى : ما وعدتنا مُنَزَّلاً على رسلك ، أو محمولاً على رسلك ؛ لأنَّ الرُّسُلَ مُحَمَّلون ذلك قال تعالى : { فَإِنَّمَا عَلَيْهِ مَا حُمِّلَ } [ النور : 54 ].\rوردَّ عليه أبو حيّان : بأنَّ الذي قدَّره محذوفاً كون مقيّد ، وقد عُلِم من القواعد أنَّ الظرفَ والجارَّ إذا وقعَا حالَيْن ، أو وَصْفَيْن ، أو خَبَرَيْن ، أو صِلَتَيْن تعلُّقاً بكون مطلق ، والجار - هنا - وقع حالاً ، فكيف يقدر متعلقه كوناً مقيَّداً ، وهو منزَّل ، أو محمول ؟\rثالثها : - ذكره أبو البقاء - أن يتعلق \" على \" بـ \" آتِنَا \" وقدر مضافاً ، فقال : على ألْسِنة رسُلك وهو حسن. وقرأ الأعمشُ : على رُسُلِكَ - بسكون السّينِ.\rقوله : { يَوْمَ القيامة } فيه وجهان :\rالأول : أنه منصوب بـ { وَلاَ تُخْزِنَ }.\rوالثَّاني : أنه أجاز أبو حيَّان أن يكونَ من باب الإعمالِ ؛ إذ يصلح أن يكون منصوباً بـ { وَلاَ تُخْزِنَ } وب { وَآتِنَا مَا وَعَدتَّنَا } إذا كان الموعود به الجنة. أ هـ {تفسير ابن عادل حـ 6 صـ 122 ـ 123}. بتصرف يسير.\rمن فوائد الآلوسى فى الآية\rقال رحمه الله :\r{ رَبَّنَا وَءاتِنَا } أي بعد التوفي { مَا وَعَدتَّنَا } أي به أو إياه ، والمراد بذلك الثواب { على رُسُلِكَ } إما متعلق بالوعد ، أو بمحذوف وقع صفة لمصدر مؤكد محذوف وعلى التقديرين في الكلام مضاف محذوف والتقدير على التقدير الأول ، وعدتنا على تصديق أو امتثال رسلك وهو كما يقال وعد الله تعالى الجنة على الطاعة ، وعلى الثاني وعدتنا وعداً كائناً على ألسنة رسلك ، ويجوز أن يتعلق الجار على تقدير الألسنة بالوعد أيضاً فتخف مؤنة الحذف وتعلقه بآتنا كما جوزه أبو البقاء خلاف الظاهر.","part":19,"page":150},{"id":8066,"text":"وبعض المحققين جوز التعلق بكون مقيد هو حال من ( ما ) أي منزلا أو محمولاً { على رُسُلِكَ }.\rواعترضه أبو حيان بأن القاعدة أن متعلق الظرف إذا كان كوناً مقيداً لا يجوز حذفه وإنما يحذف إذا كان كوناً مطلقاً ، وأيضاً الظرف هنا حال وهو إذا وقع حالاً أو خبراً أو صفة يتعلق بكون مطلق لا مقيد ، وأجيب بمنع انحصار التعلق في كون مطلق بل يجوز التعلق به أو بمقيد ، ويجوز حذفه إذا كان عليه دليل ولا يخفى متانة الجواب ، وأن إنكار أبي حيان ليس بشيء إلا أن تقدير كون مقيد فيما نحن فيه تعسف مستغنى عنه.\rوزعم بعضهم جواز كون { على } بمعنى مع ، وأنه متعلق بآتنا ولا حذف لشيء أصلاً ، والمراد آتنا مع رسلك وشاركهم معنا في أجرنا فإن الدال على الخير كفاعله ، وفائدة طلب تشريكهم معهم أداء حقهم وتكثير فضيلهم ببركة مشاركتهم ولا يخفى أن هذا مما لا ينبغي تخريج كلام الله تعالى الجليل عليه ، بل ولا كلام أحد من فصحاء العرب ، وتكرير النداء لما مرّ غير مرة وجمع الرسل مع أن المنادى هو واحد الآحاد صلى الله عليه وسلم وحده لما أن دعوته لا سيما على منبر التوحيد ، وما أجمع عليه الكل من الشرائع منطوية على دعوة الكل فتصديقه صلى الله عليه وسلم تصديق لهم عليهم السلام ، وكذا الموعود على لسانه عليه الصلاة والسلام من الثواب موعود على لسانهم وإيثار الجمع على الأول لإظهار الرغبة في تيار فضل الله تعالى إذ من المعلوم أن الثواب على تصديق رسل أعظم من الثواب على تصديق رسول واحد ، وعلى الثاني لإظهار كمال الثقة بإنجاز الموعود بناءاً على كثرة الشهود وتأخير هذا الدعاء بناءاً على ما ذكرنا في تفسير الموصول ، ويكاد يكون مقطوعاً به ظاهر لأن الأمر أخروي.","part":19,"page":151},{"id":8067,"text":"وأما إذا فسر بالنصر على الأعداء كما قيل فتأخيره عما قبله إما لأنه من باب التحلية والآخر من باب التخلية والتحلية متأخرة عن التخلية ، وإما لأن الأول مما يترتب على تحققه النجاة في العقبى وعلى عدمه الهلاك فيها ، والثاني ليس كذلك كما لا يخفى فيكون دونه فلهذا أخر عنه ، وأيد كون المراد النصر لا الثواب الأخروي تعقيب ذلك بقوله تعالى : ","part":19,"page":152},{"id":8068,"text":"{ وَلاَ تُخْزِنَا يَوْمَ القيامة } لأن طلب الثواب يغني عن هذا الدعاء لأن الثواب متى حصل كان الخزي عنهم بمراحل ، وهذا بخلاف ما إذا كان المراد من الأول الدعاء بالنصر في الدنيا فإن عدم الإغناء عليه ظاهر بل في الجمع بين الدعاءين حينئذ لطافة إذ مآل الأول لا تخزنا في الدنيا بغلبة العدو علينا فكأنهم قالوا : لا تخزنا في الدنيا ولا تخزنا في الآخرة ، وغايروا في التعبير فعبروا في طلب كل من الأمرين بعبارة للاختلاف بين المطلوبين أنفسهما ، وأجيب بأن فائدة التعقيب على ذلك التقدير الإشارة إلى أنهم طلبوا ثواباً كاملاً لم يتقدمه خزي ووقوع في بلاء وكأنهم لما طلبوا ما هو المتمنى الأعظم وغاية ما يرجوه الراجون في ذلك اليوم الأيْوَم ، وهو الثواب التفتوا إلى طلب ما يعظم به أمره ويرتفع به في ذلك الموقف قدره وهو ترك العذاب بالمرة ، وفي الجمع بين الأمرين على هذا من اللطف ما لا يخفى وأيضاً يحتمل أن يقال : إنهم طلبوا الثواب أولاً باعتبار أنه يندفع به العذاب الجسماني ، ثم طلبوا دفع العذاب الروحاني بناءاً على أن الخزي الإهانة والتخجيل ، فيكون في الكلام ترق من الأدنى إلى الأعلى كأنهم قالوا : ربنا ادفع عنا العذاب الجسماني وادفع عنا ما هو أشدّ منه وهو العذاب الروحاني ، وإن أنت أبيت هذا وذاك وادعيت التلازم بين الثواب وترك الخزي فلنا أن نقول : إن القوم لمزيد حرصهم وفرط رغبتهم في النجاة في ذلك اليوم الذي تظهر فيه الأهوال وتشيب فيه الأطفال لم يكتفوا بأحد الدعائين وإن استلزم الآخر بل جمعوا بينهما ليكون ذلك من الإلحاح والله تعالى يحب الملحين في الدعاء فهو أقرب إلى الإجابة ، وقدموا الأول لأنه أوفق بما قبله صيغة ومن الناس من يؤل هذا الدعاء بأنه طلب العصمة عما يقتضي الإخزاء ، وجعل ختم الأدعية ليكون ختامها مسكاً لأن\rالمطلوب فيه أمر عظيم ، والظرف متعلق بما عنده معنى ولفظاً ويجب ذلك قطعاً إن كان الكلام مؤلاً ، أو كان الموصول عبارة عن النصر ، ويترجح بل يكاد يجب أيضاً إذا كان الموصول عبارة عن الثواب واحتمال أنه مما تنازع فيه آتنا ولا تخزنا على ذلك التقدير هو كما ترى. أ هـ {روح المعانى حـ 4 صـ 165 ـ 166}","part":19,"page":153},{"id":8069,"text":"قوله تعالى { فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لَا أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِنْكُمْ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ فَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَأُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأُوذُوا فِي سَبِيلِي وَقَاتَلُوا وَقُتِلُوا لَأُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلَأُدْخِلَنَّهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ ثَوَابًا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الثَّوَابِ (195)}\rمناسبة الآية لما قبلها\rقال البقاعى :\rولما تسبب عن هذا الدعاء الإجابة لتكمل شروطه وهي استحضار عظمته تعالى بعد معرفته بالدليل وإدامة ذكره والتفكر في بدائع صنعه وافتتاحه بالثناء عليه سبحانه وتنزيهه والإخلاص في سؤاله قال : {فاستجاب} أي فأوجد الإجابة حتماً {لهم} قال الأصفهاني : وعن جعفر الصادق : من حزبه أمر فقال خمس مرات \" ربنا \" أنجاه الله مما يخاف ، وأعطاه ما أراد - وقرأ هذه الآية.","part":19,"page":154},{"id":8070,"text":"وأشار إلى أنها من منّه وفضله بقوله : {ربهم} أي المحسن إليهم المتفضل عليهم {إني لا أضيع عمل عامل منكم} كائناً من كان {من ذكر أو أنثى} وقوله معللاً : {بعضكم من بعض} التفات إلى قوله سبحانه {إن مثل عيسى عند الله كمثل آدم} [ آل عمران : 59 ] الناظر إلى قوله {ذرية بعضها من بعض} [ آل عمران : 34 ] المفتتح بأن الله سبحانه وتعالى {اصطفى آدم ونوحاً} [ آل عمران : 33 ] المنادي بأن البشر كلهم في العبودية للواحد - الذي ليس كمثله شيء الحي القيوم - سواء من غير تفاوت في ذلك أصلاً ، والمراد أنهم إذا كانوا مثلهم في النسب فهم مثلهم في الأجر على العمل.\rولما أقر أعينهم بألإجابة ، وكان قد تقدم ذكر الأنصار عموماً في قوله : {ويستبشرون بالذين لم يلحقوا بهم من خلفهم - وأن الله لا يضيع أجر المؤمنين} [ آل عمران : 170-171 ] خص المهاجرين بياناً لفضلهم وزيادة شرفهم بتحقيقهم لكونهم معه ، لم يأنسوا بغيره ولم يركنوا لسواه من أهل ولا مال بقوله مسبباً عن الوعد المذكور ومفصلاً ومعظماً ومبجلاً : {فالذين هاجروا} أي صدقوا إيمانهم بمفارقة أحب الناس غليهم في الدين المؤدي إلى المقاطعة وأعز البلاد عليهم.\rولما كان للوطن من القلب منزل ليس لغيره نبه عليه بقوله : {وأخرجوا من ديارهم} أي وهي آثر المواطن عندهم بعد أن باعدوا أهلهم وهم أقرب الخلائق إليهم ، ولما كان الأذى مكروهاً لنفسه لا بالنسبة إلى معين بنى للمفعول قوله : {وأوذوا} أي بغير ذلك من أنواع الأذى {في سبيلي} أي بسبب ديني الذي نهجته ليسلك إليّ فيه ، وحكمت أنه لا وصول إلى رضائي بدونه {وقاتلوا} أي في سبيلي.","part":19,"page":155},{"id":8071,"text":"ولما كان القتل نفسه هو المكروه ، لا بالنسبة إلى معين ؛ كان المدح على اقتحام موجباته ، فبنى للمفعول قوله : {وقتلوا} أي فيه فخرجوا بذلك عن مساكن أرواحهم بعد النزوح عن منازل أشباحهم ، وقراءة حمزة والكسائي بتقديم المبني للمفعول أبلغ معنى ، لأنها أشد ترغيباً في الإقدام على الأخصام ، لأن من استقتل أقدم على الغمرات إقدام الأسد فقتل أخص منه ولم يقف أحد أمامه ، فكأنه قيل : وأرادوا القتل ، هذا بالنظر إلى الإنسان نفسه ، ويجوز أن يكون الخطاب للمجموع فيكون المعنى : وقاتلوا بعد أن رأوا كثيراً من أصحابهم قد قتل {لأكفرن عنهم سيئاتهم} كما تقدم سؤالهم إياي في ذلك علماً منهم بأن أحداً لن يقدر على أن يقدر الله حق قدره وإن اجتهد {ولأدخلنهم} أي بفضلي {جنات تجري من تحتها الأنهار} كما سبق به الوعد {ثواباً} وهو وإن كان على أعمالهم فهو فضل منه ، وعظمه بقوله : {من عند الله} أي المنعوت بالأسماء الحسنى التي منها الكرم والرحمة لأن أعمالهم لا توازي أقل نعمه {والله} أي الذي له الجلال والإكرام ، ونبه على عظمة المحدث عنه بالعندية فقال : {عنده} أي في خزائن ملكوته التي هي في غاية العظمة {حسن الثواب} أي وهو ما لا شائبة كدر فيه ، لأنه شامل القدرة بخلاف غيره. أ هـ {نظم الدرر حـ 2 صـ 199 ـ 200}\rفصل\rقال الفخر :","part":19,"page":156},{"id":8072,"text":"اعلم أنه تعالى لما حكى عنهم أنهم عرفوا الله بالدليل وهو قوله : {إِنَّ فِي خَلْقِ السموات والأرض} [ آل عمران : 190 ] إلى قوله : {لأيات لأُوْلِى الألباب} [ آل عمران : 190 ] ثم حكى عنهم مواظبتهم على الذكر وهو قوله : {الذين يَذْكُرُونَ الله قياما} وعلى التفكر وهو قوله : {وَيَتَفَكَّرُونَ فِى خَلْقِ السموات والأرض} ثم حكى عنهم أنهم أثنوا على الله تعالى وهو قولهم : {رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذا باطلا سبحانك} [ آل عمران : 191 ] ثم حكى عنهم أنهم بعد الثناء اشتغلوا بالدعاء وهو من قولهم : {فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ} [ آل عمران : 191 ] إلى قوله : {إِنَّكَ لاَ تُخْلِفُ الميعاد} [ آل عمران : 194 ] بين في هذه الآية أنه استجاب دعاءهم فقال : {فاستجاب لَهُمْ رَبُّهُمْ}. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 9 صـ 121}\rفصل\rقال الآلوسى :\r{ فاستجاب لَهُمْ رَبُّهُمْ } الاستجابة الإجابة ، ونقل عن الفراء أن الإجابة تطلق على الجواب ولو بالرد ، والاستجابة الجواب بحصول المراد لأن زيادة السين تدل عليه إذ هو لطلب الجواب ، والمطلوب ما يوافق المراد لا ما يخالفه وتتعدى باللام وهو الشائع ، وقد تتعدى بنفسها كما في قوله :\rوداع دعا يا من يجيب إلى الندا...\rفلم يستجبه عند ذاك مجيب","part":19,"page":157},{"id":8073,"text":"وهذا كما قال الشهاب وغيره : في التعدية إلى الداعي وأما إلى الدعاء فشائع بدون اللام مثل استجاب الله تعالى دعاءه ، ولهذا قيل : إن هذا البيت على حذف مضاف أي لم يستجب دعاءه ، والفاء للعطف وما بعده معطوف إما على الاستئناف المقدر في قوله سبحانه : { رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذا باطلا } [ آل عمران : 191 ] ولا ضير في اختلافهما صيغة لما أن صيغة المستقبل هناك للدلالة على الاستمرار المناسب لمقام الدعاء ، وصيغة الماضي هنا للإيذان بتحقيق الاستجابة وتقررها ، ويجوز أن يكون معطوفاً على مقدر ينساق إليه الذهن أي دعوا بهذه الأدعية فاستجاب لهم الخ ، وإن قدر ذلك القول المقدر حالا فهو عطف على { يَتَفَكَّرُونَ } [ آل عمران : 191 ] باعتبار مقارنته لما وقع حالاً من فاعله أعني قوله سبحانه : { رَبَّنَا } [ آل عمران : 194 ] الخ ، فإن الاستجابة مترتبة على دعواتهم لا على مجرد تفكرهم ، وحيث كانت من أوصافهم الجميلة المترتبة على أعمالهم بالآخرة استحقت الانتظام في سلك محاسنهم المعدودة في أثناء مدحهم وأما على كون الموصول نعتاً لأولي الألباب فلا مساغ لهذا العطف لما عرفت سابقاً.\rوقد أوضح ذلك مولانا شيخ الإسلام.\rوالمشهور العطف على المنساق إلى الذهن وهو المنساق إليه الذهن ، وذكر الرب هنا مضافاً ما لا يخفى من اللطف.\rوأخرج الترمذي والحاكم وخلق كثير عن أم سلمة قالت : قلت : يا رسول الله لا أسمع الله تعالى ذكر النساء في الهجرة بشيء فأنزل الله تعالى : { فاستجاب لَهُمْ } إلى آخر الآية ، فقالت الأنصار : هي أول ظعينة قدمت علينا.\rولعل المراد أنها نزلت تتمة لما قبلها.\rوأخرج ابن مردويه عنها أنها قالت : آخر آية نزلت هذه الآية : { فاستجاب لَهُمْ رَبُّهُمْ }. أ هـ {روح المعانى حـ 4 صـ 167 ـ 168}\rفائدة\rقال الخطيب الشربينى :\r{فاستجاب لهم ربهم}\rدعاءهم وهو أخص من أجاب؛ لأنه يفيد حصول جميع المطلوب لكثرة مبانيه؛ لأنّ كثرة المباني تدل على كثرة المعاني ويتعدّى بنفسه وباللام. أ هـ {السراج المنير حـ 1 صـ 431}","part":19,"page":158},{"id":8074,"text":"فائدة\rقال الفخر :\rفي الآية تنبيه على أن استجابة الدعاء مشروطة بهذه الأمور ، فلما كان حصول هذه الشرائط عزيزا ، لا جرم كان الشخص الذي يكون مجاب الدعاء عزيزا. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 9 صـ 121}\rفائدة\rقال الفخر :\rأني لا أضيع : قرىء بالفتح ، والتقدير : بأني لا أضيع ، وبالكسر على إرادة القول ، وقرىء {لاَ أُضِيعُ} بالتشديد. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 9 صـ 122}\rقال الآلوسى :\r{ أَنّى لاَ أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مّنْكُمْ } أي بأني ، وهكذا قرأ أبيّ ، واختلف في تخريجه فخرجه العلامة شيخ الإسلام على أن الباء للسببية كأنه قيل : فاستجاب لهم بسبب أنه لا يضيع عمل عامل منهم أي سنته السنية مستمرة على ذلك وجعل التكلم في { إِنّى } والخطاب في { مّنكُمْ } من باب الالتفات ، والنكتة الخاصة فيه إظهار كمال الاعتناء بشأن الاستجابة وتشريف الداعين بشرف الخطاب والتعرض لبيان السبب لتأكيد الاستجابة ، والإشعار بأن مدارها أعمالهم التي قدموها على الدعاء لا مجرد الدعاء.","part":19,"page":159},{"id":8075,"text":"وقال بعض المحققين : إنها صلة لمحذوف وقع حالاً إما من فاعل استجاب أو من الضمير المجرور في { لَهُمْ } والتقدير مخاطباً لهم بأني ، أو مخاطبين بأني الخ ، وقيل : إنها متعلقة باستجاب لأن فيها معنى القول وهو مذهب الكوفيين ويؤيد القولين أنه قرىء { إِنّى } بكسر الهمزة وفيها يتعين إرادة القول وموقعه الحال أي قائلاً إني أو مقولاً لهم إني الخ ، وتوافق القراءتين خير من تخالفهما ، وهذا التوافق ظاهر على ما ذهب إليه البعض وصاحب القيل وإن اختلف فيهما شدة وضعفاً ، وأما على ما ذكره العلامة فالظهور لا يكاد يظهر على أنه في نفسه غير ظاهر كما لا يخفى ، وقرىء { لاَ أُضِيعُ } بالتشديد ، وفي التعرض لوعد العاملين على العموم مع الرمز إلى وعيد المعرضين غاية اللطف بحال هؤلاء الداعين لا سيما وقد عبر هناك عن ترك الإثابة بالإضاعة مع أنه ليس بإضاعة حقيقة إذ الأعمال غير موجبة للثواب حتى يلزم من تخلفه عنها إضاعتها ولكن عبر بذلك تأكيداً لأمر الإثابة حتى كأنها واجبة عليه تعالى كذا قيل والمشهور أن الإضاعة في الأصل الإهلاك ومثلها التضييع ويقال : ضاع يضيع ضيعة وضياعاً بالفتح إذا هلك ، واستعملت هنا بمعنى الإبطال أي لا أبطل عمل عامل كائن منكم. أ هـ {روح المعانى حـ 4 صـ 168}","part":19,"page":160},{"id":8076,"text":"فصل\rقال الفخر :\rاعلم أنه ليس المراد أنه لا يضيع نفس العمل ، لأن العمل كلما وجد تلاشى وفنى ، بل المراد أنه لا يضيع ثواب العمل ، والاضاعة عبارة عن ترك الاثابة فقوله : {لاَ أُضِيعُ} نفي للنفي فيكون اثباتا ، فيصير المعنى : اني أوصل ثواب جميع أعمالهم إليكم ، إذا ثبت ما قلنا فالآية دالة على أن أحدا من المؤمنين لا يبقى في النار مخلدا ، والدليل عليه أنه بايمانه استحق ثوابا ، وبمعصيته استحق عقابا ، فلا بد من وصولهما إليه بحكم هذه الآية والجمع بينهما محال ، فإما أن يقدم الثواب ثم ينقله إلى العقاب وهو باطل بالإجماع ، أو يقدم العقاب ثم ينقله إلى الثواب وهو المطلوب. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 9 صـ 122}\rفصل\rقال الفخر :\rجمهور المفسرين فسروا الآية بأن معناها أنه تعالى قبل منهم أنه يجازيهم على أعمالهم وطاعاتهم ويوصل ثواب تلك الأعمال إليهم.\rفإن قيل : القوم أولا طلبوا غفران الذنوب ، وثانيا إعطاء الثواب فقوله : {أَنّى لاَ أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مّنْكُمْ} إجابة لهم في إعطاء الثواب ، فأين الإجابة في طلب غفران الذنوب ؟\rقلنا : إنه لا يلزم من إسقاط العذاب حصول الثواب ، لكن يلزم من حصول الثواب سقوط العقاب فصار قوله : {أَنّى لاَ أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مّنْكُمْ} اجابة لدعائهم في المطلوبين.\rوعندي في الآية وجه آخر : وهو أن المراد من قوله : {أَنّى لاَ أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مّنْكُمْ} أني لا أضيع دعاءكم ، وعدم إضاعة الدعاء عبارة عن إجابة الدعاء ، فكان المراد منه أنه حصلت إجابة دعائكم في كل ما طلبتموه وسألتموه. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 9 صـ 122}\rقوله تعالى : {مّن ذَكَرٍ أَوْ أنثى}\rقال الفخر :","part":19,"page":161},{"id":8077,"text":"المعنى : أنه لا تفاوت في الإجابة وفي الثواب بين الذكر والأنثى إذا كانا جميعا في التمسك بالطاعة على السوية ، وهذا يدل على أن الفضل في باب الدين بالأعمال ، لا بسائر صفات العاملين ، لأن كون بعضهم ذكرا أو أنثى ، أو من نسب خسيس أو شريف لا تأثير له في هذا الباب ، ومثله قوله تعالى : {لَّيْسَ بأمانيكم وَلا أَمَانِىّ أَهْلِ الكتاب مَن يَعْمَلْ سُوءا يُجْزَ بِهِ} [ النساء : 123 ] وروي أن أم سلمة قالت : يا رسول الله إني لأسمع الله يذكر الرجال في الهجرة ولا يذكر النساء فنزلت هذه الآية. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 9 صـ 122}\rقوله تعالى : {بَعْضُكُم مّن بَعْضٍ}\rقال الفخر : \rأما قوله تعالى : {بَعْضُكُم مّن بَعْضٍ}\rففيه وجوه : أحسنها أن يقال : {مِنْ} بمعنى الكاف أي بعضكم كبعض ، ومثل بعض في الثواب على الطاعة والعقاب على المعصية.\rقال القفال : هذا من قولهم : فلان مني أي على خلقي وسيرتي ، قال تعالى : {فَمَن شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنّي وَمَن لَّمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنّى} [ البقرة : 249 ] وقال عليه الصلاة والسلام : \" من غشنا فليس منا \" وقال : \" ليس منا من حمل علينا السلاح \" فقوله : {بَعْضُكُم مّن بَعْضٍ} أي بعضكم شبه بعض في استحقاق الثواب على الطاعة والعقاب على المعصية ، فكيف يمكن إدخال التفاوت فيه ؟ . أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 9 صـ 122}\rقوله تعالى : {فالذين هاجروا وَأُخْرِجُواْ مِن ديارهم وَأُوذُواْ فِى سَبِيلِى وقاتلوا وَقُتِلُواْ}\rقال الفخر : \r","part":19,"page":162},{"id":8078,"text":"والمراد من قوله : {فالذين هاجروا} الذين اختاروا المهاجرة من أوطانهم في خدمة الرسول صلى الله عليه وسلم ، والمراد من الذين أُخرجوا من ديارهم الذين ألجأهم الكفار إلى الخروج ، ولا شك أن رتبة الأولين أفضل لأنهم اختاروا خدمة الرسول عليه السلام وملازمته على الاختيار ، فكانوا أفضل وقوله : {وَأُوذُواْ فِى سَبِيلِى} أي من أجله وسببه {وقاتلوا وَقُتِلُواْ} لأن المقاتلة تكون قبل القتال ، قرأ نافع وعاصم وأبو عمرو {وَقَاتِلُواْ} بالألف أولا {وَقُتّلُواْ} مخففة ، والمعنى أنهم قاتلوا معه حتى قتلوا ، وقرأ ابن كثير وابن عامر {وَقَاتِلُواْ} أولا {وَقُتّلُواْ} مشددة قيل : التشديد للمبالغة وتكرر القتل فيهم كقوله : {مُّفَتَّحَةً لَّهُمُ الأبواب} [ ص : 50 ] وقيل : قطعوا عن الحسن ، وقرأ حمزة والكسائي {وَقُتّلُواْ} بغير ألف أولا {وَقَاتِلُواْ} بالألف بعده وفيه وجوه : \rالأول : أن الواو لا توجب الترتيب كما في قوله : {واسجدى واركعى} [ آل عمران : 43 ] والثاني : على قولهم : قتلنا ورب الكعبة ، إذا ظهرت أمارات القتل ، أو إذا قتل قومه وعشائره.\rوالثالث : بإضمار \"قد\" أي قتلوا وقد قاتلوا.\r","part":19,"page":163},{"id":8079,"text":"ثم إن الله تعالى وعد من فعل هذا بأمور ثلاثة : أولها : محو السيئات وغفران الذنوب وهو قوله : {لأُكَفّرَنَّ عَنْهُمْ سيئاتهم} وذلك هو الذي طلبوه بقولهم : {فاغفر لَنَا ذُنُوبَنَا وَكَفّرْ عَنَّا سيئاتنا} [ آل عمران : 193 ] وثانيها إعطاء الثواب العظيم وهو قوله : {وَلأُدْخِلَنَّهُمْ جنات تَجْرِى مِن تَحْتِهَا الأنهار} وهو الذي طلبوه بقولهم : وآتنا ما وعدتنا على رسلك ، وثالثها : أن يكون ذلك الثواب ثوابا عظيما مقرونا بالتعظيم والاجلال وهو قوله : {مِنْ عِندِ الله} وهو الذي قالوه : {وَلاَ تُخْزِنَا يَوْمَ القيامة} لأنه سبحانه هو العظيم الذي لا نهاية لعظمته ، وإذا قال السلطان العظيم لعبده : إني أخلع عليك خلعة من عندي دل ذلك على كون تلك الخلعة في نهاية الشرف وقوله : {ثَوَاباً} مصدر مؤكد ، والتقدير : لأثيبنهم ثوابا من عند الله ، أي لأثيبنهم إثابة أو تثويبا من عند الله ، لأن قوله لأكفرن عنهم ولأدخلنهم في معنى لأثيبنهم.\rثم قال : {والله عِندَهُ حُسْنُ الثواب} وهو تأكيد ليكون ذلك الثواب في غاية الشرف لأنه تعالى لما كان قادرا على كل المقدورات ، عالما بكل المعلومات ، غنياً عن الحاجات ، كان لا محالة في غاية الكرم والجود والاحسان ، فكان عنده حسن الثواب. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 9 صـ 123}\rوقال الآلوسى :\rوقوله تعالى : { فالذين هاجروا } ضرب تفصيل لما أجمل في العمل وتعداد لبعض أحاسن أفراده مع المدح والتعظيم.","part":19,"page":164},{"id":8080,"text":"وأصل المهاجرة من الهجرة وهو الترك وأكثر ما تستعمل في المهاجرة من أرض إلى أرض أي ترك الأولى للثانية مطلقاً أو للدين على ما هو الشائع في استعمال الشرع ، والمتبادر في الآية هو هذا المعنى وعليه يكون قوله تعالى : { وَأُخْرِجُواْ مِن ديارهم } عطف تفسير مع الإشارة إلى أن تلك المهاجرة كانت عن قسر واضطرار لأن المشركين آذوهم وظلموهم حتى اضطروا إلى الخروج ، ويحتمل أن يكون المراد هاجروا الشرك وتركوه وحينئذٍ يكون { وَأُخْرِجُواْ } الخ تأسيساً { وَأُوذُواْ فِى سَبِيلِى } أي بسبب طاعتي وعبادتي وديني وذلك سبيل الله تعالى ، والمراد من الإيذاء ما هو أعم من أن يكون بالإخراج من الديار ، أو غير ذلك مما كان يصيب المؤمنين من قبل المشركين { وَقُتّلُواْ } أي الكفار في سبيل الله تعالى { وَقُتّلُواْ } استشهدوا في القتال.","part":19,"page":165},{"id":8081,"text":"وقرأ حمزة والكسائي بالعكس ، ولا إشكال فيها لأن الواو لا توجب ترتيباً ، وقدم القتل لفضله بالشهادة هذا إذا كان القتل والمقاتلة من شخص واحد ، أما إذا كان المراد قتل بعض وقاتل بعض آخر ولم يضعفوا بقتل إخوانهم فاعتبار الترتيب فيها أيضاً لا يضر ، وصحح هذه الإرادة أن المعنى ليس على اتصاف كل فرد من أفراد الموصول المذكور بكل واحد مما ذكر في حيز الصلة بل على اتصاف الكل بالكل في الجملة سواء كان ذلك باتصاف كل فرد من الموصول بواحد من الأوصاف المذكورة أو باثنين منها ، أو بأكثر فحينئذٍ يتأتى ما ذكر إما بطريق التوزيع أي منهم الذين قتلوا ومنهم الذين قاتلوا ، أو بطريق حذف بعض الموصولات من البين كما هو رأي الكوفيين أي والذين قتلوا والذين قاتلوا ، ويؤيد كون المعنى على اتصاف الكل بالكل في الجملة أنه لو كان المعنى على اتصاف كل فرد بالكل لكان قد أضيع عمل من اتصف بالبعض مع أن الأمر ليس كذلك ، والقول بأن المراد قتلوا وقد قاتلوا فقد مضمرة ، والجملة حالية مما لا ينبغي أن يخرّج عليه الكلام الجليل.\rوقرأ ابن كثير وابن عامر { قاتلوا } بالتشديد للتكثير.\r{ لأكَفّرَنَّ عَنْهُمْ سيئاتهم } جواب قسم محذوف أي والله لأكفرن ، والجملة القسمية خبر للمبتدأ الذي هو الموصول.\rوزعم ثعلب أن الجملة لا تقع خبراً ووجهه أن الخبر له محل وجواب القسم لا محل له وهو الثاني فإما أن يقال : إن له محلاً من جهة الخبرية ولا محل له من جهة الجوابية.\rأو الذي لا محل له الجواب والخبر مجموع القسم وجوابه.","part":19,"page":166},{"id":8082,"text":"ولا يضر كون الجملة إنشائية لتأويلها بالخبر ، أو بتقدير قول كما هو معروف في أمثاله والتكفير في الأصل الستر كما أشرنا إليه فيما مر ولاقتضائه بقاء الشيء المستور وهو ليس بمراد فسره هنا بعض المحققين بالمحو ، والمراد من محو السيئات محو آثارها من القلب ، أو من ديوان الحفظة وإثبات الطاعة مكانها كما قال سبحانه : { إِلاَّ مَن تَابَ وَءامَنَ وَعَمِلَ عَمَلاً صالحا فَأُوْلَئِكَ يُبَدّلُ الله سَيّئَاتِهِمْ حسنات } [ الفرقان : 70 ] والمراد من السيئات فيما نحن فيه الصغائر لأنها التي تكفر بالقربات كما نقله ابن عبد البر عن العلماء لكن بشرط اجتناب الكبائر كما حكاه ابن عطية عن جمهور أهل السنة ، واستدلوا على ذلك بما في \"الصحيحين\" من قوله صلى الله عليه وسلم : \" الصلوات الخمس والجمعة إلى الجمعة ورمضان إلى رمضان مكفرات لما بينها ما اجتنبت الكبائر \".","part":19,"page":167},{"id":8083,"text":"{ ولأدخلنهم جنات تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأنهار } إشارة إلى ما عبر عنه الداعون فيما قبل بقولهم { وَءاتِنَا مَا وَعَدتَّنَا علىرسلك } [ آل عمران : 194 ] على أحد القولين ، أو رمز إلى ما سألوه بقولهم { وَلاَ تُخْزِنَا يَوْمَ القيامة } [ آل عمران : 194 ] على القول الآخر { ثَوَاباً } مصدر مؤكد لما قبله لأن معنى الجملة لأثيبنهم بذلك فوضع ثواباً موضع الإثابة وإن كان في الأصل اسماً لما يثاب به كالعطاء لما يعطى ، وقيل : إنه تمييز أو حال من جنات لوصفها ، أو من ضمير المفعول أي مثاباً بها أو مثابين ، وقيل : إنه بدل من جنات ، وقال الكسائي : إنه منصوب على القطع ، وقوله تعالى : { مِنْ عِندِ الله } صفة لثواباً وهو وصف مؤكد لأن الثواب لا يكون إلا من عنده تعالى لكنه صرح به تعظيماً للثواب وتفخيماً لشأنه ، ولا يرد أن المصدر إذا وصف كيف يكون مؤكداً ، لما تقرر في موضعه أن الوصف المؤكد لا ينافي كون المصدر مؤكداً.\rوقيل : إنه متعلق بثواباً باعتبار تأويله باسم المفعول.","part":19,"page":168},{"id":8084,"text":"وقوله سبحانه : { والله عِندَهُ حُسْنُ الثواب } تذييل مقرر لمضمون ما قبله ، والاسم الجليل مبتدأ خبره { عِندَهُ } و{ حُسْنُ الثواب } مرتفع بالظرف على الفاعلية لاعتماده على المبتدأ ، أو هو مبتدأ ثان والظرف خبره ، والجملة خبر المبتدأ الأول ، والكلام مخرّج مخرج قول الرجل : عندي ما تريد يريد اختصاصه به وتملكه له ، وإن لم يكن عنده فليس معنى عنده حسن الثواب أن الثواب بحضرته وبالقرب منه على ما هو حقيقة لفظ عنده ، بل مثل هناك كونه بقدرته وفضله بحيث لا يقدر عليه غيره بحال الشيء يكون بحضرة أحد لا يدعيه لغيره ، والاختصاص مستفاد من هذا التمثيل حتى لو لم يجعل { حُسْنُ الثواب } مبتدأ مؤخراً كان الاختصاص بحاله ، وقد أفادت الآية مزيد فضل المهاجرين ورفعة شأنهم.\rوأخرج ابن جرير وأبو الشيخ والبيهقي وغيرهم عن ابن عمر قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : \" إن أول ثلاثة يدخلون الجنة الفقراء المهاجرين الذين تتقى بهم المكاره إذا أمروا سمعوا وأطاعوا وإن كانت لرجل منهم حاجة إلى السلطان لم تقض حتى يموت وهي في صدره وإن الله تعالى يدعو يوم القيامة الجنة فتأتى بزخرفتها وزينتها فيقول : أين عبادي الذين قاتلوا في سبيلي وأوذوا في سبيلي وجاهدوا في سبيلي أدخلوا الجنة فيدخلونها بغير عذاب ولا حساب وتأتي الملائكة فيسجدون ويقولون : ربنا نحن نسبح لك الليل والنهار ونقدس لك ما هؤلاء الذين آثرتهم علينا ؟ فيقول : هؤلاء عبادي الذين قاتلوا في سبيلي وأوذوا في سبيلي فتدخل الملائكة عليهم من كل باب \" { سلام عَلَيْكُم بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عقبى الدار } [ الرعد : 42 ]. أ هـ {روح المعانى حـ 4 صـ 168 ـ 171}. بتصرف يسير.","part":19,"page":169},{"id":8085,"text":"وقال أبو حيان : \r{ فالذين هاجروا وأخرجوا من ديارهم وأوذوا في سبيلي } لما ذكر تعالى أنه لا يضيع عمل عاملٍ ، ذكرَ مَنْ عمل الأعمال السنية التي يستحق بها أن لا يضيع عمله ، وأن لا يترك جزاؤه.\rفذكر أولاً الهجرة وهي : الخروج من الوطن الذي لا يمكن إقامة دينه فيه إلى المكان الذي يمكن ذلك فيه ، وهذا من أصعب شيء على الإنسان ، إذ هو مفارقة المكان الذي ربا فيه ونشأ مع أهله وعلى طريقتهم ، ولولا نوازع الغوى المربى على وازع النشأة ما أمكنه ذلك.\rألا ترى لقول الشاعر هما لابن الرومي : \rوحبب أوطان الرجال إليهم . . .\rمآرب قضاها الشباب هنالكا\rإذا ذكروا أوطانهم ذكرتهم . . .\rعهود الصبا فيها فحنوا لذلكا\rوقال ابن الصفي رفاعة بن عاصم الفقعسي : \rأحب بلاد الله ما بين منعج . . .\rإليّ وسلمى أن يصوب سحابها\rبلاد بها نيطت عليّ تمائمي . . .\rوأوّل أرض مسّ جلدي ترابها\rبها طال تجراري ردائي حقبة . . .\rوزينت ريّا الحجل درم كعابها\rواسم الهجرة وفضلها الخاص قد انقطع بعد الفتح ، ولكنّ المعنى باق إلى يوم القيامة.\rوقد تقدّم معنى المفاعلة في هاجر ، ثم ذكر الإخراج من الديار وهو : أنهم ألجئوا واضطروا إلى ذلك ، وفيه إلزام الذنب للكفار.\rوالمعنى : أن المهاجرين إنما أخرجهم سوء عشرة الكفار وقبيح أفعالهم معهم ، كما قال تعالى : { وإخراج أهله منه أكبر عند الله } وإذا كان الخروج برأي الإنسان وقوة منه على الأعداء جاء الكلام بنسبة الخروج إليه ، فقيل : خرج فلان ، قال معناه : ابن عطية.\rقال : فمن ذلك إنكار النبي صلى الله عليه وسلم على أبي سفيان بن الحارث حين أنشده.\rوردني إلى الله من طردته كل مطرّد . . .\rفقال له الرسول صلى الله عليه وسلم : \" أنت طرّدتني كل مطرد \" إنكاراً عليه.\rومن ذلك قول كعب بن زهير : \rفي عصبة من قريش قال قائلهم . . .","part":19,"page":170},{"id":8086,"text":"ببطن مكة لما أسلموا زولوا\rزالوا فما زال انكاس ولا كشف . . .\rعند اللقاء ولا ميل معازيل انتهى.\rثم ذكر الإذابة في سبيل الله ، والمعنى : في دين الله.\rوبدأ أولاً بالخاص وهي الهجرة وكانت تطلق على الهجرة إلى المدينة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وثنى بما ينشأ عنه ما هو أعم من الهجرة وهو الإخراج من الديار.\rفقد يخرج إلى الهجرة إلى المدينة أو إلى غيرها كخروج من خرج إلى الحبشة ، وكخروج أبي جندل إذ لم يترك يقيم بالمدينة.\rوأتى ثالثاً بذكر الإذاية وهي أعم من أن تكون بإخراج من الديار أو غير ذلك من أنواع الأذى ، وارتقى بعد هذه الأوصاف السنية إلى رتبة جهاد من أخرجه ومقاومته واستشهاده في دين الله ، فجمع بين رتب هذه الأعمال من تنقيص أحواله في الحياة لأجل دين الله بالمهاجرة ، وإخراجه من داره وإذايته في الله ، ومآله أخيراً إلى إفنائه بالقتل في سبيل الله.\rوالظاهر : الإخبار عن مَن جمع هذه الأوصاف كلها بالخبر الذي بعد ، ويجوز أن يكون ذلك من عطف الصلاة.\rوالمعنى : اختلاف الموصول لا اتحاده ، فكأنه قيل : فالذين هاجروا ، والذين أخرجوا والذين أوذوا ، والذين قاتلوا ، والذين قتلوا ، ويكون الخبر عن كل من هؤلاء.\rوقرأ جمهور السبعة : وقاتلوا وقتلوا ، وقرأ حمزة والكسائي وقتلوا وقاتلوا يبدآن بالمبني للمفعول ، ثم بالمبني للفاعل ، فتتخرج هذه القراءة على أن الواو لا تدل على الترتيب ، فيكون الثاني وقع أولاً ويجوز أن يكون ذلك على التوزيع فالمعنى : قتل بعضهم وقاتل باقيهم.\rوقرأ عمر بن عبد العزيز : وقتلوا وقتلوا بغير ألف ، وبدأ ببناء الأول للفاعل ، وبناء الثاني للمفعول ، وهي قراءة حسنة في المعنى ، مستوفية للحالين على الترتيب المتعارف.\rوقرأ محارب بن دثار : وقتلوا بفتح القاف وقاتلوا.\r","part":19,"page":171},{"id":8087,"text":"وقرأ طلحة بن مصرف : وقتلوا وقاتلوا بضم قاف الأولى ، وتشديد التاء ، وهي في التخريج كالقراءة الأولى.\rوقرأ أبو رجاء والحسن : \r{ وقاتلوا وقتلوا } بتشديد التاء والبناء للمفعول ، أي قطعوا في المعركة.\r{ لأكفرنّ عنهم سيئاتهم ولأدخلنهم جنات تجري من تحتها الأنهار } لأكفرن : جواب قسم محذوف ، والقسم وما تلقى به خبر عن قوله : { فالذين هاجروا } وفي هذه الآية ونظيرها من قوله : { والذين هاجروا في الله من بعد ما ظلموا لنبوئنهم } { والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا } وقول الشاعر : \rجشأت فقلت اللذ خشيت ليأتين . . .\rوإذا أتاك فلات حين مناص\rرد على أحمد بن يحيى ثعلب إذ زعم أن الجملة الواقعة خبراً للمبتدأ لا تكون قسمية.\r{ ثواباً من عند الله والله عنده حسن الثواب } انتصب ثواباً على المصدر المؤكد ، وإن كان الثواب هو المثاب به ، كما كان العطاء هو المعطى.\rواستعمل في بعض المواضع بمعنى المصدر الذي هو الإعطاء ، فوضع ثواباً موضع إثابة ، أو موضع تثويباً ، لأنَّ ما قبله في معنى لأثيبنهم.\rونظيره صنع الله ووعد الله.\rوجوّز أن يكون حالاً من جنات أي : مثاباً بها ، أو من ضمير المفعول في : { ولأدخلنهم } أي مثابين.\rوأن يكون بدلاً من جنات على تضمين ، ولأدخلنهم معنى : ولأعطينهم.\rوأن يكون مفعولاً بفعل محذوف يدل عليه المعنى أي : يعطيهم ثواباً.\rوقيل : انتصب على التمييز.\rوقال الكسائي : هو منصوب على القطع ، ولا يتوجه لي معنى هذين القولين هنا.\rومعنى : من عند الله ، أي من جهة فضل الله ، وهو مختص به ، لا يثيبه غيره ، ولا يقدر عليه.\rكما تقول عندي ما تريد ، تريد اختصاصك به وتملكه ، وإن لم يكن بحضرتك.\rوأعربوا عنده حسن الثواب مبتدأ ، وخبراً في موضع خبر المبتدأ الأول.\r","part":19,"page":172},{"id":8088,"text":"والأحسن أن يرتفع حسن على الفاعلية ، إذ قد اعتمد الظرف بوقوعه خبراً فالتقدير : والله مستقر ، أو استقرّ عنده حسن الثواب.\rقال الزمخشريّ : وهذا تعليم من الله كيف يدعى ، وكيف يبتهل إليه ويتضرّع ، وتكرير ربنا من باب الابتهال ، وإعلام بما يوجب حسن الإجابة وحسن الإثابة من احتمال المشاق في دين الله والصبر على صعوبة تكاليفه ، وقطع لأطماع الكسالى المتمنين عليه ، وتسجيل على من لا يرى الثواب موصولاً إليه بالعمل بالجهل والغباوة انتهى.\rوآخر كلامه إشارة إلى مذهب المعتزلة وطعن على أهل السنة والجماعة. أ هـ {البحر المحيط حـ 3 صـ 151 ـ 153}\rلطيفة\rقال ابن كثير :\rوقوله : { ثَوَابًا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ } أضافه إليه ونسبه إليه لِيدل على أنه عظيم ؛ لأن العظيم الكريم لا يعطي إلا جَزيلا كثيرًا ، كما قال الشاعر :\rإن يُعَذب يَكُن غَرامًا وإن يُعْطِ جَزيلا فإنَّه لا يُبَالي... أ هـ {تفسير ابن كثير حـ 2 صـ 191}\rلطيفة\rقال الفخر :\rروي عن جعفر الصادق أنه قال : من حزبه أمر فقال خمس مرات : ربنا ، أنجاه الله مما يخاف وأعطاه ما أراد ، وقرأ هذه الآية ، قال : لأن الله حكى عنهم أنهم قالوا خمس مرات : ربنا ، ثم أخبر أنه استجاب لهم. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 9 صـ 123}","part":19,"page":173},{"id":8090,"text":"فصل\rقال الآلوسى\rوقالت المعتزلة : إن الصغائر تقع مكفرة بمجرد اجتناب الكبائر ولا دخل للقربات في تكفيرها ، واستدلوا عليه بقوله تعالى : { إِن تَجْتَنِبُواْ كَبَائِرَ مَا تُنهَوْنَ عَنْهُ نُكَفّرْ عَنْكُمْ سيئاتكم } [ النساء : 31 ] ، وحمله الجمهور على معنى نكفر عنكم سيئاتكم بحسناتكم وأوردوا على المعتزلة أنه قد ورد صوم يوم عرفة كفارة سنتين وصوم يوم عاشوراء كفارة سنة ونحو ذلك من الأخبار كثير ، فإذا كان مجرد اجتناب الكبائر مكفراً فما الحاجة لمقاسات هذا الصوم مثلاً ؟ وإنما لم تحمل السيئات على ما يعم الكبائر لأنها لا بد لها من التوبة ولا تكفرها القربات أصلاً في المشهور لإجماعهم على أن التوبة فرض على الخاصة والعامة لقوله تعالى : { وَتُوبُواْ إِلَى الله جَمِيعاً أَيُّهَ المؤمنون } [ النور : 31 ] ويلزم من تكفير الكبائر بغيرها بطلان فرضيتها وهو خلاف النص.\rوقال ابن الصلاح في \"فتاويه\".\rقد يكفر بعض القربات كالصلاة مثلاً بعض الكبائر إذا لم يكن صغيرة ، وصرح النووي بأن الطاعات لا تكفر الكبائر لكن قد تخففها ، وقال بعضهم : إن القربة تمحو الخطيئة سواء كانت كبيرة أو صغيرة ، واستدل عليه بقوله تعالى : { إِنَّ الحسنات يُذْهِبْنَ السيئات } [ هود : 144 ] وقوله صلى الله عليه وسلم : \" أتبع السيئات الحسنة تمحها \" وفيه بحث إذ الحسنة في الآية والحديث بمعنى التوبة إن أخذت السيئة عامة.","part":19,"page":174},{"id":8091,"text":"ولا يمكن على ذلك التقدير حملها على الظاهر لما أن السيئة حينئذٍ تشمل حقوق العباد ، والإجماع على أن الحسنات لا تذهبها وإنما تذهبها التوبة بشروطها المعتبرة المعلومة ، وأيضاً لو أخذ بعموم الحكم لترتب عليه الفساد من عدم خوف في المعاد على أن في سبب النزول ما يرشد إلى تخصيص كل من الحسنة والسيئة فقد روى الشيخان عن ابن مسعود \"أن رجلاً أصاب من امرأة قبلة ثم أتى النبي صلى الله عليه وسلم فذكر له ذلك فسكت النبي صلى الله عليه وسلم حتى نزلت الآية فدعاه فقرأها عليه فقال رجل : هذه له خاصة يا رسول الله ؟ فقال : بل للناس عامة\" ووجه الإرشاد إما إلى تخصيص الحسنة بالتوبة فهو أنه جاءه تائباً وليس في الحديث ما يدل على أنه صدر منه حسنة أخرى ، وإما على تخصيص السيئة بالصغيرة فلأن ما وقع منه كان كذلك لأن تقبيل الأجنبية من الصغائر كما صرحوا به ، وقال بعض أهل السنة : إن الحسنة تكفر الصغيرة ما لم يصر عليها سواء فعل الكبيرة أم لا مع القول الأصح بأن التوبة من الصغيرة واجبة أيضاً ولو لم يأت بكبيرة لجواز تعذيب الله سبحانه بها خلافاً للمعتزلة ، وقيل : الواجب الإتيان بالتوبة أو بمكفرها من الحسنة وفي المسألة كلام طويل ولعل التوبة إن شاء الله تعالى تفضي إلى إتمامه ، هذا وربما يقال : إن حمل السيئات هنا على ما يعم الكبائر سائغ بناءاً على أن المهاجرة ترك الشرك وهو إنما يكون بالإسلام والإسلام يجبّ ما قبله ، وحينئذٍ يعتبر في السيئات شبه التوزيع بأن يؤخذ من أنواع مدلولها مع كل وصف ما يناسبه ويكون هذا تصريحاً بوعد ما سأله الداعون من غفران الذنوب وتكفير السيئات بالخصوص بعدما وعد ذلك بالعموم ، واعترض بأن هذا على ما فيه مبني على أن الإسلام يجبّ ما قبله مطلقاً وفيه خلاف ، فقد قال الزركشي : إن الإسلام المقارن للندم إنما يكفر","part":19,"page":175},{"id":8092,"text":"وزر الكفر لا غير ، وأما غيره من المعاصي فلا يكفر إلا بتوبة عنه بخصوصه كما ذكره البيهقي ، واستدل عليه بقوله صلى الله عليه وسلم : \" إن أحسن في الإسلام لم يؤاخذ بالأول ولا بالآخر وإن أساء في الإسلام أخذ بالأول والآخر \" ولو كان الإسلام يكفر سائر المعاصي لم يؤاخذ بها إذا أسلم ، وأجيب بأنه مع اعتبار ما ذكر من شبه التوزيع يهون أمر الخلاف كما لا يخفى على أرباب الإنصاف فتدبر. أ هـ {روح المعانى حـ 4 صـ 169 ـ 170}\rفوائد لغوية\rقال ابن عادل :\r{ فاستجاب } بمعنى : أجَابَ ويتعدى بنفسه وباللام ، وتقدم تحقيقه في قوله : { فَلْيَسْتَجِيبُواْ لِي }.\rونقل تاج القراء أن \" أجَابَ \" عام ، و\" اسْتَجَابَ \" خاص في حصول المطلوب.\rقال الحسن : ما زالوا يقولون ربنا ربنا حتى استجاب لهم. وقال جعفر الصادق : من حزبه أمرٌ فقال خمس مرات \" ربَنا \" نجّاه مما يخاف ، وأعطاه ما أراد ، قيل : وكيف ذلك ؟ قال اقرءوا : { الذين يَذْكُرُونَ الله قِيَاماً وَقُعُوداً } [ آل عمران : 191 ] إلى قوله : { إِنَّكَ لاَ تُخْلِفُ الميعاد } [ آل عمران : 194 ].\rقوله تعالى : { أَنِّي لاَ أُضِيعُ } الجمهور على فتح \" أن \" والأصل : بأني ، فيجيء فيها المذهبان ، وقل أن يأتي على هذا الأصل ، وقرأ عيسى بن عمر بالكسر ، وفيها وجهان :\rأحدهما : على إضمار القول أي : فقال : إني.\rوالثاني : أنه على الحكاية بـ \" استجاب \" ؛ لأن فيه معنى القول ، وهو رأي الكوفيين.\rقوله : \" لا أضيع \" الجمهور على \" أضيع \" من أضاع ، وقرئ بالتشديد والتضعيف ، والهمزة فيه للنقل كقوله : [ الطويل ]\rكمُرْضِعَةٍ أوْلاَدَ أخْرَى وَضَيَّعَتْ... بَنِي بَطْنِهَا هَذَا الضَّلالُ عَنِ الْقَصْدِ\rقوله : \" منكم \" في موضع جر صفة لـ : \" عامل \" ، أي : كائناً منكم.\rقوله : \" من ذكر وأنثى \" فيه خمسة أوجهٍ :","part":19,"page":176},{"id":8093,"text":"أحدها : أن \" مِنْ \" لبيان الجنسِ ، بيِّن جنس العامل ، والتقدير : الذي هو ذكرٌ أو أنثى ، وإن كان بعضهم قد اشترطَ في البيانيةِ أن تدخلَ على معرَّفٍ بلامِ الجنسِ.\rثانيها : أنَّهَا زائدةٌ ، لتقدم النفي في الكلام ، وعلى هذا فيكون { مِّن ذَكَرٍ } بدلاً من نفس \" عَامِلٍ \" ، كأنه قيل : عامل ذكر أو أنثى ، ولكنْ فيه نظرٌ ؛ من حيثُ إنَّ البدلَ لا يُزاد فيه \" من \".\rثالثها : أنها متعلقة بمحذوف ؛ لأنها حالٌ من الضمير المستكن في \" مِنْكُمْ \" ؛ لأنه لما وقع صفة تحمَّل ضميراً ، والعامل في الحال العامل في \" مِنْكُمْ \" أي : عامل كائن منكم كائناً من ذكر.\rرابعها : أن يكون \" مِنْ ذكرٍ \" بدلاً من \" مِنْكُمْ \" ؛ قال أبو البقاء : \" وهو بدلُ الشيء من الشيء ، وهما لعين واحدة \".\rيعني فيكون بدلاً تفصيليًّا بإعادة العامل ، كقوله : { لِلَّذِينَ استضعفوا لِمَنْ آمَنَ مِنْهُمْ } [ الأعراف : 75 ] وقوله : { لَّجَعَلْنَا لِمَن يَكْفُرُ بالرحمن لِبُيُوتِهِمْ } [ الزخرف : 33 ] وفيه إشكالٌ من وجهينِ :\rالأول : أنه بدل ظاهر من حاضر في بدل كل من كل ، وهو لا يجوز إلا عند الأخفش ، وقيَّد بعضُهم جوازه بأن يفيد إحاطة ، كقوله : [ الطويل ]\rفَمَا بَرِحَتْ أقْدامُنَا فِي مَكَانِنَا... ثَلاَثَتُنَا حَتَّى أرينَا الْمَنَائِيَا\rوقوله تعالى : { تَكُونُ لَنَا عِيداً لأَوَّلِنَا وَآخِرِنَا } [ المائدة : 114 ] فلما أفاد الإحاطةَ والتأكيدَ جاز ، واستدل الأخْفَش بقول الشَّاعرِ : [ البسيط ]\rبِكُمْ قُرَيْشٍ كُفِينَا كُلَّ مُعْضِلَةٍ... وَأمَّ نَهْجَ الْهُدَى مَنْ كَانَ ضِلِّيلا\rوقول الآخرِ : [ الطويل ]\rوَشَوْهَاءَ تَعْدُو بِي إلَى صَارِخِ الْوَغَى... بِمُسْتَلئِمٍ مِثْلِ الْفَنِيقِ المُدَجَّلِ","part":19,"page":177},{"id":8094,"text":"ف \" قريش \" بدلٌ من \" كم \" و\" بمستلئم \" بدل من \" بي \" بإعادة حرف الجر ، وايس ثَمَّ إحاطة ولا تأكيد ، فمذهبه يتمشى على رأي الأخفشِ دون الجمهورِ.\rالثاني : أن البدلَ التفصيليّ لا يكون بـ \" أو \" إنما يكون بالواو ؛ لأنها للجمع.\rكقولِ الشّاعرِ : [ الطويل ]\rوَكُنْتُ كَذِي رِجْلَيِنِ رِجْلٍ صَحِيحَةٍ... وَرِجْلٍ رَمَى فِيهَا الزَّمَانُ فَشَلَّتِ\rويُمكن أن يجابَ عنه بأن \" أو \" قد تأتي بمعنى الواو.\rكما في قول الشّاعرِ : [ الكامل ]\rقَوْمٌ إذَا سَمِعُوا الصَّرِيخَ رَأَتَهُمْ... مَا بَيْنَ مُلْجِمِ مُهْرِهِ أوْ سَافِعِ\rف \" أو \" بمعنى الواو ، لأن \" بين \" لا تدخل إلا على متعدد ، وكذلك هنا لما كان \" عامل \" عاماً أبْدِلَ منه على سبيل التوكيدِ ، وعطف على أحد الجزأين ما لا بد له منه ؛ لأنه لا يؤكَّد العموم إلا بعموم مثله.\rخامسها : أن يكون { مِّن ذَكَرٍ } صفة ثانية لِـ \" عامل \" قصد بها التوضيح ، فيتعلق بمحذوف كالتي قبلها.\rقوله : { بَعْضُكُم مِّن بَعْضٍ } مبتدأٌ وخبرٌ ، وفيه ثلاثةُ أوجهٍ : \rالأولُ : أنَّ هذه الجملةَ استئنافيةٌ ، جيء بها لتبيين شركة النساء مع الرجالِ في الثَّواب الذي وَعَدَ الله به عباده العاملين ؛ لأنه روي في سبب النزولِ ، أنَّ أمَّ سلمة رضي الله عنها قالت : يَا رَسُولَ اللهِ إني لأسْمَع الله يذكر الرِّجَالَ في الهجرة ، ولا يذكر النَِّسَاءَ ، فنزلت الآية.\rوالمعنى : كما أنكم من أصلٍ واحدٍ ، وأن بعضكم مأخوذٌ من بعضٍ ، كذلك أنتم في ثواب العملِ ، لا يُثابُ عامل دون امرأةٍ عاملةٍ. وعبَّر الزمخشريُّ عن هذا بأنها جملة معترضة ، قال : \" وهذه جملةٌ معترضةٌ ثبت بها شركة النساءِ مع الرّجال فيما وعد اللهُ عباده العاملينَ \".\r","part":19,"page":178},{"id":8095,"text":"ويعني بالاعتراض أنها جيء بها بين قوله : { عَمَلَ عَامِلٍ } وبين ما فُصِّل به عملُ العاملِ من قوله : { فالذين هَاجَرُواْ } ولذا قال الزمخشريُّ : { فالذين هَاجَرُواْ } تفصيل لعمل العاملِ منهم على سبيل التعظيمِ لَهُ.\rالثاني : أنَّ هذه الجملَة صِفَةٌ.\rالثالث : أنَّها حالٌ ، ذكرهما أبو البقاءِ ، ولم يُعيِّن الموصوف ولا ذا الحال ، وفيه نظرٌ.\rقال الكلبي : \" بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ \" في الدين والنصرة والموالاة.\rوقيل : كلكم من آدم وحوَّاء ، وقال الضّحّاك : [ رجالكم ] شكب نسائكم ، ونساؤكم شكل رجالِكم في الطاعات ؛ لقوله : { والمؤمنون والمؤمنات بَعْضُهُمْ أَوْلِيَآءُ بَعْضٍ } [ التوبة : 71 ].\rوقيل : \" مِنْ \" بمعنى اللامِ ، أي : بعضكم لبعض ومثل بعض في الثّواب على الطاعة والعقاب على المعصية.\rقال القفَّالُ : هذا من قولكم : فرن مني ، أي : عَلَى خلقي وسيرتي. قال تعالى : { فَمَن شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي } [ البقرة : 249 ] وقال عليه السَّلامُ : \" مَنْ غَشَّنَا فَلَيْسَ مِنَّا \" فقوله : { بَعْضُكُم مِّن بَعْضٍ } أي : بعضكم شبه بعض في استحقاق الثوابِ على الطَّاعة والعقاب على المعصية.\rقوله : { فالذين هَاجَرُواْ } مبتدأ ، وقوله : { لأُكَفِّرَنَّ } جواب قسم محذوف ، تقديره : والله لأكَفِّرَنَّ ، وهذا القسم وجوابه خبر لهذا المبتدأ. وفي هذه الآية ونظائرها من قوله تعالى : { والذين جَاهَدُواْ فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا } [ العنكبوت : 69 ] وقولِ الشاعر : [ الكامل ]\rجَشَأتْ فَقُلْتُ اللَّذْ جَشَأتِ لَيَأتِيَنْ... وَإذَا أتَاكِ فَلاَتَ حِينَ مَنَاصِ\rرَدٌّ على ثعلبٍ ؛ حيث زعم أن الجملةَ القسميةَ لا تقع خبراً ، وله أن يقول : هذه معمولة لقول مُضْمَر هو الخبرُ - وله نظائر.","part":19,"page":179},{"id":8096,"text":"والظاهرُ أن هذه الجُمَل - التي بعد الموصولِ - كُلَّها صِلات له ، فلا يكون الخبرُ إلا لمن جمع بين هذه الصفاتِ : المهاجرة ، والقَتْل ، والقتال.\rويجوز أن يكون ذلك على التنويع ، ويكون قد حَذف الموصولات لفَهْم المعنى وهو مذهب الكوفيين كما تقدم ، والتقدير : فالذين هاجروا والذين أخْرِجوا ، والذين قاتلوا : فيكون الخبر بقوله : { لأُكَفِّرَنَّ } عمن اتصف بواحدةٍ من هذه. وقرأ جمهورُ السبعة : \" وَقَاتَلُوا وَقُتِلوا \" ببناء للفاعلِ من المفاعَلةِ ، والثاني للمفعول ، وهي قراءة واضحة. وابنُ عامرٍ ، وابن كثيرٍ كذلك ، إلا أنهما شدَّدَا التاء من \" قُتلوا \" للتكثير ، وحمزة والكسائي بعكس هذا ، ببناء الأولِ للمفعول ، والثاني للفاعلِ ، وتوجيه هذه القراءة بأحدِ معنيينِ : \rالأول : أنّ الواو لا تقتضي الترتيب ، كقوله : { واسجدي واركعي } [ آل عمران : 43 ] فلذلك قدم معها ما هو متأخرٌ عنها في المعنى ، هذا إن حَمَلْنا ذلك على اتحاد الأشخاصِ الذِينَ صدر منهم هذانِ الفعلانِ.\r","part":19,"page":180},{"id":8097,"text":"الثاني : أن تحمل ذلك على التوزيع ، أي : منهم مَنْ قُتِلَ ، ومنهم مِنْ قاتل كقولهم : قُتِلْنا ورَبِّ الكعبة إذا ظهرت أماراتُ القتلِ فيهم وهذه الآيةُ في المعنى كقوله : { قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ } [ آل عمران : 146 ] والخلافُ في هذه كالخلافِ في قوله : { فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ } [ التوبة : 111 ] والتوجيهُ هناك كالتوجيهِ هنا. وقرأ عمر بن عبد العزيز وقَتَلوا وقُتِلوا - ببناء الأولِ للفاعل ، والثاني للمفعول - من \" فعل \" ثلاثياً ، وهي كقراءة الجماعة ، وقرأ محارب بن دثار : وقَتَلوا وقَاتَلُوا - ببنائهما للفاعل - وقرأ طلحة بن مُصرِّف : وقُتِّلوا وقاتلوا ، كقراءة حمزة والكسائي ، إلا أنه شدد التاء ، والتخريج كتخريج قراءتهما. ونقل أبو حيّان - عن الحسنِ وأبي رجاء - قاتلوا وقتّلوا ، بتشديد التاءِ من \" قُتّلوا \" وهذه هي قراءة ابن كثيرٍ وابن عامرٍ - كما تقدم - وكأنه لم يعرف أنها قراءتهما.\rقوله : \" ثواباً \" في نصبه ثمانية أوجهٍ : \rأحدها : أنه نصب على المصدر المؤكد ؛ لأن معنى الجملةِ قبله تقتضيه ، والتقدير : لأثيبَنَّهم إثابة أو تثويباً ، فوضع \" ثَوَاباً \" موضع أحد هذينِ المصدرينِ ؛ لأن الثوابَ - في الأصل - اسم لما يُثَابُ به ، كالعطاء - اسم لما يُعْطَى - ثم قد يقعان موضع المصدر ، وهو نظير قوله : { صُنْعَ الله } [ النمل : 88 ] و{ وَعْدَ الله } [ القصص : 13 ] في كونهما مؤكدينِ.\rثانيهما : أن يكون حالاً من \" جَنَّاتٍ \" أي : مثاباً بها - وجاز ذلك وإن كانت نكرة ؛ لتخصصها بالصفة.\rثالثها : أنها حالٌ من ضمير المفعول ، أي : مثابين.\r","part":19,"page":181},{"id":8098,"text":"رابعها : أنه حالٌ من الضمير في \" تَجْرِي \" العائد على \" جَنَّات \" وخصَّص أبو البقاء كونه حالاً بجَعْله بمعنى الشيء المُثَاب بِهِ ، قال : وقد يقع بمعنى الشيء المثاب به ، كقولك : هذا الدرهم ثوابك ، فعلى هذا يجوز أن يكونَ حالاً من [ ضمير الجنّاتِ ، أي : مثاباً بها ، ويجوز أن يكون حالاً من ] ضمير المفعول به في \" لأدْخِلَنَّهُم \".\rخامسها : نصبه بفعل محذوف ، أي : نعطيهم ثواباً.\rسادسها : أنه بدل من \" جَنَّاتٍ \" وقالوا : على تضمين \" لأدْخِلَنَّهُمْ \" لأعْطِيَنَّهُمْ ، لما رأوا أنَّ الثوابَ لا يصح أن ينسب إليه الدخولُ فيه ، احتاجوا إلى ذلك.\rولقائل أن يقول : جعل الثواب ظرفاً لهم ، مبالغة ، كما قيل في قوله : { تَبَوَّءُوا الدار والإيمان } [ الحشر : 9 ].\rسابعها : أنه نصب على التمييز ، وهو مذهب الفرّاء.\rثامنها : أنه منصوبٌ على القطعِ ، وهو مذهبُ الكسائيّ ، إلا أن مكِّياً لما نقل هذا عن الكسائي فَسَّر القطع بكونه على الحالِ ، وعلى الجملة فهذانِ وجهانِ غريبانِ.\rوقوله : { مِّن عِندِ الله } صفةٌ له ، وهذا يدل على كون ذلك الثَّوابِ في غايةِ الشرف ، كقول السلطانِ العظيم : أخلع عليك خلعة من عندِي.\rقوله : { والله عِندَهُ حُسْنُ الثواب } الأحسن أن يرتفع { حُسْنُ الثواب } على الفاعلية بالظرف قبله ؛ لاعتماده على المبتدأ قَبْله ، والتقدير : والله استقر عنده حُسْنُ الثَّوابِ.\rويجوز أن يكون مبتدأ ، والظرف قبله خبره ، والجملة خبرُ الأولِ.\rوإنما كان الوجه الأول أحسنَ ؛ لأنّ فيه الإخبار بمفرد - وهو الأصل - بخلاف الثّانِي ، فإنَّ الإخبار فيه بجملة وهذا تأكيد لكونه ذلك الثوابِ في غايةِ الشرفِ. أ هـ {تفسير ابن عادل حـ 6 صـ 123 ـ 129}. بتصرف.","part":19,"page":182},{"id":8099,"text":"فائدة\rقال فى الأمثل :\rويستفاد من هذه الآية أن الإِنسان لابدّ أن يتطهّر من أدران الذنوب في ظل العمل الصالح أوّلا ، ثمّ يدخل في رحاب القرب الرّباني والنعيم يالإِلهي ، لأنّه سبحانه قال أوّلا : (لأُكفّرن عنهم سيئاتهم) ثمّ قال : (لأدخلنّهم جنّات).\rوبعبارة أخرى : أنّ الجنّة مقام المتطهرين ، ولا طريق لمن لم يتطهر إِليها.\rالقيّمة المعنويّة للرّجل والمرأة :\rإِن الآية الحاضرة ـ كبقية الآيات القرآنية الأخرى ـ تساوي بين الرجل\rوالمرأة عند الله ، وفي مسألة الوصول إِلى الدرجات المعنوية ، ولا تفرق بينهما بسبب اختلافهما في الجنس ، ولا تعتبر الفروق العضوية وما يلحقها من الفروق يفي المسؤوليات الاجتماعية دليلا على اختلافهما في إِمكانية الحصول على درجات التكامل الإِنساني وبلوغهما للمقامات المعنوية الرفيعة ، بل تعتبرهما في مستوى واحد ـ من هذه الجهة ـ ولذلك ذكرتهما معاً.\rإِن اختلافهما في التكاليف وتوزيع المسؤوليات يشبه إِلى حد كبير الاختلاف الذي تقتضيه مسألة النظام والانضباط حيث يختار شخص كرئيس ، وآخر كمعاون ومساعد ، فإِنّه ينبغي أن يكون الرئيس أكثر حنكة وأوسع علماً ، وأكثر تجربة في مجال عمله ، ولكن هذا التفاوت والاختلاف في مراتب المسؤولية وسلم الوظائف لا يكون دليلا مطلقاً على أن شخصية الرئيس وقيمته الوجودية أكثرمن شخصية معاونيه ومساعديه ، وقيمتهم الوجودية.\rإِنّ القرآن الكريم يقول بصراحة : (ومن عمل صالحاً من ذكر أو أُنثى وهو مؤمن فأُولئك يدخلون الجنّة ، يرزقون فيها بغير حساب).\rويقول في آية أخرى : (من عمل صالحاً من ذكر أو أُنثى وهو مؤمن فلنحيينه حياة طيبة ولنجزينهم أجرهم بأحسن ما كانوا يعملون).","part":19,"page":183},{"id":8100,"text":"هذه الآيات وغيرها من الآيات القرآنية الأخرى نزلت في عصر كان المجتمع البشري فيه يشك في إِنسانية جنس المرأة أساساً ، بل ويعتقد أنها كائن ملعون ، وأنها منبع كل إِثم وانحراف وموت وفساد.\rلقد كان الكثير من الشعوب الماضية تذهب في نظرتها السلبية تجاه المرأة إِلى درجة أنها تعتقد أحياناً إِنّ عبادة المرأة وما تقدمه في سبيل الله لا تقبل ، وكان الكثير من اليونانيين يعتقدون أنّ المرأة كائن نجس وشرير وأنّها من عمل الشّيطان ، وكان الرّوم وبعض اليونانيين يعتقدون أنّ المرأة ليست ذات روح إِنسانية أساساً ، وأن الرجل وحده هو الذي يحمل بين جنبيه مثل هذه الروح دون غيره.\rوالملفت للنظر أن العلماء المسيحيين في أسبانيا كانوا يبحثون ـ حتى إِلى الآونة الأخيرة ـ في أن المرأة هل تملك ـ مثل الرجل ـ روحاً إِنسانية أم لا ؟ وأن روحها هل تخلد بعد الموت أم لا ؟ \rوقد توصلوا ـ بعد مداولات طويلة ـ إِلى أن للمرأة روحاً برزخية ، وهي نوع متوسط بين الروح الإِنسانية والروح الحيوانية ، وأنه ليس هناك روح خالدة ـ بين أرواح النساء ـ إِلاّ روح مريم.\rمن هنا يتضح مدى ابتعاد بعض المغفلين عن الحقيقة حيث يتهمون الإِسلام أنّه دين الرجال دون النساء.\rإِنّ بعض الاختلاف في نوع المسؤوليات الاجتماعية الذي يقتضيه اختلافات في التركيب العضوي والعاطفي لدى الرجل والمرأة لا يضرّ بالمرأة وقيمتها المعنوية أساساً ، ولهذا لا يختلف الرجل والمرأة من هذه الجهة ، فأبواب السعادة والتكامل الإِنساني مفتوحة في وجهيهما كليهما على السواء كما ذكرنا ذلك عند البحث في قوله تعالى : (بعضكم من بعض). أ هـ {الأمثل حـ 2 صـ 55 ـ 57}","part":19,"page":184},{"id":8101,"text":"من لطائف الإمام القشيرى فى الآية\rقال عليه الرحمة :\r{ فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لَا أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِنْكُمْ}\rكيف لا يستجيب لهم وهو الذي لَقَّنَهُم الدعاء ، وهو الذي ضمن لهم الإجابة ، ووَعْدُه جميل الثواب على الدعاء زائدٌ على ما يدعون لأَجْل الحوائج. أ هـ {لطائف الإشارات حـ 1 صـ 307}","part":19,"page":185},{"id":8102,"text":"قوله تعالى { لَا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي الْبِلَادِ (196) مَتَاعٌ قَلِيلٌ ثُمَّ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمِهَادُ (197)}\rمناسبة الآيتين لما قبلهما\rقال البقاعى : \rولما كانت هذه المواعدة آجلة ، وكان نظرهم إلى ما فيه الكفار من عاجل السعة ربما أثر في بعض النفوس أثراً يقدح في الإيمان بالغيب الذي هو شرط قبول الإيمان ؛ داواه سبحانه بأن تلا تبشير المجاهدين بإنذار الكفار المنافقين والمصارحين الذين أملى لهم بخذلانهم المؤمنين بالرجوع عن قتال أحد وغيره من أسباب الإملاء على وجه يصدق ما تقدم أول السورة من الوعد بأنهم سيغلبون ، وأن أموالهم إنما هي صورة ، لا حقائق لها ، عطفاً لآخرها على أولها ، وتأكيداً لاستجابة دعاء أوليائه آخر التي قبلها بقوله مخاطباً لأشرف عباده ، والمراد من يمكن ذلك عادة فيه ، لأن خطاب الرئيس أمكن في خطاب الأتباع - {لا يغرنك تقلب} أي لا تغترر بتصرف {الذين كفروا} تصرف من يقلب الأمور بالنظر في عواقبها لسلامتهم في تصرفهم وفوائدهم وجودة ما يقصدونه في الظاهر كجودة القلب في البدن {في البلاد} فإن تقلبهم {متاع قليل} أي لا يعبأ به ذو همة علية ، وعبر بأداة التراخي إشارة إلى أن تمتيعهم - وإن فرض أنه طال زمانه وعلا شأنه - تافه لزواله ثم عاقبته ، وإلى هول تلك العاقبة وتناهي عظمتها ، فقال : {ثم مأواهم} أي بعد التراخي إن قدر {جهنم} أي الكريهة المنظر الشديدة الأهوال ، العظيمة الأوجال ، لا مهاد لهم غيرها {وبئس المهاد} أي الفراش الذي يوطأ ويسهل للراحة والهدوء. أ هـ {نظم الدرر حـ 2 صـ 200 ـ 201}\rوقال الفخر : ","part":19,"page":186},{"id":8103,"text":"اعلم أنه تعالى لما وعد المؤمنين بالثواب العظيم ، وكانوا في الدنيا في نهاية الفقر والشدة ، والكفار كانوا في النعم ، ذكر الله تعالى هذه الآية ما يسليهم ويصبرهم على تلك الشدة ، فقال : {لاَ يَغُرَّنَّكَ}. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 9 صـ 123}\rفصل\rقال الفخر :\rالمخاطب في قوله : {لاَ يَغُرَّنَّكَ} من هو ؟ فيه قولان : الأول : أنه الرسول صلى الله عليه وسلم ولكن المراد هو الأمة.\rقال قتادة : والله ما غروا نبي الله صلى الله عليه وسلم حتى قبضه الله ، والخطاب وإن كان له إلا أن المراد غيره ، ويمكن أن يقال : السبب لعدم إغرار الرسول عليه السلام بذلك هو تواتر هذه الآيات عليه ، كما قال : {وَلَوْلاَ أَن ثبتناك لَقَدْ كِدتَّ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلاً} [ الإسراء : 74 ] فسقط قول قتادة ، ونظيره قوله : {وَلاَ تكن مِنَ الكافرين} [ هود : 42 ] {وَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ المشركين} [ الأنعام : 14 ] {وَلاَ تُطِعِ المكذبين} [ القلم : 8 ] والثاني : وهو أن هذا خطاب لكل من سمعه من المكلفين ، كأنه قيل : لا يغرنك أيها السامع. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 9 صـ 124}","part":19,"page":187},{"id":8104,"text":"وقال فى روح البيان :\r{ لا يغرنك } الخطاب للنبى ـ عليه السلام ـ لأن العصمة لا تزيل النهى فإنه لو زال النهى عنه بذلك لبطلت العصمة فإن العصمة هى الحفظ من الخلاف وإذا زال النهى لم يكن خلاف فلا تكون عصمة فالمراد تثبيته على ما هو عليه من عدم التفاته على الدنيا أو الخطاب له والمراد أمته كما يخاطب سيد القوم ومقدمهم والمراد به كلهم كأنه قيل لا يغرنكم { تقلب الذين كفروا فى البلاد } والنهى فى المعنى للمخاطب وإنما جعل للتقلب تنزيلا للسبب وهو التقلب منزلة المسبب وهو اغترار المخاطب للمبالغة والمعنى لا تمدن عينيك ولا تستشرف نفسك إلى ما هم عليه من سعة الرزق وإصابة حظوظ الدنيا ولا تغتر بظاهر حالهم من التبسط فى الأرض والتصرف فى البلاد يتكسبون ويتجرون. أ هـ {روح البيان حـ 2 صـ 188}\rفصل\rقال الفخر :\rتقلب الذين كفروا في البلاد ، فيه وجهان :\rالأول : نزلت في مشركي مكة كانوا يتجرون ويتنعمون فقال بعض المؤمنين : إن أعداء الله فيما نرى من الخير وقد هلكنا من الجوع والجهد فنزلت الآية.\rوالثاني : قال الفراء : كانت اليهود تضرب في الأرض فتصيب الأموال فنزلت هذه الآية ، والمراد بتقلب الذين كفروا في البلاد ، تصرفهم في التجارات والمكاسب ، أي لا يغرنكم أمنهم على أنفسهم وتصرفهم في البلاد كيف شاؤا ، وأنتم معاشر المؤمنين خائفون محضورون ، فإن ذلك لا يبقى إلا مدة قليلة ثم ينتقلون إلى أشد العذاب.","part":19,"page":188},{"id":8105,"text":"ثم قال تعالى : {متاع قَلِيلٌ} قيل : أي تقلبهم متاع قليل ، وقال الفراء : ذلك متاع قليل ، وقال الزجاج : ذلك الكسب والربح متاع قليل ، وإنما وصفه الله تعالى بالقلة لأن نعيم الدنيا مشوب بالآفات والحسرات ، ثم إنه بالعاقبة ينقطع وينقضي ، وكيف لا يكون قليلا وقد كان معدوما من الأزل إلى الآن ، وسيصير معدوما من الأزل إلى الأبد ، فإذا قابلت زمان الوجود بما مضى وما يأتي وهو الأزل والأبد ، كان أقل من أن يجوز وصفه بأنه قليل.\rثم قال تعالى : {ثُمَّ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ} يعني أنه مع قلته يسبب الوقوع في نار جهنم أبد الآباد والنعمة القليلة إذا كانت سببا للمضرة العظيمة لم يعد ذلك نعمة ، وهو كقوله : {إِنَّمَا نُمْلِى لَهُمْ لِيَزْدَادُواْ إِثْمَاً} [ آل عمران : 178 ] وقوله : {وَأُمْلِى لَهُمْ إِنَّ كَيْدِى مَتِينٌ} [ الأعراف : 183 ].\rثم قال : {وَبِئْسَ المهاد} أي الفراش ، والدليل على أنه بئس المهاد قوله تعالى : {لَهُمْ مّن فَوْقِهِمْ ظُلَلٌ مّنَ النار وَمِن تَحْتِهِمْ ظُلَلٌ} [ الزمر : 16 ] فهم بين أطباق النيران ، ومن فوقهم غواش يأكلون النار ويشربون النار. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 9 صـ 124}\rسؤال : فإن قيل : فإن النبي صلى الله عليه وسلم لا يجوز عليه الاغترار فكيف خوطب بهذا ؟\rفعنه جوابان :\rأحدهما : أن الله عز وجل إنما قال له ذلك تأديباً وتحذيراً.\rوالثاني : أنه خطاب لكل من سمعه ، فكأنه قال : لا يغرنك أيها السامع تقلب الذين كفروا في البلاد. أ هـ {النكت والعيون حـ 1 صـ 444}\rوقال الزمخشرى :\rفإن قلت : كيف جاز أن يغتر رسول الله صلى الله عليه وسلم بذلك حتى ينهي عن الاغترار به ؟","part":19,"page":189},{"id":8106,"text":"قلت : فيه وجهان أحدهما أن مدرة القوم ومتقدّمهم يخاطب بشيء فيقوم خطابه مقام خطابهم جميعاً ، فكأنه قيل : لا يغرنكم والثاني : أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم كان غير مغرور بحالهم فأكد عليه ما كان عليه وثبت على التزامه ، كقوله : { وَلاَ تَكُنْ مع الكافرين } [ هود : 42 ] ، { وَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ المشركين } [ الأنعام : 14 ] ، { فَلاَ تُطِعِ المكذبين } [ القلم : 8 ] وهذا في النهي نظير قوله في الأمر { اهدنا الصراط المستقيم } [ الفاتحة : 6 ] ، { يَأَيُّهَا الذين ءامَنُواْ ءامِنُواْ } [ النساء : 36 ] وقد جعل النهي في الظاهر للتقلب وهو في المعنى للمخاطب ، وهذا من تنزيل السبب منزلة المسبب ، لأنّ التقلب لو غرّه لاغتر به ، فمنع السبب ليمتنع المسبب. أ هـ {الكشاف حـ 1 صـ 486}\rقال أبو حيان :\rوملخص الوجهين اللذين ذكرهما : أن يكون الخطاب له والمراد أمّته ، أو له على جهة التأكيد والتنبيه ، وإن كان معصوماً من الوقوع فيه كما قيل :\rقد يهزّ الحسام وهو حسام . . .\rويجب الجواد وهو جواد. أ هـ {البحر المحيط حـ 3 صـ 154}\rفصل\rقال القرطبى :\rفي هذه الآية وأمثالها كقوله : { إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ } [ آل عمران : 178 ] الآية.\r{ وَأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ } [ والقلم : 45 ].\r{ أَيَحْسَبُونَ أَنَّمَا نُمِدُّهُمْ بِهِ مِن مَّالٍ وَبَنِينَ } [ المؤمنون : 55 ].\r{ سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِّنْ حَيْثُ لاَ يَعْلَمُونَ } [ القلم : 44 ] دليل على أن الكفار غير مُنْعَم عليهم في الدنيا ؛ لأن حقيقة النعمة الخلوصُ من شَوائب الضررِ العاجلة والآجلة ، ونعم الكفار مَشُوبَةٌ بالآلام والعقوبات ، فصار كمن قدّم بين يدي غيرهِ حلاوة من عسل فيها السُّمّ ، فهو وإن استلذّ آكله لا يُقال : أُنعِم عليه ؛ لأن فيه هلاك روحه.","part":19,"page":190},{"id":8107,"text":"ذهب إلى هذا جماعة من العلماء ، وهو قول الشيخ أبي الحسن الأشعرِي.\rوذهب جماعة منهم سيف السنة ولِسان الأمة القاضي أبو بكر : إلى أن الله أنعم عليهم في الدنيا.\rقالوا : وأصل النَّعمة من النعمة بفتح النون ، وهي لين العيش ؛ ومنه قوله تعالى : { وَنَعْمَةٍ كَانُواْ فِيهَا فَاكِهِينَ } [ الدخان : 27 ].\rيُقال : دقيق ناعم ، إذا بُولِغ في طحنهِ وأُجيد سحقه.\rوهذا هو الصحيح ، والدليل عليه أن الله تعالى أوجب على الكفار أن يشكروه وعلى جميع المكلّفين فقال : { فاذكروا آلآءَ الله } [ الأعراف : 74 ].\r{ واشكروا للَّهِ } [ البقرة : 172 ] والشكر لا يكون إلاَّ على نعمة.\rوقال : { وَأَحْسِن كَمَآ أَحْسَنَ الله إِلَيْكَ } [ القصص : 77 ] وهذا خطاب لقارون.\rوقال : { وَضَرَبَ الله مَثَلاً قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُّطْمَئِنَّةً } [ النحل : 112 ] الآية.\rفنبّه سبحانه أنه قد أنعم عليهم نِعمة دُنيْاوِية فجحدوها.\rوقال : { يَعْرِفُونَ نِعْمَةَ الله ثُمَّ يُنكِرُونَهَا } [ النحل : 83 ] وقال : { ياأيها الناس اذكروا نِعْمَةَ الله عَلَيْكُمْ } [ فاطر : 3 ].\rوهذا عامّ في الكفار وغيرهم.\rفأما إذا قدّم لغيره طعاماً فيه سمّ فقد رفق به في الحال ؛ إذْ لم يجرعه السمَّ بحتاً ، بل دَسّه في الحلاوة ، فلا يستبعد أن يُقال : قد أنعم عليه ، وإذا ثبت هذا فالنِّعَم ضربان : نِعَمُ نفْع وَنِعَمُ دفْع ؛ فنِعم النفعِ ما وصل إليهم من فنون اللذات ، ونِعم الدفعِ ما صرف عنهم من أنواع الآفات.\rفعلى هذا قد أنعم على الكفار نِعم الدفع قولاً واحداً ؛ وهو ما زُوِيَ عنهم من الآلام والأسقام ، ولا خلاف بينهم في أنه لم يُنعم عليهم نَعمة دِينيه. والحمد لله. أ هـ {تفسير القرطبى حـ 4 صـ 320 ـ 321}","part":19,"page":191},{"id":8108,"text":"فصل\rقال السمرقندى فى معنى الآيتين :\rلا يغرنك تقلب الذين كفروا في البلاد } يقول : لا يحزنك يا محمد ذهابهم ومجيئهم في تجاراتهم ومكاسبهم في الأرض.\rويقال : هذا الخطاب للمؤمنين ، ومعناه : لا يغرنكم تجارات الكفار وتصرفهم في أموالهم في البلاد ، لأن ذلك { متاع قَلِيلٌ } لأن الكفار كانوا في رخاء وعيش ، وكانت لهم رحلة الشتاء والصيف ، وكان المؤمنون في ضيق وشدة ، فأخبر الله تعالى بمرجع الكفار في الآخرة ، وبمرجع المؤمنين فقال تعالى : { لاَ يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الذين كَفَرُواْ } أي ما هم فيه من العيش والسعة ، فإنما هو متاع أي يفنى بعد وقت قريب.\rقوله : { ثُمَّ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ } أي مصيرهم إلى جهنم { وَبِئْسَ المهاد } بئس موضع القراء في النار ، وبئس المصير إليها ، فما ينفعهم تجاراتهم وأموالهم. أ هـ {بحر العلوم حـ 1 صـ 301}","part":19,"page":192},{"id":8109,"text":"وقال ابن عطية :\rنزلت { لا يغرنك } في هذه الآية ، منزلة : لا تظن أن حال الكفار حسنة فتهتم لذلك ، وذلك أن المغتر فارح بالشىء الذي يغتر به ، فالكفار مغترون بتقلبهم والمؤمنون مهتمون به ، لكنه ربما يقع في نفس مؤمن أن هذا الإملاء للكفار إنما هو لخير لهم ، فيجىء هذا جنوحاً إلى حالهم ونوعاً من الاغترار فلذلك حسنت { لا يغرنك } ونظيره قول عمر لحفصة : لا يغرنك إن كانت جارتك أوضأ منك وأحب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، المعنى : لا تغتري بما يتم لتلك من الإدلال فتقعي فيه فيطلقك النبي صلى الله عليه وسلم ، والخطاب للنبي عليه السلام ، والمراد أمته وللكفار في ذلك حظ ، أي لا يغرنكم تقلبهم ، وقرأ ابن أبي إسحاق ويعقوب : \" لا يغرنْك \" بسكون النون خفيفة ، وكذلك \" لا يصدنك ولا يصدنكم ولا يغرنكم \" - وشبهه ، و\" التقلب \" : التصرف في التجارات والأرباح والحروب وسائر الأعمال ، ثم أخبر تعالى عن قلة ذلك المتاع ، لأنه منقض صائر إلى ذل وقل وعذاب.\rوقرأ أبو جعفر بن القعقاع : \" لكنّ الذين \" ، بشد النون ، وعلى أن { الذين } في موضع نصب اسماً ل \" لكنّ \" ، و{ نزلاً } : معناه تكرمة ، ونصبه على المصدر المؤكد ، وقرأ الحسن : \" نزْلاً \" ساكنة الزاي ، وقوله تعالى : { وما عند الله خير للأبرار } يحتمل أن يريد : خير مما هؤلاء فيه من التقلب والتنعم ، ويحتمل أن يريد : خير مما هم فيه في الدنيا ، وإلى هذا ذهب ابن مسعود فإنه قال : ما من مؤمن ولا كافر إلا والموت خير له ، أما الكافر فلئلا يزداد إثماً ، وأما المؤمن فلأن ما عند الله خير للأبرار.","part":19,"page":193},{"id":8110,"text":"قال أبو محمد : وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : \" الدنيا سجن المؤمن وجنة الكافر \" ، فقال القاضي ابن الطيب : هذا هو بالإضافة إلى ما يصير إليه كل واحد منهما في الآخرة ، فالدنيا على المؤمن المنعم سجن بالإضافة إلى الجنة ، والدنيا للكافر الفقير المضيق عليه في حاله صحته جنة بالإضافة إلى جهنم ، وقيل : المعنى أنها سجن المؤمن لأنها موضع تبعه في الطاعات وصومه وقيامه ، فهو فيها كالمعنت المنكل ، وينتظر الثواب في الأخرى التي هي جنته ، والدنيا جنة الكافر ، لأنها موضع ثوابه على ما عسى أن يعمل من خير ، وليس ينتظر في الآخرة ثواباً ، فهذه جنته ، وهذا القول عندي كالتفسير والشرح للأول. أ هـ {المحرر الوجيز حـ 1 صـ 558 ـ 559}\rوقال أبو السعود : \r{ لاَ يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الذين كَفَرُواْ فِى البلاد } بيانٌ لقبح ما أوتي الكفرةُ من حظوظ الدنيا وكشفٌ عن حقارة شأنِها وسوءِ مَغَبَّتِها إثرَ بيانِ حُسنِ ما أوتيَ المؤمنون من الثواب ، والخطابُ للنبي صلى الله عليه وسلم على أن المرادَ تثبيتهُ على ما هو عليه كقوله تعالى : { فَلاَ تُطِعِ المكذبين } أو على أن المرادَ نهيُ المؤمنين كما يُوجَّهُ الخطابُ إلى مَدارِهِ القومِ ورؤسائِهِم ، والمرادُ أفناؤهم ، ولكل أحد ممن يصلُح للخطاب من المؤمنين والنهيُ للمخاطب ، وإنما جُعل للتقلب مبالغةً أي لا تنظُر إلى ما عليه الكفرةُ من السعة ووفورِ الحظِّ ولا تغترَّ بظاهر ما ترى منهم من التبسّط في المكاسب والمتاجرِ والمزارع. أ هـ {تفسير أبى السعود حـ 2 صـ 135}","part":19,"page":194},{"id":8111,"text":"فصل\rقال الآلوسى\r{ لاَ يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الذين كَفَرُواْ فِى البلاد } الخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم ، والمراد منه أمته ، وكثيراً ما يخاطب سيد القوم بشيء ويراد أتباعه فيقوم خطابه مقام خطابهم ، ويحتمل أن يكون عاماً للنبي صلى الله عليه وسلم وغيره بطريق التغليب تطييباً لقلوب المخاطبين ، وقيل : إنه خطاب له عليه الصلاة والسلام على أن المراد تثبيته صلى الله عليه وسلم على ما هو عليه كقوله تعالى : { فَلاَ تُطِعِ المكذبين } [ القلم : 8 ] وضعف بأنه عليه الصلاة والسلام لا يكون منه تزلزل حتى يؤمر بالثبات وفيه نظر لا يخفى والنهي في المعنى للمخاطب أي لا تغتر بما عليه الكفرة من التبسط في المكاسب والمتاجر والمزارع ووفور الحظ ، وإنما جعل النهي ظاهراً للتقلب تنزيلاً للسبب منزلة المسبب فإن تغرير التقلب للمخاطب سبب واغتراره به مسبب فمنع السبب بورود النهي عليه ليمتنع المسبب الذي هو اغترار المخاطب بذلك السبب على طريق برهاني وهو أبلغ من ورود النهي على المسبب من أول الأمر ، قالوا : وهذا على عكس قول القائل : لا أرينك هنا فإن فيه النهي عن المسبب وهو الرؤية ليمتنع السبب وهو حضور المخاطب.","part":19,"page":195},{"id":8112,"text":"وأورد عليه أن الغارية والمغرورية متضايفان ، وقد صرحوا بأن القطع والانقطاع ونحو ذلك مثلاً متضايفان ، وحقق أن المتضايفين لا يصح أن يكون أحدهما سبباً للآخر بل هما معاً في درجة واحدة ، فالأولى أن يقال : علق النهي بكون التقلب غاراً ليفيد نهي المخاطب عن الاغترار لأن نفي أحد المتضايفين يستلزم نفي الآخر ، ولا يخفى أن هذا مبني على ما لم يقع الإجماع عليه ، ولعل النظر الصائب يقضي بخلافه ، وفسر الموصول بالمشركين من أهل مكة ، فقد ذكر الواحدي أنهم كانوا في رخاء ولين من العيش وكانوا يتجرون ويتنعمون فقال بعض المؤمنين : إن أعداء الله تعالى فيما نرى من الخير وقد هلكنا من الجوع والجهد فنزلت الآية ، وبعض فسره باليهود ، وحكي أنهم كانوا يضربون في الأرض ويصيبون الأموال والمؤمنون في عناء فنزلت ، وإلى ذلك ذهب الفراء ، والقول الأول أظهر ، وأياً مّا كان فالجملة مسوقة لتسلية المؤمنين وتصبيرهم ببيان قبح ما أوتي الكفرة من حظوظ الدنيا إثر بيان حسن ما سينالونه من الثواب الجزيل والنعيم المقيم ، وقرأ يعقوب برواية رويس وزيد { وَلاَ يَغُرَّنَّكُم } بالنون الخفيفة.\r{ متاع قَلِيلٌ } خبر مبتدأ محذوف أي هو يعني تقلبهم متاع قليل ، وقلته إما باعتبار قصر مدته أو بالقياس إلى ما فاتهم مما أعد الله تعالى للمؤمنين من الثواب ، وفيما رواه مسلم مرفوعاً \" ( والله ) ما الدنيا في الآخرة إلا مثل ما يجعل أحدكم أصبعه ( هذه وأشار يحيى بالسبابة ) ( 1 ) في اليم فلينظر بم ترجع \" ، وقيل : إن وصف ذلك المتاع بالقلة بالقياس إلى مؤنة السعي وتحمل المشاق فضلاً عما يلحقه من الحساب والعقاب في دار الثواب ولا يخفى بعده { ثُمَّ } أي مصيرهم الذي يأوون إليه ويستقرون فيه بعد انتقالهم من الأماكن التي يتقلبون فيها.","part":19,"page":196},{"id":8113,"text":"{ لِخَزَنَةِ جَهَنَّمَ } التي لا يوصف عذابها { وَبِئْسَ المهاد } أي بئس ما مهدوا لأنفسهم وفرشوا جهنم ، وفيه إشارة إلى أن مصيرهم إلى تلك الدار مما جنته أنفسهم وكسبته أيديهم. أ هـ {روح المعانى حـ 4 صـ 171 ـ 172}\rوقال ابن عاشور :\r{ لَا يَغُرَّنَّكَ}\rاعتراض في أثناء هذه الخاتمة ، نشأ عن قوله : { فاستجاب لهم ربهم أنى لا أضيع عمل عامل منكم } [ آل عمران : 195 ] باعتبار ما يتضمّنه عدَمُ إضاعة العمل من الجزاء عليه جزاء كاملاً في الدنيا والآخرة ، وما يستلزمه ذلك من حرمان الذين لم يستجيبوا لداعي الإيمان وهم المشركون ، وهم المراد بالذين كَفَروا كَمَا هو مصطلح القرّاء.\rوالخطاب لغير معيّن ممّن يُتوهّم أن يغرّه حسن حال المشركين في الدنيا.\rوالغَرّ والغرور : الإطماع في أمر محبوب على نيّة عدم وقوعه ، أو إظهار الأمر المضرّ في صورة النافع ، وهو مشتقّ من الغرّة بكسر الغين وهي الغفلة ، ورجل غِرّ بكسر الغين إذا كان ينخدع لمن خادعه.\rوفي الحديث : \" المؤمن غرّ كريم \" أي يظنّ الخير بأهل الشرّ إذا أظهروا له الخير.\rوهو هنا مستعار لظهور الشيء في مظهر محبوب ، وهو في العاقبة مكروه.\rوأسند فعل الغرور إلى التقلّب لأنّ التقلّب سببه ، فهو مجاز عقليّ ، والمعنى لا ينبغي أن يغرّك.\rونظيره : \"لا يفتننّكم الشيطان\".\rو ( لا ) ناهية لأنّ نون التوكيد لا تجيء مع النفي.\rوقرأ الجمهور : لا يَغُرّنَّك بتشديد الراء وتشديد النون وهي نون التوكيد الثقيلة ؛ وقرأها رويس عن يعقوب بنون ساكنة ، وهي نون التوكيد الخفيفة.\rوالتقلّب : تصرّف على حسب المشيئة في الحروب والتجارات والغرس ونحو ذلك ، قال تعالى : { ما يجادل في آيات الله إلاّ الذين كفروا فلا يَغْرُرْك تَقَلُّبُهم في البلاد } [ غافر : 4 ].\rوالبلاد : الأرض.","part":19,"page":197},{"id":8114,"text":"والمتاعُ : الشيء الذي يشتري للتمتّع به.\rوجملة { متاع قليل } إلى آخرها بيان لجملة { لا يغرنك }.\rوالمتاع : المنفعة العاجلة ، قال تعالى : { وما الحياة الدنيا في الآخرة إلا متاع } [ آل عمران : 185 ]. أ هـ {التحرير والتنوير حـ 3 صـ 315 ـ 316}\rفوائد لغوية\rقال ابن عادل :\rقوله : \" مَتَاعٌ \" خبر مبتدأ محذوف ، دَلَّ عليه الكلام ، تقديره : تقلبهم ، أو تصرفهم متاع قليل. والمخصوص بالذم محذوف ، أي : بئس المهاد جهنم. ومعنى \" مَتَاعٌ قَلِيلٌ \" أي : بُلْغة فانية ، ومُتْعة زائلة. أ هـ {تفسير ابن عادل حـ 6 صـ 130}.\rمن لطائف الإمام القشيرى فى الآيتين\rقال عليه الرحمة :\r{ لَا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي الْبِلَادِ (196) مَتَاعٌ قَلِيلٌ ثُمَّ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمِهَادُ (197)}\rلا تتداخلنك تهمة بأنَّ لهم عندنا قدراً وقيمة إنما هي أيام قلائل وأنفاس معدودة ، ثم بعدها حسرات مترادفة ، وأحزان متضاعفة. أ هـ {لطائف الإشارات حـ 1 صـ 308}","part":19,"page":198},{"id":8115,"text":"قوله تعالى { لَكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا نُزُلًا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَمَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ لِلْأَبْرَارِ (198)}\rمناسبة الآية لما قبلها\rقال البقاعى :\rولما بين بآية المهاجرين أن النافع من الإيمان هو الموجب للثبات عند الامتحان.\rوكانت تلك الشروط قد لا توجد ، ذكر وصف التقوى العام للأفراد الموجب للإسعاد ، فعقب تهديد الكافرين بما لأضدادهم المتقين الفائزين بما تقدم الدعاء إليه بقوله تعالى : {قل أأنبئكم بخير من ذلكم} [ آل عمران : 15 ] فقال تعالى : {لكن الذين اتقوا ربهم} أي أوقعوا الاتصاف بالتقوى بالائتمار بما أمرهم به المحسن إليهم والانتهاء عما نهاهم شكراً لإحسانه وخوفاً من عظم شأنه {لهم جنات} وإلى جنات ، ثم وصفها بقوله : {تجري من تحتها الأنهار} تعريفاً بدوام تنوعها وزهرتها وعظيم بهجتها.\rولما وصفها بضد ما عليه النار وصف تقلبهم فيها بضد ما عليه الكفار من كونهم في ضيافة الكريم الغفار فقال : {خالدين فيها} ولما كان النزل ما يعد للضيف عند نزوله قال معظماً ما لمن يرضيه : {نزلا} ولما كان الشيء يشرف بشرف من هو من عنده نبه على عظمته بقوله : {من عند الله} مضيفاً إلى الاسم الأعظم ، وأشار بجعل الجنات كلها نزلاً إلى التعريف بعظيم ما لهم بعد ذلك عنده سبحانه من النعيم الذي لا يمكن الآدميين وجه الاطلاع على حقيقة وصفه ، ولهذا قال معظماً - لأنه لو أضمر لظن الاختصاص بالنزل - {وما عند الله} أي الملك الأعظم من النزل وغيره {خير للأبرار} مما فيه الكفار ومن كل ما يمكن أن يخطر بالبال من النعيم. أ هـ {نظم الدرر حـ 2 صـ 201}\rفصل\rقال الفخر :\rاعلم أنه تعالى لما ذكر الوعيد أتبعه بالوعد بالنزل ، والنزل ما يهيأ للضيف وقوله : {لَكِنِ الذين اتقوا رَبَّهُمْ} يتناول جميع الطاعات ، لأنه يدخل في التقوى الاحتراز عن المنهيات ، وعن ترك المأمورات.","part":19,"page":199},{"id":8116,"text":"واحتج بعض أصحابنا بهذه الآية على الرؤية لأنه لما كانت الجنة بكليتها نزلا ، فلا بد من الرؤية لتكون خلعة ، ونظيره قوله تعالى : {إِنَّ الذين ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصالحات كَانَتْ لَهُمْ جنات الفردوس نُزُلاً} [ الكهف : 107 ] وقوله : {نُزُلاً} نصب على الحال من {جنات} لتخصيصها بالوصف ، والعامل اللام ، ويجوز أن يكون بمعنى مصدر مؤكد ، لأن خلودهم فيها إنزالهم فيها أو نزولهم ، وقال الفراء : هو نصب على التفسير كما تقول : هو لك هبة وبيعا وصدقة ثم قال : {وَمَا عِندَ الله} من الكثير الدائم {خَيْرٌ لّلأَبْرَارِ} مما يتقلب فيه الفجار من القليل الزائل ، وقرأ مسلمة بن محارب والأعمش {نُزُلاً} بسكون الزاي ، وقرأ يزيد بن القعقاع {لَكِنِ الذين اتقوا} بالتشديد. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 9 صـ 125}\rوقال أبو حيان :\r{ لكن الذين اتقوا ربهم لهم جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها } لما تضمن ما تقدم أن ذلك التقلب والتصرف في البلاد هو متاع قليل ، وإنهم يأوون بعد إلى جهنم ، فدل على قلّة ما متعوا به ، لأنّ ذلك منقض بانقضاء حياتهم ، ودلّ على استقرارهم في النار.\rاستدرك بلكن الأخبار عن المتقين بمقابل ما أخبر به عن الكافرين ، وذلك شيئان : أحدهما مكان استقرار وهي الجنات ، والثاني ذكر الخلود فيها وهو الإقامة دائماً والتمتع بنعيمها سرمداً.\rفقابل جهنم بالجنات ، وقابل قلة متاعهم بالخلود الذي هو الديمومة في النعيم ، فوقعت لكن هنا أحسن موقع ، لأنه آل معنى الجملتين إلى تكذيب الكفار وإلى تنعيم المتقين ، فهي واقعة بين الضدين. أ هـ {البحر المحيط حـ 3 صـ 154}\rفائدة\rقال القرطبى :\rقوله تعالى : { نُزُلاٍ مِّنْ عِندِ الله } نُزُلاً مثل ثواباً عند البصريين ، وعند الكِسائي يكون مصدراً.\rالفراء : هو مفسر.","part":19,"page":200},{"id":8117,"text":"وقرأ الحسن والنخعِي { نُزُلاً } بتخفيف الزاي استِثقالاً لا لِضمتين ، وثقّله الباقون.\rوالنّزُولُ : ما يُهيأ للنزّيل.\rوالنزيل الضيف.\rقال الشاعر : \rنَزِيلُ القوْم أعظمُهُم حقوقاً . . .\rوحَقُّ اللَّهِ في حقِّ النزيلِ\rوالجمع الأنزال.\rوحظ نزِيل : مجتمِعٌ.\rوالنزل : أيضاً الرّيْع ؛ يُقال ؛ طعام كثير النزْل والنزُل.\rقلت ؛ ولعل النزل والله أعلم.\rما جاء في صحيح مسلم من حديث ثَوْبَان مولى رسولِ الله صلى الله عليه وسلم \" في قصة الحِبَرْ الذي سأل النبيّ صلى الله عليه وسلم : أين يكون الناس يوم تبدّل الأرضُ غير الأرضِ والسموات ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ؛ \"هم في الظلمة دون الجِسر\" قال : فمن أوّل الناس إجازة ؟ قال : \"فقراء المهاجِرين\" قال اليهودي : فما تُحفَتُهم حين يدخلون الجنة ؟ قال \"زيادة كبِد النون\" قال : فما غذاؤهم على إثرها ؟ فقال : \"ينحر لهم ثور الجنة الذي كان يأكل من أطرافها\" قال : فما شرابهم عليه ؟ قال : \"من عينٍ فيها تسمى سلسبِيلاً\" \" وذكر الحديث.\rقال أهل اللغة : والتحفة ما يتحف به الإنسان من الفواكه.\rوالطُّرَف محاسِنه وملاطِفه ، وهذا مطابِق لما ذكرناه في النزل ، والله أعلم.\rوزِيادة الكَبِد : قطعة منه كالأصبع.\rقال الهروِيّ : { نُزُلاً مِنْ عِنْدِ اللَّهِ } أي ثواباً.\rوقيل رِزقاً. أ هـ {تفسير القرطبى حـ 4 صـ 321 ـ 322}. بتصرف يسير.\rقوله تعالى { وما عند الله خير للأبرار }\rقال أبو حيان : \rظاهره حوالة الصلة على ما تقدم من قوله : نزلاً من عند الله.\rوالمعنى : أن الذي أعده الله للأبرار في الآخرة خير لهم ، فيحتمل أن يكون المفضل عليه بالنسبة للأبرار أي خير لهم مما هم فيه في الدنيا ، وإليه ذهب : ابن مسعود.\r","part":19,"page":201},{"id":8118,"text":"وجاء \" لموضع سوط في الجنة خير من الدنيا وما فيها \" ويحتمل أن يكون بالنسبة إلى الكفار ، أي : خير لهم مما يتقلب فيه الكفار من المتاع الزائل.\rوقيل : خير هنا ليست للتفضيل ، كما أنها في قوله تعالى : { أصحاب الجنة يومئذ خير مستقراً } والأظهر ما قدمناه.\rوللأبرار متعلق بخير ، والأبرار هم المتقون الذين أخبر عنهم بأن لهم جنات.\rوقيل : فيه تقديم وتأخير.\rأي الذي عند الله للأبرار خير لهم ، وهذا ذهول عن قاعدة العربية من أن المجرور إذ ذاك يتعلق بما تعلق به الظرف الواقع صلة للموصول ، فيكون المجرور داخلاً في حيز الصلة ، ولا يخبر عن الموصول إلا بعد استيفائه صلته ومتعلقاتها. أ هـ {البحر المحيط حـ 3 صـ 55}\rمن فوائد الآلوسى فى الآية\rقال رحمه الله :\r{ لَكِنِ الذين اتقوا رَبَّهُمْ لَهُمْ جنات تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الانهار خالدين فِيهَا } { لَكِنِ } للاستدراك عند النحاة","part":19,"page":202},{"id":8119,"text":"وهو رفع توهم ناشىء من السابق وعند علماء المعاني لقصر القلب وردّ اعتقاد المخاطب ، وتوجيه الآية على الأول : أنه لما وصف الكفار بقلة نفع تقلبهم في التجارة وتصرفهم في البلاد لأجلها جاز أن يتوهم متوهم أن التجارة من حيث هي مقتضية لذلك فاستدرك أن المتقين وإن أخذوا في التجارة لا يضرهم ذلك وأن لهم ما وعدوا به أو يقال إنه تعالى لما جعل تمتع المتقلبين قليلاً مع سعة حالهم أوهم ذلك أن المسلمين الذين لا يزالون في الجهد والجوع في متاع في كمال القلة فدفع بأن تمتعهم للاتقاء وللاجتناب عن الدنيا ولا تمتع من الدنيا فوقه لأنه وسيلة إلى نعمة عظيمة أبدية هي الخلود في الجنات ، وعلى الثاني : ردّ لاعتقاد الكفرة أنهم متمتعون من الحياة والمؤمنون في خسران عظيم ، وعلل بعض المحققين جعل التقوى في حيز الصلة بالإشعار بكون الخصال المذكورة من باب التقوى ، والمراد بها الاتقاء عن الشرك والمعاصي ؛ والموصول مبتدأ والظرف خبره ، وجنات مرتفع به على الفاعلية لاعتماده على المبتدأ ، أو مرتفع بالابتداء ، والظرف خبره ، والجملة خبر المبتدأ ، وخالدين حال مقدرة من الضمير المجرور في لهم أو من جنات لتخصيصها بجملة الصفة ، والعامل ما في الظرف من معنى الاستقرار ، وقرأ أبو جعفر { لَكِنِ } بتشديد النون.\r{ نُزُلاٍ مّنْ عِندِ الله } النزل بضمتين وكذا النزل بضم فسكون ما يعد للضيف أول نزوله من طعام وشراب وصلة ، قال الضبي : \rوكنا إذا الجبار بالجيش ضافنا...\rجعلنا القنا والمرهفات له ( نزلاً )\rويستعمل بمعنى الزاد مطلقاً ، ويكون جمعاً بمعنى النازلين كما في قول الأعشى : \rأو ينزلون فإنا معشر ( نزل )...","part":19,"page":203},{"id":8120,"text":"وقد جوز ذلك أبو عليّ في الآية ، وكذا يجوز أن يكون مصدراً ، قيل : وأصل معنى النزل مفرداً الفضل والريع في الطعام ، ويستعار للحاصل عن الشيء ، ونصبه هنا إما على الحالية من جنات لتخصيصها بالوصف والعامل فيه ما في الظرف من معنى الاستقرار إن كان بمعنى ما يعد الخ ، وجعل الجنة حينئذٍ نفسها نزلاً من باب التجوز ، أو بتقدير مضاف أي ذات نزل ، وإما على الحالية من الضمير في خالدين إن كان جمعاً ، وإما على أنه مفعول مطلق لفعل محذوف إن كان مصدراً وهو حينئذٍ بمعنى النزول أي نزلوها نزلاً ، وجوز على تقدير مصدريته أن يكون بمعنى المفعول فيكون حالاً من الضمير المجرور في فيها أي منزلة ، والظرف صفة نزلاً إن لم تجعله جمعاً وإن جعلته جمعاً ففيه كما قال أبو البقاء وجهان : أحدهما : أنه حال من المفعول المحذوف لأن التقدير ( نزلاً ) إياها ، والثاني : أن يكون خبر مبتدأ محذوف أي ذلك من عند الله أي بفضله ، وذهب كثير من العلماء على أن النزل بالمعنى الأول وعليه تمسك بعضهم بالآية على رؤية الله تعالى لأنه لما كانت الجنة بكليتها نزلاً فلا بد من شيء آخر يكون أصلاً بالنسبة إليها وليس وراء الله تعالى شيء وهو كما ترى ، نعم فيه حينئذٍ إشارة إلى أن القوم ضيوف الله تعالى وفي ذلك كمال اللطف بهم.","part":19,"page":204},{"id":8121,"text":"{ وَمَا عِندَ الله } من الأمور المذكورة الدائمة لكثرته ودوامه { خَيْرٌ لّلأبْرَارِ } مما يتقلب فيه الفجار من المتاع القليل الزائل لقلته وزواله ، والتعبير عنهم بالأبرار ووضع الظاهر موضع الضمير كما قيل : للإشعار بأن الصفات المعدودة من أعمال البر كما أنها من قبيل التقوى والجملة تذييل ، وزعم بعضهم أن هذا مما يحتمل أن يكون إشارة إلى الرؤية لأن فيه إيذاناً بمقام العندية والقرب الذي لا يوازيه شيء من نعيم الجنة ، والموصول مبتدأ ، والظرف صلته ، وخير خبره ، وللأبرار صفة خير.\rوجوز أن يكون للأبرار خبراً والنية به التقديم أي والذي عند الله مستقر للأبرار وخير على هذا خبر ثان ، وقيل : للأبرار حال من الضمير في الظرف ، وخير خبر المبتدأ ، وتعقبه أبو البقاء بأنه بعيد لأن فيه الفصل بين المبتدأ والخبر بحال لغيره والفصل بين الحال وصاحب الحال غير المبتدأ وذلك لا يجوز في الاختيار. أ هـ {روح المعانى حـ 4 صـ 172 ـ 173}\rفوائد لغوية\rقال ابن عادل :\rقرأ الجمهورُ بتخفيف \" لكن \" وأبو جعفر بتشديدها ، فعلى القراءة الأولى الموصول رفع بالابتداء ، وعند يونس يجوز إعمال المخففة ، وعلى الثانية في محل نصب.\rووقعت \" لكِن \" هنا أحسن موقع ؛ فإنها وقعت بين ضِدَّيْن ، وذلك أن معنى الجملتينِ - التي بعدها والتي قبلها - آيلٌ إلى تعذيب الكفار ، وتنعيم المؤمنين المتقين. ووجه الاستدراك أنه لما وصف الكفار بقلة نَفْع تقلبهم في التجارة ، وتصرُّفهم في البلاد لأجْلِها ، جاز أن يتوهَّم مُتَوَهِّمٌ أن التجارة - من حيث هي - متصفة بذلك ، فاستدرك أنَّ المتقينَ - وإن أخذوا في التجارة - لا يضرهم ذلك ، وأنَّ لهم ما وعدهم به.\rقوله : { تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأنهار } هذه الجملة أجاز مكيٌّ فيها وجهينِ :\rأحدهما : الرفع ، على النعت لِـ \" جَنَّاتٌ \".","part":19,"page":205},{"id":8122,"text":"والثاني : النصبُ ، على الحال من الضمير المستكن في \" لَهُمْ \" قال : \" وإن شئت في موضع نصب على الحال من المضمر المرفوع في \" لَهُمْ \" إذْ هو كالفعل المتأخر بعد الفاعل إن رفعت \" جَنَّاتٌ \" بالابتداء ، فإن رفعتها بالاستقرار لم يكن في \" لَهُمْ \" ضميرٌ مرفوعٌ ؛ إذ هو كالفعل المتقدِّم على فاعله \". يعني أنّ \" جَنَّاتٌ \" يجوز فيها رفعها من وجهين : \rأحدهما : الابتداء ، والجار قبلها خبرها ، والجملة خبر \" الَّذِينَ اتَّقوا \".\rثانيهما : الفاعلية ؛ لأن الجارَّ قبلها اعتمد بكونه خبراً لِـ \" الَّذِينَ اتَّقَوْا \". وقد تقدم أن هذا أوْلَى ، لقُربه من المفرد.\rفإنْ جعلنا رفعها بالابتداء جاز في { تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأنهار } وجهان : وجهان : الرفع على النعت ، والنصب على الحال من الضمير المرفوع في \" لَهُمْ \" لتحمُّله - حينئذٍ - ضميراً.\rوإن جعلنا رفعها بالفاعلية تعيَّن أن يكون الجملة بعدها في موضع رَفْع ؛ نعتاً لها ، ولا يجوز النصبُ على الحال ، لأن \" لَهُمْ \" ليس فيه - حيئذٍ - ضمير ؛ لرفعه الظاهر.\rو \" خَالِدِينَ \" نُصِبَ على الحالِ من الضمير في \" لَهُمْ \" والعاملُ فيه معنى الاستقرارِ.\rقوله : \" نُزُ لاً \" النُّزُل : ما يُهَيَّأ للنزيل - وهو الضيف.\rقال أبو العشراء الضبي : [ الطويل ]\rوكُفَّا إذَا الْجَبَّارُ بِالْجَيْشِ ضَافَنَا... جَعَلْنَا الْقَنَا والْمُرْهَفَاتِ لَهُ نُزُلا\rهذا أصله ، ثم اتُّسِع فيه ، فأطلق على الرزق والغذاء - وإن لم يكن لضيف - ومنه قوله تعالى : { فَنُزُلٌ مِّنْ حَمِيمٍ } [ الواقعة : 93 ] وفيه قولانِ ، هل هو مصدرٌ أو جمع نازل ، كقول الأعشى : [ البسيط ]\r.............................. أو تَنْزِلُونَ فَإنَّا مَعْشَرٌ نُزُلُ\rإذا تقرَّر هذا ففي نَصْبه سِتَّةُ أوجهٍ : \r","part":19,"page":206},{"id":8123,"text":"أحدهما : أنه منصوب على المصدر المؤكّد ، لأنه معنى \" لَهُمْ جَنَّاتٌ \" : نُنْزِلُهم جنات نزلاً ، وقدَّره الزمخشريُّ بقوله : \" كأنه قيل : رزقاً ، أو عطاءً من عند اللهِ \".\rثانيها : نصبه بفعل مُضْمَر ، أي : جعلنا لهم نُزُلاً.\rثالثها : نَصبه على الحال من \" جَنَّات \" لأنها تخصَّصَت بالوَصْف.\rرابعها : أن يكون حالاً من الضمير في \" فِيهَا \" أي مُنزّلةً - إذا قيل بأنّ \" نُزلاً \" مصدر بمنى المفعول نقله أبو البقاءِ.\rخامسها : أنه حالٌ من الضمير المستكن في \" خَالِدِينَ \" - إذا قُلْنَا : إنه جمع نازل - قاله الفارسيُّ في التذكرة.\rسادسها : وهو قول الفرّاء - نصبه على التفسير - أي التمييز - كما تقول : هو لك هبةً ، أو صدقةً وهذا هو القولُ بكونه حالاً.\rوالجمهور على ضم الزاي ، وقرأ الحسنُ ، والأعمشُ ، والنَّخَعِيُّ ، بسكونها ، وهي لغةٌ ، وعليها البيتُ المتقدم. وقد تقدم أن مثل هذا يكون فيه المسكَّن مخففاً من المثقل أو بالعكس ، والحق الأول.\rقوله : { مِّنْ عِندِ الله } فيه ثلاثة أوجه ، لأنك إن جعلت \" نُزُلاً \" مصدراً ، كان الظرفُ صفةً له ، فيتعلق بمحذوف ، أي : نزلاً كائناً من عند اللهِ أي : على سبيلِ التكريمِ ، وإنْ جعلته جمعاً كان في الظرف وجهانِ : \rأحدهما : جَعْله حالاً من الضمير المحذوفِ ، تقديره : نُزُلاً إياها.\rثانيهما : أنه خبرُ مبتدأ محذوفٍ ، أي : ذلك من عند الله ؛ نقل ذلك أبو البقاءِ.\rقوله : { وَمَا عِندَ الله خَيْرٌ } \" ما \" موصولة ، وموضعها رفع بالابتداء والخبر \" خَيْرٌ \" و\" للأبْرَارِ \" صفة لِـ \" خير \" فهو في محل رفع ، ويتعلق بمحذوفٍ ، وظاهر عبارة أبي حيّان أنه يتعلق بنفس \" خَيْرٍ \" فإنه قال : و\" للأبرارِ \" متعلق بـ \" خَيْرٌ \".\r","part":19,"page":207},{"id":8124,"text":"وأجاز بعضهم أن يكون \" لِلأبْرَارِ \" هو الخبر ، و\" خَيْرٌ \" خبر ثانٍ ، قال أبو البقاء : \" والثاني - أي : الوجه الثاني - : أن يكون الخبر \" لِلأبْرَارِ \" والنية به التقديمُ ، أي : والذي عند اللهِ مستقرٌّ للأبرارِ ، و\" خَيْرٌ \" - على هذا - خبرٌ ثانٍ \".\rوفي ادِّعاء التقديمِ والتأخيرِ نظرٌ ؛ لأن الأصلَ في الإخبار أنْ يكونَ بالاسمِ الصريحِ ، فإذا اجتمعَ خبرٌ مفردٌ صريحٌ ، وخبرٌ مؤوَّلٌ به بُدِئَ بالصريحِ من غير عكس - كالصفة - فإذا وقعا في الآية على الترتيبِ المذكور ، فكيف يُدَّعَى فيها التقديمُ والتأخيرُ ؟ .\rونقل أبو البقاء - عن بعضهم - أنه جعل \" لِلأبْرَارِ \" حالاً من الضمير في الظرف ، \" خّيْرٌ \" خبر المبتدأ ، قال : \" وهذا بعيدٌ ؛ لأن فيه الفصل بين المبتدأ والخبر بحالٍ لغيره ، والفصلُ بين الحالِ وصاحب الحالِ بخبر المبتدأ ، وذلك لا يجوزُ في الاختيار \".\rقال أبو حيّان : \" وقيل : فيه تقديمٌ وتأخيرٌ ، أي : الذي عند الله للأبرار خير لهم ، وهذا ذهولٌ عن قاعدةِ العربية من أن المجرور - إذ ذاك - يتعلق بما تعلَّق به الظرف الواقع صلة للموصوف ، فيكون المجرورُ داخلاً في حيِّز الصِّلَةِ ، ولا يُخْبَر عن الموصول إلا بعد استيفائه صِلته ومتعلقاتها \".\rفإن عنى الشيخُ بالتقديم والتأخير على الوجه - أعني جعل \" لِلأبْرَارِ \" حالاً من الضمير في الظرف فصحيحٌ ، لأنَّ العاملَ في الحالِ - حينئذ - الاستقرارُ الذي هو عاملٌ في الظرفِ الواقع صِلةً ، فيلزم ما قاله ، وإن عنى به الوجهَ الأول - أعني : جعل \" لِلأبْرَارِ \" خبراً ، والنية به التقديم وب \" خَيْرٌ \" التأخير كما ذكر أبو البقاءِ ، فلا يلزم ما قال ؛ لأنّ \" لِلأبْرَارِ \" - حينئذٍ - يتعلَّق بمحذوفٍ آخرَ غير الذي تعلُّق به الظرفُ.\r","part":19,"page":208},{"id":8125,"text":"و \" خَيْرٌ \" - هنا - يجوز أن يكون للتفضيل ، وأن لا يكون ، فإن كان للتفضيل كان المعنى : وما عند الله خيرٌ للأبرار مما لهم في الدنيا ، أو خيرٌ لهم مما ينقلب فيه الكفارُ من المتاعِ القليلِ الزائلِ. أ هـ {تفسير ابن عادل حـ 6 صـ 130 ـ 133}. بتصرف.\rمن لطائف الإمام القشيرى فى الآية\rقال عليه الرحمة :\r{ لَكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا نُزُلًا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَمَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ لِلْأَبْرَارِ (198)}\rالذين وسمناهم بذُلِّ الفرقة بئست حالتهم ، والذين رفعوا قَدَماً لأجلنا فنعمت الحالة والزلفة ؛ وصلوا إلى الثواب المقيم ، وبقوا في الوصلة والنعيم ، وما عند الله مما ادَّخرنا لهم خيرٌ مما أمَّلوه باختيارهم. أ هـ {لطائف الإشارات حـ 1 صـ 308}","part":19,"page":209},{"id":8126,"text":"قوله تعالى { وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَمَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ خَاشِعِينَ لِلَّهِ لَا يَشْتَرُونَ بِآَيَاتِ اللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلًا أُولَئِكَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ (199)}\rمناسبة الآية لما قبلها\rقال البقاعى : \rولما كان للمؤمنين من أهل الكتابين - مع التشرف بما كانوا عليه من الدين الذي أصله حق - حظٌّ من الهجرة ، فكانوا قسماً ثانياً من المهاجرين ، وكان إنزال كثير من هذه السورة في مقاولة أهل الكتاب ومجادلتهم والتحذير من مخاتلتهم ومخادعتهم والإخبار - بأنهم يبغضون المؤمنين مع محبتهم لهم ، وأنهم لا يؤمنون بكتابهم ، وأنهم سيسمعون منهم أذى كثيراً إلى أن وقع الختم في أوصافهم بأنهم اشتروا بآيات الله ثمناً قليلاً - ربما أيأس من إيمانهم ؛ أتبع ذلك مدح مؤمنيهم وغير الأسلوب عن أن يقال مثلاً : والذين آمنوا من أهل الكتاب - إطماعاً في موالاتهم بعد التدريب بالتحذير منهم على مناواتهم وملاواتهم فقال : {وإن من أهل الكتاب} أي اليهود والنصارى {لمن يؤمن بالله} أي الذي حاز صفات الكمال ، وأشار إلى الشرط المصحح لهذا الإيمان بقوله : {وما أنزل إليكم} أي من هذا القرآن {وما أنزل إليهم} أي كله ، فيذعن ملا يأمر منه باتباع هذا النبي العربي ، وإليه الإشارة بقوله جامعاً للنظر إلى معنى من تعظيماً لوصف الخشوع بالنسبة إلى مطلق الإيمان : {خاشعين لله} أي لأنه الملك الذي لا كفوء له ، غير مستنكفين عن نزل المألوف {لا يشترون بآيات الله} أي التي متى تأملوها علموا أنه لا يقدر عليها إلا من أحاط بالجلال والجمال ، الآمرة لهم بذلك {ثمناً قليلاً} بما هم عليه من الرئاسة ونفوذ الكلمة - كما تقدم قريباً في وصف معظمهم ، فهم يبينونها ويرشدون إليها ولا يحرفونها.\rولما أخبر تعالى عن حسن ترحمهم إليه أخبر عن جزائهم عنده بما يسر النفوس ويبعث الهمم فقال : {أولئك} أي العظيمو الرتبة {لهم أجرهم} أي الذي يؤملونه ثم زادهم فيه رغبة تشريفة بقوله : {عند ربهم} أي الذي رباهم ولم يقطع إحسانه لحظة عنهم ، كل ذلك تعظيماً له من حيث إن لهم الأجر مرتين.","part":19,"page":210},{"id":8127,"text":"ولما اقتضت هذه التأكيدات المبشرات إنجاز الأجر وإتمامه وإحسانه ، وكان قد تقدم أنه تعالى يؤتي كل أحد من ذكر وأنثى أجره ، ولا يضيع شيئاً ، ويجازي المسيء والمحسن ، وكانت العادة قاضية بأن كثرة الخلق سبب لطول زمن الحساب ، وذلك سبب لطول الانتظار ، وذلك سبب لتعطيل الإنسان عن مهماته ولضيق صدره بتفرق عزمه وشتاته كان ذلك محل عجب يورث توهم ما لا ينبغي ، فأزال هذا التوهم بأن أمره تعالى على غير ذلك لأنه لا يشغله شأن عن شأن بقوله : {إن الله} أي بما له من الجلال والعظمة والكمال {سريع الحساب}. أ هـ {نظم الدرر حـ 2 صـ 202 ـ 203}\rفصل فى سبب نزول الآية\rقال البغوى :\rقال ابن عباس وجابر وأنس وقتادة : نزلت في النجاشي ملك الحبشة ، واسمه أصحمة وهو بالعربية عطية وذلك أنه لما مات نعاه جبريل عليه السلام لرسول الله صلى الله عليه وسلم في اليوم الذي مات فيه ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأصحابه أخرجوا فصلوا على أخٍ لكم مات بغير أرضكم النجاشي ، فخرج إلى البقيع وكشف له إلى أرض الحبشة فأبصر سرير النجاشي وصلى عليه وكبر أربع تكبيرات ، واستغفر له فقال المنافقون : انظروا إلى هذا يصلي على علج حبشي نصراني لم يره قط وليس على دينه فأنزل الله تعالى هذه الآية. (1)\r____________\r(1) قال ابن حجر : ذكره الثعلبي من قول ابن عباس وقتادة وذكره الواحدي بلا إسناد ورواه الطبري وابن عدي في ترجمة أبي بكر الهذلي واسمه سلمى وهو ضعيف عن قتادة عن سعيد ابن المسيب عن جابر دون قوله : ونظر إلى أرض الحبشة. وأخرجه الطبراني في الأوسط من رواية عبد الرحمن بن زيد بن أسلم عن أبيه . انظر الكافي الشاف ص (37). وعن أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى على النجاشي فكبر عليه أربعا\" رواه البزار والطبراني في الأوسط ورجال الطبراني رجال الصحيح. انظر مجمع الزوائد : 3 / 38 - 39 9 / 419. تفسير ابن كثير : 1 / 440. وصلاة النبي صلى الله عليه وسلم على النجاشي ثابتة في الصحيحين. انظر البخاري : 2 / 116 ومسلم : 2 / 656 - 657.","part":19,"page":211},{"id":8128,"text":"وقال عطاء : نزلت في أهل نجران أربعين رجلا [من بني حارث بن كعب] اثنين وثلاثين من أرض الحبشة وثمانية من الروم كانوا على دين عيسى عليه السلام فآمنوا بالنبي صلى الله عليه وسلم وقال ابن جريج : نزلت في عبد الله بن سلام وأصحابه. أ هـ {تفسيرالبغوى حـ 2 صـ 155 ـ 156}\rقال الطبرى :\rوأولى هذه الأقوال بتأويل الآية ما قاله مجاهد. وذلك أنّ الله جل ثناؤه عَمّ بقوله : \"وإنّ من أهل الكتاب\" أهلَ الكتاب جميعًا ، فلم يخصص منهم النصارى دون اليهود ، ولا اليهود دون النصارى. وإنما أخبر أن من\"أهل الكتاب\" من يؤمن بالله. وكلا الفريقين أعني اليهود والنصارى من أهل الكتاب. أ هـ {تفسير الطبرى حـ 7 صـ 499}\rفصل\rقال الفخر :\rاعلم أنه تعالى لما ذكر حال المؤمنين وكان قد ذكر حال الكفار من قبل ، بأن مصيرهم إلى النار بين في هذه الآية أن من آمن منهم كان داخلا في صفة الذين اتقوا فقال : {وَإِن مّنْ أَهْلِ الكتاب} واختلفوا في نزولها ، فقال ابن عباس وجابر وقتادة : نزلت في النجاشي حين مات وصلى عليه النبي صلى الله عليه وسلم ، فقال المنافقون : إنه يصلي على نصراني لم يره قط ، وقال ابن جريج وابن زيد : نزلت في عبد الله بن سلام وأصحابه ، وقيل : نزلت في أربعين من أهل نجران ، واثنين وثلاثين من الحبشة ، وثمانية من الروم كانوا على دين عيسى عليه السلام فأسلموا.","part":19,"page":212},{"id":8129,"text":"وقال مجاهد : نزلت في مؤمني أهل الكتاب كلهم ، وهذا هو الأولى لأنه لما ذكر الكفار بأن مصيرهم إلى العقاب ، بين فيمن آمن منهم بأن مصيرهم إلى الثواب.\rواعلم أنه تعالى وصفهم بصفات : أولها : الإيمان بالله ، وثانيها : الإيمان بما أنزل الله على محمد صلى الله عليه وسلم.\rوثالثها : الإيمان بما أنزل على الأنبياء الذين كانوا قبل محمد عليه الصلاة والسلام.\rورابعها : كونهم خاشعين لله وهو حال من فاعل يُؤْمِنُ لأن مَن يُؤْمِنُ في معنى الجمع.\rوخامسها : أنهم لا يشترون بآيات الله ثمناً قليلا كما يفعله أهل الكتاب ممن كان يكتم أمر الرسول وصحة نبوته.\rثم قال تعالى في صفتهم : {أُوْلئِكَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبّهِمْ إِنَّ الله سَرِيعُ الحساب} والفائدة في كونه سريع الحساب كونه عالما بجميع المعلومات ، فيعلم ما لكل واحد من الثواب والعقاب. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 9 صـ 125 ـ 126}\rوقال الآلوسى : \r{ وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الكتاب لَمَن يُؤْمِنُ بالله } أخرج ابن جرير عن جابر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لما مات النجاشي : \"اخرجوا فصلوا على أخ لكم فخرج فصلى بنا فكبر أربع تكبيرات فقال المنافقون : انظروا إلى هذا يصلي على علج نصراني لم يره قط\" فأنزل الله تعالى هذه الآية.\rوروي ذلك أيضاً عن ابن عباس وأنس وقتادة ، وعن عطاء أنها نزلت في أربعين رجلاً من أهل نجران من بني الحرث بن كعب اثنين وثلاثين من أرض الحبشة وثمانية من الروم كانوا جميعاً على دين عيسى عليه السلام فآمنوا بالنبي صلى الله عليه وسلم ؛ وروي عن ابن جريج وابن زيد.","part":19,"page":213},{"id":8130,"text":"وابن إسحاق أنها نزلت في جماعة من اليهود أسلموا ، منهم عبد الله بن سلام ومن معه ، وعن مجاهد أنها نزلت في مؤمني أهل الكتاب كلهم ، وأشهر الروايات أنها نزلت في النجاشي وهو بفتح النون على المشهور كما قال الزركشي.\rونقل ابن السيد كسرها وعليه ابن دحية وفتح الجيم مخففة وتشديدها غلط وآخره ياء ساكنة وهو الأكثر رواية لأنها ليست للنسبة ، ونقل ابن الأثير تشديدها ، ومنهم من جعله غلطاً وهو لقب كل من ملك الحبشة واسمه أصحمة بفتح الهمزة وسكون الصاد المهملة وحاء مهملة والحبشة يقولونه بالخاء المعجمة ، ومعناه عندهم عطية الصنم ، وذكر مقاتل في \"نوادر التفسير\" أن اسمه مكحول بن صعصعة ، والأول : هو المشهور ، وقد توفي في رجب سنة تسع ، والجملة مستأنفة سيقت لبيان أن أهل الكتاب ليس كلهم كمن حكيت هناتهم من نبذ الميثاق وتحريف الكتاب وغير ذلك بل منهم من له مناقب جليلة ، وفيها أيضاً تعريض بالمنافقين الذين هم أقبح أصناف الكفار وبهذا يحصل ربط بين الآية وما قبلها من الآيات ، وإذا لاحظت اشتراك هؤلاء مع أولئك المؤمنين فيما عند الله تعالى من الثواب قويت المناسبة وإذا لاحظ أن فيما تقدم مدح المهاجرين وفي هذا مدحاً للمهاجر إليهم من حيث إن الهجرة الأولى كانت إليهم كان أمر المناسبة أقوى ، وإذا اعتبر تفسير الموصول في قوله تعالى : { لاَ يَغُرَّنَّكَ } [ آل عمران : 196 ] باليهود زادت قوة بعدُ ولام الابتداء داخلة على اسم إن وجاز ذلك لتقدم الخبر.","part":19,"page":214},{"id":8131,"text":"{ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْكُمْ } من القرآن العظيم الشأن { وَمَا أُنزِلَ إِلَيْهِمْ } من الإنجيل والتوراة أو منهما وتأخير إيمانهم بذلك عن إيمانهم بالقرآن في الذكر مع أن الأمر بالعكس في الوجود لما أن القرآن عيار ومهيمن عليهما فإن إيمانهم بذلك إنما يعتبر بتبعية إيمانهم بالقرآن إذ لا عبرة بما في الكتابين من الأحكام المنسوخة وما لم ينسخ إنما يعتبر من حيث ثبوته بالقرآن ولتعلق ما بعد بذلك ، وقيل : قدم الإيمان بما أنزل على المؤمنين تعجيلاً لإدخال المسرة عليهم ، والمراد من الإيمان بالثاني الإيمان به من غير تحريف ولا كتم كما هو شأن المحرفين والكاتمين واتباع كل من العامة { خاشعين للَّهِ } أي خاضعين له سبحانه ، وقال ابن زيد : خائفين متذللين ، وقال الحسن : الخشوع الخوف اللازم للقلب من الله تعالى وهو حال من فاعل يؤمن وجمع حملاً على المعنى بعد ما حمل على اللفظ أولاً ، وقيل : حال من ضمير { إِلَيْهِمُ } وهو أقرب لفظاً فقط ، وجيء بالحال تعريضاً بالمنافقين الذين يؤمنون خوفاً من القتل ، و{ لِلَّهِ } متعلق بخاشعين ، وقيل : هو متعلق بالفعل المنفي بعده وهو في نية التأخير كأنه قال سبحانه : { لاَ يَشْتَرُونَ بآيات الله ثَمَناً قَلِيلاً } لأجل الله تعالى ، والأول أولى ، وفي هذا النفي تصريح بمخالفتهم للمحرفين ، والجملة في موضع الحال أيضاً والمعنى لا يأخذون عوضاً يسيراً على تحريف الكتاب وكتمان الحق من الرشا والمآكل كما فعله غيره ممن وصفه سبحانه فيما تقدم ، ووصف الثمن بالقليل إما لأن كل ما يؤخذ على التحريف كذلك ولو كان ملء الخافقين ، وإما لمجرد التعريض بالآخذين ومدحهم بما ذكر ليس من حيث عدم الأخذ فقط بل لتضمن ذلك إظهار ما في الآيات من الهدى وشواهد نبوته صلى الله عليه وسلم.","part":19,"page":215},{"id":8132,"text":"{ أولئك } أي الموصوفون بما ذكر من الصفات الحميدة ، واختيار صيغة البعد للإيذان بعلو مرتبتهم وبعد منزلتهم في الشرف والفضيلة { لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبّهِمْ } أي ثواب أعمالهم وأجر طاعتهم والإضافة للعهد أي الأجر المختص بهم الموعود لهم بقوله سبحانه : { أُوْلَئِكَ يُؤْتُونَ أَجْرَهُم مَّرَّتَيْنِ } [ القصص : 54 ] وقوله تعالى : { يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِن رَّحْمَتِهِ } [ الحديد : 28 ] وفي التعبير بعنوان الربوبية مع الإضافة إلى ضميرهم ما لا يخفى من اللطف.\rوفي الكلام أوجه من الإعراب فقد قالوا : إن أولئك مبتدأ والظرف خبره وأجرهم مرتفع بالظرف ، أو الظرف خبر مقدم ، وأجرهم مبتدأ مؤخر ، والجملة خبر المبتدأ ، وعند ربهم نصب على الحالية من أجرهم.\rوقيل : متعلق به بناءاً على أن التقدير لهم أن يؤجروا عند ربهم ، وجوز أن يكون أجرهم مبتدأ ؛ وعند ربهم خبره ، ولهم متعلق بما دل عليه الكلام من الاستقرار والثبوت لأنه في حكم الظرف ، والأَوجَه من هذه الأَوجُه هو الشائع على ألسنة المعربين.\r{ إِنَّ الله سَرِيعُ الحساب } إما كناية عن كمال علمه تعالى بمقادير الأجور ومراتب الاستحقاق وأنه يوفيها كل عامل على ما ينبغي وقدر ما ينبغي وحينئذٍ تكون الجملة استئنافاً وارداً على سبيل التعليل لقوله تعالى : { لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبّهِمْ } أو تذييلاً لبيان علة الحكم المفاد بما ذكر ، وإما كناية عن قرب الأجر الموعود فإن سرعة الحساب تستدعي سرعة الجزاء ، وحينئذٍ تكون الجملة تكميلاً لما قبلها فإنه في معنى الوعد كأنه قيل : لهم أجر عند ربهم عن قريب ، وفصلت لأن الحكم بقرب الأجر مما يؤكد ثبوته. أ هـ {روح المعانى حـ 4 صـ 173 ـ 175}","part":19,"page":216},{"id":8133,"text":"قال ابن عاشور :\r{ وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ}\rعطف على جملة { لكن الذين اتقوا ربهم } [ آل عمران : 198 ] استكمالاً لذكر الفِرَق في تلقّي الإسلام : فهؤلاء فريق الذين آمنوا من أهل الكتاب ولم يظهروا إيمانهم لخوف قومهم مثل النجاشي أصحمة ، وأثنى الله عليهم بأنّهم لا يحرّفون الدين ، والآية مؤذنة بأنّهم لم يكونوا معروفين بذلك لأنّهم لو عرفوا بالإيمان لما كان من فائدة في وصفهم بأنّهم من أهل الكتاب ، وهذا الصنف بعكس حال المنافين.\rوأكّد الخبر بأنّ وبلام الابتداء للردّ على المنافقين الذين قالوا لرسول الله لمّا صلّى على النجاشي : انظروا إليه يصلّي على نصراني ليس على دينه ولم يره قط.\rعلى ما روي عن ابن عباس وبعض أصحابه أنّ ذلك سبب نزول هذه الآية.\rولعلّ وفاة النجاشي حصلت قبل غزوة أُحُد.\rوقيل : أريد بهم هنا من أظهر إيمانه وتصديقه من اليهود مثل عبد الله بن سلام ومخيريق ، وكذا من آمن من نصارى نجران أي الذين أسلموا ورسول الله بمكّة إن صحّ خبر إسلامهم.\rوجيء باسم الإشارة في قوله : { أولئك لهم أجرهم عند ربهم } للتنبيه على أنّ المشار إليهم به أحرياء بما سيرد من الإخبار عنهم لأجل ما تقدّم اسمَ الإشارة.\rوأشار بقوله : { إن الله سريع الحساب } إلى أنّه يبادر لهم بأجرهم في الدنيا ويجعله لهم يوم القيامة. أ هـ {التحرير والتنوير حـ 3 صـ 317}\rفوائد لغوية\rقال ابن عادل :\rقوله : { لَمَن يُؤْمِنُ } اللام لام الابتداء ، دخلت على اسم \" إنَّ \" لتأخُّرهِ عنها ، و\" مِنْ أهْلِ \" خبرٌ مقدَّمٌ و\" من \" يجوز أن تكونَ موصولةً - وهو الأظهر - وموصوفة ، أي : لـ \" قوماً \" ، و\" يؤمن \" صلة - على الأول - فلا محلَّ له ، وصفة - على الثاني - فمحله النصب ، وأتى - هنا - بالصلة مستقبلة - وإن كان ذلك قد مضى - دلالة على الاستمرار والديمومة.","part":19,"page":217},{"id":8134,"text":"والمعنى : إن من أهْلِ الكتابِ مَنْ يُؤمِن باللهِ وما أنْزِل إليكم ، وهو القرآنُ ، وما أنْزِلَ إلَيْهَم ، وهو التوراة والإنجيل.\rقوله : { خَاشِعِينَ } فيه أربعةُ أوجهٍ : \rأحدها : أنه حالٌ من الضمير في \" يؤمن \" وجَمَعَه ، حَمْلاً على معنى \" مَنْ \" كما جمع في قوله : \" إلَيْهِمْ \" وبدأ بالحمل على اللفظ في \" يُؤْمِن \" ثم بالحَمْلِ على المعنى ؛ لأنه الأولى.\rثانيها : أنه حال من الضمير في \" إلَيْهِمْ \" فالعامل فيه \" أنْزِلَ \".\rثالثها : أنه حال من الضمير في \" يَشْتَرُون \" وتقديم ما في حيِّز \" لا \" عليها جائز على الصحيح وتقدم شيء من ذلك في الفاتحة.\rرابعها : أنه صفة لِـ \" من \" إذا قيل بأنها نكرة موصوفة. وأما الأوجه الثلاثة السابقة فجائزة ، سواء كانت موصولةٌ ، أو نكرة موصوفة.\rقوله : \" للهِ \" فيه وجهان : \rأحدهما : أنه متعلق بـ \" خَاشِعِينَ \" أي : لأجل الله.\rثانيهما : أنه متعلق بـ \" لاَ يَشْتَرُونَ \" ذكره أبو البقاء ، قال : \" وهو في نية التأخير ، أي : لا يشترون بآيات الله ثمناً قليلاً لأجل الله \".\rقوله : { لاَ يَشْتَرُونَ } كقوله : { خَاشِعِينَ } إلا في الوجه الثالث ، لتعذره ، ويزيد عليها وجهاً آخر ، وهو أن يكون حالاً من الضمير المستكن في \" خَاشِعينَ \" أي : غير مشترين.\rقوله : { أولئك لَهُمْ أَجْرُهُمْ } \" أولئك \" مبتدأ ، وأما \" لَهُمْ أجْرُهُمْ \" ففيه ثلاثة أوجه : \rأحدها : أن يكون \" لَهُمْ \" خبراً مقدَّماً ، و\" أجْرُهُمْ \" مبتدأ مؤخر ، والجملة خبر الأول ، وعلى هذا فالظرفُ فيه وجهانِ : \rالأول : أنه متعلق بـ \" أجْرُهُمْ \".\rالثاني : أنه حال من الضمير في \" لَهُمْ \" وهو ضمير الأجر ، لأنه واقع خبراً.\r","part":19,"page":218},{"id":8135,"text":"ثانيها : أن يرتفع \" أجْرُهُمْ \" بالجارِّ قبله ، وفي الظرف الوجهان ، إلا أنّ الحال من \" أجْرُهُمْ \" الظاهر ؛ لأن \" لَهُمْ \" لا ضمير فيه حينئذ.\rثالثها : أن الظرف هو خبر \" أجْرُهُمْ \" و\" لَهُمْ \" متعلق بما تعلَّق به من هذا الظرف من الثبوت والاستقرار. ومن هنا إلى آخر السورة تقدم إعراب نظائره. أ هـ {تفسير ابن عادل حـ 6 صـ 133 ـ 135}. بتصرف يسير.\rمن لطائف الإمام القشيرى فى الآية\rقال عليه الرحمة :\r{ وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَمَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ خَاشِعِينَ لِلَّهِ لَا يَشْتَرُونَ بِآَيَاتِ اللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلًا أُولَئِكَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ (199)}\rيريد منْ ساعَدَتْهم القسمةٌ بالحسنى فهم مع أولياء الله نعمةً كما كانوا معهم قسمةً. أ هـ {لطائف الإشارات حـ 1 صـ 308}","part":19,"page":219},{"id":8136,"text":"قوله تعالى { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (200)}\rمناسبة الآية لما قبلها\rقال البقاعى :\rولما كثر في هذه الآيات الأمر بمقاساة الشدائد وتجرع مرارات الأذى واقتحام الحروب واستهانة عظائم الكروب ، والحث على المعارف الإلهية والآداب الشرعية من الأصول والفروع انخلاعاًَ من المألوفات إلى ما يأمر به سبحانه من الطاعات ، وختم بتجرع فرقة من أهل الكتاب لتلك المرارات كانت نتيجة ذلك لا محالة قوله تعالى منبهاً على عظمة ما يدعو إليه لأنه شامل لجميع الآداب : {يا أيها الذين آمنوا} أي بكل ما ذكرنا في هذه السورة {اصبروا} أي أوقعوا الصبر تصديقاً لإيمانكم على كل ما ينبغي الصبر عليه مما تكرهه النفوس مما دعتكم إليه الزهراوان {وصابروا} أي أوجدوا المصابرة للأعداء من الكفار والمنافقين وسائر العصاة ، فلا يكونن على باطلهم أصبر منكم على حقكم {ورابطوا} أي بأن تربطوا في الثغور خيلاً بإزاء ما لهم من الخيول إرهاباً لهم وحذراً منهم - هذا أصله ، ثم صار الرباط يطلق على المكث في الثغور لأجل الذب عن الدين ولو لم تكن خيول ، بل وتطلق على المحافظة على الطاعات ، ثم أمر بملاك ذلك كله فقال : {واتقوا الله} أي في جميع ذلك بأن تكونوا مراقبين له ، مستحضرين لجميع ما يمكنكم أن تعلموه من عظمته بنعمته ونقمته {لعلكم تفلحون} أي ليكون حالكم حال من يرجى فلاحه وظفره بما يريد من النصر على الأعداء والفوز بعيش الشهداء ، وهذه الآية - كما ترى - معلمة بشرط استجابة الدعاء بالنصرة على الكافرين ، المختتم به البقرة أ هـ {نظم الدرر حـ 2 صـ 203}","part":19,"page":220},{"id":8137,"text":"فصل\rقال الفخر :\rاعلم أنه تعالى لما ذكر في هذه السورة أنواعا كثيرة من علوم الأصول والفروع ، أما الأصول ففيما يتعلق بتقرير التوحيد والعدل والنبوة والمعاد ، وأما الفروع ففيما يتعلق بالتكاليف والأحكام نحو الحج والجهاد وغيرهما ، ختم هذه السورة بهذه الآية المشتملة على جميع الآداب ، وذلك لأن أحوال الإنسان قسمان : منها ما يتعلق به وحده ، ومنها ما يكون مشتركا بينه وبين غيره ، أما القسم الأول فلا بد فيه من الصبر ، وأما القسم الثاني فلا بد فيه من المصابرة.\rأما الصبر فيندرج تحته أنواع : أولها : أن يصبر على مشقة النظر والاستدلال في معرفة التوحيد والعدل والنبوة والمعاد ، وعلى مشقة استنباط الجواب عن شبهات المخالفين.\rوثانيها : أن يصبر على مشقة أداء الواجبات والمندوبات.\rوثالثها : أن يصبر على مشقة الاحتراز عن المنهيات.","part":19,"page":221},{"id":8138,"text":"ورابعها : الصبر على شدائد الدنيا وآفاتها من المرض والفقر والقحط والخوف ، فقوله : {اصبروا} يدخل تحته هذه الأقسام ، وتحت كل واحد من هذه الأقسام الثلاثة أنواع لا نهاية لها ، وأما المصابرة فهي عبارة عن تحمل المكاره الواقعة بينه وبين الغير ، ويدخل فيه تحمل الاخلاق الردية من أهل البيت والجيران والأقارب ، ويدخل فيه ترك الانتقام ممن أساء إليك كما قال : {وَأَعْرِض عَنِ الجاهلين} [ الأعراف : 199 ] وقال : {وَإِذَا مَرُّواْ بِاللَّغْوِ مَرُّواْ كِراماً} [ الفرقان : 72 ] ويدخل فيه الايثار على الغير كما قال : {وَيُؤْثِرُونَ على أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ} [ الحشر : 9 ] ويدخل فيه العفو عمن ظلمك كما قال : {وَأَن تَعْفُواْ أَقْرَبُ للتقوى} [ البقرة : 237 ] ويدخل فيه الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، فإن المقدم عليه ربما وصل إليه بسببه ضرر ، ويدخل فيه الجهاد فإنه تعريض النفس للهلاك ، ويدخل فيه المصابرة مع المبطلين ، وحل شكوكهم والجواب عن شبههم ، والاحتيال في إزالة تلك الاباطيل عن قلوبهم ، فثبت أن قوله {اصبروا} تناول كل ما تعلق به وحده {وَصَابِرُواْ} تناول كل ما كان مشتركا بينه وبين غيره.","part":19,"page":222},{"id":8139,"text":"واعلم أن الإنسان وإن تكلف الصبر والمصابرة إلا أن فيه أخلاقا ذميمة تحمل على أضدادها وهي الشهوة والغضب والحرص ، والانسان ما لم يكن مشتغلا طول عمره بمجاهدتها وقهرها لا يمكنه الإتيان بالصبر والمصابرة ، فلهذا قال : {وَرَابِطُواْ} ولما كانت هذه المجاهدة فعلا من الأفعال ولا بد للإنسان في كل فعل يفعله من داعية وغرض ، وجب أن يكون للإنسان في هذه المجاهدة غرض وباعث ، وذلك هو تقوى الله لنيل الفلاح والنجاح ، فلهذا قال : {واتقوا الله لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} وتمام التحقيق فيه أن الأفعال مصدرها هو القوى ، فهو تعالى أمر بالصبر والمصابرة ، وذلك عبارة عن الإتيان بالافعال الحسنة ، والاحتراز عن الأفعال الذميمة ، ولما كانت الأفعال صادرة عن القوى أمر بعد ذلك بمجاهدة القوى التي هي مصادر الأفعال الذميمة ، وذلك هو المراد بالمرابطة ، ثم ذكر ما به يحصل دفع هذه القوى الداعية إلى القبائح والمنكرات ، وذلك هو تقوى الله ، ثم ذكر ما لأجله وجب ترجيح تقوى الله على سائر القوى والأخلاق ، وهو الفلاح ، فظهر أن هذه الآية التي هي خاتمة لهذه السورة مشتملة على كنوز الحكم والأسرار الروحانية ، وانها على اختصارها كالمتمم لكل ما تقدم ذكره في هذه السورة من علوم الأصول والفروع فهذا ما عندي فيه. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 9 صـ 126}\rفصل\rقال الفخر :\rقال الحسن : اصبروا على دينكم ولا تتركوه بسبب الفقر والجوع ، وصابروا على عدوكم ولا تفشلوا بسبب وقوع الهزيمة يوم أحد ، وقال الفراء : اصبروا مع نبيكم وصابروا عدوكم فلا ينبغي أن يكون أصبر منكم ، وقال الأصم : لما كثرت تكاليف الله في هذه السورة أمرهم بالصبر عليها ، ولما كثر ترغيب الله تعالى في الجهاد في هذه السورة أمرهم بمصابرة الأعداء.\rوأما قوله : {وَرَابِطُواْ} ففيه قولان :","part":19,"page":223},{"id":8140,"text":"الأول : أنه عبارة عن أن يربط هؤلاء خيلهم في الثغور ويربط أولئك خيلهم أيضاً ، بحيث يكون كل واحد من الخصمين مستعداً لقتال الآخر ، قال تعالى : {وَمِن رّبَاطِ الخيل تُرْهِبُونَ بِهِ عَدْوَّ الله وَعَدُوَّكُمْ} [ الأنفال : 60 ] وعن النبي صلى الله عليه وسلم \" من رابط يوما وليلة في سبيل الله كان مثل صيام شهر وقيامه لا يفطر ولا ينتقل عن صلاته إلا لحاجة \"\rالثاني : أن معنى المرابطة انتظار الصلاة بعد الصلاة ويدل عليه وجهان :\rالأول : ما روي عن أبي سلمة عبد الرحمن أنه قال : لم يكن في زمن رسول الله صلى الله عليه وسلم غزو يرابط فيه ، وإنما نزلت هذه الآية في انتظار الصلاة بعد الصلاة.\rالثاني : ما روي من حديث أبي هريرة حين ذكر انتظار الصلاة بعد الصلاة ثم قال : \" فذلكم الربا ط \" ثلاث مرات.\rواعلم أنه يمكن حمل اللفظ على الكل ، وأصل الرباط من الربط وهو الشد ، يقال : لكل من صبر على أمر ربط قلبه عليه ،\rوقال آخرون : الربا ط هو اللزوم والثبات ، وهذا المعنى أيضاً راجع إلى ما ذكرناه من الصبر وربط النفس ، ثم هذا الثبات والدوام يجوز أن يكون على الجهاد ، ويجوز أن يكون على الصلاة والله أعلم. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 9 صـ 127}\rمن فوائد الآلوسى فى الآية\rقال رحمه الله :\rلما بين سبحانه في تضاعيف هذه السورة الكريمة ما بين من الحكم والأحكام وشرح أحوال المؤمنين والكافرين وما قاساه المؤمنون الكرام من أولئك اللئام من الآلام ختم السورة بما يضوع منه مسك التمسك بما مضى ، ويضيع بامتثال ما فيه مكايد الأعداء ولو ضاق لها الفضا","part":19,"page":224},{"id":8141,"text":"بم فقال عز من قائل : { يَا أَيُّهَا الذين ءامَنُواْ اصبروا } أي احبسوا نفوسكم عن الجزع مما ينالها ، والظاهر أن المراد الأمر بما يعم أقسام الصبر الثلاثة المتفاوتة في الدرجة الواردة في الخبر ، وهو الصبر على المصيبة والصبر على الطاعة والصبر عن المعصية { وَصَابِرُواْ } أي اصبروا على شدائد الحرب مع أعداء الله تعالى صبراً أكثر من صبرهم ، وذكره بعد الأمر بالصبر العام لأنه أشدّ فيكون أفضل ، فالعطف كعطف جبريل على الملائكة والصلاة الوسطى على الصلوات ، وهذا وإن آل إلى الأمر بالجهاد إلا أنه أبلغ منه.\r{ وَرَابِطُواْ } أي أقيموا في الثغور رابطين خيولكم فيها حابسين لها مترصدين للغزو مستعدين له بالغين في ذلك المبلغ الأوفى أكثر من أعدائكم ، والمرابطة أيضاً نوع من الصبر ، فالعطف هنا كالعطف السابق.\rوقد أخرج الشيخان عن سهل بن سعد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : \" رباط يوم في سبيل الله خير من الدنيا وما عليها \" ، وأخرج ابن ماجه بسند صحيح عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : \" من مات مرابطاً في سبيل الله تعالى أجرى عليه أجر عمله الصالح الذي كان يعمله وأجرى عليه رزقه وأمن من الفتان وبعثه الله تعالى آمناً من الفزع \" ، وأخرج الطبراني بسند لا بأس به عن جابر قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : \" من رابط يوماً في سبيل الله تعالى جعل الله تعالى بينه وبين النار سبع خنادق كل خندق كسبع سموات وسبع أرضين \" ، وأخرج أبو الشيخ عن أنس مرفوعاً \" الصلاة بأرض الرباط بألف ألفي صلاة \" وروي عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما أن الرباط أفضل من الجهاد لأنه حقن دماء المسلمين والجهاد سفك دماء المشركين.","part":19,"page":225},{"id":8142,"text":"{ واتقوا الله } في مخالفة أمره على الإطلاق فيندرج فيه جميع ما مرّ اندرجا أولياً.\r{ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ } أي لكي تظفروا وتفوزوا بنيل المنية ودرك البغية والوصول إلى النجح في الطلبة وذلك حقيقة الفلاح ، وهذه الآية على ما سمعت مشتملة على ما يرشد المؤمن إلى ما فيه مصلحة الدين والدنيا ويرقى به إلى الذروة العليا ، وقرر ذلك بعضهم بأن أحوال الإنسان قسمان : الأول : ما يتعلق به وحده ، والثاني : ما يتعلق به من حيث المشاركة مع أهل المنزل والمدينة ، وقد أمر سبحانه نظراً إلى الأول بالصبر ويندرج فيه الصبر على مشقة النظر ، والاستدلال في معرفة التوحيد والنبوة والمعاد ، والصبر على أداء الواجبات والمندوبات والاحتراز عن المنهيات والصبر على شدائد الدنيا وآفاتها ومخاوفها ، وأمر نظراً إلى الثاني بالمصابرة ويدخل فيها تحمل الأخلاق الردية من الأقارب والأجانب وترك الانتقام منهم والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والجهاد مع أعداء الدين باللسان والسنان ، ثم إنه لما كان تكليف الإنسان بما ذكر لا بد له من إصلاح القوى النفسانية الباعثة على أضداد ذلك أمره سبحانه بالمرابطة أعم من أن تكون مرابطة ثغر أو نفس ، ثم لما كانت ملاحظة الحق جل وعلا لا بدّ منها في جميع الأعمال والأقوال حتى يكون معتداً بها أمر سبحانه بالتقوى ، ثم لما تمت وظائف العبودية ختم الكلام بوظيفة الربوبية وهو رجاء الفلاح منه انتهى ، ولا يخفى أنه على ما فيه تمحل ظاهر وتعسف لا ينكره إلا مكابر ، وأولى منه أن يقال : إنه تعالى أمر بالصبر العام أولاً لأنه كما في الخبز بمنزلة الرأس من الجسد وهو مفتاح الفرج.","part":19,"page":226},{"id":8143,"text":"وقال بعضهم : لكل شيء جوهر وجوهر الإنسان العقل ، وجوهر العقل الصبر ، وادعى غير واحد أن جميع المراتب العلية والمراقي السنية الدينية والدنيوية لا تنال إلا بالصبر ، ومن هنا قال الشاعر : \rلأستسهلن الصعب أو أدرك المنى...\rفما انقادت الآمال إلا لصابر\rثم إنه تعالى أمر ثانياً بنوع خاص من الصبر وهي المجاهدة التي يحصل بها النفع العام والعز التام ، وقد جاء عن رسول الله صلى الله عليه وسلم : \" إذا تركتم الجهاد سلط الله تعالى عليكم ذلاً لا ينزعه حتى ترجعوا إلى دينكم \" ثم ترقى إلى نوع آخر من ذلك هو أعلى وأغلى وهو المرابطة التي هي الإقامة في ثغر لدفع سوء مترقب ممن وراءه ، ثم أمر سبحانه آخر الأمر بالتقوى العامة إذ لولاها لأوشك أن يخالط تلك الأشياء شيء من الرياء والعجب ، ورؤية غير الله سبحانه فيفسدها ، وبهذا تم المعجون الذي يبرىء العلة وروق الشراب الذي يروي الغلة.","part":19,"page":227},{"id":8144,"text":"ومن هنا عقب ذلك بقوله عز شأنه : { لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ } وهذا مبني على ما هو المشهور في تفسير الآية ، وقد روي في بعض الآثار غير ذلك ، فقد أخرج ابن مردويه عن سلمة بن عبد الرحمن قال : أقبل عليَّ أبو هريرة يوماً فقال : أتدري يا ابن أخي فيم أنزلت هذه الآية { الحساب يَأَيُّهَا الذين ءامَنُواْ اصبروا } الخ ؟ قلت : لا قال : أما إنه لم يكن في زمان النبي صلى الله عليه وسلم غزو يرابطون فيه ولكنها نزلت في قوم يعمرون المساجد يصلون الصلاة في مواقيتها ثم يذكرون الله تعالى فيها ، ففيهم أنزلت أي اصبروا على الصلوات الخمس وصابروا أنفسكم وهواكم ورابطوا في مساجدكم واتقوا الله فيما علمكم لعلكم تفلحون ، وأخرج مالك والشافعي وأحمد ومسلم عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : \" ألا أخبركم بما يمحو الله تعالى به الخطايا ويرفع به الدرجات ؟ إسباغ الوضوء على المكاره وكثرة الخطأ إلى المساجد وانتظار الصلاة بعد الصلاة فذلكم الرباط فذلكم الرباط فذلكم الرباط \"\rولعل هذه الرواية عن أبي هريرة أصح من الرواية الأولى مع ما في الحكم فيها بأنه لم يكن في زمان النبي صلى الله عليه وسلم غزو يرابطون فيه من البعد بل لا يكاد يسلم ذلك له ؛ ثم إن هذه الرواية وإن كانت صحيحة لا تنافي التفسير المشهور لجواز أن تكون اللام في الرباط فيها للعهد ، ويراد به الرباط في سبيل الله تعالى ويكون قوله عليه السلام : \"فذلكم الرباط\" من قبيل زيد أسد ، والمراد تشبيه ذلك بالرباط على وجه المبالغة.","part":19,"page":228},{"id":8145,"text":"وأخرج عبد بن حميد عن زيد بن أسلم أن المراد اصبروا على الجهاد وصابروا عدوكم ورابطوا على دينكم ، وعن الحسن أنه قال : اصبروا على المصيبة وصابروا على الصلوات ورابطوا في لجهاد في سبيل الله تعالى ، وعن قتادة أنه قال : اصبروا على طاعة الله تعالى وصابروا أهل الضلال ورابطوا في سبيل الله ، وهو قريب من الأول ، والأول أولى. أ هـ {روح المعانى حـ 4 صـ 175 ـ 176}\rفائدة\rقال ابن عاشور :\rختمت السورة بوصاية جامعة للمؤمنين تجدّد عزيمتهم وتبعث الهمم إلى دوام الاستعداد للعدوّ كي لا يثبّطهم ما حصل من الهزيمة ، فأمَرَهم بالصبر الذي هو جماع الفضائل وخصال الكمال ، ثم بالمصابرة وهي الصبر في وجه الصابر ، وهذا أشدّ الصبر ثباتاً في النفس وأقربه إلى التزلزل ، ذلك أنّ الصبر في وجه صابرٍ آخر شديد على نفس الصابر لما يلاقيه من مقاومة قِرن له في الصبر قد يساويه أو يفوقه ، ثم إنّ هذا المصابر إن لم يثبت على صبره حتّى يملّ قرنه فإنّه لا يجتني من صبره شيئاً ، لأنّ نتيجة الصبر تكون لأطول الصابرين صبراً ، كما قال زُفر بن الحارث في اعتذاره عن الانهزام :\rسَقَيْنَاهُم كَأساً سقَوْنا بِمِثْلِها...\rولكنَّهم كانوا على الموت أَصْبَرا\rفالمصابرة هي سبب نجاح الحرب كما قال شاعر العرب الذي لم يعرف اسمه :\rلا أنت معتادُ في الهيجا مُصابَرةٍ\rيَصْلى بها كلّ من عاداك نيراناً\rوقوله : { ورابطوا } أمر لهم بالمرابطة ، وهي مفاعلة من الرّبْط ، وهو ربط الخيل للحراسة في غير الجهاد خشية أن يفجأهم العدوّ ، أمر الله به المسلمين ليكونوا دائماً على حذر من عدوّهم تنبيهاً لهم على ما يكيد به المشركون من مفاجأتهم على غِرّة بعد وقعة أُحُد كما قدّمناه آنفاً ، وقد وقع ذلك منهم في وقعة الأحزاب فلمّا أمرهم الله بالجهاد أمرهم بأن يكونوا بعد ذلك أيقاظاً من عدوّهم.","part":19,"page":229},{"id":8146,"text":"وفي كتاب الجهاد من \"البخاري\" : بابُ فضل رباط يوم في سبيل الله وقول الله تعالى : { يا أيها الذين آمنوا اصبروا وصابروا ورابطوا } إلخ.\rوكانت المرابطة معروفة في الجاهلية وهي ربط الفرس للحراسة في الثغور أي الجهات التي يستطيع العدوّ الوصول منها إلى الحيّ مثل الشعاب بين الجبال.\rوما رأيت مَن وصف ذلك مثل لبيد في معلّقته إذ قال : \rولَقد حَمَيْتُ الحَيّ تَحْمِل شِكَّتي...\rفُرُط وِشَاحِي إذْ غَدَوْتُ لجامُها\rفَعَلَوْتُ مُرْتَقَبَا على ذي هَبْوَةٍ...\rحَرِج إلى إعلامهن قَتَامُها\rحَتَّى إذا ألْقَتْ يداً في كافر...\rوأجَنّ عَوْرَاتتِ الثُّغورِ ظلامُها\rفذكر أنّه حرس الحيّ على مكان مرتقَب ، أي عال بربط فرسه في الثغر.\rوكان المسلمون يرابطون في ثغور بلاد فارس والشام والأندلس في البَرّ ، ثم لمّا اتّسع سلطان الإسلام وامتلكوا البحار صار الرباط في ثغور البخار وهي الشطوط التي يخشى نزول العدوّ منها : مثل رباط المنستير بتونس بإفريقية ، ورباط سلا بالمغرب ، ورُبط تونس ومحارسها : مثل مَحْرس علي بن سالم قرب صفاقس.\rفأمر الله بالرباط كما أمر بالجهاد بهذا المعنى وقد خفي على بعض المفسّرين فقال بعضهم : أراد بقوله : { ورابطوا } إعداد الخيل مربوطة للجهاد ، قال : ولم يكن في زمن النبي صلى الله عليه وسلم غزو في الثغور.\rوقال بعضهم : أراد بقوله : { ورابطوا } انتظار الصلاة بعد الفراغ من التي قبلها ، لما روى مالك في \"الموطأ\" ، عن أبي هريرة : أنّ النبي صلى الله عليه وسلم ذكر انتظار الصلاة بعد الصلاة ، وقال : \" فذلكم الرباط ، فذلكم الرباط ، فذلكم الرباط \" ونُسب هذا لأبي سلمة بن عبد الرحمن.","part":19,"page":230},{"id":8147,"text":"قال ابن عطية : والحقّ أن معنى هذا الحديث على التشبيه ، كقوله : \" ليس الشديد بالصرعة \" وقوله : \" ليس المسكين بهذا الطّواف الذي تردّه اللقمة واللقمتان \" ، أي وكقوله صلى الله عليه وسلم \" رجعنا من الجهاد الأصغر إلى الجهاد الأكبر \".\rوأعقب هذا الأمر بالأمر بالتقوى لأنّها جماع الخيرات وبها يرجى الفلاح. أ هـ {التحرير والتنوير حـ 3 صـ 317 ـ 319}\rفصل\rقال الطبرى :\rوأولى التأويلات بتأويل الآية ، قول من قال في ذلك : \"يا أيها الذين آمنوا\" ، يا أيها الذين صدقوا الله ورسوله ، \"اصبروا\" على دينكم وطاعة ربكم. وذلك أنّ الله لم يخصص من معاني\"الصبر\" على الدين والطاعة شيئًا ، فيجوز إخراجه من ظاهر التنزيل. فلذلك قلنا إنه عني بقوله : \"اصبروا\" ، الأمرَ بالصبر على جميع معاني طاعة الله فيما أمر ونهى ، صعبها وشديدها ، وسهلها وخفيفها.\r\"وصابروا\" ، يعني : وصابروا أعداءكم من المشركين.\rوإنما قلنا ذلك أولى بالصواب ، لأن المعروف من كلام العرب في\"المفاعلة\" أن تكون من فريقين ، أو اثنين فصاعدًا ، ولا تكون من واحد إلا قليلا في أحرف معدودة. فإذْ كان ذلك كذلك ، فإنما أمر المؤمنون أن يصابروا غيرهم من أعدائهم ، حتى يظفرهم الله بهم ، ويعلي كلمته ، ويخزي أعداءهم ، وأن لا يكون عدوُّهم أصبر منهم.\rوكذلك قوله : \"ورابطوا\" ، معناه : ورابطوا أعداءكم وأعداء دينكم من أهل الشرك ، في سبيل الله.\rورأى أن أصل\"الرباط\" ، ارتباط الخيل للعدوّ ، كما ارتبط عدوهم لهم خيلهم ، ثم استعمل ذلك في كل مقيم في ثغر يدفع عمن وراءه من أراده من أعدائهم بسوء ، ويحمي عنهم من بينه وبينهم ممن بغاهم بشر ، كان ذا خيل قد ارتبطها ، أو ذا رَجْلة لا مركب له.","part":19,"page":231},{"id":8148,"text":"وإنما قلنا معنى : \"ورابطوا\" ، ورابطوا أعداءكم وأعداء دينكم ، لأن ذلك هو المعنى المعروف من معاني\"الرباط\". وإنما يوجه الكلام إلى الأغلب المعروف في استعمال الناس من معانيه ، دون الخفي ، حتى تأتي بخلاف ذلك مما يوجب صرفه إلى الخفي من معانيه حجة يجب التسليم لها من كتاب ، أو خبر عن الرسول صلى الله عليه وسلم ، أو إجماع من أهل التأويل. أ هـ {تفسير الطبرى حـ 7 صـ 508 ـ 509}\rفصل\rقال البيضاوى :\r{ يَا أَيُّهَا الذين ءَامَنُواْ اصبروا } على مشاق الطاعات وما يصيبكم من الشدائد. { وَصَابِرُواْ } وغالبوا أعداء الله بالصبر على شدائد الحرب وأعدى عدوكم في الصبر على مخالفة الهوى ، وتخصيصه بعد الأمر بالصبر مطلقاً لشدته. { وَرَابِطُواْ } أبدانكم وخيولكم في الثغور مترصدين للغزو ، وأنفسكم على الطاعة كما قال عليه الصلاة والسلام \" من الرباط انتظار الصلاة بعد الصلاة \" وعنه عليه الصلاة والسلام \" من رابط يوماً وليلة في سبيل الله كان كعدل صيام شهر رمضان وقيامه ، لا يفطر ولا ينفتل عن صلاته إلا لحاجة \". { واتقوا الله لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ } فاتقوه بالتبري عما سواه لكي تفلحوا غاية الفلاح ، أو واتقوا القبائح لعلكم تفلحون بنيل المقامات الثلاثة ، المرتبة التي هي الصبر على مضض الطاعات ومصابرة النفس في رفض العادات ومرابطة السر على جناب الحق لترصد الواردات المعبر عنها بالشريعة ، والطريقة ، والحقيقة. أ هـ {تفسير البيضاوى حـ 2 صـ 136 ـ 137}\rوقال النسفى :\r{ واتقوا الله لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ } الفلاح : البقاء مع المحبوب بعد الخلاص عن المكروه ، و\"لعل\" لتغييب المآل لئلا يتكلوا على الآمال عن تقديم الأعمال. وقيل : اصبروا في محبتي ، وصابروا في نعمتي ، ورابطوا أنفسكم في خدمتي لعلكم تفلحون تظفرون بقربتي. أ هـ {تفسير النسفى حـ 1 صـ 201}","part":19,"page":232},{"id":8149,"text":"فائدة\rقال ابن القيم :\rقال الله تعالى {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} فأمرهم بالصبر وهو حال الصابر في نفسه والمصابرة وهى حاله في الصبر مع خصمه والمرابطة وهى الثبات واللزوم والاقامة على الصبر والمصابرة فقد يصبر العبد ولا يصابر وقد يصابر ولا يرابط وقد يصبر ويصابر ويرابط من غير تعبد بالتقوى فأخبر سبحانه أن ملاك ذلك كله التقوى وأن الفلاح موقوف عليها فقال {وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} فالمرابطة كما أنها لزوم الثغر الذي يخاف هجوم العدو منه في الظاهر فهي لزوم ثغر القلب لئلا يدخل منه الهوى والشيطان فيزيله عن مملكته. أ هـ {عدة الصابرين صـ 21}","part":19,"page":233},{"id":8150,"text":"فصل\rقال القرطبى :\rقوله تعالى : { يَا أَيُّهَا الذين آمَنُواْ اصبروا } الآية.\rختم تعالى السورة بما تضمنته هذه الآية العاشرة من الوصاة التي جمعت الظهور في الدنيا على الأعداء والفوز بنعيم الآخرة ؛ فحضّ على الصبر على الطاعات وعن الشهوات ، والصبر الحبس ، وقد تقدّم في \"البقرة\" بيانه.\rوأمر بالمصابرة فقيل : معناه مصابرة الأعداء ؛ قاله زيد بن أسلم.\rوقال الحسن : على الصلوات الخمس.\rوقيل : إدامة مخالفة النفس عن شهواتها فهي تدعو وهو يَنْزَع.\rوقال عطاء والقرظي : صابروا الوَعْد الذي وُعِدتم.\rأي لا تيأسوا وانتظروا الفرج ؛ قال صلى الله عليه وسلم : \" انتظار الفرج بالصبر عبادة \" واختار هذا القول أبو عمر رحمه الله.\rوالأوّل قول الجمهور ؛ ومنه قول عنترة :\rفلم أرَ حَيّاً صابروا مثل صبرِنا . . .\rولا كافَحُوا مثلَ الَّذِينَ نُكَافِحُ\rفقوله : \"صابروا مثل صبرنا\" أي صابرون العدوّ في الحرب ولم يبدُ منهم جُبْن ولا خَوَر.\rوالمكافحة : المواجهة والمقابلة في الحرب ؛ ولذلك اختلفوا في معنى قوله { وَرَابِطُواْ } فقال جمهور الأمة : رَابِطُوا أعداءكم بالخيل ، أي ارتبطواها كما يرتبطها أعداءكم ؛ ومنه قوله تعالى : { وَمِن رِّبَاطِ الخيل }.\rوفي الموطأ عن مالك عن زيد بن أسلم قال : كتب أبو عبيدة بن الجرّاح إلى عمر بن الخطاب يذكر له جموعاً من الروم وما يتخَوّف منهم ؛ فكتب إليه عمر : أما بعد ، فإنه مهما ينزل بعبد مؤمن من مُنَزّلِ شدّةٍ يجعل الله له بعدها فَرَجاً ، وإنه لن يغلِب عسر يُسرين ، وإنّ الله تعالى يقول في كتابه { يَا أَيُّهَا الذين آمَنُواْ اصبروا وَصَابِرُواْ وَرَابِطُواْ واتقوا الله لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ }.","part":19,"page":234},{"id":8151,"text":"وقال أبو سلمة بن عبد الرحمن ؛ هذه الآية في انتظار الصَّلاة بعد الصَّلاة ، ولم يكن في زمان رسول الله صلى الله عليه وسلم غَزْوٌ يُرابط فيه ؛ رواه الحاكم أبو عبد الله في صحيحه.\rواحتج أبو سلمة بقوله عليه السَّلام : \" ألا أدلكم على ما يمحو الله به الخطايا ويرفع به الدرجات إسباغ الوضوء على المكاره وكثرة الخُطا إلى المساجد وانتظار الصَّلاة بعد الصَّلاة فذلكم الرباط \" ثلاثاً ؛ رواه مالك.\rقال ابن عطية ؛ والقول الصحيح هو أن الرباط ( هو ) الملازمة في سبيل الله.\rأصلها من ربط الخيل ، ثم سُمِّي كل ملازم لِثغَرْ من ثُغُور الإسلام مرابطاً ، فارِساً كان أو راجلاً.\rواللفظ مأخوذ من الربط.\rوقول النبيّ صلى الله عليه وسلم \"فذلكم الرّباط\" إنما هو تَشْبِيهٌ بالرباط في سبيل الله.\rوالرّباط اللغويّ هو الأول ؛ وهذا كقوله : \" ليس الشديد بالصُّرَعة \" وقوله : \" ليس المسكين بهذا الطواف \" إلى غير ذلك.\rقلت : قوله : \"والرباط اللغوي هو الأوّل\" ليس بمسلّم ، فإن الخليل بن أحمد أحد أئمّة اللغة وثقاتها قد قال : الرِّبَاط ملازمة الثغور ، ومواظبة الصَّلاة أيضًا ، فقد حصل أن انتظار الصَّلاة رِباط لغويّ حقيقة ؛ كما قال صلى الله عليه وسلم.\rوأكثر من هذا ما قاله الشيباني أنه يُقال : ماءٌ مترابطٌ أي دائم لا يَنْزَحُ ؛ حكاه ابن فارس ، وهو يقتضي تعدية الرباط لغة إلى غير ما ذكرناه.\rفإن المرابطة عند العرب : العقد على الشيء حتى لا ينحل ، فيعود إلى ما كان صبر عنه ، فيحبس القلب على النية الحسنة والجسم على فعل الطاعة.\rومن أعظمها وأهمها ارتباط الخيل في سبيل الله كما نص عليه في التنزيل في قوله : { وَمِن رِّبَاطِ الخيل } على ما يأتي.\r","part":19,"page":235},{"id":8152,"text":"وارتباط النفس على الصلوات كما قاله النبيّ صلى الله عليه وسلم ؛ رواه أبو هريرة وجابر وعليّ ، ولا عِطْرَ بعد عَرُوسٍ.\rالمرابط في سبيل الله عند الفقهاء هو الذي يَشْخَص إلى ثغْر من الثُّغور ليرابط فيه مدةً مَا ؛ قاله محمد بن الموّاز ( ورواه ).\rوأما سُكّان الثّغور دائماً بأهليهم الذين يعمرون ويكتسبون هنالك ، فهم وإن كانوا حُماة فليسوا بمرابطين.\rقاله ابن عطية.\rوقال ابن خُوَيْزِمَنْدَاد : وللرِّباط حالتان : حالة يكون الثَّغر مأموناً مَنيعاً يجوز سكناه بالأهل والولد.\rوإن كان غير مأمون جاز أن يرابط فيه بنفسه إذا كان من أهل القتال ، ولا ينقل إليه الأهلَ والولدَ لئلا يظهر العدوّ فيَسبِي ويسترِقّ ، والله أعلم.\rجاء في فضل الرِّباط أحاديث كثيرة ، منها ما رواه البخاريّ عن سهل بن سَعد السَّاعِديّ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : \" رِباطُ يومٍ في سبيل الله خيرٌ عند الله مِن الدنيا وما فيها \"\rوفي صحيح مُسلم عن سَلمان قال ؛ سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : \" رِباطُ يومٍ وليلةٍ خيرٌ من صيام شهر وقيامِه وإن مات جَرَى عليه عملُه الذي كان يعمله وأُجْرِي عليه رزقه وأمِن الفُتّان \" وروى أبو داود في سُننه عن فَضَالة بن عبيد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : \" كلّ مَيِّت يُختم على عمله إلاَّ المرابط فإنه يَنْمو له عمله إلى يوم القيامة ويؤمن من فَتّان القبر \" وفي هذين الحديثين دليل على أن الرباط أفضل الأعمال التي يبقى ثوابها بعد الموت.\r","part":19,"page":236},{"id":8153,"text":"كما جاء في حديث العَلاء بن عبد الرّحمن عن أبيه عن أبي هريرة عن النبيّ صلى الله عليه وسلم أنه قال : \" إذا مات الإنسان انقطع عنه عملُه إلاَّ من ثلاثة إلاَّ من صدقةٍ جاريةٍ أو علمٍ يُنتفع به أو ولدٍ صالح يدعو له \" وهو حديث صحيح انفرد بإخراجه مسلم ؛ فإن الصدقة الجارية والعلم المنتفع به والولد الصالح الذي يدعو لأبويه ينقطع ذلك بنفاد الصدقات وذهابِ العلم وموتِ الولد.\rوالرباط يُضاعف أجرهُ إلى يوم القيامة ؛ لأنه لا معنى للنّماء إلاَّ المضاعفة ، وهي غير موقوفة على سبب فتنقطع بانقطاعه ، بل هي فضلٌ دائم من الله تعالى إلى يوم القيامة.\rوهذا لأن أعمال البِرّ كلّها لا يُتمكنّ منها إلاَّ بالسلامة من العدوّ والتحرُّز منه بحراسة بَيْضَة الدِّين وإقامة شعائر الإسلام.\rوهذا العمل الذي يجري عليه ثوابه هو ما كان يعمله من الأعمال الصالحة.\rخرّجه ابن ماجه بإسناد صحيح عن أبي هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : \" من مات مرابطاً في سبيل الله أَجْرى عليه أجرَ عملهِ الصالِح الذي كان يعمل وأَجْرَى عليه رزقه وأُمِنَ من الفُتّان وبعثه الله يوم القيامة آمناً من الفزع \" وفي هذا الحديث قيدٌ ثان وهو الموت حالة الرّباط ، والله أعلم.\r","part":19,"page":237},{"id":8154,"text":"ورُوي عن عثمان بن عفّان قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : \" من رابط ليلة في سبيل الله كانت له كألف ليلة صيامِها وقيامها \" ورُوي عن أُبيّ بن كعب قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : \" لَرباط يوم في سبيل الله من وراء عَورة المسلمين مُحتسباً من غير شهر رمضان أعظمُ أجراً من عبادة مائة سنة صيامها وقيامها ورباطُ يومٍ في سبيل الله من وراء عورة المسلمين مُحتسِباً من شهر رمضان أفضلُ عند الله وأعظم أجراً أراه قال : من عبادة ألف سنة صيامها وقيامها فإن ردّه الله إلى أهله سالماً لم تكتب عليه سيئة ألف سنة وتكتب له الحسنات ويُجرَي له أجرُ الرّباط إلى يوم القيامة \" ودلّ هذا الحديث على أن رِباط يوم في شهر رمضان يحصل له من الثواب الدّائم وإن لم يمت مرابطاً ، والله أعلم.\rوعن أنس بن مالك قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : \" حَرْس ليلة في سبيل الله أفضلُ من صيام رجل وقيامه في أهله ألف سنةٍ السّنة ثلاثمائة يوم ( وستون يوماً ) واليوم كألف سنة \".\rقلت : وجاء في انتظار الصَّلاة بعد الصَّلاة أنه رِباط ؛ فقد يحصل لِمُنْتظِرِ الصلواتِ ذلك الفضل إن شاء الله تعالى.\rوقد روى أبو نعيم الحافظ قال حدّثنا سليمان بن أحمد قال حدّثنا علي بن عبد العزيز قال حدّثنا حَجّاج بن المِنْهال وحدّثنا أبو بكر بن مالك قال : حدّثنا عبد الله بن أحمد بن حنبل قال حدّثني أبي قال حدّثني الحسن بن موسى قال حدّثنا حماد بن سلمة عن ثابت البُنَانِيّ عن أبي أيوب الأزدي عن نَوْفِ البِكَالِيّ عن عبد الله بن عمرو أن النبي صلى الله عليه وسلم صلّى ذات ليلةٍ المغرب فصلّينا معه فعقب من عقب ورجع من رجع.\r","part":19,"page":238},{"id":8155,"text":"فجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل أن يثوب الناس لصَّلاة العشاء ، فجاء وقد حضره الناس رافعاً أصبعَه وقد عقد تِسعاً وعشرين يُشير بالسبّابة إلى السماء فَحَسَر ثوبه عن ركبتيه وهو يقول : \" أبشروا مَعشرَ المسلمين هذا ربُّكم قد فتح باباً من أبواب السماء يُباهي بكم الملائكةَ يقول يا ملائكتي انظروا إلى عبادي هؤلاء قضَوْا فريضةً وهم ينتظرون أخرى \" ورواه حَمّاد بن سلمة عن عليّ بن زيد عن مُطرِّف بن عبد الله : أن نَوْفا وعبد الله بن عمرو اجتمعا فحدّث نَوْفٌ عن التوراة وحدّث عبد الله بن عمرو بهذا الحديث عن النبيّ صلى الله عليه وسلم.\r{ واتقوا الله } أي لم تؤمروا بالجهاد من غير تقوى.\r{ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ } لتكونوا على رجاء من الفلاح.\rوقيل : لعل بمعنى لِكي.\rوالفلاح البقاء ، وقد مضى هذا كله في \"البقرة\" مستوفى ، والحمد لله. أ هـ {تفسير القرطبى حـ 4 صـ 322 ـ 327}. بتصرف يسير.","part":19,"page":239},{"id":8156,"text":"فائدة\rقال ابن العربى :\rقَوْله تَعَالَى : { يَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ } فِيهَا ثَلَاثُ مَسَائِلَ : الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى : فِي شَرْحِ أَلْفَاظِهَا : الصَّبْرُ : عِبَارَةٌ عَنْ حَبْسِ النَّفْسِ عَنْ شَهَوَاتِهَا ، وَالْمُصَابَرَةُ : إدَامَةُ مُخَالَفَتِهَا فِي ذَلِكَ ؛ فَهِيَ تَدْعُو وَهُوَ يَنْزِعُ.\rوَالْمُرَابَطَةُ : الْعَقْدُ عَلَى الشَّيْءِ حَتَّى لَا يَبْخَلَ فَيَعُودَ إلَى مَا كَانَ صَبَرَ عَنْهُ.\rالْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ : فِي الْأَقْوَالِ : فِيهَا ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ : الْأَوَّلُ : اصْبِرُوا عَلَى دِينِكُمْ ، وَصَابِرُوا وَعْدِي لَكُمْ ، وَرَابِطُوا أَعْدَاءَكُمْ.\rالثَّانِي : اصْبِرُوا عَلَى الْجِهَادِ ، وَصَابِرُوا الْعَدُوَّ ، وَرَابِطُوا الْخَيْلَ.\rالثَّالِثُ : مِثْلُهُ إلَّا قَوْلَهُ : رَابِطُوا فَإِنَّهُ أَرَادَ بِذَلِكَ رَابِطُوا الصَّلَوَاتِ.\rالْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ : فِي حَقِيقَةِ ذَلِكَ : وَهُوَ أَنَّ الصَّبْرَ : حَبْسُ النَّفْسِ عَنْ مَكْرُوهِهَا الْمُخْتَصِّ بِهَا وَالْمُصَابَرَةُ : حَمْلُ مَكْرُوهٍ يَكُونُ بِهَا وَبِغَيْرِهَا ؛ الْأَوَّلُ كَالْمَرَضِ ، وَالثَّانِي كَالْجِهَادِ.","part":19,"page":240},{"id":8157,"text":"وَالرِّبَاطُ : حَمْلُ النَّفْسِ عَلَى النِّيَّةِ الْحَسَنَةِ وَالْجِسْمِ عَلَى فِعْلِ الطَّاعَةِ ، وَمِنْ أَعْظَمِهِ ارْتِبَاطُ الْخَيْلِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ، وَارْتِبَاطُ النَّفْسِ عَلَى الصَّلَوَاتِ ، عَلَى مَا جَاءَ فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { الْخَيْلُ ثَلَاثَةٌ : لِرَجُلٍ أَجْرٌ وَلِرَجُلٍ سِتْرٌ وَعَلَى رَجُلٍ وِزْرٌ ؛ فَأَمَّا الَّذِي هِيَ لَهُ أَجْرٌ فَرَجُلٌ رَبَطَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَأَطَالَ لَهَا فِي مَرْجٍ أَوْ رَوْضَةٍ ، فَمَا أَصَابَتْ فِي طِيَلِهَا ذَلِكَ مِنْ الْمَرْجِ أَوْ الرَّوْضَةِ كَانَتْ لَهُ حَسَنَاتٍ.\rوَلَوْ أَنَّهَا مَرَّتْ بِنَهْرٍ فَشَرِبَتْ مِنْهُ وَلَمْ يُرِدْ أَنْ يَسْقِيَهَا كَانَ ذَلِكَ حَسَنَاتٍ فَهِيَ لَهُ أَجْرٌ }.\rوَذَكَرَ الْحَدِيثَ.\rوَقَالَ عَلَيْهِ السَّلَامُ : { أَلَا أَدُلُّكُمْ عَلَى مَا يَمْحُو اللَّهُ بِهِ الْخَطَايَا وَيَرْفَعُ بِهِ الدَّرَجَاتِ : إسْبَاغُ الْوُضُوءِ عَلَى الْمَكَارِهِ ، وَكَثْرَةُ الْخُطَا إلَى الْمَسَاجِدِ ، وَانْتِظَارُ الصَّلَاةِ بَعْدَ الصَّلَاةِ ، فَذَلِكُمْ الرِّبَاطُ ، فَذَلِكُمْ الرِّبَاطُ ، فَذَلِكُمْ الرِّبَاطُ ثَلَاثًا }.\rفَبَيَّنَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّ أَوْلَاهُ وَأَفْضَلَهُ فِي نَوْعَيْ الطَّاعَةِ الْمُتَعَدِّي بِالْمَنْفَعَةِ إلَى الْغَيْرِ وَهُوَ الْأَفْضَلُ ، وَإِلْزَامُ الْمُخْتَصِّ بِالْفَاعِلِ وَهُوَ دُونَهُ ، وَبَعْدَ ذَلِكَ تَتَفَاضَلُ الْعَقَائِدُ وَالْأَعْمَالُ بِحَسَبِ مُتَعَلِّقَاتِهَا ، وَلَيْسَ ذَلِكَ مِنْ الْأَحْكَامِ فَنَفِيضُ مِنْهُ. أ هـ {أحكام القرآن لابن العربى حـ 1 صـ 399 ـ 401}","part":19,"page":241},{"id":8158,"text":"فائدة\rقال التسترى :\rقوله : { يَا أَيُّهَا الذين آمَنُواْ اصبروا وَصَابِرُواْ وَرَابِطُواْ واتقوا الله لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ } [ 200 ] قال : الإيمان أربعة أركان : الأول التوكل على الله ، والثاني الاستسلام لأمره ، والثالث الرضا بقضائه ، والرابع الشكر لنعمائه والتقوى .\rباب الإيمان\rاليقين قلب الإيمان ، والصبر عماد الإيمان ، والإخلاص كمال الإيمان ، لأن العبد بالإخلاص ينال التصديق ، وبالتصديق ينال التحقيق ، وبالتحقيق يصل إلى الحق . والإخلاص ثمرة اليقين ، لأن اليقين مشاهدة السر ، فمن لم تكن له مشاهدة السر مع مولاه لم يخلص عمله لله ، والله سبحانه وتعالى أعلم . أ هـ {تفسير التسترى صـ 97}","part":19,"page":242},{"id":8159,"text":"فوائد بلاغية\rقال أبو حيان :\rوتضمنت هذه الآيات من ضروب البيان والبديع الاستعارة.\rعبر بأخذ الميثاق عن التزامهم أحكام ما أنزل عليهم من التوراة والإنجيل ، وبالنبذ وراء ظهورهم عن ترك عملهم بمقتضى تلك الأحكام ، وباشتراء ثمن قليل عن ما تعوضوه من الحطام على كتم آيات الله ، وبسماع المنادي إن كان القرآن عن ما تلقوه من الأمر والنهي والوعد والوعيد بالاستجابة عن قبول مسألتهم ، وبانتفاء التضييع عن عدم مجازاته على يسير أعمالهم ، وبالتقلب عن ضربهم في الأرض لطلب المكاسب ، وبالمهاد عن المكان المستقر فيه ، وبالنزل عما يعجل الله لهم في الجنة من الكرامة ، وبالخشوع الذي هو تهدم المكان وتغير معالمه عن خضوعهم وتذللهم بين يديه ، وبالسرعة التي هي حقيقة في المشي عن تعجيل كرامته.\rقيل : ويحتمل أن يكون الحساب استعير للجزاء ، كما استعير { ولم أدر ما حسابيه } لأن الكفار لا يقام لهم حساب كما قال تعالى : { فحبطت أعمالهم فلا نقيم لهم يوم القيامة وزناً }\rوالطباق في : لتبيينه للناس ولا تكتمونه ، وفي السموات والأرض ، واختلاف الليل والنهار ، فالسماء جهة العلو والأرض جهة السفل ، والليل عبارة عن الظلمة والنهار عبارة عن النور ، وفي : قياماً وقعوداً ومن : ذكر أو أنثى.\rوالتكرار : في لا تحسبن فلا تحسبنهم ، وفي : ربنا في خمسة مواضع ، وفي : فاغفر لنا ذنوبنا وكفر عنا سيئاتنا إن كان المعنى واحداً وفي : ما أنزل إليكم وما أنزل إليهم ، وفي : ثواباً وحسن لثواب.\rوالاختصاص في : لأولي الألباب ، وفي : وما للظالمين من أنصار ، وفي : توفنا مع الأبرار ، وفي : ولا تحزنا يوم القيامة ، وفي : وما عند الله خير للأبرار.\rوالتجنيس المماثل في : أن آمنوا فآمنا ، وفي : عمل عامل منكم.\rوالمغاير في : منادياً ينادي.\rوالإشارة في : ما خلقت هذا باطلاً ، والحذف في مواضع. أ هـ {البحر المحيط حـ 3 صـ 157}","part":19,"page":243},{"id":8160,"text":"من لطائف الإمام القشيرى فى الآية\rقال عليه الرحمة :\r{ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (200)}\rالصبر فيما تفرد به العبد ، والمصابرة مع العدو.\rوالرباط نوع من الصبر ولكن على وجه مخصوص.\rويقال أول الصبر التصبر ، ثم الصبر ثم المصابرة ثم الاصطبار وهو نهاية.\rويقال اصبروا على الطاعات وعن المخالفات ، وتصابروا في ترك الهوى والشهوات ، وقطع المنى والعلاقات ، ورابطوا بالاستقامة في الصحبة في عموم الأوقات والحالات.\rويقال اصبروا بنفوسكم وصابروا بقلوبكم ، ورابطوا بأسراركم.\rويقال اصبروا على ملاحظة الثواب ، وصابروا على ابتغاء القربة ، ورابطوا في محل الدنوِّ والزلفة - على شهود الجمال والعِزَّة.\rوالصبر مُرٌّ مَذَاقُه إذا كان العبد يتحسَّاه على الغيبة ، وهو لذيذٌ طعمُه إذا شربه على الشهود والرؤية.\r{ واتَّقُوا اللهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ } : الفَلاَحُ الظَّفَرُ بالبُغْيَة ، وهِمَّتُهم اليوم الظفر بنفوسهم ، فعند ذلك يتم خلاصهم ، وإذا ظفروا بنفوسهم ذبحوها بسيوف المجاهدة ، وصلبوها على عيدان المكابدة ، وبعد فنائهم عنها يحصل بقاءهم بالله. أ هـ {لطائف الإشارات حـ 1 صـ 309}","part":19,"page":244},{"id":8161,"text":"أبحاث قيمة تتعلق بالآيات الكريمة\rقال فى الميزان :\rقوله تعالى { يا أيها الذين آمنوا اصبروا وصابروا }\rالحال أوامر مطلقة فالصبر يراد به الصبر على الشدائد والصبر في طاعة الله والصبر عن معصيته وعلى أي حال هو الصبر من الفرد بقرينة ما يقابله.\rوالمصابرة هي التصبر وتحمل الأذى جماعة باعتماد صبر البعض على صبر آخرين فيتقوى الحال ويشتد الوصف ويتضاعف تأثيره وهذا أمر محسوس في تأثير الفرد إذا اعتبرت شخصيته في حال الانفراد وفي حال الاجتماع والتعاون بإيصال القوى بعضها ببعض وسنبحث فيه إن شاء الله بحثا مستوفى في محله.\rقوله تعالى { ورابطوا }\rأعم معنى من المصابرة وهي إيجاد الجماعة الارتباط بين قواهم وأفعالهم في جميع شؤون حياتهم الدينية أعم من حال الشدة وحال الرخاء ولما كان المراد بذلك نيل حقيقة السعادة المقصودة للدنيا والآخرة وإلا فلا يتم بها إلا بعض سعادة الدنيا وليست بحقيقة السعادة عقب هذه الأوامر بـ قوله تعالى { واتقوا الله لعلكم تفلحون } يعنى الفلاح التام الحقيقي.\rكلام في المرابطة في المجتمع الاسلامي\r1 - الإنسان والاجتماع كون النوع الإنساني نوعا اجتماعيا لا يحتاج في إثباته إلى كثير بحث فكل فرد من هذا النوع مفطور على ذلك ولم يزل الإنسان يعيش في حال الاجتماع على ما يحكيه التاريخ والآثار المشهودة الحاكية لأقدم العهود التي كان هذا النوع يعيش فيها ويحكم على هذه الأرض.\rوقد أنبأ عنه القرآن أحسن إنباء في آيات كثيرة كـ قوله تعالى { يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا الآية \" الحجرات - 13 \" } وقال تعالى { نحن قسمنا بينهم معيشتهم في الحياة الدنيا ورفعنا بعضهم فوق بعض درجات ليتخذ بعضهم بعضا سخريا : الزخرف - 32 }","part":19,"page":245},{"id":8162,"text":"وقال تعالى { بعضكم من بعض : آل عمران - 195 }وقال تعالى { وهو الذي خلق من الماء بشرا فجعله نسبا وصهرا : الفرقان - 54} إلى غير ذلك.\r2 - الإنسان ونموه في اجتماعه\rالاجتماع الإنساني كسائر الخواص الروحية الإنسانية وما يرتبط بها لم يوجد حين وجد تاما كاملا لا يقبل النماء والزيادة بل هو كسائر الأمور الروحية الإدراكية الإنسانية لم يزل يتكامل بتكامل الإنسان في كمالاته المادية والمعنوية وعلى الحقيقة لم يكن من المتوقع أن يستثنى هذه الخاصة من بين جميع الخواص الإنسانية فتظهر أول ظهورها تامة كاملة أتم ما يكون وأكمله بل هي كسائر الخواص الإنسانية التى لها ارتباط بقوتى العلم والأرادة تدريجية الكمال في الإنسان.\rوالذى يظهر من التأمل في حال هذا النوع أن أول ما ظهر من الاجتماع فيه\rالاجتماع المنزلي بالازدواج لكون عامله الطبيعي وهو جهاز التناسل أقوى عوامل الاجتماع لعدم تحققه إلا بأزيد من فرد واحد أصلا بخلاف مثل التغذى وغيره ثم ظهرت منه الخاصة التى سميناها في المباحث المتقدمة من هذا الكتاب بالاستخدام وهو توسيط الإنسان غيره في سبيل رفع حوائجه ببسط سلطته وتحميل إرادته عليه ثم برز ذلك في صورة الرئاسة كرئيس المنزل ورئيس العشيرة ورئيس القبيلة ورئيس الأمة وبالطبع كان المقدم المتعين من بين العدة أولا أقواهم وأشجعهم ثم أشجعهم وأكثرهم مالا وولدا وهكذا حتى ينتهي إلى أعلمهم بفنون الحكومة والسياسة وهذا هو السبب الابتدائي لظهور الوثنية وقيامها على ساقها حتى اليوم وسنستوفي البحث عنها فيما سيأتي إن شاء الله العزيز.","part":19,"page":246},{"id":8163,"text":"وخاصة الاجتماع بتمام أنواعها المنزلى وغيره وإن لم تفارق الإنسانية في هذه الأدوار ولو برهة إلا أنها كانت غير مشعور بها للإنسان تفصيلا بل كانت تعيش وتنمو بتبع الخواص الأخرى المعنى بها للإنسان كالاستخدام والدفاع ونحو ذلك.\rوالقرآن الكريم يخبر أن أول ما نبه الإنسان بالاجتماع تفصيلا واعتنى بحفظه استقلالا نبهته به النبوة قال تعالى {وما كان الناس إلا أمة واحدة فاختلفوا : يونس - 19 }وقال {كان الناس أمة واحدة فبعث الله النبيين مبشرين ومنذرين وأنزل معهم الكتاب بالحق ليحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه : البقرة - 213} حيث ينبئ أن الإنسان في أقدم عهوده كان أمة واحدة ساذجة لا اختلاف بينهم حتى ظهرت الاختلافات وبانت المشاجرات فبعث الله الأنبياء وأنزل معهم الكتاب ليرفع به الاختلاف ويردهم إلى وحدة الاجتماع محفوظة بالقوانين المشرعة.\rوقال تعالى { شرع لكم من الدين ما وصى به نوحا والذى أوحينا إليك وما وصينا به إبراهيم وموسى وعيسى أن أقيموا الدين ولا تتفرقوا فيه : الشورى - 13} فأنبأ أن رفع الاختلاف من بين الناس وإيجاد الاتحاد في كلمتهم إنما كان في صورة الدعوة إلى إقامة الدين وعدم التفرق فيه فالدين كان يضمن اجتماعهم الصالح.\rوالآية كما ترى تحكي هذه الدعوة دعوة الاجتماع والاتحاد عن نوح (عليه السلام) وهو أقدم الأنبياء أولى الشريعة والكتاب ثم عن إبراهيم ثم عن موسى ثم عيسى (عليهم السلام)\rوقد كان في شريعة نوح وإبراهيم النزر اليسير من الأحكام وأوسع هؤلاء الأربعة شريعة موسى وتتبعه شريعة عيسى على ما يخبر به القرآن وهو ظاهر الأناجيل وليس في شريعة موسى على ما قيل إلا ستمائة حكم تقريبا.\rفلم تبدء الدعوة إلى الاجتماع دعوة مستقلة صريحة إلا من ناحية النبوة في قالب الدين كما يصرح به القرآن والتاريخ يصدقه على ما سيجئ.\r","part":19,"page":247},{"id":8164,"text":"4 - الإسلام وعنايته بالاجتماع لا ريب أن الإسلام هو الدين الوحيد الذي أسس بنيانه على الاجتماع صريحا ولم يهمل أمر الاجتماع في شأن من شؤونه فانظر إن أردت زيادة تبصر في ذلك إلى سعة الأعمال الإنسانية التي تعجز عن إحصائها الفكرة وإلى تشعبها إلى أجناسها وأنواعها وأصنافها ثم انظر إلى إحصاء هذه الشريعة الإلهية لها وإحاطتها بها وبسط أحكامها عليها ترى عجبا ثم انظر إلى تقليبه ذلك كله في قالب الاجتماع ترى أنه أنفذ روح الاجتماع فيها غاية ما يمكن من الإنفاذ.\rثم خذ في مقايسة ما وجدته بسائر الشرائع الحقة التي يعتنى بها القرآن وهي شرائع نوح وإبراهيم وموسى وعيسى حتى تعاين النسبة وتعرف المنزلة.\rوأما ما لا يعتنى به القرآن الكريم من الشرائع كأديان الوثنية والصابئة والمانوية والثنوية وغيرها فالأمر فيها أظهر وأجلى.\rوأما الأمم المتمدنة وغيرها فالتاريخ لا يذكر من أمرها إلا أنها كانت تتبع ما ورثته من أقدم عهود الإنسانية من استتباع الاجتماع بالاستخدام واجتماع الأفراد تحت جامع حكومة الاستبداد والسلطة الملوكية فكان الاجتماع القومي والوطني والإقليمى يعيش تحت راية الملك والرئاسة ويهتدي بهداية عوامل الوراثة والمكان وغيرهما من غير أن يعتنى أمة من هذه الأمم عناية مستقلة بأمره وتجعله موردا للبحث والعمل حتى الأمم المعظمة التي كانت لها سيادة الدنيا حينما شرقت شارقة الدين وأخذت في إشراقها وإنارتها أعني امبراطورية الروم والفرس فإنها لم تكن إلا قيصرية وكسروية تجتمع أممها تحت لواء الملك والسلطنة ويتبعها الاجتماع في رشده ونموه ويمكث بمكثها.\rنعم يوجد فيما ورثوه ابحاث اجتماعية في مسفورات حكمائهم من أمثال سقراط\r","part":19,"page":248},{"id":8165,"text":"وأفلاطون وأرسطو وغيرهم إلا أنها كانت أوراقا وصحائف لا ترد مورد العمل ، ومثلا ذهنية لا تنزل مرحلة العين والخارج والتاريخ الموروث أعدل شاهد على صدق ما ذكرناه.\rفأول نداء قرع سمع النوع الإنساني ودعى به هذا النوع إلى الاعتناء بأمر الاجتماع بجعله موضوعا مستقلا خارجا عن زاوية الإهمال وحكم التبعية هو الذي نادى به صادع الإسلام عليه أفضل الصلاة والسلام ، فدعى الناس بما نزل عليه من آيات ربه إلى سعادة الحياة وطيب العيش مجتمعين قال تعالى : {وأن هذا صراطي مستقيما فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم \" الأنعام : 153 \"} وقال : {واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا } إلى أن قال : {ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر} (يشير إلى حفظ المجتمع عن التفرق والانشعاب) {وأولئك هم المفلحون ولا تكونوا كالذين تفرقوا واختلفوا من بعد ما جاءهم البينات \" آل عمران : 105 \"} وقال : {إن الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعا لست منهم في شئ \" الأنعام : 159 \"} إلى غير ذلك من الآيات المطلقة الداعية ألى أصل الاجتماع والاتحاد.\rوقال تعالى { : إنما المؤمنون إخوة فأصلحوا بين أخويكم \" الحجرات : 10 \" } وقال {ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم \" الأنفال : 46 \"} وقال : وتعاونوا على البر والتقوى \" المائدة : 2 \"} وقال {ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر \" آل عمران : 104 \"} إلى غير ذلك من الآيات الآمرة ببناء المجتمع الإسلامي على الاتفاق والاتحاد في حيازة منافعها ومزاياها المعنوية والمادية والدفاع عنه على ما سنوضحه بعض الايضاح.\r","part":19,"page":249},{"id":8166,"text":"4 - اعتبار الإسلام رابطة الفرد والمجتمع الصنع والإيجاد يجعل أولا أجزاءا ابتدائية لها آثار وخواص ثم يركبها ويؤلف بينها على ما فيها من جهات البينونة فيستفيد منها فوائد جديدة مضافة إلى ما للأجزاء من الفوائد المشهودة فالإنسان مثلا له أجزاء وأبعاض وأعضاء وقوى لها فوائد متفرقة مادية وروحية ربما ائتلفت فقويت وعظمت كثقل كل واحد من الأجزاء وثقل المجموع والتمكن والانصراف من جهة إلى جهة وغير ذلك وربما لم تأتلف وبقيت على حال التبائن والتفرق كالسمع والبصر والذوق والأرادة والحركة إلا أنها جميعا من جهة الوحدة في التركيب تحت سيطرة\rالواحد الحادث الذي هو الإنسان وعند ذلك يوجد من الفوائد ما لا يوجد عند كل واحد من أجزائه وهي فوائد جمة من قبيل الفعل والانفعال والفوائد الروحية والمادية ومن فوائده حصول كثرة عجيبة في تلك الفوائد في عين الوحدة فإن المادة الإنسانية كالنطفة مثلا إذا استكملت نشأتها قدرت على إفراز شئ من المادة من نفسها وتربيتها إنسانا تاما آخر يفعل نظائر ما كان يفعله أصله ومحتده من الأفعال المادية والروحية فأفراد الإنسان على كثرتها إنسان وهو واحد وأفعالها كثيرة عددا واحدة نوعا وهي تجتمع وتأتلف بمنزلة الماء يقسم إلى آنية فهى مياه كثيرة ذو نوع واحد وهي ذات خواص كثيرة نوعها واحد وكلما جمعت المياه في مكان واحد قويت الخاصة وعظم الأثر.\rوقد اعتبر الإسلام في تربية أفراد هذا النوع وهدايتها إلى سعادتها الحقيقية هذا المعنى الحقيقي فيها ولا مناص من اعتباره قال تعالى {وهو الذى خلق من الماء بشرا فجعله نسبا وصهرا : الفرقان - 54 } وقال {يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى : الحجرات - 13 } وقال {بعضكم من بعض : آل عمران - 195}.","part":19,"page":250},{"id":8167,"text":"وهذه الرابطة الحقيقية بين الشخص والمجتمع لا محالة تؤدى إلى كينونة أخرى في المجتمع حسب ما يمده الأشخاص من وجودهم وقواهم وخواصهم وآثارهم فيتكون في المجتمع سنخ ما للفرد من الوجود وخواص الوجود وهو ظاهر مشهود ولذلك اعتبر القرآن للأمة وجودا وأجلا وكتابا وشعورا وفهما وعملا وطاعة ومعصية فقال {ولكل أمة أجل فإذا جاء أجلهم لا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون : الأعراف - 34 }\rوقال {كل أمة تدعى إلى كتابها : الجاثية - 28 }\rوقال {زينا لكل أمة عملهم : الأنعام - 108}\rوقال {منهم أمة مقتصدة : المائدة - 66 }\rوقال {أمة قائمة يتلون آيات الله : آل عمران - 113 }وقال {وهمت كل أمة برسولهم ليأخذوه وجادلوا بالباطل ليدحضوا به الحق فأخذتهم فكيف كان عقاب : غافر - 5 }\rوقال {ولكل أمة رسول فإذا جاء رسولهم قضى بينهم بالقسط : يونس - 47}.\rومن هنا ما نرى أن القرآن يعتنى بتواريخ الأمم كاعتنائه بقصص الأشخاص بل أكثر حينما لم يتداول في التواريخ إلا ضبط أحوال المشاهير من الملوك والعظماء ولم يشتغل المؤرخون بتواريخ الأمم والمجتمعات إلا بعد نزول القرآن فاشتغل بها بعض الاشتغال آحاد منهم كالمسعودي وابن خلدون حتى ظهر التحول الأخير في التاريخ النقلي\rبتبديل الأشخاص أمما وأول من سنه على ما يقال \" اغوست كنت الفرنسي المتوفى سنة 1857 ميلادية.\r","part":19,"page":251},{"id":8168,"text":"وبالجملة لازم ذلك على ما مرت الإشارة إليه تكون قوى وخواص اجتماعية قوية تقهر القوى والخواص الفردية عند التعارض والتضاد على أن الحس والتجربة يشهدان بذلك في القوى والخواص الفاعلة والمنفعلة معا فهمة الجماعة وإرادتها في أمر كما في موارد الغوغاءات وفي الهجمات الاجتماعية لا تقوم لها إرادة معارضة ولا مضادة من واحد من أشخاصها وأجزائها فلا مفر للجزء من أن يتبع كله ويجري على ما يجري عليه حتى أنه يسلب الشعور والفكر من أفراده وأجزائه وكذا الخوف العام والدهشة العامة كما في موارد الانهزام وانسلاب الأمن والزلزلة والقحط والوباء أو ما هو دونها كالرسومات المتعارفة والأزياء القومية ونحوهما تضطر الفرد على الاتباع وتسلب عنه قوة الإدراك والفكر.\rوهذا هو الملاك في اهتمام الإسلام بشأن الاجتماع ذلك الاهتمام الذي لا نجد ولن نجد ما يماثله في واحد من الأديان الأخر ولا في سنن الملل المتمدنة ولعلك لا تكاد تصدق ذلك فإن تربية الأخلاق والغرائز في الفرد وهو الأصل في وجود المجتمع لا تكاد تنجح مع كينونة الأخلاق والغرائز المعارضة والمضادة القوية القاهرة في المجتمع إلا يسيرا لا قدر له عند القياس والتقدير.\rفوضع أهم أحكامه وشرائعه كالحج والصلاة والجهاد والإنفاق\r","part":19,"page":252},{"id":8169,"text":"وبالجملة التقوى الديني على أساس الاجتماع وحافظ على ذلك مضافا إلى قوى الحكومة الإسلامية الحافظة لشعائر الدين العامة وحدودها ومضافا إلى فريضة الدعوة إلى الخير والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر العامة لجميع الأمة بجعل غرض المجتمع الإسلامى - وكل مجتمع لا يستغني عن غرض مشترك - هي السعادة الحقيقية والقرب والمنزلة عند الله وهذا رقيب باطني لا يخفى عليه ما في سريرة الإنسان وسره - فضلا عما في ظاهره - وإن خفي على طائفة الدعاة وجماعة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وهذا هو الذي ذكرنا أن الإسلام تفوق سنة اهتمامه بشأن الاجتماع سائر السنن والطرائق.\r5 - هل تقبل سنة الإسلام الاجتماعية الإجراء والبقاء ؟ ولعلك تقول لو كان ما ذكر من كون نظر الإسلام في تكوين المجتمع الصالح أرقي بناءا وأتقن أساسا حتى من المجتمعات التي كونتها الملل المتمدنة المترقية حقا فما باله لم يقبل الإجراء إلا برهة يسيرة ثم لم يملك نفسه دون أن تبدل قيصرية وكسروية ؟ وتحول إمبراطورية أفجع وأشنع أعمالا مما كان قبله بخلاف المدنية الغربية التي تستديم البقاء.\r","part":19,"page":253},{"id":8170,"text":"وهذا هو الدليل على كون مدنيتهم أرقي وسنتهم في الاجتماع أتقن وأشد استحكاما وقد وضعوا سنتهم الاجتماعية وقوانينهم الدائرة على أساس إرادة الأمة واقتراح الطباع والميول ثم اعتبروا فيها إرادة الأكثر واقتراحهم لاستحالة اجتماع الكل بحسب العادة إرادة وغلبة الأكثر سنة جارية في الطبيعة مشهودة فإنا نجد كلا من العلل المادية والأسباب الطبيعية مؤثرة على الأكثر لا على الدوام وكذا العوامل المختلفة المتنازعة إنما يؤثر منها الأكثر دون الكل ودون الأقل فمن الحرى أن يبنى هيكل الاجتماع بحسب الغرض وبحسب السنن والقوانين الجارية فيه على إرادة الأكثر وأما فرضية الدين فليست في الدنيا الحاضرة إلا أمنية لا تتجاوز مرحلة الفرض ومثالا عقليا غير جائز النيل.\rوقد ضمنت المدنية الحاضرة فيما ظهرت فيه من الممالك قوة المجتمع وسعادتها وتهذب الأفراد وطهارتهم من الرذائل وهي الأمور التي لا يرتضيها المجتمع كالكذب والخيانة والظلم والجفاء والجفاف ونحو ذلك.\rوهذا الذي أوردناه محصل ما يختلج في صدور جمع من باحثينا معاشر الشرقيين وخاصة المحصلين من فضلائنا المتفكرين في المباحث الاجتماعية والنفسية غير أنهم وردوا هذا البحث من غير مورده فاختلط عليهم حق النظر ولتوضيح ذلك نقول : \r","part":19,"page":254},{"id":8171,"text":"أما قولهم إن السنة الاجتماعية الإسلامية غير قابلة الجريان في الدنيا على خلاف سنن المدنية الحاضرة في جو الشرائط الموجودة ومعناه أن الأوضاع الحاضرة في الدنيا لا تلائم الأحكام المشرعة في الإسلام فهو مسلم لكنه لا ينتج شيئا فإن جميع السنن الدائرة في الجامعة الإنسانية إنما حدثت بعد ما لم تكن وظهرت في حين لم تكن عامة الأوضاع والشرائط الموجودة إلا مناقضة له طاردة إياه فانتهضت ونازعت السنن السابقة المستمرة المتعرقة وربما اضطهدت وانهزمت في أول نهضتها ثم عادت ثانيا وثالثا\rحتى غلبت وتمكنت وملكت سيطرتها وربما بادت وانقرضت إذ لم يساعدها العوامل والشرائط بعد والتاريخ يشهد (1) بذلك في جميع السنن الدينية والدنيوية حتى في مثل الديموقراطية والاشتراك وإلى مثله يشير قوله تعالى { قد خلت من قبلكم سنن فسيروا في الأرض فانظروا كيف كان عاقبة المكذبين : آل عمران - 137 يشير إلى أن السنة التي تصاحب تكذيب آيات الله لا تنتهي إلى عاقبة حسنة محمودة.\rفمجرد عدم انطباق سنة من السنن على الوضع الإنساني الحاضر ليس يكشف عن بطلانه وفساده بل هو من جملة السنن الطبيعية الجارية في العالم لتتميم كينونة الحوادث الجديدة إثر الفعل والأنفعال وتنازع العوامل المختلفة.\rوالاسلام كسائر السنن من جهة النظر الطبيعي والاجتماعي وليس بمستثنى من هذه الكلية فحاله من حيث التقدم والتأخر والاستظهار بالعوامل والشرائط حال سائر\r________\r(1) ومن أوضح الشواهد أن السنة الديمقراطية بعد الحرب العالمية الأولى (وهي اليوم السنة العالمية المرضية الوحيدة) تحولت في روسيا إلى الشيوعية والحكومة الاشتراكية ثم لحق لها بعد الحرب العالمية الثانية ممالك الاروبا الشرقية ومملكة الصين فخسرت بذلك صفقة الديموقراطية فيما يقرب من نصف المجتمع البشري.\rوقد أعلنت المجتمعات الشيوعية قبل سنة تقريبا أن قائدها الفقيد \" ستالين \" كان قد حرف مدى حكومته وهو ثلاثون سنة تقريبا بعد حكومة لينين الحكومة الاشتراكية إلى الحكومة الفردية الاستبدادية وحتى اليوم لا تزال تؤمن به طائفة بعد الكفر وترتد عنها طائفة بعد الإيمان وهي تطوى وتبسط وهناك نماذج وامثلة أخرى كثيرة في التاريخ.","part":19,"page":255},{"id":8172,"text":"السنن وليس حال الإسلام اليوم وقد تمكن في نفوس ما يزيد على أربعمائة مليون من أفراد البشر (1) ونشب في قلوبهم بأضعف من حاله في الدنيا زمان دعوة نوح وإبراهيم ومحمد (صلى الله عليه وآله وسلم) وقد قامت دعوة كل منهم بنفس واحدة ولم تكن تعرف الدنيا وقتئذ غير الفساد ثم انبسطت وتعرقت وعاشت واتصل بعضها ببعض فلم ينقطع حتى اليوم.\rوقد قام رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) بالدعوة ولم يكن معه من يستظهر به يومئذ إلا رجل وامرأة ثم لم يزل يلحق بهم واحد بعد واحد واليوم يوم العسرة كل العسرة حتى أتاهم نصر الله فتشكلوا مجتمعا صالحا ذا أفراد يغلب عليهم الصلاح والتقوى ومكثوا برهة على الصلاح الاجتماعي حتى كان من أمر الفتن بعد رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ما كان.\rوهذا الأنموذج اليسير على قصر عمره وضيق نطاقه لم يلبث حتى انبسط في أقل من نصف قرن على مشارق الأرض ومغاربها وحول التاريخ تحويلا جوهريا يشاهد آثاره الهامة إلى يومنا وستدوم ثم تدوم.\r_______________\r(1) هذه الإحصائية منذ عقود أما اليوم فعدد الأمة الإسلامية ـ بفضل الله ـ يتجاوز المليار ونصف المليار. نسأل الله أن يكثر سواد المسلمين وأن لا يجعلهم غثاء كغثاء السيل.","part":19,"page":256},{"id":8173,"text":"ولا يستطيع أن يستنكف الأبحاث الاجتماعية والنفسية في التاريخ النظري عن الاعتراف بأن المنشأ القريب والعامل التام للتحول المعاصر المشهود في الدنيا هو ظهور السنة الإسلامية وطلوعها ولم يهمل جل الباحثين من أوربا استيفاء البحث عن تأثيرها في جامعة الإنسان إلا لعصبية دينية أو علل سياسية وكيف يسع لباحث خبير لو أنصف النظر أن يسمي النهضة المدنية الحديثة نهضة مسيحية ويعد المسيح (عليه السلام) قائدها وحامل لوائها والمسيح يصرح بأنه إنما يهتم بأمر الروح ولا يشتغل بأمر الجسم ولا يتعرض لشأن الدولة والسياسة ؟ وهو ذا الإسلام يدعو إلى الاجتماع والتألف ويتصرف في جميع شؤون المجتمع الإنساني وأفراده من غير استثناء فهل هذا الصفح والاغماض منهم إلا لإطفاء نور الإسلام (ويابى الله إلا أن يتم نوره) وإخماد ناره عن القلوب بغيا وعدوا حتى يعود جنسية لا أثر لها إلا أثر الأنسال المنشعبة.\rوبالجملة قد أثبت الإسلام صلوحه لهداية الناس إلى سعادتهم وطيب حياتهم وما هذا شأنه لا يسمى فرضية غير قابلة الانطباق على الحياة الإنسانية ولا مأيوسا من ولاية أمر الدنيا يوما (مع كون مقصده سعادة الإنسان الحقيقية) وقد تقدم في تفسير قوله كان الناس أمة واحدة : البقرة - 213 أن البحث العميق في أحوال الموجودات الكونية يؤدي إلى أن النوع الإنساني سيبلغ غايته وينال بغيته وهي كمال ظهور الإسلام بحقيقته في الدنيا وتوليه التام أمر المجتمع الإنساني وقد وعده الله تعالى طبق هذه النظرية في كتابه العزيز قال {فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين يجاهدون في سبيل الله ولا يخافون في الله لومة لائم : المائدة - 54}","part":19,"page":257},{"id":8174,"text":"وقال {وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض كما استخلف الذين من قبلهم وليمكنن لهم دينهم الذي ارتضى لهم وليبدلنهم من بعد خوفهم أمنا يعبدونني لا يشركون بي شيئا الآية : النور - 55 }\rوقال {إن الأرض يرثها عبادي الصالحون الأنبياء - 105} إلى غير ذلك من الآيات.\rوهنا جهة أخرى أغفلها هؤلاء في بحثهم وهي أن الاجتماع الإسلامي شعاره الوحيد هو اتباع الحق في النظر والعمل والاجتماع المدني الحاضر شعاره اتباع ما يراه ويريده الأكثر وهذان الشعاران يوجبان اختلاف الغاية في المجتمع المتكون فغاية الاجتماع الإسلامي السعادة الحقيقية العقلية بمعنى أن يأخذ الإنسان بالاعتدال في مقتضيات قواه فيعطي للجسم مشتهياته مقدار ما لا يعوقه عن معرفة الله من طريق العبودية بل يكون مقدمة توصل إليها وفيه سعادة الإنسان بسعادة جميع قواه وهي الراحة الكبرى (وإن كنا لا ندركها اليوم حق الإدراك لاختلال التربية الإسلامية فينا) ولذلك وضع الإسلام قوانينه على أساس مراعاة جانب العقل المجبول على اتباع الحق وشدد في المنع عما يفسد العقل السليم وألقى ضمان إجراء الجميع من الأعمال والأخلاق والمعارف الأصلية إلى عهدة المجتمع مضافا إلى ما تحتفظ عليه الحكومة والولاية الإسلامية من إجراء السياسات والحدود وغيرها وهذا على أي حال لا يوافق طباع العامة من الناس ويدفعه هذا الأنغمار العجيب في الاهواء والاماني الذي نشاهده من كافة المترفين والمعدمين ويسلب حريتهم في الاستلذاذ والتلهي والسبعية والافتراس إلا بعد مجاهدة شديدة في نشر الدعوة وبسط التربية على حد سائر الأمور الراقية التي يحتاج الإنسان في التلبس بها إلى همة قاطعة وتدرب كاف وتحفظ على ذلك مستدام.","part":19,"page":258},{"id":8175,"text":"وأما غاية الاجتماع المدني الحاضر فهي التمتع من المادة ومن الواضح أن هذه تستتبع حياة إحساسية تتبع ما يميل إليه الطبع سواء وافق ما هو الحق عند العقل أو لم يوافق بل إنما يتبع العقل فيما لا يخالف غايته وغرضه.\rولذلك كانت القوانين تتبع في وضعها وإجرائها ما يستدعيه هوى أكثرية المجتمع وميول طباعهم وينحصر ضمان الإجراء في مواد القانون المتعلقة بالأعمال وأما الأخلاق والمعارف الأصلية فلا ضامن لاجرائها بل الناس في التلبس بها وتبعيتها وعدمه إلا أن تزاحم القانون في مسيره فتمنع حينئذ.\rولازم ذلك أن يعتاد المجتمع الذي شأنه ذلك بما يوافق هواه من رذائل الشهوة والغضب فيستحسن كثيرا مما كان يستقبحه الدين وأن يسترسل باللعب بفضائل الأخلاق والمعارف العالية مستظهرا بالحرية القانونية.\rولازم هذا اللازم أن يتحول نوع الفكرة عن المجرى العقلي إلى المجرى الإحساسي\rالعاطفي فربما كان الفجور والفسق في مجرى العقل تقوى في مجرى الميول والاحساسات وسمي فتوة وبشرا وحسن خلق كمعظم ما يجري في أوربا بين الشبان وبين الرجال والنساء المحصنات أو الابكار وبين النساء والكلاب وبين الرجال وأولادهم ومحارمهم وما يجري في الاحتفالات ومجالس الرقص وغير ذلك مما ينقبض عن ذكره لسان المتأدب بأدب الدين.\rوربما كان عاديات الطريق الديني غرائب وعجائب مضحكة عندهم وبالعكس كل ذلك لاختلاف نوع الفكرة والإدراك باختلاف الطريق ولا يستفاد في هذه السنن الاحساسية من التعقل كما عرفت إلا بمقدار ما يسوى به الطريق إلى التمتع والتلذذ فهو الغاية الوحيدة التي لا يعارضها شئ ولا يمنع منها شئ إلا في صورة المعارضة بمثلها حتى إنك تجد بين مشروعات القوانين الدائرة أمثال الأنتحار ودئل وغيرهما فللنفس ما تريده وتهويه إلا أن يزاحم ما يريده ويهواه المجتمع.\r","part":19,"page":259},{"id":8176,"text":"إذا تأملت هذا الاختلاف تبين لك وجه أوفقية سنة المجتمع الغربي لمذاق الجامعة البشرية دون سنة المجتمع الديني غير أنه يجب أن يتذكر أن سنة المدنية الغربية وحدها ليست هي الموافقة لطباع الناس حتى تترجح بذلك وحدها بل جميع السنن المعمولة الدائرة في الدنيا بين أهلها من أقدم أعصار الإنسانية إلى عصرنا هذا من سنن البداوة والحضارة تشترك في أن الناس يرجحونها على الدين الداعي إلى الحق في أول ما يعرض عليهم لخضوعهم للوثنية المادية.\rولو تأملت حق التأمل وجدت هذه الحضارة الحاضرة ليست إلا مؤلفة من سنن الوثنية الأولى غير أنها تحولت من حال الفردية إلى حال الاجتماع ومن مرحلة السذاجة إلى مرحلة الدقة الفنية.\rوالذى ذكرناه من بناء السنة الإسلامية على اتباع الحق دون موافقة الطبع من أوضح الواضحات في بيانات القرآن قال تعالى هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق : التوبة - 33 وقال تعالى { والله يقضي بالحق : المؤمن - 20 }وقال في وصف المؤمنين {وتواصوا بالحق : العصر - 3 }وقال {لقد جئناكم بالحق ولكن أكثركم للحق كارهون : الزخرف - 78 } فاعترف بأن الحق لا يوافق طباع الأكثرين وأهواءهم ثم رد لزوم موافقة أهواء الاكثرية بأنه يؤول إلى الفساد فقال {بل جاءهم بالحق\rوأكثرهم للحق كارهون ولو اتبع الحق أهواءهم لفسدت السموات والأرض ومن فيهن بل أتيناهم بذكرهم فهم عن ذكرهم معرضون : المؤمنون - 71}\rولقد صدق جريان الحوادث وتراكم الفساد يوما فيوما ما بينه تعالى في هذه الآية وقال تعالى { فماذا بعد الحق إلا الضلال فأنى تصرفون : يونس - 32 }\rوالآيات في هذا المعنى وما يقرب منه كثيرة جدا وإن شئت زيادة تبصر فيه فراجع سورة يونس فقد كرر فيه ذكر الحق بضعا وعشرين مرة.\r","part":19,"page":260},{"id":8177,"text":"وأما قولهم إن اتباع الأكثر سنة جارية في الطبيعة فلا ريب أن الطبيعة تتبع الأكثر في آثارها إلا أنها ليست بحيث تبطل أو تعارض وجوب اتباع الحق فإنها نفسها بعض مصاديق الحق فكيف تبطل نفسها توضيح ذلك يحتاج إلى بيان أمور أحدها أن الأمور الخارجية التي هي اصول عقائد الإنسان العلمية والعملية تتبع في تكونها وأقسام تحولها نظام العلية والمعلولية وهو نظام دائم ثابت لا يقبل الاستثناء أطبق على ذلك المحصلون من أهل العلم والنظر وشهد به القرآن على ما مر فالجريان الخارجي لا يتخلف عن الدوام والثبات حتى أن الحوادث الأكثرية الوقوع التي هي قياسية هي في أنها أكثرية دائمة ثابتة ، مثلا النار التي تفعل السخونة غالبا بالقياس إلى جميع مواردها \" سخونتها الغالبية \" أثر دائم لها وهكذا وهذا هو الحق.\rوالثاني أن الإنسان بحسب الفطرة يتبع ما وجده أمرا واقعيا خارجيا بنحو فهو يتبع الحق بحسب الفطرة حتى أن من ينكر وجود العلم الجازم إذا القي إليه قول لا يجد من نفسه التردد فيه خضع له بالقبول.\rوالثالث : أن الحق كما عرفت هو الأمر الخارجي الذي يخضع له الإنسان في اعتقاده أو يتبعه في عمله وأما نظر الإنسان وإدراكه فإنما هو وسيلة يتوسل بها إليه كالمرآة بالنسبة إلى المرئي.\rإذا عرفت هذه الأمور تبين لك أن الحقية وهي دوام الوقوع أو أكثرية الوقوع","part":19,"page":261},{"id":8178,"text":"في الطبيعة الراجعة إلى الدوام والثبات أيضا إنما هي صفة الخارج الواقع وقوعا دائميا أو أكثريا دون العلم والادراك وبعبارة أخرى هي صفة الأمر المعلوم لا صفة العلم فالوقوع الدائمي والاكثري أيضا بوجه من الحق وأما آراء الاكثرين وأنظارهم واعتقاداتهم في مقابل الاقلين فليست بحق دائما بل ربما كانت حقا إذا طابقت الواقع وربما لم تكن إذا لم تطابق وحينئذ فلا ينبغي أن يخضع لها الإنسان ولا أنه يخضع لها لو تنبه للواقع فإنك إذا أيقنت بأمر ثم خالفك جميع الناس فيه لم تخضع بالطبع لنظرهم وإن اتبعتهم فيه ظاهرا فإنما تتبعهم لخوف أو حياء أو عامل آخر لا لأنه حق واجب الاتباع في نفسه ومن أحسن البيان في أن رأي الأكثر ونظرهم لا يجب أن يكون حقا واجب الاتباع قوله تعالى { بل جاءهم بالحق وأكثرهم للحق كارهون : المؤمنون - 70 } فلو كان كل ما يراه الأكثر حقا لم يمكن أن يكرهوا الحق ويعارضوه.\rوبهذا البيان يظهر فساد بناء اتباع الأكثرية على سنة الطبيعة فإن هذه السنة جارية في الخارج الذي يتعلق به العلم دون نفس العلم والفكر والذي يتبعه الإنسان من هذه السنة في إرادته وحركاته إنما هو ما في الخارج من أكثرية الوقوع لا ما اعتقده الأكثرون أعني أنه يبني أفعاله وأعماله على الصلاح الأكثري وعليه جرى القرآن في حكم تشريعاته ومصالحها قال تعالى {ما يريد الله ليجعل عليكم من حرج ولكن يريد ليطهركم وليتم نعمته عليكم لعلكم تشكرون : المائدة - 6 } وقال تعالى { كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم لعلكم تتقون : البقرة - 183 } إلى غير ذلك من الآيات المشتملة على ملاكات غالبية الوقوع للأحكام المشرعة.\r","part":19,"page":262},{"id":8179,"text":"وأما قولهم إن المدنية الحاضرة سمحت للممالك المترقية سعادة المجتمع وهذب الأفراد وطهرهم عن الرذائل التي لا يرتضيها المجتمع فكلام غير خال من الخلط والاشتباه.\rوكأن مرادهم من السعادة الاجتماعية تفوق المجتمع في عدتها وقوتها وتعاليها في استفادتها من المنابع المادية وقد عرفت مرارا أن الإسلام لا يعد ذلك سعادة والبحث البرهاني أيضا يؤيده بل السعادة الإنسانية أمر مؤلف من سعادة الروح والبدن وهي تنعم الإنسان من النعم المادية وتحليه بفضائل الأخلاق والمعارف الحقة الإلهية وهي التي تضمن سعادته في الحياة الدنيا والحياة الأخرى وأما الانغمار في لذائذ المادة مع إهمال سعادة الروح فليس عنده إلا شقاء.\rوأما استعجابهم بما يرون من الصدق والصفاء والأمانة والبشر وغير ذلك فيما بين أفراد الملل المترقية فقد اختلط عليهم حقيقة الأمر فيه وذلك أن جل المتفكرين من باحثينا معاشر الشرقيين لا يقدرون على التفكر الاجتماعي وإنما يتفكرون تفكرا فرديا فالذي يراه الواحد منا نصب العين أنه موجود إنساني مستقل عن كل الأشياء غير مرتبط بها ارتباطا تبطل استقلاله الوجودي مع أن الحق خلافه ثم لا يتفكر في حياته إلا لجلب المنافع إلى نفسه ودفع المضار عن نفسه فلا يشتغل إلا بشأن نفسه وهو التفكر الفردي ويستتبع ذلك أن يقيس غيره على نفسه فيقضي فيه بما يقضي على هذا النحو من الاستقلال.\r","part":19,"page":263},{"id":8180,"text":"وهذا القضاء إن صح فإنما يصح فيمن يجرى في تفكره هذا المجرى وأما من يتفكر تفكرا اجتماعيا ليس نصب عينيه إلا أنه جزء غير منفك ولا مستقل عن المجتمع وأن منافعه جزء من منافع مجتمعه يرى خير المجتمع خير نفسه وشره شر نفسه وكل وصف وحال له وصفا وحالا لنفسه فهذا الإنسان يتفكر نحوا آخر من التفكر ولا يشتغل في الارتباط بغيره إلا بمن هو خارج عن مجتمعه وأما اشتغاله بأجزاء مجتمعه فلا يهتم به ولا يقدره شيئا.\rواستوضح ذلك بما نورده من المثال الإنسان مجموع مؤلف من أعضاء وقوى عديدة تجتمع الجميع نوع اجتماع يعطيها وحدة حقيقية نسميها الإنسانية يوجب ذلك استهلاك الجميع ذاتا وفعلا تحت استقلاله فالعين والاذن واليد والرجل تبصر وتسمع وتبطش وتمشي للإنسان وإنما يلتذ كل بفعله في ضمن التذاذ الإنسان به وكل واحدة من هذه الاعضاء والقوى همها أن ترتبط بالخارج الذى يريد الإنسان الواحد الارتباط به بخير أو شر فالعين أو الاذن أو اليد أو الرجل إنما تريد الإحسان أو الاساءة إلى من يريد الإنسان الإحسان أو الإساءة إليه من الناس مثلا وأما معاملة بعضها مع بعض والجميع تحت لواء الإنسانية الواحدة فقلما يتفق أن يسئ بعضها إلى بعض أو يتضرر بعضها ببعض.\rفهذا حال أجزاء الإنسان وهي تسير سيرا واحدا اجتماعيا وفي حكمه حال أفراد مجتمع إنساني إذا تفكروا تفكرا اجتماعيا فصلاحهم وتقواهم أو فسادهم وإجرامهم وإحسانهم وإسائتهم إنما هي ما لمجتمعهم من هذه الأوصاف إذا أخذ ذا شخصية واحدة.\rوهكذا صنع القرآن في قضائه على الأمم والأقوام التى ألجأتهم التعصبات المذهبية\r","part":19,"page":264},{"id":8181,"text":"أو القومية أن يتفكروا تفكرا اجتماعيا كاليهود والأعراب وعدة من الأمم السالفة فتراه يؤاخذ اللاحقين بذنوب السابقين ويعاتب الحاضرين ويوبخهم بأعمال الغائبين والماضين كل ذلك لأنه القضاء الحق فيمن يتفكر فكرا اجتماعيا وفي القرآن الكريم من هذا الباب آيات كثيرة لا حاجة إلى نقلها.\rنعم مقتضى الأخذ بالنصفة أن لا يضطهد حق الصالحين من الأفراد بذلك إن وجدوا في مجتمع واحد فإنهم وإن عاشوا بينهم واختلطوا بهم إلا أن قلوبهم غير متقذرة بالفكر الفاسد والمرض المتبطن الفاشي في مثل هذا المجتمع وأشخاصهم كالاجزاء الزائدة في هيكله وبنيته وهكذا فعل القرآن في آيات العتاب العام فاستثنى الصلحاء والأبرار.\rويتبين مما ذكرنا أن القضاء بالصلاح والطلاح على أفراد المجتمعات المتمدنة الراقية على خلاف أفراد الأمم الاخرى لا ينبغى أن يبنى على ما يظهر من معاشرتهم ومخالطتهم فيما بينهم وعيشتهم الداخلية بل بالبناء على شخصيتهم الاجتماعية البارزة في مماستها ومصاكتها سائر الأمم الضعيفة ومخالطتها الحيوية سائر الشخصيات الاجتماعية في العالم.\rفهذه هي التى يجب أن تراعى وتعتبر في القضاء بصلاح المجتمع وطلاحه وسعادته وشقائه وعلى هذا المجرى يجب أن يجري باحثونا ثم إن شاؤوا فليستعجبوا وإن شاؤوا فليتعجبوا.\r","part":19,"page":265},{"id":8182,"text":"ولعمري لو طالع المطالع المتأمل تاريخ حياتهم الاجتماعية من لدن النهضة الحديثة الاوروبية وتعمق فيما عاملوا به غيرهم من الأمم والاجيال المسكينة الضعيفة لم يلبث دون أن يرى أن هذه المجتمعات التى يظهرون أنهم امتلؤوا رأفة ونصحا للبشر يفدون بالدماء والأموال في سبيل الخدمة لهذا النوع وإعطاء الحرية والاخذ بيد المظلوم المهضوم حقا وإلغاء سنة الاسترقاق والأسر يرى أنهم لا هم لهم إلا استعباد الأمم الضعيفة مساكين الأرض ما وجدوا إليه سبيلا بما وجدوا إليه من سبيل فيوما بالقهر ويوما بالاستعمار ويوما بالاستملاك ويوما بالقيمومة ويوما باسم حفظ المنافع المشتركة ويوما باسم الاعانة على حفظ الاستقلال ويوما باسم حفظ الصلح ودفع ما يهدده ويوما باسم الدفاع عن حقوق الطبقات المستأصلة المحرومة ويوما...\rويوما....\rوالمجتمعات التي هذا شأنها لا ترتضي الفطرة الإنسانية السليمة أن تصفها بالصلاح أو تذعن لها بالسعادة وإن اغمضت النظر عما يشخصه قضاء الدين وحكم الوحى والنبوة من معنى السعادة.\rوكيف ترضى الطبيعة الإنسانية أن تجهز أفرادها بما تجهزها على السواء ثم تناقض نفسها فتعطي بعضا منهم عهدا أن يتملكوا الآخرين تملكا يبيح لهم دماءهم وأعراضهم وأموالهم ويسوى لهم الطريق إلى اللعب بمجامع حياتهم ووجودهم والتصرف في إدراكهم وإرادتهم بما لم يلقه ولا قاساه إنسان القرون الأولى والمعول في جميع ما نذكره تواريخ حياة هؤلاء الأمم وما يقاسيه الجيل الحاضر من أيديهم فإن سمى ما عندهم سعادة وصلاحا فلتكن بمعنى التحكم وإطلاق المشية.\r6 - بما ذا يتكون ويعيش الاجتماع الإسلامى ؟ \r","part":19,"page":266},{"id":8183,"text":"لا ريب أن الاجتماع أي اجتماع كان إنما يتحقق ويحصل بوجود غاية واحدة مشتركة بين أفراده المتشتتة وهو الروح الواحدة السارية في جميع أطرافه التى تتحد بها نوع اتحاد وهذه الغاية والغرض في نوع الاجتماعات المتكونة غير الدينية إنما هي غاية الحياة الدنيوية للإنسان لكن على نحو الاشتراك بين الأفراد لا على نحو الأنفراد وهي التمتع من مزايا الحياة المادية على نحو الاجتماع.\rوالفرق بين التمتع الاجتماعي والانفرادي من حيث الخاصية أن الإنسان لو استطاع أن يعيش وحده كان مطلق العنان في كل واحد من تمتعاته حيث لا معارض له ولا رقيب إلا ما قيد به بعض جهازاته بعضا فإنه لا يقدر أن يستنشق كل الهواء فإن الرئة لا تسعه وإن اشتهاه ولا يسعه أن يأكل من المواد الغذائية لا إلى حد فإن جهاز الهاضمة لا يتحمله فهذا حاله بقياس بعض قواه وأعضائه إلى بعض وأما بالنسبة إلى إنسان آخر مثله فإذ كان لا شريك له في ما يستفيد منه من المادة على الفرض فلا سبب هناك يقتضي تضييق ميدان عمله ولا تحديد فعل من أفعاله وعمل من أعماله.\rوهذا بخلاف الإنسان الواقع في ظرف الاجتماع وساحته فإنه لو كان مطلق العنان في إرادته وأعماله لادى ذلك إلى التمانع والتزاحم الذي فيه فساد العيش وهلاك النوع وقد بينا ذلك في مباحث النبوة السابقة أو في بيان\r","part":19,"page":267},{"id":8184,"text":"وهذا هو السبب الوحيد الذي يدعو إلى حكومة القانون الجارى في المجتمع غير أن المجتمعات الهمجية لا تتنبه لوضعها عن فكر وروية وإنما يكون الآداب والسنن فيها المشاجرات والمنازعات المتوفرة بين أفرادها فتضطر الجميع إلى رعاية امور تحفظ مجتمعهم بعض الحفظ ولما لم تكن مبنية على أساس مستحكم كانت في معرض النقض والابطال تتغير سريعا وتنقرض ولكن المجتمعات المتمدنة تبنيه على أساس قويم بحسب درجاتهم في المدنية والحضارة فيرفعون به التضاد والتمانع الواقع بين الأرادات وأعمال المجتمع بتعديلها بوضع حدود وقيود لها ثم ركز القدرة والقوة في مركز عليه ضمان إجراء ما ينطق به القانون.\rومن هنا يظهر أولا أن القانون حقيقة هو ما تعدل به أرادات الناس وأعمالهم برفع التزاحم والتمانع من بينهما بتحديدها.\rوثانيا أن أفراد المجتمع الذي يحكم فيه القانون أحرار فيما وراءه كما هو مقتضى تجهز الإنسان بالشعور والأرادة بعد التعديل ولذا كانت القوانين الحاضرة لا تتعرضلأمر المعارف الإلهية والأخلاق وصار هذان المهمان يتصوران بصورة يصورهما بها القانون فيتصالحان ويتوافقان معه على ما هو حكم التبعية فيعودان عاجلا أو آجلا رسوما ظاهرية فاقدة للصفاء المعنوي ولذلك السبب أيضا ما نشاهده من لعب السياسة بالدين فيوما تقضى عليه وتدحضه ويوما تميل إليه فتبالغ في إعلاء كلمته ويوما تطوى عنه كشحا فتخليه وشأنه.\r","part":19,"page":268},{"id":8185,"text":"وثالثا أن هذه الطريقة لا تخلو عن نقص فإن القانون وإن حمل ضمان إجرائه على القدرة التي ركزها في فرد أو أفراد لكن لا ضمان على إجرائه بالآخرة بمعنى أن منبع القدرة والسلطان لو مال عن الحق وحول سلطة النوع على النوع إلى سلطة شخصه على النوع وانقلبت الدائرة على القانون لم يكن هناك ما يقهر هذا القاهر فيحوله إلى مجراه العدل وعلى هذا القول شواهد كثيرة مما شاهدناه في زماننا هذا وهو زمان الثقافة والمدنية فضلا عما لا يحصى من الشواهد التاريخية وأضف إلى هذا النقص نقصا آخر وهو خفاء نقض القانون على القوة المجرية أحيانا أو خروجه عن حومة قدرته ولنرجع إلى أول الكلام.\rوبالجملة الاجتماعات المدنية توحدها الغاية الواحدة التي هي التمتع من مزايا الحياة.\rالدنيا وهي السعادة عندهم لكن الإسلام لما كان يرى أن الحياة الإنسانية أوسع مدارا من الحياة الدنيا المادية بل في مدار حياته الحياة الأخروية التي هي الحياة ويرى أن هذه الحياة لا تنفع فيها إلا المعارف الإلهية التي تنحل بجملتها إلى التوحيد ويرى أن هذه المعارف لا تنحفظ إلا بمكارم الأخلاق وطهارة النفس من كل رذيلة ويرى أن هذه الأخلاق لا تتم ولا تكمل إلا بحياة اجتماعية صالحة معتمدة على عبادة الله سبحانه والخضوع لما تقتضيه ربوبيته ومعاملة الناس على أساس العدل الاجتماعي أخذ أعني الإسلام الغاية التي يتكون عليها المجتمع البشرى ويتوحد بها دين التوحيد ثم وضع القانون الذي وضعه على أساس التوحيد ولم يكتف فيه على تعديل الأرادات والافعال فقط بل تممه بالعباديات وأضاف إليها المعارف الحقة والأخلاق الفاضلة.\rثم جعل ضمان إجرائها في عهدة الحكومة الإسلامية أولا ثم في عهدة المجتمع ثانيا وذلك بالتربية الصالحة علما وعملا والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.\r","part":19,"page":269},{"id":8186,"text":"ومن أهم ما يشاهد في هذا الدين ارتباط جميع أجزائه ارتباطا يؤدي إلى الوحدة التامة بينها بمعنى أن روح التوحيد سارية في الأخلاق الكريمة التي يندب إليها هذا الدين وروح الأخلاق منتشرة في الأعمال التي يكلف بها أفراد المجتمع فالجميع من أجزاء الدين الإسلامى ترجع بالتحليل إلى التوحيد والتوحيد بالتركيب يصير هو الأخلاق والأعمال فلو نزل لكان هي ولو صعدت لكانت هو إليه يصعد الكلم الطيب والعمل الصالح يرفعه.\rفإن قلت ما اورد من النقص على القوانين المدنية فيما إذا عصت القوة المجرية عن إجرائها أو فيما يخفى عليها من الخلاف مثلا وارد بعينه على الإسلام وأوضح الدليل عليه ما نشاهده من ضعف الدين وزوال سيطرته على المجتمع الإسلامى وليس إلا لفقدانه من يحمل نواميسه على الناس يوما.\rقلت حقيقة القوانين العامة سواء كانت الهية أو بشرية ليست إلا صورا ذهنية في أذهان الناس وعلوما تحفظها الصدور وإنما ترد مورد العمل وتقع موقع الحس بالأرادات الإنسانية تتعلق بها فمن الواضح أن لو عصت الأرادات لم توجد في الخارج ما تنطبق عليه القوانين وإنما الشأن فيما يحفظ به تعلق هذه الإرادات بالوقوع\r","part":19,"page":270},{"id":8187,"text":"حتى تقوم القوانين على ساقها والقوانين المدنية لا تهتم بأزيد من تعليق الأفعال بالإرادات أعني إرادة الاكثرية ثم لم يهتموا بما تحفظ هذه الإرادة فمهما كانت الإرادة حية شاعرة فاعلة جرى بها القانون وإذا ماتت من جهة انحطاط يعرض لنفوس الناس وهرم يطرأ على بنية المجتمع أو كانت حية لكنها فقدت صفة الشعور والادراك لأنغمار المجتمع في الملاهي وتوسعه في الاتراف والتمتع أو كانت حية شاعرة لكنها فقدت التأثير لظهور قوة مستبدة فائقة غالبة تقهر إرادتها إرادة الاكثرية وكذا في الحوادث التي لا سبيل للقوة المجرية على الوقوف عليها كالجنايات السرية أو لا سبيل لها إلى بسط سيطرتها عليها كالحوادث الخارجة عن منطقة نفوذها ففي جميع هذه الموارد لا تنال الأمة امنيتها من جريان القانون وانحفاظ المجتمع عن التفاسد والتلاشى وعمدة الأنشعابات الواقعة في الأمم الاوربية بعد الحرب العالمية الكبرى الأولى والثانية من أحسن الامثلة في هذا الباب.\rوليس ذلك أعني انتقاض القوانين وتفاسد المجتمع وتلاشيه إلا لأن المجتمع لم يهتم بالسبب الحافظ لإرادات الأمة على قوتها وسيطرتها وهي الأخلاق العالية إذ لا تستمد الإرادة في بقائها واستدامة حياتها إلا من الخلق المناسب لها كما بين ذلك في علم النفس فلو لا استقرار السنة القائمة في المجتمع واعتماد القانون الجارى فيه على أساس قويم من الأخلاق العالية كانت كشجرة اجتثت من فوق الأرض ما لها من قرار.\r","part":19,"page":271},{"id":8188,"text":"واعتبر في ذلك ظهور الشيوعية فليست إلا من مواليد الديموقراطية أنتجها إتراف طبقة من طبقات المجتمع وحرمان آخرين فكان بعدا شاسعا بين نقطتي القساوة وفقد النصفة والسخط وتراكم الغيظ والحنق وكذا في الحرب العالمية التي وقعت مرة بعد مرة وهى تهدد الإنسانية ثالثة وقد أفسدت الأرض وأهلكت الحرث والنسل ولا عامل لها إلا غريزة الاستكبار والشره والطمع هذا.\rولكن الإسلام بنى سنته الجارية وقوانينه الموضوعة على أساس الأخلاق وبالغ في تربية الناس عليها لكون القوانين الجارية في الأعمال في ضمانها وعلى عهدتها فهي مع الإنسان في سره وعلأنيته وخلوته وجلوته تؤدي وظيفتها وتعمل عملها أحسن مما يؤديه شرطى مراقب أو أي قوة تبذل عنايتها في حفظ النظم.\rنعم تعتني المعارف العمومية في هذه الممالك بتربية الناس على الأخلاق المحمودة\rوتبذل جهدها في حض الناس وترغيبهم إليها لكن لا ينفعهم ذلك شيئا.\rأما أولا فلانالمنشأ الوحيد لرذائل الأخلاق ليس إلا الإسراف والإفراط في التمتع المادي والحرمان البالغ فيه وقد أعطت القوانين للناس الحرية التامة فيه فأمتعت بعضا وحرمت آخرين فهل الدعوة إلى فضائل الأخلاق والترغيب عليها إلا دعوة إلى المتناقضين أو طلبا للجمع بين الضدين ؟ على أن هؤلاء كما عرفت يفكرون تفكرا اجتماعيا ولا تزال مجتمعاتهم تبالغ في اضطهاد المجتمعات الضعيفة ودحض حقوقهم والتمتع بما في أيديهم واسترقاق نفوسهم والتوسع في التحكم عليهم ما قدروا والدعوة إلى الصلاح والتقوى مع هذه الخصيصة ليست إلا دعوة متناقضة لا تزال عقيمة.\r","part":19,"page":272},{"id":8189,"text":"وأما ثانيا فلانالأخلاق الفاضلة أيضا تحتاج في ثباتها واستقرارها إلى ضامن يضمن حفظها وكلاءتها وليس إلا التوحيد أعني القول بأن للعالم إلها واحدا ذا أسماء حسنى خلق الخلق لغاية تكميلهم وسعادتهم وهو يحب الخير والصلاح ويبغض الشر والفساد وسيجمع الجميع لفصل القضاء وتوفية الجزاء فيجازي المحسن بإحسانه والمسئ بإساءته ومن الواضح أن لو لا الاعتقاد بالمعاد لم يكن هناك سبب أصيل رادع عن اتباع الهوى والكف عن حظوظ النفس الطبيعية فإنما الطبيعة الإنسانية تريد وتشتهي مشتهيات نفسها لا ما ينتفع به غيرها كطبيعة الفرد الآخر إلا إذا رجع بنحو إلى مشتهى نفسها (أحسن التأمل فيه).\rففيما كان للإنسان مثلا تمتع في إماتة حق من حقوق الغير ولا رادع يردعه ولا مجازي يجازيه ولا لائم معاتب يلومه ويعاتبه فأي مانع يمنعه من اقتراف الخطيئة وارتكاب المظلمة وإن عظمت ما عظمت ؟ وأما ما يتوهم وكثيرا ما يخطي فيه الباحث من الروادع المختلفة كالتعلق بالوطن وحب النوع والثناء الجميل ونحو ذلك فإنما هي عواطف قلبية ونزوعات باطنية لا سبب حافظا عليها إلا التعليم والتربية من غير استنادها إلى السبب الموجب فهي إذن أوصاف اتفاقية وامور عادية لا مانع معها يمنع من زوالها فلماذا يجب على الإنسان أن يفدي بنفسه غيره ليتمتع بالعيش بعده وهو يرى أن الموت فناء وبطلأن ؟ والثناء الجميل إنما هو في لسان آخرين ولا لذة يلتذ به الفادي بعد بطلانذاته.","part":19,"page":273},{"id":8190,"text":"وبالجملة لا يرتاب المتفكر البصير في أن الإنسان لا يقدم على حرمان لا يرجع إليه فيه جزاء ولا يعود إليه منه نفع والذي يعده ويمنيه في هذه الموارد ببقاء الذكر الحسن والثناء الجميل الخالد والفخر الباقي ببقاء الدهر فإنما هو غرور يغتر به وخدعة ينخدع بها بهيجان إحساساته وعواطفه فيخيل إليه أنه بعد موته وبطلانذاته حاله كحاله قبل موته فيشعر بذكره الجميل فيلتذ به وليس ذلك إلا من غلط الوهم كالسكران يتسخر بهيجان إحساساته فيعفو ويبذل من نفسه وعرضه وماله أو كل كرامة له ما لا يقدم عليه لو صحا وعقل وهو سكران لا يعقل ويعد ذلك فتوه وهو سفه وجنون.\rفهذه العثرات وأمثالها مما لا حصن للإنسان يتحصن فيه منها غير التوحيد الذي ذكرناه ولذلك وضع الإسلام الأخلاق الكريمة التي جعلها جزءا من طريقته الجارية على أساس التوحيد الذي من شؤونه القول بالمعاد ولازمه أن يلتزم الإنسان بالاحسان ويجتنب الاساءة أينما كان ومتى ما كان سواء علم به أو لم يعلم وسواء حمده حامد أو لم يحمد وسواء كان معه من يحمله عليه أو يردعه عنه أو لم يكن فإن معه الله العليم الحفيظ القائم على كل نفس بما كسبت وورائه يوم تجد كل نفس ما عملت من خير محضرا وما عملت من سوء وفيه تجزى كل نفس بما كسبت 7 منطقان منطق التعقل ومنطق الاحساس أما منطق الاحساس فهو يدعو إلى النفع الدنيوي ويبعث إليه فإذا قارن الفعل نفع وأحس به الإنسان فالاحساس متوقد شديد التوقان في بعثه وتحريكه وإذا لم يحس الإنسان بالنفع فهو خامد هامد وأما منطق التعقل فإنما يبعث إلى اتباع الحق ويرى أنه أحسن ما ينتفع به الإنسان أحس مع الفعل بنفع مادى أو لم يحس فإن ما عند الله خير وابقى وقس في ذلك بين قول عنترة وهو على منطق الاحساس وقولى كلما جشأت وجاشت * مكانك تحمدي أو تستريحي.\r","part":19,"page":274},{"id":8191,"text":"يريد إني أستثبت نفسي كلما تزلزلت في الهزاهز والمواقف المهولة من القتال بقولى لها اثبتي فإن قتلت يحمدك الناس على الثبات وعدم الأنهزام وإن قتلت العدو استرحت ونلت بغيتك فالثبات خير على أي حال وبين قوله تعالى وهو على منطق التعقل { قل لن يصيبنا إلا ما كتب الله لنا هو مولانا وعلى الله فليتوكل المؤمنون\rقل هل تربصون بنا إلا إحدى الحسنيين ونحن نتربص بكم أن يصيبكم الله بعذاب من عنده أو بأيدينا فتربصوا إنا معكم متربصون : التوبة - 52 } يريد أن أمر ولايتنا وانتصارنا إلى الله سبحانه لا نريد في شئ مما يصيبنا من خير أو شر إلا ما وعدنا من الثواب على الإسلام له والالتزام لدينه كما قال تعالى {لا يصيبهم ظمأ ولا نصب ولا مخمصة في سبيل الله ولا يطؤون موطئا يغيظ الكفار ولا ينالون من عدو نيلا إلا كتب لهم به عمل صالح إن الله لا يضيع أجر المحسنين ولا ينفقون نفقة صغيرة ولا كبيرة ولا يقطعون واديا إلا كتب لهم ليجزيهم الله أحسن ما كانوا يعملون : التوبة - 121}.\rوإذا كان كذلك فإن قتلتمونا أو أصابنا منكم شئ كان لنا عظيم الأجر والعاقبة الحسنى عند ربنا وإن قتلناكم أو أصبنا منكم شيئا كان لنا عظيم الثواب والعاقبة الحسنى والتمكن في الدنيا من عدونا فنحن على أي حال سعداء مغبوطون ولا تتحفون لنا في قتالنا ولا تتربصون بنا في أمرنا إلا إحدى الحسنيين فنحن على الحسنى والسعادة على أي حال وأنتم على السعادة ونيل البغية بعقيدتكم على أحد التقديرين وفي إحدى الحالين وهو كون الدائرة لكم علينا فنحن نتربص بكم ما يسوؤكم وأنتم لا تتربصون بنا إلا ما يسرنا ويسعدنا.\r","part":19,"page":275},{"id":8192,"text":"فهذان منطقان أحدهما يعني الثبات وعدم الزوال على مبنى إحساسي وهو أن للثابت أحد نفعين إما حمد الناس وإما الراحة من العدو هذا إذا كان هناك نفع عائد إلى الإنسان المقاتل الذي يلقي بنفسه إلى التهلكة أما إذا لم يكن هناك نفع عائد كما لو لم يحمده الناس لعدم تقديرهم قدر الجهاد وتساوى عندهم الخدمة والخيانة أو كانت الخدمة مما ليس من شأنه أن يظهر لهم البتة أو لا هي ولا الخيانة أو لم يسترح الاحساس بفناء العدو بل إنما يستريح به الحق فليس لهذا المنطق إلا العي واللكنة.\rوهذه الموارد المعدودة هي الأسباب العامة في كل بغي وخيانة وجناية يقول الخائن المسأهلفي أمر القانون إن خدمته لا تقدر عند الناس بما يعدلها وإن الخادم والخائن عندهم سواء بل الخائن أحسن حالا وأنعم عيشا ويرى كل باغ وجان أنه سيتخلص من قهر القانون وأن القوى المراقبة لا يقدرون على الحصول عليه فيخفى أمره ويلتبس\rعلى الناس شخصه ويعتذر كل من يتثبط ويتثاقل في إقامة الحق والثورة على أعدائه ويداهنهم بأن القيام على الحق يذلله بين الناس ويضحك منه الدنيا الحاضرة ويعدونه من بقايا القرون الوسطى أو أعصار الاساطير فإن ذكرته بشرافة النفس وطهارة الباطن رد عليك قائلا ما أصنع بشرافة النفس إذا جرت إلى نكد العيش وذلة الحياة هذا.\r","part":19,"page":276},{"id":8193,"text":"وأما المنطق الآخر وهو منطق الإسلام فهو يبنى أساسه على اتباع الحق وابتغاء الأجر والجزاء من الله سبحانه وإنما يتعلق الغرض بالغايات والمقاصد الدنيوية في المرتبة التالية وبالقصد الثاني ومن المعلوم أنه لا يشذ عن شموله مورد من الموارد ولا يسقط كليته من العموم والاطراد فالعمل أعم من الفعل والترك إنما يقع لوجهه تعالى وإسلاما له واتباعا للحق الذي أراده وهو الحفيظ العليم الذي لا تأخذه سنة ولا نوم ولا عاصم منه ولا يخفى عليه شئ في الأرض ولا في السماء والله بما تعملون خبير.\rفعلى كل نفس فيما وردت مورد عمل أو صدرت رقيب شهيد قائم بما كسبت سواء شهده الناس أو لا حمدوه أو لا قدروا فيه على شئ أو لا.\rوقد بلغ من حسن تأثير التربية الإسلامية أن الناس كانوا يأتون رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) فيعترفون عنده بجرائمهم وجناياتهم بالتوبة ويذوقون مر الحدود التي تقام عليهم القتل فما دونه ابتغاء رضوان الله وتطهيرا لأنفسهم من قذارة الذنوب ودرن السيئات وبالتأمل في هذه النوادر الواقعة يمكن للباحث أن ينتقل إلى عجيب تأثير البيان الدينى في نفوس الناس وتعويده لهم السماحة في ألذ الأشياء وأعزها عندهم وهي الحياة وما في تلوها ولو لا أن البحث قرآني لاوردنا طرفا من الامثلة التاريخية فيه.\r8 ما معنى ابتغاء الأجر عند الله والاعراض عن غيره ربما يتوهم المتوهم أن جعل الأجر الاخروي وهو الغرض العام في حياة الإنسان الاجتماعية يوجب سقوط الاغراض الحيوية التي تدعو إليه البنية الطبيعية الإنسانية وفيه فساد نظام الاجتماع والأنحطاط إلى منحط الرهبانية وكيف يمكن الأنقطاع إلى مقصد من المقاصد مع التحفظ على المقاصد المهمة الاخرى وهل هذا إلا تناقض.\r","part":19,"page":277},{"id":8194,"text":"لكنه توهم ناش من الجهل بالحكمة الإلهية والاسرار التي تكشف عنها المعارف القرآنية فإن الإسلام يبني تشريعه على أصل التكوين كما مر ذكره مرارا في المباحث\rالسابقة من هذا الكتاب قال تعالى {فأقم وجهك للدين حنيفا فطرة الله التي فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله ذلك الدين القيم : الروم - 30}.\rوحاصله أن سلسلة الأسباب الواقعية التكوينية تعاضدت على إيجاد النوع الإنساني في ذيلها وتوفرت على سوقه نحو الغاية الحيوية التي هيأت له فيجب له أن يبني حياته في ظرف الكدح والاختيار على موافقة الأسباب فيما تريد منه وتسوقه إليه حتى لا تناقضها حياته فيؤديه ذلك إلى الهلاك والشقاء وهذا لو تفهمه المتوهم هو الدين الإسلامى بعينه ولما كان هناك فوق الأسباب سبب وحيد هو الموجد لها المدبرلأمرها فيما دق وجل وهو الله سبحانه الذي هو السبب التام فوق كل سبب بتمام معنى الكلمة كان الواجب على الإنسان الإسلام له والخضوع لأمره وهذا معنى كون التوحيد هو الأساس الوحيد للدين الإسلامي.\rومن هنا يظهر أن حفظ كلمة التوحيد والإسلام لله وابتغاء وجهه في الحياة جرى على موافقة الأسباب طرا وإعطاء كل ذي حق منها حقه من غير شرك ولا غفلة فعند المرء المسلم غايات وأغراض دنيوية وأخرى أخروية وله مقاصد مادية وأخرى معنوية لكنه لا يعتني في أمرها بأزيد مما ينبغي من الاعتناء والاهتمام ولذلك بعينه نرى أن الإسلام يندب إلى توحيد الله سبحانه والأنقطاع إليه والاخلاص له والإعراض عن كل سبب دونه ومبتغي غيره ومع ذلك يأمر الناس باتباع نواميس الحياة والجري على المجاري الطبيعية.\rومن هنا يظهر أن أفراد المجتمع الإسلامى هم السعداء بحقيقة السعادة في الدنيا وفي الآخرة وأن غايتهم وهو ابتغاء وجه الله في الأعمال لا تزاحم سائر الغايات الحيوية إذا ظهرت واستوثرت.\r","part":19,"page":278},{"id":8195,"text":"ومن هنا يظهر أيضا فساد توهم آخر وهو الذي ذكره جمع من علماء الاجتماع من الباحثين أن حقيقة الدين والغرض الأصلي منه هو إقامة العدالة الاجتماعية والعباديات فروع متفرعة عليها فالذي يقيمها فهو على الدين ولو لم يتلبس بعقيدة ولا عبودية.\rوالباحث المتدبر في الكتاب والسنة وخاصة في السيرة النبوية لا يحتاج في الوقوف على بطلانهذا التوهم إلى مؤونة زائدة وتكلف استدلال على أن هذا الكلام الذي\rيتضمن إسقاط التوحيد وكرائم الأخلاق من مجموعة النواميس الدينية فيه إرجاع للغاية الدينية التي هي كلمة التوحيد إلى الغاية المدنية التي هي التمتع وقد عرفت أنهما غايتان مختلفتان لا ترجع إحديهما إلى الاخرى لا في أصلها ولا في فروعها وثمراتها.\r9 - ما معنى الحرية في الاسلام ؟ كلمة الحرية على ما يراد بها من المعنى لا يتجاوز عمرها في دورانها على الالسن عدة قرون ولعل السبب المبتدع لها هي النهضة المدنية الاوربية قبل بضعة قرون لكن معناها كان جائلا في الاذهان وامنية من أماني القلوب منذ أعصار قديمة.\rوالأصل الطبيعي التكويني الذي ينتشي منه هذا المعنى هو ما تجهز به الإنسان في وجوده من الإرادة الباعثة إياه على العمل فإنها حالة نفسية في إبطالها إبطال الحس والشعور المنجر إلى إبطال الإنسانية.\rغير أن الإنسان لما كان موجودا اجتماعيا تسوقه طبيعته إلى الحياة في المجتمع وإلقاء دلوه في الدلاء بإدخال إرادته في الإرادات وفعله في الأفعال المنجر إلى الخضوع لقانون يعدل الأرادات والأعمال بوضع حدود لها فالطبيعة التي أعطته إطلاق الإرادة والعمل هي بعينها تحدد الإرادة والعمل وتقيد ذلك الاطلاق الابتدائي والحرية الأولية.\r","part":19,"page":279},{"id":8196,"text":"والقوانين المدنية الحاضرة لما وضعت بناء أحكامها على أساس التمتع المادي كما عرفت أنتج ذلك حرية الأمة في أمر المعارف الأصلية الدينية من حيث الالتزام بها وبلوازمها وفي أمر الأخلاق وفي ما وراء القوانين من كل ما يريده ويختاره الإنسان من الأرادات والأعمال فهذا هو المراد بالحرية عندهم.\rوأما الإسلام فقد وضع قانونه على أساس التوحيد كما عرفت ثم في المرتبة التالية على أساس الأخلاق الفاضلة ثم تعرضت لكل يسير وخطير من الأعمال الفردية والاجتماعية كائنة ما كانت فلا شئ مما يتعلق بالإنسان أو يتعلق به الإنسان إلا وللشرع الإسلامى فيه قدم أو أثر قدم فلا مجال ولا مظهر للحرية بالمعنى المتقدم فيه.\rنعم للإنسان فيه الحرية عن قيد عبودية غير الله سبحانه وهذا وإن كان لا يزيد على كلمة واحدة غير أنه وسيع المعنى عند من بحث بحث تعمق في السنة الإسلامية\rوالسيرة العملية التي تندب إليها وتقرها بين أفراد المجتمع وطبقاته ثم قاس ذلك إلى ما يشاهد من سنن السؤدد والسيادة والتحكمات في المجتمعات المتمدنة بين طبقاتها وأفرادها أنفسها وبين كل أمة قوية وضعيفة.\rوأما من حيث الأحكام فالتوسعة فيما اباحه الله من طيبات الرزق ومزايا الحياة المعتدلة من غير إفراط أو تفريط قال تعالى قل من حرم زينة الله التي أخرج لعباده والطيبات من الرزق الآية \" الاعراف - 32 \" وقال تعالى { خلق لكم ما في الأرض جميعا \" البقرة : وقال تعالى { وسخر لكم ما في السموات وما في الأرض جميعا منه : الجاثية - 13.\rومن عجيب الأمر ما رامه بعض الباحثين والمفسرين وتكلف فيه من إثبات حرية العقيدة في الإسلام بـ قوله تعالى { لا إكراه في الدين \" البقرة - 256 \" } وما يشابهه من الآيات الكريمة.","part":19,"page":280},{"id":8197,"text":"وقد مر البحث التفسيري عن معنى الآية في سورة البقرة والذي نضيف إليها ههنا أنك عرفت أن التوحيد أساس جميع النواميس الإسلامية ومع ذلك كيف يمكن أن يشرع حرية العقائد ؟ وهل ذلك إلا التناقض الصريح ؟ فليس القول بحرية العقيدة إلا كالقول بالحرية عن حكومة القانون في القوانين المدنية بعينه.\rوبعبارة أخرى العقيدة بمعنى حصول إدراك تصديقي ينعقد في ذهن الإنسان ليس عملا اختياريا للإنسان حتى يتعلق به منع أو تجويز أو استعباد أو تحرير وإنما الذي يقبل الحظر والاباحة هو الالتزام بما تستوجبه العقيدة من الأعمال كالدعوة إلى العقيدة وإقناع الناس بها وكتابتها ونشرها وإفساد ما عند الناس من العقيدة والعمل المخالفين لها فهذه هي التي تقبل المنع والجواز ومن المعلوم أنها إذا خالفت مواد قانون دائر في المجتمع أو الأصل الذي يتكي عليه القانون لم يكن مناص من منعها من قبل القانون ولم يتك الإسلام في تشريعه على غير دين التوحيد (التوحيد والنبوة والمعاد) وهو الذي يجتمع عليه المسلمون واليهود والنصارى والمجوس (أهل الكتاب) فليست الحرية إلا فيها وليست فيما عداها إلا هدما لأصل الدين نعم ههنا حرية أخرى وهي الحرية من حيث إظهار العقيدة في مجرى البحث وسنبحث عنها في الفصل 14 الآتي.\r10 - ما هو الطريق إلى التحول والتكامل في المجتمع الإسلامى ؟ ربما أمكن\r","part":19,"page":281},{"id":8198,"text":"أن يقال هب أن السنة الإسلامية سنة جامعة للوازم الحياة السعيدة والمجتمع الإسلامى مجتمع سعيد مغبوط لكن هذه السنة لجامعيتها وانتفاء حرية العقيدة فيها تستوجب ركود المجتمع ووقوفه عن التحول والتكامل وهو من عيوب المجتمع الكامل كما قيل فإن السير التكاملي يحتاج إلى تحقق القوى المتضادة في الشئ وتفاعلها حتى تولد بالكسر والأنكسار مولودا جديدا خاليا من نواقص العوامل المولدة التي زالت بالتفاعل فإذا فرض أن الإسلام يرفع الاضداد والنواقص وخاصة العقائد المتضادة من أصلها فلازمه أن يتوقف المجتمع الذي يكونه عن السير التكاملي.\rأقول وهو من إشكالات المادية التحولية (ماترياليسم ديالكتيك) وفيه خلط عجيب فإن العقائد والمعارف الإنسانية على نوعين نوع يقبل التحول والتكامل وهو العلوم الصناعية التي تستخدم في طريق ترفيع قواعد الحياة المادية وتذليل الطبيعة العاصية للإنسان كالعلوم الرياضية والطبيعية وغيرهما وهذه العلوم والصناعات وما في عدادها كلما تحولت من النقص إلى الكمال أوجب ذلك تحول الحياة الاجتماعية لذلك.\r","part":19,"page":282},{"id":8199,"text":"ونوع آخر لا يقبل التحول وإن كان يقبل التكامل بمعنى آخر وهو العلوم والمعارف العامة الإلهية التي تقضي في المبدأ والمعاد والسعادة والشقاء وغير ذلك قضاءا قاطعا واقفا غير متغير ولا متحول وإن قبلت الارتقاء والكمال من حيث الدقة والتعمق وهذه العلوم والمعارف لا تؤثر في الاجتماعات وسنن الحياة إلا بنحو كلي فوقوف هذه المعارف والآراء وثبوتها على حال واحد لا يوجب وقوف الاجتماعات عن سيرها الارتقائي كما نشاهد أن عندنا آراءا كثيرة كلية ثابتة على حال واحد من غير أن يقف اجتماعنا لذلك عن سيره كقولنا إن الإنسان يجب أن ينبعث إلى العمل لحفظ حياته وإن العمل يجب أن يكون لنفع عائد إلى الإنسان وإن الإنسان يجب أن يعيش في حال الاجتماع وقولنا إن العالم موجود حقيقة لا وهما وإن الإنسان جزء من العالم وإن الإنسان جزء من العالم الأرضي وإن الإنسان ذو أعضاء وأدوات وقوى إلى غير ذلك من الآراء والمعلومات الثابتة التي لا يوجب ثبوتها ووقوفها وقوف الاجتماعات وركودها ومن هذا القبيل القول بأن للعالم إلها واحدا شرع للناس شرعا جامعا لطرق السعادة من طريق النبوة وسيجمع الجميع إلى يوم يوفيهم فيه جزاء أعمالهم وهذه هي الكلمة الوحيدة التي بنى عليها الإسلام مجتمعه وتحفظ عليها كل التحفظ ومن المعلوم أنه مما لا يوجب\rباصطكاك ثبوته ونفيه وإنتاج رأي آخر فيه إلا انحطاط المجتمع كما بين مرارا وهذا شأن جميع الحقائق الحقة المتعلقة بما وراء الطبيعة فإنكارها بأي وجه لا يفيد للمجتمع إلا انحطاطا وخسة.\rوالحاصل أن المجتمع البشري لا يحتاج في سيره الارتقائي إلا إلى التحول والتكامل يوما فيوما في طرق الاستفادة من مزايا الطبيعة وهذا إنما يتحقق بالبحث الصناعي المداوم وتطبيق العمل على العلم دائما والاسلام لا يمنع من ذلك شيئا.\r","part":19,"page":283},{"id":8200,"text":"وأما تغير طريق إدارة المجتمعات وسنن الاجتماع الجارية م كالاستبداد الملوكي والديموقراطية والكمونيزم ونحوها فليس بلازم إلا من جهة نقصها وقصورها عن إيفاء الكمال الإنساني الاجتماعي المطلوب لا من جهة سيرها من النقص إلى الكمال فالفرق بينها لو كان فإنما هو فرق الغلط والصواب لا فرق الناقص والكمال فإذا استقر أمر السنة الاجتماعية على ما يقصده الإنسان بفطرته وهو العدالة الاجتماعية واستظل الناس تحت التربية الجيدة بالعلم النافع والعمل الصالح ثم أخذوا يسيرون مرتاحين ناشطين نحو سعادتهم بالارتقاء في مدارج العلم والعمل ولا يزالون يتكاملون ويزيدون تمكنا واتساعا في السعادة فما حاجتهم إلى تحول السنة الاجتماعية زائدا على ذلك ؟ ومجرد وجوب التحول على الإنسان من كل جهة حتى فيما لا يحتاج فيه إلى التحول مما لا ينبغي أن يقضي به ذو نظر وبصيرة.\rفإن قلت لا مناص من عروض التحول في جميع ما ذكرت أنه مستغن عنه كالاعتقادات والأخلاق الكلية ونحوها فإنها جميعا تتغير بتغير الأوضاع الاجتماعية والمحيطات المختلفة ومرور الازمنة فلا يجوز أن ينكر أن الإنسان الجديد تغاير أفكاره أفكار الإنسان القديم وكذا الإنسان يختلف نحو تفكره بحسب اختلاف مناطق حياته كالاراضي الاستوائية والقطبية والنقاط المعتدلة وكذا بتفاوت أوضاع حياته من خادم ومخدوم وبدوي وحضري ومثر ومعدم وفقير وغني ونحو ذلك فالافكار والآراء تختلف باختلاف العوامل وتتحول بتحول الاعصار بلا شك كائنة ما كانت.\rقلت الاشكال مبني على نظرية نسبية العلوم والآراء الإنسانية ولازمها كون الحق والباطل والخير والشر أمورا نسبية إضافية فالمعارف الكلية النظرية المتعلقة بالمبدء والمعاد وكذا الآراء الكلية العملية كالحكم بكون الاجتماع خيرا للإنسان وكون\r","part":19,"page":284},{"id":8201,"text":"العدل خيرا (حكما كليا لا من حيث انطباقه على المورد) تكون أحكاما نسبية متغيرة بتغير الازمنة والاوضاع والأحوال وقد بينا في محله فساد هذه النظرية من حيث كليتها.\rوحأصل ما ذكرناه هناك أن النظرية غير شاملة للقضايا الكلية النظرية وقسم من الآراء الكلية العملية.\rوكفى في بطلانكليتها أنها لو صحت أي كانت كلية مطلقة ثابتة أثبتت قضية مطلقة غير نسبية وهي نفسها ولو لم تكن كلية مطلقة بل قضية جزئية أثبتت بالاستلزام قضية كلية مطلقة فكليتها باطلة على أي حال وبعبارة أخرى لو صح أن \" كل رأي واعتقاد يجب أن يتغير يوما \" وجب أن يتغير نفس هذا الرأي يوما أي لا يتغير بعض الاعتقادات ابدا فافهم ذلك.\r11 - هل الإسلام بشريعته يفي بإسعاد هذه الحياة الحاضرة ؟ \rربما يقال هب أن الإسلام لتعرضه لجميع شؤون الإنسانية الموجودة في عصر نزول القرآن كان يكفي في إيصاله مجتمع ذاك العصر إلى سعادتهم الحقيقية وجميع أمانيهم في الحياة لكن مرور الزمان غير طرق الحياة الإنسانية فالحياة الثقافية والعيشة الصناعية في حضارة اليوم لا تشبه الحياة الساذجة قبل أربعة عشر قرنا المقتصرة على الوسائل الطبيعية الابتدائية فقد بلغ الإنسان إثر مجاهداته الطويلة الشاقة مبلغا من الارتقاء والتكامل المدني لو قيس إلى ما كان عليه قبل عدة قرون كان كالقياس بين نوعين متبائنين فكيف تفي القوانين الموضوعة لتنظيم الحياة في ذلك العصر للحياة المتشكلة العبقرية اليوم ؟ وكيف يمكن أن تحمل كل من الحياتين أثقال الاخرى ؟ .\r","part":19,"page":285},{"id":8202,"text":"والجواب أن الاختلاف بين العصرين من حيث صورة الحياة لا يرجع إلى كليات شؤونها وإنما هو من حيث المصاديق والموارد وبعبارة أخرى يحتاج الإنسان في حياته إلى غذاء يتغذى به ولباس يلبسه ودار يقطن فيه ويسكنه ووسائل تحمله وتحمل أثقاله وتنقلها من مكان إلى مكان ومجتمع يعيش بين أفراده وروابط تناسلية وتجارية وصناعية وعملية وغير ذلك وهذه حاجة كلية غير متغيرة ما دام الإنسان إنسانا ذا هذه الفطرة والبنية وما دام حياته هذه الحياة الإنسانية والإنسان الأولي وإنسان هذا اليوم في ذلك على حد سواء.\rوإنما الاختلاف بينهما من حيث مصاديق الوسائل التي يرفع الإنسان بها حوائجه المادية ومن حيث مصاديق الحوائج حسب ما يتنبه لها وبوسائل رفعها.\rفقد كان الإنسان الأولي مثلا يتغذى بما يجده من الفواكه والنبات ولحم الصيد على وجه بسيط ساذج وهو اليوم يهيئ منها ببراعته وابتداعه الوفا من ألوان الطعام والشراب ذات خواص تستفيد منها طبيعته وألوان يستلذ منها بصره وطعوم يستطيبها ذوقه وكيفيات يتنعم بها لمسه وأوضاع وأحوال أخرى يصعب إحصاؤها وهذا الاختلاف الفاحش لا يفرق الثاني من الأول من حيث إن الجميع غذاء يتغذى به الإنسان لسد جوعه وإطفاء نائرة شهوته.\rوكما أن هذه الاعتقادات الكلية التي كانت عند الإنسان أولا لم تبطل بعد تحوله من عصر إلى عصر بل انطبق الأول على الآخر انطباقا كذلك القوانين الكلية الموضوعة في الإسلام طبق دعوة الفطرة واستدعاء السعادة لا تبطل بظهور وسيله مكان وسيلة ما دام الوفاق مع أصل الفطرة محفوظا من غير تغير وانحراف وأما مع المخالفة فالسنة الإسلامية لا توافقها سواء في ذلك العصر القديم والعصر الحديث.\r","part":19,"page":286},{"id":8203,"text":"وأما الأحكام الجزئية المتعلقة بالحوادث الجارية التي تحدث زمانا وزمانا وتتغير سريعا بالطبع كالاحكام المالية والانتظامية المتعلقة بالدفاع وطرق تسهيل الارتباطات والموأصلات والانتظامات البلدية ونحوها فهي مفوضة إلى اختيار الوالي ومتصدي أمر الحكومة فإن الوالي نسبته إلى ساحة ولايته كنسبة الرجل إلى بيته فله أن يعزم ويجري فيها ما لرب البيت أن يتصرف به في بيته وفيما أمره إليه فلوالي الأمر أن يعزم على أمور من شؤون المجتمع في داخله أو خارجه مما يتعلق بالحرب أو السلم مالية أو غير مالية يراعي فيها صلاح حال المجتمع بعد المشاورة مع المسلمين كما قال تعالى وشاورهم في الأمر فإذا عزمت فتوكل على الله : آل عمران - 159 كل ذلك في الأمور العامة.\rوهذه أحكام وعزمات جزئية تتغير بتغير المصالح والأسباب التي لا تزال يحدث منها شئ ويزول منها شئ غير الأحكام الإلهية التي يشتمل عليها الكتاب والسنة ولا سبيل للنسخ إليها ولبيانه التفصيلي محل آخر.\r12 - من الذي يتقلد ولاية المجتمع في الإسلام وما سيرته ؟ كان ولاية أمر المجتمع الإسلامى إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وافتراض طاعته (صلى الله عليه وآله وسلم) على الناس واتباعه صريح القرآن الكريم.\rقال تعالى {وأطيعوا الله وأطيعوا الرسول : التغابن - 12 } وقال تعالى { لتحكم بين الناس بما أريك الله : النساء - 105 }\rوقال تعالى { النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم : الأحزاب - 6 } وقال تعالى { قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله : آل عمران - 31 }\rإلى غير ذلك من الآيات الكثيرة التى يتضمن كل منها بعض شؤون ولايته العامة في المجتمع الإسلامى أو جميعها.\r","part":19,"page":287},{"id":8204,"text":"والوجه الوافى لغرض الباحث في هذا الباب أن يطالع سيرته (صلى الله عليه وآله وسلم) ويمتلئ منه نظرا ثم يعود إلى مجموع ما نزلت من الآيات في الأخلاق والقوانين المشرعة في الأحكام العبادية والمعاملات والسياسات وسائر المرابطات والمعاشرات فإن هذا الدليل المتخذ بنحو الانتزاع من ذوق التنزيل الإلهي له من اللسان الكافي والبيان الوافى ما لا يوجد في الجملة والجملتين من الكلام ألبتة وههنا نكتة أخرى يجب على الباحث الاعتناء بأمرها وهو أن عامة الآيات المتضمنة لإقامة العبادات والقيام بأمر الجهاد وإجراء الحدود والقصاص وغير ذلك توجه خطاباتها إلى عامة المؤمنين دون النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) خاصة كـ قوله تعالى { وأقيموا الصلاة : النساء - 77 وقوله وأنفقوا في سبيل الله : البقرة - 195} وقوله {كتب عليكم الصيام : البقرة - 183 } وقوله {ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر : آل عمران - 104 } وقوله {وجاهدوا في سبيله : المائدة - 35 وقوله وجاهدوا في الله حق جهاده : الحج - 78 } وقوله {الزانية والزانى فاجلدوا كل واحد منهما : النور - 2 }\rوقوله والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما : المائدة - 38 }\rوقوله {ولكم في القصاص حيوة : البقرة - 179 وقوله وأقيموا الشهادة لله : الطلاق - 2 }\rوقوله {واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا : آل عمران - 103 }\rوقوله {أن أقيموا الدين ولا تتفرقوا فيه : الشورى - 13}\rوقوله {وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل أفإن مات أو قتل انقلبتم على أعقابكم ومن ينقلب على عقبيه فلن يضر الله شيئا وسيجزى الله الشاكرين : آل عمران - 144 }\rإلى غير ذلك من الآيات الكثيرة.\r","part":19,"page":288},{"id":8205,"text":"ويستفاد من الجميع أن الدين صبغة اجتماعية حمله الله على الناس ولا يرضى لعباده الكفر ولم يرد إقامته إلا منهم بأجمعهم فالمجتمع المتكون منهم أمره إليهم من غير\rمزية في ذلك لبعضهم ولا اختصاص منهم ببعضهم والنبى ومن دونه في ذلك سواء قال تعالى أنى لا اضيع عمل عامل منكم من ذكر أو انثى بعضكم من بعض : آل عمران - 195 فإطلاق الآية تدل على أن التأثير الطبيعي الذى لأجزاء المجتمع الإسلامى في مجتمعهم مراعى عند الله سبحانه تشريعا كما راعاه تكوينا وأنه تعالى لا يضيعه وقال تعالى { إن الأرض لله يورثها من يشاء من عباده والعاقبة للمتقين : الاعراف - 128} نعم لرسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) الدعوة والهداية والتربية قال تعالى {يتلوا عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة : الجمعة - 2} فهو (صلى الله عليه وآله وسلم) المتعين من عند الله للقيام على شأن الأمة وولاية أمورهم في الدنيا والآخرة وللإمامة لهم ما دام حيا.\rلكن الذى يجب أن لا يغفل عنه الباحث أن هذه الطريقة غير طريقة السلطة الملوكية التى تجعل مال الله فيئا لصاحب العرش وعباد الله أرقاء له يفعل بهم ما يشاء ويحكم فيهم ما يريد وليست هي من الطرق الاجتماعية التى وضعت على أساس التمتع المادى من الديمقراطية وغيرها فإن بينها وبين الإسلام فروقا بينه مانعة من التشابه والتماثل.\r","part":19,"page":289},{"id":8206,"text":"ومن أعظمها أن هذه المجتمعات لما بنيت على أساس التمتع المادى نفخت في قالبها روح الاستخدام والاستثمار وهو الاستكبار الإنساني الذى يجعل كل شئ تحت إرادة الإنسان وعمله حتى الإنسان بالنسبة إلى الإنسان ويبيح له طريق الوصول إليه والتسلط على ما يهواه ويأمله منه لنفسه وهذا بعينه هو الاستبداد الملوكى في الأعصار السالفة وقد ظهرت في زى الاجتماع المدنى على ما هو نصب أعيننا اليوم من مظالم الملل القوية وإجحافاتهم وتحكماتهم بالنسبة إلى الأمم الضعيفة وعلى ما هو في ذكرنا من أعمالهم المضبوطة في التواريخ.\rفقد كان الواحد من الفراعنة والقياصرة والأكاسرة يجرى في ضعفاء عهده بتحكمه ولعبه كل ما يريده ويهواه ويعتذر لو اعتذر أن ذلك من شؤون السلطنة ولصلاح المملكة وتحكيم أساس الدولة ويعتقد أن ذلك حق نبوغه وسيادته ويستدل عليه بسيفه كذلك إذا تعمقت في المرابطات السياسية الدائرة بين أقوياء\rالأمم وضعفائهم اليوم وجدت أن التاريخ وحوادثه كرت علينا ولن تزال تكر غير أنها ابدلت الشكل السابق الفردى بالشكل الحاضر الاجتماعي والروح هي الروح والهوى هو الهوى وأما الإسلام فطريقته بريئة من هذه الاهواء ودليله السيرة النبوية في فتوحاته وعهوده.\r","part":19,"page":290},{"id":8207,"text":"ومنها أن أقسام الاجتماعات على ما هو مشهود ومضبوط في تاريخ هذا النوع لا تخلو عن وجود تفاضل بين أفرادها مؤد إلى الفساد فإن اختلاف الطبقات بالثروة أو الجاه والمقام المؤدى بالآخرة إلى بروز الفساد في المجتمع من لوازمها لكن المجتمع الإسلامى مجتمع متشابه الاجزاء لا تقدم فيها للبعض على البعض ولا تفاضل ولا تفاخر ولا كرامة وإنما التفاوت الذى تستدعيه القريحة الإنسانية ولا تسكت عنه إنما هو في التقوى وأمره إلى الله سبحانه لا إلى الناس قال تعالى {يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وانثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم : الحجرات - 13} وقال تعالى { فاستبقوا الخيرات : البقرة - 148 } فالحاكم والمحكوم والأمير والمأمور والرئيس والمرؤوس والحر والعبد والرجل والمرأة والغنى والفقير والصغير والكبير في الإسلام في موقف سواء من حيث جريان القانون الدينى في حقهم ومن حيث انتفاء فواصل الطبقات بينهم في الشؤون الاجتماعية على ما تدل عليه السيرة النبوية على سائرها السلام والتحية.\rومنها أن القوة المجرية في الإسلام ليست هي طائفة متميزة في المجتمع بل تعم جميع أفراد المجتمع فعلى كل فرد أن يدعو إلى الخير ويأمر بالمعروف وينهى عن المنكر وهناك فروق أخر لا يخفى على الباحث المتتبع.أ هـ {الميزان حـ 4 صـ 92 ـ 123}","part":19,"page":291},{"id":8208,"text":"سورة النساء","part":19,"page":292},{"id":8209,"text":"فصل\rقال العلامة الفيروزابادى :\r\r( بصيرة فى \" يا أيها الناس اتقوا ربكم \" )\rهذه السّورة مدنيّة بإِجماع القُرًّاءِ.\rوعدد آياتها مائة وخمس وسبعون، فى عدّ الكوفىّ، وستّ فى عدِّ البصرىّ، وسبع فى عدّ الشَّامىّ.\rوكلماتها ثلاثة آلاف وسبعمائة وخمس وأَربعون.\rوحروفها ستَّة عشر أَلفاً وثلاثون حرفا.\rوالآيات المختلف فيها {أَن تَضِلُّواْ السَّبِيلَ}، {عَذَابًا أَلِيْمًا}.\rمجموع فواصل الآيات (م ل ا ن) يجمعها قولك (مِلْنَا) فعلى الَّلام آية واحدة (السّبيل) وعلى النُّون آية واحدة (مهين) وخمس آيات منها على الميم المضمومة، وسائر الآيات على الأَلف.\rواسم السّورة سورة النِّساءِ الكبرى، واسم سورة الطَّلاق سورةُ النِّساءِ الصّغرى.","part":19,"page":293},{"id":8210,"text":"وأَمَّا ما اشتملت عليه السّورة مجملاً فبيان خِلْقة آدم وحوَّاءَ، والأَمر [بصلة] الرّحم، والنَّهى عن أَكل مال اليتيم، وما يترتَّب عليه من عظم الإِثم، والعذاب لآكليه، وبيان المناكحات، وعدد النساءِ، وحكم الصَّداق، وحفظ المال من السّفهاءِ، وتَجربة اليتيم قبل دفع المال إِليه، والرِّفْق بالأَقارب وقت قسمة الميراث، وحكم ميراث أَصحاب الفرائض، وذكر ذوات المحارم، وبيان طَوْل الحُرَّةِ، وجواز التَّزَوُّج بالأَمَة، والاجتناب عن الكبائر، وفضل الرّجال على النِّساءِ، وبيان الحقوق، وحكم السّكران وقت الصلاة، وآية التيُّمم، وذمّ اليهود، وتحريفهم التوراة، وردّ الأَمانات إِلى أَهلها، وصفة المنافقين فى امتناعهم عن قبول أَوامر القرآن، والأَمر بالقتال، ووجوب رَدِّ السّلام، والنَّهى عن موالاة المشركين، وتفصيل قَتْل العمد والخطأ، وفضل الهجرةِ، ووزْر المتأَخِّرين عنها، والإِشارة إِلى صلاة الخوف حال القتال، والنَّهى عن حماية الخائنين، وإِيقاعُ الصّلح بين الأَزواج والزَّوجات، وإِقامة الشهادات، ومدح العدل، وذمّ المنافقين، وذمّ اليهود، وذكر قَصْدهم قتل عيسى عليه السّلام، وفضل الرّاسخين فى العلم، وإِظهار فساد اعتقاد النَّصارى، وافتخار الملائكة والمسيح بمقام العبوديَّة، وذكر ميراث الكلالة، والإِشارة إِلى أَنَّ الغرض من بيان الأَحكام صيانةُ الخَلْق من الضَّلالة، فى قوله {يُبَيِّنُ اللهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوْا} أَى كراهة أَن تضلُّوا.","part":19,"page":294},{"id":8211,"text":"وأَمّا النَّاسخ والمنسوخ فى هذه السّورة ففى أَربع وعشرين آية {وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ} م {يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلاَدِكُمْ} {وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُواْ مِنْ خَلْفِهِمْ} الآية {فَمَنْ خَافَ مِن مُّوصٍ جَنَفاً أَوْ إِثْماً} {إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْماً} م {قُلْ إِصْلاَحٌ لَّهُمْ خَيْرٌ} {وَاللاَّتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ مِن نِّسَآئِكُمْ} م (الثَّيِّب بالثيب) ن {وَاللَّذَانَ يَأْتِيَانِهَا مِنكُمْ} م {الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُواْ} ن {إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ} بعض الآية م {وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ} ن والآيتان مفسّرتان بالعموم والخصوص {لاَ يَحِلُّ لَكُمْ أَن تَرِثُواْ النِّسَآءَ كَرْهاً} م والاستثناء فى قوله {إِلاَّ مَا قَدْ سَلَفْ} ن وقيل الآية مُحكمة {وَلاَ تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُواْ بِبَعْضِ مَآ آتَيْتُمُوهُنَّ} م والاستثناء فى قوله {إِلاَّ أَن يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ} ن {وَلاَ تَنكِحُواْ مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِّنَ النِّسَآءِ} م والاستثناء فى قوله: {إِلاَّ مَا قَدْ سَلَفَ} ن وقيل الآية محكمة {وَأَن تَجْمَعُواْ بَيْنَ الأُخْتَيْنِ} م والاستثناء منه ن فيما مضى {فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ} م {وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ} وقول النَّبىّ صلَّى الله عليه وسلم \"أَلا وإِنى حَرَّمت المُتْعَة\" ن {لاَ تَأْكُلُواْ أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ} م {لَّيْسَ عَلَى الأَعْمَى حَرَجٌ} ن أَراد مؤاكلتهم {وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ} م {وَأُوْلُو الأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ} ن","part":19,"page":295},{"id":8212,"text":"{فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَعِظْهُمْ} م آية السّيف ن {وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُوْلُ} م {اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لاَ تَسْتَغْفِر لَهُمْ } ن {خُذُوْا حِذْرَكُمْ} م {لِيَنْفِرُوْا كآفَّة} ن {فَمَآ أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظاً} م آية السّيف ن {سَتَجِدُونَ آخَرِينَ} م {فَاقْتُلُوْا الْمُشْرِكِينَ} ن {فَإِن كَانَ مِن قَوْمٍ عَدُوٍّ لَّكُمْ} م {بَرَآءَةٌ مِّنَ اللَّهِ} ن {وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُّتَعَمِّداً} م {إِنَّ اللَّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ} ن وقوله {وَالَّذِينَ لاَ يَدْعُونَ} إِلى قوله {وَمَنْ تَابَ} ن {إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ} م {إِلاَّ الَّذِينَ تَابُواْ} ن {فَمَا لَكُمْ فِي الْمُنَافِقِينَ فِئَتَيْنِ} وقوله {فَقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لاَ تُكَلَّفُ إِلاَّ نَفْسَكَ} م آية السّيف ن. أ هـ {بصائر ذوى التمييز حـ 1 صـ 169 ـ 173}","part":19,"page":296},{"id":8213,"text":"فصل فى التعريف بسورة النساء\rقال العلامة الشيخ / محمد الطاهر بن عاشور :\rسورة النساء\rسميت هذه السورة في كلام السلف سورة النساء ؛ ففي صحيح البخاري عن عائشة قالت ما نزلت سورة البقرة وسورة النساء إلا وأنا عنده.\rوكذلك سميت في المصاحف وفي كتب السنة وكتب التفسير ، ولا يعرف لها اسم آخر ، لكن يؤخذ مما روي في صحيح البخاري عن ابن مسعود من قوله لنزلت سورة النساء القصرى يعني سورة الطلاق أنها شاركت هذه السورة في التسمية الطولى ، ولم أقف عيه صريحا.\rووقع كتاب بصائر ذوي خبرة التمييز للفيروز أبادي أن هذه السورة تسمى سورة النساء الكبرى ، واسم سورة الطلاق سورة النساء الصغرى.\rولم أره لغيره1.\rووجه تسميتها بإضافة إلى النساء أنها افتتحت بأحكام صلة الرحم ، ثم بأحكام تخص النساء ، وأن بها أحكاما كثيرة من أحكام النساء : الأزواج ، والبنات ، وختمت بأحكام تخص النساء.\rوكان ابتداء نزولها بالمدينة ، لما صح عن عائشة أنها قالت : ما نزلت سورة البقرة وسورة النساء إلا وأنا عنده.\rوقد علم أن النبي صلى الله عليه وسلم بنى بعائشة في المدينة في شوال ، لثمان أشهر خلت من الهجرة ، واتفق العلماء على أن سورة النساء نزلت بعد البقرة ، فتعين أن يكون نزولها متأخرا عن الهجرة بمدة طويلة.\rوالجمهور قالوا : نزلت بعد آل عمران ، ومعلوم أن آل عمران نزلت في خلال ثلاث أي بعد أحد ، فيتعين أن تكون سورة النساء نزلت بعدها.","part":19,"page":297},{"id":8214,"text":"وعن ابن عباس : أن أول ما نزل بالمدينة سورة البقرة ، ثم الأنفال ثم آل عمران ، ثم سورة الأحزاب ، ثم الممتحنة ، ثم النساء ، فإذا كان كذلك تكون سورة النساء نازلة بعد الأحزاب التي هي في أواخر سنة أربع أو أول سنة خمس من الهجرة ، وبعد صلح الحديبية الذي هو في سنة ست حيث تضمنت سورة الممتحنة شرط إرجاع من يأتي المشركين هاربا إلى المسلمين عدا النساء ، وهي آية {إِذَا جَاءَكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ} [الممتحنة : 10] الآية.\rوقد قيل : إن آية {وَآتُوا الْيَتَامَى أَمْوَالَهُمْ} [النساء : 2] نزلت في رجل من غطفان له ابن أخ له يتيم ، وغطفان أسلموا بعد وقعة الأحزاب ، إذ هم من جملة الأحزاب ، أي بعد سنة خمس.\rومن العلماء من قال : نزلت سورة النساء عند الهجرة.\rوهو بعيد.\rوأغرب منه من قال : إنها نزلت بمكة لأنها افتتحت ب يا أيها الناس ، وما كان يا أيها الناس فهو مكي ، ولعله يعني أنها نزلت بمكة أيام الفتح لا قبل الهجرة لأنهم يطلقون المكي بإطلاقين.\rوقال بعضهم : نزل صدرها بمكة وسائرها بالمدينة.\rوالحق أن الخطاب ب يا أيها الناس لا يدل إلا على إرادة دخول أهل مكة في الخطاب ، ولا يلزم أن يكون ذلك بمكة ، ولا قبل الهجرة ، فإن كثيرا مما فيه يا أيها الناس مدني بالاتفاق.\rولا شك في أنها نزلت بعد آل عمران لأن في سورة النساء من تفاصيل الأحكام ما شأنه أن يكون بعد استقرار المسلمين بالمدينة ، وانتظام أحواله وأمنهم من أعدائهم.\rوفيها آية التيمم ، والتيمم شرع يوم غزوة المريسيع سنة خمس ، وقيل : سنة ست.","part":19,"page":298},{"id":8215,"text":"فالذي يظهر أن نزول سورة النساء كان في حدود سنة سبع وطالت مدة نزولها ، ويؤيد ذلك أن كثيرا من الأحكام التي جاءت فيها مفصلة تقدمت مجملة في سورة البقرة من أحكام الأيتام والنساء والمواريث ، فمعظم ما في سورة النساء شرائع تفصيلية في معظم نواحي حياة المسلمين الاجتماعية من نظم الموال والمعاشرة والحكم وغير ذلك ، على أنه قد قيل : إن آخر آية منها ، آية الكلالة ، هي آخر آية نزلت من القرآن ، على أنه يجوز أن يكون بين نزول سائر سورة النساء وبين نزول آية الكلالة ، التي في آخرها مدة طويلة ، وأنه لما نزلت آية الكلالة الأخيرة أمروا بإلحاقها بسورة النساء التي فيها الآية الأولى.\rووردت في السنة تسمية آية الكلالة الأولى آية الشتاء ، وآية الكلالة الأخيرة آية الصيف.\rويتعين ابتداء نزولها قبل فتح مكة لقوله تعالى {وَمَا لَكُمْ لا تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْ هَذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُهَا} [النساء : 75] يعني مكة.\rوفيها آية {إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا} [النساء : 58] نزلت يوم فتح مكة في قصة عثمان بن طلحة الشيبي ، صاحب مفتاح الكعبة ، وليس فيها جدال مع المشركين سوى تحقير دينهم ، نحو قوله {وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرَى إِثْماً\rعَظِيماً} {فَقَدْ ضَلَّ ضَلالاً بَعِيداً} الخ ، وسوى التهديد بالقتال ، وقطع معذرة المتقاعدين عن الهجرة.","part":19,"page":299},{"id":8216,"text":"وتوهين بأسهم عن المسلمين ، مما يدل على أن أمر المشركين قد صار إلى وهن ، وصار المسلمون في قوة عليهم ، وأن معظمها ، بعد التشريع ، جدال كثير مع اليهود وتشويه لأحوال المنافقين ، وجدال مع النصارى ليس بكثير ، ولكنه أوسع مما في سورة آل عمران ، مما يدل على أن مخاطبة المسلمين للنصارى أخذت تظهر بسبب تفشي الإسلام في تخوم الحجاز الشامية لفتح معظم الحجاز وتهامة.\rوقد عدت الثالثة والتسعين من السور ، نزلت بعد سورة الممتحنة وقبل سورة {إِذَا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ} [الزلزلت : 1].\rوعدد آيها مائة وخمس وسبعون في عدد أهل المدينة ومكة والبصرة ، ومائة وست وسبعون في عدد أهل الكوفة ، ومائة وسبع وسبعون في عدد أهل الشام.\rوقد اشتملت على أغراض وأحكام كثيرة أكثرها تشريع معاملات الأقرباء وحقوقهم ، فكانت فاتحتها مناسبة لذلك بالتذكير بنعمة خلق الله ، وأهم محقوقون بأن يشكروا ربهم على ذلك ، وأن يراعوا حقوق النوع الذي خلقوا منه ، بأن يصلوا أرحامهم القريبة والبعيدة ، وبالرفق بضعفاء النوع من اليتامى ، ويراعوا حقوق صنف النساء من نوعهم بإقامة العدل في معاملاتهن ، والإشارة إلى النكاح والصداق ، وشرع قوانين المعاملة مع النساء في حالتي الاستقامة والانحراف من كلا الزوجين ، ومعاشرتهن والمصالحة معهن ، وبيان ما يحل للتزوج منهن ، والمحرمات بالقرابة أو الصهر ، وأحكام الجواري بملك اليمين.\rوكذلك حقوق مصير المال إلى القرابة ، وتقسيم ذلك ، وحقوق حفظ اليتامى في أموالهم وحفظها لهم والوصاية عليهم.","part":19,"page":300},{"id":8217,"text":"ثم أحكام المعاملات بين جماعة المسلمين في الأموال والدماء وأحكام القتل عمدا وخطأ ، وتأصيل الحكم الشرعي بين المسلمين في الحقوق والدفاع عن المعتدى عليه ، والأمر بإقامة العدل بدون مصانعة ، والتحذير من اتباع الهوى ، والأمر بالبر ، والمواساة ، وأداء الأمانات ، والتمهيد لتحريم شرب الخمر.\rوطائفة من أحكام الصلاة ، والطهارة ، وصلاة الخوف.\rثم أحوال اليهود ، لكثرتهم بالمدينة ، وأحوال المنافقين وفضائحهم ، وأحكام الجهاد لدفع شوكة المشركين.\rوأحكام معاملة المشركين ومساويهم ، ووجوب هجرة المؤمنين من مكة ، وإبطال مآثر الجاهلية.\rوقد تخلل ذلك مواعظ وترغيب ، ونهي عن الحسد ، وعن تمني ما للغير من المزايا التي حرم منها من حرم بحكم الشرع ، أو بحكم الفطرة.\rوالترغيب في التوسط في الخير والإصلاح.\rوبث المحبة بين المسلمين. أ هـ {التحرير والتنوير حـ 4 صـ 5 ـ 8}","part":19,"page":301},{"id":8218,"text":"وقال الشيهد / سيد قطب\rهذه السورة مدنية , وهي أطول سور القرآن - بعد سورة البقرة - وترتيبها في النزول بعد سورة الممتحنة , التي تقول الروايات : إن بعضها نزل في غزوة الفتح في السنة الثامنة للهجرة , وبعضها نزل في غزوة الحديبية قبلها في السنة السادسة .\rولكن الأمر في ترتيب السور حسب النزول - كما بينا في مطالع الكلام على سورة البقرة في الجزء الأول - ليس قطعيا . كما أن السورة لم تكن تنزل كلها دفعة واحدة في زمن واحد . فقد كانت الآيات تتنزل من سور متعددة ; ثم يأمر النبي {صلى الله عليه وسلم} بوضع كل منها في موضعه من سورة بذاتها . والسورة الواحدة - على هذا - كانت تظل \"مفتوحة \" فترة من الزمان تطول أو تقصر . وقد تمتد عدة سنوات . وفي سورة البقرة كانت هناك آيات من أوائل ما نزل في المدينة , وآيات من أواخر ما نزل من القرآن .\rوكذلك الشأن في هذه السورة . فمنها ما نزل بعد سورة الممتحنة في السنة السادسة وفي السنة الثامنة كذلك . ولكن منها الكثير نزل في أوائل العهد بالهجرة . والمنتظر - على كل حال - أن يكون نزول آيات هذه السورة قد امتد من بعد غزوة أحد في السنة الثالثة الهجرية , إلى ما بعد السنة الثامنة , حين نزلت مقدمة سورة الممتحنة .","part":19,"page":302},{"id":8219,"text":"ونذكر على سبيل المثال الآية الواردة في هذه السورة عن حكم الزانيات : (واللاتي يأتين الفاحشة من نسائكم فاستشهدوا عليهن أربعة منكم ; فإن شهدوا فأمسكوهن في البيوت , حتى يتوفاهن الموت أو يجعل الله لهن سبيلا). . فمن المقطوع به أن هذه الآية نزلت قبل آية سورة النور التي بينت حد الزنا : (الزانية والزاني فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة , ولا تأخذكم بهما رأفة في دين الله , إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر , وليشهد عذابهما طائفة من المؤمنين). . وهذه الآية الأخيرة نزلت بعد حديث الإفك في السنة الخامسة [ أو في السنة الرابعة على رواية ] فقد قال رسول الله {صلى الله عليه وسلم} حين نزلت : \" خذوا عني . خذوا عني . قد جعل الله لهن سبيلا . . . \" إلخ . وكان السبيل هو هذا الحكم الذي تضمنته آية النور .\rوفي السورة نماذج كثيرة كهذا النموذج , تدل على تواريخ نزولها على وجه التقريب . على النحو الذي بيناه في مطالع الكلام عن سورة البقرة . .\rهذه السورة تمثل جانبا من الجهد الذي أنفقه الإسلام في بناء الجماعة المسلمة , وإنشاء المجتمع الإسلامي ; وفي حماية تلك الجماعة , وصيانة هذه المجتمع . وتعرض نموذجا من فعل القرآن في المجتمع الجديد , الذي انبثق أصلا من خلال نصوصه , والذي نشأ ابتداء من خلال المنهج الرباني . وتصور بهذا وذلك طبيعة هذا المنهج في تعامله مع الكائن الإنساني ; كما تصور طبيعة هذا الكائن وتفاعله مع المنهج الرباني . . تفاعله معه وهو يقود خطاه في المرتقى الصاعد , من السفح الهابط , إلى القمة السامقة . . خطوة خطوة , ومرحلة مرحلة . . بين تيارات المطامع والشهوات والمخاوف والرغائب ; وبين أشواك الطريق التي لا تخلو منها خطوة واحدة ; وبين الأعداء المتربصين على طول الطريق الشائك !\r","part":19,"page":303},{"id":8220,"text":"وكما رأينا من قبل - في سورة البقرة وسورة آل عمران - مواجهة القرآن لكل الملابسات المحيطة بنشأة الجماعة المسلمة في المدينة ; وبيان طبيعة المنهج الرباني الذي تنشأ الجماعة على أساسه ; وتقرير الحقائق الأساسية التي يقوم عليها التصور الإسلامي , والقيم والموازين التي تنبثق من هذا التصور ; وإبراز التكاليف التي يقتضيها النهوض بهذه الأمانة في الأرض ; وتصوير طبيعة أعداء هذا المنهج وأعداء هذه الجماعة التي تقوم عليه في الأرض , وتحذيرها من وسائل أولئك الأعداء ودسائسهم ; وبيان ما في عقائدهم من زيف وانحراف , وما في وسائلهم من خسة والتواء . . . إلخ . . . فكذلك نرى القرآن - في هذه السورة - يواجه جملة هذه الملابسات والحقائق . .\rإلا أن لكل سورة من سور القرآن شخصيتها الخاصة , وملامحها المميزة , ومحورها الذي تشد إليه موضوعاتها جميعا . . ومن مقتضيات الشخصية الخاصة أن تتجمع الموضوعات في كل سورة وتتناسق حول محورها في نظام خاص بها , تبرز فيه ملامحها , وتتميز به شخصيتها . كالكائن الحي المميز السمات والملامح , وهو - مع هذا - واحد من جنسه على العموم !\rونحن نرى في هذه السورة - ونكاد نحس - أنها كائن حي , يستهدف غرضا معينا , ويجهد له , ويتوخى تحقيقه بشتى الوسائل . . والفقرات والآيات والكلمات في السورة , هي الوسائل التي تبلغ بها ما تريد ! ومن ثم نستشعر تجاهها - كما نستشعر تجاه كل سورة من سور هذا القرآن - إحساس التعاطف والتجاوب مع الكائن الحي , المعروف السمات , المميز الملامح , صاحب القصد والوجهة , وصاحب الحياة والحركة , وصاحب الحس والشعور !\r","part":19,"page":304},{"id":8221,"text":"إن السورة تعمل بجد وجهد في محو ملامح المجتمع الجاهلي - الذي منه التقطت المجموعة المسلمة - ونبذ رواسبه ; وفي تكييف ملامح المجتمع المسلم , وتطهيره من رواسب الجاهلية فيه , وجلاء شخصيته الخاصة . كما تعمل بجد وجهد في استجاشته للدفاع عن كينونته المميزة , وذلك ببيان طبيعة المنهج الذي منه انبثقت هذه الكينونة المميزة , والتعريف بأعدائه الراصدين له من حوله - من المشركين وأهل الكتاب وبخاصة اليهود - وأعدائه المتميعين فيه - من ضعاف الإيمان والمنافقين - وكشف وسائلهم وحيلهم ومكايدهم , وبيان فساد تصوراتهم ومناهجهم وطرائقهم . مع وضع الأنظمة والتشريعات التي تنظم هذا كله وتحدده , وتصبه في القالب التنفيذي المضبوط .\rوفي الوقت ذاته نلمح رواسب الجاهلية , وهي تتصارع مع المنهج الجديد , والقيم الجديدة , والاعتبارات الجديدة . ونرى ملامح الجاهلية وهي تحاول طمس الملامح الجديدة الوضيئة الجميلة . ونشهد المعركة التي يخوضها المنهج الرباني بهذا القرآن في هذا الميدان . وهي معركة لا تقل شدة ولا عمقا ولا سعة , عن المعركةالتي يخوضها في الميدان الآخر , مع الأعداء الراصدين له والأعداء المتميعين فيه !\r","part":19,"page":305},{"id":8222,"text":"وحين ندقق النظر في الرواسب التي حملها المجتمع المسلم من المجتمع الجاهلي الذي منه جاء , والتي تعالج هذه السورة جوانب منها - كما تعالج سور كثيرة جوانب أخرى - قد ينالنا الدهش لعمق هذه الرواسب , حتى لتظل تغالب طوال هذه الفترة التي رجحنا أن آيات السورة كانت تتنزل فيها . . ومن العجب أن تظل لهذه الرواسب صلابتها حتى ذلك الوقت المتأخر . . ثم ينالنا الدهش كذلك للنقلة البعيدة السامقة الرفيعة التي انتهى إليها هذا المنهج العجيب الفريد , بالجماعة المسلمة . وقد التقطها من ذلك السفح الهابط , الذي تمثله تلك الرواسب , فارتقى بها في ذلك المرتقى الصاعد إلى تلك القمة السامقة . . القمة التي لم ترتق إليها البشرية قط , إلا على حداء ذلك المنهج العجيب الفريد . المنهج الذي يملك وحده أن يلتقط الكينونة البشرية من ذلك السفح , فيرتقي بها إلى تلك القمة , رويدا رويدا , في يسر ورفق , وفي ثبات وصبر , وفي خطو متناسق موزون !\r","part":19,"page":306},{"id":8223,"text":"والذي يدقق النظر في هذه الظاهرة الفريدة في تاريخ البشرية , يتجلى له جانب من حكمة الله في اختيار \"الأميين\" في الجزيرة العربية , في ذلك الحين , لهذه الرسالة العظيمة . . حيث يمثلون سفح الجاهلية الكاملة , بكل مقوماتها . الاعتقادية والتصورية , والعقلية والفكرية , والأخلاقية والاجتماعية , والاقتصادية والسياسية , ليعرف فيهم أثر هذا المنهج , وليتبين فيهم كيف تتم المعجزة الخارقة , التي لا يملك أن يأتي بها منهج آخر , في كل ما عرفت الأرض من مناهج , وليرتسم فيهم خط هذا المنهج , بكل مراحله - من السفح إلى القمة - وبكل ظواهره , وبكل تجاربه ; ولترى البشرية - في عمرها كله - أين تجد المنهج الذي يأخذ بيدها إلى القمة السامقة , أيا كان موقفها في المرتقى الصاعد . سواء كانت في درجة من درجاته , أم كانت في سفحة الذي التقط منه \"الأميين\" !\rإن هذا المنهج ثابت في أصوله ومقوماته , لأنه يتعامل مع \"الإنسان\" . وللإنسان كينونة ثابتة , فهو لا يتبدل منها كينونة أخرى . وكل التحورات والتطورات التي تلابس حياته لا تغير من طبيعته , ولا تبدل من كينونته , ولا تحوله خلقا آخر . إنما هي تغيرات وتطورات سطحية , كالأمواج في الخضم , لا تغير من طبيعته المائية , بل لا تؤثر في تياراته التحتية الدائمة , المحكومة بعوامل طبيعية ثابتة !\rومن ثم تواجه النصوص القرآنية الثابتة , تلك الكينونة البشرية الثابتة . ولأنها من صنع المصدر الذي صنع الإنسان , فإنها تواجه حياته بظروفها المتغيرة , وأطوارها المتجددة , بنفس المرونة التي يواجه بها \"الإنسان\" ظروف الحياة المتغيرة , وأطوارها المتجددة , وهو محافظ على مقوماته الأساسية . . مقومات الإنسان . .\r","part":19,"page":307},{"id":8224,"text":"وفي \"الإنسان\" هذا الاستعداد , وهذه المرونة , وإلا ما استطاع أن يواجه ظروف الحياة وأطوارها , وهي ليست ثابتة من حوله . وفي المنهج الرباني الموضوع لهذا الإنسان , ذات الخصائص , بحكم أنه صادر من المصدر الذي صدر منه الإنسان , ومودع خصائصه ذاتها , ومعد للعمل معه إلى آخر الزمان .\rوهكذا يستطيع ذلك المنهج , وتستطيع هذه النصوص , أن تلتقط الفرد الإنساني , وأن تلتقط المجموعة الإنسانية , من أي مستوى , ومن أية درجة من درجات المرتقى الصاعد , فينتهي به وبها إلى القمة السامقة . . إنه لا يرده ولا يردها أبدا إلى الوراء , ولا يهبط به أو بها أبدا إلى درجة أسفل في المرتقى . كما أنه لا يضيق به ولا بها , ولا يعجز عن رفعه ورفعها , أيا كان مكانه أو مكانها من السفح السحيق !\rالمجتمع البدائي المتخلف كالمجتمع العربي في الجاهلية القديمة , والمجتمع الصناعي المتحضر , كالمجتمع الأوربي والأمريكي في الجاهلية الحديثة . . كلاهما يجد في المنهج الرباني والنصوص القرآنية مكانة , ويجد منيأخذ بيده من هذا المكان , فيرقى به في المرتقى الصاعد , إلى القمة السامقة , التي حققها الإسلام , في فترة حية من فترات التاريخ الإنساني . .\rإن الجاهلية ليست فترة ماضية من فترات التاريخ . إنما الجاهلية كل منهج تتمثل فيه عبودية البشر للبشر . وهذه الخاصية تتمثل اليوم في كل مناهج الأرض بلا استثناء . ففي كل المناهج التي تعتنقها البشرية اليوم , يأخذ البشر عن بشر مثلهم : التصورات والمبادىء , والموازين والقيم , والشرائع والقوانين , والأوضاع والتقاليد . وهذه هي الجاهلية بكل مقوماتها . الجاهلية التي تتمثل فيها عبودية البشر للبشر , حيث يتعبد بعضهم بعضا من دون الله .\r","part":19,"page":308},{"id":8225,"text":"والإسلام هو منهج الحياة الوحيد , الذي يتحرر فيه البشر من عبودية البشر . لأنهم يتلقون التصورات والمبادىء , والموازين والقيم , والشرائع والقوانين , والأوضاع والتقاليد , من يد الله - سبحانه - فإذا أحنوا رءوسهم فإنما يحنونها لله وحده , وإذا أطاعوا الشرائع فإنما يطيعون الله وحده , وإذا خضعوا للنظام فإنما يخضعون لله وحده . ومن ثم يتحررون حقا من عبودية العبيد للعبيد , حين يصبحون كلهم عبيدا لله بلا شريك .\rوهذا هو مفرق الطريق بين الجاهلية - في كل صورة من صورها - وبين الإسلام . وهذه السورة تتولى رسم مفرق الطريق بالدقة وبالوضوح الذي لا تبقى معه ريبة لمستريب .\rومفهوم أن كل أمر أو نهي أو توجيه ورد في القرآن الكريم , كان يواجه حالة واقعة في المجتمع الجاهلي , وكان يتوخى إما إنشاء حالة غير قائمة , وإما إبطال حالة قائمة . . وذلك دون إخلال بالقاعدة الأصولية العامة : \"العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب\" . . ومع ملاحظة أن النصوص القرآنية جاءت لتعمل في كل جيل وفي كل بيئة كما أسلفنا . وفي هذا تكمن المعجزة . فهذه النصوص التي جاءت لتواجه أحوالا بعينها , هي ذاتها التي تواجه الجماعة الإنسانية , في أي طور من أطوارها . والمنهج الذي التقط المجموعة المسلمة من سفح الجاهلية , هو ذاته الذي يلتقط أية مجموعة - أيا كان موقفها على الدرج الصاعد - ثم يبلغ بها إلى القمة السامقة , التي بلغ إليها بالمجموعة الأولى , يوم التقطها من ذلك السفح السحيق !\rومن ثم فنحن حين نقرأ القرآن نستطيع أن نتبين منه ملامح المجتمع الجاهلي , من خلال أوامره ونواهيه وتوجيهاته ; كما نستطيع أن نتبين الملامح الجديدة التي يريد أن ينشئها , وأن يثبتها في المجتمع الجديد . .\r","part":19,"page":309},{"id":8226,"text":"فماذا نحن واجدون - في هذه السورة - من ملامح المجتمع الجاهلي التي ظلت راسبة في الجماعة المسلمة , منذ أن التقطها المنهج الرباني من سفح الجاهلية ? وماذا نحن واجدون من الملامح الجديدة التي يراد إنشاؤها في المجتمع الإسلامي الجديد وتثبيتها !\rإننا نجد مجتمع تؤكل فيه حقوق الأيتام - وبخاصة اليتيمات - في حجور الأهل والأولياء والأوصياء , ويستبدل الخبيث منها بالطيب , ويعمل فيها بالإسراف والطمع , خيفة أن يكبر اليتامى فيستردوها ! وتحبس فيه الصغيرات من ذوات المال , ليتخذهن الأولياء زوجات , طمعا في مالهم لا رغبة فيهن ! أو يعطين لأطفال الأولياء للغرض ذاته !\rونجد مجتمعا يجار فيه على الصغار والضعاف والنساء ; فلا يسلم لهم فيه بنصيبهم الحقيقي من الميراث . إنما يستأثر فيه بمعظم التركة الرجال الأقوياء , القادرون على حمل السلاح ; ولا ينال الضعاف فيه إلا الفتات . وهذا الفتات الذي تناله اليتيمات الصغيرات والنسوة الكبيرات , هو الذي يحتجزن من أجله , ويحبسن علىالأطفال من الذكور ; أو على الشيوخ من الأولياء . كي لا يخرج المال بعيدا ولا يذهب في الغرباء !\rونجد مجتمعا يضع المرأة موضعا غير كريم , ويعاملها بالعسف والجور . في كل أدوار حياتها . يحرمها الميراث - كما قلنا - أو يحبسها لما ينالها منه ; ويورثها للرجل كما يورثه المتاع ! فإذا مات زوجها جاء وليه , فألقى عليها ثوبه , فيعرف أنها محجوزة له . إن شاء نكحها بغير مهر , وإن شاء زوجها وأخذ مهرها ! ويعضلها زوجها إذا طلقها , فيدعها لا هي زوجة , ولا هي مطلقة , حتى تفتدي نفسها منه وتفك أسرها !\r","part":19,"page":310},{"id":8227,"text":"ونجد مجتمعا تضطرب فيه قواعد الأسرة بسبب هبوط مركز المرأة فيه , علاوة على اضطراب قواعد التبني والولاء , واصطدامها مع قواعد القرابة والنسب , فوق ما فيه من فوضى في العلاقات الجنسية والعائلية . حيث تروج اتصالات السفاح والمخادنة .\rونجد مجتمعا تؤكل فيه الأموال بالباطل في المعاملات الربوية . وتغتصب فيه الحقوق . وتجحد فيه الأمانات . وتكثر فيه الغارات على الأموال والأرواح . ويقل فيه العدل فلا يناله إلا الأقوياء . كما لا تنفق فيه الأموال إلا رئاء الناس , اجتلابا للمفاخر , ولا ينال الضعاف المحاويج فيه من هذا الإنفاق ما ينال الأقوياء الأغنياء !\rوليست هذه سوى بعض ملامح الجاهلية - وهي التي تصدت لها هذه السورة - ووراءها ما صورته السور الأخرى , وما تحفل به أخبار هذه الجاهلية في العرب , وفيمن حولهم من الأمم . .\rإنه لم يكن - قطعا - مجتمعا بلا فضائل . فقد كانت له فضائله , التي تهيأ بها لاستقبال هذه الرسالة الكبرى . ولكن هذه الفضائل إنما استنقذها الإسلام استنقاذا , ووجهها الوجهة البناءة . وكانت - لولا الإسلام - مضيعة تحت ركام هذه الرذائل , مفرقة غير متجمعة , وضائعة غير موجهة . وما كانت هذه الأمة لتقدم للبشرية شيئا ذا قيمة , لولا هذا المنهج , الذي جعل يمحو ملامح الجاهية الشائهة , وينشىء أو يثبت ملامح الإسلام الوضيئة , ويستنقذ فضائل هذه الأمة المضيعة المطمورة المفرقة المبددة , شأنها في هذا شأن سائر أمم الجاهلية التي عاصرتها , والتي اندثرت كلها , لأنها لم تدركها رسالة ولم تنشئها عقيدة !\r","part":19,"page":311},{"id":8228,"text":"من تلك الجاهلية , التي هذه بعض ملامحها , التقط الإسلام المجموعة التي قسم الله لها الخير , وقدر أن يسلمها قيادة البشر , فكون منها الجماعة المسلمة , وأنشأ بها المجتمع المسلم . ذلك المجتمع الذي بلغ إلى القمة التي لم تبلغها البشرية قط , والتي ما تزال أملا للبشرية , يمكن أن تحاوله , حين يصح منها العزم على انتهاج الطريق .\rوفي هذه السورة نجد بعض الملامح التي يتوخى المنهج الإسلامي إنشاءها وتثبيتها في المجتمع المسلم , بعد تطهيره من رواسب الجاهلية , وإنشاء الأوضاع والتشريعات التنفيذية , التي تكفل حماية هذه الملامح وتثبيتها في الواقع الاجتماعي .\rنجد في مستهلها تقريرا لحقيقة الربوبية ووحدانيتها , ولحقيقة الإنسانية ووحدة أصلها الذي أنشأها منه ربها , ولحقيقة قيامها على قاعدة الأسرة , واتصالها بوشيجة الرحم , مع استجاشة هذه الروابط كلها في الضمير البشري , واتخاذها ركيزة لتنظيم المجتمع الإسلامي على أساسها , وحماية الضعفاء فيه عن طريق التكافل بين الأسرة الواحدة , ذات الخالق الواحد , وحماية هذا المجتمع من الفاحشة والظلم والفتنة ; وتنظيم الأسرةالمسلمة والمجتمع المسلم , والمجتمع الإنساني كله , على أساس وحدة الربوبية ووحدة البشرية : (يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة , وخلق منها زوجها , وبث منهما رجالا كثيرا ونساء , واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام . إن الله كان عليكم رقيبا). . وهذه الحقيقة الكبيرة التي تتضمنها آية الافتتاح تمثل قاعدة أصيلة في التصور الإسلامي , تقوم عليها الحياة الجماعية . نرجو أن نعرض لها بالتفصيل في مكانها من سياق السورة .\rونجد التشريعات العملية لتحقيق البناء التكافلي للجماعة مستندة إلى تلك الركيزة : \r","part":19,"page":312},{"id":8229,"text":"في حماية اليتامى نجد التوجيه الموحي , والتحذير المخيف , والتشريع المحدد الأصول : (وآتوا اليتامى أموالهم , ولا تتبدلوا الخبيث بالطيب ; ولا تأكلوا أموالهم إلى أموالكم إنه كان حوبا كبيرا)[ آية 2 ] . . (وابتلوا اليتامى , حتى إذا بلغو انكاح ; فإن آنستم منهم رشدا فادفعوا إليهم أموالهم ; ولا تأكلوها إسرافا , وبدارا أن يكبروا . ومن كان غنيا فليستعفف , ومن كان فقيرا فليأكل بالمعروف . فإذا دفعتم إليهم أموالهم فاشهدوا عليهم . وكفى بالله حسيبا)[ آية 6 ] . . (وليخش الذين لو تركوا من خلفهم ذرية ضعافا خافوا عليهم . فليتقوا الله , وليقولوا قولا سديدا . إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلما إنما يأكلون في بطونهم نارا , وسيصلون سعيرا)[ 9 - 10 ] . .\r","part":19,"page":313},{"id":8230,"text":"وفي حماية الإناث خاصة - يتيمات صغيرات ونساء مستضعفات - وحفظ حقهن جميعا في الميراث , وفي الكسب , وفي حقهن في أنفسهن , واستنقاذهن من عسف الجاهلية , وتقاليدها الظالمة المهينة . . نجد أمثال هذه التوجيهات والتشريعات المنوعة الكثيرة : وإن خفتم ألا تقسطوا في اليتامى فانكحوا ما طاب لكم من النساء , مثنى وثلاث ورباع , فإن خفتم ألا تعدلوا فواحدة , أو ما ملكت أيمانكم , ذلك أدنى ألا تعولوا . وآتوا النساء صدقاتهن نحلة , فإن طبن لكم عن شيء منه نفسا فكلوه هنيئا مريئا . . [ 4 - 3 ] . .(للرجال نصيب مما ترك الوالدان والأقربون , وللنساء نصيب مما ترك الوالدان والأقربون . مما قل منه أو كثر نصيبا مفروضا)[ آية : 7 ] . . (يا أيها الذين آمنوا لا يحل لكم أن ترثوا النساء كرها , ولا تعضلوهن لتذهبوا ببعض ما آتيتموهن - إلا أن يأتين بفاحشة مبينة - وعاشروهن بالمعروف ; فإن كرهتموهن فعسى أن تكرهوا شيئا , ويجعل الله فيه خيرا كثيرا . وإن أردتم استبدال زوج مكان زوج , وآتيتم إحداهن قنطارا فلا تأخذوا منه شيئا . أتأخذونه بهتانا وإثما مبينا ? وكيف تأخذونه وقد أفضى بعضكم إلى بعض , وأخذن منكم ميثاقا غليظا ?). . [ 19 - 21 ] . . (ويستفتونك في النساء . قل : الله يفتيكم فيهن , وما يتلى عليكم في الكتاب في يتامى النساء اللاتي لا تؤتونهن ما كتب لهن , وترغبون أن تنكحوهن . والمستضعفين من الولدان , وإن تقوموا لليتامى بالقسط . وما تفعلوا من خير فإن الله كان به عليما). . [ آية 127 ] . .\r","part":19,"page":314},{"id":8231,"text":"وفي تنظيم الأسرة , وإقامتها على أساس ثابت من موحيات الفطرة , وتوفير الحماية لها من تأثير الملابسات العارضة في جو الحياة الزوجية والحياة الاجتماعية . . ترد مثل هذه التوجيهات والتنظيمات - بالإضافة إلى ما ورد منها في ثنايا الحديث عن اليتيمات والمطلقات - : (ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم من النساء إلا ما قد سلف . إنه كان فاحشة ومقتا وساء سبيلا . حرمت عليكم أمهاتكم , وبناتكم , وأخواتكم , وعماتكم , وخالاتكم , وبنات الأخ , وبنات الأخت , وأمهاتكم اللاتي أرضعنكم , وأخواتكم من الرضاعة , وأمهات نسائكم , وربائبكم اللاتي في حجوركم من نسائكم اللاتي دخلتم بهن - فإن لم تكونوا دخلتم بهن فلا جناح عليكم - وحلائل أبنائكم الذين من أصلابكم , وأن تجمعوا بين الأختين إلا ما قد سلف - إن الله كان غفورا رحيما . والمحصنات من النساء - إلا ما ملكت أيمانكم - كتاب الله عليكم . وأحل لكم - ما وراء ذلكم - أن تبتغوا بأموالكم محصنين غير مسافحين . فما استمتعتم به منهن فآتوهن أجورهن فريضة , ولا جناح عليكم فيما تراضيتم به من بعد الفريضة . إن الله كان عليما حكيما)[ 22 - 24 ] . . (الرجال قوامون على النساء , بما فضل الله بعضهم على بعض , وبما أنفقوا من أموالهم . فالصالحات قانتات حافظات للغيب بما حفظ الله ; واللاتي تخافون نشوزهن فعظوهن , واهجروهن في المضاجع , واضربوهن . فإن أطعنكم فلا تبغوا عليهن سبيلا , إن الله كان عليا كبير\r","part":19,"page":315},{"id":8232,"text":"(ومن لم يستطع منكم طولا أن ينكح المحصنات المؤمنات فمما ملكت أيمانكم من فتياتكم المؤمنات . والله أعلم بإيمانكم , بعضكم من بعض . فانكحوهن بإذن أهلهن , وآتوهن أجورهن بالمعروف , محصنات غير مسافحات ولا متخذات أخدان . فإذا أحصن فإن أتين بفاحشة فعليهن نصف ما على المحصنات من العذاب . ذلك لمن خشي العنت منكم . وأن تصبروا خير لكم , والله غفور رحيم . يريد الله ليبين لكم , ويهديكم سنن الذين من قبلكم , ويتوب عليكم والله عليم حكيم). . [ 25 - 26 ] . .\rوفي تنظيم العلاقات بين أفراد المجتمع المسلم كله ; وإقامتها على التكافل والتراحم والتناصح , والأمانة , والعدل , والسماحة والمودة , والإحسان . . ترد توجيهات وتشريعات شتى - إلى جانب ما ذكرنا من قبل - نذكر منها هنا على سبيل المثال بضعة نماذج ولا نستقصيها ; فستأتي كلها في مكانها من سياق السورة : (ولا تؤتوا السفهاء أموالكم التي جعل الله لكم قياما , وارزقوهم فيها واكسوهم وقولوا لهم قولا معروفا)[ آية 5 ] . .\r","part":19,"page":316},{"id":8233,"text":"(وإذا حضر القسمة أولوا القربى واليتامى والمساكين فارزقوهم منه وقولوا لهم قولا معروفا). . [ آية 8 ](يا أيها الذين آمنوا لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل - إلا أن تكون تجارة عن تراض منكم - ولا تقتلوا أنفسكم , إن الله كان بكم رحيما . ومن يفعل ذلك عدوانا وظلما فسوف نصليه نارا , وكان ذلك على الله يسيرا). . [ 29 - 30 ] . .(ولا تتمنوا ما فضل الله به بعضكم على بعض . للرجال نصيب مما اكتسبوا وللنساء نصيب مما اكتسبن . واسألوا الله من فضله . إن الله كان بكل شيء عليما). . [ آية 32 ] . . (واعبدوا الله ولا تشركوا به شيئا . وبالوالدين إحسانا , وبذي القربى , واليتامى والمساكين , والجار ذي القربى , والجار الجنب , والصاحب بالجنب , وابن السبيل , وما ملكت أيمانكم إن الله لا يحب من كان مختالا فخورا . الذين يبخلون ويأمرون الناس بالبخل , ويكتمون ما آتاهم الله من فضله , واعتدنا للكافرين عذابا مهينا , والذين ينفقون أموالهم رئاء الناس , ولا يؤمنون بالله واليوم الآخر , ومن يكن الشيطان له قرينا فساء قرينا). . [ 36 - 38 ] . .(إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها , وإذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل . إن الله نعما يعظكم به . إن الله كان سميعا بصيرا). . [ آية 58 ] . . (من يشفع شفاعة حسنة يكن له نصيب منها ; ومن يشفع شفاعة سيئة يكن له كفل منها ; وكان الله على كل شيء مقيتا . وإذا حييتم بتحية فحيوا بأحسن منها أو ردوها إن الله كان على كل شيء حسيبا). . [ 85 - 86 ] . . (وما كان لمؤمن أن يقتل مؤمنا إلا خطأ . .)(ومن يقتل مؤمنا متعمدا فجزاؤه جهنم خالدا فيها , وغضب الله عليه ولعنه , وأعد له عذابا عظيما). . [ 92 ] . . (يا أيها الذين آمنوا كونوا قوامين بالقسط , شهداء لله , ولو على أنفسكم أو الوالدين والأقربين .\r","part":19,"page":317},{"id":8234,"text":"إن يكن غنيا أو فقيرا فالله أولى بهما . ولا تتبعوا الهوى أن تعدلوا . وإن تلووا أو تعرضوا فإن الله كان بما تعملون خبيرا). . [ آية 135 ] . . (لا يحب الله الجهر بالسوء من القول إلا من ظلم . وكان الله سميعا بصيرا . إن تبدوا خيرا أو تخفوه أو تعفوا عن سوء , فإن الله كان عفوا قديرا). . [ 148 - 149 ] . .\rإلى جانب ذلك الهدف الكبير في تنظيم المجتمع المسلم على أساس التكافل والتراحم والتناصح والتسامح , والأمانة والعدل والمودة والطهارة ; ومحو الرواسب المتخلفة فيه من الجاهلية ; وإنشاء وتثبيت الملامح الجديدة الوضيئة . . نجد هدفا آخر لا يقل عنه عمقا ولا أثرا في حياة المجتمع المسلم - إن لم يكن هو الأساس الذي يقوم عليه الهدف الأول - ذلك هو تحديد معنى الدين , وحد الإيمان , وشرط الإسلام , وربط كل الأنظمة والتشريعات التي تحكم حياة الفرد وحياة المجتمع بذلك المعنى المحدد للدين , وهذا التعريف المضبوط للإيمان والإسلام .\r","part":19,"page":318},{"id":8235,"text":"إن الدين هو النظام الذي قرره الله للحياة البشرية بجملتها , والمنهج الذي يسير عليه نشاط الحياة برمتها .والله وحده هو صاحب الحق في وضع هذا المنهج بلا شريك . والدين هو الأتباع والطاعة للقيادة الربانية التي لها وحدها حق الطاعة والاتباع , ومنها وحدها يكون التلقي , ولها وحدها يكون الاستسلام . . فالمجتمع المسلم مجتمع له قيادة خاصة - كما له عقيدة خاصة وتصور خاص - قيادة ربانية متمثلة في رسول الله {صلى الله عليه وسلم} وفيما يبلغه عن ربه مما هو باق بعده من شريعة الله ومنهجه . وتبعية هذا المجتمع لهذه القيادة هي التي تمنحه صفة الإسلام وتجعل منه \"مجتمعا مسلما\" . وبغير هذه التبعية المطلقة لا يكون \"مسلما\" بحال . وشرط هذه التبعية هو التحاكم إلى الله والرسول , ورد الأمر كله إلى الله , والرضى بحكم رسوله وتنفيذه مع القبول والتسليم .\rوتبلغ نصوص السورة في بيان هذه الحقيقة , وتقرير هذا الأصل , مبلغا حاسما جازما , لا سبيل للجدال فيه , أو الاحتيال عليه , أو تمويهه وتلبيسه , لأنها من القوة والوضوح والحسم بحيث لا تقبل الجدال !\rوتقرير هذا المبدأ الأساسي يتمثل في نصوص كثيرة كثرة واضحة في السورة . وسيجيء استعراضها التفصيلي في مكانها من السياق . فنكتفي هنا بذكر بعضها إجمالا : \rيتمثل على وجه الإجمال في آية الافتتاح في السورة : (يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة . .). . كما يتمثل في مثل هذه الآيات : (واعبدوا الله ولا تشركوا به شيئا . . .)[ آية 36 ] . . (إن الله لا يغفر أن يشرك به ; ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء). . [ آية 48 ] . .\r","part":19,"page":319},{"id":8236,"text":"ويتمثل على وجه التخصيص والتحديد في مثل قوله تعالى : يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم , فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول , إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر . ذلك خير وأحسن تأويلا . ألم تر إلى الذين يزعمون أنهم آمنوا بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت - وقد أمروا أن يكفروا به - ويريد الشيطان أن يضلهم ضلالا بعيدا . وإذا قيل لهم : تعالوا إلى ما أنزل الله وإلى الرسول رأيت المنافقين يصدون عنك صدودا . [ 59 -61 ] . . (وما أرسلنا من رسول إلا ليطاع بإذن الله). . [ آية 64 ] . .(فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم , ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت ويسلموا تسليما). . [ آية 65 ] . .(من يطع الرسول فقد أطاع الله , ومن تولى فما أرسلناك عليهم حفيظا). . [ آية 80 ] . .(ومن يشاقق الرسول - من بعد ما تبين له الهدى - ويتبع غير سبيل المؤمنين , نوله ما تولى , ونصله جهنم وساءت مصيرا). . [ آية 115 ] . .\rوهكذا يتحدد معنى الدين , وحد الإيمان , وشرط الإسلام , ونظام المجتمع المسلم , ومنهجه في الحياة . وهكذا لا يعود الإيمان مجرد مشاعر وتصورات ; ولا يعود الإسلام مجرد كلمات وشعارات , ولا مجرد شعائر تعبدية وصلوات . . إنما هو إلى جانب هذا وذلك , وقبل هذا وذلك . نظام يحكم , ومنهج يتحكم , وقيادة تطاع , ووضع يستند إلى نظام معين , ومنهج معين , وقيادة معينة . وبغير هذا كله لا يكون إيمان , ولا يكون إسلام , ولا يكون مجتمع ينسب نفسه إلى الإسلام .\rوتترتب على إقرار هذا المبدأ الأساسي توجيهات كثيرة في السورة . كلها تفريعات على هذا الأصل الكبير : \r","part":19,"page":320},{"id":8237,"text":"1 - يترتب عليه أن تكون التنظيمات الاجتماعية كلها في المجتمع - شأنها شأن الشعائر التعبدية - مرتكنة إلى هذا الأصل الكبير , مستندة إلى معنى الدين , وحد الإيمان , وشرط الإسلام , على هذا النحو الذي قررته تلك النماذج التي أسلفنا . فهي ليست مجرد تنظيمات وتشريعات . إنما هي مقتضى الإيمان بالله والاعتراف بألوهيته ,وإفراده بالألوهية , والتلقي من القيادة التي يحددها . . ومن ثم نرى كل التشريعات والتنظيمات التي أشرنا إليها تستند إلى هذه الجهة , وينص في أعقابها نصا على هذه الحقيقة : \rآية الافتتاح التي تقرر وحدة البشرية , وتدعو الناس إلى رعاية وشيجة الرحم , وتعد مقدمة لسائر التنظيمات التي تلتها في السورة . . تبدأ بدعوة الناس إلى تقوى ربهم الذي خلقهم من نفس واحدة : (يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة). . وتنتهي إلى تقواه , وتحذيرهم من رقابته : (إن الله كان عليكم رقيبا). .\rوالآيات التي تحض على رعاية أموال اليتامى , وتبين طريقة التصرف في أموالهم تنتهي بالتذكير بالله وحسابه : (وكفى بالله حسيبا). .\rوتوزيع أنصبة الميراث في الأسرة يجيء وصية من الله : (يوصيكم الله في أولادكم . . .) (فريضة من الله). . وتنتهي تشريعات الإرث بهذا التعقيب : (تلك حدود الله , ومن يطع الله ورسوله يدخله جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها , وذلك الفوز العظيم . ومن يعص الله ورسوله , ويتعد حدوده يدخله نارا خالدا فيها وله عذاب مهين). .\r","part":19,"page":321},{"id":8238,"text":"وفي تشريعات الأسرة وتنظيم المهور والطلاق وما إليها ترد مثل هذه التعقيبات : (وعاشروهن بالمعروف , فإن كرهتموهن فعسى أن تكرهوا شيئا ويجعل الله فيه خيرا كثيرا). . (والمحصنات من النساء إلا ما ملكت أيمانكم . . كتاب الله عليكم . .). .(يريد الله ليبين لكم ويهديكم سنن الذين من قبلكم , ويتوب عليكم , والله عليم حكيم). . (فإن أطعنكم فلا تبغوا عليهن سبيلا . إن الله كان عليا كبيرا). .\r(واعبدوا الله ولا تشركوا به شيئا). . تسبق في الآية الوصية بالإحسان إلى الوالدين وذي القربى واليتامى والمساكين . . إلخ\rوهكذا ترتبط سائر التنظيمات والتشريعات بالله , وتستمد من شريعته , وترجع الأمور كلها إلى هذه القيادة التي لها وحدها حق الطاعة والاتباع .\r","part":19,"page":322},{"id":8239,"text":"2 - ويترتب على إقرار ذلك الأصل الكبير أن يكون ولاء المؤمنين لقيادتهم ولجماعتهم المؤمنة . فلا يتولوا أحدا لا يؤمن إيمانهم , ولا يتبع منهجهم , ولا يخضع لنظامهم , ولا يتلقى من قيادتهم . كائنة ما كانت العلاقة التي تربطهم بهذا الأحد . علاقة قرابة . أو جنس . أو أرض أو مصلحة . وإلا فهو الشرك أو النفاق , وهو الخروج من الصف المسلم على كل حال : (ومن يشاقق الرسول - من بعد ما تبين له الهدى - ويتبع غير سبيل المؤمنين نوله ما تولى , ونصله جهنم , وساءت مصيرا . إن الله لا يغفر أن يشرك به , ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء , ومن يشرك بالله فقد ضل ضلالا بعيدا). . [ 115 - 116 ] . .(بشر المنافقين بأن لهم عذابا أليما . الذين يتخذون الكافرين أولياء من دون المؤمنين . أيبتغون عندهم العزة ? فإن العزة لله جميعا). . [ آية 139 ] . . (يا أيها الذين أمنوا لا تتخذوا الكافرين أولياء من دون المؤمنين . أتريدون أن تجعلوا لله عليكم سلطانا مبينا ? إن المنافقين في الدرك الأسفل من النار , ولن تجد لهم نصيرا . إلا الذين تابوا وأصلحوا , واعتصموا بالله , وأخلصوا دينهم لله . فأولئك مع المؤمنين , وسوف يؤتي الله المؤمنين أجرا عظيما). . [ 144 - 146 ] . .\r","part":19,"page":323},{"id":8240,"text":"3 - ويترتب عليه وجوب هجرة المسلمين من دار الحرب - وهي كل دار لا تقوم فيها شريعة الإسلام ولا تدين للقيادة السملمة - ليلحقوا بالجماعة المسلمة متى قامت في الأرض وأصبح لها قيادة وسلطان - وليستظلوا برايه القيادة المسلمة ولا يخضعوا لراية الكفر - وهي كل راية غير راية الإسلام - وإلا فهو النفاق أو الكفر ;وهو الخروج من الصف المسلم على كل حال : (فما لكم في المنافقين فئتين ? والله أركسهم بما كسبوا , أتريدون أن تهدوا من أضل الله ? ومن يضلل الله فلن تجد له سبيلا . ودوا لو تكفرون كما كفروا فتكونون سواء ; فلا تتخذوا منهم أولياء حتى يهاجروا في سبيل الله فإن تولوا فخذوهم واقتلوهم حيث وجدتموهم , ولا تتخذوا منهم وليا ولا نصيرا). . [ 88 - 89 ] . . (إن الذين توفاهم الملائكة ظالمي أنفسهم قالوا : فيم كنتم ? قالوا : كنا مستضعفين في الأرض . قالوا : ألم تكن أرض الله واسعة فتهاجروا فيها ? فأولئك مأواهم جهنم وساءت مصيرا . إلا المستضعفين من الرجال والنساء والولدان لا يستطيعون حيلة ولا يهتدون سبيلا . فأولئك عسى الله أن يعفو عنهم , وكان الله عفوا غفورا . ومن يهاجر في سبيل الله يجد في الأرض مراغما كثيرا وسعة , ومن يخرج من بيته مهاجرا إلى الله ورسوله , ثم يدركه الموت , فقد وقع أجره على الله . وكان الله غفورا رحيما). . [ 97 - 100 ] . .\r","part":19,"page":324},{"id":8241,"text":"4 - ويترتب عليه أن يقاتل المسلمون لاستنقاذ الضعاف من إخوانهم المسلمين , الذين لا يستطيعون الهجرة من دار الحرب وراية الكفر , وضمهم إلى الجماعة المسلمة في دار الإسلام , كي لا يفتنوا عن دينهم , ولا يستظلوا براية غير راية الإسلام , ولا يخضعوا لنظام غير نظامه . ثم لكي يتمتعوا بالنظام الإسلامي الرفيع , وبالحياة في المجتمع الإسلامي النظيف . وهو حق كل مسلم , والحرمان منه حرمان من أكبر نعم الله في الأرض , ومن أفضل طيبات الحياة : (وما لكم لا تقاتلون في سبيل الله والمستضعفين من الرجال والنساء والولدان الذين يقولون : ربنا أخرجنا من هذه القرية الظالم أهلها , واجعل لنا من لدنك وليا , واجعل لنا من لدنك نصيرا). . [ آية 75 ] . .\rويستتبع هذا الأمر حملة ضخمة للحض على الجهاد بالنفس والمال , والتنديد بالمعوقين والمبطئين والقاعدين . وهي حملة تستغرق قطاعا كبيرا من السورة , يرتفع عندها نبض السورة الهادئة الأنفاس ! ويشتد إيقاعها , وتحمى لذعاتها في التوجيه والتنديد !\r","part":19,"page":325},{"id":8242,"text":"ولا نملك هنا استعراض هذا القطاع بترتيبه في السياق - ولهذا الترتيب أهمية خاصة وإيحاء معين - فندع هذا إلى مكانه من السياق . ونكتفي بمقتطفات من هذا القطاع : (يا أيها الذين آمنوا خذوا حذركم , فانفروا ثبات أو انفروا جميعا . وإن منكم لمن ليبطئن فإن أصابتكم مصيبة قال : قد أنعم الله علي إذ لم أكن معهم شهيدا . ولئن أصابكم فضل من الله ليقولن - كأن لم تكن بينكم وبينه مودة - يا ليتني كنت معهم , فأفوز فوزا عظيما . فليقاتل في سبيل الله الذين يشرون الحياة الدنيا بالآخرة ; ومن يقاتل في سبيل الله فيقتل أو يغلب , فسوف نؤتيه أجرا عظيما . وما لكم لا تقاتلون في سبيل الله والمستضعفين من الرجال والنساء والولدان , الذين يقولون : ربنا أخرجنا من هذه القرية الظالم أهلها , واجعل لنا من لدنك وليا , واجعل لنا من لدنك نصيرا , الذين آمنوا يقاتلون في سبيل الله , والذين كفروا يقاتلون في سبيل الطاغوت , فقاتلوا أولياء الشيطان , إن كيد الشيطان كان ضعيفا) . . [ 71 - 76 ] . . (فقاتل في سبيل الله لا تكلف إلا نفسك , وحرض المؤمنين عسى الله أن يكف بأس الذين كفروا , والله أشد بأسا وأشد تنكيلا). . [ آية 84 ] . . (لا يستوي القاعدون من المؤمنين - غير أولي الضرر - والمجاهدون في سبيل الله بأموالهم وأنفسهم , فضل الله المجاهدين بأموالهم وأنفسهم على القاعدين درجة , وكلا وعد الله الحسنى . وفضل الله المجاهدين على القاعدين أجرا عظيما . درجات منه ومغفرة ورحمة . وكان الله غفورا رحيما). . [ 95 -96 ] . .\r(ولا تهنوا في ابتغاء القوم . إن تكونوا تألمون فإنهم يألمون كما تألمون , وترجون من الله ما لا يرجون , وكان الله عليما حكيما . .)[ آية : 105 ] . .\r","part":19,"page":326},{"id":8243,"text":"وفي ثنايا هذه الحملة للحض على الجهاد توضع بعض قواعد المعاملات الدولية بين \"دار الإسلام\" والمعسكرات المتعددة التي تدور معها المعاملات , والخلافات : \rفي التعقيب على انقسام المسلمين فئتين ورأيين في أمر المنافقين , الذين يدخلون المدينة للتجارة والمنافع والاتصال مع أهلها , حتى إذا خرجوا منها عادوا موالين لمعسكرات الأعداء , يقول : (فلا تتخذوا منهم أولياء حتى يهاجروا في سبيل الله ; فإن تولوا فخذوهم واقتلوهم حيث وجدتموهم , ولا تتخذوا منهم وليا ولا نصيرا ) . (إلا الذين يصلون إلى قوم بينكم وبينهم ميثاق , أو جاؤوكم حصرت صدورهم أن يقاتلوكم أو يقاتلوا قومهم . ولو شاء الله لسلطهم عليكم فلقاتلوكم فإن اعتزلوكم فلم يقاتلوكم , وألقوا إليكم السلم , فما جعل الله لكم عليهم سبيلا . ستجدون آخرين يريدون أن يأمنوكم ويأمنوا قومهم , كلما ردوا إلى الفتنة أركسوا فيها . فإن لم يعتزلوكم , ويلقوا إليكم السلم , ويكفوا أيديهم , فخذوهم واقتلوهم حيث ثقفتموهم ; وأولئكم جعلنا لكم عليهم سلطانا مبينا . . [ 89 - 91 ] . . (يا أيها الذين آمنوا إذا ضربتم في سبيل الله فتبينوا , ولا تقولوا لمن القى إليكم السلام : لست مؤمنا , تبتغون عرض الحياة الدنيا , فعند الله مغانم كثيرة . كذلك كنتم من قبل , فمن الله عليكم , فتبينوا , إن الله كان بما تعملون خبيرا). . [ آية 94 ] . .\r","part":19,"page":327},{"id":8244,"text":"وكذلك تجيء في ثنايا الحديث عن الجهاد بعض الأحكام الخاصة بالصلاة في حالة الخوف وحالة الأمن ; مع توصيات الله للمؤمنين وتحذيرهم من أعدائهم المتربصين : (وإذا ضربتم في الأرض فليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلاة - إن خفتم أن يفتنكم الذين كفروا - إن الكافرين كانوا لكم عدوا مبينا . وإذا كنت فيهم فأقمت لهم الصلاة , فلتقم طائفة منهم معك , وليأخذوا أسلحتهم , فإذا سجدوا فليكونوا من ورائكم , ولتأت طائفة أخرى لم يصلوا فليصلوا معك , وليأخذوا حذرهم وأسلحتهم . ود الذين كفروا لو تغفلون عن أسلحتكم وأمتعتكم فيميلون عليكم ميلة واحدة ! ولا جناح عليكم - إن كان بكم أذى من مطر أو كنتم مرضى - أن تضعوا أسلحتكم ; وخذوا حذركم , إن الله أعد للكافرين عذابا مهينا . فإذا قضيتم الصلاة فاذكروا الله قياما وقعودا وعلى جنوبكم , فإذا اطمأننتم فأقيموا الصلاة . إن الصلاة كانت على المؤمنين كتابا موقوتا). . [ 101 - 103 ] . .\rوتدل هذه الآيات على مكان الصلاة من الحياة الإسلامية ; حتى لتذكر في مقام الخوف , وتبين كيفياتها في هذا المقام ; كما تدل على تكامل هذا المنهج , في مواجهة الحياة الإنسانية في كل حالاتها ; ومتابعة الفرد المسلم والجماعة المسلمة في كل لحظة وفي كل حال . .\r","part":19,"page":328},{"id":8245,"text":"ويستتبع الأمر بالجهاد كذلك حملة ضخمة على المنافقين وعلى موالاتهم لليهود في المدينة بينما هم يكيدون لدين الله , وللجماعة المسلمة , وللقيادة المسلمة كيدا شديدا . وعلى ألاعيبهم في الصف المسلم , وتمييعهم للقيم والنظم . وفي الآيات التي اقتطفناها من قطاع الجهاد طرف من الحملة على المنافقين , نضم إليه هذا القطاع المصور لحالهم وصفاتهم , الكاشف لطبيعتهم ووسائلهم : (ويقولون طاعة . فإذا برزوا من عندك بيت طائفة منهم غير الذي تقول , والله يكتب ما يبيتون . فأعرض عنهم , وتوكل على الله , وكفى بالله وكيلا . أفلا يتدبرون القرآن , ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا . وإذا جاءهم أمر من الأمن أو الخوف أذاعوا به . ولو ردوه إلى الرسول وإلى أولي الأمر منهم , لعلمه الذين يستنبطونه منهم , ولولا فضل الله عليكم ورحمته لاتبعتم الشيطان إلا قليلا). . [ 81 - 83 ] . .\r","part":19,"page":329},{"id":8246,"text":"(إن الذين آمنوا ثم كفروا . ثم آمنوا ثم كفروا , ثم ازدادوا كفرا لم يكن الله ليغفر لهم ولا ليهديهم سبيلا . بشر المنافقين بأن لهم عذابا أليما . الذين يتخذون الكافرين أولياء من دون المؤمنين . أيبتغون عندهم العزة ? فإن العزة لله جميعا . وقد نزل عليكم في الكتاب أن إذا سمعتم آيات الله يكفر بها ويستهزأ بها , فلا تقعدوا معهم حتى يخوضوا في حديث غيره . إنكم إذا مثلهم . إن الله جامع المنافقين والكافرين في جهنم جميعا . الذين يتربصون بكم , فإن كان لكم فتح من الله قالوا : ألم نكن معكم ? وإن كان للكافرين نصيب قالوا : ألم نستحوذ عليكم ونمنعكم من المؤمنين ? فالله , يحكم بينكم يوم القيامة , ولن يجعل الله للكافرين على المؤمنين سبيلا . إن المنافقين يخادعون الله وهو خادعهم , وإذا قاموا إلى الصلاة قاموا كسالى يراءون الناس , ولا يذكرون الله إلا قليلا . مذبذبين بين ذلك , لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء , ومن يضلل الله فلن تجد له سبيلا . يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا الكافرين أولياء من دون المؤمنين . أتريدون أن تجعلوا لله عليكم سلطانا مبينا ? إن المنافقين في الدرك الأسفل من النار , ولن تجد لهم نصيرا). . [ 137 - 145 ] . .\r","part":19,"page":330},{"id":8247,"text":"وفي قطاع الجهاد - وفي غيره من القطاعات الأخرى في السورة - نلتقي بالحرب المشبوبة على الجماعة المسلمة , وعلى العقيدة الإسلامية , والقيادة الإسلامية كذلك , من أهل الكتاب - وبخاصة اليهود - وحلفائهم من المنافقين في المدينة , والمشركين في مكة , وما حولهما . . وهي الحرب التي التقينا بها في سورة البقرة , وفي سورة آل عمران , من قبل . . ونلتقي كذلك بالمنهج الرباني . وهو يأخذ بيد الجماعة المسلمة السائرة بين الأشواك الخبيثة , والأحابيل الماكرة , يقودها , ويوجهها , ويحذرها , ويكشف لها طبيعة أعدائها , وطبيعة المعركة التي تخوضها , وطبيعة الأرض التي تدور فيها المعركة , وزواياها وجوانبها الخبيثة .\rومن علامات الإعجاز في هذا القرآن , أن هذه النصوص التي نزلت لتواجه معركة معينة , ما تزال هي بذاتها تصور طبيعة المعركة الدائمة المتجددة بين الجماعة المسلمة في كل مكان , وعلى توالي الأجيال , وبين أعدائها التقليديين ; الذين ما يزالون هم هم , وما تزال حوافزهم هي هي في أصلها , وإن اختلفت أشكالها وظواهرها وأسبابها القريبة , وما تزال أهدافهم هي هي في طبيعتها وإن اختلفت أدواتها ووسائلها , وما تزال زلزلة العقيدة , وزعزعة الصف , والتشكيك في القيادة الربانية , هي الأهداف التي تصوب إليها طلقاتهم الماكرة , للوصول من ورائها إلى الاستيلاء على مقاليد الجماعة المسلمة , والتصرف في مقاديرها , واستغلال أرضها وجهدها وغلاتها وقواها وطاقاتها , كما كانت يهود تستغل الأوس والخزرج في المدينة , قبل أن يعزهم الله ويجمعهم بالإسلام , وبالقيادة المسلمة , وبالمنهج الرباني .\r","part":19,"page":331},{"id":8248,"text":"وقد حفلت هذه السورة كما حفلت سورتا البقرة وآل عمران بالحديث عن تلك المؤامرات التي لا تنقطع من اليهود ضد الجماعة المسلمة , بالاتفاق مع المنافقين ومع المشركين . وستجيء هذه النصوص مشروحة عند استعراضها في مكانها في السياق . فنكتفي هنا بإثبات طرف من هذه الحملة العنيفة : \r(ألم تر إلى الذين أوتوا نصيبا من الكتاب يشترون الضلالة , ويريدون أن تضلوا السبيل , والله أعلم بأعدائكم , وكفى بالله وليا وكفى بالله نصيرا . من الذين هادوا يحرفون الكلم عن مواضعه , ويقولون : سمعنا وعصينا , واسمع غير مسمع , وراعنا - ليا بألسنتهم وطعنالرسالات ; ولا غريبة من الغرائب , التي لا عهد للأرض بها ; أو لا عهد بها لبني إسرائيل أنفسهم . إنما هي حلقة من سلسلة الحجة التي يأخذها الله على العباد قبل الحساب . فقد أوحى إليه كما أوحى إلى الرسل من قبله . وقد آتاه الله النبوة والحكم , كما آتى أنبياء بني إسرائيل ! فلا غرابة في رسالته , ولا غرابة في قيادته , ولا غرابة في حاكميته . وكلها مألوف في عالم الرسالات . وكل تعلات بني إسرائيل في هذا الأمر كاذبة , وكل شبهاتهم كذلك باطلة . ولهم سوابق مثلها مع نبيهم الأكبر موسى عليه السلام , ومع أنبيائهم من بعده , وبخاصة مع عيسى عليه السلام , ومن ثم لا يجوز أن يلقي باله إليها أحد من المسلمين .\rوتتولى آيات كثيرة في السورة بيان هذه الحقيقة . نقتطف بعضها في هذا المجمل ; حتى تجيء كلها مشروحة في مكانها من السياق : \r","part":19,"page":332},{"id":8249,"text":"(إنا أوحينا إليك كما أوحينا إلى نوح والنبيين من بعده . وأوحينا إلى إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط , وعيسى وأيوب ويونس وهارون وسليمان وآتينا داود زبورا . ورسلا قد قصصناهم عليك من قبل , ورسلا لم نقصصهم عليك , وكلم الله موسى تكليما . رسلا مبشرين ومنذرين , لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل , وكان الله عزيزا حكيما . لكن الله يشهد بما أنزل إليك , أنزله بعلمه . والملائكة يشهدون . وكفى بالله شهيدا). . [ 163 - 166 ] . .\r(يسألك أهل الكتاب أن تنزل عليهم كتابا من السماء , فقد سألوا موسى أكبر من ذلك فقالوا : أرنا الله جهرة). . .(فبما نقضهم ميثاقهم وكفرهم بآيات الله , وقتلهم الأنبياء بغير حق). . .(وبكفرهم وقولهم على مريم بهتانا عظيما . وقولهم : إنا قتلنا المسيح عيسى بن مريم - رسول الله - وما قتلوه وما صلبوه ولكن شبه لهم . .)[ 153 - 157 ] .\r(أم يحسدون الناس على ما آتاهم الله من فضله ? فقد آتينا آل إبراهيم الكتاب والحكمة , وآتيناهم ملكا عظيما . فمنهم من آمن به ومنهم من صد عنه . .). . [ 54 - 55 ] . .\r","part":19,"page":333},{"id":8250,"text":"وكما تتولى السورة نصيبها من تنظيم المجتمع المسلم وتطهيره من رواسب الجاهلية ; وبيان معنى الدين , وحد الإيمان , وشرط الإسلام ; وترتب على هذا البيان مقتضياته من المبادىء والتوجيهات التي أسلفنا بيانها بصفة عامة ; وتتولى دفع شبهات اليهود وكيدهم - وبخاصة فيما يتعلق بصحة الرسالة - فهي كذلك تتولى بيان بعض مقومات التصور الإسلامي الأساسية , وتجلو عنها الغبش . وتبين ما في عقيدة أهل الكتاب - من النصارى - من غلو , بعد دفع المقولات اليهودية الكاذبة عن عيسى عليه السلام وأمه الطاهرة , وتقرر وحدة الألوهية وحقيقة العبودية , وتبين حقيقة قدر الله وعلاقته بخلقه , وحقيقة الأجل وعلاقته بقدر الله , وحدود ما يغفره الله من الذنوب , وحدود التوبة وحقيقتها , وقواعد العمل والجزاء . . . إلى آخر هذه المقومات الاعتقادية الأصيلة . وذلك في مثل هذه النصوص : \r(إنما التوبة على الله للذين يعملون السوء بجهالة ثم يتوبون من قريب . فأولئك يتوب الله عليهم , وكان الله عليما حكيما . وليست التوبة للذين يعملون السيئات , حتى إذا حضر أحدهم الموت قال : إني تبت الآن ! ولا الذين يموتون وهم كفار . أولئك أعتدنا لهم عذابا أليما). . [ 17- 18 ] .\r(يريد الله ليبين لكم , ويهديكم سنن الذين من قبلكم , ويتوب عليكم , والله عليم حكيم . والله يريد أن يتوب عليكم , ويريد الذين يتبعون الشهوات أن تميلوا ميلا عظيما . يريد الله أن يخفف عنكم , وخلق الإنسان ضعيفا)\r(إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه نكفر عنكم سيئاتكم , وندخلكم مدخلا كريما). . [ آية 31 ] . .\r(إن الله لا يظلم مثقال ذرة , وإن تك حسنة يضاعفها , ويؤت من لدنه أجرا عظيما). . [ 40 ] . .\r","part":19,"page":334},{"id":8251,"text":"ألم تر إلى الذين قيل لهم كفوا أيديكم , وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة . فلما كتب عليهم القتال إذا فريق منهم يخشون الناس كخشية الله أو أشد خشية , وقالوا : ربنا لم كتبت علينا القتال ? لولا أخرتنا إلى أجل قريب ! قل : متاع الدنيا قليل , والآخرة خير لمن اتقى , ولا تظلمون فتيلا . أينما تكونوا يدرككم الموت - ولو كنتم في بروج مشيدة - وإن تصبهم حسنة يقولوا : هذه من عند الله . وإن تصبهم سيئة يقولوا : هذه من عندك ! قل : كل من عند الله , فما لهؤلاء القوم لا يكادون يفقهون حديثا . ما أصابك من حسنة فمن الله , وما أصابك من سيئة فمن نفسك . . [ 77 - 79 ] . .\rإن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء . ومن يشرك بالله فقد ضل ضلالا بعيدا [ 116 ] . .\r(ليس بأمانيكم ولا أماني أهل الكتاب . من يعمل سوءا يجز به , ولا يجد له من دون الله وليا ولا نصيرا . ومن يعمل من الصالحات من ذكر أو أنثى - وهو مؤمن - فأولئك يدخلون الجنة ولا يظلمون نقيرا). . [ 123 - 124 ] . .\r(ما يفعل الله بعذابكم إن شكرتم وآمنتم ? وكان الله شاكرا عليما). . [ 147 ] . .\r(إن الذين يكفرون بالله ورسله , ويريدون أن يفرقوا بين الله ورسله , ويقولون : نؤمن ببعض ونكفر ببعض , ويريدون أن يتخذوا بين ذلك سبيلا . أولئك هم الكافرون حقا , وأعتدنا للكافرين عذابا مهينا . والذين آمنوا بالله ورسله , ولم يفرقوا بين أحد منهم , أولئك سوف يؤتيهم أجورهم وكان الله غفورا رحيما). . [ 150 - 152 ] . .","part":19,"page":335},{"id":8252,"text":"(يا أهل الكتاب لا تغلوا في دينكم , ولا تقولوا على الله إلا الحق , إنما المسيح عيسى ابن مريم رسول الله , وكلمته ألقاها إلى مريم , وروح منه , فآمنوا بالله ورسله , ولا تقولوا : ثلاثة . انتهوا خيرا لكم . إنما الله إله واحد . سبحانه أن يكون له ولد ! له ما في السماوات وما في الأرض , وكفى بالله وكيلا . لن يستنكف المسيح أن يكون عبدا لله ولا الملائكة المقربون ومن يستنكف عن عبادته ويستكبر فسيحشرهم إليه جميعا . فأما الذين آمنوا وعملوا الصالحات فيوفيهم أجورهم , ويزيدهم من فضله . وأما الذين استنكفوا واستكبروا فيعذبهم عذابا أليما , ولا يجدون لهم من دون الله وليا ولا نصيرا). . [ 171 - 173 ] . .\rثم الأسس الأخلاقية الرفيعة , التي يقام عليها بناء المجتمع المسلم . . والسورة تعرض من هذه الأسس جمهرة صالحة . سبقت الإشارة إلى بعضها . فالعنصر الأخلاقي أصيل وعميق في كيان التصور الإسلامي , وفي كيان المجتمع المسلم ; بحيث لا يخلو منه جانب من جوانب الحياة ونشاطها كله . . ونحن نكتفي هنا بالإشارة السريعة المجملة إلى بعض الأسس المستمدة من هذا العنصر الأصيل في حياة الجماعة المسلمة ; بالإضافة إلى ما سبقت الإشارة إليه من محتويات السورة . .","part":19,"page":336},{"id":8253,"text":"إنه مجتمع يقوم على العبودية لله وحده ; فهو مجتمع متحرر إذن من كل عبودية للعبيد , في أية صورة من صور العبودية , المتحققة في كل نظام على وجه الأرض , ما عدا النظام الإسلامي ; الذي تتوحد فيه الألوهيةوتتمحض لله ; فلا تخلع خاصية من خواصها على أحد من عباده ; ولا يدين بها الناس لأحد من عبيده . . ومن هذه الحرية تنطلق الفضائل كلها , وتنطلق الأخلاقيات كلها , لأن مرجعها جميعا إلى ابتغاء رضوان الله , ومرتقاها ممتد إلى التحلي بأخلاق الله , وهي مبراة إذن من النفاق والرياء , والتطلع إلى غير وجه الله . . وهذا هو الأصل الكبير في أخلاقية الإسلام , وفي فضائل المجتمع المسلم . .\rثم ترد بعض مفردات العنصر الأخلاقي - إلى جانب ذلك الأصل الكبير - في السورة . . فهو مجتمع يقوم على الأمانة . والعدل . وعدم أكل الأموال بالباطل . وعدم النجوى والتآمر إلا في معروف . وعدم الجهر بالسوء من القول إلا من ظلم . والشفاعة الحسنة . والتحية الحسنة . ومنع الفاحشة . وتحريم السفاح والمخادنة . وعدم الاختيال والفخر , والرياء والبخل , والحسد والغل . . كما يقوم على التكافل والتعاون والتناصح والتسامح , والنخوة والنجدة , وطاعة القيادة التي لها وحدها حق الطاعة . . إلخ .\rوقد سبق ذكر معظم النصوص التي تشير إلى هذه الأسس . . وسيرد تفصيلها عند استعراضها في موضعها من السياق . . فنكتفي هنا بالإشارة إلى الحادث الفذ , الذي يشير إلى القمة السامقة , التي تتطلع إليها أنظار الإنسانية , وتظل تتطلع , ولا تبلغ إليها أبدا - كما لم تبلغ إليها قط - إلا في ظل هذا المنهج الفريد العجيب : ","part":19,"page":337},{"id":8254,"text":". . في الوقت الذي كانت يهود تكيد ذلك الكيد الجاهد للإسلام ونبيه , وللصف المسلم وقيادته . . كان القرآن يصنع الأمة المسلمة على عين الله , فيرتفع بتصوراتها وأخلاقها , ونظامها وإجراءاتها إلى القمة السامقة . . وكان يعلج حادثا يتعلق بيهودي فرد , هذا العلاج الذي سنذكره . .\rكان الله يأمر الأمة المسلمة بالأمانة المطلقة , وبالعدل المطلق \"بين الناس\" . . الناس على اختلاف أجناسهم وعقائدهم , وقومياتهم وأوطانهم . . كان يقول لهم : (إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها , وإذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل . إن الله نعما يعظكم به ! إن الله كان سميعا بصيرا). . [ آية 58 ] . . وكان يقول لهم : (يا أيها الذين آمنوا كونوا قوامين بالقسط شهداء لله , ولو على أنفسكم أو الوالدين والأقربين , إن يكن غنيا أو فقيرا فالله أولى بهما . فلا تتبعوا الهوى أن تعدلوا , وإن تلووا أو تعرضوا فإن الله كان بما تعملون خبيرا). .\rثم . . كانت الآيات ذوات العدد من القرآن تتنزل لإنصاف يهودي . . فرد . . من اتهام ظالم , وجهته إليه عصبة من المسلمين من الأنصار , ممن لم ترسخ في قلوبهم هذه المبادىء السامقة بعد , ولم تخلص نفوسهم من رواسب الجاهلية كل الخلوص . فدفعتهم عصبية الدم والعشيرة إلى تبرئة أحدهم باتهام هذا اليهودي ! والتواطؤ على اتهامه , والشهادة ضده - في حادث سرقة درع - أمام النبي {صلى الله عليه وسلم} حتى كاد أن يقضي عليه بحد السرقة , ويبرىء الفاعل الأصلي !","part":19,"page":338},{"id":8255,"text":"تنزلت هذه الآيات ذوات العدد , فيها عتاب شديد للنبي {صلى الله عليه وسلم} وفيها إنحاء باللائمة على العصبة من أهل المدينة الذين آووا النبي {صلى الله عليه وسلم} وعزروه ونصروه . . إنصافا ليهودي , من تلك الفئة التي تؤذي رسول الله {صلى الله عليه وسلم} أشد الإيذاء , وتنصب لدعوته , وتكيد له وللمسلمين هذا الكيد اللئم ! وفيها تهديد وإنذار لمن يكسب خطيئة أو إثما ثم يرمي به بريئا . وفيها - من ثم - تلك النقلة العجيبة , إلى تلك القمة السامقة , وتلك الإشارة الوضيئة إلى ذلك المرتقى الصاعد .\rلقد تنزلت هذه الآيات كلها في حادث ذلك اليهودي . . من يهود . .","part":19,"page":339},{"id":8256,"text":"(إنا أنزلنا إليك الكتاب بالحق لتحكم بين الناس بما أراك الله , ولا تكن للخائنين خصيما . واستغفر الله , إن الله كان غفورا رحيما . ولا تجادل عن الذين يختانون أنفسهم , إن الله لا يحب من كان خوانا أثيما . يستخفون من الناس ولا يستخفون من الله - وهو معهم - إذ يبيتون ما لا يرضى من القول , وكان الله بما يعملون محيطا . ها أنتم هؤلاء جادلتم عنهم في الحياة الدنيا , فمن يجادل الله عنهم يوم القيامة ? أم من يكون عليهم وكيلا ? ومن يعمل سوءا أو يظلم نفسه ثم يستغفر الله يجد الله غفورا رحيما . ومن يكسب إثما فإنما يكسبه على نفسه , وكان الله عليما حكيما . ومن يكسب خطيئة أو إثما , ثم يرم به بريئا , فقد احتمل بهتانا وإثما مبينا . ولولا فضل الله عليك ورحمته لهمت طائفة منهم أن يضلوك , وما يضلون إلا أنفسهم , وما يضرونك من شيء , وأنزل الله عليك الكتاب والحكمة , وعلمك ما لم تكن تعلم , وكان فضل الله عليك عظيما . لا خير في كثير من نجواهم , إلا من أمر بصدقة أو معروف , أو إصلاح بين الناس , ومن يفعل ذلك ابتغاء مرضاة الله فسوف نؤتيه أجرا عظيما , ومن يشاقق الرسول من بعد ما تبين له الهدى ويتبع غير سبيل المؤمنين نوله ما تولى , ونصله جهنم وساءت مصيرا . إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء , ومن يشرك بالله فقد ضل ضلالا بعيدا). . [ 105 - 116 ] . .\rفماذا ? ماذا يملك الإنسان أن يقول ? ألا أنه المنهج الفريد , الذي يملك - وحده - أن يلتقط الجماعة البشرية , من سفح الجاهلية ذاك ; فيرتقي بها في ذلك المرتقى الصاعد ; فيبلغ بها إلى تلك القمة السامقة , في مثل هذا الزمن القصير ?!","part":19,"page":340},{"id":8257,"text":"والأن نكتفي بهذه التقدمة للسورة , وموضوعاتها , وخط سيرها . . وقد أشرنا إلى ذلك الحشد من الحقائق والتصورات , والتوجيهات والتشريعات , التي تتضمنها . . مجرد إشارة . . عسى أن نبلغ شيئا في بيانها التفصيلي , عند استعراض النصوص في مكانها من السياق . .\rوالموفق هو الله. أ هـ {الظلال حـ 1 صـ 554 ـ 571}","part":19,"page":341},{"id":8258,"text":"قوله تعالى { بِسْمِ اللَّهِ الرحمن الرحيم }\r{يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا (1)}\rالمناسبة\rقال البقاعى :\rولما كان مقصودها الاجتماع على ما دعت إليه السورتان قبلها من التوحيد ، وكان السبب الأعظم في الاجتماع والتواصل عادةً الأرحام العاطفة التي مدارها النساء سميت \" النساء \" لذلك ، ولأن بالاتقاء فيهم تتحقق العفة والعدل الذي لبابه التوحيد {بسم الله} الجامع لشتات الأمور بإحسان التزاوج في لطائف المقدور {الرحمن} الذي جعل الأرحام رحمة عامة {الرحيم} الذي خص من أراد بالتواصل على ما دعا إليه دينه الذي جعله نعمة تامة.","part":19,"page":342},{"id":8259,"text":"لما تقرر أمر الكتاب الجامع الذي هو الطريق ، وثبت الأساس الحامل الذي هو التوحيد احتيج إلى الاجتماع على ذلك ، فجاءت هذه السورة داعية إلى الاجتماع والتواصل والتعاطف والتراحيم فابتدأت بالنداء العام لكل الناس ، وذلك أنه لما كانت أمهات الفضائل - كما تبين في علم الأخلاق - أربعاً : العلم والشجاعة والعدل والعفة ، كما يأتي شرح ذلك في سورة لقمان عليه السلام ، وكانت آل عمران داعية مع ما ذكر من مقاصدها إلى اثنين منها ، وهما العلم والشجاعة - كما أشير إلى ذلك في غير آية {نزل عليك الكتاب بالحق} [ آل عمران : 3 ] ، {وما يعلم تأويله إلا الله والراسخون في العلم} [ آل عمران : 7 ] ، {شهد الله أنه لا إله إلا هو والملائكة وأولو العلم} [ آل عمران : 18 ] {ولا تهنوا ولا تحزنوا وأنتم الأعلون إن كنتم مؤمنين} [ آل عمران : 139 ] {فما وهنوا لما أصابهم في سبيل الله} [ آل عمران : 146 ] {فإذا عزمت فتوكل على الله} [ آل عمران : 159 ] {ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتاً} [ آل عمران : 169 ] ، {الذين استجابوا لله والرسول من بعد ما أصابهم القرح} [ آل عمران : 172 ] ، {يا أيها الذين آمنوا اصبروا وصابروا} [ آل عمران : 200 ] ، وكانت قصة أحد قد أسفرت عن أيتام استشهد مورثوهم في حب الله ، وكان من أمرهم في الجاهلية منع أمثالهم من الإرث جوراً عن سواء السبيل وضلالاً عن أقوم الدليل ؛ جاءت هذه السورة داعية إلى الفضيلتين الباقيتين ، وهما العفة والعدل مع تأكيد الخصلتين الأخريين حسبما تدعو إليه المناسبة ، وذلك مثمر للتواصل بالإحسان والتعاطف بإصلاح الشأن للاجتماع على طاعة الديان ، فمقصودها الأعظم الاجتماع على الدين بالاقتداء بالكتاب المبين ، وما أحسن ابتداءها بعموم : {يا أيها الناس} بعد اختتام تلك بخصوص \" يا أيها الذين","part":19,"page":343},{"id":8260,"text":"آمنوا اصبروا وصابروا \" الآية.\rولما اشتملت هذه السورة على أنواع كثيرة من التكاليف ، منها التعطف على الضعاف بأمور كانوا قد مرنوا على خلافها ، فكانت في غاية المشقة على النفوس ، وأذن بشدة الاهتمام بها بافتتاح السورة واختتامها بالحث عليها قال : {اتقوا ربكم} أي سيدكم ومولاكم المحسن إليكم بالتربية بعد الإيجاد ، بأن تجعلوا بينكم وبين سخطه وقاية ، لئلا يعاقبكم بترك إحسانه إليكم فينزل بكم كل بؤس.","part":19,"page":344},{"id":8261,"text":"ابتدأ هذه ببيان كيفية ابتداء الخلق حثاً على أساس التقوى من العفة والعدل فقال : {الذي} جعل بينكم غاية الوصلة لتراعوها ولا تضيعوها ، وذلك أنه {خلقكم من نفس واحدة} هي أبوكم آدم عليه الصلاة والسلام مذكراً بعظيم قدرته ترهيباً للعاصي وترغيباَ للطائع توطئة للأمر بالإرث ، وقد جعل سبحانه الأمر بالتقوى مطلعاً لسورتين : هذه وهي رابعة النصف الأول ، والحج وهي رابعة النصف الثاني ، وعلل الأمر بالتقوى في هذه بما دل على كمال قدرته وشمول علمه وتمام حكمته من أمر المبدإ ، وعلل ذلك في الحج بما صور المعاد تصويراً لا مزيد عليه ، فدل فيها على المبدإ والمعاد تنبيهاً على أنه محط الحكمة ، ما خلق الوجود إلا لأجله ، لتظهر الأسماء الحسنى والصفات العلى أتم ظهور يمكن البشر الاطلاع عليه ، وربت ذلك على الترتيب الأحكم ، فقدم سورة المبدإ على سورة المعاد لتكون الآيات المتلوة طبق الآيات المرئية ، وأبدع من ذلك كله وأدق أنه لما كان أعظم مقاصد السورة الماضية المجادلة في أمر عيسى ، وأن مثله كمثل آدم عليهما الصلاة والسلام ، وكانت حقيقة حاله أنه ذكرٌ يولّد من أنثى فقط بلا واسطة ذكر ؛ بين في هذه السورة بقوله - عطفاً على ما تقديره جواباً لمن كأنه قال : كيف كان ذلك ؟ - إنشاء تلك النفس ، أو تكون الجملة حالية - {وخلق منها زوجها} أي مثله في ذلك أيضاً كمثل حواء : أمه فإنها أنثى تولدت من ذكر بلا واسطة أنثى فصار مثله كمثل كل من أبيه وأمه : آدم وحواء معاً عليهما الصلاة والسلام ، وصار الإعلام بخلق آدم وزوجه وعيسى عليهم الصلاة والسلام - المندرج تحت آية بعضكم من بعض مع آية البث التي بعد هذه - حاصراً للقسمة الرباعية العقلية التي لا مزيد عليها ، وهي بشر لا من ذكر ولا أنثى ، بشر منهما ، بشر من ذكر فقط ، بشر من أنثى فقط ؛ ولذلك عبر في","part":19,"page":345},{"id":8262,"text":"هذه السورة بالخلق ، وعبر عن غيرها بالجعل ، لخلو السياق عن هذا الغرض ، ويؤيد هذا أنه قال تعالى في أمر يحيى عليه الصلاة والسلام\r{كذلك الله يفعل ما يشاء} [ آل عمران : 40 ] وفي أمر عيسى عليه الصلاة والسلام {يخلق ما يشاء} [ آل عمران : 47 ] ، وأيضاً فالسياق هنا للترهيب الموجب للتقوى ، فكان بالخلق الذي هو أعظم في إظهار الاقتداء - لأنه اختراع الأسباب وترتيب المسببات عليها - أحق من الجعل الذي هو ترتيب المسببات على أسبابها وإن لم يكن اختراع - فسبحان العزيز العليم العظيم الحكيم!.\rولما ذكر تعالى الإنشاء عبر بلفظ الرب الذي هو من التربية ، ولما كان الكل - المشار إليه بقوله تعالى عطفاً على ما تقديره : وبث لكم منه إليها : {وبث منهما} أي فرق ونشر من التوالد ، ولما كان المبثوث قبل ذلك عدماً وهو الذي أوجده من العدم نكر لإفهام ذلك قوله : {رجالاً كثيراً ونساءً} من نفس واحدة ؛ كان إحسان كل من الناس إلى كل منهم من صلة الرحم ، ووصف الرجال دونهن مع أنهن أكثر منهم إشارة إلى أن لهم عليهن درجة ، فهم أقوى وأظهر وأطيب وأظهر في رأي العين لما لهم من الانتشار وللنساء من الاختفاء والاستتار.\rولما كان قد أمر سبحانه وتعالى أول الآية بتقواه مشيراً إلى أنه جدير بذلك منهم لكونه ربهم ، عطف على ذلك الأمر أمراً آخر مشيراً إلى أنه يستحق ذلك لذاته لكونه الحاوي لجميع الكمال المنزه عن كل شائبة نقص فقال : {واتقوا الله} أي عموماً لما له من إحاطة الأوصاف كما اتقيتموه خصوصاً لما له إليكم من الإحسان والتربية ، واحذروه وراقبوه في أن تقطعوا أرحامكم التي جعلها سبباً لتربيتكم.","part":19,"page":346},{"id":8263,"text":"ولما كان المقصود من هذه السورة المواصلة وصف نفسه المقدسة بما يشير إلى ذلك فقال : {الذين تساءلون} أي يسأل بعضكم بعضاً {به} فإنه لا يسأل باسمه الشريف المقدس إلا الرحمة والبر والعطف ، ثم زاد المقصود إيضاحاً فقال : {والأرحام} أي واتقوا قطيعة الأرحام التي تساءلون بها ، فإنكم تقولون : ناشدتك بالله والرحم! وعلل هذا الأمر بتخويفهم عواقب بطشه ، لأنه مطلع على سرهم وعلنهم مع ما له من القدرة الشاملة.\rفقال مؤكداً لأن أفعال الناس في ترك التقوى وقطيعة الأرحام أفعال من يشك في أنه بعين الله سبحانه : {إن الله} أي المحيط علماً وقدرة {كان عليكم} وفي أداة الاستعلاء ضرب من التهديد {رقيباً} وخفض حمزة \" الأرحام \" المقسم بها تعظيماً لها وتأكيداً للتنبيه على أنهم قد نسوا الله في الوفاء بحقوقها - كما أقسم بالنجم والتين وغيرهما ، والقراءاتان مؤذنتان بأن صلة الأرحام من الله بمكان عظيم ، حيث قرنها باسمه سواء كان عطفاً كما شرحته آية {وقضى ربك أن لا تعبدوا إلا إياه} [ الإسراء : 23 ] ، وغيرها - أو كان قسماً ، واتفق المسلمون على أن صلى الرحم واجبة ، وأحقهم بالصلة الولد ، وأول صلته أن يختار له الموضع الحلال. أ هـ {نظم الدرر حـ 2 صـ 204 ـ 207}","part":19,"page":347},{"id":8264,"text":"فصل\rقال الفخر :\rاعلم أن هذه السورة مشتملة على أنواع كثيرة من التكاليف ، وذلك لأنه تعالى أمر الناس في أول هذه السورة بالتعطف على الأولاد والنساء والأيتام ، والرأفة بهم وإيصال حقوقهم إليهم وحفظ أموالهم عليهم ، وبهذا المعنى ختمت السورة ، وهو قوله : {يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ الله يُفْتِيكُمْ فِى الكلالة} [ النساء : 176 ] وذكر في أثناء هذه السورة أنواعا أخر من التكاليف ، وهي الأمر بالطهارة والصلاة وقتال المشركين ولما كانت هذه التكاليف شاقة على النفوس لثقلها على الطباع ، لا جرم افتتح السورة بالعلة التي لأجلها يجب حمل هذه التكاليف الشاقة ، وهي تقوى الرب الذي خلقنا والاله الذي أوجدنا ، فلهذا قال : {يا أيها الناس اتقوا رَبَّكُمُ الذى خَلَقَكُمْ}. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 9 صـ 128}\rفصل\rقال الفخر :\rروى الواحدي عن ابن عباس في قوله : {يا أَيُّهَا الناس} أن هذا الخطاب لأهل مكة ، وأما الأصوليون من المفسرين فقد اتفقوا على أن الخطاب عام لجميع المكلفين ، وهذا هو الأصح لوجوه :\rأحدها : أن لفظ الناس جمع دخله الألف واللام فيفيد الاستغراق.\rوثانيها : أنه تعالى علل الأمر بالاتقاء بكونه تعالى خالقاً لهم من نفس واحدة ، وهذه العلة عامة في حق جميع المكلفين بأنهم من آدم عليه السلام خلقوا بأسرهم ، وإذا كانت العلة عامة كان الحكم عاما.\rوثالثها : أن التكليف بالتقوى غير مختص بأهل مكة ، بل هو عام في حق جميع العالمين ، وإذا كان لفظ الناس عاما في الكل ، وكان الأمر بالتقوى عاما في الكل ، وكانت علة هذا التكليف ، وهي كونهم خلقوا من النفس الواحدة عامة في حق الكل ، كان القول بالتخصيص في غاية البعد.\rوحجة ابن عباس أن قوله : {واتقوا الله الذى تَسَاءلُونَ بِهِ والأرحام} مختص بالعرب لأن المناشدة بالله وبالرحم عادة مختصة بهم.","part":19,"page":348},{"id":8265,"text":"فيقولون أسألك بالله وبالرحم ، وأنشدك الله والرحم ، وإذا كان كذلك كان قوله : {واتقوا الله الذى تَسَاءلُونَ بِهِ والأرحام} مختصا بالعرب ، فكان أول الآية وهو قوله : {أَيُّهَا الناس} مختصا بهم لأن قوله في أول الآية : {اتقوا رَبَّكُمُ} وقوله بعد ذلك : {واتقوا الله الذى تَسَاءلُونَ بِهِ والأرحام} وردا متوجهين إلى مخاطب واحد ، ويمكن أن يجاب عنه بأنه ثبت في أصول الفقه أن خصوص آخر الآية لا يمنع من عموم أولها ، فكان قوله : {يا أَيُّهَا الناس} عاما في الكل ، وقوله : {واتقوا الله الذى تَسَاءلُونَ بِهِ والأرحام }. خاصاً بالعرب. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 9 صـ 128 ـ 129}\rفائدة\rقال ابن عطية :\r\" يا \" حرف نداء \" أي \" منادى مفرد - و\" ها \" تنبيه ، و{ الناس } - نعت لأي أو صلة على مذهب أبي الحسن الأخفش ، \" والرب \" : المالك ، وفي الآية تنبيه على الصانع وعلى افتتاح الوجود ، وفيها حض على التواصل لحرمة هذا النسب وإن بعد. أ هـ {المحرر الوجيز حـ 1 صـ 554}\rفصل\rقال الآلوسى\r{ يَا أَيُّهَا الناس }\rخطاب يعم المكلفين من لدن نزل إلى يوم القيامة على ما مرّ","part":19,"page":349},{"id":8266,"text":"تحقيقه ، وفي تناول نحو هذه الصيغة للعبيد شرعاً حتى يعمهم الحكم خلاف ، فذهب الأكثرون إلى التناول لأن العبد من الناس مثلاً فيدخل في الخطاب العام له قطعاً وكونه عبداً لا يصلح مانعاً لذلك ، وذهب البعض إلى عدم التناول قالوا : لأنه قد ثبت بالإجماع صرف منافع العبد إلى سيده فلو كلف بالخطاب لكان صرفاً لمنافعه إلى غير سيده وذلك تناقض فيتبع الإجماع ويترك الظاهر ، وأيضاً خرج العبد عن الخطاب بالجهاد ، والجمعة ، والعمرة ، والحج ، والتبرعات ، والأقارير ، ونحوها ، ولو كان الخطاب متناولاً له للعموم لزم التخصيص ، والأصل عدمه ، والجواب عن الأول : أنا لا نسلم صرف منافعه إلى سيده عموماً بل قد يستثنى من ذلك وقت تضايق العبادات حتى لو أمره السيد في آخر وقت الظهر ولو أطاعه لفاتته الصلاة وجبت عليه الصلاة ، وعدم صرف منفعته في ذلك الوقت إلى السيد ، وإذا ثبت هذا فالتعبد بالعبادة ليس مناقضاً لقولهم : بصرف المنافع للسيد ، وعن الثاني : بأن خروجه بدليل اقتضى خروجه وذلك كخروج المريض ، والمسافر ، والحائض عن العمومات الدالة على وجوب الصوم ، والصلاة ، والجهاد ، وذلك لا يدل على عدم تناولها اتفاقاً ، غايته أنه خلاف الأصل ارتكب لدليل وهو جائز ثم الصحيح أن الأمم الدارجة قبل نزول هذا الخطاب لا حظ لها فيه لاختصاص الأوامر والنواهي بمن يتصور منه الامتثال ، وأنى لهم به وهم تحت أطباق الثرى لا يقومون حتى ينفخ في الصور.","part":19,"page":350},{"id":8267,"text":"وجوز بعضهم كون الخطاب عاماً بحيث يندرجون فيه ، ثم قال : ولا يبعد أن يكون الأمر الآتي عاماً لهم أيضاً بالنسبة إلى الكلام القديم القائم بذاته تعالى ، وإن كان كونه عربياً عارضاً بالنسبة إلى هذه الأمة ، وفيه نظر لأن المنظور إليه إنما هو أحكام القرآن بعد النزول وإلا لكان النداء وجميع ما فيه من خطاب المشافهة مجازات ولا قائل به فتأمل ، وعلى العلات لفظ ( الناس ) يشمل الذكور والإناث بلا نزاع ، وفي شمول نحو قوله تعالى : { اتقوا رَبَّكُمُ } خلاف ، والأكثرون على أن الإناث لا يدخلن في مثل هذه الصيغة ظاهراً خلافاً للحنابلة ، استدل الأولون بأنه قد روي عن أم سلمة أنها قالت : يا رسول الله إن النساء قلن ما نرى الله تعالى ذكر إلا الرجال فأنزل ذكرهن ، فنفت ذكرهن مطلقاً ولو كن داخلات لما صدق نفيهن ولم يجز تقريره عليه الصلاة والسلام للنفي ، وبأنه قد أجمع أرباب العربية على أن نحو هذه الصيغة جمع مذكر وأنه لتضعيف المفرد والمفرد مذكر ، وبأن نظير هذه الصيغة المسلمون ولو كان مدلول المسلمات داخلاً فيه لما حسن العطف في قوله تعالى : { إِنَّ المسلمين والمسلمات } [ الأحزاب : 35 ] إلا باعتبار التأكيد ، والتأسيس خير من التأكيد ، وقال الآخرون : المعروف من أهل اللسان تغليبهم المذكر على المؤنث عند اجتماعهما باتفاق ، وأيضاً لو لم تدخل الإناث في ذلك لما شاركن في الأحكام لثبوت أكثرها بمثل هذه الصيغة ، واللازم منتف بالاتفاق كما في أحكام الصلاة ، والصيام ، والزكاة ، وأيضاً لو أوصى لرجال ونساء بمائة درهم ، ثم قال : أوصيت لهم بكذا دخلت النساء بغير قرينة ، وهو معنى الحقيقة فيكون حقيقة في الرجال والنساء ظاهراً فيهما وهو المطلوب.","part":19,"page":351},{"id":8268,"text":"وأجيب أما عن الأول : فبأنه إنما يدل على أن الإطلاق صحيح إذا قصد الجميع ، والجمهور يقولون به ، لكنه يكون مجازاً ولا يلزم أن يكون ظاهراً وفيه النزاع.\rوأما عن الثاني : فبمنع الملازمة ، نعم يلزم أن لا يشاركن في الأحكام بمثل هذه الصيغة ، وما المانع أن يشاركن بدليل خارج ؟ والأمر كذلك ، ولذلك لم يدخلن في الجهاد والجمعة مثلاً لعدم الدليل الخارجي هناك ، وأما عن الثالث : فبمنع المبادرة ثمة بلا قرينة فإن الوصية المتقدمة قرينة دالة على الإرادة ، فالحق عدم دخول الإناث ظاهراً ، نعم الأولى هنا القول بدخولهن باعتبار التغليب ، وزعم بعضهم أن لا تغليب بل الأمر للرجال فقط كما يقتضيه ظاهر الصيغة ، ودخول الإناث في الأمر بالتقوى للدليل الخارجي ، ولا يخفى أن هذا يستدعي تخصيص لفظ الناس ببعض أفراده لأن إبقاءه حينئذ على عمومه مما يأباه الذوق السليم ، والمأمور به إما الاتقاء بحيث يشمل ما كان باجتناب الكفر والمعاصي وسائر القبائح ، ويتناول رعاية حقوق الناس كما يتناول رعاية حقوق الله تعالى.\rوأما الاتقاء في الإخلال بما يجب حفظه من الحقوق فيما بين العباد وهذا المعنى مطابق لما في السورة من رعاية حال الأيتام ، وصلة الأرحام ، والعدل في النكاح ، والإرث ونحو ذلك بالخصوص بخلاف الأول فإنه إنما يطابقها من حيث العموم ، وفي التعرض لعنوان الربوبية مع الإضافة إلى ضمير المخاطبين ما لا يخفى من تأييد الأمر وتأكيد إيجاد الامتثال ، وكذا في وصف الرب بقوله سبحانه : ","part":19,"page":352},{"id":8269,"text":"{ الذى خَلَقَكُمْ مّن نَّفْسٍ واحدة } لأن الاستعمال جار على أن الوصف الذي علق به الحكم علة موجبة له ، أو باعثة عليه داعية إليه ، ولا يخفى أن ما هنا كذلك لأن ما ذكر يدل على القدرة العظيمة أو النعمة الجسيمة ، ولا شك أن الأول : يوجب التقوى مطلقاً حذراً عن العقاب العظيم ، وأن الثاني : يدعو إليها وفاءاً بالشكر الواجب ؛ وإيجاب الخلق من أصل واحد للاتقاء على الاحتمال الثاني ظاهر جداً ، وفي الوصف المذكور تنبيه على أن المخاطبين عالمون بما ذكر مما يستدعي التحلي بالتقوى ، وفيه كمال توبيخ لمن يفوته ذلك ، والمراد من النفس الواحدة آدم عليه السلام ، والذي عليه الجماعة من الفقهاء والمحدثين ومن وافقهم أنه ليس سوى آدم واحد وهو أبو البشر وذكر صاحب \"جامع الأخبار\" من الإمامية في الفصل الخامس عشر خبراً طويلاً نقل فيه أن الله تعالى خلق قبل أبينا آدم ثلاثين آدم ، بين كل آدم وآدم ألف سنة ، وأن الدنيا بقيت خراباً بعدهم خمسين ألف سنة ، ثم عمرت خمسين ألف سنة ، ثم خلق أبونا آدم عليه السلام ، وروى ابن بابويه في كتاب \"التوحيد\" عن الصادق في حديث طويل أيضاً أنه قال : لعلك ترى أن الله تعالى لم يخلق بشراً غيركم بلى والله لقد خلق ألف ألف آدم أنتم في آخر أولئك الآدميين ، وقال الميثم في \"شرحه الكبير على النهج\" ونقل عن محمد بن علي الباقر أنه قال : قد انقضى قبل آدم الذي هو أبونا ألف ألف آدم أو أكثر ، وذكر الشيخ الأكبر قدس سره في \"فتوحاته\" ما يقتضي بظاهره أن قبل آدم بأربعين ألف سنة آدم غيره ، وفي كتاب \"الخصائص\" ما يكاد يفهم منه التعدد أيضاً الآن حيث روى فيه عن الصادق أنه قال : إن لله تعالى اثني عشر ألف عالم كل عالم منهم أكبر من سبع سموات وسبع أرضين ما يرى عالم منهم أن لله عز وجل عالماً غيرهم ، وأنى للحجة عليهم ، ولعل","part":19,"page":353},{"id":8270,"text":"هذا وأمثاله من أرض السمسمة وجابر ساوجاً بلقاً إن صح محمول على عالم المثال لا على هذا العالم الذي نحن فيه ، وحمل تعدد آدم في ذلك العالم أيضاً غير بعيد ، وأما القول بظواهر هذه الأخبار فمما لا يراه أهل السنة والجماعة ، بل قد صرح زين العرب بكفر من يعتقد التعدد ، نعم إن آدمنا هذا عليه السلام مسبوق بخلق آخرين كالملائكة والجن وكثير من الحيوانات وغير ذلك مما لا يعلمه إلا الله تعالى لا بخلق أمثاله وهو حادث نوعاً وشخصاً خلافاً لبعض الفلاسفة في زعمهم قدم نوع الإنسان ، وذهب الكثير منا إلى أنه منذ كان إلى زمن البعثة ستة آلاف سنة وأن عمر الدنيا سبعة آلاف سنة ورووا أخباراً كثيرة في ذلك ، والحق عندي أنه كان بعد أن لم يكن ولا يكون بعد أن كان ، وأما أنه متى كان ومتى لا يكون فمما لا يعلمه إلا الله تعالى ، والأخبار مضطربة في هذا الباب فلا يكاد يعوّل عليها.\rوالقول بأن النفس الكلي يجلس لفصل القضاء بين الأنفس الجزئية في كل سبعة آلاف سنة مرة وأن قيام الساعة بعد تمام ألف البعثة محمول على ذلك فمما لا أرتضيه ديناً ولا أختاره يقيناً.\rوالخطاب في ربكم وخلقكم للمأمورين وتعميمه بحيث يشمل الأمم السالفة مع بقاء ما تقدم من الخطاب غير شامل بناءاً على أن شمول ربوبيته تعالى وخلقه للكل أتم في تأكيد الأمر السابق مع أن فيه تفكيكاً للنظم مستغنى عنه لأن خلقه تعالى للمأمورين من نفس آدم عليه السلام حيث كانوا بواسطة ما بينه وبينهم من الآباء والأمهات كان التعرض لخلقهم متضمناً لحق الوسائط جميعاً ، وكذا التعرض لربوبيته تعالى لهم متضمن لربوبيته تعالى لأصولهم قاطبة لا سيما وقد أردف الكلام بقوله تعالى شأنه : \r{ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا }. أ هـ {روح المعانى حـ 4 صـ 179 ـ 181}","part":19,"page":354},{"id":8271,"text":"فصل نفيس\rقال الفخر :\rإنه تعالى جعل هذا المطلع مطلعا لسورتين في القرآن : إحداهما : هذه السورة وهي السورة الرابعة من النصف الأول من القرآن.\rوالثانية : سورة الحج ، وهي أيضا السورة الرابعة من النصف الثاني من القرآن ، ثم إنه تعالى علل الأمر بالتقوى في هذه السورة بما يدل على معرفة المبدأ ، وهو أنه تعالى خلق الخلق من نفس واحدة ، وهذا يدل على كمال قدرة الخالق وكمال علمه وكمال حكمته وجلاله ، وعلل الأمر بالتقوى في سورة الحج بما يدل على كمال معرفة المعاد ، وهو قوله : {إِنَّ زَلْزَلَةَ الساعة شَىْء عَظِيمٌ} [ الحج : 1 ] فجعل صدر هاتين السورتين دلالة على معرفة المبدأ ومعرفة المعاد ، ثم قدم السورة الدالة على المبدأ على السورة الدالة على المعاد ، وتحت هذا البحث أسرار كثيرة. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 9 صـ 129}\rفصل\rقال الفخر :\rاعلم أنه تعالى أمرنا بالتقوى وذكر عقبيه أنه تعالى خلقنا من نفس واحدة ، وهذا مشعر بأن الأمر بالتقوى معلل بأنه تعالى خلقنا من نفس واحدة ، ولا بد من بيان المناسبة بين هذا الحكم وبين ذلك الوصف ، فنقول : قولنا إنه تعالى خلقنا من نفس واحدة ، مشتمل على قيدين : أحدهما : أنه تعالى خلقنا ، والثاني : كيفية ذلك التخليق ، وهو أنه تعالي إنما خلقنا من نفس واحدة ، ولكل واحد من هذين القيدين أثر في وجوب التقوى.\rأما القيد الأول :\rوهو أنه تعالى خلقنا ، فلا شك أن هذا المعنى علة لأن يجب علينا الانقياد لتكاليف الله تعالى والخضوع لأوامره ونواهيه ، وبيان ذلك من وجوه :","part":19,"page":355},{"id":8272,"text":"الأول : أنه لما كان خالقا لنا وموجداً لذواتنا وصفاتنا فنحن عبيده وهو مولى لنا ، والربوبية توجب نفاذ أوامره على عبيده ، والعبودية توجب الانقياد للرب والموجد والخالق ، الثاني : أن الإيجاد غاية الإنعام ونهاية الإحسان ، فإنك كنت معدوما فأوجدك ، وميتا فأحياك ، وعاجزا فأقدرك ، وجاهلا فعلمك ، كما قال إبراهيم عليه السلام : {الذي خلقني فهو يهدين والذين هو يطعمني ويسقين} فلما كانت النعم بأسرها من الله سبحانه وجب على العبد أن يقابل تلك النعم بإظهار الخضوع والانقياد ، وترك التمرد والعناد ، وهذا هو المراد بقوله : {كَيْفَ تَكْفُرُونَ بالله وَكُنتُمْ أمواتا فأحياكم ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ} [ البقرة : 28 ] الثالث : وهو أنه لما ثبت كونه موجدا وخالقاً وإلها وربا لنا.\rوجب علينا أن نشتغل بعبوديته وأن نتقي كل ما نهى عنه وزجر عنه ، ووجب أن لا يكون شيء من هذه الأفعال موجباً ثواباً ألبتة ، لأن هذه الطاعات لما وجبت في مقابلة النعم السالفة امتنع أن تصير موجبة للثواب ، لأن أداء الحق إلى المستحق لا يوجب شيئاً آخر ، هذا إذا سلمنا أن العبد أتى بتلك الطاعات من عند نفسه ابتداء ، فكيف وهذا محال ، لأن فعل الطاعات لا يحصل إلا إذا خلق الله القدرة على الطاعة ، وخلق الداعية على الطاعة ، ومتى حصلت القدرة والداعي كان مجموعهما موجبا لصدور الطاعة عن العبد ، وإذا كان كذلك كانت تلك الطاعة إنعاما من الله على عبده ، والمولى إذا خص عبده بإنعام لم يصر ذلك الإنعام موجبا عليه إنعاماً آخر ، فهذا هو الاشارة إلى بيان أن كونه خالقاً لنا يوجب علينا عبوديته والاحتراز عن مناهيه.\rوأما القيد الثاني : \rوهو أن خصوص كونه خالقاً لنا من نفس واحدة يوجب علينا الطاعة والاحتراز عن المعصية ، فبيانه من وجوه : ","part":19,"page":356},{"id":8273,"text":"الأول : أن خلق جميع الأشخاص الإنسانية من الإنسان الواحد أدل على كمال القدرة ، من حيث أنه لو كان الأمر بالطبيعة والخاصية لكان المتولد من الإنسان الواحد ، لم يكن إلا أشياء متشاكلة في الصفة متشابهة في الخلقة والطبيعة ، فلما رأينا في أشخاص الناس الأبيض والأسود والأحمر والأسمر والحسن والقبيح والطويل والقصير ، دل ذلك على أن مدبرها وخالقها فاعل مختار ، لا طبيعة مؤثرة ، ولا علة موجبة ، ولما دلت هذه الدقيقة على أن مدبر العالم فاعل مختار قادر على كل الممكنات عالم بكل المعلومات ، فحينئذ يجب الانقياد لتكاليفه وأوامره ونواهيه ، فكان ارتباط قوله : {اتقوا رَبَّكُمُ} بقوله : {خَلَقَكُمْ مّن نَّفْسٍ واحدة} في غاية الحسن والانتظام.\rوالوجه الثاني : وهو أنه تعالى لما ذكر الأمر بالتقوى ذكر غقبيه الأمر بالاحسان إلى اليتامى والنساء والضعفاء ، وكون الخلق بأسرهم مخلوقين من نفس واحدة له أثر في هذا المعنى ، وذلك لأن الأقارب لا بد وأن يكون بينهم نوع مواصلة ومخالطة توجب مزيد المحبة ، ولذلك إن الإنسان يفرح بمدح أقاربه وأسلافه ، ويحزن بذمهم والطعن فيهم ، وقال عليه الصلاة والسلام : \" فاطمة بضعة مني يؤذيني ما يؤذيها \" وإذا كان الأمر كذلك ، فالفائدة في ذكر هذا المعنى أن يصير ذلك سبباً لزيادة شفقة الخلق بعضهم على البعض.\rالوجه الثالث : أن الناس إذا عرفوا كون الكل من شخص واحد تركوا المفاخرة والتكبر وأظهروا التواضع وحسن الخلق.","part":19,"page":357},{"id":8274,"text":"الوجه الرابع : أن هذا يدل على المعاد ، لأنه تعالى لما كان قادرا على أن يخرج من صلب شخص واحد أشخاصا مختلفين ، وأن يخلق من قطرة من النطفة شخصا عجيب التركيب لطيف الصورة ، فكيف يستبعد إحياء الأموات وبعثهم ونشورهم ، فتكون الآية دالة على المعاد من هذا الوجه {لِيَجْزِىَ الذين أَسَاءواْ بِمَا عَمِلُواْ وَيِجْزِى الذين أَحْسَنُواْ بالحسنى} [ النجم : 31 ].\rالوجه الخامس : قال الأصم : الفائدة فيه : أن العقل لا دليل فيه على أن الخلق يجب أن يكونوا مخلوقين من نفس واحدة ، بل ذلك إنما يعرف بالدلائل السمعية ، وكان النبي صلى الله عليه وسلم أمياً ما قرأ كتابا ولا تتلمذ لأستاذ ، فلما أخبر عن هذا المعنى كان إخبارا عن الغيب فكان معجزا ، فالحاصل أن قوله : {خَلَقَكُمْ} دليل على معرفة التوحيد ، وقوله : {مّن نَّفْسٍ واحدة} دليل على معرفة النبوة. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 9 صـ 129 ـ 130}\rسؤال : فإن قيل : كيف يصح أن يكون الخلق أجمع من نفس واحدة مع كثرتهم وصغر تلك النفس ؟\rقلنا : قد بين الله المراد بذلك لأن زوج آدم إذا خلقت من بعضه ، ثم حصل خلق أولاده من نطفتهما ثم كذلك أبدا ، جازت إضافة الخلق أجمع إلى آدم. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 9 صـ 130 ـ 131}\rفصل\rقال الفخر :\rأجمع المسلمون على أن المراد بالنفس الواحدة ههنا هو آدم عليه السلام ، إلا أنه أنث الوصف على لفظ النفس ، ونظيره قوله تعالى : {أَقَتَلْتَ نَفْسًا زَكِيَّةً بِغَيْرِ نَفْسٍ} [ الكهف : 74 ] وقال الشاعر :\rأبوك خليفة ولدته أخرى.. فأنت خليفة ذاك الكمال\rقالوا فهذا التأنيث على لفظ الخليفة. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 9 صـ 131}\rقوله تعالى وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا}\rفصل\rقال الفخر :\rالمراد من هذا الزوج هو حواء ، وفي كون حواء مخلوقة من آدم قولان :","part":19,"page":358},{"id":8275,"text":"الأول : وهو الذي عليه الأكثرون أنه لما خلق الله آدم ألقى عليه النوم ، ثم خلق حواء من ضلع من أضلاعه اليسرى ، فلما استيقط رآها ومال اليها وألفها ، لأنها كانت مخلوقة من جزء من أجزائه ، واحتجوا عليه بقول النبي صلى الله عليه وسلم : \" إن المرأة خلقت من ضلع أعوج فإن ذهبت تقيمها كسرتها وإن تركتها وفيها عوج استمتعت بها \".\rوالقول الثاني : وهو اختيار أبي مسلم الأصفهاني : أن المراد من قوله : {وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا} أي من جنسها وهو كقوله تعالى : {والله جَعَلَ لَكُمْ مّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا} [ النحل : 72 ] وكقوله : {إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولاً مّنْ أَنفُسِهِمْ} [ آل عمران : 164 ] وقوله : {لَقَدْ جَاءكُمْ رَسُولٌ مّنْ أَنفُسِكُمْ} [ التوبة : 128 ] قال القاضي : والقول الأول أقوى ، لكي يصح قوله : {خَلَقَكُمْ مّن نَّفْسٍ واحدة} إذ لو كانت حواء مخلوقة ابتداء لكان الناس مخلوقين من نفسين ، لا من نفس واحدة ، ويمكن أن يجاب عنه بأن كلمة \"من\" لابتداء الغاية ، فلما كان ابتداء التخليق والايجاد وقع بآدم عليه السلام صح أن يقال : خلقكم من نفس واحدة ، وأيضا فلما ثبت أنه تعالى قادر على خلق آدم من التراب كان قادرا أيضا على خلق حواء من التراب ، وإذا كان الأمر كذلك ، فأي فائدة في خلقها من ضلع من أضلاع آدم. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 9 صـ 131}","part":19,"page":359},{"id":8276,"text":"وقال الآلوسى :\r{ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا } وهو عطف على { خَلَقَكُمْ } داخل معه في حيز الصلة ، وأعيد الفعل لإظهار ما بين الخلقين من التفاوت لأن الأول : بطريق التفريع من الأصل ، والثاني : بطريق الإنشاء من المادة فإن المراد من الزوج حواء وهي قد خلقت من ضلع آدم عليه السلام الأيسر كما روي ذلك عن ابن عمر وغيره ، وروى الشيخان \" استوصوا بالنساء خيراً فإنهن خلقن من ضلع ، وإنّ أعوجَ شيء من الضلع أعلاه فإن ذهبت تقيمه كسرته وإن تركته لم يزل أعوج \" وأنكر أبو مسلم خلقها من الضلع لأنه سبحانه قادر على خلقها من التراب فأي فائدة في خلقها من ذلك ، وزعم أن معنى { مِنْهَا } من جنسها والآية على حد قوله تعالى : { جَعَلَ لَكُمْ مّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا } [ النحل : 72 ] ووافقه على ذلك بعضهم مدعياً أن القول بما ذكر يجر إلى القول بأن آدم عليه السلام كان ينكح بعضه بعضاً ، وفيه من الاستهجان ما لا يخفى ، وزعم بعض أن حواء كانت حورية خلقت مما خلق منه الحور بعد أن أسكن آدم الجنة وكلا القولين باطل ، أما الثاني : فلأنه ليس في الآيات ولا الأحاديث ما يتوهم منه الإشارة إليه أصلاً فضلاً عن التصريح به ، ومع هذا يقال عليه : إن الحور خلقن من زعفران الجنة كما ورد في بعض الآثار فإن كانت حواء مخلوقة مما خلقن منه كما هو نص كلام الزاعم فبينها وبين آدم عليه السلام المخلوق من تراب الدنيا بُعدٌ كلّي يكاد يكون افتراقاً في الجنسية التي ربما توهمها الآية ، ويستدعي بعد وقوع التناسل بينهما في هذه النشأة وإن كانت مخلوقة مما خلق منه آدم فهو مع كونه خلاف نص كلامه يردّ عليه إن هذا قول بما قاله أبو مسلم وإلا يكنه فهو قريب منه ، وأما الأول : فلأنه لو كان الأمر كما ذكر فيه لكان الناس مخلوقين من نفسين لا من نفس واحدة وهو خلاف النص ، وأيضاً هو","part":19,"page":360},{"id":8277,"text":"خلاف ما نطقت به الأخبار الصحيحة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وهذا يردّ على الثاني أيضاً.\rوالقول بأن أي فائدة في خلقها من ضلع والله تعالى قادر على أن يخلقها من تراب ؟ يقال عليه : إن فائدة ذلك سوى الحكمة التي خفيت عنا إظهار أنه سبحانه قادر على أن يخلق حياً من حي لا على سبيل التوالد كما أنه قادر على أن يخلق حياً من جماد كذلك ولو كانت القدرة على الخلق من التراب مانعة عن الخلق من غيره لعدم الفائدة لخلق الجميع من التراب بلا واسطة لأنه سبحانه كما أنه قادر على خلق آدم من التراب هو قادر على خلق سائر أفراد الإنسان منه أيضاً ، فما هو جوابكم عن خلق الناس بعضهم من بعض مع القدرة على خلقهم كخلق آدم عليه السلام فهو جوابنا عن خلق حواء من آدم مع القدرة على خلقها من تراب والقول : بأن ذلك يجرّ إلى ما فيه استهجان لا يخفى ما فيه.\rلأن هذا التشخص الخاص الحاصل لذلك الجزء بحيث لم يبق من تشخصه الأصلي شيء ظاهر يدفع الاستهجان الذي لا مقتضي له إلا الوهم الخالص لا سيما والحكمة تقتضي ذلك التناكح الكذائي.","part":19,"page":361},{"id":8278,"text":"فقد ذكر الشيخ الأكبر قدس سره أن حواء لما انفصلت من آدم عمر موضعها منه بالشهوة النكاحية التي بها وقع الغشيان لظهور التوالد والتناسل وكان الهواء الخارج الذي عمر موضعه جسم حواء عند خروجها إذ لا خلاء في العالم فطلب ذلك الجزء الهوائي موضعه الذي أخذته حواء بشخصيتها فحرك آدم لطلب موضعه فوجده معموراً بحواء ، فوقع عليها فلما تغشاها حملت منه فجاءت بالذرية فبقي بعد ذلك سنة جارية في الحيوان من بني آدم وغيره بالطبع ، لكن الإنسان هو الكلمة الجامعة ونسخة العالم فكل ما في العالم جزء منه ، وليس الإنسان بجزء لواحد من العالم وكان سبب الفصل وإيجاد هذا المنفصل الأول طلب الأنس بالمشاكل في الجنس الذي هو النوع الأخص ، وليكون في عالم الأجسام بهذا الالتحام الطبيعي للإنسان الكامل بالصورة التي أرادها الله تعالى ما يشبه القلم الأعلى واللوح المحفوظ الذي يعبر عنه بالعقل الأول والنفس الكلية انتهى.\rويفهم من كلامهم أن هذا الخلق لم يقع هكذا إلا بين هذين الزوجين دون سائر أزواج الحيوانات ولم أظفر في ذلك بما يشفي الغليل ، نعم أخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما أن زوج إبليس عليهما اللعنة خلقت من خلفه الأيسر ؛ والخلف كما في \"الصحاح\" أقصر أضلاع الجنب ، وبذلك فسره الضحاك في هذا المقام ، وإنما أخر بيان خلق الزوج عن بيان خلق المخاطبين لما أن تذكير خلقهم أدخل في تحقيق ماهو المقصود من حملهم على امتثال الأمر من تذكير خلقها ، وقدم الجار للاعتناء ببيان مبدئية آدم عليه السلام لها مع ما في التقديم من التشويق إلى المؤخر ، واختير عنوان الزوجية تمهيداً لما بعده من التناسل.","part":19,"page":362},{"id":8279,"text":"وذهب بعض المحققين إلى جواز عطف هذه الجملة على مقدر ينبىء عنه السوق لأن تفريع الفروع من أصل واحد يستدعي إنشاء ذلك الأصل لا محالة ، كأنه قيل : خلقكم من نفس واحدة خلقها أولاً وخلق منها زوجها الخ ، وهذا المقدر إما استئناف مسوق لتقرير وحدة المبدأ ، وبيان كيفية خلقهم منه بتفصيل ما أجمل أولاً ، وإما صفة لنفس مفيدة لذلك ، وأوجب بعضهم هذا التقدير على تقدير جعل الخطاب فيما تقدم عاماً في الجنس ، ولعل ذلك لأنه لولا التقدير حينئذ لكان هذا مع قوله تعالى : \r{ وَبَثَّ مِنْهُمَا } أي نشر وفرق من تلك النفس وزوجها على وجه التناسل والتوالد { رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاء } تكراراً لقوله سبحانه : { خَلَقَكُمْ } لأن مؤداهما واحد وليس على سبيل بيان الأول لأنه معطوف عليه على عدم التقدير ولأوهم أن الرجال والنساء غير المخلوقين من نفس واحدة ، وأنهم منفردون بالخلق منها ومن زوجها ، والناس إنما خلقوا من نفس واحدة من غير مدخل للزوج ، ولا يلزم ذلك على العطف ؛ وجعل المخاطب بخلقكم من بعث إليهم عليه الصلاة والسلام إذ يكون ( وبث منهما ) الخ واقعاً على من عدا المبعوث إليهم من الأمم الفائتة للحصر ، والتوهم في غاية البعد وكذا لا يلزم على تقدير حذف المعطوف عليه وجعل الخطاب عاماً لأن ذلك المحذوف وما عطف عليه يكونان بياناً لكيفية الخلق من تلك النفس ، ومن الناس من ادعى أنه لا مانع من جعل الخطاب عاماً من غير حاجة إلى تقدير معطوف عليه معه ، وإلى ذلك ذهب صاحب \"التقريب\" ، والمحذور الذي يذكرونه ليس بمتوجه إذ لا يفهم من خلق بني آدم من نفس واحدة خلق زوجها منه ولاخلق الرجال والنساء من الأصلين جميعاً.","part":19,"page":363},{"id":8280,"text":"والمعطوف متكفل ببيان ذلك ، وقد ذكر غير واحد أن اللازم في العطف تغاير المعطوفات ولو من وجه وهو هنا محقق بلا ريب كما لا يخفى. أ هـ {روح المعانى حـ 4 صـ 181 ـ 183}\rفائدة\rقال الفخر :\rقال ابن عباس : إنما سمي آدم بهذا الاسم لأنه تعالى خلقه من أديم الأرض كلها أحمرها وأسودها وطيبها وخبيثها ؛ فلذلك كان في ولده الأحمر والأسود والطيب والخبيث والمرأة إنما سميت بحواء لأنها خلقت من ضلع من أضلاع آدم فكانت مخلوقة من شيء حي ، فلا جرم سميت بحواء. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 9 صـ 131}\rفصل\rقال الفخر :\rاحتج جمع من الطبائعيين بهذه الآية فقالوا : قوله تعالى : {خَلَقَكُمْ مّن نَّفْسٍ واحدة} يدل على أن الخلق كلهم مخلوقون من النفس الواحدة ، وقوله : {وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا} يدل على أن زوجها مخلوقة منها ، ثم قال في صفة آدم : {خَلَقَهُ مِن تُرَابٍ} [ آل عمران : 59 ] فدل على أن آدم مخلوق من التراب ، ثم قال في حق الخلائق : {مِنْهَا خلقناكم} [ طه : 55 ] وهذه الآيات كلها دالة على أن الحادث لا يحدث إلا عن مادة سابقة يصير الشيء مخلوقا منها ، وأن خلق الشيء عن العدم المحض والنفي الصرف محال.","part":19,"page":364},{"id":8281,"text":"أجاب المتكلمون فقالوا : خلق الشيء من الشيء محال في العقول ، لأن هذا المخلوق إن كان عين ذلك الشيء الذي كان موجودا قبل ذلك لم يكن هذا مخلوقا ألبتة ، وإذا لم يكن مخلوقا امتنع كونه مخلوقا من شيء آخر ، وإن قلنا : إن هذا المخلوق مغاير للذي كان موجوداً قبل ذلك ، فحينئذ هذا المخلوق وهذا المحدث إنما حدث وحصل عن العدم المحض ، فثبت أن كون الشيء مخلوقا من غيره محال في العقول ، وأما كلمة {مِنْ} في هذه الآية فهو مفيد ابتداء الغاية ، على معنى أن ابتداء حدوث هذه الأشياء من تلك الأشياء لا على وجه الحاجة والافتقار ، بل على وجه الوقوع فقط. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 9 صـ 131 ـ 132}\rسؤال : فإن قيل : قوله تعالى : {وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا} إذا كانت حواء مخلوقة من آدم ، ونحن مخلوقون منه أيضا تكون نسبة حواء إلى آدم نسبة الولد لأنها متفرعة منه ؛ فتكون أختا لنا لا أما !\rقلنا : بعض المفسرين جعلوا {من} لبيان الجنس لا للتبعيض فمعناه : وخلق من جنسها زوجها ؛ كما فى قوله تعالى {لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ}\rالثانى : وهو الذى عليه الجمهور : أنها للتبعيض ، ولكن خلق حواء من آدم لم يكن بطريق التوليد كخلق الأولاد من الآباء ، فلا يلزم منه ثبوت حكم البنتية والأختية فيها. أ هـ {تفسير الرازى صـ 76}\r\rقوله تعالى {وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاء }\rفائدة\rقال الفخر :\rلم يقل : وبث منهما الرجال والنساء لأن ذلك يوجب كونهما مبثوثين عن نفسهما وذلك محال ، فلهذا عدل عن هذا اللفظ إلى قوله : {وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاء }.\rفإن قيل : لم لم يقل : وبث منهما رجالا كثيراً ونساء كثيراً ؟ ولم خصص وصف الكثرة بالرجال دون النساء ؟\rقلنا : السبب فيه والله أعلم أن شهرة الرجال أتم ، فكانت كثرتهم أظهر ، فلا جرم خصوا بوصف الكثرة ، وهذا كالتنبيه على أن اللائق بحال الرجال الاشتهار والخروج والبروز ، واللائق بحال النساء الاختفاء والخمول. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 9 صـ 132}","part":19,"page":365},{"id":8282,"text":"فائدة\rقال الآلوسى :\rوالتلوين في { رّجَالاً وَنِسَاء } للتكثير ، و{ كَثِيراً } نعت لرجالاً مؤكد لما أفاده التنكير ، والإفراد باعتبار معنى الجمع ، أو العدد ، أو لرعاية صيغة فعيل ، ونقل أبو البقاء أنه نعت لمصدر محذوف أي بثاً كثيراً ولهذا أفرد ، وجعله صفة حين كما قيل تكلف سمج ، وليس المراد بالرجال والنساء البالغين والبالغات ، بل الذكور والإناث مطلقاً تجوزاً ، ولعل إيثارهما على الذكور والإناث لتأكيد الكثرة والمبالغة فيها بترشيح كل فرد من الأفراد المبثوثة لمبدئية غيره ، وقيل : ذكر الكبار منهم لأنه في معرض المكلفين بالتقوى واكتفى بوصف الرجال بالكثرة عن وصف النساء بها لأن الحكمة تقتضي أن يكنّ أكثر إذ للرجل أن يزيد في عصمته على واحدة بخلاف المرأة قاله الخطيب ، واحتج بعضهم بالآية على أن الحادث لا يحدث إلا عن مادة سابقة وأن خلق الشيء عن العدم المحض والنفي الصرف محال ، وأجيب بأنه لا يلزم من إحداث شيء في صورة واحدة من المادة لحكمة أن يتوقف الإحداث على المادة في جميع الصور ، على أن الآية لا تدل على أكثر من خلقنا وخلق الزوج مما ذكر سبحانه وهو غير واف بالمدعى ، وقرىء وخالق ، وباث على حذف المبتدأ لأنه صلة لعطفه على الصلة فلا يكون إلا جملة بخلاف نحو زيد ركب وذاهب أي وهو خالق وباث. أ هـ {روح المعانى حـ 4 صـ 183}\rفائدة\rقال القرطبى :\r{ رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَآءً } حَصَر ذريتهما في نوعين ؛ فاقتضى أن الخُنْثى ليس بنوع ، لكن له حقيقة تردّه إلى هذين النوعين وهي الآدمية فيلحق بأحدهما ، على ما تقدم ذكره في \"البقرة\" من اعتبار نقص الأعضاء وزيادتها. أ هـ {تفسير القرطبى حـ 5 صـ 2}","part":19,"page":366},{"id":8283,"text":"فائدة\rقال الفخر :\rالذين يقولون : إن جميع الأشخاص البشرية كانوا كالذر ، وكانوا مجتمعين في صلب آدم عليه السلام ، حملوا قوله : {وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاء} على ظاهره ، والذين أنكروا ذلك قالوا : المراد بث منهما أولادهما ومن أولادهما جمعا آخرين ، فكان الكل مضافا إليهما على سبيل المجاز. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 9 صـ 132}\rقوله تعالى : {واتقوا الله الذى تَسَاءلُونَ بِهِ والأرحام إِنَّ الله كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً }\rقال الآلوسى :\r{ واتقوا الله الذى تَسَاءلُونَ بِهِ } تكرير للأمر الأول وتأكيد له ، والمخاطب مَن بعث إليهم صلى الله عليه وسلم أيضاً كما مر ، وقيل : المخاطب هنا وهناك هم العرب كما روي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما لأن دأبهم هذا التناشد ، وقيل : المخاطب هناك من بعث إليهم مطلقاً وهنا العرب خاصة ، وعموم أول الآية لا يمنع خصوص آخرها كالعكس ولا يخفى ما فيه من التفكيك ، ووضع الاسم الجليل موضع الضمير للإشارة إلى جميع صفات الكمال ترقياً بعد صفة الربوبية فكأنه قيل : اتقوه لربوبيته وخلقه إياكم خلقاً بديعاً ولكونه مستحقاً لصفات الكمال كلها.\rوفي تعليق الحكم بما في حيز الصلة إشارة إلى بعض آخر من موجبات الامتثال ، فإن قول القائل لصاحبه : أسألك بالله ، وأنشدك الله تعالى على سبيل الاستعطاف يقتضي الاتقاء من مخالفة أوامره ونواهيه ، وتساءلون إما بمعنى يسأل بعضكم بعضاً فالمفاعلة على ظاهرها ، وإما بمعنى تسألون كما قرىء به وتفاعل يرد بمعنى فعل إذا تعدد فاعله وأصله على القراءة المشهورة تتساءلون بتاءين فحذفت إحداهما للثقل. أ هـ {روح المعانى حـ 4 صـ 183}","part":19,"page":367},{"id":8284,"text":"فصل\rقال الفخر :\rقرأ عاصم وحمزة والكسائي : {تَسَاءلُونَ} بالتخفيف والباقون بالتشديد ، فمن شدد أراد : تتساءلون فأدغم التاء في السين لاجتماعهما في أنهما من حروف اللسان وأصول الثنايا واجتماعهما في الهمس ، ومن خفف حذف تاء تتفاعلون لاجتماع حروف متقاربة ، فأعلها بالحذف كما أعلها الأولون بالإدغام ، وذلك لأن الحروف المتقاربة إذا اجتمعت خففت تارة بالحذف وأخرى بالإدغام. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 9 صـ 133}\rفصل\rقال الفخر :\rقرأ حمزة وحده {والأرحام} بجر الميم قال القفال رحمه الله : وقد رويت هذه القراءة عن غير القراء السبعة عن مجاهد وغيره ، وأما الباقون من القراء فكلهم قرؤا بنصب الميم.\rوقال صاحب \"الكشاف\" : قرىء {والأرحام} بالحركات الثلاث ، أما قراءة حمزة فقد ذهب الأكثرون من النحويين إلى أنها فاسدة ، قالوا : لأن هذا يقتضي عطف المظهر على المضمر المجرور وذلك غير جائز.\rواحتجوا على عدم جوازه بوجوه :\rأولها : قال أبو علي الفارسي : المضمر المجرور بمنزلة الحرف ، فوجب أن لا يجوز عطف المظهر عليه ، إنما قلنا المضمر المجرور بمنزلة الحرف لوجوه : الأول : أنه لا ينفصل ألبتة كما أن التنوين لا ينفصل ، وذلك أن الهاء والكاف في قوله : به ، وبك لا ترى واحدا منفصلا عن الجار ألبتة فصار كالتنوين.\rالثاني : أنهم يحذفون الياء من المنادى المضاف في الاختيار كحذفهم التنوين من المفرد ، وذلك كقولهم : يا غلام ، فكان المضمر المجرور مشابها للتنوين من هذا الوجه ، فثبت أن المضمر المجرور بمنزلة حرف التنوين ، فوجب أن لا يجوز عطف المظهر عليه لأن من شرط العطف حصول المشابهة بين المعطوف والمعطوف عليه ، فإذا لم تحصل المشابهة ههنا وجب أن لا يجوز العطف.\rوثانيها : قال علي بن عيسى : إنهم لم يستحسنوا عطف المظهر على المضمر المرفوع.","part":19,"page":368},{"id":8285,"text":"فلا يجوز أن يقال : اذهب وزيد ، وذهبت وزيد بل يقولون : يا غلام ، فكان المضمر المجرور مشابها للتنوين من هذا الوجه ، فثبت أن المضمر المجرور بمنزلة حرف التنوين ، فوجب أن لا يجوز عطف المظهر عليه لأن من شرط العطف حصول المشابهة بين المعطوف والمعطوف عليه ، فإذا لم تحصل المشابهة ههنا وجب أن لا يجوز العطف.\rوثانيها : قال علي بن عيسى : إنهم لم يستحسنوا عطف المظهر على المضمر المرفوع.\rفلا يجوز أن يقال : اذهب وزيد ، وذهبت وزيد بل يقولون : اذهب أنت وزيد ، وذهبت أنا وزيد.\rقال تعالى : {فاذهب أَنتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلا} [ المائدة : 24 ] مع أن المضمر المرفوع قد ينفصل ، فإذا لم يجز عطف المظهر على المضمر المجرور مع أنه أقوى من المضمر المجرور بسبب أنه قد ينفصل ، فلأن لا يجوز عطف المظهر على المضمر المجرور مع أنه ألبتة لا ينفصل كان أولى.\rوثالثها : قال أبو عثمان المازني : المعطوف والمعطوف عليه متشاركان ، وإنما يجوز عطف الأول على الثاني لو جاز عطف الثاني على الأول ، وههنا هذا المعنى غير حاصل ، وذلك لأنك لا تقول : مررت بزيدوك ، فكذلك لا تقول مررت بك وزيد.\rواعلم أن هذه الوجوه ليست وجوها قوية في دفع الروايات الواردة في اللغات ، وذلك لأن حمزة أحد القراء السبعة ، والظاهر أنه لم يأت بهذه القراءة من عند نفسه ، بل رواها عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وذلك يوجب القطع بصحة هذه اللغة ، والقياس يتضاءل عند السماع لا سيما بمثل هذه الأقيسة التي هي أوهن من بيت العنكبوت ، وأيضا فلهذه القراءة وجهان :\rأحدهما : أنها على تقدير تكرير الجار ، كأنه قيل تساءلون به وبالأرحام.\rوثانيها : أنه ورد ذلك في الشعر وأنشد سيبويه في ذلك :\rفاليوم قد بت تهجونا وتشتمنا.. فاذهب فما بك والأيام من عجب\rوأنشد أيضا :","part":19,"page":369},{"id":8286,"text":"نعلق في مثل السواري سيوفنا.. وما بينها والكعب غوط نفانف\rوالعجب من هؤلاء النحاة أنهم يستحسنون إثبات هذه اللغة بهذين البيتين المجهولين ولا يستحسنون إثباتها بقراءة حمزة ومجاهد ، مع أنهما كانا من أكابر علماء السلف في علم القرآن.\rواحتج الزجاج على فساد هذه القراءة من جهة المعنى بقوله صلى الله عليه وسلم : \" لا تحلفوا بآبائكم \" فإذا عطفت الأرحام على المكنى عن اسم الله اقتضى ذلك جواز الحلف بالأرحام ، ويمكن الجواب عنه بأن هذا حكاية عن فعل كانوا يفعلونه في الجاهلية لأنهم كانوا يقولون : أسألك بالله والرحم ، وحكاية هذا الفعل عنهم في الماضي لا تنافي ورود النهي عنه في المستقبل ، وأيضاً فالحديث نهي عن الحلف بالآباء فقط ، وههنا ليس كذلك ، بل هو حلف بالله أولا ثم يقرن به بعده ذكر الرحم ، فهذا لا ينافي مدلول ذلك الحديث ، فهذا جملة الكلام في قراءة قوله : {والأرحام} بالجر.\rأما قراءته بالنصب ففيه وجهان : الأول : وهو اختيار أبي علي الفارسي وعلي بن عيسى أنه عطف على موضع الجار والمجرور كقوله : \rفلسنا بالجبال ولا الحديدا.. والثاني : وهو قول أكثر المفسرين : أن التقدير : واتقوا الأرحام أن تقطعوها ، وهو قول مجاهد وقتادة والسدي والضحاك وابن زيد والفراء والزجاج ، وعلى هذا الوجه فنصب الأرحام بالعطف على قوله : {الله} أي : اتقوا الله واتقوا الأرحام أي اتقوا حق الأرحام فصلوها ولا تقطعوها قال الواحدي رحمه الله : ويجوز أيضاً أن يكون منصوبا بالاغراء ، أي والأرحام فاحفظوها وصلوها كقولك : الأسد الأسد ، وهذا التفسير يدل على تحريم قطيعة الرحم ، ويدل على وجوب صلتها.","part":19,"page":370},{"id":8287,"text":"وأما القراءة بالرفع فقال صاحب \"الكشاف\" : الرفع على أنه مبتدأ خبره محذوف كأنه قيل : والأرحام كذلك على معنى والأرحام مما يتقى ، أو والأرحام مما يتساءل به. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 9 صـ 133 ـ 134}\rقال الطبرى :\rوالقراءة التي لا نستجيز لقارئٍ أن يقرأ غيرها في ذلك ، النصب : ( وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأرْحَامَ ) ، بمعنى : واتقوا الأرحام أن تقطعوها ، لما قد بينا أن العرب لا تعطف بظاهرٍ من الأسماء على مكنيّ في حال الخفض ، إلا في ضرورة شعر ، على ما قد وصفت قبل. (1) أ هـ {تفسير الطبرى حـ 7 صـ 523}\rوقال الآلوسى ولله دره :\rوقرأ نافع وابن كثير ، وسائر أهل الكوفة { تَسَاءلُونَ } بادغام تاء الفاعل في السين لتقاربهما في الهمس.\r_____________\r(1) سيأتى الرد على هذا الكلام لاحقا إن شاء الله تعالى من خلال كلام الآلوسى وابن عاشور وغيرهما وقد تقدم رد الإمام الفخر لهذه الطعون فى هذه القراءة المتواترة.","part":19,"page":371},{"id":8288,"text":"{ والأرحام } بالنصب وهو معطوف إما على محل الجار والمجرور إن كان المحل لهما ، أو على محل المجرور إن كان المحل له ، والكلام على حدّ مررت بزيد ، وعمراً ، وينصره قراءة ( تسألون به وبالأرحام ) وأنهم كانوا يقرنونها في السؤال والمناشدة بالله تعالى ويقولون : أسألك بالله تعالى وبالله سبحانه وبالرحم كما أخرج ذلك غير واحد عن مجاهد ، وهو اختيار الفارسي وعلي بن عيسى ؛ وإما معطوف على الاسم الجليل أي اتقوا الله تعالى والأرحام وصلوها ولا تقطعوها فإن قطعها مما يجب أن يتقى ، وهو رواية ابن حميد عن مجاهد والضحاك عن ابن عباس ، وابن المنذر عن عكرمة ، وحكي عن أبي جعفر رضي الله تعالى عنه واختاره الفراء والزجاج ، وجوز الواحدي النصب على الإغراء أي والزموا الأرحام وصلوها ، وقرأ حمزة بالجر ، وخرجت في المشهور على العطف على الضمير المجرور ، وضعف ذلك أكثر النحويين بأن الضمير المجرور كبعض الكلمة لشدة اتصاله بها فكما لا يعطف على جزء الكلمة لا يعطف عليه.","part":19,"page":372},{"id":8289,"text":"وأول من شنع على حمزة في هذ القراءة أبو العباس المبرد حتى قال : لا تحل القراءة بها ، وتبعه في ذلك جماعة منهم ابن عطية وزعم أنه يردها وجهان : أحدهما : أن ذكر أن الأرحام مما يتساءل بها لا معنى له في الحض على تقوى الله تعالى ، ولا فائدة فيها أكثر من الإخبار بأن الأرحام يتساءل بها ، وهذا مما يغض من الفصاحة ، والثاني : أن في ذكرها على ذلك تقرير التساؤل بها والقسم بحرمتها ، والحديث الصحيح يرد ذلك ، فقد أخرج الشيخان عنه صلى الله عليه وسلم : \" من كان حالفاً فليحلف بالله تعالى أو ليصمت \" وأنت تعلم أن حمزة لم يقرأ كذلك من نفسه ولكن أخذ ذلك بل جميع القرآن عن سليمان بن مهران الأعمش والإمام بن أعين ومحمد بن أبى ليلى ، وجعفر بن محمد الصادق وكان صالحاً ورعاً ثقة في الحديث من الطبقة الثالثة.","part":19,"page":373},{"id":8290,"text":"وقد قال الإمام أبو حنيفة والثوري ويحيى بن آدم في حقه غلب حمزة الناس على القراءة والفرائض ، وأخذ عنه جماعة وتلمذوا عليه منهم إمام الكوفة قراءة وعربية أبو الحسن الكسائي ، وهو أحد القراء السبع الذين قال أساطين الدين : إن قراءتهم متواترة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ومع هذا لم يقرأ بذلك وحده بل قرأ به جماعة من غير السبعة كابن مسعود وابن عباس وإبراهيم النخعي والحسن البصري وقتادة ومجاهد وغيرهم كما نقله ابن يعيش فالتشنيع على هذا الإمام في غاية الشناعة ونهاية الجسارة والبشاعة وربما يخشى منه الكفر ، وما ذكر من امتناع العطف على الضمير المجرور هو مذهب البصريين ولسنا متعبدين باتباعهم ، وقد أطال أبو حيان في \"البحر\" الكلام في الرد عليهم ، وادعى أن ما ذهبوا إليه غير صحيح ، بل الصحيح ماذهب إليه الكوفيون من الجواز وورد ذلك في لسان العرب نثراً ونظماً ، وإلى ذلك ذهب ابن مالك ، وحديث إن ذكر الأرحام حينئذ لا معنى له في الحض على تقوى الله تعالى ساقط من القول لأن التقوى إن أريد بها تقوى خاصة وهي التي في حقوق العباد التي من جملتها صلة الرحم فالتساؤل بالأرحام مما يقتضيه بلا ريب ، وإن أريد الأعم فلدخوله فيها وأما شبهة أن في ذكرها تقرير التساؤل بها ، والقسم بحرمتها والحديث يرد ذلك للنهي فيه عن الحلف بغير الله تعالى ، فقد قيل في جوابها : لا نسلم أن الحلف بغير الله تعالى مطلقاً منهي عنه ، بل المنهي عنه ما كان مع اعتقاد وجوب البر ، وأما الحلف على سبيل التأكيد مثلاً فمما لا بأس به ففي الخبر \"أفلح وأبيه إن صدق\".","part":19,"page":374},{"id":8291,"text":"وقد ذكر بعضهم أن قول الشخص لآخر : أسألك بالرحم أن تفعل كذا ليس الغرض منه سوى الاستعطاف وليس هو كقول القائل والرحم لأفعلن كذا ، ولقد فعلت كذا ، فلا يكون متعلق النهي في شيء ، والقول بأن المراد ههنا حكاية ما كانوا يفعلون في الجاهلية لا يخفى ما فيه فافهم وقد خرج ابن جني هذه القراءة على تخريج آخر ، فقال في \"الخصائص\" : باب في أن المحذوف إذا دلت الدلالة عليه كان في حكم الملفوظ به من ذلك.\rرسم دار وقفت في طلله...\rأي رب رسم دار ، وكان رؤبة إذا قيل له : كيف أصبحت ؟ يقول : خير عافاك الله تعالى أي بخير يحذف الباء لدلالة الحال عليها ، وعلى نحو من هذا تتوجه عندنا قراءة حمزة وفي \"شرح المفصل\" أن الباء في هذه القراءة محذوفة لتقدم ذكرها ، وقد مشى على ذلك أيضاً الزمخشري في \"أحاجيه\" ، وذكر صاحب \"الكشف\" أنه أقرب من التخريج الأول عند أكثر البصرية لثبوت إضمار الجار في نحو الله لأفعلن وفي نحو ما مثل عبد الله ولا أخيه يقولان ذلك والحمل على ما ثبت هو الوجه ، ونقل عن بعضهم أن الواو للقسم على نحو اتق الله تعالى فوالله إنه مطلع عليك وترك الفاء لأن الاستئناف أقوى الأصلين وهو وجه حسن.","part":19,"page":375},{"id":8292,"text":"وقرأ ابن زيد { والأرحام } بالرفع على أنه مبتدأ محذوف الخبر ، أي والأرحام كذلك أي مما يتقى لقرينة { اتقوا } أو مما يتساءل به لقرينة { تَسَاءلُونَ } وقدره ابن عطية أهل لأن توصل وابن جني مما يجب أن توصلوه وتحتاطوا فيه ولعل الجملة حينئذ معترضة وإلا ففي العطف خفاء ، وقد نبه سبحانه إذ قرن الأرحام باسمه سبحانه على أن صلتها بمكان منه تعالى ، وقد أخرج الشيخان عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : \" إن الله تعالى خلق الخلق حتى إذا فرغ منهم قامت الرحم فقالت : هذا مقام العائذ بك من القطيعة ؟ قال : نعم أما ترضين أني أصل من وصلك وأقطع من قطعك ، قالت : بلى قال : فذلك لك \" وأخرج البزار بإسناد حسن \" الرحم حجنة متمسكة بالعرش تكلم بلسان زلق اللهم صل من وصلني واقطع من قطعني فيقول الله تعالى : أنا الرحمن أنا الرحيم فإني شققت الرحم من اسمي فمن وصلها وصلته ومن بتكها بتكته \" وأخرج الإمام أحمد بإسناد صحيح : \" إن من أربى الربا الاستطالة بغير حق وإن هذه الرحم شجنة من الرحمن فمن قطعها حرم الله تعالى عليه الجنة \" والأخبار في هذا الباب كثيرة ، والمراد بالرحم الأقارب ويقع على كل من يجمع بينك وبينه نسب وإن بَعُدَ ، ويطلق على الأقارب من جهة النساء وتخصيصه في باب الصلة بمن ينتهي إلى رحم الأم منقطع عن القبول إذ قد ورد الأمر بالإحسان إلى الأقارب مطلقاً. أ هـ {روح المعانى حـ 4 صـ 183 ـ 185}\rوقال القرطبى : \rهذا ما وقفت عليه من القول لعلماء اللسان في منع قراءة \"وَالأَرْحَامِ\" بالخفض ، واختاره ابن عطية.","part":19,"page":376},{"id":8293,"text":"وردّه الإمام أبو النصر عبد الرحيم بن عبد الكريم القشيريّ ، واختار العطف فقال : ومثل هذا الكلامِ مردود عند أئمة الدين ؛ لأن القراءات التي قرأ بها أئمة القرّاء ثبتت عن النبي صلى الله عليه وسلم تواتراً يعرفه أهل الصنعة ، وإذا ثبت شيء عن النبي صلى الله عليه وسلم فمن ردّ ذلك فقد ردّ على النبي صلى الله عليه وسلم ، واستقبح ما قرأ به وهذا مقام محذور ، ولا يقلَّد فيه أئمة اللغة والنحو ؛ فإن العربية تُتلقّى من النبي صلى الله عليه وسلم ، ولا يشك أحد في فصاحته.\rوأما ما ذكر من الحديث ففيه نظر ؛ لأنه عليه السلام قال لأبي العُشَرَاء.\r\" وأبِيك لو طعنت في خاصرته \" ثم النهي إنما جاء في الحلفِ بغير الله ، وهذا توسل إلى الغير بحق الرّحم فلا نهي فيه.\rقال القشيري : وقد قيل هذا إقسام بالرّحم ، أي اتقوا الله وحق الرحم ، كما تقول : افعل كذا وحقِّ أبيك.\rوقد جاء في التنزيل : \"والنَّجْمِ ، والطّورِ ، والتِّينِ ، لَعْمرُك\" وهذا تكلفٌ.\rقلت : لا تكلف فيه فإنه لا يبعد أنه يكون \"وَالأَرْحَامِ\" من هذا القبيل ، فيكون أقسم بها كما أقسم بمخلوقاته الدالة على وحدانيته وقدرته تأكيداً لها حتى قرنها بنفسه.\rوالله أعلم.\rولِلّهِ أن يُقسِم بما شاء ويبيح ما شاء ، فلا يبعد أن يكون قسماً.\rوالعرب تُقسم بالرحم. أ هـ {تفسير القرطبى حـ 5 صـ 4 ـ 5}","part":19,"page":377},{"id":8295,"text":"فائدة\rقال ابن القيم بعد كلام طويل له :\rوينبغي أن يتفطن ههنا لأمر لا بد منه وهو أنه لا يجوز أن يحمل كلام الله عز وجل ويفسر بمجرد الاحتمال النحوى الإعرابي الذي يحتمله تركيب الكلام ويكون الكلام به له معنى ما فإن هذا مقام غلط فيه أكثر المعربين للقرآن فإنهم يفسرون الآية ويعربونها بما يحتمله تركيب تلك الجملة ويفهم من ذلك التركيب أي معنى اتفق وهذا غلط عظيم يقطع السامع بأن مراد القرآن وإن احتمل ذلك التركيب هذا المعنى في سياق آخر وكلام آخر فإنه لا يلزم أن يحتمله القرآن مثل قول بعضهم في قراءة من قرأ : {وَالأرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً} بالجر أنه قسم ومثل قول بعضهم في قوله تعالى : {وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ} إن المسجد مجرور بالعطف على الضمير المجرور في به ، ومثل قول بعضهم في قوله تعالى : {لَكِنِ الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ مِنْهُمْ وَالْمُؤْمِنُونَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَالْمُقِيمِينَ الصَّلاةَ} إن المقيمين مجرور بواو القسم ونظائر ذلك أضعاف أضعاف ما ذكرنا وأوهي بكثير بل للقرآن عرف خاص ومعان معهودة لا يناسبه تفسيره بغيرها ولا يجوز تفسيره بغير عرفة والمعهود من معانيه فإن نسبة معانيه إلى المعاني كنسبة ألفاظه إلى الألفاظ بل أعظم فكما أن ألفاظه ملوك الألفاظ وأجلها وأفصحها ولها من الفصاحة أعلى مراتبها التي يعجز عنها قدر العالمين فكذلك معانية أجل المعاني وأعظمها وأفخمها فلا يجوز تفسيره بغيرها من المعاني التي لا تليق به بل غيرها أعظم منها وأجل وأفخم فلا يجوز حمله على المعاني القاصرة بمجرد الاحتمال النحوي الإعرابي فتدبر هذه القاعدة ولتكن منك على بال فإنك تنتفع بها في معرفة ضعف كثير من أقوال المفسرين وزيفها وتقطع أنها ليست مراد\rالمتكلم تعالى بكلامه وسنزيد هذا إن شاء الله تعالى بيانا وبسطا في الكلام على أصول التفسير فهذا أصل من أصوله بل هو أهم أصوله. أ هـ {بدائع الفوائد حـ 3 صـ 27 ـ 28}","part":19,"page":378},{"id":8297,"text":"فصل\rقال الفخر :\rإنه تعالى قال أولا : {اتقوا رَبَّكُمُ} ثم قال بعده : {واتقوا الله} وفي هذا التكرير وجوه :\rالأول : تأكيد الأمر والحث عليه كقولك للرجل : اعجل اعجل فيكون أبلغ من قولك : اعجل الثاني : أنه أمر بالتقوى في الأول لمكان الإنعام بالخلق وغيره ، وفي الثاني أمر بالتقوى لمكان وقوع التساؤل به فيما يلتمس البعض من البعض.\rالثالث : قال أولا : {اتقوا رَبَّكُمُ} وقال ثانيا : {واتقوا الله} والرب لفظ يدل على التربية والإحسان ، والاله لفظ يدل على القهر والهيبة ، فأمرهم بالتقوى بناء على الترغيب ، ثم أعاد الأمر به بناء على الترهيب كما قال : {يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفاً وَطَمَعاً} [ السجدة : 16 ] وقال : {وَيَدْعُونَنَا رَغَباً وَرَهَباً} [ الأنبياء : 90 ] كأنه قيل : إنه رباك وأحسن إليك فاتق مخالفته لأنه شديد العقاب عظيم السطوة. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 9 صـ 134}\rفصل\rقال الفخر :\rاعلم أن التساؤل بالله وبالأرحام قيل هو مثل أن يقال : بالله أسألك ، وبالله أشفع إليك ، وبالله أحلف عليك ، إلى غير ذلك مما يؤكد المرء به مراده بمسألة الغير ، ويستعطف ذلك الغير في التماس حقه منه أو نواله ومعونته ونصرته ، وأما قراءة حمزة فهي ظاهرة من حيث المعنى ، والتقدير : واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام ، لأن العادة جرت في العرب بأن أحدهم قد يستعطف غيره بالرحم فيقول : أسألك بالله والرحم ، وربما أفرد ذلك فقال : أسألك بالرحم ، وكان يكتب المشركون إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم : نناشدك الله والرحم أن لا تبعث إلينا فلانا وفلانا ، وأما القراءة بالنصب فالمعنى يرجع إلى ذلك ، والتقدير : واتقوا الله واتقوا الأرحام ، قال القاضي : وهذا أحد ما يدل على أنه قد يراد باللفظ الواحد المعاني المختلفة ، لأن معنى تقوى الله مخالف لمعنى تقوى الأرحام ، فتقوى الله إنما يكون بالتزام طاعته واجتناب معاصيه ، واتقاء الأرحام بأن توصل ولا تقطع فيما يتصل بالبر والإفضال والاحسان ، ويمكن أن يجاب عنه بأنه تعالى لعله تكلم بهذه اللفظة مرتين ، وعلى هذا التقدير يزول الإشكال. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 9 صـ 134 ـ 135}","part":19,"page":379},{"id":8298,"text":"فصل\rقال الفخر :\rقال بعضهم : اسم الرحم مشتق من الرحمة التي هي النعمة ، واحتج بما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : \" يقول الله تعالى أنا الرحمن وهي الرحم اشتققت اسمها من اسمي \" ووجه التشبيه أن لمكان هذه الحالة تقع الرحمة من بعض الناس لبعض.\rوقال آخرون : بل اسم الرحم مشتق من الرحم الذي عنده يقع الإنعام وأنه الأصل ، وقال بعضهم : بل كل واحد منهما أصل بنفسه ، والنزاع في مثل هذا قريب. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 9 صـ 135}\rفائدة\rقال الفخر :\rدلت الآية على جواز المسألة بالله تعالى.\rروى مجاهد عن عمر قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : \" من سألكم بالله فأعطوه \" وعن البراء بن عازب قال : أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم بسبع : منها إبرار القسم. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 9 صـ 135}\rفصل\rقال الفخر :\rدل قوله تعالى : {والأرحام} على تعظيم حق الرحم وتأكيد النهي عن قطعها ، قال تعالى : {فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِن تَوَلَّيْتُمْ أَن تُفْسِدُواْ فِى الأرض وَتُقَطّعُواْ أَرْحَامَكُمْ} [ محمد : 22 ] وقال : {لا يَرْقُبُونَ فِى مُؤْمِنٍ إِلاًّ وَلاَ ذِمَّةً} قيل في الأول : إنه القرابة ، وقال : {وقضى رَبُّكَ أَن لاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ إياه وبالوالدين إحسانا} [ الإسراء : 23 ] وقال : {واعبدوا الله وَلاَ تُشْرِكُواْ بِهِ شَيْئاً وبالوالدين إحسانا وَبِذِى القربى واليتامى والمساكين} [ النساء : 36 ] وعن عبد الرحمن بن عوف : أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : \" يقول الله تعالى أنا الرحمن وهي الرحم اشتققت اسمها من اسمي فمن وصلها وصلته ومن قطعها قطعته \" وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم \" ما من شيء أطيع الله فيه أعجل ثوابا من صلة الرحم وما من عمل عصى الله به أعجل عقوبة من البغي واليمين الفاجرة \".","part":19,"page":380},{"id":8299,"text":"وعن أنس قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : \" إن الصدقة وصلة الرحم يزيد الله بهما في العمر ويدفع بهما ميتة السوء ويدفع الله بهما المحذور والمكروه \" وقال عليه الصلاة والسلام : \" أفضل الصدقة على ذي الرحم الكاشح \" قيل الكاشح العدو ، فثبت بدلالة الكتاب والسنة وجوب صلة الرحم واستحقاق الثواب بها ، ثم إن أصحاب أبي حنيفة رضي الله عنه بنوا على هذا الأصل مسألتين : إحداهما : أن الرجل إذا ملك ذا رحم محرم عتق عليه مثل الأخ والأخت ، والعم والخال ، قال لأنه لو بقي الملك لحل الاستخدام بالإجماع ، لكن الاستخدام إيحاش يورث قطيعة الرحم ، وذلك حرام بناء على هذا الأصل ، فوجب أن لا يبقى الملك ، وثانيهما : أن الهبة لذي الرحم المحرم لا يجوز الرجوع فيها لأن ذلك الرجوع إيحاش يورث قطيعة الرحم ، فوجب أن لا يجوز ، والكلام في هاتين المسألتين مذكور في الخلافيات. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 9 صـ 135}\rقوله تعالى {إِنَّ الله كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً}\rقال الفخر :\rوالرقيب هو المراقب الذي يحفظ عليك جميع أفعالك.\rومن هذا صفته فإنه يجب أن يخاف ويرجى ، فبين تعالى أنه يعلم السر وأخفى ، وأنه إذا كان كذلك يجب أن يكون المرء حذرا خائفا فيما يأتي ويترك. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 9 صـ 135}\rوقال الآلوسى :\r{ إِنَّ الله كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً } أي حفيظاً قاله مجاهد فهو من رقبه بمعنى حفظه كما قاله الراغب وقد يفسر بالمطلع ، ومنه المرقب للمكان العالي الذي يشرف عليه ليطلع على ما دونه ، ومن هنا فسره ابن زيد بالعالم ، وعلى كل فهو فعيل بمعنى فاعل ، والجملة في موضع التعليل للأمر ووجوب الامتثال ، وإظهار الاسم الجليل لتأكيده وتقديم الجار لرعاية الفواصل. أ هـ {روح المعانى حـ 4 صـ 185}","part":19,"page":381},{"id":8300,"text":"لطيفة\rقال الثعالبى :\rوفي قوله تعالى : { إِنَّ الله كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً } : ضرْبٌ من الوعيدِ ، قال المُحَاسِبِيُّ : سألتُ أبا جَعْفَرٍ محمدَ بْنَ موسى ، فقلْتُ : أجمل حالاتِ العارفين ما هِيَ ؟ فقال : إن الحال التي تَجْمَعُ لك الحالاتِ المَحْمُودةَ كلَّها في حالةٍ واحدةٍ هي المراقبةُ ، فَألْزِمْ نفْسَكَ ، وقَلْبَكَ دَوَامَ العِلْمِ بنَظَرِ اللَّه إليك ؛ في حركَتِك ، وسكونِكِ ، وجميعِ أحوالِكِ ؛ فإنَّك بعَيْنِ اللَّهِ ( عزَّ وجلَّ ) في جميعِ تقلُّباتك ، وإنَّك في قبضته ؛ حيث كُنْتَ ، وإنَّ عين اللَّه على قلبك ، ونَاظِرٌ إلى سِرِّك وعلانيتِكَ ، فهذه الصفةُ ، يا فتى ، بحْرٌ ليس له شطٌّ ، بَحْر تجري منْه السواقِي والأنهارُ ، وتسيرُ فيه السُّفُن إلى معادِنِ الغنيمةِ. انتهى من كتاب \"القصد إلى اللَّه سبحانه\". أ هـ {الجواهر الحسان حـ 1 صـ 346 ـ 347}\rمن فوائد أبى حيان فى الآية\rقال عليه الرحمة :\rوقيل : يجوز أن يكون أراد بالتقوى تقوى خاصة ، وهو أن يتقوه فيما يتصل بحفظ الحقوق بينهم ، فلا يقطعوا ما يجب عليهم وصله.\rفقيل : اتقوا ربكم الذي وصل بينكم بأن جعلكم صنواناً مفرعة من أرومة واحدة فيما يجب لبعضكم على بعض ولبعض ، فحافظوا عليه ولا تغفلوا عنه.\rوهذا المعنى مطابق لمعاني السورة.\rوقال ابن عباس : المراد بالتقوى الطاعة.\rوقال مقاتل : الخشية.\rوقيل : اجتناب الكبائر والصغائر.\rوالمراد بقوله : من نفس واحدة آدم.\rوقرأ الجمهور : واحدة بالتاء على تأنيث لفظ النفس.\rوقرأ ابن أبي عبلة : واحد على مراعاة المعنى ، إذ المراد به آدم ، أو على أن النفس تذكر وتؤنث ، فجاءت قراءته على تذكير النفس.\rومعنى الخلق هنا : الاختراع بطريق التفريع ، والرجوع إلى أصل واحد كما قال الشاعر :\rإلى عرق الثرى وشجت عروقي . . .\rوهذا الموت يسلبني شبابي","part":19,"page":382},{"id":8301,"text":"قال : في ري الظمآن ، ودلت الإضافة على جواز إضافة الشيء إلى الأصل الذي يرجع إليه ، وأن يعد ذلك الراجع إلى التوالد والتعاقب والتتابع.\rوعلى أنّا لسنا فيه كما زعم بعض الدهرية ، وإلا لقال : أخرجكم من نفس واحدة ، فأضاف خلقنا إلى آدم ، وإن لم نكن من نفسه بل كنا من نطفة واحدة حصلت بمن اتصل به من أولاده ، ولكنه الأصل انتهى.\rوقال الأصم : لا يدل العقل على أنَّ الخلق مخلوقين من نفس واحدة ، بل السمع.\rولما كان صلى الله عليه وسلم أميّاً ما قرأ كتاباً ، كان معنى خلقكم دليلاً على التوحيد ، ومن نفس واحدة دليلاً على النبوّة انتهى.\rوفي قوله : من نفس واحدة إشارة إلى ترك المفاخرة والكبر ، لتعريفه إياهم بأنهم من أصل واحد ودلالة على المعاد ، لأن القادر على إخراج أشخاص مختلفين من شخص واحد فقدرته على إحيائهم بطريق الأولى.\rوزوجها : هي حواء.\rوظاهر منها ابتداء خلق حوّاء من نفسه ، وأنه هو أصلها الذي اخترعت وأنشئت منه ، وبه قال : ابن عباس ، ومجاهد ، والسدّي.\rوقتادة قالوا إن الله تعالى خلق آدم وحشاً في الجنة وحده ، ثم نام فانتزع الله تعالى أحد أضلاعه القصرى من شماله.\rوقيل : من يمينه ، فحلق منها حواء.\rقال ابن عطية : ويعضد هذا القول الحديث الصحيح في قوله عليه السلام : \" إن المرأة خلقت من ضلع أعوج ، فإن ذهبت تقيمها كسرتها وكسرها طلاقها \" انتهى.\rويحتمل أن يكون ذلك على جهة التمثيل لاضطراب أخلاقهن ، وكونهن لا يثبتن على حالة واحدة ، أي : صعبات المراس ، فهي كالضلع العوجاء كما جاء خلق الإنسان من عجل.\rويؤيد هذا التأويل قوله : إن المرأة ، فأتى بالجنس ولم يقل : إن حوّاء.","part":19,"page":383},{"id":8302,"text":"وقيل : هو على حذف مضاف ، التقدير : وخلق من جنسها زوجها قاله : ابن بحر وأبو مسلم لقوله : { من أنفسكم أزواجاً } { ورسولاً منهم } قال القاضي : الأول أقوى ، إذ لو كانت حواء مخلوقة ابتداء لكان الناس مخلوقين من نفسين لا من نفس واحدة.\rويمكن أن يجاب عنه بأن كلمة من لابتداء الغاية ، فلما كان ابتداء الخلق وقع بآدم ، صح أن يقال خلقكم من نفس واحدة.\rولما كان قادراً على خلق آدم من التراب كان قادراً على خلق حواء أيضاً كذلك.\rوقيل : لا حذف ، والضمير في منها ، ليس عائداً على نفس ، بل هو عائد على الطينة التي فصلت عن طينة آدم.\rوخلقت منها حواء أي : أنها خلقت مما خلق منه آدم.\rوظاهر قول ابن عباس ومن تقدم : أنها خلقت وآدم في الجنة ، وبه قال : ابن مسعود.\rوقيل : قبل دخوله الجنة وبه قال : كعب الأحبار ووهب ، وابن إسحاق.\rوجاءت الواو في عطف هذه الصلة على أحد محاملها ، من أنَّ خلق حواء كان قبل خلق الناس.\rإذ الواو لا تدل على ترتيب زماني كما تقرر في علم العربية ، وإنما تقدم ذكر الصلة المتعلقة بخلق الناس ، وإن كان مدلولها واقعاً بعد خلق حواء ، لأجل أنهم المنادون المأمورون بتقوى ربهم.\rفكان ذكر ما تعلق بهم أولاً آكد ، ونظيره : { يا أيها الناس اعبدوا ربكم الذي خلقكم والذين من قبلكم } ومعلوم أنّ خلقهم تأخر عن خلق من قبلهم.\rولكنهم لما كانوا هم المأمورين بالعبادة والمنادين لأجلها ، اعتنى بذكر التنبيه على إنشائهم أولاً ، ثم ذكر إنشاء من كان قبلهم.\rوقد تكلف الزمخشري في إقرار ما عطف بالواو متأخراً عن ما عطف عليه ، فقدر معطوفاً عليه محذوفاً متقدماً على المعطوف في الزمان ، فقال : يعطف على محذوف كأنه قيل : من نفس واحدة أنشأها أو ابتدأها وخلق منها زوجها ، وإنما حذف لدلالة المعنى عليه.","part":19,"page":384},{"id":8303,"text":"والمعنى : شعبكم من نفس واحدة هذه صفتها ، وهي أنه أنشأها من تراب وخلق منها زوجها حوّاء من ضلع من أضلاعها.\rولا حاجة إلى تكلف هذا الوجه مع مساغ الوجه الذي ذكرناه على ما اقتضته العربية.\rوقد ذكر ذلك الوجه الزمخشري فقال : يعطف على خلقكم.\rويكون الخطاب في : يا أيها الناس الذين بعث إليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم.\rوالمعنى : خلقكم من نفس آدم ، لأنهم من جملة الجنس المفرع منه ، وخلق منها أمكم حوّاء انتهى.\rويجوز أن يكون قوله : وخلق منها زوجها معطوفاً على اسم الفاعل الذي هو واحدة التقدير من نفس وحدت ، أي انفردت.\rوخلق منها زوجها ، فيكون نظير { صافات ويقبضن } وتقول العرب : وحد يحد وحدا ووحدة ، بمعنى انفرد.\rومن غريب التفسير أنه عنى بالنفس الروح المذكورة فيما قيل أنه قال عليه الصلاة والسلام : \" إن الله خلق الأرواح قبل الأجسام بكذا وكذا سنة \" وعنى بزوجها البدن ، وعنى بالخلق التركيب.\rوإلى نحوه أشار بقوله تعالى : { ومن كل شيئين خلقنا زوجين } وقوله : { سبحان الذي خلق الأزواج كلها مما تنبت الأرض ومن أنفسهم } ولا يصح ذلك في النبات إلا على معنى التركيب.\rوبدأ بذكر الزوجين والأزواج في الأشياء على أنها لا تنفك من تركيب ، والواحد في الحقيقة ليس إلا الله تعالى انتهى.\rوهذا مخالف لكلام المتقدمين ، قال بعضهم : ونبه بقوله : وخلق منها زوجها على نقصها وكمالها ، لكونها بعضه.\rوبث منهما أي من تلك النفس ، وزوجها أي : نشر وفرق في الوجود.\r{ واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام } كرر الأمر بالتقوى تأكيداً للأول.\rوقيل : لاختلاف التعليل وذكر أولاً : الرب الذي يدل على الإحسان والتربية ، وثانياً : الله الذي يدل على القهر والهيبة.\rبنى أولاً على الترغيب ، وثانياً على الترهيب.","part":19,"page":385},{"id":8304,"text":"كقوله : { يدعون ربهم خوفاً وطمعاً } و{ ويدعوننا رغباً ورهباً } كأنه قال : إنه ربك أحسن إليك فاتق مخالفته ، فإن لم تتقه لذلك فاتقه لأنه شديد العقاب. أ هـ\rثم رد رحمه الله على كلام البصريين ومن وافقهم فقال : \rوما ذهب إليه أهل البصرة وتبعهم فيه الزمخشري وابن عطية : من امتناع العطف على الضمير المجرور إلا بإعادة الجار ، ومن اعتلالهم لذلك غير صحيح ، بل الصحيح مذهب الكوفيين في ذلك وأنه يجوز.\rوقد أطلنا الاحتجاج في ذلك عند قوله تعالى : { وكفر به والمسجد الحرام } وذكرنا ثبوت ذلك في لسان العرب نثرها ونظمها ، فأغنى ذلك عن إعادته هنا.\rوأما قول ابن عطية : ويرد عندي هذه القراءة من المعنى وجهان ، فجسارة قبيحة منه لا تليق بحاله ولا بطهارة لسانه.\rإذ عمد إلى قراءة متواترة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قرأ بها سلف الأمة ، واتصلت بأكابر قراء الصحابة الذين تلقوا القرآن من في رسول الله صلى الله عليه وسلم بغير واسطة عثمان وعلي وابن مسعود وزيد بن ثابت.\rوأقرأ الصحابة أُبيّ بن كعب عمدَ إلى ردّها بشيء خطر له في ذهنه ، وجسارته هذه لا تليق إلا بالمعتزلة كالزمخشري ، فإنه كثيراً ما يطعن في نقل القراء وقراءتهم ، وحمزة رضي الله عنه : أخذ القرآن عن سليمان بن مهران الأعمش ، وحمدان بن أعين ، ومحمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى ، وجعفر بن محمد الصادق ، ولم يقرأ حمزة حرفاً من كتاب الله إلا بأثر.\rوكان حمزة صالحاً ورعاً ثقةً في الحديث ، وهو من الطبقة الثالثة ، ولد سنة ثمانين وأحكم القراءة وله خمس عشرة سنة ، وأم الناس سنة مائة ، وعرض عليه القرآن من نظرائه جماعة منهم : سفيان الثوري ، والحسن بن صالح.","part":19,"page":386},{"id":8305,"text":"ومن تلاميذه جماعة منهم إمام الكوفة في القراءة والعربية أبو الحسن الكسائي ، وقال الثوري وأبو حنيفة ويحيى بن آدم : غلب حمزة الناس على القرآن والفرائض.\rوإنما ذكرت هذا وأطلت فيه لئلا يطلع عمر على كلام الزمخشري وابن عطية في هذه القراءة فيسيء ظناً بها وبقارئها ، فيقارب أن يقع في الكفر بالطعن في ذلك.\rولسنا متعبدين بقول نحاة البصرة ولا غيرهم ممن خالفهم ، فكم حكم ثبت بنقل الكوفيين من كلام العرب لم ينقله البصريون ، وكم حكم ثبت بنقل البصريين لم ينقله الكوفيون ، وإنما يعرف ذلك من له استبحار في علم العربية ، لا أصحاب الكنانيس المشتغلون بضروب من العلوم الآخذون عن الصحف دون الشيوخ.\r{ إن الله كان عليكم رقيباً } لا يراد بكان تقييد الخبر بالمخبر عنه في الزمان الماضي المنقطع في حق الله تعالى ، وإن كان موضوع كان ذلك ، بل المعنى على الديمومة فهو تعالى رقيب في الماضي وغيره علينا ، والرقيب تقدم شرحه في المفردات.\rوقال بعضهم : هنا هو العليم ، والمعنى : أنه مراع لكم لايخفى عليه ن أمركم شيء فاتقوه. أ هـ {البحر المحيط حـ 3 صـ 162 ـ 167}. بتصرف.\rومن فوائد ابن عاشور فى الآية\rقال رحمه الله :\r{ يا أيها الناس اتقوا رَبَّكُمُ الذى خَلَقَكُمْ مِّن نَّفْسٍ واحدة وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَآءً }.\rجاء الخطاب بيا أيُّها الناس : ليشمل جميع أمّة الدعوة الذين يسمعون القرآن يومئذ وفيما يأتي من الزمان.","part":19,"page":387},{"id":8306,"text":"فضمير الخطاب في قوله : { خلقكم } عائد إلى الناس المخاطبين بالقرآن ، أي لئلاّ يختصّ بالمؤمنين ، إذ غير المؤمنين حينئذ هم كفّار العرب وهم الذين تلقّوا دعوة الإسلام قبل جميع البشر لأنّ الخطاب جاء بلغتهم ، وهم المأمورون بالتبليغ لبقية الأمم ، وقد كتب النبي صلى الله عليه وسلم كتبه للروم وفارس ومصر بالعربية لتترجم لهم بلغاتهم.\rفلمَّا كان ما بعد هذا النداء جامعاً لما يؤمر به الناس بين مؤمن وكافر ، نودي جميع الناس ، فدعاهم الله إلى التذكّر بأنّ أصلهم واحد ، إذ قال : { اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة } دعوة تظهر فيها المناسبة بين وحدة النوع ووحدة الاعتقاد ، فالمقصود من التقوى في { اتّقوا ربّكم } اتّقاء غضبه ، ومراعاة حقوقه ، وذلك حقّ توحيده والاعتراف له بصفات الكمال ، وتنزيهه عن الشركاء في الوجود والأفعال والصفات.\rوفي هذه الصلة براعة استهلال مناسبة لما اشتملت عليه السورة من الأغراض الأصلية ، فكانت بمنزلة الديباجة.\rوعبّر بـ ( ربّكم ) ، دون الاسم العلم ، لأنّ في معنى الربّ ما يبعث العباد على الحرص في الإيمان بوحدانيته ، إذ الربّ هو المالك الذي يربّ مملوكه أي ، يدبّر شؤونه ، وليتأتّى بذكر لفظ ( الربّ ) طريق الإضافة الدالّة على أنّهم محقوقون بتقواه حقّ التقوى ، والدالّة على أنّ بين الربّ والمخاطبين صلة تعدّ إضاعتها حماقة وضلالاً.\rوأمّا التقوى في قوله : { واتقوا اللَّه الذي تساءلون به والأرحام } فالمقصد الأهمّ منها : تقوى المؤمنين بالحذر من التساهل في حقوق الأرحام واليتامى من النساء والرجال.\rثم جاء باسم الموصول { الذي خلقكم } للإيماء إلى وجه بناء الخبر لأنّ الذي خلق الإنسان حقيق بأن يتّقى.\rووَصْل { خلقكم } بصلة { من نفس واحدة } إدماج للتنبيه على عجيب هذا الخلق وحقّه بالاعتبار.","part":19,"page":388},{"id":8307,"text":"وفي الآية تلويح للمشركين بأحقّيّة اتّباعهم دعوة الإسلام ، لأنّ الناس أبناء أب واحد ، وهذا الدين يدعو الناس كلّهم إلى متابعته ولم يخصّ أمّة من الأمم أو نسباً من الأنساب ، فهو جدير بأن يكون دين جميع البشر ، بخلاف بقية الشرائع فهي مصرّحة باختصاصها بأمم معيّنة.\rوفي الآية تعريض للمشركين بأنّ أولى الناس بأن يتّبعوه هو محمد صلى الله عليه وسلم لأنّه من ذوي رحمهم.\rوفي الآية تمهيد لما سَيُبَيَّنُ في هذه السورة من الأحكام المرتّبة على النسب والقرابة.\rوالنفس الواحدة : هي آدم.\rوالزوج : حوّاء ، فإنّ حوّاء أخرجت من آدم.\rمن ضلعه ، كما يقتضيه ظاهر قوله : { منها }.\rو ( مِن ) تبعيضية.\rومعنى التبعيض أنّ حوّاء خلقت من جزء من آدم.\rقيل : من بقية الطينة التي خلق منها آدم.\rوقيل : فصلت قطعة من ضلعه وهو ظاهر الحديث الوارد في \"الصحيحين\".\rومن قال : إنّ المعنى وخلق زوجها من نوعها لم يأت بطائل ، لأنّ ذلك لا يختصّ بنوع الإنسان فإنّ أنثى كلّ نوع هي من نوعه.\rوعُطف قوله : { وخلق منها زوجها } على { خلقكم من نفس واحدة } ، فهو صلة ثانية.\rوقوله : { وبث منهما } صلة ثالثة لأنّ الذي يخلق هذا الخلق العجيب جدير بأن يتّقى ، ولأنّ في معاني هذه الصلات زيادة تحقيق اتّصال الناس بعضهم ببعض ، إذ الكلّ من أصل واحد ، وإن كان خَلْقهم ما حصل إلاّ من زوجين فكلّ أصل من أصولهم ينتمي إلى أصل فوقه.\rوقد حصل من ذكر هذه الصلات تفصيل لكيفية خلق الله الناس من نفس واحدة.\rوجاء الكلام على هذا النظم توفية بمقتضى الحال الداعي للإتيان باسم الموصول ، ومقتضى الحال الداعي لتفصيل حالة الخلق العجيب.\rولو غير هذا الأسلوب فجيء بالصورة المفصّلة دون سبق إجمال ، فقيل : الذي خلقكم من نفس واحدة وبثّ منها رجالاً كثيراً ونساء لفاتت الإشارة إلى الحالة العجيبة.","part":19,"page":389},{"id":8308,"text":"وقد ورد في الحديث : أنّ حواء خلقت من ضلع آدم ، فلذلك يكون حرف ( مِن ) في قوله : { وخلق منها } للابتداء ، أي أخرج خلق حواء من ضلع آدم.\rوالزوج هنا أريد به الأنثى الأولى التي تناسل منها البشر ، وهي حوّاء.\rوأطلق عليها اسمُ الزوج لأنّ الرجل يكون منفرداً فإذا اتّخذ امرأة فقد صارا زوجاً في بيت ، فكلّ واحد منهما زوج للآخر بهذا الاعتبار ، وإن كان أصل لفظ الزوج أن يطلق على مجموع الفردين ، فإطلاق الزوج على كلّ واحد من الرجل والمرأة المتعاقدين تسامح صار حقيقة عرفية ، ولذلك استوى فيه الرجل والمرأة لأنّه من الوصف بالجامد ، فلا يقال للمرأة ( زوجة ) ، ولم يسمع في فصيح الكلام ، ولذلك عدّه بعض أهل اللغة لحناً.\rوكان الأصمعي ينكره أشد الإنكار قيل له : فقد قال ذو الرمّة : \rأذو زوجة بالمصِر أمْ ذو خصومة...\rأراك لها بالبصرة العام ثاويا\rفقال : إنّ ذا الرّمة طالما أكل المالح والبقْل في حوانيت البقّالين ، يريد أنّه مولّد.\rوقال الفرزدق : \rوإنّ الذي يسعى ليفسد زوجتي...\rكساع إلى أسد الشرى يستبيلها\rوشاع ذلك في كلام الفقهاء ، قصدوا به التفرقة بين الرجل والمرأة عند ذكر الأحكام ، وهي تفرقة حسنة.\rوتقدّم عند قوله تعالى : { وقلنا يا آدم اسكن أنت وزوجك الجنة } في سورة البقرة ( 35 ).\rوقد شمل وخلق منها زوجها } العبرة بهذا الخلق العجيب الذي أصله واحد ، ويخرج هو مختلف الشكل والخصائص ، والمنّة على الذكران بخلق النساء لهم ، والمنّة على النساء بخلق الرجال لهنّ ، ثم منّ على النوع بنعمة النسل في قوله : { وبث منهما رجالاً كثيراً ونساء } مع ما في ذلك من الاعتبار بهذا التكوين العجيب.\rوالبثّ : النشر والتفريق للأشياء الكثيرة قال تعالى : { يوم يكون الناس كالفراش المبثوب } [ القارعة : 4 ].","part":19,"page":390},{"id":8309,"text":"ووصف الرجال ، وهو جمع ، بكثير ، وهو مفرد ، لأنّ كثير يستوي فيه المفرد والجمع ، وقد تقدّم في قوله تعالى : { وكأين من نبي قتل معه ربيون كثير } في سورة آل عمران ( 146 ).\rواستغنى عن وصف النساء بكثير لدلالة وصف الرجل به ما يقتضيه فعل البث من الكثرة.\rشروع في التشريع المقصود من السورة ، وأعيد فعل { اتّقوا } : لأنّ هذه التقوى مأمور بها المسلمون خاصّة ، فإنّهم قد بقيت فيهم بقية من عوائد الجاهلية لا يشعرون بها ، وهي التساهل في حقوق الأرحام والأيتام.\rواستحضر اسم الله العلم هنا دون ضمير يعود إلى ربّكم لإدخال الرّوع في ضمائر السامعين.\rلأنّ المقام مقام تشريع يناسبه إيثار المهابة بخلاف مقام قوله : { اتقوا ربكم } فهو مقام ترغيب.\rومعنى { تسَّاءلون به } يَسْأل بعضكم بعضاً به في القسم فالمسايلة به تؤذن بمنتهى العظمة ، فكيف لا تتّقونه.\rوقرأ الجمهور { تسَّاءلون } بتشديد السين لإدغام التاء الثانية ، وهي تاء التفاعل في السين ، لقرب المخرج واتّحاد الصفة ، وهي الهمس.\rوقرأ حمزة ، وعاصم ، والكسائي ، وخلف : تساءلون بتخفيف السين على أنّ تاء الافتعال حذفت تخفيفاً.\r{ والأرحام } قرأه الجمهور بالنصب عطفاً على اسم الله.\rوقرأه حمزة بالجرّ عطفاً على الضمير المجرور.","part":19,"page":391},{"id":8310,"text":"فعلى قراءة الجمهور يكون الأرحام مأموراً بتقواها على المعنى المصدري أي اتّقائها ، وهو على حذف مضاف ، أي اتّقاء حقوقها ، فهو من استعمال المشترك في معنييه ، وعلى هذه القراءة فالآية ابتداء تشريع وهو ممّا أشار إليه قوله تعالى : { وخلق منها زوجها } وعلى قراءة حمزة يكون تعظيماً لشأن الأرحام أي التي يسأل بعضكم بعضاً بها ، وذلك قول العرب : \"ناشدتك اللَّه والرحم\" كما روى في \"الصحيح\" : أنّ النبي صلى الله عليه وسلم حين قرأ على عتبة بن ربيعة سورة فصّلت حتّى بلغ : { فإن أعرضوا فقل أنذرتكم صاعقة مثل صاعقة عاد وثمود } [ فصلت : 13 ] فأخذت عتبة رهبة وقال : ناشدتك اللَّه والرحم.\rوهو ظاهر محمل هذه الرواية وإن أباه جمهور النحاة استعظاماً لعطف الاسم على الضمير المجرور بدون إعادة الجارّ ، حتّى قال المبرّد : \"لو قرأ الإمام بهاته القراءة لأخذت نعلي وخرجت من الصلاة\" وهذا من ضيق العطن وغرور بأنّ العربية منحصرة فيما يعلمه ، ولقد أصاب ابن مالك في تجويزه العطف على المجرور بدون إعادة الجارّ ، فتكون تعريضاً بعوائد الجاهلية ، إذ يتساءلون بينهم بالرحم وأواصر القرابة ثم يهملون حقوقها ولا يصلونها ، ويعتدون على الأيتام من إخوتهم وأبناء أعمامهم ، فناقضت أفعالُهم أقوالَهم ، وأيضاً هم قد آذوا النبي صلى الله عليه وسلم وظلموه ، وهو من ذوي رحمهم وأحقّ الناس بصلتهم كما قال تعالى : { لقد جاءكم رسول من أنفسكم } [ التوبة : 128 ] وقال : { لقد منَّ الله على المؤمنين إذ بعث فيهم رسولاً من أنفسهم } [ آل عمران : 164 ].\rوقال : { قل لا أسألكم عليه أجراً إلا المودة في القربى } [ الشورى : 23 ].\rوعلى قراءة حمزة يكون معنى الآية تتمّة لمعنى التي قبلها. أ هـ {التحرير والتنوير حـ 4 صـ 8 ـ 11}","part":19,"page":392},{"id":8311,"text":"فوائد لغوية\rقال ابن عادل :\r{ مِّن نَّفْسٍ } متعلق بـ \" خلقكم \" فهو في محل نصب ، و\" من \" لابتداء الغاية ، وكذلك \" منها زوجها وبتَّ منهما \" والجمهور على واحدة بتاء التأنيث ، وأجمع المسلمون على أنَّ المراد بالنفس الواحدة [ هاهنا ] آدم عليه السلام ، إلا أنه أنث الوصف على لفظ النفس لقوله تعالى : { أَقَتَلْتَ نَفْساً زَكِيَّةً بِغَيْرِ نَفْسٍ } [ الكهف : 74 ].\rوابن أبي عبلة واحدٍ من غير [ تاء ] تأنيث وله وجهان :\rأحدهما : مراعاة المعنى ؛ لأنه المراد بالنفس آدم عليه السلام.\rوالثاني : أن النفس تذكر وتؤنث. وعليه قوله : [ الوافر ]\rثَلاَثَةُ أنْفُسٍ وَثَلاَثُ ذَوْدٍ... لَقَدْ جَارَ الزَّمَانُ عَلَى عِيَالِي\rقوله : { وَخَلَقَ } فيه ثلاثة أوجه :\rأحدها : أنه عطفٌ على معنى \" واحدة \" لما فيه من معنى الفعل ، كأنه قيل : \" من نفس وحدت \" أي : انفردت ، يُقال : \" رجل وَحُد يَحِدُ وَحْداً وَحِدَة \" انفرد.\rالثاني : أنه عَطْفٌ على محذوف.\rقال الزَّمَخْشرِيُّ : \" كأنه قيل : من نفسٍ واحدةٍ أنشأها أو ابتدأها وخلق منها ، وإنما حذف لدلالة المعنى عليه ، والمعنى شَعَّبكم من نفس واحدةٍ هذه صفتها \" بصفة هي بيان وتفصيل لكيفية خلقكم منها ، وَإنَّما حمل الزمخشري رحمه الله تعالى والقائل الذي قبله على ذلك مراعاةُ الترتيب الوجودي ؛ لأن خلق حواء - وهي المعبر عنها بالزوج - قبل خلقنا ولا حاجة إلى ذلك ، لأن الواو لا تقتضي ترتيباً على الصحيح.","part":19,"page":393},{"id":8312,"text":"الثالث : أنه عطف على \" خَلْقَكُمْ \" ، فهو داخل في حيز الصلة والواو ولا يُبَالَى بها ، إذ لا تقتضي ترتيباً ؛ إلا أن الزَّمَخشريَّ رحمه الله تعالى خَصَّ هذا الوجه بكون الخطاب [ للمؤمنين ] في { يا أيها الناس } لمعاصري الرسول عليه السلام فإنه قال : والثاني أنه يُعْطَفُ على \" خلقكم \" ويكون الخطاب للذين بُعِثَ إليهم الرسول ، والمعنى : خلقكم من نفس آدم ؛ لأنه من جملة الجنس المفرّع [ منه ] وخلق منها أُمَّكم حواء.\rفظاهر هذا خصوصيَّةُ الوجه الثاني أن يكون الخطاب للمعاصرين ، وفيه نظر ، وَقَدَّرَ بعضهم مضافاً في \" منها \" أي : \" مِنْ جِنْسِها زوجَها \" ، وهو قول أبي مسلم ، قال : وهو كقوله : { والله جَعَلَ لَكُمْ مِّنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجاً } [ النحل : 72 ] وقال { إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولاً مِّنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُواْ عَلَيْهِمْ } [ آل عمران : 164 ] وقوله : { لَقَدْ جَآءَكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ } [ التوبة : 28 ].\rقال : وحواء لم تخلق من آدم ، وإنما خلقت من طينة فَضَلَتْ من طينة آدم.\rقال الْقَاضِي : والأول أقوى لقوله : { خَلَقَكُمْ مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ }.\rقال ابن الخَطِيبُ : \" يمكن أن يجاب بأن كلمة \" مِن \" لابتداء الغاية ، فَلمَّا كان ابتداء الغاية وهو ابتداء التخليق والإيجاد وقع بآدم صحّ أن يُقَالَ : { خَلَقَكُمْ مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ } وأيضاً فالقادر على خلق آدم من التراب ، [ كان قادراً أيضاً على خلق حواء من التراب ] ، وَإذا كان كذلك فأيّ فائدة في خلقها من ضلع من أضلاعه \".\rوقرئ \" وخالِقُ وباثٌّ \" بلفظ اسم الفاعل ، وخَرَّجَهُ الزمخشريُّ على أنه خبر لمبتدأ محذوف ، أي : وهو خالِقٌ وباثٌّ.\rوَيُقَالُ : بَثَّ وأبَثَّ ومعناه \" فَرَّقَ \" ثلاثياً ورباعياً.","part":19,"page":394},{"id":8313,"text":"قال ابن المظفر : \" البثُّ تَفْرِيقَكَ الأشياء \".\rيقال : بَثَّ الخيلَ في الغارة ، وبَثَّ الصَّيادُ كِلاَبَهُ ، وخلق الله الخلق : بَثَّهُمْ في الأرض ، وبثثت البسطة إذا نشتريها. قال تعالى : { وَزَرَابِيُّ مَبْثُوثَةٌ } [ الغاشية : 16 ].\rوقوله : \" كثيراً \" فيه وجهان : \rأظهرهما : أنه نَعْتٌ لـ \" رِجَالاً \".\rقال أبو البقاء : ولم يؤنثه حَمْلاً على المعنى ؛ لأن \" رجالاً \" بمعنى عدد أو جمع أو جنس كما ذَكَّر الفعل المسند إلى جماعةِ لمؤنثِ لقوله تعالى : { وَقَالَ نِسْوَةٌ فِي المدينة } [ يوسف : 30 ].\rوالثاني : أنه نعت لمصدر تقديره : وبث منهم بثاً كثيراً ؛ وقد تقدم أن مذهب سيبويه في مثله النصبُ على الحالِ.\rقوله : { تَسَآءَلُونَ } قرأ الكوفيون \" تَسَاءَلُونَ \" بتخفيف السين على حذف إحدى التاءين تخفيفاً ، والأصل : \" تتساءلون \" به ، وقَدْ تَقَدَّمَ الخلافُ : هَلْ المحذوفُ الأولى أو الثانية وقرأ الباقون بالتشديد على إدغام تاء التفاعل في السين ؛ لأن مقاربتها في الهمس ، ولهذا تُبْدَلُ من السين ، قالوا : \" ست \" والأصل \" سِدْسٌ \" وقرأ عبد الله : \" تَسْاَلُون \" من سأل الثلاثي ، وقُرِئَ \" تَسَلون \" بنقل حركة الهمزة على السين ، و\" تَسَاءلون \" على التفاعل فيه وجهان : \rأحدهما : المشاركة في السؤال.\rوالثاني : أنه بمعنى فَعَلَ ، ويدلّ عليه قراءة عبد الله.\rقال أبُو البَقَاءِ : \" وَدَخَلَ حَرْفُ الجرِّ في المفعول ؛ لأن المعنى : \" تتخالفون : يعني أن الأصل تعدية \" تسألون \" إلى الضمير بنفسه ، فلما ضُمِّن \" تتخلفون \" عُدِّي تَعْدِيَتَه \".\rقوله : { والأرحام } الجمهور نصبوا الميم ، وفيه وجهان : \rأحدهما : أنه عطف على لفظ الجلالة ، أي : واتقوا الأرحام أي : لا تقطعوها ، وقَدَّرَ بعضهم مضافً أي : قَطْعَ الأرحام.","part":19,"page":395},{"id":8314,"text":"ويقال : إنَّ هذا في الحقيقةِ من عطف الخاصِّ على العام ، وذلك أن معنى اتقوا الله ؛ اتقوا مخالَفَتَه ، وقَطْعُ الأرحام مندرج فيه ، وهذا قول مجاهد وقتادة والسَّدي والضحاك والفرّاء والزّجّاج.\rقال الواحدي : ويجوز أن يكون منصوباً بالإغراء ، أي : والأرحام احفظوها وصلوها كقولك : الأسدَ الأسدَ ، وهذا يَدُلُّ على تحريم قطعيةِ الرحم ووجوب صلته.\rوالثاني : أنه معطوف على محل المجرور في \" به \" ، نحو : مررت بزيد وعمراً ، ولمَّ لم يَشْرَكه في الإتباع على اللفظ تبعه على الموضع ، وه يؤيده قراءة عبد الله \" وبالأرحام \".\rوقال أبو البقاء : تُعَظِّمُونه والأرحام ، لأنَّ الحَلْفَ به تَعْظِيم له \" ، \rوقرأ حمزة \" والأرحامِ \" بالجر ، قال القفال : وقد رويت هذه القراءة عن مجاهد وغيره ، وفيها قولان.\rأحدهما : أنه عَطَفَ على الضمير المجرور في \" به \" من غير إعادة الجار ، وهذا لا يجيزه البصريون ، وقد تَقَدَّم تحقيقُ ذلك ، وأن فيها ثلاثةَ مذاهب ، واحتجاج كل فريق في قوله تعالى : { وَكُفْرٌ بِهِ والمسجد الحرام } [ البقرة : 217 ] وقد طَعَنَ جَمَاعَةٌ في هذه القراءة ، كالزجاج وغيره ، حتى يحكى عن الفراء الذي مذهبه جوازُ ذلك أنه قال : حدثني شريك بن عبد الله عن الأعمش عن إبراهيم ، قال : { والأرحام } بخفض [ الأرحام ] هو كقولهم : \" أسألك باللَّهِ والرحمِ \" قال : \" وهذا قبيح ؛ لأنَّ العرب لا ترُدُّ مخفوضاً على مخفوضٍ قَدْ كُنِي به ، وَضَعَّفَهُ بَعْضُهمُ بأنه عطف للمظهر على الضمير ، وهو لا يجوز.","part":19,"page":396},{"id":8315,"text":"قال ابن عيس : إنهم لم يستحسنوا عطف المظهر على الضمير المرفوع ، فلا يجوز أن يقال : \" اذهب وزيد \" و\" ذهبت وزيدا \" ، بل يقولون : اذهبْ أنت وزيد وذهبت أنا وزيد ، قال تعالى : { فاذهب أَنتَ وَرَبُّكَ } [ المائدة : 24 ] مع أن الضمير المرفوع قد ينفصل ، فإذا لم يجز عطف المظهر على الضمير المرفوع مع أنه أقوى من الضمير المجرور ، بسبب أنه قد ينفصل ؛ فلأن لا يجوز عطف المظهر على الضمير المجرور ، مع أنه [ لا ] ينفصل أَلْبَتَّةَ أولى.\rوالثاني : أنه ليس معطوفاً على الضمير المجرور ، بل الواو للقسم وهو خفض بحرف القسم مقسم به ، وجوابُ القسمِ { إِنَّ الله كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً } وضُعِّفَ هذا بوجهين : \rأحدهما : أن قراءتي النصبِ وإظهار حرفِ الجر في بـ \" الأرحام \" يمنعان من ذلكَ ، والأصلُ توافق القراءات.\rوالثاني : أنَّهُ نُهِيَ أن يُحْلَفَ بغيرِ الله تعالى ، والأحاديثُ مُصَرَّحةٌ بذلك.\rوَقَدَّرَ بَعْضهم مضافاً فراراً من ذلك فقال : \" ورَبِّ الأرحام \".\rقال أبو البقاء : وهذا قد أغنى عنه ما قبله \" يعني : الحلف بالله تعالى.\rويمكن الجواب عن هذا بأن للهَ تعالى أن يُقسمَ بما يشاء من مخلوقاته [ كما أقسم ] بالشمس والنجم والليل ، وإن كنا نَحْنُ منهيين عن ذلك ، إلا أنَّ المقصود من حيث المعنى ، ليس على القسم ، فالأولى حمل هذه القراءات على العطف على الضمير ، ولا التفات إلى طَعْنِ مَنْ طَعَنَ فيها.\rوأجاب آخرون بأن هذا حكاية عن فعل كانوا يفعلونه في الجاهلية ؛ لأنهم كانوا يقولون : أسألك بالله وبالرحم ، فمجيء هذا الفعل عنهم في الماضي لا ينافي ورود النهي عنه في المستقبل ؛ وأيضاً فالنهي ورد عن الحلف بالآباء فقط ، وهاهنا ليس كذلك ، بل هو حلف باللهِ أولاً ، ثُمَّ قرن بِهِ بَعْدَ ذكر لرحم ، وهذا لا ينافي مدلول الحديث.","part":19,"page":397},{"id":8316,"text":"أيضاً فحمزة أحد القراءة السبعة ، الظاهر أنه لم يأتِ بهذه القراءة من عند نفسه ، بل رواها عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وذلك يوجب القطع بصحة اللغة ، ولا التفات إلى أقيسة النحاة عند وجود السماع ، وأيضاً فلهذه القراءة وجهان : \rأحدهما : ما تقدم من تقدير تكرير الجر ، وإن لم يجزه البصريون فقد أجازه غيرهم.\rوالثاني : فقد ورد في الشعر وأنشد سيبويه : [ البسيط ]\rفاليَوْمَ قَرَّبْتَ تَهْجُونَا وتَشْتُمْنَا... فَاذْهَبْ فَمَا بِكَ والأيَّامِ مِنْ عَجَب\rوقال الآخر [ الطويل ]\rتُعَلَّقُ في مِثْلِ السَّوَاري سُيُوفُنَا... وَمَا بَيْنَهَا والْكَعْبِ غَوْطٌ نَفَانِفُ\rوقال آخر [ الوافر ]\rأكُرُّ على الكِتيبَةِ لا أُبالِي... أفِيهَا كَانَ حَتْفِي أمْ سِوَاهَا\rوحمزة بالرتبة السَّنيَّة المانعةِ له من نقلِ قراءة ضعيفة.\rقال بن الخطيبِ : \" والعَجَبُ من هَؤلاء [ النحاة ] أنهم يستحسنون إثبات هذه اللغة بهذين البيتين المجهولين ، ولا يستحسنوها بقراءة حمزة ومجاهد ، مع أنهما كانا من أكابر علماء السلف في علم القرآن \".\rوقرأ عبد الله أيضاً \" والأرحامُ \" رفعاً على الابتداء ، والخبرُ محذوف فقدَّرَهُ ابن عطية : أهلٌ أنْ توصل ، وقَدَّرَهُ الزمخشري : \" والأرحام مِمَّا يتقي \" أو \" مما يتساءل به \".\rوهذا أحسنُ للدلالة اللفظية ، والمعنوية ، بخلاف الأول فإنَّه للدلالة المعنوية فقط ، وقَدَّرَهُ أبو البقاء : والأرحام محترمة ، أي : واجبٌ حرمتها.\rوقوله تعالى : { إِنَّ الله كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً }.","part":19,"page":398},{"id":8317,"text":"جارٍ مجرى التعليل والرقيب : فَعيل للمبالغة من رَقَبَ يَرْقُبُ رَقْباً ، ورُقوباً ، ورِقْباناً إذا أحدَّ النَّظَرَ [ لأمر يريد تحقيقه ] ، والرقيب هو المراقب الذي يحفظ جميع أفعالك ، واستعماله في صفات الله تعالى بمعنى الحفيظ قال : [ مجزوء الكامل ]\rكَمَقَاعِدِ الرُّقَبَاءِ للضْ... ضُرَبَاءِ أيْدِيهمْ نَوَاهِدْ\rوقال : [ الكامل ]\rوَمَعَ الحَبيبِ بِهَا لَقَدْ نِلْتَ المُنَى... لِي عَقْلَهُ الْحُسَّادُ وَالرُّقَباءُ\rوالْمَرْقَبُ : المكان العالي المشرف يقف عليه الرقيب ، والرقيب أيضاً [ ضرب ] من الحيات ، والرقيب السهم الثالث من سهام الميسر ، وقد تقدمت من البقرة ، والارتقاب : الانتظار. أ هـ {تفسير ابن عادل حـ 6 صـ 140 ـ 148}. بتصرف.\rمن لطائف الإمام القشيرى فى الآية\rقال عليه الرحمة :\r{ يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا (1)}\rالناس اسم جنس ، والاشتقاق فيه غير قوي. وقيل سمي الإنس إنساً لظهوره فعلى هذه الإشارة : يا مَنْ ظهرتم عن كتم العَدَم بحكم تكليفي ، ثم خصصتُ مَنْ شئتُ منكم بتشريفي ، وحرمتُ من شئت منكم هدايتي وتعريفي ، ونقلتكم إلى ما شئتُ بل أوصلتكم إلى ما شئت بحكم تصريفي.\rويقال لم أُظْهِرٍ منَ العَدَمِ أمثالكم ، ولم أُظْهِرْ على أحدٍ ما أظْهَرٍتُ عليكم من أحوالكم.\rويقال سمِّيتَ إنساناً لنسيانك ، فإن نسيتني فلا شيء أَخَس منك ، وإنْ نسيت ذكري فلا أحد أَحَط منك.\rويقال من نَسِيَ الحق فلا غاية لمحنته ، ومن نسي الخَلْقَ فلا نهاية لعلوِّ حالته.","part":19,"page":399},{"id":8318,"text":"ويقال يقول للمُذْنِبين ، يا مَنْ نسِيتَ عهدي ، ورفضتَ ودي ، وتجاوزت حدِّي حانَ لك أن ترجع إلى بابي ، لتستحقَّ لطفي وإيجابي. ويقول للعارفين يا مَنْ نسيت فينا حظَّكَ ، وصُتَ عن غيرنا لَحْظَكَ ولَفْظَك - لقد عظُم علينا حَقُّك ، وَوَجَبَ لدينا نصرُك ، وجلَّ عندنا قَدْرُك.\rويقال يا من أَنِستَ بنسيم قرْبي ، واستروحتَ إلى شهود وجهي ، واعتززت بجلال قَدْري - فأنت أجلُّ عبادي عندي.\rقوله : { اتَّقُوا رَبَّكُمْ } : التقوى جماع الطاعات ، وأوله ترك الشِّرْكِ وآخره اتقاء كل غير ، وأولُ الأغيار لك نفسُكَ ، ومَنْ اتَّقَى نفسه وقف مع الله بلا مقام ولا شهود حال ، و( وقف ) لله.. لا لشهود حظِّ في الدنيا والعقبى.\rقوله : { الَّذِى خَلَقَكُمْ مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ } : وهو آدم عليه السلام ، وإذا كنا مخلوقين منه وهو مخلوق باليد فنحن أيضاً كذلك ، لمَّا ظهرت مزية آدم عليه السلام به على جميع المخلوقين والمخلوقات فكذلك وصفُنا ، قال تعالى : { أُولَئِكَ هُمْ خَيْرُ البَرِيَّةْ } [ البيّنة : 7 ].\rولفظ \" النفس \" للعموم والعموم يوجب الاستغراق.\rقوله : { وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا } : حَكَمَ الحقُّ - سبحانه - بمساكنة الخلق مع الخلق لبقاء النسل ، ولردِّ المِثْل إلى المِثْل فربَطَ الشكلَ بالشكلِ.\rقوله : { وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيرًا وَنِسَاءً } : تعرَّف إلى العقلاء على كمال القدرة بما ألاح من براهين الربوبية ودلالات الحكمة ؛ حيث خَلق جميع هذا الخلق من نسل شخصٍ واحدٍ ، على اختلاف هيئتهم ، وتفاوت صورهم ، وتباين أخلاقهم ، وإن اثنين منهم لا يتشابهان ، فلكلٍ وجه في الصورة والخلق ، والهمة والحالة ، فسبحان من لا حدَّ لمقدوراته ولا غاية لمعلوماته.\rثم قال : { واتَّقُوا اللهَ } تكريرالأمر بالتقوى يدلُّ على تأكيد حكمه.\rوقوله : { تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأرْحَامَ } : أي اتقوا الأرحام أن تقطعوها ، فَمَنْ قَطَعَ الرحمَ قُطِع ، ومَنْ وَصَلَها وَصَل.\r{ إنَّ اللهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا } : مطلعاً شهيداً ، يعدُ عليك أنفاسكَ ، ويرى حواسَك ، وهو مُتَوَّلٍ خطراتِك ، ومنشئٌ حركاتِك وسكناتِك. ومَنْ عَلِمَ أنه رقيب عليه فبالحريِّ أن يستحيَ منه. أ هـ {لطائف الإشارات حـ 1 صـ 311 ـ 312}","part":19,"page":400},{"id":8319,"text":"كلام نفيس فى المراقبة\rقال العلامة ابن جزى عليه رحمة الله :\r{إن الله كان عليكم رقيبا}\rإذا تحقق العبد بهذه الآية وأمثالها استفاد مقام المراقبة وهو مقام شريف أصله علم وحال ثم يثمر حالين\rأما العلم فهو معرفة العبد لأن الله مطلع عليه ناظر إليه يرى جميع أعماله ويسمع جميع أقواله ويعلم كل ما يخطر على باله وأما الحال فهي ملازمة هذا العلم للقلب بحيث يغلب عليه ولا يغفل عنه ولا يكفي العلم دون هذه الحال فإذا حصل العلم والحال كانت ثمرتها عند أصحاب اليمين الحياء من الله وهو يوجب بالضرورة ترك المعاصي والجد في الطاعات وكانت ثمرتها عند المقربين الشهادة التي توجب التعظيم والإجلال لذي الجلال وإلى هاتين الثمرتين أشار رسول الله صلى الله عليه وسلم بقوله الإحسان أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك فقوله أن تعبد الله كأنك تراه إشارة إلى الثمرة الثانية وهي المشاهدة الموجبة للتعظيم كمن يشاهد ملكا عظيما فإنه يعظمه إذ ذاك بالضرورة","part":19,"page":401},{"id":8320,"text":"وقوله : فإن لم تكن تراه فإنه يراك إشارة إلى الثمرة الأولى ومعناه إن لم تكن من أهل المشاهدة التي هي مقام المقربين فاعلم أنه يراك فكن من أهل الحياء الذي هو مقام أصحاب اليمين فلما فسر الإحسان أول مرة بالمقام الأعلى رأى أن كثيرا من الناس قد يعجزون عنه فنزل عنه إلى المقام الآخر واعلم أن المراقبة لا تستقيم حتى تتقدم قبلها المشارطة والمرابطة وتتأخر عنها المحاسبة والمعاقبة فأما المشارطة فهي اشتراط العبد على نفسه بالتزام الطاعة وترك المعاصي وأما المرابطة فهي معاهدة العبد لربه على ذلك ثم بعد المشارطة والمرابطة أول الأمر تكون المراقبة إلى آخره وبعد ذلك يحاسب العبد نفسه على ما اشترطه وعاهد عليه فإن وجد نفسه قد أوفى بما عهد عليه الله حمد الله وإن وجد نفسه قد حل عقد المشارطة ونقص عهد المرابطة عاقب النفس عقابا بزجرها عن العودة إلى مثل ذلك ثم عاد إلى المشارطة والمرابطة وحافظ على المراقبة ثم اختبر بالمحاسبة فهكذا يكون حتى يلقى الله تعالى. أ هـ {التسهيل لعلوم التنزيل حـ 1 صـ 128 ـ 129}\rوقال العلامة ابن القيم ـ رحمه الله ـ فى منزلة المراقبة : \rومن منازل إياك نعبد وإياك نستعين منزلة المراقبة\r","part":19,"page":402},{"id":8321,"text":"قال الله تعالى : {وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي أَنْفُسِكُمْ فَاحْذَرُوهُ} [ البقره : 235 ] وقال تعالى {وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ رَقِيباً} [ الأحزاب : 52 ] وقال تعالى : {وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ} [ الحديد : 4 ] وقال تعالى : {أَلَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اللَّهَ يَرَى} [ العلق : 14 ] وقال تعالى : {فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا} [ الطور : 48 ] وقال تعالى : {يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ} [ غافر : 19 ] إلى غير ذلك من الآيات وفي حديث جبريل عليه السلام : أنه سأل النبي صلى الله عليه وسلم عن الإحسان فقال له : أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك المراقبة دوام علم العبد وتيقنه باطلاع الحق سبحانه وتعالى على ظاهره وباطنه فاستدامته لهذا العلم واليقين : هي المراقبة وهي ثمرة علمه بأن الله سبحانه رقيب عليه ناظر إليه سامع لقوله وهو مطلع على عمله كل وقت وكل لحظة وكل نفس وكل طرفة عين والغافل عن هذا بمعزل عن حال أهل البدايات فكيف بحال المريدين فكيف بحال العارفين\rقال الجريري : من لم يحكم بينه وبين الله تعالى التقوى والمراقبة : لم يصل إلى الكشف والمشاهدة وقيل : من راقب الله في خواطره عصمه في حركات جوارحه\rوقيل لبعضهم : متى يهش الراعي غنمه بعصاه عن مراتع الهلكة فقال : إذا علم أن عليه رقيبا وقال الجنيد : من تحقق في المراقبة خاف على فوات لحظة من ربه لا غير وقال ذو النون : علامة المراقبة إيثار ما أنزل الله وتعظيم ما عظم الله وتصغير ما صغر الله\rوقيل : الرجاء يحرك إلى الطاعة والخوف يبعد عن المعاصي والمراقبة تؤديك إلى طريق الحقائق وقيل : المراقبة مراعاة القلب لملاحظة الحق مع كل خطرة وخطوة\r","part":19,"page":403},{"id":8322,"text":"وقال الجريري : أمرنا هذا مبني على فصلين : أن تلزم نفسك المراقبة لله وأن يكون العلم على ظاهرك قائما\rوقال إبراهيم الخواص : المراقبة خلوص السر والعلانية لله عز وجل وقيل : أفضل ما يلزم الإنسان نفسه في هذه الطريق : المحاسبة والمراقبة وسياسة عمله بالعلم\rوقال أبو حفص لأبي عثمان النيسابوري : إذا جلست للناس فكن واعظا لقلبك ولنفسك ولا يغرنك اجتماعهم عليك فإنهم يراقبون ظاهرك والله يراقب باطنك\rوأرباب الطريق مجمعون على أن مراقبة الله تعالى في الخواطر : سبب لحفظها في حركات الظواهر فمن راقب الله في سره : حفظه الله في حركاته في سره وعلانيته والمراقبة هي التعبد باسمه الرقيب الحفيظ العليم السميع البصير فمن عقل هذه الأسماء وتعبد بمقتضاها : حصلت له المراقبة والله أعلم\rفصل قال صاحب المنازل : المراقبة : دوام ملاحظة المقصود وهي على ثلاث\rدرجات الدرجة الأولى : مراقبة الحق تعالى في السير إليه على الدوام بين تعظيم مذهل ومداناة حاملة وسرور باعث فقوله : دوام ملاحظة المقصود أي دوام حضور القلب معه وقوله بين تعظيم مذهل فهو امتلاء القلب من عظمة الله عز وجل\rبحيث يذهله ذلك عن تعظيم غيره وعن الالتفات إليه فلا ينسى هذا التعظيم عند حضور قلبه مع الله بل يستصحبه دائما فإن الحضور مع الله يوجب أنسا ومحبة إن لم يقارنهما تعظيم أورثاه خروجا عن حدود العبودية ورعونة فكل حب لا يقارنه تعظيم المحبوب : فهو سببا للبعد عنه والسقوط من عينه فقد تضمن كلامه خمسة أمور : سير إلى الله واستدامة هذا السير وحضور القلب معه وتعظيمه والذهول بعظمته عن غيره\rوأما قوله : ومداناة حاملة يريد دنوا وقربا حاملا على هذه الأمور الخمسة وهذا الدنو يحمله على التعظيم الذي يذهله عن نفسه وعن غيره فإنه كلما ازداد قربا من الحق ازداد له تعظيما وذهولا عن سواه وبعدا عن الخلق","part":19,"page":404},{"id":8323,"text":"وأما السرور الباعث فهو الفرحة والتعظيم واللذة التي يجدها في تلك المداناة فإن سرور القلب مع الله وفرحه به وقرة العين به لا يشبهه شيء من نعيم الدنيا ألبتة وليس له نظير يقاس به وهو حال من أحوال أهل الجنة حتى قال بعض العارفين : إنه لتمر بي أوقات أقول فيها : إن كان أهل الجنة في مثل هذا إنهم لفي عيش طيب\rولا ريب أن هذا السرور يبعثه على دوام السير إلى الله عز وجل وبذل الجهد في طلبه وابتغاء مرضاته ومن لم يجد هذا السرور ولا شيئا منه فليتهم إيمانه وأعماله فإن للإيمان حلاوة من لم يذقها فليرجع وليقتبس نورا يجد به حلاوة الإيمان وقد ذكر النبي صلى الله عليه وسلم ذوق طعم الإيمان ووجد حلاوته فذكر الذوق والوجد وعلقه بالإيمان فقال : ذاق طعم الإيمان من رضي بالله ربا وبالإسلام دينا وبمحمد رسولا\" وقال : ثلاث من كن فيه وجد حلاوة الإيمان : من كان الله ورسوله أحب إليه مما سواهما ومن كان يحب المرء لا يحبه إلا لله ومن يكره أن يعود في الكفر بعد إذ أنقذه الله منه كما يكره أن يلقى في النار\"\r","part":19,"page":405},{"id":8324,"text":"وسمعت شيخ الإسلام ابن تيمية قدس الله روحه يقول : إذا لم تجد للعمل حلاوة في قلبك وانشراحا فاتهمه فإن الرب تعالى شكور يعني أنه لابد أن يثيب العامل على عمله في الدنيا من حلاوة يجدها في قلبه وقوة انشراح وقرة عين فحيث لم يجد ذلك فعمله مدخول والقصد : أن السرور بالله وقربه وقرة العين به تبعث على الازدياد من طاعته وتحث على الجد في السير إليه قال : الدرجة الثانية مراقبة نظر الحق إليك برفض المعارضة بالإعراض عن الاعتراض ونقض رعونة التعرض هذه مراقبة لمراقبة الله لك فهي مراقبة لصفة خاصة معينة وهي توجب صيانة الباطن والظاهر فصيانة الظاهر : بحفظ الحركات الظاهرة وصيانة الباطن : بحفظ الخواطر والإرادات والحركات الباطنة التي منها رفض معارضة أمره وخبره فيتجرد الباطن من كل شهوة وإرادة تعارض أمره ومن كل إرادة تعارض إرادته ومن كل شبهة تعارض خبره ومن كل محبة تزاحم محبته وهذه حقيقة القلب السليم الذي لا ينجو إلا من أتى الله به وهذا هو حقيقة تجريد الأبرار المقربين العارفين وكل تجريد سوى هذا فناقص وهذا تجريد أرباب العزائم\rثم بين الشيخ سبب المعارضة وبماذا يرفضها العبد فقال بالإعراض عن الاعتراض فإن المعارضة تتولد من الاعتراض والاعتراض ثلاثة أنواع سارية في الناس والمعصوم من عصمه الله منها النوع الأول : الاعتراض على أسمائه وصفاته بالشبه الباطلة التي يسميها أربابها قواطع عقلية وهي في الحقيقة خيالات جهلية ومحالات ذهنية اعتراضوا بها على أسمائه وصفاته عز وجل وحكموا بها عليه ونفوا لأجلها ما أثبته لنفسه وأثبته له رسوله وأثبتوا ما نفاه ووالوا بها أعداءه ووعادوا بها أولياءه وحرفوا بها الكلم عن مواضعه ونسوا بها نصيبا كثيرا مما ذكروا به وتقطعوا لها أمرهم بينهم زبرا كل حزب بما لديهم فرحون\r","part":19,"page":406},{"id":8325,"text":"والعاصم من هذا الاعتراض : التسليم المحض للوحي فإذا سلم القلب له : رأى صحة ما جاء به وأنه الحق بصريح العقل والفطرة فاجتمع له السمع والعقل والفطرة وهذا أكمل الإيمان ليس كمن الحرب قائم بين سمعه وعقله وفطرته\rالنوع الثاني : الاعتراض على شرعه وأمره وأهل هذا الاعتراض : ثلاثة أنواع\rأحدها : المعترضون عليه بآرائهم وأقيستهم المتضمنة تحليل ما حرم الله سبحانه وتعالى وتحريم ما أباحه وإسقاط ما أوجبه وإيجاب ما أسقطه وإبطال ما صححه وتصحيح ما أبطله واعتبار ما ألغاه وإلغاء ما اعتبره وتقييد ما أطلقه وإطلاق ما قيده وهذه هي الآراء والأقيسة التي اتفق السلف قاطبة على ذمها والتحذير منها وصاحوا على أصحابها من أقطار الأرض وحذروا منهم ونفروا عنهم\rالنوع الثاني : الاعتراض على حقائق الإيمان والشرع بالأذواق والمواجيد والخيالات والكشوفات الباطلة الشيطانية المتضمنة شرع دين لم يأذن به الله\rوإبطال دينه الذي شرعه على لسان رسوله والتعوض عن حقائق الإيمان بخدع الشيطان وحظوظ النفوس الجاهلة\rوالعجب أن أربابها ينكرون على أهل الحظوظ وكل ما هم فيه فحظ ولكن حظهم حظ متضمن مخالفة مراد الله والإعراض عن دينه واعتقاد أنه قربة إلى الله فأين هذا من حظوظ أصحاب الشهوات المعترفين بذمها المستغفرين منها المقرين بنقصهم وعيبهم وأنها منافية للدين وهؤلاء في حظوظ اتخذوها دينا وقدموها على شرع الله ودينه واغتالوا بها القلوب واقتطعوها عن طريق الله فتولد من معقول أولئك وآراء الآخرين وأقيستهم الباطلة وأذواق هؤلاء خراب العالم وفساد الوجود وهدم قواعد الدين وتفاقم الأمر وكاد لولا أن الله ضمن أنه لا يزال يقوم به من يحفظه ويبين معالمه ويحميه من كيد من يكد\r","part":19,"page":407},{"id":8326,"text":"النوع الثالث : الاعتراض على ذلك بالسياسات الجائرة التي لأرباب الولايات التي قدموها على حكم الله ورسوله وحكموا بها بين عباده وعطلوا لها وبها شرعه وعدله وحدوده\rفقال الأولون : إذا تعارض العقل والنقل : قدمنا العقل وقال الآخرون : إذا تعارض الأثر والقياس : قدمنا القياس وقال أصحاب الذوق والكشف والوجد : إذا تعارض الذوق والوجد والكشف وظاهر الشرع : قدمنا الذوق والوجد والكشف\rوقال أصحاب السياسة : إذا تعارضت السياسة والشرع قدمنا السياسة فجعلت كل طائفة قبالة دين الله وشرعه طاغوتا يتحاكمون إليه فهؤلاء يقولون : لكم النقل ولنا العقل والآخرون يقولون : أنتم أصحاب آثار وأخبار ونحن أصحاب أقيسة وآراء وأفكار وأولئك يقولون : أنتم أرباب الظاهر ونحن أهل الحقائق والآخرون يقولون : لكم الشرع ولنا السياسة\rفيا لها من بلية عمت فأعمت ورزية رمت فأصمت وفتنة دعت القلوب فأجابها كل قلب مفتون وأهوية عصفت فصمت منها الآذان وعميت منها العيون عطلت لها والله معالم الأحكام كما نفيت لها صفات ذي الجلال والإكرام واستند كل قوم إلى ظلم وظلمات آرائهم وحكموا على الله وبين عباده بمقالاتهم الفاسدة وأهوائهم وصار لأجلها الوحي عرضة لكل تحريف وتأويل والدين وقفا على كل إفساد وتبديل النوع الرابع : الاعتراض على أفعاله وقضائه وقدره وهذا اعتراض الجهال وهو ما بين جلي وخفي وهو أنواع لا تحصى وهو سار في النفوس سريان الحمى في بدن المحموم ولو تأمل العبد كلامه وأمنيته وإرادته وأحواله لرأى ذلك في قلبه عيانا فكل نفس معترضة على قدر الله وقسمه وأفعاله إلا نفسا قد اطمأنت إليه وعرفته حق المعرفة التي يمكن وصول البشر إليها فتلك حظها التسليم والانقياد والرضى كل الرضاء\r","part":19,"page":408},{"id":8327,"text":"وأما نقض رعونة التعرض فيشير به إلى معنى آخر لا تتم المراقبة عنده إلا بنقضه وهو إحساس العبد بنفسه وخواطره وأفكاره حال المراقبة والحضور مع الله فإن ذلك تعرض منه لحجاب الحق له عن كمال الشهود لأن بقاء العبد مع مداركه وحواسه ومشاعره وأفكاره وخواطره عند الحضور والمشاهدة : هو تعرض للحجاب فينبغي أن تتخلص مراقبة نظر الحق إليك من هذه الآفات وذلك يحصل بالاستغراق في الذكر فتذهل به عن نفسك وعما منك لتكون بذلك متهيئا مستعدا للفناء عن وجودك وعن وجود كل ما سوى المذكور سبحانه وهذا التهيؤ والاستعداد : لا يكون إلا بنقض تلك الرعونة والذكر يوجب الغيبة عن الحس فمن كان ذاكرا لنظر الحق إليه من إقباله عليه ثم أحس بشيء من حديث نفسه وخواطره وأفكاره : فقد تعرض واستدعى عوالم نفسه واحتجاب المذكور عنه لأن حضرة الحق تعالى لا يكون فيها غيره\rوهذه الدرجة لا يقدر عليها العبد إلا بملكة قوية من الذكر وجمع القلب فيه بكليته على الله عز وجل\rفصل : قال : الدرجة الثالثة : مراقبة الأزل بمطالعة عين السبق استقبالا لعلم التوحيد ومراقبة ظهور إشارات الأزل على أحايين الأبد ومراقبة الإخلاص من ورطة المراقبة","part":19,"page":409},{"id":8328,"text":"قوله : مراقبة الأزل أي شهود معنى الأزل وهو القدم الذي لا أول له بمطالعة عين السبق أي بشهود سبق الحق تعالى لكل ما سواه إذ هو الأول الذي ليس قبله شيء فمتى طالع العبد عين هذا السبق شهد معنى الأزل وعرف حقيقته فبدا له حينئذ علم التوحيد فاستقبله كما يستقبل أعلام البلد وأعلام الجيش ورفع له فشمر إليه وهو شهود انفراد الحق بأزليته وحده وأنه كان ولم يكن شيء غيره ألبتة وكل ما سواه فكائن بعد عدمه بتكوينه فإذا عدمت الكائنات من شهوده كما كانت معدومة في الأزل فطالع عين السبق وفني بشهود من لم يزل عن شهود من لم يكن فقد استقبل علم التوحيد وأما مراقبة ظهور إشارات الأزل على أحايين الأبد فقد تقدم أن ما يظهر فى الأبد : هو عين ما كان معلوما في الأزل وأنه إنما تجددت أحايينه وهي أوقات ظهوره فقد ظهرت إشارات الأزل وهي ما يشير إليه العقل بالأزلية من المقدرات العلمية على أحايين الأبد هذا معناه الصحيح عندي والقوم يريدون به معنى آخر : وهو اتصال الأبد بالأزل في الشهود وذلك بأن يطوى بساط الكائنات عن شهوده طيا كليا ويشهد استمرار وجود الحق سبحانه وحده مجردا عن كل ما سواه فيصل بهذا الشهود الأزل بالأبد ويصيران شيئا واحدا وهو دوام وجوده سبحانه بقطع النظر عن كل حادث\rوالشهود الأول أكمل وأتم وهو متعلق بأسمائه وصفاته وتقدم علمه بالأشياء ووقوعها في الأبد مطابقة لعلمه الأزلي فهذا الشهود يعطي إيمانا ومعرفة وإثباتا للعلم والقدرة والفعل والقضاء والقدر\r","part":19,"page":410},{"id":8329,"text":"وأما الشهود الثاني : فلا يعطي صاحبه معرفة ولا إيمانا ولا إثباتا لاسم ولا صفة ولا عبودية نافعة وهو أمر مشترك يشهده كل من أقر بالصانع من مسلم وكافر فإذا استغرق في شهود أزليته وتفرده بالقدم وغاب عن الكائنات : اتصل في شهوده الأزل بالأبد فأي كبير أمر في هذا وأي إيمان ويقين يحصل به ونحن لا ننكر ذوقه ولا نقدح في وجوده وإنما نقدح في مرتبته وتفضيله على ما قبله من المراقبة بحيث يكون لخاصة الخاصة وما قبله لمن هم دونهم فهذا عين الوهم والله الموفق\rفإذا اتصل في شهود الشاهد : الأزل الذي لا بداية له بالأزمنة التي يعقل لها بداية وهي أزمنة الحوادث ثم اتصل ذلك بما لا نهاية له بحيث صارت الأزمنة الثلاثة واحدا لا ماضي فيه ولا حاضر ولا مستقبل وذلك لا يكون إلا إذا شهد فناء الحوادث فناء مطلقا وعدمها عدما كليا وذلك تقدير وهمي مخالف للواقع وهو تجريد خيالي يوقع صاحبه في بحر طامس لا ساحل له وليل دامس لا فجر له\rفأين هذا من مشهد تنوع الأسماء والصفات وتعلقها بأنواع الكائنات وارتباطها بجميع الحادثات وإعطاء كل اسم منها وصفة حقها من الشهود والعبودية والنظر إلى سريان آثارها في الخلق والأمر والعالم العلوي والسفلي والظاهر والباطن ودار الدنيا ودار الآخرة وقيامه بالفرق والجمع في ذلك علما ومعرفة وحالا ! والله المستعان\rقوله : ومراقبة الإخلاص من ورطة المراقبة يشير إلى فناء شهود المراقب عن نفسه وما منها وأنه يفني بمن يراقبه عن نفسه وما منها فإذا كان باقيا بشهود مراقبته : فهو في ورطتها لم يتخلص منها لأن شهود المراقبة لا يكون إلا مع بقائه والمقصود : إنما هو الفناء والتخلص من نفسه ومن صفاتها وما منها\r\rوقد عرفت أن فوق هذا درجة أعلى منه وأرفع وأشرف وهي مراقبة مواقع رضى الرب ومساخطه في كل حركة والفناء عما يسخطه بما يحب والتفرق له وبه وفيه ناظرا إلى عين جمع العبودية فانيا عن مراده من ربه مهما ولو علا بمراد ربه منه والله سبحانه وتعالى أعلم. أ هـ {مدارج السالكين حـ 2 صـ 65 ـ 74}","part":19,"page":411},{"id":8330,"text":"فائدة\rقال فى ملاك التأويل :\rقوله تعالى:\"يا أيها اللناس اتقوا ربكم الذى خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها وبث منهما رجالا كثيرا ونساء\" وفى سورة الأعراف:\"هو الذى خلقكم من نفس واحدة وجعل منها زوجها ليسكن اليها\" وفى سورة الزمر:\"خلقكم من نفس واحدة ثم جعل منها زوجها\" فيها ثلاث سؤالات،\rأحدها: الفرق بين الخلق والجعل، والثانى:وجه تخصيص الأخيرتين بجعل والأولى بخلق، والثالث: وجه ورود ثم فى آية الزمر عوضا عن الواو.\rوالجواب عن الأول أن العبارة بخلق واردة على ما ينبغى وطابقة للمعنى المقصود وهو المراد بجعل إلا أن جعل ثانية عنها لتوقف الجعل على ما يتقدمه لأن العبارة بخلق تكون عند المتسرعين عن عدم سابق حيث لا تتقدم مادة ولا سبب محسوس واستيفاء الكلام هنا وتحرير التمثيل يطول وله مظان.\rوأما الجعل فيتوقف على موجود مغاير للمجعول يكون منه المجعول أو عنه كالمادة والسبب، ولا يرد فى الكتاب العزيز لفظ جعل فى الأكثر مرادا به الخلق إلا حيث يكون فيله ما يكون عنه الجعل أو منه سببا فيه محسوسا عنه يكون ذلك المخلوق الثانى، بخلاف خلق فإن العبارة تقع كثيرا به عما لم يتقدم وجوده وجود مغاير يكون عنه الثانى، وقل ما تقع واحدة من العبارتين فى القرآن على خلاف ما ذكرناه، قال تعالى:\"الحمد لله الذى خلق السماوات والأرض وجعل الظلمات والنور\".\rوإنما الظلمات والنور عن أجرام توجد بوجودها وتعدم بعدمها","part":19,"page":412},{"id":8331,"text":"أما السماوات والأرض فليست كذلك أعنى أنها لا ترتبط بموجود حادث توجد بوجوده وتعدم بعدمه وإن قلنا بتقدم مادة حسبما ورد فى القرآن فى قوله تعالى:\"ثم استوى إلى السماء وهى دخان\" فى الخبر المذكور فى خلقها وقال تعالى:\"وهو الذى مد الأرض وجعل فيها رواسى وأنهارا\"، وقال تعالى:\"وجعل لكم من الفلك والأنعام ما تركبون\"، وفى هذه الآية والمتصلة بها قبلها شوب تصيير لتقارب المعنى فى التصيير وما يكون عن المادة فقد لاح الفرق بين خلق وجعل ووجه تخصيص كل آية مما تقدم بالوارد فيها. وأما ورود جعل فى آية الأعراف فى قوله تعالى:\"وجعل منها زوجها\" فلما قصد هنا من معنى السكن وكأنه أريد نفى المغايرة تقريبا وتأنيسا لحصول الركون والسكن الذى جعله الله من آياته ونعمه لتستحكم سببية التناسل والتكثير فكانت جعل أوقع فى هذا الغرض ثم إن الخبر وارد بخلق حواء من ضلع آدم فهذا نحو من المتقدم فى سورة الأنعام وعبر فى سورة النساء بخلق لمقصود الآية من التعريف بالأولية والابتداء ولمناسبة ما اتصل بها من قوله\"خلقكم\" حتى يوافقه من اللفظ ما قصد من المعنى.\rوأما الجواب عن السؤال الثالث وهو زيادة\"ثم\" فى سورة الزمر فلما قصد من الامتنان والإنعام على الجنس الآدمى ولتفاوت ما بين الآيتين العجيبتين من خلق الصنف الإنسانى من شخص واحد وخلق زوجه فجئ بثم المنبهة على معنى الاعتناء بذكر ما عطف بها والتأكيد لشأنه للمزية على المعطوف عليه القائمة مقام التراخى فى الزمان.","part":19,"page":413},{"id":8332,"text":"قال الزمخشرى : فإن قلت ما معنى قوله\"ثم جعل منها زوجها\" وما تعطيه من معنى التراخى؟ قلت: هما آيتان من جملة الآيات التى عددها دالا على وحدانيته وقدرته وهما تشعب هذا الخلق الفائت للحصر وانتشاره من نفس آدم وخلق حواء من قصيراه إلا أن إحداهما جعلها الله عادة مستمرة والأخرى لم يجر بها العادة ولم تخلق أنثى غير حواء من قصيرى رجل فكانت أدخل فى كونها آية وأجلب لعجب السامع فعطفها بثم على الآية الأولى للدلالة على مباينتها لها فضلا ومزية وتراخيها عنها فيما يرجع إلى زيادة كونها آية فهو من التراخى فى الحال والمنزلة لا من التراخى فى الوجود.\rقلت وعلى هذا المأخذ يسقط الاعتراض بأن ثم قد تجرى مجرى الواو فلا تقتضى الترتيب الزمانى لزوما أما إذا قلنا إنها ترد لقصد التفاوت والتراخى الزمانى لزوما ولا تحتاج إلى انفصال عن ذلك الاعتراض ولا أن تقول: إن ثم قد تكون بمعنى الواو قلت ومن ورود ثم لما ذكرنا من تراخى الرتبة قوله جل وتعالى:\"وإنى لغفار لمن تاب وآمن وعمل صالحا ثم اهتدى\" قال الزمخشرى: ومنه قوله تعالى:\"إن الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا\". وكلمة التراخى دلت على ثبات المنزلتين دلالتهما على تباين المرتبتين فى جاءنى زيد ثم عمرو ؟أعنى أن منزلة الاستقامة على الخير مباينة لمنزلة الخير نفسه لأنها أعلى منها وأفضل ومنه قوله تعالى:\"إنه فكر وقدر فقتل كيف قدر ثم قتل كيف قدر\"، قال الزمخشرى :\rإن قلت ما معنى ثم الداخلة فى تكرير الدعاء قلت: الدلالة على أن الكرة الثانية أبلغ من الأولى ونحوه قوله:\rألا ياسلمى ثم اسلمى ثمت اسلمى","part":19,"page":414},{"id":8333,"text":"أنشده النحويون على إلحاق تاء التأنيث بثم وأنشده الزمخشرى ومثل ذلك:\"ثم كان من الذين آمنوا\" قال: جاء بثم لتراخى الإيمان وتباعده فى الرتبة والفضيلة عن العتق والصدق لا فى الوقت لأن الإيمان هو السابق المقدم على غيره ولا يثبت عمل صالح إلا به.\rفثم حيث لا يقصد مهلة الزمان تحرز تنبيها على حال ما يعطف بها ومحله والإشارة إلى أنه بحيث أنه لو لم يذكر ما قبله لكان كافيا فى المقصود هذا ما تحصله حيث لا يقصد مهلى الزمان فلما قصد فى آية الزمر الإنعام والامتنان وتعداد ذلك تعظيما وتفخيما ورد بثم، فقال تعالى:\"خلقكم من نفس واحدة ثم جعل منها زوجها وأنزل لكم من الأنعام ثمانية أزاوج\".\rفإن قلت: فقد كان الوجه على هذا أن لو قيل: ثم أنزل لكم من الأنعام قلت: هذه نعمة لا تفتقر لبيان أمرها إلى التنبيه بثم وليست موضع تغفل أو تخف وإنما موضع ثم حيث يراد الاعتناء والتنبيه على قدر المعطوف بها لاحتمال أن يخفى فإذا كان غير خاف وبين الاستقلال بنفسه لم يفتقر إلى هذا ومن حيث قصد معنى الامتنان كانت\"جعل\" أولى لما تقدم من معناها، فقد وضح ورود كل آية من الثلاث على ما يناسب المقصود من كل واحدة. أ هـ {ملاك التأويل حـ 1 صـ 131 ـ 132}","part":19,"page":415},{"id":8335,"text":"قوله تعالى { وَآَتُوا الْيَتَامَى أَمْوَالَهُمْ وَلَا تَتَبَدَّلُوا الْخَبِيثَ بِالطَّيِّبِ وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَهُمْ إِلَى أَمْوَالِكُمْ إِنَّهُ كَانَ حُوبًا كَبِيرًا (2)}\rمناسبة الآية لما قبلها\rقال البقاعى :\rولما بان من هذا تعظيمه لصلة الرحم بجعلها في سياق ذكره سبحانه وتعالى المعبر عنه باسمه الأعظم - كما فعل نحو ذلك في غير آية ، وكان قد تقدم في السورة الماضية ذكر قصة أحد التي انكشفت عن أيتام ، ثم ذكر في قوله تعالى : {كل نفس ذائقة الموت} [ آل عمران : 185 ] ، أن الموت مشرع لا بد لكل نفس من وروده ؛ علم أنه له بد من وجود الأيتام في كل وقت ، فدعا إلى العفة والعدل فيهم لأنهم بعد الأرحام أولى من يتقى الله فيه ويخشى مراقبته بسببه فقال : {وآتوا اليتامى} أي الضعفاء الذين انفردوا عن آبائهم ، وأصل اليتيم الانفراد {أموالهم} أي هيئوها بحسن التصرف فيها لأن تؤتوهم إياها بعد البلوغ - كما يأتي ، أو يكون الإيتاء حقيقة واليتم باعتبار ما كان.\rأو باعتبار الاسم اللغوي وهو مطلق الانفراد ، وما أبدع إيلاءها للآية الآمرة بعد عموم تقوى الله بخصوصها في صلة الرحم المختتمة بصفة الرقيب! لما لا يخفى من أنه لا حامل على العدل في الأيتام إلا المراقبة ، لأنه لا ناصر لهم ، وقد يكونون ذوي رحم.","part":19,"page":416},{"id":8336,"text":"ولما أمر بالعفة في أموالهم أتبعه تقبيح الشره الحامل للغافل على لزوم المأمور به فقال : {ولا تتبدلوا} أي تكلفوا أنفسكم أن تأخذوا على وجه البدلية {الخبيث} أي من الخباثة التي لا أخبث منها ، لأنها تذهب بالمقصود من الإنسان ، فتهدم - جميع أمره {بالطيب} أي الذي هو كل أمر يحمل على معالي الأخلاق الصائنة للعرض ، المعلية لقدر الإنسان ؛ ثم بعد هذا النهي العام نوّه بالنهي عن نوع منه خاص ، فقال معبراً بالأكل الذي كانت العرب تذم بالإكثار منه ولو أنه حلال طيب ، فكيف إذا كان حراماً ومن مال ضعيف مع الغنى عنه : {ولا تأكلوا أموالهم} أي تنتفعوا بها أيّ انتفاع كان ، مجموعة {إلى أموالكم} شرهاً وحرصاً وحباً في الزيادة من الدنيا التي علمتم شؤمها وما أثرت من الخذلان في آل عمران ، وعبر بإلى إشارة إلى تضمين الأكل معنى الضم تنبيهاً على أنها متى ضمت إلى مال الولي أكل منها فوقع في النهي ، فحض بذلك على تركها محفوظة على حيالها ؛ ثم علل ذلك بقوله : {إنه} أي الأول {كان حوباً} أي إثماً وهلاكاً {كبيراً }. أ هـ {نظم الدرر حـ 2 صـ 207 ـ 208}\rفصل\rقال الفخر :\rاعلم أنه لما افتتح السورة بذكر ما يدل على أنه يجب على العبد أن يكون منقادا لتكاليف الله سبحانه ، محترزا عن مساخطه ، شرع بعد ذلك في شرح أقسام التكاليف.\rفالنوع الأول : ما يتعلق بأموال اليتامى ، وهو هذه الآية ، وأيضا أنه تعالى وصى في الآية السابقة بالأرحام ، فكذلك في هذه الآية وصى بالأيتام ، لأنهم قد صاروا بحيث لا كافل لهم ولا مشفق شديد الإشفاق عليهم ، ففارق حالهم حال من له رحم ماسة عاطفة عليه لمكان الولادة أو لمكان الرحم فقال : {وَءاتُواْ اليتامى أموالهم}. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 9 صـ 136}","part":19,"page":417},{"id":8337,"text":"وقال الآلوسى :\r{ وَءاتُواْ اليتامى أموالهم } شروع في تفصيل موارد الاتقاء على أتم وجه ؛ وبدأ بما يتعلق باليتامى إظهاراً لكمال العناية بشأنهم ولملابستهم بالأرحام إذ الخطاب للأوصياء والأولياء وقلما تفوض الوصاية لأجنبي. أ هـ {روح المعانى حـ 4 صـ 185}\rوقال ابن عاشور :\rمناسبة عطف الأمر على ماقبله أنّه من فروع تقوى الله في حقوق الأرحام ، لأنّ المتصرّفين في أموال اليتامى في غالب الأحوال هم أهل قرابتهم ، أو من فروع تقوى الله الذي يتساءلون به وبالأرحام فيجعلون للأرحام من الحظّ ما جعلهم يقسمون بها كما يقسمون بالله. أ هـ {التحرير والتنوير حـ 4 صـ 12}\rفصل\rقال الفخر :\rقال صاحب \"الكشاف\" : اليتامى الذين مات آباؤهم فانفردوا عنهم ، واليتم الانفراد ، ومنه الرملة اليتيمة والدرة اليتيمة ، وقيل : اليتم في الأناسي من قبل الآباء ، وفي البهائم من قبل الأمهات.\rقال : وحق هذا الاسم أن يقع على الصغار والكبار لبقاء الانفراد عن الآباء ، إلا أن في العرف اختص هذا الاسم بمن لم يبلغ مبلغ الرجال ، فإذا صار بحيث يستغني بنفسه في تحصيل مصالحه عن كافل يكفله وقيم يقوم بأمره ، زال عنه هذا الاسم ، وكانت قريش تقول لرسول الله صلى الله عليه وسلم : يتيم أبي طالب ، إما على القياس ، وإما على حكاية الحال التي كان عليها حين كان صغيرا ناشئا في حجر عمه توضيعا له.\rوأما قوله عليه الصلاة والسلام : \" لا يتم بعد حلم \" فهو تعليم الشريعة لا تعليم اللغة ، يعني إذا احتلم فإنه لا تجرى عليه أحكام الصغار.","part":19,"page":418},{"id":8338,"text":"وروى أبو بكر الرازي في أحكام القرآن أن جده كتب إلى ابن عباس يسأله عن اليتيم متى ينقطع يتمه ؟ فكتب إليه : إذا أونس منه الرشد انقطع يتمه ، وفي بعض الروايات : أن الرجل ليقبض على لحيته ولم ينقطع عنه يتمه بعد ، فأخبر ابن عباس أن اسم اليتيم قد يلزمه بعد البلوغ إذا لم يؤنس منه الرشد ، ثم قال أبو بكر : واسم اليتيم قد يقع على المرأة المفردة عن زوجها ، قال النبي صلى الله عليه وسلم : \"تستأمر اليتيمة\" وهي لا تستأمر إلا وهي بالغة ، قال الشاعر :\rإن القبور تنكح الأيامى.. النسوة الأرامل اليتامى\rفالحاصل من كل ما ذكرنا أن اسم اليتيم بحسب أصل اللغة يتناول الصغير والكبير ، إلا أنه بحسب العرف مختص بالصغير. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 9 صـ 136}\rسؤال : كيف جمع اليتيم على يتامى ؟ واليتيم فعيل ، والفعيل يجمع على فعلى ، كمريض ومرضى وقتيل وقتلى وجريح وجرحى ، قال صاحب \"الكشاف\" : فيه وجهان :\rأحدهما : أن يقال : جمع اليتيم يتمى ، ثم يجمع فعلى على فعالى ، كأسير وأسرى وأسارى ، والثاني : أن يقال : جمع يتيم يتائم ، لأن اليتيم جار مجرى الأسماء نحو صاحب وفارس ، ثم يقلب اليتائم يتامى.\rقال القفال رحمه الله : ويجوز يتيم ويتامى ، كنديم وندامى ، ويجوز أيضا يتيم وأيتام كشريف وأشراف. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 9 صـ 136 ـ 137}","part":19,"page":419},{"id":8339,"text":"سؤال ثان : وهو أنا ذكرنا أن اسم اليتيم مختص بالصغير ، فما دام يتيما لا يجوز دفع ماله إليه ، وإذا صار كبيراً بحيث يجوز دفع ماله إليه لم يبق يتيما ، فكيف قال : {وَءاتُواْ اليتامى أموالهم} والجواب عنه على طريقين : الأول : أن نقول المراد من اليتامى الذين بلغوا أو كبروا ثم فيه وجهان : أحدهما : أنه تعالى سماهم يتامى على مقتضى أصل اللغة ، والثاني : أنه تعالى سماهم باليتامى لقرب عهدهم باليتم وإن كان قد زال في هذا الوقت كقوله تعالى : {فَأُلْقِىَ السحرة ساجدين} [ الأعراف : 120 ] أي الذين كانوا سحرة قبل السجود ، وأيضاً سمى الله تعالى مقاربة انقضاء العدة ، بلوغ الأجل في قوله : {فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ} [ الطلاق : 2 ] والمعنى مقاربة البلوغ ، ويدل على أن المراد من اليتامى في هذه الآية البالغون قوله تعالى : {فَإِذَا دَفَعْتُمْ إِلَيْهِمْ أموالهم فَأَشْهِدُواْ عَلَيْهِمْ} [ النساء : 6 ] والإشهاد لا يصح قبل البلوغ وإنما يصح بعد البلوغ.\rالطريق الثاني : أن نقول : المراد باليتامى الصغار ، وعلى هذا الطريق ففي الآية وجهان :\rأحدهما : أن قوله : {وآتُواْ} أمر ، والأمر إنما يتناول المستقبل ، فكان المعنى أن هؤلاء الذين هم يتامى في الحال آتوهم بعد زوال صفة اليتم عنهم أموالهم ، وعلى هذا الوجه زالت المناقضة.\rوالثاني : المراد : وآتوا اليتامى حال كونهم يتامى ما يحتاجون إليه لنفقتهم وكسوتهم ، والفائدة فيه أنه كان يجوز أن يظن أنه لا يجوز إنفاق ماله عليه حال كونه صغيرا ، فأباح الله تعالى ذلك ، وفيه إشكال وهو أنه لو كان المراد ذلك لقال : وآتوهم من أموالهم ، فلما أوجب إيتاءهم كل أموالهم سقط ذلك. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 9 صـ 137}","part":19,"page":420},{"id":8340,"text":"فصل\rقال الفخر :\rنقل أبو بكر الرازي في أحكام القرآن عن الحسن أنه قال : لما نزلت هذه الآية في أموال اليتامى كرهوا أن يخالطوهم وعزلوا أموال اليتامى عن أموالهم ، فشكوا ذلك إلى النبي صلى الله عليه وسلم فأنزل الله تعالى : {وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ اليتامى قُلْ إِصْلاَحٌ لَّهُمْ خَيْرٌ وإن تخالطوهم فإخوانكم} [ البقرة : 220 ] قال أبو بكر الرازي : وأظن أنه غلط من الراوي ، لأن المراد بهذه الآية إيتاؤهم أموالهم بعد البلوغ وإنما غلط الراوي بآية أخرى ، وهو ما روى سعيد بن جبير عن ابن عباس رضي الله عنهما قال : لما أنزل الله {وَلاَ تَقْرَبُواْ مَالَ اليتيم إِلاَّ بالتى هِىَ أَحْسَنُ} [ البقرة : 152 ] و{إِنَّ الذين يَأْكُلُونَ أموال اليتامى ظُلْماً} [ النساء : 10 ] ذهب من كان عنده يتيم فعزل طعامه من طعامه وشرابه من شرابه ، فاشتد ذلك على اليتامى ، فذكروا ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم ، فأنزل الله تعالى {وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ اليتامى قُلْ إِصْلاَحٌ لَّهُمْ خَيْرٌ وإن تخالطوهم فاخوانكم} فخلطوا عند ذلك طعامهم بطعامهم وشرابهم بشرابهم.","part":19,"page":421},{"id":8341,"text":"قال المفسرون : الصحيح أنها نزلت في رجل من غطفان ، كان معه مال كثير لابن أخ له يتيم ، فلما بلغ طلب المال فمنعه عمه ، فتراجعا إلى النبي صلى الله عليه وسلم ، فنزلت هذه الآية ، فلما سمعها العم قال : أطعنا الله وأطعنا الرسول ، نعوذ بالله من الحوب الكبير ، ودفع ماله إليه ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : \" ومن يوق شح نفسه ويطع ربه هكذا فإنه يحل داره \" أي جنته ، فلما قبض الصبي ماله أنفقه في سبيل الله ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : \" ثبت الأجر وبقي الوزر \" فقالوا : يا رسول الله لقد عرفنا أنه ثبت الأجر ، فكيف بقي الوزر وهو ينفق في سبيل الله ؟ فقال : ثبت أجر الغلام وبقي الوزر على والده. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 9 صـ 137}\rفصل\rقال الفخر :\rاحتج أبو بكر الرازي بهذه الآية على أن السفيه ، لا يحجر عليه بعد الخمس والعشرين ، قال لأن قوله : {وَءاتُواْ اليتامى أموالهم} مطلق يتناول السفيه أونس منه الرشد أو لم يؤنس ترك العمل به قبل الخمس والعشرين سنة لاتفاق العلماء على أن إيناس الرشد قبل بلوغ هذا السن ، شرط في وجوب دفع المال إليه ، وهذا الإجماع لم يوجد بعد هذا السن ، فوجب إجراء الأمر بعد هذا السن على حكم ظاهر هذه الآية.\rأجاب أصحابنا عنه : بأن هذه الآية عامة ، لأنه تعالى ذكر اليتامى فيها جملة ، ثم إنهم ميزوا بعد ذلك بقوله : {وابتلوا اليتامى} [ النساء : 6 ] وبقوله : {وَلاَ تُؤْتُواْ السفهاء أموالكم} [ النساء : 5 ] حرم بهاتين الآيتين إيتاءهم أموالهم إذا كانوا سفهاء ، ولا شك أن الخاص مقدم على العام. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 9 صـ 138}\rقوله تعالى {وَلاَ تَتَبَدَّلُواْ الخبيث بالطيب }\rفصل\rقال الفخر :\rفي تفسير هذا التبدل وجوه :","part":19,"page":422},{"id":8342,"text":"الوجه الأول : قال الفراء والزجاج : لا تستبدلوا الحرام وهو مال اليتامى ، بالحلال وهو مالكم الذي أبيح لكم من المكاسب ورزق الله المبثوث في الأرض ، فتأكلوه مكانه.\rالثاني : لا تستبدلوا الأمر الخبيث ، وهو اختزال أموال اليتامى ، بالأمر الطيب وهو حفظها والتورع منها وهو قول الأكثرين أنه كان ولي اليتيم يأخذ الجيد من ماله ويجعل مكانه الدون ، يجعل الزائف بدل الجيد ، والمهزول بدل السمين ، وطعن صاحب \"الكشاف\" في هذا الوجه ، فقال : ليس هذا بتبدل إنما هو تبديل إلا أن يكارم صديقا له فيأخذ منه عجفاء مكان سمينة من مال الصبي.\rالرابع : هو أن هذا التبدل معناه : أن يأكلوا مال اليتيم سلفا مع التزام بدله بعد ذلك ، وفي هذا يكون متبدلا الخبيث بالطيب. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 9 صـ 138}\rقال ابن عاشور : \rوالخبيث والطيّب أريد بهما الوصف المعنوي دون الحسي ، وهما استعارتان ؛ فالخبيث المذموم أو الحرام ، والطيّب عكسه وهو الحلال : وتقدّم في قوله تعالى : { يأيها الناس كلوا مما في الأرض حلالاً طيباً } في البقرة ( 168 ).\rفالمعنى : ولا تكسبوا المال الحرام وتتركوا الحلال أي لو اهتممتم بإنتاج أموالكم وتوفيرها بالعمل والتجر لكان لكم من خلالها ما فيه غنية عن الحرام ، فالمنهي عنه هنا هو ضدّ المأمور به من قبل تأكيداً للأمر ، ولكنّ النهي بيَّن ما فيه من الشناعة إذا لم يمتثل الأمر ، وهذا الوجه ينبىء عن جعل التبدّل مجازاً والخبيث والطيّب كذلك ، ولا ينبغي حمل الآية على غير هذا المعنى وهذا الاستعمال.\rوعن السديّ ما يقتضي خلاف هذا المعنى وهو غير مرضي. أ هـ {التحرير والتنوير حـ 4 صـ 14}\rقوله تعالى {وَلاَ تَأْكُلُواْ أموالهم إلى أموالكم}\rقال الفخر : \r{وَلاَ تَأْكُلُواْ أموالهم إلى أموالكم}","part":19,"page":423},{"id":8343,"text":"فيه وجهان : الأول : معناه ولا تضموا أموالهم إلى أموالكم في الإنفاق حتى تفرقوا بين أموالكم وأموالهم في حل الانتفاع بها.\rوالثاني : أن يكون \"إلى\" بمعنى \"مع\" قال تعالى : {مَنْ أَنصَارِى إِلَى الله} [ آل عمران : 52 ] أي مع الله ، والأول : أصح.\rواعلم أنه تعالى وإن ذكر الأكل ، فالمراد به التصرف لأن أكل مال اليتيم كما يحرم ، فكذا سائر التصرفات المهلكة لتلك الأموال محرمة ، والدليل عليه أن في المال ما لا يصح أن يؤكل ، فثبت أن المراد منه التصرف ، وإنما ذكر الأكل لأنه معظم ما يقع لأجله التصرف.\rفإن قيل : إنه تعالى لما حرم عليهم أكل أموال اليتامى ظلما في الآية الأولى المتقدمة دخل فيها أكلها وحدها وأكلها مع غيرها ، فما الفائدة في إعادة النهي عن أكلها مع أموالهم ؟ \rقلنا : لأنهم إذا كانوا مستغنين عن أموال اليتامى بما رزقهم الله من حلال وهم مع ذلك يطمعون في أموال اليتامى ، كان القبح أبلغ والذم أحق. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 9 صـ 138}\rوقال ابن عاشور : \rوقوله {ولا تأكلوا أموالهم إلى أموالكم } نهي ثالث عن أخذ أموال اليتامى وضمّها إلى أموال أوليائهم ، فينتسق في الآية أمر ونهيان : أمروا أن لا يمنعوا اليتامى من مواريثهم ثم نهوا عن اكتساب الحرام ، ثم نهوا عن الاستيلاء على أموالهم أو بعضها ، والنهي والأمر الأخير تأكيدان للأمر الأول.\rوالأكل استعارة للانتفاع المانع من انتفاع الغير وهو الملك التامّ ، لأنّ الأكل هو أقوى أحوال الاختصاص بالشيء لأنّه يحرزه في داخل جسده ، ولا مطمع في إرجاعه ، وضمّن ( تأكلوا ) معنى تضمّوا فلذلك عدي بإلى أي : لا تأكلوها بأن تضمّوها إلى أموالكم.","part":19,"page":424},{"id":8344,"text":"وليس قيد { إلى أموالكم } محطّ النهي ، بل النهي واقع على أكل أموالهم مطلقاً سواء كان للآكل مال يَضُمّ إليه مالَ يتيمه أم لم يكن ، ولكن لمّا كان الغالب وجود أموال للأوصياء ، وأنّهم يريدون من أكل أموال اليتامى التكثّر ، ذكر هذا القيد رعياً للغالب ، ولأنّه أدخل في النهي لما فيه من التشنيع عليهم حيث يأكلون حقوق الناس مع أنّهم أغنياء ؛ على أنّ التضمين ليس من التقييد بل هو قائم مقام نهيين ، ولذلك روي : أنّ المسلمين تجنّبوا بعد هذه الآية مخالطة أموال اليتامى فنزلت آية البقرة ( 220 ) : { وإن تخالطوهم فإخوانكم } فقد فهموا أنّ ضمّ مال اليتيم إلى مال الوصيّ حرام ، مع علمهم بأنّ ذلك ليس مشمولاً للنهي عن الأكل ولكن للنهي عن الضمّ.\rوهما في فهم العرب نهيان ، وليس هو نهياً عن أكل الأغنياء أموال اليتامى حتى يكون النهي عن أكل الفقراء ثابتاً بالقياس لا بمفهوم الموافقة إذ ليس الأدْوَنُ بصالح لأن يكون مفهوم موافقة. أ هـ {التحرير والتنوير حـ 4 صـ 14}","part":19,"page":425},{"id":8345,"text":"فصل نفيس\rقال الآلوسى\rوالمراد بإيتاء أموالهم تركها سالمة غير متعرض لها بسوء فهو مجاز مستعمل في لازم معناه لأنها لا تؤتى إلا إذا كانت كذلك ، والنكتة في هذا التعبير الإشارة إلى أنه ينبغي أن يكون الغرض من ترك التعرض إيصال الأموال إلى من ذكر لا مجرد ترك التعرض لها ، وعلى هذا يصح أن يراد باليتامى الصغار على ما هو المتبادر ، والأمر خاص بمن يتولى أمرهم من الأولياء والأوصياء ، وشمول حكمه لأولياء من كان بالغاً عند نزول الآية بطريق الدلالة دون العبارة ، ويصح أن يراد من جرى عليه اليتم في الجملة مجازاً أعم من أن يكون كذلك عند النزول ، أو بالغاً فالأمر شامل لأولياء الفريقين صيغة موجب عليهم ما ذكر من كف الكف عنها ، وعدم فك الفك لأكلها ، وأما وجوب الدفع إلى الكبار فمستفاد مما سيأتي من الأمر به ، وقيل : المراد من الإيتاء الإعطاء بالفعل ، واليتامى إما بمعناه اللغوي الأصلي فهو حقيقة وارد على أصل اللغة ، وإما مجاز باعتبار ما كان أوثر لقرب العهد بالصغر ، والإشارة إلى وجوب المسارعة إلى دفع أموالهم إليهم حتى كأن اسم اليتيم باق بعد غير زائل ، وهذا المعنى يسمى في الأصول بإشارة النص ، وهو أن يساق الكلام لمعنى ويضمن معنى آخر ، وهذا في الكون نظير المشارفة في الأول ، وقيل : يجوز أن يراد باليتامى الصغار ، ولا مجاز بأن يجعل الحكم مقيدا كأنه قيل : وآتوهم إذا بلغوا ، وردّ بأنه قال في \"التلويح\" : إن المراد من قوله تعالى : { وَءاتُواْ اليتامى أموالهم } وقت البلوغ باعتبار ما كان ، فإن العبرة بحال النسبة لا بحال التكلم ، فالورود للبلغ على كل حال.","part":19,"page":426},{"id":8346,"text":"وقال بعض المحققين : تقدير القيد لا يغني عن التجوز إذ الحكم على ما عبر عنه بالصفة يوجب اتصافه بالوصف حين تعلق الوصف وحين تعلق الإيتاء به يكون يتيماً فلا بدّ من التأويل بما مر ، وأجيب بأن هذه المسألة وإن كانت مذكورة في \"التلويح\" لكنها ليست مُسلَّمة ، وقد تردد فيها الشريف في \"حواشيه\" ، والتحقيق أن في مثل ذلك نسبتين : نسبة بين الشرط والجزاء وهي التعليقية وهي واقعة الآن ، ولا تتوقف على وجودهما في الخارج ، ونسبة إسنادية في كل من الطرفين وهي غير واقعة في الحال بل مستقبلة والمقصود الأولى ، وفي زمان تلك النسبة كانوا يتامى حقيقة ، ألا تراهم قالوا في نحو عصرت هذا الخل في السنة الماضية أنه حقيقة ؟ مع أنه في حال العصر عصير لا خل لأن المقصود النسبة التي هي تبعية فيما بين اسم الإشارة وتابعه لا النسبة الإيقاعية بينه وبين العصر كما حققه بعض الفضلاء وقد مرت الإشارة إليه في أوائل البقرة فتأمله فإنه دقيق.\rوقيل : المراد من الإيتاء ما هو أعم من الإيتاء حالاً أو مآلاً ، ومن اليتامى ما يعم الصغار والكبار بطريق التغليب ، والخطاب عام لأولياء الفريقين على أن من بلغ منهم فوليه مأمور بالدفع إليه بالفعل وإن من لم يبلغ بعد فوليه مأمور بالدفع إليه عند بلوغه رشيداً ، ورجح غير واحد الوجه الأول لقوله تعالى بعد آيات : { وابتلوا اليتامى } [ النساء : 6 ] الخ فإنه كالدليل على أن الآية الأولى : في الحض على حفظها لهم ليؤتوها عند بلوغهم ورشدهم ، والثانية : في الحض على الإيتاء الحقيقي عند حصول البلوغ والرشد ، ويلوح بذلك التعبير بالإيتاء هنا وبالدفع هناك ، وأيضاً تعقيب هذه الآية بقوله تعالى : ","part":19,"page":427},{"id":8347,"text":"{ وَلاَ تَتَبَدَّلُواْ الخبيث بالطيب وَلاَ تَأْكُلُواْ أموالهم إلى أموالكم } يقوي ذلك ، فهذا كله تأديب للوصي ما دام المال بيده واليتيم في حجره ، وأما على سائر الوجوه فيكون مؤدى هذه الآية وما سيأتي بعد كالشيء الواحد من حيث إن فيهما الأمر بالإيتاء حقيقة ، ومن قال بذلك جعل الأولى كالمجملة والثانية كالمبينة لشرط الإيتاء من البلوغ وإيناس الرشد ، ويرد على آخر الوجوه أيضاً أن فيه تكلفاً لا يخفى ، ولا يرد على الوجه الراجح أن ابن أبي حاتم أخرج عن سعيد بن جبير أن رجلاً من غطفان كان معه مال كثير لابن أخ له يتيم فلما بلغ طلب المال فمنعه عمه فخاصمه إلى النبي صلى الله عليه وسلم فنزلت { وَءاتُواْ اليتامى } الخ ، فإن ذلك يدل على أن المراد بالإيتاء الإعطاء بالفعل لا سيما وقد روى الثعلبي ، والواحدي عن مقاتل ، والكلبي أن العمّ لما سمعها قال : أطعنا الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم نعوذ بالله عز وجل من الحوب الكبير لما أنهم قالوا : العبرة لعموم اللفظ لا لخصوص لسبب ، ولعل العمّ لم يفهم الأمر بالإعطاء حقيقة بطريق العبارة بل بشيء آخر فقال ما قال ، هذا وتبدل الشيء بالشيء واستبداله به أخذ الأول بدل الثاني بعد أن كان حاصلاً له أو في شرف الحصول يستعملان أبداً بإفضائهما إلى الحاصل بأنفسهما وإلى الزائل بالباء كما في قوله تعالى : { وَمَن يَتَبَدَّلِ الكفر بالإيمان } [ البقرة : 108 ] الخ ، وقوله سبحانه : { أَتَسْتَبْدِلُونَ الذى هُوَ أدنى بالذى هُوَ خَيْرٌ } [ البقرة : 61 ] وأما التبديل فيستعمل تارة كذلك كما في قوله تعالى : { وبدلناهم بجناتهم جَنَّتَيْنِ } [ سبأ : 16 ] الخ ، وأخرى بالعكس كما في قولك : بدلت الحلقة بالخاتم إذا أذبتها وجعلتها خاتماً ، وبدلت الخاتم بالحلقة إذا أذبته وجعلته حلقة ، واقتصر","part":19,"page":428},{"id":8348,"text":"الدميري على الأول ، ونقل الأزهري عن ثعلب الثاني ، ويشهد له قول الطفيل لما أسلم : \rوبدل طالعي نحسي بسعدي...\rوتارة أخرى بإفضائه إلى مفعوليه بنفسه كما في قوله تعالى : { فَأُوْلَئِكَ يُبَدّلُ الله سَيّئَاتِهِمْ حسنات } [ الفرقان : 70 ] { فَأَرَدْنَا أَن يُبْدِلَهُمَا رَبُّهُمَا خَيْراً مّنْهُ } [ الكهف : 81 ] بمعنى يجعل الحسنات بدل السيئات ويعطيهما بدل ما كان لهما خيراً منه ، ومرة يتعدى إلى مفعول واحد مثل بدلت الشيء أي غيرته ، وقوله تعالى : { فَمَن بَدَّلَهُ بَعْدَمَا مَا سَمِعَهُ } [ البقرة : 181 ] وذكر الطيبي أن معنى التبديل التغيير وهو عام في أخذ شيء وإعطاء شيء ، وفي طلب ما ليس عنده وترك ما عنده ، وهذا معنى قول الجوهري : تبديل الشيء تغييره وإن لم يأت ببدل ، ومعنى التبدل الاستبدال ، والاستبدال طلب البدل فكل تبدل تبديل وليس كل تبديل تبدلاً ، وفرق بعضهم بين التبديل والإبدال بأن الأول تغيير الشيء مع بقاء عينه والثاني رفع الشيء ووضع غيره مكانه فيقال : أبدلت الخاتم بالحلقة إذا نحيت هذا وجعلت هذه مكانه وقد أطالوا الكلام في هذا المقام وفيما ذكر كفاية لما نحن بصدده.","part":19,"page":429},{"id":8349,"text":"والمراد بالخبيث والطيب إما الحرام والحلال ، والمعنى لا تستبدلوا أموال اليتامى بأموالكم أو لا تذروا أموالكم الحلال وتأكلوا الحرام من أموالهم فالمنهي عنه استبدال مال اليتيم بمال أنفسهم مطلقاً ، أو أكل ماله مكان مالهم المحقق أو المقدر ، وإلى الأول ذهب الفراء والزجاج ، وقيل : المعنى لا تستبدلوا الأمر الخبيث وهو اختزال مال اليتيم بالأمر الطيب وهو حفظ ذلك المال وأياً مّا كان فالتعبير عن ذلك بالخبيث والطيب للتنفير عما أخذوه والترغيب فيما أعطوه وإما الرديء والجيد ، ومورد النهي حينئذ ما كان الأوصياء عليه من أخذ الجيد من مال اليتيم وإعطاء الرديء من مال أنفسهم ، فقد أخرج ابن جرير عن السدي أنه قال : كان أحدهم يأخذ الشاة السمينة من غنم اليتيم ويجعل في مكانها الشاة المهزولة ، ويقول : شاة بشاة ، ويأخذ الدرهم الجيد ويضع مكانه الزائف ، ويقول : درهم بدرهم وإلى هذا ذهب النخعي والزهري وابن المسيب ؛ وتخصيص هذه المعاملة بالنهي لخروجها مخرج العادة لا لإباحة ما عداها فلا مفهوم لانخرام شرطه عنه القائل به.\rواعترض هذا بأن المناسب حينئذ التبديل أو تبدل الطيب بالخبيث على ما يقتضيه الكلام السابق.","part":19,"page":430},{"id":8350,"text":"وأجيب بأنه إذا أعطى الوصي رديئاً وأخذ جيداً من مال اليتيم يصدق عليه أنه تبدل الرديء بالجيد لليتيم وبدل لنفسه ، وظاهر الآية أنه أريد التبدل لليتيم لأن الأوصياء هم المتصرفون في أموال اليتامى فنهوا عن بيع بوكس من أنفسهم ومن غيرهم وما ضاهاه ، ولا يضر تبدل لنفسه أيضاً باعتبار آخر لأن المتبادر إلى الفهم النهي عن تصرف لأجل اليتيم ضار سواء عامل الوصي نفسه أو غيره ، ومن غفل عن اختلاف الاعتبار كالزمخشري أول بما لا إشعار للفظ به ، وعلى العلات المراد من الآية النهي عن أخذ مال اليتيم على الوجه المخصوص بعد النهي الضمني عن أخذه على الإطلاق ، والمراد من الأكل في النهي الأخير مطلق الانتفاع والتصرف ، وعبر بذلك عنه لأنه أغلب أحواله ، والمعنى لا تأكلوا أموالهم مضمومة إلى أموالكم أي تنفقوهما معاً ولا تسووا بينهما ، وهذا حلال وذاك حرام ، فإلى متعلقة بمقدر يتعدى بها ، وقد وقع حالاً ، وقدره أبو البقاء مضافة ، ويجوز تعلقها بالأكل على تضمينه معنى الضم ، واختار بعضهم كونها بمعنى مع كما في \"الذود إلى الذود إبل\" ، والمراد بالمعية مجرد التسوية بين المالين في الانتفاع أعم من أن يكون على الانفراد ، أو مع أموالهم ، ويفهم من \"الكشاف\" أن المعية تدل على غاية قبح فعلهم حيث أكلوا أموالهم مع الغنى عنها ، وفي ذلك تشهير لهم بما كانوا يصنعون فلا يلزم القائل بمفهوم المخالفة جواز أكل أموالهم وحدها ، ويندفع السؤال بذلك.","part":19,"page":431},{"id":8351,"text":"وأنت تعلم أن السؤال لا يرد ليحتاج إلى الجواب إذا فسر تبدل الخبيث بالطيب باستبدال أموال اليتامى بماله وأكلها مكانه لأنه حينئذ يكون ذلك نهياً عن أكلها وحدها وهذا عن ضمها ، وليس الأول مطلقاً حتى يرد سؤال بأنه أي فائدة في هذا بعد ورود النهي المطلق ، وفي \"الكشف\" لو حمل الانتهاء في إلى على أصله على أن النهي عن أكلها مع بقاء مالهم لأن أموالهم جعلت غاية لحصلت المبالغة ، والتخلص عن الاعتذار ، وظاهر هذا النهي عدم جواز أكل شيء من أموال اليتامى وقد خص من ذلك مقدار أجر المثل عند كون الولي فقيراً ، وكون ذلك من مال اليتيم مما لا يكاد يخفى ، فالقول بأنه لا حاجة إلى التخصيص لأن ما يأخذه الأولياء من الأجرة فهو ما لهم وليس أكله أكل مالهم مع مالهم لا يخلو عن خفاء. أ هـ {روح المعانى حـ 4 صـ 186 ـ 188}\rقوله تعالى {إِنَّهُ كَانَ حُوباً كَبِيراً}\rقال الفخر :\rاعلم أنه تعالى عرف الخلق بعد ذلك أن أكل مال اليتيم من جميع الجهات المحرمة إثم عظيم فقال : {إِنَّهُ كَانَ حُوباً كَبِيراً} قال الواحدي رحمه الله : الكناية تعود إلى الأكل ، وذلك لأن قوله : {وَلاَ تَأْكُلُواْ} دل على الأكل والحوب الإثم الكبير.\rقال عليه الصلاة والسلام : \" إن طلاق أم أيوب لحوب \" وكذلك الحوب والحاب ثلاث لغات في الاسم والمصدر قال الفراء : الحوب لأهل الحجاز ، والحاب لتميم ، ومعناه الإثم قال عليه الصلاة والسلام : \" رب تقبل توبتي واغسل حوبتي \" قال صاحب \"الكشاف\" : الحوب والحاب كالقول والقال.\rقال القفال : وكأن أصل الكلمة من التحوب وهو التوجع ، فالحوب هو ارتكاب ما يتوجع المرتكب منه ، وقال البصريون : الحوب بفتح الحاء مصدر ، والحوب بالضم الاسم ، والحوبة ، المرة الواحدة ، ثم يدخل بعضها في البعض كالكلام فإنه اسم ، ثم يقال : قد كلمته كلاما فيصير مصدرا.\rقال صاحب \"الكشاف\" : قرأ الحسن حوبا ، وقرىء : حابا. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 9 صـ 139}","part":19,"page":432},{"id":8352,"text":"وقال الآلوسى :\r{ إنَّهُ } أي الأكل المفهوم من النهي ، وقيل : الضمير للتبدل ، وقيل : لهما وهو منزل منزلة اسم الإشارة في ذلك { كَانَ حُوباً } أي إثماً أو ظلماً وكلاهما عن ابن عباس وهما متقاربان ، وأخرج الطبراني أن رافع بن الأزرق سأله رضي الله تعالى عنه عن الحوب ، فقال : هو الإثم بلغة الحبشة ، فقال : فهل تعرف العرب ذلك ؟ فقال : نعم أما سمعت قول الأعشى :\rفإني وما كلفتموني من أمركم...\rليعلم من أمسى أعق { وأحوبا }\rوخصه بعضهم بالذنب العظيم ؛ وقرأ الحسن حوباً بفتح الحاء وهو مصدر حاب يحوب حوباً.\rوقرىء حاباً وهو أيضاً مصدر كالقول والقال ، وهو على القراءة المشهورة اسم لا مصدر خلافاً لبعضهم ، وتنوينه للتعظيم أي حوباً عظيماً ، ووصف بقوله تعالى : { حُوباً كَبِيراً } للمبالغة في تهويل أمر المنهي عنه كأنه قيل : إنه من كبار الذنوب العظيمة لا من أفنائها. أ هـ {روح المعانى حـ 4 صـ 188 ـ 189}\rلطيفة\rقال ابن عادل :\rقل أبو العباس المقرئ : ورد لفظ \" الطيِّب \" في القرآن على أربعة أوجه :\rالأول : الحلال كهذه الآية.\rالثاني : بمعنى الظَّاهر كقوله تعالى : { صَعِيداً طَيِّباً } [ النساء : 43 ] أي : ظاهراً.\rالثالث : بمعنى الحَسَن قال تعالى : { إِلَيْهِ يَصْعَدُ الكلم الطيب والعمل الصالح يَرْفَعُهُ } [ فاطر : 10 ] أي : الحسن ، ومثله { والطيبات لِلطَّيِّبِينَ } [ النور : 26 ] أي : الكلام الحسن للمؤمنين.\rالرابع : الطيِّبَ : المؤمن قال تعالى : { حتى يَمِيزَ الخبيث مِنَ الطيب } [ آل عمران : 179 ] يعني : الكافر من المؤمن. أ هـ {تفسير ابن عادل حـ 6 صـ 154}.","part":19,"page":433},{"id":8353,"text":"فوائد لغوية\rقال ابن عادل :\rقالوا : إن اليتيم من لا أب له ولا جد ، والإيتاء : الإعطاء قال أبو زيد : أتَوْتُ الرجلَ آتُوه إتاوَةٌ ، وهي الرّشوة.\rوقال الزمخشري : الأيتام الذين مات آباؤهم ، وَالايُتْمُ : الانفراد ، ومنه الرملة اليتيمة ، والدُّرة اليتيمة.\rوقيل : [ اليتيم ] في الأناسي من قبل الآباء وفي البهائم من قبل الأمهات.\rقال : وحق هذا الاسم أن يقع على الضعفاء والكبار لمن يبقى معنى الانفراد عن الآباء ، إلا أنَّ في العرف اختصّ هذا الاسم بمن لم يبلغ ، فإذا صار مستعينً بنفسه في تحصيل مصالحه عن كافله ، زال عنه هذا الاسم ؛ وكانت قريش تقول لرسول اللهِ صلى الله عليه وسلم : يَتِيم أبي طَالِبٍ ، إمَّا على القياس ، وإما حكاية للحال التي كان عليها حين صغره ناشئاً في حجر عمه توضيعاً له.\rوأما على قوله عليه السلام : \" لاَ يتم بَعْدَ بُلُوغ \" فهو تعليم للشريعة لا تعليم للغة.\rوروى أبو بكر الرازي في أحكام القرآن أن جده كتب إلى ابن عباس يسأله عن اليتيم متى ينقطع يتمه ؟ فكتب إليه : إذا أونِسَ منه الرشد انقطع يتمه.\rوفي بعض الروايات : إن الرجل ليقبض على لحيته ولم ينقطع عنه يتمه بعدُ [ فأخبر ابن عباس ] أن اسم اليتيم يلزمه بعد البلوغ ، إذا لم يؤنس منه الرُّشْدُ ، ثم قال أبو بكر : \" واسم اليتم قد يقع على المرأة المفردة عن زوجها \".\rقال عليه السلام : \" تستأمر اليتيمة في نفسها \" وهي لا تستمر إلاَّ وهي بالغة.\rقال الشاعر : [ الرجز ]\rإنَّ الْقُبٌورَ تَنْكِحُ الأيَامى... النِّسْوَةَ ولأرَمِلَ الْيَتَامَى\rفالحاصل أنّ اسم اليتيم بحسب اللُّغة يتناول الصغير والكبير.\rفإن قيل : كيف جُمِعَ اليتيمُ على يتامى ؟ واليتيم فعيل : فيجمع على فعلى ، كمريض ومرضى وقتيل وقتلى ، وجريح وجرحى ؟\rفقال الزَّمَخْشَرِيُّ : فيه وجهان.","part":19,"page":434},{"id":8354,"text":"أحدهما : أن يقال : إن جمع اليتيم ، يَتْامَى ، ثمّ يجمع فعلى على فَعَالَى كأسير وأسَارِى.\rوالثاني : أن نقول : جمع اليتيم يتائم ؛ لأن اليتيم جار مجرى الاسم نحو \" صاحب \" و\" فارس \" ثم تنقلب \" اليتائم \" \" يتامى \".\rقال القفّال : \" ويجوز يتيم ويتامى كنديم وندامى ، ويجوز أيضاً يتيم وأيتام كشريف وأشراف \".\rقوله : { وَلاَ تَتَبَدَّلُواْ } وقد تقدَّم في البقرة قوله : { فَبَدَّلَ الذين ظَلَمُواْ قَوْلاً غَيْرَ الذي قِيلَ لَهُمْ } [ البقرة : 59 ] أنَّ المجرور بالباء هو المتروك ، والمنصوب هو الحاصل ، وتفعل هنا بمعنى استفعل ، وهو كثير ، نحو تَعَجَّل وَتََأَخَّرَ بمعنى استعجل واستأخر ومن مجيء تبدَّلَ بمعنى اسْتَبْدَلَ قولُ ذي الرمة : [ الطويل ]\rفَيَا كَرَمَ السَّكْنِ الَّذِينَ تَحَمَّلُوا... عَنِ الدَّارِ وَالمُسْتَخْلَفِ الْمَتِبَدِّلِ\rأي : المستبدل.\rقل الواحدي : \" تبدل الشَّيء بالشيء إذا أخذ مكانه \".\rقوله : \" بالطّيب \".\rهو المفعول الثاني لـ \" تتبدلوا \".\rقوله : { وَلاَ تأكلوا أَمْوَالَهُمْ إلى أَمْوَالِكُمْ } في قوله ثلاثة أوجه : \rأحدها : أن \" إلى \" بمعنى \" مع \" كقوله : { إِلَى المرافق } [ المائدة : 6 ] ، وهذا رأي الكوفيين.\rالثاني : أنها على بابها وهي ومجرورها متعلّقة بمحذوف على أنَّه حال ، أي : مضمومة ، أو مضافة إلى أموالكم.\rالثالث : أن يضمَّن \" تأكلوا \" بمعنى \" تضموا \" كأنه قيل : ولا تَضمُّوها إلى أموالكم آكلين.\rقال الزمخشري : \" فإن قلت : قد حَرَّمَ عليهم أكل مال اليتامى ، فدخل فيه أكله وحده ومع أموالهم ، فَلِمَ ورد النهي عن أكلها معها ؟ \r","part":19,"page":435},{"id":8355,"text":"قلت : \" لأنهم إذا كانوا مستغنين عن أموال اليتامى بما رزقهم الله - تعالى - من الحلال ، وهم من ذلك يَطْعمون منها ، كان القبحُ أبلغ والذمُّ ألحق ، ولأنهم كنوا يفعلون كذلك فنعى عليهم فعلهم ، وَنَّعَ بهم ليكون زجر لهم \".\rواعلم أنه تعالى ، وَإن ذكر الأكل ، فالمرادُ به سائر التصرفات المملكة للمال ، وإنما ذكر الأكل لأنه معظم ما يقع التصرف لأجله.\rقوله : { إِنَّهُ كَانَ حُوباً } في الهاء ثلاثة أوجه : \rحده : أنها تعود على الأكل المفهوم ، من \" لا تأكلوا \".\rالثَّاني : على التبدُّلِ المفهوم من \" لا تَتَبَدَّلُوا الخبيث \".\rالثالث : عليهما ذهاباً به مذهب اسم الإشارة نحو : { عَوَانٌ بَيْنَ ذلك } [ البقرة : 68 ] ومنه : [ الرجز ]\rكأَنَّهُ في الجِلْدِ تَوْلِيعُ البَهَقْ... وقد تقدم ذلك في البقرة ، والأول أولى لأنه أقرب مذكور.\rوقرأ الجمهور \" حُوبً \" بضم الحاءِ ، ولحسن بفتحها ، وبعضهم : \" حَباً \" بالألف ، وهي لغت في المصدر ، والفتح لغة تميم.\rونظير الحوْب والحاب ، والقول والقال ، والطُّرد والطَّرْد - وهو لإثم - وقيل : المضموم اسم مصدر ، [ والمفتوح مصدر ] وصله من حوب الأبل ، وهو زجرها فسُمِّي به لإثم ؛ لأنه يزجر به ، ويطلق على الذَّنب أيضاً ؛ لأنه يزجر عنه ، ومنه قول عليه السلام : \" إنَّ طَلاقَ أمِّ أيُّوبَ لَحُوبْ \" أي : لذنب عظيم. وقل القرطبي : والحوبُ الوحشة ، ومنه قوله عليه السَّلام أبي أيوب \" إن طلاق أم أيوب لحوب \".\rقال القفال : وكأن أصل لكلمةِ من لتَّحوُّبِ وهو التَّوجُّعُ ، فالحوبُ هو ارتكاب ما يتوجَّعُ لمرتكبُ منه ، يقال : حَابَ يَحُوب ، حَوْباً ، وحَاباً وحِيابة.\rقال المخبل السعدي : [ الطويل ]\rفلا يَدْخُلَنَّ الدَّهْرَ قَبْرَكَ حُوبُ... فَإنَّكَ تَلْقَاهُ عَلَيْكَ حَسِيبُ\rوقال آخر [ الوافر ]\r","part":19,"page":436},{"id":8356,"text":"وإنّ مُهَاجِرَيْنِ تَكَنَّفَاهُ... غَدَاتَئِذٍ لَقَدْ خَطِئَا وَحَابَا\rوالحَوْبةُ : المرة الواحدة ، والحَوْبَةُ : الحاجة ، ومنه في الدعاء \" إليكَ أرفع حَوْبَتِي \" ، وأوقْعَ اللهُ الْحَوْبَة ، و\" تحوَّب فلان \" إذا خرج من الحَوْب كتحرَّج وتَأَثَّمَ ، والتضعيف للسَّلْبِ ، و\" الحَوِأب \" بهمزة بعد الواو المكان الواسع والحوب الحاجة ، يقال : ألحق اللهُ به الحوبةَ ، أي : [ المسألة ] والحاجة ، والمسكنة ومنه قولهم باب بحيبة سوء ، وأصل الياء الواو ، وتحوَّب فلان أي : تعبد وألقى الحوب عن نفسه ، والتحوُّب أيضاً التحزُّن ، وهو أيضاً الصياحُ الشديد كالزَّجْرِ. أ هـ {تفسير ابن عادل حـ 6 صـ 150 ـ 156}. بتصرف.\rمن لطائف الإمام القشيرى فى الآية\rقال عليه الرحمة :\r{ وَآَتُوا الْيَتَامَى أَمْوَالَهُمْ وَلَا تَتَبَدَّلُوا الْخَبِيثَ بِالطَّيِّبِ وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَهُمْ إِلَى أَمْوَالِكُمْ إِنَّهُ كَانَ حُوبًا كَبِيرًا (2)}\rمَنْ أُقيم بمحلِّ الرعاية فجاء على رعيَّتِه فَخَصْمُه ربُّه ؛ فإنه - سبحانه - ينتقم لعباده ما لا ينتقم لنفسه. فَوَلِيُّ اليتيم إنْ أَنْصَفَ وأَحْسَنَ فحقُّه على الله ، وإنْ أَساء وتعدَّى فَخَصْمُه اللهُ. أ هـ {لطائف الإشارات حـ 1 صـ 313}","part":19,"page":437},{"id":8357,"text":"قوله تعالى { وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ ذَلِكَ أَدْنَى أَلَّا تَعُولُوا (3)}\rمناسبة الآية لما قبلها\rقال البقاعى : \rولما كان تعالى قد أجرى سنة الإلهية في أنه لا بد في التناسل من توسط النكاح إلا ما كان من آدم وحواء وعيسى عليهم الصلاة والسلام ، وكانوا قد أمروا بالعدل في أموال اليتامى ، وكانوا يلون أمور يتاماهم ، وكانوا ربما نكحوا من في حجورهم منهن ، فكان ربما أوقفهم هذا التحذير من أموالهم عن النكاح خوفاً من التقصير في حق من حقوقهن أتبعه تعالى عطفاً على ما تقديره : فإن وثقتم من أنفسكم بالعدل فخالطوهم بالنكاح وغيره : {وإن خفتم} فعبر بأداة الشك حثاً على الورع {ألا تقسطوا} أي تعدلوا {في اليتامى} ووثقتم من أنفسكم بالعدل في غيرهن {فانكحوا }.","part":19,"page":438},{"id":8358,"text":"ولما كانت النساء ناقصات عقلاً وديناً ، عبر عنهن بأداة ما لا يعقل إشارة إلى الرفق بهن والتجاوز عنهن فقال : {ما} ولما أفاد أنكحوا الإذن المتضمن للحل ، حمل الطيب على اللذيذ المنفك عن النهي السابق ليكون الكلام عاماً مخصوصاً بما يأتي من آية المحرمات من النساء - ولا يحمل الطيب على الحل لئلا يؤدي - مع كونه تكراراً - إلى أن يكون الكلام مجملاً - لأن الحل لم يتقدم علمه ، والحمل على العام المخصوص أولى ، لأنه حجة في غير محل التخصيص ، والمجمل ليس بحجة أصلاً - أفاده الإمام الرازي ؛ فقال تعالى : {طاب} أي زال عنه حرج النهي السابق ولذّ ، وأتبعه قيداً لا بد منه بقوله : {لكم} وصرح بما علم التزاماً فقال : {من النساء} أي من غيرهن {مثنى وثلاث ورباع} أي حال كون هذا المأذون في نكاحه موزَّعاً هكذا : ثنتين ثنتين وثلاثاً ثلاثاً وأربعاً أربعاً لكل واحد ، وهذا الحكم عرف من العطف بالواو ، ولو كان بأو لما أفاد التزوج إلا على أحد هذه الوجوه الثلاثة ، ولم يفد التخيير المفيد للجمع بينها على سبيل التوزيع ، وهذا دليل واضح على أن النساء أضعاف الرجال ، وروى البخاري في التفسير \" عن عروة ابن الزبير أنه سأل عائشة رضي الله عنها عن قوله تعالى : {وإن خفتم ألا تقسطوا في اليتامى} [ النساء : 3 ] ، فقالت : يا ابن أختي! هذه اليتيمة تكون في حجر وليها ، تشركه في ماله ، ويعجبه مالها وجمالها ، فيريد وليها أن يتزوجها بغير أن يقسط في صداقها فيعطيها مثل ما يعطيها غيره ، فنهوا عن ذلك أن ينكحوهن إلا أن يقسطوا لهن ويبلغوا لهن أعلى سنتهن في الصداق ، فأمروا أن ينكحوا ما طاب لهم من النساء سواهن قال عروة : قالت عائشة : وإن الناس استفتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد هذه الآية ، فأنزل الله عز وجل {ويستفتونك في النساء} [ النساء : 127 ]","part":19,"page":439},{"id":8359,"text":"قالت عائشة : وقول الله عز وجل في آية أخرى {وترغبون أن تنكحوهن} [ النساء : 127 ] رغبة أحدكم عن يتيمته حين تكون قليلة المال والجمال ، قالت : فنهوا أن ينكحوا من رغبوا في ماله وجماله في يتامى النساء إلا بالقسط ، من أجل رغبتهم عنهم إذا كن قليلات المال والجمال \" وفي رواية \" في النكاح \" ، فكما يتركونها حين يرغبون عنها فليس لهم أن ينكحوها إذا رغبوا فيها إلا أن يقسطوا لها ويعطوها حقها الأوفى في الصداق ؛ وهذا الخطاب للأحرار دون العبيد ، لأن العبد لا يستقل بنكاح ما طاب له ، بل لا بد من إذن السيد.\rولما كان النساء كالتيامى في الضعف قال مسبباً عن الإذن في النكاح : {فإن خفتم ألا تعدلوا} أي في الجمع {فواحدة} أي فانكحوها ، لأن الاقتصار عليها أقرب إلى العدل لأنه ليس معها من يقسم له فيجب العدل بينها وبينه ولما كان حسن العشرة المؤدي إلى العدل دائراً على اطراح النفس ، وكان الإماء - لكسرهن بالغربة وعدم الأهل - أقرب إلى حسن العشرة سوّى بين العدد منهم إلى غير نهاية وبين الواحدة من الحرائر فقيل : {أو ما} أي انكحوا ما {ملكت أيمانكم} فإنه لا قسم بينهن ، وذكر ملك اليمين يدل أيضاً على أن الخطاب من أوله خاص بالأحرار {ذلك} أي نكاح غير التيامى والتقلل من الحرائر والاقتصار على الإماء {أدنى} أي أقرب إلى {ألا تعولوا} أي تميلوا بالجور عن منهاج القسط وهو الوزن المستقيم ، أو تكثر عيالكم ، أما عند الواحدة فواضح ، وأما عند الإماء فالبعزل ، وعدم احتياج الرجل معهن لخادم له أو لهن ، والبيع لمن أراد منهن ، وأمرهن بالاكتساب ، أو تحتاجوا فتظلموا بعض النساء ، أو تأكلوا أموال التيامى. أ هـ {نظم الدرر حـ 2 صـ 208 ـ 210}","part":19,"page":440},{"id":8360,"text":"وقال الآلوسى :\r{ وَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تُقْسِطُواْ فِى اليتامى فانكحوا مَا طَابَ لَكُمْ مّنَ النساء } شروع في النهي عن منكر آخر كانوا يباشرونه متعلق بأنفس اليتامى أصالة وبأموالهم تبعاً عقيب النهي عما يتعلق بأموالهم خاصة ، وتأخيره عنه لقلة وقوع المنهي عنه بالنسبة إلى الأموال ونزوله منه منزلة المركب من المفرد مع كون المراد من اليتامى هنا صنفاً مما أريد منه فيما تقدم ، وذلك أنهم كانوا يتزوجون من تحل لهم من يتامى النساء اللاتي يلونهن لكن لا رغبة فيهن بل في مالهنّ ويسيئون صحبتهن ويتربصون بهن أن يمتن فيرثوهن فوعظوا في ذلك وهذا قول الحسن ، ورواه ابن جرير ، وابن المنذر ، وابن أبي حاتم عن عائشة رضي الله تعالى عنها ، وأخرج هؤلاء من طريق آخر والبخاري ومسلم والنسائي والبيهقي في \"سننه\" عن عروة بن الزبير أنه سأل عائشة رضي الله تعالى عنها عن هذه الآية فقالت يا ابن أختي هذه اليتيمة تكون في حجر وليها يشركها في مالها ويعجبه مالها وجمالها فيريد أن يتزوجها من غير أن يقسط في صداقها فيعطيها مثل ما يعطيها غيره فنهوا أن ينكحوهنّ إلا أن يقسطوا لهن ويبلغوا بهن أعلى سنتهن في الصداق وأمروا أن ينكحوا ما طاب لهم من النساء سواهن. أ هـ {روح المعانى حـ 4 صـ 189}\rفائدة\rقال ابن عاشور :\rاشتمال هذه الآية على كلمة { اليتامى } يؤذن بمناسبتها للآية السابقة ، بيد أنّ الأمر بنكاح النساء وعددهنّ في جواب شرط الخوف من عدم العدل في اليتامى ممّا خفي وجهُه على كثير من علماء سلف الأمة ، إذ لا تظهر مناسبة أي ملازمة بين الشرط وجوابه.\rواعلم أنّ في الآية إيجازاً بديعاً إذ أطلق فيها لفظ اليتامى في الشرط وقوبل بلفظ النساء في الجزاء فعلم السامع أنّ اليتامى هنا جمع يتيمة وهي صنف من اليتامى في قوله السابق : { وآتوا اليتامى أموالهم } [ النساء : 2 ].","part":19,"page":441},{"id":8361,"text":"وعلم أنّ بين عدم القسط في يتامى النساء ، وبين الأمر بنكاح النساء ، ارتباطاً لا محالة وإلاّ لكان الشرط عبثاً.\rوبيانه ما في \"صحيح البخاري\" : أنّ عروة بن الزبير سأل عائشة عن هذه الآية فقالت : \"يابنَ أختي هذه اليتيمة تكون في حجر وليّها تشرَكه في ماله ويعجبه مالها وجمالها ، فيريد وليّها أن يتزوجها بغير أن يُقسط في صداقها فلا يعطيها مثل ما يعطيها غيره ، فنُهوا أن ينكحوهنّ إلاّ أن يقسطوا لهنّ ويبلغوا بهنّ أعلى سنتهنّ في الصداق فأمروا أن ينكحوا ما طاب لهم من النساء غيرهنّ.\rثم إنّ الناس استفتوا رسول الله بعد هذه الآية فأنزل الله : { ويستفتونك في النساء قل الله يفتيكم فيهن وما يتلى عليكم في الكتاب في يتامى النساء التي لا تؤتونهن ما كتب لهن وترغبون أن تنكحوهن } [ النساء : 127 ].\rفقول الله تعالى : { وترغبون أن تنكحوهن } [ النساء : 127 ] رغبة أحدكم عن يتيمته حين تكون قليلة المال والجمال ، فنهوا عن أن ينكحوا من رغبوا في مالها وجمالها من يتامى النساء إلاّ بالقسط من أجل رغبتهم عنهنّ إذا كنّ قليلات المال والجمال\".","part":19,"page":442},{"id":8362,"text":"وعائشة لم تسند هذا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ولكن سياق كلامها يؤذن بأنّه عن توقيف ، ولذلك أخرجه البخاري في باب تفسير سورة النساء بسياق الأحاديث المرفوعة اعتداداً بأنها ما قالت ذلك إلاّ عن معاينة حال النزول ، وأَفهام المسلمين التي أقرّها الرسول عليه السلام ، لا سيما وقد قالت : ثمّ إنّ الناس استفتوا رسول الله ، وعليه فيكون إيجاز لفظ الآية اعتداداً بما فهمه الناس ممّا يعلمون من أحوالهم ، وتكون قد جمعت إلى حكم حفظ حقوق اليتامى في أموالهم الموروثة حفظ حقوقهم في الأموال التي يستحقّها البنات اليتامى من مهور أمثالهنّ ، وموعظة الرجال بأنّهم لمّا لم يجعلوا أواصر القرابة شافعة النساء اللاتي لا مرغِّب فيهنّ لهم فيرغبون عن نكاحهنّ ، فكذلك لا يجعلون القرابة سبباً للإجحاف بهنّ في مهورهنّ.\rوقولها : ثمّ إنّ الناس استفتوا رسول الله ، معناه استفتوه طلباً لإيضاح هذه الآية.\rأو استفتوه في حكم نكاح اليتامى ، ولم يهتدوا إلى أخذه من هذه الآية ، فنزل قوله : { ويستفتونك في النساء } الآية ، وأنّ الإشارة بقوله : { وما يتلى عليكم في الكتاب في يتامى النساء } أي ما يتلى من هذه الآية الأولى ، أي كان هذا الاستفتاء في زمن نزول هذه السورة.\rوكلامها هذا أحسن تفسير لهذه الآية. أ هـ {التحرير والتنوير حـ 4 صـ 15 ـ 16}\rفائدة\rقال القرطبى :\rو \"تقسِطوا\" معناه تعدلوا.\rيقال : أقسط الرجل إذا عدل.\rوقَسَط إذا جار وظلم صاحبَه.\rقال الله تعالى : { وَأَمَّا القاسطون فَكَانُواْ لِجَهَنَّمَ حَطَباً } [ الجن : 15 ] يعني الجائرون.\rوقال عليه السلام : \" المقسطون في الدين على منابر من نور يوم القيامة \" يعني العادلين.","part":19,"page":443},{"id":8363,"text":"وقرأ ابن وَثّاب والنخعيّ \"تَقْسِطُوا\" بفتح التاء من قَسَط على تقدير زيادة \"لا\" كأنه قال : وإن خفتم أن تجوروا. أ هـ {تفسير القرطبى حـ 5 صـ 12}\rفصل\rقال الفخر :\rاعلم أن قوله : {وَإِنْ خِفْتُمْ أَن لا تُقْسِطُواْ} شرط وقوله : {فانكحوا مَا طَابَ لَكُمْ مّنَ النساء} جزاء ، ولا بد من بيان أنه كيف يتعلق هذا الجزاء بهذا الشرط ، وللمفسرين فيه وجوه : الأول : روي عن عروة أنه قال : قلت لعائشة : ما معنى قول الله : {وَإِنْ خِفْتُمْ أَن لا تُقْسِطُواْ فِى اليتامى} فقالت : يا ابن أختي هي اليتيمة تكون في حجر وليها فيرغب في مالها وجمالها ، إلا أنه يريد أن ينكحها بأدنى من صداقها ، ثم إذا تزوج بها عاملها معاملة رديئة لعلمه بأنه ليس لها من يذب عنها ويدفع شر ذلك الزوج عنها ، فقال تعالى : \"وإن خفتم أن تظلموا اليتامى عند نكاحهن فانكحوا من غيرهن ما طاب لكم من النساء ، قالت عائشة رضي الله عنها : ثم إن الناس استفتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد هذه الآية فيهن ، فأنزل الله تعالى : {وَيَسْتَفْتُونَكَ فِى النساء قُلِ الله يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ وَمَا يتلى عَلَيْكُمْ فِى الكتاب فِى يتامى النساء} [ النساء : 127 ] قالت : وقوله تعالى : {وَمَا يتلى عَلَيْكُمْ فِى الكتاب فِى يتامى النساء} [ النساء : 127 ] المراد منه هذه الآية وهي قوله : {وَإِنْ خِفْتُمْ أَن لا تُقْسِطُواْ }.","part":19,"page":444},{"id":8364,"text":"الوجه الثاني : في تأويل الآية : أنه لما نزلت الآية المتقدمة في اليتامى وما في أكل أموالهم من الحوب الكبير ، خاف الأولياء أن يلحقهم الحوب بترك الإقساط في حقوق اليتامى ، فتحرجوا من ولايتهم ، وكان الرجل منهم ربما كان تحته العشر من الأزواج وأكثر ، فلا يقوم بحقوقهن ولا يعدل بينهن ، فقيل لهم : إن خفتم ترك العدل في حقوق اليتامى فتحرجتم منها ، فكونوا خائفين من ترك العدل من النساء ، فقالوا عدد المنكوحات ، لأن من تحرج من ذنب أو تاب عنه وهو مرتكب لمثله فكأنه غير متحرج.\rالوجه الثالث : في التأويل : أنهم كانوا يتحرجون من ولاية اليتامى فقيل : إن خفتم في حق اليتامى فكونوا خائفين من الزنا ، فانكحوا ما حل لكم من النساء ولا تحوموا حول المحرمات.\rالوجه الرابع : في التأويل : ما روي عن عكرمة أنه قال : كان الرجل عنده النسوة ويكون عنده الأيتام ، فإذا أنفق مال نفسه على النسوة ولم يبق له مال وصار محتاجا ، أخذ في إنفاق أموال اليتامى عليهن فقال تعالى : {وَإِنْ خِفْتُمْ أَن لا تُقْسِطُواْ فِى أموال اليتامى} عند كثرة الزوجات فقد حظرت عليكم أن لا تنكحوا أكثر من أربع كي يزول هذا الخوف ، فإن خفتم في الأربع أيضاً فواحدة ، فذكر الطرف الزائد وهو الأربع ، والناقص وهو الواحدة ، ونبه بذلك على ما بينهما ، فكأنه تعالى قال : فإن خفتم من الأربع فثلاث ، فإن خفتم فاثنتان ، فإن خفتم فواحدة ، وهذا القول أقرب ، فكأنه تعالى خوف من الإكثار من النكاح بما عساه يقع من الولي من التعدي في مال اليتيم للحاجة إلى الإنفاق الكثير عند التزوج بالعدد الكثير. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 9 صـ 139 ـ 140}","part":19,"page":445},{"id":8365,"text":"فائدة\rقال الآلوسى\rالمراد من اليتامى المتزوج بهن والقرينة على ذلك الجواب فإنه صريح فيه والربط يقتضيه ومن النساء غير اليتامى كما صرحت به الحميراء رضي الله تعالى عنها لدلالة المعنى وإشارة لفظ النساء إليه ، والإقساط العدل والإنصاف ، وجعل بعض الهمزة فيه للإزالة فأصل معناه حينئذ إزالة القسوط أي الظلم والحيف ، وقرأ النخعى تقسطوا بفتح التاء فقيل : هو من قسط بمعنى جار وظلم ، ومنه { وَأَمَّا القاسطون فَكَانُواْ لِجَهَنَّمَ حَطَباً } ( الجن ؛ 15 ) ولا مزيدة كما في قوله تعالى : { لّئَلاَّ يَعْلَمَ } [ الحديد : 29 ] ، وقيل : هو بمعنى أقسط فإن الزجاج حكى أن قسط بلا همز تستعمل استعمال أقسط. أ هـ {روح المعانى حـ 4 صـ 189}\rقوله تعالى {فانكحوا مَا طَابَ لَكُمْ مّنَ النساء مثنى وثلاث وَرُبَاعَ فَإِنْ خِفْتُمْ أَن لا تَعْدِلُواْ فواحدة أَوْ مَا مَلَكَتْ أيمانكم ذلك أدنى أَن لا تَعُولُواْ }\rقال ابن عاشور :\rومعنى { ما طاب } ما حسن بدليل قوله : { لكم } ويفهم منه أنّه ممّا حلّ لكم لأن الكلام في سياق التشريع.\rوما صَدْقُ { ما طاب } النساء فكان الشأن أن يؤتى بـ ( مَن ) الموصولة لكن جيء بـ ( ما ) الغالبة في غير العقلاء ، لأنّها نُحِي بها مَنْحى الصفة وهو الطيّب بِلا تعيين ذات ، ولو قال ( مَنْ ) لتبادر إلى إرادة نسوة طيّبات معروفات بينهم ، وكذلك حال ( ما ) في الاستفهام ، كما قال صاحب \"الكشاف\" وصاحب \"المفتاح\".\rفإذا قلت : ما تزوجت ؟ فأنت تريد ما صفتها أبكرا أم ثيّباً مثلاً ، وإذا قلت : مَن تزوجت ؟ فأنت تريد تعيين اسمها ونسبها.","part":19,"page":446},{"id":8366,"text":"والآية ليست هي المثبتة لمشروعية النكاح ، لأنّ الأمر فيها معلّق على حالة الخوف من الجور في اليتامى ، فالظاهر أنّ الأمر فيها للإرشاد ، وأنّ النكاح شرع بالتقرير للإباحة الأصلية لما عليه الناس قبل الإسلام مع إبطال ما لا يرضاه الدين كالزيادة على الأربع ، وكنكاح المقت ، والمحرّمات من الرضاعة ، والأمر بأن لا يُخْلوه عن الصداق ، ونحو ذلك. أ هـ {التحرير والتنوير حـ 4 صـ 16 ـ 17}\rفائدة\rقال الفخر :\rقال أصحاب الظاهر : النكاح واجب وتمسكوا بهذه الآية ، وذلك لأن قوله {فانكحوا} أمر ، وظاهر الأمر للوجوب ، وتمسك الشافعي في بيان أنه ليس بواجب بقوله تعالى : {وَمَن لَّمْ يَسْتَطِعْ مِنكُمْ طَوْلاً أَن يَنكِحَ المحصنات المؤمنات أَوْ مَا مَلَكَتْ أيمانكم} [ النساء : 25 ] إلى قوله : {ذَلِكَ لِمَنْ خَشِىَ العنت مِنْكُمْ وَأَن تَصْبِرُواْ خَيْرٌ لَّكُمْ} فحكم تعالى بأن ترك النكاح في هذه الصورة خير من فعله ، وذلك يدل على أنه ليس بمندوب ، فضلا عن أن يقال إنه واجب. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 9 صـ 140}\rفائدة\rقال الفخر :\rإنما قال : {مَا طَابَ} ولم يقل : من طاب لوجوه :\rأحدها : أنه أراد به الجنس تقول : ما عندك ؟ فيقول رجل أو امرأة ، والمعنى ما ذلك الشيء الذي عندك ، وما تلك الحقيقة التي عندك ،\rوثانيها : أن ( ما ) مع ما بعده في تقدير المصدر ، وتقديره : فانكحوا الطيب من النساء ، وثالثها : أن \"ما\" و\"من\" ربما يتعاقبان.\rقال تعالى : {والسماء وَمَا بناها} [ الشمس : 5 ] وقال : {وَلاَ أَنتُمْ عابدون مَا أَعْبُدُ} [ الكافرون : 2 ] وحكى أبو عمرو بن العلاء : سبحان ما سبح له الرعد ، وقال : {فَمِنْهُمْ مَّن يَمْشِى على بَطْنِهِ} [ النور : 45 ] ورابعها : إنما ذكر \"ما\" تنزيلا للاناث منزلة غير العقلاء.","part":19,"page":447},{"id":8367,"text":"ومنه : قوله : {إِلاَّ على أزواجهم أَوْ مَا مَلَكَتْ أيمانهم} [ المعارج : 30 ]. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 9 صـ 140 ـ 141}\rقال الآلوسى :\rوقال بعض المحققين : ما طاب لكم ما لا تحرج منه لأنه في مقابل المتحرج منه من اليتامى ولا يخلو عن حسن ، وكيفما كان فالتعبير عن الأجنبيات بهذا العنوان فيه من المبالغة في الاستمالة إليهن والترغيب فيهن ما لا يخفى ، والسر في ذلك الاعتناء بصرف المخاطبين عن نكاح اليتامى عند خوف عدم العدل رعاية ليتمهن وجبراً لانكسارهن ولهذا الاعتناء أوثر الأمر بنكاح الأجنبيات على النهي عن نكاحهن مع أنه المقصود بالذات وذلك لما فيه من مزيد اللطف في استنزالهم فإن النفس مجبولة على الحرص على ما منعت منه ، ووجه النهي الضمني إلى النكاح المترقب مع أن سبب النزول هو النكاح المحقق على ما فهمه البعض من الأخبار ، ودل عليه ما أخرجه البخاري عن عائشة \"أن رجلاً كانت له يتيمة فنكحها وكان لها عَذْق فكان يمسكها عليه ولم يكن لها من نفسه شيء فأنزل الله تعالى : { وَإِنْ خِفْتُمْ } \" الخ لما فيه من المسارعة إلى دفع الشر قبل وقوعه فرب واقع لا يرفع ، والمبالغة في بيان حال النكاح المحقق فإن محظورية المترقب حيث كان للجور المترقب فيه فمحظورية المحقق مع تحقق الجور فيه أولى. أ هـ {روح المعانى حـ 4 صـ 190}\rفصل\rقال الفخر :\rقال الواحدي وصاحب \"الكشاف\" : قوله {مَا طَابَ لَكُمْ} أي ما حل لكم من النساء لأن منهن من يحرم نكاحها ، وهي الأنواع المذكورة في قوله : {حُرّمَتْ عَلَيْكُمْ أمهاتكم وبناتكم} [ النساء : 23 ] وهذا عندي فيه نظر ، وذلك لأنا بينا أن قوله : {فانكحوا} أمر إباحة.","part":19,"page":448},{"id":8368,"text":"فلو كان المراد بقوله : {مَا طَابَ لَكُمْ} أي ما حل لكم لنزلت الآية منزلة ما يقال : أبحنا لكم نكاح من يكون نكاحها مباحا لكم : وذلك يخرج الآية عن الفائدة ، وأيضاً فبتقدير أن تحمل الآية على ما ذكروه تصير الآية مجملة ، لأن أسباب الحل والاباحة لما لم تكن مذكورة في هذه الآية صارت الآية مجملة لا محالة ، أما إذا حملنا الطيب على استطابة النفس وميل القلب ، كانت الآية عاما دخله التخصيص.\rوقد ثبت في أصول الفقه أنه متى وقع التعارض بين الاجمال والتخصيص كان رفع الاجمال أولى ، لأن العام المخصوص حجة في غير محل التخصيص ، والمجمل لا يكون حجة أصلا. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 9 صـ 141}\rفصل\rقال الفخر :\r{مثنى وثلاث وَرُبَاعَ} معناه : اثنين اثنين ، وثلاثا ثلاثا ، وأربعا أربعا ، وهو غير منصرف وفيه وجهان :\rالأول : أنه اجتمع فيها أمران : العدل والوصف ، أما العدل فلأن العدل عبارة عن أنك تذكر كلمة وتريد بها كلمة أخرى ، كما تقول : عمر وزفر وتريد به عامراً وزافرا ، فكذا ههنا تريد بقولك : مثنى : ثنتين ثنتين فكان معدولا ، وأما أنه وصف ، فدليله قوله تعالى : {أُوْلِى أَجْنِحَةٍ مثنى وثلاث ورباع} [ فاطر : 1 ] ولا شك أنه وصف.","part":19,"page":449},{"id":8369,"text":"الوجه الثاني : في بيان أن هذه الأسماء غير منصرفة أن فيها عدلين لأنها معدولة عن أصولها كما بيناه ، وأيضا انها معدولة عن تكررها فانك لا تريد بقولك : مثنى ثنتين فقط ، بل ثنتين ثنتين ، فإذا قلت : جاءني اثنان أو ثلاثة كان غرضك الأخبار عن مجيء هذا العدد فقط ، أما إذا قلت : جاءني القوم مثنى أفاد أن ترتيب مجيئهم وقع اثنين اثنين ، فثبت أنه حصل في هذه الألفاظ نوعان من العدد فوجب أن يمنع من الصرف ، وذلك لأنه إذا اجتمع في الاسم سببان أوجب ذلك منع الصرف ، لأنه يصير لأجل ذلك نائبا من جهتين فيصير مشابها للفعل فيمتنع صرفه ، وكذا إذا حصل فيه العدل من جهتين فوجب أن يمنع صرفه والله أعلم. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 9 صـ 141}","part":19,"page":450},{"id":8370,"text":"وقال الآلوسى : \r{ مثنى وثلاث ورباع } منصوبة على الحال من فاعل طاب المستتر ، أو من مرجعه ، وجوز العلامة كونها حالاً من النساء على تقدير جعل من بيانية ، وذهب أبو البقاء إلى كونها بدلاً من ما وإلى الحالية ذهب البصريون وهو المذهب المختار ، والكوفيون لم يجوزوا ذلك لأنها معارف عندهم ، وأوجبوا في هذا المقام ما ذهب إليه أبو البقاء ، وهي ممنوعة من الصرف على الصحيح ، وجوز الفراء صرفها والمذاهب المنقولة في علة منع صرفها أربعة : أحدها : قول سيبويه والخليل وأبي عمرو : إنه العدل والوصف ، وأورد عليه أن الوصفية في أسماء العدد عارضة وهي لا تمنع الصرف ، وأجيب بأنها وإن عرضت في أصلها فهي نقلت عنها بعد ملاحظة الوصف العارض فكان أصلياً في هذه دون أصلها ولا يخلو عن نظر ، والثاني : قول الفراء : إنها منعت للعدل والتعريف بنية الألف واللام ولذا لم تجز إضافتها ولا دخول أل عليها ، والثالث : ما نقل عن الزجاج أنها معدولة عن اثنين اثنين وثلاثة ثلاثة وأربعة أربعة ، فعدلت عن ألفاظ العدد وعن المؤنث إلى المذكر ففيها عدلان وهما سببان ، والرابع : ما نقله أبو الحسن عن بعض النحويين أن العلة المانعة من الصرف تكرار العدل فيه لأن مثنى مثلاً عدلت عن لفظ اثنين ومعناه لأنها لا تستعمل في موضع تستعمل فيه إذ لا تلي العوامل وإنما تقع بعد جمع إما خبراً ، أو حالاً ، أو وصفاً ، وشذ أن تلي العوامل وأن تضاف ، وزاد السفاقسي في علة المنع خامساً : وهو العدل من غير جهة العدل لأن باب العدل أن يكون في المعارف وهذا عدل في النكرات ، وسادساً : وهو العدل والجمع لأنه يقتضي التكرار فصار في معنى الجمع ، وقال : زاد هذين ابن الصائغ في \"شرح الجمل\" ، وجاء آحاد وموحد ، وثناء ومثنى ، وثلاث ومثلث ، ورباع ومربع ، ولم يسمع فيما زاد على ذلك كما قال أبو عبيدة إلا في","part":19,"page":451},{"id":8371,"text":"قول الكميت : \rولم يستر يثوك حتى رميت...\rفوق الرجال خصالاً ( عشاراً )\rومن هنا أعابوا على المتنبي قوله : \rأحاد أم ( سداس ) في أحاد...\rلييلتنا المنوطة بالتناد","part":19,"page":452},{"id":8372,"text":"ومن الناس من جوز خماس ومخمس إلى آخر العقد قياساً وليس بشيء ، واختير التكرار والعطف بالواو لتفهم الآية أن لكل واحد من المخاطبين أن يختار من هذه الأعداد المذكورة أي عدد شاء إذ هو المقصود لا أن بعضها لبعض منهم والبعض الآخر لآخر ، ولو أفردت الأعداد لفهم من ذلك تجويز الجمع بين تلك الأعداد دون التوزيع ولو ذكرت بكلمة أو لفات تجويز الاختلاف في العدد بأن ينكح واحد اثنتين ، وآخر ثلاثاً أو أربعاً وما قيل : إنه لا يلتفت إليه الذهن لأنه لم يذهب إليه أحد لا يلتفت إليه لأن الكلام في الظاهر الذي هو نكتة العدول ؛ وادعى بعض المحققين أنه لو أتى من الأعداد بما لا يدل على التكرار لم يصح جعله حالاً معللاً ذلك بأن جميع الطيبات ليس حالها أنها اثنان ولا حالها أنها ثلاثة ، وكذا لو قيل : اقتسموا هذا المال الذي هو ألف درهم درهماً واثنين وثلاثة وأربعة لم يصح جعل العدد حالاً من المال الذي هو ألف درهم لأن حال الألف ليس ذلك بخلاف ما إذا كرر فإن المقصود حينئذ التفصيل في حكم الانقسام كأنه قيل : فانكحوا الطيبات لكم مفصلة ومقسمة إلى ثنتين ثنتين ، وثلاثاً ثلاثاً ، وأربعاً أربعاً ، واقتسموا هذا المال الذي هو ألف درهم مفصلاً ومقسماً إلى درهم درهم ، واثنين اثنين ، وثلاثة ثلاثة ، وأربعة أربعة ، وبهذا يظهر فساد ما قيل : من أنه لا فرق بين اثنين ومثنى في صحة الحالية لأن انفهام الانقسام ظاهر من الثاني دون الأول كما لا يخفى ، وأنه إنما أتى بالواو دون أو ليفيد الكلام أن تكون الأقسام على هذه الأنواع غير متجاوز إياها إلى ما فوقها لا أن تكون على أحد هذه الأنواع غير مجموع بين اثنين منها وذلك بناءاً على أن الحال بيان لكيفية الفعل ، والقيد في الكلام نفي لما يقابله والواو ليست لأحد الأمرين أو الأمور كأو ، وبهذا يندفع ما ذهب إليه","part":19,"page":453},{"id":8373,"text":"البعض من جواز التسع تمسكاً بأن الواو للجمع فيجوز الثنتان والثلاث والأربع وهي تسع ، وذلك لأن من نكح الخمس أو ما فوقها لم يحافظ على القيد أعني كيفية النكاح وهي كونه على هذا التقدير والتفصيل بل جاوزه إلى ما فوقه ، ولعل هذا مراد القطب بقوله : إنه تعالى لما ختم الأعداد على الأربعة لم يكن لهم الزيادة عليها وإلا لكان نكاحهم خمساً خمساً ؛ فقول بعضهم : اللزوم ممنوع لعدم دلالة الكلام على الحصر فإن الإنسان إذا قال لولده : افعل ما شئت اذهب إلى السوق وإلى المدرسة وإلى البستان كان هذا تنصيصاً في تفويض زمام الاختيار إليه مطلقاً ورفع الحجر عنه ولا يكون ذلك تخصيصاً للإذن بتلك الأشياء المذكورة بل كان إذناً في المذكور وغيره فكذا هنا ؛ وأيضاً ذكر جميع الأعداد متعذر فإذا ذكر بعض الأعداد بعد فانكحوا ما طاب لكم من النساء كان ذلك تنبيهاً على حصول الإذن في جميع الأعداد كلام ليس في محله ، وفرق ظاهر بين ما نحن فيه والمثال الحادث. أ هـ {روح المعانى حـ 4 صـ 190 ـ 192}\rوقال ابن عاشور : \rوصيغة مَفْعَل وفُعَال في أسماء الأعداد من واحد إلى أربعة ، وقيل إلى ستة وقيل إلى عشرة ، وهو الأصح ، وهو مذهب الكوفيّين ، وصحّحه المعرّي في \"شرح ديوان المتنبيّ\" عند قول أبي الطّيب : \rأُحَاد أم سُدَاسٌ في آحاد...\rلُيَبْلَتُنَا المَنوطةُ بالتنادي\rتدُلّ كلّها على معنى تكرير اسم العدد لقصد التوزيع كقوله تعالى : { أولي أجنحة مَثْنَى وثُلاث ورُباع } [ فاطر : 1 ] أي لطائفة جناحان ، ولطائفة ثلاثة ، ولطائفة أربعة.","part":19,"page":454},{"id":8374,"text":"والتوزيع هنا باعتبار اختلاف المخاطبين في السعة والطَّول ، فمنهم فريق يستطيع أن يتزوّجوا اثنتين ، فهؤلاء تكون أزواجهم اثنتين اثنتين ، وهلمّ جرّا ، كقولك لجماعة : اقتسِموا هذا المال درهمين درهمين ، وثلاثة ثلاثة ، وأربعة أربعة ، على حسب أكبركم سنّاً.\rوقد دل على ذلك قوله بعد : { فإن خفتم ألا تعدلوا فواحدة }.\rوالظاهر أنّ تحريم الزيادة على الأربع مستفاد من غير هذه الآية لأنّ مجرّد الاقتصار غير كاف في الاستدلال ولكنّه يُستأنس به ، وأنّ هذه الآية قرّرت ما ثبت من الاقتصار ، على أربع زوجات كما دلّ على ذلك الحديث الصحيح : إنّ غيلان بن سلمة أسلم على عشر نسوة فقال له النبي صلى الله عليه وسلم : \" أمسك أربعاً وفارق سائرهنّ \".\rولعلّ الآية صدرت بذكر العدد المقرّر من قبل نزولها ، تمهيداً لشرع العدل بين النساء ، فإنّ قوله : { فإن خفتم ألا تعدلوا فواحدة } صريح في اعتبار العدل في التنازل في مراتب العدد ينزل بالمكلّف إلى الواحدة.\rفلا جرم أن يكون خوفه في كلّ مرتبة من مراتب العدد ينزل به إلى التي دونها.\rومن العجيب ما حكاه ابن العربي في الأحكام عن قوم من الجهّال لم يعيّنهم أنّهم توهّموا أنّ هذه الآية تبيح للرجال تزوّج تسع نساء توهّما بأنّ مثنَى وثُلاث ورُباع مرادفة لاثنين وثلاثاً وأربعاً ، وأنّ الواو للجمع ، فحصلت تسعة وهي العدد الذي جمعه رسول الله صلى الله عليه وسلم بين نسائه ، وهذا جهل شنيع في معرفة الكلام العربي.\rوفي \"تفسير القرطبي\" نسبة هذا القول إلى الرافضة ، وإلى بعض أهل الظاهر ، ولم يعيّنه.\rوليس ذلك قولاً لداوود الظاهري ولا لأصحابه ، ونسبه ابن الفرس في أحكام القرآن إلى قوم لا يعبأ بخلافهم ، وقال الفخر : هم قوم سُدى ، ولم يذكر الجصّاص مخالفاً أصلاً.","part":19,"page":455},{"id":8375,"text":"ونسب ابن الفرس إلى قوم القول بأنّه لا حصر في عدد الزوجات وجعلوا الاقتصار في الآية بمعنى : إلى ما كان من العدد ، وتمسّك هذان الفريقان بأنّ النبي صلى الله عليه وسلم مات عن تسع نسوة ، وهو تمسّك واه ، فإنّ تلك خصوصية له ، كما دلّ على ذلك الإجماع ، وتطلُّب الأدلّة القواطع في انتزاع الأحكام من القرآن تطلّب لما يقف بالمجتهدين في استنباطهم موقف الحيرة ، فإنّ مبنى كلام العرب على أساس الفطنة.\rومسلكه هو مسلك اللمحة الدالّة. أ هـ {التحرير والتنوير حـ 4 صـ 17 ـ 18}\rفصل\rقال الفخر :\rقال أهل التحقيق : {فانكحوا مَا طَابَ لَكُمْ مّنَ النساء} لا يتناول العبيد وذلك لأن الخطاب إنما يتناول إنسانا متى طابت له امرأة قدر على نكاحها ، والعبد ليس كذلك بدليل أنه لا يتمكن من النكاح إلا باذن مولاه ، ويدل عليه القرآن والخبر ، أما القرآن فقوله تعالى : {ضَرَبَ الله مَثَلاً عَبْدًا مَّمْلُوكًا لاَّ يَقْدِرُ على شَىْء} [ النحل : 75 ] فقوله : {لاَّ يَقْدِرُ على شَىْء} ينفي كونه مستقلا بالنكاح ، وأما الخبر فقوله عليه الصلاة والسلام : \" أيما عبد تزوج بغير إذن مولاه فهو عاهر \" فثبت بما ذكرناه أن هذه الآية لا يندرج فيها العبد.\rإذا عرفت هذه المقدمة فنقول : ذهب أكثر الفقهاء إلى أن نكاح الأربع مشروع للأحرار دون العبيد ، وقال مالك : يحل للعبد أن يتزوج بالأربع وتمسك بظاهر هذه الآية.","part":19,"page":456},{"id":8376,"text":"والجواب الذي يعتمد عليه : أن الشافعي احتج على أن هذه الآية مختصة بالأحرار بوجهين آخرين سوى ما ذكرناه : الأول : أنه تعالى قال بعد هذه الآية : {فَإِنْ خِفْتُمْ أَن لا تَعْدِلُواْ فواحدة أَوْ مَا مَلَكَتْ أيمانكم} وهذا لا يكون إلا للأحرار ، والثاني : أنه تعالى قال : {فَإِن طِبْنَ لَكُمْ عَن شَىْء مّنْهُ نَفْساً فَكُلُوهُ هَنِيئاً مَّرِيئاً} [ النساء : 4 ] والعبد لا يأكل ما طابت عنه نفس امرأته من المهر ، بل يكون لسيده قال مالك : إذا ورد عمومان مستقلان ، فدخول التقييد في الأخير لا يوجب دخوله في السابق.\rأجاب الشافعي رضي الله عنه بأن هذه الخطابات في هذه الآيات وردت متوالية على نسق واحد فلما عرف في بعضها اختصاصها بالأحرار عرف أن الكل كذلك ، ومن الفقهاء من علم أن ظاهر هذه الآية متناول للعبيد إلا أنهم خصصوا هذا العموم بالقياس ، قالوا : أجمعنا على أن للرق تأثيراً في نقصان حقوق النكاح ، كالطلاق والعدة ، ولما كان العدد من حقوق النكاح وجب أن يحصل للعبد نصف ما للحر ، والجواب الأول أولى وأقوى والله أعلم. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 9 صـ 141 ـ 142}\rفصل قيم\rقال الفخر :\rذهب قوم سدى إلى أنه يجوز التزوج بأي عدد أريد ، واحتجوا بالقرآن والخبر ، أما القرآن فقد تمسكوا بهذه الآية من ثلاثة أوجه : الأول : أن قوله : {فانكحوا مَا طَابَ لَكُمْ مّنَ النساء} إطلاق في جميع الأعداد بدليل أنه لا عدد إلا ويصح استثناؤه منه ، وحكم الاستثناء إخراج ما لولاه لكان داخلا.","part":19,"page":457},{"id":8377,"text":"والثاني : أن قوله : {مثنى وثلاث وَرُبَاعَ} لا يصلح تخصيصا لذلك العموم ، لأن تخصيص بعض الاعداد بالذكر لا ينفي ثبوت الحكم في الباقي ، بل نقول : إن ذكر هذه الأعداد يدل على رفع الحرج والحجر مطلقا ، فإن الإنسان إذا قال لولده : افعل ما شئت اذهب إلى السوق وإلى المدينة وإلى البستان ، كان تنصيصا في تفويض زمام الخيرة إليه مطلقاً ، ورفع الحجر والحرج عنه مطلقاً ، ولا يكون ذلك تخصيصاً للاذن بتلك الأشياء المذكورة ، بل كان إذنا في المذكور وغيره فكذا ههنا ، وأيضاً فذكر جميع الأعداد متعذر ، فإذا ذكر بعض الأعداد بعد قوله : {فانكحوا مَا طَابَ لَكُمْ مّنَ النساء} كان ذلك تنبيها على حصول الإذن في جميع الأعداد.\rوالثالث : أن الواو للجمع المطلق فقوله : {مثنى وثلاث وَرُبَاعَ} يفيد حل هذا المجموع ، وهو يفيد تسعة ، بل الحق أنه يفيد ثمانية عشر ، لأن قوله : مثنى ليس عبارة عن اثنين فقط ، بل عن اثنين اثنين وكذا القول في البقية.\rوأما الخبر فمن وجهين : الأول : أنه ثبت بالتواتر أنه صلى الله عليه وسلم مات عن تسع ، ثم إن الله تعالى أمرنا باتباعه فقال : {فاتبعوه} وأقل مراتب الأمر الاباحة.\rالثاني : أن سنة الرجل طريقته ، وكان التزوج بالأكثر من الأربع طريقة الرسول عليه الصلاة والسلام ، فكان ذلك سنة له ، ثم إنه عليه السلام قال : \" فمن رغب عن سنتي فليس مني \"\rفظاهر هذا الحديث يقتضي توجه اللوم على من ترك التزوج بأكثر من الأربعة ، فلا أقل من أن يثبت أصل الجواز.","part":19,"page":458},{"id":8378,"text":"واعلم أن معتمد الفقهاء في إثبات الحصر على أمرين : الأول : الخبر ، وهو ما روي أن غيلان أسلم وتحته عشر نسوة ، فقال الرسول صلى الله عليه وسلم : أمسك أربعا وفارق باقيهن ، وروي أن نوفل بن معاوية أسلم وتحته خمس نسوة فقال عليه السلام : \" أمسك أربعا وفارق واحدة \" واعلم أن هذا الطريق ضعيف لوجهين : الأول : أن القرآن لما دل على عدم الحصر بهذا الخبر كان ذلك نسخا للقرآن بخبر الواحد وإنه غير جائز.\rوالثاني : وهو أن الخبر واقعة حال ، فلعله عليه الصلاة والسلام إنما أمره بامساك أربع ومفارقة البواقي لأن الجمع بين الأربعة وبين البواقي غير جائز ، إما بسبب النسب ، أو بسبب الرضاع ، وبالجملة فلهذا الاحتمال قائم في هذا الخبر فلا يمكن نسخ القرآن بمثله.\rالطريق الثاني : وهو إجماع فقهاء الامصار على أنه لا يجوز الزيادة على الأربع وهذا هو المعتمد ، وفيه سؤالان : الأول : أن الإجماع لا ينسخ ولا ينسخ ، فكيف يقال : الإجماع نسخ هذه الآية.\rالثاني : أن في الأمة أقواما شذاذا لا يقولون بحرمة الزيادة على الأربع ، والإجماع مع مخالفة الواحد والاثنين لا ينعقد.\rوالجواب عن الأول : الإجماع يكشف عن حصول الناسخ في زمن الرسول صلى الله عليه وسلم ، وعن الثاني ، أن مخالف هذا الإجماع من أهل البدعة فلا عبرة بمخالفته.\rفإن قيل : فإذا كان الأمر على ما قلتم فكان الأولى على هذا التقدير أن يقال : مثنى أو ثلاث أو رباع ، فلم جاء بواو العطف دون \"أو\" ؟","part":19,"page":459},{"id":8379,"text":"قلنا : لو جاء بكلمة \"أو\" لكان ذلك يقتضي أنه لا يجوز ذلك إلا على أحد هذه الأقسام ، وأنه لا يجوز لهم أن يجمعوا بين هذه الأقسام ، بمعنى أن بعضهم يأتي بالتثنية ، والبعض الآخر بالتثليث والفريق الثالث بالتربيع ، فلما ذكره بحرف الواو أفاد ذلك أنه يجوز لكل طائفة أن يختاروا قسما من هذه الأقسام ، ونظيره أن يقول الرجل للجماعة : اقتسموا هذا المال وهو ألف ، درهمين درهمين ، وثلاثة ثلاثة ، وأربعة أربعة ، والمراد أنه يجوز لبعضهم أن يأخذ درهمين درهمين ، ولبعض آخرين أن يأخذوا ثلاثة ثلاثة ، ولطائفة ثالثة أن يأخذوا أربعة أربعة ، فكذا ههنا الفائدة في ترك \"أو\" وذكر الواو ما ذكرناه والله أعلم. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 9 صـ 142 ـ 143}\rقال الآلوسى :\rوأقوى الأمرين المعتمد عليهما في الحصر الإجماع فإنه قد وقع وانقضى عصر المجمعين قبل ظهور المخالف ، ولا يشترط في الإجماع اتفاق كل الأمة من لدن بعثته عليه الصلاة والسلام إلى قيام الساعة كما يوهمه كلام الإمام الغزالي ، وإلا لا يوجد إجماع أصلاً ، وبهذا يستغنى عما ذكره الإمام الرازي وهو أحد مذاهب في المسألة من أن مخالف هذا الإجماع من أهل البدعة فلا اعتبار بمخالفته ، فالحق الذي لا محيص عنه أنه يحرم الزيادة على الأربع وبه قال الإمامية ورووا عن الصادق رضي الله تعالى عنه لا يحل لماء الرجل أن يجري في أكثر من أربعة أرحام ، وشاع عنهم خلاف ذلك ، ولعله قول شاذ عندهم.","part":19,"page":460},{"id":8380,"text":"ثم إن مشروعية نكاح الأربع خاصة بالأحرار ، والعبيد غير داخلين في هذا الخطاب لأنه إنما يتناول إنساناً متى طابت له امرأة قدر على نكاحها والعبد ليس كذلك لأنه لا يجوز نكاحه إلا بإذن مولاه لقوله صلى الله عليه وسلم : \" أيما عبد تزوج بغير إذن مولاه فهو عاهر \" ولأن في تنفيذ نكاحه تعيباً له إذ النكاح عيب فيه فلا يملكه بدون إذن المولى ، وأيضاً قوله تعالى بعد : { فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تَعْدِلُواْ فواحدة أَوْ مَا مَلَكَتْ أيمانكم } لا يمكن أن يدخل فيه العبيد لعدم الملك فحيث لم يدخلوا في هذا الخطاب لم يدخلوا في الخطاب الأول لأن هذه الخطابات وردت متتالية على نسق واحد فبعيد أن يدخل في الخطاب السابق ما لا يدخل في اللاحق وكذا لا يمكن دخولهم في قوله تعالى : { فَإِن طِبْنَ لَكُمْ عَن شَىْء مّنْهُ نَفْساً فَكُلُوهُ هَنِيئاً مَّرِيئاً } [ النساء : 4 ] لأن العبد لا يأكل فيكون لسيده ، وخالف في ذلك الإمام مالك فأدخل العبيد في الخطاب ، وجوز لهم أن ينكحوا أربعاً كالأحرار ولا يتوقف نكاحهم على الإذن لأنهم يملكون الطلاق فيملكون النكاح ، ومن الفقهاء من ادعى أن ظاهر الآية يتناولهم إلا أنه خصص هذا العموم بالقياس لأن الرق له تأثير في نقصان حقوق النكاح كالطلاق والعدة ، ولما كان العدد من حقوق النكاح وجب أن يجعل للعبد نصف ما للحر فيه أيضاً. أ هـ {روح المعانى حـ 4 صـ 193}","part":19,"page":461},{"id":8381,"text":"فصل\rقال ابن عاشور :\rوقد شرع الله تعدّد النساء للقادر العادل لِمصالح جمّة : منها أنّ في ذلك وسيلة إلى تكثير عدد الأمة بازدياد المواليد فيها ، ومنها أنّ ذلك يعين على كفالة النساء اللائي هنّ أكثر من الرجال في كلّ أمّة لأنّ الأنوثة في المواليد أكثر من الذكورة ، ولأنّ الرجال يعرض لهم من أسباب الهلاك في الحروب والشدائد ما لا يعرض للنساء ، ولأنّ النساء أطول أعماراً من الرجال غالباً ، بما فطرهنّ الله عليه ، ومنها أنّ الشريعة قد حرّمت الزنا وضيّقت في تحريمه لمّا يجرّ إليه من الفساد في الأخلاق والأنساب ونظام العائلات ، فناسب أن توسّع على الناس في تعدّد النساء لمن كان من الرجال ميّالاً للتعدّد مجبولاً عليه ، ومنها قصد الابتعاد عن الطلاق إلاّ لضرورة.\rولم يكن في الشرائع السالفة ولا في الجاهلية حدّ للزوجات ، ولم يثبت أن جاء عيسى عليه السلام بتحديد للتزوّج ، وإن كان ذلك توهّمه بعض علمائنا مثل القرافي ، ولا أحسبه صحيحاً ، والإسلام هو الذي جاء بالتحديد ، فأمّا أصل التحديد فحكمته ظاهرة : من حيث إنّ العدل لا يستطيعه كلّ أحد ، وإذا لم يقم تعدّدُ الزوجات على قاعدة العدل بينهنّ اختلّ نظام العائلة ، وحدثت الفتن فيها ، ونشأ عقوق الزوجات أزواجهنّ ، وعقوق الأبناء آباءهم بأذاهم في زوجاتهم وفي أبنائهم ، فلا جرم أن كان الأذى في التعدّد لمصلحة يجب أن تكون مضبوطة غير عائدة على الأصل بالإبطال.\rوأمّا الانتهاء في التعدّد إلى الأربع فقد حاول كثير من العلماء توجيهه فلم يبلغوا إلى غاية مرضية ، وأحسب أنّ حكمته ناظرة إلى نسبة عدد النساء من الرجال في غالب الأحوال ، وباعتبار المعدّل في التعدّد فليس كلّ رجل يتزوّج أربعاً ، فلنفرض المعدّل يكشف عن امرأتين لكلّ رجل ، يدلّنا ذلك على أنّ النساء ضعف الرجال.","part":19,"page":462},{"id":8382,"text":"وقد أشار إلى هذا ما جاء في \"الصحيح\" : أنه يكثر النساء في آخر الزمان حتّى يكون لخمسين امرأةً القيِّم الواحد. أ هـ {التحرير والتنوير حـ 4 صـ 18 ـ 19}\rقوله تعالى {فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تَعْدِلُواْ فواحدة أَوْ مَا مَلَكَتْ أيمانكم }\rفصل\rقال الفخر :\rالمعنى : فإن خفتم أن لا تعدلوا بين هذه الأعداد كما خفتم ترك العدل فيما فوقها ، فاكتفوا بزوجة واحدة أو بالمملوكة ، سوى في السهولة واليسر بين الحرة الواحدة وبين الاماء من غير حصر ، ولعمري إنهن أقل تبعة وأخف مؤنة من المهائر ، لا عليك أكثرت منهم أم أقللت ، عدلت بينهن في القسم أم لم تعدل ، عزلت عنهن أم لم تعزل. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 9 صـ 143}\rفائدة\rقال أبو حيان :\rوالعدل المنفي استطاعته غير هذا العدل المنفي هنا ، ذاك عدل في ميل القلب وقد رفع الحرج فيه عن الإنسان ، وهذا عدل في القسم والنفقة.\rولذلك نفيت هناك استطاعته ، وعلق هنا على خوف انتفائه ، لأن الخوف فيه رجاء وظن غالباً. أ هـ {البحر المحيط حـ 3 صـ 172}\rفصل\rقال ابن كثير :\rقال الشافعي : وقد دَلَّت سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم المبينة عن الله أنه لا يجوز لأحد غير رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يجمع بين أكثر من أربع نسوة.","part":19,"page":463},{"id":8383,"text":"وهذا الذي قاله الشافعي ، رحمه الله ، مجمع عليه بين العلماء ، إلا ما حُكي عن طائفة من الشيعة أنه يجوز الجمع بين أكثر من أربع إلى تسع. وقال بعضهم : بلا حصر. وقد يتمسك بعضهم بفعل النبي صلى الله عليه وسلم في جمعه بين أكثر من أربع إلى تسع كما ثبت في الصحيحين ، وإما إحدى عشرة كما جاء في بعض ألفاظ البخاري. وقد علقه البخاري ، وقد روينا عن أنس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم تزوج بخمس عشرة امرأة ، ودخل منهن بثلاث عشرة ، واجتمع عنده إحدى عشرة ومات عن تسع. وهذا عند العلماء من خصائص رسول الله صلى الله عليه وسلم دون غيره من الأمة ، لما سنذكره من الأحاديث الدالة على الحصر في أربع.\rذكر الأحاديث في ذلك :\rقال الإمام أحمد : حدثنا إسماعيل ومحمد بن جعفر قالا حدثنا معمر ، عن الزهري. قال ابن جعفر في حديثه : أنبأنا ابن شهاب ، عن سالم ، عن أبيه : أن غيلان بن سَلَمة الثقفي أسلم وتحته عشرة نسوة ، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم : اختر منهن أربعا. فلما كان في عهد عمر طلق نساءه ، وقسم ماله بين بنيه ، فبلغ ذلك عمر فقال : إني لأظن الشيطان فيما يسترق من السمع سمع بموتك فقذفه في نفسك ولعلك لا تمكث إلا قليلا. وايم الله لتراجعنَّ نساءك ولترجعن في مالك أو لأورثُهن منك ، ولآمرن بقبرك فيرجم ، كما رجم قبرُ أبي رِغَال.\rوهكذا رواه الشافعي والترمذي وابن ماجة والدارقطني والبيهقي وغيرهم عن إسماعيل بن عُلَيَّة وغُنْدَر ويزيد بن زُرَيع وسعيد بن أبي عَرُوبة ، وسفيان الثوري ، وعيسى بن يونس ، وعبد الرحمن بن محمد المحاربي ، والفضل بن موسى وغيرهم من الحفاظ ، عن مَعْمَر -بإسناده -مثله إلى قوله : اختر منهن أربعا. وباقي الحديث في قصة عمر من أفراد أحمد (1) وهي زيادة حسنة\r____________\r(1) المسند (2/14) والشافعي في الأم (5/49) وسنن الترمذي برقم (1128) وسنن ابن ماجة برقم (1953) وسنن الدارقطني (3/271) وسنن البيهقي الكبرى (7/182) ، وقد توسع الحافظ ابن حجر في التلخيص (3/168) والشيخ ناصر الألباني (6/292) وحكم عليه بالصحة.","part":19,"page":464},{"id":8384,"text":"وهي مضعفة لما علل به البخاري هذا الحديث فيما حكاه عنه الترمذي ، حيث قال بعد روايته له : سمعتُ البخاري يقول : هذا حديث غير محفوظ ، والصحيح ما روى شُعَيْب وغيره ، عن الزهري ، حُدّثتُ عن محمد بن سُوَيد الثقفي أنّ غيلان بن سلمة ، فذكره. قال البخاري : وإنما حديث الزهري عن سالم عن أبيه : أن رجلا من ثقيف طلق نساءه ، فقال له عمر : لتراجعَنَّ نساءك أو لأرجمن قبرك كما رجم قبر أبي رغَال.\rوهذا التعليل فيه نظر ، والله أعلم. وقد رواه عبد الرزاق ، عن مَعمر ، عن الزهري مرسلا وهكذا رواه مالك ، عن الزهري مرسلا. قال أبو زرعة : وهو أصح (1).\r\rقال البيهقي : ورواه عقيل ، عن الزهري : بلغنا عن عثمان بن محمد بن أبي سويد.\rقال أبو حاتم : وهذا وَهْم ، إنما هو الزهري عن عثمان بن أبي سويد بلغنا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فذكره. (2)\rقال البيهقي : ورواه يونس وابن عُيَيْنَةَ ، عن الزهري ، عن محمد بن أبي سويد.\r________\r(1) رواه ابن أبي حاتم في العلل (1/400) حدثني أبو زرعة عن عبد العزيز الأويسي عن مالك عن الزهري به مرسلا.\r(2) العلل لابن أبي حاتم (1/401).","part":19,"page":465},{"id":8385,"text":"وهذا كما علله البخاري. وهذا الإسناد الذي قدمناه من مسند الإمام أحمد رجاله ثقاتٌ على شرط الصحيحين ثم قد رُوي من غير طريق مَعْمَر ، بل والزهري قال الحافظ أبو بكر البيهقي : أخبرنا أبو عبد الله الحافظ ، حدثنا أبو علي الحافظ ، حدثنا أبو عبد الرحمن النسائي ، حدثنا أبو بُرَيد عَمْرو بن يزيد الجرمي أخبرنا سيف بن عُبَيد حدثنا سَرَّار بن مُجَشَّر ، عن أيوب ، عن نافع وسالم ، عن ابن عمر : أن غيلان بن سلمة كان عنده عشر نسوة فأسلم وأسلَمْنَ معه ، فأمره النبي صلى الله عليه وسلم أن يختار منهن أربعا. هكذا أخرجه النسائي في سننه. قال أبو علي بن السكن : تفرد به سرار بنُ مُجَشر وهو ثقة ، وكذا وثقه ابن معين. قال أبو علي : وكذلك رواه السَّمَيْدع بن واهب عن سرار.\rقال البيهقي : وروينا من حديث قيس بن الحارث أو الحارث بن قيس ، وعروة بن مسعود الثقفي ، وصفوان بن أمية -يعني حديث غيلان بن سلمة (1).\r\rفوجهُ الدلالة أنَّه لو كان يجوز الجمعُ بين أكثر من أربع لسوغَ له رسولُ الله صلى الله عليه وسلم سائرهن في بقاء العشرة وقد أسلمن معه ، فلما أمره بإمساك أربع وفراق سائرهن دل على أنه لا يجوز الجمعُ بين أكثر من أربع بحال ، وإذا كان هذا في الدوام ، ففي الاستئناف بطريق الأولى والأحرى ، والله سبحانه وتعالى أعلم بالصواب.\r_____________\r(1) السنن الكبرى (7/183) وهذه الرواية دليل على أن معمر لم ينفرد بوصله ، وهي شاهد جيد على وصل الحديث.","part":19,"page":466},{"id":8386,"text":"حديث آخر في ذلك : روى أبو داود وابن ماجة في سننهما من طريق محمد بن عبد الرحمن ابن أبي ليلى ، عن حُمَيضة بن الشَّمَرْدَل - وعند ابن ماجة : بنت الشمردل ، وحكى أبو داود أن منهم من يقول : الشمرذل بالذال المعجمة -عن قيس بن الحارث. وعند أبي داود في رواية : الحارث بن قيس بن عميرة الأسدي قال : أسلمت وعندي ثماني نسوة ، فذكرت للنبي صلى الله عليه وسلم فقال : \"اختر منهن أربعا\".\rوهذا الإسناد حسن ، ومجرد هذا الاختلاف لا يضر مثلُه ، لما للحديث من الشواهد (1). أ هـ {تفسير ابن كثير حـ 2 صـ 209 ـ 211}\rفصل\rقال الفخر :\rللشافعي رحمه الله أن يحتج بهذه الآية في بيان الاشتغال بنوافل العبادات أفضل من النكاح ، وذلك لأن الله تعالى خير في هذه الآية بين التزوج بالواحدة وبين التسري ، والتخيير بين الشيئين مشعر بالمساواة بينهما في الحكمة المطلوبة ، كما إذا قال الطبيب : كل التفاح أو الرمان ، فإن ذلك يشعر بكون كل واحد منهما قائما مقام الآخر في تمام الغرض ، وكما أن الآية دلت على هذه التسوية ، فكذلك العقل يدل عليها ، لأن المقصود هو السكن والازدواج وتحصين الدين ومصالح البيت ، وكل ذلك حاصل بالطريقين ، وأيضاً إن فرضنا الكلام فيما إذا كانت المرأة مملوكة ثم أعتقها وتزوج بها ، فههنا يظهر جدا حصول الاستواء بين التزوج وبين التسري ، وإذا ثبت بهذه الآية أن التزوج والتسري متساويان.\rفنقول : أجمعنا على أن الاشتغال بالنوافل أفضل من التسري فوجب أن يكون أفضل من النكاح ؛ لأن الزائد على أحد المتساويين يكون زائد على المساوي الثاني لا محالة. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 9 صـ 143 ـ 144}\r_____________\r(1) سنن أبي داود برقم (2242 ، 2241) وسنن ابن ماجة برقم (1952) ورجح المزي أن اسمه \"قيس بن الحارث\".","part":19,"page":467},{"id":8387,"text":"وقال الآلوسى\rواختلف العلماء في الأفضل من النكاح وتركه.\rوذكر الإمام النووي أن الناس في ذلك أربعة أقسام : قسم تتوق إليه نفسه ويجد المؤن فيستحب له النكاح ، وقسم لا تتوق ولا يجد المؤمن فيكره له ، وقسم تتوق ولا يجد المؤن فيكره له أيضاً ، وهذا مأمور بالصوم لدفع التوقان ، وقسم يجد المؤن ولا تتوق نفسه ، فمذهب الشافعي وجمهور الشافعية أن ترك النكاح لهذا والتخلي للتحلي بالعبادة أفضل ، ولا يقال النكاح مكروه بل تركه أفضل ، ومذهب أبي حنيفة وبعض أصحاب مالك والشافعي أن النكاح له أفضل انتهى المراد منه2.\rوأنت تعلم أن المذكور في كتب ساداتنا الحنفية متوناً وشروحاً مخالف لما ذكره هذا الإمام في تحقيق مذهب الإمام الأعظم رضي الله تعالى عنه ، ففي \"تنوير الأبصار\" وشرحه \"الدر المختار\" في كتاب النكاح ما نصه : \"ويكون واجباً عند التوقان فإن تيقن الزنا إلا به فرض كما في \"النهاية\" وهذا إن ملك المهر والنفقة وإلا فلا إثم بتركه كما في البدائع\" ، ويكون سنة مؤكدة في الأصح فيأثم بتركه ويثاب إن نوى تحصيناً وولداً حال الاعتدال أي القدرة على وطء ومهر ونفقة.\rورجح في \"النهر\" وجوبه للمواظبة عليه ، والإنكار على من رغب عنه ، ومكروهاً لخوف الجور فإن تيقنه حرم\" انتهى ؛ لكن في دليل الوجوب على ما ذكره صاحب \"النهر\" مقالاً للمخالفين وتمام الكلام في محله.","part":19,"page":468},{"id":8388,"text":"هذا وقد قيل : في تفسير الآية الكريمة أن المراد من النساء اليتامى أيضاً ، وأن المعنى وإن خفتم أن لا تقسطوا في اليتامى المربّاة في حجوركم فانكحوا ما طاب لكم من يتامى قراباتكم ، وإلى هذا ذهب الجبائي وهو كما ترى ، وقيل : إنه لما نزلت الآية في اليتامى وما في أكل أموالهم من الحوب الكبير أخذ الأولياء يتحرجون من ولايتهم خوفاً من لحوق الحوب بترك الإقساط مع أنهم كانوا لا يتحرجون من ترك العدل في حقوق النساء حيث كان تحت الرجل منهم عشر منهن فقيل لهم : إن خفتم ترك العدل في حقوق اليتامى فتحرجتم منها فخافوا أيضاً ترك العدل بين النساء وقللوا عدد المنكوحات لأن من تحرج من ذنب أو تاب عنه وهو مرتكب مثله فهو غير متحرج ولا تائب عنه ، وإلى نحو من هذا ذهب ابن جبير والسدي وقتادة والربيع والضحاك وابن عباس في إحدى الروايات عنه ، وقيل : كانوا لا يتحرجون من الزنا وهم يتحرجون من ولاية اليتامى فقيل : إن خفتم الحوب في حق اليتامى فخافوا الزنا فانكحوا ما حل لكم من النساء ولا تحوموا حول المحرمات ، ونظيره ما إذا داوم على الصلاة من لا يزكي فتقول له : إن خفت الإثم في ترك الصلاة فخف من ترك الزكاة ، وإلى قريب من هذا ذهب مجاهد.","part":19,"page":469},{"id":8389,"text":"وتعقب هذين القولين العلامة شيخ الإسلام بقوله : ولا يخفى أنه لا يساعدهما جزالة النظم الكريم لابتنائهما على تقدم نزول الآية الأولى وشيوعها بين الناس وظهور توقف حكمها على ما بعدها من قوله تعالى : { وَلاَ تُؤْتُواْ السفهاء أموالكم } إلى قوله سبحانه : { وكفى بالله حَسِيباً } [ النساء : 5 ، 6 ] ويفهم من كلام بعض المحققين أيضاً أن الأظهر في الآية ما رواه الشيخان وغيرهما عن عائشة رضي الله تعالى عنها دون هذين القولين لأن الآية على تلك الرواية تتنزل على قوله تعالى : { وَيَسْتَفْتُونَكَ فِى النساء قُلِ الله يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ وَمَا يتلى عَلَيْكُمْ فِى الكتاب فِى يتامى النساء اللاتى لاَ تُؤْتُونَهُنَّ مَا كتب لهن وترغبون أن تنكحوهن } [ النساء : 127 ] فيتطابق الآيتان ولا يتأتى ذلك على القولين بل لا ارتباط بين الآيتين عليهما لأن مقتضاهما أن الكلام في مطلق اليتامى لا في يتامى النساء ، ثم يبعدهما أن الشرط لا يرتبط معهما بالجواب إلا من وجه عام ، أما الأول : فمن حيث إن الجور على النساء في الحرمة كالجور على اليتامى في أن كلاً منهما جور ، وأما الثاني : فلأن الزنا محرم كما أن الجور على اليتامى محرم وكم من محرم يشاركهما في التحريم فليس ثم خصوصية تربط الشرط والجواب كالخصوصية الرابطة بينهما هناك ، ثم الظاهر من قوله سبحانه : { مثنى وثلاث وَرُبَاعَ } أنه وارد بصيغة التوسعة عليهم بنوع من التقييد كأنه قيل : إن خفتم من نكاح اليتامى ففي غيرهن متسع إلى كذا ، وعلى القول الأول من القولين يكون المراد التضييق لأن حاصله إن خفتم الجور على النساء فاحتاطوا بأن تقللوا عدد المنكوحات وهو خلاف ما يشعر به السياق من التوسعة وبعيد عن جزالة التنزيل كما لا يخفى ، وقيل : إن الرجل كان يتزوج الأربع والخمس والست والعشر","part":19,"page":470},{"id":8390,"text":"ويقول : ما يمنعني أن أتزوج كما تزوج فلان فإذا فني ماله مال على مال اليتيم الذي في حجره فأنفقه فنهي أولياء اليتامى على أن يتجاوزوا الأربع لئلا يحتاجوا إلى أخذ مال اليتيم ، ونسب هذا إلى ابن عباس وعكرمة ، وعليه يكون المراد من اليتامى أعم من الذكور والإناث وكذا على القولين قبله.\rوأورد عليه أنه يفهم منه جواز الزيادة على الأربع لمن لا يحتاج إلى أخذ مال اليتيم وهو خلاف الإجماع ، وأيضاً يكون المراد من هذا الأمر التضييق وهو كما علمت خلاف ما يشعر به السياق المؤكد بقوله تعالى : \r{ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تَعْدِلُواْ فواحدة } كأنه لما وسع عليهم أنبأهم أنه قد يلزم من الاتساع خوف الميل فالواجب حينئذٍ أن يحترزوا بالتقليل فيقتصروا على الواحدة ، والمراد فإن خفتم أن لا تعدلوا فيما بين هذه المعدودات ولو في أقل الأعداد المذكورة كما خفتموه في حق اليتامى ، أو كما لم تعدلوا في حقهن فاختاروا ، أو الزموا واحدة واتركوا الجميع بالكلية. أ هـ {روح المعانى حـ 4 صـ 194 ـ 195}","part":19,"page":471},{"id":8391,"text":"فائدة\rقال الآلوسى :\rوأو للتسوية وسوي في السهولة واليسرة بين الحرة الواحدة والسراري من غير حصر لقلة تبعتهن وخفة مؤنتهن وعدم وجوب القسم فيهن ، وزعم بعضهم أن هذا معطوف على النساء أي فانكحوا ما طاب لكم من النساء أو مما ملكت أيمانكم ولا يخفى بعده ، وقرأ ابن أبي عبلة من ملكت ، وعبر بما في القراءة المشهورة ذهاباً للوصف ولكون المملوك لبيعه وشرائه والمبيع أكثره ما لا يعقل كان التعبير بما فيه أظهر ، وإسناد المِلك لليمين لما أن سببه الغالب هو الصفقة الواقعة بها ، وقيل : لأنه أول ما يكون بسبب الجهاد والأسر ، وذلك محتاج إلى أعمالها وقد اشتهر ذلك في الأرقاء لا سيما في إناثهم كما هو المراد هنا رعاية للمقابلة بينه وبين ملك النكاح الوارد على الحرائر ، وقيل : إنما قيل للرقيق ملك اليمين لأنها مخصوصة بالمحاسن وفيها تفاؤل باليمن أيضاً ، وعن بعضهم أن أعرابياً سئل لم حسنتم أسماء مواليكم دون أسماء أبنائكم ؟ فقال : أسماء موالينا لنا وأسماء أبنائنا لأعدائنا فليفهم.\rوادعى ابن الفرس أن في الآية رداً على من جعل النكاح واجباً على العين لأنه تعالى \"خير فيها بينه وبين التسري ولا يجب التسري بالاتفاق ولو كان النكاح واجباً لما ( خير ) بينه وبين التسري لأنه لا يصح عند الأصوليين التخيير بين واجب وغيره لأنه يؤدي إلى إبطال حقيقة الواجب وأن تاركه لا يكون آثماً\" ، ولا يرد هذا على من يقول : الواجب أحد الأمرين ، ويمنع الاتفاق على عدم وجوب التسري في الجملة فتدبر ، وزعم بعضهم أن فيها دليلاً على منع نكاح الجنيات لأنه تعالى خص النساء بالذكر.\rوأنت تعلم أن مفهوم المخالفة عند القائل به غير معتبر هنا لظهور نكتة تخصيص النساء بالذكر وفائدته.","part":19,"page":472},{"id":8392,"text":"وادعى الإمام السيوطي أن فيها إشارة إلى حل النظر قبل النكاح لأن الطيب إنما يعرف به ، ولا يخفى أن الإشارة ربما تسلم إلا أن الحصر ممنوع وهذا الحل ثبت في غير ما حديث ، وفي صحيح مسلم أنه صلى الله عليه وسلم قال للمتزوج امرأة من الأنصار : \" أنظرت إليها ؟ قال : لا قال : فاذهب وانظر إليها فإن في أعين الأنصار شيئاً \" وهو مذهب جماهير العلماء ، وحكي عن قوم كراهته وهم محجوجون بالحديث والإجماع على جواز النظر للحاجة عند البيع والشراء والشهادة ونحوها ، ثم إنه إنما يباح له النظر إلى الوجه والكفين ، وقال الأوزاعي : إلى مواضع اللحم.\rوقال داود : إلى جميع بدنها وهو خطأ ظاهر منابذ لأصول السنة والإجماع ، وهل يشترط رضا المرأة أم لا ؟ الجمهور على عدم الاشتراط بل للرجل النظر مع الغفلة وعدم الرضا ، وعن مالك كراهة النظر مع الغفلة ، وفي رواية ضعيفة عنه لا يجوز النظر إليها إلا برضاها ، واستحسن كثير كون هذا النظر قبل الخطبة حتى إن كرهها تركها من غير إيذاء بخلاف ما إذا تركها بعد الخطبة كما لا يخفى.\rوقال بعضهم : إن فيها إشارة أيضاً إلى استحباب الزيادة على الواحدة لمن لم يخف عدم العدل لأنه سبحانه قدم الأمر بالزيادة وعلق أمر الواحدة بخوف عدم العدل ، ويا ما أحيلى الزيادة إن ائتلفت الزوجات وصح جمع المؤنث بعد التثنية معرباً بالضم من بين سائر الحركات ، وهذا لعمري أبعد من العيوق وأعز من الكبريت الأحمر وبيض الأنوق : \rما كل ما يتمنى المرء يدركه...\rتجري الرياح بما لا تشتهي السفن. أ هـ {روح المعانى حـ 4 صـ 195 ـ 196}","part":19,"page":473},{"id":8393,"text":"قوله تعالى {ذَلِكَ أدنى أَن لا تَعُولُواْ}\rفصل\rقال الفخر :\rفي تفسير {أَن لا تَعُولُواْ} وجوه : الأول : معناه : لا تجوروا ولا تميلوا ، وهذا هو المختار عند أكثر المفسرين ، وروي ذلك مرفوعا ، روت عائشة رضي الله عنها عن النبي صلى الله عليه وسلم في قوله : {ذلك أدنى أَلاَّ تَعُولُواْ} قال : ( لا تجوروا ) وفي رواية أخرى \"أن لا تميلوا\" قال الواحدي رحمه الله : كلا اللفظين مروي ، وأصل العول الميل يقال : عال الميزان عولا ، إذا مال ، وعال الحاكم في حكمه إذا جار ، لأنه إذا جار فقد مال.\rوأنشدوا لأبي طالب.\rبميزان قسط لا يغل شعيرة فصل ووزان صدق وزنه غير عائل\rوروي أن أعرابيا حكم عليه حاكم ، فقال له : أتعول علي ، ويقال : عالت الفريضة إذا زادت سهامها ، وقد أعلتها أنا إذا ازدت في سهامها ، ومعلوم أنها إذا زادت سهامها فقد مالت عن الاعتدال فدلت هذه الاشتقاقات على أن أصل هذا اللفظ الميل ، ثم اختص بحسب العرف بالميل إلى الجور والظلم.\rفهذا هو الكلام في تقرير هذا الوجه الذي ذهب إليه الأكثرون.\rالوجه الثاني : قال بعضهم : المراد أن لا تفتقروا ، يقال : رجل عائل أي فقير ، وذلك لأنه إذا قل عياله قلت نفقاته ، وإذا قلت نفقاته لم يفتقر.\rالوجه الثالث : نقل عن الشافعي رضي الله عنه أنه قال : {ذلك أدنى أن لا تعولوا} معناه : ذلك أدنى أن لا تكثر عيالكم ، قال أبو بكر الرازي في أحكام القرآن : وقد خطأه الناس في ذلك من ثلاثة أوجه :\rأحدها : أنه لا خلاف بين السلف وكل من روى تفسير هذه الآية : أن معناه : أن لا تميلوا ولا تجوروا ،\rوثانيها : أنه خطأ في اللغة لأنه لو قيل : ذلك أدنى أن لا تعيلوا لكان ذلك مستقيما ، فأما تفسير {تَعُولُواْ} بتعيلوا فإنه خطأ في اللغة ،","part":19,"page":474},{"id":8394,"text":"وثالثها : أنه تعالى ذكر الزوجة الواحدة أو ملك اليمين والإماء في العيال بمنزلة النساء ، ولا خلاف أن له أن يجمع من العدد من شاء بملك اليمين ، فعلمنا أنه ليس المراد كثرة العيال.\rوزاد صاحب النظم في الطعن وجها رابعا ، وهو أنه تعالى قال في أول الآية : {فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تَعْدِلُواْ فواحدة} ولم يقل أن تفتقروا ، فوجب أن يكون الجواب معطوفا على هذا الشرط ، ولا يكون جوابه إلا بضد العدل ، وذلك هو الجور لا كثرة العيال.\rوأنا أقول :\rأما السؤال الأول : فهو في غاية الركاكة وذلك أنه لم ينقل عن الشافعي رحمة الله عليه أنه طعن في قول المفسرين أن معنى الآية : أن لا تجوروا ولا تميلوا ، ولكنه ذكر فيه وجها آخر ، وقد ثبت في أصول الفقه أن المتقدمين إذا ذكروا وجها في تفسير الآية فذلك لا يمنع المتأخرين من استخراج وجه آخر في تفسيرها ، ولولا جواز ذلك وإلا لصارت الدقائق التي استنبطها المتأخرون في تفسير كلام الله مردودة باطلة ، ومعلوم أن ذلك لا يقوله إلا مقلد خلف ، وأيضا : فمن الذي أخبر الرازي أن هذا الوجه الذي ذكره الشافعي لم يذكره واحد من الصحابة والتابعين ، وكيف لا نقول ذلك ، ومن المشهور أن طاوساً كان يقرأ : ذلك أدنى أن لا تعيلوا ، وإذا ثبت أن المتقدمين كانوا قد جعلوا هذا الوجه قراءة ، فبأن يجعلوه تفسيرا كان أولى ، فثبت بهذه الوجوه شدة جهل الرازي في هذا الطعن.\rوأما السؤال الثاني : فنقول : إنك نقلت هذه اللفظة في اللغة عن المبرد ، لكنك بجهلك وحرصك على الطعن في رؤساء المجتهدين والأعلام ، وشدة بلادتك ، ما عرفت أن هذا الطعن الذي ذكره المبرد فاسد ، وبيان فساده من وجوه :","part":19,"page":475},{"id":8395,"text":"الأول : أنه يقال : عالت المسألة إذا زادت سهامها وكثرة ، وهذا المعنى قريب من الميل لأنه إذا مال فقد كثرت جهات الرغبة وموجبات الإرادة وإذا كان كذلك كان معنى الآية : ذلك أدنى أن لا تكثروا ، وإذا لم تكثروا لم يقع الإنسان في الجور والظلم لأن مطية الجور والظلم هي الكثرة والمخالطة ، وبهذا الطريق يرجع هذا التفسير إلى قريب من التفسير الأول الذي اختاره الجمهور.\rالوجه الثاني : إن الإنسان إذا قال : فلان طويل النجاد كثير الرماد ، فإذا قيل له ما معناه ؟ حسن أن يقال : معناه أنه طويل القامة كثير الضيافة ، وليس المراد منه أن تفسير طويل النجاد هو أنه طويل القامة ، بل المراد أن المقصود من ذلك الكلام هو هذا المعنى.\rوهذا الكلام تسميه علماء البيان التعبير عن الشيء بالكناية والتعريض ، وحاصله يرجع إلى حرف واحد وهو الاشارة إلى الشيء بذكر لوازمه ، فههنا كثرة العيال مستلزمة للميل والجور ، والشافعي رضي الله عنه جعل كثرة العيال كناية عن الميل والجور ، لما أن كثرة العيال لا تنفك عن الميل والجور ، فجعل هذا تفسيراً له لا على سبيل الكناية والاستلزام ، وهذه طريقة مشهورة في كتاب الله ، والشافعي لما كان محيطاً بوجوه أساليب المطابقة ، بل على سبيل الكلام العربي استحسن ذكر هذا الكلام ، فأما أبو بكر الرازي لما كان بليد الطبع بعيدا عن أساليب كلام العرب ، لا جرم لم يعرف الوجه الحسن فيه.\rالوجه الثالث : ما ذكره صاحب \"الكشاف\" وهو أن هذا التفسير مأخوذ من قولك : عال الرجل عياله يعولهم.","part":19,"page":476},{"id":8396,"text":"كقولهم : مانهم يمونهم إذا أنفق عليهم ، لأن من كثر عياله لزمه أن يعولهم ، وفي ذلك ما تصعب عليه المحافظة على حدود الورع وكسب الحلال والرزق الطيب ، فثبت بهذه الوجوه أن الذي ذكره إمام المسلمين الشافعي رضي الله عنه في غاية الحسن ، وأن الطعن لا يصدر إلا عن كثرة الغباوة وقلة المعرفة.\rوأما السؤال الثالث : وهو قوله : إن كثرة العيال لا تختلف بأن تكون المرأة زوجة أو مملوكة فجوابه من وجهين : الأول : ما ذكره القفال رضي الله عنه ، وهو أن الجواري إذا كثرن فله أن يكلفهن الكسب ، وإذا اكتسبن أنفقن على أنفسهن وعلى مولاهن أيضا ، وحينئذ تقل العيال أما إذا كانت المرأة حرة لم يكن الأمر كذلك فظهر الفرق.\rالثاني : أن المرأة إذا كانت مملوكة فإذا عجز المولى عن الإنفاق عليها باعها وتخلص منها ، أما إذا كانت حرة فلا بد له من الإنفاق عليها ، والعرف يدل على أن الزوج ما دام يمسك الزوجة فإنها لا تطالبه بالمهر ، فإذا حاول طلاقها طالبته بالمهر فيقع الزوج في المحنة.\rوأما السؤال الرابع : وهو الذي ذكره الجرجاني صاحب النظم ، فالجواب عنه من وجهين : الأول : ما ذكره القاضي وهو أن الوجه الذي ذكره الشافعي أرجح ، لأنه لو حمل على الجور لكان تكراراً لأنه فهم ذلك من قوله : {وَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تُقْسِطُواْ} أما إذا حملناه على ما ذكره الشافعي لم يلزم التكرار فكان أولى.\rالثاني : أن نقول : هب أن الأمر كما ذكرتم لكنا بينا أن التفسير الذي ذكره الشافعي راجع عند التحقيق إلى ذكر التفسير الأول ، لكن على سبيل الكناية والتعريض ، وإذا كان الأمر كذلك فقد زال هذا السؤال ، فهذا تمام البحث في هذا الموضع ، وبالله التوفيق. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 9 صـ 144 ـ 146}","part":19,"page":477},{"id":8397,"text":"قال الآلوسى : \rوذكر في \"الكشف\" أنه لا حاجة إلى أصل الجواب عن الإمام الشافعي رضي الله تعالى عنه فإن الكسائي نقل عن فصحاء العرب عال يعول إذا كثر عياله وممن نقله الأصمعي والأزهري وهذا التفسير نقله ابن أبي حاتم عن زيد بن أسلم وهو من أجلة التابعين ، وقراءة طاوس أن لا تعيلوا مؤيدة له فلا وجه لتشنيع من شنع على الإمام جاهلاً باللغات والآثار ، وقد نقل الدوري إمام القراء أنها لغة حمير وأنشد : \rوإن الموت يأخذ كل حي...\rبل شك وإن أمشي ( وعالا )\rأي وإن كثرت ماشيته وعياله ، وأما ما قيل : إن عال بمعنى كثرت عياله يائي وبمعنى جار واوى فليست التخطئة في استعمال عال في كثرة العيال بل في عدم الفرق بين المادتين ، فرد أيضاً بما اقتضاه كلام البعض من أن عال له معان : مال وجار وافتقر وكثرت عياله ومان وأنفق وأعجز ، يقال : عالني الأمر أي أعجزني ومضارعه يعيل ويعول فهو من ذوات الواو والياء على اختلاف المعاني ، ثم المراد بالعيال على هذا التفسير يحتمل أن يكون الأزواج كما أشرنا إليه وعدم كثرة الأزواج في اختيار الواحدة وكذا في التقليل إن قلنا إنه داخل في المشار إليه ظاهر ، وإما عدم كثرتهن في التسري فباعتبار أن ذلك صادق على عدمهنّ بالكلية.","part":19,"page":478},{"id":8398,"text":"ويحتمل أن يكون الأولاد وعدم كثرتهم في اختيار الواحدة وكذا في التقليل ظاهر أيضاً ، وإما عدم كثرتهم في التسري فباعتبار أنه مظنة قلة الأولاد إذ العادة على أن لا يتقيد المرء بمضاجعة السراري ولا يأبى العزل عنهن بخلاف المهائر فإن العادة على تقيد المرء بمضاجعتهن وإباء العزل عنهن ، وإن كان العزل عنهن كالعزل عن السراري جائزاً شرعاً بإذن وبغير إذن في المشهور من مذهب الشافعي ، وفي بعض شروح \"الكشاف\" ما يدل على أن في ذلك خلافاً عند الشافعية فمنعه بعضهم كما هو مذهب أبي حنيفة رضي الله تعالى عنه ، وأخرج ابن أبي حاتم عن سفيان بن عيينة أنه فسر { أَلاَّ تَعُولُواْ } بأن لا تفتقروا ، وقد قدمنا أن عال يجىء بمعنى افتقر ، ومن روده كذلك قوله : \rفما يدري الفقير متى غناه...\rوما يدري الغني متى ( يعيل )\rإلا أن الفعل في البيت يائي لا واوي كما في الآية والأمر فيه سهل كما عرفت ، وعلى سائر التفاسير الجملة مستأنفة جارية مما قبلها مجرى التعليل. أ هـ {روح المعانى حـ 4 صـ 197}","part":19,"page":479},{"id":8399,"text":"فصل\rقال البقاعى :\r{ذلك} أي نكاح غير التيامى والتقلل من الحرائر والاقتصار على الإماء {أدنى} أي أقرب إلى {ألا تعولوا} أي تميلوا بالجور عن منهاج القسط وهو الوزن المستقيم ، أو تكثر عيالكم ، أما عند الواحدة فواضح ، وأما عند الإماء فالبعزل ، وعدم احتياج الرجل معهن لخادم له أو لهن ، والبيع لمن أراد منهن ، وأمرهن بالاكتساب ، أو تحتاجوا فتظلموا بعض النساء ، أو تأكلوا أموال التيامى ؛ وكل معنى من هذه راجع إلى لازم لمعنى المادة الذي مدارها عليه ، لأن مادة \" علا \" - واوية بجميع تقاليبها الست : علو ، عول ، لوع ، لعو ، وعل ، ولع ؛ ويائية بتركيبيها : ليع ، عيل تدور على الارتفاع ، ويلزمه الزيادة والميل ، فمن الارتفاع : العلو والوعل والولع ، ومن الميل والزيادة : العول ، وبقية المادة يائيةً وواويةً إما للإزالة ، وإما لأحد هذه المعاني - على ما يأتي بيانه ؛ فعلا يعلو : ارتفع ، والعالية : الفتاة القويمة - لأ ، ها تكون أرفع مما ساواها وهو معوج ، والعالية من محال الحجاز - لإشرافها على ما حولها ، وكذا العوالي - لقرى بظاهر المدينة الشريفة - لأنها في المكان العالي الذي يجري ماؤه إلى غيره ، والمعلاة : كسب الشرف ، ومقبرة مكة بالحجون - لأنها في أعلى مكة وماؤها يصوب إلى ما دونه ، وفلان من علية الناس ، أي أشرافهم ، والعلية بالتشديد : الغرفة ، وعلى حرف الاستعلاء ، وتعلت المرأة من نفاسها ، أي طهرت وشفيت - لأنها كانت في سفول من الحال ، والعلاوة : رأس الجبل وعنقه ، وما يحمل على البعير بين العدلين ، ومن كل شيء : ما زاد عليه ، والمعلى : القدح السابع من الميسر - لأنه الغاية في القداح الفائزة ، لأن القداح عشرة : السبعة الأولى منها فائزة ، والثلاثة الأخيرة مهملة لا أنصباء لها ، وعلوان الكتاب : عنوانه وارتفاعه على بقية الكتاب واضح ،","part":19,"page":480},{"id":8400,"text":"والعليان : الطويل والضخم ، والناقة المشرفة ، ومن الأصوات : الجهيرة ، والعلاة : السندان ، والعلياء : رأس كل جبل مشرف ، والسماء ، والمكان العالي ، وكل ما علا من شيء ، وعليك زيداً : الزمه - لأنه يلزم من ملازمته له العلو على أمره ، وعلا النهار : ارتفع وعلا الدابة : ركبها وأعلى عنها : نزل - كأنه من الإزالة وكذا علَّى المتاع عن الدابة تعلية : أنزله ، وأعليت عن الوسادة وعاليت : ارتفعت وتنحيت ، ورجل عالي الكعب : شريف ، وعلَّى الكتاب تعلية : عنونه كعلونه ، وعالوا نعيه : أظهروه ، والعلي : الشديد القوي ، وعليون في السماء السابعة ، وأخذه علواً : عنوة ، والتعالي : الاتفاع ، إذا أمرت منه قلت : تعال - بفتح اللام ، ولها : تعالي - بفتح اللام ، - ولو كنت في موضع أسفل من موضع المأمور ، لأنه يحتاج إلى تطاول مهما كان بينك وبينه مسافة ، ولأن الآمر أعلى من المأمور رتبة فموضعه كذلك ، وتعلى : علا في مهلة ، والمعتلي : الأسد ؛ واللعو : السيء الخلق ، والفسل ، والشره الحريص ، واللاعي : الذي يفزعه أدنى شيء ، إما لأنه وصل إلى الغاية في السفول فتسنم أعلاها حتى رضي لنفسه هذه الأخلاق ، وإما لأنه من باب الإزالة ، أو التسمية بالضد ، وذئبة لعوة وامرأة لعوة ، أي حريصة ، واللعوة : السواد بين حلمتي الثدي ، إما لأن ذلك أعلاه ، وإما لعلو لون السواد على لون الثدي ، والألعاء : السلاميات ، والسلامى عظم يكون في فرسن البعير ، وعظام الصغار في اليد والرجل ، وذلك لأن العظام أعلى ما في الجسد في القوة والشدة والصلابة ، وهي أعظم قوامه ؛ واللاعية : شجيرة في سفح الجبل ، لها نور أصفر ، ولها لبن ، وإذا ألقي منه شيء في غدير السمك أطفاها ، أي جعلها طافية أي عالية على وجه الماء ، سميت بذلك إما من باب الإزلاة نظراً إلى محل بيتها ، وإما","part":19,"page":481},{"id":8401,"text":"لأن ريحها يعلو كل ما خالطه ويكسبه طعمها وإما لفعلها هذا في السمك وتلعّى العسل : تعقّد وزناً ومعنى - إما من اللاعية لأنها كثيرة العقد ، وإما من لازم العلو : القوة والشدة ، ولعا لك - يقال عند العثرة ، أي أنعشك الله ؛ والعول : ارتفاع الحساب في الفرائض ، والعول : الميل ، وقدم تقدم أنه لازم للعلو ، والعول : كل ما أمر غلبك ، كأنه علا عنك فلم تقدر على نيله والمستعان به - لأنه لا يتوصل به إلى المقصود إلا وفيه علو ، وقوت العيال - لأنه سبب علوهم ، وعوّل عليه معولاً : اتكل واعتمد ، والاسم كعنب ، وعيّل ككيس ، وعال : جار والميزان : نقص أو زاد ، فالزيادة من الارتفاع ، والنقص من لازم الميل ، وعالت الفريضة : ارتفعت أي زادت سهامها فدخل النقصان على أهل الفرائض ، قال أبو عبيد : أظنه مأخوذاً من الميل ، وعال أمرهم : اشتد وتفاقم ، وعال فلان عولاً وعيالاً : كثر عياله ، كأعول وأعيل ، ورجل معيل ومعيّل ذو عيال ، وأعال الرجل وأعول - إذا حرص ، إما مما تقدم تخريجه ، وإما لأنه لازم لذي العيال ، وعال عليه : حمل ، أي رفع عليه الحمول كعول ، وفلان : حرص ، والفرس ، صوتت ، وأعولت المرأة : رفعت صوتها بالبكاء ، وعيل عوله : ثكلته أمه - لما يقع من صياحها ، وعيل ما هو عائله : غلب ما هو غالبه ، يضرب لمن يعجب من كلامه ونحوه لأنه لا يكون كذلك إلا وقد خرج عن أمثاله علواً ، وقد يكون بسفول ، فيكون من التسمية بالضد ، والعالة : النعامة لأنها أطول الطير ، وما له عال ولا مال : شيء ح لأن ذلك غاية في السفول إن كان عجزاً ، وفي العلو إن كان زهداً ، ويقال للعاثر : عالك عالياً.\r","part":19,"page":482},{"id":8402,"text":"كقولهم : لعا لك ، والمعول : حديدة تنفر بها الجبال - من القوة اللازمة للعلو ، والعالة ، شبه الظلة يستر بها من المطر ؛ واللوعة : حرقة توجد من الحزن أو الحب أو المرض أو الهم - لأنها تعلو الإنسان ، ولاعه الحب : أمرضه ، وأتان لاعة الفؤاد إلى جحشها - كأنها ولهى فزعاً ، ولاع يلاع : جزع أو مرض ورجل هاع لاع : جبان جزوع ، أو حريص ، أو سيىء الخلق - لما علاه من هذه الأخلاق المنافية للعقل وغلبه منها ، ولاعته الشمس : غيرت لونه واللاعة أيضاً : الحديدة الفؤاد الشهمة - لأنه يعلوا غيره ، وامرأة لاعة : التي تغازلك ولا تمكنك - لما لها في ذلك من الغلبة والعلو على القلوب ؛ والوعل : تيس الجبل ، والشريف ، والملجأ ، والوعلة : الموضع المنيع من الجبل ، أو صخرة مشرفة منه ، وهم علينا وعل واحد : مجتمعون ، وما لك عن ذلك وعل ، أي بد - إنه لولا علوه عليك ما اضطررت إليه والوعل : اسم شوال - كأنه لما له من العلو بالعيد والحج ، والوعل ككتف : اسم شعبان ح لما له من العلو بتوسطه بين رجب وشوال ، والوعلة أيضاً : عروة القميص والزير زره والقدح والإبريق الذي يعلق بها فيعلو ، ووعال كغراب : حصن باليمن ، والمستوعل - بفتح العين : حرز الوعل ، ووعل كوعد : أشرف ، وتوعلت الجبل : علوته ؛ وأولع فلان بكذا ، أو ولع بالكسر : استخف ، أي صار عالياً عليه غالباً له إطاقته حمله ، وولع بحقه : ذهب ، وولع بالفتح - إذا كذب ، إما للإزالة وإما لأنه استخفه الكذب فحمله ، وولع والع - مبالغة ، أي كذب عظيم والمولع : الذي فيه لمع من ألوان - كأنه علا على تلك الألوان ، أو غلب تلك الألوان أصل لونه ، وعبارة القاموس : والتوليع : استطالة البلق ، يقال برذون وثور مولع - كمعظم ، والوليع : الطلع ما دام في قيقائه ، أي وعائه.\r","part":19,"page":483},{"id":8403,"text":"وهو قشرة الطلع لعلوه ، وما أدري ما ولعه - بالفتح أي حبسه ، إما للإزالة ، لإنه لما منعه كان كأنه أزال علوه ، وإما لأنه علا عليه ، وأولعه به ، أي أغراه ، أي حمله عليه ؛ والعيلة : الحاجة ، وعال يعيل - إذا افتقر ، وذلك إما من الإزالة ، أو لأن الحاجة علته ، أو لأنها ميل ، وعالني الشيء : أعجزني ، وعيل صبري : قل وضعف أي علاه من الأمر ما أضعفه ، وعلت الضالة : لم أدر أين أبغيها ، والمعيل : الأسد والنمر والذئب - لأنه يعيل صيداً أي يلتمس فهو يرجع إلى العلو والقدرة على الطلب ، وعالني الشيء : أعوزني - إما أزال علوي ، أو علا عني ، وعال في مشيه : تمايل واختال وتبختر - لأنه لا يفعله إلا عال في نفسه مع أنه كله من الميل ، وعال في الأرض : ذهب أي علا عليها مشياً ، والذكر من الضباع عيلان ، والعيل محركة : عرضك حديثك وكلامك على من لا يريده وليس من شأنه - كأنه لم يهتد لمن يريده فعرضه على من لا يريده ، فهو يرجع إلى الحاجة المزيلة للعلو ؛ وليعة الجوع - بالفتح : حرقته - كما تقدم في اللوعة ، ولعت - بالكسر : ضجرت ، كأنه من الإزالة ، أو أن العلو للأمر المتضجر منه ، والملياع - علاها ، والملياع : التي تقدم الإبل سابقة ثم ترجع إليها ، وريح لياع - بالكسر : شديدة ، وقد وضح بذلك صحة ما فسر به إمامنا الشافعي صريحاً ومطابقة - كما تقدم ، وشهد له العول في الحساب والسهام ، وهو كثرتها ، وظهر تحامل من رد ذلك وقال : إنه لا يقال في كثرة العيال إلا : عال يعيل ، وكم من عائب قولا صحيحاً! وكيف لا وهو من الأئمة المحتج بأقوالهم في اللغة ، وقد وافقه غيره وشهد لقوله الحديث الصحيح ؛ قال الإمام يحيى بن أبي الخير العمراني الشافعي في كتابه البيان : {ألا تعولوا} قال الشافعي : معناه أن لا تكثر عيالكم ومن تمونونه ، وقيل : إن أكثر السلف","part":19,"page":484},{"id":8404,"text":"قالوا : المعنى أن لا تجوروا ، يقال : عال يعول - إذا جار وأعال يعيل - إذا كثر عياله ؛ إلا زيد بن أسلم فإنه قال : معناه أن لا تكثر عيالكم ، وقول النبي صلى الله عليه وسلم يشهد لذلك ، قال : \" ابدأ بنفسك ثم بمن تعول \" انتهى.\r","part":19,"page":485},{"id":8405,"text":"وهذا الحديث أخرجه الشيخان وغيرهما عن حكيم بن حزام عن أبي هريرة رضي الله عنهما بلفظ \" أفضل الصدقة ما كان عن ظهر غنى ، واليد العليا خير من اليد السفلى ، وابدأ بمن تعول \" وفي الباب أيضاً عن عمران بن حصين وأبي رمثة البلوي وأبي أمامة رضي الله عنهم ، وأثر زيد بن أسلم رواه الدارقطني والبيهقي من طريق سعيد بن أبي هلال عنه ، قال : \" ذلك أدنى أن لا يكثر من يعولونه \" أفاده شيخنا ابن حجر في تخريج أحاديث الرافعي وقال الإمام : إن تفسير الشافعي هو تفسير الجماعة ، عبر عنه بالكناية وهي ذكر الكثرة ، وأراد الميل لكون الكثرة ، لا تنفك عنه ، وقال ابن الزبير : لما تضمنت سورة البقرة ابتداء الخلق وإيجاد آدم عليه الصلاة والسلام من غير أب ولا أم ، وأعقبت بسورة آل عمران لتضمنها - مع ذكر في صدرها - أمر عيسى عليه الصلاة والسلام ، وأنه كمثل آدم عليه الصلاة والسلام في عدم الافتقار إلى أب ، وعلم الموقنون من ذلك أنه تعالى لو شاء لكانت سنة فيمن بعد آدم عليه الصلاة والسلام ، فكأن سائر الحيوان لا يتوقف إلا على أم فقط ؛ أعلم سبحانه أن من عدا المذكورين عليهما الصلاة والسلام من ذرية آدم سبيلهم سبيل الأبوين فقال تعالى : {يا أيها الناس اتقوا ربكم} إلى قوله : {وبث منهما رجالاً كثيراً ونساء} ثم أعلم تعالى كيفية النكاح المجعول سبباً في التناسل وما يتعلق به ، وبين حكام الأرحام والمواريث فتضمنت السورة ابتداء الأمر وانتهاءه ، فأعلمنا بكيفية التناكح وصورة الاعتصام واحترام بعضنا لبعض وكيفية تناول الإصلاح فيما بين الزوجين عند التشاجر والشقاق ، وبين لنا ما ينكح وما أبيح من العدد وحكم من لم يجد الطول وما يتعلق بهذا إلى المواريث ، فصل ذلك كله إلا الطلاق.","part":19,"page":486},{"id":8406,"text":"لأن أحكامه تقدمت ، ولأن بناء هذه السورة على التواصل والائتلاف ورعي حقوق ذوي الأرحام وحفظ ذلك كله إلى حالة الموت المكتوب علينا ، وناسب هذا المقصود من التواصل والألفة ما افتتحت به السورة من قوله تعالى : {الذي خلقكم من نفس واحدة} [ النساء : 1 ] ، فافتتحها بالالتئام والوصلة ولهذا خصت من حكم تشاجر الزوجين بالإعلام بصورة الإصلاح والمعدلة إبقاء لذلك التواصل فلم يكن الطلاق ليناسب هذا ، فلم يقع له هنا ذكر إلا إيماء {وإن يتفرقا يغن الله كلا من سعته} [ النساء : 13 ] ولكثرة ما يعرض من رعي حظوظ النفوس عند الزوجية ومع القرابة - ويدق ذلك ويغمض - تكرر كثيراً في هذه السورة الأمر بالاتقاء ، وبه افتتحت {اتقوا ربكم} [ النساء : 1 ] ، {واتقوا الله الذي تسآءلون به والأرحام} [ النساء : 1 ] ، {ولقد وصينا الذين أوتوا الكتاب من قبلكم وإياكم أن اتقوا الله} [ النساء : 131 ] ، ثم حذروا من حال من صمم على الكفر وحال اليهود والنصارى والمنافقين وذوي التقلب في الأديان بعد أذن اليقين ، وكل ذلك تأكيد لما أمروا به من الاتقاء ، والتحمت الآيات إلى الختم بالكلالة من المواريث المتقدمة - انتهى. أ هـ {نظم الدرر حـ 2 صـ 210 ـ 214}\rفصل\rقال الطبرى فى معنى الآية :\rوأولى الأقوال التي ذكرناها في ذلك بتأويل الآية ، قول من قال : تأويلها : \"وإن خفتم ألا تقسطوا في اليتامى ، فكذلك فخافوا في النساء ، فلا تنكحوا منهن إلا ما لا تخافون أن تجورُوا فيه منهن ، من واحدة إلى الأربع ، فإن خفتم الجورَ في الواحدة أيضًا ، فلا تنكحوها ، ولكن عليكم بما ملكت أيمانكم ، فإنه أحرى أن لا تجوروا عليهن\".","part":19,"page":487},{"id":8407,"text":"وإنما قلنا إنّ ذلك أولى بتأويل الآية ، لأن الله جل ثناؤه افتتح الآية التي قبلها بالنهي عن أكل أموال اليتامى بغير حقها وخَلطها بغيرها من الأموال ، فقال تعالى ذكره : ( وَآتُوا الْيَتَامَى أَمْوَالَهُمْ وَلا تَتَبَدَّلُوا الْخَبِيثَ بِالطَّيِّبِ وَلا تَأْكُلُوا أَمْوَالَهُمْ إِلَى أَمْوَالِكُمْ إِنَّهُ كَانَ حُوبًا كَبِيرًا ) . ثم أعلمهم أنهم إن اتقوا الله في ذلك فتحرّجوا فيه ، فالواجب عليهم من اتقاء الله والتحرّج في أمر النساء ، مثل الذي عليهم من التحرج في أمر اليتامى ، وأعلمهم كيف التخلص لهم من الجور فيهن ، كما عرّفهم المخلص من الجور في أموال اليتامى ، فقال : انكحوا إن أمنتم الجور في النساء على أنفسكم ، ما أبحت لكم منهن وحلّلته ، مثنى وثُلاث ورباع ، فإن خفتم أيضًا الجور على أنفسكم في أمر الواحدة ، بأن لا تقدروا على إنصافها ، فلا تنكحوها ، ولكن تسرَّوا من المماليك ، فإنكم أحرى أن لا تجوروا عليهن ، لأنهن أملاككم وأموالكم ، ولا يلزمكم لهن من الحقوق كالذي يلزمكم للحرائر ، فيكون ذلك أقرب لكم إلى السلامة من الإثم والجور.\rففي الكلام -إذ كان المعنى ما قلنا- متروك استغنى بدلالة ما ظهر من الكلام عن ذكره. وذلك أن معنى الكلام : وإن خفتم أن لا تقسطوا في أموال اليتامى فتعدلوا فيها ، فكذلك فخافوا أن لا تقسطوا في حقوق النساء التي أوجبها الله عليكم ، فلا تتزوجوا منهنّ إلا ما أمنتم معه الجور مثنى وثلاث ورباع ، وإن خفتم أيضًا في ذلك فواحدة. وإن خفتم في الواحدة ، فما ملكت أيمانكم فترك ذكر قوله : \"فكذلك فخافوا أن لا تقسطوا في حقوق النساء\" ، بدلالة ما ظهر من قوله تعالى : \"فإن خفتم ألا تعدلوا فواحدة أو ما ملكت أيمانكم\".\rفإن قال قائل : فأين جواب قوله : \"وإن خفتم ألا تقسطوا في اليتامى\" ؟ \r","part":19,"page":488},{"id":8408,"text":"قيل : قوله\"فانكحوا ما طاب لكم\" ، غير أن المعنى الذي يدل على أن المراد بذلك ما قلنا قوله : \"فإن خفتم ألا تعدلوا فواحدة أو ما ملكت أيمانكم ذلك أدنى ألا تعولوا\".\rوقد بينا فيما مضى قبلُ أن معنى\"الإقساط\" في كلام العرب : العدل والإنصاف وأن\"القسط\" : الجور والحيف ، بما أغنى عن إعادته في هذا الموضع.\rوأما\"اليتامى\" ، فإنها جمع لذكران الأيتام وإناثهم في هذا الموضع.\rوأما قوله : \"فانكحوا ما طاب لكم من النساء\" ، فإنه يعني : فانكحوا ما حلَّ لكم منهن ، دون ما حُرِّم عليكم منهنّ ، فإن قال قائل : وكيف قيل : \"فانكحوا ما طاب لكم من النساء\" ، ولم يقل : \"فانكحوا مَنْ طاب لكم\" ؟ وإنما يقال : \"ما\" في غير الناس.\rقيل : معنى ذلك على غير الوجه الذي ذهبتَ إليه ، وإنما معناه : فانكحوا نكاحًا طيبًا ، فالمعنيّ بقوله : \"ما طاب لكم\" ، الفعل ، دون أعيان النساء وأشخاصهنَّ ، فلذلك قيل\"ما\" ولم يقل\"من\" ، كما يقال : \"خذ من رقيقي ما أردت\" ، إذا عنيت : خذ منهم إرادتك. ولو أردت : خذ الذي تريد منهم ، لقلت : \"خذ من رقيقي من أردت منهم\". وكذلك قوله : \"أو ما ملكت أيمانكم\" ، بمعنى : أو ملك أيمانكم.\rوإنما معنى قوله : \"فانكحوا ما طاب لكم من النساء مثنى وثلاث ورباع\" ، فلينكح كل واحد منكم مثنى وثلاث ورباع ، كما قيل : ( وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً ) [سورة النور : 4].\rوأما قوله : \"فإن خفتم أن لا تعدلوا فواحدة\" ، فإن نصب\"واحدة\" ، بمعنى : فإن خفتم أن لا تعدلوا فيما يلزمكم من العدل ما زاد على الواحدة من النساء عندكم بنكاح ، فيما أوجبه الله لهن عليكم فانكحوا واحدة منهن.\r","part":19,"page":489},{"id":8409,"text":"ولو كانت القراءة جاءت في ذلك بالرفع ، كان جائزًا ، بمعنى : فواحدة كافية ، أو : فواحدة مجزئة ، كما قال جل ثناؤه : ( فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ ) [سورة البقرة : 282].\rوإن قال لنا قائل : قد علمت أن الحلال لكم من جميع النساء الحرائر ، نكاحُ أربع ، فكيف قيل : \"فانكحوا ما طاب لكم من النساء مثنى وثلاث ورباع\" ، وذلك في العدد تسع ؟ \rقيل : إن تأويل ذلك : فانكحوا ما طاب لكم من النساء ، إما مثنى إن أمنتم الجور من أنفسكم فيما يجب لهما عليكم وإما ثلاث ، إن لم تخافوا ذلك وإما أربع ، إن أمنتم ذلك فيهن.\rيدل على صحة ذلك قوله : \"فإن خفتم ألا تعدلوا فواحدة\" ، لأن المعنى : فإن خفتم في الثنتين فانكحوا واحدة. ثم قال : وإن خفتم أن لا تعدلوا أيضًا في الواحدة ، فما ملكت أيمانكم.\rفإن قال قائل : فإن أمر الله ونهيه على الإيجاب والإلزام حتى تقوم حجة بأن ذلك على التأديب والإرشاد والإعلام ، وقد قال تعالى ذكره : \"فانكحوا ما طاب لكم من النساء\" ، وذلك أمر ، فهل من دليل على أنه من الأمر الذي هو على غير وجه الإلزام والإيجاب ؟ \rقيل : نعم ، والدليل على ذلك قوله : \"فإن خفتم ألا تعدلوا فواحدة\". فكان معلومًا بذلك أن قوله : \"فانكحوا ما طاب لكم من النساء\" ، وإن كان مخرجه مخرج الأمر ، فإنه بمعنى الدلالة على النهي عن نكاح ما خاف الناكح الجورَ فيه من عدد النساء ، لا بمعنى الأمر بالنكاح ، فإن المعنيّ به : وإن خفتم أن لا تقسطوا في اليتامى ، فتحرجتم فيهن ، فكذلك فتحرّجوا في النساء ، فلا تنكحوا إلا ما أمنتم الجورَ فيه منهن ، ما أحللته لكم من الواحدة إلى الأربع.\r","part":19,"page":490},{"id":8410,"text":"وقد بينا في غير هذا الموضع أن العرب تُخرِج الكلام بلفظ الأمر ومعناها فيه النهي أو التهديد والوعيد ، كما قال جل ثناؤه : ( فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ ) [سورة الكهف : 29] ، وكما قال : ( لِيَكْفُرُوا بِمَا آتَيْنَاهُمْ فَتَمَتَّعُوا فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ ) [سورة النحل : 55 / سورة الروم : 34] ، فخرج ذلك مخرج الأمر ، والمقصود به التهديد والوعيدُ والزجر والنهي ، فكذلك قوله : \"فانكحوا ما طاب لكم من النساء\" ، بمعنى النهي : فلا تنكحوا إلا ما طاب لكم من النساء.\rقوله : { ذَلِكَ أَدْنَى أَلا تَعُولُوا }\rقال أبو جعفر : يعني بذلك تعالى ذكره وإن خفتم أن لا تعدلوا في مثنى أو ثلاث أو رباعَ فنكحتم واحدة ، أو خفتم أن لا تعدلوا في الواحدة فتسررتم ملك أيمانكم ، فهو\"أدنى\" يعني : أقرب ، \"ألا تعولوا\" ، يقول : أن لا تجوروا ولا تميلوا. أ هـ {تفسير الطبرى حـ 7 صـ 540 ـ 548}. بتصرف.\rفوائد لغوية\rقال ابن عادل :\rقوله : { وَإِنْ خِفْتُمْ } شرط ، وفي جوابه وجهان :\rأحدهما : أنه قوله : { فانكحوا } وذلك أنهم كانوا يتزوجون الثمانَ ، والعشر ، ولا يقومون بحقوقهن ، فلمَّا نزلت { وَلاَ تأكلوا أَمْوَالَهُمْ } أخذوا يَتحرّجونَ من ولاية اليتامى ، فقيل لهم : إن خفتم من الجورِ في حقوق اليتامى فخافوا أيضاً من الجور في حقوق النساء ، فانكحوا ما طاب لكم من [ النساء مثنى وثلاث ورباع من ] الأجنبيات أي : اللاتي لسن تحت ولايتكم ، فعلى هذا يحتاج إلى تقدير مضاف ، أي : في نكاح يتامى النساء.","part":19,"page":491},{"id":8411,"text":"فإن قيل : \" فواحدة \" جواب لقوله : { فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تَعْدِلُواْ فَوَاحِدَةً } فكيف يكون جواباً للأول ؛ فالجواب : أنَّهُ أَعَادَ الشرط الثاني لأنه كالأول في المعنى ، لما طالَ الفصل بين الأول وجوابه وفيه نظر لا يخفى. والخوف هنا على بابه فالمراد به الحذر.\rوقال أبو عبيدة إنه بمعنى اليقين وأنشد الشاعر : [ الطويل ]\rفَقُلْتُ لهُمْ خَافُوا بأَلْفَيْ مُدَجَّجٍ... سَرَاتُهُمُ في الفَارِسِي الْمُسَرَّدِ\rأي : أيقِنُوا ، وقد تَقَدَّمَ تَحْقِيْقُ ذلك والردُّ عليه عند قوله تعالى : { إِلاَّ أَن يَخَافَآ أَلاَّ يُقِيمَا حُدُودَ الله } [ البقرة : 229 ].\rقوله : { أَلاَّ تُقْسِطُواْ } إنْ قَدَّرَتْ أنها على حذف حرف الجر ، أي : \" مِنْ أن لا \" ففيها الخلاف المشهور أي : في محل نصب [ أو جر ، وإنْ لم تقدّر ذلك بل وصل الفعل إليها بنفسه ، كأنك قلت : \" فَإنْ حَذَرْتم \" فهي في محل نصب ] فقط كما تَقَدَّمَ في البقرة.\rوقرا الجمهور : \" تقسطوا \" بضم التاء ، من أقْسَط : إذا عدل ، فتكون لا على هذه القراءة نافيةُ ، والتقديرُ : وإنْ خِفْتُمْ عدم الإقساط أي : العدل.\rوقرأ إبراهيم النخعي : ويحيى بن وثَّاب بفتحها من \" قسط \" وفيها تأويلان : \rأحدهما : أن \" قَسَطَ \" بمعنى \" جار \" ، وهذا هو المشهور في اللغة ، أعني أن الرباعي بمعنى عَدَلَ ، والثلاثي بمعنى جار ، وكأنَّ الهمزة فيه للسَّلْبِ بمعنى \" أقسط \" أي : أزال القسط وهو الجور ، و\" لا \" على هذا القول زائدة ليس إلا ، وإلا يفسد المعنى كهي في قوله : { لِّئَلاَّ يَعْلَمَ أَهْلُ الكتاب } [ الحديد : 29 ].\r","part":19,"page":492},{"id":8412,"text":"والثاني : حكي الزجاج أن \" قسط \" الثلاثي يستعمل استعمال \" أقسط \" الرباعي ، فعلى هذا تكون \" لا \" غير زائدة ، كهي في القراءة الشهيرة ؛ إلاَّ أنَّ التَّفْرِقَةَ هي المعروفةُ لغة.\rقالوا : قاسطته إذَا غَلَبْتَهُ على قِسْطِهِ ، فبنوا \" قسط \" على بناء ظلم وجار وغلب.\rوقال الراغب : \" القِسْط \" أن يأخذ قِسْطَ غيره ، وذلك جَوْرٌ ، وأَقْسَطَ غيره ، والإقسَاطِ أن يُعْطِيَ قِسْطَ غَيْرِهِ ، وذلك إنصاف ، ولذلك يقال : قَسَطَ الرَّجُلُ إذَا جَار ، وأَقْسَطَ إذَا عدَلَ ، قال تعالى : { وَأَمَّا القاسطون فَكَانُواْ لِجَهَنَّمَ حَطَباً } [ الجن : 15 ].\r[ وقال تعالى : { وأقسطوا إِنَّ الله يُحِبُّ المقسطين } [ الحجرات : 9 ].\rوَحُكِيَ أنَّ الحَجَّاجَ لما أحضر سعيد بن جبير ، قال له : ما تقول فيَّ ؟ قال : \" قَاسِطٌ عادِلٌ \" فأعجب الحاضرون ، فقال لهم الحجاج : ويلكم لم تفهموا عنه إنّه جعلني جائراً كافراً ، ألم تسمعوا قوله تعالى : { وَأَمَّا القاسطون فَكَانُواْ لِجَهَنَّمَ حَطَباً } [ الجن : 15 ].\rالمادة من قوله : { قَآئِمَاً بالقسط } [ آل عمران : 18 ].\rقوله : { مَا طَابَ } في \" ما \" هذه أوجه : \rأحدها : أنها بمعنى الذي وذلك عند من يرى أن \" ما \" تكون للعاقل ، وهي مسألة مشهورة ، وذلك أن \" ما \" و\" من \" وهما يتعاقبان ، قال تعالى : { والسمآء وَمَا بَنَاهَا } [ الشمس : 5 ] وقال : { وَلاَ أَنتُمْ عَابِدُونَ مَآ أَعْبُدُ } [ الكافرون : 3 ] وقال { فَمِنْهُمْ مَّن يَمْشِي على بَطْنِهِ } [ النور : 45 ].\rوحكى أبو عمرو بن العلاء : سبحان من سبح الرعد بحمده.\rوقال بعضهم : نَزَّلَ الإناث منزلة غير العقلاء كقوله : { إِلاَّ على أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ } [ المؤمنون : 6 ].\r","part":19,"page":493},{"id":8413,"text":"قال بعضهم : وَحَسن وقوعها هنا أنها واقعة على النساء ، وهن ناقصات العقول. وبعضهم يقول : هي لصفات من يعقل.\rوبعضهم يقول : لنوع من يعقل كأنه قيل : النوع الطيب من النساء ، وهي عبارات متقاربة. فلذلك لم نعدّها أوجهاً.\rالثاني : أنها نَكِرَةٌ موصوفة ، أي : انكحوا جنساً طيباً أو عدداً طيِّباً.\rالثالث : أنها مصدرية ، وذلك المصدر واقع موقع اسم الفاعل ، تقديره : فانحكوا [ الطَّيِّبَ.\rوقال أبو حيان : والمصدر مقدر هنا باسم الفاعل ، والمعنى فانكحوا ] النكاح الذي طاب لكم. والأول أظهر.\rالرابع : أنها ظرفية تستلزم المصدريَّة ، والتقدير : فانحكوا ما طاب مدة يطيب فيها النكاح لكم. إذا تقرر هذا ، فإن قلنا : إنها موصولة اسمية أو نكرة موصوفة ، أو مصدرية ، والمصدرُ واقع اسم الفاعل كانت \" ما \" مفعولاً بـ \" انكحوا \" ويكون \" من النساء \" فيه وجهان : \rأحدهما : أنها لبيان الجنس المبهم في \" ما \" عند مَنْ يثبت لها ذلك.\rوالثاني : أنها تبغيضية ، أي : بعض النساء ، وتتعلق بمحذوف على أنها حال من \" ما طاب \" وإن قلنا : إنها مصدرية ظرفية محضة ، ولم يُوقع المصدر موقع اسم فاعل كما قال أبو حيان كان مفعول \" فانكحوا \" قوله \" من النساء \" نحو قولك : أكلت من الرغيفِ ، وشربتُ من العسل أي : شيئاً من الرغيف وشيئاً من العسل.\rفإن قيل : لِمَ لا يجعل على هذا \" مثنى \" وما بعدها هو مفعول \" فانكحوا \" أي : فانكحوا هذا العدد ؟ فالجواب أن هذه الألفاظ المعدولة لا تلي العوامل.\rوقرأ ابن أبي عبلة \" مَنْ طَابَ \" وهو يرجحُ كون \" ما \" بمعنى الذي للعاقل ، وفي مصحف أبي بن كعب بالياء ، وهذا ليس بمبني للمفعول ؛ لأنه قاصر ، وإنما كُتِبَ كذلك دلالة على الإمالة وهي قراءة حمزة.\r","part":19,"page":494},{"id":8414,"text":"قوله \" مَثْنَى \" منصوب على الحال من \" طَابَ \" وجعله أبو البَقاء حالاً من \" النساء \" فأجاز هو وابن عطية أن يكون بدلاً من \" ما \" وهذان الوجهان [ ضعيفان ].\rأمَّا الأول : فلأنَّ الْمُحْدَّث عنه إنما هو الموصول وأتى بقوله { النسآء } كالتبيين.\rوأما الثاني : فلأنَّ البدل على نِيَّةِ تكرار العامل ، وقد تقدم أن هذه الألفاظ لا تباشر العوامل.\rواعلم أن هذه الألفاظ المعدولة فيها خلاف ، وهل يجوز فيها القياس أم يقتصر فيها على السماع ؟ قولان :\rوقول الكوفيين وأبي إسحاق : جوازه.\rوالمسموع [ من ذلك ] أحد عشر لفظاً : أُحاد ، وَمَوْحَد ، وثُنَاء ، وَمَثْنَى ، وَثُلاَثَ ، وَمَثْلَث ، ورُباع ، وَمَرْبَع ، ولم يسمع خُماس ومَخْمس ، وعَشار ومَعْشَر.\rواختلفوا أيضاً في سبب منع الصرف فيها على أربعة مذاهب :\rأحدها : مذهب سيبويه ، وهو أنها مُنِعَتْ من الصرف للعدلِ والوصفِ أمَّا الوصف فظاهر ، وَأَمَّا العدل فلكونها معدولة من صيغة إلى صيغة وذلك أنها معدولة عن عدد مكرر.\rفإذا قلت : جاء القوم أحاد أو مَوْحَدَ أو ثُلاثَ أو مَثْلَثَ ، كان بمنزلة قولك : جاءوا واحداً واحداً وثلاثةً ثَلاثَةً ، ولا يُرادُ بالمعدولِ عنه التوكيد ، إنما يُرادُ به تكرار العدد لقولهم : علمته الحساب باباً باباً.\rوالثاني : مذهب الفراء ، وهو العدل والتعريف بنية الألف واللام ولذلك يمتنع إضافتها عنده لتقدير الألف واللام ، وامتنع ظهور الألف واللام عنده لأنها في نِيَّة الإضافة.\rالثالث : مذهب أبي إسحاق : وهو عدلها عن عدد مكرر وعدلها عن التأنيث.","part":19,"page":495},{"id":8415,"text":"والرابع : نَقَلَهُ الأخفش عن بعضهم ، أنه تكرار العدل ، وذلك أنه عَدَلَ عن لفظ اثنين اثنين ، وعن معناه ؛ لأنه قد لا يستعمل في موضع تستعمل فيه الأعداد في المعدولة بقوله : جاءني اثنان وثلاثة ، ولا تقول : \" جاءني مَثْنَى وثلاث \" حتى يتقدم قبله جمع ؛ لأن هذا الباب جعل بياناً لترتيب الفعل ، فإذا قلت : \" جَاءَ الْقَوْمُ مَثْنَى \" ، أَفَادَ أنَّ مجيئهم وقع من اثنين اثنين ، بخلاف غير المعدولة ، فَإنَّها تفيد الإخبار عن مقدارِ المعدودِ دُونَ غيره ؛ فقد بان بما ذكرنا اختلافهما في المعنى فلذلك جاز أن تقوم العِلَّةُ مَقَامَ العلتين لإيجابهما حكمين مختلفين - انتهى.\rوقال الزمخشري : \" إنَّمَا منعت الصرف لما فيها من العَدْلَيْن ؛ عدلها من صيغتها ، وعدلها عن تكررها ، وهن نكرات يُعَرَّفْنَ بلام التعريف ، يقال : فلان ينكح المثْنَى والثلاث \".\rقال أبو حيان : \" ما ذهب إليه من امتناعها لذلك لا اعلم أحداً قاله ، بل المذهب فيه أربعة \" ذكرها كما تقدم ، وقد يقال : إنَّ هذا هو المذهب الرابع وعبَّر عن العدل في المعنى بعدلها عن تكررها وناقشه [ أبو حيان ] أيضاً في مثاله بقوله : ينكح المثنى من وجهين : \rأحدهما : دخول \" أل \" عليها ، قال : \" وهذا لم يذهب إليه أحد بَلْ لَمْ تُسْتَعْمَلْ في لسان العرب إلاَّ نكرات \"\rالثاني : أنه أولاها العوامل ، ولا تلي العوامل بل يتقدمها شيء يلي العوامل ، ولا تقع إلا أخباراً كقوله عليه السلام : \" صلاةُ اللَّيْلِ مَثْنَى مَثْنَى \" أو أحوالاً كهذه الآية الكريمة أو صفات نحو قوله تعالى : { أولي أَجْنِحَةٍ مثنى وَثُلاَثَ وَرُبَاعَ } [ فاطر : 1 ] وقوله : [ الطويل ]\r.............................. ذِئَابٌ تَبَغَّى النَّاسَ مَثْنَى وَمَوْحَدُ\rوقد وقعت إضافتها قليلاً كقوله : [ الطويل ]\r","part":19,"page":496},{"id":8416,"text":"........................... بِمَثْنَى الزُّقَاقِ المُتْرَعَاتِ وَبِالجُزُرْ\rوقد استدلَّ بعضهم على إيلائها العَوَامل على قِلَّةٍ بقوله : [ الوافر ]\r1740 - ضَرَبْتُ خُمَاسَ ضَرْبَةَ عَبْشَمِيٍّ... أذارُ سُدَاس ألاَّ يَسْتَقِيمَا\rويمكن تأويله على حذف المفعول لفهم المعنى تقديره : ضربتهم خماس.\rومن أحكام هذه الألفاظ ألا تؤنث بالتاءِ ، لا تقول : \" مثناة \" ولا \" ثُلاثة \" بل تَجْرِي على المذكر والمؤنث جَرَياناً واحداً.\rوقرأ النخعي وابن وثّاب \" ورُبَعَ \" من غير ألف ، وزاد الزمخشري عن النخعي : \" وثُلَثَ \" أيضاً ، وغيره عنه \" ثُنَى \" مقصوراً من \" ثُناء \" حَذَفوا الألف من ذلك كله تحقيقاً ، كما حذفها الآخر في قوله : [ الرجز ]\r........................ يريد بارداً وَصلَّياناً بَرِدَا\rقوله : { فَإِنْ خِفْتُمْ } شرط ، إذا أنتج من الآيتين هذه وقوله : { وَلَن تستطيعوا } [ النساء : 129 ] ما أنتج [ من ] الدلالة اقتضى أنه لا يجوز أن يتزوّج غير واحدة ، أو يتسرَّى بما ملكت يمينه ، ويبقى الفصل بجملة الاعتراض لا فائدة له ، بَلْ يكون لغواً على زعمه.\rوالجمهور على نصب \" فواحدة \" بإضمار فعل أي : فانكحوا واحدة وطؤوا ما ملكت أيمانكم ، وإنما قدّرنا ناصباً آخر لملك اليمين ؛ لأن النكاح لا يقع في ملك اليمين ، إلا أن يريد به الوطء في هذا ، والتزويج في الأول ، فيلزم استعمال المشترك في معنيين أو الجمع بين الحقيقة والمجاز ، وكلاهما مقول به ، وهذا قريب من قوله : [ الرجز ]\rعَلَفْتُهَا تِبْنَاً وَمَاءً بَارِدَاً.................................\rوبابه.\rوقرأ الحسن وأبو جعفر : \" فواحدةٌ \" بالرفع ، وفيه ثلاثة أوجه :\rأحدها : الرفع بالابتداء ، وسوَّغ الابتداء بالنكرة اعتمادها على فاء الجزاء ، والخبر محذوف أي : فواحدة كافية.","part":19,"page":497},{"id":8417,"text":"الثاني : أنه خبر مبتدأ محذوف أي فالمقنع واحدة.\rالثالث : أنه فاعل بفعل مقدّر أي : يكفي واحدة.\rو \" أو \" على بابها من كونها للإباحة أو التخيير. و\" ما ملكت \" كهي [ في قوله ] : \" مَا طَابَ \" [ فإن قيل : المالك هو نفسه لا يمينه ، فلِمَ ] أضاف المِلْك لليمين [ فالجواب ] لأنها محل المحاسن ، وبها تُتَلَقَّى رايات المجد.\rوروي عن أبي عمرو : \" فما ملكت أيمانكم \" ، والمعنى : إن لم يعدل في عِشْرَةِ واحدة فما ملكت يمينه.\rوقرأ ابن أبي عبلة \" أو من ملكت أيمانكم \".\rومعنى الآية : إن خفتم ألا تعدلوا بين هذه الأعداد كما خفتم ترك العدل فيما فوقها فاكتفوا بزوجة واحدة ، أو بالمملوكة.\rقوله : \" ذلك أدنى \" مبتدأ وخبر ، و\" ذلك \" إشارة إلى اختيار الواحدة أو التسرِّي.\rو \" أدنى \" أفعل تفضيل من دنا يدنو أي : قرُب إلى عدم العول.\rقال أبو العباس المقرئ : \" ورد لفظ أدنى في القرآن على وجهين : \rالأول : بمعنى أحرى قال تعالى : { ذلك أدنى أَلاَّ تَعُولُواْ }.\rوالثاني : بمعنى \" دون \" قال تعالى : { أَتَسْتَبْدِلُونَ الذي هُوَ أدنى بالذي هُوَ خَيْرٌ } [ البقرة : 61 ] يعني الرديء بالجيد \".\rقوله تعالى : { أَلاَّ تَعُولُواْ } في محل نصب أو جرٍّ على الخلاف المشهور في \" أن \" بعد حذف حرف الجر ، وفي ذلك الحرف المحذوف ثلاثة أوجه : \rأحدها : \" إلى \" أي : أدنى إلى ألا تعولوا.\rوالثاني : \" اللام \" والتقدير : أدنى لئلا تعولوا.\rوالثالث : وقدّره الزمخشريُّ من ألا تميلوا ؛ لأن أفعل التفضيل يجري مجرى فعله ، فما تعدى به فعله [ تعدى ] هو به ، وأدنى من \" دنا \" و\" دنا \" يتعدى بـ \" إلى \" و\" اللام \" ، و\" من \" تقول : دنوت إليه ، وله ، ومنه.\rوقرأ الجمهور : \" تعولوا \" من عال يعول إذا مال وجار ، والمصدر العول والعيالة ، وعال الحاكم أي : جار.\r","part":19,"page":498},{"id":8418,"text":"حكي أن أعرابياً حكم عليه حاكم فقال له : أتعول عليَّ.\rوقال أبو طالب في النبي عليه السلام [ الطويل ]\r............................... لَهُ حَاكِمٌ مِنْ نَفْسِهِ غَيْرُ عَائِلِ\rوروي عن عائشة - رضي الله عنها - مرفوعاً عن النبي صلى الله عليه وسلم في قوله : { ذلك أدنى أَلاَّ تَعُولُواْ } [ النساء : 3 ] قال : \" لاَ تَجُورُوا \".\rوفي رواية أخرى \" ألا تميلوا \".\rقال الواحدي رحمه الله : \" كلا اللفظين مرويّ ؛ وعال الرجل عيالَهُ يَعُولهم إذا مانَهُمْ من المؤونة ومنه أبْدَأ بِنَفْسِكَ ثُمَّ بمَنْ تَعُول \".\rوحكى ابن العربي : عال الرجل يعول : كثر عياله ، وَعَالَ يِعِيلُ افتقر وصار له عائلة ، والحاصل أن \" عال \" يكون لازماً ومتعدياً ، فاللازم يكون بمعنى : مال وجار ، والمتعدي ومنه \" عال الميزان \".\rقال أبو طالب : [ الطويل ]\rبِمِيزانِ قِسْطٍ لا يَغِلُّ شَعِيرَةً... وَوَزَّان صِدْقٍ وَزْنُهُ غَيْرُ عَائِلِ\rوعالت الفريضة إذا زارت سهامها ، ومعنى كثر عياله ، وبمعنى تفاقم الأمر ، والمضارع من هذا كله يَعُولُ ، وعال الرجل افتقر ، وعالَ في الأرض : ذهب فيها ، والمضارع من هذين يَعِيل ، والمتعدي يكون بمعنى أثقل ، وبمعنى مانَ من المؤونة ، وبمعنى غَلَبَ ومنه \" عيل صبري \" ، ومضارع هذا كله يَعُول ، وبمعنى أعجز ، تقول : أعجزني الأمرُ ، ومضارع هذا يَعيل ، والمصدر \" عَيْل \" و\" مَعِيل \" ، فقد تلخص من هذا أن \" عال \" اللازم يكون تارة من ذوات الواو ، وتارة من ذوات الياء ، باختلاف المعنى ، وكذلك عال المتعدي أيضاً. ومنه : [ الطويل ]\rوَوَزَّانُ صِدْقٍ وَزْنُهُ غَيْرُ عَائِلِ... وفسَّر الشافعي رحمه الله { تَعُولُواْ } بمعنى يكثر عيالُكُم.\rوردَّ هذا القول جماعة كأبي بكر بن داود الرازي والزجاج وصاحب النظم.\r","part":19,"page":499},{"id":8419,"text":"قال الرازي : \" هذا غلط من جهة المعنى واللفظ ، أما المعنى فللإباحة السراري صح أنه مظنة كثرة العيال كالتزويج ، وأما اللفظ ؛ فلأن مادة عال بمعنى كثر عياله من ذوات الياء ؛ لأنه من العَيْلَةِ ، وأما عال بمعنى \" جار \" فمن ذوات الواو ، واختلفت المادتان ، وأيضاً فقد خالف المفسرين \".\rوقال صاحبُ النظم : قال أولاً \" ألاَّ تعدلوا \" فوجب أن يكون ضده الجور.\rوأجيب عن الأول وهو أنَّ التَّسري أيضاً يكثر معه العيال ، مع أنه مباح ممنوع ؛ لأن الأمة ليست كالزوجة ؛ لأنه يعزل عنها بغير إذنها ، ويؤجرها ويأخذ أجرتها ينفقها عليه وعلى أولاده وعليها.\rقال الزمخشري : \" وجههُ أن يُجْعَلَ من قولك : عَالَ الرجلُ عياله يعولهم كقولك : مانَهم يُمُونهم أي : أنْفَقَ عليهم ؛ لأن من كثر عياله لَزِمَهُ أن يَعُولهم ، وفي ذلك ما يصعب عليه المحافظة من كسب الحلال والأخذ من طيب الرزق \" ثم أثنى على الشافعي ثناءً جميلاً ، وقال : ولكن للعلماء طُرق وأساليبُ ، فسلك في تفسير هذه الآية مسلك الكنايات ، انتهى.\rوأما قولُهم : \" خالف المفسرين \" فليس بصحيح ، بل قاله زيد بن أسلم وابن زيد.\rوأما قولهم : \" اختلفت المادتان \" فليس بصحيح أيضاً ؛ لأنه قد تقدَّم حكايةُ ابن الأعرابي عن العرب : عال الرجل يعول كثر عياله ، وحكاها الْكِسَائِيُّ أيضاً قال : يقالُ : عالَ الرَّجل يَعُولُ ، وأعال يعيل كثر عياله.\rقال أبو حاتم : كان الشَّافِعِيُّ أعْلَمَ بلسانِ العرب مشنَّا ، ولعلّه لغة ، ويقال : هي لغة \" حمير \" ونقلها أيضاً الدَّوْرِيُّ المقرِئُ لغةً عِنْ حِمْيَرَ وأنشد [ الوافر ] :\rوَإنَّ الْموتَ يأخُذُ كُلَّ حَيٍّ... بِلاَ شَكٍّ وَإنْ أمْشِي وَعَالا\rأمشى : كثرت ماشيته ، وعَالَ كَثُرَ عياله ، ولا حجَّةَ في هذا ؛ لاحتمال أن يكون \" عال \" من ذَوَاتِ الياء ، وهم لا يُنْكِرُونَ أنَّ \" عال \" يكون بمعنى كثر عياله ، ورُوِيَ عنه أيضاً أنَّهُ فَسَّرَ تعولوا بمعنى تفتقروا ، ولا يُريدُ به أنَّ \" تعولوا \" وتعيلوا بمعنى ، بل قصد الكِنَايَة أيضاً ؛ لأن كثرةَ العيالِ سَبَبٌ للفقر.\rوقرأ طلحة : \" تَعيلوا \" بفتح تاء المضارعة من عال يعيل افتقر قال : [ الوافر ]\rفَمَا يَدْرِي الفَقِيرُ مَتى غِنَاهُ... وَمَا يَدْرِي الْغَنِيُّ مَتَى يَعِيلُ\rوقرأ طاوس : \" تُعيلوا \" بضمها من أعَالَ : كثر عياله ، وهي تُعَضَّدُ تفسير الشَّافعيِّ المتقدِّم من حيث المعنى.\rوقال الرَّاغبُ : عَالَهُ ، وَغَالَهُ يتقاربان ، لكن الغَوْلَ : فيما يُهلك والعَوْل فيما يُثْقِلُ. أ هـ {تفسير ابن عادل حـ 6 صـ 156 ـ 170}. بتصرف يسير.","part":19,"page":500},{"id":8420,"text":"بحث قيم\r\"تعدد الزّوجات ضرورة اجتماعية\"\rقال فى الأمثل:\rلقد أجازت الآية الحاضرة تعدد الزوجات (ولكن بشرائط ثقيلة وفي حدود معينة) وقد أثارت هذه الإِباحة جماعة ، فانطلقوا يوجهون إِليها الاعتراضات والإِشكالات ، وتعرض هذا القانون الإِسلامي لهجمة كبيرة من المعارضين الذين تسرعوا في إصدار الحكم عن هذا القانون الإِسلامي متأثرين بالأحاسيس ، ودون أن يتناولوه بالدرس والتمحيص ، والتأمل والتحقيق. وكان الغربيون أكثر هذه الجماعة معارضة لهذا القانون وهجوماً عليه ، متسائلين كيف يجوز للإِسلام أن يسمح للرجال أن يقيموا لأنفسهم حريماً ويتخذوا زوجات متعددة على نحو ما كان شائعاً في الجاهلية؟\rكلاّ ، إِنّ الإِسلام لم يسمح لأحد بأن يقيم حريماً بالمعنى الذي تصورتم ، ولا أنّه أباح تعدد الزوجات دون قيد أو شرط ، ودون حدّ أو قانون.\rولتوضيح هذه الحقائق نقول: إِن دراسة البيئات المختلفة قبل الإِسلام تكشف لنا أنّ تعدد الزوجات دونما عدد معين كان أمراً عادياً وشائعاً ، لدرجة أنّ بعض الوثنيين أسلموا وتحت الرجل منهم عشر زوجات أو أقل ، من هنا لم تكن مسألة تعدد الزّوجات ممّا أبدعه الإِسلام ، نعم إنّ ما فعله الإِسلام هو وضع هذا الأمر في إطار الحاجة والضرورة الحيوية الإِنسانية ، وتقييده بطائفة من القيود والشروط الثقيلة.\rإنّ قوانين الإِسلام وتشريعاته تدور على محور الحاجات الإِنسانية ، وتقوم على أساس مراعاة الضرورات الحيوية في دنيا البشر ، لا الدعاية الظاهرة ولا المشاعر الموجهة توجيهاً غير صحيح ، ومسألة تعدد الزوجات من هذا القبيل أيضاً ، فقد لوحظت هي الأخرى من هذه الزاوية ، لأنّه لا أحد يمكنه أن ينكر أنّ الرجال أكثر تعرضاً من النساء لخطر الفناء والموت بسبب كثرة ما يحيط بهم من الحوادث ، المختلفة.","part":19,"page":501},{"id":8421,"text":"فالرجال يشكلون القسم الأكبر من ضحايا الحروب ، والمعارك.\rكما أنّه لا يمكن إِنكار أنّ أعمار الرجال من الناحية الجنسية أطول من أعمار النساء في هذا المجال ، فالنساء يفقدون القدرة الجنسية (والقدرة على الإِنجاب) في سن معين من العمر قريب ، في حين يبقى الرجال متحفظين بهذه الطاقة والقدرة مدّة أطول بكثير.\rكما أنّ النساء ـ في فترة العادة الشهرية وشيء من فترة الحمل ـ يعانين من موانع جنسية بصورة عملية في حين لا يعاني الرجل من أي مانع جنسي من هذا النوع.\rهذا كلّه مضافاً إِلى أن هناك نساء يفقدون أزواجهنّ لبعض الأسباب ، فلا\rيتيسر لهن أن يجلبن اهتمام نظر الرجال إِلى أنفسهن كزوجة أُولى ، فإِذا لم يسمح بتعدد الزوجات ، وجب أن تبقى تلك النسوة بلا أزواج ، كما نقرأ ذلك في الصحف المختلفة حيث يشكو هذا النوع من النساء الأرامل من صعوبات الحياة ومشكلات العيش بسبب تحديد مسألة تعدد الأزواج أو إِلغائها بالمرّة ، وحيث يعتبرن المنع من التعدد نوعاً من القوانين الظالمة الجائرة والمعادية لهنّ.\rبالنظر إِلى هذه الحقائق ، وعندما يضطرب التوازن بين عدد النساء والرجال نجد أنفسنا مضطرين لأن نختار أحد طرق ثلاث هي:\r1 ـ أنْ يقنع كل رجل بزوجة واحدة فقط في جميع الحالات والموارد ، ويبقى العدد الإِضافي من النساء بلا أزواج إِلى اخر أعمارهن ، ويكبتن حاجاتهنّ الفطرية ويقمعن غرائزهنّ الباطنية الملتهبة.\r2 ـ أن يتزوج الرجل بامرأة واحدة بصورة مشروعة ثمّ يترك حرّاً لإِقامة علاقات جنسية مع من شاء وأراد من النساء اللائي فقدن ازواجهن لسبب وآخر على غرار اتّخاذ الأخدان والعشيقات.","part":19,"page":502},{"id":8422,"text":"3 ـ أنْ يسمح لمن يقدر أن يتزوج بأكثر من واحدة ولا يقع في أية مشكلة من الناحية \"الجسمية\" و\"المالية\" و\"الخلقية\" من جراء هذا الأمر ، كما ويمكنه أن يقيم علاقات عادلة بين الزوجات المتعددة وأولادهن ، أن يسمح لهم بأن يتزوجوا بأكثر من واحدة (على أن لا يتجاوز عدد الأزواج أربعاً) ، وهذه هي ثلاث خيارات وطرق لا رابع لها.\rوإِذا أردنا اختيار الطريق الأوّل يلزم أن نعادي الفطرة والغريزة البشرية ، ونحارب جميع الحاجات الروحية والجسمية لدى البشر ، ونتجاهل مشاعر هذه الطّائفة من هذه النّسوة ، هذه الحرب والمعركة التي لن يكون فيها أي انتصار ، وحتى لو نجح هذا الطرح وكتب له التوفيق ، فإِن ما فيها من الجوانب اللا إِنسانية أظهر من أن تخفى على أحد.\rوبعبارة أُخرى أن تعدد الزوجات في الموارد الضرورية يجب أن لا ينظر إليه أو يدرس من منظار الزوجة الأُولى ، بل يجب أن يدرس من منظار الزوجة الثانية أيضاً.\rإِنّ الذين يعالجون هذه المسألة وينظرون إِلى خصوص مشاكل الزوجة الأُولى في صورة تعدد الزوجات هم أشبه بمن يطالع مسألة ذات زوايا ثلاث من زاوية واحدة ، لأن مسألة تعدد الزوجات ذات ثلاث زوايا ، فهي يجب أن تطالع من ناحية الرجل ، ومن ناحية الزوجة الأُولى ، ومن ناحية الزوجة الثانية أيضاً ، ويجب أن يكون الحكم بعد ملاحظة كل هذه الزوايا في المسألة ، ويتمّ على أساس مراعاة مصلحة المجموع في هذا الصعيد.","part":19,"page":503},{"id":8423,"text":"وإذا اخترنا الطريق الثاني وجب أن نعترف بالفحشاء والبغاء بصورة قانونية ، هذا مضافاً إِلى أن النساء العشيقات اللائي يجعلن أنفسهنّ في متناول هؤلاء الرجال لإِرواء حاجتهم الجنسية يفتقدن كل ضمانة وكل مستقبل ، ويعني ذلك يسحق شخصيتهنّ سحقاً كام ـ في الحقيقة ـ إِذ يصبحن حينئذ مجرد متاع يقتنى عند الحاجة ويترك عند ارتفاعها دون التزام ومسؤولية ، ولا شك أن هذه الأُمور ممّا لا يسمح به أي عاقل مطلقاً.\rوعلى هذا الأساس لا يبقى إِلاّ الطريق الثالث ، وهو الطريق الذي يلبي الحاجات الفطرية والغريزية للنساء ، كما أنه يجنب هذه الطائفة من النساء ويحفظهنّ من عواقب الفحشاء والإِنزلاق إِلى الفساد ، وبالتالي ينقذ المجتمع من مستنقع الآثام والذنوب.\rعلى أن من الواجب أن نلتفت إِلى أنّ السماح بتعدد الزوجات مع أنّه ضرورة اجتماعية في بعض الموارد ومع أنّه من أحكام الإِسلام القطعية ، إِلاّ أن توفير شرائطه يختلف اختلافاً كبيراً عن الأزمنة الماضية ، لأن الحياة كانت في العصور\rالسابقة ذات نمط بسيط ومواصفات سهلة ، ولهذا كانت رعاية المساواة والعدالة بين الزوجات المتعددات أمراً ممكناً وميسراً لأكثر الناس ، في حين يجب على الذين يريدون الأخذ بهذا القانون الإِسلامي في هذا العصر أن يراعوا مسألة العدالة من جميع الجوانب ، وأن يقدموا على هذا الأمر إذا كانوا قادرين على الوفاء بجميع شروطه.\rوبالجملة يجب أن لا يقدم أحد على هذا العمل بدافع الهوى والهوس.\rهذا والملفت للنظر هنا هو أن الذين يعارضون مبدأ تعدد الزوجات (كالغربيين) قد واجهوا طوال تاريخهم ظروفاً ألجأتهم إِلى هذا المبدأ بصورة واضحة.","part":19,"page":504},{"id":8424,"text":"ففي الحرب العالمية الثانية برزت حاجة شديدة في البلاد التي تعرضت لويلات الحرب هذه وبالأخص ألمانيا ، إِلى هذا الموضوع مما دفع بطائفة من المفكرين في سياق البحث عن حلّ لهذه المشكلة إِلى إعادة النظر في مسألة المنع عن تعدد الزوجات ، إِلى درجة أنّهم طلبوا من الجامع \"الأزهر\" بالقاهرة البرنامج الإِسلامي حول تعدد الزوجات للدراسة ، ولكنهم اضطروا ـ وتحت ضغوط شديدة من جانب الكنائس ـ إِلى التوقف عن المضي في دراسة هذا البرنامج ، وكانت النّتيجة هو تفشي الفحشاء والفساد الجنسي الشديدين في جميع البلاد التي تعرضت للحرب وويلاتها.\rهذا بغض النظر عن أنّه لا يمكن إِنكار ما يحس به طائفة من الرجال من الميل إِلى اتّخاذ زوجات متعددة ، فإِن كان هذا الميل والرغبة ناشئين من الهوى والهوس لم يكن جديراً بالنظر ، أمّا إِذا كانا ناشئين عن عقم الزوجة عن إِنجاب الأولاد من جانب ، ورغبة الرجل الشديدة في الحصول على أبناء له ـ كما هو الحال في كثير من الموارد ـ من جانب آخر ، فهو ميل ورغبة منطقيان وجديران\rبالاهتمام والرعاية.\rكما أنّه لو كانت الرغبة في تعدد الزوجات ناشئة من الميل الجنسي الشديد لدى الرجل وعدم قدرة الزوجة الأُولى على تلبية هذا الميل كما ينبغي ، ولهذا يرى الرجل نفسه مضطراً إِلى اتخاذ زوجة ثانية حتى لا يقدم على إشباع هذه الحاجة من طريق غير مشروع لإِمكان إِشباعه من طريق مشروع ، وفي هذه الصورة أيضاً لا يمكن إِنكار منطقية هذا الميل لدى الرجل ، ولهذا تكون إقامة العلاقات مع النساء المتعددات أمراً رائجاً عملياً حتى في البلاد التي تحظر تعدد الزوجات ، فيعقد الرجل الواحد علاقات غير مشروعة مع نساء عديدات.","part":19,"page":505},{"id":8425,"text":"إِن المؤرخ الفرنسي المعروف \"غوستاف لوبون\" يعتبر قانون تعدد الزوجات الذي يقرّه الإِسلام ضمن حدود وشروط خاصّة ـ من مزايا هذا الدين ، ويكتب عند المقارنة بينه وبين طريقة العلاقات الجنسية الحرّة غير المشروعة الرائجة في الغرب قائلا: \"وفي الغرب حيث الجو والطبيعة لا يساعدان على تعدد الزوجات ، وبرغم أنّ القوانين الغربية تمنع التعدد ، ولكن الغربيين قلما تقيدوا بهذه القوانين وخرقوها بعلاقاتهم السرّية الآثمة.\rولا أرى سبباً لجعل مبدأ تعدد الزوجات الشرعي عند الشرقيين أدنى مرتبة من مبدأ تعدد الزوجات السري عند الأوروبيين ، بل أرى ما يجعله أسنى منه\".\rطبعاً لا يمكننا إنكار أنّ هناك بعض أدعياء الإِسلام ممن يستخدمون هذا القانون الإِسلامي من دون مراعاة الروح الإِسلامية فيه فيتخذون حريماً كلّه فساد وفجور ويتعدون على حقوق أزواجهم ، بيد أنّ هذا ليس هو عيب في هذا القانون الإِسلامي ولا يجوز اعتبار أعمالهم القبيحة وأفعالهم الرخيصة هذه من الإِسلام ، فهي ليست من أحكام الإِسلام في شيء. ترى أي حكم أو قانون جيد ثمّ إنّ هاهنا من يسأل أنّه قد تتوفر الشرائط والكيفيات المذكورة أعلاه بالنسبة إِلى امرأة أو نساء ، فهل يجوز أن نسمح لها أن تختار لنفسها زوجين كما نسمح للرجال ذلك؟\rالجواب\rإنّ الجواب على هذا السؤال ليس صعباً كما يمكن أن يتصور ، وذلك:\rأوّلا:\rإِنّ الرغبة الجنسية لدى الرجال (على خلاف ما هو شائع بين السواد من الناس) أقوى وأشدّ بأضعاف من النساء ، وأن المرض النفسي الذي تصرّح به أكثر الكتب النفسية والطبية هو \"البرود الجنسي\" لدى المرأة في حين أن الأمر في الرجال هو العكس ، ولا يقتصر هذا الأمر على البشر ، ففي عالم الحيوانات كذلك نجد ذكورها أسبق إِلى إِظهار الميول الجنسية من إِناثها.\rثانياً:","part":19,"page":506},{"id":8426,"text":"إِنّ تعدد الزوجات للرجال لا ينطوي على أية مشاكل اجتماعية وحقوقية ، في حين أنّ السماح بتعدد الأزواج للنساء (أي لو أنّنا سمحنا لامرأة أن تتزوج برجلين) يسبب مشاكل كثيرة أبسطها هو ضياع النسب ، إِذ لا يعرف في هذه الصورة إِلى من ينتسب الولد ، ولا شك أن مثل هذا الولد المجهول الأب لن يحظى باهتمام أي واحد من الرجال ، بل ويعتقد بعض العلماء أن الولد المجهول الأب قلّما يحظى حتى بحبّ الأُمّ واهتمامها به ، وبهذه الصورة يصاب الولد الناشىء من مثل المرأة ذات الزوجين بحرمان مطلق من الناحية العاطفية ، كما أنّه يكون ـ بطبيعة الحال ـ مجهول الحال من الناحية الحقوقية أيضاً.\rولعلّه لا يحتاج إِلى التذكير بأن التوسل بوسائل منع الحمل للحيلولة دون انعقاد النطفة ، وحصول ولد لا يورث الاطمئنان مطلقاً ، ولا يكون دلي قاطعاً\rعلى عدم حمل الزوجة بولد ، لأن ثمّة كثيراً من النساء يستخدمن هذه الوسائل ، أو يخطئن في استخدامها فيلدن وينجبن أولاداً ، ولهذا لا يمكن لأية امرأة أن تسمح لنفسها بأن تتزوج بأكثر من رجل اعتماداً على هذه الوسائل.\rلهذه الأسباب لا يمكن أن يكون السماح للمرأة بتعدد الأزواج أمراً منطقياً ، في حين أنّه بالنسبة للرجال ـ ضمن الشروط المذكورة سابقاً ـ أمر منطقي ، وعملي أيضاً. أ هـ {الأمثل حـ 3 صـ 92 ـ 99}","part":19,"page":507},{"id":8427,"text":"بحث نفيس لابن القيم\rقال عليه الرحمة :\rإباحة التعدد للرجل دون المرأة توافق القياس\rوأما قوله: \"وأنه أباح للرجل أن يتزوج بأربع زوجات ولم يبح للمرأة أن تتزوج بأكثر من زوج واحد\" فذلك من كمال حكمة الرب تعالى وإحسانه ورحمته بخلقه ورعايه مصالحهم ويتعالى سبحانه عن خلاف ذلك وينزه شرعه أن يأتي بغير هذا ولو أبيح للمرأة أن تكون عند زوجين فأكثر لفسد العالم وضاعت الأنساب وقتل الأزواج بعضهم بعضا وعظمت البلية واشتدت الفتنة وقامت سوق الحرب على ساق وكيف يستقيم حال امرأة فيها شركاء متشاكسون وكيف يستقيم حال الشركاء فيها فمجيء الشريعة بما جاءت به من خلاف هذا من أعظم الأدلة على حكمة الشارع ورحمته وعنايته بخلقه.\rفإن قيل: فكيف روعي جانب الرجل وأطلق له أن يسيم طرفه ويقضي وطره وينتقل من واحدة إلى واحدة بحسب شهوته وحاجته وداعي المرأة داعيه وشهوتها شهوته.","part":19,"page":508},{"id":8428,"text":"قيل: لما كانت المرأة من عادتها أن تكون مخبأة من وراء الخدور ومحجوبة في كن بيتها وكان مزاجها أبرد من مزاج الرجل وحركتها الظاهرة والباطنة أقل من حركته وكان الرجل قد أعطي من القوة والحرارة التي هي سلطان الشهوة أكثر مما أعطيته المرأة وبلي بما لم تبل به أطلق له من عدد المنكوحات ما لم يطلق للمرأة وهذا مما خص الله به الرجال وفضلهم به على النساء كما فضلهم عليهن بالرسالة والنبوة والخلافة والملك والإمارة وولاية الحكم والجهاد وغير ذلك وجعل الرجال قوامين على النساء ساعين في مصالحهن يدأبون في أسباب معيشتهن ويركبون الأخطار ويجوبون القفار ويعرضون أنفسهم لكل بلية ومحنة في مصالح الزوجات والرب تعالى شكور حليم فشكر لهم ذلك وجبرهم بأن مكنهم مما لم يمكن منه الزوجات وأنت إذا قايست بين تعب الرجال وشقائهم وكدهم ونصبهم في مصالح النساء وبين ما ابتلي به النساء من الغيرة وجدت حظ الرجال أن تحمل ذلك التعب والنصب والدأب أكثر من حظ النساء من تحمل الغيرة فهذا من كمال عدل الله وحكمته ورحمته فله الحمد كما هو أهله.","part":19,"page":509},{"id":8429,"text":"وأما قول القائل: \"إن شهوة المرأة تزيد على شهوة الرجل\" فليس كما قال والشهوة منبعها الحرارة وأين حرارة الأنثى من حرارة الذكر ولكن المرأة لفراغها وبطالتها وعدم معاناتها لما يشغلها عن أمر شهوتها وقضاء وطرها يغمرها سلطان الشهوة ويستولي عليها ولا يجد عندها ما يعارضه بل يصادف قلبا فارغا ونفسا خالية فيتمكن منها كل التمكن فيظن الظان أن شهوتها أضعاف شهوة الرجل وليس كذلك ومما يدل على هذا أن الرجل إذا جامع امرأته أمكنه أن يجامع غيرها في الحال وكان النبي صلى الله عليه وسلم يطوف على نسائه في الليلة الواحدة وطاف سليمان على تسعين امرأة في ليلة ومعلوم أن له عند كل امرأة شهوة وحرارة باعثة على الوطء والمرأة إذا قضى الرجل وطره فترت شهوتها وانكسرت نفسها ولم تطلب قضاءها من غيره في ذلك الحين فتطابقت حكمة القدر والشرع والخلق والأمر ولله الحمد. أ هـ {إعلام الموقعين حـ 2 صـ 104 ـ 105}","part":19,"page":510},{"id":8430,"text":"فائدة\rقال الشيخ الشنقيطى :\rقوله تعالى : {فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً} الآية.\rهذه الآية الكريمة تدل على أن العدل بين الزوجات ممكن وقد جاء في آية أخرى ما يدل على أنه غير ممكن وهي قوله تعالى : {وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّسَاءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ} الآية.\rوالجواب عن هذا :\rأن العدل بينهن الذي ذكر الله أنه ممكن هو العدل في توفية الحقوق الشرعية ، والعدل الذي ذكر أنه غير ممكن هو المساواة في المحبة والميل الطبيعي لأن هذا انفعال لا فعل فليس تحت قدرة البشر ، والمقصود من كان أميل بالطبع إلى إحدى الزوجات فليتق الله وليعدل في الحقوق الشرعية كما يدل عليه قوله : {فَلا تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيْلِ} الآية.\rوهذا الجمع روي معناه عن ابن عباس وعبيدة السلماني ومجاهد والحسن البصري والضحاك ابن مزاحم نقله عنهم ابن كثير في تفسير قوله : {وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّسَاءِ}الآية.\rوروى ابن أبي حاتم عن ابن أبي مليكة أن آية : {وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّسَاءِ} نزلت في عائشة لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يميل إليها بالطبع أكثر من غيرها.\rوروى الإمام أحمد وأهل السنن عن عائشة قالت كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقسم بين نسائه فيعدل ثم يقول : اللهم هذا قسمي فيما أملك فلا تملني فيما تملك ولا أملك ، يعني القلب ، انتهى من ابن كثير. أ هـ {دفع إيهام الاضطراب صـ 71 ـ 72}\rمن لطائف الإمام القشيرى فى الآية\rقال عليه الرحمة :\r{ قوله جلّ ذكره : { وَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تُقْسِطُوا فِى اليَتَامَى فَانكِحُوا مَا طَابَ لَكُم مِّنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلاَثَ وَرُبَاعَ فَإِنْ خِفْتُم أَلاَّ تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةٌ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَنُكُمْ ذَلِكَ أَدْنَى أَلاَّ تَعُولُوا}.\rأباح الله للرجال الأحرار التزوج بأربع في حالة واحدة ، وأوجب العدل بينهن ، فيجب على العبد أن يراعي الواجبَ فإنْ عَلِمَ أنه يقوم بحق هذا الواجب آثر هذا المُباح ، وإنْ عَلِم أنه يقصُر في الواجب فلا يتعرَّض لهذا المباح ، فإنَّ الواجبَ مسؤولٌ عنه. أ هـ {لطائف الإشارات حـ 1 صـ 313}.\rتم الجزء التاسع عشر من كتاب {جامع لطائف التفسير} ولله الحمد والمنة\rويليه إن شاء الله تعالى الجزء العشرون وأوله قوله تعالى\r{ وَآَتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَرِيئًا (4) }","part":19,"page":511},{"id":8431,"text":"بسم الله الرحمن الرحيم\rاسم الكتاب / جامع لطائف التفسير\rالعاجز الفقير\rعبد الرحمن بن محمد القماش\rإمام وخطيب بدولة الإمارات العربية\rعفا الله عنه وغفر له\rالجزء العشرون\rحقوق النسخ والطبع والنشر مسموح بها لكل مسلم\r{يا قوم لا أسألكم عليه أجرا}","part":20,"page":3},{"id":8432,"text":"الجزء العشرون\rمن الآية { 4 } من سورة النساء\rوحتى الآية { 14} من سورة النساء","part":20,"page":4},{"id":8433,"text":"قوله تعالى { وَآَتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَرِيئًا (4)}\rمناسبة الآية لما قبلها\rقال البقاعى :\rولما حذروا من القول الذي من مدلوله المحاجة عن كثرة النساء ؛ كان ربما تعلق به من يبخل عن بعض الحقوق ، لا سيما ما يستكثره من الصداق ، فأتبعه ما ينفي ذلك ، فقال - مخاطباً للأزواج ، لأن السياق لهم ، معبراً بما يصلح للدفع والالتزام المهيىء له : {وآتوا النساء} أي عامة من اليتامى وغيرهن {صدقاتهن} ، وقوله مؤكداً للإيتاء بمصدر من معناه : {نحلة} مؤيد لذلك ، لأن معناها : عطية عن طيب نفس ؛ قال الإمام أبو عبد الله القزاز في ديوانه : وأصله - أي النحل : إعطاء الشيء لا يراد به عوض وكذا إن قلنا : معنى النحلة الديانة والملة والشرعة والمذهب ، أي آتوهن ذلك ديانة.\rولما وقع الأمر بذلك كان ربما أبى المتخلق بالإسلام قبول ما تسمح به المرأة منه بإبراء أو رد على سبيل الهبة - لظنه أن ذلك لا يجوز أو غير ذلك فقال : {فإن طبن لكم} أي متجاوزات {عن شيء} ووحّد الضمير ليرجع إلى الصداق المفهوم من الصدقات ، ولم يقل : منها ، لئلا يظن أن الموهوب لا يجوز إلا إن كان صداقاً كاملاً فقال : {منه} أي الصداق {نفساً} أي عن شهوة صادقة من غير إكراه ولا خديعة {فكلوه} أي تصرفوا فيه بكل تصرف يخصكم {هنيئاً} أي سائغاً صالحاً لذيذاً في عافية بلا مشقة ولا مضرة {مريئاً} أي جيد المغبة بهجا ساراً ، لا تنغيص فيه ، وربما كان التبعيض ندباً إلى التعفف عن قبول الكل ، لأنه في الغالب لا يكون إلا عن خداع أو ضجر فربما أعقب الندم ، وهذا الكلام يدل أيضاً على تخصيص الأحرار دون العبيد ، لأنهم لا يملكون ماجعلته النساء لهم ليأكلوه هنيئاً.","part":20,"page":5},{"id":8434,"text":"قال الأصبهاني : فإن وهبت له ثم طلبت منه بعد الهبة علم أنها لم تطب نفسها ، وعن الشعبي أن رجلاً أتى مع امرأته شريحاً في عطية أعطتها إياه وهي تطلب أن ترجع ، فقال شريح : رد عليها ، فقال الرجل : أليس قد قال الله تعالى : {فإن طبن لكم} [ النساء : 4 ] قال : لو طابت نفسها لما رجعت فيه ؛ وعنه قال : أقيلها فيما وهبت ولا أقيله ، لأنهن يخدعن. أ هـ {نظم الدرر حـ 2 صـ 214 ـ 215}\rفصل\rقال الفخر :\rقوله : {وَءاتُواْ النساء} خطاب لمن ؟ فيه قولان :\rأحدهما : إن هذا خطاب لأولياء النساء ، وذلك لأن العرب كانت في الجاهلية لا تعطي النساء من مهورهن شيئا ، ولذلك كانوا يقولون لمن ولدت له بنت : هنيئا لك النافجة ، ومعناه أنك تأخذ مهرها إبلاً فتضمها إلى إبلك فتنفج مالك أي تعظمه ، وقال ابن الأعرابي : النافجة يأخذه الرجل من الحلوان إذا زوج ابنته ، فنهى الله تعالى عن ذلك ، وأمر بدفع الحق إلى أهله ، وهذا قول الكلبي وأبي صالح واختيار الفراء وابن قتيبة.\rالقول الثاني : أن الخطاب للأزواج.\rأمروا بإيتاء النساء مهورهن ، وهذا قول : علقمة والنخعي وقتادة واختيار الزجاج ، قال لأنه لا ذكر للأولياء ههنا ، وما قبل هذا خطاب للناكحين وهم الأزواج. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 9 صـ 146}\rقال الطبرى :","part":20,"page":6},{"id":8435,"text":"وأولى التأويلات التي ذكرناها في ذلك ، التأويل الذي قلناه. وذلك أن الله تبارك وتعالى ابتدأ ذكر هذه الآية بخطاب الناكحين النساءَ ، ونهاهم عن ظلمهنّ والجور عليهن ، وعرّفهم سبيلَ النجاة من ظلمهنّ. ولا دلالة في الآية على أن الخطاب قد صُرِف عنهم إلى غيرهم. فإذْ كان ذلك كذلك ، فمعلوم أن الذين قيل لهم : \"فانكحوا ما طاب لكم من النساء مثنى وثلاث ورباع\" ، هم الذين قيل لهم : \"وآتوا النساء صدقاتهن\" وأن معناه : وآتوا من نكحتم من النساء صدقاتهن نحلة ، لأنه قال في أوّل [الآية] : \"فانكحوا ما طاب لكم من النساء\" ، ولم يقل : \"فأنكحوا\" ، فيكون قوله : \"وآتوا النساء صدقاتهن\" ، مصروفًا إلى أنه معنيّ به أولياء النساء دون أزواجهن.\rوهذا أمرٌ من الله أزواجَ النساء المدخول بهن والمسمَّى لهن الصداق ، أن يؤتوهن صدُقاتهن ، دون المطلقات قبل الدخول ممن لم يسمّ لها في عقد النكاح صداق. أ هـ {تفسير الطبرى حـ 7 صـ 554}\rفائدة\rقال ابن عاشور :\rجانبان مُسْتَضْعَفَان في الجاهلية : اليتيم ، والمرأة.\rوحقّان مغبون فيهما أصحابهما : مال الأيتام ، ومال النساء ، فلذلك حرسهما القرآن أشدّ الحراسة فابتدأ بالوصاية بحق مال اليتيم ، وثنّى بالوصاية بحقّ المرأة في مال ينجرّ إليها لا محالة ، وكان توسّط حكم النكاح بين الوصايتين أحسن مناسبة تهَيّىء لعطف هذا الكلام.\rفقوله : { وآتوا النساء } عطف على قوله : { وآتوا اليتامى أموالهم } [ النساء : 2 ] والقول في معنى الإيتاء فيه سواء.\rوزاده اتّصالاً بالكلام السابق أنّ ما قبله جرى على وجوب القسط في يتامى النساء ، فكان ذلك مناسبة الانتقال. أ هـ {التحرير والتنوير حـ 4 صـ 21}","part":20,"page":7},{"id":8436,"text":"فصل\rقال الفخر :\rقال القفال رحمه الله : يحتمل أن يكون المراد من الإيتاء المناولة ، ويحتمل أن يكون المراد الالتزام ، قال تعالى : {حتى يُعْطُواْ الجزية عَن يَدٍ} [ التوبة : 29 ] والمعنى حتى يضمنوها ويلتزموها ، فعلى هذا الوجه الأول كأن المراد أنهم أمروا بدفع المهور التي قد سموها لهن ، وعلى التقدير الثاني : كان المراد أن الفروج لا تستباح إلا بعوض يلزم سواء سمي ذلك أو لم يسم ، إلا ما خص به الرسول صلى الله عليه وسلم في الموهوبة ، ثم قال رحمه الله : ويجوز أن يكون الكلام جامعا للوجهين معا ، والله أعلم. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 9 صـ 146}\rفصل\rقال الفخر :\rفي تفسير النحلة وجوه :\rالأول : قال ابن عباس وقتادة وابن جريج وابن زيد : فريضة ، وإنما فسروا النحلة بالفريضة ، لأن النحلة في اللغة معناها الديانة والملة والشرعة والمذهب ، يقال : فلان ينتحل كذا إذا كان يتدين به ، ونحلته كذا أي دينه ومذهبه ، فقوله : {آتَوْا النساء صدقاتهن نِحْلَةً} أي آتوهن مهورهن ، فإنها نحلة أي شريعة ودين ومذهب وما هو دين ومذهب فهو فريضة.","part":20,"page":8},{"id":8437,"text":"الثاني : قال الكلبي : نحلة أي عطية وهبة ، يقال : نحلت فلانا شيئاً أنحله نحلة ونحلا ، قال القفال : وأصله إضافة الشيء إلى غير من هوله ، يقال : هذا شعر منحول ، أي مضاف إلى غير قائله ، وانتحلت كذا إذا ادعيته وأضفته إلى نفسك ، وعلى هذا القول فالمهر عطية ممن ؟ فيه احتمالان : أحدهما : أنه عطية من الزوج ، وذلك لأن الزوج لا يملك بدله شيئاً لأن البضع في ملك المرأة بعد النكاح كهو قبله ، فالزوج أعطاها المهر ولم يأخذ منها عوضا يملكه ، فكان في معنى النحلة التي ليس بازائها بدل ، وإنما الذي يستحقه الزوج منها بعقد النكاح هو الاستباحة لا الملك ، وقال آخرون إن الله تعالى جعل منافع النكاح من قضاء الشهوة والتوالد مشتركا بين الزوجين ، ثم أمر الزوج بأن يؤتي الزوجة المهر فكان ذلك عطية من الله ابتداء.\rوالقول الثالث : في تفسير النحلة قال أبو عبيدة : معنى قوله {نِحْلَةً} أي عن طيب نفس ، وذلك لأن النحلة في اللغة العطية من غير أخذ عوض ، كما ينحل الرجل لولده شيئاً من ماله ، وما أعطى من غير طلب عوض لا يكون إلا عن طيب النفس ، فأمر الله باعطاء مهور النساء من غير مطالبة منهن ولا مخاصمة ، لأن ما يؤخذ بالمحاكمة لا يقال له نحلة. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 9 صـ 147}\rفصل\rقال القرطبى :\rهذه الآية تدلّ على وجوب الصداق للمرأة ، وهو مُجَمعٌ عليه ولا خلاف فيه إلا ما روي عن بعض ( أهل العلم ) من أهل العراق أن السيّد إذا زوّج عبده من أَمَته أنه لا يجب فيه صداق ؛ وليس بشيء ؛ لقوله تعالى : { وَآتُواْ النسآء صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً } فعمّ.","part":20,"page":9},{"id":8438,"text":"وقال : { فانكحوهن بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ وَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ بالمعروف } [ النساء : 25 ] وأجمع العلماء أيضاً أنه لا حَدّ لكثيره ، واختلفوا في قليله على ما يأتي بيانه في قوله : { وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَاراً } [ النساء : 20 ]. أ هـ {تفسير القرطبى حـ 5 صـ 24}\rفصل\rقال الفخر :\rقال أبو حنيفة رضي الله عنه : الخلوة الصحيحة تقرر المهر ، وقال الشافعي رضي الله عنه : لا تقرره احتج أبو حنيفة على صحة قوله بهذه الآية ، وذلك لأن هذا النص يقتضي إيجاب إيتاء المهر بالكلية مطلقا ، ترك العمل به فيما إذا لم يحصل المسيس ولا الخلوة ، فعند حصولهما وجب البقاء على مقتضى الآية.\rأجاب أصحابنا بأن هذه عامة وقوله تعالى : {وَإِن طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِن قَبْلِ أَن تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ} [ البقرة : 237 ] يدل على أنه لا يجب فيها إلا نصف المهر ، وهذه الآية خاصة ولا شك أن الخاص مقدم على العام. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 9 صـ 147}\rفائدة\rقال ابن عاشور :\rوالمقصود بالخطاب ابتداء هم الأزواج ، لكيلا يتذرّعوا بحياء النساء وضعفهنّ وطلبهنّ مرضاتَهم إلى غمص حقوقهنّ في أكل مهورهنّ ، أو يجعلوا حاجتهنّ للتزوّج لأجل إيجاد كافل لهنّ ذريعة لإسقاط المهر في النكاح ، فهذا ما يمكن في أكل مهورهنّ ، وإلاّ فلهنّ أولياء يطالبون الأزواج بتعيين المهور ، ولكن دون الوصول إلى ولاة الأمور متاعب وكلف قد يملّها صاحب الحقّ فيترك طلبه ، وخاصّة النساء ذوات الأزواج.","part":20,"page":10},{"id":8439,"text":"وإلى كون الخطاب للأزواج ذهب ابن عباس ، وقتادة ، وابن زيد ، وابن جريج ، فالآية على هذا قرّرت دفع المهور وجعلته شرعاً ، فصار المهر ركناً من أركان النكاح في الإسلام ، وقد تقرّر في عدّة آيات كقوله : { فآتوهن أجورهن فريضة وغير ذلك } [ النساء : 24 ].\rوالمهر علامة معروفة للتفرقة بين النكاح وبين المخادنة ، لكنّهم في الجاهلية كان الزوج يعطي مالاً لولي المرأة ويسمّونه حلواناً بضم الحاء ولا تأخذ المرأة شيئاً ، فأبطل الله ذلك في الإسلام بأن جعل المال للمرأة بقوله : { وآتوا النساء صداقتهن }.\rوقال جماعة : الخطاب للأولياء ، ونقل ذلك عن أبي صالح قال : لأنّ عادة بعض العرب أن يأكل وليّ المرأة مهرها فرفع الله ذلك بالإسلام.\rوعن الحضرمي : خاطبتْ الآية المتشاغرين الذين كانوا يتزوّجون امرأة بأخرى ، ولعلّ هذا أخذ بدلالة الإشارة وليس صريحَ اللفظ ، وكل ذلك ممّا يحتمله عموم النساء وعموم الصدقات.\rوالصدُقات جمع صدُقة بضمّ الدال والصدُقة : مهر المرأة ، مشتقّة من الصدق لأنّها عطية يسبقها الوعد بها فيصدقه المعطي.\rوالنِّحلة بكسر النون العطيّة بلا قصد عوض ، ويقال : نُحْل بضم فسكون.\rوانتصب نحلة على الحال من \"صدقاتهنّ\" ، وإنّما صحّ مجيء الحال مفردة وصاحبها جمع لأنّ المراد بهذا المفرد الجنس الصالح للأفراد كلّها ، ويجوز أن يكون نِحلة منصوباً على المصدرية لآتوا لبيان النوع من الإيتاء أي إعطاءَ كرامة.","part":20,"page":11},{"id":8440,"text":"وسمّيت الصدُقات نحلة إبعاداً للصدقات عن أنواع الأعواض ، وتقريباً بها إلى الهدية ، إذ ليس الصداق عوضاً عن منافع المرأة عند التحقيق ، فإنّ النكاح عقد بين الرجل والمرأة قصد منه المعاشرة ، وإيجاد آصرة عظيمة ، وتبادل حقوق بين الزوجين ، وتلك أغلى من أن يكون لها عوض مالي ، ولو جعل لكان عوضُها جزيلاً ومتجدّداً بتجدّد المنافع ، وامتداد أزمانها ، شأن الأعواض كلّها ، ولكنّ الله جعله هدية واجبة على الأزواج إكراماً لزوجاتهم ، وإنّما أوجبه الله لأنّه تقرّر أنّه الفارق بين النكاح وبين المخادنة والسفاح ، إذ كان أصل النكاح في البشر اختصاص الرجل بامرأة تكون له دون غيره ، فكان هذا الاختصاص يُنال بالقُوّة ، ثمّ اعتاض الناس عن القوّة بذْل الأثمان لأولياء النساء ببيعهم بناتهم ومَوْلَيَاتِهم ، ثمّ ارتقى التشريع وكمُل عقد النكاح ، وصارت المرأة حليلة الرجل شريكته في شؤونه وبقيت الصدُقات أمارات على ذلك الاختصاص القديم تميّز عقد النكاح عن بقية أنواع المعاشرة المذمومة شرعاً وعادة ، وكانت المعاشرة على غير وجه النكاح خالية عن بذل المال للأولياء إذ كانت تنشأ عن الحبّ أو الشهوة من الرجل للمرأة على انفراد وخفية من أهلها ، فمن ذلك الزنى الموقّت ، ومنه المخادنة ، فهي زنا مستمرّ ، وأشار إليها القرآن في قوله : { محصنات غير مسافحات ولا متخذات أخدان } [ النساء : 25 ] ودون ذلك البغاء وهو الزنا بالإماء بأجور معيّنة ، وهو الذي ذكر الله النهي عنه بقوله : { ولا تكرهوا فتياتكم على البغاء إن أردن تحصناً لتبتغوا عرض الحياة الدنيا } [ النور : 33 ] وهنالك معاشرات أخرى ، مثل الضماد وهو أن تتّخذ ذات الزوج رجلاً خليلاً لها في سنة القحط لينفق عليها مع نفقة زوجها.","part":20,"page":12},{"id":8441,"text":"فلأجل ذلك سمّى الله الصداق نِحلة ، فأبعد الذين فسّروها بلازم معناها فجعلوها كناية عن طيب نفس الأزواج أو الأولياء بإيتاء الصدقات ، والذين فسروها بأنّها عطية من الله للنساء فرضها لهنّ ، والذين فسّروها بمعنى الشرع الذي يُنتحل أي يُتَّبع. أ هـ {التحرير والتنوير حـ 4 صـ 21 ـ 23}\rفائدة\rقال القرطبى :\rوقال المُعْتَمِر بن سليمان عن أبيه : زعم حضرميّ أن المراد بالآية المتَشَاغِرون الذين كانوا يتزوّجون امرأة بأُخرى ، فأُمِروا أن يضربوا المهور.\rوالأوّل أظهر ؛ فإن الضمائر واحدة وهي بجملتها للأزواج فهم المراد ؛ لأنه قال : { وَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تُقْسِطُواْ فِي اليتامى } إلى قوله : { وَآتُواْ النسآء صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً }.\rوذلك يوجب تناسق الضمائر وأن يكون الأوّل فيها هو الآخر. أ هـ {تفسير القرطبى حـ 5 صـ 23 ـ 24}\rقوله تعالى {فَإِن طِبْنَ لَكُمْ عَن شَىْء مّنْهُ نَفْساً فَكُلُوهُ هَنِيئاً مَّرِيئاً }\rقال الفخر :\rاعلم أنه تعالى لما أمرهم بإيتائهن صدقاتهن عقبه بذكر جواز قبول إبرائها وهبتها له ، لئلا يظن أن عليه إيتاءها مهرها وإن طابت نفسها بتركه. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 9 صـ 148}\rفائدة\rقال الفخر :\rإنما وحد النفس لأن المراد به بيان موقع الفعل ، وذلك يحصل بالواحد ومثله عشرون درهما.\rقال الفراء : لو جمعت كان صوابا كقوله : {الأخسرين أعمالا} [ الكهف : 103 ]. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 9 صـ 148}\rفائدة\rقال الفخر :\rمن : في قوله : {مِنْهُ} ليس للتبعيض ، بل للتبيين والمعنى عن شيء من هذا الجنس الذي هو مهر كقوله : {فاجتنبوا الرجس مِنَ الأوثان} [ الحج : 30 ] وذلك أن المرأة لو طابت نفسها عن جميع المهر حل للزوج أن يأخذه بالكلية. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 9 صـ 148}","part":20,"page":13},{"id":8442,"text":"فصل\rقال الفخر :\rمنه : أي من الصدقات أو من ذلك وهو كقوله تعالى : {قُلْ أَؤُنَبّئُكُمْ بِخَيْرٍ مّن ذلكم} [ آل عمران : 15 ] بعد ذكر الشهوات.\rوروي أنه لما قال رؤبة :\rفيها خطوط من سواد وبلق.. كأنه في الجلد توليع البهق\rفقيل له : الضمير في قوله \"كأنه\" إن عاد إلى الخطوط كان يجب أن تقول : كأنها ، وان عاد إلى السواد والبلق كان يجب أن تقول : كأنهما ، فقال : أردت كأن ذاك ، وفيه وجه آخر وهو أن الصدقات في معنى الصداق لأنك لو قلت : وآتوا النساء صداقهن لكان المقصود حاصلا ، وفيه وجه ثالث : وهو أن الفائدة في تذكير الضمير أن يعود ذلك إلى بعض الصداق ، والغرض منه ترغيبها في أن لا تهب إلا بعض الصداق. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 9 صـ 148}\rفائدة\rقال ابن عاشور :\rوقوله : { فإن طبن لكم عن شيء منه نفساً } الآية أي فإن طابت أنفسهنّ لكم بشيء منه أي المذكور.\rوأفرد ضمير \"منه\" لتأويله بالمذكور حملاً على اسم الإشارة كما قال رؤبة :\rفيها خُطوط من سواد وبلَق...\rكأنَّه في الجِلد توليع البَهَق\rفقال له أبو عبيدة : إمّا أن تقول : كأنّها إن أردت الخطوط ، وإما أن تقول : كأنّهما إن أردت السواد والبلَق فقال : أردْتُ كأنّ ذلك ، ويْلَك أي أجرى الضمير كما يُجرى اسم الإشارة.\rوقد تقدّم عند قوله تعالى : { عوان بين ذلك } في سورة البقرة ( 68 ).\rوسيأتي الكلام على ضمير ( مثله ) عند قوله تعالى : { ومثله معه ليفتدوا به } في سورة العقود ( 36 ).\rوجيء بلفظ نفساً مفرداً مع أنّه تمييز نسبة { طبن } إلى ضمير جماعة النساء لأنّ التمييز اسم جنس نكرة يستوي فيه المفرد والجمع.","part":20,"page":14},{"id":8443,"text":"وأسند الطيب إلى ذوات النساء ابتداء ثم جيء بالتمييز للدلالة على قوّة هذا الطيب على ما هو مقرّر في علم المعاني : من الفرق بين واشتعل الرأس شيباً وبين اشتعل شيب رأسي ، ليعلم أنه طيب نفس لا يشوبه شيء من الضغط والإلجاء.\rوحقيقة فعل ( طاب ) اتّصاف الشيء بالملاءمة للنفس ، وأصله طيب الرائحة لحسن مشمومها ، وطيب الريح موافقتها للسائر في البحر : { وجرين بهم بريح طيّبة } [ يونس : 22 ] ، ومنه أيضاً ما ترضى به النفس كما تقدّم في قوله تعالى : { يا أيها الناس كلوا مما في الأرض حلالاً طيباً } [ البقرة : 168 ] ثم استعير لما يزكو بين جنسه كقوله : { ولا تتبدلوا الخبيث بالطيب } [ النساء : 2 ] ومنه فعل { طبن لكم عن شيء منه نفساً } هنا أي رضين بإعطائه دون حرج ولا عسف ، فهو استعارة.\rوقوله : { فكلوه } استعمل الأكل هنا في معنى الانتفاع الذي لا رجوع فيه لصاحب الشيء المنتفع به ، أي في معنى تمام التملّك.\rوأصل الأكل في كلامهم يستعار للاستيلاء على مال الغير استيلاء لا رجوع فيه ، لأنّ الأكل أشدّ أنواع الانتفاع حائلاً بين الشيء وبين رجوعه إلى مستحقّه.\rولكنّه أطلق هنا على الانتفاع لأجل المشاكلة مع قوله السابق : { ولا تأكلوا أموالهم إلى أموالكم } [ النساء : 2 ] فتلك محسّن الاستعارة.\rو { هنيئاً مريئاً } حالان من الضمير المنصوب وهما صفتان مشبّهتان من هنَا وهَنِيء بفتح النون وكسرها بمعنى ساغ ولم يعقب نغصاً.\rوالمريء من مُرو الطعام مثلث الراء بمعنى هنىء ، فهو تأكيد يُشبه الاتباع.\rوقيل : الهنيء الذي يلذّه الآكل والمريء ما تحمد عاقبته.","part":20,"page":15},{"id":8444,"text":"وهذان الوصفان يجوز كونهما ترشيحاً لاستعارة { كلوه } بمعنى خذوه أخذ ملك ، ويجوز كونهما مستعملين في انتفاء التبعة عن الأزواج في أخذ ما طابت لهم به نفوس أزواجهم ، أي حلالاً مباحاً ، أو حلالاً لا غرم فيه.\rوإنّما قال : { عن شيء منه } فجيء بحرف التبعيض إشارة إلى أن الشأن أنّ لا يَعرى العقد عن الصداق ، فلا تسقطه كلّه إلاّ ؛ أنّ الفقهاء لمّا تأوّلوا ظاهر الآية من التبعيض ، وجعلوا هبة جميع الصداق كهبته كلّه أخذاً بأصل العطايا ، لأنّها لمّا قبضته فقد تقرّر ملكها إيّاه ، ولم يأخذ علماء المالكية في هذا بالتهمة لأنّ مبنى النكاح على المكارمة ، وإلاّ فإنّهم قالوا في مسائل البيع : إنّ الخارج من اليد ثم الراجع إليها يعتبر كأنّه لم يخرج ، وهذا عندنا في المالكات أمر أنفسهنّ دون المحجورات تخصيصاً للآية بغيرها من أدلّة الحجر فإنّ الصغيرات غير داخلات هنا بالإجماع.\rفدخل التخصيص للآية.\rوقال جمهور الفقهاء : ذلك للثيّب والبكر ، تمسّكاً بالعموم.\rوهو ضعيف في حمل الآدلّة بعضها على بعض.\rواختلف الفقهاء في رجوع المرأة في هبتها بعضَ صداقها : فقال الجمهور : لا رجوع لها ، وقال شريح ، وعبد الملك بن مروان : لها الرجوع ، لأنّها لو طابت نفسها لما رجعت.\rورووا أنّ عمر بن الخطاب كتب إلى قضاته \"إنّ النساء يعطين رغبة ورهبة فأيّما امرأة أعطته ، ثمّ أرادت أن ترجع فذلك لها\" وهذا يظهر إذا كان ما بين العطيّة وبين الرجوع قريباً ، وحدث من معاملة الزوج بعد العطيّة خلاف ما يؤذن حسن المعاشرة السابق للعطيّة.\rوحكم هذه الآية ممّا أشار إليه قوله تعالى : { وبث منهما رجالاً كثيراً ونساء } [ النساء : 1 ].\rأ هـ {التحرير والتنوير حـ 4 صـ 23 ـ 25}","part":20,"page":16},{"id":8445,"text":"فصل\rقال الفخر :\rمعنى الآية : فإن وهبن لكم شيئا من الصداق عن طيبة النفس من غير أن يكون السبب فيه شكاسة أخلاقكم معهن ، أو سوء معاشرتكم معهن ، فكلوه وأنفقوه ، وفي الآية دليل على ضيق المسلك في هذا الباب ، ووجوب الاحتياط ، حيث بنى الشرط على طيب النفس فقال : {فَإِن طِبْنَ} ولم يقل : فإن وهبن أو سمحن ، إعلاما بأن المراعى هو تجافي نفسها عن الموهوب طيبة. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 9 صـ 148}\rفصل\rقال الفخر :\rالهنيء والمريء : صفتان من هنؤ الطعام ومرؤ ، إذا كان سائغا لا تنغيص فيه ، وقيل : الهنىء ما يستلذه الآكل ، والمريء ما يحمد عاقبته ، وقيل : ما ينساغ في مجراه ، وقيل : لمدخل الطعام من الحلقوم إلى فم المعدة : المريء لمروء الطعام فيه وهو انسياغه.\rوحكى الواحدي عن بعضهم أن أصل الهنيء من الهناء وهو معالجة الجرب بالقطران ، فالهنيء شفاء من الجرب ، قال المفسرون : المعنى أنهن إذا وهبن مهورهن من أزواجهن عن طيبة النفس لم يكن على الأزواج في ذلك تبعة لا في الدنيا ولا في الآخرة ، وبالجملة فهو عبارة عن التحليل ، والمبالغة في الإباحة وإزالة التبعة. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 9 صـ 148}\rفائدة\rقال الفخر :\rقوله : {هَنِيئاً مَّرِيئاً} وصف للمصدر ، أي أكلا هنيئا مريئا ، أو حال من الضمير أي كلوه وهو هنيء مريء ، وقد يوقف على قوله : {فَكُلُوهُ} ثم يبتدأ بقوله : {هَنِيئاً مَّرِيئاً} على الدعاء وعلى أنهما صفتان أقيمتا مقام المصدرين كأنه قيل : هنأ مرأ. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 9 صـ 148}\rفصل\rقال القرطبى :\rفإن شرطت عليه عند عقد النكاح ألاّ يتزوّج عليها ، وحطّت عنه لذلك شيئاً من صداقها ، ثم تزوّج عليها فلا شيء لها عليه في رواية ابن القاسم ؛ لأنها شرطت عليه ما لا يجوز شرطه.","part":20,"page":17},{"id":8446,"text":"كما اشترط أهل بَرِيرَةَ أن تعتقها عائشة والولاء لبائعها ، فصحّح النبيّ صلى الله عليه وسلم العقد وأبطل الشرط.\rكذلك هاهنا يصحّ إسقاط بعضِ الصداق عنه وتبطل الزيجة.\rوقال ابن عبد الحكم : إن كان بقي من صداقها مثلُ صداق مثلها أو أكثرُ لم ترجع عليه بشيء ، وإن كانت وَضعت عنه شيئاً من صداقها فتزوّج عليها رجعت عليه بتمام صداق مثلها ؛ لأنه شَرط على نفسه شرطاً وأخذ عنه عِوَضاً كان لها واجباً أخذه منه ، فوجب عليه الوفاء لقوله عليه السلام : \" المؤمنون عند شروطهم \".\rوفي الآية دليل على أن العتق لا يكون صداقاً ؛ لأنه ليس بمال ؛ إذْ لا يمكن المرأة هبته ولا الزوج أكله.\rوبه قال مالك وأبو حنيفة وزُفَر ومحمد والشافعي.\rوقال أحمد بن حنبل وإسحاق ويعقوب : يكون صداقاً ولا مهر لها غير العتق ؛ على حديث صفية رواه الأئمة : أن النبيّ صلى الله عليه وسلم أعتقَها وجعل عتقَها صداقَها.\rورُوي عن أنَس أنه فَعَله ، وهو راوي حديث صَفِيّة.\rوأجَاب الأوّلون بأن قالوا : لا حجة في حديث صَفِيّة ؛ لأن النبيّ صلى الله عليه وسلم كان مخصوصاً في النكاح بأن يتزوّج بغير صداق ، وقد أراد زينَبَ فحُرمت على زيد فدخل عليها بغير وليّ ولا صداق.\rفلا ينبغي الاستدلال بمثل هذا ؛ والله أعلم. أ هـ {تفسير القرطبى حـ 5 صـ 25 ـ 26}. بتصرف يسير.\rفصل\rقال الفخر :\rدلت هذه الآية على أمور :\rمنها : أن المهر لها ولا حق للولي فيه ، ومنها جواز هبتها المهر للزوج ، وجواز أن يأخذه الزوج ، لأن قوله : {فَكُلُوهُ هَنِيئاً مَّرِيئاً} يدل على المعنيين ، ومنها جواز هبتها المهر قبل القبض ، لأن الله تعالى لم يفرق بين الحالتين.","part":20,"page":18},{"id":8447,"text":"وههنا بحث وهو أن قوله : {فَكُلُوهُ هَنِيئاً مَّرِيئاً} يتناول ما إذ كان المهر عينا ، أما إذا كان دينا فالآية غير متناولة له ، فإنه لا يقال لما في الذمة : كله هنيئاً مريئاً.\rقلنا : المراد بقوله : {فَكُلُوهُ هَنِيئاً مَّرِيئاً} ليس نفس الأكل ، بل المراد منه حل التصرفات ، وإنما خص الأكل بالذكر لأن معظم المقصود من المال إنما هو الأكل ، ونظيره قوله تعالى : {إِنَّ الذين يَأْكُلُونَ أموال اليتامى ظُلْماً} [ النساء : 10 ] وقال : {لاَ تَأْكُلُواْ أموالكم بَيْنَكُمْ بالباطل} [ البقرة : 188 ]. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 9 صـ 149}\rفصل\rقال الفخر :\rقال بعض العلماء : إن وهبت ثم طلبت بعد الهبة علم أنها لم تطب عنه نفساً ، وعن الشعبي : أن امرأة جاءت مع زوجها شريحا في عطية أعطتها إياه وهي تطلب الرجوع فقال شريح : رد عليها ، فقال الرجل أليس قد قال الله تعالى : {فَإِن طِبْنَ لَكُمْ عَن شَىْء} فقال : لو طابت نفسها عنه لما رجعت فيه.\rوروي عنه أيضا : أقيلها فيما وهبت ولا أقيله لأنهن يخدعن ، وحكي أن رجلا من آل أبي معيط أعطته امرأته ألف دينار صداقا كان لها عليه ، فلبث شهرا ثم طلقها ، فخاصمته إلى عبد الملك بن مروان ، فقال الرجل : أعطتني طيبة به نفسها ، فقال عبد الملك : فإن الآية التي بعدها {فَلاَ تَأْخُذُواْ مِنْهُ شَيْئاً} اردد عليها.\rوعن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه أنه كتب إلى قضاته : إن النساء يعطين رغبة ورهبة ، فأيما امرأة أعطته ثم أرادت أن ترجع فذلك لها ، والله أعلم. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 9 صـ 149}","part":20,"page":19},{"id":8448,"text":"لطيفة\rقال السمرقندى :\rوروي عن علي بن أبي طالب أنه قال : إذا كان أحدكم مريضاً فليسأل من امرأته درهمين من مهرها ، حتى تهب له بطيبة نفسها ، فيشتري بذلك عسلاً فيشربه مع ماء المطر ، فحينئذٍ قد اجتمع الهنيء والمريء ، والشفاء والماء المبارك ، يعني أن الله سبحانه تعالى سمى المهر هنيئاً مريئاً إذا وهبت ، وسمى العسل شفاء ، وسمى ماء المطر مباركاً ، فإذا اجتمعت هذه الأشياء يرجى له الشفاء. أ هـ {بحر العلوم حـ 1 صـ 306 ـ 307}\rمن فوائد أبى السعود فى الآية\rقال رحمه الله :\r{ وَءاتُواْ النساء } أي اللاتي أُمر بنكاحهن { صدقاتهن } جمعُ صَدُقة كسمُرة وهي المَهرُ وقرىء بسكون الدالِ على","part":20,"page":20},{"id":8449,"text":"التخفيف وبضم الصادِ وسكونِ الدال جمعُ صُدْقة كغرفة ، وبضمهما على التوحيد وهو تثقيلُ صُدْقة كظُلُمة في ظُلْمة { نِحْلَةً } قال ابن عباس وقتادة وابن جريج وابن زيد : فريضةً من الله تعالى لأنها مما فرضه الله في النِحْلة أي المِلةِ والشِرْعة والديانةِ ، فانتصابُها على الحالية من الصَّدُقات أي أعطوهن مهورَهن حالَ كونِها فريضةً منه تعالى ، وقال الزجاجُ : تديُّناً فانتصابُها على أنها مفعولٌ له أي أعطوهن ديانةً وشِرْعيةً ، وقال الكلبي : نحلةً أي هِبةً وعطيةً من الله وتفضّلاً منه عليهن فانتصابُه على الحالية منها أيضاً وقيل : عطيةً من جهة الأزواجِ من نَحَله كذا إذا أعطاه إياه ووهبَه له عن طِيبةٍ من نفسه نِحْلةً ونُحْلاً ، والتعبير عن إيتاء المهورِ بالنِّحلة مع كونها واجبةً على الأزواج لإفادة معنى الإيتاءِ عن كمال الرضا وطيبِ الخاطرِ ، وانتصابُها على المصدرية لأن الإيتاءَ والنحلةَ بمعنى الإعطاءِ ، كأنه قيل : وانحَلوا النساءَ صَدُقاتِهن نِحْلةً أي أعطوهن مهورَهن عن طيبةِ أنفسِكم ، أو على الحالية من ضمير { أَتَوْا } أي آتوهن صَدُقاتِهن ناحلين طيِّبي النفوسِ بالإعطاء أو من الصَّدُقات أي منحولةً مُعطاةً عن طيبة الأنفسِ ، فالخطابُ للأزواج وقيل : للأولياء لأنهم كانوا يأخُذون مهورَ بناتِهم وكانوا يقولون : هنيئاً لك النافجةُ ، لِمَن يولدُ له بنتٌ ، يعنون تأخُذ مَهرَها فتنفج به مالَك أي تعظّمه { فَإِن طِبْنَ لَكُمْ عَن شَىْء مّنْهُ } الضميرُ للصدُقات وتذكيرُه لإجرائه مُجرى ذلك فإنه يشار به إلى المتعدد كما في قوله عز وجل : { قُلْ أَؤُنَبّئُكُمْ بِخَيْرٍ مّن ذلكم } بعد ذكر الشهواتِ","part":20,"page":21},{"id":8450,"text":"المعدودةِ وقد رُوي عن رؤبةَ أنه حين قيل له في قوله : \rفيها خطوطٌ من سوادٍ وبَلَق... كأنه في الجِلْد تَوليعُ البَهَقْ\r","part":20,"page":22},{"id":8451,"text":"إن أردت الخطوطَ ينبغي أن تقول : كأنها وإن أردت السوادَ والبلَقَ ينبغي أن تقول : كأنهما ، قال : لكني أردتُ كأن ذلك. أو للصَّداق الواقعِ موقعَه صدُقاتِهن كأنه قيل : وآتوا النساءَ صَداقَهن كما في قوله تعالى : { فَأَصَّدَّقَ وَأَكُن } حيث عَطفَ أكنْ على ما دل عليه المذكورُ ووقع موقعَه ، كأنه قيل : إن أخرتني أصَّدقْ وأكنْ ، واللامُ متعلقةٌ بالفعل وكذا عن لكن بتضمينه معنى التجافي والتجاوزِ ، ومن متعلقةٌ بمحذوف وقع صفةً لشيء أي كائنٍ من الصَّداق ، وفيه بعثٌ لهن على تقليل الموهوبِ { نَفْساً } تمييزٌ والتوحيدُ لما أن المقصودَ بيانُ الجنسِ أي إن وهَبْن لكم شيئاً من الصَّداق متجافياً عنه نفوسُهن طيباتٍ غيرَ مُخْبثاتٍ بما يَضطرُّهن إلى البذل من شكاسة أخلاقِكم وسوءِ معاشرتِكم لهن ، عَدَل عن لفظ الهبةِ والسماحةِ إلى ما عليه النظمُ الكريمُ إيذاناً بأن العُمدة في الأمر إنما هو طيبُ النفسِ وتجافيها عن الموهوب بالمرة { فَكُلُوهُ } أي فخذوا ذلك الشيءَ الذي طابت به نفوسُهن وتصرفوا فيه تملُّكاً ، وتخصيصُ الأكلِ بالذكر لأنه معظمُ وجوهِ التصرفاتِ المالية { هَنِيئاً مَّرِيئاً } صفتان من هنُؤَ الطعامُ ومرُؤَ إذا كان سائغاً لا تنغيصَ فيه ، وقيل : الهنيءُ الذي يلَذُّه الآكِلُ والمريءُ ما يُحمد عاقبتُه ، وقيل : ما ينساغ في مجراه الذي هو المريءُ وهو ما بين الحُلْقوم إلى فم المعِدةِ سُمِّي بذلك لمروءِ الطعامِ فيه أي انسياغِه ، ونصبُهما على أنهما صفتانِ للمصدر أي أكلاً هنيئاً مريئاً أو على أنهما حالانِ من الضمير المنصوبِ أن كُلوه وهو هنيءٌ مريءٌ وقد يوقف على كلوه ، ويبتدأ هنيئاً مريئاً على الدعاء وعلى أنهما صفتان أقيمتا مُقامَ المصدرين ، كأنه قيل : هنْأً ومَرْأً ، وهذه عبارةٌ عن التحليل والمبالغةِ في الإباحة وإزالةِ التبعة. أ هـ {تفسير أبى السعود حـ 2 صـ 143 ـ 144}","part":20,"page":23},{"id":8452,"text":"فوائد لغوية\rقال ابن عادل :\rقوله تعالى { صَدُقَاتِهِنَّ}\rمفعول ثانٍ ، وهي جمع \" صَدُقة \" بفتح الصَّاد وضمَّ الدَّال بزنة \" سَمُرة \" ، والمرادُ بها : المهر وهذه هي القراءة المشهُورَةُ ، وهي لُغَةُ الحجاز.\rوقرأ قتادةُ : \" صُدْقاتهن \" بضمِّ الصَّادِ وإسكان الدَّال ، جمعُ صُدْقَةٍ بزنة غُرْفَةٍ.\rوقرأ مجاهدٌ وابن أبي عبلة بضمهما وهي جمع صدقة بضم الصاد والدال ، وهي تثقيل الساكنة الدَّال للاتباع.\rوقرأ ابن وثاب والنخعي \" صُدُقَتَهُنَّ \" بضمهما مع الإفراد.\rقال الزَّمخشريُّ وهي تثقيل صُدْقة كقولهم في \" ظُلْمة \" \" ظُلُمة \" ، وقد تقدم الخلاف ، هل يجوز تثقيل الساكن المضموم الفاء ؟\rوقرئ : \" صدقاتهن \" بفتح الصَّادِ وإسْكَانِ الدَّالِ وهي تخفيف القراءة المشهورة ، كقولهم في عَضُد : عَضْد.\rقال الوَاحِدِيُّ : \" ولفظ الصَّاد والدَّال والقاف موضوع للكمال والصحة ، يسمّى المهر صداقاً وصدقة وذلك لأنَّ عقد النكاح به يتم.\rوفي نصب \" نحلة \" أربعةُ أوجهٍ :\rأحدها : أنَّها منصوبةِ على المصدر ، والعامل فيها الفعل قبلها ؛ لأن \" آتوهن \" بمعنى انحلوهُنَّ ، فهي مصدر على غير الصدر نحو : \" قَعَدْت جلوساً \".\rالثاني : أنها مصدرٌ واقِعٌ موقع الحال ، وفي صاحب الحال ثلاثة احتمالات :\rأحدها : أنَّهُ الفاعل من \" فآتوهن \" أي : فآتوهن ناحِلين.\rالثاني : أنَّهُ المفعول الأوَّل وهو : النِّسَاءُ.\rالثالث : أنه المفعول الثاني وهو \" صدقاتهن \". أي : منحولات.\rالوجه الثَّالثُ : أنَّها مفعول من أجله ، إذا فُسِّرَتْ بمعنى : شِرْعة.\rالوجه الرابع : انتصابها بإضمار فعل بمعنى : شَرَعَ أي : نحل الله ذلك نِحلة ، أي : شَرَعَةُ شِرْعة وديناً.","part":20,"page":24},{"id":8453,"text":"والنِّحْلَةُ العَطِيَّةُ عَنْ طِيبِ النَّفْسِ ، والنَّحْلَة : الشِّرْعَة ، ومنه : نِحْلة الإسلام خَير النحل ، وفلان ينتحل بكذا : أي يَدِيِنُ به ، والنَّحْلَةُ : الفَرِيضةُ.\rقال الراغب : والنِّحْلَة والنَّحْلَةُ : الْعَطِيَّةُ على سبيل التبرع ، وهي أخصُّ من الهِبَةَ ، إذ كُل هبة نحلة من غير عكس ، واشتقاقهُ فيما أرَى من النَّحْلِ ، نظراً منه إلى فعله ، فكأن \" نَحَلْتهُ \" أعْطَيْتَهُ عَطِيةَ النحل ، ثم قال : ويجوز أن تكون النِّحْلةُ أصلاً فَسُمَّى النَّحْلُ بذلك اعتباراً بفعله.\rوقال الزَّمخشريُّ : مِنْ نَحَلَه كذا أي : أعطاه إيَّاه ووهبه له عن طيب نفسه ، نِحْلَةً وَنَحْلاً ، ومنه حديث أبي بكر - رضي الله عَنْهُ - : \" غنّي نَحَلْتُكَ جِدَادَ عِشْرِينَ وِسْقاً \".\rقال القَفَّالُ : وأصله إضافة الشيء إلى غير من هو له ، يقال : هذا شعر منحول ، أي : مضاف إلى غير قائله ، وانتحلت كذا إذا ادَّعَْتَهُ وَأَضَفْتَهُ إلى نَفْسِكَ.\rو \" مِنْ \" فيها وجهان : \rأحدهما : أنها للتبغيض ، ولذلك يجوز أن تَهَبَهُ كُلَّ الصَّداق.\rقال ابن عطيَّة : و\" مِنْ \" لبيان الجنس ها هنا ولذلك يجوز أن تهب المهر كله ، ولو [ وقعت ] على التبغيض لما جَازَ ذلك انتهى.\rوقد تَقَدَّمَ أن الليث يمنع ذلك ، ولا يشكل كونها للتَّبغيض ، وفي هذا الضمير أقوال : \rأحدها : أنه يعود على الصَّداق المدلول عليه بـ { صَدُقَاتِهِنَّ }.\rالثاني : أنه يعود على \" الصَّدُقات \" لسدِّ الواحِدِ مَسَدَّها ، لو قيل : صَداقَهُنَّ لم يختلَّ المعنى ، وهو شبيهٌ بقولهم : هو أحسنُ الفتيان وأجْمَلُهُ ؛ ولأنه لو قيل : \" هو أحسنُ فتىً \" لَصَحَّ المعنى.\rومثله : [ الرجز ]\r","part":20,"page":25},{"id":8454,"text":"وَطَابَ ألْبَانُ اللِّقَاحِ وَبَرَدْ... في \" برد \" ضمير يعود على \" ألبان \" لسدِّ \" لبن \" مسدَّها. الثالث : أنه يعود على \" الصَّدُقات \" أيضاً ، لكن ذهاباً بالضمير مذهب الإشارة فَإنَّ اسم الإشارة قد يُشارُ بِهِ مفرداً مذكراً إلى أشياء تقدمت ، كقوله : { قُلْ أَؤُنَبِّئُكُمْ بِخَيْرٍ مِّن ذلكم } [ آل عمران : 15 ] بعد ذكر أشياء قبله ، وقد تقدم ما روي في البقرة ما حكي عن رؤية لما قيل له في قوله : [ الرجز ]\rفِيهَا خُطُوطٌ مِنْ سَوَادِ وَبَلَقْ... كَأَنَّهُ فِي الجِلْدِ تَوْلِيعُ البَهَقْ\rفقال : أردت ذلك فأجْرَى الضمير مجرى اسم الإشارة.\rالرابع : أنه يعود على المال ، وإنْ لم يَجْرِ له ذِكْرٌ ؛ لأنَّ الصَّدُقاتِ تدُلُّ عليه.\rالخامس : أنه يعود على الإيتاء المدلول عليه بـ \" آتوا \" ، قاله الرَّاغب وابن عطيَّة.\rالسَّادس : قال الزمخشريُّ \" ويجوز أن يُذَكَّر الضمير ؛ لينصرف إلى الصَّداق الواحد ، فيكون متناولاً بَعْضَهُ ، ولو أَنّثَ لتناول ظاهرة هبةَ الصَّداق كُلِّه ؛ لأنَّ بعض الصُّدقات واحد منها فصاعداً \".\rوقال أبو حَيَّان : وأقولُ حَسَّن تذكير الضمير أن معنى \" فَإنْ طِبْنَ \" فإن طابَتْ كُلُّ واحدةٍ فلذلك قال : \" منه \" أي : مِنْ صَداقِها ، وهو نظير قوله : { وَأَعْتَدَتْ لَهُنَّ مُتَّكَئاً } [ يوسف : 31 ] ؛ أي لكلّ واحدة منهن ، ولذلك أفرد \" متكأ \".\rقوله : \" نَفْسَاً \" منصوب على التَّمييز ، وهو هنا منقولٌ من الفاعل ؛ إذ الأصل : فإنْ طابَتْ أنفسُهُنَّ ، ومثله { واشتعل الرأس شَيْباً } [ مريم : 4 ].\r","part":20,"page":26},{"id":8455,"text":"وهذا منصوب عن تمام الكلام ، وجِيء بالتمييز هنا مفرداً ، وإن كان قبلَه جمعٌ لعدم اللَّبْسِ ، إذْ من المعلوم أنَّ الكُلَّ لَسْنَ مشتركاتٍ في نفسٍ واحدةٍ ، ومثله : قَرَّ الزيدون عيناً ، كقوله : { وَضَاقَ بِهِمْ ذَرْع } [ هود : 77 ] وقيل : لَفْظثهَا واحد ومعناها جمع ، ويجوز \" انفساً \" \" وأعيناً \" وَلاَ بُدَّ مِنَ التعرُّض لقاعدةٍ يَعُمُّ نفعها ، وهي أنَّه إذا وقع تمييز بعد جمع منتصبٍ عن تمام الكلام فلا يخلو : إمَّا أن يكون موافقاً لما قبله نحو : كَرُمَ الزيدون رجالاً ، كما يطابقهُ خبراً وصفةً وحالاً.\rوإن كان الثاني : فإمَّا أن يكونَ مفرد المدلول أو مختلفة ، فإن كان مفردَ المدلول وَجَبَ إفرادُ التمييز كقولك في أبناء رجل واحد : كَرُمَ بنو زيدٍ أباً أو أصلاً ، أي : إنَّ لهم جميعهم أباً واحداً متصفاً بالكرمِ ، ومثله \" كَرم التقياء سَعْياً \" ، إذا لم تَقصدْ بالمصدر اختلافَ الأنواع لاختلاف محالَّه ، وإنْ كَانَ مختلفَ المدلول : فإما أن يُلبِسَ إفرادُ التمييز لو أُفرد أولاً ، فإن ألْبَسَ وَجَبَت المطابقُ نحو : كَرُمَ الزيدون آباء ، أي : أن لكل واحد أباً غير أب الآخر يتصفُ بالكرمِ ، ولو أفردت هنا لَتُوُهِّم أنهم كلَّهم بنو أبٍ واحد ، والغرضُ خلافه ، وإنْ لم يُلبس جاز الأمران المطابقة والإفراد ، وهو الأوْلى ، ولذلك جاءت عليه الآية الكريمةُ ، وحكمُ التثنية في ذلك كالجمع ، وَحَسَّنَ الإفرادَ ها هنا أيضاً ما تقدَّم مِن مُحَسِّنِ تذكير الضمير وإفراده في \" منه \" ، وهو أنَّ المعنى : فإن طابت كُلُّ واحدة نفساً.\rوقال بعض البصريين : \" إنَّما أفرد ؛ لأن المراد بالنفس هنا الهوى ، والهوى مصدر ، والمصادر لا تُثَنَّى ولا تجمع \".\r","part":20,"page":27},{"id":8456,"text":"وقال الزَّمخشريُّ : و\" نَفْسَاً \" تمييزٌ ، وتوحيدها ؛ لأن الغرضَ بيانُ الجنس والواحد يدل عليه. ونحا أبو البَقاءِ نَحْوَهُ ، وشَبَّهَهُ بـ \" درهماً \" في قولك : عشرون درهماً.\rواختلف النحاةُ في جوازِ تقديمِ التمييزِ على عامله إذا كان متصرفاً فمنعه سيبويه ، وأجازه المبرد وجماعة مستدلين بقوله : [ الطويل ]\rأتَهْجُرُ لَيْلَى بِالفُرَاقِ حَبيبَها... وَمَا كَانَ نَفْساً بالفراقِ تَطِيبُ\rوقوله : [ الطويل ]\rرَدَدْتُ بِمِثْلِ السَّيدِ نَهْدٍ مُقَلَّصٍ... كَمِيشٍ إذَا عِطْفَاهُ مَاءً تَحَلَّبَا\rوالأصل تطيبُ نفساً ، وتحلَّبا ماء ، وفي البيتين كلامٌ طويل ليس هذا محلَّه ، وحجةُ سيبويه في منع ذلك انَّ التَّمييز فاعل في الأصْلِ ، والفاعِلُ لا يَتضقَدَّم ، فكذلك ما في قوته ، واعترضَ على هذا بنحو : زيداً ، من قولك أخرجْتُ زيداً ، فإن زيداً في الأصل فاعل قبل النَّقْل ، إذ الأصل : خرج زيدٌ والفرق لائح فالتمييز أقسام كثيرة مذكورة في كتب القوم. والجارّان في قوله { فَإِن طِبْنَ لَكُمْ عَن شَيْءٍ } متعلقان بالفعل قبلهما متضمناً معنى الاعراض ، ولذلك عُدِّي بـ \" عن \" كأنَّهُ قيل : فَإن أعْرَضْنَ لَكُمْ عِن شيء منه طيبات النفوس ، والفاء في \" فَكُلوه \" جواب الشرط وهي واجبة ، والفاء في \" فُكلوه \" عائدة على \" شيء \".\rفإن قيل : لِمَ قال : { فَإِن طِبْنَ لَكُمْ } ولم يقل : وَهَبْنَ لَكُمْ أوْ سَمحْنَ لَكُمْ ؟ \rفالجواب أنَّ المراعى وهو تجافي نفسها عن بالموهوب طيبة ].\rقوله : \" فكلوه هنيئاً مريئاً \".\rفي نصب \" هَنِيئاً \" أربعةُ أقوال : \rأحدها : أنَّهُ منصوبٌ على أنه صفة لمصدر محذوف تقديره : أكْلاّ هنيّئاً.\rالثاني : أنه منصوب على الحال من الهاء في \" فَكُلُوهُ \" أي : مُهَنِّئاً ، أي سهلاً.\r","part":20,"page":28},{"id":8457,"text":"والثالث : أنه منصوب على الحال بفعل لا يجوز إظهاره ألبتة ؛ لأنَّهُ قصد بهذه الحالِ النيابةُ عن فعلها نحو : \" أقائماً وَقَدْ قَعَدَ النَّاسُ \" ، كما ينوب المصدر عن فعله نحو \" سَقْياً لَهُ وَرَعْياً \".\rالرابع : أنهما صفتان قامتا مقام المصدر المقصود به الدعاءُ النائب عن فعله.\rقال الزَّمَخشرِيُّ : \" وقد يوقف على \" فَكُلُوهُ \" ويبتدأ بـ \" هنيئاً مريئاً \" على الدعاء وعلى أنهما صفتان أقيمتا مقام المصدرين ؛ كأنه قيل : \" هَنْئاً مًرْءاً \".\rقال أبو حيان : وهذا تحريف لكلام النُّحاة ، وتحريفه هو جَعْلهما أُقِيما مُقام المصدر ، فانتصابهما انتصباَ المصدرِ ، ولذلك قال : كَأَنَّهُ قيل : \" هَنْئاً مَرْءاً \" ، فصار كقولك \" سٌقْياص لك \" و\" رَعْياً لك \" ، وَيَدُلُّ على تحريفه وَصِحَّةِ قول النحاة انَّ المصادرَ المقصودَ بها الدعاء لا ترفع الظاهر ، لا تقول : \" سقياً اللهَ لك \" ، ولا : \" رعياً الله لك \" ، وإنْ كانَ ذلك جائزاً في أفعالها ، و\" هنيئاً مرئياً \" ، يرفعان الظاهر بدليل قوله : [ الطويل ]\rهَنِيئاً مَرِيئاً غَيْرَ دَاءٍ مُخامِرٍ... لِعِزَّةَ مِنْ أعْرَاضِنَا مَا اسْتَحَلَّتِ\rف \" ما \" مرفوع بـ \" هنيئاً \" أو \" مريئاً \" على الإعمال ، وجاز ذلك وَإنْ لَمْ يَكُنْ بَيْنَ الْعَاملين رَبْطٌ بِعَطْفٍ ولا غيره ؛ لأن \" مريئاً \" لا يستعملُ إلاَّ تابعاً لـ \" هنيئاً \" فكأنَّهما عاملٌ واحد.\rولو قلت : \" قام قعد زيد \" لم يكن من الإعمال إلاَّ على نِيَّة حرف العطف. انتهى.\r","part":20,"page":29},{"id":8458,"text":"إلاَّ أن عبارة سيبويه فيها ما يُرْشِدُ لِما قاله الزَّمخشريُّ ، فإنه قال : هنيئاً مَرِيئاً صِفَتَانِ نصبهما نصب المصادر المدعو بها بالفعل المذكور غير المستعمل إظهارُهُ المختزل لدلالة الكلام عليه ، كأنهم قالوا : ثبت ذلك هنيئاً مريئاً ، فَاَوَّلُ البعارة يُسَاعِدُ الزمخشري ، وآخرها وهو تقديره بقوله : كأنهم قالوا : ثَبَتَ هنيئاً ، يُعَكِّرُ عليه ، فعلى القولين الوَّلين يكُون \" هَنيئاً مَريئاً \" متعلقين بالجملة قبلهما لفظاً ومعنى ، وعلى الآخرين مقتطعين لفظاً ؛ لأنَّ عاملهما مُقَدَّر من جُملةٍ أخرى كما تقدم تقريره.\rواختلف النحويون في قولك لمن قال : أصاب فلان خيراً هنيئاً مريئاً له ذلك. هل \" ذلك \" مرفوع بالفعل المقدر ، وتقديره : ثبت له ذلك هنيئاً ، فحذف \" ثبت \" وقام \" هنيئاً \" مقامه الذي هو حال أو مرفوع بـ \" هنيئاً \" نفسه ؛ لأنه لمَّا قَامً مقامَ الفعلِ رَفَعَ ما كان الفعل يرفعه ، كما أن قولك : \" زَيْدٌ في الدَّارِ \" \" في الدَّارِ \" ضمير كان مستتراً في الاستقرار فلما حذف الاستقرار ، وقام الجار مقامه رفع الضمير [ المستتر ] الذي كان فيه ، وقد ذهب إلى الأول السيرافي وجعل في \" هنيئاً \" فارغاً من الضمير لرفعه الاسمَ الظاهر ، وَإذا قُلْتَ : \" هَنِيئاً \" وَلَمْ تَقُلْ \" ذلك \" فعلى مذهب السيرافي يكون في \" هَنِيئاً \" ضمير عائدٌ على ذِي الْحَالِ ، وهو ضمير الفاعل الذي استتر في \" ثبت \" المحذوفِ ، وعلى مذهب الفارسي يكون في \" هنيئاً \" قد قام مقام الفعل المحذوف فارغاً من الضمير.\rوأما نصب \" مريئاً \" ففيه خمسة أوجه : أحدها : أنَّهُ صِفَةٌ لـ \" هنيئاً \" وإليه ذَهَبَ الحوفي.\r","part":20,"page":30},{"id":8459,"text":"والثاني : أنَّهُ انتصب انتصاب \" هنيئاً \" وقد تقدَّم ما فيه من الأوجه ، ومنع الفارسي كونه صفة لـ \" هنيئاً \" قال : لأنَّ هنيئاً قام مقام الفعل ، والفعل لا يوصف ، فكذا ما قام مَقَامَهُ ، ويؤيد ما قاله الفارسيُّ انَّ اسم الفاعل واسم المفعول وأمثلة المالغة والمصادر إذا وُصِفَت لم تَعْمَل عمل الفعل ، ولم تستعمل \" مريئاً \" إلا تابعاً لـ \" هنيئاً \" ، ونقل بعضهم أنه قد يجيء [ غير ] تابع وهو مردود ؛ لأن العرب لم تَستَعْمِله إلاَّ تابعاً ، وهل \" هَنِيئاً \" في الأصل اسما فاعل على زنة المَبَالَغَة ؟ أم هما مصدران جاءا على وزن فَعِيلٍ ، كالصَّهيلِ والهدير ؟ خلاف. نقل أبُو حَيَّان القول الثاني عن أبي البَقَاءِ قال : وأجاز أبو البقاء أن يكونا مصدرين جاءا على خلاف وزن \" فعيل \" ، كالصَّهيل والهدير ، وليسا من باب ما يطرد فيه فعيل في المصدر. انتهى.\rوأبو البقاء في عبارته إشْكَالٌ ، فلا بد من التعرض إليها ليُعرف ما فيها ، قال : \" هنيئاً \" مصدر جاء على وزن \" فَعِيل \" ، وهو نعت لمصدر محذوفٍ ، أي : أكْلاً هنيئاً ، وقيل : هو مصدر في موضع الحال من الهاء والتقدير مُهَنَّأً ، و\" مريئاً \" مثله ، وتلمريء فعيل بمعنى مُفْعِل ، لأنَّك تقول : \" أمْرَأَنِي الشَّيْء \" ، ووجه لمصدر محذوف ؟ وكيف يفسر \" مريئاً \" المصدر بمعنى اسم الفاعل ؟\rذهب الزمخشري إلى انَّهُمَا وصفان قال : \" فإنَّ الهنيءَ والْمَريءَ صفتان من هَنُء الطعام ومَرُؤ إذا كان سائغاً لا تنغيص فيه \". انتهى.","part":20,"page":31},{"id":8460,"text":"وَهَنَا يهْنَا بغير همز - لغة ثانية أيضاً - وقرأ أبو جعفر : \" هنيّاً مريّاً \" ، بتشديد الياء فيهما من غير همزة ، كذلك \" بري \" و\" بريون \" و\" بريَّا \" ، ويقال : هَنَأَني الطعامُ ومرأني ، وإن أفردت \" مَرَأنِي \" ، وهذا كما قالوا : أخَذَهُ ما قَدُمَ وَمَا حَدُثَ ، بضم الدَّال من \" حدث \" مشاكلة لـ \" قَدُمَ \" ، ولو أُفرد لم يستعمل إلاَّ مفتوح الدال ، وله نظائر أخر ، ويقال : هَنَأتُ الرجل أهْنِئُهُ بكسر العين في المضارع أي : أعطيته. واشتقاق الهنيء من الهِناء ، وهو ما يُطْلَى به البَعير للجرب كالقطران قال : [ الطويل ]\rمُتَبَدِّلاً تَبْدُو مَحَاسِنُهُ... يَضَعُ الْهَنَاءَ مَوَاضِعَ النُّقْبِ\rوالمريءُ مَا سَاغَ وَسَهُلَ من الحق ، ومنه قِيل لمجرى الطَّعَام من الحُلْقُوم إلى فم المعدة : مَرِيء. أ هـ {تفسير ابن عادل حـ 6 صـ 170 ـ 178}. بتصرف.","part":20,"page":32},{"id":8461,"text":"من فوائد الجصاص فى الآية\rقال رحمه الله :\rبَابُ هِبَةِ الْمَرْأَةِ الْمَهْرَ لِزَوْجِهَا.\rقَالَ اللَّهُ تَعَالَى : { وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَرِيئًا }.\rرُوِيَ عَنْ قَتَادَةَ وَابْنِ جُرَيْجٍ فِي قَوْله تَعَالَى : { وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً } قَالَا : \" فَرِيضَةٌ \" ، كَأَنَّهُمَا ذَهَبَا إلَى نِحْلَةِ الدَّيْنِ وَأَنَّ ذَلِكَ فُرِضَ فِيهِ.\rوَرُوِيَ عَنْ أَبِي صَالِحٍ فِي قَوْله تَعَالَى : { وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً } قَالَ : \" كَانَ الرَّجُلُ إذَا زَوَّجَ مُوَلِّيَتَهُ أَخَذَ صَدَاقَهَا فَنُهُوا عَنْ ذَلِكَ \" ، فَجَعَلَهُ خِطَابًا لِلْأَوْلِيَاءِ أَنْ لَا يَحْبِسُوا عَنْهُنَّ الْمُهُورَ إذَا قَبَضُوهَا.\rإلَّا أَنَّ مَعْنَى النِّحْلَةِ يَرْجِعُ إلَى مَا ذَكَرَهُ قَتَادَةُ فِي أَنَّهَا فَرِيضَةٌ ، وَهَذَا عَلَى مَعْنَى مَا ذَكَرَهُ اللَّهُ عَقِيبَ ذِكْرِ الْمَوَارِيثِ { فَرِيضَةً مِنْ اللَّهِ }.","part":20,"page":33},{"id":8462,"text":"قَالَ بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ : إنَّمَا سُمِّيَ الْمَهْرُ نِحْلَةً وَالنِّحْلَةُ فِي الْأَصْلِ الْعَطِيَّةُ وَالْهِبَةُ فِي بَعْضِ الْوُجُوهِ ؛ لِأَنَّ الزَّوْجَ لَا يَمْلِكُ بَدَلَهُ شَيْئًا ؛ لِأَنَّ الْبُضْعَ فِي مِلْكِ الْمَرْأَةِ بَعْدَ النِّكَاحِ هُوَ قَبْلَهُ ، أَلَا تَرَى أَنَّهَا لَوْ وُطِئَتْ بِشُبْهَةٍ كَانَ الْمَهْرُ لَهَا دُونَ الزَّوْجِ ؟ فَإِنَّمَا سُمِّيَ الْمَهْرُ نِحْلَةً ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَعْتَضْ مِنْ قِبَلِهَا عِوَضًا يَمْلِكُهُ ، فَكَانَ فِي مَعْنَى النِّحْلَةِ الَّتِي لَيْسَ بِإِزَائِهَا بَدَلٌ ؛ وَإِنَّمَا الَّذِي يَسْتَحِقُّهُ الزَّوْجُ مِنْهَا بِعَقْدِ النِّكَاحِ هُوَ الِاسْتِبَاحَةُ لَا الْمِلْكُ.\rوَقَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ مَعْمَرُ بْنُ الْمُثَنَّى فِي قَوْله تَعَالَى : { نِحْلَةً } يَعْنِي : بِطِيبَةِ أَنْفُسِكُمْ ، يَقُولُ : لَا تُعْطُوهُنَّ مُهُورَهُنَّ وَأَنْتُمْ كَارِهُونَ وَلَكِنْ آتَوْهُنَّ ذَلِكَ وَأَنْفُسُكُمْ بِهِ طَيِّبَةٌ وَإِنْ كَانَ الْمَهْرُ لَهُنَّ دُونَكُمْ.\rقَالَ أَبُو بَكْرٍ : فَجَائِزٌ عَلَى هَذَا الْمَعْنَى أَنْ يَكُونَ إنَّمَا سَمَّاهُ نِحْلَةً ؛ لِأَنَّ النِّحْلَةَ هِيَ الْعَطِيَّةُ وَلَيْسَ يَكَادُ يَفْعَلُهَا النَّاحِلُ إلَّا مُتَبَرِّعًا\rبِهَا طَيِّبَةً بِهَا نَفْسُهُ ، فَأُمِرُوا بِإِيتَاءِ النِّسَاءِ مُهُورَهُنَّ بِطِيبَةٍ مِنْ أَنْفُسِهِمْ كَالْعَطِيَّةِ الَّتِي يَفْعَلُهَا الْمُعْطِي بِطِيبَةٍ مِنْ نَفْسِهِ.","part":20,"page":34},{"id":8463,"text":"وَيُحْتَجُّ بِقَوْلِهِ تَعَالَى : { وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً } فِي إيجَابِ كَمَالِ الْمَهْرِ لِلْمَخْلُوِّ بِهَا لِاقْتِضَاءِ الظَّاهِرِ لَهُ ، وَأَمَّا قَوْله تَعَالَى : { فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَرِيئًا } فَإِنَّهُ يَعْنِي عَنْ الْمَهْرِ ، لَمَّا أَمَرَهُمْ بِإِيتَائِهِنَّ صَدُقَاتِهِنَّ عَقَّبَهُ بِذِكْرِ جَوَازِ قَبُولِ إبْرَائِهَا وَهِبَتِهَا لَهُ لِئَلَّا يَظُنَّ أَنَّ عَلَيْهِ إيتَاءَهَا مَهْرَهَا وَإِنْ طَابَتْ نَفْسُهَا بِتَرْكِهِ.\rقَالَ قَتَادَةُ فِي هَذِهِ الْآيَةِ : \" مَا طَابَتْ بِهِ نَفْسُهَا مِنْ غَيْرِ كُرْهٍ فَهُوَ حَلَالٌ \".\rوَقَالَ عَلْقَمَةُ لِامْرَأَتِهِ : أَطْعِمِينِي مِنْ الْهَنِيءِ الْمَرِيءِ.\rفَتَضَمَّنَتْ الْآيَةُ مَعَانِيَ : مِنْهَا أَنَّ الْمَهْرَ لَهَا وَهِيَ الْمُسْتَحَقَّةُ لَهُ لَا حَقَّ لِلْوَلِيِّ فِيهِ.\rوَمِنْهَا أَنَّ عَلَى الزَّوْجِ أَنْ يُعْطِيَهَا بِطِيبَةٍ مِنْ نَفْسِهِ.\rوَمِنْهَا جَوَازُ هِبَتِهَا الْمَهْرَ لِلزَّوْجِ وَالْإِبَاحَةِ لِلزَّوْجِ فِي أَخْذِهِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى : { فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَرِيئًا }.\rوَمِنْهَا تَسَاوِي حَالِ قَبْضِهَا لِلْمَهْرِ وَتَرْكِ قَبْضِهَا فِي جَوَازِ هِبَتِهَا لِلْمَهْرِ ؛ لِأَنَّ قَوْله تَعَالَى : { فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَرِيئًا } يَدُلُّ عَلَى الْمَعْنَيَيْنِ ، وَيَدُلُّ أَيْضًا عَلَى جَوَازِ هِبَتِهَا لِلْمَهْرِ قَبْلَ الْقَبْضِ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَمْ يُفَرِّقْ بَيْنَهُمَا.","part":20,"page":35},{"id":8464,"text":"فَإِنْ قِيلَ : قَوْله تَعَالَى : { فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَرِيئًا } يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ فِيمَا تَعَيَّنَ مِنْ الْمَهْرِ ، إمَّا أَنْ يَكُونَ عَرَضًا بِعَيْنِهِ فَقَبَضَتْهُ أَوْ لَمْ تَقْبِضْهُ أَوْ دَرَاهِمَ قَدْ قَبَضَتْهَا ، فَأَمَّا دَيْنٌ فِي الذِّمَّةِ فَلَا دَلَالَةَ فِي الْآيَةِ عَلَى جَوَازِ هِبَتِهَا لَهُ ؛ إذْ لَا يُقَالُ لِمَا فِي الذِّمَّةِ كُلْهُ هَنِيئًا مَرِيئًا.\rقِيلَ لَهُ : لَيْسَ الْمُرَادُ فِي ذَلِكَ مَقْصُورًا عَلَى مَا يَتَأَتَّى فِيهِ\rالْأَكْلُ دُونَ مَا لَا يَتَأَتَّى ؛ لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ كَذَلِكَ لَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ خَاصًّا فِي الْمَهْرِ إذَا كَانَ شَيْئًا مَأْكُولًا ، وَقَدْ عُقِلَ مِنْ مَفْهُومِ الْخِطَابِ أَنَّهُ غَيْرُ مَقْصُورٍ عَلَى الْمَأْكُولِ مِنْهُ دُونَ غَيْرِهِ ؛ لِأَنَّ قَوْله تَعَالَى : { وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً } عَامٌّ فِي الْمُهُورِ كُلِّهِ سَوَاءٌ كَانَتْ مِنْ جِنْسِ الْمَأْكُولِ أَوْ مِنْ غَيْرِهِ ، وقَوْله تَعَالَى : { فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَرِيئًا } شَامِلٌ لِجَمِيعِ الصَّدَقَاتِ الْمَأْمُورِ بِإِيتَائِهَا.","part":20,"page":36},{"id":8465,"text":"فَدَلَّ أَنَّهُ لَا اعْتِبَارَ بِلَفْظِ الْأَكْلِ فِي ذَلِكَ وَأَنَّ الْمَقْصِدَ فِيهِ جَوَازُ اسْتِبَاحَتِهِ بِطِيبَةٍ مِنْ نَفْسِهَا ؛ وَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى : { إنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا } وَقَالَ تَعَالَى : { وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ } وَهُوَ عُمُومٌ فِي النَّهْيِ عَنْ سَائِرِ وُجُوهِ التَّصَرُّفِ فِي مَالِ الْيَتِيمِ مِنْ الدُّيُونِ وَالْأَعْيَانِ الْمَأْكُولِ وَغَيْرِ الْمَأْكُولِ ، وَشَامِلٌ لِلنَّهْيِ فِي أَخْذِ أَمْوَالِ النَّاسِ إلَّا عَلَى وَجْهِ التِّجَارَةِ عَنْ تَرَاضٍ ، وَلَيْسَ الْمَأْكُولُ بِأَوْلَى بِمَعْنَى الْآيَةِ مِنْ غَيْرِهِ.\rوَإِنَّمَا خُصَّ الْأَكْلُ بِالذِّكْرِ ؛ لِأَنَّهُ مُعْظَمُ مَا يُبْتَغَى لَهُ الْأَمْوَالُ ، إذْ بِهِ قِوَامُ بَدَنِ الْإِنْسَانِ ، وَفِي ذِكْرِهِ لِلْأَكْلِ دَلَالَةٌ عَلَى مَا دُونَهُ ، وَهَذَا كَقَوْلِهِ تَعَالَى : { إذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ } فَخُصَّ الْبَيْعُ بِالذِّكْرِ وَإِنْ كَانَ مَا عَدَاهُ مِنْ سَائِرِ مَا يَشْغَلُهُ عَنْ الصَّلَاةِ بِمَثَابَتِهِ فِي النَّهْيِ ؛ لِأَنَّ الِاشْتِغَالَ بِالْبَيْعِ مِنْ أَعْظَمِ أُمُورِهِمْ فِي السَّعْيِ فِي طَلَبِ مَعَايِشِهِمْ ، فَعُقِلَ مِنْ ذَلِكَ إرَادَةُ مَا هُوَ دُونَهُ وَأَنَّهُ أَوْلَى بِالنَّهْيِ ؛ إذْ قَدْ نَهَاهُمْ عَمَّا هُمْ إلَيْهِ أَحْوَجُ وَالْحَاجَةُ إلَيْهِ أَشَدُّ.\rوَكَمَا قَالَ تَعَالَى : { حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ } فَخُصَّ اللَّحْمُ بِذِكْرِ التَّحْرِيمِ","part":20,"page":37},{"id":8466,"text":"وَسَائِرُ أَجْزَائِهِ مِثْلُهُ ؛ لِأَنَّهُ مُعْظَمُ مَا يُرَادُ مِنْهُ وَيُنْتَفَعُ بِهِ ، فَكَانَ فِي تَحْرِيمِهِ أَعْظَمُ مَنَافِعِهِ دَلَالَةً عَلَى مَا دُونَهُ ، فَكَذَلِكَ قَوْله تَعَالَى : { فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَرِيئًا } قَدْ اقْتَضَى جَوَازَ هِبَتِهَا لِلْمَهْرِ مِنْ أَيِّ جِنْسٍ كَانَ عَيْنًا أَوْ دَيْنًا قَبَضَتْهُ أَوْ لَمْ تَقْبِضْهُ.\rوَمِنْ جِهَةٍ أُخْرَى أَنَّهُ إذَا جَازَتْ هِبَتُهَا لِلْمَهْرِ إذَا كَانَ مَقْبُوضًا مُعَيَّنًا فَكَذَلِكَ حُكْمُهُ إذَا كَانَ دَيْنًا ؛ لِأَنَّهُ قَدْ ثَبَتَ جَوَازُ تَصَرُّفِهَا فِي مَالِهَا ، فَلَا يَخْتَلِفُ حُكْمُ الْعَيْنِ وَالدَّيْنِ فِيهِ ؛ وَلِأَنَّ أَحَدًا لَمْ يُفَرِّقْ بَيْنَهُمَا.\rوَقَدْ دَلَّتْ هَذِهِ الْآيَةُ عَلَى جَوَازِ هِبَةِ الدَّيْنِ وَالْبَرَاءَةِ مِنْهُ كَمَا جَازَتْ هِبَةُ الْمَرْأَةِ لِلْمَهْرِ وَهُوَ دَيْنٌ ، وَيَدُلُّ أَيْضًا عَلَى أَنَّ مَنْ وَهَبَ لِإِنْسَانٍ دَيْنًا لَهُ عَلَيْهِ أَنَّ الْبَرَاءَةَ قَدْ وَقَعَتْ بِنَفْسِ الْهِبَةِ ؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَدْ حَكَمَ بِصِحَّتِهِ وَأَسْقَطَهُ عَنْ ذِمَّتِهِ.\rوَيَدُلُّ عَلَى أَنَّ مَنْ وَهَبَ لِإِنْسَانٍ مَالًا فَقَبَضَهُ وَتَصَرَّفَ فِيهِ أَنَّهُ جَائِزٌ لَهُ ذَلِكَ وَإِنْ لَمْ يَقُلْ بِلِسَانِهِ قَدْ قَبِلْت ؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَدْ أَبَاحَ لَهُ أَكْلَ مَا وَهَبَهُ مِنْ غَيْرِ شَرْطِ الْقَبُولِ ، بَلْ يَكُونُ التَّصَرُّفُ فِيهِ بِحَضْرَتِهِ حِينَ وَهَبَهُ قَبُولًا.","part":20,"page":38},{"id":8467,"text":"وَيَدُلُّ عَلَى أَنَّهَا لَوْ قَالَتْ \" قَدْ طِبْت لَك نَفْسًا عَنْ مَهْرِي \" وَأَرَادَتْ الْهِبَةَ وَالْبَرَاءَةَ أَنَّ ذَلِكَ جَائِزٌ لِقَوْلِهِ تَعَالَى : { فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَرِيئًا } وَقَدْ اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي هِبَةِ الْمَرْأَةِ مَهْرَهَا لِزَوْجِهَا ، فَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ وَزُفَرُ وَالْحَسَنُ بْنُ زِيَادٍ وَالشَّافِعِيُّ : \" إذَا بَلَغَتْ الْمَرْأَةُ وَاجْتَمَعَ لَهَا عَقْلُهَا جَازَ لَهَا التَّصَرُّفُ فِي مَالِهَا بِالْهِبَةِ أَوْ غَيْرِهَا بِكْرًا كَانَتْ أَوْ ثَيِّبًا \".\rوَقَالَ مَالِكٌ : \" لَا يَجُوزُ أَمْرُ الْبِكْرِ فِي مَالِهَا وَلَا مَا وَضَعَتْ عَنْ زَوْجِهَا مِنْ الصَّدَاقِ وَإِنَّمَا ذَلِكَ إلَى أَبِيهَا فِي الْعَفْوِ عَنْ زَوْجِهَا ، وَلَا يَجُوزُ لِغَيْرِ الْأَبِ مِنْ أَوْلِيَائِهَا ذَلِكَ \" قَالَ : \" وَبَيْعُ الْمَرْأَةِ ذَاتِ الزَّوْجِ دَارَهَا وَخَادِمَهَا جَائِزٌ وَإِنْ كَرِهَ الزَّوْجُ إذَا أَصَابَتْ وَجْهَ الْبَيْعِ ، فَإِنْ كَانَتْ فِيهِ مُحَابَاةٌ كَانَ مِنْ ثُلُثِ مَالِهَا ، وَإِنْ تَصَدَّقَتْ أَوْ وَهَبَتْ أَكْثَرَ مِنْ الثُّلُثِ لَمْ يَجُزْ مِنْ ذَلِكَ قَلِيلٌ وَلَا كَثِيرٌ \" قَالَ مَالِكٌ : \" وَالْمَرْأَةُ الْأَيِّمُ إذَا لَمْ يَكُنْ لَهَا زَوْجٌ فِي مَالِهَا كَالرَّجُلِ فِي مَالِهِ سَوَاءٌ \".\rوَقَالَ الْأَوْزَاعِيُّ : \" لَا تَجُوزُ عَطِيَّةُ الْمَرْأَةِ حَتَّى تَلِدَ وَتَكُونَ فِي بَيْتِ زَوْجِهَا سَنَةً \".","part":20,"page":39},{"id":8468,"text":"وَقَالَ اللَّيْثُ : \" لَا يَجُوزُ عِتْقُ الْمَرْأَةِ ذَاتِ الزَّوْجِ وَلَا صَدَقَتُهَا إلَّا فِي الشَّيْءِ الْيَسِيرِ الَّذِي لَا بُدَّ لَهَا مِنْهُ لِصِلَةِ رَحِمٍ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا يُتَقَرَّبُ بِهِ إلَى اللَّهِ تَعَالَى \".\rقَالَ أَبُو بَكْرٍ : الْآيَةُ قَاضِيَةٌ بِفَسَادِ هَذِهِ الْأَقْوَالِ شَاهِدَةٌ بِصِحَّةِ قَوْلِ أَصْحَابِنَا الَّذِي قَدَّمْنَا ، لِقَوْلِهِ عَزَّ وَجَلَّ : { فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَرِيئًا } وَلَمْ يُفَرِّقْ فِيهِ بَيْنَ الْبِكْرِ وَالثَّيِّبِ وَلَا بَيْنَ مَنْ أَقَامَتْ فِي بَيْتِ زَوْجِهَا سَنَةً أَوْ لَمْ تُقِمْ ، وَغَيْرُ جَائِزٍ الْفَرْقُ بَيْنَ الْبِكْرِ وَالثَّيِّبِ فِي ذَلِكَ إلَّا بِدَلَالَةٍ تَدُلُّ عَلَى خُصُوصِ حُكْمِ الْآيَةِ فِي الثَّيِّبِ دُونَ الْبِكْرِ ؛ وَأَجَازَ مَالِكٌ هِبَةَ الْأَبِ وَاَللَّهُ تَعَالَى أَمَرَنَا بِإِعْطَائِهَا جَمِيعَ الصَّدَاقِ إلَّا أَنْ تَهَبْ هِيَ شَيْئًا مِنْهُ لَهُ ، فَالْآيَةُ قَاضِيَةٌ بِبُطْلَانِ هِبَةِ الْأَبِ ؛ لِأَنَّهُ مَأْمُورٌ بِإِيتَاءِ جَمِيعِ الصَّدَاقِ إلَّا أَنْ تَطِيبَ نَفْسُهَا بِتَرْكِهِ ، وَلَمْ يَشْرُطْ اللَّهُ تَعَالَى طِيبَةَ نَفْسِ الْأَبِ ، فَمَنَعَ مَا أَبَاحَهُ اللَّهُ لَهُ بِطِيبَةِ نَفْسِهَا مِنْ مَهْرِهَا وَأَجَازَ مَا حَظَرَهُ اللَّهُ تَعَالَى مِنْ مَنْعِ شَيْءٍ مِنْ مَهْرِهَا إلَّا بِطِيبَةِ نَفْسِهَا بِهِبَةِ الْأَبِ.\rوَهَذَا اعْتِرَاضٌ عَلَى الْآيَةِ\rمِنْ وَجْهَيْنِ بِغَيْرِ دَلَالَةٍ : أَحَدُهُمَا : مَنْعُهَا الْهِبَةَ مَعَ اقْتِضَاءِ ظَاهِرِ الْآيَةِ لِجَوَازِهَا.","part":20,"page":40},{"id":8469,"text":"وَالثَّانِي : جَوَازُ هِبَةِ الْأَبِ مَعَ أَمْرِ اللَّهِ الزَّوْجَ بِإِعْطَائِهَا الْجَمِيعَ إلَّا أَنْ تَطِيبَ نَفْسًا بِتَرْكِهِ.\rوَيَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ قَوْله تَعَالَى : { وَلَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا إلَّا أَنْ يَخَافَا أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ } فَمُنِعَ أَنْ يَأْخُذَ مِنْهَا شَيْئًا مِمَّا أَعْطَاهَا إلَّا بِرِضَاهَا بِالْفِدْيَةِ فَقَدْ شَرَطَ رِضَا الْمَرْأَةِ وَلَمْ يُفَرِّقْ مَعَ ذَلِكَ بَيْنَ الْبِكْرِ وَالثَّيِّبِ.\rوَيَدُلُّ عَلَيْهِ حَدِيثُ زَيْنَبَ امْرَأَةِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لِلنِّسَاءِ : { تَصَدَّقْنَ وَلَوْ مِنْ حُلِيِّكُنَّ } ، وَفِي حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ : { أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَرَجَ يَوْمَ الْفِطْرِ فَصَلَّى ثُمَّ خَطَبَ ثُمَّ أَتَى النِّسَاءَ فَأَمَرَهُنَّ أَنْ يَتَصَدَّقْنَ } ، وَلَمْ يُفَرِّقْ فِي شَيْءٍ مِنْهُ بَيْنَ الْبِكْرِ وَالثَّيِّبِ ؛ وَلِأَنَّ هَذَا حَجْرٌ وَلَا يَصِحُّ الْحَجْرُ عَلَى مَنْ هَذِهِ صِفَتُهُ ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. أ هـ {أحكام القرآن للجصاص حـ 2 صـ 350 ـ 353}\rمن لطائف الإمام القشيرى فى الآية\rقال عليه الرحمة :\rقوله جلّ ذكره : { وَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تُقْسِطُوا فِى اليَتَامَى فَانكِحُوا مَا طَابَ لَكُم مِّنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلاَثَ وَرُبَاعَ فَإِنْ خِفْتُم أَلاَّ تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةٌ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَنُكُمْ ذَلِكَ أَدْنَى أَلاَّ تَعُولُوا وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً }.\rأباح الله للرجال الأحرار التزوج بأربع في حالة واحدة ، وأوجب العدل بينهن ، فيجب على العبد أن يراعي الواجبَ فإنْ عَلِمَ أنه يقوم بحق هذا الواجب آثر هذا المُباح ، وإنْ عَلِم أنه يقصُر في الواجب فلا يتعرَّض لهذا المباح ، فإنَّ الواجبَ مسؤولٌ عنه.\rقوله جلّ ذكره : { فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَن شَىٍ مِّنْهُ فَكُلُوهُ نَفْسًا هَنِيئًا مَّرِيئًا }.\rدلَّ هذا على أن طعامَ الفتيان والأسخياء مريء لأنهم لا يُطعِمون إلا عن طيب نَفْسٍ ، وطعام البخلاء رديء لأنهم يرون أنفسهم ، وإنما يُطعِمون عن تكلّف لا عن طيب نَفْس. قال صلى الله عليه وسلم : \" طعامُ السخيِّ دواء وطعام البخيل داء \". أ هـ {لطائف الإشارات حـ 1 صـ 313}","part":20,"page":41},{"id":8472,"text":"قوله تعالى { وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَامًا وَارْزُقُوهُمْ فِيهَا وَاكْسُوهُمْ وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلًا مَعْرُوفًا (5)}\rمناسبة الآية لما قبلها\rقال البقاعى : \rولما أمر بدفع أموال اليتامى والنساء إليهم ، ونهى عن أكل شيء منها تزهيداً في المال واستهانة به ، وكان في النساء والمحاجير من الأيتام وغيرهم سفهاء ، وأمر بالاقتصاد في المعيشة حذراً من الظلم والحاجة نهى عن التبذير ، وقد حث سبحانه على حسن رعاية المال في غير آية من كتابه لأنه \" نعم المال الصالح للرجل الصالح \" رواه أحمد وابن منيع عن عمرو بن العاص رفعه ؛ لأن الإنسان ما لم يكن فارغ البال لا يمكنه القيام بتحصيل ما يهمه من الدنيا ، وما لم يتمكن من تحصيل ما يهمه من الدنيا لا يمكنه أمر الآخرة ، ولا يكون فارغ البال إلا بواسطة ما يكفيه من المال - لأنه لا يتمكن في هذه الدار التي مبناها على الأسباب من جلب المنافع ودفع المضار إلا به ، فمن أراده لهذا الغرض كان من أعظم الأسباب المعينة له على اكتساب سعادة الآخرين ، ومن أراد لنفسه كان من أعظم المعوقات عن سعادة الآخرة فقال تعالى : {ولا تؤتوا} أيها الأزواج والأولياء {السفهاء} أي من محاجيركم ونسائكم وغيرهم {أموالكم} أي الأموال التي خلقها الله لعباده سواء كانت مختصة بكم أو بهم ، ولكم بها علقة بولاية أو غيرها ، فإنه يجب عليكم حفظها {التي جعل الله} أي الذي له الإحاطة بالعلم الشامل والقدرة التامة {لكم قياما} أي ملاكاً وعماداً تقوم بها أحوالكم ، فيكون ذلك سبباً لضياعها ، فضياعها سبب لضياعكم ، فهو من تسمية السبب باسم المسبب للمبالغة ، في سببيته {وارزقوهم} متجرين {فيها} وعبر بالظرف إشارة إلى الاقتصاد واستثمار الأموال حتى لا تزال موضعاً للفضل ، حتى تكون النفقة والكسوة من الربح لا من رأس المال {واكسوهم} أي فإن ذلك ليس من المنهيّ عنه ، بل هو من معالي الأخلاق ومحاسن الأعمال {وقولوا لهم} أي مع ذلك {قولاً معروفاً} أي في الشرع والعقل كالعدة الحسنة ونحوها ، وكل ما","part":20,"page":42},{"id":8473,"text":"سكنت إليه النفس وأحبته من قول أو عمل وليس مخالفاً للشرع فهو معروف ، فإن ذلك ربما كان أنفع في كثير من الإعطاء وأقطع للشر ؛ والحجر على السفيه مندرج في هذه الآية ، لأن ترك الحجر عليه من الإيتاء المنهي عنه. أ هـ {نظم الدرر حـ 2 صـ 215 ـ 216}\rفصل\rقال الفخر :\rواعلم أن هذا هو النوع الثالث من الأحكام المذكورة في هذه السورة.\rواعلم أن تعلق هذه الآية بما قبلها هو كأنه تعالى يقول : إني وإن كنت أمرتكم بإيتاء اليتامى أموالهم وبدفع صدقات النساء اليهن ، فإنما قلت ذلك إذا كانوا عاقلين بالغين متمكنين من حفظ أموالهم ، فأما إذا كانوا غير بالغين ، أو غير عقلاء ، أو إن كانوا بالغين عقلاء إلا أنهم كانوا سفهاء مسرفين ، فلا تدفعوا إليهم أموالهم وأمسكوها لأجلهم إلى أن يزول عنهم السفه ، والمقصود من كل ذلك الاحتياط في حفظ أموال الضعفاء والعاجزين. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 9 صـ 149}\rفائدة\rقال ابن عاشور :\rقوله تعالى { وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ}\rعطف على قوله : { وآتوا النساء صدقاتهن } [ النساء : 4 ] لدفع توهّم إيجاب أن يؤتى كلّ مال لمالكه من أجل تقدّم الأمر بإتيان الأموال مالكيها مرّتين في قوله : { وآتوا اليتامى أموالهم وآتوا النساء صدقاتهن } [ النساء : 2 ، 4 ].\rأو عطف على قوله : { وآتوا اليتامى } وما بينهما اعتراض.","part":20,"page":43},{"id":8474,"text":"والمقصود بيان الحال التي يمنع فيها السفيه من ماله ، والحال التي يؤتى فيها مالَه ، وقد يقال كان مقتضى الظاهر على هذا الوجه أن يقدّم هنالك حكم منع تسليم مال اليتامى لأنّه أسبق في الحصول ، فيتّجه لمخالفة هذا المقتضى أن نقول قدّم حكم التسليم ، لأنّ الناس أحرص على ضدّه ، فلو ابتدأ بالنهي عن تسليم الأموال للسفهاء لاتّخذه الظالمون حجّة لهم ، وتظاهروا بأنّهم إنّما يمنعون الأيتام أموالهم خشية من استمرار السفه فيهم ، كما يفعله الآن كثير من الأوصياء والمقدّمين غير الأتقياء ، إذ يتصدّون للمعارضة في بيّنات ثبوت الرشد لمجرّد الشغب وإملال المحاجير من طلب حقوقهم. أ هـ {التحرير والتنوير حـ 4 صـ 25}\rفصل\rقال القرطبى :\rلما أمر الله تعالى بدفع أموال اليتامى إليهم في قوله { وَآتُواْ اليتامى أَمْوَالَهُمْ } [ النساء : 2 ] وإيصال الصّدُقات إلى الزوجات ، بيّن أن السفيه وغيرَ البالغ لا يجوز دفعُ ماله إليه.\rفدلّت الآية على ثبوت الوَصيّ والوَلِيّ والكفيل للأيتام.\rوأجمع أهل العلم على أن الوصية إلى المسلم الحرّ الثّقةِ العدل جائزةٌ.\rواختلفوا في الوصيّة إلى المرأة الحرة ؛ فقال عَوَامّ أهل العلم : الوصيّة لها جائزةٌ.\rواحتج أحمد بأن عمر رضي الله عنه أوصى إلى حفصة.\rورُوي عن عطاء بن أبي رَباح أنه قال في رجل أوْصى إلى امرأته قال : لا تكون المرأة وصيّاً ؛ فإن فعل حُوّلت إلى رجل من قومه.\rواختلفوا في الوصيّة إلى العبد ، فمنعه الشافعيّ وأبو ثور ومحمد ويعقوب.\rوأجازه مالك والأوزاعيّ وابن عبد الحَكَم.\rوهو قول النخعِيّ إذا أوصى إلى عبده.\rوقد مضى القول في هذا في \"البقرة\" مستوفى. أ هـ {تفسير القرطبى حـ 5 صـ 27 ـ 28}","part":20,"page":44},{"id":8475,"text":"فصل\rقال الفخر :\rفي الآية قولان :\rالأول : أنها خطاب الأولياء فكأنه تعالى قال : أيها الأولياء لا تؤتوا الذين يكونون تحت ولايتكم وكانوا سفهاء أموالهم.\rوالدليل على أنه خطاب الأولياء قوله : {وارزقوهم فِيهَا واكسوهم} وأيضا فعلى هذا القول يحسن تعلق الآية بما قبلها كما قررناه.\rفإن قيل : فعلى هذا الوجه كان يجب أن يقال : ولا تؤتوا السفهاء أموالهم ، فلم قال أموالكم ؟\rقلنا : في الجواب وجهان :\rالأول : أنه تعالى أضاف المال إليهم لا لأنهم ملكوه ، لكن من حيث ملكوا التصرف فيه ، ويكفي في حسن الاضافة أدنى سبب ، الثاني : إنما حسنت هذه الاضافة إجراء للوحدة بالنوع مجرى الوحدة بالشخص ، ونظيره قوله تعالى : {لَقَدْ جَاءكُمْ رَسُولٌ مّنْ أَنفُسِكُمْ} [ التوبة : 128 ] وقوله : {وَمَا مَلَكَتْ أيمانكم} [ النساء : 36 ] وقوله : {فاقتلوا أَنفُسَكُمْ} وقوله : {ثُمَّ أَنتُمْ هؤلاء تَقْتُلُونَ أَنفُسَكُمْ} [ البقرة : 85 ] ومعلوم أن الرجل منهم ما كان يقتل نفسه ، ولكن كان بعضهم يقتل بعضا ، وكان الكل من نوع واحد ، فكذا ههنا المال شيء ينتفع به نوع الإنسان ويحتاج إليه.\rفلأجل هذه الوحدة النوعية حسنت إضافة أموال السفهاء إلى أوليائهم.","part":20,"page":45},{"id":8476,"text":"والقول الثاني : أن هذه الآية خطاب الآباء فنهاهم الله تعالى إذا كان أولادهم سفهاء لا يستقلون بحفظ المال وإصلاحه أن يدفعوا أموالهم أو بعضها إليهم ، لما كان في ذلك من الافساد ، فعلى هذا الوجه يكون إضافة الأموال إليهم حقيقة ، وعلى هذا القول يكون الغرض من الآية الحث على حفظ المال والسعي في أن لا يضيع ولا يهلك ، وذلك يدل على أنه ليس له أن يأكل جميع أمواله ويهلكها ، وإذا قرب أجله فإنه يجب عليه أن يوصي بماله إلى أمين يحفظ ذلك المال على ورثته ، وقد ذكرنا أن القول الأول أرجح لوجهين ، ومما يدل على هذا الترجيح أن ظاهر النهي للتحريم ، وأجمعت الأمة على أنه لا يحرم عليه أن يهب من أولاده الصغار ومن النسوان ما شاء من ماله ، وأجمعوا على أنه يحرم على الولي أن يدفع إلى السفهاء أموالهم ، وإذا كان كذلك وجب حمل الآية على القول الأول لا على هذا القول الثاني والله أعلم.\rالثاني : أنه قال في آخر الآية : {وَقُولُواْ لَهُمْ قَوْلاً مَّعْرُوفاً} ولا شك أن هذه الوصية بالأيتام أشبه ، لأن المرء مشفق بطبعه على ولده ، فلا يقول له إلا المعروف ، وإنما يحتاج إلى هذه الوصية مع الأيتام الأجانب ، ولا يمتنع أيضا حمل الآية على كلا الوجهين.\rقال القاضي : هذا بعيد لأنه يقتضي حمل قوله : {أموالكم} على الحقيقة والمجاز جميعا ، ويمكن أن يجاب عنه بأن قوله : {أموالكم} يفيد كون تلك الأموال مختصة بهم اختصاصا يمكنه التصرف فيها ، ثم إن هذا الاختصاص حاصل في المال الذي يكون مملوكا له ، وفي المال الذي يكون مملوكا للصبي ، إلا أنه يجب تصرفه ، فهذا التفاوت واقع في مفهوم خارج من المفهوم المستفاد من قوله : {أموالكم} وإذا كان كذلك لم يبعد حمل اللفظ عليهما من حيث أن اللفظ أفاد معنى واحدا مشتركا بينهما. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 9 صـ 149 ـ 150}\r","part":20,"page":46},{"id":8477,"text":"وقال أبو السعود : \rوالخطابُ للأولياء ، نُهوا أن يؤتوا المبذرين من اليتامى أموالَهم مخافةَ أن يضيِّعوها وإنما أضيفت إليهم وهي لليتامى لا نظراً إلى كونها تحتَ ولايتِهم كما قيل فإنه غيرُ مصحِّحٍ لاتصافها بالوصف الآتي بل تنزيلاً لاختصاصها بأصحابها منزلةَ اختصاصِها بالأولياء ، فكأن أموالَهم عينُ أموالِهم لما بينهم وبينهم من الاتحاد الجنسيِّ والنَّسَبي مبالغةً في حملهم على المحافظة عليها كما في قوله تعالى : { وَلاَ تَقْتُلُواْ أَنفُسَكُمْ } أي لا يقتُلْ بعضُكم بعضاً حيث عبّر عن بني نوعِهم بأنفسهم مبالغةً في زجرهم عن قتلهم فكأن قتلَهم قتلُ أنفسِهم ، وقد أيد ذلك حيث عبّر عن جعلها مناطاً لمعاشِ الأولياء فقيل : { التى جَعَلَ الله لَكُمْ قياما } أي جعلها الله شيئاً تقومون به وتنتعشون على حذف الأولِ ، فلو ضيَّعتُموه لضِعْتم ثم زيد في المبالغة حتى جُعل ما به القيامُ قياماً فكأنها في أنفسها قيامُكم وانتعاشُكم ، وقيل : إنما أضيفت إلى الأولياء لأنها من جنس ما يقيم به الناسُ معايشَهم حيث لم يُقصَدْ بها الخصوصيةُ الشخصيةُ بل الجنسيةُ التي هي معنى ما يقام به المعاشُ وتميل إليه القلوبُ ويُدّخر لأوقات الاحتياج ، وهي بهذا الاعتبارِ لا تختص باليتامى ، وأنت خبيرٌ بأن ذلك بمعزل من حمل الأولياءِ على المحافظة المذكورةِ كيف لا والوحدةُ الجنسيةُ الماليةُ ليست مختصّةً بما بين أموال اليتامى وأموالِ الأولياءِ بل هي متحققةٌ بين أموالِهم وأموالِ الأجانبِ. أ هـ {تفسير أبى السعود حـ 2 صـ 144}","part":20,"page":47},{"id":8478,"text":"لطيفة\rقال ابن عاشور :\rوأضيفت الأموال إلى ضمير المخاطبين بـ ( يا أيّها الناس ) إشارة بديعة إلى أنّ المال الرائج بين الناس هو حقّ لمالكية المختصّين به في ظاهر الأمر ، ولكنّه عند التأمّل تلوح فيه حقوق الأمة جمعاء لأنّ في حصوله منفعة للأمّة كلّها ، لأنّ ما في أيدي بعض أفرادها من الثروة يعود إلى الجميع بالصالحة ، فمن تلك الأموال يُنفق أربابها ويستأجرون ويشترون ويتصدّقون ثم تورث عنهم إذا ماتوا فينتقل المال بذلك من يد إلى غيرها فينتفع العاجز والعامل والتاجر والفقير وذو الكفاف ، ومتى قلَّت الأموال من أيدي الناس تقاربوا في الحاجة والخصاصة ، فأصبحوا في ضنك وبؤس ، واحتاجوا إلى قبيلة أو أمّة أخرى وذلك من أسباب ابتزاز عزّهم ، وامتلاك بلادهم ، وتصيير منافعهم لخدمة غيرهم ، فلأجل هاته الحكمة أضاف الله تعالى الأموال إلى جميع المخاطبين ليكون لهم الحقّ في إقامة الأحكام التي تحفظ الأموال والثروة العامة.\rوهذه إشارة لا أحسب أنّ حكيماً من حكماء الاقتصاد سبق القرآن إلى بيانها.\rوقد أبْعَدَ جماعة جعلوا الإضافة لأدنى ملابسة ، لأنّ الأموال في يد الأولياء ، وجعلوا الخطاب للأولياء خاصّة.\rوجماعة جعلوا الإضافة للمخاطبين لأنّ الأموال من نوع أموالهم ، وإن لم تكن أموالهم حقيقة ، وإليه مال الزمخشري.\rوجماعة جعلوا الإضافة لأنّ السفهاء من نوع المخاطبين فكأنّ أموالَهم أموالُهم وإليه مال فخر الدين.\rوقارب ابن العرب إذ قال : \"لأنّ الأموال مشتركة بين الخلق تنتقل من يد إلى يد وتخرج من ملك إلى ملك\" وبما ذكرته من البيان كان لكلمته هذه شأن.","part":20,"page":48},{"id":8479,"text":"وأبعَدَ فريق آخرون فجعلوا الإضافة حقيقية أي لا تؤتوا يا أصحاب الأموال أموالكم لمن يضيعها من أولادكم ونسائكم ، وهذا أبعد الوجوه ، ولا إخال الحامل على هذا التقدير إلاّ الحيرة في وجه الجمع بين كون الممنوعين من الأموال السفهاء ، وبين إضافة تلك الأموال إلى ضمير المخاطبين ، وإنّما وصفته بالبعد لأنّ قائله جعله هو المقصود من الآية ولو جعله وجهاً جائزاً يقوم من لفظ الآية لكان له وجه وجيه بناء على ما تقرّر في المقدّمة التاسعة. أ هـ {التحرير والتنوير حـ 4 صـ 26}\rفصل\rقال الفخر :\rذكروا في المراد بالسفهاء أوجها :\rالأول : قال مجاهد وجويبر عن الضحاك السفهاء ههنا النساء سواء كن أزواجا أو أمهات أو بنات.\rوهذا مذهب ابن عمر ، ويدل على هذا ما روى أبو أمامة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : \" ألا إنما خلقت النار للسفهاء يقولها ثلاثا ألا وإن السفهاء النساء إلا امرأة أطاعت قيمها \"\rفإن قيل : لو كان المراد بالسفهاء النساء لقال : السفائه.\rأو السفيهات في جمع السفيهة نحو غرائب وغريبات في جمع الغريبة.\rأجاب الزجاج : بأن السفهاء في جمع السفيهة جائز كما أن الفقراء في جمع الفقيرة جائز.\rوالقول الثاني : قال الزهري وابن زيد : عني بالسفهاء ههنا السفهاء من الأولاد ، يقول : لا تعط مالك الذي هو قيامك ، ولدك السفيه فيفسده.\rالقول الثالث : المراد بالسفهاء هم النساء والصبيان في قول ابن عباس والحسن وقتادة وسعيد ابن جبير ، قالوا إذا علم الرجل أن امرأته سفيهة مفسدة ، وأن ولده سفيه مفسد فلا ينبغي له أن يسلط واحدا منهما على ماله فيفسده.","part":20,"page":49},{"id":8480,"text":"والقول الرابع : أن المراد بالسفهاء كل من لم يكن له عقل يفي بحفظ المال ، ويدخل فيه النساء والصبيان والايتام كل من كان موصوفا بهذه الصفة ، وهذا القول أولى لأن التخصيص بغير دليل لا يجوز ، وقد ذكرنا في سورة البقرة أن السفه خفة العقل ، ولذلك سمي الفاسق سفيها لأنه لا وزن له عند أهل الدين والعلم ، ويسمى الناقص العقل سفيها لخفة عقله. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 9 صـ 150 ـ 151}\rقال الطبرى :\rوالصواب من القول في تأويل ذلك عندنا ، أن الله جل ثناؤه عم بقوله : \"ولا تؤتوا السفهاء أموالكم\" ، فلم يخصص سفيهًا دون سفيه. فغير جائز لأحد أن يؤتي سفيهًا ماله ، صبيًا صغيرًا كان أو رجلا كبيرًا ، ذكرًا كان أو أنثى.\rو\"السفيه\" الذي لا يجوز لوليه أن يؤتِّيه ماله ، هو المستحقُّ الحجرَ بتضييعه مالَه وفسادِه وإفسادِه وسوء تدبيره ذلك.\rوإنما قلنا ما قلنا ، من أن المعنيَّ بقوله : \"ولا تؤتوا السفهاء\" هو من وصفنا دون غيره ، لأن الله جل ثناؤه قال في الآية التي تتلوها : \"وابْتَلوا اليتامى حتى إذا بلغوا النكاح فإن آنستم منهم رشدًا فادفعوا إليهم أموالهم\" ، فأمر أولياء اليتامى بدفع أموالهم إليهم إذا بلغوا النكاح وأونس منهم الرشد ، وقد يدخل في\"اليتامى\" الذكور والإناث ، فلم يخصص بالأمر بدفع ما لَهُم من الأموال ، الذكورَ دون الإناث ، ولا الإناث دون الذكور.\rوإذْ كان ذلك كذلك ، فمعلومٌ أن الذين أمر أولياؤهم بدفعهم أموالهم ، إليهم ، وأجيز للمسلمين مبايعتهم ومعاملتهم ، غير الذين أمر أولياؤهم بمنعهم أموالهم ، وحُظِر على المسلمين مداينتهم ومعاملتهم.","part":20,"page":50},{"id":8481,"text":"فإذْ كان ذلك كذلك ، فبيِّنٌ أن\"السفهاء\" الذين نهى الله المؤمنين أن يؤتوهم أموالهم ، هم المستحقون الحجرَ والمستوجبون أن يُولى عليهم أموالهم ، وهم من وصفنا صفتهم قبل ، وأن من عدا ذلك فغير سفيه ، لأن الحجر لا يستحقه من قد بلغ وأونس رشده.\rوأما قول من قال : \"عنى بالسفهاء النساء خاصة\" ، فإنه جعل اللغة على غير وجهها. وذلك أن العرب لا تكاد تجمع\"فعيلا\" على\"فُعَلاء\" إلا في جمع الذكور ، أو الذكور والإناث. وأما إذا أرادوا جمع الإناث خاصة لا ذكران معهم ، جمعوه على : \"فعائل\" و\"فعيلات\" ، مثل : \"غريبة\" ، تجمع\"غرائب\" و\"غريبات\" ، فأما\"الغُرَباء\" ، فجمع\"غريب\". أ هـ {تفسير الطبرى حـ 7 صـ 565 ـ 566}\rفصل\rقال القرطبى :\rواختلف العلماء في أفعال السفيه قبل الحجر عليه ؛ فقال مالك وجميع أصحابه غير ابن القاسم : إنّ فعل السفيه وأمره كلّه جائز حتى يضرب الإمام على يده.\rوهو قول الشافعي وأبي يوسف.\rوقال ابن القاسم : أفعاله غير جائزة وإن لم يضرب عليه الإمام.\rوقال أصْبَغ : إن كان ظاهر السفه فأفعاله مردودة ، وإن كان غير ظاهر السفه فلا تُردّ أفعاله حتى يحجر عليه الإمام.\rواحتج سُحنون لقول مالك بأن قال : لو كانت أفعال السفيه مردودةً قبل الحجر ما احتاج السلطان أن يحجر على أحد.\rوحجة ابن القاسم ما رواه البخاري من حديث جابر : أن رجلاً أعتق عبداً ليس له مال غيره فردّه النبي صلى الله عليه وسلم ولم يكن حجر عليه قبل ذلك.\rالخامسة واختلفوا في الحجر على الكبير ؛ فقال مالك وجمهور الفقهاء : يحجر عليه.","part":20,"page":51},{"id":8482,"text":"وقال أبو حنيفة : لا يحجر على من بلغ عاقلاً إلا أن يكون مفسداً لمالهِ ؛ فإذا كان كذلك مُنع من تسليم المال إليه حتى يبلغ خمساً وعشرين سنة ، فإذا بلغها سُلّم إليه بكل حال ، سواء كان مفسداً أو غير مفسد ؛ لأنه يُحبَل منه لاثنتي عشرة سنة ، ثم يولد له لستة أشهر فيصير جَدّاً وأبا ، وأنا أستحي أن أحجر على مَن يصلح أن يكون جَدّاً.\rوقيل عنه : إن في مدّة المنع من المال إذا بلغ مفسداً ينفذ تصرفه على الإطلاق ، وإنما يُمنع من تسليم المال احتياطا.\rوهذا كله ضعيف في النظر والأثر.\rوقد روى الدَّارَقُطْنِيّ : حدّثنا محمد بن أحمد بن الحسن الصوّاف أخبرنا حامد بن شعيب أخبرنا شُريح بن يونس أخبرنا يعقوب بن إبراهيم هو أبو يوسف القاضي أخبرنا هشام بن عروة عن أبيه أن عبد الله بن جعفر أتى الزبير فقال : إني اشتريت بيع كذا وكذا ، وإن عليّاً يريد أن يأتي أمير المؤمنين فيسأله أن يحجر عليّ فيه.\rفقال الزبير : أنا شريكك في البيع.\rفأتى عليّ عثمان فقال : إن ابن جعفر اشترى بيع كذا وكذا فاحجر عليه.\rفقال الزبير : فأنا شريكه في البيع.\rفقال عثمان : كيف أحجر على رجل في بيعٍ شريكُه فيه الزبير ؟ قال يعقوب : أنا آخذ بالحجر وأراه ، وأحجر وأبطل بيع المحجور عليه وشراءه ، وإذا اشترى أو باع قبل الحجر أجزت بَيعَه.\rقال يعقوب بن إبراهيم : وإن أبا حنيفة لا يحجر ولا يأخذ بالحجر.\rفقول عثمان : كيف أحجر على رجل ، دليل على جواز الحجر على الكبير ؛ فإن عبد الله بن جعفر ولدته أُمّه بأرض الحبشة ، وهو أوّل مولود وُلد في الإسلام بها ، وقدِم مع أبيه على النبيّ صلى الله عليه وسلم عامَ خَيْبر فسمع منه وحفِظ عنه.\rوكانت خيبر سنة خمس من الهجرة.\rوهذا يردّ على أبي حنيفة قوله. أ هـ {تفسير القرطبى حـ 5 صـ 30 ـ 31}","part":20,"page":52},{"id":8483,"text":"فائدة\rقال الفخر :\rليس السفه في هؤلاء صفة ذم ، ولا يفيد معنى العصيان لله تعالى ، وإنما سموا سفهاء لخفة عقولهم ونقصان تمييزهم عن القيام بحفظ الأموال. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 9 صـ 151}\rفصل\rقال الفخر :\rاعلم أنه تعالى أمر المكلفين في مواضع من كتابه بحفظ الأموال ، قال تعالى : {وَلاَ تُبَذّرْ تَبْذِيرًا إِنَّ المبذرين كَانُواْ إخوان الشياطين} [ الإسراء : 26 ، 27 ] وقال تعالى : {وَلاَ تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إلى عُنُقِكَ وَلاَ تَبْسُطْهَا كُلَّ البسط فَتَقْعُدَ مَلُومًا مَّحْسُوراً} [ الإسراء : 29 ] وقال تعالى : {والذين إِذَا أَنفَقُواْ لَمْ يُسْرِفُواْ وَلَمْ يَقْتُرُواْ} [ الفرقان : 67 ] وقد رغب الله في حفظ المال في آية المداينة حيث أمر بالكتابة والاشهاد والرهن ، والعقل أيضاً يؤيد ذلك ، لأن الإنسان ما لم يكن فارغ البال لا يمكنه القيام بتحصيل مصالح الدنيا والآخرة ، ولا يكون فارغ البال إلا بواسطة المال لأن به يتمكن من جلب المنافع ودفع المضار ، فمن أراد الدنيا بهذا الغرض كانت الدنيا في حقه من أعظم الأسباب المعينة له على اكتساب سعادة الآخرة ، أما من أرادها لنفسها ولعينها كانت من أعظم المعوقات عن كسب سعادة الآخرة. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 9 صـ 151}\rقوله تعالى {التى جَعَلَ الله لَكُمْ قياما}\rفصل\rقال الفخر :","part":20,"page":53},{"id":8484,"text":"قوله تعالى : {التى جَعَلَ الله لَكُمْ قياما} معناه أنه لا يحصل قيامكم ولا معاشكم إلا بهذا المال ، فلما كان المال سببا للقيام والاستقلال سماه بالقيام إطلاقا لاسم المسبب على السبب على سبيل المبالغة ، يعني كان هذا المال نفس قيامكم وابتغاء معاشكم ، وقرأ نافع وابن عامر {التى جَعَلَ الله لَكُمْ قَيِّماً} وقد يقال : هذا قيم وقيم ، كما قال : {دينا قيما ملة إبراهيم} [ الأنعام : 161 ] وقرأ عبد الله بن عمر ( قواما ) بالواو ، وقوام الشيء ما يقام به كقولك : ملاك الأمر لما يملك به. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 9 صـ 151}\rوقال ابن عاشور :\rوالمعنى أنّها تقويم عظيم لأحوال الناس.\rوقيل : قيما جمع قِيمة أي التي جعلها الله قيماً أي أثماناً للأشياء ، وليس فيه إيذان بالمعنى الجليل المتقدّم.\rومعنى قوله : { وارزقوهم فيها واكسوهم } واقع موقع الاحتراس أي لا تؤتوهم الأموال إيتاء تصرّف مطلق ، ولكن آتوهم إيّاها بمقدار انتفاعهم من نفقة وكسوة ، ولذلك قال فقهاؤنا : تسلّم للمحجور نفقته وكِسْوته إذا أمن عليها بحسب حاله وماله أ هـ {التحرير والتنوير حـ 4 صـ 27}\rفصل\rقال الفخر :\rقال الشافعي رحمه الله : البالغ إذا كان مبذراً للمال مفسداً له يحجر عليه وقال أبو حنيفة رضي الله عنه : لا يحجر عليه.\rحجة الشافعي : أنه سفيه ، فوجب أن يحجر عليه ، إنما قلنا إنه سفيه ، لأن السفيه في اللغة ، هو من خف وزنه.\rولا شك أن من كان مبذرا للمال مفسداً له من غير فائدة ، فإنه لا يكون له في القلب وقع عند العقلاء ، فكان خفيف الوزن عندهم ، فوجب أن يسمى بالسفيه ، وإذا ثبت هذا لزم اندراجه تحت قوله تعالى : {وَلاَ تُؤْتُواْ السفهاء أموالكم }. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 9 صـ 151}","part":20,"page":54},{"id":8485,"text":"قوله تعالى {وارزقوهم فِيهَا واكسوهم وَقُولُواْ لَهُمْ قَوْلاً مَّعْرُوفاً }\rفصل\rقال الفخر :\rاعلم أنه تعالى إنما أمر بذلك لأن القول الجميل يؤثر في القلب فيزيل السفه ، أما خلاف القول المعروف فإنه يزيد السفيه سفهاً ونقصانا.\rوالمفسرون ذكروا في تفسير القول المعروف وجوها : أحدها : قال ابن جريج ومجاهد : إنه العدة الجميلة من البر والصلة ، وقال ابن عباس : هو مثل أن يقول : إذا ربحت في سفرتي هذه فعلت بك ما انت أهله ، وان غنمت في غزاتي أعطيتك ، وثانيها : قال ابن زيد : إنه الدعاء مثل أن يقول : عافانا الله وإياك بارك الله فيك ، وبالجملة كل ما سكنت إليه النفوس وأحبته من قول وعمل فهو معروف وكل ما أنكرته وكرهته ونفرت منه فهو منكر ، وثالثها : قال الزجاج : المعنى علموهم مع إطعامكم وكسوتكم إياهم أمر دينهم مما يتعلق بالعلم والعمل ، ورابعها : قال القفال رحمه الله القول المعروف هو أنه إن كان المولى عليه صبيا ، فالولي يعرفه أن المال ماله وهو خازن له ، وأنه إذا زال صباه فإنه يرد المال إليه ، ونظير هذه الآية قوله : {فَأَمَّا اليتيم فَلاَ تَقْهَرْ} [ الضحى : 9 ] معناه لا تعاشره بالتسلط عليه كما تعاشر العبيد ، وكذا قوله : {وَإِمَّا تُعْرِضَنَّ عَنْهُمُ ابتغاء رَحْمَةٍ مّن رَّبّكَ تَرْجُوهَا فَقُل لَّهُمْ قَوْلاً مَّيْسُورًا} [ الإسراء : 28 ] وان كان المولى عليه سفيها وعظه ونصحه وحثه على الصلاة ، ورغبه في ترك التبذير والاسراف ، وعرفه أن عاقبة التبذير الفقر والاحتياج إلى الخلق إلى ما يشبه هذا النوع من الكلام ، وهذا الوجه أحسن من سائر الوجوه التى حكيناها. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 9 صـ 152}\rفصل\rقال القرطبى :\rقوله تعالى : { وارزقوهم فِيهَا واكسوهم } قيل : معناه اجعلوا لهم فيها أو أفرضوا لهم فيها.\rوهذا فيمن يلزم الرجل نفقته وكسوته من زوجته وبنيه الأصاغر.","part":20,"page":55},{"id":8486,"text":"فكان هذا دليلاً على وجوب نفقة الولد على الوالد والزوجةِ على زوجها.\rوفي البخاريّ عن أبي هريرة رضي الله عنه قال قال النبيّ صلى الله عليه وسلم : \" أفضل الصدقة ما ترك غنىً واليدُ العليا خير من اليد السفلى وابدأ بمن تَعُول تقول المرأة إمّا أن تُطعمَني وإمّا أن تطلِّقني ويقول العبد أطعمني واستعملني ويقول الابن أطعمني إلى من تَدَعُني \" فقالوا : يا أبا هريرة ، سمعتَ هذا من رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ قال : لا ، هذا من كِيس أبي هريرة!.\rقال المهلّب : النفقة على الأهل والعيال واجبة بإجماع ؛ وهذا الحديث حجة في ذلك.\rقال ابن المنذر : واختلفوا في نفقة من بلغ من الأبناء ولا مال له ولا كَسْب ؛ فقالت طائفة : على الأب أن ينفق على ولدِه الذكور حتى يحتلموا ، وعلى النساء حتى يتزوّجن ويُدخل بهن.\rفإن طلقها بعد البِناء أو مات عنها فلا نفقة لها على أبيها.\rوإن طلّقها قبل البِناء فهي على نفقتها.\rولا نفقة لولد الولد على الجدّ ؛ هذا قول مالك.\rوقالت طائفة : ينفق على ولدِ ولدِه حتى يبلغوا الحُلَم والمحيض.\rثم لا نفقة عليه إلا أن يكونوا زَمْنَى ، وسواء في ذلك الذكور والإناث ما لم يكن لهم أموال ، وسواء في ذلك ولده أو ولد ولده وإن سَفِلوا ما لم يكن لهم أب دونه يقدِر على النفقة عليهم ؛ هذا قول الشافعي.\rوأوجبت طائفة النفقة لجميع الأطفال والبالغين من الرجال والنساء إذا لم يكن لهم أموال يستغنون بها عن نفقة الوالد ؛ على ظاهر\r\" قوله عليه السلام لِهند : \"خُذِي ما يكفيكِ وولدَك بالمعروف\" \" وفي حديث أبي هريرة : \" يقول الابن أطْعِمْنِي إلى مَن تَدَعُني \" يدل على أنه إنما يقول ذلك من لا طاقة له على الكسب والتَّحَرُّف.\r","part":20,"page":56},{"id":8487,"text":"ومن بلغ سِنّ الحُلم فلا يقول ذلك ؛ لأنه قد بلغ حدّ السعي على نفسه والكسب لها ، بدليل قوله تعالى : { حتى إِذَا بَلَغُواْ النِّكَاحَ } [ النساء : 6 ] الآية.\rفجعل بلوغ النكاح حدّاً في ذلك.\rوفي قوله \" \"تقول المرأة إما أن تُطعِمَني وإما أن تُطلِّقني\" \" يردّ على من قال لا يفرّق بالإعسار ويلزم المرأة الصبر ؛ وتتعلّق النفقة بذمّته بحكم الحاكم.\rهذا قول عطاء والزُّهريّ.\rوإليه ذهب الكوفيون متمسّكين بقوله تعالى : { وَإِن كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إلى مَيْسَرَةٍ } [ البقرة : 280 ] قالوا : فوجب أن يُنْظَر إلى أن يُوسِر.\rوقوله تعالى : { وَأَنْكِحُواْ الأيامى مِنْكُمْ } [ النور : 32 ] الآية.\rقالوا : فندب تعالى إلى إنكاح الفقير ؛ فلا يجوز أن يكون الفقر سبباً للفُرْقة وهو مندوب معه إلى النكاح.\rولا حجة لهم في هذه الآية على ما يأتي بيانه في موضعها.\rوالحديث نصٌّ في موضع الخلاف.\rوقيل : الخطاب لولِيّ اليتيم لينفق عليه من ماله الذي له تحت نظره ؛ على ما تقدّم من الخلاف في إضافة المال.\rفالوصيّ ينفق على اليتيم على قدر ماله وحاله ؛ فإن كان صغيراً ومالُه كثير اتخذ له ظِئْراً وحواضنَ ووَسّع عليه في النفقة.\rوإن كان كبيراً قدّر له ناعم اللباس وشهيّ الطعام والخدمَ.\rوإن كان دون ذلك فبِحسَبه.\rوإن كان دون ذلك فخَشِنَ الطعام واللباس قدر الحاجة.\rفإن كان اليتيم فقيراً لا مال له وجب على الإمام القيامُ به من بيت المال ؛ فإن لم يفعل الإمام وجب ذلك على المسلمين الأخصِّ به فالأخص.\rوأُمُّه أخصّ به فيجب عليها إرضاعه والقيامُ به.\rولا ترجع عليه ولا على أحد. أ هـ {تفسير القرطبى حـ 5 صـ 32 ـ 33}. بتصرف يسير.","part":20,"page":57},{"id":8488,"text":"لطيفة\rقال ابن عاشور :\rوعدل عن تعدية { ارزقوهم واكسوهم } بـ ( مِن ) إلى تعديتها بـ ( في ) الدالّة على الظرفية المجازية ، على طريقة الاستعمال في أمثاله ، حين لا يقصد التبعيض الموهم للإنقاص من ذات الشيء ، بل يراد أنّ في جملة الشيء ما يحصل به الفعل : تارة من عينه ، وتارة من ثمنه ، وتارة من نتاجه ، وأنّ ذلك يحصل مكرّراً مستمرّاً.\rوانظر ذلك في قول سَبرة بن عمرو الفَقْعسي :\rنُحابِي بها أكفاءنَا ونُهيِنَها...\rونَشْرَب في أثْمَانِها ونُقامِر\rيريد الإبل التي سيقت إليهم في دية قتيل منهم ، أي نشرب بأثمانها ونقامر ، فإمّا شربنا بجميعها أو ببعضها أو نسترجع منها في القمار ، وهذا معنى بديع في الاستعمال لم يسبق إليه المفسّرون هنا ، فأهمل معظمهم التنبيه على وجه العدول إلى ( في ) ، واهتدى إليه صاحب \"الكشاف\" بعض الاهتداء فقال : أي اجعلوها مكاناً لرزقهم بأن تتّجروا فيها وتتربَّحوا حتّى تكون نفقتهم من الربح لا من صلب المال.\rفقوله : \"لا من صلب المال\" مستدرك ، ولو كان كما قال لاقتضى نهياً عن الإنفاق من صلب المال.","part":20,"page":58},{"id":8489,"text":"وإنّما قال : { وقولوا لهم قولاً معروفاً } ليسلم إعطاؤهم النفقة والكسوة من الأذى ، فإنّ شأن من يُخرج المال من يده أن يستثقل سائل المال ، وذلك سواء في العطايا التي من مال المعطي ، والتي من مال المعطَى ، ولأنّ جانب السفيه ملموز بالهون ، لقلّة تدبيره ، فلعلّ ذلك يحمل ولّيه على القلق من معاشرة اليتيم فيسمعه ما يكره مع أنّ نقصان عقله خلل في الخلقة ، فلا ينبغي أن يشتم عليه ، ولأنّ السفيه غالباً يستنكر منعَ ما يطلبُه من واسع المطالب ، فقد يظهر عليه ، أو يصدر منه كلمات مكروهة لوليّه ، فأمر الله لأجل ذلك كلّه الأولياء بأن لا يبتدئوا محاجيرهم بسَيّىء الكلام ، ولا يجيبوهم بما يسوء ، بل يعظون المحاجير ، ويعلّمونهم طرق الرشاد ما استطاعوا ، ويذكّرونهم بأنّ المال مالهم ، وحفظه حفظ لمصالحهم ، فإنّ في ذلك خيراً كثيراً ، وهو بقاء الكرامة بين الأولياء ومواليهم ، ورجاء انتفاع الموالي بتلك المواعظ في إصلاح حالهم حتّى لا يكونوا كما قال :\rإذا نُهِي السفيهُ جرى إليه...\rوخالف والسفيه إلى خلاف\rوقد شمل القَول المعروف كلّ قول له موقع في حال مقاله.\rوخرج عنه كلّ قول منكر لا يشهد العقل ولا الخُلُق بمصادفته المحزّ ، فالمعروف قد يكون ممّا يكرهه السفيه إذا كان فيه صلاح نفسه. أ هـ {التحرير والتنوير حـ 4 صـ 27 ـ 28}\rفائدة\rقال القرطبى :\rقوله تعالى : { وَقُولُواْ لَهُمْ قَوْلاً مَّعْرُوفاً } أراد تليين الخطاب والوعدَ الجميل.\rواختُلف في القول المعروف ؛ فقيل : معناه ادعوا لهم : بارك الله فيكم ، وحاطكم وصنع لكم ، وأنا ناظر لك ، وهذا الاحتياط يرجع نفعه إليك.\rوقيل : معناه وعِدوهم وَعْداً حسناً ؛ أي إن رشدتم دفعنا إليكم أموالكم.","part":20,"page":59},{"id":8490,"text":"ويقول الأب لابنه : مالي إليك مصيره ، وأنت إن شاء الله صاحبُه إذا ملكت رشدك وعرفت تصرفك. أ هـ {تفسير القرطبى حـ 5 صـ 33}\rفصل في أحكام تتعلق بالحجر\rوفيه مسائل\rالمسألة الأولى : الابتلاء يختلف باختلاف أحوال اليتامى فإن كان ممن يتصرف بالبيع والشراء في الأسواق يدفع إليه شيئاً يسيراً من المال ، وينظر في تصرفه وإن كان ممن لا يتصرف في الأسواق فيختبر بنفقته على أهله وعبيده وأجرائه وتصرفه في أموال داره ، وتختبر المرأة في أمر بيتها وحفظ متاعها وغزلها واستغزالها فإذا رأى حسن تدبير اليتيم وحسن تصرفه في الأمور مرار أو غلب على الظن رشده دفع إليه ماله بعد بلوغه ولا يدفع إليه ماله وإن كان شيخاً يغلب عليه السفه حتى يؤنس منه الرشد.\rالمسألة الثانية : قال الإمام أبو حنيفة : تصرفات الصبي العاقل المميز بإذن الولي صحيحة.\rوقال الشافعي هي غير صحيحة.\rواحتج أبو حنيفة على قوله بهذه الآية وذلك لأن قوله تعالى وابتلوا اليتامى حتى إذا بلغوا النكاح يقتضي أن هذا الابتلاء إنما يحصل قبل البلوغ والمراد من هذا الابتلاء اختبار حاله في جميع تصرفاته فثبت أن قوله وابتلوا اليتامى أمر للأولياء بالإذن لهم في البيع والشراء قبل البلوغ أجاب الشافعي بأن قال ليس المراد وابتلوا اليتامى الإذن لهم في التصرف حال الصغر بدليل قوله فإن آنستم منهم رشداً { فادفعوا إليهم أموالهم } وإنما تدفع إليهم أموالهم بعد البلوغ وإيناس الرشد فثبت بموجب هذه الآية أنه لا يدفع إليه ماله حال الصغر فوجب إن لا يصح تصرفه حال الصغر وإنما المراد من الابتلاء هو اختبار عقله واستكشاف حاله في معرفة المصالح والمفاسد.\rالمسألة الثالثة : في بيان البلوغ وذلك بأربعة أشياء اثنان يشترك فيهما الرجال والنساء.","part":20,"page":60},{"id":8491,"text":"واثنان يختصان بالنساء أما اللذان يشترك فيهما الرجال والنساء فأحدهما بالسن فإذا استكمل المولود خمس عشرة سنة.\rحكم ببلوغه غلاماً كان أو جارية.\rويدل عليه ما روى عن ابن عمر قال : عرضت على رسول الله صلى الله عليه وسلم عام أحد وأنا ابن أربع عشرة سنة فردني.\rثم عرضت عليه عام الخندق وأنا ابن خمس عشرة سنة فأجازني.\rأخرجاه في الصحيحين وهذا قول أكثر أهل العلم.\rوقال أبو حنيفة بلوغ الجارية باستكمال سبع عشرة وبلوغ الغلام باستكمال ثماني عشرة سنة والثاني الاحتلام وهو إنزال المني الدافق سوا أنزل باحتلام أو جماع فإذا وجد ذلك من الصبي أو الجارية حكم ببلوغه لقوله تعالى { وإذا بلغ الأطفال منكم الحلم } ولقوله صلى الله عليه وسلم لمعاذ : \" خذ من كل حالم ديناراً أما نبات الشعر الخشن حول الفرج فهو يدل على البلوغ \" في أولاد المشركين لما روى عن عطية القرظي قال : كنت من سبي قريظة فكانوا ينظرون فمن أنبت الشعر قتل ومن لم ينبت لم يقتل.\rفكنت ممن لم ينبت وهل يكون ذلك علامة عن البلوغ في أولاد المسلمين ؟ فيه قولان : أحدهما أنه يكون بلوغاً كما في أولاد المشركين والثاني لا يكون ذلك بلوغاً في حق أولاد المسلمين لأنه يمكن الوقوف على مواليد أولاد المسلمين والرجوع إلى قول آبائهم بخلاف الكفار فإنه لا يوقف على مواليدهم ولا يقبل في ذلك قول آبائهم لكفرهم فجعل الإنبات الذي هو أمارة البلوغ بلوغاً في حقهم.\rوأما الذي يختص بالنساء فهو الحيض والحبل فإذا حاضت الجارية بعد استكمال تسع سنين حكم ببلوعها وكذلك إذا ولدت حكم ببلوغها قبل الوضع بستة أشهر لأنها أقل مدة الحمل.","part":20,"page":61},{"id":8492,"text":"المسألة الرابعة : في بيان الرشد وهو أن يكون مصلحاً في دينه وماله فالصلاح في الدين هو اجتناب الفواحش والمعاصي التي تسقط بها العدالة والصلاح في المال هو أن لا يكو مبذراً والتبذير أن ينفق ماله فيما لا يكون فيه محمدة دنيوية ولا مثوبة أخروية أو لا يحسن التصرف فيغبن في البيع والشراء.\rفإذا بلغ الصبي وهو مفسد لماله ودينه لم ينفك عنه الحجر ولا ينفذ تصرفه في ماله.\rوبه قال الشافعي وقال أبو حنيفة إذا كان مصلحاً لماله زال عنه الحجر وإن كان مفسداً لدينه وإذا كان لما له مفسداً لا يدفع إليه المال حتى يبلغ خمسة وعشرين سنة غير أنه ينفذ تصرفه قبله والقرآن حجة الشافعي في استدامة الحجر عليه لأن الله تعالى قال { فإن آنستم منهم رشداً فادفعوا إليهم أموالهم } أمر بدفع المال بعد البلوغ وإيناس الرشد والفاسق لا يكون رشيداً وبعد بلوغه خمساً وعشرين سنة وهو مفسد لماله بالإنفاق غير رشيد فوجب أن لا يجوز دفع المال إليه كما قبل بلوغ هذا السن.\rالمسألة الخامسة : إذا بلغ الصبي أو الجارية وأونس منه الرشد زال عنه الحجر ودفع إليه ماله سواء تزوج أو لم يتزوج وقال مالك إن كانت امرأة لا يدفع إليها المال ما لم تتزوج دفع إليها مالها ولا ينفذ تصرفها إلا بإذن الزوج ما لم تكبر وتجرب.\rالمسألة السادسة : إذا بلغ الصبي رشيداً زال عنه الحجر فلو عاد سفيهاً ينظر فإن كان مبذراً لماله حجر عليه وإن كان مفسداً في دينه فعلى وجهين : إحدهما أن يعاد عليه الحجر كما يستدام إذا بلغ وهو بهذه الصفة.\rوالثاني لا يحجر عليه لأن حكم الدوام أقوى من حكم الابتداء.","part":20,"page":62},{"id":8493,"text":"وعند أبي حنيفة لا حجر على الحر العاقل البالغ بحال والدليل على إثبات الحجر من اتفاق الصحابة ما روي عن هشام بن عروة عن أبيه أن عبد الله بن جعفر ابتاع أرضاً سبخة بستين ألف درهم فقال علي : لآتين عثمان ولأحجرن عليك فأتى ابن جعفر الزبير فأعلمه بذلك فقال الزبير أنا شريكك في بيعك فأتى علي عثمان فقال احجر على هذا فقال الزبير أنا شريكه فقال عثمان كيف أحجر على رجل في بيع شريكه فيه الزبير فكان اتفاقاً منهم على جواز الحجر حتى احتال الزبير لدفعه. أ هـ {تفسير الخازن حـ 1 صـ 318 ـ 319}\rفوائد لغوية\rقال ابن عادل :\rأصل تُؤْتُوا تُؤتيوا : تُكْرِموا فاستثقلت الضمةُ على الياءِ وواو الضمير فحذفت الياء لئلا يلتقي ساكنان.\rوالسُّفَهاء جمع : سفيه ، وعن مجاهد : \" المراد بالسُّفَهاءِ \" النِّسَاءِ مَنْ كُنَّ أزواجاً ، أو بنات ، أو أمهات ، وضَعَّفَهُ بَعْضُهُم بأنَّ فَعِيلة إنَّما تُجْمَع على فَعَائلِ أوْ فَعِيلات ، قاله [ أبو البقاء ] وابن عطية ، وقد نقل بعضهم أنَّ سَفَيهةَ تُجْمَعُ : على \" سُفَهَاءَ \" كالمُذكَّر ، وعلى هذا لا يَضْعُفُ قول مُجَاهِدٍ. وجمعُ فَعِيلَةٍ ابن عطية جمع فَعِيلة بِفَعَائِلٍ ، أوْ فَعِيلات ليس بظاهر ، لأنَّهَا يَطَّرد فيها أيْضاً \" فِعَال \" نحو : كريمةٍ ، وَكرامٍ ، وظريفةً ، وظِراف ، وكذلك إطلاقهُ فَعِيلة ، وَكَانَ مِنْ حَقِّه أنْ يقيِّدَها بألاَّ تكون بمعنى : مَفْعُولةٍ ، تَحَرُّزاً من قتيلة فَإنَّها لا تُجْمَعُ على فَعَائِل.","part":20,"page":63},{"id":8494,"text":"والجمهورُ قرؤوا ( الَّتِي ) بلفظِ الإفراد صفةً للأمْوالِ ، وإنْ كانت جَمْعاً ؛ لأنَّهُ تَقَدَّم أنَّ جمع ما لا يعقل من الكثرة ، أو لم يكن له إلا جمعٌ واحدٌ ، الأحسنُ فيه أنْ يُعَامَل مُعَاملةَ الوَاحِدَةِ المؤنَّثة ، والأمْوالِ من هذا القبيل ، لأنَّهَا جمعُ ما لا يُعْقل ، ولم تُجْمَع إلاَّ على أفْعال ، وإنْ كانت بلفظِ القِلَّةِ ؛ لأن المرادَ بها الكثرة.\rوقرأ الحسن والنخعي \" اللاتي \" مطابقةٌ للفظ الجمع ، وكان القياسُ ألاَّ يوصف بـ \" اللاتي \" إلا ما يوصفُ مفرده بـ \" التي \" والأموال لا يوصف مفردها وهو \" مال \" بـ \" التي \".\rوقال الفراء : العرب تقول في النِّساءِ \" اللاتي \" أو جمع \" التي \" نفسها.\rقوله : \" قياماً \" إن قلنا : أن \" جَعَلَ \" بمعنى صَيَّرَ ف \" قياماً \" مفعول ثانٍ ، والأول محذوف ، وهو عائد الموصول والتقدير : الَّتِي جعلها اللهُ ، أي : صَيَّرَها لكم قياماً ، وَإنْ قُلْنَا : إنها بمعنى \" خلق \" ف \" قياماً \" حال ، من ذلك العائد على المحذوف ، والتقدير : جعلها أي : خلقها وأوجدها في حال كونها قياماً.\rوقرأ نافع وابن عامر \" قيماً \" ، وباقي السبعة \" قياماً \" وابن عمر \" قِواماً \" بكسر القاف ، والحسن وعيسى بن عمر \" قَواماً \" بفتحها وَيُرْوَى عَنْ أبي عمرو ، وقرئ \" قِوَماً \" بزنة \" عِنب \".\rفَأَمَّا قراءة نافع وابن عامر ففيها ثلاثة أوجه : \r","part":20,"page":64},{"id":8495,"text":"أحدها : أن \" قِيماً \" مصدر كالقيام وليس مقصوراً منه قال الكسائِيُّ والأخْفشُ والفراء. فهو مصدر بمعنى القيام الذي يُرادُ به الثباتُ والدَّوامُ ، وقد رُدَّ هذا القولُ بأنه كان يَنْبَغِي أن تَصِحَّ الواو لتحضُنها بِتَوسُّطِها ، كما صَحَّت واو \" عِوَض \" \" وحِوَل \" ، وقد أجيبَ عنه بأنه تَبعَ فعله من الإعلال وكما أُعِلَّ فعله أُعِلَّ هو ، ولأنه بمعنى القِيام فَحُمِلَ عليه في الإعلال.\rوَحَكَى الأخفش : \" قِيماً \" و\" قِوَماً \" قال : والقياسُ تصحيحُ الواو ، وإنما اعتلت على وجه الشُّذُوذِ كقولهم : \" ثِيرَة \" وقول بني ضبة \" طِيال \" في جمع طويل ، وقول الجميع \" جِياد \" في جمع جواد ، وإذا أعلّوا \" دِيَماً \" لإعلال \" دِيْمة \" ، فاعتلالُ المصدر لاعتلال فعلِه أوْلى ، ألا تَرَى إلى صِحَّةِ الجمع مع اعتلالِ مُفْرده في معيشة ، ومعايش ، ومقامة ، ومَقَاوِم ، ولم يُصَححوا مَصْدراً أعلُّوا فِعْلهُ.\rالثاني : أنه جمع \" قِيمة \" كـ \" دِيَم \" في جمع \" دِيْمَة \" ، والمعنى : أنَّ الأموال كالقيم للنفوس ؛ لأنَّ بقاءها بها ، وقد رَدَّ الفارسيُّ هذا الوجه ، وإنْ كان هو قول البصريين غير الأخفشِ ، بأنه قد قرئ قوله تعالى : { دِيناً قِيَماً مِّلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفاً } [ الأنعام : 161 ] وقوله : { البيت الحرام قِيَاماً لِّلنَّاسِ } [ المائدة : 97 ]. ولا يصحُّ معنى القيمة فيهما ، وقد رَدَّ عليه الناس بأنَّه لا يلزم من عدم صحَّة معناه في الآيتين المذكورتين ألا يصح هنا ، إذ معناه لائق ، وهناك معنى آخر يليق بالآيتين المذكورتين كما سيأتي إن شاء الله تعالى.\rوأما قراءة باقي السَّبعة فهو مصدرُ \" قام \" والأصلُ \" قِوام \" ، فأبدلت الواوُ ياءً للقاعدةِ المعروفة ، والمعنى : التي جعلها اللهُ سبب قيام أبدانكم أي : بقائها.\r","part":20,"page":65},{"id":8496,"text":"وقال الزَّمخشريُّ : \" أي : تقومون بها وتنتعشون بها \".\rوأما قراءة عبد الله بن عمر ففيها وجهان : \rأحدهما : أنه مصدرُ قَاوَمَ كـ \" لاوَذَ ، لِواذاَ \" صحَّت الواوُ في المصدرِ كما صحَّت في الفعل.\rالثاني : أنه اسم لما يقوم به الشَّيء ، وليس بمصدر كقولهم : \" هذا ملاك الأمر \" أي : ما يملك به الأمر.\rوَأمَّا قراءة الحَسَن ففيها وجهان : \rأحدهما : أنَّه اسم مصدر كالكلام ، والدَّوام ، والسَّلام.\rوالثاني : أنَّهُ لغة من القوام المراد به القامة ، والمعنى : التي جعلها الله سببُ بقاءِ قاماتكم ، يقال : جارية حَسَنةُ القِوام ، والقَوام ، والقمة كله بمعنى واحد.\rوقال أبو حاتم قوام بالفتح خطأ ، قال : لأنَّ القوام امتداد القامة ، وقد تقدَّم تأويلُ ذلك على أنَّ الكسائيَّ قال : هو بمعنى القِوام أي بالكسر ، يعني أنه مصدر ، وَأمَّا \" قِوَماً \" فهو مصدر جاء على الأصلِ ، أعني : الصَّحِيحَ العين كالعِوَض ، والحِوَل.\rقوله : { وارزقوهم فِيهَا واكسوهم }.\rومعنى الرزق : أن أنفقوا عليهم. وقوله \" فيها \" فيه وجهان : \rأحدهما : أنَّ \" في \" على بابها من الظرفية ، أي اجعلوا رزقهم فيها.\rوالثاني : أنها بمعنى \" مِنْ \" ، أي : بعضها والمراد : [ من ] أرباحها بالتجارة. أ هـ {تفسير ابن عادل حـ 6 صـ 179 ـ 184}. بتصرف.","part":20,"page":66},{"id":8497,"text":"من فوائد الجصاص فى الآية\rقال رحمه الله :\rبَابُ دَفْعِ الْمَالِ إلَى السُّفَهَاءِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : { وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمْ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَامًا } قَالَ أَبُو بَكْرٍ : قَدْ اخْتَلَفَ أَهْلُ الْعِلْمِ فِي تَأْوِيلِ هَذِهِ الْآيَةِ ، فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : \" لَا يَقْسِمُ الرَّجُلُ مَالَهُ عَلَى أَوْلَادِهِ فَيَصِيرَ عِيَالًا عَلَيْهِمْ بَعْدَ ؛ إذْ هُمْ عِيَالٌ لَهُ ، وَالْمَرْأَةُ مِنْ أَسْفَهِ السُّفَهَاءِ \" ؛ فَتَأَوَّلَ ابْنُ عَبَّاسٍ الْآيَةَ عَلَى ظَاهِرِهَا وَمُقْتَضَى حَقِيقَتِهَا ؛ لِأَنَّ قَوْله تَعَالَى : { أَمْوَالَكُمْ } يَقْتَضِي خِطَابَ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ بِالنَّهْيِ عَنْ دَفْعِ مَالِهِ إلَى السُّفَهَاءِ لِمَا فِي ذَلِكَ مِنْ تَضْيِيعِهِ ، لِعَجْزِ هَؤُلَاءِ عَنْ الْقِيَامِ بِحِفْظِهِ وَتَثْمِيرِهِ ، وَهُوَ يَعْنِي بِهِ الصِّبْيَانَ وَالنِّسَاءَ الَّذِينَ لَا يُكْمِلُونَ لِحِفْظِ الْمَالِ.\rوَيَدُلُّ ذَلِكَ أَيْضًا عَلَى أَنَّهُ لَا يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يُوَكِّلَ فِي حَيَاتِهِ بِمَالِهِ وَيَجْعَلَهُ فِي يَدِ مَنْ هَذِهِ صِفَتُهُ ، وَأَنْ لَا يُوصِيَ بِهِ إلَى أَمْثَالِهِمْ.\rوَيَدُلُّ أَيْضًا عَلَى أَنَّ وَرَثَتَهُ إذَا كَانُوا صِغَارًا أَنَّهُ لَا يَنْبَغِي أَنْ يُوصِيَ بِمَالِهِ إلَّا إلَى أَمِينٍ مُضْطَلِعٍ بِحِفْظِهِ عَلَيْهِمْ.","part":20,"page":67},{"id":8498,"text":"وَفِيهِ الدَّلَالَةُ عَلَى النَّهْيِ عَنْ تَضْيِيعِ الْمَالِ وَوُجُوبِ حِفْظِهِ وَتَدْبِيرِهِ وَالْقِيَامِ بِهِ ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى : { الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَامًا } فَأَخْبَرَ أَنَّهُ جَعَلَ قِوَامَ أَجْسَادِنَا بِالْمَالِ ، فَمَنْ رَزَقَهُ اللَّهُ مِنْهُ شَيْئًا فَعَلَيْهِ إخْرَاجُ حَقِّ اللَّهِ تَعَالَى مِنْهُ ثُمَّ حِفْظُ مَا بَقِيَ وَتَجَنُّبِ تَضْيِيعِهِ ، وَفِي ذَلِكَ تَرْغِيبٌ مِنْ اللَّهِ تَعَالَى لِعِبَادِهِ فِي إصْلَاحِ الْمَعَاشِ وَحُسْنِ التَّدْبِيرِ.\rوَقَدْ ذَكَرَ اللَّهُ تَعَالَى ذَلِكَ فِي مَوَاضِعَ مِنْ كِتَابِهِ الْعَزِيزِ ، مِنْهُ قَوْله تَعَالَى : { وَلَا تُبَذِّرْ تَبْذِيرًا إنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُوا إخْوَانَ الشَّيَاطِينِ } وقَوْله تَعَالَى : { وَلَا تَجْعَلْ يَدَك مَغْلُولَةً إلَى عُنُقِك وَلَا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُومًا مَحْسُورًا } وقَوْله تَعَالَى : { وَاَلَّذِينَ إذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا } وَمَا أَمَرَ اللَّهُ تَعَالَى بِهِ مِنْ حِفْظِ الْأَمْوَالِ وَتَحْصِينِ الدُّيُونِ بِالشَّهَادَاتِ وَالْكِتَابِ وَالرَّهْنِ عَلَى مَا بَيَّنَّا فِيمَا سَلَفَ.\rوَقَدْ قِيلَ فِي قَوْله تَعَالَى : { الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَامًا } يَعْنِي أَنَّهُ جَعَلَكُمْ قَوَامًا عَلَيْهَا فَلَا تَجْعَلُوهَا فِي يَدِ مَنْ يُضَيِّعُهَا.","part":20,"page":68},{"id":8499,"text":"وَالْوَجْهُ الثَّانِي مِنْ التَّأْوِيلِ : مَا رُوِيَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ أَنَّهُ أَرَادَ : لَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَهُمْ ، وَإِنَّمَا أَضَافَهَا إلَيْهِمْ كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : { وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ } يَعْنِي : لَا يَقْتُلْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا ، وقَوْله تَعَالَى : { فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ } وقَوْله تَعَالَى : { فَإِذَا دَخَلْتُمْ بُيُوتًا فَسَلِّمُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ } يُرِيدُ : مَنْ يَكُونُ فِيهَا.\rوَعَلَى هَذَا التَّأْوِيلِ يَكُونُ السُّفَهَاءُ مَحْجُورًا عَلَيْهِمْ فَيَكُونُونَ مَمْنُوعِينَ مِنْ أَمْوَالِهِمْ إلَى أَنْ يَزُولَ السَّفَهُ.\rوَقَدْ اُخْتُلِفَ فِي مَعْنَى السُّفَهَاءِ هَهُنَا ، فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : \" السَّفِيهُ مِنْ وَلَدِك وَعِيَالِك \" وَقَالَ : \" الْمَرْأَةُ مِنْ أَسْفَهِ السُّفَهَاءِ \".\rوَقَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ وَالْحَسَنُ وَالسُّدِّيُّ وَالضَّحَّاكُ وَقَتَادَةُ : \" النِّسَاءُ وَالصِّبْيَانُ \".\rوَقَالَ بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ : \" كُلُّ مَنْ يَسْتَحِقُّ صِفَةَ سَفِيهٍ فِي الْمَالِ مِنْ مَحْجُورٍ عَلَيْهِ وَغَيْرِهِ \".\rوَرَوَى الشَّعْبِيُّ عَنْ أَبِي بُرْدَةَ عَنْ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ قَالَ : \" ثَلَاثَةٌ يَدْعُونَ اللَّهَ لَا يُسْتَجَابُ لَهُمْ رَجُلٌ كَانَتْ لَهُ امْرَأَةٌ سَيِّئَةُ الْخُلُقِ فَلَمْ يُطَلِّقْهَا ، وَرَجُلٌ أَعْطَى مَالَهُ سَفِيهًا وَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : { وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمْ } وَرَجُلٌ دَايَنَ رَجُلًا فَلَمْ يُشْهِدْ عَلَيْهِ \".\rوَرُوِيَ عَنْ مُجَاهِدٍ : \" أَنَّ السُّفَهَاءَ النِّسَاءُ \".","part":20,"page":69},{"id":8500,"text":"وَقِيلَ إنَّ أَصْلَ السَّفَهِ خِفَّةُ الْحِلْمِ ، وَلِذَلِكَ سُمِّيَ الْفَاسِقُ سَفِيهًا ؛ لِأَنَّهُ لَا وَزْنَ لَهُ عِنْدَ أَهْلِ الدِّينِ وَالْعِلْمِ ، وَيُسَمَّى النَّاقِصُ الْعَقْلِ سَفِيهًا لِخِفَّةِ عَقْلِهِ ؛ وَلَيْسَ السَّفَهُ فِي هَؤُلَاءِ صِفَةَ ذَمٍّ وَلَا يُفِيدُ مَعْنَى الْعِصْيَانِ لِلَّهِ تَعَالَى ، وَإِنَّمَا سُمُّوا سُفَهَاءَ لِخِفَّةِ عُقُولِهِمْ وَنُقْصَانِ تَمْيِيزِهِمْ عَنْ الْقِيَامِ بِحِفْظِ الْمَالِ.\rفَإِنْ قِيلَ : لَا خِلَافَ أَنَّهُ جَائِزٌ أَنْ نَهَبَ النِّسَاءَ وَالصِّبْيَانَ الْمَالَ ، وَقَدْ أَرَادَ بَشِيرٌ أَنْ يَهَبَ لِابْنِهِ النُّعْمَانِ فَلَمْ يَمْنَعْهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْهُ إلَّا ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُعْطِ سَائِرَ بَنِيهِ مِثْلَهُ ، فَكَيْفَ يَجُوزُ حَمْلُ الْآيَةِ عَلَى مَنْعِ إعْطَاءِ السُّفَهَاءِ أَمْوَالَنَا ؟ قِيلَ لَهُ : لَيْسَ الْمَعْنَى فِيهِ التَّمْلِيكَ وَهِبَةَ الْمَالِ ، وَإِنَّمَا الْمَعْنَى فِيهِ أَنْ نَجْعَلَ الْأَمْوَالَ فِي أَيْدِيهِمْ وَهُمْ غَيْرُ مُضْطَلِعِينَ بِحِفْظِهَا ، وَجَائِزٌ لِلْإِنْسَانِ أَنْ يَهَبَ الصَّغِيرَ وَالْمَرْأَةَ كَمَا يَهَبُ الْكَبِيرَ الْعَاقِلَ وَلَكِنَّهُ يَقْبِضُهُ لَهُ مَنْ يَلِي عَلَيْهِ وَيَحْفَظُ مَالَهُ وَلَا يُضَيِّعُهُ ، وَإِنَّمَا مَنَعَنَا اللَّهُ تَعَالَى بِالْآيَةِ أَنْ نَجْعَلَ أَمْوَالَنَا فِي أَيْدِي الصِّغَارِ وَالنِّسَاءِ الَّتِي لَا يَكْمُلْنَ بِحِفْظِهَا وَتَدْبِيرِهَا.","part":20,"page":70},{"id":8501,"text":"وَقَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ : { وَارْزُقُوهُمْ فِيهَا وَاكْسُوهُمْ } يَعْنِي وَارْزُقُوهُمْ مِنْ هَذِهِ الْأَمْوَالِ ؛ لِأَنَّ \" فِي \" هَهُنَا بِمَعْنَى \" مِنْ \" إذْ كَانَتْ حُرُوفُ الصِّفَاتِ تَتَعَاقَبُ فَيَقُومُ بَعْضُهَا مَقَامَ بَعْضٍ ، كَمَا قَالَ تَعَالَى : { وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَهُمْ إلَى أَمْوَالِكُمْ } وَهُوَ بِمَعْنَى \" مَعَ \" فَنَهَانَا اللَّهُ عَنْ دَفْعِ الْأَمْوَالِ إلَى السُّفَهَاءِ الَّذِينَ لَا يَقُومُونَ بِحِفْظِهَا وَأَمَرَنَا بِأَنْ نَرْزُقَهُمْ مِنْهَا وَنَكْسُوَهُمْ.\rفَإِنْ كَانَ مُرَادُ الْآيَةِ النَّهْيَ عَنْ إعْطَائِهِمْ مَالَنَا عَلَى مَا اقْتَضَى ظَاهِرُهَا فَفِي ذَلِكَ دَلِيلٌ عَلَى وُجُوبِ نَفَقَةِ الْأَوْلَادِ السُّفَهَاءِ وَالزَّوْجَاتِ لِأَمْرِهِ إيَّانَا بِالْإِنْفَاقِ عَلَيْهِمْ مِنْ أَمْوَالِنَا ؛ وَإِنْ كَانَ تَأْوِيلُهَا مَا ذَهَبَ إلَيْهِ الْقَائِلُونَ بِأَنَّ مُرَادَهَا أَنْ لَا نُعْطِيَهُمْ أَمْوَالَهُمْ وَهُمْ سُفَهَاءُ ، فَإِنَّمَا فِيهِ الْأَمْرُ بِالْإِنْفَاقِ عَلَيْهِمْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ.\rوَهَذَا يَدُلُّ عَلَى الْحَجْرِ مِنْ وَجْهَيْنِ : أَحَدُهُمَا : مَنْعُهُمْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ.\rوَالثَّانِي : إجَازَتُهُ تَصَرُّفَنَا عَلَيْهِمْ فِي الْإِنْفَاقِ عَلَيْهِمْ وَشِرَى أَقْوَاتِهِمْ وَكِسْوَتِهِمْ.\rوقَوْله تَعَالَى : { وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلًا مَعْرُوفًا } ، قَالَ مُجَاهِدٌ وَابْنُ جُرَيْجٍ : { قَوْلًا مَعْرُوفًا } عِدَةً جَمِيلَةً بِالْبِرِّ وَالصِّلَةِ عَلَى الْوَجْهِ الَّذِي يَجُوزُ وَيَحْسُنُ.","part":20,"page":71},{"id":8502,"text":"وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُرِيدَ بِهِ إجْمَالَ الْمُخَاطَبَةِ لَهُمْ وَإِلَانَةَ الْقَوْلِ فِيمَا يُخَاطَبُونَ بِهِ ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى : { فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلَا تَقْهَرْ } وَكَقَوْلِهِ : { وَإِمَّا تُعْرِضَنَّ عَنْهُمْ ابْتِغَاءَ رَحْمَةٍ مِنْ رَبِّكَ تَرْجُوهَا فَقُلْ لَهُمْ قَوْلًا مَيْسُورًا }.\rوَقَدْ قِيلَ : إنَّهُ جَائِزٌ أَنْ يَكُونَ الْقَوْلُ الْمَعْرُوفُ هَهُنَا التَّأْدِيبَ وَالتَّنْبِيهَ عَلَى الرُّشْدِ وَالصَّلَاحِ وَالْهِدَايَةِ لِلْأَخْلَاقِ الْحَسَنَةِ ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُرِيدَ بِهِ : إذَا أَعْطَيْتُمُوهُمْ الرِّزْقَ وَالْكِسْوَةَ مِنْ أَمْوَالِكُمْ أَنْ تُجْمِلُوا لَهُمْ الْقَوْلَ وَلَا تُؤْذُوهُمْ بِالتَّذَمُّرِ عَلَيْهِمْ وَالِاسْتِخْفَافِ بِهِمْ ، كَمَا قَالَ تَعَالَى : { وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُولُوا الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينُ فَارْزُقُوهُمْ مِنْهُ وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلًا مَعْرُوفًا } يَعْنِي وَاَللَّهُ أَعْلَمُ إجْمَالَ اللَّفْظِ وَتَرْكَ التَّذَمُّرِ وَالِامْتِنَانِ ؛ وَكَمَا قَالَ تَعَالَى : { لَا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذَى }.\rوَجَائِزٌ أَنْ تَكُونَ هَذِهِ الْمَعَانِي كُلُّهَا مُرَادَةً بِقَوْلِهِ تَعَالَى : { وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلًا مَعْرُوفًا } وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. أ هـ {أحكام القرآن للجصاص حـ 2 صـ 353 ـ 356}\rمن لطائف الإمام القشيرى فى الآية\rقال عليه الرحمة :\r{ وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَامًا وَارْزُقُوهُمْ فِيهَا وَاكْسُوهُمْ وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلًا مَعْرُوفًا (5)}\rالسَّفيه من يمنعك عن الحقِّ ، ويشغلك عن الربِّ.\rوالسَّفيه من العيال والأولاد من تؤثر حظوظَهم على حقوق الله تعالى.","part":20,"page":72},{"id":8504,"text":"قوله : { الَّتِى جَعَلَ اللهُ لَكُمْ قِيَامًا } : حفظ التجمل في الحال أجدى عليكم من التعرض للتبذل والسؤال ، والكدية والاحتيال. وإنما يكون البذل خيراً من الإمساك على تَحرُّرِ القلب والثقةِ بالصبر. فأمّا على نية الكدية وأن تجعل نفسك وعيالك كَلاًّ على الناس فَحِفْظُك ما جعله الله كفايةً لنفسك أَوْلَى ، ثم الجود بفاضل كفايتك.\rقوله : { وَارْزُقُوهُمْ فِيهَا وَاكْسُوهُمْ وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلاً مَّعْرُوفًا } : إذا كان ذات يدك يتسع لكفاية يومهم ويَفْضُل فلا تدَّخره عمّا تدعو إليه حاجتهم معلومك خشيةَ فقرٍ في الغد ، فإِنْ ضاقت يدُك عن الإنفاق فلا يَتَّسِعَنَّ لسانك بالقبيح من المقال.\rويقال إذا دَعَتْكَ نَفْسُك إلى الإنفاق في الباطل فأنت أسفه السفهاء فلا تُطِعْ نَفْسَكَ. أ هـ {لطائف الإشارات حـ 1 صـ 314}","part":20,"page":73},{"id":8505,"text":"قوله تعالى { وَابْتَلُوا الْيَتَامَى حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ فَإِنْ آَنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ وَلَا تَأْكُلُوهَا إِسْرَافًا وَبِدَارًا أَنْ يَكْبَرُوا وَمَنْ كَانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ وَمَنْ كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ فَإِذَا دَفَعْتُمْ إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ فَأَشْهِدُوا عَلَيْهِمْ وَكَفَى بِاللَّهِ حَسِيبًا (6)}\rمناسبة الآية لما قبلها\rقال البقاعى :\rولما نهى عن ذلك البذل للسفهاء أيتاماً كانا أو غيرهم ، بين أنه ليس دائماً بل ما دام السفه قائماً ، فمست الحاجة إلى التعريف بمن يعطي ومن يمنع وكيف عند الدفع ، ولما كان السفه أمراً باطناً لا يعرف إلا بالتصرف ولا سيما في المال ؛ بدأ سبحانه بتعليم ما يتوصلون به إلى معرفته فقال مصرحاً بالأيتام اهتماماً بأمرهم : {وابتلوا اليتامى} أي اختبروهم في أمر الرشد في الدين والمال في مدة مراهقتهم واجعلوا ذلك دأبكم {حتى إذا بلغوا النكاح} أي وقت الحاجة إليه بالاحتلام أو السن {فإن آنستم} أي علمتم علماً أنتم في عظيم تيقنه كأنكم تبصرونه على وجه تحبونه وتطيب أنفسكم به {منهم} أي عند بلوغه {رشداً} أي بذلك التصرف ، ونكره لأن وجود كمال الرشد في أحد يعز وقوعه {فادفعوا إليهم أموالهم} أي لزوال الحاجة إلى الحجر بخوف التبذير ، وأضافها إليهم بعد إضافتها أولاً إلى المعطين إشارة إلى أنه لا يستحقها إلا من يحسن التصرف فيها.\rولما كان الإنسان مجبولاً على نقائص منها الطمع وعدم الشبع لا سيما إذا خالط ، لا سيما إن حصل له إذن ما ؛ أدبه سبحانه بقوله : {ولا تأكلوها} أي بعلة استحقاقكم لذلك بالعمل فيها {إسرافاً} أي مسرفين بالخروج عن القصد في التصرف ووضع الشيء في غير موضعه وإغفال العدل والشفقة {وبداراً} أي مبادرين {أن يكبروا} أي فيأخذوها منكم عند كبرهم فيفوتكم الانتفاع بها ، وكأنه عطف بالواو الدالة على تمكن الوصف وتمامه إشارة إلى عدم المؤاخذة بما يعجز عنه الإنسان المجبول على النقصان مما يجري في الأفعال مجرى الوسوسة في الأقوال \" ولن يشاد الدين أحد إلا غلبه \".","part":20,"page":74},{"id":8506,"text":"ولما أشعر النهي عن أكل الكل بأن لهم في الأكل في الجملة علة مقبولة ، أفصح به في قوله : {ومن كان} أي منكم أيها الأولياء {غنياً فليستعفف} أي يطلب العفة ويوجدها ويظهرها عن الأكل منها جملة ، فيعف عنه بما بسط الله له من رزقه {ومن كان فقيراً} وهو يتعهد مال اليتيم لإصلاحه ، ولما كان يخشى من امتناعه من الأكل منه التفريط فيه بالاشتغال بما يهمه في نفسه ، أخرج الكلام في صيغة الأمر فقال معبراً بالأكل لأنه معظم المقصود : {فليأكل بالمعروف} أي بقدر أجرة سعيه.\rولما كان ذلك ربما أفهم الأمان إلى الرشد بكل اعتبار ، أمر بالحزم - كما في الطبراني الأوسط عن أنس \" احترسوا من الناس بسوء الظن \" - فقال : {فإذا دفعتم إليهم} أي اليتامى {أموالهم} أي التي كانت تحت أيديكم لعجزهم عن حفظها {فأشهدوا عليهم} أي احتياطاً لأن الأحوال تتبدل ، والرشد يتفاوت ، فالإشهاد أقطع للشر ، وأنفع في كل أمر ، والأمر بالإشهاد أزجر للولي عن الخيانة ، لأن من عرف أنه لا يقبل عند الخصام إلا ببينة عف غاية العفة ، واحترز غاية الاحتراز.\rولما كانت الأموال مظنة لميل النفوس ، وكان الحب للشيء يعمي ويصم ؛ ختم الآية بقوله : {وكفى بالله} أي الذي له الحكمة البالغة والقدرة الباهرة والعظمة التي لا مثل لها ، والباء في مثل هذا تأكيد لأن ما قرنت به هو الفاعل حقيقة لا مجازاً - كما إذا أمرنا بالفعل مثلاً {حسيباً} أي محاسباً بليغاً في الحساب ، فهو أبلغ تحذيراً لهم وللأيتام من الخيانة والتعدي ومدّ العين إلى حق الغير. أ هـ {نظم الدرر حـ 2 صـ 216 ـ 217}\rوقال الفخر : \r","part":20,"page":75},{"id":8507,"text":"واعلم أنه تعالى لما أمر من قبل بدفع مال اليتيم إليه بقوله : {وَءاتُواْ اليتامى أموالهم} [ النساء : 2 ] بين بهذه الآية متى يؤتيهم أموالهم ، فذكر هذه الآية وشرط في دفع أموالهم إليهم شرطين : أحدهما : بلوغ النكاح ، والثاني : إيناس الرشد ، ولا بد من ثبوتهما حتى يجوز دفع مالهم إليهم. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 9 صـ 152}\rوقال الآلوسى :\r{ وابتلوا اليتامى } شروع في تعيين وقت تسليم أموال اليتامى إليهم وبيان شرطه بعد الأمر بإيتائها على الإطلاق ، والنهي عنه عند كون أصحابها سفهاء قاله شيخ الإسلام وهو ظاهر على تقدير أن يراد من السفهاء المبذرين بالفعل من اليتامى وأما على تقدير أن يراد بهم اليتامى مطلقاً ووصفهم بالسفه باعتبار ما أشير إليه فيما مرّ ففيه نوع خفاء ، وقيل : إن هذا رجوع إلى بيان الأحكام المتعلقة بأموال اليتامى لا شروع وهو مبني على أن ما تقدم كان مذكوراً على سبيل الاستطراد والخطاب للأولياء. أ هـ {روح المعانى حـ 4 صـ 203 ـ 204}\rفائدة\rقال ابن عاشور :\rيجوز أن يكون جملة { وابتلوا } معطوفة على جملة { ولا تؤتوا السفهاء أموالكم } [ النساء : 5 ] لتنزيلها منها منزلة الغاية للنهي.","part":20,"page":76},{"id":8508,"text":"فإن كان المراد من السفهاء هنالك خصوص اليتامى فيتّجه أن يقال : لماذا عدل عن الضمير إلى الاسم الظاهر وعن الاسم الظاهر المساوي للأوّل إلى التعبير بآخر أخصّ وهو اليتامى ، ويجاب بأنّ العدول عن الإضمار لزيادة الإيضاح والاهتمام بالحكم ، وأنّ العدول عن إعادة لفظ السفهاء إيذان بأنّهم في حالة الابتلاء مرجو كمال عقولهم ، ومتفاءل بزوال السفاهة عنهم ، لئلاّ يلوح شبه تناقض بين وصفهم بالسفه وإيناس الرشد منهم ، وإن كان المراد من السفهاء هنالك أعمّ من اليتامى ، وهو الأظهر ، فيتّجه أن يقال : ما وجه تخصيص حكم الابتلاء والاستيناس باليتامى دون السفهاء ؟ ويجاب بأنّ الإخبار لا يكون إلاّ عند الوقت الذي يرجى فيه تغيّر الحال ، وهو مراهقة البلوغ ، حين يرجى كمال العقل والتنقّل من حال الضعف إلى حال الرشد ، أمّا من كان سفهه في حين الكبر فلا يعرف وقت هو مظنّة لانتقال حاله وابتلائه.\rويجوز أن تكون جملة { وابتلوا } معطوفة على جملة { وآتوا اليتامى أموالهم } [ النساء : 2 ] لبيان كيفية الإيتاء ومقدّماته ، وعليه فالإظهار في قوله : { اليتامى } لبعد ما بين المعاد والضمير ، لو عبّر بالضمير. أ هـ {التحرير والتنوير حـ 4 صـ 28}\rفصل\rقال القرطبى :\rوهذه الآية خطاب للجميع في بيان كيفية دفع أموالهم.\rوقيل : إنها نزلت في ثابت بن رِفاعة وفي عمه.\rوذلك أن رفاعةُ توفي وترك ابنه وهو صغير ، فأتى عمُّ ثابت إلى النبيّ صلى الله عليه وسلم فقال : إن ابن أخي يتيم في حِجْري فما يحلّ لي من ماله ، ومتى أدفع إليه ماله ؟ فأنزل الله تعالى هذه الآية. أ هـ {تفسير القرطبى حـ 5 صـ 34}\rفصل\rقال الفخر :\rقال أبو حنيفة رضي الله تعالى عنه : تصرفات الصبي العاقل المميز بإذن الولي صحيحة ، وقال الشافعي رضي الله تعالى عنه : غير صحيحة ،","part":20,"page":77},{"id":8509,"text":"احتج أبو حنيفة على قوله بهذه الآية ، وذلك لأن قوله : {وابتلوا اليتامى حتى إِذَا بَلَغُواْ النّكَاحَ} يقتضي أن هذا الابتلاء إنما يحصل قبل البلوغ ، والمراد من هذا الابتلاء اختبار حاله في أنه هل له تصرف صالح للبيع والشراء ، وهذا الاختبار إنما يحصل إذا أذن له في البيع والشراء ، وإن لم يكن هذا المعنى نفس الاختبار ، فهو داخل في الاختبار بدليل أنه يصح الاستثناء ، يقال : وابتلوا اليتامى إلا في البيع والشراء ، وحكم الاستثناء إخراج ما لولاه لدخل ، فثبت أن قوله : {فإن آنستم منهم رشداً فادفعوا إليهم أموالهم} أمر للأولياء بأن يأذنوا لهم في البيع والشراء قبل البلوغ ، وذلك يقتضي صحة تصرفاتهم.","part":20,"page":78},{"id":8510,"text":"أجاب الشافعي رضي الله عنه بأن قال : ليس المراد بقوله : {وابتلوا اليتامى} الإذن لهم في التصرف حال الصغر بدليل قوله تعالى بعد ذلك : {وابتلوا اليتامى حتى إِذَا بَلَغُواْ النّكَاحَ فَإِنْ} فإنما أمر بدفع المال إليهم بعد البلوغ وإيناس الرشد ، وإذا ثبت بموجب هذه الآية أنه لا يجوز دفع المال إليه حال الصغر ، وجب أن لا يجوز تصرفه حال الصغر ، لأنه لا قائل بالفرق ، فثبت بما ذكرنا دلالة هذه الآية على قول الشافعي ، وأما الذي احتجوا به ، فجوابه : أن المراد من الابتلاء اختبار عقله واستبراء حاله ، في أنه هل له فهم وعقل وقدرة في معرفة المصالح والمفاسد ، وذلك إذا باع الولي واشترى بحضور الصبي ، ثم يستكشف من الصبي أحوال ذلك البيع والشراء وما فيهما من المصالح والمفاسد ولا شك أن بهذا القدر يحصل الاختبار والابتلاء ، وأيضا : هب أنا سلمنا أنه يدفع إليه شيئا ليبيع أو يشتري ، فلم قلت إن هذا القدر يدل على صحة ذلك البيع والشراء ، بل إذا باع واشترى وحصل به اختبار عقله ، فالولي بعد ذلك يتمم البيع وذلك الشراء ، وهذا محتمل والله أعلم. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 9 صـ 153}\rفائدة\rقال ابن عاشور :\rوالابتلاء هنا : هو اختبار تصرّف اليتيم في المال باتّفاق العلماء ، قال المالكية : يدفع لليتيم شيء من المال يمكنه التصرّف فيه من غير إجحاف ، ويردّ النظر إليه في نفقة الدار شهراً كاملاً ، وإن كانت بنتاً يفوّض إليها ما يفوّض لربّة المنزل ، وضبط أموره ، ومعرفة الجيّد من الرديء ، ونحو ذلك ، بحسب أحوال الأزمان والبيوت.\rوزاد بعض العلماء الاختبار في الدين ، قاله الحسن ، وقتادة ، والشافعي.\rوينبغي أن يكون ذلك غير شرط إذ مقصد الشريعة هنا حفظ المال ، وليس هذا الحكم من آثار كليّة حفظ الدين.","part":20,"page":79},{"id":8511,"text":"وبلوغ النكاح على حذف مضاف ، أي بلوغ وقت النكاح أي التزوّج ، وهو كناية عن الخروج من حالة الصبا للذكر والأنثى ، وللبلوغ علامات معروفة ، عبّر عنها في الآية ببلوغ النكاح بناء على المتعارف عند العرب من التبكير بتزويج البنت عن البلوغ.\rومن طلب الرجل الزواج عند بلوغه ، وبلوغ صلاحية الزواج تختلف باختلاف البلاد في الحرارة والبرودة ، وباختلاف أمزجة أهل البلد الواحد في القوّة والضعف ، والمزاج الدموي والمزاج الصفراوي ، فلذلك أحاله القرآن على بلوغ أمد النكاح. أ هـ {التحرير والتنوير حـ 4 صـ 29}\rوقال القرطبى : \rواختلف العلماء في معنى الاختبار ؛ فقيل : هو أن يتأمّل الوصيُّ أخلاقَ يتيمه ، ويستمع إلى أغراضه ، فيحصل له العلم بنجابته ، والمعرفة بالسعي في مصالحه وضبط ماله ، والإهمال لذلك.\rفإذا توسّم الخير قال علماؤنا وغيرهم : لا بأس أن يدفع إليه شيئاً من ماله يبيح له التصرف فيه ، فإن نمّاه وحسّن النظر فيه فقد وقع الاختبار ، ووجب على الوصيّ تسليمُ جميع ماله إليه.\rوإن أساء النظر فيه وجب عليه إمساك ماله عنده.\rوليس في العلماء من يقول : إنه إذا اختبر الصبيّ فوجده رشيداً ترتفع الولاية عنه ، وأنه يجب دفع ماله إليه وإطلاقُ يده في التصرف ؛ لقوله تعالى : { حتى إِذَا بَلَغُواْ النِّكَاحَ }.\rوقال جماعة من الفقهاء : الصغير لا يخلو من أحد أمرين ؛ إما أن يكون غلاماً أو جارية ؛ فإن كان غلاماً ردّ النظر إليه في نفقة الدار شهراً ، أو أعطاه شيئاً نَزْراً يتصرّف فيه ؛ ليعرف كيف تدبيره وتصرفه ، وهو مع ذلك يراعيه لئلا يتلفه ؛ فإن أتلفه فلا ضمان على الوصيّ.\rفإذا رآه متوخِّياً سلّم إليه ماله وأشهد عليه.","part":20,"page":80},{"id":8512,"text":"وإن كانت جارية ردّ إليها ما يُردّ إلى رَبّة البيت من تدبير بيتها والنظر فيه ، في الاستغزال والاستقصاء على الغزّالات في دفع القطن وأجرته ، واستيفاء الغزل وجودته.\rفإن رآها رشيدة سلّم أيضاً إليها مالَها وأشهد عليها.\rوإلاّ بقيا تحت الحَجْر حتى يُؤنس رُشدهما.\rوقال الحسن ومجاهد وغيرهما : اختبروهم في عقولهم وأديانهم وتَنْمية أموالهم. أ هـ {تفسير القرطبى حـ 5 صـ 34}\rفائدة\rقال الآلوسى :\r{ حتى إِذَا بَلَغُواْ النّكَاحَ } أي إذا بلغوا حدّ البلوغ وهو إما بالاحتلام أو بالسن وهو خمس عشرة سنة عند الشافعي وأبي يوسف ومحمد وهي رواية عن أبي حنيفة وعليها الفتوى عند الحنفية لما أن العادة الفاشية أن الغلام والجارية يصلحان للنكاح وثمرته في هذه المدة ولا يتأخران عنها ، والاستدلال بما أخرجه البيهقي في \"الخلافيات\" من حديث أنس إذا استكمل المولود خمس عشرة سنة كتب ما له وما عليه وأقيمت عليه الحدود ضعيف لأن البيهقي نفسه صرح بأن إسناد الحديث ضعيف ، وشاع عن الإمام الأعظم أن السن للغلام تمام ثماني عشرة سنة وللجارية تمام سبع عشرة سنة ، وله في ذلك قوله تعالى : { حتى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ } [ الأنعام : 152 ] وأشُدّ الصبي ثماني عشرة سنة هكذا قاله ابن عباس وتابعه القتبي ، وهذا أقل ما قيل فيه فيبنى الحكم عليه للتيقن غير أن الإناث نشؤهن وإدراكهن أسرع فنقصنا في حقهن سنة لاشتمالها على الفصول الأربعة التي يوافق واحد منها المزاج لا محالة ، وعنه في الغلام تسع عشرة سنة ، والمراد أن يطعن في التاسعة عشرة ويتم له ثماني عشرة ، وقيل : فيه اختلاف الرواية لذكر حتى يستكمل تسع عشرة سنة.","part":20,"page":81},{"id":8513,"text":"وشاع عن الإمام الشافعي أنه قد جعل الإنبات دليلاً على البلوغ في المشركين خاصة ، وشنع ابن حزم الضال عليه ، والذي ذكره الشافعية أنه إذا أسر مراهق ولم يعلم أنه بالغ فيفعل فيه ما يفعل بالبالغين من قتل ومنّ وفداء بأسرى منّاً أو مال واسترقاق أو غير بالغ فيفعل فيه ما يفعل بالصبيان من الرق يكشف عن سوأته فإن أنبت فله حكم الرجال وإلا فلا وإنما يفعل به ذلك لأنه لا يخبر المسلمين ببلوغه خوفاً من القتل بخلاف المسلم فإنه لا يحتاج إلى معرفة بلوغه بذلك ، ولا يخفى أن هذا لا يصلح محلاً للتشنيع وغاية ما فيه أنه جعل الإنبات سبباً لإجراء أحكام الرجال عليه في هذه المسألة لعدم السبيل إلى معرفة البلوغ فيها وصلاحيته لأن يكون أمارة في الجملة لذلك ظاهرة ، وأما أن فيه أن الإنبات أحد أدلة البلوغ مثل الاحتلام والإحبال والحيض والحبل في الكفار دون المسلمين فلا. أ هـ {روح المعانى حـ 4 صـ 204 ـ 205}\rفائدة\rقال الفخر :\rالمراد من بلوغ النكاح هو الاحتلام المذكور في قوله : {وَإِذَا بَلَغَ الأطفال مِنكُمُ الحلم} [ النور : 59 ] وهو في قول عامة الفقهاء عبارة عن البلوغ مبلغ الرجال الذي عنده يجري على صاحبه القلم ويلزمه الحدود والأحكام ، وإنما سمي الاحتلام بلوغ النكاح لأنه إنزال الماء الدافق الذي يكون في الجماع.\rواعلم أن للبلوغ علامات خمسة : منها ثلاثة مشتركة بين الذكور والإناث ، وهو الاحتلام والسن المخصوص ، ونبات الشعر الخشن على العانة ، واثنان منها مختصان بالنساء ، وهما : الحيض والحبل. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 9 صـ 153}","part":20,"page":82},{"id":8514,"text":"فائدة\rقال ابن عاشور :\rالغالب في بلوغ البنت أنّه أسبق من بلوغ الذكر ، فإن تخلّفت عن وقت مظنّتها فقال الجمهور : يستدلّ بالسنّ الذي لا يتخلّف عنه أقصى البلوغ عادة ، فقال مالك ، في رواية ابن القاسم عنه : هو ثمان عشرة سنة للذكور والإناث ، وروي مثله عن أبي حنيفة في الذكور ، وقال : في الجاري سَبْع عشرة سنة ، وروى غيْر ابن القاسم عن مالك أنّه سبع عشرة سنة.\rوالمشهور عن أبي حنيفة : أنّه تسع عشرة سنة للذكور وسبع عشرة للبنات ، وقال الجمهور : خمس عشرة سنة.\rقاله القاسم بن محمد ، وسالم بن عبد الله بننِ عُمر ، وإسحاق ، والشافعي ، وأحمد ، والأوزاعي ، وابن الماجشون ، وبه قال أصبغ ، وابن وهب ، من أصحاب مالك ، واختاره الأبهري من المالكية ، وتمسّكوا بحديث ابن عمر أنّه عرضَه رسولُ الله يوم بدر وهو ابن أربع عشرة سنة فلم يُجزه ، وعرضه يوم أحُد وهو ابن خمس عشرة فأجازه.\rولا حجّة فيه إذ ليس يلزم أن يكون بلوغ عبد الله بن عمر هو معيار بلوغ عموم المسلمين ، فصادف أن رآه النبي وعليه ملامح الرجال ، فأجازه ، وليس ذكر السنّ في كلام ابن عمر إيماء إلى ضبط الإجازة.\rوقد غفل عن هذا ابن العربي في أحكام القرآن ، فتعجّب من ترك هؤلاء الأيمّة تحديد سنّ البلوغ بخمس عشرة سنة ، والعجبُ منه أشدّ من عجبه منهم ، فإنّ قضية ابن عمر قضية عَين ، وخلاف العلماء في قضايا الأعيان مَعلوم ، واستدلّ الشافعية بما روى أنّ النبي قال : إذا استكمل الولد خمس عشرة سنة كتب ما لَه وما عليه ، وأقيمت عليه الحدود.\rوهو حديث ضعيف لا ينبغي الاستدلال به.\rووقت الابتلاء يكون بعد التمييز لا محالة ، وقبل البلوغ : قاله ابن الموّاز عن مالك ، ولعلّ وجهه أنّ الابتلاء قبل البلوغ فيه تعريض بالمال للإضاعة لأنّ عقل اليتيم غير كامل ، وقال البغداديون من المالكية : الابتلاء قبل البلوغ.","part":20,"page":83},{"id":8515,"text":"وعبّر عن استكمال قوّة النماء الطبيعي ببلغوا النكاح } ، فأسند البلوغ إلى ذواتهم لأنّ ذلك الوقت يدعو الرجل للتزوّج ويدعو أولياء البنت لتزويجها ، فهو البلوغ المتعارف الذي لا متأخّر بعده ، فلا يشكل بأنّ الناس قد يزوّجون بناتهم قبل سنّ البلوغ ، وأبناءهم أيضاً في بعض الأحوال ، لأنّ ذلك تعجّل من الأولياء لأغراض عارضة ، وليس بلوغاً من الأبناء أو البنات. أ هـ {التحرير والتنوير حـ 4 صـ 29 ـ 30}\rقوله تعالى { فَإِنْ ءانَسْتُمْ }\rفصل\rقال الفخر :\rأما إيناس الرشد فلا بد فيه من تفسير الإيناس ومن تفسير الرشد ، أما الايناس فقوله : {ءانَسْتُمْ} أي عرفتم وقيل : رأيتم ، وأصل الإيناس في اللغة الإبصار ، ومنه قوله : {ءَانَسَ مِن جَانِبِ الطور نَاراً} [ القصص : 29 ] وأما الرشد فمعلوم أنه ليس المراد الرشد الذي لا تعلق له بصلاح ماله ، بل لا بد وأن يكون هذا مراداً ، وهو أن يعلم أنه مصلح لما له حتى لا يقع منه إسراف ولا يكون بحيث يقدر الغير على خديعته ، ثم اختلفوا في أنه هل يضم إليه الصلاح في الدين ؟ فعند الشافعي رضي الله عنه لا بد منه ، وعند أبي حنيفة رضي الله عنه هو غير معتبر ، والأول أولى ، ويدل عليه وجوه : أحدها : أن أهل اللغة قالوا : الرشد هو إصابة الخير ، والمفسد في دينه لا يكون مصيباً للخير.\rوثانيها : أن الرشد نقيض الغي قال تعالى : {قَد تَّبَيَّنَ الرشد مِنَ الغي} [ البقرة : 256 ] والغي هو الضلال والفساد وقال تعالى : {وعصى ءادَمَ رَبَّهُ فغوى} [ طه : 121 ] فجعل العاصي غويا ، وهذا يدل على أن الرشد لا يتحقق إلا مع الصلاح في الدين ، وثالثها : أنه تعالى قال : {وَمَا أَمْرُ فِرْعَوْنَ بِرَشِيدٍ} [ هود : 97 ] نفي الرشد عنه لأنه ما كان يراعي مصالح الدين ، والله أعلم.","part":20,"page":84},{"id":8516,"text":"إذا عرفت هذا فنقول : فائدة هذا الاختلاف أن الشافعي رحمه الله يرى الحجر على الفاسق ، وأبو حنيفة رضي الله عنه لا يراه. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 9 صـ 153 ـ 154}\rفصل\rقال الآلوسى :\r{ فَإِنْ ءانَسْتُمْ } أي أحسستم قاله مجاهد وأصل معنى الاستئناس كما قال الشهاب النظر من بعد وضع اليد على العين إلى قادم ونحوه ما يؤنس به ، ثم عم في كلامهم قال الشاعر :\r( آنست ) نبأة وأفزعها الق...\rناص عصراً وقد دنا الإمساء\rثم استعير للتبين أي علم الشيء بينا ، وزعم بعضهم أن أصله الإبصار مطلقاً وأنه أخذ من إنسان العين وهو حدقتها التي يبصر بها ، وهو هنا محتمل لأن يراد منه المعنى المجازي أو المعنى الحقيقي ، وقرأ ابن مسعود أحستم بحاء مفتوحة وسين ساكنة ، وأصله أحسستم بسينين نقلت حركة الأولى إلى الحاء وحذفت لالتقاء الساكنين إحداهما على غير القياس ، وقيل : إنها لغة سليم وإنها مطردة في عين كل فعل مضاعف اتصل بها تاء الضمير ، أو نونه كما في قول أبي زيد الطائي :\rخلا أن العتاق من المطايا...\rأحسن به فهن إليه شوس\r{ مّنْهُمْ رُشْداً } أي اهتداءاً إلى ضبط الأموال وحسن التصرف فيها ، وقيل : صلاحاً في دينهم وحفظاً لأموالهم ، وتقديم الجار والمجرور لما مر غير مرة ، وقرىء ( رشداً ) بفتحتين ، و( رشداً ) بضمتين ، وهما بمعنى رشداً ، وقيل : الرشد بالضم في الأمور الدنيوية والأخروية ، وبالفتح في الأخروية لا غير ، والراشد والرشيد يقال فيهما { فادفعوا إِلَيْهِمْ أموالهم } أي من غير تأخير عن حدّ البلوغ كما تدل عليه الفاء ، وفي إيثار الدفع على الإيتاء في أول الأمر إيذان على ما ذهب إليه البعض بتفاوتهما بحسب المعنى ، وقد تقدم الكلام في ذلك.","part":20,"page":85},{"id":8517,"text":"وظاهر الآية الكريمة أنه لا يدفع إليهم ولو بلغوا ما لم يؤنس منهم الرشد وهو مذهب الشافعي ، وقول الإمامين وبه قال مجاهد ، فقد أخرج ابن المنذر وغيره عنه أنه قال : لا يدفع إلى اليتيم ماله وإن شمط ما لم يؤنس منه رشد ، ونسب إلى الشعبي ، وقال الإمام الأعظم.\rإذا زادت على سن البلوغ سبع سنين وهي مدة معتبرة في تغير الأحوال إذ الطفل يميز بعدها ويؤمر بالعبادة كما في الحديث يدفع إليه ماله ، وإن لم يؤنس الرشد لأن المنع كان لرجاء التأديب فإذا بلغ ذلك السن ولم يتأدب انقطع عنه الرجاء غالباً فلا معنى للحجر بعده وفي \"الكافي\".\rوللإمام الأعظم قوله تعالى : { وَءاتُواْ اليتامى أموالهم } [ النساء : 2 ] ، والمراد بعد البلوغ فهو تنصيص على وجوب دفع المال بعد البلوغ إلا أنه منع عنه ماله قبل هذه المدة بالإجماع ولا إجماع هنا فيجب دفع المال بالنص والتعليق بالشرط لا يوجب العدم عند العدم عندنا على أن الشرط رشد نكرة فإذا صار الشرط في حكم الوجود بوجه وجب جزاؤه ، وأول أحوال البلوغ قد يقارنه السفه باعتبار أثر الصبا وبقاء أثره كبقاء عينه ، وإذا امتد الزمان وظهرت الخبرة والتجربة لم يبق أثر الصبا وحدث ضرب من الرشد لا محالة لأنه حال كمال لبه فقد ورد عن عمر رضي الله تعالى عنه أنه قال : ينتهي لب الرجل إذا بلغ خمساً وعشرين.\rوقال أهل الطباع : من بلغ خمساً وعشرين سنة فقد بلغ أشدّه ألا ترى أنه قد يصير جداً صحيحاً في هذا السن لأن أدنى مدة البلوغ اثنا عشر حولاً وأدنى مدة الحمل ستة أشهر ، ففي هذه المدة يمكن أن يولد له ابن ثم ضعف هذا المبلغ يولد لابنه ابن.","part":20,"page":86},{"id":8518,"text":"وأنت تعلم أن الاستدلال بما ذكر من الآية على الوجه الذي ذكر ظاهر بناءاً على أن المراد بالإيتاء فيها الدفع ، وقد مر الكلام في ذلك ، واعترض على قوله : على أن الشرط الخ بأنه إذا كان ضرب من الرشد كافياً كما يشعر به التنكير وكان ذلك حاصلاً لا محالة في ذلك السن كما هو صريح كلامه ، واستدل عليه بما استدل كان الدفع حينئذ عند إيناس الرشد وهو مذهب الشافعي وقول الإمامين فلم يصح أن يقال : إن مذهب الإمام وجوب دفع مال اليتيم إليه إن أونس منه الرشد أو لم يؤنس ، غاية ما في الباب أنه يبقى خلاف بين الإمام وغيره في أن الرشد المعتبر شرطاً للدفع في الآية ماذا وهو أمر آخر وراء ما شاع عن الإمام رضي الله تعالى عنه في هذه المسألة وأيضاً إن أريد بهذا الضرب من الرشد الذي أشار إليه التنوين هو الرشد في مصلحة المال فكونه لا بد وأن يحصل في سن خمس وعشرين سنة في حيز المنع ، وإن أريد ضرب من الرشد كيفما كان فهو على فرض تسليم حصوله إذ ذاك لا يجدي نفعاً إذ الآية كالصريحة في اشتراط الضرب الأول.","part":20,"page":87},{"id":8519,"text":"فقد قال الفخر : \"لا شك أن المراد من ابتلاء اليتامى المأمور به ابتلاؤهم فيما يتعلق بمصالح حفظ المال ، وقد قال الله تعالى بعد ذلك الأمر { وابتلوا اليتامى حتى إِذَا } فيجب أن يكون المراد فإن آنستم ( منهم ) رشداً في ( حفظ المال و) ( 1 ) ضبط مصالحه فإنه إن لم يكن المراد ذلك تفكك النظم ولم يبق للبعض تعلق بالبعض ، وإذا ثبت هذا علمنا أن الشرط المعتبر في الآية هو حصول الرشد في رعاية مصالح المال ( لا ضرب من الرشد كيف كان ) ، ثم قال : والقياس الجلي يقوي الاستدلال بالآية لأن الصبي إنما منع منه المال لفقدان العقل الهادي إلى كيفية حفظ المال وكيفية الانتفاع به ؛ فإذا كان هذا المعنى حاصلاً في الشاب والشيخ كانا في حكم الصبي\" فوجب أن يمنع دفع المال إليهما إن لم يؤنس منهما الرشد ومنه يعلم ما في التعليل السابق أعني قولهم لأن المنع كان لرجاء التأديب الخ من النظر ولقوة كلام المخالف في هذه المسألة شنع الضال ابن حزم كعادته مع سائر أئمة الدين على الإمام الأعظم رضي الله تعالى عنه ، وتابعه في ذلك سفهاء الشيعة كيوسف الأوالي وغيره ولا يخفى أن المسألة من الفروع ، وكم لابن حزم وأتباعه فيها من المخالفات للكتاب والسنة ومتمسكهم في ذلك بما هو أوهى وأوهن من بيت العنكبوت.","part":20,"page":88},{"id":8520,"text":"ومن أمعن النظر فيما ذهب إليه الإمام علم أن نظره رضي الله تعالى عنه في ذلك دقيق لأن اليتيم بعد أن بلغ مبلغ الرجال واعتبر إيمانه وكفره وصار مورد الخطابات الالهاية والتكاليف الشرعية وسلم الله تعالى إليه نفسه يتصرف بها حسب اختياره المترتب عليه المدح والذم والثواب والعقاب كان منع ماله عنه وتصرف الغير به أشبه الأشياء بالظلم ، ثم هذا وإن اقتضى دفع المال إليه بعد البلوغ مطلقاً من غير تأخير إلى بلوغه سن خمس وعشرين فيمن بلغ غير رشيد إلا أنا أخرنا الدفع إلى هذه المدة للتأديب ورجاء الرشد والكف عن السفه وما فيه تبذير المال وإفساده ، ونظير ذلك من وجه أخذ أموال البغاة وحبسها عنهم ليفيئوا ، واعتبرت الزيادة سبع سنين لأنها كما تقدم مدة معتبرة في تغير الأحوال ، والعشر مثلاً وإن كانت كذلك كما يشير إليه قوله صلى الله عليه وسلم : \" مروا أولادكم بالصلاة وهم أبناء سبع سنين واضربوهم عليها وهم أبناء عشر سنين وفرقوا بينهم في المضاجع \" إلا أنا اعتبرنا الأقل لأنه كاف في الغرض غالباً ، ولا يرد أن المنع يدور مع السفه لأنا لا نسلم أنه يدور مع السفه مطلقاً بل مع سفه الصبا ولا نسلم بقاءه بعد تلك المدة على أن التعليق بالشرط لا يوجب العدم عند عدمه عندنا فأصل الدوران حينئذ ممنوع ، وعلى هذا لا معنى للتشنيع على الإمام الأعظم رضي الله تعالى عنه فيما ذهب إليه.","part":20,"page":89},{"id":8521,"text":"ويؤيد مذهبه أيضاً قوله تعالى : { وَلاَ تَأْكُلُوهَا إِسْرَافاً وَبِدَاراً أَن يَكْبَرُواْ } فإنه مشير إلى أنه لا يمنع مال اليتيم عنه إذا كبر ، إذ المعنى لا تأكلوا أموالهم مسرفين ومبادرين كبرهم بأن تفرطوا في إنفاقها وتقولوا ننفق كما نشتهي قبل أن يكبر اليتامى فينتزعوها من أيدينا إلا أنه قدر الكبر فيمن بلغ سفيها بما تقدم لما تقدم ، فافهم ذاك والله تعالى يتولى هداك. أ هـ {روح المعانى حـ 4 صـ 205 ـ 207}\rوقال ابن عاشور : \rوقوله : { فإن آنستم منهم رشداً } شرط ثان مقيّد للشرط الأول المستفاد من { إذا بَلغوا }.\rوهو وجوابه جواب ( إذا ) ، ولذلك قرن بالفاء ليكون نصّاً في الجواب ، وتكون ( إذا ) نصّاً في الشرط ، فإنّ جواب ( إذا ) مستغن عن الربط بالفاء لولا قصد التنصيص على الشرطية.\rوجاءت الآية على هذا التركيب لتدلّ على أنّ انتهاء الحجر إلى البلوغ بالأصالة ، ولكن بشرط أن يُعرف من المحجور الرشد ، وكلّ ذلك قطع لمعاذير الأوصياء من أن يمسكوا أموال محاجيرهم عندهم مدّة لزيادة التمتّع بها.\rويتحصّل من معنى اجتماع الشرطين في الكلام هنا ، إذ كان بدون عطف ظاهر أو مقدّر بالقرينة ، أنّ مجموعهما سبب لتسليم المال إلى المحجور ، فلا يكفي حصول أحدهما ولا نظر إلى الذي يحصل منهما ابتداء ، وهي القاعدة العامّة في كلّ جملة شرط بنيت على جملة شرط آخر ، فلا دلالة لهما إلاّ على لزوم حصول الأمرين في مشروط واحد ، وعلى هذا جرى قول المالكية ، وإماممِ الحرمين.\rومن العلماء من زعم أنّ ترتيب الشرطين يفيد كون الثاني منهما في الذكر هو الأوّل في الحصول.","part":20,"page":90},{"id":8522,"text":"ونسبه الزجّاجي في كتاب \"الأذكار\" إلى ثعلب ، واختاره ابن مالك وقال به من الشافعية : البغوي ، والغزالي في الوسيط ، ومن العلماء من زعم أنّ ترتيب الشرطين في الحصول يكون على نحو ترتيبهما في اللفظ ، ونسبه الشافعية إلى القفّال ، والقاضي الحسين ، والغزالي في \"الوجيز\" ، والإمام الرازي في \"النهاية\" ، وبنوا على ذلك فروعاً في تعليق الشرط على الشرط في الإيمان ، وتعليق الطلاق والعتاق ، وقال إمام الحرمين : لا معنى لاعتبار الترتيب ، وهو الحقّ ، فإنّ المقصود حصولها بقطع النظر عن التقدّم والتأخّر ، ولا يظهر أثر للخلاف في الإخبار وإنشاء الأحكام ، كما هنا ، وإنّما قد يظهر له أثر في إنشاء التعاليق في الأيمان ، وأيمان الطلاق والعتاق ، وقد علمت أنّ المالكية لا يرون لذلك تأثيراً.\rوهو الصواب.\rواعلم أنّ هذا إذا قامت القرينة على أنّ المراد جعل الشرطين شرطاً في الجواب ، وذلك إذا تجرّد عن العطف بالواو ولو تقديراً ، فلذلك يتعيّن جعل جملة الشرط الثاني وجوابه جواباً للشرط الأول ، سواء ارتبطت بالفاء كما في هذه الآية أم لم ترتبط ، كما في قوله : { ولا ينفعكم نصحي إن أردت أن أنصح لكم إن كان الله يريد أن يغويكم } [ هود : 34 ].\rوأمّا إذا كان الشرطان على اعتبار الترتيب فلكلّ منهما جواب مستقلّ نحو قوله تعالى : { يأيّها النبي إنا أحللنا لك أزواجك إلى قوله : وامرأة مؤمنة إن وهبت نفسها للنبيء إن أراد النبي أن يستنكحها } [ الأحزاب : 50 ].","part":20,"page":91},{"id":8523,"text":"فقوله : { إن وهبت } شرط في إحلال امرأة مؤمنة له ، وقوله : { إنْ أرَادَ النَّبِىُّ } شرط في انعقاد النكاح ، لئلاّ يتوهّم أنّ هبة المرأة نفسها للنبي تعيِّن عليه تزوّجها ، فتقدير جوابه : إن أراد فله ذلك ، وليسا شرطين للإحلال لظهور أنّ إحلال المرأة لا سبب له في هذه الحالة إلاّ أنّها وهبت نفسها.\rوفي كلتا حالتي الشرط الوارد على شرط يجعل جواب أحدهما محذوفاً دلّ عليه المذكور ، أو جواب أحدهما جواباً للآخر : على الخلاف بين الجمهور والأخفش ، إذ ليس ذلك من تعدّد الشروط وإنَّما يتأتَّى ذلك في نحو قولك : \"إن دخلت دار أبي سفيان ، وإن دخلت المسجد الحرام ، فأنت آمن\" وفي نحو قولك : \"إن صليت إن صمت أُثْبِت\" من كلّ تركيب لا تظهر فيه ملازمة بين الشرطين ، حتَّى يصير أحدهما شرطاً في الآخر.\rهذا تحقيق هذه المسألة الذي أطال فيه كثير وخصّها تقيّ الدين السبكي برسالة وهي مسألة سأل عنها القاضي ابنُ خلكان الشيخ ابن الحاجب كما أشار إليه في ترجمته من كتاب \"الوفيات\" ، ولم يفصّلها ، وفصّلها ، الدماميني في \"حاشية مغني اللبيب\".\rوإيناس الرشد هنا علمه ، وأصل الإيناس رؤية الإنسي أي الإنسان ، ثمّ أطلق على أوّل ما يتبادر من العلم ، سواء في المبصرات ، نحو : { آنس من جانب الطُّور ناراً } [ القصص : 29 ] أم في المسموعات ، نحو قول الحارث بن حلزة في بقرة وحشية : \rءانَسَتْ نَبْأةً وأفْزَعَهَا القُن...\rاصُ عَصْراً وقد دَنا الإمْساء\rوكأنّ اختيار { آنستم } هنا دون علمتم للإشارة إلى أنّه إن حصل أوّل العلم برشدهم يدفع إليهم مالهم دون تراخ ولا مطل. أ هـ {التحرير والتنوير حـ 4 صـ 30 ـ 32}","part":20,"page":92},{"id":8524,"text":"فصل\rقال الفخر :\rاتفقوا على أنه إذا بلغ غير رشيد فإنه لا يدفع إليه ماله ، ثم عند أبي حنيفة لا يدفع إليه ماله حتى يبلغ خمساً وعشرين سنة ، فإذا بلغ ذلك دفع إليه ماله على كل حال ، وإنما اعتبر هذا السن لأن مدة بلوغ الذكر عنده بالسن ثماني عشرة سنة ، فإذا زاد عليه سبع سنين وهي مدة معتبر في تغير أحوال الإنسان لقوله عليه الصلاة والسلام : \" مروهم بالصلاة لسبع \" فعند ذلك تمت المدة التي يمكن فيها حصول تغير الأحوال ، فعندها يدفع إليه ماله ، أونس منه الرشد أو لم يؤنس وقال الشافعي رضي الله عنه : لا يدفع إليه أبدا إلا بايناس الرشد ، وهو قول أبي يوسف ومحمد رحمهما الله.","part":20,"page":93},{"id":8525,"text":"احتج أبو بكر الرازي لأبي حنيفة بهذه الآية فقال : لا شك أن اسم الرشد واقع على العقل في الجملة ، والله تعالى شرط رشداً منكرا ولم يشترط سائر ضروب الرشد ، فاقتضى ظاهر الآية أنه لما حصل العقل فقد حصل ما هو الشرط المذكور في هذه الآية ، فيلزم جواز دفع المال إليه ترك العمل به فيما دون خمس وعشرين سنة ، فوجب العمل بمقتضى الآية فيما زاد على خمس وعشرين سنة ويمكن أن يجاب عنه بأنه تعالى قال : {فإن آنستم منهم رشداً فادفعوا} ولا شك أن المراد ابتلاؤهم فيما يتعلق بمصالح حفظ المال ، ثم قال : {وابتلوا اليتامى حتى إِذَا بَلَغُواْ} ويجب أن يكون المراد : فإن آنستم منهم رشدا في حفظ المال وضبط مصالحه ، فإنه إن لم يكن المراد ذلك تفكك النظم ولم يبق للبعض تعلق بالبعض ، وإذا ثبت هذا علمنا أن الشرط المعتبر في الآية هو حصول الرشد في رعاية مصالح المال ، وعند هذا سقط استدلال أبي بكر الرازي ، بل تنقلب هذه الآية دليلا عليه لأنه جعل رعاية مصالح المال شرطا في جواز دفع المال إليه ، فإذا كان هذا الشرط مفقوداً بعد خمس وعشرين سنة ، وجب أن لا يجوز دفع المال إليه ، والقياس الجلي أيضا يقوي الاستدلال بهذا النص ، لأن الصبي إنما منع منه المال لفقدان العقل الهادي إلى كيفية حفظ المال وكيفية الانتفاع به ، فإذا كان هذا المعنى حاصلا في الشباب والشيخ كان في حكم الصبي ، فثبت أنه لا وجه لقول من يقول : إنه إذا بلغ خمسا وعشرين سنة دفع إليه ماله وان لم يؤنس منه الرشد. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 9 صـ 154}","part":20,"page":94},{"id":8526,"text":"فائدة\rقال ابن عاشور :\rوالتنكير في قوله : { رشداً } تنكير النوعية ، ومعناه إرادة نوع الماهية لأنّ المواهي العقلية متّحدة لا أفراد لها ، وإنّما أفرادها اعتبارية باعتبار تعدد المحَال أو تعدّد المتعلّقات ، فرشد زيد غير رشد عمرو ، والرشد في المال غير الرشد في سياسة الأمّة ، وفي الدعوة إلى الحقّ ، قال تعالى : { وما أمر فرعون برشيد } [ هود : 97 ] ، وقال عن قوم شعيب { إنك لأنت الحليم الرشيد } [ هود : 87 ].\rوماهية الرشد هي انتظام الفكر وصدور الأفعال على نحوه بانتظام ، وقد علم السامعون أنّ المراد هنا الرشد في التصرّف المالي ، فالمراد من النوعية نحو المراد من الجنس ، ولذلك ساوى المعرّف بلام الجنس النكرةَ ، فمن العجائب توهّم الجصّاص أنّ في تنكير ( رشداً ) دليلاً لأبي حنيفة في عدم اشتراط حسن التصرّف واكتفائه بالبلوغ ، بدعوى أنّ الله شرط رشداً مَّا وهو صادق بالعقل إذ العقل رشد في الجملة ، ولم يشترط الرشّد كلّه.\rوهذا ضعف في العربية ، وكيف يمكن العموم في المواهي العقلية المحضة مع أنّها لا أفراد لها. أ هـ {التحرير والتنوير حـ 4 صـ 33}\rفصل\rقال الفخر :\rإذا بلغ رشيدا ثم تغير وصار سفيها حجر عليه عند الشافعي ولا يحجر عليه عند أبي حنيفة وقد مرت هذه المسألة عند قوله تعالى : {وَلاَ تُؤْتُواْ السفهاء أموالكم التى جَعَلَ الله لَكُمْ قياما} [ النساء : 5 ] والقياس الجلي أيضا يدل عليه ، لأن هذه الآية دالة على أنه إذا بلغ غير رشيد لم يدفع إليه ماله ، وإنما لم يدفع إليه ماله لئلا يصير المال ضائعا فيكون باقيا مرصداً ليوم حاجته ، وهذا المعنى قائم في السفه الطارىء ، فوجب اعتباره والله أعلم. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 9 صـ 154}","part":20,"page":95},{"id":8527,"text":"فائدة\rقال الفخر :\rقال صاحب \"الكشاف\" : الفائدة في تنكير الرشد التنبيه على أن المعتبر هو الرشد في التصرف والتجارة ، أو على أن المعتبر هو حصول طرف من الرشد وظهور أثر من آثاره حتى لا ينتظر به تمام الرشد. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 9 صـ 154}\rقوله تعالى {فادفعوا إِلَيْهِمْ أموالهم}\rقال الفخر :\rالمراد أن عند حصول الشرطين أعني البلوغ وإيناس الرشد يجب دفع المال إليهم ، وإنما لم يذكر تعالى مع هذين الشرطين كمال العقل ، لأن إيناس الرشد لا يحصل إلا مع العقل لأنه أمر زائد على العقل. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 9 صـ 155}","part":20,"page":96},{"id":8528,"text":"قال ابن عطية :\rوالتمثيل عندي في دفع المال بنوازل الشرطين غير صحيح ، وذلك أن البلوغ لم تسقه الآية سياق الشرط ، ولكنه حالة الغالب على بني آدم أن تلتئم عقولهم فيها ، فهو الوقت الذي لا يعتبر شرط الرشد إلا فيه ، فقال إذا بلغ ذلك الوقت فلينظر إلى الشرط وهو الرشد حينئذ ، وفصاحة الكلام تدل على ذلك ، لأن التوقيف بالبلوغ جاء ب { إذا } والمشروط جاء ب { إن } التي هي قاعدة حروف الشرط ، و{ إذا } ليست بحرف شرط لحصول ما بعدها ، وأجاز سيبويه أن يجازى بها في الشعر ، وقال : فعلوا ذلك مضطرين ، وإنما جوزي به لأنها تحتاج إلى جواب ، ولأنها يليها الفعل مظهراً أو مضمراً ، واحتج الخليل على منع شرطيتها بحصول ما بعدها ، ألا ترى أنك تقول أجيئك إذا احمر البسر ، ولا تقول : إن احمر البسر ، وقال الحسن وقتادة : الرشد في العقل والدين ، وقال ابن عباس : بل في العقل وتدبير المال لا غير ، وهو قول ابن القاسم في مذهبنا ، والرواية الأخرى : أنه في العقل والدين مروية عن مالك ، وقالت فرقة : دفع الوصي المال إلى المحجور يفتقر إلى أن يرفعه إلى السلطان ويثبت عنده رشده ، أو يكون ممن يأمنه الحاكم في مثل ذلك ، وقالت فرقة : ذلك موكول إلى اجتهاد الوصي دون أن يحتاج إلى رفعه إلى السلطان.\rقال القاضي أبو محمد : والصواب في أوصياء زمننا أن لا يستغنى عن رفعه إلى السلطان وثبوت الرشد عنده ، لما حفظ من تواطؤ الأوصياء على أن يرشد الوصي ويبري المحجور لسفهه وقلة تحصيله في ذلك الوقت. أ هـ {المحرر الوجيز حـ 2 صـ 10 ـ 11}\rفائدة\rقال ابن عاشور :\rوقد أُضيفت الأموال هنا إلى ضمير اليتامى : لأنّها قَوي اختصاصها بهم عندما صاروا رشداء فصار تصرّفهم فيها لا يخاف منه إضاعة ما للقرابة ولعموم الأمّة من الحقّ في الأموال. أ هـ {التحرير والتنوير حـ 4 صـ 33}","part":20,"page":97},{"id":8529,"text":"قوله تعالى {وَلاَ تَأْكُلُوهَا إِسْرَافاً وَبِدَاراً أَن يَكْبَرُواْ}\rقال الفخر : \r{وَلاَ تَأْكُلُوهَا إِسْرَافاً وَبِدَاراً أَن يَكْبَرُواْ} أي مسرفين ومبادرين كبرهم أو لإسرافكم ومبادرتكم كبرهم تفرطون في إنفاقها وتقولون : ننفق كما نشتهي قبل أن يكبر اليتامى فينزعوها من أيدينا. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 9 صـ 155}\rوقال ابن عاشور : \rوقوله : { ولا تأكلوها إسرافاً } عطف على { وابتلوا اليتامى } باعتبار ما اتّصل به من الكلام في قوله : { فإن آنستم منهم رشداً } إلخ وهو تأكيد للنهي عن أكل أموال اليتامى الذي تقدّم في قوله : { ولا تأكلوا أموالهم إلى أموالكم } [ النساء : 2 ] وتفضيح لحيلة كانوا يحتالونها قبل بلوغ اليتامى أشُدّهم : وهي أن يتعجّل الأولياء استهلاك أموال اليتامى قبل أن يتهّيئوا لمطالبتهم ومحاسبتهم ، فيأكلوها بالإسراف في الإنفاق ، وذلك أنّ أكثر أموالهم في وقت النزول كانت أعياناً من أنعام وتمر وحبّ وأصواف فلم يكن شأنها ممّا يكتم ويختزن ، ولا ممّا يعسر نقل الملك فيه كالعقار ، فكان أكلها هو استهلاكها في منافع الأولياء وأهليهم ، فإذا وجد الوليّ مال محجوره جَشِع إلى أكله بالتوسّعِ في نفقاته ولباسه ومراكبه وإكرام سمرائه ممّا لم يكن ينفق فيه مال نفسه ، وهذا هو المعنى الذي عبّر عنه بالإسراف ، فإنّ الإسراف الإفراط في الإنفاق والتوسّع في شؤون اللذات.\rوانتصب ( إسرافاً ) على الحال : أو على النيابة عن المفعول المطلق ، وأيّا ما كان ، فليس القصد تقييد النهي عن الأكل بذلك ، بل المقصود تشويه حالة الأكل.","part":20,"page":98},{"id":8530,"text":"والبدار مصدر بادره ، وهو مفاعلة من البَدْر ، وهو العجلة إلى الشيء ، بَدَره عجله ، وبادره عاجله ، والمفاعلة هنا قصد منها تمثيل هيئة الأولياء في إسرافهم في أكل أموال محاجيرهم عند مشارفتهم البلوغ ، وتوقّع الأولياء سرعة إبَّانه ، بحال من يبدر غيره إلى غاية والآخر يبدر إليها فهما يتبادرانها ، كأنّ المحجور يسرع إلى البلوغ ليأخذ ماله ، والوصي يسرع إلى أكله لكيلا يجد اليتيم ما يأخذ منه ، فيذهب يدّعي عليه ، ويقيم البيّنات حتّى يعجز عن إثبات حقوقه. أ هـ {التحرير والتنوير حـ 4 صـ 34}\rقوله تعالى {وَمَن كَانَ غَنِيّاً فَلْيَسْتَعْفِفْ}\rقال القرطبى :\rقوله تعالى : { وَمَنْ كَانَ غَنِيّاً فَلْيَسْتَعْفِفْ } الآية.\rبين الله تعالى ما يحل لهم من أموالهم ؛ فأمر الغني بالإمساك وأباح للوصي الفقير أن يأكل من مال ولِيّه بالمعروف.\rيقال : عفّ الرجل عن الشيء واستعف إذا أمسك.\rوالاستعفاف عن الشيء تركه.\rومنه قوله تعالى : { وَلْيَسْتَعْفِفِ الذين لاَ يَجِدُونَ نِكَاحاً } [ النور : 33 ] والعِفّة : الامتناع عما لا يحل ولا يجب فعله.\rروى أبو داود من حديث حسين المعلّم عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جدّه \" أن رجلاً أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال : إني فقير ليس لي شيء ولي يتيم.\rقال فقال : \"كل من مال يتيمك غير مسرف ولا مُباذِرٍ ولا مُتأَثِّل\" \". أ هـ {تفسير القرطبى حـ 5 صـ 41}\rفصل\rقال الفخر :\rاختلف العلماء في أن الوصي هل له أن ينتفع بمال اليتيم ؟ وفي هذه المسألة أقوال :","part":20,"page":99},{"id":8531,"text":"أحدهما : أن له أن يأخذ بقدر ما يحتاج إليه من مال اليتيم وبقدر أجر عمله ، واحتج القائلون بهذا القول بوجوه : الأول : أن قوله تعالى : {وَلاَ تَأْكُلُوهَا إِسْرَافاً} مشعر بأن له أن يأكل بقدر الحاجة ، وثانيها : أنه قال : {وَمَن كَانَ غَنِيّاً فَلْيَسْتَعْفِفْ وَمَن كَانَ فَقِيراً فَلْيَأْكُلْ بالمعروف} فقوله : {وَمَن كَانَ غَنِيّاً فَلْيَسْتَعْفِفْ} ليس المراد منه نهي الوصي الغني عن الانتفاع بمال نفسه ، بل المراد منه نهيه عن الانتفاع بمال اليتيم ، وإذا كان كذلك لزم أن يكون قوله : {وَمَن كَانَ فَقِيراً فَلْيَأْكُلْ بالمعروف} إذنا للوصي في أن ينتفع بمال اليتيم بمقدار الحاجة ، وثالثها : قوله : {إِنَّ الذين يَأْكُلُونَ أموال اليتامى ظُلْماً} [ النساء : 10 ] وهذا دليل على أن مال اليتيم قد يؤكل ظلما وغير ظلم ، ولو لم يكن ذلك لم يكن لقوله : {إِنَّ الذين يَأْكُلُونَ أموال اليتامى ظُلْماً} فائدة ، وهذا يدل على أن للوصي المحتاج أن يأكل من ماله بالمعروف ، ورابعها : ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أن رجلا قال له : إن تحت حجري يتيما أآكل من ماله ؟ \" قال : بالمعروف غير متأثل مالا ولا واق مالك بماله ، \" قال : أفأضربه ؟ \" قال : مما كنت ضاربا منه ولدك ، \" وخامسها : ما روي أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه كتب إلى عمار وابن مسعود وعثمان بن حنيف : سلام عليكم أما بعد : فاني رزقتكم كل يوم شاة شطرها لعمار ، وربعها لعبدالله ابن مسعود ، وربعها لعثمان ، ألا وإني قد أنزلت نفسي وإياكم من مال الله بمنزلة ولي مال اليتيم : من كان غنيا فليستعفف ، ومن كان فقيرا فليأكل بالمعروف.","part":20,"page":100},{"id":8532,"text":"وعن ابن عباس أن ولي يتيم قال له : أفأشرب من لبن إبله ؟ قال : إن كنت تبغي ضالتها وتلوط حوضها وتهنأ جرباها وتسقيها يوم وردها ، فاشرب غير مضر بنسل ، ولا ناهك في الحلب وعنه أيضا : يضرب بيده مع أيديهم فليأكل بالمعروف ولا يلبس عمامة فما فوقها ، وسادسها : أن الوصي لما تكفل باصلاح مهمات الصبي وجب أن يتمكن من أن يأكل من ماله بقدر عمله قياسا على الساعي في أخذ الصدقات وجمعها ، فإنه يضرب له في تلك الصدقات بسهم ، فكذا ههنا ، فهذا تقرير هذا القول.\rوالقول الثاني : أن له أن يأخذ بقدر ما يحتاج إليه من مال اليتيم قرضا ، ثم إذا أيسر قضاه ، وإن مات ولم يقدر على القضاء فلا شيء عليه ، وهذا قول سعيد بن جبير ومجاهد وأبي العالية ، وأكثر الروايات عن ابن عباس.\rوبعض أهل العلم خص هذا الاقراض بأصول الأموال من الذهب والفضة وغيرها ، فأما التناول من ألبان المواشي واستخدام العبيد وركوب الدواب ، فمباح له إذا كان غير مضر بالمال ، وهذا قول أبي العالية وغيره ، واحتجوا بأن الله تعالى قال : {فَإِذَا دَفَعْتُمْ إِلَيْهِمْ أموالهم} فحكم في الأموال بدفعها إليهم.\rوالقول الثالث : قال أبو بكر الرازي : الذي نعرفه من مذهب أصحابنا أنه لا يأخذ على سبيل القرض ولا على سبيل الابتداء ، سواء كان غنيا أو فقيرا.\r","part":20,"page":101},{"id":8533,"text":"واحتج عليه بآيات : منها : قوله تعالى : {وَءاتُواْ اليتامى أموالهم} [ النساء : 2 ] إلى قوله : {إِنَّهُ كَانَ حُوباً كَبِيراً} [ النساء : 2 ] ومنها : قوله : {إِنَّ الذين يَأْكُلُونَ أموال اليتامى ظُلْماً إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِى بُطُونِهِمْ نَاراً وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيراً} [ النساء : 10 ] ومنها : قوله {وَأَن تَقُومُواْ لليتامى بالقسط} [ النساء : 127 ] ومنها : قوله : {وَلاَ تَأْكُلُواْ أموالكم بَيْنَكُم بالباطل} [ البقرة : 188 ] قال : فهذه الآية محكمة حاصرة لمال اليتيم على وصية في حال الغنى والفقر ، وقوله : {وَمَن كَانَ فَقِيراً فَلْيَأْكُلْ بالمعروف} متشابه محتمل فوجب رده لكونه متشابها إلى تلك المحكمات ، وعندي أن هذه الآيات لا تدل على ما ذهب الرازي إليه.\rأما قوله : {وَءاتُواْ اليتامى أموالهم} فهو عام وهذه الآية التي نحن فيها خاصة ، والخاص مقدم على العام.\rوقوله : {إِنَّ الذين يَأْكُلُونَ أموال اليتامى ظُلْماً} فهو إنما يتناول هذه الواقعة لو ثبت أن أكل الوصي من مال الصبي بالمعروف ظلم ، وهل النزاع إلا فيه ، وهو الجواب بعينه عن قوله : {وَلاَ تَأْكُلُواْ أموالكم بَيْنَكُم بالباطل} أما قوله : {وَأَن تَقُومُواْ لليتامى بالقسط} فهو إنما يتناول محل النزاع لو ثبت أن هذا الأكل ليس بقسط ، والنزاع ليس إلا فيه ، فثبت أن كلامه في هذا الموضع ساقط ركيك ، والله أعلم. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 9 صـ 155 ـ 156}\rوقال القرطبى :\rواختلف الجمهور في الأكل بالمعروف ما هو ؟ فقال قوم : هو القرض إذا احتاج ويقضي إذا أيسر ، قاله عمر بن الخطاب وابن عباس وعبيدة وابن جبير والشعبي ومجاهد وأبو عالية ، وهو قول الأوزاعي.\rولا يستسلف أكثر من حاجته.","part":20,"page":102},{"id":8534,"text":"قال عمر : ألاَ إني أنزلت نفسي من مال الله منزلة الولِيّ من مال اليتيم ، إن استغنيت استعففت ، وإن افتقرت أكلت بالمعروف ؛ فإذا أيسرت قضيت.\rروى عبد الله بن المبارك عن عاصم عن أبي العالية { وَمَن كَانَ فَقِيراً فَلْيَأْكُلْ بالمعروف } قال : قرضاً ثم تلا { فَإِذَا دَفَعْتُمْ إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ فَأَشْهِدُواْ عَلَيْهِمْ }.\rوقول ثانٍ - روى عن إبراهيم وعطاء والحسن البصري والنخعي وقتادة : لا قضاء على الوصيّ الفقير فيما يأكل بالمعروف ؛ لأن ذلك حق النظر ، وعليه الفقهاء.\rقال الحسن : هو طعمة من الله له ؛ وذلك أنه يأكل ما يسدّ جوعته ، ويكتسى ما يستر عورته ، ولا يلبس الرفيع من الكتان ولا الحُلل.\rوالدليل على صحة هذا القول إجماعُ الأمة على أن الإمام الناظر للمسلمين لا يجب عليه غُرم ما أكل بالمعروف ؛ لأن الله تعالى قد فرض سهمه في مال الله.\rفلا حجة لهم في قول عمر : فإذا أيسرت قضيت أن لو صح.\rوقد روى عن ابن عباس وأبي العالية والشعبي أن الأكل بالمعروف هو كالانتفاع بألبان المواشي ، واستخدام العبيد ، وركوب الدوابّ إذا لم يضرّ بأصل المال ؛ كما يهنأ الجَرْبَاء ، ويَنْشُد الضالّة ، ويلُوط الحوض ، ويجذّ التمر.\rفأما أعيان الأموال وأصولها فليس للوصيّ أخذها.\rوهذا كله يخرج مع قول الفقهاء : إنه يأخذ بقدر أجر عمله ؛ وقالت به طائفة وأن ذلك هو المعروف ، ولا قضاء عليه ، والزيادة على ذلك محرّمة.\rوفرّق الحسن بن صالح بن حيّ ويقال ابن حيان بيْن وصيّ الأب والحاكم ؛ فلوصّي الأب أن يأكل بالمعروف ، وأما وصيّ الحاكم فلا سبيل له إلى المال بوجه ؛ وهو القول الثالث.\rوقول رابع روى عن مجاهد قال : ليس له أن يأخذ قرضاً ولا غيره.\r","part":20,"page":103},{"id":8535,"text":"وذهب إلى أن الآية منسوخةٌ ، نسخها قوله تعالى : { يَا أَيُّهَا الذين آمَنُواْ لاَ تأكلوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بالباطل إِلاَّ أَن تَكُونَ تِجَارَةً عَن تَرَاضٍ مِّنْكُمْ } [ النساء : 29 ] وهذا ليس بتجارة.\rوقال زيد بن أسلم : إن الرخصة في هذه الآية منسوخة بقوله تعالى : { إِنَّ الذين يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ اليتامى ظُلْماً } [ النساء : 10 ] الآية.\rوحكى بِشْر بن الوَليد عن أبي يوسف قال : لا أدري ، لعل هذه الآية منسوخة بقوله عز وجل : { يَا أَيُّهَا الذين آمَنُواْ لاَ تأكلوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بالباطل إِلاَّ أَن تَكُونَ تِجَارَةً عَن تَرَاضٍ مِّنْكُمْ }.\rوقول خامس وهو الفرق بين الحضر والسفر ؛ فيمنع إذا كان مقيماً معه في المصر.\rفإذا احتاج أن يسافر من أجله فله أن يأخذ ما يحتاج إليه ، ولا يقتني شيئاً ؛ قاله أبو حنيفة وصاحباه أبو يوسف ومحمد.\rوقول سادس قال أبو قِلابة : فليأكل بالمعروف مما يَجْني من الغلة ؛ فأما المال النّاض فليس له أن يأخذ منه شيئاً قرضاً ولا غيره.\rوقول سابع روى عكرمة عن ابن عباس { وَمَن كَانَ فَقِيراً فَلْيَأْكُلْ بالمعروف } قال : إذا احتاج واضطر.\rوقال الشعبي : كذلك إذا كان منه بمنزلة الدم ولحم الخنزير أخذ منه ؛ فإن وجد أَوْفَى.\rقال النحاس : وهذا لا معنى له ؛ لأنه إذا اضطر هذا الاضطرار كان له أخذ ما يُقِيمه من مال يتيمه أو غيره من قريب أو بعيد.\rوقال ابن عباس أيضاً والنخعي : المراد أن يأكل الوصي بالمعروف من مال نفسه حتى لا يحتاج إلى مال اليتيم ؛ فيستعفف الغنيّ بغناه ، والفقير يقَتَرْ على نفسه حتى لا يحتاج إلى مال يتيمه.\rقال النحاس : وهذا من أحسن ما روي في تفسير الآية ؛ لأن أموال الناس محظورة لا يطلق شيء منها إلا بحجة قاطعة.\r","part":20,"page":104},{"id":8536,"text":"قلت : وقد اختار هذا القول الكيا الطبرِي في أحكام القرآن له ؛ فقال : \"توهم متوهمون من السلف بحكم الآية أن للوصيّ أن يأكل من مال الصبي قدراً لا ينتهي إلى حد السرف ، وذلك خلاف ما أمر الله تعالى به في قوله : { لاَ تأكلوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بالباطل إِلاَّ أَن تَكُونَ تِجَارَةً عَن تَرَاضٍ مِّنْكُمْ } ولا يتحقق ذلك في مال اليتيم.\rفقوله : { وَمَن كَانَ غَنِيّاً فَلْيَسْتَعْفِفْ } يرجع إلى أكل مال نفسه دون مال اليتيم.\rفمعناه ولا تأكلوا أموال اليتيم مع أموالكم ، بل اقتصروا على أكل أموالكم.\rوقد دل عليه قوله تعالى : { وَلاَ تأكلوا أَمْوَالَهُمْ إلى أَمْوَالِكُمْ إِنَّهُ كَانَ حُوباً كَبِيراً } [ النساء : 2 ].\rوبان بقوله تعالى : { وَمَن كَانَ غَنِيّاً فَلْيَسْتَعْفِفْ وَمَن كَانَ فَقِيراً فَلْيَأْكُلْ بالمعروف } الاقتصارُ على البُلْغة ، حتى لا يحتاج إلى أكل مال اليتيم ؛ فهذا تمام معنى الآية.\rفقد وجدنا آيات محكمات تمنع أكل مال الغير دون رضاه ، سيما في حق اليتيم.\rوقد وجدنا هذه الآية محتملة للمعاني ، فحملها على موجب الآيات المحكمات مُتعَيِّن.\rفإن قال من ينصر مذهب السلف : إن القضاة يأخذون أرزاقهم لأجل عملهم للمسلمين ، فهلا كان الوصي كذلك إذا عمل لليتيم ، وَلِمَ لا يأخذ الأجرة بقدر عمله ؟ قيل له : اعلم أن أحداً من السلف لم يجوّز للوصي أن يأخذ من مال الصبي مع غنى الوصي ، بخلاف القاضي ؛ فذلك فارق بين المسألتين.\rوأيضاً فالذي يأخذه الفقهاء والقضاة والخلفاء القائمون بأمور الإسلام لا يتعين له مالك.\rوقد جعل الله ذلك المال الضائع لأصناف بأوصاف ، والقضاة من جملتهم ، والوصي إنما يأخذ بعمله مال شخص معين من غير رضاه ؛ وعمله مجهول وأجرته مجهولة وذلك بعيد عن الاستحقاق.\r","part":20,"page":105},{"id":8537,"text":"قلت : وكان شيخنا الإمام أبو العباس يقول : إن كان مال اليتيم كثيراً يحتاج إلى كبير قيام عليه بحيث يشغل الولي عن حاجاته ومهماته فرض له فيه أجر عمله وإن كان تافهاً لا يشغله عن حاجاته فلا يأكل منه شيئاً ؛ غير أنه يستحب له شرب قليل اللبن وأكل القليل من الطعام والسمن ، غير مُضرٍّ به ولا مستكثر له ، بل على ما جرت العادة بالمسامحة فيه.\rقال شيخنا : وما ذكرته من الأجرة ، ونيل اليسير من التمر واللبن كل واحد منهما معروف ؛ فصلح حمل الآية على ذلك. والله أعلم.\rقلت : والاحتراز عنه أفضل ، إن شاء الله.\rوأما ما يأخذه قاضي القسمة ويسميه رسماً ونهْبُ أتباعه فلا أدري له وجها ولا حلا ، وهم داخلون في عموم قوله تعالى : { إِنَّ الذين يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ اليتامى ظُلْماً إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَاراً } [ النساء : 10. أ هـ {تفسير القرطبى حـ 5 صـ 41 ـ 44}","part":20,"page":106},{"id":8538,"text":"فصل\rقال الآلوسى\rوالإسراف في الأصل تجاوز الحدّ المباح إلى ما لم يبح ، وربما كان ذلك في الإفراط ، وربما كان في التقصير غير أنه إذا كان في الإفراط منه يقال : أسرف يسرف إسرافاً ، وإذا كان في التقصير يقال : سرف يسرف سرفاً ويستعمل بمعنى السهو والخطأ وهو غير مراد أصلاً ، والمبادرة المسارعة وهي لأصل الفعل هنا وتصح المفاعلة فيه بأن يبادر الولي أخذ مال اليتيم واليتيم يبادر نزعه منه ، وأصلها كما قيل : من البدار وهو الامتلاء ومنه البدر لامتلائه نوراً ، والبدرة لامتلائها بالمال ، والبيدر لامتلائه بالطعام والاسمان المتعاطفان منصوبان على الحال كما أشرنا إليه ، وقيل : إنهما مفعول لهما والجملة معطوفة على ابتلوا لا على جواب الشرط لفساد المعنى لأن الأول بعد البلوغ وهذا قبله ، و( يكبروا ) بفتح الباء الموحدة من باب علم يستعمل في السن ، وأما بالضم فهو في القدرة والشرف ، وإذا تعدى الثاني بعلى كان للمشقة نحو كبر عليه كذا وتخصيص الأكل الذي هو أساس الانتفاع وتكثر الحاجة إليه بالنهي يدل على النهي عن غيره بالطريق الأولى ، وفي الجملة تأكيد للأمر بالدفع وتقرير لها وتمهيد لما بعدها من قوله تعالى :\r{ وَمَن كَانَ غَنِيّاً فَلْيَسْتَعْفِفْ } الخ أي ومن كان من الأولياء والأوصياء ذا مال فليكف نفسه عن أكل مال اليتيم ولينتفع بما آتاه الله تعالى من الغنى ، فالاستعفاف الكف وهو أبلغ من العف ، وفي \"المختار\" يقال : \"عف عن الحرام يعف بالكسر عفة وعفا وعفافة أي كف فهو عف وعفيف ؛ والمرأة عفة وعفيفة ، وأعفه الله تعالى واستعف عن المسألة أي عف ، وتعفف تكلف العفة\" ، وتفسيره بالتنزه كما يشير إليه كلام البعض بيان لحاصل المعنى.","part":20,"page":107},{"id":8539,"text":"{ وَمَن كَانَ } من الأولياء والأوصياء { فَقِيراً فَلْيَأْكُلْ بالمعروف } بقدر حاجته الضرورية من سدّ الجوعة وستر العورة قاله عطاء وقتادة.\rوأخرج ابن المنذر والطبراني عن ابن عباس أنه قال : يأكل الفقير إذا ولي مال اليتيم بقدر قيامه على ماله ومنفعته له ما لم يسرف أو يبذر ، وأخرج أحمد وأبو داود والنسائي وابن ماجه عن ابن عمر سأل النبي صلى الله عليه وسلم فقال : ليس لي مال وإني وليّ يتيم فقال : كل من مال يتيمك غير مسرف ولا متأثل مالاً ومن غير أن تقي مالك بماله ، وهل يعدّ ذلك أجرة أم لا ؟ قولان ، ومذهبنا الثاني كما صرح به الجصاص في \"الأحكام\" ، وعن سعيد بن جبير ومجاهد وأبي العالية والزهري وعبيدة السلماني والباقر رضي الله تعالى عنهم وآخرين أن للولي الفقير أن يأكل من مال اليتيم بقدر الكفاية على جهة القرض فإذا وجد ميسرة أعطى ما استقرض ، وهذا هو الأكل بالمعروف ، ويؤيده ما أخرجه عبد بن حميد وابن أبي شيبة وغيرهما من طرق عن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه أنه قال : إني أنزلت نفسي من مال الله تعالى بمنزلة مال اليتيم إن استغنيت استعففت وإن احتجت أخذت منه بالمعروف فإذا أيسرت قضيت ، وأخرج أبو داود والنحاس كلاهما في الناسخ وابن المنذر من طريق عطاء عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أنه قال : { وَمَن كَانَ فَقِيراً } الآية نسختها { إِنَّ الذين يَأْكُلُونَ أموال اليتامى ظُلْماً } [ النساء : 10 ] الخ ، وذهب قوم إلى إباحة الأكل دون الكسوة ، ورواه عكرمة عن ابن عباس ، وزعم آخرون أن الآية نزلت في حق اليتيم ينفق عليه من ماله بحسب حاله ، وحكي ذلك عن يحيى بن سعيد وهو مردود لأن قوله سبحانه : { فَلْيَسْتَعْفِفْ } لا يعطي معنى ذلك ، والتفكيك مما لا ينبغي أن يخرج عليه النظم الكريم. أ هـ {روح المعانى حـ 4 صـ 207 ـ 208}","part":20,"page":108},{"id":8540,"text":"فصل\rقال القرطبى :\rواختلف العلماء مَن المخاطَب والمراد بهذه الآية ؟ ففي صحيح مسلم عن عائشة في قوله تعالى : { وَمَن كَانَ فَقِيراً فَلْيَأْكُلْ بالمعروف } قالت : نزلت في ولي اليتيم الذي يقوم عليه ويُصلحه إذا كان محتاجاً جاز أن يأكل منه.\rفي رواية : بقدر ماله بالمعروف.\rوقال بعضهم : المراد اليتيم إن كان غنياً وَسّع عليه وأعَفّ عن ماله ، وإن كان فقيراً أنفق عليه بقدره ؛ قاله ربيعة ويحيى بن سعيد.\rوالأوّل قول الجمهور وهو الصحيح ؛ لأن اليتيم لا يخاطب بالتصرف في ماله لصغره ولسفهه. والله أعلم. أ هـ {تفسير القرطبى حـ 5 صـ 41}\rقوله تعالى {فَإِذَا دَفَعْتُمْ إِلَيْهِمْ أموالهم فَأَشْهِدُواْ عَلَيْهِمْ }.\rفصل\rقال الفخر :\rاعلم أن الأمة مجمعة على أن الوصي إذا دفع المال إلى اليتيم بعد صيرورته بالغا ، فإن الأولى والأحوط أن يشهد عليه لوجوه : أحدها : أن اليتيم إذا كان عليه بينة بقبض المال كان أبعد من أن يدعي ما ليس له ، وثانيها : أن اليتيم إذا أقدم على الدعوى الكاذبة أقام الوصي الشهادة على أنه دفع ماله إليه.\rثالثها : أن تظهر أمانة الوصي وبراءة ساحته ، ونظيره أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : \" من وجد لقطة فليشهد ذوي عدل ولا يكتم ولا يغيب \" فأمره بالاشهاد لتظهر أمانته وتزول التهمة عنه ، فثبت بما ذكرنا من الإجماع والمعقول أن الاحوط هو الاشهاد.","part":20,"page":109},{"id":8541,"text":"واختلفوا في أن الوصي إذا ادعى بعد بلوغ اليتيم أنه قد دفع المال إليه هل هو مصدق ؟ وكذلك لو قال : أنفقت عليه في صغره هل هو مصدق ؟ قال مالك والشافعي : لا يصدق ، وقال أبو حنيفة وأصحابه : يصدق ، واحتج الشافعي بهذه الآية فإن قوله : {فَأَشْهِدُواْ عَلَيْهِمْ} أمر ، وظاهر الأمر الوجوب ، وأيضا قال الشافعي : القيم غير مؤتمن من جهة اليتيم ، وإنما هو مؤتمن من جهة الشرع ، وطعن أبو بكر الرازي في هذا الكلام مع السفاهة الشديدة وقال : لو كان ما ذكره علة لنفي التصديق لوجب أن لا يصدق القاضي إذا قال لليتيم : قد دفعت إليك لأنه لم يأتمنه ، وكذلك يلزمه أن يقول في الأب إذا قال بعد بلوغ الصبي : قد دفعت مالك إليك أن لا يصدق لأنه لم يأتمنه ، ويلزمه أيضا أن يوجب الضمان عليهم إذا تصادقوا بعد البلوغ أنه قد هلك لأنه أمسك ماله من غير ائتمان له عليه ، فيقال له : إن قولك هذا لبعيد عن معاني الفقه ، أما النقض بالقاضي فبعيد ، لأن القاضي حاكم فيجب إزالة التهمة عنه ليصير قضاؤه نافذا ، ولولا ذلك لتمكن كل من قضى القاضي عليه بأن ينسبه إلى الكذب والميل والمداهنة ، وحينئذ يحتاج القاضي إلى قاض آخر ، ويلزم التسلسل ، ومعلوم أن هذا المعنى غير موجود في وصي اليتيم ، وأما الأب فالفرق ظاهر لوجين : أحدهما : أن شفقته أتم من شفقة الاجنبي ، ولا يلزم من قلة التهمة في حق الأب قلتها في حق الأجنبي ، وأما إذا تصادقوا بعد البلوغ أنه قد هلك فنقول : إن كان قد اعترف بأنه هلك لسبب تقصيره فههنا يلزمه الضمان ، أما إذا اعترف بأنه هلك لا بتقصيره ، فههنا يجب أن يقبل قوله ، وإلا لصار ذلك مانعاً للناس من قبول الوصاية ، فيقع الخلل في هذا المهم العظيم ، فأما الإشهاد عند الرد إليه بعد البلوغ فإنه لا يفضي إلى هذه المفسدة فظهر الفرق ، ومما يؤكد هذا","part":20,"page":110},{"id":8542,"text":"الفرق أنه تعالى ذكر قبل هذه الآية ما يدل على أن اليتيم حصل في حقه ما يوجب التهمة ، وهو قوله : {وَلاَ تَأْكُلُوهَا إِسْرَافاً وَبِدَاراً أَن يَكْبَرُواْ} وهذا يدل على جريان العادة بكثرة إقدام الولي على ظلم الأيتام والصبيان ، وإذن دلت هذه الآية على تأكد موجبات التهمة في حق ولي اليتيم. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 9 صـ 156 ـ 157}\rقوله تعالى {فَإِذَا دَفَعْتُمْ إِلَيْهِمْ أموالهم فَأَشْهِدُواْ}\rقال الفخر : \r{فَإِذَا دَفَعْتُمْ إِلَيْهِمْ أموالهم فَأَشْهِدُواْ} أشعر ذلك بأن الغرض منه رعاية جانب الصبي ؛ لأنه إذا كان لا يتمكن من ادعاء دفع المال إليه إلا عند حضور الشاهد ، صار ذلك مانعاً له من الظلم والبخس والنقصان ، وإذا كان الأمر كذلك علمنا أن قوله : {فَأَشْهِدُواْ} كما أنه يجب لظاهر الايجاب ، فكذلك يجب أن القرائن والمصالح تقتضي الإيجاب ، ثم قال هذا الرازي ، ويدل على أنه مصدق فيه بغير إشهاد ، اتفاق الجميع على أنه مأمور بحفظه وإمساكه على وجه الأمانة حتى يوصله إلى اليتيم في وقت استحقاقه ، فهو بمنزلة الودائع والمضاربات ، فوجب أن يكون مصدقا على الرد كما يصدق على رد الوديعة ، فيقال له : أما الفرق بين هذه الصورة وصورة الوديعة فقد ذكره الشافعي رضي الله تعالى عنه ، واعتراضك على ذلك الفرق قد سبق إبطاله ، وأيضاً فعادتك ترك الالتفات إلى كتاب الله لقياس ركيك تتخيله ، ومثل هذا الفقه مسلم لك ، ولا يجب المشاركة فيه معك وبالله التوفيق. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 9 صـ 157}\rوقال القرطبى : \rقوله تعالى : { فَإِذَا دَفَعْتُمْ إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ فَأَشْهِدُواْ عَلَيْهِمْ } أمر الله تعالى بالإشهاد تنبيهاً على التحصين وزوالا للتّهم.\rوهذا الإشهاد مستَحبُّ عند طائفة من العلماء ؛ فإن القول قول الوصي ؛ لأنه أمين.\r","part":20,"page":111},{"id":8543,"text":"وقالت طائفة : هو فرض ؛ وهو ظاهر الآية ، وليس بأمين فيُقبل قوله ، كالوكيل إذا زعم أنه قد ردّ ما دُفع إليه أو المودع ، وإنما هو أمين للأب ، ومتى ائتمنه الأب لا يُقبل قوله على غيره.\rألا ترى أن الوكيل لو ادّعى أنه قد دفع لزيد ما أمره به بعدالته لم يُقبل قوله إلا ببيَّنة ؛ فكذلك الوصي.\rورأى عمر بن الخطاب رضي الله عنه وابن جبير أن هذا الإشهاد إنما هو على دفع الوصي في يُسْره ما استقرضه من مال يتيمه حالة فقره.\rقال عبيدة ؛ هذه الآية دليل على وجوب القضاء على من أكل ؛ المعنى : فإذا اقترضتم أو أكلتم فأشهدوا إذا غرمتم.\rوالصحيح أن اللفظ يعم هذا وسواه.\rوالظاهر أن المراد إذا أنفقتم شيئاً على المُولَى عليه فأشهدوا ، حتى لو وقع خلافٌ أمكن إقامة البينة ؛ فإن كل مال قبض على وجه الأمانة بإشهاد لا يبرأ منه إلا بالإشهاد على دفعه ؛ لقوله تعالى : { فَأَشْهِدُواْ } فإذ دفع لمن دفع إليه بغير إشهاد فلا يحتاج في دفعها لإشهاد إن كان قبضها بغير إشهاد. والله أعلم.\rكما على الوصي والكفيل حفظ مال يتيمه والتثمير له ، كذلك عليه حفظ الصبي في بدنه.\rفالمال يحفظه بضبطه ، والبدن يحفظه بأدبه.\rوقد مضى هذا المعنى في \"البقرة\".\r\" وروي أن رجلا قال للنبي صلى الله عليه وسلم : إن في حجري يتيماً أآكل من ماله ؟ قال : \" نعم غير متأثل مالا ولا واقٍ مالك بماله\".\rقال : يا رسول الله ، أفأضر به ؟ قال : \"ما كنت ضاربا منه ولدك\" \" قال ابن العربي : وإن لم يثبت مسنداً فليس يجد أحد عنه مُلْتَحداً. أ هـ {تفسير القرطبى حـ 5 صـ 44 ـ 45}\rقوله تعالى {وكفى بالله حَسِيباً}\rقال الفخر : \r","part":20,"page":112},{"id":8544,"text":"قال ابن الأنباري والأزهري : يحتمل أن يكون الحسيب بمعنى المحاسب ، وأن يكون بمعنى الكافي ، فمن الأول قولهم للرجل للتهديد : حسبه الله ومعناه يحاسبه الله على ما يفعل من الظلم ، ونظير قولنا الحسيب بمعنى المحاسب ، قولنا الشريب بمعنى المشارب ، ومن الثاني قولهم : حسيبك الله أي كافيك الله.\rواعلم أن هذا وعيد لولي اليتيم وإعلام له أنه تعالى يعلم باطنه كما يعلم ظاهره لئلا ينوي أو يعمل في ماله ما لا يحل ، ويقوم بالأمانة التامة في ذلك إلى أن يصل إليه ماله ، وهذا المقصود حاصل سواء فسرنا الحسيب بالمحاسب أو بالكافي.\rواعلم أن الباء في قوله : {وكفى بالله} {وكفى بِرَبّكَ} [ الإسراء : 65 ] في جميع القرآن زائدة ، هكذا نقله الواحدي عن الزجاج و{حَسِيباً} نصب على الحال أي كفى الله حال كونه محاسبا ، وحال كونه كافيا. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 9 صـ 157}\rفوائد لغوية\rقال ابن عادل :\rفي \" حتى \" هذه وما أشبهها أعني الداخلة على \" إذا \" قولان :\rأشهرهما : أنَّها حرف غاية ، دخلت على الجملة الشَّرطيَّة وجوابها ، والمعنى : وابتلوا اليتامى إلى وقت بلوغهم ، واستحقاقهم دفع أموالهم إليهم ، بشرط إيناس الرُّشد ، فهي حرف ابتداء كالدَّاخلة على سائِرِ الجمل كقوله : [ الطويل ]\rفَمَا زَالَتِ القَتْلَى تَمُجُّ دِمَاءَهَا... بِدجْلَةَ حَتَّى مَاءُ دَجْلَةَ أشْكَلُ\rوقول امرئ القيس : [ الطويل ]\rسَرَيْتُ بِهِمْ حَتَّى تَكِلَّ مَطِيُّهُمْ... وَحَتَّى الْجِيَادُ مَا يُقَدْنَ بأرْسَانِ","part":20,"page":113},{"id":8545,"text":"والثاني : وهو قول جماعة منهم الزَّجَّاج وابن درُسْتَوية : أنَّها حرف جر ، وما بعدها مجرور بها ، وعلى هذا ف \" إذا \" تتمحَّضّ للظَّرْفِيَّةِ ، ولا يكون فيه معنى الشَّرط ، وعلى القول الأوَّلِ يكون العامل في \" إذَا \" ما تَخَلَّص من معنى جوابها تقديره : إذا بلغوا النِّكاح راشدين فادفعوا. وظاهرُ العبارة لبعضهم أنَّ \" إذا \" ليست بشرطيَّة ، لحُصُولِ ما بعدها ، وأجاز سيبويه أن يجازي بها في الشِّعر ، وقال : \" فعلوا ذلك مضطرين \" ، وإنما جُوزي بها لأنَّها تحتاج إلى جواب ، وبأنَّه يليها الفعلُ ظاهراً ، أو مضمراً ، واحتجَّ الخليلُ على عدم شَرطيَّتِها بحصولِ ما بعدِها ، ألا ترى أنك تقول : أجيئك إذا احمر البُسر ، ولا تقول : إن أحمر.\rقال أبُو حيان : وكلامُه يُدلُّ على أنها تكون ظرفاً مجرداً ، ليس فيها معنى الشَّرط ، وهو مخالف للنَّحويين ، فإنَّهم كالمجمعين على أنها [ ظرف ] فيها معنى الشِّرط غالباً ، وإن وُجِدَ في عبارةِ بعضهم ما يَنْفَى كونها أداة شرطٍ ، فإنَّما أنها لا يجزم بها ، إلاَّ أنها لا تكون شرطاً ، وقَدَّرَ بعضهم مضافاً قال : تقديره يبلغوا حَدَّ النكاحِ أو وقته ، والظَّاهرُ أنها لا تحتاج إليه ، والمعنى : صَلَحوا للنكاح.\rقوله : { فَإِنْ آنَسْتُمْ }. والفاءُ جواب \" إذا \" وفي قوله : { فادفعوا } جواب \" إن \".\rوقرأ ابن مسعود \" فإن أحستم \" والأصْلُ أحسسْتُم فحذف إحدى السّينين ، ويحتمل أن تكون العينَ أو اللام ، ومثله قول أبي زبيد : [ الوافر ]\rسِوَى أنَّ الْعِتَاقَ مِنَ الْمَطَايَا... حَسِينَ بِهِ فَهُنَّ إلّيْهِ شُوسُ\r","part":20,"page":114},{"id":8546,"text":"وهذا خلاف لا ينقاسُ ، ونقل بعضهم أنَّها لغةُ سُلَيم ، وَأنَّهَا مُطَّردة في عين كل فعلٍ مضاعفة اتصل به تاءُ الضَّمير أو نونه ونَكَّر \" رُشْداً \" دلاّلةُ على التنويعِ ، والمعنى أيّ نوعٍ حَصَلَ من الرُّشدِ كان كافياً.\rوقرأ الجمهور \" رُشْداً \" بضمة وسكون ، وابن مسعود والسُّلميُّ بفتحتين ، وبعضهم بضمتين ، وسيأتي الكلامُ على ذلك في الأعراف إن شاء الله تعالى. وآنس كذا أحسَّ به وشَعَرَ ، قال : [ الخفيف ]\rآنسَنْ نَبْأةً وَأفْزَعَهَا القُنْ... نَاصُ عَصْراً وَقَدْ دَنَا الإمْسَاءُ\rوقد قيل : \" وجد \" عن الفراء.\rوقيل : أبصر.\rوقيل : رأيتم.\rوقيل : آنست وأحسست ووجدت بمعنى واحدٍ.\rوقال القرطبي : وأصْلُ الإيناس في اللُّغة الإبصار ، ومنه قوله { آنَسَ مِن جَانِبِ الطور نَاراً } [ القصص : 29 ].\rقال أهل اللُّغة : هو إصابة الخير ، قال تعالى : { قَد تَّبَيَّنَ الرشد مِنَ الغي } [ البقرة : 256 ] ، والغيُّ : هو العصيان : قال تعالى : { وعصى ءَادَمُ رَبَّهُ فغوى } [ طه : 121 ] يكون نقضيه هو الرشد ، وقال تعالى : { وَمَآ أَمْرُ فِرْعَوْنَ بِرَشِيدٍ } [ هود : 97 ].\rقوله : { وَلاَ تَأْكُلُوهَآ إِسْرَافاً وَبِدَاراً }.\rفي نصبهما وجهان :\rأحدهما : أنهما منصوبان على المفعولِ من أجْلِهِ أي : لأجل الإسراف والبِدَارِ.\rونقل عن ابن عباس أنه قال : \" كان الأولياء يستغنمون أكل مال اليتيم ، لئلا يكبر فينزع المال منهم \".\rوالثَّاني : أنَّهما مصدران في موضع الحالِ أي : مُسْرِفينَ وَمُبادِرِينَ.\rوبداراً مصدرُ بادرَ والمفاعلة هنا يجوز أن تكون من اثنين على بابها ، بمعنى أن الوليَّ يبادرُ ليتيم إلى أخْذِ مالهِ ، واليتيمُ يُبَادِرُ إلى الكبر ، ويجوز أن يكون من واحد بمعنى : أنَّ فاعل بمعنى فعل نحو : سافر وطارق.","part":20,"page":115},{"id":8547,"text":"قوله : \" أن يكبروا \". فيه وجهان : \rأحدهما : أنه مفعول بالمصدر أي : وبداراً كبرهم ، كقوله : { أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ يَتِيماً } [ البلد : 14 ، 15 ] وفي إعمال المصدر المُنَوِّنِ الخلاف المشهور.\rوالثَّاني : أنَّه مفعول من أجله على حذف أي : مخافة أن يكبروا ، وعلى هذا فمفعولُ \" بِدَاراً \" محذوف ، وهذه الجملة النَّهْييَّةُ فيها وجهان : \rأصحهما : أنها استئنافية ، وليست معطوفةً على ما قبلها.\rوالثَّاني : أنَّها عطف على ما قبلها ، وهو جوابُ الشرط بـ \" إن \" أي : فادفعوا ولا تأكلوها ، وهذا فاسدٌ ؛ لأن الشّرط وجوابه ، مترتِّبان على بلوغ النِّكاح وهو معارضٌ لقوله : { وَبِدَاراً أَن يَكْبَرُواْ } فَيَلزَمُ منه سَبْقُه على ما ترتَّب عَلَيْهِ ، وذلك ممتنع.\rوالمعنى : ولا تأكلوها يا معشرَ الأولياءِ \" إسْرافاً \" أي : بغير حقٍّ ، \" وبداراً \" أي : ومبادرة ، ثم بَيَّنَ مَا يَحِلُّ لهم من مالهم فقال : \" وَمَنْ كَانَ غَنِياً فَلْيَسْتَعْفِفْ \" أي : فليمتنع من مال اليتيم فلا يرزؤه قليلاً ولا كثيراً ، والعفة الامتناع مما لا يحل.\rقوله : { وكفى بالله حَسِيباً }.\rفي \" كفى \" قولان : \rأحدهما : أنَّها اسم فعل.\rوالثاني : وهو الصَّحيح - إنها فعلٌ ، وفي فاعلها قولان : \r","part":20,"page":116},{"id":8548,"text":"الأول : وهو الصَّحيح أنَّهُ المجرور بالباء ، والباء زائدة فيه وفي فاعل مضارعه نحو : { أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ } [ فصلت : 53 ] باطِّراد فقال أبُو البقاء : زيدت لتدلَّ على معنى الأمر إذ التقدير : اكتف بالله ، وهذا القول سبقه إليه مَكِي والزَّجاجُ فإنه قال : دَخَلَتْ الباءُ في الفاعل ؛ لأن معنى الكلام الأمرُ أي : الباء ليست بزائدة ، وهو كلامٌ غيرُ صحيح ؛ لأنه من حيث المعنى الذي قدَّره يكون الفاعل هم المخاطبين ، و\" بالله \" متعلّق به ، ومن حيث كون \" الباء \" دخلت في الفاعل يكون الفاعل هو اللهُ تعالى ، فيتناقض. وفي كلام ابن عطية نحو من قوله أيضاً فإنه قال : \" بالله \" في موضع رفع بتقدير زيادة الخافض ، وفائدة زيادته تبيَّن معنى الأمر في صورة الخَبَرِ أي : اكتفوا بالله ، \" فالباء \" تدل على المراد من ذلك ، وفي هذا ما رُدَّ به على الزَّجَّاجِ ، وزيادة جَعْلِ الحرف زائداً وغير زائدٍ.\rوالثاني : أنَّه مضمر والتَّقديرُ : كفى الاكتفاء و\" بالله \" على هذا في موضع نصب ؛ لأنه مفعول به في المعنى ، وهذا رأي ابن السَّراج ، وَرُدَّ هذا بأن إعمال المصدر المحذوف لا يجوز عند البصريين إلا ضرورة كقوله : [ البسيط ]\rهَلْ تَذْكُرُونَ إلَى الدَّيْرَينِ هجْرَتَكُمْ... وَمَسْحَكُمْ صُلْبَكُمْ رَحْمَانُ قُرْبَاناً\r","part":20,"page":117},{"id":8549,"text":"أي قولكم : يا رحمان قرباناً ، وقَالَ أبو حيان : وقيل : الفاعِلُ مضمر ، وهو ضمير الاكتفاء أي : كفى هو أيْ : الاكتفاء ، و\" الباء \" ليست زائدة ، فيكون في موضع نصب ويتعلق أنذاك بالفاعل ، وهذا الوجه لا يسوغ على مذهب البصريين ، لأنه لا يجوز عندهم إعْمَالُ المصدر مضمراً ، وإن عني بالإضمار الحذف امتنع عندهم أيضاً لوجهين : حذف الفاعل ، وإعمال المصدر محذوفاً وإبقاء معموله ، وفيه نظرٌ ؛ إذْ لقائل أن يقول : إذا قلنا بأن فاعل \" كفى \" مضمر لا نعلق \" بالله \" بالفاعل حتّى يلزم ما ذكر بل نعلقه بنفس الفعل كما تقدَّمَ.\rوقال ابْن عيسى : إنَّما دخلت الباء في \" كفى بالله \" ؛ لأنَّهُ كان يتصل اتَّصال الفاعل [ وبدخول الباء اتصل ] اتصالَ المضافِ ، واتَّصال الفاعل ، لأنَّ الكفاية منه ليست كالكفاية من غيره فضوعِفَ لفظها لمضاعفة معناها ، ويحتاج إلى فكر.\rقوله : { حَسِيباً } فيه وجهان : \rأصحهما : أنه تمييز يدلُّ على ذلك صلاحيَّة دخول \" مِنْ \" عليه ، وهي علامة التمييز.\rوالثَّاني : أنه حال.\rو \" كفى \" ها هنا متعدّية لواحد ، وهو محذوف تقديره : \" وكفاكم الله \".\rوقال أبُو البَقَاءِ : \" وكفى \" يتعدَّى إلى مفعولين حُذِفَا هنا تقديره : كفاك اللهُ شرَّهم بدليل قوله : { فَسَيَكْفِيكَهُمُ الله } [ البقرة : 137 ] والظاهر أن معناها غيرُ معنى هذه.\rقال أبو حيّان بعد أن ذكر أنها متعدية لواحد : وتأتي بغير هذا المعنى متعدية إلى اثنين كقوله : { فَسَيَكْفِيكَهُمُ الله } [ البقرة : 137 ] وهو محل نظر.\r","part":20,"page":118},{"id":8550,"text":"قال ابن الأنباري والأزهري : يحتمل أن يكون الحَسِيبُ بمعنى المحاسب ، وأن يكون بمعنى الكافي ، فمن الأول قولهم للرَّجل تهديداً : حَسْبُهُ اللهُ ، [ ومعناه : يحاسبه ] الله على ما يفعل من الظُّلم ، ومن الثَّاني قولهم : حسبك الله ، أي : كافيك الله وهذا وعيد سواء فسَّرنا الحسيب بالمحاسب ، أو بالكافي. أ هـ {تفسير ابن عادل حـ 6 صـ 185 ـ 193}. بتصرف.","part":20,"page":119},{"id":8551,"text":"قوله تعالى { لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ مِمَّا قَلَّ مِنْهُ أَوْ كَثُرَ نَصِيبًا مَفْرُوضًا (7)}\rمناسبة الآية لما قبلها\rقال البقاعى :\rولما ذكر أموال اليتامى على حسب ما دعت إليه الحاجة واقتضاه التناسب إلى أن ختم بهذه الآية ، كان كأن سائلاً سأل : من أين تكون أموالهم ؛ فبين ذلك بطريق الإجمال بقوله تعالى : {للرجال} أي الذكور من أولاد الميت وأقربائه ، ولعله عبر بذلك دون الذكور لأنهم كانوا لا يورثون الصغار ، ويخصون الإرث بما عمر الديار ، فنبه سبحانه على أن العلة النطفة {نصيب} أي منهم معلوم {مما ترك الوالدان والأقربون }.\rولما كانوا لا يورثون النساء قال : {وللنساء نصيب} ولقصد التصريح للتأكيد قال موضع \" مما تركوا \" : {مما ترك الوالدان والأقربون} مشيراً إلى أنه لا فرق بينهن وبين الرجال في القرب الذي هو سبب الإرث ، ثم زاد الأمر تأكيداً وتصريحاً بقوله إبدالاً مما قبله بتكرير العامل : {مما قل منه أو كثر} ثم عرف بأن ذلك على وجه الحتم الذي لا بد منه ، فقال مبيناً للاعتناء به بقطعه عن الأول بالنصب على الاختصاص بتقدير أعني : {نصيباً مفروضاً} أي مقدراً واجباً مبيناً ، وهذه الآية مجملة بينتها آية المواريث ، وبالآية علم أنها خاصة بالعصبات من التعبير بالفرض لأن الإجماع - كما نقله الأصبهاني عن الرازي - على أنه ليس لذوي الأرحام نصيب مقدر. أ هـ {نظم الدرر حـ 2 صـ 217 ـ 218}\rوقال ابن عاشور :\rومناسبة تعقيب الآي السابقة بها : أنّهم كانوا قد اعتادوا إيثار الأقوياء والأشدّاء بالأموال ، وحرمان الضعفاء ، وإبقاءهم عالة على أشدّائهم حتّى يكونوا في مقادتهم ، فكان الأولياء يمنعون عن محاجيرهم أموالهم ، وكان أكبر العائلة يَحرم إخوته من الميراث معه فكان أولئك لضعفهم يصبرون على الحرمان ، ويقنعون بالعيش في ظلال أقاربهم ، لأنّهم إن نازعوهم أطردوهم وحرموهم ، فصاروا عالة على الناس.\rوأخصّ الناس بذلك النساءُ فإنّهن يجدن ضعفاً من أنفسهنّ ، ويخشين عار الضيعة ، ويتّقين انحراف الأزواج ، فيتّخذن رضى أوليائهُنّ عدّة لهنّ من حوادث الدهر ، فلمّا أمرهم الله أن يؤتوا اليتامى أموالهم ، أمر عقبه بأمرهم بأن يجعلوا للرجال والنساء نصيباً ممّا ترك الوالدان والأقربون.","part":20,"page":120},{"id":8552,"text":"فإيتاء مال اليتيم تحقيق لإيصال نصيبه ممّا ترك له الوالدان والأقربون ، وتوريث القرابة إثبات لنصيبهم ممّا ترك الوالدان والأقربون ، وذُكر النساءُ هناك تمهيداً لشرع الميراث ، وقد تأيّد ذلك بقوله : { وإذا حضر القسمة أولو القربى واليتامى } [ النساء : 8 ] فإنّ ذلك يناسب الميراث ، ولا يناسب إيتاءَ أموال اليتامى.\rولا جرم أنّ من أهمّ شرائع الإسلام شرع الميراث ، فقد كان العرب في الجاهلية يجعلون أموالهم بالوصيّة لعظماء القبائل ومن تلحقهم بالانتساب إليهم حسن الأحدوثة ، وتجمعهم بهم صلات الحلف أو الاعتزاز والودّ ، وكانوا إذا لم يوصوا أو تركوا بعض مالهم بلا وصية يُصرف لأبْناء الميّت الذكور ، فإن لم يكن له ذكور فقد حكي أنّهم يصرفونه إلى عصبته من إخوة وأبناء عمّ ، ولا تعطى بناته شيئاً ، أمّا الزوجات فكنّ موروثات لا وارثات.\rوكانوا في الجاهلية لا يورثون بالبنوّة إلاّ إذا كان الأبناء ذكوراً ، فلا ميراث للنساء لأنّهم كانوا يقولون إنّما يرث أموالنا من طاعن بالرمح ، وضرب بالسيف.\rفإن لم تكن الأبناءُ الذكورُ وَرِث أقربُ العصبة : الأبُ ثمّ الأخُ ثمّ العمّ وهكذا ، وكانوا يورثون بالتبنيّ وهو أن يتّخذ الرجل ابن غيره ابنا له فتنعقد بين المتبنِّي والمتبنَّى جميع أحكام الأبوّة.","part":20,"page":121},{"id":8553,"text":"ويورثون أيضاً بالحلف وهو أن يرغب رجلان في الخلّة بينهما فيتعاقدا على أنّ دمهما واحد ويتوارثا ، فلمّا جاء الإسلام لم يقع في مكّة تغيير لأحكام الميراث بين المسلمين لتعذّر تنفيذ ما يُخالف أحكام سكّانها ، ثمّ لمّا هاجر رسول الله صلى الله عليه وسلم وبقي معظم أقارب المهاجرين المشركون بمكّة صار التوريث : بالهجرة ، فالمهاجر يرث المهاجر ، وبالحلف ، وبالمعاقدة ، وبالأخوّة التي آخاها الرسول عليه الصلاة والسلام بين المهاجرين والأنصار ، ونزل في ذلك قوله تعالى : { ولكل جعلنا موالي مما ترك الوالدان والأقربون } [ النساء : 33 ] الآية من هاته السورة.\rوشرع الله وجوب الوصية للوالدين والأقربين بآية سورة البقرة ، ثم توالد المسلمون ولحق بهم آباؤهم وأبناؤهم مؤمنين ، فشرع الله الميراث بالقرابة ، وجعل للنساء حظوظاً في ذلك فأتمّ الكلمة ، وأسبغ النعمة ، وأومأ إلى أنّ حكمة الميراث صرف المال إلى القرابة بالولادة وما دونها.\rوقد كان قوله تعالى : { وللنساء نصيب مما ترك الوالدان والأقربون } أوّل إعطاء لحقّ الإرث للنساء في العرب.\rولكون هذه الآية كالمقدّمة جاءت بإجمال الحقّ والنصيب في الميراث وتلاه تفصيله ، لقصد تهيئة النفوس ، وحكمة هذا الإجمال حكمةُ ورود الأحكام المراد نسخها إلى أثقلَ لتسكن النفوس إليها بالتدريج. أ هـ {التحرير والتنوير حـ 4 صـ 37 ـ 38}\rفصل\rقال الفخر :\rفي سبب نزول هذه الآية قال ابن عباس : إن أوس بن ثابت الأنصاري توفي عن ثلاث بنات وامرأة ، فجاء رجلان من بني عمه وهما وصيان له يقال لهما : سويد ، وعرفجة وأخذا ماله.","part":20,"page":122},{"id":8554,"text":"فجاءت امرأة أوس إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وذكرت القصة ، وذكرت أن الوصيين ما دفعا إلي شيئا ، وما دفعا إلى بناته شيئا من المال ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم \" ارجعي إلى بيتك حتى أنظر ما يحدث الله في أمرك \" فنزلت على النبي صلى الله عليه وسلم هذه الآية ، ودلت على أن للرجال نصيبا وللنساء نصيبا ، ولكنه تعالى لم يبين المقدار في هذه الآية ، فأرسل الرسول صلى الله عليه وسلم إلى الوصيين وقال : \" لا تقربا من مال أوس شيئا \" ثم نزل بعد : {يُوصِيكُمُ الله فِى أولادكم} [ النساء : 11 ] ونزل فرض الزوج وفرض المرأة ، فأمر الرسول عليه الصلاة والسلام الوصيين أن يدفعا إلى المرأة الثمن ويمسكا نصيب البنات ، وبعد ذلك أرسل عليه الصلاة والسلام اليهما أن ادفعا نصيب بناتها اليها فدفعاه إليها ، فهذا هو الكلام في سبب النزول. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 9 صـ 158}\rفائدة\rقال القرطبى :\rقال علماؤنا : في هذه الآية فوائد ثلاث : إحداها بيان علة الميراث وهي القرابة.\rالثانية عموم القرابة كيفما تصرّفت من قريب أو بعيد.\rالثالثة إجمال النصيب المفروض.\rوذلك مبين في آية المواريث ؛ فكان في هذه الآية توطئة للحكم ، وإبطال لذلك الرأي الفاسد حتى وقع البيان الشافي. أ هـ {تفسير القرطبى حـ 5 صـ 46}\rفائدة\rقال الفخر :","part":20,"page":123},{"id":8555,"text":"كان أهل الجاهلية لا يورثون النساء والأطفال ، ويقولون لا يرث إلا من طاعن بالرماح وذاد عن الحوزة وحاز الغنيمة ، فبين تعالى أن الارث غير مختص بالرجال ، بل هو أمر مشترك فيه بين الرجال والنساء ، فذكر في هذه الآية هذا القدر ، ثم ذكر التفصيل بعد ذلك ولا يمتنع إذا كان للقوم عادة في توريث الكبار دون الصغار ودون النساء ، أن ينقلهم سبحانه وتعالى عن تلك العادة قليلا قليلاً على التدريج ، لأن الانتقال عن العادة شاق ثقيل على الطبع ، فإذا كان دفعة عظم وقعه على القلب ، وإذا كان على التدريج سهل ، فلهذا المعنى ذكر الله تعالى هذا المجمل أولا ، ثم أردفه بالتفصيل. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 9 صـ 158}\rفصل\rقال الفخر :\rاحتج أبو بكر الرازي بهذه الآية على توريث ذوي الأرحام قال : لأن العمات والخالات والأخوال وأولاد البنات من الأقربين ، فوجب دخولهم تحت قوله : {لّلرّجَالِ نَصيِبٌ مّمَّا تَرَكَ الوالدان والأقربون وَلِلنّسَاء نَصِيبٌ مّمَّا تَرَكَ الوالدان والأقربون} أقصى ما في الباب أن قدر ذلك النصيب غير مذكور في هذه الآية ، إلا أنا نثبت كونهم مستحقين لأصل النصيب بهذه الآية ، وأما المقدار فنستفيده من سائر الدلائل.\rوأجاب أصحابنا عنه من وجهين :","part":20,"page":124},{"id":8556,"text":"أحدهما : أنه تعالى قال في آخر الآية {نَصِيباً مَّفْرُوضاً} أي نصيبا مقدرا ، وبالاجماع ليس لذوي الأرحام نصيب مقدر ، فثبت أنهم ليسوا داخلين في هذه الآية ، وثانيهما : أن هذه الآية مختصة بالأقربين ، فلم قلتم إن ذوي الأرحام من الأقربين ؟ وتحقيقه أنه إما أن يكون المراد من الأقربين من كان أقرب من شيء آخر ، أو المراد منه من كان أقرب من جميع الأشياء ، والأول باطل ؛ لأنه يقتضي دخول أكثر الخلق فيه ، لأن كل إنسان له نسب مع غيره إما بوجه قريب أو بوجه بعيد ، وهو الانتساب إلى آدم عليه السلام ، ولا بد وأن يكون هو أقرب إليه من ولده ، فيلزم دخول كل الخلق في هذا النص وهو باطل ، ولما بطل هذا الاحتمال وجب حمل النص على الاحتمال الثاني وهو أن يكون المراد من الأقربين من كان أقرب الناس إليه ، وما ذاك إلا الوالدان والأولاد ، فثبت أن هذا النص لا يدخل فيه ذو الأرحام ، لا يقال : لو حملنا الأقربين على الوالدين لزم التكرار ، لأنا نقول : الأقرب جنس يندرج تحته نوعان : الوالد والولد ، فثبت أنه تعالى ذكر الوالد ، ثم ذكر الأقربين ، فيكون المعنى أنه ذكر النوع ، ثم ذكر الجنس فلم يلزم التكرار. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 9 صـ 158}\rقوله تعالى : { مِمَّا قَلَّ مِنْهُ أَوْ كَثُرَ نَصِيباً مَّفْرُوضاً }\rقال القرطبى :\rأثبت الله تعالى للبنات نصيباً في الميراث ولم يبين كم هو ؛ فأرسل النبي صلى الله عليه وسلم إلى سُوَيد وعَرْفَجة ألاّ يفرّقا من مال أَوسٍ شيئاً ؛ فإن الله جعل لبناته نصيباً ولم يبين كم هو حتى أنظر ما ينزل ربنا.","part":20,"page":125},{"id":8557,"text":"فنزلت { يُوصِيكُمُ الله في أَوْلاَدِكُمْ } [ النساء : 11 ] إلى قوله تعالى { الفوز العظيم } [ النساء : 13 ] فأرسل إليهما \" أن أعطيا أم كُجَّة الثُّمن مما ترك أَوسٌ ولبناته الثلثين ، ولكما بقية المال \". أ هـ {تفسير القرطبى حـ 5 صـ 47}\rفصل\rقال الفخر :\rأصل الفرض الحز ، ولذلك سمي الحز الذي في سية القوس فرضاً ، والحز الذي في القداح يسمى أيضا فرضاً ، وهو علامة لها تميز بينها وبين غيرها ، والفرضة العلامة في مقسم الماء ، يعرف بها كل ذي حق حقه من الشرب ، فهذا هو أصل الفرض في اللغة ، ثم إن أصحاب أبي حنيفة خصصوا لفظ الفرض بما عرف وجوبه بدليل قاطع ، واسم الوجوب بما عرف وجوبه بدليل مظنون ، قالوا : لأن الفرض عبارة عن الحز والقطع ، وأما الوجوب فإنه عبارة عن السقوط ، يقال : وجبت الشمس إذا سقطت ، ووجب الحائط إذا سقط ، وسمعت وجبة يعني سقطة قال الله تعالى : {فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا} [ الحج : 36 ] يعني سقطت ، فثبت أن الفرض عبارة عن الحز والقطع ، وأن الوجوب عبارة عن السقوط ، ولا شك أن تأثير الحز والقطع أقوى وأكمل من تأثير السقوط.\rفلهذا السبب خصص أصحاب أبي حنيفة لفظة الفرض بما عرف وجوبه بدليل قاطع ، ولفظ الوجوب بما عرف وجوبه بدليل مظنون.\rإذا عرفت هذا فنقول : هذا الذي قرروه يقضي عليهم بأن الآية ما تناولت ذوي الأرحام لأن توريث ذوي الأرحام ليس من باب ما عرف بدليل قاطع باجماع الأمة ، فلم يكن توريثهم فرضاً ، والآية إنما تناولت التوريث المفروض ، فلزم القطع بأن هذه الآية ما تناولت ذوي الأرحام ، والله أعلم. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 9 صـ 159}","part":20,"page":126},{"id":8558,"text":"فصل\rقال القرطبى :\rاستدل علماؤنا بهذه الآية في قسمة المتروك على الفرائض إذا كان فيه تغيير عن حاله ، كالحمام والبيت وبَيْدر الزيتون والدار التي تبطل منافعها بإقرار أهل السهام فيها.\rفقال مالك : يقسم ذلك وإن لم يكن في نصيب أحدهم ما ينتفع به ؛ لقوله تعالى : { مِمَّا قَلَّ مِنْهُ أَوْ كَثُرَ نَصِيباً مَّفْرُوضاً }.\rوهو قول ابن كنانة ، وبه قال الشافعي ، ونحوه قول أبي حنيفة.\rقال أبو حنيفة : في الدار الصغيرة.\rبين اثنين فطلب أحدهما القسمة وأبي صاحبه قُسمتْ له.\rوقال ابن أبي ليلى : إن كان فيهم من لا ينتفع بما يقسم له فلا يقسم.\rوكل قسم يدخل فيه الضرر على أحدهما دون الآخر فإنه لا يقسم ، وهو قول أبي ثَوْر.\rقال ابن المنذر : وهو أصح القولين.\rورواه ابن القاسم عن مالك فيما ذكر ابن العربي.\rقال ابن القاسم ؛ وأنا أرى أن كل ما لا ينقسم من الدور والمنازل والحمّامات ، وفي قسمته الضرر ولا ينتفع به إذا قسم ، أن يباع ولا شفعة فيه ؛ لقوله عليه السلام : \" الشفعة في كل ما لا يقسم فإذا وقعت الحدود فلا شفعة \" فجعل عليه السلام الشفعة في كل ما يتأتى فيه إيقاعُ الحدود ، وعلقّ الشفعة فيما لم يُقسم مما يمكن إيقاع الحدود فيه. هذا دليل الحديث.\rقلت : ومن الحجة لهذا القول ما خرّجه الدارقطني من حديث ابن جريج أخبرني صديق بن موسى عن محمد بن أبي بكر عن أبيه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : \" لا تَعْضِيَة على أهل الميراث إلا ما حمل القَسْم \" قال أبو عبيد : هو أن يموت الرجل ويدع شيئاً إن قسم بين ورثته كان في ذلك ضرر على جميعهم أو على بعضهم.\rيقول : فلا يقسم : وذلك مثل الجَوْهَرة والحمّام والطّيْلسَان وما أشبه ذلك.\rوالتعِضيَةُ التفريق ؛ يقال : عضيت الشيء إذا فرقته.","part":20,"page":127},{"id":8559,"text":"ومنه قوله تعالى ؛ { الذين جَعَلُواْ القرآن عِضِينَ } [ الحجر : 91 ] وقال تعالى : { غَيْرَ مُضَآرٍّ } [ النساء : 12 ] فنفى المضارة.\rوكذلك قال عليه السلام : \" لا ضرر ولا ضرار \" وأيضاً فإن الآية ليس فيها تعرّض للقسمة ، وإنما اقتضت الآية وجوب الحَظِّ والنصيب للصغير والكبير قليلاً كان أو كثيراً ، رداً على الجاهلية فقال : { لِّلرِّجَالِ نَصِيبٌ } { وَلِلنِّسَآءِ نَصِيبٌ } وهذا ظاهر جداً.\rفأما إبراز ذلك النصيب فإنما يؤخذ من دليل آخر ؛ وذلك بأن يقول الوارث : قد وجب لي نصيب بقول الله عز وجل فمكِّنوني منه ؛ فيقول له شريكه : أما تمكينك على الاختصاص فلا يمكن ؛ لأنه يؤدي إلى ضرر بيني وبينك من إفساد المال ، وتغيير الهيئة ، وتنقيص القيمة ؛ فيقع الترجيح.\rوالأظهر سقوط القسمة فيما يبطل المنفعة وينقص المال مع ما ذكرناه من الدّليل. والله الموفق. أ هـ {تفسير القرطبى حـ 5 صـ 47 ـ 48}\rسؤال : فإن قيل : لما قال : {مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ } دخل فيه القليل والكثير ، فما فائدة قوله : {مِمَّا قَلَّ مِنْهُ أَوْ كَثُرَ} ؟\rقلنا : إنما قال ذلك على جهة التأكيد والإعلام أن كل تركة يجب قسمتها لئلا يتهاون بالقليل من التركات ويحتقر فلا يقسم وينفرد به بعض الورثة. أ هـ {تفسير الرازى صـ 77}\rمن فوائد الآلوسى فى الآية\rقال رحمه الله :\r{ لّلرّجَالِ نَصيِبٌ مّمَّا تَرَكَ الولدان والأقربون } شروع في بيان أحكام المواريث بعد بيان ( أحكام ) ( 1 ) أموال اليتامى المنتقلة إليهم بالإرث ، والمراد من الرجال الأولاد الذكور ، أو الذكور أعم من أن يكون كباراً أو صغاراً ، ومن الأقربين الموروثون ، ومن الوالدين ما لم يكن بواسطة ، والجد والجدة داخلان تحت الأقربين ، وذكر الولدان مع دخولهما أيضاً اعتناءاً بشأنهما ، وجوز أن يراد من الوالدين ما هو أعم من أن يكون بواسطة أو بغيرها فيشمل الجد والجدة ، واعترض بأنه يلزم توريث أولاد الأولاد مع وجود الأولاد.\rوأجيب بأن عدم التوريث في هذه الصورة معلوم من أمر آخر لا يخفى ، والنصيب الحظ كالنصب بالكسر ويجمع على أنصباء وأنصبة ، ومن في مما متعلقة بمحذوف وقع صفة للنكرة قبله أي نصيب كائن مما ترك وجوز تعلقه بنصيب.","part":20,"page":128},{"id":8561,"text":"{ وَلِلنّسَاء نَصِيبٌ مّمَّا تَرَكَ الولدان والأقربون } المراد من النساء البنات مطلقاً أو الإناث كذلك ، وإيراد حكمهن على الاستقلال دون الدرج في تضاعيف أحكام السالفين بأن يقال للرجال والنساء نصيب الخ للاعتناء كما قال شيخ الإسلام بأمرهن والإيذان بأصالتهن في استحقاق الإرث ، والإشارة من أول الأمر إلى تفاوت ما بين نصيبي الفريقين والمبالغة في إبطال حكم الجاهلية فإنهم ما كانوا يورثون النساء والأطفال ويقولون : إنما يرث من يحارب ويذب عن الحوزة ، وللرد عليهم نزلت هذه الآية كما قال ابن جبير وغيره وروي أن أوس بن ثابت وقيل : أوس بن مالك ، وقيل : ثابت بن قيس ، وقيل : أوس بن الصامت وهو خطأ لأنه توفي في زمن خلافة عثمان رضي الله تعالى عنه مات وترك ابنتين وابناً صغيراً وزوجته أم كحة ، وقيل : بنت كحة ، وقيل : أم كحلة ، وقيل : أم كلثوم فجاء أبناء عمه خالد أو سويد وعرفطة أو قتادة ، وعرفجة فأخذا ميراثه كله فقالت امرأته لهما : تزوجا بالابنتين وكانت بهما دمامة فأبيا فأتت رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبرته الخبر فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : \"ما أدري ما أقول ؟ فنزلت : { لّلرّجَالِ نَصِيبٌ } الآية فأرسل صلى الله عليه وسلم إلى ابني العم فقال : لا تحركا من الميراث شيئاً فإنه قد أنزل علي فيه شيء أخبرت فيه أن للذكر والأنثى نصيباً ثم نزل بعد ذلك : { وَيَسْتَفْتُونَكَ فِى النساء } إلى قوله : { عَلِيماً } [ النساء : 127 ] ثم نزل : { يُوصِيكُمُ الله فِى أولادكم } إلى قوله : { والله عَلِيمٌ حَكِيمٌ } [ النساء : 11 ، 12 ] فدعى صلى الله عليه وسلم بالميراث فأعطى المرأة الثمن وقسم ما بقي بين الأولاد للذكر مثل حظ الأنثيين ولم يعط ابني العم شيئاً\" ، وفي بعض طرقه أن الميت خلف زوجة وبنتين وابني عم فأعطى صلى","part":20,"page":130},{"id":8562,"text":"الله عليه وسلم الزوجة الثمن والبنتين الثلثين وابني العم الباقي.\rوفي الخبر دليل على جواز تأخير البيان عن الخطاب ، ومن عمم الرجال والنساء وقال : إن الأقربين عام لذوي القرابة النسبية والسببية جعل الآية متضمنة لحكم الزوج والزوجة واستحقاق كل منهما الإرث من صاحبه ، ومن لم يذهب إلى ذلك وقال : إن الأقربين خاص بذوي القربة النسبية جعل فهم الاستحقاق كفهم المقدار المستحق مما سيأتي من الآيات ، وعلل الاقتصار على ذكر الأولاد والبنات هنا بمزيد الاهتمام بشأن اليتامى واحتج الحنفية والإمامية بهذه الآية على توريث ذوي الأرحام قالوا : لأن العمات والخالات وأولاد البنات من الأقربين فوجب دخولهم تحت قوله سبحانه : { لّلرّجَالِ } الخ غاية ما في الباب أنَّ قدر ذلك النصيب غير مذكور في هذه الآية إلا أنا نثبت كونهم مستحقين لأصل النصيب بها ، وأما المقدار فمستفاد من سائر الدلائل ، والإمامية فقط على أن الأنبياء عليهم الصلاة والسلام يورثون كغيرهم ، وسيأتي إن شاء الله تعالى قريباً رده على أتم وجه.\r{ مِمَّا قَلَّ مِنْهُ أَوْ كَثُرَ } بدل من ما الأخيرة بإعادة العامل قبل ؛ ولعلهم إنما لم يعتبروا كون الجار والمجرور بدلاً من الجار المجرور لاستلزامه إبدال من من مّن واتحاد اللفظ في البدل غير معهود.","part":20,"page":131},{"id":8563,"text":"وجوز أبو البقاء كون الجار والمجرور حالاً من الضمير المحذوف في ترك أي مما تركه قليلاً أو كثيراً أو مستقراً مما قلّ ، ومثل هذا القيد معتبر في الجملة الأولى إلا أنه لم يصرح به هناك تعويلاً على ذكره هنا ، وفائدته دفع توهم اختصاص بعض الأموال ببعض الورثة كالخيل وآلات الحرب للرجال ، وبهذا يرد على الإمامية لأنهم يخصون أكبر أبناء الميت من تركته بالسيف والمصحف والخاتم واللباس البدني بدون عوض عند أكثرهم ، وهذا من الغريب كعدم توريث الزوجة من العقار مع أن الآية مفيدة أن لكل من الفريقين حقاً من كل ما جل ودق ، وتقديم القليل على الكثير من باب { لاَ يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلاَ كَبِيرَةً إِلاَّ أَحْصَاهَا } [ الكهف : 49 ].","part":20,"page":132},{"id":8564,"text":"{ نَصِيباً مَّفْرُوضاً } نصب إما على أنه مصدر مؤكد بتأويله بعطاء ونحوه من المعاني المصدرية وإلا فهو اسم جامد ، ونقل عن بعضهم أنه مصدر ، وإما على الحالية من الضمير المستتر في قل وكثر أو في الجار والمجرور الواقع صفة ، أو من نصيب لكون وصفه بالظرف سوغ مجيء الحال منه أو من الضمير المستتر في الجار والمجرور الواقع خبراً إذ المعنى ثبت لهم مفروضاً نصيب ، وهو حينئذ حال موطئة والحال في الحقيقة وصفه ، وقيل : هو منصوب على أنه مفعول بفعل محذوف والتقدير أوجب لهم نصيباً ، وقيل : منصوب على إضمار أعني ونصبه على الاختصاص بالمعنى المشهور مما أنكره أبو حيان لنصهم على اشتراط عدم التنكير في الاسم المنصوب عليه ، والفرض كالضرب التوقيت ومنه : { فَمَن فَرَضَ فِيهِنَّ الحج } [ البقرة : 197 ] والحز في الشيء كالتفريض وما أوجبه الله تعالى كالمفروض سمي بذلك لأن له معالم وحدوداً ، ويستعمل بمعنى القطع ، ومنه قوله تعالى : { لاَتَّخِذَنَّ مِنْ عِبَادِكَ نَصِيباً مَّفْرُوضاً } [ النساء : 118 ] أي مقتطعاً محدوداً كما في \"الصحاح\" ، فمفروضاً هنا إما بمعنى مقتطعاً محدوداً كما في تلك الآية ، وإما بمعنى ما أوجبه الله تعالى أي نصيباً أوجبه الله تعالى لهم.","part":20,"page":133},{"id":8565,"text":"وفرق الحنفية بين الفرض والواجب بأن الفعل غير الكف المتعلق به خطاب بطلب فعل بحيث ينتهض تركه في جميع وقته سبباً للعقاب إن ثبت بقطعي ، ففرض كقراءة القرآن في الصلاة الثابتة بقول تعالى : { فاقرءوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ القرءان } [ المزمل : 20 ] وإن ثبت بظني فهو الواجب نحو تعيين الفاتحة الثابت بقوله صلى الله عليه وسلم : \" لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب \" وهو آحاد ، ونفي الفضيلة محتمل ظاهر ، وذهب الشافعية إلى ترادفهما ، واحتج كل لمدعاه بما احتج به ، والنزاع على ما حقق في الأصول لفظي قاله غير واحد ، وقال بعض المحققين : لا نزاع للشافعي في تفاوت مفهومي الفرض والواجب في اللغة ولا في تفاوت ما ثبت بدليل قطعي كحكم الكتاب وما ثبت بدليل ظني كحكم خبر الواحد في الشرع فإن جاحد الأول كافر دون الثاني ، وتارك العمل بالأول مؤلاً فاسق دون الثاني ، وإنما يزعم أن الفرض والواجب لفظان مترادفان منقولان عن معناهما اللغوي إلى معنى واحد هو ما يمدح فاعله ويذمّ تاركه شرعاً سواء ثبت بدليل قطعي أو ظني ، وهذا مجرد اصطلاح ، فلا معنى للاحتجاج بأن التفاوت بين الكتاب وخبر الواحد موجب للتفاوت بين مدلوليهما ، أو بأن الفرض في اللغة التقدير والوجوب هو السقوط ، فالفرض علم قطعاً أنه مقدر علينا ، والوجوب ما سقط علينا بطريق الظن ولا يكون المظنون مقدراً ولا المعلوم القطعي ساقطاً علينا على أن للخصم أن يقول : لو سلم ملاحظة المفهوم اللغوي فلا نسلم امتناع أن يثبت كون الشيء مقدراً علينا بدليل ظني ، وكونه ساقطاً علينا بدليل قطعي ، ألا ترى أن قولهم : الفرض أي المفروض المقدر في المسح هو الربع ، وأيضاً الحق أن الوجوب في اللغة هو الثبوت ، وأما مصدر الواجب بمعنى الساقط والمضطرب إنما هو الوجبة والوجيب ، ثم استعمال الفرض فيما ثبت بظني والواجب","part":20,"page":134},{"id":8566,"text":"فيما ثبت بقطعي شائع مستفيض كقولهم : الوتر فرض ، وتعديل الأركان فرض ونحو ذلك ، ويسمى فرضاً عملياً ، وكقولهم : الصلاة واجبة والزكاة واجبة ، ونحو ذلك ، ومن هنا يعلم سقوط كلام بعض الشافعية في ردّ استدلال الحنفية بما تقدم على توريث ذوي الأرحام بأن الواجب عند الحنفية ما علم ثبوته بدليل مظنون ، والمفروض ما علم بدليل قاطع ، وتوريث ذوي الأرحام ليس من هذا القبيل بالاتفاق ، فعرفنا أنه غير مراد من الآية ووجه السقوط ظاهر غني عن البيان.\rواحتج بعضهم بالآية على أن الوارث لو أعرض عن نصيبه لم يسقط حقه وهو مذهب الإمام الأعظم رضي الله تعالى عنه. أ هـ {روح المعانى حـ 4 صـ 210 ـ 212}\rفوائد لغوية\rقال ابن عادل :\rقوله : { مِّمَّا تَرَكَ } هذا الجارُّ في محل رفع ؛ لأنه صفة للمرفوع قبله أيْ : نَصِيبٌ كائن أو مستقر ، ويجوز أن يكون في محلّ نصبٍ متعلِّقاً بلفظ \" نصيب \" لأنه من تمامه. وقوله { مِمَّا قَلَّ } [ و] في هذا الجارّ أيضاً وجهان :\rأحدهما : أنه بدل من \" ما \" الأخيرة في \" مما ترك \" بإعادة حرف الجرّ في البدل ، والضمير في \" منه \" عائد على \" ما \" الأخيرة ، وهذا البدل مرادٌ أيضاً في الجملة الأولى حُذِفَ للدلالة عليه ، ولأن المقصود بذلك التأكيد ؛ لأنه تفصيلٌ للعموم المفهوم من قوله { مِّمَّا تَرَكَ } فجاء هذا البدل مفصّلا لحالتيه من الكثرة والقِلَّةِ.\rوالثاني : أنه حال من الضَّمِيرِ المحذوف من \" ترك \" أي : مما تركه قليلاً ، أو كثيراً ، أو مستقراً مما قلّ.\rقوله : { نَصِيباً مَّفْرُوضاً } فيه أوجه :\rأحدها : أن \" نصيباً \" ينتصب على أنَّهُ واقع موقع المصدر ، والعامل فيه معنى ما تقدَّم إذ التَّقدير عطاءً أو استحقاقاً ، وهذا معنى قول مَنْ يقول منصوب على المصدر المؤكد.","part":20,"page":135},{"id":8567,"text":"قال الزَّمخشريُّ : كقوله : { فَرِيضَةً مِّنَ الله } [ النساء : 11 ] كأنه قيل : قسمة مفروضة ، وقد سَبَقه الفرَّاءُ إلى هذا ، قال : نُصِبَ ؛ لأنه أخرج مُخْرَجَ المَصْدَر ؛ ولذلك وحّده كقولك : له عَليَّ كذا حقّاً لازماً ، ونحوه { فَرِيضَةً مِّنَ الله } [ النساء : 11 ] ، ولو كان اسْماً صحيحاً لم ينصب ، لا تقول : لك عليّ حق درهماً.\rالثاني : أنَّه منصوبٌ على الحالِ ويُحتمل أن يكون صاحبُ الحال الفاعل في \" قَلَّ \" أو \" كَثر \" ويُحتمل أن يكون \" نَصِيب \" ، وإن كان نكرة لتخصّصه إمَّا بالوَصْفِ ، وإمَّا بالعمل والعامل في الحال الاستقرار الَّذي في قوله : { لِّلرِّجَالِ نَصيِبٌ } ، وإلى نصبه حالاً ذهب الزَّجَّاج ومكيٌّ قالا : المعنى لهؤلاء أنْصِباء على ما ذكرناها في حالِ الفرض.\rالثالث : أنَّهُ منصوبٌ على الاختصاص بمعنى : أعني نَصيباً ، قالَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ.\rقال أبو حيَّان : إن عنى الاخْتِصاص المصطلَح عليه فهو مردود بكونه نكرةً ، وقد نَصُّوا على اشتراط تعريفه.\rالرابع : النصب بإضمار فعل أي : أو جُعِلَت لهم نصيباً.\rالخامس : أنه مصدر صريح أي نَصَّبْتُهُ نَصيباً. أ هـ {تفسير ابن عادل حـ 6 صـ 194 ـ 196}. بتصرف يسير.\rمن لطائف الإمام القشيرى فى الآية\rقال عليه الرحمة :\rلِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ مِمَّا قَلَّ مِنْهُ أَوْ كَثُرَ نَصِيبًا مَفْرُوضًا (7)}","part":20,"page":136},{"id":8568,"text":"حكم الميراث لا يختلف بالفضل والمنقبة ، ولا يتفاوت بالعيب والنقص والذنب ؛ فلو مات رجلٌ وخلف ابنين تساويا في الاستحقاق وإنْ كان أحدهما براً تقياً والآخر فاجراً عَصِياً ، فلا للتقي زيادة لتقواه ، ولا للفاجر بخس لفجوره ، والمعنى فيه أن الميراث ابتداء عطيّةٍ من قِبَل الله ، فيتساوى فيه البر والفاجر. كذلك حكم الإيمان ابتداء عطيةً للمسلمين : قال الله تعالى : { ثُمَّ أَوْرَثْنَا الكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا } [ فاطر : 32 ] ، ثم قال : { فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِّنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ... } [ فاطر : 32 ] الآية. أ هـ {لطائف الإشارات حـ 1 صـ 315}","part":20,"page":137},{"id":8569,"text":"قوله تعالى { وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُولُو الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينُ فَارْزُقُوهُمْ مِنْهُ وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلًا مَعْرُوفًا (8)}\rمناسبة الآية لما قبلها\rقال البقاعى :\rولما بين المفروض أتبعه المندوب فقال تعالى : {وإذا حضر القسمة أولوا القربى} أي ممن لا يرث صغاراً أو كباراً {واليتامى والمساكين} أي قرباء أو غرباء {فارزقوهم منه} أي المتروك ، وهو أمر ندب لتطييب قلوبهم ، وقرينة صرفه عن الوجوب ترك التحديد {وقولوا لهم} أي مع الإعطاء {قولاً معروفاً} أي حسناً سائغاً في الشرع مقبولاً تطيب به نفوسهم. أ هـ {نظم الدرر حـ 2 صـ 218}\rفصل\rقال الفخر :\rاعلم أن قوله : {وَإِذَا حَضَرَ القسمة} ليس فيه بيان أي قسمة هي ، فلهذا المعنى حصل للمفسرين فيه أقوال : الأول : أنه تعالى لما ذكر في الآية الأولى أن النساء أسوة الرجال في أن لهن حظاً من الميراث ، وعلم تعالى أن في الأقارب من يرث ومن لا يرث ، وأن الذين لا يرثون إذا حضروا وقت القسمة ، فإن تركوا محرومين بالكلية ثقل ذلك عليهم ، فلا جرم أمر الله تعالى أن يدفع إليهم شيء عند القسمة حتى يحصل الأدب الجميل وحسن العشرة ، ثم القائلون بهذا القول اختلفوا ، فمنهم من قال : إن ذلك واجب ، ومنهم من قال : إنه مندوب ، أما القائلون بالوجوب ، فقد اختلفوا في أمور :\rأحدها : أن منهم من قال : الوارث إن كان كبيراً وجب عليه أن يرضخ لمن حضر القسمة شيئا من المال بقدر ما تطيب نفسه به ، وإن كان صغيراً وجب على الولي إعطاؤهم من ذلك المال ، ومنهم من قال : إن كان الوارث كبيراً ، وجب عليه الإعطاء من ذلك المال ، وإن كان صغيراً وجب على الولي أن يعتذر إليهم ، ويقول : إني لا أملك هذا المال إنما هو لهؤلاء الضعفاء الذين لا يعقلون ما عليهم من الحق ، وإن يكبروا فسيعرفون حقكم ، فهذا هو القول المعروف ،\rوثانيها : قال الحسن والنخعي : هذا الرضخ مختص بقسمة الأعيان ، فإذا آل الأمر إلى قسمة الأرضين والرقيق وما أشبه ذلك ، قال لهم قولا معروفا ، مثل أن يقول لهم : ارجعوا بارك الله فيكم ،\rوثالثها : قالوا : مقدار ما يجب فيه الرضخ شيء قليل ، ولا تقدير فيه بالاجماع.\rورابعها : أن على تقدير وجوب هذا الحكم تكون هذه الآية منسوخة.","part":20,"page":138},{"id":8570,"text":"قال ابن عباس في رواية عطاء : وهذه الآية منسوخة بآية المواريث ، وهذا قول سعيد بن المسيب والضحاك وقال في رواية عكرمة : الآية محكمة غير منسوخة وهو مذهب أبي موسى الأشعري وإبراهيم النخعي والشعبي والزهري ومجاهد والحسن وسعيد بن جبير ، فهؤلاء كانوا يعطون من حضر شيئا من التركة.\rروي أن عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق قسم ميراث أبيه وعائشة حية ، فلم يترك في الدار أحدا إلا أعطاه ، وتلا هذه الآية ، فهذا كله تفصيل قول من قال بأن هذا الحكم ثبت على سبيل الوجوب ، ومنهم من قال : إنه ثبت على سبيل الندب والاستحباب ، لا على سبيل الفرض والايجاب ، وهذا الندب أيضا إنما يحصل إذا كانت الورثة كباراً ، أما إذا كانوا صغارا فليس إلا القول المعروف ، وهذا المذهب هو الذي عليه فقهاء الأمصار.\rواحتجوا بأنه لو كان لهؤلاء حق معين لبين الله تعالى قدر ذلك الحق كما في سائر الحقوق ، وحيث لم يبين علمنا أنه غير واجب ، ولأن ذلك لو كان واجبا لتوفرت الدواعي على نقله لشدة حرص الفقراء والمساكين على تقديره ، ولو كان ذلك لنقل على سبيل التواتر ، ولما لم يكن الأمر كذلك علمنا أنه غير واجب.\rالقول الثاني : في تفسير الآية : أن المراد بالقسمة الوصية ، فإذا حضرها من لا يرث من الأقرباء واليتامى والمساكين أمر الله تعالى أن يجعل لهم نصيبا من تلك الوصية ، ويقول لهم مع ذلك : قولا معروفا في الوقت ، فيكون ذلك سببا لوصول السرور إليهم في الحال والاستقبال ، والقول الأول أولى ، لأنه تقدم ذكر الميراث ولم يتقدم ذكر الوصية ، ويمكن أن يقال : هذا القول أولى لأن الآية التي تقدمت في الوصية.","part":20,"page":139},{"id":8571,"text":"القول الثالث : في تفسير الآية أن قوله : {وَإِذَا حَضَرَ القسمة أُوْلُواْ القربى} فالمراد من أُوْلِى القربى الذين يرثون والمراد من اليتامى والمساكين الذين لا يرثون. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 9 صـ 159 ـ 160}\rقوله تعالى {فارزقوهم مّنْهُ وَقُولُواْ لَهُمْ قَوْلاً مَّعْرُوفاً}\rقال الفخر :\rفقوله : {فارزقوهم} راجع إلى القربى الذين يرثون وقوله : {وَقُولُواْ لَهُمْ قَوْلاً مَّعْرُوفاً} راجع إلى اليتامى والمساكين الذين لا يرثون ، وهذا القول محكي عن سعيد بن جبير. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 9 صـ 160}\rفصل\rقال الفخر :\rقال صاحب الكشاف : الضمير في قوله : {فارزقوهم مّنْهُ} عائد إلى ما ترك الوالدان والأقربون ، وقال الواحدي : الضمير عائد إلى الميراث فتكون الكناية على هذا الوجه عائدة إلى معنى القسمة ، لا إلى لفظها كقوله : {ثُمَّ استخرجها مِن وِعَاء أَخِيهِ} [ يوسف : 76 ] والصواع مذكر لا يكنى عنه بالتأنيث ، لكن أريد به المشربة فعادت الكناية إلى المعنى لا إلى اللفظ ، وعلى هذا التقدير فالمراد بالقسمة المقسوم ، لأنه إنما يكون الرزق من المقسوم لا من نفس القسمة. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 9 صـ 160}\rفصل\rقال الآلوسى\r{ وَإِذَا حَضَرَ القسمة } أي قسمة التركة بين أربابها وهي مفعول به ، وقدمت لأنها المبحوث عنها ولأن في الفاعل تعدداً فلو روعي الترتيب يفوت تجاذب أطراف الكلام ، وقيل : قدمت لتكون أمام الحاضرين في اللفظ كما أنها أمامهم في الواقع ، وهي نكتة للتقديم لم أر مَن ذكرها من علماء المعاني.","part":20,"page":140},{"id":8572,"text":"{ أُوْلُواْ القربى } ممن لا يرث لكونه عاصباً محجوباً أو لكونه من ذوي الأرحام ، والقرينة على إرادة ذلك ذكر الورثة قبله { واليتامى والمساكين } من الأجانب { فارزقوهم مّنْهُ } أي اعطوهم شيئاً من المال أو المقسوم المدلول عليه بالقسمة ، وقيل : الضمير لما وهو أمر ندب كلف به البالغون من الورثة تطييباً لقلوب المذكورين وتصدقاً عليهم ، وقيل : أمر وجوب واختلف في نسخه ففي بعض الروايات عن ابن عباس أنه لا نسخ والآية محكمة وروي ذلك عن عائشة رضي الله تعالى عنها.\rوأخرج أبو داود في \"ناسخه\" وابن أبي حاتم من طريق عطاء عن ابن عباس أنه قال : { وَإِذَا حَضَرَ القسمة } الآية نسختها آية الميراث فجعل لكل إنسان نصيبه مما ترك مما قلّ منه أو كثر.\rوحكي عن سعيد بن جبير أن المراد من أولى القربى هنا الوارثون ، ومن { اليتامى والمساكين } غير الوارثين وأن قوله سبحانه : { فارزقوهم مّنْهُ } راجع إلى الأولين ، وقوله تعالى : { وَقُولُواْ لَهُمْ قَوْلاً مَّعْرُوفاً } راجع للآخرين وهو بعيد جداً ، والمتبادر ما ذكر أولاً وهذا القول للمرزوقين من أولئك المذكورين ، والمراد من القول المعروف أن يدعو لهم ويستقلوا ما أعطوهم ويعتذروا من ذلك ولا يمنّوا عليهم. أ هـ {روح المعانى حـ 4 صـ 212}\rوقال ابن عاشور : \rجملة معطوفة على جملة { للرجال نصيب } [ النساء : 7 ] إلى آخرها.\rوهذا أمر بعطية تعطى من الأموال الموروثة : أمر الورثة أن يسهموا لمن يحضر القسمة من ذوي قرابتهم غير الذين لهم حقّ في الإرث ، ممّن شأنهم أن يحضروا مجالس الفصل بين الأقرباء.\rوقوله : { للرجال نصيب } [ النساء : 7 ] وقوله : { وللنساء نصيب } [ النساء : 7 ] يقتضيان مقسوماً ، فالتعريف في قوله : { القسمة } تعريف العهد الذِكري.","part":20,"page":141},{"id":8573,"text":"والأمر في قوله : { فارزقوهم منه } محمول عند جمهور أهل العلم على الندب من أوّل الأمر ، إذ ليس في الصدقات الواجبة غير الزكاة ، لأنّ النبي صلى الله عليه وسلم قال للأعرابي لمّا قال له : هل عليّ غيرها ؟ \"لا إلاّ أنّ تطَّوّع\" وبهذا قال مالك وأبو حنيفة وفقهاء الأمصار ، وجعلوا المخاطب بقوله : { فارزقوهم } الورثة المالكين أمر أنفسهم ، والآية عند هؤلاء محكمة غير منسوخة ، وذهب فريق من أهل العلم إلى حمل الأمر بقوله : { فارزقوهم } على الوجوب ، فعن ابن عباس ، وعكرمة ، ومجاهد ، والزهري ، وعطاء ، والحسن ، والشعبي : أن ذلك حقّ واجب على الورثة المالكين أمر أنفسهم فهم المخاطبون بقوله : { فارزقوهم }.\rوعن ابن عباس ، وأبي موسى الأشعري وسعيد بن المسيّب ، وأبي صالح : أنّ ذلك كان فرضا قبل نزول آية المواريث ، ثم نسخ بآية المواريث ، ومآل هذا القول إلى موافقة قول جمهور أهل العلم.\rعن ابن عباس أيضاً.\rوزيد بن أسلم : أنّ الأمر موجّه إلى صاحب المال في الوصيّة التي كانت مفروضة قبل شرع الميراث واجب عليه أن يجعل في وصيّنه شيئاً لمن يحضر وصيّته من أولى القربى واليتامى والمساكين غير الذين أوصى لهم ، وأنّ ذلك نسخ تَبعا لنسخ وجوب الوصية ، وهذا يقتضي تأويل قوله : { القسمة } بمعنى تعيين ما لكل موصى له من مقدار.\rوعن سعيد بن جبير : أنّ الآية في نفس الميراث وأنّ المقصود منها هو قوله : { وقولوا لهم قولاً معروفاً } قال : فقوله : { فارزقوهم منه } هو الميراث نفسه.\rوقوله : { وقولوا لهم قولاً معروفاً } أي قولوا لغير الورثة بأن يقال لهم إنّ الله قسم المواريث.\rوقد علمت أنّ موقع الآية تمهيد لتفصيل الفرائض ، وأنّ ما ذهب إليه جمهور أهل العلم هو التأويل الصحيح للآية ، وكفاك باضطراب الرواية عن ابن عباس في تأويلها توهينا لتأويلاتهم.","part":20,"page":142},{"id":8574,"text":"والأمر بأن يقولوا لهم قولاً معروفاً أي قولاً حسناً وهو ضدّ المنكر تسلية لبعضهم على مَا حرموا منه من مال الميّت كما كانوا في الجاهلية. أ هـ {التحرير والتنوير حـ 4 صـ 39 ـ 40}\rلطيفة\rقال الفخر :\rإنما قدم اليتامى على المساكين لأن ضعف اليتامى أكثر ، وحاجتهم أشد ، فكان وضع الصدقات فيهم أفضل وأعظم في الأجر. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 9 صـ 160}\rفائدة\rقال الفخر :\rالأشبه هو أن المراد بالقول المعروف أن لا يتبع العطية المن والأذى بالقول أو يكون المراد الوعد بالزيادة والاعتذار لمن لم يعطه شيئا. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 9 صـ 161}\rمن فوائد القرطبى فى الآية\rقال رحمه الله :\rبيّن الله تعالى أن من لم يستحق شيئاً إرثاً وحضر القسمة ، وكان من الأقارب أو اليتامى والفقراء الذين لا يرثون أن يكرموا ولا يحرموا ، إن كان المال كثيراً ؛ والاعتذار إليهم إن كان عقاراً أو قليلاً لا يقبل الرّضخ.\rوإن كان عطاء من القليل ففيه أجر عظيم ؛ درهم يسبق مائة الف.\rفالآية على هذا القول مُحْكَمَةٌ ؛ قاله ابن عباس.\rوامتثل ذلك جماعة من التابعين : عروة بن الزبير وغيره ، وأمر به أبو موسى الأشعري.\rوروي عن ابن عباس أنها منسوخة نسخها قوله تعالى : { يُوصِيكُمُ الله في أَوْلاَدِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأنثيين }.\rوقال سعيد بن المسيب : نسخها آية الميراث والوصية.\rوممن قال إنها منسوخة أبو مالك وعِكرمة والضحاك.\rوالأوّل أصح ؛ فإنها مبيِّنة استحقاق الورثة لنصيبهم ، واستحباب المشاركة لمن لا نصيب له ممن حضرهم.\rقال ابن جبير : ضيّع الناس هذه الآية.\rقال الحسن : ولكن الناس شحّوا.\rوفي البخاري عن ابن عباس في قوله تعالى : { وَإِذَا حَضَرَ القسمة أُوْلُواْ القربى واليتامى والمساكين } قال : هي محكمة وليست بمنسوخة.","part":20,"page":143},{"id":8575,"text":"وفي رواية قال : إن ناساً يزعمون أن هذه الآية نسخت ، لا والله ما نُسخت! ولكنها مما تهاون بها ؛ هما واليِان : والٍ يرث وذلك الذي يرزق ، ووالٍ لا يرث وذلك الذي يقول بالمعروف ، ويقول : لا أملك لك أن أعطيك.\rقال ابن عباس : أمر الله المؤمنين عند قسمة مواريثهم أن يِصلوا أرحامهم ، ويتاماهم ومساكينهم من الوصية ، فإن لم تكن وصية وصل لهم من الميراث.\rقال النحاس : فهذا أحسن ما قيل في الآية ، أن يكون على الندب والترغيب في فعل الخير ، والشكر لله عز وجل.\rوقالت طائفة : هذا الرضْخُ واجب على جهة الفرض ، تُعطِي الورثة لهذه الأصناف ما طابت به نفوسهم ، كالماعُون والثوب الخَلَق وما خفّ.\rحكى هذا القول ابن عطية والقشيري.\rوالصحيح أن هذا على الندب ؛ لأنه لو كان فرضاً لكان استحقاقاً في التركة ومشاركة في الميراث ، لأحد الجهتين معلوم وللآخر مجهول.\rوذلك مناقض للحكمة ، وسبب للتنازع والتقاطع.\rوذهبت فرقة إلى أن المخاطب والمراد في الآية المحتَضَرُون الذين يقسمون أموالهم بالوصية ، لا الورثَةُ.\rوروي عن ابن عباس وسعيد بن المسيب وابن زيد.\rفإذا أراد المريض أن يفرّق ماله بالوصايا وحضره من لا يرث ينبغي له ألاّ يحرمه. وهذا والله أعلم.\rيتنزل حيث كانت الوصية واجبة ، ولم تنزل آية الميراث.\rوالصحيح الأوّل وعليه المعوّل.\rفإذا كان الوارث صغيراً لا يتصرّف في ماله ؛ فقالت طائفة : يعطى ولي الوارث الصغير من مال محجوره بقدر ما يرى.\rوقيل : لا يعطى بل يقول لمن حضر القسمة : ليس لي شيء من هذا المال إنما هو لليتيم ، فإذا بلغ عرّفتُه حقَّكم.\rفهذا هو القول المعروف.\rوهذا إذا لم يُوص الميت له بشيء ؛ فإن أوصى يصرف له ما أوصى.","part":20,"page":144},{"id":8576,"text":"ورأى عَبيدة ومحمد بن سِيرين أن الرزق في هذه الآية أن يصنع لهم طعاماً يأكلونه ؛ وفعَلاَ ذلك ، ذبحا شاة من التركة ، وقال عَبيدة : لولا هذه الآية لكان هذا من مالي.\rوروى قتادة عن يحي بن يَعمر قال : ثلاثٌ مُحْكَمات تركهّن الناس : هذه الآية ، وآية الاستئذان { ياأيها الذين آمَنُواْ لِيَسْتَأْذِنكُمُ الذين مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ } [ النور : 58 ] وقوله : { ياأيها الناس إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وأنثى } [ الحجرات : 13 ].\rقوله تعالى : { مِنْهُ } الضمير عائد على معنى القسمة ؛ إذْ هي بمعنى المال والميراث ؛ لقوله تعالى : { ثُمَّ استخرجها مِن وِعَآءِ أَخِيهِ } [ يوسف : 76 ] أي السقاية ؛ لأن الصُّوَاع مذكّر.\rومنه قوله عليه السلام : \" واتق دعوة المظلوم فإنه ليس بينه وبين الله حجاب \" فأعاد مذكراً على معنى الدعاء.\rوكذلك \" قوله لسُويد بن طارق الجُعْفي حين سأله عن الخمر : \"إنه ليس بدواء ولكنه داء\" \" فأعاد الضمير على معنى الشراب.\rومثله كثير.\rيقال : قاسمه المال وتقاسماه واقتسماه ، والاسم القسمة مؤنثة ؛ والقَسْم مصدر قسمت الشيء فانقسم ، والموضع مَقْسِم مثل مَجلس ، وتقسّمهم الدهر فتقسّموا ، أي فرّقهم فتفرّقوا.\rوالتقسيم التفريق. والله أعلم.\rقوله تعالى : { وَقُولُواْ لَهُمْ قَوْلاً مَّعْرُوفاً } قال سعيد ابن جبير : يقال لهم خذّوا بورِك لكم.\rوقيل : قولوا مع الرّزق ودِدت أن لو كان أكثر من هذا.\rوقيل : لا حاجة مع الرزق إلى عذر ، نعم إن لم يصرف إليهم شيء فلا أقل من قولٍ جميل ونوع اعتذار. أ هـ {تفسير القرطبى حـ 5 صـ 48 ـ 50}. بتصرف يسير.","part":20,"page":145},{"id":8577,"text":"من لطائف الإمام القشيرى فى الآية\rقال عليه الرحمة :\r{ وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُولُو الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينُ فَارْزُقُوهُمْ مِنْهُ وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلًا مَعْرُوفًا (8)}\rيريد إذا حضر قسمة الميراث ذوو السهمان والمستحقون ، وحضَرَ من لا نصيب لهم في الميراث من المساكين فلا تحرموهم من ذلك. فإن كان المستحقُ مُوَّلًى عليه ، فَعِدوهم وعداً جميلاً وقولوا : \" إِذا بلغ الصبي قلنا له حتى يعطيك شيءاً \" وهذا معنى قوله : { وَقُولُوا قَوْلاً مَّعْرُوفًا }. وفي هذا إِشارة لطيفة للمذنبين إذا حضروا لعرصته غداً ، والحق سبحانه يغفر للمطيعين ويعطيهم ثواب أعمالهم ، فمن كان منكم من فقراء المسلمين لا يحرمهم الغفران إن شاء الله بعدما كانوا من أهل الإيمان ، وكذلك يوم القسمة لم تكن حاضراً ، ولا لَكَ استحقاق سابق فبفضله ما أهَّلَكَ لمعرفته مع علمه بما يحصل منك في مستأنف أحوالك من زلتك. أ هـ {لطائف الإشارات حـ 1 صـ 315 ـ 316}","part":20,"page":146},{"id":8578,"text":"قوله تعالى { وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعَافًا خَافُوا عَلَيْهِمْ فَلْيَتَّقُوا اللَّهَ وَلْيَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا (9)}\rمناسبة الآية لما قبلها\rقال البقاعى :\rولما أعاد الوصية باليتامى مرة بعد أخرى ، وختم بالأمر بالإنة القول ، وكان للتصوير في التأثير في النفس ما ليس لغيره ؛ أعاد الوصية بهم لضعفهم مصوراً لحالهم مبيناً أن القول المعروف هو الصواب الذي لا خلل فيه فقال : {وليخش} أي يوقع الخشية على ذرية غيرهم {الذين} وذكر لهم حالاً هو جدير بإيقاع الخشية في قلوبهم فقال : {لو تركوا} أي شارفوا الترك بموت أو هرم ، وصوّر حالهم وحققه بقوله : {من خلفهم} أي بعد موتهم أو عجزهم العجز الذي هو كموتهم {ذرية} أي أولاداً من ذكور أو إناث {ضعافاً} أي لصغر أو غيره {خافوا عليهم} أي جور الجائرين.\rولما تسبب عن ذلك التصور في أنفسهم خوفهم على ذرية غيرهم كما يخافون على ذريتهم سواء كانوا أوصياء أو أولياء أو أجانب ، وكان هذا الخوف ربما أداهم في قصد نفعهم إلى جور على غيرهم ؛ أمر بما يحفظهم على الصراط السوي بقوله : {فليتقوا} وعبر بالاسم الأعظم إرشاداً إلى استحضار جميع عظمته فقال : {الله} أي فليعدلوا في أمرهم ليقيِّض الله لهم من يعدل في ذريتهم ، وإلا أوشك أن يسلط على ذريتهم من يجور عليهم {وليقولوا} أي في ذلك وغيره {قولاً سديداً} أي عدلاً قاصداً صواباً ، ليدل هذا الظاهر على صلاح ما أتمره من الباطن. أ هـ {نظم الدرر حـ 2 صـ 218}\rفصل\rقال الفخر :\rلا شك أن قوله : {وَلْيَخْشَ الذين لَوْ تَرَكُواْ مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرّيَّةً ضعافا خَافُواْ عَلَيْهِمْ} يوجب الاحتياط للذرية الضعاف ، وللمفسرين فيه وجوه :","part":20,"page":147},{"id":8579,"text":"الأول : أن هذا خطاب مع الذين يجلسون عند المريض فيقولون : إن ذريتك لا يغنون عنك من الله شيئا ، فأوص بمالك لفلان وفلان ، ولا يزالون يأمرونه بالوصية إلى الأجانب إلى أن لا يبقى من ماله للورثة شيء أصلا ، فقيل لهم : كما أنكم تكرهون بقاء أولادكم في الضعف والجوع من غير مال ، فاخشوا الله ولا تحملوا المريض على أن يحرم أولاده الضعفاء من ماله.\rوحاصل الكلام أنك لا ترضى مثل هذا الفعل لنفسك ، فلا ترضه لأخيك المسلم.\rعن أنس قال : قال النبي صلى الله عليه وسلم \" لا يؤمن العبد حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه \".\rوالقول الثاني : قال حبيب بن أبي ثابت : سألت مقسما عن هذه الآية فقال : هو الرجل الذي يحضره الموت ويريد الوصية للأجانب ، فيقول له من كان عنده : اتق الله وأمسك على ولدك مالك ، مع أن ذلك الإنسان يحب أن يوصي له ، ففي القول الأول الآية محمولة على نهي الحاضرين عن الترغيب في الوصية ، وفي القول الثاني محمولة على نهي الحاضرين عن النهي عن الوصية ، والأولى أولى ، لأن قوله : {لَوْ تَرَكُواْ مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرّيَّةً ضعافا} أشبه بالوجه الأول وأقرب إليه.\rوالقول الثالث : يحتمل أن تكون الآية خطابا لمن قرب أجله ، ويكون المقصود نهيه عن تكثير الوصية لئلا تبقى ورثته ضائعين جائعين بعد موته ، ثم إن كانت هذه الآية إنما نزلت قبل تقدير الوصية بالثلث ، كان المراد منها أن لا يجعل التركة مستغرقة بالوصية ، وإن كانت نزلت بعد تقدير الوصية بالثلث ، كان المراد منها أن لا يجعل التركة مستغرقة بالوصية ، وإن كانت نزلت بعد تقدير الوصية بالثلث.\r","part":20,"page":148},{"id":8580,"text":"كان المراد منها أن يوصي أيضا بالثلث ، بل ينقص إذا خاف على ذريته والمروي عن كثير من الصحابة أنهم وصوا بالقليل لأجل ذلك ، وكانوا يقولون : الخمس أفضل من الربع ، والربع أفضل من الثلث ، وخبر سعد يدل عليه وهو قوله صلى الله عليه وسلم : \" الثلث والثلث كثير لأن تدع ورثتك أغنياء خير لك من أن تدعهم عالة يتكففون الناس \".\rوالقول الرابع : أن هذا أمر لأولياء اليتيم ، فكأنه تعالى قال : وليخش من يخاف على ولده بعد موته أن يضيع مال اليتيم الضعيف الذي هو ذرية غيره إذا كان في حجره ، والمقصود من الآية على هذا الوجه أن يبعثه سبحانه وتعالى على حفظ ماله ، وأن يترك نفسه في حفظه والاحتياط في ذلك بمنزلة ما يحبه من غيره في ذريته لو خلفهم وخلف لهم مالا.\rقال القاضي : وهذا أليق بما تقدم وتأخر من الآيات الواردة في باب الأيتام ، فجعل تعالى آخر ما دعاهم إلى حفظ مال اليتيم أن ينبههم على حال أنفسهم وذريتهم إذا تصوروها ، ولا شك أنه من أقوى الدواعي والبواعث في هذا المقصود. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 9 صـ 161 ـ 162}\rقال ابن عطية فى القولين الأولين :\rوهذان القولان لا يطرد واحد منهما في كل الناس ، بل الناس صنفان يصلح لأحدهما القول الواحد ، وللآخر القول الثاني ، وذلك أن الرجل إذا ترك ورثة مستقلين بأنفسهم أغنياء حسن أن يندب إلى الوصية ، ويحمل على أن يقدم لنفسه ، وإذا ترك ورثة ضعفاء مقلين حسن أن يندب إلى الترك لهم والاحتياط فإن أجره في قصد ذلك كأجره في المساكين ، فالمراعى إنما هو الضعف ، فيجب أن يمال معه. أ هـ {المحرر الوجيز حـ 2 صـ 13 ـ 14}\rوقال القرطبى :\rوهذه الآية قد اختلف العلماء في تأويلها ؛ فقالت طائفة : هذا وعظٌ للأوصياء ، أي افعلوا باليتامى ما تحبون أن يفعل بأولادكم من بعدكم ؛ قاله ابن عباس.","part":20,"page":149},{"id":8581,"text":"ولهذا قال الله تعالى : { إِنَّ الذين يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ اليتامى ظُلْماً }.\rوقالت طائفة : المراد جميع الناس ، أمرهم باتقاء الله في الأيتام وأولاد الناس ؛ وإن لم يكونوا في حجورهم.\rوأن يُسدّدوا لهم القول كما يريد كل واحد منهم أن يُفعَل بولده بعده.\rومِن هذا ما حكاه الشيبانيّ قال : كنا على قُسْطَنْطِينِيّة في عسكر مَسْلمة بن عبد الملك ، فجلسنا يوماً في جماعة من أهل العلم فيهم ابن الدَّيْلَمِيّ ، فتذاكروا ما يكون من أهوال آخر الزمان.\rفقلت له : يا أبا بِشر ، وُدّي ألاّ يكون لي ولد.\rفقال لي : ما عليك ا ما من نَسَمة قضى الله بخروجها من رجل إلا خرجت ، أحَبّ أو كَرِه ، ولكن إذا أردت أن تأمن عليهم فاتق الله في غيرهم ؛ ثم تلا الآية.\rوفي رواية : ألاَ أدلّك على أمر إن أنت أدركته نجّاك الله منه ، وإن تركت ولداً من بعدك حفظهم الله فيك ؟ فقلت : بلى فتلا هذه الآية { وَلْيَخْشَ الذين لَوْ تَرَكُواْ } إلى آخرها.\rقلت : ومن هذا المعنى ما روى محمد بن كعب القُرَظيّ عن أبي هريرة عن النبيّ صلى الله عليه وسلم قال : \" من أحسن الصدقةَ جاز على الصراط ومن قضى حاجة أرْمَلة أخلف الله في ترِكَته \" وقول ثالث قاله جمع من المفسرين : هذا في الرجل يحضره الموت فيقول له مَن بحضرته عند وصيته : إن الله سيرزق ولدك فانظر لنفسك ، وأوص بمالك في سبيل الله ، وتصدّق وأعتق.\rحتى يأتي على عامّة ماله أو يستغرقه فيضر ذلك بورثته ؛ فنُهوا عن ذلك.\rفكأن الآية تقول لهم : كما تخشون على ورثتكم وذرّيتكم بعدكم ، فكذلك فاخشوا على ورثة غيركم ولا تحملوه على تبذير ماله ؛ قاله ابن عباس وقتادة والسدي وابن جبير والضحاك ومجاهد.\r","part":20,"page":150},{"id":8582,"text":"روى سعيد بن جبير عن ابن عباس أنه قال : إذا حضر الرجل الوصية فلا ينبغي أن يقول أوصِ بمالك فإن الله تعالى رازق ولدك ، ولكن يقول قدّم لنفسك واترك لولدك ؛ فذلك قوله تعالى : { فَلْيَتَّقُواّ الله }.\rوقال مِقسم وحضرمِيّ : نزلت في عكس هذا ، وهو أن يقول للمحتضَر من يحضره : أمسك على ورثتك ، وأبقِ لولدك فليس أحد أحق بمالك من أولادك ، وينهاه عن الوصية ، فيتضرر بذلك ذوو القربى وكل من يستحق أن يوصى له ؛ فقيل لهم : كما تخشون على ذرّيتكم وتسرون بأن يحسن إليهم ، فكذلك سدّدوا القول في جهة المساكين واليتامى ، واتقوا الله في ضررهم.\rوهذان القولان مبنيان على وقت وجوب الوصية قبل نزول آية المواريث ؛ روي عن سعيد بن جبير وابن المسيب.\rقال ابن عطية : وهذان القولان لا يطّرد واحد منهما في كل الناس ، بل الناس صنفان ؛ يصلح لأحدهما القول الواحد ، ولآخر القول الثاني.\rوذلك أن الرجل إذا ترك ورثته مستقلين بأنفسهم أغنياء حسن أن يندب إلى الوصية ، ويحمل على أن يقدّم لنفسه.\rوإذا ترك ورثة ضعفاء مهملين مقِلّين حسن أن يندب إلى الترك لهم والاحتياط ؛ فإنّ أجره في قصد ذلك كأجره في المساكين ، فالمراعاة إنما هو الضعف فيجب أن يُمال معه.\rقلت : وهذا التفصيل صحيح ؛ \" لقوله عليه السلام لسعد : \"إنك أن تَذَرْ ورثتك أغنياء خير من أن تذرهم عالة يتكفّفون الناس\" \" فإن لم يكن للإنسان ولد ، أو كان وهو غنيّ مستقل بنفسه وماله عن أبيه فقد أمِن عليه ؛ فالأَولى بالإنسان حينئذٍ تقديم ماله بين يديه حتى لا ينفقه من بعده فيما لا يصلح ، فيكون وزره عليه. أ هـ {تفسير القرطبى حـ 5 صـ 51 ـ 52}","part":20,"page":151},{"id":8583,"text":"وقال الآلوسى : \rوقوله تعالى : { وَلْيَخْشَ الذين لَوْ تَرَكُواْ مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرّيَّةً ضعافا خَافُواْ عَلَيْهِمْ } فيه أقوال : \rأحدها : أنه أمر للأوصياء بأن يخشوا الله تعالى أو يخافوا على أولادهم فيفعلوا مع اليتامى ما يحبون أن يفعل بذراريهم الضعاف بعد وفاتهم وإلى ذلك يشير كلام ابن عباس ، فقد أخرج ابن جرير عنه أنه قال في الآية : يعني بذلك الرجل يموت وله أولاد صغار ضعاف يخالف عليهم العيلة والضيعة ويخاف بعده أن لا يحسن إليهم من يليهم يقول : فإن وَليَ مثل ذريته ضعافاً يتامى فليحسن إليهم ولا يأكل أموالهم إسرافاً وبداراً أن يكبروا والآية على هذا مرتبطة بما قبلها لأن قوله تعالى : { لّلرّجَالِ } ( النساء ؛ 7 ) الخ في معنى الأمر للورثة أي اعطوهم حقهم دفعاً لأمر الجاهلية وليحفظ الأوصياء ما أعطوه ويخافوا عليهم كما يخافون على أولادهم ، وقيل في وجه الارتباط : إن هذا وصية للأوصياء بحفظ الأيتام بعد ما ذكر الوارثين الشاملين للصغار والكبار على طريق التتميم ، وقيل : إن الآية مرتبطة بقوله تعالى : { وابتلوا اليتامى } [ النساء : 6 ].\rوثانيها : أنه أمر لمن حضر المريض من العوّاد عند الإيصاء بأن يخشوا ربهم أو يخشوا أولاد المريض ويشفقوا عليهم شفقتهم على أولادهم فلا يتركوه أن يضرّ بهم بصرف المال عنهم ، ونسب نحو هذا إلى الحسن وقتادة ومجاهد وسعيد بن جبير.","part":20,"page":152},{"id":8584,"text":"وروى عن ابن عباس أيضاً ما يؤيده ، فقد : أخرج ابن أبي حاتم والبيهقي عنه أنه قال في الآية : يعني الرجل يحضره الموت فيقال له : تصدق عن مالك وأعتق وأعط منه في سبيل الله فنهوا أن يأمروا بذلك يعني أن من حضر منكم مريضاً عند الموت فلا يأمره أن ينفق من ماله في العتق أو في الصدقة أو في سبيل الله ولكن يأمره أن يبين ما له وما عليه من دين ، ويوصي من ماله لذوي قرابته الذين لا يرثون يوصي لهم بالخمس أو الربع يقول : أليس أحدكم إذا مات وله ولد ضعاف يعني صغار لا يرضى أن يتركهم بغير مال فيكونوا عيالاً على الناس ؟ فلا ينبغي لكم أن تأمروه بما لا ترضون به لأنفسكم ولأولادكم ولكن قولوا الحق من ذلك ، وعلى هذا يكون أول الكلام للأوصياء وما بعده للورثة ، وهذا للأجانب بأن لا يتركوه يضرهم أو لا يأمروه بما يضر ، فالآية مرتبطة بما قبلها أيضاً.","part":20,"page":153},{"id":8585,"text":"وثالثها : أنه أمر للورثة بالشفقة على من حضر القسمة من ضعفاء الأقارب واليتامى والمساكين متصورين أنهم لو كانوا أولادهم بقوا خلفهم ضعافاً مثلهم هل يجوّزون حرمانهم ، واتصال الكلام على هذا بما قبله ظاهر لأنه حث على الإيتاء لهم وأمرهم بأن يخافوا من حرمانهم كما يخافون من حرمان ضعاف ذريتهم ، ورابعها : أمر للمؤمنين أن ينظروا للورثة فلا يسرفوا في الوصية ، وقد روي عن السلف أنهم كانوا يستحبون أن لا تبلغ الوصية الثلث ويقولون : إن الخمس أفضل من الربع والربع أفضل من الثلث ، وورد في الخبر ما يؤيده ، وعلى هذا فالمراد من الذين المرضى وأصحاب الوصية أمرهم بعدم الإسراف في الوصية خوفاً على ذريتهم الضعاف ، والقرينة عليه أنهم المشارفون لذلك ويكون التخويف من أكل مال اليتامى بعده تخويفاً عن أخذ ما زاد من الوصية فيرتبط به ، ويكون متصلاً بما قبله تتميماً لأمر الأوصياء ، والورثة بأمر مرضى المؤمنين ، وهذا أبعد الوجوه وأبعد منه ما قيل : إنه أمر لمن حضر المريض بالشفقة على ذوي القربى بأن لا يقول للمريض لا توص لأقاربك ووفر على ذريتك ، وأبعد من ذلك القول : بأنه أمر للقاسمين بالعدل بين الورثة في القسمة بأن لا يراعوا الكبير منهم فيعطوه الجيد من التركة ولا يلتفتوا إلى الصغير ولو بما في حيزه صلة الموصول كما قال غير واحد ، ولما كانت الصلة يجب أن تكون قصة معلومة للخاطب ثابتة للموصول كالصفة قالوا : إنها هنا كذلك أيضاً وأن المعنى : وليخش الذين حالهم وصفتهم أنهم لو شارفوا أن يخلفوا ذرية ضعافاً خافوا عليهم الضياع.","part":20,"page":154},{"id":8586,"text":"وذهب الأجهوري وغيره إلى أن لو بمعنى إن فتقلب الماضي إلى الاستقبال ، وأوجبوا حمل تركوا على المشارفة ليصح وقوع خافوا جزاءاً له ضرورة أنه لا خوف بعد حقيقة الموت وترك الورثة ، وفي ترتيب الأمر على الوصف المذكور في حيز الصلة المشعر بالعلية إشارة إلى أن المقصود من الأمر أن لا يضيعوا اليتامى حتى لا تضيع أولادهم ، وفيه تهديد لهم بأنهم إن فعلوه أضاع الله أولادهم ، ورمز إلى أنهم إن راعوا الأمر حفظ الله تعالى أولادهم. أ هـ {روح المعانى حـ 4 صـ 212 ـ 214}\rقال الطبرى : \rوأولى التأويلات بالآية ، قول من قال ، تأويل ذلك : وليخش الذين لو تركوا من خلفهم ذرية ضعافًا خافوا عليهم العَيْلة لو كانوا فرقوا أموالهم في حياتهم ، أو قسموها وصية منهم بها لأولي قرابتهم وأهل اليُتم والمسكنة ، فأبقوا أموالهم لولدهم خشية العَيْلة عليهم بعدهم ، مع ضعفهم وعجزهم عن المطالب ، فليأمروا من حضروه وهو يوصي لذوي قرابته - وفي اليتامى والمساكين وفي غير ذلك - بماله بالعدل وليتقوا الله وليقولوا قولا سديدًا ، وهو أن يعرّفوه ما أباح الله له من الوصية ، وما اختاره للموصين من أهل الإيمان بالله وبكتابه وسنته.\rوإنما قلنا ذلك بتأويل الآية أولى من غيره من التأويلات ، لما قد ذكرنا فيما مضى قبل : من أن معنى قوله : \"وإذا حضر القسمة أولو القربى واليتامى والمساكين فأوصوا لهم - بما قد دللنا عليه من الأدلة.","part":20,"page":155},{"id":8587,"text":"فإذا كان ذلك تأويل قوله : \"وإذا حضر القسمة أولو القربى واليتامى والمساكين\" الآية ، فالواجب أن يكون قوله تعالى ذكره : \"وليخش الذين لو تركوا من خلفهم\" ، تأديبًا منه عبادَه في أمر الوصية بما أذِنهم فيه ، إذ كان ذلك عَقِيب الآية التي قبلها في حكم الوصية ، وكان أظهرَ معانيه ما قلنا ، فإلحاق حكمه بحكم ما قبله أولى ، مع اشتباه معانيهما ، من صرف حكمه إلى غيره بما هو له غير مشبه. أ هـ {تفسير الطبرى حـ 8 صـ 25}\rفائدة\rقال ابن عاشور :\r( وليخش الذين لو تركوا من خلفهم ذرية ضعافا خافوا عليهم فليتقوا قول سديدا [ 9 ] ) موعظة لكل من أمر أو نهي أو حذر أو رغب في الآي السابقة في شأن أموال اليتامى وأموال الضعفاء من النساء والصبيان فابتدئت الموعظة بالأمر بخشية الله تعالى أي خشية عذابه ثم أعقب بإثارة شفقة الآباء على ذريتهم بأن ينزلوا أنفسهم منزلة الموروثين الذين اعتدوا هم على أموالهم وينزلوا ذرياتهم منزلة الذرية الذين أكلوا هم حقوقهم وهذه الموعظة مبنية على قياس قول النبي صلى الله عليه وسلم \" لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه \" وزاد إثارة الشفقة التنبيه على أن المعتدى عليهم خلق ضعاف بقوله ( ضعافا ) ثم أعقب بالرجوع إلى الغرض المنتقل منه وهو حفظ أموال اليتامى بالتهديد على أكله بعذاب الآخرة بعد التهديد بسوء الحال في الدنيا.\rفيفهم من الكلام تعريض بالتهديد بأن نصيب أبناءهم مثلما فعلوه بأبناء غيرهم والأظهر أن مفعول ( يخش ) حذف لتذهب نفس السامع في تقديره كل مذهب محتمل فينظر كل سامع بحسب الأهم عنده مما يخشاه أن يصيب ذريته\rوجملة ( لو تركوا ) إلى ( خافوا عليهم ) صلة الموصول وجملة ( خافوا عليهم ) جواب ( لو )","part":20,"page":156},{"id":8588,"text":"وجيء بالموصول لأن الصلة لما كانت وصفا مفروضا حسن التعريف بها إذ المقصود تعريف من هذه حاله وذلك كاف في التعريف للمخاطبين بالخشية إذ كل سامع يعرف مضمون هذه الصلة لو فرض حصولها له إذ هي أمر يتصوره كل الناس\rووجه اختيار ( لو ) هنا من بين أدوات الشرط أنها هي الأداة الصالحة لفرض الشرط من غير تعرض لإمكانه فيصدق معها الشرط المتعذر الوقوع والمستبعده والممكنه : فالذين بلغوا اليأس من الولادة ولهم أولاد كبار أو لا أولاد لهم يدخلون في فرض هذا الشرط لأنهم لو كان لهم أولاد صغار لخافوا عليهم والذين لهم أولاد صغار أمرهم أظهر\rوفعل ( تركوا ) ماض مستعمل في مقاربة حصول الحدث مجازا بعلاقة الأول كقوله تعالى ( والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجا وصية لأزواجهم ) وقوله تعالى ( لا يؤمنون به حتى يروا العذاب الأليم ) وقول الشاعر :\rإلى ملك الجبال لفقده...\rتزول زوال الراسيات من الصخر أي وقاربت الراسيات الزوال إذ الخوف إنما يكون عند مقاربة الموت لا بعد الموت.\rفالمعنى : لو شارفوا أن يتركوا ذرية ضعافا لخافوا عليهم من أولياء السوء\rصلى الله عليه وسلم عليه الصلاة والسلام والمخاطب بالأمر من يصلح له من الأصناف المتقدمة : من الأوصياء ومنن الرجال الذين يحرمون النساء ميراثهم ويحرمون صغار اخوتهم أو أبناء اخوتهم وأبناء أعمامهم من ميراث آبائهم كل أولئك داخل في الأمر بالخشية والتخويف بالموعظة ولا يتعلق هذا الخطاب بأصحاب الضمير في قوله ( فارزقوهم منه ) لأن تلك الجملة وقعت كالاستطراد ولأنه لا علاقة لمضمونها بهذا التخويف","part":20,"page":157},{"id":8589,"text":"وفي الآية ما يبعث الناس كلهم على أن يبغضوا للحق من الظلم وأن يأخذوا على أيدي أولياء السوء وأن يحرسوا أموال اليتامى ويبلغوا حقوق الضعفاء إليهم لأنهم إن أضاعوا ذلك يوشك أن يلحق أبناءهم وأموالهم مثل ذلك وأن يأكل قويهم ضعيفهم فإن اعتياد السوء ينسي الناس شناعته ويكسب النفوس ضراوة على عمله. أ هـ {التحرير والتنوير حـ 4 صـ 41 ـ 42}\rفصل\rقال الفخر :\rقال صاحب \"الكشاف\" : قرىء ضعفاء ، وضعافى ، وضعافى : نحو سكارى وسكارى.\rقال الواحدي : قرأ حمزة {ضعافا خَافُواْ عَلَيْهِمْ} بالإمالة فيهما ثم قال : ووجه إمالة ضعاف أن ما كان على وزن فعال ، وكان أوله حرفا مستعلياً مكسوراً نحو ضعاف ، وغلاب ، وخباب ، يحسن فيه الإمالة ، وذلك لأنه تصعد بالحرف المستعلي ثم انحدر بالكسرة ، فيستحب أن لا يتصعد بالتفخيم بعد الكسر حتى يوجد الصوت على طريقة واحدة ، وأما الإمالة في {خَافُواْ} فهي حسنة لأنها تطلب الكسرة التي في خفت ، ثم قال : {فَلْيَتَّقُواّ الله وَلْيَقُولُواْ قَوْلاً سَدِيداً} وهو كالتقرير لما تقدم ، فكأنه قال : فليتقوا الله في الأمر الذي تقدم ذكره والاحتياط فيه ، وليقولوا قولا سديدا إذا أرادوا بعث غيرهم على فعل وعمل ، والقول السديد هو العدل والصواب من القول.\rقال صاحب \"الكشاف\" : القول السديد من الأوصياء أن لا يؤذوا اليتامى ، ويكلموهم كما يكلمون أولادهم بالترحيب وإذا خاطبوهم قالوا يا بني ، يا ولدي ، والقول السديد من الجالسين إلى المريض أن يقولوا : إذا أردت الوصية لا تسرف في وصيتك ولا تجحف بأولادك ، مثل قول رسول الله صلى الله عليه وسلم لسعد والقول السديد من الورثة حال قسمة الميراث للحاضرين الذين لا يرثون ، أن يلطفوا القول لهم ويخصوهم بالإكرام. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 9 صـ 162}","part":20,"page":158},{"id":8590,"text":"فائدة\rقال القرطبى :\rقوله تعالى : { وَلْيَقُولُواْ قَوْلاً سَدِيداً } السديد : العدل والصواب من القول ؛ أي مُرُوا المريض بأن يُخرج من ماله ما عليه من الحقوق الواجبة ، ثم يوصي لقرابته بقدر ( مّا ) لا يضر بورثته الصغار.\rوقيل : المعنى قولوا للميت قولاً عدلاً ، وهو أن يلقِّنه بلا إله إلا الله ، لا يأمره بذلك ، ولكن يقول ذلك في نفسه حتى يسمع منه ويتلقّن.\rهكذا قال النبيّ صلى الله عليه وسلم : \" لقنوا موتاكم لا إله إلا الله \" ولم يقل مُروهم ؛ لأنه لو أمر بذلك لعله يغضب ويجحد.\rوقيل : المراد اليتيم ؛ أن لا ينهروه ولا يستخفوا به. أ هـ {تفسير القرطبى حـ 5 صـ 52 ـ 53}\rقال أبو السعود ولله دره :\r{ وَلْيَقُولُواْ قَوْلاً سَدِيداً } أمرهم بالتقوى التي هي غايةُ الخشيةِ بعد ما أمرهم بها مراعاةً للمبدأ والمنتهى إذ لا نفعَ للأول بدون الثاني ، . ثم أمرهم بأن يقولوا لليتامى مثلَ ما يقولون لأولادهم بالشفقة وحُسنِ الأدبِ ، أو للمريض ما يصُده عن الإسراف في الوصية وتضييعِ الورثةِ يذكّره التوبةَ وكلمةَ الشهادةِ أو لحاضري القسمةِ عذراً ووعداً حسناً أو يقولوا في الوصية ما لا يؤدّي إلى تجاوز الثلث. أ هـ {تفسير أبى السعود حـ 2 صـ 148}","part":20,"page":159},{"id":8591,"text":"قال الآلوسى : \r{ وَلِيَقُولُواْ } لليتامى أو للمريض أو لحاضري القسمة ، أو ليقولوا في الوصية { قَوْلاً سَدِيداً } فيقول الوصي لليتيم ما يقول لولده من القول الجميل الهادي له إلى حسن الآداب ومحاسن الأفعال ، ويقول عائد المريض ما يذكره التوبة والنطق بكلمة الشهادة وحسن الظن بالله ، وما يصده عن الإشراف بالوصية وتضييع الورثة ، ويقول الوارث لحاضر القسمة ما يزيل وحشته ، أو يزيد مسرته ويقول الموصي في إيصائه ما لا يؤدي إلى تجاوز الثلث ، والسديد على ما قال الطبرسي المصيب العدل الموافق للشرع ، وقيل : ما لا خلل فيه ، ويقال سدّ قوله يسدّ بالكسر إذا صار سديداً ، وأنه ليسد في القول فهو مسدّ إذا كان يصيب السداد أي القصد ، وأمر سديد وأسد أي قاصد ، والسداد بالفتح الاستقامة والصواب ، وكذلك السدد مقصور منه ، وأما السداد بالكسر فالبلغة وما يسد به ، ومنه قولهم : فيه سداد من عوز قاله غير واحد وفي \"درّة الغواص في أوهام الخواص\" أنهم يقولون : سداد من عوز فيفتحون السين وهو لحن والصواب الكسر ، وتعقبه ابن بَرِّي بأنه وهم فإن يعقوب بن السكيت سوى بين الفتح والكسر في \"إصلاح المنطق\" في باب فعال وفعال بمعنى واحد ، فقال : يقال سداد من عوز وسداد ، وكذا حكاه ابن قتيبة في \"أدب الكاتب\" ؛ وكذا في \"الصحاح\" إلا أنه زاد والكسر أفصح ، نعم ذكر فيها أن سداد القارورة وسداد الثغور بالكسر لا غير ، وأنشد قول العرجي : \rأضاعوني وأي فتى أضاعوا...\rليوم كريهة ( وسداد ) ثغر فليحفظ. أ هـ {روح المعانى حـ 4 صـ 214}","part":20,"page":160},{"id":8592,"text":"فائدة\rقال ابن عاشور :\rوقوله ( فليتقوا الله وليقولوا قولا سديدا ) فرع الأمر بالتقوى على الأمر بالخشية وإن كانا أمرين متقاربين : لأن الأمر الأول لما عضد بالحجة اعتبر كالحاصل فصح التفريع عليه والمعنى : فليتقوا الله في أموال الناس وليحسنوا إليهم القول أ هـ {التحرير والتنوير حـ 4 صـ 42}\rفوائد لغوية\rقال ابن عادل :\rقرأ الجمهور بسكون اللاَّم في الأفعال الثَّلاَثَةِ وهي لام الأمر ، والفعل بعدها مجزومٌ بها ، وقرأ الحَسَنُ وعيسى بْنُ عُمَرَ بكسر اللامِ في الأفْعَالِ الثَّلاثة وهو الأصل ، والإسكان تخفيفٌ إجراءً للمنفصل مُجْرى المتصل ، فإنهم شَبَّهوا \" وليخش \" بـ \" كَيف \" وهذا ما تَقَدَّمَ الكلام في نحو : \" وهْيَ \" و\" لَهْي \" في أول البقرة.\rقال القرطبي : حذفت الألف من { وَلْيَخْشَ } للجزم بالأمر ، ولا يجوز عند سِيبَويْه إضمار لام الأمر قياساً على حروف الجرّ إلاّ ضرورة شعر ، وأجاز الكوفيون حذف اللام مع الجزم.\rوأنشدوا : [ الوافر ]\rمُحَمَّدُ تَفِدُ نَفْسَكَ كُلُّ نَفْسٍ... إذَا مَا خِفْتَ مِنْ شَيءٍ تَبَالاَ\rأراد لتفد وهو مفعل \" يخشى \" محذوف لدلالة الكلام عليه ، و\" لو \" هذه فيها احتمالان :\rأحدهما : أنَّهَا على بابها من كونها حرفاً لما كان سيقع لوقوع غيره أو حرف امتناع لامتناع على اختلاف العبارتين.\rوالثَّانِي : أنَّهَا بمعنى \" إن \" الشَّرطية وإلى الاحتمال الأوَّل ذهب ابْنُ عطيّة والزَّمخشري.\rقال الزَّمخشريُّ : فإن قلت ما معنى وقوع { لَوْ تَرَكُواْ } وجوابه صلة لـ \" الذين \" قلت : معناه : وليخش الَّذِينَ صفتهم وحالهم أنَّهم لو شارفوا أن يتركوا خَلْفَهُمْ ذريّة ضِعافاً ، وذلك عند احتضارهم خَافُوا عليهم الضياع بعدهم لذهاب كافلهم وكاسبهم كما قال القائل : [ الوافر ]","part":20,"page":161},{"id":8593,"text":"لَقَدْ زَادَ الحَيَاةَ إليَّ حُبّاً... بَنَاتِي إنَّهُنَّ مِنَ الضِّعَافِ\rأُحَاذِرُ أنْ يَرَيْنَ البُؤسَ بَعْدِي... وَأنْ يَشْرَبْنَ رَنْقاً بَعْدَ صَافِي\rوقال ابن عطية تقديره : لو تركوا لخَافُوا ، ويجوزُ حذف اللام من جواب \" لو \" ووجه التمسك بهذه العبارة أنَّهُ جعل اللامَ مقدَّرَةً في جوابها ، ولو كانت \" لَوْ \" يمتنع بها الشَّيء لامتناع غيره ، و\" خَافُوا \" جوابُ \" لَوْ \".\rوإلى الاحتمال الثَّانِي ذهب أبو البقاءِ وابنُ مَالِكٍ : \" لو \" هنا شرطية بمعنى \" إنْ \" فتقلب الماضي إلى معنى الاستقبال ، والتَّقدير : وليخش الذين إنْ تركوا ولو وقع بعد \" لو \" هذه مضارع كان مستقبلاً كما يكونُ بَعْدَ \" إنْ \" وأنشد : [ الكامل ]\rلاَ يُلْفِكَ الرَّاجُوكَ إلاَّ مُظْهِراً... خُلُقَ الكِرَام وَلَوْ تَكُونُ عَدِيماً\rأي : وإنْ تكن عديماً ، ومثلُ هذا البيت قول الآخر : [ البسيط ]\rقَوْمٌ إذَا حَارَبُوا شَدُّوا مَآزِرَهُمْ... دُونَ النَّسَاءِ وَلَوْ بَاتَتْ بأطْهَارِ\rوالَّذي ينبغي أن تكون على بابها كونها تعليقاً في الماضي ، وَإِنَّمَا حمل ابْنُ مالك ، وَأبَا البقاء على جَعْلِها بمعنى \" إنْ \" توهُّمُ أنَّهُ لَمَّا أمر بالخشيةِ - والأمرُ مستقبل ومتعلِّقُ الأمر موصول لم يصحّ أن تكون الصِّلةُ ماضية على تقدير دلالته على العدم الذي ينافي امتثالَ الأمر ، وحَسَّنَ مكانَ \" لو \" لفظ \" إنْ \" ولأجل هذا التوهُّم لم يُدْخل الزمخشري \" لَوْ \" على فعل مستقبل ، بل أتى بفعل ماضٍ مسندٍ للموصول حالةَ الأمر فقال : \" وليخش الذين صفتهم وحالهم أنهم لو شارفوا أن يتركوا \".\r","part":20,"page":162},{"id":8594,"text":"قال أبُو حَيَّان : \" وهذا الَّذي تَوهَّموه لا يلزم ، إلاَّ كانت الصِّلةُ ماضيةً في المعنى واقعةً بالفعل ، إذا معنى \" لو تركوا من خلفهم \" أي : ماتوا فتركوا من خلفهم ، فلو كان كذلك للزم التَّأويلُ في \" لَوْ \" أن تكون بمعنى \" إنْ \" إذ لا يجامع الأمر بإيقاع فعل مَنْ مات بالفعل ، فَإذَا كَانَ مَاضياً على تقدير فَيَصِحُّ أن يقع صِلَةً وأن يكون العاملُ في الموصول الفعل المستقبل نحو قولك : ليزرْنَا الذي لو مات أمسِ لبكيناه \". انتهى.\rوَأمَّا البيتان المتقدّمان فلا يلزمُ من صِحَّةِ جَعْلِهَا فيهما بمعنى \" إنْ \" أنْ تكن في الآية كذلك ؛ لأنَّا في البيتين نضطر إلى ذلك ، أمَّا البيتُ الأوَّلُ فلأن جواب \" لو \" محذوف مدلولٌ عليه بقوله : \" لا يلفك \" وهو نَهْيٌ ، والنًّهْيُ مستقبلٌ فلذلك كانت \" لَوْ \" تعليقاً في المستقبل.\rوأمَّا البيت الثَّاني فلدخول ما بعدها في حَيزِ \" إذا \" ، و\" إذا \" للمستقبل. ومفعول { وَلْيَخْشَ } محذوفٌ أي : وليخش الله.\rويجوز أن تكون المسألةُ من باب التَّنَازُع فإنَّ { وَلْيَخْشَ } يطلبُ الجلالة ، وكذلك { فَلْيَتَّقُواّ } فيكون من إعمال الثَّاني للحذف من الأوَّلِ.\rقوله : { مِنْ خَلْفِهِمْ } فيه وجهان : \rأظهرهما : أنَّهُ متعلِّقٌ بـ \" تَرَكُوا \" ظرفاً له.\rوالثَّاني : أنَّه مُتعلِّقٌ بمحذوفٍ ؛ لأنَّه حالٌ من \" ذرية \" ؛ لأنَّه في الأصل صفة نكرة قُدِّمَتْ عليها فَجُعِلَتْ حالاً.\rقوله : { ضِعَافاً } ، أمال حمزة : ألف { ضِعَافاً } ولم يبال بحرف الاستعلاء لانكساره ففيه انحدارٌ فلم ينافِِ الإمالَة.\r","part":20,"page":163},{"id":8595,"text":"وقرأ ابن مُحَيْصِنٍ \" ضُعُفاً \" بضمِّ الضَادِ والعين وتنوين الفاء ، والسُّلمي وعائشة \" ضعفاء \" بضم الضاد وفتح العين والمد ، وهو جمع مَقِيسٌ في فعيل صفةً نحو : ظَرِيفٍ وَظُرَفاء وكَرِيم وكرماء ، وقرئ \" ضَعافَى \" بالفتح والإمالة نحو : سَكَارى ، وظاهر عبارةِ الزَِّمشري أنَّه قُرِئَ \" ضُعافى \" بضمِّ الضَّادِ مثل سُكارى فَإِنَّهُ قال : \" وقُرِئَ ضُعَفَاء ، وضَعافى وضُعافى نحو سَكارى وسُكارى \" فيحتمل أنْ يريد أنَّه قُرِئَ بضمّ الضَّادِ وفتحها ، ويحتمل أن يُرِيدَ أنََّهُ قُرِئَ \" ضَعافى \" بفتح الضَّاد دونً إمَالَةٍ ، و\" ضَعافَى \" بفتحها مع الإمالة [ كَسَكارى بفتح اسلين دون إمالة ، وسكارى بفتحها مع الإمالة ] ، والظَّاهِرُ الأوَّلُ ، والغالب على الظَّنِّ أنَّهَا لم تُنْقل قراءة.\rقوله : { خَافُواْ عَلَيْهِمْ }. أمَالَ حمزةُ ألف \" خَافُوا \" للكسرة المقدَّرَةِ في الألف ، إذ الأصل \" خَوِفَ \" بكسر العين ؛ بدليلِ فتحها في المُضَارعِ نحو : \" يَخَافُ \".\rوعلَّل أبو البَقَاءِ وغيره ذلك بأنَّ الكَسْرَ قد يَعْرِض في حال من الأحوال وذلك إذَا أُسْنِدَ الفِعْلُ إلى ضَمِيرِ المُتَكَلِّم ، أو إحدى أخواته : خِفْت وخِفْنَا ، والجملةُ من \" لَوْ \" وجوابها صلةُ \" الَّذينَ \". أ هـ {تفسير ابن عادل حـ 6 صـ 198 ـ 202}\rمن لطائف الإمام القشيرى فى الآية\rقال عليه الرحمة :\r{ وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعَافًا خَافُوا عَلَيْهِمْ فَلْيَتَّقُوا اللَّهَ وَلْيَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا (9)}\rبَيَّن في هذه الآية أن الذي ينبغي للمسلم أن يدخره لعياله التقوى والصلاح لا المال ؛ لأنه لم يقل فليجمعوا المال وليكثروا لهم العقار وليخلفوا الأثاث بل قال : { فَلْيَتَّقُوا اللهَ } فإنه يتولى الصالحين. أ هـ {لطائف الإشارات حـ 1 صـ 316}","part":20,"page":164},{"id":8596,"text":"قوله تعالى { إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا (10)}\rمناسبة الآية لما قبلها\rقال البقاعى :\rولما طال التحذير والزجر والتهويل في شأن اليتامى ، وكان ذلك ربما أوجب النفرة من مخالطتهم رأساً فتضيع مصالحهم ؛ وصل بذلك ما بين أن ذلك خاص بالظالم في سياق موجب لزيادة التحذير فقال مؤكداً لما كان قد رسخ في نفوسهم من الاستهانة بأموالهم : {إن الذين} ولما كان الأكل أعظم مقاصد الإنسان عبر به عن جميع الأغراض فقال : {يأكلون أموال اليتامى ظلماَ} أي أكلاً هو في غير موضعه بغير دليل يدل عليه ، فهو كفعل من يمشي في الظلام ، ثم أتبعه ما زاده تأكيداً بالتحذير في سياق الحصر فقال : {إنما يأكلون} أي في الحال وصور الأكل وحققه بقوله : {في بطونهم ناراً} أي تحرق المعاني الباطنية التي تكون بها قوام الإنسانية وبين أنها على حقيقتها في الدنيا ولكنا لا نحسها الآن لأنها غير النار المعهودة في الظاهر بقوله - مكرراً التحذير مبيناً بقراءة الجماعة بالبناء للفاعل أنهم يلجؤون إليها إلجاء يصيّرهم كأنهم يدخلونها بأنفسهم : {وسيصلون} أي في الآخرة - بوعيد حتم لا خلف فيه {سعيراً} أي عظيماً هو نهاية في العظمة ، وذلك هو معنى ابن عامر وعاصم بالبناء للمجهول ، أي يلجئهم إلى صليها ملجىء قاهر لا يقدرون على نوع دفاع له. أ هـ {نظم الدرر حـ 2 صـ 219}","part":20,"page":165},{"id":8597,"text":"فصل\rقال الفخر :\rاعلم أنه تعالى أكد الوعيد في أكل مال اليتيم ظلما ، وقد كثر الوعيد في هذه الآيات مرة بعد أخرى على من يفعل ذلك ، كقوله : {وَلاَ تَتَبَدَّلُواْ الخبيث بالطيب وَلاَ تَأْكُلُواْ أموالهم إلى أموالكم إِنَّهُ كَانَ حُوباً كَبِيراً} [ النساء : 2 ] {وَلْيَخْشَ الذين لَوْ تَرَكُواْ مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرّيَّةً ضعافا} [ النساء : 9 ] ثم ذكر بعدها هذه الآية مفردة في وعيد من يأكل أموالهم ، وذلك كله رحمة من الله تعالى باليتامى لأنهم لكمال ضعفهم وعجزهم استحقوا من الله مزيد العناية والكرامة ، وما أشد دلالة هذا الوعيد على سعة رحمته وكثرة عفوه وفضله ، لأن اليتامى لما بلغوا في الضعف إلى الغاية القصوى بلغت عناية الله بهم إلى الغاية القصوى. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 9 صـ 162}\rفائدة\rقال الفخر :\rدلت هذه الآية على أن مال اليتيم قد يؤكل غير ظلم ، وإلا لم يكن لهذا التخصيص فائدة ، وذلك ما ذكرناه فيما تقدم أن للولي المحتاج أن يأكل من ماله بالمعروف. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 9 صـ 162}\rفصل\rقال الفخر :\rقوله : {إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِى بُطُونِهِمْ نَاراً} فيه قولان :\rالأول : أن يجري ذلك على ظاهره قال السدي : إذا أكل الرجل مال اليتيم ظلما يبعث يوم القيامة ولهب النار يخرج من فيه ومسامعه وأذنيه وعينيه ، يعرف كل من رآه أنه أكل مال اليتيم.\rوعن أبي سعيد الخدري أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : \" ليلة أسرى بي رأيت قوما لهم مشافر كمشافر الابل وقد وكل بهم من يأخذ بمشافرهم ثم يجعل في أفواههم صخرا من النار يخرج من أسافلهم فقلت يا جبريل من هؤلاء : فقال : هؤلاء الذين يأكلون أموال اليتامى ظلما \".","part":20,"page":166},{"id":8598,"text":"والقول الثاني : أن ذلك توسع ، والمراد : أن أكل مال اليتيم جار مجرى أكل النار من حيث إنه يفضي إليه ويستلزمه ، وقد يطلق اسم أحد المتلازمين على الآخر ، كقوله تعالى : {وَجَزَاء سَيّئَةٍ سَيّئَةٌ مّثْلُهَا} [ الشورى : 40 ] قال القاضي : وهذا أولى من الأول لأن قوله : {إِنَّ الذين يَأْكُلُونَ أموال اليتامى ظُلْماً إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِى بُطُونِهِمْ نَاراً} الاشارة فيه إلى كل واحد ، فكان حمله على التوسع الذي ذكرناه أولى. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 9 صـ 162 ـ 163}\rفائدة\rقال ابن الجوزى :\rوقد توهم قومٌ لا علم لهم بالتفسير وفقهه ، أن هذه الآية منسوخة ، لأنهم سمعوا أنها لما نزلت ، تحرج القوم عن مخالطة اليتامى ، فنزل قوله : { وإِن تخالطوهم فإخوانكم } [ البقرة 220 ] وهذا غلط ، وإِنما ارتفع عنهم الحرج بشرط قصد الإِصلاح ، لا على إِباحة الظلم. أ هـ {زاد المسير حـ 2 صـ 24}\rسؤال : لقائل أن يقول : الأكل لا يكون إلا في البطن فما فائدة قوله : {إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِى بُطُونِهِمْ نَاراً } ؟.\rوجوابه : أنه كقوله : {يَقُولُونَ بأفواههم مَّا لَيْسَ فِى قُلُوبِهِم} [ آل عمران : 167 ] والقول لا يكون إلا بالفهم ، وقال : {ولكن تعمى القلوب التى فِى الصدور} [ الحج : 46 ] والقلب لا يكون إلا في الصدر ، وقال : {وَلاَ طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ} [ الأنعام : 38 ] والطيران لا يكون إلا بالجناح ، والغرض من كل ذلك التأكيد والمبالغة. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 9 صـ 163}\rفائدة\rقال الفخر :\rإنه تعالى وإن ذكر الأكل إلا أن المراد منه كل أنواع الإتلافات ، فإن ضرر اليتيم لا يختلف بأن يكون إتلاف ماله بالأكل ، أو بطريق آخر ، وإنما ذكر الأكل وأراد به كل التصرفات المتلفة لوجوه :","part":20,"page":167},{"id":8599,"text":"أحدها : أن عامة مال اليتيم في ذلك الوقت هو الأنعام التي يأكل لحومها ويشرب ألبانها.\rفخرج الكلام على عادتهم.\rوثانيها : أنه جرت العادة فيمن أنفق ماله في وجوه مراداته خيرا كانت أو شرا ، أنه يقال : إنه أكل ماله.\rوثالثها : أن الأكل هو المعظم فيما يبتغي من التصرفات. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 9 صـ 163}\rفصل\rقال الفخر :\rقالت المعتزلة : الآية دالة على وعيد كل من فعل هذا الفعل ، سواء كان مسلما أو لم يكن ؛ لأن قوله تعالى : {إِنَّ الذين يَأْكُلُونَ أموال اليتامى ظُلْماً} عام يدخل فيه الكل فهذا يدل على القطع بالوعيد وقوله : {وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيراً} يوجب القطع على أنهم إذا ماتوا على غير توبة يصلون هذا السعير لا محالة ، والجواب عنه قد ذكرناه مستقصى في سورة البقرة ، ثم نقول : لم لا يجوز أن يكون هذا الوعيد مخصوصا بالكفار لقوله تعالى : {والكافرون هُمُ الظالمون} [ البقرة : 254 ] ثم قالت المعتزلة : ولا يجوز أن يدخل تحت هذا الوعيد أكل اليسير من ماله لأن الوعيد مشروط بأن لا يكون معه توبة ولا طاعة أعظم من تلك المعصية ، وإذا كان كذلك ، فالذي يقطع على أنه من أهل الوعيد من تكون معصيته كبيرة ولا يكون معها توبة ، فلا جرم وجب أن يطلب قدر ما يكون كثيرا من أكل ماله ، فقال أبو علي الجبائي : قدره خمسة دراهم لأنه هو القدر الذي وقع الوعيد عليه في آية الكنز في منع الزكاة ، هذا جملة ما ذكره القاضي ، فيقال له : فأنت قد خالفت ظاهر هذا العموم من وجهين أحدهما : أنك زدت فيه شرط عدم التوبة.","part":20,"page":168},{"id":8600,"text":"والثاني : أنك زدت فيه عدم كونه صغيرا ، وإذا جاز ذلك فلم لا يجوز لنا أن نزيد فيه شرط عدم العفو ؟ أقصى ما في الباب أن يقال : ما وجدنا دليلا يدل على حصول العفو ، لكنا نجيب عنه من وجهين : أحدهما : أنا لا نسلم عدم دلائل العفو ، بل هي كثيرة على ما قررناه في سورة البقرة.\rوالثاني : هب أنكم ما وجدتموها لكن عدم الوجدان لا يفيد القطع بعدم الوجود ، بل يبقى الاحتمال ، وحينئذ يخرج التمسك بهذه الآية من إفادة القطع والجزم ، والله أعلم. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 9 صـ 163 ـ 164}\rفصل\rقال القرطبى :\rوهذه آية من آيات الوعيد ، ولا حجة فيها لمن يكفر بالذنوب.\rوالذي يعتقده أهل السنة أن ذلك نافذ على بعض العصاة فيصلى ثم يحترق ويموت ؛ بخلاف أهل النار لا يموتون ولا يحيون ، فكأن هذا جمع بين الكتاب والسنة ، لئلا يقع الخبر فيهما على خلاف مَخبره ، ساقطٌ بالمشيئة عن بعضهم ؛ لقوله تعالى : { إِنَّ الله لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَآءُ } [ النساء : 48 ].\rوهكذا القول في كل ما يرد عليك من هذا المعنى.\rروى مسلم في صحيحه عن أبي سعيد الخدرِيّ قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : \" أمّا أهل النار الذين هم أهلها فيها فإنهم لا يموتون فيها ولا يحيون ولكن ناس أصابتهم النار بذنوبهم أو قال بخطاياهم فأماتهم الله إماتة حتى إذا كانوا فَحْماً أُذِنَ بالشفاعة فجيء بهم ضَبَائِرَ ضَبَائِر فبُثُّوا على أنهار الجنة ثم قيل يا أهل الجنة أفِيضوا عليهم فينبُتُون كما تنْبُت الحبّة في حَمِيل السّيلِ \" فقال رجل من القوم كأنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قد كان ( يرعى ) بالبادية. أ هـ {تفسير القرطبى حـ 5 صـ 54}","part":20,"page":169},{"id":8601,"text":"فائدة\rقال الفخر :\rإنه تعالى ذكر وعيد مانعي الزكاة بالكي فقال : {يَوْمَ يحمى عَلَيْهَا فِى نَارِ جَهَنَّمَ فتكوى بِهَا جِبَاهُهُمْ وَجُنوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ} [ التوبة : 35 ] وذكر وعيد آكل مال اليتيم بامتلاء البطن من النار ، ولا شك أن هذا الوعيد أشد ، والسبب فيه أن في باب الزكاة الفقير غير مالك لجزء من النصاب ، بل يجب على المالك أن يملكه جزأ من ماله ، أما ههنا اليتيم مالك لذلك المال فكان منعه من اليتيم أقبح ، فكان الوعيد أشد ، ولأن الفقير قد يكون كبيرا فيقدر على الاكتساب ، أما اليتيم فإنه لصغره وضعفه عاجز فكان الوعيد في إتلاف ماله أشد. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 9 صـ 164}\rقوله تعالى {وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيراً}\rفصل\rقال الفخر :\rقرأ ابن عامر وأبو بكر عن عاصم {وَسَيَصْلَوْنَ} بضم الياء ، أي يدخلون النار على ما لم يسم فاعله ، والباقون بفتح الياء قال أبو زيد يقال : صلى الرجل النار يصلاها صلى وصلاء ، وهو صالي النار ، وقوم صالون وصلاء قال تعالى : {إِلاَّ مَنْ هُوَ صَالِ الجحيم} [ الصافات : 163 ] وقال : {أولى بِهَا صِلِيّاً} [ مريم : 70 ] وقال : {جَهَنَّمُ يَصْلَوْنَهَا} [ إبراهيم : 29 ، ص : 56 ، المجادلة : 8 ] قال الفراء : الصلي : اسم الوقود وهو الصلاء إذا كسرت مدت ، وإذا فتحت قصرت ، ومن ضم الياء فهو من قولهم : أصلاه الله حر النار اصلاء.\rقال : {فَسَوْفَ نُصْلِيهِ نَاراً} [ النساء : 30 ] وقال تعالى : {سَأُصْلِيهِ سَقَرَ} [ المدثر : 26 ] قال صاحب \"الكشاف\" : قرىء {سيصلون} بضم الياء وتخفيف اللام وتشديدها. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 9 صـ 164}","part":20,"page":170},{"id":8602,"text":"فائدة\rقال الفخر :\rالسعير : هو النار المستعرة يقال : سعرت النار أسعرها سعراً فهي مسعورة وسعير ، والسعير معدول عن مسعورة كما عدل كف خضيب عن مخضوبة ، وإنما قال : {وَسَيَصْلَوْنَ} لأن المراد نار من النيران مبهمة لا يعرف غاية شدتها إلا الله تعالى. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 9 صـ 164}\rلطيفة\rقال أبو حيان :\rوعبر بالصلا بالنار عن العذاب الدائم بها ، إذ النار لا تذهب ذواتهم بالكلية ، بل كما قال : { كلما نضجت جلودهم بدلناهم جلوداً غيرها ليذوقوا العذاب } وهذا وعيد عظيم على هذه المعصية.\rوجاء يأكلون بالمضارع دون سين الاستقبال ، وسيصلون بالسين ، فإن كان الأكل للنار حقيقة فهو مستقبل ، واستغنى عن تقييده بالسين بعطف المستقبل عليه.\rوإن كان مجازاً فليس بمستقبل ، إذ المعنى : يأكلون ما يجر إلى النار ويكون سبباً إلى العذاب بها.\rولما كان لفظ نار مطلقاً في قوله : إنما يأكلون في بطونهم ناراً ، قيد في قوله سعيراً ، إذ هو الجمر المتقد. أ هـ {البحر المحيط حـ 3 صـ 187 ـ 188}\rفصل\rقال الفخر :\rروي أنه لما نزلت هذه الآية ثقل ذلك على الناس فاحترزوا عن مخالطة اليتامى بالكلية ، فصعب الأمر على اليتامى فنزل قوله تعالى : {وَإِن تُخَالِطُوهُمْ فإخوانكم} [ البقرة : 220 ] ومن الجهال من قال : صارت هذه الآية منسوخة بتلك ، وهو بعيد لأن هذه الآية في المنع من الظلم وهذا لا يصير منسوخا ، بل المقصود أن مخالطة أموال اليتامى إن كان على سبيل الظلم فهو من أعظم أبواب الاثم كما في هذه الآية ، وإن كان على سبيل التربية والاحسان فهو من أعظم أبواب البر ، كما في قوله : {وَإِن تُخَالِطُوهُمْ فإخوانكم} ، والله أعلم. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 9 صـ 164}","part":20,"page":171},{"id":8603,"text":"من فوائد ابن عاشور فى الآية\rقال رحمه الله :\r{إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا}\rجملة معترضة تفيد تكرير التحذير من أكل مال اليتامى ، جرّتهُ مناسبة التعرّض لقسمة أموال الأموات ، لأنّ الورثة يكثر أن يكون فيهم يتامى لكثرة تزوّج الرجال في مدّة أعمارهم ، فقلّما يخلو ميِّت عن ورثة صغار ، وهو مؤذن بشدّة عناية الشارع بهذا الغرض ، فلذلك عاد إليه بهذه المناسبة.\rوقوله : { ظلماً } حال من { يأكلون } مقيِّدة ليخرج الأكلُ المأذون فيه بمثل قوله : { ومن كان فقيراً فليأكل بالمعروف } [ النساء : 6 ] ، فيكون كقوله : { يا أيها الذين آمنوا لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل } [ النساء : 29 ].\rثم يجوز أن يكون ( نارا ) من قوله : { إنما يأكلون في بطونهم ناراً } مراداً بها نار جهنّم ، كما هو الغالب في القرآن ، وعليه ففِعْلُ { يأكلون } ناصب ( ناراً ) المذكور على تأويل يأكلون ما يفضي بهم إلى النار ، فأطلق النار مجازاً مرسلاً بعلاقة الأَوْل أو السببية أي ما يفضي بهم إلى عذاب جهنّم ، فالمعنى أنّهم حين يأكلون أموال اليتامى قد أكلوا ما يفضي بهم إلى جهنّم.\rوعلى هذا فعطف جملة : { وسيصلون سعيراً } عَطْف مرادف لمعنى جملة { يأكلون في بطونهم ناراً }.","part":20,"page":172},{"id":8604,"text":"ويجوز أن يكون اسم النار مستعاراً للألم بمعنى أسباب الألم فيكون تهديداً بعذاب دنيوي أو مستعاراً للتلف لأنّ شأن النار أن تلتهم ما تصيبه ، والمعنى إنّما يأخذون أموالاً هي سبب في مصائب تعتريهم في ذواتهم وأموالهم كالنار إذا تدنو من أحد فتؤلمه وتتلف متاعه ، فيكون هذا تهديداً بمصائب في الدنيا على نحو قوله تعالى : { يمحق اللَّه الربا } [ البقرة : 276 ] ويكون عطف جملة { وسيصلون سعيراً } جارياً على ظاهر العطف من اقتضاء المغايرة بين المتعاطفين ، فالجملة الأولى تهديد بعذاب في الدنيا ، والجملة الثانية وعيد بعذاب الآخرة.\rوذِكْرُ { في بطونهم } على كلا المعنيين مجرّد تخييل وترشيح لاستعارة { يأكلون } لمعنى يأخذون ويستحوذون.\rوالسين في { سيصلون } حرف تنفيس أي استقبال ، أي أنها تدخل على المضارع فتمحّضه للاستقبال ، سوءا كان استقبالاً قريباً أو بعيداً ، وهي مرادفة سوف ، وقيل : إنّ سوف أوسع زمانا.\rوتفيدان في مقام الوعد تحقيقَ الوعد وكذلك التوعّد.\rويَصْلَوْن مضارع صَلِي كرضي إذا قاسى حرّ النار بشدّة ، كما هنا ، يقال : صلى بالنار ، ويكثر حذف حرف الجرّ مع فعل صَلي ونصب الاسم بعده على نزع الخافض ، قال حُمَيْد بن ثور : \rلا تَصْطَلي النارَ إلاّ يَجْمَرا أَرجَا...\rقد كسَّرَت مِن يلجوج له وَقَصَا\rوهو الوارد في استعمال القرآن باطراد.\rوقرأ الجمهور : وسيَصلونَ بفتح التحتية مضارع صَلي ، وقرأه ابن عامر ، وأبو بكر عن عاصم بضم التحتية مضارع أصلاه إذا أحرقه ومبنيا للنائب.\r{ والسعير } النار المسعَّرة أي الملتهبة ، وهو فعيل بمعنى مفعول ، بني بصيغة المجرّد ، وهو من المضاعف ، كما بنى السميع من أَسْمَع ، والحكيم من أَحْكم. أ هـ {التحرير والتنوير حـ 4 صـ 42 ـ 44}","part":20,"page":173},{"id":8605,"text":"ومن فوائد ابن عطية فى الآية\rقال رحمه الله :\rقال ابن زيد : نزلت في الكفار الذين كانوا لا يورثون النساء والصغار ، ويأكلون أموالهم ، وقال أكثر الناس : نزلت في الأوصياء الذي يأكلون ما لم يبح لهم من مال اليتيم ، وهي تتناول كل آكل وإن لم يكن وصياً ، وسمي آخذ المال على كل وجوهه آكلاً لما كان المقصود هو الأكل وبه أكثر الإتلاف للأشياء ، وفي نصه على البطون من الفصاحة تبيين نقصهم ، والتشنيع عليهم بضد مكارم الأخرق ، من التهافت بسبب البطن ، وهو أنقص الأسباب وألأمها حتى يدخلوا تحت الوعيد بالنار ، و{ ظلماً } معناه : ما جاوز المعروف مع فقر الوصي ، وقال بعض الناس : المعنى أنه لما يؤول أكلهم للأموال إلى دخولهم النار قيل : { يأكلون } النار ، وقالت طائفة : بل هي حقيقة أنهم يطعمون النار ، وفي ذلك أحاديث ، منها حديث أبي سعيد الخدري قال : حدثنا النبي صلى الله عليه وسلم عن ليلة أسري به ، قال ، رأيت أقواماً لهم مشافر كمشافر الإبل ، وقد وكل بهم من يأخذ بمشافرهم ثم يجعل في أفواههم صخراً من نار ، تخرج من أسافلهم ، قلت : يا جبريل من هؤلاء ؟ قال هم الذين يأكلون أموال اليتامى ظلماً ، وقرأ جمهور الناس \" وسيَصلون \" على إسناد الفعل إليهم ، وقرأ ابن عامر بضم الياء واختلف عن عاصم ، وقرأ أبو حيوة ، و\" سيُصلُون \" بضم الياء واللام ، وهي ضعيفة ، والأول أصوب ، لأنه كذلك جاء في القرآن في قوله : { لا يصلاها إلا الأشقى } [ الليل : 16 ] وفي قوله : { صال الجحيم } [ الصافات : 163 ] والصلي هو التسخن بقرب النار أو بمباشرتها ، ومنه قول الحارث بن عباد :\rلم أكن من جناتها ، علم الله... وإني بحرِّها اليوم صال","part":20,"page":174},{"id":8606,"text":"والمحترق الذي يذهبه الحرق ليس بصال إلا في بدء أمره ، وأهل جهنم لا تذهبهم فهم فيها صالون ، \" والسعير \" : الجمر المشتعل ، وهذه آية من آيات الوعيد ، والذي يعتقده أهل السنة أن ذلك نافذ على بعض العصاة ، لئلا يقع الخبر بخلاف مخبره ، ساقط بالمشيئة عن بعضهم ، وتلخيص الكلام في المسألة : أن الوعد في الخير ، والوعيد في الشر ، هذا عرفهما إذا أطلقا ، وقد يستعمل الوعد في الشر مقيداً به ، كما قال تعالى : { النار وعدها الله ، الذين كفروا } [ الحج : 72 ] فقالت المعتزلة : آيات الوعد كلها في التائبين والطائعين ، وآيات الوعيد في المشركين والعصاة بالكبائر ، وقال بعضهم : وبالصغائر ، وقالت المرجئة : آيات الوعد كلها فيمن اتصف بالإيمان الذي هو التصديق ، كان من كان من عاص أو طائع ، وقلنا أهل السنة والجماعة : آيات الوعد في المؤمنين الطائعين ومن حازته المشيئة من العصاة ، وآيات الوعيد في المشركين ومن حازه الإنفاذ من العصاة ، والآية الحاكمة بما قلناه قوله تعالى : { إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر مادون ذلك لما يشاء } [ النساء : 48 و116 ] فإن قالت المعتزلة لمن يشاء يعني التائبين ، رد عليهم بأن الفائدة في التفضيل كانت تنفسد ، إذ الشرك أيضاً يغفر للتائب ، وهذا قاطع بحكم قوله { لمن يشاء } بأن ثم مغفوراً له وغير مغفور ، واستقام المذهب السني. أ هـ {المحرر الوجيز حـ 2 صـ 14 ـ 15}\rفوائد بلاغية\rقال أبو حيان :\rوتضمنت هذه الآيات من ضروب البيان والفصاحة.\rالطباق في : واحدة وزوجها ، وفي غنياً وفقيراً ، وفي : قل أو كثر.","part":20,"page":175},{"id":8607,"text":"والتكرار في : اتقوا ، وفي : خلق ، وفي : خفتم ، وأن لا تقسطوا ، وأن لا تعدلوا من جهة المعنى ، وفي اليتامى ، وفي النساء ، وفي فادفعوا إليهم أموالهم ، فإذا دفعتم إليهم أموالهم ، وفي نصيب مما ترك الوالدان والأقربون ، وفي قوله : وليخش ، وخافوا من جهة المعنى على قول من جعلهما مترادفين ، وإطلاق اسم المسبب على السبب في : ولا تأكلوا وشبهه لأن الأخذ سبب للأكل.\rوتسمية الشيء باسم ما كان عليه في : وآتوا اليتامى ، سماهم يتامى بعد البلوغ.\rوالتأكيد بالاتباع في : هنيئاً مريئاً وتسمية الشيء باسم ما يؤول اليه في : نصيب مما ترك ، وفي ناراً على قول من زعم أنها حقيقة.\rوالتجنيس المماثل في : فادفعوا فإذا دفعتم ، والمغاير في : وقولوا لهم قولاً.\rوالزيادة للزيادة في المعنى في : فليستعفف.\rوإطلاق كل على بعض في : الأقربون ، إذ المراد أرباب الفرائض.\rوإقامة الظرف المكاني مقام الزماني في : من خلفهم ، أي من بعد وفاتهم.\rوالاختصاص في : بطونهم ، خصها دون غيرها لأنها محل للمأكولات.\rوالتعريض في : في بطونهم ، عرض بذكر البطون لحسنهم وسقوط هممهم والعرب تذم بذلك قال :\rدع المكارم لا ترحل لبغيتها . . .\rواقعد فإنك أنت الطاعم الكاسي\rوتأكيد الحقيقة بما يرفع احتمال المجاز بقوله : في بطونهم.\rرفع المجاز العارض في قوله : { أيحب أحدكم أن يأكل لحم أخيه ميتاً } وهذا على قول من حمله على الحقيقة ، ومن حمله على المجاز فيكون عنده من ترشيح المجاز ، ونظير كونه رافعاً للمجاز قوله : { يطير بجناحيه } وقوله : { يكتبون الكتاب بأيديهم } والحذف في عدة مواضع. أ هـ {البحر المحيط حـ 3 صـ 188}\rفوائد لغوية\rقال ابن عادل :\rقوله : { ظُلْماً } فيه وجهان :\rأحدهما : أنَّه مفعول من أجله ، وشروط النصب موجودة.","part":20,"page":176},{"id":8608,"text":"الثاني : أنَّهُ مصدرٌ في محلِّ نَصْب على الحَالِ أي : يأكُلُونَهُ ظالمين والجملة من قوله : { إِنَّمَا يَأْكُلُونَ } هذه الجملة في محل رفع لـ \" إنَّ \" ، وفي ذلك خلاف.\rقال أبُو حيان : وَحَسَّنَه هنا وقوعُ [ اسم ] \" أن \" موصولاً فطال الكلامُ بصلة الموصول فلما تباعد ما بينهما لم يُبَالِ بذلك ، وهذا أحْسَنُ من قولك : \" إنَّ زيداً إنَّ أبَاهُ منطلق \" ، ولقائلٍ أن يقول : ليس فيها دلالة على ذلك ؛ لأنها مكفوفة بـ \" ما \" ومعناها الحصرُ فصارت مثل قولك ، في المعنى : \" إنَّ زيداً ما انطلق إلاَّ أبوه \" وهو محل نظر.\rقوله : { فِي بُطُونِهِمْ } فيه وجهان : أحدهما : انَّهُ مُتَعَلِّقٌ بـ { يَأْكُلُونَ } أي : بطونُهم أوْعِيَةٌ للنَّارِ ، إمَّا حَقِيقَةً : بأنْ يَخلق اللهُ لهم ناراً يأكلونَهَا في بُطُونِهِم ، أوْ مَجَازاً بِأنْ أطْلِقَ المُسَبِّبَ وأرادَ السبب لكونه يُفْضِي إلَيْهِ ويستلزمه ، كما يُطْلَقُ اسْمُ أحَدِ المتلازمين على الآخَرِ كقوله : { وَجَزَآءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِّثْلُهَا } [ الشورى : 40 ].\rقال القاضِي : وهذا أوْلَى ؛ لأن الإشارةَ فيه إلى كُلِّ واحِدٍ.\rوَالثَّاني : أنَّهُ متعلِّقٌ بمحذوفٍ ؛ لأنَّه حال مِنْ \" نارا \" وكان في الأصل صفة للنكرة فَلَمَّا قُدِّمَتِ انْتَصَبَتْ حَالاً.\rوذكر أبُو البَقَاءِ هذا الوجه عن أبِي عَلِيٍّ في \" تَذْكِرَتِهِ \" ، وحكى عنه أنَّهُ منع أنْ يكون ظرفاً لـ { يَأْكُلُونَ } فَإنَّهُ قال : { فِي بُطُونِهِمْ نَاراً } حال من نار ، أي : نَارٌ كَائِنَةٌ في بُطُونِهِمْ ، وليس بِظَرْفٍ لـ { يَأْكُلُونَ } ذكره في التَّذْكِرَةِ \".\r","part":20,"page":177},{"id":8609,"text":"إِنَّ الذين يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ اليتامى ظُلْماً إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَاراً وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيراً وفي قوله : \" وَالَّذي يَخُصُّ هذا المَوْضِع \" فيه نَظَرٌ ، فَإنَّهُ كما يجوزُ أن يكونَ { فِي بُطُونِهِمْ } حالاً من \" نَار \" هنا يجوزُ أن يكون حالاً من \" النَّار \" في البقرة ، وفي [ إبداء ] الفرقِ عُسْرٌ ، ولم يظهر [ منع أبي عليٍّ كَوْنَ { فِي بُطُونِهِمْ } ظرفاًَ للأكْلِ وجه ظاهر فإن قيل : الأكل لا يكون إلا ] في البَطْنِ فما فائدةُ قوله : { إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَاراً } ؟ .\rفالجوابُ أنَّ المرادَ به التَّأكِيدُ والمبالغةُ كقوله : { يَقُولُونَ بِأَفْوَاهِهِم } [ آل عمران : 167 ] والقول لا يكون إلا بالفم ، وقوله : { ولكن تعمى القلوب التي فِي الصدور } [ الحج : 46 ] والقلبُ لا يكونُ إلاَّ في الصَّدْرِ ، وقوله : { وَلاَ طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ } [ الأنعام : 38 ] والطّيرانُ لا يكون إلاَّ بالنَّجَاحِ.\rقوله : { وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيراً } ، قرأ الجمهور بفتح الياء واللام ، وابن عامر وأبو بكرٍ بضمِّ اليَاءِ مَبْنِيّاً من الثُّلاَثِيِّ ، ويَحْتمل أنْ يكون من أصليٍّ فَلَمَّا بُنِيَ للمفعول قَامَ الأوَّلُ مقام الفَاعِلِ ، وابن أبي عبلة بضمهما مبنياً للفاعل الرُّبَاعي ، والأصل على هذه القراءة : سَيُصْلون من أصلي مثل يكرمون من أكرم ، فاستثقلت الضَّمَّةُ على الياء فحذفت ، فالتقى السَّاكنان فَحُذِفَ أولُهما وهو الياءُ وَضَمُّ ما قبل الواو ليصح و\" أصْلَى \" يُحتمل أنْ تكون الهمزةُ فيه للدُّخول في الشَّيءِ ، فَيَتَعَدَّى لواحدٍ وهو { سَعِيراً } ، وأن تكون للتَّعدية ، فالمفعول محذوف أي : يُصْلَونَ أنفْسهم سعيراً.","part":20,"page":178},{"id":8610,"text":"وأبو حَيْوَةَ بضم الياء وفتح الصَّادِ واللاَّم مُشَدَّدَة مبنياً للمفعول من صَلَّى مضعفاً.\rقال أبُو البَقَاءِ : والتّضعيفُ للتكثير.\rوالصَّلْي : الإيقاد بالنَّارِ ، يقال : صَلِيَ بكذا - بكسر العين - وقوله { لاَ يَصْلاَهَآ } أي : يَصْلَى بها.\rوقال الخليلُ : صَلِيَ الكافرُ النَّارَ أي : قَاسَى حَرَّها وصلاه النَّارَ وَأصْلاَهُ غيرهُ ، هكذا قال الرَّاغِبُ. وظاهرُ العِبَارَةِ أنَّ فَعِلَ وَأفْعَل [ بمعنى ] ، يتعدَّيان إلى اثنين ثانيهما بحرفِ الجرِّ ، وقد يُحْذَف.\rوقال غيره : \" صَلِيَ بالنَّارِ أي : تَسَخَّنَ بقربها \" ف { سَعِيراً } على هذا منصوبٌ على إسقاط الخَافض. وَيَدُلُّ على أنَّ أصْلَ \" يَصْلاها \" يَصْلَى بها قول الشاعر : [ الطويل ]\rإذَا أوْقَدُوا نَاراً لِحَرْبِ عَدُوِّهِمْ... فَقَدْ خَابَ مَنْ يَصْلى بِهَا وَسَعِيرِهَا\rوقيل : صَلَيْتُه النَّارَ : أدْنَيْتُه منها ، فيجوزُ أنْ يكونَ منصوباً مِنْ غير إسقاطِ خافضٍ.\rقال الفرَّاءُ : الصلى : اسم الوقود وهو الصّلاء إذا كسرت مدّت ، وإذا فتحت قُصِرَتْ ، ومن ضَمِّ الياء فهو من قولهم : أصْلاَهُ الله حَرَّ النَّار إصلاء ، قال : { فَسَوْفَ نُصْلِيهِ نَاراً } [ النساء : 30 ] وقال : { سَأُصْلِيهِ سَقَرَ } [ المدثر : 26 ].\r","part":20,"page":179},{"id":8611,"text":"وقال أبو زَيْدٍ : يقال : صَلِيَ الرَّجلُ النَّارَ يَصْلاَهَا صَلًى وصلاءً ، وهُوَ صَالِي النَّارِ ، وقوم صالون وصلاء ، قال تعالى : { إِلاَّ مَنْ هُوَ صَالِ الجحيم } [ الصافات : 163 ] وقال : { أولى بِهَا صِلِيّاً } [ مريم : 70 ] والسّعير في الأصل الجمر المشتعل ، وسَعَرْتُ النَّارَ أوقدتها ، ومنه : مُسْعِرُ حَرْبٍ ، على التشبيه ، والمِسْعَرُ : الآلةُ الَّتي تُحَرَّكُ بها النَّارُ. أ هـ {تفسير ابن عادل حـ 6 صـ 203 ـ 205}. بتصرف يسير.\rمن لطائف الإمام القشيرى فى الآية\rقال عليه الرحمة :\r{ إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا (10)}\rإنما تولَّى الحق سبحانه خصيمة اليتيم ، لأنه لا أحدَ لليتيم غيرُه ، وكلُّ من وَكلَ أمره إليه فَتَبَرَّأ من حوله وقوته فالحق سبحانه ينتقم له بما لا ينتقم لنفسه. أ هـ {لطائف الإشارات حـ 1 صـ 316}","part":20,"page":180},{"id":8612,"text":"كلام نفيس للإمام الذهبى رحمه الله فى أكل مال اليتيم\rقال عليه الرحمة :\rقال الله تعالى : \" إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلماً إنما يأكلون في بطونهم ناراً وسيصلون سعيراً \" . وقال الله تعالى : \" ولا تقربوا مال اليتيم إلا بالتي هي أحسن حتى يبلغ أشده \" .\rوعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال في المعراج : \" فإذا أنا برجال وقد وكل بهم رجال يفكون لحاهم وآخرون يجيئون بالصخور من النار فيقذفونها بأفواههم وتخرج من أدبارهم فقلت : يا جبريل من هؤلاء قال : الذين يأكلون أموال اليتامى ظلماً إنما يأكلون في بطونهم ناراً. رواه مسلم.\rوعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : يبعث الله عز وجل قوماً من قبورهم تخرج النار من بطونهم تأجج أفواههم ناراً فقيل من هم يا رسول الله ؟ قال : ألم تر أن الله تعالى يقول : \" إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلماً إنما يأكلون في بطونهم ناراً \" .\rوقال السدي رحمه الله تعالى : يحشر آكل مال اليتيم ظلماً يوم القيامة ولهب النار يخرج من فيه ومن مسامعه وأنفه وعينه كل من رآه يعرفه أنه آكل مال اليتيم.\rقال العلماء : فكل ولي ليتيم إذا كان فقيراً فأكل من ماله بالمعروف بقدر قيامه عليه في مصالحه وتنمية ماله فلا بأس عليه وما زاد على المعروف فسحت حرام لقول الله تعالى \" ومن كان غنياً فليستعفف ومن كان فقيراً فليأكل بالمعروف \" . وفي الأكل بالمعروف أربعة أقوال أحدها أنه الأخذ على وجه القرض والثاني الأكل بقدر الحاجة من غير إسراف والثالث أنه أخذ بقدر إذا عمل لليتيم عملاً والرابع أنه الأخذ عند الضرورة فإن أيسر قضاه وإن لم يوسر فهو في حل وهذه الأقوال ذكره ابن الجوزي في تفسيره .","part":20,"page":181},{"id":8613,"text":"وفي البخاري أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : \" أنا وكافل اليتيم في الجنة هكذا \" . وأشار بالسبابة والوسطى وفرج بينهما. وفي صحيح مسلم عنه صلى الله عليه وسلم قال : \" كافل اليتيم له أو لغيره أنا وهو كهاتين في الجنة \" . وأشار بالسبابة والوسطى.\rكفالة اليتيم هي القيام بأموره والسعي في مصالحه من طعامه وكسوته وتنمية ماله إن كان له مال وإن كان لا مال له أنفق عليه وكساه ابتغاء وجه الله تعالى وقوله في الحديث له أو لغيره أي سواء كان اليتيم قرابة أو أجنبياً منه فالقرابة مثل أن يكفله جده أو أخوه أو أمه أو عمه أو زوج أمه أو خاله أو غيره من أقاربه والأجنبي من ليس بينه وبينه قرابة.\rوقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : \" من ضم يتيماً من المسلمين إلى طعامه وشرابه حتى يغنيه الله تعالى أوجب الله له الجنة إلا أن يعمل ذنباً لا يغفر \" . وقال صلى الله عليه وسلم : \" من مسح رأس يتيم لا يمسحه إلا لله كان له بكل شعرة مرت عليها يده حسنة ومن أحسن إلى يتيم أو يتيمة عنده كنت أنا وهو هكذا في الجنة \" .","part":20,"page":182},{"id":8614,"text":"وقال رجل لأبي الدرداء رضي الله عنه : أوصني بوصية قال ارحم اليتيم وأدنه منك وأطعمه من طعامك فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم أتاه رجل يشتكي قسوة قلبه فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم إن أردت أن يلين قلبك فأدن اليتيم منك وامسح رأسه وأطعمه من طعامك فإن ذلك يلين قلبك وتقدر على حاجتك. ومما حكي عن بعض السلف قال كنت في بداية أمري مكباً على المعاصي وشرب الخمر فظفرت يوماً بصبي يتيم فقير فأخذته وأحسنت أليه وأطعمته وكسوته وأدخلته الحمام وأزلت شعثه وأكرمته كما يكرم الرجل ولده بل أكثر فبت ليلة بعد ذلك فرأيت في النوم أن القيامة قامت ودعيت إلى الحساب وأمر بي إلى النار لسوء ما كنت عليه من المعاصي فسحبتني الزبانية ليمضوا بي إلى النار وأنا بين أيديهم حقير ذليل يجروني سحباً إلى النار وإذا بذلك اليتيم قد اعترضني بالطريق وقال : خلوا عنه يا ملائكة ربي حتى أشفع له إلى ربي فإنه قد أحسن إلي وأكرمني. فقالت الملائكة : إنا لم نؤمر بذلك وإذا النداء من قبل الله تعالى يقول : خلوا عنه فقد وهبت له ما كان منه بشفاعة اليتيم وإحسانه إليه. قال : فاستيقظت وتبت إلى الله عز وجل وبذلت جهدي في إيصال الرحمة إلى الأيتام. ولهذا قال أنس بن مالك رضي الله عنه خادم رسول الله صلى الله عليه وسلم : خير البيوت بيت فيه يتيم يحسن إليه وشر البيوت بيت فيه يتيم يساء إليه وأحب عباد الله إلى الله تعالى من اصطنع صنعاً إلى يتيم أو أرملة. وروي أن الله تعالى أوحى إلى داود عليه السلام يا داود كن لليتيم كالأب الرحيم وكن للأرملة كالزوج الشفيق واعلم كما تزرع كذا تحصد معناه أنك كما تفعل كذلك يفعل معك أي لا بد أن تموت ويبقى لك ولد يتيم أو امرأة أرملة. وقال داود عليه السلام في مناجاته : إلهي ما جزاء من أسند اليتيم والأرملة ابتغاء وجهك ؟ قال : \rجزاؤه أن أظله في ظلي يوم لا ظل إلا ظلي معناه ظل عرشي يوم القيامة.","part":20,"page":183},{"id":8616,"text":"ومما جاء في فضل الإحسان إلى الأرملة واليتيم عن بعض العلويين وكان نازلاً ببلخ من بلاد العجم وله زوجة علوية وله منها بنات وكانوا في سعة ونعمة فمات الزوج وأصاب المرأة وبناتها بعده الفقر والقلة فخرجت ببناتها إلى بلدة أخرى خوف شماتة الأعداء واتفق خروجها في شدة البرد فلما دخلت ذلك البلد أدخلت بناتها في بعض المساجد المهجورة ومضت تحتال لهم في القوت فمرت بجمعين : جمع على رجل مسلم وهو شيخ البلد وجمع على رجل مجوسي وهو ضامن البلد. فبدأت بالمسلم وشرحت حالها له وقالت أنا امرأة علوية ومعي بنات أيتام أدخلتهم بعض المساجد المهجورة وأريد الليلة قوتهم. فقال لها : أقيمي عندي البينة إنك علوية شريفة. فقالت أنا امرأة غريبة ما في البلد من يعرفني فأعرض عنها فمضت من عنده منكسرة القلب فجاءت إلى ذلك الرجل المجوسي فشرحت له حالها وأخبرته أن معها بنات أيتام وهي امرأة شريفة غريبة وقصت عليه ما جرى لها مع الشيخ المسلم. فقام وأرسل بعض نسائه وأتوا بها وبناتها إلى داره فأطعمهن أطيب الطعام وألبسهن أفخر اللباس وباتوا عنده في نعمة وكرامة. قال فلما انتصف الليل رأى ذلك الشيخ المسلم في منامه كأن القيامة قد قامت وقد عقد اللواء على رأس النبي صلى الله عليه وسلم وإذا القصر من الزمرد الأخضر شرفاته من اللؤلؤ والياقوت وفيه قباب اللؤلؤ والمرجان فقال : يا رسول الله لمن هذا القصر قال لرجل مسلم موحد. فقال يا رسول الله أنا رجل مسلم موحد. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : أقم عندي البينة أنك مسلم موحد. قال فبقي متحيراً فقال له صلى الله عليه وسلم : لما قصدتك المرأة العلوية قلت أقيمي عندي البينة إنك علوية فكذا أنت أقم عندي البينة إنك مسلم فانتبه الرجل حزينا على رده المرأة خائبة ثم جعل يطوف بالبلد ويسأل عنها حتى دل عليها أنها عند","part":20,"page":184},{"id":8617,"text":"المجوسي فأرسل إليه فأتاه فقال له : أريد منك المرأة الشريفة العلوية وبناتها. فقال : ما إلى هذا من سبيل وقد لحقني من بركاتهم ما لحقني. قال : خذ مني ألف دينار وسلمهن إلي فقال : لا أفعل فقال : لا بد منهن. فقال : الذي تريده أنت أنا أحق به والقصر الذي رأيته في منامك خلق لي. أتدل علي بالإسلام ؟ فوالله ما نمت البارحة أنا وأهل داري حتى أسلمنا كلنا على يد العلوية ورأيت مثل الذي رأيت في منامك وقال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم العلوية وبناتها عندك ؟ قلت : نعم يا رسول الله قال : القصر لك ولأهل دارك وأنت وأهل دارك من أهل الجنة خلقك الله مؤمناً في الأزل. قال فانصرف المسلم وبه من الحزن والكآبة ما لا يعلمه إلا الله. فانظر رحمك الله إلى بركة الإحسان إلى الأرملة والأيتام ما أعقب صاحبه من الكرامة في الدنيا.\rولهذا ثبت في الصحيحين عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال : \" الساعي على الأرملة والمساكين كالمجاهد في سبيل الله \" . قال الراوي أحسبه قال : \" وكالقائم لا يفتر وكالصائم لا يفطر \" والساعي عليهم هو القائم بأمورهم ومصالحهم ابتغاء وجه الله تعالى. وفقنا الله لذلك بمنه وكرمه إنه جواد كريم رؤوف غفور رحيم. أ هـ الكبائر صـ 65 ـ 70}","part":20,"page":185},{"id":8622,"text":"قوله تعالى { يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ فَإِنْ كُنَّ نِسَاءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكَ وَإِنْ كَانَتْ وَاحِدَةً فَلَهَا النِّصْفُ وَلِأَبَوَيْهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ مِمَّا تَرَكَ إِنْ كَانَ لَهُ وَلَدٌ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَلَدٌ وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ فَلِأُمِّهِ الثُّلُثُ فَإِنْ كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلِأُمِّهِ السُّدُسُ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ آَبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ لَا تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعًا فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا (11)}\rمناسبة الآية لما قبلها\rقال البقاعى : \rولما تم ذلك تشوفت النفوس إلى بيان مقادير الاستحقاق بالإرث لكل واحد ، وكان قد تقدم ذكر استحقاق الرجال والنساء من غير تقييد يتيم ، فاقتضت البلاغة بيان أصول جميع المواريث ، وشفاء العليل بإيضاح أمرها ، فقال - مستأنفاً في جواب من كأنه سأل عن ذلك مؤكداً لما أمر به منها غاية التأكيد مشيراً إلى عظمة هذا العلم بالتقدم في الإيصاء في أول آياته ، والتحذير من الضلال في آخرها ، ورغب فيه النبي صلى الله عليه وسلم بأنه نصف العلم ، وحذر من إضاعته بأنه أول علم ينزع من الأمة : {يوصيكم الله} أي بما له من العظمة الكاملة والحكمة البالغة ، وبدأ بالأولاد لأن تعلق الإنسان بهم أشد فقال : {في أولادكم} أي إذا مات مورثهم.\rولما كان هذا مجملاً كان بحيث يطلب تفسيره ، فقال جواباً لذلك بادئاً بالأشرف بياناً لفضله بالتقديم وجعله أصلاً والتفضيل : {للذكر} أي منهم إذا كان معه شيء من الإناث ، ولم يمنعه مانع من قتل ولا مخالفة دين ونحوه {مثل حظ الأنثيين} أي نصيب من شأنه أن يغني ويسعد ، وهو الثلثان ، إذا انفردتا فللواحدة معه الثلث ، فأثبت سبحانه للإناث حظاً تغليظاَ لهم من منعهن مطلقاً ، ونقصهن عن نصيب الرجال تعريضاً بأنهم أصابوا في نفس الحكم بانزالهن عن درجة الرجال.","part":20,"page":186},{"id":8623,"text":"ولما بان سهم الذكر مع الأنثى بعبارة النص ، واشعر ذلك بأن لهن إرثاً في الجملة وعند الاجتماع مع الذكر ، وفُهم بحسب إشارة النص وهي ما ثبت بنظمه ، لكنه غير مقصود ، ولا سبق له النص - حكم الأنثيين إذا لم يكن معهن ذكر ، وهو أن لهما الثلثين ، وكان ذلك أيضاً مفهماً لأن الواحدة غذا كان لها مع الأخ الثلث كان لها ذلك مع الأخت إذا لم يكن ثمَّ ذكر من باب الأولى ، فاقتضى ذلك أنهن إذا كن ثلاثاً أو أكثر ليس معهم ذكر استغرقن التركة ، وإن كانت واحدة ليس معها ذكر لم تزد على الثلث ؛ بين أن الأمر ليس كذلك - كما تقدم - بقوله مبيناً إرثهن حال الانفراد : {فإن كن} أي الوارثات {نساء} أي إناثاً.\rولما كان ذلك قد يحمل على أقل الجمع ، وهو اثنتان حقيقة أو مجازاً حقق ونفى هذا الاحتمال بقوله : {فوق اثنتين} أي لا ذكر معهن {فلهن ثلثا ما ترك} أي الميت ، لا أزيد من الثلثين {وإن كانت} أي الوارثة {واحدة} أي منفردة ، ليس معها غيرها {فلها النصف} أي فقط.\rولما قدم الإيصاء بالأولاد لضعفهم إذا كانوا صغاراً ، وكان الوالد أقرب الناس إلى الولد وأحقهم بصلته وأشدهم اتصالاً به أتبعه حكمه فقال : {ولأبويه} أي الميت ، ثم فصل بعد أن أجمل ليكون الكلام آكد ، ويكون سامعه إليه أشوق بقوله مبدلاً بتكرير العامل : {لكل واحد منهما} أي أبيه وأمه اللذين ثنيا بأبوين {السدس مما ترك} ثم بين شرط ذلك فقال : {إن كان له} أي الميت {ولد} أي ذكر ، فإن كانت أنثى أخذ الأب السدس فرضاً ، والباقي بعد الفروض حق عصوبة.","part":20,"page":187},{"id":8624,"text":"ولما بين حكمهما مع الأولاد تلاه بحالة فقدهم فقال : {فإن لم يكن له ولد} أي ذكر ولا أنثى {وورثه أبواه} أي فقط {فلأمه الثلث} أي وللأب الباقي لأن الفرض أنه لا وارث له غيرهما ، ولما كان التقدير : هذا مع فقد الإخوة أيضاً ، بني عليه قوله : {فإن كان له إخوة} أي اثنان فصاعدا ذكوراً أو لا ، مع فقد الأولاد {فلأمه السدس} أي لأن الإخوة ينقصونها عن الثلث إليه ، والباقي للأب ، ولا شيء لهم ، وأما الأخت الواحدة فإنها لا تنقصها إلى السدس سواء كانت وارثة أو لا ، وكذا الأخ إذا كان واحداً ، ثم بين أن هذا كله بعد إخراج الوصية والدين لأن ذلك سبق فيه حق الميت الذي جمع المال فقال : {من بعد وصية يوصي بها} أي كما مندوب لكل ميت ، وقدمها في الوضع على ما هو مقدم عليها في الشرع بعثاً على أدائها ، لأن أنفس الورثة تشح بها ، لكونها مثل مشاركتهم في الإرث لأنها بلا عوض {أو دين} أي إن كان عليه دين.\rولما كان الإنسان قد يرى أن بعض أقربائه من أصوله أو فصوله أو غيرهم أنفع له ، فأحب تفضيله فتعدى هذه الحدود لما رآه ، وكان ما رآه خلاف الحق في الحال أو في المآل ، وكان الله تعالى هو المستأثر بعلم ذلك ، ولهذا قال صلى الله عليه وسلم : \" أحبب حبيبك هوناً ما عسى أن يكون بغيضك يوماً ما \" الحديث لأن القلوب بين إصبعين من أصابع الرحمن ، يقلبها كيف شاء ؛ قال تعالى حاثاً على لزوم ما حده مؤكداً بالجملة الاعتراضية - كما هو الشأن في اعتراض - لأن هذه القسمة مخالفة لما كانت العرب تفعله ، وهي على وجوه لا تدرك عللها : {أبآؤكم وأبنآؤكم} أي الذين فضلنا لكم إرثهم على ما ذكرنا {لا تدرون أيهم أقرب لكم نفعاً} أي من غيره ، لأنه لا إحاطة لكم في علم ولا قدرة ، فلو وكل الأمر في القسمة إليكم لما وضعتم الأمور في أحكم مواضعها.\r","part":20,"page":188},{"id":8625,"text":"ولما بين أن الإرث على ما حده سبحانه وتعالى مؤكداً له بلفظ الوصية ، وزاده تأكيداً بما جعله اعتراضاً بين الإيصاء وبين ( فريضة ) بين أنه على سبيل الحتم الذي من تركه عصى ، فقال ذاكراً مصدراً مأخوذاً من معنى الكلام : {فريضة من الله} أي الذي له الأمر كله ، ثم زادهم حثاً على ذلك ورغبة فيه بقوله تعليلاً لفريضته عليهم مطلقاً وعلى هذا الوجه : {إن الله} أي المحيط علماً وقدرة {كان} ولم يزل ولا يزال لأن وجود لا يتفاوت في وقت من الأوقات ، لأنه لا يجري عليه زمان ، ولا يحويه مكان ، لأنه خالقهما {عليماً} أي بالعواقب {حكيماً} أي فوضع لكم هذه الأحكام على غاية الإحكام في جلب المنافع لكم ودفع الضر عنكم ، ورتبها سبحانه وتعالى أحسن ترتيب ، فإن الوارث يتصل بالميت تارة بواسطة وهو الكلالة ، وأخرى بلا واسطة ، وهذا تارة يكون بنسب ، وتارة بصهر ونسب ، فقدم ما هو بلا واسطة لشدة قربه ، وبدأ منه بالنسب لقوته ، وبدأ منهم بالولد لمزيد الاعتناء به. أ هـ {نظم الدرر حـ 2 صـ 219 ـ 221}\rوقال الفخر : \rفي تعلق هذه الآية بما قبلها وجهان : \rالأول : أنه تعالى لما بين الحكم في مال الأيتام ، وما على الأولياء فيه ، بين كيف يملك هذا اليتيم المال بالارث ، ولم يكن ذلك إلا ببيان جملة أحكام الميراث ، \rالثاني : أنه تعالى أثبت حكم الميراث بالإجمال في قوله : {لّلرّجَالِ نَصيِبٌ مّمَّا تَرَكَ الوالدان والأقربون} [ النساء : 7 ] فذكر عقيب ذلك المجمل ، هذا المفصل فقال : {يُوصِيكُمُ الله فِى أولادكم }. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 9 صـ 165}","part":20,"page":189},{"id":8626,"text":"وقال الآلوسى : \r{ يُوصِيكُمُ الله } شروع في بيان ما أجمل في قوله عز وجل { لّلرّجَالِ نَصِيبٌ } [ النساء : 7 ] الخ ، \"والوصية كما قال الراغب : ألتقدم إلى الغير ما يعمل فيه مقترناً بوعظ من قولهم : أرض واصية متصلة النبات\" وهي في الحقيقة أمر له بعمل ما عهد إليه ، فالمراد يأمركم الله ويفرض عليكم ، وبالثاني : فسره في \"القاموس\" وعدل عن الأمر إلى الإيصاء لأنه أبلغ وأدل على الاهتمام وطلب الحصول بسرعة.\r{ فِى أولادكم } أي في توريث أولادكم ، أو في شأنهم وقدر ذلك ليصح معنى الظرفية ، وقيل : في بمعنى اللام كما في خبر : \"إن امرأة دخلت النار في هرة\" أي لها كما صرح به النحاة ، والخطاب قيل : للمؤمنين وبين المتضايفين مضاف محذوف أي يوصيكم في أولاد موتاكم لأنه لا يجوز أن يخاطب الحي بقسمة الميراث في أولاده ، وقيل : الخطاب لذوي الأولاد على معنى يوصيكم في توريثهم إذا متم وحينئذ لا حاجة إلى تقدير المضاف كما لو فسر يوصيكم بيبين لكم ، وبدأ سبحانه بالأولاد لأنهم أقرب الورثة إلى الميت وأكثرهم بقاءاً بعد المورث. أ هـ {روح المعانى حـ 4 صـ 216}\rوقال ابن عاشور : \r{ يُوصِيكُمُ الله فى أولادكم لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الانثيين فَإِن كُنَّ نِسَآءً فَوْقَ اثنتين فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكَ وَإِن كَانَتْ واحدة فَلَهَا النصف }.\rتتنزّل آية { يوصيكم الله في أولادكم } منزلة البيان والتفصيل لقوله { للرجال نصيب مما ترك الوالدان والأقربون } [ النساء : 7 ] وهذا المقصد الذي جعل قوله : { للرجال نصيب } [ النساء : 7 ] إلخ بمنزلة المقدّمة له فلذلك كانت جملة : { يوصيكم } مفصولة لأنّ كلا الموقعين مقتض للفصل.","part":20,"page":190},{"id":8627,"text":"ومن الاهتمام بهذه الأحكام تصدير تشريعها بقوله : { يوصيكم } لأنّ الوصاية هي الأمر بما فيه نفع المأمور وفيه اهتمام الآمر لشدّة صلاحه ، ولذلك سمّي ما يعهد به الإنسان ، فيما يصنع بأبنائه وبماله وبذاته بعد الموت ، وصية.\rوقد رويت في سبب نزول الآية أحاديث كثيرة.\rففي \"صحيح البخاري\" ، عن جابر بن عبد الله : أنّه قال : \"مرضت فعادني رسول الله وأبو بكر في بني سلمة فوجداني لا أعقل فدعا رسول الله بماء فتوضّأ ، ثم رشّ عليّ منه فأفقت فقلت \"كيف أصنع في مالي يا رسول الله\" فنزلت { يوصيكم الله في أولادكم }.\rوروى الترمذي ، وأبو داود ، وابن ماجه ، عن جابر ، قال : جاءت امرأة سعد بن الربيع فقالت لرسول الله \"إنّ سعداً هلك وترك ابنتين وأخاه ، فعمد أخوه فقبض ما ترك سعد ، وإنّما تنكح النساء على أموالهنّ\" فلم يجبها في مجلسها ذلك ، ثمّ جاءته فقالت \"يا رسول الله ابنتَا سعد\" فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم \" ادعُ لي أخاه \" فجاء ، فقال : \" ادفع إلى ابنتيه الثلثين وإلى امرأته الثمن ولك ما بقي \" ونزلت آية الميراث.\rبيَّن الله في هذه الآيات فروض الورثة ، وناط الميراث كلّه بالقرابة القريبة ، سواء كانت جبلّية وهي النسب ، أو قريبة من الجبلّية ، وهي عصمة الزوجية ، لأنّ طلب الذكر للأنثى جبليّ ، وكونُها المرأةَ المعيَّنة يحصل بالإلف ، وهو ناشىء عن الجبلّة. أ هـ {التحرير والتنوير حـ 4 صـ 44 ـ 45}\rفصل\rقال القرطبى :\rقوله تعالى : { يُوصِيكُمُ الله في أَوْلاَدِكُمْ } بيّن تعالى في هذه الآية ما أجمله في قوله : { لِّلرِّجَالِ نَصيِبٌ } { وَلِلنِّسَآءِ نَصِيبٌ } فدلّ هذا على جواز تأخير البيان عن وقت السؤال.","part":20,"page":191},{"id":8628,"text":"وهذه الآية ركن من أركان الدين ، وعمدة من عمد الأحكام ، وأُمّ من أُمّهات الآيات ؛ فإن الفرائض عظيمة القدر حتى أنها ثُلث العلم ، وروي نصفُ العلم.\rوهو أوّل علم يُنزع من الناس ويُنسى.\rرواه الدارقطنيّ عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبيّ صلى الله عليه وسلم قال : \" تعلّموا الفرائض وعلِّموه الناس فإنه نصفُ العلم وهو أوّل شيء يُنسى وهو أوّل شيء يُنتزع من أُمّتي \" وروي أيضاً عن عبد الله بن مسعود قال قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم : \" تعلموا القرآن وعلموه الناس وتعلموا الفرائض وعلموها الناس وتعلموا العلم وعلموه الناس فإني امرؤ مقبوض وإنّ العلم سيقبض وتظهر الفِتَن حتى يختلف الاثنان في الفريضة لا يجدان من يفصل بينهما \" وإذا ثبت هذا فاعلم أن الفرائض كان جُلّ علم الصحابة ، وعظيم مناظرتهم ، ولكنّ الخلق ضيّعوه.\rوقد روى مُطَرِّف عن مالك ، قال عبد الله بن مسعود : من لم يتعلم الفرائضَ والطلاق والحج فبِم يفضل أهل البادية ؟ وقال ابن وهب عن مالك : كنت أسمع ربيعة يقول : من تعلم الفرائض من غير علم بها من القرآن ما أسرع ما ينساها.\rقال مالك : وصدق.\rروى أبو داود والدارقطنيّ عن عبد الله بن عمرو بن العاص أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : \" العلم ثلاثة وما سِوى ذلك فهو فضل : آية مُحكمةٌ أو سنّةٌ قائمة أو فريضةٌ عادلة \" قال الخطّابِيّ أبو سليمان : الآية المحكمة هي كتاب الله تعالى : واشترط فيها الإحكام ؛ لأن من الآي ما هو منسوخ لا يعمل به ، وإنما يعمل بناسخه.\rوالسنة القائمة هي الثابتة مما جاء عنه صلى الله عليه وسلم من السنن الثابتة.\rوقوله : \" أو فريضة عادلة \" يحتمل وجهين من التأويل : أحدهما أن يكون من العدل في القسمة ؛ فتكون معدّلة على الأنصباء والسهام المذكورة في الكتاب والسنة.","part":20,"page":192},{"id":8629,"text":"والوجه الآخر أن تكون مُستنْبَطَة من الكتاب والسنة ومن معناهما ؛ فتكون هذه الفرِيضة تعدِل ما أُخذ من الكتاب والسنة إذْ كانت في معنى ما أخذ عنهما نَصّاً.\rروى عِكرِمة قال : أرسل ابن عباس إلى زيد بن ثابت يسأله عن امرأة تركت زوجها وأبويها.\rقال : للزوج النصف ، وللأُمّ ثلث ما بقي.\rفقال : تجده في كتاب الله أو تقوله برأي ؟ قال : أقوله برأي ؛ لا أفضل أُمّا على أبٍ.\rقال أبو سليمان : فهذا من باب تعديل الفريضة إذا لم يكن فيها نَصٌّ ؛ وذلك أنه اعتبرها بالمنصوص عليه ، وهو قوله تعالى : { وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ فَلأُمِّهِ الثلث }.\rفلما وُجد نصيب الأُم الثلثُ ، وكان باقي المال هو الثلثان للأب ، قاس النصف الفاضل من المال بعد نصيب الزوج على كل المال إذا لم يكن مع الوالدين ابن أو ذو سهم ؛ فقسمه بينهما على ثلاثة ، للأُمّ سهمٌ وللأب سهمان وهو الباقي.\rوكان هذا أعدل في القسمة من أن يُعطي الأُمّ من النصف الباقي ثلث جميع المال ، وللأب ما بقي وهو السدس ، ففضلها عليه فيكون لها وهي مَفْضولة في أصل الموروث أكثر مما للأب وهو المقدَّم والمفضَّل في الأصل.\rوذلك أعدل مما ذهب إليه ابن عباس من تَوْفير الثُلث على الأُمّ ، وبَخْسِ الأبِ حقّه بردّه إلى السدس ؛ فتُرِك قوله وصار عامّة الفقهاء إلى زيد.\rقال أبو عمر : وقال عبد الله بن عباس رضي الله عنه في زوج وأبوين : للزوج النصف ، وللأُم ثلث جميع المال ، وللأب ما بقي.\rوقال في امرأة وأبوين : للمرأة الربع ، وللأُمّ ثلث جميع المال ، والباقي للأب.\rوبهذا قال شريح القاضي ومحمد بن سِيرين وداود بن عليّ ، وفرقة منهم أبو الحسن محمد بن عبد الله الفرضي المصري المعروف بابن اللّبّان في المسألتين جميعاً وزعم أنه قياس قول عليّ في المشتركة وقال في موضع آخر : أنّه قد روي ذلك عن عليّ أيضاً.","part":20,"page":193},{"id":8630,"text":"قال أبو عمر : المعروف المشهور عن عليّ وزيد وعبد الله وسائرِ الصحابة وعامّة العلماء ما رسمه مالك.\rومن الحجة لهم على ابن عباس : أن الأبوَيْن إذا اشتركا في الوراثة ، ليس معهما غيرهما ، كان للأُم الثلث وللأب الثلثان.\rوكذلك إذا اشتركا في النصف الذي يفضل عن الزوج ، كانا فيه كذلك على ثلث وثلثين.\rوهذا صحيح في النظر والقياس. أ هـ {تفسير القرطبى حـ 5 صـ 55 ـ 57}. بتصرف يسير.\rفصل\rقال الفخر :\rاعلم أن أهل الجاهلية كانوا يتوارثون بشيئين :\rأحدهما : النسب ، والآخر العهد ، أما النسب فهم ما كانوا يورثون الصغار ولا الاناث.\rوإنما كانوا يورثون من الأقارب الرجال الذين يقاتلون على الخيل ويأخذون الغنيمة ، وأما العهد فمن وجهين : الأول : الحلف ، كان الرجل في الجاهلية يقول لغيره : دمي دمك ، وهدمي هدمك ، وترثني وأرثك ، وتطلب بي وأطلب بك ، فإذا تعاهدوا على هذا الوجه فأيهما مات قبل صاحبه كان للحي ما اشترط من مال الميت ، والثاني : التبني ، فإن الرجل منهم كان يتبنى ابن غيره فينسب إليه دون أبيه من النسب ويرثه ، وهذا التبني نوع من أنواع المعاهدة ، ولما بعث الله محمدا صلى الله عليه وسلم تركهم في أول الأمر على ما كانوا عليه في الجاهلية ، ومن العلماء من قال : بل قررهم الله على ذلك فقال : {وَلِكُلّ جَعَلْنَا مَوَالِىَ مِمَّا تَرَكَ الوالدان والأقربون} [ النساء : 33 ] والمراد التوارث بالنسب.\rثم قال : {والذين عَقَدَتْ أيمانكم فَئَاتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ} [ النساء : 33 ] والمراد به التوارث بالعهد ، والأولون قالوا المراد بقوله : {والذين عقدت أيمانكم فآتوهم نصيبهم} ليس المراد منه النصيب من المال ، بل المراد فآتوهم نصيبهم من النصرة والنصيحة وحسن العشرة ، فهذا شرح أسباب التوارث في الجاهلية.","part":20,"page":194},{"id":8631,"text":"وأما أسباب التوارث في الإسلام ، فقد ذكرنا أن في أول الأمر قرر الحلف والتبني ، وزاد فيه أمرين آخرين : أحدهما : الهجرة ، فكان المهاجر يرث من المهاجر.\rوان كان أجنبيا عنه ، إذا كان كل واحد منهما مختصا بالآخر بمزيد المخالطة والمخالصة ، ولا يرثه غير المهاجر ، وإن كان من أقاربه.\rوالثاني : المؤاخاة ، كان الرسول صلى الله عليه وسلم يؤاخي بين كل اثنين منهم ، وكان ذلك سببا للتوارث ، ثم إنه تعالى نسخ كل هذه الأسباب بقوله : {وَأُوْلُواْ الارحام بَعْضُهُمْ أولى بِبَعْضٍ فِي كتاب الله} [ الأحزاب : 6 ] والذي تقرر عليه دين الإسلام أن أسباب التوريث ثلاثة : النسب ، والنكاح ، والولاء. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 9 صـ 165}\rلطيفة\rقال القاسمى\rواستنبط بعضهم من هذه الآية أنه تعالى أرحم بخلقه من الوالدة بولدها . حيث أوصى الوالدين بولدهما ، فعلم أنه أرحم بهم منهم ، كما جاء فى الحديث الصحيح وقد رأى امرأة من السبى ، فرق بينها وبين ولدها فجعلت تدور على ولدها ، فلما وجدته من السبى أخذته فألصقته بصدرها . فقال رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ ( أترون هذه طارحة ولدها في النار ) . قالوا لا يا رسول الله قال ( لله أرحم بعباده من هذه بولدها ). (1) أ هـ {محاسن التأويل حـ 3 صـ 40}\rفصل فى سبب نزول الآية\rقال الفخر :\rروى عطاء قال : استشهد سعد بن الربيع وترك ابنتين وامرأة وأخا ، فأخذ الأخ المال كله ، فأتت المرأة وقالت يا رسول الله هاتان ابنتا سعد ، وإن سعداً قتل وان عمهما أخذ مالهما ، فقال عليه الصلاة والسلام : \" ارجعي فلعل الله سيقضي فيه \" ثم إنها عادت بعد مدة وبكت فنزلت هذه الآية ، فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم عمهما وقال : \" أعط ابنتي سعد الثلثين ، وأمهما الثمن وما بقي فهو لك \".\rفهذا أول ميراث قسم في الإسلام. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 9 صـ 165}\rوقال القرطبى :\rواختلفت الروايات في سبب نزول آية المواريث ؛ فروى الترمذيّ وأبو داود وابن ماجه والدارقطنِيّ عن جابر بن عبد الله \" أن امرأة سَعْد بن الربيع قالت : يا رسول الله ، إن سعداً هلك وترك بنتين وأخاه ، فعمد أخوه فقبض ما ترك سعد ، وإنما تنكح النساء على أموالهن ؛ فلم يجبها في مجلسها ذلك.\r_________\r(1) أخرجه البخارى (5653) ومسلم (2754) والبزار (287) وابن أبى الدنيا فى \" حسن الظن بالله \" (18) والطبرانى فى الأوسط (3035) وفى الصغير (273) والبيهقى فى شعب الإيمان (7132) و(11018) من حديث عمر بن الخطاب.","part":20,"page":195},{"id":8632,"text":"ثم جاءته فقالت : يا رسول الله ، ابنتا سعد ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : \"ادع لي أخاه\" فجاء فقال له : \"ادفع إلى ابنتيْه الثلثين وإلى امرأته الثمن ولك ما بقي\" \" لفظ أبي داود.\rفي رواية الترمذيّ وغيره : فنزلت آية المواريث.\rقال : هذا حديث صحيح.\rوروى جابر أيضاً قال : عادني رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر في بني سَلمة يمشيان ، فوجداني لا أعقل ، فدعا بماء فتوضأ ، ثم رش عليّ منه فأفقت.\rفقلت : كيف أصنع في مالي يا رسول الله ؟ فنزلت { يُوصِيكُمُ الله في أَوْلاَدِكُمْ }.\rأخرجاه في الصحيحين.\rوأخرجه الترمذي وفيه \"فقلت يا نبي الله كيف أقسم مالي بين ولديّ\" ؟ فلم يردّ عليّ شيئاً فنزلت { يُوصِيكُمُ الله في أَوْلاَدِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأنثيين } الآية.\rقال : \"حديث حسن صحيح\".\rوفي البخاريّ عن ابن عباس : أن نزول ذلك كان من أجل أن المال كان للولد ، والوصية للوالدين ؛ فنسخ ذلك بهذه الآيات.\rوقال مقاتل والكلبيّ : نزلت في أُمّ كُجَّة ؛ وقد ذكرناها.\rالسدّي : نزلت بسبب بنات عبد الرحمن بن ثابت أخي حَسّان بن ثابت.\rوقيل : إن أهل الجاهلية كانوا لا يورِّثون إلا من لاقَى الحروب وقاتل العدوّ ؛ فنزلت الآية تبييناً أن لكل صغير وكبير حَظّه.\rولا يبعد أن يكون جواباً للجميع ؛ ولذلك تأخر نزولها. والله أعلم.\rقال الكيا الطبرِي : وقد ورد في بعض الآثار أن ما كانت الجاهلية تفعله من ترك توريث الصغير كان في صدر الإسلام إلى أن نسخته هذه الآية\" ولم يثبت عندنا اشتمال الشريعة على ذلك ، بل ثبت خلافه ؛ فإن هذه الآية نزلت في ورثة سعد ابن الربيع.\rوقيل : نزلت في ورثة ثابت بن قيس بن شَمّاس.\rوالأوّل أصح عند أهل النقل.\rفاسترجع رسول الله صلى الله عليه وسلم الميراث من العمّ ، ولو كان ذلك ثابتاً من قبل في شرعنا ما استرجعه.\r","part":20,"page":196},{"id":8633,"text":"ولم يثبت قط في شرعنا أن الصبيّ ما كان يعطى الميراث حتى يقاتل على الفرس ويذب عن الحرِيم.\rقلت : وكذلك قال القاضي أبو بكر بن العربيّ قال : ودل نزول هذه الآية على نكتة بديعة ؛ وهو أنّ ما كانت ( عليه ) الجاهلية تفعله من أخذ المال لم يكن في صدر الإسلام شرعاً مَسْكُوتا مُقَرّاً عليه ؛ لأنه لو كان شرعاً مقراً عليه لما حكَم النبيّ صلى الله عليه وسلم على عمّ الصبيّتين بردّ ما أخذ من مالهما ؛ لأن الأحكام إذا مضت وجاء النسخ بعدها إنما يؤثِّر في المستقبل فلا ينقض به ما تقدّم وإنما كانت ظلامة رفعت. قاله ابن العربي. أ هـ {تفسير القرطبى حـ 5 صـ 57 ـ 59}\rفصل\rقال الفخر :\rقال القفال : قوله : {يُوصِيكُمُ الله فِى أولادكم} أي يقول الله لكم قولا يوصلكم إلى إيفاء حقوق أولادكم بعد موتكم ، وأصل الايصاء هو الايصال يقال : وصى يصي إذا وصل ، وأوصى يوصي إذا أوصل ، فإذا قيل : أوصاني فمعناه أوصلني إلى علم ما أحتاج إلى علمه ، وكذلك وصى وهو على المبالغة قال الزجاج : معنى قوله ههنا : {يُوصِيكُمُ} أي يفرض عليكم ، لأن الوصية من الله إيجاب والدليل عليه قوله : {وَلاَ تَقْتُلُواْ النفس التى حَرَّمَ الله إِلاَّ بالحق ذلكم وصاكم بِهِ} ولا شك في كون ذلك واجبا علينا.\rفإن قيل : إنه لا يقال في اللغة أوصيك لكذا فكيف قال ههنا : {يُوصِيكُمُ الله فِى أولادكم لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِ الأنثيين }.\rقلنا : لما كانت الوصية قولا ، لا جرم ذكر بعد قوله : {يُوصِيكُمُ الله} خبرا مستأنفا وقال : {لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِ الانثيين} ونظيره قوله تعالى : {وَعَدَ الله الذين ءامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصالحات مِنْهُم مَّغْفِرَةً وَأَجْراً عَظِيماً} [ الفتح : 29 ] أي قال الله : لهم مغفرة لأن الوعد قول. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 9 صـ 165 ـ 166}\rفصل","part":20,"page":197},{"id":8634,"text":"قال الفخر : \rاعلم أنه تعالى بدأ بذكر ميراث الأولاد وإنما فعل ذلك لأن تعلق الإنسان بولده أشد التعلقات ، ولذلك قال عليه الصلاة والسلام : \" فاطمة بضعة مني \" فلهذا السبب قدم الله ذكر ميراثهم.\rواعلم أن للأولاد حال انفراد ، وحال اجتماع مع الوالدين : أما حال الانفراد فثلاثة ، وذلك لأن الميت إما أن يخلف الذكور والإناث معا ، وإما أن يخلف الاناث فقط ، أو الذكور فقط.\rالقسم الأول : ما إذا خلف الذكران والإناث معا ، وقد بين الله الحكم فيه بقوله : {لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِ الأنثيين }.\rواعلم أن هذا يفيد أحكاما : أحدهما : إذا خلف الميت ذكراً واحدا وأنثى واحدة فللذكر سهمان وللأنثى سهم ، وثانيها : إذا كان الوارث جماعة من الذكور وجماعة من الاناث كان لكل ذكر سهمان ، ولك أنثى سهم.\rوثالثها : إذا حصل مع الأولاد جمع آخرون من الوارثين كالأبوين والزوجين فهم يأخذون سهامهم ، وكان الباقي بعد تلك السهام بين الأولاد للذكر مثل حظ الأنثيين فثبت أن قوله : {لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِ الأنثيين} يفيد هذه الأحكام الكثيرة.\rالقسم الثاني : ما إذا مات وخلف الاناث فقط : بين تعالى أنهم إن كن فوق اثنتين ، فلهن الثلثان ، وإن كانت واحدة فلها النصف ، إلا أنه تعالى لم يبين حكم البنتين بالقول الصريح.\rواختلفوا فيه ، فعن ابن عباس أنه قال : الثلثان فرض الثلاث من البنات فصاعدا ، وأما فرض البنتين فهو النصف ، واحتج عليه بأنه تعالى قال : {فَإِن كُنَّ نِسَاء فَوْقَ اثنتين فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكَ} وكلمة \"إن\" في اللغة للاشتراط ، وذلك يدل على أن أخذ الثلثين مشروط بكونهن ثلاثا فصاعداً ، وذلك ينفي حصول الثلثين للبنتين.\rوالجواب من وجوه : \r","part":20,"page":198},{"id":8635,"text":"الأول : أن هذا الكلام لازم على ابن عباس ، لأنه تعالى قال : {وَإِن كَانَتْ واحدة فَلَهَا النصف} فجعل حصول النصف مشروطاً بكونها واحدة ، وذلك ينفي حصول النصف نصيباً للبنتين ، فثبت أن هذا الكلام إن صح فهو يبطل قوله.\rالثاني : أنا لا نسلم أن كلمة \"إن\" تدل على انتفاء الحكم عند انتفاء الوصف ؛ ويدل عليه أنه لو كان الأمر كذلك لزم التناقض بين هاتين الآيتين ، لأن الإجماع دل على أن نصيب الثنتين إما النصف ، وإما الثلثان ، وبتقدير أن يكون كلمة \"إن\" للاشتراط وجب القول بفسادهما ، فثبت أن القول بكلمة الاشتراط يفضي إلى الباطل فكان باطلا ، ولأنه تعالى قال : {وَإِن لَّمْ تَجِدُواْ كَاتِبًا فرهان مَّقْبُوضَةٌ} [ البقرة : 283 ] وقال : {فليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلاة إن خفتم} [ النساء : 101 ] ، ولا يمكن أن يفيد معنى الاشتراط في هذه الآيات.\rالوجه الثالث : في الجواب : هو أن في الآية تقديما وتأخيرا ، والتقدير : فإن كن نساء اثنتين فما فوقهما فلهن الثلثان ، فهذا هو الجواب عن حجة ابن عباس ، وأما سائر الأمة فقد أجمعوا على أن فرض البنتين الثلثان ، قالوا : وإنما عرفنا ذلك بوجوه : الأول : قال أبو مسلم الأصفهاني : عرفناه من قوله تعالى : {لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِ الأنثيين} وذلك لأن من مات وخلف ابنا وبنتا فههنا يجب أن يكون نصيب الابن الثلثين لقوله تعالى : {لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِ الأنثيين} فإذا كان نصيب الذكر مثل نصيب الأنثيين ، ونصيب الذكر ههنا هو الثلثان ، وجب لا محالة أن يكون نصيب الابنتين الثلثين ، \r","part":20,"page":199},{"id":8636,"text":"الثاني : قال أبو بكر الرازي : إذا مات وخلف ابنا وبنتا فههنا نصيب البنت الثلث بدليل قوله تعالى : {لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِ الأنثيين} فإذا كان نصيب البنت مع الولد الذكر هو الثلث ، فبأن يكون نصيبهما مع ولد آخر أنثى هو الثلث كان أولى ، لأن الذكر أقوى من الأنثى.\rالثالث : أن قوله تعالى : {لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِ الأنثيين} يفيد أن حظ الأنثيين أزيد من حظ الأنثى الواحدة ، وإلا لزم أن يكون حظ الذكر مثل حظ الأنثى الواحدة وذلك على خلاف النص ، وإذا ثبت أن حظ الأنثيين أزيد من حظ الواحدة فنقول وجب أن يكون ذلك هو الثلثان ، لأنه لا قائل بالفرق ، والرابع : أنا ذكرنا في سبب نزول هذه الآية أنه عليه الصلاة والسلام أعطى بنتي سعد بن الربيع الثلثين ، وذلك يدل على ما قلناه.\rالخامس : أنه تعالى ذكر في هذه الآية حكم الواحدة من البنات وحكم الثلاث فما فوقهن ، ولم يذكر حكم الثنتين ، وقال في شرح ميراث الأخوات : {إِن امرؤ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ أُخْتٌ فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ} {فَإِن كَانَتَا اثنتين فَلَهُمَا الثلثان مِمَّا تَرَكَ } [ النساء : 176 ] فههنا ذكر ميراث الأخت الواحدة والأختين ولم يذكر ميراث الأخوات الكثيرة ، فصار كل واحدة من هاتين الآيتين مجملا من وجه ومبينا من وجه ، فنقول : لما كان نصيب الأختين الثلثين كانت البنتان أولى بذلك ، لأنهما أقرب إلى الميت من الأختين ، ولما كان نصيب البنات الكثيرة لا يزداد على الثلثين وجب أن لا يزداد نصيب الأخوات الكثيرة على ذلك ، لأن البنت لما كانت أشد اتصالا بالميت امتنع جعل الأضعف زائدا على الأقوى ، فهذا مجموع الوجوه المذكورة في هذا الباب ، فالوجوه الثلاثة الأول مستنبطة من الآية ، والرابع مأخوذ من السنة ، والخامس من القياس الجلي.\r","part":20,"page":200},{"id":8637,"text":"أما القسم الثالث : وهو إذا مات وخلف الأولاد الذكور فقط فنقول : أما الابن الواحد فإنه إذا انفرد أخذ كل المال ، وبيانه من وجوه : الأول من دلالة قوله تعالى : {لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِ الأنثيين} [ النساء : 176 ] فإن هذا يدل على أن نصيب الذكر مثل نصيب الأنثيين.\rثم قال تعالى في البنات : {وَإِن كَانَتْ واحدة فَلَهَا النصف} فلزم من مجموع هاتين الآيتين أن نصيب الابن المفرد جميع المال.\rالثاني : أنا نستفيد ذلك من السنة وهي قوله عليه الصلاة والسلام : \" ما أبقت السهام فلا ولى عصبة ذكر \" ولا نزاع أن الابن عصبة ذكر ، ولما كان الابن آخذاً لكل ما بقي بعد السهام وجب فيما إذا لم يكن سهام أن يأخذ الكل.\rالثالث : إن أقرب العصبات إلى الميت هو الابن ، وليس له بالإجماع قدر معين من الميراث ، فإذا لم يكن معه صاحب فرض لم يكن له أن يأخذ قدرا أولى منه بأن يأخذ الزائد ، فوجب أن يأخذ الكل.\rفإن قيل : حظ الأنثيين هو الثلثان فقوله : {لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِ الأنثيين} يقتضي أن يكون حظ الذكر مطلقا هو الثلث ، وذلك ينفي أن يأخذ كل المال.\rقلنا : المراد منه حال الاجتماع لا حال الانفراد ، ويدل عليه وجهان :\rأحدهما : أن قوله : {يُوصِيكُمُ الله فِى أولادكم} يقتضي حصول الأولاد ، وقوله : {لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِ الأنثيين} يقتضي حصول الذكر والأنثى هناك.\rوالثاني : أنه تعالى ذكر عقيبه حال الانفراد ، هذا كله إذا مات وخلف ابنا واحدا فقط ، أما إذا مات وخلف أبناء كانوا متشاركين في جهة الاستحقاق ولا رجحان ، فوجب قسمة المال بينهم بالسوية والله أعلم. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 9 صـ 166 ـ 168}\rسؤالان :\rالسؤال الأول : لا شك أن المرأة أعجز من الرجل لوجوه : أما أولا فلعجزها عن الخروج والبروز ، فإن زوجها وأقاربها يمنعونها من ذلك.","part":20,"page":201},{"id":8638,"text":"وأما ثانيا : فلنقصان عقلها وكثرة اختداعها واغترارها.\rوأما ثالثا : فلأنها متى خالطت الرجال صارت متهمة ، وإذا ثبت أن عجزها أكمل وجب أن يكون نصيبها من الميراث أكثر ، فإن لم يكن أكثر فلا أقل من المساواة ، فما الحكمة في أنه تعالى جعل نصيبها نصف نصيب الرجل.\rوالجواب عنه من وجوه :\rالأول : أن خروج المرأة أقل ، لأن زوجها ينفق عليها ، وخروج الرجل أكثر لأنه هو المنفق على زوجته ، ومن كان خروجه أكثر فهو إلى المال أحوج.\rالثاني : أن الرجل أكمل حالا من المرأة في الخلقة وفي العقل وفي المناصب الدينية ، مثل صلاحية القضاء والامامة ، وأيضا شهادة المرأة نصف شهادة الرجل ، ومن كان كذلك وجب أن يكون الإنعام عليه أزيد.\rالثالث : أن المرأة قليلة العقل كثيرة الشهوة ، فإذا انضاف إليها المال الكثير عظم الفساد قال الشاعر :\rإن الفراغ والشباب والجده.. مفسدة للمرء أي مفسده\rوقال تعالى : {إِنَّ الإنسان ليطغى أَن رَّءاهُ استغنى} [ العلق : 6 ، 7 ] وحال الرجل بخلاف ذلك.\rوالرابع : أن الرجل لكمال عقله يصرف المال إلى ما يفيده الثناء الجميل في الدنيا والثواب الجزيل في الآخرة ، نحو بناء الرباطات ، وإعانة الملهوفين والنفقة على الأيتام والأرامل ، وإنما يقدر الرجل على ذلك لأنه يخالط الناس كثيرا ، والمرأة تقل مخالطتها مع الناس فلا تقدر على ذلك.\rالخامس : روي أن جعفر الصادق سئل عن هذه المسألة فقال : إن حواء أخذت حفنة من الحنطة وأكلتها ، وأخذت حفنة أخرى وخبأتها ، ثم أخذت حفنة أخرى ودفعتها إلى آدم ، فلما جعلت نصيب نفسها ضعف نصيب الرجل قلب الله الأمر عليها ، فجعل نصيب المرأة نصف نصيب الرجل. (1)\r\rالسؤال الثاني : لم لم يقل : للأنثيين مثل حظ الذكر ، أو للأنثى مثلا نصف حظ الذكر ؟\r______________\r(1) هذا الكلام فيه نظر.","part":20,"page":202},{"id":8639,"text":"والجواب من وجوه :\rالأول : لما كان الذكر أفضل من الأنثى قدم ذكره على ذكر الأنثى ، كما جعل نصيبه ضعف نصيب الأنثى.\rالثاني : أن قوله : {لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِ الأنثيين} يدل على فضل الذكر بالمطابقة وعلى نقص الأنثى بالالتزام ، ولو قال : كما ذكرتم لدل ذلك على نقص الأنثى بالمطابقة وفضل الذكر بالالتزام ، فرجح الطريق الأول تنبيها على أن السعي في تشهير الفضائل يجب أن يكون راجحا على السعي في تشهير الرذائل ، ولهذا قال : {إِنْ أَحْسَنتُمْ أَحْسَنتُمْ لأِنفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا} [ الإسراء : 7 ] فذكر الإحسان مرتين والاساءة مرة واحدة.\rالثالث : أنهم كانوا يورثون الذكور دون الاناث وهو السبب لورود هذه الآية ، فقيل : كفى للذكر أن جعل نصيبه ضعف نصيب الأنثى ، فلا ينبغى له أن يطمع في جعل الأنثى محرومة عن الميراث بالكلية ، والله أعلم. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 9 صـ 168}\rفائدة\rقال الآلوسى\rوإيثار اسمي الذكر والأنثى على ما ذكر أولاً من الرجال والنساء للتنصيص على استواء الكبار والصغار من الفريقين في الاستحقاق من غير دخل للبلوغ والكبر في ذلك أصلاً كما هو زعم أهل الجاهلية حيث كانوا لا يورثون الأطفال كالنساء ، والحكمة في أنه تعالى جعل نصيب الإناث من المال أقل من نصيب الذكور نقصان عقلهن ودينهن كما جاء في الخبر مع أن احتياجهن إلى المال أقل لأن أزواجهن ينفقون عليهن وشهوتهنّ أكثر فقد يصير المال سبباً لكثرة فجورهنّ ، ومما اشتهر :\rإن الشباب والفراغ والجده...\rمفسدة للمرء أي مفسده. أ هـ {روح المعانى حـ 4 صـ 216 ـ 217}","part":20,"page":203},{"id":8640,"text":"فصل\rقال القرطبى :\rقوله تعالى : { يُوصِيكُمُ الله في أَوْلاَدِكُمْ } قالت الشافعية : قول الله تعالى { يُوصِيكُمُ الله في أَوْلاَدِكُمْ } حقيقةٌ في أولاد الصُّلْبِ ، فأما ولد الابن فإنما يدخل فيه بطريق المجاز ؛ فإذا حلف أن لا ولد له وله ولد ابن لم يحنث ؛ وإذا أوصى لولدِ فلان لم يدخل فيه ولدُ ولده.\rوأبو حنيفة يقول : إنه يدخل فيه إن لم يكن له ولد صُلْبٍ.\rومعلوم أن الألفاظ لا تتغير بما قالوه. أ هـ {تفسير القرطبى حـ 5 صـ 59}\rوقال الفخر :\rلا شك أن اسم الولد واقع على ولد الصلب على سبيل الحقيقة ، ولا شك أنه مستعمل في ولد الابن قال تعالى : {يا بني آدم} [ الأعراف : 26 ] وقال للذين كانوا في زمان الرسول عليه الصلاة والسلام : {يا بَنِى إسراءيل} [ البقرة : 40 ] إلا أن البحث في أن لفظ الولد يقع على ولد الابن مجازاً أو حقيقة.\rفإن قلنا : إنه مجاز فنقول : ثبت في أصول الفقه أن اللفظ الواحد لا يجوز أن يستعمل دفعة واحدة في حقيقته وفي مجازه معا ، فحينئذ يمتنع أن يريد الله بقوله : {يُوصِيكُمُ الله فِى أولادكم} ولد الصلب وولد الابن معا.","part":20,"page":204},{"id":8641,"text":"واعلم أن الطريق في دفع هذا الإشكال أن يقال : إنا لا نستفيد حكم ولد الابن من هذه الآية بل من السنة ومن القياس ، وأما أن أردنا أن نستفيده من هذه الآية فنقول : الولد وولد الابن ما صارا مرادين من هذه الآية معا ، وذلك لأن أولاد الابن لا يستحقون الميراث إلا في إحدى حالتين ، إما عند عدم ولد الصلب رأسا ، وإما عند ما لا يأخذ ولد الصلب كل الميراث ، فحينئذ يقتسمون الباقي ، وأما أن يستحق ولد الابن مع ولد الصلب على وجه الشركة بينهم كما يستحقه أولاد الصلب بعضهم مع بعض فليس الأمر كذلك ، وعلى هذا لا يلزم من دلالة هذه الآية على الولد وعلى ولد الابن أن يكون قد أريد باللفظ الواحد حقيقته ومجازه معا ، لأنه حين أريد به ولد الصلب ما أريد به ولد الابن ، وحين أريد به ولد الابن ما أريد به ولد الصلب ، فالحاصل أن هذه الآية تارة تكون خطابا مع ولد الصلب وأخرى مع ولد الابن ، وفي كل واحدة من هاتين الحالتين يكون المراد به شيئا واحداً ، أما إذا قلنا : إن وقوع اسم الولد على ولد الصلب وعلى ولد الابن يكون حقيقة ، فإن جعلنا اللفظ مشتركا بينهما عاد الإشكال ، لأنه ثبت أنه لا يجوز استعمال اللفظ المشترك لافادة معنييه معا ، بل الواجب أن يجعله متواطئا فيهما كالحيوان بالنسبة إلى الإنسان والفرس.\rوالذي يدل على صحة ذلك قوله تعالى : {وحلائل أَبْنَائِكُمُ الذين مِنْ أصلابكم} [ النساء : 23 ] وأجمعوا أنه يدخل فيه ابن الصلب وأولاد الابن ، فعلمنا أن لفظ الابن متواطىء بالنسبة إلى ولد الصلب وولد الابن ، وعلى هذا التقدير يزول الاشكال.","part":20,"page":205},{"id":8642,"text":"واعلم أن هذا البحث الذي ذكرناه في أن الابن هل يتناول أولاد الابن قائم في أن لفظ الأب والأم هل يتناول الأجداد والجدات ؟ ولا شك أن ذلك واقع بدليل قوله تعالى : {نَعْبُدُ إلهك وإله آبَائِكَ إبراهيم وإسماعيل وإسحاق} [ البقرة : 133 ] والأظهر أنه ليس على سبيل الحقيقة ، فإن الصحابة اتفقوا على أنه ليس للجد حكم مذكور في القرآن ، ولو كان اسم الأب يتناول الجد على سبيل الحقيقة لما صح ذلك والله أعلم. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 9 صـ 169}\rفصل\rقال القرطبى :\rقال ابن المنذر : لما قال تعالى : { يُوصِيكُمُ الله في أَوْلاَدِكُمْ } فكان الذي يجب على ظاهر الآية أن يكون الميراث لجميع الأولاد ، المؤمِن منهم والكافر ؛ فلما ثبت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال : \" لا يرث المسلم الكافر \"\rعُلِم أن الله أراد بعض الأولاد دون بعض ، فلا يرث المسلمُ الكافرَ ، ولا الكافرُ المسلمَ على ظاهر الحديث.\rقلت : ولما قال تعالى : { في أَوْلاَدِكُمْ } دخل فيهم الأسير في أيدي الكفار ؛ فإنه يرث ما دام تُعلم حياته على الإسلام.\rوبه قال كافّة أهل العلم ، إلا النخعِيّ فإنه قال : لا يرث الأسير.\rفأما إذا لم تعلم حياته فحكمه حكم المفقود.\rولم يدخل في عموم الآية ميراث النبيّ صلى الله عليه وسلم لقوله : \" لا نورث ما تركنا صدقةٌ \" وسيأتي بيانه في \"مريم\" إن شاء الله تعالى.\rوكذلك لم يدخل القاتل عمداً لأبيه أو جدّه أو أخيه أو عمِّه بالسنة وإجماع الأُمة ، وأنه لا يرِث مِن مال من قتله ولا من ديته شيئاً ؛ على ما تقدّم بيانه في البقرة.\rفإن قتله خطأ فلا ميراث له من الدّية ، ويرث من المال في قول مالك ، ولا يرث في قول الشافعيّ وأحمد وسفيان وأصحابِ الرأي ، من المال ولا من الدّية شيئاً ؛ حسبما تقدّم بيانه في البقرة.","part":20,"page":206},{"id":8643,"text":"وقول مالك أصح ، وبه قال إسحاق وأبو ثَوْر.\rوهو قول سعيد بن المسيب وعطاء بن أبي رباح ومجاهد والزهريّ والأُوزاعي وابن المنذر ؛ لأن ميراث من ورّثه الله تعالى في كتابه ثابت لا يستثنى منه إلا بسنة أو إجماع.\rوكل مختلَف فيه فمردود إلى ظاهر الآيات التي فيها المواريث. أ هـ {تفسير القرطبى حـ 5 صـ 59}\rفصل\rقال الفخر :\rاعلم أن عموم قوله تعالى : {يُوصِيكُمُ الله فِى أولادكم لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِ الأنثيين} زعموا أنه مخصوص في صور أربعة : أحدها : أن الحر والعبد لا يتوارثان.\rوثانيها : أن القاتل على سبيل العمد لا يرث.\rوثالثها : أنه لا يتوارث أهل ملتين ، وهذا خبر تلقته الأمة بالقبول وبلغ حد المستفيض ، ويتفرع عليه فرعان :\rالفرع الأول : اتفقوا على أن الكافر لا يرث من المسلم ، أما المسلم فهل يرث من الكافر ؟ ذهب الأكثرون إلى أنه أيضاً لا يرث ، وقال بعضهم : إنه يرث قال الشعبي : قضى معاوية بذلك وكتب به إلى زياد ، فأرسل ذلك زياد إلى شريح القاضي وأمره به ، وكان شريح قبل ذلك يقضي بعدم التوريث ، فلما أمره زياد بذلك كان يقضي به ويقول : هكذا قضى أمير المؤمنين.","part":20,"page":207},{"id":8644,"text":"حجة الأولين عموم قوله عليه السلام : \" لا يتوارث أهل ملتين \" وحجة القول الثاني : ما روي أن معاذا كان باليمن فذكروا له أن يهوديا مات وترك أخا مسلما فقال : سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول : \" الإسلام يزيد ولا ينقص \" ثم أكدوا ذلك بأن قالوا إن ظاهر قوله : {يُوصِيكُمُ الله فِى أولادكم لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِ الانثيين} يقتضي توريث الكافر من المسلم ، والمسلم من الكافر ، إلا أنا خصصناه بقوله عليه الصلاة والسلام : \" لا يتوارث أهل ملتين \" لأن هذا الخبر أخص من تلك الآية ، والخاص مقدم على العام فكذا ههنا قوله : \" الإسلام يزيد ولا ينقص \" أخص من قوله : \" لا يتوارث أهل ملتين \" فوجب تقديمه عليه ، بل هذا التخصيص أولى ، لأن ظاهر هذا الخبر متأكد بعموم الآية ، والخبر الأول ليس كذلك ، وأقصى ما قيل في جوابه : أن قوله : \" الإسلام يزيد ولا ينقص \" ليس نصا في واقعة الميراث ، فوجب حمله على سائر الأحوال.\rالفرع الثاني : المسلم إذا ارتد ثم مات أو قتل ، فالمال الذي اكتسبه في زمان الردة أجمعوا على أنه لا يورث ، بل يكون لبيت المال ، أما المال الذي اكتسبه حال كونه مسلما ففيه قولان : قال الشافعي : لا يورث بل يكون لبيت المال ، وقال أبو حنيفة : يرثه ورثته من المسلمين ، حجة الشافعي أنا أجمعنا على ترجيح قوله عليه السلام : \" لا يتوارث أهل ملتين \" على عموم قوله : {لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِ الأنثيين} والمرتد وورثته من المسلمين أهل ملتين ، فوجب أن لا يحصل التوارث.\rفإن قيل : لا يجوز أن يقال : إن المرتد زال ملكه في آخر الإسلام وانتقل إلى الوارث ، وعلى هذا التقدير فالمسلم إنما ورث عن المسلم لا عن الكافر.","part":20,"page":208},{"id":8645,"text":"قلنا : لو ورث المسلم من المرتد لكان إما أن يرثه حال حياة المرتد أو بعد مماته ، والأول باطل ، ولا يحل له أن يتصرف في تلك الأموال لقوله تعالى : {إِلاَّ على أزواجهم أَوْ مَا مَلَكَتْ أيمانهم} [ المؤمنون : 6 ] وهو بالاجماع باطل.\rوالثاني : باطل لأن المرتد عند مماته كافر فيفضي إلى حصول التوارث بين أهل ملتين ، وهو خلاف الخبر.\rولا يبقى ههنا إلا أن يقال : إنه يرثه بعد موته مستنداً إلى آخر جزء من أجزاء إسلامه ، إلا أن القول بالاستناد باطل ، لأنه لما لم يكن الملك حاصلا حال حياة المرتد ، فلو حصل بعد موته على وجه صار حاصلا في زمن حياته لزم إيقاع التصرف في الزمان الماضي ، وذلك باطل في بداهة العقول ، وإن فسر الاستناد بالتبيين عاد الكلام إلى أن الوارث ورثه من المرتد حال حياة المرتد ، وقد أبطلناه ، والله أعلم.","part":20,"page":209},{"id":8646,"text":"الموضع الرابع : من تخصيصات هذه الآية ما هو مذهب أكثر المجتهدين أن الأنبياء عليهم السلام لا يورثون ، والشيعة خالفوا فيه ، روي أن فاطمة عليها السلام لما طلبت الميراث ومنعوها منه ، احتجوا بقوله عليه الصلاة والسلام : \" نحن معاشر الأنبياء لا نورث ما تركناه صدقة \" فعند هذا احتجت فاطمة عليها السلام بعموم قوله : {لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِ الأنثيين} وكأنها أشارت إلى أن عموم القرآن لا يجوز تخصيصه بخبر الواحد ، ثم إن الشيعة قالوا : بتقدير أن يجوز تخصيص عموم القرآن بخبر الواحد إلا أنه غير جائز ههنا ، وبيانه من ثلاثة أوجه : أحدها : أنه على خلاف قوله تعالى : حكاية عن زكريا عليه السلام {يَرِثُنِى وَيَرِثُ مِنْ ءالِ يَعْقُوبَ} [ مريم : 6 ] وقوله تعالى : {وَوَرِثَ سليمان دَاوُودُ} [ النمل : 16 ] قالوا : ولا يمكن حمل ذلك على وراثة العلم والدين لأن ذلك لا يكون وراثة في الحقيقة. بل يكون كسباً جديداً مبتدأ ، إنما التوريث لا يتحقق إلا في المال على سبيل الحقيقة ، وثانيها : أن المحتاج إلى معرفة هذه المسألة ما كان إلا فاطمة وعلي والعباس وهؤلاء كانوا من أكابر الزهاد والعلماء وأهل الدين ، وأما أبو بكر فإنه ما كان محتاجا إلى معرفة هذه المسألة ألبتة ، لأنه ما كان ممن يخطر بباله أنه يرث من الرسول عليه الصلاة والسلام فكيف يليق بالرسول عليه الصلاة والسلام أن يبلغ هذه المسألة إلى من لا حاجة به إليها ولا يبلغها إلى من له إلى معرفتها أشد الحاجة ، وثالثها : يحتمل أن قوله : \" ما تركناه صدقة \" صلة لقوله : \" لا نورث \" والتقدير : أن الشيء الذي تركناه صدقة ، فذلك الشيء لا يورث.\rفإن قيل : فعلى هذا التقدير لا يبقى للرسول خاصية في ذلك.","part":20,"page":210},{"id":8647,"text":"قلنا : بل تبقى الخاصية لاحتمال أن الأنبياء إذا عزموا على التصدق بشيء فبمجرد العزم يخرج ذلك عن ملكهم ولا يرثه وارث عنهم ، وهذا المعنى مفقود في حق غيرهم.\rوالجواب : أن فاطمة عليها السلام رضيت بقول أبي بكر بعد هذه المناظرة ، وانعقد الإجماع على صحة ما ذهب إليه أبو بكر فسقط هذا السؤال ، والله أعلم. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 9 صـ 169 ـ 171}\rفصل نفيس\rقال الآلوسى\rواستثنى من العموم الميراث من النبي صلى الله عليه وسلم بناءاً على القول بدخوله صلى الله عليه وسلم في العمومات الواردة على لسانه عليه الصلاة والسلام المتناولة له لغة ، والدليل على الاستثناء قوله صلى الله عليه وسلم : \" نحن معاشر الأنبياء لا نورث \" وأخذ الشيعة بالعموم وعدم الاستثناء وطعنوا بذلك على أبي بكر الصديق رضي الله تعالى عنه حيث لم يورث الزهراء رضي الله تعالى عنها من تركة أبيها صلى الله عليه وسلم حتى قالت له بزعمهم : يا ابن أبي قحافة أنت ترث أباك وأنا لا أرث أبي أي إنصاف هذا ، وقالوا : إن الخبر لم يروه غيره وبتسليم أنه رواه غيره أيضاً فهو غير متواتر بل آحاد ، ولا يجوز تخصيص الكتاب بخبر الآحاد بدليل أن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه رد خبر فاطمة بنت قيس أنه لم يجعل لها سكنى ولا نفقة لما كان مخصصاً لقوله تعالى : { أَسْكِنُوهُنَّ } [ الطلاق : 6 ] فقال : كيف نترك كتاب ربنا وسنة نبينا صلى الله عليه وسلم بقول امرأة.\rفلو جاز تخصيص الكتاب بخبر الآحاد لخصص به ولم يرده ولم يجعل كونه خبر امرأة مع مخالفته للكتاب مانعاً من قبوله ، وأيضاً العام وهو الكتاب قطعي ، والخاص وهو خبر الآحاد ظني فيلزم ترك القطعي بالظني.","part":20,"page":211},{"id":8648,"text":"وقالوا أيضاً : إن مما يدل على كذب الخبر قوله تعالى : { وَوَرِثَ سليمان دَاوُودُ } [ النحل : 16 ] وقوله سبحانه حكاية عن زكريا عليه السلام : { فَهَبْ لِى مِن لَّدُنْكَ وَلِيّاً يَرِثُنِى وَيَرِثُ مِنْ ءالِ يَعْقُوبَ } [ مريم : 5 ، 6 ] فإن ذلك صريح في أن الأنبياء يرثون ويورثون.\rوالجواب أن هذا الخبر قد رواه أيضاً حذيفة بن اليمان والزبير بن العوام وأبو الدرداء وأبو هريرة والعباس وعلي وعثمان وعبد الرحمن بن عوف وسعد بن أبي وقاص ، وقد أخرج البخاري عن مالك بن أوس بن الحدثان أن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه قال بمحضر من الصحابة فيهم علي والعباس وعثمان وعبد الرحمن بن عوف والزبير بن العوام وسعد بن أبي وقاص : أنشدكم بالله الذي بإذنه تقوم السماء والأرض أتعلمون أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : لا نورث ما تركناه صدقة ؟ قالوا : اللهم نعم ، ثم أقبل على عليّ والعباس فقال : أنشدكما بالله تعالى هل تعلمان أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد قال ذلك ؟ قالا : اللهم نعم ، فالقول بأن الخبر لم يروه إلا أبو بكر رضي الله تعالى عنه لا يلتفت إليه ، وفي كتب الشيعة ما يؤيده ، فقد روى الكليني في \"الكافي\" عن أبي البختري في الكافي عن أبي عبد الله جعفر الصادق رضي الله تعالى عنه أنه قال : \"إن العلماء ورثة الأنبياء وذلك أن الأنبياء لم يورثوا درهماً ولا ديناراً وإنما ورثوا أحاديث فمن أخذ بشيء منها فقد أخذ بحظ وافر\" وكلمة إنما مفيدة للحصر قطعاً باعتراف الشيعة فيعلم أن الأنبياء لا يورثون غير العلم والأحاديث.","part":20,"page":212},{"id":8649,"text":"وقد ثبت أيضاً بإجماع أهل السير والتواريخ وعلماء الحديث أن جماعة من المعصومين عند الشيعة والمحفوظين عند أهل السنة عملوا بموجبه فإن تركة النبي صلى الله عليه وسلم لما وقعت في أيديهم لم يعطوا منها العباس ولا بنيه ولا الأزواج المطهرات شيئاً ولو كان الميراث جارياً في تلك التركة لشاركوهم فيها قطعاً ، فإذا ثبت من مجموع ما ذكرنا التواتر فحبذا ذلك لأن تخصيص القرآن بالخبر المتواتر جائز اتفاقاً وإن لم يثبت وبقي الخبر من الآحاد فنقول : إن تخصيص القرآن بخبر الآحاد جائز على الصحيح وبجوازه قال الأئمة الأربعة ، ويدل على جوازه أن الصحابة رضي الله تعالى عنهم خصصوا به من غير نكير فكان إجماعاً ، ومنه قوله تعالى : { وَأُحِلَّ لَكُمْ مَّا وَرَاء ذَلِكُمْ } [ النساء : 24 ] ويدخل فيه نكاح المرأة على عمتها وخالتها فخص بقوله صلى الله عليه وسلم : \" لا تنكحوا المرأة على عمتها ولا على خالتها \" والشيعة أيضاً قد خصصوا عمومات كثيرة من القرآن بخبر الآحاد فإنهم لا يورثون الزوجة من العقار ويخصون أكبر أبناء الميت من تركته بالسيف والمصحف والخاتم واللباس بدون بدل كما أشرنا إليه فيما مر ، ويستندون في ذلك إلى آحاد تفردوا بروايتها مع أن عموم الآيات على خلاف ذلك ، والاحتجاج على عدم جواز التخصيص بخبر عمر رضي الله تعالى عنه مجاب عنه بأن عمر إنما رد خبر ابنة قيس لتردده في صدقها وكذبها ، ولذلك قال بقول امرأة لا ندري أصدقت أم كذبت ، فعلل الرد بالتردد في صدقها وكذبها لا بكونه خبر واحد وكون التخصيص يلزم منه ترك القطعي بالظني مردود بأن التخصيص وقع في الدلالة لأنه دفع للدلالة في بعض الموارد فلم يلزم ترك القطعي بالظني بل هو ترك للظني بالظني وما زعموه من دلالة الآيتين اللتين ذكروهما على كذب الخبر في غاية الوهن لأن الوراثة فيهما","part":20,"page":213},{"id":8650,"text":"وراثة العلم والنبوة والكمالات النفسانية لا وراثة العروض والأموال ، ومما يدل على أن الوراثة في الآية الأولى منهما كذلك ما رواه الكليني عن أبي عبد الله أن سليمان ورث داود وأن محمداً ورث سليمان فإن وراثة المال بين نبينا صلى الله عليه وسلم وسليمان عليه السلام غير متصورة بوجه ، وأيضاً إن داود عليه السلام على ما ذكره أهل التاريخ كان له تسعة عشر ابناً وكلهم كانوا ورثة بالمعنى الذي يزعمه الخصم فلا معنى لتخصيص بعضهم بالذكر دون بعض في وراثة المال لاشتراكهم فيها من غير خصوصية لسليمان عليه السلام بها بخلاف وراثة العلم والنبوة.","part":20,"page":214},{"id":8651,"text":"وأيضاً توصيف سليمان عليه السلام بتلك الوراثة مما لا يوجب كمالاً ولا يستدعي امتيازاً لأن البر والفاجر يرث أباه فأي داع لذكر هذه الوراثة العامة في بيان فضائل هذا النبي ومناقبه عليه السلام ، ومما يدل على أن الوراثة في الآية الثانية كذلك أيضاً أنه لو كان المراد بالوراثة فيها وراثة المال كان الكلام أشبه شيء بالسفسطة لأن المراد بآل يعقوب حينئذٍ إن كان نفسه الشريفة يلزم أن مال يعقوب عليه السلام كان باقياً غير مقسوم إلى عهد زكريا وبينهما نحو من ألفي سنة وهو كما ترى ، وإن كان المراد جميع أولاده يلزم أن يكون يحيى وارثاً جميع بني إسرائيل أحياءً وأمواتاً ، وهذا أفحش من الأول ، وإن كان المراد بعض الأولاد ، أو أريد من يعقوب غير المتبادر وهو ابن إسحاق عليهما السلام يقال : أي فائدة في وصف هذا الولي عند طلبه من الله تعالى بأنه يرث أباه ويرث بعض ذوي قرابته ، والابن وارث الأب ومن يقرب منه في جميع الشرائع مع أن هذه الوراثة تفهم من لفظ الولي بلا تكلف وليس المقام مقام تأكيد ، وأيضاً ليس في الأنظار العالية وهمم النفوس القدسية التي انقطعت من تعلقات هذا العالم الفاني واتصلت بحضائر القدس الحقاني ميل للمتاع الدنيوي قدر جناح بعوضة حتى يسأل حضرة زكريا عليه السلام ولداً ينتهي إليه ماله ويصل إلى يده متاعه ، ويظهر لفوات ذلك الحزن والخوف ، فإن ذلك يقتضي صريحاً كمال المحبة وتعلق القلب بالدنيا وما فيها ، وذلك بعيد عن ساحته العلية وهمته القدسية ، وأيضاً لا معنى لخوف زكريا عليه السلام من صرف بني أعمامه ماله بعد موته أما إن كان الصرف في طاعة فظاهر ، وأما إن كان في معصية فلأن الرجل إذا مات وانتقل المال إلى الوارث وصرفه في المعاصي لا مؤاخذة على الميت ولا عتاب على أن دفع هذا الخوف كان متيسراً له بأن يصرفه ويتصدق به","part":20,"page":215},{"id":8652,"text":"في سبيل الله تعالى قبل وفاته ويترك ورثته على أنقى من الراحة واحتمال موت الفجأة.\rوعدم التمكن من ذلك لا ينتهض عند الشيعة لأن الأنبياء عندهم يعلمون وقت موتهم فما مراد ذلك النبي عليه السلام بالوراثة إلا وراثة الكمالات النفسانية والعلم والنبوة المرشحة لمنصب الحبورة فإنه عليه السلام خشي من أشرار بني إسرائيل أن يحرفوا الأحكام الإلهية والشرائع الربانية ولا يحفظوا علمه ولا يعملوا به ويكون ذلك سبباً للفساد العظيم ، فطلب الولد ليجري أحكام الله تعالى بعده ويروج الشريعة ويكون محط رحال النبوة وذلك موجب لتضاعيف الأجر واتصال الثواب ، والرغبة في مثله من شأن ذوي النفوس القدسية والقلوب الطاهرة الزكية ، فإن قيل : الوراثة في وراثة العلم مجاز وفي وراثة المال حقيقة ، وصرف اللفظ عن الحقيقة إلى المجاز لا يجوز بلا ضرورة ، فما الضرورة هنا ؟ أجيب بأن الضرورة هنا حفظ كلام المعصوم من التكذيب ، وأيضاً لا نسلم كون الوراثة حقيقة في المال فقط بل صار لغلبة الاستعمال في العرف مختصاً بالمال ، وفي أصل الوضع إطلاقه على وراثة العلم والمال والمنصب صحيح ، وهذا الإطلاق هو حقيقته اللغوية سلمنا أنه مجاز ولكن هذا المجاز متعارف ومشهور بحيث يساوي الحقيقة خصوصاً في استعمال القرآن المجيد ، ومن ذلك قوله تعالى : { ثُمَّ أَوْرَثْنَا الكتاب } و{ أُورِثُواْ الكتاب } [ الشورى : 14 ] إلى غير ما آية.","part":20,"page":216},{"id":8653,"text":"ومن الشيعة من أورد هنا بحثاً وهو أن النبي صلى الله عليه وسلم إذا لم يورث أحداً فلم أعطيت أزواجه الطاهرات حجراتهن ؟ والجواب أن ذلك مغلطة لأن إفراز الحجرات للأزواج إنما كان لأجل كونها مملوكة لهن لا من جهة الميراث بل لأن النبي صلى الله عليه وسلم بنى كل حجرة لواحدة منهنّ فصارت الهبة مع القبض متحققة وهي موجبة للملك وقد بنى النبي صلى الله تعالى عليه وسلم مثل ذلك لفاطمة رضي الله تعالى عنها وأسامة وسلمه إليهما ؛ وكان كل من بيده شيء مما بناه له رسول الله صلى الله عليه وسلم يتصرف فيه تصرف المالك على عهده عليه الصلاة والسلام ، ويدل على ما ذكر ما ثبت بإجماع أهل السنة والشيعة أن الإمام الحسن رضي الله تعالى عنه لما حضرته الوفاة استأذن من عائشة الصديقة رضي الله تعالى عنها وسألها أن تعطيه موضعاً للدفن جوار جده المصطفى صلى الله عليه وسلم فإنه إن لم تكن الحجرة ملك أم المؤمنين لم يكن للاستئذان والسؤال معنى وفي القرآن نوع إشارة إلى كون الأزواج المطهرات مالكات لتلك الحجر حيث قال سبحانه : { وَقَرْنَ فِى بُيُوتِكُنَّ } [ الأحزاب : 33 ] فأضاف البيوت إليهنّ ولم يقل في بيوت الرسول.","part":20,"page":217},{"id":8654,"text":"ومن أهل السنة من أجاب عن أصل البحث بأن المال بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم صار في حكم الوقف على جميع المسلمين فيجوز لخليفة الوقت أن يخص من شاء بما شاء كما خص الصديق جناب الأمير رضي الله تعالى عنهما بسيف ودرع وبغلة شهباء تسمى الدلدل أن الأمير كرم الله تعالى وجهه لم يرث النبي صلى الله عليه وسلم بوجه ، وقد صح أيضاً أن الصديق أعطى الزبير بن العوام ومحمد بن مسلمة بعضاً من متروكاته صلى الله عليه وسلم وإنما لم يعط رضي الله تعالى عنه فاطمة صلى الله تعالى على أبيها وعليها وسلم فدكاً مع أنها طلبتها إرثاً وانحرف مزاج رضاها رضي الله تعالى عنها بالمنع إجماعاً وعدلت عن ذلك إلى دعوى الهبة ، وأتت بعلي والحسنين وأم أيمن للشهادة فلم تقم على ساق بزعم الشيعة ، ولم تمكن لمصلحة دينية ودنيوية رآهما الخليفة إذ ذاك كما ذكره الأسلمي في \"الترجمة العبقرية والصولة الحيدرية\" وأطال فيه.","part":20,"page":218},{"id":8655,"text":"وتحقيق الكلام في هذا المقام أن أبا بكر رضي الله تعالى عنه خص آية المواريث بما سمعه من رسول الله صلى الله عليه وسلم وخبره عليه الصلاة والسلام في حق من سمعه منه بلا واسطة مفيد للعلم اليقيني بلا شبهة والعمل بسماعه واجب عليه سواء سمعه غيره أو لم يسمع ، وقد أجمع أهل الأصول من أهل السنة والشيعة على أن تقسيم الخبر إلى المتواتر وغيره بالنسبة إلى من لم يشاهدوا النبي صلى الله عليه وسلم وسمعوا خبره بواسطة الرواة لا في حق من شاهد النبي صلى الله عليه وسلم وسمع منه بلا واسطة ، فخبر \"نحن معاشر الأنبياء لا نورث\" عند أبي بكر قطعي لأنه في حقه كالمتواتر بل أعلى كعباً منه ، والقطعي يخصص القطعي اتفاقاً ، ولا تعارض بين هذا الخبر والآيات التي فيها نسبة الوراثة إلى الأنبياء عليهم السلام لما علمت ، ودعوى الزهراء رضي الله تعالى عنها فدكاً بحسب الوراثة لا تدل على كذب الخبر بل على عدم سماعه وهو غير مخل بقدرها ورفعة شأنها ومزيد علمها ، وكذا أخذ الأزواج المطهرات حجراتهنّ لا يدل على ذلك لما مر وحلا ، وعدولها إلى دعوى الهبة غير متحقق عندنا بل المتحقق دعوى الإرث ، ولئن سلمنا أنه وقع منها دعوى الهبة فلا نسلم أنها أتت بأولئك الأطهار شهوداً ، وذلك لأن المجمع عليه أن الهبة لا تتم إلا بالقبض ولم تكن فدك في قبضة الزهراء رضي الله تعالى عنها في وقت فلم تكن الحاجة ماسة لطلب الشهود ، ولئن سلمنا أن أولئك الأطهار شهدوا فلا نسلم أن الصديق ردّ شهادتهم بل لم يقض بها ، وفرق بين عدم القضاء هنا والرد ، فإن الثاني عبارة عن عدم القبول لتهمة كذب مثلاً ، والأول عبارة عن عدم الإمضاء لفقد بعض الشروط المعتبر بعد العدالة ، وانحراف مزاج رضا الزهراء كان من مقتضيات البشرية ، وقد غضب موسى عليه السلام على أخيه الأكبر هارون حتى أخذ بلحيته","part":20,"page":219},{"id":8656,"text":"ورأسه ولم ينقص ذلك من قدريهما شيئاً على أن أبا بكر استرضاها رضي الله تعالى عنها مستشفعاً إليها بعلي كرم الله تعالى وجهه فرضيت عنه كما في \"مدارج النبوة\" و\"كتاب الوفاء\" و\"شرح المشكاة\" للدهلوي وغيرها ، وفي \"محاج السالكين\".\rوغيره من كتب الإمامية المعتبرة ما يؤيد هذا الفصل حيث رووا أن أبا بكر لما رأى فاطمة رضي الله تعالى عنها انقبضت عنه وهجرته ولم تتكلم بعد ذلك في أمر فدك كبر ذلك عنده فأراد استرضاءها فأتاها فقال : صدقت يا بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما ادعيت ولكن رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقسمها فيعطي الفقراء والمساكين وابن السبيل بعد أن يؤتي منها قوتكم فما أنتم صانعون بها ؟ فقالت : أفعل فيها كما كان أبي صلى الله عليه وسلم يفعل فيها فقال لك الله تعالى أن أفعل فيها ما كان يفعل أبوك ، فقالت : والله لتفعلن ؟ فقال : والله لأفعلن ذلك فقالت : اللهم اشهد ورضيت بذلك ، وأخذت العهد عليه فكان أبو بكر يعطيهم منها قوتهم ويقسم الباقي بين الفقراء والمساكين وابن السبيل ، وبقي الكلام في سبب عدم تمكينها رضي الله تعالى عنها من التصرف فيها ، وقد كان دفع الالتباس وسد باب الطلب المنجر إلى كسر كثير من القلوب ، أو تضييق الأمر على المسلمين.\rوقد ورد \"المؤمن إذا ابتلي ببليتين اختار أهونهما\" على أن رضا الزهراء رضي الله تعالى عنها بعْدُ على الصديق سد باب الطعن عليه أصاب في المنع أم لم يصب ، وسبحان الموفق للصواب والعاصم أنبياءه عن الخطأ في فصل الخطاب. أ هـ {روح المعانى حـ 4 صـ 217 ـ 221}\rفصل\rقال الفخر :\rمن المسائل المتعلقة بهذه الآية أن قوله : {لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِ الأنثيين} معناه للذكر منهم ، فحذف الراجع إليه لأنه مفهوم ، كقولك : السمن منوان بدرهم ، والله أعلم. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 9 صـ 171}","part":20,"page":220},{"id":8657,"text":"فصل\rقال القرطبى :\rاعلم أن الميراث كان يستحق فى أوّل الإسلام بأسباب : منها الحِلف والهجرة والمعاقدة ، ثم نسخ على ما يأتي بيانه في هذه السورة عند قوله تعالى : { وَلِكُلٍّ جَعَلْنَا مَوَالِيَ } [ النساء : 33 ] إن شاء الله تعالى.\rوأجمع العلماء على أن الأولاد إذا كان معهم من له فرض مسمًّى أُعطِيه ، وكان ما بقي من المال للذكر مثل حظ الأُنثيين ؛ لقوله عليه السلام : \" أُلحقوا الفرائض بأهلها \" رواه الأئمة.\rيعني الفرائض الواقعة في كتاب الله تعالى.\rوهي ستة : النصف والرّبُع والثُّمُن والثُلثان والثُلث والسدُس.\rفالنصف فرض خمسةٍ : ابنة الصُّلب ، وابنة الابن ، والأُخت الشقيقة ، والأُخت للأب ، والزوج.\rوكل ذلك إذا انفردوا عمن يحجبهم عنه.\rوالربُع فرض الزوج مع الحاجب ، وفرض الزوجة والزوجات مع عدمه.\rوالثمن فرض الزوجة والزوجات مع الحاجب.\rوالثلثان فرض أربع : الاثنتين فصاعداً من بنات الصلب ، وبنات الابن ، والأخوات الأشقاء ، أو للأب.\rوكل هؤلاء إذا انفردنَ عمن يحجبهن عنه ، والثلث فرض صنفين : الأُم مع عدم الولد ، وولد الابن ، وعدم الاثنين فصاعداً من الإخوة والأخوات ، وفرض الاثنين فصاعداً من ولد الأُم.\rوهذا هو ثلث كل المال.\rفأما ثلث ما يبقَى فذلك للأُمّ في مسألة زوج أو زوجة وأبوان ؛ فللأُم فيها ثلثُ ما يبقى.\rوقد تقدّم بيانه.\rوفي مسائل الجدّ مع الإخوة إذا كان معهم ذو سَهْم وكان ثلثُ ما يبقى أحظَى له.\rوالسدس فرض سبعة : الأبوان والجدّ مع الولد وولد الابن ، والجدّة والجدّات إذا اجتمعن ، وبنات الابن مع بنت الصلب ، والأخوات للأب مع الأُخت الشقيقة ، والواحد من ولد الأُم ذكراً كان أو أُنثى.\rوهذه الفرائض كلها مأخوذة من كتاب الله تعالى إلا فرض الجدّة والجدّات فإنه مأخوذ من السنة.","part":20,"page":221},{"id":8658,"text":"والأسباب الموجبة لهذه الفروض بالميراث ثلاثة أشياء : نسب ثابت ، ونكاح منعقد ، وولاء عتاقةٍ.\rوقد تجتمع الثلاثة الأشياء فيكون الرجل زوج المرأة ومولاها وابن عمها.\rوقد يجتمع فيه منها شيئان لا أكثر ، مثل أن يكون زوجها ومولاها ، أو زوجها وابن عمها ؛ فيرث بوجهين ويكون له جميع المال إذا انفرد : نصفه بالزوجية ونصفه بالولاء أو بالنسب.\rومثل أن تكون المرأة ابنة الرجل ومولاته ، فيكون لها أيضاً جميع المال إذا انفردت : نصفه بالنسب ونصفه بالولاء.\rولا ميراث إلا بعد أداء الدّيْن والوصية ؛ فإذا مات المتوفى أخرج من تركته الحقوق المعَّينات ، ثم ما يلزم من تكفينه وتقبيره ، ثم الديون على مراتبها ، ثم يخرج من الثلث الوصايا ، وما كان في معناها على مراتبها أيضاً ، ويكون الباقي ميراثاً بين الورثة.\rوجملتهم سبعة عشر.\rعشرة من الرجال : الابن وابن الابن وإن سفل ، والأب وأب الأب وهو الجدّ وإن علا ، والأخ وابن الأخ ، والعمّ وابن العمّ والزوج ومولى النعمة.\rويرث من النساء سبع : البنت وبنت الابن وإن سفلت ، والأم والجدّة وإن علت ، والأخت والزوجة ، ومولاة النعمة وهي المعتِقة.\rوقد نظمهم بعض الفضلاء فقال : \rوالوارثون إن أردت جمعَهمْ . . .\rمع الإناث الوارثات معَهمْ\rعشرةٌ من جملة الذُّكْرانِ . . .\rوسبعُ أشخاصٍ من النِّسوان\rوهُمْ ، وقد حصرتهُم في النظمِ . . .\rالابن وابنُ الابن وابنُ العم\rوالأبُ منهم وهْوَ في الترتيب . . .\rوالجدُّ من قَبْل الأخ القريب\rوابن الأخ الأدْنَى أجَلْ والعمُّ . . .\rوالزوجُ والسيِّد ثم الأُم\rوابنةُ الابن بعدَها والبنتُ . . .\rوزوجةُ وجدّة وأختُ\rوالمرأةُ المولاةُ أعْني المعتقه . . .\rخُذْها إليك عِدّةً محقَّقهْ\r","part":20,"page":222},{"id":8659,"text":"لما قال تعالى : { في أَوْلاَدِكُمْ } يتناول كل ولد كان موجوداً أو جنيناً في بطن أمه ، دنيّاً أو بعيداً ، من الذكور أو الإناث ما عدا الكافر كما تقدم.\rقال بعضهم : ذلك حقيقةٌ في الأدنَين مجاز في الأبْعَدين.\rوقال بعضهم : هو حقيقة في الجميع ؛ لأنه من التوَلُّد ، غير أنهم يرثون على قدر القرب منه ؛ قال الله تعالى : { يابني آدَمَ } [ الأعراف : 26 ].\rوقال عليه السلام : \" أنا سيد ولد آدم \" وقال : \" يا بني إسماعيل ارْموا فإن أباكم كان رامياً \" إلا أنه غلب عرف الاستعمال في إطلاق ذلك على الأعيان الأدنين على تلك الحقيقة ؛ فإن كان في ولد الصُّلب ذكرٌ لم يكن لولد الولد شيءٌ وهذا مما أجمع عليه أهل العلم.\rوإن لم يكن في ولد الصلب ذكر وكان في وَلَد الولد بُدِيءَ بالبنات الصلب ، فأعطين إلى مبلغ الثلثين ؛ ثم أعطى الثلث الباقي لولد الولد إذا استوَوْا في القُعْدُدِ ، أو كان الذكر أسفل ممن فوقه من البنات ، للذكر مثل حظ الأنثيين.\rهذا قول مالك والشافعي وأصحاب الرأي.\rوبه قال عامة أهل العلم من الصحابة والتابعين ومن بعدهم ؛ إلا ما يروى عن ابن مسعود أنه قال : إن كان الذكر من ولد الولد بإزاء الولد الأنثى ردّ عليها ، وإن كان أسفل منها لم يردّ عليها ؛ مراعياً في ذلك قوله تعالى : { فَإِن كُنَّ نِسَآءً فَوْقَ اثنتين فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكَ } فلم يجعل للبنات وإن كثرن إلا الثلثين.\rقلت : هكذا ذكر ابن العربي هذا التفصيل عن ابن مسعود ، والذي ذكره ابن المنذر والباجي عنه : أن ما فضل عن بنات الصُّلب لبني الابن دون بنات الابن.\rولم يفصِّلا.\rوحكاه ابن المنذر عن أبي ثوْر.\rونحوه حكى أبو عمر ، قال أبو عمر.\r","part":20,"page":223},{"id":8660,"text":"وخالف في ذلك ابن مسعود فقال : وإذا استكمل البنات الثلثين فالباقي لبني الابن دون أخواتهم ، ودون مَن فوقهم من بنات الابن ، ومَن تحتهم.\rوإلى هذا ذهب أبو ثور وداود بن علي.\rوروي مثله عن علقمة.\rوحجة من ذهب هذا المذهب حديث ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : \" أقسِمُوا المال بين أهل الفرائض على كتاب الله فما أبقت الفرائضُ فلأوْلَى رجلٍ ذكر \" خرّجه البخاري ومسلم وغيرهما.\rومن حجة الجمهور قول الله عز وجل : { يُوصِيكُمُ الله في أَوْلاَدِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأنثيين } لأن ولد الولد ولدٌ.\rومن جهة النظر والقياس أن كل مَن يُعصّب مَن في درجته في جملة المال فواجبٌ أن يُعصِّبه في الفاضل من المال ؛ كأولاد الصلب.\rفوجب بذلك أن يُشرك ابنُ الابن أختَه ، كما يُشرك الابنُ للصلب أخته.\rفإن احتجّ محتجُّ لأبي ثَوْر وداود أن بنت الابن لما لم ترث شيئاً من الفاضل بعد الثلثين منفردةً لم يعصِّبها أخوها.\rفالجواب أنها إذا كان معها أخوها قوِيت به وصارت عَصَبةً معه.\rوظاهر قوله تعالى : { يُوصِيكُمُ الله في أَوْلاَدِكُمْ } وهي من الولد. أ هـ {تفسير القرطبى حـ 5 صـ 60 ـ 62}. بتصرف يسير.\rفائدة\rقال ابن عاشور :\rو { في } هنا للظرفية المجازية ، جعلت الوصية كأنّها مظروفة في شأن الأولاد لشدّة تعلّقها به كاتّصال المظروف بالظرف ، ومجرورها محذوف قام المضاف إليه مقامه ، لظهور أنّ ذوات الأولاد لا تصلح ظرفاً للوصيّة ، فتعيّن تقدير مضاف على طريقة دلالة الاقتضاء ، وتقديره : في إرثِ أولادكم ، والمقام يدلّ على المقدّر على حدّ { حرمت عليكم أمهاتكم } [ النساء : 23 ] فجعل الوصيّة مظروفة في هذا الشأن لشدّة تعلقها به واحتوائه عليها.","part":20,"page":224},{"id":8661,"text":"وجملة : { للذكر مثل حظ الأنثيين } بيان لجملة { يوصيكم } لأنّ مضمونها هو معنى مضمون الوصية ، فهي مثل البيان في قوله تعالى : { فوسوس إليه الشيطان قال ياآدم } وتقديم الخبر على المبتدأ في هذه الجملة للتنبيه من أوّل الأمر على أنّ الذكر صار له شريك في الإرث وهو الأنثى لأنّه لم يكن لهم به عهد من قبل إذ كان الذكور يأخذون المال الموروث كلّه ولاحظّ للإناث ، كما تقدّم آنفاً في تفسير قوله تعالى : { للرجال نصيب مما ترك الوالدان والأقربون } [ النساء : 7 ].\rوقوله : { للذكر مثل حظ الأنثيين } جعل حظّ الأنثيين هو المقدار الذي يقدّر به حظّ الذكر ، ولم يكن قد تقدّم تعيين حظّ للأنثيين حتّى يقدّر به ، فعُلم أنّ المراد تضعيف حظّ الذكر من الأولاد على حظّ الأنثى منهم ، وقد كان هذا المراد صالحاً لأن يؤدّى بنحو : للأنثى نصف حظّ ذكر ، أو للأنثيين مثلّ حظّ ذكر ، إذ ليس المقصود إلاّ بيان المضاعفة.\rولكن قد أوثر هذا التعبير لنكتة لطيفة وهي الإيماء إلى أن حظّ الأنثى صار في اعتبار الشرع أهَمّ من حظّ الذكر ، إذ كانت مهضومة الجانب عند أهل الجاهلية فصار الإسلام ينادي بحظّها في أول ما يقرع الأسماع قد عُلم أنّ قسمة المال تكون باعتبار عدد البنين والبنات. أ هـ {التحرير والتنوير حـ 4 صـ 45 ـ 46}","part":20,"page":225},{"id":8662,"text":"وقال الآلوسى : \rوأخذ ابن عباس رضي الله تعالى عنهما بظاهر الآية فجعل الثلثين لما زاد على البنتين كالثلاث فأكثر ، وجعل نصيب الاثنتين النصف كنصيب الواحدة ، وجمهور الصحابة والأئمة والإمامية على خلافه حيث حكموا بأن للاثنتين وما فهوقهما الثلثين ، وأن النصف إنما هو للواحدة فقط ، ووجه ذلك على ما قاله القطب أنه لما تبين أن للذكر مع الأنثى ثلثين إذ للذكر مثل حظ الأنثيين فلا بد أن يكون للبنتين الثلثان في صورة وإلا لم يكن للذكر مثل حظ الأنثيين لأن الثلثين ليس بحظ لهما أصلاً لكن تلك الصورة ليست صورة الاجتماع إذ ما من صورة يجتمع فيها الإثنتان مع الذكر ويكون لهما الثلثان فتعين أن تكون صورة الانفراد ، وإلى هذا أشار السيد السند في \"شرح السراجية\" ، وأورد أن الاستدلال دوري لأن معرفة أن للذكر الثلثين في الصورة المذكورة موقوفة على معرفة حظ الأنثيين لأنه ما علم من الآية إلا أن للذكر مثل حظ الأنثيين ، فلو كانت معرفة حظ الأنثيين مستخرجة من حظ الذكر لزم الدور ، وأجيب بأن المستخرج هو الحظ المعين للأنثيين وهو الثلثان ، والذي يتوقف عليه معرفة حظ الذكر هو معرفة حظ الأنثيين مطلقاً فلا دور ، ولما في هذا الوجه من التكلف عدل عنه بعض المحققين ، وذكر أن حكم البنتين مفهوم من النص بطريق الدلالة أو الإشارة ، وذلك لما رواه أحمد والترمذي وأبو داود وابن ماجه عن جابر رضي الله تعالى عنه قال : جاءت امرأة سعد بن الربيع إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت : يا رسول الله هاتان ابنتا سعد قتل أبوهما يوم أحد وأن عمهما أخذ مالهما ولم يدع لهما مالاً ولا ينكحان إلا ولهما مال ، فقال صلى الله عليه وسلم : \" يقضي الله تعالى في ذلك فنزلت آية الميراث فبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى عمهما فقال : أعط لابنتي سعد الثلثي ، وأعط أمهما الثمن وما","part":20,"page":226},{"id":8663,"text":"بقي فهو لك \" فدل ذلك على أن انفهام الحكم من النص بأحد الطريقين لأنه حكم به بعد نزول الآية ، ووجهه أن البنتين لما استحقتا مع الذكر النصف علم أنهما إذا انفردا عنه استحقتا أكثر من ذلك لأن الواحدة إذا انفردت أخذت النصف بعد ما كانت معه تأخذ الثلث ولا بد أن يكون نصيبهما كما يأخذه الذكر في الجملة وهو الثلثان لأنه يأخذه مع البنت فيكون قوله سبحانه : { فَإِن كُنَّ نِسَاء } الخ بياناً لحظ الواحدة ، وما فوق الثنتين بعد ما بين حظهما ولذا فرعه عليه إذ لو لم يكن فيما قبله ما يدل على سهم الإناث لم تقع الفاء موقعها ، وهذا مما لا غبار عليه ، وقيل : إن حكم البنتين ثبت بالقياس على البنت مع أخيها أو على الأختين.","part":20,"page":227},{"id":8664,"text":"أما الأول : فلأنها لما استحقت البنت الثلث مع الأخ فمع البنت بالطريق الأولى ، وأما الثاني : فلأنه ذكر حكم الواحدة والثلاث فما فوقها من البنات ولم يذكر حكم البنتين ، وذكر في ميراث الأخوات حكم الأخت الواحدة والأختين ولم يذكر حكم الأخوات الكثيرة فيعلم حكم البنتين من ميراث الأخوات وحكم الأخوات من ميراث البنات لأنه لما كان نصيب الأختين الثلثين كانت البنتان أولى بهما ، ولما كان نصيب البنات الكثيرة لا يزيد على الثلثين فبالأولى أن لا يزداد نصيب الأخوات على ذلك ، وقد ذهب إلى هذا غير واحد من المتأخرين ، وجعله العلامة ناصر الدين مؤيداً ولم يجعله دليلاً للاستغناء عنه بما تقدم ، ولأنه قيل : إن القياس لا يجري في الفرائض والمقادير ، ونظر بعضهم في الأول بأن البنت الواحدة لم تستحق الثلث مع الأخ بل تستحق نصف حظه وكونه ثلثاً على سبيل الاتفاق ولا يخفى ضعفه ، وقيل : يمكن أن يقال : ألحق البنتان بالجماعة لأن وصف النساء يفوق اثنتين للتنبيه على عدم التفاوت بين عدد وعدد ، والبنتان تشارك الجماعة في التعدد ، وقد علم عدم تأثير القلة والكثرة ، فالظاهر إلحاقهما بالجماعة بجامع التعدد ، وعدم اعتبار القلة والكثرة دون الواحدة لعدم الجامع بينهما.\rوقيل : إن معنى الآية فإن كنّ نساء اثنتين فما فوقهما إلا أنه قدم ذكر الفوق على الاثنتين كما روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال : \" لا تسافر المرأة سفراً فوق ثلاثة أيام إلا ومعها زوجها أو ذو محرم لها \"","part":20,"page":228},{"id":8665,"text":"فإن معناه لا تسافر سفراً ثلاثة أيام فما فوقها ، وإلى ذلك ذهب من قال : إن أقل الجمع اثنان ، واعترض على ابن عباس رضي الله تعالى عنه بأنه لو استفيد من قوله سبحانه { فَوْقَ اثنتين } أن حال الاثنتين ليس حال الجماعة بناءاً على مفهوم الصفة فهو معارض بأنه يستفاد من واحدة أن حالهما ليس حال الواحدة لمفهوم العدد وقد قيل به ، وأجيب بالفرق بينهما فإن النساء ظاهر فيما فوقهما فلما أكد به صار محكماً في التخصيص بخلاف { وَإِن كَانَتْ واحدة } وأورد عليه بأن هذا إنما يتم على تقدير كون الظرف صفة مؤكدة لا خبراً بعد خبر ، وأجيب بأن قوله سبحانه : { نِسَاء } ظاهر في كونها فوق اثنتين فعدم الاكتفاء به والإتيان بخبر بعده يدل دلالة صريحة على أن الحكم مقيد به لا يتجاوزه ، وأيضاً مما ينصر الحبر أن الدليلين لما تعارضا دار أمر البنتين بين الثلثين والنصف ، والمتيقن هو النصف ، والزائد مشكوك غير ثابت ، فتعين المصير إليه ، ولا يخفى أن الحديث الصحيح الذي سلف يهدم أمر التمسك بمثل هذه العرى ، ولعله لم يبلغه رضي الله تعالى عنه ذلك كما قيل فقال ما قال ، وفي \"شرح الينبوع\" نقلاً عن الشريف شمس الدين الأرموني أنه قال في \"شرح فرائض الوسيط\" : صح رجوع ابن عباس رضي الله تعالى عنه عن ذلك فصار إجماعاً ؛ وعليه فيحتمل أنه بلغه الحديث ، أو أنه أمعن النظر في الآية ففهم منها ما عليه الجمهور فرجع إلى وفاقهم.\rوحكاية النظام عنه رضي الله تعالى عنه في كتاب \"النكت\" أنه قال : للبنتين نصف وقيراط لأن للواحدة النصف ولما فوق الاثنتين الثلثين فينبغي أن يكون للبنتين ما بينهما مما لا تكاد تصح فافهم. أ هـ {روح المعانى حـ 4 صـ 221 ـ 223}\rلطيفة\rقال ابن الجوزى :\rقال القاضي أبو يعلى : إنما نص على ما فوق الاثنتين ، والواحدة ، ولم ينص على الاثنتين ، لأنه لما جعل لكل واحدة مع الذكر الثلث ، كان لها مع الأنثى الثلث أولى. أ هـ {زاد المسير حـ 2 صـ 26}","part":20,"page":229},{"id":8666,"text":"\" شبه للمشككين ودحضها \"\rصحيح وحق أن آيات الميراث فى القرآن الكريم قد جاء فيها قول الله سبحانه وتعالى : (للذكر مثل حظ الأنثيين) ؛ لكن كثيرين من الذين يثيرون الشبهات حول أهلية المرأة فى الإسلام ، متخذين من التمايز فى الميراث سبيلاً إلى ذلك لا يفقهون أن توريث المرأة على النصف من الرجل ليس موقفًا عامًا ولا قاعدة مطّردة فى توريث الإسلام لكل الذكور وكل الإناث. فالقرآن الكريم لم يقل : يوصيكم الله فى المواريث والوارثين للذكر مثل حظ الأنثيين.. إنما قال : (يوصيكم الله فى أولادكم للذكر مثل حظ الأنثيين).. أى أن هذا التمييز ليس قاعدة مطّردة فى كل حالات الميراث ، وإنما هو فى حالات خاصة ، بل ومحدودة من بين حالات الميراث.\rبل إن الفقه الحقيقى لفلسفة الإسلام فى الميراث تكشف عن أن التمايز فى أنصبة الوارثين والوارثات لا يرجع إلى معيار الذكورة والأنوثة.. وإنما لهذه الفلسفة الإسلامية فى التوريث حِكَم إلهية ومقاصد ربانية قد خفيت عن الذين جعلوا التفاوت بين الذكور والإناث فى بعض مسائل الميراث وحالاته شبهة على كمال أهلية المرأة فى الإسلام. وذلك أن التفاوت بين أنصبة الوارثين والوارثات فى فلسفة الميراث الإسلامى ـ إنما تحكمه ثلاثة معايير : \rأولها : درجة القرابة بين الوارث ذكرًا كان أو أنثى وبين المُوَرَّث المتوفَّى فكلما اقتربت الصلة.. زاد النصيب فى الميراث.. وكلما ابتعدت الصلة قل النصيب فى الميراث دونما اعتبار لجنس الوارثين..","part":20,"page":230},{"id":8667,"text":"وثانيها : موقع الجيل الوارث من التتابع الزمنى للأجيال.. فالأجيال التى تستقبل الحياة ، وتستعد لتحمل أعبائها ، عادة يكون نصيبها فى الميراث أكبر من نصيب الأجيال التى تستدبر الحياة. وتتخفف من أعبائها ، بل وتصبح أعباؤها ـ عادة ـ مفروضة على غيرها ، وذلك بصرف النظر عن الذكورة والأنوثة للوارثين والوارثات.. فبنت المتوفى ترث أكثر من أمه ـ وكلتاهما أنثى ـ.. وترث البنت أكثر من الأب ! - حتى لو كانت رضيعة لم تدرك شكل أبيها.. وحتى لو كان الأب هو مصدر الثروة التى للابن ، والتى تنفرد البنت بنصفها ! ـ.. وكذلك يرث الابن أكثر من الأب ـ وكلاهما من الذكور..\rوفى هذا المعيار من معايير فلسفة الميراث فى الإسلام حِكَم إلهية بالغة ومقاصد ربانية سامية تخفى على الكثيرين !..\rوهى معايير لا علاقة لها بالذكورة والأنوثة على الإطلاق..\rوثالثها : العبء المالى الذى يوجب الشرع الإسلامى على الوارث تحمله والقيام به حيال الآخرين.. وهذا هو المعيار الوحيد الذى يثمر تفاوتاً بين الذكر والأنثى.. لكنه تفاوت لا يفضى إلى أى ظلم للأنثى أو انتقاص من إنصافها.. بل ربما كان العكس هو الصحيح !..","part":20,"page":231},{"id":8668,"text":"ففى حالة ما إذا اتفق وتساوى الوارثون فى درجة القرابة.. واتفقوا وتساووا فى موقع الجيل الوارث من تتابع الأجيال - مثل أولاد المتوفَّى ، ذكوراً وإناثاً - يكون تفاوت العبء المالى هو السبب فى التفاوت فى أنصبة الميراث.. ولذلك ، لم يعمم القرآن الكريم هذا التفاوت بين الذكر والأنثى فى عموم الوارثين ، وإنما حصره فى هذه الحالة بالذات ، فقالت الآية القرآنية : (يوصيكم الله فى أولادكم للذكر مثل حظ الأنثيين).. ولم تقل : يوصيكم الله فى عموم الوارثين.. والحكمة فى هذا التفاوت ، فى هذه الحالة بالذات ، هى أن الذكر هنا مكلف بإعالة أنثى ـ هى زوجه ـ مع أولادهما.. بينما الأنثى الوارثة أخت الذكرـ إعالتها ، مع أولادها ، فريضة على الذكر المقترن بها.. فهى ـ مع هذا النقص فى ميراثها بالنسبة لأخيها ، الذى ورث ضعف ميراثها ، أكثر حظًّا وامتيازاً منه فى الميراث.. فميراثها ـ مع إعفائها من الإنفاق الواجب ـ هو ذمة مالية خالصة ومدخرة ، لجبر الاستضعاف الأنثوى ، ولتأمين حياتها ضد المخاطر والتقلبات.. وتلك حكمة إلهية قد تخفى على الكثيرين..\rوإذا كانت هذه الفلسفة الإسلامية فى تفاوت أنصبة الوارثين والوارثات وهى التى يغفل عنها طرفا الغلو ، الدينى واللادينى ، الذين يحسبون هذا التفاوت الجزئى شبهة تلحق بأهلية المرأة فى الإسلام فإن استقراء حالات ومسائل الميراث ـ كما جاءت فى علم الفرائض (المواريث) ـ يكشف عن حقيقة قد تذهل الكثيرين عن أفكارهم المسبقة والمغلوطة فى هذا الموضوع.. فهذا الاستقراء لحالات ومسائل الميراث ، يقول لنا : \r1 ـ إن هناك أربع حالات فقط ترث فيها المرأة نصف الرجل.\r2 ـ وهناك حالات أضعاف هذه الحالات الأربع ترث فيها المرأة مثل الرجل تماماً.\r3 ـ وهناك حالات عشر أو تزيد ترث فيها المرأة أكثر من الرجل.","part":20,"page":232},{"id":8669,"text":"4 ـ وهناك حالات ترث فيها المرأة ولا يرث نظيرها من الرجال.\rأى أن هناك أكثر من ثلاثين حالة تأخذ فيها المرأة مثل الرجل ، أو أكثر منه ، أو ترث هى ولا يرث نظيرها من الرجال ، فى مقابلة أربع حالات محددة ترث فيها المرأة نصف الرجل.. \"!!.\rتلك هى ثمرات استقراء حالات ومسائل الميراث فى علم الفرائض (المواريث) ، التى حكمتها المعايير الإسلامية التى حددتها فلسفة الإسلام فى التوريث.. والتى لم تقف عند معيار الذكورة والأنوثة ، كما يحسب الكثيرون من الذين لا يعلمون !..\rوبذلك نرى سقوط الشبهة الأولى من الشبهات الخمس المثارة حول أهلية المرأة ، كما قررها الإسلام.أ هـ {ميراث المرأة وقضية المساواة \" ص10 ، 46 / للدكتور. صلاح الدين سلطان \" طبعة القاهرة ، دار نهضة مصر سنة 1999م \"}","part":20,"page":233},{"id":8670,"text":"قوله تعالى : {فَإِن كُنَّ نِسَاء فَوْقَ اثنتين فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكَ}\rقال ابن الآلوسى : \r{ فَإِن كُنَّ نِسَاء } الضمير للأولاد مطلقاً والخبر مفيد بلا تأويل ، ولزوم تغليب الإناث على الذكور لا يضر لأن ذلك مما صرحوا بجوازه مراعاة للخبر ومشاكلة له ، ويجوز أن يعود إلى المولودات أو البنات التي في ضمن مطلق الأولاد ، والمعنى فإن كانت المولودات أو البنات نساءاً خلصاً ليس معهن ذكر ، وبهذا يفيد الحمل وإلا لاتحد الاسم والخبر فلا يفيد على أن قوله تعالى : { فَوْقَ اثنتين } إذا جعل صفة لنساء فهو محل الفائدة ، وأوجب ذلك أبو حيان فلم يجز ما أجازه غير واحد من كونه خبراً ثانياً ظناً منه عدم إفادة الحمل حينئذٍ وهو من بعض الظن كما علمت ، وجوز الزمخشري أن تكون كان تامة ، والضمير مبهم مفسر بالمنصوب على أنه تمييز ولم يرتضه النحاة لأن كان ليست من الأفعال التي يكون فاعلها مضمراً يفسره ما بعده لاختصاصه بباب نعم ، والتنازع كما قاله الشهاب والمراد من الفوقية زيادة العدد لا الفوقية الحقيقية ، وفائدة ذكر ذلك التصريح بعدم اختصاص المراد بعدد دون عدد أي فإن كن نساء زائدات على اثنتين بالغات ما بلغن. أ هـ {روح المعانى حـ 4 صـ 221}\rقال الفخر : \rالمعنى إن كانت البنات أو المولودات نساء خلصا ليس معهن ابن ، وقوله : {فَوْقَ اثنتين} يجوز أن يكون خبرا ثانيا لكان ، وأن يكون صفة لقوله : {نِسَاء} أي نساء زائدات على اثنتين. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 9 صـ 171}","part":20,"page":234},{"id":8671,"text":"فصل\rقال القرطبى :\rقوله تعالى : { فَإِن كُنَّ نِسَآءً فَوْقَ اثنتين فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكَ } الآية.\rفرض الله تعالى للواحدة النّصفَ ، وفرض لما فوق الثنتين الثلثين ، ولم يفرض للثنتين فرضا منصوصاً في كتابه ؛ فتكلم العلماء في الدّليل الذي يوجب لهما الثلثين ما هو ؟ فقيل : الإجماع وهو مردود ؛ لأن الصحيح عن ابن عباس أنه أعطى البنتين النصف ؛ لأن الله عز وجل قال : { فَإِن كُنَّ نِسَآءً فَوْقَ اثنتين فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكَ } وهذا شرط وجزاء.\rقال : فلا أعطي البنتين الثلثين.\rوقيل : أعطيتا الثلثين بالقياس على الأختين ؛ فإن الله سبحانه لما قال في آخر السورة : { وَلَهُ أُخْتٌ فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ } وقال تعالى : { فَإِن كَانَتَا اثنتين فَلَهُمَا الثلثان مِمَّا تَرَكَ } [ النساء : 176 ] فألحقت الابنتان بالأختين في الاشتراك في الثلثين وألحقت الأخوات إذا زدن على اثنتين بالبنات في الاشتراك في الثلثين.\rواعترض هذا بأن ذلك منصوص عليه في الأخوات ، والإجماع منعقد عليه فهو مسلم بذلك.\rوقيل : في الآية ما يدل على أن للبنتين الثلثين ، وذلك أنه لما كان للواحدة مع أخيها الثلث إذا انفردت ، علمنا أن للاثنتين الثلثين.\rاحتج بهذه الحجة ، وقال هذه المقالة إسماعيل القاضي وأبو العباس المبرّد.\rقال النحاس : وهذا الاحتجاج عند أهل النظر غلط ؛ لأن الاختلاف في البنتين وليس في الواحدة.\rفيقول مخالفه : إذا ترك بنتين وابنا فللبنتين النصف ؛ فهذا دليل على أن هذا فرضهم.\rوقيل : \"فوق\" زائدة أي إن كن نساء اثنتين.\rكقوله تعالى : { فاضربوا فَوْقَ الأعناق } [ الانفال : 12 ] أي الأعناق.\rوردّ هذا القول النحاس وابن عطية وقالا : هو خطأ ؛ لأن الظروف وجميع الأسماء لا يجوز في كلام العرب أن تزاد لغير معنى.","part":20,"page":235},{"id":8672,"text":"قال ابن عطية : ولأن قوله تعالى : { فاضربوا فَوْقَ الأعناق } هو الفصيح وليست فوق زائدة بل هي مُحْكِمَةٌ للمعنى لأنّ ضربة العنق إنما يجبْ أن تكون فوق العظام في المفصل دون الدّماغ.\rكما قال دريد بن الصمة : أخفض عن الدّماغ وارفع عن العظم ، فهكذا كنت أضرب أعناق الأبطال.\rوأقوى الاحتجاج في أن للبنتين الثلثين الحديث الصحيح المروي في سبب النزول.\rولغة أهل الحجاز وبني أسد الثلث والرُبع إلى العُشر.\rولغة بني تميم وربيعة الثلث بإسكان اللام إلى العشْر.\rويقال : ثلثتُ القوم أثلثهم ، وثلثتُ الدارهم أثلثِها إذا تمَّمتها ثلاثة ، وأثلثتْ هي ؛ إلا أنهم قالوا في المائة والألف : أمأيتها وآلفتها وأمأت وآلفت. أ هـ {تفسير القرطبى حـ 5 صـ 63 ـ 64}.\rفائدة\rقال ابن عاشور :\rوقوله : { فإن كن نساء فوق اثنتين } إلخ معاد الضمير هو لفظ الأولاد ، وهو جمع ولد فهو غير مؤنّث اللفظ ولا المدلول لأنّه صالح للمذكّر والمؤنث ، فلمّا كان ما صدَقُه هُنا النساء خاصّة أعيد عليه الضمير بالتأنيث.\rومعنى : { فوق اثنتين } أكثر من اثنتين ، ومن معاني ( فوق ) الزيادة في العدد ، وأصل ذلك مجاز ، ثم شاع حتّى صار كالحقيقة ، والآية صريحة في أنّ الثلثين لا يعطيان إلاّ للبنات الثلاث فصاعداً لأنّ تقسيم الأنصباء لا يُنتقل فيه من مقدار إلى مقدار أزيدَ منه إلاّ عند انتهاء من يستحقّ المقدار الأول.","part":20,"page":236},{"id":8673,"text":"والوصف بـ { فوق اثنتين } يفيد مفهوما وهو أنّ البنتين لا تعطيان الثلثين ، وزاد فقال : { وإن كانت واحدة فلها النصف } فبقي ميراث البنتين المنفردتين غير منصوص في الآية فألحقهما الجمهور بالثلاث لأنّهما أكثر من واحدة ، وأحسن ما وجِّه به ذلك ما قاله القاضي إسماعيل بن إسحاق \"إذا كانت البنت تأخذ مع أخيها إذا انفرد الثلث فأحرى أن تأخذ الثلثَ مع أختها\" يعني أنّ كلّ واحدة من البنتين هي مقارنة لأختها الأخرى فلا يكون حظّها مع أخت أنثى أقلّ من حظّها مع أخ ذكر ، فإنّ الذكر أولى بتوفير نصيبه ، وقد تلقّفه المحقّقون من بعده ، وربما نسب لبعض الذين تلقّفوه.\rوعلَّله ووَجَّهه آخرون : بأنّ الله جعل للأختين عند انفرادهما الثلثين فلا تكون البنتان أقلّ منهما.\rوقال ابن عباس : للبنتين النصف كالبنت الواحدة ، وكأنّه لم ير لتوريثهما أكثر من التشريك في النصف محمَلا في الآية ، ولو أريد ذلك لما قال { فوق اثنتين }.\rومنهم من جعل لفظ ( فوق ) زائداً ، ونظّره بقوله تعالى : { فاضربوا فوق الأعناق } [ الأنفال : 12 ].\rوشتَّان بين فوق التي مع أسماء العدد وفوق التي بمعنى مكان الفعل.\rقال ابن عطية : وقد أجمع الناس في الأمصار والأعصار على أنّ للبنتين الثلثين ، أي وهذا الإجماع مستند لسنّة عرفوها.\rوردّ القرطبي دعوى الإجماع بأنّ ابن عباس صحّ عنه أنّه أعطى البنتين النصف.\rقلت : لعلّ الإجماع انعقد بعدما أعطى ابن عباس البنتين النصف على أنّ اختلال الإجماع لمخالفة واحد مختلف فيه ، أمّا حديث امرأة سعد بن الربيع المتقدّم فلا يصلح للفصل في هذا الخلاف ، لأنّ في روايته اختلافا هل ترك بنتين أو ثلاثاً.","part":20,"page":237},{"id":8674,"text":"وقوله : { فلهن } أعيد الضمير إلى نساء ، والمراد ما يصدق بالمرأتين تغليبا للجمع على المثنى اعتمادا على القرينة. أ هـ {التحرير والتنوير حـ 4 صـ 46}\rفائدة\rقال ابن عطية :\rواستدل الجميع بأن أقل الجمع اثنان ، لأن التثنية جمع شيء إلى مثله ، فالمعنى يقتصي أنها جمع ، وذكر المفسرون أن العرب قد تأتي بلفظ الجمع وهي تريد التثنية ، كما قال تعالى : { وداود وسليمان إذ يحكمان في الحرث إذ نفشت فيه غنم القوم وكنا لحكمهم شاهدين } [ الأنبياء : 78 ] وكقوله في آية الخصم { إذ تسوروا المحراب إذ دخلوا } [ ص : 21 ، 22 ] وكقوله : { وأطراف النهار } [ طه : 130 ] واحتجوا بهذا كله في أن الإخوة يدخل تحته الأخوان.\rوهذه الآيات كلها لا حجة فيها عندي على هذه الآية ، لأنه قد تبين في كل آية منها بالنص أن المراد اثنان ، فساغ التجوز بأن يؤتى بلفظ الجمع بعد ذلك ، إذ معك في الأولى - يحكمان - وفي الثانية - إن هذا أخي ، وأيضاً فالحكم قد يضاف إلى الحاكم والخصوم ، وقد يتسور مع الخصم وغيرهما فهم جماعة ، وأما { النهار } في الآية الثالثة فالألف واللام فيه للجنس فإنما أراد طرفي كل يوم وأما إذا ورد لفظ الجمع ولم يقترن به ما يبين المراد فإنما يحمل على الجمع ، ولا يحمل على التثنية ، لأن اللفظ مالك للمعنى وللبنية حق ، وذكر بعض من احتج لقول عبد الله بن عباس : أن بناء التثنية يدل على الجنس والعدد ، كبناء الإفراد وبناء الجمع يدل على الجنس ولا يدل على العدد فلا يصح أن يدخل هذا على هذا. أ هـ {المحرر الوجيز حـ 2 صـ 17}\rأسئلة وأجوبة\rالسؤال الأول : قوله : {لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِ الأنثيين} كلام مذكور لبيان حظ الذكر من الأولاد ، لا لبيان حظ الأنثيين ، فكيف يحسن إرادته بقوله : {فَإِن كُنَّ نِسَاء} وهو لبيان حظ الاناث.\rوالجواب من وجهين :","part":20,"page":238},{"id":8675,"text":"الأول : أنا بينا أن قوله : {لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِ الأنثيين} دل على أن حظ الأنثيين هو الثلثان ، فلما ذكر ما دل على حكم الأنثيين قال بعده : {فَإِن كُنَّ نِسَاء فَوْقَ اثنتين فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكَ} على معنى : فإن كن جماعة بالغات ما بلغن من العدد ، فلهن ما للثنتين وهو الثلثان ، ليعلم أن حكم الجماعة حكم الثنتين بغير تفاوت ، فثبت أن هذا العطف متناسب.\rالثاني : أنه قد تقدم ذكر الأنثيين ، فكفى هذا القول في حسن هذا العطف.\rالسؤال الثاني : هل يصح أن يكون الضميران في \"كن\" و\"كانت\" مبهمين ويكون \"نساء\" و\"واحدة\" تفسيراً لهما على أن \"كان\" تامة ؟\rالجواب : ذكر صاحب \"الكشاف\" : أنه ليس ببعيد.\rالسؤال الثالث : النساء : جمع ، وأقل الجمع ثلاثة ، فالنساء يجب أن يكن فوق اثنتين فما الفائدة في التقييد بقوله فوق اثنتين ؟\rالجواب : من يقول أقل الجمع اثنان فهذه الآية حجته ، ومن يقول : هو ثلاثة قال هذا للتأكيد ، كما في قوله : {إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِى بُطُونِهِمْ نَاراً} [ النساء : 10 ] وقوله : {لاَ تَتَّخِذُواْ إلهين اثنين إِنَّمَا هُوَ إله وَاحِدٌ} [ النحل : 51 ]. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 9 صـ 171}\rقوله تعالى {وَإِن كَانَتْ واحدة فَلَهَا النصف}\rفصل\rقال الفخر :\rقرأ نافع ( واحدة ) بالرفع ، والباقون بالنصب ، أما الرفع فعلى كان التامة ، والاختيار النصب لأن التي قبلها لها خبر منصوب وهو قوله : {فَإِن كُنَّ نِسَاء} والتقدير : فإن كان المتروكات أو الوارثات نساء فكذا ههنا ، التقدير : وإن كانت المتروكة واحدة ، وقرأ زيد بن علي : النصف ، بضم النون. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 9 صـ 172}","part":20,"page":239},{"id":8676,"text":"قال القرطبى : \rقوله تعالى : { وَإِن كَانَتْ وَاحِدَةً فَلَهَا النصف } قرأ نافع وأهل المدينة \"وَاحِدَةٌ\" بالرفع على معنى وقعت وحدثت ، فهي كان التامّة ؛ كما قال الشاعر : \rإذا كان الشتاء فأدْفِئُوني . . .\rفإن الشيخ يُهرمه الشِّتاءُ\rوالباقون بالنصب.\rقال النحاس : وهذه قراءة حسنة.\rأي وإن كانت المتروكة أو المولودة \"واحدة\" مثل { فَإِن كُنَّ نِسَآءً }.\rفإذا كان مع بنات الصلب بنات ابن ، وكان بنات الصلب اثنتين فصاعدا حجبن بنات الابن أن يرثن بالفرض ؛ لأنه لا مدخل لبنات الابن أن يرثن بالفرض في غير الثلثين.\rفإن كانت بنت الصلب واحدة فإن ابنة الابن أو بنات الابن يرثن مع بنات الصلب تكمله : الثلثين ؛ لأنه فرض يرثه البنتان فما زاد.\rوبنات الابن يقمن مقام البنات عند عدمهن.\rوكذلك أبناء البنين يقومون مقام البنين في الحجب والميراث.\rفلما عُدِم من يستحق منهنَّ السدس كان ذلك لبنت الابن وهي أولى بالسدس من الأخت الشقيقة للمتوفى.\rعلى هذا جمهور الفقهاء من الصحابة والتابعين ؛ إلا ما يروى عن أبي موسى وسليمان بن أبي ربيعة أن للبنت النصف ، والنصف الثاني للأخت ، ولا حَقَّ في ذلك لبنت الابن.\rوقد صح عن أبي موسى ما يقتضي أنه رجع عن ذلك ؛ رواه البخاري : حدّثنا آدم حدّثنا شعبة حدّثنا أبو قيس سمعت هُزيل بن شُرْحَبيل يقول ؛ سُئل أبو موسى عن ابنة وابنة ابنٍ وأخت.\rفقال : للابنة النصف ، وللأخت النصف ؛ وأتِ ابن مسعود فإنه سيتابعني.\rفسئل ابن مسعود وأخبر بقول أبي موسى فقال : لقد ضللتُ إذّا وما أنا من المهتدين! أقضي فيها بما قضى النبي صلى الله عليه وسلم : للابنة النصف ، ولابنة الابن السدس تكملة الثلثين ، وما بقي فللأخت.\rفأتينا أبا موسى فأخبرناه بقول ابن مسعود فقال : لا تسألوني ما دام هذا الحِبر فيكم.","part":20,"page":240},{"id":8677,"text":"فإن كان مع بنت الابن أو بنات الابن ابنٌ في درجتها أو أسفل منها عصبها ، فكان النصف الثاني بينهما ، للذكر مثل حظ الأنثيين بالغا ما بلغ خلافاً لابن مسعود على ما تقدّم إذا استوفى بناتُ الصلب ، أو بنتُ الصلب وبناتُ الابن الثلثين.\rوكذلك يقول في الأخت لأب وأم ، وأخوات وإخوة لأب : للأخت من الأب والأمّ النصف ، والباقي للإخوة والأخوات ، ما لم يصبهن من المقاسمة أكثر من السدس ؛ فإن أصابهنّ أكثر من السدس أعطاهنّ السدس تكملة الثلثين ، ولم يزدهنّ على ذلك. وبه قال أبو ثَوْر. أ هـ {تفسير القرطبى حـ 5 صـ 64 ـ 65}.\rفائدة\rقال القرطبى :\rإذا مات الرجل وترك زوجته حُبلَى فإن المال يُوقف حتى يتبيّن ما تضع.\rوأجمع أهل العلم على أن الرجل إذا مات وزوجته حُبلَى أن الولد الذي في بطنها يرث ويُورث إذا خرج حَياً واستهل.\rوقالوا جميعاً : إذا خرج ميتاً لم يرث ؛ فإن خرج حياً ولم يستهلّ فقالت طائفة : لا ميراث له وإن تحرك أو عَطَس ما لم يستهلّ.\rهذا قول مالك والقاسم بن محمد وابن سيرين والشَّعبي والزُّهري وقَتادة.\rوقالت طائفة : إذا عُرفت حياة المولود بتحريك أو صياح أو رضاع أو نَفَس فأحكامُه أحكامُ الحي.\rهذا قول الشافعي وسفيان الثَّوري والأوزاعي.\rقال ابن المنذر : الذي قاله الشافعي يحتمل النظر ، غير أن الخبر يمنع منه وهو قولُ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم : \" ما من مولود يُولد إلا نَخَسه الشيطان فيستهلّ صارخاً من نخْسة الشيطان إلا ابن مريم وأمَّه \" وهذا خبر ، ولا يقع على الخبر النسخ. أ هـ {تفسير القرطبى حـ 5 صـ 65}.\rقوله تعالى {وَلأِبَوَيْهِ لِكُلّ واحد مّنْهُمَا السدس مِمَّا تَرَكَ إِن كَانَ لَهُ وَلَدٌ }\rفصل\rقال القرطبى :\rقوله تعالى : { وَلأَبَوَيْهِ } أي لأبوي الميت.","part":20,"page":241},{"id":8678,"text":"وهذا كنايةٌ عن غير مذكور وجاز ذلك لدلالة الكلام عليه ؛ كقوله { حتى تَوَارَتْ بالحجاب } [ ص : 32 ] و{ إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ القدر } [ القدر : 1 ] و{ السدس } رفع بالإبتداء ، وما قبله خبره : وكذلك \"الثُّلثُ.\rوالسُّدُسُ\".\rوكذلك { نِصْفُ مَا تَرَكَ } وكذلك { فَلَكُمُ الربع }.\rوكذلك { وَلَهُنَّ الربع }.\rو { فَلَهُنَّ الثمن } وكذلك { فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا السدس }.\rوالأبوان تثنية الأب والأَبَة.\rواستغنى بلفظ الأم عن أن يقال لها أبة.\rومن العرب من يجري المختلفين مجرى المتّفقين ؛ فيغلب أحدهما على الآخر لخفته أو شهرته.\rجاء ذلك مسموعاً في أسماء صالحة ؛ كقولهم للأب والأم : أبوان.\rوللشمس والقمر : القمران.\rولِلّيل والنهار : الملَوَان.\rوكذلك العُمَران لأبي بكر وعمر رضي الله عنهما.\rغلبّوا القمر على الشمس لخفة التذكير ، وغلّبوا عُمَرَ على أبي بكر لأن أيام عمر امتدّت فاشتهرت.\rومن زعم أنه أراد بالعُمَرين عمر بن الخطاب وعمر بن عبد العزيز فليس قوله بشيء ؛ لأنهم نطقوا بالعُمَرين قبل أن يروا عمر بن عبد العزيز.\rقاله ابن الشَّجري.\rولم يدخل في قوله تعالى : { وَلأَبَوَيْهِ } من علا من الأباء دخول من سفَل من الأبناء في قوله { أَوْلاَدِكُمْ } ، لأن قوله : { وَلأَبَوَيْهِ } لفظ مثنَّى لا يحتمل العموم والجمع أيضاً ؛ بخلاف قوله { أَوْلاَدِكُمْ }.\rوالدليل على صحة هذا قوله تعالى : { فَإِن لَّمْ يَكُنْ لَّهُ وَلَدٌ وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ فَلأُمِّهِ الثلث } والأمّ العليا جَدّة ولا يفرض لها الثلث بإجماع ، فخروج الجدّة عن هذا اللفظ مقطوع به ، وتناولُه للجَدّ مختلف فيه.\r","part":20,"page":242},{"id":8679,"text":"فممّن قال هو أبٌ وحَجَب به الإخوة أبو بكر الصدّيق رضي الله عنه ولم يخالفه أحد من الصحابة في ذلك أيام حياته ، واختلفوا في ذلك بعد وفاته ؛ فَمِمّنْ قال إنه أبٌ ابنُ عباس وعبدُ الله ابن الزبير وعائشة ومعاذ بن جبل وأبيّ بن كعب وأبو الدرداء وأبو هريرة كلهم يجعلون الجَدّ عند عدم الأب كالأب سواء ، يحجبون به الإخوة كلَّهم ولا يرثون معه شيئاً.\rوقاله عطاء وطاوس والحسن وقتادة.\rوإليه ذهب أبو حنيفة وأبو ثَوْر وإسحاق.\rوالحجّة لهم قولهُ تعالى : { مِّلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ } [ الحج : 78 ] { يابني آدَمَ } [ الأعراف : 26 ] ، وقوله عليه السلام : \" يا بني إسماعيل ارموا فإن أباكم كان رامياً \" وذهب علي بن أبي طالب وزيد وابن مسعود إلى توريث الجدّ مع الإخوة ، ولا ينقص من الثلث مع الإخوة للأب والأم أو للأب إلا مع ذوي الفروض ؛ فإنه لا ينقص معهم من السدس شيئاً في قول زيد.\rوهو قول مالك والأوزاعي وأبي يوسف ومحمد والشافعي.\rوكان علي يُشرك بين الإخوة والجَدّ إلى السدس ولا ينقصه من السدس شيئاً مع ذوي الفرائض وغيرهم.\rوهو قول ابن أبي لَيلى وطائفة.\rوأجمع العلماء على أن الجَدّ لا يرث مع الأب وأن الابن يحجب أباه.\rوأنزلوا الجَدّ بمنزلة الأب في الحجب والميراث إذا لم يترك المتوفى أباً أقرب منه في جميع المواضع.\rوذهب الجمهور إلى أن الجَدّ يُسقط بني الإخوة من الميراث ؛ إلا ما رُوي عن الشَّعبي عن علي أنه أجرى بني الإخوة في المقاسمة مجرى الإخوة.\rوالحجّة لقول الجمهور أن هذا ذَكَرٌ لا يعصّب أخته فلا يقاسم الجدّ كالعمّ وابن العمّ.\r","part":20,"page":243},{"id":8680,"text":"قال الشعبي : أوّل جدّ وُرِّث في الإسلام عُمر بن الخطاب رضي الله عنه ؛ مات ابن لعاصم بن عمر وترك أخوين فأراد عمر أن يستأثر بما له فاستشار علياً وزيدا في ذلك فمَثّلا له مثلا فقال : لولا أنّ رأيكما اجتمع ما رأيت أن يكون ابني ولا أكون أباه.\rروى الدَّارَقُطْني عن زيد بن ثابت أن عمر بن الخطاب استأذن عليه يوماً فأذن له ، ورأسه في يد جارية له تُرَجِّله ، فنزع رأسه ؛ فقال له عمر : دعها ترجِّلك.\rفقال : يا أمير المؤمنين ، لو أرسلت إلي جئتُك.\rفقال عمر : إنما الحاجة لي ، إني جئتك لتنظر في أمر الجَدّ.\rفقال زيد : لا والله! ما تقول فيه.\rفقال عمر : ليس هو بِوَحيٍ حتى نزيد فيه وننقص ، إنما هو شيء تراه ، فإن رأيته وافقني تبعته ، وإلا لم يكن عليك فيه شيء.\rفأبى زيد ، فخرج مُغْضَباً وقال : قد جئتك وأنا أظن ستفرغ من حاجتي.\rثم أتاه مرّة أخرى في الساعة التي أتاه في المرّة الأولى.\rفلم يزل به حتى قال : فسأكتب لك فيه.\rفكتبه في قطعة قَتَب وضرب له مثلاً.\rإنما مثلُه مثلُ شجرة تنبت على ساق واحدة.\rفخرج فيها غصن ثم خرج في غصن غصنٌ آخر ؛ فالساق يسقي الغصن ، فإن قطعت الغصن الأوّل رجع الماء إلى الغصن ، وإن قطعت الثاني رجع الماء إلى الأوّل.\rفأتى به فخطب الناس عمرُ ثم قرأ قطعة القتب عليهم ثم قال : إن زيد بن ثابت قد قال في الجَدّ قولاً وقد أمضيته.\rقال : وكان عمر أوّلَ جدّ كان ؛ فأراد أن يأخذ المال كلَّه ، مالَ ابن ابنه دون إخوته ، فقسمه بعد ذلك عمر بن الخطاب رضي الله عنه.\rوأما الجَدّة فأجمع أهل العلم على أن للجَدّة السدس إذا لم يكن للميّت أمّ.\rوأجمعوا على أن الأمّ تحجب أمّها وأم الأب.\rوأجمعوا على أن الأب لا يحجب أمّ الأمّ.\rواختلفوا في توريث الجَدّة وابنُها حي فقالت طائفة : لا ترث الجدّة وابنها حي.\r","part":20,"page":244},{"id":8681,"text":"رُوي عن زيد بن ثابت وعثمان وعلي.\rوبه قال مالك والثَّوْري والأوزاعي وأبو ثَوْر وأصحاب الرأي.\rوقالت طائفة : ترث الجدّة مع ابنها.\rرُوي عن عمر وابن مسعود وعثمان وعلي وأبي موسى الأشعري ، وقال به شُريح وجابر بن زيد وعبيدالله بن الحسن وُشريك وأحمد وإسحاق وابن المنذر.\rوقال : كما أن الجدّ لا يحجبه إلا الأب كذلك الجدّة لا يحجبها إلا الأم.\rوروى الترمذي عن عبد الله قال في الجدّة مع ابنها : إنها أوّل جدّة أطعمها رسول الله صلى الله عليه وسلم سدسا مع ابنها وابُنها حي.\rوالله أعلم.\rواختلف العلماء في توريث الجَدّات ؛ فقال مالك : لا يرث إلا جدّتان ، أُم أُمٍّ وأم أبٍ وأمهاتهما.\rوكذلك روى أبو ثَوْر عن الشافعي ، قال به جماعة من التابعين.\rفإن انفردت إحداهما فالسّدسُ لها ، وإن اجتمعتا وقرابتُهما سواء فالسدس بينهما.\rوكذلك إن كَثُرْن إذا تساوَينْ في القُعْدُد ؛ وهذا كله مجمع عليه.\rفإن قَربُت التي مِن قَبلِ الأم كان لها السدس دون غيرها ، وإن قَرُبت التي من قِبَل الأب كان بينها وبين التي من قبل الأم وإن بعدت.\rولا ترث إلا جدّة واحدة من قبل الأم.\rولا ترث الجدّةُ أمُّ أب الأمّ على حال.\rهذا مذهب زيد بن ثابت ، وهو أثبت ما رُوي عنه في ذلك.\rوهو قول مالك وأهل المدينة.\rوقيل : إن الجَداتِ أمهاتٌ ؛ فإذا اجتمعن فالسدس لأقربهن ؛ كما أن الآباء إذا اجتمعوا كان أحقهم بالميراث أقربهم ؛ فكذلك البنون والإخوة ، وبنو الإخوة وبنو العمّ إذا اجتمعوا كان أحقهم بالميراث أقربهم ؛ فكذلك الأمهات.\rقال ابن المنذر : وهذا أصح ، وبه أقول.\rوكان الأوزاعي يورّث ثلاث جدّاتٍ : واحدةً مِن قِبَل الأمّ واثنتين من قبل الأب.\rوهو قول أحمد بن حنبل ؛ رواه الدَّراقُطني عن النبي صلى الله عليه وسلم مُرْسلاً.\r","part":20,"page":245},{"id":8682,"text":"وروي عن زيد بن ثابت عكس هذا ؛ أنه كان يورّث ثلاث جدّات : اثنتين من جهة الأم وواحدة مِن قِبل الأب.\rوقول علي رضي الله عنه كقول زيد هذا.\rوكانا يجعلان السدس لأقربهما ، من قبل الأم كانت أو من قِبل الأب.\rولا يَشْرَكُها فيه من ليس في قُعْدُدِها ؛ وبه يقول الثَّوري وأبو حنيفة وأصحابه وأبو ثوْر.\rوأما عبد الله بن مسعود وابنُ عباس فكانا يورّثان الجدّات الأربع ؛ وهو قول الحسن البصري ومحمد بن سيرين وجابر بن زيد.\rقال ابن المنذر : وكل جَدّة إذا نسبت إلى المُتَوفَّى وقع في نسبها أب بين أمّين فليست ترث ، في قول كل من يُحْفظ عنه من أهل العلم. أ هـ {تفسير القرطبى حـ 5 صـ 67 ـ 71}. بتصرف يسير.\rفصل\rقال الفخر :\rاعلم أن للأبوين ثلاثة أحوال.\rالحالة الأولى : أن يحصل معهما ولد وهو المراد من هذه الآية ، واعلم أنه لا نزاع أن اسم الولد يقع على الذكر والأنثى ، فهذه الحالة يمكن وقوعها على ثلاثة أوجه : أحدها : أن يحصل مع الأبوين ولد ذكر واحد ، أو أكثر من واحد ، فههنا الابوان لكل واحد منهما السدس.\rوثانيها : أن يحصل مع الأبوين بنتان أو أكثر ، وههنا الحكم ما ذكرناه أيضا.\rوثالثها : أن يحصل مع الأبوين بنت واحدة فههنا للبنت النصف ، وللام السدس وللأب السدس بحكم هذه الآية.\rوالسدس الباقي أيضا للأب بحكم التعصيب. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 9 صـ 172}\rأسئلة وأجوبة :\rالسؤال الأول : لا شك أن حق الوالدين على الإنسان أعظم من حق ولده عليه ، وقد بلغ حق الوالدين إلى أن قرن الله طاعته بطاعتهما فقال : {وقضى رَبُّكَ أَن لاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ إياه وبالوالدين إحسانا} وإذا كان كذلك فما السبب في أنه تعالى جعل نصيب الأولاد أكثر ونصيب الوالدين أقل ؟","part":20,"page":246},{"id":8683,"text":"والجواب عن هذا في نهاية الحسن والحكمة ، وذلك لأن الوالدين ما بقي من عمرهما إلا القليل فكان احتياجهما إلى المال قليلا ، أما الأولاد فهم في زمن الصبا فكان احتياجهم إلى المال كثيرا فظهر الفرق.\rالسؤال الثاني : الضمير في قوله : {وَلأِبَوَيْهِ} إلى ماذا يعود ؟\rالجواب : أنه ضمير عن غير مذكور ، والمراد : ولأبوي الميت.\rالسؤال الثالث : ما المراد بالأبوين ؟\rوالجواب : هما الأب والأم ، والأصل في الأم أن يقال لها أبة ، فأبوان تثنية أب وأبة.\rالسؤال الرابع : كيف تركيب هذه الآية.\rالجواب : قوله : {لِكُلّ واحد مّنْهُمَا} بدل من قوله : {لأبويه} بتكرير العامل ، وفائدة هذا البدل أنه لو قيل : ولأبويه السدس لكان ظاهره اشتراكهما فيه.\rفإن قيل : فهلا قيل لكل واحد من أبويه السدس.\rقلنا : لأن في الابدال والتفصيل بعد الاجمال تأكيداً وتشديدا ، والسدس مبتدأ وخبره : لأبويه ، والبدل متوسط بينهما للبيان. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 9 صـ 172 ـ 173}\rفصل\rقال القرطبى :\rقوله تعالى : { لِكُلِّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا السدس } فَرضَ تعالى لِكل واحد من الأبوين مع الولد السّدسَ ؛ وأبْهم الولد فكان الذكر والأُنثى فيه سواء.\rفإن مات رجل وترك ابنا وأبوين فلأَبَوَيْه لكل واحد منهما السدس ، وما بقي فللابن.\rفإن ترك ابنة وأبوين فللابنة النصف وللأبوين السدسان ، وما بَقَى فلأقرب عصبة وهو الأب ؛ لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم : \" ما أبقت الفرائض فلأوْلَى رجل ذكر \" فاجتمع للأب الاستحقاقُ بجهتين : التعصيب والفرض.\r{ فَإِن لَّمْ يَكُنْ لَّهُ وَلَدٌ وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ فَلأُمِّهِ الثلث } فأخبر جل ذِكره أن الأبوين إذا ورِثاه أن للأُم الثلث.\rودلّ بقوله { وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ } وإخباره أن للأُم الثلث ، أن الباقي وهو الثلثان للأب.","part":20,"page":247},{"id":8684,"text":"وهذا كما تقول لرجلين : هذا المال بينكما ، ثم تقول لأحدهما : أنت يا فلان لك منه ثلث ؛ فإنك حدّدت للآخر منه الثلثين بنصّ كلامك ؛ ولأن قوّة الكلام في قوله { وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ } يدل على أنهما منفردان عن جميع أهل السهام من ولد وغيره ، وليس في هذا اختلاف.\rقلت : وعلى هذا يكون الثلثان فرضاً للأب مسمًّى لا يكون عصبة ، وذكر ابن العربيّ أن المعنى في تفضيل الأب بالثلث عند عدم الولد الذكورية والنصرة ، ووجوب المؤنة عليه ، وثبتت الأُم على سهم لأجل القرابة.\rقلت : وهذا منتقَض ؛ فإن ذلك موجود مع حياته فَلِم حُرِم السدس.\rوالذي يظهر أنه إنما حُرم السدسَ في حياته إرفاقاً بالصبيّ وحِياطة على ماله ؛ إذْ قد يكون إخراج جزء من ماله إجحافاً به.\rأو أن ذلك تعبُّدٌ ، وهو أوْلى ما يقال. والله الموفق. أ هـ {تفسير القرطبى حـ 5 صـ 71}.\rقوله تعالى {فَإِن لَّمْ يَكُنْ لَّهُ وَلَدٌ وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ فَلأُِمّهِ الثلث }\rفصل\rقال الفخر :\rاعلم أن هذا هو الحالة الثانية من أحوال الأبوين ، وهو أن لا يحصل معهما أحد من الأولاد ، ولا يكون هناك وارث سواهما ، وهو المراد من قوله : {وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ} فههنا للأم الثلث ، وذلك فرض لها ، والباقي للأب ، وذلك لأن قوله : {وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ} ظاهره مشعر بأنه لا وارث له سواهما ، وإذا كان كذلك كان مجموع المال لهما ، فإذا كان نصيب الأم هو الثلث وجب أن يكون الباقي وهو الثلثان للأب ، فههنا يكون المال بينهما للذكر مثل حظ الأنثيين كما في حق الأولاد ، ويتفرع على ما ذكرنا فرعان : الأول : أن الآية السابقة دلت على أن فرض الاب هو السدس ، وفي هذه الصورة يأخذ الثلثين إلا أنه ههنا يأخذ السدس بالفريضة ، والنصف بالتعصيب.","part":20,"page":248},{"id":8685,"text":"الثاني : لما ثبت أنه يأخذ النصف بالتعصيب في هذه الصورة وجب أن يكون الأب إذا انفرد أن يأخذ كل المال ، لأن خاصية العصبة هو أن يأخذ الكل عند الانفراد ، هذا كله إذا لم يكن للميت وارث سوى الأبوين ، أما إذا ورثه أبواه مع أحد الزوجين فذهب أكثر الصحابة إلى أن الزوج يأخذ نصيبه ثم يدفع ثلث ما بقي إلى الأم ، ويدفع الباقي إلى الأب ، وقال ابن عباس : يدفع إلى الزوج نصيبه ، والى الأم الثلث ، ويدفع الباقي إلى الأب ، وقال : لا أجد في كتاب الله ثلث ما بقي ، وعن ابن سيرين أنه وافق ابن عباس في الزوجة والأبوين ، وخالفه في الزوج والأبوين ، لأنه يفضي إلى أن يكون للأنثى مثل حظ الذكرين ، وأما في الزوجة فإنه لا يفضي إلى ذلك ، وحجة الجمهور وجوه : الأول : أن قاعدة الميراث أنه متى اجتمع الرجل والمرأة من جنس واحد كان للذكر مثل حظ الأنثيين ، ألا ترى أن الابن مع البنت كذلك قال تعالى : {يُوصِيكُمُ الله فِى أولادكم لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِ الأنثيين} وأيضا الأخ مع الأخت كذلك قال تعالى : {وَإِن كَانُواْ إِخْوَةً رّجَالاً وَنِسَاء فَلِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظّ الأنثيين} [ النساء : 176 ] وأيضا الأم مع الأب كذلك ، لأنا بينا أنه إذا كان لا وارث غيرهما فللأم الثلث ، وللأب الثلثان ، إذا ثبت هذا فنقول : إذا أخذ الزوج نصيبه وجب أن يبقى الباقي بين الأبوين أثلاثا ، للذكر مثل حظ الأنثيين.\r","part":20,"page":249},{"id":8686,"text":"الثاني : أن الأبوين يشبهان شريكين بينهما مال ، فإذا صار شيء منه مستحقا بقي الباقي بينهما على قدر الاستحقاق الأول ، الثالث : أن الزوج إنما أخذ سهمه بحكم عقد النكاح لا بحكم القرابة ، فأشبه الوصية في قسمة الباقي ، الرابع : أن المرأة إذا خلفت زوجا وأبوين فللزوج النصف ، فلو دفعنا الثلث إلى الأم والسدس إلى الأب لزم أن يكون للأنثى مثل حظ الذكرين ، وهذا خلاف قوله : {لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِ الأنثيين }.\rواعلم أن الوجوه الثلاثة الأول : يرجع حاصلها إلى تخصيص عموم القرآن بالقياس.\rوأما الوجه الرابع : فهو تخصيص لأحد العمومين بالعموم الثاني. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 9 صـ 173}\rسؤال : إن قيل : ما فائدة زيادة الواو في قوله : \"وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ\" ، وكان ظاهر الكلام أن يقول : فإن لم يكن له ولد ورثه أبواه ؟.\rقيل له : أراد بزيادتها الإخبارَ ليبيّن أنه أمر مستقِرّ ثابت ، فيخبر عن ثبوته واستقراره ، فيكون حال الوالدين عند انفرادهما كحال الولدين ، للذَّكَر مثل حظّ الأُنثيين.\rويجتمع للأب بذلك فرضان السهم والتعصِيب إذ يحجب الإخوة كالولد.\rوهذا عدل في الحُكْم ، ظاهر في الحكمة. والله أعلم. أ هـ {تفسير القرطبى حـ 5 صـ 72}.\rقوله تعالى {فَإِن كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلأُِمِهِ السدس }\rفصل\rقال الفخر :\rاتفقوا على أن الأخت الواحدة لا تحجب الأم من الثلث إلى السدس ، واتفقوا على أن الثلاثة يحجبون ، واختلفوا في الأختين ، فالأكثرون من الصحابة على القول بإثبات الحجب كما في الثلاثة ، وقال ابن عباس : لا يحجبان كما في حق الواحدة ، حجة ابن عباس أن الآية دالة على أن هذا الحجب مشروط بوجود الاخوة ، ولفظ الاخوة جمع وأقل الجمع ثلاثة على ما ثبت في أصول الفقه ، فإذا لم توجد الثلاثة لم يحصل شرط الحجب ، فوجب أن لا يحصل الحجب.","part":20,"page":250},{"id":8687,"text":"روي أن ابن عباس قال لعثمان : بم صار الأخوان يردان الأم من الثلث إلى السدس ؟ وإنما قال الله تعالى : {فَإِن كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ} والأخوان في لسان قومك ليسا باخوة ؟ فقال عثمان : لا أستطيع أن أرد قضاء قضى به من قبلي ومضى في الأمصار.\rواعلم أن في هذه الحكاية دلالة على أن أقل الجمع ثلاثة لأن ابن عباس ذكر ذلك مع عثمان ، وعثمان ما أنكره ، وهما كانا من صميم العرب ، ومن علماء اللسان ، فكان اتفاقهما حجة في ذلك.\rواعلم أن للعلماء في أقل الجمع قولين : \rالأول : أن أقل الجمع اثنان وهو قول القاضي أبي بكر الباقلاني رحمة الله عليه ، واحتجوا فيه بوجوه : \r","part":20,"page":251},{"id":8688,"text":"أحدها : قوله تعالى : {فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا} [ التحريم : 4 ] ولا يكون للإنسان الواحد أكثر من قلب واحد ، وثانيها : قوله تعالى : {فَإِن كُنَّ نِسَاء فَوْقَ اثنتين} والتقييد بقوله : فوق اثنتين إنما يحسن لو كان لفظ النساء صالحاً للثنتين ، وثالثها : قوله : \" الاثنان فما فوقهما جماعة \" والقائلون بهذا المذهب زعموا أن ظاهر الكتاب يوجب الحجب بالأخوين ، إلا أن الذي نصرناه في أصول الفقه أن أقل الجمع ثلاثة ، وعلى هذا التقدير فظاهر الكتاب لا يوجب الحجب بالأخوين ، وإنما الموجب لذلك هو القياس ، وتقريره أن نقول : الأختان يوجبان الحجب ، وإذا كان كذلك فالأخوان وجب أن يحجبا أيضا ، إنما قلنا إن الأختين يحجبان ، وذلك لأنا رأينا أن الله تعالى نزل الاثنين من النساء منزلة الثلاثة في باب الميراث ، ألا ترى أن نصيب البنتين ونصيب الثلاثة هو الثلثان ، وأيضا نصيب الأختين من الأم ونصيب الثلاثة هو الثلث ، فهذا الاستقراء يوجب أن يحصل الحجب بالأختين ، كما أنه حصل بالأخوات الثلاثة ، فثبت أن الأختين يحجبان ، وإذا ثبت ذلك في الأختين لزم ثبوته في الأخوين ، لأنه لا قائل بالفرق ، فهذا أحسن ما يمكن أن يقال في هذا الموضع ، وفيه إشكال لأن إجراء القياس في التقديرات صعب لأنه غير معقول المعنى ، فيكون ذلك مجرد تشبيه من غير جامع ، ويمكن أن يقال : لا يتمسك به على طريقة القياس ، بل على طريقة الاستقراء لأن الكثرة أمارة العموم ، إلا أن هذا الطريق في غاية الضعف والله أعلم ، واعلم أنه تأكد هذا باجماع التابعين على سقوط مذهب ابن عباس ، والأصح في أصول الفقه أن الإجماع الحاصل عقيب الخلاف حجة ، والله أعلم. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 9 صـ 174 ـ 175}\rوقال القرطبى :","part":20,"page":252},{"id":8689,"text":"قوله تعالى : { فَإِن كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلأُمِّهِ السدس } الإخوة يحجبون الأُمّ عن الثلث إلى السدس ، وهذا هو حجب النقصان ، وسواء كان الإخوة أشقّاء أو للأب أو للأُمّ ، ولا سهم لهم.\rورُوي عن ابن عباس أنه كان يقول : السّدس الذي حجب الأُخوةُ الأُمّ عنه هو للإخوة.\rورُوي عنه مثلُ قولِ الناس إنه للأب.\rقال قتَادة : وإنما أخذه الأب دونهم ؛ لأنه يُمونهم وَيلي نكاحهم والنفقةَ عليهم.\rوأجمع أهل العلم على أن أخوين فصاعداً ذُكراناً كانوا أو إناثاً من أب وأُم ، أو من أب أو من أُم يحجبُون الأُم عن الثلث إلى السدس ؛ إلا ما رُوي عن ابن عباس أن الاثنين من الإخوة في حكم الواحد ، ولا يحجبُ الأُمّ أقلُّ من ثلاث.\rوقد صار بعض الناس إلى أن الأخوات لا يحجبن الأُمّ من الثلث إلى السدس ؛ لأن كتاب الله في الإخوة وليست قوّة ميراثِ الإناث مثلَ قوّة ميراث الذكور حتى تقتضي العبرةُ الإلحاق.\rقال الكِيَا الطبريّ : ومقتضى أقوالهم ألاّ يَدخلن مع الإخوة ؛ فإن لفظ الإخوة بمطلقه لا يتناول الأخوات ، كما أن لفظ البنين لا يتناول البنات.\rوذلك يقتضي ألاّ تُحجب الأُم بالأخ الواحد والأُخت من الثلث إلى السدس ؛ وهو خلاف إجماع المسلمين.\rوإذا كنّ مراداتٍ بالآية مع الإخوة كنّ مرادات على الانفراد. أ هـ {تفسير القرطبى حـ 5 صـ 72 ـ 73}.","part":20,"page":253},{"id":8690,"text":"فصل\rقال الفخر :\rالإخوة إذا حجبوا الأم من الثلث إلى السدس فهم لا يرثون شيئا ألبتة ، بل يأخذ الأب كل الباقي وهو خمسة أسداس ، سدس بالفرض ، والباقي بالتعصيب ، وقال ابن عباس : الاخوة يأخذون السدس الذي حجبوا الأم عنه ، وما بقي فللأب ، وحجته أن الاستقراء دل على أن من لا يرث لا يحجب ، فهؤلاء الاخوة لما حجبوا وجب أن يرثوا ، وحجة الجمهور أن عند عدم الاخوة كان المال ملكا للأبوين ، وعند وجود الاخوة لم يذكرهم الله تعالى إلا بأنهم يحجبون الأم من الثلث إلى السدس ، ولا يلزم من كونه حاجبا كونه وارثا ، فوجب أن يبقى المال بعد حصول هذا الحجب على ملك الأبوين ، كما كان قبل ذلك ، والله أعلم. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 9 صـ 175}\rقوله تعالى {مِن بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِى بِهَا }\rفصل\rقال الفخر :\rإنه تعالى لما ذكر أنصباء الأولاد والوالدين ، قال : {مِن بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِى بِهَا أَوْ دَيْنٍ} أي هذه الأنصباء إنما تدفع إلى هؤلاء إذا فضل عن الوصية والدين ، وذلك لأن أول ما يخرج من التركة الدين ، حتى لو استغرق الدين كل مال الميت لم يكن للورثة فيه حق ، فأما إذا لم يكن دين ، أو كان إلا أنه قضى وفضل بعده شيء ، فإن أوصى الميت بوصية أخرجت الوصية من ثلث ما فضل ، ثم قسم الباقي ميراثاً على فرائض الله. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 9 صـ 175}\rفصل\rقال الفخر :\rروي عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه أنه قال : إنكم لتقرؤن الوصية قبل الدين ، وإن الرسول صلى الله عليه وسلم قضى بالدين قبل الوصية.\rواعلم أن مراده رضي الله تعالى عنه التقديم في الذكر واللفظ ، وليس مراده أن الآية تقتضي تقديم الوصية على الدين في الحكم لأن كلمة \"أو\" لا تفيد الترتيب ألبتة.","part":20,"page":254},{"id":8691,"text":"واعلم أن الحكمة في تقديم الوصية على الدين في اللفظ من وجهين : الأول : أن الوصية مال يؤخذ بغير عوض فكان إخراجها شاقا على الورثة ، فكان أداؤها مظنة للتفريط بخلاف الدين ، فإن نفوس الورثة مطمئنة إلى أدائه ، فلهذا السبب قدم الله ذكر الوصية على ذكر الدين في اللفظ بعثا على أدائها وترغيبا في اخراجها ، ثم أكد في ذلك الترغيب بادخال كلمة \"أو\" على الوصية والدين ، تنبيها على أنهما في وجوب الإخراج على السوية.\rالثاني : أن سهام المواريث كما أنها تؤخر عن الدين فكذا تؤخر عن الوصية ، ألا ترى أنه إذا أوصى بثلث ماله كان سهام الورثة معتبرة بعد تسليم الثلث إلى الموصى له ، فجمع الله بين ذكر الدين وذكر الوصية ، ليعلمنا أن سهام الميراث معتبرة بعد الوصية كما هي معتبرة بعد الدين ، بل فرق بين الدين وبين الوصية من جهة أخرى ، وهي أنه لو هلك من المال شيء دخل النقصان في أنصباء أصحاب الوصايا وفي أنصباء أصحاب الارث ، وليس كذلك الدين ، فإنه لو هلك من المال شيء استوفى الدين كله من الباقي ، وإن استغرقه بطل حق الموصى له وحق الورثة جميعا ، فالوصية تشبه الإرث من وجه ، والدين من وجه آخر ، أما مشابهتها بالارث فما ذكرنا أنه متى هلك من المال شيء دخل النقصان في أنصباء أصحاب الوصية والارث ، وأما مشابهتها بالدين فلأن سهام أهل المواريث معتبرة بعد الوصية كما أنها معتبرة بعد الدين والله أعلم. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 9 صـ 175 ـ 176}\rوقال القرطبى : \rإن قيل : ما الحكمة في تقديم ذكر الوصيّة على ذكر الدَّين ، والدَّين مُقدَّم عليها بإجماع.\rوقد روى الترمذيّ عن الحارث عن عليّ : أن النبي صلى الله عليه وسلم قضى بالدَّين قبل الوصية ، وأنتم تقرُّون الوصيّة قبل الدّين.\rقال : والعمل على هذا عند عامة أهل العلم أنه يُبدأ بالدّين قبل الوصية.\r","part":20,"page":255},{"id":8692,"text":"وروى الدّارَقُطْنِيّ من حديث عاصم بن ضمرة عن عليّ قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : \" الدَّين قبل الوصيّة وليس لوارث وصيّة \" رواه عنهما أبو إسحاق الهَمْدانيّ.\rفالجواب من أوجهٍ خمسة : الأوّل إنما قصد تقديم هذين الفصلين على الميراث ولم يقصد ترتيبهما في أنفسهما ؛ فلذلك تقدّمت الوصية في اللفظ.\rجواب ثان لما كانت الوصية أقلَّ لزوماً من الدَّين قدّمها اهتماماً بها ؛ كما قال تعالى : { لاَ يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلاَ كَبِيرَةً } [ الكهف : 49 ].\rجواب ثالث قدّمها لكثرة وجودها ووقوعها ؛ فصارت كاللازم لكل ميّت مع نصّ الشرع عليها ، وأخّر الدّين لشذوذه ، فإنه قد يكون وقد لا يكون.\rفبدأ بذكر الذي لا بُدّ منه ، وعطف بالذي قد يقع أحياناً.\rويقوِّي هذا : العطف بأو ، ولو كان الدَّين راتباً لكان العطف بالواو.\rجواب رابع إنما قدّمت الوصية إذْ هي حظّ مساكين وضعفاء ، وأُخّر الدَّين إذ هو حظُّ غريم يطلبه بقوّةٍ وسلطان وله فيه مقال.\rجواب خامس لما كانت الوصية ينشئها مِن قِبَل نفسه قدّمها ، والدَّين ثابت مؤدًّى ذكره أو لم يذكره.\rولمّا ثبت هذا تعلّق الشافعيّ بذلك في تقديم دَيْن الزكاة والحج على الميراث فقال : إن الرجل إذا فرّط في زكاته وجب أخذُ ذلك من رأس ماله.\rوهذا ظاهر ببادىء الرأي ؛ لأنه حقٌّ من الحقوق فيلزم أداؤه عنه بعد الموت كحقوق الآدميين لا سيما والزكاة مصرفها إلى الآدميّ.\rوقال أبو حنيفة ومالك : إن أوصى بها أدّيت من ثلثه ، وإن سكت عنها لم يُخرَج عنه شيء.\rقالوا : لأن ذلك موجِب لترك الورثة فقراء ؛ إلا أنه قد يتعمد ترك الكل حتى إذا مات استغرق ذلك جميعَ ماله فلا يبقى للورثة حق. أ هـ {تفسير القرطبى حـ 5 صـ 73 ـ 74}. بتصرف يسير.\r","part":20,"page":256},{"id":8693,"text":"سؤال : لقائل أن يقول : ما معنى \"أو\" ههنا وهلا قيل : من بعد وصية يوصى بها ودين ؟\rوالجواب من وجهين :\rالأول : أن \"أو\" معناها الاباحة كما لو قال قائل : جالس الحسن أو ابن سيرين والمعنى أن كل واحد منهما أهل أن يجالس ، فإن جالست الحسن فأنت مصيب ، أو ابن سيرين فأنت مصيب ، وإن جمعتهما فأنت مصيب ، أما لو قال : جالس الرجلين فجالست واحدا منهما وتركت الآخر كنت غير موافق للأمر ، فكذا ههنا لو قال : من بعد وصية ودين وجب في كل مال أن يحصل فيه الأمران ، ومعلوم أنه ليس كذلك ، أما إذا ذكره بلفظ \"أو\" كان المعنى أن أحدهما إن كان فالميراث بعده ، وكذلك إن كان كلاهما.\rالثاني : أن كلمة \"أو\" إذا دخلت على النفي صارت في معنى الواو كقوله : {وَلاَ تُطِعْ مِنْهُمْ ءاثِماً أَوْ كَفُوراً} [ الإنسان : 24 ] وقوله : {حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُمَا إِلاَّ مَا حَمَلَتْ ظُهُورُهُمَا أَوِ الحوايا أَوْ مَا اختلط بِعَظْمٍ} [ الأنعام : 146 ] فكانت \"أو\" ههنا بمعنى الواو ، فكذا قوله تعالى : {مِن بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِى بِهَا أَوْ دَيْنٍ} لما كان في معنى الاستثناء صار كأنه قال إلا أن يكون هناك وصية أو دين فيكون المراد بعدهما جميعا. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 9 صـ 176}\rفائدة\rقال ابن عاشور :\rوجيء بقوله : { من بعد وصية يوصي بها أو دين } بعد ذكر صنفين من الفرائض : فرائض الأبناء ، وفرائض الأبوين ، لأنّ هذين الصنفين كصنف واحد إذ كان سببهما عمود النسب المباشر.\rوالمقصد هنا التنبيه على أهمّية الوصيَّة وتقدّمها.\rوإنَّما ذكر الدين بعدها تتميماً لما يتعيّن تقديمه على الميراث مع علم السامعين أنّ الدين يتقدّم على الوصيّة أيضاً لأنّه حقّ سابق في مال الميّت ، لأنّ المدين لا يملك من ماله إلاّ ما هو فاضل عن دين دائنه.","part":20,"page":257},{"id":8694,"text":"فموقع عطف { أو دين } موقع الاحتراس ، ولأجل هذا الاهتمام كرّر الله هذا القيد أربع مرات في هذه الآيات.\rووصف الوصية بجملة { يوصي بها } لئلا يُتوهّم أنّ المراد الوصيّة التي كانت مفروضة قبل شرع الفرائض ، وهي التي في قوله : { كتب عليكم إذا حضر أحدكم الموت إن ترك خيراً الوصية للوالدين والأقربين } [ البقرة : 180 ]. أ هـ {التحرير والتنوير حـ 4 صـ 49}\rلطيفة\rقال أبو السعود :\rوإيثارُ { أَوْ } المفيدةِ للإباحة على الواو للدِلالة على تساويهما في الوجوب وتقدُّمِهما على القِسْمة مجموعَيْن أو منفردَيْن ، وتقديمُ الوصيةِ على الديْن ذكراً مع تأخّرها عنه حُكماً لإظهار كمالِ العنايةِ بتنفيذها لكونها مظِنةً للتفريط في أدائها ولاطّرادها بخلاف الدَّين. أ هـ {تفسير أبى السعود حـ 2 صـ 150}","part":20,"page":258},{"id":8695,"text":"قوله تعالى {ءاباؤكم وَأَبناؤُكُمْ لاَ تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعاً فَرِيضَةً مّنَ الله إِنَّ الله كَانَ عَلِيماً حَكِيماً }\rفصل\rقال الفخر :\rاعلم أن هذا كلام معترض بين ذكر الوارثين وأنصبائهم\rوبين قوله : {فَرِيضَةً مّنَ الله} ومن حق الاعتراض أن يكون ما اعترض مؤكدا ما اعترض بينه ومناسبه ، فنقول : إنه تعالى لما ذكر أنصباء الأولاد وأنصباء الأبوين ، وكانت تلك الأنصباء مختلفة والعقول لا تهتدي إلى كمية تلك التقديرات ، والإنسان ربما خطر بباله أن القسمة لو وقعت على غير هذا الوجه كانت أنفع له وأصلح ، لا سيما وقد كانت قسمة العرب للمواريث على هذا الوجه ، وانهم كانوا يورثون الرجال الأقوياء ، وما كانوا يورثون الصبيان والنسوان والضعفاء ، فالله تعالى أزال هذه الشبهة بأن قال : إنكم تعلمون أن عقولكم لا تحيط بمصالحكم ، فربما اعتقدتم في شيء أنه صالح لكم وهو عين المضرة وربما اعتقدتم فيه أنه عين المضرة ويكون عين المصلحة ، وأما الاله الحكيم الرحيم فهو العالم بمغيبات الأمور وعواقبها ، فكأنه قيل : أيها الناس اتركوا تقدير المواريث بالمقادير التي تستحسنها عقولكم ، وكونوا مطيعين لأمر الله في هذه التقديرات التي قدرها لكم ، فقوله : {وَأَبناؤُكُمْ لاَ تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعاً} إشارة إلى ترك ما يميل إليه الطبع من قسمة المواريث على الورثة ، وقوله : {فَرِيضَةً مّنَ الله} إشارة إلى وجوب الانقياد لهذه القسمة التي قدرها الشرع وقضى بها ، وذكروا في المراد من قوله : {أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعاً} وجوها : الأول : المراد أقرب لكم نفعا في الآخرة ، قال ابن عباس : إن الله ليشفع بعضهم في بعض ، فأطوعكم لله عز وجل من الأبناء والآباء أرفعكم درجة في الجنة ، وإن كان الوالد أرفع درجة في الجنة من ولده رفع الله إليه ولده بمسألته ليقر بذلك عينه ، وإن كان الولد أرفع درجة من والديه رفع الله إليه والديه ، فقال : {لاَ تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ","part":20,"page":259},{"id":8696,"text":"لَكُمْ نَفْعاً} لأن أحدهما لا يعرف أن انتفاعه في الجنة بهذا أكثر أم بذلك.\rالثاني : المراد كيفية انتفاع بعضهم ببعض في الدنيا من جهة ما أوجب من الإنفاق عليه والتربية له والذب عنه والثالث : المراد جواز أن يموت هذا قبل ذلك فيرثه وبالضد.\rقوله تعالى : {فَرِيضَةً مّنَ الله} هو منصوب نصب المصدر المؤكد أي فرض ذلك فرضا إن الله كان عليما حكيما ، والمعنى أن قسمة الله لهذه المواريث أولى من القسمة التي تميل إليها طباعكم ، لأنه تعالى عالم بجميع المعلومات ، فيكون عالما بما في قسمة المواريث من المصالح والمفاسد ، وأنه حكيم لا يأمر إلا بما هو الأصلح الأحسن ، ومتى كان الأمر كذلك كانت قسمته لهذه المواريث أولى من القسمة التي تريدونها ، وهذا نظير قوله للملائكة : {إِنّي أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ} [ البقرة : 30 ]. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 9 صـ 176 ـ 177}\rوقال الخازن : \rقوله تعالى : { آباؤكم وأبناؤكم لا تدرون أيهم أقرب لكم نفعاً } قيل هذا كلام معترض بين ذكر الوارثين وأنصبائهم وبين قوله فريضة من الله ولا تعلق لمعناه بمعنى الآية ومعنى هذا الكلام في قول ابن عباس : إن الله عز وجل يشفع المؤمنين بعضهم في بعض فأطوعكم لله من الآباء والأبناء أرفعكم درجة ، فإن كان الوالد أرفع درجة من ولده رفع الله درجة ولده إليه وإن كان الولد أرفع درجة من والديه رفع الله إليه لتقر بذلك أعينهم فقال تعالى : { لا تدرون أيهم أقرب لكم نفعاً } لأن أحدهما لا يعرف منفعة صاحبه له في الجنة وسبقه إلى منزلة عالية تكون سبباً لرفعته إليها ، وقيل إن هذا الكلام ليس معترضاً بينهما ومعناه متعلق بمعنى الآية يقول آباؤكم وأبناؤكم يعني الذين يرثونكم أيهم أقرب لكم نفعاً أي لا تعلمون أيهم أنفع لكم في الدين والدنيا.","part":20,"page":260},{"id":8697,"text":"فمنكم من يظن أن الأب أنفع له فيكون الابن أنفع له ومنكم من يظن أن الابن أنفع له فيكون الأب أنفع له ولكن الله هو الذي دبر أمركم على ما فيه المصلحة لكم فاتبعوه ولو وكل ذلك إليكم لم تعلموا أيهم أنفع لكم فتعطون من لا يستحق ما لا يستحق من الميراث وتمنعون منم يستحق الميراث. أ هـ {تفسير الخازن حـ 1 صـ 326}\rوقال ابن عاشور : \rختم هذه الفرائض المتعلّقة بالأولاد والوالدين ، وهي أصول الفرائض بقوله : { آباؤكم وأبناؤكم } الآية ، فهما إمّا مسند إليهما قُدّما للاهتمام ، وليتمكّن الخبر في ذهن السامع إذ يُلقي سمعه عند ذكر المسند إليهما بشراشره ، وإمّا أن تجعلهما خبرين عن مبتدأ محذوف هو المسند إليه ، على طريقة الحذف المعبّر عنه عند علماء المعاني بمتابعة الاستعمال ، وذلك عندما يتقدّم حديث عن شيء ثم يراد جمع الخبر عنه كقول الشاعر : \rفتى غير محجوب الغنى عن صديقه...\rولا مظهر الشكوى إذا النعل وزلّت\rبعد قوله : \rسأشكر عمرا إن تدانت منيّتي...\rأيادي لم تُمنن وإن هي جلَّت\rأي : المذكورون آباؤكم وأبناؤكم لا شكّ في ذلكّ.\rثم قال : { لا تدرون أيهم أقرب لكم نفعاً } فهو إما مبتدأ وإما حال ، بمعنى أنهم غير مستوين في نفعكم متفاوتون تفاوتاً يتبع تفاوت الشفقة الجبلية في الناس ويتبع البرور ومقدار تفاوت الحاجات.","part":20,"page":261},{"id":8698,"text":"فربّ رجل لم تعرض له حاجة إلى أن ينفعه أبواه وأبناؤه ، وربما عرضت حاجات كثيرة في الحالين ، وربما لم تعرض فهم متفاوتون من هذا الأعتبار الذي كان يعتمده أهل الجاهلية في قسمة أموالهم ، فاعتمدوا أحوالاً غير منضبطه ولا موثوقاً بها ، ولذلك قال تعالى : { لا تدرون أيهم أقرب لكم نفعاً } فشرع الإسلام ناط الفرائض بما لا يقبل التفاوت وهي الأبوة والبنوة ، ففرض الفريضة لهم نظراً لصلتهم الموجبة كونهم أحقّ بمال الأبناء أو الآباء. أ هـ {التحرير والتنوير حـ 4 صـ 49 ـ 50}\rوقال الآلوسى : \rوالآباء والأبناء عبارة عن الورثة الأصول والفروع ، فيشمل البنات والأمهات والأجداد والجدات ، أي","part":20,"page":262},{"id":8699,"text":"أصولكم وفروعكم الذين يموتون قبلكم لا تعلمون من أنفع لكم منهم أمن أوصى ببعض ماله فعرضكم لثواب الآخرة بإمضاء وصيته ، أم من لم يوص فوفر عليكم عرض الدنيا ، وليس المراد كما قال شيخ الإسلام بنفي الدراية عنهم بيان اشتباه الأمر عليهم ، وكون أنفعية كل من الأول والثاني في حيز الاحتمال عندهم من غير رجحان لأحدهما على الآخر فإن ذلك بمعزل من إفادة التأكيد المذكور ، والترغيب في تنفيذ الوصية بل تحقيق أنفعية الأول في ضمن التعريض بأن لهم اعتقاداً بأنفعية الثاني مبنياً على عدم الدراية ، وقد أشير إلى ذلك حيث عبر عن الأنفعية بأقربية النفع تذكيراً لمناط زعمهم وتعييناً لمنشأ خطئهم ومبالغة في الترغيب المذكور بتصوير الصواب الآجل بصورة العاجل لما أن الطباع مجبولة على حب الخير الحاضر كأنه قيل : لا تدرون أيهم أنفع لكم فتحكمون نظراً إلى ظاهر الحال وقرب المنال بأنفعية الثاني مع أن الأمر بخلافه فإن ما يترتب على الأول الثواب الدائم في الآخرة ، وما يترتب على الثاني العرض الفاني في الحياة الدنيا ، والأول لبقائه هو الأقرب الأدنى ، والثاني لفنائه هو الأبعد الأقصى ، واختار كثير من المحققين كون الجملة اعتراضاً مؤكداً لأمر القسمة ، وجعل الخطاب للمورثين ، وتوجيه ذلك أنه تعالى بين أنصباء الأولاد والأبوين فيما قبل ؛ وكانت الأنصباء مختلفة ، والعقول لا تهتدي إلى كمية ذلك.","part":20,"page":263},{"id":8700,"text":"فربما يخطر للإنسان أن القسمة لو وقعت على غير هذا الوجه كانت أنفع وأصلح كما تعارفه أهل الجاهلية حيث كانوا يورثون الرجال الأقوياء ولا يورثون الصبيان والنسوان الضعفاء فأنكر الله تعالى عليهم ما عسى أن يخطر ببالهم من هذا القبيل ، وأشار إلى قصور أذهانهم فكأنه قال : إن عقولكم لا تحيط بمصالحكم فلا تعلمون من أنفع لكم ممن يرثكم من أصولكم وفروعكم في عاجلكم وآجلكم فاتركوا تقدير المواريث بالمقادير التي تستحسنونها بعقولكم ولا تعمدوا إلى تفضيل بعض وحرمانه ، وكونوا مطيعين لأمر الله تعالى في هذه التقديرات التي قدرها سبحانه فإنه العالم بمغيبات الأمور وعواقبها ، ووجه الحكمة فيما قدره ودبره وهو العليم الحكيم ، والنفع على هذا أعم من الدنيوي والأخروي وانتفاع بعضهم ببعض في الدنيا يكون بالإنفاق عليه والتربية له والذب عنه مثلاً ، وانتفاعهم في الآخرة يكون بالشفاعة ، فقد أخرج الطبراني وابن مردويه عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أنه صلى الله عليه وسلم قال : إذا دخل الرجل الجنة سأل عن أبويه وزوجته وولده فيقال : إنهم لم يبلغوا درجتك فيقول : يا رب قد عملت لي ولهم فيؤمر بإلحاقهم به ، وإلى هذا ذهب الحسن رحمه الله تعالى ، وخص مجاهد النفع بالدنيوي وخصه بعضهم بالأخروي.","part":20,"page":264},{"id":8701,"text":"وذكر أن المعنى لا تدرون أي الآباء من الوالدين والوالدات وأي الأبناء من البنين والبنات أقرب لكم نفعاً لترفعوا إليهم في الدرجة في الآخرة ، وإذا لم تدروا فادفعوا ما فرض الله تعالى وقسم ولا تقولوا : لماذا أخر الأب عن الإبن ولأي شيء حاز الجميع دون الأم والبنت ، واعترض بأن ذلك غير معلل بالنفع حتى يتم ما ذكر وأنه يدل على أن من قدم في الورثة ، أو ضوعف نصيبه أنفع ولا كذلك ، والجواب بأنه أريد أن المنافع لما كانت محجوبة عن درايتكم فاعتقدوا فيه نفعاً لا تصل إليه عقولكم بعيد لعدم فهمه من السياق ، ويرد نحو هذا على ما اختار الكثير ، وربما يقال : المعنى أنكم لا تدرون أي الأصول والفروع أقرب لكم نفعاً فضلاً عن النفع فكيف تحكمون بالقسمة حسب المنفعة وهي محجوبة عن درايتكم بالمرة ، والكلام مسوق لردّ ما كان في الجاهلية فإن أهل الجاهلية كانوا كما قال السدي لا يورثون الجواري ولا الضعفاء من الغلمان ولا يرث الرجل من ولده إلا من أطاق القتال ، وعن ابن عباس أنهم كانوا يعطون الميراث الأكبر فالأكبر ، وهذا مشعر بأن مدار الإرث عندهم الأنفعية مع العلاقة النسبية فرد الله تعالى عليهم بأن الأنفعية لا تدرونها فكيف تعتبرونها والغرض من ذلك الإلزام لا بيان أن الأنفعية معتبرة في نفس الأمر إلا أنهم لا يدرونها ، ولعله على هذا لا يرد ما تقدم من الاعتراض فتدبر ، وقيل : إن المراد من الآية إنكم لا تدرون أي الوارثين والمورثين أسرع موتاً فيرثه صاحبه فلا تتمنوا موت الموروث ولا تستعجلوه ، ونسب إلى أبي مسلم ، ولا يخفى مزيد بعده. أ هـ {روح المعانى حـ 4 صـ 227 ـ 228}\rفصل\rقال القرطبى :\rقوله تعالى : { لاَ تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعاً } قيل : في الدنيا بالدعاء والصدقة ؛ كما جاء في الأثر : إن الرجل ليُرفع بدعاء ولده من بعده.","part":20,"page":265},{"id":8702,"text":"وفي الحديث الصحيح : \" إذا مات الرجل انقطع عمله إلا من ثلاث فذكر أو ولد صالح يدعو له \" وقيل : في الآخرة ؛ فقد يكون الابن أفضلَ فيشفع في أبيه ؛ عن ابن عباس والحسن.\rوقال بعض المفسرين : إن الابن إذا كان أرفَع من درجة أبيه في الآخرة سأل الله فَرفع إليه أباه ، وكذلك الأب إذا كان أرفعَ من ابنه ؛ وسيأتي في \"الطور\" بيانه.\rوقيل : في الدنيا والآخرة ؛ قاله ابن زيد.\rواللفظ يقتضي ذلك. أ هـ {تفسير القرطبى حـ 5 صـ 74 ـ 75}.\rقوله تعالى {إن الله كان عيما حكيما }\rقال أبو حيان : \r{ إن الله كان عليماً } حكماً أي عليم بما يصلح لخلقه ، حكيم فيما فرض.\rقال ابن عطية : وهذا تعريض للحكمة في ذلك ، وتأنيس للعرب الذين كانوا يورّثون على غير هذه الصفة.\rوقيل : تضمنت هذه الجملة النهي عن تمني موت الموروث.\rوقيل : المعنى في أقرب لكم نفعاً الأب بالحفظ والتربية ، أو الأولاد بالطاعة والخدمة والشفقة.\rوقريب من هذا قول أبي يعلى ، قال : معناه أن الآباء والأبناء يتفاوتون في النفع ، حتى لا يدري أيهم أقرب نفعاً ، لأن الأولاد ينتفعون في صغرهم بالآباء ، والآباء ينتفعون في كبرهم بالابناء.\rوقال الزمخشري معلقاً هذه الجملة : بالوصية ، وأنها جاءت ترغيباً فيها وتأكيداً.\rقال : لا تدرون من أنفع لكم من آبائكم وأبنائكم الذين يموتون ، أمن أوصى منهم أم من لم يوص يعني : أن من أوصى ببعض ماله فعرضكم لثواب الآخرة بإمضاء وصيته ، فهو أقرب لكم نفعاً ، وأحضر جدوى ممن ترك الوصية فوفر عليكم عرض الدنيا ، وجعل ثواب الآخرة أقرب وأحضر من عرض الدنيا ذهاباً إلى حقيقة الأمر ، لأن عرض الدنيا وإن كان عاجلاً قريباً في الصورة إلا أنه فانٍ ، فهو في الحقيقة الأبعد الأقصى ، وثواب الآخرة وإن كان آجلاً إلا أنه باقٍ فهو في الحقيقة الأقرب الأدنى انتهى كلامه.\r","part":20,"page":266},{"id":8703,"text":"وهو خطابه.\rوالوصية في الآية لم يأتِ ذكرها لمشروعيتها وأحكامها في نفسها ، وإنما جاء ذكرها ليبين أنّ القسمة تكون بعد إخراجها وإخراج الدين ، فليست مما يحدث عنها ، وتفسر هذه الجملة بها.\rولكنه لما اختلف حكم الابن والأب في الميراث ، فكان حكم الابن إذا مات الأب عنه وعن أنثى ، أن يرث مثل حظ الأنثيين ، وكان حكم الأبوين إذا مات الابن عنهما وعن ولد أن يرث كل منهما السدس ، وكان يتبادر إلى الذهن أن يكون نصيب الوالد أوفر من نصيب الابن ، إذ ذاك لما له على الولد من الإحسان والتربية من نشئه إلى اكتسابه المال إلى موته ، مع ما أمر به الابن في حياته من بر أبيه.\rأو يكون نصيبه مثل نصيب ابنه في تلك الحالة إجراء للأصل مجرى الفرع في الإرث ، بين تعالى أنّ قسمته هي القسمة التي اختارها وشرعها ، وأن الآباء والأبناء الذين شرع في ميراثهم ما شرع لا ندري نحن أيهم أقرب نفعاً ، بل علم ذلك منوط بعلم الله وحكمته.\rفالذي شرعه هو الحق لا ما يخطر بعقولنا نحن ، فإذا كان علم ذلك عازباً عنا فلا نخوض فيما لا نعلمه ، إذ هي أوضاع من الشارع لا نعلم نحن عللها ولا ندركها ، بل يجب التسليم فيها لله ولرسوله.\rوجميع المقدرات الشرعية في كونها لا تعقل عللها هي مثل قسمة المواريث سواء. أ هـ {البحر المحيط حـ 3 صـ 195}\rسؤال : فإن قيل : لم قال : {كَانَ عَلِيماً حَكِيماً} مع أنه الآن كذلك ؟.\rقلنا : قال الخليل : الخبر عن الله بهذه الألفاظ كالخبر بالحال والاستقبال ، لأنه تعالى منزه عن الدخول تحت الزمان ، وقال سيبويه : القوم لما شاهدوا علماً وحكمة وفضلا وإحساناً تعجبوا ، فقيل لهم : إن الله كان كذلك ، ولم يزل موصوفا بهذه الصفات. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 9 صـ 177}","part":20,"page":267},{"id":8704,"text":"كلام جامع فى الفرائض الكريمة للإمام الخازن\rقال عليه رحمة الله\rفصل في الحث على تعليم الفرائض\rاعلم أن الفرائض من أعظم العلوم قدراً وأشرفها ذخراً وأفضلها ذكراً وهي ركن من أركان الشريعة وفرع من فروعها في الحقيقة اشتغل الصدر الأول من الصحابة بتحصيلها وتكلموا في فروعها وأصولها ويكفي في فضلها أن الله عز وجل تولى قسمتها بنفسه وأنزلها في كتابه مبينة من محل قدسه وقد حث رسول الله صلى الله عليه وسلم على تعليمها فيما رواه أبو هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : \" تعلموا الفرائض والقرآن وعلموا الناس فإني مقبوض \" أخرجه الترمذي وقال فيه اضطراب وأخرجه أحمد بن حنبل وزاد فيه فإني امرؤ مقبوض والعلم مرفوع ويوشك أن يختلف اثنان في الفريضة فلا يجدان أحداً يخبرهما.\rعن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : \" تعلموا الفرائض وعلموها فإنه نصف العلم \" وهو أول علم ينسى وهو أول شيء ينزع من أمتي \" أخرجه ابن ماجه والدارقطني.\rفصل في بيان أحكام الفرائض\rإذا مات الميت وله يبدأ بتجهيزه من ماله ثم تقضي ديونه إن كان عليه دين ثم تنفذ وصاياه وما فضل بعد ذلك من ماله يقسم بين ورثته والوارثون من الرجال عشرة : الابن وابن الابن وإن سفل الأب والجد وإن علا والأخ سواء كان لأب وأم أو لأب أو لأم وابن الأخ للأب والأم أو للأب وإن سفل والعم للأب والأم أو للأب وابناهما وإن سفلوا والزوج والمعتق.\rوالوارثات من النساء سبع : البنت وبنت الابن وإن سفلت.\rوالأم والجدة وإن علت.\rوالأخت من كل الجهات.","part":20,"page":268},{"id":8705,"text":"والزوجة والمعتقة وستة من هؤلاء لا يلحقهم حجب الحرمان بالغير وهم : الأبوان والوالدان والزوجان لأنه ليس بينهم وبين الميت واسطة ثم الورثة ثلاثة أصناف : صنف يرث بالفرض المجرد وهم الزوجان والبنات والأخوات والأمهات والجدات وأولاد الأم وصنف يرث بالتعصيب وهم : البنون والإخوة وبنوهم والأعمام وبنوهم وصنف يرث بالتعصيب تارة وبالفرض أخرى وهما : الأب والجد فيرث بالتعصيب إذا لم يكن للميت ولد فإن كان له ابن ورث الأب بالفرض السدس وإن كانت بنت ورث السدس بالفرض وأخذ الباقي بالتعصيب والعصبة اسم لمن يأخذ جميع المال إذا انفرد ويأخذ ما فضل عن أصحاب الفرائض.\rفصل\rوأسباب الإرث ثلاثة : نسب ونكاح وولاء فالنسب القرابة يرث بعضهم بعضاً والنكاح هو أن يرث أحد الزوجين من صاحبه بسبب النكاح والولاء هو أن المعتق وعصباته يرثون المعتق والأسباب التي تمنع الميراث أربعة : اختلاف الدين فالكافر لا يرث المسلم ولا المسلم يرث الكافر لما روي من أسامة بن زيد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : \" لا يرث المسلم الكافر ولا الكافر المسلم \" أخرجاه في الصحيحين.\rفأما الكفار فيرث بعضهم بعضاً مع اختلاف مللهم وأديانهم لأن الكفر كله ملة واحدة فذهب بعضهم إلى أن اختلاف الملل والكفر يمنع التوارث أيضاً حتى لا يرث اليهودي من النصراني ولا النصراني من المجوسي وإلى هذا ذهب الزهري والأوزاعي وأحمد وإسحاق لما روي عن جابر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال \" لا توارث أهل ملتين \" أخرجه الترمذي وقال حديث غريب.","part":20,"page":269},{"id":8706,"text":"عن عبد الله بن عمرو بن العاص أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : \" لا يتوارث أهل ملتين شتى \" أخرجه أبو داود وحمله الآخرون على الإسلام والكفر لأن الكفر عندهم ملة واحدة فتوريث بعضهم من بعض لا يكون فيه إثبات التوارث بين ملتين شتى والرق يمنع الإرث لأن الرقيق ملك ولا ملك له فلا يرث ولا يورث والقتل يمنع الإرث عمداً كان القتل أو خطأ لما روي عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : \" القاتل لا يرث \" أخرجه الترمذي وقال : هذا حديث لا يصح والذي عليه العمل عند أهل العلم أن القاتل لا يرث سواء كان القتل عمداً أو خطأ.\rوقال بعضهم إذا كان القتل خطأ فإنه يرث وهو قول مالك وعمى الموت وهو أن يخفى موت المتوارثين وذلك بأن غرقاً أو انهدم عليهما بناء فلم يدر أيهما سبق موته فلا يرث أحدهما الآخر بل يكون إرث كل واحد منهما لما كانت حياته يقيناً بعد موته من ورثته.\rفصل : السهام المحدودة","part":20,"page":270},{"id":8707,"text":"والسهام المحدودة في الفرائض المذكورة في كتاب الله عز وجل ستة : النصف والربع والثمن والثلثان والثلث والسدس فالنصف فرض خمسة : فرض خسمة : فرض الزوج عند عدم الولد وفرض البنت الواحدة للصلب أو بنت الابن عند عدم بنت الصلب وفرض الأخت الواحدة للأب والأم وفرض الأخت الواحدة للاب والأم وفرض الأخت الواحدة للأب إذا لم يكن ولد لأب وأم والربع فرض الزوج من الولد وفرض الزوجة مع عدم الولد والثمن فرض الزوجة مع الولد والثلثان فرض البنتين فصاعداً أو بنات الابن عند عدم بنات الصلب وفرض الأختين فصاعداً للأب والأم أو للأب والثلث فرض ثلاثة : فرض الأم إذا لم يكن للميت ولد ولا اثنان من الإخوة والأخوات إلاّ في مسألتين : إحداهما زوج وأبوان والأخرى زوجة وأبوان فإن للأم فيهما ثلث الباقي بعد نصيب الزوج أو الزوجة وفرض الاثنين فصاعداً من أولاد ذكرهم وأنثاهم فيه سواء وفرض الجد مع الإخوة إذا لم يكن في المسألة صاحب فرض وكان الثلث للجد خيراً من المقاسمة مع الإخوة والسدس فرض سبعة : فرض الأب إذا كان للميت ولد وفرض الأم إذا كان للميت ولد أو ولد ابن أو اثنان من الإخوة والأخوات وفرض الجد إذا كان للميت ولد مع الإخوة إذا كان في المسألة صاحب فرض وكان السدس خير للجد من المقاسمة مع الإخوة وفرض الجدة والجدات ، وفرض الواحد من أولاد الأم ذكراً كان أم أنثى وفرض بنات الابن مع بنت الصلب تكلمة الثلثين وفرض الأخوات للأب مع الأخت للأب والأم تكلمة الثلثين ( ق ) عن ابن عباس قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : \" ألحقوا الفرائض بأهلها فما بقي لأولى رجل ذكر \" ( خ ) عن ابن عباس قال كان المال للولد والوصية للوالدين فنسخ الله من ذلك من أحب فجعل للذكر مثل حظ الأنثيين وجعل للأبوين لكل واحد منهما السدس والثلث وجعل للمرأة الثمن والربع","part":20,"page":271},{"id":8708,"text":"وللزوج الشطر والربع أ هـ.\rفصل\rروي عن زيد بن ثابت قال : ولد الأبناء بمنزلة إذا لم يكن دونهن ابن ذكرهمم كذكرهم وأنثاهم كأنثاهم يرثون ويحجبون كما يحجبون ولا يرث ولد ابن مع ابن ذكر فإن ترك ابنة وابن ابن ذكر كان للبنت النصف ولابن الابن ما بقي لقوله صلى الله عليه وسلم : \" ألحقوا الفرائض بأهلها فما بقي فهو لأولى رجل ذكر \" ففي هذا الحديث دليل على أن بعض الورثة يحجب البعض والحجب حجبان : حجب نقصان وحجب حرمان.\rأما الأول وهو حجب النقصان فهو أن الولد وولد الابن يحجب الزوج من النصف إلى الربع والزوجة من الربع إلى الثمن والأم من الثلث إلى السدس وكذلك الاثنان من الإخوة والأخوات يحجبون الأم من الثلث إلى السدس.\rوأما الثاني وهو حجب الحرمان فهو أن الأم تسقط الجدات وأولاد الأم وهم الإخوة للأم يسقطون بأربعة بالأب والجد وإن علا وبالولد وولد الابن وأولاد الأب والأم وهم الإخوة للأب والأم يسقطون بثلاثة بالأب والابن وابن الابن وإن سفلوا ولا يسقطون بالجد على مذهب زيد بن ثابت.\rوهو قول عمر وعثمان وعلي وابن مسعود وبه قال مالك والأوزاعي والشافعي وأحمد وأولاد الأب يسقطون بهؤلاء الثلاثة وبالأخ للأب والأم وذهب قوم إلى أن الإخوة يسقطون جميعاً بالجد كما يسقطون بالأب.\rوهو قول أبي بكر الصديق وابن عباس ومعاذ وأبي الدرداء وعائشة.","part":20,"page":272},{"id":8709,"text":"وبه قال الحسن وعطاء وطاوس وأبو حنيفة والأقرب من العصبات يسقط الأبعد منهم فاقربهم الابن ثم ابن الابن وإن سفل ثم الأب ثم الجد وإن علا فإن كان مع الجد أحد من الإخوة والأخوات للأب والأم أو للأب يشتركان في الميراث فإن لم يكن جد فالأخ للأب والأم ثم الأخ للأب ثم بنو الإخوة يقدم أقربهم سواء كان لأب وأم أو لأب فإن استويا في الدرجة فالذي هو لأب وأم ثم العم لأب وأم ثم بنوهم على ترتيب بني الإخوة ثم عم الأب ثم عم الجد على الترتيب فإن لم يكن أحد من عصابات النسب وعلى الميت ، ولا فالميراث للمعتق فإن لم يكن حياً فلعصبات المعتق وأربعة من الذكور يعصبون الإناث : الابن وابن الابن والأخ للأب والأم والأخ للأب فلو مات عن ابن أو وبنت أو عن أخ وأخت لأب وأم أو لأب يكون المال.\rبينهما للذكر مثل حظ الأنثيين ولا يفرض للبنت والأخت ، وكذلك ابن الابن يعصب من في درجته من الإناث ومن فوقه إذا لم يأخذ من الثلثين شيئاً حتى لو مات عن بنتين وبنت ابن فللبنتين الثلثان لوا شيء لبنت الابن فإن كان في درجتها ابن ابن أو أسفل منها ابن ابن ابن كان الباقي بينهما للذكر مثل حظ الأنثيين والأخت للأب والأم أو للأب تكون مع البنت عصبة حتى لو مات عن بنت وأخت كان للبنت النصف والباقي وهو النصف للأخت ولو مات عن بنتين وأخت كان للبنتين الثلثان والباقي للأخت ويدل على ذلك ما روي عن هزيل بن شرحبيل قال سئل أبو موسى عن ابنة وابنة ابن أخت فقال : للابنة النصف وللأخت النصف وائت ابن مسعود.\r","part":20,"page":273},{"id":8710,"text":"فسئل ابن مسعود وأخبر بقول أبي موسى فقال ابن مسعود : لقد ضللت وما أنا من المهتدين ثم قال اقضي فيها بقضاء رسول الله صلى الله عليه وسلم للابنة النصف ولابنة الابن السدس تكملة الثلثين وما بقي فللأخت فأخبر أبو موسى بقول ابن مسعود فقال لا تسألوني ما دام هذا الحبر فيكم أخرجه البخاري. أ هـ {تفسير الخازن حـ 1 صـ 322 ـ 324}\rمن فوائد العلامة الزمخشرى فى الآية\rقال رحمه الله :\r{ يُوصِيكُمُ الله } يعهد إليكم ويأمركم { فِى أولادكم } في شأن ميراثهم بما هو العدل والمصلحة.\rوهذا إجمال تفصيله { لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِ الانثيين } فإن قلت : هلا قيل : للأنثيين مثل حظ الذكر أو للأنثى نصف حظ الذكر ؛ قلت ليبدأ ببيان حظ الذكر لفضله ، كما ضوعف حظه لذلك ، ولأنّ قوله : { لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِ الانثيين } قصد إلى بيان فضل الذكر.\rوقولك : للأنثيين مثل حظ الذكر ، قصد إلى بيان نقص الأنثى ، وما كان قصداً إلى بيان فضله ، كان أدلّ على فضله من القصد إلى بيان نقص غيره عنه : ولأنهم كانوا يورّثون الذكور دون الإناث وهو السبب لورود الآية ، فقيل : كفى الذكور أن ضوعف لهم نصيب الإناث ، فلا يتمادى في حظهن حتى يحرمن مع إدلائهن من القرابة بمثل ما يدلون به.\rفإن قلت : فإن حظ الأنثيين الثلثان ، فكأنّه قيل للذكر الثلثان.\rقلت : أريد حال الاجتماع لا الانفراد أي إذا اجتمع الذكر والأنثيان كان له سهمان ، كما أن لهما سهمين.\rوأما في حال الانفراد ، فالابن يأخذ المال كله والبنتان يأخذان الثلثين.","part":20,"page":274},{"id":8711,"text":"والدليل على أن الغرص حكم الاجتماع ، أنه أتبعه حكم الانفراد ، وهو قوله : { فَإِن كُنَّ نِسَاء فَوْقَ اثنتين فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكَ } والمعنى للذكر منهم ، أي من أولادكم ، فحذف الراجع إليه لأنه مفهوم ، كقولهم : السمن منوان بدرهم { فَإِن كُنَّ نِسَاءً } فإن كانت البنات أو المولودات نساء خلصاً.\rليس معهن رجل يعني بنات ليس معهن ابن { فَوْقَ اثنتين } يجوز أن يكون خبراً ثانياً لكان وأن يكون صفة لنساء أي نساء زائدات على اثنتين { وَإِن كَانَتْ واحدة } وإن كانت البنت أو المولودة منفردة فذة ليس معها أخرى { فَلَهَا النصف } وقرىء : \"واحدةٌ\" بالرفع على كان التامّة والقراءة بالنصب أوفق لقوله : { فَإِن كُنَّ نِسَاءً } وقرأ زيد بن ثابت \"النصف\" بالضم.\rوالضمير في { تَرَكَ } للميت : لأنّ الآية لما كانت في الميراث ، علم أن التارك هو الميت.\rفإن قلت : قوله : { لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِ الأنثيين } كلام مسوق لبيان حظ الذكر من الأولاد ، لا لبيان حظ الأنثيين ، فكيف صح أن يردف قوله : { فَإِن كُنَّ نِسَاءً } وهو لبيان حظ الإناث ؟ \rقلت : وإن كان مسوقاً لبيان حظ الذكر ، إلا أنه لما فقه منه وتبين حظ الأنثيين مع أخيهما ؛ كان كأنه مسوق للأمرين جميعاً.\rفلذلك صح أن يقال : { فَإِن كُنَّ نِسَاءً } : فإن قلت.\rهل يصح أن يكون الضميران في \"كن\" و\"كانت\" مبهمين ، ويكون \"نساء\" و\"واحدة\" تفسيراً لهما ، على أن كان تامة ؟ \rقلت : لا أبعد ذلك.\rفإن قلت : لم قيل { فَإِن كُنَّ نِسَاء } ولم يقل : وإن كانت امرأة ؟ \rقلت : لأنّ الغرض ثمة خلوصهن إناثاً لا ذكر فيهنّ ، ليميز بين ما ذكر من اجتماعهن مع الذكور في قوله : { لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِ الأنثيين } وبين انفرادهن.\rوأريد هاهنا أن يميز بين كون البنت مع غيرها وبين كونها وحدها لا قرينة لها.","part":20,"page":275},{"id":8712,"text":"فإن قلت : قد ذكر حكم البنتين في حال اجتماعهما مع الابن وحكم البنات والبنت في حال الانفراد ، ولم يذكر حكم البنتين في حال الانفراد فما حكمهما ، وما باله لم يذكر ؟\rقلت : أما حكمهما فمختلف فيه ، فابن عباس أبى تنزيلهما منزلة الجماعة.\rلقوله تعالى : { فَإِن كُنَّ نِسَاء فَوْقَ اثنتين } فأعطاهما حكم الواحدة وهو ظاهر مكشوف.\rوأما سائر الصحابة فقد أعطوهما حكم الجماعة ، والذي يعلل به قولهم : أن قوله : { لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِ الأنثيين } قد دلّ على أن حكم الأنثيين حكم الذكر ، وذلك أن الذكر كما يحوز الثلثين مع الواحدة ، فالأنثيان كذلك يحوزان الثلثين ، فلما ذكر ما دلّ على حكم الأنثيين قيل : { فَإِن كُنَّ نِسَاء فَوْقَ اثنتين فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكَ } على معنى : فإن كن جماعة بالغات ما بلغن من العدد فلهن ما للأنثيين وهو الثلثان لا يتجاوزنه لكثرتهن ليعلم أن حكم الجماعة حكم الثنتين بغير تفاوت.\rوقيل : إن الثنتين أمس رحماً بالميت من الأختين فأوجبوا لهما ما أوجب الله للأختين.\rولم يروا أن يقصروا بهما عن حظ من هو أبعد رحماً منهما.\rوقيل : إن البنت لما وجب لها مع أخيها الثلث كانت أحرى أن يجب لها الثلث إذا كانت مع أخت مثلها.\rويكون لأختها معها مثل ما كان يجب لها أيضاً مع أخيها لو انفردت معه ، فوجب لهما الثلثان { وَلأبَوَيْهِ } الضمير للميت.\rو { لِكُلّ واحد مّنْهُمَا } بدل من { ولأبويه } بتكرير العامل.\rوفائدة هذا البدل أنه لو قيل : ولأبويه السدس ، لكان ظاهره اشتراكهما فيه.\rولو قيل : ولأبويه السدسان ، لأوهم قسمة السدسين عليهما على التسوية وعلى خلافها.\rفإن قلت : فهلا قيل : ولكل واحد من أبويه السدس : وأي فائدة في ذكر الأبوين أوّلاً ، ثم في الإبدال منهما ؟","part":20,"page":276},{"id":8713,"text":"قلت : لأنّ في الإبدال والتفصيل بعد الإجمال تأكيداً وتشديداً ، كالذي تراه في الجمع بين المفسر والتفسير.\rوالسدس : مبتدأ.\rوخبره : لأبويه.\rوالبدل متوسط بينهما للبيان.\rوقرأ الحسن ونعيم بن ميسرة \"السدس\" بالتخفيف ، وكذلك الثلث والربع والثمن.\rوالولد : يقع على الذكر والأنثى ، ويختلف حكم الأب في ذلك.\rفإن كان ذكراً اقتصر بالأب على السدس ، وإن كانت أنثى عصب مع إعطاء السدس.\rفإن قلت : قد بين حكم الأبوين في الإرث مع الولد : ثم حكمهما مع عدمه ، فهلا قيل : فإن لم يكن له ولد فلأمه الثلث.\rوأي فائدة في قوله : { وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ } ؟\rقلت معناه : فإن لم يكن له ولد وورثه أبواه فحسب ، فلأمه الثلث مما ترك ، كما قال : { لِكُلّ واحد مّنْهُمَا السدس مِمَّا تَرَكَ } لأنه إذا ورثه أبواه مع أحد الزوجين ، كان للأم ثلث ما بقي بعد إخراج نصيب الزوج ، لا ثلث ما ترك ، إلا عند ابن عباس.\rوالمعنى : أن الأبوين إذا خلصا تقاسما الميراث : للذكر مثل حظ الأنثيين ، فإن قلت : ما العلة في أن كان لها ثلث ما بقي دون ثلث المال ؟\rقلت : فيه وجهان : أحدهما أنّ الزوج إنما استحق ما يسهم له بحق العقد لا بالقرابة.\rفأشبه الوصية في قسمة ما وراءه.\rوالثاني : أن الأب أقوى في الإرث من الأم ، بدليل أنه يضعف عليها إذا خلصا ويكون صاحب فرض وعصبة ، وجامعا بين الأمرين ، فلو ضرب لها الثلث كملاً لأدى إلى حط نصيبه عن نصيبها.","part":20,"page":277},{"id":8714,"text":"ألا ترى أن امرأة لو تركت زوجاً وأبوين فصار للزوج النصف وللأم الثلث والباقي للأب ، حازت الأم سهمين والأب سهماً واحداً ، فينقلب الحكم إلى أن يكون للأنثى مثل حظ الذكرين { فَإِن كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلأُمِهِ السدس } الإخوة يحجبون الأم عن الثلث وإن كانوا لا يرثون مع الأب ، فيكون لها السدس وللأب خمسة الأسداس ، ويستوي في الحجب الاثنان فصاعداً إلا عند ابن عباس.\rوعنه أنهم يأخذون السدس الذي حجبوا عنه الأم.\rفإن قلت : فكيف صحّ أن يتناول الإخوة الأخوين.\rوالجمع خلاف التثنية ؟ \rقلت : الإخوة تفيد معنى الجمعية المطلقة بغير كمية ، والتثنية كالتثليث والتربيع في إفادة الكمية ، وهذا موضع الدلالة على الجمع المطلق ، فدل بالإخوة عليه.\rوقرىء : \"فلإمّه\" ، بكسر الهمزة إتباعاً للجرّة : ألا تراها لا تكسر في قوله : { وَجَعَلْنَا ابن مَرْيَمَ وَأُمَّهُ ءايَةً } [ المؤمنون : 50 ] ، { مِن بَعْدِ وَصِيَّةٍ } متعلق بما تقدمه من قسمة المواريث كلها ، لا بما يليه وحده ، كأنه قيل قسمة هذه الأنصبة من بعد وصية يوصى بها.\rوقرىء \"يوصى بها\" بالتخفيف والتشديد.\rو\"ويُوصى بها\" على البناء للمفعول مخففاً.\rفإن قلت : ما معنى أو ؟ \rقلت : معناها الإباحة : وأنه إن كان أحدهما أو كلاهما ، قدم على قسمة الميراث ، كقولك : جالس الحسن أو ابن سيرين.\rفإن قلت : لم قدّمت الوصية على الدين والدين مقدم عليها في الشريعة ؟ ","part":20,"page":278},{"id":8715,"text":"قلت : لما كانت الوصية مشبهة للميراث في كونها مأخوذة من غير عوض ، كان إخراجها مما يشق على الورثة ويتعاظمهم ولا تطيب أنفسهم بها ، فكان أداؤها مظنة للتفريط ، بخلاف الدين فإنّ نفوسهم مطمئنة إلى أدائه ، فلذلك قدمت على الدين بعثاً على وجوبها والمسارعة إلى إخراجها مع الدين ، ولذلك جيء بكلمة \"أو\" للتسوية بينهما في الوجوب ، ثم أكد ذلك ورغب فيه بقوله : { ءَابَاؤُكُمْ وَأَبناؤُكُمْ } أي لا تدرون من أنفع لكم من آبائكم وأبنائكم الذين يموتون ، أمن أوصى منهم أمن لم يوص ؟ \rيعني أن من أوصى ببعض ماله فعرّضكم لثواب الآخرة بإمضاء وصيته فهو أقرب لكم نفعاً وأحضر جدوى ممن ترك الوصية ، فوفر عليكم عرض الدنيا وجعل ثواب الآخرة أقرب وأحضر من عرض الدنيا ، ذهاباً إلى حقيقة الأمر ، لأن عرض الدنيا وإن كان عاجلاً قريباً في الصورة ، إلا أنه فانٍ ، فهو في الحقيقة الأبعد الأقصى.\rوثواب الآخرة وإن كان آجلاً إلا أنه باق فهو في الحقيقة الأقرب الأدنى.\rوقيل : إن الابن إن كان أرفع درجة من أبيه في الجنة سأل أن يرفع أبوه إليه فيرفع.\rوكذلك الأب إن كان أرفع درجة من ابنه ، سأل أن يرفع إليه ابنه.\rفأنتم لا تدرون في الدنيا أيهم أقرب لكم نفعاً.\rوقيل : قد فرض الله الفرائض على ما هو عنده حكمة.\rولو وكل ذلك إليكم لم تعلموا أيهم لكم أنفع ، فوضعتم أنتم الأموال على غير حكمة.\rوقيل : الأب يجب عليه النفقة على الابن إذا احتاج ، وكذلك الابن إذا كان محتاجاً فهما في النفع بالنفقة لا يدري أيهما أقرب نفعاً.\rوليس شيء من هذه الأقاويل بملائم للمعنى ولا مجاوب له ، لأن هذه الجملة اعتراضية.\rومن حق الاعتراضي أن يؤكد ما اعترض بينه ويناسبه ، والقول ما تقدم { فَرِيضَةً } نصبت نصب المصدر المؤكد ، أي فرض ذلك فرضاً { إِنَّ الله كَانَ عَلِيماً } بمصالح خلقه { حَكِيماً } في كل ما فرض وقسم من المواريث وغيرها. أ هـ {الكشاف حـ 1 صـ 510 ـ 516}","part":20,"page":279},{"id":8716,"text":"من فوائد ومسائل القاضى أبى بكر ابن العربى فى الآية\rقال عليه الرحمة\rقَوْلُهُ قَوْله تَعَالَى : { يُوصِيكُمْ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ }\rاعْلَمُوا عَلَّمَكُمْ اللَّهُ أَنَّ هَذِهِ الْآيَةَ رُكْنٌ مِنْ أَرْكَانِ الدِّينِ ، وَعُمْدَةٌ مِنْ عُمُدِ الْأَحْكَامِ ، وَأُمٌّ مِنْ أُمَّهَاتِ الْآيَاتِ : فَإِنَّ الْفَرَائِضَ عَظِيمَةُ الْقَدْرِ حَتَّى إنَّهَا ثُلُثُ الْعِلْمِ ، وَقَدْ قَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { الْعِلْمُ ثَلَاثٌ : آيَةٌ مُحْكَمَةٌ ، أَوْ سُنَّةٌ قَائِمَةٌ ، أَوْ فَرِيضَةٌ عَادِلَةٌ }.\rوَكَانَ جُلَّ عِلْمِ الصَّحَابَةِ وَعُظْمَ مُنَاظَرَتِهِمْ ، وَلَكِنَّ الْخُلُقَ ضَيَّعُوهُ ، وَانْتَقِلُوا مِنْهُ إلَى الْإِجَارَاتِ وَالسَّلَمِ وَالْبُيُوعِ الْفَاسِدَةِ وَالتَّدْلِيسِ ، إمَّا لِدِينٍ نَاقِصٍ ، أَوْ عِلْمٍ قَاصِرٍ ، أَوْ غَرَضٍ فِي طَلَبِ الدُّنْيَا ظَاهِرٍ { وَرَبُّكَ يَعْلَمُ مَا تُكِنُّ صُدُورُهُمْ وَمَا يُعْلِنُونَ } وَلَوْ لَمْ يَكُنْ مِنْ فَضْلِ الْفَرَائِضِ وَالْكَلَامِ عَلَيْهَا إلَّا أَنَّهَا تَبْهَت مُنْكَرِي الْقِيَاسِ وَتُخْزِي مُبْطِلِي النَّظَرِ فِي إلْحَاقِ النَّظِيرِ بِالنَّظِيرِ ، فَإِنَّ عَامَّةَ مَسَائِلِهَا إنَّمَا هِيَ مَبْنِيَّةٌ عَلَى ذَلِكَ ؛ إذْ النُّصُوصُ لَمْ تُسْتَوْفَ فِيهَا ، وَلَا أَحَاطَتْ بِنَوَازِلِهَا ، وَسَتَرَى ذَلِكَ فِيهَا إنْ شَاءَ اللَّهُ.","part":20,"page":280},{"id":8717,"text":"وَقَدْ رَوَى مُطَرِّفٌ عَنْ مَالِكٍ قَالَ : قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ : مَنْ لَمْ يَتَعَلَّمْ الْفَرَائِضَ وَالْحَجَّ وَالطَّلَاقَ فَبِمَ يَفْضُلُ أَهْلُ الْبَادِيَةِ ؟ وَقَالَ وَهْبٌ عَنْ مَالِكٍ : كُنْت أَسْمَعُ رَبِيعَةَ يَقُولُ : مَنْ تَعَلَّمَ الْفَرَائِضَ مِنْ\rغَيْرِ عِلْمٍ بِهَا مِنْ الْقُرْآنِ مَا أَسْرَعَ مَا يَنْسَاهَا.\rقَالَ مَالِكٌ : وَصَدَقَ.\rوَقَدْ أَطَلْنَا فِيهَا النَّفَسَ فِي مَسَائِلِ الْخِلَافِ ؛ فَأَمَّا الْآنَ فَإِنَّا نُشِيرُ إلَى نُكَتٍ تَتَعَلَّقُ بِأَلْفَاظِ الْكِتَابِ ، وَفِيهَا سِتَّ عَشْرَةَ مَسْأَلَةً : الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى : فِي الْمُخَاطَبِ بِهَا ، وَعَلَى مَنْ يَعُودُ الضَّمِيرُ ؟ : وَبَيَانُهُ أَنَّ الْخِطَابَ عَامٌّ فِي الْمَوْتَى الْمَوْرُوثِينَ ، وَالْخُلَفَاءِ الْحَاكِمِينَ ، وَجَمِيعِ الْمُسْلِمِينَ ؛ أَمَّا تَنَاوُلُهَا لِلْمَوْتَى فَلْيَعْلَمُوا الْمُسْتَحَقِّينَ لِمِيرَاثِهِمْ بَعْدَهُمْ فَلَا يُخَالِفُوهُ بِعَقْدٍ وَلَا عَهْدٍ ؛ وَفِي ذَلِكَ آثَارٌ كَثِيرَةٌ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أُمَّهَاتُهَا ثَلَاثَةُ أَحَادِيثَ : الْحَدِيثُ الْأَوَّلُ : حَدِيثُ سَعْدٍ فِي الصَّحِيحِ : { عَادَنِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَامَ حَجَّةِ الْوَدَاعِ فِي مَرَضٍ اشْتَدَّ بِي ، فَقُلْت : يَا رَسُولَ اللَّهِ ؛ أَنَا ذُو مَالٍ وَلَا يَرِثُنِي إلَّا ابْنَةٌ لِي ؛ أَفَأَتَصَدَّقُ بِمَالِي كُلِّهِ ؟ قَالَ : لَا.\rقُلْت : فَالثُّلُثَانِ ؟ قَالَ : لَا.\rقُلْت : فَالشَّطْرُ ؟ قَالَ : لَا.","part":20,"page":281},{"id":8718,"text":"الثُّلُثُ ، وَالثُّلُثُ كَثِيرٌ ؛ إنَّكَ أَنْ تَذَرَ وَرَثَتَكَ أَغْنِيَاءَ خَيْرٌ مِنْ أَنْ تَذَرَهُمْ عَالَةً يَتَكَفَّفُونَ النَّاسَ }.\rالثَّانِي : مَا ثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ : { قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَقَدْ سُئِلَ : أَيُّ الصَّدَقَةِ أَفْضَلُ ؟ قَالَ : أَنْ تَصَدَّقَ وَأَنْتَ صَحِيحٌ شَحِيحٌ ، تَأْمُلُ الْغِنَى وَتَخْشَى الْفَقْرَ ، وَلَا تُمْهِلُ حَتَّى إذَا بَلَغَتْ الْحُلْقُومَ قُلْت : لِفُلَانٍ كَذَا ، وَلِفُلَانٍ كَذَا ، وَقَدْ كَانَ لِفُلَانٍ كَذَا }.\rالثَّالِثُ : مَا رَوَى مَالِكٌ ، عَنْ عَائِشَةَ أَنَّ أَبَا بَكْرٍ الصِّدِّيقَ قَالَ لَهَا فِي مَرَضِ مَوْتِهِ : \" إنِّي كُنْتُ نَحَلْتُكِ جَادَّ عِشْرِينَ وَسْقًا مِنْ تَمْرٍ ، فَلَوْ كُنْتِ جَدَدْتِهِ لَكَانَ لَكِ ، وَإِنَّمَا هُوَ الْيَوْمَ مَالُ الْوَارِثِ \".\rفَبَيَّنَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ أَنَّ الْمَرْءَ أَحَقُّ بِمَالِهِ فِي حَيَاتِهِ ، فَإِذَا وُجِدَ\rأَحَدُ سَبَبَيْ زَوَالِهِ وَهُوَ الْمَرَضُ قَبْلَ وُجُودِ الثَّانِي ، وَهُوَ الْمَوْتُ مُنِعَ مِنْ ثُلُثَيْ مَالِهِ ، وَحُجِرَ عَلَيْهِ تَفْوِيتُهُ لِتَعَلُّقِ حَقِّ الْوَارِثِ بِهِ ، فَعَهِدَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ بِذَلِكَ إلَيْهِ ، وَوَصَّى بِهِ لِيُعَلِّمَهُ فَيَعْمَلَ بِهِ ؛ وَوُجُوبُ الْحُكْمِ الْمُعَلَّقِ عَلَى سَبَبَيْنِ بِأَحَدِ سَبَبَيْهِ ثَابِتٌ مَعْلُومٌ فِي الْفِقْهِ ؛ لِجَوَازِ إخْرَاجِ الْكَفَّارَةِ بَعْدَ الْيَمِينِ ، وَقَبْلَ الْحِنْثِ ، وَبَعْدَ الْخُرُوجِ ، وَقَبْلَ الْمَوْتِ فِي الْقَتْلِ ، وَكَذَلِكَ صَحَّ سُقُوطُ الشُّفْعَةِ بِوُجُودِ الِاشْتِرَاكِ فِي الْمَالِ قَبْلَ الْبَيْعِ.","part":20,"page":282},{"id":8719,"text":"وَأَمَّا تَنَاوُلُهُ لِلْخُلَفَاءِ الْحَاكِمِينَ فَلْيَقْضُوا بِهِ عَلَى مَنْ نَازَعَ فِي ذَلِكَ مِنْ الْمُتَخَاصِمِينَ.\rوَأَمَّا تَنَاوُلُهُ لِكَافَّةِ الْمُسْلِمِينَ فَلْيَكُونُوا بِهِ عَالِمِينَ ، وَلِمَنْ جَهِلَهُ مُبَيِّنِينَ ، وَعَلَى مَنْ خَالَفَهُ مُنْكِرِينَ ، وَهَذَا فَرْضٌ يَعُمُّ الْخَلْقَ أَجْمَعِينَ ، وَهُوَ فَنٌّ غَرِيبٌ مِنْ تَنَاوُلِ الْخِطَابِ لِلْمُخَاطَبِينَ ، فَافْهَمُوهُ وَاعْمَلُوا بِهِ وَحَافِظُوا عَلَيْهِ وَاحْفَظُوهُ ، وَاَللَّهُ الْمُسْتَعَانُ.\rالْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ : فِي سَبَبِ نُزُولِهَا : وَفِي ذَلِكَ ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ : الْأَوَّلُ : أَنَّ أَهْلَ الْجَاهِلِيَّةِ كَانُوا لَا يُوَرِّثُونَ الضُّعَفَاءَ مِنْ الْغِلْمَانِ وَلَا الْجَوَارِي ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى ذَلِكَ ، وَبَيَّنَ حُكْمَهُ وَرَدَّ قَوْلَهُمْ.\rالثَّانِي : قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : كَانَ الْمِيرَاثُ لِلْوَلَدِ ، وَكَانَتْ الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدِينَ وَالْأَقْرِبَاءِ ؛ فَرَدَّ اللَّهُ ذَلِكَ وَبَيَّنَ الْمَوَارِيثَ ، رَوَاهُ فِي الصَّحِيحِ.\rالثَّالِثُ : أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ مُحَمَّدِ بْنِ عَقِيلٍ ، وَهُوَ مُقَارَبُ الْحَدِيثِ عِنْدَهُمْ ، رَوَى عَنْ { جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ : خَرَجْنَا مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَتَّى جِئْنَا امْرَأَةً مِنْ الْأَنْصَارِ فِي الْأَسْوَاقِ ، وَهِيَ جَدَّةُ خَارِجَةَ بْنِ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ ، فَزُرْنَاهَا ذَلِكَ الْيَوْمَ ، فَعَرَّشَتْ لَنَا صَوْرًا فَقَعَدْنَا تَحْتَهُ ، وَذَبَحَتْ لَنَا شَاةً","part":20,"page":283},{"id":8720,"text":"وَعَلَّقَتْ لَنَا قِرْبَةً ، فَبَيْنَمَا نَحْنُ نَتَحَدَّثُ إذْ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : الْآنَ يَأْتِيكُمْ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ فَطَلَعَ عَلَيْنَا أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ فَتَحَدَّثْنَا ، ثُمَّ قَالَ لَنَا : الْآنَ يَأْتِيكُمْ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ فَطَلَعَ عَلَيْنَا عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ فَتَحَدَّثْنَا ، فَقَالَ : الْآنَ يَأْتِيكُمْ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ.\rقَالَ : فَرَأَيْتُهُ يُطَأْطِئُ رَأْسَهُ مِنْ سَعَفِ الصُّورِ يَقُولُ : اللَّهُمَّ إنَّ شِئْتَ جَعَلْته عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ ، فَجَاءَ حَتَّى دَخَلَ عَلَيْنَا ، فَهَنِيئًا لَهُمْ بِمَا قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِيهِمْ ، فَجَاءَتْ الْمَرْأَةُ بِطَعَامِهَا فَتَغَدَّيْنَا ، ثُمَّ قَامَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِصَلَاةِ الظُّهْرِ ، فَقُمْنَا مَعَهُ مَا تَوَضَّأَ وَلَا أَحَدٌ مِنَّا ، غَيْرَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَخَذَ بِكَفِّهِ جَرْعًا مِنْ الْمَاءِ فَتَمَضْمَضَ بِهِنَّ مِنْ غَمَرِ الطَّعَامِ ؛ فَجَاءَتْ الْمَرْأَةُ بِابْنَتَيْنِ لَهَا إلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَتْ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ؛ هَاتَانِ بِنْتَا سَعْدِ بْنِ الرَّبِيعِ قُتِلَ مَعَكَ يَوْمَ أُحُدٍ ، وَقَدْ اسْتَفَاءَ عَمُّهُمَا مَالَهُمَا وَمِيرَاثَهُمَا كُلَّهُ ، فَلَمْ يَدْعُ لَهُمَا مَالًا إلَّا أَخَذَهُ ؛ فَمَا تَرَى يَا رَسُولَ اللَّهِ ؟ فَوَاَللَّهِ لَا تَنْكِحَانِ أَبَدًا إلَّا وَلَهُمَا مَالٌ.","part":20,"page":284},{"id":8721,"text":"قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : يَقْضِي اللَّهُ فِي ذَلِكَ فَنَزَلَتْ : { يُوصِيكُمْ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ } الْآيَةُ ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : اُدْعُ لِي الْمَرْأَةَ وَصَاحِبَهَا فَقَالَ لِعَمِّهِمَا : أَعْطِهِمَا الثُّلُثَيْنِ ، وَأَعْطِ أُمَّهُمَا الثُّمُنَ ، وَلَك الْبَاقِي }.\rفَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَطَاءٍ مُقَارِبُ الْحَدِيثِ قَالَ الْإِمَامُ أَبُو بَكْرٍ : هُوَ مَقْبُولٌ لِهَذَا الْإِسْنَادِ.\rالثَّالِثُ : مَا رَوَى الْبُخَارِيُّ عَنْ جَابِرٍ { قُلْت : يَا\rرَسُولَ اللَّهِ ؛ مَا تَرَى أَنْ أَصْنَعَ فِي مَالِي ؟ فَنَزَلَتْ : { يُوصِيكُمْ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ } } رَدٌّ لِكُلِّ عَمَلٍ مِنْ تِلْكَ الْأَعْمَالِ وَإِبْطَالٌ لِجَمِيعِ الْأَقْوَالِ الْمُتَقَدِّمَةِ ، إلَّا أَنَّ فِي حَدِيثِ جَابِرٍ الْأَوَّلِ فَائِدَةً ؛ وَهُوَ أَنَّ مَا كَانَتْ الْجَاهِلِيَّةُ تَفْعَلُ فِي صَدْرِ الْإِسْلَامِ لَمْ يَكُنْ شَرْعًا مَسْكُوتًا عَنْهُ ؛ مُقَرًّا عَلَيْهِ ؛ لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ شَرْعًا مُقَرًّا عَلَيْهِ لَمَا حَكَمَ النَّبِيُّ عَلَيْهِ السَّلَامُ عَلَى عَمِّ الصَّبِيَّتَيْنِ بِرَدِّ مَا أَخَذَ مِنْ مَالِهِمَا ؛ لِأَنَّ الْأَحْكَامَ إذَا مَضَتْ وَجَاءَ النَّسْخُ بَعْدَهَا إنَّمَا تُؤَثِّرُ فِي الْمُسْتَقْبِلِ ، وَلَا يُنْقَضُ بِهِ مَا تَقَدَّمَ ، وَإِنَّمَا كَانَتْ ظُلَامَةٌ وَقَعَتْ ، أَمَّا أَنَّ الَّذِي وَقَعَتْ الْوَصِيَّةُ بِهِ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ فَأُخْرِجَتْ عَنْهَا أَهْلُ الْمَوَارِيثِ.","part":20,"page":285},{"id":8722,"text":"الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ : قَوْلُهُ : { فِي أَوْلَادِكُمْ } يَتَنَاوَلُ كُلَّ وَلَدٍ كَانَ مَوْجُودًا مِنْ صُلْبِ الرَّجُلِ دُنْيَا أَوْ بَعِيدًا ؛ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : { يَا بَنِي آدَمَ } وَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { أَنَا سَيِّدُ وَلَدِ أَدَم }.\rوَقَالَ تَعَالَى : { وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَاجُكُمْ إنْ لَمْ يَكُنْ لَهُنَّ وَلَدٌ } فَدَخَلَ فِيهِ كُلُّ مَنْ كَانَ لِصُلْبِ الْمَيْتِ دُنْيَا أَوْ بَعِيدًا.\rوَيُقَالُ بَنُو تَمِيمٍ ؛ فَيَعُمُّ الْجَمِيعَ ؛ فَمِنْ عُلَمَائِنَا مَنْ قَالَ : ذَلِكَ حَقِيقَةً فِي الْأَدْنَيْنَ مَجَازٌ فِي الْأَبْعَدَيْنِ.\rوَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ : هُوَ حَقِيقَةٌ فِي الْجَمِيعِ ؛ لِأَنَّهُ مِنْ التَّوَلُّدِ ، فَإِنْ كَانَ الصَّحِيحُ أَنَّ ذَلِكَ حَقِيقَةٌ فِي الْجَمِيعِ فَقَدْ غَلَبَ مَجَازُ الِاسْتِعْمَالِ فِي إطْلَاقِهِ عَلَى الْأَعْيَانِ فِي الْأَدْنَيْنَ عَلَى تِلْكَ الْحَقِيقَةِ.\rوَالصَّحِيحُ عِنْدِي أَنَّهُ مَجَازٌ فِي الْبُعَدَاءِ بِدَلِيلِ أَنَّهُ يَنْفِي عَنْهُ ؛ فَيُقَالُ لَيْسَ بِوَلَدٍ ، وَلَوْ كَانَ حَقِيقَةً لَمَا سَاغَ نَفْيَهُ ، أَلَا تَرَى أَنَّهُ يُسَمِّي وَلَدَ الْوَلَدِ وَلَدًا ، وَلَا يُسَمِّي بِهِ وَلَدَ الْأَعْيَانِ ، وَكَيْفَمَا\rدَارَتْ الْحَالُ فَقَدْ اجْتَمَعَتْ الْأُمَّةُ هَاهُنَا عَلَى أَنَّهُ يَنْطَلِقُ عَلَى الْجَمِيعِ.\rوَقَدْ قَالَ مَالِكٌ : لَوْ حَبَسَ رَجُلٌ عَلَى وَلَدِهِ لَانْتَقَلَ إلَى أَبْنَائِهِمْ ، وَلَوْ قَالَ صَدَقَةً فَاخْتَلَفَ قَوْلُ عُلَمَائِنَا ؛ هَلْ تُنْقَلُ إلَى أَوْلَادِ الْأَوْلَادِ عَلَى قَوْلَيْنِ ، وَكَذَلِكَ فِي الْوَصِيَّةِ.","part":20,"page":286},{"id":8723,"text":"وَاتَّفَقُوا عَلَى أَنَّهُ لَوْ حَلَفَ لَا وَلَدَ لَهُ وَلَهُ حَفَدَةَ لَمْ يَحْنَثْ.\rوَإِنَّمَا اخْتَلَفَ ذَلِكَ فِي أَقْوَالِ الْمَخْلُوقِينَ فِي هَذِهِ الْمَسَائِلِ لِوَجْهَيْنِ : أَحَدُهُمَا : أَنَّ النَّاسَ اخْتَلَفُوا فِي عُمُومِ كَلَامِ الْمَخْلُوقِينَ هَلْ يُحْمَلُ عَلَى الْعُمُومِ كَمَا يُحْمَلُ كَلَامُ الْبَارِي ؟ فَإِذَا قُلْنَا بِذَلِكَ فِيهِ عَلَى قَوْلَيْنِ : أَحَدُهُمَا أَنَّهُ لَا يُحْمَلُ كَلَامُ النَّاسِ عَلَى الْعُمُومِ بِحَالٍ ، وَإِنْ حُمِلَ كَلَامُ اللَّهِ سُبْحَانَهُ عَلَيْهِ.\rالثَّانِي : أَنَّ كَلَامَ النَّاسِ يَرْتَبِطُ بِالْأَغْرَاضِ وَالْمَقَاصِدِ ، وَالْمَقْصُودُ مِنْ الْحَبْسِ التَّعْقِيبِ ، فَدَخَلَ فِيهِ وَلَدُ الْوَلَدِ ، وَالْمَقْصُودُ مِنْ الصَّدَقَةِ التَّمْلِيكُ ؛ فَدَخَلَ فِيهِ الْأَدْنَى خَاصَّةً وَلَمْ يَدْخُلْ فِيهِ مِنْ بَعْدُ إلَّا بِدَلِيلٍ.\rوَاَلَّذِي يُحَقِّقُ ذَلِكَ أَنَّهُ قَالَ بَعْدَهُ : { وَلِأَبَوَيْهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ } فَدَخَلَ فِيهِ آبَاءُ الْآبَاءِ ، وَكَذَلِكَ يَدْخُلُ فِيهِ أَوْلَادُ الْأَوْلَادِ.","part":20,"page":287},{"id":8724,"text":"الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ : قَوْله تَعَالَى : { لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ } هَذَا الْقَوْلُ يُفِيدُ أَنَّ الذَّكَرَ إذَا اجْتَمَعَ مَعَ الْأُنْثَى أَخَذَ مِثْلَيْ مَا تَأْخُذُهُ الْأُنْثَى ، وَأَخَذَتْ هِيَ نِصْفَ مَا يَأْخُذُ الذَّكَرُ ؛ وَلَيْسَ هَذَا بِنَصٍّ عَلَى الْإِحَاطَةِ بِجَمِيعِ الْمَالِ ، وَلَكِنَّهُ تَنْبِيهٌ قَوِيٌّ ؛ لِأَنَّهُ لَوْلَا أَنَّهُمْ يُحِيطُونَ بِجَمِيعِ الْمَالِ إذَا انْفَرَدُوا لَمَا كَانَ بَيَانًا لِسَهْمٍ وَاحِدٍ مِنْهُمْ ، فَاقْتَضَى الِاضْطِرَارُ إلَى بَيَانِ سِهَامِهِمْ الْإِحَاطَةَ بِجَمِيعِ الْمَالِ إذَا انْفَرَدُوا ؛ فَإِذَا انْضَافَ إلَيْهِمْ غَيْرُهُمْ مِنْ ذَوِي السِّهَامِ فَأَخَذَ سَهْمَهُ كَانَ الْبَاقِي أَيْضًا مَعْلُومًا ؛ فَيَتَعَيَّنُ سَهْمُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ فِيهِ ، وَوَجَبَ حَمْلُ هَذَا الْقَوْلِ عَلَى الْعُمُومِ ، إلَّا أَنَّهُ خَصَّ مِنْهُ الْأَبَوَيْنِ بِالسُّدُسِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا ، وَالزَّوْجَيْنِ بِالرُّبْعِ وَالثُّمُنِ لَهُمَا عَلَى تَفْصِيلِهِمَا ، وَبَقِيَ الْعُمُومُ وَالْبَيَانُ بَعْدَ ذَلِكَ عَلَى أَصْلِهِ.","part":20,"page":288},{"id":8725,"text":"الْمَسْأَلَةُ الْخَامِسَةُ : قَوْله تَعَالَى : { فِي أَوْلَادِكُمْ } عَامٌّ فِي الْأَعْلَى مِنْهُمْ وَالْأَسْفَلِ ؛ فَإِنْ اسْتَوَوْا فِي الرُّتْبَةِ أَخَذُوهُ بِهَذِهِ الْقِسْمَةِ ، وَإِنْ تَفَاوَتُوا فَكَانَ بَعْضُهُمْ أَعْلَى مِنْ بَعْضٍ حَجَبَ الْأَعْلَى الْأَسْفَلَ ؛ لِأَنَّ الْأَعْلَى يَقُولُ : أَنَا ابْنُ الْمَيِّتِ ، وَالْأَسْفَلَ يَقُولُ : أَنَا ابْنُ ابْنِ الْمَيِّتِ ، فَلَمَّا اسْتَفَلَّتْ دَرَجَتُهُ انْقَطَعَتْ حُجَّتُهُ ؛ لِأَنَّ الَّذِي يُدْلِي بِهِ يُقْطَعُ بِهِ ، فَإِنْ كَانَ الْوَلَدُ الْأَعْلَى ذَكَرًا سَقَطَ الْأَسْفَلُ ، وَإِنْ كَانَ الْوَلَدُ الْأَعْلَى أُنْثَى أَخَذَتْ الْأُنْثَى حَقَّهَا ، وَبَقِيَ الْبَاقِي لِوَلَدِ الْوَلَدِ إنْ كَانَ ذَكَرًا ، وَإِنْ كَانَ وَلَدُ الْوَلَدِ أُنْثَى أُعْطِيت الْعُلْيَا النِّصْفَ ، وَأُعْطِيَتْ السُّفْلَى السُّدُسَ تَكْمِلَةَ الثُّلُثَيْنِ ؛ لِأَنَّا نُقَدِّرُهُمَا بِنْتَيْنِ مُتَفَاوِتَتَيْنِ فِي الرُّتْبَةِ ، فَاشْتَرَكَتَا فِي الثُّلُثِ بِحُكْمِ الْبِنْتِيَّةِ ، وَتَفَاوَتَتَا فِي الْقِسْمَةِ بِتَفَاوُتِ الدَّرَجَة ؛ \rوَبِهَذِهِ الْحِكْمَةُ جَاءَتْ السُّنَّةُ.","part":20,"page":289},{"id":8726,"text":"وَإِنْ كَانَ الْوَلَدُ الْأَعْلَى بِنْتَيْنِ أَخَذَتَا الثُّلُثَيْنِ ، فَإِنْ كَانَ الْوَلَدُ الْأَسْفَلُ أُنْثَى لَمْ يَكُنْ لَهَا شَيْءٌ إلَّا أَنْ يَكُونَ بِإِزَائِهَا أَوْ أَسْفَلَ مِنْهَا ذَكَرٌ فَإِنَّهَا تَأْخُذُ مَعَهُ مَا بَقِيَ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ بِإِجْمَاعِ الصَّحَابَةِ ، إلَّا مَا يُرْوَى عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ أَنَّهُ قَالَ : \" إنْ كَانَ الذَّكَرُ مِنْ وَلَدِ الْوَلَدِ بِإِزَائِهَا رَدَّ عَلَيْهَا ، وَإِنْ كَانَ أَسْفَلَ مِنْهَا لَمْ يَرُدَّ عَلَيْهَا شَيْئًا \" ، مُرَاعِيًا فِي ذَلِكَ.\rظَاهِرُ قَوْله تَعَالَى : { فَإِنْ كُنَّ نِسَاءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكَ } فَلَمْ يَجْعَلْ لِلْبَنَاتِ وَإِنْ كَثُرْنَ شَيْئًا إلَّا الثُّلُثَيْنِ ؛ وَهَذَا سَاقِطٌ ، فَإِنَّ الْمَوْضِعَ الَّذِي قَضَيْنَا فِيهِ بِاشْتِرَاكِ بِنْتِ الِابْنِ مَعَ ابْنِ أَخِيهَا وَاشْتِرَاكِ ابْنِ الِابْنِ مَعَ عَمَّتِهِ لَيْسَ حُكْمًا بِالسَّهْمِ الَّذِي اقْتَضَاهُ قَوْله تَعَالَى : { فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكَ } وَإِنَّمَا هُوَ قَضَاءٌ بِالتَّعْصِيبِ.\rوَالدَّلِيلُ عَلَيْهِ اشْتِرَاكُهُمَا مَعَهُ إذَا كَانَتَا بِإِزَائِهِ ، وَإِنْ كَانَ ذَلِكَ زِيَادَةً عَلَى الثُّلُثَيْنِ ، وَهَذَا قَاطِعٌ جِدًّا.","part":20,"page":290},{"id":8727,"text":"وَلَوْ قَالَ قَائِلٌ : إنَّهُ لَوْ وَازَاهَا مَا رَدَّ عَلَيْهَا ، وَلَا شَارَكَتْهُ مُرَاعَاةً لِهَذَا الظَّاهِرِ لَقِيلَ لَهُ : لَا حُجَّةَ لَكَ فِي هَذَا الظَّاهِرِ ؛ لِأَنَّ هَذَا حَقٌّ أُخِذَ بِالسَّهْمِ ، وَهَذَا حَقٌّ أُخِذَ بِالتَّعْصِيبِ ؛ وَمَا يُؤْخَذُ بِالتَّعْصِيبِ يَجُوزُ أَنْ يَزِيدَ عَلَى الثُّلُثَيْنِ بِخِلَافِ السَّهْمِ الْمَفْرُوضِ الْمُعَيَّنِ ؛ أَلَا تَرَى أَنَّ رَجُلًا لَوْ تَرَكَ عَشْرَ بَنَاتٍ وَابْنًا وَاحِدًا ، لَأَخَذَتْ الْبَنَاتُ أَكْثَرَ مِنْ الثُّلُثَيْنِ ، وَلَكِنَّ ذَلِكَ لَمَّا كَانَ بِالتَّعْصِيبِ لَمْ يَقْدَحْ فِي الَّذِي يَجِبُ بِالسَّهْمِ ؛ وَفِي ذَلِكَ تَفْصِيلٌ طَوِيلٌ بَيَانُهُ فِي الْفَرَائِضِ.\rالْمَسْأَلَةُ السَّادِسَةُ : قَوْله تَعَالَى : { فَإِنْ كُنَّ نِسَاءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ } وَهِيَ مُعْضِلَةٌ عَظِيمَةٌ فَإِنَّهُ تَعَالَى لَوْ قَالَ : فَإِنْ كُنَّ اثْنَتَيْنِ فَمَا فَوْقَهُمَا فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكَ لَانْقَطَعَ النِّزَاعُ ، فَلَمَّا جَاءَ الْقَوْلُ هَكَذَا مُشْكِلًا وَبَيَّنَ حُكْمَ الْوَاحِدَةِ بِالنِّصْفِ وَحُكْمَ مَا زَادَ عَلَى الِاثْنَتَيْنِ بِالثُّلُثَيْنِ ، وَسَكَتَ عَنْ حُكْمِ الْبِنْتَيْنِ أُشْكِلَتْ الْحَالُ ، فَرُوِيَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ قَالَ : تُعْطَى الْبَنَاتُ النِّصْفَ ، كَمَا تُعْطَى الْوَاحِدَةُ ؛ إلْحَاقًا لِلْبِنْتَيْنِ بِالْوَاحِدَةِ مِنْ طَرِيقِ النَّظَرِ ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ الزِّيَادَةِ عَلَى النِّصْفِ ، وَأَنَّ ذَلِكَ لَمَّا زَادَ عَلَى الْبِنْتَيْنِ فَتَخْتَصُّ الزِّيَادَةُ بِتِلْكَ الْحَالِ.","part":20,"page":291},{"id":8728,"text":"الْجَوَابُ : أَنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى لَوْ كَانَ مُبَيِّنًا حَالَ الْبِنْتَيْنِ بَيَانَهُ لِحَالِ الْوَاحِدَةِ وَمَا فَوْقَ الْبِنْتَيْنِ لَكَانَ ذَلِكَ قَاطِعًا ، وَلَكِنَّهُ سَاقَ الْأَمْرَ مَسَاقَ الْإِشْكَالِ ؛ لِتَتَبَيَّنَ دَرَجَةُ الْعَالِمِينَ ، وَتَرْتَفِعَ مَنْزِلَةُ الْمُجْتَهِدِينَ فِي أَيِّ الْمَرْتَبَتَيْنِ [ فِي ] إلْحَاقِ الْبِنْتَيْنِ أَحَقُّ ؟ وَإِلْحَاقُهُمَا بِمَا فَوْقَ الِاثْنَتَيْنِ أَوْلَى مِنْ سِتَّةِ أَوْجُهٍ : الْأَوَّلُ : أَنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى لَمَّا قَالَ : { لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ } نَبَّهَ عَلَى أَنَّهُ إذَا وَجَبَ لَهَا مَعَ أَخِيهَا الثُّلُثُ فَأَوْلَى وَأَحْرَى أَنْ يَجِبَ لَهَا ذَلِكَ مَعَ أُخْتِهَا.\rالثَّانِي : أَنَّهُ رُوِيَ عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الصَّحِيحِ : { أَنَّهُ قَضَى فِي بِنْتٍ وَبِنْتِ ابْنٍ وَأُخْتٍ بِالسُّدُسِ لِبِنْتِ الِابْنِ ، وَالنِّصْفِ لِلْبِنْتِ تَكْمِلَةَ الثُّلُثَيْنِ ، وَمَا بَقِيَ فَلِلْأُخْتِ } ، فَإِذَا كَانَ لِبِنْتِ الِابْنِ مَعَ الْبِنْتِ الثُّلُثَانِ فَأَحْرَى وَأَوْلَى أَنْ يَكُونَ لَهَا ذَلِكَ مَعَ أُخْتِهَا.\rالثَّالِثُ : { أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَضَى بِالثُّلُثَيْنِ لِابْنَتَيْ سَعْدِ بْنِ الرَّبِيعِ } كَمَا قَدَّمْنَا ، \rوَهُوَ نَصٌّ.\rالرَّابِعُ : أَنَّ الْمَعْنَى فِيهِ : فَإِنْ كُنَّ نِسَاءً اثْنَتَيْنِ فَمَا فَوْقَهُمَا ، كَمَا قَالَ تَعَالَى : { فَاضْرِبُوا فَوْقَ الْأَعْنَاقِ } أَيْ اضْرِبُوا الْأَعْنَاقَ فَمَا فَوْقَهَا.","part":20,"page":292},{"id":8729,"text":"الْخَامِسُ : أَنَّ النِّصْفَ سَهْمٌ لَمْ يُجْعَلْ فِيهِ اشْتِرَاكٌ ؛ بَلْ شُرِعَ مُخْلَصًا لِلْوَاحِدَةِ ، بِخِلَافِ الثُّلُثَيْنِ فَإِنَّهُ سَهْمُ الِاشْتِرَاكِ بِدَلِيلِ دُخُولِ الثَّلَاثِ فِيهِ فَمَا فَوْقَهُنَّ ؛ فَدَخَلَتْ فِيهِ الِاثْنَتَانِ مَعَ الثُّلُثِ دُخُولَ الثَّلَاثِ مَعَ مَا فَوْقَهُنَّ.\rالسَّادِسُ : أَنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ قَالَ فِي الْأَخَوَاتِ : { وَلَهُ أُخْتٌ فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ } وَقَالَ : { فَإِنْ كَانَتَا اثْنَتَيْنِ فَلَهُمَا الثُّلُثَانِ } فَلَحِقَتْ الِابْنَتَانِ بِالْأُخْتَيْنِ فِي الِاشْتِرَاكِ فِي الثُّلُثَيْنِ ، وَحُمِلَتَا عَلَيْهِمَا ، وَلَحِقَتْ الْأَخَوَاتُ إذَا زِدْنَ عَلَى اثْنَتَيْنِ بِالْبَنَاتِ فِي الِاشْتِرَاكِ فِي الثُّلُثَيْنِ وَحُمِلَتَا عَلَيْهِنَّ.\rقَالَ بَعْضُ عُلَمَائِنَا : كَمَا حَمَلْنَا الِابْنَ فِي الْإِحَاطَةِ بِالْمَالِ بِطَرِيقِ التَّعْصِيبِ عَلَى الْأَخِ ، بِدَلِيلِ قَوْله تَعَالَى : { وَهُوَ يَرِثُهَا إنْ لَمْ يَكُنْ لَهَا وَلَدٌ } وَهَذَا كُلُّهُ لِيَتَبَيَّنَ بِهِ الْعُلَمَاءُ أَنَّ الْقِيَاسَ مَشْرُوعٌ ، وَالنَّصَّ قَلِيلٌ.\rوَهَذِهِ الْأَوْجُهُ السِّتَّةُ بَيِّنَةُ الْمَعْنَى ، وَإِنْ كَانَ بَعْضُهَا أَجْلَى مِنْ بَعْضٍ ؛ لَكِنَّ مَجْمُوعَهَا يُبِينُ الْمَقْصُودَ.","part":20,"page":293},{"id":8730,"text":"الْمَسْأَلَةُ السَّابِعَةُ : قَوْله تَعَالَى : { وَلِأَبَوَيْهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ } هَذَا قَوْلٌ لَمْ يَدْخُلْ فِيهِ مَنْ عَلَا مِنْ الْآبَاءِ دُخُولَ مَنْ سَفُلَ مِنْ الْأَبْنَاءِ فِي قَوْلِهِ : { أَوْلَادِكُمْ } لِثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ : الْأَوَّلُ : أَنَّ الْقَوْلَ هَاهُنَا مَثْنَى ، وَالْمَثْنَى لَا يَحْتَمِلُ الْعُمُومَ وَالْجَمْعَ.\rالثَّانِي : أَنَّهُ قَالَ : فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَلَدٌ وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ فَلِأُمِّهِ الثُّلُثُ ، وَالْأُمُّ الْعُلْيَا هِيَ الْجَدَّةُ ، وَلَا يُفْرَضُ لَهَا الثُّلُثُ بِإِجْمَاعٍ ؛ فَخُرُوجُ الْجَدَّةِ مِنْ هَذَا اللَّفْظِ مَقْطُوعٌ بِهِ ، وَتَنَاوُلُهُ لِلْأَبِ مُخْتَلَفٌ فِيهِ.\rالثَّالِثُ : أَنَّهُ إنَّمَا قَصَدَ فِي قَوْلِهِ : { أَوْلَادِكُمْ } بَيَانَ الْعُمُومِ ، وَقَصَدَ هَاهُنَا بَيَانَ النَّوْعَيْنِ مِنْ الْآبَاءِ وَهُمَا الذَّكَرُ وَالْأُنْثَى ، وَتَفْصِيلُ فَرْضِهِمَا دُونَ الْعُمُومِ ؛ فَأَمَّا الْجَدُّ فَقَدْ اخْتَلَفَ فِيهِ الصَّحَابَةُ ؛ فَرُوِيَ عَنْ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ أَنَّهُ جَعَلَهُ أَبًا ، وَحَجَبَ بِهِ الْإِخْوَةَ أَخْذًا بِقَوْلِهِ تَعَالَى : { مِلَّةَ أَبِيكُمْ إبْرَاهِيمَ } وَبِقَوْلِهِ تَعَالَى : { يَا بَنِي آدَمَ } وَقَدْ بَيَّنَّا أَنَّ هَذَا اللَّفْظَ مَسَاقُهُ بَيَانُ التَّنْوِيعِ لَا بَيَانُ الْعُمُومِ ، وَمَقَاصِدُ الْأَلْفَاظِ أَصْلٌ يَرْجِعُ إلَيْهِ.","part":20,"page":294},{"id":8731,"text":"وَاَلَّذِي نُحَقِّقُهُ مِنْ طَرِيقِ النَّظَرِ وَالْمَعْنَى أَنَّ الْأَخَ أَقْوَى سَبَبًا مِنْ الْجَدِّ ؛ فَإِنَّ الْأَخَ يَقُولُ : أَنَا ابْنُ أَبِي الْمَيِّتِ ، وَالْجَدُّ يَقُولُ : أَنَا أَبُو أَبِي الْمَيِّتِ ، وَسَبَبُ الْبُنُوَّةِ أَقْوَى مِنْ سَبَبِ الْأُبُوَّةُ ؛ فَكَيْف يُسْقِطُ الْأَضْعَفُ الْأَقْوَى ؛ وَهَذَا بَعِيدٌ ، وَالْمَسْأَلَةُ مَشْهُورَةٌ طُيُولِيَّةٌ فِي مَسَائِلِ الْخِلَافِ ، وَالْغَرَضُ مِنْ هَذَا الْبَيَانِ إيضَاحُ أَنَّ الْمَسْأَلَةَ قِيَاسِيَّةٌ لَا مَدْخَلَ لَهَا فِي هَذِهِ الْأَلْفَاظِ ؛ فَأَمَّا الْجَدَّةَ فَقَدْ صَحَّ أَنَّ الْجَدَّةَ أُمَّ الْأُمِّ جَاءَتْ أَبَا بَكْرٍ الصِّدِّيقَ فَقَالَ لَهَا : لَا أَجِدُ لَكِ فِي كِتَابِ اللَّهِ شَيْئًا ، وَمَا أَنَا بِزَائِدٍ فِي الْفَرَائِضِ شَيْئًا ؛ \rفَإِنْ وُجِدَ الْأَبُ وَالْأُمُّ لَمْ يَكُنْ لِلْجَدِّ وَالْجَدَّةِ شَيْءٌ ؛ لِأَنَّ الْأَدْنَى يَحْجُبُ الْأَبْعَدَ كَمَا تَقَدَّمَ فِي الْأَوْلَادِ ، وَإِنْ عَدِمَا يَنْزِلُ الْأَبْعَدُ مَنْزِلَةَ مَنْ كَانَ قَبْلَهُ.\rالْمَسْأَلَةُ الثَّامِنَةُ : قَالَ بَعْضُ النَّاسِ : مَعْنَاهُ إنْ كَانَ لَهُ وَلَدٌ ذَكَرٌ ، وَأَمَّا إنْ كَانَ الْوَلَدُ أُنْثَى أَخَذَتْ النِّصْفَ ، وَأَخَذَتْ الْأُمُّ السُّدُسَ ، وَأَخَذَ الْأَبُ الثُّلُثَ ؛ وَهَذَا ضَعِيفٌ ، بَلْ يَأْخُذُ الْأَبُ السُّدُسَ سَهْمًا وَالسُّدُسَ الْآخَرَ تَعْصِيبًا ، وَهُوَ مَعْنًى آخَرُ لَمْ يَقَعْ عَلَيْهِ نَصٌّ فِي الْآيَةِ ، إنَّمَا هُوَ تَنْبِيهٌ ظَاهِرٌ ، عَلَى مَا يَأْتِي بَيَانُهُ إنْ شَاءَ اللَّهُ.","part":20,"page":295},{"id":8732,"text":"الْمَسْأَلَةُ التَّاسِعَةُ : قَوْله تَعَالَى : { وَلِأَبَوَيْهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ } إلَى قَوْلِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى : { الثُّلُثُ } قَالَ عُلَمَاؤُنَا : سَوَّى اللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى بَيْنَ الْأَبَوَيْنِ مَعَ وُجُودِ الْوَلَدِ ، وَفَاضَلَ بَيْنَهُمَا مَعَ عَدَمِهِ فِي أَنْ جَعَلَ سَهْمَيْهِمَا لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ ، وَالْمَعْنَى فِيهِ أَنَّهُمَا يُدْلِيَانِ بِقَرَابَةٍ وَاحِدَةٍ وَهِيَ الْأُبُوَّةُ ، فَاسْتَوَيَا مَعَ وُجُودِ الْوَلَدِ ؛ فَإِنْ عَدِمَ الْوَلَدُ فَضَلَ الْأَبُ الْأُمَّ بِالذُّكُورَةِ وَالنُّصْرَةِ وَوُجُوبِ الْمُؤْنَةِ عَلَيْهِ ، وَثَبَتَتْ الْأُمُّ عَلَى سَهْمٍ لِأَجْلِ الْقَرَابَةِ.\rالْمَسْأَلَةُ الْعَاشِرَةُ : إذَا اجْتَمَعَ الْآبَاءُ وَالْأَوْلَادُ قَدَّمَ اللَّهُ الْأَوْلَادَ ؛ لِأَنَّ الْأَبَ كَانَ يُقَدِّمُ وَلَدَهُ عَلَى نَفْسِهِ ، وَيَوَدُّ أَنَّهُ يَرَاهُ فَوْقَهُ وَيَكْتَسِبُ لَهُ ؛ فَقِيلَ لَهُ : حَالُ حَفِيدِكَ مَعَ وَلَدِكِ كَحَالِكَ مَعَ وَلَدِكِ.","part":20,"page":296},{"id":8733,"text":"الْمَسْأَلَةُ الْحَادِيَةَ عَشْرَةَ : قَوْله تَعَالَى : { فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَلَدٌ وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ } يَقْتَضِي أَنَّهُ لَا وَارِثَ لَهُ ، مَعَ عَدِمَ الْأَوْلَادِ إلَّا الْأَبَوَانِ ؛ فَكَانَ ظَاهِرُ الْكَلَامِ أَنْ يَقُولَ : فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَلَدٌ وَرِثَهُ أَبَوَاهُ فَلِأُمِّهِ الثُّلُثُ ، وَلَكِنَّهُ أَرَادَ زِيَادَةَ الْوَاوِ لِيُبَيِّنَ أَنَّهُ أَمْرٌ مُسْتَقِرٌّ خَبَّرَ عَنْ ثُبُوتِهِ وَاسْتِقْرَارِهِ ؛ لِأَنَّ الْأَوْلَادَ أَسْقَطُوا الْإِخْوَةَ ، وَشَارَكَهُمْ الْأَبُ ، وَأَخَذَ حَظَّهُ مِنْ أَيْدِيهِمْ ؛ فَوَجَبَ أَنْ يَسْقُطَ مَنْ أُسْقِطُوا ، بَلْ أَوْلَى ، وَأَيْضًا فَإِنَّ الْأَخَ بِالْأَبِ يُدْلِي فَيَقُولُ : أَنَا ابْنُ أَبِيهِ ، فَلَمَّا كَانَ وَاسِطَتُهُ وَسَبَبُهُ الَّذِي يُرِيدُ أَنْ يَأْخُذَ بِهِ هُوَ الْأَبُ كَانَ سَبَبُهُ أَوْلَى مِنْهُ وَمَانِعًا لَهُ ؛ فَيَكُونُ حَالُ الْوَالِدَيْنِ عِنْدَ انْفِرَادِهِمَا كَحَالِ الْوَالِدَيْنِ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ كَمَا تَقَدَّمَ بَيَانُهُ ، وَيَجْتَمِعُ بِذَلِكَ لِلْأَبِ فَرْضَانِ : السَّهْمُ ، وَالتَّعْصِيبُ ، وَهَذَا عَدْلٌ فِي الْحُكْمِ\rظَاهِرٌ فِي الْحِكْمَةِ.","part":20,"page":297},{"id":8734,"text":"الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةَ عَشْرَةَ : قَوْله تَعَالَى : { فَإِنْ كَانَ لَهُ إخْوَةٌ فَلِأُمِّهِ السُّدُسُ } الْمَعْنَى إنْ وُجِدَ لَهُ إخْوَةٌ فَلِأُمِّهِ السُّدُسُ ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُمْ شَيْءٌ مِنْ الْمِيرَاثِ فَهُمْ يُحْجَبُونَ وَلَا يَرِثُونَ بِظَاهِرِ هَذَا اللَّفْظِ ، بِخِلَافِ الِابْنِ الْكَافِرِ ، عَلَى مَا يَأْتِي بَيَانُهُ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى ، وَكَانَ دَلِيلُ ذَلِكَ ، وَعَاضَدَهُ ، وَبَسَطَهُ أَنَّ قَوْله تَعَالَى : { فَإِنْ كَانَ لَهُ إخْوَةٌ } مَعْطُوفٌ عَلَى مَا سَبَقَ ، فَصَارَ تَقْدِيرُ الْكَلَامِ : فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَلَدٌ وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ فَلِأُمِّهِ الثُّلُثُ ، وَالْبَاقِي لِلْأَبِ ، وَإِنْ كَانَ لَهُ إخْوَةٌ فَلِأُمِّهِ السُّدُسُ ، وَالْبَاقِي لِلْأَبِ ، وَهَكَذَا يَزْدَوِجُ الْكَلَامُ وَيَصِحُّ الِاشْتِرَاكُ الَّذِي يَقْتَضِيهِ الْعَطْفُ.\rفَإِنْ قِيلَ : إنَّمَا تَقْدِيرُ الْكَلَامِ فَإِنْ كَانَ لَهُ إخْوَةٌ وَلَا أَبَ لَهُ فَلِأُمِّهِ السُّدُسُ.\rقُلْنَا : هَذَا سَاقِطٌ مِنْ أَرْبَعَةِ أَوْجُهٍ : أَحَدُهَا : أَنَّهُ تَبْطُلُ فَائِدَةُ الْعَطْفِ.\rالثَّانِي : أَنَّهُ إبْطَالٌ لِفَائِدَةِ الْكَلَامِ مِنْ الْبَيَانِ ، فَإِنَّا كُنَّا نُعْطِي بِذَلِكَ الْأُمَّ السُّدُسَ ، وَمَا نَدْرِي مَا نَصْنَعُ بِبَاقِي الْمَالِ ؟ فَإِنْ قِيلَ : يُعْطِي لِلْإِخْوَةِ.\rقُلْنَا : وَهُمْ مَنْ ؟ أَوْ كَيْفَ يُعْطِي لَهُمْ ؟ فَيَكُونُ الْقَوْلُ مُشْكَلًا غَيْرَ مُبَيَّنٍ وَلَا مُبِينٍ ، وَهَذَا لَا يَجُوزُ.","part":20,"page":298},{"id":8735,"text":"الثَّالِثُ : أَنَّهُ كَانَ يَبْقَى قِسْمٌ مِنْ الْأَقْسَامِ غَيْرُ مُبَيَّنٍ ، وَهُوَ إنْ كَانَ لَهُ إخْوَةٌ وَلَهُ أَبٌ وَأُمٌّ فَاعْتِبَارُهُ بِالْبَيَانِ أَوْلَى ، وَمَا صَوَّرُوهُ مِنْ أُمٍّ وَإِخْوَةٍ قَدْ بُيِّنَ فِي قَوْلِهِ : { وَإِنْ كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلَالَةً أَوْ امْرَأَةٌ } وَهَذَا مِنْ نَفِيسِ الْكَلَامِ ، فَتَأَمَّلُوهُ.\rالرَّابِعُ : أَنَّهُ تَبَيَّنَ هَاهُنَا فَائِدَتَانِ : إحْدَاهُمَا : حَجْبُ الْأُمِّ بِالْإِسْقَاطِ لَهُمْ.\rالثَّانِي : حَجْبُ النُّقْصَانِ لِلْأُمِّ.\rالْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةَ عَشْرَةَ : قَوْله تَعَالَى { فَإِنْ كَانَ لَهُ إخْوَةٌ فَلِأُمِّهِ السُّدُسُ } هَذَا قَوْلٌ\rيَقْتَضِي بِظَاهِرِهِ أَنَّهُ إذَا كَانَ لَهُ ثَلَاثَةُ إخْوَةٍ أَنَّهُمْ يَحْجُبُونَهَا حَجْبَ نُقْصَانٍ بِلَا خِلَافٍ ، وَإِنْ كَانَا أَخَوَيْنِ فَرُوِيَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُمَا لَا يَحْجُبَانِهَا ؛ وَغَرَضُهُ ظَاهِرٌ ؛ فَإِنَّ الْجَمْعَ خِلَافُ التَّثْنِيَةِ لَفْظًا وَصِيغَةً ، وَهَذِهِ صِيغَةُ الْجَمْعِ فَلَا مَدْخَلَ لَهَا فِي التَّثْنِيَةِ.\rوَمَنْ يَعْجَبُ فَعَجَبٌ أَنْ يَخْفَى عَلَى حَبْرِ الْأُمَّةِ وَتُرْجَمَانِ الْقُرْآنِ وَدَلِيلِ التَّأْوِيلِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ مَسْأَلَتَانِ : إحْدَاهُمَا هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ ، وَالْأُخْرَى مَسْأَلَةُ الْعَوْلِ ؛ وَعَضَّدَ هَذَا الظَّاهِرَ بِأَنْ قَالَ : إنَّ الْأُمَّ أَخَذَتْ الثُّلُثَ بِالنَّصِّ ، فَكَيْف يَسْقُطُ النَّصُّ بِمُحْتَمَلٍ.\rوَهَذَا الْمَنْحَى مَائِلٌ عَنْ سُنَنِ الصَّوَابِ.","part":20,"page":299},{"id":8736,"text":"وَلِعُلَمَائِنَا فِي ذَلِكَ سَبِيلٌ مَسْلُوكَةٌ نَذْكُرُهَا وَنُبَيِّنُ الْحَقُّ فِيهَا إنْ شَاءَ اللَّهُ ، وَذَلِكَ مِنْ ثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ : الْأَوَّلُ : أَنَّهُ يَنْطَلِقُ لَفْظُ الْإِخْوَةِ عَلَى الْأَخَوَيْنِ ؛ بَلْ قَدْ يَنْطَلِقُ لَفْظُ الْجَمَاعَةِ عَلَى الْوَاحِدِ ، تَقُولُ الْعَرَبُ : نَحْنُ فَعَلْنَا ، وَتُرِيدُ الْقَائِلُ لِنَفْسِهِ خَاصَّةً.\rوَقَدْ قَالَ تَعَالَى : { هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ } وَقَالَ : { وَهَلْ أَتَاكَ نَبَأُ الْخَصْمِ إذْ تَسَوَّرُوا الْمِحْرَابَ } ثُمَّ قَالَ : { خَصْمَانِ بَغَى بَعْضُنَا عَلَى بَعْضٍ } وَقَالَ : { فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا } وَقَالَ : { وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شَاهِدِينَ } وَقَالَ : { بِمَ يَرْجِعُ الْمُرْسَلُونَ } وَالرَّسُولُ وَاحِدٌ.\rوَقَالَ تَعَالَى : { أُولَئِكَ مُبَرَّءُونَ مِمَّا يَقُولُونَ } يَعْنِي عَائِشَةَ ، وَقِيلَ عَائِشَةُ وَصَفْوَانُ.\rوَقَالَ : { وَأَلْقَى الْأَلْوَاحَ } وَكَانَا اثْنَيْنِ كَمَا نُقِلَ فِي التَّفْسِيرِ.\rوَقَالَ : { وَأَطْرَافَ النَّهَارِ } وَهُمَا طَرَفَانِ.\rوَقَالَ : { إنَّا مَعَكُمْ مُسْتَمِعُونَ } وَقَالَ : { أَفَمَنْ كَانَ مُؤْمِنًا كَمَنْ كَانَ فَاسِقًا لَا يَسْتَوُونَ } وَقَالَ : { الَّذِينَ قَالَ لَهُمْ النَّاسُ إنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ } وَكَانَ وَاحِدًا.\rوَهَذَا كُلُّهُ صَحِيحٌ\rفِي اللُّغَةِ سَائِغٌ ، لَكِنْ إذَا قَامَ عَلَيْهِ دَلِيلٌ ؛ فَأَيْنَ الدَّلِيلُ ؟ .","part":20,"page":300},{"id":8737,"text":"الثَّانِي : أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ فِي مِيرَاثِ الْأَخَوَاتِ : { فَإِنْ كَانَتَا اثْنَتَيْنِ فَلَهُمَا الثُّلُثَانِ مِمَّا تَرَكَ } فَحَمَلَ الْعُلَمَاءُ الْبِنْتَيْنِ عَلَى الْأُخْتَيْنِ فِي الِاشْتِرَاكِ فِي الثُّلُثَيْنِ ، وَحَمَلُوا الْأَخَوَاتِ عَلَى الْبَنَاتِ فِي الِاشْتِرَاكِ فِي الثُّلُثَيْنِ ، وَكَانَ هَذَا نَظَرًا دَقِيقًا وَأَصْلًا عَظِيمًا فِي الِاعْتِبَارِ ، وَعَلَيْهِ الْمُعَوَّلُ ، وَأَرَادَ الْبَارِي بِذَلِكَ أَنْ يُبَيِّنَ لَنَا دُخُولَ الْقِيَاسِ فِي الْأَحْكَامِ.\rالثَّالِثُ : أَنَّ الْكَلَامَ فِي ذَلِكَ لَمَّا وَقَعَ بَيْنَ عُثْمَانَ وَابْنِ عَبَّاسٍ ؛ قَالَ لَهُ عُثْمَانُ : إنَّ قَوْمَكَ حَجَبُوهَا يَعْنِي بِذَلِكَ قُرَيْشًا ، وَهُمْ أَهْلُ الْفَصَاحَةِ وَالْبَلَاغَةِ وَهُمْ الْمُخَاطَبُونَ ، وَالْقَائِمُونَ لِذَلِكَ ؛ وَالْعَامِلُونَ بِهِ ؛ فَإِذَا ثَبَتَ هَذَا فَلَا يَبْقَى لِنَظَرِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَجْهٌ ؛ لِأَنَّهُ إنْ عَوَّلَ عَلَى اللُّغَةِ فَغَيْرُهُ مِنْ نَظَائِرِهِ وَمَنْ فَوْقَهُ مِنْ الصَّحَابَةِ أَعْرَفُ بِهَا ، وَإِنْ عَوَّلَ عَلَى الْمَعْنَى فَهُوَ لَنَا ؛ لِأَنَّ الْأُخْتَيْنِ كَالْبِنْتَيْنِ كَمَا بَيَّنَّا ، وَلَيْسَ فِي الْحُكْمِ بِمَذْهَبِنَا خُرُوجٌ عَنْ ظَاهِرِ الْكَلَامِ ؛ لِأَنَّا بَيَّنَّا أَنَّ فِي اللُّغَةِ وَارِدًا لَفْظَ الِاثْنَيْنِ عَلَى الْجَمِيعِ.","part":20,"page":301},{"id":8738,"text":"الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةَ عَشْرَةَ : قَوْله تَعَالَى : { مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ } قَالَ عُلَمَاؤُنَا : هَذَا فَصْلٌ عَظِيمٌ مِنْ فُصُولِ الْفَرَائِضِ ، وَأَصْلٌ عَظِيمٌ مِنْ أُصُولِ الشَّرِيعَةِ ؛ وَذَلِكَ أَنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ جَعَلَ الْمَالَ قِوَامًا لِلْخَلْقِ ؛ وَيَسَّرَ لَهُمْ السَّبَبَ إلَى جَمْعِهِ بِوُجُوهٍ مُتْعَبَةٍ ، وَمَعَانٍ عَسِيرَةٍ ، وَرَكَّبَ فِي جِبِلَّاتِهِمْ الْإِكْثَارَ مِنْهُ وَالزِّيَادَةَ عَلَى الْقُوتِ الْكَافِي الْمُبَلِّغِ إلَى الْمَقْصُودِ ، وَهُوَ تَارِكُهُ بِالْمَوْتِ يَقِينًا ، وَمُخَلِّفُهُ لِغَيْرِهِ ، فَمِنْ رِفْقِ الْخَالِقِ بِالْخَلْقِ صَرْفُهُ عِنْدَ فِرَاقِ الدُّنْيَا ؛ إبْقَاءً عَلَى الْعَبْدِ وَتَخْفِيفًا مِنْ حَسْرَتِهِ عَلَى أَرْبَعَةِ أَوْجُهٍ : الْأَوَّلُ : مَا يَحْتَاجُ إلَيْهِ مِنْ كَفَنِهِ وَجِهَازِهِ إلَى قَبْرِهِ.\rالثَّانِي : مَا تَبْرَأُ بِهِ ذِمَّتُهُ مِنْ دَيْنِهِ.\rالثَّالِثُ : مَا يَتَقَرَّبُ بِهِ إلَى اللَّهِ مِنْ خَيْرٍ لِيَسْتَدْرِكَ بِهِ مَا فَاتَ فِي أَيَّامِ مُهْلَتِهِ.\rالرَّابِعُ : مَا يَصِيرُ إلَى ذَوِي قَرَابَتِهِ الدَّانِيَةِ وَأَنْسَابِهِ الْمُشْتَبِكَةِ الْمُشْتَرَكَةِ.\rفَأَمَّا الْأَوَّلُ فَإِنَّمَا قَدِمَ ؛ لِأَنَّهُ أَوْلَى بِمَالِهِ مِنْ غَيْرِهِ ، وَلِأَنَّ حَاجَتَهُ الْمَاسَةَ فِي الْحَالِ مُتَقَدِّمَةٌ عَلَى دَيْنِهِ ، وَقَدْ كَانَ فِي حَيَاتِهِ لَا سَبِيلَ لِقَرَابَتِهِ إلَى قُوتِهِ وَلِبَاسِهِ ، وَكَذَلِكَ فِي كَفَنِهِ.\rوَأَمَّا تَقْدِيمُ الدَّيْنِ فَلِأَنَّ ذِمَّتَهُ مُرْتَهِنَةٌ بِدَيْنِهِ ، وَفَرْضُ الدَّيْنِ أَوْلَى مِنْ فِعْلِ الْخَيْرِ الَّذِي يُتَقَرَّبُ بِهِ.","part":20,"page":302},{"id":8739,"text":"فَأَمَّا تَقْدِيمُ الصَّدَقَةِ عَلَى الْمِيرَاثِ فِي بَعْضِ الْمَالِ فَفِيهِ مَصْلَحَةٌ شَرْعِيَّةٌ وَإِيَالَةٌ دِينِيَّةٌ ؛ لِأَنَّهُ لَوْ مَنَعَ جَمِيعَهُ لَفَاتَهُ بَابٌ مِنْ الْبِرِّ عَظِيمٌ ، وَلَوْ سُلِّطَ عَلَيْهِ لَمَا أَبْقَى لِوَرَثَتِهِ بِالصَّدَقَةِ مِنْهُ شَيْئًا لِأَكْثَرِ الْوَارِثِينَ أَوْ بَعْضِهِمْ ؛ فَقَسَّمَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ بِحِكْمَتِهِ الْمَالَ وَأَعْطَى الْخَلْقَ ثُلُثَ أَمْوَالِهِمْ فِي آخِرِ أَعْمَارِهِمْ ، وَأَبْقَى سَائِرَ الْمَالِ لِلْوَرَثَةِ ، كَمَا قَالَ\rعَلَيْهِ السَّلَامُ : { إنَّكَ إنْ تَذَرَ وَرَثَتَكَ أَغْنِيَاءَ خَيْرٌ مِنْ أَنْ تَذَرَهُمْ عَالَةً يَتَكَفَّفُونَ النَّاسَ }.\rمَعَ أَنَّهُ كَلَالَةٌ مِنْهُ بَعِيدٌ عَنْهُ.\rوَأَرَادَ بِقَوْلِهِ : \" خَيْرٌ \" هَاهُنَا وُجُوهًا مُعْظَمُهَا أَنَّ ذَلِكَ سَبَبٌ إلَى ذِكْرِهِ بِالْجَمِيلِ ، وَإِحْيَاءُ ذِكْرِهِ هُوَ إحْدَى الْحَيَاتَيْنِ ، وَمَعْنًى مَقْصُودٌ عِنْدَ الْعُقَلَاءِ ، وَقَدْ أَثْنَى اللَّهُ سُبْحَانَهُ عَلَى الْأَنْبِيَاءِ فِي طَرِيقِهِ فَقَالَ : { وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي الْآخِرِينَ } وَأَخْبَرَ عَنْ رَغْبَتِهِ فِيهِ فَقَالَ : { وَاجْعَلْ لِي لِسَانَ صِدْقٍ فِي الْآخِرِينَ } وَإِذَا كَانَ وَرَثَتُهُ أَغْنِيَاءَ عَظُمَ قَدْرُهُمْ ، وَشَرُفَ ذِكْرُهُمْ فِي الطَّاعَةِ وَذِكْرُهُ.","part":20,"page":303},{"id":8740,"text":"وَقَدْ ذَكَرَ اللَّهُ تَعَالَى الْأَوْجُهَ الثَّلَاثَةَ وَتَرَكَ الْأَوَّلَ ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِمَتْرُوكٍ ، وَإِنَّمَا يَكُونُ مَتْرُوكًا مَا فَضَلَ عَنْ حَاجَتِهِ وَمَصْلَحَتِهِ ؛ وَلَمَّا جَعَلَ اللَّهُ فِي الْقِسْمِ الثَّالِثِ الْوَصِيَّةَ مَشْرُوعَةً مَسُوغَةً لَهُ ، وَكَّلَهَا إلَى نَظَرِهِ لِنَفْسِهِ فِي أَعْيَانِ الْمُوصِي لَهُمْ ، وَبِمِقْدَارِ مَا يَصْلُحُ لَهُمْ.\rوَقَدْ كَانَتْ قَبْلَ ذَلِكَ مَفْرُوضَةً لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ غَيْرَ مُقَدَّرَةٍ ثُمَّ نُسِخَ ذَلِكَ ، فَرَوَى أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيُّ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : { إنَّ اللَّهَ أَعْطَى لِكُلِّ ذِي حَقٍّ حَقَّهُ ؛ لَا وَصِيَّةَ لِوَارِثٍ }.\rوَقَدْ رَوَى الْبُخَارِيُّ عَنْ { خَبَّابٍ قَالَ : هَاجَرْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَذَكَرَ الْحَدِيثَ ، ثُمَّ قَالَ : وَمِنْهُمْ مُصْعَبُ بْنُ عُمَيْرٍ قُتِلَ يَوْمَ أُحُدٍ ، فَلَمْ نَجِدْ لَهُ مَا نُكَفِّنُهُ فِيهِ إلَّا نَمِرَةً كُنَّا إذَا غَطَّيْنَا بِهَا رَأْسَهُ بَدَتْ رِجْلَاهُ ، وَإِذَا غَطَّيْنَا بِهَا رِجْلَيْهِ بَدَا رَأْسُهُ.\rفَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : غَطُّوا بِهَا رَأْسَهُ وَاجْعَلُوا عَلَيْهِ مِنْ الْإِذْخِرِ } ؛ فَبَدَأَ بِالْكَفَنِ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ.\rوَرَوَى الْأَئِمَّةُ ، { عَنْ جَابِرٍ أَنَّ أَبَاهُ اُسْتُشْهِدَ يَوْمَ أُحُدٍ ، وَتَرَكَ","part":20,"page":304},{"id":8741,"text":"سِتَّ بَنَاتٍ ، وَتَرَكَ دَيْنًا ، فَلَمَّا حَضَرَ جِدَادُ النَّخْلِ أَتَيْت رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقُلْت : يَا رَسُولَ اللَّهِ ؛ قَدْ عَلِمْت أَنَّ وَالِدِي اُسْتُشْهِدَ يَوْمَ أُحُدٍ ، وَتَرَكَ عَلَيْهِ دَيْنًا ، وَإِنِّي أُحِبُّ أَنْ يَرَاكَ الْغُرَمَاءُ.\rقَالَ : اذْهَبْ فَبَيْدِرْ كُلَّ تَمْرَةٍ عَلَى حِدَةٍ فَفَعَلْت : فَلَمَّا دَعَوْتُهُ وَحَضَرَ عِنْدِي وَنَظَرُوا إلَيْهِ كَأَنَّمَا أُغْرُوا بِي تِلْكَ السَّاعَةَ ، فَلَمَّا رَأَى مَا يَصْنَعُونَ طَافَ حَوْلَ أَعْظَمِهَا بَيْدَرًا فَجَلَسَ عَلَيْهِ ، وَقَالَ : اُدْعُ أَصْحَابَكَ ؛ فَمَا زَالَ يَكِيلُ لَهُمْ حَتَّى أَدَّى اللَّهُ أَمَانَةَ وَالِدِي }.\rفَقَدَّمَ الدَّيْنَ عَلَى الْمِيرَاثِ.\rوَرَوَى الْبُخَارِيُّ ، عَنْ سَلَمَةَ بْنِ الْأَكْوَعِ قَالَ : { كُنَّا جُلُوسًا عِنْدَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إذْ أُتِيَ بِجِنَازَةٍ فَقَالُوا : صَلِّ عَلَيْهَا ، فَقَالَ : هَلْ عَلَيْهِ دَيْنٌ ؟ قَالُوا : لَا ، فَصَلَّى عَلَيْهِ ، ثُمَّ أُتِيَ بِجِنَازَةٍ أُخْرَى فَقَالُوا : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، صَلِّ عَلَيْهَا.\rفَقَالَ : هَلْ عَلَيْهِ دَيْنٌ ؟ قَالُوا : نَعَمْ.\rقَالَ : فَهَلْ تَرَكَ شَيْئًا ؟ قَالُوا : ثَلَاثَةَ دَنَانِيرَ ، فَصَلَّى عَلَيْهِ.\rثُمَّ أُتِيَ بِالثَّالِثَةِ فَقَالُوا : صَلِّ عَلَيْهَا.\rفَقَالَ : هَلْ تَرَكَ شَيْئًا ؟ قَالُوا : لَا ، قَالَ : أَعَلَيْهِ دَيْنٌ ؟ قَالُوا : ثَلَاثَةُ دَنَانِيرَ.\rقَالَ : صَلُّوا عَلَى صَاحِبِكُمْ.","part":20,"page":305},{"id":8742,"text":"قَالَ أَبُو قَتَادَةَ : صَلِّ عَلَيْهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ وَعَلَيَّ دَيْنُهُ ، فَصَلَّى عَلَيْهِ } ، فَجَعَلَ الْوَفَاءَ بِمُقَابَلَةِ الدَّيْنِ.\rوَلِهَذِهِ الْآثَارِ وَالْمَعَانِي السَّالِفَةِ قَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَغَيْرُهُ : إنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَضَى بِالدَّيْنِ قَبْلَ الْوَصِيَّةِ ، وَأَنْتُمْ تُقَدِّمُونَ الْوَصِيَّةَ قَبْلَ الدَّيْنِ.\rفَإِنْ قِيلَ : فَمَا الْحِكْمَةُ فِي تَقْدِيمِ ذِكْرِ الْوَصِيَّةِ عَلَى ذِكْرِ الدَّيْنِ ، وَالدَّيْنُ مُقَدَّمٌ عَلَيْهَا ؟ قُلْنَا ؛ فِي ذَلِكَ خَمْسَةُ أَوْجُهٍ : الْأَوَّلُ : أَنَّ \" أَوْ \" لَا تُوجِبُ تَرْتِيبًا ، \rإنَّمَا تُوجِبُ تَفْصِيلًا ، فَكَأَنَّهُ قَالَ : مِنْ بَعْدِ أَحَدِهِمَا أَوْ مِنْ بَعْدِهِمَا ، وَلَوْ ذَكَرَهُمَا بِحَرْفِ الْوَاوِ لَأَوْهَمَ الْجَمْعَ وَالتَّشْرِيكَ ؛ فَكَانَ ذِكْرُهُمَا بِحَرْفِ \" أَوْ \" الْمُقْتَضِي التَّفْصِيلَ أَوْلَى.\rالثَّانِي : أَنَّهُ قَدَّمَ الْوَصِيَّةَ ؛ لِأَنَّ تَسَبُّبَهَا مِنْ قِبَلِ نَفْسِهِ ، وَالدَّيْنُ ثَابِتٌ مُؤَدًّى ذَكَرَهُ أَمْ لَمْ يَذْكُرْهُ.\rالثَّالِثُ : أَنَّ وُجُودَ الْوَصِيَّةِ أَكْثَرُ مِنْ وُجُودِ الدَّيْنِ ؛ فَقُدِّمَ فِي الذِّكْرِ مَا يَقَعُ غَالِبًا فِي الْوُجُودِ.\rالرَّابِعُ : أَنَّهُ ذَكَرَ الْوَصِيَّةَ ، لِأَنَّهُ أَمْرٌ مُشْكِلٌ ، هَلْ يَقْصِدُ ذَلِكَ وَيَلْزَمُ امْتِثَالُهُ أَمْ لَا ؟ لِأَنَّ الدَّيْنَ كَانَ ابْتِدَاءً تَامًّا مَشْهُورًا أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْهُ ، فَقَدَّمَ الْمُشْكِلَ ؛ لِأَنَّهُ أَهَمُّ فِي الْبَيَانِ.","part":20,"page":306},{"id":8743,"text":"الْخَامِسُ : أَنَّ الْوَصِيَّةَ كَانَتْ مَشْرُوعَةً ثُمَّ نُسِخَتْ فِي بَعْضِ الصُّوَرِ ، فَلَمَّا ضَعَّفَهَا النَّسْخُ قَوِيَتْ بِتَقْدِيمِ الذِّكْرِ ؛ وَذِكْرُهُمَا مَعًا كَانَ يَقْتَضِي أَنْ تَتَعَلَّقَ الْوَصِيَّةُ بِجَمِيعِ الْمَالِ تَعَلُّقَ الدَّيْنِ.\rلَكِنَّ الْوَصِيَّةَ خُصِّصَتْ بِبَعْضِ الْمَالِ ؛ لِأَنَّهَا لَوْ جَازَتْ فِي جَمِيعِ الْمَالِ لَاسْتَغْرَقَتْهُ وَلَمْ يُوجَدْ مِيرَاثٌ ؛ فَخَصَّصَهَا الشَّرْعُ بِبَعْضِ الْمَالِ ؛ بِخِلَافِ الدَّيْنِ ، فَإِنَّهُ أَمْرٌ يُنْشِئُهُ بِمَقَاصِدَ صَحِيحَةٍ فِي الصِّحَّةِ وَالْمَرَضِ ، بَيِّنَةِ الْمَنَاحِي فِي كُلِّ حَالٍ ؛ يَعُمُّ تَعَلُّقُهَا بِالْمَالِ كُلِّهِ.\rوَلَمَّا قَامَ الدَّلِيلُ وَظَهَرَ الْمَعْنَى فِي تَخْصِيصِ الْوَصِيَّةِ بِبَعْضِ الْمَالِ قَدَّرَتْ ذَلِكَ الشَّرِيعَةُ بِالثُّلُثِ ، وَبَيَّنَتْ الْمَعْنَى الْمُشَارَ إلَيْهِ عَلَى لِسَانِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي حَدِيثِ سَعْدٍ ؛ { قَالَ سَعْدٌ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، لِي مَالٌ وَلَا يَرِثُنِي إلَّا ابْنَةٌ لِي ، أَفَأَتَصَدَّقُ بِثُلُثَيْ مَالِي الْحَدِيثُ ، إلَى أَنْ قَالَ لَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : الثُّلُثُ وَالثُّلُثُ كَثِيرٌ ، إنَّكَ أَنْ تَذَرَ وَرَثَتَكَ أَغْنِيَاءَ\rخَيْرٌ مِنْ أَنْ تَذَرَهُمْ عَالَةً يَتَكَفَّفُونَ النَّاسَ }.\rفَظَهَرَتْ الْمَسْأَلَةُ قَوْلًا وَمَعْنًى وَتَبَيَّنَتْ حِكْمَةً وَحُكْمًا.","part":20,"page":307},{"id":8744,"text":"الْمَسْأَلَةُ الْخَامِسَةَ عَشْرَةَ : لَمَّا ذَكَرَ اللَّهُ تَقْدِيمَ الدَّيْنِ عَلَى الْوَصِيَّةِ تَعَلَّقَ بِذَلِكَ الشَّافِعِيُّ فِي تَقْدِيمِ دَيْنِ الزَّكَاةِ وَالْحَجِّ عَلَى الْمِيرَاثِ ، فَقَالَ : إنَّ الرَّجُلَ إذَا فَرَّطَ فِي زَكَاتِهِ وَحَجِّهِ أُخِذَ ذَلِكَ مِنْ رَأْسِ مَالِهِ.\rوَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَمَالِكٌ : إنْ أَوْصَى بِهَا أُدِّيَتْ مِنْ ثُلُثِهِ ، وَإِنْ سَكَتَ عَنْهَا لَمْ يَخْرُجْ عَنْهُ شَيْءٌ.\rوَتَعَلُّقُ الشَّافِعِيُّ ظَاهِرٌ بِبَادِئِ الرَّأْيِ ، لِأَنَّهُ حَقٌّ مِنْ الْحُقُوقِ ؛ فَلَزِمَ أَدَاؤُهُ عَنْهُ بَعْدَ الْمَوْتِ كَحُقُوقِ الْآدَمِيِّينَ ، لَا سِيَّمَا وَالزَّكَاةُ مَصْرِفُهَا إلَى الْآدَمِيِّ وَمُتَعَلَّقُ مَالِكٍ أَنَّ ذَلِكَ مُوجِبٌ إسْقَاطَ الزَّكَاةِ أَوْ تَرْكَ الْوَرَثَةِ فُقَرَاءَ ، لِأَنَّهُ يَعْتَمِدُ تَرْكَ الْكُلِّ ، حَتَّى إذَا مَاتَ اسْتَغْرَقَ ذَلِكَ جَمِيعَ مَالِهِ ؛ فَلَا يَبْقَى لِلْوَرَثَةِ حَقٌّ ؛ فَكَانَ هَذَا قَصْدًا بَاطِلًا فِي حَقِّ عِبَادَاتِهِ وَحَقِّ وَرَثَتِهِ ؛ وَكُلُّ مَنْ قَصَدَ بَاطِلًا فِي الشَّرِيعَةِ نُقِضَ عَلَيْهِ قَصْدُهُ ، تَحَقَّقَ ذَلِكَ مِنْهُ أَوْ اُتُّهِمَ بِهِ إذَا ظَهَرَتْ عَلَامَتُهُ ، كَمَا قَضَيْنَا بِحِرْمَانِ الْمِيرَاثِ لِلْقَاتِلِ ، وَقَدْ مَهَّدْنَاهُ فِي مَسَائِلِ الْخِلَافِ.","part":20,"page":308},{"id":8745,"text":"الْمَسْأَلَةُ السَّادِسَةَ عَشْرَةَ : قَوْله تَعَالَى : { آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ لَا تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعًا } اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي مَعْنَاهُ عَلَى قَوْلَيْنِ : أَحَدُهُمَا : لَا تَدْرُونَ فِي الدُّنْيَا أَنَّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعًا فِي الْآخِرَةِ ؛ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْ الْجِنْسَيْنِ يَشْفَعُ فِي الْآخِرَةِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ.\rالثَّانِي : لَا تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعًا ؛ أَيُّهُمْ أَرْفَعُ دَرَجَةً فِي الدُّنْيَا ؛ رُوِيَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ.\rوَالْمَعْنَى فِيهِ أَنَّهُ لَوْ تُرِكَ الْأَمْرُ عَلَى مَا كَانَ فِي أَوَّلِ الْإِسْلَامِ : الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ لَمْ يُؤْمَنْ إذَا قَسَّمَ التَّرِكَةَ فِي الْوَصِيَّةِ ، حِيفَ أَحَدُكُمْ ، لِتَفْضِيلِ ابْنٍ عَلَى بِنْتٍ ، أَوْ أَبٍ عَلَى أُمٍّ ، أَوْ وَلَدٍ عَلَى وَلَدٍ ، أَوْ أَحَدٍ مِنْ هَؤُلَاءِ أَوْ غَيْرِهِمْ عَلَى أَحَدٍ ، فَتَوَلَّى اللَّهُ سُبْحَانَهُ قَسْمَهَا بِعِلْمِهِ ، وَأَنْفَذَ فِيهَا حِكْمَتَهُ بِحُكْمِهِ ، وَكَشَفَ لِكُلِّ ذِي حَقٍّ حَقَّهُ ، وَعَبَّرَ لَكُمْ رَبُّكُمْ عَنْ وِلَايَةِ مَا جَهِلْتُمْ ، وَتَوَلَّى لَكُمْ بَيَانَ مَا فِيهِ نَفْعُكُمْ وَمَصْلَحَتُكُمْ ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. أ هـ {أحكام القرآن لابن العربى حـ 1 صـ 429 ـ 447}","part":20,"page":309},{"id":8746,"text":"ومن فوائد الشيخ الشنقيطى فى الآية\rقال رحمه الله :\rقوله تعالى : { يُوصِيكُمُ الله في أَوْلاَدِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأنثيين }.\rلم يبين هنا حكمة تفضيل الذكر على الأنثى في الميراث مع أنهما سواء في القرابة.\rولكنه أشار إلى ذلك في موضع آخر وهو قوله تعالى : { الرجال قَوَّامُونَ عَلَى النسآء بِمَا فَضَّلَ الله بَعْضَهُمْ على بَعْضٍ وَبِمَآ أَنْفَقُواْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ } [ النساء : 34 ] لأن القائم على غيره المنفق ماله عليه مترقّب للنقص دائماً ، والمَقُوم عليه المنفق عليه المال مترقب للزيادة دائماً ، والحكمة في إيثار مترقّب النقص على مترقّب الزيادة جبراً لنقصة المترقّب ظاهرة جِداً.\rقوله تعالى : { فَإِن كُنَّ نِسَآءً فَوْقَ اثنتين فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكَ وَإِن كَانَتْ وَاحِدَةً فَلَهَا النصف } الآية.\rصرح تعالى في هذه الآية الكريمة بأنَّ البنات إن كن ثلاثاً فصاعداً ، فلهن الثلثان وقوله : { فَوْقَ اثنتين } يوهم أن الاثنتين ليستا كذلك ، وصرح بأن الواحدة لها النصف ، ويفهم منه أن الاثنتين ليستا كذلك أيضاً ، وعليه ففي دلالة الآية على قدر ميراث البنتين إجمال.","part":20,"page":310},{"id":8747,"text":"وقد أشار تعالى في موضعين إلى أن هذا الظرف لا مفهوم مخالفة له ، وأن للبنتين الثلثين أيضاً. الأول : قوله تعالى : { لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأنثيين } [ النساء : 11 ] إذ الذكر يرِث مع الواحدة الثلثين بلا نزاع ، فلا بد أن يكون للبنتين الثلثان في صورة ، وإلا لم يكن للذكر مثل حظّ الأنثيين. لأن الثلثين ليسا بحظّ لهما أصلاً ، لكن تلك الصورة ليست صورة الاجتماع ، إذ ما من صورة يجتمع فيها الابنتان مع الذكر ويكون لهما الثلثان ، فتعين أن تكون صورة انفرادهما عن الذكر. واعتراض بعضهم هذا الاستدلال بلزوم الدور قائلاً : إن معرفة أن للذكر الثلثين في الصورة المذكورة تتوقف على معرفة حَظّ الأنثيين. لأنه ما علم من الآية إلا أن للذكر مثل حظّ الأنثيين. فلو كانت معرفة حظّ الأنثيين مستخرجة من حظّ الذكر لزم الدور ساقط. لأن المستخرج هو الحظّ المعين للأنثيين وهو الثلثان ، والذي يتوقّف عليه معرفة حظّ الذكر هو ممعرفة حظّ الأنثيين مطلقاً ، فلا دور لانفكاك الجهة. واعترضه بعضهم أيضاً بأن للابن مع البنتين النصف ، فيدل على أن فرضهما النصف ، ويؤيد الأول أن البنتين لما استحقّتا مع الذكر النصف عُلم أنهما إن انفردتا عنه ، استحقتا أكثر من ذلك. لأن الواحدة إذا انفردت أخذت النصف ، بعدما كانت معه تأخذ الثلث ، ويزيده إيضاحاً أن البنت تأخذ مع الابن الذكر الثلث بلا نزاع ، فلأن تأخذه مع الابنة الأنثى أَوْلَى.","part":20,"page":311},{"id":8748,"text":"فبهذا يظهر أنهُ جل وعلا ، أشار إلى ميراث البنتين بقوله : { لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأنثيين } [ النساء : 11 ] كما بينا ، ثم ذكر حكم الجماعة من البنات ، وحكم الواحدة منهن بقوله : { فَإِن كُنَّ نِسَآءً فَوْقَ اثنتين فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكَ وَإِن كَانَتْ وَاحِدَةً فَلَهَا النصف } [ النساء : 11 ] ومما يزيده إيضاحاً ، أنَّه تعالى فرعه عليه بالفاء في قوله : { فَإِنْ كُنَّ } إذ لو لم يكن فيما قبله ما يدل على سهم الإناث لم تقع الفاء موقعها كما هو ظاهر.\rالموضع الثاني : هو قوله تعالى في الأختين : { فَإِن كَانَتَا اثنتين فَلَهُمَا الثلثان مِمَّا تَرَكَ } [ النساء : 176 ]. لأن البنت أمسّ رحماً ، وأقوى سبباً في الميراث من الأخت بلا نزاع.\rفإذا صرح تعالى : بأن للأختين الثلثين ، علم أن البنتين كذلك من باب أولى ، وأكثر العلماء على أن فحوى الخطاب ، أعني : مفهوم الموافقة الذي المسكوت فيه أولى بالحكم من المنطوق ، من قبيل دلالة اللفظ لا من قبيل القياس ، خلافاً للشافعي وقوم ، كما علم في الأصول ، فالله تبارك وتعالى ملا بين أن للأختين الثلثين ، أفهم بذلك أن البنتين كذلك من باب أولى.","part":20,"page":312},{"id":8749,"text":"وكذلك لما صرح أن لما زاد على الاثنتين من البنات الثلثين فقط ، ولم يذكر حكم ما زاد على الاثنتين من الأخوات ، أفهم أيضاً من باب أولى أنه ليس لما زاد من الأخوات غير الثلثين. لأنه لما لم يعط للبنات عُلم أنه لا تستحقّه الأخوات ، فالمسكوت عنه في الأمرين أولى بالحكم من المنطوق به ، وهو دليل على أنه قصد أخذه منه ، ويزيد ما ذكرنا إيضاحاً ما أخرجه الإمام أحمد ، وأبو داود ، والترمذي وابن ماجه ، عن جابر رضي الله عنه ، قال : جاءت امرأة سعد بن الربيع إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقالت : يا رسول الله ، هاتان ابنتا سعد قُتل أبوهما يوم أُحد ، وإن عمهما أخذ مالهما ، ولم يدع لهما مالاً ، ولا ينكحان إلا ولهما مال ، فقال صلى الله عليه وسلم : \" يقضي الله تعالى ، في ذلك \" فنزلت آية الميراث فبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى عمهما ، فقال \" اعْطِ ابنتي سعد الثلثين ، واعط أمهما الثمن ، وما بقي فهو لك \".\rوما يروى عن ابن عباس ، رضي الله عنهما ، من أنه قال : للبنتين النصف. لأن الله تعالى ، قال : { فَإِن كُنَّ نِسَآءً فَوْقَ اثنتين فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكَ } [ النساء : 11 ] فصرح بأن الثُلثين إنما هما لِما فوق الاثنتين فيه أمور ، الأول : أنه مردود بمثله ؛ لأن الله قال ايضاً : { وَإِن كَانَتْ وَاحِدَةً فَلَهَا النصف } [ النساء : 11 ] فصرح بأن النصف للواحدة جاعلاً كونها واحدة شرطاً معلقاً عليه فرض النصف.","part":20,"page":313},{"id":8750,"text":"وقد تقرر في الأصول أن المفاهيم إذا تعارضت قدم الأقوى منها ، ومعلوم أن مفهوم الشرط أقوى من مفهوم الظرف ؛ لأن مفهوم الشرط لم يقدم عليه من المفاهيم ، إلا ما قال فيه بعض العلماء : إنه منطوق لا مفهوم وهو النفي والإثبات ، وإنما من صيغ الحصر والغاية ، وغير هذا يقدم عليه مفهوم الشرط قال في مراقي السعود مبيناً مراتب مفهوم المخالفة : \rأعلاه لا يرشد إلا العلما... فما لمنطوق بضعف انتمى\rفالشرط فالوصف الذي يناسب... فمطلق الوصف الذي يقارب\rفعدد ثمة تقديم يلي... وهو حجة على النهج الجلي\rوقال صاحب جمع الجوامع ما نصه : مسألة الغاية قيل : منطوق والحق مفهوم يتلوه الشرط ، فالصفة المناسبة ، فمطلق الصفة غير العدد ، فالعدد ، فتقديم المعمول إلخ ، وبهذا تعلم أن مفهوم الشرط في قوله : { وَإِن كَانَتْ وَاحِدَةً فَلَهَا النصف } [ النساء : 11 ] أقوى من مفهوم الظرف في قوله { فَإِن كُنَّ نِسَآءً فَوْقَ اثنتين } [ النساء : 11 ] الثاني : دلالة الآيات المتقدمة على أن للبنتين الثلثين ، الثالث : تصريح النَّبي صلى الله عليه وسلم بذلك في حديث جابر المذكور آنفاً. الرابع : أنه روي عن ابن عباس الرجوع عن ذلك.\rقال الألوسي في تفسيره ما نصّه : وفي شرح الينبوع نقلاً عن الشريف شمس الدين الأرموني أنه قال في شرح فرائض الوسيط ، صحّ رجوع ابن عبّاس رضي الله عنهما عن ذلك فصار إجماعاً اه. منه بلفظه.\rتنبيهان\rالأول : ما ذكره بعض العلماء وجزم به الألوسي في تفسيره من أن المفهوم في قوله : { وَإِن كَانَتْ وَاحِدَةً فَلَهَا النصف } مفهوم عدد غلط. والتحقيق هو ما ذكرنا من أنه مفهوم شرط ، وهو اقوى من مفهوم العدد بدرجات كما رايت فيما تقدم. قال في نشر البنود على مراقي السعود في شرح قوله : \rوهو ظرف علة وعدد ومنه شَرْط غاية معتمد","part":20,"page":314},{"id":8751,"text":"ما نصّه : والمراد بمفهوم الشرط ما فهم من تعليق حكم على شيء بأداة شرط كإن وإذا ، وقال في شرح هذا البيت أيضاً قبل هذا ما نصه : ومنها الشرط نحو { وَإِن كُنَّ أُوْلاَتِ حَمْلٍ فَأَنفِقُواْ عَلَيْهِنَّ } [ الطلاق : 6 ] مفهوم انتفاء المشروط عند انتفاء الشرط أي : فغير أولات حمل لا يجب الإنفاق عليهن ونحو من تطهر صحت صلاته اه منه بلفظه.\rفكذلك قوله : { وَإِن كَانَتْ وَاحِدَةً فَلَهَا النصف } [ النساء : 11 ] علق فيه فرض النصف على شرط هو كون البنت واحدة ، ومفهومه أنه إن انتفى الشرط الذي هو كونها واحدة انتفى المشروط الذي هو فرض النصف كما هو ظاهر ، فإن قيل كذلك المفهوم في قوله : { فَإِن كُنَّ نِسَآءً فَوْقَ اثنتين } [ النساء : 11 ] لتعليقه بالشرط فالجواب من وجهين :\rالأول : أن حقيقة الشرط كونهن نساء. وقوله فوق اثنتين وصف زائد ، وكونها واحدة هو نفس الشرط لا وصف زائد ، وقد عرفت تقديم مفهوم الشرط على مفهوم الصفة ظرفاً كانت أو غيره.\rالثاني : أنا لو سلمنا جدلياً أنه مفهوم شرط لتساقط المفهومان لاستوائهما ويطلب الدليل من خارج ، وقد ذكرنا الأدلة على كون البنتين ترثان الثلثين كما تقدم.\rالثاني : إن قيل فما الفائدة في لفظة فوق اثنتين إذا كانت الاثنتان كذلك ؟ فالجواب من وجهين :\rالأول : هو ما ذكرنا من أن حكم الاثنتين أخذ من قوله قبله : { لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأنثيين } [ النساء : 11 ] كما تقدم وإذن فقوله : { فَوْقَ اثنتين } تنصيص على حكم الثلاث فصاعداً كما تقدم.\rالثاني : أن لفظة { فَوْقَ } ذكرت لإفادة أن البنات لا يزدن على الثلثين ولو بلغ عددهن ما بلغ.\rوأما ادعاء أن لفظة { فَوْقَ } زائدة وادعاء أن { فَوْقَ اثْنَتَيْنِ } معناه اثنتان فما فوقهما فكله ظاهر السقوط كما ترى ، والقرآن ينزه عن مثله وإن قال به جماعة من أهل العلم. أ هـ {أضواء البيان حـ 1 صـ 267 ـ 269}","part":20,"page":315},{"id":8752,"text":"فوائد لغوية\rقال ابن عادل :\rقوله : { لِلذَّكَرِ مِثْلُ } هذه الجملة من مبتدأ وخبر ، يُحْتَمل أن تكونَ في محلِّ نَصْبٍ بـ \" يوصي \" ؛ لأنَّ المعنى : يَفْرِضُ لكم ، أو يُشَرِّع في أوْلادَكُمْ ، كذا قاله أبُو البَقَاءِ ، وهذا يقرب من مذهب الفرَّاء ، فإنَّهُ يُجْرٍي ما كان بمعنى القول مُجْراه في حكاية الجملِ ، فالجملةُ في موضع نَصْب بـ \" يوصيكم \".\rوقال مَكِّيٌّ : { لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ } ابتداءُ وخبر في موضع نصب تَبْيينٌ لِلْوَصِيَّةِ وَتَفْسِيرٌ لَهَا.\rوقال الكِسَائِيُّ : \" ارتفع \" مثل \" على حذف \" أنَّ \" تقديره : أنَّ للذكرِ مثلُ حظّ ، وبه قرأ ابن ابيب عبلة ، ويحتمل ألاَّ يكون لها محلٌّ من الإعراب ، بل جيء بها للبيان والتَّفسير فهي جُملةٌ مفسِّرةٌ للوصيَّةِ ، وهذا أحسن وجار على مذهب البصريين ، وهو ظاهر عبارة الزمخشريِّ ، فَإنَّهُ قال : وهذا إجمالٌ تفصيلُه { لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأنثيين }.\rوقوله : { لِلذَّكَرِ } لا بُدَّ من ضمير يعود على { أَوْلاَدِكُمْ } من هذه الجملة ، فيحتمل أن يكون مجذوفاً أي : للذكر منهم نحو : \" السَّمْنُ مَنَوانِ بدرهم \" قاله الزمخشريُّ ، ويحتمل أن يكون قام مقام الألف واللام عند مَنْ يرى ذلك ، والأصل : لذكرهم و\" مثل \" صفة لموصوفٍ محذوفٍ أي : للذَّكَر منهم حَظٌّ مثلُ حَظِّ الأنثيين.\rفإن قيل : لا يقال في اللُّغَةِ : أوصيك لكذا ، فكيف قال هنا : { يُوصِيكُمُ الله في أَوْلاَدِكُمْ لِلذَّكَرِ } ؟ .","part":20,"page":316},{"id":8753,"text":"فالجوابُ : أنَّهُ لما كانت الوصية قولاً ، فلهذا قال بعد قوله : { يُوصِيكُمُ الله } قولاً مستأنفاً وهو قوله : { لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأنثيين } ونظيره قوله تعالى : { وَعَدَ الله الذين آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصالحات مِنْهُم مَّغْفِرَةً } [ الفتح : 29 ] أي : قال لهم مغفرة ؛ لأن الوعد قولٌ.\rقوله : { فَإِن كُنَّ نِسَآءً } الضمير في \" كُنَّ \" يعودُ على الإناثِ اللاَّتي شَمَلَهُنَّ قوله : { في أَوْلاَدِكُمْ }.\rفإنَّ التَّقدير : في أولادكم الذُّكور والإناث ، فعادَ الضَّمِيرُ على أحد قِسمي الأولادِ ، وإذا عاد الضَّمِيرُ على جمع التكسير العاقل المراد به مَحْضَ الذُّكور ، وفي قوله عليه السَّلام \" ورب الشياطين ومن أضللن \" لعوده على جماعة الإناث ، فَلأنْ يعودَ كذلك على جمع التكسير المشتمل على الإناث بطريق الأوْلى [ والأحرى ] ، وهذا معنى قول أبي حيَّان : وفيه نَظَرٌ لأن عوده هناك كضمير الإناث إنما كان لمعنى مفقودٍ هنا وهو طلب المشاكلة لأنَّ قبله \" اللهم رب السموات ومن أضللن الأرضين وما أقللن \" ذَكَر ذلك النحويون.\rوقيل : الضَّمير يعود على المتروكات أي : فإن كانت المتروكات ، وَدَلَّ ذِكْرُ الأولاد عليه ، قاله أبُو البقاء ومكيٌّ وقدَّره الزمخشريُّ : فإنْ كانت البنات أو المولودات.\rفإذا تقرر هذا ف \" كُنَّ \" كان واسمُها و\" نسَاءٌ \" خبرها ، و\" فوق اثنتين \" ظرف في فائدةٌ ، ألا ترى أنَّه لو قيل : \" إنْ كان الزيدون رجالاً كان كذا \" لم يَكُنْ فيه فائدةٌ.\rوأجاز الزَّمخشريُّ في هذه الآية وَجْهين غريبين :","part":20,"page":317},{"id":8754,"text":"أحدهما : أن يكون الضمير في \" كُنَّ \" ضميراً مبهماً ، و\" نساء \" منصوبٌ على أنَّهُ تفسيرٌ له يعني : تمييزاً ، وكذلك قال في الضَّمِير الَّذي في \" كَانَتْ \" من قوله : { وَإِن كَانَتْ وَاحِدَةً } على أنَّ \" كن \" تَامَّةٌ. والوجه الآخر : أن يكون \" فوق اثنتين \" خبراً ثانياً لـ \" كُنَّ \" وَرَدَّهما عليه أبو حيّان : أمَّا الأوَّلُ : فلأنَّ \" كانَ \" ليْسَتْ من الأفعالِ الَّتي يكونُ فاعلُها مضمراً يُفَسِّره ما بَعْدَهُ بل هذا مختصٌّ من الأفعال بـ \" نعم \" و\" بئس \" وَمَا جَرَى مَجْرَاهُمَا وبَابُ التنازع عند إعْمَالِ الثاني ، فَلِمَا تَقَّدَمَ من الاحتياج إلى هذه الصفةِ ؛ لأنَّ الخبرَ لا بُدَّ أنْ تَسْتَقِلَّ به فَائِدةُ الإسناد ، وَقَدْ تَقَدَّمَ أنَّهُ لو اقتصر على قوله \" فإن كن نساء \" لم يُفِدْ شيئاً ؛ لأنَّهُ مَعْلُومٌ.\rقوله : { فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكَ } قرأ الجمهور \" ثلُثا \" بضمِّ اللام ، وهي لغة الحجاز وبني أسد.\rقال النَّحَّاسُ : من الثُّلث إلى العشر.\rوقرأ الحسن ونعيمُ بن ميسرةَ \" ثُلْثا \" و\" الثُّلْثُ \" و\" النِّصْفُ \" و\" الرُّبْع \" و\" الثُّمْنُ \" كلُّ ذلك بإسكان الوسط.\rوقال الزَّجَّاجُ : هي لغة واحدة ، والسُّكونُ تخفيف.","part":20,"page":318},{"id":8755,"text":"وقوله : \" وإن كانت واحدة \" قرأ نافع \" وَاحِدَةٌ \" رفعاً على أن \" كَانَ \" تامة أي : وإن وُجِدَتْ واحدةٌ ، والباقون \" واحدة \" نصباً على أن \" كَانَ \" ناقصة واسمُها مستتر فيها يعودُ على الوارثة أو المتروكة و\" واحدة \" نَصْبٌ على خبر \" كان \" ، وَقَدْ تَقَدَّمَ أنَّ الزَّمَخشريَّ أجاز أن يكون في \" كان \" ضمير مبهمٌ مفسَّر بالمنصوبِ بعد. وقرأ السُّلمي : \" النُّصف \" بضم النون ، وهي قراءةُ عليِّ وزيد بن ثابت - رضي الله عنهما - وقد تقدَّم شيء من ذلك في البقرة في قوله : { فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ } [ البقرة : 237 ] ويعني : كون البنت الواحدة لها النّصف ؛ لأن الابن الواحد له جميع المال إذا انفرد ، فكذلك البنت إذا انفردت لها نصف ما للذكر إذا انفرد ؛ لأنَّ الذَّكر له مثل حظ الأنثيين.\rقوله : { وَلأَبَوَيْهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا السدس }.\r{ السدس } مبتدأ و{ وَلأَبَوَيْهِ } خبرٌ مقدَّمٌ ، و{ لِكُلِّ وَاحِدٍ } بدل من { وَلأَبَوَيْهِ } ، وهذا نص الزمخشريِّ فإنَّه قال : { لِكُلِّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا } بدل من { وَلأَبَوَيْهِ } بتكرير العامل ، وفائدة هذا البدل أنَّهُ لو قيل : \" ولأبويه السدس \" لكان ظاهرةُ اشتراكهما فيه ، ولو قيل : \" لأبويه السدسان \" لأوْهَمَ قِسْمَةَ السدسين عليهما بالسويةِ وعلى خلافهما.\rو { السدس } مبتدأ ، وخبره { لأَبَوَيْهِ } والبدلُ متوسط بينهما للبيان. انتهى.","part":20,"page":319},{"id":8756,"text":"ونَاقَشَهُ أبو حيان فِي جَعْلِهِ { لأَبَوَيْهِ } الخبر دون قوله : { لِكُلِّ وَاحِدٍ } قال : \" لأنه ينبغي أن يكون البدل هو الخبر دونَ المبدل منه \" يعني : أنَّ البدل هو المعتمد عليه ، والمبدل منه صار في حكم المُطَّرح ، ونَظَّره بقولك : \" إنَّ زيداً عينهُ حسنةٌ \" فكما أنَّ \" حَسَنَةٌ \" خبر عن \" عينه \" دون \" زيد \" في حكم المُطَّرح فكذلك هذا ، ونَظَّره أيضاً بقولك : [ أبواك لكل واحد منهما يصنع كذا ف \" يصنع \" خبر عن كل واحد منهما.\rولو قلت : \" أبواك كُلُّ واحدٍ منهما يصنع كذا \" لَمْ يَجُزْ.\rوفي هذه المناقشة نَظَرٌ ، لأنه إذا قيل لك : ما مَحَلُّ لأبويه من الإعراب ؟ تُضطر إلى أن تقول : في مَحَلِّ رفع خبراً مقدماً ، ولكنه نقل نسبة الخيريّة إلى { لِكُلِّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا } دون { لأَبَوَيْهِ } قال : وقال بعضهم : { السدس } رفع بالابتداء ، و{ لِكُلِّ وَاحِدٍ } الخبرُ و{ لِكُلِّ } بَدَلٌ من الأبوين ، و\" منهما \" نعت لواحد ، وهذا البدلُ هو بدلُ بعضِ من كُلِّ ، ولذلك أتَى معه بالضَّمير ، ولا يُتَوَهَّمُ أنَّهُ بدلُ شيءٍ من شيْءٍ وهما لعين واحدةٍ لجوازِ أبواك يَصْنعان كذا وامتناع أبواك كل وتجد منهما يصنعان كذا ، بل تقول : يصنع. انتهى.\rوالضَّمير في \" لأبويه \" عائد على ما عاد عليه الضَّمير في \" ترك \" ، وهو الميتُ المدلولُ عليه بقوة الكلام ، والتثنية في \" أبويه \" من التَّغليب ، والأصل : لأبيه وأمه وَإِنَّما غَلَّبَ المذكر على المؤنث كقولهم : \" القمران ، والعمران \" وهي تثنية لا تنقاس.\rقوله : { فَإِن لَّمْ يَكُنْ لَّهُ وَلَدٌ وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ فَلأُمِّهِ الثلث }\rقرأ الجمهور { فَلأُمِّهِ } وقوله : { في أُمِّ الكتاب } [ الزخرف : 4 ].\rوقوله : { حتى يَبْعَثَ في أُمِّهَا } في القصص [ آية : 59 ].","part":20,"page":320},{"id":8757,"text":"وقوله : { مِّن بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ } [ النحل : 78 ].\rوقوله : { أَوْ بُيُوتِ أُمَّهَاتِكُمْ } [ النور : 61 ] و{ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ } [ النجم : 32 ] بضم الهمزة من \" أمّ \" وهو الأصلُ.\rوقرأ حمزة والكسائيُّ جميعَ ذلك بكسر الهمزة.\rوانفرد حمزة بزيادة كسر الميم من \" إمِّهات \" فإنَّهُ لا خلاف في ضَمِّها.\rأمَّا وجهُ قراءة الجمهور فظاهرٌ ، لأنَّهُ الأصل كما تَقَدَّمَ.\rوَأمَّا قراءة حمزة والكسائي بكسر الهمزة فقالوا : لمناسبة الكسرة أو الياء الّتي قبل الهمزة ، فكسرت الهمزةُ إتباعاً لما قَبْلَها ، ولاستثقالهم الخروج من كَسْرِ أو شبه إلى ضم.\rقال الزَّجَّاجُ : وليس في كلام العرب \" فِعُل \" بكسر الفاء وضمِّ العين ، فلا جَرَمَ جُعِلَتْ الضمةُ كسرةً ، ولذلك إذا ابتدآ بالهمزة ضَمَّاها لزوال الكسر أو الياء ، وأمَّا كسر حمزة الميم من \" إمَّهات \" في المواضع المذكورة فللإتْبَاع ، أتبعَ حركة الميم لحركةِ الهمزةِ ، فكسرةُ الميم تَبَعُ التَّبَع ، ولذلك إذا ابتدأ بها ضم الهمزة وفتح الميم ؛ لما تقدَّمَ من زوال موجب ذلك.\rوكَسْرُ همزة \" أم \" بعد الكسرة أو الياء حكاه سببويْهِ لُغَةً عن العرب ، ونَسَبَها الكِسائِي والفرَّاء إلى \" هوازن \" و\" هذيل \".\rقوله : { مِن بَعْدِ وَصِيَّةٍ } فيه ثلاثة أوجه :\rأحدها : أنَّهُ متعلقٌ بما تقدمه من قسمة المواريث كُلِّهَا لا بما يليه وحده ، كأنَّهُ قيل : قسمةُ هذه الأنصباء من بعد وصية قاله الزَّمَخْشَرِيُّ ، يعني أنه متعلِّقٌ بقوله : { يُوصِيكُمُ الله } وما بعده.\rوالثاني : قاله أبُو حيَّان أنَّهُ مُتَعَلِّقٌ بمحذوفٍ ، أي : يَسْتَحِقُّون ذلك كما فُصِّلَ من بعد وصية.","part":20,"page":321},{"id":8758,"text":"[ والثالث : أنَّهُ حال من السُّدس ، تقديره : مستحقاً من بعد وصيَّة ] ، والعاملُ الظرفُ قاله أبُو البَقَاءِ ، وَجَوَّزَ فيه وَجْهاً آخر ، قال : [ ويجوزُ أن يكون ظرفاً ] أي : يستقر لهم ذلك بعد إخراج الوصيّةِ ، ولا بُدَّ من تقدير حذف المضاف لأنَّ الوصيَّةَ هنا المالُ المُوصَى به ، وقد تكون \" الوصيَّةُ \" مَصْدراً مثل \" الفريضة \" ، وهذان الوجهان لا يَظْهَرُ لهما وَجْهٌ.\rوقوله : والعاملُ الظَّرف ، يعني بالظَّرف : الجارَّ والمجرور في قوله تعالى : { فَلأُمِّهِ السدس } فإنه شبيه بالظرفية ، وعمل في الحال لما تضمنه من الفعل لوقوعه خبراً ، و\" يوصي \" فعل مضارع المرادُ به المضمر ، أي : وصية أوْصَى بها و\" بها \" متعلق به ، والجملة في محلِّ جَرِّ صفةً لـ \" وصية \".\rوقرأ ابنُ كثير وابنُ عامرٍ وأبُو بكرٍ \" يُوصَى \" مبنيّاً للمفعول في الموضعين ، ووافقهم حفص في الأخير ، والباقون مبنياً للفاعل.\rوقُرِئَ شاذاً \" يُوصَّى \" بالتشديد مبنياً للمفعول ، ف \" بها \" في قراءة البناء للفاعل في مَحَلِّ نصب ، وفي قراءة البناء للمفعول في مَحَلِّ رفعٍ لقيامه مقامَ الفاعل.\rقوله : \" أو دين \" ، \" أو \" هنا لأحدِ الشيئين ، قال أبو البقاء : \" وَلا تَدُلُّ على ترتيب ، إذْ لا فرقَ بين قولك : \" جاءني زيد أو عمرو \" ، وبين قولك : \" جاءني عمرو أو زيد \" ؛ لأنَّ \" أو \" لأحد الشيئين ، والواحدُ لا ترتيب فيه ، وبهذا يفسد قولُ مَنْ قَالَ : \" من بعد دين أو وصية \" وإنَّمَا يَقَعُ الترتيبُ فيما إذا اجتمعا ، فَيُقَدَّمُ الدَّيْنُ على الوصيَّةِ \".","part":20,"page":322},{"id":8759,"text":"وقال الزَّمخشريُّ : \" فإنْ قُلْتَ : فما معنى أو ؟ قلت : معناها الإباحةُ ، وأنَّهُ إن كان أحدهما ، أو كلاهما قُدِّمَ على قِسْمَةِ الميراثِ ، كقولك : \" جالس الحسنَ أو ابن سيرين \" ، فإن قلت : لم قُدِّمَتِ الوصيّة على الدَّيْنِ والدَّيْنُ مُقَدَّمٌ عليها في الشَّريعةِ ؟ .\rقلت : لما كانت الوصيّةُ مُشْبهَةً للميراثِ في كونِها مَأخوذةً مِنْ غير عوضٍ ، كان إخراجُها مِمَّا يَشُقُّ على الورَثةِ ، بخلاف الدَّيْن ، فإن نفوسهم مطمئنَّةٌ إلى أدائه ، فلذلك قُدِّمَتْ على الدَّيْنِ بَعْثاً على وجوبها ، والمسارعة إلى إخراجها مع الدَّيْنِ ، ولذلك جيءَ بكلمةِ \" أو \" للتَّسْوِيَةِ بينهما في الوجوب \". وقال ابن الخَطِيبِ : إنَّ كلمة \" أو \" إذا دخلت على النفي صارت في معنى الواو ، كقوله : { وَلاَ تُطِعْ مِنْهُمْ آثِماً أَوْ كَفُوراً } [ الإنسان : 24 ] وقوله : { حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُمَآ إِلاَّ مَا حَمَلَتْ ظُهُورُهُمَا أَوِ الحوايآ أَوْ مَا اختلط بِعَظْمٍ } [ الأنعام : 146 ] فكانت \" أو \" هاهنا بمعنى الواو ، وكذلك قوله تعالى : { مِن بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَآ أَوْ دَيْنٍ } لما كان في معنى الاستثناء صار كأنه قال : إلاّ أن يكون هناك وَصِية أوْ دين فيكون المراد بعدهما جميعاً.\rقوله : { آبَآؤُكُمْ وَأَبناؤُكُمْ } مبتدأ ، و{ لاَ تَدْرُونَ } وما في حَيِّزه في محلِّ الرفع خبراً له.\rو { أَيُّهُمْ } فيه وجهان : ","part":20,"page":323},{"id":8760,"text":"أشهرهُمَا : [ عند المعربين ] أني كونَ { أَيُّهُمْ } مبتدأ وهو اسم استفهام ، و\" أقربُ \" خَبَرُهُ ، والجملة من هذا المبتدأ وخبره في محلِّ نصب بـ \" تدرون \" ؛ لأنَّهَا من أفْعَالِ القُلُوبِ ، فَعَلَّقَها اسمُ الاستفهامِ عَنْ أنْ تَعْمَلَ في لفظه ؛ لأنَّ الاستفهامَ لا يعْمَلُ فيه ما قبله في غير الاستثبات.\rوالثَّاني : أنَّهُ يجوزُ أن يكون { أَيُّهُمْ } موصولةً بمعنى { الَّذِي } و{ والأقربون } خبرُ مبتدأ مضمر ، وهو عائدُ الموصولِ ، وجازَ حذفه ؛ لأنه يجوز ذلك مع \" أي \" مطلقاً : أي : أطالت الصِّلَةُ أم لم تَطُل ، والتَّقدير : أيُّهم هو أقربُ ، وهذا الموصول وَصِلَتُهُ في محلِّ نصب على أنَّهُ مفعول به ، نَصَبَه { تَدْرُونَ } ، وإنَّمَا بُنِيَ لوجودِ شَرْطَي البناء ، وهما : أنْ تُضافَ \" أي \" لفظاً ، وَأنْ يُحْذَفَ صَدْرُ صِلَتِهَا ، وصارت الآيةٌ نظيرَ قوله تعالى : { ثُمَّ لَنَنزِعَنَّ مِن كُلِّ شِيعَةٍ أَيُّهُمْ أَشَدُّ } [ مريم : 69 ] ، فصار التقدير : لا تدرون الذي هو أقربُ.\rقال أبو حيَّان : \" ولم أرهم ذكروه \" ، يعني هذا الوجه ، ولا مانع منه لا من جهة المعنى ، ولا من جهة الصِّنَاعة.\rفعلى القول الأوَّلِ تكونُ الجملةُ سَادَّةً مَسَدَّ المفعولين ، ولا حاجة إلى تقدير حذف.\rوعلى الثَّاني يكونُ الموصولُ في محلِّ نصبٍ مَفْعُلاً أوَّلَ ، ويكون الثَّاني محذوفاً ، وبعدم الاحتياج إلى حَذْفِ المفعول الثَّاني ، يترجَّحُ الوجه الأوَّلُ.\rثم هذه الجملةُ ، أعني قوله : { آبَآؤُكُمْ وَأَبناؤُكُمْ لاَ تَدْرُونَ } لا محلَّ لها من الإعراب ، لأنَّها جملة اعتراضية.","part":20,"page":324},{"id":8761,"text":"قال الزمخشريُّ ، بعد أن حَكَى في معانيها أقوالاً اختار منها الأوَّلَ : لأنَّ هذه الجملةَ اعتراضيّة ، ومن حقِّ الاعتراض أن يؤكِّد ما اعْتَرَضَ بينه وبين ما يناسِبُه.\rيعني بالاعتراض : أنَّهَا واقعةٌ بين قصة المواريث ، إلاَّ أنَّ هذا الاعتراض غيرُ مرادِ النحويين ، لأنَّهُمْ لا يَعْنُون بالاعتراضِ في اصْطِلاحِهِمْ إلاَّ ما كان بين شيئين مُتَلاَزِمَيْنِ كالاعتراض بين المبتدأ وخبره ، والشرط وجزائه والقَسَمِ وجوابه ، والصِّلَةِ وموصولها.\rقوله : { نَفْعاً } نُصِبَ على التَّمييز من \" أقرب \" ، وهو منقول من الفاعلية ، واجب النَّصب ؛ لأنَّهُ متى وقع تمييزٌ بَعْدَ \" أفْعَلِ \" التفضيل ، فَإن صَحَّ أنْ يُصَاغَ منها مُسْندٌ إلى ذلك التمييز على جهةِ الفاعليَّة وجل النَّصب كهذه الآية ، إذْ يَصِحُّ أن يُقَالَ : أيُّهم أقْرَبُ لكم نَفْعُهُ ، وإن لم يَصحّ ذلك وجب جَرُّه نحو : \" زيد أحسن فقيه \" بخلاف \" زيد أحسن فقهاً \" ، وهذه قاعدة مفيدة و\" لكم \" متعلق بـ \" أقرب \".\rقوله : { فَرِيضَةً } فيها ثلاثة أوجه :\rأظهرها : أنَّها مصدرٌ مؤكد لمضمون الجملة السَّابقة من الوصية ؛ لأن معنى \" يوصيكم \" : فَرَضَ عليكم ذلك ، فصار المعنى : \" يوصيكم الله وصية فرض \" ، فهو مصدر على غير الصَّدْرِ.\rوالثاني : أنَّها مصدر [ منصوبٌ بفعل ] محذوف من لفظها.\rقال أبو البَقَاء : و{ فَرِيضَةً } مصدر لفعل محذوف ، أي : فرض اللهُ ذلك فريضة.\rوالثالث : قاله مَكيٌّ وغيره : أنَّهَا حال ؛ لأنَّها ليست مصدراً ، وكلامُ الزمخشريُّ محتمل للوجهين الأوَّلَيْن ، فإنَّهُ قال : \" فريضة \" نصبت نَصْبَ المصدر المؤكد ، أي : \" فرض الله ذلك فرضاً \". ثم قال : \" إن الله كان عليماً \" أي : بأمور العباد \" حكيما \" بنصب الأحكام.\rفإن قيل : لِمَ قال كان عليماً حكيماً مع أنَّهُ لم يزل كذلك ؟ .\rفالجوابُ قال الخليلُ : الخبرُ عن الله تعالى بهذه الألفاظ ، كالخبر بالحال والاستقبال ؛ لأنَّهُ تعالى مُنَزَّهٌ عن الدخول تحت الزمان.\rقال سيبويه : القومُ لما شاهدوا علماً وحكمةً وفضلاً وإحساناً تعجبوا ، فقيل لهم : إنَّ اللهَ كذلك ، ولم يزل موصوفاً بهذه الصفات. أ هـ {تفسير ابن عادل حـ 6 صـ 208 ـ 222}. بتصرف.","part":20,"page":325},{"id":8762,"text":"بحث جليل فى الآية للعلامة الجصاص\rقال عليه الرحمة :\rبَابُ الْفَرَائِضِ\rقَالَ أَبُو بَكْرٍ : قَدْ كَانَ أَهْلُ الْجَاهِلِيَّةِ يَتَوَارَثُونَ بِشَيْئَيْنِ : أَحَدُهُمَا النَّسَبُ وَالْآخَرُ السَّبَبُ فَأَمَّا مَا يُسْتَحَقُّ بِالنَّسَبِ فَلَمْ يَكُونُوا يُوَرِّثُونَ الصِّغَارَ وَلَا الْإِنَاثَ وَإِنَّمَا يُوَرِّثُونَ مَنْ قَاتَلَ عَلَى الْفَرَسِ وَحَازَ الْغَنِيمَةَ ، رُوِيَ ذَلِكَ عَنْ ابْنِ عَبَّاس وَسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ فِي آخَرِينَ مِنْهُمْ ، إلَى أَنْ أَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى : { وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّسَاءِ قُلْ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ } إلَى قَوْله تَعَالَى : { وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنْ الْوِلْدَانِ } وَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى قَوْلَهُ : { يُوصِيكُمْ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ }.\rوَقَدْ كَانُوا مُقِرِّينَ بَعْدَ مَبْعَثِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى مَا كَانُوا عَلَيْهِ فِي الْجَاهِلِيَّةِ فِي الْمُنَاكَحَاتِ وَالطَّلَاقِ وَالْمِيرَاثِ إلَى أَنْ نُقِلُوا عَنْهُ إلَى غَيْرِهِ بِالشَّرِيعَةِ ، قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ : قُلْت لِعَطَاءِ : أَبَلَغَكَ { أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَقَرَّ النَّاسَ عَلَى مَا أَدْرَكَهُمْ مِنْ طَلَاقٍ أَوْ نِكَاحٍ أَوْ مِيرَاثٍ } ؟ قَالَ : لَمْ يَبْلُغْنَا إلَّا ذَلِكَ.\rوَرَوَى حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ عَنْ ابْنِ عَوْنٍ عَنْ ابْنِ سِيرِينَ قَالَ : \" تَوَارَثَ الْمُهَاجِرُونَ وَالْأَنْصَارُ بِنَسَبِهِمْ الَّذِي كَانَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ \".","part":20,"page":326},{"id":8763,"text":"وَقَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ عَنْ عَمْرو بْن شُعَيْبٍ قَالَ : { مَا كَانَ مِنْ نِكَاحٍ أَوْ طَلَاقٍ فِي الْجَاهِلِيَّةِ فَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَقَرَّهُ عَلَى ذَلِكَ إلَّا الرِّبَا } ، فَمَا أَدْرَكَ الْإِسْلَامُ مِنْ رِبًا لَمْ يُقْبَضْ رَدَّ إلَى الْبَائِعِ رَأْسَ مَالِهِ وَطَرَحَ الرِّبَا \".\rوَرَوَى حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ عَنْ أَيُّوبَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ قَالَ : \" بَعَثَ اللَّهُ تَعَالَى مُحَمَّدًا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَالنَّاسُ عَلَى أَمْرِ جَاهِلِيَّتِهِمْ إلَى أَنْ يُؤْمَرُوا بِشَيْءٍ أَوْ يُنْهَوْا عَنْهُ ، وَإِلَّا فَهُمْ عَلَى مَا كَانُوا عَلَيْهِ مِنْ أَمْرِ جَاهِلِيَّتِهِمْ \" ، وَهُوَ عَلَى مَا\rرُوِيَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ قَالَ : \" الْحَلَالُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ تَعَالَى وَالْحَرَامُ مَا حَرَّمَ اللَّهُ تَعَالَى ، وَمَا سَكَتَ عَنْهُ فَهُوَ عَفْوٌ \".","part":20,"page":327},{"id":8764,"text":"فَقَدْ كَانُوا مُقِرِّينَ بَعْدَ مَبْعَثِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِيمَا لَا يَحْظُرُهُ الْعَقْلُ عَلَى مَا كَانُوا عَلَيْهِ ، وَقَدْ كَانَتْ الْعَرَبُ مُتَمَسِّكَةً بِبَعْضٍ شَرَائِعِ إبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ عَلَيْهِمَا السَّلَامُ ، وَقَدْ كَانُوا أَحْدَثُوا أَشْيَاءَ مِنْهَا مَا يَحْظُرُهُ الْعَقْلُ نَحْوَ الشِّرْكِ وَعِبَادَةِ الْأَوْثَانِ وَدَفْنِ الْبَنَاتِ وَكَثِيرٍ مِنْ الْأَشْيَاءِ الْمُقَبَّحَةِ فِي الْعُقُولِ ، وَقَدْ كَانُوا عَلَى أَشْيَاءَ مِنْ مَكَارِمِ الْأَخْلَاقِ وَكَثِيرٌ مِنْ الْمُعَامَلَاتِ الَّتِي لَا تَحْظُرُهَا الْعُقُولُ ، فَبَعَثَ اللَّهُ نَبِيَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دَاعِيًا إلَى التَّوْحِيدِ وَتَرْكِ مَا تَحْظُرُهُ الْعُقُولُ مِنْ عِبَادَةِ الْأَوْثَانِ وَدَفْنِ الْبَنَاتِ وَالسَّائِبَةِ وَالْوَصِيلَةِ وَالْحَامِي وَمَا كَانُوا يَتَقَرَّبُونِ بِهِ إلَى أَوْثَانِهِمْ ، وَتَرَكَهُمْ فِيمَا لَمْ يَكُنْ الْعَقْلُ يَحْظُرُهُ مِنْ الْمُعَامَلَاتِ وَعُقُودِ الْبِيَاعَاتِ وَالْمُنَاكَحَاتِ وَالطَّلَاقِ وَالْمَوَارِيثِ عَلَى مَا كَانُوا عَلَيْهِ ؛ فَكَانَ ذَلِكَ جَائِزًا مِنْهُمْ ؛ إذْ لَيْسَ فِي الْعَقْلِ حَظْرُهُ وَلَمْ تَقُمْ حُجَّةُ السَّمْعِ عَلَيْهِمْ بِتَحْرِيمِهِ ، فَكَانَ أَمْرُ مَوَارِيثِهِمْ عَلَى مَا كَانُوا عَلَيْهِ مِنْ تَوْرِيثِ الذُّكُورِ الْمُقَاتِلَةِ مِنْهُمْ دُونَ الصِّغَارِ وَدُونَ الْإِنَاثِ إلَى أَنْ أَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى آيَ الْمَوَارِيثِ.","part":20,"page":328},{"id":8765,"text":"وَكَانَ السَّبَبُ الَّذِي يَتَوَارَثُونَ بِهِ شَيْئَيْنِ ، أَحَدُهُمَا : الْحِلْفُ وَالْمُعَاقَدَةُ ، وَالْآخَرُ : التَّبَنِّي ؛ ثُمَّ جَاءَ الْإِسْلَامُ فَتُرِكُوا بُرْهَةً مِنْ الدَّهْرِ عَلَى مَا كَانُوا عَلَيْهِ ثُمَّ نُسِخَ ، فَمِنْ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ إنَّهُمْ كَانُوا يَتَوَارَثُونَ بِالْحِلْفِ وَالْمُعَاقَدَةِ بِنَصِّ التَّنْزِيلِ ثُمَّ نُسِخَ.\rوَقَالَ شَيْبَانُ عَنْ قَتَادَةَ فِي قَوْله تَعَالَى : { وَاَلَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ } قَالَ : \"\rكَانَ الرَّجُلُ فِي الْجَاهِلِيَّةِ يُعَاقِدُ الرَّجُلَ فَيَقُولُ دَمِي دَمُك وَهَدْمِي هَدْمُك وَتَرِثُنِي وَأَرِثُك وَتُطْلَبُ بِي وَأُطْلَبُ بِك \" قَالَ : \" فَوَرَّثُوا السُّدُسَ فِي الْإِسْلَامِ مِنْ جَمِيعِ الْأَمْوَالِ ثُمَّ يَأْخُذُ أَهْلُ الْمِيرَاثِ مِيرَاثَهُمْ ، ثُمَّ نُسِخَ بَعْدَ ذَلِكَ فَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى : { وَأُولُوا الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ } وَرَوَى الْحَسَنُ بْنُ عَطِيَّةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ ابْنِ عَبَّاس فِي قَوْله تَعَالَى : { وَلِكُلٍّ جَعَلْنَا مَوَالِيَ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ وَاَلَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ } : \" كَانَ الرَّجُلُ فِي الْجَاهِلِيَّةِ يَحْلِفُ لَهُ الرَّجُلُ فَيَكُونُ تَابِعًا لَهُ ، فَإِذَا مَاتَ صَارَ الْمِيرَاثُ لِأَهْلِهِ وَأَقَارِبِهِ وَبَقِيَ تَابِعُهُ لَيْسَ لَهُ شَيْءٌ ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى : { وَاَلَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ } فَكَانَ يُعْطَى مِنْ مِيرَاثِهِ \".","part":20,"page":329},{"id":8766,"text":"وَقَالَ عَطَاءٌ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ فِي قَوْله تَعَالَى : { وَاَلَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ } : وَذَلِكَ أَنَّ الرَّجُلَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ وَفِي الْإِسْلَامِ كَانَ يَرْغَبُ فِي خِلَّةِ الرَّجُلِ فَيُعَاقِدُهُ فَيَقُولُ : تَرِثُنِي وَأَرِثُك ، وَأَيُّهُمَا مَاتَ قَبْلَ صَاحِبِهِ كَانَ لِلْحَيِّ مَا اشْتَرَطَ مِنْ مَالِ الْمَيِّتِ ، فَلَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ فِي قِسْمَةِ الْمِيرَاثِ وَلَمْ يُذْكَرْ أَهْلُ الْعَقْدِ جَاءَ رَجُلٌ إلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ : يَا نَبِيَّ اللَّهِ نَزَلَتْ قِسْمَةُ الْمِيرَاثِ وَلَمْ يُذْكَرْ أَهْلُ الْعَقْدِ وَقَدْ كُنْت عَاقَدْتُ رَجُلًا فَمَاتَ ؟ فَنَزَلَتْ : { وَاَلَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ إنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدًا }.\rفَأَخْبَرَ هَؤُلَاءِ السَّلَفُ أَنَّ مِيرَاثَ الْحَلِيفِ قَدْ كَانَ حُكْمُهُ ثَابِتًا فِي الْإِسْلَامِ مِنْ طَرِيقِ السَّمْعِ لَا مِنْ جِهَةِ إقْرَارِهِمْ عَلَى مَا كَانُوا عَلَيْهِ مِنْ أَمْرِ الْجَاهِلِيَّةِ.\rوَقَالَ بَعْضُهُمْ : لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ ثَابِتًا","part":20,"page":330},{"id":8767,"text":"بِالسَّمْعِ مِنْ طَرِيقِ الشَّرْعِ وَإِنَّمَا كَانُوا مُقِرِّينَ عَلَى مَا كَانُوا عَلَيْهِ مِنْ أَمْرِ الْجَاهِلِيَّةِ إلَى أَنْ نَزَلَتْ آيَةُ الْمَوَارِيثِ فَأَزَالَتْ ذَلِكَ الْحُكْمَ ؛ حَدَّثَنَا جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدِ الْوَاسِطِيُّ قَالَ : حَدَّثَنَا جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الْيَمَانِ قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو عُبَيْدٍ قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ عَنْ سُفْيَانَ عَنْ مَنْصُورٍ عَنْ مُجَاهِدٍ فِي قَوْله تَعَالَى : { وَاَلَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ } قَالَ : \" كَانَ حُلَفَاءَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ فَأُمِرُوا أَنْ يُعْطُوهُمْ نَصِيبَهُمْ مِنْ الْمَشُورَةِ وَالْعَقْلِ وَالنَّصْرِ وَلَا مِيرَاثَ لَهُمْ \".\rقَالَ : وَحَدَّثَنَا أَبُو عُبَيْدٍ قَالَ : حَدَّثَنَا مُعَاذٌ عَنْ ابْنِ عَوْنٍ عَنْ عِيسَى بْن الْحَارِثِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ فِي قَوْله تَعَالَى : { وَأُولُوا الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ } قَالَ : \" نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ فِي الْعَصَبَاتِ ، كَانَ الرَّجُلُ يُعَاقِدُ الرَّجُلَ يَقُولُ : تَرِثُنِي وَأَرِثُك ، فَنَزَلَتْ : { وَأُولُوا الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ }.","part":20,"page":331},{"id":8768,"text":"قَالَ : وَحَدَّثَنَا أَبُو عُبَيْدٍ قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ صَالِحٍ عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ إبْرَاهِيمَ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْله تَعَالَى : { وَاَلَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ } قَالَ : كَانَ الرَّجُلُ يَقُولُ تَرِثُنِي وَأَرِثُك ، فَنَسَخَتْهَا : { وَأُولُوا الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ إلَّا أَنْ تَفْعَلُوا إلَى أَوْلِيَائِكُمْ مَعْرُوفًا } قَالَ : إلَّا أَنْ تُوصُوا لِأَوْلِيَائِهِمْ الَّذِينَ عَاقَدُوهُمْ وَصِيَّةً \".\rفَذَكَرَ هَؤُلَاءِ أَنَّ مَا كَانَ مِنْ ذَلِكَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ نُسِخَ بِقَوْلِهِ تَعَالَى : { وَأُولُوا الْأَرْحَامِ } وَأَنَّ قَوْله تَعَالَى : { فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ } إنَّمَا أُرِيدَ بِهِ الْوَصِيَّةُ أَوْ الْمَشُورَةُ وَالنَّصْرُ مِنْ غَيْرِ مِيرَاثٍ ؛ وَأَوْلَى الْأَشْيَاءِ بِمَعْنَى الْآيَةِ تَثْبِيتُ التَّوَارُثِ بِالْحَلِفِ ؛ لِأَنَّ قَوْله","part":20,"page":332},{"id":8769,"text":"تَعَالَى : { وَاَلَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ } يَقْتَضِي نَصِيبًا ثَابِتًا لَهُمْ ، وَالْعَقْلُ وَالْمَشُورَةُ وَالْوَصِيَّةُ لَيْسَتْ بِنَصِيبٍ ثَابِتٍ ، وَهُوَ مِثْلُ قَوْله تَعَالَى : { لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ } الْمَفْهُومُ مِنْ ظَاهِرِهِ إثْبَاتُ نَصِيبٍ مِنْ الْمِيرَاثِ ، كَذَلِكَ قَوْله تَعَالَى : { وَاَلَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ } قَدْ اقْتَضَى ظَاهِرُهُ إثْبَاتَ نَصِيبٍ لَهُمْ قَدْ اسْتَحَقُّوهُ بِالْمُعَاقَدَةِ ؛ وَالْمَشُورَةُ يَسْتَوِي فِيهَا سَائِرُ النَّاسِ فَلَيْسَتْ إذًا بِنَصِيبٍ ، فَالْعَقْلُ إنَّمَا يَجِبُ عَلَى حُلَفَائِهِ وَلَيْسَ هُوَ بِنَصِيبٍ لَهُ ، وَالْوَصِيَّةُ إنْ لَمْ تَكُنْ مُسْتَحَقَّةً وَاجِبَةً فَلَيْسَتْ بِنَصِيبٍ ؛ فَتَأْوِيلُ الْآيَةِ عَلَى النَّصِيبِ الْمُسَمَّى لَهُ فِي عَقْدِ الْمُحَالَفَةِ أَوْلَى وَأَشْبَهُ بِمَفْهُومِ الْخِطَابِ مِمَّا قَالَ الْآخَرُونَ.\rوَهَذَا عِنْدَنَا لَيْسَ بِمَنْسُوخٍ ، وَإِنَّمَا حَدَثَ وَارِثٌ آخَرُ هُوَ أَوْلَى مِنْهُمْ كَحُدُوثِ ابْنٍ لِمَنْ لَهُ أَخٌ لَمْ يَخْرُجْ الْأَخُ مِنْ أَنْ يَكُونَ مِنْ أَهْلِ الْمِيرَاثِ ، إلَّا أَنَّ الِابْنَ أَوْلَى مِنْهُ ، وَكَذَلِكَ أُولُو الْأَرْحَامِ أَوْلَى مِنْ الْحَلِيفِ ، فَإِذَا لَمْ يَكُنْ رَحِمٌ وَلَا عَصَبَةٌ فَالْمِيرَاثُ لِمَنْ حَالَفَهُ وَجَعَلَهُ لَهُ ؛ وَكَذَلِكَ أَجَازَ أَصْحَابُنَا الْوَصِيَّةَ بِجَمِيعِ الْمَالِ لِمَنْ لَا وَارِثَ لَهُ.","part":20,"page":333},{"id":8770,"text":"وَأَمَّا الْمِيرَاثُ بِالدَّعْوَةِ وَالتَّبَنِّي فَإِنَّ الرَّجُلَ مِنْهُمْ كَانَ يَتَبَنَّى ابْنَ غَيْرِهِ فَيُنْسَبُ إلَيْهِ دُونَ أَبِيهِ مِنْ النَّسَبِ وَيَرِثُهُ ، وَقَدْ كَانَ ذَلِكَ حُكْمًا ثَابِتًا فِي الْإِسْلَامِ ، وَقَدْ كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَبَنَّى زَيْدَ بْنَ حَارِثَةَ وَكَانَ يُقَالُ لَهُ زَيْدُ بْنُ مُحَمَّدٍ حَتَّى أَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى : { مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ } وَقَالَ تَعَالَى : { فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَاكَهَا لِكَيْ لَا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ }\rوَقَالَ تَعَالَى : { اُدْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ فَإِنْ لَمْ تَعْلَمُوا آبَاءَهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ وَمَوَالِيكُمْ }.\rوَقَدْ كَانَ أَبُو حُذَيْفَةَ بْنُ عُتْبَةَ تَبَنَّى سَالِمًا ، فَكَانَ يُقَالُ لَهُ سَالِمُ بْنُ أَبِي حُذَيْفَةَ ، إلَى أَنْ أَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى : { اُدْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ } رَوَاهُ الزُّهْرِيُّ عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ ؛ فَنَسَخَ اللَّهُ تَعَالَى الدَّعْوَةَ بِالتَّبَنِّي وَنَسَخَ مِيرَاثَهُ.","part":20,"page":334},{"id":8771,"text":"حَدَّثَنَا جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْوَاسِطِيُّ قَالَ : حَدَّثَنَا جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدِ بْن الْيَمَانِ الْمُؤَدِّبُ قَالَ : حَدَّثَنَا وَأَبُو عُبَيْدٍ قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ صَالِحٍ عَنْ لَيْثٍ عَنْ عُقَيْلٍ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ قَالَ : أَخْبَرَنِي سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ فِي قَوْله تَعَالَى : { وَاَلَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ } قَالَ ابْنُ الْمُسَيِّبِ : \" إنَّمَا أَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى ذَلِكَ فِي الَّذِينَ كَانُوا يَتَبَنَّوْنَ رِجَالًا وَيُوَرِّثُونَهُمْ ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى فِيهِمْ أَنْ يُجْعَلَ لَهُمْ نَصِيبٌ مِنْ الْوَصِيَّة وَرَدَّ الْمِيرَاثَ إلَى الْمَوَالِي مِنْ ذَوِي الرَّحِمِ وَالْعَصَبَةِ ، وَأَبَى اللَّهُ أَنْ يَجْعَلَ لِلْمُدَّعِينَ مِيرَاثًا مِمَّنْ ادَّعَاهُمْ ، وَلَكِنْ جَعَلَ لَهُمْ نَصِيبًا مِنْ الْوَصِيَّةِ ، فَكَانَ مَا تَعَاقَدُوا عَلَيْهِ فِي الْمِيرَاثِ الَّذِي رَدَّ عَلَيْهِ أَمْرَهُمْ \".\rقَالَ أَبُو بَكْرٍ : وَجَائِزٌ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ بِقَوْلِهِ تَعَالَى : { وَاَلَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ } مُنْتَظِمًا لِلْحَلِفِ وَالتَّبَنِّي جَمِيعًا ؛ إذْ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا يَثْبُتُ بِالْعَقْدِ ؛ فَهَذَا الَّذِي ذَكَرْنَا كَانَ مِنْ مَوَارِيثِ الْجَاهِلِيَّةِ وَبَقِيَ فِي الْإِسْلَامِ ، بَعْضُهَا بِالْإِقْرَارِ عَلَيْهِ إلَى أَنْ نَقَلُوا عَنْهُ وَبَعْضُهُ بِنَصٍّ وَرَدَّ فِي إثْبَاتِهِ إلَى أَنْ وَرَدَ مَا أَوْجَبَ نَقْلَهُ.","part":20,"page":335},{"id":8772,"text":"وَأَمَّا مَوَارِيثُ الْإِسْلَامِ فَإِنَّهَا مَعْقُودَةٌ بِشَيْئَيْنِ : أَحَدُهُمَا نَسَبٌ ، وَالْآخَرُ سَبَبٌ لَيْسَ بِنَسَبٍ ؛ فَأَمَّا الْمُسْتَحَقُّ بِالنَّسَبِ فَمَا نَصَّ اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ فِي كِتَابِهِ وَبَيَّنَ رَسُولُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَعْضَهُ وَأَجْمَعَتْ الْأُمَّةُ عَلَى بَعْضِهِ وَقَامَتْ الدَّلَالَةُ عَلَى بَعْضٍ ، وَأَمَّا السَّبَبُ الَّذِي وُرِّثَ بِهِ فِي الْإِسْلَامِ فَبَعْضُهُ ثَابِتٌ وَبَعْضُهُ مَنْسُوخُ الْحُكْمِ.\rفَمِنْ الْأَسْبَابِ الَّتِي وُرِّثَ بِهَا فِي الْإِسْلَامِ مَا ذَكَرْنَا فِي عَقْدِ الْمُحَالَفَةِ وَمِيرَاثِ الْأَدْعِيَاءِ ، وَقَدْ ذَكَرْنَا حُكْمَهُ وَنَسْخَ مَا رُوِيَ نَسْخُهُ وَأَنَّ ذَلِكَ عِنْدَنَا لَيْسَ بِنَسْخٍ وَإِنَّمَا جُعِلَ وَارِثٌ أَوْلَى مِنْ وَارِثٍ.","part":20,"page":336},{"id":8773,"text":"وَكَانَ مِنْ الْأَسْبَابِ الَّتِي أَوْجَبَ اللَّهُ تَعَالَى بِهِ الْمِيرَاثَ الْهِجْرَةُ ؛ حَدَّثَنَا جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْوَاسِطِيُّ قَالَ : حَدَّثَنَا جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الْيَمَانِ قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو عُبَيْدٍ قَالَ : حَدَّثَنَا حَجَّاجٌ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ وَعُثْمَانَ بْن عَطَاءٍ الْخُرَاسَانِيِّ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْله تَعَالَى : { إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَاَلَّذِينَ آوَوْا وَنَصَرُوا أُولَئِكَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَاَلَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يُهَاجِرُوا مَا لَكُمْ مِنْ وَلَايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ حَتَّى يُهَاجِرُوا } قَالَ : \" كَانَ الْمُهَاجِرُ لَا يَتَوَلَّى الْأَعْرَابِيَّ وَلَا يَرِثُهُ وَهُوَ مُؤْمِنٌ ، وَلَا يَرِثُ الْأَعْرَابِيُّ الْمُهَاجِرَ ، فَنَسَخَتْهَا : { وَأُولُوا الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ }.\rوَقَالَ بَعْضُهُمْ : نَسَخَهَا قَوْله تَعَالَى : { وَلِكُلٍّ جَعَلْنَا مَوَالِيَ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ } وَكَانُوا يَتَوَارَثُونَ بِالْأُخُوَّةِ الَّتِي آخَى بِهَا رَسُولُ اللَّه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَيْنَهُمْ \".\rوَرَوَى هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ : { أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ آخَى بَيْنَ الزُّبَيْرِ بْنِ الْعَوَّامِ وَبَيْنَ كَعْبِ","part":20,"page":337},{"id":8774,"text":"بْنِ مَالِكٍ ، فَارْتَثَّ كَعْبٌ يَوْمَ أُحُدٍ ، فَجَاءَ بِهِ الزُّبَيْرُ يَقُودُهُ بِزِمَامِ رَاحِلَتِهِ ، وَلَوْ مَاتَ كَعْبٌ عَنْ الضِّحِّ وَالرِّيحِ لَوَرِثَهُ الزُّبَيْرُ ، } حَتَّى أَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى : { وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ إنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ }.\rوَرَوَى ابْنُ جُرَيْجٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ : \" كَانَ الْمُهَاجِرُونَ وَالْأَنْصَارُ يَرِثُ الرَّجُلُ الرَّجُلَ الَّذِي آخَى بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دُونَ أَخِيهِ ، فَلَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ : { وَلِكُلٍّ جَعَلْنَا مَوَالِيَ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ } نُسِخَتْ ، ثُمَّ قَالَ تَعَالَى : { وَاَلَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ } مِنْ النَّصْرِ ، وَالرِّفَادَةِ \".\rفَذَكَرَ ابْنُ عَبَّاسٍ فِي هَذَا الْحَدِيثِ أَنَّ قَوْله تَعَالَى : { وَاَلَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ } أُرِيدَ بِهِ مُعَاقَدَةُ الْأُخُوَّةِ الَّتِي آخَى بِهَا رَسُولُ اللَّه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَيْنَهُمْ.\rوَرَوَى مَعْمَرٌ عَنْ قَتَادَةَ فِي قَوْله تَعَالَى : { مَا لَكُمْ مِنْ وَلَايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ } إنَّ الْمُسْلِمِينَ كَانُوا يَتَوَارَثُونَ بِالْهِجْرَةِ وَالْإِسْلَامِ ، فَكَانَ الرَّجُلُ يُسْلِمُ وَلَا يُهَاجِرُ فَلَا يَرِثُ أَخَاهُ ، فَنَسَخَ اللَّهُ تَعَالَى ذَلِكَ بِقَوْلِهِ { وَأُولُوا الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ }.","part":20,"page":338},{"id":8775,"text":"وَرَوَى جَعْفَرُ بْنُ سُلَيْمَانَ عَنْ الْحَسَنِ قَالَ : كَانَ الْأَعْرَابِيُّ الْمُسْلِمُ لَا يَرِثُ مِنْ الْمُهَاجِرِ شَيْئًا وَإِنْ كَانَ ذَا قُرْبَى لِيَحُثَّهُمْ بِذَلِكَ عَلَى الْهِجْرَةِ ، فَلَمَّا كَثُرَ الْمُسْلِمُونَ أَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى : { وَأُولُوا الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ } فَنَسَخَتْ هَذِهِ الْآيَةُ تِلْكَ ، { إلَّا أَنْ تَفْعَلُوا إلَى أَوْلِيَائِكُمْ مَعْرُوفًا } فَرَخَّصَ اللَّهُ لِلْمُسْلِمِ أَنْ يُوصِيَ لِقَرَابَتِهِ مِنْ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى\rوَالْمَجُوس مِنْ الثُّلُثِ وَمَا دُونَهُ ، { كَانَ ذَلِكَ فِي الْكِتَابِ مَسْطُورًا } قَالَ : مَكْتُوبًا.\rفَجُمْلَةُ مَا حَصَلَ عَلَيْهِ التَّوَارُثُ بِالْأَسْبَابِ فِي أَوَّلِ الْإِسْلَامِ التَّبَنِّي وَالْحَلِفُ وَالْهِجْرَةُ وَالْمُؤَاخَاةُ الَّتِي آخَى بِهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثُمَّ نُسِخَ الْمِيرَاثُ بِالتَّبَنِّي وَالْهِجْرَةِ وَالْمُؤَاخَاةِ ؛ وَأَمَّا الْحَلِفُ فَقَدْ بَيَّنَّا أَنَّهُ جُعِلَتْ الْقَرَابَةُ أَوْلَى مِنْهُ وَلَمْ يُنْسَخْ إذَا لَمْ تَكُنْ قَرَابَةٌ ، وَجَائِزٌ أَنْ يَجْعَلَ لَهُ جَمِيعَ مَالِهِ أَوْ بَعْضَهُ وَمِنْ الْأَسْبَاب الَّتِي عُقِدَ بِهَا التَّوَارُثُ فِي الْإِسْلَامِ وَلَاءُ الْعَتَاقَةِ وَالزَّوْجِيَّةِ وَوَلَاءُ الْمُوَالَاةِ ، وَهُوَ عِنْدَنَا يَجْرِي مَجْرَى الْحَلِفِ ، وَإِنَّمَا يَثْبُتُ حُكْمُهُ إذَا لَمْ يَكُنْ وَارِثٌ مِنْ ذِي رَحِمٍ أَوْ عَصَبَةٍ.","part":20,"page":339},{"id":8776,"text":"فَجَمِيعُ مَا انْعَقَدَتْ عَلَيْهِ مَوَارِيثُ الْإِسْلَامِ السَّبَبُ وَالنَّسَبُ ، وَالسَّبَبُ كَانَ عَلَى أَنْحَاءٍ مُخْتَلِفَةٍ : مِنْهَا الْمُعَاقَدَةُ بِالْحَلِفِ وَالتَّبَنِّي ، وَالْأُخُوَّةُ الَّتِي آخَى بَيْنَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَالْهِجْرَةُ وَالزَّوْجِيَّةُ وَوَلَاءُ الْعَتَاقَةِ وَوَلَاءُ الْمُوَالَاةِ ، فَأَمَّا إيجَابُ الْمِيرَاثِ بِالْحَلِفِ وَالتَّبَنِّي وَالْأُخُوَّةِ الَّتِي آخَى بَيْنَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِهَا فَمَنْسُوخٌ مَعَ وُجُودِ الْعَصَبَاتِ وَذَوِي الْأَرْحَامِ ، وَوَلَاءُ الْعَتَاقَةِ وَالْمُوَالَاةُ وَالزَّوْجِيَّةُ هِيَ أَسْبَابٌ ثَابِتَةٌ يُسْتَحَقُّ بِهَا الْمِيرَاثُ عَلَى التَّرْتِيبِ الْمَشْرُوطِ لِذَلِكَ.\rوَأَمَّا النَّسَبُ الَّذِي يُسْتَحَقُّ بِهِ الْمِيرَاثُ فَيَنْقَسِمُ إلَى أَنْحَاءٍ ثَلَاثَةٍ : ذَوُو السِّهَامِ وَالْعَصَبَاتُ وَذَوُو الْأَرْحَامِ ، وَسَنُبَيِّنُ ذَلِكَ فِي مَوْضِعِهِ.","part":20,"page":340},{"id":8777,"text":"فَأَمَّا الْآيَاتُ الْمُوجِبَةُ لِمِيرَاثِ ذَوِي الْأَنْسَابِ مِنْ ذَوِي السِّهَامِ وَالْعَصَبَاتِ وَذَوِي الْأَرْحَامِ ، فَقَوْلُهُ تَعَالَى : { لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ } وقَوْله تَعَالَى : { وَمَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ فِي يَتَامَى النِّسَاءِ اللَّاتِي لَا تُؤْتُونَهُنَّ مَا كُتِبَ لَهُنَّ وَتَرْغَبُونَ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنْ الْوِلْدَانِ } نُسِخَ بِهِمَا فِي رِوَايَةٍ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ وَغَيْرِهِ مِنْ السَّلَفِ مَا كَانَ عَلَيْهِ الْأَمْرُ فِي تَوْرِيثِ الرِّجَالِ الْمُقَاتِلَةِ دُونَ الذُّكُورِ الصِّغَارِ وَالْإِنَاثِ.\rوقَوْله تَعَالَى : { يُوصِيكُمْ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ } فِيهِ بَيَانٌ لِلنَّصِيبِ الْمَفْرُوضِ فِي قَوْله تَعَالَى : { لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ } إلَى قَوْله تَعَالَى : { نَصِيبًا مَفْرُوضًا } وَالنَّصِيبُ الْمَفْرُوضُ هُوَ الَّذِي بَيَّنَ مِقْدَارَهُ فِي قَوْله تَعَالَى : { يُوصِيكُمْ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ }.\rوَقَدْ رُوِيَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ قَرَأَ : { كُتِبَ عَلَيْكُمْ إذَا حَضَرَ أَحَدَكُمْ الْمَوْتُ إنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ } فَقَالَ : قَدْ نَسَخَ هَذَا قَوْله تَعَالَى : { لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ }.","part":20,"page":341},{"id":8778,"text":"وَقَالَ مُجَاهِدٌ : \" كَانَ الْمِيرَاثُ لِلْوَلَدِ وَكَانَتْ الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ ، فَنَسَخَ اللَّهُ تَعَالَى مِنْ ذَلِكَ مَا أَحَبَّ ، فَجَعَلَ لِلْوَلَدِ الذَّكَرِ مِثْلَ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ ، وَجَعَلَ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْ الْأَبَوَيْنِ السُّدُسَ مَعَ الْوَلَدِ \".\rقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : وَقَدْ كَانَ الرَّجُلُ إذَا مَاتَ وَخَلَّفَ زَوْجَتَهُ اعْتَدَّتْ سَنَةً كَامِلَةً فِي بَيْتِهِ يُنْفِقُ عَلَيْهَا مِنْ تَرِكَتِهِ ، وَهُوَ قَوْله تَعَالَى { وَاَلَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا وَصِيَّةً لِأَزْوَاجِهِمْ مَتَاعًا إلَى الْحَوْلِ غَيْرَ إخْرَاجٍ } ثُمَّ نُسِخَ ذَلِكَ بِالرُّبُعِ أَوْ الثُّمُنِ.\rوقَوْله تَعَالَى : { وَأُولُوا الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ } نُسِخَ بِهِ التَّوَارُث بِالْحَلِفِ وَبِالْهِجْرَةِ وَبِالتَّبَنِّي عَلَى النَّحْوِ الَّذِي بَيَّنَّا ؛ وَكَذَلِكَ قَوْله تَعَالَى : { يُوصِيكُمْ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ } هِيَ آيَةٌ مُحْكَمَةٌ غَيْرُ مَنْسُوخَةٍ ، وَهِيَ مُوجِبَةٌ لِنَسْخِ الْمِيرَاثِ بِهَذِهِ الْأَسْبَابِ الَّتِي ذَكَرْنَا ؛ لِأَنَّهُ جَعَلَ الْمِيرَاثَ لِلْمُسَمِّينَ فِيهَا ، فَلَا يَبْقَى لِأَهْلِ هَذِهِ الْأَسْبَابِ شَيْءٌ ، وَذَلِكَ مُوجِبٌ لِسُقُوطِ حُقُوقِهِمْ فِي هَذِهِ الْحَالِ.\rوَرَوَى مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَقِيلٍ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّه قَالَ : { جَاءَتْ امْرَأَةٌ مِنْ الْأَنْصَارِ بِبِنْتَيْنِ لَهَا فَقَالَتْ : يَا رَسُولَ اللَّهِ هَاتَانِ بِنْتَا ثَابِتِ","part":20,"page":342},{"id":8779,"text":"بْنِ قَيْسٍ قُتِلَ مَعَك يَوْمَ أُحُدٍ وَلَمْ يَدَعْ لَهُمَا عَمُّهُمَا مَالًا إلَّا أَخَذَهُ ، فَمَا تَرَى يَا رَسُولَ اللَّهِ ؟ فَوَاَللَّهِ لَا تُنْكَحَانِ أَبَدًا إلَّا وَلَهُمَا مَالٌ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : يَقْضِي اللَّهُ فِي ذَلِكَ فَنَزَلَتْ سُورَةُ النِّسَاءِ : { يُوصِيكُمْ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ } الْآيَةَ ، فَقَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : اُدْعُ لِي الْمَرْأَةَ وَصَاحِبَهَا فَقَالَ لِعَمِّهِمَا : أَعْطِهِمَا الثُّلُثَيْنِ وَأَعْطِ أُمَّهُمَا الثُّمُنَ وَمَا بَقِيَ فَلَكَ }.","part":20,"page":343},{"id":8780,"text":"قَالَ أَبُو بَكْرٍ : قَدْ حَوَى هَذَا الْخَبَرُ مَعَانٍ : مِنْهَا أَنَّ الْعَمَّ قَدْ كَانَ يَسْتَحِقُّ الْمِيرَاثَ دُونَ الْبِنْتَيْنِ عَلَى عَادَةِ أَهْلِ الْجَاهِلِيَّةِ فِي تَوْرِيثِ الْمُقَاتِلَةِ دُونَ النِّسَاءِ وَالصِّبْيَانِ ، وَلَمْ يُنْكِرْ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ذَلِكَ حِينَ سَأَلَتْهُ الْمَرْأَةُ بَلْ أَقَرَّ الْأَمْرَ عَلَى مَا كَانَ عَلَيْهِ وَقَالَ لَهَا : \" يَقْضِي اللَّهُ فِي ذَلِكَ \" ثُمَّ لَمَّا نَزَلَتْ الْآيَةُ أَمَرَ الْعَمَّ بِدَفْعِ نَصِيبِ الْبِنْتَيْنِ وَالْمَرْأَةِ إلَيْهِنَّ ؛ وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْعَمَّ لَمْ يَأْخُذْ الْمِيرَاثَ بَدِيًّا مِنْ جِهَةِ التَّوْقِيفِ بَلْ عَلَى عَادَةِ أَهْلِ الْجَاهِلِيَّةِ فِي الْمَوَارِيثِ ؛ لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ كَذَلِكَ لَكَانَ إنَّمَا يُسْتَأْنَفُ فِيمَا يَحْدُث بَعْدَ نُزُولِ الْآيَةِ وَمَا قَدْ مَضَى عَلَى حُكْمٍ مَنْصُوصٍ مُتَقَدِّمٍ لَا يُعْتَرَضُ عَلَيْهِ بِالنَّسْخِ ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ أَخَذَهُ عَلَى حُكْمِ الْجَاهِلِيَّةِ الَّتِي لَمْ يَنْقُلُوا عَنْهَا.\rوَرَوَى سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُنْكَدِرِ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ : { مَرِضْت فَأَتَانِي رَسُولُ اللَّه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَعُودُنِي فَأَتَانِي وَقَدْ أُغْمِيَ عَلَيَّ ، فَتَوَضَّأَ رَسُولُ اللَّه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثُمَّ رَشَّ عَلَيَّ مِنْ وُضُوئِهِ فَأَفَقْت فَقُلْت : يَا رَسُولَ اللَّهِ كَيْفَ تَقْضِي فِي مَالِي ؟ فَلَمْ يُجِبْنِي بِشَيْءٍ حَتَّى نَزَلَتْ آيَةُ","part":20,"page":344},{"id":8781,"text":"الْمَوَارِيثِ : { يُوصِيكُمْ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ } }.\rقَالَ أَبُو بَكْرٍ : ذَكَرَ فِي الْحَدِيثِ الْأَوَّلِ قِصَّةَ الْمَرْأَةِ مَعَ بِنْتَيْهَا وَذَكَرَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ أَنَّ جَابِرًا سَأَلَهُ عَنْ ذَلِكَ ، وَجَائِزٌ أَنْ يَكُونَ الْأَمْرَانِ جَمِيعًا قَدْ كَانَا ؛ سَأَلَتْهُ الْمَرْأَةُ فَلَمْ يُجِبْهَا مُنْتَظِرًا لِلْوَحْيِ ثُمَّ سَأَلَهُ جَابِرٌ فِي حَالِ مَرَضِهِ ، فَنَزَلَتْ الْآيَةُ وَهِيَ ثَابِتَةُ الْحُكْمِ مُثْبِتَةٌ لِلنَّصِيبِ الْمَفْرُوضِ فِي قَوْله تَعَالَى : { لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ } الْآيَةَ.\rوَلَمْ يَخْتَلِفْ أَهْلُ الْعِلْمِ فِي أَنَّ الْمُرَادَ بِقَوْلِهِ تَعَالَى : { يُوصِيكُمْ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ } أَوْلَادِ الصُّلْبِ ، وَأَنَّ وَلَدَ الْوَلَدِ غَيْرُ دَاخِلٍ مَعَ وَلَدِ الصُّلْبِ ، وَأَنَّهُ إذَا لَمْ يَكُنْ وَلَدُ الصُّلْبِ فَالْمُرَادُ أَوْلَادُ الْبَنِينَ دُونَ أَوْلَادِ الْبَنَاتِ ، فَقَدْ انْتَظَمَ اللَّفْظُ أَوْلَادَ الصُّلْبِ وَأَوْلَادَ الِابْنِ إذَا لَمْ يَكُنْ وَلَدَ الصُّلْبِ ، وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى صِحَّةِ قَوْلِ أَصْحَابِنَا فِيمَنْ أَوْصَى لِوَلَدِ فُلَانٍ أَنَّهُ لِوَلَدِهِ لِصُلْبِهِ ، فَإِنْ ، لَمْ يَكُنْ لَهُ وَلَدٌ لِصُلْبِهِ فَهُوَ لِوَلَدِ ابْنِهِ.","part":20,"page":345},{"id":8782,"text":"وقَوْله تَعَالَى : { لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ } قَدْ أَفَادَ أَنَّهُ إنْ كَانَ ذَكَرًا وَأُنْثَى فَلِلذَّكَرِ سَهْمَانِ وَلِلْأُنْثَى سَهْمٌ ، وَأَفَادَ أَيْضًا أَنَّهُمْ إذَا كَانُوا جَمَاعَةً ذُكُورًا وَإِنَاثًا أَنَّ لِكُلِّ ذَكَرٍ سَهْمَيْنِ وَلِكُلِّ أُنْثَى سَهْمًا ، وَأَفَادَ أَيْضًا أَنَّهُ إذَا كَانَ مَعَ الْأَوْلَادِ ذَوُو سِهَامٍ نَحْوُ الْأَبَوَيْنِ وَالزَّوْجِ وَالزَّوْجَةِ أَنَّهُمْ مَتَى أَخَذُوا سِهَامَهُمْ كَانَ الْبَاقِي بَعْدَ السِّهَامَ بَيْنَ الْأَوْلَادِ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ وَذَلِكَ ؛ لِأَنَّ قَوْله تَعَالَى : { لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ } اسْمٌ لِلْجِنْسِ يَشْتَمِلُ عَلَى الْقَلِيلِ وَالْكَثِيرِ مِنْهُمْ ، فَمَتَى مَا أَخَذَ ذَوُو السِّهَامِ سِهَامَهُمْ كَانَ الْبَاقِي بَيْنَهُمْ عَلَى مَا كَانُوا\rيَسْتَحِقُّونَهُ لَوْ لَمْ يَكُنْ ذُو سَهْمٍ.\rوَقَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ : { فَإِنْ كُنَّ نِسَاءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكَ وَإِنْ كَانَتْ وَاحِدَةً فَلَهَا النِّصْفُ } فَنَصَّ عَلَى نَصِيبِ مَا فَوْقَ الِابْنَتَيْنِ وَعَلَى الْوَاحِدَةِ وَلَمْ يَنُصَّ عَلَى فَرْضِ الِابْنَتَيْنِ ؛ لِأَنَّ فِي فَحَوَى الْآيَةِ دَلَالَةً عَلَى بَيَانِ فَرْضِهِمَا ، وَذَلِكَ لِأَنَّهُ قَدْ أَوْجَبَ لِلْبِنْتِ الْوَاحِدَةِ مَعَ الِابْنِ الثُّلُثَ ، وَإِذَا كَانَ لَهَا مَعَ الذَّكَرِ الثُّلُثُ كَانَتْ بِأَخْذِ الثُّلُثِ مَعَ الْأُنْثَى أَوْلَى ، وَقَدْ احْتَجْنَا إلَى بَيَانِ حُكْمِ مَا فَوْقَهُمَا ؛ فَلِذَلِكَ نَصَّ عَلَى حُكْمِهِ.","part":20,"page":346},{"id":8783,"text":"وَأَيْضًا لَمَّا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : { لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ } فَلَوْ تَرَكَ ابْنًا وَبِنْتًا كَانَ لِلِابْنِ سَهْمَانِ ثُلُثَا الْمَالِ وَهُوَ حَظُّ الْأُنْثَيَيْنِ ، فَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّ نَصِيبَ الِابْنَتَيْنِ الثُّلُثَانِ ؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى جَعَلَ نَصِيبَ الِابْنِ مِثْلَ نَصِيبِ الْبِنْتَيْنِ وَهُوَ الثُّلُثَانِ.\rوَيَدُلُّ عَلَى أَنَّ لِلْبِنْتَيْنِ الثُّلُثَيْنِ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَجْرَى الْإِخْوَةَ وَالْأَخَوَاتِ مَجْرَى الْبَنَاتِ وَأَجْرَى الْأُخْتَ الْوَاحِدَةَ مَجْرَى الْبِنْتِ الْوَاحِدَةِ ، فَقَالَ تَعَالَى : { إنْ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ أُخْتٌ فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ } ثُمَّ قَالَ : { فَإِنْ كَانَتَا اثْنَتَيْنِ فَلَهُمَا الثُّلُثَانِ مِمَّا تَرَكَ وَإِنْ كَانُوا إخْوَةً رِجَالًا وَنِسَاءً فَلِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ } فَجَعَلَ حَظَّ الْأُخْتَيْنِ كَحَظِّ مَا فَوْقَهُمَا وَهُوَ الثُّلُثَانِ كَمَا جَعَلَ حَظَّ الْأُخْتِ كَحَظِّ الْبِنْتِ.\rوَأَوْجَبَ لَهُمْ إذَا كَانُوا ذُكُورًا وَإِنَاثًا لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ ، فَوَجَبَ أَنْ تَكُونَ الِابْنَتَانِ كَالْأُخْتَيْنِ فِي اسْتِحْقَاقِ الثُّلُثَيْنِ لِمُسَاوَاتِهِمَا لَهُمَا فِي إيجَابِ الْمَالِ بَيْنَهُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ إذَا لَمْ يَكُنْ غَيْرُهُمْ ، كَمَا فِي مُسَاوَاةِ الْأُخْتِ لِلْبِنْتِ إذَا لَمْ يَكُنْ غَيْرُهَا فِي اسْتِحْقَاقِ النِّصْفِ بِالتَّسْمِيَةِ.\rوَأَيْضًا الْبِنْتَانِ أَوْلَى بِذَلِكَ ؛ إذْ","part":20,"page":347},{"id":8784,"text":"كَانَتَا أَقْرَبَ إلَى الْمَيِّتِ مِنْ الْأُخْتَيْنِ ، وَإِذَا كَانَتْ الْأُخْتُ بِمَنْزِلَةِ الْبِنْتِ فَكَذَلِكَ الْبِنْتَانِ فِي اسْتِحْقَاقِ الثُّلُثَيْنِ ؛ وَيَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ حَدِيثُ جَابِرٍ فِي قِصَّةِ الْمَرْأَةِ الَّتِي أَعْطَى النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِيهَا الْبِنْتَيْنِ الثُّلُثَيْنِ وَالْمَرْأَةَ الثُّمُنَ وَالْعَمَّ مَا بَقِيَ.\rوَلَمْ يُخَالِفْ فِي ذَلِكَ أَحَدٌ إلَّا شَيْئًا رُوِيَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ.","part":20,"page":348},{"id":8785,"text":"جَعَلَ لِلْبِنْتَيْنِ النِّصْفَ كَنَصِيبِ الْوَاحِدَةِ وَاحْتَجَّ بِقَوْلِهِ تَعَالَى : { فَإِنْ كُنَّ نِسَاءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكَ } ، وَلَيْسَ فِي ذَلِكَ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ لِلِابْنَتَيْنِ النِّصْفَ وَإِنَّمَا فِيهِ نَصٌّ عَلَى أَنَّ مَا فَوْقَ ابْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ الثُّلُثَانِ ، فَإِنْ كَانَ الْقَائِلُ بِأَنَّ لِلِابْنَتَيْنِ الثُّلُثَيْنِ مُخَالِفًا لِلْآيَةِ فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَدْ جَعَلَ لِلِابْنَةِ النِّصْفَ إذَا كَانَتْ وَحْدَهَا ، وَأَنْتَ جَعَلْت لِلِابْنَتَيْنِ النِّصْفَ وَذَلِكَ خِلَافُ الْآيَةِ ، فَإِنْ لَمْ تَلْزَمْهُ مُخَالَفَةُ الْآيَةِ حِينَ جَعَلَ لِلِابْنَتَيْنِ النِّصْفَ وَإِنْ كَانَ اللَّهُ قَدْ جَعَلَ لِلْوَاحِدَةِ النِّصْفَ فَكَذَلِكَ لَا تُلْزِمُ مُخَالِفِيهِ مُخَالَفَةُ الْآيَةِ فِي جَعْلِهِمْ لِلِابْنَتَيْنِ الثُّلُثَيْنِ ؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَمْ يَنْفِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى : { فَإِنْ كُنَّ نِسَاءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكَ } أَنْ يَكُونَ لِلِابْنَتَيْنِ الثُّلُثَانِ وَإِنَّمَا نَصَّ عَلَى حُكْمِ مَا فَوْقَهُمَا ، وَقَدْ دَلَّ عَلَى حُكْمِهِمَا فِي فَحْوَى الْآيَةِ عَلَى النَّحْوِ الَّذِي بَيَّنَّا وَمَا ذَكَرْنَاهُ مِنْ دَلَالَةِ حُكْمِ الْأُخْتَيْنِ عَلَى حُكْمِ الِابْنَتَيْنِ عَلَى مَا ذَكَرْنَا.\rوَقَدْ قِيلَ إنَّ قَوْله تَعَالَى : { فَإِنْ كُنَّ نِسَاءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ } أَنَّ ذِكْرَ \" فَوْقَ \" هَهُنَا صِلَةٌ لِلْكَلَامِ ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى : { فَاضْرِبُوا فَوْقَ الْأَعْنَاقِ }","part":20,"page":349},{"id":8786,"text":"قَوْله تَعَالَى : { وَلِأَبَوَيْهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ مِمَّا تَرَكَ إنْ كَانَ لَهُ وَلَدٌ } يُوجِبُ ظَاهِرَهُ أَنْ يَكُونَ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ مَعَ الْوَلَدِ ذَكَرًا كَانَ الْوَلَدُ أَوْ أُنْثَى ؛ لِأَنَّ اسْمَ الْوَلَدِ يَنْتَظِمُهُمَا ، إلَّا أَنَّهُ لَا خِلَافَ إذَا كَانَ الْوَلَدُ بِنْتًا لَا تَسْتَحِقُّ أَكْثَرَ مِنْ النِّصْفِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى : { وَإِنْ كَانَتْ وَاحِدَةً فَلَهَا النِّصْفُ } فَوَجَبَ أَنْ تُعْطَى النِّصْفَ بِحُكْمِ النَّصِّ ، وَيَكُونُ لِلْأَبَوَيْنِ لِكُلِّ وَاحِدٍ السُّدُسُ بِنَصِّ التَّنْزِيلِ ، وَيَبْقَى السُّدُسُ يَسْتَحِقُّهُ الْأَبُ بِالتَّعْصِيبِ ؛ فَاجْتَمَعَ هَهُنَا لِلْأَبِ الِاسْتِحْقَاقُ بِالتَّسْمِيَةِ وَبِالتَّعْصِيبِ جَمِيعًا ؛ وَإِنْ كَانَ الْوَلَدُ ذَكَرًا فَلِلْأَبَوَيْنِ السُّدُسَانِ بِحُكْمِ النَّصِّ ؛ وَالْبَاقِي لِلِابْنِ ؛ لِأَنَّهُ أَقْرَبُ تَعْصِيبًا مِنْ الْأَبِ.","part":20,"page":350},{"id":8787,"text":"وَقَالَ تَعَالَى : { فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَلَدٌ وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ فَلِأُمِّهِ الثُّلُثُ } فَأَثْبَتَ الْمِيرَاثَ لِلْأَبَوَيْنِ بِعُمُومِ اللَّفْظِ ثُمَّ فَصَلَ نَصِيبَ الْأُمِّ وَبَيَّنَ مِقْدَارَهُ بِقَوْلِهِ : { فَلِأُمِّهِ الثُّلُثُ } وَلَمْ يَذْكُرْ نَصِيبَ الْأَبِ فَاقْتَضَى ظَاهِرُ اللَّفْظِ لِلْأَبِ الثُّلُثَيْنِ ؛ إذْ لَيْسَ هُنَاكَ مُسْتَحِقٌّ غَيْرُهُ وَقَدْ أَثْبَتَ الْمِيرَاثَ لَهُمَا بَدِيًّا وَقَدْ كَانَ ظَاهِرُ اللَّفْظِ يَقْتَضِي الْمُسَاوَاةَ لَوْ اقْتَصَرَ عَلَى قَوْله تَعَالَى : { وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ } دُونَ تَفْصِيلِ نَصِيبِ الْأُمِّ ، فَلَمَّا قَصَرَ نَصِيبَ الْأُمِّ عَلَى الثَّلَاثِ عُلِمَ أَنَّ الْمُسْتَحَقَّ لِلْأَبِ الثُّلُثَانِ.\rقَوْله تَعَالَى : { فَإِنْ كَانَ لَهُ إخْوَةٌ فَلِأُمِّهِ السُّدُسُ } قَالَ عَلِيٌّ وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ وَعُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ وَعُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ وَزَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ وَسَائِرُ أَهْلِ الْعِلْمِ : \" إذَا تَرَكَ أَخَوَيْنِ وَأَبَوَيْنِ فَلِأُمِّهِ السُّدُسُ وَمَا بَقِيَ فَلِأَبِيهِ \" وَحَجَبُوا الْأُمَّ عَنْ الثُّلُثِ إلَى السُّدُسِ كَحَجْبِهِمْ لَهَا بِثَلَاثَةِ إخْوَةٍ.\rوَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : \" لِلْأُمِّ الثُّلُثُ \" وَكَانَ لَا\rيَحْجُبُهَا إلَّا بِثَلَاثَةٍ مِنْ الْإِخْوَةِ وَالْأَخَوَاتِ.\rوَرَوَى مَعْمَرٌ عَنْ ابْنِ طَاوُسٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ : \" إذَا تَرَكَ أَبَوَيْنِ وَثَلَاثَةَ إخْوَةٍ فَلِلْأُمِّ السُّدُسُ وَلِلْإِخْوَةِ السُّدُسُ الَّذِي حَجَبُوا الْأُمَّ عَنْهُ وَمَا بَقِيَ فَلِلْأَبِ \".","part":20,"page":351},{"id":8788,"text":"وَرُوِيَ عَنْهُ : \" أَنَّهُ إنْ كَانَ الْإِخْوَةُ مِنْ قِبَلِ الْأُمِّ فَالسُّدُسُ لَهُمْ خَاصَّةً ، وَإِنْ كَانُوا مِنْ قِبَلِ الْأَبِ وَالْأُمِّ أَوْ مِنْ قِبَلِ الْأَبِ لَمْ يَكُنْ لَهُمْ شَيْءٌ وَكَانَ مَا بَعْدَ السُّدُسِ لِلْأَبِ \".\rوَالْحُجَّةُ لِلْقَوْلِ الْأَوَّلِ أَنَّ اسْمَ الْإِخْوَةِ قَدْ يَقَعُ عَلَى الِاثْنَيْنِ كَمَا قَالَ تَعَالَى : { إنْ تَتُوبَا إلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا } وَهُمَا قَلْبَانِ ؛ وَقَالَ تَعَالَى : { وَهَلْ أَتَاك نَبَأُ الْخَصْمِ إذْ تَسَوَّرُوا الْمِحْرَابَ } ثُمَّ قَالَ تَعَالَى : { خَصْمَانِ بَغَى بَعْضُنَا عَلَى بَعْضٍ } فَأَطْلَقَ لَفْظَ الْجَمْعِ عَلَى اثْنَيْنِ ؛ وَقَالَ تَعَالَى : { وَإِنْ كَانُوا إخْوَةً رِجَالًا وَنِسَاءً فَلِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ } فَلَوْ كَانَ أَخًا وَأُخْتًا كَانَ حُكْمُ الْآيَةِ جَارِيًا فِيهِمَا وَقَدْ رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ : { اثْنَانِ فَمَا فَوْقَهُمَا جَمَاعَةٌ } ، وَلِأَنَّ الِاثْنَيْنِ إلَى الثَّلَاثَةِ فِي حُكْمِ الْجَمْعِ أَقْرَبُ مِنْهُمَا إلَى الْوَاحِدِ ؛ لِأَنَّ لَفْظَ الْجَمْعِ مَوْجُودٌ فِيهِمَا نَحْوُ قَوْلِكَ : \" قَامَا وَقَعَدَا وَقَامُوا وَقَعَدُوا \" كُلُّ ذَلِكَ جَائِزٌ فِي الِاثْنَيْنِ وَالثَّلَاثَةِ وَلَا يَجُوزُ مِثْلُهُ فِي الْوَاحِدِ ، فَلَمَّا كَانَ الِاثْنَانِ فِي حُكْمِ اللَّفْظِ أَقْرَبَ إلَى الثَّلَاثَةِ مِنْهُمَا إلَى الْوَاحِدِ وَجَبَ إلْحَاقُهُمَا بِالثَّلَاثَةِ دُونَ الْوَاحِدِ.","part":20,"page":352},{"id":8789,"text":"وَقَدْ رَوَى عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي الزِّنَادِ عَنْ أَبِيهِ عَنْ خَارِجَةَ بْنِ زَيْدٍ عَنْ أَبِيهِ ، أَنَّهُ كَانَ يَحْجُبُ الْأُمَّ بِالْأَخَوَيْنِ ، فَقَالُوا لَهُ : يَا أَبَا سَعِيد إنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَقُولُ : { فَإِنْ كَانَ لَهُ إخْوَةٌ } وَأَنْتَ تَحْجُبُهَا بِالْأَخَوَيْنِ فَقَالَ : إنَّ الْعَرَبَ تُسَمِّي\rالْأَخَوَيْنِ إخْوَةً.\rفَإِذَا كَانَ زَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ قَدْ حَكَى عَنْ الْعَرَبِ أَنَّهَا تُسَمِّي الْأَخَوَيْنِ إخْوَةً ، فَقَدْ ثَبَتَ أَنَّ ذَلِكَ اسْمٌ لَهُمَا فَيَتَنَاوَلُهُمَا اللَّفْظُ.","part":20,"page":353},{"id":8790,"text":"وَأَيْضًا قَدْ ثَبَتَ أَنَّ حُكْمَ الْأُخْتَيْنِ حُكْمُ الثَّلَاثِ فِي اسْتِحْقَاقِ الثُّلُثَيْنِ بِنَصِّ التَّنْزِيلِ فِي قَوْله تَعَالَى : { وَإِنْ كَانَتَا اثْنَتَيْنِ فَلَهُمَا الثُّلُثَانِ مِمَّا تَرَكَ } وَكَذَلِكَ حُكْمُ الْأُخْتَيْنِ مِنْ الْأُمِّ حُكْمُ الثَّلَاثِ فِي اسْتِحْقَاقِ الثُّلُثِ دُونَ حُكْمِ الْوَاحِدَةِ ، فَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ حُكْمُهُمَا حُكْمَ الثَّلَاثِ فِي حَجْبِ الْأُمِّ عَنْ الثُّلُثِ إلَى السُّدُسِ ؛ إذْ كَانَ حُكْمُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ ذَلِكَ حُكْمًا مُتَعَلِّقًا بِالْجَمْعِ فَاسْتَوَى فِيهِ حُكْمُ الِاثْنَيْنِ وَالثَّلَاثِ وَرُوِيَ عَنْ قَتَادَةَ أَنَّهُ قَالَ : \" إنَّمَا يَحْجُبُ الْإِخْوَةُ الْأُمَّ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَرِثُوا مَعَ الْأَبِ ؛ لِأَنَّهُ يَقُومُ بِنِكَاحِهِمْ وَالنَّفَقَةِ عَلَيْهِمْ دُونَ الْأُمِّ \" وَهَذِهِ الْعِلَّةُ إنَّمَا هِيَ مَقْصُورَةٌ عَلَى الْإِخْوَةِ مِنْ الْأَبِ وَالْأُمِّ وَالْإِخْوَةِ مِنْ الْأَبِ ، فَأَمَّا الْإِخْوَةُ مِنْ الْأُمِّ فَلَيْسَ إلَى الْأَبِ شَيْءٌ مِنْ أَمْرِهِمْ وَهُمْ يَحْجُبُونَ أَيْضًا كَمَا يَحْجُبُ الْإِخْوَةَ مِنْ الْأَبِ وَالْأُمِّ ، وَلَا خِلَافَ بَيْنَ الصَّحَابَةِ فِي ثَلَاثَةِ إخْوَةٍ وَأَبَوَيْنِ أَنَّ لِلْأُمِّ السُّدُسَ وَمَا بَقِيَ فَلِلْأَبِ ؛ إلَّا شَيْئًا يُرْوَى عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ.\rوَرَوَى عَبْدُ الرَّزَّاق عَنْ مَعْمَرٍ عَنْ ابْنِ طَاوُسٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ : \" أَنَّ لِلْأُمِّ السُّدُسَ وَلِلْإِخْوَةِ السُّدُسَ الَّذِي حَجَبُوا الْأُمَّ عَنْهُ وَمَا بَقِيَ فَلِلْأَبِ ، وَكَانَ لَا يَحْجُبُ بِمَنْ لَا يَرِثُ ، فَلَمَّا حَجَبَ الْأُمَّ بِالْإِخْوَةِ وَرِثَهُمْ \".","part":20,"page":354},{"id":8791,"text":"وَهُوَ قَوْلٌ شَاذّ وَظَاهِرُ الْقُرْآنِ خِلَافُهُ ؛ لِأَنَّهُ تَعَالَى قَالَ : { وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ فَلِأُمِّهِ الثُّلُثُ } ثُمَّ قَالَ تَعَالَى : { فَإِنْ كَانَ لَهُ إخْوَةٌ فَلِأُمِّهِ السُّدُسُ } عَطْفًا عَلَى قَوْله تَعَالَى : { وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ } تَقْدِيرُهُ : وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ وَلَهُ\rإخْوَةٌ ؛ وَذَلِكَ يَمْنَعُ أَنْ يَكُونَ لِلْإِخْوَةِ شَيْءٌ.\rقَوْله تَعَالَى : { مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصَى بِهَا أَوْ دَيْنٍ }.\rالدَّيْنُ مُؤَخَّرٌ فِي اللَّفْظِ وَهُوَ مُبْتَدَأٌ بِهِ فِي الْمَعْنَى عَلَى الْوَصِيَّةِ ؛ لِأَنَّ \" أَوْ \" لَا تُوجِبُ التَّرْتِيبَ وَإِنَّمَا هِيَ لِأَحَدِ شَيْئَيْنِ ، فَكَأَنَّهُ قِيلَ : مِنْ بَعْدِ أَحَدِ هَذَيْنِ.\rوَقَدْ رُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ وَجْهَهُ أَنَّهُ قَالَ : \" ذَكَرَ اللَّهُ الْوَصِيَّةَ قَبْلَ الدَّيْنِ وَهِيَ بَعْدَهُ \" يَعْنِي أَنَّهَا مُقَدَّمَةٌ فِي اللَّفْظِ مُؤَخَّرَةٌ فِي الْمَعْنَى. أ هـ {أحكام القرآن للجصاص حـ 3 صـ 2 ـ 12}","part":20,"page":355},{"id":8792,"text":"\" بحث علمي في فصول \"\r1 - ظهور الإرث كان الإرث أعنى تملك بعض الأحياء المال الذى تركه الميت من أقدم السنن الدائرة في المجتمع الإنساني وقد خرج عن وسع ما بأيدينا من تواريخ الأمم والملل الحصول على مبدأ حصوله ومن طبيعة الأمر أيضا ذلك فإنا نعلم بالتأمل في طبيعة الإنسان الاجتماعية أن المال وخاصة لو كان مما لا يد عليه يحن\rإليه الإنسان ويتوق إليه نفسه لصرفه في حوائجه وحيازته وخاصة فيما لا مانع عنه من دؤوبه الأولية القديمة والإنسان في ما كونه من مجتمعه همجيا أو مدنيا لا يستغنى عن اعتبار القرب والولاية المنتجين للأقربية والأولوية بين أفراد المجتمع الاعتبار الذى عليه المدار في تشكل البيت والبطن والعشيرة والقبيلة ونحو ذلك فلا مناص في المجتمع من كون بعض الأفراد أولى ببعض كالولد بوالديه والرحم برحمه والصديق بصديقه والمولى بعبده وأحد الزوجين بالآخر والرئيس بمرؤوسه حتى القوى بالضعيف وإن اختلفت المجتمعات في تشخيص ذلك اختلافا شديدا يكاد لا تناله يد الضبط.\rولازم هذين الأمرين كون الإرث دائرا بينهم من أقدم العهود الاجتماعية.\r2 - تحول الإرث تدريجيا : لم تزل هذه السنة كسائر السنن الجارية في المجتمعات الإنسانية تتحول من حال إلى حال وتلعب به يد التطور والتكامل منذ أول ظهورها غير أن الأمم الهمجية لما لم تستقر على حال منتظم تعسر الحصول في تواريخهم على تحوله المنتظم حصولا يفيد وثوقا به.","part":20,"page":356},{"id":8793,"text":"والقدر المتيقن من أمرهم أنهم كانوا يحرمون النساء والضعفاء الإرث وإنما كان يختص بالأقوياء وليس إلا لأنهم كانوا يتعاملون مع النساء والضعفاء من العبيد والصغار معاملة الحيوان المسخر والسلع والأمتعة التى ليس لها إلا أن ينتفع بها الإنسان دون أن تنتفع هي بالإنسان وما في يده أو تستفيد من الحقوق الاجتماعية التى لا تتجاوز النوع الإنساني.\rومع ذلك كان يختلف مصداق القوى في هذا الباب برهة بعد برهة فتارة مصداقه رئيس الطائفة أو العشيرة وتارة رئيس البيت وتارة أخرى أشجع القوم وأشدهم بأسا وكان ذلك يوجب طبعا تغير سنة الإرث تغيرا جوهريا.\rولكون هذه السنن الجارية لا تضمن ما تقترحه الفطرة الإنسانية من السعادة المقترحة كان يسرع إليها التغير والتبدل حتى أن الملل المتمدنة التى كان يحكم بينهم القوانين أو ما يجرى مجراها من السنن المعتادة الملية كان شأنهم ذلك كالروم واليونان وما عمر قانون من قوانين الإرث الدائرة بين الأمم حتى اليوم مثل ما عمرت سنة الإرث الإسلامية فقد حكمت في الأمم الإسلامية منذ أول ظهورها إلى اليوم ما يقرب من أربعة عشر قرنا.\r3 - الوراثة بين الأمم المتمدنة من خواص الروم أنهم كانوا يرون للبيت في نفسه استقلالا مدنيا يفصله عن المجتمع العام ويصونه عن نفوذ الحكومة العامة في جل ما يرتبط بأفراده من الحقوق الاجتماعية فكان يستقل في الأمر والنهى والجزاء والسياسة ونحو ذلك.\rوكان رب البيت هو معبودا لأهله من زوجة وأولاد وعبيد وكان هو المالك من بينهم ولا يملك دونه أحد ما دام أحد أفراد البيت وكان هو الولى عليهم القيم بأمرهم باختياره المطلق النافذ فيهم وكان هو يعبد رب البيت السابق من أسلافه.","part":20,"page":357},{"id":8794,"text":"وإذا كان هناك مال يرثه البيت كما إذا مات بعض الأبناء فيما ملكه بإذن رب البيت اكتسابا أو بعض البنات فيما ملكته بالازدواج صداقا وأذن لها رب البيت أو بعض الأقارب فإنما كان يرثه رب البيت لأنه مقتضى ربوبيته وملكه المطلق للبيت وأهله.\rوإذا مات رب البيت فإنما كان يرثه أحد أبنائه أو إخوانه ممن في وسعه ذلك وورثه الأبناء فإن انفصلوا وأسسوا بيوتا جديدة كانوا أربابها وإن بقوا في بيتهم القديم كان نسبتهم إلى الرب الجديد أخيهم مثلا هي النسبة السابقة إلى أبيهم من الورود تحت قيمومته وولايته المطلقة.\rوكذا كان يرثه الأدعياء لأن الأدعاء والتبنى كان دائرا عندهم كما بين العرب في الجاهلية.\rوأما النساء كالزوجة والبنت والأم فلم يكن يرثن لئلا ينتقل مال البيت بانتقالهن إلى بيوت أخرى بالازدواج فإنهم ما كانوا يرون جواز انتقال الثروة من بيت إلى آخر وهذا هو الذى ربما ذكره بعضهم فقال إنهم كانوا يقولون بالملكية الاشتراكية الاجتماعية دون الانفرادية الفردية وأظن أن مأخذه شئ آخر غير الملك الاشتراكي فإن الأقوام الهمجية المتوحشة أيضا من أقدم الأزمنة كانوا يمتنعون من مشاركة غيرهم من الطوائف البدوية فيما حازوه من المراعى والأراضي الخصبة وحموه لأنفسهم وكانوا يحاربون عليه ويدفعون عن محمياتهم وهذا نوع من الملك العام الاجتماعي الذى مالكه هيئة المجتمع الإنساني دون أفراده وهو مع ذلك لا ينفى أن يملك كل فرد من المجتمع شيئا من هذا الملك العام اختصاصا.","part":20,"page":358},{"id":8795,"text":"وهذا ملك صحيح الاعتبار غير أنهم ما كانوا يحسنون تعديل أمره والاستدرار منه وقد احترمه الإسلام كما ذكرناه فيما تقدم قال تعالى خلق لكم ما في الأرض جميعا : البقرة - 29 فالمجتمع الإنساني وهو المجتمع الإسلامى ومن هو تحت ذمته هو المالك لثروة الأرض بهذا المعنى ثم المجتمع الإسلامى هو المالك لما في يده من الثروة ولذلك لا يرى الإسلام إرث الكافر من المسلم.\rولهذا النظر آثار ونماذج في بعض الملل الحاضرة حيث لا يرون جواز تملك الاجانب شيئا من الأراضي والأموال غير المنقولة من أوطانهم ونحو ذلك.\rولما كان البيت في الروم القديم ذا استقلال وتمام في نفسه كان قد استقر فيه هذه العادة القديمة المستقرة في الطوائف والممالك المستقلة.\rوكان قد أنتج استقرار هذه العادة أو السنة في بيوت الروم مع سنتهم في التزويج من منع الازدواج بالمحارم أن القرابة انقسمت عندهم قسمين أحدهما القرابة الطبيعية وهى الاشتراك في الدم وكان لازمها منع الازدواج في المحارم وجوازه في غيرهم والثاني القرابة الرسمية وهى القانونية ولازمها الإرث وعدمه والنفقة والولاية وغير ذلك فكان الأبناء أقرباء ذوى قرابة طبيعية ورسمية معا بالنسبة إلى رب البيت ورئيسه وفي ما بينهم أنفسهم وكانت النساء جميعا ذوات قرابة طبيعية لا رسمية فكانت المرة لا ترث والدها ولا ولدها ولا أخاها ولا بعلها ولا غيرهم هذه سنة الروم القديم.","part":20,"page":359},{"id":8796,"text":"وأما اليونان فكان وضعهم القديم في تشكل البيوت قريبا من وضع الروم القديم وكان الميراث فيهم يرثه أرشد الأولاد الذكور ويحرم النساء جميعا من زوجة وبنت وأخت ويحرم صغار الأولاد وغيرهم غير أنهم كالروميين ربما كانوا يحتالون لإيراث الصغار من أبنائهم ومن أحبوها وأشفقوا عليها من زوجاتهم وبناتهم وأخواتهم بحبل متفرقة تسهل الطريق لامتاعهن بشئ من الميراث قليل أو كثير بوصية أو نحوها وسيجئ الكلام في أمر الوصية.\rوأما الهند ومصر والصين فكان أمر الميراث في حرمان النساء منه مطلقا\rوحرمان ضعفاء الأولاد أو بقاؤهم تحت الولاية والقيمومة قريبا مما تقدم من سنة الروم واليونان.\rوأما الفارس فإنهم كانوا يرون نكاح المحارم وتعدد الزوجات كما تقدم ويرون التبني وكانت أحب النساء إلى الزوج ربما قامت مقام الابن بالادعاء وترث كما يرث الابن والدعي بالسوية وكانت تحرم بقية الزوجات والبنت المزوجة لا ترث حذرا من انتقال المال إلى خارج البيت والتى لم تزوج بعد ترث نصف سهم الابن فكانت الزوجات غير الكبيرة والبنت المزوجة محرومات وكانت الزوجة الكبيرة والابن والدعي والبنت غير المزوجة بعد مرزوقين.\rوأما العرب فقد كانوا يحرمون النساء مطلقا والصغار من البنين ويمتعون أرشد الأولاد ممن يركب الفرس ويدفع عن الحرمة فإن لم يكن فالعصبة.\rهذا حال الدنيا يوم نزلت آيات الإرث ذكرها وتعرض لها كثير من تواريخ آداب الملل ورسومهم والرحلات وكتب الحقوق وأمثالها من أراد الاطلاع على تفاصيل القول أمكنه أن يراجعها.","part":20,"page":360},{"id":8797,"text":"وقد تلخص من جميع ما مر أن السنة كانت قد استقرت في الدنيا يومئذ على حرمان النساء بعنوان أنهن زوجة أو أم أو بنت أو أخت إلا بعناوين أخرى مختلفة وعلى حرمان الصغار والأيتام إلا في بعض الموارد تحت عنوان الولاية والقيمومة الدائمة غير المنقطعة.\r4 ماذا صنع الإسلام والظرف هذا الظرف قد تقدم مرارا أن الإسلام يرى أن الأساس الحق للأحكام والقوانين الإنسانية هو الفطرة التى فطر الناس عليها ولا تبديل لخلق الله وقد بنى الإرث على أساس الرحم التى هي من الفطرة والخلقة الثابتة وقد ألغى إرث الادعياء حيث يقول تعالى \" وما جعل أدعياءكم ابناءكم ذلكم قولكم بأفواهكم والله يقول الحق وهو يهدى السبيل ادعوهم لآبائهم هو أقسط عند الله فإن لم تعلموا آباءهم فإخوانكم في الدين ومواليكم \" : الأحزاب - 5.\rثم أخرج الوصية من تحت عنوان الإرث وأفردها عنوانا مستقلا يعطى به ويؤخذ وإن كانوا يسمون التملك من جهة الإيصاء إرثا وليس ذلك مجرد اختلاف في التسمية\r/ صفحة227 /\rفإن لكل من الوصية والأرث ملاكا آخر وأصلا فطريا مستقلا فملاك الإرث هو الرحم ولا نفوذ لأرادة المتوفى فيها أصلا وملاك الوصية نفوذ إرادة المتوفى بعد وفاته وإن شئت قل حين ما يوصى في ما يملكه في حياته واحترام مشيته فلو ادخلت الوصية في الإرث لم يكن ذلك إلا مجرد تسمية.","part":20,"page":361},{"id":8798,"text":"وأما ما كان يسميها الناس كالروم القديم مثلا إرثا فلم يكن لاعتبارهم في سنة الإرث أحد الأمرين إما الرحم وإما احترام إرادة الميت بل حقيقة الأمر أنهم كانوا يبنون الإرث على احترام الإرادة وهى إرادة الميت بقاء المال الموروث في البيت الذى كان فيه تحت يد رئيس البيت وربه أو إرادته انتقاله بعد الموت إلى من يحبه الميت ويشفق عليه فكان الإرث على أي حال يبتنى على احترام الإرادة ولو كان مبتنيا على أصل الرحم واشتراك الدم لرزق من المال كثير من المحرومين منه وحرم كثير من المرزوقين.\rثم إنه بعد ذلك عمد إلى الإرث وعنده في ذلك أصلان جوهريان أصل الرحم وهو العنصر المشترك بين الإنسان وأقربائه لا يختلف فيه الذكور والإناث والكبار والصغار حتى الأجنة في بطون أمهاتهم وإن كان مختلف الأثر في التقدم والتأخر ومنع البعض للبعض من جهة قوته وضعفه بالقرب من الإنسان والبعد منه وانتفاء الوسائط وتحققها قليلا أو كثيرا كالولد والأخ والعم وهذا الأصل يقضى باستحقاق أصل الإرث مع حفظ الطبقات المتقدمة والمتأخرة.\rوأصل اختلاف الذكر والأنثى في نحو وجود القرائح الناشئة عن الاختلاف في تجهيزهما بالتعقل والإحساسات فالرجل بحسب طبعه إنسان التعقل كما أن المرأة مظهر العواطف والإحساسات اللطيفة الرقيقة وهذا الفرق مؤثر في حياتيهما التأثير البارز في تدبير المال المملوك وصرفه في الحوائج وهذا الأصل هو الموجب للاختلاف في السهام في الرجل والمرأة وإن وقعا في طبقة واحدة كالابن والبنت والأخ والأخت في الجملة على ما سنبينه.\rواستنتج من الأصل الأول ترتب الطبقات بحسب القرب والبعد من الميت لفقدان الوسائط وقلتها وكثرتها فالطبقة الأولى هي التى تتقرب من الميت بلا واسطة وهى الابن والبنت والاب والام والثانية الاخ والاخت والجد والجدة وهى تتقرب من","part":20,"page":362},{"id":8799,"text":"الميت بواسطة واحدة وهى الأب أو الأم أو هما معا والثالثة العم والعمة والخال والخالة وهى تتقرب إلى الميت بواسطتين وهما أب الميت أو أمه وجده أو جدته وعلى هذا القياس والأولاد في كل طبقة يقومون مقام آبائهم ويمنعون الطبقة اللاحقة وروعي حال الزوجين لاختلاط دمائهما بالزواج مع جميع الطبقات فلا يمنعهما طبقة ولا يمنعان طبقة.\rثم استنتج من الأصل الثاني اختلاف الذكر والأنثى في غير الأم والكلالة المتقربة بالأم بأن للذكر مثل حظ الأنثيين.\rوالسهام الستة المفروضة في الإسلام النصف والثلثان والثلث والربع والسدس والثمن وإن اختلفت وكذا المال الذى ينتهى إلى أحد الوراث وإن تخلف عن فريضته غالبا بالرد أو النقص الوارد وكذا الأب والأم وكلالة الأم وإن تخلفت فرائضهم عن قاعدة للذكر مثل حظ الأنثيين ولذلك يعسر البحث الكلى الجامع في باب الإرث إلا أن الجميع بحسب اعتبار النوع في تخليف السابق للاحق يرجع إلى استخلاف أحد الزوجين للآخر واستخلاف الطبقة المولدة وهم الآباء والأمهات للطبقة المتولدة وهم الأولاد والفريضة الإسلامية في كل من القبيلين أعنى الأزواج والأولاد للذكر مثل حظ الأنثيين.\rوينتج هذا النظر الكلى أن الإسلام يرى اقتسام الثروة الموجودة في الدنيا بالثلث والثلثين فللأنثى ثلث وللذكر ثلثان هذا من حيث التملك لكنه لا يرى نظير هذا الرأي في الصرف للحاجة فإنه يرى نفقة الزوجة على الزوج ويأمر بالعدل المقتضى للتساوي في المصرف ويعطى للمرأة استقلال الإرادة والعمل فيما تملكه من المال لا مداخلة للرجل فيه وهذه الجهات الثلاث تنتج أن للمرأة أن تتصرف في ثلثى ثروة الدنيا الثلث الذى تملكها ونصف الثلثين اللذين يملكهما الرجل وليس في قبال تصرف الرجل إلا الثلث.","part":20,"page":363},{"id":8800,"text":"5 - علام استقر حال النساء واليتامى في الإسلام أما اليتامى فهم يرثون كالرجال الأقوياء ويربون وينمى أموالهم تحت ولاية الأولياء كالأب والجد أو عامة المؤمنين أو الحكومة الإسلامية حتى إذا بلغوا النكاح وأونس منهم الرشد دفعت إليهم أموالهم واستووا على مستوى الحياة المستقلة وهذا أعدل السنن المتصورة في حقهم.\rوأما النساء فإنهن بحسب النظر العام يملكن ثلث ثروة الدنيا ويتصرفن في ثلثيها بما تقدم من البيان وهن حرات مستقلات فيما يملكن لا يدخلن تحت قيمومة دائمة ولا موقتة ولا جناح على الرجال فيما فعلن في أنفسهن بالمعروف.\rفالمرأة في الإسلام ذات شخصية تساوى شخصية الرجل في حرية الإرادة والعمل من جميع الجهات ولا تفارق حالها حال الرجل إلا في ما تقتضيه صفتها الروحية الخاصة المخالفة لصفة الرجل الروحية وهى أن لها حياة إحساسية وحياة الرجل تعقلية فاعتبر للرجل زيادة في الملك العام ليفوق تدبير التعقل في الدنيا على تدبير الإحساس والعاطفة وتدورك ما ورد عليها من النقص باعتبار غلبتها في التصرف وشرعت عليها وجوب إطاعة الزوج في أمر المباشرة وتدورك ذلك بالصداق وحرمت القضاء والحكومة والمباشرة للتقال لكونها أمورا يجب بناؤها على التعقل دون الإحساس وتدورك ذلك بوجوب حفظ حماهن والدفاع عن حريمهن على الرجال ووضع على عاتقهم أثقال طلب الرزق والإنفاق عليها وعلى الأولاد وعلى الوالدين ولها حق حضانة الأولاد من غير إيجاب وقد عدل جميع هذه الأحكام بأمور أخرى دعين إليها كالتحجب وقلة مخالطة الرجال وتدبير المنزل وتربية الأولاد.","part":20,"page":364},{"id":8801,"text":"وقد أوضح معنى امتناع الإسلام عن إعطاء التدابير العامة الاجتماعية كتدبير الدفاع والقضاء والحكومة للعاطفة والإحساس ووضع زمامها في يدها النتائج المرة التى يذوقها المجتمع البشري إثر غلبة الإحساس على التعقل في عصرنا الحاضر وأنت بالتأمل في الحروب العالمية الكبرى التى هي من هدايا المدنية الحاضرة وفي الأوضاع العامة الحاكمة على الدنيا وعرض هذه الحوادث على العقل والإحساس العاطفي تقف على تشخيص ما منه الإغراء وما إليه النصح والله الهادى.\rعلى أن الملل المتمدنة من الغربيين لم يألوا جهدا ولم يقصروا حرصا منذ مئات السنين في تربية البنات مع الأبناء في صف واحد وإخراج ما فيهن من استعداد الكمال من القوة إلى الفعل وأنت مع ذلك إذا نظرت في فهرس نوابغ السياسة ورجال القضاء والتقنين وزعماء الحروب وقوادها وهي الخلال الثلاث المذكورة الحكومة القضاء القتال لم تجد فيه شيئا يعتد به من أسماء النساء ولا عددا يقبل المقايسة إلى المئات والألوف من الرجال وهذا في نفسه أصدق شاهد على أن طباع النساء لا تقبل الرشد\rوالنماء في هذه الخلال التى لا حكومة فيها بحسب الطبع إلا للتعقل وكلما زاد فيها دبيب العواطف زادت خيبة وخسرانا.\rوهذا وأمثاله من أقطع الأجوبة للنظرية المشهورة القائلة أن السبب الوحيد في تأخر النساء عن الرجال في المجتمع الإنساني هو ضعف التربية الصالحة فيهن منذ أقدم عهود الإنسانية ولو دامت عليهن التربية الصالحة الجيدة مع ما فيهن من الإحساسات والعواطف الرقيقة لحقن الرجال أو تقدمن عليهم في جهات الكمال.","part":20,"page":365},{"id":8802,"text":"وهذا الاستدلال أشبه بالاستدلال بما ينتج نقيض المطلوب فإن اختصاصهن بالعواطف الرقيقة أو زيادتها فيهن هو الموجب لتأخرهن فيما يحتاج من الأمور إلى قوة التعقل وتسلطه على العواطف الروحية الرقيقة كالحكومة والقضاء وتقدم من يزيد عليهن في ذلك وهم الرجال فإن التجارب القطعي يفيد أن من اختص بقوة صفة من الصفات الروحية فإنما تنجح تربيته فيما يناسبها من المقاصد والمآرب ولازمه أن تنجح تربية الرجال في أمثال الحكومة والقضاء ويمتازوا عنهن في نيل الكمال فيها وأن تنجح تربيتهن فيما يناسب العواطف الرقيقة ويرتبط بها من الأمور كبعض شعب صناعة الطب والتصوير والموسيقى والنسج والطبخ وتربية الأطفال وتمريض المرضى وابواب الزينة ونحو ذلك ويتساوى القبيلان فيما سوى ذلك.\rعلى أن تأخرهن فيما ذكر من الأمور لو كان مستندا إلى الاتفاق والصدفة كما ذكر لانتقض في بعض هذه الأزمنة الطويلة التى عاش فيها المجتمع الإنساني وقد خمنوها بملايين من السنين كما أن تأخر الرجال فيما يختص من الأمور المختصة بالنساء كذلك ولو صح لنا أن نعد الأمور اللازمة للنوع غير المنفكة عن مجتمعهم وخاصة إذا ناسبت أمورا داخلية في البنية الإنسانية من الاتفاقيات لم يسع لنا أن نحصل على خلة طبيعية فطرية من خلال الإنسانية العامة كميل طباعه إلى المدنية والحضارة وحبه للعلم وبحثه عن أسرار الحوادث ونحو ذلك فإن هذه صفات لازمة لهذا النوع وفي بنية أفراده ما يناسبها من القرائح نعدها لذلك صفات فطرية نظير ما نعد تقدم النساء في الأمور الكمالية المستظرفة وتأخرهن في الأمور التعقلية والأمور الهائلة والصعبة الشديدة من مقتضى قرائحهن وكذلك تقدم الرجال وتأخرهم في عكس ذلك.\rفلا يبقى بعد ذلك كله إلا انقباضهن من نسبة كمال التعقل إلى الرجال وكمال","part":20,"page":366},{"id":8803,"text":"الإحساس والتعطف إليهن وليس في محله فإن التعقل والإحساس في نظر الإسلام موهبتان إلهيتان مودعتان في بنية الإنسان لمأرب إلهية حقه في حياته لا مزية لإحداهما على الأخرى ولا كرامة إلا للتقوى وأما الكمالات الأخر كائنة ما كانت فإنما تنمو وتربو إذا وقعت في صراطه وإلا لم تعد إلا أوزارا سيئة.\r6 - قوانين الإرث الحديثة هذه القوانين والسنن وإن خالفت قانون الإرث الإسلامى كما وكيفا على ما سيمر بك إجمالها غير أنها استظهرت في ظهورها واستقرارها بالسنة الإسلامية في الإرث فكم بين موقف الإسلام عند تشريع إرث النساء في الدنيا وبين موقفهن من الفرق.\rفقد كان الإسلام يظهر أمرا ما كانت الدنيا تعرفه ولا قرعت أسماع الناس بمثله ولا ذكرته أخلاف عن أسلافهم الماضين وآبائهم الأولين وأما هذه القوانين فإنها ابديت وكلف بها أمم حينما كانت استقرت سنة الإسلام في الإرث بين الأمم الإسلامية في معظم المعمورة بين مئات الملايين من الناس توارثها الأخلاف من أسلافهم في أكثر من عشرة قرون ومن البديهيات في أبحاث النفس أن وقوع أمر من الأمور في الخارج ثم ثبوتها واستقرارها نعم العون في وقوع ما يشابهها وكل سنة سابقة من السنن الاجتماعية مادة فكرية للسنن اللاحقة المجانسة بل الأولى هي المادة المتحولة إلى الثانية فليس لباحث اجتماعي أن ينكر استظهار القوانين الجديدة في الإرث بما تقدمها من الإرث الإسلامى وتحوله إليها تحولا عادلا أو جائرا.","part":20,"page":367},{"id":8804,"text":"ومن أغرب الكلام ما ربما يقال قاتل الله عصبية الجاهلية الأولى إن القوانين الحديثة إنما استفادت في موادها من قانون الروم القديمة وأنت قد عرفت ما كانت عليه سنة الروم القديمة في الإرث وما قدمته السنة الإسلامية إلى المجتمع البشرى وأن السنة الإسلامية متوسطة في الظهور والجريان العملي بين القوانين الرومية القديمة وبين القوانين الغربية الحديثة وكانت متعرفة متعمقة في مجتمع الملايين ومئات الملايين من النفوس الإنسانية قرونا متوالية متطاولة ومن المحال أن تبقى سدى وعلى جانب من التأثير في أفكار هؤلاء المقننين.\rوأغرب منه أن هؤلاء القائلين يذكرون أن الإرث الإسلامى مأخوذ من الإرث الرومي القديم.\rوبالجملة فالقوانين الحديثة الدائرة بين الملل الغربية وإن اختلفت في بعض الخصوصيات غير أنها كالمطبقة على تساوى الرجال والنساء في سهم الإرث فالبنات والبنون سواء والامهات والآباء سواء في السهام وهكذا.\rوقد رتبت الطبقات في قانون فرنسا على هذا النحو 1 البنون والبنات 2 الآباء والأمهات والإخوة والأخوات 3 الأجداد والجدات 4 الأعمام والعمات والأخوال والخالات وقد أخرجوا علقة الزوجية من هذه الطبقات وبنوها على أساس المحبة والعلقة القلبية ولا يهمنا التعرض لتفاصيل ذلك وتفاصيل الحال في سائر الطبقات من أرادها فليرجع إلى محلها.","part":20,"page":368},{"id":8805,"text":"والذى يهمنا هو التأمل في نتيجة هذه السنة الجارية وهى اشتراك المرأة مع الرجل في ثروة الدنيا الموجودة بحسب النظر العام الذى تقدم غير أنهم جعلوا الزوجة تحت قيمومة الزوج لا حق لها في تصرف مالى في شئ من أموالها الموروثة إلا بإذن زوجها وعاد بذلك المال منصفا بين الرجل والمرأة ملكا وتحت ولاية الرجل تدبيرا وإدارة وهناك جمعيات منتهضة يبذلون مساعيهم لإعطاء النساء الاستقلال وإخراجهن من تحت قيمومة الرجال في أموالهن ولو وفقوا لما يريدون كانت الرجال والنساء متساويين من حيث الملك ومن حيث ولاية التدبير والتصرف.\r7 - مقايسة هذه السنن بعضها إلى بعض ونحن بعد ما قدمنا خلاصة السنن الجارية بين الأمم الماضية وقرونها الخالية إلى الباحث الناقد نحيل إليه قياس بعضها إلى البعض والقضاء على كل منها بالتمام والنقص ونفعه للمجتمع الإنساني وضرره من حيث وقوعه في صراط السعادة ثم قياس ما سنه شارع الإسلام إليها والقضاء بما يجب أن يقضى به.\rوالفرق الجوهرى بين السنة الإسلامية والسنن غيرها في الغاية والغرض فغرض الإسلام أن تنال الدنيا صلاحها وغرض غيره أن تنال ما تشتهيها وعلى هذين الأصلين يتفرع ما يتفرع من الفروع قال تعالى {وعسى أن تكرهوا شيئا وهو خير لكم وعسى أن تحبوا شيئا وهو شر لكم والله يعلم وأنتم لا تعلمون : البقرة - 216} وقال تعالى { وعاشروهن بالمعروف فإن كرهتموهن فعسى أن تكرهوا شيئا ويجعل الله فيه خيرا كثيرا : النساء - 19}.","part":20,"page":369},{"id":8806,"text":"8 - الوصية قد تقدم أن الإسلام أخرج الوصية من تحت الوراثة وأفردها عنوانا مستقلا لما فيها من الملاك المستقل وهو احترام إرادة المالك بالنسبة إلى ما يملكه في حياته وقد كانت الوصية بين الأمم المتقدمة من طرق الاحتيال لدفع الموصى ماله أو بعض ماله إلى غير من تحكم السنة الجارية بإرثه كالأب ورئيس البيت ولذلك كانوا لا يزالون يضعون من القوانين ما يحدها ويسد بنحو هذا الطريق المؤدى إلى إبطال حكم الإرث ولا يزال يجرى الأمر في تحديدها هذا المجرى حتى اليوم وقد حدها الإسلام بنفوذها إلى ثلث المال فهى غير نافذة في الزائد عليه وقد تبعته في ذلك بعض القوانين الحديثة كقانون فرنسا غير أن النظرين مختلفان ولذلك كان الإسلام يحث عليها والقوانين تردع عنها أو هي ساكتة.\rوالذى يفيده التدبر في آيات الوصية والصدقات والزكاة والخمس ومطلق الإنفاق أن في هذه التشريعات تسهيل طريق أن يوضع ما يقرب من نصف رقبة الأموال والثلثان من منافعها للخيرات والمبرات وحوائج طبقة الفقراء والمساكين لتقرب بذلك الطبقات المختلفة في المجتمع ويرتفع الفواصل البعيدة من بينهم وتقام به أصلاب المساكين مع ما في القوانين الموضوعة بالنسبة إلى كيفية تصرف المثرين في ثروتهم من تقريب طبقتهم من طبقة المساكين ولتفصيل ذا البحث محل آخر سيمر بك إن شاء الله تعالى.أ هـ {الميزان حـ 4 صـ 222 ـ 233}","part":20,"page":370},{"id":8807,"text":"من لطائف الإمام القشيرى فى الآية\rقال عليه الرحمة :\rقوله جلّ ذكره : { يُوصِيكُمُ اللهُ فِى أَوْلاَدِكُمْ لِلذّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنْثَيَيْنِ}\rالوصية ها هنا بمعنى الأمر ، فإنه سبحانه جعل الميراث بين الورثة مستحقاً بوجهين :\r1- الفرض 2- التعصيب ، والتعصيب أقوى من الفرض لأن العَصَبَةَ قد تستغرق جميع المال أما أكثر الفروض فلا يزيد على الثلثين ، ثم إن القسمة تبدأ بأصحاب الفروض وهم أضعف استحقاقاً ، ثم العَصَبَة وهم أقوى استحقاقاً. قال صلى الله عليه وسلم :\r\" ما أبْقَتْ الفرائض فَلأَوْلَى عَصَبَةٍ ذَكَر \" كذلك أبداً سنته ، كما في قوله تعالى :\r{ ثُمَّ أَوْرَثْنَا الكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا } [ فاطر : 32 ] أعطاهم الكتاب بلفظ الميراث ثم قدَّم الظالم على السابق ، وهو أضعف استحقاقاً إظهاراً للكرم مع الظالم لأنه مُنْكسِر القلب ولا يحتمل وقته طول المدافعة.\rوقوله : { لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنْثَيَيْنِ }. لو كان الأمر بالقياس لكانت الأنثى بالتفضيل أَوْلَى لضعفها ، ولعجزها عن الحراك ، ولكنَّ حُكْمَه - سبحانه - غيرُ معلَّل.\rقوله جلّ ذكره : { آباؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ لاَ تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعًا فَرِيضَةً مِّنَ اللهِ إِنَّ اللهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا }.\rالأبناء ينفعونكم بالخدمة ، والآباء بالرحمة ؛ الآباء في حال ضعفِك في بداية عمرك ، والأبناء في حال ضعفك في نهاية عمرك. أ هـ {لطائف الإشارات حـ 1 صـ 317}","part":20,"page":371},{"id":8809,"text":"قوله تعالى { وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَاجُكُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُنَّ وَلَدٌ فَإِنْ كَانَ لَهُنَّ وَلَدٌ فَلَكُمُ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْنَ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِينَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ وَلَهُنَّ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْتُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَكُمْ وَلَدٌ فَإِنْ كَانَ لَكُمْ وَلَدٌ فَلَهُنَّ الثُّمُنُ مِمَّا تَرَكْتُمْ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ تُوصُونَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ وَإِنْ كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلَالَةً أَوِ امْرَأَةٌ وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ فَإِنْ كَانُوا أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ فَهُمْ شُرَكَاءُ فِي الثُّلُثِ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصَى بِهَا أَوْ دَيْنٍ غَيْرَ مُضَارٍّ وَصِيَّةً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَلِيمٌ (12)}\rمناسبة الآية لما قبلها\rقال البقاعى : \rولما كان الإرث بالمصاهرة أضعف من الإرث بالقرابة ذكره بعده ، وقدمه على الإرث بقرابة الأخوة تعريفاً بالاهتمام به ولأنه بلا واسطة ، وقدم منه الرجل لأنه أفضل فقال : {ولكم نصف ما ترك أزواجكم} وبين شرط هذا بقوله : {إن لم يكن لهن ولد} أي منكم أو من غيركم ، ثم بين الحكم على التقدير الآخر فقال : {فإن كان لهن ولد} أي وارث وإن سفل سواء كان ابناً أو بنتاً {فلكم الربع مما تركن} أي تركت كل واحدة منهن ، ويغسلها الزوج لأن الله أضافها إليه باسم الزوجية ، والأصل الحقيقة ، ولا يضر حرمة جماعها بعد الموت وحلُّ نكاح أختها وأربع سواها ، لأن ذلك لفقد المقتضي أو المانع وهو الحياة ، وذلك لا يمنع علقة النكاح المبيح للغسل - كما لم يمنعها لأجل العدة لو كان الفراق بالطلاق ، ثم كرر حكم الوصية اهتماماً بشأنها فقال : {من بعد وصية يوصين بها} أي الأزواج أو بعضهن ، ولعله جمع إشارة إلى أن الوصية أمر عظيم ينبغي أن يكون مستحضراً في الذهن غير مغفول عنه عند أحد من الناس {أو دين }.\rولما بين إرث الرجل أتبعه إرثها فقال معلماً أنه على النصف مما للزوج - كما مضى في الأولاد - : {ولهن} أي عدداً كن أو لا {الربع مما تركتم} أي يشتركن فيه على السواء إن كن عدداً ، وتنفرد به الواحدة إن لم يكن غيرها ، ثم بين شرطه بقوله : {إن لم يكن لكم ولد} ثم بين حكم القسم الآخر بقوله : {فإن كان لكم ولد} أي وارث {فلهن الثمن مما تركتم} كما تقدم في الربع ، ثم كرر الخروج عن حق الموروث فقال : {من بعد وصية توصون بها أو دين }.","part":20,"page":372},{"id":8810,"text":"ولما فرغ من قسمي ما اتصل بالميت بلا واسطة أتبعه الثالث وهو ما اتصل بواسطة ، ولما كان قسمين ، لأنه تارة يتصل من جهة الأم فقط وهم الأخياف ، أمهم واحدة وآباؤهم شتى ، وتارة من جهة الأب فقط وهم العلات ، أبوهم واحد وأمهاتهم شتى ، وتارة من جهة الأبوين وهم الأعيان ، وكانت قرابة الأخوة أضعف من قرابة البنوة ؛ أكدها بما يقتضيه حالها ، فجعلها في قصتين ، ذكر إحداهما هنا إدخالاً لها في حكم الوصية المفروضة ، وختم بالأخرى السورة لأن الختام من مظنات الاهتمام.\rولما كانت قرابة الأم أضعف من قرابة الأب قدمها هنا دلالة على الاهتمام بشأنها ، وأن ما كانوا يفعلونه من حرمان الإناث خطأ وجور عن منهاج العدل ، فقال تعالى : {وإن كان} أي وجد {رجل يورث} ي من ورث حال كونه {كلالة} أي ذا حالة لا ولد له فيها ولا والد ، أو يكون يورث من : أورث - بمعنى أن إرث الوارث بواسطة من مات كذلك : لا هو ولد للميت ولا والد ، ووارثه أيضاً كلالة لأنه ليس بوالد ولا ولد ، فالمورث كلالة وارثه ، والوارث كلالة مورثة ؛ قال الأصبهاني : رجل كلالة ، وامرأة كلالة ، وقوم كلالة ، لا يثنى ولا يجمع ، لأنه مصدر كالدلالة والوكالة ، وهو بمعنى الكلال ، وهو ذهاب القوة من الإعياء ، وقد تطلق الكلالة على القرابة من غير جهة الولد والوالد ، ومنه قولهم : ما ورث المجد عن كلالة {أو} وجدت {امرأة} أي تورث كذلك ، ويجوز أن يكون ( يورث ) صفة ، و( كلالة ) خبر كان {وله} خبر كان {وله} أي للمذكور وهو الموروث على أي الحالتين كان.\rولما كان الإدلاء بمحض الأنوثة يستوي بين الذكر والأنثى لضعفها قال {أخ أو أخت} أي من الأم - بإجماع المفسرين ، وهي قراءة أبيّ وسعد بن مالك رضي الله عنهما {فلكل واحد منهما السدس} أي من تركته ، من غير فضل للذكر على الأنثى.\r","part":20,"page":373},{"id":8811,"text":"ولما أفهم ذلك - أي بتحويل العبارة المذكورة من أن يقال : فله السدس - أنهما إن كانا معاً كان لهما الثلث ، وكان ذلك قد يفهم أنه إن زاد وارثه زاد الإرث عن الثلث نفاه بقوله : {فإن كانوا} أي ما أفهمه ( أخ أو أخت ) من الوراث منهم {أكثر من ذلك} أي واحد ، كيف كانوا {فهم شركاء} أي بالسوية {في الثلث} أي المجتمع من السدسين اللذين تقدم أنهما بينهما ، لا يزادون على ذلك شيئاً ، ثم كرر الحث على مصلحة الميت بياناً للاهتمام بها فقال : {من بعد وصية يوصى بها أو دين }.\rولما كان الميت قد يضار ورثته ، أو بعضهم بشيء يخرجه عنهم ظاهراً أو باطناً كأن يقر بماله لأجنبي ، أو بدين لا حقيقة له ، أو بدين كان له بأنه استوفاه ؛ ختم الآية بالزجر عن ذلك بقوله : {غير مضار} مع ما تقدم من الإشارة إلى ذلك أول القصة بقوله {لا تدرون أيهم أقرب لكم نفعاً} [ النساء : 11 ] ؛ قال الأصبهاني : والإضرار في الوصية من الكبائر ، ثم أكد ذلك بقوله مصدراً ليوصيكم : {وصية من الله} أي الذي له الأمر كله مع تأكيده بجميع ما في الآيات تعظيماً للأمر باكتناف الوصية بأولها وأخرها ، وهو دون الفريضة في حق الأولاد ، لأن حقهم آكد.\r","part":20,"page":374},{"id":8812,"text":"ولما بين سبحانه الأصول وفصل النزاع ، وكان ذلك خلاف مألوفهم وكان الفطام عن المألوف في الذروة من المشقة ؛ اقتضى الحال الوعظ بالترغيب والترهيب ، فختم القصة بقوله : {والله} أي الجامع لصفات الكمال من الجلال والجمال ، وللإشارة إلى عظيم الوصية كرر هذا الاسم الأعظم في جميع القصة ، ثم قال : {عليم} أي فلا يخفى عليه أمر من خالف بقول أو فعل ، نية أو غيرها {حليم} فهو من شأنه أن لا يعاجل بالعقوبة فلا يغتر بإمهاله ، فإنه إذا أخذ بعد طول الأناة لم يفلت فاحذروا غضب الحليم! وفي الوصفين مع التهديد استجلاب للتوبة. أ هـ {نظم الدرر حـ 2 صـ 222 ـ 224}\rفصل\rقال الفخر :\rاعلم أنه تعالى أورد أقسام الورثة في هذه الآيات على أحسن الترتيبات ، وذلك لأن الوارث إما أن يكون متصلا بالميت بغير واسطة أو بواسطة ، فإن اتصل به بغير واسطة فسبب الاتصال اما أن يكون هو النسب أو الزوجية ، فحصل ههنا أقسام ثلاثة ، أشرفها وأعلاها الاتصال الحاصل ابتداء من جهة النسب ، وذلك هو قرابة الولاد ، ويدخل فيها الأولاد والوالدان فالله تعالى قدم حكم هذا القسم.\rوثانيها : الاتصال الحاصل ابتداء من جهة الزوجية ، وهذا القسم متأخر في الشرف عن القسم الأول لأن الأول ذاتي وهذا الثاني عرضي ، والذاتي أشرف من العرضي ، وهذا القسم هو المراد من هذه الآية التي نحن الآن في تفسيرها.\rوثالثها : الاتصال الحاصل بواسطة الغير وهو المسمى بالكلالة ، وهذا القسم متأخر عن القسمين الأولين لوجوه : أحدها : أن الأولاد والوالدين والأزواج والزوجات لا يعرض لهم السقوط بالكلية ، وأما الكلالة فقد يعرض لهم السقوط بالكلية.\rوثانيها : أن القسمين الأولين ينسب كل واحد منهما إلى الميت بغير واسطة ، والكلالة تنسب إلى الميت بواسطة والثابت ابتداء أشرف من الثابت بواسطة.","part":20,"page":375},{"id":8813,"text":"وثالثها : أن مخالطة الإنسان بالوالدين والأولاد والزوج والزوجة أكثر وأتم من مخالطته بالكلالة.\rوكثرة المخالطة مظنة الالفة والشفقة ، وذلك يوجب شدة الاهتمام بأحوالهم ، فلهذه الأسباب الثلاثة وأشباهها أخر الله تعالى ذكر مواريث الكلالة عن ذكر القسمين الأولين فما أحسن هذا الترتيب وما أشد انطباقه على قوانين المعقولات. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 9 صـ 178}\rفصل\rقال الفخر :\rإنه تعالى لما جعل في الموجب النسبي حظ الرجل مثل حظ الأنثيين كذلك جعل في الموجب السببي حظ الرجل مثل حظ الأنثيين ، واعلم أن الواحد والجماعة سواء في الربع والثمن ، والولد من ذلك الزوج ومن غيره سواء في الرد من النصف إلى الربع أو من الربع إلى الثمن ، واعلم أنه لا فرق في الولد بين الذكر والانثى ولا فرق بين الابن وبين ابن الابن ولا بين البنت وبين بنت الابن ، والله أعلم. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 9 صـ 178}\rقال القرطبى :\rقوله تعالى : { وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَاجُكُمْ } الآيتين.\rالخطاب للرجال.\rوالولد هنا بنو الصُّلب وبنو بنيهم وإن سَفَلوا ، ذُكراناً وإناثاً واحداً فما زاد بإجماع.\rوأجمع العلماء على أن للزَّوج النصفَ مع عدم الولد أو ولد الولد ، وله مع وجوده الربع.\rوترث المرأة من زوجها الرّبعَ مع فقد الولد ، والثمن مع وجوده.\rوأجمعوا على أن حكم الواحدة من الأزواج والثنتين والثلاث والأربع في الربع إن لم يكن له ولد ، وفي الثمن إن كان له ولد واحد ، وأنهنّ شركاء في ذلك ؛ لأن الله عز وجل لم يفرق بين حكم الواحدة منهنّ وبين حكم الجميع ، كما فرق بين حكم الواحدة من البنات والواحدة من الأخوات وبين حكم الجميع منهنّ. أ هـ {تفسير القرطبى حـ 5 صـ 75 ـ 76}.\rفصل\rقال الفخر :","part":20,"page":376},{"id":8814,"text":"قال الشافعي رحمه الله : يجوز للزوج غسل زوجته ، وقال أبو حنيفة رضي الله عنه لا يجوز.\rحجة الشافعي أنها بعد الموت زوجته فيحل له غسلها ، بيان أنها زوجته قوله تعالى : {وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أزواجكم} سماها زوجة حال ما أثبت للزوج نصف مالها عند موتها ، إذا ثبت للزوج نصف مالها عند موتها ، فوجب أن تكون زوجة له بعد موتها ، إذا ثبت هذا وجب أن يحل له غسلها لأنه قبل الزوجية ما كان يحل له غسلها ، وعند حصول الزوجية حل له غسلها ، والدوران دليل العلية ظاهرا.\rوحجة أبي حنيفة أنها ليست زوجته ولا يحل له غسلها : بيان عدم الزوجية أنها لو كانت زوجته لحل له بعد الموت وطؤها لقوله : {إِلاَّ على أزواجهم} [ المؤمنون : 6 ] وإذا ثبت هذا وجب أن لا يثبت حل الغسل ، لأنه لو ثبت لثبت إما مع حل النظر وهو باطل لقوله عليه السلام : \" غض بصرك إلا عن زوجتك \" أو بدون حل النظر وهو باطل بالإجماع.\rوالجواب : لما تعارضت الآيتان في ثبوت الزوجية وعدمها وجب الترجيح فنقول : لو لم تكن زوجة لكان قوله : {نِصْفُ مَا تَرَكَ أزواجكم} مجازا ، ولو كانت زوجة مع أنه لا يحل وطؤها لزم التخصيص ، وقد ذكرنا في أصول الفقه أن التخصيص أولى ، فكان الترجيح من جانبنا ، وكيف وقد علمنا أن في صور كثيرة حصلت الزوجية ولم يحصل حل الوطء مثل زمان الحيض والنفاس ومثل نهار رمضان ، وعند اشتغالها باداء الصلاة المفروضة والحج المفروض ، وعند كونها في العدة عن الوطء بالشبهة ، وأيضا فقد بينا في الخلافيات أن حل الوطء ثبت على خلاف الدليل لما فيه من المصالح الكثيرة ، فبعد الموت لم يبق شيء من تلك المصالح ، فعاد إلى أصل الحرمة ، أما حل الغسل فإن ثبوته بعد الموت منشأ للمصالح الكثيرة فوجب القول ببقائه والله أعلم. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 9 صـ 178 ـ 179}","part":20,"page":377},{"id":8815,"text":"فائدة\rقال الفخر :\rفي الآية ما يدل على فضل الرجال على النساء لأنه تعالى حيث ذكر الرجال في هذه الآية ذكرهم على سبيل المخاطبة ، وحيث ذكر النساء ذكرهن على سبيل المغايبة ، وأيضا خاطب الله الرجال في هذه الآية سبع مرات ، وذكر النساء فيها على سبيل الغيبة أقل من ذلك ، وهذا يدل على تفضيل الرجال على النساء ، وما أحسن ما راعى هذه الدقيقة لأنه تعالى فضل الرجال على النساء في النصيب ، ونبه بهذه الدقيقة على مزيد فضلهم عليهن. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 9 صـ 179}\rفائدة\rقال ابن عاشور :\r{ وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أزواجكم}\rهذه فريضة الميراث الذي سببه العصمة ، وقد أعطاها الله حقّها المهجور عند الجاهلية إذ كانوا لا يورّثون الزوجين : أمّا الرجل فلا يرث امرأته لأنّها إن لم يكن لها أولاد منه ، فهو قد صار بموتها بمنزلة الأجنبي عن قرابتها من آباء وإخوة وأعمام ، وإن كان لها أولاد كان أولادها أحقّ بميراثها إن كانوا كباراً ، فإن كانوا صغاراً قبض أقرباؤهم مالهم وتصرّفوا فيه ، وأمّا المرأة فلا ترث زوجها بل كانت تعدّ موروثة عنه يتصرّف فيها ورثته كما سيجيء في قوله : { يأيها الذين آمنوا لا يحل لكم أن ترثوا النساء كرها } [ النساء : 19 ].\rفنوّه الله في هذه الآيات بصلة العصمة ، وهي التي وصفها بالميثاق الغليظ في قوله : { وأخذن منكم ميثاقاً غليظاً } [ النساء : 21 ].","part":20,"page":378},{"id":8816,"text":"والجمع في { أزواجكم } وفي قوله : { مما تركتم } كالجمع في الأولاد والآباء ، مراد به تعدّد أفراد الوارثين من الأمّة ، وههنا قد اتّفقت الأمّة عى أنّ الرجل إذا كانت له زوجات أنهنّ يشتركن في الربع أو في الثمن من غير زيادة لهنّ ، لأنّ تعدّد الزوجات بيد صاحب المال فكان تعددّهنّ وسيلة لإدخال المضرّة على الورثة الآخرين بخلاف تعدّد البنات والأخوات فإنّه لا خيار فيه لربّ المال.\rوالمعنى : ولكلّ واحد منكم نصف ما تركت كلّ زوجة من أزواجه وكذلك قوله : { فلكم الربع مما تركن }.\rوقوله : { ولهن الربع مما تركتم } أي لمجموعهنّ الربع ممّا ترك زوجهنّ.\rوكذلك قوله : { فلهن الثمن مما تركتم } وهذا حذق يدلّ عليه إيجاز الكلام.\rوأعقبت فريضة الأزواج بذكر { من بعد وصية يوصين بها أو دين } لئلا يتوهّم متوهّم أنّهنّ ممنوعات من الإيصاء ومن التداين كما كان الحال في زمان الجاهلية.\rوأمّا ذكر تلك الجملة عقب ذكر ميراث النساء من رجالهنّ فجريا على الأسلوب المتّبع في هذه الآيات ، وهو أن يعقب كلّ صنف من الفرائض بالتنبيه على أنّه لا يُستحقّ إلاّ بعد إخراج الوصيّة وقضاء الدين. أ هـ {التحرير والتنوير حـ 4 صـ 50 ـ 51}","part":20,"page":379},{"id":8817,"text":"قوله تعالى {وَإِن كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كلالة أوامرأة وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ فَلِكُلّ واحد مّنْهُمَا السدس فَإِن كَانُواْ أَكْثَرَ مِن ذلك فَهُمْ شُرَكَاء فِى الثلث مِن بعد وصية يوصي بها أو دين غير مضار وصية الله والله عليم حليم }\rفصل\rقال الفخر :\rكثر أقوال الصحابة في تفسير الكلالة ، واختيار أبي بكر الصديق رضي الله عنه أنها عبارة عمن سوى الوالدين والولد ، وهذا هو المختار والقول الصحيح ، وأما عمر رضي الله عنه فإنه كان يقول : الكلالة من سوى الولد ، وروي أنه لما طعن قال : كنت أرى أن الكلالة من لا ولد له ، وأنا أستحيى أن أخالف أبا بكر ، الكلالة من عدا الوالد والولد ، وعن عمر فيه رواية أخرى : وهي التوقف ، وكان يقول : ثلاثة ، لأن يكون بينها الرسول صلى الله عليه وسلم لنا أحب الي من الدنيا وما فيها : الكلالة ، والخلافة ، والربا.\rوالذي يدل على صحة قول الصديق رضي الله عنه وجوه :\rالأول : التمسك باشتقاق لفظ الكلالة وفيه وجوه :\rالأول : يقال : كلت الرحم بين فلان وفلان إذا تباعدت القرابة ، وحمل فلان على فلان ، ثم كل عنه إذا تباعد.\rفسميت القرابة البعيدة كلالة من هذا الوجه.\rالثاني : يقال : كل الرجل يكل كلا وكلالة إذا أعيا وذهبت قوته ، ثم جعلوا هذا اللفظ استعارة من القرابة الحاصلة لا من جهة الولادة ، وذلك لانا بينا أن هذه القرابة حاصلة بواسطة الغير فيكون فيها ضعف ، وبهذا يظهر أنه يبعد ادخال الوالدين في الكلالة لأن انتسابهما إلى الميت بغير واسطة.\rالثالث : الكلالة في أصل اللغة عبارة عن الإحاطة ، ومنه الاكليل لاحاطته بالرأس ، ومنه الكل لاحاطته بما يدخل فيه ، ويقال تكلل السحاب إذا صار محيطا بالجوانب ، إذا عرفت هذا فنقول : من عدا الوالد والولد إنما سموا بالكلالة ، لأنهم كالدائرة المحيطة بالانسان وكالاكليل المحيط برأسه : أما قرية الولادة فليست كذلك فإن فيها يتفرع البعض عن البعض : ويتولد البعض من البعض ، كالشيء الواحد الذي يتزايد على نسق واحد ، ولهذا قال الشاعر :\rنسب تتابع كابراً عن كابر.. كالرمح أنبوبا على أنبوب","part":20,"page":380},{"id":8818,"text":"فأما القرابة المغايرة لقرابة الولادة ، وهي كالاخوة والأخوات والأعمام والعمات ، فإنما يحصل لنسبهم اتصال وإحاطة بالمنسوب إليه ، فثبت بهذه الوجوه الاشتقاقية أن الكلالة عبارة عمن عدا الوالدين والولد.\rالحجة الثانية : أنه تعالى ما ذكر لفظ الكلالة في كتابه إلا مرتين ، في هذه السورة : أحدهما : في هذه الآية ، والثاني : في آخر السورة وهو قوله : {قُلِ الله يُفْتِيكُمْ فِى الكلالة إِن امرؤ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ أُخْتٌ فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ} [ النساء : 176 ] واحتج عمر بن الخطاب بهذه الآية على أن الكلالة من لا ولد له فقط ، قال : لأن المذكور ههنا في تفسير الكلالة : هو أنه ليس له ولد ، إلا أنا نقول : هذه الآية تدل على أن الكلالة من لا ولد له ولا والد.\rوذلك لأن الله تعالى حكم بتوريث الاخوة والأخوات حال كون الميت كلالة ، ولا شك أن الاخوة والأخوات لا يرثون حال وجود الأبوين ، فوجب أن لا يكون الميت كلالة حال وجود الأبوين.\rالحجة الثانية : إنه تعالى ذكر حكم الولد والوالدين في الآيات المتقدمة ثم أتبعها بذكر الكلالة ، وهذا الترتيب يقتضي أن تكون الكلالة من عدا الوالدين والولد.\rالحجة الرابعة : قول الفرزدق :\rورثتم قناة الملك لا عن كلالة.. عن ابني مناف عبد شمس وهاشم\rدل هذا البيت على أنهم ما ورثوا الملك عن الكلالة ، ودل على أنهم ورثوها عن آبائهم ، وهذا يوجب أن لا يكون الأب داخلا في الكلالة والله أعلم. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 9 صـ 179 ـ 180}","part":20,"page":381},{"id":8819,"text":"فصل\rقال الفخر :\rالكلالة قد تجعل وصفا للوارث وللمورث ، فإذا جعلناها وصفا للوارث فالمراد من سوى الأولاد والوالدين ، وإذا جعلناها وصفا للمورث ، فالمراد الذي يرثه من سوى الوالدين والأولاد ، أما بيان أن هذا اللفظ مستعمل في الوارث فالدليل عليه ما روى جابر قال : مرضت مرضاً أشفيت منه على الموت فأتاني النبي صلى الله عليه وسلم فقلت : يا رسول الله إني رجل لا يرثني إلا كلالة ، وأراد به أنه ليس له والد ولا ولد ، وأما أنه مستعمل في المورث فالبيت الذي رويناه عن الفرزدق ، فإن معناه أنكم ما ورثتم الملك عن الأعمام ، بل عن الآباء فسمى العم كلالة وهو ههنا مورث لا وارث ، إذا عرفت هذا فنقول : المراد من الكلالة في هذه الآية الميت ، الذي لا يخلف الوالدين والولد ، لأن هذا الوصف إنما كان معتبراً في الميت الذي هو المورث لا في الوارث الذي لا يختلف حاله بسب أن له ولدا أو والدا أم لا. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 9 صـ 180}\rفائدة\rقال الفخر :\rقوله : {يُورَثُ} فيه احتمالان :\rالأول : أن يكون ذلك مأخوذاً من ورثه الرجل يرثه ، وعلى هذا التقدير يكون الرجل هو الموروث منه ، وفي انتصاب كلالة وجوه :\rأحدها : النصب على الحال ، والتقدير : يورث حال كونه كلالة ، والكلالة مصدر وقع موقع الحال تقديره : يورث متكلل النسب ، وثانيها : أن يكون قوله : {يُورَثُ} صفة لرجل ، و{كلالة} خبر كان ، والتقدير وإن كان رجل يورث منه كلالة ، وثالثها : أن يكون مفعولا له ، أي يورث لأجل كونه كلالة.\rالاحتمال الثاني : في قوله : {يُورَثُ} أن يكون ذلك مأخوذا من أورث يورث ، وعلى هذا التقدير يكون الرجل هو الوارث ، وانتصاب كلالة على هذا التقدير أيضا يكون على الوجوه المذكورة. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 9 صـ 181}\rقوله تعالى {وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ فَلِكُلّ واحد مّنْهُمَا السدس}","part":20,"page":382},{"id":8820,"text":"سؤال\rقال الفخر :\rههنا سؤال : وهو أنه تعالى قال : {وَإِن كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كلالة أَو امرأة} ثم قال : {وَلَهُ أَخٌ} فكنى عن الرجل وما كنى عن المرأة فما السبب فيه ؟\rوالجواب قال الفراء : هذا جائز فإنه إذا جاء حرفان في معنى واحد \"بأو\" جاز إسناد التفسير إلى أيهما أريد ، ويجوز إسناده إليهما أيضا ، تقول : من كان له أخ أو أخت فليصله ، يذهب إلى الأخ ، أو فليصلها يذهب إلى الأخت ، وإن قلت فليصلهما جاز أيضا. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 9 صـ 181}\rوقال القرطبى :\rوأعاد ضمير مفردٍ في قوله : \"وله أخ\" ولم يقل لهما.\rومضى ذكر الرجل والمرأة على عادة العرب إذا ذكرت اسمين ثم أخبرت عنهما وكانا في الحكم سواء ربما أضافت إلى أحدهما وربما أضافت إليهما جميعاً ، تقول : من كان عنده غلام وجارية فليحسن إليه وإليها وإليهما وإليهم ؛ قال الله تعالى : { واستعينوا بالصبر والصلاة وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ } [ البقرة : 45 ].\rوقال تعالى : { إِن يَكُنْ غَنِيّاً أَوْ فَقَيراً فالله أولى بِهِمَا } [ النساء : 135 ] ويجوز أوْلَى بهم ؛ عن الفراء وغيره. أ هـ {تفسير القرطبى حـ 5 صـ 78}.\rفصل\rقال الفخر :\rأجمع المفسرون ههنا على أن المراد من الأخ والأخت : الأخ والأخت من الأم ، وكان سعد بن أبي قاص يقرأ : وله أخ أو أخت من أم ، وإنما حكموا بذلك لأنه تعالى قال في آخر السورة : {قُلِ الله يُفْتِيكُمْ فِى الكلالة} [ النساء : 176 ] فأثبت للأختين الثلثين ، وللإخوة كل المال ، وههنا أثبت للاخوة والأخوات الثلث ، فوجب أن يكون المراد من الاخوة والأخوات ههنا غير الاخوة والأخوات في تلك الآية ، فالمراد ههنا الاخوة والأخوات من الأم فقط ، وهناك الإخوة والأخوات من الأب والأم ، أو من الأب. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 9 صـ 181}\rفصل\rقال القرطبى :","part":20,"page":383},{"id":8821,"text":"قوله تعالى : { فَإِن كانوا أَكْثَرَ مِن ذلك فَهُمْ شُرَكَآءُ فِي الثلث } هذا التشريك يقتضي التسويةَ بين الذكر والأُنثى وإن كثروا.\rوإذا كانوا يأخذون بالأُم فلا يفضل الذكر على الأُنثى.\rوهذا إجماع من العلماء ، وليس في الفرائض موضع يكون فيه الذكر والأُنثى سواء إلا في ميراث الإخوة للأُم.\rفإذا ماتت امرأة وتركت زوجها وأُمها وأخاها لأُمها فللزوج النصف وللأُم الثلث وللأخ من الأُم السدس.\rفإن تركت أخوين وأُختين والمسألة بحالها فللزوج النصف وللأُم السدس وللأخوين والأُختين الثلث ، وقد تمت الفريضة.\rوعلى هذا عامة الصحابة ؛ لأنهم حجبوا الأُمّ بالأخ والأُخت من الثلث إلى السدس.\rوأما ابن عباس فإنه لم ير العَوْلَ ولو جعل للأُم الثلث لعالت المسألة ، وهو لا يرى ذلك.\rوالعَوْلُ مذكور في غير هذا الموضع ، ليس هذا موضعه.\rفإن تركت زوجها وإخوةً لأُم وأخاً لأب وأُم ؛ فللزوج النصف ، ولإخوتها لأُمها الثلث ، وما بقي فلأخيها لأُمها وأبيها.\rوهكذا من له فرضُ مُسَمًّى أُعطيَه ، والباقي للعصبة إن فضل.\rفإن تركت ستة إخوة مفترقين فهذه الحِمَاريّة ، وتسمّى أيضاً المشتركة.\rقال قوم : للإخوة للأُم الثلث ، وللزوج النصف ، وللأُم السدس ، وسقط الأخ والأُخت من الأب والأُم ، والأخُ والأُختُ من الأب.\rرُوي عن عليّ وابن مسعود وأبي موسى والشَّعبيّ وشُريك ويحيى بن آدم ، وبه قال أحمد بن حنبل واختاره ابن المنذر ؛ لأن الزوج والأُم والأخوين للأُم أصحابُ فرائضَ مسماةٍ ولم يبق للعصبة شيء.\rوقال قوم : الأُم واحدة ، وهَبْ أن أباهم كان حِماراً ا وأشركوا بينهم في الثلث ؛ ولهذا سُمّيت المشتركة والحِمَاريّة.\rرُوي هذا عن عمر وعثمان وابن مسعود أيضاً وزيد بن ثابت ومسروق وشُريح ، وبه قال مالك والشافعي وإسحاق.\r","part":20,"page":384},{"id":8822,"text":"ولا تستقيم هذه المسألة أنْ لو كان الميت رجلاً.\rفهذه جملةُ من علم الفرائض تضمّنتها الآية ، والله الموفق للهداية.\rوكانت الوراثة في الجاهلية بالرُّجولية والقوّة ، وكانوا يورّثون الرجال دون النساء ؛ فأبطل الله عز وجل ذلك بقوله : { لِّلرِّجَالِ نَصيِبٌ }.\r{ وَلِلنِّسَآءِ نَصِيبٌ } كما تقدّم.\rوكانت الوراثة أيضاً في الجاهلية وبدء الإسلام بالمحالَفة ، قال الله عز وجل : { والذين عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ } [ النساء : 33 ] على ما يأتي بيانه.\rثم صارت بعد المحالفة بالهجرة ؛ قال الله تعالى : { والذين آمَنُواْ وَلَمْ يُهَاجِرُواْ مَا لَكُمْ مِّن وَلاَيَتِهِم مِّن شَيْءٍ حتى يُهَاجِرُواْ } [ الانفال : 72 ] وسيأتي.\rوهناك يأتي القول في ذوي الأرحام وميراثهم ، إن شاء الله تعالى.\rوسيأتي في سورة \"النور\" ميراث ابن الملاعَنة وولد الزنا والمكاتَب بحول الله تعالى.\rوالجمهور من العلماء على أن الأسير المعلومَ حياته أن ميراثه ثابت ؛ لأنه داخل في جملة المسلمين الذين أحكام الإسلام جارية عليهم.\rوقد رُوي عن سعيد بن المُسَيِّب أنه قال في الأسير في يد العدوّ : لا يرث.\rوقد تقدّم ميراث المرتدّ في سورة \"البقرة\" والحمد لله. أ هـ {تفسير القرطبى حـ 5 صـ 79 ـ 80}.\rفصل\rقال ابن عاشور :\rبعد أن بيّن ميراث ذي الأولاد أو الوالدَيْن وفصّله في أحواله حتّى حالة ميراث الزوجين ، انتقل هنا إلى ميراث من ليس له ولد ولا والد ، وهو الموروث كلالة ، ولذلك قابل بها ميراث الأبوين.\rوالكلالةُ اسم للكلال وهو التعب والإعياء قال الأعشى :\rفآليتُ لا أرثي لَها مِن كلالة...\rولا من حفى حتّى أُلاقي مُحَمَّدا\rوهو اسم مصدر لا يثنيّ ولا يجمع.","part":20,"page":385},{"id":8823,"text":"ووصفت العرب بالكلالة القرابةَ غيرَ القربى ، كأنّهم جعلوا وصوله لنسب قريبه عن بُعد ، فأطلقوا عليه الكلالة على طريق الكناية واستشهدوا له بقول من لم يسمّوه : \rفإنّ أبا المرءِ أحمى له...\rومَوْلى الكلالة لا يُغْضَبُ\rثم أطلقوه على إرث البعيد ، وأحسب أنّ ذلك من مصطلح القرآن إذ لم أره في كلام العرب إلاّ ما بعد نزول الآية.\rقال الفرزدق : \rورثتم قَنَاةَ المجد لا عن كلالة...\rعن ابنَيْ مناف عبدِ شمس وهاشمِ\rومنه قولهم : ورِث المجدَ لا عن كلالة.\rوقد عدّ الصحابة معنى الكلالة هنا من مشكل القرآن حتّى قال عُمر بن الخطاب : \"ثلاث لأن يكون رسول الله بَيّنهن أحبّ إليّ من الدنيا : الكلالةُ ، والربا ، والخلافةُ\".\rوقال أبو بكر : \"أقول فيها برأيي ، فإن كان صوابا فمن الله وإن كان خطأ فمنّي ومن الشيطان والله منه بريء ، الكلالة ما خلا الولدَ والوالدَ\".\rوهذا قول عمر ، وعلي ، وابن عباس ، وقال به الزهري ، وقتادة والشعبي ، وهو قول الجمهور ، وحكي الإجماع عليه ، وروي عن ابن عباس \"الكلالة من لا ولد له\" أي ولو كان له والد وينسب ذلك لأبي بكر وعمر أيضاً ثم رجعا عنه ، وقد يستدلّ له بظاهر الآية في آخر السورة : { يستفتونك قل الله يفتيكم في الكلالة إن امرؤ هلك ليس له ولد } [ النساء : 176 ] وسياق الآية يرجّح ما ذهب إليه الجمهور لأنّ ذكرها بعد ميراث الأولاد والأبوين مؤذن بأنّها حالة مخالفة للحالين.\rوانتصب قوله : { كلالة } على الحال من الضمير في { يورث } الذي هو كلالة من وارثه أي قريب غير الأقرب لأنّ الكلالة يصحّ أن يوصف بها كلا القريبين.\rوقوله : { أو امرأة } عطف على { رجل } الذي هو اسم ( كان ) فيشارك المعطوف المعطوف عليه في خبر ( كان ) إذ لا يكون لها اسم بدون خبر في حال نقصانها.","part":20,"page":386},{"id":8824,"text":"وقوله : { وله أخ أو أخت } يتعيّن على قول الجمهور في معنى الكلالة أن يكون المراد بهما الأخ والأخت للأمّ خاصّة لأنَّه إذا كان الميّت لا ولد له ولا والد وقلنا له أخ أو أخت وجعلنا لكلّ واحد منهما السدس نعلم بحكم ما يُشْبه دلالةَ الاقتضاء أنّهما الأخ والأخت للأم لأنّهما لمّا كانت نهاية حظّهما الثلث فقد بقي الثلثان فلو كان الأخ والأخت هما الشقيقين أو اللذين للأب لاقتضى أنّهما أخذا أقلّ المال وترك الباقي لغيرهما وهل يكون غيرهما أقرب منهما فتعيّن أنّ الأخ والأخت مراد بهما اللذان للأمّ خاصّة ليكون الثلثان للإخوة الأشقّاء أو الأعمام أو بني الأعمام.\rوقد أثبت الله بهذا فرضاً للإخوة للأمّ إبطالا لما كان عليه أهل الجاهلية من إلغاء جانب الأمومة أصلاً ، لأنّه جانب نساء ولم يحتج للتنبيه على مصير بقيّة المال لما قدّمنا بيانه آنفاً من أنّ الله تعالى أحال أمر العصابة على ما هو متعارف بين من نزل فيهم القرآن.\rوعلى قول ابن عباس في تفسير الكلالة لا يتعيّن أن يكون المراد بالأخ والأخت اللذين للأمّ إذ قد يفرض للإخوة الأشقّاء نصيب هو الثلث ويبقى الثلثان لعاصب أقوى وهو الأب في بعض صور الكلالة غير أنّ ابن عباس وافق الجمهور على أنّ المراد بالأخ والأخت اللذان للأمّ وكان سبب ذلك عنده أنّ الله أطلق الكلالة وقد لا يكون فيها أب فلو كان المراد بالأخ والأخت الشقيقين أو اللذين للأب لأعطيناهما الثلث عند عدم الأب وبقي معظم المال لمن هو دون الإخوة في التعصيب فهذا فيما أرى هو الذي حدا سائر الصحابة والفقهاء إلى حمل الأخ والأخت على الذين للأمّ.\rوقد ذكر الله تعالى الكلالة في آخر السورة بصورة أخرى سنتعرّض لها. أ هـ {التحرير والتنوير حـ 4 صـ 51 ـ 53}","part":20,"page":387},{"id":8825,"text":"فائدة\rقال الشيخ الشنقيطى\rقوله تعالى : { وَإِن كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلاَلَةً أَو امرأة وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا السدس فَإِن كانوا أَكْثَرَ مِن ذلك فَهُمْ شُرَكَآءُ فِي الثلث }.\rالمراد في هذه الآية بالإخوة الذين يأخذ المنفرد منهم السدس وعند التعدد يشتركون في الثلث ذكرهم وأنثاهم ، سواء إخوة الأم بدليل بيانه تعالى أن الإخوة من الأب أشقاء أولا ، يرث الواحد منهم كل المال ، وعند اجتماعهم يرثون المال كله للذكر مثل حظ الأنثيين.\rوقال في المنفرد منهم وهو يرثها إن لم يكن لها ولد ، وقال في جماعتهم : وإن كانوا إخوة رجالاً ونساء فللذكر مثل حظ الأنثيين. وقد أجمع العلماء على أن هؤلاء الإخوة هم الإخوة من الأب ، كانوا أشقاء أو لأب. كما أجمعوا على أن قوله : { وَإِن كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلاَلَةً } الآية. أنها في إخوة الأم. وقرأ سعد بن أبي وقاص : وله أخ أو أخت من أم. والتحقيق أن المراد بالكلالة عدم الأصول والفروع كما قال الناظم :\rويسألونك عن الكلالة... هي انقطاع النسل لا محالة\rلا والد يبقى ولا مولود... فانقطع الأبناء والجدود\rوهذا قول أبي بكر الصديق - رضي الله عنه - وأكثر الصحابة وهو الحق إن شاء الله تعالى. واعلم أن الكلالة تطلق على القرابة من غير جهة الولد والوالد ، وعلى الميت الذي لم يخلف والداً ولا ولداً ، وعلى الوارث الذي ليس بوالد ولا ولد. وعلى المال الموروث عمن ليس بوالد ولا ولد. غلا أنه استعمال غير شائع واختلف في اشتقاق الكلالة.\rواختار كثير من العلماء أن أصلها من تكاله إذا أحاط به ومنه الإكليل لإحاطته بالرأس ، والكل لإحاطته بالعدد لأن الورثة فيها محيطة بالميت من جوانبه لا من أصله ولا فرعه.\rوقال بعض العلماء : أصلها من الكلال بمعنى الإعياء : لأن الكلالة أضعف من قرابة الآباء والأبناء.","part":20,"page":388},{"id":8826,"text":"وقال بعض العلماء : أصلها من الكل بمعنى الظهر وعليه فهي ما تركه الميت وراء ظهره ، واختلف في إعراب قوله كلالة. فقال بعض العلماء هي حال من نائب فاعل يورث على حذف مضاف. أي : يورث في حال كونه ذا كلالة أي قرابة غير الآباء والأبناء ، واختاره الزجاج وهو الأظهر ، وقيل هي مفعول له ، أي : يورث لأجل الكلالة أي القرابة ، وقيل هي خبر كان ، ويورث صفة لرجل ، أي : كان رجل موروث ذا كلالة ليس بوالد ولا ولد ، وقيل غير ذلك والله تعالى أعلم. أ هـ {أضواء البيان حـ 1 صـ 270}","part":20,"page":389},{"id":8827,"text":"قوله تعالى {مِن بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِى بِهَا أو دين}\rفصل\rقال الفخر :\rاعلم أن ظاهر هذه الآية يقتضي جواز الوصية بكل المال وبأي بعض أريد ، ومما يوافق هذه الآية من الأحاديث ما روى نافع عن ابن عمر قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : \" ما حق امرىء مسلم له مال يوصى به ثم تمضي عليه ليلتان إلا ووصيته مكتوبة عنده \" فهذا الحديث أيضا يدل على الاطلاق في الوصية كيف أريد ، إلا أنا نقول : هذه العمومات مخصوصة من وجهين : الأول : في قدر الوصية ، فإنه لا يجوز الوصية بكل المال بدلالة القرآن والسنة ، أما القرآن فالآيات الدالة على الميراث مجملا ومفصلا ، أما المجمل فقوله تعالى : {لّلرّجَالِ نَصيِبٌ مّمَّا تَرَكَ الوالدان والاقربون} [ النساء : 7 ] ومعلوم أن الوصية بكل المال تقتضي نسخ هذا النص ، وأما المفصل فهي آيات المواريث كقوله : {لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِ الانثيين} [ النساء : 11 ] ويدل عليه أيضا قوله تعالى : {وَلْيَخْشَ الذين لَوْ تَرَكُواْ مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرّيَّةً ضعافا خَافُواْ عَلَيْهِمْ} [ النساء : 9 ] وأما السنة فهي الحديث المشهور في هذا الباب ، وهو قوله عليه الصلاة والسلام : \" الثلث والثلث كثير إنك إن تترك ورثتك أغنياء خير من أن تدعهم عالة يتكففون الناس \".\rواعلم أن هذا الحديث يدل على أحكام :\rأحدها : أن الوصية غير جائزة في أكثر من الثلث ، وثانيها : أن الأولى النقصان عن الثلث لقوله : \" والثلث كثير \" وثالثها : أنه إذا ترك القليل من المال وورثته فقراء فالأفضل له أن لا يوصي بشيء لقوله عليه الصلاة والسلام : \" إن تترك ورثتك أغنياء خير من أن تدعهم عالة يتكففون الناس \" ورابعها : فيه دلالة على جواز الوصية بجميع المال إذا لم يكن له وارث لأن المنع منه لأجل الورثة ، فعند عدمهم وجب الجواز.","part":20,"page":390},{"id":8828,"text":"الوجه الثاني : تخصيص عموم هذه الآية في الموصى له ، وذلك لأنه لا يجوز الوصية لوارث ، قال عليه الصلاة والسلام : \" ألا لا وصية لوارث \". أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 9 صـ 181 ـ 182}\rفصل\rقال الفخر :\rقال الشافعي رحمة الله عليه : إذا أخر الزكاة والحج حتى مات يجب إخراجهما من التركة ، وقال أبو حنيفة رضي الله عنه لا يجب ، حجة الشافعي : أن الزكاة الواجبة والحج الواجب دين فيجب اخراجه بهذه الآية ، وإنما قلنا إنه دين ، لأن اللغة تدل عليه ، والشرع أيضاً يدل عليه ، أما اللغة فهو أن الدين عبارة عن الأمر الموجب للانقياد ، قيل في الدعوات المشهورة ؛ يا من دانت له الرقاب ، أي انقادت ، وأما الشرع فلأنه روي أن الخثعمية لما سألت الرسول صلى الله عليه وسلم عن الحج الذي كان على أبيها ، فقال عليه الصلاة والسلام : \" أرأيت لو كان على أبيك دين فقضيته أكان يجزىء ؟ فقالت نعم ، فقال عليه الصلاة والسلام فدين الله أحق أن يُقضى \" إذا ثبت أنه دين وجب تقديمه على الميراث لقوله تعالى : {مِن بَعْدِ وَصِيَّةٍ يوصى بِهَا أَوْ دَيْنٍ} قال أبو بكر الرازي : المذكور في الآية الدين المطلق ، والنبي صلى الله عليه وسلم سمى الحج دينا لله ، والاسم المطلق لا يتناول المقيد.\rقلنا : هذا في غاية الركاكة لأنه لما ثبت أن هذا دين ، وثبت بحكم الآية أن الدين مقدم على الميراث لزم المقصود لا محالة ، وحديث الاطلاق والتقييد كلام مهمل لا يقدح في هذا المطلوب ، والله أعلم. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 9 صـ 182}\rفصل\rقال الفخر :\rاعلم أن قوله تعالى : {غَيْرَ مُضَارّ} نصب على الحال ، أي يوصى بها وهو غير مضار لورثته.\rواعلم أن الضرار في الوصية يقع على وجوه :\rأحدها : أن يوصي بأكثر من الثلث.\rوثانيها : أن يقر بكل ماله أو ببعضه لأجنبي.","part":20,"page":391},{"id":8829,"text":"وثالثها : أن يقر على نفسه بدين لا حقيقة له دفعا للميراث عن الورثة.\rورابعها : أن يقر بأن الدين الذي كان له على غيره قد استوفاه ووصل إليه.\rوخامسها : أن يبيع شيئاً بثمن بخمس أو يشتري شيئاً بثمن غال ، كل ذلك لغرض أن لا يصل المال إلى الورثة.\rوسادسها : أن يوصي بالثلث لا لوجه الله لكن لغرض تنقيص حقوق الورثة ، فهذا هو وجه الاضرار في الوصية.\rواعلم أن العلماء قالوا : الأولى أن يوصي بأقل من الثلث ، قال علي : لأن أوصي بالخمس أحب إلى من الربع.\rولأن أوصي بالربع أحب إلي من أن أوصي بالثلث.\rوقال النخعي : قبض رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يوص ، وقبض أبو بكر فوصى ، فإن أوصى الإنسان فحسن ، وإن لم يوص فحسن أيضا.\rواعلم أن الأولى بالإنسان أن ينظر في قدر ما يخلف ومن يخلف ، ثم يجعل وصيته بحسب ذلك فإن كان ماله قليلا وفي الورثة كثرة لم يوص ، وإن كان في المال كثرة أوصى بحسب المال وبحسب حاجتهم بعده في القلة والكثرة والله أعلم. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 9 صـ 182 ـ 183}\rفصل\rقال الآلوسى\r{ مِن بَعْدِ وَصِيَّةٍ يوصى بِهَا أَوْ دَيْنٍ غَيْرَ مُضَارّ } أي من غير ضرار لورثته فلا يقر بحق ليس عليه ، ولا يوصى بأكثر من الثلث قاله ابن جبير فالدين هنا مقيد كالوصية ، وفي { يُوصِى } قراءتان سبعيتان في البناء للمفعول والبناء للفاعل ، و{ غَيْرِ } على القراءة الأولى حال من فاعل فعل مبني للفاعل مضمر يدل عليه المذكور ، وما حذف من المعطوف اعتماداً عليه ، ونظيره قوله تعالى : { يُسَبّحُ لَهُ فِيهَا بالغدو والاصال رِجَالٌ } [ النور : 36 ، 37 ] على قراءة { يُسَبّحُ } بالبناء للمفعول ، وقول الشاعر :\r( ليبك ) يزيد ضارع لخصومة...\rومختبط مما تطيح الطوائح","part":20,"page":392},{"id":8830,"text":"وعلى القراءة الثانية حال من فاعل الفعل المذكور والمحذوف اكتفاءاً به ، ولا يلزم على هذا الفصل بين الحال وذيها بأجنبي كما لا يخفى ، أي يوصى بما ذكر من الوصية والدين حال كونه غير مضار ، ولا يجوز أن يكون حالا من الفاعل المحذوف في المجهول لأنه ترك بحيث لا يلتفت إليه فلا يصح مجيء الحال منه ، وجوز فيه أن يكون صفة مصدر أي إيصاء غير مضار ، واختار بعضهم جعله حالاً من وصية أو دين أي من بعد أداء وصية أو دين غير مضار ذلك الواحد ؛ وجعل التذكير للتغليب وليس بشيء ، وجوز هذا البعض أن يكون المعنى على ما تقدم غير مضر نفسه بأن يكون مرتكباً خلاف الشرع بالزيادة على الثلث وهو صحيح في نفسه إلا أن المتبادر الأول وعليه مجاهد وغيره.\rويحتمل كما قال جمع أن يكون المعنى غير قاصد الإضرار بل القربة ، وذكر عصام الملة أن المفهوم من الآية أن الإيصاء والإقرار بالدين لقصد الإضرار لا يستحق التنفيذ وهو كذلك إلا أن إثبات القصد مشكل إلا أن يعلم ذلك بإقراره ، والظاهر أن قصد الإضرار لا القربة بالوصية بالثلث فما دونه لا يمنع من التنفيذ ، فقد أخرج ابن أبي شيبة عن معاذ بن جبل قال : إن الله تعالى تصدق عليكم بثلث أموالكم زيادة في حياتكم ، نعم ذاك محرم بلا شبهة وليس كل محرم غير منفذ فإن نحو العتق والوقف للرياء والسمعة محرم بالإجماع مع أنه نافذ ، ومن ادعى تخصيص ذلك بالوصية فعليه البيان وإقامة البرهان.\rوعن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أن الإضرار بالوصية من الكبائر ، وأخرج أحمد وأبو داود والترمذي عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه مرفوعاً","part":20,"page":393},{"id":8831,"text":"\" إن الرجل ليعمل بعمل أهل الخير سبعين سنة فإذا أوصى حاف في وصيته فيختم له بشر عمله فيدخل النار ، وإن الرجل ليعمل بعمل أهل الشر سبعين سنة فيعدل في وصيته فيختم له بخير عمله فيدخل الجنة \". أ هـ {روح المعانى حـ 4 صـ 231}\rوقال ابن عاشور : \rوالإضرارُ منه ما حدّده الشرع ، وهو أن يتجاوز الموصي بوصيّته ثلث ماله وقد حدّده النبي بقوله لسعد بن أبي وقّاص الثلثُ والثلث كثير.\rومنه ما يحصل بقصد الموصي بوصيته الإضرار بالوارث ولا يقصد القربة بوصيّته ، وهذا هو المراد من قوله تعالى : غير مضار }.\rولمّا كانت نيَّة الموصي وقصدُه الإضرار لا يُطلع عليه فهو موكول لدينه وخشية ربّه ، فإن ظهر ما يدلّ على قصده الإضرار دلالة واضحة ، فالوجه أن تكون تلك الوصيّة باطلة لأنّ قوله تعالى : { غير مضار } نهي عن الإضرار ، والنهي يقتضي فساد المنهي عنه.\rويتعيّن أن يكون هذا القيد مقيِّدا للمطلق في الآي الثلاث المتقدّمة من قوله { من بعد وصية } إلخ ، لأنّ هذه المطْلقات متّحدة الحكم والسبب.\rفيحمِل المطْلَق منها على المقيّد كما تقرّر في الأصول.\rوقد أخذ الفقهاء من هذه الآية حكم مسألة قصد المعطي من عطيّته الإضرار بوارثه في الوصيّة وغيرها من العطايا ، والمسألة مفروضة في الوصيّة خاصّة.\rوحكى ابن عطية عن مذهب مالك وابن القاسم أنّ قصد المضارّة في الثلث لا تردّ به الوصيّة لأنّ الثلث حقّ جعله الله له فهو على الإباحة في التصرّف فيه.\rونازعه ابن عرفة في التفسير بأنّ ما في الوصايا الثاني من \"المدوّنة\" ، صريح في أنّ قصد الإضرار يوجب ردّ الوصيّة وبحث ابن عرفة مكين.\rومشهور مذهب ابن القاسم أن الوصية تردّ بقصد الإضرار إذا تبيّن القصد غير أنّ ابن عبد الحكم لا يرى تأثير الإضرار.","part":20,"page":394},{"id":8832,"text":"وفي شرح ابن ناجي على تهذيب المدوّنة أنّ قصد الإضرار بالوصيّة في أقلّ من الثلث لا يوهن الوصيّة على الصحيح.\rوبه الفتوى. أ هـ {التحرير والتنوير حـ 4 صـ 53 ـ 54}\rفصل\rقال الفخر :\rروى عكرمة عن ابن عباس أنه قال : الإضرار في الوصية من الكبائر.\rواعلم أنه يدل على ذلك القرآن والسنة والمعقول ، أما القرآن فقوله تعالى : {تِلْكَ حُدُودُ الله وَمَن يُطِعِ الله وَرَسُولَهُ} [ النساء : 13 ] قال ابن عباس في الوصية : {وَمَن يَعْصِ الله وَرَسُولَهُ} [ النساء : 14 ] قال في الوصية ، وأما السنة فروى عكرمة عن ابن عباس قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : \" الإضرار في الوصية من الكبائر \" وعن شهر بن حوشب عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : \" إن الرجل ليعمل بعمل أهل الجنة سبعين سنة وجار في وصيته ختم له بشر عمله فيدخل النار وان الرجل ليعمل بعمل أهل النار سبعين سنة فيعدل في وصيته فيختم له بخير عمله فيدخل الجنة \" وقال عليه الصلاة والسلام : \" من قطع ميراثا فرضه الله قطع الله ميراثه من الجنة \" ومعلوم أن الزيادة في الوصية قطع من الميراث ، وأما المعقول فهو أن مخالفة أمر الله عند القرب من الموت يدل على جراءة شديدة على الله تعالى ، وتمرد عظيم عن الانقياد لتكاليفه ، وذلك من أكبر الكبائر. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 9 صـ 183}\rقوله تعالى {وَصِيَّةً مّنَ الله}\rسؤال : لم جعل خاتمة الآية الأولى : {فَرِيضَةً مّنَ الله} وخاتمة هذه الآية {وَصِيَّةً مّنَ الله } ؟.\rالجواب : أن لفظ الفرض أقوى وآكد من لفظ الوصية ، فختم شرح ميراث الأولاد بذكر الفريضة ، وختم شرح ميراث الكلالة بالوصية ليدل بذلك على أن الكل ، وان كان واجب الرعاية إلا أن القسم الأول وهو رعاية حال الأولاد أولى. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 9 صـ 183}","part":20,"page":395},{"id":8833,"text":"قال تعالى {والله عَلِيمٌ حَلِيمٌ}\rقال الفخر :\rأي عليم بمن جار أو عدل في وصيته {حَلِيمٌ} على الجائر لا يعاجله بالعقوبة وهذا وعيد ، والله أعلم. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 9 صـ 183}\rوقال الآلوسى :\r{ والله عَلِيمٌ } بالمضار وغيره ، وقيل : بما دبره بخلقه من الفرائض { حَلِيمٌ } لا يعاجل بالعقوبة فلا يغترن المضار بالإمهال أو لا يغترن من خالفه فيما بينه من الفرائض بذلك ، والإضمار في مقام الإظهار لإدخال الروعة وتربية المهابة. أ هـ {روح المعانى حـ 4 صـ 232 ـ 233}\rوقال ابن عاشور :\rوقوله : { والله عليم حليم } تذييل ، وذكر وصف العلم والحلم هنا لمناسبة أنّ الأحكام المتقدّمة إبطال لكثير من أحكام الجاهلية ، وقد كانوا شرعوا مواريثهم تشريعاً مثاره الجهل والقساوة.\rفإنّ حرمان البنت والأخ للأمّ من الإرث جهل بأنّ صلة النسبة من جانب الأمّ مماثلة لصلة نسبة جانب الأب.\rفهذا ونحوه جهل ، وحرمانهم الصغار من الميراث قساوة منهم. أ هـ {التحرير والتنوير حـ 4 صـ 54}\rفائدة\rقال ابن عاشور :\rوقد بيّنت الآيات في هذه السورة الميراث وأنصباءه بين أهل أصول النسب وفروعه وأطرافه وعصمة الزوجية ، وسكتت عمّا عدا ذلك من العصبة وذوي الأرحام وموالي العتاقة وموالي الحلف ، وقد أشار قوله تعالى : { وأولوا الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله } في سورة الأنفال ( 75 ) وقوله : { وأولوا الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله } في سورة الأحزاب ( 6 ) إلى ما أخذ منه كثير من الفقهاء توريث ذوي الأرحام.","part":20,"page":396},{"id":8834,"text":"وأشار قوله الآتي قريباً { ولكل جعلنا موالي مما ترك الوالدان والأقربون والذين عاقدت أيمانكم فآتوهم نصيبهم } [ النساء : 33 ] إلى ما يؤخذ منه التوريث بالولاء على الإجمال كما سنبيّنه ، وبَيَّن النبي صلى الله عليه وسلم توريث العصبة بما رواه رواة أهل الصحيح عن ابن عباس أنّ النبي صلى الله عليه وسلم قال : \" ألحِقُوا الفرائض بأهلها فما بقي فهو لأوْلى رَجُللٍ ذَكَر \" وما رواه الخمسة غير النسائي عن أبي هريرة : أنّ النبي صلى الله عليه وسلم قال : \" أنا أولى بالمؤمنين من أنفسهم فمن مات وترك مالا فماله لمَوالي العصبة ومن ترك كَلا أو ضَياعا فأنا وليّه \" وسنفصّل القول في ذلك في مواضعه المذكورة. أ هـ {التحرير والتنوير حـ 4 صـ 54}\rفوائد لغوية\rقال ابن عادل :\rقوله : \" وإن كان رجل يورث كلالة \" اضْطَرَبَتْ أقوال العلماء في هذه ولا بُدَّ قبل التعرُّض للإعراب من ذكر معنى { الكلالة } واشتقاقها ، فإنَّ الإعراب متوقف على ذلك ، فتقول : اختلف الناس في معنى { الكلالة }\rفقال جمهور اللغويين وغيرهم : إنَّه الميت الَّذي لا وَلَدَ لَهُ ولا والد ، وهو قول عليٍّ وابن مسعودٍ.\rوقيل : الَّذي لا والد له فقط ، وهو قول عمر.\rوقيل : الَّذي لا والد له فقط ، وهو قول عمر.\rوقيل : الَّذي لا ولد له فقط.\rوقيل : هو من لا يرثه أبٌ ولا أم ، وعلى هذه الأقوال كلِّها قالكلالةُ واقعة على الميت.\rوقيل : الكَلاَلَةُ : الورثة ما عدا الأبوين والولد ، قاله قُطْرب ، وهو اختيار أبي بكر - رَضِيَ اللهُ عَنْهُ - وسموا بذلك ؛ لأنَّ الميِّت بذهاب طرفيه تُكَلِّلُهُ الورثة ، أي : أحاطوا به من جميع نواحيه ، ويُؤَيَّدُ هذا القول بأنَّ الآية نزلت في جَابِرٍ ، ولم يَكُنْ له يَوْمَ نزلت أبٌ ولا ابن.","part":20,"page":397},{"id":8835,"text":"وأيضاً يقال : كلت الرحم بين فلان وفلان إذا تباعدت القرابة وحلم فلان على فلان ثمَّ كَلَّ عنه إذا تباعد ، فسميت القرابةُ البعيدةُ كلالة من هذا الوجه.\rوأيضاً يقال : كَلَّ الرَّجُلُ يَكِلُّ كَلاًّ وكَلاَلَةً : إذا أعيا وذهبت قوَّته ، فاستعاروا هذا اللفْظ عن القرابة الحاصلة ، من غير أولاد لبعدها.\rوأيضاً فإنَّهُ تعالى قال { قُلِ الله يُفْتِيكُمْ فِي الكلالة إِن امرؤ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ أُخْتٌ فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ وَهُوَ يَرِثُهَآ إِن لَّمْ يَكُنْ لَّهَآ وَلَدٌ } [ النساء : 176 ] وهذه الآية تَدُلُّ على أنَّ الكلالة من لا ولد له ولا والد ؛ لأنَّهُ شرط عدم الولد وَورَّثَ الأخت والأخ ، وهما لا يرِثان مع وجود الأب.\rوروى جابر قال : مَرِضْتُ مَرَضاً شديداً أشرفتُ منه على الموت ، فأتاني النبي صلى الله عليه وسلم فقلتُ : يا رسول الله إنِّي رَجُلٌ لا يَرِثُنِي إلاَّ كَلاَلَة ، وَأرَادَ به أنَّهُ ليس له والد ولا ولد ، وهو قول سعيد بن جُبَيْرٍ وإليه ذهب أكثرُ الصَّحَابَةَ.\rوروي عن عمر أيضاً أنَّهُ قال : سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الكلالة فما أغلظ في شيء ما أغلظ لي فيها ، ضرب بيده صدري وقال \" يَكْفِيك آيَةُ الصَّيْفِ \" ، وهي الآية الأخيرة من سورة النساء سميت بذلك ؛ لأنها نزلت في الصَّيْفِ ، ومات ولم يَفْهَمْهَا ولم يقل فيها شيئاً.\rوقيل : { الكلالة } : المالُ الموروث ، وهو قول النَّضْرِ بْنِ شُمَيْلٍ.\rوقيل : { الكلالة } القرابة ، وقيل : الوراثة.\rفقد تلخص مما تقدم أنَّها [ إمَّا ] الميِّتُ الموروث أو الوارثُ ، أو المال الموروثُ ، أو الإرْث ، أو القرابة.\r","part":20,"page":398},{"id":8836,"text":"وأما اشتقاقها : فقيل : هي مشتقة من تَكَلَّلَهُ الشَّيء ، أي : أحاط به ، وذلك أنَّهُ إذا لم يترك ولداً ولا والداً فقط انقطع طَرَفَاهُ ، وهما عَمُودَا نَسَبِهِ وبقي مال الموروثُ لِمَنْ يَتَكَلَّلُهُ نَسَبُهُ ، أي : يحيط به كالإكْليلِ.\rومنه \" الروضة المكللة \" أي : بالزَّهْرِ ، وعليه قول الفرزدق : [ الطويل ]\rوَرِثْتُمْ قَنَاةَالمَجْدِ لاَ عَنْ كَلاَلَةٍ... عَنِ ابْنَيْ مَنَافٍ عَبْدِ شَمْسٍ وَهَاشِمٍ\rوقيل : اشتقاقها من \" الكلال \" وهو الإعْيَاء ، فكأنه يصير الميراث إلى الوارث من بَعْدِ إعياء.\rوقال الزَّمَخْشَرِيُّ : و\" الكلالة \" في الأصل : مصدر بمعنى الكلال وهو ذهاب القوَّةِ من الإعياء.\rقال الأعشى : [ الطويل ]\rفَآلَيْتَ لاَ أرْثِي لَهَا مِنْ كَلاَلَةٍ... وَلاَ مِنْ وَحًى حَتَّى تُلاَقِيْ مُحَمَّداً\rفاستعير للقرابة من غير جهة الولد والوالد ، ولأنَّهَا بالإضافة إلى قرابتهما كأنها كالَّةٌ ضعيفة ، وأجاز فيها أيضاً أن تكون صفة على وزن \" فَعَالة \" ، قال : \" كالهَجَاجَةِ والفَقَاقَةِ للأحْمَقِ \".\rويقال : رجل كلالة ، وامرأةٌ كلالة ، وقوم كلالة ، لا يثنى ولا يجمع ؛ لأنَّهُ مصدر كالدّلالة والوَكَالة.\rإذا تقرَّرَ هذا فَلْنَعد إلى الإعراب بعَوْنِ الله ، فتقول : يجوز في \" كان \" وجهان :\rأحدهما : أن تكون ناقصة و\" رجل \" اسمها ، وفي الخبر احتمالان :\rأحدهما : أنه \" كلالة \" إن قيل : إنها الميت ، وإن قيل : إنَّها الوارث ، أو غير ذلك ، فَتُقَدَّر حذف مضاف ، أي : ذَا كلالة ، و\" يورث \" حينئذٍ في محلَِّ رفع صفة لـ \" رجل \" وهو فِعْلٌ مبنيٌّ للمفعول ، ويتعدّى في الأصل لاثْنَيْنِ أقيم الأوَّلُ مقامَ الفاعلِ ، وهو ضمير الرَّجُلِ.","part":20,"page":399},{"id":8837,"text":"والثَّاني : محذوف تقديره : يورث هو مَالَهُ ، وَهَلْ هذا الفِعلُ من \" ورث \" الثُّلاثي أو \" أورث \" الرُّبَاعيُّ ؟ .\rفيه خلافٌ ، إلاَّ أنَّ الزَّمَخْشَرِيُّ لَمَّا جَعَلَهٌُ مِنَ الثُّلاثي جعله يتعَدَّى إلى [ المفعول ] الأوَّلِ من المفعولين بـ \" من \" فإنَّهُ قال [ وإن كان رجل يورث من كلالة ] و\" يورث \" من وَرِثَ أي : يورث فيه يعني أنَّهُ في الأصْلِ يتعدَّى بـ \" مِنْ \". [ قال : ] وقد تُحْذَفُ ، تقولُ : \" وَرِثْتُ زَيْداً مَالَهُ \" أي : مِنْ زَيْد ، ولَمّا جَعَلَهُ الرَّجُلَ وارثاً لا موروثاً ، فإنَّهُ قال : \" فإنْ قلتَ : فإن جَعَلْتَ تُورَثُ على البناء للمفعول من \" أورث \" فما وَجْهُهُ \".\rقلتُ : الرَّجُلُ حينئذٍ الوارثُ لا الموروثُ \".\rوقال أبُو حيَّان : إنَِّه من \" أورث \" الرُّباعِيِّ المبنيِّ للمفعول ، وَلَمْ يُقَيِّدْهُ بالمعنى الذي قيده به الزَّمَخْشَرِيُّ.\rالاحتمالُ الثَّاني : أن يكون الخبرُ الجملة من \" يورث \".\rوفي نَصْبِ { كَلاَلَةً } أربعةُ أوْجُهٍ : \rأحدها : أنَّهُ حال من الضمير في \" يورث \" ، إنْ أُرِيدَ بها الميِّتُ ، أو الوارثُ ، إلاَّ أنَّهُ يَحْتاج في جَعْلها بمعنى الوارث إلى تقدير مضافٍ ، أي : يُورث ذا كَلاَلَةٍ ؛ لأنَّ الكلالة حينئذٍ ليست نفس الضَّمير المستكن في { يُورَثُ }.\rقال أبُو البَقَاءِ : على جعلها بمعنى الميت ولو قُرِئَ \" كلالةٌ \" بالرَّفع على أنَّهَا صفةٌ أو بدلٌ من الضَّميرِ في { يُورَثُ } لجاز ، غير أنِّي لم أعرف أحداً قَرَأ به ، فلا يُقْرأنَّ إلا بما نُقِلَ. يعني بكونها صفةً : أنَّهَا صفةٌ لـ \" رَجُل \".\rالثَّاني : أنَّهَا مفعولٌ من أجله ، إنْ قيل : إنَّهَا بمعنى القرابة ، أي : يُوْرَثُ لأجل الكلالة.\r","part":20,"page":400},{"id":8838,"text":"الثَّالثُ : أنَّهُ مفعول ثَانٍ لـ { يُورَثُ } إن قيل : إنَّها بمعنى المال المَوْرُوثِ.\rالرَّابعُ : أنَّها نعتٌ لمصدر محذوفٍ ، إن قيل : إنَّهَا بمعنى الوِرَاثَةِ ، أي : يُورَثُ وِرَاثَةَ كَلاَلَةٍ.\rوقدَّرَ مَكِّيٌّ في هذا الوجه حَذْفَ مضافٍ تقديره : \" ذَات كَلاَلَةٍ \".\rالوجه الثَّاني من وجهي \" كان \" أن تكون تَامَّةً ، فيُكْتَفى بالمرفوع ، أي : وإن وُجِدَ رجل. و{ يُورَثُ } في محلِّ رفع صِفَةٍ لـ \" رَجُل \" و{ كَلاَلَةً } منصوبةٌ على ما تَقَدَّمَ من الحال ، أو المفعول من أجله أو المفعول به ، أو النَّعت لمصدرٍ محذوف عَلَى ما قُرِّرَ من معانيها ، وَيخُصُّ هذا وجه آخر ذكره مَكيٌّ ، وهو أن تَكُونَ { كَلاَلَةً } منصوبة على التمييزِ.\r[ قال مَكِّيٌّ : \" كان \" أي : وقع ، و{ يُورَثُ } نعت للرَّجُل و\" رجل \" رفع بـ \" كان \" و{ كَلاَلَةً } نصب على التفسير ].\rوقيا : هو نصبٌ على الحال على أنَّ الكَلاَلَةَ هو الميِّت على هذين الوجهين ، وفي جعلها تَفْسيراً - أي : تمييزاً - نظرٌ لا يَخْفى.\rوقرأ الجمهور : { يُورَثُ } مبنيّاً للمفعولِ كما تَقَدَّمَ توجيهه.\rوقرأ الحسن : يورث مبنيّاً للفاعل ، ونُقِلَ عنه أيضاً ، وعن أبي رَجَاءَ كذلك ، إلاّ أنَّهُما شدَّدا الراء ، وتوجيه القراءتين واضح مِمّا تقدَّم ، وذلك أنَّهُ إنْ أُريد بالكلالة الميِّتُ ، فيكون المفعولان محذوفين ، و{ كَلاَلَةً } نَصْبٌ على الحال ، أي : وَإنْ كان رجلٌ يُورِثُ وَارثَهُ ، أوْ أهْلَهُ مالَه في حال كَوْنِهِ كَلالَةً.\r","part":20,"page":401},{"id":8839,"text":"وَإِنْ أُرِيدَ بها القرابة ، فتكون منصوبةً على المفعول مِنْ أجْله ، والمفعولان أيضاً محذوفان على ما تَقَدَّمَ تقريره ، وَإنْ أُرِيدَ بها المالُ كانت مفعولاً ثانياً ، والأوَّلُ محذوفٌ أي : يُورِثُ أهْلَهُ مَالَهُ ، وَإنْ أُريدَ بها الوارثُ فبالعكس ، أي : يُورِثُ مالَهُ أهلَه.\rقوله : { أَو امرأة } عطف على { رَجُلٌ } وحُذِفَ منها ما أُثْبِتَ في المعطوف عليه للدلالة على ذلك ، التَّقديرُ : أو امرأةٌ تُورَثُ كَلاَلَةً ، وإنْ كان لا يَلْزَمُ من تقييد المعطوف عليه تقييدُ المعطوفِ ولا العكس ، إلاّ أنَّهُ هو الظَّاهِرُ.\rوقوله : { وَلَهُ أَخٌ } جملة مِنْ مبتدأٍ وخبرٍ في محلِّ نصبٍ على الحال ، والواو الدَّاخلة عليها واوُ الحال ، وصاحبُ الحال إمَّا { رَجُلٌ } أي : إنْ كان { يُورَثُ } صفةً له ، وإمَّا الضَّميرُ المستتر في { يُورَثُ } وَوَحَّدَ الضمير في قوله : \" وله \" ؛ لأنَّ العطف بـ \" أو \" وما ورد على خلاف ذلك أوَّلَ عند الجمهور كقوله : { إِن يَكُنْ غَنِيّاً أَوْ فَقَيراً فالله أولى بِهِمَا } [ النساء : 135 ].\rفإن قيل : قوله تعالى : { وَإِن كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلاَلَةً أَو امرأة } ثم قال { وَلَهُ أَخٌ } فهي عن الرَّجُلِ ، وما هي عن المرأة ، فما السَّبَبُ فيه ؟ .\rفالجوابُ : قال النُّحَاةُ : إذا تقدَّمَ متعاطفان بـ \" أو \" مذكر ومؤنَّث كنتَ بالخيار ، بَيْنَ أنْ تراعي المتقدم أو المتأخِّرَ ، فتقول : \" زيدٌ أو هندُ قامَ \" وَإنْ شئت : \" قَامَتْ \".\rوأجاب أبُو البَقَاءِ عن تذكيره بثلاثة أوجه : \rأحدُها : أنَّهُ يعود على الرَّجُلِ وهو مذكر مبدوء به.\rوالثَّالِثُ : أنَّهُ يعود على الميِّت ، أو الموروثِ لِتَقَدُّمِ ما يدلُّ عليه ، والضَّمير في قوله : { فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا } فيه وجهان : \r","part":20,"page":402},{"id":8840,"text":"أحدُهُمَا : أنَّهُ يعود على الأخ والأخت.\rوالثَّانِي : أنَّهُ يعودُ على الرَّجُلِ ، وعلى أخيه وأخته ، إذا أُريدُ بالرَّجُلِ في قوله : { وَإِن كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلاَلَةً } أنَّهُ وارثٌ لا موروثٌ ، كما تَقَدَّمَتْ حكايته في قول الزَّمَخْشَرِيِّ.\rقال الزَّمخشريُّ - بعد ما حكيناه عنه - : \" فإن قلتَ : فالضَّمِيرُ في قوله : \" فلكل واحد منهما \" إلى مَنْ يرجعُ حينئذٍ ؟ .\rقلت : على الرَّجُلِ ، وعلى أخيه ، أو أخته ، وعلى الأوَّل إليهما.\rفإن قُلْتَ : إذا رجع الضَّمِيرُ إليهما أفاد استواءَهُمَا في حيازةِ السُّدُسِ من غير مُفَاضَلَةِ الذَّكر للأنثى ، فهلْ تبقى هذ الفائدةُ قائمةً في هذا الوجه ؟ .\rقلتُ : نَعَمْ ، لأنك إذا قلتَ : السُّدس له أو لواحد مِن الأخِ أو الأخت على التخيير ، فقد سَوَّيْتَ بين الذَّكر والأنثى \". انتهى.\rوأجمع المفسِّرونَ على أنَّ المراد بالأخ والأخت هاهنا الإخوة من الأمِّ ؛ لأنَّ ما في آخر السُّورة يدلُّ على ذلك ، وهو كون للأخت النّصف ، وللأختين الثُّلثان وللإخوة الذُّكور والإناث للذَّكَر مثلُ حظِّ الأنثيين ، ولقراءة أبِي سَعِيدٍ. وقرأ أبيٌّ \" أخ أو أخت من الأم \".\rوقرأ سعد بن أبي وقاص \" من أم \" بغير أداة التَّعريف.\r","part":20,"page":403},{"id":8841,"text":"قوله : { فَإِن كانوا } الواو ضمير الإخوة من الأمِّ المدلول عليهم بقوله : { أَخٌ أَوْ أُخْتٌ } والمرادُ الذُّكورُ والإناث ، وأتى بضمير الذُّكور في قوله : { كانوا } وقوله : { خَلْفِهِمْ } تغليباً للمذكَّر على المؤنَّثِ ، و\" ذلك \" إشارةٌ إلى الواحد ، أي : أكثر من الواحد ، يعني : فإنْ كان مَنْ يَرِثُ زائداً على الواحد ؛ لأنَّهُ لا يَصِحُّ أن يقال : \" هذا أكثرُ من واحد \" بهذا المعنى لتنافي معنى كثير وواحد ، وإلاّ فالواحدُ لا كثرة فيه ، وتقدَّمَ إعراب \" من بعد وصية يوصى بها \".\rقوله : { غَيْرَ مُضَآرٍّ } \" غير \" نَصْبٌ على الحال من الفاعل في \" يوصَى \" ، وهو ضمير يعود على الرجل في قوله : { وَإِن كَانَ رَجُلٌ } ، هذا إنْ أُريد بالرَّجل الموروث ، وإن أُرِيدَ به الوارثُ كما تَقَدَّمَ ، فيعود على الميِّت الموروث المدلول عليه بالوارثِ مِنْ طريقِ الالتزام ، كما دلَّ عليه في قوله : { فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكَ } ، أي : تَرَكَهُ الموروث ، فصار التقدير : يوصَى بها الموروثُ ، وهكذا أعْرَبَهُ الناس فجعلوه حالاً : الزَّمَخْشَرِيُّ وغيره.\rوَردَّهُ أبو حيَّان ، بأنَّهُ يُؤدِّي إلى الفَصْلِ بينَ هذه الحال وعامِلها بأجنبيِّ منهما ، وذلك أنَّ العَامِلَ فيها { يوصى } كما تقرَّرَ.\rوقوله : { أَوْ دَيْنٍ } أجنبي ؛ لأنَّهُ معطوف على { وَصِيَّةٍ } الموصوفة بالعامل في الحال.\rقال : ولو كانَ على ما قالوه من الإعراب لكانَ التركيب : \" من بعد وصية يوصى بها غير مضار أو دين \".\r","part":20,"page":404},{"id":8842,"text":"وهذا الوجه مانع في كلتا القراءتين : أعني ناء الفعلِ للفاعل ، أو المفعول ، وتزيدُ عليه قراءة البناء للمفعول وَجْهاً آخَر ، وهو أن صاحب الحال غيرُ مذكور ؛ لأنَّهُ فاعِلٌ في الأصل ، حُذِفَ وأُقِيمَ المفعول مقامه ، ألا ترى أنَّكَ لو قلت : \" ترسل الرياح مبشراً بها \" بكسر الشين يعني \" يرسل الله الرياح مبشراً بها \" فحذفت الفاعل ، وأقمت المفعولَ مُقامَهُ ، وجئتَ بالحال من الفاعل لم يَجزْ ، فكذلك هذا ، ثم خَرَّجه على أحد وجهين : \rإما بفعل يَدُّلُ عليه ما قبله من المعنى ؛ ويكون عاماً لمعنى ما يتسلَّط على المال بالوصية أو الدِّيْن ، وتقديره : يلزمُ ذلك مالَهُ ، أو يوجبه [ فيه ] غَير مُضَارٍّ بورثته بذلك الإلزامِ أو الإيجاب.\rوإمَّا بفعلٍ مَبْني للفاعل لدلالَةِ المبني للمفعول عليه ، أي : يوصي غير مُضارٍّ ، فيصيرُ نظير قوله : { يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بالغدو والآصال رِجَالٌ } [ النور : 36 ، 37 ] على قراءة من قرأ بفتح الباء.\rقوله : { وَصِيَّةٍ } في نصبها أربعة أوجه : \rأحدها : أنَّهُ مصدرٌ مؤكَّد ، أي : يوصيكم اللَّهُ [ بذلك ] وَصِيَّة.\rالثَّاني : أنها مصدر في موضع الحال ، والعامل فيها { يُوصِيكُمُ الله } قاله ابنُ عَطِيَّةَ.\rوالثَّالِثُ : أنها منصوبةٌ على الخروج إمَّا مِنْ قوله : { فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا السدس } ، أو من قوله : { لِكَ فَهُمْ شُرَكَآءُ فِي الثلث } ، وهذه عبارةٌ تشبه عبارة الكوفيين.\r","part":20,"page":405},{"id":8843,"text":"والرَّابعُ : أنَّها منصوبةٌ باسم الفاعل وهو { مُضَآرٍّ } والمُضَارَّة لا تقع بالوصيَّةِ بل بالورثة ، لكنَّه لَمَّا وّصَّى اللَّهُ - تعالى - بالورَثَة جَعَلَ المُضَارَّة الواقعة بهم كأنها واقعة بنفس الوصيّة مُبَالَغةً في ذلك ، وَيُؤيَّدُ هذا التخريج قراءة الحسن : { غَيْرَ مُضَآرٍّ وَصِيَّةً مِّنَ الله والله } بإضافة اسم الفاعل إليها على ما ذكرناه من المجاز ، وَصَارَ نظير قولهم : \" يا سارِقَ الليلةَ \" ، التقدير : غير مضار في وصية من الله ، فاتُّسعَ في هذا إلى أنَّ عُدَّيَ بنفسه من غير واسطةٍ ، لما ذكرنا من قَصْد المبالغة ، وهذا أحْسَنُ تخريجاً من تخريج أبي البَقَاءِ فإنَّهُ ذكر في تخريج قراءة الحَسَنِ وجهين : \rأحدهما : أنَّهُ على حذف \" أهل \" أو \" ذي \" أي : غير مضارِّ أهل وصيَّةٍ ، أو ذي وَصِيَّة.\rوالثَّاني : على حذف وقت ، أي : وقت وصيَّة ، قال وهو مِنْ إضافَةِ الصِّفة إلى الزَّمانِ ، ويقرب من ذلك قولهم : هو فارسُ حربٍ ، أي : فارس في الحرب ، وتقولُ : هو فارسُ زمانه ، أي : فارس في زمانه ، كذلك تقدير القراءة : غير مضارٍّ في وقت الوصيَّة.\rومفعول { مُضَآرٍّ } محذوفٌ إذا لم تُجعَلْ { وَصِيَّةً } مفعولةً ، أي : غير مضارٍّ وَرَثتِهِ بوصيَّةِ. أ هـ {تفسير ابن عادل حـ 6 صـ 223 ـ 231}. بتصرف.","part":20,"page":406},{"id":8844,"text":"من فوائد العلامة أبى السعود فى الآية\rقال عليه الرحمة :\r{ وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أزواجكم } من المال. شروعٌ في بيان أحكامِ القِسمِ الثاني من الورثة ، ووجهُ تقديمِ حكمِ ميراثِ الرجالِ مما لا حاجة إلى ذكره { إِنْ لَّمْ يَكُنْ لَّهُنَّ وَلَدٌ } أي ولدٌ وارثٌ من بطنها أو من صُلْب بنيها أو بني بنيها وإن سفَلَ ذكراً كان أو أنثى واحداً كان أو متعدداً لأن لفظ الولدِ ينتظِمُ الجميعَ منكم أو من غيركم ، والباقي لورثتهن من ذوي الفروضِ والعِصاباتِ أو غيرِهم ، ولبيت المالِ إن لم يكن لهن وارثٌ آخرُ أصلاً { فَإِن كَانَ لَهُنَّ وَلَدٌ } على نحو ما فُصِّل والفاءُ لترتيب ما بعدها على ما قبلها فإن ذِكرَ تقديرِ عدمِ الولدِ وبيانِ حكمِه مستتبِعٌ لتقدير وجودِه وبيانِ حكمِه { فَلَكُمُ الربع مِمَّا تَرَكْنَ } من المال والباقي لباقي الورثةِ { مِن بَعْدِ وَصِيَّةٍ } متعلق بكلتا الصورتين لا بما يليه وحده { يُوصِينَ بِهَا } في محل الجرِّ على أنه صفةٌ لوصيةٍ ، وفائدتُها ما مر من ترغيب الميتِ في الوصية وحثِّ الورثةِ على تنفيذها { أَوْ دَيْنٍ } عطفٌ على وصيةٍ سواءٌ كان ثبوتُه بالبينة أو بالإقرار ، وإيثارُ { أَوْ } على الواو لما مر من الدِلالة على تساويهما في الوجوب والتقدمِ على القسمة ، وكذا تقديمُ الوصيةِ على الدين ذِكْراً من إبراز كمالِ العنايةِ بتنفيذها { وَلَهُنَّ الربع مِمَّا تَرَكْتُمْ إِن لَّمْ يَكُنْ لَّكُمْ وَلَدٌ } على التفصيل المذكورِ آنفاً والباقي لبقية ورثتِكم من أصحاب الفروضِ والعصباتِ أو ذوي الأرحامِ إو لبيت المالِ إن لم يكن لكم وارثٌ آخرُ أصلاً { فَإِن كَانَ لَكُمْ وَلَدٌ } على النحو الذي فُصل { فَلَهُنَّ الثمن مِمَّا تَرَكْتُم } من المال والباقي للباقين { مّن بَعْدِ وَصِيَّةٍ تُوصُونَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ } الكلامُ فيه كما فُصِّل في نظيرَيْه ،","part":20,"page":407},{"id":8845,"text":"فُرض للرجل بحق الزواجِ ضعفُ ما فرض للمرأة كما في النسب لمزيَّته عليها وشرفِه الظاهِرِ ، ولذلك اختُص بتشريف الخطابِ ، وهكذا قياسُ كلِّ رجلٍ وامرأةٍ اشتركا في الجهة والقُرب ، ولا يستثنى منه إلا أولادُ الأمِّ والمُعتِقُ والمعتقةُ ، وتستوي الواحدةُ والعددُ منهن في الربع والثمن.\r","part":20,"page":408},{"id":8846,"text":"{ وَإِن كَانَ رَجُلٌ } شروع في بيان أحكامِ القسمِ الثالثِ من الورثة المحتمِلِ للسقوط ، ووجهُ تأخيرِه عن الأولَيْن بيِّنٌ ، والمرادُ بالرجل الميتُ وقوله تعالى : { يُورَثُ } على البناء للمفعول من ورِث لا من أَوْرث ، خبر كان أي يورث منه { كلالة } الكلالةُ في الأصل مصدرٌ بمعنى الكَلالِ وهو ذهابُ القوةِ من الإعياء ، استُعيرت للقرابة من غير جهة الوالدِ والولدِ لضَعفهما بالإضافة إلى قرابتهما ، وتُطلق على من لم يخلِّفْ ولداً ولا والداً وعلى مَن ليس بوالد ولا ولد من المخلفين بمعنى ذي كلالة ، كما تطلق القَرابةُ على ذوي القرابة ، وقد جُوِّز كونُها صفةً كالهَجاجَة والفَقَاقة للأحمق ، فنصبُها إما على أنها مفعولٌ له أي يورثُ منه لأجل القرابةِ المذكورةِ أو على أنها حالٌ من ضمير يورث أي حالَ كونِه ذا كلالةٍ أو على أنها خبرٌ لكان ويورث صفةٌ لرجل أي إن كان رجلٌ موروثٌ ذا كلالةٍ ليس له والدٌ ولا ولدٌ وقرىء يُورِّثُ على البناء للفاعل مخففاً ومشدداً ، فانتصابُ كلالةً إما على أنها حالٌ من ضمير الفعلِ والمفعولُ محذوفٌ أي يُورِثُ وارثَه حال كونِه ذا كلالةً وإما على أنها مفعولٌ به أي يورِّث ذا كلالةً وإما على أنه مفعولٌ له أي يورَث لأجل الكلالة { أَو امرأة } عطف على رجلٌ مقيدٌ بما قُيِّد به أي أو امرأةٌ تورث كذلك ، ولعل فَصْلَ ذكرِها عن ذكره للإيذان بشرفه وأصالتِه في الأحكام { وَلَهُ } أي للرجل ففيه تأكيدٌ للإيذان المذكورِ حيث لم يتعرَّضْ لها بعد جَرَيانِ ذكرِها أيضاً ، وقيل : الضميرُ لكل منهما { أَخٌ أَوْ أُخْتٌ } أي من الأم فحسب وقد قرىء كذلك فإن أحكامَ بني الأعيانِ والعَلاّتِ هي التي ذُكرت في آخر السورةِ الكريمةِ والجملةُ في محل النصبِ على أنها حالٌ من ضمير يورَث أو من رجلٌ على تقدير كونِ {","part":20,"page":409},{"id":8847,"text":"يُورَثُ } صفةً ، وسيقت لتصوير المسألةِ ، وذكرُ الكَلالةِ لتحقيق جريانِ الحكمِ المذكورِ وإن كان مع مَنْ ذُكر ورَثةٌ أخرى بطريق الكلالة ، وأما جرَيانُه في صورة وجودِ الأمِّ أو الجدةِ مع أن قرابتَهما ليست بطريق الكَلالة فبإجماعٍ { فَلِكُلّ واحد مّنْهُمَا } من الأخ والأختِ { السدس } من غير تفضيلٍ للذكر على الأنثى لأن الإدلأَ إلى الميت بمحض الأنوثة.\r","part":20,"page":410},{"id":8848,"text":"{ فَإِن كَانُواْ أَكْثَرَ مِن ذلك } أي أكثرَ من الأخ أو الأختِ المنفردَيْن بواحد أو بأكثرَ ، والفاءُ لما مر أن ذكرَ احتمالِ الانفرادِ مستتبِعٌ لذكر احتمالِ التعدد { فَهُمْ شُرَكَاء فِى الثلث } يقتسمونه بالسوية والباقي لبقية الورثةِ من أصحاب الفروضِ والعَصَباتِ. هذا وأما جوازُ أن يكون يُورَث في القراءة المشهورة مبنياً للمفعول من أورث على أن المرادَ به الوراثُ ، والمعنى وإن كان رجلٌ يجعل وارثاً لأجل الكلالةِ أو ذا كلالةٍ أي غيرَ والدٍ أو ولدٍ ، ولذلك الوارث أخٌ أو أختٌ فلكل واحدٍ من ذلك الوارثِ وأخيه أو أختِه السدسُ فإن كانوا أكثرَ من ذلك أي من الاثنين بأن كانوا ثلاثةً أو أكثرَ فهم شركاءُ في الثلث المُوزَّعِ للاثنين لا يزاد عليه شيءٌ فبمعزل من السَّداد ، أما أولاً : فلأن المعتبرَ على ذلك التقديرِ إنما هو الأخوةُ بين الوارثِ وبين شريكِه في الإرث من أخيه أو أختِه لا ما بينه وبين مورِّثه من الأخوة التي عليها يترتبُ حكمُ الإرثِ وبها يتِمُّ تصويرُ المسألةِ ، وإنما المعتبرُ بينهما الوراثةُ بطريق الكلالةِ وهي عامةٌ لجميع صورِ القَراباتِ التي لا تكون بالولادة فلا يكون نصيبُه ولا نصيبُ شريكِه مما ذكر بعينه ، ومن ادَّعى اختصاصَها بالإخوة لأمَ متمسكاً بالإجماع على أن المرادَ بالكلالة هاهنا أولادُ الأمِّ فقد اعترف ببطلان رأيه من حيث لا يحتسب ، كيف لا ومبناه إنما هو الإجماعُ على أن المرادَ بالإخوة في قوله تعالى : { وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ } هو الإخوةُ لأم خاصةً حسبما شهِدت به القراءةُ المحْكيةُ والآيةُ الآتيةُ في آخر السورةِ الكريمةِ ، ولولا أن الرجلَ عبارةٌ عن الميت والأُخوّةُ معتبرةٌ بينه وبين ورثتِه لما أمكن كونُ الكلِّ أولادَ الأمِّ ، ثم إن الكلالةَ كما نبّهتُ عليه باقيةٌ على إطلاقها","part":20,"page":411},{"id":8849,"text":"ليس فيها شائبةُ اختصاصٍ بأولاد الأمِّ فضلاً عن الإجماع على ذلك ، وإلا لاقتصر البيانُ على حكم صورةِ انحصارِ الورثةِ فيهم ، وإنما الإجماعُ فيما ذكر من أن المرادَ بالأخ والأختِ مَنْ كان لأمَ خاصةً ، وأنت خبير بأن ذلك في قوة الإجماعِ على أن يُورَثَ من ورِث لا من أَورَثَ فتدبر ، وأما ثانياً : فلأنه يقتضي أن يكون المعتبرُ في استحقاق الورثةِ في الفرض المذكورِ إخوةً بعضَهم لبعض من جهة الأمِّ فقط لما ذُكر من الإجماع مع ثبوت الاستحقاقِ على تقدير الأُخوةِ من الجهتين ، وأما ثالثاً : فلأن حُكمَ صورةِ انفرادِ الوارثِ عن الأخ والأختِ يبقى حينئذ غيرَ مُبيِّنٍ ، وليس من ضرورة كونِ حظِّ كلَ منهما السدسَ عند الإجماع كونُه كذلك عند الانفراد ، ألا يرى أن حظ كلَ من الأختين الثلثُ عند الاجتماعِ والنصفُ عند الانفراد ؟ وأما رابعاً : فلأن تخصيصَ أحدِ الورثةِ بالتوريث وجعلَ غيرِه تبعاً له فيه مع اتحادِ الكلِّ في الإدلاءِ إلى المُورِّث مما لا عهدَ به.","part":20,"page":412},{"id":8850,"text":"{ مِن بَعْدِ وَصِيَّةٍ يوصى بِهَا أَوْ دَيْنٍ } الكلامُ فيه كالذي مر في نظائره خلا أن الدَيْن هاهنا موصوفٌ بوصف الوصيةِ جرياً على قاعدة تقييدِ المعطوفِ مما قُيِّد به المعطوفُ عليه لاتفاق الجمهورِ على اعتبار عدمِ المُضارَّةِ فيه أيضاً وذلك إنما يتحقق فيما يكون ثبوتُه بالإقرار في المرض ، كأنه قيل أو دينٍ يوصى به { غَيْرَ مُضَارّ } حال من فاعل فعلٍ مُضمر يدل عليه المذكورُ وما حُذف من المعطوف اعتماداً عليه كما أنّ رجالٌ في قوله تعالى : { يُسَبّحُ لَهُ فِيهَا بالغدو والاصال رِجَالٌ } على قراءة المبنيِّ للمفعول فاعل لفعل ينبىء عنه المذكورُ ومن فاعل الفعلِ المذكورِ والمحذوفِ اكتفاءً به على قراءة البناءِ للفاعل ، أي يوصى بما ذكر من الوصية والدَّيْن حالَ كونِه غيرَ مضارَ للورثة ، أي بأن يوصيَ بما زاد على الثلث أو تكونُ الوصية لقصد الإضرارِ بهم دون القُربةِ وبأن يُقِرَّ في المرض بدَين كاذباً ، وتخصيصُ هذا القيدِ بهذا المقام لما أن الورثةَ مَظِنةٌ لتفريط الميتِ في حقهم { وَصِيَّةً مّنَ الله } مصدرٌ مؤكدٌ لفعل محذوفٍ وتنوينُه للتفخيم ، ومن متعلقةٌ بمضمر وقع صفةً له مؤكدةً لفخامته الذاتية بالفخامة الإضافية ، أي يوصيكم بذلك وصيةً كائنةً من الله كقوله تعالى : { فَرِيضَةً مّنَ الله } ولعل السرَّ في تخصيص كلَ منهما بمحله الإشعارُ بما بين الأحكامِ المتعلقةِ بالأصول والفروعِ وبين الأحكامِ المتعلّقةِ بغيرهم من التفاوت حسب تفاوُتِ الفريضةِ والوصية وإن كانت كلتاهما واجبة المراعاةِ ، أو منصوبٌ بغيرَ مُضارَ على أنه مفعولٌ به فإنه اسمُ فاعلٍ معتمدٍ على ذي الحالِ ، أو منفيٌّ معنىً فيعمل في المفعول الصريحِ ، ويعضُده القراءةُ بالإضافة أي غيرَ مضارٍ لوصية اللَّهِ ، وعهدُه لا في شأن الأولادِ فقط كما قيل","part":20,"page":413},{"id":8851,"text":"إذ لا تعلقَ لهم بالمقام بل في شأن الورثةِ المذكورةِ هاهنا ، فإن الأحكامَ المفصَّلةَ كلَّها مندرجةٌ تحت قوله تعالى : { يُوصِيكُمُ الله } جاريةٌ مَجرى تفسيرِه وبيانه ، ومُضارّتُها الإخلالُ بحقوقهم ونقصُها بما ذُكر من الوصية بما زاد على الثلث والوصيةِ لقصد الإضرارِ دون القُربةِ والإقرارِ بالدين كاذباً ، وإيقاعُها على الوصية مع أنها واقعةٌ على الورثة حقيقةً كما في قوله :\rيا سارقَ اللَّيلةِ أهلَ الدارِ... للمبالغة في الزجر عنها بإخراجها مُخرجَ مُضارَّةِ أمرِ اللَّهِ تعالى ومضادَّتهِ ، وجعلُ الوصيةِ عبارةً عن الوصية بالثلث فما دونه يقتضي أن يكونَ ( غيرَ مضارَ ) حالاً من ضمير الفعلِ المتعلقِ بالوصية فقط وذلك يؤدي إلى الفصل بين الحالِ وعاملِها بأجنبيَ هو المعطوفُ على وصية مع أنه لا تنحسِمُ به مادةُ المُضارّةِ لبقاء الإقرارِ بالدين عن إطلاقه { والله عَلِيمٌ } بالمُضارِّ وغيرِه { حَلِيمٌ } لا يعاجل بالعقوبة فلا يَغترَّ بالإمهال ، وإيرادُ الاسمِ الجليلِ مع كفاية الإضمارِ لإدخال الروعةِ وتربيةِ المهابة. أ هـ {تفسير أبى السعود حـ 2 صـ 151 ـ 153}\rومن فوائد العلامة السعدى فى الآية\rقال عليه الرحمة :\rقال تعالى : { وَلَكُمْ } أيها الأزواج { نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَاجُكُمْ إِن لَّمْ يَكُن لَّهُنَّ وَلَدٌ فَإِنْ كَانَ لَهُنَّ وَلَدٌ فَلَكُمُ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْنَ مِن بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِينَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ وَلَهُنَّ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْتُمْ إِن لَّمْ يَكُنْ لَّكُمْ وَلَدٌ فَإِن كَانَ لَكُمْ وَلَدٌ فَلَهُنَّ الثُّمُنُ مِمَّا تَرَكْتُم مِّنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ تُوصُونَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ }.\rويدخل في مسمى الولد المشروط وجوده أو عدمه ، ولد","part":20,"page":414},{"id":8852,"text":"الصلب أو ولد الابن الذكر والأنثى ، الواحد والمتعدد ، الذي من الزوج أو من غيره ، ويخرج عنه ولد البنات إجماعًا.\rثم قال تعالى : { وَإِنْ كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلالَةً أَوِ امْرَأَةٌ وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ } أي : من أم ، كما هي في بعض القراءات. وأجمع العلماء على أن المراد بالإخوة هنا الإخوة للأم ، فإذا كان يورث كلالة أي : ليس للميت والد ولا ولد أي : لا أب ولا جد ولا ابن ولا ابن ابن ولا بنت ولا بنت ابن وإن نزلوا. وهذه هي الكلالة كما فسرها بذلك أبو بكر الصديق رضي الله عنه ، وقد حصل على ذلك الاتفاق ولله الحمد.\r{ فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا } أي : من الأخ والأخت { السُّدُسُ } ، { فَإِن كَانُوا أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ } أي : من واحد { فَهُمْ شُرَكَاءُ فِي الثُّلُثِ } أي : لا يزيدون على الثلث ولو زادوا عن اثنين. ودل قوله : { فَهُمْ شُرَكَاءُ فِي الثُّلُثِ } أن ذَكَرهم وأنثاهم سواء ، لأن لفظ \"التشريك\" يقتضي التسوية.\rودل لفظ { الْكَلالَةِ } على أن الفروع وإن نزلوا ، والأصولَ الذكور وإن علوا ، يُسقطون أولاد الأم ، لأن الله لم يورثهم إلا في الكلالة ، فلو لم يكن يورث كلالة ، لم يرثوا منه شيئًا اتفاقًا.","part":20,"page":415},{"id":8853,"text":"ودل قوله : { فَهُمْ شُرَكَاءُ فِي الثُّلُثِ } أن الإخوة الأشقاء يَسقُطون في المسألة المسماة بالحمارية. وهى : زوج ، وأم ، وإخوة لأم ، وإخوة أشقاء. للزوج النصف ، وللأم السدس ، وللأخوة للأم الثلث ، ويسقط الأشقاء ، لأن الله أضاف الثلث للإخوة من الأم ، فلو شاركهم الأشقاء لكان جمعا لما فرَّق الله حكمه. وأيضا فإن الإخوة للأم أصحاب فروض ، والأشقاء عصبات. وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم : - \"ألحقوا الفرائض بأهلها فما بقي فلأولى رجل ذكر\" - وأهل الفروض هم الذين قدَّر الله أنصباءهم ، ففي هذه المسألة لا يبقى بعدهم شيء ، فيَسْقُط الأشقاء ، وهذا هو الصواب في ذلك.\rوأما ميراث الإخوة والأخوات الأشقاء أو لأب ، فمذكور في قوله : { يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلالَةِ } الآية.\rفالأخت الواحدة شقيقة أو لأب لها النصف ، والثنتان لهما الثلثان ، والشقيقة الواحدة مع الأخت للأب أو الأخوات تأخذ النصف ، والباقي من الثلثين للأخت أو الأخوات لأب وهو السدس تكملة الثلثين. وإذ استغرقت الشقيقات الثلثين سقط الأخوات للأب كما تقدم في البنات وبنات الابن. وإن كان الإخوة رجالا ونساءً فللذكر مثل حظ الأنثيين.\rفإن قيل : فهل يستفاد حكم ميراث القاتل ، والرقيق ، والمخالف في الدين ، والمبعض ، والخنثى ، والجد مع الإخوة لغير أم ، والعول ، والرد ، وذوي الأرحام ، وبقية العصبة ، والأخوات لغير أم مع البنات أو بنات الابن من القرآن أم لا ؟\rقيل : نعم ، فيه تنبيهات وإشارات دقيقة يعسر فهمها على غير المتأمل تدل على جميع المذكورات. فأما (القاتل والمخالف في الدين) فيعرف أنهما غير وارثين من بيان الحكمة الإلهية في توزيع المال على الورثة بحسب قربهم ونفعهم الديني والدنيوي.","part":20,"page":416},{"id":8854,"text":"وقد أشار تعالى إلى هذه الحكمة بقوله : { لا تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعًا } وقد عُلم أن القاتل قد سعى لمورثه بأعظم الضرر ، فلا ينتهض ما فيه من موجب الإرث أن يقاوم ضرر القتل الذي هو ضد النفع الذي [ ص 169 ] رتب عليه الإرث. فعُلم من ذلك أن القتل أكبر مانع يمنع الميراث ، ويقطع الرحم الذي قال الله فيه : { وَأُولُو الأرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ } مع أنه قد استقرت القاعدة الشرعية أن \"من استعجل شيئا قبل أوانه عوقب بحرمانه\"\rوبهذا ونحوه يعرف أن المخالف لدين الموروث لا إرث له ، وذلك أنه قد تعارض الموجب الذي هو اتصال النسب الموجب للإرث ، والمانعُ الذي هو المخالفة في الدين الموجبة للمباينة من كل وجه ، فقوي المانع ومنع موجب الإرث الذي هو النسب ، فلم يعمل الموجب لقيام المانع. يوضح ذلك أن الله تعالى قد جعل حقوق المسلمين أولى من حقوق الأقارب الكفار الدنيوية ، فإذا مات المسلم انتقل ماله إلى من هو أولى وأحق به. فيكون قوله تعالى : { وَأُولُو الأرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ } إذا اتفقت أديانهم ، وأما مع تباينهم فالأخوة الدينية مقدمة على الأخوة النسبية المجردة.\rقال ابن القيم في \"جلاء الأفهام\" : وتأمل هذا المعنى في آية المواريث ، وتعليقه سبحانه التوارث فيها بلفظ الزوجة دون المرأة ، كما في قوله تعالى : { وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَاجُكُمْ } إيذانا بأن هذا التوارث إنما وقع بالزوجية المقتضية للتشاكل والتناسب ، والمؤمن والكافر لا تشاكل بينهما ولا تناسب ، فلا يقع بينهما التوارث. وأسرار مفردات القرآن ومركباته فوق عقول العالمين [انتهى].","part":20,"page":417},{"id":8855,"text":"وأما ( الرقيق ) فإنه لا يرث ولا يورث ، أما كونه لا يورث فواضح ، لأنه ليس له مال يورث عنه ، بل كل ما معه فهو لسيده. وأما كونه لا يرث فلأنه لا يملك ، فإنه لو ملك لكان لسيده ، وهو أجنبي من الميت فيكون مثل قوله تعالى : { لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأنْثَيَيْن } { وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَاجُكُمْ } { فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا السُّدُسُ } ونحوها لمن يتأتى منه التملك ، وأما الرقيق فلا يتأتى منه ذلك ، فعلم أنه لا ميراث له. وأما مَنْ بعضه حر وبعضه رقيق فإنه تتبعض أحكامه. فما فيه من الحرية يستحق بها ما رتبه الله في المواريث ، لكون ما فيه من الحرية قابلا للتملك ، وما فيه من الرق فليس بقابل لذلك ، فإذا يكون المبعض ، يرث ويورث ، ويحجب بقدر ما فيه من الحرية. وإذا كان العبد يكون محمودا مذموما ، مثابا ومعاقبا ، بقدر ما فيه من موجبات ذلك ، فهذا كذلك. وأما ( الخنثى ) فلا يخلو إما أن يكون واضحا ذكوريته أو أنوثيته ، أو مشكلا. فإن كان واضحا فالأمر فيه واضح.\rإن كان ذكرا فله حكم الذكور ، ويشمله النص الوارد فيهم.\rوإن كان أنثى فله حكم الإناث ، ويشملها النص الوارد فيهن.\rوإن كان مشكلا فإن كان الذكر والأنثى لا يختلف إرثهما -كالإخوة للأم- فالأمر فيه واضح ، وإن كان يختلف إرثه بتقدير ذكوريته وبتقدير أنوثيته ، ولم يبق لنا طريق إلى العلم بذلك ، لم نعطه أكثر التقديرين ، لاحتمال ظلم من معه من الورثة ، ولم نعطه الأقل ، لاحتمال ظلمنا له. فوجب التوسط بين الأمرين ، وسلوكُ أعدل الطريقين ، قال تعالى : { اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى } وليس لنا طريق إلى العدل في مثل هذا أكثر من هذا الطريق المذكور. و{ لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلا وُسْعَهَا } { فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ }","part":20,"page":418},{"id":8856,"text":"وأما ( ميراث الجد ) مع الإخوة الأشقاء أو لأب ، وهل يرثون معه أم لا ؟ فقد دل كتاب الله على قول أبي بكر الصديق رضي الله عنه ، وأن الجد يحجب الإخوة أشقاء أو لأب أو لأم ، كما يحجبهم الأب.\rوبيان ذلك : أن الجد أب في غير موضع من القرآن كقوله تعالى : { إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ إِذْ قَالَ لِبَنِيهِ مَا تَعْبُدُونَ مِنْ بَعْدِي قَالُوا نَعْبُدُ إِلَهَكَ وَإِلَهَ آبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ } الآية. وقال يوسف عليه السلام : { وَاتَّبَعْتُ مِلَّةَ آبَائِي إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ }\rفسمى الله الجد وجد الأب أبا ، فدل ذلك على أن الجد بمنزلة الأب ، يرث ما يرثه الأب ، ويحجب من يحجبه.\rوإذا كان العلماء قد أجمعوا على أن الجد حكمه حكم الأب عند عدمه في ميراثه مع الأولاد وغيرهم من بني الإخوة والأعمام وبنيهم ، وسائر أحكام المواريث ، فينبغي أيضا أن يكون حكمُه حكمَه في حجب الإخوة لغير أم.\rوإذا كان ابن الابن بمنزلة ابن الصلب فلم لا يكون الجد بمنزلة الأب ؟ وإذا كان جد الأب مع ابن الأخ قد اتفق العلماء على أنه يحجبه. فلم لا يحجب جد الميت أخاه ؟ فليس مع مَنْ يورِّث الإخوةَ مع الجد ، نص ولا إشارة ولا تنبيه ولا قياس صحيح.\rوأما مسائل (العول) فإنه يستفاد حكمها من القرآن ، وذلك أن الله تعالى قد فرض وقدر لأهل المواريث أنصباء ، [ ص 170 ] وهم بين حالتين :\rإما أن يحجب بعضهم بعضًا أو لا. فإن حجب بعضهم بعضا ، فالمحجوب ساقط لا يزاحِم ولا يستحق شيئا ، وإن لم يحجب بعضهم بعضا فلا يخلو ، إما أن لا تستغرق الفروض التركة ، أو تستغرقها من غير زيادة ولا نقص ، أو تزيد الفروض على التركة ، ففي الحالتين الأوليين كل يأخذ فرضه كاملا. وفي الحالة الأخيرة وهي ما إذا زادت الفروض على التركة فلا يخلو من حالين :","part":20,"page":419},{"id":8857,"text":"إما أن ننقص بعضَ الورثة عن فرضه الذي فرضه الله له ، ونكمل للباقين منهم فروضهم ، وهذا ترجيح بغير مرجح ، وليس نقصان أحدهم بأولى من الآخر ، فتعينت الحال الثانية ، وهي : أننا نعطي كل واحد منهم نصيبه بقدر الإمكان ، ونحاصص بينهم كديون الغرماء الزائدة على مال الغريم ، ولا طريق موصل إلى ذلك إلا بالعول ، فعلم من هذا أن العول في الفرائض قد بينه الله في كتابه.\rوبعكس هذه الطريقة بعينها يعلم ( الرد ) فإن أهل الفروض إذا لم تستغرق فروضُهم التركةَ وبقي شيء ليس له مستحق من عاصب قريب ولا بعيد ، فإن رده على أحدهم ترجيح بغير مرجح ، وإعطاؤه غيرَهم ممن ليس بقريب للميت جنف وميل ، ومعارضة لقوله : { وَأُولُو الأرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ } فتعين أن يُرَدَّ على أهل الفروض بقدر فروضهم.\rولما كان الزوجان ليسا من القرابة ، لم يستحقا زيادة على فرضهم المقدر [هذا عند من لا يورِّث الزوجين بالرد ، وهم جمهور القائلين بالرد ، فعلى هذا تكون علة الرد كونه صاحب فرض قريبا ، وعلى القول الآخر ، أن الزوجين كغيرهما من ذوي الفروض يُرَدُّ عليهما ؛ فكما ينقصان بالعول فإنهما يزادان بالرد كغيرهما ، فالعلة على هذا كونه وارثا صاحب فرض ، فهذا هو الظاهر من دلالة الكتاب والسنة ، والقياس الصحيح ، والله أعلم] .\rوبهذا يعلم أيضا ( ميراث ذوي الأرحام ) فإن الميت إذا لم يخلف صاحب فرض ولا عاصبا ، وبقي الأمر دائرا بين كون ماله يكون لبيت المال لمنافع الأجانب ، وبين كون ماله يرجع إلى أقاربه المدلين بالورثة المجمع عليهم ، ويدل على ذلك قوله تعالى : { وَأُولُو الأرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ } فصرفه لغيرهم ترك لمن هو أولى من غيره ، فتعين توريث ذوي الأرحام.","part":20,"page":420},{"id":8858,"text":"وإذا تعين توريثهم ، فقد علم أنه ليس لهم نصيب مقدر بأعيانهم في كتاب الله. وأن بينهم وبين الميت وسائط ، صاروا بسببها من الأقارب. فينزلون منزلة من أدلوا به من تلك الوسائط. والله أعلم.\rوأما ( ميراث بقية العصبة ) كالبنوة والأخوة وبنيهم ، والأعمام وبنيهم إلخ فإن النبي صلى الله عليه وسلم قال : \"ألحقوا الفرائض بأهلها فما بقي فلأولي رجل ذكر\"وقال تعالى : { وَلِكُلٍّ جَعَلْنَا مَوَالِيَ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالأقْرَبُونَ } فإذا ألحقنا الفروض بأهلها ولم يبق شيء ، لم يستحق العاصب شيئًا ، وإن بقي شيء أخذه أولي العصبة ، وبحسب جهاتهم ودرجاتهم.\rفإن جهات العصوبة خمس : البنوة ، ثم الأبوة ، ثم الأخوة وبنوهم ، ثم العمومة وبنوهم ، ثم الولاء ، فيقدم منهم الأقرب جهة. فإن كانوا في جهة واحدة فالأقرب منزلة ، فإن كانوا في منزلة واحدة فالأقوى ، وهو الشقيق ، فإن تساووا من كل وجه اشتركوا. والله أعلم.\rوأما كون الأخوات لغير أم مع البنات أو بنات الابن عصبات ، يأخذن ما فضل عن فروضهن ، فلأنه ليس في القرآن ما يدل على أن الأخوات يسقطن بالبنات.\rفإذا كان الأمر كذلك ، وبقي شيء بعد أخذ البنات فرضهن ، فإنه يعطى للأخوات ولا يعدل عنهن إلى عصبة أبعد منهن ، كابن الأخ والعم ، ومن هو أبعد منهم. والله أعلم. أ هـ {تفسير السعدى صـ 168 ـ 170}","part":20,"page":421},{"id":8859,"text":"بحث جليل وقيم فى آيات الوصية للإمام السهيلى\rقال عليه رحمة الله ما نصه :\rالحكمة في الوصية بالأولاد\rثم إني نظرت فيما بينه الله سبحانه في كتابه من حلال وحرام وحدود وأحكام فلم نجده افتتح شيئا من ذلك بما افتتح به آية الفرائض ولا ختم شيئا من ذلك بما ختمها به فإنه قال في أولها يوضيكم الله في أولادكم فآخبر تعالى عن نفسه أنه موص تنبيها على حكمته فيما أوصى به وعلى عدله ورحمته أما حكمته فإنه علم سبحانه ما تضمنه أمره من المصلحة لعباده وما كان في فعلهم قبل هذا الأمر من الفساد حيث كانوا يورثون الكبار ولا يورثون الصغار ويورثون الذكور ولا يورثون الإناث ويقولون أنورث أموالنا من لا يركب الفرس ولا يضرب بالسيف ويسوق الغنم فلو وكلهم الله إلى آرائهم وتركهم مع أهوائهم لمالت بهم الأهوء عند الموت مع بعض البنين دون بعض فأدى ذلك إلى التشاجر والتباغض والجور وقلة النصفة فانتزع الوصية منهم وردها على نفسه دونهم ليرضي بعلمه وحكمه ولذلك قال تعالى حين ختم الآية وصية من\rالله والله عليم حليم وقال قبل ذلك فريضة إن الله عن الله كان عليما حكيما\rوأما عدله فإنه سبحانه سوى بين الذكور لأنهم سواء في أحكام الديات والعقول ورجاء المنفعة وان صغر السن لايبطل حق الولادة ولا معنى النسب وان كلا منهم فلق الأكباد وشجا الحساد ولذلك قال تعالى يوصيكم الله في أولادكم ولم يقل بأولادكم لأنه أراد العدل فيهم والتحذير من الجور عليهم وجاء باللفظ عاما غير مقصور على الميراث أو غيره ولذلك قال النبي عليه السلام إني لا أشهد على جور وذلك أيضا قاله في هبة فضل بها بشير بن سعد بعض ولده على بعض لأنه رأى الله","part":20,"page":422},{"id":8860,"text":"تعالى قد أمر بالعدل فيهم أمرا غير مقصور على باب دون باب ولذلك رأى كثير من العلماء أن لا يفضل في الهبة والصدقة ابن على بنت إلا بما فضله الله به للذكر مثل حظ الأنثيين وهو قول أحمد ابن حنبل\rوكانوا يستحبون العدل في البنين حتى في القبلة ورأى رسول الله صلى الله عليه وسلم رجلا قاعدا فجاء طفل له فأقعده في حجره وجاءت بنت له صغيرة فأقعدها على الأرض فقال له عليه الصلاة والسلام أليست بولدك أو كما قال قال بلى قال فاعدل فيهما وهذا كله منتزع من قوله سبحانه يوصيكم الله في أولادكم\rوأما ما تضمنته وصيته من الرحمة إلى ما ذكرنا من العدل والحكمة فإنه جعل للبنات حظا في أموال آبائهن رحمة منه لضعفهن وترغيبا في نكاحهن لأن المرأة تنكح لمالها وجمالها ولدينها فعليك بذات الدين قال صلى الله عليه وسلم اتقوا الله في الضعيفين يعني المرأة واليتيم فكان من رأفته بهن أن قسم\rلهن مع الذكور وكان من عدله أن جعل للذكر مثل حظ الأنثيين لما يلزم الذكور من الإنفاق والصداق إذا بلغوا النكاح ولما أوجب عليهم من الجهاد للأعداء والذب عن النساء وجعل حظهم مثنى حظ الإناث كما جعل حظ الرجل مثل حظي الأنثى في الشهادات والديات لأنهن ناقصات عقل ودين للحيض المانع لهن في بعض الأوقات من الصيام والصلوات فجمع بين العدل والرحمة ونبه على العلم والحكمة\rوانتبه أيها التالي لكتاب الله المأمور بتدبره كيف قال يوصيكم الله في أولادكم بلفظ الأولاد دون لفظ الأبناء لما سنذكره من الفرق بينهما إن شاء الله","part":20,"page":423},{"id":8861,"text":"ثم أضاف الأولاد إليهم بقوله أولادكم ومعلوم أن الولد فلذة الكبد وذلك موجب للرحمة الشديدة فمع أنه أضاف الأولاد إليهم جعل الوصية لنفسه دونهم ليدل على أنه أرأف وأرحم بالأولاد من آبائهم ألا ترى أنه لا يحسن أن يقول العبد لأخيه أوصيك في أولادك لأن أبا الولد أرحم بهم فكيف يوصيه غيره بهم وإنما المعروف أن يقول أوصيك بولدي خيرا فلما قال الله تبارك وتعالى يوصيكم الله في أولادكم علم أن رب الأولاد أرحم بالأولاد من الوالدين لهم حيث أوصى بهم وفيهم ولذلك قال عليه الصلاة\rوالسلام في امرأة رآها قد ألقت نفسها على ابنها في بعض المغانم الله أرحم بعبده المؤمن من هذه بولدها وكذلك قال في الحمرة التى أخذ فراخها فألقت نفسها عليهم حتى أطبق عليها الكساء معهم فقال عليه الصلاة والسلام أتعجبون من رحمة هذه بفراخها فالله أرحم بعبده المؤمن منها وحسبك بقوله سبحانه وهو أرحم الراحمين فالأبوان من الراحمين فالله تعالى أرحم منهما فلذلك أوصى الاباء بأولادهم وإن كان المعروف ألا يوصى والد بولده وإنما يوصي الإنسان غيره بولد نفسه إذا غاب عنه وأما أن يوصى والد بولد نفسه فغير معروف في العادة لأن للولد أن يقول أنا أرحم بولدي منك فكيف توصيني بهم فسبحان من هو أرحم الراحمين وأعدل الحاكمين\rفصل\rفي أسرار قوله يوصيكم الله\rوقال سبحانه يوصيكم بلفظ الفعل الدائم لا بلفظ الماضي كما قال في غير آية نحو قوله تعالى أنزلناها وفرضناها ونحو قوله فرض عليك القرآن ونحو قوله ذلكم وصاكم به ونحو قوله كتب عليكم الصيام وكتب عليكم القتال ولم يقل ههنا كذلك وإنما قال يوصيكم والحكمة في ذلك والله أعلم أن الآية ناسخة للوصية المكتوبة عليهم في قوله كتب عليكم إذا حضز أحدكم الموت الآية فلما نسخ الوصية الماضية واستأنف حكما","part":20,"page":424},{"id":8862,"text":"آخر جاء بلفظ الفعل المستأنف تنبيها على نسخ ما مضى والشروع في حكم آخر فقال يوصيكم الله\rوجاء بالاسم الظاهر ولم يقل أوصيكم ولا نوصيكم كما قال نتلو عليك ونقص عليك لأنه أراد تعظيم هذه الوصية والترهيب من إضاعتها كما قال يعظكم الله ويحذركم الله نفسه فمتى أراد تعظيم الأمر جاء بهذا الاسم ظاهرا لأنه أهيب أسمائه وأحقها بالتعظيم والله أعلم\rفصل في سر اختيار لفظ الولد دون الابن\rوقال في أولادكم ولم يقل في أبنائكم لأن لفظ الولادة هو الذي يليق بمسألة الميراث ففي تخصيص هذا اللفظ فقه وتنبيه أما الفقه فإن الأبناء من الرضاعة لا يرثون لأنهم ليسوا بأولاد وكذلك الابن المتبنى فقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم تبنى زيدا قبل النسخ للتبني فكان يقول أنا ابن محمد\rولا يقول أنا ولد محمد ولذلك قال سبحانه وحلائل أبنائكم الذين من أصلابكم لأن الولد لا يكون إلا من صلب أو بطن غير أن لفظ الأولاد يقع على الذكور والإناث حقيقة فلذلك عدل عنه إلى لفظ الأبناء في آية التحريم وأما في آية المواريث فجاء بلفظ الأولاد تنبيها على المعنى الذي يتعلق به حكم الميراث وهو التولد فالماء حياة البشر كما أن الماء حياة الشجر ولذلك عبر في الرؤيا بالماء عن المال وهو يسري من الأصل إلى الفرع المتولد منه أشد من سريان الماء من الفرع إلى الأصل ولذلك كان سبب الولد في الميراث أقوى من سبب الوالد لأن الولد فرع متولد فإليه يسري المال أقوى من سريانه إلى الأب وهذا المعنى بعينه مروي عن زيد بن ثابت حيت كلمه عمر رضي اله عنه في ميراث الجد مع الإخوة فضرب له المثل في الشجرة لها فرعان وفي الفرع الواحد غصنان فإن قطع أحد الغصنين سرت القوة والماء إلى الغصن الباقي","part":20,"page":425},{"id":8863,"text":"فصل في الموازنة بين الجد والأخ وفي دلالة الولد\rوإذا ثبت هذا فالجد إذا الأصل والأخ أقوى سببا لأنه يدلي\rبولادة الأب له وقد تقدم أن الولادة أقوى الأسباب فإن قال الجد وأنا أيضا ولدت الميت قيل له إنما ولدت والده وولده قد ولد الإخوة فصار سببهم قويا وإنما لم يحجبوا الجد بهذه القوة لأن الجد أصل وولد الولد ولد غير أن الولد أحق منه ما دام حيا\rوقد اختلف هل يقع على ولد الولد اسم الولد حقيقة أو مجازا والذي عندي أنه حقيقة ولكن الولد أقرب من ولد الولد وإن شاركه في الاسم لأن ولد الولد لم يكن ولدا للجد إلا بواسطة الوالد\rفإن قيل فإن تصدق بصدقة على ولده أكان يشاركهم فيها ولد الولد\rقلنا أما الصدقة فالغرض بها التمليك فلا يتناول ولد الولد إلا بتبيان من المتصدق مخصص عموم اللفظ بقرينة الغرض والمقصد بخلاف التحبيس فإن المقصد به التعقيب دون التمليك فتناول الولد وولد الولد ما تعاقبوا\rفصل في الموازنة بين البنوة والولادة\rفإذا فهمت هذا علمت أن لفظ البنوة أوسع من لفظ الولادة لأن المقصود بها الدعوة والنسب فإذا نسبت فقد تنسب إلى والد وغير والد ألا ترى إلى قوله تعالى وابن السبيل فنسب إلى السبيل وليس بوالده وكذلك قولهم ابن آوى وابن عرس وبنات أوبر للكمأة وبنات نعش في النجوم ولا يحسن في شيء من هذا لفظ الولد فمن هذا لم ير زيد رحمه الله حجة لمن قال من الصحابة إن الجد كالأب كما أن ابن الابن كالابن لقوله سبحانه يا بني آدم ويا بني إسرائيل ولقوله ملة أبيكم إبراهيم لأن هذا نسب وتعريف ولو ذكر الولادة لكان لهم فيها حجة ومتعلق لما قدمناه من المقصود بلفظ الولد ولفظ الابن وفرق ما بينهما والولد يقع على الذكر","part":20,"page":426},{"id":8864,"text":"والأنثى والواحد والجمع بخلاف الابن لأنه على وزن فعل كالقبض والنفض والخلف وهو قابل لصورة الفعل من المفعولات فالولد مولود قابل لصورة الفعل الذي هو الولادة كما أن النفض من الورق قد قبل صورة الفعل الذي هو النفض فوقع على الواحد والجميع من أجل ذلك\rغير أنه قال في الآية في أولادكم فجمع الولد لإضافته إلى ضمير الجمع ولو كان مضافا إلى ضمير الواحد لجاء بلفظ الإفراد وإن عنى الجمع لقوله عليه السلام أنا سيد ولد آدم ولا فخر ولم يقل أولاد آدم فافهمه\rومن الفوائد لفظ الولد دلالته على أن الجنين والسقط المستهل يرث لأنه ولد قد تولد وقلما يقال في مثله ابن فلان حتى يكبر فينسب إلى الأب لأن لفظ البنوة كما قدمنا موضوع للنسب بخلاف لفظ الولد ألا ترى أنهم يقولون في الأنساب ابن فلان بن فلان بن فلان\rفصل في استنباط حكم العبد والكافر من الآية\rوقوله في أولادكم للذكر تضمن أن لا يرث الولد العبد الأب الحر\rلقوله في أولادكم بإضافة التعريف ولم يقل يوصيكم الله فيما ولدتم وعرف الأولاد بالإضافة إلى والديهم والعبد لا يعرف بالإضافة إلى والده إنما يقال فيه عبد فلان ومملوك فلان فيعرف بالإضافة إلى سيده ويقال في ولد الحر ولد فلان وابن فلان فدل ذلك على انقطاع الميراث بينهما\rوتضمن هذا الفقه أيضا قوله للذكر بلام التمليك لأن لام الإضافة ههنا إنما هي لإضافة الملك والعبد لا يملك ملكا مطلقا لأن السيد له أن ينتزع ماله منه وأكثر العلماء يقولون لا يملك بحال من الأحوال فعلى كلا الوجهين لا يصح أن يدخل العبد في عموم هذا اللفظ أعني قوله للذكر ولا في قوله ولأبويه لكل واحد منهما السدس\rوإذا منع الرق من الميراث فأحرى أن يمنع الكفر لأن الرق أثر الكفر والسباء الذي أوجبه الكفر فخرج من هذا أن لا يرث الكافر المسلم\rفصل في استنباط حكم الذكر مطلقا","part":20,"page":427},{"id":8865,"text":"وقوله للذكر بالألف واللام التي للجنس مع اللفظ المشتق من الذكورة\rيدل على العموم وعلى تعليق الحكم بالصفحة التي من الذكورة فلو قال للذكر منهم مثل حظ الأنثيين لكان هذا الحكم مقصورا على الأولاد دون غيرهم فلما لم يقله دخل فيه الإخوة فكان للذكر منهم حظ الأنثيين إذا ورثوا وكذلك الأبوان للأم الثلث وللأب الثلثان إذا ورثا لعموم قوله للذكر مثل حظ الأنثيين\rفإن قيل قد تقدم ذكر الأولاد فمن هناك استغنى عن أن يقول منهم\rقلنا لو قال منهم لكان لفظا يخصص العموم تخصيصا أقوى من تخصيص ذلك المعنى لأن دليل اللفظ أقوى من دليل المعنى لأنه ليس من لفظ إلا وهو متضمن لمعنى فصار أقوى من معنى دون لفظ كما في صناعة النحو العامل اللفظي أقوى من المعنوي فافهم هذا في صناعة الأصول\rواعلم أن خصوص أول الكلام لا يمنع من عموم آخره إذا كانت صيغته صيغة العموم مثل ما في هذا الموضع وهو قوله للذكر مثل حظ الأنثيين\rفصل في نصيب البنتين\rوقوله مثل حظ الأنثيين بلام التعريف التي للجنس دل على أن الأنثيين\rقد استحقتا الثلثين إذ الأنثى الواحدة لها مع الذكر الثلث فإذا لم يكن ثم ذكر وكانت اثنتان فلهما الثلثان بهذا اللفظ القرآني فإذا ثبت هذا فمن ثم قال فإن كن نساء فوق اثنتين مبينا لحكم الثلاث وما هو أكثر منهن مستغنيا عن بيان حكم الاثنتين لأنه قد بينه بدلالة اللفظ كما تقدم\rوظن كثير من الناس أن توريث الثلثين للبنتين إنما هو بالقياس على الأختين وقال بعضهم إنما عرف ذلك بالنسبة الواردة وقال بعضهم إنما عرف من الفحوى لا من اللفظ لأن الواحدة إذا كان لها الثلث مع الذكر فأحرى أن يكون لها الثلث مع عدم الذكر\rوالذي عندي أن اللفظ مغن عن هذا وكاف شاف لما قدمناه والحمد لله\rفصل في مرجع الضمير في كن\rوقوله تعالى فإن كن نساء فوق اثنتين","part":20,"page":428},{"id":8866,"text":"قد يقال لم كنى بضمير الجمع المؤنث ولم يتقدم ما يعود عليه في اللفظ\rقلنا لو تقدم ذكر جمع مؤنث في اللفظ لاستغنى أن يقول نساء ولقال فإن كن فوق اثنتين كما قال في الأخوات فإن كانتا اثنتين لأنه قد تقدم ذكر أخت ولم يتقدم هنا إلا ذكر الأولاد فقال الطبري حاكيا عن الكوفيين بعود الضمير على المتروكات كأنه قال المتروكات واختار هذا القول وضعف قول من قال يعود على الولد لأن الولد يجمع المذكر والمؤنث والمذكر يغلب على المؤنث في الجمع\rوالذي اختاره عندي غير صحيح لأنه فيه عود الضمير على ما ليس في اللفظ وترك اللفظ الظاهر وإنما كان يلزم تغليب المؤنث على المذكر لو عاد الضمير على جملة الأولاد وإنما يعود على البعض وذلك البعض هم النساء والاسم المضمر هو الظاهر والمتكلم لا يريد سوى ذلك الاسم وعنه يخبر وحكمه يريد أن يبين فلذلك قال كن كما قال وإن كانت واحدة فجاء بضمير الواحدة التي يريد\rأن يبين حكمها وهي ولد كما أن النساء ولد وهذا بين\rوقد حكى سيبويه من كانت أمك بالنصب فأنث الاسم الأول لأنه هو الأخير في المعنى وأعجب من هذا قولهم إنه قام زيد وإذا أخبروا عن المؤنث قالوا إنها قامت هند فأنثوا ليشاكل أول الكلام آخره وإن لم يكن الاسم الأول هو اثاني\rفإن قلت إنما هو ضمير القصة\rقلنا وإن كان ضمير القصة فقد اختاروه على ضمير الأمر في هذا الموضع للمشاكلة قال الله سبحانه فإنها لا تعمى الأبصار ولم يقل إنه وقال إنها إن تك مثقال حبة من خردل ونحو من الأول قولهم بحسبك زيد فأدخلوا الباء على حسب وهم يريدون زيدا لأنه هو ويعضد هذا قول الشاعر\rأليس عجيبا بأن الفتى ... يصاب ببعض الذي في يديه\r","part":20,"page":429},{"id":8867,"text":"فأدخل الباء على اسم ليس وإنما موضعها الخبر لأنه هو وقول الراجز عن الكريم وأبيك يعتمل ... إن لم يجد يوما على من يتكل ... وكان حقه أن يقول من يتكل عليه فأدخل الحرف على الأول لأنه هو الثاني وكذلك جاء بضمير جماعة المؤنث عائدا على الأولاد لأنه لم يرد منهم إلا النساء والذي أضمر هو الذي أظهر ولا معنى لإنكار من أنكر\rفصل في متعلق الجار في قوله تعالى من بعد وصية\rوقوله فلهن ثلثا ما ترك يعني ما ترك المالك ولم يتقدم له ذكر ولكن لما كان الكلام في معرض البيان لقسم المواريث علم أن الضمير عائد إلى الموروث\rوقوله ترك أي خلف وليس الترك ههنا بفعل وقد يكون الترك فعلا يثاب\rعليه صاحبه أو يعاقب كترك الطاعة أو ترك المعصية لأنه لا جزاء إلا على فعل وأما ههنا فالترك عبارة عما خلف الميت أي يبقى بعد ارتحاله فعبر بالترك مجازا من مجاز التشبيه لشبه حاله بحال المسافر فإنه يترك ما يترك لأهله ويسير\rوإذا ثبت هذا فلا يجوز أن يتعلق حرف الحر من قوله في آخر الآية من بعد وصية ب ترك وإن كان يليه في الفظ ظاهرا ولذا تعلقه بالاستقرار المضمر في قوله فلهن ثلثا أي استقر لهن الثلثان من بعد وصية أي من بعد إخراج وصية\rويمتنع أيضا تعلق حرف الجر بترك لوجه آخر نذكره في آخر المسألة إن شاء الله\rفإن قيل ما فائدة هذا النحو في هذا الموضع وما فقهه تعلق بالترك أو لم يتعلق","part":20,"page":430},{"id":8868,"text":"قلنا فقه ذلك أن الكفن وجهازالميت ليس للورثة فيه حق لأن حقهم لم يجب لهم إلا بعد موته وبعد إخراج الوصية والدين ولم جعلنا حرف الجر متعلقا ب ترك لكان المعنى مجملا غير مبين ولكان ما ترك بعد ما أوصى يدخل فيه الكفن وغيره لأن الوصية إنما هي قبل الموت ولو وجب لهم ذلك بأثر الوصية ومن بعد تركه لما ترك أن يوصى فيه كان الكفن لهم ولو كان لهم لم يجبروا على تكفينه ولكانوا بما كفنوا مأجورين على إحسانهم بها وليس الأمر على ذلك بإجماع ويدل على ذلك أيضا قوله يوصي ولم يقل يوصيها وذلك لأن الوصية\rقول يقوله والوصية أيضا الشيء الذي وصى به وأن المعنى من بعد إخراج ما يوصي به لا من بعد تركه للإيصاء والوصية إذا تكون بمعنى المصدر وهو الإيصاء وتكون المال الموصى فيه تقول قبضت وصية وحمدت وصية أي حمد إيصاؤه وفعله والدين كذلك يكون مصدرا من دنت أدين وذلك قوله تداينتم بدين ويكون المال المأخوذ بالدين تقول قد قضى دينه واللهم اقض عنا الدين وهو هنا الاسم لا المصدر كما أن الوصية كذلك\rفصل ثان في معلق من\rومما يمنع أن يتعلق الجار في قوله من بعد وصية بالترك ويوجب أن يتعلق بالفعل المضمر في قوله لهن أي وجب لهن\rواستقر لهن أن حرف من إذا دخل على الظرف دل على ابتداء غاية ولم يدل على انتهاء تقول نحن في هذا البلد من يوم كذا ومن عام كذا فالمقام إذا في البلد مستمر فإذا جئت بفعل منقض غير مستمر قلت كلمته عام كذا وقبل كذا وبعد كذا بغير من فيكون الظرف محيطا بالفعل من طرفيه فإن جئت ب من لم تزل إلا على الطرف الواحد وهو الابتداء والترك ليس بفعل مستمر ولا هو أيضا فعل فيؤرخ ببعد أو قبل فثبت أن الحرف متعلق بما قلنا","part":20,"page":431},{"id":8869,"text":"ومن شواهد ما قلنا في من وتعلقها قوله سبحانه خبرا عن أهل الجنة إنا كنا قبل في أهلنا مشفقين لما ذكر الفعل المنقضي وهو الإشفاق فلما ذكر الدعاء قال إنا كنا من قبل ندعوه بزيادة من لأن دعاءهم مستمر يقول سبحانه دعواهم فيها سبحانك اللهم وقال ولهم فيها ما يدعون فدعواهم وافتقارهم إلى الله مستمر في الآخرة وبدؤه من قبل\rثم إن الترك لا يتصور إلا بعد خروج التارك عن داره ووطنه وما دام بين أهله لا يقال ترك لهم كذا فكذا الميت إذا خرج بأكفانه وما يحتاج إليه من جهازه وذلك كله من ماله وحرمته حيا كحرمته ميتا فيما يجب من ستر عورته ونحو ذلك فعند ذلك يقول الناس ما ترك وتقول الملائكة ما قدم\rفصل في فائدة الصفة في قوله وصية يوصي بها\rوقوله يوصي بها في موضع الصفة للوصية والصفة تقيد الموصوف وفائدة\rهذا التقييد أن يعلم أن للميت أن يوصي ولو قال من بعد وصية لتوهم أنها وصية غيره أو وصية الله المذكورة في أول الآية\rوقال يوصي بها ولم يقل من بعد وصيته ولا من بعد الوصية التي يوصي بها ليدل على أن الوصية ندب وليست بفرض قد وجب عليه لأنك تقول في الأعمال الواجبة التي قد عرف وجوبها يكون كذا من بعد صلاتنا أو من بعد الصلاة وفيما لم يعرف وجوبه افعل كذا أو كذا من بعد صلاة نصليها أو صوم تصومه أو صدقة تخرجها فيدل لفظ التنكير على عدم الوجوب ويدل لفظ التعريف على الفرض المعروف لاسيما وقد تقدم أن الوصية كانت مفروضة بقوله كتب عليكم إذا حضر أحدكم الموت الآية\rفصل في سر تقديم الوصية على الدين\rوقوله من بعد وصية يوصي بها أو دين وإخراج الدين لا شك قبل إخراج\rالوصية وبعد الكفن لأن الغرماء في حياته لم يكن لهم سبيل على كفنه وما يجهز به وبدئ به في العمل قبل الوصية لأن أداءه فرض والفرض مقدم على الندب\rفإن قيل لم بدأ الله بالوصية قبل ذكر الدين","part":20,"page":432},{"id":8870,"text":"قلنا في حكم البلاغة أن يقدم ما يجب الاعتناء بشرحه وبيانه وأداء الدين معلوم وأمره بين لأنه حق للغرماء ومنعهم منه ظلم ظاهر فبدأ بما يحتاج إلى بيانه وقد قال سيبويه إنه يقدم في كلامهم ما هم به أهم وببيانه أعني وإن كانا جميعا يهمانهم ويعنيانهم\rووجه آخر وهو أن الوصية طاعة وخير وبر يفعله الميت والدين إنما هو لمنفعة نفسه وهو مذموم في غالب أحواله وقد تعوذ رسول الله صلى الله عليه وسلم من الكفر والدين فبدأ بالأفضل وما يقدم في ترتيب الكلام فقد يكون لقبلية الفضل نحو قوله وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة ونحو قوله 6 من النبيين والصديقيين وقد يكون لقبلية الزمان نحو قوله نوحا وإبراهيم وقد يكون لقبلية الترتيب نحو تقديم اليهود على النصارى\rفي الذكر لأنهم كانوا مجاورين للمسلمين في الدار وقد يكون تقديمهم في اللفظ لقبلية الزمان لأن التوراة قبل الإنجيل وموسى قبل عيسى وقد يكون تقديم الصلاة قبل الزكاة من قبلية الرتبة لأنها حق البدن والزكاة حق المال والبدن في الرتبة قبل المال\rومن وجوه القبليات أيضا السبب والمسبب كالمرض والموت في حكم البلاغة كما روي أن أعرابيا سمع قارئا يقرأ والله حكيم عزيز والأعرابي لا يحفظ القرآن فقال الأعرابي ما أراها أنزلت كما تقول فقال القارئ والله عزيز حكيم فقال الأعرابي نعم عز فلما عز حكم\rفاجعل هذه القبليات أصلا في معرفة الحكمة والإعجاز في كتاب الله فإنه لا تقدم فيه صفة على أخرى ولا شيء على شيء إلا بقبلية من هذه القبليات فترتب الألفاظ في اللسان على حسب ترتيب المعاني في الجنان فتدبره والله المستعان","part":20,"page":433},{"id":8871,"text":"فصل في نصيب الذكر إذا انفرد\rوقوله وإن كانت واحدة فلها النصف فيه نص ودليل أما النص فثبوت النصف للبنت الواحدة مع عدم الأخ وأما الدليل فلأن الذكر إذا انفرد ورث المال كله لأنه قال للذكر مثل حظ الأنثيين وللأنثى\rالنصف إذا كانت وحدها فللذكر النصفان وهو الكل إذا كان وحده\rفصل في حكمة نصيب الأبوين مع الولد\rوقوله ولأبويه ذكرهما بلفظ الأبوة دون لفظ الولادة كما قال وبالوالدين إحسانا لأن هذه الآية معرضها ومقصودها غير ذلك ولفظ الوالدين أوفى وأجلب للرحمة وأشكل بالوضع الذي يراد به الرفق بهما لأن لفظ الولادة يشعر بحال المولود وبرحمتهما له إذا ذاك ألا تراه يقول في آية الوالدين وقل رب ارحمهما كما ربياني صغيرا ولفظ الأبوين أوقر وإن كان الآخر أرق ألا تراهم لا يقولون في الكنية إلا يا أبا فلان ولا يقولون يا والد فلان فكان لفظ الأبوين ها هنا أشكل بهذا المقام الذي هو إعلام بحظ هذين اللذين ينسب إليهما الميت والأبوة في مقابلة البنوة والوالد في مقابلة الولد مع أن لفظ الأبوة هنا فقها وهو سريان الميراث من الأب إلى أبيه إذا عدم الأب لأن لفظ الأبوة يتناوله وقد قرنت معه ههنا الأم\rبلفظ الأبوة ولا يقال لها أب ولا أبة إذا انفردت ولا يقال لها إلا والدة فلو ذكر بلفظ الولادة لسرى أيضا حق الميراث منها إلى والدها إذا عدمت هي كما سرى ذلك في الأب إلى الجد إذا عدم الأب وهذا دقيق فافهمه\rوقد تقدم اللفظ بين حالتي اللفظين وما يشاكله من مقامات الكلام كل واحد من الاسمين وتنزيل الألفاظ في مواطنها وهو معنى البلاغة وهي الفصاحة ومن هنا يعلم الإعجاز في كلام الله العزيز والحمد لله","part":20,"page":434},{"id":8872,"text":"وقوله لكل واحد منهما السدس مما ترك إن كان له ولد سوى الله بين الأبوين في هذه المسألة إذا كان للميت ولد ولم يفضلهما على الولد لأنه يقال للأب كما كنت تحب لابنك من الغنى والخير أكثر مما تحب لأبيك فكذلك حال ابنك مع ولده كحالك مع ولدك لأن الوالد أحب الناس غنى لابنه وأعزهم فقرا عليه كم قال الصديق لابنته عائشة رضي الله عنهما عند موته وكان أبوه حيا فقال لها ما من أحد أحب إلي غنى منك ولا أعز فقرا علي بعدي منك ولم يستثن أباه ولا غيره\rثم إن الولد يؤملون من النكاح والحياة وغيره بحداثة سنهم ما لا يؤمله الأبوان ثم قال الأب إن فريضتك لا تنقص بكثرة الورثة وان كان الولد عشرين وفريضة ولد ابنك الهالك قد تنقص بكثرة الأولاد حتى تكون أقل من العشر فيرضى الأبوان بقسم الله تعالى لهما ويريان العدل من الله بينا فيما قسم فإنه لم يحجب بالبنين فيعطي الأب نصفا ولا ثلثا ولا حجب بالأب فأعطاه عشرا ولا تسعا بل جعل له أوسط الفرائض وهو السدس ولا يزاد بقلة الولد ولا بنقص بكثرتهم والحمد لله\rفصل في حكمة التسوية بين الأبوين مع وجود الولد\rوسوى الله بين الأب والأم في هذا الموضع لأن الأب وإن كان يستوجب التفضيل بما كان ينفقه على الابن وبنصرته له وانتهاضه بالذب عنه صغيرا فالأم أيضا حملته كرها ووضعته كرها وكان بطنها له وعاء وثديها له سقاء وحجرها له قباء فتكافأت الحجتان من الأبوين فسوى الله بينهما فأعطاهما سدسا وذلك الثلث أبقى للبنتين الثلثين لما تقدم من الحكمة الموجبة لتفضيل الولد في الميراث على الأبوين\rفصل في بيان حالات الأم مع الأب","part":20,"page":435},{"id":8873,"text":"وللأم ثلاث حالات حالة تسوى فيها مع الأب وهي هذه وحالة يفضل الأب عليها فيكون له مثلا حظها وذلك مع عدم الولد لأنه حينئذ صاحب فرض وعاصب والمرأة لا تكون عاصبة فيزيد عليها حينئذ بالتعصيب فيكون لها الثلث وله الثلثان والحالة الثالثة تفضل فيها الأم على الأب وذلك ما دام حيا فإنه يؤمر بالبر بها والصلة لها بأكثر مما يلزمه الأب قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لمعاوية بن حيدة القشيري وقد قال له من أبر يا رسول الله قال أمك قال ثم من قال أمك ثم أباك ثم أدناك فأدناك ففضل الأم على الأب في البر\rوقيل لشهاب بن خراش ما جعلت لأبيك من دعائك قال الثلثين ولأمي الثلث قيل له أليس كما يقال للأم ثلثا البر قال بلى ولكن أبي كان صابح شرطة لأنه كان على شرطة ابن هبيرة\rوإنما استوجبت هذا ما دام الولد حيا من وجوه أحدها أنها أضعف والأضعف أحق بأن يرحم والثاني أنها أرق قلبا وأشد رحمة للابن والثالث أنها تحمل من مؤنة الحمل والنفاس والتربية ما لا يحمله الأب والرابع أن الأم تمت بسببين والأب بسبب واحد وهو الأبوة\rوشرح هذا أن آدم يمت علينا بالأبوة وحواء تمت علينا بالأمومة والأخوة لأنها خلقت من ضلع آدم فخرجت منه فصارت أم البشر وأختا لهم\rوالخامس أن الرحم التي هي شجنة من الرحمن اشتق لها من اسمه وقال من وصلها وصلته ومن قطعها قطعته هي في الأم حيث يتصور الولد قال الله سبحانه هو الذي يصوركم في الأرحام كيف يشاء ثم قال واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام\rفقرابة الأب تسمى رحما مجازا لأن الأب سبب وجود الابن في الرحم والشيء سمي بالشيء إذا كان سببا له\r","part":20,"page":436},{"id":8874,"text":"والرحم التي عاذت بالرحمن حين فرغ من الخلق وقالت هذا مقام العائذ بك من القطيعة كانت لها حينئذ حجنه كحجنة المغزل كما جاء في الحديث وكأنها إشارة إلى الحنو والعطف وذلك في معنى الرحمة ثم في تخصيص الله إياها بأن وضعها في الأم بعد أن اشتق لها اسما من الرحمة سر لطيف وحكمة بالغة وذلك أن الولد قبل أن يقع في الرحم نطفة جماد ولا يتصور رحمة للجمادات ونعني بالجماد ما لا روح له وإنما تقع الرحمة على من فيه الروح وأما النطفة والدم فلو وقع في الأرض وطئ بالرجل ما وجد في قلب أحد رحمة له فإذا صور ونفخ فيه الروح توجهت إليه الرحمة من الأبوين وغيرهما وذلك لا يكون إلا في بطن الأم فوضعت الرحم المشتقة من اسم الرحمن في الأم لهذه الحكمة دون الأب وقيل للقرابة من هذا الوجه ذوو رحم ولم يقل ذلك لقرابة الأب إلا مجازا كما تقدم وإن سمي الأعمام وبنو الأعمام ذوي رحم فجائز على المجاز وتسمية الشيء بما يؤل إليه ويكون سببا له والله المستعان\rفصل في ميراث الأم الثلث\rقوله فإن لم يكن له ولد وورثه أبواه فلأمه الثلث لم يجعل الله\rلها الثلث إلا بشرطين أحدهما عدم الولد والآخر إحاطة الأبوين بالميراث ولذلك دخلت الواو ليعطف الشرط الثاني على الأول ولو لم تدخل الواو لأحاط الأبوان بالميراث عند عدم الولد ولم يرث معهما أحد هذا مقتضى قوله وورثه أبواه وافهم هذه النكتة من ألفاظ القرآن فإنك ستجد فائدة ما إذا ذكرنا ميراث الكلالة إن شاء الله","part":20,"page":437},{"id":8875,"text":"وذلك أن لفظ ورث إذا وقع مطلقا اقتضى حوز الميراث عموما مثل أن تقول ورثت زيدا إذا ورثت ماله كله فإن كان معك وارث آخر لم يحسن أن تقول ورثته إنما تقول ورثت منه كذا تعني نصفا أو ثلثا لأن معنى ورثته ورثت ماله ثم حذف المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه ولما قام مقامه في الإعراب قام مقامه في العموم من قولك ورثت ماله لسر من العربية لطيف ليس هذا موضع ذكره قال الله سبحانه ونرثه\rما يقول وقال يرثني ويرث من آل يعقوب ألا تراه قال من آل يعقوب بزيادة حرف التبعيض وقال يرثني بغير حرف لإحاطة الولد بميراث الأب وقال وورث سليمان داود وقال وهو يرثها عن لم يكن له ولد أي يحيط بميراثها\rوإذا ثبت هذا فمعنى الكلام إذا إن لم يكن له ولد وأحاط الأبوان بميراثه فلأمه الثلث وسكت عن حظ الأب استغناء عن ذكره لأنه لا يبقى بعد الثلث إلا الثلثان ولا وارث إلا الأبوان وهذا بالغ في البيان\rوتذكر ههنا الفريضتان الغراوان وهما امرأة تركت زوجها\rوأبويها ورجل ترك امرأته وأبويه فللأم ههنا الثلث ما بقي وذلك السدس من رأس المال مع الزوج والربع من رأس المال مع الزوجة\rوقد أبى من ذلك ابن عباس وقال لا أجعل لها إلا الثلث من رأس المال والزوج النصف ويبقى السدس للأب فأبى عليه زيد ابن ثابت وقال ليقسم هو كما رأى وأقسم أنا كما رأيت وهي إحدى المسائل الخمسة التي خالف فيها ابن عباس الصحابة\rوالعجب أن الله جعل لها الثلث كما جعل للزوج النصف وزيد ابن ثابت يقول بالعول خلافا لابن عباس ولم يجعلها عائلة ولا حط الأب فيكون خلافا لقوله للذكر مثل حظ الأثنيين فلا هو نقص الزوج مما جعل لها ولا هو سوى الأم معه فيعطيها من رأس المال كما أعطاه\rولكن قوله منتزع من كتاب الله انتزاعا تعضده الأصول وذلك أن الأم تقول لم حططتموني عن الثلث الذي جعل الله لي\r","part":20,"page":438},{"id":8876,"text":"فيقال لها ما أخرجت عن الثلث لأن ميراثك مع أحد الزوجين الثلث مما يبقى فلم تخرجي عن الثلث\rفتقول الأم هلا أعطيتموني الثلث من رأس المال فيكون للزوج نصف ما بقي أو هلا جعلتموها عائلة فيدخل النقص عليه وعلى الأب كما دخل علي\rفيقال لها إنما قال الله سبحانه فلأمه الثلث ولم يقل مما ترك\rكما قال في الزوجين وفي الأخت والأختين وفي الأبوين مع وجود الولد ولفظ ما صيغة من صيغ العموم فأعطى الزوج فرضه من كل ما ترك الميت ولم تكوني أنت كذلك إلا مع عدم الزوجين وعند إحاطة الأبوين بالميراث\rفتقول الأم أليس قوله سبحانه فلأمه الثلث معناه مما ترك الولد\rفيقال لها صيغة العموم لا تؤخذ من المعنى وإنما تؤخذ من اللفظ وقد تقدم أن الدليل اللفظي أقوى من المعنوي لأنه معقول ومسموع فله مزية على المعقول غير المسموع وهذا أصل متفق عليه عند حذاق الأصوليين\rوقد وفق الله زيد بن ثابت وفهمه عن الله وصدق رسول الله صلى الله عليه وسلم حيث قال وأفرضهم زيد بن ثابت\rفتأمل هذا الأصل فقل من يفطن له وإنما المسألة عند الناس تقليدية لا برهانية وقد أوضحناها برهانيا والحمد لله\rفهذا ما في المسألة من لفظ القرآن وأما ما فيها من الحكمة وبيان السر فإن الأب بعل الأم وقد قال عليه السلام لو أمرت أحدا بالسجود لأحد لأمرت المرأة أن تسجد لبعلها وهو قوام عليها قال الله عز وجل الرجال قوامون على النساء وقال وللرجال عليهن درجة فكيف\rيكون فوقها عقلا وشرعا ثم يكون تحتها في الميراث ولم يكن أيضا ليعال لها معه فيدخل عليه النقص في حظه وهو قيمها والمنفق عليها وإليها يؤول نفع حظه من الميراث\rفإن قيل قد عيل لها معه في مسألة الولد إذا اجتمع أبوان وبنتان وزوج\r","part":20,"page":439},{"id":8877,"text":"قلت إن الله تعالى قال هناك لكل واحد منهما السدس مما ترك ولم يقل هنا مما ترك وقد بينا هناك الحكمة التي أوجبت المساواة لها مع الأب\rفإن قيل فقد قال فإن كان له إخوة فلأمه السدس ولم يقل مما ترك وهي يعال لها مع الأختين والزوج\rقلنا قد قال مما ترك في سدسه مع الابن والأب والابن أحق بالميراث من الأخ فكيف يكون لها السدس من كل ما ترك مع الابن الذي هو أحق ولا يكون ذلك لها مع الأخ فلذلك استغنى الكلام عن أن يقول فيه مما ترك أعني عند ذكر الأخوة اكتفاء بما\rقاله عند ذكر الولد\rفإن قيل فإن الأخوة للأم لهم الثلث ولم يقل في مسألتهم مما ترك\rقالجواب أن قوله يورث كلالة يقتضي العموم في جميع المال لما قدمنا في معنى ورث وإذا كان كذلك لم يحتج إلى إعاده لفظ آخر للعموم فإن الأخ للأم من جملة الكلالة وقد قال يورث كلالة أي يحاط بجميع ماله فلإخوته لأمه الثلث ولا يحتاج إلى أن يقال مما ترك لتقدم العموم في قوله يورث وقد بينا شرح هذا فيما تقدم عند قوله وورث أبواه فافهمه وبالله التوفيق\rفصل في دلالة الإخوة في الآية\rقوله فإن كان له أخوة فلأمه السدس فلا تنقص الأم من السدس إلا أن تعول الفريضة ولا يقول ابن عباس بالعول وهي من مسائله الخمس ويقول إن الأخوة ههنا الثلاثة فما فوقهم وليس","part":20,"page":440},{"id":8878,"text":"يقع لفظ الأخوة على الأخوين يقينا وهذه أيضا من مسائه الخمس وحجته بينة في بادئ الرأي وذلك أن الله سبحانه جعل الثلث للأم مع عدم الولد فهذا نص ويقينو اليقين لا يرفعه علا يقين مثله فعن كان له أخ واحد فهي على ثلثها يقينا لأن الأخ ليس بإخوة فإن كان له أخوان فيحتمل دخولهما في معنى العخوة ويحتمل أن لا يدخلا وأما لفظ العخوة فواقع على الجميع يقينا ولم يتصور شك في نقلها إلى السدس بالثلاثة فما فوقهم وتصور الشك في لفظ الأخوين أهما إخوة أم لا والشك لا يرفع اليقين المتقدم في شيء من أبواب الفقه فهي إذا على ثلثها حتى يكون له إخوة ثلاثة أو أكثر\rوحجة الآخرين أن اليقين لا يرفعه شك كما ذكر وأن العموم لا يخصصه محتمل وأما الظاهر فيتخصص به العموم وتبنى عليه الأحكام يقينا كما تبنى على النصوص والمحتمل ليس كذلك ولفظ الأخوة ظاهر في الاثنين نص في الثلاثة مخصص به عموم قوله تعالى فلأمه الثلث لأنه لفظ عام في كل أم لا ولد لها وان كان ظاهر القول الخصوص من أجل قوله تعالى فلأمه ولكنه ضمير عائد على عام تقدم ذكره\rفإن قيل كيف جعلتم لفظ الأخوة ظاهرا في الاثنين وللاثنين صيغة كما للجمع صيغة\rقلنا ومعنى الجمع يشملهما لأن الاثنين جمع شيء إلى\rمثله كما أن الجمع جمع شيء إلى أكثر منه فمن ههنا نشأ الخلاف وهو هل الأخوة لفظ ظاهر في الاثنين أم محتمل\rوالألفاظ أربعة نص يقطع على معناه وظاهر يحتمل أمرين وهو في أحدهما ظاهر وتتعلق به الأحكام ومحتمل لمعنيين ليس بأحدهما بأولى منه بالآخر وهذا لا يتعلق به حكم لأنه كالمجمل والمجمل ما افتقر إلى البيان وهو أشد استغلاقا من المحتمل والله المستعان إنصاف وتحقيق\r","part":20,"page":441},{"id":8879,"text":"ظاهر لفظ الأخوة الاختصاص بالجمع دون التثنية ولا يحمل معنى التثنية على الجمع إلا بدليل وهو الظاهر هو ظاهر بعرف اللغة والظاهر بعرف اللغة تتعلق به الأحكام\rفللمفرد ظاهر أقوى منه وهو صيغة العموم فإذا قلت عندي دابة فلفظ اللغة تقتضي أنها من المركوب فإذا قلت ما فيها دابة اقتضت صيغة العموم نفي كل ما يدب من مركوب وغيره وفي التنزيل ما من دابة إلا هو آخذ بناصيتها وكأين من دابة فهذا عموم في كل ما يدب وقال في الواجب غير المتعين ومن الناس والدواب لعدم صيغة العموم\rوكذلك مسألة الأخوة فهي ظاهرة في الأخوة كما قال ابن عباس فلما ورد الشرط وهو من صيغ العموم اندرج تحتها كل اخوة والاثنان اخوة وإن لم يكن ظاهر لفظ الأخوة يتناولهما كما لم يكن لفظ الواحد يتناول كل ما يدب حتى ا درجه العموم تحت اللفظ الظاهر كذلك أدرج العموم في الآية تحت لفظ الإخوة ما قد يمكن أن يعبر عنه بإخوة وهما الاثنان فصار قوله تعالى إن كان له أخوة ظاهرا في التثنية والجمع وإن\rكان صيغة عموم الإخوة في العرف للجمع ظاهرا فالعموم ظاهر أيضا في تناول الكل فتأمله فعنه بديع\rوقوله من بعد وصية يوصى بها أو دين قد تقدم فهمه وبيانه وبأي شيء يتعلق الظرف والحمد لله\rفصل في سر اختيار لفظ الابن وجمعه جمعا مكسرا\rوقوله آباؤكم وأبناؤكم لا تدرون أيهم أقرب لكم نفعا فريضة من الله فيه إشارة إلى ما تقدم من قولهم لا نورث إلا من\rيركب الفرس ويضرب بالسيف فنبههم الله سبحانه على أنه أعلم منهم بالمصلحة وبوجه الحكمة وبالمنفعة الباطنة والظاهرة\rوقال وأبناؤكم ولم يقل وأولادكم كما قال في أول الآية لأنه لم يرد المعنى الذي يختص بالميراث ويوجبه وهي الولادة وإنما أراد معنى هو أعم من المعنى المتقدم فلذلك جاء بلفظ الأبناء الذي هو أعم من لفظ الأولاد","part":20,"page":442},{"id":8880,"text":"وقال وأبناؤكم ولم يقل بنوكم وقال بنو إسرائيل وبني آدم لأن لفظ الجمع المكسر وهو الأبناء أولى في الفصاحة إذا أضيف إلى جمع كما قلنا في أولادكم ولفظ الجمع المسلم لقربه من لفظ الواحد ومن معناه في القلة أولى إذا أضفت البنين إلى واحد هذا حكم البلاغة فتأمله في القرآن حيث وقع تجده كذلك ونحو منه ما ذكرناه في أولادكم وسيد ولد آدم\rوقال فريضة من الله إن الله كان عليما حكيما أي بعلمه وحكمته فرض هذا أو وصى به ولم يكلكم إلى علمكم ورأيكم لما علم في ذلك من الضرر لكم\rفصل في حجب الأب للإخوة\rذكر عبد بن حميد الكشي عن بعض التابعين أن الأب حجب الأخوة وأخذ سهامهم لأنه يتولى نكاحهم والإنفاق عليهم دون الأم وذكره الطبري أيضا وقال محتمل أن تكون الحكمة فيه هذا أو يحتمل أن يكون هذا تعبدا من الله تعالى استأثر بعلم السر فيه والمصلحة دون العبادة فصل\rسر تكرار من بعد وصية عقب ميراث الزوج والزوجة\rوقوله ولكم نصف ما ترك أزواجكم الآية كلام بين لا إشكال فيه غير أنه قال بعد الفراغ من ميراث الزوج من بعد وصية وقال مثل ذلك بعد الفراغ من ميراث الزوجة مرة أخرى ولم يقل مثل هذا فيما تقدم إلا مرة واحدة وقد ذكر ميراث الأولاد وميراث الأبوين وميراث الأم مع الأخوة\rوالحكمة في ذلك أن ذكره لما تقدم يدور على موروث واحد وإن تغايرت الورثة لأن الضمائر كلها تعود على واحد من قوله ولأبويه ولأمه\rو له إخوة ويوصي بها فالموروث في هذا كله واحد فلما فرغ من قصته قال من بعد وصية يوصي بها أو دين فالموروث في قصة الأزواج غير الموروث في قصة الزوجات وكذلك موروث الكلالة بعد هذا فتأمله والله المستعان فصل في حكمة التعبير بضمير الجمع في ولهن","part":20,"page":443},{"id":8881,"text":"وقوله في الزوجات ولهن الربع ولهن الثمن أيضا يقتضي أن الثمن مشترك بين الزوجات وعن كن أربعا كما اقتضى اشتراك إخوة الكلالة في الثلث في قوله فهم شركاء في الثلث لأنه لفظ جمع ولو ذكر الزوجة على انفرادها لكان الثمن لها ثم يكون للضرة الأخرى ثمن آخر هكذا إلى الأربع ولكنه جاء بلفظ الجمع فلأربع زوجات الثمن بينهن\rمسألة\rيقال لها ذات الفروج\rوهي امرأة وثت ميتا له سبعة عشر دينارا فجاءت لتأخذ فرضها فإذا ستة عشر امرأة سواها قد أخذن دينارا دينارا فلم يبق لها إلا واحد\rشرح ذلك أن الميت له ثمان أخوات شقائق لهن الثلثان وأربع أخوات لأم لهن الثلث وله جدتان لهما السدس بينهما وله ثلاث زوجات لهن الربع أصل الفريضة من اثني عشر عالت إلى سبعة عشر أخذن دينارا دينارا والحمد لله فصل في معنى الكلالة\rوقوله تعالى وإن كان رجل يورث كلالة أو امرأة الآية لفظ الكلالة من الإكليل المحيط بالرأس لأن الكلالة وراثة من لا أب له ولا ولد فتكللت العصبة أي أحاطت بالميت من كلا الطرفين وأصل هذه الكلمة مصدر مثل القرابة والصحابة ألا ترى أنها لما كانت في معنى القرابة جاءت على وزنها ثم سمى الورثة\rالذين هم أقرباء الميت دون الولد والأب كلالة بالمصدر كما تقول هم قرابة أي ذوو قرابة وهم صحابة أي ذوو صحابة وأما صحبة بغير ألف فجمع صاحب مثل الكتبة جمع كاتب فإذا عنيت المصدر قلت ورثوه عن كلالة كما تقول فعلت ذلك عن كراهة قال الشاعر ورثتم قناة المجد لا عن كلال ... عن ابن مناف عبد شمس وهاشم\rوإذا جعلت الكلالة عبارة عن الورثة فهو مجاز مستحسن في القياس والاستعمال قال الشاعر والمرء بجمع في الحيا ... ةوفي الكلالة ما يسيم\rأي الورثة الذين هم ذوو كلالة ما يسيم من المال أي يرعاه\rوقد روي أن جابرا قال للنبي عليه السلام كيف أصنع في مالي وليس يرثني إلا كلالة","part":20,"page":444},{"id":8882,"text":"فهذه حقيقة الكلالة ومجازها ولا يصح قول من قال الكلالة المال ولا قول من قال إنها الميت وإن كان قد قال القدماء من المفسرين الكلالة من لا والد له ولا ولد ولكن لا حجة في هذا لأن القوم أشاروا إلى المعنى دون تفسير اللفظ ففهم عنهم أن من مات ولا ولد له فهو الموروث بالكلالة لا سيما وهم إنما فسروا قوله تعالى وإن كان رجل يورث كلالة أو امرأة فقالوا هو من لا والد له ولا ولد يعنون الرجل الذي يورث كلالة والله أعلم فعلى هذا يكون إعراب الكلمة إما مفعولا ثانيا إن عنيت به الورثة والمفعول الأول مضمر في يورث كما تقول هو يلبس ثوبا ويطعم طعاما وإما حالا إن عنيت به المصدر فيكون التقدير يورث وراثة كلالة فلما حذف ذكر الورثة وصارت مضمرة معرفة عند المخاطب بما تقدم من اللفظ المشتق منها صارت صفتها حالا منها كما تقول سار به رويدا فرويدا حال من السير قاله سيبويه وضعفاء من النحويين يعربون مثل هذا نعتا لمصدر\rمحذوف والذي قدمناه هو الصواب وحسبك أنه مذهب صاحب الكتاب ووجه الحجة يطول\rفصل في المراد بالإخوة وتساويهم رجالا ونساء\rوإذا ثبت هذا فالأخوة في هذه الآية هم الأخوة لأم بلا خلاف وقد روي أن بعض الصحابة كان يقرؤها وهو أبي وله أخ أو أخت لأم إما أنه قالها على التفسير وإما أنها كانت قراءة فنسخت على عهد النبي صلى الله عليه وسلم وبقي حكمها كما قيل في قراءة عائشة وحفصة رضي الله عنهما والصلاة الوسطى وصلاة العصر\rوأما الكلالة المذكورة في آخر السورة وهي قوله إن امرؤ هلك ليس له ولد وله أخت فهي الشفيقة أو التي للأب إن عدمت الشقيقة بلا خلاف أيضا ففرض الله سبحانه للإخوة للأم الثلث وإن كثروا وللواحد منهم السدس\rوقوله تعالى فهم شركاء في الثلث يدل على تساوي الذكر والأنثى","part":20,"page":445},{"id":8883,"text":"في الحظ لأن لفظ الشركة إذا أطلق فإنما يتضمن التساوي حتى يقيد بنصيب مخصوص لو أن رجلا ابتاع سلعة فسأله رجل آخر أن يشركه فيها فقال له قد أشركتك فيها ثم قال بعد ذلك لم أرد نصفا وإنما أردت ثلثا أو ربعا لم ينفعه ذلك إلا أن يقيد لفظه في حين الشركة وإنما أخذ الفقهاء هذا من قوله تعالى فهم شركاء في الثلث أي للذكر مثل حظ الأنثى\rونكتة المسألة والله أعلم أن الأخوة للأم إنما ورثوا الميت بالرحم وحرمة الأم وأن الأم تحب لولدها ما تحب لنفسها ويشق عليها أن يحرموا من أخيهم وقد ارتكضوا معه في رحم واحدة فأعطوا الثلث ولم يزادوا عليه لأن الأم التي بها ورثوا لا تزاد عن الثلث وكأن هذه الفريضة من باب الصلة والبر والصدقة فمن ثم سوي الذكر مع الأنثى كما لو وصى بصدقة أو صلة لأهل بيت لشركوا فيها على السواء ذكورهم وإناثهم ألا ترى أن الثلث مشروع في الوصية التي يبتغي فيها ثواب الله العظيم قال النبي عليه السلام لسعد حين أراد أن يوصي بأكثر من الثلث الثلث والثلث كثير الحديث كأنه نظر عليه السلام إلى فرض الله\rتعالى للأخوة بسبب الرحم وحرمة الأم وأنه لم يزدهم على الثلث وإن كثروا فكيف يزاد من هو أبعد منهم في حكم الوصية بل الثلث في حقهم كثير والقرآن والسنة نوران من مشكاة واحدة فينظر بعضه إلى بعض ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا\rفصل في ميراث الإخوة مع الكلالة\rومن العجائب أن الكلالة في هذه الآية لا يرث فيها الأخوة مع البنت وهو لم يقل فيها ليس له ولد كما قال في الآية الأخرى ألا ترى إلى قوله فيها إن امرؤ هلك ليس له ولد ثم ورثت فيها الأخوات مع البنت والبنت ولد وهذه التي لم يذكر فيها الولد لا يرث الأخوة مع ولد أصلا لا ذكرا ولا أنثى ويتعين الاعتناء بهذا السؤال والكشف عنه","part":20,"page":446},{"id":8884,"text":"والجواب فيه من وجهين أحدهما أن الأخت الشقيقة والتي للأب ليس لها مع البنت فرض معلوم وإنما يرثن بالتعصب فيكون معنى قوله فلها نصف ما ترك فلأخته النصف فريضة إذا لم يكن ولد ذكر ولا أنثى فإن كانت بنتا فليس للأخت فريضة وإنما لها ما بقي والذي يبقى بعد البنت الواحدة نصف وبعد البنات ثلث وإن كان مع البنات من له فرض مسمى يحيط بالمال مع سهم البنات لم يكن للأخوة سهم فليس في توريث الأخوات مع البنت ما يعارض نص الآية على هذا\rوالجواب الثاني وهو التحقيق أن فرض الأخوة للأم إنما شرط فيه عدم البنت والابن جميعا لقوله وإن كان رجل يورث ولم يقل في الكلالة\rالثانية يورث هذا اللفظ وقد قدمنا عند قوله وورثه أبواه أنه يقتضي الإحاطة بجميع المال ما لم يقيد بجزء مخصوص فتأمل الشواهد عليه هناك ثم تدبر قوله يورث كلالة تجد لفظا مغنيا عن أن يقول ليس له ولد كما قال في الكلالة الأخرى فمن هنا أجمعوا والله أعلم أنه لا ميراث لهم مع بنت ولا بنت ابن لأنه لا يقال من ترك بنتا يورث كلالة لأن الكلالة لم ترث إلا نصف المال ولا يقال ورثته إلا أن ترث المال كله في جيد الكلام وفصيحه ألا تراه يقول وهو يرثها إن لم يكن لها ولد أي يحيط بميراثها\rفصل في ألفاظ ابني الكلالة\rقوله أو امرأة وقال في الآية الأخرى إن امرؤ ولم يقل امرأة لأن لفظ المرء بتضمنها ويتضمن الكبير والصغير\rكما قال أيريد المرء أن يؤتى مناه\rوكما قال أوما المرء إلا كالشهاب وضوئه يحور رمادا بعدما هو ساطع وكما قال وما المرء ما دامت حشاشة نفسهأ\rفالمرء في هذا كله لا يراد به ذكر دون أنثى ولا كبير دون صغير لأنه اسم للجنس ألا ترى أن قوله سبحانه ولحم الخنزير قد تضمن الذكر والأنثى والصغير والكبير لغة وشرعا فكذلك هذا\rوأما آية الكلال فإنما احتيج إلى ذكر المرأة لأن لفظ الرجل لا يتضمنها","part":20,"page":447},{"id":8885,"text":"فإن قيل إن لفظ الرجل لا يتضمن الصغير وقد كان لفظ المرء أعم من لفظ الرجل فما الحكمة وما الفرق بين هذه الآية والآية الأخرى التي ورد فيها لفظ المرء\rقلنا وبالله التوفيق إن الرجل لا يقع علا على العاقل والمكلف ولم يقتصر في هذه الآية على بيان حكم الميراث فقط بل ذكر فيها حكم الوصية والدين والنهي عن المضارة بقوله غير مضار وهذه أحكام تختص بالكبير\rفوردت الآية بلفظ الرجل ودخل الصغير في حكمه الذي هو الفريضة من جهة المعنى لا من جهة اللفظ وليس كل حكم يؤخذ من اللفظ بل أكثرها تؤخذ من جهة المعاني والاستنباط من النصوص بالعلة الجامعة بين الحكمين والله المستعان مسألة\rمن باب التنبيه على إعجاز الآية وأسرار بلاغتها والحكم المتضمنة فيها وهي إضافة النصف إلى ما بعده في قوله نصف ما ترك أزواجكم وفي قوله فلها نصف ما ترك ولم يقل في السهام كذلك وإنما قال الربع مما تركتم والسدس مما ترك والثمن مما تركتم بحرف الجر لا بالإضافة ونريد أن نختم الباب بشرح هذه المسألة ليكون الكتاب كله كأنه تفسير الآية وشرح لمضمنها وتنبيه على إعجازها والله المستعان\rفصل في مصادر الفرائض من السنة\rقد أتينا على ما تتضمنه الآية من أصول الفرائض وقال السلف من العلماء قد أبقى القرآن موضعا للسنة وأبقت السنة موضعا للاجتهاد والرأي ثم إن القرآن قد أحال على السنة بقوله وما آتاكم الرسول فخذوه الآية\rوأحال الرسول عليه السلام بعد ما بين من أصول الفرائض ما بين على زيد بن ثابت بقوله في الحديث وأفرضهم زيد بن ثابت فصار قول زيد أصلا عول عليه الفقهاء واستقر العمل به ولذلك أضربنا عن كثير من أقوال الصحابة رضوان اله عليهم إذا لم يجر بها حكم عند فقهاء الأمصار","part":20,"page":448},{"id":8886,"text":"فمما بينه الرسول عليه السلام من أصول الفرائض إلى ما في كتاب الله قوله ألحقوا الفرائض بأهلها فما بقي فهو لأولى رجل ذكر رواه ابن عباس\rفوجب بهذا الحديث أن يحجب أهل الفرائض لمن سواهم من العصبة والأقارب وأن يحجب ا لأقرب من العصبة لمن دونه لقوله لأولى رجل وأن يحجب الشقيق من الإخوة للأخ من الأب وكذلك العم شقيق الأب لأخيه من الأب وكذلك ابن العم وابن الأخ على هذه الرتبة لحديث علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال إنكم لتقرءون من بعد وصية يوصي بها أو دين وإن رسول الله صلى الله عليه وسلم قضى بالدين قبل الوصية وأن أعيان بني الأم يتوارثون دون بني العلات الأخ للأب والأم يرث دون الأخ للأب\rإلا أن هذا الحديث يرويه الحارث الأعور وهو الحارث بن يزيد يكنى أبا زهير وقد رماه الشعبي بالكذب والحديث ضعيف من أصله ولكن هذا متلقى من العمل والنقل المتواتر عن\rزيد بن ثابت والصحابة لا من هذا الحديث لكن في الحديث قوة وزيادة بيان لما انعقد عليه إجماع العلماء الذين هم حجة على من سن عنهم وبالله التوقيف\rومن السنن الواردة في الفرائض أيضا حديث ابن مسعود أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قضى في بنت وابنة ابن أن للبنت النصف ولابنة الابن السدس تكملة الثلثين وهو صحيح\rومما جاء في الحديث أيضا من هذا الباب حديث طاوس عن عائشة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ورث الخال\rوقد اختلف في رفع هذا الحذيث وروى أيضا عن طريق المقدام بن معد يكرب ومعاد وغيره\rومن السنن حديث عمران بن حصين أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ورث للجد السدس الآخر طعمة خرجه الترمذي وأبو داود\r","part":20,"page":449},{"id":8887,"text":"وقد قيل إن أول جد ورث في الإسلام عمر بن الخطاب رضي الله عنه مات له ابن اسمه عاصم في خلافته وخلف ابنين ثم مات أحدهما بعده بيسير وهذا أيضا مما لا يصححه أهل العلم بالأثر ولا يعرفه أهل الأنساب والسير وعنما ا لمعروف عندهم أن عاصم بن عمر عاش بعد أبيه كثيرا ومات سنة سبعين فرثاه أخوه عبد الله بن عمر فقال فليت المنايا كن خلفن عاصما فعشنا جميعا أو ذهبن بنا معا\rوعاصم هذا هو الذي خاصمت فيه جدته لعمر بن الخطاب واسمها الشموس بنت أبي عامر خاصمته فيه إلى أبي بكر الصديق رضي الله عنه فقضى لها بالحضانة وذلك في خلافة أبي\rبكر وعاصم يومئذ ابن أربع سنين وقيل ابن ثمان ولا يعرف له ابن اسمه عاصم غيره\rوأما أول موروث في الإسلام فعدي بن نضلة بن عبد العزى بن حرثان بن عوف بن عبيد بن عويج بن عدي بن كعب بن لؤي ورثه النعمان وهو القائل لعل أمير المؤمنين يوءه تنادمنا بالجوسق المتقادم فعزله عمر من أجل هذا البيت\rوأما الجدة أم الأم فقد صح توريث رسول الله صلى الله عليه وسلم لها السدس فثبت لها ذلك بالنص وورث أبو بكر وعمر الجدة الأقوى وقالا أيكما خلت به فهو لها وإن اجتمعتما فهو بينكما فكان توريث الجدة أم الأب باجتهاد من الصديق رضي الله عنه مع موافقة الصحابة ولذلك يسقط حظ هذه الجدة إذا كانت أبعد من أم الأم فإن كانت أم الأم هي أبعد أو كانت أم الأب هي أقرب منها لم تحجبها لأن الجدة أم الأم ورثت بنص السنة الورادة\rعن رسول الله صلى الله عليه وسلم فكانت أصلا فلم تحجبها الأخرى بحال والله أعلم والبعدى هي أم أم الأب وأم أم الأم وأما أم أبي الأب فلا ترث في قول أكثرهم\rوهذه رواية خارجة بن زيد عن أبيه وروى أهل العراق عن زيد خلاف هذا وسيأتي ذكره إن شاء الله\r","part":20,"page":450},{"id":8888,"text":"وروي أيضا أن أول جدة ورثها النبي عليه السلام جدة وابنها حي وقال به طائفة من الصحابة هذا والتابعين وقد اختلف في صحة هذا الحديث وتأويله والله أعلم\rفصل في بيان معنى فلأولى رجل ذكر\rوأما الحديث الصحيح الذي قدمناه وهو قوله عليه السلام ألحقوا الفرائض بأهلها فما بقي فهو لأولى رجل ذكر فهو أصل في الفرائض وقسم المواريث وتوريث العصبة الأدنى فالأدنى إلا أنه حديث فيه إشكال وتلقاه الناس أو أكثرهم على وجه لا تصح إضافته إلى النبي عليه السلام لأنه عليه السلام قد أوتي جوامع الكلم واختصر له الكلام اختصارا وهو أخبر بهذا عن نفسه صلى الله عليه وسلم أعني قوله أوتيت جوامع الكلم واختصر لي الكلام اختصارا أخرجه الدارقطني\rوالذي تأوله عليه الناس أن قوله لأولى رجل ذكر أي أقرب الرجال من الميت وأقعدهم وأن قوله ذكر نعت لرجل\rوهذا التأويل لا يصح من ثلاثة أوجه\rأحدهما عدم الفائدة في وصف رجل بذكر إذ لا يتصور أن يكون رجل إلا وهو ذكر ويجل رسول الله صلى الله عليه وسلم\rعن أن يتكلم بما هو حشو من الكلام ليس فيه فائدة ولا تحته فقه ولا يتعلق به حكم\rالوجه الثاني أنه لو كان كما تأولوه لنقص فقه الحديث ولم يكن فيه بيان لحكم الطفل الرضيع الذي هو ليس برجل وقد علم أن الميراث يجب للأقعد وإن كان ابن ساعة ولا يقال في عرف اللغة رجل إلا للبالغ فما فائدة تخصيصه بالبيان دون الصغير\rوالوجه الثالث أن الحديث إنما ورد لبيان من يجب له الميراث من القرابة بعد أصحاب السهام فلو كان كما تأولوه لم يكن فيه بيان لقرابة الأم والتفرقة بينهم وبين قرابة الأب فبقي الحديث مجملا لا بفيد بيانا وإنما بعث عليه السلام ليبين للناس ما نزل إليهم\rوإذا ثبت هذا فلنذكر معنى الحديث ثم نعطف على موضع الإشكال منه وبيان الغلط فنبينه بعون الله فنقول","part":20,"page":451},{"id":8889,"text":"قوله أولى رجل ذكر يريد القريب الأقرب في النسب الذي قرابته من قبل رجل وصلب لا من قبل بطن ورحم فالأولى أولى الميت فهو مضاف إليه في المعنى دون اللفظ إضافة نسب وهو في اللفظ مضاف إلى السبب وهو الصلب وعبر عن الصلب بقوله أولى رجل لأن الصلب لا يكون ولدا ولا سيما حتى يكون رجلا\rوأفاد قوله أولى رجل يريد القريب الأقرب نفي الميراث عن الأولى الذي هو من قبيل الأم كالخال لأن الخال أولى الميت ولاية بطن لا ولاية صلب\rوأفاد بقوله ذكر نفي الميراث عن النساء وإن يكن من الأولين بالميت من قبل صلب لأنهن إناث فذكر نعت لأولى ولما كان مخفوضا في اللفظ حسب أنه نعت لرجل\rولو قلت من يرث هذا الميت بعد ذوي السهام لوجب أن يقال لك يرثه أولى رجل ذكر بالرفع لأنه نعت للفاعل\rولو قلت من يعطى المال لقيل لك أعطه أولى رجل ذكرا بالنصب لأنه نعت لأولى\rفمن هنا دخل الإشكال\rومن وجه آخر هو أن أولى على وزن أفعل وهذا إذا أريد به التفضيل كان بعض ما يضاف إليه فإذا قلت هو أحسن رجل فمعناه أحسن الرجال وكذلك إذا قلت أعلم إنسان فمعناه أعلم الناس فتوهم أن قوله أولى رجل أي أولى الرجال وليس الأمر كذلك وإنما هو أولى الميت بإضافة النسب وأولى صلب بإضافة السبب كما تقول أخوك أخو الرخاء لا أخو الشدة وهم أقربوك أقارب الطمع وإخوان الضرورة والناس يقولون هم إخواني ولكن إخوان الضحك وكذلك يقال هو مولاي مولى عتق فالأولى في الحديث كالمولى\rفإن قيل كيف يضاف إلى الواحد وليس بجزء منه\rقلت إذا كان معناه الأقرب في النسب جازت إضافته وإن لم\r","part":20,"page":452},{"id":8890,"text":"يكن جزءا منه قال عليه السلام أمك ثم أمك ثم أباك ثم أدناك فأدناك ولو أراد دنوا له لم يجز أن يقول أدناك كما لا تقول هو أفهمك ولا أعلمك وكذلك قول عمرو بن الأهتم عن الزبرقان هو مطاع أدنيه أي في قرابته وقول الشاعر وليس المال فاعلمه بمال وإن أنفقته إلا الذي أ تنال به العلاء وتصطفيه لأقرب أقربيك وللقصي\rفهذا جائز في الأدنى والأولى والأقرب إذا أردت به معنى النسب والقرابة قال الله تعالى من الذين استحق عليهم الأوليان ولولا الأب والأم لأضاف فقال أولياؤه وإنما جاز هذا لمراعاة المعنى إذ معنى أولاك وأدناك كمعنى قريبك وأخيك ونسيبك ثم إذا\rأردت أن تبين كيف هو نسيبك أو قريبك قلت قرابة صلب لا قرباة بطن وكذلك تقول هو أولاك وهو أولى المرأة المتوفاة أولى رجل وهذه المرأة هي الوليا وجمعها الولييات والولى فإن بينت النسب قلت هي وليا الميت وليا رجل أي ولاية صلب وإن شئت قلت هي أولاه كما تقول في الذكر هو أولاه ثم تبين السبب فتقول هي أولى رجل أي قرابتها من قبل رجل\rفلولا قوله عليه السلام لورثت المرأة بهذه الولاية ولولا قوله أولى رجل لورث الخال لأنه ذكر فتأمل هذا التفسير والشواهد عليه وما يقتضيه لفظ الرسول عليه السلام إذا تؤول بهذا المعنى من السمانة والبلاغة والإيجاز مع كثرة المعاني تجد غيره من التأويلات ساقطا لأنه يخرج لفظ الرسول عليه السلام عن البلاغة إلى الكلام الغث واللفظ المسترث وحاشى له من ذلك ولو لم يكن في هذا المختصر إلا هذه الفائدة لكانت تنماوى وحله فالحمد لله الذي وفق إليها وأعان عليها بعد قرع طويل لبابها ومجاذبة للمغدف من حجابها ومن أدمن قرع الباب يوشك أن يفتح له والحمد لله على ما فتح والحمد لله على ما شرح والحمد لله على ما منح حمدا كثيرا مباركا فيه","part":20,"page":453},{"id":8891,"text":"فصل فيما إذا عدم العصبة\rفهذا الحديث وما كان في معناه أصل في توريث العصبة من قبل الأب دون ذوي الأرحام وإنما استحقوا ذلك لأنهم ولاة دمة والذين يعقلون عنه ويغضبون له وبهم يكاثر الأعداء دون قرابة أمه لأن قرابة الأم دعوتهم إلى قوم آخرين وقول الله عز وجل وأولو الأرحام بعضهم أولى ببعض مخصوص بذوي السهام من القرابة خصصه الحديث المتقدم وقول النبي عليه السلام إن الله قد أعطى كل ذي حق حقه فلا وصية لوارث فإذا عدم العصبة فما بقي بعد ذوي السهام فللمسلمين لأنهم يعقلون إذا عدم بنو العم\rوقالت طائفة من أهل العلم ذوو الأرحام أولى من بيت مال المسلمين لأنهم يدلون إليه بالإسلام وبالرحم وغيرهم من المسلمين إنما يدلي بسبب واحد وهو الدين ويحتجون أيضا بحديث معاذ وحديث المقدام المتقدم وهو قوله عليه السلام الخال وارث من لا وارث له وقد قال بهذا القول جماعة من العلماء والله حسبنا ونعم الوكيل\rباب معرفة أصول الفرائض وأصحاب السهام\rباب\rمعرفة أصول الفرائض وأصحاب السهام\rأصحاب الفرائض\rالسهام ستة نصف وثلث وثلثان وسدس وربع وثمن\rوأصحاب السهام عشرة أب وأم وجد وجدة وأخت شقيقة وأخت لأب وأخت لأم وبنت وبنت ابن وزوج وزوجة\rومن أصحاب السهام من لا يرث أبدا إلا بالفرض ومنهم من يرث بالفرض تارة وبالتعصيب أخرى\rفالذي يرث بالفرض وبالتعصيب الأخوات إذا انفردن فهن من أهل السهام فإذا كان معهن إخوة ذكور فهن من العصبة وكذلك البنات وأما بنات الابن فهن مع البنت الواحدة أهل سهم وهو السدس تكملة الثلثين وهن مع البنتين لا شيء لهن إلا أن يكون معهن ذكر مثلهن في القعود أو أبعد منهن فهن معه عصبة للميت للذكر مثل حظ الأنثيين وإن كان أقرب للميت منهم حجبهن فلم يرثن شيئا","part":20,"page":454},{"id":8892,"text":"وممن يرث بالفرض والتعصيب أيضا الجد فإنه مع الأخوة عاصب ما لم يكثروا حتى ينقصوه من الثلث فإن كان ذلك فرض الثلث فريضة ويفرض له السدس مع البنين وإن كثر أصحاب السهام لم ينقصه من السدس وإن قلوا حتى يعدموا فالمال له بالفرض والتعصيب معا وكذلك الأب له السدس مع الولد وله ما بقي مع عدم الولد بالفرض والتعصيب معا\rوهذه مسألة اختلف في لفظها وفي التعبير عنها فلفظ ابن مسعود في امرأة تركت زوجها وأباها للزوج النصف وللأب السدس فريضة فما بقي فهو له يعني بالتعصيب ولفظ زيد بن ثابت للزوج النصف وما بقي للأب\rفظاهر الاختلاف أنه يؤول إلى معنى واحد وإنما هو اختلاف عبارة ومن العجب أن هذا الاختلاف اختلف فيه أهو اختلاف في معنى أو هو اختلاف في عبارة فهو اختلاف في اختلاف\rومثل قول ابن مسعود قول فقهائنا فإنهم يقولون للأب السدس فريضة وما بقي فله بالتعصيب ومثل قول زيد قول أبي إسحاق الإسفراييني وبعض الشافعية فإنهم يقولون للأب ما بقي\rويجعلونه عاصبا في الكل إذا لم يكن وارث غيره وغيرهم من الفقهاء يجعلونه إذا انفرد وارثا السدس بالفرض ولسائر المال بالتعصيب فكأن هذا اختلاف لفظ والمعنى واحد وكذلك قال بعض أئمتنا منهم أبو عمر رحمه الله\rوليس هو عندي إلا اختلاف بعيد معنى ويثير حكما وسنبين هذا الاختلاف وفائدته بعد الاحتجاج للقولين جميعا وتبيين أصل كل قول من الكتاب والسنة بعون الله تعالى\rأما قول من قال إن الأب برث الكل بالتعصيب وأنه لا فرض له إلا مع الولد فحجتهم دليل الخطاب ومفهومه وهو أصل عند الشافعية ولا يلتفت إليه الحنفي ولا الظاهري ومالك رحمه الله يقول به على تفصيل يطول ذكره وقد صرح بالقول به في موطئه في غير موضع\r","part":20,"page":455},{"id":8893,"text":"ودليل الخطاب الذي تعلقوا به في هذه المسألة قوله تعالى ولأبويه لكل واحد منهما السدس مما ترك إن كان له ولد فعلق حكم الفرض بوجود الولد وإذا تعلق الحكم بأخد الوصفين فهو منتف عند عدم الوصف فلا فرض له إذا عند عدم الولد وإنما هو عاصب\rالجواب عن هذا أنا إذا سلمنا لهم دليل الخطاب فلقائل أن يقول عنما يتعلق الحكم في القول بدليل الخطاب إذا كان أحد الوصفين منطوقا به والآخر مسكوتا عنه كقولك أعط زيدا إن كان ذا عيال فههنا نص ودليل أما النص فووب العطاء وأما الدليل فيقتضي النهي عن العطاء مع عدم العيال وعدم العيال مسكوت عنه ولكنه مفهوم الخطاب فأما ما كان منطوقا به فلا يكون مفهوم الخطاب كقولك أعط زيدا إن كان ذا عيال دينارا وإن لم يكن ذا عيال فأعطه نصف دينار فغير جائز دليل الخطاب ههنا وقد علق بكل وصف حكما وكذلك الآية لأنه قال لكل واحد منهما السدس مما ترك إن كان له ولد فهذا نص ثم عطف\rعلى المسكوت عنه بالبيان فقال فإن لم يكن له ولد وورثه أبواه فحكمه كذا وكذا فصار معنى الكلام إن كان له ولد فله السدس وإن لم يكن له ولد فليزد على السدس كما تزاد الأم سدسا آخر فيكون لها الثلث وإذا بطل التعليق بدليل الخطاب في الآية رجعنا على حديث ابن عباس الصحيح وهو قوله عليه السلام ألحقوا الفرائض بأهلها الحديث والأب من أصحاب الفرائض فتناوله عموم اللفظ والعموم أقوى من دليل الخطاب لأنه لفظي ولأنه مجمع عليه عند الفقهاء وآنما توقف فيه أهل الكلام لسبب ليس هذا موضع ذكره\rفإن قالوا ليس الأب من أهل الفرائض إلا مع وجود الولد فكيف يدخل في عموم قوله ألحقوا الفرائض بأهلها ونحن إنما كان كلامنا في الأب الذي ليس له ولد\rفالجواب أن الأب قد جعل من أهل الفرائض لقوله سبحانه ولأبويه لكل\r","part":20,"page":456},{"id":8894,"text":"واحد منهما السدس فلما جعل مع وجود الولد من أهل الفرائض لم يخرج عن عموم اللفظ في قوله ألحقوا الفرائض بأهلها\rفصل في فائدة هذا الخلاف\rوأما فائدة هذا الخلاف وفقهه فإنما يظهر في مسائل من الوصايا مثل أن توصي امرأة لها زوج وأب بثلث ما يبقى من مالها بعد أخذ ذوي الفروض سهامهم فإن قلنا إنه يرث بالتعصيب فليس ثم ذو فرض إلا الزوج فتكون الوصية واقعة على ثلث النصف وهو السدس من الكل فيصير معنى كلامها قد تصدقت بثلث نصف مالي وهو السدس لأن النصف هو الباقي بعد فرض الزوج فأصل الفريضة من اثنين على هذا فتنقسم من اثني عشر فيكون السدس للموصى إليه وهو اثنان ويبقى عشرة للزوج النصف وللأب ما بقي وذلك خمسة لأنه لا ميراث إلا بعد إخراج الوصية\rوعلى القول الثاني أنه يرث بالفرض والتعصيب معا أصل الفريضة من ستة وتنقسم من سبعة وعشرين لأن الباقي بعد السهام هو الثلث والذي أوصت به ثلث الثلث وهو التسع من الكل\rفتضرب ثلاثة في تسعة من أجل التسع فذلك سبعة وعشرون للموصى إليه ثلاثة ويبقى للورثة أربعة وعشرون للزوج النصف وللأب السدس وهو أربعة وما بقي فهو له بالتعصيب لأن الفعل في فريضة الستة إذا أوصى الميت بالتسع أن يضاف إلى عدد الفريضة الثمن وثمن الستة كسر وللستة نصف كما للثمانية نصف وهو الأربعة فتضرب أربعة في ستة بأربعة وعشرين ثمنها ثلاثة فتزيد ثلاثة على أربعة وعشرين فيكون العدد تسعة أجزاء بغير كسر فيأخذ الموصى إليه التسع ويكون للورثة ما بقي","part":20,"page":457},{"id":8895,"text":"فإن كان الهالك رجلا ترك امرأة وأبا فأصل الفريضة من أربعة إذا قلنا إن الأب يرث بالتعصيب وأنه لا سدس له فريضة فللزوجة ربع وللأب ما بقي فإن أوصى الزوج بثلث ما بقي فهو الربع من الكل فتضيف إلى الفريضة ثلثها ولا ثلث للأربعة فتضرب ثلاثة في أربعة بإثني عشر ثم تضيف إلى الاثني عشر ثلثها وذلك أربعة فينقسم المال من ستة عشر للموصى إليه الربع وللزوجة ربع ما بقي وهو ثلاثة وللأب بالتعصيب تسعة\rوإن قلنا إن للأب السدس فريضة فأصل الفريضة من اثني عشر للزوجة الربع وهي ثلاثة وللأب السدس وهو اثنان وما بقي سبعة يأخذها بالتعصيب والهالك قد أوصى بثلث ما يبقى بعد الفرائض وذلك ثلث السبعة ونسبته إلى المال ثلث نصف وثلث سدس النصف\rوتلخيصه سدس وسدس سدس بالإضافة إلى الكل فتضرب\rثلاثة في أصل الفريضة من أجل الثلث فذلك ستة وثلاثون سدسها ستة وسدس سدسها واحد فذلك سبعة للموصى إليه والباقي تسعة وعشرون وهي لا تنقسم إلي سدس وربع فتضرب ستة وثلاثون في ستة وذلك مائتان وستة عشر للموصى إليه منها اثنان وأربعون ويبقى عدد لا ربع له وله نصف فتضرب اثنين في مائتين وستة عشر فذلك أربعمائة واثنان وثلاثون وصار معنى الضرب إلى اثني عشر في ستة وثلاثين والاثنا عشر هي أصل الفريضة فحظ الموصى إليه سدس وسدس سدس وذلك أربعة وثمانون من أربعمائة واثنين وثلاثين والباقي ثلاثمائة وثمانية وأربعون للزوجة منها الربع وذلك سبعة وثمانون للأب السدس وذلك ثمانية وخمسون\rفصل فيمن يرث بالفرض والتعصيب\rوممن يرث بالفرض والتعصيب معا ابن العم إذا كان أخا لأم فإن له السدس بالفرض والباقي بالتعصيب فإن كان معه ابن عم ليس بأخ لأم فقد اختلف الصحابة في ذلك فمنهم من حجب ابن العم بالأخ","part":20,"page":458},{"id":8896,"text":"للأم وحجتهم أنه يدلي بسببين فحجب من يدلي بسبب واحد كما يحجب الأخ الشقيق الأخ الذي للأب وكذلك سائر العصبات ومنهم من جعل السدس للأخ للأم وقسم الباقي بينهما وعليه العمل عند مالك وهو مذهب زيد بن ثابت\rوكذلك اختلفوا في الأخوة للأم مع الإخوة للأب والأم إذا كان معهم زوج وأم وهي التي تسمى المشتركة واختلف فيها قول عمر وقول زيد بن ثابت وقد قيل إن كان صاحب تكلم فيها فقد اختلف عنه فيها إلا عليا فإنه لم يختلف عنه أنه لم يشركهم مع الإخوة للأم فللزوج النصف وللأم السدس وللإخوة للأم الثلث فريضة فلا يبقى للأشقاء شيء فمن العلماء من حجبهم لأنهم عصبة الميت وقد أحاطت الفرائض بالمال ولا شيء للعصبة إلا ما بقي بعد الفرائض وممن قال بهذا القول عمر بن الخطاب رضي الله عنه في إحدى الروايتين عنه وعلي بن أبي طالب رضي الله عنه وقال به من فقهاء الأمصار جماعة والذي عليه مذهبنا أن الإخوة الأشقاء يشتركون مع الإخوة للأم في الثلث لأنهم كلهم يدلون بالأم ويقول الأشقاء هب أبانا كان حمارا أليست أمنا واحدة ولذلك سميت الحمارية لأنها لما نزلت في زمن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال الإخوة\rهذا القول فسميت الفريضة بذلك\rوليس في النساء من يرث بالتعصيب على كل حال إلا مولاة النعمة وهي المعتقة\rولا يرث من النساء إلا سبع خمس بالنسب وواحدة بالصهر وهي الزوجة وواحدة بالولاء وهي المعتقة\rويرث من الرجال عشرة ثمانية بالنسب وواحد بالصهر وهو الزوج وواحد بالولاء وهو المعتق\rفصل في أصول الفرائض وفي الفرائض العائلة\rوأما أصول الفرائض فسبع فريضة من اثنين وفريضة من ثلاثة وفريضة من أربعة وفريضة من ستة وفريضة من ثمانية وفريضة من اثني عشر وفريضة من أربعة وعشرين","part":20,"page":459},{"id":8897,"text":"فهذه أصول الفرائض لا عول فيها ثم يدخل العول في فريضة الستة فتعول إلى سبعة وإلى ثمانية وإلى تسعة وإلى عشرة\rويدخل العول في فريضة الاثني عشر فتعول إلى ثلاثة عشر وإلى\rخمسة عشر وإلى سبعة عشر\rويدخل العول أيضا في فريضة الأربعة والعشرين فتعول إلى سبعة وعشرين\rفجميع الفرائض العائة ثماني فرائض والفرائض التي لا عول فيها أربع فأصول الفرائض على هذا خمسة عشر ما بين عائلة وغير عائلة لأن فريضة الاثنين والثلاثة والأربعة والثمانية لا يدخلها عول البتة\rومعنى العول الميل وأكثر المفسرين قالوا في قوله تعالى ذلك أدنى ألا تعولوا معناه ألا تميلوا فكل فريضة عائلة قد مال فيها بعض السهام على بعض ونقص من كل سهم قدر ما يقتضيه التعديل والتقسيط\rولم يكن مذهب ابن عباس رضي الله عنه في الفرائض إذا عجز المال عنها أن يأخذ بالعول فيها واحتج بأن الله تعالى قد سمى لهم ما سمى فلا سبيل إلى التنقص منه ولكنه كان يسقط منهم من يرث في حال دون حال كالأخت والجد والجدة ولا يسقط من يرث على كل حال كالزوج والبنت وانفرد بهذا القول وهي من إحدى المسائل الخمس التي انفرد بها رضي الله عنه. أ هـ {الفرائض / للسهيلى صـ 27 ـ 102}","part":20,"page":460},{"id":8898,"text":"قوله تعالى { تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (13)}\rمناسبة الآية لما قبلها\rقال البقاعى : \rولما كان فطم أنفسهم عن منع الأطفال والنساء شديداً عليهم لمرونهم عليه بمرور الدهور الطويلة على إطباقهم على فعله واستحسانهم له أتبعه سبحانه الترغيب والترهيب لئلا يغتر بوصف الحليم ، فقال معظماً للأمر بأداة البعد ومشيراً إلى جميع ما تقدم من أمر المواريث والنساء واليتامى وغيره : {تلك} أي هذه الحدود الجليلة النفع العظيمة الجدوى المذكورة من أول هذه السورة ، بل من أول القرآن {حدود الله} أي الملك الأعظم ، فمن راعاها - ولو لم يقصد طاعته ، بل رفعاً لنفسه عن دناءة الإخلاد إلى الفاني ومعرة الاستئثار على الضعيف المنبىء عن البخل وسفول الهمة - نال خيراً كبيراً ، فإنه يوشك أن يجره ذلك إلى أن يكون ممن يطيع الله {ومن يطع الله} الحائز لصفتي الجلال والإكرام {ورسوله} أي في جميع طاعاته هذه وغيرها ، بالإقبال عليها وترك ما سواها لأجله سبحانه ؛ قال الأصبهاني : \" من \" عام ووقوعه عقيب هذه التكاليف الخاصة لا يخصصه.\rولما تشوف السامع بكليته إلى الخبر التفت إليه تعظيماً للأمر - على قراءة نافع وابن عامر بالنون - فقال : {ندخله جنات} أي بساتين ، وقراءة الجماعة بالياء عظيمة أيضاً لبنائها على الاسم الأعظم وإن كانت هذه أشد تنشيطاً بلذة الالتفات {تجري من تحتها الأنهار} أي لأن أرضها معدن المياه ، ففي أي موضع أردت جرى نهر.\rفهي لا تزال يانعة غضة ، وجمع الفائزين بدخول الجنة في قوله : {خالدين فيها} تبشيراً بكثرة الواقف عند هذه الحدود ، ولأن منادمة الإخوان من أعلى نعيم الجنان.","part":20,"page":461},{"id":8899,"text":"ولما كان اختصاصهم بالإرث عن النساء والأطفال من الفوز عندهم ، بل لم يكن الفوز العظيم عندهم إلا الاحتواء على الأموال وبلوغ ما في البال منها من الآمال قال تعالى معظماً بأداة البعد : {وذلك} أي الأمر العالي المرتبة من الطاعة المندوب إليها {الفوز العظيم} أي لا غيره من الاحتواء على ما لم يأذن به الله ، وهذا أنسب شيء لتقديم الترغيب لتسمح نفوسهم بترك ما كانوا فيه مع ما فيه من التلطف بهذه الأمة والتبشير له صلى الله عليه وسلم بأنها مطيعة راشدة. أ هـ {نظم الدرر حـ 2 صـ 224 ـ 225}\rفصل\rقال الفخر :\rقوله : {تِلْكَ} إشارة إلى ماذا ؟ فيه قولان : الأول : إنه إشارة إلى أحوال المواريث.\rالقول الثاني : إنه إشارة إلى كل ما ذكره من أول السورة إلى ههنا من بيان أموال الأيتام وأحكام الأنكحة وأحوال المواريث وهو قول الأصم ،\rحجة القول الأول أن الضمير يعود إلى أقرب المذكورات ، وحجة القول الثاني أن عوده إلى الأقرب إذا لم يمنع من عوده إلى الأبعد مانع يوجب عوده إلى الكل.\rالبحث الثاني : أن المراد بحدود الله المقدرات التي ذكرها وبينها ، وحد الشيء طرفه الذي يمتاز به عن غيره ، ومنه حدود الدار ، والقول الدال على حقيقة الشيء يسمى حداً له ، لأن ذلك القول يمنع غيره من الدخول فيه ، وغيره هو كل ما سواه. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 9 صـ 184}\rوقال الآلوسى :\r{ تِلْكَ } أي الأحكام المذكورة في شؤون اليتامى والمواريث وغيرها ، واقتصر ابن عباس رضي الله تعالى عنهما على المواريث { حُدُودَ الله } أي شرائعه أو طاعته أو تفصيلاته أو شروطه ، وأطلقت عليها الحدود لشبهها بها من حيث إن المكلف لا يجوز له أن يتجاوزها إلى غيرها.","part":20,"page":462},{"id":8900,"text":"{ وَمَن يُطِعِ الله وَرَسُولَهُ } فيما أمر به من الأحكام أو فيما فرض من الفرائض ، والإظهار في مقام الإضمار لما مرت الإشارة إليه { يُدْخِلْهُ جنات } نصب على الظرفية عند الجمهور ، وعلى المفعولية عند الأخفش.\r{ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا } أي من تحت أشجارها وأبنيتها ، وقد مرّ الكلام في ذلك { الأنهار } أي ماؤها { خالدين فِيهَا } حال مقدرة من مفعول { يُدْخِلْهُ } لأن الخلود بعد الدخول فهو نظير قولك : مررت برجل معه صقر يصيد به غداً ، وصيغة الجمع لمراعاة معنى { مِنْ } كما أن إفراد الضمير لمراعاة لفظها { وَذَلِكَ } أي دخول الجنات على الوجه المذكور { الفوز } أي الفلاح والظفر بالخير { العظيم } في نفسه أو بالإضافة إلى حيازة التركة على ما قيل ؛ والجملة اعترض. أ هـ {روح المعانى حـ 4 صـ 233}\rفائدة\rقال النسفى :\r{ حُدُودُ الله } سماها حدوداً لأن الشرائع كالحدود المضروبة للمكلفين لا يجوز لهم أن يتجاوزها. أ هـ {تفسير النسفى حـ 1 صـ 210}\rفصل\rقال الفخر :\rقال بعضهم : قوله : {وَمَن يُطِعِ الله وَرَسُولَهُ} وقوله : {وَمَن يَعْصِ الله وَرَسُولَهُ} مختص بمن أطاع أو عصى في هذه التكاليف المذكورة في هذه السورة ، وقال المحققون : بل هو عام يدخل فيه هذا وغيره ، وذلك لأن اللفظ عام فوجب أن يتناول الكل.\rأقصى ما في الباب أن هذا العام إنما ذكر عقيب تكاليف خاصة ، إلا أن هذا القدر لا يقتضي تخصيص العموم ، ألا ترى أن الوالد قد يقبل على ولده ويوبخه في أمر مخصوص ، ثم يقول : احذر مخالفتي ومعصيتي ويكون مقصوده منعه من معصيته في جميع الأمور ، فكذا ههنا والله أعلم. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 9 صـ 184}\rفصل\rقال الفخر :\rقرأ نافع وابن عامر : ( ندخله جنات ) ( ندخله نارا ) بالنون في الحرفين ، والباقون بالياء.","part":20,"page":463},{"id":8901,"text":"أما الأول : فعلى طريقة الالتفات كما في قوله : {بَلِ الله مولاكم} [ آل عمران : 150 ] ثم قال : {سَنُلْقِى} [ آل عمران : 151 ] بالنون.\rوأما الثاني : فوجهه ظاهر. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 9 صـ 184}\rسؤال\rقال الفخر :\rههنا سؤال وهو أن قوله : {يُدْخِلْهُ جنات} إنما يليق بالواحد ثم قوله بعد ذلك {خالدين فِيهَا} إنما يليق بالجمع فكيف التوفيق بينهما ؟\rالجواب : أن كلمة ( من ) في قوله : {وَمَن يُطِعِ الله} مفرد في اللفظ جمع في المعنى فلهذا صح الوجهان. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 9 صـ 184}\rفائدة\rقال أبو حيان :\rقال الراغب : ووصف الفوز بالعظم اعتبار بفوز الدّنيا الموصوف بقوله : { قل متاع الدنيا قليل } والصغير والقليل في وصفهما متقاربان. أ هـ {البحر المحيط حـ 3 صـ 200}\rفوائد لغوية\rقال ابن عادل :\rقوله : { خَالِدِينَ } في نصبه وجهان :\rأظهرهما : أنَّهُ حال من الضمير المنصوب في { يُدْخِلْهُ } وَلاَ يَضُرُّ تَغَايُرُ الحال وصاحبها من حيث كانت جمعاً وصاحِبُها مفرداً ، لما تقدَّم من اعتبار الَّلفْظِ والمَعْنَى وهي مقدّرة ؛ لأنَّ الخلود بعد الدُّخول.\rوالثَّاني : أن يكون نَعْتاً لـ { جَنَّاتٍ } من باب ما جَرَى على موصوفه لَفْظاً ، وهو لغيره معنىً ، نحو : مررت برجُلٍ قائمةٍ أمُّه ، وبامرأة حَسَنٍ غُلامُها ، ف \" قائمة \" وحسن وإن كانا جَارِيينِ على ما قبلهما لَفْظاً فهما لِما بَعْدَهما معنىً ، وأجازَ ذلك في الآية الكريمة الزَّجَّاجُ وتبعه التبرِيزيُّ ، إلاَّ أنَّ الصِّفة إذا جَرَتْ على غير مَنْ هي له وجب إبرازُ الضَّمير مطلقاً على مذهب البصريين ألْبسَ أو لم يُلْبَسْ.","part":20,"page":464},{"id":8902,"text":"وَأمَّا الكوفيين فيفصِّلون ، فيقولون : إذا جرت الصِّفة على غير مَنْ هي له ، فإنْ ألْبسَ وَجَبَ إبرازُ الضمير ، كما هو مذهبُ البصريين ؛ نحو : \" زيدٌ عمرو ضاربُه هو \" ، إذا كان الضربُ واقعاً من زيد على عمرو ، فإن لم يُلْبسْ لم يَجِبِ الإبرازُ ، نحو : \" زيدٌ هندُ ضاربُها \" ، إذا تَقَرَّرَ هذا فَمذهَبُ الزَّجَّاجِ في الآية إنَّمَا يتمشَّى على رأي الكوفيين ، وهو مذهب حَسَنٌ.\rواستدلَّ مَنْ نَصَرَ مذهب الكوفيين بالسَّمَاعِ ، فمنه قراءة مَنْ قرأ { إلى طَعَامٍ غَيْرَ نَاظِرِينَ إِنَاهُ } [ الأحزاب : 53 ] بجر \" غير \" مع عدم بروز الضمير ، ولو أبْرَزَهُ لقال : غير ناظرين إناه أنتم.\rومنه قول الآخر : [ البسيط ]\rقَوْمِي ذُرَا المَجْدِ بَانُوهَا وَقَدْ عَلِمَتْ... بِكُنْهِ ذَلِكَ عَدْنَانٌ وقَحْطَانُ\rولم يقل : بَانُوهَا هُمْ.\rوقد خَرَّج بعضهمُ البيت على حذف مبتدأ ، تقديره : هم بتنوها ف \" قومي \" مبتدأ أوَّلٌ ، و\" ذُرا \" مبتدأ ثان ، و\" هُمْ مبتدأ ثالث ، و\" بانوها \" خبر الثَّالث والثَّالِثُ وخبره خبر الثَّاني والثاني وخبره خبر الأوَّل.\rوقد منع الزمخشريُّ كون \" خَالِدينَ \" و\" خَالِداً \" صفةٌ لـ \" جَنَّاتِ \" و\" ناراً \" ؟ قلت : لا لأنَّهما جَرَيَا على غير مَنْ هُمَا له ، فلا بُدَّ مِنَ الضَّميرِ في قولك : \" خالدين هم فيها \" ، و\" خالداً هو فيها \".\rومنع أبُو البَقَاءِ ذلك أيضاً بعدم إبراز الضمير لكن مع \" خالداً \" ولم يتعرض لذلك مع \" خالدين \" ولا فرق بَيْنَهُما ، ثم حكى جواز ذلك عن الكوفيين ، وهذا المنع على مذهب البصريين كما تقدَّمَ.\r","part":20,"page":465},{"id":8903,"text":"وقرأ نافعٌ وابنُ عَامِرٍ هنا \" نُدْخِلْهُ \" في الموضعين ، وفي سورة الفتح [ الآية 17 ] وفي سورة التغابن [ الآية 9 ] والطلاق [ الآية 11 ] بنون العظمة ، والباقون بالياء ، والضميرُ للَّه تعالى.\rقوله : { جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأنهار } هذه الجملةُ في محل نصبِ صفةٍ لـ \" جنات \" ، وقد تقدم مراراً أن المنصوب بعد \" دخل \" من الظروف هل نَصْبُهُ نصبُ الظُّروف ، أو نَصْبُ المفعول به ؟\rالأوَّل : قول الجمهور.\rوالثاني : قول الأخفش ، فكذلك { جَنَّاتٍ } ، و{ نَاراً }. أ هـ {تفسير ابن عادل حـ 6 صـ 232 ـ 234}. بتصرف يسير.\rمن لطائف الإمام القشيرى فى الآية\rقال عليه الرحمة :\r{ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (13)}\rحدوده : أوامره ونواهيه ، وما تعبَّد به عباده.\rوأصل العبودية حفظ الحدود ، وصون العهود ، ومَنْ حَفظَ حَدَّه لم يُصِبْهُ مكروه ولا آفة ، وأصلُ كلِّ بلاء مجاوزة الحدود. أ هـ {لطائف الإشارات حـ 1 صـ 319}","part":20,"page":466},{"id":8904,"text":"قوله تعالى { وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَارًا خَالِدًا فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُهِينٌ (14)}\rمناسبة الآية لما قبلها\rقال البقاعى :\rولما أشربت القلوب الصافية ذوات الهمم العالية حب نيل هذا الفوز أتبعه الترهيب فطماً لها عن تلك الفوائد بالكلية فقال : {ومن يعص الله} أي الذي له العظمة كلها {ورسوله} أي في ذلك وغيره {ويتعد حدوده} أي التي حدها في هذه الأحكام وغيرها ، وأفرد العاصي في النيران في قوله : {يدخله ناراً خالداً فيها} لأن الانفراد المقتضي للوحشة من العذاب والهوان ، ولما كان منعهم للنساء والأطفال من الإرث استهانة بهم ختم الآية بقوله : {وله عذاب مهين }. أ هـ {نظم الدرر حـ 2 صـ 225}\rقال القرطبى :\rوقوله : { وَمَن يَعْصِ الله وَرَسُولَهُ } يريد في قسمة المواريث فلم يقسِمها ولم يعمل بها { وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ } أي يخالف أمره { يُدْخِلْهُ نَاراً خَالِداً فِيهَا }.\rوالعصيان إن أُريد به الكفر فالخلود على بابه ، وإن أُريد به الكبائر وتجاوز أوامر الله تعالى فالخلود مستعار لمدّة ما.\rكما تقول : خلّد الله ملكه.\rوقال زهير :\rولا خالداً إلا الجبال الرواسيا . . .\rوقد تقدّم هذا المعنى في غير موضع. أ هـ {تفسير القرطبى حـ 5 صـ 82}.\rوقال أبو حيان :\r{ ومن يعص الله ورسوله ويتعدّ حدوده يدخله ناراً خالداً فيها وله عذاب مهين } لما ذكر ثواب مراعي الحدود ذكر عقاب من يتعداها ، وغلظ في قسم المعاصي ، ولم يكتف بالعصيان بل أكد ذلك بقوله : ويتعدّ حدوده ، وناسب الختم بالعذاب المهين ، لأن العاصي المتعدّي للحدود برز في صورة من اغتر وتجاسر على معصية الله.\rوقد تقل المبالاة بالشدائد ما لم ينضم إليها الهوان ، ولهذا قالوا : المنية ولا الدنية.\rقيل : وأفرد خالداً هنا ، وجمع في خالدين فيها ، لأنّ أهل الطاعة أهل الشفاعة ، وإذا شفع في غير دخلها ، والعاصي لا يدخل النار به غيره ، فبقي وحيداً انتهى. أ هـ {البحر المحيط حـ 3 صـ 200}","part":20,"page":467},{"id":8905,"text":"فصل\rقال الفخر :\rقالت المعتزلة : هذه الآية تدل على أن فساق أهل الصلاة يبقون مخلدين في النار.\rوذلك لأن قوله : {وَمَن يَعْصِ الله وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ} إما أن يكون مخصوصا بمن تعدى في الحدود التي سبق ذكرها وهي حدود المواريث ، أو يدخل فيها ذلك وغيره ، وعلى التقديرين يلزم دخول من تعدى في المواريث في هذا الوعيد ، وذلك عام فيمن تعدى وهو من أهل الصلاة أو ليس من أهل الصلاة ، فدلت هذه الآية على القطع بالوعيد ، وعلى أن الوعيد مخلد ، ولا يقال : هذا الوعيد مختص بمن تعدى حدود الله ، وذلك لا يتحقق إلا في حق الكافر.\rفإنه هو الذي تعدى جميع حدود الله ، فإنا نقول : هذا مدفوع من وجهين :\rالأول : إنا لو حملنا هذه الآية على تعدي جميع حدود الله خرجت الآية عن الفائدة لأن الله تعالى نهى عن اليهودية والنصرانية والمجوسية ، فتعدي جميع حدوده هو أن يترك جميع هذه النواهي ، وتركها إنما يكون بأن يأتي اليهودية والمجوسية والنصرانية معا وذلك محال ، فثبت أن تعدى جميع حدود الله محال فلو كان المراد من الآية ذلك لخرجت الآية عن كونها مفيدة ، فعلمنا أن المراد منه أي حد كان من حدود الله.\rالثاني : هو أن هذه الآية مذكورة عقيب آيات قسمة المواريث ، فيكون المراد من قوله : {وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ} تعدى حدود الله في الأمور المذكورة في هذه الآيات.\rوعلى هذا التقدير يسقط هذا السؤال.\rهذا منتهى تقرير المعتزلة وقد ذكرنا هذه المسألة على سبيل الاستقصاء في سورة البقرة.","part":20,"page":468},{"id":8906,"text":"ولا بأس بأن نعيد طرفا منها في هذا الموضع فنقول : أجمعنا على أن هذا الوعيد مختص بعدم التوبة لأن الدليل دل على أنه إذا حصلت التوبة لم يبق هذا الوعيد ، فكذا يجوز أن يكون مشروطا بعدم العفو ، فإن بتقدير قيام الدلالة على حصول العفو امتنع بقاء هذا الوعيد عند حصول العفو ، ونحن قد ذكرنا الدلائل الكثيرة على حصول العفو ، ثم نقول : هذا العموم مخصوص بالكافر ، ويدل عليه وجهان : الأول : إنا إذا قلنا لكم : ما الدليل على أن كلمة ( من ) في معرض الشرط تفيد العموم ؟ قلتم : الدليل عليه أنه يصح الاستثناء منه ، والاستثناء يخرج من الكلام ما لولاه لدخل فيه ، فنقول : إن صح هذا الدليل فهو يدل على أن قوله : {وَمَن يَعْصِ الله وَرَسُولَهُ} مختص بالكافر : لأن جميع المعاصي يصح استثناؤها من هذا اللفظ فيقال : ومن يعص الله ورسوله إلا في الكفر ، والا في الفسق ، وحكم الاستثناء إخراج ما لولاه لدخل ، فهذا يقتضي أن قوله : {وَمَن يَعْصِ الله} في جميع أنواع المعاصي والقبائح وذلك لا يتحقق إلا في حق الكافر ، وقوله : الإتيان بجميع المعاصي محال لأن الإتيان باليهودية والنصرانية معا محال ، فنقول : ظاهر اللفظ يقتضي العموم إلا إذا قام مخصص عقلي أو شرعي ، وعلى هذا التقدير يسقط سؤالهم ويقوي ما ذكرناه.\rالوجه الثاني : في بيان أن هذه الآية مختصة بالكافر : أن قوله : {وَمَن يَعْصِ الله وَرَسُولَهُ} يفيد كونه فاعلا للمعصية والذنب ، وقوله : {وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ} لو كان المراد منه عين ذلك للزم التكرار ، وهو خلاف الأصل ، فوجب حمله على الكفر ، وقوله : بأنا نحمل هذه الآية على تعدي الحدود المذكورة في المواريث. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 9 صـ 184 ـ 185}\rفائدة\rقال ابن عاشور :\rوقولُه : { خالداً فيها } استُعمل الخلود في طول المدّة.","part":20,"page":469},{"id":8907,"text":"أو أريد من عصيان الله ورسوله العصيان الأتمُّ وهو نبذ الإيمان ، لأنّ القوم يومئذ كانوا قد دخلوا في الإيمان ونبذوا الكفر ، فكانوا حريصين على العمل بوصايا الإسلام ، فما يخالف ذلك إلاّ من كان غير ثابت الإيمان إلاّ من تاب.\rولعلّ قوله : { وله عذاب مهين } تقسيم ، لأنّ العصيان أنواع : منه ما يوجب الخلود ، ومنه ما يوجب العذاب المهين ، وقرينة ذلك أنّ عطف { وله عذاب مهين } على الخلود في النار لا يُحتاج إليه إذا لم يكن مراداً به التقسيم ، فيضطرّ إلى جعله زيادةَ توكيد ، أو تقول إنّ محط العطف هو وصفه بالمهين لأنّ العرب أباة الضيم ، شمّ الأنوف ، فقد يحذرون الإهانة أكثر ممّا يحذرون عذاب النار ، ومن الأمثال المأثورة في حكاياتهم ( النار ولا العار ).\rوفي كتاب \"الآداب\" في أعجاز أبياته \"والحرّ يصبر خوف العار للنار\". أ هـ {التحرير والتنوير حـ 4 صـ 55}\rسؤال : فإن قلت : كيف قطع للعاصي بالخلود في النار في هذه الآية وهل فيها دليل للمعتزلة على قولهم إن العصاة والفساق من أهل الإيمان يخلدون في النار ؟.\rقلت : قال الضحاك المعصية هنا الشرك وروى عكرمة عن ابن عباس في معنى الآية من لم يرض بقسمة الله ويتعد ما قال الله يدخله ناراً وقال الكلبي : يكفر بقسمة المواريث ويتعد حدود الله استحلالاً إذا ثبت ذلك فمن رد حكم الله ولم يرض بقسمته كفر بذلك وإذا كفر كان حكمه حكم الكفار في الخلود في النار إذا لم يتب قبل وفاته إذا مات وهو مصر على ذلك كان مخلداً في النار بكفره فلا دليل في الآية للمعتزلة والله أعلم. أ هـ {تفسير الخازن حـ 1 صـ 328 ـ 329}\rوقال محمد بن أبى بكر الرازى :\rفإن قيل : كيف قطع على العاصى بالخلود فى النار بقوله : {وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَارًا خَالِدًا فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُهِينٌ} ؟\rقلنا : أراد به : من يعص الله برد أحكامه وجحودها ؛ وذلك كفر ؛ والكافر يستحق الخلود فى النار. أ هـ {تفسير الرازى صـ 78}","part":20,"page":470},{"id":8908,"text":"سؤال : فإن قال قائل : أوَ مُخَلَّدٌ في النار من عصى الله ورسوله في قسمة المواريث ؟\rقيل : نعم ، إذا جمع إلى معصيتهما في ذلك شكًّا في أن الله فرض عليه ما فرض على عباده في هاتين الآيتين ، أو علم ذلك فحادَّ الله ورسوله في أمرهما على ما ذكر ابن عباس من قول من قالَ حين نزل على رسول الله صلى الله عليه وسلم قول الله تبارك وتعالى : ( يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأنْثَيَيْنِ ) إلى تمام الآيتين : أيُورَّث من لا يركب الفرس ولا يقاتل العدوَّ ولا يحوز الغنيمة ، نصفَ المال أو جميع المال ؟ استنكارًا منهم قسمةَ الله ما قسم لصغار ولد الميت ونسائه وإناث ولده ممن خالف قسمةَ الله ما قسم من ميراث أهل الميراث بينهم على ما قسمه في كتابه ، وخالف حكمه في ذلك وحكم رسوله ، استنكارًا منه حكمهما ، كما استنكره الذين ذكر أمرَهم ابن عباس ممن كان بين أظهُر أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم من المنافقين الذين فيهم نزلت وفي أشكالهم هذه الآية فهو من أهل الخلود في النار ، لأنه باستنكاره حكمَ الله في تلك ، يصير بالله كافرًا ، ومن ملة الإسلام خارجًا. أ هـ {تفسير الطبرى حـ 8 صـ 72 ـ 73}\rفائدة\rقال الشيخ السعدى :\r{ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَارًا خَالِدًا فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُّهِينٌ } ويدخل في اسم المعصية الكفر فما دونه من المعاصي ، فلا يكون فيها شبهة للخوارج القائلين بكفر أهل المعاصي فإن الله تعالى رتب دخول الجنة على طاعته وطاعة رسوله. ورتب دخول النار على معصيته ومعصية رسوله ، فمن أطاعه طاعة تامة دخل الجنة بلا عذاب.","part":20,"page":471},{"id":8909,"text":"ومن عصى الله ورسوله معصية تامة يدخل فيها الشرك فما دونه ، دخل النار وخلد فيها ، ومن اجتمع فيه معصية وطاعة ، كان فيه من موجب الثواب والعقاب بحسب ما فيه من الطاعة والمعصية. وقد دلت النصوص المتواترة على أن الموحدين الذين معهم طاعة التوحيد ، غير مخلدين في النار ، فما معهم من التوحيد مانع لهم من الخلود فيها. أ هـ {تفسير السعدى صـ 171}\rلطيفة\rقال أبو السعود :\r{ يُدْخِلْهُ } وقرىء بنون العظمةِ في الموضعين { نَارًا } أي عظيمةً هائلةً لا يقادَرُ قدرُها { خَالِداً فِيهَا } حال كما سبق ، ولعل إيثارَ الإفرادِ هاهنا نظراً إلى ظاهر اللفظِ ، واختيارُ الجمعِ هناك نظراً إلى المعنى للإيذان بأن الخلودَ في دار الثوابِ بصفة الاجتماعِ أجلبُ للأنس كما أن الخلودَ في دار العذاب بصفة الانفرادِ أشدُّ في استجلاب الوحشة. أ هـ {تفسير أبى السعود حـ 2 صـ 154}\rمن فوائد الآلوسى فى الآية\rقال رحمه الله :\r{ وَمَن يَعْصِ الله وَرَسُولَهُ } فيما أمر به من الأحكام أو فيما فرض من الفرائض ، وقال ابن جريج : من لا يؤمن بما فصل سبحانه من المواريث ، وحكي مثله عن ابن جبير.","part":20,"page":472},{"id":8910,"text":"{ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ } التي جاء بها رسوله صلى الله عليه وسلم ، ومن جملتها ما قص لنا قبل ، أو يتعد حدوده في القسمة المذكورة استحلالاً كما حكي عن الكلبي { يُدْخِلْهُ } قرأ نافع وابن عامر بالنون في الموضعين { نَارًا } أي عظيمة هائلة { خالدا فِيهَا } حال كما سبق ، وأفرد هنا وجمع هناك لأن أهل الطاعة أهل الشفاعة وإذا شفع أحدهم في غيره دخلها معه ، وأهل المعاصي لا يشفعون فلا يدخل بهم غيرهم فيبقون فرادى ، أو للإيذان بأن الخلود في دار الثواب بصفة الاجتماع الذي هو أجلب للأنس ، والخلود في دار العقاب بصفة الانفراد الذي هو أشد في استجلاب الوحشة ، وجوز الزجاج والتبريزي كون { خالدين } [ النساء : 13 ] هناك وخالداً هنا صفتين لجنات أو نار ، واعترض بأنه لو كان كذلك لوجب إبراز الضمير لأنهما جريا على غير من هما له ، وتعقبه أبو حيان بأن هذا على مذهب البصريين ، ومذهب الكوفيين جواز الوصفية في مثل ذلك ولا يحتاج إلى إبراز الضمير إذ لا لبس { وَلَهُ عَذَابٌ } أي عظيم لا يكتنه { مُّهِينٌ } أي مذل له والجملة حالية ، والمراد جمع أمرين للعصاة المعتدين عذاب جسماني وعذاب روحاني ، نسأل الله تعالى العافية.","part":20,"page":473},{"id":8911,"text":"واستدل بالآية من زعم أن المؤمن العاصي مخلد في النار ، والجواب أنها لا تصدق عليه إما لأنها في الكافر على ما سمعت عن الكلبي وابن جبير وابن جريج وإما لأن المراد من حدود الله تعالى جميع حدوده لصحة الاستثناء والمؤمن العاصي واقف عند حد التوحيد ، وإما لأن ذلك مشروط بعدم العفو كما أنه مشروط بعدم التوبة عند الزاعم ، وفي ختم آيات المواريث بهذه الآية إشارة إلى عظم أمر الميراث ولزوم الاحتياط والتحري وعدم الظلم فيه ، وقد أخرج ابن ماجه عن أنس عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال : \" من قطع ميراثاً فرضه الله ورسوله قطع الله ميراثه من الجنة \" وأخرج منصور عن سليمان بن موسى والبيهقي عن أبي هريرة نحو ذلك ، وأخرج الحاكم عن ابن مسعود أن الساعة لا تقوم حتى لا يقسم ميراث ولا يفرح بغنيمة عدو ، وكأن عدم القسم إما للتهاون في الدين وعدم المبالاة وكثرة الظلم بين الناس ، وإما لفشو الجهل وعدم من يعرف الفرائض ، فقد ورد عن أبي هريرة مرفوعاً \" إن علم الفرائض أول ما ينزع من الأمة \" ، وأخرج البيهقي ، والحاكم عن ابن مسعود رضي الله تعالى عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : \" تعلموا الفرائض وعلموه الناس فإني امرؤ مقبوض وإن العلم سيقبض وتظهر الفتن حتى يختلف الإثنان في الفريضة لا يجدان من يقضي بها \" ولعل الاحتمال الأول أظهر.\rأ هـ {روح المعانى حـ 4 صـ 233 ـ 234}\rفوائد بلاغية\rقال أبو حيان :\rوتضمنت هذه الآيات من أصناف البديع : التفصيل في : الوارث والأنصباء بعد الإبهام في قوله : للرجال نصيب الآية.\rوالعدول من صيغة : يأمركم الله إلى يوصيكم ، لما في الوصية من التأكيد والحرص على اتباعها.","part":20,"page":474},{"id":8912,"text":"والطباق في : للذكر مثل حظ الأنثيين ، وفي : من يطع ومن يعص ، وإعادة الضمير إلى غير مذكور لقوة الدلالة على ذلك في قوله : مما ترك أي : ترك الموروث.\rوالتكرار في : لفظ كان ، وفي فريضة من الله ، أن الله ، وفي : ولداً ، وأبواه ، وفي : من يعد وصية يوصي بها أو دين ، وفي : وصية من الله إن الله ، وفي : حدود الله ، وفي : الله ورسوله.\rوتلوين الخطاب في : من قرأ ندخله بالنون.\rوالحذف في مواضع. أ هـ {البحر المحيط حـ 3 صـ 200 ـ 201}\rمن لطائف الإمام القشيرى فى الآية\rقال عليه الرحمة :\r{ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَارًا خَالِدًا فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُهِينٌ (14)}\rوإنما هما عقوبتان : معجلة ومؤجلة ، ويقترن بهما جميعاً الذُّلُّ ؛ فلو اجتهد الخلائق على إذلال المعاصي بمثل الذل الذي يلحقهم بارتكاب المعصية لم يقدموا عليها : لذلك قال قائلهم : من بات مُلِماً بذنب أصبح وعليه مذلته ، فقلت ومن أصبح مُبِرَّاً بِبِرٍ ظلَّ وعليه مهابته. أ هـ {لطائف الإشارات حـ 1 صـ 319}.\rتم الجزء العشرون من كتاب {جامع لطائف التفسير} ولله الحمد والمنة\rويليه إن شاء الله تعالى الجزء الحادى والعشرون وأوله قوله تعالى {وَاللَّاتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ مِنْ نِسَائِكُمْ فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ فَإِنْ شَهِدُوا فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ حَتَّى يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا (15) }","part":20,"page":475}],"titles":[{"id":3,"title":"جامع لطائف التفسير","lvl":1,"sub":0},{"id":3,"title":"جامع لطائف التفسير","lvl":2,"sub":1},{"id":3,"title":"جامع لطائف التفسير","lvl":3,"sub":1},{"id":3,"title":"جامع لطائف التفسير","lvl":4,"sub":1},{"id":3,"title":"جامع لطائف التفسير","lvl":5,"sub":1},{"id":3,"title":"جامع لطائف التفسير","lvl":6,"sub":1},{"id":3,"title":"جامع لطائف التفسير","lvl":7,"sub":1},{"id":3,"title":"جامع لطائف التفسير","lvl":8,"sub":1},{"id":3,"title":"جامع لطائف التفسير","lvl":9,"sub":1},{"id":3,"title":"جامع لطائف التفسير","lvl":10,"sub":1},{"id":3,"title":"جامع لطائف التفسير","lvl":11,"sub":1},{"id":3,"title":"جامع لطائف التفسير","lvl":12,"sub":1},{"id":3,"title":"جامع لطائف التفسير","lvl":13,"sub":2},{"id":3,"title":"إلى كم تطوف على ساحل البحر مغمضا عينيك عن غرائبها","lvl":14,"sub":2},{"id":4,"title":"تقديم الدكتور عبد الوهاب المشهدانى","lvl":13,"sub":0},{"id":9,"title":"مقدمة الكتاب","lvl":14,"sub":0},{"id":16,"title":"ذاقوا حلاوة القرآن فقالوا","lvl":13,"sub":2},{"id":16,"title":"قال الإمام الشاطبي ـ رحمه الله ـ في مقدمة الشاطبية","lvl":14,"sub":3},{"id":17,"title":"وقال حجة الإسلام الإمام الغزالى","lvl":14,"sub":0},{"id":20,"title":"وقال الحارث المحاسبى","lvl":14,"sub":0},{"id":22,"title":"تحدثوا عن التفسير فقالوا","lvl":13,"sub":0},{"id":22,"title":"قال الإمام الراغب الأصفهاني","lvl":14,"sub":1},{"id":23,"title":"وقال ابن عطية","lvl":14,"sub":0},{"id":24,"title":"وقال الإمام الآلوسي","lvl":14,"sub":0},{"id":24,"title":"وقال الإمام الفخر الرازي","lvl":14,"sub":1},{"id":26,"title":"وقال الزركشي","lvl":14,"sub":0},{"id":27,"title":"هكذا صنع بهم القرآن","lvl":13,"sub":0},{"id":28,"title":"أحمد بن نصر الخزاعى","lvl":14,"sub":0},{"id":29,"title":"\" فائدة في عدد سور القرآن وآياته وكلماته وحروفه \"","lvl":13,"sub":0},{"id":30,"title":"وأما حروفه","lvl":14,"sub":0},{"id":30,"title":"واعلم أن سبب اختلاف العلماء في عدد الآي و الكلم و الحروف","lvl":14,"sub":1},{"id":31,"title":"وسبب الاختلاف في الكلمة أن الكلمة لها حقيقة و مجاز","lvl":14,"sub":0},{"id":31,"title":"فائدة في نزول القرآن","lvl":13,"sub":1},{"id":33,"title":"فائدة في تفصيل حروف القرآن","lvl":13,"sub":0},{"id":34,"title":"أسباب اختلاف المفسرين","lvl":13,"sub":0},{"id":35,"title":"باب التنبيه على أحاديث وضعت في فضل سور القرآن و غيره","lvl":13,"sub":0},{"id":38,"title":"فائدة في فهم القرآن","lvl":13,"sub":0},{"id":38,"title":"قال صاحب البرهان","lvl":14,"sub":1},{"id":42,"title":"فائدة في تنزيه ساحة القرآن عن التعارض","lvl":13,"sub":0},{"id":42,"title":"قال الزركشي","lvl":14,"sub":1},{"id":44,"title":"فوائد في الاستعاذة","lvl":13,"sub":0},{"id":44,"title":"( فائدة 1)","lvl":14,"sub":1},{"id":44,"title":"( فائدة2)","lvl":14,"sub":2},{"id":44,"title":"( فائدة 3)","lvl":14,"sub":3},{"id":44,"title":"( فائدة 4)","lvl":14,"sub":4},{"id":44,"title":"( فائدة 5)","lvl":14,"sub":5},{"id":44,"title":"( فائدة 6)","lvl":14,"sub":6},{"id":44,"title":"من لطائف الاستعاذة","lvl":13,"sub":7},{"id":45,"title":"ذكر الإمام فخر الدين الرازي","lvl":14,"sub":0},{"id":47,"title":"\"بسم الله الرحمن الرحيم\"","lvl":13,"sub":0},{"id":47,"title":"من لطائف البسملة","lvl":14,"sub":1},{"id":48,"title":"من لطائف لفظ الجلالة","lvl":13,"sub":0},{"id":49,"title":"فائدة في أن لفظ الجلالة علم لا مشتق","lvl":14,"sub":0},{"id":50,"title":"هل يجوز إطلاق لفظ الموجود على الله ؟","lvl":14,"sub":0},{"id":50,"title":"فائدة","lvl":14,"sub":1},{"id":51,"title":"فائدة لغوية","lvl":14,"sub":0},{"id":51,"title":"الرحمن - الرحيم","lvl":13,"sub":1},{"id":52,"title":"فإن قيل : لم قدم الرحمن على الرحيم ؟","lvl":14,"sub":0},{"id":52,"title":"وقال الإمام الفخر - رحمه الله - الرحمن أعظم (4) فلم ذكر الأدنى بعد الأعلى ؟","lvl":14,"sub":1},{"id":53,"title":"ومن لطائف هذين الاسمين الجليلين","lvl":14,"sub":0},{"id":53,"title":"وهذه لطيفة أخري","lvl":14,"sub":1},{"id":53,"title":"وجه غريب","lvl":14,"sub":2},{"id":54,"title":"من لطائف البسملة","lvl":13,"sub":0},{"id":54,"title":"ذكر الإمام الفخر الرازي-رحمه الله - في تفسيره الكبير أربعاً و عشرين لطيفة في البسملة","lvl":14,"sub":1},{"id":58,"title":"سورة \" الفاتحة \"","lvl":13,"sub":0},{"id":59,"title":"\" أسماء سورة الفاتحة \"","lvl":14,"sub":0},{"id":60,"title":"الحمد لله رب العالمين","lvl":13,"sub":0},{"id":61,"title":"الفرق بين الحمد والمدح من وجوه","lvl":14,"sub":0},{"id":62,"title":"فوائد ولطائف في الحمد","lvl":14,"sub":0},{"id":63,"title":"لطيفة","lvl":14,"sub":0},{"id":63,"title":"لقائل أن يقول","lvl":14,"sub":1},{"id":63,"title":"فإن قيل : لم خص الحمد بالله ولم يقل الحمد للخالق ؟ أو نحوه من بقية الصفات ؟","lvl":14,"sub":2},{"id":65,"title":"طبقات الحامدين","lvl":14,"sub":0},{"id":65,"title":"لطيفة","lvl":14,"sub":1},{"id":66,"title":"واعلم أن النعم التي تجب الشكر عليها لا تحصى ، ولكنها تنحصر في ثلاثة أقسام","lvl":14,"sub":0},{"id":67,"title":"رب العالمين","lvl":13,"sub":1},{"id":68,"title":"فائدة","lvl":14,"sub":0},{"id":68,"title":"لطيفة","lvl":14,"sub":1},{"id":69,"title":"من اللطائف والأسرار","lvl":14,"sub":0},{"id":72,"title":"الرحمن الرحيم","lvl":13,"sub":0},{"id":72,"title":"فإن قيل","lvl":14,"sub":1},{"id":72,"title":"مالك يوم الدين","lvl":13,"sub":2},{"id":74,"title":"لطيفة","lvl":14,"sub":0},{"id":76,"title":"إياك نعبد وإياك نستعين","lvl":13,"sub":0},{"id":77,"title":"قوله تعالى :[وإياك نستعين]","lvl":14,"sub":0},{"id":78,"title":"فإن قيل : فما معنى النون في قوله تعالى \"إياك نعبد وإياك نستعين\"","lvl":14,"sub":0},{"id":79,"title":"فإن قيل لم تكرر الضمير المنصوب [إياك] ؟","lvl":14,"sub":0},{"id":80,"title":"لقائل أن يقول","lvl":14,"sub":0},{"id":81,"title":"من أسرار الالتفات في قوله تعالى :\r[ إياك نعبد وإياك نستعين ]","lvl":14,"sub":0},{"id":82,"title":"العبودية نوعان","lvl":14,"sub":0},{"id":83,"title":"\" اهدنا الصراط المستقيم \"","lvl":13,"sub":0},{"id":84,"title":"فان قيل: ما معنى المسألة في ذلك وقد هداهم الله الصراط المستقيم","lvl":14,"sub":0},{"id":86,"title":"ما المراد بالصراط المستقيم ؟","lvl":14,"sub":0},{"id":87,"title":"قال العلامة ابن القيم","lvl":14,"sub":0},{"id":89,"title":"لقائل أن يقول : لم قال اهدنا ولم يقل اهدني ؟","lvl":14,"sub":0},{"id":90,"title":"ذكر الإمام القاسمي في \"محاسن التأويل\" نقلاً عن الإمام الراغب في تفسيره","lvl":14,"sub":0},{"id":94,"title":"فائدة","lvl":14,"sub":0},{"id":94,"title":"فائدة في مراتب الهداية الخاصة والعامة\rوهي عشر مراتب","lvl":14,"sub":1},{"id":96,"title":"فائدة في تعدية الفعل [ اهدنا ] بنفسه\rتعدية الفعل هنا بنفسه دون حرف [إلى]","lvl":14,"sub":0},{"id":97,"title":"فائدة في معاني الهدى في القرآن","lvl":14,"sub":0},{"id":98,"title":"\"صراط الذين أنعمت عليهم\"","lvl":13,"sub":0},{"id":98,"title":"فإن قيل : لم أطلق الإنعام ؟","lvl":14,"sub":1},{"id":99,"title":"فإن قيل: لِمَ أتى بصلة الذين فعلاً ماضياً ؟","lvl":14,"sub":0},{"id":99,"title":"فائدة","lvl":14,"sub":1},{"id":100,"title":"فإن قيل : ما السر في إضافة [ الصراط ]","lvl":14,"sub":0},{"id":101,"title":"فإن قيل : لم قال :(أنعمت عليهم) ولم يقل (المنعم عليهم)","lvl":14,"sub":0},{"id":104,"title":"\"غير المغضوب عليهم ولا الضالين\"","lvl":13,"sub":0},{"id":104,"title":"لطيفة","lvl":14,"sub":1},{"id":105,"title":"فائدة جليلة","lvl":14,"sub":0},{"id":106,"title":"قال القرطبي - رحمه الله - [لا] في قوله :[ولا الضالين] اختلف فيها","lvl":14,"sub":0},{"id":107,"title":"فإن قيل :\rلم أتى في أهل الغضب باسم المفعول ، وفي الضالين باسم الفاعل ؟","lvl":14,"sub":0},{"id":108,"title":"ما الحكمة في أته تعالى جعل المقبولين طائفة واحدة","lvl":14,"sub":0},{"id":108,"title":"( فائدة )","lvl":14,"sub":1},{"id":109,"title":"لم قدم المغضوب عليهم على الضالين ؟","lvl":14,"sub":0},{"id":110,"title":"فإن قيل : لم قال (غير المغضوب عليهم) ولم يقل (لا المغضوب عليهم) ؟","lvl":14,"sub":0},{"id":111,"title":"آمين","lvl":13,"sub":0},{"id":113,"title":"سورة البقرة","lvl":13,"sub":1},{"id":113,"title":"من لطائف فواتح السور","lvl":14,"sub":2},{"id":115,"title":"قوله تعالى(ذلك الكتاب)","lvl":13,"sub":0},{"id":117,"title":"سؤال : فإن قلت أخبرني عن تأليف \" ذلك الكتاب \"","lvl":14,"sub":0},{"id":117,"title":"\" لا ريب فيه \"","lvl":14,"sub":1},{"id":117,"title":"سؤال : فإن قيل كيف قال : \" لا ريب فيه \" على سبيل الاستغراق وكم من ضال قد ارتاب فيه ؟","lvl":14,"sub":2},{"id":119,"title":"سؤال :فان قيل لم قال ها هنا :\"لا ريب فيه \"وفي موضع آخر :\"لا فيها غول\"","lvl":14,"sub":0},{"id":120,"title":"فائدة","lvl":14,"sub":0},{"id":120,"title":"الفرق بين الريب و الشك","lvl":14,"sub":1},{"id":120,"title":"\" هدي للمتقين \"","lvl":14,"sub":2},{"id":120,"title":"سؤال : \" فإن قلت : فلم قال \" هدى للمتقين \" و المتقون مهتدون ؟","lvl":14,"sub":3},{"id":121,"title":"سؤال فإن قيل لم حذف المعمول فلم يقل : \" هدى للمصلحة الفلانية ولا للشيء الفلاني ؟","lvl":14,"sub":0},{"id":122,"title":"سؤال : فإن قيل : فيه بيان لجميع الناس فكيف أضاف إلى المتقين خاصة ؟","lvl":14,"sub":0},{"id":123,"title":"فائدة في معاني التقوى في القرآن","lvl":13,"sub":0},{"id":123,"title":"لطائف في التقوى","lvl":14,"sub":1},{"id":123,"title":"الفرق بين التقوى و الورع","lvl":14,"sub":2},{"id":124,"title":"فصل في التقوى والبواعث عليها","lvl":14,"sub":0},{"id":124,"title":"البواعث على التقوى عشرة","lvl":14,"sub":1},{"id":125,"title":"درجات التقوى خمس","lvl":14,"sub":0},{"id":126,"title":"ومن لطائف قوله : \" هدى للمتقين \"","lvl":14,"sub":0},{"id":126,"title":"قوله تعالى [ويقيمون الصلاة]","lvl":13,"sub":1},{"id":127,"title":"\"موعظة\"","lvl":14,"sub":0},{"id":128,"title":"( الصلاة معراج العارفين )","lvl":14,"sub":0},{"id":134,"title":"قوله تعالى \" ومما رزقناهم ينفقون \"","lvl":13,"sub":0},{"id":134,"title":"فوائد","lvl":14,"sub":1},{"id":135,"title":"\" لطائف في الإنفاق \"","lvl":14,"sub":0},{"id":136,"title":"\" أولئك على هدى من ربهم \"","lvl":13,"sub":0},{"id":136,"title":"سؤال : فإن قيل : ما معني الاستعلاء في قوله : \" على هدي من ربهم \"","lvl":14,"sub":1},{"id":136,"title":"سؤال : فإن قيل ما السبب في تنكير الهدي في قوله : \" على هدي \"؟","lvl":14,"sub":2},{"id":136,"title":"وقال أبو السعود","lvl":14,"sub":3},{"id":137,"title":"قوله تعالى [ وأؤلئك هم المفلحون ]","lvl":14,"sub":0},{"id":137,"title":"كلام نفيس للإمام الزمخشري \"","lvl":14,"sub":1},{"id":139,"title":"وبالجملة المتقون واقعون بين هدايتين","lvl":14,"sub":0},{"id":139,"title":"\" إن الذين كفروا سواء عليهم أأنذرتهم أم لم تنذرهم لا يؤمنون \"","lvl":13,"sub":1},{"id":139,"title":"معني الكفر","lvl":14,"sub":2},{"id":139,"title":"واختلف فيمن نزلت هذه الآية بعد الاتفاق على أنها غير عامة لوجود الكفار قد أسلموا بعدها","lvl":14,"sub":3},{"id":139,"title":"سؤال : إن قال قائل : إذا علم الله تعالي بأنهم لا يؤمنون و كانوا قادرين على الإيمان عندكم","lvl":14,"sub":4},{"id":140,"title":"\" كلام نفيس عن الكفر ومعانيه \"","lvl":13,"sub":0},{"id":141,"title":"الكفر في كتاب الله على خمسة أوجه","lvl":14,"sub":0},{"id":142,"title":"وذكر الإمام العلامة الفخر الرازي","lvl":14,"sub":0},{"id":142,"title":"وقال القاضى عياض فى هذا الشأن","lvl":14,"sub":1},{"id":142,"title":"فائدة","lvl":14,"sub":2},{"id":142,"title":"وقال شيخ الإسلام ـ رحمه الله ـ فى مجموع الفتاوى","lvl":14,"sub":3},{"id":146,"title":"وقال ابن القيم ـ رحمه الله ـ فى إعلام الموقعين","lvl":14,"sub":0},{"id":147,"title":"وقال الإمام الغزالي في كتاب التفرقة بين الإسلام والزندقة","lvl":14,"sub":0},{"id":148,"title":"وقال الإمام أبو الحسن السبكي","lvl":14,"sub":0},{"id":149,"title":"وقال العلامة بدر الدين العينى فى كتابه عمدة القارى","lvl":14,"sub":0},{"id":150,"title":"وقال صاحب التحرير والتنوير","lvl":14,"sub":0},{"id":151,"title":"وقال الشيخ الألبانى ـ رحمه الله ـ فى هذا الشأن فى كتابه فتنة التكفير","lvl":14,"sub":0},{"id":156,"title":"من ذاكرة التاريخ","lvl":14,"sub":0},{"id":157,"title":"ومسك الختام فى هذا الموضوع ذكر بعض الأحاديث النبوية","lvl":14,"sub":0},{"id":163,"title":"الإنذار","lvl":13,"sub":0},{"id":163,"title":"سؤال : قوله تعالي : \" سواء عليهم ءأنذرتهم أم لم تنذرهم \" لم قال ذلك ولم يقل إنذارك وعدم إنذارك ؟","lvl":14,"sub":1},{"id":163,"title":"((وجه مردود))","lvl":14,"sub":2},{"id":163,"title":"سؤال : فإن قيل إن كان يستوي الإنذار وعدمه فما فائدته ؟","lvl":14,"sub":3},{"id":164,"title":"سؤال : فإن قيل : لم اقتصر على الإنذار ولم يذكر البشارة","lvl":14,"sub":0},{"id":164,"title":"قوله تعالى ( ختم الله على قلوبهم وعلى سمعهم ... الآية )","lvl":13,"sub":1},{"id":165,"title":"مسألة الجبر","lvl":14,"sub":0},{"id":166,"title":"لطيفة","lvl":14,"sub":0},{"id":167,"title":"وذكر ابن القيم - رحمه الله - في شفاء العليل","lvl":14,"sub":0},{"id":168,"title":"قال الخازن","lvl":14,"sub":0},{"id":168,"title":"سؤال : فإن قيل لم خص القلب بالختم دون سائر الجوارح ؟","lvl":14,"sub":1},{"id":168,"title":"سؤال : \" فإن قيل لم جمع الأبصار ووحد السمع ؟","lvl":14,"sub":2},{"id":169,"title":"وقال فى نظم الدرر","lvl":14,"sub":0},{"id":169,"title":"\" فائدة \"","lvl":14,"sub":1},{"id":170,"title":"سؤال : ما معنى التنكير في قوله \" غشاوة \"","lvl":14,"sub":0},{"id":170,"title":"سؤال : فإن قيل لم خص الله هذه الأعضاء بالذكر ؟","lvl":14,"sub":1},{"id":170,"title":"سؤال : ما الفائدة في تكرير الجار في قوله \" و على سمعهم \"","lvl":14,"sub":2},{"id":171,"title":"فإن قيل : لماذا قدم هنا القلوب على السمع فقال ( ختم الله على قلوبهم وسمعهم ) وعكس فى الجاثية فقال ( وختم على سمعه وقلبه ) ؟","lvl":14,"sub":0},{"id":172,"title":"( وإذا قيل لهم لا تفسدوا في الأرض .... الآية )","lvl":13,"sub":1},{"id":172,"title":"الفساد : خروج الشيء عن الحالة اللائقة","lvl":14,"sub":2},{"id":172,"title":"(سؤال) : فإن قلت : كيف يصح النفاق مع المجاهرة بقولهم (أنؤمن كما آمن السفهاء)","lvl":14,"sub":3},{"id":172,"title":"(سؤال) : فإن قيل كيف عبر في الآية السابقة بقوله (ولكن لا يشعرون) وفي هذا الآية (ولكن لا يعلمون) ؟","lvl":14,"sub":4},{"id":174,"title":"( الله يستهزئ بهم )","lvl":13,"sub":0},{"id":174,"title":"(سؤال) فإن قيل : كيف ابتدأ قوله (الله يستهزئ بهم) ولم يعطف على الكلام الذي قبله ؟","lvl":14,"sub":1},{"id":174,"title":"(سؤال) هلا قيل : إن الله مستهزئ بهم ليكون مطابقاً لقوله (إنما نحن مستهزئون)","lvl":14,"sub":2},{"id":174,"title":"قوله تعالى (ويمدهم في طغيانهم يعمهون)","lvl":14,"sub":3},{"id":175,"title":"والعمي في العين والعمه في القلب","lvl":14,"sub":0},{"id":175,"title":"وقال صاحب الكشاف","lvl":14,"sub":1},{"id":177,"title":"قوله تعالى : ( مثلهم كمثل الذي استوقد ناراً .. الآية )","lvl":13,"sub":0},{"id":177,"title":"(سؤال) كيف الله شبه المنافقين واليهود - وهم جماعة - بالذي استوقد ناراً وهو واحد ؟","lvl":14,"sub":1},{"id":178,"title":"وقال ابن جزي","lvl":14,"sub":0},{"id":178,"title":"وقال القرطبي","lvl":14,"sub":1},{"id":178,"title":"وقيل : إنما وحد (الذي) و (استوقد)","lvl":14,"sub":2},{"id":178,"title":"وقال ابن عطية","lvl":14,"sub":3},{"id":178,"title":"وقال الإمام الفخر","lvl":14,"sub":4},{"id":180,"title":"(سؤال) فإن قيل : ما وجه تشبيه المنافقين بصاحب النار التي أضاءت ثم أظلمت ؟","lvl":14,"sub":0},{"id":180,"title":"(سؤال) فإن قلت : أين جواب لما في قوله تعالى (فلما) أضاءت ما حوله) ؟","lvl":14,"sub":1},{"id":181,"title":"فإن قلت : فإذا قدر الجواب محذوفاً فبم يتعلق (ذهب الله بنورهم) ؟","lvl":14,"sub":0},{"id":181,"title":"(سؤال) فإن قيل : لم قال (ذهب الله بنورهم) ولم يقل : أذهب الله بضوئهم","lvl":14,"sub":1},{"id":181,"title":"(سؤال) ما الفرق بين أذهبه وذهب به ؟","lvl":14,"sub":2},{"id":182,"title":"\"كلام قيم لابن القيم\"","lvl":14,"sub":0},{"id":185,"title":"قال (ذهب الله بنورهم) ولم يقل : بنارهم لأن النار فيها الإحراق والإشراق","lvl":14,"sub":0},{"id":186,"title":"قوله تعالى : (أو كصيب من السماء فيه ظلمات ورعد وبرق .. الآية)","lvl":13,"sub":0},{"id":186,"title":"قال الإمام الفخر : المشبه بالصيب والظلمات والرعد والبرق والصواعق ما هو ؟","lvl":14,"sub":1},{"id":187,"title":"(سؤال) فإن قلت : قوله : (من السماء) ما الفائدة في ذكره ؟ والصيب لا يكون إلا من السماء","lvl":14,"sub":0},{"id":187,"title":"(سؤال) لماذا نكر الصيب في قوله (أوكصيب) ؟","lvl":14,"sub":1},{"id":187,"title":"(سؤال) الصيب هو المطر والسحاب فأيهما أريد فما ظلماته ؟","lvl":14,"sub":2},{"id":188,"title":"(سؤال) هلا قيل رعود وبروق كما قيل : ظلمات ؟","lvl":14,"sub":0},{"id":188,"title":"وأجاب ابن جزي عن هذا السؤال","lvl":14,"sub":1},{"id":188,"title":"(سؤال) لم جاءت هذه الأشياء منكرات ؟","lvl":14,"sub":2},{"id":189,"title":"(يجعلون أصابعهم في آذانهم)","lvl":14,"sub":0},{"id":190,"title":"(سؤال) فإن قيل : لم قال أصابعهم ولم يقل أناملهم ، والأنامل هي التي تجعل في الآذان ؟","lvl":14,"sub":0},{"id":190,"title":"(سؤال) فإن قيل : ما إحاطة الله بالكافرين ؟","lvl":14,"sub":1},{"id":190,"title":"فائدة","lvl":14,"sub":2},{"id":192,"title":"قوله تعالى (يا أيها الناس اعبدوا ربكم ) الآية","lvl":13,"sub":0},{"id":192,"title":"قال الإمام الفخر (2) - رحمه الله ما نصه","lvl":14,"sub":1},{"id":193,"title":"وقال ابن جزي","lvl":14,"sub":0},{"id":194,"title":"وقال البغوي","lvl":14,"sub":0},{"id":194,"title":"فإن قيل : سورة البقرة ليست من أول القرآن نزولاً ، فلا يحسن فيها ما ذكرت","lvl":14,"sub":1},{"id":195,"title":"وجوه المخاطبات والخطاب في القرآن","lvl":13,"sub":0},{"id":195,"title":"قال الزركشي رحمه الله - يأتي على نحو من أربعين وجهاً","lvl":14,"sub":1},{"id":199,"title":"(سؤال) لما كان الله قادراً على خلق هذه الثمار بدون هذه الوسائط فما الحكمة","lvl":14,"sub":0},{"id":199,"title":"فلم قيل : الثمرات دون الثمر أو الثمار ؟ .","lvl":14,"sub":1},{"id":200,"title":"وذكر ابن جزي في هذه الآية ثلاث فوائد","lvl":14,"sub":0},{"id":201,"title":"فإن قيل : لم قصر الخطاب بقوله (لعلكم تتقون) على المخاطبين دون الذين قبلهم مع أنه أمر الجميع بالتقوى ؟","lvl":14,"sub":0},{"id":201,"title":"فإن قيل : هلا قال (لعلكم تعبدون) مناسبة لقوله (اعبدوا)","lvl":14,"sub":1},{"id":202,"title":"وقال القشيري","lvl":14,"sub":0},{"id":202,"title":"(لطيفة)","lvl":14,"sub":1},{"id":203,"title":"لطيفة","lvl":14,"sub":0},{"id":204,"title":"قوله تعالى (وإن كنتم في ريب مما نزلنا على عبدنا .. الآية )","lvl":13,"sub":0},{"id":204,"title":"قال ابن جزي","lvl":14,"sub":1},{"id":204,"title":"وقال الخطيب الشربيني","lvl":14,"sub":2},{"id":204,"title":"(سؤال) لم عبر بقوله (وإن كنتم في ريب) ولم يقل (وإن ارتبتم) ؟","lvl":14,"sub":3},{"id":205,"title":"قال أبو السعود","lvl":14,"sub":0},{"id":205,"title":"(واعلم أن النبي - صلى الله عليه وسلم - تحدى العرب قاطبة بالقرآن","lvl":14,"sub":1},{"id":206,"title":"وقال الكرماني","lvl":14,"sub":0},{"id":206,"title":"قال الإمام القشيري","lvl":14,"sub":1},{"id":207,"title":"لطائف وفوائد","lvl":14,"sub":0},{"id":208,"title":"بحث نفيس في : إعجاز القرآن","lvl":14,"sub":0},{"id":211,"title":"التحدي بمن أنزل عليه القرآن","lvl":14,"sub":0},{"id":212,"title":"تحدي القرآن بعدم الاختلاف فيه","lvl":14,"sub":0},{"id":213,"title":"فإن قلت : هذه مجرد دعوى","lvl":14,"sub":0},{"id":214,"title":"التحدي بالبلاغة","lvl":14,"sub":0},{"id":216,"title":"من أقوال العلماء في وجوه إعجاز القرآن","lvl":14,"sub":0},{"id":217,"title":"وإنما تعذر على البشر الإتيان بمثله لأمور","lvl":14,"sub":0},{"id":219,"title":"قال الخطابي","lvl":14,"sub":0},{"id":220,"title":"شهادات حول القرآن","lvl":13,"sub":0},{"id":220,"title":"1 ـ أبو العلاء المعري (المتهم بمعارضة القرآن)","lvl":14,"sub":1},{"id":221,"title":"2 ـ الوليد بن المغيرة المخزومي","lvl":14,"sub":0},{"id":221,"title":"3 ـ العالم المؤرخ البريطاني «كارليل» يقول حول القرآن","lvl":14,"sub":1},{"id":221,"title":"4 ـ جان ديفن بورت مؤلف كتاب : «الاعتذار إلى محمّد والقرآن»","lvl":14,"sub":2},{"id":222,"title":"5 ـ غورة الشاعر الألماني يقول","lvl":14,"sub":0},{"id":222,"title":"6 ـ «ويل ديورانت» المؤرخ المعروف يقول","lvl":14,"sub":1},{"id":222,"title":"7 ـ المفكر الفرنسي «جول لابوم» في كتاب «تفصيل الآيات» يقول","lvl":14,"sub":2},{"id":222,"title":"8 ـ المستشرق البريطاني دينورت يقول","lvl":14,"sub":3},{"id":222,"title":"9 ـ الدكتورة لورا واكسيا واغليري أستاذة جامعة نابولي في كتاب «تقدم الإِسلام السريع» تقول","lvl":14,"sub":4},{"id":223,"title":"\" فإن لم تفعلوا ولن تفعلوا فاتقوا النار ... الآية \"","lvl":13,"sub":0},{"id":224,"title":"وفي قوله تعالى \" أعدت\" رد على من قال : إن النار لم تخلق حتى الآن","lvl":14,"sub":0},{"id":224,"title":"{ سؤال } انتقاء إتيانهم بالسورة واجب فهلا جي بـ { إذا } الذي للوجوب دون [ إن ] الذي للشك؟","lvl":14,"sub":1},{"id":224,"title":"{ سؤال } لم قال : إن لم تفعلوا ، ولم يقل فإن لم تأتوا به ؟","lvl":14,"sub":2},{"id":224,"title":"{ سؤال } ما حقيقة [ لن ] في باب النفي ؟","lvl":14,"sub":3},{"id":224,"title":"{ سؤال } ما معني اشتراطه في اتقاد النار انتفاء إتيانهم بسورة من مثله ؟","lvl":14,"sub":4},{"id":225,"title":"{ سؤال } صلة \" الذي \" يجب أن تكون قضية معلومة فكيف علم أولئك أن نار الآخرة توقد بالناس والحجارة ؟","lvl":14,"sub":0},{"id":225,"title":"{ سؤال } فلم جاءت النار الموصوفة بهذة الصفة منكرة في سورة التحريم وها هنا معرفة؟","lvl":14,"sub":1},{"id":225,"title":"{ سؤال } ما معنى قوله \" وقودها الناس والحجارة \" ؟","lvl":14,"sub":2},{"id":225,"title":"{ سؤال } لم قرن الناس بالحجارة ، وجعلت الحجارة معهم وقوداً ؟","lvl":14,"sub":3},{"id":226,"title":"قوله تعالى : \" وبشر الذين آمنوا وعملوا الصالحات أن لهم جنات ... الآية \"","lvl":13,"sub":0},{"id":227,"title":"\" تجري من تحتها الأنهار \"","lvl":14,"sub":0},{"id":228,"title":"هلا جاءت الصفة مجموعة كالموصوف [ أي أزواج مطهرات ] ؟","lvl":14,"sub":0},{"id":228,"title":"الثاني : هلا قيل طاهرة ؟","lvl":14,"sub":1},{"id":229,"title":"وقال السبكى فى فتاويه","lvl":14,"sub":0},{"id":230,"title":"\" وهم فيها خالدون \"","lvl":14,"sub":0},{"id":230,"title":"وقال حجة الإسلام الإمام الغزالي - رحمه الله - واصفاً نعيم أهل الجنة","lvl":14,"sub":1},{"id":232,"title":"\" زوج \"","lvl":14,"sub":0},{"id":233,"title":"لطيفة بل لطائف للإمام ابن القيم","lvl":14,"sub":0},{"id":237,"title":"رؤية الله تعالى أعلى من الجنة ومن نعيمها","lvl":14,"sub":0},{"id":237,"title":"قوله جل ذكره \" إن الله لا يستحي أن يضرب مثلاً ما بعوضة فما فوقها \"","lvl":13,"sub":1},{"id":238,"title":"اعلم أن الحياء","lvl":14,"sub":0},{"id":238,"title":"وفيه وجهان :-","lvl":14,"sub":1},{"id":239,"title":"الاستحياء من الله تعالى بمعنى الترك","lvl":14,"sub":0},{"id":239,"title":"لماذا التمثيل بالبعوضة ؟","lvl":14,"sub":1},{"id":240,"title":"قوله تعالى \" يضل به كثيراً ويهدي به كثيراً \"","lvl":13,"sub":0},{"id":240,"title":"{ سؤال } لقائل أن يقول : لم وصف المهديون بالكثرة والقلة صفتهم لقوله \" وقليل من عبادي الشكور \"","lvl":14,"sub":1},{"id":240,"title":"لطيفة","lvl":14,"sub":2},{"id":241,"title":"قوله تعالى \" الذين ينقضون عهد الله من بعد ميثاقه .... الآية \"","lvl":13,"sub":0},{"id":241,"title":"عهد الله إلى خلقه : ثلاثة عهود","lvl":14,"sub":1},{"id":241,"title":"قوله تعالى \" كيف تكفرون بالله وكنت أمواتاً فأحياكم ..... الآية \"","lvl":13,"sub":2},{"id":241,"title":"قال الحسن(2) - رحمه الله - قوله \" كيف تكفرون بالله \" يعني العامة ،وأما بعض الناس فقد أماتهم الله ثلاث مرات","lvl":14,"sub":3},{"id":242,"title":"تضرع وابتهال","lvl":14,"sub":0},{"id":242,"title":"قوله تعالى : \" هو الذي خلق لكم ما في الأرض جميعاً .. الآية \" .","lvl":13,"sub":1},{"id":243,"title":"لطيفة","lvl":14,"sub":0},{"id":244,"title":"وقال ابن عطاء","lvl":14,"sub":0},{"id":244,"title":"فرية والرد عليها","lvl":14,"sub":1},{"id":244,"title":"[سؤال ] : فإن قلت : كيف الجمع بين هذا \" خلق لكم ما في الأرض جميعاً ثم استوى إلى السماء \" وبين قوله : \" والأرض بعد ذلك دحاها \" ؟ .","lvl":14,"sub":2},{"id":245,"title":"لطيفة في \" ثم \"","lvl":14,"sub":0},{"id":248,"title":"قوله تعالى \" وإذ قال ربك للملائكة إني جاعل في الأرض خليفة \"","lvl":13,"sub":0},{"id":248,"title":"{ سؤال } فإن قيل : فهلا قيل خلائف أو خلفاء ؟","lvl":14,"sub":1},{"id":248,"title":"{ سؤال } فلئن قلت لأي غرض أخبرهم بذلك ؟","lvl":14,"sub":2},{"id":249,"title":"قال الإمام القشيري :","lvl":14,"sub":0},{"id":249,"title":"لطيفة","lvl":14,"sub":1},{"id":250,"title":"قال معمر بن المثني \" [ إذ ] زائدة والتقدير وقال ربك .","lvl":14,"sub":0},{"id":251,"title":"\" للملائكة \"","lvl":14,"sub":0},{"id":251,"title":"\" جاعل في الأرض خليفة \"","lvl":14,"sub":1},{"id":251,"title":"تعليق","lvl":14,"sub":2},{"id":253,"title":"{ سؤال } فإن قلت:من أين عرفوا ذلك حتى تعجبوا منه وإنما هو غيب ؟","lvl":14,"sub":0},{"id":253,"title":"{ سؤال } فإن قيل : فلم لم يجعل واحداً من ملائكة السماء خليفة له في الأرض ؟ .","lvl":14,"sub":1},{"id":254,"title":"قوله تعالى : \" ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك \"","lvl":14,"sub":0},{"id":255,"title":"وذكر الإمام الفخر - رحمه الله - وجوهاً في سؤال الملائكة \" أتجعل \"","lvl":14,"sub":0},{"id":255,"title":"{ سؤال } إن قيل إن الملائكة قد ذكروا بني آدم بما لا ينبغي وهو غيبة ؟","lvl":14,"sub":1},{"id":256,"title":"لطيفة في التسبيح","lvl":14,"sub":0},{"id":258,"title":"\" قال إني أعلم مالا تعلمون \"","lvl":14,"sub":0},{"id":259,"title":"وقال الإمام الرازي(1) : إن قيل قوله :\" إني أعلم ما لا تعلمون \" كيف يصلح أن يكون جواباً عن السؤال الذي ذكروه","lvl":14,"sub":0},{"id":260,"title":"ومن لطائف الإمام القشيري - رحمه الله - في هذه الآية","lvl":14,"sub":0},{"id":261,"title":"قوله تعالى \" وعلم آدم الأسماء كلها \"","lvl":13,"sub":0},{"id":262,"title":"واختلف المتأولون في قوله \" الأسماء \"","lvl":14,"sub":0},{"id":262,"title":"قال القرطبي(3) : قال علماء الصوفية","lvl":14,"sub":1},{"id":263,"title":"وقال القشيري","lvl":14,"sub":0},{"id":263,"title":"وقال الفخر الرازي","lvl":14,"sub":1},{"id":263,"title":"قال الطبرسي(4) : \" قالوا : إن الله جعل الكلام معجزة لثلاثة","lvl":14,"sub":2},{"id":263,"title":"قال القرطبي(7) :\rوآدم - عليه السلام - يكنى أبا البشر وقيل : أبا محمد كنى بمحمد خاتم الأنبياء صلوات الله عليهم","lvl":14,"sub":3},{"id":264,"title":"قال الفخر الرازي :\rقال أهل المعاني : قوله تعالى \" وعلم آدم الأسماء كلها \"","lvl":14,"sub":0},{"id":264,"title":"{ سؤال } لماذا قال ثم عرضهم ولم يقل عرضها ؟","lvl":14,"sub":1},{"id":265,"title":"\" إن كنتم صادقين \"","lvl":14,"sub":0},{"id":265,"title":"\" قالوا سبحانك لا علم لنا إلا ما علمتنا \"","lvl":13,"sub":1},{"id":266,"title":"- وحكى - أن عالما سئل عن مسئلة وهو فوق المنبر فقال","lvl":14,"sub":0},{"id":266,"title":"وقال الفخر الرازي(1) ما نصه :\rاعلم أن الذين اعتقدوا أن الملائكة أتوا بالمعصية في قولهم","lvl":14,"sub":1},{"id":266,"title":"\" إنك أنت العليم الحكيم \"","lvl":14,"sub":2},{"id":267,"title":"لطائف في فضل العلم","lvl":13,"sub":0},{"id":267,"title":"* قوله تعالى \" وقل ربي زدني علماً \"","lvl":14,"sub":1},{"id":267,"title":"* كان لسليمان - عليه السلام - من ملك الدنيا","lvl":14,"sub":2},{"id":268,"title":"* أطلب خمسة في خمسة","lvl":14,"sub":0},{"id":268,"title":"قال على بن أبي طالب - رضي الله عنه - العلم أفضل من المال بسبعة أوجه","lvl":14,"sub":1},{"id":269,"title":"* قال الفقيه أبو الليث : إن من يجلس عند العالم ولا يقدر أن يحفظ من ذلك العلم شيئاً فله سبع كرامات","lvl":14,"sub":0},{"id":269,"title":"* إن الله علم سبعة نفر سبعة أشياء","lvl":14,"sub":1},{"id":270,"title":"الأمور على أربعة أقسام","lvl":14,"sub":0},{"id":271,"title":"* \" قالت نملة يا أيها النمل ادخلوا مساكنكم \"","lvl":14,"sub":0},{"id":271,"title":"* الكلب إذا تعلم وأرسله المالك على اسم الله تعالى صار صيده النجس طاهراً","lvl":14,"sub":1},{"id":271,"title":"من ملح العلم","lvl":14,"sub":2},{"id":272,"title":"* ودخلت امرأة على هارون الرشيد وعنده جماعة من وجوه أصحابه","lvl":14,"sub":0},{"id":272,"title":"* واستودع رجل لغيره مالاً فجحده فرفعه إلى إياس فسأله فأنكر فقال","lvl":14,"sub":1},{"id":272,"title":"* ومن فراسة الحاكم","lvl":14,"sub":2},{"id":273,"title":"* أراد واحد خدمة ملك فقال الملك اذهب وتعلم حتى تصلح لخدمتي","lvl":14,"sub":0},{"id":274,"title":"* عن الشعبي كنت عند الحجاج فأتى بيحيى بن يعمر فقيه خراسان من بلخ مكبلاً بالحديد فقال له الحجاج","lvl":14,"sub":0},{"id":275,"title":"لص فقيه مناظر","lvl":14,"sub":0},{"id":275,"title":"* هجا الفرزدق واحدا فقال","lvl":14,"sub":1},{"id":277,"title":"* دخل اللصوص على رجل فأخذوا متاعه واستحلفوه بالطلاق ثلاثاً أن لا يعلم أحداً","lvl":14,"sub":0},{"id":277,"title":"\" قال يا آدم أنبئهم بأسمائهم \" الآية","lvl":13,"sub":1},{"id":278,"title":"واختلف المفسرون في قوله تعالى : \" ما تبدون وما كنتم تكتمون \"","lvl":14,"sub":0},{"id":278,"title":"من آثار العناية بآدم - عليه السلام -","lvl":14,"sub":1},{"id":279,"title":"\" فصل \" ولما أراد الحق سبحانه وتعالى أن ينجي آدم عصمه وعلمه وأظهر عليه آثار الرعاية","lvl":14,"sub":0},{"id":279,"title":"قوله تعالى \" قال ألم أقل لكم إني أعلم غيب السموات والأرض \"","lvl":13,"sub":1},{"id":279,"title":"قال الإمام الرازي - رحمه الله -\rاعلم أن في هذه الآية خوفاً عظيماً وفرحاً عظيماً","lvl":14,"sub":2},{"id":282,"title":"قوله تعالى [ وإذ قلنا للملائكة اسجدوا لآدم فسجدوا ... الآية ]","lvl":13,"sub":1},{"id":282,"title":"السجود لله تعالى على سبيل العبادة, ولغيره على سبيل التكرمة","lvl":14,"sub":2},{"id":282,"title":"وقال الإمام الفخر(2):\rأجمع المسلمون على أن السجود ليس سجود عباده","lvl":14,"sub":3},{"id":282,"title":"وقال القاسمي(4) :\rاخلتفوا في الملائكة الذين أمروا بالسجود","lvl":14,"sub":4},{"id":283,"title":"قال ابن تيمية (1): ومن قال خلافه فقد رد القرآن بالكذب والبهتان","lvl":14,"sub":0},{"id":283,"title":"وقال أبو السعود(3) :\rوالالتفات إلى التكلم لإظهار الجلالة, وتربية المهابة","lvl":14,"sub":1},{"id":283,"title":"[ إلا إبليس أبى واستكبر ]","lvl":14,"sub":2},{"id":283,"title":"قال ابن عطية(4) :\rوقوله تعالى : [ إلا إبليس] نصب على الاستثناء المتصل, لأنه من الملائكة","lvl":14,"sub":3},{"id":284,"title":"قال القاسمي ما نصه :\rقال ابن القيم: الصواب التفصيل في هذه المسألة","lvl":14,"sub":0},{"id":285,"title":"\" أبى واستكبر \"","lvl":14,"sub":0},{"id":285,"title":"قال فى الفتوحات الإلهية","lvl":14,"sub":1},{"id":285,"title":"وقال القرطبي ما نصه في قوله [ أبى و استكبر ]","lvl":14,"sub":2},{"id":285,"title":"\" وكان من الكافرين\"","lvl":13,"sub":3},{"id":285,"title":"واختلف هل كان قبل إبليس كافر, أو لا ؟","lvl":14,"sub":4},{"id":286,"title":"وقال ابن عجيبة","lvl":14,"sub":0},{"id":286,"title":"قال الإمام القرطبي(6) - رحمه الله -\r\" فإن قيل: فإذا لم يكن آدم أفضل من الملائكة, فما الحكمة في الأمر بالسجود له ؟","lvl":14,"sub":1},{"id":287,"title":"قال الإمام القشيري - رحمه الله - ما نصه :\rالسجود لا يكون عبادة لعينه ولكن لموافقة أمره سبحانه","lvl":14,"sub":0},{"id":288,"title":"\" وقفة مع الإمام القرطبي\"","lvl":14,"sub":0},{"id":290,"title":"هل حجرة النبي - صلى الله عليه و سلم - أفضل أم الكعبة ؟","lvl":14,"sub":0},{"id":290,"title":"لطيفة","lvl":14,"sub":1},{"id":291,"title":"قوله تعالى [وقلنا يا آدم اسكن أنت وزوجك الجنة.....] الآية","lvl":13,"sub":0},{"id":291,"title":"قال القرطبي [ اسكن أنت و زوجك الجنة] [اسكن] تنبيه على الخروج, لأن السكنى لا تكون ملكاً","lvl":14,"sub":1},{"id":291,"title":"( سؤال ) هل كان دخول آدم الجنة قبل خلق حواء أو أنهما دخلاها معاً ؟","lvl":14,"sub":2},{"id":292,"title":"قال الخطيب الإسكافي(5) - رحمه الله -","lvl":14,"sub":0},{"id":293,"title":"هل الجنة التي أسكنها آدم - عليه السلام - كانت سماوية أو أرضية؟","lvl":13,"sub":0},{"id":293,"title":"قال ابن جزي","lvl":14,"sub":1},{"id":293,"title":"وقال ابن عطية","lvl":14,"sub":2},{"id":293,"title":"وقال الإمام ابن القيم","lvl":14,"sub":3},{"id":294,"title":"تعليق","lvl":14,"sub":0},{"id":296,"title":"قال القرطبي","lvl":14,"sub":0},{"id":298,"title":"قال صاحب خواتم","lvl":14,"sub":0},{"id":298,"title":"\" ولا تقربا هذه الشجرة \"","lvl":13,"sub":1},{"id":299,"title":"\"واختلف فى المراد بالشجرة\"","lvl":14,"sub":0},{"id":299,"title":"قال ابن جزي(2): ( الشجرة ) قيل هي شجرة العنب","lvl":14,"sub":1},{"id":299,"title":"ونقل الطبري (4) في تفسيره عن يعقوب بن عتبه أنه حدث أنها الشجرة التي تحنك بها الملائكة للخلد(5)","lvl":14,"sub":2},{"id":300,"title":"وعن بعض الصوفية : أنها شجرة العلم يعني حصل له العلم","lvl":14,"sub":0},{"id":301,"title":"وقال ابن عطية بعد أن ذكر أقوال المفسرين في الشجرة ما نصه : وليس في شئ من هذا التعيين ما يعضده خبر","lvl":14,"sub":0},{"id":301,"title":"وقال فى نظم الدرر :\rولا داعي لبيان نوع الشجرة ؛ لأن السياق لبيان شؤم المخالفة وبركة التوبة","lvl":14,"sub":1},{"id":302,"title":"\" فتكونا من الظالمين \"","lvl":13,"sub":0},{"id":302,"title":"قال الخازن (1): [ فتكونا من الظالمين ] يعني إن أكلتما من هذه الشجرة","lvl":14,"sub":1},{"id":302,"title":"وقال صاحب الميزان :\rقوله تعالى [ فتكونا من الظالمين] من الظلم لا من الظلمة","lvl":14,"sub":2},{"id":303,"title":"ما هو ذنب آدم ؟","lvl":14,"sub":0},{"id":303,"title":"قال الإمام القشيري (1) :","lvl":14,"sub":1},{"id":304,"title":"\"حكاية لطيفة \"","lvl":14,"sub":0},{"id":304,"title":"قوله تعالى [ فأزلهما الشيطان عنها]","lvl":13,"sub":1},{"id":304,"title":"اختلفوا في أنه كيف تمكن إبليس من وسوسة آدم - عليه السلام - مع أن إبليس كان خارج الجنة وآدم كان في الجنة, وذكر وجوهاً","lvl":14,"sub":2},{"id":307,"title":"واختلفوا من وجه أخر وهو أن إبليس هل باشر خطابهما أو يقال إنه أوصل الوسوسة إليهما على لسان بعض أتباعه","lvl":14,"sub":0},{"id":308,"title":"وقال القاسمي (1) ما نصه : \"وقال شيخ الإسلام تقي الدين ابن تيمية وجماعة من المتأخرين الصواب أن آدم - عليه السلام -","lvl":14,"sub":0},{"id":308,"title":"وقال القشيري(5) :\rأزلهما : أي : حملهما على الزلة, وفي التحقيق: ماصرفتهما إلا القدرة,","lvl":14,"sub":1},{"id":309,"title":"( لطيفة )","lvl":14,"sub":0},{"id":309,"title":"[فأخرجهما مما كانا فيه ]","lvl":13,"sub":1},{"id":309,"title":"أقوال مردودة وردت في قصة آدم ـ عليه السلام ـ","lvl":13,"sub":2},{"id":309,"title":"منها : ما ذكره البغوي(2) في المدخل الذي استخدمه إبليس عليه لعنة الله - في وسوسته لآدم - عليه السلام -","lvl":14,"sub":3},{"id":310,"title":"ومنها : ما ذكره القرطبي(1) بعد أن ذكر قصة الحية ( المزعومة )","lvl":14,"sub":0},{"id":311,"title":"ومنها ما حكاه الطبري حـ1 صـ235 عن وهب بن منبه","lvl":14,"sub":0},{"id":311,"title":"ومنها ما ذكره ابن الجوزي في تفسيره, وغيره من أن جبريل أو بعض الملائكة عنفوا آدم - عليه السلام - وبكتوه على الأكل من الشجرة","lvl":14,"sub":1},{"id":311,"title":"[ وقلنا اهبطوا بعضكم لبعض عدو]","lvl":13,"sub":2},{"id":311,"title":"قال ابن الجوزي(2) : هذا الخطاب فيه ستة أقوال :","lvl":14,"sub":3},{"id":313,"title":"وقال الإمام الفخر (1)- رحمه الله - [اهبطوا بعضكم لبعض عدو] أمر بالهبوط, وليس أمراً بالعداوة","lvl":14,"sub":0},{"id":313,"title":"وقال ابن عطية (2) :\rوإفراد لفظ [عدو] من حيث لفظ [بعض] وبعض وكل تجري مجرى الواحد","lvl":14,"sub":1},{"id":313,"title":"(فصل)","lvl":13,"sub":2},{"id":314,"title":"وقال القرطبي (4) :\rلم يكن إخراج الله تعالى- آدم من الجنة, وإهباطه منها عقوبة له","lvl":14,"sub":0},{"id":314,"title":"\" ولكم في الأرض مستقر ومتاع إلى حين \"","lvl":13,"sub":1},{"id":315,"title":"\"لطيفة في لفظ الحين\"","lvl":14,"sub":0},{"id":315,"title":"\"فائدة\"","lvl":14,"sub":1},{"id":315,"title":"\"موعظة \"","lvl":14,"sub":2},{"id":316,"title":"\" فتلقى آدم من ربه كلمات فتاب عليه \"","lvl":13,"sub":0},{"id":316,"title":"قال القرطبي","lvl":14,"sub":1},{"id":316,"title":"وقال الإمام القشيري","lvl":14,"sub":2},{"id":317,"title":"\" إنه هو التواب الرحيم \"","lvl":13,"sub":0},{"id":317,"title":"\" وهذا كلام نفيس أيضاًً في التوبة \"","lvl":14,"sub":1},{"id":318,"title":"(سؤال ) هل يجوز أن يقال في حق الله تعالى: تائب ؟","lvl":14,"sub":0},{"id":318,"title":"\" فوائد جليلة \"","lvl":14,"sub":1},{"id":319,"title":"(سؤال ) : لم اكتفى الله تعالى بذكر توبة آدم دون ذكر توبة حواء ؟","lvl":14,"sub":0},{"id":319,"title":"لطيفة","lvl":14,"sub":1},{"id":319,"title":"\" بحث نفيس في عصمة الأنبياء \"","lvl":13,"sub":2},{"id":327,"title":"\" يا بني إسرائيل اذكروا نعمتي التي أنعمت عليكم \"","lvl":13,"sub":0},{"id":328,"title":"[سؤال] فإن قيل: فإذا كانت النعم غير متناهية, ومالا يتناهى لا يحصل العلم به في حق العبد, فكيف أمر بتذكرها","lvl":14,"sub":0},{"id":328,"title":"وقال القشيري: حقيقة النعمة على لسان العلماء: لذة خالصة عن الشوائب","lvl":14,"sub":1},{"id":328,"title":"\"لطيفة\"","lvl":14,"sub":2},{"id":329,"title":"\"لطيفة ثانية\"","lvl":14,"sub":0},{"id":329,"title":"قوله تعالى: [وأوفوا بعهدي أوف بعهدكم (3)]","lvl":13,"sub":1},{"id":330,"title":"قوله تعالى: [و إياي فارهبون]","lvl":13,"sub":0},{"id":330,"title":"وقيل الخوف خوفان: خوف العقاب, وخوف الجلال","lvl":14,"sub":1},{"id":330,"title":"وقال الإمام القشيري - رحمه الله - ما نصه:\r\rقوله تعالى جل ذكره: [و أوفوا بعهدي أوف بعهدكم","lvl":14,"sub":2},{"id":331,"title":"[ ولا تكونوا أول كافر به ]","lvl":13,"sub":0},{"id":331,"title":"الضمير في [به]","lvl":14,"sub":1},{"id":331,"title":"ولم يقل كافرين مع أنهم جمع, لأن التقدير: ولا تكونوا أول فريق كافر به","lvl":14,"sub":2},{"id":332,"title":"سؤال: كيف جعلوا أول من كفر به وقد سبقهم إلى الكفر مشركو العرب؟","lvl":14,"sub":0},{"id":334,"title":"سؤال: أنه كان يجوز لهم الكفر إذا لم يكونوا أولاً","lvl":14,"sub":0},{"id":334,"title":"فائدة جليلة وفريدة","lvl":14,"sub":1},{"id":336,"title":"قوله تعالى: [وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة واركعوا مع الراكعين] .","lvl":13,"sub":0},{"id":336,"title":"فإن قيل: قد تقدم ذكر الصلاة في قوله [وأقيموا الصلاة] فغير جائز أن يريد بعطف الركوع عليها الصلاة بعينها.","lvl":14,"sub":1},{"id":337,"title":"قوله تعالى [واستعينوا بالصبر والصلاة]","lvl":13,"sub":0},{"id":337,"title":"وقال الثعالبي(3) : الصبر على بابه, والصلاة الدعاء","lvl":14,"sub":1},{"id":339,"title":"قوله تعالى: [وإنها لكبيرة إلا على الخاشعين ]","lvl":13,"sub":0},{"id":339,"title":"قال القرطبي(1) : الضمير في كلمة [وإنها] قيل يعود على الصلاة وحدها خاصة, وقيل عليهما","lvl":14,"sub":1},{"id":339,"title":"قال الإمام القشيري - رحمه الله -\rالصبر فطم النفس عن المألوفات","lvl":14,"sub":2},{"id":340,"title":"وأقسام الصبر كلها محمودة الصبر في الله, والصبر لله, والصبر بالله, والصبر مع الله, إلا صبراً واحداً وهو الصبر عن الله","lvl":14,"sub":0},{"id":340,"title":"[سؤال] فإن قلت(1) : مالها لم تثقل على الخاشعين, والخشوع في نفسه مما يثقل ؟","lvl":14,"sub":1},{"id":341,"title":"وقال في الميزان (1) [واستعينوا بالصبر والصلاة] الضمير راجع إلى الصلاة","lvl":14,"sub":0},{"id":341,"title":"[ الذين يظنون أنهم ملاقو ربهم ]","lvl":13,"sub":1},{"id":343,"title":"[سؤال]: هل الظن يكفي في الأمور الاعتقادية ؟ مع أن الله تعالى قال: [ إن الظن لا يغني من الحق شيئاً ]","lvl":14,"sub":0},{"id":344,"title":"وقال ابن عرفة: (الذي يظهر) لي أن الظنّ على بابه مصروف لزمن (الملاقاة)","lvl":14,"sub":0},{"id":344,"title":"وقال فى البحر المديد : وإنما عبَّر الحق تعالى هنا بالظن في موضع اليقين إبقاء على المذنبين","lvl":14,"sub":1},{"id":345,"title":"وقال صاحب الميزان( 2) : وإنما يخوف العدو باليقين لا بالشك","lvl":14,"sub":0},{"id":345,"title":"قوله تعالى: [وأنهم إليه راجعون ]","lvl":13,"sub":1},{"id":345,"title":"[سؤال] فإن قيل: [الذين يظنون أنهم ملاقو ربهم وأنهم إليه راجعون] ما فائدة الثاني [ راجعون ] والأول [ ملاقو ربهم ] يدل عليه","lvl":14,"sub":2},{"id":345,"title":"قوله تعالى [يا بني إسرائيل اذكروا نعمتي .... وأني فضلتكم على العالمين]","lvl":13,"sub":3},{"id":346,"title":"وقال السمرقندي (1) [على العالمين] يعني عالمهم وزمانهم","lvl":14,"sub":0},{"id":347,"title":"قوله تعالى: [واتقوا يوماً لا تجزي نفس عن نفس شيئاً ولا يقبل منها شفاعة]","lvl":13,"sub":0},{"id":347,"title":"قال الكرماني(3) - رحمه الله - \"قوله: [ولا يقبل منها شفاعة ولا يؤخذ منها عدل] قدم الشفاعة في هذه الآية, وأخر العدل, وقدم العدل في الآية الأخرى من هذه السورة, وأخر الشفاعة","lvl":14,"sub":1},{"id":348,"title":"[و لا يقبل منها شفاعة ]","lvl":13,"sub":0},{"id":348,"title":"وقال ابن عطية(2) : وسبب نزول هذه الآية","lvl":14,"sub":1},{"id":348,"title":"وقال القرطبي(3) : مذهب أهل الحق أن الشفاعة حق, وأنكرها المعتزلة","lvl":14,"sub":2},{"id":349,"title":"وقال القشيري(2) : \"ويوم القيامة لا تسمع الشفاعة إلا لمن أمر الحق بالشفاعة له, وأذن فيه, فهو الشفيع الأكبر - على التحقيق -","lvl":14,"sub":0},{"id":350,"title":"وقال في الانتصاف(2) : من جحد الشفاعة فهو جدير ألا ينالها","lvl":14,"sub":0},{"id":350,"title":"[ولا هم ينصرون]","lvl":14,"sub":1},{"id":351,"title":"وهذا بحث نفيس في الشفاعة","lvl":13,"sub":0},{"id":351,"title":"قال صاحب الميزان","lvl":14,"sub":1},{"id":353,"title":"ما هي الشفاعة ؟","lvl":14,"sub":0},{"id":358,"title":"وبالجملة فله تعالى أن يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد .","lvl":14,"sub":0},{"id":359,"title":"قوله تعالى : [وإذ نجيناكم من آل فرعون يسومونكم سوء العذاب]","lvl":13,"sub":0},{"id":359,"title":"[يذبحون أبناءكم]","lvl":14,"sub":1},{"id":359,"title":"وقال الإمام الفخر(5): إن ذبح الذكور دون الإناث مضرة من وجوه","lvl":14,"sub":2},{"id":360,"title":"[سؤال] لم كان التعبير بقوله [يذبحون] وفي إبراهيم بقوله [ويذبحون] بالواو ؟","lvl":14,"sub":0},{"id":361,"title":"[سؤال]لم عبر في البقرة وإبراهيم بلفظ [يذبحون] وفي الأعراف بلفظ [يقتلون]؟","lvl":14,"sub":0},{"id":361,"title":"[وفي ذلكم بلاء من ربكم عظيم]","lvl":14,"sub":1},{"id":361,"title":"\" ومن لطائف القشيري في هذه الآية \"","lvl":14,"sub":2},{"id":362,"title":"لطائف في\rقوله تعالى: [وإذ فرقنا بكم البحر], وقوله عز من قائل: [وإذ واعدنا موسى أربعين ليلة]","lvl":13,"sub":0},{"id":363,"title":"[ وإذ واعدنا موسى أربعين ليلة... ]","lvl":13,"sub":0},{"id":363,"title":"قوله تعالى: [وإذ واعدنا موسى أربعين ليلة...] يفيد أن المواعدة كانت من أول الأمر على الأربعين, وقوله في الأعراف [وواعدنا موسى ثلاثين ليلة وأتممناها بعشر]","lvl":14,"sub":1},{"id":363,"title":"[ سؤال ] لم كان التعبير في قوله \" أربعين ليلة \" بالليلة دون اليوم ؟","lvl":14,"sub":2},{"id":364,"title":"[ ثم اتخذتم العجل من بعده وأنتم ظالمون ]","lvl":14,"sub":0},{"id":364,"title":"قصة عبادة بني إسرائيل للعجل بإيجاز من القرطبي\"(2)","lvl":14,"sub":1},{"id":364,"title":"قوله تعالى: [ثم عفونا عنكم من بعد ذلك لعلكم تشكرون]","lvl":14,"sub":2},{"id":365,"title":"قوله تعالى: [وإذ آتينا موسى الكتاب والفرقان لعلكم تهتدون]","lvl":13,"sub":0},{"id":365,"title":"قوله تعالى: [فتوبوا إلى بارئكم]","lvl":13,"sub":1},{"id":365,"title":"( أسئلة و أجوبة )","lvl":14,"sub":2},{"id":365,"title":"سؤال: ما معنى قوله تعالى: [فتوبوا إلى بارئكم] والتوبة لا تكون إلا إلى البارئ؟","lvl":14,"sub":3},{"id":366,"title":"سؤال: كيف اختص هذا الموضع بذكر البارئ؟","lvl":14,"sub":0},{"id":366,"title":"سؤال: ما الفرق بين الفاء في قوله: [فتوبوا] والفاء في قوله: [فاقتلوا]؟","lvl":14,"sub":1},{"id":366,"title":"سؤال: كيف استحقوا القتل وهم قد تابوا من الردة ، والتائب من الردة لا يقتل؟","lvl":14,"sub":2},{"id":366,"title":"سؤال: هل يصح ما روي أن منهم من لم يقبل الله توبته؟","lvl":14,"sub":3},{"id":366,"title":"قوله تعالى: [وأنزلنا عليكم المن والسلوى]","lvl":13,"sub":4},{"id":366,"title":"سؤال: فإن قيل لم قدم في الآية المن على السلوى مع أنها غذاء والمن حلواء والعادة تقديم الغذاء على الحلواء ؟","lvl":14,"sub":5},{"id":367,"title":"قوله تعالى: [ولكن كانوا أنفسهم يظلمون]","lvl":13,"sub":0},{"id":367,"title":"سؤال: [ولكن كانوا أنفسهم يظلمون](البقرة: 57) وفي (الأعراف:16) وفي آل عمران: [ولكن أنفسهم يظلمون] (آل عمران:117) أي بحذف لفظ [كانوا]","lvl":14,"sub":1},{"id":367,"title":"قوله تعالى: [وقولوا حطة]","lvl":14,"sub":2},{"id":368,"title":"وأما تغيير القول ففيه خمسة أقوال","lvl":14,"sub":0},{"id":368,"title":"قوله تعالى: [ وسنزيد المحسنين ]","lvl":14,"sub":1},{"id":368,"title":"قوله تعالى: [فبدل الذين ظلموا قولاً غير الذي قيل لهم]","lvl":13,"sub":2},{"id":368,"title":"سؤال: فإن قيل:كيف, قال [فبدل الذين ظلموا قولاً غير الذي قيل لهم] وهم إنما بدلوا القول الذي قيل لهم, لأنهم قيل لهم قولوا: حطة, فقالوا حنظة ؟","lvl":14,"sub":3},{"id":369,"title":"قوله تعالى: [فأنزلنا على الذين ظلموا رجزاً من السماء]","lvl":13,"sub":0},{"id":369,"title":"سؤال: \"لماذا خص الرجز بأنه من السماء\" ؟","lvl":14,"sub":1},{"id":369,"title":"قال الإمام الرازي وها هنا سؤالات:\rالسؤال الأول: لم قال في سورة البقرة: [وإذ قلنا] وقال في الأعراف: [ وإذ قيل لهم ]","lvl":14,"sub":2},{"id":370,"title":"السؤال الثاني: لم قال في البقرة: [وإذ قلنا ادخلوا] وفي الأعراف: [اسكنوا]؟","lvl":14,"sub":0},{"id":370,"title":"السؤال الثالث: لم قال في البقرة: [فكلوا] بالفاء وفي الأعراف: [وكلوا] بالواو؟","lvl":14,"sub":1},{"id":370,"title":"السؤال الرابع: لم قال في البقرة: [نغفر لكم خطاياكم] وفي الأعراف: [نغفر لكم خطيئاتكم] ؟","lvl":14,"sub":2},{"id":370,"title":"السؤال الخامس: لم ذكر قوله: [رغداً] في البقرة وحذفه في الأعراف؟","lvl":14,"sub":3},{"id":370,"title":"السؤال السادس: لم ذكر في البقرة: [وادخلوا الباب سجداً وقولوا حطة] وفي الأعراف قدم المؤخر؟","lvl":14,"sub":4},{"id":371,"title":"السؤال السابع: لم قال: [وسنزيد المحسنين] في البقرة, مع الواو وفي الأعراف: [سنزيد المحسنين] من غير الواو؟","lvl":14,"sub":0},{"id":371,"title":"السؤال الثامن: قال الله تعالى في سورة البقرة: [ فبدل الذين ظلموا قولاً] وفي الأعراف: [فبدل الذين ظلموا منهم قولاً] فما الفائدة في زيادة كلمة [منهم] في الاعراف ؟","lvl":14,"sub":1},{"id":372,"title":"السؤال التاسع: لم قال في البقرة: [فأنزلنا على الذين ظلموا رجزاً] وقال في الأعراف: [فأرسلنا] ؟","lvl":14,"sub":0},{"id":372,"title":"السؤال العاشر: لم قال في البقرة: [بما كانوا يفسقون] وفي الأعراف: [بما كانوا يظلمون] ؟","lvl":14,"sub":1},{"id":372,"title":"قوله تعالى: [وإذ استسقى موسى لقومه فقلنا اضرب بعصاك الحجر]","lvl":13,"sub":2},{"id":372,"title":"الأقوال في الحجر","lvl":14,"sub":3},{"id":373,"title":"قال ابن كثير (1)- رحمه الله - في تفسيره","lvl":14,"sub":0},{"id":373,"title":"ونقل ابن كثير أقوال بعض المفسرين في وصف الحجر مع ما فيها من مبالغة دون أن يقرها أو ينكرها","lvl":14,"sub":1},{"id":373,"title":"وقال ابن الجوزي(3) : واختلفوا في صفة الحجر على ثلاثة أقوال","lvl":14,"sub":2},{"id":374,"title":"وقال الإمام الفخر - رحمه الله - بعد ذكر بعض هذه الأقوال في صفة الحجر: \"واعلم أن السكوت عن أمثال هذه المباحث واجب","lvl":14,"sub":0},{"id":375,"title":"(( فقلنا اضرب بعصاك الحجر ))","lvl":13,"sub":0},{"id":375,"title":"قال القشيري(3): إن الذي قدر على إخراج الماء من الصخرة الصماء كان قادراً على إروائهم بغير ماء ولكن لإظهار أثر المعجزة فيه","lvl":14,"sub":1},{"id":375,"title":"قوله تعالى: [كلوا واشربوا من رزق الله ]","lvl":14,"sub":2},{"id":375,"title":"سؤال: هل يجوز أن يأمره الله تعالى بأن يضرب بعصاه الحجر فينفجر من غير ضرب حتى يستغني عن تقدير هذا المحذوف ؟","lvl":14,"sub":3},{"id":376,"title":"سؤال: إنه تعالى ذكر هاهنا: [فانفجرت] وفي الأعراف: [فانبجست] (الأعراف:16) وبينهما تناقض لأن الانفجار خروج الماء بكثرة والانبجاس خروجه قليلاً","lvl":14,"sub":0},{"id":376,"title":"سؤال: ما الحكمة في جعل الماء اثنتي عشرة عيناً ؟","lvl":14,"sub":1},{"id":377,"title":"سؤال: من كم وجه يدل هذا الانفجار على الإعجاز ؟","lvl":14,"sub":0},{"id":377,"title":"قوله تعالى: [ ولا تعثوا في الأرض مفسدين ]","lvl":14,"sub":1},{"id":377,"title":"سؤال: فإن قيل: قوله تعالى: [ولا تعثوا في الأرض مفسدين] العثو: الفساد, فيصير المعنى: ولا تفسدوا في الأرض مفسدين!","lvl":14,"sub":2},{"id":378,"title":"قوله تعالى: [وإذ قلتم يا موسى لن نصبر على طعام واحد]","lvl":13,"sub":0},{"id":378,"title":"سؤال: فإن قيل: كيف قال: [لن نصبر على طعام واحد] وطعامهم كان المن والسلوى وهما طعامان ؟","lvl":14,"sub":1},{"id":379,"title":"وقال القشيري(3): لم يرضوا بحسن اختياره لهم, ولم يصبروا على قيامه بتولي ما كان يهمهم من كفاية مأكولهم","lvl":14,"sub":0},{"id":379,"title":"قوله تعالى: [ذلك بأنهم كانوا يكفرون بآيات الله ويقتلون النبيين بغير الحق]","lvl":13,"sub":1},{"id":379,"title":"سؤال: فإن قيل: إن قوله تعالى [يكفرون] دخل تحته قتل الأنبياء, فلم أعاد ذكره مرة أخرى ؟","lvl":14,"sub":2},{"id":379,"title":"سؤال: قوله:[ويقتلون النبيين بغير الحق] في هذه السورة, وفي آل عمران: [ويقتلون النبيين بغير حق](آل عمران:21) وفي آل عمران وفي النساء","lvl":14,"sub":3},{"id":380,"title":"سؤال: فإن قيل(3): كيف قال: [ويقتلون النبيين بغير بغير الحق]وقتل النبيين لا يكون إلا بغير حق ؟","lvl":14,"sub":0},{"id":382,"title":"سؤال: فإن قيل: كيف جاز أن يخلى بين الكافرين, وقتل الأنبياء ؟","lvl":14,"sub":0},{"id":382,"title":"سؤال: فإن قيل: إن الله تعالى قد أخبر بقتل الأنبياء ونصر الرسل, فكيف الجمع ؟","lvl":14,"sub":1},{"id":382,"title":"قوله تعالى: [إن الذين آمنوا والذين هادوا والنصارى والصابئين.... الآية]","lvl":13,"sub":2},{"id":383,"title":"سؤال: قال في أول الآية: [إن الذين آمنوا] وقال في آخرها: [من آمن] فما وجه التعميم تم التخصيص .","lvl":14,"sub":0},{"id":384,"title":"سؤال: قال تعالى: [إن الذين آمنوا والذين هادوا والنصارى والصابئين.... الآية] (البقرة:62) وقال في المائدة","lvl":14,"sub":0},{"id":384,"title":"قلت: ما التقديم والتأخير إلا لفائدة, فما فائدة هذا التقديم؟","lvl":14,"sub":1},{"id":386,"title":"وهذا كلام نفيس للإمام الفخر في توجيه قراءة الرفع [والصابئون]","lvl":14,"sub":0},{"id":388,"title":"وقال الخطيب الإسكافي - رحمه الله -","lvl":14,"sub":0},{"id":390,"title":"قوله تعالى: [فقلنا لهم كونوا قردة خاسئين]","lvl":13,"sub":0},{"id":390,"title":"\"الإشارة إلى قصة مسخهم.\"","lvl":14,"sub":1},{"id":391,"title":"وقال الفخر الرازي(4) :\r\"المروي عن مجاهد: أنه سبحانه وتعالى: مسخ قلوبهم بمعنى الطبع والختم - لا أنه مسخ صورهم","lvl":14,"sub":0},{"id":392,"title":"سؤال: فإن قيل: كيف قال [فقلنا لهم كونوا قردة خاسئين] وانتقالهم من صور البشر إلى صور القردة ليس في وسعهم ؟","lvl":14,"sub":0},{"id":393,"title":"سؤال: أولئك القردة هل بقوا أو أفناهم الله ؟","lvl":14,"sub":0},{"id":393,"title":"قوله تعالى: [ فجعلناها نكالاً لما بين يديها وما خلفها ]","lvl":13,"sub":1},{"id":393,"title":"قال في زاد المسير: الضمير في قوله [فجعلناها] يعود على الخطيئة","lvl":14,"sub":2},{"id":393,"title":"[ لما بين يديها وما خلفها ]","lvl":14,"sub":3},{"id":393,"title":"قوله تعالى [فقلنا اضربوه ببعضها]","lvl":13,"sub":4},{"id":394,"title":"واختلفوا في البعض الذي ضرب به القتيل","lvl":14,"sub":0},{"id":394,"title":"[ كذلك يحي الله الموتى ويريكم آياته لعلكم تعقلون ]","lvl":14,"sub":1},{"id":394,"title":"سؤال: (2) لقائل أن يقول: إن ذلك كان آية واحدة, فلم سميت بالآيات ؟","lvl":14,"sub":2},{"id":395,"title":"قصة البقرة","lvl":13,"sub":0},{"id":395,"title":"سؤال: فإن قلت: هلا أحياه ابتداء؟ ولم شرط في إحيائه ذبح البقرة وضربه ببعضها ؟","lvl":14,"sub":1},{"id":395,"title":"سؤال: فإن قلت: فما للقصة لم تقص على ترتيبها, وكان حقها أن يقدم ذكر القتيل والضرب ببعض البقرة على الأمر بذبحها","lvl":14,"sub":2},{"id":396,"title":"قوله تعالى: [ثم قست قلوبكم من بعد ذلك فهي كالحجارة أو أشد قسوة]","lvl":13,"sub":0},{"id":396,"title":"سؤال: لماذا لم يشبه قلوبهم بالحديد مع أنه أصلب من الحجارة .","lvl":14,"sub":1},{"id":396,"title":"سؤال: (4) فإن قلت الحجر جماد لا يعقل ولا يفهم, فكيف يخشى ؟","lvl":14,"sub":2},{"id":398,"title":"قوله تعالى: [فهي كالحجارة أو أشد قسوة]","lvl":14,"sub":0},{"id":399,"title":"إنما وصفها بأنها أشد قسوة لوجوه","lvl":14,"sub":0},{"id":399,"title":"قوله تعالى: [وقالوا لن تمسنا النار إلا أياماً معدودة]","lvl":13,"sub":1},{"id":400,"title":"سؤال: ذكر ها هنا [وقالوا لن تمسنا النار إلا أياماً معدودة] وفي آل عمران [إلا أياماً معدودات](آل عمران: 24)","lvl":14,"sub":0},{"id":400,"title":"[ قل أتخذتم عند الله عهداً أم تقولون على الله مالا تعلمون ]","lvl":14,"sub":1},{"id":400,"title":"قوله تعالى: [وإذ أخذنا ميثاق بني إسرائيل لا تعبدون إلا الله]","lvl":13,"sub":2},{"id":400,"title":"[سؤال ] : لماذا رفع الفعل بعد [ لا ] الناهية في قوله تعالى [ لا تعبدون إلا الله ] والأصل أن يقال [ لا تعبدوا إلا الله ] بجزم الفعل ؟ .","lvl":14,"sub":3},{"id":401,"title":"سؤال: لم خوطبوا ب [قولوا] بعد الإخبار؟","lvl":14,"sub":0},{"id":402,"title":"قوله تعالى: [وقولوا للناس حسناً ]","lvl":14,"sub":0},{"id":402,"title":"قال الإمام الفخر: \"قال أهل التحقيق","lvl":14,"sub":1},{"id":403,"title":"[وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة]","lvl":14,"sub":0},{"id":404,"title":"قوله تعالى: [ ولقد آتينا موسى الكتاب وقفينا من بعده بالرسل","lvl":13,"sub":0},{"id":404,"title":"سؤال: ما السبب في أن القرآن أجمل ذكر الرسل, ثم فصل ذكر عيسى - عليه السلام - ؟","lvl":14,"sub":1},{"id":404,"title":"قوله تعالى: [ ففريقاً كذبتم وفريقاً تقتلون ]","lvl":13,"sub":2},{"id":404,"title":"سؤال: لقائل أن يقول: هلا قيل : وفريقاً قتلتم ؟","lvl":14,"sub":3},{"id":405,"title":"سؤال: هذه الآية تدل على أنهم قتلوا بعض الرسل","lvl":14,"sub":0},{"id":406,"title":"فائدة","lvl":14,"sub":0},{"id":406,"title":"قوله تعالى: [وقالوا قلوبنا غلف]","lvl":14,"sub":1},{"id":406,"title":"[ فقليلاً ما يؤمنون ]","lvl":14,"sub":2},{"id":406,"title":"قوله تعالى: [ قل فلم تقتلون أنبياء الله من قبل إن كنتم مؤمنين ]","lvl":13,"sub":3},{"id":407,"title":"قال الفخر(1): قوله:[فلم تقتلون] وإن كان خطاب مشافهة, لكن المراد من تقدم من سلفهم","lvl":14,"sub":0},{"id":407,"title":"فإن قيل: قوله [آمنوا] خطاب لهؤلاء الموجودين, [فلم تقتلون] حكاية فعل أسلافهم, فكيف وجه الجمع بينهما ؟","lvl":14,"sub":1},{"id":407,"title":"سؤال: كيف جاز قوله: [فلم تقتلون أنبياء الله من قبل] ولا يجوز أن يقال: أنا أضربك أمس ؟","lvl":14,"sub":2},{"id":408,"title":"قوله تعالى: [سمعنا وعصينا]","lvl":13,"sub":0},{"id":408,"title":"سؤال: فإن قلت: كيف طابق قوله جوابهم؟","lvl":14,"sub":1},{"id":408,"title":"قوله تعالى: [ولن يتمنوه أبداً]","lvl":13,"sub":2},{"id":408,"title":"سؤال: فإن قلت: ما أدراك أنهم لم يتمنوا ؟","lvl":14,"sub":3},{"id":408,"title":"سؤال: فإن قلت: التمني من أعمال القلوب, وهو سر لا يطلع عليه أحد فمن أين علمت أنهم لم يتمنوا ؟","lvl":14,"sub":4},{"id":408,"title":"سؤال: إن قيل: لم قال في هذه السورة: [ولن يتمنوه] وفي الجمعة: [ولا يتمنونه] (الجمعة:7) فنفى هنا ب[لن] وفي الجمعة ب[لا]","lvl":14,"sub":5},{"id":410,"title":"قال الزجاج: في هذه الآية أعظم حجة, وأظهر دلالة على صحة رسالة النبي -صلى الله عليه وسلم -","lvl":14,"sub":0},{"id":411,"title":"قوله تعالى: [ ولتجدنهم أحرص الناس على حياة]","lvl":13,"sub":0},{"id":411,"title":"قوله تعالى: [ ومن الذين أشركوا ]","lvl":14,"sub":1},{"id":411,"title":"سؤال: لماذا خص الذين أشركوا بالذكر مع أنهم داخلون في لفظ الناس ؟","lvl":14,"sub":2},{"id":412,"title":"وقال فى عرائس البيان :{ وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ النَّاسِ على حَيَاة } لأنّهم","lvl":14,"sub":0},{"id":412,"title":"قوله تعالى: ( وما هو بمزحزحه من العذاب أن يعمر )","lvl":13,"sub":1},{"id":412,"title":"موعظة","lvl":14,"sub":2},{"id":412,"title":"لطيفة","lvl":14,"sub":3},{"id":414,"title":"قوله تعالى: [قل من كان عدواً لجبريل فإنه نزله على قلبك بإذن الله]","lvl":13,"sub":0},{"id":414,"title":"قال في الكشاف(1) : \"الضمير في [نزله] للقرآن","lvl":14,"sub":1},{"id":414,"title":"[ على قلبك ]","lvl":13,"sub":2},{"id":414,"title":"سؤال: لم خص القلب بالذكر؟","lvl":14,"sub":3},{"id":415,"title":"سؤال: فإن قلت كان حق الكلام أن يقال: على قلبي","lvl":14,"sub":0},{"id":415,"title":"سؤال: فإن قلت: كيف استقام قوله:[فإنه نزله] جزاء للشرط ؟","lvl":14,"sub":1},{"id":416,"title":"سبب نزول الآية الكريمة","lvl":14,"sub":0},{"id":416,"title":"وقال فى التحرير والتنوير ما نصه : فقد حصل من الأوصاف الخمسة للقرآن","lvl":14,"sub":1},{"id":416,"title":"وقال صاحب [ الأمثل ]\rذكر بعض المحققين أن المصادر اليهودية خالية من الدلالة على خصومة جبرائيل لهؤلاء القوم","lvl":14,"sub":2},{"id":416,"title":"قوله تعالى: [من كان عدواً لله وملائكته ورسله وجبريل وميكال... الآية]","lvl":13,"sub":3},{"id":416,"title":"سؤال: لم أفرد [جبريل وميكال] بالذكر مع أنهما أول من يشمله عنوان الملكية والرسالة؟","lvl":14,"sub":4},{"id":417,"title":"قال صاحب الميزان :\rقوله تعالى: [ قل من كان عدواً لجبريل فإنه نزله على قلبك...الآية]","lvl":14,"sub":0},{"id":418,"title":"قوله تعالى: [فإنه نزله على قلبك]","lvl":14,"sub":0},{"id":418,"title":"قوله تعالى: [عدو للكافرين]","lvl":14,"sub":1},{"id":419,"title":"قال ابن عطية(2) : وظهر الاسم في قوله [فإن الله] لئلا يشكل عود الضمير","lvl":14,"sub":0},{"id":419,"title":"وقال العز بن عبد السلام فى تفسيره :\r{عَدُوٌ لِّلْكَافِرِينَ} لم يقل عدو لهم لجواز انتقالهم عن العداوة بالإيمان","lvl":14,"sub":1},{"id":419,"title":"وعلق الإمام القشيري : - رحمه الله - على هذه الآية الكريمة بقوله","lvl":14,"sub":2},{"id":421,"title":"قوله تعالى: [واتبعوا ما تتلوا الشياطين على ملك سليمان]","lvl":13,"sub":0},{"id":421,"title":"قال صاحب الميزان : قوله تعالى: [واتبعوا ما تتلوا الشياطين على ملك سليمان]","lvl":14,"sub":1},{"id":422,"title":"وقال الفخر(2): [ واتبعوا ] - حكاية عمن تقدم ذكره","lvl":14,"sub":0},{"id":423,"title":"قصة الملكين باختصار","lvl":14,"sub":0},{"id":423,"title":"ثم قال الإمام الفخر بعد ذكر هذه القصة:\"واعلم أن هذه الرواية فاسدة مردودة غير مقبولة","lvl":14,"sub":1},{"id":423,"title":"آراء المفسرين في القصة","lvl":14,"sub":2},{"id":429,"title":"ومن هاهنا يظهر للباحث المتأمل: أن هذه الأحاديث كغيرها الواردة في مطاعن الأنبياء وعثراتهم لا تخلو من دس دسه اليهود","lvl":14,"sub":0},{"id":430,"title":"سؤال: ما الموقف من هذه الروايات التي حكم على بعض أسانيدها بالصحة؟","lvl":14,"sub":0},{"id":432,"title":"رواية غريبة","lvl":14,"sub":0},{"id":433,"title":"قوله تعالى: [فيتعلمون منهما ما يفرقون به بين المرء وزوجه]","lvl":13,"sub":0},{"id":433,"title":"(( فائدة ))","lvl":14,"sub":1},{"id":433,"title":"قوله تعالى: [ولقد علموا لمن اشتراه ماله في الآخرة من خلاق]","lvl":13,"sub":2},{"id":433,"title":"سؤال: فإن قيل: قوله تعالى: [ولقد علموا لمن اشتره ماله في الآخرة من خلاق ولبئس ما شروا به أنفسهم لو كانوا يعلمون] أثبت لهم العلم أولاً مؤكداً بلام القسم, ثم نفاه عنهم","lvl":14,"sub":3},{"id":433,"title":"وأجاب الفخر عن هذا السؤال من وجوه","lvl":14,"sub":4},{"id":434,"title":"(( موعظة ))","lvl":14,"sub":0},{"id":434,"title":"قوله تعالى: [ ولو أنهم آمنوا واتقوا لمثوبة من عند الله خير]","lvl":13,"sub":1},{"id":434,"title":"سؤال: فإن قيل كيف قال: [ولو أنهم آمنوا واتقوا لمثوبة من الله خير لو كانوا يعلمون] وإنما يستقيم أن يقال: هذا خير من ذلك إذا كان في كل واحد منهما خير, ولا خير في السحر ؟","lvl":14,"sub":2},{"id":434,"title":"وقال القاسمي(5) : وإنما نسبوا إلى الجهل لعدم العمل بموجب العلم","lvl":14,"sub":3},{"id":435,"title":"قال صاحب الميزان","lvl":14,"sub":0},{"id":438,"title":"(( قصة الملكين ))","lvl":13,"sub":1},{"id":438,"title":"قال الخازن - رحمه الله - \" فصل في القول بعصمة الملائكة \"","lvl":14,"sub":2},{"id":439,"title":"(( قوله تعالى يا أيها الذين آمنوا لا تقولوا راعنا وقولوا انظرنا ))","lvl":13,"sub":0},{"id":439,"title":"قال الفخر : \" اعلم أن الله تعالى خاطب المؤمنين بقوله \" يا أيها الذين آمنوا \" في ثمانية وثمانين موضعاً من القرآن","lvl":14,"sub":1},{"id":440,"title":"\" سبب نزول الآية \"","lvl":14,"sub":0},{"id":441,"title":"\" لا تقولوا راعنا وقولوا انظرنا واسمعوا \"","lvl":14,"sub":0},{"id":441,"title":"قوله تعالى \" واسمعوا \"","lvl":14,"sub":1},{"id":443,"title":"قوله تعالى \" ما ننسخ من آية أو ننسها نأت بخير منها أو مثلها \"","lvl":13,"sub":0},{"id":443,"title":"قال صاحب الفتوحات (1) : النسخ في اللغة الإزالة والنقل","lvl":14,"sub":1},{"id":443,"title":"قال الفخر الرازي (2) : النسخ عندنا جائز عقلاً وواقع سمعاً خلافاً لليهود","lvl":14,"sub":2},{"id":443,"title":"\" أنواع النسخ \"","lvl":14,"sub":3},{"id":444,"title":"\" أهمية معرفة هذا الباب \"","lvl":14,"sub":0},{"id":444,"title":"\" فائدة \"\rاختلف علماؤنا في الأخبار : هل يدخلها النسخ","lvl":14,"sub":1},{"id":444,"title":"\" فائدة أخرى \"","lvl":14,"sub":2},{"id":445,"title":"\" فائدة ثالثة \"في معرفة الناسخ","lvl":14,"sub":0},{"id":445,"title":"[سؤال] فإن قيل : لم قال \" ما ننسخ من آية \" ولم يقل \" من القرآن \" ؟","lvl":14,"sub":1},{"id":445,"title":"قوله تعالى \" أو ننسها \"","lvl":13,"sub":2},{"id":445,"title":"قال ابن كثير","lvl":14,"sub":3},{"id":446,"title":"وقال القرطبي (5) \" أو ننسها \"","lvl":14,"sub":0},{"id":446,"title":"قال ابن عطية :\rوالصحيح في هذا : أن نسيان النبي - صلى الله عليه وسلم -","lvl":14,"sub":1},{"id":447,"title":"\" كلام نفيس في هذا الموضع \"","lvl":14,"sub":0},{"id":448,"title":"\" وكذلك ضعف الزجاج أن تحمل الآية على النسيان الذي هو ضد الذكر","lvl":14,"sub":0},{"id":449,"title":"قال الأستاذ الإمام : ولا شك عندى فى أن هذه الرواية مكذوبة وأن مثل هذا النسيان محال على الأنبياء","lvl":14,"sub":0},{"id":449,"title":"قوله تعالى \" نأت بخير منها أو مثلها \"","lvl":13,"sub":1},{"id":449,"title":"قوله تعالى \" ألم تعلم أن الله على كل شيء قدير \"","lvl":14,"sub":2},{"id":450,"title":"[سؤال] لماذا عدل عن الضمير إلى ذكر الاسم الجليل ؟","lvl":14,"sub":0},{"id":450,"title":"قوله تعالى \" ود كثير من أهل الكتاب .... كفاراً حسداً من عند أنفسهم \"","lvl":13,"sub":1},{"id":450,"title":"\" حقيقة الحسد \"","lvl":14,"sub":2},{"id":450,"title":"\" فائدة \" في باب [الخير]","lvl":14,"sub":3},{"id":451,"title":"\"فائدة فى المنافسة \"","lvl":14,"sub":0},{"id":452,"title":"قوله تعالى \" فاعفوا واصفحوا حتى يأتي الله بأمره \"","lvl":13,"sub":0},{"id":452,"title":"[سؤال] كيف يعفون ويصفحون ، والكفار كانوا أصحاب الشوكة والقوة والدفع لا يكون إلا عند القدرة ؟ .","lvl":14,"sub":1},{"id":452,"title":"قوله تعالى\" وقالوا لن يدخل الجنة إلا من كان هود أو نصارى تلك أمانيهم \"","lvl":13,"sub":2},{"id":453,"title":"اعلم أن اليهود لا تقول في النصارى : إنها تدخل الجنة ، ولا النصارى في اليهود ، فلا بد من تفصيل في الكلام","lvl":14,"sub":0},{"id":453,"title":"فإن قيل : لم قال : \"تلك أمانيهم \" وقولهم :\" لن يدخل الجنة \" أمنية واحدة ؟","lvl":14,"sub":1},{"id":453,"title":"قوله تعالى :\" بلى من أسلم وجهه لله \"","lvl":13,"sub":2},{"id":453,"title":"أما قوله تعالى : (بلى) ففيه وجوه","lvl":14,"sub":3},{"id":454,"title":"[سؤال] لم خص الوجه بالذكر ؟","lvl":14,"sub":0},{"id":454,"title":"قوله تعالى : \" وهو محسن \"","lvl":14,"sub":1},{"id":454,"title":"قوله تعالى \" ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون \"","lvl":14,"sub":2},{"id":455,"title":"\" لطيفة \"","lvl":14,"sub":0},{"id":455,"title":"قوله تعالى \" وقالت اليهود ليست النصارى على شيء \"","lvl":13,"sub":1},{"id":455,"title":"سبب النزول","lvl":14,"sub":2},{"id":455,"title":"[سؤال] فإن قيل : لم وبخهم وقد صدقوا ، بأن كلا الدينين بعد النسخ ليس بشيء ؟ .","lvl":14,"sub":3},{"id":456,"title":"قوله تعالى \" فالله يحكم بينهم يوم القيامة \"","lvl":13,"sub":0},{"id":456,"title":"فيه أربعة أوجه","lvl":14,"sub":1},{"id":456,"title":"قوله تعالى \" ومن أظلم ممن منع مساجد الله أن يذكر فيها اسمه \"","lvl":13,"sub":2},{"id":456,"title":"[سؤال] فإن قيل : كيف يجوز حمل المساجد على مسجد واحد [المسجد الحرام] ؟","lvl":14,"sub":3},{"id":456,"title":"\" وسعى في خرابها \"","lvl":14,"sub":4},{"id":457,"title":"[سؤال] فإن قيل : الاستفهام في قوله تعالى \" ومن أظلم ممن منع مساجد الله ... الآية \" استفهام إنكاري ومعناه النفي","lvl":14,"sub":0},{"id":459,"title":"قوله تعالى \" ولله المشرق والمغرب \"","lvl":13,"sub":0},{"id":459,"title":"قال ابن الجوزي (1) : في نزولها أربعة أقوال","lvl":14,"sub":1},{"id":460,"title":"قوله تعالى : \" وقالوا اتخذ الله ولدا \"","lvl":13,"sub":0},{"id":461,"title":"قوله تعالى \" بل له ما في السماوات والأرض \"","lvl":14,"sub":0},{"id":462,"title":"وقال ابن عطية (2) : وإنما خص السماوات والأرض بالذكر ، لأنهما أعظم ما نرى من مخلوقاته جل وعلا .","lvl":14,"sub":0},{"id":462,"title":"وقال القشيري (5) : في قوله تعالى \" بل له ما في السماوات والأرض كل له قانتون \"","lvl":14,"sub":1},{"id":462,"title":"(( كل له قانتون ))","lvl":13,"sub":2},{"id":462,"title":"[ سؤال ] فإن قيل : كيف عم هذا القول وكثير من الخلق ليس له بمطيع ؟","lvl":14,"sub":3},{"id":463,"title":"قوله تعالى \" بديع السماوات والأرض \"","lvl":13,"sub":0},{"id":464,"title":"وقال القشيري","lvl":14,"sub":0},{"id":464,"title":"\" فائدة \"","lvl":14,"sub":1},{"id":464,"title":"قوله تعالى \" وإذا قضى أمراً فإنما يقول له كن فيكون \"","lvl":13,"sub":2},{"id":464,"title":"[ سؤال ] فإن قيل : المعدم لا يخاطب ؟","lvl":14,"sub":3},{"id":465,"title":"قال علماؤنا : والأمر في القرآن يتصرف على أربعة عشر وجهاً","lvl":14,"sub":0},{"id":467,"title":"وقال أبو الحسن الماوردي فإن قيل : ففي أي حال يقول له كن فيكون ؟ أفي حال عدمه أم في حال وجوده ؟","lvl":14,"sub":0},{"id":467,"title":"قوله تعالى {إِنَّآ أَرْسَلْنَاكَ بِالْحَقِّ بشيرا ونذيرا...}","lvl":13,"sub":1},{"id":467,"title":"قال ابن عرفة قوله تعالى","lvl":14,"sub":2},{"id":468,"title":"قوله تعالى \" ولا تسأل عن أصحاب الجحيم \"","lvl":13,"sub":0},{"id":468,"title":"أقوال العلماء فى الآية الكريمة","lvl":14,"sub":1},{"id":471,"title":"وقال الخطيب الشربيني","lvl":14,"sub":0},{"id":471,"title":"وقال فى التحرير والتنوير","lvl":14,"sub":1},{"id":472,"title":"وقال البقاعى :","lvl":14,"sub":0},{"id":472,"title":"وقال السخاوي : الذي ندين لله تعالى به الكف عنهما وعن الخوض في أحوالهما","lvl":14,"sub":1},{"id":473,"title":"وقال صاحب المنار","lvl":14,"sub":0},{"id":473,"title":"وقال الشيخ محمد الغزالي - رحمه الله - في كتابه","lvl":14,"sub":1},{"id":475,"title":"فائدة","lvl":14,"sub":0},{"id":475,"title":"كلام نفيس للشيخ الشنقيطي رحمه الله ـ فى هذا الموضع","lvl":14,"sub":1},{"id":479,"title":"تعليق","lvl":14,"sub":0},{"id":479,"title":"الفهرس","lvl":14,"sub":1},{"id":486,"title":"قوله تعالى {وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ","lvl":13,"sub":0},{"id":486,"title":"سبب نزول الآية الكريمة","lvl":14,"sub":1},{"id":488,"title":"سؤال : فإن قيل لماذا أمر الله نبيه ـ صلى الله عليه وسلم ـ أن يدعوهم إلى هدى الله ؟","lvl":14,"sub":0},{"id":489,"title":"سؤال : ما معنى الغاية في قوله {حتى تتبع ملتهم}","lvl":14,"sub":0},{"id":490,"title":"سؤال : لم عبر القرآن عن طريقتهم بالملة مرة وبالأهواء أخرى ؟","lvl":14,"sub":0},{"id":491,"title":"فائدة لغوية","lvl":14,"sub":0},{"id":492,"title":"كلام نفيس لأبى حيان فى هذه الآية","lvl":14,"sub":0},{"id":492,"title":"سؤال : لم أضاف الأهواء إليهم ؟","lvl":14,"sub":1},{"id":493,"title":"فائدة جليلة","lvl":14,"sub":0},{"id":493,"title":"سؤال : ما المراد بالذى جاءه من العلم ؟","lvl":14,"sub":1},{"id":494,"title":"فائدة جليلة فى قوله تعالى {وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ} وما شابهها","lvl":14,"sub":0},{"id":494,"title":"فروق دقيقة بين الملة والدين والشريعة","lvl":14,"sub":1},{"id":496,"title":"لطيفة","lvl":14,"sub":0},{"id":496,"title":"بحوث مهمة","lvl":14,"sub":1},{"id":496,"title":"من لطائف الإمام القشيرى فى الآية الكريمة","lvl":14,"sub":2},{"id":497,"title":"كلام نفيس للشيهيد سيد قطب ـ رحمه الله ـ فى الآية الكريمة","lvl":14,"sub":0},{"id":500,"title":"قوله تعالى {الَّذِينَ آَتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلَاوَتِهِ","lvl":13,"sub":0},{"id":500,"title":"سؤال : ما المراد ب {الذين آتيناهم الكتاب} ؟","lvl":14,"sub":1},{"id":501,"title":"سؤال : ما المراد بقوله تعالى {{يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلاَوَتِهِ}","lvl":14,"sub":0},{"id":502,"title":"سؤال : لماذا لم ذكر قوله تعالى{الذين ءاتيناهم الكتاب} بدون واو العطف مع أن الآية نازلة فى حقهم ؟","lvl":14,"sub":0},{"id":503,"title":"سؤال : فإن قيل لم جيء قولُه تعالى : {أولئك يؤمنون به} باسم الإشارة في تعريفهم دون الضمير وغيره ؟","lvl":14,"sub":0},{"id":504,"title":"قوله تعالى {يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ","lvl":13,"sub":0},{"id":504,"title":"فائدة","lvl":14,"sub":1},{"id":504,"title":"كلام نفيس ذكره الإمام البقاعى فى مناسبة هذه الآيات الكريمة وما بعدها لما قبلها","lvl":14,"sub":2},{"id":508,"title":"لطيفة فى قوله تعالى {يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ}","lvl":14,"sub":0},{"id":508,"title":"سؤال : لم كرر هذه الآية ؟","lvl":14,"sub":1},{"id":509,"title":"قوله تعالى {وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ","lvl":13,"sub":0},{"id":509,"title":"سؤال : ما معنى {ابتلى}","lvl":14,"sub":1},{"id":510,"title":"سؤال : لم قدم المفعول على الفعل ؟","lvl":14,"sub":0},{"id":513,"title":"كلام نفيس للقفال فى هذا الموضع","lvl":14,"sub":0},{"id":515,"title":"سؤال : لم سميت تلك الخصال كلمات ؟","lvl":14,"sub":0},{"id":516,"title":"سؤال : لم أوثر النيل على الجعل فى قوله تعالى {قَالَ لا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ} ؟","lvl":14,"sub":0},{"id":520,"title":"سؤال : ما المراد بالإمام فى الآية الكريمة ؟","lvl":14,"sub":0},{"id":522,"title":"سؤال : لم عدل عن التعبير {برسولاً} إلى {إماماً} ؟","lvl":14,"sub":0},{"id":523,"title":"سؤال : فإن قيل : أفما كان إبراهيم عليه الصَّلاة والسَّلام عالماً بأن النبوة لا تليق بالظَّالمين ؟","lvl":14,"sub":0},{"id":524,"title":"سؤال : لم سمي وعد الله عهداً ؟","lvl":14,"sub":0},{"id":536,"title":"ومن لطائف الإمام القشيرى فى الآية","lvl":14,"sub":0},{"id":537,"title":"قوله تعالى {وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِلنَّاسِ وَأَمْنًا","lvl":13,"sub":0},{"id":537,"title":"سؤال : ما المراد بالبيت ؟","lvl":14,"sub":1},{"id":539,"title":"سؤال : فإن قيل : كون البيت مثابة يحصل بمجرد عودهم إليه ، وذلك يحصل بفعلهم لا بفعل الله تعالى ، فما معنى قوله : {وَإِذْ جَعَلْنَا البيت مَثَابَةً لّلنَّاسِ} ؟","lvl":14,"sub":0},{"id":540,"title":"سؤال : فإن قيل : لم سماه الله\"أمنا\" ؟","lvl":14,"sub":0},{"id":541,"title":"كلام نفيس فى معنى {الأمن}","lvl":14,"sub":0},{"id":541,"title":"ومن لطائف الإمام القشيرى فى الآية الكريمة","lvl":14,"sub":1},{"id":543,"title":"كلام نفيس للعلامة ابن القيم فى خواص البيت العتيق","lvl":14,"sub":0},{"id":548,"title":"فائدة فى قوله تعالى {واتخذوا}","lvl":14,"sub":0},{"id":548,"title":"سؤال : ما المراد بقوله {مصلى} ؟","lvl":14,"sub":1},{"id":548,"title":"ومن لطائف الإمام القشيرى فى قوله جلّ ذكره : {وَاتَّخِذُوا مِن مَّقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلَّى} .","lvl":14,"sub":2},{"id":549,"title":"سؤال : فإن قيل : لم يكن هناك بيت ؛ فما معنى أمرهما بتطهيره ؟","lvl":14,"sub":0},{"id":550,"title":"سؤال : لم كان الخطاب فى هذه الآية {وَعَهِدْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ} لـ [إبراهيم ـ وإسماعيل] عليهما السلام وفى سورة الحج اختص بالخليل وحده فى قوله تعالى {وَإِذْ بَوَّأْنَا لإبراهيم مَكَانَ البيت} [الحج : 6 2] ؟","lvl":14,"sub":0},{"id":551,"title":"سؤال : لم أضاف الله البيت إليه ؟","lvl":14,"sub":0},{"id":552,"title":"سؤال : لم جمع الطائف والعاكف جمع سلامة ، وجمع الراكع والساجد جمع تكسير ؟","lvl":14,"sub":0},{"id":553,"title":"قوله تعالى {وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا بَلَدًا آَمِنًا وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ مَنْ آَمَنَ مِنْهُمْ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ","lvl":13,"sub":0},{"id":554,"title":"قوله تعالى {وإذ قال إبراهيم رب} سؤال : لم أسقط حرف النداء {يا} فى قوله {رب} ؟","lvl":14,"sub":0},{"id":555,"title":"سؤال : لم عدل هنا عن بيان المشار إليه ؟","lvl":14,"sub":0},{"id":556,"title":"سؤال : فإن قيل : ما الفائدة في قول إبراهيم عليه الصلاة والسلام : {رَبِّ اجعل هذا بلد آمِناً} ، وقد أخبر الله تعالى قبل ذلك بقوله تعالى : {وَإِذْ جَعَلْنَا البيت مَثَابَةً لِّلنَّاسِ وَأَمْناً} [البقرة : 125] ؟","lvl":14,"sub":0},{"id":557,"title":"سؤال : المطلوب من الله تعالى هو أن يجعل البلد آمناً كثير الخصب ، وهذا مما يتعلق بمنافع الدنيا فكيف يليق بالرسول المعظم طلبها. ؟","lvl":14,"sub":0},{"id":557,"title":"رواية بعيدة تفتقر إلى سند","lvl":14,"sub":1},{"id":559,"title":"سؤال : قوله {رب اجعل هذا بلدا آمنا ( 126 وفي إبراهيم} هذا البلد آمنا","lvl":14,"sub":0},{"id":561,"title":"سؤال : لم قال : {من الثمرات} ، ولم يقل : من الحبوب ؟","lvl":14,"sub":0},{"id":562,"title":"سؤال : لم وصف المتاع بالقلة ؟","lvl":14,"sub":0},{"id":563,"title":"قوله تعالى {وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا","lvl":13,"sub":0},{"id":563,"title":"سؤال : لم كان التعبير بالمضارع {يرفع} دون الماضى فلم يقل : وإذ رفع ؟","lvl":14,"sub":1},{"id":564,"title":"روايات واهية ذكرت فى الآية الكريمة","lvl":14,"sub":0},{"id":572,"title":"فائدة","lvl":14,"sub":0},{"id":572,"title":"لطيفة","lvl":14,"sub":1},{"id":572,"title":"سؤال : فإن قلت : هلا قيل : قواعد البيت ، وأي فرق بين العبارتين ؟","lvl":14,"sub":2},{"id":573,"title":"قوله تعالى {رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا وَتُبْ عَلَيْنَا","lvl":13,"sub":0},{"id":573,"title":"فائدة","lvl":14,"sub":1},{"id":574,"title":"فائدة تكرير النداء بقوله : {ربنا}","lvl":14,"sub":0},{"id":574,"title":"سؤال : فإن قلت : الإسلام إما أن يكون المراد منه الدين والاعتقاد أو الاستسلام والانقياد وقد كانا كذلك حالة هذا الدعاء فيما فائدة هذا الطلب ؟","lvl":14,"sub":1},{"id":578,"title":"سؤال : فإن قلت : لم خص ذريتهما بالدعاء .","lvl":14,"sub":0},{"id":579,"title":"من لطائف الإمام القشيرى فى الآية","lvl":14,"sub":0},{"id":585,"title":"موعظة","lvl":14,"sub":0},{"id":586,"title":"من أقوال يحيى بن معاذ ـ رحمه الله ـ","lvl":14,"sub":0},{"id":589,"title":"قوله تعالى {رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آَيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ","lvl":13,"sub":0},{"id":590,"title":"سؤال وهو أنه يقال : ما الحكمة في ذكر إبراهيم ـ عليه السلام ـ مع محمد ـ صلى الله عليه وسلم ـ في باب الصلاة حيث يقال : اللهم صل على محمد وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم ؟","lvl":14,"sub":0},{"id":591,"title":"سؤال : ما المراد بالحكمة ؟","lvl":14,"sub":0},{"id":594,"title":"كلام نفيس لابن عرفة","lvl":14,"sub":0},{"id":594,"title":"سؤال : لم قال : {فيهم} ولم يقل لهم ؟","lvl":14,"sub":1},{"id":595,"title":"كلام نفيس فى الاسمين الجليلين لحجة الإسلام","lvl":14,"sub":0},{"id":597,"title":"قوله تعالى {وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ","lvl":13,"sub":0},{"id":597,"title":"سبب نزول هذه الآية","lvl":14,"sub":1},{"id":601,"title":"قوله تعالى {إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ","lvl":13,"sub":0},{"id":601,"title":"فائدة","lvl":14,"sub":1},{"id":602,"title":"سؤال : ما معنى الإسلام فى قوله {أسلم} ؟","lvl":14,"sub":0},{"id":606,"title":"فروق لغوية دقيقة الفرق بين الإسلام والإيمان والصلاح","lvl":14,"sub":1},{"id":607,"title":"قوله تعالى {وَوَصَّى بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يَا بَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ","lvl":13,"sub":0},{"id":607,"title":"سؤال : الضمير في ( بها ) إلى أي شيء يعود ؟","lvl":14,"sub":1},{"id":609,"title":"من لطائف السهيلى","lvl":14,"sub":0},{"id":615,"title":"فائدة","lvl":14,"sub":0},{"id":615,"title":"سؤال : لم عطف يعقوب على إبراهيم فى الآية الكريمة ؟","lvl":14,"sub":1},{"id":616,"title":"سؤال : فإن قلت ، لم قال : وصى بها إبراهيم بنيه ولم يقل أمرهم ؟.","lvl":14,"sub":0},{"id":621,"title":"فائدة لغوية","lvl":14,"sub":0},{"id":622,"title":"فروق لغوية دقيقة الفرق بين الدين والملة","lvl":14,"sub":0},{"id":624,"title":"قوله تعالى {أَمْ كُنْتُمْ شُهَدَاءَ إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ إِذْ قَالَ لِبَنِيهِ مَا تَعْبُدُونَ مِنْ بَعْدِي","lvl":13,"sub":0},{"id":624,"title":"سؤال : ما نوع {أم} فى قوله تعالى {أَمْ كُنْتُمْ شُهَدَاءَ} ؟","lvl":14,"sub":1},{"id":625,"title":"فائدة","lvl":14,"sub":0},{"id":625,"title":"سؤال : لفظة {ما} لغير العقلاء فكيف أطلقه في المعبود الحق ؟","lvl":14,"sub":1},{"id":627,"title":"كلام نفيس للشهيد سيد قطب ـ رحمه الله ـ فى الآية الكريمة","lvl":14,"sub":0},{"id":628,"title":"ومن لطائف الإمام القشيرى فى الآية الكريمة","lvl":14,"sub":0},{"id":629,"title":"فروق لغوية دقيقة الفرق بين الولد والابن","lvl":14,"sub":0},{"id":630,"title":"قوله تعالى {تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُمْ مَا كَسَبْتُمْ وَلَا تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ","lvl":13,"sub":0},{"id":630,"title":"كلام نفيس فى الآية الكريمة","lvl":14,"sub":1},{"id":632,"title":"فوائد جليلة دلت عليها الآية الكريمة","lvl":14,"sub":0},{"id":633,"title":"فوائد ولطائف","lvl":14,"sub":0},{"id":633,"title":"ومن لطائف الإمام القشيرى فى الآية الكريمة","lvl":14,"sub":1},{"id":634,"title":"لطيفة","lvl":14,"sub":0},{"id":635,"title":"قوله تعالى {وَقَالُوا كُونُوا هُودًا أَوْ نَصَارَى تَهْتَدُوا قُلْ بَلْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ","lvl":13,"sub":0},{"id":636,"title":"سبب نزول الآية الكريمة","lvl":14,"sub":0},{"id":638,"title":"قوله تعالى {قُولُوا آَمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ","lvl":13,"sub":0},{"id":639,"title":"مناسبة الآية لما قبلها","lvl":14,"sub":0},{"id":639,"title":"سؤال : فإن قيل : كيف يجوز الإيمان بإبراهيم وموسى وعيسى مع القول بأن شرائعهم منسوخة","lvl":14,"sub":1},{"id":640,"title":"سؤال : لم كان التعبير هنا بـ {إلى}{قُولُوا آَمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ} وفى آل عمران كان التعبير بـ {على} {َقل آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ عليْنَا وَمَا أُنْزِلَ علَى إِبْرَاهِيمَ} ؟","lvl":14,"sub":0},{"id":641,"title":"سؤال : لماذا قدم الإيمان بالقرآن على الإيمان بغيره فى قوله تعالى {وما أنزل إلينا}أي : من القرآن . ؟","lvl":14,"sub":0},{"id":643,"title":"فائدة","lvl":14,"sub":0},{"id":643,"title":"سؤال : لم كرر الموصول في قوله : {وَمَآ أُنزِلَ إلى إِبْرَاهِيمَ} ؟","lvl":14,"sub":1},{"id":644,"title":"سؤال : لم عبر بالإيتاء دون الإنزال فى قوله {وَمَا أُوتِىَ موسى وعيسى} ؟","lvl":14,"sub":0},{"id":645,"title":"قوله تعالى {فَإِنْ آَمَنُوا بِمِثْلِ مَا آَمَنْتُمْ بِهِ فَقَدِ اهْتَدَوْا وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا هُمْ فِي شِقَاقٍ فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ","lvl":13,"sub":0},{"id":645,"title":"سؤال : دين الإسلام وهو الحق واحد فما معنى المثل في قوله {بمثل ما آمنتم به} ؟","lvl":14,"sub":1},{"id":645,"title":"ومن لطائف الإمام القشيرى فى الآية الكريمة","lvl":14,"sub":2},{"id":646,"title":"فائدة لغوية","lvl":14,"sub":0},{"id":646,"title":"فوائد","lvl":14,"sub":1},{"id":647,"title":"كلام نفيس فى الآية الكريمة","lvl":14,"sub":0},{"id":648,"title":"قوله تعالى {صِبْغَةَ اللَّهِ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ صِبْغَةً وَنَحْنُ لَهُ عَابِدُونَ","lvl":13,"sub":0},{"id":648,"title":"سؤال : ما المراد بالصبغ ؟","lvl":14,"sub":1},{"id":652,"title":"لطيفة","lvl":14,"sub":0},{"id":652,"title":"فوائد لغوية","lvl":14,"sub":1},{"id":653,"title":"قوله تعالى {قُلْ أَتُحَاجُّونَنَا فِي اللَّهِ وَهُوَ رَبُّنَا وَرَبُّكُمْ وَلَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُخْلِصُونَ","lvl":13,"sub":0},{"id":655,"title":"فوائد لغوية","lvl":14,"sub":0},{"id":657,"title":"كلام نفيس فى الإخلاص","lvl":14,"sub":0},{"id":660,"title":"وقال حجة الإسلام الغزالى ـ رحمه الله","lvl":14,"sub":0},{"id":662,"title":"قوله تعالى {أَمْ تَقُولُونَ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطَ كَانُوا هُودًا أَوْ نَصَارَى","lvl":13,"sub":0},{"id":665,"title":"سؤال : فإن قيل لم أنكر الله تعالى ذلك القول عليهم ؟","lvl":14,"sub":0},{"id":666,"title":"فائدة","lvl":14,"sub":0},{"id":668,"title":"قوله تعالى {تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُمْ مَا كَسَبْتُمْ وَلَا تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ","lvl":13,"sub":0},{"id":668,"title":"مناسبة الآية لما قبلها","lvl":14,"sub":1},{"id":668,"title":"سؤال : فإن قيل : لم كررت هذه الآية ؟","lvl":14,"sub":2},{"id":669,"title":"فائدة","lvl":14,"sub":0},{"id":670,"title":"قوله تعالى {سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ مِنَ النَّاسِ مَا وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا","lvl":13,"sub":0},{"id":670,"title":"لطيفة","lvl":14,"sub":1},{"id":671,"title":"مناسبة الآية الكريمة لما قبلها","lvl":14,"sub":0},{"id":671,"title":"سؤال : فيمن نزلت هذه الآية ؟","lvl":14,"sub":1},{"id":673,"title":"فائدة فى معنى السفه","lvl":14,"sub":0},{"id":673,"title":"سؤال : لم سماهم سفهاء ؟","lvl":14,"sub":1},{"id":674,"title":"سؤال : لم أضيفت القبلة إلى ضمير المسلمين فى قوله تعالى {عَنْ قِبْلَتِهِمُ} ؟","lvl":14,"sub":0},{"id":675,"title":"فائدة","lvl":14,"sub":0},{"id":676,"title":"فوائد","lvl":14,"sub":0},{"id":677,"title":"سؤال : لم عبر بلفظ الغيبة فى قوله تعالى {مَا وَلاّهُمْ عَن قِبْلَتِهِمْ . . .}","lvl":14,"sub":0},{"id":678,"title":"فائدة","lvl":14,"sub":0},{"id":678,"title":"سؤال : لم نكر الصراط ؟","lvl":14,"sub":1},{"id":679,"title":"لطيفة","lvl":14,"sub":0},{"id":681,"title":"كلمة العلم الحديث فى إثبات توسط مكة المكرمة لليابسة","lvl":14,"sub":0},{"id":685,"title":"قوله تعالى {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا","lvl":13,"sub":0},{"id":685,"title":"سؤال : الكاف في {كذلك} كاف التشبيه ، والمشبه به أي شيء هو ؟","lvl":14,"sub":1},{"id":688,"title":"كلام نفيس لصاحب التحرير والتنوير","lvl":14,"sub":0},{"id":690,"title":"سؤال : فإن قيل : لم قدم المجرور في قوله {عليكم شهيدا} وآخره في قوله {شهداء على الناس} ؟","lvl":14,"sub":0},{"id":691,"title":"فائدة","lvl":14,"sub":0},{"id":693,"title":"سؤال : ما معنى الانقلاب ؟ ولم قيده بقوله {على عقبيه} ؟","lvl":14,"sub":0},{"id":696,"title":"كلام نفيس لصاحب المنار","lvl":14,"sub":0},{"id":700,"title":"سؤال : ما الفرق بين الرأفة والرحمة ؟","lvl":14,"sub":0},{"id":701,"title":"قوله تعالى {قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ","lvl":13,"sub":0},{"id":701,"title":"فائدة","lvl":14,"sub":1},{"id":702,"title":"لطيفة","lvl":14,"sub":0},{"id":702,"title":"سؤال : فإن قيل : أكان رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ غير راض ببيت المقدس أن يكون له قبلة ، حتى قال تعالى له في الكعبة {فَلَنُوَلِّيَنَّكْ قِبْلَةً تَرْضَاهَا} ؟","lvl":14,"sub":1},{"id":703,"title":"سؤال : ما المراد من الوجه ههنا ؟","lvl":14,"sub":0},{"id":704,"title":"فائدة","lvl":14,"sub":0},{"id":704,"title":"سؤال : هل فى الآية الكريمة تكرار ؟","lvl":14,"sub":1},{"id":705,"title":"من لطائف الإمام القشيرى فى الآية الكريمة","lvl":14,"sub":0},{"id":706,"title":"قوله تعالى {وَلَئِنْ أَتَيْتَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ بِكُلِّ آَيَةٍ مَا تَبِعُوا قِبْلَتَكَ وَمَا أَنْتَ بِتَابِعٍ قِبْلَتَهُمْ","lvl":13,"sub":0},{"id":707,"title":"سؤال : ما المراد بالذين أوتوا الكتاب ؟","lvl":14,"sub":0},{"id":709,"title":"سؤال : لم أضاف القبلة إلى ضميره ـ صلى الله عليه وسلم ـ ؟","lvl":14,"sub":0},{"id":710,"title":"فائدة","lvl":14,"sub":0},{"id":710,"title":"سؤال : لم أفرد القبلة فى قوله تعالى {وَمَا أَنتَ بِتَابِعٍ قِبْلَتَهُمْ} ؟","lvl":14,"sub":1},{"id":711,"title":"سؤال : من المخاطب فى الآية الكريمة ؟","lvl":14,"sub":0},{"id":715,"title":"من أنفس ما قيل فى هذا الموضع وما شابهه","lvl":14,"sub":0},{"id":717,"title":"لطيفة","lvl":14,"sub":0},{"id":721,"title":"سؤال : لم خص الأبناء الذكور ؟","lvl":14,"sub":0},{"id":723,"title":"سؤال : لم عدل عن أن يقال يعلمونه إلى {يعرفونه} ؟","lvl":14,"sub":0},{"id":724,"title":"سؤال : لم خص الفريق ؟","lvl":14,"sub":0},{"id":725,"title":"فائدة","lvl":14,"sub":0},{"id":725,"title":"من لطائف الإمام القشيرى فى الآية","lvl":14,"sub":1},{"id":726,"title":"قوله تعالى {الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ (147)}","lvl":13,"sub":0},{"id":726,"title":"فائدة","lvl":14,"sub":1},{"id":727,"title":"سؤال : فإن قلت : النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ لم يمتر ولم يشك فما معنى هذا النهي ؟ .","lvl":14,"sub":0},{"id":729,"title":"قوله تعالى {وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ أَيْنَ مَا تَكُونُوا يَأْتِ بِكُمُ اللَّهُ جَمِيعًا","lvl":13,"sub":0},{"id":729,"title":"سؤال : ما المراد بقوله : {وَلِكُلٍّ} ؟","lvl":14,"sub":1},{"id":730,"title":"سؤال ما المراد بقوله {وجهة} ؟","lvl":14,"sub":0},{"id":731,"title":"سؤال : ما مرجع الضمير المنفصل {هو} ؟","lvl":14,"sub":0},{"id":733,"title":"موعظة","lvl":14,"sub":0},{"id":735,"title":"قوله تعالى {وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِنَّهُ لَلْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ","lvl":13,"sub":0},{"id":741,"title":"فائدة","lvl":14,"sub":0},{"id":742,"title":"قوله تعالى {لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ}","lvl":13,"sub":0},{"id":742,"title":"لطيفة","lvl":14,"sub":1},{"id":742,"title":"سؤال : ما فائدة هذا القيد {ومّنْ حَيْثُ خَرَجْتَ}","lvl":14,"sub":2},{"id":743,"title":"سؤال : من المراد من ( الناس ) ؟","lvl":14,"sub":0},{"id":744,"title":"سؤال : لم وصف الحجة بالاستعلاء {عليكم حجة} ؟","lvl":14,"sub":0},{"id":745,"title":"سؤال : قال ابن عرفة : كيف ينهى المكلف عن فعل أمر هو فيه بالطبع لأن الخوف من العدو أمر جبلي لا يستطيع الإنسان زواله ؟","lvl":14,"sub":0},{"id":747,"title":"فروق لغوية دقيقة الفرق بين الإنعام والإحسان","lvl":14,"sub":0},{"id":749,"title":"لطيفة لغوية","lvl":14,"sub":0},{"id":749,"title":"سؤال : إن قلت : هذا تكرار لأن الهداية من جملة ( النعم ) ؟","lvl":14,"sub":1},{"id":750,"title":"فوائد","lvl":14,"sub":0},{"id":750,"title":"من لطائف الإمام القشيرى فى آيات القبلة","lvl":14,"sub":1},{"id":751,"title":"قوله تعالى {كَمَا أَرْسَلْنَا فِيكُمْ رَسُولًا مِنْكُمْ يَتْلُو عَلَيْكُمْ آَيَاتِنَا وَيُزَكِّيكُمْ","lvl":13,"sub":0},{"id":751,"title":"مناسبة الآية لما قبلها","lvl":14,"sub":1},{"id":758,"title":"سؤال : لم قدمت جملة : {ويزكيكم على جملة : ويعلمكم الكتاب والحكمة هنا عكس ما في الآية السابقة في حكاية قول إبراهيم : {يتلوا عليهم أياتك ويعلمهم الكتاب والحكمة ويزكيهم} [البقرة : 129] ؟","lvl":14,"sub":0},{"id":759,"title":"سؤال : لم خص تعليم الحكمة من عموم تعليم الكتاب ؟","lvl":14,"sub":0},{"id":761,"title":"فائدة","lvl":14,"sub":0},{"id":761,"title":"سؤال : لم أعاد قوله : {ويعلمكم} مع صحة الاستغناء عنه بالعطف ؟","lvl":14,"sub":1},{"id":764,"title":"فائدة","lvl":14,"sub":0},{"id":764,"title":"كلام نفيس السعدى ـ رحمه الله ـ فى الآية الكريمة","lvl":14,"sub":1},{"id":765,"title":"قوله تعالى {فَاذْكُرُونِى أَذْكُرْكُمْ}","lvl":13,"sub":0},{"id":766,"title":"من أقوال العلماء فى الآية الكريمة","lvl":14,"sub":0},{"id":774,"title":"فائدة","lvl":14,"sub":0},{"id":776,"title":"كلام نفيس فى هذا الموضع","lvl":14,"sub":0},{"id":777,"title":"قوله تعالى {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ","lvl":13,"sub":0},{"id":777,"title":"مناسبة الآية لما قبلها","lvl":14,"sub":1},{"id":778,"title":"سؤال : لم افتُتح الكلام بالنداء ؟","lvl":14,"sub":0},{"id":780,"title":"فائدة","lvl":14,"sub":0},{"id":780,"title":"سؤال : إن قيل لم قال {إن الله مع الصابرين} ولم يقل مع المصلين وقال فى الآية الأخرى {واستعينوا بالصبر والصلوة وإنها لكبيرة} فاعتبر الصلاة دون الصبر ؟","lvl":14,"sub":1},{"id":790,"title":"موعظة","lvl":14,"sub":0},{"id":792,"title":"قوله تعالى {وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتٌ بَلْ أَحْيَاءٌ وَلَكِنْ لَا تَشْعُرُونَ","lvl":13,"sub":0},{"id":792,"title":"سبب نزول الآية","lvl":14,"sub":1},{"id":795,"title":"فوائد","lvl":14,"sub":0},{"id":795,"title":"سؤال : لم عطف النهى فى قوله تعالى {وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتٌ} على الأمر فى الآية السابقة {اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ} ؟","lvl":14,"sub":1},{"id":798,"title":"سؤال : ما ماالمراد من قوله {بل إحياء} ؟","lvl":14,"sub":0},{"id":799,"title":"سؤال : فإن قيل : فنحن نراهم موتى ، فما وجه النهي ؟","lvl":14,"sub":0},{"id":800,"title":"كلام نفيس للعلامة ابن القيم فى هذا الموضع","lvl":14,"sub":0},{"id":802,"title":"سؤال : إن قلت : هلا قيل : لمن قتل في سبيل الله بلفظ الماضي ؟","lvl":14,"sub":0},{"id":803,"title":"سؤال : فإن قلت : ليس سائر المطيعين من المسلمين لله يصل إليهم من نعيم الجنة في قبورهم فلم خصص الشهداء بالذكر ؟ .","lvl":14,"sub":0},{"id":809,"title":"قوله تعالى {وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ","lvl":13,"sub":0},{"id":809,"title":"مناسبة الآية لما قبلها","lvl":14,"sub":1},{"id":810,"title":"سؤال : فإن قيل إنه تعالى قال : {واشكروا لِي وَلاَ تَكْفُرُونِ} [البقرة : 152] والشكر يوجب المزيد على ما قال : {لَئِن شَكَرْتُمْ لازِيدَنَّكُمْ} فكيف أردفه بقوله : {وَلَنَبْلُوَنَّكُم بِشَيْءٍ مِّنَ الخوف} ؟ .","lvl":14,"sub":0},{"id":811,"title":"سؤال : ما الحكمة في تقديم تعريف هذا الابتلاء ؟","lvl":14,"sub":0},{"id":812,"title":"فروق لغوية دقيقة الفرق بين البلاء والنقمة","lvl":14,"sub":0},{"id":813,"title":"فائدة فى تقديم الخوف على الجوع ونقص الأموال والأنفس والثمرات","lvl":14,"sub":0},{"id":813,"title":"سؤال : من المخاطب فى الآية ؟","lvl":14,"sub":1},{"id":814,"title":"فوائد","lvl":14,"sub":0},{"id":816,"title":"سؤال : لماذا قال بشيء ولم يقل بأشياء ؟","lvl":14,"sub":0},{"id":818,"title":"فروق لغوية دقيقة الفرق بين الخوف والحذر والخشية والفزع","lvl":14,"sub":0},{"id":821,"title":"موعظة فى الخوف والرجاء","lvl":14,"sub":0},{"id":825,"title":"فائدة","lvl":14,"sub":0},{"id":825,"title":"قال حجة الإسلام الغزالي ـ رحمه الله","lvl":14,"sub":1},{"id":827,"title":"قوله تعالى {الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ","lvl":13,"sub":0},{"id":827,"title":"سؤال : ما الحكمة فى أنه تعالى عمم المصيبة ولم يضفها إلى نفسه ؟","lvl":14,"sub":1},{"id":829,"title":"فوائد جليلة","lvl":14,"sub":0},{"id":831,"title":"قوله تعالى {أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ}","lvl":13,"sub":0},{"id":831,"title":"فائدة","lvl":14,"sub":1},{"id":831,"title":"لطيفة","lvl":14,"sub":2},{"id":831,"title":"من لطائف الإمام القشيرى فى الآية","lvl":14,"sub":3},{"id":835,"title":"قوله تعالى {إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ","lvl":13,"sub":0},{"id":835,"title":"سبب نزول الآية","lvl":14,"sub":1},{"id":836,"title":"مناسبة الآية لما قبلها","lvl":14,"sub":0},{"id":842,"title":"سؤال : ما الحكمة في شرع هذا السعي ؟","lvl":14,"sub":0},{"id":843,"title":"فائدة","lvl":14,"sub":0},{"id":848,"title":"فائدة","lvl":14,"sub":0},{"id":850,"title":"من لطائف حجة الإسلام الغزالى فى الآية الكريمة","lvl":14,"sub":0},{"id":853,"title":"قوله تعالى {إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ","lvl":13,"sub":0},{"id":853,"title":"مناسبة الآية لما قبلها","lvl":14,"sub":1},{"id":853,"title":"سبب نزول الآية","lvl":14,"sub":2},{"id":857,"title":"فائدة","lvl":14,"sub":0},{"id":857,"title":"كلام نفيس للإمام الجصاص فى هذا الموضع","lvl":14,"sub":1},{"id":862,"title":"سؤال : لم أسقط فاء السبب فى كلمة {أولئك}","lvl":14,"sub":0},{"id":863,"title":"سؤال : ما سر الالتفات إلى الغيبة ؟","lvl":14,"sub":0},{"id":864,"title":"فوائد وفرائد نفيسة","lvl":14,"sub":0},{"id":872,"title":"سؤال : فإنْ قيل : كيْفَ يلْعَنُهُ النَّاس أَجْمَعُونَ ، وأهْلُ [دينِهِ لا يلْعَنُونَه] ؟ .","lvl":14,"sub":0},{"id":873,"title":"سؤال : فإن قيل : كَيْفَ يصحُّ اللعْنُ من البهائِمِ ، والجَمَادَاتِ ؟","lvl":14,"sub":0},{"id":875,"title":"قوله تعالى {إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَبَيَّنُوا فَأُولَئِكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَأَنَا التَّوَّابُ الرَّحِيمُ","lvl":13,"sub":0},{"id":875,"title":"مناسبة الآية لما قبلها","lvl":14,"sub":1},{"id":876,"title":"سؤال ما نوع الاستثناء ؟","lvl":14,"sub":0},{"id":878,"title":"فروق لغوية دقيقة الفرق بين التوبة والاعتذار","lvl":14,"sub":0},{"id":879,"title":"قوله تعالى {إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَمَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ اللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ","lvl":13,"sub":0},{"id":879,"title":"مناسبة الآية لما قبلها","lvl":14,"sub":1},{"id":883,"title":"فائدة","lvl":14,"sub":0},{"id":883,"title":"سؤال : لم قال هنا {والناس أجمعين} دون الآية السابقة ؟","lvl":14,"sub":1},{"id":885,"title":"قوله تعالى {وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ","lvl":13,"sub":0},{"id":885,"title":"مناسبة الآية لما قبلها","lvl":14,"sub":1},{"id":885,"title":"سؤال : لم آثر الجملةِ الاسميةِ ؟","lvl":14,"sub":2},{"id":886,"title":"فروق لغوية دقيقة الفرق بين الكفر والإلحاد","lvl":14,"sub":0},{"id":887,"title":"مناسبة الآية لما قبلها","lvl":14,"sub":0},{"id":892,"title":"سؤال ما معنى الإله ؟","lvl":14,"sub":0},{"id":894,"title":"فروق لغوية دقيقة الفرق بين الفرد والواحد والوحدانية وما يجري مع ذلك","lvl":14,"sub":0},{"id":897,"title":"لطيفة","lvl":14,"sub":1},{"id":898,"title":"من لطائف الإمام القشيرى فى الآية","lvl":14,"sub":0},{"id":901,"title":"قوله تعالى {إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ","lvl":13,"sub":0},{"id":901,"title":"سبب نزولها","lvl":14,"sub":1},{"id":902,"title":"مناسبة الآية لما قبلها","lvl":14,"sub":0},{"id":913,"title":"فوائد ولطائف","lvl":14,"sub":0},{"id":913,"title":"سؤال : لم قدم الليل على النهار ؟","lvl":14,"sub":1},{"id":916,"title":"سؤال : لماذا جمع السماوات وأفرد الأرض ؟","lvl":14,"sub":0},{"id":917,"title":"سؤال : لم خص الفلك بالذكر ؟","lvl":14,"sub":0},{"id":918,"title":"سؤال : لم عقب تصريف الرياح بالسحاب ؟ ولم أخر تصريف الرياح وتسخير السحاب في الذكر عن جريان الفلك ؟","lvl":14,"sub":0},{"id":919,"title":"فائدة","lvl":14,"sub":0},{"id":921,"title":"كلام نفيس للإمام الفخر","lvl":14,"sub":0},{"id":922,"title":"فائدة","lvl":14,"sub":0},{"id":927,"title":"من لطائف الإمام القشيرى فى الآية","lvl":14,"sub":0},{"id":936,"title":"قوله تعالى {وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذِينَ آَمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ","lvl":13,"sub":0},{"id":936,"title":"مناسبة الآية لما قبلها","lvl":14,"sub":1},{"id":939,"title":"سؤال ما معنى الند ؟","lvl":14,"sub":0},{"id":940,"title":"سؤال : فإن قيل : إذا كان المؤمنون أشد حباً لله فما معنى قوله : {يُحِبُّونَهُمْ كَحُبّ الله} ؟","lvl":14,"sub":0},{"id":943,"title":"سؤال : لم أظهر الاسم الجليل ؟","lvl":14,"sub":0},{"id":949,"title":"سؤال : فإن قيل : كيف يمكن أن يقال محبة المؤمنين لله تعالى أشد مع أنا نرى الهنود يأتون بطاعات شاقة لا يأتي بشيء منها أحد من المسلمين ولا يأتون بها إلا لله تعالى ثم يقتلون أنفسهم حباً لله ؟.","lvl":14,"sub":0},{"id":951,"title":"من لطائف ونفائس الإمام القشيرى فى الآية الكريمة","lvl":14,"sub":0},{"id":962,"title":"لطيفة","lvl":14,"sub":0},{"id":963,"title":"موعظة","lvl":14,"sub":0},{"id":966,"title":"سؤال : إن قيل : كيف جاء قوله : {وَلَوْ يَرَى الذين ظَلَمُواْ} وهو مستقبل مع قوله : {إِذْ يَرَوْنَ العذاب} و( إذ ) للماضي ؟","lvl":14,"sub":0},{"id":971,"title":"سؤال : لم حذف جواب {لو} ؟","lvl":14,"sub":0},{"id":972,"title":"قوله تعالى {إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا وَرَأَوُا الْعَذَابَ وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الْأَسْبَابُ","lvl":13,"sub":0},{"id":972,"title":"مناسبة الآية لما قبلها","lvl":14,"sub":1},{"id":974,"title":"سؤال : ما المراد بالأسباب ؟","lvl":14,"sub":0},{"id":975,"title":"فائدة لغوية","lvl":14,"sub":0},{"id":977,"title":"لطيفة بلاغية","lvl":14,"sub":0},{"id":978,"title":"قوله تعالى {وَقَالَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا لَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً فَنَتَبَرَّأَ مِنْهُمْ كَمَا تَبَرَّءُوا مِنَّا","lvl":13,"sub":0},{"id":979,"title":"فائدة","lvl":14,"sub":0},{"id":980,"title":"سؤال : فإن قلت هم إذا رجعوا رجعوا جميعاً عالمين بالحق فلا يدعوهم الرؤساء إلى عبادة الأوثان حتى يمتنعوا من إجابتهم .","lvl":14,"sub":0},{"id":981,"title":"سؤال : لم أضيفت الأعمال إليهم ؟","lvl":14,"sub":0},{"id":983,"title":"فائدة","lvl":14,"sub":0},{"id":984,"title":"قوله تعالى {يَا أَيُّهَا النَّاسُ كُلُوا مِمَّا فِي الْأَرْضِ حَلَالًا طَيِّبًا وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ","lvl":13,"sub":0},{"id":984,"title":"مناسبة الآية لما قبلها","lvl":14,"sub":1},{"id":992,"title":"لطيفة","lvl":14,"sub":0},{"id":999,"title":"قوله تعالى : {إِنَّمَا يَأْمُرُكُم بالسوء والفحشاء وَأَن تَقُولُواْ عَلَى الله مَا لاَ تَعْلَمُونَ}","lvl":13,"sub":0},{"id":1002,"title":"فائدة بلاغية","lvl":14,"sub":0},{"id":1004,"title":"فائدة","lvl":14,"sub":0},{"id":1004,"title":"سؤال : فإن قلت : كيف كان الشيطان آمراً مع قوله : {لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سلطان} [الحجر : 42] ؟","lvl":14,"sub":1},{"id":1006,"title":"قوله تعالى {وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آَبَاءَنَا","lvl":13,"sub":0},{"id":1006,"title":"مناسبة الآية لما قبلها","lvl":14,"sub":1},{"id":1018,"title":"قوله تعالى {وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِمَا لَا يَسْمَعُ إِلَّا دُعَاءً وَنِدَاءً صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَعْقِلُونَ","lvl":13,"sub":0},{"id":1018,"title":"مناسبة الآية لما قبلها","lvl":14,"sub":1},{"id":1025,"title":"كلام نفيس للبقاعى","lvl":14,"sub":0},{"id":1031,"title":"سؤالٌ ذكره عليُّ بن عيسى ، وهو هل هذا من باب التَّكرار لمَّا اختلف اللَّفظ ، فإنَّ الدعاء والنِّداء واحدٌ ؟","lvl":14,"sub":0},{"id":1033,"title":"فائدة","lvl":14,"sub":0},{"id":1034,"title":"موعظة","lvl":14,"sub":0},{"id":1034,"title":"من لطائف الإمام القشيرى فى الآية","lvl":14,"sub":1},{"id":1036,"title":"قوله تعالى {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَاشْكُرُوا لِلَّهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ (172) }","lvl":13,"sub":0},{"id":1036,"title":"مناسبة الآية لما قبلها","lvl":14,"sub":1},{"id":1039,"title":"فائدة","lvl":14,"sub":0},{"id":1039,"title":"لطيفة","lvl":14,"sub":1},{"id":1040,"title":"قوله تعالى {مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ }","lvl":13,"sub":0},{"id":1040,"title":"سؤال : لم أسند الرزق إلى ضمير المتكلم بنون العظمة ؟","lvl":14,"sub":1},{"id":1040,"title":"فصل في الوجوه التي وردت عليها كلمة \" الطَّيِّب \" في القرآن","lvl":14,"sub":2},{"id":1041,"title":"فائدة","lvl":14,"sub":0},{"id":1042,"title":"قوله تعالى {واشكروا لله }","lvl":13,"sub":0},{"id":1042,"title":"لطيفة","lvl":14,"sub":1},{"id":1043,"title":"قوله تعالى{إن كنتم إياه تعبدون }","lvl":13,"sub":0},{"id":1043,"title":"سؤال : لم عدل عن الضمير إلى الاسم الظاهر فى قوله تعالى {وَاشْكُرُوا لِلَّهِ} ؟","lvl":14,"sub":1},{"id":1044,"title":"لطيفة","lvl":14,"sub":0},{"id":1045,"title":"قوله تعالى {إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (173)}","lvl":13,"sub":0},{"id":1046,"title":"مناسبة الآية لما قبلها","lvl":14,"sub":0},{"id":1049,"title":"فائدة","lvl":14,"sub":0},{"id":1050,"title":"فائدة","lvl":14,"sub":0},{"id":1050,"title":"سؤال : فإن قلت في الميتات ما يحل وهو السمك والجراد .","lvl":14,"sub":1},{"id":1051,"title":"كلام نفيس فى الآية الكريمة للإمام البقاعى :","lvl":14,"sub":0},{"id":1055,"title":"فائدة","lvl":14,"sub":0},{"id":1055,"title":"سؤال : ما الحكمة من تحريم الميتة ؟","lvl":14,"sub":1},{"id":1056,"title":"قوله تعالى {ولحم الخنزير}","lvl":13,"sub":0},{"id":1058,"title":"سؤال : فإن قلت : هلا قيل : إنما حرم عليكم لحم الميتة كما قال : لحم الخنزير؟","lvl":14,"sub":0},{"id":1059,"title":"سؤال : سمي الذبح إهلالاً ؟","lvl":14,"sub":0},{"id":1060,"title":"قوله تعالى {فَمَنِ اضْطُرَّ }","lvl":13,"sub":0},{"id":1060,"title":"فائدة","lvl":14,"sub":1},{"id":1061,"title":"أسئلة وأجوبة","lvl":14,"sub":0},{"id":1063,"title":"فائدة","lvl":14,"sub":0},{"id":1064,"title":"فوائد ونفائس ومسائل","lvl":14,"sub":0},{"id":1073,"title":"فائدة","lvl":14,"sub":0},{"id":1074,"title":"لطيفة","lvl":14,"sub":0},{"id":1075,"title":"فوائد ودقائق","lvl":14,"sub":0},{"id":1079,"title":"من لطائف الإعجاز العلمى","lvl":14,"sub":0},{"id":1080,"title":"1 ـ فلسفة تحريم اللحوم المحرمة:","lvl":14,"sub":0},{"id":1088,"title":"الأضرار الصحية لتناول لحم الخنزير","lvl":14,"sub":0},{"id":1089,"title":"الأمراض التي ينقلها الخنزير","lvl":14,"sub":0},{"id":1089,"title":"حكمة التحريم","lvl":14,"sub":1},{"id":1091,"title":"قوله تعالى {إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ الْكِتَابِ وَيَشْتَرُونَ بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا أُولَئِكَ مَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ إِلَّا النَّارَ","lvl":13,"sub":0},{"id":1091,"title":"مناسبة الآية لما قبلها","lvl":14,"sub":1},{"id":1093,"title":"وقال الشيخ ابن عاشور فى مناسبة الآية لما قبلها :","lvl":14,"sub":0},{"id":1096,"title":"فائدة","lvl":14,"sub":0},{"id":1097,"title":"قوله تعالى {وَيَشْتَرُونَ بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا}","lvl":13,"sub":0},{"id":1097,"title":"سؤال : لم سماه قليلاً ؟","lvl":14,"sub":1},{"id":1098,"title":"قوله تعالى {أُولَئِكَ مَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ إِلَّا النَّارَ وَلَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ}","lvl":13,"sub":0},{"id":1098,"title":"سؤال : ما وجه الجمع بين قوله تعالى : {أولئك مَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ إِلاَّ النار . . .} .","lvl":14,"sub":1},{"id":1100,"title":"كلام نفيس للعلامة ابن عاشور فى هذا الموضع","lvl":14,"sub":0},{"id":1102,"title":"فائدة","lvl":14,"sub":0},{"id":1104,"title":"قوله تعالى {أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلَالَةَ بِالْهُدَى وَالْعَذَابَ بِالْمَغْفِرَةِ فَمَا أَصْبَرَهُمْ عَلَى النَّارِ (175)}","lvl":13,"sub":0},{"id":1104,"title":"مناسبة الآية لما قبلها","lvl":14,"sub":1},{"id":1104,"title":"فائدة","lvl":14,"sub":2},{"id":1106,"title":"قوله تعالى {والعذاب بالمغفرة}","lvl":13,"sub":0},{"id":1106,"title":"سؤال : لم أفردت المغفرة ؟","lvl":14,"sub":1},{"id":1109,"title":"قوله تعالى {ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ نَزَّلَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِي الْكِتَابِ لَفِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ (176)}","lvl":13,"sub":0},{"id":1109,"title":"مناسبة الآية لما قبلها","lvl":14,"sub":1},{"id":1109,"title":"بحث في التعجب","lvl":14,"sub":2},{"id":1111,"title":"سؤال : أين المشار إليه فى قوله {ذلك} ؟","lvl":14,"sub":0},{"id":1112,"title":"كلام نفيس للإمام الفخر فى هذا الموضع","lvl":14,"sub":0},{"id":1114,"title":"فائدة","lvl":14,"sub":0},{"id":1114,"title":"ومن لطائف الإمام القشيرى فى الآية","lvl":14,"sub":1},{"id":1115,"title":"قوله تعالى {لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آَمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ","lvl":13,"sub":0},{"id":1115,"title":"مناسبة الآية لما قبلها","lvl":14,"sub":1},{"id":1119,"title":"فصل في اختلافهم في عموم هذا الخطاب وخصوصه.","lvl":14,"sub":0},{"id":1123,"title":"فصل في المشار إليه بالضمير","lvl":14,"sub":0},{"id":1125,"title":"قوله تعالى {ولكن البر مَنْ آمَنَ بالله }","lvl":13,"sub":0},{"id":1125,"title":"ههنا سؤال : وهو أنه تعالى نفى أن يكون التوجه إلى القبلة براً ثم حكم بأن البر مجموع أمور أحدها الصلاة ولا بد فيها من استقبال فيلزم التناقض","lvl":14,"sub":1},{"id":1128,"title":"فوائد ونفائس وأسئلة وأجوبة","lvl":14,"sub":0},{"id":1129,"title":"سؤال : ما نوع {أل} فى قوله {والكتاب }","lvl":14,"sub":0},{"id":1130,"title":"قوله تعالى {وآتى المال على حبه}","lvl":13,"sub":0},{"id":1137,"title":"قوله تعالى {والمسكين وابن السبيل}","lvl":13,"sub":0},{"id":1147,"title":"فصل في بلاغة قوله \" والمُوفُونَ \" دون \" وأَوْفَى \"","lvl":14,"sub":0},{"id":1148,"title":"قوله تعالى : {والصابرين فِى البأساء والضراء وَحِينَ البأس}","lvl":13,"sub":0},{"id":1151,"title":"فائدة","lvl":14,"sub":0},{"id":1153,"title":"فوائد وأسئلة وأجوبة فى الآية الكريمة لابن عرفة","lvl":14,"sub":0},{"id":1156,"title":"قوله تعالى {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالْأُنْثَى بِالْأُنْثَى","lvl":13,"sub":0},{"id":1158,"title":"مناسبة الآية لما قبلها","lvl":14,"sub":0},{"id":1161,"title":"قوله تعالى : {كُتِبَ عَلَيْكُمْ }","lvl":13,"sub":0},{"id":1162,"title":"كلام نفيس للخازن فى هذه الآية","lvl":14,"sub":0},{"id":1168,"title":"إشكال وجوابه للعلامة الطاهر ابن عاشور","lvl":14,"sub":0},{"id":1170,"title":"فائدة","lvl":14,"sub":0},{"id":1170,"title":"سؤال : قوله تعالى: {كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى} هذه الآية تدل بظاهرها على أن القصاص أمر حتم لابد منه بدليل قوله تعالى كتب عليكم لأن معناه فرض وحتم عليكم مع أنه تعالى ذكر أيضا أن القصاص ليس بمتعين","lvl":14,"sub":1},{"id":1171,"title":"قوله تعالى {الحر بِالْحُرّ والعبد بالعبد والأنثى بالأنثى}","lvl":13,"sub":0},{"id":1175,"title":"قوله تعالى {فَمَنْ عُفِىَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَىْء }","lvl":13,"sub":0},{"id":1175,"title":"المناسبة","lvl":14,"sub":1},{"id":1182,"title":"أبحاث لفظية في معرض السؤال والجواب للعلامة فخر الدين الرازى","lvl":14,"sub":0},{"id":1184,"title":"قوله تعالى {فاتباع بالمعروف وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بإحسان }","lvl":13,"sub":0},{"id":1185,"title":"قوله تعالى {ذلك تَخْفِيفٌ مّن رَّبّكُمْ وَرَحْمَةٌ }","lvl":13,"sub":0},{"id":1185,"title":"المناسبة","lvl":14,"sub":1},{"id":1187,"title":"قوله تعالى {فَمَنِ اعتدى بَعْدَ ذلك }","lvl":13,"sub":0},{"id":1188,"title":"أسئلة وأجوبة دقيقة لابن عرفة","lvl":14,"sub":0},{"id":1193,"title":"فائدة","lvl":14,"sub":0},{"id":1195,"title":"(بحث علمي فى القصاص)","lvl":14,"sub":0},{"id":1199,"title":"قوله تعالى {وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (179)}","lvl":13,"sub":0},{"id":1199,"title":"مناسبة الآية لما قبلها","lvl":14,"sub":1},{"id":1202,"title":"فائدة","lvl":14,"sub":0},{"id":1204,"title":"كلام نفيس للعلامة ابن عاشور فى الآية الكريمة","lvl":14,"sub":0},{"id":1207,"title":"سؤال : لم خصهم بالنداء ؟","lvl":14,"sub":0},{"id":1207,"title":"فوائد","lvl":14,"sub":1},{"id":1211,"title":"أبحاث قيمة ونفيسة لابن القيم","lvl":14,"sub":0},{"id":1220,"title":"{كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ 180})","lvl":13,"sub":0},{"id":1220,"title":"مناسبة الآية لما قبلها","lvl":14,"sub":1},{"id":1220,"title":"لطيفة","lvl":14,"sub":2},{"id":1223,"title":"سؤال : لم لم يصدر هذا الحكم بـ {يا أيها الذين آمنوا} ؟","lvl":14,"sub":0},{"id":1227,"title":"سؤال : ما معنى حضور الموت فى الآية ؟","lvl":14,"sub":0},{"id":1228,"title":"فائدة","lvl":14,"sub":0},{"id":1232,"title":"قوله تعالى {إن ترك خيراً}","lvl":13,"sub":0},{"id":1234,"title":"سؤال : لم عبر بفعل ( ترك ) وهو ماض عن معنى المستقبل ؟","lvl":14,"sub":0},{"id":1235,"title":"سؤال : ما معنى {أل} فى كلمة {الوصية} ؟","lvl":14,"sub":0},{"id":1236,"title":"سؤال : لم خص هذا الحق بالمتقين ؟","lvl":14,"sub":0},{"id":1236,"title":"أسئلة وأجوبة","lvl":14,"sub":1},{"id":1237,"title":"سؤال : من المراد فى قوله تعالى {والأقربين} ؟","lvl":14,"sub":0},{"id":1238,"title":"فصل","lvl":14,"sub":0},{"id":1239,"title":"بحث نفيس للعلامة الجصاص فى الآية الكريمة","lvl":14,"sub":0},{"id":1239,"title":"بحث نفيس للعلامة الجصاص فى الآية الكريمة","lvl":14,"sub":1},{"id":1242,"title":"كلام نفيس فى الآية الكريمة للعلامة الطاهر بن عاشور","lvl":14,"sub":0},{"id":1246,"title":"أبحاث قيمة فى الآية الكريمة للإمام الفخر ـ رحمه الله ـ","lvl":14,"sub":0},{"id":1249,"title":"قوله تعالى {حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ }","lvl":13,"sub":0},{"id":1249,"title":"فائدة","lvl":14,"sub":1},{"id":1250,"title":"فائدة أخرى","lvl":14,"sub":0},{"id":1251,"title":"قوله تعالى {فَمَنْ بَدَّلَهُ بَعْدَمَا سَمِعَهُ فَإِنَّمَا إِثْمُهُ عَلَى الَّذِينَ يُبَدِّلُونَهُ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ }","lvl":13,"sub":0},{"id":1251,"title":"مناسبة الآية لما قبلها","lvl":14,"sub":1},{"id":1254,"title":"سؤال : لم وضع الظاهر موضع المضمر ؟","lvl":14,"sub":0},{"id":1254,"title":"ففي الآية ثلاثة أسئلة","lvl":14,"sub":1},{"id":1255,"title":"فوائد جليلة","lvl":14,"sub":0},{"id":1257,"title":"قوله تعالى {فَمَنْ خَافَ مِنْ مُوصٍ جَنَفًا أَوْ إِثْمًا فَأَصْلَحَ بَيْنَهُمْ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (182) }","lvl":13,"sub":0},{"id":1257,"title":"مناسبة الآية لما قبلها","lvl":14,"sub":1},{"id":1257,"title":"فائدة","lvl":14,"sub":2},{"id":1262,"title":"سؤال : مات معنى الجنف ؟ وما الفرق بينه وبين الإثم ؟","lvl":14,"sub":0},{"id":1265,"title":"قوله تعالى : {فَأَصْلَحَ بَيْنَهُمْ }","lvl":13,"sub":0},{"id":1265,"title":"سؤال : لقائل أن يقول : الضمير في قوله : {فَأَصْلَحَ بَيْنَهُمْ} لا بد وأن يكون عائداً إلى مذكور سابق فما ذلك المذكور السابق؟","lvl":14,"sub":1},{"id":1267,"title":"قوله تعالى : {إن الله غفور رحيم}","lvl":13,"sub":0},{"id":1267,"title":"سؤال : فإن قيل : قوله تعالى : {إِنَّ الله غَفُورٌ رَّحِيمٌ} إنما يليق بمن فعل فعلاً لا يجوز ، وهذا الإصلاح من جملة الطَّاعات ، فكيف يليق به هذا الكلام ؟","lvl":14,"sub":1},{"id":1267,"title":"فصل في أفضلية الصدقة حال الصحة","lvl":14,"sub":2},{"id":1268,"title":"قوله تعالى {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ }","lvl":13,"sub":0},{"id":1268,"title":"مناسبة الآية لما قبلها","lvl":14,"sub":1},{"id":1268,"title":"فائدة","lvl":14,"sub":2},{"id":1271,"title":"كلام نفيس للإمام البقاعى","lvl":14,"sub":0},{"id":1272,"title":"قوله تعالى : {كَمَا كُتِبَ عَلَى الذين مِن قَبْلِكُمْ }","lvl":13,"sub":0},{"id":1272,"title":"لطيفة","lvl":14,"sub":1},{"id":1277,"title":"قوله تعالى {لعلكم تتقون }","lvl":13,"sub":0},{"id":1277,"title":"بحث نفيس عن الصوم في الأُمم السابقة","lvl":14,"sub":1},{"id":1287,"title":"قوله تعالى {أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ }","lvl":13,"sub":0},{"id":1287,"title":"مناسبة الآية لما قبلها","lvl":14,"sub":1},{"id":1293,"title":"فائدة","lvl":14,"sub":0},{"id":1293,"title":"فصل في أول ما نسخ بعد الهجرة","lvl":14,"sub":1},{"id":1294,"title":"كلام نفيس للشيخ الطاهر بن عاشور فى حكمة مشروعية الصوم","lvl":14,"sub":0},{"id":1295,"title":"فائدة","lvl":14,"sub":0},{"id":1296,"title":"قوله تعالى {فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ }","lvl":13,"sub":0},{"id":1296,"title":"المناسبة","lvl":14,"sub":1},{"id":1300,"title":"قوله تعالى {أو على سفر }","lvl":13,"sub":0},{"id":1300,"title":"سؤال : لقائل أن يقول : رعاية اللفظ تقتضي أن يقال فمن كان منكم مريضاً أو مسافراً ولم يقل هكذا بل قال : {فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضًا أَوْ على سَفَرٍ}.","lvl":14,"sub":1},{"id":1301,"title":"قوله تعالى {فعدة}","lvl":13,"sub":0},{"id":1301,"title":"سؤال : فإن قيل : كيف قال : {فَعِدَّةٌ} على التنكير ولم يقل فعدتها أي فعدة الأيام المعدودات.","lvl":14,"sub":1},{"id":1301,"title":"فصل","lvl":14,"sub":2},{"id":1302,"title":"فوائد جليلة ولطائف دقيقة","lvl":14,"sub":0},{"id":1305,"title":"قوله تعالى : {وَعَلَى الذين يُطِيقُونَهُ }","lvl":13,"sub":0},{"id":1309,"title":"قوله تعالى {فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ}","lvl":13,"sub":0},{"id":1310,"title":"قوله تعالى {فَمَن تَطَوَّعَ خَيْرًا فَهُوَ خَيْرٌ لَّهُ}","lvl":13,"sub":0},{"id":1311,"title":"قوله تعالى : {إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ }","lvl":13,"sub":0},{"id":1311,"title":"سؤال : أين الجواب ؟","lvl":14,"sub":1},{"id":1312,"title":"فصل فى أسرار الصوم وشروطه الباطنة","lvl":14,"sub":0},{"id":1312,"title":"فائدة","lvl":14,"sub":1},{"id":1319,"title":"الآثار الصحية للصوم","lvl":14,"sub":0},{"id":1322,"title":"قوله تعالى {شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآَنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ","lvl":13,"sub":0},{"id":1322,"title":"مناسبة الآية لما قبلها","lvl":14,"sub":1},{"id":1327,"title":"سؤال : لم أضيف لفظ الشهر إلى رمضان في هذه الآية ؟","lvl":14,"sub":0},{"id":1328,"title":"فائدة","lvl":14,"sub":0},{"id":1328,"title":"لطيفة لغوية","lvl":14,"sub":1},{"id":1328,"title":"لطيفة لغوية","lvl":14,"sub":2},{"id":1329,"title":"فائدة لغوية","lvl":14,"sub":0},{"id":1329,"title":"سؤال : لم قال شهر رمضان ولم يقل : رمضان الذى أنزل فيه القرآن ؟","lvl":14,"sub":1},{"id":1331,"title":"المناسبة","lvl":14,"sub":0},{"id":1338,"title":"فائدة","lvl":14,"sub":0},{"id":1339,"title":"قوله تعالى : { وبينات مِّنَ الهدى والفرقان }","lvl":13,"sub":0},{"id":1339,"title":"سؤال : لم عبر عن البينات بالفرقان ؟","lvl":14,"sub":1},{"id":1340,"title":"قوله تعالى : { فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ }","lvl":13,"sub":0},{"id":1340,"title":"المناسبة","lvl":14,"sub":1},{"id":1341,"title":"سؤال : ما المراد بالشهود فى قوله تعالى { فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ } ؟","lvl":14,"sub":0},{"id":1342,"title":"فائدة","lvl":14,"sub":0},{"id":1346,"title":"قوله تعالى : { فَمَن كَانَ مَّرِيضًا أَوْ على سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ }","lvl":13,"sub":0},{"id":1346,"title":"سؤال : ما وجه إعادته مع تقدم نظيره في قوله : { فمن كان منكم مريضاً } [ البقرة : 184 ] ؟","lvl":14,"sub":1},{"id":1347,"title":"قوله تعالى : { يُرِيدُ الله بِكُمُ اليسر وَلاَ يُرِيدُ بِكُمُ العسر}","lvl":13,"sub":0},{"id":1347,"title":"المناسبة","lvl":14,"sub":1},{"id":1347,"title":"فائدة","lvl":14,"sub":2},{"id":1348,"title":"فائدة","lvl":14,"sub":0},{"id":1350,"title":"لطيفة","lvl":14,"sub":0},{"id":1351,"title":"المناسبة","lvl":14,"sub":0},{"id":1353,"title":"فائدة","lvl":14,"sub":0},{"id":1354,"title":"المناسبة","lvl":14,"sub":0},{"id":1354,"title":"لطيفة","lvl":14,"sub":1},{"id":1355,"title":"المناسبة","lvl":14,"sub":0},{"id":1355,"title":"سؤال : لم عدى فعل التكبير بـ { على } ؟","lvl":14,"sub":1},{"id":1356,"title":"سؤال : ما الفائدة في ذكر هذا اللفظ في هذا الموضع","lvl":14,"sub":0},{"id":1358,"title":"فصل جامع في فضل شهر رمضان وفضل صيامه","lvl":14,"sub":0},{"id":1370,"title":"لطيفة","lvl":14,"sub":0},{"id":1371,"title":"قوله تعالى {وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ","lvl":13,"sub":0},{"id":1371,"title":"مناسبة الآية لما قبلها","lvl":14,"sub":1},{"id":1375,"title":"سبب نزول هذه الآية","lvl":14,"sub":0},{"id":1380,"title":"لطيفة","lvl":14,"sub":0},{"id":1386,"title":"سؤال : لم قال تعالى : { فإني قريب } ولم يقل : فقل لهم إني قريب ؟","lvl":14,"sub":0},{"id":1387,"title":"إشكال وجوابه","lvl":14,"sub":0},{"id":1398,"title":"لطيفة","lvl":14,"sub":0},{"id":1399,"title":"فصل فى فضل الدعاء","lvl":14,"sub":0},{"id":1399,"title":"إشكال وجوابه","lvl":14,"sub":1},{"id":1404,"title":"من لطائف الإمام القشيرى فى الآية","lvl":14,"sub":0},{"id":1411,"title":"قوله تعالى {أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ","lvl":13,"sub":0},{"id":1412,"title":"سبب نزول هذه الآية","lvl":14,"sub":0},{"id":1413,"title":"مناسبة الآية لما قبلها","lvl":14,"sub":0},{"id":1415,"title":"سؤال : فإن قيل : لم كنى ههنا عن الجماع بلفظ الرفث الدال على معنى القبح بخلاف قوله : { وَقَدْ أفضى بَعْضُكُمْ إلى بَعْضٍ }","lvl":14,"sub":0},{"id":1416,"title":"فائدة","lvl":14,"sub":0},{"id":1416,"title":"سؤال : لم عدى الرفث بـ { إلى } ؟","lvl":14,"sub":1},{"id":1417,"title":"المناسبة","lvl":14,"sub":0},{"id":1420,"title":"لطيفة","lvl":14,"sub":0},{"id":1420,"title":"سؤال : لم قدَّم قوله : { هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ } على { وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ } ؟","lvl":14,"sub":1},{"id":1422,"title":"فائدة","lvl":14,"sub":0},{"id":1424,"title":"المناسبة","lvl":14,"sub":0},{"id":1424,"title":"لطيفة","lvl":14,"sub":1},{"id":1431,"title":"فائدة","lvl":14,"sub":0},{"id":1431,"title":"سؤال : ما الفائدة في ذكرهما { وكلوا واشربوا } ؟","lvl":14,"sub":1},{"id":1435,"title":"فائدة","lvl":14,"sub":0},{"id":1435,"title":"فصل في صوم الجنب","lvl":14,"sub":1},{"id":1436,"title":"فصل","lvl":14,"sub":0},{"id":1440,"title":"لطيفة","lvl":14,"sub":0},{"id":1440,"title":"بحث نفيس للقرطبى فى النهي عن الوصال","lvl":14,"sub":1},{"id":1443,"title":"المناسبة","lvl":14,"sub":0},{"id":1447,"title":"المناسبة","lvl":14,"sub":0},{"id":1447,"title":"فائدة","lvl":14,"sub":1},{"id":1448,"title":"فائدة","lvl":14,"sub":0},{"id":1448,"title":"إشكالان وجوابهما","lvl":14,"sub":1},{"id":1449,"title":"سؤال : لم قال هنا : \" فَلاَ تَقْرَبُوهَا \" وفي مواضع أُخر : { فَلاَ تَعْتَدُوهَا }","lvl":14,"sub":0},{"id":1451,"title":"المناسبة","lvl":14,"sub":0},{"id":1452,"title":"من لطائف الإمام القشيرى فى الآية","lvl":14,"sub":0},{"id":1453,"title":"قوله تعالى { وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ لِتَأْكُلُوا فَرِيقًا مِنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالْإِثْمِ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (188)}","lvl":13,"sub":0},{"id":1453,"title":"مناسبة الآية لما قبلها","lvl":14,"sub":1},{"id":1453,"title":"سبب نزول الآية","lvl":14,"sub":2},{"id":1460,"title":"فائدة","lvl":14,"sub":0},{"id":1460,"title":"لطيفة","lvl":14,"sub":1},{"id":1461,"title":"سؤال : ما معنى أكلها بالباطل ؟","lvl":14,"sub":0},{"id":1462,"title":"المناسبة","lvl":14,"sub":0},{"id":1468,"title":"فائدة لغوية","lvl":14,"sub":0},{"id":1469,"title":"فائدة أخرى","lvl":14,"sub":0},{"id":1470,"title":"لطيفة","lvl":14,"sub":0},{"id":1470,"title":"من لطائف الإمام القشيرى فى الآية","lvl":14,"sub":1},{"id":1471,"title":"قوله تعالى : { يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ","lvl":13,"sub":0},{"id":1471,"title":"مناسبة الآية لما قبلها","lvl":14,"sub":1},{"id":1471,"title":"من لطائف الإمام القشيرى فى الآية","lvl":14,"sub":2},{"id":1474,"title":"فائدة","lvl":14,"sub":0},{"id":1474,"title":"سؤال : لم جمع الضمير في قوله : { يسألونك } مع أن المروي أن الذي سأله رجلان ؟","lvl":14,"sub":1},{"id":1477,"title":"فائدة","lvl":14,"sub":0},{"id":1480,"title":"فائدة","lvl":14,"sub":0},{"id":1482,"title":"فائدة","lvl":14,"sub":0},{"id":1487,"title":"بحث فى التقويم ونظام الحياة","lvl":14,"sub":0},{"id":1488,"title":"المناسبة","lvl":14,"sub":0},{"id":1488,"title":"فائدة","lvl":14,"sub":1},{"id":1493,"title":"سؤال : ما معنى نفي البر فى الآية ؟","lvl":14,"sub":0},{"id":1494,"title":"فائدة","lvl":14,"sub":0},{"id":1499,"title":"سؤال : ما فائدة الباء الزائدة فى قوله تعالى { بأن تأتوا } ؟","lvl":14,"sub":0},{"id":1504,"title":"قوله تعالى : {وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ (190)}","lvl":13,"sub":0},{"id":1504,"title":"مناسبة الآية لما قبلها","lvl":14,"sub":1},{"id":1507,"title":"سبب النزول","lvl":14,"sub":0},{"id":1508,"title":"فائدة لغوية","lvl":14,"sub":0},{"id":1509,"title":"فائدة","lvl":14,"sub":0},{"id":1517,"title":"فائدة","lvl":14,"sub":0},{"id":1522,"title":"فائدة","lvl":14,"sub":0},{"id":1523,"title":"فائدة","lvl":14,"sub":0},{"id":1524,"title":"قوله تعالى : {وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ وَأَخْرِجُوهُمْ مِنْ حَيْثُ أَخْرَجُوكُمْ وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ","lvl":13,"sub":0},{"id":1524,"title":"مناسبة الآية لما قبلها","lvl":14,"sub":1},{"id":1524,"title":"من لطائف الإمام القشيرى فى الآية","lvl":14,"sub":2},{"id":1525,"title":"سؤال وجوابه","lvl":14,"sub":0},{"id":1528,"title":"قوله تعالى : {وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ وَأَخْرِجُوهُمْ مِنْ حَيْثُ أَخْرَجُوكُمْ وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ","lvl":13,"sub":0},{"id":1528,"title":"مناسبة الآية لما قبلها","lvl":14,"sub":1},{"id":1535,"title":"المناسبة","lvl":14,"sub":0},{"id":1540,"title":"فائدة","lvl":14,"sub":0},{"id":1540,"title":"فوائد فى الآية الكريمة","lvl":14,"sub":1},{"id":1540,"title":"سؤال : لم عدل عن صِيغة المفاعَلة التي بها وردَ النهيُ والشرطُ فى قوله تعالى {فاقتلوهم} ؟","lvl":14,"sub":2},{"id":1544,"title":"قوله تعالى : { فَإِنِ انتهوا فَإِنَّ الله غَفُورٌ رَّحِيمٌ }","lvl":13,"sub":0},{"id":1544,"title":"المناسبة","lvl":14,"sub":1},{"id":1546,"title":"فائدة","lvl":14,"sub":0},{"id":1549,"title":"قوله تعالى : {وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ فَإِنِ انْتَهَوْا فَلَا عُدْوَانَ إِلَّا عَلَى الظَّالِمِينَ (193)}","lvl":13,"sub":0},{"id":1549,"title":"مناسبة الآية لما قبلها","lvl":14,"sub":1},{"id":1549,"title":"من لطائف الإمام القشيرى فى الآية","lvl":14,"sub":2},{"id":1552,"title":"سؤال : ما المراد بالفتنة فى الآية ؟","lvl":14,"sub":0},{"id":1554,"title":"سؤال : فإن قيل : كيف يقال : { وقاتلوهم حتى لاَ تَكُونَ فِتْنَةٌ } مع علمنا بأن قتالهم لا يزيل الكفر وليس يلزم من هذا أن خبر الله لا يكون حقاً .","lvl":14,"sub":0},{"id":1556,"title":"سؤال : لم لم يجىء هنا كلمة {كله} كما في آية الأنفال ؟","lvl":14,"sub":0},{"id":1562,"title":"بحث قيم فى فرضية الجهاد لابن القيم","lvl":14,"sub":0},{"id":1571,"title":"قوله تعالى : { الشَّهْرُ الْحَرَامُ بِالشَّهْرِ الْحَرَامِ وَالْحُرُمَاتُ قِصَاصٌ","lvl":13,"sub":0},{"id":1571,"title":"مناسبة الآية لما قبلها","lvl":14,"sub":1},{"id":1575,"title":"فائدة","lvl":14,"sub":0},{"id":1576,"title":"فائدة","lvl":14,"sub":0},{"id":1579,"title":"سؤال وجوابه","lvl":14,"sub":0},{"id":1581,"title":"فائدة","lvl":14,"sub":0},{"id":1582,"title":"المناسبة","lvl":14,"sub":0},{"id":1582,"title":"فائدة ثالثة","lvl":14,"sub":1},{"id":1583,"title":"فائدة","lvl":14,"sub":0},{"id":1585,"title":"قوله تعالى : { وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (195)}","lvl":13,"sub":0},{"id":1585,"title":"مناسبة الآية لما قبلها","lvl":14,"sub":1},{"id":1585,"title":"من لطائف الإمام القشيرى فى الآية","lvl":14,"sub":2},{"id":1594,"title":"فائدة لغوية","lvl":14,"sub":0},{"id":1594,"title":"سؤال : لم عدى الفعل بـ { إلى } ؟","lvl":14,"sub":1},{"id":1599,"title":"فائدة","lvl":14,"sub":0},{"id":1600,"title":"فائدة","lvl":14,"sub":0},{"id":1600,"title":"لطيفة","lvl":14,"sub":1},{"id":1602,"title":"سؤال طال حوله الجدل هل الأعمال الحربية ضد الصهاينة اليهود والأمريكان فى أراضى الإسلام المغتصبة ( المحتلة ) استشهادية أو انتحارية ؟","lvl":14,"sub":0},{"id":1607,"title":"أبحاث تتعلق بالإنفاق","lvl":14,"sub":0},{"id":1608,"title":"بحوث نفيسة فى الآية","lvl":14,"sub":0},{"id":1609,"title":"من لطائف الإمام القشيرى فى الآية","lvl":14,"sub":0},{"id":1610,"title":"بحث نفيس وقيم وجامع فى باب الجهاد لصاحب الميزان","lvl":14,"sub":0},{"id":1622,"title":"قوله تعالى : { وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ","lvl":13,"sub":0},{"id":1622,"title":"مناسبة الآية لما قبلها","lvl":14,"sub":1},{"id":1626,"title":"سؤال : ما المراد بالإتمام فى الآية الكريمة ؟","lvl":14,"sub":0},{"id":1629,"title":"فائدة","lvl":14,"sub":0},{"id":1629,"title":"فصل","lvl":14,"sub":1},{"id":1635,"title":"فائدة","lvl":14,"sub":0},{"id":1638,"title":"سؤال : لم جاء الشرط بحرف ( إن ) ؟","lvl":14,"sub":0},{"id":1641,"title":"سؤال : لم خص النهي عن الحلق دون غيره من منافيات الإحرام كالطيب ؟","lvl":14,"sub":0},{"id":1642,"title":"سؤال : هل يجوز للمحصَر أن يَحلق أو يَحِلّ بشيء من الحِلّ قبل أن يَنحر ما استيسر من الهَدْي ؟","lvl":14,"sub":0},{"id":1645,"title":"سؤال : لم جيء بـ { إذا } ؟","lvl":14,"sub":0},{"id":1647,"title":"فائدة","lvl":14,"sub":0},{"id":1649,"title":"فائدة لغوية","lvl":14,"sub":0},{"id":1650,"title":"قوله تعالى : { تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ }","lvl":13,"sub":0},{"id":1650,"title":"من أنفس ما قيل فى هذه الآية","lvl":14,"sub":1},{"id":1661,"title":"فائدة","lvl":14,"sub":0},{"id":1661,"title":"لطيفة","lvl":14,"sub":1},{"id":1661,"title":"سؤال : لم عبر بقوله : تلك عشرة كاملة ولم يقل : تامة ؟","lvl":14,"sub":2},{"id":1663,"title":"فائدة","lvl":14,"sub":0},{"id":1663,"title":"سؤال : لماذا وصف المسجد الحرام بهذا الوصف ؟","lvl":14,"sub":1},{"id":1664,"title":"قوله تعالى { الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ","lvl":13,"sub":0},{"id":1664,"title":"مناسبة الآية لما قبلها","lvl":14,"sub":1},{"id":1667,"title":"سؤال : لم لم يسمّ الله تعالى أشهر الحج في كتابه ؟","lvl":14,"sub":0},{"id":1668,"title":"المناسبة","lvl":14,"sub":0},{"id":1671,"title":"فائدة","lvl":14,"sub":0},{"id":1672,"title":"فوائد لغوية","lvl":14,"sub":0},{"id":1679,"title":"سؤال : ما الحكمة في أن الله تعالى ذكر هذه الألفاظ الثلاثة لا أزيد ولا أنقص ، وهو قوله : { فَلاَ رَفَثَ وَلاَ فُسُوقَ وَلاَ جِدَالَ فِي الحج } ؟","lvl":14,"sub":0},{"id":1680,"title":"فائدة","lvl":14,"sub":0},{"id":1680,"title":"سؤال : لم قرن الفسوق بالرفث ؟","lvl":14,"sub":1},{"id":1681,"title":"فصل","lvl":14,"sub":0},{"id":1683,"title":"المناسبة","lvl":14,"sub":0},{"id":1683,"title":"من لطائف العلامة الفخر :","lvl":14,"sub":1},{"id":1685,"title":"فائدة","lvl":14,"sub":0},{"id":1686,"title":"المناسبة","lvl":14,"sub":0},{"id":1687,"title":"من أنفس وألطف ما قيل فى هذا الموضع","lvl":14,"sub":0},{"id":1690,"title":"المناسبة","lvl":14,"sub":0},{"id":1690,"title":"لطيفة","lvl":14,"sub":1},{"id":1692,"title":"فائدة","lvl":14,"sub":0},{"id":1692,"title":"سؤال : لم خصّ أولي الألباب بالخطاب مع أن الأمر يعم الكل ؟","lvl":14,"sub":1},{"id":1693,"title":"قوله تعالى : {لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ","lvl":13,"sub":0},{"id":1693,"title":"مناسبة الآية لما قبلها","lvl":14,"sub":1},{"id":1699,"title":"المناسبة","lvl":14,"sub":0},{"id":1699,"title":"فائدة","lvl":14,"sub":1},{"id":1701,"title":"فائدة لغوية","lvl":14,"sub":0},{"id":1706,"title":"فائدة","lvl":14,"sub":0},{"id":1707,"title":"فائدة","lvl":14,"sub":0},{"id":1707,"title":"فصل فى في فضل يوم عرفة","lvl":14,"sub":1},{"id":1709,"title":"فصل","lvl":14,"sub":0},{"id":1710,"title":"المناسبة","lvl":14,"sub":0},{"id":1710,"title":"فائدة","lvl":14,"sub":1},{"id":1710,"title":"أسئلة وأجوبة للعلامة الفخر","lvl":14,"sub":2},{"id":1714,"title":"فائدة لغوية","lvl":14,"sub":0},{"id":1717,"title":"فائدة","lvl":14,"sub":0},{"id":1718,"title":"قوله تعالى : { ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (199) }","lvl":13,"sub":0},{"id":1718,"title":"مناسبة الآية لما قبلها","lvl":14,"sub":1},{"id":1726,"title":"فائدة","lvl":14,"sub":0},{"id":1728,"title":"فائدة","lvl":14,"sub":0},{"id":1730,"title":"فائدة","lvl":14,"sub":0},{"id":1730,"title":"سؤال : فإن قيل : كيف أمر بالاستغفار مطلقاً ، وربما كان فيهم من لم يذنب فحينئذ لا يحتاج إلى الاستغفار ؟.","lvl":14,"sub":1},{"id":1731,"title":"بحث نفيس للعلامة ابن القيم يتعلق بهذا الموضوع","lvl":14,"sub":0},{"id":1740,"title":"قوله تعالى : {فَإِذَا قَضَيْتُمْ مَنَاسِكَكُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آَبَاءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْرًا","lvl":13,"sub":0},{"id":1740,"title":"مناسبة الآية لما قبلها","lvl":14,"sub":1},{"id":1741,"title":"فائدة لغوية","lvl":14,"sub":0},{"id":1742,"title":"فائدة","lvl":14,"sub":0},{"id":1744,"title":"فائدة","lvl":14,"sub":0},{"id":1745,"title":"سؤال : لم أعاد الأمر بالذكر فى قوله {فاذكروا الله} ؟","lvl":14,"sub":0},{"id":1748,"title":"لطيفة","lvl":14,"sub":0},{"id":1751,"title":"فائدة","lvl":14,"sub":0},{"id":1751,"title":"لطيفة","lvl":14,"sub":1},{"id":1753,"title":"قوله تعالى {فَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آَتِنَا فِي الدُّنْيَا وَمَا لَهُ فِي الْآَخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ}","lvl":13,"sub":0},{"id":1758,"title":"سؤال : لم ترك المفعول الثاني فى {آتنا} ؟","lvl":14,"sub":0},{"id":1760,"title":"فائدة","lvl":14,"sub":0},{"id":1762,"title":"قوله تعالى : {وِمِنْهُم مَّن يَقُولُ رَبَّنَا ءَاتِنَا فِى الدنيا حَسَنَةً وَفِي الأخرة حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النار }","lvl":13,"sub":0},{"id":1768,"title":"فائدة","lvl":14,"sub":0},{"id":1768,"title":"سؤال : لم زاد في الدعاء {وقنا عذاب النار} ؟","lvl":14,"sub":1},{"id":1770,"title":"لطيفة","lvl":14,"sub":0},{"id":1771,"title":"قوله تعالى {أُولَئِكَ لَهُمْ نَصِيبٌ مِمَّا كَسَبُوا وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ (202)}","lvl":13,"sub":0},{"id":1771,"title":"مناسبة الآية لما قبلها","lvl":14,"sub":1},{"id":1771,"title":"لطيفة ثانية","lvl":14,"sub":2},{"id":1778,"title":"فائدة","lvl":14,"sub":0},{"id":1779,"title":"قوله تعالى {وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ","lvl":13,"sub":0},{"id":1779,"title":"مناسبة الآية لما قبلها","lvl":14,"sub":1},{"id":1782,"title":"فائدة","lvl":14,"sub":0},{"id":1784,"title":"فائدة","lvl":14,"sub":0},{"id":1786,"title":"فائدة جليلة","lvl":14,"sub":0},{"id":1788,"title":"فائدة","lvl":14,"sub":0},{"id":1793,"title":"قوله تعالى : {فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَنْ تَأَخَّرَ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ}","lvl":13,"sub":0},{"id":1793,"title":"فائدة","lvl":14,"sub":1},{"id":1804,"title":"فائدة","lvl":14,"sub":0},{"id":1804,"title":"سؤال : لم اختير لفظ ( تحشرون ) هنا دون تصيرون أو ترجعون ؟","lvl":14,"sub":1},{"id":1804,"title":"من فوائد ابن عرفة فى الآية الكريمة","lvl":14,"sub":2},{"id":1805,"title":"فائدة بلاغية","lvl":14,"sub":0},{"id":1806,"title":"قوله تعالى : {وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ (204)}","lvl":13,"sub":0},{"id":1806,"title":"مناسبة الآية لما قبلها","lvl":14,"sub":1},{"id":1808,"title":"فائدة لغوية","lvl":14,"sub":0},{"id":1813,"title":"فائدة","lvl":14,"sub":0},{"id":1815,"title":"فائدة لغوية","lvl":14,"sub":0},{"id":1817,"title":"فائدة","lvl":14,"sub":0},{"id":1818,"title":"لطيفة","lvl":14,"sub":0},{"id":1818,"title":"من فوائد ابن عرفة فى الآية الكريمة","lvl":14,"sub":1},{"id":1819,"title":"قوله تعالى : {وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ (205)}","lvl":13,"sub":0},{"id":1819,"title":"مناسبة الآية لما قبلها","lvl":14,"sub":1},{"id":1830,"title":"بحث نفيس للعلامة ابن القيم يتعلق بهذا الموضوع","lvl":14,"sub":0},{"id":1833,"title":"قوله تعالى : {وَإِذَا قِيلَ لَهُ اتق الله أَخَذَتْهُ العزة بالإثم}","lvl":13,"sub":0},{"id":1833,"title":"مناسبة الآية لما قبلها","lvl":14,"sub":1},{"id":1836,"title":"فائدة بلاغية","lvl":14,"sub":0},{"id":1840,"title":"فائدة","lvl":14,"sub":0},{"id":1840,"title":"لطيفة","lvl":14,"sub":1},{"id":1841,"title":"كلام نفيس لحجة الإسلام عن الرياء","lvl":14,"sub":0},{"id":1841,"title":"من فوائد ابن عرفة فى الآية","lvl":14,"sub":1},{"id":1849,"title":"قوله تعالى : {وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاةِ اللَّهِ وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ (207)}","lvl":13,"sub":0},{"id":1849,"title":"مناسبة الآية لما قبلها","lvl":14,"sub":1},{"id":1851,"title":"سبب نزول الآية","lvl":14,"sub":1},{"id":1862,"title":"فائدة","lvl":14,"sub":0},{"id":1862,"title":"من فوائد الشيخ الطاهر بن عاشور فى الآية","lvl":14,"sub":1},{"id":1863,"title":"قوله تعالى : {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ (208)","lvl":13,"sub":0},{"id":1863,"title":"مناسبة الآية لما قبلها","lvl":14,"sub":1},{"id":1874,"title":"سؤال : فإن قيل : كون الشيطان عدواً لنا إما أن يكون بسبب أنه يقصد إيصال الآلام والمكاره إلينا في الحال ، أو بسبب أنه بوسوسته يمنعنا عن الدين","lvl":14,"sub":0},{"id":1875,"title":"بحث نفيس","lvl":14,"sub":0},{"id":1877,"title":"قوله تعالى : {فَإِنْ زَلَلْتُمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْكُمُ الْبَيِّنَاتُ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (209)}","lvl":13,"sub":0},{"id":1877,"title":"مناسبة الآية لما قبلها","lvl":14,"sub":1},{"id":1879,"title":"سؤال : لم جيء في الشرط بـ {إنْ} ؟","lvl":14,"sub":0},{"id":1883,"title":"من فوائد ابن عرفة فى الآية","lvl":14,"sub":0},{"id":1884,"title":"قوله تعالى : {هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ وَالْمَلَائِكَةُ وَقُضِيَ الْأَمْرُ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ (210)}","lvl":13,"sub":0},{"id":1884,"title":"مناسبة الآية لما قبلها","lvl":14,"sub":1},{"id":1894,"title":"بحث نفيس للعلامة الخازن","lvl":14,"sub":0},{"id":1900,"title":"من فوائد ابن عرفة فى الآية","lvl":14,"sub":0},{"id":1901,"title":"سؤال : فإن قيل : كيف قال : {وإلى الله ترجع الأمور} وهو يدل على أنها كانت إلى غيره ، كقولهم : رجع إلى فلان عبده ومنصبه ؟","lvl":14,"sub":0},{"id":1902,"title":"قوله تعالى : {سَلْ بَنِي إِسْرَائِيلَ كَمْ آَتَيْنَاهُمْ مِنْ آَيَةٍ بَيِّنَةٍ وَمَنْ يُبَدِّلْ نِعْمَةَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُ فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (211)}","lvl":13,"sub":0},{"id":1902,"title":"مناسبة الآية لما قبلها","lvl":14,"sub":1},{"id":1906,"title":"سؤال : لم خص الإيتاء بأهل الكتاب مع عمومه للكل ؟","lvl":14,"sub":0},{"id":1911,"title":"سؤال : لم أثبت للآيات أنها نعم ؟","lvl":14,"sub":0},{"id":1916,"title":"قوله تعالى : {زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَيَسْخَرُونَ مِنَ الَّذِينَ آَمَنُوا وَالَّذِينَ اتَّقَوْا فَوْقَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ (212)}","lvl":13,"sub":0},{"id":1916,"title":"مناسبة الآية لما قبلها","lvl":14,"sub":1},{"id":1917,"title":"سؤال : لم حُذِف فاعل التزيين ؟","lvl":14,"sub":0},{"id":1918,"title":"سؤال : لم لم يقل : زينت ؟","lvl":14,"sub":0},{"id":1919,"title":"سؤال : لم خُص التزيين بهم ؟","lvl":14,"sub":0},{"id":1920,"title":"سبب نزول الآية","lvl":14,"sub":1},{"id":1933,"title":"فائدة","lvl":14,"sub":0},{"id":1935,"title":"قوله تعالى : {وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ}","lvl":13,"sub":0},{"id":1936,"title":"كلام نفيس للعلامة الفخر","lvl":14,"sub":0},{"id":1940,"title":"لطيفة","lvl":14,"sub":0},{"id":1940,"title":"سؤال : فإن قيل : قد قال تعالى في صفة المتقين وما يصل إليهم {عَطَاء حِسَاباً} {النبأ : 36 ] أليس ذلك كالمناقض لما في هذه الآية.","lvl":14,"sub":1},{"id":1941,"title":"فائدة","lvl":14,"sub":0},{"id":1941,"title":"سؤال : لم أعاد ذكرهم بلفظ : من يشاء ؟","lvl":14,"sub":1},{"id":1941,"title":"من فوائد ابن عرفة فى الآية","lvl":14,"sub":2},{"id":1943,"title":"قوله تعالى : {كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ","lvl":13,"sub":0},{"id":1943,"title":"مناسبة الآية لما قبلها","lvl":14,"sub":1},{"id":1956,"title":"كلام نفيس للعلامة ابن عاشور","lvl":14,"sub":0},{"id":1960,"title":"فائدة","lvl":14,"sub":0},{"id":1961,"title":"قوله تعالى : {فَبَعَثَ الله النبيين}","lvl":13,"sub":0},{"id":1961,"title":"فائدة لغوية","lvl":14,"sub":1},{"id":1967,"title":"سؤال : لم عبر تعالى بالبعث دون الإرسال وما في معناه ؟","lvl":14,"sub":0},{"id":1968,"title":"سؤال : لم قدّم البشارة ؟","lvl":14,"sub":0},{"id":1969,"title":"سؤال : لم عبر عن الإنزال بالإيتاء ؟","lvl":14,"sub":0},{"id":1971,"title":"سؤال : فإن قيل : إذا كانوا مختلفين في الحق، فكيف عمهم الكفر في قول من قال إنهم كانوا كلهم كفارا ؟","lvl":14,"sub":0},{"id":1977,"title":"بحث نفيس","lvl":14,"sub":0},{"id":1986,"title":"سؤال : فإن قيل : لم قال فهداهم لما اختلفوا فيه من الحق بإذنه ، ولم يقل : هداهم للحق فيما اختلفوا وقدم الإختلاف؟","lvl":14,"sub":0},{"id":1987,"title":"فائدة","lvl":14,"sub":0},{"id":1989,"title":"كلام نفيس للعلامة ابن القيم","lvl":14,"sub":0},{"id":1996,"title":"قوله تعالى : {والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم}","lvl":13,"sub":0},{"id":1997,"title":"فائدة","lvl":14,"sub":0},{"id":2003,"title":"من فوائد ابن عرفة فى الآية","lvl":14,"sub":0},{"id":2007,"title":"قوله تعالى : {أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا","lvl":13,"sub":0},{"id":2007,"title":"مناسبة الآية لما قبلها","lvl":14,"sub":1},{"id":2010,"title":"سبب نزول الآية","lvl":14,"sub":0},{"id":2011,"title":"فائدة لغوية","lvl":14,"sub":0},{"id":2012,"title":"فائدة","lvl":14,"sub":0},{"id":2012,"title":"سؤال : لم نسب الحسبان إليه عليه الصلاة والسلام ؟","lvl":14,"sub":1},{"id":2014,"title":"فائدة لغوية فى {لما}","lvl":14,"sub":0},{"id":2015,"title":"فائدة لغوية","lvl":14,"sub":0},{"id":2017,"title":"لطيفة لغوية","lvl":14,"sub":0},{"id":2018,"title":"قوله تعالى : {حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آَمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ}","lvl":13,"sub":0},{"id":2019,"title":"فائدة","lvl":14,"sub":0},{"id":2019,"title":"إشكال وجوابه","lvl":14,"sub":1},{"id":2021,"title":"قوله تعالى : {أَلَا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ}","lvl":13,"sub":0},{"id":2023,"title":"سؤال : فإن قيل : قوله : {أَلا إِنَّ نَصْرَ الله قَرِيبٌ} يوجب في حق كل من لحقه شدة أن يعلم أن سيظفر بزوالها ، وذلك غير ثابت.","lvl":14,"sub":0},{"id":2024,"title":"فائدة لغوية","lvl":14,"sub":0},{"id":2024,"title":"من فوائد ابن عرفة فى الآية","lvl":14,"sub":1},{"id":2032,"title":"قوله تعالى : {يَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلْ مَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ خَيْرٍ فَلِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ (215)}","lvl":13,"sub":0},{"id":2032,"title":"مناسبة الآية لما قبلها","lvl":14,"sub":1},{"id":2034,"title":"سبب نزول الآية","lvl":14,"sub":0},{"id":2038,"title":"فائدة","lvl":14,"sub":0},{"id":2038,"title":"سؤال : ما المراد من الخير ؟","lvl":14,"sub":1},{"id":2039,"title":"فائدة","lvl":14,"sub":0},{"id":2040,"title":"قوله تعالى : {وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ}","lvl":13,"sub":0},{"id":2042,"title":"فائدة","lvl":14,"sub":0},{"id":2042,"title":"من فوائد ابن عرفة فى الآية","lvl":14,"sub":1},{"id":2043,"title":"قوله تعالى : {كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ (216)}","lvl":13,"sub":0},{"id":2043,"title":"مناسبة الآية لما قبلها","lvl":14,"sub":1},{"id":2046,"title":"لطيفة","lvl":14,"sub":0},{"id":2050,"title":"إشكال وجوابه","lvl":14,"sub":0},{"id":2053,"title":"قوله تعالى : {وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ}","lvl":13,"sub":0},{"id":2060,"title":"سؤال : لم تكررت {عسى} في الآية ؟","lvl":14,"sub":0},{"id":2062,"title":"سؤال : فإن قلت : ما الحكمة في جعل أشياء كثيرةٍ نافعةٍ مكروهةً ، وأشياء كثيرةٍ ضارةٍ محبوبةً ، وهلا جعل الله تعالى النَّافعَ كلَّه محبوباً والضار كلَّه مكروهاً","lvl":14,"sub":0},{"id":2065,"title":"فائدة","lvl":14,"sub":0},{"id":2065,"title":"لطيفة","lvl":14,"sub":1},{"id":2066,"title":"من فوائد ابن عرفة فى الآية","lvl":14,"sub":0},{"id":2068,"title":"لطيفة","lvl":14,"sub":0},{"id":2069,"title":"كلام نفيس للعلامة ابن القيم فى الآية الكريمة","lvl":14,"sub":0},{"id":2074,"title":"قوله تعالى : {يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِنْدَ اللَّهِ","lvl":13,"sub":0},{"id":2074,"title":"مناسبة الآية لما قبلها","lvl":14,"sub":1},{"id":2079,"title":"سؤال : فإن قيل : لم نكر القتال في قوله تعالى : {قِتَالٌ فِيهِ}","lvl":14,"sub":0},{"id":2081,"title":"فائدة بلاغية","lvl":14,"sub":0},{"id":2085,"title":"سؤال : فإن قلت : إذا نُسخ تحريم القتال في الأشهر الحُرم فما معنى قول النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ في خطبة الوداع \"إن دِماءكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حَرام كحُرمة يومكم هذا في شهركم هذا في بلدكم هذا \"","lvl":14,"sub":0},{"id":2089,"title":"فائدة","lvl":14,"sub":0},{"id":2091,"title":"قوله تعالى : {والفتنة أَكْبَرُ مِنَ القتل }","lvl":13,"sub":0},{"id":2096,"title":"لطيفة","lvl":14,"sub":0},{"id":2097,"title":"قوله تعالى : {وَلاَ يَزَالُونَ يقاتلونكم}","lvl":13,"sub":0},{"id":2097,"title":"المناسبة","lvl":14,"sub":1},{"id":2101,"title":"قوله تعالى : {وَمَن يَرْتَدِدْ مِنكُمْ عَن دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ}","lvl":13,"sub":0},{"id":2102,"title":"فائدة","lvl":14,"sub":0},{"id":2104,"title":"فائدة","lvl":14,"sub":0},{"id":2105,"title":"بحث نفيس فى {الارتداد وحرية الرأى}","lvl":14,"sub":0},{"id":2113,"title":"سؤال : فإن قلت : ما السر في اقتران هذين الشرطين في هذه الآية مع خلو بقية نظائرها عن ثاني الشرطين","lvl":14,"sub":0},{"id":2118,"title":"كلام نفيس للسعدى فى الآية","lvl":14,"sub":0},{"id":2120,"title":"من فوائد ابن عرفة فى الآية","lvl":14,"sub":0},{"id":2124,"title":"كلام نفيس فى الحكمة في توجيه السرايا للعلامة الشيخ محمد الغزالى","lvl":14,"sub":0},{"id":2128,"title":"بحث نفيس","lvl":14,"sub":0},{"id":2135,"title":"قوله تعالى : {إِنَّ الَّذِينَ آَمَنُوا وَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَةَ اللَّهِ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (218)}","lvl":13,"sub":0},{"id":2135,"title":"مناسبة الآية لما قبلها","lvl":14,"sub":1},{"id":2137,"title":"سؤال : لم قدم الهجرة على الجهاد ؟","lvl":14,"sub":0},{"id":2138,"title":"فائدة","lvl":14,"sub":0},{"id":2139,"title":"كلام نفيس لأبى حيان فى الآية الكريمة","lvl":14,"sub":0},{"id":2141,"title":"فائدة","lvl":14,"sub":0},{"id":2141,"title":"سؤال : لم أثبت لهم الرجاءَ دون الفوز بالمرجوِّ ؟","lvl":14,"sub":1},{"id":2142,"title":"لطيفة","lvl":14,"sub":0},{"id":2142,"title":"سؤال : فإن قيل : فكيف قال : {أُوْلَئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَةَ اللهِ} ورحمة الله للمؤمنين مستحقة ؟","lvl":14,"sub":1},{"id":2143,"title":"كلام نفيس للعلامة السعدى فى الآية الكريمة","lvl":14,"sub":0},{"id":2146,"title":"بحث نفيس لحجة الإسلام الغزالى فى الرجاء","lvl":14,"sub":0},{"id":2153,"title":"كلام نفيس لابن القيم فى الرجاء","lvl":14,"sub":0},{"id":2158,"title":"قوله تعالى : {يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا","lvl":13,"sub":0},{"id":2158,"title":"مناسبة الآية لما قبلها","lvl":14,"sub":1},{"id":2160,"title":"سبب نزول الآية","lvl":14,"sub":0},{"id":2161,"title":"فصل","lvl":14,"sub":0},{"id":2161,"title":"فصل","lvl":14,"sub":1},{"id":2171,"title":"فائدة","lvl":14,"sub":0},{"id":2171,"title":"فائدة","lvl":14,"sub":1},{"id":2177,"title":"فائدة","lvl":14,"sub":0},{"id":2178,"title":"فائدة","lvl":14,"sub":1},{"id":2179,"title":"فائدة","lvl":14,"sub":0},{"id":2180,"title":"فصل : في تحريم الخمر ووعيد من شربها","lvl":14,"sub":0},{"id":2182,"title":"فائدة","lvl":14,"sub":0},{"id":2183,"title":"بحوث قيمة","lvl":14,"sub":0},{"id":2183,"title":"لطيفة","lvl":14,"sub":1},{"id":2188,"title":"بحوث أخرى","lvl":14,"sub":0},{"id":2192,"title":"فصل","lvl":14,"sub":0},{"id":2198,"title":"كلام نفيس للعلامة ابن العربى","lvl":14,"sub":0},{"id":2201,"title":"فصل","lvl":14,"sub":0},{"id":2201,"title":"سؤال : فإن قلت : ما الوجه في ذكر منافع الخمر والميسر مع أن سياق التحريم والتمهيد إليه يقتضي تناسي المنافع","lvl":14,"sub":1},{"id":2202,"title":"من فوائد ابن عرفة فى الآية","lvl":14,"sub":0},{"id":2204,"title":"بحوث مهمة","lvl":14,"sub":0},{"id":2207,"title":"قوله تعالى : {وَيَسْئَلُونَكَ مَاذَا يُنفِقُونَ قُلِ العفو كذلك يُبَيِّنُ الله لَكُمُ الآيات لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ}","lvl":13,"sub":0},{"id":2208,"title":"فائدة","lvl":14,"sub":0},{"id":2209,"title":"فصل","lvl":14,"sub":0},{"id":2212,"title":"فصل فى المراد بهذا الإنفاق","lvl":14,"sub":0},{"id":2213,"title":"سؤال : لم قرن اسم الإشارة بعلامة البعد ؟","lvl":14,"sub":0},{"id":2218,"title":"مناسبة الآية لما قبلها","lvl":14,"sub":0},{"id":2224,"title":"سؤال : لم وصف الإصلاح ب {لهم} دون الإضافة ، فلم يقل إصلاحهم ؟","lvl":14,"sub":0},{"id":2225,"title":"فائدة","lvl":14,"sub":0},{"id":2226,"title":"قوله تعالى : {وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ}","lvl":13,"sub":0},{"id":2226,"title":"فائدة لغوية","lvl":14,"sub":1},{"id":2227,"title":"فصل في بيان وجوه المخالطة","lvl":14,"sub":0},{"id":2230,"title":"فائدة","lvl":14,"sub":0},{"id":2230,"title":"لطيفة","lvl":14,"sub":1},{"id":2231,"title":"فصل في هل يتصرف في مال اليتيم","lvl":14,"sub":0},{"id":2237,"title":"في الآية سؤال وهو أن القاعدة في التمييز أن يميز القليل من الكثير وتقرر في الوجود وفي الشرع أن الفساد أكثر من الصلاح.","lvl":14,"sub":0},{"id":2237,"title":"من فوائد ابن عرفة فى الآية","lvl":14,"sub":1},{"id":2238,"title":"قوله تعالى : {وَلَا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ وَلَأَمَةٌ مُؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكَةٍ وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ","lvl":13,"sub":0},{"id":2238,"title":"مناسبة الآية لما قبلها","lvl":14,"sub":1},{"id":2242,"title":"فصل فى لفظ النكاح","lvl":14,"sub":0},{"id":2245,"title":"سؤال : لفظ المشرك هل يتناول الكفار من أهل الكتاب ؟","lvl":14,"sub":0},{"id":2248,"title":"فصل","lvl":14,"sub":0},{"id":2252,"title":"فائدة","lvl":14,"sub":0},{"id":2253,"title":"فصل","lvl":14,"sub":0},{"id":2254,"title":"فائدة","lvl":14,"sub":0},{"id":2256,"title":"إشكال وجوابه","lvl":14,"sub":0},{"id":2257,"title":"فصل","lvl":14,"sub":0},{"id":2263,"title":"فائدة","lvl":14,"sub":0},{"id":2263,"title":"سؤال : فإن قالوا : فقد قال الله تعالى : {أولئك يَدْعُونَ إِلَى النار} فجعل العلّة في تحريم نكاحهنّ الدعاء إلى النار.","lvl":14,"sub":1},{"id":2264,"title":"فائدة","lvl":14,"sub":0},{"id":2265,"title":"سؤال : إن قلت : هلا قال : والمؤمنون يدعون إِلَى الجَنَّةِ وَالمَغْفِرَةِ بِإِذْنِهِ. كما ( أسند ) للمشركين الدّعاء إلى النار ؟","lvl":14,"sub":0},{"id":2269,"title":"قوله تعالى : {(وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ","lvl":13,"sub":0},{"id":2269,"title":"مناسبة الآية لما قبلها","lvl":14,"sub":1},{"id":2272,"title":"لطيفة","lvl":14,"sub":0},{"id":2276,"title":"فائدة لغوية","lvl":14,"sub":0},{"id":2284,"title":"فصل","lvl":14,"sub":0},{"id":2285,"title":"فائدة","lvl":14,"sub":0},{"id":2285,"title":"فصل","lvl":14,"sub":1},{"id":2289,"title":"فائدة","lvl":14,"sub":0},{"id":2289,"title":"فصل فى اختلافهم فى المراد بقوله تعالى : {فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ الله}","lvl":14,"sub":1},{"id":2292,"title":"فائدة","lvl":14,"sub":0},{"id":2298,"title":"فائدة","lvl":14,"sub":0},{"id":2299,"title":"فصل فى مسائل مهمة","lvl":14,"sub":0},{"id":2302,"title":"بحث طبى فى أذى المحيض","lvl":14,"sub":0},{"id":2304,"title":"قوله تعالى : {(نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ وَقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ","lvl":13,"sub":0},{"id":2304,"title":"مناسبة الآية لما قبلها","lvl":14,"sub":1},{"id":2311,"title":"فصل","lvl":14,"sub":0},{"id":2324,"title":"فصل","lvl":14,"sub":0},{"id":2324,"title":"لطيفة فى الفرق بين الحرث والزرع","lvl":14,"sub":1},{"id":2327,"title":"فائدة","lvl":14,"sub":0},{"id":2328,"title":"فائدة","lvl":14,"sub":0},{"id":2328,"title":"لطيفة فى الآيات السابقة","lvl":14,"sub":1},{"id":2330,"title":"بحث نفيس","lvl":14,"sub":0},{"id":2343,"title":"قوله تعالى : {(وَلَا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لِأَيْمَانِكُمْ أَنْ تَبَرُّوا وَتَتَّقُوا وَتُصْلِحُوا بَيْنَ النَّاسِ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ","lvl":13,"sub":0},{"id":2343,"title":"مناسبة الآية لما قبلها","lvl":14,"sub":1},{"id":2346,"title":"فائدة","lvl":14,"sub":0},{"id":2348,"title":"سؤال : فإن قلت : كيف يلزم من ترك الحلف حصول البر والتقوى والإصلاح بين الناس ؟","lvl":14,"sub":0},{"id":2352,"title":"فائدة","lvl":14,"sub":0},{"id":2353,"title":"فائدة","lvl":14,"sub":0},{"id":2353,"title":"من فوائد ابن عرفة فى الآية","lvl":14,"sub":1},{"id":2354,"title":"قوله تعالى : {لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ","lvl":13,"sub":0},{"id":2354,"title":"مناسبة الآية لما قبلها","lvl":14,"sub":1},{"id":2357,"title":"سؤال : ما المراد باللغو فى الآية الكريمة ؟","lvl":14,"sub":0},{"id":2364,"title":"( فصل في بيان حكم الآية : وفيه مسائل )","lvl":14,"sub":0},{"id":2365,"title":"فصل","lvl":14,"sub":0},{"id":2367,"title":"لطيفة","lvl":14,"sub":0},{"id":2368,"title":"قوله تعالى : {لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ فَإِنْ فَاءُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ","lvl":13,"sub":0},{"id":2368,"title":"مناسبة الآية لما قبلها","lvl":14,"sub":1},{"id":2371,"title":"فائدة","lvl":14,"sub":0},{"id":2374,"title":"فائدة","lvl":14,"sub":0},{"id":2374,"title":"لطيفة","lvl":14,"sub":1},{"id":2377,"title":"فائدة","lvl":14,"sub":0},{"id":2378,"title":"فائدة","lvl":14,"sub":0},{"id":2379,"title":"قوله تعالى {وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلَاقَ فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ}","lvl":13,"sub":0},{"id":2380,"title":"فائدة","lvl":14,"sub":0},{"id":2381,"title":"فائدة","lvl":14,"sub":0},{"id":2382,"title":"فصل فى بعض الأحكام المتعلقة بالإيلاء","lvl":14,"sub":0},{"id":2388,"title":"قوله تعالى : {وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ","lvl":13,"sub":0},{"id":2388,"title":"مناسبة الآية لما قبلها","lvl":14,"sub":1},{"id":2393,"title":"أسئلة وأجوبة للإمام فخر الدين الرازى","lvl":14,"sub":0},{"id":2396,"title":"فصل","lvl":14,"sub":0},{"id":2409,"title":"أسئلة وأجوبة للعلامة الفخر","lvl":14,"sub":0},{"id":2414,"title":"فائدة","lvl":14,"sub":0},{"id":2414,"title":"لطيفة","lvl":14,"sub":1},{"id":2415,"title":"فائدة","lvl":14,"sub":0},{"id":2417,"title":"فصل في حكم النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ في خدمة المرأة لزوجها","lvl":14,"sub":0},{"id":2420,"title":"فصل","lvl":14,"sub":0},{"id":2424,"title":"كلام نفيس للعلامة ابن عاشور","lvl":14,"sub":0},{"id":2434,"title":"فصل في أحكام العدة","lvl":14,"sub":0},{"id":2435,"title":"من لطائف الإمام القشيرى فى الآية","lvl":14,"sub":0},{"id":2441,"title":"قوله تعالى : {الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ","lvl":13,"sub":0},{"id":2441,"title":"مناسبة الآية لما قبلها","lvl":14,"sub":1},{"id":2447,"title":"فائدة","lvl":14,"sub":0},{"id":2449,"title":"فائدة","lvl":14,"sub":0},{"id":2450,"title":"فائدة","lvl":14,"sub":0},{"id":2455,"title":"سؤال : ما الحكمة في إثبات حق الرجعة ؟","lvl":14,"sub":0},{"id":2456,"title":"فصل","lvl":14,"sub":0},{"id":2471,"title":"فائدة","lvl":14,"sub":0},{"id":2471,"title":"فصل","lvl":14,"sub":1},{"id":2473,"title":"فائدة","lvl":14,"sub":0},{"id":2475,"title":"فصل","lvl":14,"sub":0},{"id":2478,"title":"لطيفة","lvl":14,"sub":0},{"id":2482,"title":"من فوائد ابن عرفة فى الآية","lvl":14,"sub":0},{"id":2486,"title":"من لطائف الإمام القشيرى فى الآية","lvl":14,"sub":0},{"id":2492,"title":"بحثان قيمان لابن القيم","lvl":14,"sub":0},{"id":2512,"title":"فصل","lvl":14,"sub":0},{"id":2521,"title":"قوله تعالى : {فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ","lvl":13,"sub":0},{"id":2530,"title":"فصل","lvl":14,"sub":0},{"id":2532,"title":"فائدة","lvl":14,"sub":0},{"id":2533,"title":"فصل","lvl":14,"sub":0},{"id":2536,"title":"فصل","lvl":14,"sub":0},{"id":2536,"title":"فصل","lvl":14,"sub":1},{"id":2541,"title":"سؤال : فإن قلت ما معنى لعنهما ؟","lvl":14,"sub":0},{"id":2542,"title":"كلام نفيس لابن القيم فى هذا الموضوع","lvl":14,"sub":0},{"id":2547,"title":"كلام نفيس لحجة الإسلام فى الطلاق","lvl":14,"sub":0},{"id":2553,"title":"فائدة","lvl":14,"sub":0},{"id":2553,"title":"سؤال : لم خص العلماء بهذا البيان ؟","lvl":14,"sub":1},{"id":2554,"title":"من فوائد ابن عرفة فى الآية","lvl":14,"sub":0},{"id":2556,"title":"قوله تعالى : {وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ","lvl":13,"sub":0},{"id":2556,"title":"مناسبة الآية لما قبلها","lvl":14,"sub":1},{"id":2557,"title":"سؤال : لقائل أن يقول : لا فرق بين هذه الآية وبين قوله : {الطلاق مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بإحسان} [ البقرة : 229 ] فتكون إعادة هذه الآية بعد ذكر تلك الآية تكريراً لكلام واحد في موضع واحد من غير فائدة وأنه لا يجوز.","lvl":14,"sub":0},{"id":2560,"title":"فصل","lvl":14,"sub":0},{"id":2560,"title":"سؤال : لقائل أن يقول : إنه تعالى أثبت عند بلوغ الأجل حق المراجعة ، وبلوغ الأجل عبارة عن انقضاء العدة ، وعند انقضاء العدة لا يثبت حق المراجعة ؟","lvl":14,"sub":1},{"id":2561,"title":"سؤال : لم عبر بالتسريح عن التخلية ؟","lvl":14,"sub":0},{"id":2562,"title":"لطيفة","lvl":14,"sub":0},{"id":2563,"title":"سؤال : لقائل أن يقول : فلا فرق بين أن يقول : {فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ} وبين قوله : {وَلاَ تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَارًا}","lvl":14,"sub":0},{"id":2564,"title":"فصل","lvl":14,"sub":0},{"id":2569,"title":"فائدة","lvl":14,"sub":0},{"id":2574,"title":"من فوائد ابن عرفة فى الآية","lvl":14,"sub":0},{"id":2577,"title":"قوله تعالى : {وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ إِذَا تَرَاضَوْا بَيْنَهُمْ بِالْمَعْرُوفِ","lvl":13,"sub":0},{"id":2577,"title":"مناسبة الآية لما قبلها","lvl":14,"sub":1},{"id":2585,"title":"بحث نفيس للعلامة الجصاص فى النكاح بغير ولى","lvl":14,"sub":0},{"id":2601,"title":"فصل","lvl":14,"sub":0},{"id":2604,"title":"فائدة","lvl":14,"sub":0},{"id":2605,"title":"سؤال : لم خصه بالذكر ؟","lvl":14,"sub":0},{"id":2606,"title":"لطيفة","lvl":14,"sub":0},{"id":2608,"title":"كلام نفيس لحجة الإسلام فى النصيحة","lvl":14,"sub":0},{"id":2610,"title":"فائدة","lvl":14,"sub":0},{"id":2611,"title":"من فوائد ابن عرفة فى الآية","lvl":14,"sub":0},{"id":2612,"title":"لطيفة بلاغية","lvl":14,"sub":0},{"id":2615,"title":"قوله تعالى : {وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ","lvl":13,"sub":0},{"id":2615,"title":"مناسبة الآية لما قبلها","lvl":14,"sub":1},{"id":2622,"title":"سؤال : لم صرح بالمفعول فى قوله : {أولادهن} مع كونه معلوماً ؟","lvl":14,"sub":0},{"id":2622,"title":"سؤال : لم صرح بالمفعول فى قوله : {أولادهن} مع كونه معلوماً ؟","lvl":14,"sub":1},{"id":2622,"title":"فائدة","lvl":14,"sub":2},{"id":2623,"title":"فصل","lvl":14,"sub":0},{"id":2625,"title":"سؤال : فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ : قَوْله تَعَالَى : {وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ} نَصَّ عَلَى أَنَّ الْحَوْلَيْنِ تَمَامُ الرَّضَاعِ ، فَغَيْرُ جَائِزٍ أَنْ يَكُونَ بَعْدَهُ رَ","lvl":14,"sub":0},{"id":2625,"title":"فائدة","lvl":14,"sub":1},{"id":2626,"title":"لطيفة","lvl":14,"sub":0},{"id":2627,"title":"فصل","lvl":14,"sub":0},{"id":2630,"title":"فائدة","lvl":14,"sub":0},{"id":2632,"title":"فائدة","lvl":14,"sub":0},{"id":2633,"title":"فصل","lvl":14,"sub":0},{"id":2633,"title":"فائدة","lvl":14,"sub":1},{"id":2636,"title":"فصل فى المراد من الآية","lvl":14,"sub":0},{"id":2636,"title":"فائدة","lvl":14,"sub":1},{"id":2637,"title":"فائدة","lvl":14,"sub":0},{"id":2638,"title":"فائدة أخرى","lvl":14,"sub":0},{"id":2639,"title":"فائدة ثالثة","lvl":14,"sub":0},{"id":2641,"title":"سؤال : فإن قيل : لم قال {تُضَارَّ} والفعل لواحد ؟ .","lvl":14,"sub":0},{"id":2641,"title":"فائدة","lvl":14,"sub":1},{"id":2649,"title":"فائدة","lvl":14,"sub":0},{"id":2650,"title":"فائدة","lvl":14,"sub":0},{"id":2651,"title":"سؤال : لم عطف التشاور على التراضي ؟","lvl":14,"sub":0},{"id":2654,"title":"فصل","lvl":14,"sub":0},{"id":2655,"title":"من لطائف الإمام القشيرى فى الآية","lvl":14,"sub":0},{"id":2655,"title":"فائدة","lvl":14,"sub":1},{"id":2674,"title":"قوله تعالى : {وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا","lvl":13,"sub":0},{"id":2674,"title":"مناسبة الآية لما قبلها","lvl":14,"sub":1},{"id":2678,"title":"لطيفة","lvl":14,"sub":0},{"id":2678,"title":"فائدة جليلة","lvl":14,"sub":1},{"id":2681,"title":"فصل في ابتداء هذه المدَّة","lvl":14,"sub":0},{"id":2681,"title":"فائدة","lvl":14,"sub":1},{"id":2684,"title":"سؤال : ما الحكمة من كون عدة المرأة أربعة أشهر وعشرا عند وفاة زوجها ؟.","lvl":14,"sub":0},{"id":2684,"title":"فائدة","lvl":14,"sub":1},{"id":2687,"title":"سؤال : هذه الآية ناسخة لقوله تعالى : {وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجاً وَصِيَّةً لأزْوَاجِهِم مَتَاعاً إِلَى الْحَولِ غَيرَ إِخْرَاج} [ البقرة : 240 ] فإن قيل : فهي متقدمة والناسخ يجب أن يكون متأخراً ، قيل هو في التنزيل متأخر","lvl":14,"sub":0},{"id":2688,"title":"سؤال : فإن قيل : فما المعنى في رفع الجناح عن الرجال في بلوغ النساء أجلهن ؟","lvl":14,"sub":0},{"id":2689,"title":"فصل","lvl":14,"sub":0},{"id":2690,"title":"من لطائف الإمام القشيرى فى الآية","lvl":14,"sub":0},{"id":2690,"title":"فائدة","lvl":14,"sub":1},{"id":2691,"title":"من فوائد ابن عرفة فى الآية","lvl":14,"sub":0},{"id":2696,"title":"فصل : في حكم عدة المتوفي عنها زوجها والإحداد.","lvl":14,"sub":0},{"id":2698,"title":"بحث نفيس للعلامة ابن القيم فى الفرق بين مدة الإحداد على الزوج وغيره","lvl":14,"sub":0},{"id":2702,"title":"قوله تعالى : {وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا عَرَّضْتُمْ بِهِ مِنْ خِطْبَةِ النِّسَاءِ أَوْ أَكْنَنْتُمْ فِي أَنْفُسِكُمْ","lvl":13,"sub":0},{"id":2702,"title":"مناسبة الآية لما قبلها","lvl":14,"sub":1},{"id":2705,"title":"فصل","lvl":14,"sub":0},{"id":2707,"title":"فائدة","lvl":14,"sub":0},{"id":2709,"title":"فائدة","lvl":14,"sub":0},{"id":2710,"title":"سؤال : فإن قيل : إن التعريض بالخطبة أعظم حالاً من أن يميل قلبه إليها ولا يذكر شيئاً فلما قدم جواز التعريض بالخطبة كان قوله بعد ذلك : {أَوْ أَكْنَنتُمْ فِى أَنفُسِكُمْ} جارياً مجرى إيضاح الواضحات.","lvl":14,"sub":0},{"id":2712,"title":"سؤال : ما معنى السر ؟ .","lvl":14,"sub":0},{"id":2715,"title":"فائدة نفيسة","lvl":14,"sub":0},{"id":2720,"title":"فائدة","lvl":14,"sub":0},{"id":2723,"title":"من فوائد ابن عرفة فى الآية","lvl":14,"sub":0},{"id":2733,"title":"قوله تعالى : {لَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً","lvl":13,"sub":0},{"id":2733,"title":"مناسبة الآية لما قبلها","lvl":14,"sub":1},{"id":2739,"title":"سؤال : لقائل أن يقول : ظاهر الآية مشعر بأن نفي الجناح عن المطلق مشروط بعدم المسيس وليس كذلك فإنه لا جناح عليه أيضاً بعد المسيس.","lvl":14,"sub":0},{"id":2741,"title":"بحث نفيس للعلامة ابن عاشور","lvl":14,"sub":0},{"id":2741,"title":"فصل","lvl":14,"sub":1},{"id":2741,"title":"فائدة","lvl":14,"sub":2},{"id":2744,"title":"لطيفة","lvl":14,"sub":0},{"id":2752,"title":"كلام نفيس للعلامة الجصاص","lvl":14,"sub":0},{"id":2756,"title":"سؤال : لم خص المحسنين بالذكر ؟","lvl":14,"sub":0},{"id":2758,"title":"من فوائد ابن عرفة فى الآية","lvl":14,"sub":0},{"id":2758,"title":"من لطائف الإمام القشيرى فى الآية","lvl":14,"sub":1},{"id":2761,"title":"قوله تعالى : {وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ إِلَّا أَنْ يَعْفُونَ أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ","lvl":13,"sub":0},{"id":2761,"title":"مناسبة الآية لما قبلها","lvl":14,"sub":1},{"id":2765,"title":"فصل","lvl":14,"sub":0},{"id":2766,"title":"فائدة","lvl":14,"sub":0},{"id":2767,"title":"سؤال : لم لم تسقط النون من {يَعْفُونَ} مع دخول {أن} الناصبة للأفعال عليه ؟","lvl":14,"sub":0},{"id":2773,"title":"كلام نفيس للعلامة الجصاص فى هذا الموضع","lvl":14,"sub":0},{"id":2778,"title":"فائدة","lvl":14,"sub":0},{"id":2780,"title":"فائدة لغوية","lvl":14,"sub":0},{"id":2781,"title":"لطيفة","lvl":14,"sub":0},{"id":2783,"title":"لطيفة","lvl":14,"sub":0},{"id":2783,"title":"فصل","lvl":14,"sub":1},{"id":2785,"title":"لطيفة","lvl":14,"sub":0},{"id":2785,"title":"من فوائد ابن عرفة فى الآية","lvl":14,"sub":1},{"id":2787,"title":"قوله تعالى : {حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ","lvl":13,"sub":0},{"id":2787,"title":"مناسبة الآية لما قبلها","lvl":14,"sub":1},{"id":2795,"title":"فصل","lvl":14,"sub":0},{"id":2796,"title":"فصل فى المحافظة على الصلاة","lvl":14,"sub":0},{"id":2801,"title":"فائدة","lvl":14,"sub":0},{"id":2802,"title":"فصل فى اختلافهم فى الصلاة الوسطى","lvl":14,"sub":0},{"id":2822,"title":"لطيفة","lvl":14,"sub":0},{"id":2822,"title":"فائدة","lvl":14,"sub":1},{"id":2825,"title":"من فوائد ابن عرفة فى الآية","lvl":14,"sub":0},{"id":2826,"title":"قوله تعالى : {فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالًا أَوْ رُكْبَانًا فَإِذَا أَمِنْتُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَمَا عَلَّمَكُمْ مَا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ","lvl":13,"sub":0},{"id":2829,"title":"فصل","lvl":14,"sub":0},{"id":2829,"title":"فائدة لغوية","lvl":14,"sub":1},{"id":2830,"title":"فصل","lvl":14,"sub":0},{"id":2832,"title":"فصل في اختلافهم فى الخوف الذي يفيد هذه الرخصة","lvl":14,"sub":0},{"id":2832,"title":"فائدة","lvl":14,"sub":1},{"id":2833,"title":"سؤال : فإن قيل : قوله : {فَرِجَالاً أَوْ رُكْبَانًا} يدل على أن المراد منه الخوف من العدو حال المقاتلة.","lvl":14,"sub":0},{"id":2833,"title":"فائدة لغوية","lvl":14,"sub":1},{"id":2834,"title":"فصل","lvl":14,"sub":0},{"id":2836,"title":"فائدة","lvl":14,"sub":0},{"id":2837,"title":"لطيفة","lvl":14,"sub":0},{"id":2837,"title":"فصل","lvl":14,"sub":1},{"id":2837,"title":"سؤال : فإن قيل : كيف الجمع بين هذه الآية ، وبين ما روى ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه صلى يوم الخندق الظهر والعصر ، والمغرب والعشاء بعد ما غاب الشفق ؟","lvl":14,"sub":2},{"id":2837,"title":"فائدة","lvl":14,"sub":3},{"id":2838,"title":"فصل","lvl":14,"sub":0},{"id":2839,"title":"كلام نفيس لابن العربى فى الآية الكريمة","lvl":14,"sub":0},{"id":2840,"title":"من فوائد ابن عرفة فى الآية","lvl":14,"sub":0},{"id":2842,"title":"قوله تعالى : {وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا وَصِيَّةً لِأَزْوَاجِهِمْ مَتَاعًا إِلَى الْحَوْلِ غَيْرَ إِخْرَاجٍ","lvl":13,"sub":0},{"id":2842,"title":"مناسبة الآية لما قبلها","lvl":14,"sub":1},{"id":2851,"title":"فصل","lvl":14,"sub":0},{"id":2856,"title":"فصل","lvl":14,"sub":0},{"id":2860,"title":"فصل","lvl":14,"sub":0},{"id":2862,"title":"قوله تعالى : {وَلِلْمُطَلَّقَاتِ مَتَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ","lvl":13,"sub":0},{"id":2862,"title":"مناسبة الآية لما قبلها","lvl":14,"sub":1},{"id":2866,"title":"فائدة","lvl":14,"sub":0},{"id":2869,"title":"قوله تعالى : {كذلك يبين الله لكم آياته}","lvl":13,"sub":0},{"id":2870,"title":"من فوائد ابن عرفة فى الآيتين الكريمتين","lvl":14,"sub":0},{"id":2872,"title":"قوله تعالى : {أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ حَذَرَ الْمَوْتِ فَقَالَ لَهُمُ اللَّهُ مُوتُوا ثُمَّ أَحْيَاهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَشْكُرُونَ","lvl":13,"sub":0},{"id":2872,"title":"مناسبة الآية لما قبلها","lvl":14,"sub":1},{"id":2881,"title":"فائدة","lvl":14,"sub":0},{"id":2883,"title":"فائدة","lvl":14,"sub":0},{"id":2884,"title":"فصل","lvl":14,"sub":0},{"id":2891,"title":"فائدة","lvl":14,"sub":0},{"id":2895,"title":"سؤال : لم عبر بالأمر ، دون أن يقال : فأماتهم الله ثم أحياهم ؟","lvl":14,"sub":0},{"id":2896,"title":"فائدة","lvl":14,"sub":0},{"id":2901,"title":"سؤال : فإن قلت كيف أميت هؤلاء مرتين في الدنيا وقد قال الله تعالى : {لا يذوقون فيها الموت إلا الموتة الأولى} [ الدخان : 56 ]؟.","lvl":14,"sub":0},{"id":2903,"title":"سؤال : لم إظهارُ الناس في مقام الإضمار ؟","lvl":14,"sub":0},{"id":2907,"title":"فصل","lvl":14,"sub":0},{"id":2908,"title":"من فوائد ابن عرفة فى الآية","lvl":14,"sub":0},{"id":2908,"title":"من لطائف الإمام القشيرى فى الآية","lvl":14,"sub":1},{"id":2910,"title":"كلام نفيس للعلامة الشنقيطى فى الآية","lvl":14,"sub":0},{"id":2918,"title":"بحث نفيس {دروس من السماء} قصة أمة","lvl":14,"sub":0},{"id":2923,"title":"بحث قيم فى الطاعون والفاحشة","lvl":14,"sub":0},{"id":2926,"title":"قوله تعالى : {وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ","lvl":13,"sub":0},{"id":2926,"title":"مناسبة الآية لما قبلها","lvl":14,"sub":1},{"id":2930,"title":"فائدة","lvl":14,"sub":0},{"id":2932,"title":"من فوائد ابن عرفة فى الآية","lvl":14,"sub":0},{"id":2934,"title":"قوله تعالى : {مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافًا كَثِيرَةً وَاللَّهُ يَقْبِضُ وَيَبْسُطُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ","lvl":13,"sub":0},{"id":2934,"title":"مناسبة الآية لما قبلها","lvl":14,"sub":1},{"id":2936,"title":"سبب نزول الآية","lvl":14,"sub":0},{"id":2943,"title":"فصل","lvl":14,"sub":0},{"id":2943,"title":"فائدة","lvl":14,"sub":1},{"id":2944,"title":"سؤال : فإن قيل : ما وجه تسمية الصدقة قرضاً ؟","lvl":14,"sub":0},{"id":2948,"title":"فصل","lvl":14,"sub":0},{"id":2948,"title":"فائدة","lvl":14,"sub":1},{"id":2950,"title":"فائدة","lvl":14,"sub":0},{"id":2953,"title":"لطيفة","lvl":14,"sub":0},{"id":2953,"title":"فائدة","lvl":14,"sub":1},{"id":2954,"title":"لطيفة","lvl":14,"sub":0},{"id":2954,"title":"فصل","lvl":14,"sub":1},{"id":2955,"title":"من لطائف الإمام القشيرى فى الآية","lvl":14,"sub":0},{"id":2957,"title":"من فوائد ابن عرفة فى الآية","lvl":14,"sub":0},{"id":2959,"title":"كلام نفيس للعلامة ابن القيم يتعلق بالآية الكريمة","lvl":14,"sub":0},{"id":2962,"title":"قوله تعالى : {أَلَمْ تَرَ إِلَى الْمَلَإِ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى إِذْ قَالُوا لِنَبِيٍّ لَهُمُ ابْعَثْ لَنَا مَلِكًا نُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ","lvl":13,"sub":0},{"id":2962,"title":"مناسبة الآية لما قبلها","lvl":14,"sub":1},{"id":2967,"title":"فصل","lvl":14,"sub":0},{"id":2968,"title":"فصل","lvl":14,"sub":0},{"id":2968,"title":"فائدة","lvl":14,"sub":1},{"id":2971,"title":"فصل","lvl":14,"sub":0},{"id":2977,"title":"من لطائف الإمام القشيرى فى الآية","lvl":14,"sub":0},{"id":2978,"title":"لطيفة","lvl":14,"sub":0},{"id":2978,"title":"من فوائد ابن عرفة فى الآية","lvl":14,"sub":1},{"id":2981,"title":"فصل","lvl":14,"sub":0},{"id":2986,"title":"قوله تعالى : {وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ اللَّهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طَالُوتَ مَلِكًا قَالُوا أَنَّى يَكُونُ لَهُ الْمُلْكُ عَلَيْنَا وَنَحْنُ أَحَقُّ بِالْمُلْكِ مِنْهُ وَلَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِنَ الْمَالِ","lvl":13,"sub":0},{"id":2986,"title":"مناسبة الآية لما قبلها","lvl":14,"sub":1},{"id":2996,"title":"فائدة","lvl":14,"sub":0},{"id":2997,"title":"فائدة","lvl":14,"sub":0},{"id":2998,"title":"فصل","lvl":14,"sub":0},{"id":2998,"title":"فائدة","lvl":14,"sub":1},{"id":3000,"title":"لطيفة","lvl":14,"sub":0},{"id":3000,"title":"فائدة","lvl":14,"sub":1},{"id":3003,"title":"من لطائف الإمام القشيرى فى الآية","lvl":14,"sub":0},{"id":3004,"title":"من فوائد ابن عرفة فى الآية","lvl":14,"sub":0},{"id":3006,"title":"قوله تعالى : {وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ آَيَةَ مُلْكِهِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ التَّابُوتُ فِيهِ سَكِينَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَبَقِيَّةٌ مِمَّا تَرَكَ آَلُ مُوسَى وَآَلُ هَارُونَ تَحْمِلُهُ الْمَلَائِكَةُ","lvl":13,"sub":0},{"id":3006,"title":"مناسبة الآية لما قبلها","lvl":14,"sub":1},{"id":3012,"title":"فائدة لغوية","lvl":14,"sub":0},{"id":3013,"title":"فصل","lvl":14,"sub":0},{"id":3015,"title":"فائدة","lvl":14,"sub":0},{"id":3016,"title":"فصل فى المراد بالسكينة","lvl":14,"sub":0},{"id":3018,"title":"فائدة","lvl":14,"sub":0},{"id":3019,"title":"فصل","lvl":14,"sub":0},{"id":3019,"title":"فائدة","lvl":14,"sub":1},{"id":3021,"title":"فائدة","lvl":14,"sub":0},{"id":3025,"title":"فصل فى المقصود بالبقية","lvl":14,"sub":0},{"id":3030,"title":"فائدة","lvl":14,"sub":0},{"id":3032,"title":"فائدة","lvl":14,"sub":0},{"id":3033,"title":"فصل","lvl":14,"sub":0},{"id":3035,"title":"من لطائف الإمام القشيرى فى الآية","lvl":14,"sub":0},{"id":3036,"title":"من فوائد ابن عرفة فى الآية","lvl":14,"sub":0},{"id":3038,"title":"فائدة مهمة","lvl":14,"sub":0},{"id":3041,"title":"قوله تعالى : {فَلَمَّا فَصَلَ طَالُوتُ بِالْجُنُودِ قَالَ إِنَّ اللَّهَ مُبْتَلِيكُمْ بِنَهَرٍ فَمَنْ شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي","lvl":13,"sub":0},{"id":3041,"title":"مناسبة الآية لما قبلها","lvl":14,"sub":1},{"id":3045,"title":"فصل","lvl":14,"sub":0},{"id":3046,"title":"فصل في حكمة هذا الابتلاء","lvl":14,"sub":0},{"id":3057,"title":"فصل","lvl":14,"sub":0},{"id":3059,"title":"فصل","lvl":14,"sub":0},{"id":3066,"title":"من لطائف الإمام القشيرى فى الآية","lvl":14,"sub":0},{"id":3067,"title":"من فوائد ابن عرفة فى الآية","lvl":14,"sub":0},{"id":3081,"title":"قوله تعالى : { وَلَمَّا بَرَزُوا لِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ قَالُوا رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ","lvl":13,"sub":0},{"id":3081,"title":"فصل","lvl":14,"sub":1},{"id":3082,"title":"فصل","lvl":14,"sub":0},{"id":3085,"title":"لطيفة","lvl":14,"sub":0},{"id":3086,"title":"من لطائف الإمام القشيرى فى الآية","lvl":14,"sub":0},{"id":3086,"title":"من فوائد ابن عرفة فى الآية","lvl":14,"sub":1},{"id":3088,"title":"قوله تعالى : { فَهَزَمُوهُمْ بِإِذْنِ اللَّهِ وَقَتَلَ دَاوُودُ جَالُوتَ وَآَتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَهُ مِمَّا يَشَاءُ","lvl":13,"sub":0},{"id":3088,"title":"مناسبة الآية لما قبلها","lvl":14,"sub":1},{"id":3095,"title":"فصل","lvl":14,"sub":0},{"id":3097,"title":"فصل","lvl":14,"sub":0},{"id":3103,"title":"فصل","lvl":14,"sub":0},{"id":3118,"title":"من لطائف الإمام القشيرى فى الآية","lvl":14,"sub":0},{"id":3119,"title":"من فوائد ابن عرفة فى الآية","lvl":14,"sub":0},{"id":3123,"title":"فصل فى قصة قتل داود ـ عليه السلام ـ جالوت","lvl":14,"sub":0},{"id":3130,"title":"قوله تعالى : { تِلْكَ آَيَاتُ اللَّهِ نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ","lvl":13,"sub":0},{"id":3130,"title":"مناسبة الآية لما قبلها","lvl":14,"sub":1},{"id":3135,"title":"من فوائد ابن عرفة فى الآية","lvl":14,"sub":0},{"id":3137,"title":"قوله تعالى : { تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللَّهُ وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَاتٍ","lvl":13,"sub":0},{"id":3137,"title":"مناسبة الآية لما قبلها","lvl":14,"sub":1},{"id":3144,"title":"فصل","lvl":14,"sub":0},{"id":3147,"title":"فصل","lvl":14,"sub":0},{"id":3150,"title":"لطيفة","lvl":14,"sub":0},{"id":3157,"title":"بحث نفيس وقيم للعلامة فخر الدين الرازى ـ ولله دره ـ","lvl":14,"sub":0},{"id":3169,"title":"لطيفة","lvl":14,"sub":0},{"id":3173,"title":"أسئلة وأجوبة للعلامة الفخر","lvl":14,"sub":0},{"id":3174,"title":"فصل فى تفسير القدس","lvl":14,"sub":0},{"id":3178,"title":"فصل","lvl":14,"sub":0},{"id":3189,"title":"من لطائف الإمام القشيرى فى الآية","lvl":14,"sub":0},{"id":3189,"title":"لطيفة","lvl":14,"sub":1},{"id":3190,"title":"من فوائد ابن عرفة فى الآية","lvl":14,"sub":0},{"id":3194,"title":"قوله تعالى : { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لَا بَيْعٌ فِيهِ وَلَا خُلَّةٌ وَلَا شَفَاعَةٌ","lvl":13,"sub":0},{"id":3194,"title":"مناسبة الآية لما قبلها","lvl":14,"sub":1},{"id":3196,"title":"فصل","lvl":14,"sub":0},{"id":3206,"title":"لطيفة","lvl":14,"sub":0},{"id":3207,"title":"من فوائد ابن عرفة فى الآية","lvl":14,"sub":0},{"id":3211,"title":"قوله تعالى : { اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ","lvl":13,"sub":0},{"id":3211,"title":"مناسبة الآية لما قبلها","lvl":14,"sub":1},{"id":3217,"title":"فصل","lvl":14,"sub":0},{"id":3217,"title":"لطيفة","lvl":14,"sub":1},{"id":3217,"title":"بحث لطيف للعلامة الفخر فى الآية الكريمة","lvl":14,"sub":2},{"id":3231,"title":"فصل","lvl":14,"sub":0},{"id":3233,"title":"فصل","lvl":14,"sub":0},{"id":3233,"title":"لطيفة","lvl":14,"sub":1},{"id":3237,"title":"فصل","lvl":14,"sub":0},{"id":3240,"title":"فصل","lvl":14,"sub":0},{"id":3242,"title":"فصل","lvl":14,"sub":0},{"id":3248,"title":"فصل فى المراد من الكرسى","lvl":14,"sub":0},{"id":3256,"title":"لطيفة","lvl":14,"sub":0},{"id":3257,"title":"من لطائف الإمام القشيرى فى الآية","lvl":14,"sub":0},{"id":3259,"title":"لطيفة","lvl":14,"sub":0},{"id":3261,"title":"أسئلة وأجوبة لصاحب الكشاف","lvl":14,"sub":0},{"id":3263,"title":"من فوائد ابن عرفة فى الآية","lvl":14,"sub":0},{"id":3268,"title":"فصل فى فضل آية الكرسى","lvl":14,"sub":0},{"id":3282,"title":"قوله تعالى : { لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ","lvl":13,"sub":0},{"id":3282,"title":"مناسبة الآية لما قبلها","lvl":14,"sub":1},{"id":3285,"title":"فصل","lvl":14,"sub":0},{"id":3288,"title":"فصل","lvl":14,"sub":0},{"id":3289,"title":"فصل","lvl":14,"sub":0},{"id":3292,"title":"بحث","lvl":14,"sub":0},{"id":3296,"title":"فصل","lvl":14,"sub":0},{"id":3299,"title":"فصل","lvl":14,"sub":0},{"id":3300,"title":"لطيفة","lvl":14,"sub":0},{"id":3303,"title":"من فوائد ابن عرفة فى الآية","lvl":14,"sub":0},{"id":3305,"title":"بحث","lvl":14,"sub":0},{"id":3307,"title":"لطيفة","lvl":14,"sub":0},{"id":3308,"title":"قوله تعالى : { اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آَمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ","lvl":13,"sub":0},{"id":3308,"title":"مناسبة الآية لما قبلها","lvl":14,"sub":1},{"id":3310,"title":"فصل","lvl":14,"sub":0},{"id":3313,"title":"فصل","lvl":14,"sub":0},{"id":3319,"title":"فصل","lvl":14,"sub":0},{"id":3320,"title":"لطيفة","lvl":14,"sub":0},{"id":3322,"title":"من لطائف الإمام القشيرى فى الآية","lvl":14,"sub":0},{"id":3323,"title":"من فوائد ابن عرفة فى الآية","lvl":14,"sub":0},{"id":3324,"title":"لطيفة","lvl":14,"sub":0},{"id":3325,"title":"من فوائد الشيخ الشنقيطى فى الآية","lvl":14,"sub":0},{"id":3327,"title":"من لطائف ابن القيم فى الآية","lvl":14,"sub":0},{"id":3331,"title":"قوله تعالى : { أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رَبِّهِ أَنْ آَتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ","lvl":13,"sub":0},{"id":3331,"title":"مناسبة الآية لما قبلها","lvl":14,"sub":1},{"id":3334,"title":"فصل","lvl":14,"sub":0},{"id":3336,"title":"فصل","lvl":14,"sub":0},{"id":3338,"title":"فصل","lvl":14,"sub":0},{"id":3345,"title":"فصل","lvl":14,"sub":0},{"id":3346,"title":"فصل","lvl":14,"sub":0},{"id":3348,"title":"فصل","lvl":14,"sub":0},{"id":3355,"title":"لطيفة","lvl":14,"sub":0},{"id":3359,"title":"من لطائف الإمام القشيرى فى الآية","lvl":14,"sub":0},{"id":3367,"title":"قوله تعالى : { أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلَى قَرْيَةٍ وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا قَالَ أَنَّى يُحْيِي هَذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا فَأَمَاتَهُ اللَّهُ مِئَةَ عَامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ","lvl":13,"sub":0},{"id":3367,"title":"مناسبة الآية لما قبلها","lvl":14,"sub":1},{"id":3369,"title":"فصل","lvl":14,"sub":0},{"id":3370,"title":"فصل","lvl":14,"sub":0},{"id":3380,"title":"فصل","lvl":14,"sub":0},{"id":3384,"title":"فصل","lvl":14,"sub":0},{"id":3385,"title":"أسئلة وأجوبة للإمام الفخر","lvl":14,"sub":0},{"id":3386,"title":"لطيفة","lvl":14,"sub":0},{"id":3387,"title":"فصل","lvl":14,"sub":0},{"id":3390,"title":"فصل","lvl":14,"sub":0},{"id":3397,"title":"من لطائف الإمام القشيرى فى الآية","lvl":14,"sub":0},{"id":3398,"title":"من فوائد ابن عرفة فى الآية","lvl":14,"sub":0},{"id":3415,"title":"قوله تعالى : { وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي","lvl":13,"sub":0},{"id":3415,"title":"مناسبة الآية لما قبلها","lvl":14,"sub":1},{"id":3422,"title":"لطيفة","lvl":14,"sub":0},{"id":3423,"title":"فصل","lvl":14,"sub":0},{"id":3427,"title":"فصل نفيس","lvl":14,"sub":0},{"id":3436,"title":"فصل","lvl":14,"sub":0},{"id":3436,"title":"لطيفة","lvl":14,"sub":1},{"id":3437,"title":"فصل","lvl":14,"sub":0},{"id":3439,"title":"فصل","lvl":14,"sub":0},{"id":3443,"title":"من لطائف الإمام القشيرى فى الآية","lvl":14,"sub":0},{"id":3445,"title":"من فوائد ابن عرفة فى الآية","lvl":14,"sub":0},{"id":3458,"title":"قوله تعالى : { مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ","lvl":13,"sub":0},{"id":3458,"title":"مناسبة الآية لما قبلها","lvl":14,"sub":1},{"id":3459,"title":"فصل","lvl":14,"sub":0},{"id":3461,"title":"فصل","lvl":14,"sub":0},{"id":3466,"title":"لطيفة","lvl":14,"sub":0},{"id":3471,"title":"لطيفة","lvl":14,"sub":0},{"id":3472,"title":"من فوائد ابن عرفة فى الآية","lvl":14,"sub":0},{"id":3475,"title":"من لطائف ابن القيم فى الآية","lvl":14,"sub":0},{"id":3477,"title":"بحث","lvl":14,"sub":0},{"id":3485,"title":"فصل فى نزول الآية","lvl":14,"sub":0},{"id":3487,"title":"لطيفة","lvl":14,"sub":0},{"id":3488,"title":"فصل","lvl":14,"sub":0},{"id":3491,"title":"فصل","lvl":14,"sub":0},{"id":3491,"title":"لطيفة","lvl":14,"sub":1},{"id":3494,"title":"لطيفة","lvl":14,"sub":0},{"id":3498,"title":"من فوائد ابن عرفة فى الآية","lvl":14,"sub":0},{"id":3502,"title":"الجزء التاسع من كتاب جامع لطائف التفسير","lvl":12,"sub":0},{"id":3502,"title":"قوله تعالى : {قول معروف ومغفرة خير من صدقة يتبعها أذى والله غني حليم (263)}","lvl":13,"sub":1},{"id":3502,"title":"مناسبة الآية لما قبلها","lvl":14,"sub":1},{"id":3506,"title":"لطيفة","lvl":14,"sub":0},{"id":3507,"title":"بحث نفيس للعلامة ابن عاشور فى الآية","lvl":14,"sub":0},{"id":3507,"title":"فائدة","lvl":14,"sub":1},{"id":3512,"title":"فائدة","lvl":14,"sub":0},{"id":3514,"title":"لطيفة","lvl":14,"sub":0},{"id":3515,"title":"قوله تعالى : {يا أيها الذين آمنوا لا تبطلوا صدقاتكم بالمن والأذى كالذي ينفق ماله رئاء الناس ولا يؤمن بالله واليوم الآخر","lvl":13,"sub":0},{"id":3515,"title":"مناسبة الآية لما قبلها","lvl":14,"sub":1},{"id":3516,"title":"فصل","lvl":14,"sub":0},{"id":3517,"title":"بحث","lvl":14,"sub":0},{"id":3524,"title":"فصل","lvl":14,"sub":0},{"id":3524,"title":"فائدة","lvl":14,"sub":1},{"id":3525,"title":"فصل","lvl":14,"sub":0},{"id":3525,"title":"فائدة","lvl":14,"sub":1},{"id":3528,"title":"فصل فى الرياء","lvl":14,"sub":0},{"id":3531,"title":"لطيفة","lvl":14,"sub":0},{"id":3531,"title":"سؤال : الضمير في قوله {لا يقدرون} إلى ماذا يرجع؟","lvl":14,"sub":1},{"id":3532,"title":"من لطائف الإمام القشيرى فى الآية","lvl":14,"sub":0},{"id":3533,"title":"من لطائف ابن القيم فى الآية","lvl":14,"sub":0},{"id":3539,"title":"بحث نفيس لحجة الإسلام الغزالى","lvl":14,"sub":0},{"id":3543,"title":"قوله تعالى : {ومثل الذين ينفقون أموالهم ابتغاء مرضاة الله وتثبيتا من أنفسهم كمثل جنة بربوة أصابها وابل فآتت أكلها ضعفين","lvl":13,"sub":0},{"id":3543,"title":"مناسبة الآية لما قبلها","lvl":14,"sub":1},{"id":3548,"title":"فائدة","lvl":14,"sub":0},{"id":3549,"title":"فصل","lvl":14,"sub":0},{"id":3551,"title":"فائدة لغوية","lvl":14,"sub":0},{"id":3555,"title":"فائدة","lvl":14,"sub":0},{"id":3556,"title":"من لطائف الإمام القشيرى فى الآية","lvl":14,"sub":0},{"id":3557,"title":"من فوائد ابن عرفة فى الآية","lvl":14,"sub":0},{"id":3558,"title":"بحث نفيس للعلامة ابن القيم فى الآية","lvl":14,"sub":0},{"id":3561,"title":"بحث علمى فى الإعجاز العلمى للقرآن فى الآية","lvl":14,"sub":0},{"id":3567,"title":"قوله تعالى : {أيود أحدكم أن تكون له جنة من نخيل وأعناب تجري من تحتها الأنهار له فيها من كل الثمرات وأصابه الكبر","lvl":13,"sub":0},{"id":3567,"title":"مناسبة الآية لما قبلها","lvl":14,"sub":1},{"id":3573,"title":"فصل","lvl":14,"sub":0},{"id":3574,"title":"فائدة","lvl":14,"sub":0},{"id":3576,"title":"فائدة","lvl":14,"sub":0},{"id":3577,"title":"لطيفة","lvl":14,"sub":0},{"id":3577,"title":"من فوائد ابن عرفة فى الآية","lvl":14,"sub":1},{"id":3581,"title":"بحث نفيس للعلامة ابن القيم فى الآية","lvl":14,"sub":0},{"id":3583,"title":"قوله تعالى : {يا أيها الذين آمنوا أنفقوا من طيبات ما كسبتم ومما أخرجنا لكم من الأرض ولا تيمموا الخبيث منه تنفقون ولستم بآخذيه إلا أن تغمضوا فيه","lvl":13,"sub":0},{"id":3583,"title":"مناسبة الآية لما قبلها","lvl":14,"sub":1},{"id":3586,"title":"فصل","lvl":14,"sub":0},{"id":3590,"title":"فائدة","lvl":14,"sub":0},{"id":3591,"title":"سؤال : ما الفائدة في كلمة {من} في قوله {ومما أخرجنا لكم من الأرض}؟ .","lvl":14,"sub":0},{"id":3591,"title":"فائدة","lvl":14,"sub":1},{"id":3592,"title":"فائدة","lvl":14,"sub":0},{"id":3593,"title":"فصل","lvl":14,"sub":0},{"id":3594,"title":"فائدة","lvl":14,"sub":0},{"id":3596,"title":"فصل","lvl":14,"sub":0},{"id":3596,"title":"فائدة","lvl":14,"sub":1},{"id":3598,"title":"فصل","lvl":14,"sub":0},{"id":3601,"title":"من لطائف الإمام القشيرى فى الآية","lvl":14,"sub":0},{"id":3601,"title":"فائدة","lvl":14,"sub":1},{"id":3602,"title":"من فوائد ابن عرفة فى الآية","lvl":14,"sub":0},{"id":3609,"title":"بحث نفيس للعلامة ابن القيم فى الآية","lvl":14,"sub":0},{"id":3612,"title":"قوله تعالى : {الشيطان يعدكم الفقر ويأمركم بالفحشاء والله يعدكم مغفرة منه وفضلا والله واسع عليم (268)}","lvl":13,"sub":0},{"id":3612,"title":"مناسبة الآية لما قبلها","lvl":14,"sub":1},{"id":3613,"title":"فصل","lvl":14,"sub":0},{"id":3613,"title":"فائدة","lvl":14,"sub":1},{"id":3614,"title":"فائدة","lvl":14,"sub":0},{"id":3615,"title":"فصل","lvl":14,"sub":0},{"id":3617,"title":"لطائف ونفائس للعلامة الفخر","lvl":14,"sub":0},{"id":3619,"title":"لطيفة","lvl":14,"sub":0},{"id":3620,"title":"فائدة","lvl":14,"sub":0},{"id":3622,"title":"من لطائف الإمام القشيرى فى الآية","lvl":14,"sub":0},{"id":3626,"title":"من لطائف العلامة ابن القيم فى الآية","lvl":14,"sub":0},{"id":3629,"title":"بحث نفيس لحجة الإسلام الغزالى","lvl":14,"sub":0},{"id":3634,"title":"قوله تعالى : {يؤتي الحكمة من يشاء ومن يؤت الحكمة فقد أوتي خيرا كثيرا وما يذكر إلا أولو الألباب (269)}","lvl":13,"sub":0},{"id":3634,"title":"مناسبة الآية لما قبلها","lvl":14,"sub":1},{"id":3637,"title":"فصل","lvl":14,"sub":0},{"id":3642,"title":"فصل","lvl":14,"sub":0},{"id":3646,"title":"فصل","lvl":14,"sub":0},{"id":3648,"title":"فصل","lvl":14,"sub":0},{"id":3650,"title":"لطيفة","lvl":14,"sub":0},{"id":3652,"title":"قوله تعالى : {وما أنفقتم من نفقة أو نذرتم من نذر فإن الله يعلمه وما للظالمين من أنصار (270)}","lvl":13,"sub":0},{"id":3652,"title":"مناسبة الآية لما قبلها","lvl":14,"sub":1},{"id":3653,"title":"فصل","lvl":14,"sub":0},{"id":3653,"title":"فائدة","lvl":14,"sub":1},{"id":3654,"title":"فصل","lvl":14,"sub":0},{"id":3654,"title":"فائدة","lvl":14,"sub":1},{"id":3655,"title":"فصل","lvl":14,"sub":0},{"id":3657,"title":"فصل","lvl":14,"sub":0},{"id":3657,"title":"لطيفة","lvl":14,"sub":1},{"id":3658,"title":"من لطائف الإمام القشيرى فى الآية","lvl":14,"sub":0},{"id":3659,"title":"قوله تعالى : {إن تبدوا الصدقات فنعما هي وإن تخفوها وتؤتوها الفقراء فهو خير لكم ويكفر عنكم من سيئاتكم والله بما تعملون خبير (271)}","lvl":13,"sub":0},{"id":3659,"title":"مناسبة الآية لما قبلها","lvl":14,"sub":1},{"id":3660,"title":"فائدة","lvl":14,"sub":0},{"id":3661,"title":"فصل","lvl":14,"sub":0},{"id":3662,"title":"فصل","lvl":14,"sub":0},{"id":3664,"title":"فائدة مهمة","lvl":14,"sub":0},{"id":3666,"title":"بحث نفيس للعلامة الفخر","lvl":14,"sub":0},{"id":3671,"title":"فصل","lvl":14,"sub":0},{"id":3671,"title":"فائدة","lvl":14,"sub":1},{"id":3673,"title":"فائدة","lvl":14,"sub":0},{"id":3674,"title":"فصل","lvl":14,"sub":0},{"id":3674,"title":"فائدة","lvl":14,"sub":1},{"id":3678,"title":"فائدة","lvl":14,"sub":0},{"id":3680,"title":"من فوائد ابن عرفة فى الآية","lvl":14,"sub":0},{"id":3681,"title":"فصل","lvl":14,"sub":0},{"id":3682,"title":"من فوائد ابن القيم فى الآية","lvl":14,"sub":0},{"id":3683,"title":"قوله تعالى : {ليس عليك هداهم ولكن الله يهدي من يشاء وما تنفقوا من خير فلأنفسكم وما تنفقون إلا ابتغاء وجه الله","lvl":13,"sub":0},{"id":3683,"title":"مناسبة الآية لما قبلها","lvl":14,"sub":1},{"id":3685,"title":"فصل فى سبب نزول الآية","lvl":14,"sub":0},{"id":3688,"title":"فصل","lvl":14,"sub":0},{"id":3688,"title":"فائدة","lvl":14,"sub":1},{"id":3689,"title":"فائدة","lvl":14,"sub":0},{"id":3692,"title":"فصل","lvl":14,"sub":0},{"id":3692,"title":"فائدة","lvl":14,"sub":1},{"id":3694,"title":"فصل","lvl":14,"sub":0},{"id":3695,"title":"فصل","lvl":14,"sub":0},{"id":3695,"title":"فائدة","lvl":14,"sub":1},{"id":3700,"title":"من لطائف الإمام القشيرى فى الآية","lvl":14,"sub":0},{"id":3700,"title":"فائدة","lvl":14,"sub":1},{"id":3701,"title":"من فوائد ابن عرفة فى الآية","lvl":14,"sub":0},{"id":3704,"title":"قوله تعالى : {للفقراء الذين أحصروا في سبيل الله لا يستطيعون ضربا في الأرض يحسبهم الجاهل أغنياء من التعفف تعرفهم بسيماهم لا يسألون الناس إلحافا","lvl":13,"sub":0},{"id":3704,"title":"مناسبة الآية لما قبلها","lvl":14,"sub":1},{"id":3705,"title":"فصل","lvl":14,"sub":0},{"id":3707,"title":"فصل","lvl":14,"sub":0},{"id":3709,"title":"فصل","lvl":14,"sub":0},{"id":3711,"title":"فائدة","lvl":14,"sub":0},{"id":3712,"title":"فصل","lvl":14,"sub":0},{"id":3712,"title":"فائدة","lvl":14,"sub":1},{"id":3717,"title":"فائدة لغوية","lvl":14,"sub":0},{"id":3719,"title":"سؤال : فإن قيل : فهل كانوا يسألون غير إلحاف؟","lvl":14,"sub":0},{"id":3719,"title":"فائدة","lvl":14,"sub":1},{"id":3720,"title":"فائدة","lvl":14,"sub":0},{"id":3723,"title":"فوائد ونفائس جليلة","lvl":14,"sub":0},{"id":3726,"title":"فائدة","lvl":14,"sub":0},{"id":3728,"title":"لطيفة","lvl":14,"sub":0},{"id":3728,"title":"من فوائد ابن عرفة فى الآية","lvl":14,"sub":1},{"id":3729,"title":"لطيفة","lvl":14,"sub":0},{"id":3730,"title":"من فوائد ابن القيم فى الآية","lvl":14,"sub":0},{"id":3739,"title":"من لطائف العلامة الفيروزابادى","lvl":14,"sub":0},{"id":3745,"title":"قوله تعالى : {الذين ينفقون أموالهم بالليل والنهار سرا وعلانية فلهم أجرهم عند ربهم ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون (274)}","lvl":13,"sub":0},{"id":3745,"title":"مناسبة الآية لما قبلها","lvl":14,"sub":1},{"id":3746,"title":"فصل","lvl":14,"sub":0},{"id":3749,"title":"لطيفة","lvl":14,"sub":0},{"id":3749,"title":"فائدة","lvl":14,"sub":1},{"id":3750,"title":"لطيفة","lvl":14,"sub":0},{"id":3750,"title":"من فوائد ابن عرفة فى الآية","lvl":14,"sub":1},{"id":3753,"title":"فصل","lvl":14,"sub":0},{"id":3754,"title":"قوله تعالى : {الذين يأكلون الربا لا يقومون إلا كما يقوم الذي يتخبطه الشيطان من المس ذلك بأنهم قالوا إنما البيع مثل الربا وأحل الله البيع وحرم الربا","lvl":13,"sub":0},{"id":3754,"title":"مناسبة الآية لما قبلها","lvl":14,"sub":1},{"id":3756,"title":"فصل","lvl":14,"sub":0},{"id":3760,"title":"فصل فى المراد من أكل الربا","lvl":14,"sub":0},{"id":3763,"title":"فصل في سبب تحريم الربا","lvl":14,"sub":0},{"id":3763,"title":"فائدة","lvl":14,"sub":1},{"id":3765,"title":"فصل فى مسائل مهمة","lvl":14,"sub":0},{"id":3769,"title":"فصل نفيس","lvl":14,"sub":0},{"id":3771,"title":"فصل","lvl":14,"sub":0},{"id":3773,"title":"فصل","lvl":14,"sub":0},{"id":3774,"title":"بحث نفيس للبقاعى","lvl":14,"sub":0},{"id":3781,"title":"فصل","lvl":14,"sub":0},{"id":3784,"title":"فصل","lvl":14,"sub":0},{"id":3786,"title":"فصل","lvl":14,"sub":0},{"id":3788,"title":"بحث نفيس","lvl":14,"sub":0},{"id":3794,"title":"فصل","lvl":14,"sub":0},{"id":3795,"title":"فائدة","lvl":14,"sub":0},{"id":3796,"title":"فائدة","lvl":14,"sub":0},{"id":3797,"title":"فصل","lvl":14,"sub":0},{"id":3797,"title":"سؤال ، لم لم يقل : إنما الربا مثل البيع ؟","lvl":14,"sub":1},{"id":3799,"title":"فائدة","lvl":14,"sub":0},{"id":3803,"title":"فصل","lvl":14,"sub":0},{"id":3806,"title":"فصل في القرض","lvl":14,"sub":0},{"id":3806,"title":"فائدة","lvl":14,"sub":1},{"id":3807,"title":"فائدة ثانية","lvl":14,"sub":0},{"id":3809,"title":"فصل","lvl":14,"sub":0},{"id":3809,"title":"لطيفة","lvl":14,"sub":1},{"id":3810,"title":"فائدة","lvl":14,"sub":0},{"id":3811,"title":"فائدة","lvl":14,"sub":0},{"id":3813,"title":"فائدة","lvl":14,"sub":0},{"id":3814,"title":"فائدة","lvl":14,"sub":0},{"id":3818,"title":"من فوائد ابن عرفة فى الآية","lvl":14,"sub":0},{"id":3820,"title":"قوله تعالى : {يمحق الله الربا ويربي الصدقات والله لا يحب كل كفار أثيم (276)}","lvl":13,"sub":0},{"id":3820,"title":"مناسبة الآية لما قبلها","lvl":14,"sub":1},{"id":3821,"title":"فصل","lvl":14,"sub":0},{"id":3822,"title":"فصل","lvl":14,"sub":0},{"id":3823,"title":"فائدة","lvl":14,"sub":0},{"id":3824,"title":"فائدة","lvl":14,"sub":0},{"id":3828,"title":"فائدة","lvl":14,"sub":0},{"id":3829,"title":"لطيفة","lvl":14,"sub":0},{"id":3830,"title":"من فوائد ابن عرفة فى الآية","lvl":14,"sub":0},{"id":3835,"title":"بحث نفيس فى الآية الكريمة للشيخ الشنقيطى","lvl":14,"sub":0},{"id":3872,"title":"بحث نفيس للشهيد سيد قطب فى الآية الكريمة","lvl":14,"sub":0},{"id":3885,"title":"قوله تعالى : {إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة لهم أجرهم عند ربهم ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون (277)}","lvl":13,"sub":0},{"id":3885,"title":"مناسبة الآية لما قبلها","lvl":14,"sub":1},{"id":3885,"title":"فصل","lvl":14,"sub":2},{"id":3886,"title":"فصل","lvl":14,"sub":0},{"id":3886,"title":"فائدة","lvl":14,"sub":1},{"id":3887,"title":"فصل","lvl":14,"sub":0},{"id":3888,"title":"فائدة","lvl":14,"sub":0},{"id":3889,"title":"من فوائد ابن عرفة فى الآية","lvl":14,"sub":0},{"id":3892,"title":"قوله تعالى : {يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وذروا ما بقي من الربا إن كنتم مؤمنين (278)}","lvl":13,"sub":0},{"id":3892,"title":"مناسبة الآية لما قبلها","lvl":14,"sub":1},{"id":3893,"title":"فائدة","lvl":14,"sub":0},{"id":3894,"title":"سؤال : فإن قيل : كيف قال : {ياأيها الذين ءامنوا اتقوا} ثم قال في آخره {إن كنتم مؤمنين}؟","lvl":14,"sub":0},{"id":3894,"title":"فائدة","lvl":14,"sub":1},{"id":3895,"title":"فصل في سبب نزول الآية","lvl":14,"sub":0},{"id":3897,"title":"فصل","lvl":14,"sub":0},{"id":3898,"title":"قوله تعالى : {فإن لم تفعلوا فأذنوا بحرب من الله ورسوله وإن تبتم فلكم رءوس أموالكم لا تظلمون ولا تظلمون (279)}","lvl":13,"sub":0},{"id":3898,"title":"مناسبة الآية لما قبلها","lvl":14,"sub":1},{"id":3898,"title":"فصل","lvl":14,"sub":2},{"id":3899,"title":"فصل","lvl":14,"sub":0},{"id":3899,"title":"سؤال : فإن قلت : هلا قيل بحرب الله ورسوله ؟","lvl":14,"sub":1},{"id":3900,"title":"سؤال : فإن قيل : كيف أمر بالمحاربة مع المسلمين ؟","lvl":14,"sub":0},{"id":3900,"title":"فائدة","lvl":14,"sub":1},{"id":3901,"title":"فائدة","lvl":14,"sub":0},{"id":3902,"title":"من فوائد ابن عرفة فى الآية","lvl":14,"sub":0},{"id":3907,"title":"بحوث مهمة عن فوائد البنوك","lvl":14,"sub":0},{"id":3930,"title":"بحث آخر","lvl":14,"sub":0},{"id":3961,"title":"قوله تعالى {وإن كان ذو عسرة فنظرة إلى ميسرة وأن تصدقوا خير لكم إن كنتم تعلمون (280)}","lvl":13,"sub":0},{"id":3961,"title":"مناسبة الآية لما قبلها","lvl":14,"sub":1},{"id":3961,"title":"فائدة","lvl":14,"sub":2},{"id":3962,"title":"فصل","lvl":14,"sub":0},{"id":3964,"title":"فصل","lvl":14,"sub":0},{"id":3965,"title":"فصل","lvl":14,"sub":0},{"id":3966,"title":"فصل في سبب نزول الآية","lvl":14,"sub":0},{"id":3967,"title":"فصل","lvl":14,"sub":0},{"id":3968,"title":"فصل","lvl":14,"sub":0},{"id":3968,"title":"سؤال : ما المراد بالخير فى الآية ؟","lvl":14,"sub":1},{"id":3969,"title":"من لطائف الإمام القشيرى فى الآية","lvl":14,"sub":0},{"id":3970,"title":"من فوائد ابن عرفة فى الآية","lvl":14,"sub":0},{"id":3978,"title":"بحث نفيس فى مراحل تحريم الربا","lvl":14,"sub":0},{"id":3982,"title":"تعليق","lvl":14,"sub":0},{"id":3991,"title":"الجزء العاشر من كتاب جامع لطائف التفسير","lvl":11,"sub":0},{"id":3991,"title":"قوله تعالى {واتقوا يوما ترجعون فيه إلى الله ثم توفى كل نفس ما كسبت وهم لا يظلمون (281)}","lvl":12,"sub":1},{"id":3991,"title":"مناسبة الآية لما قبلها","lvl":13,"sub":1},{"id":3993,"title":"فصل في آخر ما نزل على رسول الله صلى الله عليه وسلم من القرآن","lvl":13,"sub":0},{"id":3995,"title":"فائدة","lvl":13,"sub":0},{"id":3996,"title":"فصل في المراد باليوم","lvl":13,"sub":0},{"id":3996,"title":"لطيفة","lvl":13,"sub":1},{"id":3997,"title":"فصل","lvl":13,"sub":0},{"id":3998,"title":"فائدة","lvl":13,"sub":0},{"id":3999,"title":"من فوائد الآلوسى فى الآية","lvl":13,"sub":0},{"id":4000,"title":"فصل","lvl":13,"sub":0},{"id":4000,"title":"لطيفة","lvl":13,"sub":1},{"id":4001,"title":"من لطائف الإمام القشيرى فى الآية","lvl":13,"sub":0},{"id":4008,"title":"قوله تعالى { يا أيها الذين آمنوا إذا تداينتم بدين إلى أجل مسمى فاكتبوه","lvl":12,"sub":0},{"id":4008,"title":"مناسبة الآية لما قبلها","lvl":13,"sub":1},{"id":4010,"title":"فصل","lvl":13,"sub":0},{"id":4013,"title":"فائدة","lvl":13,"sub":0},{"id":4014,"title":"فائدة لغوية","lvl":13,"sub":0},{"id":4017,"title":"فائدة","lvl":13,"sub":0},{"id":4017,"title":"سؤالان","lvl":13,"sub":1},{"id":4018,"title":"فصل","lvl":13,"sub":0},{"id":4021,"title":"فائدة لغوية","lvl":13,"sub":0},{"id":4023,"title":"فصل","lvl":13,"sub":0},{"id":4027,"title":"فصل","lvl":13,"sub":0},{"id":4027,"title":"فائدة","lvl":13,"sub":1},{"id":4027,"title":"لطيفة","lvl":13,"sub":2},{"id":4029,"title":"فصل","lvl":13,"sub":0},{"id":4030,"title":"فائدة","lvl":13,"sub":0},{"id":4038,"title":"فائدة","lvl":13,"sub":0},{"id":4038,"title":"لطيفة","lvl":13,"sub":1},{"id":4039,"title":"فائدة","lvl":13,"sub":0},{"id":4039,"title":"كلام نفيس لابن عاشور فى هذا الموضع","lvl":13,"sub":1},{"id":4041,"title":"فائدة","lvl":13,"sub":0},{"id":4042,"title":"فائدة","lvl":13,"sub":0},{"id":4044,"title":"فصل","lvl":13,"sub":0},{"id":4044,"title":"لطيفة","lvl":13,"sub":1},{"id":4045,"title":"فائدة","lvl":13,"sub":0},{"id":4046,"title":"فائدة","lvl":13,"sub":0},{"id":4048,"title":"لطيفة","lvl":13,"sub":0},{"id":4049,"title":"فائدة","lvl":13,"sub":0},{"id":4051,"title":"فصل","lvl":13,"sub":0},{"id":4060,"title":"فصل","lvl":13,"sub":0},{"id":4060,"title":"سؤال : فإن قيل : كيف يصح هذا الكلام والإشهاد للإذكار لا الإضلال ؟","lvl":13,"sub":1},{"id":4061,"title":"لطيفة","lvl":13,"sub":0},{"id":4067,"title":"فصل","lvl":13,"sub":0},{"id":4068,"title":"لطيفة","lvl":13,"sub":0},{"id":4069,"title":"فائدة","lvl":13,"sub":0},{"id":4072,"title":"سؤال : لم سماهم شهداء ؟","lvl":13,"sub":0},{"id":4075,"title":"فصل","lvl":13,"sub":0},{"id":4076,"title":"فائدة","lvl":13,"sub":0},{"id":4078,"title":"فائدة","lvl":13,"sub":0},{"id":4089,"title":"فائدة","lvl":13,"sub":0},{"id":4090,"title":"فائدة","lvl":13,"sub":0},{"id":4090,"title":"لطيفة","lvl":13,"sub":1},{"id":4092,"title":"من لطائف الإمام القشيرى فى الآية","lvl":13,"sub":0},{"id":4092,"title":"لطيفة","lvl":13,"sub":1},{"id":4093,"title":"من فوائد ابن عرفة فى الآية","lvl":13,"sub":0},{"id":4102,"title":"فائدة","lvl":13,"sub":0},{"id":4114,"title":"قوله تعالى { وإن كنتم على سفر ولم تجدوا كاتبا فرهان مقبوضة","lvl":12,"sub":0},{"id":4114,"title":"مناسبة الآية لما قبلها","lvl":13,"sub":1},{"id":4116,"title":"فصل","lvl":13,"sub":0},{"id":4116,"title":"فائدة","lvl":13,"sub":1},{"id":4118,"title":"فصل","lvl":13,"sub":0},{"id":4118,"title":"فائدة","lvl":13,"sub":1},{"id":4118,"title":"سؤال : فإن قلت : لم شرط الارتهان في السفر مع عدم الكاتب ولا يختص به سفر دون حضر","lvl":13,"sub":2},{"id":4119,"title":"فصل","lvl":13,"sub":0},{"id":4120,"title":"فصل","lvl":13,"sub":0},{"id":4120,"title":"فائدة","lvl":13,"sub":1},{"id":4122,"title":"فصل","lvl":13,"sub":0},{"id":4122,"title":"فائدة","lvl":13,"sub":1},{"id":4123,"title":"فصل","lvl":13,"sub":0},{"id":4123,"title":"فائدة","lvl":13,"sub":1},{"id":4126,"title":"فائدة","lvl":13,"sub":0},{"id":4127,"title":"فصل","lvl":13,"sub":0},{"id":4130,"title":"فائدة","lvl":13,"sub":0},{"id":4132,"title":"فصل","lvl":13,"sub":0},{"id":4133,"title":"فصل","lvl":13,"sub":0},{"id":4139,"title":"لطيفة","lvl":13,"sub":0},{"id":4143,"title":"لطيفة","lvl":13,"sub":0},{"id":4146,"title":"من فوائد ابن عرفة فى الآية","lvl":13,"sub":0},{"id":4148,"title":"قوله تعالى { لله ما في السماوات وما في الأرض وإن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به الله","lvl":12,"sub":0},{"id":4148,"title":"مناسبة الآية لما قبلها","lvl":13,"sub":1},{"id":4152,"title":"فصل","lvl":13,"sub":0},{"id":4153,"title":"فائدة","lvl":13,"sub":0},{"id":4154,"title":"فصل","lvl":13,"sub":0},{"id":4154,"title":"فائدة ثالثة","lvl":13,"sub":1},{"id":4155,"title":"فصل","lvl":13,"sub":0},{"id":4168,"title":"فائدة أخرى","lvl":13,"sub":0},{"id":4169,"title":"فصل","lvl":13,"sub":0},{"id":4174,"title":"لطيفة","lvl":13,"sub":0},{"id":4175,"title":"لطيفة","lvl":13,"sub":0},{"id":4177,"title":"لطيفة","lvl":13,"sub":0},{"id":4182,"title":"قوله تعالى {آمن الرسول بما أنزل إليه من ربه والمؤمنون كل آمن بالله وملائكته وكتبه ورسله لا نفرق بين أحد من رسله","lvl":12,"sub":0},{"id":4182,"title":"مناسبة الآية لما قبلها","lvl":13,"sub":1},{"id":4186,"title":"فصل","lvl":13,"sub":0},{"id":4189,"title":"فصل","lvl":13,"sub":0},{"id":4193,"title":"فصل","lvl":13,"sub":0},{"id":4194,"title":"لطيفة","lvl":13,"sub":0},{"id":4195,"title":"فائدة","lvl":13,"sub":0},{"id":4197,"title":"فصل","lvl":13,"sub":0},{"id":4198,"title":"فائدة","lvl":13,"sub":0},{"id":4199,"title":"فصل نفيس","lvl":13,"sub":0},{"id":4205,"title":"فصل","lvl":13,"sub":0},{"id":4207,"title":"فائدة","lvl":13,"sub":0},{"id":4208,"title":"فصل","lvl":13,"sub":0},{"id":4208,"title":"فائدة","lvl":13,"sub":1},{"id":4211,"title":"فصل","lvl":13,"sub":0},{"id":4211,"title":"فائدة","lvl":13,"sub":1},{"id":4212,"title":"فصل","lvl":13,"sub":0},{"id":4212,"title":"فائدة","lvl":13,"sub":1},{"id":4214,"title":"فصل","lvl":13,"sub":0},{"id":4217,"title":"فصل فى ذكر الأحاديث الواردة في فضل هاتين الآيتين الكريمتين نفعنا الله بهما","lvl":13,"sub":0},{"id":4217,"title":"فائدة","lvl":13,"sub":1},{"id":4221,"title":"من لطائف الإمام القشيرى فى الآية","lvl":13,"sub":0},{"id":4224,"title":"من فوائد ابن عرفة فى الآية","lvl":13,"sub":0},{"id":4227,"title":"قوله تعالى { لا يكلف الله نفسا إلا وسعها لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت","lvl":12,"sub":0},{"id":4227,"title":"مناسبة الآية لما قبلها","lvl":13,"sub":1},{"id":4228,"title":"فصل","lvl":13,"sub":0},{"id":4229,"title":"فائدة","lvl":13,"sub":0},{"id":4231,"title":"فائدة","lvl":13,"sub":0},{"id":4233,"title":"فصل","lvl":13,"sub":0},{"id":4239,"title":"فصل","lvl":13,"sub":0},{"id":4244,"title":"فصل فى مسائل مهمة للعلامة الفخر","lvl":13,"sub":0},{"id":4244,"title":"فائدة","lvl":13,"sub":1},{"id":4250,"title":"فصل","lvl":13,"sub":0},{"id":4252,"title":"فصل","lvl":13,"sub":0},{"id":4255,"title":"فائدة","lvl":13,"sub":0},{"id":4258,"title":"فصل","lvl":13,"sub":0},{"id":4258,"title":"فائدة","lvl":13,"sub":1},{"id":4267,"title":"فصل","lvl":13,"sub":0},{"id":4269,"title":"فصل","lvl":13,"sub":0},{"id":4279,"title":"فائدة","lvl":13,"sub":0},{"id":4283,"title":"من لطائف الإمام القشيرى فى الآية","lvl":13,"sub":0},{"id":4283,"title":"فائدة بلاغية","lvl":13,"sub":1},{"id":4284,"title":"من فوائد ابن عرفة فى الآية","lvl":13,"sub":0},{"id":4290,"title":"فائدة","lvl":13,"sub":0},{"id":4294,"title":"الجزء الحادى عشر من كتاب جامع لطائف التفسير","lvl":10,"sub":0},{"id":4294,"title":"فصل","lvl":11,"sub":1},{"id":4300,"title":"بحث نفيس للشهيد سيد قطب فى التعريف بسورة آل عمران","lvl":11,"sub":0},{"id":4325,"title":"قوله تعالى {الم (1) الله لا إله إلا هو الحي القيوم (2)}","lvl":11,"sub":0},{"id":4325,"title":"مناسبة الآية لما قبلها","lvl":12,"sub":1},{"id":4331,"title":"فصل","lvl":12,"sub":0},{"id":4340,"title":"فصل","lvl":12,"sub":0},{"id":4343,"title":"فصل","lvl":12,"sub":0},{"id":4345,"title":"من لطائف العلامة الفيروزابادى فى سورة آل عمران","lvl":12,"sub":0},{"id":4347,"title":"فصل","lvl":12,"sub":0},{"id":4349,"title":"فصل","lvl":12,"sub":0},{"id":4350,"title":"فائدة","lvl":12,"sub":0},{"id":4351,"title":"فائدة","lvl":12,"sub":0},{"id":4353,"title":"لطيفة","lvl":12,"sub":0},{"id":4353,"title":"فائدة","lvl":12,"sub":1},{"id":4355,"title":"قوله تعالى {نزل عليك الكتاب بالحق مصدقا لما بين يديه وأنزل التوراة والإنجيل (3)}","lvl":11,"sub":0},{"id":4355,"title":"مناسبة الآية لما قبلها","lvl":12,"sub":1},{"id":4357,"title":"فصل","lvl":12,"sub":0},{"id":4370,"title":"قوله تعالى {من قبل هدى للناس وأنزل الفرقان إن الذين كفروا بآيات الله لهم عذاب شديد والله عزيز ذو انتقام (4)}","lvl":11,"sub":0},{"id":4370,"title":"مناسبة الآية لما قبلها","lvl":12,"sub":1},{"id":4373,"title":"فصل","lvl":12,"sub":0},{"id":4375,"title":"فائدة","lvl":12,"sub":0},{"id":4382,"title":"لطيفة","lvl":12,"sub":0},{"id":4383,"title":"قوله تعالى {إن الذين كفروا بآيات الله لهم عذاب شديد والله عزيز ذو انتقام (4)}","lvl":11,"sub":0},{"id":4383,"title":"مناسبة الآية لما قبلها","lvl":12,"sub":1},{"id":4388,"title":"قوله تعالى {إن الله لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء (5) هو الذي يصوركم في الأرحام كيف يشاء لا إله إلا هو العزيز الحكيم (6)}","lvl":11,"sub":0},{"id":4389,"title":"فصل","lvl":12,"sub":0},{"id":4396,"title":"فائدة","lvl":12,"sub":0},{"id":4399,"title":"مناسبة الآية لما قبلها","lvl":12,"sub":0},{"id":4399,"title":"من لطائف الإمام القشيرى فى الآية","lvl":12,"sub":1},{"id":4399,"title":"فائدة","lvl":12,"sub":2},{"id":4406,"title":"فائدة","lvl":12,"sub":0},{"id":4408,"title":"لطيفة","lvl":12,"sub":0},{"id":4408,"title":"من لطائف الإمام القشيرى فى الآية","lvl":12,"sub":1},{"id":4408,"title":"فائدة","lvl":12,"sub":2},{"id":4410,"title":"بحث فى مراحل تطور الجنين من روائع الخلق","lvl":12,"sub":0},{"id":4412,"title":"حديث القرآن والسنة عن الحامض النووى فى الأمشاج","lvl":12,"sub":0},{"id":4445,"title":"استنساخ الإنسان والحيوان ضجة مفتعلة وأكذوبة كبيرة وإفساد عظيم","lvl":12,"sub":0},{"id":4460,"title":"قوله تعالى {هو الذي أنزل عليك الكتاب منه آيات محكمات هن أم الكتاب وأخر متشابهات","lvl":11,"sub":0},{"id":4477,"title":"فصل","lvl":12,"sub":0},{"id":4478,"title":"فصل","lvl":12,"sub":0},{"id":4478,"title":"لطيفة","lvl":12,"sub":1},{"id":4491,"title":"فصل","lvl":12,"sub":0},{"id":4498,"title":"فائدة","lvl":12,"sub":0},{"id":4499,"title":"فصل نفيس","lvl":12,"sub":0},{"id":4514,"title":"فصل","lvl":12,"sub":0},{"id":4523,"title":"فصل","lvl":12,"sub":0},{"id":4523,"title":"فائدة","lvl":12,"sub":1},{"id":4525,"title":"فصل","lvl":12,"sub":0},{"id":4528,"title":"فصل","lvl":12,"sub":0},{"id":4536,"title":"كلام نفيس للعلامة الآلوسى","lvl":12,"sub":0},{"id":4561,"title":"فائدة","lvl":12,"sub":0},{"id":4564,"title":"فصل","lvl":12,"sub":0},{"id":4572,"title":"فائدة","lvl":12,"sub":0},{"id":4574,"title":"فائدة","lvl":12,"sub":0},{"id":4575,"title":"فائدة جليلة","lvl":12,"sub":0},{"id":4578,"title":"فائدة","lvl":12,"sub":0},{"id":4608,"title":"فصل","lvl":12,"sub":0},{"id":4612,"title":"قوله تعالى {ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا وهب لنا من لدنك رحمة إنك أنت الوهاب (8)}","lvl":11,"sub":0},{"id":4612,"title":"مناسبة الآية لما قبلها","lvl":12,"sub":1},{"id":4612,"title":"فصل","lvl":12,"sub":2},{"id":4618,"title":"لطيفة","lvl":12,"sub":0},{"id":4619,"title":"فائدة","lvl":12,"sub":0},{"id":4621,"title":"فائدة","lvl":12,"sub":0},{"id":4623,"title":"من لطائف الإمام القشيرى فى الآية","lvl":12,"sub":0},{"id":4624,"title":"فائدة","lvl":12,"sub":0},{"id":4625,"title":"قوله تعالى {ربنا إنك جامع الناس ليوم لا ريب فيه إن الله لا يخلف الميعاد (9)}","lvl":11,"sub":0},{"id":4625,"title":"مناسبة الآية لما قبلها","lvl":12,"sub":1},{"id":4627,"title":"لطيفة","lvl":12,"sub":0},{"id":4627,"title":"فائدة","lvl":12,"sub":1},{"id":4629,"title":"فصل","lvl":12,"sub":0},{"id":4630,"title":"فصل","lvl":12,"sub":0},{"id":4633,"title":"من لطائف الإمام القشيرى فى الآية","lvl":12,"sub":0},{"id":4634,"title":"قوله تعالى {إن الذين كفروا لن تغني عنهم أموالهم ولا أولادهم من الله شيئا وأولئك هم وقود النار (10)}","lvl":11,"sub":0},{"id":4634,"title":"مناسبة الآية لما قبلها","lvl":12,"sub":1},{"id":4637,"title":"فصل","lvl":12,"sub":0},{"id":4638,"title":"فائدة","lvl":12,"sub":0},{"id":4641,"title":"فصل","lvl":12,"sub":0},{"id":4641,"title":"لطيفة","lvl":12,"sub":1},{"id":4642,"title":"لطيفة","lvl":12,"sub":0},{"id":4642,"title":"من لطائف الإمام القشيرى فى الآية","lvl":12,"sub":1},{"id":4644,"title":"لطيفة","lvl":12,"sub":0},{"id":4648,"title":"لطيفة","lvl":12,"sub":0},{"id":4649,"title":"قوله تعالى {كدأب آل فرعون والذين من قبلهم كذبوا بآياتنا فأخذهم الله بذنوبهم والله شديد العقاب (11)}","lvl":11,"sub":0},{"id":4649,"title":"مناسبة الآية لما قبلها","lvl":12,"sub":1},{"id":4650,"title":"فصل","lvl":12,"sub":0},{"id":4659,"title":"فائدة","lvl":12,"sub":0},{"id":4660,"title":"فائدة","lvl":12,"sub":0},{"id":4661,"title":"من لطائف الإمام القشيرى فى الآية","lvl":12,"sub":0},{"id":4661,"title":"فائدة","lvl":12,"sub":1},{"id":4662,"title":"قوله تعالى {قل للذين كفروا ستغلبون وتحشرون إلى جهنم وبئس المهاد (12)}","lvl":11,"sub":0},{"id":4662,"title":"مناسبة الآية لما قبلها","lvl":12,"sub":1},{"id":4662,"title":"فصل","lvl":12,"sub":2},{"id":4665,"title":"فصل","lvl":12,"sub":0},{"id":4665,"title":"فائدة","lvl":12,"sub":1},{"id":4666,"title":"فصل في تكليف ما لا يطاق","lvl":12,"sub":0},{"id":4666,"title":"فائدة","lvl":12,"sub":1},{"id":4667,"title":"من لطائف الإمام القشيرى فى الآية","lvl":12,"sub":0},{"id":4668,"title":"قوله تعالى {قد كان لكم آية في فئتين التقتا فئة تقاتل في سبيل الله وأخرى كافرة يرونهم مثليهم رأي العين والله يؤيد بنصره من يشاء إن في ذلك لعبرة لأولي الأبصار (13)}","lvl":11,"sub":0},{"id":4668,"title":"مناسبة الآية لما قبلها","lvl":12,"sub":1},{"id":4671,"title":"فائدة","lvl":12,"sub":0},{"id":4672,"title":"فصل","lvl":12,"sub":0},{"id":4673,"title":"فصل","lvl":12,"sub":0},{"id":4675,"title":"فائدة","lvl":12,"sub":0},{"id":4676,"title":"فصل","lvl":12,"sub":0},{"id":4685,"title":"فائدة لغوية","lvl":12,"sub":0},{"id":4693,"title":"فائدة","lvl":12,"sub":0},{"id":4694,"title":"لطيفة","lvl":12,"sub":0},{"id":4695,"title":"فائدة","lvl":12,"sub":0},{"id":4696,"title":"من لطائف الإمام القشيرى فى الآية","lvl":12,"sub":0},{"id":4696,"title":"فائدة","lvl":12,"sub":1},{"id":4697,"title":"قوله تعالى {زين للناس حب الشهوات من النساء والبنين والقناطير المقنطرة من الذهب والفضة والخيل المسومة والأنعام والحرث","lvl":11,"sub":0},{"id":4697,"title":"مناسبة الآية لما قبلها","lvl":12,"sub":1},{"id":4702,"title":"فصل","lvl":12,"sub":0},{"id":4703,"title":"فصل","lvl":12,"sub":0},{"id":4707,"title":"فصل","lvl":12,"sub":0},{"id":4709,"title":"فائدة","lvl":12,"sub":0},{"id":4711,"title":"فصل","lvl":12,"sub":0},{"id":4718,"title":"فائدة","lvl":12,"sub":0},{"id":4720,"title":"فائدة","lvl":12,"sub":0},{"id":4721,"title":"فائدة","lvl":12,"sub":0},{"id":4722,"title":"فصل","lvl":12,"sub":0},{"id":4722,"title":"فائدة","lvl":12,"sub":1},{"id":4726,"title":"فائدة","lvl":12,"sub":0},{"id":4728,"title":"لطيفة","lvl":12,"sub":0},{"id":4732,"title":"كلام نفيس يتعلق بالآية لحجة الإسلام الغزالى","lvl":12,"sub":0},{"id":4750,"title":"قوله تعالى {قل أؤنبئكم بخير من ذلكم للذين اتقوا عند ربهم جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها وأزواج مطهرة ورضوان من الله","lvl":11,"sub":0},{"id":4750,"title":"مناسبة الآية لما قبلها","lvl":12,"sub":1},{"id":4752,"title":"فصل","lvl":12,"sub":0},{"id":4753,"title":"فصل","lvl":12,"sub":0},{"id":4754,"title":"فائدة","lvl":12,"sub":0},{"id":4755,"title":"لطيفة","lvl":12,"sub":0},{"id":4757,"title":"فصل","lvl":12,"sub":0},{"id":4757,"title":"فائدة","lvl":12,"sub":1},{"id":4760,"title":"فائدة","lvl":12,"sub":0},{"id":4762,"title":"من لطائف الإمام القشيرى فى الآية","lvl":12,"sub":0},{"id":4774,"title":"قوله تعالى {الذين يقولون ربنا إننا آمنا فاغفر لنا ذنوبنا وقنا عذاب النار (16)}","lvl":11,"sub":0},{"id":4774,"title":"مناسبة الآية لما قبلها","lvl":12,"sub":1},{"id":4774,"title":"فائدة","lvl":12,"sub":2},{"id":4775,"title":"فصل","lvl":12,"sub":0},{"id":4777,"title":"فائدة","lvl":12,"sub":0},{"id":4779,"title":"قوله تعالى {الصابرين والصادقين والقانتين والمنفقين والمستغفرين بالأسحار (17)}","lvl":11,"sub":0},{"id":4779,"title":"مناسبة الآية لما قبلها","lvl":12,"sub":1},{"id":4782,"title":"فصل","lvl":12,"sub":0},{"id":4784,"title":"فصل","lvl":12,"sub":0},{"id":4787,"title":"فائدة","lvl":12,"sub":0},{"id":4788,"title":"فصل","lvl":12,"sub":0},{"id":4788,"title":"فائدة","lvl":12,"sub":1},{"id":4789,"title":"لطيفة","lvl":12,"sub":0},{"id":4792,"title":"فصل","lvl":12,"sub":0},{"id":4795,"title":"من لطائف الإمام القشيرى فى الآية","lvl":12,"sub":0},{"id":4798,"title":"الجزء الثانى عشر من كتاب جامع لطائف التفسير","lvl":9,"sub":0},{"id":4798,"title":"قوله تعالى {شهد الله أنه لا إله إلا هو والملائكة وأولو العلم قائما بالقسط لا إله إلا هو العزيز الحكيم (18)}","lvl":10,"sub":1},{"id":4798,"title":"مناسبة الآية لما قبلها","lvl":11,"sub":1},{"id":4802,"title":"فصل","lvl":11,"sub":0},{"id":4803,"title":"فصل","lvl":11,"sub":0},{"id":4805,"title":"فصل","lvl":11,"sub":0},{"id":4806,"title":"سؤال : فإن قيل : المدعي للوحدانية هو الله ، فكيف يكون المدعي شاهدا؟.","lvl":11,"sub":0},{"id":4807,"title":"فائدة","lvl":11,"sub":0},{"id":4808,"title":"فائدة","lvl":11,"sub":0},{"id":4810,"title":"سؤال : فإن قيل فلم لم يذكر الله سبحانه شهادة رسله مع الملائكة فيقول شهد الله أنه لا إله إلا هو والملائكة والرسل وهم أعظم شهادة من أولي العلم ؟","lvl":11,"sub":0},{"id":4811,"title":"فصل","lvl":11,"sub":0},{"id":4811,"title":"فوائد لغوية","lvl":11,"sub":1},{"id":4815,"title":"فصل نفيس للعلامة ابن القيم","lvl":11,"sub":0},{"id":4827,"title":"فائدة","lvl":11,"sub":0},{"id":4829,"title":"فصل","lvl":11,"sub":0},{"id":4835,"title":"فصل","lvl":11,"sub":0},{"id":4836,"title":"فصل","lvl":11,"sub":0},{"id":4837,"title":"فائدة","lvl":11,"sub":0},{"id":4839,"title":"فصل","lvl":11,"sub":0},{"id":4840,"title":"فصل","lvl":11,"sub":0},{"id":4842,"title":"من فوائد العلامة أبى السعود فى الآية","lvl":11,"sub":0},{"id":4848,"title":"من لطائف الإمام القشيرى فى الآية","lvl":11,"sub":0},{"id":4851,"title":"قوله تعالى {إن الدين عند الله الإسلام وما اختلف الذين أوتوا الكتاب إلا من بعد ما جاءهم العلم بغيا بينهم","lvl":10,"sub":0},{"id":4851,"title":"مناسبة الآية لما قبلها","lvl":11,"sub":1},{"id":4854,"title":"فصل","lvl":11,"sub":0},{"id":4855,"title":"فصل","lvl":11,"sub":0},{"id":4855,"title":"فائدة","lvl":11,"sub":1},{"id":4863,"title":"فصل","lvl":11,"sub":0},{"id":4875,"title":"فصل","lvl":11,"sub":0},{"id":4876,"title":"فصل","lvl":11,"sub":0},{"id":4877,"title":"فائدة","lvl":11,"sub":0},{"id":4883,"title":"فائدة","lvl":11,"sub":0},{"id":4884,"title":"من لطائف الإمام القشيرى فى الآية","lvl":11,"sub":0},{"id":4885,"title":"قوله تعالى { فإن حاجوك فقل أسلمت وجهي لله ومن اتبعن وقل للذين أوتوا الكتاب والأميين أأسلمتم فإن أسلموا فقد اهتدوا","lvl":10,"sub":0},{"id":4885,"title":"مناسبة الآية لما قبلها","lvl":11,"sub":1},{"id":4886,"title":"فصل","lvl":11,"sub":0},{"id":4891,"title":"فائدة","lvl":11,"sub":0},{"id":4892,"title":"فصل","lvl":11,"sub":0},{"id":4894,"title":"فائدة","lvl":11,"sub":0},{"id":4894,"title":"سؤال : فإن قيل : لم قال أسلمت ومن اتبعن ، ولم يقل : أسلمت أنا ومن اتبعن ؟.","lvl":11,"sub":1},{"id":4895,"title":"فصل","lvl":11,"sub":0},{"id":4896,"title":"فائدة","lvl":11,"sub":0},{"id":4898,"title":"فائدة","lvl":11,"sub":0},{"id":4900,"title":"فائدة","lvl":11,"sub":0},{"id":4901,"title":"فصل","lvl":11,"sub":0},{"id":4902,"title":"لطيفة","lvl":11,"sub":0},{"id":4903,"title":"فصل نفيس","lvl":11,"sub":0},{"id":4907,"title":"فائدة","lvl":11,"sub":0},{"id":4908,"title":"من لطائف الإمام القشيرى فى الآية","lvl":11,"sub":0},{"id":4909,"title":"قوله تعالى { إن الذين يكفرون بآيات الله ويقتلون النبيين بغير حق ويقتلون الذين يأمرون بالقسط من الناس فبشرهم بعذاب أليم","lvl":10,"sub":0},{"id":4909,"title":"مناسبة الآية لما قبلها","lvl":11,"sub":1},{"id":4911,"title":"فصل","lvl":11,"sub":0},{"id":4912,"title":"فصل","lvl":11,"sub":0},{"id":4912,"title":"فائدة","lvl":11,"sub":1},{"id":4914,"title":"فائدة","lvl":11,"sub":0},{"id":4915,"title":"فائدة","lvl":11,"sub":0},{"id":4916,"title":"فائدة","lvl":11,"sub":0},{"id":4917,"title":"فصل","lvl":11,"sub":0},{"id":4917,"title":"من فوائد العلامة القرطبى فى الآية","lvl":11,"sub":1},{"id":4917,"title":"سؤال : فإن قلت : لم دخلت الفاء في خبر إن ؟","lvl":11,"sub":2},{"id":4918,"title":"فصل آخر","lvl":11,"sub":0},{"id":4919,"title":"فصل ثالث","lvl":11,"sub":0},{"id":4921,"title":"لطيفة بلاغية","lvl":11,"sub":0},{"id":4921,"title":"من لطائف الإمام القشيرى فى الآية","lvl":11,"sub":1},{"id":4923,"title":"من فوائد العلامة الجصاص فى الآية","lvl":11,"sub":0},{"id":4926,"title":"قوله تعالى { أولئك الذين حبطت أعمالهم في الدنيا والآخرة وما لهم من ناصرين","lvl":10,"sub":0},{"id":4926,"title":"مناسبة الآية لما قبلها","lvl":11,"sub":1},{"id":4926,"title":"فصل","lvl":11,"sub":2},{"id":4927,"title":"من فوائد ابن عاشور فى الآية","lvl":11,"sub":0},{"id":4929,"title":"من لطائف الإمام القشيرى فى الآية","lvl":11,"sub":0},{"id":4930,"title":"قوله تعالى { ألم تر إلى الذين أوتوا نصيبا من الكتاب يدعون إلى كتاب الله ليحكم بينهم ثم يتولى فريق منهم وهم معرضون","lvl":10,"sub":0},{"id":4930,"title":"مناسبة الآية لما قبلها","lvl":11,"sub":1},{"id":4931,"title":"فائدة","lvl":11,"sub":0},{"id":4932,"title":"فصل في سبب النزول","lvl":11,"sub":0},{"id":4932,"title":"فائدة","lvl":11,"sub":1},{"id":4935,"title":"فائدة","lvl":11,"sub":0},{"id":4937,"title":"سؤال : فإن قيل : التولي عن الشيء هو الإعراض عنه","lvl":11,"sub":0},{"id":4938,"title":"فصل","lvl":11,"sub":0},{"id":4940,"title":"من فوائد العلامة أبى السعود فى الآية","lvl":11,"sub":0},{"id":4941,"title":"فائدة","lvl":11,"sub":0},{"id":4941,"title":"من فوائد العلامة الجصاص فى الآية","lvl":11,"sub":1},{"id":4944,"title":"من لطائف الإمام القشيرى فى الآية","lvl":11,"sub":0},{"id":4945,"title":"قوله تعالى { ذلك بأنهم قالوا لن تمسنا النار إلا أياما معدودات وغرهم في دينهم ما كانوا يفترون","lvl":10,"sub":0},{"id":4945,"title":"مناسبة الآية لما قبلها","lvl":11,"sub":1},{"id":4946,"title":"فوائد لغوية","lvl":11,"sub":0},{"id":4948,"title":"فائدة","lvl":11,"sub":0},{"id":4951,"title":"من فوائد العلامة الآلوسى فى الآية","lvl":11,"sub":0},{"id":4952,"title":"من لطائف الإمام القشيرى فى الآية","lvl":11,"sub":0},{"id":4953,"title":"قوله تعالى { فكيف إذا جمعناهم ليوم لا ريب فيه ووفيت كل نفس ما كسبت وهم لا يظلمون","lvl":10,"sub":0},{"id":4953,"title":"مناسبة الآية لما قبلها","lvl":11,"sub":1},{"id":4960,"title":"فائدة","lvl":11,"sub":0},{"id":4960,"title":"من لطائف الإمام القشيرى فى الآية","lvl":11,"sub":1},{"id":4960,"title":"موعظة","lvl":11,"sub":2},{"id":4961,"title":"قوله تعالى { قل اللهم مالك الملك تؤتي الملك من تشاء وتنزع الملك ممن تشاء وتعز من تشاء وتذل من تشاء بيدك الخير","lvl":10,"sub":0},{"id":4961,"title":"مناسبة الآية لما قبلها","lvl":11,"sub":1},{"id":4968,"title":"فصل","lvl":11,"sub":0},{"id":4973,"title":"فصل","lvl":11,"sub":0},{"id":4974,"title":"فصل فى سبب نزول الآية","lvl":11,"sub":0},{"id":4978,"title":"فصل","lvl":11,"sub":0},{"id":4984,"title":"فصل","lvl":11,"sub":0},{"id":4984,"title":"فائدة لغوية","lvl":11,"sub":1},{"id":4986,"title":"فصل","lvl":11,"sub":0},{"id":4989,"title":"فائدة","lvl":11,"sub":0},{"id":4991,"title":"فائدة","lvl":11,"sub":0},{"id":4993,"title":"فائدة","lvl":11,"sub":0},{"id":4995,"title":"فائدة","lvl":11,"sub":0},{"id":5000,"title":"لطيفة","lvl":11,"sub":0},{"id":5001,"title":"من لطائف الإمام القشيرى فى الآية","lvl":11,"sub":0},{"id":5003,"title":"بحث نفيس في تنزيه القضاء الإلهي عن الشر للعلامة ابن القيم","lvl":11,"sub":0},{"id":5026,"title":"قوله تعالى { تولج الليل في النهار وتولج النهار في الليل وتخرج الحي من الميت وتخرج الميت من الحي وترزق من تشاء بغير حساب","lvl":10,"sub":0},{"id":5026,"title":"مناسبة الآية لما قبلها","lvl":11,"sub":1},{"id":5030,"title":"فائدة","lvl":11,"sub":0},{"id":5031,"title":"فصل","lvl":11,"sub":0},{"id":5037,"title":"بحث علمى","lvl":11,"sub":0},{"id":5039,"title":"فصل","lvl":11,"sub":0},{"id":5040,"title":"فائدة","lvl":11,"sub":0},{"id":5040,"title":"لطيفة","lvl":11,"sub":1},{"id":5042,"title":"فائدة","lvl":11,"sub":0},{"id":5043,"title":"فوائد بلاغية","lvl":11,"sub":0},{"id":5043,"title":"لطيفة","lvl":11,"sub":1},{"id":5043,"title":"سؤال","lvl":11,"sub":2},{"id":5044,"title":"لطيفة","lvl":11,"sub":0},{"id":5047,"title":"فصل نفيس","lvl":11,"sub":0},{"id":5054,"title":"من لطائف الشهيد سيد قطب فى الآية","lvl":11,"sub":0},{"id":5056,"title":"لطيفة","lvl":11,"sub":0},{"id":5058,"title":"بحث علمى للدكتور زغلول النجار ـ حفظه الله ـ \"إخراج الحي من الميت وإخراج الميت من الحي في القرآن الكريم\"","lvl":11,"sub":0},{"id":5069,"title":"قوله تعالى { لا يتخذ المؤمنون الكافرين أولياء من دون المؤمنين ومن يفعل ذلك فليس من الله في شيء إلا أن تتقوا منهم تقاة","lvl":10,"sub":0},{"id":5069,"title":"مناسبة الآية لما قبلها","lvl":11,"sub":1},{"id":5072,"title":"فصل","lvl":11,"sub":0},{"id":5073,"title":"سؤال : فإن قيل : إنه تعالى قال : {ومن يفعل ذلك فليس من الله في شىء} وهذه صفة الكافر.","lvl":11,"sub":0},{"id":5074,"title":"فوائد لغوية","lvl":11,"sub":0},{"id":5081,"title":"فائدة","lvl":11,"sub":0},{"id":5082,"title":"فصل","lvl":11,"sub":0},{"id":5084,"title":"فصل","lvl":11,"sub":0},{"id":5084,"title":"فائدة","lvl":11,"sub":1},{"id":5087,"title":"فصل","lvl":11,"sub":0},{"id":5088,"title":"فصل","lvl":11,"sub":0},{"id":5089,"title":"فصل","lvl":11,"sub":0},{"id":5092,"title":"فصل نفيس","lvl":11,"sub":0},{"id":5107,"title":"فائدة","lvl":11,"sub":0},{"id":5111,"title":"لطيفة","lvl":11,"sub":0},{"id":5114,"title":"فائدة","lvl":11,"sub":0},{"id":5121,"title":"من لطائف الإمام القشيرى فى الآية","lvl":11,"sub":0},{"id":5122,"title":"قوله تعالى { قل إن تخفوا ما في صدوركم أو تبدوه يعلمه الله ويعلم ما في السماوات وما في الأرض والله على كل شيء قدير","lvl":10,"sub":0},{"id":5122,"title":"مناسبة الآية لما قبلها","lvl":11,"sub":1},{"id":5123,"title":"أسئلة وأجوبة","lvl":11,"sub":0},{"id":5124,"title":"فائدة","lvl":11,"sub":0},{"id":5125,"title":"فائدة","lvl":11,"sub":0},{"id":5126,"title":"فائدة","lvl":11,"sub":0},{"id":5128,"title":"لطيفة","lvl":11,"sub":0},{"id":5128,"title":"من فوائد ابن عاشور فى الآية","lvl":11,"sub":1},{"id":5129,"title":"قوله تعالى { يوم تجد كل نفس ما عملت من خير محضرا وما عملت من سوء تود لو أن بينها وبينه أمدا بعيدا","lvl":10,"sub":0},{"id":5129,"title":"مناسبة الآية لما قبلها","lvl":11,"sub":1},{"id":5130,"title":"فصل","lvl":11,"sub":0},{"id":5131,"title":"فوائد لغوية","lvl":11,"sub":0},{"id":5143,"title":"فائدة","lvl":11,"sub":0},{"id":5144,"title":"لطيفة","lvl":11,"sub":0},{"id":5145,"title":"من فوائد العلامة أبى السعود فى الآية","lvl":11,"sub":0},{"id":5148,"title":"لطيفة","lvl":11,"sub":0},{"id":5148,"title":"موعظة","lvl":11,"sub":1},{"id":5150,"title":"من لطائف الإمام القشيرى فى الآية","lvl":11,"sub":0},{"id":5151,"title":"قوله تعالى {قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله ويغفر لكم ذنوبكم والله غفور رحيم","lvl":10,"sub":0},{"id":5151,"title":"مناسبة الآية لما قبلها","lvl":11,"sub":1},{"id":5155,"title":"فصل","lvl":11,"sub":0},{"id":5158,"title":"فصل","lvl":11,"sub":0},{"id":5158,"title":"فائدة","lvl":11,"sub":1},{"id":5159,"title":"فصل","lvl":11,"sub":0},{"id":5163,"title":"فوائد لغوية","lvl":11,"sub":0},{"id":5164,"title":"فصل","lvl":11,"sub":0},{"id":5165,"title":"فائدة","lvl":11,"sub":0},{"id":5166,"title":"من فوائد البيضاوى فى الآية","lvl":11,"sub":0},{"id":5170,"title":"لطيفة","lvl":11,"sub":0},{"id":5172,"title":"فوائد بلاغية","lvl":11,"sub":0},{"id":5175,"title":"من لطائف الإمام القشيرى فى الآية","lvl":11,"sub":0},{"id":5177,"title":"لطيفة","lvl":11,"sub":0},{"id":5190,"title":"قوله تعالى { قل أطيعوا الله والرسول فإن تولوا فإن الله لا يحب الكافرين","lvl":10,"sub":0},{"id":5190,"title":"مناسبة الآية لما قبلها","lvl":11,"sub":1},{"id":5192,"title":"فصل","lvl":11,"sub":0},{"id":5192,"title":"فائدة","lvl":11,"sub":1},{"id":5193,"title":"فائدة أخرى","lvl":11,"sub":0},{"id":5193,"title":"من فوائد الآلوسى فى الآية","lvl":11,"sub":1},{"id":5195,"title":"فصل","lvl":11,"sub":0},{"id":5195,"title":"من لطائف الإمام القشيرى فى الآية","lvl":11,"sub":1},{"id":5196,"title":"قوله تعالى { إن الله اصطفى آدم ونوحا وآل إبراهيم وآل عمران على العالمين","lvl":10,"sub":0},{"id":5196,"title":"مناسبة الآية لما قبلها","lvl":11,"sub":1},{"id":5205,"title":"فصل","lvl":11,"sub":0},{"id":5206,"title":"فصل","lvl":11,"sub":0},{"id":5207,"title":"فصل","lvl":11,"sub":0},{"id":5210,"title":"فصل","lvl":11,"sub":0},{"id":5210,"title":"فائدة","lvl":11,"sub":1},{"id":5212,"title":"فائدة","lvl":11,"sub":0},{"id":5215,"title":"لطيفة","lvl":11,"sub":0},{"id":5216,"title":"قوله تعالى : {ذرية بعضها من بعض}","lvl":10,"sub":0},{"id":5217,"title":"فصل","lvl":11,"sub":0},{"id":5217,"title":"لطيفة","lvl":11,"sub":1},{"id":5219,"title":"فصل","lvl":11,"sub":0},{"id":5219,"title":"لطيفة","lvl":11,"sub":1},{"id":5223,"title":"لطائف ونفائس","lvl":11,"sub":0},{"id":5232,"title":"الجزء الثالث عشر من كتاب جامع لطائف التفسير","lvl":8,"sub":0},{"id":5232,"title":"قوله تعالى { إذ قالت امرأة عمران رب إني نذرت لك ما في بطني محررا فتقبل مني إنك أنت السميع العليم","lvl":9,"sub":1},{"id":5232,"title":"مناسبة الآية لما قبلها","lvl":10,"sub":1},{"id":5234,"title":"فصل","lvl":10,"sub":0},{"id":5234,"title":"فصل","lvl":10,"sub":1},{"id":5235,"title":"سؤال : فإن قيل : إن الله سميع عليم قبل أن قالت المرأة هذا القول ، فما معنى هذا التقييد ؟","lvl":10,"sub":0},{"id":5236,"title":"فصل","lvl":10,"sub":0},{"id":5237,"title":"فصل","lvl":10,"sub":0},{"id":5237,"title":"فائدة","lvl":10,"sub":1},{"id":5238,"title":"فصل","lvl":10,"sub":0},{"id":5239,"title":"فائدة","lvl":10,"sub":0},{"id":5240,"title":"فصل فى حقيقة النذر","lvl":10,"sub":0},{"id":5241,"title":"من فوائد العلامة الآلوسى فى الآية","lvl":10,"sub":0},{"id":5243,"title":"فائدة","lvl":10,"sub":0},{"id":5245,"title":"قوله تعالى : {فلما وضعتها قالت رب إني وضعتها أنثى والله أعلم بما وضعت وليس الذكر كالأنثى","lvl":9,"sub":0},{"id":5245,"title":"مناسبة الآية لما قبلها","lvl":10,"sub":1},{"id":5250,"title":"فوائد لغوية","lvl":10,"sub":0},{"id":5253,"title":"فصل","lvl":10,"sub":0},{"id":5260,"title":"بحث علمى","lvl":10,"sub":0},{"id":5267,"title":"بحث علمى آخر فى قوله تعالى { وليس الذكر كالأنثى }","lvl":10,"sub":0},{"id":5271,"title":"بحث ثالث","lvl":10,"sub":0},{"id":5276,"title":"فصل","lvl":10,"sub":0},{"id":5276,"title":"فائدة","lvl":10,"sub":1},{"id":5276,"title":"لطيفة","lvl":10,"sub":2},{"id":5280,"title":"قوله تعالى { فتقبلها ربها بقبول حسن وأنبتها نباتا حسنا وكفلها زكريا","lvl":9,"sub":0},{"id":5280,"title":"مناسبة الآية لما قبلها","lvl":10,"sub":1},{"id":5286,"title":"فائدة","lvl":10,"sub":0},{"id":5288,"title":"فصل","lvl":10,"sub":0},{"id":5290,"title":"فصل","lvl":10,"sub":0},{"id":5291,"title":"فائدة","lvl":10,"sub":0},{"id":5291,"title":"فوائد لغوية","lvl":10,"sub":1},{"id":5294,"title":"فصل","lvl":10,"sub":0},{"id":5294,"title":"فائدة","lvl":10,"sub":1},{"id":5295,"title":"فائدة","lvl":10,"sub":0},{"id":5296,"title":"فائدة","lvl":10,"sub":0},{"id":5297,"title":"فصل","lvl":10,"sub":0},{"id":5300,"title":"فائدة","lvl":10,"sub":0},{"id":5301,"title":"فائدة","lvl":10,"sub":0},{"id":5303,"title":"فوائد بلاغية","lvl":10,"sub":0},{"id":5303,"title":"لطيفة","lvl":10,"sub":1},{"id":5304,"title":"من لطائف الإمام القشيرى فى الآيات","lvl":10,"sub":0},{"id":5308,"title":"قوله تعالى {هنالك دعا زكريا ربه قال رب هب لي من لدنك ذرية طيبة إنك سميع الدعاء (38)}","lvl":9,"sub":0},{"id":5308,"title":"مناسبة الآية لما قبلها","lvl":10,"sub":1},{"id":5308,"title":"فصل","lvl":10,"sub":2},{"id":5311,"title":"فصل","lvl":10,"sub":0},{"id":5312,"title":"فائدة","lvl":10,"sub":0},{"id":5313,"title":"فصل","lvl":10,"sub":0},{"id":5313,"title":"فائدة","lvl":10,"sub":1},{"id":5315,"title":"من فوائد الآلوسى فى الآية","lvl":10,"sub":0},{"id":5319,"title":"فصل","lvl":10,"sub":0},{"id":5321,"title":"من لطائف الإمام القشيرى فى الآية","lvl":10,"sub":0},{"id":5322,"title":"قوله تعالى { فنادته الملائكة وهو قائم يصلي في المحراب أن الله يبشرك بيحيى","lvl":9,"sub":0},{"id":5322,"title":"مناسبة الآية لما قبلها","lvl":10,"sub":1},{"id":5323,"title":"فصل","lvl":10,"sub":0},{"id":5329,"title":"فصل","lvl":10,"sub":0},{"id":5331,"title":"لطيفة","lvl":10,"sub":0},{"id":5336,"title":"فائدة","lvl":10,"sub":0},{"id":5340,"title":"فائدة","lvl":10,"sub":0},{"id":5341,"title":"فصل","lvl":10,"sub":0},{"id":5342,"title":"من لطائف الإمام القشيرى فى الآية","lvl":10,"sub":0},{"id":5342,"title":"فائدة جليلة","lvl":10,"sub":1},{"id":5344,"title":"قوله تعالى : { قال رب أنى يكون لي غلام وقد بلغني الكبر وامرأتي عاقر قال كذلك الله يفعل ما يشاء","lvl":9,"sub":0},{"id":5344,"title":"مناسبة الآية لما قبلها","lvl":10,"sub":1},{"id":5345,"title":"فائدة","lvl":10,"sub":0},{"id":5349,"title":"فائدة","lvl":10,"sub":0},{"id":5352,"title":"فصل","lvl":10,"sub":0},{"id":5352,"title":"فائدة","lvl":10,"sub":1},{"id":5354,"title":"من لطائف الإمام القشيرى فى الآية","lvl":10,"sub":0},{"id":5354,"title":"فائدة","lvl":10,"sub":1},{"id":5355,"title":"مناسبة الآية لما قبلها","lvl":10,"sub":0},{"id":5356,"title":"فائدة","lvl":10,"sub":0},{"id":5357,"title":"فصل","lvl":10,"sub":0},{"id":5360,"title":"فائدة","lvl":10,"sub":0},{"id":5362,"title":"فائدة","lvl":10,"sub":0},{"id":5365,"title":"فوائد لغوية","lvl":10,"sub":0},{"id":5366,"title":"فائدة","lvl":10,"sub":0},{"id":5367,"title":"من لطائف الإمام القشيرى فى الآية","lvl":10,"sub":0},{"id":5367,"title":"لطيفة","lvl":10,"sub":1},{"id":5368,"title":"فائدة","lvl":10,"sub":0},{"id":5369,"title":"قوله تعالى { وإذ قالت الملائكة يا مريم إن الله اصطفاك وطهرك واصطفاك على نساء العالمين (42)}","lvl":9,"sub":0},{"id":5369,"title":"مناسبة الآية لما قبلها","lvl":10,"sub":1},{"id":5369,"title":"فصل","lvl":10,"sub":2},{"id":5370,"title":"فصل","lvl":10,"sub":0},{"id":5371,"title":"فائدة","lvl":10,"sub":0},{"id":5374,"title":"فائدة","lvl":10,"sub":0},{"id":5375,"title":"فصل","lvl":10,"sub":0},{"id":5379,"title":"من فوائد العلامة الآلوسى فى الآية","lvl":10,"sub":0},{"id":5381,"title":"لطيفة","lvl":10,"sub":0},{"id":5382,"title":"قوله تعالى { يا مريم اقنتي لربك واسجدي واركعي مع الراكعين (43)}","lvl":9,"sub":0},{"id":5382,"title":"مناسبة الآية لما قبلها","lvl":10,"sub":1},{"id":5382,"title":"فصل","lvl":10,"sub":2},{"id":5383,"title":"فائدة","lvl":10,"sub":0},{"id":5385,"title":"من فوائد الآلوسى فى الآية","lvl":10,"sub":0},{"id":5389,"title":"فصل","lvl":10,"sub":0},{"id":5402,"title":"قوله تعالى { ذلك من أنباء الغيب نوحيه إليك وما كنت لديهم إذ يلقون أقلامهم أيهم يكفل مريم وما كنت لديهم إذ يختصمون","lvl":9,"sub":0},{"id":5402,"title":"مناسبة الآية لما قبلها","lvl":10,"sub":1},{"id":5403,"title":"فصل","lvl":10,"sub":0},{"id":5404,"title":"فصل","lvl":10,"sub":0},{"id":5404,"title":"فائدة","lvl":10,"sub":1},{"id":5405,"title":"فصل","lvl":10,"sub":0},{"id":5406,"title":"فائدة","lvl":10,"sub":0},{"id":5408,"title":"فصل","lvl":10,"sub":0},{"id":5410,"title":"فائدة","lvl":10,"sub":0},{"id":5411,"title":"فصل","lvl":10,"sub":0},{"id":5411,"title":"سؤال : فإن قلت : لم نفيت المشاهدة وانتفاؤها معلوم بغير شبهة ؟ وترك نفي استماع الأنباء من حفاظها وهو موهوم ؟","lvl":10,"sub":1},{"id":5412,"title":"فصل","lvl":10,"sub":0},{"id":5414,"title":"فصل","lvl":10,"sub":0},{"id":5415,"title":"فائدة أخرى :","lvl":10,"sub":0},{"id":5416,"title":"من لطائف الإمام القشيرى فى الآية","lvl":10,"sub":0},{"id":5418,"title":"قوله تعالى { إذ قالت الملائكة يا مريم إن الله يبشرك بكلمة منه اسمه المسيح عيسى ابن مريم وجيها في الدنيا والآخرة ومن المقربين","lvl":9,"sub":0},{"id":5418,"title":"مناسبة الآية لما قبلها","lvl":10,"sub":1},{"id":5419,"title":"فصل","lvl":10,"sub":0},{"id":5422,"title":"فصل","lvl":10,"sub":0},{"id":5428,"title":"لطيفة","lvl":10,"sub":0},{"id":5430,"title":"فصل","lvl":10,"sub":0},{"id":5432,"title":"فصل","lvl":10,"sub":0},{"id":5432,"title":"من لطائف الإمام القشيرى فى الآية","lvl":10,"sub":1},{"id":5433,"title":"قوله تعالى { ويكلم الناس في المهد وكهلا ومن الصالحين (46)}","lvl":9,"sub":0},{"id":5433,"title":"مناسبة الآية لما قبلها","lvl":10,"sub":1},{"id":5433,"title":"فصل","lvl":10,"sub":2},{"id":5434,"title":"فصل","lvl":10,"sub":0},{"id":5438,"title":"فصل","lvl":10,"sub":0},{"id":5440,"title":"سؤال : فإن قيل : كون عيسى كلمة من الله تعالى ، وكونه {وجيها في الدنيا والأخرة} وكونه من المقربين عند الله تعالى ، وكونه مكلما للناس في المهد","lvl":10,"sub":0},{"id":5441,"title":"من فوائد الآلوسى فى الآية","lvl":10,"sub":0},{"id":5445,"title":"قوله تعالى { قالت رب أنى يكون لي ولد ولم يمسسني بشر قال كذلك الله يخلق ما يشاء","lvl":9,"sub":0},{"id":5445,"title":"مناسبة الآية لما قبلها","lvl":10,"sub":1},{"id":5445,"title":"فصل","lvl":10,"sub":2},{"id":5453,"title":"فائدة","lvl":10,"sub":0},{"id":5454,"title":"من لطائف الإمام القشيرى فى الآية","lvl":10,"sub":0},{"id":5454,"title":"لطيفة","lvl":10,"sub":1},{"id":5455,"title":"قوله تعالى { ويعلمه الكتاب والحكمة والتوراة والإنجيل (48)}","lvl":9,"sub":0},{"id":5455,"title":"مناسبة الآية لما قبلها","lvl":10,"sub":1},{"id":5455,"title":"فصل","lvl":10,"sub":2},{"id":5460,"title":"فصل","lvl":10,"sub":0},{"id":5463,"title":"قوله تعالى { ورسولا إلى بني إسرائيل أني قد جئتكم بآية من ربكم أني أخلق لكم من الطين كهيئة الطير فأنفخ فيه فيكون طيرا بإذن الله","lvl":9,"sub":0},{"id":5463,"title":"مناسبة الآية لما قبلها","lvl":10,"sub":1},{"id":5466,"title":"فصل","lvl":10,"sub":0},{"id":5470,"title":"فائدة","lvl":10,"sub":0},{"id":5472,"title":"فصل","lvl":10,"sub":0},{"id":5472,"title":"سؤال : ما المراد بالآية ؟","lvl":10,"sub":1},{"id":5475,"title":"فائدة","lvl":10,"sub":0},{"id":5475,"title":"فوائد لغوية","lvl":10,"sub":1},{"id":5479,"title":"فصل","lvl":10,"sub":0},{"id":5480,"title":"فصل","lvl":10,"sub":0},{"id":5480,"title":"سؤال : فإن قال قائل : وكيف قيل : \"فأنفخ فيه\" ، وقد قيل : \"أني أخلق لكم من الطين كهيئة الطير\" ؟","lvl":10,"sub":1},{"id":5481,"title":"فائدة","lvl":10,"sub":0},{"id":5481,"title":"لطيفة","lvl":10,"sub":1},{"id":5482,"title":"فصل","lvl":10,"sub":0},{"id":5482,"title":"فائدة","lvl":10,"sub":1},{"id":5483,"title":"فصل","lvl":10,"sub":0},{"id":5484,"title":"فائدة","lvl":10,"sub":0},{"id":5485,"title":"فصل","lvl":10,"sub":0},{"id":5486,"title":"فصل","lvl":10,"sub":0},{"id":5486,"title":"فائدة","lvl":10,"sub":1},{"id":5487,"title":"فائدة","lvl":10,"sub":0},{"id":5491,"title":"فائدة لغوية","lvl":10,"sub":0},{"id":5493,"title":"سؤال : فإن قال قائل : وما كان في قوله لهم : \"وأنبئكم بما تأكلون وما تدخرون في بيوتكم\" من الحجة له على صدقه ، وقد رأينا المتنجمة والمتكهنة تخبر بذلك كثيرا فتصيب ؟","lvl":10,"sub":0},{"id":5496,"title":"فائدة","lvl":10,"sub":0},{"id":5496,"title":"لطيفة","lvl":10,"sub":1},{"id":5497,"title":"قوله تعالى { ومصدقا لما بين يدي من التوراة ولأحل لكم بعض الذي حرم عليكم وجئتكم بآية من ربكم","lvl":9,"sub":0},{"id":5497,"title":"مناسبة الآية لما قبلها","lvl":10,"sub":1},{"id":5498,"title":"فصل","lvl":10,"sub":0},{"id":5499,"title":"فوائد لغوية","lvl":10,"sub":0},{"id":5500,"title":"فصل","lvl":10,"sub":0},{"id":5501,"title":"فوائد لغوية","lvl":10,"sub":0},{"id":5504,"title":"فصل","lvl":10,"sub":0},{"id":5507,"title":"فائدة","lvl":10,"sub":0},{"id":5508,"title":"من فوائد ابن عاشور فى الآية","lvl":10,"sub":0},{"id":5508,"title":"سؤال : فإن قلت : كيف جعل هذا القول آية من ربه ؟","lvl":10,"sub":1},{"id":5512,"title":"قوله تعالى { إن الله ربي وربكم فاعبدوه هذا صراط مستقيم (51)}","lvl":9,"sub":0},{"id":5512,"title":"مناسبة الآية لما قبلها","lvl":10,"sub":1},{"id":5518,"title":"فائدة","lvl":10,"sub":0},{"id":5518,"title":"فوائد لغوية","lvl":10,"sub":1},{"id":5520,"title":"فوائد بلاغية","lvl":10,"sub":0},{"id":5521,"title":"فائدة","lvl":10,"sub":0},{"id":5524,"title":"فصل","lvl":10,"sub":0},{"id":5524,"title":"من ردود شيخ الإسلام ابن تيمية على شبه النصارى","lvl":10,"sub":1},{"id":5528,"title":"فصل","lvl":10,"sub":0},{"id":5542,"title":"قوله تعالى { فلما أحس عيسى منهم الكفر قال من أنصاري إلى الله قال الحواريون نحن أنصار الله آمنا بالله واشهد بأنا مسلمون","lvl":9,"sub":0},{"id":5542,"title":"مناسبة الآية لما قبلها","lvl":10,"sub":1},{"id":5545,"title":"فصل","lvl":10,"sub":0},{"id":5546,"title":"فصل","lvl":10,"sub":0},{"id":5548,"title":"فصل","lvl":10,"sub":0},{"id":5557,"title":"فصل","lvl":10,"sub":0},{"id":5558,"title":"فائدة","lvl":10,"sub":0},{"id":5560,"title":"فائدة","lvl":10,"sub":0},{"id":5561,"title":"فائدة","lvl":10,"sub":0},{"id":5562,"title":"من لطائف الإمام القشيرى فى الآية","lvl":10,"sub":0},{"id":5563,"title":"قوله تعالى { ربنا آمنا بما أنزلت واتبعنا الرسول فاكتبنا مع الشاهدين (53)}","lvl":9,"sub":0},{"id":5563,"title":"مناسبة الآية لما قبلها","lvl":10,"sub":1},{"id":5563,"title":"فصل","lvl":10,"sub":2},{"id":5568,"title":"قوله تعالى { ومكروا ومكر الله والله خير الماكرين (54)}","lvl":9,"sub":0},{"id":5569,"title":"فصل","lvl":10,"sub":0},{"id":5573,"title":"فائدة","lvl":10,"sub":0},{"id":5575,"title":"فائدة","lvl":10,"sub":0},{"id":5576,"title":"فصل","lvl":10,"sub":0},{"id":5576,"title":"فائدة","lvl":10,"sub":1},{"id":5579,"title":"فائدة","lvl":10,"sub":0},{"id":5580,"title":"لطيفة","lvl":10,"sub":0},{"id":5581,"title":"من لطائف الإمام القشيرى فى الآية","lvl":10,"sub":0},{"id":5582,"title":"قوله تعالى {إذ قال الله يا عيسى إني متوفيك ورافعك إلي ومطهرك من الذين كفروا وجاعل الذين اتبعوك فوق الذين كفروا إلى يوم القيامة","lvl":9,"sub":0},{"id":5583,"title":"فصل","lvl":10,"sub":0},{"id":5583,"title":"فائدة","lvl":10,"sub":1},{"id":5587,"title":"فصل","lvl":10,"sub":0},{"id":5588,"title":"فصل","lvl":10,"sub":0},{"id":5593,"title":"فائدة","lvl":10,"sub":0},{"id":5596,"title":"كلام نفيس للعلامة الآلوسى فى الآية الكريمة","lvl":10,"sub":0},{"id":5605,"title":"فصل","lvl":10,"sub":0},{"id":5606,"title":"فصل","lvl":10,"sub":0},{"id":5606,"title":"فائدة","lvl":10,"sub":1},{"id":5607,"title":"فائدة","lvl":10,"sub":0},{"id":5612,"title":"فوائد ولطائف","lvl":10,"sub":0},{"id":5613,"title":"فصل","lvl":10,"sub":0},{"id":5617,"title":"قوله تعالى { فأما الذين كفروا فأعذبهم عذابا شديدا في الدنيا والآخرة وما لهم من ناصرين (56)}","lvl":9,"sub":0},{"id":5617,"title":"مناسبة الآية لما قبلها","lvl":10,"sub":1},{"id":5617,"title":"فصل","lvl":10,"sub":2},{"id":5618,"title":"فصل","lvl":10,"sub":0},{"id":5619,"title":"من فوائد الآلوسى فى الآية","lvl":10,"sub":0},{"id":5621,"title":"فائدة","lvl":10,"sub":0},{"id":5622,"title":"قوله تعالى : { وأما الذين آمنوا وعملوا الصالحات فيوفيهم أجورهم والله لا يحب الظالمين (57)}","lvl":9,"sub":0},{"id":5622,"title":"فصل","lvl":10,"sub":1},{"id":5622,"title":"فائدة","lvl":10,"sub":2},{"id":5623,"title":"فصل","lvl":10,"sub":0},{"id":5623,"title":"فائدة","lvl":10,"sub":1},{"id":5624,"title":"من فوائد الإمام البقاعى فى الآية","lvl":10,"sub":0},{"id":5625,"title":"من فوائد الآلوسى فى الآية","lvl":10,"sub":0},{"id":5627,"title":"قوله تعالى : { ذلك نتلوه عليك من الآيات والذكر الحكيم (58)}","lvl":9,"sub":0},{"id":5627,"title":"مناسبة الآية لما قبلها","lvl":10,"sub":1},{"id":5627,"title":"فوائد لغوية","lvl":10,"sub":2},{"id":5629,"title":"فصل","lvl":10,"sub":0},{"id":5629,"title":"فائدة","lvl":10,"sub":1},{"id":5630,"title":"فصل","lvl":10,"sub":0},{"id":5631,"title":"من فوائد الآلوسى فى الآية","lvl":10,"sub":0},{"id":5632,"title":"قوله تعالى {إن مثل عيسى عند الله كمثل آدم خلقه من تراب ثم قال له كن فيكون (59)}","lvl":9,"sub":0},{"id":5632,"title":"مناسبة الآية لما قبلها","lvl":10,"sub":1},{"id":5634,"title":"فصل","lvl":10,"sub":0},{"id":5634,"title":"فائدة","lvl":10,"sub":1},{"id":5635,"title":"فصل","lvl":10,"sub":0},{"id":5639,"title":"بحث نفيس للدكتور عبد المجيد الزندانى","lvl":10,"sub":0},{"id":5641,"title":"لطيفة","lvl":10,"sub":0},{"id":5642,"title":"فصل","lvl":10,"sub":0},{"id":5644,"title":"فصل","lvl":10,"sub":0},{"id":5645,"title":"فصل","lvl":10,"sub":0},{"id":5646,"title":"من فوائد الآلوسى فى الآية","lvl":10,"sub":0},{"id":5650,"title":"من لطائف الإمام القشيرى فى الآية","lvl":10,"sub":0},{"id":5650,"title":"لطيفة","lvl":10,"sub":1},{"id":5652,"title":"فصل","lvl":10,"sub":0},{"id":5666,"title":"كلام نفيس للعلامة ابن القيم عن عقيدة النصارى","lvl":10,"sub":0},{"id":5690,"title":"الجزء الرابع عشر من كتاب جامع لطائف التفسير","lvl":7,"sub":0},{"id":5690,"title":"الجزء الرابع عشر من كتاب جامع لطائف التفسير","lvl":8,"sub":1},{"id":5692,"title":"قوله تعالى { الحق من ربك فلا تكن من الممترين (60)}","lvl":8,"sub":0},{"id":5692,"title":"مناسبة الآية لما قبلها","lvl":9,"sub":1},{"id":5692,"title":"فصل","lvl":9,"sub":2},{"id":5693,"title":"فصل","lvl":9,"sub":0},{"id":5693,"title":"لطيفة","lvl":9,"sub":1},{"id":5694,"title":"فصل","lvl":9,"sub":0},{"id":5695,"title":"فصل","lvl":9,"sub":0},{"id":5695,"title":"فائدة","lvl":9,"sub":1},{"id":5703,"title":"قوله تعالى { فمن حاجك فيه من بعد ما جاءك من العلم فقل تعالوا ندع أبناءنا وأبناءكم ونساءنا ونساءكم وأنفسنا وأنفسكم","lvl":8,"sub":0},{"id":5703,"title":"مناسبة الآية لما قبلها","lvl":9,"sub":1},{"id":5724,"title":"فصل","lvl":9,"sub":0},{"id":5725,"title":"فصل","lvl":9,"sub":0},{"id":5726,"title":"فائدة","lvl":9,"sub":0},{"id":5727,"title":"فصل","lvl":9,"sub":0},{"id":5737,"title":"لطيفة","lvl":9,"sub":0},{"id":5738,"title":"فصل","lvl":9,"sub":0},{"id":5738,"title":"من فوائد ابن عاشور فى الآية","lvl":9,"sub":1},{"id":5738,"title":"من فوائد ابن عاشور فى الآية","lvl":9,"sub":2},{"id":5740,"title":"ومن فوائد العلامة الجصاص","lvl":9,"sub":0},{"id":5744,"title":"أسئلة وأجوبة للإمام الفخر","lvl":9,"sub":1},{"id":5746,"title":"من لطائف الإمام القشيرى فى الآية","lvl":9,"sub":0},{"id":5747,"title":"فائدة","lvl":9,"sub":0},{"id":5748,"title":"قوله تعالى { إن هذا لهو القصص الحق وما من إله إلا الله وإن الله لهو العزيز الحكيم (62)}","lvl":8,"sub":0},{"id":5748,"title":"مناسبة الآية لما قبلها","lvl":9,"sub":1},{"id":5749,"title":"فصل","lvl":9,"sub":0},{"id":5751,"title":"فائدة","lvl":9,"sub":0},{"id":5752,"title":"فائدة","lvl":9,"sub":0},{"id":5753,"title":"من فوائد ابن عاشور فى الآية","lvl":9,"sub":0},{"id":5754,"title":"مناسبة الآية لما قبلها","lvl":9,"sub":0},{"id":5754,"title":"فوائد لغوية","lvl":9,"sub":1},{"id":5755,"title":"فصل","lvl":9,"sub":0},{"id":5757,"title":"قوله تعالى { قل يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم ألا نعبد إلا الله ولا نشرك به شيئا","lvl":8,"sub":0},{"id":5757,"title":"مناسبة الآية لما قبلها","lvl":9,"sub":1},{"id":5759,"title":"فصل","lvl":9,"sub":0},{"id":5763,"title":"فائدة","lvl":9,"sub":0},{"id":5764,"title":"فائدة","lvl":9,"sub":0},{"id":5765,"title":"لطيفة","lvl":9,"sub":0},{"id":5766,"title":"فصل","lvl":9,"sub":0},{"id":5767,"title":"فائدة","lvl":9,"sub":0},{"id":5768,"title":"فائدة","lvl":9,"sub":0},{"id":5769,"title":"فائدة","lvl":9,"sub":0},{"id":5770,"title":"لطيفة","lvl":9,"sub":0},{"id":5773,"title":"فائدة","lvl":9,"sub":0},{"id":5773,"title":"لطيفة","lvl":9,"sub":1},{"id":5774,"title":"من فوائد الإمام الجصاص فى الآية","lvl":9,"sub":0},{"id":5776,"title":"ومن فوائد ابن كثير فى الآية","lvl":9,"sub":0},{"id":5778,"title":"فصل","lvl":9,"sub":0},{"id":5779,"title":"لطيفة","lvl":9,"sub":0},{"id":5779,"title":"من لطائف الإمام القشيرى فى الآية","lvl":9,"sub":1},{"id":5780,"title":"فائدة","lvl":9,"sub":0},{"id":5781,"title":"كلام نفيس للعلامة ابن القيم","lvl":9,"sub":0},{"id":5791,"title":"قوله تعالى { يا أهل الكتاب لم تحاجون في إبراهيم وما أنزلت التوراة والإنجيل إلا من بعده أفلا تعقلون (65)}","lvl":8,"sub":0},{"id":5791,"title":"مناسبة الآية لما قبلها","lvl":9,"sub":1},{"id":5793,"title":"فائدة","lvl":9,"sub":0},{"id":5793,"title":"فوائد لغوية","lvl":9,"sub":1},{"id":5795,"title":"من فوائد الآلوسى فى الآية","lvl":9,"sub":0},{"id":5798,"title":"ومن فوائد ابن عاشور فى الآية","lvl":9,"sub":0},{"id":5803,"title":"من لطائف الإمام القشيرى فى الآية","lvl":9,"sub":0},{"id":5804,"title":"قوله تعالى { ها أنتم هؤلاء حاججتم فيما لكم به علم فلم تحاجون فيما ليس لكم به علم والله يعلم وأنتم لا تعلمون (66) }","lvl":8,"sub":0},{"id":5804,"title":"فصل","lvl":9,"sub":1},{"id":5805,"title":"فصل","lvl":9,"sub":0},{"id":5811,"title":"من فوائد الآلوسى فى الآية","lvl":9,"sub":0},{"id":5813,"title":"فصل","lvl":9,"sub":0},{"id":5813,"title":"من لطائف الإمام القشيرى فى الآية","lvl":9,"sub":1},{"id":5814,"title":"قوله تعالى { ما كان إبراهيم يهوديا ولا نصرانيا ولكن كان حنيفا مسلما وما كان من المشركين (67) }","lvl":8,"sub":0},{"id":5814,"title":"مناسبة الآية لما قبلها","lvl":9,"sub":1},{"id":5817,"title":"فصل","lvl":9,"sub":0},{"id":5818,"title":"من فوائد الآلوسى فى الآية","lvl":9,"sub":0},{"id":5818,"title":"سؤال : فإن قيل : قولكم إبراهيم على دين الإسلام أتريدون به الموافقة في الأصول أو في الفروع ؟","lvl":9,"sub":1},{"id":5825,"title":"فائدة","lvl":9,"sub":0},{"id":5829,"title":"قوله تعالى {إن أولى الناس بإبراهيم للذين اتبعوه وهذا النبي والذين آمنوا والله ولي المؤمنين (68)}","lvl":8,"sub":0},{"id":5829,"title":"مناسبة الآية لما قبلها","lvl":9,"sub":1},{"id":5829,"title":"فصل","lvl":9,"sub":2},{"id":5830,"title":"فائدة","lvl":9,"sub":0},{"id":5831,"title":"من فوائد الآلوسى فى الآية","lvl":9,"sub":0},{"id":5832,"title":"ومن فوائد ابن عاشور فى الآية","lvl":9,"sub":0},{"id":5835,"title":"فصل","lvl":9,"sub":0},{"id":5840,"title":"فوائد بلاغية","lvl":9,"sub":0},{"id":5841,"title":"من لطائف الإمام القشيرى فى الآية","lvl":9,"sub":0},{"id":5842,"title":"قوله تعالى { ودت طائفة من أهل الكتاب لو يضلونكم وما يضلون إلا أنفسهم وما يشعرون (69)}","lvl":8,"sub":0},{"id":5842,"title":"مناسبة الآية لما قبلها","lvl":9,"sub":1},{"id":5842,"title":"فصل","lvl":9,"sub":2},{"id":5844,"title":"فصل","lvl":9,"sub":0},{"id":5845,"title":"من فوائد الآلوسى فى الآية","lvl":9,"sub":0},{"id":5848,"title":"من لطائف الإمام القشيرى فى الآية","lvl":9,"sub":0},{"id":5849,"title":"قوله تعالى { يا أهل الكتاب لم تكفرون بآيات الله وأنتم تشهدون (70)}","lvl":8,"sub":0},{"id":5849,"title":"مناسبة الآية لما قبلها","lvl":9,"sub":1},{"id":5853,"title":"فائدة لغوية","lvl":9,"sub":0},{"id":5854,"title":"قوله تعالى { يا أهل الكتاب لم تلبسون الحق بالباطل وتكتمون الحق وأنتم تعلمون (71)}","lvl":8,"sub":0},{"id":5854,"title":"فصل","lvl":9,"sub":1},{"id":5854,"title":"فائدة","lvl":9,"sub":2},{"id":5856,"title":"فائدة","lvl":9,"sub":0},{"id":5857,"title":"فصل","lvl":9,"sub":0},{"id":5857,"title":"فوائد لغوية","lvl":9,"sub":1},{"id":5862,"title":"فوائد بلاغية","lvl":9,"sub":0},{"id":5862,"title":"من لطائف الإمام القشيرى فى الآية","lvl":9,"sub":1},{"id":5863,"title":"قوله تعالى { وقالت طائفة من أهل الكتاب آمنوا بالذي أنزل على الذين آمنوا وجه النهار واكفروا آخره لعلهم يرجعون (72)}","lvl":8,"sub":0},{"id":5863,"title":"مناسبة الآية لما قبلها","lvl":9,"sub":1},{"id":5863,"title":"فصل","lvl":9,"sub":2},{"id":5865,"title":"فصل","lvl":9,"sub":0},{"id":5866,"title":"فصل","lvl":9,"sub":0},{"id":5867,"title":"من فوائد الإمام القرطبى فى الآية","lvl":9,"sub":0},{"id":5870,"title":"فصل","lvl":9,"sub":0},{"id":5872,"title":"من لطائف الإمام القشيرى فى الآية","lvl":9,"sub":0},{"id":5873,"title":"قوله تعالى { ولا تؤمنوا إلا لمن تبع دينكم قل إن الهدى هدى الله أن يؤتى أحد مثل ما أوتيتم أو يحاجوكم عند ربكم قل إن الفضل بيد الله يؤتيه من يشاء","lvl":8,"sub":0},{"id":5874,"title":"فصل","lvl":9,"sub":0},{"id":5879,"title":"فصل","lvl":9,"sub":0},{"id":5880,"title":"فائدة","lvl":9,"sub":0},{"id":5887,"title":"فائدة","lvl":9,"sub":0},{"id":5888,"title":"فصل","lvl":9,"sub":0},{"id":5889,"title":"فائدة","lvl":9,"sub":0},{"id":5894,"title":"فصل","lvl":9,"sub":0},{"id":5895,"title":"من فوائد القرطبى فى الآية","lvl":9,"sub":0},{"id":5915,"title":"قوله تعالى : {يختص برحمته من يشاء والله ذو الفضل العظيم (74)}","lvl":8,"sub":0},{"id":5916,"title":"فائدة","lvl":9,"sub":0},{"id":5916,"title":"فوائد بلاغية","lvl":9,"sub":1},{"id":5917,"title":"قوله تعالى {ومن أهل الكتاب من إن تأمنه بقنطار يؤده إليك ومنهم من إن تأمنه بدينار لا يؤده إليك إلا ما دمت عليه قائما","lvl":8,"sub":0},{"id":5917,"title":"مناسبة الآية لما قبلها","lvl":9,"sub":1},{"id":5918,"title":"فصل","lvl":9,"sub":0},{"id":5920,"title":"فصل","lvl":9,"sub":0},{"id":5922,"title":"فصل","lvl":9,"sub":0},{"id":5922,"title":"سؤال : فإن قال قائل : وما وجه إخبار الله عز وجل بذلك نبيه صلى الله عليه وسلم ، وقد علمت أن الناس لم يزالوا كذلك : منهم المؤدي أمانته والخائنها ؟","lvl":9,"sub":1},{"id":5923,"title":"فصل","lvl":9,"sub":0},{"id":5924,"title":"فائدة","lvl":9,"sub":0},{"id":5924,"title":"لطيفة","lvl":9,"sub":1},{"id":5932,"title":"فائدة","lvl":9,"sub":0},{"id":5932,"title":"من فوائد ابن عاشور فى الآية","lvl":9,"sub":1},{"id":5937,"title":"فصل","lvl":9,"sub":0},{"id":5938,"title":"فصل","lvl":9,"sub":0},{"id":5940,"title":"فصل","lvl":9,"sub":0},{"id":5940,"title":"من لطائف الإمام القشيرى فى الآية","lvl":9,"sub":1},{"id":5942,"title":"قوله تعالى {بلى من أوفى بعهده واتقى فإن الله يحب المتقين (76)}","lvl":8,"sub":0},{"id":5942,"title":"مناسبة الآية لما قبلها","lvl":9,"sub":1},{"id":5942,"title":"فصل","lvl":9,"sub":2},{"id":5943,"title":"فصل","lvl":9,"sub":0},{"id":5944,"title":"فائدة","lvl":9,"sub":0},{"id":5949,"title":"قوله تعالى {إن الذين يشترون بعهد الله وأيمانهم ثمنا قليلا أولئك لا خلاق لهم في الآخرة ولا يكلمهم الله ولا ينظر إليهم يوم القيامة","lvl":8,"sub":0},{"id":5949,"title":"مناسبة الآية لما قبلها","lvl":9,"sub":1},{"id":5951,"title":"فصل في سبب نزول الآية","lvl":9,"sub":0},{"id":5952,"title":"فصل","lvl":9,"sub":0},{"id":5953,"title":"فصل","lvl":9,"sub":0},{"id":5956,"title":"فائدة","lvl":9,"sub":0},{"id":5956,"title":"من فوائد الآلوسى فى الآية","lvl":9,"sub":1},{"id":5961,"title":"فائدة","lvl":9,"sub":0},{"id":5962,"title":"فصل","lvl":9,"sub":0},{"id":5967,"title":"لطيفة","lvl":9,"sub":0},{"id":5967,"title":"من لطائف الإمام القشيرى فى الآية","lvl":9,"sub":1},{"id":5968,"title":"قوله تعالى { وإن منهم لفريقا يلوون ألسنتهم بالكتاب لتحسبوه من الكتاب وما هو من الكتاب ويقولون هو من عند الله وما هو من عند الله","lvl":8,"sub":0},{"id":5968,"title":"مناسبة الآية لما قبلها","lvl":9,"sub":1},{"id":5969,"title":"فصل","lvl":9,"sub":0},{"id":5971,"title":"فصل","lvl":9,"sub":0},{"id":5974,"title":"فائدة","lvl":9,"sub":0},{"id":5977,"title":"من فوائد الآلوسى فى الآية","lvl":9,"sub":0},{"id":5985,"title":"فصل","lvl":9,"sub":0},{"id":5987,"title":"فائدة","lvl":9,"sub":0},{"id":5988,"title":"لطيفة","lvl":9,"sub":0},{"id":5990,"title":"قوله تعالى {ما كان لبشر أن يؤتيه الله الكتاب والحكم والنبوة ثم يقول للناس كونوا عبادا لي من دون الله ولكن كونوا ربانيين","lvl":8,"sub":0},{"id":5990,"title":"مناسبة الآية لما قبلها","lvl":9,"sub":1},{"id":5991,"title":"فصل في سبب نزول الآية","lvl":9,"sub":0},{"id":5992,"title":"فصل","lvl":9,"sub":0},{"id":5994,"title":"فصل","lvl":9,"sub":0},{"id":5995,"title":"فصل","lvl":9,"sub":0},{"id":5997,"title":"فصل","lvl":9,"sub":0},{"id":5998,"title":"فوائد لغوية","lvl":9,"sub":0},{"id":6007,"title":"من فوائد ابن عاشور فى الآية","lvl":9,"sub":0},{"id":6012,"title":"فائدة","lvl":9,"sub":0},{"id":6012,"title":"من لطائف الإمام القشيرى فى الآية","lvl":9,"sub":1},{"id":6013,"title":"قوله تعالى { ولا يأمركم أن تتخذوا الملائكة والنبيين أربابا أيأمركم بالكفر بعد إذ أنتم مسلمون (80)}","lvl":8,"sub":0},{"id":6013,"title":"مناسبة الآية لما قبلها","lvl":9,"sub":1},{"id":6013,"title":"فصل","lvl":9,"sub":2},{"id":6015,"title":"فائدة","lvl":9,"sub":0},{"id":6016,"title":"فصل","lvl":9,"sub":0},{"id":6017,"title":"فصل","lvl":9,"sub":0},{"id":6017,"title":"فوائد لغوية","lvl":9,"sub":1},{"id":6022,"title":"من فوائد ابن عاشور فى الآية","lvl":9,"sub":0},{"id":6024,"title":"أبحاث نفيسة","lvl":9,"sub":0},{"id":6030,"title":"فائدة","lvl":9,"sub":0},{"id":6036,"title":"فائدة","lvl":9,"sub":0},{"id":6057,"title":"فصل","lvl":9,"sub":0},{"id":6063,"title":"قوله تعالى { وإذ أخذ الله ميثاق النبيين لما آتيتكم من كتاب وحكمة ثم جاءكم رسول مصدق لما معكم لتؤمنن به ولتنصرنه","lvl":8,"sub":0},{"id":6063,"title":"مناسبة الآية لما قبلها","lvl":9,"sub":1},{"id":6064,"title":"فصل","lvl":9,"sub":0},{"id":6069,"title":"فصل","lvl":9,"sub":0},{"id":6069,"title":"فائدة لغوية","lvl":9,"sub":1},{"id":6079,"title":"فصل","lvl":9,"sub":0},{"id":6081,"title":"فصل","lvl":9,"sub":0},{"id":6081,"title":"فائدة","lvl":9,"sub":1},{"id":6082,"title":"فصل","lvl":9,"sub":0},{"id":6082,"title":"فائدة","lvl":9,"sub":1},{"id":6083,"title":"أسئلة وأجوبة للعلامة الفخر","lvl":9,"sub":0},{"id":6084,"title":"فصل","lvl":9,"sub":0},{"id":6086,"title":"فصل","lvl":9,"sub":0},{"id":6088,"title":"فائدة","lvl":9,"sub":0},{"id":6089,"title":"من فوائد الإمام القرطبى فى الآية","lvl":9,"sub":0},{"id":6089,"title":"لطيفة","lvl":9,"sub":1},{"id":6092,"title":"ومن فوائد العلامة ابن عطية فى الآية","lvl":9,"sub":0},{"id":6098,"title":"ومن فوائد العلامة أبى السعود","lvl":9,"sub":0},{"id":6100,"title":"ومن فوائد العلامة الآلوسى","lvl":9,"sub":0},{"id":6103,"title":"من فوائد العلامة الطاهر بن عاشور","lvl":9,"sub":0},{"id":6107,"title":"فصل","lvl":9,"sub":0},{"id":6111,"title":"فائدة","lvl":9,"sub":0},{"id":6112,"title":"من لطائف الإمام القشيرى فى الآيتين","lvl":9,"sub":0},{"id":6113,"title":"فوائد بلاغية","lvl":9,"sub":0},{"id":6114,"title":"فصل","lvl":9,"sub":0},{"id":6116,"title":"قوله تعالى { أفغير دين الله يبغون وله أسلم من في السماوات والأرض طوعا وكرها وإليه يرجعون (83)}","lvl":8,"sub":0},{"id":6116,"title":"مناسبة الآية لما قبلها","lvl":9,"sub":1},{"id":6117,"title":"فصل","lvl":9,"sub":0},{"id":6117,"title":"فائدة","lvl":9,"sub":1},{"id":6118,"title":"فصل","lvl":9,"sub":0},{"id":6119,"title":"فصل","lvl":9,"sub":0},{"id":6120,"title":"فائدة","lvl":9,"sub":0},{"id":6121,"title":"فصل","lvl":9,"sub":0},{"id":6123,"title":"فائدة","lvl":9,"sub":0},{"id":6124,"title":"فصل","lvl":9,"sub":0},{"id":6125,"title":"من فوائد الإمام القرطبى فى الآية","lvl":9,"sub":0},{"id":6128,"title":"ومن فوائد أبى حيان فى الآية","lvl":9,"sub":0},{"id":6133,"title":"ومن فوائد ابن عاشور فى الآية","lvl":9,"sub":0},{"id":6134,"title":"فصل","lvl":9,"sub":0},{"id":6135,"title":"من لطائف الإمام القشيرى فى الآية","lvl":9,"sub":0},{"id":6136,"title":"الجزء الخامس عشر من كتاب جامع لطائف التفسير","lvl":6,"sub":0},{"id":6136,"title":"الجزء الخامس عشر من كتاب جامع لطائف التفسير","lvl":7,"sub":1},{"id":6138,"title":"قوله تعالى { قل آمنا بالله وما أنزل علينا وما أنزل على إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط","lvl":7,"sub":0},{"id":6138,"title":"مناسبة الآية لما قبلها","lvl":8,"sub":1},{"id":6139,"title":"فصل","lvl":8,"sub":0},{"id":6140,"title":"فصل","lvl":8,"sub":0},{"id":6142,"title":"سؤال : فإن قيل : لم عدى {أنزل} في هذه الآية بحرف الاستعلاء ، وفيما تقدم من مثلها بحرف الانتهاء ؟","lvl":8,"sub":0},{"id":6144,"title":"فصل","lvl":8,"sub":0},{"id":6147,"title":"من فوائد الآلوسى فى الآية","lvl":8,"sub":0},{"id":6150,"title":"من لطائف الإمام القشيرى فى الآية","lvl":8,"sub":0},{"id":6151,"title":"قوله تعالى {ومن يبتغ غير الإسلام دينا فلن يقبل منه وهو في الآخرة من الخاسرين (85)}","lvl":7,"sub":0},{"id":6151,"title":"مناسبة الآية لما قبلها","lvl":8,"sub":1},{"id":6151,"title":"فصل","lvl":8,"sub":2},{"id":6152,"title":"فصل فى نزول الآية","lvl":8,"sub":0},{"id":6156,"title":"فصل","lvl":8,"sub":0},{"id":6157,"title":"من فوائد البيضاوى فى الآية","lvl":8,"sub":0},{"id":6158,"title":"فصل","lvl":8,"sub":0},{"id":6159,"title":"من لطائف الإمام القشيرى فى الآية","lvl":8,"sub":0},{"id":6160,"title":"قوله تعالى {كيف يهدي الله قوما كفروا بعد إيمانهم وشهدوا أن الرسول حق وجاءهم البينات والله لا يهدي القوم الظالمين (86)","lvl":7,"sub":0},{"id":6160,"title":"مناسبة الآية لما قبلها","lvl":8,"sub":1},{"id":6162,"title":"فصل","lvl":8,"sub":0},{"id":6165,"title":"فصل","lvl":8,"sub":0},{"id":6167,"title":"فصل","lvl":8,"sub":0},{"id":6168,"title":"فصل","lvl":8,"sub":0},{"id":6172,"title":"سؤالان","lvl":8,"sub":0},{"id":6173,"title":"من فوائد الآلوسى فى الآية","lvl":8,"sub":0},{"id":6176,"title":"قوله تعالى {كيف يهدي الله قوما كفروا بعد إيمانهم}","lvl":7,"sub":0},{"id":6178,"title":"سؤالان","lvl":8,"sub":0},{"id":6180,"title":"فصل","lvl":8,"sub":0},{"id":6183,"title":"من لطائف الإمام القشيرى فى الآيات الكريمة","lvl":8,"sub":0},{"id":6184,"title":"قوله تعالى {إن الذين كفروا بعد إيمانهم ثم ازدادوا كفرا لن تقبل توبتهم وأولئك هم الضالون (90)}","lvl":7,"sub":0},{"id":6184,"title":"مناسبة الآية لما قبلها","lvl":8,"sub":1},{"id":6184,"title":"فصل فى سبب نزول الآية","lvl":8,"sub":2},{"id":6186,"title":"فصل","lvl":8,"sub":0},{"id":6188,"title":"فصل","lvl":8,"sub":0},{"id":6188,"title":"فائدة","lvl":8,"sub":1},{"id":6193,"title":"سؤالان","lvl":8,"sub":0},{"id":6194,"title":"فصل","lvl":8,"sub":0},{"id":6195,"title":"فصل","lvl":8,"sub":0},{"id":6203,"title":"قوله تعالى {إن الذين كفروا وماتوا وهم كفار فلن يقبل من أحدهم ملء الأرض ذهبا ولو افتدى به","lvl":7,"sub":0},{"id":6203,"title":"مناسبة الآية لما قبلها","lvl":8,"sub":1},{"id":6205,"title":"فصل","lvl":8,"sub":0},{"id":6206,"title":"فصل","lvl":8,"sub":0},{"id":6207,"title":"أسئلة وأجوبة","lvl":8,"sub":0},{"id":6213,"title":"فائدة","lvl":8,"sub":0},{"id":6214,"title":"فصل","lvl":8,"sub":0},{"id":6217,"title":"فائدة","lvl":8,"sub":0},{"id":6218,"title":"فائدة","lvl":8,"sub":0},{"id":6219,"title":"فصل","lvl":8,"sub":0},{"id":6221,"title":"فوائد بلاغية","lvl":8,"sub":0},{"id":6222,"title":"قوله تعالى {لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون وما تنفقوا من شيء فإن الله به عليم (92)}","lvl":7,"sub":0},{"id":6222,"title":"مناسبة الآية لما قبلها","lvl":8,"sub":1},{"id":6222,"title":"فصل","lvl":8,"sub":2},{"id":6225,"title":"فصل","lvl":8,"sub":0},{"id":6226,"title":"فصل","lvl":8,"sub":0},{"id":6227,"title":"فصل","lvl":8,"sub":0},{"id":6228,"title":"فصل","lvl":8,"sub":0},{"id":6228,"title":"فائدة","lvl":8,"sub":1},{"id":6229,"title":"فصل","lvl":8,"sub":0},{"id":6231,"title":"من فوائد الآلوسى فى الآية","lvl":8,"sub":0},{"id":6235,"title":"ومن فوائد أبى حيان","lvl":8,"sub":0},{"id":6242,"title":"من لطائف الإمام القشيرى فى الآية","lvl":8,"sub":0},{"id":6243,"title":"قوله تعالى {كل الطعام كان حلا لبني إسرائيل إلا ما حرم إسرائيل على نفسه من قبل أن تنزل التوراة قل فأتوا بالتوراة فاتلوها إن كنتم صادقين (93)}","lvl":7,"sub":0},{"id":6243,"title":"مناسبة الآية لما قبلها","lvl":8,"sub":1},{"id":6243,"title":"فصل","lvl":8,"sub":2},{"id":6246,"title":"فصل","lvl":8,"sub":0},{"id":6247,"title":"فصل","lvl":8,"sub":0},{"id":6248,"title":"فصل","lvl":8,"sub":0},{"id":6248,"title":"فائدة","lvl":8,"sub":1},{"id":6250,"title":"فصل","lvl":8,"sub":0},{"id":6251,"title":"فصل","lvl":8,"sub":0},{"id":6253,"title":"فصل","lvl":8,"sub":0},{"id":6255,"title":"فصل","lvl":8,"sub":0},{"id":6260,"title":"من فوائد العلامة ابن عطية فى الآية","lvl":8,"sub":0},{"id":6264,"title":"ومن فوائد الآلوسى فى الآية","lvl":8,"sub":0},{"id":6271,"title":"فائدة","lvl":8,"sub":0},{"id":6273,"title":"قوله تعالى {فمن افترى على الله الكذب من بعد ذلك فأولئك هم الظالمون (94)}","lvl":7,"sub":0},{"id":6273,"title":"فصل","lvl":8,"sub":1},{"id":6276,"title":"فائدة","lvl":8,"sub":0},{"id":6277,"title":"فصل","lvl":8,"sub":0},{"id":6278,"title":"قوله تعالى {قل صدق الله فاتبعوا ملة إبراهيم حنيفا وما كان من المشركين (95)}","lvl":7,"sub":0},{"id":6278,"title":"مناسبة الآية لما قبلها","lvl":8,"sub":1},{"id":6278,"title":"فصل","lvl":8,"sub":2},{"id":6281,"title":"فصل","lvl":8,"sub":0},{"id":6282,"title":"قوله تعالى {إن أول بيت وضع للناس للذي ببكة مباركا وهدى للعالمين (96) فيه آيات بينات مقام إبراهيم","lvl":7,"sub":0},{"id":6282,"title":"مناسبة الآية لما قبلها","lvl":8,"sub":1},{"id":6284,"title":"فصل","lvl":8,"sub":0},{"id":6286,"title":"فصل","lvl":8,"sub":0},{"id":6287,"title":"فصل","lvl":8,"sub":0},{"id":6289,"title":"فصل","lvl":8,"sub":0},{"id":6294,"title":"فصل","lvl":8,"sub":0},{"id":6294,"title":"فائدة نفيسة","lvl":8,"sub":1},{"id":6297,"title":"فصل","lvl":8,"sub":0},{"id":6300,"title":"فصل","lvl":8,"sub":0},{"id":6300,"title":"سؤال : فإن قال قائل : كيف الجمع بين قوله {إن أول بيت وضع للناس} وبين قوله {وطهر بيتى للطائفين} [ الحج : 26 ] فأضافه مرة إلى نفسه ومرة إلى الناس.","lvl":8,"sub":1},{"id":6301,"title":"فصل","lvl":8,"sub":0},{"id":6304,"title":"فصل","lvl":8,"sub":0},{"id":6307,"title":"فصل","lvl":8,"sub":0},{"id":6307,"title":"فائدة","lvl":8,"sub":1},{"id":6308,"title":"سؤال : فإن قيل : الآيات جماعة ولا يصح تفسيرها بشيء واحد","lvl":8,"sub":0},{"id":6317,"title":"فصل","lvl":8,"sub":0},{"id":6318,"title":"فصل","lvl":8,"sub":0},{"id":6321,"title":"فصل","lvl":8,"sub":0},{"id":6324,"title":"فصل","lvl":8,"sub":0},{"id":6326,"title":"من فوائد ابن عاشور فى الآية","lvl":8,"sub":0},{"id":6332,"title":"قوله تعالى {ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا ومن كفر فإن الله غني عن العالمين}","lvl":7,"sub":0},{"id":6332,"title":"فصل","lvl":8,"sub":1},{"id":6334,"title":"فصل","lvl":8,"sub":0},{"id":6335,"title":"فصل","lvl":8,"sub":0},{"id":6337,"title":"فصل","lvl":8,"sub":0},{"id":6339,"title":"فصل","lvl":8,"sub":0},{"id":6341,"title":"كلام نفيس للعلامة الآلوسى فى هذا الموضع","lvl":8,"sub":0},{"id":6348,"title":"فصل","lvl":8,"sub":0},{"id":6349,"title":"فصل","lvl":8,"sub":0},{"id":6350,"title":"فصل","lvl":8,"sub":0},{"id":6351,"title":"فصل","lvl":8,"sub":0},{"id":6356,"title":"فصل","lvl":8,"sub":0},{"id":6362,"title":"فصل","lvl":8,"sub":0},{"id":6363,"title":"فائدة","lvl":8,"sub":0},{"id":6364,"title":"فصل","lvl":8,"sub":0},{"id":6369,"title":"من لطائف الإمام القشيرى فى الآيتين","lvl":8,"sub":0},{"id":6373,"title":"من فوائد ولطائف العلامة ابن القيم فى الآية","lvl":8,"sub":0},{"id":6379,"title":"قوله تعالى {قل يا أهل الكتاب لم تكفرون بآيات الله والله شهيد على ما تعملون (98)","lvl":7,"sub":0},{"id":6379,"title":"مناسبة الآية لما قبلها","lvl":8,"sub":1},{"id":6380,"title":"فصل","lvl":8,"sub":0},{"id":6381,"title":"فصل","lvl":8,"sub":0},{"id":6382,"title":"فصل","lvl":8,"sub":0},{"id":6382,"title":"سؤال : فإن قيل : ولم خص أهل الكتاب بالذكر دون سائر الكفار؟.","lvl":8,"sub":1},{"id":6384,"title":"من فوائد الآلوسى فى الآية","lvl":8,"sub":0},{"id":6385,"title":"من لطائف الإمام القشيرى فى الآية","lvl":8,"sub":0},{"id":6386,"title":"قوله تعالى {قل يا أهل الكتاب لم تصدون عن سبيل الله من آمن تبغونها عوجا وأنتم شهداء وما الله بغافل عما تعملون (99)}","lvl":7,"sub":0},{"id":6386,"title":"فائدة","lvl":8,"sub":1},{"id":6387,"title":"فصل","lvl":8,"sub":0},{"id":6388,"title":"فصل","lvl":8,"sub":0},{"id":6394,"title":"من فوائد العلامة أبى السعود فى الآية","lvl":8,"sub":0},{"id":6395,"title":"من لطائف العلامة أبى حيان","lvl":8,"sub":0},{"id":6396,"title":"فائدة","lvl":8,"sub":0},{"id":6397,"title":"من لطائف الإمام القشيرى فى الآية","lvl":8,"sub":0},{"id":6398,"title":"قوله تعالى {يا أيها الذين آمنوا إن تطيعوا فريقا من الذين أوتوا الكتاب يردوكم بعد إيمانكم كافرين (100)","lvl":7,"sub":0},{"id":6398,"title":"مناسبة الآية لما قبلها","lvl":8,"sub":1},{"id":6400,"title":"فصل","lvl":8,"sub":0},{"id":6403,"title":"فائدة","lvl":8,"sub":0},{"id":6405,"title":"فصل","lvl":8,"sub":0},{"id":6409,"title":"فصل","lvl":8,"sub":0},{"id":6411,"title":"من لطائف الإمام القشيرى فى الآية","lvl":8,"sub":0},{"id":6412,"title":"قوله تعالى {يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون (102)","lvl":7,"sub":0},{"id":6412,"title":"مناسبة الآية لما قبلها","lvl":8,"sub":1},{"id":6416,"title":"فصل","lvl":8,"sub":0},{"id":6417,"title":"فصل","lvl":8,"sub":0},{"id":6421,"title":"من لطائف الإمام القشيرى فى الآية","lvl":8,"sub":0},{"id":6422,"title":"فصل","lvl":8,"sub":0},{"id":6424,"title":"فائدة","lvl":8,"sub":0},{"id":6425,"title":"فصل","lvl":8,"sub":0},{"id":6425,"title":"فائدة","lvl":8,"sub":1},{"id":6426,"title":"فصل","lvl":8,"sub":0},{"id":6428,"title":"فصل","lvl":8,"sub":0},{"id":6434,"title":"فصل","lvl":8,"sub":0},{"id":6435,"title":"قوله تعالى : {واذكروا نعمة الله عليكم}","lvl":7,"sub":0},{"id":6435,"title":"فصل","lvl":8,"sub":1},{"id":6436,"title":"فصل","lvl":8,"sub":0},{"id":6437,"title":"فائدة","lvl":8,"sub":0},{"id":6438,"title":"فائدة","lvl":8,"sub":0},{"id":6441,"title":"فصل","lvl":8,"sub":0},{"id":6452,"title":"فائدة","lvl":8,"sub":0},{"id":6455,"title":"فصل","lvl":8,"sub":0},{"id":6455,"title":"فائدة","lvl":8,"sub":1},{"id":6456,"title":"من فوائد الجصاص فى الآية","lvl":8,"sub":0},{"id":6460,"title":"فوائد لغوية","lvl":8,"sub":0},{"id":6468,"title":"قوله تعالى {ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر وأولئك هم المفلحون (104)}","lvl":7,"sub":0},{"id":6468,"title":"مناسبة الآية لما قبلها","lvl":8,"sub":1},{"id":6472,"title":"فصل","lvl":8,"sub":0},{"id":6474,"title":"فصل","lvl":8,"sub":0},{"id":6475,"title":"فائدة","lvl":8,"sub":0},{"id":6476,"title":"فصل","lvl":8,"sub":0},{"id":6478,"title":"فصل","lvl":8,"sub":0},{"id":6481,"title":"فصل","lvl":8,"sub":0},{"id":6484,"title":"من فوائد ابن عطية فى الآية","lvl":8,"sub":0},{"id":6487,"title":"ومن فوائد الآلوسى فى الآية","lvl":8,"sub":0},{"id":6494,"title":"من لطائف الإمام القشيرى فى الآية","lvl":8,"sub":0},{"id":6496,"title":"قوله تعالى {ولا تكونوا كالذين تفرقوا واختلفوا من بعد ما جاءهم البينات وأولئك لهم عذاب عظيم (105)}","lvl":7,"sub":0},{"id":6496,"title":"مناسبة الآية لما قبلها","lvl":8,"sub":1},{"id":6497,"title":"فصل","lvl":8,"sub":0},{"id":6498,"title":"فصل","lvl":8,"sub":0},{"id":6498,"title":"فائدة","lvl":8,"sub":1},{"id":6504,"title":"فائدة","lvl":8,"sub":0},{"id":6504,"title":"من لطائف الإمام القشيرى فى الآية","lvl":8,"sub":1},{"id":6505,"title":"قوله تعالى {يوم تبيض وجوه وتسود وجوه فأما الذين اسودت وجوههم أكفرتم بعد إيمانكم فذوقوا العذاب بما كنتم تكفرون (106)","lvl":7,"sub":0},{"id":6505,"title":"مناسبة الآية لما قبلها","lvl":8,"sub":1},{"id":6506,"title":"فصل","lvl":8,"sub":0},{"id":6507,"title":"فصل","lvl":8,"sub":0},{"id":6510,"title":"فصل","lvl":8,"sub":0},{"id":6510,"title":"فائدة","lvl":8,"sub":1},{"id":6512,"title":"فصل","lvl":8,"sub":0},{"id":6515,"title":"أسئلة وأجوبة للإمام الفخر","lvl":8,"sub":0},{"id":6518,"title":"فصل","lvl":8,"sub":0},{"id":6518,"title":"فائدة","lvl":8,"sub":1},{"id":6522,"title":"فصل","lvl":8,"sub":0},{"id":6524,"title":"قوله تعالى : {وأما الذين ابيضت وجوههم ففى رحمة الله هم فيها خالدون}","lvl":7,"sub":0},{"id":6525,"title":"أسئلة وأجوبة","lvl":8,"sub":0},{"id":6526,"title":"فائدة لغوية","lvl":8,"sub":0},{"id":6527,"title":"فصل","lvl":8,"sub":0},{"id":6528,"title":"من لطائف الإمام القشيرى فى الآيتين","lvl":8,"sub":0},{"id":6531,"title":"قوله تعالى {تلك آيات الله نتلوها عليك بالحق وما الله يريد ظلما للعالمين (108)","lvl":7,"sub":0},{"id":6531,"title":"مناسبة الآية لما قبلها","lvl":8,"sub":1},{"id":6531,"title":"فائدة","lvl":8,"sub":2},{"id":6532,"title":"فصل","lvl":8,"sub":0},{"id":6533,"title":"فائدة لغوية","lvl":8,"sub":0},{"id":6534,"title":"فصل","lvl":8,"sub":0},{"id":6535,"title":"فائدة","lvl":8,"sub":0},{"id":6536,"title":"فصل","lvl":8,"sub":0},{"id":6539,"title":"من لطائف الإمام القشيرى فى الآية","lvl":8,"sub":0},{"id":6540,"title":"قوله تعالى {ولله ما في السماوات وما في الأرض وإلى الله ترجع الأمور (109)}","lvl":7,"sub":0},{"id":6540,"title":"مناسبة الآية لما قبلها","lvl":8,"sub":1},{"id":6541,"title":"فصل","lvl":8,"sub":0},{"id":6542,"title":"فائدة","lvl":8,"sub":0},{"id":6543,"title":"فائدة","lvl":8,"sub":0},{"id":6543,"title":"فوائد بلاغية","lvl":8,"sub":1},{"id":6544,"title":"بحث نفيس للعلامة الجصاص","lvl":8,"sub":0},{"id":6564,"title":"الجزء السادس عشر من كتاب جامع لطائف التفسير","lvl":5,"sub":0},{"id":6564,"title":"قوله تعالى { كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله","lvl":6,"sub":1},{"id":6564,"title":"مناسبة الآية لما قبلها","lvl":7,"sub":1},{"id":6565,"title":"فصل","lvl":7,"sub":0},{"id":6566,"title":"فصل","lvl":7,"sub":0},{"id":6572,"title":"فصل","lvl":7,"sub":0},{"id":6573,"title":"فصل","lvl":7,"sub":0},{"id":6573,"title":"فائدة","lvl":7,"sub":1},{"id":6574,"title":"فصل","lvl":7,"sub":0},{"id":6582,"title":"فائدة","lvl":7,"sub":0},{"id":6585,"title":"فوائد لغوية","lvl":7,"sub":0},{"id":6589,"title":"فصل","lvl":7,"sub":0},{"id":6592,"title":"فصل نفيس فى فضل هذه الأمة","lvl":7,"sub":0},{"id":6613,"title":"فائدة","lvl":7,"sub":0},{"id":6615,"title":"فوائد لغوية","lvl":7,"sub":0},{"id":6616,"title":"من لطائف الإمام القشيرى فى الآية","lvl":7,"sub":0},{"id":6617,"title":"قوله تعالى : { لن يضروكم إلا أذى وإن يقاتلوكم يولوكم الأدبار ثم لا ينصرون (111)}","lvl":6,"sub":0},{"id":6617,"title":"مناسبة الآية لما قبلها","lvl":7,"sub":1},{"id":6618,"title":"فائدة","lvl":7,"sub":0},{"id":6621,"title":"فصل","lvl":7,"sub":0},{"id":6622,"title":"من فوائد العلامة ابن عطية فى الآية","lvl":7,"sub":0},{"id":6624,"title":"فوائد لغوية","lvl":7,"sub":0},{"id":6624,"title":"من لطائف الإمام القشيرى فى الآية","lvl":7,"sub":1},{"id":6625,"title":"قوله تعالى { ضربت عليهم الذلة أين ما ثقفوا إلا بحبل من الله وحبل من الناس وباءوا بغضب من الله وضربت عليهم المسكنة","lvl":6,"sub":0},{"id":6625,"title":"مناسبة الآية لما قبلها","lvl":7,"sub":1},{"id":6627,"title":"فصل","lvl":7,"sub":0},{"id":6629,"title":"فصل","lvl":7,"sub":0},{"id":6630,"title":"فصل","lvl":7,"sub":0},{"id":6630,"title":"فوائد لغوية","lvl":7,"sub":1},{"id":6630,"title":"سؤال : فإن قيل : إنه عطف على حبل الله حبلا من الناس وذلك يقتضي المغايرة فكيف هذه المغايرة ؟","lvl":7,"sub":2},{"id":6635,"title":"فائدة","lvl":7,"sub":0},{"id":6636,"title":"من فوائد الآلوسى فى الآية","lvl":7,"sub":0},{"id":6637,"title":"ومن فوائد ابن عاشور فى الآية","lvl":7,"sub":0},{"id":6639,"title":"من لطائف الإمام القشيرى فى الآية","lvl":7,"sub":0},{"id":6640,"title":"قوله تعالى { ليسوا سواء من أهل الكتاب أمة قائمة يتلون آيات الله آناء الليل وهم يسجدون (113)","lvl":6,"sub":0},{"id":6640,"title":"مناسبة الآيات لما قبلها","lvl":7,"sub":1},{"id":6641,"title":"فصل","lvl":7,"sub":0},{"id":6643,"title":"فصل","lvl":7,"sub":0},{"id":6646,"title":"فصل","lvl":7,"sub":0},{"id":6647,"title":"فصل","lvl":7,"sub":0},{"id":6649,"title":"فصل","lvl":7,"sub":0},{"id":6649,"title":"فوائد لغوية","lvl":7,"sub":1},{"id":6653,"title":"من فوائد العلامة ابن عطية فى الآية","lvl":7,"sub":0},{"id":6657,"title":"ومن فوائد الإمام الزمخشرى","lvl":7,"sub":0},{"id":6658,"title":"فائدة","lvl":7,"sub":0},{"id":6660,"title":"فصل","lvl":7,"sub":0},{"id":6661,"title":"من لطائف الإمام القشيرى فى الآية","lvl":7,"sub":0},{"id":6662,"title":"فائدة","lvl":7,"sub":0},{"id":6666,"title":"قوله تعالى {يؤمنون بالله واليوم الآخر}","lvl":6,"sub":0},{"id":6666,"title":"فصل","lvl":7,"sub":1},{"id":6667,"title":"فصل","lvl":7,"sub":0},{"id":6667,"title":"فوائد لغوية","lvl":7,"sub":1},{"id":6668,"title":"فصل","lvl":7,"sub":0},{"id":6669,"title":"من فوائد الآلوسى فى الآية","lvl":7,"sub":0},{"id":6670,"title":"فصل","lvl":7,"sub":0},{"id":6672,"title":"فصل","lvl":7,"sub":0},{"id":6672,"title":"سؤال : فإن قيل : لم قال : {فلن تكفروه} فعداه إلى مفعولين مع أن شكر وكفر لا يتعديان إلا إلى واحد يقال شكر النعمة وكفرها ؟.","lvl":7,"sub":1},{"id":6674,"title":"من فوائد العلامة ابن عاشور فى الآية","lvl":7,"sub":0},{"id":6674,"title":"لطيفة","lvl":7,"sub":1},{"id":6675,"title":"من لطائف الإمام القشيرى فى الآية","lvl":7,"sub":0},{"id":6676,"title":"قوله تعالى { إن الذين كفروا لن تغني عنهم أموالهم ولا أولادهم من الله شيئا وأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون (116)}","lvl":6,"sub":0},{"id":6676,"title":"مناسبة الآية لما قبلها","lvl":7,"sub":1},{"id":6677,"title":"فصل","lvl":7,"sub":0},{"id":6679,"title":"فصل","lvl":7,"sub":0},{"id":6679,"title":"فائدة","lvl":7,"sub":1},{"id":6680,"title":"فصل","lvl":7,"sub":0},{"id":6680,"title":"من فوائد الآلوسى فى الآية","lvl":7,"sub":1},{"id":6683,"title":"من لطائف الإمام القشيرى فى الآية","lvl":7,"sub":0},{"id":6684,"title":"قوله تعالى { مثل ما ينفقون في هذه الحياة الدنيا كمثل ريح فيها صر أصابت حرث قوم ظلموا أنفسهم فأهلكته وما ظلمهم الله ولكن أنفسهم يظلمون (117)}","lvl":6,"sub":0},{"id":6684,"title":"مناسبة الآية لما قبلها","lvl":7,"sub":1},{"id":6686,"title":"فصل","lvl":7,"sub":0},{"id":6687,"title":"فصل","lvl":7,"sub":0},{"id":6688,"title":"فصل","lvl":7,"sub":0},{"id":6688,"title":"فائدة","lvl":7,"sub":1},{"id":6690,"title":"فصل","lvl":7,"sub":0},{"id":6691,"title":"فصل","lvl":7,"sub":0},{"id":6691,"title":"فائدة","lvl":7,"sub":1},{"id":6692,"title":"سؤال : لم لم يقتصر على قوله {أصابت حرث قوم} وما الفائدة في قوله {ظلموا أنفسهم } ؟.","lvl":7,"sub":0},{"id":6693,"title":"فوائد لغوية","lvl":7,"sub":0},{"id":6698,"title":"من فوائد ابن عطية فى الآية","lvl":7,"sub":0},{"id":6701,"title":"ومن فوائد الآلوسى فى الآية","lvl":7,"sub":0},{"id":6705,"title":"فصل","lvl":7,"sub":0},{"id":6706,"title":"من لطائف الإمام القشيرى فى الآية","lvl":7,"sub":0},{"id":6707,"title":"قوله تعالى { يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا بطانة من دونكم لا يألونكم خبالا","lvl":6,"sub":0},{"id":6707,"title":"مناسبة الآيتين لما قبلهما","lvl":7,"sub":1},{"id":6709,"title":"فصل","lvl":7,"sub":0},{"id":6710,"title":"فصل","lvl":7,"sub":0},{"id":6711,"title":"فصل","lvl":7,"sub":0},{"id":6711,"title":"فائدة","lvl":7,"sub":1},{"id":6712,"title":"فصل","lvl":7,"sub":0},{"id":6712,"title":"فائدة","lvl":7,"sub":1},{"id":6712,"title":"سؤال : فإن قيل : ما الفرق بين قوله : لا تتخدوا من دونكم بطانة ، وبين قوله {لا تتخذوا بطانة من دونكم} ؟.","lvl":7,"sub":2},{"id":6714,"title":"فصل فى سبب نزول الآية","lvl":7,"sub":0},{"id":6715,"title":"فصل","lvl":7,"sub":0},{"id":6715,"title":"فائدة","lvl":7,"sub":1},{"id":6716,"title":"فصل","lvl":7,"sub":0},{"id":6716,"title":"فائدة","lvl":7,"sub":1},{"id":6718,"title":"فصل","lvl":7,"sub":0},{"id":6719,"title":"فصل","lvl":7,"sub":0},{"id":6721,"title":"فائدة","lvl":7,"sub":0},{"id":6721,"title":"فوائد لغوية","lvl":7,"sub":1},{"id":6727,"title":"من فوائد ابن عطية فى الآية","lvl":7,"sub":0},{"id":6730,"title":"فصل","lvl":7,"sub":0},{"id":6732,"title":"من لطائف الإمام القشيرى فى الآية","lvl":7,"sub":0},{"id":6733,"title":"قوله تعالى {ها أنتم أولاء تحبونهم ولا يحبونكم وتؤمنون بالكتاب كله وإذا لقوكم قالوا آمنا وإذا خلوا عضوا عليكم الأنامل من الغيظ","lvl":6,"sub":0},{"id":6733,"title":"فصل","lvl":7,"sub":1},{"id":6735,"title":"فائدة","lvl":7,"sub":0},{"id":6736,"title":"فصل","lvl":7,"sub":0},{"id":6736,"title":"فائدة","lvl":7,"sub":1},{"id":6737,"title":"فائدة","lvl":7,"sub":0},{"id":6741,"title":"فصل","lvl":7,"sub":0},{"id":6741,"title":"لطيفة","lvl":7,"sub":1},{"id":6741,"title":"سؤال : فإن قيل : قوله {قل موتوا بغيظكم} أمر لهم بالإقامة على الغيظ ، وذلك الغيظ كفر ، فكان هذا أمرا بالإقامة على الكفر وذلك غير جائز.","lvl":7,"sub":2},{"id":6742,"title":"فصل","lvl":7,"sub":0},{"id":6742,"title":"فوائد لغوية","lvl":7,"sub":1},{"id":6747,"title":"من لطائف الإمام القشيرى فى الآية","lvl":7,"sub":0},{"id":6749,"title":"قوله تعالى {إن تمسسكم حسنة تسؤهم وإن تصبكم سيئة يفرحوا بها وإن تصبروا وتتقوا لا يضركم كيدهم شيئا","lvl":6,"sub":0},{"id":6749,"title":"مناسبة الآية لما قبلها","lvl":7,"sub":1},{"id":6749,"title":"فصل","lvl":7,"sub":2},{"id":6750,"title":"فصل","lvl":7,"sub":0},{"id":6751,"title":"فائدة","lvl":7,"sub":0},{"id":6752,"title":"لطيفة","lvl":7,"sub":0},{"id":6752,"title":"لطيفة","lvl":7,"sub":1},{"id":6753,"title":"فصل","lvl":7,"sub":0},{"id":6754,"title":"فصل","lvl":7,"sub":0},{"id":6757,"title":"فائدة","lvl":7,"sub":0},{"id":6758,"title":"فصل","lvl":7,"sub":0},{"id":6758,"title":"فائدة","lvl":7,"sub":1},{"id":6759,"title":"فصل","lvl":7,"sub":0},{"id":6759,"title":"فائدة","lvl":7,"sub":1},{"id":6759,"title":"فوائد بلاغية","lvl":7,"sub":2},{"id":6761,"title":"قوله تعالى { وإذ غدوت من أهلك تبوئ المؤمنين مقاعد للقتال والله سميع عليم (121)}","lvl":6,"sub":0},{"id":6761,"title":"مناسبة الآية لما قبلها","lvl":7,"sub":1},{"id":6767,"title":"فصل","lvl":7,"sub":0},{"id":6768,"title":"فائدة","lvl":7,"sub":0},{"id":6769,"title":"فصل","lvl":7,"sub":0},{"id":6771,"title":"فصل","lvl":7,"sub":0},{"id":6771,"title":"فوائد لغوية","lvl":7,"sub":1},{"id":6774,"title":"فصل","lvl":7,"sub":0},{"id":6774,"title":"فوائد لغوية","lvl":7,"sub":1},{"id":6778,"title":"من فوائد العلامة أبى السعود فى الآية","lvl":7,"sub":0},{"id":6779,"title":"ومن فوائد الآلوسى فى الآية","lvl":7,"sub":0},{"id":6779,"title":"من لطائف الإمام القشيرى فى الآية","lvl":7,"sub":1},{"id":6818,"title":"قوله تعالى : { إذ همت طائفتان منكم أن تفشلا والله وليهما وعلى الله فليتوكل المؤمنون (122)}","lvl":6,"sub":0},{"id":6818,"title":"مناسبة الآية لما قبلها","lvl":7,"sub":1},{"id":6819,"title":"فصل","lvl":7,"sub":0},{"id":6820,"title":"فصل","lvl":7,"sub":0},{"id":6820,"title":"فائدة","lvl":7,"sub":1},{"id":6820,"title":"سؤال : فإن قيل : ما معنى ما روي عن بعضهم عند نزول هذه الآية أنه قال : والله ما يسرنا أنا لم نهم بما همت الطائفتان به ، وقد أخبرنا الله تعالى بأنه وليهما؟.","lvl":7,"sub":2},{"id":6821,"title":"فصل","lvl":7,"sub":0},{"id":6821,"title":"فائدة","lvl":7,"sub":1},{"id":6822,"title":"فوائد لغوية","lvl":7,"sub":0},{"id":6823,"title":"فصل","lvl":7,"sub":0},{"id":6825,"title":"من لطائف الإمام القشيرى فى الآية","lvl":7,"sub":0},{"id":6826,"title":"فصل","lvl":7,"sub":0},{"id":6854,"title":"قوله تعالى { ولقد نصركم الله ببدر وأنتم أذلة فاتقوا الله لعلكم تشكرون (123)}","lvl":6,"sub":0},{"id":6854,"title":"مناسبة الآية لما قبلها","lvl":7,"sub":1},{"id":6859,"title":"فائدة","lvl":7,"sub":0},{"id":6860,"title":"فصل","lvl":7,"sub":0},{"id":6860,"title":"فائدة","lvl":7,"sub":1},{"id":6864,"title":"فائدة","lvl":7,"sub":0},{"id":6865,"title":"فوائد لغوية","lvl":7,"sub":0},{"id":6866,"title":"من لطائف الإمام القشيرى فى الآية","lvl":7,"sub":0},{"id":6870,"title":"قوله تعالى : { إذ تقول للمؤمنين ألن يكفيكم أن يمدكم ربكم بثلاثة آلاف من الملائكة منزلين (124)","lvl":6,"sub":0},{"id":6870,"title":"مناسبة الآيتين لما قبلهما","lvl":7,"sub":1},{"id":6871,"title":"فصل نفيس","lvl":7,"sub":0},{"id":6875,"title":"فائدة","lvl":7,"sub":0},{"id":6876,"title":"فائدة","lvl":7,"sub":0},{"id":6877,"title":"فصل","lvl":7,"sub":0},{"id":6879,"title":"فصل","lvl":7,"sub":0},{"id":6885,"title":"فصل","lvl":7,"sub":0},{"id":6885,"title":"فائدة","lvl":7,"sub":1},{"id":6886,"title":"فصل","lvl":7,"sub":0},{"id":6886,"title":"فوائد لغوية","lvl":7,"sub":1},{"id":6889,"title":"فصل","lvl":7,"sub":0},{"id":6890,"title":"فصل","lvl":7,"sub":0},{"id":6891,"title":"فوائد لغوية","lvl":7,"sub":0},{"id":6892,"title":"من فوائد القرطبى فى الآية","lvl":7,"sub":0},{"id":6894,"title":"من لطائف الإمام القشيرى فى الآية","lvl":7,"sub":0},{"id":6895,"title":"قوله تعالى { وما جعله الله إلا بشرى لكم ولتطمئن قلوبكم به وما النصر إلا من عند الله العزيز الحكيم (126)","lvl":6,"sub":0},{"id":6895,"title":"مناسبة الآيتين لما قبلهما","lvl":7,"sub":1},{"id":6896,"title":"فصل","lvl":7,"sub":0},{"id":6897,"title":"سؤال : قوله {ولتطمئن} فعل وقوله {إلا بشرى} اسم وعطف الفعل على الاسم مستنكر ، فكان الواجب أن يقال إلا بشرى لكم واطمئنانا","lvl":7,"sub":0},{"id":6899,"title":"فصل","lvl":7,"sub":0},{"id":6899,"title":"فوائد لغوية","lvl":7,"sub":1},{"id":6902,"title":"من فوائد الآلوسى فى الآية","lvl":7,"sub":0},{"id":6907,"title":"فائدة","lvl":7,"sub":0},{"id":6908,"title":"من لطائف الإمام القشيرى فى الآية","lvl":7,"sub":0},{"id":6909,"title":"قوله تعالى : { ليقطع طرفا من الذين كفروا أو يكبتهم فينقلبوا خائبين (127)}","lvl":6,"sub":0},{"id":6909,"title":"فصل","lvl":7,"sub":1},{"id":6910,"title":"فائدة","lvl":7,"sub":0},{"id":6911,"title":"فوائد لغوية","lvl":7,"sub":0},{"id":6914,"title":"من فوائد أبو السعود فى الآية","lvl":7,"sub":0},{"id":6915,"title":"فصل","lvl":7,"sub":0},{"id":6915,"title":"من لطائف الإمام القشيرى فى الآية","lvl":7,"sub":1},{"id":6916,"title":"قوله تعالى { ليس لك من الأمر شيء أو يتوب عليهم أو يعذبهم فإنهم ظالمون (128)}","lvl":6,"sub":0},{"id":6916,"title":"مناسبة الآية لما قبلها","lvl":7,"sub":1},{"id":6916,"title":"فصل","lvl":7,"sub":2},{"id":6919,"title":"إشكال وجوابه","lvl":7,"sub":0},{"id":6920,"title":"فصل","lvl":7,"sub":0},{"id":6921,"title":"فصل","lvl":7,"sub":0},{"id":6922,"title":"فصل","lvl":7,"sub":0},{"id":6923,"title":"فصل","lvl":7,"sub":0},{"id":6924,"title":"فصل","lvl":7,"sub":0},{"id":6924,"title":"فائدة","lvl":7,"sub":1},{"id":6925,"title":"فائدة","lvl":7,"sub":0},{"id":6925,"title":"فوائد لغوية","lvl":7,"sub":1},{"id":6926,"title":"من فوائد ابن عاشور فى الآية","lvl":7,"sub":0},{"id":6933,"title":"ومن فوائد الآلوسى فى الآية","lvl":7,"sub":0},{"id":6937,"title":"ومن فوائد البيضاوى فى الآية","lvl":7,"sub":0},{"id":6938,"title":"قوله تعالى { ولله ما في السماوات وما في الأرض يغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء والله غفور رحيم (129)}","lvl":6,"sub":0},{"id":6938,"title":"مناسبة الآية لما قبلها","lvl":7,"sub":1},{"id":6939,"title":"فائدة","lvl":7,"sub":0},{"id":6940,"title":"فصل","lvl":7,"sub":0},{"id":6941,"title":"من فوائد الآلوسى فى الآية","lvl":7,"sub":0},{"id":6944,"title":"فصل","lvl":7,"sub":0},{"id":6944,"title":"سؤال : فإن قيل : أليس أنه ثبت أنه لا يغفر للكفار ولا يعذب الملائكة والأنبياء.","lvl":7,"sub":1},{"id":6944,"title":"سؤال : فإن قيل : أليس أنه ثبت أنه لا يغفر للكفار ولا يعذب الملائكة والأنبياء ؟.","lvl":7,"sub":2},{"id":6945,"title":"فصل","lvl":7,"sub":0},{"id":6945,"title":"فائدة","lvl":7,"sub":1},{"id":6946,"title":"من لطائف الإمام القشيرى فى الآيتين","lvl":7,"sub":0},{"id":6947,"title":"قوله تعالى : { يا أيها الذين آمنوا لا تأكلوا الربا أضعافا مضاعفة واتقوا الله لعلكم تفلحون (130)","lvl":6,"sub":0},{"id":6947,"title":"مناسبة الآيات لما قبلها","lvl":7,"sub":1},{"id":6953,"title":"فصل","lvl":7,"sub":0},{"id":6955,"title":"فائدة","lvl":7,"sub":0},{"id":6956,"title":"فائدة","lvl":7,"sub":0},{"id":6958,"title":"فائدة","lvl":7,"sub":0},{"id":6959,"title":"فصل","lvl":7,"sub":0},{"id":6961,"title":"فائدة لغوية","lvl":7,"sub":0},{"id":6962,"title":"قوله تعالى {واتقوا النار التى أعدت للكافرين}","lvl":6,"sub":0},{"id":6962,"title":"فصل","lvl":7,"sub":1},{"id":6964,"title":"فائدة","lvl":7,"sub":0},{"id":6965,"title":"من فوائد الزمخشرى فى الآية","lvl":7,"sub":0},{"id":6966,"title":"من لطائف الإمام القشيرى فى الآيتين","lvl":7,"sub":0},{"id":6967,"title":"قوله تعالى : {وأطيعوا الله والرسول لعلكم ترحمون}","lvl":6,"sub":0},{"id":6967,"title":"لطيفة","lvl":7,"sub":1},{"id":6968,"title":"فوائد بلاغية","lvl":7,"sub":0},{"id":6968,"title":"من لطائف الإمام القشيرى فى الآية","lvl":7,"sub":1},{"id":6970,"title":"قوله تعالى {وسارعوا إلى مغفرة من ربكم وجنة عرضها السموات والأرض أعدت للمتقين (133)}","lvl":6,"sub":0},{"id":6970,"title":"مناسبة الآية لما قبلها","lvl":7,"sub":1},{"id":6972,"title":"فصل","lvl":7,"sub":0},{"id":6973,"title":"فصل","lvl":7,"sub":0},{"id":6974,"title":"فائدة","lvl":7,"sub":0},{"id":6975,"title":"فصل","lvl":7,"sub":0},{"id":6981,"title":"فصل","lvl":7,"sub":0},{"id":6981,"title":"فائدة","lvl":7,"sub":1},{"id":6981,"title":"فوائد لغوية","lvl":7,"sub":2},{"id":6982,"title":"فصل","lvl":7,"sub":0},{"id":6987,"title":"قوله تعالى : { الذين ينفقون في السراء والضراء والكاظمين الغيظ والعافين عن الناس والله يحب المحسنين (134)}","lvl":6,"sub":0},{"id":6987,"title":"مناسبة الآية لما قبلها","lvl":7,"sub":1},{"id":6987,"title":"فصل","lvl":7,"sub":2},{"id":6988,"title":"فائدة","lvl":7,"sub":0},{"id":6988,"title":"لطيفة","lvl":7,"sub":1},{"id":6989,"title":"فصل","lvl":7,"sub":0},{"id":6994,"title":"فوائد لغوية","lvl":7,"sub":0},{"id":6996,"title":"من فوائد ابن عاشور فى الآيتين","lvl":7,"sub":0},{"id":6999,"title":"من لطائف الإمام القشيرى فى الآيتين","lvl":7,"sub":0},{"id":7001,"title":"قوله تعالى : { والذين إذا فعلوا فاحشة أو ظلموا أنفسهم ذكروا الله فاستغفروا لذنوبهم ومن يغفر الذنوب إلا الله","lvl":6,"sub":0},{"id":7001,"title":"مناسبة الآية لما قبلها","lvl":7,"sub":1},{"id":7002,"title":"فصل فى سبب نزول الآية","lvl":7,"sub":0},{"id":7003,"title":"فصل","lvl":7,"sub":0},{"id":7004,"title":"فصل","lvl":7,"sub":0},{"id":7009,"title":"فائدة","lvl":7,"sub":0},{"id":7010,"title":"فصل","lvl":7,"sub":0},{"id":7014,"title":"فوائد لغوية","lvl":7,"sub":0},{"id":7015,"title":"فصل","lvl":7,"sub":0},{"id":7017,"title":"فصل","lvl":7,"sub":0},{"id":7019,"title":"من فوائد ابن عاشور فى الآية","lvl":7,"sub":0},{"id":7023,"title":"من لطائف الإمام القشيرى فى الآية","lvl":7,"sub":0},{"id":7024,"title":"قوله تعالى : {أولئك جزاؤهم مغفرة من ربهم وجنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها ونعم أجر العاملين (136)}","lvl":6,"sub":0},{"id":7024,"title":"مناسبة الآية لما قبلها","lvl":7,"sub":1},{"id":7026,"title":"فائدة","lvl":7,"sub":0},{"id":7027,"title":"فصل","lvl":7,"sub":0},{"id":7027,"title":"فائدة","lvl":7,"sub":1},{"id":7030,"title":"فوائد لغوية","lvl":7,"sub":0},{"id":7031,"title":"من فوائد العلامة أبى السعود فى الآية","lvl":7,"sub":0},{"id":7032,"title":"لطيفة","lvl":7,"sub":0},{"id":7035,"title":"الجزء السابع عشر من كتاب جامع لطائف التفسير","lvl":4,"sub":0},{"id":7035,"title":"قوله تعالى {قد خلت من قبلكم سنن فسيروا في الأرض فانظروا كيف كان عاقبة المكذبين (137)}","lvl":5,"sub":1},{"id":7035,"title":"مناسبة الآية لما قبلها","lvl":6,"sub":1},{"id":7036,"title":"فصل","lvl":6,"sub":0},{"id":7036,"title":"فائدة","lvl":6,"sub":1},{"id":7037,"title":"فصل","lvl":6,"sub":0},{"id":7038,"title":"فصل","lvl":6,"sub":0},{"id":7040,"title":"فصل","lvl":6,"sub":0},{"id":7041,"title":"قوله تعالى {هذا بيان للناس وهدى وموعظة للمتقين (138)}","lvl":5,"sub":0},{"id":7041,"title":"مناسبة الآية لما قبلها","lvl":6,"sub":1},{"id":7041,"title":"فصل","lvl":6,"sub":2},{"id":7043,"title":"من فوائد العلامة أبى السعود فى الآية","lvl":6,"sub":0},{"id":7044,"title":"ومن فوائد الآلوسى فى الآية","lvl":6,"sub":0},{"id":7046,"title":"فوائد لغوية","lvl":6,"sub":0},{"id":7049,"title":"قوله تعالى : { ولا تهنوا ولا تحزنوا وأنتم الأعلون إن كنتم مؤمنين (139)}","lvl":5,"sub":0},{"id":7049,"title":"مناسبة الآية لما قبلها","lvl":6,"sub":1},{"id":7050,"title":"فصل","lvl":6,"sub":0},{"id":7052,"title":"فصل","lvl":6,"sub":0},{"id":7053,"title":"فصل","lvl":6,"sub":0},{"id":7054,"title":"من فوائد ابن عاشور فى الآية","lvl":6,"sub":0},{"id":7055,"title":"فوائد لغوية","lvl":6,"sub":0},{"id":7056,"title":"فصل فى ذكر قصة غزوة أحد","lvl":6,"sub":0},{"id":7056,"title":"من لطائف الإمام القشيرى فى الآية","lvl":6,"sub":1},{"id":7062,"title":"قوله تعالى : { إن يمسسكم قرح فقد مس القوم قرح مثله وتلك الأيام نداولها بين الناس وليعلم الله الذين آمنوا ويتخذ منكم شهداء والله لا يحب الظالمين (140)}","lvl":5,"sub":0},{"id":7062,"title":"مناسبة الآية لما قبلها","lvl":6,"sub":1},{"id":7064,"title":"فصل","lvl":6,"sub":0},{"id":7064,"title":"لطيفة","lvl":6,"sub":1},{"id":7065,"title":"فصل","lvl":6,"sub":0},{"id":7066,"title":"فائدة","lvl":6,"sub":0},{"id":7067,"title":"فصل","lvl":6,"sub":0},{"id":7067,"title":"سؤال : فإن قيل كيف قال : {قرح مثله} وما كان قرحهم يوم أحد مثل قرح المشركين ؟","lvl":6,"sub":1},{"id":7069,"title":"فصل","lvl":6,"sub":0},{"id":7070,"title":"فصل","lvl":6,"sub":0},{"id":7070,"title":"فائدة","lvl":6,"sub":1},{"id":7072,"title":"فصل","lvl":6,"sub":0},{"id":7077,"title":"فصل","lvl":6,"sub":0},{"id":7078,"title":"فصل","lvl":6,"sub":0},{"id":7079,"title":"فصل","lvl":6,"sub":0},{"id":7080,"title":"فصل","lvl":6,"sub":0},{"id":7081,"title":"فصل","lvl":6,"sub":0},{"id":7082,"title":"فائدة","lvl":6,"sub":0},{"id":7083,"title":"فصل","lvl":6,"sub":0},{"id":7085,"title":"فوائد لغوية","lvl":6,"sub":0},{"id":7090,"title":"من لطائف الإمام القشيرى فى الآية","lvl":6,"sub":0},{"id":7091,"title":"فصل فى عدد شهداء أحد","lvl":6,"sub":0},{"id":7094,"title":"قوله تعالى : { وليمحص الله الذين آمنوا ويمحق الكافرين (141)}","lvl":5,"sub":0},{"id":7094,"title":"مناسبة الآية لما قبلها","lvl":6,"sub":1},{"id":7096,"title":"فوائد لغوية","lvl":6,"sub":0},{"id":7098,"title":"من فوائد العلامة أبى السعود فى الآية","lvl":6,"sub":0},{"id":7099,"title":"من لطائف الإمام القشيرى فى الآية","lvl":6,"sub":0},{"id":7100,"title":"قوله تعالى { أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يعلم الله الذين جاهدوا منكم ويعلم الصابرين (142)}","lvl":5,"sub":0},{"id":7100,"title":"مناسبة الآية لما قبلها","lvl":6,"sub":1},{"id":7100,"title":"فصل","lvl":6,"sub":2},{"id":7103,"title":"فصل","lvl":6,"sub":0},{"id":7105,"title":"فائدة","lvl":6,"sub":0},{"id":7107,"title":"فصل","lvl":6,"sub":0},{"id":7108,"title":"فوائد لغوية","lvl":6,"sub":0},{"id":7112,"title":"من لطائف الإمام القشيرى فى الآية","lvl":6,"sub":0},{"id":7113,"title":"قوله تعالى : { ولقد كنتم تمنون الموت من قبل أن تلقوه فقد رأيتموه وأنتم تنظرون (143)}","lvl":5,"sub":0},{"id":7113,"title":"مناسبة الآية لما قبلها","lvl":6,"sub":1},{"id":7113,"title":"فصل","lvl":6,"sub":2},{"id":7116,"title":"ومن فوائد ابن عاشور فى الآية","lvl":6,"sub":0},{"id":7119,"title":"سؤال : فإن قلت : كيف يجوز تمني الشهادة وفي تمنيها تمني غلبة الكافر المسلم ؟","lvl":6,"sub":0},{"id":7120,"title":"فوائد لغوية","lvl":6,"sub":0},{"id":7121,"title":"فصل","lvl":6,"sub":0},{"id":7123,"title":"من لطائف الإمام القشيرى فى الآية","lvl":6,"sub":0},{"id":7124,"title":"بحث نفيس","lvl":6,"sub":0},{"id":7132,"title":"قوله تعالى { وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل أفإن مات أو قتل انقلبتم على أعقابكم ومن ينقلب على عقبيه فلن يضر الله شيئا","lvl":5,"sub":0},{"id":7132,"title":"مناسبة الآية لما قبلها","lvl":6,"sub":1},{"id":7135,"title":"فصل","lvl":6,"sub":0},{"id":7136,"title":"لطيفة","lvl":6,"sub":0},{"id":7137,"title":"فصل","lvl":6,"sub":0},{"id":7138,"title":"كلام نفيس لابن القيم","lvl":6,"sub":0},{"id":7149,"title":"فصل","lvl":6,"sub":0},{"id":7150,"title":"فصل","lvl":6,"sub":0},{"id":7151,"title":"فصل","lvl":6,"sub":0},{"id":7152,"title":"فصل","lvl":6,"sub":0},{"id":7152,"title":"فائدة","lvl":6,"sub":1},{"id":7155,"title":"بحث نفيس","lvl":6,"sub":0},{"id":7163,"title":"لطيفة","lvl":6,"sub":0},{"id":7164,"title":"فصل","lvl":6,"sub":0},{"id":7165,"title":"فوائد لغوية","lvl":6,"sub":0},{"id":7169,"title":"من لطائف الإمام القشيرى فى الآية","lvl":6,"sub":0},{"id":7171,"title":"قوله تعالى : { وما كان لنفس أن تموت إلا بإذن الله كتابا مؤجلا ومن يرد ثواب الدنيا نؤته منها ومن يرد ثواب الآخرة نؤته منها وسنجزي الشاكرين (145)}","lvl":5,"sub":0},{"id":7171,"title":"مناسبة الآية لما قبلها","lvl":6,"sub":1},{"id":7171,"title":"فصل","lvl":6,"sub":2},{"id":7172,"title":"فصل","lvl":6,"sub":0},{"id":7173,"title":"فصل","lvl":6,"sub":0},{"id":7173,"title":"فائدة","lvl":6,"sub":1},{"id":7175,"title":"فصل","lvl":6,"sub":0},{"id":7175,"title":"فائدة","lvl":6,"sub":1},{"id":7176,"title":"فصل","lvl":6,"sub":0},{"id":7176,"title":"فائدة","lvl":6,"sub":1},{"id":7179,"title":"فوائد لغوية","lvl":6,"sub":0},{"id":7181,"title":"من لطائف الإمام القشيرى فى الآية","lvl":6,"sub":0},{"id":7182,"title":"فصل نفيس","lvl":6,"sub":0},{"id":7190,"title":"قوله تعالى : { وكأين من نبي قاتل معه ربيون كثير فما وهنوا لما أصابهم في سبيل الله وما ضعفوا وما استكانوا والله يحب الصابرين (146)}","lvl":5,"sub":0},{"id":7190,"title":"مناسبة الآية لما قبلها","lvl":6,"sub":1},{"id":7191,"title":"فصل","lvl":6,"sub":0},{"id":7191,"title":"فائدة","lvl":6,"sub":1},{"id":7192,"title":"فصل","lvl":6,"sub":0},{"id":7194,"title":"فصل","lvl":6,"sub":0},{"id":7195,"title":"فصل","lvl":6,"sub":0},{"id":7197,"title":"من فوائد الشيخ الشنقيطى فى الآية","lvl":6,"sub":0},{"id":7206,"title":"فوائد لغوية","lvl":6,"sub":0},{"id":7218,"title":"من لطائف الإمام القشيرى فى الآية","lvl":6,"sub":0},{"id":7219,"title":"قوله تعالى : { وما كان قولهم إلا أن قالوا ربنا اغفر لنا ذنوبنا وإسرافنا في أمرنا وثبت أقدامنا وانصرنا على القوم الكافرين (147)}","lvl":5,"sub":0},{"id":7219,"title":"مناسبة الآية لما قبلها","lvl":6,"sub":1},{"id":7219,"title":"فصل","lvl":6,"sub":2},{"id":7220,"title":"فصل","lvl":6,"sub":0},{"id":7220,"title":"فائدة","lvl":6,"sub":1},{"id":7222,"title":"فصل","lvl":6,"sub":0},{"id":7224,"title":"من فوائد الآلوسى فى الآية","lvl":6,"sub":0},{"id":7225,"title":"فائدة","lvl":6,"sub":0},{"id":7226,"title":"فصل","lvl":6,"sub":0},{"id":7226,"title":"فوائد لغوية","lvl":6,"sub":1},{"id":7231,"title":"فائدة","lvl":6,"sub":0},{"id":7231,"title":"من لطائف الإمام القشيرى فى الآية","lvl":6,"sub":1},{"id":7232,"title":"قوله تعالى : { فآتاهم الله ثواب الدنيا وحسن ثواب الآخرة والله يحب المحسنين (148)}","lvl":5,"sub":0},{"id":7232,"title":"مناسبة الآية لما قبلها","lvl":6,"sub":1},{"id":7233,"title":"فصل","lvl":6,"sub":0},{"id":7234,"title":"لطيفة","lvl":6,"sub":0},{"id":7235,"title":"لطيفة","lvl":6,"sub":0},{"id":7236,"title":"من لطائف الإمام القشيرى فى الآية","lvl":6,"sub":0},{"id":7236,"title":"من فوائد الآلوسى فى الآية","lvl":6,"sub":1},{"id":7238,"title":"قوله تعالى { يا أيها الذين آمنوا إن تطيعوا الذين كفروا يردوكم على أعقابكم فتنقلبوا خاسرين (149) بل الله مولاكم وهو خير الناصرين (150)}","lvl":5,"sub":0},{"id":7238,"title":"مناسبة الآيتين لما قبلهما","lvl":6,"sub":1},{"id":7239,"title":"فصل","lvl":6,"sub":0},{"id":7240,"title":"فصل","lvl":6,"sub":0},{"id":7242,"title":"من فوائد الآلوسى فى الآية","lvl":6,"sub":0},{"id":7244,"title":"فائدة","lvl":6,"sub":0},{"id":7245,"title":"فائدة","lvl":6,"sub":0},{"id":7246,"title":"فصل","lvl":6,"sub":0},{"id":7246,"title":"من لطائف الإمام القشيرى فى الآية","lvl":6,"sub":1},{"id":7246,"title":"فوائد لغوية","lvl":6,"sub":2},{"id":7247,"title":"قوله تعالى : {سنلقي في قلوب الذين كفروا الرعب بما أشركوا بالله ما لم ينزل به سلطانا ومأواهم النار وبئس مثوى الظالمين (151)}","lvl":5,"sub":0},{"id":7248,"title":"فصل","lvl":6,"sub":0},{"id":7249,"title":"لطيفة","lvl":6,"sub":0},{"id":7250,"title":"فصل","lvl":6,"sub":0},{"id":7250,"title":"فائدة","lvl":6,"sub":1},{"id":7251,"title":"فصل","lvl":6,"sub":0},{"id":7254,"title":"فصل","lvl":6,"sub":0},{"id":7255,"title":"فصل","lvl":6,"sub":0},{"id":7257,"title":"فائدة","lvl":6,"sub":0},{"id":7258,"title":"لطيفة","lvl":6,"sub":0},{"id":7258,"title":"فوائد لغوية","lvl":6,"sub":1},{"id":7260,"title":"قوله تعالى : { ولقد صدقكم الله وعده إذ تحسونهم بإذنه حتى إذا فشلتم وتنازعتم في الأمر وعصيتم من بعد ما أراكم ما تحبون","lvl":5,"sub":0},{"id":7260,"title":"مناسبة الآية لما قبلها","lvl":6,"sub":1},{"id":7262,"title":"فصل","lvl":6,"sub":0},{"id":7263,"title":"فصل","lvl":6,"sub":0},{"id":7269,"title":"فصل","lvl":6,"sub":0},{"id":7271,"title":"فصل","lvl":6,"sub":0},{"id":7272,"title":"فائدة","lvl":6,"sub":0},{"id":7272,"title":"أسئلة وأجوبة","lvl":6,"sub":1},{"id":7273,"title":"فصل","lvl":6,"sub":0},{"id":7275,"title":"فصل","lvl":6,"sub":0},{"id":7279,"title":"فصل","lvl":6,"sub":0},{"id":7282,"title":"فائدة","lvl":6,"sub":0},{"id":7282,"title":"فوائد لغوية","lvl":6,"sub":1},{"id":7285,"title":"لطيفة","lvl":6,"sub":0},{"id":7285,"title":"من فوائد ابن عاشور فى الآية","lvl":6,"sub":1},{"id":7286,"title":"فوائد بلاغية","lvl":6,"sub":0},{"id":7287,"title":"من لطائف الإمام القشيرى فى الآية","lvl":6,"sub":0},{"id":7288,"title":"من فوائد العلامة الجصاص فى الآية","lvl":6,"sub":0},{"id":7292,"title":"قوله تعالى : {إذ تصعدون ولا تلوون على أحد والرسول يدعوكم في أخراكم فأثابكم غما بغم لكيلا تحزنوا على ما فاتكم ولا ما أصابكم والله خبير بما تعملون (153)}","lvl":5,"sub":0},{"id":7292,"title":"مناسبة الآية لما قبلها","lvl":6,"sub":1},{"id":7293,"title":"فصل","lvl":6,"sub":0},{"id":7295,"title":"فصل","lvl":6,"sub":0},{"id":7297,"title":"فصل","lvl":6,"sub":0},{"id":7297,"title":"فائدة","lvl":6,"sub":1},{"id":7300,"title":"فصل","lvl":6,"sub":0},{"id":7301,"title":"فصل","lvl":6,"sub":0},{"id":7305,"title":"فوائد لغوية","lvl":6,"sub":0},{"id":7311,"title":"من لطائف الإمام القشيرى فى الآية","lvl":6,"sub":0},{"id":7313,"title":"قوله تعالى : { ثم أنزل عليكم من بعد الغم أمنة نعاسا يغشى طائفة منكم وطائفة قد أهمتهم أنفسهم يظنون بالله غير الحق ظن الجاهلية","lvl":5,"sub":0},{"id":7313,"title":"مناسبة الآية لما قبلها","lvl":6,"sub":1},{"id":7316,"title":"فصل","lvl":6,"sub":0},{"id":7317,"title":"فائدة","lvl":6,"sub":0},{"id":7319,"title":"فصل","lvl":6,"sub":0},{"id":7320,"title":"فصل","lvl":6,"sub":0},{"id":7320,"title":"لطيفة","lvl":6,"sub":1},{"id":7321,"title":"فائدة","lvl":6,"sub":0},{"id":7322,"title":"فصل","lvl":6,"sub":0},{"id":7323,"title":"فصل","lvl":6,"sub":0},{"id":7324,"title":"فائدة","lvl":6,"sub":0},{"id":7325,"title":"فصل","lvl":6,"sub":0},{"id":7326,"title":"فصل","lvl":6,"sub":0},{"id":7327,"title":"فصل","lvl":6,"sub":0},{"id":7328,"title":"فصل","lvl":6,"sub":0},{"id":7333,"title":"فصل","lvl":6,"sub":0},{"id":7333,"title":"فائدة","lvl":6,"sub":1},{"id":7335,"title":"سؤال : فإن قيل : قد سبق ذكر الابتلاء في قوله : { ثم صرفكم عنهم ليبتليكم } [ آل عمران : 152 ] فلم أعاده ؟","lvl":6,"sub":0},{"id":7336,"title":"لطيفة","lvl":6,"sub":0},{"id":7339,"title":"من فوائد أبى السعود فى الآية","lvl":6,"sub":0},{"id":7341,"title":"فوائد لغوية","lvl":6,"sub":0},{"id":7348,"title":"من لطائف الإمام القشيرى فى الآية","lvl":6,"sub":0},{"id":7350,"title":"فائدة","lvl":6,"sub":0},{"id":7352,"title":"قوله تعالى : { إن الذين تولوا منكم يوم التقى الجمعان إنما استزلهم الشيطان ببعض ما كسبوا ولقد عفا الله عنهم إن الله غفور حليم (155)}","lvl":5,"sub":0},{"id":7352,"title":"مناسبة الآية لما قبلها","lvl":6,"sub":1},{"id":7353,"title":"فصل","lvl":6,"sub":0},{"id":7353,"title":"فائدة","lvl":6,"sub":1},{"id":7355,"title":"فصل","lvl":6,"sub":0},{"id":7356,"title":"فصل","lvl":6,"sub":0},{"id":7357,"title":"فصل","lvl":6,"sub":0},{"id":7358,"title":"فصل","lvl":6,"sub":0},{"id":7359,"title":"فصل","lvl":6,"sub":0},{"id":7359,"title":"فائدة","lvl":6,"sub":1},{"id":7359,"title":"فوائد لغوية","lvl":6,"sub":2},{"id":7361,"title":"من فوائد الآلوسى فى الآية","lvl":6,"sub":0},{"id":7364,"title":"بحث فى معنى العفو والمغفرة في القرآن","lvl":6,"sub":0},{"id":7367,"title":"قوله تعالى : { يا أيها الذين آمنوا لا تكونوا كالذين كفروا وقالوا لإخوانهم إذا ضربوا في الأرض أو كانوا غزى لو كانوا عندنا ما ماتوا وما قتلوا","lvl":5,"sub":0},{"id":7367,"title":"مناسبة الآية لما قبلها","lvl":6,"sub":1},{"id":7369,"title":"فصل","lvl":6,"sub":0},{"id":7370,"title":"فصل","lvl":6,"sub":0},{"id":7371,"title":"فصل","lvl":6,"sub":0},{"id":7375,"title":"فصل","lvl":6,"sub":0},{"id":7375,"title":"سؤال : فإن قيل : فلماذا ذكر بعض الضرب في الأرض الغزو وهو داخل فيه ؟","lvl":6,"sub":1},{"id":7377,"title":"فصل","lvl":6,"sub":0},{"id":7380,"title":"فصل","lvl":6,"sub":0},{"id":7380,"title":"لطيفة","lvl":6,"sub":1},{"id":7382,"title":"سؤال : فإن قيل : الصادر منهم كان قولا مسموعا ، لا فعلا مرئيا ، فلم علقه بالبصر دون السمع ؟","lvl":6,"sub":0},{"id":7382,"title":"فوائد لغوية","lvl":6,"sub":1},{"id":7388,"title":"من لطائف الإمام القشيرى فى الآية","lvl":6,"sub":0},{"id":7389,"title":"قوله تعالى : {ولئن قتلتم في سبيل الله أو متم لمغفرة من الله ورحمة خير مما يجمعون (157) ولئن متم أو قتلتم لإلى الله تحشرون (158)}","lvl":5,"sub":0},{"id":7389,"title":"مناسبة الآيتين لما قبلهما","lvl":6,"sub":1},{"id":7390,"title":"فصل","lvl":6,"sub":0},{"id":7391,"title":"فصل","lvl":6,"sub":0},{"id":7392,"title":"فصل","lvl":6,"sub":0},{"id":7392,"title":"فائدة","lvl":6,"sub":1},{"id":7393,"title":"فصل","lvl":6,"sub":0},{"id":7395,"title":"من فوائد ابن عطية فى الآية","lvl":6,"sub":0},{"id":7396,"title":"فصل","lvl":6,"sub":0},{"id":7396,"title":"سؤال : فإن قيل : كيف تكون المغفرة موصوفة بأنها خير مما تجمعون ، ولا خير فيما تجمعون أصلا ؟.","lvl":6,"sub":1},{"id":7398,"title":"فائدة","lvl":6,"sub":0},{"id":7399,"title":"فصل","lvl":6,"sub":0},{"id":7400,"title":"فائدة","lvl":6,"sub":0},{"id":7400,"title":"لطيفة","lvl":6,"sub":1},{"id":7401,"title":"فوائد لغوية","lvl":6,"sub":0},{"id":7404,"title":"من لطائف الإمام القشيرى فى الآيتين","lvl":6,"sub":0},{"id":7405,"title":"قوله تعالى : { فبما رحمة من الله لنت لهم ولو كنت فظا غليظ القلب لانفضوا من حولك فاعف عنهم واستغفر لهم وشاورهم في الأمر فإذا عزمت فتوكل على الله","lvl":5,"sub":0},{"id":7405,"title":"مناسبة الآية لما قبلها","lvl":6,"sub":1},{"id":7407,"title":"فصل","lvl":6,"sub":0},{"id":7410,"title":"فصل","lvl":6,"sub":0},{"id":7412,"title":"فصل","lvl":6,"sub":0},{"id":7414,"title":"فصل","lvl":6,"sub":0},{"id":7414,"title":"من بدائع ابن القيم","lvl":6,"sub":1},{"id":7420,"title":"فائدة","lvl":6,"sub":0},{"id":7422,"title":"فصل","lvl":6,"sub":0},{"id":7423,"title":"فصل","lvl":6,"sub":0},{"id":7424,"title":"فصل","lvl":6,"sub":0},{"id":7424,"title":"فائدة","lvl":6,"sub":1},{"id":7425,"title":"فصل","lvl":6,"sub":0},{"id":7426,"title":"فصل نفيس","lvl":6,"sub":0},{"id":7426,"title":"لطيفة ونفيسة","lvl":6,"sub":1},{"id":7428,"title":"فصل","lvl":6,"sub":0},{"id":7432,"title":"فصل","lvl":6,"sub":0},{"id":7434,"title":"فصل","lvl":6,"sub":0},{"id":7436,"title":"فصل","lvl":6,"sub":0},{"id":7437,"title":"كلام نفيس للعلامة الجصاص","lvl":6,"sub":0},{"id":7447,"title":"فائدة","lvl":6,"sub":0},{"id":7453,"title":"فصل","lvl":6,"sub":0},{"id":7454,"title":"فصل","lvl":6,"sub":0},{"id":7455,"title":"فصل","lvl":6,"sub":0},{"id":7455,"title":"فوائد لغوية","lvl":6,"sub":1},{"id":7459,"title":"من فوائد الآلوسى فى الآية","lvl":6,"sub":0},{"id":7465,"title":"فوائد بلاغية","lvl":6,"sub":0},{"id":7466,"title":"من لطائف الإمام القشيرى فى الآية","lvl":6,"sub":0},{"id":7469,"title":"قوله تعالى : {إن ينصركم الله فلا غالب لكم وإن يخذلكم فمن ذا الذي ينصركم من بعده وعلى الله فليتوكل المؤمنون (160)}","lvl":5,"sub":0},{"id":7469,"title":"مناسبة الآية لما قبلها","lvl":6,"sub":1},{"id":7471,"title":"فصل","lvl":6,"sub":0},{"id":7472,"title":"فائدة","lvl":6,"sub":0},{"id":7473,"title":"فصل","lvl":6,"sub":0},{"id":7476,"title":"فوائد لغوية","lvl":6,"sub":0},{"id":7477,"title":"من فوائد أبى حيان فى الآية","lvl":6,"sub":0},{"id":7478,"title":"فصل","lvl":6,"sub":0},{"id":7482,"title":"فصل نفيس للعلامة ابن القيم","lvl":6,"sub":0},{"id":7487,"title":"من لطائف الإمام القشيرى فى الآية","lvl":6,"sub":0},{"id":7491,"title":"الجزء الثامن عشر من كتاب جامع لطائف التفسير","lvl":3,"sub":0},{"id":7491,"title":"قوله تعالى : {وما كان لنبي أن يغل ومن يغلل يأت بما غل يوم القيامة ثم توفى كل نفس ما كسبت وهم لا يظلمون (161)}","lvl":4,"sub":1},{"id":7491,"title":"مناسبة الآية لما قبلها","lvl":5,"sub":1},{"id":7494,"title":"فصل","lvl":5,"sub":0},{"id":7495,"title":"فصل","lvl":5,"sub":0},{"id":7498,"title":"فائدة","lvl":5,"sub":0},{"id":7499,"title":"فصل","lvl":5,"sub":0},{"id":7500,"title":"فصل","lvl":5,"sub":0},{"id":7502,"title":"فصل","lvl":5,"sub":0},{"id":7503,"title":"فصل","lvl":5,"sub":0},{"id":7505,"title":"فائدة","lvl":5,"sub":0},{"id":7506,"title":"لطيفة","lvl":5,"sub":0},{"id":7509,"title":"لطيفة","lvl":5,"sub":0},{"id":7509,"title":"من فوائد القرطبى فى الآية","lvl":5,"sub":1},{"id":7516,"title":"فصل","lvl":5,"sub":0},{"id":7521,"title":"لطيفة","lvl":5,"sub":0},{"id":7522,"title":"فصل","lvl":5,"sub":0},{"id":7522,"title":"لطيفة","lvl":5,"sub":1},{"id":7523,"title":"فائدة","lvl":5,"sub":0},{"id":7523,"title":"فوائد لغوية","lvl":5,"sub":1},{"id":7527,"title":"من لطائف الإمام القشيرى فى الآية","lvl":5,"sub":0},{"id":7528,"title":"قوله تعالى {أفمن اتبع رضوان الله كمن باء بسخط من الله ومأواه جهنم وبئس المصير (162)}","lvl":4,"sub":0},{"id":7528,"title":"مناسبة الآية لما قبلها","lvl":5,"sub":1},{"id":7528,"title":"فائدة","lvl":5,"sub":2},{"id":7529,"title":"فصل","lvl":5,"sub":0},{"id":7529,"title":"من فوائد الآلوسى فى الآية","lvl":5,"sub":1},{"id":7533,"title":"فصل","lvl":5,"sub":0},{"id":7533,"title":"فوائد لغوية","lvl":5,"sub":1},{"id":7534,"title":"من لطائف الإمام القشيرى فى الآية","lvl":5,"sub":0},{"id":7535,"title":"قوله تعالى : { هم درجات عند الله والله بصير بما يعملون (163)}","lvl":4,"sub":0},{"id":7535,"title":"مناسبة الآية لما قبلها","lvl":5,"sub":1},{"id":7535,"title":"فصل","lvl":5,"sub":2},{"id":7536,"title":"فصل","lvl":5,"sub":0},{"id":7538,"title":"فصل","lvl":5,"sub":0},{"id":7539,"title":"فوائد بلاغية","lvl":5,"sub":0},{"id":7540,"title":"فصل","lvl":5,"sub":0},{"id":7540,"title":"سؤال : فإن قيل : كيف جعل لكل درجات ؛ وأحد الفريقين لهم دركات لا درجات ؟","lvl":5,"sub":1},{"id":7541,"title":"من فوائد الآلوسى فى الآية","lvl":5,"sub":0},{"id":7543,"title":"قوله تعالى : { لقد من الله على المؤمنين إذ بعث فيهم رسولا من أنفسهم يتلو عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة وإن كانوا من قبل لفي ضلال مبين (164)}","lvl":4,"sub":0},{"id":7543,"title":"مناسبة الآية لما قبلها","lvl":5,"sub":1},{"id":7543,"title":"فصل","lvl":5,"sub":2},{"id":7545,"title":"فائدة","lvl":5,"sub":0},{"id":7546,"title":"فصل","lvl":5,"sub":0},{"id":7546,"title":"لطيفة","lvl":5,"sub":1},{"id":7547,"title":"فصل","lvl":5,"sub":0},{"id":7547,"title":"لطيفة","lvl":5,"sub":1},{"id":7550,"title":"فائدة","lvl":5,"sub":0},{"id":7555,"title":"فصل","lvl":5,"sub":0},{"id":7555,"title":"فائدة","lvl":5,"sub":1},{"id":7555,"title":"فوائد لغوية","lvl":5,"sub":2},{"id":7557,"title":"من لطائف الإمام القشيرى فى الآية","lvl":5,"sub":0},{"id":7559,"title":"فائدة","lvl":5,"sub":0},{"id":7561,"title":"قوله تعالى : { أولما أصابتكم مصيبة قد أصبتم مثليها قلتم أنى هذا قل هو من عند أنفسكم إن الله على كل شيء قدير (165)}","lvl":4,"sub":0},{"id":7561,"title":"مناسبة الآية لما قبلها","lvl":5,"sub":1},{"id":7562,"title":"فصل","lvl":5,"sub":0},{"id":7562,"title":"فائدة","lvl":5,"sub":1},{"id":7563,"title":"فصل","lvl":5,"sub":0},{"id":7564,"title":"فصل","lvl":5,"sub":0},{"id":7565,"title":"فوائد لغوية","lvl":5,"sub":0},{"id":7568,"title":"من فوائد الآلوسى فى الآية","lvl":5,"sub":0},{"id":7574,"title":"ومن فوائد ابن عاشور الآية","lvl":5,"sub":0},{"id":7575,"title":"من لطائف الإمام القشيرى فى الآية","lvl":5,"sub":0},{"id":7576,"title":"قوله تعالى : { وما أصابكم يوم التقى الجمعان فبإذن الله وليعلم المؤمنين (166)}","lvl":4,"sub":0},{"id":7576,"title":"مناسبة الآية لما قبلها","lvl":5,"sub":1},{"id":7576,"title":"فصل","lvl":5,"sub":2},{"id":7576,"title":"فائدة","lvl":5,"sub":3},{"id":7578,"title":"فصل","lvl":5,"sub":0},{"id":7578,"title":"فوائد لغوية","lvl":5,"sub":1},{"id":7580,"title":"قوله تعالى : { وليعلم الذين نافقوا وقيل لهم تعالوا قاتلوا في سبيل الله أو ادفعوا قالوا لو نعلم قتالا لاتبعناكم هم للكفر يومئذ أقرب منهم للإيمان يقولون بأفواههم ما ليس في قلوبهم والله أعلم بما يكتمون (167)}","lvl":4,"sub":0},{"id":7580,"title":"مناسبة الآية لما قبلها","lvl":5,"sub":1},{"id":7581,"title":"فصل","lvl":5,"sub":0},{"id":7582,"title":"فائدة","lvl":5,"sub":0},{"id":7583,"title":"فصل","lvl":5,"sub":0},{"id":7584,"title":"لطيفة","lvl":5,"sub":0},{"id":7586,"title":"فائدة","lvl":5,"sub":0},{"id":7586,"title":"لطيفة","lvl":5,"sub":1},{"id":7586,"title":"سؤال : فإن قيل : إن المعلوم إذا علمه عالمان لا يكون أحدهما أعلم به من الآخر ، فما معنى قوله : {والله أعلم بما يكتمون } ؟.","lvl":5,"sub":2},{"id":7588,"title":"فائدة","lvl":5,"sub":0},{"id":7589,"title":"فوائد لغوية","lvl":5,"sub":0},{"id":7593,"title":"فائدة","lvl":5,"sub":0},{"id":7594,"title":"من لطائف الإمام القشيرى فى الآيتين","lvl":5,"sub":0},{"id":7595,"title":"قوله تعالى : {الذين قالوا لإخوانهم وقعدوا لو أطاعونا ما قتلوا قل فادرءوا عن أنفسكم الموت إن كنتم صادقين (168)}","lvl":4,"sub":0},{"id":7595,"title":"مناسبة الآية لما قبلها","lvl":5,"sub":1},{"id":7596,"title":"فصل","lvl":5,"sub":0},{"id":7596,"title":"فائدة","lvl":5,"sub":1},{"id":7597,"title":"فصل","lvl":5,"sub":0},{"id":7597,"title":"فائدة","lvl":5,"sub":1},{"id":7599,"title":"من فوائد القرطبى فى الآية","lvl":5,"sub":0},{"id":7600,"title":"فوائد لغوية","lvl":5,"sub":0},{"id":7601,"title":"من لطائف الإمام القشيرى فى الآية","lvl":5,"sub":0},{"id":7602,"title":"بحث قيم للعلامة ابن القيم","lvl":5,"sub":0},{"id":7640,"title":"قوله تعالى : { ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتا بل أحياء عند ربهم يرزقون (169) فرحين بما آتاهم الله من فضله","lvl":4,"sub":0},{"id":7640,"title":"مناسبة الآيات لما قبلها","lvl":5,"sub":1},{"id":7643,"title":"فصل","lvl":5,"sub":0},{"id":7645,"title":"فصل","lvl":5,"sub":0},{"id":7645,"title":"فائدة","lvl":5,"sub":1},{"id":7646,"title":"فائدة","lvl":5,"sub":0},{"id":7647,"title":"بحث نفيس للعلامة الإمام فخر الدين الرازى","lvl":5,"sub":0},{"id":7655,"title":"من فوائد العلامة الجصاص فى الآية","lvl":5,"sub":0},{"id":7657,"title":"فصل","lvl":5,"sub":0},{"id":7659,"title":"فصل","lvl":5,"sub":0},{"id":7660,"title":"فصل","lvl":5,"sub":0},{"id":7661,"title":"فصل","lvl":5,"sub":0},{"id":7663,"title":"فائدة","lvl":5,"sub":0},{"id":7664,"title":"فصل","lvl":5,"sub":0},{"id":7666,"title":"فصل","lvl":5,"sub":0},{"id":7669,"title":"فائدة","lvl":5,"sub":0},{"id":7670,"title":"فصل","lvl":5,"sub":0},{"id":7672,"title":"فصل","lvl":5,"sub":0},{"id":7673,"title":"فصل","lvl":5,"sub":0},{"id":7674,"title":"بحث نفيس للإمام القرطبى","lvl":5,"sub":0},{"id":7682,"title":"فوائد بلاغية","lvl":5,"sub":0},{"id":7689,"title":"فصل في فضل الجهاد في سبيل الله","lvl":5,"sub":0},{"id":7698,"title":"من لطائف الإمام القشيرى فى الآيات","lvl":5,"sub":0},{"id":7700,"title":"قوله تعالى : { الذين استجابوا لله والرسول من بعد ما أصابهم القرح للذين أحسنوا منهم واتقوا أجر عظيم (172)}","lvl":4,"sub":0},{"id":7700,"title":"مناسبة الآية لما قبلها","lvl":5,"sub":1},{"id":7700,"title":"فصل في سبب نزول الآية","lvl":5,"sub":2},{"id":7701,"title":"فصل","lvl":5,"sub":0},{"id":7702,"title":"فوائد لغوية","lvl":5,"sub":0},{"id":7703,"title":"من لطائف الإمام القشيرى فى الآية","lvl":5,"sub":0},{"id":7704,"title":"قوله تعالى : { الذين قال لهم الناس إن الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم فزادهم إيمانا وقالوا حسبنا الله ونعم الوكيل (173)","lvl":4,"sub":0},{"id":7704,"title":"مناسبة الآيتين لما قبلهما","lvl":5,"sub":1},{"id":7705,"title":"فصل","lvl":5,"sub":0},{"id":7706,"title":"فصل","lvl":5,"sub":0},{"id":7706,"title":"فائدة","lvl":5,"sub":1},{"id":7710,"title":"فصل","lvl":5,"sub":0},{"id":7710,"title":"فائدة","lvl":5,"sub":1},{"id":7711,"title":"فصل","lvl":5,"sub":0},{"id":7716,"title":"فصل","lvl":5,"sub":0},{"id":7717,"title":"فائدة","lvl":5,"sub":0},{"id":7718,"title":"فصل","lvl":5,"sub":0},{"id":7719,"title":"فصل","lvl":5,"sub":0},{"id":7725,"title":"فصل","lvl":5,"sub":0},{"id":7726,"title":"فوائد لغوية","lvl":5,"sub":0},{"id":7729,"title":"من لطائف الإمام القشيرى فى الآيتين","lvl":5,"sub":0},{"id":7730,"title":"قوله تعالى : { إنما ذلكم الشيطان يخوف أولياءه فلا تخافوهم وخافون إن كنتم مؤمنين (175)}","lvl":4,"sub":0},{"id":7730,"title":"مناسبة الآية لما قبلها","lvl":5,"sub":1},{"id":7731,"title":"فصل","lvl":5,"sub":0},{"id":7735,"title":"سؤال : فإن قال قائل : وكيف قيل : \"يخوف أولياءه\" ؟ وهل يخوف الشيطان أولياءه ؟ [وكيف] ؟","lvl":5,"sub":0},{"id":7735,"title":"فوائد لغوية","lvl":5,"sub":1},{"id":7739,"title":"لطيفة","lvl":5,"sub":0},{"id":7744,"title":"من لطائف الإمام القشيرى فى الآية","lvl":5,"sub":0},{"id":7745,"title":"قوله تعالى : { ولا يحزنك الذين يسارعون في الكفر إنهم لن يضروا الله شيئا يريد الله ألا يجعل لهم حظا في الآخرة ولهم عذاب عظيم (176)}","lvl":4,"sub":0},{"id":7745,"title":"مناسبة الآية لما قبلها","lvl":5,"sub":1},{"id":7745,"title":"فصل","lvl":5,"sub":2},{"id":7747,"title":"فصل","lvl":5,"sub":0},{"id":7748,"title":"فصل","lvl":5,"sub":0},{"id":7748,"title":"فائدة","lvl":5,"sub":1},{"id":7749,"title":"فصل","lvl":5,"sub":0},{"id":7753,"title":"فصل","lvl":5,"sub":0},{"id":7754,"title":"فائدة","lvl":5,"sub":0},{"id":7755,"title":"فصل","lvl":5,"sub":0},{"id":7756,"title":"فائدة","lvl":5,"sub":0},{"id":7758,"title":"فوائد لغوية","lvl":5,"sub":0},{"id":7758,"title":"من لطائف الإمام القشيرى فى الآية","lvl":5,"sub":1},{"id":7759,"title":"قوله تعالى : { إن الذين اشتروا الكفر بالإيمان لن يضروا الله شيئا ولهم عذاب أليم (177)}","lvl":4,"sub":0},{"id":7759,"title":"مناسبة الآية لما قبلها","lvl":5,"sub":1},{"id":7759,"title":"فصل","lvl":5,"sub":2},{"id":7760,"title":"فصل","lvl":5,"sub":0},{"id":7761,"title":"لطيفة","lvl":5,"sub":0},{"id":7762,"title":"من فوائد الآلوسى فى الآية","lvl":5,"sub":0},{"id":7763,"title":"من لطائف الإمام القشيرى فى الآية","lvl":5,"sub":0},{"id":7764,"title":"قوله تعالى : { ولا يحسبن الذين كفروا أنما نملي لهم خير لأنفسهم إنما نملي لهم ليزدادوا إثما ولهم عذاب مهين (178)}","lvl":4,"sub":0},{"id":7764,"title":"مناسبة الآية لما قبلها","lvl":5,"sub":1},{"id":7765,"title":"فصل","lvl":5,"sub":0},{"id":7765,"title":"فائدة","lvl":5,"sub":1},{"id":7767,"title":"فائدة","lvl":5,"sub":0},{"id":7768,"title":"فصل","lvl":5,"sub":0},{"id":7768,"title":"فائدة","lvl":5,"sub":1},{"id":7769,"title":"فصل","lvl":5,"sub":0},{"id":7774,"title":"فائدة","lvl":5,"sub":0},{"id":7775,"title":"فصل","lvl":5,"sub":0},{"id":7775,"title":"فائدة","lvl":5,"sub":1},{"id":7776,"title":"لطيفة","lvl":5,"sub":0},{"id":7777,"title":"فوائد لغوية","lvl":5,"sub":0},{"id":7787,"title":"من لطائف الإمام القشيرى فى الآية","lvl":5,"sub":0},{"id":7788,"title":"قوله تعالى : { ما كان الله ليذر المؤمنين على ما أنتم عليه حتى يميز الخبيث من الطيب وما كان الله ليطلعكم على الغيب ولكن الله يجتبي من رسله من يشاء فآمنوا بالله ورسله وإن تؤمنوا وتتقوا فلكم أجر عظيم (179)}","lvl":4,"sub":0},{"id":7788,"title":"مناسبة الآية لما قبلها","lvl":5,"sub":1},{"id":7789,"title":"فصل","lvl":5,"sub":0},{"id":7790,"title":"فصل","lvl":5,"sub":0},{"id":7791,"title":"فصل","lvl":5,"sub":0},{"id":7792,"title":"فائدة","lvl":5,"sub":0},{"id":7794,"title":"فصل","lvl":5,"sub":0},{"id":7794,"title":"لطيفة","lvl":5,"sub":1},{"id":7803,"title":"لطيفة","lvl":5,"sub":0},{"id":7803,"title":"فوائد لغوية","lvl":5,"sub":1},{"id":7806,"title":"من لطائف الإمام القشيرى فى الآية","lvl":5,"sub":0},{"id":7808,"title":"قوله تعالى : { ولا يحسبن الذين يبخلون بما آتاهم الله من فضله هو خيرا لهم بل هو شر لهم سيطوقون ما بخلوا به يوم القيامة ولله ميراث السماوات والأرض والله بما تعملون خبير (180)}","lvl":4,"sub":0},{"id":7808,"title":"مناسبة الآية لما قبلها","lvl":5,"sub":1},{"id":7810,"title":"فصل","lvl":5,"sub":0},{"id":7810,"title":"فائدة","lvl":5,"sub":1},{"id":7812,"title":"فصل","lvl":5,"sub":0},{"id":7813,"title":"فصل","lvl":5,"sub":0},{"id":7814,"title":"فصل","lvl":5,"sub":0},{"id":7816,"title":"فائدة","lvl":5,"sub":0},{"id":7817,"title":"فصل في ثمرة البخل وفائدته.","lvl":5,"sub":0},{"id":7817,"title":"فائدة","lvl":5,"sub":1},{"id":7818,"title":"فصل","lvl":5,"sub":0},{"id":7821,"title":"فصل","lvl":5,"sub":0},{"id":7824,"title":"سؤال : فإن قال قائل : فما معنى قوله : \"له ميراث السموات والأرض\"، و\"الميراث\" المعروف، هو ما انتقل من ملك مالك إلى وارثه بموته، ولله الدنيا قبل فناء خلقه وبعده ؟","lvl":5,"sub":0},{"id":7825,"title":"فوائد بلاغية","lvl":5,"sub":0},{"id":7826,"title":"فوائد لغوية","lvl":5,"sub":0},{"id":7833,"title":"فصل","lvl":5,"sub":0},{"id":7836,"title":"من لطائف الإمام القشيرى فى الآية","lvl":5,"sub":0},{"id":7837,"title":"قوله تعالى : { لقد سمع الله قول الذين قالوا إن الله فقير ونحن أغنياء سنكتب ما قالوا وقتلهم الأنبياء بغير حق ونقول ذوقوا عذاب الحريق (181) ذلك بما قدمت أيديكم وأن الله ليس بظلام للعبيد (182)}","lvl":4,"sub":0},{"id":7837,"title":"مناسبة الآيتين لما قبلهما","lvl":5,"sub":1},{"id":7838,"title":"فصل","lvl":5,"sub":0},{"id":7839,"title":"فصل","lvl":5,"sub":0},{"id":7843,"title":"فائدة","lvl":5,"sub":0},{"id":7844,"title":"فصل","lvl":5,"sub":0},{"id":7844,"title":"فائدة","lvl":5,"sub":1},{"id":7845,"title":"فصل","lvl":5,"sub":0},{"id":7846,"title":"فصل","lvl":5,"sub":0},{"id":7846,"title":"فائدة","lvl":5,"sub":1},{"id":7848,"title":"فائدة","lvl":5,"sub":0},{"id":7849,"title":"فصل","lvl":5,"sub":0},{"id":7849,"title":"لطيفة","lvl":5,"sub":1},{"id":7850,"title":"فائدة","lvl":5,"sub":0},{"id":7851,"title":"فصل","lvl":5,"sub":0},{"id":7853,"title":"فصل نفيس","lvl":5,"sub":0},{"id":7853,"title":"لطيفة","lvl":5,"sub":1},{"id":7859,"title":"فصل","lvl":5,"sub":0},{"id":7859,"title":"فائدة","lvl":5,"sub":1},{"id":7859,"title":"فوائد لغوية","lvl":5,"sub":2},{"id":7863,"title":"من لطائف الإمام القشيرى فى الآيتين","lvl":5,"sub":0},{"id":7864,"title":"قوله تعالى { الذين قالوا إن الله عهد إلينا ألا نؤمن لرسول حتى يأتينا بقربان تأكله النار قل قد جاءكم رسل من قبلي بالبينات وبالذي قلتم فلم قتلتموهم إن كنتم صادقين (183)}","lvl":4,"sub":0},{"id":7864,"title":"مناسبة الآية لما قبلها","lvl":5,"sub":1},{"id":7865,"title":"فصل","lvl":5,"sub":0},{"id":7867,"title":"فصل","lvl":5,"sub":0},{"id":7868,"title":"فائدة","lvl":5,"sub":0},{"id":7869,"title":"من فوائد ابن عاشور فى الآية","lvl":5,"sub":0},{"id":7870,"title":"فوائد لغوية","lvl":5,"sub":0},{"id":7873,"title":"من لطائف الإمام القشيرى فى الآية","lvl":5,"sub":0},{"id":7874,"title":"قوله تعالى : { فإن كذبوك فقد كذب رسل من قبلك جاءوا بالبينات والزبر والكتاب المنير (184)}","lvl":4,"sub":0},{"id":7874,"title":"مناسبة الآية لما قبلها","lvl":5,"sub":1},{"id":7874,"title":"فصل","lvl":5,"sub":2},{"id":7875,"title":"فائدة","lvl":5,"sub":0},{"id":7876,"title":"فصل","lvl":5,"sub":0},{"id":7876,"title":"من فوائد الآلوسى فى الآية","lvl":5,"sub":1},{"id":7879,"title":"فوائد لغوية","lvl":5,"sub":0},{"id":7880,"title":"من لطائف الإمام القشيرى فى الآية","lvl":5,"sub":0},{"id":7881,"title":"فائدة","lvl":5,"sub":0},{"id":7882,"title":"قوله تعالى : { كل نفس ذائقة الموت وإنما توفون أجوركم يوم القيامة فمن زحزح عن النار وأدخل الجنة فقد فاز وما الحياة الدنيا إلا متاع الغرور (185)}","lvl":4,"sub":0},{"id":7882,"title":"مناسبة الآية لما قبلها","lvl":5,"sub":1},{"id":7886,"title":"فصل","lvl":5,"sub":0},{"id":7887,"title":"فائدة","lvl":5,"sub":0},{"id":7888,"title":"فائدة","lvl":5,"sub":0},{"id":7896,"title":"فصل","lvl":5,"sub":0},{"id":7897,"title":"فصل نفيس وجامع فى أحكام الموتى للإمام القرطبى","lvl":5,"sub":0},{"id":7897,"title":"فائدة","lvl":5,"sub":1},{"id":7901,"title":"فائدة","lvl":5,"sub":0},{"id":7902,"title":"فوائد ولطائف لغوية","lvl":5,"sub":0},{"id":7904,"title":"فصل","lvl":5,"sub":0},{"id":7905,"title":"فصل","lvl":5,"sub":0},{"id":7905,"title":"لطيفة","lvl":5,"sub":1},{"id":7906,"title":"لطيفة","lvl":5,"sub":0},{"id":7907,"title":"فصل","lvl":5,"sub":0},{"id":7908,"title":"فصل","lvl":5,"sub":0},{"id":7908,"title":"لطيفة","lvl":5,"sub":1},{"id":7912,"title":"فوائد لغوية","lvl":5,"sub":0},{"id":7915,"title":"فوائد بلاغية","lvl":5,"sub":0},{"id":7915,"title":"من لطائف الإمام القشيرى فى الآية","lvl":5,"sub":1},{"id":7919,"title":"الجزء التاسع عشر من كتاب جامع لطائف التفسير","lvl":2,"sub":0},{"id":7919,"title":"قوله تعالى { لتبلون في أموالكم وأنفسكم ولتسمعن من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم ومن الذين أشركوا أذى كثيرا وإن تصبروا وتتقوا فإن ذلك من عزم الأمور (186)}","lvl":3,"sub":1},{"id":7919,"title":"مناسبة الآية لما قبلها","lvl":4,"sub":1},{"id":7921,"title":"فصل","lvl":4,"sub":0},{"id":7921,"title":"فائدة","lvl":4,"sub":1},{"id":7922,"title":"فصل","lvl":4,"sub":0},{"id":7922,"title":"فائدة","lvl":4,"sub":1},{"id":7923,"title":"فصل","lvl":4,"sub":0},{"id":7926,"title":"فائدة","lvl":4,"sub":0},{"id":7927,"title":"فصل","lvl":4,"sub":0},{"id":7929,"title":"فصل","lvl":4,"sub":0},{"id":7930,"title":"فصل","lvl":4,"sub":0},{"id":7933,"title":"فائدة","lvl":4,"sub":0},{"id":7935,"title":"فوائد لغوية","lvl":4,"sub":0},{"id":7937,"title":"فائدة","lvl":4,"sub":0},{"id":7940,"title":"من لطائف الإمام القشيرى فى الآية","lvl":4,"sub":0},{"id":7941,"title":"قوله تعالى { وإذ أخذ الله ميثاق الذين أوتوا الكتاب لتبيننه للناس ولا تكتمونه فنبذوه وراء ظهورهم واشتروا به ثمنا قليلا فبئس ما يشترون (187)}","lvl":3,"sub":0},{"id":7941,"title":"مناسبة الآية لما قبلها","lvl":4,"sub":1},{"id":7942,"title":"فصل","lvl":4,"sub":0},{"id":7944,"title":"فصل","lvl":4,"sub":0},{"id":7945,"title":"فصل","lvl":4,"sub":0},{"id":7945,"title":"فائدة","lvl":4,"sub":1},{"id":7946,"title":"فصل","lvl":4,"sub":0},{"id":7946,"title":"فائدة","lvl":4,"sub":1},{"id":7946,"title":"سؤال : فإن قيل : البيان يضاد الكتمان ، فلما أمر بالبيان كان الأمر به نهيا عن الكتمان ، فما الفائدة في ذكر النهي عن الكتمان ؟","lvl":4,"sub":2},{"id":7948,"title":"فائدة","lvl":4,"sub":0},{"id":7949,"title":"فصل","lvl":4,"sub":0},{"id":7951,"title":"فوائد لغوية","lvl":4,"sub":0},{"id":7952,"title":"من لطائف الإمام القشيرى فى الآية","lvl":4,"sub":0},{"id":7953,"title":"قوله تعالى { لا تحسبن الذين يفرحون بما أتوا ويحبون أن يحمدوا بما لم يفعلوا فلا تحسبنهم بمفازة من العذاب ولهم عذاب أليم (188)}","lvl":3,"sub":0},{"id":7953,"title":"مناسبة الآية لما قبلها","lvl":4,"sub":1},{"id":7954,"title":"فصل","lvl":4,"sub":0},{"id":7956,"title":"فصل","lvl":4,"sub":0},{"id":7957,"title":"فصل","lvl":4,"sub":0},{"id":7959,"title":"فصل","lvl":4,"sub":0},{"id":7960,"title":"لطيفة","lvl":4,"sub":0},{"id":7961,"title":"فوائد لغوية","lvl":4,"sub":0},{"id":7966,"title":"من فوائد الآلوسى فى الآية","lvl":4,"sub":0},{"id":7970,"title":"ومن فوائد ابن الجوزى فى الآية","lvl":4,"sub":0},{"id":7973,"title":"من لطائف الإمام القشيرى فى الآية","lvl":4,"sub":0},{"id":7974,"title":"قوله تعالى { ولله ملك السماوات والأرض والله على كل شيء قدير (189)}","lvl":3,"sub":0},{"id":7974,"title":"مناسبة الآية لما قبلها","lvl":4,"sub":1},{"id":7976,"title":"من لطائف الإمام القشيرى فى الآية","lvl":4,"sub":0},{"id":7977,"title":"قوله تعالى { إن في خلق السماوات والأرض واختلاف الليل والنهار لآيات لأولي الألباب (190)}","lvl":3,"sub":0},{"id":7977,"title":"مناسبة الآية لما قبلها","lvl":4,"sub":1},{"id":7978,"title":"فصل","lvl":4,"sub":0},{"id":7984,"title":"من فوائد أبى السعود فى الآية","lvl":4,"sub":0},{"id":7988,"title":"فائدة","lvl":4,"sub":0},{"id":7991,"title":"قوله تعالى { الذين يذكرون الله قياما وقعودا وعلى جنوبهم ويتفكرون في خلق السماوات والأرض ربنا ما خلقت هذا باطلا سبحانك فقنا عذاب النار (191)","lvl":3,"sub":0},{"id":7991,"title":"مناسبة الآيتين لما قبلهما","lvl":4,"sub":1},{"id":7993,"title":"فصل","lvl":4,"sub":0},{"id":7993,"title":"فائدة","lvl":4,"sub":1},{"id":7996,"title":"فصل","lvl":4,"sub":0},{"id":7997,"title":"فصل","lvl":4,"sub":0},{"id":7999,"title":"فائدة","lvl":4,"sub":0},{"id":7999,"title":"لطيفة","lvl":4,"sub":1},{"id":8000,"title":"فصل","lvl":4,"sub":0},{"id":8007,"title":"فصل","lvl":4,"sub":0},{"id":8008,"title":"فائدة","lvl":4,"sub":0},{"id":8012,"title":"فصل","lvl":4,"sub":0},{"id":8015,"title":"فصل","lvl":4,"sub":0},{"id":8015,"title":"فائدة","lvl":4,"sub":1},{"id":8016,"title":"فصل","lvl":4,"sub":0},{"id":8016,"title":"فائدة","lvl":4,"sub":1},{"id":8017,"title":"فصل","lvl":4,"sub":0},{"id":8019,"title":"فصل","lvl":4,"sub":0},{"id":8020,"title":"فصل","lvl":4,"sub":0},{"id":8022,"title":"فائدة","lvl":4,"sub":0},{"id":8024,"title":"فائدة","lvl":4,"sub":0},{"id":8025,"title":"فصل فى بيان حقيقة الفكر وثمرته","lvl":4,"sub":0},{"id":8029,"title":"فصل","lvl":4,"sub":0},{"id":8030,"title":"فصل","lvl":4,"sub":0},{"id":8031,"title":"فائدة","lvl":4,"sub":0},{"id":8032,"title":"فصل","lvl":4,"sub":0},{"id":8033,"title":"فصل","lvl":4,"sub":0},{"id":8034,"title":"فصل","lvl":4,"sub":0},{"id":8035,"title":"فصل","lvl":4,"sub":0},{"id":8036,"title":"فصل","lvl":4,"sub":0},{"id":8036,"title":"من فوائد أبى السعود فى الآية","lvl":4,"sub":1},{"id":8038,"title":"ومن فوائد الآلوسى فى الآية","lvl":4,"sub":0},{"id":8041,"title":"فوائد لغوية","lvl":4,"sub":0},{"id":8045,"title":"من لطائف الإمام القشيرى فى الآيتين","lvl":4,"sub":0},{"id":8046,"title":"قوله تعالى { ربنا إننا سمعنا مناديا ينادي للإيمان أن آمنوا بربكم فآمنا ربنا فاغفر لنا ذنوبنا وكفر عنا سيئاتنا وتوفنا مع الأبرار (193)}","lvl":3,"sub":0},{"id":8046,"title":"مناسبة الآية لما قبلها","lvl":4,"sub":1},{"id":8047,"title":"فصل","lvl":4,"sub":0},{"id":8048,"title":"فصل","lvl":4,"sub":0},{"id":8048,"title":"فائدة","lvl":4,"sub":1},{"id":8049,"title":"ههنا سؤال وهو أن يقال : ما الفائدة في الجمع بين المنادي وينادي ؟","lvl":4,"sub":0},{"id":8049,"title":"لطيفة","lvl":4,"sub":1},{"id":8050,"title":"فصل","lvl":4,"sub":0},{"id":8052,"title":"فصل","lvl":4,"sub":0},{"id":8052,"title":"سؤال : فإن قيل : ما فائدة قوله {ربنا فاغفر لنا ذنوبنا وكفر عنا سيئاتنا} وتكفير السيئات داخل فى غفران الذنوب ؟","lvl":4,"sub":1},{"id":8053,"title":"فصل","lvl":4,"sub":0},{"id":8054,"title":"فصل","lvl":4,"sub":0},{"id":8054,"title":"فوائد لغوية","lvl":4,"sub":1},{"id":8057,"title":"من لطائف الإمام القشيرى فى الآية","lvl":4,"sub":0},{"id":8058,"title":"قوله تعالى { ربنا وآتنا ما وعدتنا على رسلك ولا تخزنا يوم القيامة إنك لا تخلف الميعاد (194)}","lvl":3,"sub":0},{"id":8058,"title":"مناسبة الآية لما قبلها","lvl":4,"sub":1},{"id":8058,"title":"فصل","lvl":4,"sub":2},{"id":8059,"title":"فائدة","lvl":4,"sub":0},{"id":8059,"title":"ههنا سؤال : وهو أن الخلف في وعد الله محال ، فكيف طلبوا بالدعاء ما علموا أنه لا محالة واقع ؟","lvl":4,"sub":1},{"id":8062,"title":"فصل","lvl":4,"sub":0},{"id":8062,"title":"ههنا سؤال آخر : وهو أنه متى حصل الثواب كان اندفاع العقاب لازما لا محالة ، فقوله : {آتنا ما وعدتنا على رسلك} طلب للثواب ، فبعد طلب الثواب كيف طلب ترك العقاب ؟","lvl":4,"sub":1},{"id":8064,"title":"فوائد لغوية","lvl":4,"sub":0},{"id":8065,"title":"من فوائد الآلوسى فى الآية","lvl":4,"sub":0},{"id":8069,"title":"قوله تعالى { فاستجاب لهم ربهم أني لا أضيع عمل عامل منكم من ذكر أو أنثى بعضكم من بعض","lvl":3,"sub":0},{"id":8069,"title":"مناسبة الآية لما قبلها","lvl":4,"sub":1},{"id":8071,"title":"فصل","lvl":4,"sub":0},{"id":8072,"title":"فصل","lvl":4,"sub":0},{"id":8073,"title":"فائدة","lvl":4,"sub":0},{"id":8074,"title":"فائدة","lvl":4,"sub":0},{"id":8076,"title":"فصل","lvl":4,"sub":0},{"id":8088,"title":"لطيفة","lvl":4,"sub":0},{"id":8090,"title":"فصل","lvl":4,"sub":0},{"id":8092,"title":"فوائد لغوية","lvl":4,"sub":0},{"id":8099,"title":"فائدة","lvl":4,"sub":0},{"id":8101,"title":"من لطائف الإمام القشيرى فى الآية","lvl":4,"sub":0},{"id":8102,"title":"قوله تعالى { لا يغرنك تقلب الذين كفروا في البلاد (196) متاع قليل ثم مأواهم جهنم وبئس المهاد (197)}","lvl":3,"sub":0},{"id":8102,"title":"مناسبة الآيتين لما قبلهما","lvl":4,"sub":1},{"id":8103,"title":"فصل","lvl":4,"sub":0},{"id":8104,"title":"فصل","lvl":4,"sub":0},{"id":8105,"title":"سؤال : فإن قيل : فإن النبي صلى الله عليه وسلم لا يجوز عليه الاغترار فكيف خوطب بهذا ؟","lvl":4,"sub":0},{"id":8106,"title":"فصل","lvl":4,"sub":0},{"id":8108,"title":"فصل","lvl":4,"sub":0},{"id":8111,"title":"فصل","lvl":4,"sub":0},{"id":8114,"title":"فوائد لغوية","lvl":4,"sub":0},{"id":8114,"title":"من لطائف الإمام القشيرى فى الآيتين","lvl":4,"sub":1},{"id":8115,"title":"قوله تعالى { لكن الذين اتقوا ربهم لهم جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها نزلا من عند الله وما عند الله خير للأبرار (198)}","lvl":3,"sub":0},{"id":8115,"title":"مناسبة الآية لما قبلها","lvl":4,"sub":1},{"id":8115,"title":"فصل","lvl":4,"sub":2},{"id":8116,"title":"فائدة","lvl":4,"sub":0},{"id":8118,"title":"من فوائد الآلوسى فى الآية","lvl":4,"sub":0},{"id":8121,"title":"فوائد لغوية","lvl":4,"sub":0},{"id":8125,"title":"من لطائف الإمام القشيرى فى الآية","lvl":4,"sub":0},{"id":8126,"title":"قوله تعالى { وإن من أهل الكتاب لمن يؤمن بالله وما أنزل إليكم وما أنزل إليهم خاشعين لله لا يشترون بآيات الله ثمنا قليلا أولئك لهم أجرهم عند ربهم إن الله سريع الحساب (199)}","lvl":3,"sub":0},{"id":8126,"title":"مناسبة الآية لما قبلها","lvl":4,"sub":1},{"id":8127,"title":"فصل فى سبب نزول الآية","lvl":4,"sub":0},{"id":8128,"title":"فصل","lvl":4,"sub":0},{"id":8133,"title":"فوائد لغوية","lvl":4,"sub":0},{"id":8135,"title":"من لطائف الإمام القشيرى فى الآية","lvl":4,"sub":0},{"id":8136,"title":"قوله تعالى { يا أيها الذين آمنوا اصبروا وصابروا ورابطوا واتقوا الله لعلكم تفلحون (200)}","lvl":3,"sub":0},{"id":8136,"title":"مناسبة الآية لما قبلها","lvl":4,"sub":1},{"id":8137,"title":"فصل","lvl":4,"sub":0},{"id":8139,"title":"فصل","lvl":4,"sub":0},{"id":8140,"title":"من فوائد الآلوسى فى الآية","lvl":4,"sub":0},{"id":8145,"title":"فائدة","lvl":4,"sub":0},{"id":8147,"title":"فصل","lvl":4,"sub":0},{"id":8148,"title":"فصل","lvl":4,"sub":0},{"id":8149,"title":"فائدة","lvl":4,"sub":0},{"id":8150,"title":"فصل","lvl":4,"sub":0},{"id":8156,"title":"فائدة","lvl":4,"sub":0},{"id":8159,"title":"فوائد بلاغية","lvl":4,"sub":0},{"id":8160,"title":"من لطائف الإمام القشيرى فى الآية","lvl":4,"sub":0},{"id":8161,"title":"أبحاث قيمة تتعلق بالآيات الكريمة","lvl":4,"sub":0},{"id":8208,"title":"سورة النساء","lvl":3,"sub":0},{"id":8213,"title":"فصل فى التعريف بسورة النساء","lvl":4,"sub":1},{"id":8218,"title":"وقال الشيهد / سيد قطب","lvl":4,"sub":0},{"id":8258,"title":"{يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها وبث منهما رجالا كثيرا ونساء","lvl":3,"sub":0},{"id":8258,"title":"المناسبة","lvl":4,"sub":1},{"id":8264,"title":"فصل","lvl":4,"sub":0},{"id":8265,"title":"فصل","lvl":4,"sub":0},{"id":8265,"title":"فائدة","lvl":4,"sub":1},{"id":8271,"title":"فصل نفيس","lvl":4,"sub":0},{"id":8274,"title":"فصل","lvl":4,"sub":0},{"id":8274,"title":"سؤال : فإن قيل : كيف يصح أن يكون الخلق أجمع من نفس واحدة مع كثرتهم وصغر تلك النفس ؟","lvl":4,"sub":1},{"id":8280,"title":"فصل","lvl":4,"sub":0},{"id":8280,"title":"فائدة","lvl":4,"sub":1},{"id":8281,"title":"فائدة","lvl":4,"sub":0},{"id":8282,"title":"فائدة","lvl":4,"sub":0},{"id":8283,"title":"فائدة","lvl":4,"sub":0},{"id":8284,"title":"فصل","lvl":4,"sub":0},{"id":8295,"title":"فائدة","lvl":4,"sub":0},{"id":8297,"title":"فصل","lvl":4,"sub":0},{"id":8298,"title":"فصل","lvl":4,"sub":0},{"id":8298,"title":"فائدة","lvl":4,"sub":1},{"id":8300,"title":"من فوائد أبى حيان فى الآية","lvl":4,"sub":0},{"id":8300,"title":"لطيفة","lvl":4,"sub":1},{"id":8305,"title":"ومن فوائد ابن عاشور فى الآية","lvl":4,"sub":0},{"id":8311,"title":"فوائد لغوية","lvl":4,"sub":0},{"id":8317,"title":"من لطائف الإمام القشيرى فى الآية","lvl":4,"sub":0},{"id":8319,"title":"كلام نفيس فى المراقبة","lvl":4,"sub":0},{"id":8330,"title":"فائدة","lvl":4,"sub":0},{"id":8335,"title":"قوله تعالى { وآتوا اليتامى أموالهم ولا تتبدلوا الخبيث بالطيب ولا تأكلوا أموالهم إلى أموالكم إنه كان حوبا كبيرا (2)}","lvl":3,"sub":0},{"id":8335,"title":"مناسبة الآية لما قبلها","lvl":4,"sub":1},{"id":8336,"title":"فصل","lvl":4,"sub":0},{"id":8337,"title":"فصل","lvl":4,"sub":0},{"id":8338,"title":"سؤال : كيف جمع اليتيم على يتامى ؟ واليتيم فعيل","lvl":4,"sub":0},{"id":8339,"title":"سؤال ثان : وهو أنا ذكرنا أن اسم اليتيم مختص بالصغير ، فما دام يتيما لا يجوز دفع ماله إليه","lvl":4,"sub":0},{"id":8340,"title":"فصل","lvl":4,"sub":0},{"id":8341,"title":"فصل","lvl":4,"sub":0},{"id":8345,"title":"فصل نفيس","lvl":4,"sub":0},{"id":8352,"title":"لطيفة","lvl":4,"sub":0},{"id":8353,"title":"فوائد لغوية","lvl":4,"sub":0},{"id":8356,"title":"من لطائف الإمام القشيرى فى الآية","lvl":4,"sub":0},{"id":8357,"title":"قوله تعالى { وإن خفتم ألا تقسطوا في اليتامى فانكحوا ما طاب لكم من النساء مثنى وثلاث ورباع فإن خفتم ألا تعدلوا فواحدة أو ما ملكت أيمانكم","lvl":3,"sub":0},{"id":8357,"title":"مناسبة الآية لما قبلها","lvl":4,"sub":1},{"id":8360,"title":"فائدة","lvl":4,"sub":0},{"id":8362,"title":"فائدة","lvl":4,"sub":0},{"id":8363,"title":"فصل","lvl":4,"sub":0},{"id":8365,"title":"فائدة","lvl":4,"sub":0},{"id":8366,"title":"فائدة","lvl":4,"sub":0},{"id":8367,"title":"فصل","lvl":4,"sub":0},{"id":8368,"title":"فصل","lvl":4,"sub":0},{"id":8375,"title":"فصل","lvl":4,"sub":0},{"id":8376,"title":"فصل قيم","lvl":4,"sub":1},{"id":8381,"title":"فصل","lvl":4,"sub":0},{"id":8382,"title":"فصل","lvl":4,"sub":0},{"id":8382,"title":"فائدة","lvl":4,"sub":1},{"id":8386,"title":"فصل","lvl":4,"sub":0},{"id":8391,"title":"فائدة","lvl":4,"sub":0},{"id":8393,"title":"فصل","lvl":4,"sub":0},{"id":8399,"title":"فصل","lvl":4,"sub":0},{"id":8406,"title":"فصل","lvl":4,"sub":0},{"id":8410,"title":"فوائد لغوية","lvl":4,"sub":0},{"id":8420,"title":"\"تعدد الزوجات ضرورة اجتماعية\"","lvl":3,"sub":0},{"id":8427,"title":"بحث نفيس لابن القيم","lvl":4,"sub":0},{"id":8430,"title":"فائدة","lvl":4,"sub":0},{"id":8430,"title":"من لطائف الإمام القشيرى فى الآية","lvl":4,"sub":1},{"id":8433,"title":"الجزء العشرون من كتاب جامع لطائف التفسير","lvl":1,"sub":0},{"id":8433,"title":"قوله تعالى { وآتوا النساء صدقاتهن نحلة فإن طبن لكم عن شيء منه نفسا فكلوه هنيئا مريئا (4)}","lvl":2,"sub":1},{"id":8433,"title":"مناسبة الآية لما قبلها","lvl":3,"sub":1},{"id":8434,"title":"فصل","lvl":3,"sub":0},{"id":8435,"title":"فائدة","lvl":3,"sub":0},{"id":8436,"title":"فصل","lvl":3,"sub":0},{"id":8437,"title":"فصل","lvl":3,"sub":0},{"id":8438,"title":"فصل","lvl":3,"sub":0},{"id":8438,"title":"فائدة","lvl":3,"sub":1},{"id":8441,"title":"فائدة","lvl":3,"sub":0},{"id":8442,"title":"فصل","lvl":3,"sub":0},{"id":8442,"title":"فائدة","lvl":3,"sub":1},{"id":8445,"title":"فصل","lvl":3,"sub":0},{"id":8445,"title":"فائدة","lvl":3,"sub":1},{"id":8446,"title":"فصل","lvl":3,"sub":0},{"id":8447,"title":"فصل","lvl":3,"sub":0},{"id":8448,"title":"من فوائد أبى السعود فى الآية","lvl":3,"sub":0},{"id":8448,"title":"لطيفة","lvl":3,"sub":1},{"id":8452,"title":"فوائد لغوية","lvl":3,"sub":0},{"id":8461,"title":"من فوائد الجصاص فى الآية","lvl":3,"sub":0},{"id":8469,"title":"من لطائف الإمام القشيرى فى الآية","lvl":3,"sub":0},{"id":8472,"title":"قوله تعالى { ولا تؤتوا السفهاء أموالكم التي جعل الله لكم قياما وارزقوهم فيها واكسوهم وقولوا لهم قولا معروفا (5)}","lvl":2,"sub":0},{"id":8472,"title":"مناسبة الآية لما قبلها","lvl":3,"sub":1},{"id":8473,"title":"فصل","lvl":3,"sub":0},{"id":8473,"title":"فائدة","lvl":3,"sub":1},{"id":8474,"title":"فصل","lvl":3,"sub":0},{"id":8475,"title":"فصل","lvl":3,"sub":0},{"id":8478,"title":"لطيفة","lvl":3,"sub":0},{"id":8479,"title":"فصل","lvl":3,"sub":0},{"id":8481,"title":"فصل","lvl":3,"sub":0},{"id":8483,"title":"فصل","lvl":3,"sub":0},{"id":8483,"title":"فائدة","lvl":3,"sub":1},{"id":8484,"title":"فصل","lvl":3,"sub":0},{"id":8485,"title":"فصل","lvl":3,"sub":0},{"id":8488,"title":"لطيفة","lvl":3,"sub":0},{"id":8489,"title":"فائدة","lvl":3,"sub":0},{"id":8490,"title":"فصل في أحكام تتعلق بالحجر","lvl":3,"sub":0},{"id":8493,"title":"فوائد لغوية","lvl":3,"sub":0},{"id":8497,"title":"من فوائد الجصاص فى الآية","lvl":3,"sub":0},{"id":8502,"title":"من لطائف الإمام القشيرى فى الآية","lvl":3,"sub":0},{"id":8505,"title":"قوله تعالى { وابتلوا اليتامى حتى إذا بلغوا النكاح فإن آنستم منهم رشدا فادفعوا إليهم أموالهم ولا تأكلوها إسرافا وبدارا أن يكبروا","lvl":2,"sub":0},{"id":8505,"title":"مناسبة الآية لما قبلها","lvl":3,"sub":1},{"id":8507,"title":"فائدة","lvl":3,"sub":0},{"id":8508,"title":"فصل","lvl":3,"sub":0},{"id":8510,"title":"فائدة","lvl":3,"sub":0},{"id":8512,"title":"فائدة","lvl":3,"sub":0},{"id":8513,"title":"فائدة","lvl":3,"sub":0},{"id":8514,"title":"فائدة","lvl":3,"sub":0},{"id":8515,"title":"فصل","lvl":3,"sub":0},{"id":8516,"title":"فصل","lvl":3,"sub":0},{"id":8524,"title":"فصل","lvl":3,"sub":0},{"id":8526,"title":"فصل","lvl":3,"sub":0},{"id":8526,"title":"فائدة","lvl":3,"sub":1},{"id":8527,"title":"فائدة","lvl":3,"sub":0},{"id":8528,"title":"فائدة","lvl":3,"sub":0},{"id":8530,"title":"فصل","lvl":3,"sub":0},{"id":8538,"title":"فصل","lvl":3,"sub":0},{"id":8540,"title":"فصل","lvl":3,"sub":0},{"id":8544,"title":"فوائد لغوية","lvl":3,"sub":0},{"id":8551,"title":"قوله تعالى { للرجال نصيب مما ترك الوالدان والأقربون وللنساء نصيب مما ترك الوالدان والأقربون مما قل منه أو كثر نصيبا مفروضا (7)}","lvl":2,"sub":0},{"id":8551,"title":"مناسبة الآية لما قبلها","lvl":3,"sub":1},{"id":8553,"title":"فصل","lvl":3,"sub":0},{"id":8554,"title":"فائدة","lvl":3,"sub":0},{"id":8555,"title":"فصل","lvl":3,"sub":0},{"id":8557,"title":"فصل","lvl":3,"sub":0},{"id":8558,"title":"فصل","lvl":3,"sub":0},{"id":8559,"title":"من فوائد الآلوسى فى الآية","lvl":3,"sub":0},{"id":8559,"title":"سؤال : فإن قيل : لما قال : {مما ترك الوالدان والأقربون } دخل فيه القليل والكثير ، فما فائدة قوله : {مما قل منه أو كثر} ؟","lvl":3,"sub":1},{"id":8566,"title":"فوائد لغوية","lvl":3,"sub":0},{"id":8567,"title":"من لطائف الإمام القشيرى فى الآية","lvl":3,"sub":0},{"id":8569,"title":"قوله تعالى { وإذا حضر القسمة أولو القربى واليتامى والمساكين فارزقوهم منه وقولوا لهم قولا معروفا (8)}","lvl":2,"sub":0},{"id":8569,"title":"مناسبة الآية لما قبلها","lvl":3,"sub":1},{"id":8569,"title":"فصل","lvl":3,"sub":2},{"id":8571,"title":"فصل","lvl":3,"sub":0},{"id":8574,"title":"فائدة","lvl":3,"sub":0},{"id":8574,"title":"من فوائد القرطبى فى الآية","lvl":3,"sub":1},{"id":8574,"title":"لطيفة","lvl":3,"sub":2},{"id":8577,"title":"من لطائف الإمام القشيرى فى الآية","lvl":3,"sub":0},{"id":8578,"title":"قوله تعالى { وليخش الذين لو تركوا من خلفهم ذرية ضعافا خافوا عليهم فليتقوا الله وليقولوا قولا سديدا (9)}","lvl":2,"sub":0},{"id":8578,"title":"مناسبة الآية لما قبلها","lvl":3,"sub":1},{"id":8578,"title":"فصل","lvl":3,"sub":2},{"id":8587,"title":"فائدة","lvl":3,"sub":0},{"id":8589,"title":"فصل","lvl":3,"sub":0},{"id":8590,"title":"فائدة","lvl":3,"sub":0},{"id":8592,"title":"فائدة","lvl":3,"sub":0},{"id":8592,"title":"فوائد لغوية","lvl":3,"sub":1},{"id":8595,"title":"من لطائف الإمام القشيرى فى الآية","lvl":3,"sub":0},{"id":8596,"title":"قوله تعالى { إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلما إنما يأكلون في بطونهم نارا وسيصلون سعيرا (10)}","lvl":2,"sub":0},{"id":8596,"title":"مناسبة الآية لما قبلها","lvl":3,"sub":1},{"id":8597,"title":"فصل","lvl":3,"sub":0},{"id":8597,"title":"فائدة","lvl":3,"sub":1},{"id":8598,"title":"فائدة","lvl":3,"sub":0},{"id":8598,"title":"سؤال : لقائل أن يقول : الأكل لا يكون إلا في البطن فما فائدة قوله : {إنما يأكلون فى بطونهم نارا } ؟.","lvl":3,"sub":1},{"id":8599,"title":"فصل","lvl":3,"sub":0},{"id":8600,"title":"فصل","lvl":3,"sub":0},{"id":8601,"title":"فصل","lvl":3,"sub":0},{"id":8601,"title":"فائدة","lvl":3,"sub":1},{"id":8602,"title":"فصل","lvl":3,"sub":0},{"id":8602,"title":"فائدة","lvl":3,"sub":1},{"id":8602,"title":"لطيفة","lvl":3,"sub":2},{"id":8603,"title":"من فوائد ابن عاشور فى الآية","lvl":3,"sub":0},{"id":8605,"title":"ومن فوائد ابن عطية فى الآية","lvl":3,"sub":0},{"id":8606,"title":"فوائد بلاغية","lvl":3,"sub":0},{"id":8607,"title":"فوائد لغوية","lvl":3,"sub":0},{"id":8611,"title":"من لطائف الإمام القشيرى فى الآية","lvl":3,"sub":0},{"id":8612,"title":"كلام نفيس للإمام الذهبى رحمه الله فى أكل مال اليتيم","lvl":3,"sub":0},{"id":8622,"title":"قوله تعالى { يوصيكم الله في أولادكم للذكر مثل حظ الأنثيين فإن كن نساء فوق اثنتين فلهن ثلثا ما ترك وإن كانت واحدة فلها النصف","lvl":2,"sub":0},{"id":8622,"title":"مناسبة الآية لما قبلها","lvl":3,"sub":1},{"id":8627,"title":"فصل","lvl":3,"sub":0},{"id":8630,"title":"فصل","lvl":3,"sub":0},{"id":8631,"title":"فصل فى سبب نزول الآية","lvl":3,"sub":0},{"id":8631,"title":"لطيفة","lvl":3,"sub":1},{"id":8633,"title":"فصل","lvl":3,"sub":0},{"id":8637,"title":"سؤالان","lvl":3,"sub":0},{"id":8639,"title":"فائدة","lvl":3,"sub":0},{"id":8640,"title":"فصل","lvl":3,"sub":0},{"id":8642,"title":"فصل","lvl":3,"sub":0},{"id":8643,"title":"فصل","lvl":3,"sub":0},{"id":8647,"title":"فصل نفيس","lvl":3,"sub":0},{"id":8656,"title":"فصل","lvl":3,"sub":0},{"id":8657,"title":"فصل","lvl":3,"sub":0},{"id":8660,"title":"فائدة","lvl":3,"sub":0},{"id":8665,"title":"لطيفة","lvl":3,"sub":0},{"id":8671,"title":"فصل","lvl":3,"sub":0},{"id":8672,"title":"فائدة","lvl":3,"sub":0},{"id":8674,"title":"فائدة","lvl":3,"sub":0},{"id":8675,"title":"فصل","lvl":3,"sub":0},{"id":8677,"title":"فصل","lvl":3,"sub":0},{"id":8677,"title":"فائدة","lvl":3,"sub":1},{"id":8682,"title":"فصل","lvl":3,"sub":0},{"id":8683,"title":"فصل","lvl":3,"sub":0},{"id":8684,"title":"فصل","lvl":3,"sub":0},{"id":8686,"title":"فصل","lvl":3,"sub":0},{"id":8686,"title":"سؤال : إن قيل : ما فائدة زيادة الواو في قوله : \"وورثه أبواه\" ، وكان ظاهر الكلام أن يقول : فإن لم يكن له ولد ورثه أبواه ؟.","lvl":3,"sub":1},{"id":8690,"title":"فصل","lvl":3,"sub":0},{"id":8693,"title":"فائدة","lvl":3,"sub":0},{"id":8693,"title":"سؤال : لقائل أن يقول : ما معنى \"أو\" ههنا وهلا قيل : من بعد وصية يوصى بها ودين ؟","lvl":3,"sub":1},{"id":8694,"title":"لطيفة","lvl":3,"sub":0},{"id":8695,"title":"فصل","lvl":3,"sub":0},{"id":8701,"title":"فصل","lvl":3,"sub":0},{"id":8703,"title":"سؤال : فإن قيل : لم قال : {كان عليما حكيما} مع أنه الآن كذلك ؟.","lvl":3,"sub":0},{"id":8704,"title":"فصل في الحث على تعليم الفرائض","lvl":3,"sub":0},{"id":8705,"title":"فصل","lvl":3,"sub":0},{"id":8706,"title":"فصل : السهام المحدودة","lvl":3,"sub":0},{"id":8708,"title":"فصل","lvl":3,"sub":0},{"id":8710,"title":"من فوائد العلامة الزمخشرى فى الآية","lvl":3,"sub":0},{"id":8716,"title":"من فوائد ومسائل القاضى أبى بكر ابن العربى فى الآية","lvl":3,"sub":0},{"id":8746,"title":"ومن فوائد الشيخ الشنقيطى فى الآية","lvl":3,"sub":0},{"id":8752,"title":"فوائد لغوية","lvl":3,"sub":0},{"id":8762,"title":"بحث جليل فى الآية للعلامة الجصاص","lvl":3,"sub":0},{"id":8792,"title":"بحث علمي في فصول","lvl":3,"sub":0},{"id":8807,"title":"من لطائف الإمام القشيرى فى الآية","lvl":3,"sub":0},{"id":8809,"title":"قوله تعالى { ولكم نصف ما ترك أزواجكم إن لم يكن لهن ولد فإن كان لهن ولد فلكم الربع مما تركن من بعد وصية يوصين بها","lvl":2,"sub":0},{"id":8809,"title":"مناسبة الآية لما قبلها","lvl":3,"sub":1},{"id":8812,"title":"فصل","lvl":3,"sub":0},{"id":8813,"title":"فصل","lvl":3,"sub":0},{"id":8815,"title":"فائدة","lvl":3,"sub":0},{"id":8817,"title":"فصل","lvl":3,"sub":0},{"id":8819,"title":"فصل","lvl":3,"sub":0},{"id":8819,"title":"فائدة","lvl":3,"sub":1},{"id":8820,"title":"فصل","lvl":3,"sub":0},{"id":8822,"title":"فصل","lvl":3,"sub":0},{"id":8825,"title":"فائدة","lvl":3,"sub":0},{"id":8827,"title":"فصل","lvl":3,"sub":0},{"id":8828,"title":"فصل","lvl":3,"sub":0},{"id":8829,"title":"فصل","lvl":3,"sub":0},{"id":8832,"title":"فصل","lvl":3,"sub":0},{"id":8832,"title":"سؤال : لم جعل خاتمة الآية الأولى : {فريضة من الله} وخاتمة هذه الآية {وصية من الله } ؟.","lvl":3,"sub":1},{"id":8833,"title":"فائدة","lvl":3,"sub":0},{"id":8834,"title":"فوائد لغوية","lvl":3,"sub":0},{"id":8844,"title":"من فوائد العلامة أبى السعود فى الآية","lvl":3,"sub":0},{"id":8851,"title":"ومن فوائد العلامة السعدى فى الآية","lvl":3,"sub":0},{"id":8859,"title":"بحث جليل وقيم فى آيات الوصية للإمام السهيلى","lvl":3,"sub":0},{"id":8861,"title":"فصل","lvl":3,"sub":0},{"id":8862,"title":"فصل في سر اختيار لفظ الولد دون الابن","lvl":3,"sub":0},{"id":8863,"title":"فصل في الموازنة بين الجد والأخ وفي دلالة الولد","lvl":3,"sub":0},{"id":8864,"title":"فصل في استنباط حكم العبد والكافر من الآية","lvl":3,"sub":0},{"id":8865,"title":"فصل في نصيب البنتين","lvl":3,"sub":0},{"id":8867,"title":"فصل في متعلق الجار في قوله تعالى من بعد وصية","lvl":3,"sub":0},{"id":8868,"title":"فصل ثان في معلق من","lvl":3,"sub":0},{"id":8869,"title":"فصل في فائدة الصفة في قوله وصية يوصي بها","lvl":3,"sub":0},{"id":8871,"title":"فصل في نصيب الذكر إذا انفرد","lvl":3,"sub":0},{"id":8872,"title":"فصل في حكمة التسوية بين الأبوين مع وجود الولد","lvl":3,"sub":0},{"id":8874,"title":"فصل في ميراث الأم الثلث","lvl":3,"sub":0},{"id":8877,"title":"فصل في دلالة الإخوة في الآية","lvl":3,"sub":0},{"id":8879,"title":"فصل في سر اختيار لفظ الابن وجمعه جمعا مكسرا","lvl":3,"sub":0},{"id":8880,"title":"فصل في حجب الأب للإخوة","lvl":3,"sub":0},{"id":8881,"title":"فصل في معنى الكلالة","lvl":3,"sub":0},{"id":8882,"title":"فصل في المراد بالإخوة وتساويهم رجالا ونساء","lvl":3,"sub":0},{"id":8883,"title":"فصل في ميراث الإخوة مع الكلالة","lvl":3,"sub":0},{"id":8884,"title":"فصل في ألفاظ ابني الكلالة","lvl":3,"sub":0},{"id":8885,"title":"فصل في مصادر الفرائض من السنة","lvl":3,"sub":0},{"id":8888,"title":"فصل في بيان معنى فلأولى رجل ذكر","lvl":3,"sub":0},{"id":8891,"title":"فصل فيما إذا عدم العصبة","lvl":3,"sub":0},{"id":8894,"title":"فصل في فائدة هذا الخلاف","lvl":3,"sub":0},{"id":8895,"title":"فصل فيمن يرث بالفرض والتعصيب","lvl":3,"sub":0},{"id":8896,"title":"فصل في أصول الفرائض وفي الفرائض العائلة","lvl":3,"sub":0},{"id":8898,"title":"قوله تعالى { تلك حدود الله ومن يطع الله ورسوله يدخله جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها وذلك الفوز العظيم (13)}","lvl":2,"sub":0},{"id":8898,"title":"مناسبة الآية لما قبلها","lvl":3,"sub":1},{"id":8899,"title":"فصل","lvl":3,"sub":0},{"id":8900,"title":"فصل","lvl":3,"sub":0},{"id":8900,"title":"فائدة","lvl":3,"sub":1},{"id":8901,"title":"فائدة","lvl":3,"sub":0},{"id":8901,"title":"فوائد لغوية","lvl":3,"sub":1},{"id":8903,"title":"من لطائف الإمام القشيرى فى الآية","lvl":3,"sub":0},{"id":8904,"title":"قوله تعالى { ومن يعص الله ورسوله ويتعد حدوده يدخله نارا خالدا فيها وله عذاب مهين (14)}","lvl":2,"sub":0},{"id":8904,"title":"مناسبة الآية لما قبلها","lvl":3,"sub":1},{"id":8905,"title":"فصل","lvl":3,"sub":0},{"id":8906,"title":"فائدة","lvl":3,"sub":0},{"id":8907,"title":"سؤال : فإن قلت : كيف قطع للعاصي بالخلود في النار في هذه الآية وهل فيها دليل للمعتزلة على قولهم إن العصاة والفساق من أهل الإيمان يخلدون في النار ؟.","lvl":3,"sub":0},{"id":8908,"title":"فائدة","lvl":3,"sub":0},{"id":8908,"title":"سؤال : فإن قال قائل : أو مخلد في النار من عصى الله ورسوله في قسمة المواريث ؟","lvl":3,"sub":1},{"id":8909,"title":"من فوائد الآلوسى فى الآية","lvl":3,"sub":0},{"id":8909,"title":"لطيفة","lvl":3,"sub":1},{"id":8911,"title":"فوائد بلاغية","lvl":3,"sub":0},{"id":8912,"title":"من لطائف الإمام القشيرى فى الآية","lvl":3,"sub":0}]}